######OpenITI# #META# Sham30K0005176 (Shamela0005176) #META# - oaID: Sham30K0005176 #META# shID: Shamela0005176 #META# bkid: 5176 #META# bk: نهاية الأرب في فنون الأدب ت قمحية #META# name: الأدب والبلاغة #META# authno: 796 #META# auth.y: النويري #META# auth.x: NA #META# Lng: أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التيمي البكري، شهاب الدين النويري #META# HigriD: '733' #META# AD: 733 #META# betaka: |- #META# الكتاب : نهاية الأرب في فنون الأدب موافق للمطبوع #META# المؤلف : شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري #META# دار النشر : دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1424 ه - 2004 م #META# الطبعة : الأولى #META# عدد الأجزاء / 33 #META# تحقيق : مفيد قمحية وجماعة #META# [ ترقيم الشاملة موافق للمطبوع ] #META# تم استيراده من نسخة : الشاملة 11000 #META# inf.x: NA #META# bkord: 2739 #META# AuthInf: NA #META# Max: 9042 #META# NoSr: 0 #META# Comp: 1 #META# IslamShort: 0 #META# TafseerNam: NA #META# Idx: 1 #META# Archive: 0 #META# Iso: نهايه الارب في فنون الادب ت قمحيه #META# oNum.x: 0 #META# oVer.x: 0 #META# bVer: 0 #META# seal.x: NA #META# oAuth: NA #META# Pdf: NA #META# NoSel: 0 #META# NoTaf: 0 #META# verName: NA #META# bLnk: NA #META# PdfCs: 0 #META# ShrtCs: 0 #META# Recyc: NA #META# RecycN: NA #META# nData: بسم اللهDB88E939الكتاب . #META# inf.y: "النويري (677 - 733 ه = 1278 - 1333 م) \n\nأحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن #META# عبد الدائم القرشي التيمي البكري، شهاب الدين النويري: عالم بحاث غزير الاطلاع.\n\nنسبته #META# إلى نويرة (من قرى بني سويف بمصر) ومولده ومنشأه بقوص.\nاتصل بالسلطان الملك الناصر #META# ووكله السلطان في بعض أموره، وتقلب في الخدم الديوانية، وباشر نظر الجيش في طرابلس،\nوتولى #META# نظر الديوان بالدقهلية والمرتاحية. وكان ذكي الفطرة، حسن الشكل، فيه أريحية وود لأصحابه.\nوله #META# نظم يسير ونثر جيد.\nويكفيه أنه مصنف (نهاية الأرب في فنون الأدب - ط) كبير جدا وهو #META# أشبه بدائرة معارف لما وصل إليه العلم عند العرب في عصره.\nويقول فازيليف: إن نهاية #META# الأرب على الرغم من تأخر عصره يحوي أخبارا خطيرة عن صقلية نقلها عن مؤرخين قدماء #META# لم تصل إلينا كتبهم مثل ابن الرقيق وابن رشيق وابن شداد وغيرهم.\nتوفي في القاهرة\n\nنقلا #META# عن : الأعلام للزركلي" #META# oNum.y: 796 #META# oVer.y: 1 #META# seal.y: D729E3A7 #META# cat: 114 #META# catord: 77 #META# Lvl: 0 #META# #META# #META# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الكتاب : نهاية الأرب في فنون الأدب موافق ~~للمطبوع المؤلف : شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري دار النشر : دار ~~الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1424 ه - 2004 م الطبعة : الأولى تحقيق : ~~مفيد قمحية وجماعة عدد الأجزاء / 33 [ ترقيم الشاملة موافق للمطبوع ] ~~PageV01P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" ### | AUT القسم الأول في السماء وما فيها # وفيه خمسة أبواب : الباب الأول من القسم الأول من الفن الأول خلق السماء ~~- في مبدأ خلق السماء قال الله تعالى : " أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها ~~رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها " . والسماء تذكر وتؤنث . فشاهد ~~التذكير قول الله " عز وجل " : " السماء منفطر به " ؛ وقول الشاعر : فلو ~~رفع السماء إليه قوما ، . . . لحقنا بالسماء مع السجاب وشاهد التأنيث ، ~~قوله " تبارك وتعالى " : " إذا السماء انفطرت " ؛ وقول الشاعر : يا رب ، رب ~~الناس في سماته - ذكر ما قيل في أسماء السماء وخلقها قد نطقت العرب للسماء ~~بأسماء . منها : الجرباء . وسميت بذلك لكثرة النجوم . منها : الخلقاء . ~~لملاستها . وبرقع . والرقيع . ومنه قول رسول الله " ( صلى الله عليه وسلم ) ~~" لسعد بن معاذ : " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة " . أي من ~~فوق سبع سماوات . PageV01P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" ومنها : الطرائق . قال الله تعالى : " ولقد ~~خلقنا فوقكم سبع طرائق " . والسماء مخلوقة من دخان . حكى في سبب حدوثه أن ~~الله تعالى خلق جوهرة ، وصف من طولها وعرضها عظما . ثم نظر إليها نظر هيبة ~~، فانماعت ، وعلاها من شدة الخوف زبد ودخان . فخلق الله من الزبد الأرض ، ~~وفتقها سبعا ؛ ومن الدخان السماء ، وفتقها سبعا . ودليله قوله تعالى : " ثم ~~استوى إلى السماء وهي دخان " . قال : ولما فتق الله تعالى السماوات أوحى في ~~كل سماء أمرها . واختلف المفسرون في الأمر ، ما هو ؟ فقال قوم : خلق فيها ~~جبالا من برد وبحارا ؛ وقال قوم : جعل في كل سماء كوكبا ، قدر عليه الطلوع ~~والأفول ، والسير والرجوع . وقال قوم : أسكنها ملائكة سخرهم للعالم السفلى ~~، فوكل طائفة بالسحاب وطائفة بالريح ، وجعل منهم حفظه لبنى آدم وكاتبين ~~لأعمالهم ومستغفرين لذنوبهم . الباب الثاني في ms0001 هيئتها ذهب المفسرون لكتاب ~~الله عز وجل أن السماء مسطوحة ، بدليل قوله تعالى : " أفلا ينظرون إلى ~~الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف ~~سطحت " . وقال تعالى : " الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن " . ~~ويطلق على مجموعها فلك ، لقوله تعالى : " وكل في فلك يسبحون " . وذهب الحسن ~~إلى أن الفلك غير السماوات ، وأنه الحامل بأمر الله تعالى للشمس والقمر ~~والنجوم . PageV01P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" قالوا : ولما فتق الله تعالى رتق السماوات ، ~~جعل بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام . وروى عن أبي هريرة " رضي الله ~~عنه " ، قال : بينما رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جالس هو وأصحابه ، ~~إذ أتى عليهم سحاب . فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) هل تدرون ما هذا ؟ ~~قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : هذا العنان ، هذه روايا الأرض ، يسوقها ~~الله تعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه . ثم قال : أتدرون ما فوقكم ؟ ~~قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : هذا الرقيع : سقف محفوظ ، وموج مكفوف . ~~ثم قال : هل تدرون ما بينكم وبينها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : ~~بينكم وبينها خمسمائة سنة . ثم قال : هل تدرون ما فوق ذلك ؟ قالوا : الله ~~ورسوله أعلم . قال : سماء في بعد ما بينها خمسمائة سنة . قال ذلك حتى بلغ ~~سبع سماوات ، ما بين كل سماءين ، وما بين السماء والأرض . ثم قال : هل ~~تدرون ما فوق ذلك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : إن فوق ذلك العرش . ~~وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين . ثم قال : هل تدرون ما تحتكم ؟ ~~قالوا : الله ورسوله أعلم . قال إنها الأرض . ثم قال : أتدرون ما تحت ذلك ؟ ~~قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : إن تحتها أرضا أخرى ، بينهما مسيرة ~~خمسمائة سنة . حتى عد سبع أرضين ، بين كل أرض وأرض خمسمائة سنة . أخرجه أبو ~~عيسى الترمذي ، في جامعة . ويروى عن ابن عباس " رضي الله عنهما " أن رسول ~~الله " ( صلى الله عليه وسلم ) " كان جالسا بالبطحاء ، بين أصحابه ، إذ مرت ~~عليهم سحابة . فنظروا إليها . فقال رسول الله ( صلى ms0002 الله عليه وسلم ) هل ~~تدرون ما اسم هذه ؟ قالوا : نعم . هذا السحاب . فقال ( صلى الله عليه وسلم ~~) : والمزن . قالوا : والمزن . قال : والعنان . قالوا : والعنان . فقال : ~~هل تدرون ما بين السماء PageV01P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" والأرض ؟ قالوا : لا ندري . قال : خمسمائة عام ~~. وبينها وبين السماء التي فوقها كذلك . " حتى عد سبع سماوات " . ثم قال : ~~وفوق السماء السابعة بحر ، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء " وفي ~~لفظ : كما بين السماء والأرض " . وفوق ذلك ثمانية أوعال ، بين أظلافهم ~~وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ، ثم فوق ظهورهم العرش ، بين أسفله وأعلاه ~~كما بين السماء والأرض . وجاء في رواية أخرى ذكر الكرسي ، قال : " ثم ما ~~بين السماء السابعة والكرسي مسيرة خمسمائة عام . ثم ما بين الكرسي إلى ~~الماء مسيرة خمسمائة عام . والعرش فوق الماء . " ولم يذكر الأوعال . وجاء ~~في رواية أخرى ذكر الكرسي ، وأن السماوات في ضمنه . وهي بالنسبة إليه كحلقه ~~ملقاة في أرض فلاة ، والكرسي بالنسبة إلى العرش كذرة ملقاة في أرض فلاة ~~فيحاء . " وفي رواية كحلقه " . وروي أن أبا ذر رضي الله عنه قال : يا رسول ~~الله : أي أية أنزلت عليك أعظم ؟ قال : أية الكرسي . ثم قال : يا أبا ذر ~~أتدري ما الكرسي ؟ قلت : لا ؛ فعلمني يا رسول الله ، مما علمك الله . فقال ~~: ما السماوات والأرض فيهن في الكرسي ، إلا كحلقة ألقاها ملق في فلاة . وما ~~الكرسي في العرش ، إلا كحلقة ألقاها ملق في فلاة . وما العرش في الماء ، ~~إلا كحلقة ألقاها ملق في فلاة . وما الماء في الريح ، إلا كحلقة ملق في ~~فلاة . وجميع ذلك في قبضة الله كالحبة ، وأصغر من الحبة ، في كف أحدكم . ~~تعالى الله سبحانه . رواه أبو حاتم في كتاب العظمة . والقول في هيئة السماء ~~، على مذاهب أصحاب علم الهيئة ، كثبر . أغضينا عنه ، لآنه لا يقوم عليه ~~دليل واضح . فلذلك اقتصرنا على ذكر المنقول دون المعقول . PageV01P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" فلنذكر ما جاء في الأمثال التي فيها ذكر ~~السماء . وما وصفها الشعراء به وشبهوها . أما الأمثال فقولهم ms0003 : أرفع من ~~السماء ، للمبالغة . وقول الشاعر : من ذا رأى أرضا بغير سماء ؟ إن السماء ~~ترحى حين تحتجب . إن السماء ، إذا لم تبك مقلتها ، . . . لم تضحك الأرض عن ~~شئ من الزهر . وأما الوصف والتشبيه فمنه قول عبد الله بن المعتز : كأن ~~سماءنا لما تجلت . . . خلال نجومهم عند الصباح رياض بنفسج خضل ، نداه . . . ~~تفتح بينه نور الأقاح وقال آخر : كأن سماءنا ، والشهب فيها ، . . . وأصغرها ~~لأكبرها مزاحم بساط زمرد نثرت عليه . . . دنانير تخالطها دراهم ونحوه قول ~~الآخر : كأن سماء الأرض نطع زمرد ، . . . وقد فرشت فيه الدنانير للصرف ~~PageV01P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" وقال آخر : [ من الوافر ] ورأيت السماء كالبحر ~~إلا . . . أن مرسوبه من الدر طافى . فيه ما يملأ العيون كبير . . . وصغير ~~ما بين ذلك خافي . وقال التنوخي يصف ليلة : كأنما نجومها ، . . . نصب عيون ~~الرمق دراهم قد نثرت . . . على بساط أزرق وقال أبو طالب الرقي : وكأن أجرام ~~السماء ، لوامعا ، . . . درر نثرن على بساط أزرق . وقال ظافر الحداد : كأن ~~نجوم الليل ، لما تبلجت ، . . . توقد جمر في خلال رماد . حكى ، فوق ممتد ~~المجرة شكلها ، . . . فواقع تطفو فوق لجة وادي . وقال آخر : كأن النجوم ، ~~نجوم السما ، . . . وقد لحن للعين من فرط بعد ، مسامير من فضة سمرت . . . ~~على وجه لوح من اللازورد . PageV01P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" وقال محمد بن عاصم : ترى صفحة الخضراء ، ~~والنجم فوقها ، . . . ككف سدوسى بدا فيه درهم . ترى ، وعلى الآفاق أثواب ~~ظلمة ، . . . وأزرارها منها شمال ومرزم . ومما قيل في الفلك في الفلك قال ~~أبو العلاء المعري : يا ليت شعري وهل ليت بنافعه ؟ . . . ماذا وراءك أو ما ~~أنت يا فلك ؟ كم خاض في إثرك الأقوام واختلفوا . . . قدما فما أوضحوا حقا ~~ولا تركوا . شمس تغيب ويقفوا إثرها قمر ، . . . ونور صبح يوافي بعده حلك . ~~طحنت طحن الرحى من قبلنا أمما . . . شتى ، ولم يدر خلق أية سلكوا . وقال ، ~~إنك طبع خامس ، نفر . . . . عمري لقد زعموا بطلا وقد أفكوا راموا سرائر ~~للرحمن حجبها . . . . ما نالهن نبي ، لا ولا ملك . وقال الرئيس أبو علي بن ~~سينا : بربك أيها الفلك المدار ، . . . أقصد ذا المسير أم ms0004 اضطرار ؟ ~~PageV01P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" مدارك ، قل لنا ، في أي شيء ؟ . . . ففي ~~أفهامنا منك ابتهار وعندك ترفع الأرواح ؟ أم هل . . . مع الأجساد يدركها ~~البوار ؟ وفيك الشمس رافعة شعاعا ، . . . بأجنحة قوادها قصار ؟ قطوف ، ذي ~~النجوم اللآلى ؟ . . . هلال أم يد فيها سوار ؟ وشهب ، ذي المجرة أم ذبال . ~~. . عليها المرخ يقدح والعفار ؟ وترصيع ، نجومك أم حباب . . . تؤلف بينها ~~اللجج الغزار ؟ تمد رقومها ليلا وتطوى . . . نهارا ، مثل ما طوى الإزار فكم ~~بصقالها صدى البرايا . . . وما يصدا لها أبدا غرار . وتبدو ثم تخنس راجعات ~~. . . وتكنس مثل ما كنس الصوار . فبينا الشرق يقدمها صعودا . . . تلقاها من ~~الغرب انحدار . هي العشواء ، ما خبطت هشيم . . . هي العجماء ما جرحت جبار . ~~PageV01P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" وقال أبو عبادة البحتري : أناة أيها الفلك ~~المدار . . . انهب ما تصرف أم خيار ؟ ستبلى مثل ما نبلى ، وتفنى . . . كما ~~نفنى ، ويؤخذ منك ثار . الباب الثالث من القسم الأول من الفن الأول - في ~~ذكر الملائكة قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أطت السماء ، وحق لها ~~أن تئط . ما فيها موضع أربع أصابع ، إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد . ~~والملائكة أولو أجنحة : مثنى ، وثلاث ، ورباع ، وأكثر من ذلك . فإنه قد ورد ~~أن جبريل عليه السلام له ستمائة جناح . وهي الصورة التي رآه النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فيها مرتين : أحدهما في الأرض ، وقد سد ما بين الخافقين . ~~ووصفه الله تعالى بالقوة ، فقال تعالى : " ذي قوة عند ذي العرش مكين " . ~~ومن قوته ، أنه اقتلع مدائن قوم لوط ، وكانت خمس مدائن ، من الماء الأسود ، ~~وحملها على جناحه ، ورفعها إلى السماء ، حتى أن أهل السماء يسمعون نباح ~~كلابهم ، وأصوات دجاجهم ؛ ثم قلبها . والمرة الثانية رآه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) عند سدرة المنتهى . قال الله تعالى : " لقد رأه نزلة أخرى عند سدرة ~~المنتهى " . وكان هبوط جبريل عليه السلام على الأنبياء صلوات الله عليهم ~~ورجوعه في أوحى من رجع الطرف . PageV01P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" وعظماء الملائكة أربعة ، وهم : إسرافيل ، ~~وميكائيل ، وجبرائيل ، وعزرائيل . وأقربهم من الله تعالى منزلة ، إسرافيل . ~~فإذا أراد الله ms0005 تعالى بوحي ، جاء اللوح المحفوظ حتى يقرع جبهة إسرافيل ، ~~فيرفع رأسه ، فينظر فيه . فإن كان إلى السماء ، دفعه إلى ميكائيل ؛ وإن كان ~~إلى الأرض ، دفعه إلى جبرائيل ؛ وإن كان بموت أحد ، أمر به عزرائيل صلوات ~~الله عليهم وقد روي في قوله تعالى : " فالمدبرات أمرا " ، هم أربعة من ~~الملائكة جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وعزرائيل ، فجبريل على الجنود ~~والرياح ، وميكائيل على القطر والنبات ، وعزرائيل على قبض الأرواح ، ~~وإسرافيل يبلغهم ما يؤمرون به . وجعل الله تعالى لهم أن يتمثلوا للبشر على ~~ما شاءوا من الصور ، كما كان جبريل يتمثل لسيدنا رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) على صورة دحية الكلبى مرارا ، وفي صورة غيره من الرجال ؛ وكما تمثل ~~لمريم عليها السلام بشر سويا . ونزلت الملائكة في غزوة بدر على الخيول ~~المسومة ، وقد سدلوا ذوائب عمائمهم على مناكبهم . وهم مخلوقون من نور . ~~صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين الباب الرابع من القسم الأول من الفن الأول ~~في الكواكب السبعة المتحيرة قال الله تعالى : " فلا أقسم بالخنس الجوار ~~الكنس " . PageV01P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" ذهب المفسرون إلى أنها هي الكواكب السبعة : ~~زحل ، المشتري ، والمريخ ، والشمس ، والزهرة ، وعطارد ، والقمر . وقالوا : ~~إن هذه الكواكب هي المنيعة بقوله تعالى : " فالمدبرات أمرا " . وسميت كنسا ~~لأنها تجري في البروج ثم تكنس أي تستتر كما تكنس الظباء ؛ وخنسا لاستقامتها ~~ورجوعها . وقيل الخنس والكنس منها خمسة ، دون الشمس والقمر . وسميت خنسا ~~لأن الخنوس في كلام العرب الانقباض . وفي الحديث الشريف الشيطان يوسوس ~~للعبد ، فإذا ذكر الله تعالى خنس أي انقبض ورجع . فيكون في الكوكب بمعنى ~~الرجوع . وكنسا من قول العرب كنس الظبي إذا دخل الكناس ، وهو مقره ؛ ويكون ~~في الكوكب اختفاءه تحت ضوء الشمس . وأسماء هذه الكواكب عند العرب مشتقة من ~~صفاتها . فقالوا في زحل : زحل فلان إذا أبطأ ، وبذلك سمي هذا الكوكب لبطئه ~~في السماء . وقيل الزحل والزحيل الحقد وهو في طبعه . وهذا الكوكب عند ~~المفسرين هو المعنى بقول الله عز وجل " والسماء والطارق وما أدراك ما ~~الطارق النجم الثاقب " . وقالوا في المشتري : إنه إنما ms0006 سمي بذلك لحسنه ، ~~كأنه اشترى الحسن لنفسه . وقيل لأنه نجم الشراء والبيع ، ودليل الأموال ، ~~والأرباح . وقالوا في المريخ : إنه مأخوذ من المرخ " وهو شجر تحتك بعض ~~أغصانه ببعض فتورى نارا " فسمي بذلك لاحمراره . وقال آخرون المريخ سهم لا ~~ريش له إذا رمي به لا يستمر في ممره وكذلك المريخ ، فيه التواء كثير في ~~سيره وحكمه ، فشبه بذلك . PageV01P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" وقالوا في الشمس : إنها لما أن كانت واسطة بين ~~ثلاثة كواكب علوية وثلاثة سفلية ، سميت بذلك لأن الواسطة التي في المخنقة ~~تسمى شمسة . وقالوا في الزهرة : أنها مشتقة من الزاهر ، وهو الأبيض النير ~~من كل شيء . وقالوا في عطارد : إنه النافذ في الأمور ، ولهذا سمي بالكاتب . ~~وهكذا هذا الكوكب كثير التصرف مع ما يلابسه ويقارنه . وقالوا في القمر : ~~إنه مأخوذ من القمرة ، وهي البياض ؛ والأقمر الأبيض . والفرس تسمى هذه ~~الكواكب بلغتها كيوان ، ويعنون به زحل ؛ وتير ، ويعنون به المشتري " وبعضهم ~~يسميه البرجيس " ؛ وبهرام ويعنون به المريخ ؛ ومهر ويعنون به الشمس ؛ و ~~أناهيد ويعنون به الزهرة " وبعضهم يسميها بيدخت " ، وهرمس " ويعنون به ~~عطارد " ، وماه " ويعنون به القمر " . وقد جمع بعض الشعراء أسماء هذه ~~الكواكب في بيت واحد من بيتين يمدح بهما بعض الرؤساء فقال : لازلت تبقى ~~وترقى للعلا أبدا . . . ما دام للسبعة الأفلاك أحكام مهر ، وماه ، وكيوان ، ~~وتيرمعا . . . وهرمس ، وأناهيد ، وبهرام وقال أبو إسحاق الصابي : نل المنى ~~في يومك الأجود ، . . . مستنجحا بالطالع الأسعد وارق كمرقى زحل صاعدا . . . ~~إلى المعالي أشرف المقصد وفض كفيض المشتري بالندى . . . إذا اعتلى في أفقه ~~الأبعد وزد على المريخ سطوا بمن . . . عاداك من ذي نخوة أصيد PageV01P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" واطلع كما تطلع شمس الضحى . . . كاسفة للحندس ~~الأسود وخذ من الزهرة أفعالها . . . في عيشك المستقبل الأرغد وضاه بالأقلام ~~في جريها . . . عطارد الكاتب ذا السؤدد وباه بالمنظر بدر الدجى . . . ~~وافضله في بهجته وازدد وقد اختص كل كوكب من هذه الكواكب بقول . سنذكر من ~~ذلك ما تقوم به الحجة ، وينهض به الدليل من الكتاب والسنة ، وما يتمثل به ~~مما فيه ms0007 ذكرها ، وما ورد في ذلك من الأوصاف والتشبيهات : نظما ونثرا مما ~~وقفت عليه في أثناء مطالعتي لكتب الفضلاء وتصانيفهم ودواوينهم . وعدلت عن ~~أقوال المنجمين لما فيها من سوء الطوية وقبح الإعتقاد : لأن منهم من يرى أن ~~للنجوم في الوجود تأثيرات وأفعالا . أعاذنا الله تعالى من ذلك - ذكر ما قيل ~~في الشمس " والشمس هي النير الأعظم " وقد ذهب بعض المفسرين لكتاب الله ~~تعالى إلا أن نور الشمس والقمر في سائر السماوات بدليل قول الله عز وجل " ~~وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا . وجاء في الحديث عن النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أنه قال : الشمس والقمر وجوههما إلى السماء وأقفاؤهما إلى ~~الأرض وفي حديث آخر وجوههما إلى العرش وأقفاؤهما إلى الأرض . وفي حديث آخر ~~أن الشمس تكون في الصيف في السماء الخامسة ، وفي الشتاء في السماء السابعة ~~تحت عرش الرحمن . وزعموا أن حركتهما وحركة سائر الكواكب مستقيمة غير ~~مستديرة ، وأن الشمس تقطع سماء الدنيا في يومها ، وتغيب في الأرض في عين ~~حمئة . ومعنى حمئة ذات حمأة . PageV01P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" وقد جاء في تفسير قوله تعالى " والشمس تجري ~~لمستقر لها " أي إلى موضع قرارها ، لأنها تجري إلى أبعد منازلها في الغروب ~~، ثم ترجع ؛ ومن قرأ لا مستقر لها أي هي دائبة السير ليلا ونهارا . وهي ~~قراءة شاذة . وقد قال الله تعالى " وسخر لكم الشمس والقمر دائبين " وروي عن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : أتدرون أين تذهب هذه الشمس ؟ ~~قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : إنها تجري لمستقر لها تحت العرش ، فتخر ~~ساجدة ؛ فلا تزال كذلك حتى يؤذن لها في الطلوع . ويوشك أن يقال لها : ارجعي ~~من حيث جئت ؛ وذلك طلوعها من مغربها . وذهب وهب بن منبه إلى أن الشمس على ~~عجلة لها ثلثمائة وستون عروة ، وقد تعلق بكل عروة ملك ؛ يجرونها في السماء ~~ودونها البحر المسجور في موج مكفوف كأنه جبل ممدود في الهواء ، ولو بدت ~~الشمس من ذلك البحر لأحرقت ما على وجه الأرض من شيء حتى الجبال والصخور ms0008 . ~~وروي عن كعب أنه قال : خلق الله القمر من نور وخلق الشمس من نار . وقال ~~تعالى " ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل ~~الشمس سراجا " . والسراج لا يكون إلا من نار ؛ وهما مضيآن لأهل السماوات ؛ ~~كما يضيآن لأهل الأرض . وقد تقدم الدليل على ذلك . 3 - ذكر ما يتمثل به مما ~~فيه ذكر الشمس يقال : أشهر من الشمس . أحسن من الشمس . أدل على الصبح من ~~الشمس . PageV01P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" ومن أنصاف الأبيات وهل شمس تكون بلا شعاع . . ~~. في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل ولو لم تغب شمس النهار لملت . . . الشمس ~~نمامة والليل قواد الشمس طالعة إن غيب القمر . . . وربما تنكسف الشمس ~~والشمس تنحط في المجرى وترتفع . . . إذا الشمس لم تغرب ، فلا طلع البدر ومن ~~الأبيات قول الطائي : فإني رأيت الشمس زيدت محبة . . . إلى الناس إذ ليست ~~عليهم بسرمد . وقال علي بن الجهم . والشمس لولا أنها محجوبة . . . عن ~~ناطريك لما أضاء الفرقد . وقال أبو تمام : وإن صريح الرأي والحزم لامرئ . . ~~. إذا بلغته الشمس ، أن يتحولا . PageV01P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" وقوله : وكل كسوف في الدراري شنيعة ، . . . ~~ولكنه في الشمس والبدر أشنع . وقوله أيضا : أعندك الشمس تجري في منازلها ، ~~. . . وأنت مشتغل الألحاظ بالقمر ؟ وقال البحتري : كذاك الشمس تبعد أن ~~تسامى ، . . . ويدنو الضوء منها والشعاع . وقال ابن الرومي : ورأيته كالشمس ~~: إن هي لم تنل . . . فالدفء منها والضياء ينال وقال أيضا : كالشمس لا تبدو ~~فضيلتها . . . حتى تغشى الأرض بالظلم . وقال أيضا كالشمس في كبد السماء ~~محلها ، . . . وشعاعها في سائرالآفاق . وقال العباس بن الأحنف : هي الشمس ~~مسكنها في السماء . . . . فعز الفؤاد عزاء جميلا وقال أبو عبيد البكري : ~~والشمس يستغنى ، إذا طلعت ، . . . أن يستضاء بغرة البدر . PageV01P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" وقال أبو الطيب المتنبي : كالشمس لا تبتغي بما ~~صنعت . . . منفعة عنده ولا جاها . وقال ابن لنكك البصري : وهبك كالشمس في ~~حسن ؛ ألم ترها . . . يفر منها إذا مالت إلى الضرر ؟ وقال ابن عباد : فقلت ~~: وشمس الضحى تحتمى . . . إذا بسطت في المصيف الأذى . وقال ابن ms0009 مسعويه ~~الخالدي : لا يعجبنك حسن القصر تنزله . . . فضيلة الشمس ليست في منازلها . ~~وقال أبو الفتح البستي : فالحر حر عزيز النفس حيث ثوى ، . . . والشمس في كل ~~برج ذات أنوار . 4 - ذكر ما جاء في وصف الشمس وتشبيهها من ذلك قول الوزير ~~المهلبي : الشمس في مشرقها قد بدت . . . منيرة ليس لها حاجب كأنها بودقة ~~أحميت ، . . . يجول فيها ذهب ذائب . PageV01P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" وقال ظافر الحداد : انظر لقرن الشمس بازغة . . ~~. في الشرق تبدو ثم ترتفع كسبيكة الزجاج ذائبة . . . حمراء ينفخها فتتسع . ~~وقال أبو هلال العسكري : والشمس واضحة الجبين كأنها . . . وجه المليحة في ~~الخمار الأزرق وكأنها عند انبساط شعاعها . . . تبر يذوب على فروع المشرق ~~وقال أحمد بن عبد العزيز القرطبي : أو ما ترى شمس الأصيل عليلة . . . تزداد ~~من بين المغارب مغربا ؟ مالت لتحجب شخصها فكأنها . . . مدت على الدنيا ملاء ~~مذهبا ومما وصفت به - وقد قابلت القمر - قول الشاعر : أما ترى الشمس ، وهي ~~طالعة ، . . . تمنع عنا إدامة النظر ؟ حمراء صفراء في تلونها . . . كأنها ~~تشتكي من السهر . مثل عروس غداة ليلتها . . . تمسك مرآتها من القمر . وقال ~~مؤيد الدين الطغرائي ، عفا الله عنه ورحمه : وكأنما الشمس المنيرة إذ بدت ، ~~. . . والبدر يجنح للمغيب وما غرب ، متحاربان : لذا مجن صاغه . . . من فضة ~~، ولذا مجن من ذهب . PageV01P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" ومن أحسن ما وصفت به في الطلوع والزوال ~~والغروب قول أعرابي . مخبأة : أما إذا الليل جنها . . . فتخفى وأما في ~~النهار فتظهر . إذا انشق عنها ساطع الفجر وانجلى . . . دجى الليل وإنجاب ~~الحجاب المستر وألبس عرض الأفق لونا كأنه . . . على الأفق الغربي ثوب معصفر ~~عليها دروع الزعفران ، يشوبه . . . شعاع تلالا فهو أبيض أصفر : ترى الظل ~~يطوى حين تبدو وتارة . . . تراه إذا زالت على الأرض ينشر . فافنت قرونا ، ~~وهي في ذاك لم تزل . . . تموت وتحيا كل يوم وتنشر وقال آخر : وبدا لنا ترس ~~من الذهب ، الذي . . . لم ينتزع من معدن بتعمل . مرآة نور لم تشن بصياغة . ~~. . كلا ولا جليت بكف الصيقل . تسمو إلى كبد السماء كأنها . . . تبغي هناك ~~دفاع أمر معضل . حتى إذا ms0010 بلغت إلى حيث انتهت . . . وقفت كوقفة سائل عن منزل ~~. ومما وصفت به ، وقد قابلت الغيم ، قول ابن المعتز : تظل الشمس ترمقنا ~~بطرف . . . خفي لحظه من خلف ستر . تحاول فتق غيم وهو يأبى . . . كعنين ~~يحاول نيل بكر . PageV01P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" وقال آخر : وعين الشمس ترنو من بعيد . . . رنو ~~البكر من خلف الستور . وقال محمد بن رشيق : فكأن الشمس بكر حجبت . . . وكأن ~~الغيم ستر قد ستر . 5 - ذكر شيء مما وصفت به على طريق الذم فمن ذلك ما قاله ~~عبد الملك بن عمير ، وقد سئل عنها فقال : مظهرة للداء ، مثقلة للهواء ، ~~مبلاة للثوب ، جالبة للهب . وقال آخر : الشمس تشحب اللون ، وتغير العرق ، ~~وترخى البدن ، وتثير المرة . إذا احتجمت فيها ، أمرضتك ؛ وإن أطلت النوم ~~فيها ، أفلجتك ؛ وإن قربت منها ، صرت زنجيا ، وإن بعدت عنها ، صرت صقليا . ~~وقال ابن سينا الملك : لا كانت الشمس فكم أصدأت . . . صفحة خد كالحسام ~~الصقيل وكم وكم صدت بوادي الكرى . . . طيف خيال جاءني عن خليل وأعدمتني من ~~نجوم الدجى . . . ومنه روضا بين ظل ظليل تكذب في الوعد ؛ وبرهانه . . . أن ~~سراب القفر منها سليل . وهي إذا أبصرها مبصر . . . حديد طرف ، راح عنها ~~كليل PageV01P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" يا علة المهموم ، يا جلدة ال . . . محموم ، يا ~~زفرة صب نحيل يا قرحة المشرق عند الضحى ، . . . وسلحة المغرب عند الأصيل ~~أنت عجوز ، لم تبرجت لي ، . . . وقد بدا منك لعاب يسيل ؟ وقال التيفاشي ، ~~عفا الله تعالى عنه ورحمه : في خلقه الشمس وأخلاقها . . . شتى عيوب ستة ~~تذكر . رمداء ، عمشاء ، إذا أصبحت ، . . . عمياء عند الليل ، لا تبصر . ~~ويغتدى البدر لها كاسفا . . . وجرمها من جرمه أكبر . حرورها في القيظ لا ~~تتقى . . . ودفؤها في القر مستحقر . وخلقها خلق المليك الذي . . . ينكث في ~~العهد ولا يصبر . ليست بحسناء . وما حسن من . . . يحسر عنه اللحظ يبصر ؟ ~~وقال أبو الطيب المتنبي : تسود الشمس منا بيض أوجهنا . . . ولا تسود بيض ~~العذر واللمم . وكان حالهما في الحكم واحدة . . . لو اختصمنا من الدنيا إلى ~~حكم . 6 - ذكر ما قيل في الكسوف روى أن الشمس كسفت ms0011 في عهد رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ووافق ذلك موت إبراهيم بن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) فقال الناس : إنما كسفت الشمس لأجله فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يخوف بهما عباده ، وإنهما لا ~~يكسفان PageV01P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" لموت أحد ولا لحياته . فإذا رأيتم ذلك ، ~~فادعوا الله وكبروا وصلوا حتى يكشف ما بكم . وقال محمد بن هانئ في الكسوف . ~~هي الحوادث لا تبقى ولا تذر . . . ما للبرية من محتومها وزر لو كان ينجي ~~علو من بوائقها . . . لم تكسف الشمس بل لم يخسف القمر 7 - ذكر أسماء الشمس ~~اللغوية وللشمس أسماء نطقت بها العرب . فمنها : ذكاء ، والجارية ، والجونة ~~، والغزالة ، واللاهة ، والضحى ، والضح ، ويوح " بالياء المثناة والباء ~~الموحدة " ، والشرق ، وحناذ ، والعين ، والمؤوبة ، والسراج . 8 - ذكر عباد ~~الشمس قال الشهر ستاني في كتابة المترجم بالملل والنحل : إن عبدة الشمس ~~طائفة من الهنود يسمون الديبكينية أي عباد الشمس ؛ ومذهبهم مذهب الصابئة . ~~وتوجههم إلى الهياكل السماوية دون قصر الإلهية والربوبية عليها . ويزعمون ~~أن الشمس ملك من الملائكة ، وأن لها نفسا وعقلا ، ومنها نور الكواكب ، ~~وضياء العالم ، وتكون الموجودات السفلية . وهي ملك يستحق التعظيم ، والسجود ~~، والتبخير ، PageV01P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" والدعاء . ومن سنتهم أنهم اتخذوا لها صنما ~~بيده جوهرة على لون النار . وللصنم بيت خاص بنوه باسمه ووقفوا عليه ضياعا ، ~~وله سدنة وقوام . فتأتي هذه الطائفة إلى البيت ، ويصلون فيه ثلاث كرات . ~~ويأتي أصحاب العلل والأمراض فيصومون له ، ويصلون ، ويدعون ، ويستشفون به . ~~9 - ذكر ما قيل في القمر " وهو النير الثاني " ذهب وهب بن منبه أن القمر ~~موضوع على عجلة في فلك ، والفلك يدور بأمر الله تعالى إلى ناحية المغرب ، ~~والعجلة يجرها ثلمائة وستون ملكا إلى ناحية المشرق ؛ وتدوير العجلة من ~~تدرير الفلك الأعظم ؛ وتدوير فلك القمر من تدوير العجلة . ويقال : إن القمر ~~كان كالشمس في الضياء . فلم يكن يعرف الليل من النهار ، فأمر الله تعالى ~~جبريل أن يمر عليه بجناحه ، فمر عليه ، فمحاه ، فهو ما ترى ms0012 فيه من السواد . ~~وبهذا القول فسر قوله تعالى " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل ~~وجعلنا آية النهار مبصرة " . قالوا : ولا يسمى قمرا إلا بعد مضى ثلاث ليال ~~من استهلاله . والأقمر هو الأبيض . - ذكر ما قيل في القمر " من استهلاله ~~إلى انقضاء الشهر وأسماء لياليه " قالوا : وللقمر من أول الشهر إلى آخره ~~خمس حالات ؛ وللياليه عشرة أسماء أما حالاته الخمس : فالأولى : الهلالية ، ~~وهي خروجه من تحت شعاع الشمس وظهوره في الغرب في أول الشهر . الثانية : أن ~~يفضل فيه النور على الظلمة ، وذلك في الليلة السابعة من الشهر . ~~PageV01P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" الثالثة : الاستقبال ، وهو كونه في البرج ~~السابع من بروج الشمس ، ويسمى الامتلاء لامتلاء القمر فيه نورا ، وذلك في ~~الليلة الرابعة عشرة من الشهر ، ويسمى القمر فيها بدرا لكماله ، ويسمى بذلك ~~لامتلائه ، وقبل لمبادرته الشمس بالطلوع ، وتسمى الليلة التي قبلها " وهي ~~الثالثة عشرة " ليلة السواء لاستواء القمر فيها ، وقيل : لاستواء ليلها ~~ونهارها في الضياء ، وهي ليلة التمام . الرابعة : أن تفضل الظلمة فيه على ~~النور ، وذلك في الليلة الثانية والعشرين من الشهر . الخامسة : المحاقية ، ~~وهي مدة استتاره بشعاع الشمس ؛ ويسمى ذلك أيضا سرارا ، وذلك في الليلة ~~التاسعة والعشرين ، ويمكن أن يغيب ثلاث ليال لا يرى ويهل في اليوم الرابع ، ~~ويسمى حينئذ قمرا لا هلالا ؛ والشمس تعطيه من نورها كل ليلة ما يستضئ به ~~نصف سبع قرصه حتى يكمل ، ثم يسلبه من الليلة الخامسة عشرة ، في كل ليلة نصف ~~سبع قرصه حتى لا يبقى فيه نور فيستتر . وأما أسماء لياليه ، فإنه يقال لأول ~~ثلاثة منها غرر ، والثانية شهب ، والثالثة زهر ، والرابعة بهر ، والخامسة ~~بيض ، والسادسة درع ، والسابعة حنادس ، والثامنة ظلم ، والتاسعة دآد ، ~~والعاشرة ليلتان منها محاق وليلة سرار ؛ ويسمون الليلة الثامنة والعشرون ~~الدعجاء ، والليلة التاسعة والعشرين الدهماء ، والليلة الموفية ثلاثين ~~الليلاء ، ويسمونها ليلة البراء لتبرى القمر من الشمس . PageV01P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" - ذكر أسماء القمر اللغوية وللقمر أسماء نطقت ~~بها العرب . فمنها : القمر ، والباهر ، البدر ، والطوس ، والجلم ، والغاسق ~~، والوباض ، والزبرقان ، والمنشق ، والواضح ، والباحور ، والأبرص ms0013 ، ~~والزمهرير . ومنه قول الله سبحانه وتعالى : " لا يرون فيها شمسا ولا ~~زمهريرا " وقول بعض العرب . وليلة ظلامها قد اعتكر . . . قطعتها والزمهرير ~~ما ظهر . ومن أسمائه : السمنار ، والساهور . والفخت ضوءه ، والأخذ منزلته . ~~وكذلك الوكس ، وهي المنزلة التي يكسف فيها . والهالة دارته . - ذكر ما ~~يتمثل به مما فيه ذكر القمر يقال في أمثالهم : أضيع من قمر الشتاء قيل لأنه ~~لا يجلس فيه . إن يبغ عليك قومك ، لا يبغ عليك القمر . ويقال : أضوأ من ~~القمر ؛ وأتم من البدر . ومن أنصاف الأبيات : أريها السها وتريني القمر . . ~~. لا تخرج الأقمار من هالاتها هكذا البدر في الظلام يوافي . . . كذاك كسوف ~~البدر عند تمامه ومن الأبيات قول الطائي : إن الهلال إذا رأيت نموه . . . ~~أيقنت أن سيكون بدرا كاملا . PageV01P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" وقال ابن أبي البغل ، والبيت الثاني لابن بحر ~~: المرء مثل هلال حين تبصره . . . يبدو ضعيفا ضئيلا ثم يتسق . " يزداد حتى ~~إذا ما تم أعقبه . . . كر الجديدين نقصا ثم ينمحق " . وقال أبو الفرج ~~الببغا : ستخلص من السرار وأيما . . . هلال توارى في السرار فما خلص - ذكر ~~ما قيل في وصفه وتشبيهه من ذلك قول عبد الله بن المعتز في الهلال : وانظر ~~إليه كزورق من فضة . . . قد أثقلته حموله من عنبر وقول عبد الجبار بن حمديس ~~الصقلي : ورب صبح رقبناه ، وقد طلعت . . . بقية البدر في أولى بشائره كأنما ~~أدهم الإظلام حين نجا . . . من أشهب الصبح ، ألقى نعل حافره وقال آخر : قد ~~انقضت دولة الصيام وقد . . . بشر سقم الهلال بالعيد يتلو الثريا كفاغر شره ~~. . . يفتح فاه لأكل عنقود PageV01P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" وقال أبو الهلال العسكري : في هلال كأنه حية ~~الرم . . . ل أصابت على اليفاع مقيلا . بات في معصم الظلام سورا . . . وعلى ~~مفرق الدجى إكليلا . وقال آخر : والجو صاف والهلال مشنف . . . بالزهرة ~~الزهراء نحو المغرب . كصحيفة زرقاء فيها نقطة . . . من فضة من تحت نون مذهب ~~. وقال آخر : قلت لما دنت لمغربها الشم . . . ش ولاح الهلال للنظار : أقرض ~~الشرق صنوه الغرب دينا . . . را فأعطاه الرهن نصف سوار وقال أبو العلاء ~~المعري : ولاح ms0014 هلال مثل نون أجادها . . . بذوب النضار الكاتب ابن هلال . ~~وقال آخر : وكأن الهلال نون لجين . . . غرفت في صحيفة زرقاء . وقال أبو ~~عاصم البصري من شعراء التيمة : رأيت الهلال ، وقد أحدقت . . . نجوم الثريا ~~لكي تسبقه . فشبهته وهو في إثرها . . . وبينهما الزهرة المشرقة ، بقوس لرام ~~رمى طائرا . . . فأتبع في إثره بندقه . PageV01P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" وقال آخر : ولاح لنا الهلال كشطر طوق . . . ~~على لباب زرقاء اللباس . وقال الواوا الدمشقي رحمه الله : وكأن الهلال تحت ~~الثريا . . . ملك فوق رأسه إكليل وقال لإبراهيم بن محمد المرادي ، من شعراء ~~الأنموذج ، ملغزا فيه : دع ذا وقل للناس : ما طارق ، . . . يطرقكم جهرا ولا ~~يتقي ؟ ليس له روح على أنه . . . يركب ظهر الأدهم الأبلق . شيخ رأى آدم في ~~عصره . . . وهو إلى الآن نجد نقي . ومد وسط السجن مع قومه . . . لا ينبرى ~~من نهجة الضيق . هذا ويمشي الأرض في ليلة . . . أعجب به من موثق مطلق . ~~فتارة ينزل تحت الثرى . . . وتارة وسط السما يرتقى . وتارة يوجد في مغرب . ~~. . وتارة يوجد في المشرق . وتارة تحسبه سابحا . . . يسرى بشاطئ البحر ~~البحر كالزورق . وتارة تحسبه وهو في . . . أستاره والبعض منه بقي ، ذبابة ~~من صارم مرهف . . . بارزة من جفنه المطبق . يدنو إلى عرس له حسنها . . . ~~يختطف الأبصار بالرونق . حتى إذاجامعها يرتدي . . . بحلة سوداء كالمحرق . ~~PageV01P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" وهو على عادته دائما . . . يجامع الأنثى ولا ~~يتقي . ثم يجوب القفر من أجلها . . . مشتملا في مطرف أزرق . حتى إذا قابلها ~~ثانيا . . . تشكه بالرمح في المفرق . وبعد ذا تلبسه حلة . . . يا حسنها في ~~لونها المونق فجسمه من ذهب جامد . . . وجلده صيغ من الزئبق . وهو إذا ~~أبصرته هكذا . . . أملح من صاحبة القرطق . وقال ابن المعتز : نظرت في يوم ~~لذة عجبا . . . وافى به للسعود مقدار . يقابل الشمس فيه بدر دجى . . . يأخذ ~~من نورها ويمتار . كصير في يروح منتقدا . . . في كفه درهم ودينار . وقال ~~عبد الله بن علي الكاتب : كشف البدر وجهه لتمام ، . . . فوجوه النجوم ~~مستترات . وكأن البدر التمام عروس ، . . . وكأن النجوم مستنقبات . - ذكر ~~شيء مما قيل فيه على طريق الذم حكى ms0015 أن أعرابيا رأى رجلا يرقب الهلال . فقال ~~له : ما ترقب فيه ، وفيه عيوب لو كانت في الحمار لرد بها ؟ قال : وما هي ؟ ~~فقال : إنه يهدم العمر ، ويقرب الأجل ، ويحل الدين ، ويقرض الكتان ، ويشحب ~~اللون ، ويفسد اللحم ، ويفضح الطارق ، ويدل السارق . PageV01P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" ومن عيوبه أن الإنسان إذا نام في ضوئه حدث في ~~بدنه نوع من الاسترخاء والكسل ، ويهيج عليه الزكام والصداع ؛ وإذا وضعت ~~لحوم الحيوانات مكشوفة في ضوئه ، تغبرت طعومها وروائحها . وقال ابن الرومي ~~: رب عرض منزه عن قبيح . . . دنسته معرضات الهجاء . لو أراد الأديب أن يهجو ~~البد . . . ر ، رماه بالخطة الشنعاء . قال : يا بدر أنت تغدر بالسا . . . ~~رى وتزرى بزروة الحسناء . كلف في شحوب وجهك يحكى . . . نكتا فوق وجنة برضاء ~~. يعتريك المحاق ثم يخلي . . . ك شبيه القلامة الحجناء . ويليك النقصان في ~~آخر الشه . . . ر فيمحوك من أديم السماء . فإذا البدر نيل بالهجو ، هل يأ . ~~. . من ذو الفضل ألسن الشعراء ؟ لا لأجل المديح ، بل خيفة الهج . . . و ~~أخذنا جوائز الخلفاء هذا ما أمكن إيراده في القمر ، فلنذكر خبر عباد القمر ~~. - ذكر عباد القمر قال الشهر ستانى : عباد القمر طائفة الهنود يسمون ~~الحندر بكتية ، أي عباد القمر . يزعمون أن القمر ملك من الملائكة يستحق ~~التعظيم والعبادة ، وإليه تدبير هذا العالم السفلي ، ومنه نضج الأشياء ~~المتكونة واتصالها إلى كمالها ؛ وبزيادته ونقصانه تعرف الأزمان والساعات ؛ ~~وهو تلو الشمس وقرينها ، ومنها نوره ، وبالنظر إليها زيادته ونقصانه ؛ ومن ~~سنتهم أنهم اتخذوا صنما على عجلة تجره أربعة ، وبيده PageV01P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" جوهرة ؛ ومن دينهم أن يسجدوا له ويعبدوه ، وأن ~~يصوموا النصف من كل شهر ، ولا يفطروا حتى يطلع القمر ، ثم يأتون الصنم ~~بالطعام والشراب واللبن ، ثم يرعبون إليه وينظرون إلى القمر ، ويسألونه ~~حوائجهم ؛ فإذا استهل الشهر علوا السطوح ، وأوقدوا الدخن ، ودعوا عند رؤيته ~~، ورغبوا إليه ، ثم نزلوا عن السطوح إلى الطعام والشراب والفرح والسرور ، ~~ولم ينظروا إليه إلا على وجوه الحسنة . وفي نصف الشهر إذا فرغوا من الإفطار ~~، وأخذوا في الرقص واللعب بالمعازف بين يدي ms0016 الصنم والقمر . - ذكر ما قيل في ~~الكواكب المتحيرة والكواكب الخمسة الباقية من الكواكب السبعة تسمى المتحيرة ~~. ثلاثة منها علوية تعلو أفلاكها فلك الشمس ، وهي زحل ، والمشتري ، والمريخ ~~، واثنان منها سفلية فلكهما تحت فلك الشمس ، وهي الزهرة ، وعطارد . وسميت ~~هذه الكواكب المتحيرة لأنها ترجع أحيانا عن سمت مسيرها بالحركة الشرقية ، ~~وتتبع الغربية ، فهذا الارتداد فيها شبه التحير . - ذكر عباد الروحانيات " ~~وما احتجوا به في سبب عبادتهم لها " وعباد الروحانيات هم الصابئة . يقال : ~~صبأ الرجل إذا مال وزاغ . ومذهب هؤلاء أن للعالم صانعا فاطرا حكيما مقدسا ~~عن سمات الحدثان . وكانت الصابئة تقول : إنا نحتاج في معرفة الله تعالى ~~ومعرفة طاعته وأوامره وأحكامه ، إلى متوسط ؛ ولكن ذلك المتوسط يجب أن يكون ~~روحانيا لا PageV01P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" جسمانيا . وذلك لزكاء الروحانيات وطهارتها ~~وقربها من رب الأرباب ؛ والجسماني بشر مثلنا يأكل مما نأكل ، ويشرب مما ~~نشرب ، ويماثلنا في الصورة والمادة . قالوا : " ولئن أطعمتم بشرا مثلكم ~~إنكم إذا لخاسرون " . وقالوا : الواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى ~~جلاله ، وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه ، وهم الروحانيون ~~المقدسون المطهرون ، جوهرا وفعلا وحالة . أما الجوهر فهم المقدسون عن ~~المواد الجسمانية ، المبرؤون عن القوى الجسدانية ، أي منزهون عن الحركات ~~المكانية ، والتغيرات الزمانية ، قد جبلوا على الطهارة ، وفطروا على ~~التقديس والتسبيح " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " . وإنما ~~أرشدنا إلى هذا معلمنا الأول ، غاديمون ، وهرمس . فنحن نتقرب إليهم ، ~~ونتوكل عليهم ، وهم أربابنا ، وآلهتنا ، ووسائلنا ، وشفعاؤنا عند رب ~~الأرباب ، وإله الآلهة . فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا من دنس الشهوات ~~الطبيعية ، ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى الشهوانية والغضبية ، حتى يحصل ~~لنا مناسبة ما بيننا وبين الروحانيات . فحينئذ نسأل حاجاتنا منهم ، ونعرض ~~أحوالنا عليهم ، ونصبأ في جميع أمورنا إليهم . فيشفعون لنا إلى خالقنا ~~وخالقهم ، ورازقنا ورازقهم . وهذه التطهير والتهذيب ليس إلا باكتسابنا ، ~~ورياضنا ، وفطامنا لأنفسنا عن دنيات الشهوات ، باستمداد من جهة الروحانيات ~~؛ والاستمداد هو التضرع والابتهال . بالدعوات ، وإقامة الصلوات ، وبذل ~~الزكوات ، والصيام عن المطعومات والمشروبات ، وتقريب القرابين والذبائح ، ~~وتنجير البخورات ، وتعزيم ms0017 العزائم . فيحصل لنفوسنا استعداد أو استمداد من ~~غير واسطة ، بل يكون حكمنا وحكم من يدعى الوحي واحدا . PageV01P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" قالوا : والأنبياء أمثالنا في النوع ، ~~وأشكالنا في الصورة ، ومشاركونا في المادة . يأكلون مما نأكل ، ويشربون مما ~~نشرب ، ويساهموننا في الصورة . أناس بشر مثلنا ، فمن أين لنا طاعتهم ، ~~وبأية مزية لهم لزم مشايعتهم ؟ " ولئن أطعمتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ~~" . قالوا : وما الفعل ، فالروحانيات هم الأسباب المتوسطون في الاختراع ، ~~والإيجاد ، وتصريف الأمور من حال إلى حال ، وتوجيه المخلوقات من مبدأ إلى ~~كمال ، يستمدون القوة من الحضرة القدسية ، ويفيضون على الموجودات السفلية . ~~فمنها مدبرات الكواكب السبعة السيارة في أفلاكها ، وهي هياكلها . فلكل ~~روحاني هيكل ، ولكل هيكل فلك . ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختص به ~~نسبة الروح إلى الجسد . فهو ربه ومديره ومدبره . وكانوا يسمون الهياكل ~~أربابا " وربما يسمونها اباء " ، والعناصر أمهات . ففعل الروحانيات تحريكها ~~على قدر مخصوص ليحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع والعناصر ، فيحصل من ~~ذلك تركيبات وامثراجات في المركبات فتتبعها قوى جسمانية ، وتركب عليها نفوس ~~روحانية ، مثل أنواع النبات والحيوان . ثم قد تكون التأثيرات كلية صادرة عن ~~روحاني كلى ، وقد تكون جزئية صادرة عن روحاني جزئي . فمع حنس المطر ملك ، ~~ومع كل قطرة ملك . ومنها مدبرات الآثار العلوية الظاهرة في الجو مما يصعد ~~من الأرض فينزل مثل الأمطار والثلوج والبرد والرياح ؛ وما ينزل من السماء ~~مثل الصواعق والشهب ؛ وما يحدث في الجو من الرعد والبرق والسحاب وقوس قزح ~~وذوات الأذناب PageV01P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" والهالة والمجرة ؛ وما يحدث في الأرض من ~~الزلال والمياه والأنجرة إلى غير ذلك . ومنها متوسطات القوى السارية في ~~جميع الموجودات ، ومدبرات الهداية الشائعة في جميع الكائنات ، حتى لا ترى ~~موجودا ما خاليا عن قوة وهداية ، إذا كان قابلا لهما . قالوا : وأما الحالة ~~، فأحول الروحانيات من الروح ، والريحان ، والنعمة ، واللذة ، والراحة ، ~~والبهجة ، والسرور في جوار رب العالمين ، كيف تخفى ؟ ثم طعامهم وشرابهم ~~والتسبيح والتقديس والتهليل والتمجيد ؛ وأنسهم بذكر الله وطاعته ، فمن قائم ~~وراكع وساجد ، ومن قاعد لا ms0018 يريد تبدل حالته لما هو فيه من النعمة واللذة ، ~~ومن خاشع بصره لا يرفع ، ومن ناظر لا يغمض ، ومن ساكن لا يتحرك ، ومتحرك لا ~~يسكن ، وكروبي في عالم القبض ، وروحاني في عالم البسط " لا يعصون الله ما ~~أمرهم " . وقد جرت مناظرات ومحاورات بين الصابئة والحنفاء في المفاصلة بين ~~الروحاني المحض والبشرية النبوية ، ليس هذا موضع إيرادها . فلنذكر إن شاء ~~الله تعالى بيوت الهياكل ، تلو ما ذكرناه من عباد الروحانيات ومحتجاتهم - ~~ذكر بيوت الهياكل " وأماكنها ونسبتها إلى الكواكب " قالوا : ثم لم تقتصر ~~على الصابئة على التقرب إلى الروحانيات بأعيانها ، والتلقى بذواتها حتى ~~اتخذوا أصناما على هيئة الكواكب السبعة ، وجعلوا لها بيوتا ، وسموا ~~PageV01P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" البيوت بالهياكل ، وجعلوا الهياكل الأفلاك ~~للكواكب . وعظموا هذه الأصنام التي صنعوها ، وزعموا أنهم إذا عظموها تحركت ~~لهم الكواكب السبعة العلوية بكل ما يريدون . وحكى المسعودي في كتابه ~~المترجم بمروج الذهب ومعادن الجوهر أن هذه الطائفة تزعم أن البيت الحرام ~~هيكل زحل ، وإنما طال بقاء هذا البيت على مرور الدهور ، معظما في سائر ~~العصور ، لأن زحل تولاه : إذ من شأنه الثبوت . ومن البيوت المشهورة : بيت ~~على رأس جبل أصفهان ، ويسمى مارس ، ثم اتخذه بعض ملوك المجوس بيت نار ؛ ~~وبيت ببلاد الهند ، وبيت ببلخ ، بناه منو شهر على اسم القمر ، وكان الموكل ~~بسدانته يسمونه برمك ، وإليه تنسب البرامكة ؛ وبيت غمدان باليمن ، بناه ~~الضحاك على اسم الزهرة ؛ وبيت بفرغانة ، على اسم الشمس ، يعرف بكاوسان ، ~~بناه كاوس أحد ملوك الفرس ، وخربه المعتضد بالله ؛ وبيت ببلاد الصين ، بناه ~~ولد عامور بن شوبل بن يافث ، وقيل بناه ملوك الترك . PageV01P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" وحكى غير المسعودي أن البيت الأول الكعبة . ~~ويذكرون أن إدريس عليه السلام أوصى به ، وأوصى أن يكون الحج إليه وهو عندهم ~~بيت زحل ؛ والبيت الثاني وهو بيت المريخ ، يزعمون أنه كان بصور من الساحل ~~الشامي ؛ والبيت الثالث وهو بيت المشتري ، كان بدمشق بناه جيرون بن سعد بن ~~عاد ، وموضعه الآن الجامع الأموي ؛ والبيت الرابع وهو بيت الشمس بمصر ، ~~ويسمى عين ms0019 شمس ، وآثاره باقية إلى وقتنا هذا ؛ والبيت الخامس هو بيت الزهرة ~~، كان بمنبج وخرب ، والبيت السادس بيت عطارد ، وكان بصيدا من الساحل الشامي ~~وخرب ؛ والبيت السابع وهو بيت القمر ، كان بحران ؛ وهو بيت الصابئة الأعظم ~~. الباب الخامس من القسم الأول من الفن الأول - في الكواكب الثابتة ذهب بعض ~~من تكلم في ذلك أن هذه الكواكب معلقة في سماء الدنيا كالقناديل ، وأنها ~~مخلوقة من نور . وقال آخرون : إنها معلقة بأيدي ملائكة . وفسر بهذا القول ~~قوله تعالى " إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت " . يقال انتثارها ~~يكون بموت من كان يحملها من الملائكة . وهذه الكواكب في سماء الدنيا بنص ~~الكتاب العزيز ، لقول الله عز وجل : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ~~وجعلناها رجوما للشياطين . PageV01P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" وقال قتادة : خلق الله تعالى هذه النجوم ~~لثلاثة : جعلها زينة للسماء ، ورجوما للشياطين ، وعلامات يهتدى بها في البر ~~والبحر . فمن تأول غير هذا فقد أخطأ . قالوا : وإنما سميت بالثوابت ، وإن ~~كانت متحركة لأنها ثابتة الأبعاد على الأبد ، لا يقرب أحدها من الآخر ، ولا ~~يبعد عنه ، ولا يزيد ، ولا ينقص ، ولا تتغير عن جهاتها . لأنها تتحرك ~~بحركتها الطبيعية حول قطبي العالم . ولهذا سميت ثابتة . وهي في فلك ثامن ~~غير أفلاك الكواكب السبعة السيارة . ودليل ذلك أن للكواكب السبعة حركات ~~أسرع من حركات هذه . - ذكر ما يتمثل به في ذكر الكواكب يقال : أنأى من كوكب ~~؛ أبعد من مناط النجم ؛ أهدى من النجم . ومن أنصاف الأبيات : وأين نزيل ~~الأرض عند الكواكب ؟ . . . وأين الثريا من يد المتناول ؟ والكوكب النحس ~~يسقى الأرض أحيانا ومن الأبيات قول أبي تمام عفا الله عنه : كالنجم إن ~~سافرت كان مواكبا . . . وإذا حططت الرحل كان جليسا . وقال أبو نواس : أين ~~النجوم الثابتا . . . ت من الأهلة والبدور ؟ PageV01P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" وقال آخر : وكنا في اجتماع كالثريا ، . . . ~~فصرنا فرقة كبنات نعش وقال آخر : كالفرقدين إذا تأمل ناظر ، . . . لم يعل ~~موضع فرقد من فرقد . وقال الوزير أبو الفتح البستى : وللنجم من بعد الرجوع ~~استقامة . . . وللشمس من بعد الغروب طلوع . وقال ms0020 جحظة : مثل الذي يرجو ~~البلو . . . غ إلى الكواكب وهو مقعد . وقال عمر بن أبي ربيعة : أيها المنكح ~~الثريا سهيلا ، . . . عمرك الله كيف يلتقيان ؟ هي شامية إذا ما استهلت ، . ~~. . وسهيل إذا استهل يماني . وقال آخر : وكل أخ مفارقه أخوه ، . . . لعمر ~~أبيك ، إلا الفرقدان PageV01P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" ذكر ما قيل في وصف الكواكب وتشبيهها من ذلك ما ~~قاله ابن حجاج في المجرة : يا صاحبي استيقظا من رقدة . . . تزرى على عقل ~~اللبيب الأكيس هذى المجرة والنجوم كأنها . . . نهر تدفق في حديقة نرجس وقال ~~آخر : وكان المجر جدول ماء . . . نور الأقحوان في جانبيه . وقال المهذب بن ~~الزبير فيها : وترى المجرة والنجوم كأنها . . . تسقى الرياض بجدول ملآن . ~~لو لم يكن نهرا ، لما عامت به . . . أبدا نجوم الحوت والسرطان . وقال أبو ~~هلال العسكري : تبدو المجرة منجرا ذوائبها . . . كالماء ينساح أو كالأيم ~~ينساب وقال هشام بن إلياس في الجوزاء : فكأنما جوزاؤه في غربها . . . بيضاء ~~سابحة ببركة زئبق . وكأنما أومت ثلاث أنامل . . . منها تقول : إلى ثلاث ~~نلتقي وقال آخر : وكأن الجوزاء لما استقلت . . . وتدلت ، سرادق ممدود . ~~PageV01P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" وقال العلوي فيها أيضا : ها إنها الجوزاء في ~~أفقها . . . واهية ناعسة تسحب . نطاقها واه لدى أفقها . . . ينسل منها كوكب ~~كوكب . وقال ابن وكيع فيها : قم فاسقني صافية . . . تهتك جنح الغسق أما ترى ~~الصبح بدا . . . في ثوب ليل خلق ؟ أما ترى جوزاءه . . . كأنها في الأفق ، ~~منطقة من ذهب . . . فوق قباء أزرق ؟ وقال كعب الغنوي : وقد مالت الجوزاء ~~حتى كأنها . . . فساطيط ركب بالفلاة نزول . وقال امرؤ القيس في الثريا : ~~إذا ما الثريا في السماء تعرضت . . . تعرض أثناء الوشاح المفصل . وقال ابن ~~الطثرية : إذا ما الثريا في السماء كأنها . . . جمان وهي من سلكه ، فتبددا ~~. PageV01P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" وقال المبرد : إذا ما الثريا في السماء تعرضت ~~. . . يراها حديد العين ستة أنجم . على كبد الجرباء وهي كأنها . . . جبيرة ~~در ركبت فوق معصم . وقال عبد الله بن المعتز : فناولنيها ، والثريا كأنها . ~~. . جنى نرجس حيا الندامى بها الساقي . وقال أيضا كأن الثريا في أواخر ~~ليلها . . . تفتح ms0021 نور أو لجام مفضض . وقال السلامي ، شاعر اليتيمة فيها : ~~فسمونا ، والفجر يضحك في الشر . . . ق إلينا مبشرا بالصباح . والثريا كراية ~~أو لجام . . . أو بنان أو طائر أو وشاح ، وكأن النجوم في يد ساق . . . ~~يتهادى تهادى الأقداح . وقال ابن المعتز : ولاحت لساريها الثريا كأنها . . ~~. على الأفق الغربي قرط مسلسل . وقال أبونضلة : وتأملت الثريا . . . في ~~طلوع ومغيب . فتخيرت لها التش . . . بيه في المعنى المصيب . وهي كأس في ~~شروق . . . وهي قرط في غروب . PageV01P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" وقال آخر : كأن الثريا هودج فوق ناقة . . . ~~يسير بها حاد مع الليل مزعج ، وقد لمعت بين النجوم كأنها . . . قوارير فيها ~~زئبق يترجرج . وقال ابن سكرة الهاشمي : ترى الثريا ، والغرب يجذبها . . . ~~والبدر يهوى والفجر ينفجر . كف عروس لاحت خواتمها . . . أو عقد در في البحر ~~ينتثر . وقال محمد بن حسن الحاتمي : وخلت الثريا كف عذراء طفلة . . . مختمة ~~بالدر منها الأنامل . تخيلتها في الجو طرة جعبة . . . ملوكية لم تعتلقها ~~جمائل . كأن نبالا ستة من لآلئ . . . يوافي بها في قبة الأفق نابل . وقال ~~أحمد بن إبراهيم الضبي ، شاعر اليتيمة : خلت الثريا إذ بدت . . . طالعة في ~~الحندس : مرسلة من لؤلؤ . . . أو باقة من نرجس PageV01P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" وقال أبو العلاء المعري في سهيل : وسهيل كوجنة ~~الحب في اللو . . . ن وقلب المحب في الخفقان . مستبدا كأنه الفارس المع . . ~~. لم يبدو معارض الفرسان . وقال عبد الله بن المعتز : وقد لاح للساري سهيل ~~كأنه . . . على كل نجم في السماء رقيب وقال الشريف بن طباطبا : وسهيل كأنه ~~قلب صب . . . فاجأته بالخوف عين الرقيب . وقال أبو عبادة البحتري : كأن ~~سهيلا شخص ظمآن جانح . . . من الليل في نهر من الماء يكرع . وقال ابن ~~طباطبا : كأن سهيلا ، والنجوم أمامه . . . يعارضها ، راع أمام قطيع . وقال ~~الشريف الرضي في الفرقدين : وهبت لضوء الفرقدين نواظري . . . إلى أن بدا ~~ضوء من الفجر ساطع . كأنهما إلفان قال كلاهما . . . لشخص أخيه : قل فإني ~~سامع وقال آخر : قلت للفرقدين والليل مرخ . . . ستر ظلمائه على الآفاق : ~~ابقيا ما بقيتما سوف يرمى . . . بين شخصيكما بسهم الفراق PageV01P0063 # """""" صفحة رقم ms0022 64 """""" وقال القاضي التنوخى : وأشقر الجو قد لاجت ~~كواكبه . . . فيه كدر على الياقوت منثور . وقال القاضي الفاضل ، عبد الرحيم ~~من رسالة : سرنا ، وروضة السماء فيها من الزهر زهر ، ومن المجرة نهر ؛ ~~والليل كالبنفسج تخلله من النجوم أقاح ، أو كالزنج شعله من الرمح جراح ، ~~والكواكب سائرات المواكب لا معرس لها دون الصباح ؛ وسهيل كالظمآن تدلى إلى ~~الأرض ليشرب ، أو الكريم أنف من المقام بدار الذل فتغرب ، فكأنه قبس تتلاعب ~~به الرياح ، أو زينة قدمها بين يدي الصباح ؛ أو ناظر يغضه الغيظ ويفتحه ، ~~أو معنى يغمضه الحسن ثم يشرحه ؛ أو صديق لجماعة الكواكب مغاضب ، أو رقيب ~~على المواكب مواكب ؛ أو فارس يحمي الأعقاب ، أو داع به إليها وقد شردت عن ~~الأصحاب . والجوزاء كالسرادق المضروب ، أو الهودج المنصوب ؛ أو الشجرة ~~المنورة ، أو الحبر المصورة . والثريا قد هم عنقودها أن يتدلى ، وجيش الليل ~~قد هم أن يتولى . PageV01P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" ### | AUT القسم الثاني من الفن الأول الآثار العلوية # وفيه أربع أبواب الباب الأول : من القسم الثاني من الفن الأول - في ~~السحاب والثلج سبب حدوثه ، وفي الثلج والبرد والسحاب من الآثار العلوية . ~~روى أبو الفرج بن الجوزي بإسناد يرفعه إلى عبيد ابن عمير أنه قال : يبعث ~~الله ريحا فتقم الأرض ، ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب ، وذلك أنها تحمل ~~الماء فتمجه في السحاب ، ثم يمريه فيدر كما تدر اللقحة . وقد روى في ~~الأثران أن الرياح أربع : ريح تقم ؛ وريح تثير ، فتجعله كسفا ؛ وريح تؤلف ، ~~فتجعله ركاما ؛ وريح تمطر . وروى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه ~~قال : إن الله تعالى يرسل الرياح فتثير سحابا ، وينزل عليه المطر فتتمخض به ~~الريح كما تمخض النتوج بولدها . PageV01P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" وروى عن عكرمة رضي الله عنه أنه قال : ينزل ~~الله الماء من السماء السابعة فتقع القطرة على السحاب مثل البعير ، والسحاب ~~للمطر كالغربال ينزل منه بقدر . ولولا ذلك لأفسد ما على الأرض . وقال ~~الزمخشري في تفسيره : السحاب من السماء ينحدر ، ومنها يأخذ ماءه لا كزعم من ~~يزعم ms0023 أنه يأخذ من البحر ، ويؤيد ذلك قوله عز وجل " وينزل من السماء من جبال ~~فيها من برد " . - ذكر ما قيل في ترتيب السحاب " وأسمائه اللغوية وأصنافه " ~~قال أبو منصور ، عبد الملك بن محمد الثعالبي في فقه اللغة ، ينقله عن ~~أئمتها : أول ما ينشأ السحاب ، فهو نشء . فإذا انسحب في الهواء ، فهو ~~السحاب . فإذا تغيرت وتغممت له السماء ، فهو الغمام . فإذا كان غيم ينشأ في ~~عرض السماء فلا تبصره ، وإنما تسمع رعده ، فهو العقر . فإذا أطل وأظل ~~السماء ، فهو العارض . فإذا كان ذا رعد وبرق ، فهو العراص . فإذا كانت ~~السحابة قطعا صغارا متدانيا بعضها مع بعض ، فهي النمرة . فإذا كانت متفرقة ~~، فهي القزع . فإذا كانت قطعا متراكمة ، فهي الكرفئ " واحدتها كرفئة " . ~~فإذا كانت قطعا كأنها قطع الجبال ، فهي قلع ، وكنهور " واحدتها كنهورة " . ~~PageV01P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" فإذا كانت قطعا رقاقا ، فهي الطخارير " ~~واحدتها طخرور " فإذا كانت حولها قطع من السحاب ، فهي مكللة . فإذا كانت ~~سوداء ، فهي طخياء ، ومتطخطخة . فإذا رأيتها وحسبتها ماطرة ، فهي مخيلة . ~~فإذا غلظ السحاب وركب بعضه بعضا ، فهو المكفهر . فإذا ارتفع ولم ينبسط ، ~~فهو النشاص . فإذا تقطع في أقطار السماء وتلبد بعضه فوق بعض ، فهو القرد . ~~فإذا ارتفع وحمل الماء وكثف وأطبق ، فهو العماء ، والعماية ، والطخاء ، ~~والطخاف ، والطهاء . فإذا اعترض اعتراض الجبل قبل أن يطبق السماء ، فهو ~~الحبي . فإذا عن ، فهو العنان . فإذا أظل الأرض فهو الدجن . فإذا اسود ~~وتراكب ، فهو المحمومي . فإذا تعلق سحاب دون السحاب ، فهو الرباب . فإذا ~~كان سحاب فوق سحاب ، فهو الغفارة . فإذا تدلى ودنا من الأرض مثل هدب ~~القطيفة ، فهو الهيدب . فإذا كان ذا ماء كثير ، فهو القنيف . فإذا كان أبيض ~~، فهو المزن ، والصبير . فإذا كان لرعده صوت ، فهو الهزيم . فإذا أشد صوت ~~رعده ، فهو الأجش . فإذا كان باردا وليس فيه ماء ، فهو الصراد . فإذا كان ~~ذا صوت شديد ، فهو الصيب . فإذا أهرق ماءه ، فهو الجهام " وقيل بل الجهام ~~الذي لا ماء فيه " . PageV01P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" 3 - ذكر ما قيل في ترتيب المطر قال ms0024 الثعالبي ~~رحمه الله : أخف المطر وأضعفه الطل ، ثم الرذاذ ، ثم البغش والدث ومثله ~~الرك ، ثم الرهمة . ويقال أيضا : أوله رش وطش ، ثم طل ورذاذ ، ثم نضح ونضخ ~~، وهو قطر بين قطرين ، ثم هطل وتهتان ، ثم وابل وجود . 4 - ذكر ما قيل ~~فيفعل السحاب والمطر يقال إذا أتت السماء بالمطر اليسير الخفيف : حفشت ، ~~وحشكت . فإذا استمر قطرها ، قيل : هطلت ، وهتنت . فإذا صبت الماء ، قيل : ~~همعت ، وهضبت . فإذا ارتفع صوت وقعها ، قيل : انهلت واستهلت . فإذا سال ~~المطر بكثرة ، قيل : انسكب ، وانبعق . فإذا سال يركب بعضه بعضا ، قيل : ~~اثعنجر ، واثعنجج . فإذا دام أياما لا يقلع ، قيل : أثجم ، وأغبط ، وأدجن . ~~فإذا أقلع ، قيل أنجم ، وأفصم ، وأفصى . 5 - ذكر أسماء أمطار الأزمنة قالت ~~العرب : أول ما يبدأ المطر في إقبال الشتاء ، فاسمه الخريف ، ثم يليه ~~الوسمى ، ثم الربيع ، ثم الصيف ، ثم الحميم . وقيل المطر الأول هو الوسمى ، ~~ثم يليه الولى ، ثم الربيع ، ثم الصيف ، ثم الحميم . PageV01P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" 6 - ذكر أسماء المطر اللغوية . قال الثعالبي : ~~إذا أحيا الأرض بعد موتها فهو الحيا . فإذا جاء عقيب المحل أو عند الحاجة ~~إليه ، فهو الغيث . فإذا دام مع سكون ، فهو الديمة . والضرب فوق ذلك قليلا ~~، والهطل فوقه . فإذا زاد ، فهو الهتلان ، والهتان ، والتهتان . فإذا كان ~~القطر صغارا كأنه شذر ، فهو القطقط . فإذا كانت مطرة ضعيفة ، فهي الرهمة . ~~فإذا كانت ليست بالكثيرة ، فهي الغيبة ، والحفشة ، والحشكة . فإذا كانت ~~ضعيفة يسيرة ، فهي الذهاب ، والهميمة . فإذا كان المطر مستمرا ، فهو الودق ~~. فإذا كان ضخم القطر شديد الوقع ، فهو الوابل . فإذا انبعق بالماء ، فهو ~~البعاق . فإذا كان يروي كل شيء ، فهو الجود . فإذا كان عاما ، فهو الجدا . ~~فإذا دام أياما لا يقلع ، فهو العين . فإذا كان مسترسلا سائلا ، فهو ~~المرثعن . فإذا كان كثير القطر ، فهو الغدق . فإذا كان شديد الوقع كثير ~~الصوب ، فهو السحيفة . فإذا كان شديدا كثيرا ، فهو العز ، والعباب . ~~PageV01P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" فإذا جرف ما مر به ، فهو السحيقة . فإذا قشرت ~~وجه الأرض ، فهي الساحية . فإذا أثرت في الأرض ms0025 من شدة وقعها ، فهي الحريصة ~~. فإذا أصابت القطعة من الأرض وأخطأت الأخرى ، فهي النفضة . فإذا جاءت ~~المطرة لما يأتي بعدها ، فهي الرصدة ، والعهاد نحو منها . فإذا أتى المطر ~~بعد المطر ، فهو الولى . فإذا رجع وتكرر ، فهو الرجع . فإذا تتابع ، فهو ~~اليعلول . فإذا جاءت المطرة دفعات ، فهي الشآبيب . 7 - ذكر ما يتمثل به في ~~ذكر المطر يقال : أبرد من غب المطر . أرق من دمع الغمام . أسرع من السيل ~~إلى الحدور . أطغى من السيل . أغشم من السيل . أمضى من السيل . يذهب يوم ~~الغيم ولا يشعر به . قد بلغ السيل الزبى . اضطره السيل إلى معطشه . أرينها ~~نمره ، أريكها مطره . سبق سيله مطره . قبل السحاب أصابني الوكف . ومن أنصاف ~~الأبيات هل يرتجى مطر بغير سحاب . . . وأول الغيث طل ثم ينسكب سحابة صيف عن ~~قريب تقشع . . . فدر كما در السحاب على الرعد أسرع السحب في المسير الجهام ~~. . . ومن يسد طريق العارض الهطل ؟ PageV01P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" سحاب عداني فيضه وهو صيب . . . يحسب الممطور ~~أن كل مطر سال به السيل وما يدري به ومن الأبيات قول الطائي وكذا السحائب ، ~~قلما تدعو إلى . . . معروفها الرواد ما لم تبرق . وقال البحتري عفى عنه : ~~واعلم بأن الغيث ليس بنافع . . . ما لم يكن للناس في إبانه . وقال أبو ~~الطيب : ليت الغمام الذي عندي صواعقه . . . يزيلهن إلى من عنده الديم وقال ~~كثير : كما أبرقت يوما عطاشا غمامة . . . . فلما رجوها أقشعت وتجلت . وقال ~~آخر : أنا في ذمة السحاب وأظما . . . إن هذا لوصمة في السحاب وقال آخر : ~~والله ينشي سحابا تطمئن به النف . . . وس من قبل بل الأرض بالمطر . ~~PageV01P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" 8 - ذكر شيء مما قيل في وصف السحاب والمطر قال ~~أبو تمام الطائي : سحابة صادقة الأنواء . . . تجر أهدابا على البطحاء . ~~تجمع بين الضحك والبكاء : . . . بدت بنار وثنت بماء . وقال أبو عبادة ~~البحتري عفا الله تعالى عنه : ذات ارتجاس بحنين الرعد . . . مجرورة الذيل ~~صدوق الوعد ، مسفوحة الدمع بغير وجد . . . لها نسيم كنسيم الورد ، ورنة مثل ~~زئير الأسد . . . ولمع برق كسيوف الهند . جاءت بها ms0026 ريح الصبا من نجد . . . ~~فانتثرت مثل انتثار العقد . وراحت الأرض بعيش رغد . . . من وشي أنوار الثرى ~~في برد . كأنما غدرانها في الوهد . . . يلعبن ترحابا بها بالرند . وقال أبو ~~الحسن علي بن القاسم القاشاني من شعراء اليتيمة عفا عنه : إذا الغيوم أرجحن ~~باسقها . . . وحف أرجاءها بوارقها ، وعبيت للثرى كتائبها . . . وانتصبت ~~وسطها عقائقها ، وجلجل الرعد بينها فحكى . . . خفق طبول ألح خافقها ، ~~وابتسمت فرحة لوامعها . . . واختلفت عبرة حمالقها ، PageV01P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" وقيل : طوبى لبلدة نتجت . . . بجو أكنافها ~~بوارقها . أية نعماء لا تحل بها ؟ . . . وأي بأساء لا تفارقها ؟ وقال ~~القاضي التنوخي : سحاب أتى كالأمن بعد تخوف . . . له في الثرى فعل الشفاء ~~بمندف . أكب على الآفاق إكباب مطرق . . . يفكر أو كالنادم المتلهف . ومد ~~جناحيه على الأرض جانحا . . . فراح عليها كالغراب المرفرف . غدا البر بحرا ~~زخرا وانثنى الضحى . . . بظلمته في ثوب ليل مسجف . فعبس عن برق به متبسم . ~~. . عبوس بخيل فيه تبسم معتف . تحاول منه الشمس في الجو مخرجا . . . كما ~~حاول المغلوب تجريد مرهف . وقال ابن الرومي : سحائب قيست بالبلاد فألفيت . ~~. . غطاء على أغوارها ونجودها . حدتها النعامى مقبلات فأقبلت . . . تهادى ~~رويدا سيلها كركودها . وقال أبو هلال العسكري : وبرق سرى ، والليل يمحى ~~سواده . . . فقلت : سوار في معاصم أسمرا وقد سد عرض الأفق غيم تخاله . . . ~~يزر على الدنيا قميصا معنبرا . تهادى على أيدي الحبائب والصبا . . . كخرق ~~من الفتيان نازع مسكرا . تخال به مسكا وبالقطر لؤلؤا . . . وبالروض ياقوتا ~~وبالوحل عنبرا . سواد غمام يبعث الماء أبيضا . . . وغرة أرض تنبت الزهر ~~أصفرا . أتتك به أنفاس ريح مريضة . . . كمفظعة رعناء تستاق عسكرا . ~~PageV01P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" فألقى على الغدران درعا مسردا . . . وأهدى إلى ~~القيعان بردا محبرا . تخال الحيا في الجو درا منظما . . . وفي وجنات الروض ~~درا منثرا . وأقبل نشر الأرض في نفس الصبا . . . فبات به ثوب الهواء معطرا ~~. إذا ما دعت فيه الرعود فأسمعت . . . أجاب حداة واستهل فأغزرا . ويبكي إذا ~~ما أضحك البرق سنه . . . فيجعل نار البرق ماء مفجرا . كأن به رؤد الشباب ~~خريدة . . . قد اتخذت ثنى السحابة معجرا . فثغر يرينا من بعيد ms0027 تبلجا . . . ~~ودمع يرينا من بعيد تحدرا . وقال مؤيد الدين الطغرائي : سارية ذات عبوس ~~برقها . . . يضحك والأجفان منها تهمل . كحلة دكناء في حاشية . . . فيها ~~طراز مذهب مسلسل . إذا دنت عشارها ، صاح بها . . . قاصف رعد وحدتها الشمأل ~~. وقال عبد الله بن المعتز : ومزنة جاد من أجفانها المطر : . . . فالروض ~~منتظم والقطر منتثر . ترى مواقعة في الأرض لائحة . . . مثل الدراهم تبدو ثم ~~تستر . PageV01P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" وقال أيضا : ما ترى نعمة السماء على الأر . . ~~. ض وشكر الرياض للأمطار ؟ وكان الربيع يجلو عروساوكأنا من قطره في نثار ~~وقال ابن عوف الكاتب في إطباق الغيم وقربه : في مزنة أطبقت فكادت . . . ~~تصافح الترب بالغمام . وقال آخر : تبسمت الريح ، ريح الجنو . . . ب فيها ~~هوى غالبا وادكار . وساقت سحابا كمثل الجبال . . . إذا البرق أومض فيه ، ~~أنارا . إذا الرعد جلجل في جانبي . . . ه روى النبات وأروى الصحاري . ~~تطالعنا الشمس من دونه . . . طلاع فتاة تخاف اشتهار ، تخاف الرقيب على ~~نفسها . . . وتحذر من زوجها أن يغارا . فتستر غرتها بالخما . . . رطورا ، ~~وطورا تزيل الخمارا . فلما رآه هبوب الجنو . . . ب وانهمر الماء فيه ~~انهمارا ، تبسمت الأرض لما بكت . . . عليها السماء دموعا غزار ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ~~؟ ؟ ؟ وقال الأسعد بن بليطة من شعراء الذخيرة : لو كنت شاهدنا عشية أمسنا ، ~~. . . والمزن تبكينا بعيني مذنب ، والشمس قد مدت أديم شعاعها . . . في ~~الأرض تجنح غير أن لم تذهب ، خلت الرذاذ برادة من فضة . . . قد غربلت من ~~فوق نطع مذهب PageV01P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" وقال أبو عبد الله محمد بن الخياط من شعرائها ~~: راحت تذكر بالنسيم الراحا . . . وطفاء تكسر للجنوح جناحا . أخفى مسالكها ~~الظلام فأوقدت . . . من برقها ، كي تهتدي ، مصباحا . وكان صوت الرعد خلف ~~سحابها . . . حاد إذا ونت السحائب ، صاحا . جادت على التلعات فاكتست الربا ~~. . . مللا أقام لها الربيع وشاحا . وقال ابن برد الأصغر الأندلسي من ~~شعرائها : ومازلت أحسب فيه السحاب ، . . . ونار بوارقها تلتهب : بخاتي توضع ~~في سيرها . . . وقد قرعت بسياط الذهب . ومما ورد في وصفها نثرا قال بعض ~~الأندلسيين من رسالة : ثم أرسل الله الرياح من كنائنها ، وأخرجها من ~~خزائنها ؛ قجرت ذيولها ، وأجرت ms0028 خيولها ؛ خافقة بنودها ، متلاحقة جنودها ؛ ~~فاثارت الغمام ، وقادته بغير زمام ؛ وأنشأت بحرية من السحاب ، ذات أتراب ~~وأصحاب ؛ كثيرا عددها ، غزيرا مددها ، فبشرت بالقطر كل شائم ، وانذرت ~~بالورد كل حائم ، والريح تنثها ، والبرق يحثها ، كأنه قضيب من ذهب ، أو ~~لسان من لهب ؛ وللسحاب من ضوء البرق هاد ، ومن صوت الرعد حاد ؛ والريح توسع ~~بلحمتها سداها ، وتسرع في حياكتها يداها . فلما التحم فتقها ، والتأم رتقها ~~؛ وامتدت أشطانها ، واتسعت أعطانها ؛ وانفسحت PageV01P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" أجنابها ، وانسدلت أطنابها ؛ وتهدل خملها ، ~~وتمخض حملها ؛ ومدت على آفاق السماء نطاقها ، وزرت على أعناق الجبال ~~أطواقها ، كأنها بناء على الجو مقبوب ، أو طبق على الأرض مكبوب ؛ تمشي من ~~الثقل هونا ، وتستدعى من الريح عونا ؛ ومخايلها تقوى ، وعارضها أحوى . فلما ~~أذن الله لها بالانحدار ، وأنزل منه الودق بمقدار ، أرسلت الريح خيوط القطر ~~من رود السحائب ، وأسبلتها إسبال الذوائب ، فدرت من خلف مصرور ، ونثرت طلها ~~نثر الدرور . ثم انخرق جيبها وانبثق سيبها ؛ وصار الخيط حبلا ، والطل وبلا ~~. فالسحاب يتعلق ، والبرق يتألق ، والرعد يرتجس ، والقطر ينبجس ، والنقط ~~تترامى طباقا ، وتتبارى اتساقا ، فيردف السابق المصلي ، ويتصل التابع ~~بالمولى ، كما يقع من المنخل البر ، وينتثر من النظام الدر ، فجيوب السماء ~~تسقطه ، وأكف الغدران تلقطه ؛ والأرض قد فتحت أفواها ، وجرعت أمواها ، حتى ~~أخذت ريها من المطر ، وبلغت منه غاية الوطر ، خفى من الرعد تسبيحه ، وطفئت ~~من البرق مصابيحه ، وحسرت الماء نقابها ، وولت المطر أعقابها ؛ وحكت في ~~ردها طلق السابق ، وهرب الآبق . ومن رسالة لمحمد بن شرف القيرواني : برئ ~~عليل البرى ، وأثرى فقير الثرى ، وتاريخ ذلك انصرام ناجر ، وقد بلغت القلوب ~~الحناجر ، محمارة أحمرت لها خضرة السماء ، واغبرت مرآة الماء ، ~~PageV01P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" حتى انهل طالع وسمي ، وتلاه تابع ولى ، دنا ~~فأسف ، ووكف فما كف . فما فتئ مسكوبا قطره ، محجوبا شمسه وبدره ، وجليب ~~عروس الشمس ، معتذرة عن مغيبها بالأمس ، فعندها مزق عن الدقعاء صحيح إهابها ~~، واختزن در البر في أصداف ترابها . فما مرت أيام إلا والقيعان مسندسه ، ~~والآكام مطوسه . ومن رسالة لأبي القاسم ، محمد بن ms0029 عبد الله بن أبي الجد في ~~وصف مطر بعد قحط : قال : لله تعالى في عباده أسرار ، لا تدركها الأفكار ، ~~وأحكام ، لا تنالها الأوهام . تختلف والعدل متفق ، وتفترق والفضل مجتمع ~~متسق . ففي منحها نفائس المأمول ، وفي محنها مداوس العقول . وفي أثناء ~~فوائدها حدائق الإنعام رائقه ، وبين أرجاء سرائرها بوارق الإعذار والإنذار ~~خافقه . وربما تفتحت كمائم النوائب ، عن زهرات المواهب . وانسكبت غمائم ~~الرزايا ، بنفحات العطايا . وصدع ليل اليأس صبح الرجاء ، وخلع عامل البأس ~~وإلى الرخاء . ذلك تقدير اللطيف الخبير ، وتدبير العزيز القدير ولما ساءت ~~بتثبط الغيث الظنون ، وانقبض من تبسط الشك اليقين ، واسترابت حياض الوهاد ، ~~بعهود العهاد ، وتأهبت رياض النجاد ، لبرود الحداد ، واكتحلت أجفان الأزهار ~~، بإثمد النقع المثار ، وتعطلت أجياد الأنوار ، من حلى الديمة المدرار ، ~~أرسل الله بين يدي رحمته ريحا بليلة الجناح ، مخيلة النجاح ، PageV01P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" سريعة الإلقاح ، فنظمت عقود السحاب ، نظم ~~السخاب ، وأحكمت برود الغمام ، رائقة الأعلام . وحين ضربت تلك المخيلة في ~~الأفق قبابها ، ومدت على الأرض أطنابها ، لم تلبث أن انهتك رواقها ، وانبتك ~~وشيكا نطاقها ، وانبرت مدامعها تبكي بأجفان المشتاق ، غداة الفراق ، وتحكي ~~بنان الكرام ، عند أريحية المدام ، فاستغربت الرياض ضحكا ببكائها ، واهتز ~~رفات النبات طربا لتغريد مكائها ، واكتسب ظهور الأرض من بيض إنائها ، خضر ~~ملائها . فكأن صنعاء قد نشرت على بسيطها بساطا مفوفا ، وأهدت إليها من ~~زخارف بزها ومطارف وشيها ألطافا وتحفا . وخيل للعيون أن زواهر النجوم ، قد ~~طلعت من مواقع التخوم ، ومباسم الحسان ، قد وصلت بافتزاز الغيظان . فيا برد ~~موقعها على القلوب والأكباد ويا خلوص ريها إلى غلل النفوس الصواد كأنما ~~استعارت أنفاس الأحباب ، أو ترشفت شنب الثنايا العذاب ، أو تحملت ماء ~~الوصال ، إلى نار البلبال . أو سرت على أنداء الأسحار وريحان الآصال . لقد ~~تبين للصنع الجليل ، من خلال ديمها تنفس ونصول ، وتمكن للشكر الجميل ، ومن ~~ظلال نعمها معرس ومقيل . فالحمد لله على ذلك ما انسكب قطر ، وانصدع فجر ؛ ~~وتوقد قبس ، وتردد نفس ؛ وهو الكفيل تعالى بإتمام النعمى ، وصلة أسباب ~~الحياة والحيا بعزته وقال الوزير أبو ms0030 عمرو الباجي في مثل ذلك : إن لله ~~تعالى قضايا واقعة بالعدل ، وعطايا جامعة للفضل ؛ ونعم يبسطها إذا شاء ~~إنعاما وترفيها ، ويقبضها متى أراد إلهاما وتنبيها ؛ ويجعلها لقوم صلاحا ~~وخيرا ، PageV01P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" ولآخرين فسادا وطيرا . " وهو الذي ينزل الغيث ~~من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد " . وإنه كان من امتساك ~~السقيا ، وتوقف الحيا ؛ ما ريع به الأمن واستطير له الساكن ؛ ورجفت الأكباد ~~فزعا ، وذهلت الألباب جزعا ؛ وأذكت ذكاء حرها ، ومنعت السماء ردها ؛ وكتست ~~الأرض غبرة بعد خضرة ، ولبست شحوبا بعد نضرة ؛ وكادت برود الرياض تطوى ، ~~ومدود نعم الله تزوى ، ثم نشر الله تعالى رحمته ، وبسط نعمته ، وأتاح منته ~~، وأزاح محنته . فبعث الرياح لواقح ، وأرسل الغمام سوافح ؛ بماء يتدفق ، ~~ورواء غدق ، من سماء طبق . استهل جفنها فدمع ، وسمح دمعها فهمع ، وصاب ~~وبلها فنقع . فاستوفت الأرض ريا ، واستكملت من نباتها أثاثا وريا ؛ فزينت ~~الأرض مشهورة ، وحلة الزهر منشورة ، ومنه الرب موفوره ، والقلوب ناعمة بعد ~~بؤسها ، والوجوه ضاحكة أثر عبوسها ؛ وأثار الجزع ممحوه ، وسور الشكر متلوه ~~؛ ونحن نستزيد الواهب نعمة التوفيق ونستهديه في قضاء الحقوق إلى سواء ~~الطريق ؛ ونستعيذ به من المنة أن تعود فتنه ، والمنحة أن تصير محنه والحمد ~~لله رب العالمين 9 - ذكر شيء مما وصف به الثلج والبرد قال أبو الفتح كشاجم ~~: الثلج يسقط أم لجين يسبك ، . . . أم ذا حصى الكافور ظل يفرك ؟ راحت به ~~الأرض الفضاء كأنها . . . في كل ناحية بثغر تضحك شابت ذوائبها فبين ضحكها . ~~. . طربا وعهدي بالمشيب ينسك وتردت الأشجار منه ملاءة . . . عما قليل ~~بالرياح تهتك PageV01P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" وقال أيضا ثلج وشمس وصوب غادية . . . فالأرض ~~من كل جانب غره باتت وقيعانها زبر جدة . . . . فأصبحت قد تحولت دره كأنها ~~والثلوج تضحكها . . . تعار ممن أحبه ثغره شابت فسرت بذاك وابتهجت . . . ~~وكان عهدي بالشيب يستكره وقال الصاحب بن عباد : أقبل الثلج في غلائل نور . ~~. . تتهادى بلؤلؤ منثور فكأن السماء صاهرت الأر . . . ض فصار النثار من ~~كافور وقال النميري : أهدى لنا بردا يلوح كأنه . . . في الجو حب لآلئ ms0031 لم ~~يثقب ، أو ثغر حواء اللثات تبسمت . . . عن واضح مثل الأقاحي أشنب الباب ~~الثاني : من القسم الثاني من الفن الأول النيازك ، والصواعق والرعد ، ~~والبرق ، وقوس قزح أ - فأما النيازك فهو ما يرى من الذوائب المتصلة بالشهب ~~والكواكب . PageV01P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ~~قال لجماعة من الأنصار : ما كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به ؟ قالوا ~~: يا رسول الله ، كنا نقول إذا رأيناها يرمى بها : مات ملك ، ولد مولود ، ~~فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ليس ذلك كذلك ، ولكن الله تعالى ~~كان إذا قضي في خلقه أمر اسمعه الملائكة فيسبحون ، فيسبح من تحتهم لتسبيحهم ~~، فيسبح من تحت أولئك حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيسبحون ، ثم يقولون ألا ~~تسألون من فوقكم مم يسبحون ؛ فيقولون قضى الله في خلقه كذا وكذا ، للأمر ~~الذي كان . فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا ~~فيتحدثون به ، فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم واختلاف . ثم يأتون به ~~الكهان ، فيصيبون بعضا ، ويخطئون بعضا . ثم أن الله تعالى حجب الشياطين ~~بهذه النجوم التي يقذفون بها فانقطعت الكهانة ، فلا كهانة اليوم . والشهب ~~التي يقذف بها الشياطين غير النجوم الثوابت التي منها البروج والمنازل لقول ~~الله تعالى " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين " . ~~وقال بعض الشعراء : وكوكب نظر العفريت مسترقا . . . للسمع فانقض يذكى أثره ~~لهبه كفارس حل من تيه عمامته . . . وجرها كلها من خلفه عذبه وكتب ابن ~~الحرون إلى صديق له ، وقد كثر انقضاض الكواكب ، وذلك في أيام المتوكل على ~~الله : أما بعد . فإن الفلك قد تفرى عن شهب ثواقب ، كنيران الحباحب ، متقدة ~~كشرر الزنود ، وشعل زبر الحديد ، مازجها عرض حمرة البهرمان ، وصفرة ~~PageV01P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" العقيان . فهي كأرسال جراد منتشر ، وهشيم ذرته ~~ريح صرصر ، في سرعة الكف ، ووحي لحظ الطرف . ب - وأما الصواعق ، فهي ما ~~قاله الزمخشري في تفسيره : الصاعقة قصفة في رعد ينقض معها شقة من نار . ~~وقالوا : إنها تنقدح من السحاب إذا أصطكت ms0032 أجرامه . وهي نار لطيفة حديدة لا ~~تمر بشيء لا أتت عليه ، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود . على أنها متى ~~سقطت على نخلة أحرقت عاليها . وقال صاحب كتاب مناهج الفكر ومباهج العبر في ~~كتابه : ومن عجيب شأنها أنها تحرق ما في الكيس ، ولا تحرق الكيس ؛ وإن ~~احترق فإنما يحترق باحتراق ما ذاب فيه سال . قال : وهي إذا سقطت على جبل أو ~~حجر كلسته ونفذته ، وإذا سقطت في بحر غاصت فيه وأحرقت ما لاقت من جوانبه . ~~وربما عرض لها عند انطفائها في الأرض برد ويبس ، فتكون منها إجرام حجرية أو ~~حديدية ، أو نحاسية . وريما طبعت الحديد سيوفا لا يقوم لها شيء . ج - وأما ~~الرعد وما قيل فيه . قال الله تبارك وتعالى : " ويسبح الرعد بحمده " . قال ~~المفسرون : الرعد ملك موكل بالسحاب ، معه كر من حديد ، يسوقه من بلد إلى ~~بلد كما يسوق الراعي إبله . فكلما خالف سحاب ، صاح به فزجره فالذي يسمع هو ~~صوت الملك . وقال الزمخشري من تفسيره : الرعد الذي يسمع من السحاب ، كأن ~~أجرام السحاب تضطرب وتنتفض إذا حدتها الريح فتصوت عند ذلك . وأما صوت الرعد ~~، تقول العرب : رعدت السماء . فإذا ازداد صوتها ، قيل : ارتجست . ~~PageV01P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" فإذا زاد ، قيل : أرزمت ، وقعقعت . فإذا بلغت ~~النهاية ، قيل : جلجلت ، وهدهدت . المثل رب صلف تحت الراعدة . " للبخيل ~~المتكبر " . د - وأما البرق وما قيل فيه ، فقد ذهب المفسرون لقول الله ~~تعالى إلى إنه ضرب الملك الذي هو الرعد للسحاب بمخراق من حديد . وروي عن ~~مجاهد : إن الله عز وجل وكل بالسحاب ملكا . فالرعد قعقعة صوته ، والبرق ~~سوطه . وأما ترتيبه في لمعانه تقول العرب إذا برق كأنه يتبسم ، وذلك بقدر ~~ما يريك سواد الغيم من بياضه : انكل انكلالا . فإذا بدا من السماء برق يسير ~~، قيل : أوشمت السماء . ومنه قيل : أوشمت النبت إذا أبصرت أوله . فإذا برق ~~برقا ضعيفا ، قيل : خفا . فإذا لمع لمعا خفيفا ، قيل : لمح ، وأومض . فإذا ~~تشقق ، قيل : أنعق انعقاقا . فإذا ملأ السماء وتكشف واضطرب ، قيل : تبوج . ~~فإذا كثر وتتابع ، قيل : ارتعج ms0033 . فإذا لمع وأطمع ثم عدل ، قيل له : خلب . ~~PageV01P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" المثل : ليس في البرق اللامع مستمتع . ه - ذكر ~~ما قيل في وصف الرعد والبرق قال أبو هلال العسكري ، عفا الله عنه : والرعد ~~في أرجائه مترنم . . . والبرق في حافاته متلهب . كالبلق ترمح ، والصوارم ~~تنتضى . . . والجو يبتسم ، والأنامل تحسب وقال آخر : إذا ونت السحب الثقال ~~وحثها . . . من الرعد حاد ليس يبصر أكمه ، أحاديثه مستهولات وصوته . . . ~~إذا انخفضت أصواتهن مقهقه ، إذا صاح في آثارهن حسبته . . . يجاور به من ~~خلفه صاحب له وقال ابن الدقاق الأندلسي : أرى بارقا بالأبلق الفرد يومض . . ~~. يذهب أكناف الدجى ويقضض . كأن سليمى من أعاليه أشرفت . . . تمد لنا كفا ~~خضيبا وتقبض . وقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسي : ويوم جرى برقه أشقرا . . . ~~يطارد من مزنه أشهبا : ترى الأرض فيه وقد فضضت . . . ووجه السماء وقد ذهبا ~~PageV01P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" وقال أحمد بن عبد العزيز القرطبي ، شاعر ~~الذخيرة : ولما تجلى الليل والبرق لامع . . . كما سل زنجي حساما من التبر . ~~وبت سمير النجم وهو كأنه . . . على معصم الدنيا جبائر من در . وقال محمد بن ~~عاصم ، شاعر الخريدة عفا الله عنه : د أضاء بوادي الأثل والليل مظلم . . . ~~بريق كحد السيف ضرجه الدم . إذا البرق أجرى طرفه فصهيله . . . إذا ما تفرى ~~رعده المترنم . فشبهته إذ لاح في غسق الدجى . . . بأسنان زنجي بدت تتبسم . ~~وقال أيضا : والبرق يضحك كالحبيب وعنده . . . رعد يخشن كالرقيب مقاله وقال ~~آخر : أرقت لبرق غدا موهنا . . . خفي كغمزك بالحاجب كأن تألقه في السماء . ~~. . يدا كاتب أو يد حاسب . وقال عبد الله بن المعتز ، يشير إلى سحابة : ~~رأيت فيها برقها منذ بدت . . . كمثل طرف العين أو قلب يحب . ثم حدت بها ~~الصبا حتى بدا . . . فيها إلى البرق كأمثال الشهب . تحسبه فيها إذا ما ~~انصدعت . . . أحشاؤها عنه شجاعا يضطرب . وتارة تبصره كأنه . . . أبلق مال ~~جله حين وثب . حتى إذا ما رفع اليوم الضحى . . . حسبته سلالا من الذهب . ~~PageV01P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" قوله شجاعا مأخوذ من قول دعبل أرقت لبرق آخر ~~الليل منصب . . . خفى كبطن الحية المتقلب ms0034 . وقال أيضا : ما زلت أكلأ برقا ~~في جوانبه . . . كطرفة العين تخبر ثم تختطف . برق تجاسر من حفان لامعه . . ~~. يقض اللبانة من قلبي وينصرف . وأما قوس قزح وما قيل فيه : قالوا : وإنما ~~سمي لذلك لتلونه . وكان ابن عباس رضي الله عنهما يكره أن يسميه قوس قزح ، ~~ويسميه قوس الله ، ويقول : قزح اسم الشيطان . وزعم القدماء في علة تلونه ~~وتكونه ، إنه إذا تكاثف جزء من الهواء بالبرد ثم أشرق عليه نور بعض الكواكب ~~انصبغ ذلك الجزء ، وانعطف منه الضوء إلى ما يليه من الهواء كالحمرة الصافية ~~إذا طلعت عليه الشمس سطع نورها ، وانعطف منه ألوان مختلفة إلى ما يقرب منها ~~. وحمرته وصفرته من قبل الرطوبة واليبس . قالوا : وقياس ذلك النار ، فإنها ~~إذا كانت من حطب رطب ، كان لونها أحمر كدرا ، فإن كانت من حطب يابس ، كان ~~لونها أصفر صافيا . وقال آخرون : القوس يحدث عن رطوبة الهواء وصقالته ، حتى ~~يمكن أن ترسم فيه دائرة الشمس كما ترسم الأشباح في المرايا ، وتشتبك الأشعة ~~بما يكون فيه البخار الرطب فيتولد ، فيكون منها تلك الألوان . وإنما توجد ~~دائرة على الناظر ، لأن الشمس أبدا تكون في قفاها ، ولذلك ترى في مقابلة ~~الجهة التي تكون فيها الشمس ، فترى في المغرب إذا كانت الشمس في المشرق ، ~~وترى في المشرق إذا كانت في المغرب . PageV01P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" وزعم بعض القدماء إن أثر القوس غير حقيقي ، ~~وإنما هو تخييل لا وجود له في نفسه . وقال إن ادراكه على نحو إدراك صورة ~~الإنسان في المرآة من غير أن تكون منطبعة على الحقيقة فيها ولا قائمة بها . ~~وذلك بحسب غلظ الحس الباصر وهو لا يرى إلا أن يكون وراء السحاب الصقيل ، ~~إذا ذاك يكون كالمرآة مؤديا للبصر على نحو تأدية البلور ، إذا جعل وراء شيء ~~غير مشف . ولا يكون ذلك عن السحاب الصقيل وحده ، كما لا يكون عن البلور ~~وحده ، ولا عن غير المشف وحده . والله أعلم . ذكر ما قيل في وصفه وتشبيهه ~~قال أبو الفرج الوأواء ، عفا الله تعالى عنه و : سقيا ms0035 ليوم بدا قوس الغمام ~~به . . . والشمس طالعة والبرق خلاس كأنه قوس رام والبروق له . . . رشق ~~السهام وعين الشمس برجاس وقال سعيد بن حميد القيرواني ، رحمة الله عليه : ~~أما ترى القوس في الغمام وقد . . . نمق فيه الهواء نورا ؟ حكى الطواويس وهي ~~جاعلة . . . أذنابها للمياه أستارا . أخضر في أحمر على يقق . . . على وشاح ~~السحاب قد دارا . كأنما المزن وهي راهبة . . . شدت على الأفق منه زنارا . ~~وقال ظاهر الدين الحريري . شاعر الخريدة عفا الله عنه : ألست ترى الجو ~~مستعبرا . . . يضاحكه برقه الخلب ؟ PageV01P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" وقد بات من قزح قوسه . . . بعيدا وتحسبه يقرب ~~؟ كطاقي عقيق وفيروزج . . . وبينهما آخر مذهب . وقال سيف الدولة بن حمدان ، ~~من أبيات : وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا . . . على الجود كنا والحواشي على ~~الأرض . يطرزها قوس السحاب بأصفر . . . على أحمر في أخضر وسط مبيض . كأذيال ~~خود أقبلت في غلائل . . . مصبغة ، والبعض أقصر من بعض . وقال عبد المحسن ~~الصوري ، عفا الله تعالى عنه : تأمل الجو ترى واليا . . . قد ولى العهد على ~~السحب سار ، وقوس الله تاج له ، . . . ركضا من الشرق إلى الضرب الباب ~~الثالث من القسم الثاني من الفن الأول - في أسطقس الهواء روي عن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : الريح من روح الله تعالى ، تأتي بالرحمة ~~، وتأتي بالعذاب . فلا تسبوها ، واسألوا الله خيرها ؛ واستعيذوا بالله من ~~شرها . أخرجه البيهقي في سننه . وروى أبو الفرج بن الجوزي بإسناده إن الريح ~~تنقسم إلى قسمين : رحمة وعذاب ؛ وينقسم كل قسم إلى أربع أقسام . ولكل قسم ~~اسم ، فأسماء أقسام قسم PageV01P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" الرحمة : المبشرات ، والنشر ، والمرسلات ، ~~والرخاء . وأسماء أقسام قسم العذاب : العاصف ، والقاصف ، " وهما في البحر " ~~، والعقيم ، والصرصر " وهما في البر " . وقد جاء القرءان بكل هذه الأسماء . ~~- ذكر ما قيل في حد الهواء قال الشيخ الرئيس أبو على بن سينا في حده : ~~الهواء حرم بسيط ، طباعه أن يكون حارا رطبا مشفا متحركا إلى المكان الذي ~~تحت كرة النار التي فوق كرة الأرض والماء . وقال إبقراط : إن تغير حالات ~~الهواء هو ms0036 الذي يغير حالات الناس مرة إلى الغضب ، ومرة إلى السكون ، وإلى ~~الهم والسرور ، وغير ذلك . وإذا استوت حالات الهواء ، استوت حالات الناس ~~وأخلاقهم . وقال : إن قوى النفوس تابعة لأمزجة الأبدان ، وأمزجة الأبدان ~~تابعة لتصرف الهواء ، إذا برد مرة ، وسخن مرة ، خرج مرة الزرع نضيجا ، ومرة ~~غير نضيج ، ومرة قليلا ، ومرة كثيرا ، ومرة حارا ، ومرة باردا ، فتتغير ~~لذلك صورهم ومزاجاتهم . وإذا استوى واعتدل الهواء ، خرج الزرع معتدلا ، ~~فاعتدلت بذلك الصور والمزاجات . قال : والعلة في تشابه الترك ، هو أنه لما ~~استوى هواء بلادهم في البرد استوت صورهم وتشابهوا . وقال : إن الرياح تقلب ~~الحيوان حالا إلى حال ، وتصرفه من حر إلى برد ، ومن يبس إلى رطوبة ، ومن ~~سرور إلى خزن ؛ وإنها تغير ما في البيوت من أصناف المأكل كالتمر ، والعسل ، ~~والسمن ، والشراب ، فتسخنها مرة ، وتبردها أخرى ، وتصلبها مرة ، وتيبسها ~~مرة . وعلة ذلك أن الشمس والكواكب تغير الهواء بحركاتها ؛ وإذا تغير الهواء ~~، تغير بتغيره كل شيء . PageV01P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" وقال : أن الجنوب إذا هبت ، أذابت الهواء ~~وبردته ، وسخنت البخار والأنهار فكل شيء في رطوبة تغير لونه وحالاته . وهي ~~ترخى الأبدان والعصب ، وتورث الكسل ، وتحث ثقلا في الأسماع ، وغشاوة في ~~الأبصار . وأما الشمال فإنها تصلب الأبدان ، وتصحح الأدمغة ، وتحسن اللون ، ~~وتصفي الحواس ، وتقوي الشهوة والحركة ، غير أنها تهيج السعال ، ووجع الصدر ~~. وزعم بعض من تأخر في الإسلام من الحكماء : أن الجنوب إذا هبت بأرض العراق ~~، تغير الورد ، وتناثر الورق ، وتشقق القنبيط ، وسخن الماء ، واسترخت ~~الأبدان ، وتكدر الهواء . وزعم آخرون من القدماء : إن الهواء جسم رقيق متى ~~تموج من المشرق إلى المغرب سمي ريح الصبا . قيل : سميت ريح الصبا ، لأن ~~النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها . والصبوة الميل . وجاء في بعض ~~الآثار : ما بعث نبي إلا والصبا معه ، وهي الريح التي سخرت لسليمان عليه ~~السلام غدوها شهرا ، أي من أول النهار إلى الزوال ، ورواحها شهر ، أي من ~~الزوال إلى المغرب . كان يغدو من تدمر من بلاد الشام فيقيل في إصطخر من ~~بلاد فارس ، ويبيت بكابل من ms0037 بلاد الهند . وعن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أنه قال نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور . وإذا تموج من الجنوب ~~إلى الشمال ، سمي ريح الجنوب ، وهي الريح التي أهلك الله عز وجل بها عادا ~~وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تهالى في الفن الخامس من كتابنا هذا . وإذا ~~تموج من الشمال إلىالجنوب ، سمي ريح الشمال . PageV01P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" وهم يزعمون أن مبادئ الرياح شمالية أخذت إلى ~~الجنوب ، وغربية أخذت إلى المشرق للطف الهواء في هاتين الجهتين ، . والعرب ~~تحب الصبا لرقتها ، ولأنها تجيء بالسحاب . والمطر فيها والخصب ، وهي عندهم ~~اليمانية . 3 - ذكر أسماء الرياح اللغوية قال الثعالبي في فقه اللغة : إذا ~~وقعت الريح بين ريحين ، فهي النكباء . فإذا وقعت بين الجنوب والصبا ، فهي ~~الحربياء . فإذا هبت من جهات مختلفة ، فهي المتناوحة . فإذا كانت لينة ، ~~فهي الريدانة . فإذا جاءت بنفس ضعيف وروح ، فهي النسيم . فإذا كان لها حنين ~~كحنين الإبل ، فهي الحنون . فإذا ابتدأت بشدة ، فهي العاصف ، والسيهوج . ~~فإذا كانت شديدة ولها زفزفة وهي الصوت ، فهي الزفزافة . فإذا اشتدت حتى ~~تقلع الخيام ، فهي الهجوم . فإذا حركت الأغصان تحريكا شديدا أو قلعت ~~الأشجار ، فهي الزعزاع ، والزعزعان ، والزعزع فإذا جاءت بالحصباء ، فهي ~~الحاصبة . فإذا درجت حتى ترى لها ذيلا كالرسن في الرمل ، فهي الدروج . فإذا ~~كانت شديدة المرور ، فهي النؤوج . فإذا كانت سريعة ، فهي المجفل ، والجافلة ~~. PageV01P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" فإذا هبت من الأرض كالعمود نحو السماء ، فهي ~~الإعصار . فإذا هبت بالغبرة ، فهي الهبوة . فإذا حملت المور وجرت الذيل ، ~~فهي الهوجاء . فإذا كانت باردة فهي الحرجف ، والصرصر ، والعرية . فإذا كان ~~مع بردها ندى ، فهي البليل . فإذا كانت حارة ، فهي الحرور ، والسموم . فإذا ~~كانت حارة وأتت من قبل اليمن ، فهي الهيف . فإذا كانت باردة شديدة تخرق ~~البيوت ، فهي الخريق . فإذا ضعفت وجرت فويق الأرض ، فهي المسفسة . فإذا لم ~~تلقح شجرا ولم تحمل مطرا ، فهي العقيم . " وقد نطق بها القرآن " . 4 - فصل ~~فيما يذكر منها بلفظ الجمع يقال : الرياح الحواشك : المختلفة الشديدة . ~~البوارح : الشمال الحارة في الصيف ms0038 . الأعاصير : التي تهيج بالغبار . ~~المعصرات : التي تأتي بالأمطار . المبشرات : التي تهب بالسحاب والغيث ~~السوافي : التي تسقى التراب 5 - ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الهواء يقال : ~~أخف من النسيم . أسرع من الريح . ريحهما جنوب " يضرب للمتصافيين " . هو ~~ساكن الريح " إذا كان حليما " . قد هبت ريحه " إذا قامت دولته " . ومن ~~أنصاف الأبيات . إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا . . . وبعض القول يذهب ~~بالرياح تجري الرياح بما لا تشتهي السفن . . . لو كنت ريحا كانت الدبورا ~~PageV01P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" ومن الأبيات : إذا هبت رياحك ، فاغتنمها . . . ~~فإن لكل خافقة سكون وقال آخر : وكل ريح لها هبوب . . . يوما فلا بد من ركود ~~. وقال آخر : والريح ترجع عاصفا . . . من بعد ما ابتدأت نسيما . وقال أبو ~~تمام ، عفا الله عنه : إن الرياح إذا ما أعصفت ، قصفت . . . عيدان نجد ولم ~~يعبأن بالرتم . وقال ابن الرومي ، رحمة الله عليه : لا تطفئن جوى بلوم إنه ~~. . . كالريح تغرى النار بالإحراق . 6 - ذكر ما جاء في وصف الهواء وتشبيهه ~~قال عبد الله بن المعتز ، رحمة الله عليه : ونسيم يبشر الأرض بالقط . . . ر ~~كذيل الغلالة المبلول . ووجوه البلاد تنتظر الغي . . . ث انتظار المحب رد ~~الرسول . وقال ابن الرومي : حيتك عنا الشمال طاف طائفها . . . تحية ، فجرت ~~روحا وريحانا . هبت سحيرا فناجى الغصن صاحبه . . . سرابها ، وتنادى الطير ~~إعلانا . ورق تغنى على خضر مهدلة . . . تسمو بها وتشم الأرض أحيانا . يخال ~~طائرها نشوان من طرب . . . والغصن من هزه عطيفة نشوانا . PageV01P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" وقال أيضا : كأن نسيمها أرج الخزامى . . . ~~ولاها بعد وسمي ولي . هدية شمال هبت بليل . . . لأفنان الغصون بها نجي . ~~إذا أنفاسها نسمت سحيرا . . . تنفس كالشجي لها الخلي وقال آخر : وأنفاس ~~كأنفاس الخزامى . . . قبيل الصبح بلتها السماء . تنفس نشرها سحرا فجاءت . . ~~. به سحرية المسرى رخاء . وقال إسحاق الموصلي : يا حبذا ريح الجنوب إذا جرت ~~. . . في الصبح وهي ضعيفة الأنفاس قد حملت برد الندى وتحملت . . . عبقا من ~~الجثجاث والبسباس وقال آخر : إذا خلا الجو من هواء ، . . . فعيشهم غمة وبوس ~~. فهو حياة لكل حي ، . . . كأن أنفاسه نفوس . وقال ms0039 ابن سعيد الأندلسي : ~~الريح أقود ما يكون لأنها . . . تبدي خفايا الردف والأعكان . PageV01P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" وتميل الأغصان بعد علوها . . . حتى تقبل أوجه ~~الغدران . وكذلك العشاق يتخذونها . . . رسلا إلى الأحباب والأوطان . وقال ~~آخر : أيا جبلى نعمان بالله خليا . . . سبيل الصبا يخلص إلى نسيمها . أجد ~~بردها أو تشف مني حرارة . . . على كبد لم يبق إلا صميمها . فإن الصبا ريح ~~إذا ما تنفست . . . على كبد حراء ، قلت همومها . وقال ابن هتيمل اليمني : ~~هبت لنا سحرا ، والصبح ملتثم ، . . . والليل قد غاب فيه الشيب والهرم . ~~سقيمة من نبات الشرق أضعفها . . . عن قوة السير ، لما هبت ، السقم . فبلغت ~~بلسان الحال قائلة . . . ما لم يبلغه يوما إلى فم ، سرا لغاينه تسرى إلى به ~~. . . من النسيم رسول ليس يتهم . أصافح الريح إجلالا لما حملت . . . إلى من ~~ريح برديها وأستلم . الباب الرابع من القسم الثاني من الفن الأول - في ~~أسطقس النار وأسمائها ، وعبادها ، وبيوت النيران حكى أصحاب التواريخ في ~~حدوث النار أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض وحج ، ونزل جبل أبي قبيس ~~. فأنزل الله إليه مرختين من السماء ، فحك إحداهما بالأخرى فأوريا نارا ، ~~فلهذا سمي الجبل بأبي قبيس . ويدل على أن النار من الشجر ، وقوله عز وجل : ~~" الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون " . ~~PageV01P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" والعرب تقول : في كل شجر نار ، واستمجد المرخ ~~والعفار . لأنهما أسرع اقتداحا . قال الله عز وجل : " أفرأيتم النار التي ~~توقدون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون " . وقال أصحاب الكلام في ~~الطبائع : إن الله عز وجل جمع من النار الحركة ، والحرارة ، واليبوسة ، ~~واللطافة ، والنور . وهي تفعل بكل صورة من هذه الصور خلاف ما تفعل بالأخرى ~~. فبالحركة تعلي الأجسام ؛ وبالحرارة تسخن ؛ وباليبوسة تجفف ؛ وباللطافة ~~تنفذ ؛ وبالنور تضيء ما حولها . ومنفعة النار تختص بالإنسان دون سائر ~~الحيوان . فلا يحتاج إليها شيء سواه ، وليس به عنها غني في حال من الأحوال ~~. ولهذا عظمتها المجوس ، وقالوا : إذ أفردتنا بنفعها ، فنفردها بتعظيمها . ~~على أنهم يعظمون جميع ما فيه منعة على العباد ، فلا ms0040 يدفنون موتاهم في الأرض ~~، ولا يستنجون في الأنهار . - ذكر أسماء النار " وأحوالها في معالجتها ~~وترتيبها " أما أسماؤها ، فمنها : النار ، والصلاء ، والسكن ، والضرمة ، ~~والحرق ، والحمدة " وهو صوت التهابها " ، والحدمة ، والجحيم ، والسعير ، ~~والوحى . وأما تفصيلأحوالها ومعالجتها وترتيبها ، فقد قال الثعالبي في فقه ~~اللغة : إذا لم يخرج النار عن القدح ، قيل : كبايكبو . فإذا صوت ولم يخرج ، ~~قيل : صلد يصد . فإذا أخرج النار ، قيل : ورى يرى . فإذا ألقى الإنسان ~~عليها ما يحفظها ويذكيها ، تقول : شيعتها وأثقبتها . PageV01P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" فإذا عالجها لتلهب ، قال : حضأتها وأرثتها . ~~فإذا جعل لها مذهبا تحت القدر ، قال : سخوتها . فإذا زاد في إيقادها ~~وإشعالها ، قال : أحجبتها . فإذا اشتد تأججها ، فهي جاحمة . فإذا طفئت ~~البتة ، فهي هامدة . فإذا صارت رمادا ، فهي هابية . والله تعالى أعلم . 3 - ~~ذكر عباد النار " وسبب عبادتها وبيوت النيران " أول من عبد النار قابيل بن ~~آدم . وذلك أنه لما قتل أخاه هابيل هرب من أبيه إلى اليمن ، فجاءه إبليس ~~لعنه الله ، وقال له : إنما قبل قربان هابيل وأكلته النار لأنه كان يخدمها ~~ويعبدها . فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك ، فبنى بيت نار . فهو أول من ~~نصب النار وعبدها . وأول من عظمها من ملوك الفرس ، جم . وهو أحد ملوك الفرس ~~الأول ، عظمه ودعل الناس إلى تعظيمها ، وقال : إنها تشبه ضوء الشمس ~~والكواكب ، لأن النور عنده أفضل من الظلمة . ثم عبدت النار بالعراق ، وأرض ~~فارس ، وكرمان ، وسجستان ، وخراسان ، وطبرستان ، والجبال ، وأذربيجان ، ~~وأران ، وفي بلاد الهند ، والسند ، والصين . وبنى في جميع هذه الأماكن بيوت ~~للنيران ، نذكرها بعد إن شاء الله تعالى . PageV01P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" ثم انقطعت عبادة النيران من أكثر هذه الأماكن ~~إلا الهند . فإنهم يعبدونها إلى يومنا هذا . وهم طئفة تدعى الإكنواطرية . ~~زعموا أن النار أعظم العناصر جرما ، وأوسعها حيزا ، وأعلاها مكانا ، ~~وأشرفها جوهرا ، وأنورها ضياء وإشراقا ، وألطفها جسما وكيانا ، وأن ~~الاحتياج إليها أكثر من الاحتياج إلى سائر الطبائع ؛ ولا نور في العالم إلا ~~بها ، ولا نمو ولا انعقاد إلا بممازجتها . وعبادتهم لها أن يحفروا أخدودا ~~مربعا في ms0041 الأرض ويحشوا النار فيه ، وثم لا يدعون طعاما لذيذا ، ولا شرابا ~~لطيفا ، ولا ثوبا فاخرا ، ولا عطرا فائحا ، ولا جوهرا نفيسا ، إلا طرحوه ~~فيها : تقربا إليها ، وتبركا بها ، وحرموا إلقاء النفوس فيها ، وإحراق ~~الأبدان بها ، خلافا لجماعة أخرى من زهاد الهند . وعلى هذا المذهب أكثر ~~ملوك الهند وعظمائها . يعظمون النار لجوهرها تعظيما بالغا ، ويقدمونها على ~~الموجودات كلها . ومنهم زهاد وعباد يجلسون حول النار صاغين ، يسدون منافسهم ~~حتى لا يصل إليها أنفاسهم نفس صدر عن صدر مجرم . وسنتهم الحث على الأخلاق ~~الحسنة ، والمنع من أضدادها ، وهي الكذب ، والحسد ، والحقد ، والكفاح ، ~~والحرص ، والبغي ، والبطر . فإذا تجرد الإنسان عنها ، تقرب من النار . 4 - ~~وأما بيوت النيران ، ومن رسمها من ملوك الفرس قال المسعودي : أول ما حكى ~~ذلك عنه أفريدون الملك . وذلك أنه وجد نارا يعظمها أهلها ، و " هم " ~~معتكفون على عبادتها . " فسألهم عن خبرها ووجه الحكمة منهم في عبادتها . ~~فأخبروه بأشياء اجتذبت نفسه إلى عبادتها " وأنها واسطة بين الله تعالى وبين ~~خلقه ، وأنها من جنس الآلهة النورية ، وأشياء ذكروها له . وجعلوا للنور ~~مراتب PageV01P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" وقوانين " وفرقوا بين طبع النار والنور " ~~وزعموا أن الحيوان يجتذبه النور ، فيحرق نفسه : كالفراش الطائر بالليل فما ~~لطف جسمه ، ويطرح نفسه في السراج فيحرقها . وغير ذلك مما يقع في صيد الليل ~~من الغزلان ، والوحش ، والطير ، وكظهور الحيتان في الماء إذا قربت من ~~السراج في الزوارق كما يصاد السمك ببلاد البصرة في الليل ، فإنهم يجعلون ~~السرج حوالي المركب ، فيثب السمك من الماء إليها ؛ وان النور صلاح هذا ~~العالم ، وشرف النار على الظلمة إلى غير ذلك . فلما أخبروا أفريدون بذلك ~~أمر أن تحمل جمرة منها إلى خراسان ، فحملت . فاتخذ لها بيتا بطوس . " واتخذ ~~بيتا آخر بمدينة بخارا يقال له برد سورة " . وبيتا آخر بسجستان كواكر ، كان ~~اتخذه بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن يهراسف . وبيت آخر ببلاد الشير والران ~~، كانت فيه أصنام أخرجها منه أنوشروان ، وقيل إنه صادف هذا البيت ، وفيه ~~نار معظمة فنقلها إلى الموضع المعروف بالبركة . وبيت ms0042 آخر للنار يقال له ~~كوسجة : بناه كيخسرو الملك . وقد كان بقومس بيت نار معظم لا يدرى من بناه ، ~~ويقال له حريش . ويقال أن الإسكندر لما غلب عليها . تركها ولم يطفئها . ~~PageV01P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" وبيت نار آخر يسمى كنكدز ، بناه سياوش بن ~~كاوس الجبار ، وذلك في زمن لبثه بشرق الصين مما يلي البركة . وبيت نار ~~بمدينة أرجان من ارض فارس ، بناه قمار . وبيت بأرض فارس أتخذ في أيام ~~يهراسف . فهذه البيوت كانت زرادشت بعد ذلك بيوتا للنيران . فكان مما اتخذ ~~بيت بمدينة نيسابور من بلاد خراسان ، وبيت بمدينة نسا والبيضاء من أرض فارس ~~. وقد كان زرادشت أمر يستاسف الملك بطلب نار كان يعظمها جم فطلبت ، فوجدت ~~بمدينة خوارزم . فنقلها يستاسف الملك إلى مدينة دار بجرد من أرض فارس ~~والمجوس تعظم هذه النار مالا تعظم غيرها من النيران والبيوت وللفرس بيت نار ~~بإصطخر فارس ، يعظمه المجوس . كان في قديم الزمان للأصنام ، فأخرجتها جمان ~~بنت بهمن بن اسبنديار وجعلته بيت نار . ثم نقلت عنه النار فجرب وفي مدينة ~~سابور من أرض فارس بيت معظم عندهم اتخذه دارا بن دارا . وفي مدينة جور من ~~أرض فارس بيت بناه أردشير بن بابك وقد كان أردشير بني بيت نار يقال له ~~بارنوا في اليوم الثاني من غلبته على فارس . وبيت نار على خليج القسطنطينية ~~من بلاد الروم بناه سابور الجنود ابن أردشير بن بابك حين نزل على هذا ~~الخليج وحاصر القسطنطينية . ولم يزل هذا البيتإلى خلافة المهدي . وكان ~~سابور اشترط على الروم بقاء هذا البيت وبأرض العراق بين نار بالقرب من ~~مدينة السلام . بنته بوران بنت كسرى ابرويز ، الملكة ، بالموضع المعروف ~~بأسنيبا . PageV01P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" وبيوت النيران كثيرة تعظمها المجوس . والذي ~~ذكرناه هو المشهور منها . 5 - ذكر نيران العرب ونيران العرب أربعة عشر نارا ~~. نار المزدلفة توقد حتى يراها من دفع من عرفة . وأول من أوقدها قصي بن ~~كلاب . نار الاستسقاء كانت الجاهلية الأولى ، إذا تتابعت عليهم الأزمات ، ~~واشتد الجدب ، واحتاجوا إلى الأمطار . يجمعون لها بقرا ms0043 ، في أذنابها ~~وعراقيبها السلع والعشر ، ويصعدون بها إلى جبل وعر ، ويشعلون فيها النار ، ~~ويضجون بالدعاء والتضرع . وكانوا يرون ذلك من الأسباب المتوصل بها إلى نزول ~~الغيث . وفي ذاك يقول الوديك الطائي : لا در در رجال خاب سعيهم ، . . . ~~يستمطرون لدى الأزمات بالعشر ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ أجاعل أنت بيقورا مسلعة . . . ~~ذريعة لك بين الله والمطر ؟ وقال أمية بن أبي الصلت : ويسوقون باقر السهل ~~للطو . . . د مهازيل خشية أن تبورا . PageV01P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" عاقدين النيران في بكر الأذ . . . ناب منها ، ~~لكي تهيج النحورا . سلع ما ومثله عشر ما . . . عائل وما وعالت البيقورا . ~~نار الزائر والمسافر ويسمونها نار الطرد . وذلك أنهم كانوا إذا لم يحبوا ~~رجوع شخص ، أوقدوا خلفه نارا ودعوا عليه . ويقولون في الدعاء . أبعد الله ~~وأسحقه وأوقدوا نار إثره . قال الشاعر : وجمة قوم قد أتوك ولم تكن . . . ~~لتوقد نارا خلفها للتندم . والجمة : الجماعة يمشون في الدم ، وفي الصلح . ~~ومعنى هذا البيت : لم تندم على ما أعطيت في الحمالة عند كلام الجماعة ، ~~فتوقد خلفهم نارا كي لا يعودوا . نار التحاليف كانوا لا يعقدون حلفهم إلا ~~عليها ، فيذكرون منافعها ، ويدعون الله بالحرمان والمنع من منافعها على ~~الذي ينقض العهد ، ويطرحون فيها الكبريت والملح . فإذ فرقعت هول على الحالف ~~. قال الكميت : همو خوفوني بالعمى هوة الردى . . . كما شب نار الحالفين ~~المهول . وقال أوس بن حجر : إذا استقبلته الشمس ، صد بوجهه . . . كما صد عن ~~نار المهول حالف . نار الغدر كانت العرب إذا غدر الرحل بجاره ، أوقدوا له ~~نارا بمنى ، أيام الحج على الأخشب " وهو الجبل المطل على منى " . ثم صاحوا ~~: هذه غدرة فلان . قالت امرأة من هاشم : فإن نهلك فلم نعرف عقوقا . . . ولم ~~توقد لنا بالغدر نار . نار السلامة وهي نار توقد للقادم من سفره ، إذا قدم ~~بالسلامة والغنيمة . قال الشاعر : يا سليمى أوقدي النارا . . . إن من تهوين ~~قد زارا . PageV01P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" نار الحرب وتسمى نار الأهبة والإنذار . توقد ~~على يفاع ، فتكون إعلاما لمن بعد . قال ابن الرومي : له ناران : نار قرى ~~وحرب . . . . ترى كلتيهما ذات التهاب . نار ms0044 الصيد يوقدونها لصيد الظباء ، ~~لتعشى أبصارها . نار الأسد كانت العرب توقدها إذا خافوه ؛ فإن الأسد إذا ~~عاين النار حدق إليها وتأملها . نار السليم توقد للملدوغ ، والمجروح ، ومن ~~عضه الكلب حتى لا يناموا فيشتد بهم الألم . قال النابغة : يسهد من ليل ~~التمام سليمها . . . لحلى النساء في يديه قعاقع . وذلك لأنهم يعقلون عليه ~~حلى النساء ويتركونه سبع أيام . نار الفداء وذلك أن ملوكهم كانوا إذا سبوا ~~قبيلة وخرجت إليهم السادات في الفداء وفي الاستهياب ، كرهوا أن يعرضوا ~~النساء نهارا فيفتضحن . وأما في الظلمة فيخفى قدر ما يحسبون من الصفي ~~لأنفسهم ، وقدر ما يجودون به ، وما يأخذون عليه الفداء . فيوقدون لذلك ~~النار . قال الشاعر : نساء بني شيبان يوم أوارة . . . على النار إذ تجلى له ~~فتيانها . نار الوسم كانوا يقولون للرجل : ما نارك ؟ " في الاستخبار عن ~~الإبل " أو ما سمتك ؟ " فيقول " : حياط ، أو علاط ، أو حلقة ، أو كذا ، ~~أوكذا . حكي أن بعض اللصوص قرب إبلا كان قد أغار عليها وسلبها من قبائل شتى ~~إلى بعض الأسواق ، فقال له بعض : ما نراك ؟ وإنما سأله عن ذلك ، لأنهم ~~PageV01P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" كانوا يعرفون ميسم كل قوم وكرم إبلهم من ~~لؤمها ، فقال : تسألني الباعة : ما نجارها ، . . . إذ زعزعوها فسمت أبصارها ~~؟ وكل دار لأناس دارها . . . وكل نار العالمين نارها نار القرى وهي من أعظم ~~مفاخر العرب . كانوا يوقدونها في ليالي الشتاء ، ويرفعونها لمن يلتمس القرى ~~. فكلما كانت أضخم وموضعها أرفع ، كان أفخر ، وهم يتمادحون بها ، قال ~~الشاعر : له نار تشب بكل واد . . . إذا النيران ألبست القناعا . وقال ~~إبراهيم بن هرمة : إذا ضل عنهم ضيفهم ، رفعوا له . . . من النار في الظلماء ~~ألوية حمرا . وكانت للعرب نار عظمى تسمى نار الحرتين وهي التي أطفأها الله ~~تعالى بخالد بن سنان العبسي . وكانت حرة ببلاد عبس ، وتسمى حرة الحدثان . ~~روي عن ابن الكلبي أنه قال : كان يخرج منها عنق فيسيح مسافة ثلاثة أو أربعة ~~أميال ، لا تمر بشيء إلا أحرقته . وأن خالد بن سنان أخذ من كل بطن من بني ~~عبس رجلا ms0045 فخرج بهم نحوها ، ومعه درة حتى انتهى إلى طرفها ، وقد خرج منها ~~عنق كأنها عنق بعير فأحاط بهم ، فقالوا له : هلكت والله أشياخ بني عبس آخر ~~الدهر فقال خالد كلا وجعل يضرب ذلك العنق بالدرة ويقول : بدا بدا ، كل هدي ~~الله PageV01P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" يؤدى أنا عبد الله خالد بن سنان فما زال ~~يضربه حتى رجع ، وهو يتبعه والقوم معه كأنه ثعبان يتملك حجارة الحرة حتى ~~انتهى إلى قليب ، فانساب فيه وتقدم عليه ، فمكث طويلا . فقال ابن عم لخالد ~~، يقال له عروة بن شب : لا أرى خالدا يخرج إليكم أبدا فخرج ينطف عرقا ، وهو ~~يقول : زعم ابن راعية المعزى أني لا أخرج . فقيل لهم بنو راعية المعزى إلى ~~الآن . وفي هذه النار يقول الشاعر : كنار الحرتين لها زفير . . . تصم مسامع ~~الرجل السميع . 6 - ذكر النيران المجازية ومن النيران ، نيران مجازية لا ~~حقيقة . فمنها : نار البرق . وقد وصفها بعض الأعراب فقال : نار تجدد ~~للعيدان نظرتها . . . والنار تشعل عيدان فتحترق . إشارة إلى أن النار تحرق ~~العيدان ، إلا نار البرق فأنها تجيء بالغيث . نار المعدة . وهي التي تهضم ~~الطعام . وهي كنار الحياة ، ونار الغريزة . وقوتها مادة للصحة ، كما أن ~~ضعفها سبب للعلة . نار الحمى . وقد قيل : النيران ثلاثة : نار لا تأكل ولا ~~تشرب ، وهي نار الآخرة ؛ ونار تأكل وتشرب ، وهي نار الحمى ، تأكل اللحم ~~وتشرب الدم ؛ ونار تأكل ولا تشرب ، وهي نار الدنيا . ومن النيران المجازية ~~: نار الشوق ، نار الشره ، نار الشباب ، نار الشراب . قال شاعر يمدح بعض ~~الملوك : وقيت نار الجحيم يا ملك ، . . . أربع نيرانه له نسق نار شباب تروق ~~نظرتها ، . . . ونار راح كأنه شفق ، ونار سلطانه ، تقارنها . . . نار قرى ~~لا تزال تأتلق ، PageV01P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" 7 - ذكر النيران التي يضرب المثل بها يضرب ~~المثل : بنار الحباحب . وهي نار لبخيل كان يوقدها . فإذا استضاء بها إنسان ~~، أطفأها . وقيل : إنها النار التي توريها الخيل بسنابكها من الحجارة . قال ~~الله تعالى : " فالموريات قدحا " . وقال النابغة : ويوقدن بالصفاح نار ~~الحباحب . وهذا المثل يضرب لما لا ms0046 منفعة فيه ولا حاصل له . نار الغضى ، ~~يضرب بها المثل في الحرارة . وهي جمر أبيض لا يصلح إلا للوقود . نار العرفج ~~. وهي نار تتقد سريعا . قال قتيبة بن مسلم لعمرو بن عباد بن الحصين : ~~للسؤدد أسرع إليك من النار في يبس العرفج . إذا التهبت فيه النار انتشرت ~~وتسمى نار الزحفتين ، لأن العرفج إذا انتشرت فيه النار عظمت واستفاضت . فمن ~~كان بالقرب منها زحف عنها ، ثم لا تلبث أن تنطفئ من ساعتها . فيحتاج الذي ~~زحف عنها أن يزحف إليها . فلا يزال المصطلى بها كذلك ، فلذلك سميت نار ~~الزحفتين . نار الحلفاء . يضرب بها المثل في سرعة الاتقاد ، كما قيل : فما ~~ظنك بالحلفا . . . ء أدنيت له نارا . وفي سرعة الانطفاء ، كما قيل : نار ~~الحلفاء ، سريعة الانطفاء . 8 - ذكر ما جاء منها على لفظ أفعل يقال : آكل ~~من النار ؛ أحر من الجمرة ؛ أحسن من النار ؛ أسرع من شرارة في قصباء . ~~PageV01P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" ويقال : فلان واري الزناد ؛ وريت بك زنادي ؛ ~~فلان ثاقب الزند ؛ فلان كابي الزناد ؛ صلدت زناده ؛ فلام يصطلى بناره ؛ هو ~~القابس العجلان ؛ هما زندان في وعاء . ومن أنصاف الأبيات : والنار قد ~~يخمدها النافخ . . . كملتمس إطفاء نار بنافخ والجمر يوضع في الرماد فيخمد . ~~. . كذا كل نارروحت تتوهج هيهات تكتم في الظلام المشاعل ومن الأبيات قول ~~علي بن الجهم : والنار في أحجارها مكنونة . . . لا تصطلى إن لم تثرها ~~الأزند وقال آخر : والنار بالماء الذي هو ضدها . . . تعطي النضاج ، وطبعها ~~الإحراق . وقال آخر : والكاتم الأمر ليس يخفى . . . كالموقد النار باليفاع ~~. وقال آخر : لا تتبع كل دخان ترى . . . فالنار قد توقد للكي . وقال أبو ~~تمام : لولا اشتعال النار فيما جاورت ، . . . ما كان يعرف طيب عرف العود . ~~PageV01P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" وقال آخر : وفتيلة المصباح تحرق نفسها . . . ~~وتضيء للساري ، وأنت كذاكا . 9 - ذكر ما قيل في وصف النار وتشبيهها قال عبد ~~الله بن المعتز ، غفر الله له : كأن الشرار على نارها . . . وقد راق منظرها ~~كل عين . سحالة تبر إذا ما علا . . . فإما هوى ففتات اللجين . أخذه العسكري ~~فقال ms0047 : أوقدت بعد الهدو نارا . . . لها على الطارقين عين . شرارها إن علا ~~نضار . . . لكنه إن هوى لجين . وقال السري الرفاء : والتهبت نارنا ، ~~فمنظرها . . . يغنيك عن كل منظر عجب . إذا رمت بالشرار فاطردت . . . على ~~ذراها مطارد اللهب ، رأيت ياقوتة مشبكة . . . تطير عنها قراضة الذهب . وقال ~~إبراهيم بن خفاجة الأندلسي : حمراء نازعت الرياح رداءها . . . وهنا وزاحمت ~~السماء بمنكب . ضربت سماء من دخان فوقها ، . . . لم تدر منها شعلة من كوكب ~~. وتنفخت عن كل نفحة جمرة . . . باتت لها ريح الشمال بمرقب . قد ألهبت ~~فتذهبت فكأنها . . . شقراء تمرح في عجاج أكهب . PageV01P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" وقال أبو الفتح كشاجم : كأنما النار والرماد ~~وقد . . . كاد يوارى من نورها النورا : ورد جني القطاف أحمر قد . . . ذرت ~~عليه الأكف كافورا . وقال تاج الملوك بن أيوب : أما ترى النار وهي تضرم في ~~. . . أحشاء كانونها وتلتهب ؟ كأنما الفحم فوقها قضب . . . من عنبر وهي ~~تحته ذهب . وقال أبو مروان بن أبي الخصال : لابنة الزند في الكوانين جمر . ~~. . كالدراري في دجى الظلماء . خبروني عنها و لا تكتموني ، . . . ألديها ~~صناعة الكيمياء ؟ سبكت فحمها صفائح تبر . . . رصعتها بالفضة البيضاء . كلما ~~رفرف النسيم عليها . . . رقصت في غلالة حمراء . هذا البيت مأخوذ من قول ~~الخفاجي : وكأنها والريح عابثة بها . . . تزهى فترقص في قميص أحمر . وقال ~~أبو هلال العسمري : نار تلعب بالسقوف كأنها . . . حلل مشققة على حبشان . ~~ردت عليها الريح فضل دخانها . . . فأنت به سبجا على عقيان . فالجو يضحك في ~~ابيضاض شرائر . . . منها ويعبس في اسوداد دخان . وقال ابن أبي الخصال : ~~وعوجوا على ياقوتة ذهبية . . . يهيم بها المقرور بالسبرات . إذا ما ارتمت ~~من فحمها بشرارها . . . رأيت نجوم الليل منكدرات . PageV01P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" وقال سيف الدولة بن حمدان : كأنما النار ~~والرماد معا . . . وضوءها في ظلامه يحجب : وجنة عذراء مسها خجل . . . ~~فاستترت تحت عنبر أشهب . وقال آخر : فحم كيوم الفراق تشعله . . . نار كنار ~~الفراق في الكبد . أسود قد صار تحت حمرتها . . . مثل العيون اكتحلن بالرمد ~~. وقال أبو طالب المأموني : ما نرى النار كيف أسقمها الق . . . ر فأضحت ~~تخبو وطورا تسعر ؟ وغدا ms0048 الجمر والرماد عليه . . . في قميص مذهب ومعنبر ؟ ~~وقال أبو فراس الحمداني : لله برد ما أش . . . د ومنظر ما كان أعجب جاء ~~الغلام بناره . . . هو جاء في فحم تلهب . فكأنما جمع الحلي . . . فمحرق منه ~~ومذهب . ثم انطفت فكأنما . . . ما بيننا ند معشب . - ذكر شيء مما قيل في ~~الشمعة والشمعدان والسراج والقنديل الشمعة والشمعدان " والسراج والقنديل " ~~أما الشمعة ، فمن جيد ما قيل فيها قول الأرجاني : نمت بأسرار ليل كان ~~يخفيها . . . وأطلعت قلبها للناس من فيها . PageV01P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" قلب لها لم يرعنا وهو مكتمن . . . إلا برقية ~~نار من تراقيها . سقيمة لم يزل طول اللسان لها . . . في الحي يجني عليها ~~ضرب هاديها . غريقة في دموع ، وهي تحرقها . . . أنفاسها بدوام من تلظيها . ~~تنفست نفس المهجور إذ ذكرت . . . عهد الخليط فبات الوجد يبكيها . يخشى ~~عليها الردى مهما ألم بها . . . نسيم ريح إذا وافى يحيها . بدت كالنجوم هوى ~~في إثر عفرية . . . في الأرض فاشتعلت منه نواصيها . نجم رأى الأرض أولى أن ~~يبوأها . . . من السماء ، فأمسى طوع أهليها . كأنها غرة قد سال شادخها . . ~~. في وجه ذهماء يزهيها تجليها . أو ضرة خلقت للشمس حاسدة ، . . . فكلما ~~حجبت ، قامت تحاكيها . وحيدة كشباة الرمح هازمة . . . عساكر الليل إن حلت ~~بواديها . ما طنبت قط في أرض مخيمة . . . إلا وأقمر للأبصار داجيها . لها ~~غرائم تبدو من محاسنها ، . . . إذا تفكرت يوما في معانيها . كصعدة في حشا ~~الظلماء طاعنة . . . تسقي أسفلها ريا أعاليها . فالوجنة الورد إلا في ~~تناولها . . . والقامة الغصن إلا في تثنيها . صفراء هندية في اللون إن نعتت ~~. . . والقد واللين إن أتممت تشبيها . فالهند تقتل بالنيران أنفسها . . . ~~وعندها أن ذاك القتل يحييها . قد أثمرت وردة حمراء طالعة . . . تجني على ~~الكف إن أهويت تجنيها . ورد تشاك به الأيدي إذا قطفت ، . . . وما على غصنها ~~شواك يوقيها . PageV01P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" ما إن تزال تبيت الليل ساهرة . . . وما بها ~~غلة في الصدر تطفيها . صفر غلائلها ، حمر عمائمها . . . سود ذوائبها ، بيض ~~لياليها . تحيي الليالي نورا ، وهي تقتلها . . . . بئس الجزاء لعمر الله ~~تجزيها قدت على ثوب قد تبطنها . . . ولم يقدر ms0049 عليها الثوب كاسيها . غراء ~~فرعاء ما تنفك قالية . . . تقص لمتها طورا وتفليها . شباء شعثاء لا تكسي ~~غدائرها . . . لون الشبيبة إلا حين تبليها . قناة ظلماء لا تنفك يأكلها . . ~~. سنانها طول طعن أو يشظيها . مفتوحة العين تفنى ليلها سهرا ؛ . . . نعم ، ~~وإفناؤها إياه يفنيها . وربما نال من أطرافها مرض . . . لم يشف منه بغير ~~القطع مشفيها . وقال آخر : بيضاء أضحكت الظلام فراعها . . . فبكت واسبلت ~~الدموع بوادرا . جفت دموع جفونها فكأنما . . . كسيت من الطلع النضيد ظفائرا ~~. وقال أبو القاسم المطرز من الأبيات : وللشموع عيون كلما نظرت . . . تظلمت ~~من يديها أنجم الغسق . من كل مرهفة الأعطاف كالغصن . . . المياد لكنه عار ~~من الورق . إني لأعجب منها وهي وادعة . . . تبلى وعيشتها من ضربة العنق ~~PageV01P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" وقال آخر : جاءت بجسم كأنه ذهب . . . تبكي ~~وتشكي الهوى وتلتهب . كأنها في أكف حاملها . . . رمح لجين سنانه ذهب . وقال ~~محمد بن أبي الثبات ، شاعر اليتيمة : ومجدولة مثل صدر القناة . . . تعرت ~~وباطنها مكتسي . لها مقلة هي روح لها ، . . . وتاج على الرأس كالبرنس . إذا ~~غازلتها الصبا حركت . . . لسانا من الذهب الأملس . وتنتج من حيث ما ألقحت . ~~. . ضياء يجلي دجى الحندس . فنحن من النور في أسعد . . . وتلك من النار في ~~أنحس وقال آخر : ورشيقة بيضاء تطلع في الدجى . . . صبحا وتشفى الناظرين ~~بدائها . شابت ذوائبها أوان شبابها . . . واسود مفرقها أوان فنائها . ~~كالعين : في طبقاتها ودموعها . . . وبياضها وسوادها وضيائها . وقال الصاحب ~~بن عباد : وشمعة قدمت إلينا . . . تجمع أوصاف كل صب : صفرة لون وذوب جسم . ~~. . وفيض دمع ، وحر قلب . وقال السري الرفاء : مفتولة مجدولة . . . تحكي ~~لنا قد الأسل . كأنها عمر الفتى . . . والنار فيها كالأجل . PageV01P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" ومما ورد في وصفها نثرا . من رسالة لابن ~~الأثير الجزري جاء منها : وكان بين يدي شمعة تعم مجلسي بالإيناس ، وتغني ~~بوجودها عن كثرة الجلاس ، وكانت الريح تتلاعب بشعبها ، وتدور على قطب لهبها ~~؛ فطورا تقيمه فيصير أنمله ، وطورا تميله فيصير سلسله ؛ وتارة تجوفه فيصير ~~مدهنه ، وتارة تجعله ذا ورقات فيمثل سوسنه ؛ وآونة تنشره فيبسط منديلا ، ~~وآونة تلقه على رأسها فيستدير إكليلا ms0050 . ومن رسالة أخرى له : وكانت الريح ~~تتلاعب بلهبها لدى الخادم فتشكله أشكالا ، فتارة تبرزه نجما ، وتارة تبرزه ~~هلالا ، ولربما سطع طورا كالجلنارة في تضاعيف أوراقها ، وطورا كالأصابع في ~~انضمامها وافتراقها . وقال سيف الدين المشد في الفانوس : وكأنما الفانوس في ~~غسق الدجى . . . دنف براه سقمه وسهاده . حنيت أضالعه ورق أديمه . . . وجرت ~~مدامعه وذاب فؤاده . ومما قيل في السراج من رسالة لأبي عبد الله محمد بن ~~أبي الخصال ، جاء منها : عذرا إليك أيدك الله فإني خططت والنوم مغازل ، ~~والقرنازل ؛ والريح تلعب بالسراج ، وتصول عليه صولة الحجاج ؛ فطورا تبرزه ~~سنانا ، وتحركه لسانا ؛ وآونه PageV01P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" تطويه جنابه ، وأخرى تنشره ذوائبه ؛ وتارة ~~تقيم إبرة لهب ، وتعطفه برة ذهب ؛ وحينا تقوسه حاجب فتات ، ذات غمزات ؛ ~~وتسلطه على سليطه ، وتديله على خليطه ؛ وربما نصبته أذن جواد ، ومسخته حدق ~~جراد ؛ ومشتقه حروف برق ، بكف ودق ؛ ولثمت بسناه قنديله ، وألقت على أعطافه ~~منديله ؛ فلاحظ منه للعين ، ولا هداية في الطرس لليدين . رسالة القنديل ~~والشمعدان . من إنشاء الولى الفاضل البارع البليغ تاج الدين عبد الباقي بن ~~عبد المجيد اليماني ، سمعتها من لفظه ، وقرأتها عليه ، وأجاز لي روايتها ~~عنه ، وهي الموسومة بزهر الجنان ، في المفاخرة بين القنديل والشمعدان . ~~ابتدأها بأن قال : الحمد لله الذي أنار حالك الظلماء ، بأنوار بدر السماء ؛ ~~وحلي جيدها ، بعقود النجوم ، وحرس مشيدها ، بسهام الرجوم ؛ وجعلها عبرة ~~للاستبصار ، ونزهة للأبصار ؛ غشاؤها لا زورد مكلل بنضار ، أو أقاحي خميلة ~~تفتحت فيها أزرار الأزهار ؛ تهدى السارى بسواريها ، وتزرى بالدررر أنوار ~~دراريها ؛ كرع في نهر مجرتها النسران ، ورتع في مراعي رياضها الفرقدان . ~~أحمده على نعمه التي لا يقوم بشكرها لسان ، ولا يؤدي واجب حقها إنسان يجلب ~~إلى الحامد أنواع الإحسان ، ويسوق إلى الشاكر ركائب الخيرات الحسان . ~~PageV01P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" وأصلي وأسلم على سيدنا محمد الذي أنار الله ~~بوجوده ظلمة الوجود ، وأظهر بظهور أفعال الركوع والسجود ؛ ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وعلى آله الوافين للعهود ، وعلى أصحابه أهل الإفضال والجود ، صلاة ~~وسلام دائمين إلى اليوم الموعود وبعد فإن فنون الآداب كثيرة ms0051 الشعوب ، ~~متباينة الأسلوب ؛ طالما تلاعب الأديب بفنونها بين جد ومجون ، وكيف لا ~~والحديث ذو شجون . وكنت بحمد الله ممن هو قادر على إبراز ملح الأدب ، وعلى ~~إظهار لطائف لغة العرب ؛ فتمثل في خاطري المفاخرة بين الشمعدان والقنديل ، ~~ولا بد من إبراز المفاخرة بينهما في أحسن تمثيل ؛ لأنهما آلتا نور ، ونديما ~~سرور ؛ طالما مزقا جلباب الدجى بأضوائهما ، وحسما مادة الظلمة بأنوارهما ؛ ~~وطلعا في سماء المجالس بدورا ، وأخجلا نور الرياض لما أصدر من جوهرهما نورا ~~. سما كل واحد منهما إلى أنه الأصل ، وأن بمدحه يحسن الفضل والوصل ؛ وأنه ~~الجوهرة اليتيمة ، والبدرة التي ليست لها قيمة ؛ سارت بمحاسنه ركائب ~~الركبان ، ونظمت في جيد مجده قلائد العقيان . فأحببت أن أنظمهما في ميدان ~~المناظرة ليبرز كل واحد منهما خصائصه الواضحة ، ويظهر نقائص صاحبه الفاضحة ~~؛ وليتسم غارب الاستحقاق بالفضيلة ، ويؤكد في تقرير فضائله الراجحة دليله ؛ ~~مع أنه لا تقبل الدعاوى إلا بالبرهان ، ولعمري لقد قيل قدما : من تحلى بغير ~~ما هو فيه . . . فضحته شواهد الامتحان . فأتلع الشمعدان جيدة للمطاولة ، ~~وعرض سمهريه اللجيني للمناضلة ، وقال : استنت الفصال حتى القرعى ~~PageV01P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" لست بنديم الملوك في المجالس ، كلا ولا ~~الروضة الغناء للمجالس طالما أحدقت بي عساكر النظار ، ووقفت في استحسان ~~هياكلي رؤية الأبصار ؛ وحملت على الرؤوس إذا علقت بآذانك ، وجليت كجلاء ~~المرهفات إذا اسود وجهك في دخانك . فنضنض لسان القنديل ونضنضة الصل ، ~~وارتفع ارتفاع البازي المطل . وقال : إن كان فخرك بمجالسة السلاطين ، ~~فافتخاري بمجالسة أهل الدين ، طالما طلعت في أفق المحراب نجما ازداد علا ، ~~وازدانت الأماكن المقدسة بشموس أنواري حلا ؛ جمع شكلي مجموع العناصر ، فعلى ~~مثلي تعقد الخناصر ؛ يحسبني الرائي جوهرة العقد الثمين ، إذا رأى اصفرار ~~لونك كصفرة الحزين ؛ ولقد علوتك في المجالس زمانا ، ومن صبر على حر المشقة ~~ارتفع مكانا . فنظر إليه الشمعدان مغضبا ، وهم بأن يكون عن جوابه منكبا . ~~وقال : أين ثمنك من ثمني ، ومسكنك من مسكني ؟ صفائحي صفحات الإبريز ، فلذا ~~سموت عليك بالتبريز ؛ تنزه العيون في حمائلي الذهبية ، وتسر النفوس ببزوغ ~~أنواري الشمسية ؛ ولا ms0052 يملكني إلا من أوطنته السعدة مهادها ، وقربت له ~~الرياسة جيادها ؛ ولقد نفعت في الصحة والسقم ، وازدادت قيمتي إذا نقصت في ~~القيم ؛ وإن انفصمت عراك فلا تشعب ، ولا تعاد إلى سبك نار فتصب وتقلب ؛ لست ~~من فرسان مناظرتي ، ولا من قرناء مفاخرتي . فالتفت القنديل التفات الضرغام ~~، وفوق إلى قرينه سهام الملام . وقال : أنت عندي كثعاله ، ولا محاله ؛ طالك ~~العنقود ، فأبرزت أنواع الحقود ؛ وأين الثريا من يد المتناول ؟ أم أين ~~السها من كف المتطاول ؟ تالله إنك في صرفك بصفرك مغلوط لقد خصصت بالعلو ~~وخصصت بالهبوط . ترى باطني من ظاهري مشرقا ، وتخالني لخزائن الأنوار مطلقا ~~؛ فحديث سيادتي مسلسل ، وتاج فضائلي بجوهر العلو مكلل . فلحظه الشمعدان ~~بطرف طرفه ، وأرسل في ميدان المناظرة PageV01P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" عنان طرفه . وقال : إن افتخارك بالعلو غير ~~مفيد ، وميزة اختصاصك به ليس له أبهة مزيد ؛ طالما على القتام وانحطت ~~الفرسان ، ومكث الجمر وسما الدخان ؛ ولقد صيرتك كنظر المشنوق حاله ، وكضوء ~~السها ذباله ؛ وأنت الخليق بما قيل : وقلب بلا لب ، وأذن بلا سمع وسلاسلك ~~تشعر بعقلك ، وعلوك يبني على غلو إسقاط كمثلك ؛ عادلت التبر كفة بكفه ، ~~ووزنته إذا كان فيه خفه ؛ فأصخ لمفاخري الجليله ، واستمع مناقبي الجميلة . ~~أطارد جيوش الظلماء برمحي ، وأمزق أثواب الديجور بصبحي ؛ وجمع عاملي بين ~~طلع النخل ، وحلاوة النحل ، يتلو سورة النور لساني ، ويقوى في مصادمة عساكر ~~الليل البهيم جناني ؛ أسامر المليك خلوه ، ويستجلى من محاسني أحسن جلوه . ~~ولله در القائل : انظر إلى شمعدان شكله عجب . . . كروضة روضت أزهارها السحب ~~. يطارد الليل رمح فيه ورق . . . سنانه لهب من دونه الذهب . فمثل هذه ~~المناقب تتلى ، ومثل هذه المحاسن تظهر وتجلى . فأضرم نار تبيينه ، في أحشاء ~~قرينه . فعندها قال القنديل : لقد أطلت الافتخار بمحاسن غيرك ، لما وقفت في ~~المناظرة ركائب سيرك ؛ فاشكر اليد البيضاء من شمعك ، واحرص على معرفة قيمتك ~~ووضعك ؛ وأما افتخارك بتلاوة سورة النور ، فأنا أحق بها منك إذ محلي ~~الجوامع ، والفرقان فارق بيني وبينك مع أنه ليس بيننا جامع ؛ ففضيلتي فيه ~~بينه ، وآية نورى في سورة ms0053 النور مبينة ؛ فاقطع مواد اللجاجة ، واقرأ الآية ~~المشتملة على الزجاجة ؛ يظهر لك من هو PageV01P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" الأعلى ، ومن بالفتخار الأولى ؛ تخالني درة ~~علقت في الهواء ، أو كوكبا من بعض كواكب الجوزاء . ولله در القائل : ~~قنديلنا فاق بأنواره . . . نور رياض لم تزل مزهره . ذبالة فيه إذا أوقدت . ~~. . حكت بحسن الوضع نيلوفره . لا يحمل الأقذاء خاطري ، ولا يغتم مشاهدي ~~وناظري ؛ فأنا خلاصة السبك ، والتبر الذي لا يفتقر إلى الحك ؛ اشتقاق اسمك ~~من النحوس ، ومن جرمك تقام هياكل الفلوس ؛ لقد عرضت نفسك للمنية ، وانعكست ~~عليك مواد الأمنية ؛ مع أن الحق أوضح من لبة الصباح ، وأسطع من ضوء المصباح ~~؛ والآن غضصت بريقك ، وخفيت لوامع بروقك ؛ فهذه الشهباء والحلبة ، وهذه ~~ميادين المناظلة رحبه . فحار الشمعدان في الجواب ، وجعل ما بداه أولا فصل ~~الخطاب . فقال القنديل : لا بد من الإقرار بأن قدح المعلى ، وأن عليك ~~بالتقديم الأولى ؛ وأن مقامي العالي ، ونوري المتوالي . فقال الشمعدان : لا ~~منازعة فيما جاء به الكتاب من تفضيلك ، وكونك الكوكب الدري الذي قصر عن ~~بلوغك باع مثيلك . فجنح الشمعدان للسلم ، وترفع عن استيطان مواطن الإثم ؛ ~~وشرع يبدي شعائر الخضوع ، وينشر أعلام الأوبة عما قال والرجوع ؛ قال : لولا ~~حمية النفوس ، ما تجملت بمفاخرنا صفحات الطروس ؛ ولولا القال والقيل ، ما ~~ضمنا معرض التمثيل ؛ ولكن أين صفاءك من كدري ، وأين نظرك من نظري ؛ خصك ~~الله بنوره ، وذكرك في فرقانه وزبوره . PageV01P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" فعندها تهلك أسارير القنديل ، وتبسم فرحا ~~بالتعظيم والتبجيل . وقال : حيث رجعنا إلى شرع الإنصاف ، وإظهار محاسن ~~الأوصاف ؛ ففضلك لا يبارى ، ووصفك لا يجارى ؛ يحسبك الرائي خميلة نور تفتحت ~~أزهارها ، وحديقو نرجس أطردت أنهارها ؛ تسر بك النفوس ، وتدار على نضارتك ~~الكؤوس ؛ وإن اللائق بحالنا طي بساط المنافسة ، وإخماد شرر المقابسة ؛ ~~واستغفار فيما فرض من كلامنا ، والرجوع إلى الله في إصلاح أقوالنا وأفعالنا ~~. ونقول : الأصل فيما نقلناه عدمه ، فقد حف كل واحد منا في إبراز معايبة ~~قلمه . ونسأل الله أن تدوم لنا نعمه ، ويتعاهدنا في المساء والصباح كرمه ~~بمنه وجوده وكرمه آمين PageV01P0121 # """""" صفحة ms0054 رقم 122 """""" ### | AUT القسم الثالث من الفن الأول الليالي والأيام والشهور والأعوام في الليالي والأيام والشهور والأعوام والفصول والمواسم والأعياد # وفيه أربعة أبواب الباب الأول من هذا القسم 1 - في الليالي والأيام روي ~~عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : خلق الله الخلق في ظلمة . " ~~وروي في عماء " ثم رش عليهم من نوره . وهذا يدل على أن الظلمة خلقت قبل ~~النور . وروي أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما سئل عن الليل ، أكان قبل ~~أو النهار ؟ قال : أرأيتم حيث كانت السماوات والأرض رتفا ، هل كان بينهما ~~إلا ظلمة ؟ ذلك لتعلموا أن الليل كان قبل النهار . والذي ورد في القرآن من ~~ذكر الليل والنهار ، والظلمات والنور بدأ الله عز وجل بذكر الليل قبل ~~النهار ، وبالظلمات قيل النور . ويروى أن الله عز وجل لما خلق السماء ~~والأرض ، وقع ظل السماء على الأرض فأظلمت ، فجعل الشمس ضياء والقمر نورا . ~~ثم خلق الزمان وقسمه قسمين : ليلا ، ونهارا . فجعل حصة الليل للقمر ، وحصة ~~النهار للشمس . فكانا يتعاقبان بالطلوع فيهما ، فلم يكن بين الليل والنهار ~~فرق في الإضاءة . PageV01P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" فلما أراد الله عز وجل خلق النوع الإنساني - ~~وعلم أنه لا غنى له عن حركته للمعاش نهارا وسكونه للراحة ليلا - أمر جبريل ~~فأمر جناحه على القمر فمحا نوره . فالسواد الذي يرى في القمر هو أثر المحو ~~، وصار الليل مظلما والنهار مبصرا . وروي أيضا أن الله عز وجل خلق حجابا من ~~ظلمة مما يلي المشرق ووكل به مالكا يقال له سراهيل . فإذا انقضت مدة النهار ~~، فبض الملك قبضة من تلك الظلمة واستقبل بها المغرب ، فلا تزال الظلمة تخرج ~~من خلل أصابعه وهو يراعي الشفق . فإذا غاب الشفق ، بست كفه فطبق الدنيا ~~ظلمة . فإذا انقضت مدة الليل قبض كفه على الظلمة ، إصبعا بعد إصبع إلى أن ~~يذهب الظلام ، حتى تنتقل الشمس من الشرق إلى الغرب . وذلك من أشراق الساعة ~~. والله أعلم - ذكر ما قيل في الليل وأقسامه الليل طبيعي وشرعي . أما ~~الطبيعي ، فهو من ms0055 حين غروب الشمس واستتارها إلى طلوعها وظهورها . وأما ~~الشرعي ، فهو من حين غروبها إلى طلوع الفجر الثاني ، وهو المراد بقوله ~~تعالى : " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " . والليل ~~ينقسم إلى اثنتي عشرة ساعة ، لها أسماء وضعتها العرب ، وهي : الشاهد ، ثم ~~الغسق ، ثم العتمة ، ثم الفحمة ، ثم الموهن ، ثم القطع ، ثم الجوشن ، ثم ~~الكعبة ، ثم التباشير ، ثم الفجر الأول ، ثم الفجر الثاني ، ثم المتعرض . ~~هذا ما ذكره ابن النحاس في وصف صناعة الكتاب . وحكى الثعالبي في فقه اللغة ~~- عن حمزة الاصفهاني ، قال : وعليه عهدته - أسماء غير هذه ، وهي : الجهمة ، ~~والشفق ، والغسق ، والعتمة ، والسدفة ، والزلة ، والزلفة ، والبهرة ، ~~والسحر ، والفجر ، والصبح ، والصباح . PageV01P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" فصل وقد عبر الليالي عن الأيام ، كقول الله ~~عز وجل : " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة " ؛ وقوله تعالى : " والفجر وليال عشر ~~" . فعبر عن الأيام بالليالي ، لأن كل ليلة تتضمن يوما . 3 - ذكر الليالي ~~المشهورة من الليالي المشهورة ليلة البراءة . وهي ليلة النصف من شعبان ، ~~قيل سميت بذلك لأنها براءة لمن يحيها ؛ وليلة القدر . والصحيح أنها من ~~مفردات العشر الأخير من شهر رمضان ؛ وليلة الغدير . وهي ليلة الثامن عشرة ~~من ذي الحجة . وليلة الهرير . وهي ليلة من ليالي صفين ، قتل فيها خلق كثير ~~من أصحاب معاوية رضي الله عنه ؛ وليلة الخلعاء . وهي ليلة باتها أبو ~~الطمحان القيني عند دبرانيه ، فأكل طفيشلها بلحم الخنزير ، وشرب خمرها ، ~~وزني بها ، وسرق كساءها ؛ وليلة النابغة . يضرب بها المثل في الخوف ؛ وليلة ~~المتوكل . تضرب مثلا في موت نتج من سرور ، لأنه قتل في مجلس أنسه ، على ما ~~نذكره في أخباره إن شاء الله تعالى . 4 - ذكر ما يتمثل به في ذكر الليل ~~يقال : أطغى من الليل . أطفل من نيل على النهار . أحير من الليل . أستر من ~~الليل . أظلم من الليل . أندى من ليلة ماطرة . PageV01P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" ويقال : الليل أخفى للويل . الليل نهار ~~الأريب . الليل طويل وأنت مقمر . والليل وأهضام الوادي . والليل أعور " ~~لأنه لا يبصر فيه " . ويقال : اتخذ الليل جملا . شمر ms0056 ذيلا ، وادرع ليلا . ~~أمر نهار قضى بليل . ومن أنصاف الأبيات : الليل حبلي ليس تدري ما تلد . . . ~~ما أقصر الليل على الراقد ما أشبه الليلة بالبارحة . . . وليل المحب بلا ~~آخر إحدى لياليك فهيسي هيسي . . . فإنك كالليل الذي هو مدركي ومن الأبيات : ~~إن الليالي لم تحسن إلى أحد . . . إلا أساءت إليه بعد إحسان . والليالي كما ~~عهدت حبالى . . . مقر بات يلدن كل عجيب . أما ترى الليل والنهارا . . . ~~جارين لا يبقيان جارا ؟ وقال حميد بن ثور : ولن يلبث العصران يوم وليلة . . ~~. إذا طلبا أن يدركا ما تمنيا وقال أبو حية النميري : إذا ما تقاضى المرء ~~يوم وليلة ، . . . تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا . PageV01P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" 5 - ذكر ما قيل في وصف الليل وتشبيهه قد أكثر ~~الشعراء في وصف الليل بالطول والقصر . وذكروا سبب الطول الهموم وسبب القصر ~~السرور . ولهذا أشار بعض الشعراء في قوله : إن الليالي للأنام مناهل . . . ~~تطوى وتنشر بينها الأعمار . فقصارهن مع الهموم طويلة ، . . . وطوالهن مع ~~السرور قصار . وقال آخر : إن التواصل في أيامه قصر ، . . . كما التهاجر في ~~أيامه طول . فليس يعرف تسهيدا ولا رمد . . . جفن برؤية من يهواه مشغول . ~~وقال ابن بسام : لا أظلم الليل ولا أدعي . . . أن نجوم الليل ليست تغور . ~~ليل كما شاءت فإن لم تزر . . . طال ؛ وإن زارت ، فليل قصير . أصله من قول ~~علي بن الخليل : لاأظلم الليل ولا أدعي . . . أن نجوم الليل ليست تعول . ~~ليل كما شاءت قصير إذا . . . جادت ، وإن صدت ، فليل طويل . وقال آخر : أخو ~~الهوى يستطيل الليل من سهر ، . . . والليل في طوله جار على قدره . ليل ~~الهوى سنة في الهجر مدته ؛ . . . لكنه سنة في الوصل من قصره . PageV01P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" وقال الوليد ين يزيد بن عبد الملك : لا أسأل ~~الله تغيرا لما صنعت : . . . نامت وقد أسهرت عيني عيناها . فالليل أطول شيء ~~حين أفقدها . . . والليل أقصر شيء حين ألقاها . 6 - واما ما وصف به من ~~الطول قال الخباز : وليل كواكبه لا تسير . . . ولا هو منها يطيق البراحا . ~~كيوم القيامة في طوله . . . على من يراقب فيه ms0057 الصباحا . وقال ابن المعتز : ~~مالي أرى الليل مسبلا شعرا . . . عن غرة الصبح غير مفروق . وقال بشار : ~~خليلي ما بال الدجى لا يزحزح ، . . . وما بال ضوء الصبح لا يتوضح ؟ أضل ~~النهار المستنير طريقه ؟ . . . أم الدهر ليل كله ليس يبرح ؟ وقال الرفاء : ~~ألا رب ليل بت أرعى نجومه . . . فلم أغتمض فيه ولا الليل أغمضا . كأن ~~الثريا راحة تشبر الدجى . . . لتعلم طال الليل لي أم تعرضا . عجبت لليل بين ~~شرق ومغرب . . . يقاس بشبر كيف يرجى له انقضا ؟ وقال محمد بن عاصم : أقول ، ~~والليل دجى مسبل . . . والأنجم الزهر به مثل : يا طول ليل ما له آخر . . . ~~منك ، وصبح ما له أول PageV01P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" وقال التنوخي : وليلة كأنها قرب أمل . . . ~~ظلامها كالدهر ما فيه خلل . كأنما الإصباح فيها باطل . . . أزهقه الله بحق ~~، فبطل . ساعاتها أطول من يوم النوى . . . وليلة الهجر وساعات العذل . ~~مؤصدة على الورى أبوابها . . . كالنار لا يخرج منها من دخل . وقال أبو محمد ~~، عبد الله بن السيد البطليوسي : ترى ليلنا شابت نواصيه كبرة . . . كما شب ~~، أو في الجوروض نهار ؟ كأن الليالي السبع في الأفق جمعت . . . ولا فصل في ~~ما بينها بنهار . وقال الشريف البياضي : أقول لصحبي والنجوم كأنها ، . . . ~~وقد ركدت في بحر حندسها غرقى : أرى ثوب هذا الليل لا يعرف البلى . . . فهل ~~أرين للصبح في ذيله فتقا ؟ وقال أيضا : أقول وللدجى عمر مديد . . . وآخره ~~يرد إلى معاد . وقد ضلت كواكبه ، فظلت . . . حيارى ما لها في الأفق هادي : ~~لعل الليل مات الصبح فيه ، . . . فلازم بعده لبس الحداد . وقال آخر : أما ~~لظلام ليلي من صباح ؟ . . . أما للنجم فيه من براح ؟ كأن الأفق سد ، فليس ~~يرجى . . . به نهج إلى كل النواحي . PageV01P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" كأن الشمس قد مسخت نجوما . . . تسير مسير ~~رواد طلاح . كأن الصبح مهجور طريد ، . . . كأن الليل مات صريع راح . كأن ~~بنات نعش متن حزنا ، . . . كأن النسر مكسور الجناح . وقال آخر : يا ليلة ~~طالت على عاشق . . . منتظر للصبح ميعادا كادت تكون الحول في طولها ؛ . . . ~~إذا مضي أولها ، عاد . وقال ابن الرومي : رب ليل ms0058 كأنه الدهر طولا . . . قد ~~تناهى فليس فيه مزيد . ذا نجوم كأنهن نجوم الش . . . يب ليست تزول ، لكن ~~تزيد . وقال أبو الأحنف : حدثوني عن النهار حديثا . . . أو صفوه فقد نسيت ~~النهارا . وقال بشار : طال هذا الليل بل طال السهر . . . ولقد أعرف ليلة ~~بالقصر . لم يطل حتى دهاني بالهوى . . . ناعم الأطراف فتان النظر . فكأن ~~الهجر شخص مائل . . . كلما أبصره النوم نفر . وقال إبراهيم بن خفاجة ~~الأنداسي : يا ليل وجد بنجد . . . أما لطيفك مسرى ؟ وما لدمعي طليق . . . ~~وأنجم الجو أسرى ؟ وقد طما بحر ليل . . . لم يعقب المد جزرا . لا يعبر ~~الطرف فيه . . . غير المجرة جسرا . PageV01P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" وقال أبو مروان ابن أبي الخصال : وليل كأن ~~الدهر أفضى بعمره . . . جميعا إليه ، فانتهى في ابتدائه . يحدث بعض القوم ~~بعضا بطوله ، . . . ولم يمض منه غير وقت عشائه . وقال إبراهيم ولد ابن لنكك ~~البصري ، شاعر اليتيمة : وليلة أرقني طولها . . . فبتها في حيرة الذاهل . ~~كأنما اشتقت لإفراطها . . . في طولها من أمل الجاهل . وقال امرؤ القيس : ~~وليل كموج البحر مرخ سدوله . . . علي بأنواع الهموم ليبتلي . فقلت له لما ~~تمطى بصلبه . . . وأردف اعجازا وناء بكلكل : ألا أيها الليل الطويل ، ألا ~~أنجلي . . . بصبح وما الإصباح منك بأمثل فيا لك من ليل كأن نجومه . . . ~~بأمراس كتان إلى صم جندل . وقال آخر : أراقب في السماء بنات نعش ؛ . . . ~~ولو أستطيع ، كنت لهن حادي . كأن الليل أوثق جانباه . . . وأوسطه بأمراس ~~شداد . وقال أخرم بن حميد : وليل طويل الجانبين قطعته . . . على كمد ، ~~والدمع تجري سواكبه . كواكبه حسرى عليه كأنها . . . مقيدة دون المسير ~~كواكبه . PageV01P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" وقال ابن الرقاع : وكأن ليلي حين تغرب شمسه . ~~. . بسواد آخر مثله موصول . أرعى النجوم . إذا تغيب كوكب ، . . . أبصرت آخر ~~كالسراج يجول . وقال آخر : ما لنجوم الليل لا تغرب ؟ . . . كأنها من خلفها ~~تجذب رواكد ما غار في غربها . . . ولا بدا من شرقها كوكب . وقال سعيد ين ~~حميد : يا ليل ، بل يا أبد . . . أنائم عنك غد ؟ يا ليل لو تلقى الذي . . . ~~ألقى بها أو تجد ، قصر من طولك أو . . . ضعف منك ms0059 الجلد وقال سيف الدين ~~المشد : مات الصباح بليل . . . أحييته حين عسعس . لو كان في الدهر صبح . . ~~. يعيش ، كان تنفس . 7 - أما ما وصف به من القصر فمن ذلك قول إبراهيم بن ~~العباس : وليلة إحدى الليالي الزهر ، . . . قابلت فيها بدرها ببدري . لم تك ~~غير شفق وفجر ، . . . حتى تولت وهي بكر الدهر . PageV01P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" وقال الشريف الرضي : يا ليلة كاد من تقاصرها ~~. . . يعثر فيها العشاء بالسحر . وقال آخر : يا ليلة جمعتنا بعد فرقتنا . . ~~. فبت من صبحها لما بدا ، فرقا . لما خلوت بآمالي بها ، قصرت . . . وكاد ~~يسبق فيها فجرها الغسقا . وقال آخر : يا رب ليل سرور خلته قصرا . . . يعارض ~~البرق في أفق الدجى برقا . قد كاد يعثر أولاه بآخره . . . وكاد يسبق منه ~~فجره الشفقا . وقال القاضي السعيد بن سناء الملك : يا ليلة الوصل ، بل يا ~~ليلة العمر . . . أحسنت ، إلا إلى المشتاق ، في القصر . يا ليت زيد بحكم ~~الوصل فيك لنا . . . ما طول الهجر من أيامك الأخر . أو ليت نجمك لم تقفل ~~ركائبه ، . . . أو ليت صبحك لم يقدم من السفر . أو ليت لم يصف فيك الشرق من ~~غبش ، . . . فذلك الصفو عندي غاية الكدر . أو ليت كل من الشرقين ما ابتسما ~~، . . . أو ليت كلا من النسرين لم يطر ، أو ليت كنت كما قد قال بعضهم : . . ~~. ليل الضرير فصبحي غير منتظر . أو ليت فجرك لم ينفر به رشئي ، . . . أو ~~ليت شمسك ما جارت على قمري . أو ليت قلبي وطرفي تحت ملك يدي . . . فزدت فيه ~~سواد القلب والبصر . أو ليت ألقى حبيبي سحر مقلته . . . على العشاء فأبقاه ~~بلا سحر . أو ليت كنت سألتيه مساعدة . . . فكان يحبوك بالتكحيل والشعر . ~~PageV01P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" كأنها حين ولت قمت أجذبها . . . فانقد في ~~الشرق منها الثوب من دبر . لا مرحبا بصباح جاءني بدلا . . . من غرة النجم ~~أو من طلعة القمر وقال عبد الله بن المعتز : يل ليلة ما كان أط . . . يبها ~~سوى قصر البقاء أحييتها فأمتها . . . وطويتها طي الرداء . حتى رأيت الشمس ~~تت . . . لو البدر في أفق السماء . فكأنه وكأنها . . . قد ms0060 حان من خمر وماء ~~. وقال المهلبي : قد قصر الليل عند ألفتنا . . . كأن حادي الصباح صاح به . ~~وقال آخر : كأنما الليل راكب فرسا . . . منهزما والصباح في طلبه . 8 - أما ~~ما وصف به من الإشراق فمن ذلك قول شاعر أندلسي : رب ليل عمرته . . . فيك ~~خال من الفكر . كثرت حوله الحجو . . . ل وسارت به الغرر . وقال أبو بكر ~~الصنوبري : يا ليلة طلعت بأسعد طالع . . . تاهت على ضوء النهار الساطع . ~~بمحاسن مقرونة بمحاسن . . . وبدائع موصولة ببدائع . PageV01P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" ضوء الشموع وضوء وجهك مازجا . . . ضوء العقار ~~وضوء برق لامع . فكأنما ألقى الدجى جلبابه . . . وأراك جلباب النهار الساطع ~~9 - أما ما وصف به من الظلمة قال الله عز وجل : " أو كظلمات في بحر لجي ~~يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض " . فهذه أتم ~~أوصاف الظلمة . وقال مضرس بن ربعي : وليل يقول الناس في ظلماته : . . . ~~سواء صحيحات العيون وعورها كأن لنا منه بيوتا حصينة . . . مسوح أعاليها ~~وساج كسورها وقال أبو تمام : إليك هتكنا جنح ليل كأنما . . . قد اكتحلت منه ~~البلاد بإثمد وقال أبو نواس : أبني لي : كيف صرت إلى حريمي ، . . . وجفن ~~الليل مكتحل بقار وقال العلوي الأصفهاني : ورب ليل باتت عساكره . . . تحمل ~~في الجو سود رايات لامعة فوقها أسنتها . . . مثل الأزاهير وسط روضات ومن ~~رسالة لأبي عبد الله بن أبي الخصال . جاء منها : والليل زنجي الأديم ، تبري ~~النجوم ؛ قد جللنا ساجه ، وأغرقتنا أمواجه ؛ فلا مجال للحظ ، ولا تعارف إلا ~~باللفظ ؛ ولو نظرت فيه الزرقاء لاكتحلت ، ولو خضبت به الشيبة ما نصلت . ~~PageV01P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" - ومما قيل في تباشير الصباح قال أبو محمد ~~العلوي : كأن اخضرار الجو صرح ممرد . . . وفيه لآل لم تشن بثقوب . كأن سواد ~~الليل في ضوء صبحه . . . سواد شباب في بياض مشيب . وقال أبو علي بن لؤلؤ ، ~~الكاتب : رب فجر كطلعة البدر جلى . . . جنح ليل كطلعة الهجران ، زار في حلة ~~النراة فولى الليل عنه في حلة الغربان . وقال الخالديان : وكأنما الصبح ~~المنير وقد بدا . . . باز أطار من الظلام غرابا ms0061 وقال النظام البلخي ، من ~~شعراء الخريدة : فلاح الصبح مبتسم الثنايا . . . وطار الليل مقصوص الجناح . ~~يطير غراب أو كاز الدياجي . . . إذا ما حل بازي الصباح . وقال تميم بن ~~المعز : وكأن الصباح في الأفق باز . . . والدجى بين مخلبيه غراب . وقال ابن ~~وكيع : غرد الطير فنبه من نعس . . . . وأدر كأسك فالعيش خلس PageV01P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" سل سيف الفجر من غمد الدجى . . . وتعرى الصبح ~~من ثوب الغلس . وانجلى في حلة فضية . . . ما بها من ظلمة الليل دنس . وقال ~~أبو مروان بن أبي الخصال : لما رأيت الغرب قد غص بالدجى . . . وفي الشرق من ~~ثوب الصباح دلائل ، توهمت أن الغرب بحر أخوضه . . . وأن الذي يبدو من الشرق ~~ساحل . وقال أسعد بن بليطة الأندلسي : جرت بمسك الدجى كافورة السحر . . . ~~فغاب إلا بقايا منه في الطرر ، صبح يفيض وجنح الليل منغمس . . . فيه كما ~~غرق الزنجي في نهر . قد حار بينهما في برزخ قمر . . . يلوح كالشنف بين الخد ~~والشعر . وقال أحمد بن عبد العزيز القرطبي : بتنا كأن حداد الليل شملتنا . ~~. . حتى بدا الصبح في ثوب سحولي . كأن ليلتنا والصبح يتبعها ، . . . زنجية ~~هربت قدام رومي . وقال أبو نواس : فقمت والليل يجلوه الصباح ، كما . . . ~~جلا التبسم عن غر الثنيات . وقال عبد الله بن المعتز : قد أغتدي والليل في ~~جلبابه . . . كالحبشي فر من أصحابه . والصبح قد كشر عن أنيابه . . . كأنما ~~يضحك من ذهابه . وقال السري : وشرد الصبح عنا الليل فاتضحت . . . سطوره ~~البيض في آياته السود . PageV01P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" وقال أبو فراس : مددنا علينا الليل ، والليل ~~راضع . . . إلى أن تردى رأسه بمشيب . بحال ترد الحاسدين بغيظهم . . . وتطرف ~~عنا عين كل رقيب . إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه . . . مبادى نصول في عذار ~~خضيب . وقال عبد الصمد بن بابك ، شاعر اليتيمة : واستهلت لمصرع الليل ورق . ~~. . ثاكلات ، حدادها التطويق . فتضاحكت شامتا وكأن الصبح جيب على الدجى ~~مشقوق . وقال أبو بكر الصنوبري : وليلة كالرفرف المعلم . . . محفوظة ~~الظلماء بالأنجم . تعلق الفجر بأرجائها ، . . . تعلق الأشقر بالادهم . وقال ~~السلامي ، شاعر اليتيمة : وقد خالط الفجر الظلام كما التقى . . . على روضة ~~خضراء ms0062 ورد وأدهم . وعهدي بها ، والليل ساق ووصلنا . . . عقار ، وفوها الكأس ~~أو كأسها الفم . إلى بدرنا بالنجوم ، وغربها ، . . . يفض عقود الدر والشرق ~~ينظم . ونبهت فتيان الصبوح للذة . . . تلوح كدينار يغطيه درهم . ~~PageV01P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" ومن رسالة للقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني ~~، عفا الله عنه . حاء منها : فلما قضى الليل نحبه ، وأرسل الصباح على دهمه ~~شهبه ؛ شمر الليل إزاره ، ووضع النجم أوزاره ؛ ونزح بالطيف طادرا ، وظل ~~وراء الصبح ناشدا ؛ وفجر الفجر نهر النهار ، واسترد البنفسج وأهدى البهار ؛ ~~فمواكب الكواكب منهزمة ، وغرة الفجر كغرة مولاي مبتسمة . ومما يدخل في هذا ~~الباب ، ما حكي عن أن بعض الأعراب تزوج بأربع نسوة ، فأراد أن يختبر عقولهن ~~. فقال إحداهن : إذا دنا الصبح فأيقظيني . فلما دنا الصبح ، قالت له : قم ، ~~فقد دنا الصبح ؟ فقال : وما يدريك ؟ قالت : غارت صغار النجوم وبقي أحسنها ~~وأضوؤها وأكبرها ، وبرد الحلي على جسدي ، واستلذذت باستنشاق النسيم . فقال ~~لها : إن في ذلك دليلا . ثم بات عند الثانية ، فقال لها مثل مقالته للأولى ~~. فلما دنا الصبح ، أيقظته . فقال لها : وما يدريك ؟ قالت : ضحكت السماء من ~~جوانبها ، ولم تبق نابتة إلا فاحت روائحها ، وعيني تطالبني بإغفاءة الصباح ~~. فقال لها : إن في ذلك دليلا . ثم بات عند الثالثة ، فقال لها مثل ذلك . ~~فلما دنا الصبح ، أيقظته . فقال لها : وما يدريك ؟ فقالت : لم يبق طائر إلا ~~غرد ، ولا ملبوس إلا برد ، وقد صار للطرف في الليل مجال ، وليس ذلك إلا من ~~دنو الصباح . فقال لها : إن في ذلك لدليلا . ثم بات عند الرابعة ، فقال لها ~~مثل ذلك . فلما دنا الصبح ، قالت له : قم ، فقد دنا الصبح فقال لها : وما ~~يدريك ؟ قالت : أبت نفسي النوم ، وطلبني فمي بالسواك واحتجت إلى الوضوء . ~~فقال لها : أنت طالق ، فإنك أقبحهن وصفا . PageV01P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" - ذكر ما قيل في النهار والنهار طبيعي ، ~~وشرعي . فالطبيعي زمان بين طلوع نصف قرص من المشرق ، وإلى غيابه في المغرب ~~. والشرعي ما بين انفجار الفجر الثاني إلى غروب الشمس . والفجر فجران : ~~الفجر الكاذب ، وهو بياض مستطيل ؛ والفجر ms0063 الصادق بياض مستطير . وقد وضعت ~~العرب لساعات النهار أسماء ، كما وضعت لساعات الليل ، وهي : الذرور ، ثم ~~البزوغ ، ثم الضحى ، ثم الغزالة ، ثم الهاجرة ، ثم الزوال ، ثم الدلوك ، ثم ~~العصر ، ثم الأصيل ، ثم الصبوب ، ثم الحدور ، ثم الغروب . ويقال أيضا : ~~البكور ، ثم الشروق ، ثم الإشراق ، ثم الرأد ، ثم الضحى ، ثم المتوع ، ثم ~~الهاجرة ، ثم الأصيل ، ثم العصر ، ثم الطفل ، ثم العشى ، ثم الغروب . ذكر ~~ذلك معا أبو جعفر النحاس . وحكى الثعالبي في كتاب فقه اللغة - عن حمزة بن ~~الحسن - قال : وعليه عهدتها : الشروق ، ثم البكور ، ثمالغدوة ، ثم الضحى ، ~~ثم الهاجرة ، ثم الظهيرة ، ثم الرواح ، ثم العصر ، ثم القصر ، ثم الأصيل ، ~~ثم العشي ، ثم الغروب . وكانت العرب العاربة تسمى أ يام الأسبوع بأسماء غير ~~هذه التي تتداولها الناس في وقتنا هذا ، وهي : " أول " وهو الأحد " أهون " ~~وهو الاثنان " جبار " وهو الثلاثاء " دبار " وهو الأربعاء " مؤنس " وهو ~~الخميس " عروبة " وهو الجمعة " شيار " وهو السبت . PageV01P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" نظم ذلك شاعرفقال : أؤمل أن أعيش وأن يومي . ~~. . لأول أو لأهون أو جبار ، أو التالي دبار وإن أفته . . . فمؤنس أو عروبة ~~أو شيار . - ذكر الأيام التي خصت بالذكر منها : الأيام المعلومات . وهي عشر ~~ذى الحجة ، وفيها يوم التروية . وهو اليوم الثامن سمى بذلك لأنهم يرتوون من ~~الماء لما بعده ، لأن منى لا ماء بها . الأيام المعدودات . هي أيام التشريق ~~. وعدتها ثلاثة بعد يوم النحر . سميت بذلك لأنهم كانوا يشرقون فيها لحوم ~~الأضاحي في الشمس والهواء ، لئلا تفسد . أيام العجوز . ويقال فيها الأيام ~~الأعجاز ، وهي سبعة : أولها السادس والعشرون من شباط من شهر الروم ؛ ~~والخامس من برمهات من شهور القبط . وهي لا تخلو من رياح وبرد . وسميت ~~بالعجوز : لأنها في عجز الشتاء . يوم عبيد ، مثل لليوم المنحوس . كان عبيد ~~بن الأبرص قد تصدى للنعمان في يوم بؤسه الذي لا يفلح من لقيه فيه ، كما لا ~~يخيب من لقيه في يوم نعيمه ، قال أبو تمام : من بعد ما ظن الأعادي أنه . . ~~. سيكون لي يوم كيوم عبيد . يوم المطر ms0064 . يضرب مثلا في كفر النعمة . وذلك ~~أنه حكى عن المعتمد على الله ابن عباد صاحب إشبيلية أنه خلا بزوجته ~~الرميكية في مجلس أنس ، والزمان فيه قيظ . فتمنت عليه غيما ومطرا . فأمر ~~بمجامر العنبر والعود والند ، حتى انعقد الدخان كالضباب ، ثم أمر برش صحن ~~المجلس بماء الورد من أعلاه . وحصل PageV01P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" بينهما بعد ذلك نبوة ، فقالت له : ما رأيت ~~معك يوم سرور قط فقال لها : ولا يوم المطر ؟ صدق رسول الله " ( صلى الله ~~عليه وسلم ) " في قوله : إنهن يكفرن العشير . يوم وهو اليوم العاشر من محرم ~~. ورد في فضله أحاديث كثيرة . ويقال إن نوحا " عليه السلام " ركب السفينة ~~فيه فصامه وأمر من معه بصومه . وصح أن رسول الله " ( صلى الله عليه وسلم ) ~~" لما هاجر ، رأى اليهود في المدينة صياما في هذا اليوم . فسألهم عنه ، ~~فقالوا : هذا اليوم الذي نجى الله تعالى فيه موسى وبني إسرائيل ، وأغرق ~~فرعون وقومه . فنحن نصومه شكرا لله تعالى . فقال " عليه الصلاة والسلام " : ~~أنا أحق بأخي موسى . ثم أمر مناديا فنادى : من أكل فليمسك ، ومن لم يأكل ~~فليصم وفيه قتل الحسين بن علي " رضي الله عنه " . - ذكر أيام أصحاب الملل ~~الثلاث يوم الجمعة ، للمسلمين . وسبب اتخاذهم له أنه اليوم الذي أتم الله ~~به خلق العالم ، وأوجد فيه أبا البشر آدم " عليه السلام " وفيه قبض ، وفيه ~~يكون النفخ في الصور ، وفيه الصعق ، وفيه الساعة التي لا يصادفها عبد مسلم ~~يسأل الله فيها حاجة إلا قضاها له . يوم السبت ، لليهود . وحجتهم على ~~اتخاذهم له أن الله تعالى ابتدأ خلق العالم يوم الأحد ، وفرغ منه يوم ~~الجمعة ، وأن يوم السبت يوم فراغ ودعة . ولهم في ذلك أقوال كثيرة . يوم ~~الأحد ، للنصارى . ذكر في سبب اتخاذهم له أن الله " سبحانه وتعالى " ابتدأ ~~فيه بخلق الأشياء . - ذكر ما يتمثل به في ذكر النهار يقال : أطول من يوم ~~الفراق . أضوأ من نهار . أنور من وضح النهار . PageV01P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" ويقال : يذهب يوم الهم ولا يشعر به . ما يوم ~~حليمة بسر . من ms0065 ير يوما ير به . يوم السرور قصير . اليوم خمر وغدا أمر . ~~اليوم عيش وغدا خيش . اليوم فعل وغدا ثواب . يوم لنا ويوم علينا . لكل قوم ~~يوم . ومن أنصاف الأبيات : وهل يخفى على الناس النهار . . . وفي الليالي ~~والأيام معتبر واله ما أمكن يوم صالح . . . إن يوم الشر لا كان عتيدا وقال ~~أخر : أمام لا أدري ، وإن سألت : . . . ما نسك يوم جمعة من سبت . وقال آخر ~~: وأيام الشرور مقصصات . . . وأيام السرور تطير طيرا . وقال آخر : لا تحملن ~~هموم أيام على . . . يوم ، لعلك أن تقصر عن غده - ذكر شيء مما قيل في وصف ~~النهار وتشبيهه فمن ذلك قول شاعر ، يصفه بالقصر : ويوم سرور قد تكامل وصفه ~~. . . سوى قصر ، لا عيب فيه سواه وعهدي به كالرمح طولا ، فعندما . . . ~~هززناه للهو التقى طرفاه . PageV01P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" وقال آخر : بأبي من نعمت منه بيوم ، . . . لم ~~يزل للسرور فيه نمو يوم لهو ، قد التقى طرفاه . . . فكأن العشى فيه غدو ~~وقال آخر : لم ينتشر فلق الإصباح من قصر . . . فيه إلى أن طواه فيلق الغسق ~~. ولم يكن ملتقى جفنى أخي رمد . . . كملتقى طرفيه : الصبح والشفق . وما ~~تناولت فيه الرطل مصطبحا . . . إلا أعادته منى كف مغتبق . وقال آخر : لله ~~يوم مسرة . . . أضوا وأقصر من ذبالة لما نصبنا للمنى . . . فيه بإشراك ~~حباله . طار النهار مروعا . . . وفيه وأجفلت الغزالة وقال آخر : حث الكؤوس ~~فذا يوم به قصر ، . . . وما به من تمام الحسن تقصير . صحو وغيم ، يروق ~~الطرف حسنهما : . . . فالصحو فيروزج ، والغيم بلور . وقال آخر : ويوم كحلي ~~الغانيات سلبته . . . حلي الربا حتى انثنى . سبقت إليه الشمس ، والشمس غضة ~~. . . وصبغ الدجى من مفرق الفجر ناصل . PageV01P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" ومن كلام ابن برد الأصغر الأندلسي : اليوم ~~يوم بكت أمطاره ، وضحكت أزهاره ؛ وتقنعت شمسه ، وتعطر نسيمه ؛ وعندما بلل ~~هزج ، وساق غنج ؛ وسلافتان : سلافة أخوان ، وسلافة دنان ؛ قد تشاكلتا في ~~الطباع ، وازدوجنا في إثارة السرور . فأخرق إلينا سرادق الدجن تجد مرأي لم ~~يحسن إلا لك ولا يتم إلا بك . ومن كلامه أيضا : لم نلتق منذ عرينا مركب ms0066 ~~اللهو ، وأخلينا ربع الأنس ، وقصصنا جناح الطرب ، وعبسنا في وجوه اللذات . ~~فإن رأيت أن تخف إلى مجلس قد نسخت فيه الرياحين بالدواويين ، والمجامر ~~والمحابر ، والأطباق ، بالأوراق ، وتنازع المدام ، بتنازع الكلام ؛ واستماع ~~الأوتار ، باستماع الأخبار ؛ وسجع البلابل ، بسجع الرسائل ؛ كان أشحذ لذهنك ~~، وأرشد لرأيك . - ذكر شيء مما وصفت به الآلات الموضوعة لمعرفة الأوقات قد ~~وضع أهل هذا الفن لمعرفة درجات الليل وساعات النهار آلات يستدلون بها على ~~معرفة ما مضى من ذلك وما بقي ، ولتحرير المواقيت : كالاصطرلاب ، والطرجهارة ~~والبنكام . ووصف الشعراء والفضلاء ذلك بأوصاف ، نذكر منها إن شاء الله ~~تعالى ما نقف عليه PageV01P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" فأما الاصطرلاب وما قيل فيه . فقال أبو طالب ~~، عبد السلام المأموني : وشبيه بالشمس يسترق الأنوار من نور جرمها في في ~~خفاء . فتراه أدرى وأعلم منها ، . . . وهو في الأرض ، بالذي في السماء . ~~وقال أيضا : وعالم بالغيب من غير ما . . . سمع ولا قلب ، ولا ناظر يقابل ~~الشمس فيأتي بما . . . ضمنها من خبر حاضر . كأنه ناجته لما بدا . . . ~~لعينها بالفكر والخاطر . وألهمته على ما يحتوي . . . عليه صدر الفلك الدائر ~~. وقال أبو إسحاق الصابي ، وقد أهداه في مهرجان إلى مخدومه : أهدى إليك بنو ~~الآمال واجتهدوا . . . في مهرجان جديد أنت تبليه . لكنك عبدك إبراهيم حين ~~رأى . . . سمو قدرك عن شيء يساميه . لم يرض بالأرض يهديها إليك . . . فقد ~~أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز : أفضل ما ~~استصحب النبيل فلا . . . يعدل به في المقام والسفر ، جرم إذا ما التمست ~~قيمته . . . جل عن التبر وهو من صفر . مختصر وهو إذ تفشته . . . عن ملح ~~العلم غير مختصر . ذو مقلة تستنير ما رمقت . . . عن صائب اللحظ صادق النظر ~~. تحملته وهو حامل فلك . . . لو لم يدر بالبنان لم يبدر . مسكنه الأرض وهو ~~ينبئنا . . . عن جل ما في السماء من خبر . أبدعه رب فكرة بعدت . . . في ~~اللطف عن إن تقاس بالفكر . فاستوجب الشكر والثناء به . . . من كل ذي فطنة ~~من البشر . فهو لذي اللب شاهد عجب . . . على اختلاف العقول والفطر ms0067 . ~~PageV01P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" وكتب أبو الفرج الببغاء يصف اصطرلابا أهداه ~~فقال : آثرتك - أيدك الله - ببرهان الحكمة ونسبها ، ومدار الفلسفة وقطبها ؛ ~~ومرشد الفكر ومناره ، وميزان الحسن ومعياره ؛ ونافي الشك ومزيله ، وشاهد ~~الأثير ودليله ؛ مصور الحكمة وممثلها ، ومقسم البروج ومعدلها ؛ وموقف ~~النجوم ومسيرها ، وجامع الأقاليم ومدبرها ؛ مرآة الحبك ، وصورة الفلك ؛ ~~وأمين الكواكب ، وحد المشارق والمغارب ؛ مما اخترعت العقول تسطيحه ، وأتقن ~~الحساب تصحيحه وتمارت الفطن في ترتيبه ، واصطلحت بالحكماء على تركيبه ؛ ~~فأوضحت بالنقش تقسيمه ، وأبانت بالكتابة رسومه ؛ إلى أن شافهنا بالارتفاع ~~على بعد مسافته ، وحصر متفرق الأمور في خرق عضادته ؛ واحتوى على قطر الشمال ~~والجنوب ، واطلع باللطف على خفيات الغيوب ؛ الملقب بالاصطرلاب ، الفاصل بين ~~الخطأ والصواب . وقال أبو نصر الكاتب فيه : قطب الزمن ومداره ، زميزان ~~الفلك ومعياره ؛ وأساس الحكمة وموضوعها ، وتفصيل الفطنة ومجموعها ؛ الناطق ~~في صمته ، الموفي على نعمه ؛ مظهر السر المكنون ، المخبر بما كان وما يكون ~~؛ ذو شكل مقمر ومستدير ، لون مشمس مستنير ؛ ومنطقه محيطة بأجزائه ؛ وخطوط ~~معدلة على أغضائه ؛ وكتابة مطبقة بتدويره ، ورموزبائحة بضميره ؛ متقابل ~~الأهداف ، متكامل الأوصاف ؛ بحجرة مسكونة ، وصفائح مصونة ؛ وقد موموق ، ~~وباب مطروق ؛ للعلم فتحه ورتاجه ، وعليه طريقه ومنهاجه ؛ إذا انتصب قال ~~فحمد ، وإذا اضطجع عني فلم يفد ؛ صفري الانتساب ذهي الإهاب ؛ يخترق الأنوار ~~من نقابه ، ويستخدم الشمس فيحسابه ؛ يجمع الشرق والغرب في صفحته ، ويستره ~~الحامل في راحته ؛ رافعه ينظر من تحته ، وأخباره تسند عن خرته . ~~PageV01P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" ومما قيل في طرجهارة . قال أبو الفتح كشاجم ~~يصفها : روح من الماء في جسم من الصفر . . . مؤلف بلطيف الحسن والفكر . له ~~على الظهر أجفان محجرة . . . مقلة دمعها جار على قدر . تنشا له حركات في ~~اسافله . . . كأنها حركات الماء في الشجر . وفي أعاليه حساب مفصلة . . . ~~للناظرين بلا ذهن ولا نظر . إذا بكى ، دار في أحشائه فلك . . . حافي المسير ~~؛ وإن ، لم يبكي لم يدر . ومخرج لك بالأجزاء ألطفها . . . من النهار ، وقوس ~~الليل في السحر . مترجم عن مواقيت يخبرنا . . . عنها فيوجد فيها صادق الخبر ~~. تقضي به الخمس في وقت الوجوب وإن . . . غطي ms0068 على الشمس أو غطي على القمر . ~~وإن سهرت لأسباب تؤرقني . . . عرفت مقدار ما ألقي من السهر . محدد كل ميقات ~~، تخيره . . . ذوو التخير للأسباب والسفر . الباب الثاني من القسم الثالث ~~من الفن الأول في الشهور والأعوام نذكر في هذا الباب الشهور العربية ~~واشتقاقها ، والشهور العجمية ، ودخول بعضها في بعض ، والسنين القمرية ، ~~والشمسية ، والنسيء ومعناها ، وما يجري هذا المجرى ، مما لمحناه أثناء ~~المطالعة بعون الله تعالى وقدرته . وإياه أسأل التوفيق بكرمه ومنته - ذكر ~~الشهور وما قيل فيها الشهر إما طبيعي ، وإما اصطلاحي . PageV01P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" فالطبيعي هو مدة مسير القمر من حين يفارق ~~الشمس إلى حين يفارقها مرة أخرى وقال آخرون : هو عود شكل القمر في جهة ~~بعينها إلى شكله الأول . وأما الاصطلاحي ، فهو مدة قطع الشمس مقدار برج من ~~بروج الفلك . وذلك ثلاثون يوما ، وثلث عشر يوم بالتقريب . وهذا مذهب الروم ~~، والسريان ، والفرس ، والقبط . والله سبحانه وتعالى أعلم - ذكر الأشهر ~~العربية وما يختص بها من القول والأشهر العربية قسمان : قسم غير مستعمل ، ~~وهو الذي وضعته العرب العاربة ؛ وقسم مستعمل ، وهو الذي وضعته العرب ~~المستعربة ، وكلا القسمين موضوع على الأشهر القمرية . فأما القسم غير ~~المستعمل ، فهو أسماء كانت العرب العاربة اصطلحوا عليها ، وهي : مؤتمر ، ~~ناجر ، خوان ، صوان " ويقال فيه : بصان " ، رنى ، أيدة ، الأصم ، عادل ، ~~ناطل ، واغل ، ورنة ، برك . وفي هذه الأسماء خلاف عند أهل اللغة . والدي ~~ذكرناه منها هو المشهور ، ويدل عليه قول الشاعر : بمؤتمر وناجر ابتدأنا . . ~~. وبالخوان يتبعه البصان ورنى ثم يده تليه . . . تعود أصم صم به السنان ~~وعادله وناطله جميعا . . . وواغله فهم غرر حسان وورنة بعدها برك فتمت . . . ~~شهور الحول يعقدها البنان وأما القسم المستعمل ، فهو هذه الأسماء المشهورة ~~: المحرم ، صفر ، الربيعان ، الجماديان ، رجب ، شعبان ، رمضان ، شوال ، ذو ~~القعدة ، ذو الحجة . قيل : وإنما وضعوا هذه الأسماء على هذه الشهور لاتفاق ~~حالات وقعت في كل شهر فسمي الشهر بها عند ابتداء الوضع فسموا المحرم محرما ~~: لأنهم أغاروا فيه فلم ينجحوا ، فحرموا القتال فيه ، فسموه محرما . وسموا ~~صفرا : PageV01P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" لصفر ms0069 بيوتهم فيه منهم عند خروجهم إلى الغارات ~~. وقيل : لأنهم كانوا يغيرون على الصفرية ، وهي بلاد . وشهرا ربيع : لأنهم ~~كانوا يخصبون فيهما بما أصابوا في صفر ، الربيع الخصب . وجماديان : من جمد ~~الماء لأن الوقت الذي سميا فيه بهذه التسمية كان الماء جامدا فيه لبرده . ~~ورجب : لتعظيمهم له . والترجيب التعظيم . وقيل : لأنه وسط السنة فهو مشتق ~~من الرواجب ، وهي . أنامل الأصبع الوسطى . وقيل : إن العود رجب النبات فيه ~~أي أخرجه ، فسمي بذلك . وكذلك تشعب العود في الشهر الذي يليه فسمي شعبان . ~~وقيل : سمي بذلك لتشعبهم فيه للغارات . وسمي رمضان ، أي شهر الحر . مشتق من ~~الرمضاء . وشوال ، من شالت الإبل أذنابها إذا حالت ، أو من شال يشول إذا ~~ارتفع . وذو القعدة : لقعودهم فيه عن القتال إذ هو من الأشهر الحرم . وذو ~~الحجة ، لأن الحج اتفق فيه قسمي به . ويقال أن أو من سماها بهذه الأسماء ، ~~كلاب بم مرة . ومن مجموع هذه الأشهر أربعة حرم ، ثلاثة سرد ، وهي : ذو ~~القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ؛ وواحد فرد ، وهو رجب . هذا ما رواه الأصمعي ~~عن العرب في ترتيب الأشهر الحرم . واختار غيره أن الواحد الفرد هو المحرم ؛ ~~والسرد رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، لتكون الأربعة أشهر في سنة واحدة . ~~وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما . ومنها أربعة أشهر لا تكاد العرب ~~تنطق بها إلا مضافة ، وهي : شهرا ربيع ، وشهر رجب ، وشهر رمضان . فهذه ~~الشهور العربية وما قيل فيها . PageV01P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" 3 - وأما شهور اليهود فأسماؤها : تشرى ، ~~مرحشوان ، كسلاو ، طابات ، شباط ، آذار ، نيسان ، أيار ، سيوان ، تموز ، آب ~~، أيلول . 4 - وأما الشهور العجمية فإنها شمسية . وهي أقسام ، بحسب الأمم ~~التي تنسب إليهم . فمنها الشهور القبطية ، وتنسب لدقلطيانوس . وكل شهر منها ~~ثلاثون يوما . وما فضل من عدد أيام السنة الشمسية جعلوه كبيسا في آخر شهر ~~منها وهي : توت ، بابه ، هاتور ، كيهك ، طوبه ، أمشير ، برمهات ، برمودة ، ~~بشنس ، بؤونه ، أبيت ، مسرى . وأول توت يكون النوروز . وفي أول يوم من كيهك ~~تدخل الأربعينيات ، وهي أربعون يوم باردة تؤذن بالشتاء . وفي ms0070 الرابع من ~~برمودة تدخل الخمسينات ، وهي أيام حارة تؤذن بالصيف . ومنها شهور السريان ~~والروم . وهما متفقان في العدد والدخول . والسريانيون ينسبون شهورهم لأغسطش ~~، وهو قيصر . وهذه الشهور منها ما ينقص عن الثلاثين ، ومنها ما يوفيها ، ~~ومنها ما يزيد عليها . وفيها يقول الكيزاني : PageV01P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" شهور الروم ألوان : . . . زيادات ونقصان . ~~فتشرينهم الثاني ، . . . وأيلول ونيسان . ثلاثون ، ثلاثون ، . . . سواء ، ~~وحزيران . وأشباط ثمان بعد عشرين له شان . والسبعة التي تركها ، كل شهر ~~منها يزيد يوما . ووضع لها بعض المغاربة ضابطا ، وهو حروف معجمة ومهملة ~~يجمعها في أربع كلمات ، وهي : فاز رجل ختم بحج . وجمعها آخر في مثل ذلك ~~فقال : غاب عنك زيد فحج . فما كان معجما فهو أحد وثلاثون يوما ، وما كان ~~مهملا فهو ثلاثون ، والشهر الموافق للألف ثمانية وعشرون . وأول سنة السريان ~~تشرين الأول . ودخوله رابع بابه ، ويوافق أكتوبر من شهور الروم ، وهو أحد ~~وثلاثون يوما ؛ ثم تشرين الثاني ، ودخوله في الخامس من هتور ، ويوافقه ~~نومبر من شهور الروم ، وهو ثلاثون يوما ، ثم كانون الأول ، ودخوله في ~~الخامس من كيهك ، ويوافقه دجبنر من شهور الروم ، وهو أحد وثلاثون يوما ؛ ثم ~~كانون الثاني ، ودخوله في السادس من طوبه ، ويوافقه ينير من شهور الروم ، ~~وهو أول سنتهم ، وعدد أيامه أحد وثلاثون يوما ؛ ثم شباط ، ودخوله في السابع ~~من أمشير ويوافقه فبرير من شهور الروم ، وهو ثمانية وعشرون يوما وربع يوم ؛ ~~ثم آذار ، ودخوله في الخامس من برمهات ، ويوافقه مارس من شهور الروم ، وهو ~~أحد وثلاثون يوما ؛ ثم نيسان ودخوله في السادس من برمودة ، ويوافقه أبريل ~~من شهور الروم ، وهو ثلاثون يوما ؛ ثم أيار ، ودخوله في السادس من بشنش ، ~~ويوافقه مايه من شهور الروم ، وهو أحد وثلاثون يوما ؛ ثم حزيران ، ودخوله ~~في السابع من بؤونة ، ويوافقه يونيه من شهور الروم ، وهو ثلاثون يوما ؛ ثم ~~تموز ، ودخوله في السابع من أبيب ، ويوافقه يوليه من شهور الروم ، وهو أحد ~~وثلاثون يوما ؛ ثم آب ؛ ودخوله في الثامن من مسرى ، ويوافقه أغشت من شهور ~~الروم ، وهو أحد PageV01P0151 # """""" صفحة رقم ms0071 152 """""" وثلاثون يوما ؛ ثم أيلول ، ودخوله في الرابع ~~من توت ، ويوافقه ستنبر من شهور الروم ، وهو ثلاثون يوما . ونظم بعض ~~الشعراء أرجوزة في مداخلة الشهور ، فقال : وإن حفظت أشهر السريان . . . ~~وكنت من ذاك على بيان . ورمت منها عمل المنازل . . . فإنها معلومة التداخل ~~. أيلول يبدو رابعا من توت . . . هذا بحكم النظر المثبوت . وهكذا تشرين وهو ~~الأول . . . من بابه أربعة تكمل . أول تشرين الأخير يدخل . . . ومن هتور ~~خمسة يا رجل . أول كانون وأعنى الأولا . . . وخامس من هيكل تعدلا . أول ~~كانون الأخير سادس . . . من طوبة فيها يقيس القائس . ومن شباط أول يوافي . ~~. . سابع أمشير بلا خلاف . أول آذار حساب صادق . . . من برمهات خامسا يوافق ~~. برمودة سادسه وأول . . . نيسان وفق ليس عنه معدل . أول أيار بغير لبس . . ~~. يوافق السادس من بشنس . بؤونة وافق منه سابعه . . . أول حزيران لما ~~يتابعه . أول تموز على الترتيب . . . يدخل في السابع من أبيب . أول آب ثامن ~~من مسرى ، . . . العلم بالمرء اللبيب أحرى . قال بعض الشعراء في مثل ذلك : ~~متى تشأ معرفة التداخل . . . من أول فهي الشهور في المنازل . فعد من توت ~~بلا تطويل . . . أربعة فهي ابتدا أيلول . وبابه كذلك من تشرين . . . الأول ~~السابق في السنين . والخامس المعدود من هاتور . . . أول تشرينهم الأخير . ~~أول كانون بغير دلسة . . . إذا نقصت من كيهك خمسة . وطوبة إن مر منه ستة . ~~. . أتاك كانون الأخير بغته . ومن شباط أول يوافق . . . سابع أمشير ، حساب ~~صادق . PageV01P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" أول آذار إذا جعلته . . . لبرمهات خامسا ~~وجدته . أول نيسان لدى التجريد . . . السادس المعدود من برمود . ومثله أيار ~~مع بشنس . . . واحدة مقرونة بخمس . أما حزيران فيحسبونه . . . من أول ~~السابع من بؤونة . كذلك السابع من أبيب . . . أول تموز بلا تكذيب . أول آب ~~عند من يحصل . . . ثامن مسرى ذاك مالا يجهل . وأما شهور الفرس ، فهي موافقة ~~لشهور القبض في العدد . لأن كل شهر منها ثلاثون يوما ، إلا أبان ماه ، وهو ~~الشهر الثامن ، فإنهم يضيفون إليه خمس أيام لأجل النسيء ، ويسمونها ~~الاندركاه . ولكل يوم من أيام الشهر اسم خاص ، يزعمون أنه اسم ms0072 ملك من ~~الملائكة موكل به . فأسماء المشهور منها : افريدون ماه " وهو رأس سنتهم " ، ~~أرديهشت ماه ، حرداد ماه ، تير ماه ، ترد ماه ، بر ماه ، مهر ماه ، أبان ~~ماه ، ادر ماه ، دى ماه ، بهمن ماه ، اسفندر ماه . ويعنون بقولهم ماه القمر ~~. قول بعض الشعراء : شهور ينقضين وما شعرنا . . . بأنصاف لهن ولا سرار . 5 ~~- ذكر ما يختص بالسنة من القول وما جاء من اختلاف الأمم في ابتدائها ~~وانتهائها ، والفرق بين السنة والعام . أما الفرق بين السنة والعام ، فإنهم ~~يقولون سنة جدب و عام خصب . قال الله تعالى : " ولقد أخذنا آل فرعون ~~بالسنين ونقص من الثمرات " . وقال تعالى : " ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه ~~يغاث الناس وفيه يعصرون " . والصحيح أنهما اسمان موضوعان على مسمى واحد . ~~قال الله تعالى : " فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما " . والسنة طبيعية ، ~~واصطلاحية . PageV01P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" فالطبيعية قمرية ؛ وأولها استهلال القمر في ~~غرة المحرم ، وانسلاخها بسراره في ذي الحجة . وهي اثنا عشر شهرا ، وعدد ~~أيامها ثلثمائة يوم وأربعة وخمسون يوما وخمس وسدس يوم تقريبا ؛ ويتم من هذا ~~الخمس والسدس في ثلاث سنين يوم ، فتصير السنة في الثالثة ثلثمائة وخمسة ~~وخمسين يوما . ويبق شيء يتم منه ومن خمس اليوم وسدسه المستأنف في السنة يوم ~~واحد إلى أن يبقى الكسر أصلا بأحد عشر يوما عند تمام ثلاثين سنة . وتسمى ~~تلك السنة كبائس العرب . وأما السنة الاصطلاحية فإنها شمسية ، وعدد أيامها ~~عند سائر الأمم ثلثمائة يوم وخمسة وستون يوما وربع يوم . فتكون زيادتها على ~~السنة العربية عشرة أيام ونصف يوم وربع يوم وثمن يوم وخمسا من خمس يوم . ~~ويقال : إنهم كانوا في صدر الإسلام يسقطون عند رأس كل اثنتين وثلاثين سنة ~~عربية سنة ، ويسمونها الازدلاف . لأن كل ثلاث وثلاثين سنة قمرية اثنتان ~~وثلاثون سنة شمسية تقريبا . وذلك تحرزهم من الوقوع في النسيء في عصرنا هذا ~~بين كتاب التصرف التحويل . لأنا نحول السنة الخراجية إلى الهلالية ، ولا ~~يكون ذلك إلا بأمر السلطان . وسنة العالم - على ما اتفق عليه المنجمون - هي ~~من حين ms0073 حلول الشمس رأس الحمل ، وهو الاعتدال الربيعي . ومنهم من يجعل أولها ~~من حين حلول الشمس رأس الميزان ، وهو الاعتدال الخريفي . وابتداء سنة القبط ~~قطع الشمس اثنتي عشرة درجة من السنبلة ، وابتدؤا بفعل ذلك في زمن اغسطش ، ~~وهو قيصر الأول على ما ذكره أصحاب الزيجات . PageV01P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" وأما الفرس ، فأول سنتهم عند حلول الشمس أول ~~نقطة من الحمل . وأما السريانيون ، فأول سنتهم عند قطع الشمس من الميزان ست ~~عشرة درجة . 6 - ذكر النسيء ومذهب العرب فيه يقال إن عمرو بن لحي ، وهو ~~خزاعة - ويقال اسمه عمرو بن عامر الخزاعي - هو أول من نسأ الشهور ، وبحر ~~البحيرة ، وسيب السائبة ، وجعل الوصيلة ، والحامي . وهو أول من دعا الناس ~~إلى عبادة هبل ، قدم به معه من هيت . ومعنى النسيء أنهم ينسئون المحرم إلى ~~صفر ، ورجب إلى شعبان . وكان جملة ما يعتقدونه من الدين تعظيم الأشهر الحرم ~~الأربعة ، وكانوا يتحرجون فيها من القتال . وكان قبائل منهم يستبيحونها ~~فإذا قاتلوا في شهر حرام ، حرموا مكانه شهرا من أشهر الحل ، ويقولون نسيء ~~الشهر . PageV01P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" وحكى ابن إسحاق صاحب السيرة النبوية " على ~~صاحبها أفضل الصلاة والسلام " أن أول من نسأ الشهور على العرب ، وأحل منها ~~ما أحل ، وحرم ما حرم القلمس . وهو حذيفة بن فقيم بن عامر بن الحرث بن مالك ~~بن كنانة بن خزيمة . ثم قام بعده ولده عباد ، ثم قام بعد عباد ابنه قلع ، ~~ثم قام بعد قلع ابنه أمية ، ثم قام بعد أمية ابنه عوف ، ثم قام بعد عوف ~~ابنه أبو ثمامة جناده ، وعليه ظهر الإسلام . فكانت العرب إذا فرغت من حجها ~~، اجتمعت عليه بمنى ، فقام فيها على جمل ، وقال بأعلى صوته : " اللهم إني ~~لا أخاف ولا أعاف ، ولا مرد لما قضيت اللهم إني أحللت شهر كذا " ويذكر شهرا ~~من الأشهر الحرم ، وقع اتفاقهم على شن الغارات فيه " وأنسأته إلى العام ~~القابل " أي أخرت تحريمه " وحرمت مكانه شهر كذا من الأشهر البواقي " وكانوا ~~يحلون ما أحل ، ويحرمون ما حرم . وفي ذلك يقول ms0074 عمرو بن قيس بن جذل الطعان ، ~~من أبيات يفتخر : ألسنا الناسئين على معد . . . شهور الحل ، نجعلها حراما ؟ ~~وحكى السهيلي في كتابه المترجم بالروض الأنف أن نسيء العرب كان على ضربين : ~~أحدهما تأخير المحرم إلى صفر لحاجاتهم إلى شن الغارات وطلب الثأر ، والثاني ~~تأخير الحج عن وقته تحريا منهم للسنة الشمسية . فكانوا يؤخرونه في كل عام ~~أحد عشر يوما حتى يدور الدور في ثلاث وثلاثين سنة فيعود إلى وقته . فلما ~~كانت السنة التاسعة من الهجرة حج بالناس أبو بكر الصديق رضي الله عنه فوافق ~~حجه في ذي القعدة ، ثم حج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في العام ~~القابل فوافق عود الحج إلى وقته في ذي الحجة كما وضع أولا . فلما قضى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) حجه ، خطب فكان PageV01P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" مما قال في خطبته صلى اله عليه وسلم : إن ~~الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض . يعني أن الحج قد ~~عاد في ذي الحجة . 7 - ذكر السنين التي يضرب بها المثل يضرب المثل : بعام ~~الجراد . كان سنة ثمان من الهجرة . عام الحزن . وهي لسنة التي مات فيها أبو ~~طالب عم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وخديجة رضي الله عنها وهي سنة عشر من ~~الهجرة ، وكان موتها بعده بثلاثة أيام وقيل بسبعة . عام الرمادة . كان سنة ~~ثماني عشرة من الهجرة ، في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه . أصاب الناس ~~فيه قحط حتى صارت وجوههم في لون الرماد من الجوع . وقيل : كانت الريح تسفي ~~ترابا كالرماد لشدة يبس الأرض ، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في ~~التاريخ . عام الرعاف . كان سنة أربع وعشرين من الهجرة ، سمي بذلك لكثرة ما ~~أصاب الناس فيه من الرعاف . عام الجماعة . كان سنة أربعين من الهجرة . فيه ~~سلم الحسن بن علي رضي الله عنهما الخلافة لمعاوية ، فاجتمعت الكلمة فيه . ~~عام الجحاف . كان سنة ثمانين من الهجرة ، وقع بمكة سيل عظيم ذهب بالإبل ~~وعليها الحمول . عام الفقهاء . وهو سنة أربع ms0075 وتسعين من الهجرة . فيها مات ~~علي بن الحسين زين العابدين ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنهم وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وعطاء بن يسار ، وسعيد ~~بن زيد بن PageV01P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" ثابت . وفيه قتل الحجاج بن يوسف الثقفي سعيد ~~بن جبير . سنيات خالد . يضرب بها المثل في الجدب . وهو خالد بن عبد الملك ~~بن الحارث المعروف بأبي مطير . كان قد تولى لهشام بن عبد الملك المدينة سبع ~~سنين توالى القحط فيها حتى أجلى أهل البوادي . سنة عشر ومائة . مات فيها ~~فرينان في الزهد : الحسن البصري ومحمد بن سيرين ، وقرينان في الشعر : جرير ~~والفرزدق . سنة ست وخمسين وثلثمائة . مات فيها جماعة من الملوك ، وهم : ~~شمكير بن زياد صاحب طبرستان وجرجان ، ومعز الدولة بن بويه ، وكافور ~~الأخشيدي صاحب مصر ، ويقفور ملك الروم ، وأبو علي محمد بن إلياس صاحب كرمان ~~، وسيف الدولة ابن حمدان ممدوح المتنبي ، والحسن بن فيرزان صاحب أذربيجان . ~~الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الأول في الفصول وأزمنتها وفصول ~~السنة أربعة : الربيع ، والصيف ، والخريف ، والشتاء . ولكل فصل منها ثلاثة ~~بروج ، وثلاثة أشهر ، وسبع منازل ، وموافقة من الطبائع الأربع . فأما فصل ~~الربيع ، وهو عند العرب الصيف ، فطبعه حار رطب . ودخوله عند حلول الشمس برج ~~الحمل ، والثور ، والجوزاء . وهذه البروج عندهم تدل على PageV01P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" الحركة . وله من السن الطفولية والحداثة ، ~~ومن الرياح الجنوب ، ومن الساعات الأولى والثانية والثالثة ، ومن القوى ~~القوة الجاذبية ، ومن الأخلاط الدم ، ومن الكواكب القمر والزهرة ، ومن ~~المنازل بعض الفرغ المقدم والفرغ المؤخر ، والرشاء ، والسرطان ، والبطين ، ~~والثريا ، والدبران ، وبعض الهقعة . وعدد أيامه أربعة وستون يوما . وحلول ~~الشمس في الثاني عشر من آذار ، ويوافقه مارس من شهور الروم ، وفي السادس ~~عشر من برمهات من شهور القبط ، وفي العشرين من اسفندار ما من شهور الفرس . ~~وإذا حلت الشمس برج الحمل ، اعتدل الليل والنهار ، وصار كل واحد منهما ~~اثنتي عشرة ساعة . ثم يأخذ النهار في الزيادة ، والليل في النقصان . وفي ~~هذا الفصل ms0076 تتحرك الطبائع ، وتظهر المواد المتولدة في الشتاء . فيطلع النبات ~~وتزهر الأشجار وتورق ، وتهيج الحيوان في للسفاد ، وتذوب الثلوج ، وتنبع ~~العيون ، وتسيل الأودية . ذكر ما قيل في وصف فصل الربيع وتشبيهه نظما ونثرا ~~فمن ذلك ما قاله الصنوبري : ما الدهر إلا الربيع المستنير إذا . . . جاء ~~الربيع ، أتاك النور والنور . فالأرض ياقوتة ، والجو لؤلؤة ، . . . والنبت ~~فيروزج ، والماء بلور . وقال آخر : اشرب هنيئا قد أتاك زمان . . . متعطر ، ~~متهلل ، نشوان فالأرض وشي ، والنسيم معنبر ، . . . والماء راح ، والطيور ~~قيان . وقال الثعالبي : أظن الربيع العام قد جاء زائرا . . . ففي الشمس ~~بزازا ، وفي الريح عطارا . PageV01P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" وما العيش إلا أن تواجه وجهه . . . وتقضي بين ~~الوشي والمسك أوطارا . وقال آخر : وفصل فصل الربيع الرياض . . . عقودا ورصع ~~منها حليا . وفاخر بالأرض أفق السماء . . . فحلى الثرى بنجوم الثريا . وقال ~~الحسن بن وهب : طلعت أوائل للربيع فبشرت . . . نور الرياض بجدة وشباب وغدا ~~السحاب يكاد يسحب في الثرى . . . أذيال أسحم حالك الجلباب . فترى السماء ~~إذا أجدر بابها . . . فكأنما التحفت جناح غراب . وترى الغصون إذا الرياح ~~تناوحت . . . ملتفة كتعانق الأحباب . وقال بعض فضلاء أصفهان في وصف فصل ~~الربيع من رسالة ذكرها العماد الأصفهاني في الخريدة : أما بعد . فإن الزمان ~~جسد وفصل الربيع روحه ، وسر حكمة إلهية وبه كشفه ووضوحه ؛ وعمر مقدور وهو ~~الشبيبة فيه ، ومنهل جم وهو نميره وصافيه ؛ ودوحة خضرة وهو ينعها وجناها ، ~~وألفاظ مجموعة وهو نتيجتها ومعناها ؛ فمن لم يستهو طباعه نسيم هوائه ، ولم ~~يدرك شفاء دائه في صفاء دوائه ؛ لم يذق لطعم حياته نفعا ، ولم يجد لخفض حظه ~~من أيامه رفعا . وأما فصل الصيف ، فإن طبيعته الحرارة واليبس ، ودخوله عند ~~حلول الشمس برج السرطان والأسد والسنبلة . PageV01P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" وهذه البروج تدل على السكون . وله من السن ~~الشباب ؛ ومن الرياح الصبا ؛ ومن الساعات الرابعة والخامسة والسادسة ؛ ومن ~~القوى القوة الماسكة ؛ ومن الأخلاط المرة الصفراء ؛ ومن الكواكب المريخ ، ~~والشمس ؛ ومن المنازل بعض الهقعة ، والهنعة ، والذراع ، والنثرة والطرف ~~والجبهة " وهي أربعة عشر يوما " والخراتان وبعض الصرفة . وتنزل الشمس في ~~برج ms0077 السرطان في الرابع عشر من حزيران . وعدد أيامه ثلاثة وتسعون يوما ، ~~ويوافقه ينير من شهور الروم ؛ وفي العشرين من بؤونة ، وإذا حلت الشمس برج ~~السرطان ، أخذ الليل في الزيادة ، والنهار في النقصان . والله أعلم . ذكر ~~ما قيل في وصف فصل الصيف وتشبيهه نظما ونثرا فمن ذلك ما قاله ذو الرمة : ~~وهاجرة حرها واقد . . . نصبت لحاجبها حاجبي . تلوذ من الشمس أطلائها . . . ~~لياذ الغريم من الطالب . وتسجد للشمس حربائها . . . كما يسجد القس للراهب . ~~وقال مسكين الدارمي . وهاجرة ظلت كأن ظباءها . . . إذا ما اتقتها بالقرون ~~سجود . تلوذ بشؤبوب من الشمس فوقها . . . كما لاذ من حرالسنان طريد . وقال ~~ابن الفقيسي : في زمان يشوي الوجوه بحر ، . . . ويذيب الجسوم لو كن صخرا . ~~PageV01P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" لا تطير النسور فيه إذا ما . . . وقفت شمسه ~~وقارب ظهرا . ويود الغصن النضير به لو . . . أنه من لحائه يتعرى . وقال ~~أيضا : يا ليلة بت بها ساهدا . . . من شدة الحر وفرط الأوار . كأنني في ~~جناحها محرم . . . لو أن للعورة مني استتار . وكيف لا أحرم في ليلة . . . ~~سماؤها بالشهب ترمي الجمار ؟ وقال آخر : ويوم سموم خلت أن نسيمه . . . ذوات ~~سموم للقلوب لوداغ ، ظللت به أشكو مكابدة الهوى . . . فكوزي ملآن ومائي ~~فارغ . وقال محمد بن أبي الثياب ، شاعر اليتيمة : وهاجرة تشوي الوجوه كأنها ~~. . . إذا لفحت خدي نار توهج . وماء كلون الزيت ملح كأنه . . . بوجدي يغلي ~~أو بهجرك يمزج . وقال الثعالبي : رب يوم هواؤه يتلظى . . . فيحاكي فؤاد صب ~~متيم . قلت إذ صك حره حر وجهي : . . . ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ومما وصف به ~~من النثر قول بعضهم : أوقدت الظهيرة نارها ، وأذكت أوارها ؛ فأذابت دماغ ~~الضب ، وألهبت قلب الصب ، هاجرة كأنها من قلوب العشاق ، إذا اشتعلت بنيران ~~الفراق ، حر تهرب له الحرباء من الشمس ، وتستجير بمراكب الرمس ، لا يطيب ~~معه PageV01P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" عيش ، ولا ينفع معه سرج ولا خيش ؛ فهو كقلب ~~المهجور ، أو كالتنور المسجور . وأما فصل الخريف ، فإن طبعه بارد يابس ؛ ~~ودخوله عند حلول الشمس برأس الميزان والعقرب والقوس . وهذه البروج تدل على ~~الحركة ms0078 ؛ وله من السن الكهولة ؛ ومن الرياح الشمال ؛ ومن الساعت السابعة ~~والثامنة والتاسعة ؛ ومن القوى القوة الهاضمة ؛ ومن الأخلاط المرة السوداء ~~؛ ومن الكواكب زحل ؛ ومن المنازل بعض الصرفة والعواء و السماك والغفر ~~والزبانيان والقلب وبعض الشولة ؛ وعدد أيامه تسعة وثمانون يوما ؛ ويكون ~~حلول الشمس الميزان في الخامس عشر من أيلول ، ويوافقه ستمبر من شهور الروم ~~، وفي الثامن عشر من توت . وفي هذا الفصل يبرد الهواء ، ويتغير الزمان ، ~~ويغبر وجه الأرض ، ويصفر ورق الشجر ، وتهزل البهائم ، وتموت الهوام ، ~~وتنحجر الحشرات ، وتطلب الطير المواضع الدفئة ، وتصير الدنيا كأنها كهلة ~~مدبرة . ويقال : فصل الخريف ربيع النفس كما أن فصل الربيع ربيع العين . ~~والله أعلم . ذكر ما قيل في وصف فصل الخريف وتشبيه نظما ونثرا . فمن ذلك ما ~~قاله الصنوبري ، عفا الله عنه : ما قضى في الربيع حق المسرا . . . ت مضيع ~~زمانه في الخريف . نحن منه على تلقي شتاء . . . يوجب القصف أو وداع مصيف . ~~PageV01P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" في قميص من الزمان رقيق . . . ورداء من ~~الهواء خفيف . يرعد الماء منه خوفا إذا ما . . . لمسته يد النسيم الضعيف . ~~وقال عبد الله بن المعتز : طاب شرب الصبوح في أيلول . . . برد الظل في ~~الضحى والأصيل وخبت جمرة الهواجر عنا ، . . . واسترحنا من النهار الطويل . ~~وخرجنا من السموم إلى بر . . . د نسيم ، وطيب ظل ظليل ، وشمال تبشر الأرض ~~بالقطر كذيل الغلالة المبلول . فكأنا نزداد قربا إلى الجنة في كل شارق ~~وأصيل . ووجوه البقاع تنتظر الغيث انتظار المحب رد الرسول . تبتغي غلة ~~لتعمل روضا . . . بكثير من الحيا أو قليل . وقال آخر : اشرب على طيب الزمان ~~فقد حدا . . . بالصيف من أيلول أسرع حاد . وأشمنا بالليل برد نسيمه . . . ~~فارتاحت الأرواح في الأجساد . وأفاك بالأنداء قدام الجيا . . . فالأرض ~~للأمطار في استعداد . كم في ضمائر تربها من روضة . . . بمسيل ماء أو قرارة ~~واد . تبدو إذا جاد السحاب بقطره . . . فكأنما كانا على ميعاد . وقال آخر : ~~لا تضع للوم إن اللوم تضليل . . . واشرب ففي الشرب للأحزان تحليل . فقد مضى ~~القيظ واجتثت رواحله ، . . . وطابت الراح لما آل أيلول . وليس ms0079 في الأرض نبت ~~يشتكي يبسا . . . إلا وناظره بالطل مكحول . PageV01P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" وقال آخر : خذ بالتدثر في الخريف فإنه . . . ~~مستوبل ، ونسيمه خطاف . يجري مع الأيام جري نفاقها . . . لصديقها ومن ~~الصديق يخاف . ومما وصف به النثر : قال أبو إسحاق الصابي يصفه : الخريف أصح ~~فصول السنة زمانا ، وأسهلها أوانا ، وهو أحد الاعتدالين ، المتوسطين بين ~~الانقلابين ، حين أبدت الأرض عن ثمرتها ، وصرحت عن زينتها ؛ وأطلقت السماء ~~حوافل أنوائها ، وتأذنت بانسكاب مائها ؛ وصارت الموارد ، كمتون المبارد ؛ ~~صفاء من كدرها ، وتهدبا من عكرها ؛ واطراد من نفحات الهواء ، وحركات الريح ~~الشجواء ؛ واكتسب الماشية وبرها القشيب ، والطائر ريشه العجيب . وقال ابن ~~شبل : كل ما يظهر في الربيع نواره ، ففي الخريف تجني ثماره ، فهو الحاجب ~~أمامه ، والمطرق قدامه . وقال ضياء الدين ابن الأثير الجزري عن الخريف ~~يفتخر على فصل الربيع : أنا الذي آتي بذهاب السموم ، وإياب الغيوم ، ~~واعتصار بنات الكروم ، وتكاثر ألوان المشروب والمطعوم ؛ وفي يترقرق صفاء ~~الأنهار ، فتشبه القوابل بالأسحار ، وأيامي هي الذهبيات وتلك نسبة كريمة ~~النجار ؛ ومن ثمراتي ما لا تزال أمهاته حوامل ، وأوراقه نواضر وغيره ذوابل ~~، وقد شبه بالمصابيح وشبهت أغصانه بالسلاسل . PageV01P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" ولقد أنصف من قال : محاسن للخريف بهن فخر . . ~~. على زمن الربيع ، وأي فخر به صار الزمان أمام برد . . . يراقب نزحه وعقيب ~~حر . وأما فصل الشتاء ، فإن طبعه بارد رطب ، ودخوله عند حلول الشمس رأس ~~الجدي والدلو والحوت . وهذه البروج تدل على السكون . وله من السن الشيخوخة ~~؛ ومن الرياح الدبور ؛ ومن الساعات العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة ؛ ~~ومن القوى القوة الدافعة ؛ ومن الأخلاط البلغم ؛ ومن الكواكب المشتري ~~وعطارد ؛ ومن المنازل بعض الشولة والنعائم والبلدة وسعد الذابح وسعد السعود ~~وسعد الأخبية وبعض الفرغ المقدم ؛ وعدد أيامه تسعة وثمانون يوما . ويكون ~~حلول الشمس برأس الجدي في الثالث عشر من كانون الأول ، وإذا حلت الشمس ببرج ~~الجدي يشتد البرد ، ويخشن الهواء ، ويتساقط ورق الشجر ، وتنجحر الحيوانات ، ~~وتضعف قوى الأبدان ، وتكثر الأنواء ، ويظلم الجو ، وتصير الدنيا كأنها عجوز ~~هرمة قد دنا منها الموت . وروي عن ms0080 علي رضي الله عنه أنه قال : توقوا البرد ~~في اوله ، وتلقوه في آخره ، فإنه يفعل في الأبدان كفعله في الأشجار : أوله ~~يحرق وآخره يورق . ذكر ما قيل في وصف فصل الشتاء وتشبيهه . فمن ذلك ما قاله ~~جرير شاعر الحماسة : في ليلة من جمادى ذات أندية . . . لا يبصر الكلب في ~~ظلمائها ظلما . لا ينبح الكلب فيها غير واحدة . . . حتى يلف على خيشومه ~~الذنبا . PageV01P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وقال ابن حكينا البغدادي : البس إذا قدم ~~الشتاء برودا . . . وافرش على رغم الحصير لبودا . الريق في اللهوات أصبح ~~جامدا . . . والدمع في الآماق صار برودا . وإذا رميت بفضل كأسك في الهوا . ~~. . عادت عليك من العقيق عقودا . وترى على برد المياه طيورها . . . تختار ~~حر النار والسفودا . يا صاحب العودين لا تهملهما . . . أوقد لنا عودا وحرك ~~عودا . وقال آخر : ويومنا أرواحه قرة . . . تخمش الأبدان من قرصها . يوم ~~تود الشمس من برده . . . لو جرت النار إلى قرصها وقال عبد الله بن المعتز : ~~قد منع الماء من اللمس . . . وأمكن الجمر من المس . فليس نلقى غير ذي رعدة ~~. . . ومسلم يسجد للشمس وقال آخر : ليس عندي من آلة البرد إلا . . . حسن ~~صبري ، ورعدتي ، وقنوعي . فكأني لشدة البرد هر . . . يرقب الشمس في أوان ~~الطلوع . وقال ابن سكرة الهاشمي ، عفا الله تعالى عنه ورحمه : قيل : ما ~~أعدت للبر . . . د وقد جاء بشدة ؟ قلت : دراعة برد . . . تحتها جبة رعده . ~~PageV01P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" وقال أبو سعيد المخرومي : إذا كنت في بلدة ~~نازلا . . . وحل الشتاء حلول المقيم ، فلا تبرزن إلا أن ترى . . . من ~~الصخور يوما صحيح الأديم . فكم زلقة في حواشي الطريق . . . ترد الثياب بخزي ~~عظيم . وكم من لئيم غدا راكبا . . . يحب البلاء لماش كريم . وقال الصاحب بن ~~عباد : أنى ركبت فكف الأرض كاتبة . . . على ثيابي سطورا ليس تنكتم . فالأرض ~~محبرة ، والحبر من لثق . . . والطرس ثوبي ، ويمني الأشهب القلم . قال أبو ~~علي كاتب بكر شاعر اليتيمة : يا بلدة أسلمني بردها . . . وبرد من يسكنها ~~للقلق . لا يسلم الشاتي بها من أذى . . . من لثق ، أو دمق ، أو زلق . ومما ms0081 ~~وصف به نثرا قول بعضهم : إذا حلتالشمس برج الجدي مد الشتاء رواقه ، وحل ~~نطاقه ، ودبت عقارب البرد لاسبة ، ونفع مدخور الكسب كاسبه . ومن رسالة لابن ~~أبي الخصال ، جاء منها . الكلب قد صافح خيشومه ذنبه ، وأنكر البيت وطنبه ؛ ~~والتوى التواء الحباب ، واستدار استدارة الغراب ؛ وجلده الجليد ، وضربه ~~الضريب وصعد أنفاسه PageV01P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" الصعيد ؛ فحماه مباح مباح ، ولا هرير ، ولا ~~نباح ، والنار كالصديق ، أو كالرحيق ، كلاهما عنقاء مغرب ، أو نجم مغرب . ~~وقال بعضهم : برد يغير الألوان ، وينشف الأبدان ، ويجمد الريق في الأشداق ، ~~والدمع في الآماق ، برد حال بين الكلب وهريره ، والأسد وزئيره ، والطير ~~وصفيره ، والماء وخريره . وقيل لبعضهم : أي البرد أشد ؟ فقال : إذا دمعت ~~العينان ، وقطر النخران ، وتلجلج اللسان ، واصطكت الأسنان . ووصف ابن وكيع ~~الفصول الأربعة في أرجوزة فقال : عندي في وصف الفصول الأربعة مقالة . . . ~~مقالة تغني اللبيب مقنعة . ما قيل في فصل الصيف أما المصيف ، فاستمع ما فيه ~~. . . من فطن يفهم سامعيه . فصل من الدهر إذا قيل حضر ، . . . أذكرنا بحرة ~~نار سقر . ظل فيه القلب مقشعرا . . . والأرض تشكو خره المضرا . أوله فيه ~~ندى منغص . . . كأنه على القلوب يقنص . يلصق منه الجلد بالثياب . . . ويعلق ~~التراب بالأثواب . حتى إذا ما طردته الشمس . . . وفرحت بأن يزول النفس . ~~فتحت النار لنا أبوابها . . . وشب فيها مالك شهابها . حر يحيل الأوجه ~~الغرانا . . . حتى ترى الروم به حبشانا . يعلو به الكرب ويشتد القلق . . . ~~وتنضج الأبدان فيه بالعرق . PageV01P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" تبصره فوق القميص قد علا . . . حتى ترى مبيضه ~~مصندلا . إن كان رثا ، زاد في تمزيقه ؛ . . . أو مستجدا ، جد جبل زيقه . ثم ~~يعيد الماء نارا حامية . . . يزيد في كرب القلوب الصاديه . شاربه يكرع في ~~حميم . . . كأنه من ساكني الجحيم . ينسه ما يلقى من التهابه . . . أن يحمد ~~الله على شرابه . حتى إذا أعيا ، انقضى نهاره . . . وأرخيت من ليله أستاره ~~، تحركت في جنحه دواهي . . . سارية ، وأنت عنها لاهي . من عقرب يسعى كسعي ~~اللص . . . سلاحها في إثره كالشص . وحية تنقث سما قاتلا . . . تزود الملسوع ~~حتفا عاجلا . تبصر ما بجلدها من الرقش ms0082 . . . كوجنة مصفرة فيها نمش . لو ~~نهشت بالناب منها الخضرا ، . . . لنثرت منه الحياة نثرا . فلا تقل إن جاء ~~يوما أهلا . . . فلعنة الله عليه فضلا . ما قيل في فصل الخريف حتى إذا زال ~~، أتى الخريف : . . . فصل بكل سوأة معروف . أهونه يسرع في حل الجسد . . . ~~وهو كطبع الموت يبس وبرد . يجني على الأجسام من آفاته ، . . . وأرضه قرعاء ~~من نباته . لا يمكن الناس اتقاء شره . . . ولا خلاف برده وحره . تبصره مثل ~~الصبي الأرعن . . . من كثرة العشاق والتلون . فأنت منه خائف على حذر . . . ~~لأنه يمزج بالصفو الكدر . PageV01P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" أحسن ما يهدي لك النسيما . . . يقلبه في ساعة ~~سموما . وهو على المعدود من ذنوبه . . . خير من من الصيف على عيوبه . ما ~~قيل في فصل الشتاء حتى إذا ما أقبل الشتاء . . . جاءتك منه غمة عمياء . لو ~~أنه روح ، لكان فدما . . . أو أنه شخص لكان جهما . يلقاك منه أسد يزير . . ~~. له وعيد وله تحذير . يأتيك في أيامه رياح . . . ليس على لاعنها جناح . ~~حراكها ليس إلا سكون . . . تضر بالأسماع والعيون . يحدث من أفعالها الزكام ~~. . . هذا إذا ما فاتك الصدام . ثم يليها مطر مداوم . . . كأنه خصم لنا ~~ملازم . يقطعنا بعضا عن الطريق . . . وعن قضاء الحق للصديق . وربما خر عليك ~~السقف . . . فإن عفا عنك أتاك الوكف . وإن أردت في النهار الشربا . . . فيه ~~، فقد قاسيت خطبا صعبا . واحتجت أن توقد فيه نارا . . . تطير نحو الحدق ~~الشرارا . يترك مبيض الثياب أرقطا . . . يحكي السعيدي لك المنقطا . وبعد ذا ~~تسدد النقابا . . . من خوفه وتغلق الأبوابا . نعم ، وترخى دونه الستورا . . ~~. حتى ترى صباحه ديجورا . وإن أردت الشرب في الظلام . . . عاقك عن تناول ~~المدام . حسبك أن تدنس في اللحاف . . . من خشية البرد على الأطراف . ورعده ~~يشغل عن كل عمل . . . ويؤثر النوم ويستحلي الكسل . حتى إذا جئت إلى الرقاد ~~، . . . نمت على فرش من القتاد . PageV01P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" إن البراغيث عذاب مزعج . . . لكل قلب ولجلد ~~ينضج . لا يستلذ جلدك المضاجعا . . . كأنما أفرشه مباضعا . تنح فصلا فوق ما ~~ذممته . . . لو أنه يظهر لي قتلته . حتى إذا ما هو عنا ms0083 بانا . . . وزال عنا ~~بغضه لا كانا ما قيل في فصل الربيع جاء إلينا زمن الربيع . . . فجاء فصل ~~حسن الجميع . لبرده وحره مقدار . . . لم يكتنف حدهما إكثار . عدل في أوزانه ~~حتى اعتدل . . . وحمد التفصيل منه والجمل . نهاره في أحسن النهار . . . في ~~غاية الإشراق والاسفار . تضحك فيه الشمس من غير عجب . . . كأنها في الأفق ~~جام من ذهب . وليله مستلطف النسيم . . . مقوم في أحسن التقويم . لبدره فضل ~~على البدور . . . في حسن إشراق وفرط نور . كجامة البلور في صفائها . . . ~~أذابت الجراد في نقابها . كأنها إذا دنت من بدره . . . جوزاؤه قبل طلوع ~~فجره . رومية حلتها زرقاء . . . في الجيد منها درة بيضاء . هذا وكم تجمع من ~~أمور . . . إطراء مطريها من التقصير . فيه تظل الطير في ترنم . . . حاذقة ~~باللحن لم تعلم . غناؤها ذو عجمة لا يفهمه . . . سامعه وهو على ذا يغرمه . ~~من كل دبسي له رنين . . . وكل قمري له حنين . في قرطق أعجل أن يوردا . . . ~~خاط له الخياط طوقا أسودا . PageV01P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" تبصره منه على الحيزوم . . . كمثل عقد سبج ~~منظوم . هذا وفيه للرياض منظر . . . يفشىالسرىفي سره مايضمر . سر نبات حسنه ~~إعلانه . . . إذا سواه زانه كتمانه . فيه ضروب لنبات الغض . . . يحكي لباس ~~الجند يوم العرض . من نرجس أبيض الثغور . . . كأنه مخانق الكافور . وروضة ~~تزهر من بنفسج . . . كأنها أرض من الفيرزوج . قد لبست غلالة زرقاء . . . ~~وكايدت بلونها السماء . يضحك منها زهر الشقيق . . . كأنه مداهن العقيق . ~~مضمنات قطعا من السبج . . . قد أشرقت من احمرار ودعج . كأنما المحمر في ~~المسود . . . منه إذا لاح عيون الرمد . وارم بعينيك إلى البهار . . . فإنه ~~من أحسن الأزهار . كأنه مداهن من عسجد . . . قد سمرت في قضب الزبرجد . ~~فانهض إلى اللهو ولا تخلف . . . فلست في ذلك بالمنعف . واشرب عقارا طال ~~فينا كونها . . . يصفر من خوف المزاج لونها . دونك هذي صفة الزمان . . . ~~مشروحة في أحسن التبيان وارض بتقليدي فيما قلته . . . فإنني أدرى بما وصفته ~~. PageV01P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" الباب الرابعمن القسم الثالث من الفن الأول ~~مواسم الأمم وأعيادها في ذكر مواسم الأمم وأعيادها ، وأسباب اتخاذهم لها ، ~~وما قيل ms0084 في ذلك والذي أورده في هذا الباب ، هو مما وقفت عليه أثناء مطالعتي ~~للكتب الموضوعة فيه ، ونقلته منها لما تعذر على من أتلقاه من فيه . وضمنته ~~أعياد المسلمين ، والفرس والنصارى ، واليهود . - ذكر الأعياد الإسلامية ~~والأعياد الإسلامية التي وردت بها الشريعة اثنان : عيد الفطر ، وعيد الأضحى ~~. والسبب في اتخاذهما ، ما روى عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ~~قدم لمدينة ، ولأهلها يومان يلعبون فيهما ، فقال : ما هذان اليومان ؟ فقلوا ~~: كنا نلعب فيهما في الجاهلية . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~إن الله عز وجل قد بدلكم خيرا منهما ، يوم الفطر ، ويوم الأضحى . فأول ما ~~بدأ به من العيدين عيد الفطر ، وذلك في سنة اثنتين من الهجرة . وفيها كان ~~عيد الأضحى . وعيد ابتدعته الشيعة ، وسموه عيد الغدير . وسبب اتخاذهم له ~~مؤاخاة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم ~~غدير خم ، والغدير على ثلاثة أيام من الجحفة بسرة الطريق . قالوا : وهذا ~~الغدير تصب فيه عين ، وحوله شجر كثير ملتف بعضها ببعض . وبين الغدير والعين ~~مسجد لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . واليوم الذي ابتدعوا فيه هذا ~~العيد هو الثامن عشر من ذي الحجة ، لأن المؤاخاة كانت فيه في سنة عشرة من ~~الهجرة ، وهي حجة الوداع . وهم يحيون ليلتها بالصلاة ، ويصلون في صبيحتها ~~ركعتين قبل الزوال . وشعارهم فيه لبس الجديد ، وعتق الرقاب ، وبر الأجانب ، ~~والذبائح . PageV01P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" وأول من أحدثه معزي الدولة أبو الحسن علي بن ~~بويه ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره في سنة اثنتين وخمسين ~~وثلثمائة . ولما ابتدع الشيعة هذا العيد واتخذوه من سننهم ، عمل عوام السنة ~~يوم سرور نظير عيد الشيعة في سنة تسع وثمانين وثلثمائة . وجعلوه بعد عيد ~~الشيعة بثمانية أيام ، وقالوا : هذا يوم دخول رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) الغار هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه . وأظهروا في هذا اليوم ~~الزينة ، ونصب القباب ، وإيقاد النيران . - ذكر أعياد الفرس وأعياد الفرس ~~كثيرة جدا . وقد صنف علي ms0085 بن حمزة الأصفهاني فيها كتابا مستقلا ذكر فيه ~~أعيادهم ، وسبب اتخادهم لها ، وسنن ملوكهم فيها . وقد رأيت أن أقتصر على ~~المشهور منها ، وهي ثلاثة أعياد : النيروز ، والمهرجان ، والسدق . فأما ~~النيروز ، فهو أعظم أعيادهم وأجلها . يقال أن أول من اتخذه جمشيد أحد ملوك ~~الفرس الأول . ويقال فيها جمشاد ، ومعنى جم القمر وشاد الشعاع والضياء ؛ ~~وسبب اتخاذهم لهذا العيد أن طهومرت لما هلك ، ملك بعد جمشاد . فسمى اليوم ~~الذي ملك فيه نوروز ، أي اليوم الجديد . ومن الفرس من يزعم أن النيروز ~~اليوم الذي خلق الله عز وجل فيه النور ، وأنه كان معظم القدر عند جمشاد . ~~وبعضهم يزعم أنه أول الزمان الذي ابتدأ فيه الفلك في الدوران . ومدته عندهم ~~ستة أيام ، أولها اليوم الأول من شهر أفريدون ماه ، الذي هو أول شهور سنتهم ~~. ويسمون اليوم السادس النوروز الكبير ، لأن الأكاسرة كانوا يقضون في ~~الأيام الخمسة حوائج الناس ثم ينتقلون إلى مجاس أنسهم مع خواصهم . وحكى ابن ~~المقفع أنه كان من عادتهم فيه أن يأتي الملك من الليل رجل جميل الوجه ، قد ~~أرصد لما يفعله . فيقف على الباب حتى يصبح . فإذا أصبح دخل علىالملك من غير ~~استئذان . فإذا رآه الملك ، يقول له : من أنت ؟ ومن أين أقبلت ؟ ~~PageV01P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" وأين تريد ؟ وما اسمك ؟ ولأي شيء وردت ؟ وما ~~معك ؟ فيقول : أنا المنصور ، واسمي المبارك ، ومن قبل الله أقبلت ، والملك ~~السعيد أردت ، وبالهناء والسلام وردت ، ومعي السنة الجديدة . ثم يجلس ويدخل ~~بعد ه رجل معه طبق من فضة ، وفيه حنطة ، وشعير ، وجلبان ، وحمص ، وسمسم ، ~~وأرز " من كل واحد سبع سنابل وتسع حبات " وقطعة سكر ، ودينار ودرهم جديدان ~~. فيضع الطبق بين يدي الملك . ثم تدخل عليه الهدايا . ويكون أول من يدخل ~~عليه وزيره ، ثم صاحب الخراج ، ثم صاحب المعونة ، ثم الناس على طبقاتهم ~~ومراتبهم . ثم يقدم للملك رغيف كبير مصنوع من تلك الحبوب ، موضوع في سلة . ~~فيأكل منه ويطعم من حضره . ثم يقول : هذا يوم جديد ، من شهر جديد ، من عام ~~جديد ، من زمان جديد ، يحتاج ms0086 أن نجدد فيه ما أخلق من الزمان ، وأحق الناس ~~بالفضل والإحسان الرأس لفضله على سائر الأعضاء . ثم يخلع على وجوه دولته ~~ويصلهم ويفرق فيهم ما حمل إليه من الهدايا . وكانت عادة عوام الفرس فيه رفع ~~النار في ليلته ، ورش الماء في صبيحته . وفي ذلك يقول المعوج : كيف ابتهاجك ~~بالنيروز يا سكني ؟ . . . وكل ما فيه يحكيني وأحكيه فناره كلهيب النار في ~~كبدي . . . وماؤه كتوالي عبرتي فيه وقال آخر : نورز الناس ونورز . . . ت ، ~~ولكن بدموعي وذكت نارهم ، والنار ما بين ضلوعي وأما المهرجان ، فوقوعه في ~~السادس والعشرين من تشرين الأول من شهور السريان ، وفي السادس عشر من ~~مهرماه من شهور الفرس . PageV01P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" وهذا الأوان وسط زمان الخريف ، وفيه يقول بعض ~~الشعراء : أحب المهرجان لأن فيه . . . سرورا للملوك ذوي السناء ، وبابا ~~للمصير إلى أوان . . . تفتح فيه أبواب السماء . وهو ستة أيام . ويسمى اليوم ~~السادس المهرجان الأكبر . قال المسعودي : وسبب تسميتهم لهذا اليوم بهذا ~~الاسم ، أنهم كانوا يسمون شهورهم بأسماء ملوكهم . وكان لهم ملك يسمى مهر ، ~~يسير فيهم بالعنف والعسف . فمات في نصف الشهر الذي يسمونه مهر ماه ، فسمي ~~ذلك اليوم مهرجان . وتفسيره نفس مهر ذهبت وهذه لغة الفرس الأول . وزعم ~~آخرون أن مهر بالفارسية حفاظ وجان الروح . وقد نظم عبيد الله بن عبد الله ~~بن ظاهر ذلك ، فقال : إذا ما تحقق بالمهرجا . . . ن من ليس يعرف معناه ، ~~غاظا . ومعناه أن غلب الفرس فيه . . . فسموه للروح حقا حفاظا . ويقال إنه ~~إنما عمل في عهد أفريدون الملك ، وأن معنى هذا الاسم إدراك الثأر وسبب ~~اتخاذهم له ، أن بيوراسف " وهو الضحاك " ، ويقال له أزدهاق ذو الحيتين ~~والأفواه الثلاثة والأعين الستة ، الداهي الخبيث المتمرد ، لما قتل جمشاد ، ~~وملك بعده ، غير دين المجوسية . وجاء إبليس في صورة خادم ، فقبل منكبيه ، ~~فنبت فيهما حيتان ، فكان يطعمهما أدمغة الناس . فأجحف ذلك بالرعية ، فخرج ~~رجل بأصبهان ، يقال له كابي ، ويقال فيه كابيان . ودعا الناس إلى قتاله ، ~~فاجتمع له خلق كثير . فشخص الضحاك لقتاله ، فهاب كثرة جمعه وفر منه . ~~فاجتمع ms0087 الناس على كابي ليملكوه عليهم ، فأبى ذلك وقال : ما أنا من أهل ~~الملك ، وأخرج صبيا من واد جمشاد ، يسمى أفريدون وملكه ، فأطاعه الناس فيه ~~وملكوه عليهم . PageV01P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" وخرج أفريدون في طلب الضحاك ليأخذ ثأر جده ~~فظفر به ، وجعل ذلك اليوم عيدا ، وسماه المهرجان . ويقال أن المهرجان هو ~~اليوم الذي عقد فيه التاج على رأس أردشير بن بابك ، أول ملوك الفرس ~~الساسانية . وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يفضل المهرجان على النيروز ~~: أخا الفرس إن الفرس تعلم إنه . . . لأطيب من نيروزها مهرجانها : لإدبار ~~أيام يغم هواؤها . . . وإقبال أيام يسر زمانها . وكان مذهب الفرس فيه أن ~~يدهن ملوكهم بدهن البان تبركا ، وكذلك عوامهم ، وأن يلبس القصب والوشى ، ~~ويتوج بتاج عليه صورة الشمس وحجلتها الدائرة عليها ، ويكون أول من يدخل ~~عليه الموبذان بطبق فيه أترجة ، وقطعة سكر ، ونبق ، وسفرجل ، وعناب ، وتفاح ~~، وعنقود عنب أبيض ، وسبع طاقات آس قد زمزم ثم يدخل الناس على طبقاتهم بمثل ~~ذلك . وكان أردشير ، وأنوشروان يأمران بإخراج ما في خزائنهم في المهرجان ~~والنيروز من أنواع الملابس والفرش ، فتفرق كلها في الناس على مراتبهم ، ~~ويقولان : إن الملوك تستغني عن كسوة الصيف في الشتاء ، وعن كسوة الشتاء في ~~الصيف ، وليس من أخلاقهم أن يخبؤوا كسوتهم في خزائنهم ويساووا العامة في ~~فعلها . وزعم بعض أصحاب التاريخ أن النيروز عملته الفرس قبل المهرجان بألفي ~~سنة وخمسمائة سنة . وأما السدق ، فإنه يعمل من شهر بهمن ماه . ويسمى هذا ~~اليوم عندهم أبان روز ، لأن لكل يوم من أيام الشهر عندهم اسما . ~~PageV01P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" ويقال في سبب اتخاذهم له : أن فراسياب لما ~~ملك ، سار إلى بلاد بابل وأكثر فيها الفساد ، وخرب العمران . فخرج عليه دق ~~بن طهماسب ، وطرده عن مملكته إلى بلاد الترك . وكان ذلك في يوم أبان روز . ~~فاتخذ الفرس هذا اليوم عيدا ، وجعلوه ثالثا ليوم النيروز ، والمهرجان . ~~ويقال أيضا في سبب اتخاذهم له : إن الأب الأول وهو عندهم كيومرت ، لما كمل ~~له مائة ولد ، زوج الذكور بالإناث ، وصنع لهم ms0088 عرسا أكثر فيه من إشعال النار ~~، فوافق ذلك الليلة المذكورة ، واستسنه الفرس بعده . وهم يوقدون النيران ~~بسائر الأدهان ، ويزيدون في الولوع بها ، حتى أنهم يلقون فيها سائر ~~الحيوانات . وفي ذلك يقول ابن حجاج من أبيات يمدح بها عضد الدولة بن بويه : ~~مولاي يا من نداه يعدو . . . ففات سبتا وليس يلحق . ليلتنا حسنها عجيب . . ~~. بالقصف والعزف قد تحقق . لنارها في السما لسان . . . عن نور ضوء الصباح ~~ينطق . والجو منها قد صار جمرا . . . والنجم منها قد كاد يحرق . ودجلة ~~أضرمت حريقا . . . بألف نار وألف زورق . فماؤها كلها حميم . . . قد فار مما ~~إلى وبقبق . PageV01P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" وقال أبو القاسم المطرز ، في سدق عمله ~~السلطان ملك شاه ، أشعل فيه الشموع والنيران في السميريات بدجلة ، وذلك في ~~سنة أربع وثمانين وأربعمائة : وكل نار العشاق مضرمة . . . من نار قلبي أو ~~من ليلة السدق . نار تجلت بها الظلماء فاشتبهت . . . بسدفة الليل فيها غرة ~~الفلق وزارت الشمس فيها الليل واصطلحا . . . على الكواكب بعد الغيظ والحنق ~~. مدت على الأرض بسطا من جواهرها . . . ما بين مجتمع وار ومفترق . مثل ~~المصابيح إلا أنها نزلت . . . من السماء بلا رجم ولا حرق . أعجب بنار ~~ورضوان يسعرها . . . ومالك قائم منها على فرق فيمجلس ضحكت روض الجنان له . ~~. . لما جلا ثغره عن واضح يقق . 3 - ذكر أعياد النصارى القبط وأعياد ~~النصارى أربعة عشر عيدا : سبعة يسمونها كبارا ، وسبعة صغارا فأما الكبار : ~~فمنها عيد البشارة . ويعنون بها بشارة غبريال ، وهو عندهم جبريل عليه ~~السلام على ما يزعمون أنه بشر مريم ابنة عمران بميلاد عيسى عليهما السلام . ~~وهم يعملونه في التاسع والعشرين من برمهات من شهورهم . ومنها عيد الزيتونة ~~. وهو عيد الشعانين ، وتفسيره التسبيح . يعملونه في سابع أحد من صومهم . ~~وسنتهم فيه أخرجوا بسعف النخل من الكنيسة . ويزعمون أنه يوم ركوب المسيح ~~اليعفور في القدس ، وهو الحمار ، ودخوله PageV01P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" صهيون وهو راكب ، والناس يسبحون بين يديه ، ~~وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . ومنها الفصح . وهو العيد الكبير عندهم ~~يقولون أن المسيح قام فيه بعد ms0089 الصلبوت بثلاثة أيام . ومنها خميس الأربعين . ~~ويسميه الشاميون السلاق . وهو الثاني والأربعون من الفطر . يزعمون أن ~~المسيح عليه السلام تسلق فيه من بين تلاميذه إلى السماء من بعد القيام ، ~~ووعدهم إرسال الفارقليط وهو روح القدس . ومنها عيد الخميس . وهو العنصرة ~~يعمل بعد خمسين يوما من يوم القيام يقولون إن روح القدس حلت بالتلاميذ ، ~~وتفرقت عليهم ألسنة الناس ، فتكلموا بجميع الألسنة ، وتوجه كل واحد منهم ~~إلى بلاد لسانه الذي تكلم به يدعوهم إلى دين المسيح . ومنها النيلاد . وهو ~~اليوم الذي ولد فيه المسيح . يقولون إنه ولد في يوم الاثنين فيجعلون عشية ~~الأحد ليلة الميلاد . وهم يوقدون فيه المصابيح بالكنائس ويزينونها . ويعمل ~~في التاسع والعشرين كيهك من شهورهم . ومنها الغطاس . ويعمل في الحادي عشرمن ~~طوبة من شهورهم . ويقولون إن يحيى بن زكريا ، وينعتونه بالمعمدان ، غسل ~~عيسى عليه السلام فيبحيرة الأردان ، ويزعمون أن عيسى عليه السلام لما خرج ~~من الماء اتصل به روح القدس على هيئة حمامة . والنصارى يغمسون أولادهم في ~~الملء فيه ، ووقته شديد البرد . وأما الأعياد الصغار : فمنها الختان . ~~ويعمل فيسادس بؤنة ، ويقولون إن المسيح ختن في هذا اليوم ، وهو الثامن من ~~الميلاد . PageV01P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" ومنها الأربعون . وهو عند دخول الهيكل يقولون ~~إن سمعان الكاهن دخل بعيسى عليه السلام مع أمة " الهيكل " وبارك عليه . ~~ويعمل في ثامن أمشير من شهورهم . ومنها خميس العهد . ويعمل قبل الفصح ~~بثلاثة أيام . وسنتهم فيه أن يأخذوا إناء ويملؤوه ماء ويزمزموا عليه ، ثم ~~يغسل البطريك به أرجل سائر الناس . ويزعمون أن المسيح عيسى غليه السلام فعل ~~مثل هذا بتلاميذه في مثل هذا اليوم ، يعلمهم التواضع ، وأخذ عليهم العهد أن ~~لا يتفرقوا ، وأن يتواضع بعضهم لبعض . وعوام النصارى يسمون هذا الخميس خميس ~~العدس ، وهم يطبخون فيه العدس المقشور على ألوان ، ويسميه أهل الشام خميس ~~الأرز . ومنها خميس البيض أيضا . ويسميه أهل الأندلس خميس أبريل ، وأبريل ~~شهر من شهور الروم . ومنها سبت النور . وهو قبل الفصح بيوم . يقولون إن ~~النور يظهر على مقبرة المسيح في هذا اليوم ms0090 ، فتشتعل منه مصابيح كنيسة ~~القيامة التي بالقدس . وليس كذلك ، بل هو من تخييلات فعلها أكابرهم ~~ليستميلوا بها عقول أصاغرهم . وقيل إنهم يعلقون القناديل في بيت المذبح ، ~~ويتحيلون في إيصال النار إليها بأن يمدوا على سائرها شريطا من حديد في غاية ~~الدقة ، يدهنونه بدهن البلسان ودهن الزنبق . فإذا صلوا وحان وقت الزوال ، ~~فتحوا المذبح ، فدخل الناس إليه ، وقد أشعلت فيه الشموع . ويتوصل بعض القوم ~~إلى أن يعلق بطرف الشريط الحديد النار فتسري عليه ، فتقد القناديل واحدا ~~بعد واحد بسبب الدهن . ومنها حد الحدود . وهو بعد الفصح بثمانية أيام . ~~يعمل أول أحد بعد الفطر ، لأن الآحاد قبله مشغولة بالصوم . وفيه يجدون ~~الآلات ، والأثاث ، واللباس ، ويأخذون في المعاملات ، والأمور الدنيوية . ~~PageV01P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" ومنها التجلي . يقولون : إن المسيح عليه ~~السلام ، تجلى لتلاميذه بعد أن رفع ، وتمنوا عليه أن يحضر لهم إيليا ، ~~وموسى ، فأحضرهما لهم فيمصلى بيت المقدس ، ثم صعد . ويعمل في ثالث عشر مسرى ~~من شهورهم . وعيد الصليب . وتزعم النصارى أن قسطنطين بن هيلاني انتقل عن ~~اعتقاد اليونان إلى اعتقاد النصرانية ، وبنى كنيسة قسطنطينية العظمى ، ~~وسائر كنائس الشام . وسبب ذلك - على ما نقله المؤرخون - أنه كان مجاور ~~للبرجان ، فضاق بهم درعا من كثرة غاراتهم على بلاده . فهم أن يصانعهم ويقرر ~~لهم عليه إتاوة في كل عام ليكفوا عنه . فرأى ليلا في المنام أن ملائكة نزلت ~~من السماء ومعهم أعلام عليها صلبان ، فحاربت البرجان فهزموهم . فلما أصبح ، ~~عمل أعلاما وصور فيها صلبانا ، ثم قاتل بها البرجان فهزمهم . وقيل أنه رأى ~~في المنام صلبانا من نور في السماء ، وقائل يقول له : اعمل مثل هذا على ~~رؤوس أعلامك فإنك تنتصر . فلما أصبح ، أمر بعمل صلبان من ذهب على رؤوس ~~أعلامه فقاتل بها فنصر . فأمر أهل مملكته بالرجوع عن دينهم والدخول في دين ~~النصرانية ، وأن يقصوا شعورهم ، ويحلقوا لحاهم . وإنما فعل ذلك بهم لأن رسل ~~عيسى عليه السلام كانوا قد وردوا على اليونان من قبل يأمرونهم بالتعبد بدين ~~النصرانية ، فأعرضوا عنهم ، ومثلوا بهم هذه المثلى نكالا بهم ms0091 . ففعلوا ذلك ~~تأسيا بهم . ولما تنصر قسطنطين ، خرجت أمه هيلاني إلى الشام ، فبنت الكنائس ~~، وسارت إلى بيت المقدس ، فطلبت الخشبة التي صلب عليها المسيح ، على ما ~~يزعمون . وكانت مدفونة في مزبلة ، فأخرجت منها ، وفيها مواضع سبعة مسافرين ~~فلما حملت إليها ، غلفتها بالذهب وحملتها إلى ابنها . واتخذت يوم رؤيتها ~~لها عيدا . قال المسعودي : وذلك لأربع عشر ليلة خلت من أيلول ، ووافق ذلك ~~سبع عشرة ليلة خلت من توت من شهور القبط . وكان من مولد عيسى إلى اليوم ~~الذي وجدت فيه الخشبة ثلثمائة وثمان وعشرون سنة . PageV01P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار ~~الروم في فن التاريخ ، وهو في الجزء الثالث عشر من هذا الكتاب . 4 - ذكر ~~أعياد اليهود وأعياد اليهود التي نطقت بها توارتهم خمسة : منها عيد رأس ~~السنة . ويسمون رأس هيشا ، أي عيد رأس الشهر وهو أول يوم من تشرين ينزل ~~عندهم منزلة عيد الأضحية عندنا . ويقولون أن الله عز وجل أمر إبراهيم بذبح ~~إسحاق ابنه عليهما السلام فيه ، وفداه بذبح عظيم . ومنها عيد صوماريا . ~~ويسمى الكبور . وهو عندهم الصوم العظيم الذي فرض عليهم الصوم العظيم الذي ~~فرض عليهم ويقتل من لم يصمه . ومدة الصوم خمس وعشرون ساعة ، يبأ فيها قبل ~~غروب الشمس في اليوم التاسع من شهر تشرين ، ويختم بمضي ساعة بعد غروبها في ~~اليوم العاشر . ويشترطون رؤية ثلاثة كواكب عند الإفطار . وهي عندهم تمام ~~الأربعين الثالثة التي صام فيها موسى عليه السلام ولا يجوز أن يقع عندهم في ~~يوم الأحد ، ولا يوم الثلاثاء ، ولا في يوم الجمعة . ويزعمون أن الله تعالى ~~يغفر لهم فيه جميع ذنوبهم إلا الزنا بالمحصنات ، وظلم الرجل أخاه ، وجحد ~~ربوبية الله تعالى . ومنها عيد المظلمة . وهو ثمانية أيام ، أولها الخامس ~~عشر من تشرين . وكلها أعياد ، واليوم الأخير منها يسمى عرابا ، وتفسيره شجر ~~الخلاف . وهو أيضا حج لهم . وهم يجلسون في هذه الأيام تحت ظلال سعف النخل ~~الأخضر ، وأغصان الزيتون ، والخلاف ، وسائر الشجر الذي لا ينشر ورقه على ~~الأرض . ويزعمون ms0092 أن ذلك تذكار منهم لإظلال الله تعالى إياهم في التية ~~بالغمام . ومنها عيد الفطير . ويسمونه الفصح . ويكون في الخامس عشر من ~~نيسان . وهو سبعة أيام يأكلون فيها الفطير ، وينظفون بيوتهم فيها من خبز ~~الخمير . لأنها عندهم الأيام التي خلص الله تعالى فيها بني إسرائيل من ~~فرعون وأغرقه ، فخرجوا إلى التيه ، وجعلوا يأكلون اللحم ، والخبز الفطير ، ~~وهم بذلك فرحون . وفي آخر هذه الأيام غرق فرعون . PageV01P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" ومنها عيد الأسابيع ، وهي الأسابيع التي فرضت ~~عليهم فيها الفرائض ، وكمل فيها الدين . ويسمى عيد العنصرة ، وعيد الخطاب . ~~ويكون بعد عيد الفطير بسبعة أسابيع . ويقولون أنه اليوم الذي خاطب الله ~~تعالى فيه بني إسرائيل من طورسينا . من حجوجهم ، وحجوجهم ثلاثة : الأسابيع ~~، والفطير ، والمظلة . وهم يعظمونه ويأكلون فيه القطائف ويجعلونها بدلا عن ~~المن الذي أنزل عليهم في هذا اليوم ، على ما يزعمون . واتخاذهم لهذا العيد ~~في اليوم السادس من سيوان . وعيد الفوز . وهو عيد أحدثوه ، ويسمونه الفوريم ~~. وذكروا في سبب اتخاذهم له بختنصر لما أجلى من كان ببيت المقدس من اليهود ~~إلى عراق العجم ، أسكنهم مدينة جي ، وهي إحدى مدينتي أصفهان . فلما ملك ~~أردشير بن بابك ، سماه اليهود بالعبرانية أجشادوس . وكان له وزير يسمونه ~~بلغتهم هيمون . ولليهود يومئذ حبر يسمى بلغتهم مردوخاني . فبلع أردشير أن ~~له ابنة عم جميلة الصورة من أحسن أهل زمانها . فطلب تزويجها منه ، فأجابه ~~إلى ذلك . فتزوجها ، وحظيت عنده ، وصار مردوخاي قريبا منه . فأراد هيمون ~~الوزير إصغاره حسدا ، وعزم على إهلاك طائفة اليهود التي في جميع مملكة ~~أردشير . فرتب مع نواب الملك في سائر الأعمال أن يقتل كل واحد منهم من ~~يعلمه من اليهود . وعين لهم يوم وهو النصف من آذار . وإنما خص هذا اليوم ~~دون غيره ، لأن اليهود يزعمون أن موسى عليه السلام ولد فيه وتوفي فيه . ~~وأراد بذلك المبالغة في نكايتهم ليضاعف الحزن عليهم بهلاكهم ، وبموت موسى ~~عليه السلام . فبلغ مردوخاي ذلك ، فأرسل إلى ابنة عمه يعلمها بما بلغه ، ~~ويحضها على أعمال الحيلة في خلاصهم فأعلمت الملك بالحال ms0093 ، وذكرت له أن ~~الوزير إنما حمله على ذلك الحسد ، لفرب مردوخاي منه . فأمر بقتل هيمون ~~الوزير ، وأن يكتب أمان لليهود فاتخذوه عيدا . واليهود يصومون قبل ثلاثة ~~أيام . PageV01P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" وهذا العيد عندهم عيد سرور ، وله ، وخلاعة ، ~~وهدايا يهديها بعضهم لبعض ، ويصورون فيه من الورق صورة هيمون ، ويملئون بطن ~~الصورة نخالة ويلقونها في النار حتى تحترق . وعيد الحنكة . وهو أيضا مما ~~أحدثوه . وهو ثمانية أيام ، أولها ليلة الخامس والعشرون من كسلا . وهم ~~يوقدون في الليلة الأولى من لياليه على كل باب من أبوابهم سراجا ؛ وفي ~~الثانية سراجين ؛ ويضعف ذلك في كل ليلة إلى ثمان ليال . فيكون في الثامنة ~~ثمانية سرج . وسبب اتخاذهم لهذا العيد ، أن بع الجبابرة تغلب على البيت ~~المقدس وقتل من كان فيه من بني إسرائيل ، وافتض أبكارهم . فوثب عليه أولاد ~~كأنهم ، وكانوا ثمانية ، فقتله أصغرهم . فطلب اليهود زيتا لوقود الهيكل فلم ~~يجدوا إلا يسيرا ، وزعوه على عدد ما يوقدونه من السرج على أبوابهم في كل ~~ليلة إلى ثمانية ليال . فاتخذوا هذه الأيام عيدا وسموه الحنكة ، وهو مشتق ~~من التنظيف ، لأنهم نظفوا فيها الهيكل من أقذار شيعت الجبار PageV01P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" القسم الرابع من الفن الأول في الأرض ، ~~والجبال ، والبحار والجزائر ، والأنهار ، والعيون ، والغدران . وفيه سبعة ~~أبواب الباب الأول من هذا القسم 1 - مبدأ خلق الأرض قال الله تعالى : " أم ~~من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين ~~حاجزا " . والأرض سبع ، كم أن السماوات سبع . والدليل على ذلك قوله عز وجل ~~: " والله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن " . واختلف فيها هل هي سبع ~~متطابقات بعضها فوق بعض ، أو سبع متجاورات ؟ فذهب قوم إلى أن الله تعالى ~~خلق سبع سماوات متطابقات متعاليات ، وسبع أرضين متطابقات متسافلات ؛ وبين ~~كل أرض وأرض ، كما بين كل سماء وسماء ، خمسمائة عام . وفسر بهذا قوله تعالى ~~: " أو لم يرى الذين كفروا إن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما " . أي ~~كانت سماء واحدة ففتقناهما سبعا . قيل : ولكل أرض أهل وسكان ms0094 مختلفون الصور ~~والهيئات ؛ ولكل أرض اسم خاص وذهب قوم إلى أنها سبع متجاورات متفرقات لا ~~متطابقات . فجعلوا الصين أرضا ، وخراسان أرضا ، والسند والهند أرضا ، وفارس ~~والجبال والعراق وجزيرة العرب أرضا ، والجزيرة والشام وبلاد أرمنية أرضا ، ~~ومصر وأفريقية أرضا ، PageV01P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" وجزيرة الأندلس وما جاورها من بلاد الجلاقة ~~والأنكبردة وسائر طوائف الروم أرضا . ويقال : إنها كانت على ماء والماء على ~~صخرة والصخرة على سنام ثور ، والثور على كمكم ، والكمك على ظهر حوت ، ~~والحوت على الماء ، والماء على الريح ، والريح على حجاب ظلمة ، والظلمة على ~~الثرى . وإلى الثرى انقطع على المخلوقين . قال الله تعالى : " له ما في ~~السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى " . وزعم آخرون أن تحت ~~الأرض السابعة صخرة ، وتحت الصخرة حوت ، وتحت الحوت الماء ، وتحتن الماء ~~الظلمة ، وتحت الظلمة الهواء ، وتحت الهواء الثرى . وقد تقدم في الباب ~~الأول من هذا الكتاب أن الرض مخلوقة من الزبد فلا فائدة في تكراره . الباب ~~الثاني من القسم الرابع من الفن الأول - في تفصيل أسماء الأرضين وصفاتها في ~~الاتساع ، والاستواء ، والبعد ، والغلظ ، والصلابة ، والسهولة ، والخزونة ، ~~والارتفاع ، والانخفاض ، وغير ذلك قال الثعالبي : في كتابه المترجم بفقه ~~اللغة وأسنده إلى أئمة اللغة . PageV01P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" إذا اتسعت الأرض ولم يتخللها شجر أو خمر ، ~~فهي الفضاء والبراز والبراح ؛ ثم الصحراء والعراء ، ثم الرهاء والجهراء . ~~فإذا كانت مستوية مع الاتساع ، فهي الخبت والجدد ؛ ثم الصحصح والصردح ؛ ثم ~~القاع والقرقر ؛ ثم القرق والصفصف . فإذا كانت مع الاستواء والاتساع بعيدة ~~الأكناف والأطراف ؛ فهي السهب والخرق ، ثم السبسب والسملق والملق . فإذا ~~كانت مع الاتساع والاستواء والبعد لا ما فيها ، فهي الفلات والمهمة ؛ ثم ~~التنوفة والفيفاء ؛ ثم النفنف والصرماء . فإذا كانت مع هذه الصفات لا يهتدى ~~فيها لطريق ، فهي اليهماء والغطشاء . فإذا كانت تضل سالكها ، فهي المضلة ~~والمتيهة . فإذا لم يكن بها أعلام ولا معلم ، فهي المجهل والهوجل . فإذا لم ~~يكن بها أثر ، فهي الغفل . فإذا كانت قفراء ، فهي القي . فإذا كانت تبيد ~~سالكها ، فهي البيداء والمفازة كناية ms0095 عنها . فإذا لم يكن فيها شيء من النبت ~~، فهي المرت والمليع . فإذا لم يكن فيها شيء ، فهي المروراة والسبروت ~~والبلقع . فإذا كانت الأرض غليظة صلبة ، فهي الجبوب ، ثم الجلد ، ثم العزاز ~~، ثم الصيداء ، ثم الجدجد . فإذا كانت صلبة يابسة من غير حصى ، فهي الكلد ، ~~ثم الجعجاع . فإذا كانت غليظة ذات حجارة ورمل ، فهي البرقة والأبرق ، فإذا ~~كانت ذات حصى ، فهي المحصاة والمحصبة . فإذا كثيرة الحصى ، فهي الأنعز ~~والمعزاء . PageV01P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" فإذا اشتملت عليها كلها حجارة سود ، فهي ~~الحرة واللابة . فإذا كانت الأرض مطمئنة ، فهي الجوب والغائط ؛ ثم الهجل ~~والهضم . فإذا كانت مرتفعة ، فهي النجد والنشز . فإذا جمعت الأرض والارتفاع ~~والصلابة والغلظ ، فهي المتن والصمد ، ثم القف والفدفد والقردد فإذا كان ~~ارتفاعها مع اتساع ، فهي اليفاع . فإذا كان طولها في السماء مثل البيت ، ~~وعرض ظهرها نحو عشرة أذرع ، فهي التل ؛ وأطول وأعرض منها الربوة والرابية ؛ ~~ثم الأكمة ؛ ثم الزبية ؛ وهي التي لا يعلوها الماء وبها ضرب المثل في قولهم ~~: بلغ السيل الزبى ؛ ثم النجوة ، وهي المكان الذي تظن أنه نجاؤك ؛ ثم ~~الصمان ، وهي الأرض الغليظة دون الجبل . فإذا ارتفعت عن موضع السيل وانحدرت ~~عن غلظ الجبل ، فهي الخيف . فإذا كانت الأرض لينة سهلة من غير رمل ، فهي ~~الرقاق والبرث ، ثم الميثاء والدمثة . فإذا كانت طيبة التربة كريمة المنبت ~~بعيدة عن الأحساء والنزور ، فهي العذاة . فإذا كانت مخيلة للنبت والخير فهي ~~الأريضة . فإذا كانت ظاهرة لا شجر فيها ولا شيء يختلط بها ، فهي القراح ~~والقرواح . فإذا كانت مهيأة للزراعة ، فهي الحقل والمشارة والدبرة . " فإذا ~~لم تهيأ للزراعة ، فهي بور " . PageV01P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" فإذا لم يصبها المطر ، فهي الفل والجرز . ~~فإذا كانت غير ممطورة وهي بين أرضين ممطورتين ، فهي الخطيطة . فإذا كانت ~~ذات ندي ووخامة ، فهي الغمقة . فإذا كانت ذات سباخ ، فهي السبخة . فإذا ~~كانت ذات وباء ، فهي الوبئة والوبيئة . فإذا كانت كثيرة الشجر ، فهي ~~الشجراء والشجرة . فإذا كانت ذات حيات ، فهي المحواة . فإذا كانت ذات سباع ~~أو ذئاب ، فهي المسبعة والمذأبة ms0096 . - ذكر تفصيل أسماء التراب وصفاته قال ~~الثعالبي رحمه الله تعالى : الصعيد ، تراب وجه الأرض . والبوغاء ، والدقعاء ~~، التراب الرخو الرقيق الذي كأنه ذريرة . والثرى ، التراب الندي : وهو كل ~~تراب لا يصير طينا لازبا إذا بل . المور ، التراب الذي تطيره الريح فتراه ~~على وجوه الناس وجلودهم وثيابهم " يلتزق لزوقا " . " والهابي ، الذي دق ~~وارتفع " . السافياء ، التراب الذي يذهب في الأرض مع الريح . النبيثة ، ~~التراب الذي يخرج من البئر عند حفرها . PageV01P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" الراهطاء والداماء ، التراب الذي يخرجه ~~اليربوع من حجره ويجمعه . الجرثومة ، التراب الذي يجمعه النمل عند قريته . ~~العفاء ، التراب الذي يعفي الآثار . وكذلك العفر . السماد ، التراب الذي ~~يسمد به النبات . فإذا كان مع السرقين ، فهو الدمال . 3 - تفصيل تفصيل ~~أسماء الغبار وأوصافه النقع والعكوب ، الغبار الذي يثور من حوافر الخيل ~~وأخفاف الإبل . العجاج ، الغبار الذي تثيره الريح . الرهج والقسطل ، غبار ~~الحرب . الخيضعة ، غبار المعركة . العثير ، غبار الأقدام . المنين ما تقطع ~~منه . 4 - ذكر تفصيل أسماء الطين وأوصافه قال : إذا كان الطين حر يابسا ، ~~فهو الصلصال . فإذا مطبوخا ، فهو الفخار . فإذا كان علكا لاصقا ، فهو ~~اللازب . فإذا غيره الماء وأفسده ، فهو الحمأ . " وقد نطق القرآن بهذه ~~الأسماء الأربعة " . فإذا كان رطبا ، فهو الثأطة والثرمطة والطثرة . فإذا ~~كان رقيقا فهو الرداغ . PageV01P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" فإذا كان ترتطم فيه الدواب ، فهو الوحل . ~~وأشد منه الردغة والرزغة . وأشد منها الورطة تقع فيها الغنم فلا تقدر على ~~التخلص منها ؛ ثم صارت مثلا لكل شدة يقع فيها الإنسان . فإذا كان حرا طيبا ~~علكا وفيه خضرا ، فهو الغضراء . فإذا كان مخلوطا بالتبن ، فهو السياع . ~~فإذا جعل بين اللبن ، فهو الملاط . 5 - ذكر تفصيل أسماء الرمال تفصيل أسماء ~~الرمال قال : العداب ، ما استرق من الرمل . الحبل ، ما استطال منه . اللبب ~~، ما انحدر منه . الحقف ، ما اعوج منه . الدعص ، ما استدار منه . العقدة ، ~~ما تعقد منه . السقط ، ما جعل يتقطع ويتصل منه . النهبورة ، ما أشرف منه . ~~التيهور ، ما اطمأن منه . الشقيقة ، ما انقطع وغلظ منه . الكثيب والنقا ، ~~ما احدودب وانهال ms0097 منه . العاقر ، مالا ينبت شيئا منه . الهدملة ، ما كثر ~~شجره منه . PageV01P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" الأوعس ، ما سهل ولان منه . الرغام ، ما لا ~~منه . وليس هو الذي يسيل من اليد . الهيام ، ما لا يتمالك أن يمسك باليد ~~منه للينه . الدكداك ، ما التبد بالأرض منه . العانك ، ما تعقد منه حتى لا ~~يقدر البعير على المسير فيه . 6 - ذكر ترتيب كمية الرمل . قال الثعالبي : ~~الكثير يقال له العقنقل . فإذا نقص ، فهو كثير . فإذا نقص ، فهو عوكل . ~~فإذا تقص عنه ، فهو سقط . فإذا نقص عنه فهو عداب . فإذا نقص ، فهو لبب . ~~وقال في كتابه الغريب : إذا كانت الرملة مجتمعة ، فهي العوكلة . فإذا ~~انبسطت وطالت ، فهي الكثيب . فإذا انتقل الكثيب من موضع إلى آخر بالرياح ~~وبقي منه شيء رقيق ، فهو اللبب . فإذا نقص فهو العداب . 7 - ذكر تفصيل ~~أسماء الطرق وأوصافها قال الثعالبي : المرصاد والنجد ، الطريق الواضح ؛ ~~وكذلك الصراط والجادة والمنهج واللقم والمحجة ، وسط الطريق ومعظمه . ~~PageV01P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" واللاحب ، الطريق الموطأ . المهيع ، الطريق ~~الواسع . الوهم ، الطريق الذي يرد فيه الموارد . الشارع ، الطريق الأعظم . ~~النقب والشعب ، الطريق في الجبل . الخل ، الطريق في الرمل . المخرف ، ~~الطريق في الأشجار . ومنه الحديث : عائد المريض في مخارف الجنة . النسيب ، ~~الطريق المستقيم ؛ وقيل أنه المستدق الواضح ، كطريق النمل والحية وحمر ~~الوحش . والله أعلم . الباب الثالث في طول الأرض ومسافاتها من القسم الرابع ~~من الفن الأول في طول الأرض ومسافاتها ذهب المتكلمون في ذلك أن مسافة الأرض ~~خمسمائة عام : ثلث عمران ، وثلث خراب ، وثلث بحار ؛ وأن مقدار المعمور من ~~الأرض مائة وعشرون سنة : تسعون منها ليأجوج ومأجوج ، واثنا عشر للسودان ، ~~وثمانية للروم ، وثلاثة للعرب ، وسبعة لسائر الأمم . وقيل أن الدنيا سبعة ~~أجزاء : ستة منها ليأجوج ومأجوج ، وواحد لسائر الناس . وقيل أن الأرض أربعة ~~وعشرون ألف فرسخ : للسودان منها اثنا عشر ألفا ، وللروم ثمانية آلاف فرسخ ، ~~ولفارس ثلاثة آلاف ، وللعرب ألف . PageV01P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" وقال وهب بن منية : ما العمارة من الدنيا في ~~الخراب إلا كفسطاط في الصحراء . وقال أردشير بن بابك ms0098 : إن الأرض أربعة ~~أجزاء : جزء منها للترك جزء للعرب ، وجزء للفرس . وجزء للسودان . وقيل : أن ~~الأقاليم سبعة ، والأطراف أربعة ، والنواحي خمسة وأربعون ، والمدائن عشرة ~~آلاف ، والرساتيق مائتا ألف وستة وخمسون ألفا وقال الخوارزمي صاحب الزيج : ~~دور المعمور سبعة آلاف فرسخ ، وهو نصف سدس الأرض ، والجبال ، والمفاوز ، ~~والبحار . والباقي خراب يباب لا نبات فيه ولا حيوان . ومثل المعمور بصورة ~~طائر ، رأسه الصين ، والجناح الأيمن الهند والسند ، والجناح الأيسر الخزر ، ~~وصدره مكة والعراق والشام ومصر ، وذنبه الغرب . وزعم أصحاب الهيئة أن قطر ~~الأرض سبعة آلاف وأربعمائة وأربعة عشر ميلا ، وأن دورها عشرون ألف ميل ~~وأربعمائة ميل . وذلك جميع ما أحاطت به من بر وبحر . وإنما علم ذلك وحرر من ~~عبد الله المأمون ، وذلك أنه لما أشكل عليه ما ذكره المتقدمون من مقدار ~~الأرض بعث جماعة من أهل الخبرة بالحساب والنجوم - منهم علي بن عيسى - إلى ~~برية سنجار . وتفرقوا من هناك . فذهب بعضهم إلى جهة PageV01P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" القطب الشمالي ، وذهب آخرون إلى جهة القطب ~~الجنوبي ، وسار كل منهم في جهته إلى وصل غاية ارتفاع الشمس نصف النهار ، ~~وقد زال وتغير عن الموضع الذي اجتمعوا فيه وترفقوا منه ، مقدار درجة واحدة ~~. وكانوا قد ذرعوا الطريق في ذهابهم ، فنصبوا السهام ، ووتدوا الأوتاد ، ~~وشدوا الحبال . ثم رجعوا وامتحنوا الذرع ثانية ، فوجدوا مقدار درجة واحدة ~~من السماء سامتت وجه بسيط الأرض ستة وخمسين ميلا وثلثي ميل . " والميل ~~أربعة آلاف ذراع ؛ والذراع ست قبضات ؛ والقبضة أربع أصابع ؛ والإصبع ست ~~شعيرات ، بطون بعضها إلى بعض ؛ والشعيرة ست شعيرات من شعر الخيل " . فضربت ~~هذه الأميال في جميع درجات الفلك ، وهي ثلثمائة وستون درجة ، فخرج من الضرب ~~عشرون ألف ميل وأربعمائة ميل . فحكم بأن ذلك دور الأرض . وقال أبو زيد أحمد ~~بن سهل البلخي : مسافة طول الأرض من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب نحو من ~~أربعمائة مرحلة ، ومسافة عرضها من حيث العمران الذي من جهة الشمال " وهو ~~مساكن يأجوج ومأجوج " إلى حيث العمران من جهة الجنوب " وهو مساكن السودان " ~~مائتان ms0099 وعشرون مرحلة ؛ وما بين براري يأجوج ومأجوج والبحر المحيط في الجنوب ~~خراب ليس فيه عمارة . ويقال إن مسافة ذلك خمسة آلاف فرسخ . حكى هذه الأقوال ~~صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر رحمه الله . الباب الرابع الأقاليم من ~~القسم الرابع من الفن الأول - في الأقاليم السبعة ذهب أصحاب الزيجات إلى أن ~~كل إقليم منها كأنه بساط ممدود ، طوله من المغرب إلى المشرق ، وعرضه من ~~الجنوب إلى الشمال . PageV01P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" فأما الإقليم الأول . فمبدؤه من مشرق أرض ~~الصين إلى مدائن أبوابها . وهي الأنهار التي تدخل السفن فيها من البحر إلى ~~المدائن الجليلة مثل خانقو وخانفور . وفيه جزيرة سرنديب . ومن أرض اليمن ما ~~كان جنوبيا من صنعاء ، مثل ظفار وحضرموت وعدن . وفيه من بلد النوبة دنقلة ؛ ~~ومن بلد السودان غانة . ثم ينتهي إلى البحر المحيط . وعرضه من خط الاستواء ~~إلى مقدار ما يبعد عنه عشرون درجة وثلاث عشرة دقيقة . وذهب بعض الناس إلى ~~أن أول المعمور من حيث يكون العرض وخط الاستواء اثنتي عشرة درجة ونصف وربع ~~درجة ، وفيما بين هذا العرض وخط الاستواء مسكون بطوائف من السودان في عداد ~~الوحوش والبهائم . وعد فيه بطليموس من البلاد ذوات العروض ستين مدينة . ~~وأهل هذه الإقليم سود ، وهو قليل الساكن لإفراط حره . أما الإقليم الثاني . ~~فيبتدئ من بلاد الصين ، ويمر على بعض بلاد الهند الساحلية مثل تانة ، ~~وصيمور ، وسندان ؛ ومن بلاد السند على المنصورة وديبل ، ثم يبلغ عمان . ~~ويكون فيه من أرض العرب : نجران ، وهجر ، وجنابة ، ومهرة ، وسبأ ، وتبالة ، ~~والطائف ، وجدة ، ومكة ، والمدينة ، ومملكة الحبشة ، وأرض البجة ، وأسوان ، ~~وقوص ، والصعيد الأعلى ، وجنوب بلاد المغرب حتى ينتهي إلى البحر المحيط ؛ ~~وعرضه من غاية الإقليم الأول إلى سبعة وعشرين درجة واثنتي عشرة دقيقة . ~~وزعم بطليموس أن فيه أربعمائة وخمسين مدينة . وأهله بين السمرة والسواد ، ~~وهو كثير الذهب . PageV01P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" وأما الإقليم الثالث . فمبدؤه من شرق أرض ~~الصين ، وفيه مدينة مملكتها ، حمدان ؛ وفيه من بلاد الهند تانش والقندهار ، ~~ومن بلاد السند المولتان وقزدار . ثم يمر ببلاد ms0100 سجستان ، وكرمان ، وفارس ، ~~وأصبهان ، والأهواز ، والبصرة ، والكوفة ، وأرض بابل ، وبلاد الجزيرة ، ~~والشام ، وفلسطين ، وبيت المقدس ، والقلزم ، والتيه ، وأرض مصر ، ~~والإسكندرية ، وبلاد برقة ، وإفريقية ، وتاهرت ، وبلاد طنجة ، والسومن ، ~~وينتهي إلى البحر المحيط . وعرضه من غاية الإقليم الثاني في العرض إلى تمام ~~ثلاث وثلاثين درجة وتسع وأربعين دقيقة . وزعم بطليموس أن فيه تسعا وخمسين ~~مدينة . وأهله سمر . وأما الإقليم الرابع . فمبدؤه من أرض الصين ، ويمر على ~~التبت والحنق ، ثم على بلاد قشمير ، ووخان ، وتل حسان ، وكابل ، والغور ، ~~وهراة ، وبلخ ، وطخارستان ، ويمتد إلى الرى ، وقم ، وهمذان ، وحلوان ، ~~وبغداد ، والموصل ، وأذربيجان . ويمتد على منبج ، وطرسوس ، والثغور ، ~~وأنطاكية ، وجزيرة قبرس . وصقلية ، ثم على الزقاق إلى البحر المحيط ؛ وعرضه ~~من غاية الإقليم الثالث في العرض إلى تتمة تسع وثلاثين درجة وعشرين دقيقة . ~~وزعم بطلميوس أن فيه مائة وثلاثين مدينة . وأهله بين السمرة والبياض . ~~PageV01P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" وأما الإقليم الخامس . فمبدؤه من أرض الترك ~~المشرفين على يأجوج ومأجوج إلى كاشغرا ، وبلاساغون ، وفرغانة ، وإسبيجاب ، ~~والشاش ، وأشروسنة ، وسمرقند ، وبخارى وخوارزم ، وبحر الخزر إلى باب ~~الأبواب ، وبرذغة ، وميافارقين ، ودروب الروم ، وبلادهم . ثم يمر على رومية ~~الكبرى ، وأرض الجلاقة ، وبلاد الأندلس ؛ وينتهي إلى البحر المحيط . وعرضه ~~من غاية الإقليم الرابع إلى تمام ثلاث وأربعين درجة وثماني عشر دقيقة . ~~وذكر بطلميوس أن فيه سبعة وتسعين مدينة . وأكثر أهله بيض . وأما الإقليم ~~السادس فمبدؤه من مساكن ترك المشرق ، وهم الخرخيز ، والكيمال ، والتغزغز ، ~~ثم على بلاد الخوز من شمال تخومها ، واللان ، والسرير ، وأرض برجان ، ثم ~~على قسطنطينية ، وأفرنجة ، وشمال الأندلس ، وينتهي إلى البحر المحيط ؛ ~~وعرضه من غاية الأقليم الخامس إلى تمام سبعة وأربعين درجة وخمسة عشر دقيقة ~~. وزعم بطلميوس أن فيه ثلاثة وثلاثين مدينة ، وهو كثير الإمداد والثلوج . ~~وأهله بيض الأبدان ، شقر الشعور ، وأما الإقليم السابع . فليس فيه كبير ~~عمارة ، وإنما هو في المشرق غياظ وجبال يأوى إليها طوائف من الترك ~~كالمتوحشين . ويمر على بلاد البجناك ، ثم علة بلاد البلغار ، قم على الروس ~~والصقالبة ، وينتهي إلى البحر المحيط . وعرضه من غاية الإقليم السادس إلى ms0101 ~~تتمة خمسين درجة ونصف . وفيه الأرض المحفورة ، وهي وهدة لا يقدر أحد أن ~~ينزل إليها ، ولا أن يصعد منها من هو فيها لبعد قعرها . يسكنها أمة من ~~الناس لا يدرى من هم . وإنما علم أنها معمورة برؤية الدخان فيها نهارا ، ~~والنار ليلا . يشقها نهر يجري ، والعمارة محيطة به . PageV01P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" وزعم بطليموس أن فيها ثلاثا وعشرين مدينة . ~~وأهل الإقليم بيض صهب الشعور . وما بقي من المعمور إلى نهايته إلى ثلاث ~~وستين درجة مضاف إلى هذا الإقليم ومحسوب فيه . يسكنه طوائف من الناس هم ~~بالبهائم في الخلق والخلق أشبه منهم ببني آدم . - ذكر ما يتمثل به مما فيه ~~ذكر الأرض يقال : أحمل من الأرض . أكتم من الأرض . أصبر من الأرض . آمن من ~~الأرض . أوثق من الأرض . أوطأ من الأرض . أحفظ من الأرض . أكثر من الرمل . ~~أظلم من الرمل . أعطش من الرمل . أوجد من التراب . ويقال : قتل أرضا عالمها ~~، وقتل أرض جاهلها . رماه بين سمه الأرض وبصرها . أخذت الأرض زخارفها . أفق ~~قبل أن يحفر ثراك . ابتغوا الرزق في خبايا الأرض . ومن أنصاف الأبيات : ~~الأرض من تربة والناس من رجل . . . وإن تمطر الأرض السماء . ومن الأبيات : ~~والأرض لا تطعم من فوقها . . . إلا لكي تطعم من تطعمه قال آخر : إذا الأرض ~~أدت ريع ما أنت زارع . . . من البذر ، فهي الأرض . ناهيك من أرض وقال آخر : ~~ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا ، . . . فكم تحتها قوم همو منك أرفع ~~PageV01P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" وقال آخر : يا أرض كم وافد أتاك فلم . . . ~~يرجع إلى أهله ولم يؤب 3 - ذكر شيء مما قيل في وصف الأرض وتشبيهها قال ~~الأخطل : وتيهاء ممحال كان نعامها . . . بأرجائها القصوى أباعر همل . ترى ~~لامعات الآل فيها كأنها . . . رجال تعرى تارة وتسربل . وجوز فلاة لا يغمض ~~ركبها . . . ولا عين هاديها من الخوف تغفل . وكل بعيد الغور لا يهتدي له . ~~. . بعرفان أعلام ولا فيه منهل . ملاعب جنان كأن ترابها . . . إذا اطردت ~~فيها الرياح تغربل . ترى الثعلب الحولى فيها كأنه . . . إذا ما علا نشز ~~حصان محجل ms0102 . وقال ذو الرمة : ودوية جرداء جداء خميت . . . بها هبوات الصيف ~~من كل جانب . سباريت يخلو سمع مجتازها بها . . . من الصوت ، إلا من صياح ~~الثعالب . وقال ذو الرمة : وهاجرة السراب من الموامي . . . ترقص في عساقلها ~~الأروم . PageV01P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" تموت قطا الفلاة بها أواما . . . ويهلك في ~~جوانبها النسيم . مللت بها المقام فأرقتني . . . هموم لا تنام ولا تنيم . ~~وقال ضابئ البرجمي : وداوية تيه يحاربها القطا . . . على من علاها من ضلول ~~ومهتدي . مسافهة للعيس ناء نياطها ؛ . . . إذا سار فيها راكب ، لم يغرد . ~~وقال مسلم بن الوليد : وقاطعة رجل السبيل مخوفة . . . كأن على أرجائها حد ~~مبرد . مؤزرة بالآل فيها كأنها . . . رجال قعود في ملأ معمد . وقال الصاحب ~~بن عباد : وتيهاء لم تطمث بخف وحافر . . . ولم يدر فيها النجم كيف يغور . ~~معالمها أن لا معالم بينها ، . . . وآياتها أن المسير غرور . ولو قيل للغيث ~~، اسقها : ما اهتدى لها . . . ولو ظل ملء الأرض وهو جذور . تجشمتها والليل ~~وحف جناحه . . . كأني سر والظلام ضمير . وقال الشريف الرضي : وتنوفه ~~حصباؤها . . . خلقت لنار القيظ جمرا . PageV01P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" تبدأ جنادبها الأنين أسى على المجتاز ظهرا . ~~وترى بها العصفور متخذا وجاز الضب وكرا . وقال المتنبي : مهالك لم يصحب بها ~~الذئب نفسه . . . ولا حملت فيها الغراب قوادمه . وقال إبراهيم بن خفاجة ~~الأندلسي : ومفازة لا نجم في ظلمائها . . . يسري ولا فلك بها دوار . تتلهب ~~الشعرى بها فكأنها . . . في كف زنجي الدجى دينار . يرمي بها الغيطان فيها ~~والربى . . . آل كما يتموج التيار . والقطب ملتزم لمركزه بها . . . فكأنه ~~في ساجه مسمار . قد لفنا فيها الظلام وطاف بي . . . ذئب يلم مع الدجى زوار ~~. طراق ساحات الديار معاور . . . خبث لأبناء السرى غدار . يسري ، وقد فضح ~~الدجى وجه الضيا ، . . . في فروة قد مسها اقشعرار . فعشوت في ظلماء لم يقدح ~~بها . . . إلا لمقلته ، وباس نار . ورفلت في خلع على من الدجى . . . عقدت ~~بها من أنجم أزرار . والليل يقصر خطوه ، ولربما . . . طالت ليالي الركب وهي ~~قصار . PageV01P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" وقال آخر : مجهولة الأعلام طامسة الصوى . . . ~~إذا عسفتها العيس بالركب ، ضلت ms0103 . إذا ما تهادى الركب في فلواتها ، . . . ~~أجابت نداء الركب فيها فأصدت . وقال مسعود أخو ذي الرمة يصف بعد فلاة : ~~ومهمهة فيها السراب يلمح . . . يدأب فيها القوم حتى يطلحوا . ثم يظلون كأن ~~لم يبرحوا . . . كأنما أمسوا بحيث أصبحوا . وقال مسلم : تجري الرياح بها ~~مرضى مولهة . . . حسرى تلوذ بأطراف الجلاميد . وقال آخر : ودية مثل السماء ~~قطعتها . . . مطوقة آفاقها بسمائها . وقال بعض الأعراب في الآل : كفى خزنا ~~أنى تطاللت كي أرى . . . ذرى علمي دمخ فما يريان كأنما ، والآل ينجاب عنهما ~~. . . من البعد عينا برفع خلقان . قال أبو هلال : وهذا من أغرب ما روي من ~~تشبيهات القدماء . PageV01P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" وقال آخر : والآل تنزو بالصوى أمواجه . . . ~~نزوالقطا الكدري في الأشراك . والظل مقرون بكل مطية . . . مشى المهار الدهم ~~بين رماك . وقال ابن المعتز : وما راعني بالبين إلا ظعائن . . . دعون بكائي ~~، فاستجاب سواكبه . بدت في بياض الآل والبعد دونه . . . كأسطر رق أمرض الخط ~~كاتبه . الباب الخامس من القسم الرابع من الفن الأول - في الجبال قال الله ~~تعالى : وألقي في الأرض رواسي أن تميد بكم . وقال المفسرون : خلق الله عز ~~وجل الأرض على الماء فمادت وتكفأت ، كما تتكفأ السفينة ، فأثبتها بالجبال . ~~ولولا ذلك ما أقرت عليها خلقا . وروى أبو حاتم في كتاب العظمة ، أن النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قال : إن الله تعالى لما خلق الأرض ، جعلت تميد . ~~فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من خلق الجبال ، وقالت : ~~يا رب هل خلقت خلقا أشد من الجبال ؟ قال : الحديد ، قالت : فهل من خلق أشد ~~من الحديد ؟ قال : النار ، قالت : فهل من خلق أشد من النار ؟ قال : الماء ، ~~قالت : فهل من خلق أشد من الماء ؟ قال : الريح ، قالت : فهل من خلق أشد من ~~الريح ؟ قال : ابن آدم ، يتصدق بيمينه فيخفيها عن شماله . PageV01P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : كان ~~العرش على الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض . فبعث الله ريحا فعصفت ~~الماء فأبرز عن حشفة في موضع البيت . فدحا الأرض من تحتها ms0104 فمادت فأوتدها ~~بالجبال . فكان أول حبل وضع ، جبل أبي قبيس . وهو الجبل المطل على الكعبة . ~~وفي كنيته بأبي قبيس قولان : أحدهما أن آدم كناه بذلك حين اقتبس منه النار ~~التي بين أيدي الناس " وقد تقدم بيان ذلك في الباب الرابع من القسم الثاني ~~من هذا الفن في ذكر النيران " . الثاني أنه أضيف إلى رجل من جرهم كان يتعبد ~~فيه ، اسمه أبو قبيس . ويقال فيه أبو قابوس ، وشيخ الجبال . وكان من قبل ~~يسمى بالأمين . وقال محمد بن السائب الكلبي : أن الله عز وجل لما خلق الأرض ~~، مادت بأهلها . فضربها بجبل السراة فاطمأنت . وهو أعظم جبال العرب وأكثرها ~~خيرا ، ويسمى الحجاز . وهو الذي حجز بين تهامة ونجد . فتهامة من جهته ~~الغربية مما يلي البحر ، ونجد من جهته الشرقية . وهو أخذ من قعر عدن إلى ~~أطرار الشام . ويسمى هناك جبل لبنان . فإذا تجاوز اللاذقية ومر بالثغور ، ~~سمي جبل اللكام . ثم يميد في بلاد الروم إلى بلاد أرمينية ، فيسمى هناك ~~حارثة وحويرثا . ثم يمتد إلى بحر الخزر ، وفيه الباب والأبواب . وقال بعض ~~المفسرين في قوله تعالى : ق والقرآن المجيد إنه جبل محيط بالعالم من زمرده ~~خضراء ، وإن جبال الدنيا متفرعة عنه . PageV01P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" وقال قوم : إن السماء مطبقة عليه والشمس تغرب ~~فيه ، وهو الحجاب الساتر لها عن أعين الناس ، في أحد الوجوه المفسر بها ~~قوله تعالى : حتى توارت بالحجاب . وقال قوم : إن منه إلى السماء مقدار ميل ~~، وأن الذي يرى من خضرة السماء مكتسب من لونه . وقال ابن حوقل : جميع ~~الجبال الموجودة في الدنيا متفرعة عن الجبل الخارج من بلاد الصين ، مشرقا ~~ذاهبا على خط مستقيم إلى بلاد السودان مغربه . وقال أبو الفرج قدامة بن ~~جعفر في كتاب الخراج : وجدت خلف خط الستواء في الجنوب وقبل الإقليم الأول ~~جبالا تسعة : خمسة منها متقاربة المقادير ، أطوالها ما بين أربعمائة ميل ~~إلى خمسمائة ميل ؛ وجبلا طوله سبعمائة ميل ؛ وجبل القمر ، وطوله ألف ميل ؛ ~~وجبلا بعضه وراء خط الاستواء ، وبعضه في الإقليم الأول ؛ وجبلا بعضه وراء ms0105 ~~خط الاستواء ، وبعضه في الإقليم الثاني . قال : ومجموع ما عرف في الأقاليم ~~السبعة من الجبال مائة وثمانية وتسعون جبلا منها في الإقليم الأول سبعة عشر ~~جبلا ، وفي الإقليم الثاني تسع وعشرون جبلا ، وفي الإقليم الثالث أحد ~~وثلاثون جبلا ، وفي الإقليم الرابع أربع وعشرون جبلا ، وفي الإقليم الخامس ~~تسعة وعشرون جبلا ، وفي الإقليم السادس أربعة وعشرون جبلا ، وفي الإقليم ~~السابع أربعة وأربعون جبلا . - ذكر أسماء ما ارتفع من الأرض إلى أن يبلغ ~~الجبل ، ثم ما ارتفع عن ذلك إلى أن يبلغ الجبل العظيم وترتيب ذلك . وقال ~~الثعالبي في كتابه المترجم بفقه اللغة وأسنده إلى أئمتها : أصغر ما ارتفع ~~من الأرض النبكة ؛ ثم الرابية أعلى منها ؛ ثم الأكمة ؛ ثم الزبية ؛ ثم ~~النجوة ، ثم الريع ؛ ثم القف ؛ ثم الهضبة " وهو الجبل المنبسط على الأرض " ~~؛ ثم PageV01P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" القرن " وزهو الجبل الصغير " ؛ ثم الدك " وهو ~~الجبل الذليل " ؛ ثم الضلع " وهو الجبل الذي ليس بالطويل " ؛ ثم النيق " ~~وهو الجبل الطويل " ؛ ثم الطود ؛ ثم الباذح والشامخ ؛ ثم الشاهق ؛ ثم ~~المشمخر ؛ ثم الأقود والأخشب ؛ ثم الأيهم ؛ ثم القهب " وهو العظيم " ؛ ثم ~~الخشام . 3 - ذكر ترتيب أبعاض الجبل قال الثعالبي : أول الجبل الحضيض ، وهو ~~القرار من الأرض عند أصل الجبل . ثم السفح ، وهو ذيله . ثم السند ، وهو ~~المرتفع في أصله . ثم الكيح ، وهو ما أطاف به . ثم الريد ، وهو ناحيته ~~المشرفة على الهواء . ثم العرعرة ، وهي غلظة ومعظمة . ثم الحيد ، وهو جناحه ~~. ثم الرعن ، وهو أنفه . ثم السعفة ، وهي رأسه . وقال صاحب كتاب الفاخر : ~~يقال من أسماء الجبال : العظيم منها الطور ، والطود ، والكفر ، والقهب ، ~~والعمود ، والعلم ، والأرعن ، والمشمخر . والأيهم الطويل وهو الشامخ ، ~~والشاهق ، والباذخ ، والباسق ، والأقود . والأخشب ، والخشن . والعقاب ، ~~الصعاب . والثنايا ، التي ليست بصعبة . PageV01P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" والهرشم ، النخر . والخشام ، جبل طويل ذو أنف ~~. والوزر ، والملجأن والقلعة ، ما يحصن فيه . والقرن ، جبل صغير . والضلع ~~والدك ، فيه دقة وانحناء . والنيق ، الذي لا يستطاع أن يرتقى إليه . وأعلى ~~الجبل قلته وقنته وذؤابته . وعرعرته ، غلظه . والفند ، القطعة منه . وشعفه ~~ومصاده ms0106 ، أعلاه . والكيح والكاح ، عرضه . والركح ، ناحيته المشرفة على ~~الهواء . والخضيض ، أسفله . قال : وصغار الجبال ، اليفع ، والضرس ، والضرب ~~، والعنتبية ، والعنتوت ، والأكمة ، والهضبة . والذريحة ما انبسط على وجه ~~الأرض . واللوذ ، حضن الجبل وما يطيف به . والريد والريود ، نواحيه المحددة ~~. والحيد ، شاخص يتقدم كالجناح . ومثله الشنعوف . والصدع والشقب ، شق فيه . ~~والغار والكهف ، مثل البيوت فيه . PageV01P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" والقردوعة ، الزاوية فيه . واللهب والنفنف ~~والغار ، مهواة بين جبلين . والشؤون ، خطوط فيه . والمخرم ، منقطع أنفه . ~~والقرناس ، شبه الأنف . والإرم ، العلم فيه . 4 - ذكر ترتيب مقادير الحجارة ~~قال الثعالبي : إذا كانت صغيرة فهي حصاة . فإذا كانت مثل الجوزة وصلحت ~~للاستنجاء بها ، فهي نبلة . وفي الحديث : اتقوا الملاعن وعدوا النبل . يعني ~~عند إتيان الغائط . فإذا كانت أعظم من الجوزة فهي قنزعة . فإذا كانت أعظم ~~منها وأصلحت للقذف ، فهي مقذاف ورجمة ومرداة . ويقال : إن المرداة ، حجر ~~الضب الذي ينصبه علامة لحجره . فإذا كانت ملء الكف ، فهي يهير . فإذا كانت ~~أعظم منها ، فهي : فهر ، ثم جندل ، ثم جلمد ، ثم صخرة ، ثم قلعة . وهي التي ~~تنقلع ن عرض الجبل . وبها سميت القلعة التي هي الحصن . وقال صاحب كتاب ~~الفاخر : من أسمائها الحجارة ، والجلمود والجلمد الحجر الصلب . والبرطيل ، ~~الصخرة العظيمة . والصفوان ، الأملس . والرضمة ، الحجر العظيم . والأتان ، ~~صخرة في مسيل ماء أو حافة نهر . PageV01P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" والإزاء ، التي عند مهراق الدلو . والرجمة ، ~~ما تطوى به البئر . والكذان ، الرخو . واليرمع ، الأبيض الرخو . والمدق ~~والمداك والصلاية ، حجر العطار الذي يسحق عليه العطر . والفهر ، ما يملأ ~~الكف ويسحق به العطر . والمرداة ، ما يكسر به الحجر . والمرداس ما يرمى به ~~في البئر لينظر أفيها ماء أم لا . قال الشاعر : من جعل العد القديم الذي . ~~. . أنت له عدة أحراس ، إلى ظنون أنت من مائه . . . منتظر رجعة مرداس . ~~والنشف ، حجر تدلك به الرجل في الحمام . والنقل ، ما كان في طرق الجبال . ~~والأثقية . ما ينصب عليه القدر . والقلاعة ، ما يرمى به في المقلاع . ~~والظران ، حجارة محددة يذبح بها . والصفيح ، ما رق منه عرض . واللخاف ، ~~حجارة عراض . والفلك ، قطعة ms0107 مستديرة وترتفع عما حولها . والمدملك ، المدور ~~. والكليت ، حجر مستدير يسد به وجار الضبع . والبليت ، التام . ~~PageV01P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" وقال ابن الأعرابي : القبيلة ، صخرة على رأس ~~البئر ، والعقابان من جنبتيها يعضدانها . ومنها المرو ، وهي البيض كالحصى . ~~والحصباء ، الصغار . والرضراض ، نحوها . والقضيض ، أصغر منها . والزنانير ، ~~واحدها زنير ، أضغر ما يكون . 5 - ذكر ما ما يتمثل به من ذكر الجبال ~~والحجارة ما جاء من ذلك على لفظ أفعل . يقال : أثقل من ثهلان . أثقل من ~~نضاد . أثقل من أحد . أصلب من الحجر . أصلب من الجندل . أقسى من الحجر . ~~أصبر من حجر . أيبس من صخر . أبقى من النقش في الحجر . ويقال : رمي فلان ~~بحجره . رد الحجر من حيث جاءك . وجه الحجر وجهة ما ، أي دبر الأمر على وجهه ~~. ألقمه الحجر ، أي جاوبه بجواب مسكت . رماه بثالثة الأثافي . أنجد من رأى ~~حضنا " وحضن جبل بنجد " أي من رآه لم يحتج أن يسأل هل بلغ نجدا أم لا . ~~الليل يواري حضنا ، أي يخفي كل شيء حتى الجبل . ومن أنصاف الأبيات : كأنه ~~علم في رأسه نار . . . PageV01P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" إذا قطعنا علما بدا علم قوموا انظروا كيف ~~تزول الجبال يضرب لموت الرؤساء جندلتان اصطكتا اصتكاكا يصرب لقرنين ~~يتصاولان ومن الأبيات : ولو بغى جبل يوما على جبل ، . . . لانهد منه أعاليه ~~وأسفله تتناثر الأطواد وهي شوامخ . . . حتى تصير مداوس الأقدام . جد فقد ~~تنفجر للصخرة . . . بالماء الزلال . 6 - ذكر شيء مما قيل في وصف الجبال ~~وتشبيهها قال السموءل بن عاديا : لنا جبل يحتله من نجيره . . . منيع يرد ~~الطرف وهو كليل رسا أصله تحت الثرى وسما به . . . إلى النجم فرع لا يرام ~~طويل قال إبراهيم بن خفاجة الأندلسي : أرعن طماح الذؤابة باذخ . . . يطاول ~~أعنان السماء بغارب . يصد مهب الريح من كل وجهة . . . ويزحم ليلا شبهه ~~بالمناكب . PageV01P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" وقور على ظهر الفلاة كأنه . . . طوال الليالي ~~ناظر في العواقب . يلوث عليه الغيم سود عمائم . . . لها من وميض البرق حمر ~~ذوائب . أضحت إليه وهو أخرس صامت . . . فحدثني ليل السرى بالعجائب . وقال : ~~ألا كم ms0108 كنت ملجأ فاتك . . . وموطن أواه وموئل تائب وكم مر بي من مدلج ومؤوب ~~. . . وقال بسفحي من مطي وراكب ولا طم من نكب الرياح معاطفي . . . وزاحم من ~~خضر البحار جوانبي فما كان إلا أن طوتهم يد الردى . . . فطارت بهم ريح ~~النوى والنوائب . وما غيض السلوان دمعي كل عبرة . . . يترجمها عنه لسان ~~التجارب . فسلى بما أبكى ، وسر بما شجى ، . . . وكان على ليل السرى خير ~~صاحب . وقلت وقد نكبت عنه مطيتي : . . . سلام فأنا مقيم وذاهب وقال أيضا ~~عفا الله عنه : وأشرف طماح الذؤابة شامخ . . . تمنطق بالجوزاء ليلا ، له ~~خصر . وقور على مر الليالي كأنما . . . يصيخ إلى نجوى وفي أذنه وقر . تمهد ~~منه كل ركن زكا به . . . فقطب إطراقا وقد ضحك البدر . PageV01P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" ولاذ به نسر السماء كأنما . . . يجر إلى وكر ~~به ذلك النسر . فلم أدر من صمت له وسكينة . . . أكبرة سن وقرت منه أم كبر . ~~وقال أيضا يصفه نثرا من رسالة كتبها لبعض الرؤساء : وكيف لي بقربك ودونك كل ~~علم باذخ ، مج الليل عليه رض به ، وصافحت النجوم هضابه ؛ قد ناء بطرفه ؛ ~~وشمخ بأنفه ، وسال الوقار على عطفه ، قد لاث من غمامه عمامه ، وأرسل من ~~ربابه ذؤابه ؛ تطرزها البروق الخواطف ، وتهفو بها الرياح العواصف ؛ بحيث ~~مده البسيط بساطا ، وضريب السماء فسطاطا . الباب السادس : من القسم الرابع ~~من الفن الأول - في ذكر البحار والجزائر روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه قال : لما أراد الله عز وجل أن يخلق الماء خلق ياقوتة خضراء ووصف من ~~طولها وعرضها وسمكها ، ثم نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء يترقرق لا يثبت ~~في ضحضاح . فما يرى من التموج والاضطراب إنما هو ارتعاده من خشية الله ~~تعالى ؛ ثم خلق الريح فوضع الماء على منته ؛ ثم خلق العرش ووضعه على متن ~~الماء . وفسر بهذا قوله عز وجل : وكان عرشه على الماء . - ذكر بحار المعمور ~~من الأرض وبحار المعمور ثلاثة : أعظمها البحر المحيط ، ثم ما نطيش ، ثم بحر ~~الخزر . PageV01P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" فأما البحر المحيط وجزائره ، ويسمى ~~باليونانية ms0109 أوقيانوس ، ويسمى بحر الظلمات ، سمي بذلك لأن ما يتصاعد من ~~البخار عنه لا تحلله الشمس لأنها لا تطلع عليه . فيغلظ ويتكاثف فلا يدرك ~~البصر هيئته . ولعظم أمواجه ، وتكاثف ظلمته ، وغلظ مائه ، وكثرة أهوائه ، ~~لم يعلم العالم من حاله إلا بعض سواحله وجزائره القريبة من المعمور . والذي ~~علم به من الجزائر ستة من جهة المغرب ، تسمى جزائر السعادات ، والجزائر ~~الخالدات . قال أبو عبيد البكري في كتابه المترجم بالمسالك والممالك : ~~وبإزاء طنجة الجزائر المسماة باليونانية ، فرطناتس أي السعيدة . وسميت بذلك ~~لأن في شعرائها وغياضها كلها أصناف الفواكه الطيبة من غير غراسه ولا فلاحة ~~، وأن أرضها تحمل الزرع مكان العشب ، وأصناف الرياض بدل الشوك . وهي متفرقة ~~متقاربة . ويقال إن بعض المراكب عصفت عليها الريح فألقتها إلى جزيرة من هذه ~~الجزائر ، فنزل من فيها من الركاب إليها ، فوجدوا فيها من أنواع أشجار ~~الفواكه وأشجار الأفاويه وأنواع اليواقيت كل مستحسن . فحملوا منه ما أطاقوا ~~ودخلوا به بلاد الأندلس . فسألهم ملكها من أين لهم هذا . فأخبروه بأمرهم . ~~فجهز مراكب وسيرها ، فلم يقفوا على جزيرة منها . وعدمت المراكب لعظم البحر ~~وشدة عصف الريح فلم يرجع منها شيء . ويقال إن هذه الجزائر مسكونة بقوم هم ~~الوحوش أشبه منهم بالناس . وبينها وبين ساحل البحر عشرة أجزاء . ويقال إن ~~في جهة المشرق مما يلي بلاد الصين ستة جزائر أخرى ، تسمى جزائر السيلي . ~~يقال إن ساكنيها قوم من العلويين ، وقعوا إليها لما هربوا من بني أمية . ~~ويقال أن جزائر السيلي لم يدخلها أحد من الغرباء وطاوعته نفسه على الخروج ~~منها لصحة هوائها ورقة مائها ، وإن كان منها في عيش قشيف . وفي هذا البحر ~~من الجزائر العامرة جزيرة برطانية ، وهي تحاذي جزيرة الأندلس ، وأهلها صهب ~~الشعور ، زرق العيون . PageV01P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" ومما يلي بلاد إفرانسية جزائر يعمرها خلق من ~~الفرنج ، لا ينقادون لبلد ، ولا يدينون بدين . وفيما يلي الأرض الكبيرة ~~جزيرة ذات أبرجة ، تحيط بها سبعمائة ميل وخمسون ميلا ، وفيهاأربع مدائن ، ~~وفي كل مدينة ملك . وجزيرة برغافة . يحيط بها أربعة آلاف ميل ms0110 ، وفيها ثلاث ~~مدائن عامرة . والداخل إليها قليل . وهي كثيرة الأنواء والأمطار . وأهلها ~~يحصدون زرعها قبل جفافه لقلة طلوع الشمس عندهم ، ويجعلونه في بيت ويوقدون ~~النار حوله حتى يجف . وجزيرة أنقلطرة . فيها مدائن عامرة ، وحبال شاهقة ، ~~وأودية ، وأرض سهلة ، والشتاء بها دائم ، وبين هذه الجزيرة والبر مجاز سعته ~~اثنا عشر ميلا . وفيه مما يلي الصقالبة جزيرتان : إحداهما جزيرة أمر نانيوس ~~النساء ، لا يسكنها غير النساء فقط . وتسمى الأخرى أمرنانيوس الرجال ، ولا ~~يسكنها غير الرجال . وهم في كل عام يجتمعون زمان الربيع ، ويتناكحون نحو ~~شهر ثم يفترقون . ويقال إن هاتين الجزيرتين لا يكاد يقع طرف أحد عليهما ~~لكثرة الغمام ، وظلمة البحر ، وعظم الأمواج . 3 - ذكر ما يتفرع من البحر ~~المحيط يتفرع من البحر المحيط خليجان : أحدهما من جهة المغرب ، ويسمى البحر ~~الرومي . والآخر من جهة المشرق ، ويسمى البحر الصيني ، والهندي ، والفارسي ~~، واليمني ، والحبشي ، بحسب ما يمر عليه من البلاد . وهما المرادان بقوله ~~تعالى : " مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان " . أي لا يبغي هذا ~~على هذا . والبرزخ أرض بين الفرما التي هي على بحر الروم ، وبين مدينة ~~القلزم التي هي على بحر الحبش ، مسافتها ثلاثة أيام . وقيل : البرزخ إرسال ~~ماء البحر الحلو PageV01P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" على ماء البحر الملح ، لأنه مغيض له . فلا ~~سبيل لأحدهما على الآخر ، بل جعل الله بينهما حاجزا وهو البرزخ . فإما ~~البحر الرومي وجزائره ، فإن المؤرخين قالوا إن الإسكندر حفره وأجراه من ~~البحر المحيط . يقولون إن جزيرة الأندلس وبلاد البربر أرضا واحدة يسكنها ~~الإشبان والبربر . وكان بعضهم يغير على بعض ، والحرب بينهم سجال . فلما ملك ~~الإسكندر ، رغب إليه فيما يحول بينهم وبين البربر . فرأى أن يجعل بينهما ~~خليجا من البحر يمكن به احتراس كل طائفة من الأخرى . فحفر زقاقا طوله ~~ثمانية عشر ميلا ، وعرضه اثنا عشر ميلا . وبنى بجانبيه سكرين ، وعقد بينهما ~~قنطرة يجاز عليها ، وجعل عليها حراسا يمنعون الجوار عليها من جهة البربر ~~إلا بإذن من جعله ناثبا عنه في بلاد الإشبان . وكان قاموس البحر أعلى من ms0111 ~~أرض الزقاق ، فطما وغطى السكرين والقنطرة ، وساق بين يديه بلادا وطغا على ~~أخرى . حتى إن المسافرين فيه يخبرون أن المراكب في بعض الأوقات يتوقف سيرها ~~فيه مع وجود الريح . فيسبرون أمرها ؛ فيجدون المانع لها سلوكها بين شرفات ~~السور أو بين حائطين . فعظم طولا وعرضا ، وصار بحرا . قال صاحب كتاب مباهج ~~الفكر ومناهج العبر : وقد زاد عرضه ستة أميال عما كان عليه في زمن الإسكندر ~~. فصار ثمانية عشر ميلا . قال : وزعم السالكون فيه أن البحر ربما جزر في ~~بعض الأوقات ، فترى القنطرة . قالوا : وهذا الزقاق صعب شديد متلاطم الأمواج ~~مهول ، شبيه بما جاوره من البحر المحيط . وأهل الأندلس يقولون إن بين هذا ~~البحر وبين البحر المحيط بحرا يسمونه بحر الأيلاية بتفخيم اللم . وهو بحر ~~عظيم الموج صعب السلوك . PageV01P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" ومبدأ جريه من البحر الرومي من الإقليم ~~الرابع . فإذا خرج من الزقاق يمر مشرقا في جهة بلاد البربر وشمال المغرب ~~الأقصى إلى أن يمر بالمغرب الأوسط ، إلى إفريقية ، إلى برقة ، وإلى ~~الإسكندرية ، إلى شمال أرض التيه وأرض فلسطين . فيمر بسواحل الشام إلى أن ~~يصل إلى السويدية التي هي فرضة أنطاكية ، وعندها حجز البحر . ومنها يعطف ~~فيمر على العلايا وأنطاكية " وهما فرضتان لبلاد الروم " ، ثم على ظهر بلاد ~~قسطنطينية إلى أن ينتهي إلى المكان الذي منه خرج . وطوله خمسة آلاف ميل ، ~~وقيل ستة آلاف . وعرضه مختلف : ففي موضع ثلثمائة ميل ، وموضع ستمائة ميل ، ~~وفي موضع سبعمائة . ويقال إن فيه ما يزيد على مائة وسبعين جزيرة . كانت ~~عامرة بطوائف من الفرنج ، أخرب المسلمون أكثرها بالمغازي في صدر الإسلام . ~~وأجل ما ملك المسلمون منها ، ثم انتزع أكثره من أيديهم : جزيرة الأندلس . ~~وجزيرة يابسة . وهي حيال جزيرة الأندلس ، ومسافتها يومان في يوم . وفيه ~~مدينة صغيرة مسورة . وجزيرة منرقة ، ومسافتها يومان ونصف يوم ، وفيها مدينة ~~عامرة . وجزيرة ميورقة . ويقال فيها مايورقه . ومسافتها يومان في يومين ، ~~ويها مدينة . وجزيرة رودس . وهي حيال بلاد أفرنجة . ويحيط بها ثلثمائة ميل ~~وفيها حصنان . وجزيرة سردانية . طولها مائتان وثمانون ميلا ms0112 . وفيها ثلاث ~~مدائن كبار . وسكانها قوم من الفرنج متوحشون . وبها معدن فضة . وجزيرة ~~صقلية . وهي حيال إفريقية مضاهية لجزيرة الأندلس . وشكلها مثلث . يحيط بها ~~خمسمائة ميل . كثيرة الجبال ، والحصون ، والأمصار ، والأنهار ، والأشجار . ~~PageV01P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" ومما فيها من المدن المشهورة على ساحل البحر ~~: بلرمو . وبها يكون الملك ؛ وكانت قصبة الجزيرة بعد أن فتحها المسلمون ثم ~~النتقل الناس منها إلى الخالصة . وهي محدثة . بنيت في أيام القائم ابن ~~المهدي العبيدي في سنة خمس وعشرين وثلثمائة . ثم صارت بلرمو وبقيت الخالصة ~~ربضا لها ؛ وقطانية . وكانت عظمية فأحرقها البركان الذي في الجزيرة . فبنى ~~الأمبراطور مدينة عوضها ، وسماها غشطارة . ومسيني . وهي على أحد أركان ~~الجزيرة . وسرقوسة . وهي على الركن الآخر ، والبحر محيط بها من ثلاث جهاتها ~~. وطرابنش . وهي على الركن الثالث ، والبحر محيط بها . ولها مجاز . ومن ~~بلاد هذه الجزيرة البرية : والشاقة ، ومازر ، وكركنت ، ونوطس ، وطبرمين ، ~~وقصريانة ، والنور ، ورغوص ، وغليظة ، وغير ذلك . وبهذه الجزيرة . " يقال ~~بجزيرة ملاصقة لها " بركان ، وهو أطمة يخرج منها أجسام كأجسام الناس بغير ~~رؤوس من النار ، فتعلوا في الهواء ليلا ثم تسقط في البحر ، فتطفوا على وجه ~~الماء . فمنها يكون حجر المرو الذي تحك به الأرجل . وجزيرة بلونس . ودورها ~~ألف ميل . ولها مجاز إلى البر الطويل ، عرضه ستة أميال . فيها ما يزيد على ~~خمسين مدينة ؛ القواعد منها خمس عشرة مدينة ، وهي مشهورة عند الفرنج . ~~وجزيرة مالطة . وطولها أربعة وعشرةن ميلا ، وعضها اثنا عشر وفي وسطها مدينة ~~واحدة . وجزيرة قوسرة . وفيها مواضع متوحشة . وجزيرة أقريطش . وهي حيال ~~برقة . طولها ثلثمائة ميل ، وعرضها مائة وثلاثون ميلا . وبها مدينتان : ~~إحداهما تسمى الخندق ، والأخرى تسمى ربض الجبن . وفيها معدن ذهب . ~~PageV01P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" وجزيرة قبرس . وهو اسم النحاس ، لأن بها معدن ~~النحاس . يحيط بها ألف ميل وخمسمائة ميل . وفيها من المدن الجليلة ، ليسمون ~~، والباف بباء مفخمة ، والماغوطة . وكلها في البحر . وفي وسط الجزيرة مدينة ~~الأفقسية ، وهي القصبة . وبها يكون متولي الجزيرة . 4 - ويخرج من هذا البحر ~~خليجان أحدهما يسمى جون البنادقة ، والآخر يسمى خليج ms0113 كبير متسع ليس له فوهة ~~. وإنما هو جون له ركنان ، سعة ما بينهما سبعون ميلا . ويحيط بهذا الجون ~~مدن جليلة لطائفة من الفرنج تسمى البنادقة . وهي ذوات حصون وقلاع ممتنعة . ~~ومبدؤه من شرقي بلاد قلورية عند مدينة تسمى أذرنت ، ومنتهاه بلاد إيكلاية . ~~ومن هناك يعطف ، وطوله ألف ميل ومائة ميل . وفيه ست جزائر ، ثلاثة منها في ~~ضفة ، وثلاثة في أخرى ، وبها مدن عامرة . وثلاثة معترضة بين ركنيه مهملة لا ~~ساكن بها . وأما خليج القسطنطينية . ويسمى بحر نيطش فإن فوهته مقابلة ~~لجزيرة رودس ، وسعتها غلوة سهم . ويقال إنه كان بين الشطين سلسلة طرفاها في ~~برجين تمنع المراكب من العبور إلا بإذن الموكل بها . ويمر هذا الخليج نحو ~~مائتي ميل وخمسين ميلا إلى أن ينتهي إلى القسطنطينية فتكون في غربيه ، ~~ويحيط بجهتين منها . وهي مدينة عظيمة مشهورة . وعرض البحر عندها أربعة ~~أميال . ثم يمر ستين ميلا حتى ينصب في بحر ما نيطش . وهو بحر سوداق . وعرض ~~فوهته هناك عشرة أميال . وفي موضع أقل ، وفي موضع أكثر . فهذا البحر الرومي ~~وجزائره وما تفرع منه . والله أعلم . PageV01P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" 5 - وأما بحر الهند وجزائره فمبدؤه من مشرق ~~الصين فوق خط الاستواء . ويجري إلى جهة الغرب ، فيجتاز ببلاد الواق ، وبلاد ~~سفالة الزبخ ، ثم ببلاد الزبخ حتى يصل إلى بلاد بربرا ، وهناك حجزه . وأما ~~الشرقي : فمبدؤه من لوقين ، وهي أول مرافئ الصين ثم بخانقو فرضة الصين ~~العظمى ؛ ثم إلى سمندور من بلاد الهند ؛ ثم إلى حارتين ، إلى قندرينه ، إلى ~~تانه ، إلى سنددابور ، إلى بروص " ويقال بروج ، وإليها ينسب القماش البروجي ~~" ، إلى صيمور ، إلى سندان ، إلى سوتارة ، إلى كنباية . " وإليها ينسب ~~القماش الكنبايتي " ، إلى دبيل " وهي أول مرافئ السند " ؛ ثم إلى سرون ، ثم ~~إلى التير من بلاد مكران ، وهي أحد ركني الخليج الفارسي . والركن الآخر ~~يسمى رأس الجمجمة : وهو جبل خارج في البحر ، ومن هناك يسمى بحر اليمن ، ثم ~~يمتد على ظفار ؛ ثم على الشحر ساحل بلاد مهرة ؛ ثم على شرمة ولسعا " ساحلي ~~بلاد حضرموت " ، ثم ms0114 على أبين ، ثم على عدن ، ثم المخنق ، ثم العارة ، ثم ~~يمتد إلى باب المندب . ومن هناك يخرج خليج القلزم ، وطوله ثمانية آلاف ميل ~~، وعرضه يختلف . في موضع ألف ميل وسبعمائة ميل ، وفي موضع ألفان ، وفي موضع ~~دون ذلك . ويقال : إن بينه وبين البحر بحرا آخر يسمى البحر الزفتي ، سمي ~~بذلك لظلمته وسواده ، وطوله ألف ميل وخمسمائة ميل . PageV01P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" وهذا البحر - أعني الهندي - بجملته قسمه ~~السالكون له ست قطع ، وضعوا لها أسماء مختلفة . فالذي يمر بأرض الصين يسمى ~~بحر صنجي ، ينسب لمدينة في جزيرة من جزائره . وهو بحر كثير الأمواج مهول . ~~فإذا كان في أول هياجه ظهر فيه بالليل أشخاص سود ، طول الواحد منهم خمسة ~~أشبار وأقل من ذلك . يصعدون إلى المراكب ولا يضرون أحدا . فإذا عاينهم ~~السفار ، أيقنوا بالدمار . وإذا قدر الله تعالى نجاتهم من هذه الشدة . ~~أراهم على رأس الدقل طائرا أبيض كأنما خلق من النور ، فيتباشرون به . فإذا ~~ذهب عنهم الروع ، فقدوه . وفيه من الجزائر المعمورة : جزيرة شريرة . يحيط ~~بها ألف ميل ومائتا ميل . فيها مدائن كثيرة ، أجلها المدينة التي تنسب ~~إليها ، ومنها يجلب الكافور . وجزيرة صنجي . وإليها تنسب هذه القطعة . ~~وطولها مائتا ميل ؛ وعرضها أقل من ذلك . وفيها جواميس وبقر بغير أذناب . ~~وجزيرة أنفوجة . يحيط بها أربعمائة ميل . عمارتها متصلة . ويلي هذه القطعة ~~قطعة تسمى بحر الصنف . وفي جزيرة من جزائره مدينة . وهو بحر خبيث كثير ~~الأمطار والرياح الشديدة . وفي جباله معادن الذهب والرصاص ، وفيه مغاص ~~اللؤلؤ ، وفي غياضه الخيزران . وفيه مملكة المهراج . ويشتمل على جزائر لا ~~تحصى ، ولا يمكن المراكب أن تطوف بها في سنة . وفيها أنواع الطيب من ~~الكافور ، والقرنفل ، والعود ، والصندل ، والجوزبوي ، والبسباسة ، والكبابة ~~. PageV01P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" ومن جزائره المشهورة : جزيرة الزانج . ~~وتكسيرها سبعمائة فرسخ ، وبها يكون المهراج ، وهو اسم يطلق على من ملكها . ~~وجزيرة البركان ، وهي جزيرة فيها جبل يرمي بالشرر ليلا ، وبالرعود والقواصف ~~نهارا ، وهي أحد آطام الدنيا المشورة . وجزيرة قمار . وإليها ينسب العود ~~القماري . وبها شجر الصندل . دورها أربعة ms0115 أشهر . وهي مأوى عباد الهند ~~وعلمائهم . ويسمى ملكها قامرون . وجزائر الرامي . وهي نحو ألف جزيرة معمورة ~~. بها الملوك . وفيها معادن الذهب ، وشجر الكافور . وجزائر لنجيالوس . ~~ويقال لنكيالوس . وهي كثيرة ، وأهلها سود ، مشوهو الصور لقربها من خط ~~الاستواء . وبها معادن الحديد . ويلي هذه القطعة قطعة تسمى بحر لاروي ، ~~وبحر كله ، وبحر الجاوه ، وبحر فنصور . وإنما ترادفت عليه هذه الأسماء بحسب ~~ما يمر عليه من البلاد والجزائر . وهو بحر لا يدرك قعره . وفيه نحو ألف ~~جزيرة النارجيل ، لكثرته بها . وكلها عامرة بالناس . وبين الجزيرة والجزيرة ~~الفرسخ والفرسخان . وليس يوجد في سائر جزائر البحر ألطف صنعة من أهل جزائره ~~في سائر المهن . وبيوت أمواله الودع . ومن جزائره المشهورة مما يلي أوائل ~~بلاد الهند : جزيرة الماند . وهي جزيرة يحيط بها ألف ميل . وفيها ثلاث مدن ~~كبار . وجزيرة كرمون . يحيط بها ثلثمائة ميل . PageV01P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" وجزيرة بلي . منسوبة لمدينة من الهند على ~~ساحله . يأتيها التجار لأجل الفلفل . وجزائر الذئاب . وهي كثيرة . وأكبرها ~~جزيرة ديني . وسكانها قبائل من العرب . ويحيط بها أربعمائة ميل . وفيها ~~الموز ، وقصب السكر . وجزيرة السيلان . وطولها ستمائة ميل . وعرضها قريب من ~~ذلك . وفيها مدن كثيرة . وإليها ينسب العود السيلي . وجزيرة كله . وإليها ~~ينسب البحر . وهي جزيرة خطيرة ، طولها ثمانمائة ميل ، وعرضها ثلثمائة ميل ~~وخمسون ميلا . وبها من المدن فنصور . وفيها شجر الكافور " وفيها العود ~~الفاخر " وملاير ، ولاروي ، وكله " وإليها ينسب الدهن " . ولكل مدينة من ~~هذه المدن خور تعبره المراكب من البحر . وجزيرة صندابولات . وطولها نحو من ~~مائتي ميل ، وعرضها نحو مائة ميل . تنسب إلى مدينة هي فيها . وجزائر ~~بداميان . فيها أمم سود ، قباح الوجوه . قامة الرجل منهم أقل من ذراع . ليس ~~لهم مراكب . فإذا وقع إليهم غريق أو من يتيه من التجار ، أكلوه . ويلي هذه ~~القطعة قطعة تسمى بحر هركند ، وفيه جزائر كثيرة . ويقال إن عدتها ألف جزيرة ~~وتسعمائة جزيرة . ويقع فيها العنبر الذي تكون القطعة منه مثل البيت . ~~وسكانها أحذق الناس في الحياكة ، ينسجون القميص بكمية ودخاريزه قطعة واحدة ~~. وفيه ms0116 من الجزائر المشهورة : جزيرة سرنديب . وهي مدورة الشكل ، يحيط بها ~~ألف فرسخ . يشقها جبل الرهوان ، وهو الجبل الذي هبط عليه آدم عليه السلام " ~~من الجنة . وفي أوديتها الياقوت والماس والسبناذج . وطولها مائتان وستون ~~ميلا . ومدينة هذه الجزائر العظمى تسمى PageV01P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" أغنا ، يسكنها مسلمون ، ونصارى ، ويهود ، ~~ومجدوس ، ولكل أهل ملة من هذه الملل خاكم . لا ينبغي بعضهم على بعض . وكلهم ~~يرجع إلى ملك يسوسهم ويجمع كلمتهم . ولهذا البحر أربعة أودية تصب في البحر ~~تسمى الأغباب . ويلي هذه القطعة قطعة تسمى بحر اليمن . وأوله بحر الجمحة ، ~~وهو بلاد مهرة . معترض في البحر فيمر بحاسك " وهو أول مرافئ اليمن " ؛ ثم ~~يمر بمرباط " ساحل بلاد ظفار " ؛ ثم يمر بالشجر " ساحل بلاد مهرة " ؛ ثم ~~بشرمة ولسعا " ساحلي بلاد حضرموت " ؛ ثم بأبين ، ثم بعدن ، ثم بالمخنق ، ثم ~~بالعارة ، ثم الباب بالمندب . وفيه من الجزائر المشهورة : جزيرة سقوطرة . ~~وطولها نحو من مائة وثمانين ميلا ، وعرضها في الوسط نحو خمسة عشر ميلا . ~~وبها الصبر . يسكنها قوم من اليونان ، تغلبوا على من كان فيها من الهند في ~~زمن الإسكندر . وبها عيون يقال إن الشراب منها يزيد في العقل . ولهذا سميت ~~في الكتب القديمة جزيرة العقل . ويلي هذه القطعة قطعة تسمى بحر الزنج ، ~~وبحر بربرا ؛ ويسمى ساحله الزنجبار . وفيه مما يلي بلاد اليمن جزائر . منها ~~: جزيرة دعون . وهي مدورة وجزيرة السود . وجزيرة حورتان . وجزيرة مروان . ~~وفيها مدن يسكنها السراق ، وهي مقابلة لبلاد مهرة . وجزائر الديجبات . وهي ~~كثيرة . وأهلها مفرطون في السواد . وجميع ما عندهم أسود ، حتى قصب السكر ~~والكافور . PageV01P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" وجزيرة القمر . وتسمى جزيرة ملاي . وطولها ~~أربعة أشهر ، وعرض الواسع منها ما يريد على عشرين يوما . وهي تحاذي جزيرة ~~سرنديب . وفيها بلاد كثيرة أحلها كيدانة ، وملاي " وإليها تنسب الجزيرة " ~~ودهمي ، وبليق ، وخافورا ، ودعلي ، وقمرية " وإليها ينسب القمر " . ويقال : ~~إن بهذه الجزيرة خشبا ، ينحت من الخشبة منه شان يكون طوله ستين ذراعا ، ~~يجذف على ظهره مائة وستون رجلا . ولما ضاقت هذه الجزيرة بأهلها بنوا على ~~الساحل محلات ms0117 يسكنونها في سفح جبل يعرف بهم . ومنها خرج نهر النيل . 6 - ~~ويخرج من هذا البحر الذي يجمع هذه القطع خليجان أحدهما بحر القلزم ، والآخر ~~بحر فارس . فأما خليج القلزم . فخروجه من باب المندب . وهو جبل طوله اثنا ~~عشر ميلا . وسعة فوهته بمقدار أن الرجل يرى صاحبه من البر الآخر . فإذا ~~قارب المندب يمر في جهة الشمال ، بغلافقة ، والأهواب " وهما ساحلا زبيد " ~~ثم الجردة ، ثم الشرجة ، ثم عثر " وكانت مقر ملك قديم " ثم بالسرين ، وحلي ~~، وعسفان ، والجار " وهي فرضة المدينة " والجحفة ، والصفراء ، والحوراء ، ~~ومدين ، وأيلة ، والطور ، وفاران ، ثم القلزم " وكانت مدينة مسكونة ، وكذلك ~~أيلة " . ومن القلزم ينعطف من جهة الجنوب فيمر بالقيصر " وهي فرضة لقوص " ~~ثم إلى عيذاب " وهي فرضة لبلاد البجة " ، ثم يمتد إلى زيلع " وهي ساحل بلاد ~~الحبشة " ويتصل ببربرا . وطوله ألف ميل وخمسمائة ميل . وعرضه في مواضع ~~أربعمائة ميل ، ودون ذلك إلى مائتي ميل إلى ما دون ذلك . وهو بحر كريه ~~المنظر والرائحة . وفيه فيما بين القلزم وأيلة المكان المعروف بتاران ، وهو ~~مكان يشبه دردور عمان . لأنه في سفح جبل إذا وقفت الريح على دردورته انقطعت ~~بنصفين على شعبتين متقابلتين ؛ ثم يخرج من كمي هاتين الشعبتين ، فيثير ~~البحر فتتلبد السفن باختلاف الريح PageV01P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" فلا تكاد تسلم . وهاتان الشعبتان تسميان ~~الجبلين ، ومقدار هذا الموضع ستة أميال ، ويسمى بركة الغرندان . ويقال : ~~إنها التي أغرق الله فرعون وقومه فيها . فإذا كان للجنوب أدنى مهب ، فلا ~~يمكن سلوكه . وفيه من الجزائر خمس عشرة جزيرة ، العامر منها أربعة ، وهي : ~~جزيرة دهلك . يحيط بها نحو مائتي ميل ؛ ويسكنها قوم من الحبوش ، مسلمون . ~~وجزيرة سواكن . وهي أقل من ميل في ميل . وبينها وبين البحر الحبشي بحر قصير ~~يخاض . وأهلها طائفة من البجة تسمى الخاسد وهم مسلمون ، ولهم بها ملك . ~~وجزيرة النعمان . وبها نويس تعيش من لحوم السلاحف . وجزيرة السامري . ~~يسكنها قوم من اليهود ، سامرة ، في عيش قشيف . وأما خليج فارس . فإنه مثلث ~~الشكل على هيئة القلع . أحد أضلاعه من تيز مكران . فيمر في ms0118 بلاد كرمان على ~~هرمز ، ومن بلاد فارس على سيراف ، ونوح ، ونجيرم ، وجنابة ، ودارين ، ~~وسينيز ، ومهروبان ؛ ومنها يفضي البحر إلى عبادان ، ومن عبادان ينعطف الضلع ~~الآخر فيمر بالخط ، وهو ساحل بلاد عمان إلى صور ، وهي ساحل بلاد عمان مما ~~يلي بلاد اليمن ؛ ثم يمتد إلى رأس الجمحة منبلاد مهرة . والضلع الآخر يمتد ~~على سطح البحر من تيز مكران إلى رأس الجمحة . وهذه الأضلاع غير متفاوتة في ~~الطول ؛ فإن الضلع الذي يمتد على سطح البحر طوله خمسمائة ميل ، وطول الضلع ~~الآخر من حيث يبتدئ من تيز مكران إلى أن ينتهي إلى عبادان ثم ينعطف إلى أن ~~يصل إلى رأس الجمحة ، تسعمائة ميل . وفيه مما يلي عبادان مكان يعرف ~~بالدردور . وهو بين جبلين ، أحدهما يسمى كسير ، والآخر عوير ، ويضاف إليهما ~~جبل آخر بالقرب منهما يقال فيه وأخر ما فيه خير لشدة ما يرى بها من الأهوال ~~. وهي جبال سود ذاهبة في الهواء يتكسر الماء على شعبها . ولا بد للمراكب أن ~~تمر بينها ، وقلما تسلم . PageV01P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" وفي هذا البحر من الجزائر المشهورة على ألسنة ~~التجار تسع ، منها أربعة عامرة ، وهي : جزيرة خارك . يحيط بها اثنا عشر ~~ميلا . وهي عامرة آهلة كثيرة البساتين . وبها مغاص اللؤلؤ . وجزيرة كيش . ~~وبها مغاص اللؤلؤ أيضا ، وهي آهلة ، وتسمى هذه الجزيرة في عصرنا هذا قيس . ~~وجزيرة أوال . وهي تجاه ساحل البحرين ، وبينهما يوم . وبها مدينة . وأوال ~~مدينة من مدائن البحرين . وجزيرة لافت . وتعرف بجزيرة بني كاوان . وطولها ~~اثنان وخمسون ميلا ، وعرضها تسعة أميال . وهي آهلة . وهاتان الجزيرتان ~~معدودتان في بلاد جور من أعمال فارس . ويقال أيضا إنه يخرج من البحر المحيط ~~خليج ثالث في شمال الصقالبة ، ويمتد قرب بلد بلغار المسلمين ، ويسمى بحر ~~أدريك ، منسوب إلى أمة على ساحله في جهة الشمال ، ثم ينحرف نحو المشرق ؛ ~~وبين ساحله وبين أقصى بلاد الترك أرضون وجبال مجهولة خربة . فهذا البحر ~~المحيط وما يتفرح عنه . 7 - وأما بحر مانيطش ويسمى البحر الأسود . وهي ~~مدينة على ساحله . هي فرضة لبلاد القفجاق ms0119 مما يلي القسطنطينية . وعليه أيضا ~~للقفجاق مدينة عظيمة قرم ، مقصودة من كل الجهات . وبها علماء ، وفقهاء ، ~~ورؤساء ، وهي محدثة . مصرت فيما بين الثلاثين والأربعين وستمائة للهجرة ~~النبوية . ويسمى هذا البحر أيضا بحر الروس ، لجزائر فيه يسكنها أمة تسمى ~~الروس ، نصارى ، وهو بحر ضخم كثير الأخوار PageV01P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" والتروش والجبال الجرش . وطوله من الشمال إلى ~~الحنوب ألف ميل وثلثمائة ، وعرضه مختلف . ففي موضع ستمائة ميل ، وفي موضع ~~ثلثمائة ميل . والناس مختلفون فيه ، فمنهم من يقول إنه بحر مستقل بنفسه ، ~~يخرج منه خليج القسطنطينية ويصب في بحر الروم أو هو مغيض لخليج القسطنطينية ~~. وأكثرهم على أنه بحر مستقل بنفسه لطوله وعرضه وكثرة جزائره . وبعضهم يقول ~~أنه خليج يخرج من البحر المحيط على ظهر بلاد الصقالبة ، ويحيط به بلد ~~البطلمية ، وبلاد الغامانية ، وبلاد الأزكشية ، وبلاد الشركسية ، وبلاد ~~العلان والعنكر والناشقرد . وفيه ست جزائر عامرة ، وهي كثيرة المدن والقرى ~~، يسكنها الروس . 8 - وأما بحر الخزر وهو بحر جرجان وطبرستان والديلم . ~~وذلك بحسب ما يمر عليه من البلاد وهو - على ما حكاه ابن حوقل - مدور الشكل ~~، ليس له اتصال ببحر آخر . قال : ولو أن إنسانا طاف به ، لانتهى إلى الموضع ~~الذي ابتدأ منه ، لا يقطعه عن ذلك إلا نهر يصب فيه . وفي شرقي هذا البحر ~~بعض بلاد الديلم ، وبلاد طبرستان ، وجرجان ، وبعض المسافة التي بين جرجان ~~وحوارزم ؛ وغربيه بلاد أران ، وبلاد الخزر ، وبعض مفازة الغرية ؛ وشماليه ~~مفازة الطغزغزية ؛ وجنوبيه الجيل ، والديلم ، وطوله ثمانمائة ميل ، وعرضه ~~ستمائة ميل . وقال صاحب كتاب نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق : طوله من جهة ~~الخزر إلى عين الهم ألف ميل ، وعرضه من ناحية جرجان إلى مصب نهر إتل ستمائة ~~ميل ، وخمسون ميلا وهو يقطع عرضا من طبرستان إلى مدينة باب الأبواب في ~~أسبوع بالريح PageV01P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" الطيبة ، وفيه أربع جزائر ، وهي : جزيرة ~~سياكوه . وهي تجاه آبسكون ، فرضة جرجان . يسكنها طائفة من الترك . يصاد بها ~~البزاة البيض . وجزيرة سهلان . وطولها نحو مائة ميل ، وعرضها نحو خمسين ~~ميلا . وجزيرة البركان . وهي ms0120 أطمة عظيمة تظهر منها نار في الهواء ، كأشمخ ~~ما يكون من الجبال . ترى من نحو مائة فرسخ من البر . وجزيرة تجاه باب ~~الأبواب . كثيرة المروج والأنهار . وهذا البحر يقال إنه كثير التنانين . ~~وقد اختلف فيها . فمن الناس من يقول إنها دواب تعظم في قعر البحر فتؤذي ما ~~به من دواب ، فيبعث الله عز وجل عليها السحاب والملائكة فتخرجها من البحر ~~وتقلبها في أرض يأجوج ومأجوج ، فتكون طعاما لهم . هذا مما يحكى عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما . ومنهم من رأى أنها ريح سوداء تكون في قعر البحر فتظهر إلى ~~النسيم وتلحق بالسحاب ، كالزوبعة التي تثور في الأرض وتسدير ثم تطول في ~~الهواء . فيتوهم الناس أنها حيات سود . وسائر البحار تمد وتجزر ، خلا هذا ~~البحر . ويقال أن علة المد والجزر تكون عن وضع الملك الموكل بقاموس البحر ~~عقبه في أقصى بحر الصين ، فيفور فيكون منه المد ؛ ثم يرفعه فيكون من رفعه ~~الجزر . " ومنهم من روى مكان العقب الإبهام " ومنهم من قال أن العلة فيه ~~غير هذا كله . والله أعلم PageV01P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" ذكر ما في المعمور من البحيرات المالحة ~~المشهورة وما بها من العجائب وفي المعمور بحيرات مالحة : فالذي اشتهر منها ~~: بحيرة خوارزم . وشكلها مثلث كالقلع ، وليس في المعمور بحيرة أعظم منها . ~~يحيط بها أربعمائة فرسخ . يصب فيها نهرا سيحون وجيحون ، الذان في أرض ~~الهياطلة ، وغيرهما من الأنهار العظيمة الجارية في بلاد الترك . وهي مع ذلك ~~لا تزيد ولا تعذب . وزعم صاحب كتاب نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق إن في ~~هذه البحيرة حيوانا يظهر على سطحها في صورة الإنسان يتكلم ثلاث كلمات أو ~~أربعا ، بلغة لا تفهم ثم يغوص . وظهوره عندهم يدل على موت ملك من ملوك ذلك ~~الحين . ومنها بحيرة الطريخ : لسمك صغير يصاد منها ويحمل إلى سائر بلاد ~~أرمينية وأذربيجان . وطولها أربع مراحل ، وعرضها مرحلة . يجمع من أطرافها ~~البوق . والسمك يوجد بها في زمان مخصوص يأتيها في نهر يصب إليها ، ويكثر ~~حتى يصاد بالأيدي . فإذا انقضى ذلك الزمان ، لا ms0121 يوجد منه شيء البتة . وفي ~~بلاد أذربيجان بحيرة كوبوذان . وكبوذان قرية في جزيرة ، يسكنها ملاحو ~~المراكب التي يركب فيها من هذه البحيرة . وطول هذه البحيرة نحو ثلاثة أيام ~~، وعرضها كذلك . وفيها جزائر : منها جزيرة فيها قلعة حصينة تسمى تلا . ولا ~~يكون بهذه البحيرة حيوان البتة ، لأن ماءها منتن رديء . PageV01P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" وفي بلاد البحرين بحيرة . وبها بالبحر الكبير ~~سميت أرض هجر : البحرين . وفي الشام بأرض الغور بحيرة زغر ، وتسمى المتنة ~~والميتة . لأنها لا يعيش بها حيوان ولا يتكون فيها شيء مما يتكون في المياه ~~الجارية والراكدة من الحيوانات وطولها ستون ميلا ، وعرضها اثنا عشر ميلا . ~~ويقال إنها ديار قوم لوط التي خسفهم الله بها . ويقال إنها كانت خمسة مدن ، ~~أسماؤها : ضيعة ، و ضوعة ، و عمرة ، و دوما ، و سدوم ، وكانت سدوم أكبرها ~~وأعظمها . ويصب في هذه البحيرة نهر الأردن وغيره من الأنهار الصغار والسيول ~~من بلاد الكرك وغيرها ، فلا تزيد . ويقال أن لها منفذ إلى بحر القلزم . ~~وبساحلها الشرقي إلى حد أريحا معدن الكبريت الأبيض ، يحفر عليه ويخرج . ~~ويتكون في هذه البحيرة على شكل ممر ، ويطفو على وجهها ويتفق ، فيجمع منه ~~شيء أسود يسمونه الحمر وينقل إلى قلعة الكرك يدخربها ، يدخل في النفط . وفي ~~أعمال مصر بحيرة تنيس ، مقدارها إقلاع يوم في " عرض " نصف يوم . يكون ماؤها ~~فيأكثر السنة ملحا من دخول ماء البحر الرومي إليها ، فإذا مد النيل صب فيها ~~فتحلو فإذا جزر ملحت . ويقال : إنه كان في مكانها برمسلوك تغلب عليه البحر ~~في ليلة واحدة ، فما كانت أرضه مستفلة غرق وما كانت أرضه عالية مثل تنيس ~~وتونة بقي . وفي وسط هذه البحيرة جزيرة صغيرة تسمى سنجار ، يسكنها قوم ~~صيادون . وقال إبراهيم بن وصيف شاه في كتاب العجائب الكبير : إن بحيرة تنيس ~~كانت أجنة وكروما ومنازل ومنتزهات ، وكانت مقسومة بين ملكين من ولد أتريب ~~بن مصر ، وكان أحدهما مؤمنا والآخر كافرا ، فأنفق المؤمن ماله في وجوه البر ~~حتى باع حصته من أخيه ويفرق مالها أيضا ، فأصلحها أخوه وزاد ms0122 فيها غروسا ~~وفجر فيها أنهارا وبنى فيها بنيانا ، واحتاج أخوه إلى ما في يده فكان يمنعه ~~ويفتخر عليه بما في يده PageV01P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" من المال والأجنة ، فخاطبه أخوه في بعض ~~الأيام فسطا عليه ، وقال : أنا أكثر منك مالا وولدا وخيرا ، فقال له أخوه : ~~فما أراك شاكرا لله تعالى على ما رزقك ، ويوشك أن ينزع ذلك منك . ويقال : ~~إنه دعا عليه فغرق ماء البحر ما كان له في ليلة واحدة . وقيل : أن هذين ~~اللذان ذكرهما الله تعالى في كتابه العزيز ، فقال : " واضرب لهم مثلا رجلين ~~جعلنا لأحدهما جنين " الآيات ، والله تعالى أعلم . وبالقرب من الإسكندرية ~~بحيرة ، طولها إقلاع يوم وعرضها كذلك ، يدخل إليها الماء من بحر الروم من ~~مكان الأشتوم ، ويخرج منها إلى بحيرة أخرى دونها في خليج عليه مدينتان ، ~~أحدهما تسمى الجدية ، والأخرى تسمى أتلو كثيرة المقات والنخل ، وكلها في ~~الرمل . ويصب في البحيرة خليج من النيل يسمى الحافر طوله نصف يوم إقلاعا ، ~~وهو كثير الطير والسمك والعشب . وفي بلاد أفريقية بحيرة بنزرت ماؤها ملح ، ~~وطولها ستة عشر ميلا ، وعرضها ثمانية أميال . وعلى عشرة أميال منها بحيرة ~~ماؤها عذب تسمى بحيرة متيجة . فإذا جاء الشتاء وكثرت السيول ، غاضت بحيرة ~~بنزرت ، وفاضت بحيرة متيجة حتى تمدها ستة شهور فلا يحلو ماؤها ؛ فإذا انقضى ~~زمن الشتاء وجاء الصيف ، غاضت بحيرة متيجة ، وفاضت بحيرة بنزرت فلا يملح ~~ماؤها . ويصاد في هذه البحيرة في كل شهرين من شهور السنة نوع من السمك لا ~~يخالطه غيره ؛ وأهل الناحية يعرفون دخول الشهر بتغيير السمك فيها . وحكى ~~صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر : إن بتخوم بلاد أرمينية بحيرة يكون ~~فيها الماء والسمك والطير ستة أشهر كوامل ، ثم تجف فلا يرى فيها ماء ولا ~~سمك ولا طير سبع سنين ، فإذا كانت السنة الثامنة ظهر ذلك فيها ستة أشهر ثم ~~ينقطع . وهذا دأبها مدى الزمن . وبخلاط بحيرة لا يرى فيها سمك ولا ضفدع ولا ~~سرطان عشرة أشهر من السنة ، ثم يظهر ذلك كله في الشهرين الباقيين ~~PageV01P0235 # """""" صفحة رقم ms0123 236 """""" وبقرية من ناحية ينجهير من بلاد خراسان بحيرة ~~، ما غمس فيها شيء إلا ذاب : حديدا كان أو خشبا . وكذلك بركة النطرون التي ~~بأرض مصر ما وقع فيها شيء إلا صار نطرونا حتى العظم والحجارة . ذكر ما ~~يتمثل به مما فيه ذكر البحر " ما جاء من ذلك على لفظ أفعل " يقال : أعمق من ~~البحر . أندى من البحر . ويقال : حدث عن البحر ولا جرح . ومن أنصاف الأبيات ~~: وهل يملك البحر أن لا يفيضا ؟ . . . ومن ورد البحر استقل السواقيا أنا ~~الغريق ، فما خوفي من البلل ؟ ومن الأبيات : هو البحر إلا أنه عذب مورود . ~~. . وذا عجب أن العذوبة في البحر وقال ابن الرومي : كالبحر يرسب فيه لؤلؤه ~~. . . سفلا ، وتعلو فوقه جيفه . ومثله قول الآخر : كمثل البحر يغرق فيه حي ~~. . . ولا ينفك تطفو فيه جيفه . وقال ابن الرومي : ألا فارجه واخشه إنه . . ~~. هو البحر : فيه الغنى والغرق PageV01P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" وقال أبو نواس : من قاس غيركم بكم . . . قاس ~~الثماد إلى البحور وقال آخر : إذا كنت قرب البحر مالي مخلص . . . إليه ، ~~فما يغني اقترابي من البحر قال آخر : كالبحر يقذف للقريب جواهرا . . . منه ~~ويرسل للبعيد سحائبا ذكر شيء مما قيل في وصف البحر وتشبيهه قال ابن رشيق ~~عفا الله عنه : البحر مر المذاق صعب . . . لا جعلت حاجتي إليه . أليس ماء ~~ونحن طين ؟ . . . فما عسى صبرنا عليه ؟ وقال ابن حمديس : لا أركب البحر ، ~~أخشى . . . غلي منه المعاطب طين أنا وهو ماء ، . . . والطين في الماء ذائن ~~. وقال آخر : وزاخر ليس له صوله . . . إلا إذا ما هبت الريح . فهو إذا ما ~~سكنت ساكن . . . كأنما الريح له روح . وقال أمية بن عبد العزيز بن أبي ~~الصلت : تناهى البحر في عرض وطول ، . . . وليس له على التحقيق كنة . وأعجب ~~كلما شاهدت فيها . . . سلامتنا على الأهوال منه . فحسبي أن أراه من بعيد . ~~. . وأهرب فوق ظهر الأرض عنه . PageV01P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" ومما وصف به البحر والسفن قال بشر بن أبي ~~خازم : أطاعن صفهم ولقد أراني . . . على زوراء تسجد للرياح إذا اعترضت ~~براكبها خليجا ms0124 ، . . . تذكر ما عليه من جناح . ونحن على جوانبها قعود ، . . ~~. نغض الطرف كالإبل القماح . وقال ابن تولو من أبيات : تحث بنا فيه قلاص ~~كأنها . . . وعال ، تبدت من جبال شواهق . لها كافلا ماء وريح كلاهما . . . ~~يعلمها في الجري سبق السوابق . إذا انحدرت ؛ فالماء ألطف قائد . . . وإن ~~صعدت ، فالريح أعسف سائق . وقال السلامي : وميدان تجول به خيول . . . تقود ~~الدارعين ولا تقاد . ركبت به إلى اللذات طرفا . . . له جسم وليس له فؤاد ~~جرى فظننت أن الأرض وجهه . . . ودجلة ناظر ، وهو السواد . وقال محمد بن ~~هانئ : معطفة الأعناق نحو متونها . . . كما نبهت أيدي الحواة الأفاعي إذا ~~أعملوا فيها المجاذيف سرعة ، . . . ترى عقربا منها على الماء ماشيا . إذا ~~ما ورزن الماء شوقا لبرده ، صدرن ولم يشربن غرثى صواديا . PageV01P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" وقال الرستمي : لم نزل مشفقين مذ قيل : سارت ~~. . . بك دهم قليلة الأوضاح . أصلها البر وهي ساكنة في . . . البحر سكنى ~~إقامة لا براح . هي في الماء وهي صفر من الما . . . ء سوى نضح موجها النضاح ~~. فإذا أوقرت ، فذات وقار ؛ . . . وإذا أخليت ، فذات جماح . وتراها في اللج ~~ذات جناح . . . ين وإن لم تكن بذات جناح . من مطايا لا يغتدن ولا يس . . . ~~أمن سير البكور بعد الرواح . منشآت من الجواري اللواتي . . . لسن من صتعة ~~الجواري الملاح . والدت مولدات بلا حل . . . نكاح ولا حرام سفاج . لا من ~~البيض بل من السود ألوا . . . نا وذات الألواح والأرواح . طائرات مع الرياح ~~، طورا . . . كاسرات بالجري حد الرياح . سائرات لا يشتكين سرى اللي . . . ل ~~ولا يرتقبن ضوء الصباح . ساكنات بلا خضوع سكون . . . جامحات بلا غرام جماع ~~. لا يخفن الغمار يقذفن فيها ، . . . ويفن المرور بالضحضاح . إن صدمن الحصى ~~عطبن ولا . . . يعطبن إما صدمن حد الرماح . ما رأى الناس من قصور على الما ~~. . . ء سواها يسير سير القداح . يتسبسبن كالأساود في الخفة . . . لا في ~~معاداة الأشباح . PageV01P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" فإذا ما تقابلت ، قلت : ذود . . . من كباش ~~تقابلت للنطاج . شرعها البيض كالغمامات في الصي . . . ف صحاحا منها وغير ~~صحاح . كم مدل بالجاه والمال فيها ، . . . وبه حاجة ms0125 إلى الملاح قائد جنده ~~لهم أدوات . . . نفعها ثم فوق نفع السلاح . فإذا البحر صال ، صالوا عليها . ~~. . بمواض تمضي بغير جراح . يكثرون الصياح حتى كأن السفن . . . تجري من خوف ~~ذاك الصياح . ومما وصفت به البحار والسفن نثرا وقال أبو عمرو صاحب الصلاة ~~القرطبي يصف شانيا سافر فيه : فارقت مولاي حين أخذت للسفر عدة الحزم ، ~~وشددت عقدة العزم ؛ وانتظمت مع السفر في سلك ، وركبنا على اسم الله ظهر ~~الفلك ، في شان عظيم الشان ، أحدقت به النطق إحداق الحيازم ، وأمسكته ~~لإمساك الأبازم ؛ ثم تتبع خلله فسد ، ورخوه فشد ؛ حذرا على ألواحه من ~~الإنخاع ، واتصلت بعرانيسه اتصال الجلود بالأضلاع ؛ ثم جلببت جلبابا من ~~القار ، ومخ في المتنين ولبفقار ؛ فامتاز بأغرب ميسم ، وعاد كالغراب الأعصم ~~؛ قد حسن منه المخبر ، وكأن الكافور قد قرن فيه بالعنبر ، له من التماسيح ~~أجنابها ، ومن الخطاطيف أذنابها ؛ واستقلت رجله بفراشها ، استقلال السهام ~~برياشها ؛ وقد مد قليعه ذراعيه متلقيا من وفد الرياح PageV01P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" مصافحه ، ومستهديا منها منافخة . تقلد الحكم ~~عليها إشتيام ذو تيقظ واستبصار ، واستدلال على الأعماق والأقصار ؛ يستدل ~~باختلاف المياه إذا جرى ، ويهتدي بالنجوم إذا سرى ؛ قد جعل السماء مرآة ~~ينظر فيها ، ويحذر من دجن يوافيها ؛ فإذا أصدأها الظلام بحنادسه ، وصقلها ~~الضياء بمداوسه ، يسبح الله فيمصبحه وممساه ، ويبسمل في مجراه ومرساه ، ~~ويذكر ربا يحفظه ولا ينساه . قد اتخذ فيه مولتيه ، من أنجد النواتية ؛ ~~مشمرين الأثواب ، مدبرين بالصواب ؛ يفهمون عنه بالإيماء ، ويتصرفون له تصرف ~~الأفعال للأسماء ؛ ويترنمون عند الجذب والدفع ، والحط والرفع : بهيمنة ~~تبعثهم على النشاط . والجمام ، وتؤديهم في عملهم بالتمام . فخرجنا ونفح ~~الريح نسيم ، ووجه البحر وسيم ؛ وراحة الريح تصافح عبابه مصافحة الخل ، ~~وتطوي جناحه طي السجل ؛ وتجول من لججه أبرادا ، وتصوغ منحبكه أزرادا : ~~كأنما ترسم في أديم رقشا ، أو تفتح في فصوص نقشا . قلما توسطنا ثبج البحر ، ~~وصرنا منه بين السحر والنحر ؛ صحت الريح من سكرها ، وطارت من وكرها ؛ ~~فسمعنا من ددوي البحر زئرا ، ومن جبال الشاني صفيرا ؛ ورأيناه يزبد ويضطرب ~~، كأنه بكأس الجنوب قد شرب ؛ واستقبلنا ms0126 منه وجه باسر ، وطارت من أمواجه ~~عقبان كواسر ؛ يضطرب ويصطفق ، ويختلف ولا يتفق ؛ كأن الجو يأخذ بنواصيها ، ~~ويجدبها من أقاصيها ؛ والشاني تلعب به أكف الموج ، ويفحص منها بكلكله فوجا ~~بعد فوج ؛ ويجوب منها ما بين أنجاد وأغوار ، وخنادق وأسوار ؛ والبحر تحتتنا ~~كأرض تميد بأهلها ، وتتزلزل بوعرها وسهلها ؛ ونحن قعود ، دود على عود ؛ قد ~~نبت بنا من القلق أمكنتنا ، وخرست من الفرق ألستنا ؛ والرش يكتفنا من كل ~~جانب ، ويسيل من أثوابنا سيل المذانب . فشممنا ريح الموت وظننا التلف ~~والفوت ؛ وبقينا PageV01P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" في هم ناصب ، وعذاب واصب ؛ حتى انتهينا إلى ~~كنف الجون ، وصرنا منه فيكن وصون ؛ وهدأ من البحر ما استشرى ، وتنادينا ~~بالبشرى ؛ ووطئنا من الأرض جددا ، ولبسنا أثواب الحياة جددا ومن رسالة لأبي ~~عامر بن عقال الأندلسي عفا الله عنه جاء منها : وكان جوازه ، أيده الله على ~~بحر ساكن ، قد ذل بعد استصعابه ، وسهل بعد أن رأى الشامخ من هضابه ؛ وصار ~~حيه ميتا ، وهديره صمتا ؛ وجباله لا ترى بها عوجا ولا أمتا ، وضعف بعد ~~تعاطيه ، وعقد السلم بين موجه وشاطيه . فعبر آمنا من لهواته ، ممتلكا ~~لصهواته ؛ على جواد يقطع البحر سبحا ، ويكاد يسبق الريح لمحا ؛ لا يحمل ~~لجاما ولا سراجا ، ولا يعرف غير اللجة سرجا ؛ فلله هو من جواد ، له جسم ~~وليس له فؤدا ؛ يخترق الهواء ولا يرهبه ، ويركض في الماء ولا يشربه ومن ~~رسالة للأستاذ ابن العميد في مثل ذلك جاء منها : وكأن العشاريات وقد رديت ~~بالقار ، وحليت باللجين والنضار ؛ عرائس منشورة الذوائب ، مخضوبة الحواجب ؛ ~~موشحة المناكب ، مقلدة الترائب ؛ متوجة المفارق ، مكللة العواتق ، فضية ~~الحلل والقراطق ؛ أو طواويس أبرزت رقابها ، ونشرت أجنحتها وأذنابها ؛ ~~وكأنها إذا حدت في اللحاق ، وتنافست في السباق ؛ نوافر نعام ، أو حوافل ~~أنعام ، أو عقارب شالت بالإبر ، أو دهم الخيل PageV01P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" واضحة الحجول والغرر ؛ وكأن المجاذيف طير ~~تنفض خوافيها ، أو حبائب تعانق حبائب بأيديها . الباب السابع العيون ~~والأنهار والغدران من القسم الرابع من الفن الأول في العيون والأنهار ~~والغدران وما وصفت به البرك ms0127 والدواليب والنواعير والجداول قال الله تعالى : ~~" ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض " . قال ~~المفسرون : هو المطر . ومعنى سلكه أدخله في الأرض ، وجعله عيونا ومسالك ~~ومجاري كالعروق في الجسد . قال أبو الفرج ، قدامة بن جعفر : مجموع ما في ~~المعمور من الأنهار في الأقاليم السبعة مائة نهر واربعة وثمانون نهرا ، ~~منها : في الإقليم الأول ثلاثة وعشرون نهرا ؛ وفي الإقليم الثاني تسعة ~~وعشرون نهرا ؛ وفي الإقليم الثالث ستة وعشرون نهرا ؛ وفي الإقليم الرابع ~~أربعة وعشرون نهرا ؛ وفي الإقليم الخامس ثمانية وعشرون نهرا ؛ وفي الإقليم ~~السادس ستة وعشرون نهرا ؛ وفي الإقليم السابع ثمانية وعشرون نهرا . ثم قال ~~: وفي هذه الأنهار ما جريانه من الشرق إلى الغرب ، كنهر نهاوند ونهر سجستان ~~؛ وما جريانه من الشمال إلى الجنوب كدجلة ؛ وما جريانه من الجنوب إلى ~~الشمال ، كنهر النيل ونهر مهران ؛ وما جريانه مركب من هذه الجهات ، كنهر ~~الفرات وجيحون ونهر الكر . PageV01P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" وسنذكر المشهور منها . فأما نهر النيل فزعم ~~قدامة بن جعفر أن انبعاثه من جبل القمر وراء خط الاستواء ، من عين تجري ~~منها عشرة أنهار ، كل خمسة منها تنصب إلى بطيحة . ثم يخرج من كل بطيحة ~~نهران ، وتجري الأنهار الأربعة إلى بطيحة كبيرة في الإقليم الأول . ومن هذه ~~البطيحة يخرج نهر النيل . وقال صاحب كتاب نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق : ~~" إن هذه البحيرة تسمى بحيرة كوري منسوبة لطائفة من السودان يسكنون حولها ، ~~متوحشون : يأكلون من وقع إليهم من الناس . ومنهذه البحيرة يخرج نهر عانة ، ~~ونهر الحبشة ؛ فإذا خرج النيل منها يشق بلاد كوري ثم بلاد ننه " طائفة من ~~السودان أيضا ، وهم بين كانم والوبة " ، فإذا بلغ دنقلة " مدينة النوبة " ~~عطف من غربيها إلى المغرب ، وانحدر إلى الإقليم الثاني ، فيكون على شطيه ~~عمارة النوبة . وفيه هناك جزائر متسعة عامرة بالمدن والقرى . ثم يشرق إلى ~~الجنادل ، وإليها تنتهي مراكب النوبة انحدارا ، ومراكب الصعيد إقلاعا . ~~وهناك أحجار مضرسة لامرور للمراكب عليها إلا في إبان زيادة النيل . ثم يأخذ ~~على الشمال فيكون ms0128 على شرقيه مدينة أسوان من بلاد الصعيد الأعلى ؛ ثم يمر ~~بين جبلين هما يكتنفان لأعمال مصر ، أحدهما شرقي والآخر غربي حتى يأتي ~~مدينة مصر فتكون في شرقيه . فإذا تجاوزها بمسافة يوم ، انقسم قسمين : ~~أحدهما يمر حتى يصب في بحر الروم عند مدينة دمياط ، ويسمى بحر الشرق ؛ ~~والآخر - وهو عمود النيل ومعظمه - يمر إلى أن يصب في بحر الروم أيضا عند ~~مدينة رشيد ، ويسمى بحر الغرب . قالوا : وتكون مسافة النيل من منبعه إلى أن ~~يصب في رشيد سبعمائة فرسخ وثمانية وأربعين فرسخا . وقيل إنه يجري في الخراب ~~أربعة أشهر ، وفي بلاد السودان شهرين ، وفي بلاد الإسلام شهرا . " وروى ~~البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك ، عن مالك بن صعصعة ، عن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في حديث المعراج ، قال : ثم رفعت إلى PageV01P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" سدرة المنتهى ، فإذا نبقها مثل قلال هجر ، ~~وإذا ورقها مثل آان الفيلة . " قال : هذه سدرة المنتهى " وإذا أربعة ~~أنهارنهران باطنان ، ونهران ظاهران ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : أما ~~الباطنان ، فنهران في الجنة ؛ وأما الظاهران ، فالنيل والفرات . وليس في ~~الأرض نهر يزيد حين تنقص الأنهار وتغيض ، غيره . وذلك أن زيادته تكون في ~~الفيظ الشديد فيشمس السرطان والأسد والسنبله . وقد حكي في فضائل مصر أن ~~الأنهار تمده بمائها ، وذلك عن أمر الله تعالى . وقال قوم : إن زيادته من ~~ثلوج يذيبها الصيف على حسب مددها ، كثيرة كانت أو قليلة ، وفي مدده اختلاف ~~كثير . وكان منتهى زيادته قديما ستة عشر ذراعا ، والذراع أربعة وعشرون ~~إصبعا ، بمقياس مصر . فإن زاد عن ذلك ذراعا واحدا ، زاد في الخراج مائة ألف ~~دينار : لما يروي من الأراضي العالية . والغاية القصوى في الزيادة ثمانية ~~عشر ذراعا في مقياس مصر . فإذا انتهى إلى هذا الحد ، وكان في الصعيد الأعلى ~~اثنتين وعشرين ذراعا : لارتفاع البقاع التي يمر عليها . فإذا انتهت زيادته ~~، فتحت خلجانات وترع تتخرق المياه فيها يمينا وشمالا إلى البلاد البعيدة عن ~~مجرى النيل . وللنيل ثمان خلجانات ، وهي : خليج الإسكندرية ؛ وخليج دمياط ؛ ~~وخليج منف ؛ وخليج ms0129 المنهى " حفره يوسف الصديق عليه السلام " ؛ وخليج أشموم ~~طناح ؛ وخليج سردوس " حفره هامان لفرعون " ؛ وخليج سخا ؛ وخليج حفره عمرو ~~بن عاص ، يجري إلىأن يصب فيه السباخ . PageV01P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" ويحصل لأهل مصر إذا وفى النيل ستة عشر ذراعا ~~- وهي قانون الري - فرح عظيم : بحيث أن السلطان يركب في خواص دولته وأكابر ~~الأمراء في الحراريق إلى المقياس ، ويمد فيه سماطا يأكل منه الخواص والعوام ~~، ويخلع على القياس ، ويصله بصلة مقررة له في كل سنة . وقد ذكر بعض ~~المفسرين للكتاب العزيز أن يوم وفاء النيل هو اليوم الذي وعد فيه فرعون ~~موسى بالاجتماع ، وهو قوله تعالى إخبارا عن فرعون " قال موعدكم يوم الزينة ~~وأن يحشر الناس ضحى " . والعادة جارية أن اجتماع الناس للتخليق في هذا ~~الوقت . ومتى قصر النيل عن هذا النقدار ، غلت الأسعار . وهو إذا ابتدأ في ~~زيادته يكون مخضرا ، ثم محمرا ، ثم كدرا . وإذا انتهى في الزيادة غشي الأرض ~~، وتصير القرى الروابي فلا يتوصل إليها إلا في المراكب أو على الجسور ~~الممتدة التي تنفق عليها الأموال الكثيرة وتتخذ لحفظ الماء . فإذا انتهى ~~رأى مكان وأخذ حده ، قطع جسر ذلك المكان من مكان معروف " يعرفه خولة البلاد ~~ومشايخها " يروى منه الجهة التي تليها مع ما تجمع فيها من الماء المختص بها ~~. ولولا إتقان هذه الجسور وحفر الترع لقل الانتفاع بالنيل . وقد حكي أنه ~~كان يرصد لعمارة الجسور في كل سنة ثلث الخراج لعنايتهم بها : لما يترتب ~~عليها من المصالح ، ويحصل بها من النفع في ري البلاد . وقد وصفت بعض ~~الشعراء ، النيل في طلوعه وهبوطه ، فقال : واها بهذا النيل أي عجيبة . . . ~~بكر بمثل حديثها لا يسمع يلقى الثرى في العام وهو مسلم . . . حتى إذا ما مل ~~عاد يودع . مستقبل مثل الهلال ، فدهره . . . أبدا يزيد كما يزيد ويرجع . ~~وللشعراء فيه أوصاف وتشبيهات تذكرها بعد إن شاء الله تعالى في موضعها . ~~PageV01P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" وهذا النهر مخالف في جريه لسائر الأنهار ، ~~لأنه يجري مما يلي الجنوب مستقبل الشمال . وكذلك نهر مهران بالسند ، ونهر ~~الأرنط ms0130 ، وهو نهر حمص وحماة ، ويسمى العاصي لمخالفته للأنهار في جريها ، ~~وما عداها من الأنهار جريها من الشمال إلى الجنوب : لارتفاع الشمال عن ~~الجنوب وكثرة مياهه . وهو أخف المياه وأحلاها وأعمها نفعا وأكثرها خراجا . ~~وقد حكى أنه جبى في أيام كيقاوش " أحد ملوك القبط الأول " مائة ألف ألف ~~وثلاثين ألف دينار ؛ وجباه عزيز مصر مائة ألف ألف دينار ؛ وجباه عمرو بن ~~العاص اثنا عشرة ألف ألف دينار ؛ ثم رذل إلى أن جبى أيام القائد جوهر " ~~مولى المعز العبيدي " ثلاثة آلاف ألف ومائتي دينار . وسبب تقهقره أن الملوك ~~لم تسمح نفوسهم بما كان ينفق في حفر ترعة وإتقان جسوره وإزالة ما هو شاغل ~~للأرض عن الزراعة كالصب والحلفاء . وحكى ابن لهيعة أن المرتبين لذلك كانوا ~~مائة ألف وعشرين ألف رجل سبعون ألفا للصعيد ، وخمسون ألف للوجه البحري . ~~وحكى ابن زولاق أن أحمد بن المدبر لما ولى الخراج بمصر ، كشف أرضها فوجد ~~غامرها أكثر من عامرها ، فقال : والله لو عمرها السلطان لوفت له بخراج ~~الدنيا . وقيل أنها مسحت أيام هشام بن عبد الملك ؛ فكان ما يركبه العامر ~~والغامر مائة ألف ألف فدان . والفدان أربعمائة قصبة ، والقصبة عشرة أذرع . ~~PageV01P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" واعتبر أحمد بن المدبر ما يصلح للزراعة بمصر ~~في وقت ولايته ، فوجده أربعة وعشرين ألف ألف فدان . والباقي استبحر وتلف . ~~واعتبر مدة الحرث فوجدها ستين يوما . والحراث يحرث خمسين فدانا ، فكانت ~~محتاجة إلى أربعمائة ألف وثمانين ألف حراث وأما الفرات فهو أحد الرافدين ، ~~ويقال الوافدين ، والآخر دجلة ، سميا بذلك لأنهما يجريان في جانبي بغداد : ~~دجلة من شرقيها ، والفرات من غربيها : يأتي إليها من دجلو من واسط ، ~~والبصرة ، والإبلة ، والأهواز ، وفارس ، وعمان ، واليمامة ، والبحرين ، ~~وسائر بلاد الهند ، والسند ، والصين ؛ ويأتي إليها من الفرات من الموصل ، ~~وأذربيجان ، وأرمينية ، الجزيرة ، والثغور ، والشام ، ومصر ، والمغرب ؛ وقد ~~تقدم ذكرنا لحديث البخاري أنه يجري من تحت سدرة المنهى . وأما مبتدأ جريه ~~الذي يعرفه الناس فمن مدينة قاليقيلا من نهر يسمى أودخش ، ويجري مقدار ~~أربعمائة وخمسين ميلا مغربا ، ثم ms0131 يخرج من جهة الجنوب حتى يمر بين ثغرة ~~مليطة وسميساط ؛ ثم إلى جسر منبج ؛ ثم يعطف ويأخذ جهة الجنوب حتى يصل إلى ~~بالس ويمر بنصيبين ، والرقة ، وقرقيسيا ، والرحبة ؛ فليتحف على عانات ؛ ثم ~~يمتد حتى يمر بهيب والأنبار . فإذا جاوزها انقسم قسمين : قسم يأخذ نحو ~~الجنوب قليلا وهو المسمى بالعلقم ، ينتهي إلى بلاد سورا وقصر ابن هبيرة ~~والكوفة والحلة ، إلى البطيحة التي بين البصرة وواسط ؛ والقسم الآخر يسمى ~~نهر عيسى ، منسوب لعيسى بن علي بن عبد الله بن عباس ، وهو ينتهي إلى بغداد ~~، ويمر حتى يصب في دجلة ، قال المسعودي : وقد كان الأكثر من ماء الفرات ~~ينتهي إلى بلاد الحيرة ؛ ثم يتجاوزها ويصب في البحر الفارسي ، وكان البحر ~~يوم ذاك في الموضع المعروف بالنجف في هذا الوقت ، وكانت مراكب الهند والصين ~~ترد على ملوك الحيرة فيه . PageV01P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" قال : والموضع الذي كان يجري فيه بين إلى زمن ~~وضعي هذا الكتاب ، يعني كتاب مروج الذهب وهو في سنة خمس وثلاثين وثلثمائة ، ~~ويعرف بالعتيق ، وعليه كانت وقعة القادسية . وطول الفرات من حيث يخرج عند ~~ملطية إلى أن يأتي منه إلى بغداد ستمائة فرسخ وثلاثة وعشرون فرسخا وفي شطة ~~مدن من جزائر تعد من أعمال الفرات ، وهي الريسة ، والناووسة ، والقصر ، ~~والحديثة ، وعانات ، والدالية . وأما نهر دجلة ويسمى السلامة ، وبه سميت ~~بغداد دار السلام على أحد القولين ، والثاني السلام على الخلفاء فيها . ~~وهذا للنهر فارز بين العراق والجزيرة ، وانبعاثه من أعين بجبال آمد ، ويصب ~~إليه نهران يخرجان من أرزن الروم وميافارقين وعيون أخرى من جبال السلسة ، ~~فيمر ببلد ، ثم بالموصل فيصب فيه نهر الخابور الخارج من بلاد أذربيجان على ~~فرسخ من الحديثة . ويسمى المجنون لحدته وشدة جريه ، ثم تمر دجلة فيصب فيها ~~الزاب الأوسط ، ومخرجه من الفرات ويجري بين إربل ودقوقاء ، ويصب فيدجلة ~~أيضا الزاب الأصغر من الفرات . وهذه الزوابي الثلاثة أنبطها زاب بن طهماسب ~~: أحد ملوك الفرس الأول ، ثم تمر دجلة بتكريت إلى أن تتجاوز سامرا قليلا ~~فيقع فيها نهر عيسى ويمر حتى ms0132 يشق بغداد . فإذا تجاوزها صب فيه نهر يخرج من ~~بلاد أرمينية يسمى تامرا بعد أن يمر بناصلو ثم بباجسرا فيسمى النهروان ، ~~ويشق مدينة تعرف به ، ثم تمر دجلة بجرجرايا والنعمانية ثم بواسط ، ثم إلى ~~البطائح ، ثم تخرج منها فتمر بالبصرة وتجري حتى تنتهي إلى عبادان ، وعندها ~~تصب في البحر الفارسي . PageV01P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" وما يمر من دجلة بالبصرة يملح إذا مد البحر ~~فلا يشرب منه البتة ؛ ويحلو إذا جزر . فأهل البصرة ينتظرون بالاستقاء منه ~~الجزر ، وهو يمد بكرة ويجزر عشاء . وكانت المراكب التي ترد من الهند والصين ~~تدخل في دجلة من بحر فارس إلى مدينة المداين ، فاتفق أن انبثق في أسافل ~~كسكربثق عظيم على عهد قباذ بن قيروز فأهمل حتى طغى ماؤه وغرق غمارات وضياعا ~~فصارت بطائح . ويسمى هذا البثق دجلة العوراء لتحول الماء عنه . وصار بين ~~دجلة الآن ودجلة العوراء مسافة بعيدة تسمى بطن جوخى ، وهو من حد فارس من ~~أعمال واسط إلى نحو السوس من أعمال خوزستان . ويقال إن كسرى أنفق أموالا ~~عظيمة على أن يحول الماء إليها فأعياه ذلك . ورامه خالد بن عبد الله القسري ~~فعجز عنه . ومقدار مسافة جري نهر دجلة إلى أن يصب في البحر الفارسي ثلثمائة ~~فرسخ ؛ ومقدار البطائح ثلاثون فرسخا طولا وعرضا . وهي تفيض في كثير من ~~الأوقات حتى يخشى على بغداد الغرق . وأما نهر سجستان ويسمى الهند مند ، ~~فيقال إن منوجهر بن أيراج بن أفريدون أنبطة . وهو يجري من عيون في بلاد ~~الهند ويمر ببلد الغور ؛ فإذا تجاوزها ، مر من أعالي سجستان على بررخج ، ثم ~~على بسط ، ثم على PageV01P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" دونج فتتفرع منه أنهار تجري في شوارعها . ثم ~~يمر عمود النهر حتى يصب في بحيرة زرة . وطول هذا النهر من حيث يبتدئ إلى ~~نهايته مائة فرسخ . وزعم قوم أنه يخرج من نهر الكنك . وأما نهر مهران وهو ~~نهر السند ، فهو يشبه نيل مصر في زيادته ونقصه واصناف حيوانه وما يتفرع منه ~~من الخلجان . وهو يستمد من أربعة أنهر : نهران يجريان ms0133 من السند ، نهر من ~~ناحية كابل ، ونهر من بلاد قشمير . وتجتمع فتكون نهرا واحدا ، ويجري حتى ~~ينتهي إلى الدور فيمر بها ، ومن ثم نهر مهران ، ثم يمر بالمولتان ، ثم ~~بالمنصورة ، ثم يجري إلى ديبل . فإذا تجاوزها صب في بحر الهند على ستة ~~أميال منها . وطوله ألف فرسخ . وأما نهر جيحون ويسمى بالفارسية به روذ وهو ~~نهر بلخ . وانبعاثه من بحيرة في بلاد التبت ، مقدارها طولا وعرضا أربعون ~~ميلا ، تجتمع من أنهار الختل . فإذا خرج منها مر بوخان فيسمى نهر جرياب ، ~~ويجري من المشرق إلى المغرب إلى أعلى حدود بلخ . ثم يعطف إلى ناحية الشمال ~~إلى أن يصير إلى الترمذ ، ثم منها إلى زم وآمل من بلاد خرسان . ثم يجري إلى ~~أن يمر ببلاد خوارزم فيشق قصبها . PageV01P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" فإذا تجاوزها تشعب منه أنهار وخلجان يمينا ~~وشمالا ، تصب إلى مستنقعات وبطائح يصاد فيها السمك . ثم تخرج منها مياه ~~تجتمع وتصير عمودا واحدا ، تجري مقدار أربعة وعشرين فرسخا ، ثم تصب في ~~بحيرة خوارزم . ويكون مقدار جريه من مبدئه إلى نهايته ثلاثمائة وخمسين ~~فرسخا . وقيل : أربعمائة . وساحله يسمى الروذبار . ويقال إنه يخرج منه خليج ~~يأخذ سمت المغرب حتى يقرب من كرمان ، ثم يمضي حتى يصب في بحر فارس . ونهر ~~جيحون ربما جمد في الشتاء حتى تعبر عليه القفول . قالوا : ويبتدئ جموده من ~~ناحية خوارزم . وأما نهر سيحون ويسمى نهر الشاش ، وهو فارز بين بلاد ~~الهياطلة وبلاد تركستان . قال ابن حوقل : مبتدؤه من أنهار تجتمع في حدود ~~بلاد الترك " والإسلام " ، فتصير عمودا واحدا وتجري حتى تظهر في حدود ~~أوزكند من بلاد فرغانة فتصب فيه فيعظم ويكثر ماؤه ، ثم يمتد إلى فاراب . ~~فإذا تجاوزها يجري فيبرية فيكون على جانبيه الأتراك الغزية ، ويمر إلى أن ~~يصب في نهر جيحون . وبين موقعه في النهر وبين بحيرة خوارزم عشرة أيام . ~~PageV01P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" وأما نهر الكنك وهو نهر تعظمه الهند ، فينبعث ~~من بلاد قشمير ويجري في أعالي بلاد الهند . وهم يزعمون أنه من الجنة ~~فيعظمونه غاية التعظيم ms0134 . ومن عجائبه أنه إذا ألقى فيه شيء من القاذورات ، ~~أظلم جوه ورجفت أرجاؤه وكثرت الأمطار والرياح والصواعق . وقد وصفه العتبي ~~في التاريخ اليميني فقال : وهذا النهر الذي يتواصف الهنود قدره وشرفه ، ~~فيرون من عين الخلد التي في السماء مغترفه ؛ إذا أحرق منهم ميت ذروه فيه ~~بعظامه ، فيظنون أن ذلك طهر لآثامه ؛ وربما أتاه الناسك من المكان البعيد ~~فيغرق نفسه فيه ، يرى أن هذا الفعل ينجيه . والهنود يفرطون في تعظيمه حتى ~~إن الرجل منهم إذا أراد الفوز ، أحرق نفسه وألقى رماده فيه ، أو يأتي إلى ~~النهر " وهناك شجر القنا في غاية الارتفاع ، وقوم هناك بأيديهم سيوف مسلولة ~~وخناجر " فيربط نفسه في طرف قناة ، ثم يخر رأسه بيده فيبقى الرأس معلقا في ~~طرف القناة وتسقط الجثة ، أو يلقي نفسه من شاهق على تلك السيوف والخناجر ~~فيتقطع ، ومنهم من يلقي نفسه في النهر فيغرق . وأما نهر الكر فهو نهر بأرض ~~أرمينية . وانبعاثه من بلاد اللان ، فيمر ببلاد الأنجاز حتى يأتي تغر تفليس ~~فيشقه ويجري في بلاد الساوردية . ثم يخرج بأرض برذعة ، ويجري إلى برزنج ~~فيصيب فيه نهر الرس . PageV01P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" وهذا النهر هو المذكور في القرآن العزيز في ~~قوله تعالى " وأصحاب الرس " على ما ذهب إليه بعض المفسرين . فإذا صب فيه ~~هذا النهر ، صارا نهرا واحدا يصب في بحر الخزر . ونهر الرس يخرج من أقاصي ~~بلاد الروم ، على ما زعم المسعودي . وأما نهر إتل وهو نهر عظيم ، فهو نهر ~~الخزر . ويمر جانبه الشرقي على ناحية خزخيز ، ويجري ما بين الكيماكية ~~والغزية . ثم يمتد غربا على ظهر بلغار وبرطاس والخزر . ثم ينقسم قسمين : ~~أحدهما إلى مدينة إتل يشقها بنصفين ويجري إلى يصب في بحر الخزر ، ويجري ~~الآخر فيمر ببلد الروس حتى يصب في بحرهم وهو بحر سوداق . ويقال إنه يتشعب ~~منه نيف وتسعون نهرا ، وإذا وقع في البحر ، يجري فيه مسيرة يومين ثم يغلب ~~عليه . وقيل إنه يجمد في الشتاء ، وتبين لونه في لون البحر . والله سبحانه ~~وتعالى أعلم . ذكر ما في المعمور ms0135 من الأنهار والعيون التي يتعجب منها قال ~~صاحب مباهج الفكر ومناهج العبر في كتابه : " وذكر المعتنون بتدوين العجائب ~~في كتبهم التي وضعوها لذلك أن في المعمور أنهارا وعيونا يتعجب منها إذا ~~أخبر عنها . فذكروا منها نهر الكنك " وقد تقدم ذكره " وأن بأرض الهند مكانا ~~يعرف بعقبة عورك فيه عين ماء لا تقبل نجسا ولا قذرا ، وإن ألقي فيها شيء من ~~ذلك ، أكفهرت السماء وهبت الريح وكثر الرعد والبرق والمطر . فلا تزال كذلك ~~إلى أن يخرج منها ما طرح فيها . PageV01P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" " وذكروا أن في ناحية الباميان عينا تسمى ~~ديواش تفور من الأرض كغليان القدر ؛ متى بصق فيها إنسان أو رمى فيها شيئا ~~من القاذورات ، ازداد غليانها وفورانها وفاضت . فربما أدركت من جعل ذلك ~~فيها فغرقته . " وبناحية الباميان أيضا عين تجري من جبل في بعض الأحيان . ~~فإذا خرج ماؤها ، صار حجر أبيض . " وبقرية من أعمال فارس كهف بين جبال ~~شاهقة فيه حفرة بقدر الصحفة ، يقطر فيها من أعلى الكهف ماء : إن شرب منه ~~واحد لا يفضل عنه منه شيء ، وإن شرب منه ألف عمهم وأرواهم . " وبناحية ~~أردشير جرد عين يجري منها ماء حلو يشرب لشفية الجوف . فمن شرب منه قدحا ~~أقامه مرة ، وإن زاد فعلى قدر الزيادة . " وبدارين من أعمال فارس نهر ماؤه ~~شروب . إذا غطت فيه الثياب خضرها . " وفي بعض رساتيق همذان عيون متى خرج ~~منها الماء تحجر . " وبنواحيها أيضا ماء يخرج من تحت قلعة ويجري في جداول ~~إلى بعض الرساتيق . فما تشبث منه في صدع أو شق صار حجرا صلدا ، وإذا صب في ~~خزفة وأقام فيها ثلاثة أيام ثم كسرت ، وجد في جوفها أخرى قد تحجرت من الماء ~~. " وبناحية تفليس عين تنبع ، فإذا خرج منها الماء صار حيات . " وبأرض ~~القدموس من حصون الدعوة بربضها حمام يجري إليها الماء من عين هناك . فإذا ~~كان في أول شهر تموز ينبع في الحمام حيات في طول شبرين أولا ، ثم في طول ~~شبر ، وتكثر . ولا توجد في غير الحمام . فإذا انقضى شهر ms0136 تموز ، عدمت تلك ~~الحيات ، فلا توجد إلى العام القابل . " وبأرض أرمينية واد لا يقدر أحد ~~ينظر إليه ولا يقف عليه ولا يدري ما هو . إذا وضعت القدر على ضفته غلت ونضج ~~ما فيها . وفيها واد عليه الأرحاء والبساتين . ماؤه حامض ؛ فإذا نزل في ~~الإناء ، عذب وحلا . PageV01P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" " وبالمراغة عيون إذا خرج ماؤها لم يلبث إلا ~~قليلا حتى يتحجر . فمنه تفرش دورهم . " وبنواحي أرزن الروم ماء يستقى ~~فيستحجر ويصير ملحا . " وأكثر مياه بلاد اليمن تستحيل شبا . وبنواحي واحات ~~من أعمال مصرعيون مياهها ألوان مختلفة : من الحمرة والصفرة والخضرة . تسيل ~~إلى مستنقعات ، فتكون ملحا بحسب ألوانها . " وفي هذه الناحية عيون يطبخ ~~بمائها بدلا عن الخل . " وبنواحي أسوان منالصعيد الأعلى مستنقعات منها ~~النفط " وكذلك بتكريت من أرض العراق . " وبأرض كتامة من بلد إفريقية عين ~~تسمى عين الأوقات . تجري في أوقات الصلوات الخمس . فإذا حضر جنب أوامره ~~حائض ، لا تبض بشيء من الماء . وإذا اتهم رجلان ، أتت بالماء للصادق وشحت ~~على الكاذب . " وببلد إفريقية أيضا عين تنبع بالمداد ، يكتب به أهل تلك ~~الناحية . " وبطرطوشة من بلاد الأندلس واد يجري رملا . قال : وذكر بعض ~~أصحاب المجاميع أنه كان بمدينة طحا من كورة الأشمونين من صعيد مصر بئر فيها ~~ماء معين يشرب منها طول أيام السنة فيكون الماء كسائر المياه ، حتى إذا كان ~~أول يوم من برمودة من شهور القبط فمن شرب من ذلك الماء يومئذ خدمته الطبيعة ~~مقدار ما شرب . فإذا كان وقت الوزال عاد الماء إلى حالته الأولى ، ثم لا ~~يفعل كذلك إلا في مثل ذلك اليوم من العام القابل . وقال : إنه كان بمدينة ~~الأشمونين كنيسة تعرف ببوجرج إلى جانبها بئر لانداوة فيها ولا بلل في ساءر ~~أيام السنة ، فإذا كان اليوم العاشر من PageV01P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" طوبة من شهور القبط تمتلئ تلك البئر ماء ~~شروبا . فلا يبق أحد من نصارى ذلك البلد إلا ويأخذ من ذلك الماء للتبرك به ~~. حتى إذا كان عند الزوال ، غاض الماء فلا يبقى في البئر منه ms0137 شيء ويجف ~~لوقته . " وبأرض مرمنيثا من عمل حصن الأكراد عين تسمى الفوارة . تكون في ~~غالب الأوقات بينها وبين وجه الأرض تقدير ثلاثة أذرع . وتفور في بعض الأيام ~~ويخرج منها ماء يدير أرحيه الطواحين ويسقي البساتين فيستمر كذلك بعض يوم ثم ~~يغور . ويتكرر ذلك في الأسبوع مرتين أو ثلاثة . " وبقلعة بعلبك من الشام ~~بئر تعرف ببئر الرحمة لا يرى فيها الماء إلا حوصرت فإنها عند ذلك تمتلئ حتى ~~تفيض . فإذا زال الحصار جفت " . ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الماء ما جاء ~~من ذلك على لفظ أفعل " الأمثال : يقال : أسرع من الماء إلى قراره . أرق من ~~الماء . أحمق من لاعق الماء . أحمق من القابض على الماء . أصفى من ماء ~~المفاصل . أعذب من ماء المفاصل . أجرى من الماء . أعذب من ماء الحشرج . ~~PageV01P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" أعذب من ماء البارق . ألطف من الماء . أوجد ~~من الماء . ويقال : أن ترد الماء بماء أكيس . ماء ولا كصداء . قد بلغ الماء ~~الزبى . ويقال : فلان يرقم على الماء . " إذا كان حاذقا " . ثأطة مدت بماء ~~. " للأمر يزداد فسادا " . ليس الري في التشاف . " في ذم الاستقصاء " . ~~الماء إذا طال مكثه ، ظهر خبثه ، وإذا سكن متنه ، تحرك نتنه . الكدر من رأس ~~العين . إذا عذبت العيون ، طابت الأنهار . هذا غيض من فيض ، وبرض من عد . " ~~أي قليل من كثير " . ومن أنصاف الأبيات : والمرء يشرق بالزلال البارد . . . ~~كذلك عمر الماء يروي ويغرق PageV01P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" والمشرب العذب كثير الزحام . . . مواقع الماء ~~من ذي الغلة الصادي وكيف يعاف الرنق من كان صاديا ؟ ومن الأبيات : يا سرحة ~~الماء قد سدت موارده . . . أما إليك سبيل غير مسدود ؟ لحائم حام حتى لا ~~حيام به . . . محلإ عن طريق الماء مصدود وقال آخر : أيجوز أخذ الماء من . . ~~. متلهب الأحشاء صادي ؟ وقال آخر : أرى ماء وبي عطش شديد . . . ولكن لا ~~سبيل إلى الورود وقال آخر : من غص داوى بشرب الماء غصته . . . فكيف يصنع من ~~قد غص بالماء ؟ وقال آخر : وما كنت إلا الماء جئنا لشربه . . . فلما وردناه ~~إذا ms0138 الماء جامد وقال آخر : وفي نظرة الصادي إلى الماء حسرة . . . إذا كان ~~ممنوعا سبيل الموارد وقال آخر : وإنى للماء المخالط للقذى . . . إذا كثرت ~~وراده ، لعيوف وقال آخر : سأقنع بالثماد ، لعل دهرا . . . يسوق الماء من حر ~~كريم PageV01P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" وقال آخر : ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض . . ~~. على الماء ، خانته فروج الأصابع . وقال آخر : وإني وإشرافي عليك بهمتي . ~~. . لكالمبتغي زبدا من الماء بالمخض . وقال آخر : فقل في مكرع عذب . . . ~~وقد وافاه عطشان وقال آخر : وكيف الصبر عنك ، وأي صبر . . . لظمآن عن الماء ~~الزلال ؟ وقال آخر : وإن الماء في العيدان يجري ، . . . وربتما تغير في ~~الحلوق وقال آخر : إذا أنت عاتبت الملول فإنما . . . أخط بأقلام على الماء ~~أحرفا وقال آخر : والماء ليس عجيبا أن أعذبه . . . يفنى ، ويمتد عمر الآجن ~~الأسن . وقال آخر : المال يكسب أهله ، مل لم يفض . . . في الراغبين إليه ، ~~سوء ثناء . كالماء تأسن بئره إلا إذا . . . خبط السقاة جمامه بدلاء . ذكر ~~شيء مما قيل في وصف الماء وتشبهه فأما ما اختص به نهر النيل من الوصف . ~~PageV01P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" فمن ذلك قول ابن النقيب : كأن النيل ذو فهم ~~ولب . . . لما يبدو لعين الناس منه . فيأتي حين حاجتهم إليه ، . . . ويمضي ~~حين يستغنون عنه وقال تميم بن المعز العبيدي : يوم لنا بالنيل مختصر . . . ~~ولكل يوم مسرة قصر . والسفن تجري كالخيول بنا . . . صعدا ، وجيش الماء ~~منحدر . فكأنما أمواجه عكن . . . وكأنما داراته سرر . ومن رسالة للقاضي ~~الفاضل عبد الرحيم البيساني قال : وأما النيل فقد ملأ البقاع ، وانتقل من ~~الإصبع إلى الذراع . فكأنما غار على الأرض فغطاها ، وعار عليها فاستقعدها ~~وما تخطاها . فما يوجد بمصر قاطع طريق سواه ، ولا مرغوب مرهوب إلا إياه . ~~وأما ما اختصت به دجلة من الوصف . قال التنوخي : وكأن دجلة إذ تغمض موجها . ~~. . ملك يعظم ، خيفة ويبجل . عذبت ، فما أدري أماء ماؤها . . . عند المذاقة ~~أم رحيق سلسل ؟ وكأنها ياقوتة أو أعين . . . زرق يلاءم بينها ويوصل . ولها ~~بمد بعد جزر ذاهب . . . جيشان : يدبرذا ، وهذا يقبل . وقال محمد بن عبد ~~الله السلامي ، شاعر ms0139 اليتيمة : وميدان تجول به خيول . . . تقود الدارعين ~~ولا تقاد . PageV01P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" ركبت به إلى اللذات طرفا . . . له جسم وليس ~~له فؤاد . جرى فظننت أن الأرض وجه . . . ودجلة ناظر وهو السواد . وقال ~~الصنوبري : فلما تعالى البدر واشتد ضوءه . . . بدجلة في تشرين بالطول ~~والعرض وقد قابل الماء المفضض نوره . . . وبعض نجوم الليل يطفي سنا بعض ، ~~توهم ذو العين البصيرة أنه . . . يرى ظاهر الأفلاك في باطن الأرض . ومما ~~وصفت به الأنهار قال الصنوبري : والعوجان الذي كلفت به . . . قد سوى الحسن ~~فيه مذ عوج . ما أخطأ الأيم في تعوجه . . . شيئا إذا مااستقام أو عرج . ~~تدرج الريح متنه فترى . . . جوشن ماء عليه قد درج . إن أعنقت بالجنوب أعنق ~~في . . . لطف ، وإن هملجت به هملج . من أين طافت شمس النهار به . . . حسبت ~~شمسا من جوفه تخرج . وقال أبو فراس : والماء يفصل بين زهر الروض في الشطين ~~فصلا . كبساط وشى جردت . . . أيدي القيان عليه نصلا . وقال الناجم : انظر ~~إلى الروض الذك . . . ي فحسنه للعين قرة ؟ ؟ PageV01P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" فكأن خضرته السما . . . ء ، ونهره فيه المجرة ~~. وقال عبد الله بن المعتز : وترى الرياح إذا مسحنا غديره . . . وصفينه ~~ونقينا كل قذاة ، ما أن يزال عليه ظبي كارع . . . كتطلع الحسناء في المرآة ~~. ومثله قول الآخر : وغدير رقت حواشيه حتى . . . بان في قعره الذي كان ساخا ~~. وكأن الطيور إذا وردته . . . من صفاء به ، تزق فراخا . وقال آخر : والنهر ~~مكسو غلالة فضة ؛ . . . فإذا جرى سيل ، فثوب نضار . وإذا استقام ، رأيت ~~صفحة منصل ؛ . . . وإذا استدار ، رأيت عطف سوار . وقال أبو مروان بن أبي ~~الخصال : النهر قد رقت غلالة خصره . . . وعليه من صبغ الأصيل طراز . تترقرق ~~الأمواج فيه كأنها . . . عكن الخصور تهزها الأعجاز . وقال إبراهيم بن خفاجة ~~الأندلسي : لله نهر سال في بطحاء . . . أشهى ورودا من لمى الحسناء وغدت تحف ~~به الغصون كأنها . . . هدب تحف بمقلة زرقاء . والريح تعبث بالغصون وقد جرى ~~. . . ذهب الأصيل على لجين الماء PageV01P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" وقال أبو القاسم بن العطار : مررنا بشاطئ ~~النهر بين حدائق . . . بها حدق الأزهار ms0140 تستوقف الحدق . وقد نسجت كف النسيم ~~مفاضة . . . عليه ، وما غير الحباب لها حلق وقال محمد بن سهل البلخي ، شاعر ~~" الذخيرة " : راقنا النهر صفاء . . . بعد تكدير صفائه . كان مثل السيف ~~مدمى . . . فجلوم من دمائه . أو كمثل الورد غضا . . . فهو اليوم كمائه . ~~وقال القاضي التنوخي ، شاعر " اليتيمة " : أحبب إلي بنهر معقل الذي . . . ~~فيه لقلبي من همومي معقل عذب إذا ما عب فيه ناهل . . . فكأنه من ريق حب ~~ينهل . متسلسل فكأنه لصفائه . . . دمع بخدي كاعب يتسلسل . فإذا الرياح جرين ~~فوق متونه . . . فكأنها درع جلاه الصيقل وقال مؤيد الدين الطغرائي في ~~الغدير : عجنا إلى الجزع الذي مد في . . . أرجائه الغيم بساط الزهر . حول ~~غذير ماؤه المنتمي . . . إلى بنات المزن يشكو الخصر . لولاذه الريح سموما ~~به . . . لانقلبت وهي نسيم السحر . PageV01P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" حصباؤه در ورضراضه . . . سحالة العسجد حول ~~الدرر . وقد كسته الريح من نسجها . . . درعا به يلقى نبال المطر . وألبسته ~~الشمس من صبغها . . . نوارا به يخطف نور البصر . كأنها المرآة مجلوة . . . ~~على بساط أخضر قد نشر . وقال أيضا : ملنا إلى النشر الذي ترتقي . . . إليه ~~أنفاس الصبا عاطره . حول غدير ماؤه دراع . . . والأرض من رقته حاسرة . ~~والشمس إن حاذته رأد الضحى . . . حسناء في مرآتها ناظرة . والهب إن حاذته ~~جنح الدجى . . . تسبح في لجته الزاخرة . قد ركب الخضراء فيه فمن . . . ~~حصبائه أنجمها زاهرة . يخضر إن مرت بأرجائه . . . لفح سموم في لظى هاجره . ~~أنموذج الماء الذي جاءنا . . . الوعد بأن نسقاه في الآخرة ومما وصفت به ~~البرك قال البحيري عفا الله عنه : يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها . . . ~~والآنسات التي لاحت مغانيها ما بال دجلة كالغيري تنافسها . . . في الحسن ~~طورا ، وأطوارا تباهيها ؟ كأن جن سليمان الذين ولوا . . . إبداعها فأدقوا ~~في معانيها . فلو تمر بها بلقيس عن عرض ، . . . قالت : هي الصرح تمثيلا ~~وتشبيها . PageV01P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" تنصب فيها وفود الماء معجلة . . . كالخيل ~~خارجة من حبل مجريها . كأنما الفضة البيضاء سائلة . . . من السبائك تجري في ~~مجاريها . إذا علتها الصبا أبدت لها حبكا . . . مثل الجواشن مصقولا حواشيها ~~. إذا النجوم تراءت في ms0141 جوانبها . . . ليلا ، حسبت سماء ركبت فيها . لا يبلغ ~~السمك المحصور غايتها . . . لبعد ما بين قاصيها ودانيها . يعمن فيها بأوساط ~~مجنحة . . . كالطير تنقض في جو خوافيها . كأنها حين لجت في تدفقها . . . يد ~~الخليفة لما سال واديها وقال ابن طباطبا : كم ليلة ساهرت أنجمها لدى . . . ~~عرصات أرض ماؤها كسمائها . قد سيرت فيها النجوم كأنما . . . فلك السماء ~~يدور في أرجائها . أحسن بها بحرا إذا التبس الدجى ، . . . كانت نجوم الليل ~~من حصبائها ترنو إلى الجوزاء وهي غريقة . . . تبغي النجاء ، ولات حين ~~نجائها تطفو وترسب في اصطفاق مياهها . . . لا مستعان لها سوى أسمائها . ~~والبدر يخفق وسطها فكأنه . . . قلب لها قد ريع في أحشائها . وقال عبد ~~الجبار بن حمديس ، يصف بركة يجري إليها الماء من شاذروان من أفواه طيور ~~وزرافات وأسود ، من أبيات : والماء منه سبائك من فضة . . . ذابت على دولاب ~~شاذروان فكأنما سيف هناك مشطب . . . ألقته يوم الروع كف جبان كم شاخص فيه ~~يطيل تعجبا . . . من دوحة نبتت من العقيان عجبا لها تسقي هناك ينائعا . . . ~~ينعت من الثمرات والأغصان PageV01P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" خصت بطائرة على فنن لها . . . حسنت ، فأفرد ~~حسنها من ثاني قس الطيور الساجعات بلاغة . . . وفصاحة من منطق وبيان . فإذا ~~أتيح لها الكلام تكلمت . . . بخرير ماء دائم الهملان . وكأن صانعها استبد ~~بصنعة . . . فجر الجماد بها على الحيوان أوفت على حوض لها فكأنها . . . ~~منها إلى العجب العجاب روان . وكأنها ظنت حلاوة مائها . . . شهدا ، فذاقته ~~بكل لسان . وزرافة في الجو من أنبوبها . . . ماء يريك الجري في الطيران . ~~مركوزة كالرمح حيث ترى له . . . من طعنه الحلق انعطاف سنان . وكأنما ترمي ~~السماء ببندق . . . مستنبط من لؤلؤ وجمان لو عاد ذاك الماء نفطا ، أحرقت . ~~. . في الجو منه قميص كل عنان . في بركة قامت على حافاتها . . . أسد تذل ~~لعزة السلطان نزعت إلى ظلم النفوس نفوسها ، . . . فلذلك انتزعت من الأبدان ~~. وكأنما الحيات من أفواهها . . . يطرحن أنفسهن في غدران . وكأنما الحيتان ~~إذ لم تخشها . . . أخذت من المنصور عهد أمان وقال آخر : ولقد رأيت ، وما ~~رأيت كبركة . . . في الحسن ذات تدفق وخرير عقدت ms0142 لها أيدي المياه قناطرا . . ~~. من جوهر فيلجة من نور وقال علي بن الجهم ، يصف فوارة : وفوارة ثارها في ~~السماء ، . . . فليست تقصر عن ثارها تراها إذا صعدت في السماء . . . تعود ~~إلينا بأخبارها ترد على المزن ما أنزلت . . . على الأرض من صوب مدرارها ~~PageV01P0267 # """""" صفحة رقم 268 """""" وقال ابن حجاج فيها : علمت في دارك فوارة . . ~~. غرقت الأفق بها الأنجما فاض على نجم السما ماؤها ، . . . فأصبحت أرضك ~~تسقي السما وقال تميم بن المعز العبيدي : وقاذفة بالماء في وسط بركة . . . ~~قد التحفت ظلا من الأيك سجسجا . إذا أينعت بالماء سلته منصلا . . . وعاد ~~عليها ذلك النصل هودجا . تحاول إدراك النجوم بقذفها ، . . . كأن لها قلبا ~~على الجو محرجا ومما وصفت به الدواليب والنواعير قال أبو حفص بن وضاح : لله ~~دولاب يطوف بسلسل . . . في روضة قد أينعت أفنانا قد طارحت فيه الحمائم ~~شجوها . . . بنحيبها ، وترجع الألحانا . فكأنه دنف يطوف بمعهد ، . . . يبكي ~~ويسأل فيه عمن بانا . ضاقت مجاري طرفه عن دمعه ، . . . فتفتحت أضلاعه ~~أجفانا وقال الموفقي ، رحمه الله : ناعورة تحسب من صوتها . . . متيما يشكو ~~إلى زائر . كأنما كيزانها عصبة . . . رموا بصرف الزمن الواتر . قد منعوا أن ~~يلتقوا فاغتدوا . . . أولهم يبكي على الآخر PageV01P0268 # """""" صفحة رقم 269 """""" وقال آخر : وناعورة قد ضاعفت بنواحها . . . ~~نواحي ، وأجرت مقلتي دموعها وقد ضعفت مما تئن ، وقد غدت . . . من الضعف ~~والشكوى تعد ضلوعها وقال ابن منير الطرابلسي : لنواعيرها على الماء ألحا . ~~. . ن تهيج الشجا لقلب المشوق . فهي مثل الأفلاك شكلا وفعلا . . . قسمت قسم ~~جاهل بالحقوق : بين عال ، هام ، ينكسه الخط . . . ويعلو بسافل مرزوق . وقال ~~أبو الفرج الوأواء : وكريمة سقت الرياض بدرها . . . فغدت تنوب عن السحاب ~~الهامع . بلباس محزون ، ودمعة عاشق ، . . . وحنين مشتاق ، وأنه جازع . فكأ ~~، ها فلك يدور ، وعلوه . . . يرمي القرار بكل نجم طالع . وقال الصنوبري : ~~فلك من الدولاب فيه كواكب . . . من مائة تنقض ساعة تطلع . متلون الأصوات : ~~يخفض صوته . . . بغنائه ، طورا وطورا يرفع . ومما وصف به نثرا من رسالة ~~للشيخ ضياء الدين القرطبي إلى بعض إخوانه يستدعى منه ثلاثة أسهم ومليات . ~~جاء منها : والحاجة داعية ms0143 إلى ثلاثة أسهم ، كأنها هقعة الأنجم ؛ ممتدة ~~امتداد الرمح ، مقومة تقويم القدح ؛ غير مشعئة الأطراف ، ولا معقدة الأعطاف ~~؛ ولا مسوسة PageV01P0269 # """""" صفحة رقم 270 """""" الأجواف ؛ تحاسن الغصون بقوامها ، والقدود ~~بتمامها ؛ وتخالف هيفها لامتلاء خصورها وتساوي " بين " هواديها وصدورها ؛ ~~معتدلة القدود ، ناعمة الحدود ؛ مع مليات أخذت النار منها مأخذها فاسودت ~~وتطاولت عليها مدة الجفاف فاشتدت ؛ وترامت بها مدة القدم ، كأنها في حيز ~~العدم ؛ صلاب المكاسر ، غلاظ المآزر ؛ تشبه أخلاقه في هيجاء السلم ، وتحكي ~~صلابة آرائه في نفاذ الرأي ومضاء العزم ؛ تكظم على الماء بغيظها ، فتجود ~~على الأرض بفيضها ؛ تمد يد أيدها في اقتضاء إرادتها ، وتطلع طلوع الأنجم في ~~فلك إدارتها ؛ وتعانق أخواتها معانقة التشييع ، فآخر التسليم أول التوديع ، ~~على أنها بحقائق الاعتبار ، وتجري جري الفلك المدار في قناة الأعمار : تمر ~~كأنفاس الفتى في حياته . . . وتسعى كسعي المرء أثناء عمره . يفارق خل خله ، ~~وهو سائر . . . على مثل حال الخل في إثر سيره . ويعلمه التداور ، لو يعقل ~~الفتى . . . بأن مرور العمر فيه كمره . فمن أدركت أفكاره سر أمرها . . . ~~فقد أدركت أفكاره سر أمره . ومن فاته ، الإدراك أدركه الردى : . . . إذا ~~جزعت أنفاسه كأس مره . ومما وصفت به الجداول قال ابن المعتز ، عفا الله عنه ~~: على جدول ريان ، لا يقبل القذى : . . . كأن سواقيه متون المبارد . وقال ~~الناجم : أحاطت أزاهير الربيع سوية . . . سماطين مصطفين ، تستنبت المرعى . ~~على جدول ريان كالسهم مرسلا ، . . . أو الصارم المسلول ، أو حية تسعى . ~~PageV01P0270 # """""" صفحة رقم 271 """""" وقال المفجع : على جدول ريان ينساب متنه . . ~~. صقيلا ، كمتن السيف وافى مجردا . إذا الريح ناغته ، تحلق وجهه . . . ~~دروعا وضاء ، أو تحزز مبردا . وقال ابن الرومي : على خفاقي جدول مسجور . . ~~. أبيض مثل المهرق المنشور . أو مثل متن المنصل المشهور . . . ينساب مثل ~~الحية المذعور . وقال ذو الرمة : فما انشق ضوء الصبح حتى تبينت . . . جداول ~~أمثال السيوف القواطع . وحيث انتهينا من ذكر المياه إلى هذه الغاية فلنذكر ~~عباد الماء . ذكر عباد الماء وعباد الماء طائفة من الهند يسمون الجلهكية ، ~~يزعم أن الماء ملك ، ومعه ملائكة ، وأنه أصل كل شيء ، وبه ms0144 كل ولادة ونمو ~~ونشوء وبقاء وطهارة وعمارة ، وما من عمل في الدنيا إلا ويحتاج إلى الماء . ~~فإذا أراد الرجل منهم عبادته ، تجرد وستر عورته . ثم دخل الماء حتى يصل إلى ~~وشطه ، فيقيم ساعتين وأكثر ، ويأخذ ما أمكنه من الرياحين فيقطعها صغارا ~~ويلقي في الماء بعضها بعد بعض ، وهو يسبح ويقرأ ، وإذا أراد الانصراف ، حرك ~~الماء بيده . ثم أخذ منه فنقط على رأسه ووجهه وسائر جسده . ثم يسجد وينصرف ~~. " PageV01P0271 # """""" صفحة رقم 272 """""" القسم الخامس من الفن الأول في طبائع البلاد ~~، في طبائع البلاد ، وأخلاق سكانها ، وخصائصها ، والمباني القديمة ، ~~والمعاقل ، وما وصفت به القصور والمنازل وفيه خمسة أبواب الباب الأول من ~~هذا القسم في طبائع البلاد ، وأخلاق سكانها روى أن عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنه سأل كعب الأحبار عن طبائع البلاد وأخلاق سكانها ، فقال : إن الله تعالى ~~لما خلق الأشياء ، جعل كل شيء لشيء . فقال العقل : أنا لا حق بالشأم ، ~~فقالت الفتنة : وأنا معك . وقال الخصب : أنا لاحق بمصر ، فقال الذل : وأنا ~~معك . وقال الشقاء : أنا لاحق بالبادية ، فقالت الصحة : وأنا معك . وقال ~~محمد بن حبيب : لما خلق الله تعالى الخلق ، خلق معهم عشرة أخلاق : الإيمان ~~، والحياء ، والنجدة ، والفتنة ، والكبر ، والنفاق ، والغنى ، والفقر ، ~~والذل ، والشقاء . فقال الإيمان : أنا لاحق باليمن ، فقال الحياء : وأنا ~~معك . وقالت النجدة : أنا لاحقة بالشأم ، فقالت الفتنة : وأنا معك . وقال ~~الكبر : أنا لاحق بالعراق ، فقال النفاق : وأنا معك . وقال الغنى : أنا ~~لاحق بمصر ، وقال الذل : وأنا معك . وقال الفقر : أنا لاحق بالبادية ، فقال ~~الشقاء : وأنا معك . PageV01P0272 # """""" صفحة رقم 273 """""" وحكي عن الحجاج أنه قال : لما تبوأت الأشياء ~~منازلها ، قال الطاعون : أنا نازل بالشأم ، فقالت الطاعة : وأنا معك . وقال ~~النفاق : أنا نازل بالعراق ، فقالت النعمة : وأنا معك . وقال الشقاء : أنا ~~نازل بالبادية ، فقال الصبر : وأنا معك . نوع آخر منه روي عن عبد بن عباس ~~رضي الله عنهما أنه قال : إن الله تعالى خلق البركة عشرة أجزاء : فتسعة ~~منها في قريش ، وواحد في سائر الناس . وجعل الكرم عشرة أجزاء ms0145 : وتسعة منها ~~في العرب ، وواحد في سائر الناس . وجعل الغيرة عشرة أجزاء : فتسعة منها في ~~الأكراد ، وواحد في سائر الناس . وجعل المكر عشرة أجزاء : فتسعة منها في ~~القبط ، وواحد في سائر الناس . وجعل الشفاء عشرة أجزاء : فتسعة منها البربر ~~، وواحد في سائر الناس . وجعل النجابة عشرة أجزاء : فتسعة منها في الروم ، ~~وواحد في سائر الناس . وجعل الصناعة عشرة أجزاء : فتسعة منها في الصين ، ~~وواحد في سائر الناس . وجعل الشهوة عشرة أجزاء : فتسعة منها في النساء ، ~~وواحد في سائر الناس . وجعل العمل عشرة أجزاء : فتسعة منها في الأنبياء ، ~~وواحد في سائر الناس . وجعل الحسد عشرة أجزاء : فتسعة منها في اليهود ، ~~وواحد في سائر الناس . ويقال : قسم الحقد عشرة أجزاء : فتسعة منها في العرب ~~، وواحد في سائر الناس . وقسم البخل عشرة أجزاء : فتسعة منها في الفرس ، ~~وواحد في سائر الناس . وقسم الكبر عشرة أجزاء : فتسعة منها في الروم ، ~~وواحد في سائر الناس . وقسم الطرب عشرة أجزاء : فتسعة منها في السودان ، ~~وواحد في سائر الناس . وقسم الشبق عشرة أجزاء : فتسعة منها في اليهود ، ~~وواحد في سائر الناس . ويقال : أربعة لا تعرف في أربعة : السخاء في الروم ، ~~والوفاء في الترك ، والشجاعة في القبط ، والغم الزنج . PageV01P0273 # """""" صفحة رقم 274 """""" نوع آخر منه حكي عن الحجاج أنه سأل أيوب بن ~~القرية عن طبائع أهل البلاد ، فقال : أهل الحجاز أسرع الناس إلى فتنة ~~وأعجزهم عنها ؛ رجالها جفاة ، ونساؤها كساة عراة . وأهل اليمن أهل سمع ~~وطاعة ، ولزوم الجماعة . وأهل عمان عرب استنبطوا . وأهل البحرين نبط ~~استعربوا . وأهل اليمامة أهل جفاة ، واختلاف آراء . وأهل فارس أهل بئس شديد ~~، وعز عتيد . وأهل العراق أبحث الناس عن صغيره ، وأضيعهم لكبيرة . وأهل ~~الجزيرة أشجع فرسان ، وأقتل للأقران . وأهل الشام أطوعهم لمخلوق وأعصاهم ~~لخالق . وأهل مصر عبيد لمن غلب ؛ أكيس الناس صغارا ، واجهلهم كبارا . وحكي ~~عن أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أنه قال : كنا نعلم في المكتب كما نعلم ~~القرآن : احذروا حماقة أهل بخاري ، وغل أهل مرو ، وشغب أهل نيسابور ، وحسد ~~أهل ms0146 هراة ، وحقد أهل سجستان . وقال أبو حامد القاضي : أعياني أن أرى ~~خراسانيا ذكيا ، وطبريا رزينا ، وهمذانيا لبيبا ، وبصريا ركيكا ، وكوفيا ~~رئيسا ، وبغداديا سخيا ، وموصليا لطيفا ، وشاميا خفيفا ، وحجازيا منافقا ، ~~وبدويا ظريفا . وقال بختيشوع : تسعة لا تخلو من تسعة : قميا من رعونة ، ~~ويماني من جنون ، وواسطي من غفلة ، وبصري من جدل ، وكوفي من كذب ، وسوداني ~~من جهل ، وبغدادي من مخرقة ، وخوزي من لؤم ، وطبري من زرق . PageV01P0274 # """""" صفحة رقم 275 """""" وقيل : جاور أهل الشام الروم ، فأخذوا عنهم ~~اللؤم وقلة الغيرة . وجاور أهل الكوفة أهل السواد ، فأخذوا عنهم السخاء ~~والغيرة . وجاور أهل البصرة الخوز ، فأخذوا عنهم الزنا وقلة الوفاء . ويقال ~~: إن القدماء اعتبروا البلاد وما امتاز به بعضها عن بعض من الطبائع ، ~~فوجدوا أخصب بقاع الدنيا ثمانية مواضع : أرمينية ، وأذربيجان ، وماه دينور ~~، وماه نهاوند ، وكرمان ، وأصبهان ، وقومس ، وطبرستان . ووجدوا أخف بقاع ~~الدنيا ماء ، ماء ثمانية مواضع : دجلة ، والفرات ، وزندرود أصبهان ، وماء ~~سوران ، وماء هفيجان ، وماء جنديسابور ، وماء بلخ ، وماء سمرقند . " وغفلوا ~~عن نيل مصر ، ولعله أحقها بهذه الخصوصية من سائر المياه " . ووجدوا أوبأ ~~بقاع الدنيا ستة مواضع : النوبندجان ، وسابور خواست ، وجرجان ، وحلوان ، ~~وبرذعة ، وزنجان . " وغفلوا عن شيزر . " ووجدوا أعقل أهل البلاد تسعة : أهل ~~أصبهان ، والحيرة ، والمداين ، وماه دينور ، وإصطخر ، ونيسابور ، والري ، ~~وطبرستان ، ونشوى " وهي نقجوان " . ووجدوا أسرى أهل بقاع الدنيا أهل سبعة ~~مواضع : طوسفون " وهي المداين " ، وبلاشون " وهي حلوان " ، وماسبذان ، ~~ونهاوند ، والري ، واصبهان ، ونيسابور . ووجدوا أهل بقاع الدنيا أهل عشرة ~~مواضع : ماسبذان ، ومهرجانقذق ، وسورستان ، والري ، والرويان ، وأذربيجان ، ~~والموصل ، وأرمينية ، وشهرزور ، والصامغان . ووجدوا البخل في أهل ثمان بقاع ~~: مرو ، وإصطخر ، ودارابجرد ، وخوزستان ، وماسبذان ، وديبل ، وماه دينور ، ~~وحلوان . PageV01P0275 # """""" صفحة رقم 276 """""" ووجدوا أسفل أرض بقاع الأرض أربعة : أهل ~~السدجان ، وبادرايا ، وماكسايا ، وخوذستان . ووجدوا أقل أهل الأرض نظرا في ~~العواقب أهل سبعة مواضع : طبرستان ، وأرمينية ، وقومس ، وكرمان ، وكوسان ، ~~ومكران ، وشهرزور . ويقال : إنه وفد رجل من عجم خراسان على كسرى ، فقال له ~~: اخبرني من أحسن أهل خراسان لقاء ؟ قال : أهل بخاري . قال : فمن أوسعهم ~~بذلا للخبز والملح ms0147 ؟ قال : أهل جوزجان . قال : فمن أحسنهم ضيافة ؟ قال : ~~أهل سمرقتد . قال : فمن أدقهم نظرا وتقديرا ؟ قال : أهل مرو . قال : فمن ~~أسوأهم طاعة ؟ قال : أهل خوارزم . قال : فمن أخبثهم طوية ؟ قال : أهل مرو ~~الروذ ، إن رضي بذلك أهل أبيورد . قال : فمن اسقطهم عقلا ؟ قال : أهل طوس ، ~~إن رضي بذلك أهل نسا . قال : فمن أكثرهم شغبا وجدلا : قال : أهل سرخس ، إن ~~رضي بذلك أهل قوهستان . قال فمن أضعفهم وأخبثهم ؟ قال : أهل نيسابور . قال ~~: فمن أقلهم غيرة على النساء ؟ قال : أهل هراة . الباب الثاني من القسم من ~~الفن الأول في خصائص البلاد ولنبدأ من ذلك بمكة ويثرب ، وأعرب عما أنقله من ~~فضلهما ولا أغرب ؛ وأصله بذكر البيت المقدس والمسجد الأقصى ، ولا أشترط ~~الاستيعاب لأن فضائلها لا تحصى . فأما مكة " شرفها الله تعالى وعظمها " ~~ففضائلها مشهورة بينة . قال الله تعالى : " وإن أول بيت وضع للناس للذي ~~بمكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ~~" . وقال الله تعالى : " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا " . ~~PageV01P0276 # """""" صفحة رقم 277 """""" قال بعض المفسرين : أمنا من النار . وقيل : ~~كان يأمن من الطلب من أحدث حدثا ولجأ إليه في الجاهلية . وحكى القاضي عياض ~~في كتاب الشفا أنه حدث أن قوما أتوا سعدون الخولاني بالمنستير ، وأعلموه أ ~~، كتامة قتلوا رجلا وأضرموا عليه النار طول الليل ، فلم تعمل فيه وبقي أبيض ~~البدن ، فقال : لعله حج ثلاث حجج ؟ قالوا : نعم . قال : حدثت أن من حج حجة ~~أدى فرضه ، ومن حج ثانية داين ربه ، ومن حج ثلاث حجج حرم الله شعره وبشره ~~على النار . ولما نطر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى الكعبة قال : ~~مرحبا بك من بيت ، ما أعظمك وأعظم حرمتك . وجاء في الحديث عنه ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : ما من أحد يدعو الله عند الركن الأسود إلا استجاب له . وكذلك ~~عند الركن . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) : من صلى خلف المقام ركعتين ، غفر ~~له ما تقدم من ذبنه وما تأخر وحشر يوم القيامة مع الآمنين . ذكر ms0148 ما كانت ~~الكعبة عليه فوق الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض قال أبو الوليد ~~الأزرقي بسند يرفعه إلى كعب الأحبار أنه قال : كانت الكعبة غثاء على الماء ~~قبل أن يخلق الله عز وجل السماوات والأرضين بأربعين سنة . ومنها دحيت الأرض ~~. PageV01P0277 # """""" صفحة رقم 278 """""" وقال يرفعه إلى مجاهد : خلق الله تعالى هذا ~~البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرضين . وعنه يرفعه إلى ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه قال : لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض ~~بعث الله ريحا فصفقت الماء فأبرزت عن حشفة في موضع البيت كأنها قبة . فدحا ~~الله عز وجل الأرض من تحتها فمادت ثم مادت . فأوتدها الله تعالى بالجبال ، ~~فكان أول جبل وضع فيها أبو قبيس ، فلذلك سميت مكة أم القرى وعنه يرفعه إلى ~~مجاهد أنه قال : لقد خلق الله عز وجل موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من ~~الأرض بألفي سنة ، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى . ذكر بناء ~~الملائكة الكعبة قبل خلق آدم عليه السلام ، ومبدأ الطواف وقال أبو الوليد ~~الأزرقي ، يرفعه إلى على بن الحسين رضي الله عنهما إنه أتاه سائل يسأله ، ~~فقال له : عم تسأل ؟ فقال : أسألك عن بدء الطواف بهذا البيت لم كان ؟ وأنى ~~كان ؟ وحيث كان ؟ وكيف كان بالحجر ؟ فقال له : نعم ، ومن أين أنت ؟ فقال : ~~من أهل الشام . فقال : أين مسكنك ؟ قال : في بيت المقدس . فهل قرأت ~~الكتابين ؟ " يعني التوراة والإنجيل " . قال له الرجل : نعم . فقال له : يا ~~أخا أهل الشام احفظ ، ولا تروين عني إلا حقا : أما بدء هذا الطواب بهذا ~~البيت ، فإن اله تعالى قال للملائكة : " إني جاعل في الأرض خليفة " ، قالت ~~الملائكة : أي رب ، أخليقة من غيرنا : ممن يفسد فيها ويسفك الدماء ~~ويتحاسدون ، ويتباغضون ، ويتنازعون ؟ أي رب ، اجعل ذلك الخليفة منا ، فنحن ~~لا نفسد فيها ، ولا نسفك الدماء ، ولا نتباغض ، ولا نتحاسد ، ولا نتباغى ؛ ~~ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، ونطيعك ولا نعصيك . قال الله تبارك وتعالى : " ~~إني أعلم ما لا تعلمون ms0149 " . قال : فظنت الملائكة أن ما قالوه رد على ربهم عز ~~وجل وأنه قد غضب من قولهم ، فلاذوا بالعرش ، ورفعوا رءوسهم ، وأشاروا ~~بالأصابع يتضرعون ويبكون إشفافا لغضبه . فطافوا بالعرش ثلاث ساعات فنظر ~~الله عز وجل إليهم ، فنزلت الرحمة عليهم ، فوضع الله سبحانه PageV01P0278 # """""" صفحة رقم 279 """""" تحت العرش بيتا على أربع أساطين من زبرجد ، ~~وغشاة بياقوتة حمراء وسمي البيت الضراح . ثم قال للملائكة : طوفوا بهذا ~~البيت ، ودعوا العرش ، فطافت الملائكة بالبيت وتركوا العرش ، وصار أهون ~~عليهم ، وهو البيت ، وهو البيت المعمور الذي ذكره الله عز وجل : يدخله كل ~~يوم وليلة سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبدا . ثم إن الله سبحانه بعث ~~ملائكة فقال : ابنوا لي بيتا في الأرض بمثاله وقدره . فأمر الله سبحانه من ~~في الأرض من خلقه أن طوفوا بهذا البيت ، كما يطوف أهل السماء بالبيت ~~المعمور . فقال الرجل : صدقت يا ابن بيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، هكذا كان . ذكر زيارة الملائكة البيت الحرام قال الأزرقي ، يرفعه إلى ابن ~~عباس رضي الله عنهما : إن جبريل عليه السلام وقف على رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وعليه عصابة حمراء قد علاها الغبار ، فقال له النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : ما هذا الغبار الذي أرى على عصابتك ، أيها الروح الأمين ~~؟ قال : إني زرت البيت فازدحمت الملائكة على الركن ، وهذا الغبار الذي ترى ~~مما تثير بأجنحتها . وقال ، ورفعه إلى ليث بن معاذ رضي الله عنه : إن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : هذا البيت خامس خمسة عشر بيتا ، سبعة ~~منها في السماء إلى العرش ، وسبغة منها إلى تخوم الأرض السفلى ، وأعلاها ~~الذي يلي العرش : البيت المعمور . لكل بيت منها حرم كحرم هذا البيت . لو ~~سقط منها بيت ، لسقط بعضها على بعض إلى تخوم الأرض السفلى ، ولكل بيت من ~~أهل السماء ومن أهل الأرض من يعمره ، كما يعمر هذا البيت . ذكر هبوط آدم ~~إلى الأرض ، وبنيانه الكعبة المشرفة وحجه وطوافه بالبيت قال الأزرقي ، ~~يرفعه إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنه ms0150 قال : لما أهبط الله عز وجل آدم ~~عليه السلام إلى الأرض من الجنة ، كان رأسه في السماء ورجلاه في ~~PageV01P0279 # """""" صفحة رقم 280 """""" الأرض . وهو مثل الفلك من رعدته . قال : ~~فطأطأ الله عز وجل منه إلى الأرض ستين ذراعا ، فقال : مالي لا أسمع أصوات ~~الملائكة ولا حسهم ؟ قال : خطيئتك يا آدم ، ولكن اذهب فابن لي بيتا تطف به ~~واذكرني حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي ، قال : فأقبل آدم عليه ~~السلام يتخطى ، فطويت له الأرض وقبضت له المفاوز ، فصارت كل مفازة يمر بها ~~خطوة ، وقبض له ما كان فيها من مخاض أو بحر فجعله خطوة ، ولم يقع قدمه في ~~شيء من الأرض إلا صار عمرانا وبركة حتى انتهى إلى مكة . فبنى البيت الحرام ~~. وإن جبريل عليه السلام ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أس ثابت في الأرض ~~السفلى فقذفت الملائكة فيه الصخر ، ما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلا . وإنه ~~بناه من خمسة أجبل : من لبنان ، وطورزيتا ، وطورسينا ، والجودى ، وحراء ، ~~حتى استوى على وجه الأرض . قال ابن عباس رضي الله عنهما : فكان أول من أسس ~~البيت وصلى فيه وطاف به ، آدم عليه السلام . حتى بعث الله سبحانه الطوفان ، ~~فدرس موضع البيت في الطوفان . حتى بعث الله تبارك وتعالى إبراهيم وإسماعيل ~~عليهما السلام ، فرفعا قواعده وأعلامه . ثم بنته قريش بعد ذلك . وهو بحذاء ~~البيت المعمور ، لو سقط ، ما سقط إلا عليه . وقال أبو الوليد أيضا ، ورفعه ~~إلى وهب بن منبه : إن الله تبارك وتعالى لما تاب على آدم عليه السلام ، ~~أمره أن يسير إلى مكة . فطوى له الأرض وقبض له المفاوز ، فصارة كل مفازة ~~يمر بها خطوة ، وقبض له ما كان فيها من مخاض ماء أو بحر PageV01P0280 # """""" صفحة رقم 281 """""" فجعله له خطوة . فلم يضع قدمه في شيء من ~~الأرض إلا صار عمرانا وبركة حتى انتهى إلى مكة . وكان قبل ذلك قد اشتد ~~بكاؤه وحزنه لما كان فيه من عظم المصيبة ، حتى إن كانت الملائكة لتحزن ~~لحزنه ولتبكي لبكائه . فعزاه الله عز وجل ms0151 بخيمة من خيام الجنة ، ووضعها له ~~بمكة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة . وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من ~~ياقوت الجنة : فيها ثلاث قناديل من ذهب من تبر الجنة ، فيها نور يتلهب من ~~نور الحنة . ونزل معها الركن ، وهو يومئذ ياقوتة بيضاء من ربض الجنة . وكان ~~كرسيا لآدم عليه السلام ، يجلس عليه . فلما صار آدم بمكة ، حرسها الله ~~تعالى ، حرسه الله تعالى وحرس تلك الخيمة بالملائكة كانوا يحرسونها ويذودون ~~عنها ساكن الأرض ، وساكنوها يومئذ الجن والشياطين ، فلا ينبغي لهم أن ~~ينظروا إلى شيء من الجنة ، لأنه من نظر إلى شيء من الجنة وجبت له . والأرض ~~يومئذ طاهرة نقية لم تنجس ولم يسفك فيها الدم ، ولم تعمل فيها الخطايا . ~~فلذلك جعلها الله عز وجل مسكن الملائكة ، وجعلهم فيها كما كانوا في السماء ~~يسبحون الليل والنهار ، لا يفترون . وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفا واحدا ~~مستديرين بالحرم كله : الحل من خلفهم ، والحرم كله من أمامهم . ولا يجوزهم ~~جني ولا شيطان . ومن أجل مقام الملائكة حرم الحرم حتى اليوم . ووضعت أعلام ~~حيث كان مقام الملائكة . وحرم الله على حواء دخول الحرم والنظر إلى خيمة ~~آدم من أجل خطيئتها التي أخطأت في الجنة . فلم تنظر إلى شيء من ذلك حتى ~~قبضت . وإن آدم عليه السلام كان إذا أراد لقاءها ليلم بها للولد ، خرج من ~~الحرم كله حتى يلقاها ، فلم تزل خيمة آدم مكانها حتى قبض الله آدم عليه ~~السلام ورفعها الله . وبنى بنو آدم بها من بعدها مكانا : بيتا بالطين ~~والحجارة . فلم يزل معمورا ، يعمرونه ومن بعدهم حتى كان زمن نوح عليه ~~السلام . فنسفه الغرق وخفي مكانه . فلما بعث الله تعالى إبراهيم عليه ~~السلام طلب الأساس ، فلما وصل إليه ظلل الله مكان البيت بغمامة . فكانت ~~حفاف البيت الأول ، ثم لم تزل راكزة على حفافه تظل إبراهيم عليه السلام ~~وتهديه مكان القواعد حتى رفع الله القواعد قامة . ثم انكشفت الغمامة ، فذلك ~~قوله تعالى : " وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت " أي الغمامة التي ركزت على ~~الحفاف لتهديه ms0152 مكان القواعد . PageV01P0281 # """""" صفحة رقم 282 """""" وعن وهب بن منبه أنه قال : قرأت في كتاب من ~~الكتب الأول ، ذكر فيه أمر الكعبة ، فوجدت فيه أن ليس من الملائكة بعثه ~~الله تعالى إلى الأرض إلى أمره بزيارة البيت . فينقض من عند العرش محرما ~~ملبيا ، حتى يستلم الحجر . ثم يطوف في البيت سبعا ويركع في جوفه ركعتين ، ~~ثم يصعد . وقال الأزرقي ، يرفعه إلأى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ~~لما أهبط الله آدم إلى الأرض ، أهبطه إلى موضع البيت الحرام . وهو مثل ~~الفلك من رعدته . ثم أنزل عليه الحجر الأسود يعني الركن ، وهو يتلألأ من ~~شدة بياضه . فأخذه آدم ( صلى الله عليه وسلم ) فضمه إليه أنسا به . ثم ~~أنزلت عليه العصى فقيل له : تخط يا آدم ، فتخطى ، فإذا هو بأرض الهند ~~والسند . فمكث هناك ما شاء الله ، ثم استوحش إلى الركن فقيل له : احجج ، ~~قال فحج فلقيته الملائكة فقالوا : بر حجك يا آدم ، لقد حججنا هذا البيت ~~قبلك بألف عام . قال : وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه كعب الأحبار فقال : ~~أخبرني عن البيت الحرام . فقال كعب : أنزله الله من السماء ياقوتة مجوفة مع ~~آدم ، فقال له : يا آدم إن هذا بيتي أنزلته معك ، يطاف حوله كما يطاف حول ~~عرشي ، ويصلى حوله كما يصلى حول عرشي . ونزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده ~~من حجارة ثم وضعوا البيت عليه . فكان آدم يطوف حوله كما يطاف حول العرش ، ~~ويصلي عنده كما يصلى عند العرش . فلما أغرق الله تعالى قوم نوح ، رفعه إلى ~~السماء وبقيت قواعده . وقال وهب بن منبه : كان البيت الذي بوأه الله تعالى ~~لآدم عليه السلام يومئذ من ياقوت الجنة . وكان من ياقوتة حمراء تلتهب ، لها ~~بابان : أحدهما شرقي والآخر غربي . وكان فيه قتاديل من نور آنيتها ذهب من ~~تبر الجنة . وهو منظوم بنجوم من ياقوت أبيض . والركن يومئذ نجم من نجومه ~~وهو يومئذ ياقوتة بيضاء . والله أعلم ذكر فضل البيت الحرام والحرم قال أبو ~~الوليد ، برفعه عن وهب بن منبه أنه قال ms0153 : إن آدم لما أهبط إلى الأرض استوحش ~~فيهاما رأى من سعتها ولم ير فيه أحدا غيره ، فقال : يا رب ، أما لأرضك ~~PageV01P0282 # """""" صفحة رقم 283 """""" هذه من عامر يسبحك فيه ويقدس لك غيري ؟ قال : ~~إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي ، وسأجعل فيها بيوتا ترفع ~~لذكري ويسبحني فيها خلقي ، وسأبوئك فيها بيتا أختاره لنفسي ، وأخصه بكرامتي ~~، وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي ، فأسميه بيتي ، وأنطعه بعظمتي ، ~~وأخوزه بحرماتي ، وأجعله أحق بيوت الأرض كلها وأولاها بذكرى ، وأضعه في ~~البقعة التي اخترت لنفسي ، فأني اخترت مكانه يوم خلقت السماوات والأرض ؛ ~~وقبل ذلك قد كان بعيني : فهو صفوتي من البيوت ، ولست أسكنه ، وليس ينبغي لي ~~أن أسكن البيوت ؛ ولا ينبغي أن تسعني ، ولكن على كرسي الكبرياء والجبروت ؛ ~~وهو الذي استقل بعزتي ، وعليه وضعت عظمتي وجلالي ، وهناك استقر قراري ؛ ثم ~~هو بعد ضعيف عني لولا قوتي ؛ ثم أنا بعد ذلك ملء كل شيء ، وفوق كل شيء ، ~~ومحيط بكل شيء ، وأمام كل شيء ، وخلف كل شيء ، وليس ينبغي لشيء أن يعلم ~~علمي ولا يقدر قدرتي ، ولا يبلغ كنه شاني . أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك ~~حرما وأمنا ، أحرم بحرماته ما فوقه وما تحته وما حوله . فمن حرمه بحرمتي ~~فقد عظم حرماتي ، ومن أحله فقد أباح حرماتي ، ومن أمن أهله فقد استوجب بذلك ~~أماني ، ومن أخافهم أخفرني في ذمتي ، ومن عظم شأنه عظم في عيني ، ومن تهاون ~~به صغر في عيني ؛ ولكل ملك حيازة ما حواليه مما حواليه ، وبطن مكة خيرتي ~~وحيازتي ؛ وجيران بيتي وعمارها وزوارها ، وفدي وأضيافي ، في كنفي وأفنيتي ، ~~ضامنون على ذمتي وجواري ؛ فأجعله أول بيت وضع للناس ، وأعمره بأهل السماء ~~وأهل الأرض : يأتونه أفواجا شعثا غبرا على كل ضامر يأتين من كل فج عميق ، ~~يعجون بالتكبير عجيجا ، ويرجون بالتلبية رجيجا ، وينتحبون بالبكاء نحيبا ، ~~فمن اعتمره لا يريد غيره ، فقد زارني ووفد إلي ونزل بي ؛ ومن نزل بي ، ~~فحقيق علي أن أتحفه بكرامتي ؛ PageV01P0283 # """""" صفحة رقم 284 """""" وحق على الكريم أن يكرم وفده ms0154 وأضيافه ، وأن ~~يسعف كل واحد منهم بحاجته . تعمره يا آدم ما كنت حيا ، ثم تعمره من بعدك ~~الأمم والقرون والأنبياء : أمة بعد أمة ، وقرن بعد قرن ، ونبي بعد نبي ، ~~حتى ينتهي ذلك إلى نبي من ولدك وهو خاتم النبين ، فأجعله من عماره وسكانه ~~وحماته ، وولاته وسقاته . يكون أميني عليه ما كان حيا . فإذا انقلب إلي ، ~~وجدني قد ذخرت له من أجره وفضيلته ما يتمكن به القربة مني والوسيلة إلي ، ~~وأفضل المنازل في دار المقام . وأجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده ~~وثناءه ومكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي وهو أبوه يقال له إبراهيم ~~، أرفع له قواعده ، وأقضي على يديه عمارته ، وأنبط له سقايته ، وأريه حله ~~وحرمه ومواقفه ، وأعلمه مشاعره ومناسكه ، وأجعله أمة واحدة قانتا لي ، ~~قائما بأمري ، داعيا إلى سبيلي ؛ أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم ؛ أبتليه ~~فيصبر ، وأعافيه فيشكر ؛ وينذر لي فيفي ؛ ويعدني فينجز ؛ أستجيب له في ولده ~~وذريته من بعده وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته وسقاته ~~وخدامه وخزانه وحجابه حتى يبتدعوا ويغيروا ؛ فإذا فعلوا ذلك فأنا الله أقدر ~~القادرين على أن أستبدل من أشاء بمن أشاء . أجعل إبراهيم إمام أهل ذلك ~~البيت وأهل تلك الشريعة ، يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الأنس والجن ~~؛ يطئون فيها أثاره ، ويتبعون فيها سنته ، ويقتدرون فيها بهديه . فمن فعل ~~ذلك منهم أوفى نذره ، واستكمل نسكه ؛ ومن لم يفعل ذلك منهم ضيع نسكه ، ~~وأخطأ بغيته . فمن سأل عني يومئذ في تلك المواطن : أين أنا ؟ فأنا مع الشعث ~~الغبر الموفين بنذورهم المستكملين مناسكهم ، المبتهلين إلى ربهم الذي يعلم ~~ما يبدون وما يكتمون . وليس هذا الخلق ولا هذا الأرمر الذي قصصت عليك شأنه ~~؛ يا آدم ، بزائدي في ملكي ولا عظمتي ولا سلطاني ولا شيء مما عندي إلا كما ~~زادت قطرة من رشاش وقعت في سبعة أبحر تمدها من بعدها سبعة أبحر لا تحصى ، ~~بل القطرة أزيد في البحر من هذا الأمر في شيء مما عندي . ولو لم أخلقه لم ~~ينتقص ms0155 شيء من ملكي ولا عظمتي ولا مما عندي من الغناء والسعة ، إلا كما نقصت ~~PageV01P0284 # """""" صفحة رقم 285 """""" الأرض ذرة وقعت من جميع ترابها وجبالها ~~وحصاها ورمالها وأشجارها ، بل الذرة أنقص للأرض من هذا الأمر لو لم أخلقه . ~~ليس مما عندي ويعد هذا مثل للعزيز الحكيم . ذكر ما جاء في طواف سفينة نوح ~~عليه السلام بالبيت قال أبو الوليد الأزرقي ، ورفعه إلى ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه قال : كان مع نوح عليه السلام في السفينة ثمانون رجلا معهم ~~أهلوهم ، وإنهم كانوا في السفينة مائة وخمسين يوما ، وإن الله جل ثناءه وجه ~~السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوما ، ثم وجهها إلى الجودي فاستقرت ~~عليه . وقال عن مجاهد : كان موضع الكعبة قد خفي ودرس الزمن الغرق فيما بين ~~نوح وإبراهيم عليهما السلام . فكان موضعه أكمة حمراء مدورة ، لا تعلوها ~~السيول . غير أن الناس يعلمون أن موضع البيت فيما هنالك ولا يثبت موضعه . ~~وكان يأتيه المظلوم والمبعود من أقطار الأرض ، ويدعو عنده المكروب . فقل من ~~دعا هنالك ، إلا أستجيب له . وكان الناس يحجون إلى مكة ، إلى موضع البيت ، ~~حتى بوأ الله تعالى مكانه لإبراهيم عليه السلام . فلم يزل منذ أهبط الله ~~تعالى آدم إلى الأرض معظما محرما تتناسخه الأمم والملل أمة بعد أمة ، وملة ~~بعد ملة . قال : وكانت الملائكة تحجه قبل آدم عليه السلام . ذكر ما جاء من ~~تخير إبراهيم عليه السلام موضع البيت قال عثمان بن ساج : بلغنا " والله ~~أعلم " أن إبراهيم خليل الله عليه السلام عرج به إلى السماء فنظر إلى الأرض ~~، مشارقها ومغاربها ، فاختار موضع الكعبة . فقالت له الملائكة : يا خليل ~~الرحمن اخترت حرم الله في الأرض ، قال : فبناه من حجارة سبعة أجبل " ~~ويقولون خمسة " . وكانت الملائكة تأتي بالحجارة إلى إبراهيم عليه السلام من ~~تلك الجبال . PageV01P0285 # """""" صفحة رقم 286 """""" ذكر حج إبراهيم عليه السلام واذانه بالحج وحج ~~الأنبياء بعده وطوافهم قال أبو الوليد عن محمد بن إسحاق : لما فرغ إبراهيم ~~خليل الرحمن من بناء البيت الحرام ، جاءه جبريل عليه ms0156 السلام فقال : طف به ~~سبعا ، فطاف به سبعا ، هو وإسماعيل . يستلمان الأركان كلها في كل طواف ، ~~فلما أكملا سبعا صليا خلف المقام ركعتين . قال : فقام معه جبريل فأراه ~~المناسك كلها : الصفا والمروة ومنى ومزدلفة وعرفة . فلما دخل منى وهبط من ~~العقبة ، مثل له إبليس عند جمرة ، فقال له جبريل : ارمه ، فرماه إبراهيم ~~بسبع حصيات ، فغاب عنه ؛ ثم برز له عند الجمرة السفلى ، فقال له جبريل : ~~ارمه ، فرماه بسبع حصيات مثل حصى الخذف ، فغاب عنه ابليس ؛ ثم مضى إبراهيم ~~في حجه وجبريل يوقفه على المواقف ويعلمه المناسك حتى انتهى إلى عرفة . فلما ~~انتهى إليها ، قال له جبريل : أعرفت مناسكك ؟ قال : نعم ، قال : فسميت ~~عرفات بذلك . قال : ثم أمر إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج ، ~~فقال إبراهيم : يا رب وما يبلغ صوتي ؟ قال الله جل ثناؤه : أذن ، وعلي ~~البلاغ ، قال : فعلا إبراهيم على المقام فأشرف به حتى صار أرفع الجبال ~~وأطولها فجمعت له الأرض يومئذ : سهلها ، وجبلها ، وبرها ، وبحرها ، وإنسها ~~، وجنها حتى أسمعهم جميعا ، فأدخل إصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه يمينا ~~وشمالا وشرقا وغربا وبدأ بشق اليمين فقال : أيها الناس كتب عليكم الحج إلى ~~البيت العتيق ، فأجيبوا ربكم فأجابوه من تحت التخوم السبعة ، ومن بين ~~المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أقطار الأرض كلها : " لبيك ، اللهم ~~لبيك " . قال : وكانت الحجارة على ما هي اليوم ، إلا أن الله عز وجل أراد ~~أن يجعل المقام آية . فكان أثر قدميه في المقام آية إلى اليوم . قال : أفلا ~~تراهم اليوم يقولون : " لبيك ، اللهم لبيك " . فكل من حج إلى اليوم فهو ممن ~~أجاب إبراهيم . وأثر قدمي إبراهيم في المقام آية . وذلك قوله تعالى : " فيه ~~آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا " . PageV01P0286 # """""" صفحة رقم 287 """""" قال ابن إسحاق : وبلغني أن آدم عليه السلام ~~كان استلم الأركان كلها قبل إبراهيم ، حجه وإسحاق وسارة من الشام . قال : ~~وكان إبراهيم يحجه كل سنة على البراق . قال : وحجت بعد ذلك الأنبياء والأمم ~~. وعن مجاهد ، قال : حج إبراهيم وإسماعيل ، ماشيين ms0157 . وعن عبد الله بن ضمرة ~~السلولي : ما بين الركن إلى المقام إلى زمزم قبر تسعة وتسعين نبيا جاءوا ~~حجاجا فقبروا هنالك . وفي الحديث عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق بمكة فتعبد بها النبي ومن معه حتى ~~يموت . فمات بها : نوح ، وهود ، وصالح ، وشعيب . وقبورهم بين زمزم والحجر . ~~وعن مجاهد : حج موسى النبي عليه السلام على جمل . فمر بالروحاء عليه ~~عباءتان وقطوانيتان متزر بإحداهما ، مرتد بالأخرى . فطاف في البيت ثم سعى ~~بين الصفا والمروة . فبينما هو يلبي بين الصفا والمروة ، إذ سمع صوتا من ~~السماء يقول : " لبيك عبدي ، أنا معك " قال : فخر موسى ساجدا . وعن عروة بن ~~الزبير رضي عنهما قال : بلغني أن البيت وضع لآدم يطوف به ويعبد الله عنده ~~وأن نوحا قد حجه وجاءه وعظمه قبل الغرق . فلما أصاب البيت ما أصاب الأرض من ~~الغرق فكان ربوة حمراء معروفا مكانه ؛ فبعث الله هودا إلى عاد ، فتشاغل ~~بأمر قومه حتى هلك ولم يحجه . ثم بعث الله تعالى صالحا إلى PageV01P0287 # """""" صفحة رقم 288 """""" ثمود ، فتشاغل بهم حتى هلك ، ولم يحجه . ثم ~~بوأه الله تعالى لإبراهيم عليه السلام فحجه وأعلم مناسكه ودعا إلى زيارته . ~~ثم لم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم ، إلا حجه . وعن عبدالله بن عباس رضي ~~الله عنهما أنه قال : لقد سلك فج الروحاء سبعون نبيا ، حجاجا : عليهم لباس ~~الصوف ، مخطمي إبلهم بحبال الليف . ولقد صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا . ~~وعن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " لقد مر بفج الروحاء : " ~~أو لقد مر بهذا الفج " سبعون نبيا على نوق حمر خطمها الليف ، لبوسهم الغباء ~~وتلبيتهم شتى . فمنهم يونس بن متى . فكان يونس يقول : " لبيك فراج الكرب ، ~~لبيك " ؛ وكان موسى يقول : " لبيك ، أنا عبدك لديك ، لبيك " قال : وتلبية ~~عيسى : " لبيك ، أنا عبدك ابن أمتك بنت عبديك ، لبيك " . وعن عطاء بن ~~إبراهيم رأى رجلا يطوف بالبيت فأنكره ، فسأله : ممن أنت ؟ فقال : من أصحاب ~~ذي القرنين ، قال : وأين هو ؟ قال ms0158 : هو بالأبطح . فتلقاه إبراهيم عليه ~~السلام فاعتنقه ، فقال لذي القرنين : ألا تركب ؟ قال : ما كنت لأركب ، وهذا ~~يمشي ، فحج ماشيا . ذكر ما جاء من مسألة إبراهيم عليه السلام الأمن والرزق ~~لأهل مكة والكتب التي وجد فيها تعظيم الحرم قال أبو الوليد الأزرقي : يرفعه ~~إلى محمد بن كعب القرظي أنه قال : دع إبراهيم عليه السلام للمؤمنين ، وترك ~~الكفار لم يدع لهم بشيء ، فقال الله PageV01P0288 # """""" صفحة رقم 289 """""" تعالى : " ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى ~~النار وبئس المصير " . وقال عثمان بن ساج : وأخبرني محمد بن السائب الكلبي ~~قال : قال إبراهيم عليه السلام " ورب اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من ~~الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر " . فاستجاب الله عز وجل له فجعله ~~بلدا آمنا وآمن في الخائف ورزق أهله من الثمرات ، تحمل إليهم من الآفاق . ~~وقال مجاهد : جعل الله هذا البلد آمنا ، لا يخاف فيه من دخله . وقال سعيد ~~بن السائب بن يسار : لما دعا إبراهيم عليه السلام لمكة أن يرزق أهلها من ~~الثمرات ، نقل الله أرض الطائف من الشام فوضعها هنالك : رزقا لحرم . وروي ~~عن محمد بن المنكدر ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : لما وضع ~~الله الحرم نقل له الطائف من الشام . وعن الزهري أن الله نقل قرية من قرى ~~الشام فوضعها بالطائف ، لدعوة إبراهيم خليل الله : " وارزق أهله من الثمرات ~~" . وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : جاء إبراهيم يطالع إسماعيل عليهما ~~السلام فوجده غائبا ، ووجد امرأته الآخرة ، وهي السيدة بنت مضاض بن عمرو ~~الجرهمي . فوقف وسلم فردت السلام واستنزلته وعرضت عليه الطعام والشراب ، ~~فقال : ما طعامكم ؟ قالت : اللحم والماء ، قال : هل من حب أو غيره من ~~الطعام ؟ قالت : لا ، قال : بارك الله لكم في اللحم والماء . قال ابن عباس ~~رضي اله عنهما : يقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : لو وجد عندها ~~يومئذ حبا لدعا لهم بالبركةفيه ، فكانت تكون أرضا ذات زرع . PageV01P0289 # """""" صفحة رقم 290 """""" وعن سعيد بن جبير مثله ، وزاد فيه : ولا يخلو ms0159 ~~أحد من اللحم والماء في غير مكة إلا وجع بطنه ؛ وإن خلا عليهما بمكة لم يجد ~~لذلك أذى . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : وجد في المقام كتاب فيههذا ~~بيت الله الحرام بمكة ، توكل الله برزق أهله من ثلاث سبل ، مبارك لأهله في ~~اللحم واللبن ووجد في حجر في الحجر كتاب من خلقة الحجر أنا الله ذو بكة ~~الحرم صغتها يوم صغت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى ~~يزول أخشباها مبارك لأهلها في اللحم والماء . وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه قال : لما هدموا البيت وبلغوا أساس إبراهيم عليه السلام وجدوا في حجر ~~من الأساس كتابا ، فدعوا له رجلا من أهل اليمن ، وآخر من الرهبان ، فإذا ~~فيه : أنا الله ذو بكة حرمتها يوم خلقت السماوات والأرض والشمس والقمر ويوم ~~صغت هذين الجبلين وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها ~~مبارك لأهلها في الماء واللبن . وعن مجاهد رضي الله عنه قال : وجد في بعض ~~الزبور أما الله ذو بكة جعلتها بين هذين الجبلين وصغتها يوم صغت الشمس ~~والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء وجعلت رزق أهلها من ثلاث سبل فليس يوتا ~~أهل مكة إلا من ثلاثة طرق أعلى الوادي وأسفله وكدى وباركت لأهلها في اللحم ~~والماء . ذكر أسماء الكعبة ومكة عن ابن أبي نجيح قال : إنما سميت الكعبة ~~لأنها مكعبة على خلقة الكعب . PageV01P0290 # """""" صفحة رقم 291 """""" قال : وكان الناس يبنون بيوتهم مدورة تعظيم ~~للكعبة . فأول من بنى بيتا مربعا حميد بن زهير ، فقالت قريش : ربع حميد بن ~~زهير بيتا ، إما حياتا إما موتا . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، قال ~~: إنما سميت بكة لأنه يجتمع فيها الرجال والنساء جميعا . وقالوا : بكة موضع ~~البيت ، ومكة القرية . وقال ابن أبي أنيسة : بكة موضع البيت ، ومكة هو ~~الحرم كله . وكان ابن جريح يقول : إنما سميت بكة لتباك الناس بأقدامهم قدام ~~الكعبة . ويقال : إنما سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة . وعن الزهري : ~~أنه بلغه إنما سمي البيت العتيق ms0160 من أن الله تعالى أعتقه من الجبابرة . وعن ~~مجاهد والسدي : إنما سمي البيت العتيق الكعبة ، أعتقها الله من اجبابرة ؛ ~~فلا يتجبرون فيه إذا طافوا . وكان البيت يدعى قادسا ويدعى بادرا ويدعى ~~القرية القديمة ويدعى البيت العتيق . وعن مجاهد قال : من أسمائها مكة وبكة ~~وأم رحم وأم القرى وصلاح وكوثى والباسة . وعن ابن أبي نجيح قال : بلغني أن ~~أسماء مكة مكة ؛ وبكة ؛ وأم رحم ؛ وأم القرى ؛ والباسة ؛ والبيت العتيق ؛ ~~والحاطمة : " تحطم من يستخف بها " ؛ والناسة " تنسهم ، أي تخرجهم إخراجا ~~إذا غشموا وظلموا " . د ذكر ما جاء في فضل الركن الأسود عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه قال : ليس في الأرض من الجنة إلا الركن الأسود والمقام ، ~~فإنهما جوهرتان من جواهر الجنة ؛ ولولا ما مسهما من أهل الشرك ما مسهما ذو ~~عاهة إلا شفاه الله عز وجل . PageV01P0291 # """""" صفحة رقم 292 """""" وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله ~~عنهما أنه قال في الركن الأسود : لولا ما مسه من أنجاس الجاهلية وأرجاسهم ، ~~ما مسه ذو عاهة إلا برأ ، وقال : نزل الركن ، وإنه لأشد بياضا من الفضة . ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال لعائشة ~~رضي الله عنها ، وهي تطوف معه بالكعبة حين استلم الركن : لولا ما طبع على ~~هذا الحجر ، ياعائشة ، من أرجاس الجاهلية وأنجاسها ، إذن لا ستشفي به من كل ~~عاهة ، وإذن لألفي كهيئته يوم أنزله الله ، وليعيدنه الله إلى ما خلقه أول ~~مرة ، وإنه لياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة ، ولكن الله غيره بمعصية العاصين ~~، وستر زينته عن الظلمة والأثمة لأنهم لا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شيء كان ~~بدؤه من الجنة . وعنه عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : إن ~~الله يبعث الركن الأسود ، وله عينان يبصر بهما ، ولسان ينطق به : يشهد لمن ~~استلمه بحق . وعنه رضي الله عنه : الركن يمين الله في الأرض : يصافح بها ~~عباده كما يصافح أحدكم أخاه . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ~~خرجنا مع ms0161 عمر بن الحطاب رضي الله عنه إلى مكة . فلما دخلنا الطواف ، قام ~~عند الحجر وقال : والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني ~~رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقبلك ما قبلتك . ثم قبله ومضى في ~~الطواف فقال له علي رضي الله عنه : بل يا أمير المؤمنين هو يضر وينفع ، قال ~~: وبم قلت ذلك ؟ قال : بكتاب الله ، قال : وأين ذلك من كتاب الله ؟ قال : ~~قال الله عز وجل : " وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا " . فلما خلق الله تعالى آدم مسح ظهره ~~وأخرج ذريته من صلبه فقررهم أنه الرب وهم العبيد ، ثم كتب ميثاقهم في رق ، ~~وكان هذا الحجر له عينان ولسان ، فقال له : افتح فاك ، فألقمه ذلك الرق ~~وجعله في هذا الموضع ، وقال : تشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة ، فقال ~~عمر : أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم ، يا أبا الحسن . PageV01P0292 # """""" صفحة رقم 293 """""" وعن عكرمة : أن الحجر الأسود يمين الله في ~~الأرض ، فمن لم يدرك بيعة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فمسح الركن فقد ~~بايع الله ورسوله . وعن مجاهد : يأتي الركن والمقام يوم القيامة ، وكل واحد ~~منهما مثل أبو قبيس : يشهدان لمن وافاهما بالموافاة . والله أعلم . ذكر ما ~~جاء في فضل استلام الركن الأسود ، واليماني عن عطاء بن السائب أن عبيد بن ~~عمير قال لابن عمر رضي الله عنهما : إني أراك تزاحم على هذين الركنين ، ~~فقال : إني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : إن استلامهما يحط ~~الخطايا حطا . وسئل رضي الله عنه ، فقيل له : إنا نراك تفعل خصالا أربعا لا ~~يفعلها الناس : نراك لا تستلم من الأركان إلا الحجر والركن اليماني ، ونراك ~~لا تلبس من النعال إلا السبتية ، ونراك تضفر شعرك وقد يصبغ الناس بالحناء ، ~~ونراك لا تحرم حتى تستوي بك راحلتك وتوجه . فقال عبد الله : إني رأيت رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) يفعل ذلك . وعن ابن عمر رضي ms0162 الله عنهما أن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان لا يدع الركن الأسود واليماني أن ~~يستلمهما في كل طواف أتى عليهما . قال : كان لا يدعهما في كل طواف طاف بهما ~~حتى يستلمهما ، لقد زاحم على الركن مرة في شدة الزحام حتى رعف ، فخرج فغسل ~~عنه ثم رجع . فعاد يزاحم فلم يصل إليه حتى رعف الثانية ، فخرج فغسل عنه ثم ~~رجع . فما تركه حتى استلم . وعن نافع قال : لقد رأيت ابن عمر رضي الله ~~عنهما ، زاحم مرة على الركن اليماني حتى انبهر فتنحى فجلس في ناحية الطواف ~~حتى استراح ، ثم عاد فلم يدعه حتى استلمه . قالوا : وليس هذا واجبا على ~~الناس ، ولكنه كان يحب أن يصنع كما صنع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~PageV01P0293 # """""" صفحة رقم 294 """""" ذكر ما جاء في فضل الطواف بالكعبة عن عبد ~~الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) يقول : من طاف بالبيت ، كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحا عنه سيئة . وعن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال : قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : إذا خرج المرء يريد الطواف بالبيت ، أقبل يريد الرحمة . فإذا ~~دخله غمرته . ثم لا يرفع فدما ولا يضع قدما إلا كتب الله له بكل قدم ~~خمسمائة حسنة ، وحط عنه خمسمائة سيئة " أو قال خطيئة " ، ورفعت له خمسمائة ~~درجة . فإذا فرغ من طوافه فصلى ركعتين دبر المقام ، خرج من ذنوبه كيوم ~~ولدته أمه ، وكتب له أجر عتق عشر رقاب من ولد إسماعيل ، واستقبله ملك على ~~الركن فقال له : استأنف العمل فيما بقي فقد كفيت ما مضى ، وشفع في سبعين من ~~أهل بيته . وعن حسان بن عطية : أن الله خلق لهذا البيت عشرين ومائة رحمة ~~ينزلها في كل يوم ، فستون منها للطائفين ، وأربعون للمصلين ، وعشرون ~~للناظرين . قال حسان : فنظرنا فإذا هي كلها للطائفين هو يطوف ويصلي وينظر . ~~ذكر ما جاء في فضل زمزم عن وهب بن منبه أنه قال ms0163 في زمزم : والذي نفسي بيده ~~، إنها لفي كتاب الله مضنونة ، وإنها لفي كتاب الله برة ، وإنها لفي كتاب ~~الله شراب الأبرار ، وإنها لفي كتاب الله طعام طعم وشفاء سقم . وعن ابن ~~خثيم قال : قدم علينا وهب بن منبه مكة فاشتكى ، فجئناه نعوده ، فإذا عنده ~~من ماء زمزم . قال : فقلنا له . لو استعذبت ، فإن هذا الماء فيه ~~PageV01P0294 # """""" صفحة رقم 295 """""" غلظ ؟ قال : ما أريد أن أشرب حتى أخرج منها ~~غيره ، والذي نفس وهب بيده ، إنها لفي كتاب الله زمزم لا تنزف ولا تذم ، ~~وإنها لفي كتاب الله برة شراب الأبرار ، وإنها لفي كتاب الله مضنونة ، ~~وإنها لفي كتاب الله طعام من طعم وشفاء من سقم ، والذي نفس وهب بيده لا ~~يعمد أحد إليها فيشرب منها حتى يتضلع إلا نزعت منه داء أو أحدثت له شفاء . ~~وعن كعب أنه قال لزمزم : إنا نجدها مضنونة ضن بها لكم ، وإن أول من سقي ~~ماءها إسماعيل عليه السلام ، طعام من طعم ، وشفاء من سقم . وعن مجاهد قال : ~~ماء زمزم لما شرب له ، إن شربته تريد به شفاء شفاك الله ، وإن شربته للظمأ ~~أرواك الله ، وإن شربته لجوع أشبعك الله ، وهي هزمة جبريل عليه السلام ~~بعقبه . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق . وعن الضحاك بن مزاحم ~~أنه قال : بلغني أن التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق ، وأن ماءها يذهب ~~بالصداع ، وأن التطلع فيها يجلو البصر ، وأنه سيأتي عليها زمان تكون أعذب ~~من النيل والفرات . قال : قال لنا الخزاعي : وقد رأينا ذلك في سنة إحدى أو ~~اثنتين وثمانين ومائتين ، وذلك أنه أصاب مكة أمطار كثيرة وسال واديها في ~~سنة تسع وسبعين ، وسنة ثمانين ومائتين ، فكثر ماء زمزم وارتفع حتى قارب ~~رأسها ، فلم يكن بينه وبين شفتها العليا إلا سبع أذرع أو نحوها . وعذبت حتى ~~كان ماؤها أعذب مياه مكة التي يشربها أهلها . وإنا رأيناها أعذب من مياه ~~العيون . وعن الضحاك ms0164 بن مزاحم أيضا أن الله عز وجل يرفع المياه العذاب قبل ~~يوم القيامة غير زمزم ، وتغور المياه العذبة غير زمزم . PageV01P0295 # """""" صفحة رقم 296 """""" ذكر ما جاء من اتساع منى أيام الحج ولم سميت ~~منى عن أبي الطفيل ، قال : سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يسأل عن منى ، ~~ويقال له : عجبا لضيقه في غير أيام الحج فقال ابن عباس : إن منى يتسع بأهله ~~كما يتسع الرحم للولد . وعن ابن عباس ، قال : إنما سميت منى منى لأن جبريل ~~حين أراد أن يفارق آدم ، قال له . تمن ، قال : أتمنى الجنة ، فسميت منى ~~لتمني آدم . وقيل إنما سميت منى لمنى الدماء بها . ذكر ما جاء في فضائل ~~مقبرة مكة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~أنه قال : نعم المقبرة هذه " لمقبرة أهل مكة " . وعن محمد بن عبد الله بن ~~صيفي أنه قال : من قبر في هذه المقبرة ، بعث آمنا يوم القيامة " يعني مقبرة ~~مكة " . ذكر شيء من خصائص مكة من خصائصها أن الذئب فيها يروع الظبي ويعارضه ~~ويصيده . فإذا دخل الحرم ، كف عنه . ومنها أنه لا يسقط على الكعبة حمام إلا ~~إن كان عليلا ؛ وأن عادة الطير إذا حاذت الكعبة أن تفترق فرقتين ولا تعلوها ~~. والله أعلم . وأما المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ~~ففضائلها أوسع من أحصرها ، وأعظم من أن أسبرها ، ناهيك بها من بلد اختاره ~~الله تعالى لرسوله ، ونص على فضله في محكم تنزيله ، قال الله عز ~~PageV01P0296 # """""" صفحة رقم 297 """""" وجل : " لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق ~~أن تقوم فيه " . وروي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه سئل : أي مسجد ~~هو ؟ فقال : مسجدي هذا ، وهو قول ابن المسيب وزيد بن ثابت وابن عمر رضي ~~الله تعالى عنهم ، وبه أخذ مالك رحمه الله . وقال ابن عباس : هو مسجد قباء ~~. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال ~~: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما ms0165 سواه ، إلا المسجد الحرام . قال ~~القاضي عياض رحمه الله : إختلف الناس في معنى هذا الاستثناء على اختلافهم ~~في المفاضلة بين مكة والمدينة . فذهب مالك أن الصلاة في مسجد الرسول ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد ~~الحرام ، فإن الصلاة في مسجد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أفضل من الصلاة ~~فيه بدون الألف . واحتج مالك وأشهب وابن نافع وجماعة أصحابه بما روي عن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه ~~فتأتي فضيلة مسجد الرسول عليه بتسعمائة وعلى غيره بألف . وهذا مبنى على ~~تفضيل المدينة على مكة ، وهو قول عمر بن الخطاب ومالك وأكثر المدنيين . ~~وذهب أهل مكة والكوفة إلى تفضيل مكة . وهو قول عطاء وابن وهب وابن حبيب ، ~~من أصحاب مالك . وحكاه الباجي عن الشافعي . قال القاضي أبو الوليد الباجي : ~~الذي يقتضيه الحديث محالفة حكم مكة لسائر المساجد ، ولا يعلم منه حكمها مع ~~المدينة . قال القاضي عياض : ولا خلاف أن موضع قبر النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أفضل بقاع الأرض . قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ما بين بيتي ~~ومنبري روضة من رياض الجنة . قالوا : هذا يحتمل معنيين ، PageV01P0297 # """""" صفحة رقم 298 """""" " أحدهما " . أنه موجب لذلك وأن الدعاء ~~والصلاة فيه تستحق ذلك من الثواب كما قيل : الجنة تحت ظلال السيوف . " ~~والثاني " أن تلك البقعة قد ينقلها الله فتكون في الجنة بعينها . قاله ~~الداوديز . وروي ابن عمرو جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أن النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال في المدينة : لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد ، إلا ~~كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) فيمن ~~تحمل عن المدينة : والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون . وقال : إنما المدينة ~~كالكير : تنفي خبثها وتنصع طيبها . وقال : لا يخرج أحد من المدينة رغبة إلا ~~أبدلها الله خيرا منه . وعنه صلى عليه وسلم : من مات في أحد الحرمين حاجا ~~أو معتمرا ، بعثه الله يوم القيامة ms0166 لا حساب عليه ولا عذاب . وفي طريق آخر : ~~بعث من الآمنين يوم القيامة . وعن ابن عمر رضي الله عنهما : من استطاع أن ~~يموت بالمدينة ، فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها . وعن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه ( صلى الله عليه وسلم ) طلع له أحد فقال : هذا جبل يحبنا ونحبه . ~~اللهم إن إبراهيم حرم ما بين لابتيها . وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا ~~مكة أو أشد ، وانقل حماها إلى الجحفة ، اللهم بارك لنا في صاعنا ~~PageV01P0298 # """""" صفحة رقم 299 """""" ومدنا . ودعا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~لأهل المدينة فقال : اللهم بارك لهم في ميكالهم ، وبارك لهم في صاعهم ومدهم ~~، ، . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : من زار قبري ، وجبت له شفاعتي . وعن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : من ~~زارني في المدينة محتسبا ، كان في جواري وكنت له شفيعا يوم القيامة . وكان ~~مالك رحمه الله لا يركب في المدينة دابة ، ويقول : أستحي من الله أن أطأ ~~تربة فيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بحافر دابة . وروي أنه وهب ~~للشافعي كراعا كثيرا ، فقال له الشافعي : أمسك منها دابة . فأجابه بمثل هذا ~~الجواب . وحكى القاضي عياض في كتاب الشفاء قال : حدث أن أبا الفضل الجوهري ~~لما ورد المدينة زائرا وقرب منها ، ترجل ومشى باكيا منشدا : ولما رأينا رسم ~~من لم يدع لنا . . . فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا ، نزلنا عن الأكوار نمشي ~~، كرامة . . . لمن بان عنه أن يلم به ركبا . قال : وحكي بعض المريدين أنه ~~لما أشرف على مدينة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، أنشأ يقول متمثلا : ~~رفع الحجاب لنا فلاح لناظر . . . قمر تقطع دونه الأوهام . وإذا المطي بنا ~~بلغن محمدا . . . فظهورهن على الرجال حرام . قربننا من خير من وطئ الثرى ، ~~. . . فلها علينا حرمة وذمام . وأفتى مالك رحمه الله فيمن قال تربة المدينة ~~ردية بضرب ثلاثين درة ، وأمر بحبسه ؛ وكان له ms0167 قدر . وقال : ما أحوجه إلى ~~ضرب عنقه ، تربة دفن فيها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، يزعم أنها غير ~~طيبة . PageV01P0299 # """""" صفحة رقم 300 """""" وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال في المدينة : من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا ، فعليه لعنة ~~الله والملائكة والناس والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا . ~~ذكر شيء من خصائص المدينة المشرفة وأسمائها على صحابها أفضل الصلاة والسلام ~~من خصائصها ، أن العطر والبخور يوجد لهما فيها من الضوع والرائحة الطيبة ~~أضعاف ما يوجد في سائر البلاد ؛ ولها في قصبتها فغمة طيبة ورائحة عطرة ، ~~وإن لم يكن فيها شيء من الطيب البته . ولهذا سميت طيبة و طابة قال الشاعر : ~~ماذا على من شم تربة أحمد . . . أن لا يشم مدى الزمان غواليا ؟ وهذا البيت ~~ينسب لفاطمة الزهراء رضي الله عنها . ومن أسمائها طيبةوطابة ويثرب والمدينة ~~والدار . قال القاضي غياض رحمه الله : وجدير بمواطن عمرت بالوحي والتنزيل ، ~~وتردد بها جبريل وميكائيل ، عرجت منها الملائكة والروح ، وضجت عرصاتها ~~بالتقديس والتسبيح ؛ وأشملت تربتها على جسد سيد البشر ، وانتشر عنها من دين ~~الله وسنة رسوله ما انتشر ؛ مدارس آيات ، ومساجد جماعات وصلوات ، ومشاهد ~~الفضل والخيرات ، ومعاهد البراهين والمعجزات ، ومناسك الدين ، ومشاعر ~~المسلمين ؛ ومواقف سيد المرسلين ، ومتبوأ خاتم النبيين ؛ حيث انفجرت النبوة ~~، وأين فاض عابها ، ومواطن مهبط الرسالة ، وأول أرض مس جلد المصطفى ترابها ~~: أن تعظم عرصاتها ، وتتسم نفحاتها ، وتقبل ربوعها وجدراتها . وقال : يا ~~دار خير المرسلين ومن به . . . هدى الأنام وخص بالآيات . PageV01P0300 # """""" صفحة رقم 301 """""" عندي لأجلك لوعة وصبابة . . . وتشوق متوقد ~~الجمرات . وعلى عهد إن ملأت محاجري . . . من تلكم الجدارات والعرصات ، ~~لأغفرن مصون شيبي بينها . . . من كثرة التقبيل والرشفات . لولا العوادي ~~والأعادي ، زرتها . . . أبدا ولو سحبا على الوجنات . لكن سأهدي من حفيل ~~تحيتي . . . لقطين تلك الدار والحجرات . أذكى من المسك المفتق نفحة . . . ~~تغشاه بالأصال والبكرات . وتخصه بزواكي الصلوات . . . ونوامي التسليم ~~والبركات . وأما البيت المقدس ، والمسجد الأقصى فالبيت المقدس أحد القبلتين ~~، والمسجد الأقصى ثالث الحرمين . إليه تشد ms0168 الرجال ، ويكثر النزول والارتحال ~~؛ وفي الأرض المقدسة تحشر الخلائق يوم العرض ، ويبسط الله تعالى الصخرة ~~الشريفة حتى تكون كعرض السماء والأرض ؛ وتجتمع الناس هناك لفصل الحساب ، ~~ويضرب بينهم بسور له باب ، باطنة فيه الرحمة وظاهرة من قبله العذاب . ~~ولنبدأ بذكر الأرض المقدسة قال الله عز وجل إخبارا عن موسى عليه السلام : " ~~يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " . قال الزجاج : والمقدسة ~~المطهرة . وقيل للسطل القدس لأنه يتطهر منه . وسمي بيت المقدس لأنه يتطهر ~~فيه من الذنوب . وقيل : سماها مقدسة لأنها طهرت من الشرك وجعلت مسكنا ~~للأنبياء والمؤمنين . PageV01P0301 # """""" صفحة رقم 302 """""" وقد اختلف في الأرض المقدسة ما هي ؟ فذهب ابن ~~عباس رضي الله عنهما إلى أنها أريحا . وقال السدي : أريحا هي أرض بيت ~~المقدس . وقال مجاهد : هي الطور وما حوله . وقال الضحاك : هي إيلياء وبيت ~~المقدس . وقال الكلبي : دمشق وفلسطين وبعض الأردن . وقال قتادة : هي الشام ~~كلها . وقال عبد الله بن عمر : والحرم محرم مقداره من السماوات والأرض ، ~~وبيت المقدس مقدس مقداره من السماوات والأرض . وقال ابن قتيبة . وقرأت في ~~مناجاة موسى عليه السلام أنه قال : اللهم إنك اخترت من الأنعام الضائنة ، ~~ومن الطير الحمامة ، ومن البيوت مكة وإيلياء ، ومن إيلياء بيت المقدس . ~~وقال الله تعالى : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى الذي باركنا حوله " . والمسجد الأقصى بيت المقدس سمي أقصى ~~لأنه أبعد المساجد التي تزار . وقيل : لبعد المسافة بين المسجدين . وقوله ~~عز وجل " الذي باركنا حوله " قيل : بالماء والأنهار والأشجار والثمار . ~~وقال مجاهد : سماه مباركا لأنه مقر الأنبياء ، وفيه مهبط الملائكة والوحي ، ~~وهو الصخرة ، ومنه يحشر الناس يوم القيامة . وقال تعالى : " والتين ~~والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين " . قال الثعلبي في تفسيره : قال كعب ~~الأحبار وقتادة وابن زيد وعبد الرحمن بن غنم : " التين مسجد دمشق ، ~~والزيتون بيت المقدس " . وقال الضحاك : هما مسجدان PageV01P0302 # """""" صفحة رقم 303 """""" بالشام " . وقال محمد بن كعب : " التين مسجد ~~أصحاب الكهف ، والزيتون مسجد إيلياء " . ومجازه على هذا التأويل : منابت ~~التين ms0169 والزيتون . وروى عطية عن ابن عباس : " التين مسجد نوح عليه السلام ~~الذي بني على الجودي ، والزيتون بيت المقدس " . وروى نهشل عن الضحاك : " ~~التين المسجد الحرام ، والزيتون المسجد الأقصى " قال : " وطور سينين ، يعني ~~جبل موسى عليه السلام " . قال عكرمة : " السينين الحسن بلغة الحبشة " . ~~وعنه : كل جبل ينبت فهو سينين . وقال مجاهد : " الطور الجبل ، وسينين ~~المبارك " . وقال قتادة : " المبارك الحسن " . وقال مقاتل : " كل جبل فيه ~~شجر ، وسيناء وهو بلغة النبط " . وقال الكلبي : " يعني الجبل المشجر " . ~~وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : " أربعة أجبال مقدسة بين يدي الله ~~تعالى : طور تينة ، وطور زيتا ، وطور سينا ، وطور تيمانا . فأما طور تينة : ~~فدمشق . وأما طور زيتا : فبيت المقدس . وأما طور سينا : فهو الذي كان عليه ~~موسى عليه السلام . وأما طور تيمانا : فمكة . " والبلد الأمين مكة بلا خلاف ~~" . ومسجد بيت المقدس أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها ، ~~لقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فيما ورد في الصحيح : " لا تشد ~~الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ~~" . PageV01P0303 # """""" صفحة رقم 304 """""" وفي الصحيح أيضا " أن موسى عليه السلام ، لما ~~حضرته الوفاة سأل الله تعالى أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر " . ~~وكانت عمارة مسجد البيت المقدس بأمر الله عز وجل لنبيه داود عليه السلام أن ~~يعمره ثم لم يقدر له عمارته وقدر الله تعالى ذلك على يدي سليمان بن داود ~~عليهما السلام ، فهو الذي عمره . وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى مبينا ~~في الفن الخامس في التاريخ . وقد وردت آثار وأحاديث في فضل بيت المقدس ، ~~وفضل زيارته ، وثواب الصلاة فيه ، ومضاعفة الحسنات والسيئات فيه ، وفضل ~~السكنى فيه ، والإقامة به ، والوفاة فيه ، وما به من قبور الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام ، ومحراب داود ، وعين سلوان ، وما ورد في أن الحشر منه ، ~~وما ورد في فضل الصخرة والصلاة إلى جانبها ، وما ورد من أن الله عز وجل عرج ~~بنبيه من بيت المقدس إلى السماء ، وثواب الإهلال من بيت المقدس ، وما ms0170 ورد ~~من أن الكعبة تزور الصخرة يوم القيامة . وسنذكر من ذلك طرفا تقف عليه إن ~~شاء الله تعالى ونحذف أسانيد الأحاديث الواردة فيه رغبة في الاختصار فنقول ~~، وبالله التوفيق : أما فضل بيت المقدس فقد ورد عن الزهري أنه قال : لم ~~يبعث الله عز وجل نبيا ، إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس . وقد صلى إليه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد هجرته سبعة عشر شهرا ، كما روي في ~~الصحيحين ، حتى أنزل الله عز وجل على رسوله ( صلى الله عليه وسلم )ك " قد ~~نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شكره " . وتحويل القبلة أول ما نسخ من أمور ~~الشرع . وذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه كانوا يصلون ~~بمكة إلى الكعبة . فلما هاجر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة ~~، أمره PageV01P0304 # """""" صفحة رقم 305 """""" الله تعالى أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس ~~ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون من ~~تعيينه في التوراة . هذا قول عامة المفسرين ، على ما حكاه الثعلبي عنهم . ~~وقال عبد الرحمن بن زيد : قال الله تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~فأينما تولوا فثم وجه الله " ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~هؤلاء يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله . فاستقبله النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . قالوا جميعا : فصلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه نحو بيت ~~المقدس سبعة عشر شهرا ، وكانت الأنصار قد صلت قبل بيت المقدس ستين يوما ، ~~قبل قدوم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . وكانت الكعبة أحب القبلتين إلى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . واختلفوا في السبب الذي كان عليه ~~الصلاة والسلام من أجله يكره قبلة بيت المقدس ويهوى قبلة الكعبة . فقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم عليهما السلام . وقال ~~مجاهد : من أجل أن اليهود قالوا : يخالفنا محمد في ديننا ، ويتبع قبلتنا ؟ ~~؟ وقال مقاتل بن حيان : لما أمر ms0171 رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يصلي ~~نحو بيت المقدس ، قالت اليهود : يزعم محمد أنه نبي ، وما نراه أحدث في ~~نبوته شيئا ؟ أليس يصلي إلى قبلتنا ويستسن بسننا ؟ فإن كانت هذه نبوة . ~~فنحن أقدم وأوفر نصيبا . فبلغ ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فشق ~~عليه وزاده شوقا إلى الكعبة . وقال ابن زيد : لما استقبل النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) نحوالبيت المقدس ، بلغه أن اليهود تقول : والله ما درى محمد ~~وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم ، قالوا جميعا : فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لجبريل : وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها ، فإني ~~أبغضهم وأبغض مواقفهم ، فقال جبريل : إنما أنا عبد مثلك ، ليس لي من الأمر ~~شيء ، فسل ربك ، فعرج جبريل . وجعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يديم ~~النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة . فأنزل الله ~~عز وجل : " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك " الآية . PageV01P0305 # """""" صفحة رقم 306 """""" فلما صرفت القبلة إلى الكعبة قال مشركو مكة : ~~قد تردد على محمد أمره ، واشتاق إلى مولده ومولد آبائه ، وقد توجه نحو ~~قبلتهم وهو راجع إلى دينكم عاجلا ، وتكلم اليهود والمنفقون في تحويلها . ~~فأنزل الله تعالى : " سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي ~~كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " . وروي ~~عن كعب أنه قال : إن الله عز وجل ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين . وأما ~~فضل زيارته ، وفضل الصلاة فيه فقد روي عن مكحول أنه قال : من زار بيت ~~المقدس شوقا إليه ، دخل الجنة وزاره جميع الأنبياء في الجنة وغبطوه بمنزلته ~~من الله تعالى ؛ وأيما رفقة خرجوا يريدون بيت المقدس ، شيعهم آلاف من ~~الملائكة : يستغفرون لهم ويصلونن عليهم ، ولهم مثل أعمالهم إذا انتهو إلى ~~بيت المقدس ، ولهم بكل يرم يقيمون فيه صلاة سبعين ملكا ؛ ومن دخل بيت ~~المقدس طاهرا من الكبائر ، تلقاه الله بمائة رحمة إلا ولو قسمت على جميع ~~الخلائق لوسعتهم ؛ ومن ms0172 صلى في بيت المقدس ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ~~وقل هو الله أحد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وكان له بكل شعرة على جسده ~~حسنة ؛ ومن صلى في بيت المقدس أربع ركعات ، مر على الصراط كالبرق وأعطى ~~أمانا من الفزع الأكبر يوم القيامة ؛ ومن صلى في بيت المقدس ست ركعات ، ~~أعطى مائة دعوة مستجابة ، أدهانا براءة من النار ، وجبت له الجنة ؛ ومن صلى ~~في بيت المقدس ثمان ركعات ، كان رفيق إبراهيم خليل الرحمن ؛ ومن صلى في بيت ~~المقدس عشر ركعات ، كان رفيق داود وسليمان في الجنة ؛ ومن استغفر للمؤمنين ~~PageV01P0306 # """""" صفحة رقم 307 """""" والمؤمنات في بيت المقدس ثلاث مرات ، كان له ~~مثل حسناتهم ، ودخل على كل مؤمن ومؤمنة من دعائه سبعون مغفرة ، وغفر له ~~ذنوبه كلها . وروي عن أنس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : من صلى ببيت المقدس خمس صلوات نافلة ، كل صلاة أربع ركعات ~~يقرأ في الخمس صلوات عشرة آلاف مرة " قل هو الله أحد " ، فقد اشترى نفسه من ~~الله عز وجل ؛ ليس للنار عليه سلطان . وعنه أيضا ، قال : قال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : صلاة الرجل في بيته بصلاة واحدة ، وصلاته في مسجد ~~القبائل بست وعشرين ، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة ، ~~وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة وصلاته في المسجد الحرام بمائة ~~ألف صلاة . وعن مكحول أن ميمونة رضي الله عنها سألت رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) عن بيت المقدس قال : نعم المسكن بيت المقدس ومن صلى فيه بألف ~~صلاة فيما سواه . قالت : فمن لم يطق ذلك ؟ قال يهدي له زيتا وعن مكجول عن ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : لا يسمع أهل السماء من كلام بني آدم ~~شيئا غير أذان مؤذن بيت المقدس . وأما ما ورد في بيت المقدس من مضاعفة ~~الحسنات والسيئات فيه فقد روي عن نافع ، قال : قال ابن عمر رضي الله عنهما ~~، ونحن في بيت PageV01P0307 # """""" صفحة رقم 308 """""" المقدس : يا نافع ، اخرج ms0173 بنا من هذا البيت ، ~~فإن السيئات تضاعف فيه كما تضاعف الحسنات . وقال جرير بن عثمان وصفوان بن ~~عمرو : الحسنة في بيت المقدس بألف والسيئة بألف . وأما فضل السكني فيه ~~والإقامة والوفاة به فقد روي عن ذي الأصابع أنه قال لرسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : أرأيت يا رسول الله إن ابتلينا بالبقاء بعدك ، فأين تأمرنا ؟ ~~قال : عليك ببيت المقدس لعل الله يرزقك ذرية تغدو إليه وتروح . وعن أبي ~~أمامة الباهلي ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : لا تزال طائفة ~~من أمتي ظاهرين على الحق ، لغدوهم قاهرين ، لايضرهم من خالفهم ، حتى يأتيهم ~~أمر الله عز وجل وهم كذلك . قالوا : يا رسول الله ، وأين هم ؟ قال : ببيت ~~المقدس وأكناف بيت المقدس . وعن عطاء ، قال : لا تقوم الساعة حتى يسوق الله ~~عز وجل خيار عباده إلى بيت المقدس وإلى الأرض المقدسة ، فيسكنهم إياها . ~~وعن كعب ، قال : قال الله عز وجل لبيت المقدس أنت حنتي وقدسي وصفوتي من ~~بلادي ، ومن سكنك فبرحمة مني ، ومن خرج منك فبسخط مني عليه . وعن وهب بن ~~منبه ، قال : أهل بيت المقدس جيران الله ، وحق على الله عز وجل أن لايعذب ~~جيرانه ؛ ومن دفن في بيت المقدس نجا من فتنة القبر وضيقه . وعن كعب قال : ~~اليوم في بيت المقدس كألف يوم ، والشهر في كألف شهر ، والسنة كألف سنة ، ~~ومن مات فيه فكأنما مات في السماء ومن مات حوله فكأنما مات فيه . ~~PageV01P0308 # """""" صفحة رقم 309 """""" وعن خالد بن معدان قال : سمعت كعبا يقول : ~~مقبور بيت المقدس لا يعذب . وأما ما به من قبور الأنبياء ومحراب داود وعين ~~سلوان ففي الأرض المقدسة قبر إبراهيم الخليل ، وإسحاق ، ويعقوب ، ويوسف ~~عليهم السلام . وفي الصحيح أن موسى عليه السلام لما حضرته الوفاة سأل الله ~~عز وجل أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر . وروى الحافظ أبو بكر الخطيب ~~بسنده عن بشر بن بكر عن أم عبد الله عن ابنها أنه قال : من أتى بيت المقدس ~~، فليأت محراب داود ، فليصل فيه ، ويسبح في ms0174 عين سوان فإنها من الجنة . ~~وبسنده إلى سعيد بن عبد العزيز ، قال : كان في زمان بني إسرائيل في بيت ~~المقدس عند عين سلوان عين . وكانت المرأة إذا قذفت ، أتوا بها فشربت منها ~~فإن كانت بريئة لم تضرها ، وإن كانت نطفة ماتت . فلما حملت مريم حملوها ، ~~فشربت منها فلم تزدد إلا خيرا . فدعت الله أن لا يفضح بها امرأة مؤنة . ~~فغارت العين . وأما ما ورد في أن الحشر من البيت المقدس فقد روي عن أبي ذر ~~رضي الله عنه أنه قال : قلت يا رسول الله أخبرنا عن بيت المقدس قال : أرض ~~المحشر والمنشر اتيوه فصلوا فيه وليأتين على بيت PageV01P0309 # """""" صفحة رقم 310 """""" المقدس زمان ولبسطة قوس أو مسحة قوس في بيت ~~المقدس أو من حيث يرى بيت المقدس خير من كذا وكذا . وعن كعب قال : العرض ~~والحساب من بيت المقدس . وعن قتادة في قوله تعالى " يوم ينادي المناد من ~~مكان قريب " قال : من صخرة بيت المقدس . وعن يزيد بن جابر يوم ينادي المناد ~~من مكان قريب قال : يقف إسرافيل على صخرة بيت المقدس فينفخ في الصور فيقول ~~: أيتها العظام النخرة ، والجلود المتمزقة ، والأشعار المتقطهة ؛ إن الله ~~تعالى أمرك أن تجتمعي للحساب . وقال المفسرون في قوله تعالى " واستمع يوم ~~يناد المناد من مكان قريب " هو أن إسرافيل يقف على صخرة بيت المقدس فينادي ~~: يا أيها الناس ، هلموا إلى الحساب ، إن الله يأمركم أن تجتمعوا لفصل ~~القضاء ، وهذه هي النفخة الأخيرة . والمكان القريب صخرة بيت المقدس . قال ~~كعب ومقاتل : هي أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا . وقال ابن السائب : ~~باثني عشر ميلا . وعن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله تعالى " فضرب بينهم ~~بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب " قال : هو حائط بيت ~~المقدس الشرقي الذي من ورائه واد يقال له وادي جهنم ، ومن دونه باب يقال له ~~باب الرحمة . وأما ورد في فضل الصخرة ، والصلاة إلى جانبها فقد روي عن أنس ~~بن مالك ، قال : إن الجنة لتحن شوقا ms0175 إلى بيت المقدس ، وإن بيت المقدس من ~~جنة الفردوس ، وهي سرة الأرض . PageV01P0310 # """""" صفحة رقم 311 """""" وعن أبي إدريس الخولاني : قال : يحول الله ~~صخرة بيت المقدس مرجانة بيضاء كعرض السماء والأرض ، ثم ينصب عليها عرشه ، ~~ثم يقضي بين عباده : يصيرون منها إلى الحنة وإلى النار . وعن أبي العالية ~~في قوله تعالى " إلى الأرض التي باركنا فيها " قال : من بركتها أن كل ماء ~~عذب يخرج من أصل صخرة بيت المقدس . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، قال : الأنهار كلها والسحاب والبحار والرياح من تحت ~~صخرة بيت المقدس . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : صخرة بيت المقدس من صخور ~~الجنة . قال الزجاج : يقال إنها في وسط الأرض . وعن كعب قال : من أتى بيت ~~المقدس فصلى عن يمين الصخرة وشمالها ، ودعا عند موضع السلسلة ، وتصدق بما ~~قل أو كثر ، استجيب دعاؤه ، وكشف الله حزنه ، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ~~؛ وإن سأل الله الزيادة أعطاه إياها . وأما ما ورد في أن الله عز وجل عرج ~~من بيت المقدس إلى السماء فقد روى الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن ~~أحمد الواسطي الخطيب رحمه الله بسنده إلى سوادة بن عطاء الحضرمي ، قال : ~~نجد في الكتاب مكتوبا أن الله عز وجل لما أن خلق الأرض وشاء أن يعرج إلى ~~السماء وهي دخان ، استشرف لذلك الجبال أيها يكون ذلك عليه ؟ وخشعت صخرة بيت ~~المقدس تواضعا لله عز وجل ، فشكر الله لها ذلك وجعل المعراج عنها . وكان ~~عليها ما شاء الله أن يكون . قال : فمد الجبار يديه حتى كانتا حيث يشاء أن ~~تكونا ، ثم قال : " هذه جنتي غربا ، وهذه ناري شرقا ، وهذا موضع ميزاني طرف ~~الجبل ، وأنا الله ديان يوم الدين " وكان معراجه إلى السماء عن الصخرة . ~~PageV01P0311 # """""" صفحة رقم 312 """""" وروي أيضا بسنده إلى هانئ بن عبد الرحمن ، ~~ورديح بن عطية عن إبراهيم ابن أبي عبلة أحسبه كذا قال : وسئل عبادة بن ~~الصامت ورافع بن خديج وكانا عقبيين بدريين ، فقيل لهما : أرأيتما ms0176 ما يقول ~~الناس في هذه الصخرة أحقا هو فنأخذ به ، أم هو شيء أصله من أهل الكتاب ~~فندعه ؟ فقال كلاهما : سبحان الله ومن يشك في أمرها ، إن الله عز وجل لما ~~استوى إلى السماء ، قال لصخرة بيت المقدس : " هذا مقامي وموضع عرشي يوم ~~القيامة ، ومحشر عبادي ، وهذا موضع ناري عن يسارها وفيه وأنصب ميزاني ~~أمامها ، وأنا الله ديان يوم الدين " ثم استوى إلى عليين . وروي أيضا بسنده ~~عن كعب ، قال : إن في التوراة أنه يقول لصخرة بيت المقدس " أنت عرشي الأدنى ~~ومنك ارتفعت إلى السماء ، ومن تحتك بسطت الأرض وكل ما يسيل من ذروة الجبال ~~من تحتك ؛ من مات فيك فكأنما مات في السماء ، ومن مات حولك فكأنما مات فيك ~~، لا تنقضي الأيام والليالي حتى أرسل عليك نارا من السماء فتأكل آثارا أكف ~~بني آدم وأقدامهم منك ، وأرسل عليك ماء من تحت العرش فأغسلك حتى أتركك ~~كالمرآة ، وأضرب عليك سورا من غمام غلظه اثنا عشر ميلا ، وسياجا من نار ؛ ~~وأجعل عليك قبة جبلتها بيدي ، وأنزل فيك روحي وملائكتي يسبحون لي فيك ؛ لا ~~يدخلك أحد من ولد لآدم إلى يوم القيامة ؛ فمن بر ضوء تلك القبة من بعيد ، ~~يقول : طوبى لوجه يخر فيك لله ساجدا ، وأضرب عليك حائطا من نار وسياجا من ~~الغمام ، وخمسة حيطان من ياقوت ودرر وزبر جد ؛ أنت البيدر ، وإليك المحشر ، ~~ومنك المنشر " وروى أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي رحمه ~~الله في ذلك حديثين ، ثم تكلم عليهما وضعف رواتهما . PageV01P0312 # """""" صفحة رقم 313 """""" أما أحدهما ، فقال : أخبرنا المبارك بن أحمد ~~، قال : أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد ، قال : أنبأنا أبو محمد عبد ~~العزيز بن أحمد بن عمر النصيبي ، قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن صالح بن عمر ~~المقري ، قال : حدثنا عيسى بن عبيد الله ، قال : حدثنا على ابن جعفر الرازي ~~، قال : حدثنا العباس بن أحمد بن عبد الله ، قال : حدثنا عبد الله ابن عمر ~~المقدسي ، قال : حدثنا بكر بن زياد الباهلي ، عن عبد الله ms0177 بن المبارك ، عن ~~سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن زرارة بن أوفي ، عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : لما أسري بي إلى بيت ~~المقدس مر بي جبريل عليه السلام إلى قبر إبراهيم ، فقال : انزل ، فصل هاهنا ~~ركعتين ، هاهنا قبر أبيك إبراهيم . ثم مر بي ببيت لحم ، فقال : انزل ، صل ~~هاهنا ركعتين ، فإن هاهنا ولد أخيك عيسى . ثم أتي بي إلى الصخرة فقال : من ~~هاهنا عرج ربك إلى السماء . قال الحافظ أبو حاتم بن حيان : هذا حديث لا يشك ~~عوام أصحاب الحديث أنه موضوع . وكان بكر بن زياد يضع الحديث على الثقات . ~~وأما الحديث الثاني ، فرواه بسند إلى إبراهيم بن أعين عن رديح بن عطية بن ~~النعمان ، عن عبد الله بن بشر الحمصي ، عن كعب الأحبار ، قال : يقول الله ~~عز وجل لبيت المقدس : أنت عرشي الذي منك رتفعت إلى السماء ، ومنك بسطت ~~الأرض ، ومن تحتك جعلت كل ماء عذب يطلع في رؤوس الجبال . قال أبو حاتم ~~الرازي : إبراهيم بن أعين منكر الحديث . هذا ما ورد في هذا الفصل وقد نبهنا ~~على ما فيه من المآخذ والله أعلم . وأما ثواب الإهلال من بيت المقدس فقد ~~روي عن أم سلمة زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ورضي عنها أن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قال : من أهل من بيت المقدس ، غفر له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر ، PageV01P0313 # """""" صفحة رقم 314 """""" قال سالم : وأهل ابن عمر رضي الله عنهما من ~~بيت المقدس بعمرة . وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) من أحرم من بيت المقدس ، قدم مكة مغفورا له . وأما ~~ما ورد من أن الكعبة تزور الصخرة يوم القيامة فقد روي عن كعب الأحبار قال : ~~لا تقوم الساعة حتى يزور الحرام بيت المقدس ، فينقادان جميعا إلى الجنة ~~وفيهما أهلوهما . وروي عن خالد بن معدان قال : يحشر الله الكعبة إلى الصخرة ~~زفا إليها زفا ، متعلقين بجميع ms0178 من حج إليهما ، تقول الصخرة مرحبا : ~~بالزائرة والمزور إليها . هذا ما اتفق إيراده في فضائل البيت المقدس ، ~~وسنذكر إن شاء الله تعالى من أخباره طرفا آخر وهو الباب الثاني ، من القسم ~~الثالث من الفن الخامس في التاريخ عند ذكرنا لأخبار سليمان بن داود عليهما ~~السلام . فلنذكر خلاف ذلك . وأما اليمن وما يختص به فقد روي عن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : الإيمان يمان ، والحكمة يمانية . وقال ~~الجاحظ : من خصائص اليمن السيوف ، والبرود ، والقرود . ويقال : إن السيف ~~متى قلع بالهند وطبع باليمن ، فناهيك به PageV01P0314 # """""" صفحة رقم 315 """""" وقال الأصمعي : أربعة ملأت الدنيا ولا تكون ~~إلا باليمن ، وهي الورس ، والكندر ، والخضض ، والعقيق . وأما الشام وما ~~يختص به فمن ذلك أن الشام موطن الأنبياء عليهم السلام ، ومعدن الزهاد ~~والعباد . وحكي أن الأبدال السبعين بأرض الشام ، بجبل لكام وجبل لبنان . ~~ومن خصائص الشام : مسجد دمشق الذي ما عمر على وجه الأرض مثله وكانت عمارته ~~في سنة ست وثمانين ، عمره الوليد بن عبد الملك . ووقع الحريق فيه سنة إحدى ~~وستين وأربعمائة ، فدثرت محاسنه وزال ما كان فيه من الأعمال النفيسة . وعن ~~قتادة ، قال : أقسم الله تعالى بمساجد أربعة ، والتين وهو مسجد دمشق ، ~~والزيتون وهو بيت المقدس ، وطور سينين وهو حيث كلم الله موسى ، وهذا البلد ~~الأمين وهو مكة . وقال محمد بن شعيب : سمعت غير واحد من قدمائنا يذكرون أن ~~التين مسجد دمشق ، وأنهم قد أدركوا فيه شجرا من تين قبل أن يبنيه الوليد . ~~PageV01P0315 # """""" صفحة رقم 316 """""" وعن هشام بن عبد الملك قال : لما أمر الوليد ~~ببناء مسجد دمشق ، وجدوا في الحائط القبلي من المسجد لوحا فيه نقش فأتوا به ~~إلى الوليد ، فبعث إلى الروم والعبرانيين وغيرهم ، فلم يستخرجوه . فدل على ~~وهب بن منبه فبعث إليه ، فلما قدم أخبره بموضع اللوح فإذا الحائط الذي وجد ~~فيه بناء هود عليه السلام . وعن زيد بن واقد قال : وكني الوليد على العمال ~~في بناء جامع دمشق ، فوجدنا فيه مغارة فعرفنا الوليد ذلك . فلما كان الليل ~~وافي ms0179 ، وبين يديه الشمع ، فنزل فإذا هي كنيسة لطيفة : ثلاثة أرع في ثلاثة ~~أذرع ، وإذا فيها صندوق ، ففتح فإذا فيه سفط ، وفي السفط رأس يحيى بن زكريا ~~عليهما السلام ، مكتوب عليه هذا رأ س يحيى بن زكريا فأمر الوليد ، فرد إلى ~~مكانه ، وقال : اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرا من الأعمدة ، فجعلوا عليه ~~عمودا مسفط الرأس . وكانت البشرة والشعر على رأسه لم يتغير . وقال أبو زرعة ~~: مسجد دمشق خطه أبو عبيد بن الجراح ، وكذلك مسجد حمص . وقيل : لما قدم ~~المهدي يريد بيت المقدس ، دخل مسجد دمشق ومعه أبو عبد الله الأشعري كاتبه ، ~~فقال : يا أبا عبد الله سبقنا بنو أمية بثلاث ، قال : وما هن يا أمير ~~المؤمنين ؟ قال : بهذا البيت " يعني المسجد " لا أعلم على وجه الأرض مثله ، ~~وبنبل الموالي فإن ليس لنا مثلهم ، وبعمر بن عبد العزيز ، لا يكون فينا ~~مثله أبدت ثم أتى بيت المقدس فدخل الصخرة ، فقال : يا أبا عبد الله وهذه ~~رابعة . وحكى عمرو بن مهاجر الأنصاري قال : حسبوا ما أنفق على الكرمة التي ~~في قبلة مسجد دمشق ، فإذا هو سبعون ألف دينار . وقال أبو قصي : أنفق في ~~عمارة مسجد دمشق أربعمائة صندوق ، وكل صندوق أربعة عشر ألف دينار . ~~PageV01P0316 # """""" صفحة رقم 317 """""" وقال بعض الشعراء المحدثين في وصفه : دمشق قد ~~شاع ذكر جامعها . . . وما حوته ربى مرابعها . بديعة المدن في الكمال لما . ~~. . يدركه الطرف من بدائعها . طيبة أرضها مباركة . . . باليمن والسعد أخذ ~~طالعها . جامعها جامع المحاسن قد . . . فاقت به المدن في جوامعها . تذكر في ~~فضله ورفعته . . . أخبار صدق راقت لسامعها . قد كان قبل الحريق مدهشة . . . ~~فغيرته نار بلاقعها . فأذهبت بالحريق بهجته . . . فليس يرجى إياب راجعها . ~~إذا تفكرت في الفصوص وما . . . فيها ، تيقنت حذق واضعها . أشجارها لا تزال ~~مثمرة . . . لا ترهب الريح في مدافعها . كأنها من زمرد غرست . . . في أرض ~~تبر يغشى بفاقعها . فيها ثمار تخالها ينعت . . . وليس يخشى فساد يانعها . ~~تقطف باللحظ لا بجارحة . . . الأيدي ولا تجتني لبائعها . وتحتها من رخامه ~~قطع . . . لا قطع الله كف قاطعها . أحكم ms0180 ترخيمها المرخم . . . بان عليها ~~إحكام صانعها . وإن تفكرت في قناطره . . . وسقفه ، بان حذق رافعها . وإن ~~تبينت حسن قبته . . . تحير اللب في أضالعها . تخترق الريح في مخارمها . . . ~~عصفا فتقوى على زعازعها . وأرضه بالرخام قد فرشت . . . ينفسح الطرف في ~~مواضعها . PageV01P0317 # """""" صفحة رقم 318 """""" مجالس العلم فيه مونفة . . . ينشرح الصدر في ~~مجامعها . وكل باب عليه مطهرة . . . قد أمن الناس دفع مانعها . يرتفق الخلق ~~من مرافقها . . . ولا يصدون عن منافعها . ولا تزال المياه جارية . . . فيها ~~لما شق من مشارعها . وسوقها لا تزال آهلة . . . يزدحم الناس في شوارعها . ~~لما يشاءون من فواكهها . . . وما يريدون من بضائعها . كأنها جنة معجلة . . ~~. في الأرض ، لولا سري فجائعها . دامت برغم العدا مسلمة . . . وحاطها الله ~~من قوارعها . وقال عبد الله بن سلام : بالشام من قبور الأنبياء ألفا قبر ~~وسبعمائة قبر ؛ وقبر موسى بدمشق ؛ ودمشق معقل الناس الناس في آخر الزمان . ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : من أراد أن ينظر إلى الموضع الذي ~~قال الله عز وجل فيه " وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " فليأت النيرب ~~الأعلى بدمشق بين النهرين ، وليصعد الغار في جبل قاسيون ، فليصل فيه فإنه ~~بيت عيسى وأمه . ومن رأراد أن ينظر إلى إرم ، فليأت نهرا في دمشق يقال له ~~بردى . ومن أراد أن ينظر إلى المقبرة التي فيها مريم بنت عمران والحواريون ~~. فليأت مقبرة الفراديس . ومن خصائصها التفاح الذي يضرب به المثل في الحسن ~~والطيب . وكان يحمل منه إلى الخلفاء في كل سنة ثلاثون ألف تفاحة . وبها ~~الغوطة ، وهي أحد منتزهات الدنيا الأريعه وهي أجلها . وسنذكر وصفها في باب ~~الرياض إن شاء الله تعالى . PageV01P0318 # """""" صفحة رقم 319 """""" وأما مصر وما يختص بها من الفضائل فمن فضلها ~~أن الله عز وجل ذكرها في كتابه العزيز في أربعة وعشرين موضعا . منها ما هو ~~بصريح اللفظ . ومنها ما دلت عليه القرائن والتفاسير . فأما صريح اللفظ ، ~~فقوله تعالى : " إهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم " . وقوله تعالى مخبرا عن ~~فرعون : " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ms0181 " . وقوله عز وجل ~~مخبرا عن يوسف عليه السلام : " ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين " . وقوله ~~تعالى : " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا ~~بيوتكم قبلة " . وأما ما دلت عليه القرائن ، فمنه قوله تعالى : " ولقد ~~بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق " . وقوله عز وجل : " وآويناهما إلى ربوة ذات ~~قرار ومعين " . قال ابن عباس ، وسعيد المسيب ، ووهب بن منبه وغيرهم : هي ~~مصر . وقوله تعالى : " فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم " . وقوله ~~تعالى : " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي ~~باركنا فيها " . يعني مصر . وقوله تعالى : " كم تركوا من جنات وعيون و زروع ~~ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين " . يعني ~~قوم فرعون ، وأن بني إسرائيل ورثوا أرض مصر . وقوله عز وجل : " ونريد أن ~~نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم ~~في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون " . ~~PageV01P0319 # """""" صفحة رقم 320 """""" وقوله تعالى مخبرا عن نبيه موسى عليه السلام ~~: " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين " . وقوله عز وجل مخبرا عن فرعون : " يا قوم لكم الملك ~~اليوم ظاهرين في الأرض " . وقوله تعالى : " وتمت كلمة ربك الحسنى على بني ~~إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون " . ~~وقوله تعالى مخبرا عن قوم فرعون : " أتذر موسى وقومه ليفسدون في الأرض " ~~يعني أرض مصر . وقوله عز وجل مخبرا عن نبيه يوسف عليه السلام : " إجعلني ~~على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " . وقوله تعالى : " وكذلك مكنا ليوسف في ~~الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء " وقوله عز وجل مخبرا عن ~~بني إسرائيل : " ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ~~" . وقوله تعالى مخبرا عن نبيه موسى عليه السلام : " عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم ويستخلفكم في الأرض " . وقوله تعالى : " أو أن يظهر في الأرض الفساد ~~" . يعني أرض مصر . وقوله تعالى : " وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى " . ~~وقوله ms0182 عز وجل : " إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا " . وقوله تعالى ~~مخبرا عن ابن يعقوب : " فلن أبرح الأرض " . يعني أرض مصر . وقوله تعالى : " ~~إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض " . وذكر ابن عباس مصر ، فقال : سميت ~~مصر بالأرض كلها في عشرة مواضع من القرآن . والله أعلم . PageV01P0320 # """""" صفحة رقم 321 """""" وأما ما ورد فيها من الحديث النبوي صلوات ~~الله وسلامه على قائله فقد روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ~~قال : ستفتح عليكم بعدي مصر ، فاستوصوا بقبطها خيرا فإن لهم ذمة ورحما وعنه ~~( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا بها جندا ~~كثيفا ، فذلك الجند خير أجناد الأرض فقال أبو بكر رضي الله عنه : ولم يا ~~رسول الله ؟ فقال : لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة وعنه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وذكر مصر : ما كادهم أحد إلا كفاهم الله مؤونته . ~~وتكررت الأحاديث في فضلها . وقال عبد الله بن عمرو : وأهل مصر أكرم الأعاجم ~~كلها ، وأسمحهم يدا ، وأفضلهم عنصرا ، وأقربهم رحما بالعرب عامة وبقريش ~~خاصة . وقال أيضا : لما خلق الله عز وجل آدم ، مثل له الدنيا : شرقها ، ~~وغربها ، وسهلها ، وجبلها ، وأنهارها ، وبحارها ، وبناءها ، وخرابها ، ومن ~~يسكنها من الأمم ، ومن يملكها من الملوك . فلما رأى مصر ، رآها أرضا سهلة ~~ذات نهر جار ، مادته من الجنة ، تنحدر فيه البركة ، ورأى جبلا من جبالها ~~مكسوا نورا لا يخلو من نظر الرب عز وجل إليه بالرحمة . في سفحه أشجار مثمرة ~~، فروعها في الجنة تسقي بماء الرحمة . فدعا آدم في النيل بالبركة ، ودعا في ~~أرض مصر بالرحمة والبر والتقوى ، وبارك على نيلها وجبلها سبع مرات . ثم قال ~~: " يا أيها الجبل المرحوم ، سفح جنة وتربتك مسكة تدفن فيها عرائس الجنة ، ~~أرض حافظة مطبقة رحيمة ، لا خلتك يا مصر بركة ، ولا زال بك حفظ ، ولا زال ~~منك ملك وعز ، يا أرض مصر فيك الخباء والكنوز ، ولك البر والثروة ، سال ~~نهرك عسلا . كثر الله زرعك ، ودر ضرعك ، وزكا نباتك ، وعظمت بركتك ms0183 وخصبت ، ~~ولا زال فيك يا مصر خير ما لم تتجبري وتتكبري أو تخوني ، فإذا فعلت ذلك ~~عراك شر ، ثم تغور خيرك " . PageV01P0321 # """""" صفحة رقم 322 """""" فكان آدم أول من دعا لها بالخصب والرحمة ~~والرأفة والبركة . وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : دعا نوح عليه ~~السلام لبن ابنه بيصر ابن حام وهو أبو مصر ، فقال : اللهم إنه قد أجاب ~~دعوتي ، فبارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض الطيبة المباركة التي هي أم ~~البلاد . قال عبد الله بن عمرو : لما قسم نوح عليه السلام الأرض بين ولده ، ~~جعل لحام مصر وسواحلها والمغرب وشاطئ النيل . فلما دخل بيصر بن حام وبلغ ~~العريش ، قال : " اللهم إن كانت هذه الأرض التي وعدتنا على لسان نبيك نوح ~~عليه السلام وجعلتها لنا منزلا فاصرف عنا وباها ، وطيب لنا ثراها ، واجمع ~~ماها ، وأنبت كلاها ، وبارك لنا فيها ، وتمم لنا وعدك ، إنك على كل شيء ~~قدير ، وإنك لا تخلف الميعاد " وجعلها بيصر لابنه مصر وسماها به . والقبط ~~ولد مصر بن بيصر بن حام بن نوح . وسنذكر إن شاء الله أخبار مصر وبنيه عند ~~ذكرنا لملوك مصر ، وهو في الفن الخامس من التاريخ . وعن كعب الأحبار : لولا ~~رغبتي في بيت المقدس لما سكنت إلا مصر ، فقيل له : ولم ؟ فقال : لأنها ~~معافاة من الفتن ومن أرادها بسوء كبه الله على وجهه ، وهو بلد مبارك لأهله ~~فيه . وقال أبو بصرة الغفاري : سلطان مصر سلطان الأرض كلها . قال : وفي ~~التوراة مكتوب : مصر خزائن الأرض كلها ، فمن أرادها بسوء قصمه الله تعالى . ~~وقال عمرو بن العاص : ولاية مصر جامعة ، تعدل الخلافة . وقال أبو حازم عبد ~~الحميد بن عبد العزيز ، قاضي العراق : سألت أحمد بن المدبر عن مصر فقال : ~~كشفتها فوجدت غامرها أضعاف عامرها . ولو عمرها السلطان ، لوفت له بخراج ~~الدنيا . PageV01P0322 # """""" صفحة رقم 323 """""" ذكر من ولد بمصر من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام ومن كان بها منهم ولد بمصر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جماعة ~~، منهم : موسى ، وهارون ، ويوشع بن نون ، ودانيال ، وارميا ، ولقمان ، ~~وعيسى ms0184 بن مريم ، ولدته أمه بأهناس ، وبها النخلة التي ذكرها الله تعالى ~~لمريم على أحد الأقوال . ولما سار عيسى إلى الشأم أخذ على سفح المقطم ماشيا ~~، عليه جبة صوف مربوط الوسط بشريط ، وأمه تمشي خلفه ، فالتفت إليها وقال : ~~يا أماه ، هذه مقبرة أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . وأما من كان بها ~~منهم ، فكان إبراهيم الخليل ، وإسماعيل ، ويعقوب ، ويوسف عليهم السلام ، ~~واثنا عشر سبطا . ذكر من كان من الصديقين والصديقات رضي الله عنهم كان بها ~~من الصديقين مؤمن آل فرعون الذي ذكره الله عز وجل في القرآن . وقيل : إنه ~~ابن لفرعون لصلبه . آمن بموسى ولحق به وجعله نبيا وآية . وكان بها وزراء ~~فرعون الذين وصفهم الله تعالى وفضلهم على قوم نمرود حين قالوا : أرجئه ~~وأخاه وقال وزراء النمرود : اقتلوه أو حرقوه . وأخرجت مصر السحرة الذين ~~أحضرهم فرعون لموسى ، وكانت عدتهم مائتي ألف واثنتين وثلاثين ألفا وقيل ~~أكثر من ذلك ، آمنوا كلهم في ساعة واحدة . ولم نعلم ممن آمن في ساعة واحدة ~~مثل هذا العدد . ومن فضائل مصر ونبل أهلها أنهم لم يفتنوا بعبادة العجل . ~~PageV01P0323 # """""" صفحة رقم 324 """""" وكان بها من الصديقات آسية بنت مزاحم امرأة ~~فرعون ، وأم إسحاق ، ومريم بنت عمران ، وماشطة بنت فرعون ، التي مشطها ~~فرعون بأمشاط الكتان لما آمنت بموسى . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) : شممت ليلة أسرى بي في الجنة رائحة ما شممت أطيب منها ، فقلت : يا جبريل ~~ما هذا ؟ فقال : هذا رائحة ماشطة بنت فرعون ذكر من صاهر أهل مصر من ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منهم : إبراهيم الخليل عليه السلام ، تزوج ~~بهاجر أم إسماعيل . ويوسف الصديق ، تزوج بنت صاحب عين شمس ، وتزوج زليخا ~~بعد أن عجزت وعميت . دعا الله فردها إلى حالتها الأولى ورزق منها الولد . ~~وتسري سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمارية القبطية التي أهداها ~~له المقوقس ، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في السيرة النبوية . ذكر ~~من أظهرته مصر من الحكماء " الذين عمروا الدنيا بكلامهم وحكمهم وتدبيرهم ، ~~وأظهروا ما ms0185 خفي من العلوم " قال الحسن بن إبراهيم ، صاحب تاريخ مصر : منهم ~~: ذو القرنين ، وهوالإسكندر من قرية يقال لها لوبية . وهو الذي قتل دارا بن ~~دارا . وسيأتي خبره إن شاء الله تعالى في التاريخ في ذكر ملوك اليونان . ~~PageV01P0324 # """""" صفحة رقم 325 """""" ومنهم : هرمس ، وهو المثلث بالنعمة : نبي ، ~~وحكيم ، وملك : وهو الذي صير الرصاص ذهبا ، وبني الهرمين الكبيرين على أحد ~~الأقوال . وقيل : هو إدريس عليه السلام . ومنهم تلميذاه : أغاثا ذيمون ~~وفيثاغورس ، ولهما من العلوم الموروثة صناعة الكيمياء ، والنجوم ، والسحر ، ~~وعلم النارنجيات ، والطلسمات ، والبرابي ، وأسرار الطبيعة . ومنهم أوسلا ~~وسيزوارس وبندقليس ، أصحاب الكهانة والزجر . ومنهم سقراط ، صاحب الحكمة ، ~~والكلام على البارئ جل ذكره ، وهو صاحب البلاغة . ومنهم أفلاطون ، صاحب ~~السياسة ، والنواميس ، والكلام على المدن والملوك . ومنهم بطليموس ، صاحب ~~الرصد ، والمساحة ، والحساب ؛ وهو صاحب كتاب المجسطي من كتب الأفلاك ، ~~وحركة الشمس ، والقمر والمواكب المتحيرة والثابتة ، وصورة فلك البروج . وله ~~صفة الأمم الذين يعمرون الأرض ، وكتاب الثمرة على علم النجوم وتسطيح الكرة ~~. ومنهم أرسطاطاليس ، صاحب المنطق ، والآثار العلوية ، والحسن والمحسوس ، ~~والكون والفساد ، والسماء والعالم ، وسمع الكيان والسمع الطبيعي ، ورسالة ~~نبت الذهب ، قالوا : وليعقوب بن إسحاق الكندي نحو ألف كتاب مستخرجة من كتب ~~أرسطاطاليس . PageV01P0325 # """""" صفحة رقم 326 """""" ومنهم أراطس ، صاحب البيضة ذات الثمانية ~~والأربعين صورة في تشكيل صورة الفلك ، والألف كوكب ، اثنان وعشرون كوكبا من ~~الكواكب الثابتة ، والزيج . ومنهم أنطوليوس ، صاحب الفلاحة . ومنهم إبرخس ، ~~صاحب الرصد والآلة المعروفة بذات الحلق . ومنهم ثاون ، صاحب الزيج المنسوب ~~إليه . ومنهم اسطنس ، ودروثيوس ، والنس ، أصحاب كتب أحكام النجوم ، وعنهم ~~انتشر ذلك . ومنهم إيران ، صاحب الهندسة والمقادير ، وكتاب جر الأثقال ، ~~والحيل الروحانية ، وعمل البناكيم والآلات لقياس الساعات . ومنهم فيلون ~~البرنطي ، وله عمل الدواليب والأرحية والحركات بالحيل اللطيفة . ومنهم ~~أرشميدس ، صاحب الحيل والهندسة والمرايا المحرقة وعمل المجانيق ورمي الحصون ~~، والحيل على الجيوش والعساكر برا وبحرا . ومنهم ماريه وقلبطره ، أصحاب ~~الطلمسات ، والخواص للطبائع . ومنهم أبلونيوس ، وله كتاب المخروطات وقطع ~~الخطوط . ومنهم ثيودوسيس ، وهو صاحب كتاب الأكر . ومنهم ذيوفنطس ، وله كتاب ~~الحساب . ومنهم أوطوقيس ، وله ms0186 كتاب الكرة والأسطوانة . ومنهم المشاءون ~~أصحاب الرواق . PageV01P0326 # """""" صفحة رقم 327 """""" وبمصر من العلوم التي عمرت بها الدنيا علم ~~الطب اليوناني ، وعلم النجوم ، وعلم المساحة ، وعلم الهندسة ، وعلم ~~الكيمياء ، وغير ذلك وبها الطلسمات العشرة . وبادي الإسكندري صاحب الزيج . ~~والذين نشروا الطب وشرحوه جالينوس ، صاحب الطب ، تعلمه بمصر ، ومن كتبها ~~أخذ . ومنهم ديسقريد : صاحب الحشائش ، وديوجانس ، واركاغانس ، وارباسيوس ، ~~وفريقونوس ، وروفس ، هؤلاء أصحاب الطب اليوناني . فهؤلاء حكماء الأرض ~~وعلماؤهم الذين ورثوا الحكمة ، من مصر خرجوا ، وبها ولدوا ؛ ومنها انتشرت ~~علومهم في الأرض . قال الحسن بن إبراهيم : وكانت مصر يسير إليها في الزمن ~~الأول طلبة العلم وأصحاب العلم الدقيق لتكون أذهانهم على الزيادة وقوة ~~الذكاء ودقة الفطنة . والله تعالى أعلم . ومن فضائل مصر أنها تمير الحرمين ~~الشريفين ، ولولا مصر لما أمكن أهل الحرمين وأعمالهما المقام بهما ، ولما ~~توصل إليهما من يرد من أقطار الأرض . ومنها أنها فرضة الدنيا ، ويحمل من ~~خيرها إلى سواحلها ، وذلك أن من ساحلها بالقلزم ينقل إلى الحرمين ، وإلى ~~جدة ، وإلى عمان ، وإلى الهند ، وإلى الصين ، وصنعاء ، وعدن ، والشحر ، ~~والسند ، وجزائر البحر . ومن جهة تنيس ، ودمياط ، والفرما فرضة بلد الروم ، ~~وأقاصي الأفرنجه ، وقبرس ، وسائر سواحل الشام ، والثغور إلى حدود العراق . ~~ومن جهة الإسكندرية فرضة أقريطش ، وصقلية ، بلد الروم ، والمغرب كله إلى ~~طنجة ، ومغرب الشمس . PageV01P0327 # """""" صفحة رقم 328 """""" ومن جهة الصعيد فرضة بلد النوبة ، والبجة ، ~~والحبشة ، والحجاز ، واليمن . وفيها من ثغور الرباط : البرلس ، ورشيد ، ~~والإسكندرية ، ورباط ذات الحمام ، ورباط الحيرة ، ورباط إخنا ، ورباط دمياط ~~، وشطا ، وتنيس ، والأشتوم ، والفرما ، والوارد ، والعريش ، والشجرتين ، ~~ورباط الحرس ، وجهة الحبشة ، والبجة ، ورباط أسوان على النوبة . ورباط ~~الواحات على البر والسودان . ورباط قوص . وبها من المساجد والمشاهد والآثار ~~الصالحة ، وما لم يكن في غيرها . ولو استقصينا ذلك لطال به الشرح وانبسط ~~القول . وقال سعيد بن عقبة : كنت بحضرة المأمون حتى قال ، وهو في قبة ~~الهواء : لعن الله فرعون حين يقول " أليس لي ملك مصر " فلو رأى العراق . ~~فقلت : يا أمير المؤمنين لا تقل هذا فإن الله عز وجل ms0187 قال " ودمرنا ما كان ~~يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون " . فما ظنك يا أمير المؤمنين بشيء دمره ~~الله ، هذا بقيته ؟ . قال : ثم قلت لقد بلغني أن أرضا لم تكن أعظم من مصر ، ~~وجميع أهل الأرض يحتاجون إليها . وكانت الأنهار بقناطر وجسور وتقدير حتى أن ~~الماء يجري تحت منازلهم وأفنيتهم : يحسبونه متى شاءوا ويرسلونه متى شاءوا . ~~وكانت البساتين بحافتي النيل من أوله إلى آخره ، ما بين أسوان إلى رشيد إلى ~~الشام متصلة لا تنقطع . ولقد كانت الأمة تضع المكتل على رأسها فيمتلئ مما ~~يسقط من الشجر . وكانت المرأة تخرج حاسرة لا تحتاج إلى خمار لكثرة الشجر . ~~ومن فضائلها النيل ، وقد تقدم ذكره في باب الأنهار . ومن عجائبها الهرمان ~~وسيأتي ذكرها في باب المباني القديمة إن شاء الله تعالى . ومن عجائبها أن ~~أهلها مستغنون عن كل بلد ، حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسور ، ~~استغنى أهلها بما فيها عن سائر بلاد الدنيا . PageV01P0328 # """""" صفحة رقم 329 """""" وفيها ما ليس في غيرها ، وهو حيوان السقنقور ~~، والنمس . ولولاه لأكلت الثعابين أهلها ؛ وهو لها كقنافذ سجستان لأهلها . ~~وفيها سمك يسمى الرعاد . وهو سمك إذا أمسكه إنسان أو أمسك ما يتصل به من ~~خيط الصنارة أو الشبكة التي يقع فيها ، ارتعدت يده . والحطب السنط الذي لو ~~وقد منه يوما وجمع ما وجد من رماده كان ملء كف . وهو صلب العود ، سريع ~~الوقود ، بطيء الخمود . ويقال : إنه الأبنوس ، وإنما البقعة قصرت عن الكيان ~~فجاء أحمر شديد الحمرة ودهن البلسان . والأفيون ، وهو عصارة الخشخاش . وكان ~~بها اللبلخ ، وهو ثمر في قدر اللوز الأخضر إلا أن المأكول منه الظاهر . ~~ورأيته أنا بنا وأكلت منه سنة ثلاث وتسعين وستمائة . وبها الأترج الأبلق ~~وبها من المعادن : معدن الزمرذ ، ومعدن النفط ، والشب ، والبرام ، والرخام ~~. وقيل : إن بها سائر المعادن كلها . وأهلها يأكلون صيد بحر الروم وبحر ~~فارس طريا . وفي كل شهر من شهور القبط صنف من المأكول والمشروب والمشموم ، ~~يوجد فيه دون غيره . فيقال : رطب توت ورمان بابه ، وموز هاتور ، وسمك كهيك ms0188 ~~، وماء PageV01P0329 # """""" صفحة رقم 330 """""" طوبة ، وخروف أمشير ، ولبن برمهات ، وورد ~~برمودة ، ونبق بشنس ، وتين بؤنة ، وعسل أبيب ، وعنب مسرى . ومنها أن صيفها ~~خريف ، وشتاءها ربيع ؛ وما يقطعه الحر والبرد في سائر البلاد من الفواكه ~~يوجد فيها في الحر والبرد : لأنها في الإقليم الثالث والرابع ، فسلمت من حر ~~الأول والثاني ، وبرد السادس والسابع . ويقال : ولو لم يكن من فضل مصر إلا ~~أنه تغني في الصيف عن الخيش والثلج وبطون الأرض ، وفي الشتاء عن الوقود ~~والفراء . ومما وصفت به أن صعيدها حجازي . حجره كحجر الحجاز ينبت النخل ~~والدوم " وهو شجر المقل " ، والعشر ، والقرظ ، والإهليلج ، والفلفل ، ~~والخيار شنبر . وأسفل أرضها شامي : يمطر كمطر الشام ، وتقع فيه الثلوج ، ~~وينبت التين والزيتون والعنب والجوز واللوز والفستق وسائر الفواكه ، ~~والبقول والرياحين وهي ما بين أربع صفات : فضة بيضاء ، أو مسكة سوداء ، أو ~~زبرجدة خضراء ، أو ذهبة صفراء . وذلك أن النيل يعم أرضها فتصير كالفضة ~~البيضاء ، ثم ينصب عنها فتصير مسكة سوداء ، ثم تزرع فتصير برجدة خضراء ، ثم ~~تستحصد فتصير ذهبة صفراء . وحكى ابن زولاق في فضائل مصر إن أميرها موسى بن ~~عيسى " الهاشمي " وقف بالميدان عند بركة الحبش فالتفت يمينا وشمالا ، وقال ~~لمن كان معه : أترون ما أرى ؟ قالوا : وما يرى الأمير ؟ قال : أرى عجبا ما ~~في الدنيا مثله ؟ PageV01P0330 # """""" صفحة رقم 331 """""" فقالوا : يقول الأمير فقال : أرى ميدان رهان ~~، وحيطان نخل ، وبستان شجر ، ومنازل سكنى ، وذروة جبل ، وجبانة أموات ، ~~ونهر عجاجا ، وأرض زرع ، ومراعي ماشية ، ومراتع خيل ، وساحل بحر . " وصائد ~~نهر " وقانص وحش ، وصائد سمك ، وملاح سفينة ، وحادي ابل ، ومفازة رمل ، ~~وسهلا ، وجبلا . فهذه ثمانية عشر منتزها في أقل من ميل في ميل . وأين هذه ~~الأوصاف من وصف الواصف لقصر أنس بالبصرة حيث يقول : زر وادي القصر نعم ~~القصر والوادي . . . لا بد من زورة من غير ميعاد . زره فليس له شيء يشاكله ~~. . . من منزل حاضر إن شئت أو بادي . ترى به السفن والظلمان حاضرة . . . ~~والضب والنون والملاح والحادي . وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز ~~الأندلسي ms0189 ، يصف جبل الرصد مثل ما وصف به قصر أنس . يا نزهة الرصد المصري قد ~~جمعت . . . من كل شيء حلا في جانب الوادي . فذا غدير ، وذا روض ، ذا جبل : ~~. . . فالاضب والنون والملاح والحادي . فهذه نبذة من فضائل مصر . ولولا ~~الرغبة في الاختصار ، لكانت فضائلها تكون كتابا مفردا . وأما جزيرة الأندلس ~~فقد اقتصرت في وصفها على رسالة وصفها ابن حزم فيها ، فقال : أرضها شامية في ~~طيبها ، تهامية في اعتدالها واستوائها ، أهوازية في عظم خراجها وجبايتها ، ~~عدنية في منافع سواحلها ، صينية في معادنها ، هندية في عطرها PageV01P0331 # """""" صفحة رقم 332 """""" وطيبها وذكائها . وأهلها عرب في الأنساب ~~والعزة والأنفة ، وفصاحة الألسن ، وطيب النفوس وإباء الضيم ، وقلة احتمال ~~الذل والإهانة ، والنزاهة عن الخضوع ؛ هنديون في فرط عنايتهم بالعلوم وحبهم ~~لها ؛ بغداديون في ظرفهم ونظافتهم ، ورقة أخلاقهم ونباهتهم ، ولطافة ~~أذهانهم وحدة أفكارهم ؛ نبطيون في استنباط المياه ، معاناتهم للغراسة ~~وتركيب الشجر والفلاحة ؛ صينيون في إتقان الصنائع العلمية ، وإحكام المهن ~~الصورية ؛ تركيون في معاناة الحروب ومعالجة آلاتها ، والنظر في مهماتها . ~~قال إبراهيم بن خفاجة ، يصفها : إن للجنة بالأندلس . . . مجتلى عين وريا ~~نفس فسنا صبحتها من شنب . . . ودجى ليلتها من لعس . وقد أظهرت الأندلس ~~جماعة من الفضلاء والأعيان والأكابر ؛ ذكرهم ابن بسام في كتابة المترجم ~~بالذخيرة ، في محاسن أهل الجزيرة وذكرهم الفتح بن خاقان في كتابة المطمح ~~وقلائد العقيان وغيرهما . وسنذكر إن شاء الله تعالى حال الأندلس وابتداء ~~عمارتها وملوكها عند ذكرنا فتحها ، وهو في الباب الخامس من القسم الأول من ~~الفن الخامس في التاريخ من أخبار الدولة الأموية في التاريخ من أخبار ~~الدولة الأموية في خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان في سنة اثنان وتسعون ~~من الهجرة . وأما البصرة وما اختصت به فمن خصائصها أن للغربان بها ضربا من ~~العجب . وذلك أنها تقع إليها بالخريف حتى تكون الأرض بها سوداء ، وتقع على ~~كل نخلة أصرم ثمرها ، ولا تقع على ما لم تصرم ، ولو بقي عليها عذق واحد . ~~PageV01P0332 # """""" صفحة رقم 333 """""" ومن عجائبها أيضا ، أن التمر يكون مصبوبا في ms0190 ~~بيادره فلا يقع عليه شيء من الذباب ولا في الليل ولا في النهار . وأهل ~~البصرة يتخذون المظلات على التمر والعجوة خوفا عليها من الخفاش . ومن عادة ~~الذباب الفرار من الشمس إلى الظل ، فلا يوجد في تلك الظلال شيء منه البتة . ~~فيتوهم المتوهم أن هاتين الحالتين من طلسم ، له من الخاصية ما يمنع الغربان ~~والذباب . وليس كذلك ، وإنما هو من حماية الله ووقايته ووصف خالد بن صفوان ~~البصرة ، فقال : منابتها قصب ، وأنهارها عجب ، وسماؤها رطب ، وأرضها ذهب . ~~وفي الكوفة عدم الوفاء وأما بغداد وما اختصت به فإنه يقال إنها جنة الأرض ، ~~ومجتمع الوافدين : دجلة والفرات ، وواسطة الدنيا ، ومدينة السلام ، وقبة ~~الإسلام ، لأنها غرة البلاد ، ودار السلام والخلافة ، ومجمع الطرائف ~~والطيبات ، ومعدن المحاسن واللطائف ، وبها أرباب النهايات في كل فن ، وآحاد ~~الدهر في كل نوع . وكان أبو إسحاق الزجاج يقول : بغداد حاضرة الدنيا ، وما ~~عداها بادية . وكان أبو الفضل بن العميد إذا طرأ عليه أحد وأراد امتحان ~~عقله سأله عن بغداد . فإن فطن لفضائلها وخواصها ، جعل ذلك مقدمة فضله ~~وعنوان عقله . PageV01P0333 # """""" صفحة رقم 334 """""" وقال ابن زريق الكوفي ، الكاتب : سافرت أبغى ~~لبغداد وساكنها . . . مثلا ، فحاولت شيئا دونه اليأس هيهات بغداد الدنيا ~~بأجمعها . . . عند وسكان بغداد هم الناس . وقال آخر : سقى الله بغداد من ~~جنة . . . غدت للورى نزهة الأنفس . على أنها منية الموسرين . . . ولكنها ~~حسرة المفلس . وأما الأهواز وما اختصت به فقال أبو العثمان عمرو بن بحر ~~الجاحظ : إن قصبة الأهواز مخصوصة بالحمى الدائمة اللازمة ، حتى أنها ليست ~~إلى الغريب بأسرع منها إلى القريب . وقال إبراهيم بن العباس عن مشيخة من ~~أهلها عن القوابل بها : أنهن ربما قبلن الطفل المولود بها فيجدنه محموما ؛ ~~ولا تكاد توجد بها وجنة حمراء لصبي ولا صبية ، ولا دم ظاهر . ومن عجائب ~~خصائصها : أن جميع أصناف الطيب تستحيل رائحته فيها جدا ، حتى لا تكاد توجد ~~له رائحة . وذلك من كثرة الرطوبات ، وغلظ الهواء ، والأبخرة الفاسدة . " ~~وهذا موجود بأنطاكية والقسطنطينية " ويقال : أن الخيل لا تنزو بها ولا تصهل ~~، وإنها ms0191 تعتلف الحشيش دون التبن ؛ لما يلحقها من الربو ، لنداوة البلد ~~وعفونته . وأما فارس وما اختصت به فمن خصائصها : ماء الورد الذي لا يوجد ~~مثله في سائر البلاد طيبا والجوري . الموصوف من أحد بلادها يجلب إلى أقاصي ~~البلاد ، ويضرب به المثل . PageV01P0334 # """""" صفحة رقم 335 """""" ولشيراز من بلاد فارس فغمة طيبة ليست فيما ~~عادها من بلاد فارس . وأما أصفهان وما اختصت به فهي موصوفة بصحة الهواء ، ~~وجودة التربة ، وعذوبة الماء . وحكي أن الحجاج ولى بعض خواصه أصفهان ، فقال ~~له : قد وليتك بلدة حجرها الكحل ، وذبابها النحل ، وحشيشها الزعفران . ومن ~~خصائص الري : برودها موصوفة كبرود اليمن ، وتسمى العدنيات تشبيها لها ببر ) ~~ود عدن . وفيها الثياب المنيرة . قالوا : واللص الحاذق ينسب إلى الري . ~~وأما جرجان وما اختصت به فهي سهلية جبلية ، برية بحرية . وأهلها يعدون ~~زيادة على مائة نوع من أنواع الرياحين ، والبقول ، والحشائش الصحراوية ، ~~والثمار والحبوب السهلية التي هي مبذولة بها للفقراء والغرباء . ومن ~~خصائصها : العناب الذي لا يكون في سائر البلاد مثله ، ويقال : هي بغداد ~~الصغرى ، إلا أنها وبية ، مختلفة الهواء في اليوم الواحد ، قتالة للغرباء ، ~~كثيرة النداء . ويقال : جرجان مقبرة أهل خراسان . وفي بعض الكتب القديمة أن ~~بخراسان بلدة يقال لها جرجان ، يساق إلى قصار الأعمار من الناس . وكان أبو ~~تراب النيسابوري يقول : لما قسمت البلاد بين الملائكة ، وقعت جرجان في قسم ~~أبي يحيى " يعني ملك الموت " . PageV01P0335 # """""" صفحة رقم 336 """""" وأما نيسابور وما اختصت به فحكي عن عمرو بن ~~الليث الصفار أنه كان يقول : كيف لا أقاتل عن بلدة حشيشها الريباس ، ~~وترابها النقل ، وحجرها الفيروزج . أراد بقوله : ترابها النقل طين الأكل ~~الذي لا يوجد مثله في الأرض ، ويحمل منها إلى أقاصي البلاد وأدانيها ، ~~ويتحف به الملوك . قالوا : وربما بيع الرطل منه بدينار . قال المأمون يصفه ~~: جد لي من النقل ، فذاك الذي . . . منه خلقنا وإليه نصير . ذاك الذي يحسب ~~في مثله . . . أحجار كافور عليها عبير . قالوا : والفيروزج لا يكون إلا في ~~نيسابور ، وربما بلغت قيمة الفص منه - الذي إذا أربى وزنه على ms0192 مثقال ، وجمع ~~الخضرة والاستدارة ، وصبر على النار ، وامتنع على المبرد ، ولم يتغير ~~بالماء الحار - مائتي دينار . ويقال إن له خاصية في تقوية القلب بالنظر ~~إليه ، كما أن للياقوت خاصية في مسرة النفس . ولما دخلها إسماعيل بن أحمد ~~الساماني ، ملك ما وراء النهر وخراسان ، استحسنها واستطابها ، وقال : يا ~~لها من بلدة جليلة ، لو لم يكن لها عيبان كان ينبغي أن تكون مياهها التي في ~~باطن الأرض على ظاهرها ، وأن تكون مسالحها التي على ظهرها في بطنها . ~~PageV01P0336 # """""" صفحة رقم 337 """""" ومن خصائصها الثياب النيسابورية الرقاق . ~~وأهلها لا يكرمون الغريب . قال المرادي : لا تنزلن بنيسابور مغتربا . . . ~~إلا وحبلك موصول بسلطان . أولا ، فلا أدب يغني ولا حسب . . . يجدي ولا حرمة ~~ترعى لإنسان . وقال أيضا فيها : قال المرادي قولا غير متهم ، . . . والنصح ~~ما كان من ذي اللب مقبول : لا تنزلن بنيسابور مغتربا ، . . . إن الغريب ~~بنيسابور مخذول . وأما طوس وما اختصت به فمن خصائصها السبج الذي لا يكون ~~إلا بها ، ومنها ينقل إلى الآفاق ، والحجر الأبيض الذي تتخذ منه القدور . ~~ويقال : إن الله عز وجل ألان لأهلها الحجارة كما ألان لداود الحديد ، حتى ~~إنهم يتخذون منها ما يتخذ غيرهم من الزجاج من سائر الأواني . وأما بلخ وما ~~اختصت به فيقال : هي من أقدم البلاد وأخصها بالملوك ، وهي شبيهة بالعراق ، ~~وخراسان ، والهند . وإليها ينسب جيحون ، فيقال : نهر بلخ . وكان سعيد بن ~~الحسن يقول : العيش في الصيف ببلخ كتصحيفها . ومن خصائصها البخاتي ~~والنيلوفر . PageV01P0337 # """""" صفحة رقم 338 """""" وأما بست وما اختصت به فيقال : إن هواءها ~~كهواء العراق ، وماءها كماء الفرات ؛ ومن خصائصها الإجاص الذي لا يوجد مثله ~~في غيرها . ويقال : إن من مات ببست مغفورا له فقد انتقل من جنة إلى جنة . ~~وأما غزنة وما اختصت به فهي موصوفة بصحة الهواء ، وجودة التربة ، وعذوبة ~~الماء ، وهي جبلية شمالية ؛ ومن خصائصها أن الأعمار بها طويلة ، والأمراض ~~قليلة . قالوا : وهي أرض تنبت الذهب ، ولا تولد الحيات والعقارب والحشرات ~~المؤذية . ومنها خرج الأجلاء الأنجاد من الرجال . وقال أبو سعيد منصور زعيم ~~جرجان ms0193 : لم أر بلدة في الصيف أطيب ، وفي الربيع أشبه ، ومن الحشرات أنظف من ~~غزنة . ثم قال : إن قلة ثمارها من منافعها ، لأن كثرة الثمار مقترنة بكثرة ~~الأمراض . وقد وصفها صاحب كتاب لطائف المعارف فقال : واها لغزنة إذ غدت . . ~~. للملك والإسلام دارا . من كعبة قد أصبحت . . . للمجد والعليا مدارا . في ~~صدرها الملك الذي . . . قطب السعود عليه دارا وقال أيضا فيها : يا دار ملك ~~نرى كل الجمال بها . . . وأسعد الدهر تبدو من جوانبها . كأنما جنة الفردوس ~~قد نزلت . . . بأرض غزنة تعجيلا لصاحبها . وأما سجستان وما اختصت به فيقال ~~فيها : ماؤها وشل ، وثمرها دقل ، ولصها بطل . PageV01P0338 # """""" صفحة رقم 339 """""" وما تختص به الطاسات وجلاجل البزاة ، والطبول ~~الموكبية ، والفرش الديباج . وأما الهند وما اختصت به فيقال : الهند بحرها ~~در ، وجبلها ياقوت ، وشجرها عود ، وورقها عطر . وعود الهند يذكر مع أمهات ~~الطيب . وفي الهند الفيل ، والكركدن ، والبير ، والطاووس ، والببغاء . وفيه ~~الياقوت الأحمر ، والصندل الأبيض والعاج ، وأصناف العطر ، والثياب المخملة ~~وغيرها ، واللنس ، والأقمشة . وأما الصين وما اختص به فإن العرب تقول لكل ~~طرفة من الأواني : صينية كائنة ما كانت : لاختصاص الصين بالطرائف . وأهل ~~الصين خصوا بصناعة الطرف ، والملح ، وخرط التماثيل ، والإبداع في عمل ~~النقوش والتصاوير ، حتى إن مصورهم يصور الإنسان فلا يغادر شيئا إلا الروح ، ~~ثم لا يرضى بذلك حتى يفصل بين ضحك الشامت وضحك الخجل ، وبين المبتسم ~~والمستغرب ، وبين ضحك المسرور والهازئ ، ويركب صورة في صورة . وفيه مناديل ~~الغمر التي إذا اتسخت وألقيت في النار ، نقيت ولم تحترق . وفيه الحديد . ~~وربما اشترى بأضعاف وزنه فضة . وفيه السنجاب الفارحاني الذي هو من أنفس ~~الأوبار . وفيه اللبود الجياد . PageV01P0339 # """""" صفحة رقم 340 """""" قال الجاحظ في كتاب النظر في التجارة : إن ~~خير اللبود الصينية ، ثم المغربية الحمر ، ثم الطالقانية البيض . وأما ~~سمرقند وما اختصت به قال قتيبة بن مسلم ، لما أشرف على سمرقند لأصحابه : ~~شبهوها ، فلم يأتوا فيها بشيء ، فقال : كأنها السماء في الخضرة ، وكأن ~~قصورها النجوم الزاهرة ، وكأن أنهارها المجرة . فاستحسنوا هذا التشبيه . ~~ومن خصائصها : الكواغد التي عطلت ms0194 قراطيس مصر ، والجلود التي كان الأوائل ~~يكتبون عليها ، لأنها أحسن وأنعم وأرفق وأرق . ولا تكون إلا بها وبالصين . ~~ومن خصائصها الثياب الوذارية ، والنشادر ، والزئبق ، والبندق . وأما بلاد ~~الترك وما اختصت به فإنه يقال . إنها توازن بلاد الهند في كثرة الخصائص . ~~وفيها المسك والسنجاب والسمور والقاقم والفنك والثعالب السود والأرانب ~~البيض وغير ذلك . وفيها البزاة البيض والخيل . PageV01P0340 # """""" صفحة رقم 341 """""" ولتبت من بلاد الترك خاصية : أنه من أقام بها ~~اعتراه سرور لا يدري ما سببه ، ولا يزال متبسما ضاحكا ؛ وأن الميت إذا مات ~~فيها لا يدخل على أهله كبير حزن كما يلحق غيرهم عند موت محبوب . وأما ~~خوارزم وما اختصت به فأنها تقارب بلاد الترك ، بل تنافسها في الخصائص ~~والمتاجر . ومن خصائصها البطيخ الذي يقال له النارنج يقال إنه أحلى ~~البطاطيخ وأطيبها . وكان يحمل منها إلى المأمون وإلى الواثق في قوالب ~~الرصاص . معبأة في الثلج . فكانت تقوم الواحدة منه - إذا سلمت ووصلت - ~~بسبعمائة درهم . والله أعلم . ذكر الخصائص التي تجري مجرى الطلسمات منها : ~~مدينة خبيص من مدن كرمان . لا يمطر المطر فيها داخل السور أبدا حتى إن ~~الرجل يخرج يده من سورها إلى خارجها ، فتبتل يده ولا يبتل ساعده . وبقرية ~~من قرى كرمان أيضا حصن عادي ليس فيه فأر . وإذا دخل إليه فأر ، مات . ~~ومدينة حمص لا يوجد فيها عقرب . وإذا نثر ترابها على ظهر عقرب ، ماتت . ~~وكذلك قلعة أعزاز من أعمال حلب . ويقال إنه لا يدخل مدينتها حية . ومتى نثر ~~عليها من ترابها ، ماتت لوقتها . ولا يوجد فيها بعوض البتة . وإن الرجل متى ~~أخرج يده من السور ، وقع عليها ؛ فإذا أدخل يده ، طار عنها . وبمصر أن ~~التماسيح إذا ساقها الماء إليها وحاذتها ، انقلبت على ظهرها . فإذا بعدت ~~عنها ، لا تضر أحدا . بخلاف ما هي في بلاد الصعيد ، فإنها تفترس جميع ما ~~تظفر به من الحيوان حتى الخيل . ولا يقوى على قتالها إلا الجاموس . ومدينة ~~سجلماسة لا يوجد فيها ذباب البتة PageV01P0341 # """""" صفحة رقم 342 """""" ذكر خصائص البلاد في أشياء مختلفة " وهي ms0195 ~~العلم ، والعمل ، والجواهر ، والملابس ، والأوبار ، والفرش ، والمراكب ، ~~والحيوانات ذوات السموم ، والحلوى ، والثمار ، والرياحين ، والخلق ، ~~والأخلاق ، والأمراض ، والآثار العلوية . " أما خصائصها العلمية والعملية ، ~~فيقال : حكماء اليونان ، وأطباء جنديسابور ، وصاغة حران ، وحاكة اليمن ، ~~وكتاب السواد . ومن خصائصها في الجواهر ، يقال : فيروزج نيسابور ، وياقوت ~~سرنديب ، ولؤلؤ عمان ، وزبرجد مصر ، وعقيق اليمن ، وجزع ظفار ، وبجادي بلخ ~~، ومرجان إفريقية . ومن خصائصها في الملابس ، يقال : برود اليمن ، ووشي ~~صنعاء ، وريط الشام ، وقصب مصر ، وديباج الروم ، وقز السوس ، وحرير الصين ، ~~وأكسية فارس ، وحلل أصبهان ، وسقلاطون بغداد ، وعمائم الأبلة ، ومنير الري ~~، وملحم مرو ، وتكك أرمينية ، ومناديل الدامغان ، وجوارب قزوين . ~~PageV01P0342 # """""" صفحة رقم 343 """""" ومن خصائصها في الأوبار ، يقال : سنجاب خريز ~~، وسمور بلغار ، وثعالب الخزر ، وفنك كاشغر ، وحواصل هراة ، وقاقم تغزغز . ~~ومن خصائصها في الفرش ، يقال : بسط أرمينية ، وزلالي قاليقلا ، ومطارح ~~ميسان وحصر بغداد . ومن خصائصها في المراكب ، يقال : عتاق البادية ، ونجائب ~~الحجاز ، - وبراذين طخارستان ، وحمير مصر ، وبغال برذعة . ومن خصائصها في ~~الحيوانات ذوات السموم ، يقال : أفاعي سجستان ، وحيات أصفهان ، وثعابين مصر ~~، وعقارب شهرزور ، وجرارات الأهواز ، وبراغيث أرمينية ، وفأر أرزن ، ونمل ~~ميافارقين ، وذباب تل فافان ، واقداح نلد . ومن خصائصها في الحلواء ، يقال ~~: سكر الأهواز ، وعسل أصفهان ، وفانيذ ماكسان ودبس أرجان . PageV01P0343 # """""" صفحة رقم 344 """""" ومن خصائصها في الثمار ، يقال : رطب العراق ، ~~وتمر كرمان ، عناب جرجان ، وإجاص بست ، وسفرجل نيسايور ، وتفاح الشام ، ~~ومشمش طوس ، وكمثرى نهاوند ، وأترج طبرستان ، ونارنج البصرة ، وتين حلوان ، ~~وعنب بغداد ، وقشمش هراة وموز اليمن ، وجوز الهند ، وبطيخ خوارزم ، وباقلاء ~~الكوفة . ومن خصائصها في الرياحين ، يقال : نرجس جرجان ، وورد جور ، ~~ونيلوفر السيروان ، ومنثور بغداد ، وزعفران قم ، شاهسفرم سمرقند . ومن ~~خصائصها في الخلق والأخلاق ، ويقال : شقرة الروم ، وسواد الزنج ، وغلظ ~~الترك ، وجفاء الجيل ، ودمامة الصين ، قصر يأجوج . ومن خصائصها في الأمراض ~~، يقال : طواعين الشام ، وطحال البحرين ، ودماميل الجزيرة ، وجنون حمص ، ~~وعرق اليمن ، ووباء مصر ، وبرسام العراق ، والنار الفارسية ، وقروح بلخ . ~~ومن خصائصها في الآثار العلوية ، يقال : شتاء أرمينية ، ومصيف عمان ، ~~وصواعق تهامة ، وزلزال دبيل . وقال الجاحظ في كتاب الأمصار : الصناعة ms0196 ~~بالبصرة ، والفصاحة الكوفة ، والتخنيث ببغداد ، والطرمذة بسمرقند ، والغي ~~بالري ، والجفاء بنيسابور ، والحسن بهراة ، والمروءة ببلخ ، والعجائب بمصر ~~. وحكي عن عمر بن عامر مزيقيا ، إنه قال لقومه لما تحقق كون سيل العرم : ~~PageV01P0344 # """""" صفحة رقم 345 """""" من كان ذا شاء وبعير وجمل غير شرود ، فليلحق ~~بالعشب من كوفان ، فلحقت به همذان ؛ ومن كان ذا سياسة وصبر على أزمات الدهر ~~فليلحق ببطن مر ، فلحقت به خزاعة . ومن كان يريد الراسخات في الوحل ، ~~المطعمات في المحل ، فليلحق بيثرب ذات النخل ، فلحقت بها بنو قيلة ، وهم ~~الأوس والخزرج ؛ ومن كان يريد الخمر والخمير والأمر والتأمير فليلحق ببصرى ~~وسدير " وهي من أرض الشام " ، فلحقت به غسان ؛ ومن كان يريد الثياب الرقاق ~~، والخيول العتاق ، والذهب والأوراق ، فليلحق بالعراف ، فلحقت به لخم ، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم . الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الأول " ~~في المباني القديمة " والمباني القديمة كثيرة ، فلنذكر منها ما عظم خطره ، ~~وشاع في الآفاق ذكره ذكر أول بناء وضع على وجه الأرض قيل : أول ما بني على ~~وجه الأرض الصرح ويسمى المجدل بناه النمرود الأكبر ابن كوش بن حام بن نوح ، ~~بكوثي ربي من أرض بابل . قيل : وبها إلى هذا العصر من أثره كالجبال . وكان ~~طوله في الهواء خمسة آلاف ذراع ، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع . وكان مبينا ~~بالحجارة والرصاص والكلس والشمع واللبان . بناه ليمنعه وقومه من بأس الله ~~عز وجل . وكان قد كفر وطغى وادعى الألوهية ، فأرسل الله تعالى إليه جبريل ، ~~فضربه بخافقة جناحه فهدمه ، وهام من كان حوله على وجهه ، وقد تبلبلت ~~ألسنتهم من الدهش والذعر ، فكانت عنه هذه اللغات التي PageV01P0345 # """""" صفحة رقم 346 """""" يتكلم بها سائر الأمم ، وهي اثنتان وسبعون ~~لغة ، وسميت تلك الأرض التي كان بها بابل . ذكر خبر إرم ذات العماد وهي ~~التي ذكرها الله عز وجل في كتابه العزيز ، فقال تعالى : " ألم تر كيف فعل ~~ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد " . وكان سبب ~~عمارتها أن شداد بن عاد بن إرم لما سمع وصف الجنة ms0197 سولت له نفسه أن يبني ~~مثلها . فبنى مدينة حضرموت وصنعاء ، طولها اثنا عشر فرسخا ، وعرضها مثل ذلك ~~. وأحاط بها سورا ارتفاعه خمسمائة ذراع ، غشاه بصفائح الفضة المموهة بالذهب ~~، فلا يدركه البصر إذا أشرقت عليه الشمس . وبنى داخلها مائة ألف قصر " بعدد ~~رؤساء أهل مملكته " من الذهب والفضة ، وكذلك جذوع سقوفها وأعمدتها . وأجرى ~~في وسطها نهرا صفح أرضه بالذهب ، وجعل على حافتيه أنواع الجواهر واليواقيت ~~بدلا من الحصباء وألقى فيه المسك والعنبر بدلا من الحمأة . وفرع منه جداول ~~إلى تلك القصور والمنازل ، وغرس على شطوطها من الأشجار ما كان لزهره عرف ~~طيب ورائحة ذكية . زعموا أنه أقام في بنائها ثلاثمائة سنة ، فلما تم بناؤها ~~، زاد في طغيانه وخرج من حضرموت إليها ليسكنها . فلما أشرف عليها جاءته ~~صيحة من السماء فأهلكته هو وجنوده . ويروى أن عبد الله بن قلابة خرج في طلب ~~إبل له ندت فوقع عليها ، فحمل ما قدر عليه ، فبلغ معاوية خبره ، فاستحضره ~~وسأله فقص عليه قصته . فبعث معاوية إلى كعب الأحبار ، فقال : هي إرم ذات ~~العماد ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك : أحمر قصير ، على حاجبه خال ، ~~وعلى عقبه خال ، يخرج في طلب إبل ندت . ثم التفت فرأى ابن قلابة فقال : هذا ~~والله ذاك الرجل . PageV01P0346 # """""" صفحة رقم 347 """""" وزعم الأخباريون أنه كان بها أربعمائة ألف ~~وأربعون ألف عمود ، ولهذا سميت ذات العماد . وقد ذهب قوم إلى أنها دمشق . ~~وسنذكر إن شاء الله تعالى خبر إرم ذات العماد بما هو أبسط من هذا عند ذكرنا ~~لخبر شديد وشداد ، ابني عاد ؛ وهو في الباب الخامس من القسم الأول ، من ~~الفن الخامس في التاريخ ، وذلك في السفر الحادي عشر من هذه النسخة من ~~كتابنا هذا فتأمله هناك . والله تعالى أعلم . ذكر خبر سد يأجوج ومأجوج هو ~~في الإقليم السادس في آخر الجزء التاسع من تجزئة عشرة أجزاء . قال صاحب ~~كتاب نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق إن الواثق بالله لما رأى في المنام ~~كأن السد الذي بناه ذو القرنين مفتوح ، أحضر سلاما الترجمان ms0198 وقال له : اذهب ~~فانظر إلى هذا السد وجئني بخبره وحاله وما هو عليه ، ثم أمر له بأصحاب ~~يسيرون معه ، عددهم خمسون رجلا ، ووصله بخمسة آلاف دينار ، وأعطاه ديته ~~عشرة آلاف درهم ، وأمر أن يعطي كل واحد من أصحابه الخمسين ألف درهم ورزق ~~سنة ، وأمر لهم بمائة بغل تحمل الماء والزاد . قال سلام الترجمان : فشخصنا ~~من سامرا بكتاب الواثق إلى إسحاق بن إسماعيل صاحب أرمينية بالنظر إلى ~~تنفيذنا من هناك ؛ فكتب لنا كتابا إلى ملك السرير وأنفذنا إليه . فلما ~~وردنا عليه ، أشخصنا إلى ملك اللان . فلما وصلنا إليه ، أشخصنا إلى صاحب ~~فيلان شاه . فلما وردنا عليه " أرسلنا إلى ملك الخزر وهو " اختار لنا خمسة ~~أدلاء يدلون على الطريق . فسرنا من عنده PageV01P0347 # """""" صفحة رقم 348 """""" سبعة وعشرين يوما في تخوم بلاد بسجرت إلى أن ~~وصلنا إلى أرض سوداء طويلة ممتدة كريهة الرائحة ، فشققناها في عشرة أيام . ~~وكنا قد تزودنا لقطعها أشياء نشمها خوفا من أذى روائحها الكريهة . ثم ~~انفصلنا عنها فسرنا مدة شهر في بلاد خراب قد درست أبنيتها ولم يبق منها إلا ~~رسوم يستدل بها عليها . فسألنا من معنا عن تلك المدن ، فأخبرونا أنها المدن ~~التي كان يأجوج ومأجوج يغزونها ويخربونها . ثم سرنا إلى حصون بالقرب من ~~الجبل الذي في شعبة السد وذلك في ستة أيام . وفي تلك الحصون قوم يتكلمون ~~بالعربية والفارسبة . وهناك مدينة يدعى ملكها خاقان بن أدكش ، وأهلها ~~مسلمون لهم مساجد ومكاتب ، فسألونا من أين أقبلنا ، فأخبرناهم أنا رسل أمير ~~المؤمنين الواثق بالله ، فعجبوا منا ومن قولنا أمير المؤمنين ثم سألونا عن ~~أمير المؤمنين : أشيخ هو أم شاب ؟ فقلنا : شاب ، فعجبوا أيضا . ثم قالوا : ~~وأين يكون ؟ قلنا : هو بالعراق بمدينة سر من رأى . فعجبوا أيضا من ذلك ، ~~وقالوا : ما سمعنا هذا قط . فسألناهم عن إسلامهم من أين وصلهم ومن علمه لهم ~~؟ فقالوا : وصل إلينا منذ أعوام كثيرة رجل راكب على دابة طويلة العنق طويلة ~~اليدين والرجلين ، لها في موضع صلبها حدبة ، " فعلمنا أنهم يصفون الجمل " ~~قالوا : فنزل بنا ms0199 وكلمنا بكلام فهمناه ، ثم علمنا شرائع الإسلام فقبلناها ، ~~وعلمنا أيضا القرآن ومعانيه فتعلمناه وحفظناه . قال سلام : ثم خرجنا بعد ~~هذا إلى السد لنبصره ، فسرنا عن المدينة نحوا من فرسخين ، فوصلنا إلى السد ~~. فإذا جبل مقطوع بواد عرضه مائة وخمسون ذراعا ، وله في وسط هذا الفناء باب ~~من حديدطوله خمسون ذراعا قد اكتنفه عضادتان ، عرض كل عضادة منهما خمسة ~~وعشرون ذراعا . والظاهر من تحتها عشرة أذرع خارج الباب . وكله مبنى بلبن ~~الحديد مغيب بالنحاس . وارتفاع العضادتين خمسون ذراعا ، وعلى أعلى ~~العضادتين دروند حديد ، طوله مائة وعشرون ذراعا ، والدروند للعتبة العليا ، ~~وقد ركب منها على كل واحدة من العضادتين مقدار عشرة أذرع . ومن فوق الدروند ~~بنيان متصل بلبن الحديد المغيب بالنحاس إلى رأس الجبل ، وارتفاعه مد البصر ~~. وفوقه شرافات حديد ، في طرف كل شرافة قرنتان تنثني أطراف كل واحدة منهما ~~على الأخرى ، وللباب مصراعان مغلقان ، عرض كل مصراع خمسون ذراعا في ثخن ~~خمسة أذرع ؛ وقائمتاهما في دوارة على قدر الدروند . وعلى الباب قفل طوله ~~سبعة أذرع في غلظ ذراع في الاستدارة ؛ وارتفاع القفل من الأرض خمسة وعشرون ~~ذراعا . وفوق PageV01P0348 # """""" صفحة رقم 349 """""" القفل بخمسة أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل ~~وعلى الغلق مفتاح طوله ذراع ونصف ، وله اثنتا عشرة دنداجة ، كل دنداجة منها ~~كأغلظ ما يكون من دساتخ الهواوين ، معلق كل واحد منها بسلسلة على قدر حلقة ~~المنجنيق . وعتبة الباب السفلى عشرة أذرع بسط مائة ذراع سوى ما تحت ~~العضادتين الظاهر منها خمسة أذرع . وكلها مكتالة بالذراع السوادي . ورئيس ~~ذلك الحصن يركب في كل جمعة مع عشرة فوارس ، مع كل فارس إرزبة حديد ، كل ~~إرزبة خمسة أمنان فيضرب القفل بتلك الإرزبات في كل يوم ثلاثة مرات ليسمع من ~~خلف الباب . فيعلم أن هناك حفظة ، وليعلم هؤلاء أن يأجوج ومأجوج لم يتحدثوا ~~في الباب حدثا وإذا ضرب أصحاب الإرزبات القفل ، وضعوا آذانهم ليسمعوا ما ~~وراء الباب فيسمعون من ورائه دويا يدل على أن خلفه بشرا . وبالقرب من هذا ~~الموضع حصن يكون عشرة ms0200 " فراسخ " في عشرة " فراسخ " . ومع الباب حصنان يكون ~~كل واحد منهما مائتي ذراع في مائتي ذراع ؛ وبين هذين الحصنين عين ماء عذبة ~~، في أحد الحصنين آلة البناء التي بني بها السد من قدور الحديد ومغارف ~~الحديد ؛ والقدور فوق ديكدانات الحصنين عين ماء عذبة ، في أحد الحصنين آلة ~~البناء التي بني بها السد من قدور الحديد ومغارف الحديد ؛ والقدور فوق ~~ديكدانات على كل ديكدان أربع قدور مثل قدور الصابون ؛ وهناك أيضا بقايا من ~~لبن الحديد التي بنى بها السد وقد التصق بعضها ببعض من الصدإ ، وطول اللبنة ~~ذراع ونصف في ارتفاع شبر . قال سلام الترجمان : وقد سألنا من خاطبناه من ~~أهل تلك الجهات هل رأوا أحدا من يأجوج ومأجوج قط ، فأخبرونا أنهم رأوا منهم ~~" مرة " عددا فوق شرفات الردم ، فهبت عليهم ريح عاصفة ، فرمت منهم ثلاثة ~~إلى ناحيتنا . وكان مقدار الرجل منهم شبرين ونصفا . PageV01P0349 # """""" صفحة رقم 350 """""" قال سلام : فكتبت هذه الصفات كلها ، ثم ~~انصرفنا مع الأدلاء من تلك الحصون فأخذوا بنا على ناحية خراسان . فسرنا إلى ~~مدينة بختان ، إلى غريان ، إلى مدينة برساخان ، إلى انطرار ، إلى سمرقند ، ~~فوصلنا إلى عبد الله بن طاهر ، ثم وصلنا إلى الري ، ثم رجعنا إلى سر من رأى ~~بعد خروجنا عنها . فكان مغيبنا في سفرنا ثمانية وعشرين شهرا . قال : فهذا ~~جميع ما حدث به سلام . وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي في ~~تفسيره : إن ارتفاع السد مائة ذراع وخمسون ذراعا . قال : وروي في طوله ما ~~بين طرفي الجبلين مائة فرسخ ، وفي عرضه خمسون ذراعا . نقله عن وهب بن وهب ~~بن منبه . وسنذكر إن شاء الله تعالى في أخبار السد وكيفية بنائه وطوله ~~وعرضه ، وغير ذلك مما هو متعلق به عند ذكرنا لأخبار ذي القرنين فتأمله هناك ~~، وهو في الباب الأول من القسم الرابع من الفن الخامس في التاريخ ، وهو في ~~السفر الثاني عشر من هذه النسخة من كتابنا هذا . ذكر مباني الفرس المشهورة ~~ومباني الفرس كثيرة : قديمة وحديثة . فمن قديمها سد اللبن ms0201 . بناه قباذ بن ~~فيروز ، وقيل إن الذي بناه ابنه كسرى ابن قباذ فيروز . كذا ورد في التاريخ ~~. وهذا السد من أرض شروان إلى بلاد اللان ، وبينهما مائة فرسخ ، بين شعاب ~~جبل القبق . وهو جبل عظيم قد اشتمل على اثنتين وسبعين أمة ، لكل أمة لسان ~~وملك ، لا يعرف بعضهم بعضا لكثرة غياضه وأشجاره ؛ وفيه عيون وأنهار ؛ ~~وتقدير مسافة طولا وعرضا نحو شهرين . PageV01P0350 # """""" صفحة رقم 351 """""" ومبدأ السور من جوف بحر الخزر على مقدار ~~مسافة ميل مارا إلى البر ، ثم يمر إلى أن يتصل بقلعة طبرشروان . وهو مبنى ~~بالصخر والحديد والرصاص . بناه على زقاق البقر المنفوخة ، فكان كلما ارتفع ~~البناء نزلت تلك الزقاق إلى أن استقرت في قعر البحر ، فغاصت الرجال ~~بالخناجر فشقوها فتمكن البناء . وجعل بين كل ثلاثة أميال من السور وأقل ~~وأكثر بابا من الحديد على حسب الطريق التي تجعل من أجله ، وبنى عليه حصنا ~~وأسكن فيه من يحفظ ذلك الباب ويحرسه . وزعم المؤرخون أن سبب بناؤه لهذا ~~السور أن الخزر كانت تغير على بلد فارس إلى أن تبلغ همذان والموصل ، فحجزهم ~~بهذا السور . ومن مباني الفرس إيوان كسرى زعم المسعودي أن سابور ذا الأكتاف ~~بناه في نيف وعشرين سنة ، وطوله مائة ذراع في عرض خمسين ذراعا في ارتفاع ~~مائة ذراع ، وطول كل شرفة منه خمسة عشر ذراعا . ولما ملك المسلمون المداين ~~، أحرق ستر هذا الإيوان فأخرجوا منه مائة ألف دينار ذهبا . ولما بنى ~~المنصور بغداد أحب أن ينقضه ويبنيها به ، فاستشار خالد بن برمك في ذلك ~~فنهاه ، وقال : هو آية للإسلام ، ومن رآه علم أن الذي بناه لا يزيل ملكه ~~إلا نبي والمؤون على نقضه اكثر من الارتفاق به . فقال له : أبيت إلا ميلا ~~إلى العجم فهدمت منه ثلمة . فبلغت النفق عليها مالا كثيرا ، فأمسك المنصور ~~عن هدمه ، فقال له خالد : أنا الآن ، يا أمير المؤمنين ، أشير بهدمه لئلا ~~يتحدث الناس بعجزك عن هدم ما بناه غيرك فلم يفعل . PageV01P0351 # """""" صفحة رقم 352 """""" وحكي مثل هذه القصة أنها وقعت ليحيى ms0202 بن خالد ~~مع الرشيد ، وهو إذ ذاك في اعتقاله . وكان الرشيد بلغه أن تحته كنزا فأراد ~~هدمه واستشار يحيى فاشار عليه بمثل هذا . ومن عجيب ما يحكى من تقلب الأحوال ~~أن بعض شرفاته هدمت وجعلت في أساس سور بغداد . وقال ابن الأثير في تاريخه ~~إن الإيوان باق إلى الآن . " وكان يوم ذاك في سنة خمس وعشرين وستمائة " ، ~~والله أعلم . ومن المباني القديمة الحضر وكان حصنا حصينا مبنيا بالرخام ، ~~يسكنه ملوك الضيازن . وهو بين دجلة والفرات ، بحيال تكريت . ويقال إن بانيه ~~الساطرون . وذكر أن قصر ملكه قائم إلى وقتنا هذا في وسط المدينة ، وفي وسطه ~~هيكل مربع مبني بالصخر ، وفيه صور دقيقة المعاني . حكي أن سابور الجنود ~~حاصره أربع سنين فلم يقدر عليه . واتفق أن بنت ملكه وهي النضرة بنت الضيزن ~~حاضت ، فأخرجت من القصر إلى ربضة لأجل ذلك فرأت سابور ، وكان جميل الصورة ، ~~فعشقته . فأرسلت إليه تقول : إن ملكتك الحصن فما تجعل لي ؟ قال : حكمتك . ~~قالت : تتزوج بي . فأجابها إلى ذلك ، فقالت له : خذ حمامه ورقاء مطوقة ، ~~فأخضب رجليها بدم حيض جارية بكر زرقاء ، وأرسلها . فإنها تقع على سور البلد ~~فيقع لوقته . وكان ذلك حل طلسم له . ففعل ذلك ، فوقع السور ودخل سابور ~~الحصن وقتل ملكه وأصحابه واصطفى ابنته لنفسه فلما كانت ليلة دخولها عليه ، ~~لم تزل متململة قلق طول ليلتها ، فالتمس سابور ما الذي قلقت من ~~PageV01P0352 # """""" صفحة رقم 353 """""" أجله ، فإذا ورقة أس قد لصقت بعكنة من عكنها ~~، فقال لها ما كان أبوك يغدوك ؟ فقالت : الزبد والمخ وشهد أبكار النحل ~~والخمر ، فقال لها : أنا أحق منك بثار أبيك ، ثم أمر رجلا أن يركب فرسا ~~جموحا وأن يربط غدائرها في ذنبه ويركض به ففعل ذلك ، فتقطعت . وهذا الحصن ~~قد اختلف في موضعه . فقيل : بحيال تكريت بين دجلة والفرات . وقيل : ~~بالجزيرة . ويقال إنه كان حاجزا بين الروم والفرس ، وملكته الزباء بنت مليح ~~واسمه فارعة . وفيه يقول عدي بن زيد العبادي من قصيدة : وأخو الحضر إذ بناه ~~وإذ دجل . . . ة تجبي إله ms0203 والخابور . شاده مرمرا وكلله كل . . . سا فللطير ~~في ذراه وكور . لم يهبه ريب المنون فباد الم . . . لك عنه فبابه مهجور . ~~ومن المباني القديمة القليس وهي كنيسة كانت باليمن بناها أبرهة بن الصباح ، ~~ملك اليمن بصنعاء . ونقل إليها الرخام المجزع والملون ، والحجارة المنقوشة ~~بالذهب من قصر بلقيس . وكان أراد أن يرفع بناءها حتى يشرف منها على بحر عدن ~~، فلما أهلكه الله تعالى وفرق ملكه ، أقفر ما حول هذه الكنيسة ، وكثرت ~~حولها السباع والحشرات . وبقيت إلى زمن PageV01P0353 # """""" صفحة رقم 354 """""" السفاح فذكر له أمرها ، فبعث إليها من خربها ~~وأخذ ما كان فيها . حكى ذلك السهلي في الروض الأنف . وحكى كيفية بناء هذه ~~الكنيسة أنه كان لها باب من نحاس طوله عشرة أذرع وعرضه أربعة أذرع يدخل منه ~~إلى بيت طوله ثمانون ذراعا وعرضه أربعون ذراعا ، مسقف بالساج المنقوش ، ~~مسمر بمسامير الذهب والفضة . ثم يدخل من البيت إلى إيوان معقود طوله أربعون ~~ذراعا ، عن يمينه ويساره عقود مزخرفة ثم يدخل من الإيوان إلى قبة ، ثلاثون ~~ذراعا في ثلاثين ذراعا ، جدرها مموهة بالذهب والفضة . وفي صدر القبة منبر ~~من الأبنوس المرصع بالعاج ، المصفح بالذهب والفضة . ولما تم بناؤها ، خرج ~~رجل من بني كنانة فقعد فيها ليلا " أي أحدث " ، فأغضب أبرهة ذلك ، فحلف ~~ليهدمن الكعبة ، فخرج بجيش كثيف من الحبشة ، فكان من أمره ما قصه الله ~~تعالى في كتابه العزيز في سورة النمل : " ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا ~~يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم إنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم ~~خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لمن يعلمون " . وذكر لي أن الذي خربها ~~العباس بن الربيع بن عبد الله العامري ، عامل المنصور على اليمن . ومن ~~المباني المشهورة قنطرة صنجة وهي من مباني الروم على نهر عظيم يسمى بهذا ~~الاسم ، يصب في الفرات ، لا يمكن خوضه : لأن قراره رمل سائل متى وطئه ~~الإنسان برجله سال . وهو ما بين حصن منصور وكيسوم من ديار بكر . وهذه ~~القنطرة طاق واحد ، ما بين جدرانها مائة خطوة . وهي ms0204 مبنية بحجارة مهندمة ، ~~طول الحجر منها عشرة أذرع في ارتفاع خمسة أذرع . PageV01P0354 # """""" صفحة رقم 355 """""" ومن المباني القديمة ملعبا بعلبك وهما كبير ~~وصغير . فالكبير ، يحكى أنه من بناء سليمان بن داود عليهما السلام . وهو ~~مبنى على عمد شاهقه ، وحجارته منها ما هو عشرة أذرع وأكثر . والملعب الصغير ~~تهدم أكثره وبقي منه حائط طوله عشرون ذراعا وارتفاعه كذلك . ليس فيه إلا ~~سبعة أحجار : واحد من أسفله ، وحجران فوقه ، وأربعة أحجار فوقهما ويقال إنه ~~البيت الذي كان فيه الصنم الذي كان يدعى بعلا . ذكر مباني العرب المشهورة ~~وهي غمدان ، وحصن تيما ، والخورنق ، والسدير ، والغريان . قال الجاحظ : ~~أحبت العرب أن تشارك الفرس في البناء وتنفرد بالشعر ، فبنوا : غمدان ، ~~وكعبة نجران ، وحصن مارد ، والأبلق الفرد . فأما غمدان فكان بصنعاء . زعم ~~بعض المؤرخين أن بانيه حام بن نوح . وزعم آخرون أن بيوراسب بناه على اسم ~~الزهرة . وقال ابن هشام إن الذي أسسه يعرب بن قحطان ، وأكمله بعده وائل بن ~~حمير ابن سبأ بن يعرب . وخربه عثمان بن عفان ، رضي الله عنه . وقيل في صفته ~~إنه كان مربعا ، أحد أركانه مبنية بالرخام الأبيض ، والثاني بالرخام الأصفر ~~، والثالث بالرخام الأخضر ، والرابع بالرخام الأحمر . وفيه سبعة سقوف طباقا ~~، ما بين السقف والآخر خمسون ذراعا ، وعلى كل ركن تمثال أسد من نحاس إذا ~~هبت الريح دخلت من دبره وخرجت من فيه ، فيسمع لها صوت كزئير الأسد . ~~PageV01P0355 # """""" صفحة رقم 356 """""" وقال ابن الكلبي : كان على كل ركن من أركان ~~غمدان مكتوب أسلم غمدان ، معاديك مقتول بسيف العدوان . ويقال : إن سليمان ~~بن داود عليهما السلام أمر الشياطين أن يبنوا لبلقيس أربعة قصور : غمدان ، ~~وصرواخ ، وبينين ، وسلحين . وكلها باليمن . ويروى أن عمر بت الخطاب رضي ~~الله عنه قال : لا يستقيم أمر العرب ما دام فيها غمدانها . وهذا القول هو ~~الذي حض عثمان على هدمه . ويقال إن آثاره باقية إلى عصرنا هذا ، وإنه تل ~~عال مطل على صنعاء . وأما حصن تيماء فهو الأبلق الفرد . سمي بالأبلق الفرد ~~لأنه كان مبنيا بحجارة مختلفة الألوان ms0205 وهو بأرض تيماء . بناه السموءل بن ~~عاديا اليهودي . ويقال إنه من بناء سليمان داود عليه السلام . وبه تضرب ~~العرب المثل في المنعة والحصانة . وفيه يقول الشاعر : طلب الأبلق العقوق ~~فلما . . . لم ينله فرام بيض الأنوق . وقصدت الزباء هذا الحصن وحصن ما رد ~~فلم تقدر عليهما ، فقالت : تمرد ما رد وعز الأبلق . وما رد حصن كان بدومة ~~الجندل مبني بحجارة سود . ويقال إنه أيضا من بناء السموءل بن عاديا اليهودي ~~. وأما الخورنق والسدير فكان الخورنق على ثلاثة أميال من الحيرة والسدير في ~~تربة بالقرب منها : PageV01P0356 # """""" صفحة رقم 357 """""" بناها النعمان بن امرئ القيس ، وهو النعمان ~~الأكبر . ويقال في سبب بنائه لهما : إن يزد جرد بن سابور كان لا يعيش له ~~ولد ، فسأل عن مكان صحيح الهواء ، فذكر له ظهر الحيرة . فدفع ابنه بهرام ~~جور إلى النعمان وأمره ببناء الخورنق . فبناه على نهر سنداد في عشرين سنة . ~~بناه له رجل يسمى سنمار . فلما فرغ من بنائه ، عجب النعمان من حسن بنائه ~~واتقانه ، فأمر أن يلقي سنمار من اعلاه حتى لا يبني مثله لأحد . ويقال إنه ~~إنما فعل ذلك به لأنه لما أعجبه ، شكره على عمله ووصله ، فقال : لو علمت أن ~~الملك يحسن إلي هذا الإحسان ، لبنيت له بناء يدور مع الشمس كيفما دارت ، ~~فقال له النعمان : وإنك لتقدر على أن تبني أفضل منه ، ولم تبنه ؟ فأمر به ؛ ~~فطرح من أعلاه . وقيل : بل قال : أنا أعرف فيه حجرا متى أخذ من موضعه ، ~~تداعى البناء . فخاف النعمان إن هو لم ينصفه في أجرته فعل ذلك . فقتله . ~~والعرب تضرب المثل بفعل النعمان مع سنمار في المكافأة على الفعل الحسن ~~بالقبيح ، فيقال : جازاه مجازاة سنمار . وفيه يقول بعض الشعراء : جزاني ~~جزاه الله شر جزائه . . . جزاء سنمار ، وما كان ذا ذنب . سوى رفعه البنيان ~~عشرين حجة . . . يعلي عليه بالقراميد والسكب . والخورنق تعريب خورنقاه ، ~~وهو الموضع الذي يؤكل فيه ويشرب . والسدير تعريب سادل أي قبة في ثلاث قباب ~~متداخلة . وفي هذه الأبنية يقول الأسود ابن يعفر : ماذا أؤمل ms0206 بعد آل محرق . ~~. . تركوا منازلهم ، وبعد إياد ؟ أهل الخورنق والسدير وبارق . . . والقصر ~~ذي الشرفات من سنداد . PageV01P0357 # """""" صفحة رقم 358 """""" وقال عدي بن زيد العبادي : وتفكر رب الخورنق ~~إذ أشرف يوما ، وللهدى تفكير . سره ملكه وكثرة ما يحويه والبحر معرضا ~~والسدير . فارعوى قلبه ، فقال : فما غبطة حي إلى الممات يصير ؟ وأما ~~الغريان فهما أسطوانتان كانتا بظاهر الكوفة . بناهما النعمان بن المنذر بن ~~ماء السماء ، على جاريتين كانتا قينتين تغنيان بين يديه . فماتتا ، فأمر ~~بدفنهما وبنى عليهما الغريين . ويقال إن المنذر غزا الحارث بن أبي شمر ~~الغساني ، وكان بينهما وقعة على عين أباغ ، وهي من أيام العرب المشهورة . ~~فقتل للحارث ولدان ، وقتل المنذر وانهزمت جيوشه . فأخذ الحارث ولديه ~~وجعلهما عدلين على بعير ، وجعل المنذر فوقهما ، وقال : " ما العلاوة بدون ~~العدلين " فذهبت مثلا . ثم رحل إلى الحيرة فانتهبها وحرقها ودفن ابنيه بها ~~، وبنى الغريين عليهما . حكاه ابن الأثير في تاريخه الكامل . وأمر المنصور ~~بهدم أحدهما ، لكنز توهم أنه تحتهما . فلم يجد شيئا . وقيل في سبب بنائهما ~~غير ذلك . والله أعلم ذكر الأبنية القديمة التي بالديار المصرية وهي ~~الأهرام ، وحائط العجوز ، وملعب أنصنا ، ومدينة عين شمس ، والبرابي ، وحنية ~~اللازورد ، ومنارة الإسكندرية ، ورواق الإسكندرانيين . فأما الأهرام التي ~~بأرض مصر فهي كثيرة . وأعظمها الهرمان اللذان بالجيزة غربي مصر . وقد اختلف ~~في بانيهما . PageV01P0358 # """""" صفحة رقم 359 """""" فقال قوم : بانيهما سوريد بن سهلوق بن سرناق ~~. بناهما قبل الطوفان لرؤيا رآها ، فقصها على الكهنة ، فنظروا فيما تدل ~~عليه الكواكب النيرة من أحداث تحدث في العالم ، فأقاموا مراكزها في وقت ~~المسألة . فدلت على أنها نازلة من السماء تحيط بوجه الأرض . فأمر حينئذ ~~ببناء البرابي والأهرام ، وصور فيها صور الكواكب ودرجها وما لها من الأعمال ~~وأسرار الطبائع والنواميس وعمل الصنعة . ويقال إن هرمس المثلث بالحكمة " ~~وهو الذي يسميه العبرانيون أخنخ ، وهو إدريس عليه السلام " استدل من أحوال ~~الكواكب على كون الطوفان . فأمر ببناء الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف ~~العلوم وما يخاف عليه الذهاب والدثور . وكل هرم منها مربع القاعدة ، مخروط ~~الشكل ، ارتفاع ms0207 عموده ثلاثمائة ذراع وسبعة عشرة ذراعا ، يحيط به أربعة سطوح ~~متساويات الأضلاع ، كل ضلع منها أربعمائة ذراع وستون ذراعا ، ويرتفع إلى أن ~~يكون سطحه مقدار ستة أذرع في مثلها . ويقال إنه كان عليه حجر شبه المكبة ~~فرمته الرياح العواصف . وهو مع هذا العظم من إحكام الصنعة وإتقان الهندسة ~~وحسن التقدير بحيث أنه لم يتأثر إلى يومنا هذا بعصف الرياح وهطل الأمطار ~~وزعزعة الزلازل ؛ وطول الحجر منه خمسة أذرع في سمك ذراعين . ويقال إن ~~بانيهما جعل لهما أبوابا على آزاج مبنية بالحجارة في الأرض ، طول كل أزج ~~منها عشرون ذراعا . وكل باب من حجر واحد يدور بلولب ، إذا أطبق لم يعلم أحد ~~أنه باب . فأزج الشرقي منها في ناحية الجنوب ، وأزج الغربي في ناحية الغرب ~~. يدخل من كل باب منها إلى سبعة بيوت ، كل بيت منها على اسم كوكب من ~~الكواكب السبعة ؛ وكلها مقفلة بأقفال . وحذاء كل بيت منها صنم من ذهب مجوف ~~، إحدى يديه على فيه ، وفي جبهته كتابة بالمسند إذا قرئت انفتح فوه فتوجد ~~فيه مفاتيح ذلك القفل فيفتح بها . PageV01P0359 # """""" صفحة رقم 360 """""" والقبط يزعمون أنها والهرم الصغير الملون ~~قبور : فالهرم الشرقي فيه سوريد الملك ، وفي الهرم الغربي أخوه هوحيت . ~~والصابئة تزعم أن أحدها قبر أغاثديمون ، والآخر فبر هرمس ، والملون قبر صاب ~~ابن هرمس ؛ وإليه تنسب الصابئة على قول من زعم ذلك منهم ؛ وهم يحجون إليها ~~ويذبحون عندها الديكة والعجول السود ، ويبخرون بدخن ؛ ويزعمون أنهم يعرفون ~~عند اضطراب ما يذبحون حالة الذبح ما يريدون عمله من الأمور الطبيعية . ~~وقصرت همم الملوك والخلفاء عن معرفة ما في هذين الهرمين ، إلى أن ولي عبد ~~الله المأمون الخلافة وورد مصر ، أمر بفتح واحد منها . ففتح بعد عناء طويل ~~، واتفق لسعادته أنه وقع النقب علة مكان يسلك منه إلى الغرض المطلوب ، وهو ~~زلاقة ضيقة من الحجر الصوان الماتع الذي لا يعمل فيه الحديد ، بين حاجزين ~~ملتصقين بالحائط قد نقر في الزلاقة حفر ، يتمسك السالك بتلك الحفر ، ~~ويستعين بها على المشي في الزلاقة لئلا ms0208 يزلق ، وأسفل الزلاقة بئر عظيمة ~~بعيدة القعر . ويقال إن أسفل البئر أبواب يدخل منها إلى مواضع كثيرة وبيوت ~~ومخادع وعجائب . وانتهت بهم الزلاقة إلى موضع مربع في وسطه حوض من حجر صلد ~~مغطى . فلما كشف عنه غطاؤه ، لم يوجد فيه إلا رمة بالية . فأمر المأمون ~~بالكف عما سواه . وهذا الموضع يدخله الناس إلى وقتنا هذا . وسنذكر إن شاء ~~الله تعالى خبر الأهرام عند ذكرنا لأخبار ملوك مصر الذين كانوا قبل الطوفان ~~وبعده ، وذلك في الباب الثاني من القسم الرابع من الفن الخامس ، وهو في ~~السفر الثاني عشر من هذه النسخة من كتابنا هذا فتأمله هناك . وقال بعض أهل ~~النظر ، وقد عاين الأهرام : كل بناء يخاف عليه من الدهر ، إلا هذا البناء ~~فإني أخاف على الدهر منه . PageV01P0360 # """""" صفحة رقم 361 """""" ونظم عمارة اليمني هذا القول ، فقال : خليلي ~~، ما تحت السماء بنية . . . تماثل في إتقانها هرمي مصر بناء يخاف الدهر منه ~~، وكل ما . . . على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر تنزه طرفي في بديع بنائها ، ~~. . . ولم يتنزه في المراد بها فكري . وقال بعض الشعراء : حسرت عقول ذوي ~~النهى الأهرام ، . . . واستصغرت لعظيمها الأعلام . ملس منيفة البناء شواهق ~~، . . . قصرت لعال دونهن سهام لم أدر حين كبا التفكر دونها . . . واستبهمت ~~لعجيبها الأوهام ، أقبور أملاك الأعاجم هن ، أم . . . طلسم رمل هن ، أم ~~أعلام ؟ وقال أبو الطيب المتنبي : أين الذي الهرمان من بنيانه ؟ . . . ما ~~قومه ؟ ما يومه ؟ ما المصرع ؟ تتخلف الآثار عن أصحابها . . . حينا ، ~~ويدركها الفناء فتتبع . وقال أمية بن عبد العزيز الأندلسي : بعيشك هل أبصرت ~~أحسن منظرا . . . على طول ما عاينت من هرمي مصر ؟ أنافا بأعنان السماء ~~وأشرفا . . . على الجو إشراف السماك أو النسر . وقد وافيا نشزا من الأرض ~~عاليا . . . كأنهما ثديان قاما على صدر . وقال آخر : انظر إلى الهرمين إذ ~~برزا . . . للعين في علو وفي صعد PageV01P0361 # """""" صفحة رقم 362 """""" وكأنما الأرض العريضة إذ . . . ظمئت لفرط ~~الحر والومد . حسرت عن الثديين بارزة . . . تدعو الإله لفرقة الولد . ~~فأجابها : لبيك يوسعها . . . ريا ويشفيها من الكمد . وقال ابن الساعاتي : ~~ومن ms0209 العجائب ، والعجائب جمة . . . دقت عن الإكثار والإسهاب . هرمان قد هرم ~~الزمان وأدبرت . . . أيامه ، وتزيد حسن شباب . لله أي بنية أزلية . . . ~~تبغي السماء بأطول الأسباب ؟ ولربما وقفت وقوف تبلد . . . أسفا على الأيام ~~والأحقاب . كتمت عن الأسماع فصل خطابها . . . وغدت تشير به إلى الألباب . ~~وقال سيف الدين بن جبارة : لله أي غريبة وعجيبة . . . في صنعة الأهرام ~~للألباب ؟ أخفت عن الأسماع قصة أهلها ، . . . ونضت عن الإبداع كل نقاب . ~~فكأنما هي كالخيام مقامة . . . من غير ما عمد و لا أطناب . ومن رسالة لضياء ~~الدين بن الأثير الجزري في ذكر مصر ووصف الأهرام ، جاء منها : بلد أشهد ~~بفضله على البلاد ، ووجدته هو المصر وما عداه فهو السواد . فما رآه راء إلا ~~ملأ عينه وصدره ، ولا وصفه واصف إلا علم أنه لم يقدره قدره . وبه عجائب من ~~الآثار ، لا يضبطها العيان ولا الإخبار . فمن ذلك الهرمان ، اللذان هرم ~~الدهر وهما PageV01P0362 # """""" صفحة رقم 363 """""" لا يهرمان ، قد اختص كل منهما بعظم البناء ، ~~وسعة الفناء ؛ وبلغ من الارتفاع غاية لا يبلغها الطير على بعد تحليقه ، ولا ~~يدركها الطرف على مدة تحديقه ؛ فإذا أضرم برأسه قبس ظنه المتأمل نجما ، ~~وإذا استدارت عليه قوس السماء كان لها سهما " . وبالقرب من الأهرام صنم على ~~صورة إنسان ، تسميه العامة أبو الهول لعظمه . والقبط يزعمون أنه طلسم للرمل ~~الذي هناك ، لئلا يغلب على أرض الجيزة . وأما حائط العجوز والعجوز هي دلوكا ~~ملكة مصر . وهذا الحائط من العريش " وهو حد مصر من جهة الشام " إلى أسوان " ~~وهي حد مصر من جهة النوبة " ، شاملا للديار المصرية من الجانب الشرقي . ~~وزعمت القبط أن سبب بنائها أن الله عز وجل لما أغرق فرعون وقومه ، خافت ~~دلوكا على مصر أن يطمع الملوك فيها . فبنته ، وزوجت النساء بالعبيد حتى ~~يكثر النسل والذرية . وقيل في سبب بنائه : إن دلوكا ولدت ولدا فأخذت لمولده ~~رصدا ، فرأت أن التمساح يقتله ، فبنت هذا الحائط وقاية له من التمساح . ~~فلما شب الغلام رأى في مولده ذلك ، فأحب أن يراه . فصور له من خشب . فلما ms0210 ~~رآه ، هاله منظره واستولى على نفسه الوهم والفزع ، فمات . وأما ملعب أنصنا ~~فإنه كان مقياسا للنيل . ويقال : إنه من بناء دلوكا . وكان كالطيلسان ، ~~وعليه أعمدة بعده بعدد أيام السنة من الصوان الأحمر الماتع ، بين العمود ~~والعمود خطوة . وكان النيل يدخل إليه من فوهة فيه عند زيادة النيل . فإذا ~~بلغ الحد الذي يحصل به الري ، جلس الملك في PageV01P0363 # """""" صفحة رقم 364 """""" مشترف له ، ويصعد قوم إلى رؤوس الأعمدة ~~فيتعادون عليها ما بين ذاهب وآت . فمن زلت به قدمه منهم ، سقط إلى البركة . ~~وأما مدينة عين شمس فهي من المباني التي درست . وكانت مصر فرعون موسى ، ~~ومنها خرج بجنوده في طلب موسى وبني إسرائيل ؛ وكانت عدتهم ستمائة ألف ، ليس ~~فيهم ابن عشرين سنة ولا ابن ستين سنة . واستقل فرعون هذا العدد وقال كما ~~أخبر الله تعالى عنه : " إن هؤلاء لشر ذمة قليلون " . وكان بها هيكل الشمس ~~فخرب . والفرس تزعم أن هرسيك بناها . ويقال : إنه كان قد بقي منها عمودان ~~من حجر صلد ، فلكات طول كل عمود منها أربعة وثمانون ذراعا ، على رأس كل ~~عمود صورة إنسان على دابة ، وعلى رأسهما شبه الصومعتين من نحاس . فإذا . ~~كان " الليل " ، قطر من رأس كل واحد منهما ماء لا يتجاوز نصف العمود الذي ~~هو مركب عليه . والموضع الذي يصل إليه الماء لا يزال أخضر رطبا . وقد وقع ~~العمودان بعد الخمسين وستمائة . وأما البرابي وهي بيوت حكمة القبط يقال أنه ~~كان لكل كورة من كور مصر برباة ، يجلس فيها كاهن على كرسي من ذهب . ومن ~~أعجب البرابي وأعظمها " برباة إخميم " . وهي مبنية بحجر المرمر ، طول كل ~~حجر خمسة أذرع في سمك ذراعين . وهي سبعة دهاليز ، سقوفها حجارة ، طول كل ~~حجر منها ثمانية عشر ذراعا في عرض خمسة أذرع ، مدهونة باللازورد وسائر ~~PageV01P0364 # """""" صفحة رقم 365 """""" الأصباغ ، يخالها الناظر إليها كأنما فرغ ~~الدهان منها . يقال أن كل دهليز منها على اسم كوكب من الكواكب السبعة . ~~وجدران هذه الدهاليز منقوشة بصور مختلفة الهيئات والمقادير ، يقال أنها ~~رموز على علوم القبط ms0211 ، وهي : الكيمياء والسيمياء ، والطلمسات ، والطب . ~~أودعوها هذه الصور . ويقال أن ذا النون المصري العابد فك منها علم الكيمياء ~~. وأما حنية اللازورد وهي بأرض منف . ومنف هذه هي التي تسمى مصر القديمة . ~~يقال إن عقد الحنية أحسن من عقد قنطرة صنجة التي تقدم ذكرها . والحنية ~~معقودة مع حجارة مهندمة ، طول كل حجر منها أكثر من خمسة عشر ذراعا . وفيها ~~نقوش وكتابة وطلمسات مموهة باللازورد . وهي من الشرق إلى الغرب ، وفي صدرها ~~فضاء فيه بناء مرتفع ، عليه بلاطة من الصوان الأسود ، مكتوب فيها بالقلم ~~البرباوي ثلاثون سطرا . يقال إنة قبر الذي بنى الحنية ، وأنه ديساره : ملك ~~كان بمصر ، حكيم . وللقبط عيد يسمى ديساره : وهو عيد هذا الملك ويسمى عيد ~~العنب . وأما منارة الإسكندرية فهي مبنية بحجارة مهندمة مضببة بالرصاص ، ~~على قنطار من زجاج ، والقنطار على ظهر سرطان من نحاس . وفيها نحو ثلاثمائة ~~بيت بعضها فوق بعض ، تصعد الدابة بحملها إلى سائر البيوت من داخلها . ~~وللبيوت طاقات ينظر منها إلى البحر . وبين أهل التاريخ خلاف فيمن بناها ~~PageV01P0365 # """""" صفحة رقم 366 """""" فزعم بعضهم أنها من بناء الإسكندر بن قيلبس ~~المقدوني . وزعم آخرون أنها من بناء دلوكا ، ملكة مصر . ويقال إن على ~~جانبها الشرقي كتابة ، وإنها نقلت إلى اللسان العربي فوجدت بنت هذه القنطرة ~~فرتنا بنت مرتيوس اليونانية لرصد الكواكب . ويقال : أن طولها كان ألف ذراع ~~وكان في أعلاها تماثيل من نحاس . منها تمثال قد أشار بسبابته اليمنى نحو ~~الشمس : أين ما كانت من الفلك ، يدور معها حيثما دارت . ومنها تمثال وجهه ~~في البحر متى صار العدو منهم على نحو من ليلة ، سمع له صوت هائل يعلم به ~~أهل المدينة طروق العدو . ومنها تمثال كلما مضى من الليل ساعة صوت صوتا ~~مطربا . ويقال : إنه كان بأعلاه مرآة ترى منها قسطنطينية ، وبينهما عرض ~~البحر . كلما جهز الروم جيشا رؤي في المرآة . وحكى المسعودي في مروج الذهب ~~أن هذه المنارة كانت في وسط الإسكندرية ، وأنها تعد من بناء العالم العجيب ~~، بناها بعض البطالسة من ملوك اليونان يقال ms0212 له الإسكندر ، لما كان بينهم ~~وبين الروم من الحروب في البر والبحر فجعلوا هذه المنارة مرقبا ، وجعلوا في ~~أعلاها مرآة من الأحجار المشفة ، تشاهد فيها مراكب البحر إذا أقبلت من ~~رومية على مسافة تعجز الأبصار عن إدراكها . ولم تزل كذلك إلى أن ملكها ~~المسلمون ، فاحتال ملك الروم على الوليد بن عبد الملك بأن أنفذ أحد خواصه ~~ومعه جماعة إلى بعض ثغور الشام على أنه راغب في الإسلام . فوصل إلى الوليد ~~، وأخرج كنوزا ودفائن كانت في الشام حملت الوليد على تصديقه فيما يدعيه . ~~ثم قال له : إن تحت المنارة أموالا ودفائن وأسلحة ، دفنها الإسكندر فصدقه ~~وجهزه مع جماعة من ثقاته إلى الإسكندرية ، فهدم ثلث المنارة وأزال المرآة ، ~~ثم فطن الناس أنها مكيدة ، فاستشعرذلك فهرب في مركب كانت معدة له . ثم بنى ~~ما هدم بالجص والآجر . PageV01P0366 # """""" صفحة رقم 367 """""" ثم قال المسعودي : وطول المنارة في هذا الوقت ~~" يعني الوقت الذي وضع فيه كتابه ، وهو سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة " ~~مائتان وثلاثون ذراعا . وكان طولها قديما نحو من أربعمائة ذراع . وهي في ~~عصرنا هذا ثلاثة أشكال : فمنها تقدير الثلث مربع مبني بالحجارة ، ثم بعد ~~ذلك بناه مثمن الشكل بالآجر والجص نحو ستين ذراعا ، وأعلاها مدور الشكل . ~~ويقال أن أحمد بن طولون بنى في أعلاها قبة من الخشب فهدمتها الرياح . فبنى ~~في مكانها مسجدا في الدولة الظاهرية الركنية بيبرس صاحب مصر رحمه الله ~~تعالى . ثم هدم في ذي الحجة اثنتين وسبعمائة بسبب الزلزلة الحادثة . ثم بنى ~~في شهور سنة ثلاث وسبعمائة في دولة السلطان الملك الناصر ولد السلطان الملك ~~المنصور ، ثبت الله دولته ، وكان المندوب لذلك الأمير ركن الدين بيبرس ~~الدوادار المنصوري ، نائب السلطة الشريفة في الغيبة . وقد وصف الشعراء ~~منارة الإسكندرية . فمن ذلك ما قاله الوجيه الدروي وسامية الأرجاء تهدي أخا ~~السرى . . . ضياء ، إذا ما حندس الليل أظلما . لبست لها بردا من الأنس ~~ضافيا . . . فكان بتذكار الأحبة معلما . وقد ضللتني من ذراها بقبة . . . ~~ألا حظ فيها من صحابي أنجما . فخيلت أن البحر تحت غمامة ms0213 . . . وإن قد خيمت ~~في كبد السما وقال أبو الفتح الأغر بن قلاقس : ومنزل جاوز الجوزاء مرتقيا . ~~. . كأنما فيه للنسرين أوكار . PageV01P0367 # """""" صفحة رقم 368 """""" راسى القرارة سامي الفرع في يده . . . للنور ~~والنون أخبار وأخيار . أطلقت فيه عنان القول فاطردت . . . خيل لها في بديع ~~الشعر مضمار . وأما رواق الإسكندرانيين فهو ملعب كان بالإسكندرية . كانوا ~~حكماء يجتمعون فيه فلا يرى أحد منهم شيئا دون الآخر ، ووجه كل واحد منهم - ~~وإن اختلفت جهاتهم - تلقاء وجه الآخر . وإن عمل أحد منهم شيئا أو تكلم ، ~~سمعه الآخر . ونظر القريب والبعيد في سواه . وقد بقيت منه بقايا عمد تكسرت ~~، غير عمود منها يسمى عمود السواري في غاية الطول والغلظ من الحجر الصوان ~~الأحمر ذكر شيء من عجائب المباني قال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر : ~~ذكر بعض المصنفين لكتب العجائب ، إن الفرس تزعم أن أوشهنج بنى بأرض بابل ~~سبع مدائن ، جعل في كل مدينة منها أعجوبة ليست في الأخرى فكان في الأولى - ~~التي يكون فيها الملك - مثال أنهار الدنيا كلها . فإذا التوى عليه أحد من ~~أهل مملكته بخراجهم ، خرج نهرا من تلك الأنهار الشبيه بنهر تلك الناحية ~~فغرقوا . فإذا أدوا الخراج ، سد عليهم من عنده فانسد عنهم . وفي الثانية ~~حوض فإذا أراد الملك أن يجمع الناس لشراب ، أتى من أحب منهم بشراب له خاص ~~فيصبه في الحوض . يفعل ذلك كل إنسان منهم ، فيختلط الجميع . ثم تقوم السقاة ~~فتأخذ الأواني ويسقى كل واحد من شرابه الذي جاء به . وفي الثالثة طبل . ~~فإذا غاب من البلد أحد وأراد أهله أن يعلموا خبره ، أحي هو أو ميت ضربوا ~~الطبل فإذا كان حيا صوت ، وإن كان ميتا لم يصوت . PageV01P0368 # """""" صفحة رقم 369 """""" وفي الرابعة المرآة . فإذا غاب الرجل عن أهله ~~وأرادوا أن يعلموا حاله ، نظروا في المرآة فرأوه في الحالة التي هو عليها . ~~وفي الخامسة إوزة نحاس . فإذا دخل المدينة غريب ، صفرت . فيعلمون أن غريبا ~~دخلها . وفي السادسة قاضيان جالسان على الماء . فيجيء المحق والمبطل ليجلسا ~~معهما فيجلس المحق ، ويرسب المبطل ms0214 . وفي السابعة شجرة . لا تظل إلا ساقها . ~~فإذا جلس تحتها واحد أظلته إلى ألف . فإن زاد على الألف واحد ، قعدوا كلهم ~~في الشمس . وكنت قد أنكرت هذه الحكاية وقصدت حذفها وإلغاءها والإضراب عنها ~~، فرأيت ابن الجوزي وضعها في كتابه الذي سماه سلوة الأحزان فأوردتها . وحكي ~~أنه بمدينة قيسارية - لما كانت في أيدي الروم - كنيسة بها مرآة . إذا اتهم ~~رجل إمرأته بزنا ، نظر في تلك المرآة ، فيرى وجه المتهم فيها . وأن بعض ~~الناس اتهم فرأوه فيها فقتله الملك ، فجاء أهله إلى المرآة حمية فكسروها . ~~وحكى الواقدي في فتوح السند : أن عبد الله العبدي عامل معاوية على السند ~~غزا بلد القيقان ، فأصاب منهم غنائم كثيرة ، وأن ملك القيقان بعث إليه يطلب ~~منه الفداء وحمل إليه هدايا كان فيها قطعة من مرآة ، يذكر أهل العلم أن ~~الله تعالى أنزلها على آدم عليه السلام ، لما كثر ولده وانتشروا في الأرض ، ~~فكان ينظر فيها فيرى من بعد منهم على الحالة التي هو عليها من خير أو شر ، ~~فحملها عبد الله إلى معاوية PageV01P0369 # """""" صفحة رقم 370 """""" فبقيت في ذخائر بني أمية إلى أن انتقل الملك ~~عنهم إلى بني العباس ، فضاعت فيما فقد من الذخائر . وقيل : إن بنهاوند حجر ~~يسمى الكيلان ، بالقرب منه صخرة من أراد أن يعترف حال غائب أو أبق أو سارق ~~، أتى إلى تلك الصخرة فنام تحتها فيرى في النوم حال ما تعرف به على ما هو ~~عليه . وعجائب المباني كثيرة ، سنذكر إن شاء الله تعالى منها جملة في أخبار ~~ملوك مصر الذين كانوا قبل الطوفان وبعده فتأمله هناك تجده . الباب الرابع ~~من القسم الخامس من الفن الأول " فيما وصفت به المعاقل والحصون " وهذا ~~الباب قد ترجمت عليه في الفن الثاني الذي يلي هذا الفن فيما يحتاج إليه ~~الملك . وإنما ضممته إلى هذا الفن لمناسبته له وشبهه به ، واستثنيته من ~~الفن الثاني واقتصرت فيه على مجرد الترجمة . وبالله التوفيق . وقد أوسع ~~الفضلاء والأدباء والكتاب والبلغاء القول في هذا المعنى وتواردوا فيه ، ~~فاقتصرنا على ما ms0215 نورده من ذلك ، وهو قليل من كثير . فمن ذلك ما قاله بعض ~~الأندلسيين يصف قلعة فتحت من غير حصار : " وهذه القلعة التي انتهينا إلى ~~قرارها ، واستولينا على أقطارها ، أرحب المدن أمدا للعيون ، وأخصبها بلدا ~~إذا أمحلت السنون ؛ فروعها فوق الثريا شامخة ، وعروقها تحت الثرى راسخة ؛ ~~تباهى بأزهارها نجوم السماء ، وتناجى بأسرارها أذن الجوزاء ؛ وكانت في ~~الزمن الغابر ، عتت على عظيم القياصر ؛ فنازلها بأكثر من النجوم ~~PageV01P0370 # """""" صفحة رقم 371 """""" عددا ، وطاولها بأوفى من البحر مددا ؛ فأبت ~~على طاعته كل الإباء ، واستعصت على مقارعته أشد استعصاء ، ومردت مرود مارد ~~على الزباء ؛ فأمكننا الله من ذروتها ؛ وأنزل ركابها لنا عن صهوتها " وقال ~~لقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني رحمه الله يصف آمد من رسالة جاء منها : " ~~وآمد ذكرها بين العالم متعالم ، وطالما صادم جانبها من تقادم ، فرجع عنها ~~مقدوعة آنفة وإن كان فحلا ، وفر عنها فريدا بهمة وإن استصحب خيلا ورجلا ؛ ~~ورأى حجرها فقدر أنه لا يفك له حجر ، وسوادها فظن أنه لا ينسخه فجر ، وحمية ~~أنف أنفتها فاعتقد أنه لا يستجيب لزجر ؛ من ملوك كلهم قد طوى صدره على ~~الغليل إلى موردها ، ووقف وقفة المحب السائل فلم يفز بما أمل من سؤال ~~معهدها " . وقال من أخرى يصفها : " وهي العقيلة التي صدر الصدور الأول محلا ~~عن وردها ، والطريدة التي حصل منها على راحة يأسه وتعب طردها ؛ والمحجبة ~~التي كشف ستورها ، ودار لعصمتها كسوار معصمها سورها ، وغلت على أنها ~~السوداء على خطابها لأن المهج مهورها ؛ ولربما نأى بجانبه الإعراض ، ونبا ~~جوهرها عن الأعراض ، وطاشت دون أوصافها سهام الأغراض ؛ ودرجت الملوك على ~~حسرتها فلم تحسر لها لثاما ، وما استطاعت لثغرها ثلما ولا له التثاما " . ~~وقال من أخرى يصف قلعة نجم ، وهي من عيون الرسائل ، جاء منها : ~~PageV01P0371 # """""" صفحة رقم 372 """""" " هي نجم في سحاب وعقاب في عقاب ؛ وهامة لها ~~الغمامة عمامة ، وأنملت إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة ؛ عاقدة ~~حبوة صالحها الدهر أن لا يحلها بقرعة بادية عصمة صافحها الزمن على أن لا ~~يروعها بخلعة ؛ فاكتنفت ms0216 بها عقارب منجنيقات لم تطبع طبع حمص في العقارب ، ~~وضربتها بحجارة أظهرت فيها العداوة المعلومة في الأقارب ؛ فلم يكن غير ~~ثلاثة إلا وقد أثرت فيها الحجارة جدريا بضربها ، ولم يصل إلى السابعة إلا ~~والبحر مؤذن بنقبها ؛ فاتسع الخرق على الراقع ، وسقط سعده عن الطالع ، إلى ~~مولد من هو إليها طالع ؛ وفتحت الأبراج فكانت أبوابا ، وسيرت الجبال فكانت ~~سرابا " . وقال من أخرى في فتح بيت المقدس جاء منها : " زاول المدينة من ~~جانب فإذا هو أودية عميقة . ولجج وعر غريقة ؛ وسور قد انعطف عطف السوار ، ~~وأبرجه قد نزلت مكان الواسطة من عقر الدار ؛ وقدم المنجنيقات التي تتولى ~~عقاب الحصون عصيها وحبالها ، وأوتر لهم قسيها التي تضرب ولا تفارق سهامها ~~نصالها ؛ فصافحت السور فإذا سهامها في ثنايا شرفاتها سواك ، وقدم النصر ~~بشرى من المنجنيق تخلد إخلاده إلى الأرض وتعلو علوة إلى السماك ؛ فشج مرابع ~~أبراجها ، وأسمع صوت عجيبها ، ورفع مثار عجاجها ؛ وأسفر النقاب عن الخراب ~~النقاب ، وأعاد الحجر إلى خلقته الأولى من التراب ؛ ومضع سرد حجارته بأنياب ~~مغولة ، وأظهر من صناعته الكثيفة ما يدل على لطافة أنمله وأسمع الصخرة ~~الشريفة أنينه إلى أن كانت ترق لمقتله " . PageV01P0372 # """""" صفحة رقم 373 """""" وقال أيضا من أخرى : " فنصبنا عليها ~~المنجنيقات تمطر سماءها نبل الوبال وتملأ أرضها بالنكاية والنكال ، وتهد ~~بساريات حجارته راسيات الجبال ؛ وتنزل نوازل الأسواء بالأسوار ، وتوسع مجال ~~الدوائر في الديار ، وتخطف بخطافاتها أعمار الأغمار ؛ وتطير حمامها بكتب ~~الحمام وتديم إغراء سهامها في أهلها بتوفير سهام الإرغام ؛ وكشف النقابون ~~نقاب السور المحجوج المحجوب ؛ فتهدم بنيانه ، وتداعت أركانه ، بتظاهر ~~المنجنيقات عليها والنقوب " . ووصف القاضي الفاضل المنجنيق من رسالة فقال : ~~" فسلمت كأنها بنان ، ونضنضت كأنها لسان ، وأطت كأنها مرنان ، واهتزت كأنها ~~جان ، وتقومت كأنها سنان ، وانعطفت كأنها عنان ، وأقدمت كأنها شجاع وأحجمت ~~كأنها جبان . ورمت رؤوسهم الموقرة من أحجارها بأمثال الرؤوس المحلقة ، ~~فأعادتهم إلى الخلقة الأولى مخلقة وغير مخلقة " ووصف النامي المنجنيق فقال ~~: وحسن زيادة غدوة السبت نافثا . . . سماما أراك ابن الأراقم أرقما . نصبت ~~له في الأرض بيت ms0217 حديقة . . . تمد لها في الجو كفا ومعصما . لها أخوات ~~للمنايا كوامن . . . وإن لم يكن ما أضمرته مكتما . PageV01P0373 # """""" صفحة رقم 374 """""" عذاري ، ولكن قد وجدن حواملا . . . بعرس تراه ~~للجنادل مأتما . ترى الصخر فيه الصخر وهو نسيبة . . . عدوا بيوم أرضه تمطر ~~السما . إذا أقعدت جدار قياما رأيتها . . . تنبه قيعانا من الترب نوما . ~~ومما وصفت به المعاقل والحصون نظما . فمن ذلك قول كعب الأشقري ، يصف قلعة : ~~محلقة دون السماء كأنها . . . غمامة صيف زال عنها سحابها . ولا يبلغ الأروى ~~شماريخها العلا ، . . . ولا الطير إلا نسرها وعقابها . ولا خوفت بالذنب ~~ولدان أهلها ، . . . ولا نبحت إلا النجوم كلابها . وقال أبو تمام يصف ~~عمروية : وبرزة الوجه قد أعيت رياضتها . . . كسرى وصدت صدودا عن أبي كرب . ~~بكر ، فما افترعتها كف حادثة . . . ولا ترقت إليها همة النوب . من عهد ~~إسكندر أو قبل ذاك ، فقد . . . شابت نواصي الليالي وهي لم تشب وقال ~~الخالديان : وخلقاء قد تاهت على من يرومها . . . بمرقبها العالي وجانبها ~~الصعب . يزر عليها الجو جيب غمامه . . . ويلبسها عقدا بأنجمه الشهب . ~~PageV01P0374 # """""" صفحة رقم 375 """""" إذا ما سرى برق بدت من خلاله . . . كما لاحت ~~العذراء من خلل الحجب . سموت لها بالرأي يشرق في الدجى . . . ويقطع في ~~الجلى ، ويصدع في الهضب . فأبرزتها مهتوكة الجيب بالقنا . . . وغادرتها ~~ملصوقة الخد بالترب وقالا أيضا في قلعة : وقلعة عانق العيوق سافلها ، . . . ~~وجار منطقة الجوزا أعاليها . لا تعرف القطر ، إذ كان الغمام لها . . . أرضا ~~توطأ قطريه مواشيها . إذا الغمامة لاحت ، خاص ساكنها . . . حياضها قبل أن ~~تهمي عزاليها . يعد من أنجم الأفلاك مرقبها ، . . . لو أنه كان يجري في ~~مجاريها . على ذرى شامخ وعر : قد امتلأت . . . كبرا به ، وهو مملوء بها ~~تيها . له عقاب : غقاب الجو حائمة . . . من دونها ، فهي تخفي في خوافيها . ~~وقال أبو بكر الخوارزمي : وبكر تحامتها البعول مخاقة ، . . . فقد تركت من ~~كثرة المهر أيما . ممنعة لم يغلط الدهر باسمها ، . . . ولم يرها في النوم ~~إلا توهما . تزل عقاب الجو عن شرفاتها . . . وتبغي إليها الريح مرقي وسلما ~~ويسمع في الأفلاك صيحة ديكها . . . فتحسب ديك العرش صاح ترنما ms0218 . عجوز ، ترى ~~في صحة الجسم كاعبا . . . ولو أرخت ، كانت من الدهر أقدما تواري أساسا ~~بالتخوم مؤزرا ، . . . وتبرز رأسا بالنجوم معمما . تنازعها الأرض السماء ~~وتدعي . . . لديها بها حقا لها متهضما . وتحسبها زهر الكواكب كوكبا . . . ~~هوى خلف شيطان رجيم ، فخيما PageV01P0375 # """""" صفحة رقم 376 """""" الباب الخامس من القسم الخامس من الفن الأول ~~" فيما وصفت به القصور والمنازل " ولنبدأ بذكر ما بناه المتوكل من القصور ~~وما أنفق عليها ، ثم نذكر ما قيل في وصفها ، وما وصفت به المنازل الخالية ، ~~وما قيل في حب الوطن . فأما قصور المتوكل ، فهي : الكامل ، والجعفري ، ~~وبركوانا ، والعروس ، والبركة ، والجوسق ، والمختار ، والغريب ، والبديع ، ~~والصبيح ، والمليح ، والقصر ، والبرج ، والمتوكلية ، والقلاية . حكى ~~المؤرخون أنه أنفق في بنائها مائة ألف دينار وخمسون ألف دينار عينا ، ~~ومائتا ألف ألف وثمانية وخمسون ألف ألف وخمسمائة ألف درهم . قالوا : وكان ~~البرج من أحسنها . كان فيه صور عظيمة من الذهب والفضة ، وبركة عظيمة غشي ~~ظاهرها وباطنها بصفائح الفضة ، وجعل عليها شجرة من الذهب فيها طيور تصوت ~~وتصفر سماها طوبى بلغت النفقة على هذا القصر ألف ألف دينار وسبعمائة ألف ~~دينار . وقد وصفه الشعراء ، فمن ذلك قول السرى : مجلس في فناء دجلة ، يرتا ~~. . . ح إليه الخليع والمستور . طائر في الهواء ، فالبرق يسرى . . . دون ~~أعلاه والحمام يطير . فإذا الغيم سار ، أسبل منه . . . حلل دون جدره وستور ~~. وإذا غارت الكواكب صبحا ، . . . فهو الكواكب الذي لا يغور PageV01P0376 # """""" صفحة رقم 377 """""" وقال أيضا : منزل كالربيع حلت عليه . . . ~~حاليات السحاب عقد النطاق . يمتع العين في طرائف حسن . . . تتحامى بها عن ~~الإطراق . بين ساج كأنه ذائب التبر . . . على مثل ذائب الأوراق . وقال أيضا ~~: والقصر يبسم عن وجه الضحى ، فترى . . . وجه الضحى عند ما أبدي له شحبا . ~~يبيت أعلاه بالجوزاء منتطقا ، . . . ويغتدي برداء الغيم محتجبا وقال أبو ~~سعيد الرستمي ، يصف دارا بناه الصاحب بن عباد : وسامية الأعلام تلحظ دونها ~~. . . سنا النجم في آفاقها متضائلا . نسخت بها إيوان كسرى بن هرمز ، . . . ~~فأصبح في أرض المداين عاطلا . فلو أبصرت ذات العماد عمادها ، . . . لامست ~~أعاليها حياء أسافلا . ولو ms0219 لحظت جنات تدمر حسنها ، . . . درت كيف تبني ~~بعدهن المجادلا . متى ترها خلت السماء سرادقا . . . عليها وأعلام النجوم ~~تماثلا . وقال علي بن يوسف الإيادي ، يذكر دارا بناها المعز العبيدي بمصر ~~وسماها العروسين : بنى منظرا يسمى العروسين رفعة ، . . . كأن الثريا عرست ~~في قبابه . إذا الليل أخفاه بحلكة لونه ، . . . بدا ضوءه كالبدر تحت سحابه ~~. تمكن من سعد السعود محله ، . . . فأضحى ومفتاح الغنى فتح بابه . ~~PageV01P0377 # """""" صفحة رقم 378 """""" ولو شاده عزم المعز ورأيه . . . على قدره في ~~ملكه ونصابه ، لكان حصى الياقوت والتبر مفرغا . . . على المسك من أجره ~~وترابه . وقال عبد الجبار بن حمديس الصقلي ، يصف دارا بناها المعتمد بن ~~عباد من أبيات : ويا حبذا دار قضى الله أنها . . . يجدد فيها كل عز ولا ~~يبلى وما هي إلا خطة الملك التي . . . يحط إليها كل ذي أمل رحلا . إذا فتحت ~~أبوابها ، خلت أنها . . . تقول بترحيب لداخلها : أهلا . وقد نقلت صناعها من ~~صفاته . . . إليها أفانينا ، فأحسنت النقلا . فمن صدره رحبا ، ومن نوره سنا ~~، . . . ومن صيته فرعا ، ومن حلمه أصلا فأعلت به في رتبة الملك ناديا ، . . ~~. وقل له فوق السماكين أن يعلى . نسيت به إيوان كسرى ، لأنني . . . أراه له ~~مولى من الحسن لا مثلا . ترى الشمس فيها ليقة تستمدها . . . أكف ، أقامت من ~~تصاويرها شكلا . لها حركات أودعت في سكونها ، . . . فما تبعت من نقلهن يد ~~رجلا . ولما عشينا من توقد نورها ، . . . تخذنا سناه في نواظرنا كحلا . ~~PageV01P0378 # """""" صفحة رقم 379 """""" وقال أيضا من قصيدة يصف فيها دارا بناها ~~المنصور ببجاية ، جاء منها : واعمر بقصر الملك ناديك الذي . . . أضحى بمجدك ~~بيته معمورا قصر لو انك قد كحلت بنوره . . . أعمى ، لعاد على المقام بصيرا ~~. واشتق من معنى الحياة نسيمه ، . . . فيكاد يحدث للعظام نشورا . فلو أن ~~بالإيوان قوبل حسنه ، . . . ما كان شيئا عنده مذكورا . نسي الصبيح مع ~~المليح بذكره ، . . . وسما ففاق خورنقا و سديرا . أعيت مطالعه على الفرس ~~الألى . . . رفعوا البناء وأحكموا التدبيرا . ومضت على القوم الدهور وما ~~بنوا . . . لملوكهم شبها له ونظيرا . أذكرتنا الفردوس حين أريتنا . . . ~~غرفا رفعت بناءها ، وقصورا . فلك من ms0220 الأفلاك ، إلا أنه . . . حقر البدور ~~فأطلع المنصورا . أبصرته فرأيت أبدع منظرا . . . ثم انثنيت بناظري محسورا . ~~وظننت أني حالم في جنة . . . لما رأيت الملك فيه كبيرا . وإذا الولائد فتحت ~~أبوابها ، . . . جعلت ترحب بالعفاة صريرا . عضت على حلقاتهن ضراغم . . . ~~فغرت بها أفواهها تكشيرا . فكأنها لبدت لتهصر عندها . . . من لم يكن بدخوله ~~مأمورا . تجري الخواطر مطلقات أعنة . . . فيه ، فتكبو عن مداه قصورا . ~~PageV01P0379 # """""" صفحة رقم 380 """""" بمرخم الساحات تحسب أنه . . . فرش البها ~~وتوشح الكافورا . ومحصب بالدر تحسب تربه . . . مسكا تضوع نشره وعبيرا . ~~يستخلف الإصباح منه إذا انقضى . . . صبحا على غسق الظلام منيرا . ضحكت ~~محاسنه إليك كأنما . . . جعلت له زهر النجوم ثغورا . ومصفح الأبواب تبرا ~~نظروا . . . بالنقش بين شكوله تنظيرا . تبدو مسامير النضار كما علت . . . ~~فلك النهود من الحسان صدورا . خلعت عليه غلائلا ورسية . . . شمس ترد الطرف ~~عنه حسيرا . فإذا نظرت إلى غرائب حسنه ، . . . أبصرت روضا في السماء نضيرا ~~. وعجبت من خطافي عسجده التي . . . حامت لتبني في ذراه وكورا . وضعت به ~~صناعه أقلامها ، . . . فأرتك كل طريدة تصويرا . فكأنما للشمس فيه ليقة . . ~~. مشقوا بها التزويق والتشجيرا . وكأنما فرشوا عليه ملاءة . . . تركوا مكان ~~وشاحها مقصورا . يا مالك الملك الذي أضحى له . . . ملك السماء على العداة ~~نصيرا . كم من قصور للملوك تقدمت . . . فاستوجبت بقصورك التأجيرا . فعمرتها ~~وملكت كل رياسة . . . منها ، ودمرت العدا تدميرا . وقال عمارة اليمني ، يصف ~~دارا بناه فارس الإسلام من أبيات : فتمل دارا شيدتها همة ، . . . يغدو ~~العسير بأمرها متيسرا . فاقت على الإطلاق كل بنية . . . وسمت بسعدك عزة ~~وتكبرا . أنشأت فيها للعيون بدائعا . . . دقت فأذهل حسنها من أبصرا . ~~PageV01P0380 # """""" صفحة رقم 381 """""" فمن الرخام : مسيرا ، ومسهما ، . . . ومنمنما ~~، ومدرهما ، ومدنرا . وسقيت من ذوب المضار سقوفها . . . حتى يكاد نضارها أن ~~يقطرا . لم يبق نوع صامت أو ناطق . . . إلا غدا فيها الجميع مصورا . فيها ~~حدائق لم تجدها ديمة . . . كلا ولا نبتت على وجه الثرى . لم يبد فيها الروض ~~إلا مزهرا . . . والنخل والرمان إلا مثمرا . والطير مذ وقعت على أغصانها . ~~. . وثمارها لم تستطع أن تنفرا . وبها من الحيوان كل مشبه . . . لبس الحرير ms0221 ~~العبقري مصورا . لا تعدم الأبصار بين مروجها . . . ليثا ولا ظبيا بوجرة ~~أعفرا . أنست نوافر وحشها لسباعها . . . فظبائها لا تتقي أسد الشرى . وكأن ~~صولتك المخيفة أمنت . . . أسرابها أن لا تخاف فتذعرا . وبها زرافات كأن ~~رقابها . . . في الطول ألوية تؤم العسكرا . نوبية المنشا تريك من المها . . ~~. روقا ومن بزل المهاري مشفرا . جبلت على الإيقاع من أعجازها . . . فتخالها ~~في التيه تمشي القهقرى PageV01P0381 # """""" صفحة رقم 382 """""" وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز ، يصف ~~قصرا بناه علي بن تميم بن المعز بمصر : لله ، مجلسك المنيف فبابه . . . ~~بموطد فوق السماك مؤسس . موف على حبك المجرة تلتقي . . . فيه الجواري ~~بالجوار الكنس . تتقابل الأنوار في جنباته . . . فالليل فيه كالنهار المشمس ~~. عطفت حناياه دوين سمائه . . . عطف الأهلة والحواجب والقسي . واستشرفت عمد ~~الرخام وظوهرت . . . بأجل من زهر الربيع وأنفس . فهواؤه من كل قد أهيف ، . ~~. . وقراره من كل خد أملس . فلك تحير فيه كل منجم . . . وأقر بالتقصير كل ~~مهندس . فبدا للحظ العين أحسن منظرا . . . وغدا لطيب العيش خير معرس . ~~فاطلع به قمرا ، إذا ما أطلعت . . . شمس الخدور عليك شمس الأكؤس . فالناس ~~أجمع دون قدرك رتبة . . . والأرض أجمع دون هذا المجلس وقال الوزير أبو ~~سليمان بن أبي أمية : يا دار ، آمنك الزما . . . ن خطوب ونوائبه . وجرت ~~سعودك بالذي . . . يهوى نزيلك دائبه . فلنعم مأوى الضيف أن . . . ت إذا ~~تحاموا جانبه . خطر شأوت الديا . . . ر ، فأذعنت لك قاطبة . PageV01P0382 # """""" صفحة رقم 383 """""" وقال أبو صخر القرطبي : ديار عليها من بشاشة ~~أهلها . . . بقايا ، تسر النفس أنسا ومنظرا . ربوع كساها المزن من خلع ~~الحيا . . . برودا ، وحلاها من النور جوهرا وقال الشريف الرضي : ما زلت ~~أطرق المنازل باللوى . . . حتى نزلت منازل النعمان . بالحيرة البيضاء حيث ~~تقابلت . . . شم العماد ، عريضة الأعطان . شهدت بفضل الرافعين قبابها . . . ~~. ويبين بالبنيان فضل الباني ما ينفع الماضين أن بقيت لهم . . . خطط معمرة ~~بعمر فاني وأما ما وصفت به المنازل الخالية : فمن ذلك ما قاله البحتري يشير ~~إلى الكرمان الذي بناه كسرى أو أنو شروان من أبيات : فكأن الكرمان من عدم ~~الأن . . . س وإخلائه ms0222 بنية رمس . لو تراه ، علمت أن الليالي . . . خلعت في ~~مأتما بعد عرس . وهو ينبيك عن عجائب قوم ، . . . لا يشاب البيان فيها بلبس ~~. وإذا ما رأيت صورة أنطاك . . . ية ارتعت بين روم وفرس . PageV01P0383 # """""" صفحة رقم 384 """""" والمنايا مواثل وأنو شروا . . . ن يزجي ~~الصفوف تحت الدرفس وقال أيضا من قصيدة يرثى فيها المتوكل ، ويذكر قصره ~~الجعفري : محل على القاطول أخلق داره ، . . . وعادت صروف الدهر جيشا تعاوره ~~. كأن الصبا توفي نذورا ، إذا انبرت . . . تجر به أذيالها وتباكره . ورب ~~زمان ناعم تم عهده ، . . . ترق حواشيه ويونق ناظره . تغير حسن الجعفري ~~وأنسه . . . وقوض بادي الجعفري وحاضره . تحمل عنه ساكنوه فجاءة ، . . . ~~فعادت سواء دوره ومقابره إذا نحن زرناه ، أجد لنا الأسى ؛ . . . وقد كان ~~قبل اليوم يبهج زائره . ولم أنس وحش القصرإذريع سربه . . . وإذ ذعرت أطلاؤه ~~وجآذره . وإذ صيح فيه بالرحيل فهتكت . . . على عجل أستاره وسرائره . وأوحشه ~~حتى كأن لم يكن به . . . أنيس ولم تحسن العين مناظره . كأن لم تبت فيه ~~الخلافة طلقة . . . بشاشتها ، والملك يشرق زاهره . ولم تجمع الدنيا إليه ~~بهاءها . . . وبهجتها والعيش غض مكاسره . فأين الحجاب الصعب حيث تمنعت . . ~~. بهيبتها أبوابه وستائره ؟ وأين عمود الملك في كل نوبة . . . تنوب وناهي ~~الدهر فيه وآمره ؟ PageV01P0384 # """""" صفحة رقم 385 """""" وقال عمرو ابن أبي ربيعة : يا دار أمسى دارسا ~~رسمها . . . وحشا قفارا ما بها آهل . قد جرت الريح بها ذيلها . . . واستن ~~في أطلالها الوابل . وقال شاعر أندلسي : قلت يوما لدار قوم تفانوا : . . . ~~أين سكانك الكرام لدينا ؟ فأجابت : هنا أقاموا قليلا . . . ثم ساروا ، ولست ~~أعلم أينا وقال عبد الله بن الخياط الأندلسي : يا دار علوة ، قد هيجت لي ~~شجنا . . . وزدتني حزنا حييت من دار كم بت فيك على اللذات معتكفا . . . ~~والليل مدرع ثوبا من القار كأنه راهب في المسح ملتحف ، . . . شد المجر له ~~وسطا بزنار وقال أبو حامد أحمد الأنطاكي : إن ربعا عرفته مألوفا . . . كان ~~للبيض مربعا ومصيفا . غيرت آيه صروف الليالي ، . . . وغدا عنه حسنه مصروفا ~~. ما مررنا عليه إلا وقفنا . . . وأطلنا شوقا إليه الوقوفا . ألفا للبكاء ~~فيه كأني . . . لم ms0223 أكن فيه للغواني أليفا . حاسدا للجفون لما أذالت . . . ~~في مغانيه دمعها المذروفا وقال الشريف الرضي من أبيات : ولقد رأيت بدير هند ~~منزلا . . . ألما من الضراء والحدثان PageV01P0385 # """""" صفحة رقم 386 """""" بالي المعالم أطرقت شرفاته . . . إطراق منجذب ~~القرينة عانى . أمقاصر الغزلان غيرك البلى . . . حتى غدوت مراتع الغزلان ~~وملاعب الأنس الجميع طوى الردى . . . منهم فصرت ملاعب الجنان وقال أبو ~~الحسن علي القابوسي نثرا : " قد كان منزله مألف الأضياف ، ومأنس الأشراف ، ~~ومنتجع الركب ، ومقصد الوفد ؛ فاستبدل بالأنس وحشه ، وبالنضارة غبره ، ~~وبالضياء ظلمه ؛ واعتاض من تزاحم المواكب ، بالأدم النوادب ؛ ومن ضجيج ~~النداء والصهيل ، عجيج البكاء والعويل " . ومن رسالة لضياء الدين بن الأثير ~~الجزري ، جاء منها : " دار لعبت بها أيدي الزمن ، وفرت بين الساكن والسكن . ~~كانت مقاصير جنة ، فأضحت وهي ملاعب جنة . ولقد عميت أخبار قطانها وعفت ~~آثارها آثار وطانها ، حتى شابهت إحداهما في الجفا الأخرى في العفا . وكنت ~~أظن أنها لا تسقى بعدهم بغمام ، ولا يرفع عنها جلباب ظلام ؛ غير أن السحاب ~~بكاهم وأجرى بها سوافح دموعه ، والليل شق عليهم جيوبه فظهر الصباح من خلال ~~صدوعه " . ومما قيل في حب الأوطان قال ابن الرومي " وهو أول من بين السبب ~~في حب الوطن " : ولي منزل ، آليت أن لا أبيعه . . . وأن لا أرى غيري له ~~الدهر مالكا عهدت به شرخ الشباب ونعمة . . . كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا . ~~فقد ألفته النفس حتى كأنه . . . لها جسد ، إن غاب غودرت هالكا . ~~PageV01P0386 # """""" صفحة رقم 387 """""" وحبب أوطان الرجال إليهم . . . مآرب قضاها ~~الشباب هنالكا . إذا ذكروا أوطانهم ، ذكرتهم . . . عهود الصبا فيها فحنوا ~~لذلكا ذكر شيء مما قيل في الحمام قال إبراهيم بن خفاجة الأندلسي : أهلا ~~ببيت النار من منزل . . . شيد لأبرار وفجار يدخله ملتمس لذة . . . فيدخل ~~الحنة في النار وقال أبو عامر بن شهيد الأندلسي : نعم ، أبا عامر بلذته . . ~~. وأعجب لأمرين فيه قد جمعا نيرانه من زنادكم قدحت . . . وماءه من بنانكم ~~نبعا وقال علي بن عطية البلنسي : رب حمام تلظى . . . كتلظي كل وامق . ثم ~~أذرت عبرات . . . صوبها بالوجد ناطق . فغدا مني ومنه ms0224 . . . عاشق في جوف ~~عاشق وقال أبو طالب المأموني ، شاعر اليتيمة : وبيت كأحشاء المحب دخلته . . ~~. ومالي ثياب فيه غير إهابي PageV01P0387 # """""" صفحة رقم 388 """""" أرى محرما فيه وليس بكعبة . . . فما ساغ إلا ~~فيه خلع ثيابي . بماء كدمع الصب في حر قلبه . . . إذا آذنت أحشاؤه بذهاب . ~~توهمت فيه قطعة من جهنم . . . ولكنها من غير مس عقاب . يثير ضبابا بالبخار ~~مجدلا . . . بدور زجاج في سماء قباب وقال آخر : إن حمامك هذا . . . غير ~~مذموم الجوار . ما رأينا قبل هذا . . . جنة في وسط نار وأنشدني جمال الدين ~~محمد بن الحكم لنفسه : قالوا : نراك دخلت حماما وما . . . حلف الهوى يلتذ ~~بالأهواء . فأجبتهم : لم تكف أدمع مقلتي . . . حتى بكيت بحمله الأعضاء . تم ~~السفر الأول PageV01P0388 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الثانى PageV02P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ### | AUT الفن الثاني الإنسان وما يتعلق به # وهذا الفن قد اشتمل على معان مؤنسة للسامع ، مشنفة للمسامع ؛ مرصعة ~~لصدور الطروس والدفاتر ، جاذبة لنوافر القلوب والخواطر ؛ واضحة البيان ، ~~معربة عن وصف الإنسان . فمن تشبيهات فائقة ، وغزليات رائقة ؛ وأنساب طاهرة ~~، ووقائع ظاهرة ؛ وأمثال امتدت أطنابها ، وتبينت أسبابها ؛ وأوابد جعلتها ~~العرب لها عادة ودليلا ، واتخذتها ضلالة وتبديلا ؛ ونصبتها أحكاما ونسكا ، ~~وصيرتها عبادة ومداواة فتبوأت بها من النار دركا ؛ وشي من أخبار الكهان ، ~~وزجر عبدة الأوثان ؛ وكنايات نقلت الألفاظ إلى معان أبهى من معانيها ، ~~وبلغت النفوس بعذوبتها غاية أمانيها ؛ وألغاز غورت بالمعاني وأنجدت ، ~~وأشارت إليها بالتأويل حتى إذا قربتها من الأفهام أبعدت ؛ ومدائح رفعت ~~للممدوح من الفضل منارا ، وأهاجي صيرت المهجو PageV02P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" من القوم يتوارى ؛ ومجون ترتاح إليها عند ~~خلوتها النفوس ، ويبتسم عند سماعها ذو الوجه العبوس ؛ وشيء مما قيل في ~~الخمر والمعاقرة ، وأرباب الطرب وذوي المسامرة ؛ وتهان نشرت من البشائر ~~ملاء ، ورفعت من المخامد لواء ؛ وتعاز حسرت نقاب الحسرات ، وأبرزت مصون ~~العبرات . وأوردت فيه نبذة من الزهد والإنابة ، وجملة من الدعوات المستجابة ~~. وطرزته بذكر ملك ، مد رواق العدل ، ونشر لواء الفضل ؛ وقام بفروض الجهاد ~~وسننه ، وأراع العدو في حالتي يقظته ووسنه ؛ وعم الأولياء بمواصلة بره ~~وموالاة نواله ms0225 ، وقهر الأعداء بمراسلة سهامه ومناضلة نصاله ؛ وشمل رعاياه ~~بعدله وجوده ، وأردف سراياه بجيوشه وجنوده ، فهو الملك الذي جمع بين شدة ~~البأس ، ولين الندى ، وأزال مرارة الإياس ، بحلاوة العطا . وما يحتاج إليه ~~لإقامة المملكة : من نائب ناهيك به من نائب ، يكف بعزمه كف الحوادث ويفل ~~بحزمه ناب النوائب ؛ وينصف الضعيف من القوى ، ويفرق ببديهته بين المريب ~~والبري ؛ ويتفقد أحوال الجيوش ويصرف همته إليهم ، ويجعل اهتمامه بهم وفكرته ~~فيهم وتعويله عليهم ؛ إلى غير ذلك من استكمال عددها ، والمطالبة بعرض ~~خيولها وإصلاح عددها ؛ وسد ثغور الممالك ، وضبط الطرق وتسهيل المسالك ؛ ~~وقمع PageV02P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" المفسدين ، وإرغام الملحدين ؛ وبث السرايا ، ~~وتيسير ، الأرزاق والعطايا . ووزير يشيد قواعد ملكه بحسن تدبيره وجميل ~~سداده ، ويعمل فكره فيما يستقر بسببه نظام الملك على مهاده ؛ ويأمر بتحصيل ~~الأموال من جهات حلها ، ويقر مناصب الدولة الشريفة في الكفاة من أهلها ؛ ~~ويتصفح الأقاليم والمعاملات والأعمال ، ويستكفي لمباشرتها أمناء النظار ~~ومحققي المستوفين وكفاة العمال . وقائد جيوش إن انتدبه للقاء عدو بدر ~~الكتائب ، وأنهل من دمائهم السمر العوالي وعلا هامهم بالبيض القواضب ؛ ~~تتبعه عساكر تنفر قلوبهم عهن الفرار ، ويحلوا من قاتلهم من أعداء الله دار ~~البوار ؛ يدرعون السابرية الذوائل ، ويعتقلون السمهرية الذوابل ؛ ويتقلدون ~~المشرفية البواتر ؛ ويتنكبون القسي النواتر ، ويمتطون من كل جواد صفا منه ~~أديمه وعيناه وحوافره ، واتسع منه جوفه وجبهته ومناخره ؛ وطال منه أنفه ~~وعنقه وذراعه ، وقصر منه ظهره وساقه وعسيبه وامتد عند الحضر باعه : فهو من ~~أكرم الأصائل ، PageV02P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" والمعني بقول القائل : وقد أغتدي قبل ضوء ~~الصباح . . . وورد القطا في الغطاط الحثاث بصافي الثلاث عريض الثلاث . . . ~~قصير الثلاث طويل الثلاث وذكرت ما ورد في فضل الرباط والجهاد ، وما أعد ~~الله تعالى من الثواب لمن أنفق فيه الطوارف والتلاد ؛ وبذل الكريمين : ~~النفس والمال لحسن المآل ؛ وهجر الحبيبين : الوطن والعيال لبلوغ الآمال . ~~ومن قاض يحكم بين الناس بالعدل ، ويقدم ذوي النباهة والفضل . ومتولي مظالم ~~يردها على أهلها بقهره وسلطانه ، وسطوته وأعوانه . وناظر حسبة يجري الأمور ~~على قواعدها الشرعية ، وأوضاعها العرفية وقوانينها ms0226 المرضية . إلى غير ذلك : ~~من كاتب ، ذي رأي صائب ، وفهم ثاقب ؛ انقادت له المعاني بأسهل زمام ، وأغنت ~~صحائفه عن صفحات PageV02P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" الحسام : لو لاحظت عين ابن أوس كتبه . . . ما ~~قال : " إن السيف منها أصدق " وكاتب خراج ضبط بقلمه الأموال ، وحرر بنباهته ~~الغلال ؛ وبسط الموازين ، ووضع القوانين ؛ وفصل بين الخراجي والهلالي ، ~~وميز ما بين الأعمال والتوالي . وما لا بد للملك منه من خواص جبلت على ~~محبته قلوبهم ، وتجافت عن المضاجع في خدمته جنوبهم . ومن معقل شمخ على ~~الجوزاء بأنفه ، واتخذ الثريا وشاحا لعطفه ؛ توارى في قرار التخوم أساسه ، ~~ولاح للساري ككوكب الظلماء مقباسه . فالأرض تدعيه : لأنه ثبت على مناكبها ، ~~والسماء تنازعها فيه : لأنه تمنطق بكواكبها ؛ والجبال تقول مني اتخذت ~~أحجاره ، والمياه تقول علي استقر قراره ؛ وجفن السحاب يهمع PageV02P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" لانحطاطه عن هذه الرتبة ، والطير تقول إن لم ~~أبلغه فقد اتحد به من بيني وبينه نسبه . وضمنت هذا الفن من المنقول ما يسهل ~~تعاطيه على الأفهام ، ووضعته على خمسة أقسام . PageV02P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" القسم الأول اشتقاقه ، وتسميته ، وتنقلاته ، ~~وطبائعه . . ، ووصفه ، وتشبيهه . والغزل ، والنسب ، والهوى ، والمحبة ، ~~والعشق ، والأسباب وفيه أربعة أبواب الباب الأول من القسم الأول من الفن ~~الثاني اشتقاقه ، وتسميته ، . . وتنقلاته ، وطبائعه ، وما يتصل بذلك فأما ~~اشتقاقه وتسميته ، فقد اختلف الناس في ذلك : هل هو من الأنس الذي هو نقيض ~~الوحشة ، أو النوس الذي هو نقيض السكون ، أو الإيناس الذي هو بمعنى الإبصار ~~، أو النسيان الذي هو نقيض الذكر . قال الشريف السيد ضياء الدين أبو ~~السعادات هبة الله المعروف بابن الشجري في أماليه في المجلس التاسع عشر وهو ~~يوم السبت سابع عشر رجب سنة أربع وعشرين وخمسمائة في شرح قول أعشى تغلب : ~~وكانوا أناسا ينفحون فأصبحوا ، . . . وأكثر ما يعطونك النظر الشزر قوله : " ~~وكانوا أناسا ينفحون " وزن أناس فعال ، وناس منقوص منه عند أكثر النحويين : ~~فوزنه عال . والنقص والإتمام فيه متساويان في كثرة الاستعمال ما دام ~~PageV02P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" منكورا . فإذا دخلت عليه الألف واللام ، ~~التزموا فيه الحذف ، فقالوا ms0227 " الناس " ولا يكادون يقولون " الأناس " إلا في ~~الشعر . كقوله : إن المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا وحجة هذا المذهب ~~وقوع الأنس على الناس . فاشتقاقه من الأنس نقيض الوحشة : لأن بعضهم يأنس ~~إلى بعض . وبه أخذ بعض الشعراء في قوله : وما سمي الإنسان إلا لأنسه . . . ~~ولا القلب إلا أنه يتقلب قال : وذهب الكسائي إلى أن " الناس " لغة مفردة ، ~~وهو اسم تام وألفه منقلبة عن واو ، واستدل بقول العرب في تحقيره نويس . قال ~~: ولو كان منقوصا من أناس لرده التحقير إلى أصله ، فقيل " أنيس " . وقال ~~بعض من وافق الكسائي في هذا القول : إنه مأخوذ من النوس ، مصدر ناس ينوس ~~إذا تحرك . ومنه قيل لملك من ملوك حمير ذو نواس : لضفيرتين كانتا تنوسان ~~على عاتقه . قال الفراء : والمذهب الأول أشبه ، وهو مذهب المشيخة . وقال ~~أبو علي الفارسي : أصل الناس الأناس . فحذفت الهمزة التي هي فاء ويدلك على ~~ذلك الإنس والأناسي . فأما قولهم في تحقيره نويس فإن الألف لما ~~PageV02P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" صارت ثانية وهي زائدة أشبهت ألف فاعل . يعني ~~أنها أشبهت بكونها ثانية وهي زائدة ألف " ضارب " فقيل نويس ، كما قيل ضويرب ~~. وقال سلمة بن عاصم ، وكان من أصحاب الفراء : الأشبه في القياس أن يكون كل ~~واحد منهما أصلا بنفسه فأناس من الأنس ، وناس من النوس لقولهم في تحقيره ~~نويس كبويب في تحقير باب . هذا ما قاله ابن الشجري في أماليه . وذهب أبو ~~عمرو الشيباني : أنه مشتق من الإيناس ، الذي هو بمعنى الإبصار ؛ وحجته قوله ~~تعالى : " إني آنست نارا " أي أبصرت نارا . وذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من ~~النسيان ، وحجتهم أن أصله إنسيان . فحذفت الياء تخفيفا وفتحت السين لأن ~~الألف تطلب فتح ما قبلها . ولأن العرب حين صغرته قالت فيه أنيسيان ، فزادت ~~الياء . والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها ، ولو لم تكن في المكبر لما ردت ~~في المصغر . وبه أخذ أبو تمام في قوله : لا تنسين تلك العهود فإنما . . . ~~سميت إنسانا لأنك ناسي وأنكر البصريون ذلك ، وقالوا : لا حجة فيه ، لأن ~~العرب قد صغرت أشياء ms0228 على غير قياس كما قالوا في تصغير رجل بمعنى راجل رويجل ~~، وفي تصغير ليلة لييلة . وفي تصغير عشية عشيشة . وقال ابن عباس : إنما سمي ~~الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه فنسي . وهذا هو الأرجح والله تعالى أعلم . ~~PageV02P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" فصل قال أحمد بن محمد بن عبد ربه صاحب العقد ~~في كتابه يرفعه إلى وهب بن منبه إنه قال : قرأت في " التوراة " أن الله عز ~~وجل حين خلق آدم ركب جسده من أربعة أشياء ؛ ثم جعلها وراثة في ولده ، تنمى ~~في أجسادهم وينمون عليها إلى يوم القيامة . رطب ، ويابس ، وسخن ، وبارد . ~~قال : وذلك أن الله سبحانه وتعالى خلقه من تراب وماء ، وجعل فيه يبسا ~~ورطوبة ، فيبوسة كل جسد من قبل التراب ، ورطوبته من قبل الماء ، وحرارته من ~~قبل النفس ، وبرودته من قبل الروح . ثم خلق للجسد بعد هذا الخلق الأول ~~أربعة أنواع أخر وهي ملاك الجسد وقوامه ، لا يقوم الجسد إلا بهن ، ولا تقوم ~~واحدة منهن إلا بالأخرى : المرة السوداء ، والمرة الصفراء ، والدم الرطب ~~الحار ، والبلغم البارد . ثم أسكن بعض هذا الخلق في بعض ، فجعل مسكن ~~اليبوسة في المرة السوداء ، ومسكن الرطوبة في الدم ، ومسكن البرودة في ~~البلغم ، ومسكن الحرارة في المرة الصفراء . فأيما جسد اعتدلت فيه هذه الفطر ~~الأربع وكانت كل واحدة فيه وفقا لا تزيد ولا تنقص ، كملت صحته واعتدل بناؤه ~~. فإن زادت واحدة منهن عليهن وقهرتهن ومالت بهن ، دخل على أخواتها السقم من ~~ناحيتها بقدر ما زادت ؛ وإن كانت ناقصة عنهن ، ملن بها وعلونها وأدخلن ~~عليها السقم من نواحيهن ، لغلبتهن عليها حتى تضعف عن طاقتهن وتعجز عن ~~مقاومتهن . قال وهب : وجعل عقله في دماغه ، وشرهه في كليتيه ، وغضبه في ~~كبده ، وصرامته في قلبه ، ورغبته في رئته ، وضحكه في طحاله ، وحزنه وفرحه ~~في وجهه . وجعل فيه ثلاثمائة وستين مفصلا . PageV02P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" ويقال : إنما لقب الإنسان بالعالم الصغير ، ~~لأنهم مثلوا رأسه بالفلك ، ووجهه بالشمس إذ لا قوام للعالم إلا بها كما لا ~~قوام للجسد إلا بالروح ، وعقله بالقمر لأنه ms0229 يزيد وينقص ويذهب ويعود ؛ ~~ومثلوا حواسه الخمس ببقية الكواكب السيارة ، وآراءه بالنجوم الثابتة ، ~~ودمعه بالمطر ، وصوته بالرعد ، وضحكه بالبرق ، وظهره بالبر ، وبطنه بالبحر ~~، ولحمه بالأرض ، وعظامه بالجبال ، وشعره بالنبات ، وأعضاءه بالأقاليم ، ~~وعروقه بالأنهار ، ومغار عروقه بالعيون . ومنها : أن فيه ما يشاكل الجمعة ، ~~والشهر ، والأيام ، والسنة . أما أيام الجمعة ، فإن بدنه سبعة أجزاء ، وهي ~~اللحم ، والعظام ، والعروق ، والأعصاب ، والدم ، والجلد ، والشعر . وأما ~~الشهور ، فإن لبدنه أثنى عشر جزءا مدبرة : ستة منها باطنة ؛ وهي الدماغ ، ~~والقلب ، والكبد ، والطحال ، والمعدة ، والكليتان ؛ وستة ظاهرة ، وهي العقل ~~، والحواس الخمس ؛ فهذه الاثنا عشر مقابلة لشهور السنة . وأما الأيام ، فإن ~~فيه ثلاثمائة وستين عظما ؛ منها ما هو لبنية الجسد مائتان وثمانية وأربعون ~~عظما . والإنسان ينقسم إلى أربعة أنواع : الرأس ، واليدان ، والبدن ، ~~والرجلان ، ففي الرأس اثنتان وأربعون عظما ؛ وفي اليدين اثنان وثمانون عظما ~~؛ وفي البدن أربعون عظما ؛ وفي الرجلين أربعة وثمانون عظما ؛ والباقي ~~سمسمانية لسد الفروج التي تكون بين العظام . وفيه ثلاثمائة وستون عرقا . ~~وأما فصول السنة : فإن فيه أربعة أخلاط طبعها طبع الفصول الأربعة ، فالدم ~~كالربيع في حرارته ورطوبته ، والمرة الصفراء كالصيف في حره ويبسه ، والمرة ~~السوداء كالخريف في برده ويبسه ، والبلغم كالشتاء في برده ورطوبته . وهذه ~~الأخلاط من أول مزاج الأركان التي هي العناصر الأربعة ، وهي : النار ، ~~والهواء ، والماء ، والأرض . PageV02P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" فصل إلى أن يتناهى : قال الله تبارك وتعالى : ~~" يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبيين لكم ونقر في الأرحام ما ~~نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم ~~من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا " . وقال تعالى : " ~~ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا ~~النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم ~~أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين " . وقال عز ms0230 وجل : " هو الذي ~~خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم ~~لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون " . ~~وفي الحديث الصحيح عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إن ~~أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة ~~مثل ذلك ، ثم يبعث الله تعالى ملكا فيؤمر بأربع : برزقه وأجله وشقي أو سعيد ~~" ، الحديث . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " وكل الله بالرحم ~~ملكا : فبقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا أراد الله أن يقض ~~خلقها قال : أي رب ذكر أم أنثى ؟ أشقي أم سعيد ؟ فما الرزق ؟ فما الأجل ؟ ~~فيكتب كذلك في بطن أمه . خرج ذلك البخاري في صحيحه في باب القدر . وقال ~~الثعلبي في تفسير قوله تعالى " لتركبن طبقا عن طبق " : PageV02P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" " قالت الحكماء : يشتمل الإنسان من كونه نطفة ~~إلى أن يهرم ويموت على سبعة وثلاثين حالا ، وسبعة وثلاثين اسما : نطفة ، ثم ~~علقة ، ثم مضغة ، ثم عظما ، ثم خلقا آخر ، ثم جنينا ، ثم وليدا ، ثم رضيعا ~~، ثم فطيما ، ثم يافعا ، ثم ناشئا ، ثم مترعرعا ، ثم حزورا ، ثم مراهقا ، ~~ثم محتلما ، ثم بالغا ، ثم أمرد ، ثم طارا ، ثم باقلا ، ثم مسيطرا ، ثم ~~مصرخا ، ثم مختطا ، ثم صملا ، ثم ملحيا ، ثم مستريما ، ثم مصعدا ، ثم ~~مجتمعا . وقال غيره : ما دام الولد في الرحم ، فهو جنين ؛ فإذا ولد ، فهو ~~وليد ، وما دام لم يستتم سبعة أيام ، فهو صديغ : لأنه لم يشتد صدغه إلى ~~تمام السبعة ؛ ثم ما دام يرضع ، فهو رضيع ؛ فإذا قطع عنه اللبن ، فهو فطيم ~~؛ ثم إذا غلظ وذهبت عنه ترارة الرضاعة ، فهو جحوش . قال الهذلي : قتلنا ~~مخلدا وابني خراق . . . وآخر جحوشا فوق الفطيم ثم إذا دب ونما ، فهو دارج . ~~فإذا بلغ طوله خمسة أشبار ، فهو خماسي . فإذا سقطت رواضعه ، فهو مثغور . ~~فإذا نبتت أسنانه بعد السقوط ، فهو مثغر ومتغر معا . فإذا تجاوز ms0231 عشر سنين ~~أو جاوزها ، فهو مترعرع وناشئ . فإذا كاد أن يبلغ الحلم أو بلغه ، فهو يافع ~~ومراهق . PageV02P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" فإذا احتلم واجتمعت قوته ، فهو حزور ؛ واسمه ~~في جميع هذه الأحوال التي تقدم ذكرها غلام . فإذا احضر شاربه وأخذ عذاره ~~يسيل ، قيل فيه قد بقل وجهه . فإذا صار ذا فتاء ، فهو فتى وشارخ . فإذا ~~اجتمعت لحيته وبلغ غاية سبابه ، فهو مجتمع . ثم ما دام بين الثلاثين ~~والأربعين ، فهو شاب ، ثم هو كهل إلى أن يستوف الستين . فصل في ظهور الشيب ~~وعمومه يقال للرجل أول ما يظهر به الشيب ، قد وخطه الشيب . فإذا زاد ، قيل ~~خصفه وخوصه . فإذا ابيض بعض رأسه ، قيل قد أخلس رأسه ، فهو مخلس . فإذا غلب ~~بياضه سواده ، فهو أغثم . فإذا شمطت مواضع من لحيته ، قيل وخزه القتير ~~ولهزه . PageV02P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" فإذا كثر فيه الشيب وانتشر ، قيل فيه قد تقشع ~~فيه الشيب . ويقال أيضا : شاب الرجل ، ثم شمط ، ثم شاخ ، ثم كبر ، ثم توجه ~~، ثم دلف ، ثم دب ، ثم مج ، ثم هدج ، ثم ثلب ، ثم الموت . وقيل : ما السرور ~~؟ قال : إدراك الحقيقة ، واستنباط الدقيقة . وأما النفس الغضبية ، فهم ~~صاحبها منافسة الأكفاء ومغالبة الأقران ومكاثرة العشيرة . ومن ذلك ما أجاب ~~به حصين بن المنذر ، وقد قيل له : ما السرور ؟ قال : لواء منشور ، والجلوس ~~على السرير ، والسلام عليك أيها الأمير . وقيل للحسن بن سهل : ما السرور ؟ ~~قال : توقيع جائر ، وأمر نافذ . وقيل لعبد الله بن الأهتم : ما السرور ؟ ~~قال : رفع الأولياء ، ووضع الأعداء ، وطول البقاء ، مع الصحة والنماء . ~~وقيل لزياد : ما السرور ؟ قال : من طال عمره ، ورأى في عدوه ما يسره . ~~PageV02P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" وقيل لأبي مسلم ، صاحب الدعوة : ما السرور ؟ ~~قال : ركوب الهمالجة ، وقتل الجبابرة . وقيل له : ما اللذة ؟ قال : إقبال ~~الزمان ، وعز السلطان . وأما النفس البهيمية ، فهم صاحبها طلب الراحة . ~~وانهماك النفس على الشهوة من الطعام والشراب والنكاح . وعلى هذه الطبيعة ~~البهيمية قسمت الفرس دهرها كله ، فقالوا : يوم المطر للشرب ، ويوم الريح ~~للنوم ، ويوم الدجن للصيد ، ويوم ms0232 الصحو للجلوس . قيل : ولما بلغ ابن خالويه ~~ما قسمته الفرس من أيامها قال : ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم " يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون " . ولكن نبينا ( صلى الله ~~عليه وسلم ) جزأ نهاره ثلاثة أجزاء : جزءا لله ، وجزءا لأهله ، وجزءا لنفسه ~~؛ ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس ، فكان يستعين بالخاصة على العامة ، ويقول : ~~" أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي . فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع ، ~~آمنه الله يوم الفزع الأكبر " . قالوا : والطبيعة البهيمية هي أغلب الطبائع ~~على الإنسان : لأخذها بمجامع هواه ، وإيثار الراحة وقلة العمل . ومن ذلك ~~قولهم : الرأى نائم ، والهوى يقظان ؛ وقولهم : الهوى إله معبود . ~~PageV02P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" ومن ذلك ما أجاب به امرؤ القيس ، وقد قيل له : ~~ما السرور ؟ فقال : بيضاء رعبوبة ، بالطيب مشبوبة ، باللحم مكروبة . وكان ~~مفتونا بالنساء . وقيل لأعشى بكر : ما السرور ؟ قال : صهباء صافية ، تمزجها ~~ساقية ، من صوب غادية . وكان مغرما بالشراب . وقيل لطرفة بن العبد : ما ~~السرور ؟ قال : مطعم هني ، ومشرب روي ، وملبس دفي ، ومركب وطي . وكان يؤثر ~~الخفض والدعة . وهو القائل : فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى . . . وعيشك لم ~~أحفل متى قام عودي فمنهن سبقي العاذلات بشربة . . . كميت متى ما تعل بالماء ~~تزبد وكري إذا نادى المضاف محنبا . . . كسيد الغضا نبهته المتورد وتقصير ~~يوم الدجن ، والدجن معجب ، . . . ببهكنة تحت الخباء المعمد وسمع هذه ~~الأبيات عمر بن عبد العزيز فقال : وأنا لولا ثلاث لم أحفل متى قام عودي : ~~لولا أن أعدل في الرعية ، وأقسم بالسوية ، وأنفر في السرية . وقال عبد الله ~~بن نهيك ، عفا الله تعالى عنه : فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى . . . وعيشك ، ~~لم أحفل متى قام رامس فمنهن سبق العاذلات بشربة . . . كأن أخاها مطلع الشمس ~~ناعس PageV02P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" ومنهن تجريد الكواعب كالدمى . . . إذا ابتر عن ~~أكفالهن الملابس ومنهن تقريط الجواد عنانه . . . إذا ابتدر الشخص الخفي ~~الفوارس وقيل ليزيد بن مزيد : ما السرور ؟ فقال : قبلة على غفلة : وقيل ~~لحرقة بنت النعمان : ما كانت لذة أبيك ؟ قالت : شرب الجريال ms0233 ، ومحادثة ~~الرجال . وقيل للحسن بن هانئ : ما السرور ؟ فقال : مجالسة الفتيان ، في ~~بيوت القيان ، ومنادمة الإخوان ، على قضب الريحان ؛ ثم أنشد : قلت بالقفص ~~لموسى ، . . . ونداماي نيام : يا رضيعي ثدي أم . . . ليس لي عنه فطام إنما ~~العيش سماع . . . ومدام وندام . فإذا فاتك هذا ، . . . فعلى الدنيا السلام ~~الباب الثاني من القسم الأول من الفن الثاني أعضاء الإنسان وتشبيهها وما ~~وصف به طيب الريق والنكهة ، وحسن الحديث ، والنعمة ، واعتدال القدود ، ووصف ~~مشي النساء . وهو مرتب على ترتيب بنية الإنسان في المذكر والمؤنث . ~~PageV02P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" فأما الشعر وما قيل فيه قال الثعالبي عن أئمة ~~اللغة : العقيقة ، الشعر الذي يولد به الإنسان . الفروة ، شعر معظم الرأس . ~~الناصية ، شعر مقدم الرأس . الذؤابة ، شعر مؤخر الرأس . الفرع ، شعر رأس ~~المرأة . الغديرة ، شعر ذؤابتها . الغفر ، شعر ساقها . الدبب ، شعر وجهها . ~~الوفرة ، ما بلغ شحمة الأذن من الشعر . اللمة ، ما ألم بالمنكب منه . الطرة ~~، ما غشى الجبهة منه . الجمة والغفرة ، ما غطى الرأس منه . الهدب ، شعر ~~أشفار العين . الشارب ، شعر الشفة العليا . العنفقة ، شعر الشفة السفلى . ~~المسربة ، شعر الصدر . وفي الحديث أنه كان عليه الصلاة والسلام دقيق ~~المسربة . الشعرة ، العانة . الإسب ، شعر الأست . الزبب ، شعر بدن الرجل . ~~ويقال بل هو كثرة الشعر في الأذنين . PageV02P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" فصل في تفصيل أوصافه يقال : شعر جفال ، إذا ~~كان كثيرا . ووحف ، إذا كان متصلا . وكث ، إذا كان كثيرا كثيفا مجتمعا . ~~ومعلنكس ، ومعلنكك ، إذا زادت كثافته . ومنسدر ، إذا كان منبسطا . وسبط ، ~~إذا كان مسترسلا . ورجل ، إذا كان غير جعد ولا سبط . وقطط ، إذا كان شديد ~~الجعودة . ومقلعط ، إذا زاد على القطط . ومفلفل ، إذا كان نهاية في الجعودة ~~كشعر الزنج . وسخام ، إذا كان حسنا لينا . ومغدودن ، إذا كان طويلا ناعما . ~~وقال الأصمعي : من لم يخف شعره قبل الثلاثين لم يصلع أبدا ؛ ومن لم يحمل ~~اللحم قبل الثلاثين لم يحمله أبدا . وصف به الشعر قال نصر بن أحمد ، عفا ~~الله تعالى عنه : سلسل الشعر فوق وجه ، فحاكى . . . ظلمة الليل فوق ضوء ~~الصباح PageV02P0022 # """""" صفحة رقم ms0234 23 """""" وقال ابن الرومي : وفاحم وارد يقبل مم . . . ~~شاه إذا اختال مرسلا غدره أقبل كالليل من مفارقه . . . منحدرا لا يذم ~~منحدره حتى تناهى إلى مواطنه . . . يلثم من كل موطئ عفره كأنه عاشق دنا ~~شغفا . . . حتى قضى من حبيبه وطره وقال فتح الدين بن عبد الظاهر : حل ثلاثا ~~يوم حمامه . . . ذوائبا يعبق منها الغوال فقلت ، والقصد ذؤاباته : . . . يا ~~سهري في ذي الليال الطوال وقال آخر : قد علق القلب بدبوقة . . . وجن منها ~~فهو مفتون ؟ واعجيا للعشق في حكمه . . . بشعرة قيد مجنون وقال آخر : رأيت ~~على قد الحبيب ذؤابة . . . فعيني على تلك الذؤابة تهمع يقول لي الواشون : ~~مالك باكيا ؟ . . . فقلت : بعيني شعرة فهي تدمع وقال آخر : وشعرة عاينهنا ~~ناظري . . . على قوام مائس الخطرة فسال دمعا وهمي جفنه ، . . . والدمع لا ~~شك من الشعرة PageV02P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" وقال آخر : ولرب ممشوق القوام تضمه . . . ~~ممشوقة ، فتعانقا غصنين أرخت ذوائبها وأسبل شعره ، . . . فتقابلا قمرين في ~~ليلين شعور النساء قال بكر بن النطاح : بيضاء تسحب من قيام فرعها . . . ~~وتغيب فيه فهو جثل أسحم فكأنها فيه نهار ساطع ، . . . وكأنه ليل عليها مظلم ~~وقال آخر : نشرت علي ذوائبا من شعرها ، . . . حذر الكواشح والعدو المحنق ~~فكأنني وكأنها وكأنه . . . صبحان باتا تحت ليل مطبق وقال عمر بن أبي ربيعة ~~: سبته بوحف في العقاص كأنه . . . عناقيد ، دلاها من الكرم قاطف أسيلات ~~أبدان ، دقاق خصورها ، . . . وثيرات ما التفت عليه الملاحف وقال المتنبي : ~~ومن كلما جردتها من ثيابها ، . . . كساها ثيابا غيرها الشعر الوحف وقال ~~أيضا : دعت خلاخيلها ذوائبها ، . . . فجئن من فرقها إلى القدم PageV02P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" وقال في أخرى : نشرت ثلاث ذوائب من شعرها . . ~~. في ليلة ، فأرت ليالي أربعا واستقبلت قمر السماء بوجهها ، . . . فأرتني ~~القمرين في وقت معا وقد ألم في ذلك بقول ابن المعتز : سقتني في ليل شبيه ~~بشعرها . . . شبيهة خديها بغير رقيب فأمسيت في ليلين بالشعر والدجى ، . . . ~~وشمسين من خمر وخد حبيب وقال ابن المعتز : فلما أن قضت وطرا وهمت . . . على ~~عجل بأخذ للرداء ، رأت شخص الرقيب على تدان . . . فأسبلت الظلام على الضياء ms0235 ~~. وغاب الصبح منها تحت ليل ، . . . وظل الماء يقطر فوق ماء . وقال ابن لنكك ~~: هل طالب ثأر من قد أهدرت دمه . . . بيض ، عليهن نذر قتل من عشقا ؟ من ~~العقائل ما يخطرن عن عرض . . . إلا أرينك في قد قنا ونقا . رواعف بخدود ~~زانها سبج . . . قد زرفن الحسن في أصداغها حلقا . نواشر في الضحى من فرعها ~~غسقا ، . . . وفي ظلام الدجى من وجهها فلقا . أعرن غيد ظباء روعت غيدا ، . ~~. . والورد توريد خد ، والمها حدقا . PageV02P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" وقال ابن دريد الأزدي : غراء لو جلت الخدود ~~شعاعها . . . للشمس عند طلوعها ، لم تشرق غصن على دعص تألق فوقه . . . قمر ~~تألق تحت ليل مطبق لو قيل للحسن : احتكم لم يعدها . . . أو قيل : خاطب ~~غيرها لم ينطق فكأننا من فرعها في مغرب ، . . . وكأننا من وجهها في مشرق ~~وقال آخر : جعودة شعرها تحكي غديرا . . . يصفقه الجنوب مع الشمال ذكر ما ~~قيل في الشيب والخضاب من المدح والذم فأما مدح الشيب ، فقد ورد عن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم ~~القيامة " . وقال ابن أبي شيبة : " نهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~عن نتف الشيب وقال : هو نور المؤمن " . وفي الحديث عن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " إن أول من رأى الشيب إبراهيم الخليل عليه السلام ، فقال : ~~يا رب ما هذا ؟ فقال له : الوقار ، فقال : رب زدني وقارا " . وتأمل حكيم ~~شيبه فقال : مرحبا بزهرة الحنكة ويمن الهدى ومقدمة العفة ولباس التقوى . ~~PageV02P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" وقيل : دخل أبو دلف على المأمون وعنده جارية ~~له ، وكان أبو دلف قد ترك الخضاب ، فأشار المأمون إلى الجارية فقالت له : ~~شبت يا أبا دلف ، إنا لله وإنا إليه راجعون . فسكت عنها أبو دلف ، فقال له ~~المأمون : أجبها ، فقال : تهزأت إذ رأت شيبي فقلت لها : . . . لا تهزئي من ~~يطل عمر به يشيب شيب الرجال لهم زين ومكرمة ، . . . وشيبكن لكن الويل ~~فاكتئبي فينا لكن وإن شيب بدا أرب ، وليس فيكن بعد الشيب من أرب وقال آخر : ~~أهلا وسهلا ms0236 بالمشيب ومرحبا ، . . . أهلا به من وافد ونزيل أهدي الوقار وذاد ~~كل جهالة . . . كانت ، وساق إلي كل جميل . فصحبت في أهل التقى أهل النهى . ~~. . ولقيت بالتعظيم والتبجيل . ورأى لي الشبان فضل جلالة . . . لما اكتهلت ~~، وكنت غير جليل . فإذا رأوني مقبلا ، نهضوا معا : . . . فعل المقر لهيبة ~~التفضيل . إن قلت ، كنت مصدقا في منطقي ، . . . ماضي المقالة حاضر التعديل ~~. وقال مسلم بن الوليد : الشيب كره ، وكره أن يفارقني . . . اعجب لشيء على ~~البغضاء مودود . وقال علي بن محمد الكوفي : بكى للشيب ، ثم بكى عليه . . . ~~وكان أعز من فقد الشباب . فقل للشيب : لا تبرح حميدا . . . إذا نادى شبابك ~~بالذهاب . PageV02P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" وقال العسكري : يود أن شيبه . . . إذ جاء لا ~~ينصرف . يخلف ريعان الصبا . . . والموت منه خلف . وقال ابن المعتز : قد ~~يشيب الفتى ، وليس عجيبا . . . أن يرى النور في القضيب الرطيب . وقال أبو ~~تمام : ولا يؤرقك إيماض القتير به . . . فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب . ~~وقال أبو الفتح البستي : يا شيبتي دومي ولا تترحلي . . . وتيقني أني بوصلك ~~مولع قد كنت أجزع من حلولك مرة ، . . . فالآن من خوف ارتحالك أجزع وقال آخر ~~: فأما المشيب فصبح بدا . . . وأما الشباب فليل أفل . سقى الله هذا وهذا ~~معا . . . فنعم المولى ونعم البدل وقال أبو الفتح كشاجم : تفكرت في شيب ~~الفتى وشبابه . . . فأيقنت أن الحق للشيب واجب . يصاحبني شرخ الشباب فينقضي ~~، . . . وشيبي لي حتى الممات مصاحب . PageV02P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" وقال أبو العلاء السروي ، شاعر اليتيمة : حي ~~شيبا أتى لغير رحيل ، . . . وشبابا مضى لغير إياب أي شيء يكون أحسن من عا . ~~. . ج مشيب في آبنوس شباب ؟ وقال أبو عوانة الكاتب : هزئت إذ رأت مشيبي ، ~~وهل غي . . . ر المصابيح زينة للسماء ؟ وتولت فقلت قولا بإفصا . . . ح لها ~~، لا بالرمز والإيماء : إنما الشيب في المفارق كالنو . . . ر بدا والسواد ~~كالظلماء . لا محيض عن المشيب أو المو . . . ت ، فكن للحوباء أو للنماء إن ~~عمرا عوضت فيه عن المو . . . ت بشيب من أعظم النعماء وقال ابن عبد ربه : ~~كأن سواد لمته ظلام . . . يطل من المشيب عليه نور ms0237 . وقال أبو عبد الله ~~الأسباطي : لا يرعك المشيب ، يا ابنة عبد الله ، فالشيب زينة ووقار إنما ~~تحسن الرياض إذا ما . . . ضحكت في ظلالها الأنوار . ذم الشيب ، قال قيس بن ~~عاصم رحمة الله عليه : الشيب خطام المنية . PageV02P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" وقال غيره : الشيب نذير الموت . وقد ورد في ~~بعض التفاسير في قوله تبارك وتعالى " وجاءكم النذير " . قيل : هو الشيب . ~~وقال أعرابي : كنت أنكر البيضاء ، فصرت أنكر السوداء ؛ فيا خير مبدول ويا ~~شر بدل . وقيل للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : عجل عليك الشيب يا رسول الله ~~، قال : " شيبتني هود وأخواتها " . قيل : هي عبس ، والمرسلات ، والنازعات . ~~وقيل لعبد الملك بن مروان : عجل عليك الشيب يا أمير المؤمنين ، قال : شيبني ~~ارتقاء المنابر وتوقع اللحن . وقال بعضهم : خرجت إلى ناحية الطفاوة ، فإذا ~~أنا بامرأة لم أر أجمل منها ، فقلت : أيتها المرأة ، إن كان لك زوج فبارك ~~الله له فيك ، وإلا فأعلميني . قال فقالت : وما تصنع بي ؟ وفي شيء لا أراك ~~ترتضيه . قلت : وما هو ؟ قالت : شيب في رأسي . قال : فثنيت عنان دابتي ~~راجعا ، فصاحت بي : على رسلك ، أخبرك بشي ، فوقفت وقلت : وما هو ، يرحمك ~~الله ؟ قالت : والله ما بلغت العشرين بعد ، وهذا رأسي فكشفت عن عناقيد ~~كالحمم ، وقالت : والله ما رأيت برأسي بياضا قط ، ولكن أحببت أن تعلم أنا ~~نكره منك ما تكره منا ، وأنشدت : أرى شيب الرجال من الغواني . . . بموضع ~~شيبهن من الرجال قال : فرجعت خجلا ، كاسف البال . قال أبو تمام : غدا الشيب ~~مختطا بفودي خطة . . . سبيل الردى منها إلى النفس مهيع . PageV02P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" هو الزور يجفى ، والمعاشر يجتوى ، . . . وذو ~~الإلف يقلى ، والجديد يرقع . له منظر في العين أبيض ناصع . . . ولكنه في ~~القلب أسود أسفع . وقال آخر : تقول لما رأت مشيبي . . . بدا ، وعندي له ~~انقباض : لا ترج عطفا عليك مني ، . . . سود ما بيننا البياض وقال آخر : ~~وقالوا : مشيب المرء فيه وقاره ، . . . وما علموا أن المشيب هو العيب . وأي ~~وقار لامرئ عرى الصبا ، . . . ومن خلفه شيب وقدامه شيب ؟ وقال آخر : من شاب ~~، قد مات ms0238 وهو حي ، . . . يمشي على الأرض مشي هالك لو كان عمر الفتى حسابا . ~~. . كان له شيبه فذالك . وقال محمود الوراق : بكيت لقرب الأجل ، . . . وبعد ~~فوات الأمل . ووافق شيب طرا . . . بعقب شباب رحل . شباب كأن لم يكن . . . ~~وشيب كأن لم يزل . طوى صاحب صاحبا . . . كذاك اختلاف الدول PageV02P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" وقال عبيد بن الأبرص : والشيب شين لمن أمسى ~~بساحته . . . لله در شباب اللمة الخالي . وقال البحتري : وددت بياض السيف ~~يوم لقينني . . . مكان بياض الشيب حل بمفرقي . وقال أبو العتاهية : عريت عن ~~الشباب ، وكان غضا ، . . . كما يعرى من الورق القضيب . ألا ليت الشباب يعود ~~يوما . . . فأخبره بما فعل المشيب وقال آخر : يا حسرتا أين الشباب الذي . . ~~. على تعديه المشيب اعتدى ؟ شبت ، فما أنفك من حسرة . . . والشيب في الرأس ~~رسول الردى إن مدى العمر قريب فما . . . بقاء نفسي بعد قرب المدى ؟ وقال ~~آخر : هذا عذارك بالمشيب مطرز . . . فقبول عذرك في التصابي معوز ولقد علمت ~~وما علمت توهما أن المشيب لهدم عمرك يرمز . وقال أيضا : ألست ترى نجوم ~~الشيب لاحت . . . وشيب المرء عنوان الفساد PageV02P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" وقال أيضا : أبلى جديدي هذان الجديدان . . . ~~والشأن في أن هذا الشيب ينعاني كأنما اعتم رأسي منه بالجبل الر . . . اسي ، ~~فأوهنني ثقلا وأوهاني . وقال آخر : لما رأت وضح المشيب بعارضي . . . صدت ~~صدود مجانب متحمل . فجعلت أطلب وصلها بتلطف ، . . . والشيب يغمزها بأن لا ~~تفعلي وقال كشاجم : ضحكت من شيبة ضحكت . . . لسواد اللمة الرجلة ثم قالت ~~وهي هازئة : . . . جاء هذا الشيب بالعجلة قلت : من حبيك ، لا كبر ، . . . ~~شاب رأسي فانثنت خجلة . وثنت جفنا على كحل . . . هي منه الدهر مكتحلة . ~~أكثرت منه تعجبها . . . فهي تجنيه وتعجب له . وقال أبو تمام : دقة في ~~الحياة تدعى جلالا ، . . . مثل ما سمي اللديغ سليما . غرة مرة ألا إنما كن ~~. . . ت أغرا أيام كنت بهيما . وقال ابن المعتز : لقد أبغضت نفسي في مشيبي ~~. . . فكيف تحبني الخود الكعاب ؟ PageV02P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" وقال أبو هلال العسكري : فلا تعجبا أن يعبن ~~المشيبا . . . فما عبن من ذاك إلا معيبا إذا كان ms0239 شيبي بغيضا إلى . . . فكيف ~~يكون إليها حبيبا ؟ وقال محمد بن أمية : رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ، . ~~. . فأعرضن عني بالخدود النواضر . وكن إذا أبصرنني أو سمعن بي ، . . . دنون ~~فرقعن اللوى بالمحاجر . وقال آخر : قالت ، وقد راعها مشيبي : . . . كنت ابن ~~عم فصرت عما . واستهزأت بي ، فقلت أيضا : . . . قد كنت بنتا فصرت أما . ~~وقال آخر : تضاحكت لما رأت . . . شيبا تلالا غرره . قلت لها : لا تعجبي . . ~~. أنبيك ، عندي خبره . هذا غمام للردى ، . . . ودمع عيني مطره . مدح الخضاب ~~ما روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " غيروا هذا الشيب ، ~~وجنبوه السواد " . وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يخضب بالحناء وبالكتم ~~. وقد مدح الشعراء الخضاب . PageV02P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" فمن ذلك قول عبد الله بن المعتز : وقالوا : ~~النضول مشيب جديد . . . فقلت : الخضاب شباب جديد إساءة هذا بإحسان ذا . . . ~~فإن عاد هذا فهذا يعود . وقال أبو الطيب المتنبي : وما خضب الناس البياض ~~لأنه . . . قبيح ، ولكن أحسن الشعر فاحمه . وقال محمود الوراق : للضيف أن ~~يقرى ويعرف حقه . . . والشيب ضيفك ، فاقره بخضاب . وقال عبدان الأصبهاني : ~~في مشيبي شماتة لعداتي ، . . . وهو ناع منغص لحياتي . ويعيب الخضاب قوم ، ~~وفيه . . . أي أنس إلى حضور وفاتي . لا ومن يعلم السرائر مني . . . ما به ~~رمت خلة الغانيات . إنما رمت أن يغيب عني . . . ما ترينيه كل يوم مراتي . ~~وهو ناع إلي نفسي ، ومن ذا . . . سره أن يرى وجوه النعات ؟ وقال ابن الرومي ~~: يا بياض المشيب سودت وجهي ، . . . عند بيض الوجوه سود القرون فلعمري ، ~~لأخفينك جهدي . . . عن عياني وعن عيان العيون ولعمري ، لأمنعنك أن تض . . . ~~حك في رأس آسف محزون بخضاب فيه ابيضاض لوجهي . . . وسواد لوجهك الملعون ~~PageV02P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" وقال آخر : نهى الشيب الغواني عن وصالي . . . ~~وأوقع بين أحبابي وبيني . فلست بتارك تدبير ذقني . . . إلى أن ينقضي أمدي ~~لحيني . أدبر لحيتي ما دمت حيا . . . وأعتقها ولكن بعد عيني . وقال آخر : ~~قالوا : فلان لم يشب ، . . . وأرى المشيب عليه أبطا . فأجبتهم : لولا حدي . ~~. . ث الصبغ لانكشف المغطى . ذم الخضاب قال محمود الوراق ، رحمه الله ms0240 : يا ~~خاضب الشيب الذي . . . في كل ثالثة يعود . إن النصول إذا بدا . . . فكأنه ~~شيب جديد . وله بديهة روعة . . . مكروهها أبدا عتيد . فدع المشيب لما أرا . ~~. . د فلن بعود لما تريد . وقال آخر : تستر بالخضاب ، وأي شيء . . . أدل ~~على المشيب من الخضاب ؟ وقال ابن الرومي : قل للمسود حين سود : هكذا . . . ~~غش الغواني في الهوى إياكا كذب الغواني في سواد عذاره ، . . . فكذبنه في ~~ودهن كذاكا وقال المتنبي : ومن هوى كل من ليست مموهة . . . تركت لون مشيبي ~~غير مخضوب . ومن هوى الصدق في قولي وعادته . . . رغبت عن شعر في الوجه ~~مكذوب . PageV02P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" وقال الأمير شهاب الدين بن يغمور عفا الله عنه ~~: يا صابغ الشيب ، والأيام تظهره : . . . هذا الشباب ، وحق الله مصنوع إن ~~الجديد إذا ما كان في خلق . . . يبين للناس أن الثوب مرقوع . ما وصف به ~~الوجه فمن ذلك ما قيل في المذكر . قال الوجيهي : مستقبل بالذي يهوى ، وإن ~~كثرت . . . منه الإساءة ، معذور بما صنعا . في وجهه شافع يمحو إساءته . . . ~~من القلوب ، وجيها حيثما شفعا . وقال الآخر : رأيت الهلال على وجهه . . . ~~فلم أدر أيهما أنور ؟ سوى أن ذاك قريب المزار . . . وهذا بعيد لمن ينظر . ~~وذاك يغيب وذا حاضر . . . فما من يغيب كمن يحضر . ونفع الهلال كثير لنا . . ~~. ونفع الحبيب لنا أكثر . وقال ابن لنكك : البدر والشمس المني . . . رة ~~والدمى والكوكب : أضحت ضرائر وجهه . . . من حيث يطلع تغرب . وكأن جمر ~~جوانحي . . . في خده يتلهب . وكأن غصن قوامه . . . من ماء دمعي يشرب . ~~وصوالج في صدغه . . . بسواد قلبي تلعب . PageV02P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" وقال ابن المعدل : نظرت إلى من زين الله وجهه ~~، . . . فيا نظرة كادت على عاشق تقضي وكبرت عشرا ، ثم قلت لصاحبي : . . . ~~متى نزل البدر المنير إلى الأرض ؟ وقال الخبزأرزي : رأيت الهلال ووجه ~~الحبيب . . . فكانا هلالين عند النظر . فلم أدر من حيرتي فيهما . . . هلال ~~الدجى من هلال البشر فلولا التورد في الوجنتين . . . وما راعني من سواد ~~الشعر ، لكنت أظن الهلال الحبيب . . . وكنت أظن الحبيب القمر وقال أبو ~~الشيص : تخشع شمس النهار طالعة . . . حين تراه ms0241 ، ويخشع القمر . تعرفه أنه ~~يفوقهما . . . بالحسن ، في عين من له بصر . وقال أبو هلال العسكري : ووجه ~~نشرب ماء النعيم ، . . . فلو عصر الحسن منه انعصر . يمر فأمنحه ناظري . . . ~~فينثر وردا عليه الخفر . تمتعت العين في حسنه ، . . . فما حفلت بطلوع القمر ~~. وقال ابن المعتز : يا مفردا بالحسن والشكل ، . . . من دل عينيك على قتلي ~~؟ البدر من شمس الضحى نوره ، . . . والشمس من وجهك تستملي . PageV02P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" وقال ابن المعدل يصف عتبة : لعتبة صفحتا قمر . ~~. . يفوق سناهما القمرا . يزيدك وجهه حسنا . . . إذا ما زدته نظرا . وقال ~~السري الرفاء : قمر تفرد بالمحاسن كلها ، . . . فإليه ينسب كل حسن يوصف . ~~فجبينه صبح ، وطرته دجى ، . . . وقوامه غصن رطيب أهيف . لله ذاك الوجه كيف ~~تألفت . . . فيه محاسن لم تكن تتألف ؟ وقال آخر : وفي أربع مني حلت منك ~~أربع ، . . . فما أنا أدري أيها هاج لي كربي ؟ أوجهك في عيني ، أم الريق في ~~فمي ، . . . أم النطق في سمعي ، أم الحب في قلبي ؟ ومثله قول يعقوب الكندي ~~: وفي خمسة مني حلت منك خمسة : . . . فريقك منها في فمي طيب الرشف ، ووجهك ~~في عيني ، ولمسك في يدي ، . . . ونطقك في سمعي ، وعرفك في أنفي . وقال أبو ~~نواس : كأنما الوجه إذ بدا قمر . . . مركب فوق قامة الغصن . يا ذا الذي ~~أصبح العباد به . . . في فتنة من عظائم الفتن أقبل بوجه الهوى إلي ، فقد . ~~. . أطلت بالصد معرضا حزني PageV02P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" وقال محمد بن وهب : نم فقد وكلت بي الأرقا . . ~~. لا هنا بعد لمن عشقا . إنما أبقيت من جسدي . . . شبحا غير الذي خلقا . ما ~~لمن تمت محاسنه . . . أن يعادي طرف من رمقا . لك أن تبدي لنا حسنا . . . ~~ولنا أن نعمل الحدقا . وجه الأنثى قال ابن سكرة : في وجه إنسانة كلفت بها . ~~. . أربعة ما اجتمعن في أحد . فالخد ورد والصدغ غالية . . . والريق خمر ~~والثغر من برد . لكل جزء من حسنها بدع . . . تودع قلبي ودائع الكمد وكان ~~مكتوبا على عصابة ورد جارية الماهاني : تمت وتم الحسن في وجهها . . . فكل ~~شيء ما سواها محال . للناس في الشهر هلال ، ولي . . . في ms0242 وجهها كل صباح ~~هلال وقال آخر : وإذا الدر زان حسن وجوه ، . . . كان للدر حسن وجهك زينا . ~~وتزيدين طيب الطيب طيبا . . . إن تمسيه أين مثلك أينا ؟ PageV02P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" وقال آخر : ليس فيها أن يقال لها : . . . كملت ~~، لو أن ذا كملا . كل جزء من محاسنها . . . صائر من حسنها مثلا . وقال عمر ~~بن أبي ربيعة : وفتاة إن يغب بدر الدجى ، . . . فلنا في وجهها عنه خلف . ~~أجمع الناس على تفضيلها ، . . . وهواهم في سواها مختلف . وقال الجماني من ~~أبيات : نرى الشمس والبدر معناهما . . . بها واحدا ، وهما معنيان . إذا ~~طلعت وجهها ، أشرقا . . . بطلعتها ، وهما آفلان . صفاء الوجه ورقة البشرة ، ~~فمن ذلك ما قيل مذكرا . قال أبو نواس : نظرت إلى وجهه نظرة . . . فأبصرت ~~وجهي في وجهه . وقال آخر : أعد نظرا فما في الخد نبت ، . . . حماه الله من ~~ريب المنون ولكن رق ماء الوجه حتى . . . أراك مثال أهداب الجفون ومثله قول ~~الآخر : ولما استدارت أعين الناس حوله . . . تلاحظه كيف استقل وسارا ، ~~تمثلت الأهداب في ماء وجهه ، . . . فظنوا خيال الشعر فيه عذارا . ~~PageV02P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" وقال الأرجاني : ما أنس ، لا أنسى له موقفا ، ~~. . . والعيس قد ثورهن الحداه . لما تجلى وجهه طالعا ، . . . وقد ترامت ~~نظرات الوشاة . قابلني حين بدت أدمعي . . . في خده المصقول مثل المراه . ~~يوهم صحبي أنه مسعدي . . . بأدمع لم تذرها مقلتاه . وإنما قلدني منة . . . ~~بدمع عين من جفوني امتراه . ولم تقع في خده قطرة . . . إلا خيالات دموع ~~البكاه . وقال أيضا : وأغيد رق ماء الوجه منه ، . . . فلو أرخى لثاما عنه ، ~~سالا . تبين سوادها الأبصار فيه ، . . . فحيث لحظت منه ، حسبت خالا . ومن ~~ذلك ومما قيل في المؤنث ، قال بشار : وما ظفرت عيني غداة لقيتها . . . بشي ~~، سوى أطرافها والمحاجر . بحوراء من حور الجنان عزيزة ، . . . يرى وجهه في ~~وجهها كل ناظر . PageV02P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" وقال السري الرفاء : بيضاء تنظر من طرف تقلبه ~~: . . . مفرق بين أجساد وأرواح . ماء النعيم على ديباج وجنتها . . . يجول ~~بين جنى ورد وتفاح . رقت : فلو مزج الماء القراح بها . . . والراح ، ~~لامتزجت بالماء والراح وقال الأرجاني من أبيات : ولما ms0243 تلاقينا ، وللعين ~~عادة . . . تثير وشاة عند كل لقاء ، بدت أدمعي في خدها من صقاله ، . . . ~~فغاروا وظنوا أن بكت لبكائي ومما قيل في صفرة الوجه ، فمن ذلك ما قيل مذكرا ~~. قال أبو عبادة البحتري : بدت صفرة في وجهه ، إن حمدهم . . . من الدر ما ~~اصفرت نواحيه في العقد . وقال آخر : لم تشن وجهه المليح ، ولكن . . . جعلت ~~ورد وجنتيه بهارا . وقال الأرجاني وأجاد : راق ماء الحياة من وجنتيه ، . . ~~. فهو مرآة أوجه العشاق ومن ذلك ما قيل في المؤنث ، قال سلم الخاسر : تبدت ~~فقلت : الشمس عند طلوعها . . . بوجه غني اللون عن أثر الورس فقلت لأصحابي ، ~~وبي مثل ما بهم ، . . . على مرية : ما ها هنا مطلع الشمس PageV02P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" وقال أبو تمام : صفراء صفرة صحة قد ~~ركبتجثمانها في ثوب سقم أصفر . وقال مسعود الأصبهاني ، شاعر الخريدة : ~~وقينة قال لها ناقص : . . . كملت ، لولا صفرة اللون . قلت : اتئد فالشمس ~~مصفرة ، . . . وهي صلاح الأرض في الكون ومما قيل في السمرة ، قال شاعر : ~~كيف لا أعشق ظبيا . . . سارحا في ظل ملك . إنما السمرة فيه . . . مزج كافور ~~بمسك . وقال آخر : يا ذا الذي يذهب أمواله . . . في حب هذا الأسمر الفائق ~~ما الذهب الصامت مستكثرا . . . إذهابه في الذهب الناطق وقال آخر : ذهبي ~~اللون تحسب من . . . وجنتيه النار تقتدح . خوفوني من فضيحته . . . ليته ~~وافى ، وأفتضح PageV02P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" ومما قيل في السواد ) وهو يختص بالمؤنث ( : ~~قال الزركشي في " دنانير " البرمكية : أشبهك المسك ، وأشبهته : . . . قائمة ~~في لونه قاعدة . لا شك ، إذ لونكما واحد ، . . . أنكما من طينة واحدة . ~~وقال ابن الرومي : أكسبها الحب أنها صبغت . . . صبغة حب القلوب والحدق . ~~فأقبلت نحوها الضمائر وال . . . أبصار ، يعبقن أيما عبق يفتر ذاك السواد عن ~~يقق . . . في ثغرها كاللآلئ النسق . كأنها ، والمزاح يضحكها ، . . . ليل ~~تفرى دجاه عن غسق . وقال الصنوبري : يا غصنا من سبج رطب ، . . . أصبح منك ~~الدرفي كرب حبك من قلبي مكان الذي . . . أشبهته من حبة القلب . وقال محمد ~~بن عبد الله السلامي ، شاعر اليتيمة عفا الله عنه : يا رب غانية بيضاء ~~تصبحي . . . من العتاب كؤوسا ms0244 ليس تنساغ . PageV02P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" أشتاق طرتها أو صدغها ومعي . . . من كلها طرر ~~سود وأصداغ كأننا ، لا أتاح الله فرقتنا . . . يا كعبة المسك ، يا زنجية ، ~~زاغ . وقال آخر : أحب النساء السود من أجل تكتم ، . . . ومن أجلها أحببت من ~~كان أسودا فجئني بمثل المسك أطيب نفحة . . . وجئني بمثل الليل أطيب مرقدا ~~وقال العسكري : صرفت ودي إلى السودان من هجر ، . . . ولا التفت إلى روم ولا ~~خزر أصبحت أعشق من وجه ومن بدن . . . ما يعشق الناس من عين ومن شعر . فإن ~~حسبت سواد الخد منقصة ، . . . فانظر إلى سفعة في وجنة القمر وقال بشار ~~وأجاد : يكون الخال في خد نقي . . . فيكسبه الملاحة والجمالا ، ويونقه ~~لأعين مبصريه ، . . . فكيف إذا رأيت اللون خالا ؟ وقال أبو علي بن رشيق : ~~دعا بك الحسن فاستجيبي . . . باسمك في صبغة وطيب . تيهي على البيض واستطيلي ~~، . . . تيه شباب على مشيب ولا يرعك اسوداد لون . . . كمقلة الشادن الربيب ~~. فإنما النور عن سواد . . . في أعين الناس والقلوب PageV02P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" وقال آخر : إن أزهرت ليلا نجوم السما . . . ~~بيضا على أسود مرخي الإزار . وأوجب العكس مثالا لها ، . . . فالسود في ~~الأرض نجوم النهار . ومما وصف به أثر الجدري في الوجه ، فمن ذلك قول الناجم ~~: يا قمرا جدر لما استوى . . . واكتسب الملح بتلك الكلوم أظنه غنى لشمس ~~الضحى . . . فنقطته فرحا بالنجوم . وقال آخر : وقالوا : شابه الجدري ، ~~فانظر . . . إلى وجه به أثر الكلوم فقلت : ملاحة نثرت عليه . . . وما أحسن ~~السماء بلا نجوم ؟ ومثله قول الآخر : أيها العائبون وجها مليحا . . . نثر ~~الحسن فيه نبذ خدوش أي أفق بها بغير نجوم ؟ . . . أي ثوب زها بغير نقوش ؟ ~~وقال أبو زيد القاضي : غاية الحاسد الذي لام فيه . . . أن رأى فوق خده ~~جدريا . إنما وجهه هلال تمام ، . . . جعلوا برقعا عليه الثريا PageV02P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" وقال أبو تمام بن رباح : خدك مرآة كل حسن ، . ~~. . تحسن من حسنها الصفات مالي أرى فوقه نجوما ، . . . قد كسفت وهي نيرات ؟ ~~ومما قيل في الحواجب ، فمن محاسنها : الزجج ، والبلج . فأما الزجج ، فدقة ~~الحاجبين وامتدادهما . وأما البلج ، فهو أن يكون ms0245 بينهما فرجة . والعرب ~~تستحب ذلك . ومن معايبها : القرن ، والزبب ، والمعط . فالقرن ، اتصال ~~الحاجبين ، والعرب تكرهه . والزبب ، كثرة شعرهما . والمعط ، تساقط الشعر عن ~~بعض أجزائهما . ومما وصفت به الحواجب ، قال الزاهي : وأغيد مجدول القوام ~~جبينه . . . سنا القمر البدري في الغصن الرطب . تنكب قوس الحاجبين فسهمه . ~~. . لواحظه المرضى ، وبرجاسه قلبي وقال عبد الله بن أبي الشيص : حذرت الهوى ~~حتى رميت من الهوى . . . بأصرد سهم من قسي الحواجب . PageV02P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" وقال محمد بن عبد الرحمن الكوفي : ومستلب عين ~~الغزال وقد ترى . . . بجبهته عين الغزالة مائلا . تناول قوس الحاجبين مفوقا ~~. . . بأسهم ألحاظ تشك المقاتلا . وقال آخر : غزاني الهوى في جيشه وجنوده . ~~. . وعبي علي الخيل من كل جانب . بميمنة أعلامها أعين المها . . . وميسرة ~~تقضي بزج الحواجب . وقال آخر : لها حاجبان ، الحسن والغنج منهما . . . ~~كأنهما نونان من خط ماشق . العيون ووصفها فمن محاسنها : الدعج ، وهو شدة ~~السواد مع سعة المقلة . البرج ، وهو شدة سوادها وشدة بياضها . النجل ، ~~سعتها . الكحل ، سواد جفونها من غير كحل . الحور ، اتساع سوادها كأعين ~~الظباء . وقيل : هو سواد العين وشدة بياضها . الوطف ، طول أشفارها ؛ وفي ~~الحديث أنه كان عليه الصلاة والسلام في أشفاره وطف . الشهلة ، حمرة في ~~سوادها . ومن معايبها : الحوص ، ضيق العين . الخوص ، غؤورها مع الضيق . ~~PageV02P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" الشتر ، انقلاب الجفن . العمش ، هو أن العين ~~لا تزال سائلة رامصة . الكمش ، أن لا تكاد تبصر . الغطش ، شبه العمش . ~~الجهر ، أن لا تبصر نهارا . العشا ، أن لا تبصر ليلا . الخزر ، أن ينظر ~~بمؤخر عينه . الغضن ، أن يكسر عينه حتى تتغضن جفونه . القبل ، أن يكون كأنه ~~ينظر إلى أنفه . وهو أهون من الحول . الشطور ، أن تراه ينظر إليك وهو ينظر ~~إلى غيرك . وهو قريب من صفة الأحول . وفيه يقول الشاعر : حمدت إلهي إذ ~~بلاني بحبه . . . وبي حول أغنى عن النظر الشزر . نظرت إليه والرقيب ~~يظننينظرت إليه فاسترحت من العذر . الشوص ، أن ينظر بإحدى عينيه ويميل وجهه ~~في شق العين التي ينظر بها . الخفش ، صغر العين وضعف البصر . ويقال إنه ~~فساد في العين ms0246 يضيق له الجفن من غير وجع . الدوش ، ضيق العين وفساد البصر . ~~الإطراق ، استرخاء الجفن . الجحوظ ، خروج المقلة وظهورها من الحجاج . البخق ~~، أن يذهب البصر ؛ والعين منفتحة . الكمه ، أن يولد الإنسان وهو أعمى . ~~البخص ، أن يكون فوق العين أو تحتها لحم ناتئ . PageV02P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" فصل في عوارض العين يقال : حسرت عينه ، إذا ~~اعتراها كلال من طول النظر . زرت عينه ، إذا توقدت من خوف . سدرت عينه ، ~~إذا لم تكد تبصر . اسمدرت عينه ، إذا لاحت لها سمادير ؛ وهي ما يتراءى لها ~~من أشباه الذباب وغيره . قدعت عينه ، إذا ضعفت من الإكباب على النظر . حرجت ~~عينه ، إذا حارت . قال ذو الرمة : وتحرج العين فيها حين تنتقب هجمت ، إذا ~~غارت . ونقنقت ، إذا زاد غؤورها ؛ وكذلك حجلت وهججت . ذهبت ، إذا رأت ذهبا ~~كثيرا فحارت فيه . شخصت ، إذا لم تكد تطرف من الحيرة . فصل في كيفية النظر ~~وهيئته إذا نظر الإنسان إلى الشيء بمجامع عينيه ، قيل : قد رمقه . فإذا نظر ~~من جانب أذنه ، قيل : لحظه . PageV02P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" فإذا نظر إليه بعجلة ، قيل : لمحه . فإذا رماه ~~ببصره مع حدة ، قيل : حدجه بطرفه . وفي الحديث ابن مسعود " حدث القوم ما ~~حدجوك بأبصارهم " . فإن نظر إليه بشدة وحدة ، قيل : أرشقه وأسف النظر إليه ~~. وفي حديث الشعبي أنه كره أن يسف الرجل إلى أمه وأخته وابنته . فإن نظر ~~إليه نظر المتعجب أو الكاره المبغض ، قيل : شفنه وشفن إليه شفونا وشفنا . ~~فإن أعاره لحظ العداوة ، قيل : نظر إليه شزرا . فإن نظر إليه بعين المحبة ، ~~قيل : نظر إليه نظرة ذي علق . فإن نظر إليه نظرة المستثبت ، قيل : توضحه . ~~فإن نظر إليه واضعا يده على حاجبه مستظلا بها من الشمس ليستبين المنظور ~~إليه : قيل استكفه واستوضحه واستشرفه . فإن نشر الثوب ورفعه لينظر إلى ~~صفاقته : قيل استشفه . فإن نظر إلى الشيء كاللحمة ثم خفى عنه ، قيل : لاحه ~~لوحة . قال الشاعر : وهل تنفعني لوحة لو ألوحها فإن نظر إلى جميع ما في ~~المكان حتى يعرفه ، قيل : نفضه نفضا . فإن نظر في كتاب أو حساب ms0247 ، قيل : ~~تصفحه . فإن فتح عينيه لشدة النظر ، قيل : حدق . فإن لألأهما ، قيل : برق . ~~PageV02P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" فإن انقلب حملاق عينيه ، قيل : حملق . فإن غاب ~~سواد عينيه من الفزع ، قيل : برق بصره . فإن فتح عين مفزع أو مهدد ، قيل : ~~حمج . فإن بالغ في فتحها وأحد النظر عند الخوف ، قيل : حدج . فإن كسر عينه ~~عند النظر ، قيل : دنقش وطرفش . فإن فتح عينه وجعل لا يطرف ، قيل : شخص . ~~وفي القرآن العزيز : " شاخصة أبصارهم " . فإن أدام النظر مع سكون ، قيل : ~~أسجد . فإن نظر إلى أفق الهلال ليراه ، قيل تبصره . فإن أتبع الشيء بصره ، ~~قيل : أتأره بصره . وقد أوسع الشعراء في وصف العيون ووصفوها بالمرض والسقم ~~، وإن كانت صحيحة . فمن ذلك قول الشاعر : برح السقم بي وليس صحيحا . . . من ~~رأت عينه عيونا مراضا . إن للأعين المراض سهاما . . . صيرت أنفس الورى ~~أغراضا . جوهر الحسن منذ أعراض للقل . . . ب ثنى الجسم كله أعراضا . وقال ~~جرير : إن العيون التي في طرفها مرض . . . قتلننا ثم لم يحيين قتلانا . ~~يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به . . . وهن أضعف خلق الله أركانا . وقال ذو ~~الرمة : وعينان قال الله كونا فكانتا . . . فعولين بالألباب ما تفعل الخمر ~~. PageV02P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" ومما وصفت به العيون على لفظ التذكير ، فمن ~~ذلك قول عبد الله بن المعتز : عليم بما تحت الصدور من الهوى . . . سريع بكر ~~اللحظ والقلب جازع . ويجرح أحشائي بعين مريضة . . . كما لان مس السيف ~~والسيف قاطع . وقال خالد : عينه سفاكة المهج . . . من دمي في أعظم الحرج . ~~أسهرتني وهي لاهية . . . باحورار العين والدعج . وقال الهمذاني : تعمل ~~الأجفان بالدعج . . . عمل الصهباء بالمهج . قل لظبي تسترق له . . . مهج ~~الأحرار بالدعج . أنت والأجفان ما لحظت . . . من فتور العين في حرج . كيف ~~أدعو الله أسأله . . . فرجا ممن به فرجي ؟ وقال خالد : ومريض طرف ليس يصرف ~~طرفه . . . نحو امرئ ، إلا رماه بحتفه . قد قلت إذ أبصرته متمايلا ، . . . ~~والردف يجذب خصره من خلفه : يا من يسلم خصره من ردفه ، . . . سلم فؤاد محبه ~~من طرفه وقال أبو هفان : أخو دنف رمته فأقصدته ms0248 . . . سهام من جفونك لا تطيش ~~. قواتل لاقداح سوى احورار . . . بهن ، ولا سوى الأهداب ريش . PageV02P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" وقال أبو تمام : يا سقم الجفن من حبيبي ، . . ~~. ألبستني حلة السقام كم قتلت مقلتاك ظلما . . . من عاشق القلب مستهام . يا ~~من بعينيه لي غرام . . . قرب من مهجتي حمامي قد رويت من دمي ، فحسبي . . . ~~صوائب النبل والسهام وقال العسكري : فأرعى تحت حاشية الدياجي . . . شقائق ~~وجنة سقيت مداما . إذا كرت لواحظ مقلتيه ، . . . حسبت قلوبنا مطرت سهاما . ~~وقال ابن المعلم : سل من بعينيه يصول : . . . أهي اللحاظ أم النصول ؟ ما ~~جردت يوم النوى ، . . . إلا لتختلس العقول شهرت عيونهم سيو . . . فا ، ما ~~بمضربها فلول . تصمي بغير جراحة ، . . . تفري بغير دم يسيل . ولها بأفئدة ~~الهوى . . . فتك ، وليس لها صليل . وقال آخر : روحي الفداء لمن أدار بلحظه ~~. . . صهباء في عقلي لها تأثير ومن العجائب أن يدير بلحظه . . . مشمولة ، ~~وإناؤها مكسور PageV02P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" وقال آخر : القلب بك المسلوب والملسوب . . . ~~والصب بك المعتوب والمتعوب . يا من طلبت لحاظه سفك دمي : . . . مهلا ، ضعف ~~الطالب والمطلوب وقال أبو تمام : متطلب بصدوده قتلي . . . فرد المحاسن وجهه ~~شغلي . ألحاظه في الخلق مسرعة . . . فيما تريد كسرعة النبل . وقال آخر : ~~ألحاظكم تجرحنا في الحشا ، . . . ولحظنا يجرحكم في الخدود . جرح بجرح ، ~~فاجعلوا ذا بذا . . . فما الذي أوجب هذا الصدود ؟ وقال آخر : ومقلة شادن ~~أودت بقلبي ، . . . كأن السقم لي ولها لباس . يسل اللحظ منها مشرفيا . . . ~~لقتلي ، ثم يغمده النعاس . وقال ابن الرومي : يا عليلا ، جعل الع . . . لة ~~مفتاحا لظلمي ليس في الأرض عليل . . . غير جفنيك وجسمي . بك سقم في جفون ، ~~. . . سقمها أكد سقمي . وقال تاج الدين بن أيوب : أسقمني طرفك السقيم ، وقد ~~. . . حكاه مني في سقمه الجسد هب نسيم من نحو أرضك لي . . . فزادني في هواك ~~ما أجد . وهاج شوقي ، والنار ما برحت . . . عند هبوب الرياح تتقد . ~~PageV02P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" وقال ابن المعتز : ضعيفة أجفانه ، . . . ~~والقلب منه حجر كأنما ألحاظه . . . من فعله تعتذر . وصف العيون على لفظ ~~التأنيث فمن ذلك ما قاله عدي بن الرقاع : وكأنها بين النساء أعارها ms0249 . . . ~~عينيه أحور من جاذر جاسم . وسنان أقصده النعاس فرنقت . . . في عينه سنة ~~وليس بنائم ؟ وقال الناجم : كاد الغزال يكونها ، . . . لكنما هو دونها . ~~والنرجس الغض الجن . . . ي أغض منه جفونها . من كان يعرف فضلها . . . فعن ~~القياس يصونها . وقال أبو دلف : نقتنص الآساد من غيلها ، . . . وأعين العين ~~لنا صائده ينبو الحسام العضب عنا وقد . . . تكلم فينا النظرة القاصدة ~~تهابنا الأسد ، ونخشى المها : . . . آبدة ما مثلها آبده وقال آخر : لله ما ~~صنعت بنا . . . تلك المحاجر في المعاجر أمضى وأنفذ في القلو . . . ب من ~~الخناجر في الحناجر PageV02P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" وقال آخر : ينظرن من خلل السجوف كأنما . . . ~~يمطرن أحشاء الكريم نبالا وقال أبو فراس الحمداني عفا الله تعالى عنه ورحمه ~~: وبيض بألحاظ العيون كأنما . . . هززن سيوفا أو سللن خناجرا . تصدين لي ~~يوما بمنعرج اللوى . . . فغادرن قلبي بالتصبر غادرا . سفرن بدورا ، وانتقبن ~~أهلة ، . . . ومسن غصونا ، والتفتن جاذرا . وأطلعن في الأجياد للدر أنجما . ~~. . جعلن لحبات القلوب ضرائرا . وقال ابن الرومي : نظرت ، فأقصدت الفؤاد ~~بطرفها ، . . . ثم انثنت عني ، فكدت أهيم ويلاي إن نظرت وإن هي أعرضت : . . ~~. وقع السهام ونزعهن أليم وقال أيضا : لطرفها وهو مصروف كموقعه . . . في ~~القلب حين يروع القلب موقعه . تصد بالطرف لا كالسهم تصرفه . . . عني ، ~~ولكنه كالسهم تنزعه . وقال الأرجاني : نقبوهن خشية العشاق . . . أو لم تكف ~~فتنة الأحداق ؟ إن في الأعين المراض لشغلا . . . للمعنى عن الخدود الرقاق ~~كل ما فات في الليالي المواضي . . . فهو في ذمة الليالي البواقي . ~~PageV02P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" وقال أيضا : سترن المحاسن إلا العيونا . . . ~~كما يشهد المعرك الدارعونا . سللن سيوفا ولاقيننا . . . فلا تسأل اليوم ~~ماذا لقينا . كسرن الجفون ولولا الرضا ، . . . بحكم الغرام كسرنا الجفونا . ~~وحسب الشهيد سرورا بأن . . . يعاين حورا مع القتل عينا . وقال أبو نواس : ~~ضعيفة كر الطرف تحسب أنها . . . قريبة عهد بالإفاقة من سقم . وقال آخر : يا ~~من تكحل طرفها . . . بالسحر لا بالإثمد نفسي كما عذبتها . . . وقتلتها ~~بالإثم ، دي أدواء العين فمن ذلك : الغمص ، أن لا تزال العين ترمص . اللحح ~~، أسوأ الغمص . اللخص ، التصاق الجفون . العائر ، الرمد الشديد . وفيه ms0250 يقول ~~النابغة : وبات وباتت له ليلة . . . كليلة ذي العائر الأرمد . PageV02P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" وكذلك الساهك . الغرب ، ورم في المآقي . السبل ~~، أن يكون على بياضها وسوادها شبه غشاء . السجا ، أن يعسر على الإنسان فتح ~~عينيه إذا انتبه من النوم : الظفر ، ظهور ظفرة وهي جليدة تغشي العين من ~~تلقاء المآقي . الطرفة ، أن يحدث في العين نقطة حمراء . الانتشار ، أن يتسع ~~ثقب الناظر حتى يلحق البياض من كل جانب . الحثر ، أن يخرج في العين حب وهو ~~الجرب . القمر ، أن يعرض للعين فترة وفساد . يقال : قمرت عينه . مما قيل في ~~أرمد فمن ذلك قول عبد الله بن المعتز وقيل إنها لابن الرومي ، وقيل للناجم ~~: قالوا : اشتكت عينه فقلت لهم : . . . من كثرة الفتك نالها الوصب حمرتها ~~من دماء من قتلت ، . . . والدم في النصل شاهد عجب . وقال ابن منير ~~الطرابلسي : رنا وفي طرفه احمرار ، . . . يغض من سحر مقلتيه . وفاض من ~~نرجسيه ماء ، . . . ضرجه ورد وجنتيه . PageV02P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" فقلت يا ممرضي بوجه ، . . . أظن دائي سرى إليه ~~هيهات ، لا تجحدن قتلي . . . هذا دمي شاهد عليه وقال الواثق بالله : لي ~~حبيب قد طال شوقي إليه ، . . . لا أسميه من حذاري عليه . لم تكن عينه لتجحد ~~قتلي ، . . . ودمي شاهد على وجنتيه وقال الصولي : يكسر لي طرفا به حمرة ، . ~~. . قد خلط النرجس في ورده . ما احمرت العين ، ولكنه . . . يكحلها من وردتي ~~خده وقال آخر : قالوا : بدت في عينه حمرة . . . قد حازها من مردة الخد . ~~فقلت : لم يرمد ولكنه . . . يصافح النرجس بالورد وقال أبو عبد الله بن ~~الحداد الوزير : يا شاكي الرمد الذي بشكاته ، . . . قد صار دهري فيه ليلة ~~أرمدا الله والإشفاق يعلم أنني . . . لو أستطيع فدا ، لكنت لك الفدا ~~PageV02P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" كم من دم سفكت جفونك لم تزل . . . تخفي وتكتم ~~سفكه حتى بدا . لم يشتمل بدم غرار مهند . . . إلا وقد أهدى النفوس إلى ~~الردى . وقال أبو الفرج الببغاء : بنفسي ما يشكوه من راح طرفه . . . ونرجسه ~~مما دهى حسنه ورد أراقت دمي ظلما محاسن وجهه . . . فأضحت وفي عينيه آثاره ~~تبدو غدت ms0251 عينه كالجمر حتى كأنما . . . سقى عينه من ماء توريده الخد . لئن ~~أصبحت رمداء مقلة مالكي ، . . . لقد طال ما استشفت به مقل رمد وقال آخر : ~~قضب الهند والقنا أخدانك . . . والمقادير في الورى أعوانك أيها ذا الأمير ~~ما رمدت عي . . . نك حاشا لها ، ولا أجفانك بل حكت فعلك الكريم ليضحى . . . ~~شأنها في العلى سواء وشأنك . فهي تحمر مثل سيفك في الرو . . . ع ، وتصفو ~~كما صفا إحسانك . وقال آخر وأجاد : لقد جار ما تشكوه في الحكم واعتدى . . . ~~وأسرف في أفعاله وتمردا فمن لي بأن لو كنت أعرف حيلة . . . تصير أجفاني ~~لأجفانك الفدا ؟ دهت عينك العين التي قد قضى القضا . . . بأنك فيها سوف ~~تصبح أرمدا . فمذ بدلت من نرجس بشقائق ، . . . أعادت لجين الدمع مني عسجدا ~~. سللت حسام اللحظ منها على الورى ، . . . وقد كان أحرى أن يصان ويغمدا ~~PageV02P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" فأنت الذي أبليتها بالذي بها ، . . . إذا ~~السيف لم يغمد تراكبه الصدا . ومما قيل في أرمد غطى عينيه بشعرية ، قول ~~السراج الوراق : شعريتي ، مذ رمدت قد حجبت . . . كرفي عنكم ، فصرت محبوسا . ~~الحمد لله زادني شرفا : . . . كنت سراجا فصرت فانوسا . وقال آخر : غطى على ~~عينيه شعرية . . . تشعل في القلب لهيب الغرام . كأنه البدر بدا نصفه ، . . ~~. ونصفه الآخر تحت الغمام وقال آخر : لا تحسبوا شعرية أصبحت . . . من رمد ~~في وجهه مرسلة . وإنما وجنته كعبة ، . . . أستارها من فوقها مسبلة . ومن ~~رقعة كتبها أرمد وهو عبد الله بن عثمان الواثقي غفا الله عنه . قال : صادف ~~ورود كتابه رمدا في عيني قد حصرني في الظلمة ، وحبسني بين الغم والغمة ، ~~وتركني أدرك بيدي ما كنت أدرك بعيني : كليل سلاح البصر ، قصير خطو النظر . ~~قد ثكلت مصباح وجهي ، وعدمت بعضي ، الذي هو آثر عندي من كلي . فالبيض عندي ~~سود ، والقريب مني بعيد قد أحاط الوجع أجفاني ، وقبض عن التصرف بناني ؛ ~~ففراغي شغل ، ونهاري ليل ، وطوال الخطا قصار ، وقصار أوقاتي طوال . وأنا ~~ضرير وإن عددت في البصراء ، وأمي وإن كنت من جملة الكتاب والقراء . قد قصرت ~~العلة خطوتي قلمي وبناني ، وقامت بين يدي ms0252 ولساني . PageV02P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" وقد كانت العرب تزاوج بين كلمات ، فيقولون : ~~القلة ذلة ، والوحدة وحشة ، والهوى هوان ، والأقارب عقارب ، والمرض حرض ، ~~والرمد كمد ، والعلة قلة ، والقاعد مقعد . والله تعالى أعلم . فصل في ترتيب ~~البكاء إذا تهيأ الرجل للبكاء ، قيل : أجهش . فإذا امتلأت عينه دموعا ، قيل ~~: اغرورقت عينه ، وترقرقت . فإذا سالت ، قيل : دمعت ، وهمعت . فإذا كثرت ~~دموعه ، قيل : همت . فإن كان لبكائه صوت ، قيل : نحب ونشج . فإذا صاح مع ~~بكائه ، قيل : أعول . قال سلم الخاسر : أتتني تؤنبني في البكاء . . . فأهلا ~~بها ، وبتأنيبها تقول ، وفي قولها حشمة : . . . أتبكي بعين تراني بها ؟ ~~فقلت : إذا استحسنت غيركم ، . . . أمرت الدموع بتأديبها . فصل فيما قيل في ~~الأنف الشمم ، ارتفاع قصبة الأنف مع استواء أعلاها . القنا ، طول الأنف ، ~~ودقة أرنبته ، وحدب في وسطه . الفطس ، تطامن قصبته مع ضخم الأرنبة . الخنس ~~، تأخر الأنف عن الوجه . الدلف ، شخوص طرفه مع صغر أرنبته . PageV02P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" الخشم ، فقدان حاسة الشم . الخرم ، شق في ~~المنخرين . الخثم ، عرض الأنف . يقال ثور أخثم . القعم ، اعوجاج في الأنف . ~~قال الشاعر : لين المنخرين معتدل الما . . . رن لا سائل ولا جعد . الشفاه ~~والفم ، الشدق . . ، سعة الشدقين . الضجم ، ميل في الفم وفيما يليه . الضزز ~~، لصوق الحنك الأعلى بالأسفل . الهدل ، استرخاء الشفتين وغلظهما . اللطع ، ~~بياض يعتريهما . القلب ، انقلابهما . الجلع ، قصرهما عن الانضمام . فصل في ~~تقسيم ماء الفم ما دام فيه ، فهو ريق ، ورضاب . فإذا علك ، فهو عصيب . فإذا ~~سال ، فهو لعاب . فإذا رمى به ، فهو بزاق ، وبصاق . PageV02P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" فصل في ترتيب الضحك التبسم أول مراتبه ، ثم ~~الإهلاس وهو إخفاؤه ، ثم الافترار ، ثم الانكلال وهما الضحك الحسن ، ثم ~~الكتكتة أشد منهما ، ثم القهقهة والقرقرة والكركرة ، ثم الاستغراب ، ثم ~~الطخطخة ، ثم الإهزاق والزهزقة ، وهو أن يذهب الضحك به كل مذهب . قال كشاجم ~~: عذبت في الرشف منه شفة . . . مصها أطيب من نيل الأمل وعليها حمرة في لعس ~~. . . تستعير اللون من صبغ الخجل هي فيما خلت آثار دم . . . من فؤادي ، عل ~~فيه ونهل وقال ابن سكرة الهاشمي : يا ضاحكا ، يستهل ms0253 مضحكه . . . عن برد ~~واضح وعن شنب أعطيتني قبلة رشفت بها الش . . . هد مشوبا بعبرة العنب . ~~كأنني إذ لثمت فاك بها . . . لثمت تفاحة من الذهب . وقال كشاجم : كأن ~~الشفاه اللعس منها خواتم . . . من التبر مختوم بهن على در . وقال سيف ~~الدولة بن حمدان ، في صباه : أقبله على عجل . . . كشرب الطائر الفزع . ~~PageV02P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" رأى ماء فأطمعه . . . فخاف عواقب الطمع . ~~فصادف فرصة فدنا . . . ولم يلتد بالجرع . طيب الريق والنكهة طيب الريق على ~~لفظ التذكير فمن ذلك قول ابن الرومي : أهيف الغصن ، أهيل الدعص لما . . . ~~يقتسم قده وشاح ومرط . طيب طعمه إذا ذقت فاه ، . . . والثريا في جانب الغرب ~~قرط . وقال آخر : يا مانعي طيب المنام ، ومانحي . . . ثوب السقام ، وتاركي ~~كالآل عمن أخذت جواز منعي ريقك ال . . . معسول ، يا ذا المعطف العسال ؟ عن ~~ثغرك النظام ، أم عن شعرك ال . . . فحام ، أم عن طرفك الغزال ؟ وقال آخر : ~~أتدرون شمعتنا لم هوت ؟ . . . لتقبيل ذا الرشا الأكحل درت أن ريقته شهدة . ~~. . فحنت إلى إلفها الأول . وقال بشار بن برد : يا أطيب الناس ثغرا غير ~~مختبر . . . إلا شهادة أطراف المساويك PageV02P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" وقال ابن وكيع البستي : ريق إذا ما ازددت من ~~شربه . . . ريا ، ثناني الري ظمآنا . كالخمر أروى ما يكون الفتى . . . من ~~شربها أعطش ما كانا . وقال ابن الرومي : يا رب ريق بات بدر الدجى . . . ~~يمجه بين ثناياكا . يروي ولا ينهاك عن شربه . . . والماء يرويك وينهاكا . ~~وقال أبو الفتح كشاجم : بلغته الكأس فارتعدت . . . طربا منها إلى فمه . ~~منعته أن يؤخرها . . . في يديه من تحشمه . فحساها ثم أعقبها . . . أرجا من ~~طيب مبسمه . وقال آخر : بقدر الصبابة عند المغيب ، . . . تكون المسرة عند ~~الحضور . وأطيب ما كان برد الثغور . . . إذا هو صادف حر الصدور . طيب الريق ~~على لفظ التأنيث فمن ذلك قول ابن ميادة : كأن على أنيابها المسك شابه . . . ~~بعيد الكرى من آخر الليل عابق . وما ذقته إلا بعيني تفرسا . . . كما شيم في ~~أعلى السحابة بارق . يضم إلي الليل أذيال حبها . . . كما ضم أردان القميص ~~البنائق . PageV02P0068 # """""" صفحة رقم 69 ms0254 """""" وقال البحتري : كأن على أنيابها بعد هجعة ، . ~~. . إذا ما نجوم الليل حان انحدارها ، مجاجة مسك صفقت بمدامة . . . معتقة ~~صهباء ، حان اعتصارها . وقال ذو الرمة : أسيلة مجرى الدمع هيفاء طفلة . . . ~~عروب ، كإيماض الغمام ابتسامها . كأن على فيها ، وما ذقت طعمه ، . . . ~~زجاجة خمر طاب فيها مدامها وقال كشاجم : البدر لا يغنيك عنها إذا . . . ~~غابت وتغنيك عن البدر . في فمها مسك ومشمولة . . . صرف ومنظوم من الدر . ~~فالمسك للنكهة ، والخمر للر . . . يقة ، واللؤلؤ للثغر . وقال الهذلي : وما ~~صهباء صافية شمول ، . . . كعين الديك منجاب قذاها ، تشج بماء سارية عريض . ~~. . على ظمأ به رصيف صفاها ، بأطيب نكهة من طعم فيها . . . إذا ما طار عن ~~سنة كراها . وقال ابن الرومي : وما تعتريها آفة بشرية . . . من النوم إلا ~~أنها تتختر . PageV02P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" كذلك أنفاس الرياض بسحرة . . . تطيب وأنفاس ~~الأنام تغير . وما ذقته إلا بشم ابتسامها . . . وكم مخبر يدنيه للعين منظر ~~. وغير عجيب طيب أنفاس روضة . . . منورة باتت تراح وتمطر . وقال جميل : ~~وكأن طارقها على علل الكرى ، . . . والنجم وهنا قد دنا لتغور ، يستاف ريح ~~مدامة معلولة . . . بذكي مسك أو سحيق العنبر . وقال الشريف الموسوي ، شاعر ~~اليتيمة : يا عذبة المبسم بلي الجوى . . . بنهلة من ريقك البارد أرى غديرا ~~سيحا ماؤه ، . . . فهل لذاك الماء من وارد ؟ من لي بذاك العسل الذائب ال . ~~. . جاري خلال البرد الجامد ؟ PageV02P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" ومما قيل في طيب عرف النساء قالوا : من أجود ~~ما قيل في ذلك من قديم الشعر قول الأعشى : ما روضة من رياض الحزن معشبة . . ~~. خضراء جاد عليها مسبل هطل ، يضاحك الشمس منها كوكب شرق . . . مؤزر بعميم ~~النبت مكتهل ، يوما بأطيب منها نشر رائحة . . . ولا بأحسن منها إذ دنا ~~الأصل . وقول القطامي : وما ريح قاع ذي خزامى وحوله . . . شذا أرج من طيب ~~النبت غارب ، بأطيب من مي إذا ما تقلبت . . . من الليل وسنى جانبا بعد جانب ~~. أخذه ابن المعتز ببعض لفظه وزاد زيادة حسنة ، فقال : وما ريح قاع مست ~~الندى . . . وروض من الريحان سحت سحائبه ، فجاء سحيرا بين يوم وليلة . . . ~~كما جر ms0255 من ذيل الغلالة ساحبه ، PageV02P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" بأطيب من أنياب سرة موهنا . . . إذا الليل ~~أدجى وارجحنت كتائبه . إذا رغبت عن جانب من فراشها . . . تضوع مسكا أين ~~مالت جوانبه . وقال ابن الرومي : والعرف ند ذكي ، وهي ذاكية . . . إذا أساء ~~جوار العطر أبدان . نعيم كل بهار من مجامرها . . . ويشمس الليل منها فهو ~~ضحيان . كأنها ، وعثان الند يشملها ، . . . شمس عليها ضبابات وأدجان . وقال ~~ابن الأحنف : ذكرتك بالريحان لما شممته . . . وبالراح لما قابلت أوجه الشرب ~~. تذكرت بالريحان منك روائحا . . . وبالراح طعما من مقبلك العذب . ومن بليغ ~~قول سحيم : فما زال بردى طيبا من ثيابها . . . إلى الحول ، حتى أنهج البرد ~~باليا . وأبلغ منه قول الأحنف : وجد الناس ساطع المسك من دج . . . لة قد ~~أوسع المشارع طيبا . فهم ينكرون ذاك وما يد . . . رون أن قد حللت منها ~~قريبا . PageV02P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" وقال آخر : ، وأحسن : جارية أطيب من طيبها . . ~~. والطيب فيها المسك والعنبر . ووجهها أحسن من حليها . . . والحلي فيها ~~الدر والجوهر . وقال امرؤ القيس : ألم تر أني كلما جئت طارقا ، . . . وجدت ~~بها طيبا ، وإن لم تطيب . وقال آخر : أتاها بعطر أهلها فتضاحكت . . . وقالت ~~: وهل يحتاج عطر إلى عطر ؟ وقد بالغوا حتى وصفوا طيب المواضع التي وطئها ~~المحبوب . وأول من قال ذلك النميري الشاعر في زينب بنت يوسف أخت الحجاج ~~فقال : تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت . . . به زينب في نسوة خفرات . وقال ~~جميل : ألا أيها الربع الذي غير البلى . . . عفا وخلا ، من بعدما كان لا ~~يخلو . تداءب ريح المسك فيه وإنما . . . به المسك أن جرت به ذيلها جمل . ~~PageV02P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" وقول الآخر : أرى كل أرض دست فيها ، وإن مضت . ~~. . لها حجج ، يزداد طيبا ترابها الأسنان من محاسنها الشنب ، وهو رقة ~~الأسنان واستواؤها وحسنها . الرتل ، حسن تنضيدها واتساقها . التفليج ، تفرج ~~ما بينها . الشتت ، تفرقها من غير تباعد بل في استواء وحسن . يقال : ثغر ~~شتيت ، إذا كان مفلجا حسنا أبيض . الأشر ، تحزيز في أطراف الثنايا يدل على ~~حداثة السن . الظلم ، الماء الذي يجري على الأسنان من البريق لا ms0256 من الريق . ~~فصل في مقابحها الروق ، طولها . الكسس ، صغرها . الثغل ، تراكبها وزيادة سن ~~فيها . الشغا ، اختلاف منابتها . اللصص ، شدة تقاربها وانضمامها . اليلل ، ~~إقبالها على باطن الفم . الدفق ، انصبابها إلى قدام . الفقم ، تقدم سفلاها ~~على العليا . القلح ، صفرتها . الطرامة ، خضرتها . الحفر ، ما يلزق بها . ~~PageV02P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" الدرد ، ذهابها . الهتم ، انكساها . اللطط ، ~~سقوطها . فصل في ترتيب الأسنان وهي : أربع ثنايا ، وأربع رباعيات ، وأربع ~~أنياب ، وأربع ضواحك ، وثنتا عشرة رحا ، وأربعة نواجذ . قال أبو الفتح ~~كشاجم : عرضن فعرضن القلوب من الجوى . . . لأسرع في كي القلوب من الجمر كأن ~~الشفاه اللعس فيها خواتم . . . من المسك ، مختوم بهن على در . وقال أيضا : ~~كالغصن في روضة تميس : . . . تصبو إلى حسنها النفوس . ما شهدت والنساء عرسا ~~، . . . فشك في أنها عروس تبسم عن باسم برود . . . تعبق من طيبه الكؤوس . ~~يجمع فيه لمجتنيه : . . . مسك ، وورد ، وخندريس . وقال المتنبي : ويبسمن عن ~~در تقلدن مثله . . . كأن التراقي وشحت بالمباسم . وقال الصنوبري : تلك ~~الثنايا من عقدها نظمت ، . . . بل نظم العقد من ثناياها . PageV02P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" وقال البحتري : ويرجع الليل مبيضا إذا ضحكت . ~~. . عن أبيض خصل السمطين وضاح . وقال ابن الرومي : كأني لم أبت أسقى رضابا ~~: . . . يموت به ويحيا المستهام تعللنيه واضحة الثنايا ، . . . كأن لقاءها ~~حولا لمام . تنفس كالشمول ضحى شمال . . . إذا ما فض عن فمها الختام . وقال ~~النابغة : تجلو بقادمتي حمامة أيكة . . . بردا ، أسف لثاته بالإثمد . ~~كالأقحوان غداة غب سمائه . . . جفت أعاليه ، وأسفله ندى . وقال شقيق بن ~~سليل : وتبسم عن ألمى اللثات ، مفلج : . . . خليق الثنايا بالعذوبة والبرد ~~. وقال جميل : بذي أشر كالأقحوان يرينه . . . ندى الطل ، إلا أنه هو أملح . ~~وقال السمهري : كأن وميض البرق بيني وبينها ، . . . إذا حان من بعض البيوت ~~، ابتسامها . PageV02P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" وقال آخر : أحاذر في الظلماء أن تستشفني . . . ~~عيون العبارى في وميض المضاحك في السواك قول بعض الشعراء : أقول لمسواك ~~الحبيب : لك الهنا ، . . . بلثم فم ما ناله ثغر عاشق فقال ، وفي أحشائه حرق ~~الجوى . . . مقالة صب للديار مفارق : تذكرت أوطاني فقلبي كما ترى ، . . . ~~أعلله بين العذيب وبارق ms0257 وقال آخر : نقل الأراك بأن ريقة ثغره . . . من قهوة ~~، مزجت بماء الكوثر . قد صح ما نقل الأراك لأنه . . . قد جاء يروي عن " ~~صحاح الجوهري " . وقال آخر : بالله ، إن جزت بوادي الأراك . . . وقبلت ~~أغصانه اللدن فاك ، فانبعث إلى المملوك من بعضها . . . فإنني والله مالي ~~سواك مما قيل في اللسان من محاسنه إذا كان الرجل حاد اللسان قادرا على ~~الكلام ، فهو ذرب اللسان ، وفتيق اللسان . فإذا كان جيده ، فهو لسن . فإذا ~~كان يضعه حيث أراد ، فهو ذليق . فإذا كان فصيحا بين اللهجة ، فهو حذاقي . ~~فإذا كان مع حدة اللسان بليغا ، فهو مسلاق . PageV02P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" فإذا كان لا يعترض لسانه عقدة ، ولا يتحيف ~~بيانه عجمة ، فهو مصقع . فإذا كان المتكلم عن القوم ، فهو مدره . فصل في ~~عيوبه الرتة ، حبسة في لسان الرجل ، وعجلة في كلامه . اللكنة والحكلة ، ~~عقدة في اللسان وعجمة في البيان . الهتهتة بالتاء والثاء ، حكاية التواء ~~اللسان عند الكلام . التعتعة بالتاء والثاء ، حكاية صوت الألكن والعي . ~~اللثغة ، أن يصير الراء لاما من كلامه . الفأفأة ، أن يتردد في الفاء . ~~التمتمة ، أن يتردد في التاء . اللفف ، أن يكون في اللسان ثقل وانعقاد . ~~الليغ ، أن لا يبين الكلام . اللجلجة ، أن يكون فيه عي وإدخال بعض كلامه في ~~بعض . الخنخنة ، أن يتكلم من لدن أنفه . ويقال : هي أن لا يبين الرجل كلامه ~~فيخنخن في خياشيمه . المقمقة ، أن يتكلم من أقصى حلقه . فصل في ترتيب العي ~~يقال : رجل عيي ، ثم حصر ، ثم فه ، ثم مفحم ، ثم لجلاج ، ثم أبكم . قال علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه : المرء مخبو تحت لسانه . وقال شاعر : وما المرء ~~إلا الأصغران : لسانه . . . ومعقوله . والجسم خلق مصور . PageV02P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" وقال امرؤ القيس : وذلك من نبأ جاءني ، . . . ~~وخبرته عن أبي الأسود . ولو عن نثا غيره جاءني ، . . . وجرح اللسان كجرح ~~اليد . النثا القبيح من الكلام . وقال جرير : لساني وسيفي : صارمان كلاهما ~~. . . وللسيف أشوى وقعة من لسانيا قوله أشوى إذا أخطأ المقتل . وقال آخر : ~~وجرح السيف تدامله فيبرى ، . . . وجرح الدهر ما جرح ms0258 اللسان حسن الحديث ~~والنغمة فمن ذلك قول ذي الرمة : ولما تلاقينا ، جرت من عيوننا . . . دموع ~~كففنا غربها بالأصابع . ونلنا سقاطا من حديث كأنه . . . جنى النحل ممزوجا ~~بماء الوقائع . وقال أيضا : وإنا ليجري بيننا حين نلتقي . . . حديث له وشي ~~كوشي المطارف حديث كوقع القطر في المحل يشتفى . . . به من جوى في داخل ~~القلب ، لاطف . PageV02P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" وقال ابن الرومي : ولقد سئمت مآربي ، . . . ~~فكأن طيبها خبيث . إلا الحديث فإنه . . . مثل اسمه أبدا حديث . وقال بشار : ~~وكأن رجع حديثها . . . قطع الرياض كسين زهرا . وكأن تحت لسانها . . . هاروت ~~ينفث فيه سحرا . وتخال ما اشتملت علي . . . ه ثيابها : ذهبا وعطرا . وقال ~~البحتري : فلما التقينا والنقا موعد لنا تعجب رائي الدر حسنا ولاقطه . فمن ~~لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ، . . . ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه وقال آخر : ~~ظللنا نشاوي عند أم محمد . . . بنوم ، ولم نشرب شرابا ولا خمرا إذا صمتت ~~عنا ، صحونا بصمتها ؛ . . . وإن نطقت ، هاجت لألبابنا سكرا . وقال ابن ~~الرومي عفا الله عنه : وحديثها السحر الحلال ، لو أنه . . . لم يجن قتل ~~العاشق المتحرز . إن طال لم يملل ، وإن هي أوجزت . . . ود المحدث أنها لم ~~توجز . شرك القلوب ، وفتنة ما مثلها . . . للمطمئن ، وعقلة المستوفز . وقال ~~القطامي : فهن ينبذن من قول يصبن به . . . مواقع الماء من ذي الغلة الصادي ~~. PageV02P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" وقال علي بن عطية البلنسي : لمتني فخلت درا ~~نثيرا ، . . . وتأملت عقدها هل تناثر . فازدهاها جمالها ، فأرتني . . . عقد ~~در من التبسم آخر وقال الوأواء الدمشقي : وحديث كأنه . . . أوبة من مسافر . ~~كان أحلى من الرقا . . . د لدي طرف ساهر . بت ألهو بطيبه . . . في رياض ~~زواهر : بين ساق وسامر . . . ومغن وزامر . وقال الطائي : مدت إليك بنانة ~~أسروعا ، . . . تشكو الفراق ، ومقلة ينبوعا . كادت لعرفان النوى ألفاظها . ~~. . من رقة الشكوى تكون دموعا . وقال ابن المعتز : وسر أحاديث عذاب لو أنها ~~. . . جني النحل ، لم تمجج حلاوتها النحل . ومما قيل في الأذن ، الصمع ، ~~صغرها . السكك ، كونها في نهاية الصغر . القنف ، استرخاؤهما وإقبالهما إلى ~~الوجه . الخطل ، غلظهما . PageV02P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" فصل في ترتيب الصمم ms0259 يقال : بأذنه وقر . فإذا ~~زاد ، فهو صمم . فإذا زاد ، فهو طرش . فإذا زاد حتى لا يسمع الرعد ، فهو ~~صلخ . مما وصف به الصدغ ، فمن ذلك قول عبد الله بن المعتز : ريم يتيه بحسن ~~صورته ، . . . عبث الفتور بلحظ مقلته . فكأن عقرب صدغه وقفت ، . . . لما ~~دنت من نار وجنته . وقال ابن الرومي : أبدا نحن في خلاف : فمني . . . فرط ~~حب ومنك لي فرط بغض . فبصدغيك فوق خط عذار . . . ظلمات ، وبعضها فوق بعض . ~~وقال الصاحب بن عباد : وعهدي بالعقارب حين تشتو . . . تخفف لدغها وتقل ضرا ~~. فما بال الشتاء أتى ، وهذا . . . عقارب صدغه يزددن شرا ؟ وقال ابن المعتز ~~: أمن سبج في عارضيه صوالج . . . معطفة تفاح خديه تضرب ؟ PageV02P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" وما ضره نار بخديه الهبت ؛ . . . ولكن بها قلب ~~المحب يعذب ؟ عناقيد صدغيه بخديه تلتوي . . . وأمواج ردفيه بخصريه تقلب . ~~شربت الهوى صرفا زلالا ، وإنما . . . لواحظه تسقي وقلبي يشرب . وقال ~~الثعالبي : صولجان في يدي شادن . . . لا يسمع العاشق أن يذكره . وصولجان ~~المسك في خده . . . متخذ حبة قلبي كره . وقال الناشئ الأصغر : لك صدغ كأنما ~~. . . نونه ونون كاتب . يلدغ الناس إذ تعق . . . رب لدغ العقارب . وقال ~~الصاحب بن عباد : يا شادنا في وجهه عقرب . . . ما يستجيب الدهر للراقي . ~~يسلم خداه على لدغها ، . . . ولدغها في كبدي باقي وقال عمر المطوعي : بنفسي ~~من تمت محاسن وجهه . . . فما هو إلا البدر عند تمام . وأرسل صدغا فوق خد ~~كأنه . . . جناح غراب فوق طوق حمام . وقال آخر : حلت عقارب صدغه في خده . . ~~. قمرا ، فجل بها عن التشبيه ولقد عهدناه يحل ببرجها . . . فمن العجائب كيف ~~جلت فيه ؟ PageV02P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" وقال العماد الأصبهاني : وإذا بدا لك صدغه في ~~وجهه ، . . . أبصرته قمرا بدا في العقرب وقال أبو الفتح كشاجم : ومنعن ورد ~~خدودهن فلم نطق . . . قطفا لها لعقارب الأصداغ وصف الخدود والوجنات فمن ذلك ~~ما ورد على لفظ التذكير . قال أبو الفتح كشاجم : غدا ، وغدا تورد وجنتيه . ~~. . لعين محبه يصف الرياضا . على خديه ماء عسجدي ؛ . . . فلو نظر الرقيب ~~إليه ، غاضا . وقال آخر : دعوت بماء في زجاج ms0260 ، فجاءني . . . حبيبي به خمرا ~~نظرت له شزرا . فقال : هو الماء القراح وإنما . . . تجلى له خدي فأوهمك ~~الخمرا وقال أبو القاسم عبد الغفار المصري ، شاعر اليتيمة : ورد الخدود أرق ~~من . . . ورد الرياض وأنعم . هذا تنشقه الأنو . . . ف ، وذا يقبله الفم . ~~فإذا عدلت ، فأفضل ال . . . وردين ورد يلثم . وقال أيضا ويروى للوأواء ~~الدمشقي : لا تظلموا الناس ولا تطلبوا . . . بثارى اليوم أذى مسلم ويا ~~لقومي دونكم شادنا . . . معتدل القامة والمبسم فإن أبى إلا جحود الهوى . . ~~. واكتتم الأمر ولم يعلم ، قولوا له يكشف عن خده ؛ . . . فإن فيه نقطا من ~~دمي . PageV02P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" وقال ابن الرومي : وغزال ترى على وجنتيه . . . ~~قطر سهميه من دماء القلوب . لهف نفسي لتلك من وجنات . . . وردها ورد شارق ~~مهضوب أنهلت صبغ نفسها ثم علت . . . من دماء القتلى بغير ذنوب . جرحته ~~العيون فاقتص منها . . . بجوى في القلوب دامي الندوب . وقال أيضا : يا ~~وجنتيه اللتين من بهج . . . في صدغيه اللذين من دعج ما حمرة فيكما : أمن ~~خجل ، . . . أم صبغة الله ، أم دم المهج ؟ وقال أبو الفتح البستي : ومهفهف ~~غنج الشمائل أزعجت . . . قلبي محاسن وجهه إزعاجا . درت الطبيعة أن فاحم ~~شعره . . . ليل فأذكت وجنتيه سراجا . وقال عبد الله بن المعتز : يا من يجود ~~بموعد من لحظه . . . ويصد حين أقول : أين الموعد ؟ ويظل صباغ الحياء بخده . ~~. . تعبا : يصفر تارة ويورد . وقال الراضي بالله : يصفر وجهي إذا تأملني . ~~. . خوفا ، ويحمر خده خجلا . حتى كأن الذي بوجنته . . . من ماء وجهي إليه ~~قد نقلا . PageV02P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" وقال الخبزأرزي : صل بخدي خديك ، تلق عجيبا . ~~. . من معان يجار فيها الضمير . فبخديك للربيع رياض ، . . . وبخدي للدموع ~~غدير . وقال أيضا : أظهر الكبرياء من فرط زهو ، . . . فتلقيته بذل الخضوع . ~~وحباني ربيع خديه بالور . . . د فأمطرته سحاب الدموع . وقال الصنوبري : رق ~~، فلو كلفته أعيننا . . . أن يرشح الخمر خده ، رشحا . وقال المفجع : ظبي ~~إذا عقرب أصداغه ، . . . رأيت ما لا يحسن العقرب . تفاح خديه له نضرة . . . ~~كأنه من دمعتي يشرب . وقال آخر : ومبيح أسرار القلو . . . ب بوجنتيه ~~وحاجبيه . جمع الإله له المحا . . . سن ms0261 ثم أفرغها عليه . وكأن مرآتين عل . ~~. . قتا بصفحة عارضيه . وكأن ورد الجلن . . . ار مضعف في وجنتيه . وقال علي ~~بن عطية البلنسي في غلام جرح خده : وأحوى رمى عن قسي الحور . . . سهاما ~~يفوقهن النظر . PageV02P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" يقولون : وجنته قسمت . . . ورسم محاسنه قد دثر ~~. وما شق وجنته عابثا . . . ولكنها آية للبشر . جلاها لنا الله كيما نرى . ~~. . بها كيف كان انشقاق القمر . وصفها على لفظ التأنيث فمن ذلك قول عبد ~~الله بن المعتز : نجل العيون ، سواحر اللحظات . . . هيجن منك سواكن الحركات ~~. أقبلن يرمين الجمار تنسكا ، . . . فجعلن قلبك موضع الجمرات . فكأنهن غصون ~~بان ناعم . . . يحملن تفاحا على الوجنات . وقال ابن الرومي : تشرع الألحاظ ~~في وجنتها . . . فتلاقي الري من مشربها . فهي حسب العين من نزهتها ، . . . ~~وهي حسب الأذن من مطربها . وقال ديك الجن : بأبي الثلاث الآنسا . . . ت ~~الرائقات الغانيات أقبلن ، والأصداغ في . . . وجناتهن معقربات ألفاظهن ~~مؤنثا . . . ت والجفون مذكرات حتى إذا عاينته . . . ن وللأمور مسببات ، ~~PageV02P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" جمشتهن ، وقلت : طي . . . ب عناقكن هو الحياة ~~فخجلن حتى خلت أ . . . ن خدودهن معصفرات . مما وصفت به الخيلان فمن ذلك ما ~~ورد على لفظ التذكير . قال بعض الشعراء : في الساعد الأيمن خال له . . . ~~مثل السويداء على القلب . كأنه من سبج فاحم . . . مركب من لؤلؤ رطب . وقال ~~ابن منير الطرابلسي : لاح لنا عاطلا ، فصيغ له . . . مناطق من مراشق المقل ~~. حياة روحي وفي لواحظه . . . حتفي بين النشاط والكسل . ما خاله من فتيت ~~عنبر صد . . . غيه ولا قطر صبغة الكحل . لكن سويداء قلب عاشقه . . . طفت ~~على نار وردة الخجل . وقال أيضا : أنكرت مقلته سفك دمي ، . . . وعلى وجنته ~~فاعترفت . لا تخالوا خاله في خده . . . قطرة من صبغ جفن نطفت . تلك من نار ~~فؤادي جذوة . . . فيه ساخت وانطفت ثم طفت PageV02P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" وقال آخر : لا تخال الخال يعلو خده . . . نقط ~~مسك ذاب من طرته . ذاك قلبي سلبت حبته . . . فاستوت خالا على وجنته . وقال ~~ابن منير : كأن خديه ديناران قد وزنا . . . وحرر الصيرفي الوزن واحتاطا . ~~فخف إحداهما عن وزن صاحبه ، . . . فحط ms0262 فوق الذي قد خف قيراطا . وقال آخر : ~~أضحى ليوسف في الجمال خليفة ، . . . يخشاه كل العالمين إذا بدا . عرج معي ~~وانظر إليه لكي ترى . . . في خده علم الخلافة أسودا . وقال آخر : كم قلت ~~للنفس : اذهبي ، . . . فحبه المشهور من مذهبي مهفهف القد له شامة . . . من ~~عنبر في خده المذهب . آيسني التوبة من حبه . . . طلوعه شمسا من المغرب وقال ~~آخر : ومهفهف من شعره وجبينه . . . يغدو الورى في ظلمة وضياء . لا تنكروا ~~الخال الذي في خده . . . كل الشقيق بنقطة سوداء . وقال آخر : لهيب الخد حين ~~رأته عيني . . . هوى قلبي عليه كالفراش . فأحرقه فصار عليه خالا ؛ . . . ~~وها أثر الدخان على الحواشي PageV02P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" وقال آخر : بدا على خده خال يزينه ، . . . ~~فزادني شغفا منه إلى شغفي ، كأن حبة قلبي عند رؤيته . . . طارت فقلت لها : ~~في الخد منه قفي وقال آخر : خيلان خدك ردت . . . صحيح قلبي مريضا . في ~~العين سود ، ولكن ما زلن في القلب بيضا . وقال آخر : خدك مرآة كل حسن . . . ~~يحسن من حسنها الصفات . مالي أرى فوقه نجوما . . . قد كسفت وهي نيرات ؟ ~~وقال آخر : حجت إلى وجهك أبصارنا . . . طائفة ، يا كعبة الحسن تمسح خالا ~~منك في وجنة . . . كالحجر الأسود في الركن . وقال الأسعد بن بليطة : سكران ~~لا أدري وقد وافى بنا أمن الملاحة أم من الجريال . تتنفس الصهباء في لهواته ~~. . . كتنفس الريحان في الآصال . وكأنما الخيلان في وجناته . . . ساعات هجر ~~في ليال وصال . وصفه على لفظ التأنيث فمن ذلك قول أبي الفتح كشاجم : فديت ~~زائرة في العيد واصلة . . . لمستهام بها للوصل منتظر . فلم يزل خدها ركنا ~~ألوذ به ، والخال في صحنه يغني عن الحجر . PageV02P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" وقال العباس بن الأحنف : محجوبة في الخدر عن ~~كل ناظر ، . . . ولو برزت ، ما ضل بالليل من يسري . بخال بذاك الخد أحسن ~~منظرا . . . من النقطة السوداء في وضح البدر . مما قيل في العذار فمن ذلك ~~ما ورد فيه على سبيل المدح قال ماني الموسوس عفا الله عنه ورحمه : وما غاضت ~~محاسنه ؛ ولكن . . . بماء الحسن أورق عارضاه . سمعت به ms0263 فهمت إليه شوقا . . ~~. فكيف لك التصبر ، لو تراه ؟ وقال أبو فراس : من أين للرشاء الغرير الأحور ~~. . . في الخد مثل عذاره المنحدر ؟ يا من يلوم على هواه سفاهة . . . أنظر ~~إلى تلك السوالف ، تعذر . قمر كأن بعارضيه كليهما . . . مسك تساقط فوق ورد ~~أحمر . وقال ابن المعدل : سالت مسايل عارضي . . . ه بنفسجا في ورده . فكأنه ~~من حسنه . . . عبث الربيع بخده . وقال الخباز البلدي : وعارض مثل دارة ~~البدر . . . دار بوجه كليلة القدر . فلو تراه وحسن منظره ، . . . شهدت أن ~~الجمال للشعر . PageV02P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" وقال ابن المعتز : وتكاد الشمس تشبهه . . . ~~ويكاد البدر يحكيه . كيف لا يخضر عارضه ، . . . ومياه الحسن تسقيه ؟ وقال ~~محمد بن وهب : صدودك في الورى هتك استتاري ، . . . وساعده البكاء على ~~اشتهاري . ولم أخلع عذاري فيك إلا . . . لما عانيت من حسن العذار . وكم ~~أبصرت من حسن ، ولكن . . . عليك من الورى وقع اختياري . وقال أبو الفرج ~~الوأواء : وشمس بأعلاه ولبلان أسبلا . . . بخديه ، إلا أنها ليس تغرب . ~~ولما حوى نصف الدجى نصف خده . . . تحير حتى ما درى أين يذهب . وقال ~~الخبزأرزي : انظر إلى الغنج يجري في لواحظه ، . . . وانظر إلى دعج في طرفه ~~الساجي وانظر إلى شعرات فوق عارضه . . . كأنهن نمال سرن في العاج وقال أيضا ~~: وجه تكامل حسنه . . . لما تطرفه عذاره . والسيف أحسن ما ترى . . . ما كان ~~مخضرا غراره . وقال الأمير سيف الدين المشد : ولائم في عذار بدر . . . لم ~~أستطع عن هواه ميلا . PageV02P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" فقلت ، والدمع في جفوني . . . لفرط وجدي تسيل ~~سيلا : ضللت في خده نهارا . . . كيف رشادي ، وصار ليلا ؟ وقال أيضا : ولما ~~أن بدا في الخد شعر . . . توقف عند منتصف العذار . فقلت للائمي فيه : تعجب ~~. . . لنصف الليل في نصف النهار وقال أيضا : ومهفهف يحمي ورود رضابه . . . ~~بصوارم سلت من الأجفان . كتب العذار بليقة مسكية . . . في خده سطرا من ~~الريحان . وقال أيضا : يقول العواذل لما بدا . . . على خده شعر زائر : ذوي ~~ورد خديه ، قلت : اقصروا . . . فنرجس ألحاظه وافر وقال آخر : وقالوا : تسلى ~~فقد شانه . . . عذار أراحك من صده . فقلت : وهمتم ، ولكنني . . . خلعت ~~العذار على ms0264 خده . وقال آخر : بروحي وقلبي ذلك العارض الذي . . . غدا مسكه ~~فوق السوالف سائلا . درى خده أني أجن من الهوى ، . . . فأظهر لي الجنون ~~سلاسلا وقال آخر : أصبحت مأسورا بغنج لحاظه . . . ومقيدا من صدغه بسلاسل . ~~حتى بدا سيف العذار مجردا . . . فخشيت منه ، فقلت هذا قاتلي وقال آخر : ~~قالت : اسود عارضاك بشعر ، . . . وبه تقبح الوجوه الحسان قلت : أشعلت في ~~فؤادي نارا ، . . . فعلى عارضي منه دخان PageV02P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" وقال آخر : قلت ، وقد أبصرته مقبلا . . . وقد ~~بدا الشعر على الخد : صعود ذا النمل على خده . . . يشهد أن الريق من شهد . ~~ومثله قول الآخر : قالوا : التحى ، فاصب إلى غيره . . . قلت لهم : لست إذا ~~أسلو لو لم يكن من عسل ريقه ، . . . ما دب في عارضه النمل . وقال آخر : ~~عذاره أحسس ما فيه ، . . . تيهه من أحسن التيه . في فمه الشهد ، فلا تعجبوا ~~. . . إن دب نمل بعذاريه . وقال آخر : أصلى بنار الخد عنبر خاله . . . فغدا ~~العذار دخان ذاك العنبر . وقال آخر وقد تقدم إيراده في صفاء الخد : أعد ~~نظرا ، فما في الخد نبت . . . حماه الله من ريب المنون ولكن رق ماء الوجه ~~حتى . . . أراك مثال أهداب الجفون . ومثله قول الآخر وقد تقدم إيراده : ~~ولما استدارت أعين الناس حوله . . . تلاحظه كيف استقل وسارا ، تمثلت ~~الأهداب في ماء وجهه . . . فظنوا خيال الشعر فيه عذارا . وقال الحاجري : ~~وما اخضر ذاك الخد نبتا ، وإنما . . . لكثرة ما شقت عليه المرائر . ~~PageV02P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" وقال آخر : يا لائمي في حب ذي عارض ، . . . ما ~~البلد المخصب كالماحل يموج ماء الحسن في وجهه . . . فيقذف العنبر في الساحل ~~. وقال آخر : ولما بدا خط العذار بوجهه . . . كظلمة ليل في ضياء نهار ، ~~تغلغل في قلبي هواه فلم أزل . . . خليع عذار في جديد عذار . وقال آخر : ~~قالوا : التحى ، فامتحت بالشعر بهجته . . . فقلت : لولا الدجى لم يحسن ~~القمر . من كان منتظرا للصبر عنه به ، . . . فإنني لغرامي كنت أنتظر . خطت ~~يد الحسن منه فوق وجنته : . . . هذي محاسن ، يا أهل الهوى ، أخر وقال آخر : ~~وقلت : الشعر يسليني هواه . . . ولم أعلم بأن الشعر حيني ms0265 . فظلت لشقوتي ~~أفدي وأحمي . . . سواد عذاره بسواد عيني . وقال محمد بن عبد الله السلامي ، ~~شاعر اليتيمة : عذارك جادت عليه الريا . . . ض بأجفانها وبآماقها . وطال ~~غرام الغواني به . . . فقد طرزته بأحداقها . وقال ابن سكرة الهاشمي : وغزال ~~لولا نميمة شعر . . . ذكرته ، لقلت : إحدى الجواري . شارب أشرب الصبابة ~~قلبي ، . . . وعذار خلعت فيه عذاري . PageV02P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" وقال آخر : قالوا : التحى وستسلو عنه ، قلت ~~لهم : . . . هل يحسن الروض ما لم يطلع الزهر ؟ هل التحى طرفه الساجي ، ~~فأهجره ؟ . . . وهل تزحزح عن ألحاظه الحور ؟ وقال أبو الفتح كشاجم : من ~~عذيري من عذارى قمر ، . . . عرض القلب لأسباب التلف ؟ زيد حسنا وضياء بهما ~~، . . . فهو الآن كبدر في سدف . خمشا خديه ثم انعطفا ، . . . آه ما أحسن ~~ذاك المنعطف علم الشعر الذي عاجله . . . أنه جار عليه ، فوقف . فهو في ~~وقفته معترف . . . بالتناهي في التعدي والسرف . وقال آخر : لا تعتقدوا ما ~~لاح في وجنته . . . شعرا ، غلطا ما ذاك من شيمته بل ساكن ماء الحسن قد حركه ~~. . . موج قذف العنبر في حافته . وقال عبد الله بن سارة الإشبيلي : ومعذر ~~رقت حواشي حسنه ، . . . فقلوبنا حذرا عليه رقاق . لم يكس عارضه السواد ، ~~وإنما . . . نفضت عليه صباغها الأحداق . وقال أبو بكر الداني ، شاعر ~~الذخيرة : بدا على خده عذار . . . في مثله يعذر الكئيب . وليس ذاك العذار ~~شعرا ، . . . لكنما سره غريب . لما أراق الدماء ظلما ، . . . بدت على خده ~~الذنوب . PageV02P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" وقال عبد الجليل الأندلسي : ومعذرين كأنما ~~بخدودهم . . . طرق العيون ومنهج الأوداج . وكأنما صقلوا الجمال فأظهروا . . ~~. مشى النمال على متون العاج . ومما وصف به العذار على طريق الذم ، فمن ذلك ~~ما قاله الوزير أبو المغيرة ابن حزم ، عندما عرضت عليه رسالة بديع الزمان ~~في الغلام الذي خطب إليه وده بعد أن عذر ، قال : " ورد كتابك ينشد ضالة ~~ودنا ، ويرقع خلق عهدنا ؛ ويطلب ما أفاءته جريرتك إلينا ، وذهبت به جنايتك ~~علينا ؛ أيام غصنك ناضر ، وبدرك زاهر ؛ لا نجد رسولا إليك ، غير لحظة تخرق ~~حجاب الدموع ، أو زفرة تقيم منآد الضلوع ؛ فإن رمنا شكوى ينفث بها مصدورنا ~~، ويستريح ms0266 إليها مهجورنا ؛ لقينا دونها أمنع سد ، وأقبح كف وصد ، وأقدح رد ~~. " وفي فصل منها : " حتى إذا طفئت تلك النيران ، وانتصف لنا منك الزمان ؛ ~~بشعرات أغشت هلالك كسوفا ، وقلبت ديباجك صوفا ؛ وأعادت نهارك ليلا ، وناحت ~~عليك تلهفا PageV02P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" وويلا ؛ وأطار حمامك غرابك ، وحجب ضياءك ضبابك ~~؛ فصار عرسك مأتما ، وعاد وصلك محرما ، قال القائل : وبت مداما تسر النزيف ~~. . . فأصبحت تجرع خلا ثقيفا . وصرت حجازا جديب المحل ، . . . وقد كنت ~~للطالب الخصب ريفا . أقبلت تتسلل إلينا لواذا ، وتطلب منا عياذا ؛ قد أنساك ~~ذل العزل عز الولاية ، وأولاك طمعا نسياننا تلك الجناية ؛ أيام ترشقنا سهام ~~ألحاظك رشقا ، وتقتلنا سيوف ألفاظك عشقا ؛ وتميس غصنا ، فتثير حزنا ؛ وتطلع ~~شمسنا ، فتفتت نفسا . فالآن نلقاك بدمع قد جف ، ووجد قد كف ؛ وعزاء قد أبد ~~، وصبر قد أغار وأنجد ؛ وننظر منك إلى روض قد صوح ، وسار قد أصبح ؛ وأعجم ~~قد أفصح ، ومبهم قد صرح . فلا شك قد رفع الغطاء ، ولا إفك قد برح الخفاء ، ~~ولا لوم قد وقع الجزاء . وهلا ذكرت المثل الممتهن " الصيف ضيعت اللبن " ~~ونسيت من أحرقت قلبه صدا ، وأقلقت جنبه ردا ؛ وملأت جوانحه نارا ، وتركت ~~نومه غرارا ؛ أن يوفيك قرضا ، ويجازيك حتى ترضى ؛ حين نكس علمك ، وعثرت ~~قدمك ؛ وضاقت طرقك ، وأظلم أفقك ؛ وهوى نجمك ، وخاب قدحك ؛ وفل سيفك ، وحط ~~رمحك ؛ فاطو ثوب وصلك فلا حاجة لنا إلى لباسه ، وازو طارق شخصك فلا رغبة ~~لنا في إيناسه ؛ فما يشتهي اليوم زيارة رمس ، من زهد فيه PageV02P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" أمس . قال : حانت منيته فاسود عارضه ، . . . ~~كما تسود بعد الميت الدار . يا من نعته إلى الإخوان لحيته ، . . . أدبرت ، ~~والناس إقبال وإدبار فيا لدهر مضى ما كان أحسنه . . . إذ أنت ممتنع والشرط ~~دينار . أيام وجهك مصقول عوارضه ، . . . وللرياض على خديك أنوار وقال علي ~~بن نصر الكاتب تعزية لمن طلعت لحيته : لكل حادثة يفجع بها الدهر - أحسن ~~الله معونتك - حد من القلق والالتياع ، ومبلغ من التحرق والارتياع ؛ تستوجب ~~فنا من التعزية ، وتستحق نصيبا من العظة والتسلية ؛ والاختصار فيها لما قرب ms0267 ~~خطبه وشانه ، والإكثار لما جل محله ومكانه . ومصابك هذا - أعانك الله - في ~~بياض عارضك لما اسود ، كمصابك في سواده إذا ابيض ؛ والألم ببياض روضه جميما ~~، نظير الألم به يوم يعود هشيما . فليس أحد يدفع عظيم النازل بك ، ولا ~~يستصغر جسيم الطارق لك ؛ وإن كان ما يتعقبه من المشيب أقذى للعيون . التفتت ~~عنك النواظر ، وكانت ملتفتة إليك ، ووقفت عنك الخواطر ، وكانت موقوفة عليك ~~؛ وصيرك قذى الأجفان وكنت جلاها ، وجعلك كربة النفوس وكنت هواها ؛ وأبدلك ~~من أنس التقبل ، وحشة التنقل ؛ وعوضك من رقة الترفرف ، وكلفة التأفف ؛ ~~فتبارك الله الذي صرف عنك الأبصار ، ونقل فيك الأطوار فعويلا دائما وبكاء ~~وعزاء عن الذكر الجميل عزاء فلكل أجل كتاب ، وعلى كل جائحة ثواب . ~~PageV02P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" ولقد استوفيت أمد الصبا والصبابة ، واستنبت ~~الحسرة عليها والكآبة . فرزيتك راسية والرزايا سوائر ، ومصيبتك ثابتة ~~والمصائب عوائر . " إنا لله وإنا إليه راجعون " . ثم لا حيلة ، فإنها ~~الأيام التي لا تثبت على حاله ، ولا تعرف غير التنقل والاستحالة فآجرك الله ~~في وجه نضب ماؤه ، وذهب رواؤه ومات حياؤه وفي ضيعة استأجم برها ، واستدغل ~~نورها ؛ وأسبع طريقها ، واتسعت تنوفتها وفي جاه كان عامرا فخرب ، ودخل كان ~~وافرا فذهب ، وتذكار كان واصلا إلى القلوب فحجب فأصبحت مسبوق السكيت ، ~~وظللت حيا وأنت الميت ؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله من محن دفعت إليها ، ولم ~~تعن بحال عليها . وقد يشغل الإنسان عن نوائبه المشاركون فيها ، ويسليه عنها ~~المساهمون في معنى معانيها ؛ وأنت من بين هذه المنزلة لا شريك لك ، فإنهم ~~يعتاضون عنها ولست بمعتاض ، ويركضون للعيش ولست بركاض . والدهر يطوي محاسنك ~~طي السجل كتابه ، وينشر مقابحك نشر اليماني أثوابه . ويمل الطرف رؤيتك فلا ~~يفيق عليك جفنا ، ويمج السمع ذكرك فلا يجد عنده أذنا . ومنها : وقد جعلت ~~رقعتي هذه جامعة بين البكاء عليك والأنين ، وناظمة بين العزاء والتأبين . ~~لها حلاوة النثر ، وعليها طلاوة الشعر . نتجتها قريحة عليك ، ونسجتها خواطر ~~خاطرت إليك ؛ تخفف غرامك والناس مشاغيل بتثقيله ، وتكرم مكانك والإجماع ~~واقع على تهوينه . فإن عرفت لي ms0268 ذاك ، وإلا عرفه الصندق ؛ وإن شكرنه ، وإلا ~~شكره الحق . والسلام عليك من أسير لا يخلص بالفدية ، وقتيل بسيف السبال ~~واللحية . " PageV02P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" وقال الصنوبري : ما بدت شعرة بخدك إلا . . . ~~قلت في ناظري أو في فؤادي . أنت بدر جنى الخسوف عليه . . . ظلمة ، لا أرى ~~لها من نفاذ . فاسوداد العذار بعد ابيضاض . . . كابيضاض العذار بعد اسوداد ~~. وقال آخر : أصبح نحسا وكان سعدا من كان مولى فصار عبدا . بكى على حسنه ~~زمانا . . . لما رأى الشعر قد تبدى . لو نبت الشعر في وصاله ، . . . لعاد ~~ذاك الوصال صدا وقال الخبزأرزي : بدا الشعر في وجهه ، فانتقم . . . لعاشقه ~~منه لما ظلم . وما سلط الله نبت اللحى . . . على المرد إلا زوال النعم . ~~توحشت العين في وجهه ، . . . وحق لها وحشة في الظلم . إذا اسود فاضل قرطاسه ~~، . . . فما ظنه بمجاري القلم ؟ ولم يعل في خده كالدخا . . . ن إلا وأسفله ~~كالحمم . وقال التنوخي : قلت لأصحابي ، وقد مر بي . . . منتقبا بعد الضيا ~~بالظلم : بالله ، يا أهل ودادي قفوا . . . كي تبصروا كيف زوال النعم ~~PageV02P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" وقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسي في ملتح : ما ~~للعذار ، وكان وجهك قبلة ، . . . قد خط فيه من الدجى محرابا . وإذا الشباب ~~وكان ليس بخاشع قد خر فيه راكعا ، وأنابا . وقال أيضا : وافى بأوله صحيفة ~~صفحة . . . جعل العذار بها يسيل مدادا . متجهما ثكل الشباب كأنما . . . لبس ~~العذار على الشباب حدادا . وقال عمر المطوعي ، من شعراء اليتيمة : غدا منذ ~~التحى ليلا بهيما ، وكان كأنه القمر المنير . فقد كتب السواد بعارضيه . . . ~~لمن يقرا : " وجاءكم النذير " . وقال عبد الجليل الأندلسي ، من شعراء ~~الذخيرة : وأمرد يستهيم بكل واد . . . وينصب للحشا خدا صليبا . دعوت دعاء ~~مظلوم عليه ، . . . وكان الله مستمعا مجيبا . فطوقه الزمان بما جناه ، . . ~~. وعلق من عذاريه الذنوبا . مما قيل في العنق يقال : الجيد ، طولها - التلع ~~، إشرافها - الهنع ، تطامنها - الغلب ، غلظها - البتع ، شدتها - الصعر ، ~~ميلها - الوقص ، قصرها - الخضع ، خضوعها - الحدل ، عوجها . PageV02P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" وقال دعبل : أتاح لك الهوى بيض حان . . . ~~سلبنك بالعيون وبالنحور . نظرت إلى النحور فكدت تقضي . . . فأولى لو ms0269 نظرت ~~إلى الخصور . وقال قيس بن الخطيم : وجيد كجيد الريم صاف يزينه . . . توقد ~~ياقوت وفصل زبرجد . كأن الثريا فوق ثغرة نحرها . . . توقد في الظلماء أي ~~توقد . مما قيل في اليد إذا باشرت ما يعلق بها يقال : من اللحم غمرة ، ومن ~~الشحم زهمة ، ومن السمن نسمة ، ومن الزبد وضرة ، ومن الجبن نشمة ، ومن ~~اللبن مذقة ، ومن البيض زهكة ، ومن المسك صمرة ، ومن الزيت قنمة ، ومن ~~الخمر عتكة ، ومن الخل خمطة ، ومن العسل ونحوه لزجة ، ومن الطيب عطرة ، ومن ~~الغالية عبقة ، ومن الزعفران ردعة ، ومن العنبر لطخة ، ومن الخلوق ضمخة ، ~~ومن الحناء قنئة ، ومن الدم ضرجة ، ومن الماء بللة ، ومن الطين لثقة وردغة ~~، ومن البرد صردة ، ومن التراب كئبة وغضرة ، ومن القار حلكة ، ومن الفحم ~~حممة ، ومن المداد طرسة ، ومن الحديد سهكة ، ومن الفضة سبكة ، ومن الذهب ~~نضرة ، ومن النار شعلة ، ومن الرياحين فوحة ، ومن البقل زهرة ، ومن الفاكهة ~~الرطبة لزقة ، ومن البابسة فكهة ، ومن العمل مجلة ونفطة ، ومن الخشونة شثنة ~~وثفنة ، PageV02P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" ومن الشوك مشطة وشظية ، ومن الحطب حزمة ، ومن ~~الرمح كعبة ، ومن الصولجان لعبة ، ومن الجود سبطة ، ومن العظية منحة ، ومن ~~البخل جعدة ، ومن المنع لحزة ، ومن العدم تربة ، ومن الرز زنخة ، ومن ~~الصابون حفرة ، ومن الفرصاد قانية ، ومن الرجيع قثمة ، ومن كل القاذورات ~~قذرة ، ومن الوسخ درنة . مما مدحت به اليد قال مؤيد الدين الطغرائي : ويد ~~تمد المال راحتها . . . أبدا ، ويغمر ظهرها القبل . إن ضن غيث أو خبا قمر . ~~. . فجبينه ويمينه البدل . وقال عبد المؤمن بن هبة الله الأصبهاني : قالوا ~~: بدت عارضة لا بدت في كف ذاك السيد الأوحد . راحته راحة من يجتدي ، . . . ~~وكفه كف الذي يعتدي . فلا أصابت يده آفة . . . فكم يد عندي لتلك اليد . ~~وقال ابن دريد : يا من يقبل كف ممخرق ، . . . هذا ابن يحيى ليس بالمخراق ~~قبل أنامله ، فلسن أناملا ؛ . . . لكنهن مفاتح الأرزاق وقال إبراهيم بن ~~العباس بن محمد : لفضل بن سهل يد . . . تقاصر عنها المثل . PageV02P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" فباطنها للندى ، . . . وظاهرها للقبل . ~~وبسطتها ms0270 للغنى ، . . . وسطوتها للأجل . وقال ابن الرومي : فامدد إلي يدا ~~تعود بطنها . . . بذل النوال ، وظهرها التقبيلا . وقال أبو ناس : يا قمرا ، ~~أبرزه مأتم . . . يندب شجوا بين أتراب يبكي فيذري الدر من نرجس ، . . . ~~ويلطم الورد بعناب . وقال الناشي : من كف جارية كأن بنانها . . . من فضة قد ~~طرفت عنابا . وكأن يمناها إذا نطقت بها . . . تلقى على يدها الشمال حسابا . ~~وقال الراضي بالله : قالوا : الرحيل فأنشبت أظفارها . . . في خدها ، وقد ~~اعتلقن خضابا . فاخضر تحت بنانها فكأنها . . . غرست بأرض بنفسج عنابا . ~~وقال ابن كيغلغ : لما اعتنقنا للوداع وأعربت . . . عبراتنا عنا بدمع ناطق ، ~~فرقن بين معاجر ومحاجر ، . . . وجمعن بين بنفسج وشقائق . PageV02P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" وقال كشاجم : فما أنسها ، لا أنس منها إشارة ~~. . . بسبابة اليمنى إلى خاتم الفم وأعلنت بالشكوى إليها فأومأت . . . ~~حذارا من الواشين أن لا تكلم . فلم أر شكلا واقعا فوق شكله . . . كعنابة ~~تومى بها فوق عندم . مما قيل في النهود يقال : ثندوة الرجل ، ثدي المرأة ، ~~خلف الناقة ، ضرع الشاة والبقرة ، طبي الكلبة . قال ابن الرومي : صدور ~~فوقهن حقاق عاج ، . . . وحلي زانه حسن اتساق يقول الناظرون إذا رأوها : . . ~~. أهذا الحلي من هذي الحقاق ؟ وما تلك الحقاق سوى ثدي . . . قدرن من الحقاق ~~على وفاق . نواهد لا يعد لهن عيب . . . سوى منع المحب من العناق . وهو ~~مأخوذ من قول بعض الأعراب : أبت الروادف والثدي لقمصها . . . مس البطون ، ~~وأن تمس ظهورا . وقال محمد بن مبادر : ولها ثديان ما عدوا . . . من حقاق ~~العاج أن كعبا . قسمت نصفين دعص نقا . . . وقضيبا لان ، فاضطربا . ~~PageV02P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" وقال عبد الله بن أبي السمط بن مروان : كأن ~~الثدي إذا ما بدت . . . وزان العقود بهن النحورا ، حقاق من العاج مكنونة . ~~. . يسعن من الدر شيئا كثيرا . وقال علي بن الجهم : كنت مشتاقا وما يحجزني ~~. . . عنك إلا حاجز يمنعني . شاخص في الصدر ، غضبان على . . . قبب البطن ~~وطي العكن . يملأ الكف ولا يفضله ، . . . وإذا أثنيته لا ينثني . وقال ابن ~~الرومي : ملقمات أطفالهن ثديا . . . ناهدات كأحسن الرمان . مفعمات كأنها ~~حافلات . . . وهي صفر من درة الألبان . وقال ابن ms0271 المعتز : قبيح بمثلك أن ~~تهجري ، . . . وأقبح من ذاك أن تهجري . أقاتلتي بفتور الجفون . . . ~~ورمانتين على منبر ، كحقين من لب كافورة . . . برأسيهما نقطتا عنبر مما قيل ~~في البطن يقال : الدحل ، عظمه - الحبن ، خروجه - الثجل ، استرخاؤه - القمل ~~، ضخمه - الضمور ، لطافته - العجر ، البجر ، شخوصه - التخرخر ، اضطرابه . ~~PageV02P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" قال محمد بن مبادر : والبطن ذو عنكة لطيف . . ~~. صفر وشاحاه جائلان . أشرف من فوقه عليه . . . ثديان ميلان ناهدان . مما ~~قيل في الأرداف والخصور فمن ذلك ما ورد على لفظ التذكير . فمنه قول عبد ~~الله بن طاهر : صب كئيب يشتكيك الهوى . . . كما اشتكى خصرك من ردفكا . ~~لسانه عن وصف أسقامه . . . أكل منه عن مدى وصفكا . وقال ابن أبي البغل : ~~كأنه في اعتداله غصن . . . وفي السراويل منه أمواج . إذا مشى كالقضيب جاذبه ~~. . . ردف له كالكثيب رجاج . ويعلم الله أنني رجل . . . إليه مذ قد كبرت ~~محتاج . وأنشد أبو بكر دريد عفا الله عنه ورحمه : قد قلت لما مر يخطر ماشيا ~~. . . والردف يجذب خصره من خلفه . يا من يسلم خصره من ردفه . . . سلم فؤاد ~~محبه من طرفه . PageV02P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" وقال السري الرفاء : ضعفت معاقد خصره وعهوده ~~. . . فكأن عقد الخصر عقد وفائه . وقال المتنبي : وخصر تثبت الأبصار فيه . ~~. . كأن عليه من حدق نطاقا . وقال السري الرفاء : أحاطت عيون الناظرين ~~بخصره . . . فهن له دون النطاق نطاق . وقال الأمير سيف الدين المشد : وأهيف ~~القد بت أشكو . . . له تلافي وما تلافي . فلان عطفا ودق خصرا . . . وإنما ~~ردفه تجافى . وقال أبو نواس : لين القد لذيذ المعتنق . . . يشبه البدر إذا ~~البدر اتسق . مثقل الردف إذا ولى حكى . . . موثقا في القيد يمشي في زلق . ~~وإذا أقبل كادت أعين . . . نحوه تجرح فيه بالحدق . وقال آخر وأجاد : أيامن ~~نصفه غضن . . . يميل ونصفه كفل . صفاتك في تباينها . . . فمنفصل ومتصل . ~~فنصفك موج عاصفة . . . ونصفك شارب ثمل . وصفها على لفظ التأنيث فمنه قول ~~أبي عبادة البحتري : كأنهن وقد قاربن في نظري . . . ضدين في الحسن تثقيلا ~~وإخطافا . رددن ما خففت عنه الخصور إلى . . . ما في المآزر فاستثقلن أردافا ~~. وقال آخر ms0272 : لها ردف تعلق في لطيف . . . فذاك الردف لي ولها ظلوم . يعذبني ~~إذا فكرت فيه . . . ويتعبها إذا قصدت تقوم . PageV02P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" وقال مؤمل وأفرط : من رأى مثل حبتي . . . ~~تشبه البدر إذ بدا . تدخل اليوم ثم تد . . . خل أردافها غدا . وقال أبو ~~هلال : تمشي بأرداف أبين قعودها . . . بين النساء كما أبين قيامها . وقال ~~علي بن عطية البلنسي : وإنسية زارت من الليل مضجعي . . . فعانقت غصن البان ~~منها إلى الفجر . أسائلها أين الوشاح ؟ وقد سرت . . . معطلة منه ، معطرة ~~النشر . فقلت : وأومت ، للسوار نقلته . . . إلى معصمي لما تقلقل في خصري . ~~وقال الطائي : من الهيف لو أن الخلاخل صيرت . . . لها وشحا عليها الخلاخل . ~~وقال إسحاق الموصلي : ظباء كاليعافير . . . كنوس في المقاصير . وأدبرن ~~بأعجاز . . . كأوساط الزنانير . وقال عمر بن أبي ربيعة : يتقابلن كالبدور ~~على الأغ . . . صان في مثقل من الأرداف . بخصور تحكي خصور الزناني . . . ر ~~ضعاف هممن بالانقصاف . PageV02P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" وقال آخر : عظمت روادفها فآذت خصرها . . . ~~ووشاحها قلق كقلب المغرم . وقال آخر : آخرها متعب لأولها . . . فبعضها جائر ~~على بعض . وقال آخر : تمشي فتثقلها روادفها . . . فكأنها تمشي إلى خلف . ~~وقال البجلي : إن العزيز علي خصرك إنه . . . بالردف حمل منك ما لا يحمل . ~~فخذي له جسمي مكان وشاحه . . . إن العليل بشكله يتعلل . ومما قيل في السوق ~~فمن ذلك قول الأمير سيف الدين المشد : ساق تجلى كأنه قمر ، . . . يحمل شمسا ~~، أفديه من ساق شمر عن ساقه غلائله ، . . . فقلت : مهلا ، واكفف عن الباقي ~~لما رآني ، وقد فتنت به . . . من فرط وجدي وعظم أشواقي ، غنى وكأس المدام ~~في يده : . . . قامت حروب الهوى على ساق . وقال عروة : فقمن بطيئا مشيهن ~~تأودا . . . على قصب قد ضاق عنه خلاخله . كما هزت الميزان ريح فحركت . . . ~~أعاليه منه وارجحنت أسافله . PageV02P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" وقال كثير عزة : ويجعلن الخلاخل حين تلوى . . ~~. بأسوقهن في قصب خدال . وقال كشاجم : قلت : وقد أبصرتها حاسرا . . . عن ~~ساقها فاضل سربالها : لو لم تكن من برد ساقها ، . . . لاحترقت من نار ~~خلخالها . وله أيضا : وإذا لبسن خلاخلا ، . . . كذبن أسماء الخلاخل . مما ~~وصفت به ms0273 القدود فمن ذلك قول أبي فراس الحمداني : غلام فوق ما أصف . . . كأن ~~قوامه ألف . إذا ما مال يرعبني : . . . أخاف عليه ينقصف . وأشفق من تأوده : ~~. . . أخاف يذيبه الترف . وقال الخبزأرزي : أهيف يحكي بقده الألفا . . . ~~يخسر من لم يكن به كلفا . أحسن من بهجة الخلافة والأم . . . ن لمن قد يحاذر ~~التلفا . لو أبصر الوجه منه منهزم . . . يطلبه ألف فارس ، وقفا . وقال ماني ~~: أتمنى الذي إذا أنا أومأ . . . ت إليه بطرف عيني ، تجنى . أهيف كالقضيب ~~لو أن ريحا . . . حركت هدب ثوبه ، لتثنى PageV02P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" وقال آخر : أيا سائلي عن قد محبوبي الذي . . ~~. كلفت به وجدا وهمت غراما . أبى قصر الأغصان ثم رأى القنا . . . طوالا ، ~~فأضحى بين ذاك قواما . وقال آخر ، وهو محمد بن التلمساني : يا مخجلا بقوامه ~~. . . أغصان بنات اللوى ما أنت عندي والقضي . . . ب اللدن في حد سوى هذاك ~~حركه الهوا . . . ء وأنت حركت الهوى وقال آخر : يا غصنا راح الصبا . . . ~~يثنيه ، لا ريح الصبا ما إن بدا للعين إلا . . . ارتاح قلبي وصبا . ولا ~~انثنى يخطر إلا . . . ازداد قلبي وصبا . وقال آخر ، وهو كشاجم : معتل من كل ~~أعطافه ، . . . مستحسن القامة والملتفت . لو قيست الدنيا ولذاتها . . . ~~بساعة من وصله ، ما وفت . سلطت الألحاظ منه على . . . قلبي ، فلو أودت به ~~ما اشتفت . واستعذبت روحي هواه فلا . . . تصحو ولا تسلو ، ولو أتلفت . ~~PageV02P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" مما قيل في العناق فمن ذلك ما ورد على لفظ ~~التذكير : فمنه قول الحسين بن الضحاك : وموشح ، نازعت فضل وشاحه . . . ~~وكسوته من ساعدي وشاحا . بات الغيور يشق جلدة خده . . . وأمال أعطافا علي ~~ملاحا . وقال آخر : بت وبدر الدجى نديمي . . . وهو موات بلا امتناع . فقلت ~~للحاسدين لما . . . أشرقت الشمس بالشعاع : القلب والطرف منزلاه . . . وهو ~~إلى الآن في الذراع . وقال ابن المعتز : ما أقصر الليل على الراقد . . . ~~وأهون السقم على العائد يفديك ما أبقيت من مهجتي ، . . . لست لما أوليت ~~بالجاحد . كأنني عانقت ريحانة . . . تنفست في ليلها البارد . فلو ترانا في ~~قميص الدجى ، . . . حسبتنا في جسد واحد . وقال أبو هلال في نحو ms0274 ذلك : ونحن ~~في نظم الهوى واحد . . . كأننا عقدان في نحر . وقال ابن الصولي : طال عمر ~~الليل عندي . . . إذ تولعت بصد . يا ظلوما نقض العه . . . د ولم يوف بعهد ~~أنسيت الوصل إذ بت . . . نا على مرقد ورد . PageV02P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" واعتنقنا كوشاح . . . وانتظمنا نظم عقد . ~~وتعطفنا كغصني . . . ن ، فقدانا كقد . وقال ابن عبد كان الكاتب : وكلانا ~~مرتد صاحبه . . . كارتداء السيف في يوم الوغى . بخدود شافيات من جوى . . . ~~وشفاه مرويات من ظما . نتساقى الريق فيما بيننا : . . . زق أمات القطا زغب ~~القطا . وقال علي بن الجهم : سقى الله ليلا ضمنا بعد فرقة ، . . . وأدنى ~~فؤادا من فؤاد معذب فبتنا جميعا : لو تراق زجاجة . . . من الخمر فيما بيننا ~~، لم تسرب . وقال الخبزأرزي : طوقته طوق العناق بساعدي ، . . . وجعلت كفي ~~للثام وشاحا . هذا هو الفوز العظيم فخلنا ، . . . متعانقين فما نريد براحا ~~وقال صالح بن يونس : لي سيد ما مثله سيد ، . . . تصدت الحمى له فاشتكى . ~~عانقته عند موافاته ، . . . والأفق بالليل قد احلولكا . فجاءت الحمى ~~كعادتها ، . . . فلم تجد ما بيننا مسلكا وقال الحسين بن علي بن بشر الكاتب ~~ضممته ضم مفرط الضم ، . . . لا كأب مشفق ولا أم PageV02P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" ولم نزل ، والظلام حارسنا ، . . . جسمين ~~مستودعين في جسم ألثمه في الدجى ، وبرق ثنا . . . ياه يريني مواضع اللثم ثم ~~افترقنا عند الصباح وقد . . . أثرت فيه كهيئة الختم وقال أبو عبد الله ~~الحامدي سقاني وحياني وبات معانقي . . . فيا عطف معشوق على ذل عاشق ويا ~~ليلة ، باتت سواعدنا بها . . . تدور على الأعناق دور المخانق نبث من الشكوى ~~حديثا كأنه . . . قلائد در في نحور العواتق . مما ورد على لفظ التأنيث فمن ~~ذلك قول أبي إسحاق الصابي : هيفاء تحكي قضيبا . . . قد جمشته الرياح . تفتر ~~عن سمط در . . . عليه مسك وراح . جردتها واعتنقنا : . . . كل لكل وشاح باتت ~~، وكل مصون . . . لي من حماها مباح . في ليلة لم يعبها . . . في الدهر إلا ~~الصباح . PageV02P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" وقال أيضا : أقول وقد جردتها من ثيابها . . . ~~وعانقتها كالبدر في ليلة التم : لئن آلمت صدري بشدة ضمها ، . . . لقد جبرت ~~قلبي وإن ms0275 أوهنت عظمي وقال أبو الفضل الأصبهاني : يا ليلة قرنت لنا . . . ~~فيها المآرب بالنجاح . بتنا برغم وشاتنا . . . متعانقين إلى الصباح . ~~متمازجين كأننا . . . روحان من ماء وراح . ظن الوشاة لفرط ضم . . . ي أنني ~~بعض الوشاح وصف مشي النساء يقال : تهالكت المرأة ، إذا انفتلت في مشيتها . ~~تأودت ، إذا اختالت في تثن وتكسر . بدحت وتبدحت ، إذا أحسنت مشيتها . تهزعت ~~تهزعا ، إذا اضطربت في مشيتها . قرصعت قرصعة ، وهي المشية القبيحة ؛ وكذلك ~~مثعت مثعا . وقال الأعشى : غراء ، فرعاء ، مصقول عوارضها . . . تمشي ~~الهوينى كما يمشي الوجى الوحل . كأن مشيتها من بيت جارتها . . . مر السحابة ~~: لا ريث ولا عجل . PageV02P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" وقال آخر : يمشين مشي قطا البطاح تأودا ، . . ~~. قب البطون ، رواجح الأكفال . وقال ابن عائشة من أبيات : فكأنهن إذا أردن ~~خطا . . . يقلعن أرجلهن من وحل . وقال أبو الفتح كشاجم : وتهتز في مشيتها ~~مثل ما . . . تهز الصبا غصنا ناعما . وتأمر بالأمر فيه الذي . . . كرهت ~~فأرضى به راغما . وقال آخر : شبهت مشيتها بمشية ظافر . . . يختال بين أسنة ~~وسيوف . صلف تباهت نفسه في نفسه ، . . . لما انثنى بسنانه المرعوف . وقال ~~آخر : تمشي الهوينى إذا مشت فضلا . . . مشي النزيف المخمور في صعد . تظل من ~~زور بيت جارتها . . . واضعة كفها على الكبد . وقال المنخل اليشكري : ولقد ~~دخلت على القنا . . . ة الخدر في اليوم المطير . PageV02P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" فدفعتها فتدافعت . . . مشي القطاة إلى الغدير ~~. ولمتها فتنفست . . . كتنفس الظبي البهير . وقال عمر بن أبي ربيعة : ~~أبصرتها ليلة ، ونسوتها . . . يمشين بين المقام والحجر . يرفلن في الريط ~~والمروط كما . . . تمشي الهوينى سواكن البقر . وقال ابن مقبل : يهززن للمشي ~~أوصالا منعمة . . . هز الجنوب ضحى عيدان يبرينا . أو كاهتزاز رديني تداوله ~~. . . أيدي التجار فزادوا متنه لينا . يمشين هيل النقا مالت جوانبه . . . ~~ينهال حينا وينهال الثرى حينا . وقال أشجع السلمي : وماجت كموج الماء بين ~~ثيابها . . . يميل بها شطر ويعدلها شطر . إذا وصفت ما فوق مجرى وشاحها . . ~~. غلائلها ردت شهادتها الأزر . PageV02P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" وقال العباس بن الأحنف : شمس مقدرة في خلق ~~جارية . . . كأنما كشحها طي الطوامير . كأنها حين تمشي في ms0276 وصائفها . . . ~~تخطو على البيض أو خضر القوارير انتهى الغرض في وصف الأعضاء ، وما شاكلها ~~واتصل بها . فلنذكر إن شاء الله تعالى ما جاء فيما قدمناه من الأمثال . ~~أمثال ذكر فيها الإنسان يقال : شديد على الإنسان ما لم يعود . وما علم ~~الإنسان إلا ليعلما . الناس من جهة التمثيل أكفاء . الناس أخياف وشتى في ~~الشيم . الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم . وما الناس إلا هالك وابن هالك . ~~والناس أولاد علات فمن علموا . . . أن قد أقل فمهجور ومحقور . PageV02P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" وقال آخر : الناس أكيس من أن يحسدوا رجلا . . ~~. حتى يروا عنده آثار إحسان . ويقال : المرء أعلم بشأنه . المرء مع من أحب ~~. دع امرأ وما اختار . كل امرئ في شأنه ساع . كل امرئ مصبح في أهله . كل ~~امرئ من شجو صاحبه خلو . المرء يعجز لا محالة . المرء تواق إلى ما لم ينل . ~~المرء يجمع ، والزمان يفرق . ويقال : الرجال بالأموال . تقطع أعناق الرجال ~~المطامع . ولكل دهر دولة ورجال . أمثال في ذكر النفس يقال : النفس مولعة ~~بحب العاجل . النفس أعلم من أخوك النافع . أكذب النفس إذا حدثتها . ما عاتب ~~الرجل اللبيب كنفسه . PageV02P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" الجود بالنفس أقصى غاية الجود . نفس عصام ~~سؤدت عصاما . أعضاء الإنسان في الأمثال الظاهرة والباطنة الرأس والشعر من ~~نجا برأسه فقد ربح . رماه بأقحاف رأسه . أي بالدواهي . اختلفت رؤوسها فرتعت ~~. كل رأس به صداع . ويقال : أدق من الشعر . أهون من الشعر الساقط . ذكر ~~الوجه وجه المحرش أقبح . أي وجه مبلغ القبيح أقبح من وجه قائله . في وجه ~~مالك تعرف إمرته . قبل البكاء كان وجهك عابسا . قال أبو تمام : وما أبالي ، ~~وخير القول أصدقه ، . . . حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي . PageV02P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" وقال ابن الرومي : وقل من ضمنت خيرا طويته . ~~. . إلا وفي وجهه للخير عنوان . له محيا جميل يستدل به . . . على جميل ، ~~وللبطنان ظهران . وقال آخر : صلابة الوجه صلاح الفتى . . . ورقة الوجه من ~~الخرقة . من ذكر العين يقال : أسرع من طرف العين . أسرع من لمح البصر . ~~العين ترجمان القلب . شاهد ms0277 البغض اللحظ . رب عين أنم من لسان . ليس لما قرت ~~به العين ثمن . نظرة من ذي علق . عين عرفت فذرفت . لحظة أصدق من لفظه . ليس ~~لعين ما رأت ، ولكن لكف ما أخذت . لا تطلب أثرا بعد عين . PageV02P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" من أطاع طرفه ، أصاب حتفه . وأي عار على عين ~~بلا حور . والدمع قد يعلن ما في الصدور . ومن الأبيات : وعين الرضا عن كل ~~عيب كليلة ؛ . . . ولكن عين السخط تبدي المساويا . وقال الأمير أبو الفضل ~~الميكالي : كم والد يحرم أولاده . . . وخيره يحظى به الأبعد . كالعين لا ~~تنظر ما حولها ، . . . ولحظها يدرك ما يبعد . ذكر الأنف أنفك منك وإن كان ~~أجدع . يضرب في القريب السوء . شفيت نفسي وجدعت أنفي . لأمر ما جدع قصير ~~أنفه . كل شيء أخطأ الأنف جلل . لدغت حيث لا يضع الراقي أنفه . يضرب للأمر ~~الذي لا دواء له . PageV02P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" رب حام لأنفه وهو جادعه . يضرب لمن أنف من ~~الشيء فتوقعه الأنفة في أشد منه . مات حتف أنفه . جدع الحلال أنف الغيرة . ~~قاله رسول الله ، ( صلى الله عليه وسلم ) . أنف في السماء ، واست في الماء ~~ذكر الفم ، واللسان ، والأسنان كل جان يده إلى فيه . حدثني ، فاه إلى في . ~~فلان خفيف الشفة . أي قليل المسألة . سكت ألفا ، ونطق خلفا . قرع سن النادم ~~. كدمت في غير مكدم . أي طلب غير مطلب . PageV02P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" وجرح الدهر ما جرح اللسان . وجرح اللسان كجرح ~~اليد . ذكر الأذن جاء فلان ناشرا أذنيه . لبست على ذلك أذني . أساء سمعا ~~فأساء إجابة . كلامه يدخل في الأذن بلا إذن . جعلت ذلك دبر أذني . ذكر ~~العنق حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق . أذل الحرص أعناق الرجال . وقال أبو ~~الفتح البستي : فكم دقت وشقت واسترقت . . . فضول العيش أعناق الرجال . ذكر ~~اليد أهدى من اليد إلى الفم . ألزم من اليمين للشمال . يداك أوكتا ، وفوك ~~نفخ . PageV02P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" اليد العليا خير من اليد السفلى . آثر لديه ~~من يمين يديه . ذهبوا أيدي سبا . أي متفرقين . بالساعد تبطش الكف . على يدي ms0278 ~~دار الحديث . إذا كان خبيرا بالأمر . هو على حبل ذراعه . أي موافق له . ~~تربت يداه . دعاء عليه بالفقر . ما تبل إحدى يديه الأخرى . للبخيل . تركه ~~على أنقى من الراحة . فلان يقلب كفيه . سقط في يديه . للنادم . أعطاه عن ~~ظهر يد . أي ابتدأه لا عن مكافأة . ما سد فقرك مثل ذات يدك . إن الذليل ~~الذي ليست له عضد . يد تشح ، وأخرى منك تأسوني . على اليد رد ما أخذت . وما ~~الكف إلا إصبع ثم إصبع . PageV02P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" ومن الأبيات : قد تطرف الكف عين صاحبها ، . . ~~. ولا يرى قطعها من الرشد . وقال آخر : فلو أنها إحدى يدي رزئتها ؛ . . . ~~ولكن يدي بانت على إثرها يد . وقال أبو تمام : وهل يستعيض المرء من خمس كفه ~~، . . . ولو صاغ من حر اللجين بنانها ؟ ذكر الصدر والقلب صدرك أوسع لسك . ~~صدور الأحرار ، قبور الأسرار . لا بد للمصدور من أن ينفث . ألزم له من ~~شعرات صدره . ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه . القلب طليعة . القلوب ~~تتقلب . قال بعض الشعراء : متى تجمع القلب الذكي وصارما . . . وأنفا حميا ، ~~تجتنبك المظالم . وقال آخر : إن التباعد لا يض . . . ر إذا تقاربت القلوب . ~~PageV02P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" ما يتمثل به من ذكر الظهر والبطن والجنب ~~استظهر على الدهر بخفة الظهر . قلب الأمر ظهرا لبطن . لا تجعل حاجتي بظهر . ~~أي لا تلقها وراء ظهرك . انقطع السلى في البطن . لتناهي الشدة . نزت به ~~البطنة . لمن لا يحتمل النعمة . لكل جنب مصرع . لجنبه فلتكن الوجبة ، في ~~الدعاء عليه . دمث لجنبك قبل النوم مضطجعا . ذكر الكبد والدم والعروق يا ~~بردها على الكبد فلان بين الخلب والكبد . ما ينفع الكبد يضر الطحال . ويقال ~~: جرى منه مجرى الدم في العروق . هو أعز من دم الفؤاد . PageV02P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" سرك من دمك . لا تكايل بالدم . لا يحزنك دم ~~هراقه وأهلكه . للجاني على نفسه . فلان لا يشرب الماء إلا بدم . العرق نزاع ~~. ألا إن عرق السوء لا بد مدرك ذكر الساق والقدم يقال : التفت الساق بالساق ~~. في الشدة . كشفت الحرب عن ms0279 ساقها ، وكشرت عن نابها . قدح في ساقه ، إذا ~~عمل في شيء يكرهه . لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا . قد شمرت عن ساقها ، ~~فشمري في الحث على الجد . ويقال : له قدم في الخير . أي سابقة . إنك لا ~~تسعى برجلي من أتى . وقال الشاعر : إن قريشا وهي من خير الأمم لا يضعون ~~قدما على قدم . من ضرب به المثل من الرجال يقولون : أسخى من حاتم . ~~PageV02P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" أجود من كعب بن مامة . أجود من هرم . قال ~~الميداني : هو هرم بن سنان بن أبي حارثة . وفيه يقول زهير بن أبي سلمى : إن ~~البخيل ملوم حيث كان ول . . . كن الجواد على علاته هرم . أقرى من مطاعيم ~~الريح . ومطاعيم الريح أربعة : منهم أبو محجن الثقفي . وكان لبيد بن ربيعة ~~العامري يطعم إذا هبت الصبا . أشجع من ربيعة بن مكدم . أعز من كليب بن وائل ~~. أعز من مروان القرظ . أسود من قيس بن عاصم . أحلم من الأحنف بن قيس . ~~أزكن من إياس بن معاوية . PageV02P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" أفتك من البراض بن قيس النمري ، خليع بني ~~كنانة . فتك بعروة الرحال ، والمساور بن مالك الغطفاني ، وأسد بن خيثم ~~الغنوي بسبب لطيمة النعمان . وبسبب ذلك كانت أيام الفجار الأخر ؛ وسنذكرها ~~في وقائع العرب إن شاء الله تعالى . أوفى من الحارث بن عباد . وخبره مشهور ~~مع مهلهل أخي كليب لما أمنه يوم تحلاق اللمم . أوفى من عوف بن محلم . أوفى ~~من هانئ بن قبيصة . وخبره مشهور في أدرع النعمان ؛ وبسببها كانت وقعة ذي ~~قار . أوفى من السموءل بن عادياء . أجمل من ذي العمامة . وهو سعيد بن العاص ~~بن أمية ، ويكنى أبا أحيحة ؛ وهو المقول فيه : أبو أحيحة من يعتم عمته . . ~~. يضرب ولو كان ذا مال وذا ولد . أمضى من سليك المقانب . أغلى فداء من حاجب ~~بن زرارة ؛ ومن بسطام بن قيس ؛ ومن الأشعث . أسرته مذحج ففدى نفسه بثلاثة ~~آلاف بعير . أعدى من الشنفري ؛ ومن السليك بن السلكة . PageV02P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" أبطأ من فند . وهو مولى لعائشة بنت طلحة ؛ ~~وقال ms0280 أبو هلال العسكري : عائشة بنت سعد بن أبي وقاص ، بعثت به مولاته ~~ليقتبس نارا ، فأتى مصر ، فأقام بها سنة ، ثم جاء يشتد ومعه نار ، فتبددت ~~فقال : تعست العجلة أنوم من عبود . كان عبود عبدا أسود ؛ وكان الله عز وجل ~~قد بعث نبيا إلى قومه . قال الميداني : إن النبي هو خالد بن صفوان ، نبي ~~أهل الرس . فلم يؤمن به أحد منهم إلا ذلك العبد الأسود ، وإن قومه احتفروا ~~له بئرا فصيروه فيها وأطبقوا عليه صخرة . فكان ذلك الأسود يخرج من القرية ~~فيحتطب ، ويبيع الحطب فيشتري به طعاما وشرابا ، ثم يأتي به إليه فيعينه ~~الله تعالى على الصخرة فيرفعها ويدلي إليه الطعام والشراب . فاحتطب يوما ~~وجلس فنام على شقه الأيسر سبع سنين . ثم هب من نومه فانقلب على شقه الأيمن ~~، فنام سبع سنين ، وهو يظن أنه نام ساعة من نهار . ثم احتمل حزمته وأتى ~~القرية ، فباع الحطب وجاء إلى الحفرة فلم يجد النبي وكان قد بدا للقوم ~~فأخرجوه . فكان يسأل عن الأسود ، فيقولون : لا ندري . فضرب به المثل لمن ~~ينام نوما طويلا . وقيل فيه غير ذلك . وذكره الميداني في أمثاله ولم يذكر ~~السبعة الثانية ، وإنما ذكرها صاحب كتاب المفاخر . أنعم من خريم الناعم . ~~هو رجل من ولد سنان بن أبي حارثة ، كان في زمن الحجاج . أبلغ من سحبان وائل ~~. ويقال أخطب من سحبان : وهو الذي يقول : لقد علم الحي اليمانون أنني . . . ~~إذا قلت : أما بعد ، أني خطيبها . أخطب من قس . هو قس بن ساعدة بن حذافة بن ~~زهير بن إياد بن نزار . وكان من حكماء العرب وهو أول من كتب من فلان إلى ~~فلان ؛ وأول من أقر بالبعث من غير علم ؛ وأول من قال : " البينة على من ~~ادعى ، واليمين على من أنكر " . وقيل : إنه عمر مائة وثمانين سنة . روى عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : وفد وفد بكر بن وائل على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فلما فرغ من حوائجهم قال : أفيكم من يعرف قس بن ساعدة ~~PageV02P0133 # """""" صفحة رقم ms0281 134 """""" الإيادي ؟ فقالوا : كلنا نعرفه قال : ما فعل ~~؟ قالوا : هلك فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : كأني به على جمل أحمر ~~بعكاظ قائما ، يقول : " أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا كل من عاش مات ، ~~وكل من مات فات ، وكل ما هو آت أت إن في السماء لخبرا ، وإن في الأرض لعبرا ~~: مهاد موضوع ، وسقف مرفوع ، وبحار تموج ، وتجارة لن تبور وليل داج ، وسماء ~~ذات أبراج أقسم قس حقا : إن كان في الأرض رضا ليكونن بعده سخط وإن لله عز ~~وجل دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه مالي أرى الناس يذهبون فلا ~~يرجعون ؟ أرضوا فأقاموا ؟ أم تركوا فناموا " ثم أنشد أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه شعرا حفظه له ، وهو : في الذاهبين الأول . . . ين من القرون لنا ~~بصائر . لما رأيت مواردا . . . للموت ليس لها مصادر . ورأيت قومي نحوها . . ~~. تسعى : الأصاغر والأكابر . لا يرجع الماضي إلي . . . ولا من الباقين غابر ~~. أيقنت أني لا محا . . . لة حيث صار القوم صائر ويقال : أعيا من باقل . ~~وهو رجل من ربيعة ابتاع ظبيا وحشيا بأحد عشر درهما ، وجعل بقية الدراهم في ~~فيه . فسئل عن ثمنه ، ففعل بيديه تجاه السائل أي فتح أصابعه وفغر فاه وأدلى ~~لسانه يشير بذلك إلى ثمنه . فحصل من ذلك انفلات الظبي ؛ وسقوط الدراهم ؛ ~~والإساءة على السائل فضرب به المثل . أبر من العملس . كان برا بأمه يحملها ~~على عاتقه . أبر من فلحس . وهو رجل من شيبان . حمل أباه على ظهره وحج به . ~~PageV02P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" وفيه أيضا يقال : أسأل من فلحس كان سيدا ~~عزيزا ، يسأل سهما في الجيش وهو في بيته فيعطى لعزه ؛ فإذا أعطي سأل ~~لامرأته ؛ فإذا أعطي سأل لبعيره ، وكان له ولد يقال له زاهر ، فكان مثله ، ~~فقيل فيه : " العصا من العصية " . ويقال : أخيب صفقة من شيخ مهو . وهو حي ~~من عبد القيس اشتروا الفسو من إياد وكانوا يعرفون به ، فعرفت به عبد القيس ~~. قال الميداني : هذا الشيخ اسمه عبد الله بن بيدرة ، اشترى الفسو من إياد ~~ببردى حبرة ms0282 ، وقال لقومه : اشتريت لكم عار الدهر ، فقالت عبد القيس في ذلك ~~: إن الفساة قبلما إياد . . . ونحن لا نفسو ولا نكاد . وفيهم يقول شاعر : ~~يا من رأى كصفقة ابن بيدرة . . . من صفقة خاسرة مخسرة ؟ المشتري العار ~~ببردى حبره . . . شلت يمين صافق ما أخسره أخسر صفقة من أبي غبشان . فإنه ~~باع مفاتيح الكعبة من قصي بزق خمر . أضل من سنان . وهو ابن أبي حارثة المري ~~؛ وكان قومه عنفوه على الجود ، فركب ناقة له ورمى بها الفلاة ، فلم ير بعد ~~ذلك . وسمته العرب ضالة غطفان ؛ وقالوا : إن الجان استفحلته تطلب كرم نجله ~~. أبطش من دوسر . وهي كتيبة النعمان . أهدى من قيس بن زهير . أفرغ من حجام ~~ساباط . يقال إنه كان إذا أعوزه من يحجمه حجم أمه . فلم يزل يحجمها حتى نزف ~~دمها ، فماتت . PageV02P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" أندم من الكسعي . واسمه محارب بن قيس ، وقيل ~~غامد بن الحارث . وكان أرمى الناس ، لا يخطئ له سهم ، فخرج ومعه قوس سهام ~~فرمى صيدا في الليل فأصاب سهمه ونفذ ، فوقع في الحجر فقدح نارا . ثم رمى ~~كذلك حتى استنفذ السهام . وهو يظن أنه أخطأ في الجميع فكسر قوسه ، وخلع ~~إبهامه . فلما أصبح رأى رميته ، فندم على فعله . أمنع من الحارث بن ظالم . ~~وسيأتي خبره في وقائع العرب . أبخل من مادر . وسيأتي خبره في باب الهجاء . ~~أكذب من مسلمة الحنفي ، وخبره مشهور في دعواه النبوة ومن المهلب ، وكان ~~يكذب لأصحابه في حرب الأزارقة ، يعدهم بالنجدة والإمداد . أحمق من راعي ضأن ~~ثمانين ، وذلك أن أعرابيا بشر كسرى ببشارة سر بها ، فقال له كسرى : سلني ما ~~شئت فقال : أسألك ضأنا ثمانين ؛ ومن هبنقة ، وهو ذو الودعات ؛ واسمه يزيد ~~بن ثروان أحد بني قيس بن ثثعلبة ؛ وبلغ من حمقه أنه ضل له بعير ، فنادى من ~~وجد بعيري فهو له ، فقيل له : فلم تنشده ؟ قال : فأين حلاوة الوجدان . وفيه ~~يقول الشاعر : عش بجد وكن هبنقة القي . . . سي نوكا أو شيبة بن الوليد . رب ~~ذي إربة مقل من الما . . . ل وذي عنجهية مجدود ms0283 . العنجهية الجهل . أحمق من ~~ربيعة البكاء . هو ربيعة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة . ومن حمقه أن ~~أمه تزوجت بعد أبيه ، فدخل عليها الخباء ، وكان قد التحى فوجد PageV02P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" زوجها يباضعها ، فتوهم أنه يريد قتلها ، فبكى ~~وهتك الخباء ، فاجتمع الناس وسألوه عن شأنه ، فأخبرهم أنه وجده على بطنها ~~يريد قتلها ، فقالوا : " أهون مقتول " فصار مثلا . أتيه من أحمق ثقيف . وهو ~~يوسف بن عمرو . ألص من شظاظ . وهو رجل من بني ضبة . أزنى من قرد . وهو قرد ~~بن معاوية بن هذيل . أمطل من عرقوب . وقال كعب بن زهير : كانت مواعيد عرقوب ~~لها مثلا . . . وما مواعيدها إلا الأباطيل أشأم من خوتعة . وهو رجل من بني ~~غفيلة بن قاسط أخي النمر بن قاسط . أشأم من قدار وهو عاقر الناقة ؛ ومن ~~أحمر ثمود وهو عاقرها أيضا . أشأم من طويس . وهو مخنث ، كان يقول إنه ولد ~~يوم مات النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ وفطم يوم مات أبو بكر ؛ وبلغ يوم ~~قتل عمر ؛ وتزوج يوم قتل عثمان ؛ وولد له يوم قتل علي . أمكر من قيس بن ~~زهير . من النساء يقال . أنجب من مارية . ولدت لزرارة : حاجبا ، ولقيطا ، ~~وعلقمة . PageV02P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" أنجب من بنت الحارث . ولدت لزياد العبسي بنيه ~~الكملة ، وهم : ربيعة الكامل ، وعمارة الوهاب ، وقيس الحافظ ، وأنس الفوارس ~~. أنجب من أم البنين . ولدت لمالك بن جعفر بن كلاب ، ملاعب الأسنة عامرا ، ~~وفارسا . أنجب من عاتكة : ولدت لعبد مناف هاشما ، وعبد شمس ، والمطلب . ~~أسرع من نكاح أم خارجة . وهي عميرة بنت سعد بن عبد الله بن قدار بن ثعلبة ~~بن معاوية بن زيد بن الغوث بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن ~~مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان . ولدت في نيف ~~وعشرين حيا من العرب . كان الرجل يقول لها : خطب فتقول : نكح قال أبو الفرج ~~الأصبهاني : فمن ولدت ، الديل ، وليث ، والحارث بنو بكر بن عبد مناف بن ~~كنانة ؛ وغاضرة بن مالك ms0284 بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة ؛ والعنبر ، ~~وأسيد ، والهجيم بنو عمرو بن تميم ؛ وخارجة بن يشكر وبه كانت تكنى ؛ وسعد ~~بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن مزيقيا وهو أبو المصطلق . قال : زعموا أن بعض ~~أزواجها طلقها فرحل بها ابن لها عن حيه إلى حيها فلقيها راكب ، فلما تبينته ~~، قالت لابنها : هذا خاطب لي لا شك فيه ، أفتراه يعجلني أن أنزل عن بعيري ، ~~فجعل ابنها يسبها . أحمق من الممهورة إحدى خدمتيها . وذلك أن زوجها طلقها ، ~~فطالبته بمهرها ، فأخذ أحد خلخاليها من رجلها وأعطاها إياه ، فرضيت به . ~~أحمق من دغة . وهي مارية بنت مغنج بن ربيعة بن عجل ، وقيل بنت منعج ؛ تزوجت ~~وهي صغيرة في بني العنبر بن تميم ، فحملت . فلما أدركها المخاض ، ظنت أنها ~~تريد الخلاء فتبرزت فولدت فاستهل الولد . فانصرفت وهي تقدر أنها إنما ~~PageV02P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" أحدثت . فقالت لضرتها يا هنتاه ، هل يفغر ~~الجعرفاه ؟ قالت : نعم ، ويدعو أباه فمضت ضرتها للولد فأخذته ، فبنو العنبر ~~تسمي بنى الجعراء . أبصر من زرقاء اليمامة وهي امرأة من طسم ، كانت تبصر ~~الراكب على مسيرة ثلاث ليال . وسيأتي إن شاء الله تعالى خبرها في وقعة طسم ~~وجديس . أزنى من هر . وهي امرأة يهودية ؛ وهي التي قطع المهاجر يدها فيمن ~~قطع من النساء حين شمتن بموت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . أشبق من ~~حبي المدنية . أشأم من البسوس . وهي جارة جساس بن مرة ، صاحبة الناقة التي ~~قتل بسببها كليب ، وثارت الحرب بين بكر وتغلب أربعين سنة . ويقال : أمنع من ~~أم قرفة . وهي امرأة مالك بن حذيفة بن بدر الفزاري . كان يعلق في بيتها ~~سبعون سيفا ، كل سيف لذي محرم منها . فضرب بها المثل . والله سبحانه وتعالى ~~أعلم . الباب الثالث من القسم الأول من الفن الثاني الغزل ، والنسيب ، ~~والهوى . . ، والمحبة ، والعشق ولنبدأ بذكر الهوى ، لأنه السبب الباعث على ~~الغزل . وذلك أنه إذا حل في الأجسام ارتاحت النفوس ، ورقت القلوب ، وانجذبت ~~الخواطر ، وصفت الأذهان ، وسهل على القرائح فأبرزته الألسن . والله سبحانه ~~وتعالى أعلم ms0285 وأحكم . ذكر شيء مما قيل في الهوى ، والمحبة ، والعشق ، وما ~~قيل في ماهية العشق ، وحقيقته وسببه ، وما قيل في مدحه ، وذمه ، والممدوح ~~منه ، والمذموم ، وضرر العشق PageV02P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" في الدنيا ، والآفات التي تجري على العاشق : ~~من المرض ، والجنون ، والضنا ، والمخاطرات بالنفوس ، وإلقائها إلى الهلاك . ~~ثم نذكر أخبار . . . . . . ومن أخرجه عن دينه حتى كفر بربه ، ومن قتل ، ~~وقتل فيه ، ومن قتل نفسه . ثم نذكر ما ورد في التحذير من فتنة النساء ، وذم ~~الزنا ، والنظر إلى المردان ، والتحذير من اللواط ، وعقوبة اللائط ، وغير ~~ذلك من أمر العشق ، على ما سنشرحه إن شاء الله تعالى فنقول ، وبالله ~~التوفيق . أما ماهية العشق وحقيقته ، فقد تكلم عليه أوائل الحكماء ~~والفلاسفة وغيرهم من المسلمين ، على ما نشرحه إن شاء الله تعالى . فأما ~~كلام الحكماء والفلاسفة فقال أفلاطون : العشق ، حركة النفس الفارغة بغير ~~فكرة . وسئل ديوجانس عن العشق ، فقال : سوء اختيار صادف نفسا فارغة . وقال ~~أرسطاطاليس : العشق ، هو عمى الحس عن إدراك عيوب المحبوب . وقال فيثاغورس : ~~العشق ، طبع يتولد في القلب ويتحرك وينمى ثم يتربى ، PageV02P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" ويجتمع إليه مواد من الحرص ، وكلما قوي ازداد ~~صاحبه في الاهتياج واللجاج ، والتمادي في الطمع ، والفكر في الأماني ، ~~والحرص على الطلب ، حتى يؤديه ذلك إلى الغم المقلق . وإلى هذا المعنى أشار ~~المتنبي بقوله : وما العشق إلا غرة وطماعة : . . . يعرض قلب نفسه فيصاب . ~~وقال بعض الفلاسفة : لم أر حقا أشبه بباطل ، ولا باطلا أشبه بحق من العشق : ~~هزله جد ، وجده هزل ، وأوله لعب ، وآخره عطب . وقد ذهب بعضهم إلى أنه مرض ~~وسواسي شبيه بالماليخوليا . وأما كلام الإسلاميين وما قالوه فيه فقد حكي عن ~~أبي العالية الشامي ، قال : سأل المأمون بن يحيى بن أكثم عن العشق ما هو ؟ ~~فقال : هو سوانح للمرء يهيم بها قلبه وتؤثرها نفسه قال فقال له ثمامة : ~~اسكت يا يحيى إنما عليك أن تجيب في مسئلة طلاق أو محرم صاد ظبيا ، أو قتل ~~نملة ؛ فأما هذه فمسائلنا نحن فقال له المأمون : ما العشق ؟ يا ثمامة ، ~~فقال ms0286 : العشق جليس ممتع ، وأليف مؤنس ، وصاحب مملك ، ومالك قاهر ، ومسالكة ~~لطيفة ، ومذاهبه غامضة ، وأحكامه جائرة ؛ ملك الأبدان وأرواحها ، والقلوب ~~وخواطرها ، والعيون ونواظرها ، والعقول وآراءها ، وأعطى عنان طاعتها ، ~~وقيود تصرفها ، وتوارى عن الأبصار مدخله ، وغيض في القلوب مسلكه فقال له ~~المأمون : أحسنت والله ، يا ثمامة وأمر له بألف دينار . وحكي عن الفضل بن ~~يعقوب : قال لما اجتمع ثمامة بن أشرس ، ويحيى بن أكثم عند المأمون ، قال ~~ليحيى : خبرني عن العشق ما هو ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، PageV02P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" سوانح تسنح للعاشق يؤثرها ، ويهيم بها تسمى ~~عشقا فقال له ثمامة : يا يحيى ، أنت بمسائل الفقه أبصر منك بهذا ، ونحن ~~بهذا أحذق منك فقال المأمون : فهات ما عندك فقال : يا أمير المؤمنين ، إذا ~~امتزجت خواطر النفوس بوصل المشاكلة نتجت لمح نور ساطع تستضيء به نواظر ~~العقول ، ويتصور من ذلك اللمح نور خاص بالنفوس متصل بجواهرها يسمى عشقا ~~فقال له المأمون : صدقت ، هذا وأبيك الجواب وحكيعن الأصمعي ، قال : دخلت ~~على هارون الرشيد ، فقال : يا أصمعي ، إني أرقت ليلتي هذه ، فقلت : مم ؟ ~~أنام الله عين أمير المؤمنين ، قال : فكرت في العشق مم هو ، فلم أقف عليه ، ~~فصفه لي حتى أخاله جسما مجسما قال الأصمعي : لا والله ما كان عندي قبل ذلك ~~فيه شيء فأطرقت مليا ، ثم قلت : نعم يا سيدي ، إذا تقاربت الأخلاق المشاكلة ~~وتمازجت الأرواح المشابهة ، لمح نور ساطع يستضيء به العقل ، وتهتز لإشراقه ~~طباع الحياة ، ويتصور من ذلك النور خلق خاص بالنفس متصل بجوهريتها يسمى ~~العشق فقال : أحسنت والله يا غلام ، أعطه وأعطه وأعطه فأعطيت ثلاثين ألف ~~درهم . وحكي عن الأصمعي أنه قال : لقد أكثر الناس في العشق ، فما سمعت أوجز ~~ولا أجمل من قول أعرابية وقد سئلت عن العشق فقلت : ذل وجنون . قلت : هذه ~~صفة ثمرة العشق ومآله . والتحقيق أن العشق شدة ميل النفس إلى صورة تلائم ~~طبعها ، فإذا قوي فكرها فيه تصورت حصولها وتمنت ذلك ، فيجدد من شدة الفكر ~~مرض . وقيل لبعضهم : ما العشق ؟ فقال : ارتياح في الخلقة ، وفرح يجول ms0287 في ~~الروح ، وسرور ينساب في أجزاء القوى . PageV02P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" وقال أبو العيناء : سألت أعرابيا عن الهوى ؛ ~~فقال : هو أظهر من أن يخفى ، وأخفى من أن يرى ، كامن ككمون النار في الحجر ~~، إن قدحته أورى ، وإن تركته توارى . وسئل يحيى بن معاذ عن حقيقة المحبة ، ~~فقال : التي لا تزيد بالبر ، ولا تنقص بالجفاء . وسئل بعض الصوفية عن الهوى ~~والمحبة فقال : الهوى يحل في القلب ، والمحبة يحل فيها القلب . وللعشق ~~مراتب من ابتدائه إلى انتهائه . ذكر مراتب العشق وضروبه قالوا : أول ما ~~يتجدد الاستحسان للشخص تحدث إرادة القرب منه ، ثم المودة ، وهو أن يود لو ~~ملكه ، ثم يقوى الود فيصير محبة ، ثم يصير هوى فيهوي بصاحبه في محاب ~~المحبوب من غير تمالك ، ثم يصير عشقا ، ثم يصير تتيما والتتيم حالة يصير ~~بها المعشوق مالكا للعاشق لا يوجد في قلبه سواه ، ثم يزيد التتيم فيصير ~~ولها والوله الخروج عن حد الترتيب ، والتعطيل عن أحواله التمييز . وقال ~~بعضهم : أول مراتب العشق الميل إلى المحبوب ، ثم العلاقة ، ثم الحب ، ثم ~~يستحكم الهوى فيصير مودة تزيد بالمؤانسة ، وتدرس بالجفاء والأذى ، ثم الخلة ~~، ثم الصبابة وهي رقة الشوق تولدها الألفة ، ويبعثها الإشفاق ، ويهيجها ~~الذكر ، ثم يصير عشقا . وهو على أضرب . فمبدؤه يصفي الذهن ، ويهذب العقل . ~~كما قال ذو الرياستين لأصحابه : اعشقوا ، ولا تعشقوا حراما فإن عشق الحرام ~~يطلق اللسان ويرفع التبلد ويطلق كف البخيل ويبعث على النظافة ويدعو إلى ~~الذكاء ، فإذا زاد ؛ مرض الجسد ، فإذا زاد ؛ أخرج العقل وأزال الرأى ~~فاستهلك ، ثم يترقى PageV02P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" فيصير ولها ، ويسمى ذو الوله مدلها ، ~~ومستهاما ، ومستهترا ، وحيران ؛ ثم بعدها التتيم فيدعى متيما ، والتتيم ~~نهاية الهوى ، وآخر العشق ؛ ومن التتيم يكون الداء الدوي ، والجنون الشاغل ~~. وقال بعض الحكماء : أول الحب العلاقة وهو شيء يحدثه النظر أو السمع فيخطر ~~للبال ، ويعرض للفكر ، ويرتاح له القلب ، ثم ينمى بالطمع ، واللجاج ، ~~وإدمان الذكر ، ثم يقوى فيصير حبا ، ثم يصير هوى ، ثم يصير خلة ، ثم عشقا ، ~~ثم ولها ، فيسمى صاحبه مدلها ، ومستهاما ، وهائما ms0288 ، وحيران ، ثم يصير متيما ~~، وهو أرفع منازل الحب ، لأن التتيم التعبد ؛ والوجد ألم الحب ، والهيمان ~~الذهاب في طلب غرض لا غاية له ؛ والكلف والشغف اللهج بطلب الغرض . وقال ~~الفراء : اللوعة ، وحرقة القلب من الحب . وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : ~~العلاقة الحب اللازم للقلب ؛ والجوى الهوى الباطن ؛ واللوعة حرقة الهوى ؛ ~~واللاعج الهوى المحرق ؛ والشغف أن يبلغ الحب شغاف القلب وهو جلد دونه ؛ ~~والتتيم أن يستعبده الهوى ؛ والتبل أن يسقمه الهوى ، يقال : رجل متبول ؛ ~~والتدليه ، ذهاب العقل من الهوى ، يقال : رجل مدله ؛ والهيوم أن يذهب على ~~وجهه ؛ والشغف إحراق القلب مع لذة يجدها وهو شبيه باللوعة . وقال أبو عبد ~~الله بن عرفة : الإرادة قبل المحبة ، ثم المحبة ، ثم الهوى ، ثم العشق . ~~وقال ابن دريد : الصبابة رقة الهوى . واشتقاق الحب من أحب البعير ، إذا برك ~~من الإعياء . PageV02P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" ذكر ما قيل في لفرق بين المحبة والعشق قالوا ~~: المحبة جنس ، والعشق نوع . فإن الرجل يحب أباه وأمه ، ولا يبعثه ذلك على ~~تلف نفسه ، بخلاف العاشق . وقد حكي أن بعض العشاق نظر إلى جارية كان يهواها ~~، فارتعدت فرائصه وغشي عليه ، فقيل لبعض الحكماء : ما الذي أصابه ؟ فقال : ~~نظر من يحبه ، فانفرج قلبه ، فتحرك الجسم لانفراج القلب فقيل له : فنحن نحب ~~أهالينا ولا يصيبنا ذلك فقال : تلك محبة العقل ، وهذه محبة الروح وقالوا : ~~كل عشق يسمى حبا ، وليس كل حب يسمى عشقا . لأن العشق اسم لما فضل عن المحبة ~~، كما أن السرف اسم لما جاوز الجود ، والبخل اسم لما نقص عن الاقتصاد ، ~~والجبن اسم لما فضل عن شدة الاحتراس ، والهوج اسم لما فضل عن الشجاعة . قال ~~الشاعر : ثلاثة أحباب : فحب علاقة ، . . . وحب تملاق ، وحب هو القتل وأما ~~سبب العشق وما قيل فيه ، فقالوا : سبب العشق مصادفة النفس ما يلائم طبعها ~~فتستحسنه وتميل إليه . وأكثر أسباب المصادفة النظر . ولا يكون ذلك باللمح ، ~~بل بالتثبت في النظر ومعاودته بالنظر ، فإذا غاب المحبوب عن العين طلبته ~~النفس ، ورامت التقرب منه ، وتمنت الاستمتاع به . فيصير فكرها فيه ms0289 ، ~~وتصويرها إياه في الغيبة حاضرا ، وشغلها كله به ، فيتجدد من ذلك أمراض ~~لانصراف الفكر إلى ذلك المعنى . وكلما قويت الشهوة البدنية ، قوي الفكر في ~~ذلك . وقد أمر الله عز وجل بغض البصر فقال : " قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم ويحفظوا فروجهم " " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن " ~~. فقرن غض البصر بحفظ الفرج ، لأنه يسببه ويؤول إليه . PageV02P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال : " لا تتبع النظرة النظرة ، فإن لك الأولى وليست لك ~~الآخرة " . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) قال : " العينان تزنيان ، وزناهما النظر " . وعن علي رضي الله عنه ، قال ~~: قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " يا علي ، اتق النظرة بعد النظرة ~~فإنها سهم مسموم ، يورث الشهوة في القلب " . وعن أنس رضي الله عنه قال : ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " نظر الرجل إلى محاسن المرأة سهم ~~مسموم من سهام إبليس " . وعن يحيى بن سعيد قال : كان عيسى بن مريم عليه ~~السلام يقول : " النظر يزرع في القلب الشهوة ، وكفى بها خطيئة " . وعن ~~سفيان قال : قال عيسى عليه السلام : " إياكم والنظر فإنه يزرع في القلب ~~الشهوة ، وكفى بها لصاحبها فتنة " . وقال الحسن البصري : من أطلق طرفه ، ~~أطال أسفه . PageV02P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" وقال ذو النون : اللحظات تورث الحسرات : ~~أولها أسف ، وآخرها تلف . فمن تابع طرفه ، تابع حتفه . وقال حكيم : أول ~~العشق النظر ، وأول الحريق الشرر . وقال أبو الفرج بن الجوزي : البصر صاحب ~~خبر القلب . ينقل إليه أخبار المبصرات ، وينقش فيه صورها ، فيجول الفكر ~~فيها فيشغله ذلك عن الفكر فيما ينفعه من أمر الآخرة . فاحذر من شر النظر ~~فكم أهلك من عابد ، وفسخ عزم زاهد وهو سبب الآفات ، إلا أن علاجه في بدايته ~~قريب . فإذا كرر تمكن الشر فصعب علاجه . فإن النظرة إذا أثرت في القلب ، ~~فإن أعجل الحازم بغضها وحسم المادة من أولها سهل علاجه ، وإن كرر النظر نقب ~~عن محاسن الصورة ونقلها إلى ms0290 قلب متفرغ ونقشها فيه . فكلما تواصلت النظرات ~~كانت كالمياه تسقى بها الشجرة ، فلا تزال تنمو فيفسد القلب ، ويعرض عن ~~الفكر فيما أمر به ، ويخرج بصاحبه إلى المحن ، ويوجب ارتكاب المحظورات ، ~~ويلقى في التلف . وقد أكثر الشعراء في وصف ما يحدثه النظر من البلايا ، فمن ~~ذلك ، قول الفرزدق : تزود منها نظرة لم تدع له . . . فؤادا ، ولم يشعر بما ~~قد تزودا . فلم أر مقتولا ولم أر قاتلا . . . بغير سلاح مثلها حين أقصدا . ~~وقال إبراهيم بن العباس بن صول الكاتب : فمن كان يؤتى من عدو وحاسد ، . . . ~~فإني من عيني أتيت ومن قلبي هما اعتوراني نظرة ثم فكرة ، . . . فما أبقيا ~~لي من رقاد ولا لب PageV02P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" وقال إسماعيل بن عمار الأعرابي : عينان ~~مشؤمتان ، ويحهما . . . والقلب حيران مبتلى بهما . عرفتاه الهوى لظلمهما ، ~~. . . يا ليتني قبله عدمتهما وقال أبو عبد الله المارستاني : رماني بها ~~طرفي فلم يخط مقتلي ، . . . وما كل من يرمى تصاب مقاتله إذا مت ، فابكوني ~~قتيلا لطرفه . . . قتيل عدو حاضر ما يزايله وقال ابن المعتز : متيم يرعى ~~نجوم الدجى . . . يبكي عليه رحمة عاذله عيني أشاطت بدمي في الهوى ، . . . ~~فابكوا قتيلا بعضه قاتله وقال المتنبي : وأناالذي اجتلب المنية طرفه . . . ~~فمن المطالب ؟ والقتيل القاتل وقال ابن المعتز : وما أدري ، إذا ما جن ليل ~~، . . . أشوقا في فؤادي أم حريقا ؟ ألا يا مقلتي ، دهيتماني . . . بلحظكما ~~فذوقا ثم ذوقا وقال أبو عبد الله بن الحجاج : يا من رأى سقمي يزي . . . د ~~وعلتي تعيي طبيبي . لا تعجبن فهكذا . . . تجني العيون على القلوب ~~PageV02P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" وقال أبو منصور بن الفضل : لواحظنا ، تجني ~~ولا علم عندها . . . وأنفسنا مأخوذة بالجرائر . ولم أر أغبى من نفوس عفائف ~~. . . تصدق أخبار العيون الفواجر . ومن كانت الأجفان حجاب قلبه . . . أذن ~~على أحشائه بالفواقر وقال أبو محمد بن الخفاجي : رمت عينها عيني ، وراحت ~~سليمة . . . فمن حاكم بين الكحيلة والعبرا ؟ فيا طرف ، قد حذرتك النظرة ~~التي . . . خلست فما راقبت نهيا ولا زجرا ويا قلب ، قد أرداك من قبل مرة . ~~. . فويحك لم طاوعته مرة أخرى ؟ وقال عبد ms0291 المحسن بن غالب الصوري : ما نظرة ~~إلا لها سكرة . . . كأنما طرفك خمار . هذا هوى يصدر عنه جوى . . . يتلوه ~~لوعات وأفكار . وهذه أفعالها ، هذه . . . ما بعد رأى العين إخبار . ولم يكن ~~أول من غرني . . . كل غرير الطرف غرار PageV02P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" وقال أبو شجاع الوزير : لأعذبن العين غير ~~مفكر . . . فيها ، جرت بالدمع أم فاضت دما ولأهجرن من الرقاد لذيذه . . . ~~حتى يصير على الجفون محرما سفكت دمي ، فلأسفكن دموعها . . . وهي التي بدأت ~~فكانت أظلما هي أوقعتني في حبائل فتنة : . . . لو لم تكن نظرات ، لكنت ~~مسلما وقال آخر عفا الله عنه : يا عين أنت قتلتني ، . . . وجعلت ذنبك من ~~ذنوبي وأراك تهوين الدمو . . . ع كأنها وفق الحبيب . تالله ، أحلف صادقا . ~~. . والصدق من شيم الأريب لو ميزت نوب الزما . . . ن من البعيد إلى القريب ~~، ما كن إلا دون ما . . . جنت العيون على القلوب وقال آخر ، وأجاد : أنا ما ~~بين عدوي . . . ن هما : قلبي وطرفي . ينظر الطرف ويهوى ال . . . قلب ، ~~والمقصود حتفي . وقال ابن الحريري : فتصبر ، ولا تشم كل برق . . . رب برق ~~فيه صواعق حين واغضض الطرف ، تسترح من غرام . . . تكتسي فيه ثوب ذل وشين . ~~فقياد الفتى موافقة النف . . . س ، وبدء الهوى طموح العين . PageV02P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" فصل قالوا : ومن أسباب العشق ، سماع الغناء ، ~~وإنشاد الغزل . فإن ذلك يصور في النفس نقوش صور فتخمر خميرة صورة موصوفة ، ~~ثم تصادف نظرا مستحسنا ، فتتعلق النفس بما كانت تطلبه حالة الوصف . فصل ~~وذكر بعض الحكماء أنه لا يقع العشق إلا لمجانس وذكر بعض الحكماء أنه لا يقع ~~العشق إلا لمجانس ، وأنه يضعف ويقوى على قدر التشاكل . واستدل بقول النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) " الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف ، وما ~~تناكر منها اختلف " . قال : وقد كانت الأرواح موجودة قبل الأجسام ، فمال ~~الجنس إلى الجنس . فلما افترقت في الأجساد ، بقي في كل نفس حب ما كان ~~مقارنا لها . فإذا شاهدت النفس من نفس نوع موافقة ، مالت إليها ظانة أنها ~~هي التي كانت قرينتها . فإن كان التشاكل في المعاني كانت ms0292 صداقة ومودة ، وإن ~~كان في معنى يتعلق بالصورة ، كان عشقا . وإنما يوجد الملل والإعراض من بعض ~~الناس لأن التجربة أبانت ارتفاع المجانسة والمناسبة . وأنشدوا على ذلك : ~~وقائل : كيف تهاجرتما ؟ . . . فقلت قولا فيه إنصاف : لم يك من شكلي ففارقته ~~، . . . والناس أشكال والاف . قال أبو الفرج بن الجوزي : فإن قيل إذا كان ~~سبب العشق نوع موافقة بين شخصين في الطباع ، فكيف يحب أحدهما صاحبه والآخر ~~لا يحبه ؟ فالجواب أنه يتفق في طبع المعشوق ما يوافق طبع العاشق ، ولا يتفق ~~في طبع العاشق ما يلائم طبع المعشوق . فإذا كان سبب العشق اتفاقا في الطباع ~~بطل قول من قال : إن العشق لا يكون إلا للأشياء المستحسنة . إنما يكون ~~العشق لنوع مناسبة وملاءمة ، ثم قد يكون الشيء حسنا عند شخص غير حسن عند ~~آخر . وحكي على ذلك حكاية رفعها بالسند إلى علي بن الحسين القرشي ، عن رجل ~~من أهل المدينة كان أديبا ظريفا PageV02P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" طلابا للأدب والملح ، قال : كنت يوما في مجلس ~~رجل من قريش ومعنا قينة ظريفة حسنة الصورة ، ومعنا فتى من أقبح ما رأته ~~العين ، والقينة مقبلة عليه بحديثها وغنائها . فبينما نحن كذلك إذ دخل ~~علينا فتى من أحسن الناس وجها ، وأثراهم ثوبا ، وأطيبهم ريحا ، فأقبل علي ~~صاحب البيت ، فقال : إن في أمر هذين لعجبا قلت : وما ذاك ؟ قال : هذه ~~الجارية تحب هذا ) يعني القبيح الوجه ( وليس لها في قلبه محبة ، وهذا الحسن ~~الوجه يحبها ، وليس له في قلبها محبة . فبينما نحن على شرابنا إذ سر الفتى ~~الحسن الوجه فتغنى وقال : بيد الذي شغف الفؤاد بهم . . . فرج الذي ألقى من ~~السقم فاستيقني أن قد كلفت بكم . . . ثم افعلي ما شئت عن علم فأقبلت عليه ، ~~وقالت : قد علمنا ذاك ، فمه ثم تركته ، وأقبلت على القبيح الوجه ، فلبثنا ~~ساعة ، ثم تغنى الفتى أيضا : ألا ليتني أعمى أصم تقودني . . . بثينة لا ~~يخفى علي كلامها فقالت : اللهم أعط عبدك ما سأل فغاظتني ، فقلت لها : يا ~~فاجرة تختارين هذا ، وهو أقبح من ذنوب المصرين ، على هذا ms0293 الذي هو أحسن من ~~توبة التائبين ، فقالت لي : ليس الهوى بالاختيار ثم أنشأت تغني وتقول : فلا ~~تلم المحب على هواه . . . فكل متيم كلف عميد يظن حبيبه حسنا جميلا ، . . . ~~وإن كان الحبيب من القرود فقلت : أجل إنه لكما قلت ، وليس في هذا حيلة ، ~~وذكرت قول عمر بن أبي ربيعة : فتضاحكن ، وقد قلن لنا : . . . حسن في كل عين ~~ما تود PageV02P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" فصل قالوا : ويتأكد العشق بإدمان النظر ، ~~وكثرة اللقاء ، وطول الحديث . فإن انضم إلى ذلك معانقة أو تقبيل فقد تم ~~استحكامه . وقد ذكر حكماء الأوائل أنه إذا وقعت القبل بين المتحابين ووصلت ~~بلة من ريق كل واحد منهما إلى معدة الآخر ، واختلط ذلك بجميع البدن ووصل ~~إلى جرم ، وهكذا إذا تنفس كل واحد منهما في وجه صاحبه ، فإنه يخرج مع ذلك ~~النفس شيء من نسيم كل واحد منهما فيختلط بأجزاء الهواء ، فإذا استنشق من ~~ذلك الهواء دخل في الخياشيم ، فوصل بعضه إلى الدماغ فسرى فيه كسريان النور ~~في جرم البدن فينعقد في بدن هذا ما تحلل من بدن هذا فيصير مزاجا ، فيتولد ~~به العشق وينمى . هذا ما قيل في سبب العشق والله أعلم . وأما ما قيل في ~~مدحه وذمه والممدوح منه والمذموم ، قال ابن الجوزي في كتابه المترجم ب " ذم ~~الهوى " : اختلف الناس في العشق ، هل هو ممدوح أو مذموم . فقال قوم : هو ~~ممدوح ، لأنه لا يكون إلا من لطافة الطبع ، ولا يقع عند جامد الطبع . ومن ~~لم يجد منه شيئا فذلك من غلظ الطبيعة . فهو يجلو العقول ، ويصفي الأذهان ، ~~ما لم يفرط . فإن أفرط عاد سما قاتلا . وقال آخرون : هو مذموم ، لأنه ~~يستأسر العاشق ويجعله في مقام المستعبد . قال : قلت : وفصل الحكم في هذا ~~الفصل أن نقول : أما المحبة والود والميل إلى الأشياء المستحسنة والملائمة ~~فلا يذم ، وأما العشق الذي يزيد على حد الميل والمحبة فيملك العقل ويصرف ~~صاحبه على غير مقتضى الحكمة فذلك مذموم . ويتحاشى من مثله الحكماء . هذا ما ~~قيل في مدحه وذمه مجملا . والله تعالى أعلم ms0294 . PageV02P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" فأما الممدوح منه ، وهو الذي قدمنا ذكره ، ~~فقد وقع فيه جماعة من الخلفاء والأكابر فلم يعب عليهم ولا نقصهم . وقد ~~تكلموا في مدحه وتفضيله بما سنذكر منه إن شاء الله تعالى طرفا . فقالوا : ~~العشق يولد الأخلاق الحميدة وقالوا : لو لم يكن في الهوى إلا أنه يشجع ~~الجبان ، ويصفي الأذهان ، ويبعث حزم العاجز ، لكفاه شرفا وقال أعرابي : من ~~لم يحب قط فهو رديء التركيب جافي الطبع كز المعاطف . وقد روي أن الشعبي كان ~~ينشد : إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ، . . . فأنت وعير في الفلاة سواء ~~وسمع ابن أبي مليكة غناء وهو يؤذن ، فطرب . فقيل له في ذلك ، فقال : إذا ~~أنت لم تطرب ولم تدر ما الهوى . . . فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا . وسئل ~~أبو نوفل : هل يسلم أحد من العشق ؟ فقال : نعم الجلف الجافي الذي ليس فيه ~~فضل ولا عنده فهم . فأما من في طبعه أدنى ظرف أو معه دماثة أهل الحجاز ورقة ~~أهل العراق ، فهيهات PageV02P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" وحكى أبو الفرج بن الجوزي بسند يرفعه إلى ~~اليمان بن عمرو مولى ذي الرياستين ، قال : كان ذو الرياستين يبعثني ويبعث ~~أحداثا من أهله إلى شيخ عالم بخراسان ، له أدب وحسن معرفة بالأمور ، ويقول ~~لنا : تعلموا منه الحكمة ، فإنه حكيم ، وكنا نأتيه . فإذا انصرفنا من عنده ~~، سألنا ذو الرياستين واعترض ما حفظناه فنخبره به . فقصدناه ذات يوم ، فقال ~~: أنتم أدباء ، وقد سمعتم الحكمة ولكم جدات ونعم ، فهل فيكم عاشق ؟ فقلنا : ~~لا . فقال : اعشقوا ، فإن العشق يطلق اللسان العيي ، ويفتح جبلة البليد ، ~~ويبعث على التنظيف وتحسين اللباس وتطييب المطعم ، ويدعو إلى الحركة والذكاء ~~، ويشرف الهمة وإياكم والحرام فانصرفنا من عنده إلى ذي الرياستين ، فسألنا ~~عما أخذنا في يومنا ذلك فهبناه أن نخبره . فعزم علينا فأخبرناه ، فقال : ~~صدق والله فهل تعلمون من أين أخذ هذا ؟ فقلنا : لا . قال ذو الرياستين : إن ~~بهرام جور كان له ابن ، وكان قد رشحه للأمر من بعده ، فنشأ الفتى ناقص ~~الهمة ، ساقط المروءة ، خامل النفس ms0295 ، سيء الأدب . فغمه ذلك ووكل به من ~~يلازمه من المؤدبين والحكماء ليعلموه . فكان يسألهم عنه فيحكون عنه ما يغمه ~~من سوء فهمه وقلة أدبه . إلى أن سأل بعض مؤدبيه يوما ، فقال له المؤدب : قد ~~كنا نخاف سوء أدبه ، فحدث من أمره ما صيرنا إلى اليأس من فلاحه ، قال : وما ~~ذاك الذي حدث ؟ قال : إنه رأى ابنة فلان المرزبان فعشقها حتى غلب عليه ~~هواها ، فهو لا يهذي إلا بها ، ولا يتشاغل إلا بذكرها . فقال بهرام : الآن ~~رجوت فلاحه ثم دعا بأبي الجارية ، فقال : إني مسر إليك سرا فلا يعدونك . ~~فضمن له ستره . فأعلمه أن ابنه قد عشق ابنته ، وأنه يريد أن ينكحها إياه ، ~~وأمره أن يأمرها بإطماعه في نفسها ومراسلته من غير أن يراها ، فإذا استحكم ~~طمعه فيها تجنت عليه وهجرته ، فإن استعتبها أعلمته أنها لا تصلح إلا لملك ~~ومن همته همة الملوك ، وأنه يمنعها من مواصلته أنه لا يصلح للملك . ثم ~~ليعلمه خبرها ، فقبل أبوها ذلك منه . ثم قال للمؤدب الموكل به خوفه مني ~~وشجعه على مراسلة المرأة ففعل ذلك وفعلت الصبية ما أمرها به أبوها . فلما ~~انتهت إلى التجني عليه ، وعلم الفتى السبب الذي كرهته له ، أخذ في الأدب ~~وطلب PageV02P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" الحكمة والعلم والفروسية والرماية وضرب ~~الصوالجة حتى مهر في ذلك . ثم رفع إلى أبيه أنهمحتاج من الدواب والآلت ~~والمطاعم والملابس والندماء إلى فوق ما عنده . فسر الملك بذلك ، وأمر له ~~بما طلب . ثم دعا مؤدبه ، فقال : إن الموضع الذي وضع به ابني نفسه من حب ~~هذه المرأة لا يزري به . فتقدم إليه أن يرفع ذلك إلي ويسألني أن أزوجه ~~إياها . ففعل . ورفع الفتى ذلك إلى أبيه ، فاستدعى أباها ، وزوجه بها ، ~~وأمر بتعجيلها إليه ، وقال له : إذا اجتمعت بها فلا تحدث شيئا حتى آتيك ~~فلما اجتمع أتاه ، فقال : يا بني لا يضعن منها عندك مراسلتها إياك ، وليست ~~في حبالك فإني أنا أمرتها بذلك . وهي أعظم الناس منة عليك ، بما دعتك إليه ~~من طلب الحكمة والتخلق بأخلاق الملوك ms0296 ، حتى بلغت الحد الذي تصلح معه للملك ~~بعدي . فزدها من التشريف والإكرام بقدر ما تستحق منك ففعل الفتى ذلك ، وعاش ~~مسرورا بالجارية ، وعاش أبوه مسرورا به ، وأحسن ثواب أبيها ، ورفع مرتبته ~~وشرفه بصيانة سره وطاعته ، وأحسن جائزة المؤدب ، وعقد لابنه على الملك من ~~بعده . قال اليمان : ثم قال لنا ذو الرياستين : سلوا الشيخ الآن : لم حملكم ~~على العشق ؟ فسألناه : فحدثنا بحديث بهرام جور وابنه . فهذا ممن ارتفع ~~بالهوى وترقى بسببه إلى مرتبة الملك . وحكى ابن الجوزي أيضا ، قال : حدث ~~القاسم بن محمد النميري ، قال : ما رأيت شابا ولا كهلا من ولد العباس أصون ~~لنفسه ، وأضبط لجأشه وأعف لسانا وفرجا من عبد الله بن المعتز وكان ربما ~~عبثنا بالهزل في مجلسه ، فجرى معنا فيما لا يقدح به عليه قادح . وكان أكثر ~~ما يشغل به نفسه سماع الغناء . وكان كثيرا PageV02P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" ما يعيب العشق ، ويقول : هو ضرب من الحمق ~~وكان إذا رأى منا من هو مطرق أو مفكر اتهمه بالعشق ويقول : وقعت والله يا ~~فلان وقل عقلك وسخفت إلى أن رأيناه ، وقد حدث به سهو شديد ، وفكر دائم ، ~~وزفير متتابع ، وسمعناه ينشد أشعارا منها : ما لي أرى الثريا . . . ولا أرى ~~الرقيبا ؟ يا مرسلا غزالا ، . . . أما تخاف ذيبا ؟ وسمعناه مرة أخرى ينشد ، ~~وهو يشرب في إناء قد لفه ، فاتهمناه فيه . وكتب هذا الشعر : ما قليل منك لي ~~بقليل ، . . . يا منى عيني وغاية سولي سل بحق الله عينيك عني : . . . هل ~~أحست في الهوى بقتيل ؟ أنت أفسدت حياتي بهجر ، . . . ومماتي بحساب طويل ~~وأنشد : أسر الحب أميرا . . . لم يكن قبل أسيرا . فارحموا ذل عزيز . . . ~~صار عبدا مستجيرا وأنشد يوما ، وقد رأى دار بعض الناس ، فقال : أيا دار كم ~~فيك من لذة . . . وعيش لنا ، كان ما أطيبه ومن قينة أفسدت ناسكا ، . . . ~~وكانت له في التقى مرتبة . وقال أيضا مرة : لقد قتلت عيناك نفسا كريمة ، . ~~. . فلا تأمنن إن مت سطوة ثائر كأن فؤادي في السماء معلق ، . . . إذا غبت ~~عن عيني ، بمخلب طائر . وأنشد يوما ، وفي يده ms0297 خاتم : حصلت منك على خا . . . ~~تم حوته البنان PageV02P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" فما يفارق كفي . . . كأنه قهرمان . يا أهل ~~ودي بعدتم . . . وأنتم جيران قال النميري : فقلت له : جعلنا الله فداك هذه ~~أشياء قد كنت تعيب أمثالها منا ، ونحن الآن ننكرها منك وكان يرجع عن بعض ~~ذلك تصنعا ، ثم لا يلبث مستوره أن يظهر حتى تحقق عندنا عشقه ، ودخل في طبقة ~~المرحومين ، فسمعته يوما ينشد : مكتوم ، يا أحسن خلق الله . . . لا تتركيني ~~هكذا بالله ثم تنفس إثر ذلك فأجبته : قد ظفر العشق بعبد الله . . . وانتهك ~~الستر بحمد الله . فقل له : سم لنا سيدي . . . هذا الذي تهوى ، بحق الله ~~فضحك وقال : لا ، ولا كرامة فكتبت إليه من الغد : بكت عينه وشكا حرقة . . . ~~من الوجد في القلب ما تنطفي . فقلت له : سيدي ، ما الذي . . . أرى بك ؟ قال ~~: سقام خفي . فقلت : أعشق ؟ فقال : اقتصر . . . على ما ترى بي ، أما تكتفي ~~؟ فكتب إلي : يا من يحدث عني . . . بظن سمع وعين إن كنت تخطب سري ، . . . ~~فارجع بخفي حنين PageV02P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" فكتبت إليه : هيهات لحظك عندي . . . يقر فيه ~~بعشقك دع عنك خفي حنين . . . واحرص على حل ربقك تعال نحتال فيما . . . تهوى ~~، برفقي ورفقك وصرت إليه فقال : يا أبا طيب ، قد عصيت إبليس أكثر مما عصى ~~ربه إلى أن أوقعني في حبائله ، فأنشدته : من أين لا كان إبلي . . . س جاءني ~~بك يسعى ؟ أبداك لي من بعيد . . . فقلت : طوعا وسمعا فأخبرني بقصته . فسعيت ~~له بلطيف الحيلة وأعانني بحزم الرأي حتى فاز بالظفر . قال أبو بكر الصولي : ~~اعتل عبد الله بن المعتز فأتاه أبوه عائدا وقال : ما عراك ، يا بني ؟ فأنشأ ~~يقول : أيها العاذلون ، لا تعذلوني . . . وانظروا حسن وجهها تعذروني ~~وانظروا هل ترون أحسن منها ، . . . إن رأيتم شبيهها فاعذلوني بي جنون الهوى ~~، وما بي جنون . . . وجنون الهوى جنون الجنون قال : فتتبع أبوه الحال حتى ~~وقع عليها ، فابتاع الجارية التي شغف بها بسبعة آلاف دينار ، ووجهها إليه . ~~وحكي أن الرشيد كان له ثلاث جوار اشتد شغفه بهن ، فقال العباس بن الأحنف ms0298 ~~على لسانه : ملك الثلاث الآنسات عناني . . . وحللن من قلبي بكل مكان ~~PageV02P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" ما لي تطاوعني البرية كلها . . . وأطيعهن وهن ~~في عصياني ؟ ما ذاك إلا أن سلطان الهوى . . . وبه عززن أعز من سلطاني أخذ ~~المعنى والروي سليمان بن الحكم المستعين ، أحد خلفاء بني أمية بالأندلس ، ~~فقال : عجبا يهاب الليث حد سناني ، . . . وأهاب لحظ فواتر الأجفان وأقارع ~~الأهوال لا متهيبا . . . منها سوى الإعراض والهجران وتملكت نفسي ثلاث ~~كالدمى . . . زهر الوجوه نواعم الأبدان ككواكب الظلماء لحن لناظر . . . من ~~فوق أغصان على كثبان . هذه الهلال ، وتلك بنت المشتري . . . حسنا ، وهذه ~~أخت غصن البان حاكمت فيهن السلو إلى الصبا . . . فقضى لسلطان على سلطان . ~~فأبحن من قلبي الحمى وثنينني . . . عن عز ملك كالأسير العاني . لا تعذلوا ~~ملكا تذلل في الهوى . . . ذل الهوى عز وملك ثاني . إن لم أطع فيهن سلطان ~~الهوى . . . كلفا بهن ، فلست من مروان وإذا كريم أحب ، أمن ألفه . . . خطب ~~الفلى وحوادث السلوان PageV02P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" وقال العباس : لا عار في الحب إن الحب ؛ ~~مكرمة . . . لكنه ربما أزرى بذي الخطر وأما القسم المذموم منه ، وهو الذي ~~ثنينا بذكره في صدر هذا الفصل فقد أكثر الناس القول في ذمه ، وبينوا أسبابه ~~. فقال ابن الجوزي : بيان ذمه أن الشيء إنما يعرف مذموما أو ممدوحا بتأمل ~~ذاته وفوائده وعواقبه ، وذات العشق لهج بصورة ، وهذا ليس فيه فضيلة فتمدح ، ~~ولا فائدة في العشق للنفس الناطقة ، إنما هو أثر غلبة النفس الشهوانية . ~~وقال بعض الحكماء : ليس العشق من أدواء الحصفاء الحكماء ، إنما هو من أمراض ~~الخلعاء الذين جعلوا دأبهم ولهجهم متابعة النفس وإرخاء عنان الشهوة وإمراح ~~النظر في المستحسنات من الصور . فهنالك تتقيد النفس ببعض الصور فتأنس ، ثم ~~تألف ، ثم تتوق ، ثم تلهج ، فيقال " عشق " . وليس هذا من صفة الحكماء : لأن ~~الحكيم من استطال رأيه على هواه ، وتسلطت حكمته على شهوته . فرعونات طبعه ~~مقيدة أبدا كصبي بين يدي معلمه أو عبد بمرأى سيده ؛ وما كان العشق قط إلا ~~لأرعن بطال . وقل أن يكون لمشغول بصناعة أو بتجارة ms0299 ، فكيف لمشغول بالعلوم ~~والحكم ، فإنها تصرفه عن ذلك . ولهذا لا تكاد تجده في الحكماء . وقال ابن ~~عقيل : العشق مرض يعتري النفوس العاطلة ، والقلوب الفارغة المتلمحة للصور ~~لدواع من النفس ، ويساعدها إدمان المخالطة ، فيتأكد الإلف ويتمكن الأنس ، ~~فيصير بالإدمان شغفا . وما عشق قط إلا فارغ . فهو من علل البطالين وأمراض ~~PageV02P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" الفارغين من النظر في دلائل العبر ، وطلب ~~الحقائق ؛ المستدل بها على عظم الخالق . ولهذا قلما تراه إلا في الرعن ~~البطرين ، وأرباب الخلاعة النوكى . وما عشق حكيم قط : لأن قلوب الحكماء أشد ~~تمنعا عن أن توقفها صورة من صور الكون مع شدة تطلبها ، فهي أبدا تلحظ وتخطف ~~ولا تقف . وقل أن يحصل عشق من لمحة ، وقل أن يضيف حكيم إلى لمحة نظرة ، ~~فإنه مار في طلب المعاني ، ومن كان طالبا لمعرفة الله لا توقفه صورة عن ~~الطلب لأنها تحجبه عن الصور . وقال ابن الجوزي : واعلم أن العشاق قد جاوزوا ~~حد البهائم في عدم ملكة النفس في الانقياد إلى الشهوات : لأنهم لم يرضوا أن ~~يصيبوا شهوة الوطء وهي أقبح الشهوات عند النفس الناطقة من أي موضع كان حتى ~~أرادوها من شخص بعينه فضموا شهوة إلى شهوة ، وذلوا للهوى ذل على ذل . ~~والبهيمة إنما تقصد دفع الأذى عنها حسب . وهؤلاء استخدموا عقولهم في تدبير ~~نيل شهواتهم . ثم قال : والعشق بين الضرر في الدين والدنيا . أما في الدين ~~فإنه يشغل القلب عن الفكر فيما له خلق : من معرفة الله تعالى ، والخوف منه ~~، والقرب إليه . ثم ينفذ ما ينال من موافقة غرضه المحرم الذي يكون فيه ~~خسران أخرته . ويعرضه لعقوبة خالقه . فكلما قرب من هواه ، بعد من مولاه . ~~ولا يكاد العشق يقع في الحلال المقدور عليه فإن وقع ، فيا سرعان زواله قالت ~~الحكماء : كل مملوك مملول . وقال الشاعر : وزادني شغفا بالحب أن منعت . . . ~~أحب شيء إلى الإنسان ما منعا . فإن كان المعشوق لا يباح ، اشتد القلق به ~~والطلب له . فإن نيل منه غرض ، فالعذاب الشديد في مقابلته . على أن بلوغ ~~الغرض يزيد ألما ms0300 فتر بي مرارة الفراق على لذة الوصال . كما قال الشاعر : كل ~~شيء ربحته في التداني . . . والتلاقي ، خسرته في الفراق . فإن منعه خوف ~~الله تعالى عن نيل غرض ، فالامتناع عذاب شديد فهو معذب في كل حال . ~~PageV02P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" هذا ضرره في الدين . وأما ضرره في الدنيا ~~فإنه يورث الهم الدائم ، والفكر اللازم ، والوسواس ، والأرق ، وقلة المطعم ~~، وكثرة السهر . ويتسلط على الجوارح فتنشأ الصفرة في البدن ، والرعدة في ~~الأطراف ، واللجلجة في اللسان ، والنحول في الجسد . فالرأي عاطل ، والقلب ~~غائب عن تدبير مصلحة ، والدموع هواطل ، والحسرات تتتابع ، والزفرات تتوالى ~~، والأنفاس لا تمتد ، والأحشاء تضطرم . فإذا غشى على القلب غشاء ثانيا أخرج ~~إلى الجنون . وما أقربه حينئذ من التلف قال : هذا ، وكم جنى من جناية على ~~العرض ، ووهن الجاه بين الخلق . وربما أوقع في عقوبات البدن وإقامة الحدود ~~. وقال جالينوس : العشق من فعل النفس ، وهي كامنة في الدماغ والقلب والكبد ~~. وفي الدماغ ثلاثة مساكن : مسكن للتخيل ، وهو في مقدم الرأس ؛ ومسكن للفكر ~~، وهو في وسطه ؛ ومسكن للذكر ، وهو في مؤخره . ولا يسمى عاشقا إلا من إذا ~~فارق معشوقه لم يخل من تخيله فيمتنع من الطعام والشراب باشتغال الكبد ، ومن ~~النوم باشتغال الدماغ بالتخيل والفكر والذكر فيكون جميع مساكن النفس قد ~~اشتغلت به . وقال الجاحظ : ذكر لي بعض حكماء الهند أنه قال : إذا ظهر العشق ~~عندنا في رجل أو امرأة ، غدونا على أهله بالتعزية . PageV02P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" قال : وبلغني أن عاشقا مات بالهند عشقا ، ~~فبعث ملك الهند إلى المعشوق فقتله به . وقال الربعي : سمعت أعرابية تقول : ~~مسكين العاشق كل شيء عدوه هبوب الريح يقلقه ، ولمعان البرق يؤرقه ، ورسوم ~~الديار تحرقه ، والعذل يؤلمه ، والتذكر يسقمه ، والبعد والقرب يهيجه ، ~~والليل يضاعف بلاءه ، والرقاد يهرب منه . ولقد تداويت بالقرب والبعد فلم ~~ينجع فيه دواء ، ولا عز بي عزاء . وقال الشاعر : وقد زعموا أن المحب إذا ~~دنا . . . يمل ، وأن النأي يشفي من الوجد بكل تداوينا ، فلم يشف ما بنا . . ~~. على أن قرب الدار خير من البعد وأنشد المارستاني ms0301 : إذا قربت دار كلفت ، ~~وإن نأت . . . أسفت فلا بالقرب أسلو ولا البعد وإن وعدت زاد الهوى ~~لانتظارها ، . . . وإن بخلت بالوعد مت على الوعد ففي كل حب لا محالة فرحة ، ~~. . . وحبك ما فيه سوى محكم الجهد وحكى الزبير بن بكار قال : حدثني موهوب ~~بن راشد قال : وقفت امرأة من بني عقيل على أخت لها ، فقالت لها : يا فلانة ~~، كيف أصبحت من حب فلان ؟ قالت : قلقل والله حبه الساكن ، وسكن المتحرك ثم ~~أنشدتها : لو أن ما بي بالحصى فلق الحصى ، . . . وبالريح لم يسمع لهن هبوب ~~ولو أنني أستغفر الله كلما . . . ذكرتك لم يكتب على ذنوب PageV02P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" قالت : لا جرم والله ، لا أقف حتى أسأله كيف ~~أصبح من حبك فجاءته فسألته فقال : إنما الهوى هوان ، وإنما خولف باسمه ، ~~وإنما يعرف ما أقول من كان مثلي قد أبكته المعارف والطلول . وقال مسلم بن ~~عبد الله بن جندب الهذلي : خرجت أنا وريان السواق إلى العقيق فلقينا نسوة ~~نازلات من العقيق ذوات جمال وفيهن جارية حسناء العينين ، فأنشد ريان قول ~~أبي : ألا يا عباد الله ، هذا أخوكم . . . قتيل فهلا فيكم اليوم ثائر ؟ ~~خذوا بدمي إن مت كل خريدة . . . مريضة جفن العين ، والطرف ساحر وأقبل علي ، ~~وأشار إليها فقال : يا ابن الكرام دم أبيك في أثوابها فلا تطلب أثرا بعد ~~عين قال : فأقبلت علي امرأة جميلة ، أجمل من تيك ، فقالت : أنت ابن جندب ؟ ~~فقلت : نعم . قالت : إن أسيرنا لا يفك ، وقتيلنا لا يودي ، فاحتسب أباك ، ~~واغتنم نفسك ومضين . ذكر شيء من الشعر المقول في ذم العشق والحب قال ~~الأصمعي : سئل أعرابي عن الحب ، فقال : وما الحب ؟ وما عسى أن يكون ؟ هل هو ~~إلا سحر أو جنون . ثم قال : هل الحب إلا زفرة بعد زفرة ، . . . وحر على ~~الأحشاء ليس له برد ؟ وفيض دموع العين مني كلما . . . بدا علم من أرضكم لم ~~يكن يبدو ؟ PageV02P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" وقال : قلت لأعرابي : ما الحب ؟ فقال : الحب ~~مشغلة عن كل صالحة . . . وسكرة الحب تنفي سكرة الوسن . وقال محمد بن عبد ms0302 ~~الله بن مبادر : من فتى أصبح في الح . . . ب سقاه الحب سما ؟ كلما أخفى جوى ~~الح . . . ب ، عليه الدمع نما . ساهر لا يطعم النو . . . م إذا الليل ~~ادلهما . كلما راقب نجما . . . فهوى ، راقب نجما . أنتمو همي فإن لم . . . ~~تصلوني مت غما . يا ثقاتي ، خطم الح . . . ب لكم أنفى وزما يا أخي ، دائي ~~جوى الح . . . ب وداء الناس حمى . لا تلم مفتضحا في ال . . . حب ، إن الحب ~~أعمى وقال محمد بن أبي أمية : فو الله ، ما أدري أمن لوعة الهوى . . . صبرت ~~على التقصير أم ليس لي قلب ؟ أقبح أمرا ، والفؤاد يوده ، . . . أجن فؤادي ~~في الهوى ؟ بل هو الحب . وقال أبو عبادة البحتري : قال بطلا وأفال الراي من ~~. . . لم يقل إن المنايا في الحدق إن تكن محتسبا من قد ثوى . . . بحمام ، ~~فاحتسب من قد عشق PageV02P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وقال أبو تمام : أما الهوى فهو العذاب ، فإن ~~جرت . . . فيه النوى فالتيم كل التيم . وقال ابن أبي حصينة : والعشق يجتذب ~~النفوس إلى الردى . . . بالطبع ، واحسدا لمن لم يعشق طرق الخيال فهاج لي ~~بطروقه . . . ولها ، فليت خيالها لم يطرق وقال صالح بن عبد القدوس : عاص ~~الهوى إن الهوى مركب . . . يصعب بعد اللين منه الذلول إن يجلب اليوم الهوى ~~لذة . . . ففي غد منه البكا والعويل . وقال ابن المعتز : فكأن الهوى امرؤ ~~علوي . . . ظن أني وليت قتل الحسين وكأني لديه نجل زياد . . . فهو يختار ~~أوجع القتلتين وقال أبو عبد الله بن الحجاج : ويحك ، يا قلبي ما أغفلك . . ~~. تعشق من يعشق أن يقتلك ؟ وأنت يا طرفي أوقعتني ، . . . ويحك يا طرفي ما ~~لي ولك ؟ قد كان من حق بكائي على . . . تبتلى بالحب أن يشغلك . حتى توصلت ~~لقتلي ، فلا . . . كنت ولا كان الذي أرسلك PageV02P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" وقال عبد المحسن بن غالب الصوري : وكان ~~ابتداء الذي بي مجونا ، . . . فلما تمكن أمسى حنونا . وكنت أظن الهوى هينا ~~. . . فلاقيت منه عذابا مهينا . وقال أبو بكر بن محمد بن عمر العنبري : يا ~~صاح ، إني مذ عرفت الهوى . . . غرقت في بحر بلا ساحل عيني ms0303 لحيني نظرت نظرة ~~. . . رحت بها في شغل شاغل . علقته في البيت من فارس ؛ . . . لكنه في السحر ~~من بابل . يظلمني ، والعدل من شأنه . . . ما أوجع الظلم من العادل وقال آخر ~~: من سره أن يرى المنايا . . . بعينه منظرا صراحا . فليحس كأسا من التجني . ~~. . وليعشق الأوجه الملاحا يا أعينا أرسلت مراضا . . . فاختلست أعينا صحاحا ~~وقال آخر : ما أقتل الحب والإنسان يجهله . . . وكل ما لم يذقه فهو مجهول . ~~راح الرماة إلى بعض المها ، فإذا . . . بعض الرماة ببعض الصيد مقتول وأما ~~الآفات التي تجري على العاشق من المرض والضنا والجنون والمخاطرات بالنفوس ~~وإلقائها إلى الهلاك ، فهي كثيرة جدا ، مشاهدة ومسموعة . PageV02P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" فمن ذلك ما حكاه أبو الفرج بن الجوزي بسند ~~يرفعه ، قال : لما بعثت قريش عمارة بن الوليد مع عمرو بن العاص إلى النجاشي ~~يكلمانه فيمن قدم عليه من المهاجرين ، فراسل عمارة جارية لعمرو بن العاص ~~كانت معه فصغت إليه . فاطلع عمرو على ذلك فوجد على عمارة . وكان عمارة أخبر ~~عمرا أن زوجة النجاشي علقته وأدخلته إليها فوشى عمرو بعمارة عند النجاشي ~~وأخبره بالخبر ، فقال له النجاشي : ائتني بعلامة أستدل بها على ما قلت ثم ~~عاد عمارة فأخبر عمرا بأمره وأمر زوجة النجاشي ، فقال له عمرو : لا أقبل ~~هذا منك إلا أن تعطيك من دهن الملك الذي لا يدهن به غيره . فكلمها عمارة في ~~ذلك ، فقالت : أخاف من الملك فأبى أن يرضى منها حتى تعطيه من ذلك الدهن ~~فأعطته منه فأعطاه عمرا فجاء به عمرو إلى النجاشي فنفخ سحرا في إحليل عمارة ~~. فذهب مع الوحش - فيما تقول قريش - فلم يزل متوحشا يرد ماء في جزيرة بأرض ~~الحبش حتى خرج إليه عبد الله بن أبي ربيعة في جماعة من أصحابه فرصده على ~~الماء فأخذه فجعل يصيح به : يا بجير أرسلني فإني أموت إن أمسكتني فأمسكه ~~فمات في يده . وحكي عن محمد بن زياد الأعرابي قال : رأيت بالبادية أعرابيا ~~في عنقه تمائم وهو عريان وعلى سوأته خرقة وفي رجله حبل ومن خلفه عجوز آخذة ~~بطرف ms0304 الحبل وهو يعض ذراعيه ، فقلت للعجوز : من هذا ؟ فقالت : ابن ابنتي ~~فقلت لها : أبه مس من الجن ؟ فقالت : لا والله ولكنه نشأ وابنة عم له في ~~مكان واحد ، فعلقها وعلقته . فحبسها أهلها ومنعوها منه فزال عقله وصار إلى ~~ما ترى فقلت لها : ما اسمه قالت : عكرمة . فقلت : أيا عكرمة ما أصابك ؟ قال ~~: أصابني داء قيس وعروة وجميل : فالجسم مني نحيل ، والفؤاد عليل . قال : ~~فتركته ومضيت . PageV02P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" وحكي عن عباس ابن عبيد ، قال : كان بالمدينة ~~جارية ظريفة حاذقة بالغناء فهويت فتى من قريش ، فكانت لا تفارقه ولا ~~يفارقها . فملها الفتى وفارقها ، وتزايدت محبتها له حتى ولهت . وتفاقم ~~الأمر بها حتى هامت على وجهها ومزقت ثيابها ، فرآها مولاها في ليلة من ~~الليالي ، وهي تدور في السكك ومعه أصحاب له ، فجعلت تبكي وتقول : الحب أول ~~ما يكون لجاجة . . . تأتي به وتسوقه الأقدار . حتى إذا اقتحم الفتى لجج ~~الهوى . . . جاءت أمور لا تطاق كبار . قال : فما بقى أحد إلا رحمها . فقال ~~لها مولاها : يا فلانة ، امضي معنا إلى بيتنا فأبت وقالت : شغل الحلى أهله ~~أن يعارا قال : وذكر بعض من رآها ليلة وقد لقيتها جارية أخرى مجنونة فقالت ~~لها : فلانة ، كيف أنت ؟ قالت : كما لا أحب ، فكيف أنت من ولهك وحبك ؟ قالت ~~: على ما لم يزل ، يتزايد على مر الأيام قالت لها : فغني بصوت من أصواتك ~~فإني قريبة الشبه بك فأخذت قصبة توقع بها وغنت : يا من شكا ألما للحب شبهه ~~. . . بالنار في القلب من حزن وتذكار إني لأعظم ما بي أن أشبهه . . . شيئا ~~يقاس إلى مثل ومقدار . لو أن قلبي في نار لأحرقها ، . . . لأن أجزاءه أذكى ~~من النار ثم مضت . وحكي عن سليمان بن يحيى بن معاذ قال : قدم علي بن يسابور ~~إبراهيم بن PageV02P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" سبابة الشاعر البصري . فأنزلته علي ليلة من ~~الليالي وهو مكروب قد هاج . فجعل يصيح بي : يا أبا أيوب فخشيت أن يكون قد ~~غشيته بلية ، فقلت : ما تشاء ؟ فقال : أعياني الشادن الربيب فقلت : بماذا ؟ ~~فقال ms0305 : أشكو إليه فلا يجيب فقلت : داره وداوه فقال : من أين أبغي شفاء دائي ~~؟ . . . وإنما دائي الطبيب فقلت : إذن يفرج الله عز وجل فقال : يا رب ، فرج ~~إذا وعجل ، . . . فإنك السامع المجيب ثم انصرف . وحدث عن علي بن محمد ~~النوفلي عن أبي المختار عن محمد بن قيس العبدي ، قال : إني لبمزدلفة بين ~~النائم واليقظان إذ سمعت بكاء حرقا وغناء عاليا . فاتبعت الصوت فإذا أنا ~~بجارية كأنها الشمس حسنا ومعها عجوز . فلطئت بالأرض لأمتع عيني بحسنها ، ~~فسمعتها تقول : دعوتك يا مولاي سرا وجهرة . . . دعاء ضعيف القلب عن محمل ~~الحب بليت بقاسي القلب لا يعرف الهوى . . . وأقتل خلق الله للهائم الصب ~~PageV02P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" فإن كنت لم تقض المودة بيننا . . . فلا تخل ~~من حب له أبدا قلبي رضيت بهذا ما حييت فإن أمت . . . فحسبي معادا في المعاد ~~به حسبي قال : وجعلت تردد هذه الأبيات وتبكي ، فقمت إليها وقلت : بنفسي من ~~أنت ؟ مع هذا الوجه وهذا الجمال يمتنع عليك من تريدين ؟ قالت : نعم والله ~~إنه يفعل تصبرا وفي قلبه أكثر مما في قلبي قلت : فإلى كم البكاء ؟ قالت : ~~أبدا أو يصير الدمع دما وتتلف نفسي غما . فقلت : إن هذه آخر ليلة من ليالي ~~الحج ، فلو سألت الله تعالى التوبة مما أنت فيه ، رجوت أن يذهب حبه من قلبك ~~قالت : يا هذا ، عليك بنفسك في طلب رغبتك ، فإني قد قدمت رغبتي إلى من ليس ~~يجهل بغيتي وحولت وجهها عني ، وأقبلت على بكائها وشعرها . وحكى أبو الفرج ، ~~عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي في كتابه المترجم ب ذم الهوى بسند ~~رفعه إلى هشام بن عروة ، قال : أذن معاوية بن أبي سفيان يوما للناس ، فكان ~~فيمن دخل عليه فتى من بني عذرة . فلما أخذ الناس مجالسهم ، قام الفتى ~~العذري بين السماطين فأنشأ يقول : معاوي ، يا ذا الفضل والحلم والعقل . . . ~~وذا البر والإحسان والجود والبذل أتيتك لما ضاق في الأرض مسكني . . . ~~وأنكرت مما قد أصبت به عقلي . ففرج كلاك الله عني فإننيلقيت الذي لم يلقه ~~أحد ms0306 قبلي وخذ لي هداك الله حقي من الذيرماني بسهم كان أهونه قتلي وكنت أرجي ~~عدله إن أتيته . . . فأكثر تردادي مع الحبس والكبل سباني سعدي والنبرى ~~لخصومتي . . . وجار ولم يعدل وغاضبني أهلي . فطلقتها من جهد ما قد أصابني . ~~. . فهذا أمير المؤمنين من العدل ؟ PageV02P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" فقال معاوية : ادن بارك الله عليك ما خطبك ؟ ~~فقال : أطال الله بقاء أمير المؤمنين إنني رجل من بني عذرة ، تزوجت ابنة عم ~~لي . وكانت لي صرمة من الإبل وشويهات فأنفقت ذلك عليها ، فلما أصابتني ~~نائبة الزمان وحادثات الدهر ، رغب عني أبوها . وكانت جارية فيها الحياء ~~والكرم ، فكرهت مخالفة أبيها . فأتيت عاملك مروان بن الحكم مستصرخا به ~~راجيا لنصرته . فذكرت له قصتي ، فأحضر أباها وسأله عن قضيتي . وكان قد بلغه ~~جمالها ، فدفع لأبيها عشرة آلاف درهم ، وقال له : هذه لك ، وزوجني بها وأنا ~~أضمن خلاصها من هذا الأعرابي فرغب أبوها في البذل فصار الأمير لي خصما وعلي ~~منكرا فانتهرني وأمر بي إلى السجن وأرسل إلي أن أطلقها فلم أفعل . فحبسني ~~وضيق علي وعذبني بأنواع العذاب ، فلما أصابني مس الحديد وألم العذاب ولم ~~أجد بدا عن ذلك ، طلقتها . فما استكملت عدتها حتى تزوج بها . فلما دخل بها ~~أرسل إلي فأطلقني . وقد أتيتك يا أمير المؤمنين مستجيرا بك ، وأنت غياث ~~المكروب ، وسند المسلوب . فهل من فرج ؟ وبكى وقال في بكائه : في القلب مني ~~نار . . . والنار فيها استعار والجسم مني نحيل . . . واللون فيه اصفرار . ~~والعين تبكي بشجو . . . فدمعها مدرار . والحب داء عسير . . . فيه الطبيب ~~يحار . حملت منه عظيما . . . فما عليه اصطبار . فليس ليلي ليلا . . . ولا ~~نهاري نهار فرق له معاوية وكتب إلى ابن الحكم كتابا غليظا ، وكتب في آخره : ~~ركبت أمرا عظيما لست أعرفه . . . أستغفر الله من جور امرئ زاني قد كنت تشبه ~~صوفيا له كتب . . . من الفرائض أو آيات فرقان . PageV02P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" حتى أتانا الفتى العذري منتحبا . . . يشكو ~~إلي بحق غير بهتان . أعطي الإله عهودا لا أخيس بها . . . أو لا فبرئت من ~~دين وإيمان إن أنت راجعتني ms0307 فيما كتبت به . . . لأجعلنك لحما بين عقبان طلق ~~سعاد ، وجهزها معجلة . . . مع الكميت ، ومع نصر بن ذبيان فما سمعت كما بلغت ~~من عجب . . . ولا فعالك حقا فعل إنسان ثم طوى الكتاب ودفعه إلى الكميت ونصر ~~بن ذبيان وقال : اذهبا به إليه قال : فلما ورد كتاب معاوية على ابن الحكم ~~وقرأه تنفس الصعداء ، وقال : وددت أن أمير المؤمنين خلى بيني وبينها سنة ثم ~~عرضني على السيف وجعل يؤامر نفسه في طلاقها فلا يقدر . فلما أزعجه الوفد ~~طلقها وأسلمها إليهما . فلما رآها الوفد على هذه الصورة العظيمة وما اشتملت ~~عليه من الجمال المفرط ، قالوا : لا تصلح هذه إلا لأمير المؤمنين وكتب ابن ~~الحكم كتابا لأمير المؤمنين معاوية ، ودفعه إليهما مع الجارية . فكان مما ~~كتب فيه يقول : لا تحنثن أمير المؤمنين فقد . . . أوفي بعهدك في رفق وإحسان ~~. وما ركبت حراما حين أعجبني ، . . . فكيف سميت باسم الخائن الزاني ؟ أعذر ~~فإنك لو أبصرتها لجرت . . . منك الأماني على تمثال إنسان وسوف تأتيك شمس ~~ليس يعدلها . . . عند البرية من إنس ومن جان حوراء يقصر عنها الوصف إن وصفت ~~، . . . أقول ذلك في سر وإعلان فلما ورد الكتاب على معاوية وقرأه ، قال : ~~لقد أحسن في الطاعة ، ولكن أطنب في ذكر الجارية ولئن كانت أعطيت حسن النغمة ~~مع هذا الوصف الحسن فهي أكمل البرية فأمر بإحضارها ، فلما مثلت بين يديه ، ~~استنطقها فإذا هي أحسن الناس كلاما وأكملهم شكلا ودلالا . فقال : يا أعرابي ~~، هذه سعدي ولكن هل لك PageV02P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" عنها من سلوة بأفضل الرغبة ؟ قال نعم ، إذا ~~فرقت بين رأسي وجسدي فقال : أعوضك عنها يا أعرابي بثلاث جوار ومع كل واحدة ~~ألف دينار وأقسم لك من بيت المال ما يكفيك في كل سنة ويعينك على صحبتهن . ~~فشهق شهقة ظن معاوية أنه مات . فقال له : ما بالك يا أعرابي ؟ قال : أشر ~~بال وأسوأ حال ، استجرت بعدلك من جور ابن الحكم ، فعند من أستجير من جورك ؟ ~~ثم أنشأ يقول : لا تجعلني والأمثال تضرب بي . . . كالمستغيث من الرمضاء ~~بالنار أردد سعاد على ms0308 حيران مكتئب . . . يمسي ويصبح في هم وتذكار قد شفه ~~قلق ما مثله قلق . . . وأسعر القلب منه أي إسعار كيف السلو ، وقد هام ~~الفؤاد بها . . . وأصبح القلب عنها غير صبار ؟ قال : فغضب معاوية غضبا ~~شديدا ، ثم قال : يا أعرابي ، أنت مقر بأنك طلقتها ومروان مقر بأنه طلقها ، ~~ونحن نخيرها فإن اختارتك أعدناها إليك بعقد جديد ، وإن اختارت سواك زوجناه ~~بها . ثم التفت إليها أمير المؤمنين وقال : ما تقولين ، يا سعدى ؟ أيما أحب ~~إليك ، أمير المؤمنين في عزه وشرفه وسلطانه وما تصيرين إليه عنده ، أو ~~مروان بن الحكم في عسفه وجوره ، أو هذا الأعرابي في فقره وسوء حاله ؟ ~~فأنشأت تقول : هذا ، وإن كان في فقر وإضرار ، . . . أعز عندي من قومي ومن ~~جاري وصاحب التاج أو مروان عامله . . . وكل ذي درهم عندي ودينار ~~PageV02P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" ثم قالت : والله يا أمير المؤمنين ، ما أنا ~~بخاذلته لحادثة الزمان ولا لغدرات الأيام وإن لي معه صحبة لا تنسى ومحبة لا ~~تبلى والله إني لأحق من صبر معه الضراء كما تنعمت معه السراء فعجب كل من ~~كان حاضرا . فأمر له بها ثم أعادها له بعقد جديد ، وأمر لهما بألف دينار . ~~فأخذها وانصرف يقول : خلوا عن الطريق للأعرابي . . . ألم ترقوا ، ويحكم مما ~~بي ؟ قال : فضحك معاوية وأمر بها فأدخلت في قصوره حتى انقضت عدتها من ابن ~~الحكم ثم أمر برفعها إلى الأعرابي . ولقد ساق ابن الجوزي في كتابه من أخبار ~~العشاق وما نالهم من الأمراض والجنون والضنا ، وقص كثيرا من أخبارهم ، ~~تركنا إيراد ذلك رغبة في الاختصار ، لأنه أمر غير منكور . وأما من خاطر ~~بنفسه وألقاها إلى الهلاك لأجل محبوبه ، فمن ذلك ما روي عن أبي ريحانة أحد ~~حجاب عبد الملك بن مروان أنه قال : كان عبد الملك يجلس يومين في الأسبوع ~~جلوسا عاما للناس : فبينما هو جالس في مستشرف له وقد أدخلت عليه القصص ، إذ ~~وقعت في يده قصة غير مترجمة . فيها : إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريته ~~فلانة تغنيني ثلاثة أصوات ثم ينفذ في ms0309 ما شاء من حكمه ، فعل . فاستشاط من ~~ذلك غضبا وغيظا ، وقال : يا رباح علي بصاحب هذه القصة فخرج الناس جميعا ~~فأدخل عليه الغلام كما عذر ، من أحسن الفتيان ، فقال له عبد الملك : يا ~~غلام ، هذه قصتك ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : وما الذي غرك مني ؟ ~~والله لأمثلن بك ولأردعن بك نظراءك من أهل الجسارة ثم قال : علي بالجارية ~~فجيء بها كأنها فلقة قمر وبيدها عودها ووضع لها كرسي ، فجلست ، فقال عبد ~~الملك : مرها يا غلام فقال لها : يا جارية ، غنيني بشعر قيس بن ذريح : ~~PageV02P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" لقد كنت حسب النفس ، لو دام ودنا ؛ . . . ~~ولكنما الدنيا متاع غرور وكنا جميعا قبل أن يظهر الهوى . . . بأنعم حالي ~~غبطة وسرور . فما برح الواشون حتى بدت لنا . . . بطون الهوى مقلوبة لظهور . ~~فغنت . فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تخريقا ، ثم قال له عبد ~~الملك : مرها تغنك الصوت الثاني فقال : غنيني بشعر جميل : ألا ليت شعري هل ~~أبيتن ليلة . . . بوادي القرى ؟ إني إذا لسعيد إذا قلت : ما بي يا بثينة ~~قاتلي . . . من الحب قالت : ثابت ويزيد وإن قلت : ردي بعض عقلي أعش به . . ~~. مع الناس قالت : ذاك منك بعيد فلا أنا مردود بما جئت طالبا ، . . . ولا ~~حبها فيما يبيد يبيد يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ، . . . ويحيا إذا ~~فارقتها فيعود فغنت الجارية . فسقط الغلام مغشيا عليه ساعة . ثم أفاق ، ~~فقال له عبد الملك : مرها فلتغنك الصوت الثالث فقال يا جارية غنيني بشعر ~~قيس بن الملوح : وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة . . . غزال غضيض المقلتين ~~ربيب . فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى ، . . . ولكن من تنأين عنه غريب ~~PageV02P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" فغنته الجارية فطرح نفسه من المستشرف ، فتقطع ~~قبل وصوله إلى الأرض . فقال عبد الملك : ويحه لقد عجل على نفسه ولقد كان ~~تقديري فيه غير الذي فعل وأمر بإخراج الجارية عن قصره ، فأخرجت . ثم سأل عن ~~الغلام فقالوا : غريب ، لا يعرف إلا أنه منذ ثلاث ينادي في الأسواق ، ويده ~~على رأسه : غدا ms0310 يكثر الباكون منا ومنكم ، . . . وتزداد داري من دياركم بعدا ~~وحكي أن هذه الحكاية جرت في مجلس سليمان بن عبد الملك . حكي عن أبي عثمان ~~الجاحظ أنه قال : قعد سليمان بن عبد الملك يوما للمظالم وعرضت عليه القصص ~~فمرت به قصة فيها : إن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إلي فلانة إحدى جواريه ~~حتى تغنيني ثلاثة أصوات ، فعل . فاغتاظ سليمان وأمر أن يؤتى برأسه . ثم ~~أتبع الرسول برسول آخر فأمره أن يدخل الرجل إليه . فلما مثل بين يديه ، قال ~~له : ما الذي حملك على ما صنعت ؟ فقال : الثقة بحلمك ، والاتكال على عفوك ~~فأمره بالجلوس ، فجلس حتى لم يبق من بني أمية أحد . ثم أمر بإخراج الجارية ~~فأخرجت ومعها عود ، ثم قال : اختر فقال : تغني لي بقول قيس بن الملوح : ~~تعلق روحي روحها قبل خلقنا . . . ومن بعد أن كنا نطافا وفي المهد فعاش كما ~~عشنا فأصبح ناميا ، وليس وإن متنا بمنقصف العهد . يكاد فضيض الماء يخدش ~~جلدها ، . . . إذا اغتسلت بالماء من رقة الجلد . وإني لمشتاق إلى ريح جيبها ~~، . . . كما اشتاق إدريس إلى جنة الخلد PageV02P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" فغنت . ثم قال : تأمر لي برطل . فأمر له به ~~فشربه . ثم قال : تغني بقول جميل : علقت الهوى منها وليدا ، فلم يزل . . . ~~إلى اليوم ينمى حبها ويزيد . وأفنيت عمري في انتظار نوالها . . . وأبليت ~~فيها الدهر وهو جديد . فلا أنا مردود بما جئت طالبا ، . . . ولا حبها فيما ~~يبيد يبيد . إذا قلت : ما بي يا بثينة طالبا ، . . . ولا حبها فيما يبيد ~~يبيد . وإن قلت : ردي بعض عقلي أعش به . . . مع الناس قالت : ذاك منك بعيد ~~. فغنت ، فقال له سليمان : قل ما تريد ؟ قال : تأمر لي برطل ، فأمر له ~~فشربه . ثم قال : تغني بقول قيس بن ذريح : لقد كنت حسب النفس الأبيات . ~~فغنت . فقال له سليمان : قل ما تشاء قال : تأمر لي برطل فأمر له به ، فما ~~استتمه حتى وثب فصعد إلى أعلى قبة ثم زج نفسه على دماغه فمات . فاسترجع ~~سليمان وقال : أتراه توهم الجاهل أني أخرج إليه جاريتي ms0311 وأردها إلى ملكي ؟ ~~يا غلام خذ بيدها فانطلق بها إلى أهله إن كان له أهل ، وإلا فبيعوها ~~وتصدقوا بثمنها عنه . فلما انطلقوا بها ، نظرت إلى حفرة في الدار قد أعدت ~~للمطر ، فجذبت يدها من أيديهم وأنشأت تقول : من مات عشقا فليمت هكذا . . . ~~لا خير في عشق بلا موت وزجت نفسها في الحفرة على دماغها . فماتت . وقد حكي ~~أيضا مثل هذه ، وأنها وقعت للرشيد . روي عن أبي بكر محمد بن علي المخزومي ~~قال : اشتريت للرشيد جارية مدنية . فأعجب بها وأمر الفضل بن الربيع أن يبعث ~~في حمل أهلها ومواليها لينصرفوا بجوائزها . وأراد بذلك تشريفها . فوفد إلى ~~مدينة السلام ثمانون رجلا ، PageV02P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" ووفد معهم رجل من أهل العراق استوطن المدينة ~~كان يهوى الجارية . فلما بلغ الرشيد خبر مقدمهم أمر الفضل أن يخرج إليهم ~~ليكتب اسم كل واحد منهم وحاجته ، ففعل . فلما بلغ إلى العراقي قال : ما ~~حاجتك ؟ قال له : إن أنت كتبتها وضمنت لي عرضها مع ما يعرض ، أنبأتك بها . ~~فقال : أفعل ذلك ، فقال : حاجتي أن أجلس مع فلانة حتى تغنيني ثلاثة أصوات ~~وأشرب ثلاثة أرطال ، وأخبرها بما تجن ضلوعي من حبها فقال الفضل : أنت موسوس ~~مدخول عليك في عقلك فقال : يا هذا ، قد أمرت أن تكتب ما يقول كل واحد منا ~~فاكتب ما أقول واعرضه ، فإن أجبت إليه وإلا فأنت في أوسع العذر ، فدخل ~~الفضل مغضبا فوقف بين يدي الرشيد ، وقرأ عليه ما كتب من حوائجهم . فلما فرغ ~~قال : يا أمير المؤمنين فيهم واحد مجنون سأل ما أجل مجلس أمير المؤمنين عن ~~التفوه به . فقال : قل ، ولا تجزعن فقال : قال كذا وكذا . فقال : اخرج إليه ~~، وقل له إذا كان بعد ثلاث ، فاحضر لينجز لك ما سألت . وكن أنت متولي ~~الاستئذان له . ثم دعا بخادم فقال له : امض إلى فلانة فقل لها : حضر رجل ~~يذكر كذا وكذا وقد أجبناه إلى ما سأل فكوني على أهبة . وخرج الفضل إلى ~~الرجل وأخبره بما قال الرشيد ، فانصرف وجاء في اليوم الثالث . فعرف الفضل ms0312 ~~الرشيد خبره فقال : يوضع له بحيث أرى كرسي من فضة ، وللجارية كرسي من ذهب ~~وليخرج إليه ثلاثة أرطال ففعلوا ذلك وجاء الفتى فجلس على الكرسي ، والجارية ~~بإزائه ، فجعل يحدثها والرشيد يراهما ، فقال له الخادم : لم تدخل فتشتو ~~وتصيف فأخذ رطلا وخر ساجدا ، قال : إن شئت أن تغني فغني : خليلي عوجا بارك ~~الله فيكما . . . وإن لم تكن هند بأرضكما قصدا وقولا لها : ليس الضلال ~~أجازنا ؛ . . . ولكنما جزنا لنلقاكما عمدا غدا يكثر الباكون منا ومنكم ، . ~~. . وتزدادا داري من دياركم بعدا فغنت ، فشرب الرطل ، وحادثها ساعة . ~~فاستحثه الخادم فأخذ الرطل بيده وقال : غني جعلني الله فداءك تكلم منا في ~~الوجوه عيوننا ، . . . فنحن سكوت والهوى يتكلم ونغضب أحيانا ونرضى بطرفنا ، ~~. . . وذلك فيما بيننا ليس يعلم PageV02P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" فغنته وشرب الرطل الثاني وحادثها ساعة . ~~واستعجله الخادم فخر ساجدا يبكي وأخذ الرطل بيده واستودعها الله وقام ~~ودموعه تستبق المطر وقال : إذا شئت أن تغني فغني . أحسن ما كنا تفرقنا . . ~~. وخاننا الدهر وما خنا فليت ذا الدهر لنا مرة . . . عاد لنا الدهر كما كنا ~~فغنته الصوت ، فقلب الفتى طرفه فبصر بدرجة في الصحن ، فأمها . فاتبعه الخدم ~~ليهدوه الطريق ، ففاتهم وصعد الدرجة فألقى نفسه إلى الأرض على رأسه فمات . ~~فقال الرشيد : عجل الفتى ولو لم يعجل لوهبتها له وممن خاطر بنفسه في هواه ~~وعرضها للتلف فنجا ونال خيرا ، مال حكاه ابن الجوزي بسند يرفعه إلى أبي ~~الفرج أحمد بن عثمان بن إبراهيم الفقيه المعروف بابن الترسي قال : كنت ~~جالسا بحضرة أبي ، وأنا حدث ، وعنده جماعة . فحدثني حديث وصول النعم إلى ~~الناس بالألوان الظريفة . وكان ممن حضر صديق لأبي . فسمعته يحدث أبي ، قال ~~: حضرت عند صديق لي من التجار - كان يتجر بمائة ألف دينار - في دعوة . وكان ~~حسن المروءة ، فقدم مائدة وقدم عليها ديكريكة فلم يأكل منها ، فامتنعنا . ~~فقال : كلوا فإني أتأذى بأكل هذا اللون . فقلنا : نساعدك على تركه . قال : ~~بل أساعدكم على الأكل ، وأحتمل الأذى فأكل وأكلنا ، فلما أراد غسل يده أطال ~~. فعددت عليه أنه قد غسلها ms0313 أربعين مرة . فقلت : يا هذا ، وسوست فقال : هذه ~~الأذية التي قرفت منها فقلت : وما سببها ؟ فامتنع من ذكر السبب ، فلما ~~ألححت عليه ، قال : مات أبي وسني عشرون سنة ، وخلف لي نعمة وفيرة ورأس مال ~~ومتاعا في دكانه . فقال لما حضرته الوفاة : يا بني إنه لا وارث لي غيرك ، ~~ولا دين علي PageV02P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" ولا مظلمة . فإذا أنا مت فأحسن جهازي وتصدق ~~عني بكذا وكذا ، وأخرج عني حجة بكذا ، وبارك الله لك في الباقي ولكن احفظ ~~وصيتي فقلت : قل قال : لا تسرف في مالك ، فتحتاج إلى ما في يدي الناس فلا ~~تجده . واعلم أن القليل مع الإصلاح كثير ، والكثير مع الفساد قليل . فالزم ~~السوق وكن أول من يدخلها ، وآخر من يخرج منها . وإن استطعت أن تدخلها سحرا ~~بليل فافعل ، فإنك تستفيد بذلك فوائد تكشفها لك الأيام ، ومات . فأنفذت ~~وصيته ، وعملت بما أشار به . وكنت أدخل السوق سحرا ، وأخرج منها عشاء . فلا ~~أعدم من يجيء يطلب كفنا فلا يجد من قد فتح غيري فأحتكم عليه ، ومن يبيع ~~شيئا والسوق لم تقم فأبتاع منه ، وأشياء من هذه الفوائد . ومضى علي سنة ~~وكسر ، فصار لي بذلك جاه عند أهل السوق وعرفوا استقامتي وأكرموني . فبينما ~~أنا جالس يوما ولم تتكامل السوق ، وإذا بامرأة راكبة حمارا مصريا وعلى كفله ~~منديل دبيقي ومعها خادم وهي بزي القهارمة . فبلغت آخر السوق ثم رجعت ، ~~فنزلت عندي . فقمت إليها وأكرمتها ، وقلت : ما تأمرين ؟ وتأملتها فإذا ~~بامرأة لم أر قبلها ولا بعدها إلى الآن أحسن منها في كل شيء . فتكلمت وقالت ~~: أريد كذا وكذا ثيابا طلبتها . فسمعت نغمة ورأيت شكلا قتلني فعشقتها في ~~الحال أشد عشق ، وقلت : اصبري حتى يخرج الناس ، فآخذ ذلك لك فليس عندي إلا ~~القليل مما يصلح لك . وأخرجت الذي عندي وجلست تحادثني ، وكأن السكاكين في ~~فؤادي من عشقها . وكشفت عن أنامل رأيتها كالطلع ، ووجه كدارة القمر . فقمت ~~لئلا يزيد علي الأمر ، وأخذت لها من السوق ما أرادت ، وكان ثمنه مع مالي ~~نحو خمسمائة دينار ، فأخذته وركبت ms0314 ولم تعطني شيئا . وذهب عني لما تداخلني ~~من حبها أن أمنعها من المتاع إلا بالمال ، وأن أستدل على منزلها ومن دار من ~~هي ؟ فحين غابت عني ، وقع لي أنها محتالة وأن ذلك سبب فقري . فتحيرت في ~~أمري وكتمت خبري ، لئلا أفتضح بما للناس علي . PageV02P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" وأجمعت على بيع ما في يدي من المتاع وإضافته ~~إلى ما عندي من الراهم وأدفع أموال الناس إليهم ولزوم البيت والاقتصار على ~~غلة العقار الذي ورثته . وأخذت أشرع في ذلك مدة أسبوع ، وإذا بها قد أقبلت ~~ونزلت عندي ، فحين رأيتها أنسيت جميع ما جرى علي ، وقمت إليها . فقالت : يا ~~فتى ، تأخرنا عنك لشغل عرض لنا ، وما شككنا في أنك لم تشك أنا احتلنا عليك ~~، فقلت : قد رفع الله قدرك عن هذا فقالت ، هات التخت والطيار ، فأحضرته ، ~~فأخرجت دنانير عتقا ، فوفتني المال بأسره . وأخرجت تذكرة بأشياء أخر . ~~فأنفذت إلى التجار أموالهم وطلبت منهم الذي أرادت ، وحصلت أنا في الوسط ~~ربحا جيدا . وأحضر التجار الثياب فقمت وثمنتها معهم لنفسي . ثم بعتها عليها ~~بربح عظيم ، وأنا في خلال ذلك أنظر إليها نظر من تألف حبها ، وهي تنظر إلي ~~نظر من فطنت بذلك ولم تنكره . فهممت بخطابها ولم أقدر عليه . وجمعت المتاع ~~فكان ثمنه ألف دينار . فأخذته ، وركبت ولم أسألها عن موضعها . فلما غابت ~~عني ، قلت : هذه الآن الحيلة المحكمة أعطتني خمسمائة دينار وأخذت ألف دينار ~~، وليس إلا بيع عقاري الآن ، والحصول على الفقر وتطاولت غيبتها عني نحو شهر ~~. وألح التجار علي بالمطالبة ، فعرضت عقاري على البيع ، ولازمني بعض التجار ~~فوزنت جميع ما كنت أملكه ورقا وعينا . فبينما أنا كذلك ، إذ نزلت عندي . ~~فزال عني جميع ما كنت فيه برؤيتها . واستدعيت الطيار والتخت ، فوزنت المال ~~ورمت إلي تذكرة يزيد ما فيها على ألفي دينار بكثير . فتشاغلت بإحضار التجار ~~ودفع أموالهم إليهم وأخذ المتاع منهم ، وطال الحديث بيننا . فقالت لي : يا ~~فتى ، ألك زوجة ؟ فقلت : لا ، والله ما عرفت امرأة قط ، وأطمعني ذلك فيها ، ~~وقلت : هذا وقد خطابها ms0315 ، والإمساك عنها عجز ، ولعلها تعود أو لا تعود . ~~وأردت كلامها فهبتها . وقمت كأني أحث التجار على جمع المتاع . وأخذت يد ~~الخادم وأخرجت إليه دنانير وسألته أن يأخذها ويقضي لي حاجة . فقال : أفعل ، ~~فقصصت عليه قصتي وسألته توسط الأمر بيني وبينها . فضحك وقال : والله إنها ~~لك أعشق منك لها ووالله ما بها إلى أكثر هذا الذي تشتريه ، وإنما تأتيك ~~محبة لك وطريقا إلى مطاولتك ، فخاطبها ودعني ، فجسرني على خطابها فخاطبتها ~~وكشفت لها عشقي ومحبتي وبكيت ، PageV02P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" فضحكت . وتقبلت ذلك أحسن قبول . وقالت : ~~الخادم يأتيك برسالتي . ونهضت ولم تأخذ شيئا من المتاع ، فرددته على أصحابه ~~. وحصل لي مما اشترته أولا وثانيا ألوف دراهم ربحا ، ولم أعرف النوم في تلك ~~الليلة شوقا إليها ، وخوفا من انقطاع السبب بيننا . فلما كان بعد أيام ~~جاءني الخادم ، فأكرمته وسألته عن خبرها ، فقال : هي والله عليلة من شوقها ~~إليك ، فقلت : اشرح لي أمرها ، فقال : هذه مملوكة السيدة أم المقتدر وهي من ~~أخص جواريها ، واشتهت رؤية الناس والدخول والخروج . فتوصلت حتى جعلتها ~~قهرمانة . وقد والله حدثت السيدة بحديثك وبكت بين يديها وسألتها أن تزوجها ~~منك ، فقالت السيدة : لا أفعل أو أرى هذا الرجل . فإن كان يستأهلك وإلا لم ~~أدعك ورأيك . وتحتاج أن تحتال في إدخالك الدار بحيلة ، فإن تمت وصلت بها ~~إلى تزويجك بها ، وإن انكشفت ضرب عنقك . وقد أنقذتني إليك في هذه الرسالة ، ~~وقالت لك : إن صبرت على هذا ، وإلا فلا طريق لك والله إلي ، ولا لي إليك ~~بعدها فحملني ما في نفسي أن قلت : أصبر ، فقال : إذا كانت الليلة فاعبر إلى ~~المحرم ، وادخل إلى المسجد ، وبت فيه . ففعلت ذلك . فلما كان وقت السحر ، ~~إذا بطيار قد قدم ، وخدم قد رفعوا صناديق فراغا . فجعلوها في المسجد ~~وانصرفوا . وخرجت الجارية فصعدت إلى المسجد ، والخادم معها . فجلست وفرقت ~~باقي الخدم في حوائج ، واستدعتني فعانقتني وقبلتني . ولم أكن نلت ذلك منها ~~قبله . ثم أجلستني في بعض الصناديق وأقفلته . وطلعت الشمس وجاء الخدم بثياب ~~وحوائج من المواضع التي كانت ms0316 أنفذتهم إليها ، فجعلت ذلك بحضرتهم في باقي ~~الصناديق ، وأقفلتها . وحملت إلى الطيار وانحدر . فلما حصلت فيه ندمت وقلت ~~: قتلت نفسي لشهوة ، وأقبلت ألومها تارة ، وأشجعها وأمنيها أخرى ، وأنذر ~~النذور على خلاصي ، وأوطن مرة نفسي على القتل إلى أن بلغنا الدار . وحمل ~~الخدم الصناديق ، وحمل صندوقي الخادم الذي يعرف الحديث ، وبادر به أمام ~~الصناديق وهي معي ، والخدم يحملون بقيتها . وكلما جازت بطائفة من الخدم ~~والبوابين ، قالوا : نريد أن نفتش الصندوق ، فتصيح عليهم وتقول : متى جرى ~~الرسم معي بهذا ؟ فيمسكون عنها PageV02P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" وروحي في السياق إلى أن انتهينا إلى خادم ~~خاطبته هي بالأستاذ . فعلمت أنه أجل الخدم ، فقال : لا بد من فتح الصندوق ~~الذي معك ، فخاطبته بلين وذل ، فلم يجبها . وعلمت أنها ما ذلت ولها حيلة ، ~~فأغمى علي . وأنزلوا الصندوق ليفتحوه . فبلت من شدة ما نالني من الفزع ، ~~فجرى البول من خلال الصندوق . فصاحت : يا أستاذ ، أهلكت علينا متاعا بخمسة ~~آلاف دينار في الصندوق ، ثياب مصبغات وماء ورد ، وقد انقلب على الثياب ، ~~والساعة تختلط ألوانها ، وهي هلاكي مع السيدة فقال لها : خذي صندوقك إلى ~~لعنة الله أنت وهو ، مري فصاحت بالخدم : احملوا ، فأدخلت الدار ورجعت إلي ~~روحي ، فبينما نحن كذلك إذ قالت : واويلاه الخليفة والله فجاءني أعظم من ~~الأول . وسمعت كلام خدم وهو يقول من بينهم : ويلك يا فلانة إيش في صندوقك ؟ ~~أريني هو ، فقالت : ثياب لستي يا مولاي ، والساعة أفتحه بين يديها ، وتراه ~~، وقالت للخدم : أسرعوا ويلكم فأسرعوا فأدخلتني إلى الحجرة وفتحت الصندوق ~~وقال : اصعد من هذه الدرجة إلى الغرفة فاجلس فيها ، وفتحت صندوقا آخر فقلبت ~~بعض ما فيه إلى الصندوق الذي كنت فيه ، وأقفلت الجميع . وجاء المقتدر وقال ~~: افتحيه ، ففتحته ، فلم ير شيئا فيه . فصعدت إلي وجعلت تقبلني ترشفني . ~~ونسيت ما جرى . ثم تركتني ، وأقفلت باب الحجرة يومها . ثم جاءتني ليلا ~~فأطعمتني وسقتني وانصرفت . فلما كان من غد جاءتني ، فقالت : السيدة الساعة ~~تجيء ، فانظر كيف تخاطبها ، ثم عادت بعد ساعة مع السيدة ، وقالت : انزل ، ~~فنزلت . فإذا بالسيدة جالسة ms0317 على كرسي وليس معها إلا وصيفتان وصاحبتي . ~~فقبلت الأرض وقمت بين يديها ، فقالت : اجلس ، فقلت : أنا عبد السيدة ~~وخادمها ، وليس من محلي أن أجلس بحضرتها ، فتأملتني وقالت : ما اخترت يا ~~فلانة إلا حسن الوجه والأدب ، ونهضت ، فجاءتني صاحبتي بعد ساعة ، وقالت : ~~أبشر ، فقد أذنت لي في تزويجك ، وما بقي الآن عقبة إلا الخروج . فقلت : ~~يسلم الله فلما كان من غد حملتني في الصندوق . فخرجت كما دخلت بعد مخاطرة ~~أخرى وفزع ثان . ونزلت في المسجد ورجعت إلى منزلي ، فتصدقت ، وحمدت الله ~~تعالى على السلامة . فلما كان بعد أيام جاءني الخادم ومعه كيس وفيه ثلاثة ~~آلاف دينار عينا وقال : أمرتني ستي بإنفاذ هذا إليك من مالها . وقالت : ~~اشتر به ثيابا ومركوبا وخدما ، وأصلح به ظاهرك ، واحضر يوم الموكب إلى باب ~~العامة ، وقف حتى تطلب . فقد وافق الخليفة أن يزوجك بحضرته . فأخذت المال ~~وأجبت عن رقعة كانت معه ، واشتريت ما قالوه بشيء يسير منه وبقي الأكثر عندي ~~. PageV02P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" وركبت إلى باب العامة في يوم الموكب بزي حسن ~~. وجاء الناس فدخلوا إلى الخليفة ، ووقفت إلى أن استدعيت ودخلت . فإذا أنا ~~بالمقتدر جالسا والقضاة والقواد وغيرهم من الهاشميين . فهبت المجلس وعلمت ~~كيف أسلم . ففعلت . وتقدم المقتدر إلى بعض القضاة الحاضرين فخطب لي وزوجني ~~. وخرجت من حضرته . فلما انتهيت إلى بعض الدهاليز ، عدل بي إلى دار عظيمة ~~مفروشة بأنواع الفرش الفاخرة وفيها من الآلات والخدم والقماش ما لم أر مثله ~~قط . وانصرف من أدخلني . فجلست يومي لا أقوم إلا إلى الصلاة . وخدم يدخلون ~~وخدم يخرجون ، وطعام عظيم ينقل وهم يقولون : الليلة تزف فلانة باسم صاحبتي ~~إلى زوجها البزاز ، وأنا لا أصدق فرحا . فلما جاء الليل أثر في الجوع ~~وأقفلت الأبواب ، ويئست من الجارية ، فقمت أطوف الدار فوقعت على المطبخ . ~~ووجدت الطباخين جلوسا فاستطعمتهم فلم يعرفوني وقدروني بعض الوكلاء . فقدموا ~~إلي هذا اللون مع رغيفين فأكلتهما وغسلت يدي بأشنان كان في المطبخ وقدرت ~~أنها قد نقيت . وعدت إلى مكاني . فلما جن الليل إذا طبول وزمور ms0318 وأصوات ~~عظيمة ، وإذا أنا بالأبواب قد فتحت وصاحبتي قد أهديت إلي وجاءوا بها فجلوها ~~علي ، وأنا أقدر أن ذلك في النوم . ثم تركت معي في المجلس . وتفرق ذلك ~~البوش . فلما خلونا ، تقدمت إليها فقبلتها وقبلتني . فلما شمت رائحة لحيتي ~~، رفستني فرمت بي عن المنصة وقالت : أنكرت والله أن تفلح يا عامي ، يا سفلة ~~، وقامت لتخرج ، فقمت وعلقت بها وقبلت الأرض ورجليها ، وقلت : عرفيني ذنبي ~~واعملي بعده ما شئت ، فقالت : ويحك ، أكلت ولم تغسل يدك فقصصت عليها قصتي ، ~~فلما بلغت إلى آخرها قلت : علي وعلي - وحلفت بطلاقها وطلاق كل امرأة ~~أتزوجها وصدقة مالي وجميع ما أملكه والحج ماشيا على قدمي وكل ما يحلف به ~~المسلمون لا أكلت بعدها ديكيريكة إلا غسلت يدي أربعين مرة . فاستحيت وتبسمت ~~وصاحت : يا جواري فجاء مقدار عشر جوار ووصائف ، فقالت : هاتوا شيئا نأكل ، ~~فقدمت ألوان ظريفة وطعام من أطعمة الخلفاء . فأكلنا وغسلنا أيدينا . ~~واستدعت شرابا فشربنا وغنى أولئك الوصائف أطيب غناء وأحسنه ، ثم قمنا إلى ~~الفراش فخلوت بها وبت بأطيب ليلة ، ولم نفترق أسبوعا . وكانت يوم الأسبوع ~~وليمة PageV02P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" عظيمة اجتمع فيه الجواري . فلما كان من الغد ~~، قالت لي : إن دار الخلافة لا تحتمل المقام فيها أكثر من هذا مع جارية ~~غيري ، لمحبة سيدتي لي . وجميع ما تراه فهو هبة من السيدة لي . وقد أعطتني ~~خمسين ألف دينار من عين وورق وجوهر . ولي ذخائر في خارج القصر كثيرة من كل ~~لون . وجميعها لك ، فاخرج إلى منزلك ، وخذ معك مالا واشتر دارا سرية واسعة ~~الصحن ، فيها بستان ، كثيرة الحجر . وتحول إليها ، وعرفني لأنقل إليها هذا ~~كله ، ثم آتيك ، وسلمت إلي عشرة آلاف دينار عينا . فخرجت وابتعت الدار ~~وكتبت إليها بالخبر . فحملت إلي تلك النعمة بأسرها . فجميع ما أنا فيه منها ~~، فأقامت عندي كذا وكذا سنة أعيش معها عيش الخلفاء . ولم أدع مع ذلك ~~التجارة . فزاد مالي وعظمت منزلتي وأثرت حالي ، وولدت لي هؤلاء الفتيان ~~وأومأ إلى أولاده . ثم ماتت رحمها الله وبقي علي من مضرة ms0319 الديكيريكة ما ~~شاهدته . وبالجملة فلا يغتر أحد بهذه الحكاية وأمثالها ، فيجهل بنفسه ~~فيهلكها . فما المغرر محمود وإن سلما . وأما من كفر بسبب العشق فكثير جدا ~~لا ينحصرون ، ومما ورد في ذلك حكاية عجيبة أوردتها لغرابتها وهي مما حكاه ~~ابن الجوزي في كتابه المترجم بذم الهوى قال : سمعت شيخنا أبا الحسن علي بن ~~عبيد الله الزعفراني يحكي أن رجلا اجتاز بباب امرأة نصرانية ، فرآها فهويها ~~من وقته ، وزاد الأمر به حتى غلب على عقله ، فحمل إلى البيمارستان . وكان ~~له صديق يتردد إليه ويترسل بينه وبينها . ثم زاد الأمر PageV02P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" به ، فقالت أمه لصديقه : إني أجيء إليه فلا ~~يكلمني ، فقال : تعالي معي ، فأتت معه . فقال له : إن صاحبتك بعثت إليك ~~رسالة ، قال : كيف ؟ قلت : هذه أمك تؤدي رسالتها . فجعلت أمه تحدثه عنها ~~بشيء من الكذب . ثم زاد الأمر عليه ونزل به الموت ، فقال لصديقه : قد جاء ~~الأجل وحان الوقت وما لقيت صاحبتي في الدنيا ، وأنا أريد أن ألقاها في ~~الآخرة . فقال له : كيف تصنع ؟ قال : أرجع عن دين محمد ، وأقول عيسى ومريم ~~والصليب الأعظم . فقال ذلك ومات . فمضى صديقه إلى تلك المرأة فوجدها عليلة ~~فجعل يحدثها ، وأخبرها بموت صاحبها ، فقالت : أنا ما لقيته في الدنيا وأنا ~~أريد أن ألقاه في الآخرة . وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله ، وأنا بريئة من دين النصرانية . فقام أبوها فقال للرجل : ~~خذوها الآن فإنها منكم ، فقام الرجل ليخرج ، فقال له : قف ساعة ؛ فوقف ، ~~فما لبث أن ماتت . قال : وبلغني عن رجل ببغداد يقال له صالح المؤذن ، أذن ~~أربعين سنة ، وكان يعرف بالصلاح أنه صعد يوما إلى المنارة ليؤذن فرأى بنت ~~رجل نصراني كان بيته إلى جانب المسجد . فافتتن بها ، فجاء فطرق الباب فقالت ~~له : من أنت ؟ قال : أنا صالح المؤذن . ففتحت له الباب فدخل وضمها إليه ، ~~فقالت : أنتم أصحاب الأمانات ، فما هذه الخيانة ؟ فقال : إن وافقتيني على ~~ما أريد وإلا قتلتك ، فقالت : لا ، إلا أن تترك دينك ، فقال كلمة ms0320 الكفر ~~وبرئ من الإسلام . ثم تقدم إليها فقالت : إنما قلت هذا لتقضي غرضك ثم تعود ~~إلى دينك . فكل من لحم الخنزير ، فأكل منه ، قالت : فاشرب الخمر ، فشرب . ~~فلما دب الشراب فيه دنا منها فدخلت بيتا وأغلقت بينها وبينه الباب ، وقالت ~~له : اصعد إلى السطح حتى إذا جاء أبي زوجني منك . فصعد فسقط فمات . فخرجت ~~إليه ولفته في مسح . وجاء أبوها فقصت عليه القصة فأخرجه في الليل ورماه في ~~السكة . وظهر حديثه ، فرمي على مزبلة . وأما من قتل بسبب العشق فلا يكاد ~~ذلك يحصر كثرة ، وأعظمه وأشده واقعة عبد الرحمن بن ملجم المرادي ، لعنه ~~الله . PageV02P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لابن عمه ~~علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : يا علي أشقى الأولين عاقر ناقة صالح ، ~~وأشقى الأولين والآخرين قاتلك ، وهو هذا وأشار إلى ابن ملجم قبحه الله ~~تعالى ولعنه ، وأوجب له خزيه ومقته وعذابه ، وذلك نكالا لما اجترأ عليه في ~~قتله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وذلك أن ابن ملجم قبحه ~~الله رأى امرأة من تيم الرباب يقال لها قطام ، كانت من أجمل النساء وكانت ~~ترى رأى الخوارج ، وقد قتل علي رضي الله عنه قومها يوم النهروان . فلما ~~رآها ابن ملجم عشقها فخطبها فقالت : لا أتزوجك إلا على ثلاثة آلاف درهم ~~وعبد وقينة ، وأن تقتل علي بن أبي طالب . فحمله العشق على أن خسر الدنيا ~~والآخرة ، وتزوجها على ذلك . وكان من خبره في قتل علي رضي الله عنه ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى في التاريخ . وفي ذلك يقول الشاعر : فلم أر مهرا ~~ساقه ذو سماحة . . . كمهر قطام بينا غير معجم . ثلاثة آلاف ، وعبد ، وقينة ~~، . . . وضرب علي بالحسام المصمم . فلا مهر أغلى من علي وإن علا . . . ولا ~~فتك إلا فتك ابن ملجم ومنهم من حمله العشق على قتل أبيه . وهو أبو عبد ~~الملك مروان بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الرحمن الناصر ، ويعرف هذا ~~بالطليق . كان يتعشق جارية كان أبوه قد ms0321 رباها معه وذكر أنها له ، ثم استأثر ~~بها وخلا معها . فحمله العشق على أن انتضى سيفا ورصد أباه في بعض خلواته ~~بها فقتله . فسجنه المنصور بن أبي عامر سنين ، ثم أطلقه . فلقب بالطليق ~~واعتراه من ذلك شبه الجنون فكان يصرع في بعض الأوقات . PageV02P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" وأما من قتل بسبب العشق ، فروي عن الشعبي قال ~~: دخل عمرو بن معد يكرب على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال له عمر : يا ~~عمرو ، أخبرني عن أشجع من لقيت ، فقال : نعم يا أمير المؤمنين . خرجت مرة ~~أريد الغارة . فبينما أنا أسير إذا أنا بفرس مشدود ورمح مركوز ، وإذا رجل ~~جالس ، وهو كأعظم ما يكون من الرجال خلقا ، وهو محتب بسيف . فقلت له : خذ ~~حذرك فإني قاتلك ، فقال : ومن أنت ؟ قلت : أنا عمرو بن معد يكرب ، فشهق ~~شهقة فمات . فهذا أجبن من رأيت يا أمير المؤمنين . وخرجت يوما حتى انتهيت ~~إلى حي . فإذا أنا بفرس مشدود ورمح مركوز وإذا صاحبه في وهدة يقضي حاجة . ~~فقلت : خذ حذرك فإني قاتلك ، قال : من أنت ؟ قلت : أنا عمرو بن معد يكرب ، ~~قال : أبا ثور ، ما أنصفتني ، أنت على ظهر فرسك ، وأنا في بئر ، فأعطني ~~عهدا أنك لا تقتلني حتى أركب فرسي وآخذ حذري ، فأعطيته عهدا أن لا أقتله ~~حتى يركب فرسه ويأخذ حذره . فخرج من الموضع الذي كان فيه حتى احتبى بسيفه ~~وجلس . فقلت له : ما هذا ؟ فقال : ما أنا براكب فرسي ولا بمقاتلك ، فإن ~~نكثت عهدك فأنت أعلم ، فتركته ومضيت . فهذا يا أمير المؤمنين أحيل من رأيت ~~ثم إني خرجت يوما آخر حتى انتهيت إلى موضع كنت أقطع فيه . فلم أر أحدا ~~فأجريت فرسي يمينا وشمالا فظهر لي فارس . فلما دنا مني إذا هو غلام قد أقبل ~~من نحو اليمامة . فلما قرب مني سلم فرددت عليه وقلت : من الفتى ؟ قال : أنا ~~الحارث بن سعد ، فارس الشهباء ، فقلت له : خذ حذرك ، فإني قاتلك . فقال : ~~الويل لك من أنت ؟ قلت : أنا عمرو بن معد يكرب ، قال : الحقير ms0322 الذليل ؟ ~~والله ما PageV02P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" يمنعني من قتلك إلا استصغارك ، فتصاغرت نفسي ~~إلي وعظم عندي ما استقبلني . فقلت له : خذ حذرك ، فو الله لا ينصرف إلا ~~أحدنا ، قال : أغرب ، ثكلتك أمك فإني من أهل بيت ما نكلنا عن فارس قط فقلت ~~: هو الذي تسمع ، قال : اختر لنفسك ، إما أن تطرد لي ، وإما أن أطرد لك ، ~~فاغتنمتها منه ، فقلت : أطرد لي ، فأطرد وحملت عليه ، حتى إذا قلت إني وضعت ~~الرمح بين كتفيه ، إذ هو قد صار حزاما لفرسه ، ثم اتبعني فقرع بالقناة رأسي ~~، وقال : يا عمرو ، خذها إليك واحدة ، فوالله لولا أني أكره قتل مثلك ~~لقتلتك ، فتصاغرت إلي نفسي ، وكان الموت والله يا أمير المؤمنين أحب إلي ~~مما رأيت ، فقلت : والله لا ينصرف إلا أحدنا ، فقال : اختر لنفسك ، فقلت : ~~أطرد لي ، فأطرد لي . فظننت أني قد تمكنت منه واتبعته حتى إذا ظننت أني قد ~~وضعت الرمح بين كتفيه ، فإذا هو قد صار لبيا لفرسه ، ثم اتبعني فقرع رأسي ~~بالقناة وقال : يا عمرو ، خذها إليك اثنتين ، فتصاغرت إلي نفسي فقلت : ~~والله لا ينصرف إلا أحدنا ، فقال : اختر لنفسك ، فقلت : أطرد لي ، فأطرد ~~حتى إذا قلت إني وضعت الرمح بين كتفيه وثب عن فرسه فإذا هو على الأرض ، ~~فأخطأته ومضيت ، فاستوى على فرسه واتبعني فقرع بالقناة رأسي وقال : يا عمرو ~~، خذها إليك ثالثة ، ولولا أني قتل مثلك لقتلتك ، فقلت له : اقتلني ، فإن ~~الموت أحب إلي مما أرى بنفسي وأن تسمع فتيان العرب بهذا ، فقال : يا عمرو ~~إنما العفو ثلاث ، وإني إن استمكنت منك الرابعة قتلتك ، وأنشأ يقول : وكدت ~~أغلاظا من الأيمان . . . إن عدت يا عمرو إلى الطعان ، لتوجرن لهب السنان . ~~. . أولا ، فلست من بني شيبان فلما قال هكذا ، كرهت الموت ، وهبته هيبة ~~شديدة ، وقلت : إن لي إليك حاجة ، قال : وما هي ؟ قلت : أكون لك صاحبا ، ~~ورضيت بذلك يا أمير المؤمنين ، قال : لست من أصحابي ، فكان ذلك والله أشد ~~علي وأعظم مما صنع . فلم أزل أطلب PageV02P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" إليه حتى قال : ويحك ms0323 ، وهل تدري أين أريد ؟ ~~قلت : لا ، قال : أريد الموت عيانا ، فقلت : رضيت بالموت معك ، فقال : امضي ~~بنا ، فسرنا جميع يومنا وليلتنا حتى جننا الليل وذهب شطره . فوردنا على حي ~~من أحياء العرب ، فقال لي : يا عمرو في هذا الحي الموت ، ثم أومأ إلى قبة ~~في الحي فقال : وفي تلك القبة الموت الأحمر ، فإما أن تمسك علي فرسي فأنزل ~~فأتي بحاجتي ، وإما أن أمسك عليك فرسك فتنزل فتأتيني بحاجتي ، فقلت : لا ، ~~بل انزل أنت ، فأنت أعرف بموضع حاجتك ، فرمى إلي بعنان الفرس ونزل ، فرضيت ~~لنفسي يا أمير المؤمنين أن أكون له ساسا . ثم مضى حتى دخل العقبة فاستخرج ~~منها جارية لم تر عيناي قط مثلها حسنا وجمالا ، فحملها على ناقة ، ثم قال : ~~يا عمرو ، قلت : لبيك ، قال : إما أن تحميني وأقود أنا ، وإما أن أحميك ~~وتقود أنت ، قلت : بل تحميني أنت ، وأقود أنا ، فرمى إلي بزمام الناقة ، ~~وسرنا بين يديه وهو خلفنا حتى أصبحنا ، فقال لي : يا عمرو ، قلت : لبيك ، ~~ما تشاء ؟ قال : التفت فانظر هل ترى أحدا ؟ قال : فالتفت ، فقلت : أرى ~~جمالا ، قال : أغذ السير ، ثم قال لي : يا عمرو ، قلت : لبيك ، قال : انظر ~~، فإن كان القوم قليلا فالجلد والقوة والموت ، وإن كانوا كثيرا فليسوا بشيء ~~، قال : فالتفت ، فقلت : هم أربعة أو خمسة ، قال : أغذ السير ، ففعلت ، ~~وسمع وقع الخيل ، فقال لي : يا عمرو ، قلت : لبيك قال : كن عن يمين الطريق ~~، وقف وحول وجوه دوابنا إلى الطريق ، ففعلت ، ووقفت عن يمين الراحلة ووقف ~~هو عن يسارها . ودنا القوم منا ، فإذا هم ثلاثة نفر فيهم شيخ وهو أبو ~~الجارية وأخواها غلامان شابان ، فسلموا فرددنا السلام ، ووقفوا عن يسار ~~الطريق . فقال الشيخ : خل عن الجارية يا ابن أخي ، فقال : ما كنت لأخليها ~~ولا لهذا أخذتها ، فقال لأصغر ابنيه : اخرج إليه ، فخرج وهو يجر رمحه وحمل ~~عليه الحارث وهو يقول : من دون ما ترجوه خصب الذابل . . . من فارس مستلئم ~~مقاتل ينمي إلى شيبان خير وائل . . . ما كان سيرى نحوها بباطل PageV02P0192 # """""" صفحة رقم 193 ms0324 """""" ثم شد عليه فطعنه طعنة دق منها صلبه ، فسقط ~~ميتا . فقال الشيخ لابنه الآخر : اخرج إليه يا بني ، فلا خير في الحياة على ~~الذل ، فخرج إليه وأقبل الحارث يقول : لقد رأيت كيف كانت طعنتي . . . ~~والطعن للقرن الشديد همتي . والموت خير من فراق خلتي . . . فقتلتي اليوم ~~ولا مذلتي ثم شد عليه فطعنه طعنة سقط منها ميتا . فقال له الشيخ : خل عن ~~الظعينة يا ابن أخي ، فإني لست كمن رأيت ، قال : ما كنت لأخليها ولا هذا ~~قصدت ، فقال له الشيخ : اختر يا ابن أخي ، فإن شئت طاردتك ، وإن شئت نازلتك ~~، فاغتنمها الفتى ونزل . ونزل الشيخ وهو يقول : ما أرتجي بعد فناء عمري ؟ . ~~. . سأجعل السنين مثل الشهر . شيخ يحامي دون بيض الخدر . . . . إن استباح ~~البيض قصم الظهر . سوف ترى كيف يكون صبري فأقبل الحارث وهو يقول : بعد ~~ارتحالي وطويل سفري . . . وقد ظفرت وشفيت صدري . والموت خير من لباس الغدر ~~، . . . والعار أهديه لحي بكر . ثم دنا فقال له الشيخ : يا ابن أخي ، إن ~~شئت نازلتك ، وإن بقيت فيك قوة ضربتني ، وإن شئت فاضربني ، فإن بقيت في قوة ~~ضربتك ، فاغتنمها الفتى فقال : وأنا أبدؤك ، قال : هات ، فرفع الحارث السيف ~~، فلما نظر الشيخ أنه قد أهوى به إلى رأسه ، ضرب بطنه ضربة فقد معاه ، ~~ووقعت ضربة الحارث في رأسه . فسقطا ميتين . فأخذت يا أمير المؤمنين أربعة ~~أفراس وأربعة أسياف ، ثم أقبلت إلى الناقة فعقدت أعنة الأفراس بعضها إلى ~~بعض وجعلت أقودها . فقالت الجارية : يا عمرو ، إلى أين ؟ ولست لي بصاحب ، ~~ولست كمن رأيت ، ولو كنت صاحبي لسلكت PageV02P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" سبيلهم فقلت : اسكتي ، قالت : فإن كنت صادقا ~~فأعطني سيفا ورمحا ، فإن غلبتني فأنا لك ، وإن غلبتك قتلتك ، فقلت لها : ما ~~أنا بمعطيك ذلك ، وقد عرفت أصلك وجرأة قومك وشجاعتهم ، فرمت بنفسها عن ~~البعير وهي تقول : أ بعدما شيخي وبعد اخوتي . . . أطلب عيشا بعدهم في لذة ؟ ~~هل لا تكون قبل ذا منيتي ؟ وأهوت إلى الرمح فكادت تنتزعه من يدي . فلما ~~رأيت ذلك خفت إن هي ظفرت بي ms0325 أن تقتلني ، فقتلتها . فهذا أشد ما رأيته يا ~~أمير المؤمنين . فقال عمر بن الخطاب : صدقت يا عمرو . وروى ابن الجوزي بسند ~~إلى الليث بن سعد أنه قال : أتي عمر رضي الله عنه بفتى أمرد قد وجد قتيلا ~~ملقى في الطريق . فسأل عمر عن أمره واجتهد فلم يقف له على خبر ، ولم يعرف ~~قاتله . فشق ذلك عليه ، وقال : اللهم ظفرني بقاتله . حتى إذا كان رأس الحول ~~أو قريب من ذلك ، وجد صبي مولود ملقى بموضع القتيل فأتي به عمر . فلما أتي ~~به وأخبر بمكانه ، قال : ظفرت تالله بدم القتيل إن شاء الله تعالى ، فدفع ~~الصبي إلى امرأة ، وأمرها أن تقوم بشأنه وأعطاها نفقة . وقال : انظري من ~~يأخذه منك ، فإذا وجدت امرأة تقبله وتضمه إلى صدرها فأعلميني بمكانها . ~~فلما شب الصبي جاءت جارية فقالت للمرأة إن سيدتي بعثتني إليك لتبعثي إليها ~~بالصبي لتراه وترده إليك . قالت : نعم ، اذهبي به إليها وأنا معك ، فذهبت ~~بالصبي والمرأة معها إلى سيدتها . فلما رأته أخذته فقبلته وضمته إلى صدرها ~~. وإذا هي بنت شيخ من الأنصار ، من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~. فأخبرت عمر خبرها . فاشتمل على سيفه ، ثم أقبل على منزلها ، فوجد أباها ~~متكئا على باب داره . فسلم عليه ، وقلا له : أبا فلان ، قال : لبيك ، قال : ~~ما فعلت ابنتك PageV02P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" فلانة ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، جزاها الله ~~خيرا ، هي من أعرف الناس بحق الله تعالى وحق أبيها ، مع حسن صلاتها وصيامها ~~والقيام بدينها ، فقال عمر : قد أحببت أن أدخل إليها فأزيدها رغبة في الخير ~~وأحثها على ذلك . فقال : جزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين ، لمكث مكانك حتى ~~أعود إليك ، فاستأذن بعمر ، فلما دخل عمر ، أمر من كان عندها بالخروج عنها ~~، فخرجوا . وبقيت هي وعمر ليس معهما ثالث . فكشف عمر عن السيف ، وقال : ~~لتصدقيني وإلا ضربت عنقك ، وكان عمر لا يكذب ، فقالت : على رسلك يا أمير ~~المؤمنين ، فو الله لأصدقنك . إن عجوزا كانت تدخل علي فاتخذتها أما ، وكانت ~~تقوم من أمري بما تقوم ms0326 به الوالدة ، وكنت لها بمنزلة البنت ، فأمضت بذلك ~~حينا . ثم إنها قالت لي يوما : يا بنية ، إنه قد عرض لي سفر ، ولي بنت في ~~موضع أتخوف عليها فيه أن تضيع ، وقد أحببت أن أضمها إليك حتى أرجع من سفري ~~، فعمدت إلى ابن لها شاب أمرد ، فهيأته كهيئة الجارية وأتتني به لا أشك أنه ~~جارية . فكان يرى مني ما ترى الجارية من الجارية حتى أغفلني يوما وأنا ~~نائمة فما شعرت حتى علاني وخالطني . فمددت يدي إلى شفرة كانت إلى جنبي ~~فقتلته . ثم أمرت به فألقي حيث رأيت . فاشتملت منه على هذا الصبي ، فلما ~~وضعته ألقيته في موضع أبيه . فهذا والله خبرهما ، فقال عمر : صدقت ، بارك ~~الله فيك ، ثم أوصاها ووعظها ودعا لها وخرج ، وقال لأبيها : بارك الله لك ~~في ابنتك ، فنعم الابنة هي وقد وعظتها وأمرتها ، فقال : وصلك الله يا أمير ~~المؤمنين ، وجزاك خيرا عن رعيتك . وروى أيضا بسنده إلى أبي عباد قال : ~~أدركت الخادم الذي كان يقوم على رأس الحجاج ، فقلت له : أخبرني بأعجب شيء ~~رأيته من الحجاج قال : كان ابن أخيه أميرا على واسط ، وكان بواسط امرأة ~~يقال لها أبة ، لم يكن بواسط في ذلك الوقت أجمل منها . فأرسل ابن أخيه ~~إليها يراودها عن نفسها مع خادم له . فأبت عليه وقالت : PageV02P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" إن أردتني فاخطبني إلى اخوتي ، وكان لها ~~أربعة اخوة فأبى ، وقال : لا ، إلا كذا . وعاودها فأبت ، فراجعها وأرسل ~~إليها بهدية فأخذتها وعزلتها . وأرسل إليها عشية الجمعة : إني آتيك الليلة ~~، فقالت لأمها : إن الأمير بعث إلي بكذا وكذا . فأنكرت أمها ذلك ، وقالت ~~أمها لاخوتها إن أختكم قد زعمت كيت وكيت : فأنكروا ذلك وكذبوها . فقالت إنه ~~قد وعدني أن يأتيني الليلة ، لترونه . قال : فقعد اخوتها في بيت حيال البيت ~~الذي هي فيه ، وجويرية لها على باب الدار تنتظره . فجاء ونزل عن دابته وقال ~~لغلامه : إذا أذن المؤذن في الغلس ، فأتني بدابتي ، ودخل والجارية أمامه . ~~فوجد أبة على سرير مستلقية . فاستلقى إلى جانبها ثم وضع يده عليها ، وقال ms0327 : ~~إلى كم ذا المطل ؟ فقالت له : كف يدك يا فاسق ، ودخل اخوتها عليه بأيديهم ~~السيوف فقطعوه ثم لفوه في نطع وجاءوا به إلى سكة من سكك واسط فألقوه فيها . ~~وجاء الغلام بالدابة فجعل يدق الباب دقا رفيقا فلا يكلمه أحد . فلما خشي ~~الضوء وأن تعرف الدابة انصرف . وأصبح الناس فإذا هم به على تلك الصفة . ~~فأتوا به الحجاج فأخذ أهل تلك السكة ، فقال أخبروني : ما قصته ؟ قالوا : لا ~~نعلم حاله ، غير أنا وجدناه ملقى . ففطن الحجاج فقال : علي بمن كان يخدمه ، ~~فأتي بذلك الخصي الذي كان الرسول بينهما ، فقالوا : هذا كان صاحب سره ، ~~فقال له الحجاج : اصدقني عن خبره وقصته ، فأبى . فقال : إن صدقتني لم أضرب ~~عنقك ، وإن لم تصدقني فعلت بك وفعلت . قال : فأخبره الأمر على جهته . فأمر ~~بالمرأة وأمها واخوتها ، فجيء بهم ، وعزلت المرأة عنهم . فسألها فأخبرته ~~بمثل ما أخبر به الخصي ، ثم سأل اخوتها ، فأخبروه بمثل ذلك ولم يختلفوا ، ~~وقالوا : نحن صنعنا به الذي ترى ، فأمر برقيقه ودوابه للمرأة ، فقالت ~~المرأة هديته عندي ، فقال : بارك الله لك فيها ، وكثر في النساء مثلك ، وهي ~~لك ، وما ترك من شيء فهو لك ، وقال : مثل هذا لا يدفن . فألقوه للكلاب ، ~~ودعا بالخصي فقال : أما أنت فقد قلت لك إني لا أضرب عنقك وأمر بضرب وسطه ، ~~فقطع نصفين . والأخبار في مثل هذا كثيرة ، فلا نطول بذكرها . PageV02P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" وأما من قتله العشق فكثير جدا لا يكاد يحصر ، ~~روى عن عكرمة قال : إني لمع ابن عباس عشية عرفة ، إذ أقبل فتية يحملون فتى ~~من بني عذرة في كساء ، وهو ناحل البدن ، أحلى من رأيت من الفتيان ، فوضعوه ~~بين يديه ثم قالوا : استشف لهذا يا ابن عم رسول الله ، فقال : وما به ؟ ~~فترنم الفتى بصوت ضعيف خفي الأنين ، وهو يقول : بنا من جوى الأحزان والحب ~~لوعة . . . تكاد لها نفس الشفيق تذوب ولكنما أبقى حشاشة معول . . . على ما ~~به عود هناك صليب وما عجب موت المحبين في الهوى ؛ . . . ولكن بقاء العاشقين ~~عجيب قال ms0328 : ثم حمل فمات في أيديهم ، فقال ابن عباس : هذا قتيل الحب ، لا ~~عقل ولا قود . قال عكرمة : فما رأيت ابن عباس سأل الله تعالى تلك الليلة - ~~حتى أمسى - إلا العافية مما ابتلى به ذلك الفتى . وروى عن الأصمعي قال : ~~حدثني أبو عمرو بن العلاء قال : حدثني رجل من بني تميم قال : خرجت في طلب ~~ضالة لي . فبينا أنا أدور في أرض بني عذرة أنشد ضالتي ، إذا بيت معتزل عن ~~البيوت ، وإذا في كسر البيت شاب مغمى عليه ، وعند رأسه عجوز لها بقية من ~~جمال ، وهي ساهية تنظر إلى وجه الفتى . فسلمت فردت السلام . فسألتها عن ~~ضالتي فلم يك عندها منها علم . فقلت : أيتها العجوز ، ة من هذا الفتى ؟ ~~قالت : ابني ، ثم قالت : وهل لك في أجر لا مؤونة فيه ؟ فقلت إني ~~PageV02P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" لأحب الأجر وإن رزئت فقالت : إنة ابني هذا ~~يهوى ابنة عم له علقها وهما صغيران ، فلما كبر حجبت عنه ، فأخذه شبيه ~~بالجنون ، ثم خطبها إلى أبيها فامتنع من تزويجه ، وخطبها غيره فزوجها إياه ~~، فنحل جسم ولدي واصفر لونه وذهل عقله ، فلما كان منذ خمس ، زفت إلى زوجها ~~، فهو كما ترى : لا يأكل ولا يشرب ، مغمى عليه فلو نزلت إليه فوعظته قال : ~~فنزلت إليه فلم أدع شيئا من الموعظة إلا وعظته به حتى أن قلتله فيما قلت : ~~إنهن الغواني صاحبات يوسف ، ناقضات العهد ، وقد قال فيهن كثير عزة : هل وصل ~~عزة إلا وصل غانية . . . في وصل غانية من وصلها خلف ؟ قال : فرفع رأسه ، ~~محمرة عيناه كالمغضب ، قال : لست ككثير عزة إن كثيرا رجل مائق ، وأنا رجل ~~وامق ولكنني كأخي تميم حيث يقول : ألا لا يضير الحب ما كان ظاهرا ، . . . ~~ولكن ما اختاف الفؤاد يضير ألا قاتل الله الهوى كيف قادني . . . كما قيد ~~مغلول اليدين أسير فقلت له : فإنه قد جاء عن نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أنه قال : من أصيب منكم بمصيبة فليذكر مصابه بي . فأنشأ يقول : ألا ما ~~للمليحة لا تعود ؟ . . . أ بخل بالمليحة أم صدود ms0329 ؟ مرضت فعادني أهلي جميعا ~~. . . فما لك لا نرى فيمن يعود فقدتك بينهم فبكيت شوقا ، . . . وفقد الإلف ~~يا أملي شديد PageV02P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" وما استبطأت غيرك فاعلميه . . . وحولي من ذوي ~~رحمي عديد ولو كنت السقيمة ، كنت أسعى . . . إليك ولم ينهنهني الوعيد قال : ~~ثم شهق شهقة وخفت ، فمات . فبكت العجوز وقالت : فاضت والله نفسه فدخلني أمر ~~لم يدخلني مثله قط . فلما رأت العجوز ما حل بي ، قالت : يا فتى لا ترع عاش ~~بأجل ، ومات بقدر ، وقدم على رب كريم ، واستراح من تباريحه وغصصه ثم قالت : ~~هل لك في استكمال الصنيعة ؟ قلت : قولي ما أحببت قالت : تأتي البيوت فتنعاه ~~إليهم ليعاونوني على رمسه ، فإني وحيدة . قال : فركبت فرسي وقصدت البيوت ~~وأقبلت أنعاه إليهم . فبينما أنا أنعاه ، إذا خيمة رفع جانب منها ، وإذا ~~امرأة قد خرجت كأنها القمر ليلة البدر . ناشرة شعرها ، تجر خمارها ، وهي ~~تقول : بفيك الكثكث بفيك الحجر من تنعي ؟ قلت : أنعي فلانا قالت : أو قد ~~مات ؟ قلت : إي والله قد مات قالت : فهل سمعت له قولا ، قلت : اللهم لا ، ~~إلا شعرا ، قالت : وما هو ؟ فأنشدتها قوله : ألا ما للمليحة لا تعود ~~الأبيات فاستعبرت باكية وأنشات تقول : عداني أن أزورك يا مناي . . . معاشر ~~كلهم واش حسود أشاعوا ما علمت من الدواهي . . . وعابونا ، وما فيهم رشيد ~~فأما إذ ثويت اليوم لحدا . . . فكل الناس دورهم لحود . فلا طابت لي الدنيا ~~فواقا . . . ولا لهم ولا أثري عديد ثم شهقت شهقة وخرت مغشيا عليها ، وخرج ~~النساء من البيوت واضطربت ساعة وماتت . فو الله ما برحت حتى دفنتهما جميعا ~~. PageV02P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" وروى الساجي عن الأصمعي قال : رأيت بالبادية ~~رجلا قد دق عظمه ، وضؤل جسمه ، ورق جلده . فتعجبت ودنوت منه أسأله عن حاله ~~. فقالوا : اذكر له شيئا من الشعر يكلمك ، فقلت : سبق الفضاء بأنني لك عاشق ~~. . . حتى الممات ، فأين منك مذاهبي ؟ فشهق شهقة ظننت أن روحه قد فارقته ، ~~ثم أنشأ يقول : أخلو بذكرك لا أريد محدثا ، . . . وكفى بذكرك سامرا وسرورا ~~قال : فقلت له : أخبرني عنك قال : إن ms0330 كنت تريد علم ذلك فاحملني وألقني على ~~باب تلك الخيمة ففعلت ، فأنشأ يقول بصوت ضعيف يرفعه : ألا ما للمليحة لا ~~تعود . . . أ بخل بالمليحة أم صدود ؟ فلو كنت المريضة كنت أسعى . . . إليك ~~ولم ينهنهني الوعيد فإذا جارية مثل القمر ، قد خرجت فألقت نفسها عليه ~~فاعتنقا . وطال ذلك ، فسترتهما بثوبي خشية أن يراهما الناس . فلما خفت ~~عليهما الفضيحة ، فرقت بينهما ، فإذا هما ميتان . فما برحت حتى صليت عليهما ~~ودفنا . فسألت عنهما ، فقيل لي : عامر بن غالب ، وجميلة بنت أميل المزنيان ~~. وروى ابن الجوزي بسند يرفعه إلى محمد بن خلف قال : ذكر بعض الرواة عن ~~العمري قال : كان أبو عبد الله الجيشاني يعشق صفراء العلاقمية . وكانت ~~سوداء ، فاشتكى من حبها ، وضنى حتى صار إلى حد الموت . فقال بعض أهله ~~لمولاها : لو وجهت صفراء إلى أبي عبد الله الجيشاني ، فلعله أن يعقل إذا ~~رآها ففعل . فلما دخلت عليه قالت له : كيف أصبحت يا أبا عبد الله ؟ قال : ~~بخير ما لم تبرحي قالت : ما تشتهي ؟ قال : قربك قالت : ما تشتكي ؟ قال : ~~حبك قالت : PageV02P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" فتوصي بشيء ؟ قال : نعم ، أوصي بك إن قبلوا ~~مني فقالت : إني أريد الانصراف قال : فتعجلي ثواب الصلاة علي فقامت فانصرفت ~~، فلما رآها مولية تنفس الصعداء . ومات من ساعته . وروي أيضا بسند يرفعه ~~إلى عوانة بن الحكم أن عبد الله بن جعفر وفد إلى عبد الملك بن مروان فحدثه ~~، قال : اشتريت جارية بعشرة آلاف درهم ، فوصفت ليزيد بن معاوية فأرسل إلي ~~يقول : إما أن تهديها إلي ، وإما أن تبيعها بحكمك ، فكتبت إليه : لا تخرج ~~والله من ملكي ببيع ولا هبة أبدا . ومكثت عندي لا أزداد لها إلا حبا . حتى ~~أتتني عجوز من عجائزنا ، فذكرت أن بعض عزاب المدينة يهواها ، وأنه يجيء في ~~كل يوم متنكرا فيقف بالباب حتى يسمع غناءها . فراعيت مجيئه ليلة ، فإذا به ~~قد أقبل متقنع الرأس حتى قعد مستخفيا فدعوت قيمة الجارية ، فقلت : انطلقي ~~الساعة فأصلحي هذه الجارية بأحسن ما امكن ، وعجلي بها ، ففعلت . فقمت وقبضت ms0331 ~~على يدها وفتحت الباب وأتيت إلى الرجل فحركته فانتبه مذعورا . فقلت : لا ~~بأس عليك ، خذ هذه الجارية ، هي لك ، فإذا هممت ببيعها فارددها إلي ، فدهش ~~الفتى . فدنوت إلى أذنه فقلت : ويحك ، قد أظفرك الله عز وجل ببغيتك ، ~~فانصرف إلى منزلك ، فإذا الفتى ميت ، فلم أر شيئا قط أعجب من ذلك ، وهانت ~~علي الجارية ، فكرهت أن أوجه بها إلى يزيد فيعلم حالها أو تخبره عن نفسها ~~فيحقد ذلك علي . فمكثت مدة مديدة ثم ماتت . ولا أظنها ماتت إلا كمدا وأسفا ~~على الفتى . وروى ابن الجوزي أيضا بسنده قال : حكي عن شبابة بن الوليد ~~العذري أن فتى من بني عذرة يقال له أبو مالك بن النضر ، كان عاشقا لابنة عم ~~له عشقا شديدا . فكان على ذلك مدة ، ثم إنه فقد بضع عشرة سنة ، لا يحس له ~~خبر . قال شبابة : فأضللت إبلا لي . فخرجت في طلبها . فبينما أنا أسير في ~~الرمال إذا بهاتف يهتف بصوت PageV02P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" ضعيف : يا ابن الوليد ، ألا تحمون جاركم . . ~~. وتحفظون له حق القرابات ؟ عهدي إذا جار قوم نابه حدث ، . . . وقوه من كل ~~مكروه الملمات ؟ هذا أبو مالك المسمى ببلقعة . . . من الضباع وآساد بغابات ~~طليح سوق ، بنار الحب محترق ، . . . تعتاده زفرات إثر لوعات أما النهار ~~فيمضيه تذكره ، . . . والليل مرتقب للصبح هل يأتي . بهذي بجارية من عذرة ~~اختلست . . . فؤاده ، فهو منها في بليات فقلت : دلني عليه ، رحمك الله قال ~~: نعم ، اقصد الصوت ، فقصدته ، فسمعت أنينا من خباء فإذا قائل يقول : يا ~~رسيس الهوى ، أذبت فؤادي . . . وحشوت الحشا عذابا أليما فدنوت منه فقلت : ~~أبو مالك ؟ قال : نعم قلت : ما بلغ بك إلى ما أوى ؟ قال : حبي سعاد ابنة ~~أبي الهندام العذري . شكوت يوما ما أجد من حبها إلى ابن عم لنا فاحتملني ~~إلى هذا الوادي ، منذ بضع عشرة سنة ، يأتيني كل يوم بخبرها ويقوتني من عنده ~~. فقلت إني أصير إلى أهلها فأخبرهم ما رأيت . قال : أنت وذاك ، قال : ~~فانصرفت فأخبرتهم ، فرقوا له فزوجوه بحضرتي . فرجعت إليه لأفرج عنه ، فلما ~~أخبرته ms0332 الخبر ، نظر إلي ، ثم تأوه شديدا بلغ من قلبي ، ثم قال : ألآن إذ ~~حشرجت نفسي وخامرها . . . فراق دنيا وناداها مناديها ثم زفر زفرة فمات . ~~فدفنته في موضعه ثم انصرفت فأخبرتهم الخبر . فأقامت الجارية بعده ثلاثا لا ~~تطعم ، ثم ماتت . PageV02P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" وحكي عن المبرد قال : خرجت أنا وجماعة من ~~أصحابي مع المأمون . فلما قربنا من الرقة ، إذا نحن بدير كبير ، فقال لي ~~بعض أصحابي : مل بنا إلى هذا الدير لننظر من فيه ونحمد الله تعالى على ما ~~رزقنا من السلامة ، فدخلنا إلى الدير ، فرأينا مجانين مغلغلين ، وهم في ~~نهاية القذارة ، فإذا فيهم شاب عليه بقية من ثياب ناعمة ، فلما بصر بنا قال ~~: من أنتم يا فتيان ؟ حياكم الله فقلنا : نحن من العراق . فقال : بأبي ~~العراق وأهلها بالله أنشدوني أو أنشدكم فقال المبرد : قلت : والله إن الشعر ~~من هذا لظريف ، فقلنا : أنشدنا ، فأنشأ يقول : الله يعلم أنني كمد . . . لا ~~أستطيع أبث ما أجد روحان لي : روح تضمنها . . . بلد وأخرى حازها بلد وأرى ~~المقيمة ليس ينفعها . . . صبر ولا يقوى لها جلد . وأظن غائبتي كشاهدتي . . ~~. فكأنها تجد الذي أجد قال المبرد : بالله زدنا ، فأنشأ يقول : لما أناخوا ~~قبيل الصبح عيرهم . . . ورحلوها فثارت بالهوى الإبل ، وقلبت من خلال السجف ~~ناظرها . . . ترنو إلي ودمع العين منهمل ، وودعت ببنان عقدها عتم ، . . . ~~ناديت : لا حملت رجلاك يا جمل ويلي من البين ماذا حل بي وبها . . . من نازل ~~البين ؟ حان البين فارتحلوا يا راحل العيس ، عرج كي نودعها . . . يا راحل ~~العيس ، في ترحالك الأجل ؟ إني على العهد لم أنقض مودتهم ، . . . يا ليت ~~شعري بعد العهد ما فعلوا ؟ PageV02P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" قال : فقال رجل من البغضاء الذين معي : ماتوا ~~قال : قال إذن فأموت فقال له : إن شئت فتمطى واستند إلى السارية التي كان ~~مشدودا فيها فمات . فما برحنا حتى دفناه . وحكي عن أبي يحيى التيمي ، قال : ~~كنا نختلف إلى أبي مسعر بن كدام ، وكان يختلف معنا من النساك ، يقال له أبو ~~الحسن ، ومعه فتى حسن الوجه يفتتن به ms0333 الناس إذا رأوه . فأكثر الناس القول ~~فيه وفي صحبته إياه . فمنعه أهله أن يصحبه وأن يكلمه . فذهل عقله حتى خيف ~~عليه التلف . فلقيته فأخبرته بذلك ، فتنفس الصعداء ، ثم أنشأ يقول : يا من ~~بدائع حسن صورته . . . تثني إليه أعنة الحدق لي منك ما للناس كلهم : . . . ~~نظر وتسليم على الطرق . لكنهم سعدوا بأمنهم . . . وشقيت حين أراك بالفرق ثم ~~صرخ صرخة وشخص بصره نحو السماء وسقط إلى الأرض . فحركته فإذا هو ميت . وروى ~~ابن الجوزي قال : أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي ، قال : أخبرنا ~~أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي قال : حدثني أبو محمد علي بن أحمد ~~الفقيه الحافظ قال : حدثني أبو عبد الله محمد بن الحسن المذحجي الأديب ، ~~قال : كنت أختلف في النحو إلى أبي عبد الله محمد بن خطاب النحوي في جماعة ، ~~أيام الحداثة . وكان معنا أسلم بن سعيد قاضي قضاة الأندلس . قال محمد بن ~~الحسن : وكان من أجمل من رأته العيون . وكان معنا عند ابن خطاب ~~PageV02P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" أحمد بن كليب . وكان من أهل الأدب والشعر ~~فاشتد كلفه بأسلم ، وفارق صبره ، وصرف فيه القول متسترا بذلك ، إلى أن فشت ~~أشعاره فيه وجرت على الألسنة ، وأنشدت في المحافل . فلعهدي بعرس في بعض ~~الشوارع والبكوري الزامر في وسط المحفل يزمر بقول أحمد بن كليب في أسلم : ~~أسلمني في هوا . . . ه أسلم ، هذا الرشا غزال له مقلة . . . يصيب بها من ~~يشا وشى بيننا حاسد . . . سيسأل عما وشى ولو شاء أن يرتشي . . . على الوصل ~~روحي ، ارتشى ومغن محسن يسايره . فلما بلغ هذا المبلغ ، انقطع أسلم عن جميع ~~مجالس الطلب ولزم بيته والجلوس على بابه . فكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا ~~المرور على باب دار أسلم نهاره كله . فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره ~~نهارا . فإذا صلى المغرب واختلط الظلام ، خرج مستروحا ، وجلس على باب داره ~~. فعيل صبر أحمد بن كليب . فتحيل في بعض الليالي ولبس جبة من جباب أهل ~~البادية ، واعتم بمثل عمائمهم ، وأخذ بإحدى يديه دجاجا وبالأخرى ms0334 قفصا فيه ~~بيض ، وجاء كأنه قدم من بعض الضياع ، فتقدم إلى أسلم وقبل يده ، وقد اختلط ~~الظلام ، وقال : يا مولاي ، من يقبض هذا ؟ فقال له أسلم : من أنت ؟ فقال : ~~أجيرك في الضيعة الفلانية - وقد كان يعرف أسماء ضياعه . فأمر أسلم غلمانه ~~بقبض ذلك منه على عادتهم في قبول هدايا العاملين في ضياعهم . ثم جعل أسلم ~~يسأله عن أحوال الضيعة ، فلما جاوبه أنكر الكلام فتأمله فعرفه ، فقال له : ~~يا أخي وإلى ها هنا تتبعني ؟ أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب ، وعن الخروج ~~جملة ، وعن القعود على بابي نهارا حتى قطعت علي جميع مالي في ه راحة فصرت ~~في سجنك ؟ والله لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي ، ولا جلست بعدها على ~~بابي ، لا ليلا ولا نهارا ، ثم قام . وانصرف أحمد بن كليب حزينا كئيبا . ~~قال محمد : واتصل ذلك بنا فقلنا لأحمد بن كليب : وخسرت دجاجك وبيضك ؟ فقال ~~: هات كل ليل قبلة في يده ، وأخسر أضعاف ذلك فلما يئس من PageV02P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" رؤيته البتة ، نهكته العلة وأضجعه المرض . ~~قال محمد بن الحسن : فأخبرني شيخنا محمد بن خطاب قال : فعدته فوجدته بأسوأ ~~حال . فقلت له : وما دواؤك ؟ قال : نظرة من أسلم فلو سعيت في أن يزورني ~~لأعظم الله جزاءك بذلك ، وآجره . قال : فرحمته وتقطعت نفسي عليه ، فنهضت ~~إلى أسلم فاستأذنت عليه ، فأذن لي وتلقاني بما يجب ، فقلت : لي حاجة ، فقال ~~: وما هي ؟ قلت : قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندي . ~~فقال : نعم ، ولكن قد تعلم أنه برح بي ، وشهر اسمي وآذاني . فقلت له : كل ~~ذلك يغتفر في مثل هذه الحال التي هو فيها ، والرجل يموت ، فتفضل بعيادته . ~~فقال لي : والله ما أقدر على ذلك ، فلا تكلفني هذا فقلت : لا بد من ذلك ~~فليس عليك فيه شيء ، وإنما هي عيادة مريض . قال : ولم أزل به حتى أجاب ، ~~فقلت له : فقم الآن ، قال : لست والله أفعل ، ولكن غدا ، فقلت له : ولا خلف ~~، قال : نعم . فانصرفت إلى أحمد بن كليب ms0335 فأخبرته بوعده فسر بذلك وارتاحت ~~نفسه . فلما كان من الغد بكرت إلى أسلم ، وقلت له : الوعد ، قال : فوجم ، ~~وقال : والله لقد تحملني على خطة صعبة علي ، وما أدري كيف أطيق ذلك ؟ فقلت ~~له : لا بد أن تفي بوعدك لي ، قال : فأخذ رداءه ونهض معي راجلا ، فلما ~~أتينا منزل أحمد ، وكان يسكن في درب طويل . فعند ما توسط الزقاق وقف واحمر ~~وخجل ، وقال : يا سيدي ، الساعة والله أموت وما أستطيع أن أعرض هذا على ~~نفسي فقلت : لا تفعل بعد أن بلغت المنزل ، قال : لا سبيل والله إلى ذلك ~~البتة ورجع هاربا فاتبعته وأخذت بردائه ، فتمادى وتمزق الرداء وبقيت قطعة ~~منه في يدي لشدة إمساكي له . ومضى ولم أدركه . فرجعت ودخلت على أحمد ، وكان ~~غلامه قد دخل عليه لما رآنا من أول الزقاق مبشرا . فلما رآني تغير وجهه ~~وقال : أين أبو الحسن ؟ فأخبرته بالقصة فاستحال من وقته واختلط وجعل يتكلم ~~بكلام لا يعقل منه أكثر من الاسترجاع . فاستبشعت الحال وجعلت أتوجع وقمت ، ~~فثاب إليه PageV02P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" ذهنه ، وقال لي : يا أبا عبد الله ، قلت : ~~نعم ، قال : اسمع مني ، واحفظ عني ، وأنشأ يقول : أسلم ، يا راحة العليل . ~~. . رفقا على الهائم النحيل وصلك أشهى إلى فؤادي . . . من رحمة الخالق ~~الجليل قال : فقلت له : اتق الله ، ما هذه العظيمة ؟ قال : قد كان ، فخرجت ~~عنه فو الله ما توسطت الزقاق حتى سمعت الصراخ عليه وقد فارق الدنيا . وهذه ~~الحكاية مشهورة عند أهل الأندلس . وأسلم هذا من بني خالد وكانت فيهم وزارة ~~وحجابة . وهذا الباب طويل والحكايات والأخبار والوقائع فيه كثيرة يطول ~~الشرح بذكرها . وأما من قتل نفسه بسبب العشق ، فحكي عن عبد الرحمن بن إسحاق ~~القاضي قال : انحدرت من سر من رأى مع محمد بن إبراهيم أخي إسحاق ، ودجلة ~~تزخر من كثرة مائها . فلما سرنا ساعة ، قال : ارفقوا بنا ، ثم دعا بطعامه ~~فأكلنا ، ثم قال : ما ترى في النبيذ ؟ قلت له : أعز الله الأمير ، هذه دجلة ~~قد جاءت بمد عظيم يرغب مثله ، وبينك وبين منزلك ms0336 مبيت ليلة ، فلو شئت أخرته ~~، قال : لا بد لي من الشراب ، واندفعت مغنية فغنت ، واندفعت أخرى فغنته : ~~يا رحمتا للعاشقينا ، . . . ما إن لهم معينا كم يشتمون ويضربو . . . ن ~~ويهجرون ، فيصبرونا فقالت لها المغنية الأولى : فيصنعون ماذا ؟ قالت : ~~يصنعون هكذا ، ورفعت الستارة وقذفت بنفسها في دجلة . وكان بين يدي محمد ~~غلام ذكر أن شراءه ألف دينار ، بيده مذبة ، لم أر أحسن منه . فوضع المذبة ~~من يده وقذف بنفسه في دجلة ، وهو يقول : أنت التي غرقتني . . . بعد الفضا ، ~~لو تعلمينا PageV02P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" فأراد الملاحون أن يطرحوا أنفسهم خلفهما ، ~~فصاح بهم محمد : دعوهما يغرقا إلى لعنة الله قال : فرأيتهما وقد خرجا ~~معتنقين ثم غرقا . وحكي عن جميل بن معمر العذري أن قال : دخلت على عبد ~~الملك بن مراون فقال لي : يا جميل حدثني بعض أحاديث بني عذرة ، فإنه بلغني ~~أنهم أصحاب أدب وغزل ، فقلت : نعم يا أمير المؤمنين ، انتجعوا من حيهم مرة ~~فوجدوا النجعة بموضع نازح فقطنوه . فخرجت أريدهم . فبينما أنا أسير ، غلطت ~~الطريق وجن علي الليل ، فلاح لي باب فقصدته . فوردت على راع في أصل جبل قد ~~ألجأ غنمه إلى كهف في الجبل ، فسلمت عليه ، فرد علي السلام ، وقال : أحسبك ~~قد ضللت الطريق ؟ قلت : قد كان ذلك ، فأرشدني قال : بل انزل حتى تريح ظهرك ~~، وتبيت ليلتك ، فإذا أصبحت وقفتك على القصد . فنزلت فرحب بي وأكرمني ، ~~وعمد إلى شاة فذبحها ، وأجج نارا ، وجعل يشوي ويلقي بين يدي ، ويحدثني في ~~خلال ذلك . ثم قام إلى كساء فقطع به جانب الخباء ومهد لي جانبا ، ونزل ~~جانبا خاليا . فلما كان في الليل سمعته يبكي ويشكو إلى شخص . فأرقت ليلتي . ~~فلما أصبحت ، طلبت الإذن فأبى ، وقال : الضيافة ثلاث فأقمت عنده ، وسألته ~~عن اسمه ونسبه وحاله ، فانتسب لي . فإذا هو من بني عذرة ، من أشرافهم . ~~فقلت : يا هذا ، وما الذي أحلك هذا الموضع ؟ فأخبرني أنه كان يهوى ابنة عم ~~له وتهواه ، وأنه خطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه إياها لقلة ذات يده ، وأنه ~~زوجها رجلا من بني ms0337 كلاب فخرج بها عن الحي وأسكنها في موضعه ذلك ، وأنه تنكر ~~ورضي أن يكون راعيا لتأتيه ويراها . وجعل يشكو إلي صبابته بها وعشقه لها . ~~فلما أبطأت عن الوقت المعتاد وغلبه الشوق ، وثب قائما وأنشأ يقول : ما بال ~~مية لا تأتي لعادتها . . . أهاجها طرب أم صدها شغل ؟ لكن قلبي لا يلهيه ~~غيرهم . . . حتى الممات ، ولا لي غيرهم أمل لو تعلمين الذي بي من فراقكم . ~~. . لما اعتللت ولا طابت لك العلل PageV02P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" روحي فداؤك قد هيجت لي سقما . . . تكاد من ~~حره الأعضاء تنفصل لو أن عاديه مني على جبل ، . . . لزال وانهد من أركانه ~~الجبل ثم قال : يا أخا بني عذرة ، مكانك حتى أعود إليك فما أتوهم أن أمر ~~ابنة عمي صحيح ثم مضى . فما لبث أن أقبل وعلى يده شيء محمول ، وقد علا ~~شهيقه ونحيبه ، فقال : يا أخا بني عذرة ، هذه ابنة عمي ، أرادت أن تأتيني ~~فاعترضها الأسد فأكلها ثم وضعها عن يده ، وقال : على رسلك حتى أعود إليك ، ~~ومضى فأبطأ حتى يئست من رجوعه . ثم أقبل ورأس الأسد على يده ، فألقاها وجعل ~~ينكت على أسنان الأسد ويقول : ألا أيها الليث المخيل بنفسه . . . هلكت لقد ~~حرت يداك لنا حرتا وغادرتني فردا وقد كنت آلفا . . . وصيرت بطن الأرض ثم ~~لنا سجنا أقول لدهر خانني بفراقه : . . . معاذ إلهي أن أكون له خدنا ثم قال ~~: يا أخا بني عذرة ، إنك ستراني بين يديك ميتا فإذا مت فاعمد إلي وابنة عمي ~~، فأدرجنا في كفن واحد ، واحفر لنا جدثا واحدا ، وادفنا فيه ، واكتب على ~~قبري هذين البيتين : كنا على ظهرها ، والعيش في مهل . . . والشمل يجمعنا ~~والدار والوطن ففرق الدهر والتصريف ألفتنا . . . فصار يجمعنا في بطنها ~~الكفن . ورد الغنم إلى صاحبها وأعلمه بقصتنا ، ثم عمد إلى خناق فطرحه في ~~عنقه ، فناشدته الله تعالى أن لا يفعل ، فأبى وجعل يخنق نفسه حتى سقط ميتا ~~. فكفنتهما ودفنتهما في قبر واحد ، وكتبت البيتين على قبرهما ، ورددت الغنم ~~إلى صاحبها ، وأعلمته بقصتهما فحزن حزنا شديدا أشفقت منه على نفسه . ~~PageV02P0209 # """""" صفحة ms0338 رقم 210 """""" ذكر شيء مما ورد في التحذير من فتنة النساء ~~وذم الزنا ، والنظر إلى المردان ، والتحذير من اللواط ، وعقوبة اللائط أما ~~ما ورد من التحذير من فتنة النساء ، فقد روي عن أبي أمامة بن يزيد ، عن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ما تركت في الناس بعدي فتنة ~~أضر على الرجال من النساء . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن الله عز وجل ~~مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ؛ فإن أول ~~فتنة بني إسرائيل كانت في النساء . وعن أب هريرة رضي الله عنه ، قال : قال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : إن أخوف ما أخاف على أمتي النساء ~~والخمرة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لم يكن كفر من مضى إلا من ~~قبل النساء ، وهو كائن ، كفر من بقي من قبل النساء . وعن حسان بن عطية ، ~~قال : ما أتيت أمة قط إلا من قبل نسائهم . وعن سعيد بن المسيب ، قال : ما ~~يئس الشيطان من ابن آدم قط ، إلا أتاه من قبل النساء . وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : قال إبليس لربه ~~عز وجل : يا رب قد أهبط آدم ، وقد علمت أن سيكون لهم كتاب ورسل ، فما ~~كتابهم ورسلهم ؟ قال الله عز وجل : رسلهم الملائكة والنبيون منهم ، وكتبهم ~~التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، قال : فما كتابي ؟ قال : كتابك الوشم ~~، وقرآنك PageV02P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" الشعر ، ورسلك الكهنة ، وطعامك ما لم يذكر ~~اسم الله عليه ، وشرابك من كل مسكر ، وصدقك الكذب ، وبيتك الحمام ، ومصايدك ~~النساء ، ومؤذنك المزمار ، ومسجدك الأسواق . ومن فتنة النساء ، ما روي عن ~~وهب بن منية أن عابدا كان في بني إسرائيل ، وكان من أعبد أهل زمانه . وكان ~~في زمانه ثلاثة إخوة لهم أخت ، وكانت بكرا . فخرج البعث عليهم فلم يدروا ~~عند من يخلفون أختهم ، ولا من يأمنون عليها . فأجمعوا رأيهم على أن ms0339 يخلفوها ~~عند العابد . فأتوه وسالوه أن يخلفوها عنده ، فأبى ذلك . فلم يزالوا به حتى ~~قال : أنزلوها في بيت جوار صومعتي ، فأنزلوها في ذلك البيت ، ثم انطلقوا ~~وتركوها . فمكثت في جوار العابد زمانا ينزل إليها الطعام من صومعته فيضعه ~~عند باب الصومعة ، ثم يغلق بابه ويصعد صومعته ، ثم يأمرها فتخرج من بيتها ~~فتأخذ ما وضع لها من الطعام . قال : فتلطف له الشيطان . فلم يزل يرغبه في ~~الخير ويعظم عنده خروج الجارية من بيتها نهارا ، ويخوفه أن يراها أحد ~~فيعلقها . فلم يزل به حتى مشى بطعامها ووضعه عند باب بيتها ، ولا يكلمها ، ~~فلبث بذلك زمانا . ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والأجر ، وقال له : لو كنت ~~تمشي إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها ، كان أعظم لأجرك . فلم يزل به حتى ~~مشى إليها بطعامها فوضعه في بيتها . فلبث بذلك زمانا . ثم جاءه إبليس فرغبه ~~في الخير وحضه عليه ، وقال له : لو كنت تكلمها وتحدثها ، فتأنس بحديثك ، ~~فإنها قد استوحشت وحشة شديدة ، فلم يزل به حتى حدثها زمانا ، يطلع إليها من ~~فوق صومعته . ثم أتاه إبليس بعد ذلك ، فقال له : لو كنت تنزل إليها فتقعد ~~على باب صومعتك وتحدثها ، وتقعد على باب بيتها فتحدثك ، كان آنس لها . فلم ~~يزل به حتى أنزله فأجلسه على باب صومعته يحدثها ، وتخرج الجارية من بيتها ~~حتى تقعد على بابها . فلبثا زمانا يتحدثان . ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير ~~، فقال : لو خرجت من باب صومعتك فجلست قريبا من بيتها فحدثتها ، كان آنس ~~لها . فلم يزل به حتى فعل . فلبثا بذلك زمانا . ثم جاءه إبليس فقال : لو ~~دنوت من باب بيتها ، ثم قال : لو دخلت البيت فحدثتها ولم تتركها ~~PageV02P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" تبرز وجهها لأحد ، كان أحسن ، فلم يزل به حتى ~~دخل البيت فجعل يحدثها نهاره كله . فإذا أمسى صعد في صومعته . قال : ثم ~~أتاه إبليس بعد ذلك ، فلم يزل يزينها له حتى ضرب العابد بيده على فخذها ~~وقبلها . ثم لم يزل يحسنها في عينه ويسول له حتى وقع عليها ms0340 فأحبلها ، فولدت ~~غلاما . فجاء إبليس ، فقال له : أ رأيت إن جاء اخوتها ، وقد ولدت منك كيف ~~تصنع ؟ فاعمد إلى ابنها فاذبحه وادفنه ، فإنها ستكتم ذلك عليك مخافة اخوتها ~~، فقتله . ثم جاءه ، فقال : أتراها تكتم ما صنعت بها ؟ خذها فاذبحها ~~وادفنها مع ابنها ، فذبحها وألقاها في الحفرة . فمكث ما شاء الله حتى قفل ~~إخوتها من الغزو . فجاءوه فسألوه عن أختهم فنعاها لهم وترحم عليها وبكاها ، ~~وقال : كانت خيرامرأة ، وهذا قبرها . فأتى اخوتها القبر فبكوها وترحما ~~عليها ، وأقاموا على قبرها أياما ثم انصرفوا إلى أهاليهم . قال : فلما جنهم ~~الليل وأخذوا مضاجعهم ، أتاهم الشيطان في النوم فبدأ بأكبرهم فسأله عن ~~أختهم . فأخبره بقول العابد وبموتها . فكذبه الشيطان ، وقال : لم يصدقكم ~~أمر أختكم . إنه أحبلها وولدت منه غلاما فذبحه وذبحها معه فرقا منكم ، ~~وألقاها في الحفرة خلف باب البيت . وأتى الأوسط في منامه ، فقال له مثل ذلك ~~؛ ثم أتى أصغرهم ، فقال له مثل ذلك . فلما استيقظ القوم ، استيقظوا متعجبين ~~لما رآه كل واحد منهم . فأقبل بعضهم على بعض يقول : لقد رأيت عجبا وأخبر ~~بعضهم بعضا بما رأى ، فقال كبيرهم : هذا حلم ، ليس هذا بشيء ، فامضوا بنا ~~ودعوا هذا ، فقال أصغرهم : لا أمضي حتى آتي ذلك المكان فأنظر فيه ، ~~فانطلقوا فبحثوا الموضع ، فوجدوا أختهم وابنها مذبوحين . فسألوا عنها ~~العابد ، فصدق قول إبليس فيما صنع بهما . فاستعدوا عليه ملكهم فأنزل من ~~صومعته وقدموه ليصلبوه . فلما أوثقوه على الخشبة ، أتاه الشيطان ، فقال له ~~: قد علمت أني صاحبك الذي فتنتك في المرأة حتى أحبلتها وذبحتها وابنها ، ~~فإن أنت أطعتني اليوم وكفرت بالله الذي خلقك ، خلصتك مما أنت فيه ، فكفر ~~العابد بالله . فلما كفر ، خلى الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه . قال وهب ~~: ففيه نزلت هذه الآية : " كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال ~~إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار ~~خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين " . نسأل الله العافية من فتنتهن ، ونعوذ ~~به من الشيطان الرجيم . PageV02P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" وأما ما جاء ms0341 في ذم الزنا ، فكفى به ذما قوله ~~تعالى : " ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا " . وعن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا يسرق ~~السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " . وعن ~~عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال ~~: " يا أمة محمد ، ما أحد أغير من الله أن يرى عبده أو أمته تزني " . وعنه ~~( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " اشتد غضب الله تعالى على الزناة " . ~~وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" إن الإيمان سربال يسربله الله من يشاء . فإذا زنى العبد ، نزع منه سربال ~~الإيمان . فإذا تاب رد عليه " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ~~ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له " . ~~وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~إياكم والزنا ، فإن في الزنا ست خصال ، ثلاث في الدنيا ، وثلاث في الآخرة : ~~فأما اللواتي في الدنيا فذهاب نور الوجه ، وانقطاع الرزق ، وسرعة الفناء ، ~~وأما اللواتي في الآخرة فغضب الرب ، وسوء الحساب ، والخلود في النار إلا أن ~~يشاء الله تعالى " . وعن عبد الله قال : قلت : يا رسول الله أي الذنب أعظم ~~؟ قال : " أن تجعل لله ندا ، وهو خلقك " . قلت : ثم أي ؟ قال : " أن تقتل ~~ولدك من أجل أن يطعم معك " . قلت : ثم أي ؟ قال : " أن تزني بحليلة جارك " ~~. والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة . PageV02P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" وأما ما جاء في النهي عن النظر إلى المردان ~~ومجالستهم . روي عن أبي الساهب أنه قال : لأنا القارئ من الغلام الأمرد ~~أخوف مني عليه من سبعين عذراء . وفي لفظ عنه : لأنا أخوف على عابد من غلام ~~أمرد من سبعين عذراء . وعن سعيد بن المسيب أنه قال : إذا رأيتم الرجل يلح ~~النظر إلى غلام أمرد ، فاتهموه . وكان سفيان الثوري رضي ms0342 الله عنه لا يدع ~~أمرد يجالسه . وعن يعقوب بن سوال قال : كنا عند أبي نصر بشر بن الحارث . ~~فوقفت عليه جارية ما رأينا أحسن منها ، فقالت : يا شيخ : أين مكان باب حرب ~~؟ فقال لها : هذا الباب الذي يقال له باب حرب . ثم جاء بعدها غلام فسأله ، ~~فقال له : يا شيخ : أين مكان باب حرب ؟ فأطرق بشر . فرد عليه الغلام السؤال ~~فغمض عينيه . فقلنا للغلام : أي شيء تريد ؟ فقال : باب حرب . فقلنا : بين ~~يديك . فلما غاب . قلنا : يا أبا نصر . جاءتك جارية فأحببتها وكلمتها ، ~~وجاءك غلام فلم تكلمه ؟ فقال : نعم ، يروى عن سفيان النووي أنه قال : مع ~~الجارية شيطان ومع الغلام شيطان ، فخشيت على نفسي من شياطينه . وعن أبي ~~سعيد الخراز . قال : أ رأيت إبليس في النار . وهو يمر عني ناحية . فقلت : ~~تعال ، فقال : أي شيء أعمل بكم ؟ أنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس ، ~~قلت : ما هو ؟ قال : الدنيا ، فلما ولى . التفت إلي فقال : غير أن لي فيكم ~~لطيفة ، قلت : ما هي ؟ قال : صحبة الأحداث . PageV02P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" وعن مظفر القرمسيني ، قال : من صحب الأحداث ~~على شرط السلامة والنصيحة ، أداه ذلك إلى البلاء ، فكيف من صحبهم على غير ~~وجه السلامة ؟ . وقد ذكر أبو الفرج في كتابه المترجم بذم الهوى من افتتن ~~بالأحداث ، وصرح بأسمائهم . فلم نؤثر التعرض لذلك ، لما فيه من التشنيع ~~عليهم والإذاعة لمساويهم . وأما ما جاء في التحذير من اللواط وما ورد في ~~سحاق النساء ، روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " ملعون ملعون من عمل بعمل قوم لوط " . وعنه عن النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " لعن الله من عمل عمل قوم لوط " . وعن ~~جابر بن عبد الله ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " إن أخوف ~~ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط " . وفي لفظ آخر عنه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " إن أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي عمل قوم لوط ، ألا فلتترقب ms0343 أمتي ~~العذاب إذا كان الرجال بالرجال والنساء بالنساء " . وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا ينظر الله إلى ~~رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها " . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، ~~قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لم يعل فحل فحلا حتى كان ~~قوم لوط ، فإذا علا الفحل الفحل ، ارتج أو اهتز عرش الرحمن عز وجل ، فاطلعت ~~الملائكة تعظيما لفعلهما ، فقالوا : يا رب ، ألا تأمر الأرض أن تغور بهما ، ~~وتأمر السماء أن تحصبهما ، فيقول الله تعالى : إني حليم لا يفوتني شيء " . ~~وعن سماك بن حرب ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن الرجل ~~ليأتي الرجل فتضج الأرض من تحتهما ، والسماء من فوقهما ، والبيت ~~PageV02P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" والسقف ، كلهم يقولون : أي رب ، ائذن لنا ~~بنطبق بعضنا على بعض فنجعلهم نكالا ومعتبرا ، فيقول الله عز وجل : إنهم ~~وسعهم حلمي ولن يفوتوني . وكان سفيان الثوري رحمه الله يقول : لو أن رجلا ~~عبث بغلام بين إصبعين من أصابع رجليه يريد الشهوة ، لكان لواطا . وروي عن ~~مكحول عن واثلة بن الأسقع أنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " سحاق النساء زنى بينهن " . وأما ما ورد في عقوبة اللائط والملوط به في ~~الدنيا والآخرة : أما عقوبة الدنيا ، فقد جاء بها نص القرآن في قصة قوم لوط ~~، وشرح أفعالهم ، وما عذبوا به في آي كثيرة . وجاء في الأحاديث النبوية ، ~~على قائلها أفضل الصلاة والسلام ، في عقوبة اللائط والملوط به ما يدل على ~~التغليظ والتشديد . فمن ذلك ما روي عن عكرمة عن عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال فيمن عمل عمل قوم لوط : " ~~يقتل الفاعل والمفعول به " ، وفي لفظ آخر عن ابن عباس عن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " اقتلوا الفاعل والمفعول به " ، في عمل قوم لوط . وعن جابر ~~بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ( صلى الله ms0344 عليه وسلم ) : ~~" من عمل بعمل قوم لوط فاقتلوه " . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط ، ~~فارجموا الأعلى والأسفل " PageV02P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" . وعن محمد بن المنكدر أن خالد بن الوليد كتب ~~إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، أنه وجد رجلا في بعض الأضاحي ينكح رجلا ~~كما تنكح المرأة . فجمع أبو بكر رضي الله عنه لذلك أصحاب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ورضي عنهم ، فيهم علي بن أبي طالب ، وقال : إن هذا ذنب لم ~~تعمل به أمة إلا أمة واحدة . ففعل الله بهم ما قد علمتم . أرى أن نحرقه ~~بالنار ، فاجتمع رأي أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على أن يحرق ~~بالنار . فأمر به أبو بكر رضي الله عنه أن يحرق بالنار . وقد حرقهم عبد ~~الله بن الزبير ، وهشام بن عبد الملك . وعن يزيد بن قيس أن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه رجم لوطيا . وعن سعيد بن زيد قال : سئل عبد الله بن عباس رضي ~~الله عنهما ، ما حد اللوطي ؟ قال : ينظر أعلى بيت في القرية فيرمى منكسا ثم ~~يتبع بالحجارة . وللتابعين ولأئمة العلماء في ذلك أقوال : فمنهم من رأى أن ~~حده كحد الزنا ، وفرق بين المحصن وغير المحصن . ومنهم من رأى أن حده القتل ~~أحصنا ، أم لم يحصنا . روى سفيان عن جابر عن الشعبي أنه قال : اللوطي يرجم ~~، أحصن أو لم يحصن . وعن ابن أبي نجيح عن عطاء قال : حد اللوطي حد الزاني ؛ ~~وإن أحصن رجم ، وإلا جلد . وبه قال الهيثم . PageV02P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" وعن قتادة عن الحسن أنه قال في الرجل يخالط ~~الرجل : إن كان أحصن ، جلد ورجم ، وإن كان لم يحصن ، جلد ونفي . وعن مالك ~~بن أنس عن الزهري قال : يرجم ، أحصن أو لم يحصن . وعن الطيالسي قال : حدثنا ~~إسحاق الكوسج ، قال : قلت لأحمد بن حنبل : أيرجم اللوطي ، أحصن أو لم يحصن ~~؟ قال : يرجم ، أحصن أو لم يحصن . وقد روي ms0345 عن أحمد بن حنبل أن حد اللوطي ~~كحد الزاني ، يختلف بالثيوبة والبكارة . وهو قول محمد عن الشافعي . وقال ~~الحكم : يضرب اللوطي دون الحد . قال ابن الجوزي : وإلى هذا مال أبو حنيفة . ~~PageV02P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" وأما مذهب ابن حزم الظاهري فإنه لا يضرب في ~~اللواط فوق عشرة أسواط . وقال النخعي : لو كان أحد ينبغي أن يرجم مرتين ، ~~لكان ينبغي أن يرجم اللوطي مرتين . وحكى أبو الفرج بن الجوزي ، قال : ~~أخبرتنا شهدة بنت أحمد ، قالت : أخبرنا جعفر بن أحمد السراج ، قال : أخبرنا ~~عبد العزيز بن علي ، قال : أخبرنا علي بن جعفر الصوفي ، قال : سمعت ~~الموازيني يقول : قال لي رجل من الحاج : مررت بدار قوم لوط ، وأخذت حجرا ~~مما رجموا به ، فطرحته في مخلاة ، ودخلت مصر . فنزلت في بعض الدور في ~~الطبقة الوسطى . وكان في سفل الدار حدث ، فأخرجت الحجر من خرجي ، ووضعته في ~~روزنة في البيت . فدعا الحدث الذي كان في البيت صبيا إلى عنده واجتمع معه ، ~~فسقط الحجر على الحدث من الروزنة ، فقتله . وقال أيضا : أخبرتنا شهدة ، ~~قالت : أخبرنا جعفر بن أحمد ، قال : أخبرنا أبو الحسين محمد بن عثمان بن ~~مكي ، قال : أخبرني جدي أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن أحمد ، قال : أخبرنا ~~أبو العباس أحمد بن عيسى الوشا المقري ، قال : سمعت أبا عبد الله محمد بن ~~عبد الله بن عبد الحكم يقول : سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول : خرجت حاجا ~~إلى مكة . فلما كانت ليلة عرفات ، رأى الإمام الذي حج بنا تلك الليلة مناما ~~. فلما صرنا إلى مكة بعد انقضاء الحج ، سمعنا مناديا ينادي فوق الحجر : ~~أنصتوا يا معشر الحجيج ، فأنصت الخلق ، فقال : يا معشر الحجيج ، إن ~~PageV02P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" إمامكم رأى أن الله عز وجل قد غفر لكل من ~~وافى البيت العام إلا رجلا واحدا فإنه فسق بغلام . وأما عقوبته في الآخرة ، ~~فقد روي عن أبي سلمة عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم ، قالا ~~: خطبنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال في خطبته ms0346 : " من نكح امرأة ~~في دبرها أو غلاما أو رجلا ، حشر يوم القيامة أنتن من الجيفة ، يتأذى به ~~الناس حتى يدخله الله نار جهنم . ويحبط الله عمله ، ولا يقبل منه صرفا ولا ~~عدلا . ويجعل في تابوت من نار ، ويسمر عليه بمسامير من حديد من نار ، ~~فتشتبك تلك المسامير في وجهه وفي جسده " . قال أبو هريرة : هذا لمن لم يتب ~~. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ~~" سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع العالمين ~~، يدخلون النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا ؛ فمن تاب ، تاب الله تعالى ~~عليه : الناكح يده ، والفاعل والمفعول به ، ومدمن خمر ، والضارب أبويه حتى ~~يستغيثا ، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه ، والناكح حليلة جاره " . وعن إبراهيم ~~بن علقمة عن عبد الله ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~اللوطيان لو اغتسلا بماء البحر ، لم يجزهما إلا أن يتوبا " . وعن أنس رضي ~~الله عنه ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من مات من أمتي ~~يعمل عمل قوم لوط ، نقله الله إليهم حتى يحشر معهم " . قلت : وقد بلغني من ~~كثير من الناس أن رجلين مشيا على جانب البركة المعروفة ببركة قوم لوط ، وهي ~~في غور الكرك على جانبها ضياع ، منها الصافية واللاخية PageV02P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" وسويمة وغيرها ، وتعرف هذه البركة أيضا ~~بالمنتنة ، ويقال إنها إحدى المدائن التي خسف بها من مدائن قوم لوط . فجعلا ~~يتباسطان . فكان من جملة ما قالاه أو قاله أحدهما للآخر فلم ينكره : هذه ~~بركة أصحابنا ، فطلعت من البركة موجة اختطفتهما معا ، وألقتهما في البركة . ~~فكان آخر العهد بهما . وهذه الحكاية يتداولها أهل تلك البلاد . لا ينكرها ~~سامع منهم على قائل . ولا يبعد أن يعاقب من تجاهر بمعاصي الله وانتسب لمن ~~كفر بالله وعصاه وكذب رسوله أن يعاقبه الله بما عاقبهم به ويلحقه بهم . وفي ~~بعض هذا عبرة لمن اعتبر . ولنرجع إلى سياق ما جاء في ذلك من الأحاديث ~~والأخبار . روى أبو الفرج ms0347 عبد الرحمن بن الجوزي بسنده إلى أنس بن مالك رضي ~~الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " من قبل ~~غلاما بشهوة ، عذبه الله في النار ألف سنة ؛ ومن جامعه لم يجد رائحة الجنة ~~، وريحها يوجد من مسيرةخمسمائة عام ، إلا أن يتوب " . وعن خالد عن إسماعيل ~~بن كثير عن مجاهد ، قال : لو أن الذي يعمل ذلك يعني عمل قوم لوط اغتسل بكل ~~قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض ، لم يزل نجسا . وعن عباد بن الوليد ~~العنبري قال : سمعت إبراهيم بن شماس يقول : سمعت الفضيل بن عياض يقول : لو ~~أن لوطيا اغتسل بكل قطرة من السماء ، لقي الله تعالى غير طاهر . وعن طلحة ~~بن زيد عن برد بن سنان عن أبي المنيب عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى ~~عنهما ، قال : يحشر اللوطيون يوم القيامة في صورة القردة والخنازير . ~~PageV02P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" وعن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن عبد الله ~~بن عباس رضي الله عنهم قال : من خرج من الدنيا على حال ، خرج من قبره على ~~تلك الحال ، حتى إن اللوطي يخرج يعلق ذكره على دبر صاحبه مفتضحين على رؤوس ~~الخلائق يوم القيامة . هذا ما أمكن إيراده في هذا الفصل على سبيل الاختصار ~~والإيجاز ، وإلا فالأخبار في العشق وتوابعه وما يتولد عنه كثيرة جدا ، ~~وقفنا منها على كثير ، ولا يحتمل ان يورد في الكتب الشاملة لفنون مختلفة ~~أكثر مما أوردناه . فلنذكر الآن نبذة مما قيل في الغزل والنسيب . ذكر نبذه ~~مما قيل في الغزل والنسيب هذا الباب - أكرمك الله وعافاك ، ووقاك من فتنته ~~وكفاك - باب متسع ، قد أكثر الشعراء القول فيه ، وتنوعوا في أساليبه ~~ومعانيه ؛ لو استقصيناه لطال به هذا التصنيف ، وانبسط هذا التأليف ؛ وكان ~~بمفرده كتبا مبسوطة وأسفارا كبيرة ، فلخصنا منه دررا نفيسة وأعلاقا خطيرة ؛ ~~واقتصرنا منه على مارق معناه وراق ، وحسن لفظه وشاق ؛ وارتاحت إليه النفوس ~~، وتحلت به الطروس ؛ ولمحته النواظر ، وانجذبت إليه الخواطر . وقد تنوع ~~الشعراء في الغزل : فتغزلوا في ms0348 المحبوب باسمه ، وكنوا عنه واستعاروا له ، ~~ووصفوا أعضاءه وشبهوها بأشياء ، فشبهوا العيون بالنرجس ، وأفعالها بالخمر ~~والسهام ؛ وشبهوا الحواجب بالقسي ، والجبين بالصباح ، والشعور بالليالي ، ~~والسوالف بالغوالي والصوالج والعقارب ؛ وشبهوا الوجه بالشمس والقمر ؛ ~~وشبهوا الخدود بالورد والتفاح ؛ وشبهوا الثغور بالأقحوان ، واللمى ~~PageV02P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" بالخمر ، والريق بالشهد ، والشفاه بالعقيق ، ~~والأسنان باللؤلؤ ؛ وشبهوا النهود بالرمان ، والقوام بالغصون ، والأرداف ~~بالكثبان . وغير ذلك . وقد تقدم إيراد ذلك كله مستوفى في موضعه ، وهو في ~~الباب الذي قبل هذا الباب . وتغزلوا أيضا في أصناف الفواكه المأكولة ~~والمشمومة ؛ وتغزلوا في الرياض والأزهار . وسنورد إن شاء الله ذلك في موضعه ~~، وهو في القسم الثاني والثالث والرابع من الفن الرابع من كتابنا هذا ، في ~~السفر العاشر من هذه النسخة . فلنورد الآن ها هنا من باب الغزل والنسيب ~~خلاف ما قدمنا ذكره مما ذكرناه وما نذكره إن شاء الله تعالى . والذي نورده ~~في هذا الباب نبذة مما قيل في المذكر ، والمؤنث ، والمطلق ، والمشترك ، ~~وطيف الخيال ، والرد على العذول ، ورجوع العذول ، والوصال ، والفراق ، ~~والبين ، والتوديع ، والصد ، والهجران ؛ وما قيل في الزيارة وتخفيفها ، ~~وموانعها ، والمدامع والرضا من المحبوب باليسير ، والنحول ؛ وما قيل في ~~المحبوب إذا اعتل ؛ وما قيل على لسان الورقاء ، والمراجعات ، والمردوف ، ~~والجناس ، والموشحات . PageV02P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" مما قيل في المذكر قال العماد الأصفهاني ~~الكاتب : وأحور يسبي بطرف يكل . . . وتخجل منه الظبا والظباء . بخديه من ~~حسنه والشباب . . . تجمع ضدان : نار وماء . وفي مقلتيه وقد صحتا . . . كما ~~صحتا سقم وانتشاء . عففت وعفت الحيا في هوا . . . ه حتى استوى صده واللقاء ~~. وكل حياء يذود العف . . . ف عن وده ، فعليه العفاء وقال آخر : وكأن بهجة ~~وجهه في شعره . . . قمر بدا في ليلة ليلاء . وكان عقرب صدغه في خده . . . ~~وقفت مخافة ناره والماء . قمر رجوت من الزمان وصاله . . . يوما ، فأخلف ~~بالصدود رجائي وقال عبد الجليل بن وهبون : وافت به غفلة الرقيب . . . ~~والنجم قد مال للغروب ، نشوان قد هزت الحميا . . . منه قضيبا على كثيب يعثر ~~في ذيله فيحكي . . . عثرة عينيه في القلوب والله لو نالت الثريا . . . ما ms0349 ~~نال من بهجة وطيب ، دنا إليها الهلال حتى . . . قبل في كفها الخضيب وقال ~~ابن حجاج : ومذلل أما القضيب فقده . . . شكلا وأما ردفه فكثيب PageV02P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" يمشي وقد فعل الصبا بقوامه . . . فعل الصبا ~~بالغصن ، وهو رطيب . متلون يبدي ويخفي شخصه . . . كالبدر يطلع تارة ويغيب . ~~أرمي مقاتله فتخطئ أسهمي . . . غرضي ، ويرمي مهجتي فيصيب نفسي فداؤك إن ~~نفسي لم تزل . . . يحلو فداؤك عندها ويطيب مالي ومالك لا أراك تزورني . . . ~~إلا ودونك كاشح ورقيب وقال أبو نواس : شبيه بالقضيب وبالكثيب . . . غريب ~~الحسن ذو دل غريب بعيد . إن نظرت إليه يوما ، . . . رجعت وأنت ذو أجل قريب ~~ترى للصمت والحركات فيه . . . سواما لا يذاد عن القلوب . ويمتحن القلوب ~~بمقلتيه ، . . . فينكشف البريء من المريب وقال الوأواء الدمشقي : بدر تقنع ~~بالظلا . . . م على قضيب في كثيب تدعو محاسنه القلو . . . ب إلى مشافهة ~~الذنوب . فعلت به ريح الصبا . . . ما ليس تفعل بالقضيب . عقلت ركائب حسنه . ~~. . بعقولنا عند المغيب . وتلطمت وجناتنا . . . بيد الدموع من النحيب ~~PageV02P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" وقال الأمير تاج الملوك ابن أيوب : سلب ~~الفؤاد فلا عدمت السالبا . . . ورنا ، فكان اللحظ سهما صائبا قمر مشارقه ~~الجيوب ، فلا ترى . . . أبدا له إلا القلوب مغاربا ملك الفؤاد بمقلتين ~~وحاجب . . . أمسى لحسن الصبر عني حاجبا . وحكى القضيب شمائلا عبثت به . . . ~~أيدي النسيم شمائلا وجنائبا وقال أيضا : يا أيها البدر الذي . . . مطلعه ~~طوق القبا يا جنة القلب الذي . . . أضرم فيه لهبا فديت هذا الوجه ، ما . . ~~. أحسنه وأعجبا لم تر عيني قبله . . . صبحا تردى غيهبا وقال أبو نواس : يا ~~بدعة في مثال . . . يجوز حد الصفات فالوجه بدر تمام . . . بعين ظبي فلاة ~~والقد قد غلام . . . والغنج غنج فتاة مذكر حين يبدو ، . . . مؤنث الخلوات ~~زها علي بصدغ . . . مزرفن الحلقات . من فوق خد أسيل . . . يضيء في الظلمات ~~PageV02P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" وقال كشاجم : معتدل من كل أعطافه . . . ~~مستحسن الإقبال والملتفت لو قيست الدنيا ولذاتها . . . بساعة من وصله ، ما ~~وفت سلطت الألحاظ منه على . . . قلبي ؛ فلو أودت به ما اشتفت واستعذبت روحي ~~هواه فما . . . تسلو ولا تصحو ، ولو ms0350 أتلفت وقال فضل الرقاشي : وشاطر فاتك ~~الشمائل قد . . . خالط منه المجون تخنيثا . تراه طورا مذكرا ؛ فإذا . . . ~~عاقر راحا ، رأيت تأنيثا . ألثغ إن قلت يا فديتك : قل . . . موسى ، يقل من ~~رطوبة : موثا . ما زال حتى الصباح معتنقي . . . مطارحي في الدجى الأحاديثا ~~. وقال كشاجم : بليت بوجدين وجدي بظبي . . . يصد ، وما به إلا لجاج . ~~وعذبني قضيب في كثيب . . . تساوى فيه لين واندماج . أغار إذا دنت من فيه ~~كاس . . . على در يقبله زجاج . PageV02P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" وقال أيضا : يا لقومي من لمكتئب . . . دمعه ~~في الخد منسفح ؟ لامه العذال في رشإ . . . عذره من مثله يضح . وادعوا نصحي ~~وأخون ما . . . كان عذالي إذا نصحوا خوفوني من فضيحته ، . . . ليته وافى ~~وأفتضح كيف يسلو القلب عن غصن ، . . . عله من مائه المرح ؟ ذهبي الحسن تحسب ~~من . . . وجنتيه النار تقتدح وكأن الشمس نيط لها . . . قمر ، يمناه والقدح ~~. صد أن مازحته غضبا . . . ما على الأحباب إن مزحوا ؟ وهو لا يدري لنخوته . ~~. . أننا في النوم نصطلح ثم لا أنسى مقالته : . . . أطفيلي ومقترح ؟ وقال ~~تاج الملوك ابن أيوب : فديت وجه الحبيب بدرا . . . والبدر يفدى ، وليس يفدي ~~سبى فؤادي بليل شعر . . . وصبح وجه وغصن قد . في فمه عنبر مداف . . . في ~~قهوة خولطت بشهد . كأنما خده شقيق ، . . . نقط من خاله بند . ظبي من الترك ~~ذو دلال . . . يستحسن الجور والتعدي . كأنه غصن خيرزان ، . . . إذا انثنى ~~أو قضيب رند . يحل في الحب عقد صبري . . . إن شد في الخصر عقد بند ~~PageV02P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" وقال أبو نواس : أيا من بحبي علي اجترى ؟ . . ~~. ومن بلساني علي افترى ؟ ومن بيدي غلني للهوى ، . . . فأصبحت للحب مستأسرا ~~؟ أما والذي جعل المستهام . . . صديق السهاد عدو الكرى لقد ذهبت مهجتي ~~باطلا ، . . . لئن مت منك على ما أرى وقال آخر : ومهفهف طاوي الحشا . . . ~~خنث المعاطف والنظر ملأ القلوب بصورة . . . تليت محاسنها سور فإذا رنا وإذا ~~شدا . . . وإذا سقى وإذا سفر : فضح الغزالة والحم . . . امة والمدامة ~~والقمر وقال آخر : إذا أكثر الواشون فينا مقالهم . . . وليس لهم عندي وعندك ~~من ثار ، وشنوا على أسماعنا كل غارة . . . وقلت ms0351 حماتي عند ذاك وأنصاري ، ~~لقيناهم من مقلتيك وأدمى . . . وأنفاسنا بالسيف والسيل والنار . وقال آخر ، ~~من شعراء اليتيمة : وأغن أغيد حبه . . . مستأنس لي ، وهو نافر إن قلت : ~~زرني قال : نم ، . . . فالطيف ليس يزور ساهر كيف السبيل إلى الرقا . . . د ~~كما رسمت ، وأنت هاجر ؟ ويقول لي فيما يقو . . . ل : نعم وما للقول آخر حتى ~~أشاور قلت : ل . . . كني هويت ولم أشاور PageV02P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" وقال تاج الملوك : يا قمرا أقبل يسعى على . . ~~. دعص من الأغصان مهزوز وصلك ، واويلي على طيبه . . . أصبح ذا منع وتعزيز . ~~ما كان إلا بيضة الديك لي . . . أو مطرة في شهر تموز . وقال أبو نواس : ~~عذبني قلبي بمن قلبه . . . للصب مثل الحجر القاسي . أحور فتان قطوف الخطا . ~~. . أغيد مثل الغصن مياس . أبيت ليلي ونهاري معا . . . معلقا منه بوسواس . ~~إني وإن لم يك لي نائل . . . منه لأرجوه على ياس . وقال سيف الدين المشد : ~~إلى قدك اللدن يعزى الهيف . . . فما هبت الريح إلا انعطف قوام أراد قضيب ~~النقا . . . يحاكيه ، لما انثنى ، فانقصف فيا راميا قد رماني هواه . . . ~~بنار الأسى في بحار الأسف سهام جفونك قلبي غدا . . . لها غرضا ، وضلوعي هدف ~~. وأوردتني في الهوى موردا . . . تجرعت فيه مرير التلف . وأعرضت عني ، ولا ~~ذنب لي . . . فكم ذا الدلال وكم ذا الصلف ومخطف خصر على ردفه ، . . . فكل ~~فؤاد به مختطف PageV02P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" وقال أبو القاسم العطار : وبي غزال ، إذا ~~صادفت غرته . . . جنيت من وجنتيه روضة أنفا كالبدر مكتملا ، كالظبي ملتفتا ~~، . . . كالروض مبتسما ، كالغصن منعطفا وقال تاج الملوك : يا قمرا في غصن ~~من بانة ، . . . يميل عجبا في كثيب من نقا أصبح قلب المستهام مغربا . . . ~~له ، وأطواق القباء مشرقا أغيد ، لا يقصد إلا تلفي . . . ولم يزل قلبي به ~~معلقا . ذكرني حسن ابتسام ثغره ال . . . واضح لمع البرق إذ تألقا . وطالما ~~ذكرنيرضابه ال . . . بارد صرف الراح إذ تعتقا . أغن ، ما فوق سهم لحظه . . ~~. إلا أصاب القلب لما فوقا . حاجبه قوس ولحظ عينه . . . سهم ، فما يخطي إذا ~~ما رشقا . وقال أبو نواس : جال ماء الشباب في خديكا ms0352 ، . . . وتلالا البهاء ~~في عارضيكا . ورمى طرفك المكحل بالسح . . . ر فؤادي فصار رهنا لديكا . أنا ~~مستهتر بحبك صب . . . لست أشكو هواك إلا إليكا . يا بديع الجمال والحسن ~~والدل . . . ، حياتي وميتتي في يديكا . بأبي أنت لو بليت بوجدي . . . لم ~~يهن ما لقيت منك عليكا أصبحت بالهوى سهام المنايا . . . قاصدات إلي من ~~عينيكا PageV02P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" وقال أيضا : يا من جداه قليل . . . ومن بلاه ~~طويل ومن دعاني إليه . . . طرف أحم كحيل ، وواضح النبت يحكي . . . مزاجه ~~الزنجبيل ، ووجنة جائل ما . . . ؤها وخد أسيل . وغصن بان تثنى . . . قدا ، ~~وردف ثقيل ، ويجمع الحسن فيه . . . وجه وسيم جميل فكل ناحية من . . . قلبي ~~إليه تميل وقال الوأواء الدمشقي : رماه ريم فأصا . . . ب القلب منه ، إذ ~~رمى . واحتج في قتلته . . . بأنه ما علما . يا معشر الناس أما . . . ينصفني ~~من ظلما ؟ علم سقم طرفه . . . جسمي منه سقما . فسقم جسمي في الهوى . . . من ~~طرفه تعلما . لو قيل لي : ما تشتهي ؟ . . . مخيرا محكما . لقلت أن ألثمه : ~~. . . نحرا ووجها وفما وقال الوزير أبو مروان عبد الملك بن جهور : أحوى ~~النواظر ، ألعس الش . . . فتين ، عذب الريق ، ألمى لو زارني طيف له . . . ~~عند الهجوع ولو ألما ، لأفاد روحا أو لفر . . . ج من هموم النفس هما ~~PageV02P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" وقال آخر : وأهيف ، مهزوز القوام إذا انثنى . ~~. . وهبت لعذري فيه ذنب اللوائم . بثغر كما يبدو لك الصبح باسم ، . . . ~~وشعر كما يبدو لك الليل فاحم . مليح الرضا والسخط ، تلقاه عاتبا . . . ~~بألفاظ مظلوم وألحاظ ظالم . ومما شجاني أنني يوم بينهم . . . شكوت الذي ~~ألقى إلى غير راحم . وحملت أثقال الجوى غير حامل . . . وأودعت أسرار الهوى ~~غير كاتم . وأبرح ما لاقيته أن متلفي . . . بما حل بي في حبه ، غير عالم . ~~ولو كنت مذ بانوا سهرت لساهر . . . لهان ، ولكني سهرت لنائم . وقال أبو ~~نواس : يا ريم هات الدواة والقلما . . . أكتب شوقي إلى الذي ظلما غضبان قد ~~غرني رضاه ولو . . . يسئل مما غضبت ، ما علما . فليس ينفك منه عاشقه . . . ~~في جمع عذر لغير ما اجترما . أظل يقظان في تذكره . . . حتى إذا نمت ، كان ms0353 ~~لي حلما . لو نظرت عينه إلى حجر ، . . . ولد فيه فتورها سقما وقال سيف ~~الدين المشد : وبي رشيق القوام لدن . . . لقده ينسب الرديني ما نظرته ~~العيون إلا . . . فدته من نظرة وعين قابل بالكأس وجنتيه ، . . . فحف نجم ~~بنيرين . وزينت كفه الحميا . . . ما أحسن التبر في اللجين PageV02P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" وقال كشاجم : بالله يا متفردا في حسنه . . . ~~ومقلبا هاروت بين محاجره ومحكما أردافه في خصره ، . . . ومصافحا خلخاله ~~بضفائره لا تغضبن على فتى يرضى بما . . . أوليته ، ولو انتعلت بناظره . ~~ويتكلم الأسرار حتى إنه . . . ليصونها عن أن تمر بخاطره . وقال أبو تمام ~~الطائي : لها ، وأعارني ولها . . . وأبصر ذلتي فزها له وجه يعز به ، . . . ~~ولي حرق أذل بها دقيق محاسن ، وصلت . . . محاسن وجنتيه بها . ألاحظ حسن ~~وجنته ، . . . فتجرحني وأجرحها . وقال أيضا : نشرت فيك رسيسا كنت أطويه . . ~~. وأظهرت لوعتي ما كنت أخفيه إن كان وجهك لي تترى محاسنه ، . . . فإن فعلك ~~لي تتري مساويه مرتجة في تهاديه أسافله ، . . . مهتزة في تثنيه أعاليه تاهت ~~على صور الأشياء صورته . . . حتى إذا كملت ، تاهت على التيه وقال المخزومي ~~: أي محب فيك لم أحكه ؟ . . . وأي ليل فيك لم أبكه ؟ إن كان لا يرضيك إلا ~~دمي ، . . . فقد أذنا لك في سفكه PageV02P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" وقال أبو نواس : يا قابري بملاله . . . ~~ودامري بمطاله ويا مبدل ليلي . . . قصاره بطواله أعوذ منك بوجه . . . بدر ~~الدجى في مثاله لكنه منه أحلى . . . لحسن موضع خاله . هلا رحمت صريعا . . . ~~تحت الردى وطلاله ؟ من لا يرى منه فوق ال . . . فراش غير خياله . مثل ~~الخلال نحيلا . . . يخفى على عذاله . فمن بغى لك سوءا ، . . . فكان في مثل ~~حاله وقال محمد بن عبد الله السلامي ، شاعر اليتيمة : ومختصر الخصر ، من ~~بعده . . . هربت فألقيت في صده وقابلني وجهه مقبلا . . . بحد الحسام ~~وإفرنده . فما زلت أعصر من خمره . . . وأقطف من مجتنى ورده . وأظمأ فأرشف ~~من ريقه . . . فيا حر صدري من برده وقال أبو هلال العسكري : أقول لما لاح ~~من خدره ، . . . والليل يرخي الفضل من ستره : أبدره أحسن من وجهه ، . . . ~~أم وجهه أحسن من بدره ؟ قد ms0354 مالت الرقة في شطره ، . . . ومالت الغلظة في ~~شطره . PageV02P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" فأزره غصت بأردافه ، . . . ووشحه جالت على ~~خصره . أصبحت لا أدري وإن لم يكنفي الأرض شيء أنا لم أدره أشعره أحسن من ~~قده ؟ . . . أم قده أحسن من شعره ؟ ودره يؤخذ من لفظه ، . . . أم لفظه يؤخذ ~~من دره ؟ وثغره ينظم من عقده ، . . . أم عقده ينظم من ثغره ؟ فمن عذير الصب ~~من صده ؟ . . . ومن مجير القلب من هجره ؟ يا ليته يعرف حبي له . . . عساه ~~يجزيني على قدره وقال تاج الملوك بن أيوب : يا هلالا لاح في غصن ، . . . ~~تشرق الدنيا بطلعته وغزالا طالما خضع . . . الأسد الضاري لهيبته ما رنا إلا ~~وجرد لي . . . صارما من لحظ مقلته . صل عليلا ، أنت أعلم من . . . كل مخلوق ~~بعلته . قد أطالت مقلتاك بلا . . . سبب تعذيب مهجته . كلما لجت عواذله . . ~~. أججت نيران لوعته . فاتئد من طول عذلك لي ، . . . يا عذولي في محبته من ~~بنى الأتراك معتدل ، . . . قد تمادى في قطيعته . ليس يشفى القلب من ظمأ . . ~~. غير رشفي راح ريقته لا ، ولا يطفي لظي كبدي . . . غير تقبيلي لوجنته ليت ~~أن الدهر مكنني . . . بيدي من حل تكته PageV02P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" وقال آخر : ومهفهف عني يميل ولم يمل . . . ~~يوما إلي ، فقلت من ألم الجوى : لم لا تميل إلي ، يا غصن النقا ؟ . . . ~~فأجاب : كيف ، وأنت من جهة الهوى ؟ وقال ابن الطرابلسي : من ركب البدر في ~~صدر الرديني ، . . . وموه السحر في حد اليماني ؟ وأنزل النير الأعلى إلى ~~فلك . . . مداره في القباء الخسرواني ؟ طرف زنا أم قراب سل صارمه ؟ . . . ~~وأغيد ماس أم أعطاف خطي ؟ وبرق غادية أم برق مبتسم ، . . . يفتر من خلل ~~الصدغ الدجوجي ؟ ويلاه ، من فارسي النحر مفترس . . . بفاتر أسدي الفتك ريمي ~~يكن ناظره ما في كنانته . . . فليس ينفك من إقصاد مرمي أذلني بعد عز ؛ ~~والهوى أبدا . . . يستعبد الليث للظبي الكناسي . ما مان ماني ، لولا ليل ~~عارضه . . . ما شد خيل المنايا بالأماني . تكنف الحسن منه وجه مشتمل . . . ~~نفار أحور في تأنيث حوري . PageV02P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" أما وذائب مسك من ذوائبه . . . على أعالي ~~القضيب الخيزراني ms0355 ؟ لو قيل للبدر : من في الأرض تحسده ؟ . . . إذا تجلى ، ~~لقال ابن الفلاني أربى علي بشتى من محاسنه . . . تألفت بين مسموع ومرئي . ~~إباء فارس مع لين الشآم مع الظ . . . رف العراقي في النطق الحجازي . وما ~~المدامة بالألباب ألعب من . . . فصاحة البدو في ألفاظ تركي أشبهته ببعادي ، ~~ثم كان له . . . مزية الخلق والأخلاق والزي . من أين لي لهب يجري على ذهب . ~~. . في صحن ابيض صافي الماء فضي ؟ وروضة لم تحكها كف سارية . . . ولا شكا ~~خدها من لثم وسمي ؟ يحفها سوسن غض يغازله . . . بنرجس بنطاف السحر مولي . ~~من منقذي أو مجيري من هوى رشإ . . . أفتى وأفتك من عمرو بن معدي ؟ لا يعشق ~~الدهر إلا ذكر معركة . . . أو خوض مهلكة أو ضرب هندي . ولا يحدث إلا عن ~~ربابته . . . من المهار العوالي والمهاري . والصافنات ولبس الضافيات وشر . ~~. . ب الصافيات وإطراب الأغاني ، أشهى إليه من الدوح الظليل على الر . . . ~~وح العليل وتغريد القماري ، شد الجياد لأيام الجلاد وإر . . . شاد الصعاد ~~إلى طعن الأناسي ؟ وحث باز على نأي وحمل قطا . . . مي تكدر منه عيش كدري ؟ ~~PageV02P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" في غلمة كغصون البان يحملها . . . كثبان برد ~~على غادات بردي ؟ يمشون في الوشى أسرابا ، فتحسبهم . . . روض الربيع على ~~بيض الأداحي . والساحر الساخر الغرار بينهم . . . كالشمس تكسف أنوار ~~الدراري . مهفهف القد ، سهل الخد ، أغرب في ال . . . جمال من لثغة في لفظ ~~نجدي . يلهيه عن كتب تروى ونصرته . . . لشافعي فقيه أو حنيفي . عوج القسي ~~وقب الأعوجية والش . . . هب الهماليج تربى في الأواري . والشعر في الشعر ~~الداجي على الغنج الس . . . اجي يلين منه قلب حوشي . فلو بصرت به يصغي ~~وأنشده ، . . . قلت النواسي يشجو قلب عذري . أو صائد الإنس قد ألقى حبائله ~~. . . ليلا فأوقع فيها صعيد وحشي . أغراه بي بعد ما جد النفار به . . . شدو ~~القريض وألحان السريجي . فصار أطوع لي منه لمقلته ، . . . وصرت أعرف فيه ~~بالعزيزي . PageV02P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" ومما قيل في المؤنث ، قال ابن الرومي : مخففة ~~مثقلة ، تراها . . . كأن لم يعد نصفيها غذاء إذا الإغباب جدد حسن شيء . . . ~~من الأشياء ، جددها ms0356 اللقاء . لها ريق تشف له الثنايا ، ويروى عنه لا منه ~~الظماء . وأنفاس كأنفاس الخزامى . . . قبيل الصبح ، بلتها السماء تنفس ~~نشرها سحرا ، فجاءت . . . به سحرية المسرى رخاء وقال أبو نواس : ما هوى إلا ~~له سبب . . . يبتدي منه وينشعب . فتنت قلبي محجبة ، . . . وجهها بالحسن ~~منتقب . خليت والحسن تأخذه . . . تنتقي منه وتنتحب . فاكتست منه طرائفه . . ~~. واستزادت بعض ما تهب . صار جدا ما مزحت به . . . رب جد ساقه اللعب . وقال ~~أيضا : يا قمرا ، أبصرت في مأتم . . . يندب شجوا بين أتراب يبكي فيذري الدر ~~من نرجس ، . . . ويلطم الورد بعناب . أبرزه المأتم لي كارها ، . . . برغم ~~دايات وحجاب لا تبك ميتا حل في رمسه ، . . . وابك قتيلا لك بالباب ~~PageV02P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" وقال سيف الدين المشد : وبمهجتي من لو بدت . ~~. . للشمس من تحت النقاب ، سترت محاسن وجهها . . . خجلا ، ولاذت بالسحاب ~~وقال القاضي أبو علي التنوخي ، شاعر اليتيمة : أقول لها والحي قد فطنوا بنا ~~. . . وما لي عن أيدي المنون براح : لما ساءني أن وشحتني سيوفهم . . . وإني ~~لكم دون الوشاح وشاح . وقال عمارة اليماني : طرقتها ، والليل وحف الجناح ، ~~. . . وما تلبست بثوب الجناح . في ليلة بات نجادي بها . . . ذوائبا يخفقن ~~فوق الوشاح . والحسن قد ألف أشتاته . . . غصن تثنى فوق ردف رداح . نام رقيب ~~الصبح عن ليلتي ، . . . وبات لي كل مصون مباح أجمع من خد ومن مبسم . . . ~~بحمرة الورد بياض الأقاح . حصلت من ريق ومن منطق . . . على اقتراح ونمير ~~قراح . PageV02P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" ترنحت من نشوات الصبا . . . فبت مسرورا ~~بنشوان صاح . وفاح من نشر الصبا عنبر . . . أحرقه الفجر بجمر الصباح وقال ~~أبو نواس : وذات خد مورد . . . قوهية المتجرد . تأمل العين منها . . . ~~محاسنا ليس تنفذ . فالحسن في كل جزء . . . منها معاد مردد . فبعضه في ~~انتهاء . . . وبعضه يتولد . وكلما عدت فيه . . . يكون لي العود أحمد وقال ~~علي بن عبد الرحمن بن المنجم : شبهتها بالبدر فاستضحكت . . . وقابلت قولي ~~بالنكر . وسفهت قولي وقالت : متى . . . سمجت حتى صرت كالبدر . البدر لا ~~يرنو بعين كما . . . أرنو ، ولا يبسم عن ثغر . ولا يميط المرط عن ناهد ، . ~~. . ولا يشد العقد ms0357 في نحر . من قاس بالبدر صفاتي ، فلا . . . زال أسيرا في ~~يدي هجري وقال العماد الأصفهاني : لئن الأهلة بالمعاجر . . . وكحلن بالسقم ~~المحاجر . ونظرن عن حدق حجر . . . ن بها على آرام حاجر . PageV02P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" شهرت لحاظ ظبائهن . . . على القلوب ظبا بواتر ~~. آرام خدر باللحا . . . ظ تصيد آسادا خوادر . غيد لسفك دم المحب . . . ~~تظافرت منها الظفائر . بيض الترائب حمرها . . . خضر اللمى سود الغدائر . ~~وقال كشاجم : جعلت إليك الهوى . . . شفيعا فلم ، تشفعي وناديت مستعطفا . . ~~. رضاك فلم تسمعي . أتاركتي مدنفا . . . أخا جسد موجع ومغريتي والدمو . . . ~~ع قد أحرقت مدمعي . أ حين سبيت الفؤا . . . د بالنظر المطمع ، جفوت ~~وأقصيتني ؟ . . . فهلا ، وقلبي معي ؟ وقال ابن المعلم : صعدة القد وسيف ~~الكحل . . . حكما حكم الهوى في أجلي . يا لقومي حملت ثقل دمي . . . غادة ~~يثقلها حمل الحلى قدها معتدل يظلمني . . . حزني من قدها المعتدل خصرها ينشط ~~، لكن ردفها . . . أبدا يقهره بالكسل . PageV02P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" نظرة من مقلتي جارية . . . وثنت عطف القضيب ~~الثمل . لست أدري : قمر في كلة . . . ما أرى ، أم دمية في هيكل ؟ سألت جسمي ~~عن ساكنه . . . ومن الجهل سؤال الطلل وقال سيف الدين المشد : وغادة ، أعشق ~~من أجلها . . . بدر الدجى والظبي والخيزران . لأن ذا يشبهها بهجة ، . . . ~~وذاك ألحاظا ، وهذا بنان . وقال أبو نواس : يا منسي المأتم أشجانه . . . ~~لما أتاهم في المعزينا حلت عجار الوشي عن صورة . . . ألبسها الله التحاسينا ~~استفتنتهن بتمثالها . . . فهن للتكليف يبكينا . حق لذاك الوجه أن يزدهي . . ~~. عن حزنه من كان محزونا . وقال أيضا : أيا ليت شعري أمن صخرة . . . فؤادك ~~هذا الذي لا يلين تقول إذا ما اشتكيت الهوى ، . . . كما يشتكي الباس ~~المستكين : أ في النوم أبصرت ذا كله ؟ . . . فخيرا رأيت ، وخيرا يكون وقال ~~المشوق الشامي : أترى بثار أو بدين . . . علقت محاسنها بعيني ؟ في خصرها ~~وقوامها . . . ولحاظها ما في الرديني . وبوجهها ماء الشبا . . . ب خليط نار ~~الوجنتين . PageV02P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" وقال السري الرفا ، شاعر اليتيمة : قامت ~~وخطوط البانة ال . . . مياس في أثوابها . ويهزها سكران : سك . . . ر شرابها ~~وشبابها تسعى بصهباوين من . . . ألحاظها وشرابها . وكأن كأس مدامها ms0358 . . . ~~لما ارتدت بحبابها : توريد وجنتها إذا . . . ما لاح تحت نقابها . وقال ابن ~~الرومي : من بنات الروم ، لا يكذبنا . . . لونها المشرق عن منصبها . قامة ~~الغصن إذا ما اعتدلت ، قامة الغصن إلى منكبها . شهد الشاهد من أحسنها ، . . ~~. فحكى الغائب من أطيبها . تشفع الحسن بإحسان لها . . . يجلب الأفراح من ~~مجلبها . تشرع الألحاظ في وجنتها . . . فتلاقي الري في مشربها . وجنة للغنج ~~فيها عقرب ، . . . وبلاء الصب من عقربها . وإذا قامت إلى ملعبها . . . ~~كمهاة الرمل في ملعبها ، سألت أردافها أعطافها : . . . هل رأت أوطأ من ~~مركبها ؟ PageV02P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" وقال أبو الحسين بن فارس : مرت بنا هيفاء ~~مقدودة . . . تركية تنمي لتزكي . ترنو بطرف فاتر فاتن . . . أضعف من حجة ~~نحوي . ومماقيل في المطلق والمشترك ، قال الطغرائي : فيم التعجب من قلبي ~~وصبوته . . . كأنكم لم تروا من قبله عجبا ذوقوا الهوى ثم لوموا ما بدا لكم ~~؛ . . . أولا ، فخلوا ملامي واربحوا التعبا وقال أيضا : وكنت أراني مفلتا ~~شرك الهوى ، . . . وقد صادني سحر العيون النوافث . وأسمعني داعي الغرام ~~نداءه ، . . . فقمت إليه مسرعا غير لابث . وأعطيت إخوان البطالة صفقتي ، . ~~. . وبعت قديما من غرامي بحادث . فما صفقتي في البيع صفقة خاسر ، . . . ولا ~~بيعتي للحب ببيعة ناكث . فلا تعذلوني في غرامي بعد ما . . . تولى الصبا ، ~~فالعذل أول باعث ولا تبحثوا عن سر قلبي إنه . . . صفا ، ليس يمضي فيه معول ~~باحث . أرى صبوات الحب قد جد جدها ، . . . وقد كان بدء الحب مزحة عابث وقال ~~الأرجاني : قفا معي في هذه المعاهد . . . لا بد للصب من المساعد ~~PageV02P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" لا تبخلا يا صاحبي واسمحا . . . بوقفة على ~~المعنى الواجد . في منزل عهدت في عراصه ، . . . لو رد معهودا بكاء عاهد ، ~~كواعبا من الدمى لواعبا . . . مشبهة الثغور لا القلائد . يمشين من فرط ~~النعيم والصبا . . . كالقضب الموائل الموائد . فيهن ظبي علق القلب به . . . ~~من الظباء النفر الشوارد . إذا تبدى مرض بطرفه ، . . . لم يخل من أفئدة ~~عوائد . رميته ، فصادني . فمن رأى . . . صيدا يمر بفؤاد الصائد ؟ قطعت من ~~قلبي رجائي في الهوى . . . والقطع طب كل عضو فاسد وقال أبو القاسم عبد الله ~~الدينوري ms0359 ، شاعر اليتيمة : يا لعصر الخلاعة المودود . . . ولظل الشبيبة ~~الممدود وارتشافي الرضاب من برد الثغ . . . ر ولثمي عليه ورد الخدود وبكوري ~~إلى مجالس علم . . . رواحي إلى كواعب غيد في قميص من السرور مذال . . . ~~ورداء من الشباب جديد وقال تاج الملوك بن أيوب : ألا رحمتم ميتا دنفا . . . ~~ما زال من جوركم بكم عائذ صبا قضى الله أن يهيم بكم . . . ولا مرد لحكمه ~~النافذ يلوذ حبا دون الأنام بكم . . . وحسبه أنه بكم لائذ PageV02P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" وقال فخر الدين الوركاني ، شاعر الخريدة : أ ~~أحبابنا أما حياتي بعدكم . . . فموت ، وأما مشربي فمنغص . وأسعد شيء في ~~قلبي لأنه . . . لديكم ، وجسمي بالبعاد مخصص وقال العماد الأصفهاني : بذلت ~~لهم أبغي رضاهم مودتيوقلبي وصبري والرقاد ، فما رضوا . وهبني عن كل تعوضت ~~بعدهم . . . فقل لي : بماذا عنهم أتعوض ؟ وما كان ظني أن عيشي ينقضي . . . ~~ونجم الصبا ينقض والعهد ينقض . وقال الطغرائي : إن الألى أرضاك قولهم . . . ~~بالأمس ، تحت رضاهم سخط لما صفا ذاك الجمال لهم ، . . . تاهوا على العشاق ~~واشتطوا . هموا ببين فاستطار له . . . قلبي ، فكيف يكون إن شطوا ؟ وقال ~~الطغرائي أيضا : في القلب من حر الفراق شواظ ، . . . والدمع قد شرقت به ~~الألحاظ . ولقد حفظت عهودكم ، وغدرتم . . . . شتان غدر في الهوى وحفاظ لله ~~أي مواقف رقت لنا . . . فيها الوسائل ، والقلوب غلاظ وقال أيضا : وسائل عن ~~جوى قلبي ، فقلت له : . . . ما أنت عندي على سر بمتهم طاب الجوى في الهوى ~~حتى أنست به ، . . . فهو المرارة يحلو طعمها بفمي وقال أحمد بن محمد بن عبد ~~ربه : أتقتلني ظلما وتجحدني قتلي ، . . . وقد قام من عينيك لي شاهدا عدل ~~PageV02P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" أ طلاب ذحلي ، ليس لي غير شادن . . . بعينيه ~~سحر فاطلبوا عنده ذحلي أغار على قلبي ، فلما أتيته . . . أطالبه فيه ، أغار ~~على عقلي بنفسي التي ضنت برد سلامها . . . ولو سألت قتلي ، وهبت لها قتلي ~~إذا جئتها صدت حياء بوجهها ، . . . فتهجرني هجرا ألذ من الوصل . وإن حكمت ~~جارت علي بحكمها ؛ . . . ولكن ذاك الجور أشهى من العدل . كتمت الهوى جهدي ، ~~فجوده الأسى . . . بماء البكا ، هذا يخط ms0360 وذا يملي وأحببت فيها العذل حبا ~~لذكرها ، . . . فلا شيء أحلى في فؤادي من العذل أقول لقلبي كلما ضامه الأسى ~~: . . . إذا ما أبيت العز ، فاصبر على الذل برأيك لا رأيي تعرضت للهوى ، . ~~. . وأمرك لا أمري وفعلك لا فعلي . وجدت الهوى نصلا من الموت مغمدا . . . ~~فجردته ثم اتكأت على النصل فإن كنت مقتولا على غير ريبة . . . فأنت الذي ~~عرضت نفسك للقتل وهذه الأبيات معارضة لصريع الغواني في قوله : أديرا علي ~~الكأس ، لا تشربا قبلي . . . ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي فما حزني أني ~~أموت صبابة ؛ . . . ولكن على من لا يحل لها قتلي فديت التي صدت وقالت ~~لتربها : . . . دعةه ، الثريا منه أقرب من وصلي وقال ابن عبد ربه : صحا ~~القلب ، إلا خطرة تبعث الأسى . . . لها زفرة موصولة بحنبن . بلى ، ربما حلت ~~عرى عزماته . . . سوالف آرام وأعين عين . PageV02P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" لواحظ حبات القلوب إذا رنت . . . بسحر عيون ~~وانكسار جفون . وريط من الموشي أينع تحته . . . ثمار صدور ، لا ثمار غصون . ~~برود كأنوار الربيع لبسنها . . . ثياب تصاب لا ثياب مجون . فرين أديم الليل ~~عن نور أوجه . . . تجن بها الألباب كل جنون . وجوه جرى فيها النعيم فكللت . ~~. . بورد خدود يجتنى بعيون . سألبس للأيام درعا من العزا ، . . . وإن لم ~~يكن عند اللقا بحصين . وكيف ، ولي قلب إذا هبت الصبا . . . أهاب بشوق في ~~الضلوع دفين ؟ وقال آخر : هزوا القدود وجردوا الأجفانا . . . فاطلب لنفسك ، ~~إن قدرت أمانا . والق السلاح إذا انثنوا وإذا رنوا ؛ . . . وكن الجبان وإن ~~ملكت جنانا . واحذر ضراما بالعيون ، وسل به . . . مثلي ، وجانب بالقدود ~~طعانا . فلقد رأيت الأسد وهي كواسر . . . تخشى بمعترك الهوى الغزلانا . لا ~~تعبثن بذابل وبباتر . . . وخف المهفهف واحذر الوسنانا لولا تشلبه مقلة أو ~~قامة ، . . . ما خفت يوما صعدة وسنانا . وأنا الذي حضر الوقائع في الهوى . ~~. . وأقام في أسير الغرام زمانا . ولكم رأيت به الشدائد مرة . . . ولكم ~~رأيت به الممات عيانا وثبت بين معاطف ولواحظ . . . في موقف يذر الشجاع ~~جبانا مستسلما للعشق : لا مستصرخا . . . صبرا ، ولا مستنجدا سلوانا . أرجو ~~الشهادة إن قتلت به ، وما . . . وليت ms0361 فيه ولا ثنيت عنانا . يا ويح قلب ما ~~خلا من شغله . . . بصبابة ومحبة مذكانا لو فتشوه لما لقوا لسوى الهوى . . . ~~فيه ولا غير الغرام مكانا . PageV02P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" وقال التلعفري : هذا العذول عليكم ، ما لي ~~وله ؟ . . . أنا قد رضيت بذا الغرام وذا الوله شرط المحبة أن كل متيم . . . ~~صب يطيع هواه ، يعصي عذله . وأخذتموني حين سار بحبكم . . . مثلي ، ومثلي ~~سره لن يبذله وما أعربت والله عن وجدي بكم . . . وصبابتي إلا دموعي المهملة ~~. جزتم مداكم في قطيعتكم ، فلا . . . عطف لعائدكم يرام ، ولا صلة . أ ~~ألومكم في هجركم وصدودكم ، . . . ما هذه في الحب منكم أوله قسما بكم ، قد ~~حرت مما أشتكي . . . حسبي الدجى ، فعدمته ما أطوله ليلي كيوم الحشر معنى إن ~~يكن . . . لا ليل ذاك له ، فذا لاصبح له . يا سائلي من بعدهم عن حالتي . . ~~. ترك الجواب جواب هذي المسألة حالي إذا حدثت لا لمعا ولا . . . جملا ~~لإيضاحي لها من تكملة . عندي جوى يذر الفصيح مبلدا : . . . فاترك مفصله ~~ودونك مجمله القلب ليس من الصحاح فيرتجى . . . إصلاحه ، والعين سحب مثقلة . ~~يا نازحين ، وفي أكلة عيسهم . . . رشأ عليه حشا المحب مقلقله قمر له في ~~الطرف بل في القلب بل . . . في النثرة الحصداء أشرف منزلة . الصدغ منه عقرب ~~، ولحاظه . . . أسد ، وخلف الظهر منه سنبلة . PageV02P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" ما أجور الألحاظ منه إذا رنا . . . وإذا ~~انثنى ، فقوامه ما أعدله لو لم يصب صدغيه عارض خده ، . . . ما أصبحت في ~~عارضيه مسلسلة . لله منه مهفهف أجنيته . . . عسل الهوى فجنيت منه حنظله لو ~~كنت فيه قبلت نصح عواذلي ، . . . ما أدبرت أيام حظي المقبلة وقال الطغرائي ~~: رويدكم لا تسبقوا بقطيعتي . . . صروف الليالي ، وإن في الدهر كافيا . ويا ~~قلب ، عاود ما ألفت من الجوى . . . معاذ الهوى أن تصبح اليوم ساليا ويا ~~كبدي ، ذوبي ويا مقلتي ، اسهري . . . ويا نفس لا تبقي من الوجد باقيا فلا ~~تطمعوا في برء ما بي ، فإنه . . . هو الداء قد أعيا الطبيب المداويا ومما ~~قيل في طيف الخيال ، قال قيس بن الخطيم : إني شربت ، وكنت غير شروب . . . ~~وتقرب ms0362 الأحلام غير قريب . ما تمنعي يقظي ، فقد تؤتينه . . . في النوم غير ~~مكدر محسوب . كان المنى تلقاءها ، فلقيتها . . . ولهوت من لهو امرئ مكذوب ~~وقال عمرو بن قميثة : نأتك أمامة ، إلا سؤالا . . . وإلا خيالا يوافي خيالا ~~. خيالا يخيل لي نيلها ، . . . ولو قدرت لم يخيل نوالا قال أبو هلال ~~العسكري : ومن هاتين القطعتين أخذ المحدثون أكثر معانيهم في الخيال . ~~PageV02P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" وقال البعيث : أ زارتك ليلى ، والركاب خواضع ~~؟ . . . وقد بهر الليل النجوم الطوالع وأعطتك غايات المنى غير أنها . . . ~~كواذب إن حصلتها وخوادع . وقال أبو تمام : استزارته فكرتي في المنام ، . . ~~. فأتاها في خفية واكتتام . يا لها ليلة تزاورت الأر . . . واح فيها سرا عن ~~الأجسام مجلس لم يكن لنا فيه عيب . . . غير أنا في دعوة الأحلام وقال ~~الحمدوني : لم أنله ، فنلته بالأماني . . . في منامي سرا من الهجران واصل ~~الحلم بيننا بعد هجر ، . . . فاجتمعنا ونحن مفترقان . وكأن الأرواح خافت ~~رقيبا ، . . . فطوت سرها عن الأبدان . منظر كان نزهة العين إلا . . . أنه ~~منظر بغير عيان . وقال ابن الرومي : طرقتنا ، فأنالت نائلاشكره لو كان في ~~النبه الجحود . ثم قالت ، وأحست عجبي . . . من سراها حيث لا تسري الأسود . ~~لا تعجب من سرانا ، فالسرى . . . عادة الأقمار والناس هجود . أخذ العسكري ~~المعنى ، فقال : رقبت غفلة الرقيب ، فزارت . . . تحت ليل مطرز بنهار . ~~PageV02P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" فتعجبت من سراها ، فقالت : . . . غير مستطرف ~~سرى الأقمار ثم مالت بكأسها فسقتني . . . جلنارية على جل ناري وقال آخر : ~~فيا ليت طيفا ، خيلته لي المنى ، . . . وإن زادني شوقا إليك ، يعود أكلف ~~نفسي عنك صبرا وسلوة ، . . . وتكليف ما لا يستطاع شديد وقال العسكري : طرق ~~الخيال ، فزار منه خيالا . . . . فسرى يغازل في الرقاد غزالا . يا كشفة ~~للكرب ، إلا أنه . . . ولى على دبر الظلام فزالا . قعد المتيم ، وهو أكثر ~~صبوة . . . وأشد بلبالا وأكسف بالا وقال العماد الأصفهاني : ظبي طربت لطيفه ~~المتأوب . . . طرب العليل لرؤية المتطبب . لم أدر زورته ، أ كانت خطفة . . ~~. من بارق أم لمعة من كوكب . زار الكرى متهيبا رقباءه ، . . . أهلا به من ~~زائر متهيب لما رأى وجدي ، تأوه رحمة ms0363 . . . . لله من متأوه متأوب وأتى ~~ليقرب من وساد متيم ؛ . . . لما أحس بناره ، لم يقرب . وقال محمد بن بختيار ~~: لو أن طيف الخيال يسري ، . . . بل سراه غليل صدري . PageV02P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" ولو أراد الحبيب أن لا . . . يضيمني ، ما ~~استطاب هجري . يلومني في هواه من لا . . . يعلم أن الملام يغري . كم ليلة ~~زار في دجاها ، . . . فكان تحت الظلام بدري . يتخفى باحمرار خد . . . مورد ~~وابيضاض ثغر . يجمع لي بين سكر لحظ . . . وسكر ريق وسكر خمر . ودر لفظ ودر ~~ثغر . . . ودر كأس ودر نحر . وقال آخر : قلت للمعرض الذي صد عني : . . . إن ~~طيف الخيال لي عنك يغني . قال : لا تحمد الخيال فما زا . . . رك إلا عن ~~اختياري وإذني . كدت تقضي أسى ، فقلت لطيفي : . . . أحي لي روحه بزور ~~التمني ليس شحا بأن تموت ؛ ولكن . . . خفت أن تستريح بالموت مني وقال آخر : ~~فإن يحجبوها بالنهار ، فما لهم . . . بأن يحجبوا بالليل عني خيالعا وقال ~~المجنون : وإني لأستغشي ، وما بي نعسة ؛ . . . لعل لقاها في المنام يكون ~~تخبرني الأحلام أني أراكم ، . . . ألا ليت أحلام المنام يقين وقال المؤمل : ~~أتاني الكرى ليلا بشخص أحبه ؛ . . . أضاءت له الآفاق ، والليل مظلم . ~~فكلمني في النوم غير مغاضب ، . . . وعهدي به يقظان لا يتكلم PageV02P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" وذكر العباس بن الأحنف العلة في طروق الخيال ~~، فقال : خيالك حين أرقد نصب عيني . . . إلى وقت انتباهي لا يزول . وليس ~~يزورني صلة ، ولكن . . . حديث النفس عنك به الوصول وتتبعه الطائي فقال : ~~زار الخيال لها ، لا بل أزاركه . . . فكر ، إذا نام فكر الحلو لم ينم . ظبي ~~تقنصته لما نصبت له . . . في آخر الليل أشراكا من الحلم . ومما قيل في الرد ~~على العذول ، قال أبو نواس : ما حطك الواشون من رتبة . . . عندي ، ولا ضرك ~~مغتاب . كأنما أثنوا ولم يشعروا عليك عندي بالذي عابوا . وقال تاج الملوك : ~~مه يا عذول عن المحب ، فإنما . . . عذل المحب يزيد في بلباله لا تعذلن على ~~الصبابة مغرما . . . حتى تبيت من الزمان بحاله وقال أيضا من قصيدة : ولقد ~~قلت للذي لامني في . . . ك ، وما زال مثل ms0364 حالي : يا عذولي في حبه ، كف عذلي ~~. . . . أنا ما للعذول فيه وما لي كلما زدت في ملامي وعذلي ، . . . زدت في ~~لوعتي وفي بلبالي وقال الأرجاني : وجدي بلومك ، ياعذول يزيد . . . فاستبق ~~سهمك ، فالرمي بعيد PageV02P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" بلغ الهوى من سر قلبي موقعا : . . . لا العذل ~~يبلغه ولا التفنيد وتنم بالشجو المكتم عبرتي ، . . . ومن الدموع على الغرام ~~شهود وقال سيف الدين المشد : يا عاذلي ، خل عني . . . أسمعت غير سميع لا ~~ترج مني سلوا . . . فما فؤادي مطيعي وكيف أكتم ما بي . . . من لوعة وولوع ، ~~والذاريات جفوني ، . . . والمرسلات دموعي وقال ابن الخيمي : وتأمرني العذال ~~بالصبر عنكم ، . . . ومن ذا الذي يرضى عن الحلو بالصبر ؟ ومن أعجب الأشياء ~~أن عواذلي . . . يطيلون لومي في الهوى ، والهوى عذري ومما قيل في رجوع ~~العذول ، قال ابن وكيع : أقبل والعذال يلحونني ، . . . فكلهم قال : من ~~البدر ؟ فقلت : ذا من طال في حبه . . . منكم لي التعنيف والزجر قالوا : ~~جهلنا ، فاغفر جهلنا . . . فليس عن ذا لامرئ صبر عذرك في الحب له واضح ، . ~~. . وما لنا في لومنا عذر PageV02P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" وقال أيضا : أبصره عاذلي عليه ، . . . ولم ~~يكن قبل ذا رآه . فقال لي : لو عشقت هذا ، . . . ما لامك الناس في هواه قل ~~لي : إلى من عدلت عنه ، . . . فليس أهل الهوى سواه ؟ وظل من حيث ليس يدري ، ~~. . . يأمر بالحب من نهاه ومما قيل في الوصال ، قال ابن الرومي : ولقد ~~يؤلفنا اللقاء بليلة . . . جعلت لنا حتى الصياح نظاما . نجزي العيون جزاءهن ~~عن البكا . . . وعن السهاد ولا نصيب أثاما . فنبيحهن مرادهن ، يردنه . . . ~~فيما ادعين ، ملاحة ووساما . ونكافئ الآذان ، وهي حقيقة . . . إذ لا تزال ~~تكابد اللواما . فنثيبهن من الحديث مثوبة . . . تشفي الغليل وتكشف الأسقاما ~~. ونكافئ الأفواه عن كتمانها ، . . . إذ لا يزال لها الصمات لجاما . ~~فنبيحهن ملاثما ومراشفا ، . . . ما ضرها أن لا تكون مداما نجزي الثلاثة ~~أنصباء ثلاثة . . . مقسومة آناؤها أقساما . ومما قيل في الفراق والبين ، ~~قال بعض الكتاب : في الفراق مصافحة التسليم ، ورجاء الأوبة ، والسلامة من ~~الملال ، وعمارة القلب بالشوق ، والدلالة على فضل المواصلة واللقاء . ~~PageV02P0258 # """""" صفحة رقم 259 ms0365 """""" قال شاعر : جزى الله يوم البين خيرا ، فإنه . ~~. . أرانا على علاته أم ثابت وقال ابن الرومي : فإذا كان في الفراق اعتناق ~~، . . . جعل الله كل يوم فراقا وقال أبو حفص الشطرنجي : من يكن يكره الفراق ~~، فإني . . . أشتهيه لموضع التسليم إن فيه اعتناقة لفراق . . . وانتظار ~~اعتناقة لقدوم . وقال سيف الدولة بن حمدان : راقبتني العيون فيك ، فأشفق . ~~. . ت ؛ ولم أخل قط من إشفاق . ورأيت العدو يحسدني في . . . ك مجدا بأنفس ~~الأعلاق . فتمنيت أن تكون بعيدا ، . . . والذي من الود باق رب هجر يكون من ~~خوف هجر . . . وفراق يكون خوف فراق وأرى هذا كله على سبيل التعلل ليس إلا ، ~~وإنما الفراق لا شك في إيلامه للقلوب . قال بعض الشعراء : فلم لا تسبل ~~العبرات مني ، . . . ولست على اليقين من التلاقي ؟ فلا وأبيك ، ما أبصرت ~~شيئا . . . أمر على النفوس من الفراق ؟ وقال آخر : يا رب ، باعد بين جفني ~~والكرى . . . ما دام من أهواه في هجراني إني لأخشى أن أنام فألتقي . . . ~~بخياله ، خوف الفراق الثاني PageV02P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" وقال آخر : فارقته وبودي لو تفارقني . . . ~~روح الحياة ، وأني لآ أفارقه وقال أبو تمام : الموت عندي والفرا . . . ق : ~~كلاهما ما لا يطاق يتعاونان على النفو . . . س : فذا الحمام وذا السياق لو ~~لم يكن هذا كذا ، . . . ما قيل : موت أو فراق وقال غريب بن شاعر اليتيمة : ~~ألان يوم الفراق قسوته . . . حتى جرى دمعه وما شعرا . فخلت ما سال من ~~مدامعه . . . درا على وجنتيه منتثرا . لم يبك شوقا ، لكن بكى جزعا . . . ~~لهول يوم الفراق إذ حضرا . في مشهد لو أطاق شاهده . . . فيه استتارا لوجهه ~~، سترا . أبى أساه وفيض أدمعه . . . إلا اشتهارا في الحب ، فاشتهرا . وقال ~~أحمد بن محمد بن عبد ربه : هيج البين دواعي سقمي ، . . . وكسا جسمي ثوب ~~الألم أيها البين ، أقلني مرة . . . فإذا عدت ، فقد حل دمي . يا خلي الروع ~~، نم في غبطة . . . إن من فارقته لم ينم . ولقد هاج لقلبي سقما . . . ذكر ~~من لو شاء ، داوى سقمي . وقال آخر : بكت وبكيت لوشك الفراق ؛ . . . فقف ، ~~تر من مدمعينا العجب فذا فضة ms0366 في عقيق جرى ، . . . وهذا عقيق جرى في ذهب ~~PageV02P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" وقال آخر : قلت له والرقيب يزعجه . . . ~~مستعجلا للفراق : أين أنا ؟ فمد كفا إلى ترائبه . . . وقال : كن آمنا ، ~~فأنت هنا وقال آخر : قد قلت إذ سار السفين به ، . . . والشوق ينهب مهجتي ~~تهبا : لو كان لي ملك أصول به ، . . . لأخذت كل سفينة غصبا . وقال كشاجم : ~~مزجت دموع العين م . . . ني يوم بانوبالدما . فكأنما مزجت بخ . . . دي ~~مقلتي خمرا بما وقال آخر : لم أنس يوم الفراق موقفها ، . . . وطرفها في ~~دموعها غرق . وقولها ، والركاب سائرة : . . . تتركنا هكذا ، وتنطلق ؟ ومنه ~~ما قيل في مفارقة الأصحاب : لما رأيت مصاحبي ومعاشري . . . لجديد ودي ~~بالقطيعة مزقا ، فارقته وسللت من يده يدي ، . . . وقرأت لي وله : وإن ~~يتفرقا . وقال آخر : قالوا : قطعت صديقك البر الذي . . . منه استفدت مكارم ~~الأخلاق . فأجبتهم : بعض المفاصل ربما . . . فسدت ، فتقطع في صلاح الباقي ~~PageV02P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" وقال آخر : ولقد شكرت مفارقي . . . إذ ساء في ~~أخلاقه . لو كان أحسن عشرتي ، . . . لهلكت يوم فراقه . ومثله قول الآخر : ~~علمتني بهجرها الصبر عنها ، . . . فهي مشكورة على التقبيح وأرادت بذا قبيح ~~فعال . . . صنعته ، فكان عين المليح ومما قيل في التوديع ، قال البحتري : ~~أقول له عند توديعه ، . . . وكل بعبرته مبلس : لئن قعدت عنك أجسامنا ، . . ~~. لقد سافرت معك الأنفس وقال أبو الطيب المتنبي : يا راحلا ، كل من يودعه . ~~. . دموع دينه ودنياه . إن كان فيما نراه من كرم . . . فيك مزيد ، فزادك ~~الله وقال البحتري : ألم ترني يوم فارقته . . . أودعه ، والهوى يستزيد . ~~أولى إذا أنا ودعته ، . . . فيغلبني الشوق حتى أعود . وقال أبو تمام : نأي ~~وشيك وانطلاق ، . . . وغليل شوق واحتراق . بأبي فتى ودعته . . . تاهت ~~بصحبته الرفاق بدر يضيء لعاشقي . . . ه فما يطيف به المحاق PageV02P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" وقال ابن زيدون : ودع الصبر محب ودعك ، . . . ~~حافظ من سره ما استودعك يقرع السن على أن لم يكن . . . زاد في تلك الخطا ، ~~إذ شيعك يا أخا البدر سناء وسنا ، . . . حفظ الله زمانا أطلعك إن يطل بعدك ~~ليلي ، فلكم . . . بت أشكو قصر الليل معك وقال أبو عبد الرحمن ms0367 شاعر اليتيمة ~~: إذا دهاك الوداع فاصبر . . . ولا يهولنك البعاد وانتظر العود عن قريب ، . ~~. . فإن قلب الوداع عادوا . وقال آخر : ودعته حيث لا تودعه . . . روحي ، ~~ولكنها تسير معه . ثم تولى وفي القلوب له . . . ضيق مجال وفي الدموع سعة . ~~وقال الإمام الصولي : لو كنت يوم الوداع حاضرنا . . . وهن يشكون علة الوجد ~~، لم تر إلا الدموع جارية . . . تسقط من مقلة على خد . كأن تلك الدموع قطر ~~ندى ، . . . يقطر من نرجس على ورد PageV02P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" وقال أبو منصور أحمد بن محمد اللخمي : وقفت ~~يوم النوى منهم على بعد . . . ولم أودعهم وجدا وإشفاقا . إني خشيت على ~~الأظعان من نفسي . . . ومن دموعي : إحراقا وإغراقا . وقال ابن نباتة : ولما ~~استقلت للرواح حمولهم . . . ولم يبق إلا شامت وغيور ، وقفنا : فمن باك ~~يكفكف دمعه ، . . . وملتزم قلبا يكاد يطير وقال آخر : ولما وقفنا للوداع ، ~~وقلبها . . . وقلبي يبثان الصبابة والوجدا ، بكت لؤلؤا رطبا ففاضت مدامعي . ~~. . عقيقا فصار الكل في نحرها عقدا . وقال آخر : ودعتها ولهيب الشوق في ~~كبدي . . . والبين يبعد بين الروح والجسد ، وداع صبين لم يمكن وداعهما . . ~~. إلا بلحظة عين أو بنان يد . وحاذرت أعين الواشين فانصرفت . . . تعض من ~~خوفها العناب بالبرد . وكان أول عهد العين يوم نأت . . . بالدمع آخر عهد ~~القلب بالجلد . وقال الهيثم الكلاعي ، من شعراء اليتيمة : ولم أنسها يوم ~~الوداع ، ومسحها . . . بوادر دمع العين . والعين تذرف . PageV02P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" أفانين تجري من دموع ومن دم . . . على الخد ~~منها تستهل وترعف . وتكرارنا نجوى الهوى ذات بيننا ، . . . وكل إلى كل يلين ~~ويعطف . جعلنا هناك الهجر منا بجانب ، . . . وللبين داع بالترحل يهتف . ~~ولولا النوى ، لم نشك ضعفا عن الأسى . . . ومن يحمل الأشجان بالبين يضعف ~~فقلت : كلانا مثقل من صبابة ؛ . . . ولكنني عن حملها منك أضعف . وقال ~~الظاهر البصري : نفسي الفداء لمن جاءت تودعني . . . يوم الفارق بقلب خائف ~~وجل قد كنت فارقت روحي يوم فرقتها ؛ . . . لكن حييت بطيب الضم والقبل وقال ~~يزيد بن معاوية : جاءت بوجه كأن البدر برقعه . . . حسنا على مثل غصن البانة ~~الثمل . إحدى يديها تعاطيني معتقة . . . كخدها عصفرته ms0368 حمرة الخجل . ثم ~~استبدت وقالت وهي عالمة ، . . . بما تقول وشمس الكأس لم تفل : لا ترحلن ، ~~فما أبقيت لي جلدا . . . ما أطيق به توديع مرتحل ولا من الصبر ما ألقى ~~الفراق به . . . ولا من الدمع ما أبكى على طلل ومن الناس من كره الوداع . ~~وفي ذلك يقول البحتري : الله جارك في انطلاقك . . . تلقاء شامك أو عراقك لا ~~تعذلني في مسي . . . ري يوم سرت ولم ألاقك إني خشيت مواقفا . . . للبين ~~تسفح غرب ماقك وعلمت أن بكاءنا . . . حسب اشتياقي واشتياقك PageV02P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" وذكرت ما يجد المود . . . ع عند ضمك واعتناقك ~~، فتركت ذاك تعمدا . . . وخرجت أهرب من فراقك وقال آخر : الله يعلم ما تركت ~~وداعه ، . . . ولقد جزعت لبعده وفراقه ، إلا مخافة أن يذيب فؤاده . . . ما ~~في فؤادي منه عند عناقه وقال آخر : إن تركي فضيلة التشييع . . . لاجتنابي ~~مشقة التوديع . ما يفي أنس ذا بوحشة هذا ، . . . فرأيت الصواب ترك الجميع ~~وقال آخر : ما تركت الوداع يوم افترقنا . . . عن ملال ولا لوجه قبيح . أنت ~~روحي على الحقيقة ما زل . . . ت ، وما اخترت أن أودع روحي ومما قيل في الصد ~~والهجران ، قال أبو عبادة البحتري : هجر الحبيب ، فمت من شغف . . . لما ~~حرمت عزيمة الصبر فإذا قضيت ، فناد : يا حزني ، . . . هذا قتيل الصد والهجر ~~والبدر في حل وفي سعة . . . من سفكه دم عبده الحر وقال ابن ميادة : كانوا ~~بعيدا ، فكنت آملهم . . . حتى إذا ما تقاربوا ، هجروا . فالبعد منهم على ~~رجائهم . . . أنفع من قربهم إذا هجروا وقال أبو الحسن أحمد بن عمر ~~النهرواني : على قلبي الأحبة بالت . . . مادي في الهوى غلبوا . ~~PageV02P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" وبالهجران من عيني . . . طيب النوم قد سلبوا ~~. وما طلبوا سوى قتلي ، . . . فهان علي ما طلبوا ولما سمع الشيخ العالم صدر ~~الدين محمد بن الوكيل هذه الأبيات ، وعارضها ، وأنشدني لنفسه في صفر الأغر ~~الميمون سنة ثلاث عشرة وسبعمائة . لئن غلبوا على عقلي ، . . . لقد سلبوا ~~لمن غلبوا وإن أبكى تبسمهم ، . . . فخلب برقهم خلبوا وإن ترج العيون ، فقد ~~. . . إليها السهد قد جلبوا وإن عطفوا برقتهم ، . . . فدر مدامعي ms0369 حلبوا . ~~ومما قيل في الزيارة ، قال الوزير أبو عبد الله بن الحداد : إذا جاءني ~~زائرا حسنه . . . أقام عليه رقيبا عتيدا . إذا ما بدا ، سربلته العيون . . ~~. وخرت وجوه إليه سجودا . هو البدر والغصن : خدا وقدا ، . . . كما أنه ~~الظبي : لحظا وجيدا . أتى زائرا وفؤادي خلي ، فمر به مستهاما عميدا . ~~وغادرني بعده في غرام . . . تضرم بين ضلوعي وقودا وقال نصير الخبزأرزي ، ~~شاعر اليتيمة عفا الله عنه : خليلي هل أبصرتما أو سمعتما . . . بأكرم من ~~مولى تمشى إلى عبد أتى زائرا من غير وعد وقال لي : . . . أصونك عن تعليق ~~قلبك بالوعد PageV02P0267 # """""" صفحة رقم 268 """""" وقال الوأواء الدمشقي : زار بليل على صباح . ~~. . على قضيب على كثيب حتى أتت ألسن الليالي . . . معتذرات من الذنوب . فيا ~~لها زورة أخذنا . . . بها أمانا من الخطوب وقال أبو عبد الله الحداد : يا ~~زائرا ، ملأ النواظر نورا . . . والنفس لهوا والفؤاد سرورا لو أستطيع ، ~~فرشت كل مسالكي . . . حدقا وبيض سوالف ونحورا . وقال آخر : أهلا وسهلا ~~بطارق طرقا ، . . . أحببت فيه السهاد والارقا زار على غفلة الرقيب ويم . . ~~. ناه تداري وشاحه القلقا . فبت منه معانقا صنما . . . ينفح مسكا وعنبرا ~~عبقا . لو شئت ، أنشأت من ذوائبه . . . ليلا ، ومن نور وجهه فلقا وقال أبو ~~عبد الله الحامدي من شعراء اليتيمة : مشتاقة طرقت في الليل مشتاقا . . . ~~أهلا بمن لم يخن في العهد ميثاقا أهلا بمن ساق لي طيف الأحبة في . . . ليل ~~الدجنة ، بل أهلا بما ساقا يا زائرا زار من قرب على بعد ، . . . آنست ~~مستوحشا لا ذقت ما ذاقا PageV02P0268 # """""" صفحة رقم 269 """""" الله يعلم لو أني استطعت ، لقد . . . فرشت ~~ممشاك آماقا وأحداقا يا ليل ، عرج على إلفين قد جعلا . . . عقد السواعد ~~للأعناق أطواقا وقال مؤيد الدين الطغراني : وزائرة وافت ، فأجلت خدها . . . ~~وقبلت إكراما لموردها الأرضا فيا زورة جاءت على غير موعد ، . . . فقرت عيون ~~واشتفت أنفس مرضى فلم أر إلا ما ألذ وأشتهي ، . . . ولم أر إلا ما أود وما ~~أرضى على أنها ولت ولم أقض سنة من الوطر الممطول دهرا ولا فرضا وما سوغتنا ~~ليلة الوصل قرضها . . . إلى أن ms0370 بدا الإصباح يسترجع القرضا . وقال ابن سكرة ~~، من شعراء اليتيمة : أهلا وسهلا بمن زارت بلا عدة . . . تحت الظلام ولم ~~تحذر من الحرس تسترت بالدجى عمدا ، فما استترت . . . وبات إشراقها ليلا على ~~قبس ولو طواها الدجى عنا ، لأظهرها . . . برق اللثات وعطر النحر والنفس ~~ومما قيل في تخفيف الزيارة وموانعها ، قال شاعر الحماسة : ولما رأيت ~~الكاشحين تتبعوا . . . هوانا وأبدوا دوننا نظرا شزرا ، جعلت وما بي من جفاء ~~ولا قلى أزوركم يوما وأهجركم شهرا PageV02P0269 # """""" صفحة رقم 270 """""" وقال مسلم بن الوليد : أقلل زيارتك الصدي . . ~~. ق ، يراك كالثوب استجده إن الصديق يمله . . . أن لا يزال يراك عنده . إلا ~~الكرام ذوي النهى ، . . . إن الكريم يديم عهده وقال آخر : إذا ما كثرت على ~~صاحب . . . وقد كان يدنيك من نفسه ، فلا بد من ملل واقع ، . . . يغير ما ~~كان من أنسه وقال آخر : لئن تأخرت عن مفروض خدمتكم . . . تجشما ، فضميري ~~غير متهم سعى ودادي إليكم بالوفاء لكم ، . . . والسعي بالقلب فوق السعي ~~بالقدم وقال ابن المعلم : لم أطو بحر نداك مع قربي قلىإلا مخافة موجه ~~المتراكب . وعلمت أني إن أتيتك زائرا ، . . . ثقلت ، والتثقيل ليس بواجب . ~~وقال المعوج : ثلاثة منعتها من زيارتنا ، . . . وقد طوى الليل جفن الكاشح ~~الحنق : نور الجبين ، ووسواس الحلي ، وما . . . يمس أردانها من عنبر عبق . ~~هب الجبين بفضل الثوب تستره ، . . . والحلي تنزعه ، ما الشأن في العرق ؟ ~~وقال أبو فراس الحمداني : لقد نافسني الدهر . . . بتأخيري عن الحضرة . فما ~~ألقى من العل . . . ة ما ألقى من الحسرة PageV02P0270 # """""" صفحة رقم 271 """""" ومنها التأخر عن عيادة المرضى ، قال ابن زريق ~~الكوفي الكاتب : يا مريضا لسقمه ، . . . مرض العلم والوفا لم يكن تركي ~~العيا . . . دة هجرا ولا جفا . لم أطق أن أراك يا . . . أكرم الناس مدنفا ~~طال خوفي عليك ، وال . . . حمد لله إذ كفى وقال آخر : منعتني عليك رقة قلبي ~~. . . من دخولي عليك في العواد . لو بأذني سمعت منك أنينا . . . لتفرى على ~~الأنين فؤادي . وقال آخر : فو الله ليس انقطاعي جفا . . . وفي كبدي منك نار ~~تشب ولكنني قط لا أشتهي . . . أرى من أحب ms0371 كما لا أحب ومما قيل في المدامع ، ~~قال العسكري : أبلغ ما قيل في امتلاء العين من الدمع قول بعض الأعراب : ~~فظلت كأني من وراء زجاجة . . . إلى الدار من فرط الصبابة أنظر . وقال ~~البحتري : ويحسن دلها والموت فيه ، . . . وقد يستحسن السيف الصقيل وقفنا ~~والعيون مثقلات . . . يعالج دمعها طرف كليل نهته رقبة الواشين حتى . . . ~~تعلق : لا يغيض ولا يسيل PageV02P0271 # """""" صفحة رقم 272 """""" وقال السري : بنفسي من رد التحية ضاحكا ، . . ~~. فجدد بعد اليأس في الوصل مطمعي إذا ما بدا ، أبدى الغرام سرائري . . . ~~وأظهر للعذال ما بين أضلعي . وحالت دموع العين بيني وبينه ، . . . كأن دموع ~~العين تعشقه معي . وقال الصولي : قد كان في طول البكا لي راحة ، . . . ~~وعنان سري في يد الكتمان . حتى إذا الإعلان نبه واشيا ، . . . رقأت دموعي ~~خشية الإعلان وقال بشار : ماء الصبابة ، نار الشوق تحدره . . . فهل سمعتم ~~بماء فاض من نار ؟ وقال أبو هلال العسكري : أشكو الهوى بدموع قادها قلق . . ~~. حتى علقن بجفن ردها الفرق . ففي الفؤاد سبيل للأسى جدد ، . . . وفي ~~الجفون مقيل للكرى قلق . لهيب قلبي أفاض الدمع من بصري ، . . . والعود يقطر ~~ماء وهو يحترق وقال الصولي : أنشد أبو الحسن بن رجاء المبرد يوما بيت ذي ~~الرمة : لعل انحدار الدمع يعقب راحة . . . من الوجد أو يشف شجي البلابل ~~وقال : من قال في مثله ، فقد ملح . PageV02P0272 # """""" صفحة رقم 273 """""" وقال الحسن بن وهب : ابك فما أكثر نفع البكا ~~. . . والحب إشفاق وتعليل افزع إليه في ازدحام الجوى . . . ففيه مسلاة ~~وتسهيل . وهو إذا أنت تأملته . . . حزن على الخدين محلول وقال العباس بن ~~أحمد بن الأحنف : إني لأجحد حبكم وأسره . . . والدمع معترف به لم يجحد . ~~والدمع يشهد أنني لك عاشق . . . والناس قد علموا وإن لم يشهد وقال آخر : ~~فلا تنكرن لون الدموع فإنما . . . يبيضها تصعيدها من دم القلب وقال العسكري ~~: آفة السر من دمو . . . ع دوام دوامع كيف يخفي مع الدمو . . . ع الهوامي ~~الهوامع ؟ ما رأينا أخا هوى . . . سره غير ذائع إن نيران حبه . . . باديات ~~الطلائع وقال خالد الكاتب : بكيت دما حتى بقيت بلا ms0372 دم ، . . . بكاء فتى فرد ~~على شجن فرد أ أبكي الذي فارقت بالدمع وحده ؟ . . . لقد جل قدر الدمع فيه ~~إذا عندي PageV02P0273 # """""" صفحة رقم 274 """""" وقال آخر : غدت بأحبتي كوم المطايا ، . . . ~~فبان النوم وامتنع القرار . وكان الدمع لي ذخرا معدا ، . . . فأنفقت ~~الذخيرة يوم ساروا وقال آخر : طال عهدي بها فلما رأتني ، . . . نظمت لؤلؤا ~~على تفاح وقال آخر : إذ لا جواب لمفحم متحير . . . إلا الدموع تصان ~~بالأطراف . وقال آخر : تقول غداة البين عند وداعها : . . . إلى الكبد الحرى ~~: فسر ، ولك الصبر وقد سبقتها عبرة : فدموعها . . . على خدها بيض ، وفي ~~نحرها حمر معناه : أن الدموع إذا انحدرت إلى نحرها احمرت من الطيب . قالوا ~~: وأحسن ما قيل في صفة الدموع إذا امتزجت بالدماء ، قول أبي الشيص : لهون ~~عن الإخوان إذ سفر الضحى . . . وفي كبدي من حرهن حريق . مزجت دما بالدمع ~~حنى كأنما . . . يذاب بعيني لؤلؤ وعقيق . وقول أبي تمام : نثرت فريد مدامع ~~لم تنظم ، . . . والدمع يحمل بعض ثقل المغرم وصلت نجيعا بالدموع ، فخدها . ~~. . في مثل حاشية الرداء المعلم PageV02P0274 # """""" صفحة رقم 275 """""" ومن أجود ما قيل في بياض الدمع على حمرة الخد ~~قول الصولي : كأن تلك الدموع قطر ندى . . . يقطر من نرجس على ورد وهي أبيات ~~تقدمت في التوديع . ونحوه قول ابن الرومي : لما دنا البين وزاح الدل ، . . ~~. ودعتها ودمعها منهل . وخدها من قطره مخضل . . . كأنه ورد عليه طل وقال ~~آخر : كأن الدموع على خدها . . . بقية طل على جلنار . ومما قيل في الرضا من ~~المحبوب باليسير ، فمن ذلك قول حميد بن ثور : أقلب طرفي في السماء لعله . . ~~. يوافق طرفي طرفها حين تنظر ومثله قول ابن المعلوط : أ ليس الليل يجمع أم ~~عمرو . . . وإيانا ؟ فذاك لنا تدانى بلى ، وأرى السماء كما تراها ، . . . ~~ويعلوها النهار كما علاني وقال جميل : وإني لأرضى منك ، يا بثن ، بالذي . . ~~. لو استيقن الواشي لقرب بلابله PageV02P0275 # """""" صفحة رقم 276 """""" بلا ، وبأن لا أستطيع ، وبالمنى . . . ~~وبالأمل المكذوب قد خاب آمله وبالنظرة العجلى ، وبالحول ينقضى ، . . . ~~أواخره لا نلتقي وأوائله وقريب منه قول الآخر : يود بأن يمسي سقيما ms0373 لعلها . ~~. . إذا سمعت منه بشكوى تراسله ويهتز للمعروف في طلب العلا . . . لتحمد ~~يوما عند سلمى شمائله أخذ العسكري المعنى فقال : وقلت : عساها إن مرضت ~~تعودني . . . فأحببت لو أني غدوت مريضا وزدت اتساعا في المكارم والعلا . . ~~. ليصبح جاهي عندهن عريضا وقال أبو الفضل بن عبد العزيز : يا من هجرت فلا ~~تبالي . . . هل ترجع دولة الوصال ؟ هل أطمع يا عذاب قلبي . . . أن ينعم في ~~هواك بالي ؟ الطرف كما عهدت باك . . . والجسم كما ترين بالي ما ضرك أن ~~تعللني . . . في الوصل بموعد المحال أهواك وأنت حظ غيري ، . . . يا قاتلتي ~~، فما احتيالي ؟ ومما قيل في النحول ، فمن ذلك قول المتنبي : أبلى الهوى ~~يوم النوى بدني ، . . . وفرق الهجر بين الجفن والوسن روح تردد في مثل ~~الخلال إذا . . . أطارت الريح عنه الثوب لم يبن . كفى بجسمي نحولا أنني ~~رجللولا مخاطبتي إياك لم ترني وقال آخر : أسر إذا بليت ، وذاب جسمي . . . ~~لعل الريح تحملني إليه PageV02P0276 # """""" صفحة رقم 277 """""" وقال ابن المعتز : ماذا ترى في مدنف . . . ~~يشكوك طول سقمه ؟ أضنيته فما يطي . . . ق ضعفه حمل اسمه ، ولا يراك عائدا . ~~. . إلا بعين وهمه وقال كشاجم : وما زال يبرى أعظم الجسم حبها . . . ~~وينقصها حتى لطفن عن النقص . فقد ذبت حتى صرت لو أنا زرتها ، . . . أمنت ~~عليها أن يرى أهلها شخصي . ومن أبلغ ما قيل في ذلك ، قول ديك الجن : أنحل ~~الوجد جسمه والحنين ، . . . وبراه الهوى فما يستبين لم يعش أنه جليد ؛ ولكن ~~. . . دق جدا ، فما تراه المنون وقال نصير بن أحمد : أنحلني الحب فلو زج بي ~~. . . في مقلة النائم ، لم ينتبه وكان لي فيما مضى خاتم . . . واليوم لو ~~شئت ، تمنطقت به وقال الحسن بن وهب : أبليت جسمي من بعد جدته ، . . . فما ~~تكاد العيون تبصره . كأنه رسم منزل خلق . . . تعرفه العين ، ثم تنكره ~~PageV02P0277 # """""" صفحة رقم 278 """""" ومما قيل في المحبوب إذا اعتل ، قال العباس ~~بن الأحنف : زعموا لي أنها صارت تحم . . . ابتلى الله بهذا من زعم اشتكت ~~أكمل ما كانت ، كما . . . يكسف البدر إذا ما قيل تم وقال أحمد بن إسحاق ms0374 ~~الطالقاني : لقد حلت الحمى بساحة خده . . . فأبدلت التفاح بالسوسن الغض قال ~~أبو هلال العسكري : والأصل في ذلك قول عبد بني الحسحاس . ونقل في كتابه ~~ديوان المعاني بسند رفعه قال : كتب عبد الله بن عامر إلى عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه : إني إشتريت لك عبدا حبشيا شاعرا . فكتب إليه عثمان : لا حاجة لي ~~فيه ، فإن قصاري الشاعر منهم أن يهجو أعراضهم ويشبب بكريمتهم . فاشتراه بنو ~~الحسحاس ، فرئي يوما وهو ينشد : ماذا يريد السقام من قمر . . . كل جمال ~~لوجهه تبع ؟ ما يبتغي خاب من محاسنه ؟ أما له في القباح متسع ؟ غير من لونه ~~وصفر ما . . . ورد منه الجمال والبدع . لو كان يبغي الفداء ، قيل له : . . ~~. ها أنا دون الحبيب يا وجع ثم يقول لنفسه : أحسنك والله يريد أحسنت . وكان ~~العبد كما حدس عثمان ، فما زال يهجو مواليه ويشبب بنسائهم ، حتى قتلوه . ~~فضحكت منه امرأة وقد ذهبوا به ليقتلوه ، فقال : فإن تضحكي مني ، فيا رب ~~ليلة . . . جعلتك فيها كالقباء المفرج وقال لهم : فلقد تحدر من جبين فتاتكم ~~. . . عرق على ظهر الفراش وطيب PageV02P0278 # """""" صفحة رقم 279 """""" وهو الذي مدح نفسه بقوله : إن كنت عبدا ، ~~فنفسي حرة كرما ؛ . . . أو أسود اللون ، إني أبيض الخلق ولم أورد هذه ~~الواقعة هنا لأنه موضعها من كل وجه ، وإنما الشيء بالشيء يذكر . وقال ~~الشاعر : لو لم تكن حماه مشغوفة . . . تعشقه طورا وتهواه ، ما عانقت إذا ~~أقبلت جسمه . . . وقبلت إذ فارقت فاه وقال آخر : لوكان كل مريض . . . يزداد ~~مثلك حسنا ، لكان كل صحيح . . . يود لو كان مضنى وقال محمد بن العباس ~~الخوارزمي ، من شعراء اليتيمة : ولي من أم ملدم كل يوم . . . ضجيع لا يلذ ~~له منام مقبلة وليس لها ثنايا ، . . . معانقة وليس لها التزام كأن لها ~~ضرائر من غذائي ، . . . فيغضبها شرابي والطعام . إذا ما صافحت صفحات جسمي ، ~~. . . غدا ألفا وأمسى وهو لام . ومما يناسب هذا الفصل ما قيل في شرب الدواء ~~، فمن ذلك قول أبي تمام : أعقبك الله صحة البدن ، . . . ما هتف الهاتفات في ~~الغصن . كيف وجدت الدواء ؟ أوجدك ms0375 الله شفاء به مدى الزمن PageV02P0279 # """""" صفحة رقم 280 """""" وقال ابن حجاج : يا من به تتباهى . . . مجالس ~~الخلفاء ومن تقصر عنه . . . مدائح الشعراء يا سيدي كيف أصبح . . . ت بعد ~~شرب الدواء ؟ خرجت منه تضاهي . . . في الحسن بدر السماء في ثوب صحة جسم . . ~~. مطرز بالشفاء . ومما قيل على لسان الورقاء - وكل مطوقة عند العرب حمامة : ~~كالدبسي والقمري والورشان وما أشبه ذلك . وجميعها حمام . يقال للذكر ~~والأنثى منه حمامة . والحمامة تبكي ، وتغني ، وتنوح ، وتغرد ، وتسجع ، ~~وتقرقر ، وتترنم . وإنما لها صوت سجيع لا يفهم : فجعله الحزين بكاء ، ~~والطرب غناء . قال حميد بن ثور : مطوقة خطباء تسجع كلما . . . دنا الصيف ~~وانزاح الربيع فأنجما . تغنت على غصن عشاء فلم تدع . . . لنائحة في نوحها ~~متلوما . فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ، . . . ولا عربيا شاقه صوت أعجما ~~وقال مجنون بني عامر : ألا يا حمامات اللوى عدن غدوة . . . فإني إلى ~~أصواتكن حزين PageV02P0280 # """""" صفحة رقم 281 """""" فعدن ؛ فلما عدن ، كدن يمتنني . . . وكدت ~~بأسرار لهن أبين فلم تر عيني مثلهن حمائما . . . بكين ، ولم تدمع لهن عيون ~~وقال أبو الأسود الدؤلي : وساجع في فروع الأيك هيجني . . . لم أدر لم ناح ~~مما بي ولم سجعا ؟ أ باكيا إلفه من بعد فرقته ، . . . أم جازعا للنوى من ~~قبل أن يقعا ؟ يدعو حمامته ، والطير هاجعة : . . . فما هجعت له ليلي وما ~~هجعا شكا النوى فبكى خوف الأسى فرمى . . . بين الجوانح من أوجاعه وجعا كأنه ~~راهب في رأس صومعة . . . يتلو الزبور ، ونجم الصبح قد طلعا وقال جحدر ~~العكلي : وقدما هاجني فازددت شوقا . . . بكاء حمامتين تجاوبان . تجاوبتا ~~بلحن أعجمي . . . على عودين من غرب وبان . فكان البان أن بانت سليمى . . . ~~وفي الغرب اغتراب غير داني وقال عوف بن محلم : ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ~~. . . وغصنك مياد ففيم تنوح ؟ PageV02P0281 # """""" صفحة رقم 282 """""" وقال ابن عبد ربه من أبيات : وكيف ، ولى قلب ~~هبت الصبا . . . أهاب بشوق في الضلوع دفين ؟ ويهتاج منه كل ما كان ساكنا . ~~. . دعاء حمام لم تبت بوكون . وإن ارتياحي من بكاء حمامة . . . كذي شجن ~~داويته بشجون . كأن حمام ms0376 الأيك لما تجاوبت ، . . . حزين بكى من رحمة لحزين ~~وقال ابن قلاقس : غناء حمام في معاطف بان . . . إلى مذهب الحب القديم ثناني ~~. تغنى فأعطاف الغصون رواقص . . . وأحداق أزهار الرياض رواني . فذكرني شرخ ~~الزمان فمدمعي . . . سفوح وقلبي دائم الخفقان . وقال أعرابي : وقبلي أبكى ~~كل من كان ذا هوى . . . هتوف البواكي والديار البلاقع . وهن على الأغصان من ~~كل جانب . . . نوائح ، ما تخضل منها المدامع وقال فتح الدين بن عبد الظاهر ~~: نسب الناس للحمامة حزنا ، . . . وأراها في الحزن ليست هنالك خضبت كفها ~~وطوقت الجي . . . د وغنت ، وما الحزين كذلك PageV02P0282 # """""" صفحة رقم 283 """""" وقال ابن الرومي : أشجتك داعية مع الإشراق ، ~~. . . هتفت بساق من ذؤابة ساق ؟ أيكية تدعو ، ولم أر باكيا . . . ريب ~~الزمان قرينها لفراق . تبدو أواميت الشجى في صوتها . . . وترى عليها أنه ~~الإطراق . لو تستطيع ، تسلبت من طوقها . . . لو كان منتحلا من الأطواق . ~~ومما قيل في المراجعات ، فمن ذلك قول وضاح اليمن : قالت : ألا لا تلجن ~~دارنا ، . . . إن أبانا رجل غائر أما رأيت الباب من دوننا ؟ . . . قلت : ~~فإني واثب طافر قالت : فإن القصر من دوننا . . . قلت : فإني فوقه ظاهر قالت ~~: فإن الليث عال به . . . قلت : فسيفي مرهف باتر قالت : فهذا البحر ما ~~بيننا . . . قلت : فإني سابح ماهر قالت : أليس الله من فوقنا ؟ . . . قلت : ~~بلى وهو لنا غافر . قالت : فإما كنت أعيينا ، . . . فأت إذا ما هجع السامر ~~واسقط علينا كسقوط الندى ، . . . ليلة لا ناه ولا زاجر PageV02P0283 # """""" صفحة رقم 284 """""" وقال المؤمل بن أميل : وطارقات طرقنني رسلا ، ~~. . . والليل كالطيلسان معتكر . فقلن : جئنا إليك عن ثقة . . . من عند خود ~~كأنها قمر هل لك في غادة منعمة . . . يحار فيها من حسنها النظر ؟ في الجيد ~~منها طول إذا التفتت . . . وفي خطاها إذا خطت قصر . فقمت أسعى إلى محجبة . ~~. . تضيء منها البيوت والحجر . فقلت لما بدا تخفرها : . . . جودي ، ولا ~~يمنعنك الخفر . قالت : توقر ، ودع مقالك ذا . . . أنت امرؤ بالقبيح مشتهر ~~والله لا نلت ما تحاول أو . . . ينبت في بطن راحتي شعر لا أنت لي قيم ~~فتجبرني . . . ولا أمير علي مؤتمر . قلت ms0377 : ولكن ضيف أتاك به . . . تحت ~~الظلام القضاء والقدر . فاحتسبي الأجر في إنالته ، . . . وياسري قد تطاول ~~العسر قالت : فقد جئت تبتغي عملا . . . تكاد منه السماء تنفطر . فقلت : لما ~~رأيتها حرجت . . . وغشيتها الهموم والفكر : لا عاقب الله في الصبا أبدا . . ~~. أنثى ولكن يعاقب الذكر قالت : لقد جئنا بمبتدع ، . . . وقد أتتنا بغيره ~~النذر . قد بين الله في الكتاب فلا . . . وازرة بغير وزرها تزر . قلت : دعي ~~سورة لهجت بها . . . لا تحرمنا لذاتنا السور . وجهك وجه تمت محاسنه ، . . . ~~لا وأبى لا تمسه سقر . PageV02P0284 # """""" صفحة رقم 285 """""" وقال آخر : خطرت فقلت لها مقالة مغرم : . . . ~~ماذا عليك من السلام فسلمي . قالت : بمن تعني فحبك بين . . . في سقم جسمك ؟ ~~قلت : بالمتكلم . فتبسمت ، فبكيت ، قالت : لا ترع . . . فلعل مثل هواك ~~بالمتبسم . قلت : اتفقنا في الهوى ، فزيارة . . . أو موعدا قبل الزيارة ~~قدمي . فتضاحكت عجبا ، وقالت : يا فتى . . . لو لم أدعك تنام ، بي لم تحلم ~~. وقال آخر : ولما نزلنا على زمزم ، . . . ونحن نريد طواف الإفاضة ، بكيت ، ~~فقالت : علام البكا ؟ . . . فقلت : على الود أخشى انتقاضه . فقالت : ثكلتك ~~من عاشق . . . تشمر ذيلك قبل المخاضة . فقلت : صدقت ، ولكنني . . . أعلم ~~نفسي طريق الرياضة . ومما قيل في المردوف ، قال بعض الشعراء : عيناك على ~~سفك دمي أسفتا . . . والجسم نحيل . أطلق برضاك في الهوى أسر فتى . . . ~~حيران ذليل . في ريقك خمرتان قد حرمتا . . . من غير دليل . والعاشق ظمآن ~~فيا حر متى . . . تسقيه قليل ؟ PageV02P0285 # """""" صفحة رقم 286 """""" وقال آخر : في خدك وردتان قد ركبتا . . . من ~~فوق قضيب . في قلبي جمرتان قد أضرمتا : . . . نار ولهيب . حلفتك بالإله يا ~~خير فتى . . . رفقا بكئيب . حيران يهيم بين حتى ومتى . . . والأمر عجيب . ~~وقال آخر : يا بدر عصيت في الهوى عذالي . . . طوعا لهواك . وانقدت لأمرك ~~الكبير العالي . . . ما قل وفاك . إن كان رضاك سقم جسمي البالي . . . صبرا ~~لرضاك . عذب جسدي بسائر الأحوال . . . إلا بجفاك . وقال آخر : يا مرتحلا ~~إلى الحمى مصرفهبالله عليكخذ معك كتاب ، فيه خبري . لي ثم رشا عساك ~~تستعطفهإن هان عليكفي رد جواب ، للمنتظر . إن عرض بي ، فقل : نعم ~~أعرفهيشتاق إليكقد رق ms0378 وذاب ، بين البشر . ما يتركه هواك أو تتلفهوالأمر ~~إليكما الهجر صواب ، من مقتدر . ومما قيل في الجناس ، قال أبو الفضل ~~الميكالي : مواعيده بالوصل أحلام نائم . . . أشبهها بالقفر أو بسرابه . فمن ~~لي بوجه لو تحير في الدجى . . . أخو سفر في جنح ليل سرى به . PageV02P0286 # """""" صفحة رقم 287 """""" وقال أيضا : صل محبا ، أعياه وصف هواه . . . ~~فضناه ينوب عن ترجمانه . كلما راقه سواك ، تصدت . . . مقلتاه بدمعه ترجمانه ~~. وقال آخر : ما ضر من قد أباح قتلي . . . في حبه لو أباح ريقه . أبى فؤادي ~~السلو عنه . . . لكنه ما أبى حريقه . وقال آخر : أقول والليل مرخي غياهبه . ~~. . والدير يسمعني حس النواقيس : يا نفس كم مسرور بلذته . . . وبين مبلى ~~بتشتيت النوى قيسي . وقال آخر : يا من تنكدت الدنيا لغيبته . . . أساخط أنت ~~عني اليوم أم راضي ؟ أمرضت بالهجر قلب المستهام فما . . . عليك ، بالوصل لو ~~داويت أمراضي ؟ وقال آخر : لقد راعني بدر الدجى بصدوده . . . ووكل أجفاني ~~برعى كواكبه . فيا عبرتي سحي دما لفراقه . . . ويا كبدي صبرا على ما كواك ~~به PageV02P0287 # """""" صفحة رقم 288 """""" وقال آخر : قلت له : ماذا السواد الذي . . . ~~فيك تبدى ؟ قال : ذا غاليه . فقلت : قبلني إذا قبلة . . . فقال : خذها قبلة ~~غالية . فقلت : ما تغلو على عاشق . . . في حبكم ، ذي كبد غاليه . وقال آخر ~~: شافه كفى رشأ . . . بقبلة ما شفت . فقلت إذ قبلها : . . . يا ليت كفي ~~شفتي وقال آخر : لم يكفكم أخذ قلبه سلبا . . . حتى أخذتم عن طرفه وسنه . كم ~~ليلة بات للغرام وكم . . . يوم وشهر ما نامه وسنه . وقال آخر : يا من ~~لحظاته أسود وثبت . . . قد صح هواك في فؤادي وثبت . جردت لها سيوف صبري ~~فنبت . . . يا من غرس الهوى بقلبي فنبت . وقال آخر : يا من بحشاشتي إذا غاب ~~سكنهيجت من الغرام ما كان سكن . يا من شرع الصدود في الحب وسن . . . من ~~بعدك مهجورك ما ذاق وسن . وقال آخر : أهوى قمرا سفك دمي حل له . . . في أي ~~شريعة ومن حلله . ما بلل شعره وما حلله . . . إلا سمح البخيل وانحل له . ~~PageV02P0288 # """""" صفحة رقم 289 """""" وقال آخر : من ms0379 بلل صدغ قاتلي من سلسل ؟ . . . ~~من أودع ثغره رحيقا سلسل ؟ من عللني في حبه ؟ من سلسل ؟ . . . يا عاذل إن ~~جهلت ما بي سل سل . وقال آخر : يا بانة لحبها . . . في القلب أصل قد نبت . ~~سيوف صبري عن سيو . . . ف مقلتيك قد نبت . تلك لحاظ أعين . . . أم أسد غيل ~~وثبت ؟ لواحظ لو برزت . . . في يوم حرب ، لسبت . وعقرب الصدغ التي . . . ~~لكل قلب لسبت . أسناؤكم تاقت لها الن . . . فوس يوما وصبت . لا سيما إن ~~حملت . . . نشرك ريح وصبت . فخيلهم دون بلو . . . غ السول فينا قد كبت . ~~أفدي حبيبا زارني . . . فكم عدو قد كبت . رعى حقوقي في الهوى . . . عليه ~~لما وجبت . وسكن الأحشاء بال . . . وصال لما وجبت . وقال أيضا : من لفتى ، ~~جار علي . . . ه طرفه فيما قضى ؟ صب إذا الدهر قضى . . . عليه بالبين ، قضى ~~. يبكي على دهر تول . . . ى بالتداني أو مضى . تمطر عيناه إذا ال . . . برق ~~الشآمي أومضا . PageV02P0289 # """""" صفحة رقم 290 """""" وقال آخر : رمى حر قلبي بهجرانه . . . رشا ما ~~درى قدر ما قد رمى . وقد كان قدم إحسانه . . . ولكنه قد ما قدما . فتسليم ~~أمري به للقضا . . . ذخرت به أجر ما أجرما . ومما قيل في الموشحات ، فمن ~~ذلك ما قاله بعض الأندلسيين : يد الإصباح ، قدحت زناد الأنوار . . . في ~~مجامر الزهر . دهر جذلان ، واعتدال ريعان . . . فما الإظعان ؟ عن طلا ~~وغزلان . راق الزمان ، وشدت على البان . . . ذات الجناح ، وانثنت قدود ~~الأشجار . في الغلائل الخضر لنا أجساد ، للسرور تنجذب . . . كما تنقاد ، ~~لربيعها العرب . حتى الجماد ، لا يفوته الطرب . . . طافت بالراح ، سحب فسكر ~~النوار . من سلافة القطر . إن انخلاعي ، مع رشا وصهباء . . . لدى بقاع ، ~~حكت وشي صنعاء . وللشعاع ، لهب على الماء . . . وللرياح ، في متون تلك ~~الأنهار . شبك من التبر وريم المي ، بات بيده صدري . . . كبدر تما ، وسط ~~غرة الشهر . شدوت لما ، راعني سنا الفجر . . . قل للصباح : إن تدن بطرد ~~الأقمار . PageV02P0290 # """""" صفحة رقم 291 """""" فمع الدجى نسري وغصن مائل ، الهلال أعلاه . . ~~. له من نابل ، في النفوس قتلاه . سيف الحمائل ، غمده عذاراه . . . طوع ~~الجماح ، إن يكن كثير النفار . فهي ms0380 عادة العفر وقال ابن بقي : ما بي شمول ، ~~إلا شجون . . . مزاجها في الكأس ، دمع هتون . لله ما بذر ، من الدموع . . . ~~صب قد استعبر ، من الولوع . أودى به جؤذر ، يوم البقيع . . . فهو قتيل ؛ لا ~~بل طعين . بين الرجا واليأس ، له منون خرجت للحين ، كفى بكفى . . . وحيل ما ~~بيني ، وبين إلفي . لا شك بالبين ، يكون حتفي . . . حان الرحيل ، ولي ديون ~~. إن ردها العباس ، فهو الأمين أما ترى البدرا ؟ بدر السعود . . . قد اكتسى ~~خضرا ، من البرود . إذا انثنى نضرا ، من الفدود . . . أضحى يقول : مت يا ~~حزين . قد اكتسى باليأس ، الياسمين . PageV02P0291 # """""" صفحة رقم 292 """""" قلت وقد شرد ، النوم عني . . . وآيس العود ، ~~السقم مني : صد فلما صد ، قرعت سني . . . جسمي نحيل ، لا يستبين . يطلبه ~~الجلاس ، حيث الأنين . تجاوز الحدا ، قلبي اشتياقا . . . وكلف السهدا ، من ~~لا أطاقا . قلت وقد مدا ، ليلي رواقا . . . ليلي طويل ، ولا معين : يا قلب ~~بعض الناس ، أما تلين ؟ وقال سراج الدين عمر الكتاني الحلبي ، يمدح الملك ~~المنصور صاحب حماة : جسمي ذوى ، بالكمد ، . . . والسهر ، والوصب ، من جاني ~~ذي شنب ، كالبرد ، . . . كالدرر ، كالحبب ، جماني . لي غصن بان نضر . . . ~~يسبيك منه الهيف . يرتع فيه النظر . . . فزهره يقتطف . والخد منه قفر . . . ~~والجسم منه ترف . قد جاءنا يعتذر . . . عذاره المنعطف . ثم التوى ، كالزرد ~~، . . . معبقري ، معقربي ، ريحاني في مذهب ، مورد ، مدنر ، مكتب ، سوساني . ~~ظبي له مرتشف . . . كالسلسبيل البارد . PageV02P0292 # """""" صفحة رقم 293 """""" غصن نقا ينعطف . . . من لين قد مائد . بدر ~~علاه سدف . . . من ليل شعر وارد . مقرطق مشنف . . . يختال في القلائد . بين ~~اللوى ، وثهمد ، كجؤذر ، في ربرب ، غزلاني ذي ضرب ، ذي غيد ، . . . ذي حور ~~، ذي هدب ، وسناني . أما وحلى جيده . . . ورنة الخلاخل والضم من بروده . . ~~. قد قضيب مائل . والورد من خدوده ، . . . إذ نم في الغلائل . لا كنت من ~~صدوده . . . متصلا بعاذل نار الجوى ، لا تخمدي ، . . . واستعري ، وكذبي ، ~~سلواني وأسبلي ، واطردي ، . . . وانهمري كالسحب ، أجفاني . مولاي جفني ساهر ~~. . . مؤرق كما ترى . فلا خيال زائر . . . يطرقني ولا كرى . إني عليل صابر ~~. . . فما جزا من صبرا ؟ إن سح دمعي الهامر . . . فلا تلمه إن ms0381 جرى . جال ~~الهوى ، في جلدي ، . . . ومضمري ، أضربي ، كتماني مؤنبي ، اتئد ، لا تفتر . ~~. . . وجنب ، عن عاني . PageV02P0293 # """""" صفحة رقم 294 """""" إن صال بالهجر وصد . . . رحت بصبري مرتدي . ~~عنه وإن طال الأمد . . . إلى ذرى محمد . وكيف يخشى من قصد . . . ملكا كريم ~~المحتد . الملك المنصور قد . . . سما سماء السودد . ثم استوى ، بأجرد ، . . ~~. مضمر ، ومقضب ، يماني ذي شطب ، وسمهري . . . . مضطرب ، مراني . ملكا علت ~~هماته . . . من فوق هام المشتري . وبخلت راحاته . . . سح السحاب الممطر . ~~وعوذت راياته . . . بمحكمات السور . بدر بدت هالاته . . . من الصباح المسفر ~~. تحت لوى ، منعقد ، بالظفر ، . . . في موكب ، فرساني كالأشهب ، في الأسعد ~~، . . . كالأقمر . في أعذب ، سيحاني . يا ملكا دون الورى . . . تخطبه ~~الممالك . ومالكا إذا سرى . . . تحجبه الملائك . بعض عطاك هل ترى . . . ~~جادت به البرامك . فاستجلها من عمرا . . . ثغر مناها ضاحك . PageV02P0294 # """""" صفحة رقم 295 """""" لا يجتوى : كالشهد ، . . . كالسكر . كالضرب ، ~~معاني كالسحب ، كالعسجد ، . . . كالجوهر ، من حلب ، كتاني . انتهى ما ~~أوردناه من الغزل والنسيب في هذا الموضع ؛ وقد آن أن نأخذ في ذكر الأنساب ~~وبالله التوفيق . الباب الرابع من القسم الأول من الفن الثاني في الأنساب ~~قال الله تعالى : " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا " . ومعرفة أنساب الأمم مما افتخرت به العرب على العجم ، ~~لأنها احترزت على معرفة نسبها ، وتمسكت بمتين حسبها ؛ وعرفت جماهير قومها ~~وشعوبها ، وأفصح عن قبائلها لسان شاعرها وخطيبها ؛ واتحدت برهطها وفصائلها ~~وعشائرها ، ومالت إلى أفخاذها وبطونها وعمائرها ؛ ونفت الدعي فيها ، ونطقت ~~بمل فيها . وسأورد منها إن شاء الله تعالى ما يكتفى به ، ويتمسك بأسبابه . ~~وقد وقفت على المقدمة التي وضعها الشريف أبو البركات الجواني فرفعت له علما ~~، ونصبت له إلى المعالي سلما : لأنه أتقن أصولها ، وحرر فصولها ؛ وأورد ~~فيها من الأنساب ما ينتفع به اللبيب ، ويستغني بوجوده الكاتب الأريب . ~~فوجدته بدأ فيها بذكر سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم بآبائه ~~، وشرح جملة من نسبه الطاهر وأبنائه . PageV02P0295 # """""" صفحة رقم 296 """""" فرأيت أن أسرد النسب من أصله ، وأبدأ بآدم ~~عليه السلام ، ثم بنسله ؛ وأجعل العمدة على سرد ms0382 عمود النسب المتصل بسيد ~~البشر . وأذكر من ذلك ما اشتهر عند أهل الأنساب وانتشر ؛ إلى أن أنتهي إلى ~~اسمه الشريف فأجعله خاتمة النسب ، وأتمسك من شريعته ومحبته بأوثق سبب . ~~وأرجو ببركته بلوغ مآربي ، ونجح مطالبي ؛ وستر عيوبي ، ومغفرة ذنوبي ؛ ~~وتزكية عملي ، وسد خللي ، والتجاوز عن سيئاتي ، والمسامحة بفلتاني ولفتاتي ~~؛ والخيرة في حركاتي وسكناتي . هذا والله رجائي من كرم ربي ، وإن قل عملي ~~وكثر ذنبي ؛ وعلى الشريف العمدة فيما أوردته ، والعهدة فيما نقلته ؛ فمن ~~تأليفه نقلت ، وعلى مقالته اعتمدت . قال السيد الشريف نقيب النقباء أبو ~~البركات بن أسعد بن علي بن معمر الحسيني الجواني ، النسابة رحمه الله : إن ~~جميع ما بنت عليه العرب في نسبها أركانها ، وأسست عليه بنيانها ، عشر طبقات ~~. الطبقة الأولى الجذم وهو الأصل إما إلى عدنان وإما إلى قحطان ، والجذم ~~القطع ، يقال : جذم وجذم ؛ وذلك لما كثر الاختلاف في عدد الآباء وأسمائهم ~~فيما فوق ذلك ، وشق على العرب تشعب المناهج فيه وتصعيب المسالك ؛ قطع الخوض ~~فيما فوق قحطان ومعد وعدنان ، واقتصر على ذكر ما دونهما ، لاجتماعهم على ~~صحته . ومنه قول سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما انتسب إلى معد ~~بن عدنان : " كذب النسابون فيما فوق ذلك " لتطاول العهد . فمن كان من ولد ~~قحطان ، قيل يمني . ومن كان من ولد معد بن عدنان ، قيل خندفي ، أو قيسي ، ~~أو نزاري ، وإن كان الجميع داخلا في نزار ، أعني معد بن عدنان ؛ وإنما كان ~~بعد نزار جماجم استغنى بالنسبة إليها عن نزار بن معد بن عدنان ؛ ولأن جمهور ~~العلماء طبقوا النسب على ما قدمناه أربع طبقات : خندقي ، وقيسي ، ونزاري ، ~~ويمني . فقولهم : خندقي أي كل من يرجع إلى الياس بن مضر بن نزار بن معد بن ~~عدنان ؛ وهو جماع خندف ، فتوسعت العرب في ذلك إلى أن قالوا : PageV02P0296 # """""" صفحة رقم 297 """""" إلياس هو خندف ، لأن ولده وهم مدركة ، وطابخة ~~، وقمعة ، أمهم خندف ، وهي ليلى بنت حلوان بن عمران ، بن إلحاف بن قضاعة ، ~~خندفت في طلب ولدها أي أسرعت ، فقال لها إلياس : مالك ms0383 تخندفين ؟ أي تهرولين ~~فسميت خندف ، فرجع إلى خندف أبطن عدة : كمزينة ، والرباب ، وضبة ، وصوفة ، ~~والشعيرا ، وتميم ، وهذيل ، وأسد ، والقارة ، وكنانة ، وقريش ، فقيل لولد ~~إلياس خندف ثم قيل لإلياس نفسه خندف إذ كان أبا لمن أمه خندف لا غير ولا ~~ولد له إلا من خندف . ولذلك نظائر وأشباه في العرب ، كما قيل لمالك بن ~~خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر : " عائدة " لأن أم ولده عائدة بنت الحمس ~~بن قحافة الخثعمية . وكما قيل لعوف بن وائل بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن ~~أد بن طابخة بن إلياس بن مضر : " عكل " لأن أمة يقال لها عكل حضنت ولده . ~~وكما قيل لعمرو بن أد بن طابخة بن إلياس : " مزينة " لأن أم ولده مزينة بنت ~~كلب بن وبرة القضاعية . وكما قيل لعمرو بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار " ~~جديلة قيس " لأن أم ولده جديلة بنت مر ، أخت تميم بن مر ، بن أد ، بن طابخة ~~. وكما قيل للحارث بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب ~~بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان " عاملة " لأن أم ولده ~~عاملة بنت مالك بن وديعة القضاعية . وكما قيل لأشرس بن السكون بن أشرس بن ~~كندة " تجيب " لأن أم ولده تجيب بنت ثوبان المذحجية ، وغير ذلك مما يطول ~~الكلام باستقصائه والله أعلم . وأما قولهم قيسي ، فالمراد به من ولد قيس بن ~~عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، ويكون عيلان هاهنا أخا إلياس بن ~~مضر ، وكان اسم إلياس عيلان . وقال الوزير ابن المغربي : هو الناس بتشديد ~~السين فيكون مضر أعقب إلياس والناس . ومن العلماء من قال : إن عيلان كان ~~حاضنا ، حضن قيسا وليس بأب فيقول PageV02P0297 # """""" صفحة رقم 298 """""" قيس عيلان بن مضر ، مضاف إليه بغير ذكر ~~البنوة ، كما قيل في فخذ من قضاعة سعد هذيم ، وهذيم حاضن ، وغير ذلك في ~~العرب كثير والأول أصح . وهذا قيس بن عيلان بن مضر هو الذي ms0384 قيل لقيس به قيس ~~والله أعلم . وذهب قوم إلى أن ولد معد بن عدنان كلهم يقال لهم : قيس وهو ~~خطأ ، وإنما هم يجوزون ذلك على وجه بعيد ليميزوا بالعزوة إلى ذلك بين يمن ~~وغيرها : فيقولون : قيس ويمن ، فيظن السامع أنهما أخوان ، وأين قيس من ~~قحطان جد يمن : لأن قحطان أبا اليمن هو أخو الجد العشرين لقيس : وهو فالغ ~~بن عابر ، وقحطان بن عابر . وسيرد ذلك في سرد النسب بعون الله ومشيئته . ~~وبيانه ها هنا أن قيس بن عيلان ، بن مضر ، بن نزار ، بن معد ، بن عدنان ، ~~بن أد ، بن أدد ، بن اسماعيل الذبيح ، بن إبراهيم الخليل ، بن تارح : وهو ~~آزر بن ناحور ، بن ساروغ ، بن أرغو ، بن فالغ ، بن عابر ، ففالغ أخو قحطان ~~، وقحطان هو الجد الذي ترجع إليه يمن كلها ؛ وهو أحد جذمي النسب كما تقدم . ~~فقد بان أن قول من يقول قيس : ويمن قبيلة ليس بشيء ، وإنما قال ذلك لولد ~~معد بن عدنان إشارة لإعلام السائل إذا سأل المعدي من أي نسب هو ، فكأنه ~~يقول له من البطن التي منها قيس . وهذا بعيد وشاذ . ومما يؤكد بعده أنا إذا ~~جوزنا ذلك لمن ينتسب إلى جمجمة فوق قيس كربيعة بن نزار بن معد بن عدنان ، ~~وإياد بن نزار وغير ذلك وإن كان بعيدا فكيف يجوز أن يطلق ذلك على قريش . ~~فنقول : هم قيس ، وإنما قريش بنو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة ~~بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار ، وإلياس هو عم قيس فيكون قريش دون قيس ~~بهذه العدة ، فلا يجوز أن يقال : إن قريشا من قيس ، وقيس إنما هو ابن عم ~~الأب السادس من قريش : وهو مدركة ؛ ولو كان عما له ، لكان ربما يجوز على ~~وجه التعارف عند العرب بأن العم أب كما أخبر الله تعالى عن نبيه يعقوب عليه ~~السلام فقال تعالى : " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما ~~تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل ms0385 وإسحاق " ~~PageV02P0298 # """""" صفحة رقم 299 """""" ، والذي ذهب إلى أن العم أب قال : أنا أطلق ~~على ولد معد بن عدنان قيسا لأن قيسا منهم ، فأقول : قريش من قيس . وهذا ~~بعيد من وجه أن قيسا ليس بعم لقريش ، وإنما هو ابن عم ، ولا ترجع العزوة في ~~الانتساب إلى ذيل الأعقاب ، إنما يعزى لأعلى النسب ؛ لا لأسفل العقب ؛ ولو ~~صح ذلك ، لعزى الإنسان لابن ابن عمه وهذا لا يصح . فقد وضح أن العزوة إلى ~~قيس لا تصح إلا لمن يرجع إليه بالولادة منه : لأن ربيعة وإيادا ابنى نزار ~~أعلى منه ، فلا يصح أن يعزوا إليه ؛ وقريش وكنانة أسفل منه فلا يصح أن ~~يعزوا إليه . وبالجملة فإنه ابن عم لهما ، أعني قريشا وكنانة ، وأخ لهما ~~أعني ربيعة وإيادا ؛ ولا يجوز أن يعزى الأب إلى ابنه إذ كانت النسبة في ذلك ~~لا ترجع إلى الابن إنما ترجع إلى الأب . ولو اعتمد ذلك في الأنساب لاختلطت ~~العزوة إلى كل أب بالأب الآخر فلم يتميز ، ولم يقف عند حد دون الآخر . وهذا ~~يؤول إلى الجهالة بالأبطن والأفخاذ والعشائر . وأما شهرة العزوة إلى قيس ، ~~فلما فيها من الجماجم والرءوس والقبائل والأرحاء وهي عند النسابين أكبر من ~~تميم ومن بكر ابني مر بن أد بن طابخة ؛ إذ كان في قيس بنو عبس ، وذبيان ~~وغطفان ، وأعصر ، وهوازن ، وعدوان ، وفهم : وهم جديلة قيس ، وسليم ، وثقيف ~~، وعامر ، وجشم ، ونصر ، وبكر ، وسعد ، وسلول ، وربيعة ، وكلاب ، وقشير ، ~~وحبيب ، وعقيل ، وحريش ، وخفاجة ، وطهفة ، وغير ذلك من الأفخاذ والعشائر ~~التي تشرح في مواضعها بمشيئة الله وعونه . وأما نزار بن معد بن عدنان ، ~~ففيها من الأبطن والأفخاذ والعشائر : كبني ربيعة الفرس ، وضبيعة أضجم ، ~~وأكلب ، وأسلم ، ويقدم ، وأجلان ، وهميم ، وعبد القيس ، ودهن ، والنمر ، ~~وتغلب ، ووائل ، وبكر ، وصعب ، وعلي ، وحبيب ، وعنزة ، وعنز ، ورفيدة ، ~~وإراشة ، ويشكر ، وعكابة ، وعجل ، ولجيم ، وحنيفة ، وزمان ، والدول ، ~~PageV02P0299 # """""" صفحة رقم 300 """""" وشبيان ، وذهل ، ومازن ، وسدوس ، وبلي ، وعوف ~~، وبدر ، ومعن ، ودعمي ، وزهرة ، وحذاقة . فأما أنمار بن نزار ، فانقلب في ~~يمن كما انقلبت قضاعة في غير ذلك من الأفخاذ ms0386 والعشائر مما بين في موضعه إن ~~شاء الله تعالى والحمد لله . وأما يمن ، فهم أولاد قحطان ، بن عابر ، بن ~~شالخ ، بن أرفخشذ ، بن سام ، بن نوح عليه السلام . وفيها عدة جماجم وقبائل ~~وأبطن وأفخاذ وعشائر : كسبأ ، وطيء ، والأشعر ، وحمير ، وقضاعة ، وغسان ، ~~وأوس ، والخزرج ، والأزد ، ولخم ، وجذام ، وعاملة ، وخولان ، وغافق ، ومذحج ~~، وحرب ، وسعد العشيرة ، ومعافر ، وهمدان ، وكندة ، وكلب ، ومهرة ، وصنهاج ~~، وبارق ، وبجيلة ، وثعلبة ، ودرما ، وزريق ، وعنيز ، وعتاب ، وبحتر ، وجرم ~~، ومراد ، وعبس ، وجعفي ، وسلمان ، وتجيب ، وصدا ، والنخع ، والصدف ، ~~وحضرموت وغير ذلك . وكل ما ذكرناه فهو أبطن وأفخاذ وعشائر مختلطة ، وما ~~قصدنا فيها الترتيب ، على طبقات النسب والتعقيب ، وإنما جئنا من كل عزوة ~~ببعض مشاهيرها التي تنسب إليها : ليتبين بعضها من بعض ويعلم غرضنا في تحرير ~~ما قدمناه والله أعلم . وأما عزوة العرب إلى يمن : وهم ولد قحطان ، فلكونهم ~~نزلوا اليمن ؛ وكان منهم ملوك الحيرة وأصحاب سد مأرب فتيامنوا ، فنسبوا إلى ~~اليمن . PageV02P0300 # """""" صفحة رقم 301 """""" وقيل : إنما قيل لهم : يمن بأيمن بن هميسع بن ~~حمير ، وهو جد الملوك التبابعية ؛ والأول أولى . وأكثر العزوة لمن ينقلب عن ~~نسبه إلى اليمن ، لأجل أن الملوك كانت في اليمن : مثل آل النعمان بن المنذر ~~من لخم ، وآل سايح من قضاعة ، وآل محرق ، وآل العرنجج وهو حمير الأكبر بن ~~سبأ كالتبابعة والأذواء وغيرهم . والعرب يطلبون العز ولو كان في شامخات ~~الشواهق وبطون الأمالق البوالق فينتسبون إلى الأعز لحماية الحمية وإباءة ~~الدنية وسكون النفوس إلى نفيس الكثرة والعصبية بطريق دقيق في النظر لا على ~~الظن المشتهر : كما جرى لقضاعة بن معد بن عدنان لما خلف على أمه الجرهمية ~~بعد مالك بن مرة بن عمرو بن زيد بن مالك بن حمير أباه معد بن عدنان ؛ فجاءت ~~بقضاعة على فراش مالك بن مرة فنسبه العرب إلى زوج أمه مالك بن مرة ، عادة ~~للعرب فيمن يولد على فراش زوج أمه . وقيل إن اسم الجرهمية : قضاعة ، فلما ~~جاءت بولدها سمته باسمها . وقيل بل كان اسمه عميرا فلما تقضع عن قومه أي ~~بعد سمى ms0387 قضاعة . والعادة عند العرب أن تنسب الرجل إلى زوج أمه ؛ ألا ترى ~~أنها قالت في عبد مناة بن كنانة : بنو علي وهو علي بن مسعود الأزدي وكان ~~حضن بني أخيه لأمه وهم بكر وعامر ومرة أولاد عبد مناة بن كنانة ، فغلب اسمه ~~عليهم لما تزوج أمهم هند ابنة بكر بن وائل وخلف عليها بعد أخيه ، فضم إليه ~~بني أخيه المذكورين مع أمهم هذه ، وهم صغار فربوا في حجرة فنسبهم العرب إلى ~~علي . وسيأتي من هذا الباب أمثال له في مواضعها إن شاء الله تعالى . ~~PageV02P0301 # """""" صفحة رقم 302 """""" والطبقة الثانية الجماهير والتجمهر : ~~الاجتماع والكثرة ؛ ومنه قولهم : جماهير العرب أي جماعتهم ، ومنه ترجمة ~~مجموع لغة العرب " الجمهرة " الكتاب الذي ألفه أبو بكر بن دريد وجمهرة " ~~الأنساب " أي مجموعها والله أعلم . والطبقة الثالثة الشعوب ، وأحدها شعب ؛ ~~ويقال شعب ؛ ويقال في القبيلة بالفتح وفي الجبل بالكسر : وهو الذي يجمع ~~القبائل وتتشعب منه ، ويشبه بالرأس من الجسد ؛ قال الله تعالى : " يا أيها ~~الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " الآية . والطبقة الرابعة القبيلة ، وهي ~~التي دون الشعب تجمع العمائر ؛ وإنما سميت قبيلة لتقابل بعضها ببعض ~~واستوائها في العدد ؛ وهي بمنزلة الصدر من الجسد . الطبقة الخامسة العمائر ~~، وأحدها عمارة : وهي التي دون القبائل . وتجمع البطون ؛ وهي بمنزلة اليدين ~~. والطبقة السادسة البطون ، وأحدها بطن : وهي التي تجمع الأفخاذ . والطبقة ~~السابعة الأفخاذ ، وأحدها فخذ وفخذ ، مثل كبد وكبد : وهي أصغر من البطن . ~~والفخذ تجمع العشائر . والطبقة الثامنة العشائر ، وأحدها عشيرة : وهم الذين ~~يتعاقلون إلى أربعة آباء . وسميت بذلك لمعاشرة الرجل إياهم ، قال الله ~~تعالى : " وأنذر عشيرتك الأقربين " . فدعا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~علياء قريش إلى أن اقتصر على بني عبد مناف ؛ PageV02P0302 # """""" صفحة رقم 303 """""" وهم يجتمعون معه في الجد الرابع . فمن ها هنا ~~جرت السنة بالمعاقلة إلى أربعة آباء ؛ وهم بمنزلة الساقين من الجسد اللتين ~~يعتمد عليهما دون الأفخاذ . والطبقة التاسعة الفصائل ، وأحدها فصيلة ؛ وهم ~~أهل بيت الرجل وخاصته ؛ قال الله تعالى : " يود المجرم لو يفتدى من عذاب ms0388 ~~يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه " وهي بمنزلة القدم . ~~والطبقة العاشرة الرهط ، وهم رهط الرجل وأسرته : بمنزلة أصابع القدم . ~~والرهط دون العشرة ، والأسرة أكثر من ذلك ، قال الله عز وجل : " وكان في ~~المدينة تسعة رهط " . قال السيد أبو طالب في قصيدته المشهورة التي يمدح ~~فيها سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وأحضرت عند البيت رهطي ~~وأسرتي . . . وأمسكت من أثوابه بالوصائل . ورهطه بنو عبد المطلب وكانوا دون ~~العشرة . وأسرته من بني عبد مناف الذين عاضدوه في نصرة سيدنا رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . تمثيل التفصيل - عدنان جذم ، قبائل معد جمهور ، ~~نزار بن معد شعب ، مضر قبيلة ، خندف عمارة : وهم ولد إلياس بن مضر ، كنانة ~~بطن قريش فخذ ، قصي عشيرة ، عبد مناف فصيلة ، بنو هاشم رهط . وحيث انتهى ~~القول في ذكر الطبقات فلنأخذ الآن في بسط النسب وسرده فنقول وبالله التوفيق ~~. PageV02P0303 # """""" صفحة رقم 304 """""" أصل النسب أبو البشر آدم عليه السلام وإدم هو ~~الجد الخمسون لسيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعمود النسب الطاهر ~~المحمدي من آدم عليه السلام في ابنه شيث بن آدم عليهما السلام : وهو هبة ~~الله ، وأمه حواء أمة الله . ولما قتل قابيل بن آدم أخاه هابيل ، ولد شيث ؛ ~~وقال آدم عليه السلام : هذا هبة من الله وخلف صالح . وهو الذي بنى الكعبة - ~~شرفها الله تعالى - بالطين والحجارة على موضع الخيمة التي كان الله تعالى ~~وضعها لآدم من الجنة . وقال وهب : إن الله تعالى أنزل على شيث خمسين صحيفة ~~، ورزق عدة من البنين والبنات . والعقب منه في ابنه أنوش بن شيث وأمه لبود ~~ابنة آدم عليه السلام . وهو الذي غرس النخلة وزرع الحبة ، ونطق بالحكمة ؛ ~~وتدعى أمه محوايلة البيضاء . والعقب منه في ابنه قينان بن أنوش ، وله ولد ~~اسمه أروى أعني لأنوش ، اعقب وانقرض عقبه . والعقب من قينان في ابنه ~~مهلائيل بن قينان ولم يرزق غيره . والعقب منه في ولده يارد بن مهلائيل . ~~وكان ليارد اخوة . والعقب من يارد في ابنه أخنوخ بن يارد ، وهو ms0389 إدريس النبي ~~عليه السلام ، وأمه تدعى بره . قيل سمي إدريس لدرسه الصحف الثلاثين التي ~~أنزلها الله تعالى عليه ؛ وهو أول من خط بالقلم ، وكان له اخوة انقرضوا . ~~PageV02P0304 # """""" صفحة رقم 305 """""" والعقب منه في ابنه متوشلخ بن أخنوخ ، وأمه ~~بروخا . وعقبه في ابنه لمك بن متوشلخ ، واسمه لامخ . والعقب منه في ابنه ~~نوح النبي عليه السلام ، وأمه قينوش إبنة بركائل بن محوايل ، وهو عليه ~~السلام آدم الثاني : لأنه لا عقب لآدم عليه السلام إلا من نوح وولده . ~~واخوة نوح عليه السلام جماعة : منهم صالح بم لمك ، وسقطان ، ومنان ، وترسيس ~~، وصدفا ؛ وكان لهم أولاد انقرضوا كلهم والعقب من نوح لا غير ؛ ورزق لمك ~~والد نوح عليه السلام نوحا ، وله من العمر مائة واثنان وثمانون سنة ؛ وتوفي ~~وقد مضى من عمر نوح خمسمائة سنة . واختلف في عمر نوح : فقيل عاش ألف سنة ~~إلا خمسين عاما : ستمائة فبل الطوفان وثلاثمائة وخمسين سنة بعده . وقيل بل ~~لبث قبل الطوفان ألف سنة إلا خمسين عاما . على ما نذكر ذلك إن شاء الله ~~تعالى في قصته في التاريخ . وعمود النسب من نوح في ابنه سام بن نوح عليه ~~السلام ؛ وسام هو الجد الأربعون لسيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وأمه عمردة . واخوة سام حام ، ويافث ، وبوناطل ، وسالوم وهو الذي غرق في ~~الطوفان . وأما سام بن نوح ، فإن الله تعالى حعل في ذريته الكتاب والنبوة ~~والملك والجمال والبياض ، ونزلوا ما بين ساقيد إلى البحر ، وما بين البحر ~~إلى الشام : وهو وسط الأرض ، والحرم وما حوله ، والحرم إلى حضرموت ، وإلى ~~عمان ، وإلى عالج والدهناء . والعقب من يافث بن نوح طرسوس ، وهمذان ، ~~والجبال ، والجزر ، وفرنجة ، والصقالبة الذين على تخوم القسطنطينية ، ~~واشكار ، والترك ، وقبرس ، ويأجوج ، ومأجوج ، وكومر ، والمصيصة ، وأدنه ، ~~وروادنيم ، وماسج ، وخراسان ، وباوال ، ويونان ، وبرجام ، وكرد بن مرد بن ~~يافث . قال : وهذه رواية العلماء بالنسب ، سنذكر خبر كرد بعد هذا في موضعه ~~. ومن ولد يونان بن يافث الروم واليونانيون ؛ كان منهم الفلاسفة وأهل ~~الحكمة كالإسكندر وغيره . PageV02P0305 # """""" صفحة رقم 306 """""" وولد ms0390 بوناطل بن نوح : وهو الذي عقد الأولوية ~~للناس حين تفرقوا : الأرغار ، والبعاس ، والدكايك ، والدمشق ؛ وهم أمم لا ~~يحصون خلف صين الصين . والعقب من حام بن نوح ، الهند والسند والنوب ، ~~والزنج ، والحبشة ، والقبط ، والبربر ، ومصرايم أو اسمه مصر بن حام . وذكر ~~صاحب الشجرة : أن مصرايم أعقب من ابنه لوديم ، وأن لوديم أعقب قبط مصر ~~بالصعيد ، والبيهيم ، والتفوحيم ، والبرنسيم ، والكشلوجيم ، والقابدقابين ، ~~ومودشايا ، وكوشابا ، وهبورشابا . قال : وهؤلاء بأجمعهم ولد قوط بن حام ، ~~وأندلش ، وكوشان ؛ فولد قوط بن حام مصر ، فولد مصر بن قوط قبط : وهم قبط ~~مصر ؛ وبهم سميت مصر مصر . قال : هذا قول شيوخنا . وذكر أهل التاريخ : أن ~~مصر سميت بمصر بن بيصر بن حام ؛ كل ذلك قد قيل وهو الأكثر عن العلماء . ~~وقال أبو المنذر النسابة في روايته : إن السند والهند وما بينهما من البلاد ~~قتلهم يوشع بن نون إلا بقية منهم يسيرة لحقوا بأطراف بلاد السودان : وهم ~~الذين ما بين مصر إلى بلاد السودان ، ومنهم البربر والبجة . وذكر صاحب ~~الشجرة : أن كوش أبو الحبش ، وأنه كوش بن حام ، وأنه أعقب من نمرود أبي ~~ملوك بابل ، ومن أحويلا وهو الواحات ، ومن سفنا وهو أبو زغاوة ، ومن سبأ ، ~~ومن سفخا : وهو أبو الدمدم ، ومن رعماوهو أبو البقاقو من السودان ، والعقب ~~من رعما هذا من سبأ أبي الهند ومن دادان أبي السند . وذكر أبو المنذر ~~النسابة أن كنعان بن حام أعقب من حماة ، وحمص ، واروادودي ، وطرابلس ، ~~وصيدون ، وهي صيداء ، وحاث ، ونفوسة ، وهوارة ، ومزاتة ، وامورا ، وكركاسي ~~، ومزانة من البربر . قال الجواني : وهذا كله بين الخلاف بين النسابين ؛ ~~ومن النسابين من يلحق لواتة وهم ولد بر بالبربر هذا بن كنعان بن حام ، ومن ~~اللواتيين من يقول فيهم : إنهم قيس ، PageV02P0306 # """""" صفحة رقم 307 """""" ويعبرون أنهم من ولد جابر بن بغيض ، بن ريث ، ~~بن غطفان ؛ وأن جابرا جدهم عم فزارة . ومن لواتة ومزاتة من يزعم أنهم قوم ~~نافلة صاروا إلى بلد البربر ، وأن البربر إنما هم هوارة ، وصنهاجة ، وأن ~~أباهم تزوج امرأة منهم يقال لها : تصوين ، فنسبوا ms0391 إلى أمهم ، وهوارة تزعم ~~أنهم قوم نافلة من يمن جهلوا أنسابهم . وولد لواتة بن بر : وهو لواتة أربعة ~~أفخاذ : وهم زنارة ومصانا ونيطا وتطوفا ؛ ولكل فخذ من هذه الأفخاذ عدة ~~عشائر ، حصل الإضراب عن ذكرها رغبة في الاختصار . فلنرجع إلى عمود النسب ~~فنقول : إن عمود النسب الشريف من سام بن نوح في ابنه أرفخشذ بن سام ؛ وأمه ~~من بنات الملوك . وكان سام من الأولاد غير أرفخشذ : إرم ولاوذ وأشوذ وغليم ~~وماش والموصل ولد وأبو الأرمن وخوزستان أولاد سام . وفيهم خلاف عند ~~النسابين . والعقب من إرم بن سام من عوص وجائر وماش وأهلوا وإيران أولاد ~~إرم . فالعقب من أهلوا بن إرم بن سام : قادسان . والعقب من أكراد جد ~~القبيلة المعروفة بالأكراد ، في قول أكثر النسابين . ومن عشيرة القبيلة من ~~يذكر أنهم من بني عمرو بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن العبسي كما ~~نذكره في بني هوازن . وفي الأكراد عدة بطون : كالحلالية والمروانية وغيرهما ~~. وقد ذكر بعض النسابين أن كرد بن مرد بن يافث بن نوح . وفي ذلك خلاف . ~~والعقب من عوص بن إرم بن سام : عاد ، وبه سميت عاد إرم . والعقب من ماش بن ~~إرم بن سام من نبيط : وهو نبط سواد العراق . PageV02P0307 # """""" صفحة رقم 308 """""" والعقب من جاثر بن إرم : ثمود وجديس . فالعقب ~~من ثمود بن جاثر : فالج وهيلع وبنوق وأرام ؛ من ولده صالح النبي عليه ~~السلام ابن أسف بن كماشج بن أرام بن ثمود . والعقب من لاوذ بن سام : عمليق ~~وهو أبو العمالقة والفراعنة والجبابرة بمصر والشام ، وطسم بن لاوذ وأميم بن ~~لاوذ . وفرعون موسى : هو الوليد بن مصعب ابن أسمير بن الهون بن عمليق بن ~~لاوذ بن سام . وولد الفرس أشور بن سام : تيرش وهم الفرس ؛ وبهم سميت فارس ؛ ~~ومنهم الأكاسرة . وولد غليم بن سام : خوزان وهم الخوز الذين مساكنهم بلاد ~~الأهواز مما يلي بحر الصين . فلنرجع إلى سرد عمود النسب فنقول : إن عمود ~~النسب منه في شالخ بن أرفخشذ وكان له من الأولاد غير شالخ ms0392 مالك وقينان ابنا ~~أرفخشذ . قال : وزعموا أن قينان أول من نظر في علم النجوم بعد الطوفان ~~واستنبط ذلك من تنور صفر كان فيه علمها قبل الطوفان ، ودفن في الأرض ~~فاستخرجه وعلم ما فيه . والعقب من شالخ في ابنه عابر بن شالخ ، وعابر : هو ~~هود النبي عليه السلام ؛ وأمه مرجانة وهو جماع النسب . وله من الأولاد : ~~فالغ ، وفيه عمود النسب ، وهو أبو قريش وقحطان ويقطن . فولد يقطن بن عابر : ~~جرهم بن يقطن ، كانوا ولاة البيت الحرام فمكثوا ما شاء الله ، ثم استحلوا ~~المحارم ، وكثرت فيهم المآثم ، فأخرجهم الله تعالى من جوار بيته ، ورماهم ~~بالفناء فلم يبق منهم أحد . وفيهم يقول القائل : وبادوا كما بادت بقية جرهم ~~PageV02P0308 # """""" صفحة رقم 309 """""" وقحطان بن عابر هو أبو اليمن كلها ، وجذم ~~نسبها . وولد قحطان هم العرب المتعربة ؛ إذ العرب ثلاث فرق : عاربة ومتعربة ~~ومستعربة . فأما العاربة فهم تسع قبائل من ولد إرم بن سام بن نوح : وهم عاد ~~، ثم ثمود ، ثم أميم ، ثم عبيل ، ثم طسم ، ثم جديس ، ثم عمليق ، ثم جرهم ، ~~ثم وبار . فعاد وعبيل ابنا عوص بن إرم بن سام بن نوح ، وطسم وعمليق وأميم : ~~بنو لاوذ بن سام ؛ وثمود وجديس ابنا جاثر بن إرم بن سام ؛ ووبار وجرهم ابنا ~~فالغ بن عابر : فهذه العرب العاربة . وأما المتعربة فهو بنو قحطان بن عابر ~~الذين نطقوا بلسان العرب العاربة وسكنوا ديارهم . وأما المستعربة فهم بنو ~~إسماعيل بن إبراهيم : وهم بنو عدنان بن أد . قال الشريف الجواني : وهذا ~~مختصر من نسب اليمن . قال : إن العقب من قحطان بن عابر من يعرب بن قحطان : ~~وهو الذي زعمت يمن العرب إنما سميت عربا به وأنه أول من تكلم بالعربية ونزل ~~أرض اليمن فهو أبو اليمن كلها . وذكر بعض النسابين أن حضرموت بن قحطان ، ~~وإليه ينسب كل حضرمي . وقيل . حضرموت من ولد حمير ، وإنه حضرموت بن عمرو بن ~~قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير ~~بن أيمن ms0393 بن الهميسع بن حمير . قال : وعلى ذلك اعتماد شيوخنا في النسب . ~~وقال آخرون : هو حضرموت بن يقطان بن عابر . فولد يعرب بن قحطان : يشجب ؛ ~~فولد يشجب بن يعرب : سبأ واسمه عبد شمس ؛ وإنما سمي بسبأ لأنه أول من سبى ~~من العرب ، فولد سبأ بن يشجب : حمير وكهلان . وقالت طائفة من النسابين : ~~ومراء بن سبأ . فولد مراء بن سبأ : شعبان قبيلة وصريحان قبيلة ، ولهم عدد ~~ومدد . وولد حمير بن سبأ بن يشجب : مالكا عامرا وعوفا وسعدا ووائلة وعمرا ~~وهميسعا . PageV02P0309 # """""" صفحة رقم 310 """""" فأما عمرو بن حمير فهم آل ذي رعين ملوك اليمن ~~: وهم بنو الحارث بن عمرو بن حمير . ومن النسابين من ينسب ذا رعين إلى أنه ~~ولد زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن ~~الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير : وهم عشيرة ذي ~~أصبح وعشيرة سيف بن ذي يزن . قال : وشيوخنا في النسب ينسبون التبابعة ~~الملوك إلى أيمن بن هميسع بن حمير ولا خلاف عندهم فيه وأنهم يرجعون إلى ~~أيمن . وأما عامر بن حمير ، فمنه قبائل يحصب كلها ، وهو يحصب بن دهمان بن ~~عامر بن حمير . قال : ومن شيوخ النسب من قال : يحصب بن ذي يزن بن ذي أصبح ~~بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة ، وهم حمير ~~الأصغر . وأما هميسع بن حمير فمن ولده : صنهاجة : القبيلة المشهورة المعقبة ~~بالمغرب وفي ذلك خلاف ؛ وهي من بني زهير بن أيمن بن هميسع بن حمير ، ~~وصنهاجة اسم الجد للقبيلة كلها : وهو صنهاجة بن المثنى بن المسور بن يحصب ~~بن ذي يزن بن ذي أصبح بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد ~~بن سدد بن زرعة ، وهم حمير الأصغر بن سبأ الأصغر بن كعب بن كهف الظلم ، بن ~~زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن ms0394 عبد شمس بن وائل بن الغوث ~~بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن هميسع المذكور . قال : وإلى ذي أصبح هذا ~~يرجع الإمام مالك بن أنس الأصبحي . وقيل : ذو يزن بن أسلم بن زيد ، وذو ~~أصبح بن مالك بن زيد . قال : ومن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس ~~هذا الذي في عمود النسب ثلاث بطون غير سهل بن عمرو : وهم شعبان بن عمرو ~~وحيران بن PageV02P0310 # """""" صفحة رقم 311 """""" عمرو وحضرموت بن عمرو ؛ وحضرموت هذا هي ~~القبيلة التي ينسب إليها كل حضرمي وقد تقدم ذكره . وأما سعد بن حمير ، فمنه ~~السلف البطن المشهورة ، وأسلم بطن : وهما ابنا ربيعة بن سعد بن حمير . وأما ~~وائلة بن حمير ، فمنهم السكاسك : وهم بنو زيد بن وائلة بن حمير ، وهي غير ~~سكاسك كندة . وأما مالك بن حمير فمن ولده قضاعة : وهم قضاعة بن مالك بن مرة ~~بن عمرو بن زيد بن مالك بن حمير البطن المشهورة على ما نذكره . وقيل : إنها ~~من ولد معد بن عدنان وفي ذلك يقول القائل : أبوكم معد كان يكنى ببكره . . . ~~قضاعة ما كنى به من تجمجما . ومن قضاعة ثلاث بطون : وهم عمران بن الحاف بن ~~قضاعة وعمرو بن الحاف وأسلم بن الحاف بن قضاعة . فأما البطن الأولى من ~~قضاعة : وهم ولد عمران ، فأعقب حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة من خمس ~~قبائل : وهم تغلب الغلباء ، ويقال : تغلبي قضاعي أو يمني ، يراد به هذا ~~الأب ؛ وتغلبي معدي أو نزاري ، فيراد به تغلب بن وائل بن قاسط الذي في أسد ~~بن ربيعة بن نزار ؛ وعشم بن حلوان ، وزبان بن حلوان ، وعمرو بن حلوان وهو ~~سليح وتزيد بن حلوان بالتاء باثنتين من فوق وفتحها . والعقب من تغلب بن ~~حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة : وبرة بن تغلب . والعقب من وبرة بن تغلب ~~من خمس أفخاذ : كلب بن وبرة ، وإليه ينسب كل كلبي ، وفيهم عدة أفخاذ وعشائر ~~: كبني عوف وبني ضمضم وبني غليم وبني زهير وبني كنانة ms0395 ، والجميع عشائر ~~يرجعون إلى عذرة بن زيد الله بن رفيدة بن ثور بن كلب ، وعرينة بن ثور بن ~~كلب بن وبرة ، وإليه يرجع كل عرني ، وأسد بن وبرة ، والبرك بن وبرة ، ~~والنمر بن وبرة ، والتغلب بن وبرة ، وفهد ، وضبع ، ودب ، وسيد ، وسرحان ، ~~وذئب أولاد وبرة بن تغلب الغلباء . PageV02P0311 # """""" صفحة رقم 312 """""" فمن أسد بن وبرة : بنو القين بن جسر بن شيع ~~الله بن أسد ، وتنوخ : وهو مالك بن زهير بن عمرو بن فهم بن تيم الله بن أسد ~~؛ وإلى تنوخ هذا ينسب كل تنوخي ؛ وإليه يرجع أبو العلاء المعري الشاعر . ~~وأعقب نمر بن وبرة بن تغلب في ثلاث أفخاذ : خشين ، وإليه يرجع كل خشني وهو ~~نمير ، منهم أبو ثعلبة الخشني الصحابي رضي الله عنه ؛ ومشجعة بن تيم بن ~~النمر بن وبرة ، وإليه يرجع كل مشجعي ، وغاضرة بن النمر وعاتية بن النمر ~~إلا أنهما دخيلان في سليم . قالوا : عاتية وغاضرة ابنا سليم بن منصور . ~~وأما زبان بن حلوان فأعقب من جرم بن زبان ، وإليه يرجع كل جرمي . وفي جرم ~~عدة بطون : منها ملكان بن جرم بفتح الميم واللام ؛ بطن . وأما عمرو بن ~~الحاف بن قضاعة فأعقب من ثلاث أفخاذ : بلي بن عمرو ، وبهراء بن عمرو ، ~~وحيدان وعريد بن حيدان ، وقيل : حدان بن عمرو ؛ وإلى بلي هذا ينسب كل بلوي ~~ككعب بن عجرة البلوي ، وبنو العجلان ، وبنو أنيف ، وبنو عصية : وهم كلهم ~~حلفاء الأنصار : بني عمرو بن عوف من الأوس وهي قبائل من بلي في الأنصار ، ~~منهم : المجذر بن زياد وطلحة بن البراق ، وأبو بردة بن نيار الصحابي بلوي ~~حليف الأنصار واسمه هانئ . وأما بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة ، فإليه ~~ينسب كل بهراني كالمقداد بن الأسود الكندي ولم يكن كنديا ولكن كان بهرانيا ~~قضاعيا : لأنه المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن ~~مطرود بن عمرو بن سعد بن لؤي بن ثعلبة بن مالك بن الشريد بن أبي هون بن قيس ~~بن دريم بن القين بن ms0396 أهود بن بهراء . وإنما قيل المقداد بن الأسود لأن ~~الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة تبناه لحلف كان بينهم فنسب ~~إليه ، وكان أبوه عمرو حليفا في كندة . وفي بهراء بطون . PageV02P0312 # """""" صفحة رقم 313 """""" وأما حيدان ، ويقال : حدان بن عمرو بن الحاف ~~بن قضاعة ، فمن بطونه خمس : عريب بن حيدان ، وتزيد بن حيدان ؛ وإليه تنسب ~~الثياب التزيدية ، ومهرة بن حيدان . وإلى مهرة هذا ينسب كل مهري ، وفي مهرة ~~أفخاذ ، وحيادة بن حيدان . وأما أسلم بن الحاف بن قضاعة ، فأعقب من فخذين : ~~حوتكة وسود ؛ فأما سود بن أسلم بن الحاف ، فأعقب من زيد وليث ابني سود ، ~~وأعقب زيد بن سود من أربع بطون : جهينة ، وإليه يرجع كل جهني ، ونهد : رهط ~~أبي عثمان النهدي ؛ وإليه يرجع كل نهدي ، وسعد هذيم ، وعذرة ؛ وإليه يرجع ~~كل عذري أولاد زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة . وقال ابن الكلبي : ~~عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن كلب بن وبرة . فأما جهينة بن زيد ، فرهط ~~عقبة بن عامر الجهني الصحابي . وفي جهينة الحرقة وهم بنو أحمس بن عامر بن ~~مودعة بن جهينة . وفي نهد بن سود المقدم ذكره : بنو حرقة بن خزيمة بن نهد . ~~وفي عذرة بن زيد بن سود بن أسلم : بنو ضنة بالنون بن عبد بن كبير بن عذرة ~~بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة . ومن ولد ليث بن سود بن سلم : ~~بنو علة بكسر العين مشددة اللام بن غنم بن سعد بن زيد بن ليث بن سود ، وفي ~~سعد هذيم بن زيد بن سود : بنو علة بن غنم بن ضنة بن سعد هذيم بن زيد بن سود ~~بن أسلم . قال : فهذا نهاية الاختصار في نسب حمير . وهذا ولد كهلان أخيه . ~~قال : وولد كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر عليه السلام : ~~زيدا ، فولد زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن قحطان : مالكا وعربيا وهما ~~فخذان . PageV02P0313 # """""" صفحة رقم 314 ms0397 """""" فالعقب من عريب بن زيد بن كهلان من يشجب . ~~والعقب من يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان من زيد بن يشجب . والعقب من زيد ~~هذا : أدد بن زيد بن يشجب . والعقب من أدد في طيء بن أدد ، واسمه جلهمة ؛ ~~وهو البطن العليا ، وإليه ينسب كل طائي ، والأشعر بن أدد ، وإليه يرجع كل ~~أشعري ، واسم الأشعر نبت ، وإنما قيل له الأشعر : لأنه ولد أشعر الجسد ، ~~ومالك بن أدد وهو مذحج ، وإليه يرجع كل مذحجي . وقيل : إن مذحج أم مالك بن ~~أدد فنسب إليها ولدها . وقيل : بل هي أكمة حمراء ولد عليها مالك ، فعرف بها ~~ولده . وقيل : بل اجتمعوا على الأكمة باليمن ، والأكمة تسمى مذحج ، فقالوا ~~: تعالوا نجعل مذحجا أما . وذكر ابن عبد البر في روايته : أن سيدنا رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " أكثر القبائل في الجنة مذحج " : ومذحج ~~إحدى الجماجم التسع من جماجم العرب ، سموا جماجم لأن ميلادها استوى بميلاد ~~قبائل بإزائها من أفناء العرب ، ثم تفرعت منها قبائل اجتزأت بأسمائها ~~والانتساب إليها فبعدت واكتفت بانتسابها إليها . ومرة بن أدد : أربع أبطن ~~لأدد . والعقب من طيء بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان من ~~فخذين : فطرة والغوث ابني طيء . والعقب من فطرة بن طيء بن أدد من سعد بن ~~فطرة . ومنه في خارجة بن سعد ومنه في جندب ، ومنه في رومان بن جندب . ~~والعقب من رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن فطرة من بطنين : ذهل وثعلبة ، ~~وهما الثعلبتان وجماعة صغار . والعقب بن الغوث بن طيء من عمرو بن الغوث . ~~PageV02P0314 # """""" صفحة رقم 315 """""" والعقب من عمرو بن الغوث بن طيء من ثعل : بطن ~~، ونبهان : بطن ، وهناء بن عمرو : بطن ، وثعلبة بن عمرو : بطن ، ومزروعة بن ~~عمرو : بطن ، وحسان بن عمرو : بطن ، وزيد بن عمرو : بطن ، وخشين بن عمرو : ~~بطن ؛ وإلى نبهان هذا ينسب كل نبهاني . والعقب من نبهان بن عمرو بن الغوث ~~بن طيء من ابنيه : سعد ونائل ، ومن بني سعد بن ms0398 نبهان : بنو اليسر بن ثعلبة ~~بن نصر بن سعد بن نبهان : فخذ ، وإلى هناء بن عمرو هذا ينسب كل هنائي . ~~والعقب من ثعل بن عمرو بن الغوث . فأما سلامان فالعقب منه من عنيز وثعلبة ~~وسل أولاد سلامان لصلبه ؛ وعنيز هذا جد القبيلة المشهورة ؛ وثعلبة هذا جد ~~ثعلبة طائفة من العربان المجاورين للداروم من الشام وهم بطنان : درما وزريق ~~، فالعقب من عنيز بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيء من فخذين : ~~فرير بن عنيز ، له عدد ، وعتود بن عنيز . والعقب من عتود ، من معن وبحتر ~~ابنيه ، وإليهما يرجع كل معني وبحتري ، والشاعر البحتري منهم . والعقب من ~~معن بن عتود من ثلاث : ثوب ، وود ، ومالك : بني معن بن عتود . والعقب من ~~ثوب بن معن : غنم له عدد ، وأبو حارثة فأعقب من غنم بن ثوب بن معن بن سلسلة ~~الفخذ التي يرجع إليها كل بني سلسلة المعنيون . وأما بحتر بن عتود بن عنيز ~~بن سلامان فالعقب منه في تدول بن بحتر . والعقب من تدول من ستة أفخاذ : وهم ~~جدي ، وسنام ، وأيمن ، وخيثم ، وأعور ، وسالم أولاد تدول . PageV02P0315 # """""" صفحة رقم 316 """""" وأما ثعلبة بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن ~~الغوث بن طيء فأعقب من عوف بن ثعلبة ، وأعقب عوف من فخذين : درما وزريق ؛ ~~ودرما هو عمرو بن عوف ودرما أمه . فأعقب درما بن عوف بن ثعلبة بن سلامان من ~~خمس أفخاذ : سلامة والأحمر وعمرو وقصير والأوس : أولاد درما . وأعقب زريق ~~بن عوف بن ثعلبة من فخذين : لبنى والأشعث ولدي زريق . وأما جرول بن ثعل بن ~~عمرو بن الغوث بن طيء ، فأعقب من ابنيه : معاوية وربيعة ؛ فأعقب معاوية بن ~~جرول من سنبس : القبيلة المشهورة ، وعدي ولوذان : أولاد معاوية . والعقب من ~~سنبس بن معاوية بن جرول من ثلاث أفخاذ : عمرو ، ولبيد ، وعدي ؛ فأما لبيد ~~بن سنبس ، فأعقب من حرمز ، فأعقب حرمز من يحصب وجرم ؛ وعقدة أولاد لبيد ~~فخذان . وإلى لبيد هذا تنسب العرب السنابسة الذين بالبحيرة من أعمال مصر ؛ ~~وهم من فخذ يقال ms0399 لها : قنة بن خلاد . وأما عدي بن سنبس بن معاوية ، فأعقب ~~من أبان بن عدي ، وهو فخذ . والعقب من ربيعة بن جرول بن أبي أحزم : هزومة ، ~~وأعقب هزومة من أحزم ، وأعقب أحزم من عبشمس مكسور الباء متصلا . وأما مذحج ~~: وهو مالك بن أدد بن زيد فأعقب من أفخاذ أربعة : سعد العشيرة ، ومراد : هو ~~يحابر ، وعنس ، ولميس ، وجلد أولاد مالك وهو مذحج . وإلى مراد هذا ينسب كل ~~مرادي ، وسمي مرادا لتمرده ، وإلى عنس ينسب كل عنسي ، منهم عمار بن ياسر ~~الصحابي والأسود العنسي الكذاب . PageV02P0316 # """""" صفحة رقم 317 """""" والعقب من سعد العشيرة بن مالك من ثلاث عشرة ~~فخذا : وهم زيد اللات ، وعابد اللات ، وعبد اللات ، وجا ، وجعفي ، وجرد ، ~~وحكم ، وأوس اللات ، ونمرة ، وأنس اللات ، وسعد اللات ، وعمرو ، وصعب : ~~أولاد سعد العشيرة لصلبه . فإلى جعفي هذا ينسب الجعفيون ، وإلى نمرة ينسب ~~النمريون ؛ وفي نمرة فخذان : جدا ، على وزن ندا ، وسلهم ابنا نمرة . وأما ~~جعفي فالعقب منه في فخذين : مران ، وحريم ابني جعفي بن سعد العشيرة ، يرجع ~~بنو سلهم بن حكم فخذ بكسر السين والهاء . وأما صعب بن سعد العشيرة ، فالعقب ~~منه في زبيد ، واسمه منبه ، وإليه يرجع كل زبيدي ؛ وفيهم عدة أفخاذ منهم ~~بنو حرب وغيرهم . وقيل للفخذ زبيد وهم بنو منبه الأكبر لأنه منبها الأصغر ~~بن صعب بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد قال : من يزبدني رفده ؟ فأجابه إلى ~~ذلك أعمامه كلهم بنو منبه الأكبر ، فقيل لهم جميعا زبيد . ومن بني زبيد ~~مازن بن منبه . والعقب من مراد بن مذحج من فخذين : ناجية وزاهر ابني مراد ~~بن مذحج . والعقب من ناجية : جمل بن كنانة بن ناجية بن مراد : رهط هند بن ~~عمرو الجملي الذي قتله ابن يثربي في يوم الجمل ؛ وجمل هذه رهط سيفويه القاص ~~. قال : وينزلون بنهر الملك ؛ وعطيف بن ناجية بن مراد رهط فروة بن مسيك ~~العطيفي الصحابي ، وسلمان بن يشكر بن ناجية بن مراد رهط عبيدة السلماني ؛ ~~وهو جاهلي إسلامي من كبار التابعين . PageV02P0317 # """""" صفحة رقم 318 """""" ومن ناجية ms0400 : قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد : ~~رهط أويس القرني نفعنا الله والمسلمين ببركته . وفي مراد ، تجوب : وهو رجل ~~من حمير ، كان أصاب دما في قومه فلجا إلى مراد فقال : جئت إليكم أجوب ~~البلاد لأحالفكم ؛ فقيل له : أنت تجوب ، فسمي به ؛ وهو في مراد رهط عبد ~~الرحمن بن ملجم المرادي التجوبي لعنه الله ، قاتل علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه . وأما جلد بن مذحج ، فأعقب منه علة بن جلد ؛ والعقب من علة من ثلاث ~~أفخاذ : عمرو وعامر وحرب . فمن بني حرب بن علة : رهاء : وهو رهاء بن منبه ~~بن حرب بن علة : منهم مالك بن مرارة الرهاوي الصحابي ، ويزيد بن شجرة ~~الرهاوي ، وصداء : وهو يزيد بن حرب بن علة ، منهم زياد بن الحارث الصدائي ~~الصحابي . وأما عمرو بن علة بن جلد بن مذحج ، فالعقب منه ثلاث أفخاذ : ~~النخع القبيلة المشهورة ، وكعب ، وعامر . فأما النخع بن عمرو ، فأعقب منه ~~فخذان : مالك وعوف ابنا النخع . وأما كعب بن عمرو ، فأعقب منه فخذان : ~~الحارث ، وهم بلحارث بن كعب ورعيل بن كعب . وأما عامر بن عمرو بن علة ، ~~فالعقب منه في فخذ واحدة : وهي مسلية بن عامر . وأما مرة بن أدد بن زيد بن ~~يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ ، فأعقب من فخذين : مرهم والحارث ابني ~~مرة بن أدد ؛ فالعقب من الحارث من فخذين : عدي ومالك ولديه . فالعقب من ~~مالك بن الحارث بن مرة خولان بن عمرو بن مالك وإليه ينسب كل خولاني ، ~~ومعافر بن يعفر بن مالك بن الحارث بن PageV02P0318 # """""" صفحة رقم 319 """""" مرة بن أدد بن زيد بن يشجب ؛ وإليه ترجع ~~المعافر في أنسابها ، ولهم خطة بمصر ، ومنهم فخذ بني قرافة وهي أمهم : وهم ~~الذين عرفت بهم القرافة بمصر ، ومسجدهم المسجد المعروف بمسجد الرحمة ~~بالقرافة ؛ وهم بنو عض بن سيف بن وائل بن الحري بن المعافر بن يعفر . وأما ~~عدي بن الحارث بن مرة فأعقب من أربع أبطن لصلبه : وهم عفير ولخم : قبيلة ؛ ~~واسمه مالك بن عدي ، وجذام ms0401 بن عدي : قبيلة ؛ واسمه عامر ، والحارث بن عدي ~~وهو عاملة : قبيلة ، وإنما سميا لخما وجذاما : لأن أحدهما لخم وجه أخيه ~~فسمي لخما ، واللخمة : اللطمة ، وجذم الآخر إصبع أخيه فقطعها فسمي جذاما : ~~وهما القبيلتان المشهورتان ؛ والحارث بن عدي وهو عاملة وإليه يرجع كل عاملي ~~، وعاملة وهي أمعم بنت مالك بن وديعة بن قضاعة ؛ وهي أم ولد الحارث المذكور ~~. فأما عفير بن عدي بن الحارث فأعقب من ثور بن عفير ، وثور هو كندة الملوك ~~فأعقب كندة من فخذين : معاوية وأشرس ابني ثور . والعقب من معاوية هذا من ~~ابنيه مرتع وزيد ؛ فمن ولد مرتع : بنو امرئ القيس وبنو الرائش وبنو معاوية ~~الأكرمين وبنو وهب . وبنو بدا مشدد ، خمسة : بنو الحارث بن معاوية بن ثور ~~بن مرتع . وإلى معاوية بن الحارث يرجع امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو ~~بن حجر آكل المرار بن معاوية المذكور الكندي الشاعر . والنسب إلى امرئ ~~القيس بن الحارث بن معاوية المقدم ذكره : مرقسي ، مسموع عن العرب ، وكل ~~امرئ القيس غيره في العرب فالنسب مرئي بوزن مرعي . والعقب من أشرس بن ثور ~~وهو : كندة بن عفير بن عدي : السكون بن أشرس ، والسكاسك : وهو حميس السكسك ~~بن أشرس ، وإليهما ينسب السكونيون والسكسكيون ؛ ومن السكونيين معاوية بن ~~حديج السكوني الصحابي ، وحاشد بن أشرس ، ومالك بن أشرس . PageV02P0319 # """""" صفحة رقم 320 """""" والعقب من السكون بن أشرس من فخذين : شبيب ~~وعقبة ابني السكون . أعقب شبيب بن السكون من أشرس وشكامة ، فأعقب أشرس بن ~~شبيب بن السكون بن أشرس من عدي وسعد : وهم تجيب البطن المشهورة ؛ ولهم خطة ~~بمصر ، وعرفوا بتجيب : وهي بنت ثوبان بن سليم بن رهاء بن منبه بن حرب بن ~~علة بن جلد بن مذحج . والعقب من مالك بن أشرس بن شبيب المذكور : الصدف ، ~~واسمه عمرو بن مالك ، وإليه ينسب كل صدفي بالفتح كما قالوا : شقري ونمري ~~وسلمي : في شقرة تميم ونمر بن قاسط وسلمة من الأنصار . ومن النسابين من قال ~~: الصدف هو سماك بن عمرو بن دعمي بن حضرموت . وأما ms0402 لخم بن عدي ، فأعقب من ~~فخذين وهما لصلبه : نمارة وجديلة ، ويقال : جديلة ؛ وذكر الوزير أبو القاسم ~~بن المغربي أنه قيل فيها : جديلة بالباء بواحدة . والعقب من نمارة بن لخم ~~بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن مالك بن نمارة فخذ ، وحبيب بن نمارة ، ~~وهو عمم وعدي بن نمارة سمي بذلك لأنه أول من اعتم ، وهو الذي عمم ملوك ~~العراق ؛ ولهم اخوة صغار : كالوجفا بن نمارة وقبيصة وعمرو وعوف ومجن أولاد ~~نمارة أعقبوا ؛ ومن ينسب إليهم يعزى لجدهم لخم وأمهم نمارة . ومن بني مالك ~~بن نمارة الفخذ الأولى : بنو راشدة بن مالك بطن مشهورة . ومن بني عدي بن ~~نمارة ؛ وهم عمم بن لخم : بنو نصر بن ربيعة من ربيعة بن نصر . ومن ولد نصر ~~بن ربيعة : النعمان بن المنذر بن ماء السماء : وهي أمه ، بضد ما في غسان ، ~~لأن غسان عامرا ماء السماء أب فهو ثم أب وها هنا أم ، وماء السماء ها هنا ~~هو امرؤ القيس بن النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة . ~~قال : وفي ذلك خلاف . PageV02P0320 # """""" صفحة رقم 321 """""" ومن بني حبيب بن نمارة : بنو الدار بن هانئ ~~بن حبيب بن نمارة ، ينتسب كل داري إلى هذه البطن ، وهم رهط تميم الداري ~~الصحابي المعروف بالمختطف ، وقد انقرض تميم الداري ولا عقب له . وأما جزيلة ~~بن لخم ويقال : جزيلة ، فأعقب من أراش وحجر وحليل ويشكر وعمرو ، أولاد ~~جزيلة بن لخم . فمن بني أراش بن جزيلة أرش بن أراش لا غير ؛ ويقال : أريش ~~مصغرا . والعقب من أرش بن أراش من فخذين : غنم وحدس - بالحاء المهملة ~~والدال المهملة المحركتين - والحمراء القبيلة ؛ لها خطة بمصر ، والأشعث فخذ ~~، وهذه الحمراء في غيرها من الحمراء من قضاعة ، وفهم ، وعدوان ، والأزد ، ~~وهذيل بن مدركة وبني الأزرق وهم من الروم ؛ ومنهم سميت الحمراوات . فأعقب ~~غنم بن أريش بن أراش بن جزيلة بن لخم من صعب وفهم وزر وعمرو : أولاد غنم . ~~ومن شيوخ النسب من قال : إن النعمان بن المنذر ms0403 بن ماء السماء بن امرئ القيس ~~بن المنذر بن النعمان بن امرئ القيس بن عيينة بن أبي الحرام بن العمرط بن ~~غنم بن عودة بن عبيد بن زر المذكور . والعقب من حدس بن أريش بن أراش بن ~~جزيلة بن لخم من ربيعة ورميمة . والعقب من ربيعة بن حدس أربع عشائر : منارة ~~، وسعد ، وكعب ، والهذيم : بنو ربيعة . والعقب من هذيم هذا من حداد وعامر ~~والحارث : بني الهذيم . والعقب من رميمة بن حدس بن أريش بن أراش بن جزيلة ~~من عمرو وجده . PageV02P0321 # """""" صفحة رقم 322 """""" والعقب من عمرو بن رميمة هذا : الحارث وصعب ~~وعلامة وعدي والمنذر وثعلبة . فأما الحارث بن عمرو فأعقب من أبي بن الحارث ~~، فأعقب أبي من كليب وعدي . والعقب من كليب بن أبي بن الحارث من أربع أفخاذ ~~: فيض والحارث وغنم وعميت : أولاد كليب . والعقب من فيض بن كليب من أربع ~~أفخاذ : أبي الشتاء ، ورقاش ، وقحران ، وصابي : أولاد فيض بن كليب . والعقب ~~من الحارث بن كليب بن أبي من سعد وجده . وولد كعب بن غنم ثلاث أفخاذ : بني ~~قرقر بن كعب وبني بر بن كعب وبني مرقش بن كعب . ومن بني بر بن كعب : بنو ~~واسع بن كعب : وهم بنو رومي وزهير وزير وحسان وبر : أولاد واسع ، كل منهم ~~فخذ . والعقب من عميت بن كليب بن أبي من دعجان وجده ، ومن أفخاذه : مغالة ~~بن دعجان : الفخذ المعروفة في آخرين . وأما حجر بن جزيلة بن لخم ، فأعقب من ~~ثلاث أفخاذ : أزدة وزغر وأذب . فأعقب أزدة من فخذين : منيع وعوف ابني أزدة ~~بن حجر . وأعقب زغر بن حجر من مالك بن دعن ، وهو الذي استخرج يوسف الصديق ~~عليه السلام من الجب ، وله عقب . فهذا مختصر في نسب لخم . وأما جذام واسمه ~~عامر ، فالعقب منه في بطنين : حرام وحشم ابني جذام . والعقب من حرام بن ~~جذام من فخذين : إياس ومالك ابني حرام بن جذام . والعقب من إياس بن حرام من ~~ربيل بن إياس ، ومن سعد بن إياس ، فأعقب سعد هذا من أفصى ms0404 ، فأعقب أفصى بن ~~سعد بن إياس من فخذين : زيد ومالك ابني أفصى ، وأعقب مالك هذا من سعد بطن ~~المنسوب إليها بنو سعد جذام ، وإن كان في جذام عدة سعود ، لكن هذه ذات ~~القعدد والبيت والصيت . PageV02P0322 # """""" صفحة رقم 323 """""" ومن ولد زيد بن أفصى بن سعد بن إياس بن حرام ~~بن جذام : سعد بن مالك بن زيد المذكور : بطن ؛ ووائل بن مالك ولهبة ؛ وإلى ~~وائل بن مالك بن زيد : يرجع زيد بن زنباع في نسبه . والعقب من مالك بن حرام ~~بن جذام ، من وائل وسعد . أعقب وائل بن مالك من حبيش وجمع ومازن . من ولد ~~حبيش : شعيب النبي عليه السلام : وهو شعيب بن ثويب بن حبيش المذكور ابن ~~وائل بن مالك بن حرام بن جذام . وأعقب سعد بن مالك بن حرام بن جذام من ~~غطفان : البطن الأكبر في جذام . وأعقب غطفان بن سعد من يامة بن عنبس بن ~~غطفان وغنم بن غطفان . وأعقب يامة بن عنبس بن غطفان من علي بن يامة . وأعقب ~~علي من كعب بن علي . وأعقب كعب بن علي من ثلاثة أفخاذ لصلبه : عبيد ومطرود ~~وعوف ؛ من ولد عبيد بن كعب هذا : الضبيب بن قرط بن حفيد بن تكنح بن عبيد : ~~فخذ . وأعقب مطرود الضبيب هذا من ثعلبة بن أمية بن الضبيب : فخذ ، وعمرو بن ~~مالك بن الضبيب : فخذ . وأعقب مطرود بن كعب بن علي من خالد وعمرو ومبذول ~~ونفاثة . فأعقب غنم بن غطفان بن سعد ، من نضرة بن غنم في آخرين ، فأعقب ~~نضرة بن غنم بن صبرة الفخذ المشهورة ابن نصر . والعقب من حشم بن جذام من ~~بديل بن جشم . فالعقب من بديل : بكر وشنوءة ابني بديل . والعقب من بكر هذا ~~من سود بن بكر . والعقب من سعد : أسود وعمرو ابنا سود . والعقب من أسعد بن ~~سود بن بكر بن بديل بن جشم بن جذام من فخذين : السلم والهون ابني أسعد . ~~وفي سود أيضا : السلم بن مالك بن سود بإسكان اللام فخذ . والعقب من عمرو بن ~~سود ms0405 من لهبة وحبيش وعدا : أولاد عمر . فهذا مختصر من نسب جذام . ~~PageV02P0323 # """""" صفحة رقم 324 """""" وأما عائدة : وهم ولد الحارث بن عدي بن ~~الحارث بن مرة بن أدد بن يشجب وهو أخو جذام ولخم ، فالعقب من الحارث بن عدي ~~المذكور من فخذين : الزهد ومعاوية ابني الحارث : وهما ابنا عاملة كما تقدم ~~؛ وزهد : فعل ، من وهم : شيء زهيد أي قليل . والعقب من الزهد بن الحارث بن ~~عدي من ثلاث أفخاذ : عوكلان وزحفان وسلمان : بني الزهد . ومن بني عوكلان ~~المذكور السلم بن ظبيان بن أبي عزم بن عوكلان المذكور . والعقب من معاوية ~~بن الحارث بن عدي أخو الزهد خمس أفخاذ لصلبه : ثعل ، وعجل ، وسلمة ، وقرة ، ~~وثعلبة . قال : وهذا النهاية في اختصار نسب مرة بن أدد . وأما الأشعر بن ~~أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان ، فأعقب من جماهر بن الأشعر ~~وله عدد ، وعبد الثريا بن الأشعر وعبد شمس والأدغم ونعيم : أولاد الأشعر . ~~وأعقب جماهير وهو جماهير بن الأشعر من ناجية بن جماهير له عدد . وأعقب ~~ناجية من وائل بن ناجية وهو البيت . وهذا مختصر نسب الأشعريين . ومنهم من ~~الصحابة : أبو موسى وأبو عامر وأبو برزة ؛ وهم فخذ متسع وفيه عدة أفخاذ ~~وعشائر يطول الكتاب بشرحها . قال : وهذا نسب بني مالك بن زيد بن كهلان بن ~~سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان . فالعقب من مالك بن زيد من بطنين : وهما نبت ~~والخيار ابنا مالك . والعقب من نبت من الغوث ابنه . والعقب من الغوث بن نبت ~~من عمرو والأزد ؛ وإلى هذا الأزد ينسب كل أزدي . فمن ولد عمرو بن الغوث : ~~بجيلة : وهم ولد أنمار بن أراش بن عمرو بن لحيان بن عمر وأم الغوث وبجيلة ~~بن أنمار : وهي بنت صعب بن سعد العشيرة بن مذحج ، وقد قيل : بل هي أم ولد ~~أنمار . PageV02P0324 # """""" صفحة رقم 325 """""" والعقب من أنمار بن أراش بن عمرو بن لحيان بن ~~عمرو بن مالك بن زيد : خمس قبائل : الغوث وعبقر وصهيبة ووداعة وأفتل : وهو ~~خثعم : بنو ms0406 أنمار بن أراش . قال : وذكر علماؤنا في النسب أن بجيلة هو عبقر ~~والغوث وصهيبة ، وسموا بذلك لأجل أمهم بجيلة ، وأن خثعم هو أفتل وأمه هند ~~بنت الغافق الأزدي ، وسمي خثعم باسم جمل كان لآل أنمار أو لآل أفتل بن ~~أنمار ، وكانوا يسمونه خثعم . ويقال : بل قيل خثعم لأنهم تخثعموا بالدم ؛ ~~والأول أقرب إلى الصحيح . والعقب من الغوث بن أنمار من ثلاث أفخاذ : وهم ~~زيد وأحمس وقيس كندة : بنو الغوث . وفي أحمس هذا : أسلم بن أحمس : فخذ ؛ ~~وفي أسلم بن أحمس بن الغوث : دهن . معاوية بن أسلم بن أحمس ؛ فخذ : رهط ~~عمار بن أبي معاوية الدهني الصحابي . والعقب من عبقر : بجيلة بن أنمار بن ~~أراش بن عمرو من ثلاث أفخاذ : قسر وعلقة وقطن : أولاد عبقر . وفي قسر : ~~عرينة بن زيد بن قسر ، يقال له : قسري في النسب ، ويقال : عرني . وإلى علقة ~~يرجع كل علقي . والعقب من صهيبة بجيلة بن أنمار بن أراش بن عمرو : أتيد بن ~~خطام بن صهيبة بن أنمار : فخذ . والعقب من زرعة بن أنمار بن أراش بن عمرو ~~بن لحيان بن عمرو من ثلاث أفخاذ : حزرق وسمط وحبيب : أولا زرعة . والعقب من ~~خثعم وهو أفتل بن أنمار بن أراش بن عمرو بن لحيان من ثلاث أفخاذ : شهران ~~وربيعة وناهش : أولاد عقرس بن خلف بن أفتل وهو خثعم . وفي ربيعة بن أفرس : ~~بنو أكلب بن ربيعة . فهذا مختصر كاف في بجيلة وخثعم . وأما الأزد بن الغوث ~~واسمه دراء : مثل رداء وقيل : درء مثل درع ، فالعقب من ولده أربع أبطن : ~~وهم مازن وغسان ؛ وغسان ماء بسد مأرب باليمن وقيل : بالمشلل نزلوا به ~~فنسبوا إليه . وإلى غسان هذا ينسب كل غساني ، ونصر وعبد الله PageV02P0325 # """""" صفحة رقم 326 """""" والهنو بنو الأزد بن الغوث . وإلى غسان هذا ~~يرجع الأنصار ، وقد يكون من غسان من ليس أنصاريا كثيرا ، ويكون من مازن من ~~ليس غسانيا . والذي نزل على غسان من الأزد بعض بني امرؤ القيس البطريق بن ~~ثعلبة البهلول بن مازن وماوية وربيعة وامروئ القيس ms0407 : بنو عمرو بن الأزد ، ~~وكرز وعامر ابنا ثعلبة البهلول بن مازن بن الأزد . والعقب من عبد الله بن ~~الأزد بن الغوث من ثلاث أفخاذ : الحارث وقرن وعدثان : أولادعبد الله بن ~~الأزد . والعقب من عدنان هذا من عك وسود ومالك وغالب وكعب . ومن بني سود بن ~~عدنان : طاحية بن سود : فخذ . والعقب من عك بن عدنان فخذان : الشاهد وصحار ~~ابنا عك . والعقب من الشاهد بن عك : غافق ، وإليه ينسب كل غافقي ، قال : ~~ولهم خطة بمصر ، وساعدة ابنا الشاهد . وقيل : بل هو غافق بن الحارث بن عك ~~بن الحارث بن عدنان . والعقب من صحار بن عك بن عدنان : بولان وعبس وغسان : ~~أولاد صحار هذا . وأما نضر بن الأزد ، فأعقب من مالك بن نصر من أربع قبائل ~~: عبد الله وراسب وميدعان وأكفر من حمار : أولاد مالك بن نصر بن الأزد . ~~وإلى راسب ينسب كل راسبي . وفي بني مالك راسبيون أخر يأتي ذكرهم إن شاء ~~الله تعالى . والعقب من عبد الله بن مالك في كعب بن عبد الله . ومنه في ~~الحارث بن كعب . والعقب من الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك من ثلاث ~~أفخاذ : كعب ومالك ونبيشة وهو فاسخة . فمن ولد فاسخة بن الحارث بن كعب : ~~بنو غراء بن شريق بن فاسخة ؛ ومن ولد مالك بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن ~~مالك بن نصر : بنو مجاعة وبنو الأرنب : ابني مالك . PageV02P0326 # """""" صفحة رقم 327 """""" والعقب من كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله ~~بن مالك بن نصر : زهران وأحجن وعبد الله : أولاد كعب بن الحارث . وإلى ~~زهران ينسب كل زهراني . ومن أفخاذه : دهمان بن نصر بن زهران ، وغاضرة بن ~~زهران ، ودوس بن عدنان من زهران ، منهم : أبو هريرة الدوسي الصحابي ؛ واسمه ~~عمرو بن عامر ، وفي اسمه خلاف . والعقب من أحجن بن كعب بن الحارث بن كعب بن ~~عبد الله بن مالك بن نصر من ثلاث : أسلم ولهب وفرن ، أولاد أحجن فمن أفخاذ ~~أسلم هذا : بنو ثمالة وهو عوف بن أسلم ms0408 بن أحجن : رهط محمد بن يزيد المبرد ~~النحوي ؛ وفيه يقول عبد الصمد بن المعدل : سألنا عن ثمالة كل حي . . . فقال ~~القائلون : ومن ثماله ؟ فقلت : محمد بن يزيد منهم . . . فقالوا : زدتنا بهم ~~جهاله . وأما ميدعان بن مالك بن نصر فمنه أربع أفخاذ : راسب وإليه ينسب ~~الراسبيون أيضا ، ومنهب وحبيب ومعاوية : بنو مالك بن ميدعان . فهذا مختصر ~~نسب بني نصر الأزديين . وأما الهنو بن الأزد ، فأعقب من سبع أفخاذ : الهون ~~وبديد ودهنة وبرقا وعوجا وأفكه وحجر : أولاد الهنو . فأعقب الهون من فخذين ~~: الندب ونكل . وأما مازن بن غسان بن الأزد فأعقب من فخذين لصلبه : وهما ~~عمرو وثعلبة العنقاء ، سمي بالعنقاء : لطول عنقه . PageV02P0327 # """""" صفحة رقم 328 """""" فالعقب من عمرو بن مازن بن الأزد في عدة ~~أولاد ، كلهم في الأزد ، من جماجمهم : عدي والعاص . فأما العاص فمن ولده : ~~بنو بقيلة بن سنين بن زيد بن سعد بن عدي بن نمير بن صوفة بن العاص بن عمرو ~~بن مازن ، وسمي بقيلة : لأنه لبس ثوبين أخضرين . وأما عدي بن عمرو بن مازن ~~بن الأزد ، فأعقب من عدة أولاد ، من جماجمهم : هند بن هند بن عمرو بن عدي ~~وصبرة بن عمرو بن صبرة بني حارثة بن عدي ومسعود بن مازن بن ذئب بن عدي ؛ ~~إليه يرجع سطيح الكاهن وكل مسعودي في الأزد ، وجميع بني عدي بن عمرو يعزون ~~إلى الأزد . وأعقب ثعلبة العنقاء بن مازن بن غسان من امرئ القيس البطريق بن ~~ثعلبة ؛ فأعقب امرؤ القيس البطريق : حارثة الغطريف ؛ فأعقب الغطريف من عامر ~~ماء السماء ؛ فأعقب عامر ماء السماء من عمران وعمرو وهو مزيقياء سمي بذلك : ~~لأنه كان يمزق في كل يوم حلتين لئلا يلبسهما غيره . والعقب من عمرو مزيقياء ~~بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة ~~العنقاء بن مازن بن غسان وهو السراج بن الأزد بن الغوث في ست أفخاذ : ثعلبة ~~: بطن الأنصار ، وحارثة : بطن خزاعة ، وجفنة : بطن ، وعمران من أزد عمان ، ~~ومحرق : بطن ، سمي بذلك لأنه أول من حرق ms0409 بالنار ، وكعب : أولاد عمرو ~~مزيقياء وإليهما يرجع نسب الأنصار ، فأما الأوس بن ثعلبة بن عمرو فأعقب من ~~مالك بن الأوس ، وأعقب مالك من خمس قبائل : النبيت ، وعوف ، وجشم ، وامرئ ~~القيس ، ومرة : أولاد مالك بن الأوس . قال : وسمي النبيت نبيتا لكثرة ولده ~~، فأعقب النبيت من فخذين : الحارث وكعب وهو ظفر بن الخزرج بن النبيت الأوسي ~~. فأعقب الحارث بن الخزرج بن النبيت من ابنيه : جشم وحابية . فأعقب جشم من ~~رعوان وانقرض ، ومن عبد الأشهل : ابني جشم . وأعقب حابية بن الحارث من ~~مجذعة وجويرة وجشم بن حارثة . ومن PageV02P0328 # """""" صفحة رقم 329 """""" بني جشم بن حارثة : بنو خديج بن رافع بن عدي ~~بن جشم ، وطهر بن رافع بن عدي . وأما ظفر وهو كعب بن الخزرج بن النبيت بن ~~مالك بن الأوس - وبنو ظفر البطن المشهورة في الأوس - فأعقب من أربع أفخاذ : ~~وهم بنو مرة وهيثم وعيد رداح وسواد : بني ظفر بن الخزرج . ومن بني سواد : ~~بنو الحطيم بن عدي بن عمرو بن سواد : فخذ ؛ فهؤلاء بنو النبيت . أما عوف بن ~~مالك بن الأوس ، فأعقب من عمرو ، وأعقب عمرو من لوذان ، فجدهم بنو السميعة ~~وثعلبة وحبيب وعوف : أولاد عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس . والعقب من عوف ~~بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس من بنيه : مالك وجلس وكلفة . فأعقب مالك ~~بن عوف من بنيه : عزير ومعاوية وزيد . وأعقب زيد بن مالك هذا من ضبيعة : ~~الفخذ المشهورة ، وأمية الفخذ المشهورة في الإسلام ، وعبيد أولاد زيد . ~~وبنو ضبيعة بن زيد بن مالك ، يقال لولده : بنو كسر الذهب ، منهم : بنو ~~حارثة بن عامر بن مجمع بن عطاف بن ضبيعة بن زيد : بطن معروفة . ومن أفخاذ ~~كلفة بن عمرو بن عوف : جلاح بن حريش بن جحجبي من كلفة : بطن . وأما جشم بن ~~مالك بن الأوس بن حارثة ، فأعقب من خطمة : بطن ؛ واسم خطمة عبد الله ، ~~وإنما سمي خطمة : لأنه خطم رجلا بسيفه على خطمه فسمي به ، وأعقب خطمة بن ~~جشم من ثلاث أفخاذ : الحارث وعامر ولوذان ms0410 : بني خطمة . وأما امرؤ القيس بن ~~مالك بن الأوس ، فأعقب من فخذين : بني السلم وبني واقف ، وإليه يرجع كل ~~واقفي في الأوس . وأما مرة بن مالك بن الأوس بن حارثة ، فأعقب من ثلاث ~~أفخاذ : عامر وسعيد ومازن . وهذا نهاية الاختصار في ولد الأوس . وأما ~~الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء ، فأعقب من خمس أفخاذ : الحارث ~~وعمرو وعوف وجشم وكعب : بني الخزرج . PageV02P0329 # """""" صفحة رقم 330 """""" والعقب من الحارث هذا من سبع أفخاذ : عوف ~~وحرديش وجشم وصخر وجديم والخزرج وزيد : أولاد الحارث ، ومن عوف بن الحارث ~~بن الخزرج : خدرة وخدار ابنا عوف ؛ ولخدرة يرجع أبو سعيد الخدري ، وهو فخذ ~~بني خدرة . وأما عمرو بن الخزرج فمن ولده : بنو النجار بن ثعلبة بن عمرو بن ~~الخزرج : البطن المشهورة ؛ واسم النجار : تيم الله يدعى العتر ، وإليه يرجع ~~حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن ~~مالك بن النجار الشاعر : أعني بالشاعر حسان ، وقد انقرض عقب حسان . وأما ~~عوف بن الخزرج فمن أفخاذه : بنو غنم قوقل : فخذ ، وهو أطم كان لبني غنم ، ~~وسالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج ، وغنم : رهط عبادة بن الصامت ~~الصحابي . ومن بني عوف بن الخزرج : سالم الحبلى بن غنم بن عوف ، سمي بذلك ~~لعظم بطنه . وأما جشم بن الخزرج ، فأعقب من فخذين : وهما تزيد وغصب ابناه ~~لصلبه ؛ فمن أفخاذ تزيد بن جشم هذا : بنو سلمة وربيعة ابنا سعد بن علي بن ~~راشد بن ساردة بن تزيد . وسلمة رهط معاذ بن جبل الصحابي بكسر اللام . وأما ~~غصب بن جشم بن الخزرج ، فمن أفخاذه : بنو زريق وبياضة : ابني عامر بن زريق ~~بن عبد بن حارثة بن مالك بن غصب بن جشم بن الخزرج . PageV02P0330 # """""" صفحة رقم 331 """""" وأما كعب بن الخزرج فمن أفخاذه : سعيد وقيس ~~ابنا سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي جذيمة بن طريف بن الخزرج بن ~~ساعدة بن كعب بن الخزرج ؛ وقد انقرض قيس بن ms0411 سعد بن عبادة . ومن كعب بن ~~الخزرج المذكور غير طريف هذا : ثلاث أفخاذ أخر إخوة طريف بن الخزرج هذا : ~~وهم ثعلبة وعامر وعمرو ؛ كان لعامر هذا ابن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن ~~الخزرج الأول : بنو قسية بن عامر وقد انقرضوا عن آخرهم . فهذا مختصر كاف في ~~أنساب الأوس والخزرج . وأما حارثة بن عمرو مزيقياء ، فأعقب من أربع أفخاذ : ~~عمرو بن ربيعة بن حارثة وهو أبو خزاعة ؛ وإنما قيل لهم خزاعة : لأنهم ~~انخزعوا من بني عمرو مزيقياء بن عامر ، والانخزاع التقاعس والتخلف ، ~~فأقاموا بمر الظهران بجنبات الحرم وولوا حجابة البيت دهرا وهم حلفاء بني ~~هاشم ؛ وقد اختلف النسابون في خزاعة بعد إجماعهم على أنهم ولد عمرو بن لحي ~~وأن خزاعة هو كعب بن عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف ، وهو ابن الياس بن مضر ؛ ~~وعمرو بن لحي : هو الذي قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيه لأكثم بن ~~أبي الجون الخزاعي : يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في ~~النار ، ما رأيت رجلا أشبه منه برجل منك ، فقال أكثم : أيضرني شبهه يا رسول ~~الله ؟ فقال : لا ، لأنك مسلك وهو كافر والقصب : الحشوة من الأمعاء وهو ~~المصران ؛ وكان عمرو بن لحي أول من غير دين إسماعيل عليه السلام ، فنصب ~~الأوثان وسيب السائبة وبحر البحيرة ووصل الوصيلة وحمى PageV02P0331 # """""" صفحة رقم 332 """""" الحامي . قال عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما : نزل القرءان بلغة الكعبين : كعب بن لؤي وكعب بن عمرو بن لحي ، وذلك ~~أن دارهم كانت واحدة ، وأفصى بن حارثة بن عمرو مزيقياء وعدي بن حارثة وعمرو ~~بن حارثة . فأما عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء ، قال شيخنا شيخ ~~الشرف : عمرو هو خزاعة نفسه أعقب من خمس أفخاذ : كعب وسعد وعدي ومليح وهو ~~لحي : بطن كثير بن عبد الرحمن الشاعر ، وعوف بن عمرو وخزاعة . فأما كعب بن ~~عمرو خزاعة بن ربيعة ، فأعقب من ست أفخاذ : وهم منقذ وسلول وحبشية ومطرود ~~ومازن وسعد : أولاد ms0412 كعب بن عمرو خزاعة . فأما سلول بن كعب ، وإليه ينسب كل ~~سلولي ، فأعقب من ثلاث أفخاذ : حبشية وعدي وحرمز ، فأعقب حبشية بن سلول من ~~قمير وضاطر وكليب وحليل وغاضرة : بنيه لصلبه . وأعقب عدي بن سلول من حبير ~~وهينة وحريز : بني عدي . وأما حبشية بن كعب بن عمرو خزاعة ، فأعقب من ابنيه ~~لصلبه : غاضرة وحرام . وأما سعد بن عمرو وهو خزاعة ، فأعقب من ثلاث قبائل : ~~بني المصطلق ، وبني عامر وبني الكاهن . وأما أفصى بن حارثة بن عمرو مزيقياء ~~، فإنه أعقب من أسلم : بطن في آخرين : وهم ملكان وزيد وعمرو وعدي وجهادة ~~وحطاب وسوادة وجريش وامرؤ القيس PageV02P0332 # """""" صفحة رقم 333 """""" وصهيبة وجشم . فمن بني أسلم بن أفصى : سلامان ~~: فخذ ، وهوزن : فخذ : ابنا أسلم بن أفصى ، ومن ملكان ، بالفتح ، بن أفصى : ~~غبشان بن ملكان : فخذ ، منهم : ذو الشمالين المقتول ببدر . وأما عدي بن ~~حارثة بن عمرو مزيقياء ، فأعقب من سعد بارق ، ونزل بماء بالسراة أيام سد ~~مأرب يسمى بارق ، وقيل : هو جبل . وقيل : بل تبعوا البرق فسموا بذلك وعمرو ~~وعوف : بني عدي . وأما عمران بن عمرو مزيقياء ، فأعقب من الأسد والحجر ~~ابنيه لصلبه ؛ فأعقب الأسد من ثلاث أفخاذ : العتيك وشهيل والحارث : بني ~~الأسد . فمن ولدالعتيك : أسد بن الحارث بن العتيك : فخذ ، ووائل بن الحارث ~~، وإليه ينسب المهلب بن أبي صفرة . وأما الحجر بن عمران بن عمرو مزيقياء ، ~~فأعقب من أربع أفخاذ : زيد مناة ومرحوم وعمرو وسود : أولاده لصلبه ؛ فأعقب ~~عمرو بن الحجر من ابنه رباب . وأما كعب بن عمرو مزيقياء ، فأعقب من خمس ~~أفخاذ : السموءل وحنظلة وثعلبة ومالك وقاتل الجوع : أولاد كعب بن عمرو . ~~وأما عمرو بن حارثة بن عمرو مزيقياء ، فأعقب من ثلاث أفخاذ : حارثة والربعة ~~وملادس : بني عمرو . وأما جفنة بن عمرو مزيقياء ، فهم ملوك الشام . والعقب ~~من جفنة من ثلاث أفخاذ : كعب ورفاعة والحارث : بني جفنة في آخرين . ~~PageV02P0333 # """""" صفحة رقم 334 """""" فالعقب من كعب بن جفنة بن مزيقياء ، من أمام ~~والحارث : ابنيه لصلبه ؛ ومن ولد أمام : جبلة بن الأيهم بن ms0413 عمرو بن جبلة بن ~~الحارث الأعرج بن جبلة بن الحارث الأوسط بن ثعلبة بن الحارث الأكبر بن عمرو ~~بن حجر بن هند بن أمام هذا بن كعب بن جفنة بن عمرو مزيقياء . وقيل : بل هو ~~جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث الأكبر بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة ، وفيه ~~اختلاف ؛ وجبلة هو الذي تنصر في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ومن ~~رفاعة بن جفنة : السموءل بن أوفى بن عادياء بن رفاعة بن جفنة : بطن ؛ وأعقب ~~الحارث بن جفنة من المنذر بن النعمان بن الحارث : بطن ، ومن الحسحاس ومنارة ~~: ابني عوف بن الحارث : بطن . وجماعة من قبيلة الأرمن نصارى يزعمون أن جدهم ~~هيز يرجع إلى جفنة غسان . وأما الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان ، فالعقب من ~~ولده في همدان : وهو أوسلة بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار ~~المذكور . وقيل : هو الجبار بالجيم والباء الموحدة . والعقب من همدان : ابن ~~مالك بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان هذا ، ومن جشم : ابن بكيل وهو الحبك ~~: فخذ ، وحاشد ابنا جشم لصلبه . فأعقب الحبك من دومان وسوران وخيران . فمن ~~ولد دومان بن الحبك وهو بكيل : أرحب ومرهنه : ابنا عامر بن مالك بن معاوية ~~بن صعب بن دومان ، إليه ينسب كل أرحبي . ومن حاشد ابن جشم بن خيران : سبيع ~~: فخذ ، ابن سبع بن صعب بن خيران بن معاوية بن PageV02P0334 # """""" صفحة رقم 335 """""" كبير بن خيران : وهو مالك بن زيد بن مالك بن ~~جشم بن حاشد بن جشم بن خيران : رهط أبي إسحاق السبيعي ؛ وفي ذلك خلاف بين ~~النسابين في الأسماء . وذكر بعض النسابين أن ألهان بن مالك : أخا همدان بن ~~مالك ، إليه يرجع وينسب كل ألهاني : وهم قليل ، ويام بن أحي بن نافع بن ~~خيران وهو مالك بن زيد : رهط زبيد اليامي شيخ التوزي . وذكر بعض النسابين : ~~أن الأوزاع ، وهم من مزيدة بن زيد عددهم في همدان وهم من حمير ، وإليه يرجع ~~كل أوزاعي . ومن ولد سدد ms0414 بن زرعة وهو حمير الأصغر : الأوزاع بن سعد بن عوف ~~بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد ، والأوزاع بن زيد بن سدد ، والأوزاع بن سدد ~~، والأوزاع بن شقران بن المعلل بن سدد . قال : وهذه النهاية في اختصار ~~أنساب اليمن . وقد احتوت على الغاية في حسن إيصال البطون وتبيينها في ~~الترتيب ؛ فلنرجع إلى عمود النسب المحمدي فنقول : إن عمود النسب من عابر بن ~~شالخ في ابنه : فالغ بن عابر ؛ وأمه ميشاخا ؛ وكان له من الولد غير عمود ~~النسب الجبابرة ، مثل تميم وقينان وسيري ومدبر وغيرهم انقرضوا كلهم لم يعقب ~~منهم إلا أرغو بن فالغ ، وهو الجد الذي يرجع إليه كل قرشي وكل قيسي ، وهو ~~أحد شعبي النسب . والعقب من ولده في أرغو بن فالغ وكان منه جبابرة انقرضوا ~~. وعقبه في ابنه ساروغ بن أرغو . وكان له غير عمود النسب من العقب عشائر ~~وأولاد جبابرة . PageV02P0335 # """""" صفحة رقم 336 """""" منهم يعصم ، ويعظم ، ونعمان ، وبعلاك ، ~~وبهران ، وكاشم ، وطولان ، وغيرهم هلكوا دارجين . والعقب منه في ابنه ناحور ~~بن ساروغ ، فالعقب من ناحور في ابنه تارح : وهو آزر بن ناحور . ومن تارح ~~غير عمود النسب : هاران بن تارح وناحور بن تارح ، فولد هاران : لوطا النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) . وعمود النسب من آزر في ابنه : إبراهيم خليل الله ~~عليه الصلاة والسلام وهو الجد الحادي والثلاثون لسيدنا رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وأمه أدبا بنت نمر بن أرغو بن فالغ بن عابر . وله من ~~الولد غير إسماعيل عمود النسب : إسحاق عليه السلام ويشباق : وهو طالب ، ~~وسواح : وهو خاضع ، وزمران : وهو نجدان ، ومدان ، ويقشان : وهو مصعب ؛ ~~فهؤلاء ولد إبراهيم عليه السلام لصلبه ، والعقب منهم غير عمود النسب وهو ~~إسماعيل لإسحاق لا غير . فولد إسحاق ( صلى الله عليه وسلم ) : يعقوب ~~إسرائيل الله ( صلى الله عليه وسلم ) والعيص وهو عيصو ، ولدا في بطن واحد ، ~~فخرج عيصو أولا وخرج يعقوب بعده ، ويده عالقة بعقبه فسمي يعقوب . وأمهما ~~رفقا بنت ناحور بن تارح بنت عم أبيهما إسحاق . فولد العيص بن ms0415 إسحاق : رعوال ~~ويعوس وأليفاز ويعلام وقورح وروم . فولد أليفاز بن العيص : عمالق وغيره . ~~وولد رعوال بن العيص : ناجب وغيره . وولد روم بن العيص بن إسحاق : بني ~~الأصفر لأن روم كان رجلا أصفر في بياض فلذلك سميت الروم : بني الأصفر . قال ~~: وعمر عيصو مائة وسبعا وأربعين سنة . وكذلك يعقوب ؛ ودفنا معا عند قبر ~~أبيهما إبراهيم الخليل عليه السلام في مزرعة حبرون . وقيل : هي مزرعة عفرون ~~كان إبراهيم اشتراها لقبره ، وفيها دفنت سارة . PageV02P0336 # """""" صفحة رقم 337 """""" ومن ولد العيص : أيوب النبي عليه السلام ، ~~قيل : هو أيوب بن أموص بن تارح بن رفو بن عيصان بن إسحاق ، وأمه من ولد لوط ~~بن هاران عليه السلام . وولد يعقوب عليه السلام : اثنى عشر سبطا . منهم ~~يوسف النبي عليه السلام : عزيز مصر وصاحبها ، وإخوته : كاد وبنيامين ويهوذا ~~ونفتالي وزبولون وشمعون ورأوبين ، وكشاحا ، ولاوى ، ودان ، وياشير . جاء من ~~ولد يهوذا : سليمان النبي عليه السلام ، وجاء من سليمان : مريم بنت عمران ~~أم المسيح عليهما السلام . وجاء من لاوى بن يعقوب : موسى كليم الله وهارون ~~عليهما السلام ابنا عمران بن قاهث ، وجاء من ولد هارون : يحيى بن زكريا ~~والياس واليسع والعزير . وقد روى : أن الياس بن مضر نبي ، وأنه المعني ~~بقوله تعالى وتركنا عليه في الآخرين . سلام على آل ياسين في قراءة نافع ~~وابن عامر ، وأن آل ياسين آل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . والعقب من يوسف ~~الصديق عليه السلام : أفرائيم ومنشا ابنيه لصلبه ؛ فمن ولد أفرائيم : يوشع ~~بن نون وصي موسى عليه السلام : وهو الذي ردت عليه الشمس في حربه : وهو يوشع ~~بن نون بن عازر بن شوتالج بن داباد بن ناحب بن العاد بن ناحب بن يارد بن ~~شوتالج بن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب . وفي ولد منشا بن يوسف : موسى بن منشا ~~بن يوسف . وولد لمنشا ابنة اسمها رحمة : وهي امرأة أيوب عليه السلام . قال ~~: وزعم أهل التوراة أن الله تعالى نبأه وأنه صاحب الخضر . وذكر المؤرخون ~~أنه لما مات يعقوب ، فشا في الأسباط الكهانة فبعث ms0416 الله تعالى موسى بن ~~PageV02P0337 # """""" صفحة رقم 338 """""" منشا يدعوهم إلى عبادة الله تعالى ، وهو قبل ~~موسى بن عمران بثمانمائة سنة والله تعالى أعلم . ونرجع إلى عمود النسب ؛ ~~وهو من إبراهيم في ولده إسماعيل : الذبيح بن إبراهيم الخليل عليهما السلام ~~. وأمه أم ولد ، تدعى هاجر ، من قبط مصر ، من قرية يقال لها : أم العرب نحو ~~الفرما . واختلف العلماء فيما بين عدنان إلى إسماعيل في ذكر الآباء : فمن ~~العلماء من ينسب اليمن إلى إسماعيل عليه السلام ويقولون : إنهم من ولد يمن ~~بن نبت بن إسماعيل ، وافترق باقي ولد إسماعيل في أقطار الأرض فدخلوا في ~~قبائل العرب ودرج بعضهم فلم ينسب النسابون لهم نسبا إلا من كان من ولد ~~قيدار ابنه عمود النسب . قال : واتفق أهل العلم بالنسب كما وجدوه في ~~التوراة وكما حملوه من علماء أهل الكتاب ، وكما روي عن عبد الله بن عباس : ~~أن النسب فيما بين آدم وإسماعيل صحيح على ما أوردناه لا خلف فيه بينهم ولا ~~خلف إلا في الأسماء لتنقل الألسنة ، وإنما الخلاف فيما بين إسماعيل وعدنان ~~، وذلك أن قدماء العرب لم يكونوا أصحاب كتب يرجعون إليها ، وإنما كانوا ~~يرجعون إلى حفظ بعضهم من بعض ، فمن أجل ذلك حدث الاختلاف فيما حفظوه ، فقال ~~قوم برواية وقال آخرون برواية . قال : وهذه الرواية التي أوردها في هذا ~~التأليف هي أحسن الروايات ، وهي عمدة أكثر النسابين الأجلاء ، وعليها كان ~~يعنمد شيخ الشرف محمد بن أبي جعفر الحسيني العبيدلي النسابة ، وهي رواية ~~عبد الله بن عباس ، واختيار أبي بكر محمد بن عبده العبقسي النسابة الطرسوسي ~~وغيره . وكان لإسماعيل عليه السلام من الولد غير قيدار عمود النسب أحد عشر ~~ولدا : وهم مسا ويطور ومسماع ودوماء ، وقيل : هو الذي بنى دومة الجندل ، ~~ومبشام وإديال ونعابوا وتيما ، وحداد ونافيس وقيدما . PageV02P0338 # """""" صفحة رقم 339 """""" وعمود النسب من إسماعيل عليه السلام في ابنه ~~قيدار بن إسماعيل ، وأمه هالة بنت الحارث بن مضاض الجرهمي ويقال : اسمها ~~سلمى ، وقيل : الحنفا ، وقيل : هي أم أولاد إسماعيل كلهم . والعقب منه في ms0417 ~~ابنه حمل بن قيدار ؛ وأمه الغاضرية بنت مالك الجرهمي . والعقب منه في نبت ~~بن حمل وأمه هامة بنت زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، ~~وتدعى حريرة . والعقب من نبت في ابنه سلامان بن نبت . والعقب من سلامان في ~~ابنه الهميسع بن سلامان ، أمه حارثة بنت مراد بن زرعة ذي رعين الحميري . ~~والعقب منه في ابنه اليسع بن الهميسع . والعقب من اليسع في ابنه أدد بن ~~اليسع ، وأمه حية من قحطان . والعقب منه في ابنه أد بن أدد ، وأمه النعجا ~~بنت عمرو بن تبع سعد ذي فائش الحميري . والعقب منه في ابنه عدنان بن أد ، ~~وأمه المتمطرة بنت عدي الجرهمية : وهو الجد الحادي والعشرون لسيدنا رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وقد قال أكثر النسابين : إن العقب من عدنان ~~غير معد عمود النسب من عك : وهو الحارث والذئب والنعمان والضحاك لا عقب له ~~: وهو المذهب الذي يقال في المثل : " أحسن من المذهب " وعدي درج ؛ والغني ~~وأبي وعدن : وهو صاحب عدن ، وعمرو ونبت وأد وعدا انقلبت في اليمن . فأما عك ~~بن عدثان فكل من كان منهم بالمشرق فهم ينسبون إلى الأزد ، والذي في الأزد ~~أيضا عك بن عدنان بالثاء المثلثة بن عبد الله بن الأزد . وقال شيخ الشرف ~~النسابة : عك بن عدنان بالنون . وقال الأفطسي النسابة : عك بن الحارث بن ~~عدنان بن عبد الله بن الأزد ، وكل من كان منهم بالشام ومصر واليمن والمغرب ~~فهم مقيمون على نسبهم في عدنان . PageV02P0339 # """""" صفحة رقم 340 """""" وأما الذئب بن عدنان فيزعمون أن الأوس ~~والخزرج من ولده . قال عباس بن مرداس : وعك بن عدنان الذين تلعبوا . . . ~~بغسان حتى طردوا كل مطرد . نرجع . وعمود النسب من عدنان في ابنه معد بن ~~عدنان ، وأمه مهدد بنت اللهم الجرهمية . قال النسابون في أولاده لصلبه ~~فقالوا : إن ولده أحد عشر رجلا : وقالوا : ثمانية ، وزاد آخرون ، وقال قوم ~~: لم يكن له غير نزار . قال : فالذي أورد له أحد عشر ولدا قال : والعقب من ~~معد بن عدنان ms0418 : عبيد الرماح أعقب ، وجنيد وجنادة وحيد وقبضة ، وقيل : بل ~~اسمه قنص انقرض ، وقناصة وحيدان أعقب ، وشط وعوف وسنام وقضاعة ، قال ~~العلماء : وكلهم انتقلوا في اليمن وغيرها إلا نزارا . وقد قيل : إن حيدان ~~هذا هو أبو مهرة : القبيلة . وقال النسابون : والقحم أعقب ، وسنام أعقب ، ~~وحبيب والضحاك أعقب ، وأود أعقب : أولاد معد . فأما عبيد الرماح فانتسب في ~~بني مالك بن كنانة ، ومنهم كان إبراهيم بن عربي صاحب اليمامة . وأما سنام ~~بن معد فإنه انتسب في سعد العشيرة بن مالك في اليمن . PageV02P0340 # """""" صفحة رقم 341 """""" وأما حيدة بن معد فانتسب في الأشعريين . وأما ~~القحم بن معد فانتسب في مالك بن كنانة . وأما أود بن كعب فانتسب في مذحج . ~~وأما قنص فانقرض عقبه ، وقيل : كان منهم النعمان بن المنذر . وروي عن ابن ~~عباس رضي الله عنه أنه قال : ذو القرنين عبد الله بن الضحاك بن معد بن ~~عدنان . نرجع . وعمود النسب من معد بن عدنان في ابنه نزار بن معد وأمه ~~معانة بنت جوشم الجرهمية ، ومنه غير مضر الذي هو عمود النسب ثلاث بطون : ~~ربيعة الفرس وإياد وأنمار : بنو نزار . والصريحان من ولد إسماعيل عليه ~~السلام : مضر الحمراء وربيعة الفرس . وقولهم : ربيعة الفرس ومضر الحمراء ، ~~فزعموا أنه لما مات نزار تقسم بنوه ميراثه واستهموا عليه ؛ وكان له فرس ، ~~مشهور فضله في العرب فأصابه ربيعة فقيل : ربيعة الفرس ؛ وكان له ناقة حمراء ~~، مشهورة الفضل بين العرب فأصابها مضر فقيل : مضر الحمراء ؛ وكان له جفنة ~~عظيمة يطعم فيها الطعام فأصابها إياد ؛ وكان له قدح كبير يسقى فيه اللبن ~~إذا أطعم فأصابه أنمار . هذا أحد ما قيل في ذلك ، وسنذكر ما قيل في قسمة ~~ميراث نزار وما اتفق لأولاده مع الأفعى الجرهمي في أمثال العرب في حرف ~~الهمزة وفي قولهم : " إن العصا من العصية " ، وهو في الباب PageV02P0341 # """""" صفحة رقم 342 """""" الأول من القسم الثاني من هذا الفن في أول ~~السفر الثالث من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى . نرجع . فأما أنمار بن نزار ~~فإنها انقلبت في اليمن ms0419 ، قال : كذا روينا عن شيوخنا في النسب ومن قال : ~~إنها انقلبت في اليمن يقول فيه : إن خثعم وبجيلة ابنا أنمار بن نزار ، ~~وإنما لحقا باليمن وانتسبا عن جهل منهما إلى أنمار بن أراش بن عمرو بن ~~الغوث بن النبيت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ~~. وأما إياد بن نزار وهي القبيلة التي يرجع إليها كل إيادي ، فمنها فخذان : ~~بنو دعمي بن إياد ، وبنو زهر بن إياد ؛ ومن زهر بنو حذاقة بن زهر : عشيرة ~~في إياد ، إليها ينسب الحذاقيون . وأما ربيعة الفرس بن نزار بن معد ، فأعقب ~~من ثلاثة أبطن : أسد ، وهو البطن الأعظم من ربيعة ، وضبيعة بن ربيعة ، ~~وأكلب . وضبيعة يقال له : ضبيعة الأضجم : لأنه كان مائل الفم . ومن أكلب ~~أفخاذ : منها لصلبه : هرير وعوف ومعن ومبشر وجليلة . والعقب من ضبيعة بن ~~ربيعة بن نزار من ثلاث قبائل : جلى وعوف وبدر : بنو أحمس بن ضبيعة ؛ ومن ~~بني جلى : بنو مجمع الشعوب : ربيعة بن سلمة بن سعد بن بلال بن بهثة بن حرب ~~بن وهب بن جلى : بطن . وأما أسد بن ربيعة فمن ثلاث بطون : أفصى بن دعمي بن ~~جديلة بن أسد ، وعنزة بن اللهازم بن أسد ، واسمه عمرو ، وعميرة بن أسد ؛ ~~وإلى عنزة ينسب كل عنزي محرك النون . والعقب من عنزة بن أسد بن ربيعة بن ~~نزار فخذان : وهما أسلم ويقدم : ابنا يذكر بن عنزة بن أسد . فمن أسلم فخذان ~~: بنو صباح ، وهو قمر الليل والنهار ، وبنو حلان : ابني العتيك بن أسلم . ~~ومن يقدم بن يذكر فخذان : تيم ونصر : ابنا يقدم . ومن بني تيم : بنو هميم ~~بن عبد العزى بن ربيعة بن تيم بن يقدم . والعقب من عميرة بن أسد بن ربيعة ~~بن نزار فخذان : هما مبشر وعدي : ابنا عميرة بن أسد بن ربيعة . وأما أفصى ~~بن دعمي بن جديلة بن أسد ، فمنه بطنان : هنب وعبد القيس : ابنا أفصى بن ~~دعمي بن جديلة ؛ وإلى عبد القيس هذا ينسب كل عبقسي . PageV02P0342 # """""" صفحة رقم ms0420 343 """""" والعقب من عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن ~~جديلة بن أسد من أفصى بن عبد القيس ، واللبود بن عبد القيس . والعقب من ~~أفصى بن عبد القيس من لكيز بن أفصى وشن بن أفصى . فمن لكيز بن أفصى ثلاث ~~عشائر : وديعة وصباح ونكرة . فمن ولد نكرة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس : ~~دهن بن عذرة بن منبه بن نكرة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس ؛ وليس دهن هذا ~~فخذ عمارة الدهني ، إنما فخذه دهن التي في بجيلة . والعقب من وديعة بن لكنز ~~بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي من عمرو بن وديعة ودهن بن وديعة وغنم ~~بن وديعة . والعقب من عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى - وقال لولده : العمور ~~- أنمار وعجل ومحارب والديل : أولاد عمرو بن وديعة . والعقب من هنب بن أفصى ~~بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة من قاسط بن هنب وعمرو بن هنب ، فمن ولد ~~عمرو بن هنب هذا : عتيب بن عمرو ، ومن عتيب في دهن : فخذ ، وخفاجة : ابني ~~عتيب . والعقب من قاسط بن هنب من النمر بن قاسط ؛ وإليه ينسب كل نمري ، ~~وعمرو وهو غفيلة بن قاسط : قبيلة ، ومعاوية بن قاسط في عاملة ، ووائل بن ~~قاسط : البطن الأعظم من قاسط . فالعقب من النمر بن قاسط من تيم الله ويقال ~~: تيم اللات ، وأوس مناة : ابني النمر ؛ ومن النمر بن قاسط : بنو الضحيان ~~وهو عامر بن سعد بن الخزرج بن سعد بن تيم الله بن النمر . وإليه كانت ~~الرياسة واللواء والحكومة والمرباع . وقيل له الضحيان لأنه كان يحكم بين ~~العرب في الضحى . وأما وائل بن قاسط بن هنب ، فأعقب من أربع أبطن : تغلب بن ~~وائل : البطن المشهورة ، إليها يرجع كل تغلبي معدي . وفي قضاعة أيضا تغلب ~~بن حلوان بن PageV02P0343 # """""" صفحة رقم 344 """""" عمران بن الحاف بن قضاعة جد بني كلب ، وبكر ~~بن وائل ، وعنز بن وائل ساكنة النون كما ينسب في نزار إلى عنزة بن أسد كل ~~عنزي محرك النون ms0421 ، وعمرو بن وائل . فمن عنز بن وائل بن قاسط فخذان : وهما ~~رفيدة بن عنز وأراشة بن عنز ، وفيهما عدة أفخاذ وعشائر . والعقب من بكر بن ~~وائل بن قاسط بن هنب من الحارث وعلي ويشكر وجشم وبدن : بني بكر ؛ وإلى علي ~~هذا ينسب كل علوي في نزار ؛ وإلى يشكر هذا ينسب كل يشكري . والعقب من يشكر ~~بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب من ثلاث قبائل لصلبه : وهم حرب وكنانة وكعب ~~؛ فأعقب حرب بن يشكر من جشم وذهل : ولدي كنانة بن حرب ؛ ومن بني جشم بن حرب ~~: بنو عصيم بن سعد بن عمرو بن جشم ؛ وبنو الحمير : حبيب بن كعب بن جشم ، ~~وإلى جشم هذا ينسب كل جشمي في نزار . وأعقب كنانة بن يشكر من ذبيان بالكسر ~~بضد ذبيان عبس الذي هو بالضم ؛ وأعقب ذبيان من فخذ وائلة وعامر : ابني ~~ذبيان بن كنانة بن يشكر . فمن بني عامر بن ذبيان : بنو جشم بن عامر : فخذ ~~يقال لهم : الجشميون أيضا . وأما بنو علي الوائلي فالعقب من علي بن بكر بن ~~وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة من صعب بن ~~علي وحده ؛ وإليه يرجع كل صعبي في نزار . والعقب من صعب من ثلاث بطون : ~~عكابة ولحيم ومالك : أولاد صعب بن علي بن بكر بن وائل ، فأعقب مالك بن صعب ~~في بني زمان بن مالك : فخذ : وإليه ينسب كل زماني . وأما لحيم بن صعب ، ~~فأعقب من حنيفة بن لحيم : البطن المشهورة ، ومن عجل بن لحيم . قال الزبير ~~بن بكار : وحنيفة امرأة نسب إليها ولدها : وهي حنيفة بنت كاهل بن أسد بن ~~خزيمة . فأعقب حنيفة من ثلاث قبائل : الدؤل بن حنيفة : القبيلة المشهورة في ~~بني حنيفة ، ويقال في النسبة إليه : دؤلي كذا بضد النسبة إلى دؤل كنانة ، ~~وعامر بن حنيفة وعدي بن حنيفة ؛ وفيهم عدة عشائر وقبائل ، والعزوة إلى ~~حنيفة تغني عنها ؛ منها بنو يربوع بن الدؤل بن حنيفة إليه ينسب كل يربوعي : ~~وهم قبيلة ms0422 خولة بنت PageV02P0344 # """""" صفحة رقم 345 """""" جعفر بن قيس بن سلمة بن عبيد بن ثعلبة بن ~~يربوع المذكور أم أبي القاسم محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه المعروف ~~بابن الحنفية ؛ وهو الذي قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيه لعلي " ~~سيولد لك ولد وقد نحلته اسمي وكنيتي " . قال : ولعبيد بن ثعلبة بن يربوع ~~غير سلمة خمس أفخاذ لصلبه : مسلمة وشيبان وزيد ووهب وأرقم ؛ ولهم عدد في ~~بني مسلمة المذكور : عمرو بن معدي كرب بن الحارث بن مسلمة ، إليه ينسب كنز ~~الدولة حامي أسوان . وأما عجل بن لحيم فأعقب من أربع أبطن : وهي سعد وكعب ~~وهم قليل ، وربيعة وضبيعة أولاد عجل ؛ وإليه ينسب كل عجلي . وفيهم عدة ~~أفخاذ وعشائر ، وإلى ضبيعة ينسب كل ضبعي . وأما عكابة بن صعب بن علي فأعقب ~~من بطنين : ثعلبة وفيه العدد ، وقيس : ابني عكابة . والعقب من ثعلبة بن ~~عكابة بن صعب بن علي من خمسة : قيس من اللهازم : بطن ، ومالك وتيم الله من ~~اللهازم : قبيلة أولاد ثعلبة بن عكابة ، وشبيان وذهل وهما الذهلان : ابنا ~~ثعلبة ؛ وإلى شيبان هذا يرجع كل شيباني ، وإلى ذهل يرجع كل ذهلي . فأما قيس ~~بن ثعلبة فأعقب من ضبيعة وسعد : ابنيه لصلبه . والعقب من ضبيعة بن قيس بن ~~ثعلبة بن عكابة من ربيعة وهو جحدر ، وإليه يرجع كل جحدري ، وسعد وتيم وعباد ~~ومالك : بطن . PageV02P0345 # """""" صفحة رقم 346 """""" وأعقب تيم الله بن ثعلبة بن عكابة من سبع ~~أفخاذ : وهم الحارث وذهل وعدي ومالك وعامر وزمان وحاطبة ؛ ومن بني مالك بن ~~تيم الله : بنو عائش بن مالك : فخذ . فأما شيبان بن ثعلبة بن عكابة فأعقب ~~من ثلاث بطون لصلبه : ذهل ، وإليه يرجع الذهليون ، وتيم وثعلبة ؛ وثعلبة ~~هذا : هو الفخذ الذي ينسب إليه ويرجع أبو الصقر محمد بن إسماعيل وزير ~~المعتمد . وفيه يقول ابن الرومي الشاعر : قالوا : أبو الصقر من شيبان ، قلت ~~لهم : . . . كلا لعمري ولكن منه شيبان وكم أب قد علا بابن له شرفا . . . ~~كما علا برسول الله عدنان وأعقب ذهل ms0423 بن شيبان من أولاده لصلبه : وهم مرة ؛ ~~وإليه يرجع المريون الشيبانيون وأبو ربيعة ومحلم وصبح والحارث وعمرو : وهو ~~جذرة وعوف وعبد غنم ، ومن ولد أبي ربيعة بن ذهل : المزدلف : وهو عمرو بن ~~أبي ربيعة : فخذ كبيرة . وفي مرة بن ذهل بن شيبان عدة أفخاذ : وهم سعد ودب ~~وسيار وكثير وجندب وبجير وجساس ونضلة وهمام : قبيلة الأحلاف أولاد مرة . ~~قال : وهمام بن مرة بن ذهل هو بيت ذهل وقعدد فخرهم . وأعقب لصلبه الأحلاف ~~من مازن وعوف وثعلبة خمسين بيتا ، وعمرو وعائشة والأسعد وحبيب : هؤلاء هم ~~الأحلاف ومرة وعبد الله والحارث . وأما ذهل بن ثعلبة وهو أحد الذهليين فمنه ~~بطنان لصلبه : شيبان وعامر ، فأعقب شيبان بن ذهل بن ثعلبة من سبع أفخاذ ~~لصلبه : وهم سدوس ومازن وعمرو الأعمى وعلباء ومالك وعامر وزيد مناة . وإلى ~~سدوس هذا ينسب كل PageV02P0346 # """""" صفحة رقم 347 """""" سدوسي . ومن ولد مازن هذا : أحمد بن حنبل بن ~~هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن ~~قاسط بن مازن . وإليه أيضا ينسب أبو عثمان المازني النحوي وكل مازني ، وفي ~~مذحج في بني سليم : زبيد مازن المعروفة . نعود إلى باقي نسب وائل . وأما ~~تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب ، واسم تغلب دثار وكان أكثرهم نصارى ، فالعقب ~~منه في ثلاث أفخاذ لصلبه : عمران وهم قليل ، وأوس وغنم ؛ وفيه العدد والبيت ~~؛ ومن قبائل غنم الخناقون : بكر ورزاح ومالك وعدي : بنو معاوية بن عمرو بن ~~غنم بن تغلب ، والأراقم الستة : جشم ومالك وعمرو والحارث ومعاوية وثعلبة : ~~أولاد بكر بن حبيب بن غنم بن عمرو بن تغلب ، ومن جشم هذا : بنو عطيف مجزئة ~~بن حارثة بن مالك بن جشم بن بكر بن حبيب : رهط سيف الدولة بن حمدان . فهذا ~~نهاية الاختصار في نسب بني نزار . وعمود النسب منه في ابنه مضر بن نزار ، ~~وأمه سودة بنت عك العدنانية . ومنه غير عمود النسب وهو الياس ابنه قيس بن ~~عيلان بن مضر ؛ واسم عيلان : الناس ، وهو ms0424 أخو الياس . ويقال : قيس عيلان بن ~~مضر ؛ وعيلان حاضن كان لقيس فنسب إليه كما نسب غير واحد من العرب إلى ~~الحضان : كسعد هذيم حضنه هذيم فنسب إليه ؛ والصحيح : أن عيلان بن مضر ، ~~واسمه الناس ، وقيسا ولده . وقد قيل في الناس : الناس بتشديد السين . ~~PageV02P0347 # """""" صفحة رقم 348 """""" ذكر نسب قيس وبطونها والعقب من قيس بن عيلان ~~بن مضر بن نزار بن معد بن عيلان ثلاثة نفر : خصفة وسعد وعمرو . وقال قائلون ~~: وبر بن قيس وإنه ولد طوائف من البربر ، وفي ذلك خلاف عند النسابين . ~~فالعقب من خصفة هذا من بطنين : عكرمة ومحارب ابني خصفة بن قيس . وقيل : إن ~~خصفة بن عكرمة غلب اسمها عليه فنسب إليها كما قيل في خندف . أعقب عكرمة بن ~~خصفة من منصور بن عكرمة : البيت الأول من بني قيس ، فيه العدد ، وسعد بن ~~عكرمة وأبي مالك وعامر : بني عكرمة . أعقب منصور بن عكرمة من هوازن بن ~~المنصور : القبيلة المشهورة ، ومن سليم بن منصور : القبيلة المشهورة ، ~~وسلامان بن منصور : قبيلة ، ومازن بن منصور : قبيلة . فأما هوازن فأعقب من ~~بكر بن هوازن لا غير ، وأعقب بكر بن هوازن من ثلاث أفخاذ : معاوية بن بكر ، ~~وفيه العدد ، وقسي وهو ثقيف ، واسمه منبه بن بكر ، وإليه يرجع كل ثقفي ؛ ~~وسعد بن بكر ؛ وإليه يرجع كل سعدي من عشيرة حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية : ~~ظذر سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد ~~الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن قصية بن نصر بن سعد ~~المذكور ؛ واسم زوجها وهو والد سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~الرضاعة : الحارث بن عبد العزي بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن قصية بن نصر ~~بن سعد ؛ وكنيته أبو كبشة ؛ وبه كانت العرب تقول لرسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : ابن أبي كبشة . وقيل في أبي كبشة أقوال منها أن جده لأمه ~~السيدة آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة كان يكنى أبا ms0425 كبشة فنسبوه إلى ذلك ~~ليتمه وموت أبيه . وكان أيضا عمرو بن زيد أبو أسد النجاري أبو سلمى بن عبد ~~المطلب جد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يكنى : أبا كبشة . وقيل : بل لحظوا ~~لقولهم : أبا كبشة يعنون أبا كبشة جرير بن غالب بن الحارث ، وهو أبو قيلة ~~أم وهب بن عبد مناف والد آمنة أم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وقال ~~ابن قتيبة : إنه كان يعبد الشعرى دون العرب ، فلما جاءهم رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بعبادة الله دون الأصنام ، شبهوه في شذوذه عنهم بشذوذ بعض ~~أجداده من قبل أمه بعبادة الشعرى وانفصاله منهم . PageV02P0348 # """""" صفحة رقم 349 """""" وأما معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن ~~عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان ، فأعقب من صعصعة بن معاوية : القبيلة ~~العظمى ، وجشم بن معاوية ؛ وإليه ينسب كل جشمي في هوازن . وله ثلاث أفخاذ : ~~عصيمة وزمان وبنو جشم ونصر بن معاوية جد النصريين القيسيين . ومنه فخذان : ~~بنو دهمان وبنو عوف : ابني نصر ، وجحش بن معاوية : فخذ ، وسيار بن معاوية : ~~فخذ ، وكلاب بن معاوية ، ومنجاب بن معاوية ، وعمرو بن معاوية ، وأدحية بن ~~معاوية ، ودحية بن معاوية ، ودحوة بن معاوية ، والسباق : وهو يعيش بن ~~معاوية ، وعوف بن معاوية ، وجحاش بن معاوية : هؤلاء كلهم أفخاذ قليلو العدد ~~، يقال لهم : الهوازنيون . وأما صعصعة بن معاوية فأعقب لصلبه عامر : ~~القبيلة المشهورة ، ومرة : وهم سلول ؛ وكل سلولي ينسب إلى مرة هذا ؛ وأم ~~ولده سلول الشيبانية : وهي سلول ابنة شيبان بن ذهل بن ثعلبة ؛ وولده عشرة ~~أفخاذ : وهم عمرو وضبيعة ونهار وسحيم : وهو أعيا ، وغاضرة وعدية وجابر ~~ومعاوية وجنى ودهى . وباقي ولد صعصعة لصلبه قبائل صغار : عبد الله وعائد ~~وعمرو وقيس وكبير وسيار ومساور وزبيبة وربيعة وغالب ووائل ومازن وعوف ~~ومنجور والحارث : خمس عشرة قبيلة ؛ وفي هذه القبائل : بنو عادية وبنو عدية ~~بالضم ، فأما بنو عادية فهي أم عبد الله عادية والحارث . وأما بنو عدية فهي ~~أم قيس عدية وعوف عدية . وإلى عمرو بن صعصعة بن معاوية تعزى ms0426 الطائفة ~~المعروفة بالأكراد . ومن النسابين من ذكرهم إلى كرد بن مرد بن عمرو بن ~~صعصعة المذكور . ومنهم من نسبهم إلى أكراد بن فارسان بن أهلوا بن إرم بن ~~سام بن نوح ، وعليه اعتمدوا . ومنهم من قال : كرد بن مرد بن يافث بن نوح . ~~وأما غامر بن صعصعة فأعقب من أربع بطون : وهم نمير وسواءة وهلال وربيعة . ~~فأما نمير بن عامر ، وإليه ينسب كل نميري ، ففيهم عدة أفخاذ : بنو المقشب : ~~وهو ربيعة بن عبد الله بن الحارث بن نمير ، وبنو خويلفة بن عبد الله بن ~~الحارث بن نمير ، وبنو أسقع : وهو مالك بن عامر بن نمير . وأما سواءة بن ~~عامر بن صعصعة فمنه عدة أفخاذ : منها بنو حبيب بن سواءة وبنو جساس بن سواءة ~~وبنو حرثان بن سواءة . وأما هلال بن عامر بن صعصعة فالبطن المشهور ، وقد ~~نزلوا المغرب من تلمسان إلى طرابلس ، فأعقب هلال من إحدى عشرة قبيلة وهم ~~أولاده لصلبه . PageV02P0349 # """""" صفحة رقم 350 """""" أولهم البيت المقدم عبد الله ونهيك وربيعة ~~وعائدة وعبد مناف ورويبة وصخر وشعبة وشعيبة وناشرة وحضرة . وفي هلال عدة ~~أفخاذ وعشائر : كزغبة ورياح وفادع والأثيج وحوثة ، وقرة وغيرهم . فأعقب عبد ~~الله : وهو البطن الأولى من بني هلال من ثلاث أفخاذ : رويبة بن عبد الله ~~وحوثة وحارثة : ابني عبد الله ؛ فأعقب رويبة بن عبد الله من أربع عشائر : ~~زغبة ورياح وهزوم ومعاوية : بني رويبة بن عبد الله ، فمن بني الهزم بن ~~رويبة بن عبد الله : ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة ~~بن عبد الله أم المؤمنين زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومن بني رياح ~~: بنو نجية بن علي بن فادع : فخذ أعقب ، إليه يرجع جنادة بن كامل مقدم بني ~~هلال . وأما نهيك بن هلال فأعقب من خمس قبائل لصلبه : وهم معشر وأبو ربيعة ~~وأبو معاوية وسهل وأبو جشم . وأما عبد مناف بن هلال فأعقب من أربع قبائل : ~~الحارث وعمرو وربيعة ويعمر : بني عبد مناف لصلبه . فمن بني ربيعة بن عبد ~~مناف ms0427 بن هلال : قرة بن عمرو بن ربيعة : فخذ مشهورة كبيرة ، إليه يرجع كل ~~قري . ومن بني عمرو بن عبد مناف بن هلال : زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد ~~الله بن عمرو بن عبد مناف أم المساكين زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أم ~~المؤمنين . فهذا مختصر قبائل هلال . وأما ربيعة بن عامر بن صعصعة ، فأعقب ~~من خمس قبائل : وهم الحارث وكليب وعامر وكلاب وكعب : بنوه لصلبه . أما ~~الحارث بن ربيعة فأعقب من فخذين لصلبه : عوف وعويف . وأما كليب بن ربيعة ~~فأعقب من خمس أفخاذ لصلبه : أبان وجهم وجشم وخلف ومسروق . وأما عامر بن ~~ربيعة بن عامر بن صعصعة فأعقب من أربع أفخاذ لصلبه : عمرو وعوف والبكاء ~~ومعاوية . وأما كلاب بن ربيعة بن عامر فأعقب من عشر أبطن ، قال الشاعر : ~~وإن كلابا هذه عشر أبطن . . . وأنت بريء من قبائلها العشر . PageV02P0350 # """""" صفحة رقم 351 """""" يعني شمر بن ذي الجوشن الضبابي ، والعشر أبطن ~~لصلب كلاب : وهم جعفر وأبو بكر واسمه عبيد ، ومعاوية : وهو الضباب بن كلاب ~~وعامر وربيعة والأضبط وعمرو وعبد الله ورؤاس قيل : بالفتح وواو بدل الهمز ، ~~وكعب . فأما جعفر بن كلاب فأعقب من أربعة أفخاذ لصلبه : مالك والأحوص وخالد ~~وعتبة ؛ وفيهم عدة عشائر . وأما أبو بكر عبيد بن كلاب فأعقب من ثلاثة أفخاذ ~~لصلبه : عبد وكعب وعبد الله . فأما عبد بن أبي بكر فمن العشائر التي لصلبه ~~: بنو قرط وبنو قريط . وأما كعب بن أبي بكر فمن العشائر التي لصلبه : بنو ~~جحش بن كعب . وأما عبد الله بن أبي بكر فمن عشائره لصلبه : بنو المجنون : ~~وهو ربيعة بن عبد الله . وأما معاوية بن كلاب وهو الضباب فمنه ثلاث عشرة ، ~~قبيلة : وهم ضب ومضب وضباب ؛ ولأجلهم عرف هذا البطن أعني بني معاوية ~~بالضباب ، وحسيل وحسل وعمرو وأنس والأعور وزفر وأنيس ومالك وربيعة وزهير : ~~أولاد عمرو بن معاوية . ومن ولد الأعور هذا شمر بن شرحبيل بن الأعور قاتل ~~الحسين بن علي رضي الله عنه . وأما عامر بن كلاب فمنه أربع قبائل لصلبه ms0428 : ~~وهم بنو الأصم ، وهم قليل ، وبنو كعب وهو البيت من عامر بن كلاب وطريف بن ~~عامر وعقيل بن عامر . فأعقب كعب بن عامر من الوحيد : وهو عامر بن كعب ، من ~~أفخاذه : خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب ، منه أم البنين ~~بنت حزام بن خالد المذكور زوج علي بن أبي طالب ، وهي لأأم ابنه العباس ~~السقاء ؛ عرف بذلك لأنه سقى الحسين الماء بكربلا . وأما ربيعة بن كلاب فمنه ~~ثلاثة أفخاذ لصلبه : وهم بجير وعبيد ونفيل أبو نمير . PageV02P0351 # """""" صفحة رقم 352 """""" وأما الأضبط بن كلاب ففخذه : بنو وبر بن ~~الأضبط ؛ ومن بني وبر سبع عشائر : وهم وهب الأكبر ووهب الأصغر وواهب وإهاب ~~ووهبان وخالد وأبو ربيعة : أولاد وبر بن الأضبط . وأما عمرو بن كلاب فمنه ~~فخذان : نفيل وأبو عوف : ابنا عمرو بن كلاب . وأما عبد الله بن كلاب فأعقب ~~من ثلاثة أفخاذ : عامر وعمرو والصموت : أولاده لصلبه . ومن عشائر الصموت بن ~~عبدالله : ضبيعة الأغر بن عبد الله بن الصموت . وأما رؤاس بن كلاب فأعقب من ~~ثلاثة أفخاذ : بجاد وبجيد وعبيد : أولاده لصلبه ؛ ومن بجيد : عفيف بن بجيد ~~: فخذ ؛ وإلى رؤاس هذا ينسب كل رؤاسي . وأما كعب بن كلاب فأعقب من أربعة ~~لصلبه : عامر ووهب وربيعة وأوس . فهذا مختصر بني كلاب وأبطنها - نعود إلى ~~باقي ولد ربيعة بن عامر . وأما كعب بن ربيعة بن عامر فأعقب من ستة أبطن ~~لصلبه : وهم جعدة بن كعب : البطن المشهورة ؛ إليها يرجع كل جعدي ؛ وفيها ~~عدة قبائل وعشائر ، وحبيب بن كعب : البطن المشهورة ؛ وإليها يرجع كل حبيبي ~~؛ وفيها أفخاذ ، وعبد الله بن كعب منه العجلان بن عبد الله : بطن ، وربيعة ~~بن عبد الله ، ونهم بن عبد الله ؛ وفيهم أفخاذ ، وقشير بن كعب ، وإليه يرجع ~~كل قشيري ؛ وفيها عدة أفخاذ وعشائر ، والحريش بن كعب ، وإليه يرجع كل حرشي ~~: كعبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب بن وقدان بن الحريش الحرشي الصحابي ~~وغيره ، وعقيل بن كعب : البطن المشهورة ، إليها يرجع كل عقيلي بالضم ms0429 . ~~والعقب من عقيل بن كعب : بن ربيعة بن عامر من خفاجة بن عمرو بن عقيل : ~~البطن المشهورة ، وعبد الله وربيعة ومعاوية وعامر وعبادة ؛ كل هؤلاء أبطن . ~~والعقب من خفاجة من أحد عشر فخذا لصلبه : وهم بنو معاوية ذي القرح : فخذ ، ~~وبنو كعب ذي النويرة ، وبنو الأقرع : فخذ ، وبنو كعب الأصغر ، وبنو عامر ، ~~وبنو مالك ، وبنو الهيثم ، وبنو الوازع ؛ إليه ينسب كل وازعي ، وبنو عمرو ، ~~وبنو حزن ، وبنو خالد . والفخذ العظمى من بني عقيل بعد بني خفاجة : بنو ~~يزيد بضم الياء بن عبد الله بن يزيد بن قيس بن حوثة بن طهفة بن حزن بن ~~عبادة : عشيرة الأمير أبي المنيع شرف الدولة محمد بن مرداس ؛ ودرج شرف ~~الدولة ، وهو ملك العرب . PageV02P0352 # """""" صفحة رقم 353 """""" فهذا مختصر من نسب بني عقيل ، وهؤلاء هوازن ~~وهم بكر ، والله سبحانه وتعالى أعلم . وأما سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة ~~بن قيس بن عيلان : وهو البطن المشهورة ، فأعقب من بهثة بن سليم ، وأعقب ~~بهثة من خمسة أفخاذ لصلبه : معاوية وعوف وامرئ القيس والحارث وثعلبة . ومن ~~بني امرئ القيس بن بهثة : بنو عصية بن خفاف بن امرئ القيس : بطن . وأما ~~محارب خصفة بن قيس بن عيلان ، فأعقب فخذين لصلبه : طريف وجسر ، ويقال لبني ~~جسر : بنو علي لأن العقب من جسر بن محارب في علي بن جسر لا غير . انقضى ذكر ~~بني خصفة بن قيس بن عيلان . وأما سعد بن عيلان فأعقب من بطنين لصلبه : وهما ~~غطفان ، ومنبه : وهو أعصر ؛ والعقب من ريث بن غطفان من أربع أبطن لصلبه : ~~بغيض ومازن وأشجع وإليه يرجع كل أشجعي ، وأهون : بنو ريث . والعقب من بغيص ~~بن ريث من عبس وذبيان وهما القبيلتان المشهورتان . وذكر بعض النسابين أنمار ~~بن بغيض منهم أبو كبشة الأنماري . وقيل : إن أبا كبشة الأنماري إنما هو من ~~مذحج . والعقب من عبس بن بغيض بن ريث بن عطفان من فخذين : قطيعة وورقة ابني ~~عبس . والعقب من قطيعة بن عبس من الحارث ، ومعتمر : قبيلة قليلة ، وعوف : ~~قبيلة ، وغالب ms0430 : قبيلة الحطيئة ، ومريطة : قبيلة من ولد خالد بن سنان نبي ~~أهل الرس بن جابر بن غيث بن مريطة . PageV02P0353 # """""" صفحة رقم 354 """""" والعقب من الحارث بن قطيعة بن عبس من جروة ~~وعامر ومازن : قبيلة وذكوان وشداد : بني الحارث بن قطيعة . ومن مازن بن ~~الحارث أفخاذ : منهم جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن : فخذ ؛ إليه يرجع ~~الجذميون بالجيم : منهم عشيرة بني زهير بن جذيمة في آخرين . وأما ذبيان بن ~~بغيض ، فأعقب من فزارة : البطن المشهورة ، وسعد ؛ فأعقب فزارة بن ذبيان من ~~مرة وظالم ورومي ، درج وشمخ وعدي ومازن : أولاد فزارة ؛ وفيهم قبائل وعشائر ~~وأفخاذ . وأما سعد بن ذبيان فمن بطونه المريون : بنو مرة بن عوف بن سعد ، ~~وفيهم أفخاذ ، وبنو عقال بن سعد : فخذ ، وبنو بجالة بن ثعلبة بن سعد وبنو ~~عجب بن ثعلبة وبنو رزام بن ثعلبة . وأما عبد الله بن غطفان بن سعد فالعقب ~~منه في بهثة بن عبد الله وقطبة وعدي وعذرة وكلب وباعث وشبابة وغنم وعوف ~~ومنبه ؛ عشرة أفخاذ . وأما أعصر : وهو منبه بن سعد بن قيس فأعقب من باهلة : ~~وهم ولد مالك بن أعصر ، وهي باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة أخت بجيلة بن ~~مذحج ؛ ولد سعد بن مالك بن يعصر ومعن بن مالك بن يعصر فغلب اسمها عليهم ~~ونسبوا إليها ؛ وكل باهلي ينسب إلى باهلة وهم ولد مالك بن أعصر بن معن بن ~~مالك ، وغني بن أعصر بن سعد بن قيس أعقب من غنم وجعدة ، إليها ينسب كل غنوي ~~والطفاوة ، اسمه الحارث بن أعصر إليه ينسب الطفاويون ، وعامر بن أعصر . ~~وأما عمرو بن قيس بن عيلان ، فمنه بطنان لصلبه : وهما عدوان واسمه الحارث ، ~~وفهم : ابنا عمرو بن قيس ؛ وإنما قيل له عدوان : لأنه عدا على أخيه فهم ~~فقتله . وفهم وعدوان يقال لهما : جديلة قيس ، وهي أمهم جديلة بنت مر بن أد ~~: أخت تميم بن مر . ومن قبائل عدوان : بنو يشكر وبنو دوس : ابني عدوان : ~~القبيلتان المشهورتان . PageV02P0354 # """""" صفحة رقم 355 """""" هذا آخر مختصر نسب قيس بن ms0431 عيلان بن مضر . ~~فلنرجع إلى عمود النسب . وعمود النسب من مضر في ابنه : الياس بن مضر بن ~~نزار وأمه الرباب بنت إياد المعدية ؛ ومنه غير عمود النسب وهو مدركة بطن ~~واحد وهو طابخة بن الياس ؛ قال : لأن قمعة بن الياس فيه خلاف كثير ، وأكثر ~~مشايخ النسب يذكرون أنه درج ولا عقب له ؛ وذكر آخرون : أنه أبو خزاعة ، ~~وخزاعة ليست بأب ولا أم وإنما هم انخزعوا من مضر إلى اليمن ببطن مر ، وذلك ~~حين أقبل بنو عمرو بن عامر يريدون الحجاز ؛ ألا ترى قول عون بن أيوب ~~الأنصاري : ولما هبطنا بطن مر تخزعت . . . خزاعة منا في حلول كراكر حمت كل ~~واد من تهامة واحتمت . . . بصم القنا والمرهفات البواتر . وقد أوردنا نسب ~~خزاعة في بني عمرو بن عامر ماء السماء الغساني في نسب اليمن ، ومن قبائل ~~طابخة بن الياس خمس : بنو مر بن أد بن طابخة ، وبنو ضبة بن أد بن طابخة ، ~~وبنو عمرو ، وبنو خميس ، وبنو عبد مناة : أولاد أد بن طابخة . فأما بنو مر ~~بن أد بن طابخة ، فمنه بنو تميم بن مر ، وبنو ثعلبة بن مر : ظاعنة من ~~الشعيراء ، وبنو صوفة : وهم ولد الغوث : وهو الربيط بن مر وبكر بن مر من ~~الشعيراء ، ومحارب بن مر ، فهم عدة أفخاذ وقبائل . وقبائل تميم : وهم ثلاث ~~: زيد مناة والحارث وعمرو : أولاد تميم لصلبه . فمن قبائل زيد مناة بن تميم ~~: نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، وبنو سدوس ~~بن دارم : قبيلة . وبنو عبد الله بن دارم : منهم عطارد : قبيلة حاجب بن ~~PageV02P0355 # """""" صفحة رقم 356 """""" زرارة بن عدس وكل من عداه بفتح الدال ابن زيد ~~بن عبد الله بن دارم مجوس ، وبنو أبان بن دارم : قبيلة . وبنو ثعلبة بن ~~يربوع بن حنظلة : قبيلة . وبنو كليب بن يربوع : قبيلة . وبنو رياح بن يربوع ~~: قبيلة . وبنو غذانة بن يربوع : قبيلة . وبنو جارية بن سليط بن يربوع . ~~وبنو البراجم : وهم ظليم وعمرو وقيس وغالب وكلفة : أولاد حنظلة بن ms0432 مالك ؛ ~~فهؤلاء بنو حنظلة بن مالك ؛ سموا براجم لتجمعهم كالأصابع . ثم قبيلة الجوع ~~: وهم ولد ربيعة بن مالك بن زيد مناة ؛ والكردوسان من بني زيد مناة : ~~معاوية وقيس ابنا مالك بن زيد مناة بن تميم . ومن زيد مناة : بنو سعد بن ~~زيد مناة ، ومنه عدة قبائل ، منهم قبائل الأبناء : وهم عبشمس وعوافة وعوف ~~وجشم ومالك وعمرو : بنو سعد بن زيد مناة . ومن بني سعد بن زيد مناة : بنو ~~الحرام : وهو من الخدعة بن كعب بن سعد ، وبنو حمان بن عبد العزى بن كعب بن ~~سعد ، وبنو الأعرج : وهو الحارث بن كعب بن سعد ، وبنو قريع بن عوف بن كعب ~~بن سعد ، وبنو بهدلة بن عوف بن كعب ، وبنو برنيق بن عوف بن كعب ، وبنو ~~عطارد بن عوف بن كعب قليلون . ومن قبائل كعب بن سعد المذكور : بنو منقر بن ~~عبيد بن مقاعس : وهو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم وهم ~~المنقريون . ومن بني زيد مناة : بنو امرئ القيس بن زيد مناة . له عدد ومدد ~~، منه ثلاثة أفخاذ : بنو عصية وبنو مالك وبنو الحارث : أولاد امرئ القيس ~~المذكور . ومن بني زيد مناة : بنو عامر الصحيح بن زيد مناة ؛ فهؤلاء بنو ~~زيد مناة بن تميم . وأما الحارث بن تميم فمنه شقرة بن الحارث : قبيلة ، ~~اسمه معاوية ، وسمي شقرة ببيت قاله : وقد أحمل الرمح الأصم كعوبه . . . به ~~من دماء القوم كالشقرات PageV02P0356 # """""" صفحة رقم 357 """""" والشقرات : شقائق النعمان ، والنعمان : الدم ~~؛ والله أعلم . وأما عمرو بن تميم فمنه سبعة أفخاذ ، وهم بنو مالك وبنو ~~العنبر وبنو الهجيم وبنو أسيد وبنو الحبطة : وهو الحارث ، وبنو القليب : ~~وهو أليهة وزن عليهة وكعب : بنو عمرو بن تميم ؛ وولي كعب هذا البيت قبل ~~قريش . فأما مالك بن عمرو بن تميم فمنه فخذان : مازن ، منهم أوفى بن مطر ~~المازني جلي العرب ، والحرماز : وهو الحارث بن مالك . فمن بني مازن بن مالك ~~بن عمرو بن تميم : أنمار بن مازن : فخذ قليلون ، ورألان بن مازن : قبيلة ms0433 ، ~~وحرقوص بن مازن ، ورزام بن مازن : قليل ، وخزاعي بن مازن : قليل . وأما ~~بلعنبر بن عمرو بن تميم فأعقب من ثلاثة : كعب وجندب ومالك : أولاد العنبر ؛ ~~وكل بلعنبري ينسب إلى بلعنبر هذا : وهي قبيلة مشهورة . وأما بلهجيم بن عمرو ~~بن تميم وهو الهجيم فأعقب من خمسة : عامر وسعد وعمرو وربيعة وأنمار . ويقال ~~لبلعنبر وبلهجيم : الخبطات . وكذلك أخوهما الحارث الخبط ؛ وهو الذي عرفوا ~~بذلك من أجله ، يقال : إنه أكل خبطا فسمي به . وأما أسيد بن عمرو بن تميم ~~فأعقب من ستة لصلبه : عقيل ونمير وجروة : قبيلة ، وعمرو والحارث . فمن بني ~~جروة بن أسيد بن هند بن أبي هالة : نباش بن PageV02P0357 # """""" صفحة رقم 358 """""" زرارة بن وقدان بن حبيب بن سلامة بن غوي بن ~~جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم : ربيب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ ~~وأمه خديجة بنت خويلد . وأما الحارث الخبط بن عمرو بن تميم فمنه قبيلة سعد ~~بن الحارث ، وهي قبيلة الخبطات ، ومشادة بن الحارث الخبط ونضلة بن الحارث ~~الخبط : فهؤلاء بنو تميم في مر بن أد بن طابخة . وأما بنو ضبة بن أد فثلاث ~~قبائل : سعد وسعيد وباسل . ولسعد وسعيد المثل السائر أسعد أم سعيد . أما ~~سعيد بن ضبة فقليل عددهم . أما سعد بن ضبة فأعقب من اثنين : ثعلبة وبكر : ~~ابني سعد ؛ فأما ثعلبة بن سعد ، فمن قبائلها : بنو مسعود بن دلجة بن نعيم ~~بن قرامة بن كعب بن ربيعة بن ثعلبة بن سعد : قبيلة ينسب إليها كل مسعودي ، ~~وبنو مبذول بن عامر بن ربيعة بن كعب بن ربيعة بن ثعلبة بن سعد : قبيلة . ~~ومن بني بكر بن سعد بن ضبة : صبح وبجالة : ابنا ذهل بن مالك بن بكر بن سعد ~~: فخذان ، وعائذة بن مالك بن بكر بن سعد : فخذ ، ونصر بن عبد الله بن بكر ~~بن سعد : فخذ . وأما باسل بن ضبة فإنه خرج مغاضبا لأبيه فوقع بأرض الديلم ~~فتزوج امرأة من الديلم ، فولدت له الديلم بن باسل : جد القبيلة المشهورة ؛ ~~ومن رجالها في الجاهلية : زيد ms0434 الفوارس بن حصين ، وفي الإسلام بن شبرمة ~~القاضي . وأعقب من الديلم فخذان : الأبيض بن معاوية بن الديلم ، وبجير بن ~~معاوية بن الديلم . فأعقب الأبيض ابن معاوية من الضحاك ولار وشهريار وإيران ~~وناشر : أولاد الأبيض بن معاوية بن ديلم من بهرام بن الضحاك ؛ وفيروز ~~وزربوران وبريانوس : أربعة أفخاذ . وأعقب بريانوس بن الضحاك من قابوس بن ~~بريانوس . وأعقب قابوس من شاه مرد . وأعقب لار بن الأبيض من كامياد بن لار ~~. وأعقب كامياد من ابنه جور . وأعقب بجير بن معاوية بن ديلم من باسل بن ~~تيداذما ، فأعقب تيداذما من دادوه . PageV02P0358 # """""" صفحة رقم 359 """""" فهذه النهاية في اختصار نسب الديلم ؛ والله ~~سبحانه وتعالى أعلم . وأما عمرو بن أد بن طابخة فهو مزينة ، ومزينة أمه : ~~وهي بنت كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ، وكل ~~مزني ينسب إلى مزينة هذا . ومن مزينة : عثمان وأوس : ولدا عمرو ؛ فمن عثمان ~~بن عمرو بن أد بن طابخة بطنان : عدا ولاطم : ابنا عثمان . ومن مزينة : ~~النعمان بن مقرن وزهير بن أبي سلمى ؛ وليس في العرب سلمى بالضم سواه ، ~~ورؤبة بن العجاج . قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " أسلم وغفار ~~ومزينة وجهينة أو قال : من كان من جهينة خير من بني تميم وبني عامر بن ~~صعصعة ومن الحليفين أسد وغطفان " . وأما عبد مناة بن أد بن طابخة فمنه ثور ~~أطحل بن عبد مناة : بطن رهط سفيان الثوري رحمه الله ، وأطحل جبل ، وبنو ~~الرباب : ولد تيم بن عبد مناة وعدي بن عبد مناة وعوف بن عبد مناة : سموا ~~الرباب : لأنهم غمسوا أيديهم في رب إذ تحالفوا على بني تميم . قال : ومن ~~النسابين من يجعل الرباب بني تيم وعدي وثور وعكل : وهم بنو عبد مناة وضبة ~~بن أد . فأما عدي بن عبد مناة ، فإليه ينسب كل عدوي ليس من عدي قريش ؛ ~~ومنهم : أبو قتادة العدوي : تابعي ؛ وإلى عوف بن عبد مناة ينسب كل عوفي ؛ ~~ومنهم : عطية العوفي . قال : وشيخ الشرف النسابة يقول : إن عكلا هو ms0435 عوف بن ~~وائل بن قيس بن عوف بن عبد مناة ، وعكل : أمة لامرأة من حمير يقال لها : ~~بنت ذي اللحية ، تزوجها عوف بن وائل ، فولدت له جشما وسعدا وعليا ، ثم هلكت ~~، فحصنت عكل ولدها فغلبت عليهم ونسبوا إليها . PageV02P0359 # """""" صفحة رقم 360 """""" وأما تيم بن عبد مناة بن أد بن طابخة ففخذه : ~~عمرو بن الحارث بن التيم بن عبد مناة وفيه العدد . انقضت خندف فلنرجع إلى ~~عمود النسب من الياس في ابنه : مدركة بن الياس بن مضر واسمه عمرو ، وأمه ~~خندف : وهي ليلى بنت حلوان القضاعية ؛ وإنما سمي مدركة : لأن أباه الياس ~~خرج منتجعا ، ومعه أهله وماله ، فدخلت بين إبله أرنب ، فنفرت الإبل ، فخرج ~~أولاد الياس ، فأدركها عمرو ، فسماه أبوه الياس : مدركة ؛ وخرجت ليلى بنت ~~حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة أمه تهرول فقال لها الياس : مالك تخندفين ~~؟ والخندفة : الهرولة ، فسميت خندف ، وخرج عامر بن الياس أخو مدركة في طلب ~~الأرنب فاصطادها وطبخها ، فقال له أبوه الياس : أنت طابخة ، ورأى عمرا ~~أخاهما قد انقمع في الظلة فهو يخرج رأسه منه ، فقال له أباه الياس : أنت ~~قمعة . ومن مدركة غير عمود النسب : بنو هذيل بن مدركة ، ومن هذيل : بطنان ~~لصلبه : بنو لحيان وسعد ؛ ومن قبائل سعد بن هذيل : بنو خناعة بن سعد ، وبنو ~~صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل ؛ منهم : عبد الله بن ~~مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن قار بن مخزوم بن صاهلة الصحابي : أحد ~~القراء رضي الله عنه . ومن شعراء هذيل : أبو ذؤيب الهذلي وأبو كبير وأبو ~~المثلم وغيرهم . PageV02P0360 # """""" صفحة رقم 361 """""" وعمود النسب من مدركة في ابنه خزيمة بن مدركة ~~، وأمه سلمى بنت أسلم القضاعية ؛ ومنه غير كنانة عمود النسب قبيلتان : وهما ~~الهون وأسد . فأما الهون ابن خزيمة ، فأعقب من عضل والديش ابني بليغ بن ~~الهون ، وهم القارة : سموا قارة : لأن يعمر بن عوف بن الشداخ أحد بني ليث ~~لما أراد أن يفرقهم في بطون كنانة ، قال رجل منهم : دعونا قارة ms0436 لا تنفرونا ~~فنجفل مثل إجفال الظليم فسموا قارة : وهم رماة العرب وفيهم قيل قد أنصف ~~القارة من راماها وسبب هذا المثل أن رجلين التقيا ، أحدهما من القارة ، ~~فقال القاري للآخر : إن شئت صارعتك ، وإن شئت سابقتك ، وإن شئت راميتك ، ~~فقال خصمه : قد اخترت المراماة ، فقال القاري : قد أنصف القارة من راماها . ~~. . إنا إذا ما فئة نلقاها نرد أولادها على أخراها ثم انتزع له سهما فسل ~~فؤاده ؛ وقيل غير ذلك . ومن أسد بن خزيمة أربع عشائر : بنو كاهل وصعب وعمرو ~~ودودان : بني أسد . فمن دودان : بنو عمرو بن دودان : قبيلة : وهم وجوه بني ~~أسد ؛ منهم زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن ~~دودان بن أسد بن خزيمة ؛ زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : وهي بنت عمته ~~أميمة بنت عبد المطلب . وبنو سعد بن الحارث بن ثعلبة بن دودان : قبيلة . ~~ومن شعرائهم : بشر بن أبي خازم الوالبي الجاهلي . وبنو قعين بن الحارث بن ~~ثعلبة بن دودان : قبيلة ، منهم : فخذ بني PageV02P0361 # """""" صفحة رقم 362 """""" نصر بن قعين ، ومنهم بنو فقعس بن طريف بن ~~عمرو بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان : قبيلة . وبنو أعيا بن طريف : ~~قبيلة ، وبنو قيس بن طريف : قبيلة ، وبنو كعب بن عمرو بن قعين : قبيلة ، ~~وبنو سواءة بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان : فخذ ، وبنو ناشرة بن نصر بن ~~سواءة بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان . وعمود النسب من خزيمة بن مدركة ~~في ابنه كنانة بن خزيمة ، وأمه عوانة بنت سعد القيسية . وبنو كنانة أول عرب ~~تلقى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في نسبه . ومن بني كنانة عمود النسب ~~وهو النضر : خمس قبائل لصلبه : بنو عبد مناة وعمرو وعامر وملكان ومالك منهم ~~: بنو حداد بن مالك بن كنانة : فخذ . فأما عبد مناة بن كنانة ، فمنهم : بنو ~~بكر وبنو عامر وبنو مرة : بني عبد مناة ، ومن بني بكر بن عبد مناة : بنو ~~الدئل بن بكر ms0437 بن عبد مناة : رهط أبي الأسود الدؤلي : وهو ظالم بن عمرو بن ~~سفيان بن عمرو بن حلس بن نفاثة بن عدي بن الدئل بن بكر المذكور : وهو تلميذ ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه في النحو ، ويقال في النسبة إلى هذا الفخذ : ~~دؤلي مهموز مفتوح . ومن بني بكر : بنو الحارث بن بكر : فخذ ، وبنو ليث بن ~~بكر : فخذ ؛ منهم : بنو حدج بن ليث بن بكر فخذ ، وبنو ضمرة بن بكر : فخذ . ~~منهم : بنو غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر : رهط أبي ذر الغفاري : وهو جندب ~~بن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن صعير بن حرام بن غفار ، وقد انقرض أبو ~~ذر الغفاري رضي الله عنه . وأما عامر بن عبد مناة بن كنانة ، فمنه : قين بن ~~عامر : قبيلة أهل الغميصاء ، قتلهم خالد بن الوليد رضي الله عنه . وأما مرة ~~بن عبد مناة بن كنانة ، فمنه : بنو مدلج بن مرة : قبيلة سراقة بن مالك بن ~~جعشم وهم المدلجيون ، قالوا : وهم قافة العرب وأعلمهم بالزجر والقيافة . ~~PageV02P0362 # """""" صفحة رقم 363 """""" وأما عمرو بن كنانة ، فهم العمريون . وأما ~~عامر بن كنانة ، فهم العامريون ، وأما ملكان بن كنانة فهم الملكانيون ، ~~وأما مالك بن كنانة فمنه في الحارث ، ومن الحارث في ثعلبة ، ومن ثعلبة في ~~فخذين : بنو عامر وبنو غنم . أما غنم فمنه : فراس بن غنم : وهم الفراسيون . ~~ومن بني غنم : أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن ~~سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم : وهي أم عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنها زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . ومن عامر عشيرتان : بنو مخدج ~~بن عامر بن ثعلبة المخدجيون ، وبنو فقيم بن عدي بن عامر النسأة . فهؤلاء ~~أفخاذ كنانة ؛ والله أعلم . وعمود النسب من كنانة بن خزيمة في ابنه النضر ~~بن كنانة ، واسمه قيس ، وأمه برة بنت مر الأدية ، والنضر : الذهب ؛ وكان له ~~: يخلد بن النضر ، منه : بدر بن الحارث بن يخلد الذي سميت ms0438 به بدر بدرا . ~~قال : وليس له ولد باق . والعقب من النضر بن كنانة في ابنه عمود النسب وهو ~~: مالك بن النضر وأمه عكرشة بنت عدوان القيسية ، ولا عقب لمالك إلا من عمود ~~النسب وهو ابنه : فهر بن مالك وهو قريش ، وأمه جندلة بنت عامر الجرهمية ، ~~وكل من لم يلده فهر فليس بقرشي . وقد قيل في تسميته بقريش أقوال : منها أنه ~~اسم دابة في البحر ، وأنه اسم للقبيلة ، وأحسن ما قيل فيه : إن التقريش : ~~التفتيش ، فكان يقرش عن خلة كل ذي خلة فيسدها بفضله : فمن كان محتاجا أغناه ~~، ومن كان عاريا كساه ، ومن كان طريدا آواه ، ومن كان خائفا حماه ، ومن كان ~~ضالا هداه . قال الحارث بن حلزة اليشكري عفا الله تعالى عنه : أيها الناطق ~~المقرش عنا . . . عند عمرو ، وهل لذاك بقاء ؟ PageV02P0363 # """""" صفحة رقم 364 """""" وقيل : التقرش : التجمع ، وسميت قريش لتجمعها ~~، فإنها لما تجمعت بمكة وجمعت خصائل الخير سميت قريشا ؛ وتسمى أيضا الحمس ~~من الحماسة ؛ وذلك أنها تحمست في دينها فقالت : لا نطوف بالبيت عراة ، ولا ~~تسلأ نساؤنا سمنا ، ولا تغزل وبرا ، ولا نخرج إلى عرفات ، ولا نزايل حرمنا ~~، ولا نعظم غيره ، ولا نطوف بين الصفا والمروة . وكانوا يقفون بالمزدلفة ~~ومن سواهم من العرب يقال لهم : الحلة : كانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون : ~~نكرم البيت أن نطوف فيه بثيابنا التي اجترحنا فيها الآثام . قال : ومن بني ~~فهر غير غالب عمود النسب : بنو الحارث بن فهر وبنو محارب بن فهر . فمن بني ~~الحارث بن فهر : قيس بن الخلج بن الحارث . ويقال : الخلج بلاد قيس ، سموا ~~بذلك : لأنهم نزلوا الخلج بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام . ~~منهم آل هرمة الشاعر : وهم هرمة بن الهذيل بن ربيع بن عامر بن صبح بن عدي ~~بن قيس . ومن بني الحارث بن فهر : أبو عبيدة أمين هذه الأمة : وهو عامر بن ~~عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن الحارث بن فهر ، لا عقب له . ~~PageV02P0364 # """""" صفحة رقم 365 """""" ومن بني محارب بن فهر : ضرار بن الخطاب ms0439 بن ~~مرداس بن كثير بن حبيب بن شيبان بن محارب بن فهر وهو القائل : ونحن بنو ~~الحرب العوان نشبها . . . وبالحرب سمينا فنحن محارب وعمود النسب من فهر بن ~~مالك في ابنه غالب بن فهر وأمه ليلى بنت الحارث الهذلية ، منه فخذ واحد غير ~~عمود النسب ، وهم الأدرميون : ولد تيم بن غالب . والأدرم : الناقص الذقن ، ~~وهم قليل وقد ولدوا في العرب ولادات . وعمود النسب من غالب بن فهر في ابنه ~~لؤي بن غالب ، وأمه عاتكة بنت مخلد الكنانية النضرية ، وقيل بل هي سلمى بنت ~~عمرو الخزاعية ؛ وهو تصغير اللأي وهو ثور الوحش مهموز ، وقال أبو حنيفة : ~~اللأي البعرة ، وقيل لؤي تصغير لأي وهو البطء : نقيض العجلة . وأنشد أبو ~~أسامة : فدونكم بني لأي أخاكم . . . ودونك مالكا يا أم عمرو . وقال ابن ~~دريد : هو مشتق من لواء الجيش وهو مهموز ، وإن كان من لوى الرمل فهو مقصور ~~، قال امرؤ القيس : بسقط اللوى بين الدخول فحومل واللوى : اعوجاج في ظهر ~~الفرس . قال : ومن قبائل بني لؤي غير كعب عمود النسب : بنو عامر وبنو أسامة ~~وبنو خزيمة : وهم عائذة قريش وسعد ، وإليه ينسب بنو نباتة بفتح النون وضمها ~~: وهي أم سعد بن لؤي ؛ بها يعرفون ، وإليها ينسبون ، وقيل : نسبوا إلى ~~حاضنة لهم اسمها نباتة من بني القين بن جسر بن شيع الله ؛ ويقال : ~~PageV02P0365 # """""" صفحة رقم 366 """""" سبع الله بن الأسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان ~~بن الحاف بن قضاعة . والحارث بن لؤي ، وعوف وجشم : أولاد لؤي . فأما عامر ~~بن لؤي ، فمنهم ابن أم مكتوم الأعمى الذي نزل فيه " عبس وتولى " وهو مؤذن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالمدينة ؛ واسمه عمرو بن قيس بن زائدة ~~بن الأصم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي ؛ ومنهم عمرو بن ~~عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ، الذي قتله علي بن أبي طالب يوم ~~الخندق . وأما بنو أسامة بن لؤي ، فيزعم من نسب بني ناجية إلى قريش أنهم ~~يلقون بني ms0440 لؤي عند أسامة بن لؤي ، وقد كان علي بن أبي طالب سباهم حين ~~أقاموا على النصرانية ثم باعهم فيمن يريد ، فاشتراهم مصقلة بن هبيرة ~~الشيباني بمائة ألف درهم ، فقدم منها ثلاثين ألفا وأعتقهم ، فأنفذ علي ~~عتقهم ، وهرب مصقلة ببقية المال إلى معاوية . وقد قيل عن علي إنه قال : ما ~~أعقب عمي سامة بن لؤي . وأما خزيمة بن لؤي ، فإليه ينسب القوم الذين يزعمون ~~أنهم عائدة قريش . قال : وشيخ الشرف بن أبي جعفر النسابة يدفعهم عن النسب ؛ ~~وهم قوم تكثر بهم معاوية فأدخلهم في قريش ، وعائدة هي ابنة الخمس بن قحافة ~~بن خثعم ، بها يعرفون : وهم بنو الحارث بن مالك بن عبيد بن خزيمة بن لؤي ، ~~وعائدة أم الحارث هذا ؛ ويقال : الحارث بن مالك بن عوف بن حرب بن خزيمة بن ~~لؤي ، وهم بمالك خمس أفخاذ من عوف : بنو جذيمة ، وبنو عامر ، وبنو سلامة ، ~~وبنو معاوية : أولاد عوف ، وعائدة مع بني محلب بن ذهل بن شيبان ، باديتهم ~~مع باديتهم ، وحاضرتهم مع حاضرتهم يد واحدة . PageV02P0366 # """""" صفحة رقم 367 """""" فلنرجع إلى عمود النسب ، وهو من لؤي بن غالب ~~في ابنه : كعب بن لؤي بن غالب وأمه مارية بنت كعب القضاعية . ومنه غير مرة ~~عمود النسب وهما بطنان : بنو عدي وبنو هصيص ؛ فأما بنو عدي ، فمنهم عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه ، ابن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط ~~بن رزاح بن عدي بن كعب . وسعيد بن زيد بن نفيل المذكور أحد العشرة . ومن ~~بني عدي : عبد الله بن مطيع بن الأسود بن نضلة بن عوف بن عبيد بن عويج بفتح ~~العين وضمها ، بن عدي بن كعب ، وهو وأبوه من الصحابة ، وهو الذي أمره أهل ~~المدينة حين أخرجوا بني أمية منها في وقعة الحرة . وأما بنو هصيص بن كعب ~~فمنه فخذان : بنو جمح وبنو سهم : ابني عمرو بن هصيص . فأما بنو سهم : فمنهم ~~عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص . وأما ms0441 بنو ~~جمح ، فمنهم عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح : هاجر ~~الهجرتين وشهد بدرا . ومنهم صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة المذكور ~~، كناه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " أبا وهب " . ومنهم أبو محذورة : ~~أوس بن معين بن لوذان بن سعد بن جمح ، مؤذن المسجد الحرام لرسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . ويرجع إلى عمود النسب وهو كعب بن لؤي في ابنه : ~~PageV02P0367 # """""" صفحة رقم 368 """""" مرة بن كعب وأمه وحشية بنت شيبان الفهرية . ~~ومنه غير كلاب الذي هو عمود النسب : بطنان وهما : بنو تيم ، منهم أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه ويكنى بعتيق ، ابن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن ~~سعد بن تيم بن مرة : صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأنيسه في ~~الغار بنص القرآن بقوله تعالى : " ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا " فشهد له القرآن بصحبة رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وناهيك بذلك شرفا ، وصهره ، وخليفته ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ورضي عن أبي بكر وأرضاه . ومن بني تيم : عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو ~~بن كعب بن سعد بن تيم أحد العشرة ، وبنو يقظة بن مرة ، منهم : أم سلمة ~~الصادقة : زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهي بنت أبي أمية بن المغيرة ~~بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة ، وخالد بن الوليد بن المغيرة ~~بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم الملقب بسيف الله ، قال وقد انقرض ولد خالد ~~بن الوليد فلم يبق منهم أحد شرقا ولا غربا ، وإن انتمى إليهم أحد فهو مبطل ~~في إنتمائه ، وكل من ادعى إليه ، فقد كذب . قال الشريف : وكان شيخنا الفقيه ~~مجلى بن جميع بن نجاء الشافعي قاضي مصر يدعى إليه ، وهو على كتبه بخطه ~~وشافهنا به ولا صحة لذلك . وعمود النسب من مرة بن كعب في ابنه : كلاب بن ~~مرة بن كعب وأمه هند بن بهز ms0442 بن حكيم ، وقبل عروة وقيل عروة . ومنه غير قصي ~~عمود النسب : بطن واحد : وهم زهرة بنت كلاب ؛ ومنهم : السيدة آمنة بنت وهب ~~بن عبد مناف ، بن زهرة : أم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعبد ~~الرحمن بن عوف بن الحارث بن زهرة : أحد العشرة ، وسعد بن أبي وقاص . ~~PageV02P0368 # """""" صفحة رقم 369 """""" ويرجع عمود النسب منه في ابنه قصي بن كلاب بن ~~مرة . وأمه فاطمة بنت سيل الأزدية ، واسمه زيد ؛ ويدعى مجمعا : لجمعه أمر ~~قريش بالرحلتين وأول من جمع يوم الجمعة . وقيل : إنما سمي قصي مجمعا : لأنه ~~لما أخرج خزاعة من مكة ورأى أنه من صريح ولد إسماعيل عليه السلام ، وأنه ~~أحق من خزاعة بالبيت الحرام ، وبني دار الندوة ، وجعل بابها إلى البيت ~~الحرام ، وتجمعت قريش بمكة ، فسمى بذلك مجمعا ، لأنه جمعهم ولم يجعل معهم ~~غيرهم وكان يجمعهم في دار الندوة . وأما الرحلتان ، فأول من سنهما هاشم : ~~فكان يرحل في الشتاء إلى اليمن وإلى الحبشة إلى النجاشي فيكرمه ، ويرحل في ~~الصيف إلى الشام إلى غزة ، وبها مات ، وربما وصل إلى أنقرة ويدخل على قيصر ~~فيكرمه . وقد قال ابن الزبغري : عمرو العلا هشم الثريد لقومه . . . ورجال ~~مكة مسنتون عجاف سنت إليه الرحلتان كلاهما : . . . سفر الشتاء ورحلة ~~الأصياف وأما أول من جمع يوم الجمعة فهو كعب بن لؤي ، وكان يسمى : يوم ~~العروبة ، فكان يجمعهم ويعظهم ويحثهم على اتباع نبي من صلبه . وإنما سمي ~~قصيا : لأن أمه فاطمة بنت سعد بن سيل لما تقصت به مع زوجها ربيعة بن جذام ~~الفضاعي ، فأحملها إلى بلاده من أرض عذرة من بلاد الشام سمي بذلك . قال : ~~ومنه غير عمود النسب وهو عبد مناف بطنان : بنو أسد بن عبد العزى بن قصي ، ~~وبنو عبد الدار بن قصي . PageV02P0369 # """""" صفحة رقم 370 """""" فأما بنو أسد ، فمنهم خديجة بنت خويلد بن أسد ~~: زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومنهم : الزبير بن العوام بن خويلد ~~بن أسد أحد العشرة وحواري رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وأما بنو عبد ~~الدار قصي ، فمنهم ms0443 الحجبة ، فيهم : بنو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة عبد الله ~~بن عبد العزي بن عثمان بن عبد الدار . وفي بني عبد الدار : هاشم بن عبد ~~مناف بن عبد الدار . قال : وهي مسألة في النسب يمتحن بها من يدعي علم النسب ~~: يقال له : من يعلم في بني قصي جد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) هاشم بن ~~عبد مناف غير هاشم بن عبد مناف بن قصي ؟ نرجع إلى عمود النسب من قصي بن ~~كلاب في ابنه : عبد مناف بن قصي وأمه حبي بنت حليل الخزاعية ، واسمه ~~المغيرة والقمر . ومن غير هاشم عمود النسب ثلاث بطون : بنو المطلب : وهو ~~العيص ، وبنو عبد شمس وبنو نوفل : أولاد عبد مناف . فمن بني عبد شمس : أميه ~~الأصغر ، يقال لولده : العبلات : لأن أم أميه هذا عبلة بنت عبيد من البراجم ~~بن تميم ، وبنو أميه الأكبر بن عبد شمس ، منهم : ذو النورين : عثمان بن ~~عفان بن العاص بن أميه بن عبد شمس أحد العشرة وزوج ابنتي النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ورضي عنه ، ومن بني عبد شمس : أبو العاص بن الربيع بن عبد ~~العزى بن عبد شمس زوج زينب بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكان ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يثني عليه في صهارته خيرا . ومن بني عبد ~~المطلب بن عبد مناف : رهط بن عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب البدري ، انقرض ~~، وشافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب جد الشافعي رضي ~~الله عنه : وهو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع . ومن بني نوفل : ~~جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل ، وكان ممن قان في أمر الصحيفة ، وكان رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) يشكر له ذلك ، وهم يد مع بني أمية . وعمود ~~النسب من عبد مناف في ابنه هاشم بن عبد مناف ، وأمه عاتكة بنت مرة السلمية ~~، واسمه عمرو العلا ، وسمي هاشما لكرمه وهشمه الثريد في الجدب مبتدئا بذلك ~~، انقرض جميع ولده من الذكور إلا عمود ms0444 النسب عبد المطلب ، وكان له أسد بن ~~هاشم ، منه : فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؛ وهي أول ~~هاشمية تزوجت هاشميا فولدت له ؛ وانقرض أسد إلا منها ، وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسل يقول : هي أمي بعد أمي . والعقب من هاشم في ابنه : ~~PageV02P0370 # """""" صفحة رقم 371 """""" عبد المطلب بن هاشم وأمه سلمى بن زيد ~~النجارية : وهو شيبة الحمد ، أعقب من غير عبد الله عمود النسب من بني أبي ~~طالب عبد مناف بن عبد المطلب والعباس بن عبد المطلب والحارث بن عبد المطلب ~~وأبا لهب بن عبد المطلب وهو عبد العزي . فأما بنو أبي طالب فهم ثلاث بطون ~~: بنو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب : وهم العلويون ، وبنو جعفر الطيار : ~~وهم الجعفريون ، وبنو عقيل بن أبي طالب : وهم العقيليون . فالعلويون خمسة ~~أفخاذ : بنو الحسن بن علي ، وبنو الحسين بن علي ، وبنو محمد بن الحنفية : ~~وهم المحمديون ، وبنو العباس السقاء بن علي : سمي بذلك لأنه كان قد سقى ~~أخاه الحسين بالقربة في الطف ، وبنو عمر الأطراف بن علي . وفي كل فخذ منهم ~~عدة عشائر . وأما الجعفريون فثلاث أفخاذ : بنو علي بن عبد الله بن جعفر بن ~~أبي طالب وهم الزينبيون ، لأن أم علي هذا زينب بنت فاطمة ابنة رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بنت علي رضي الله عنه ، وبنو إسماعيل بن عبد الله بن ~~جعفر بن أبي طالب ، وبنو إسحاق العرضي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب . ~~والعرض : موضع بالمدينة . وفي كل فخذ عدة عشائر . وأما العقيليون ، ففخذان ~~: بنو محمد ومسلم : ابني عبد الله الأحول بن محمد بن عقيل بن أبي طالب : ~~فهؤلاء بطون أبي طالب . وأما العباسيون فبطنان : بنو عبد الله الحبر ومعبد ~~: ابني العباس بن عبد المطلب . فأما عبد الله فمنه ثماني أفخاذ : بنو عبد ~~الله وانقرض ، وبنو عيسى ، وبنو عبد الصمد ، وبنو داوود ، وبنو إسماعيل ، ~~وبنو صالح : صاحب الشام ، وبنو سلمان : صاحب البصرة ، وبنو محمد الكامل : ~~جد الخلفاء أولاد علي ms0445 السجاد بن عبد الله بن العباس . PageV02P0371 # """""" صفحة رقم 372 """""" وأما معبد فمنه فخذان : بنو داوود ومحمد : ~~ابني إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس : فهؤلاء بنو العباس بن عبد ~~المطلب . وأما الحارث بن عبد المطلب ، فمنه ثلاث أفخاذ : وهم الحارثيون : ~~بنو ربيعة ، وبنو نوفل ، وبنو أبي سفيان : أولاد الحارث بن عبد المطلب : ~~فهؤلاء بنو الحارث . وأما أبو لهب عبد العزي ، فمنه فخذان : بنو عتبة وبنو ~~معتب : ولدي أبي لهب . وعمود النسب الشريف في عبد الله بن عبد المطلب ، ~~وأمه آمنة بنت عمرو المخزومية ، ولا عقب لعبد الله بن عبد المطلب إلا من ~~سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهومحمد النبي العربي ، بن عبد ~~الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن ~~لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر واسمه قيس بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ~~بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع ~~بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيدار بن إسماعيل الذبيح بن إبراهيم الخليل ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بن تارح : وهو آزر بن ناحور بن ساروع بن أرغو بن فالغ ~~بن عابر : وهو هود النبي عليه السلام ؛ وهو جماع قيس ويمن ونزار وخندف بن ~~شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ : وهو ~~إدريس النبي عليه السلام بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن هبة الله ~~شيث بن أبي البشر آدم عليه الصلاة والسلام وعلى سائر أنبياء الله تعالى ~~أجمعين . نسب كأن عليه من شمس الضحى . . . نورا ومن فلق الصباح عمودا وروي ~~عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أنه قال : " لما خلق الله تعالى آدم ، أهبطني في صلبه إلى الأرض ، وحملني ~~في صلب نوح في السفينة ، وقذف بي في النار في صلب إبراهيم ، ثم ms0446 لم يزل ~~ينقلني من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة ، حتى أخرجني من بين أبويين ~~لم يلتقيا على سفاح قط " . وإلى هذا أشار العباس بن عبد المطلب رضي الله ~~تعالى PageV02P0372 # """""" صفحة رقم 373 """""" عنه بقوله حيث يقول : من قبلها طبت في الجنان ~~، وفي . . . مستودع ، حيث يخصف الورق . ثم هبطت البلاد ، لا بشر . . . أنت ~~، ولا مضغة ولا علق . بل نطفة ، تركب السفين وقد . . . ألجم نسرا وأهله ~~الغرق . تنقل من صالب إلى رحم . . . إذا مضى عالم ، بدا طبق اللهم صلي على ~~أسعد الخلق سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أفضل صلواتك وسلامك عدد خلقك ، ~~وأجر لطفك في أمورنا في الدنيا والآخرة ، حسبنا الله ونعم الوكيل ~~PageV02P0373 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الثالث PageV03P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ### | AUT القسم الثاني من الفن الثاني الأمثال المشهورة عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) # ، وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنه ، والمشهور من أمثال العرب ، ~~وأوابد العرب ، وأخبار الكهنة ، والزجر ، والفأل ، والطيرة ، والفراسة ، ~~والذكاء ، والكنايات ، والتعريض ، والأحاجي ، والألغاز ، وفيه خمسة أبواب . ~~الباب الأول من هذا القسم في الأمثال ضرب الله عز وجل الأمثال في كتابه ~~العزيز في آي كثيرة . فقال تعالى : " يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له " ~~وتكرر ذكر الأمثال . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ضرب الله ~~مثلا صراطا مستقيما ، وعلى جنبي الصراط أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور ~~مرخاة ، وعلى رأس الصراط داع يقول ادخلوا الصراط ولا تعترجوا فالصراط : ~~الإسلام ، والستور : حدود الله تعالى ، والأبواب : محارم الله ، والداعي : ~~القرآن . قال المبرد : المثل مأخوذ من المثال وهو قول سائر ، شبه به حال ~~الثاني بالأول والأصل فيه التشبيه . قال : وقولهم مثل بين يديه ، إذا انتصب ~~، معناه أشبه الصورة المنتصبة . وفلان أمثل من فلان ، أي أشبه . ~~PageV03P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" والمثال : القصاص ، لتشبيه حال المقتص منه بحال ~~الأول . وقال ابن السكيت : المثل لفظ يخالف لفظ المضروب له ويوافق معناه . ~~وقال إبراهيم النظام : يجتمع في المثل أربع لا تجتمع في غيره من الكلام . ~~إيجاز اللفظ ، وإصابة المعنى ، وحسن التشبيه ، وجودة الكناية ms0447 فهو نهاية ~~البلاغة . وقال ابن المقفع : إذا جعل الكلام مثلا كان أوضح للمنطق ، وآنق ~~للسمع ، وأوسع لشعوب الحديث . وأول ما نبدأ به من ذلك ما تمثل به من أقوال ~~سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فمن ذلك قوله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وهو مما لم يسبق إليه : " إياكم وخضراء الدمن " فقيل له : وما ذاك ~~يا رسول الله ؟ فقال : " المرأة الحسناء في منبت السوء . " كل الصيد في جوف ~~الفرا " قاله لأبي سفيان يتألفه على الإسلام . " مات فلان حتف أنفه " . " ~~لا ينتطح فيه عنزان " . " إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى " المنبت : ~~المنقطع عن أصحابه في السفر ، والظهر : الدابة ، قاله في الغلو في العبادة ~~. " الآن حمى الوطيس " : ضربه في الحرب . " يا خيل الله اركبي " . " اشتدي ~~أزمة تنفرجي " . PageV03P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) " الناس كأسنان ~~المشط وإنما يتفاضلون بالعافية " . " الناس كمعادن الذهب والفضة ، خيارهم ~~في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " . " الناس كإبل ، مائة لا تجد ~~فيها راحلة " . " المؤمن هين لين ، كالجمل الأنف إن أنقيد ، وإن أنيخ على ~~صخرة استناخ " . " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " . " أصحابي ~~كالنجوم ، بأيهم اقتديتم اهتديتم " . " أمتى كالمطر ، لا يدري أوله خير أم ~~آخره " . " مثل أبي بكر كالقطر أين وقع نفع " . " عمالكم كأعمالكم وكما ~~تكونوا يولي عليكم " . وقال لما كتب كتاب المهادنة بينه وبين سهيل بن عمرو ~~: " والعقد بيننا كشرج العيبة " يعني إذا انحل بعضه انحل جميعه . " المرأة ~~كالضلع العوجاء إن قومتها كسرتها ، وإن داريتها استمتعت بها " . " المتشبع ~~بما لا يعطه كلابس ثوب زور " . " الدال على الخير كفاعله " . " لو توكلتم ~~على الله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " . " وعد المؤمن ~~كالأخذ باليد " . " مثل المؤمن كالنحلة ، لا تأكل إلا طيبا ولا تطعم إلا ~~طيبا " . " مثل المؤمن كالسنبلة تميل أحيانا ، وتعتدل أحيانا " . " مثل ~~الجليس الصالح كالعطار ، إن لم تصب من عطره أصبت من ريحه ، ومثل الجليس ~~السوء كالكير إن لم يحرق ثوبك آذاك بدخانه " . PageV03P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" " علم لا ينفع كنز لا ينفق ms0448 منه " . وقال : " ~~المؤمن مرآة أخيه " . " قد جدع الحلال أنف الغيرة " . " الأعمال بالنيات ~~ولكل امريء ما نوى " " نية المرء خير من عمله " . " إن من الشعر لحكمة وإن ~~من البيان لسحرا " . " من كثر سواد قوم فهو منهم " . " الأعمال بخواتمها " ~~. " ساقي القوم آخرهم شربا " " المرء على دين خليله فلينظر امرؤ من يخال " ~~. " المستشير معان والمستشار مؤتمن " . من كلام أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه إن الله قرن وعده بوعيده ليست مع العزاء مصيبة . الموت أهون مما بعده ~~وأشد مما قبله . ثلاث من كن فبه كن عليه : البغى ، والنكث ، والمكر . ذل ~~قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة . احرص على الموت توهب لك الحياة ، قاله لخالد ~~بن الوليد حين بعثه إلى أهل الردة . كثير القول ينسى بعضه بعضا ، وإنما لك ~~ما وعى عنك . لا تكتم المستشار خبرا فتؤتي من قبل نفسك . خير الخصلتين لك ~~أبغضهما إليك . صنائع المعروف تقي مصارع السوء . PageV03P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" من كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه من كتم سره ~~كان الخيار في يده . أشقى الولاة من شقيت به رعيته . اتقوا من تبغضه قلوبكم ~~. أعقل الناس أعذرهم للناس . اجعلوا الرأس رأسين . أخيفوا الهوام قبل أن ~~تخيفكم . لو أن الشكر والصبر بعيران لما باليت أيهما ركبت . من لم يعرف ~~الشر كان أجدر أن يقع فيه . ما الخمر صرفا بأذهب للعقول من الطبع . إلى ~~الله أشكو ضعف الأمين وخيانة القوى . اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة ~~. لا يكن حبك كلفا ، ولا بغضك تلفا . ومن كلام عثمان بن عفان رضي الله عنه ~~ما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن . الهدية من العامل إذا عزل ، ~~مثلها منه إذا عمل . أنتم إلى إمام فعال ، أحوج منكم إلى إمام قوال ، قاله ~~يوم صعد المنبر فأرتج عليه . وقال يوم قتل : لأن أقتل قبل الدماء ، أحب إلى ~~من أن أقتل بعد الدماء . ومن كلام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من رضي عن ~~نفسه كثر الساخط عليه ، ومن ضيعه الأقرب أتيح له الأبعد ، ومن بالغ ms0449 في ~~الخصومة أثم ، ومن قصر فيها ظلم . PageV03P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" رأى الشيخ خير من مشهد الغلام . إن من السكوت ~~ما هو أبلغ من الجواب . ومن كلام عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لكل داخل ~~دهشة فابدءوه بالتحية ، ولكل طاعم حشمة فابدءوه باليمين . ومن أمثال العرب ~~ما نقلته من كتاب الأمثال للميداني . والميداني : هو أبو الفضل أحمد بن ~~محمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري والميداني : بفتح الميم وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وفتح الدال المهملة نسبة إلى ميدان زياد ، وهي محلة ~~بنيسابور ، توفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ، ووضعته على حروف المعجم . فمن ~~ذلك ما جاء منها على حرف الهمزة : ترتيب الأمثال على حروف المعجم حرف ~~الهمزة تقول العرب : " إن الموصين بنو سهوان " قال الميداني : يضرب لمن ~~يسهو عن طلب شيء أمر به . وبنو سهوان : بنو آدم عليه السلام حين عهد إليه ~~فسها ونسى . وقولهم : " إن الرثيئة تفثأ الغضب " قال : الرثيئة : اللبن ~~الحامض يخلط بالحلو ، والفثء : التسكين ، وزعموا أن رجلا نزل بقوم وكان ~~ساخطا عليهم ، وكان جائعا فسقوه الرثيئة فسكن غضبه ، فقال هذا المثل : يضرب ~~في الهدية تورث الوفاق . وقولهم : " إن الحديد بالحديد يفلح " أي يستعان في ~~الأمر الشديد بما يشاكله ويقاويه . وقولهم : " إن السلامة منها ترك ما فيها ~~" في اللقطة وذم الدنيا . والنفس تكلف بالدنيا وقد علمت أن السلامة منها ~~ترك ما فيها وقولهم : " إن العصا من العصية " يقال : إن أول من قال ذلك ~~الأفعى الجرهمي ، ذلك أن نزارا لما حضرته الوفاة جمع بنيه : مضر ، وإيادا ، ~~وربيعة ، PageV03P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" وأنمارا ، فقال : يا بني هذه القبة الحمراء ~~وكانت من أدم لمضر ، وهذه الفرس الأدهم والخباء الأسود لربيعة ، وهذه ~~الخادم وكانت شمطاء لإياد ، وهذه البدرة والمجلس لأنمار ، فإن أشكل عليكم ~~كيف تقسمون ، فأتوا الأفعى الجرهمي منزلك بنجران ، فتشاجروا . في ميراثه ، ~~فتوجهوا إليه ، فبينما هم في سيرهم إذ رأى مضر أثر كلإ قد رعى ، فقال : إن ~~البعير الذي رعى هذا أعور ، وقال ربيعة : إنه لأزور ، وقال إياد : إنه ~~لأبتر ، وقال أنمار : إنه لشرود ms0450 ، فساروا قليلا ، فإذا هم برجل يوضع حمله ~~فسألهم عن البعير ، فقال مضر : أهو أعور ؟ قال : نعم ، وقال ربيعة : أهو ~~أزور ؟ قال : نعم ، وقال إياد : أهو أبتر ؟ قال : نعم ، وقال أنمار : أهو ~~شرود ؟ قال : نعم ، وهذه والله صفة بعيري ، فدلوني عليه ، فقالوا : والله ~~ما رأيناه ، فقال : هذا والله الكذب كيف أصدقكم وأنتم تصفونه بصفته ؟ ~~فساروا حتى قدموا نجران ، فلما نزلوا ، نادى صاحب البعير ، هؤلاء أصحاب ~~جملي وصفوا لي صفته ثم قالوا : لم نره ، فاختصموا إلى الأفعى ، فقال لهم : ~~كيف وصفتموه وأنتم لم تروه ؟ فقال مضر : رأيته قد رعى جانبا وترك جانبا ~~فعلمت أنه أعورة وقال ربيعة : رأيت إحدى يديه ثابتة واالثانية فاسدة ، ~~فعلمت أنه أزور لأنه أفسدها بشدة وطئة ، وقال إياد : عرفت أنه أبتر باجتماع ~~بعره ولو كان ذيالا لمصع به ، وقال أنمار : عرفت أنه شرود ، لأنه يرعي في ~~المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى مكان أرق منه ، فقال الأفعى : ليسوا ~~بأصحاب جملك فاطلبه ، ثم سألهم : من أنتم ؟ فأخبروه بخبرهم ، وبما جاءوا له ~~، فأكرمهم ، وقال أتحتاجون إلي وأنتم كما أرى ؟ ثم أنزلهم وذبح لهم شاة ، ~~وأتاهم بخمر ، وجلس لهم الأفعى بحيث لا يرى : فقال ربيعة : لم أر كاليوم ~~أطيب لحما لولا أن شاته غذيت بلبن كلبة ، وقال مضر : لم أر كاليوم أطيب ~~خمرا لولا أن حبلته نبتت على قبر ، فقال إياد : لم أر كاليوم رجلا ~~PageV03P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" أسرى لولا أنه ليس لأبيه الذي يدعي له ، فقال ~~أنمار : لم أر كاليوم كلاما أنفع في حاجتنا من كلامنا ، وكلامهم بأذنه ، ~~فدعا قهرمانة ، فقال : ما هذه الخمر ، وما أمرها ؟ قال : هي من حبلة غرستها ~~على قبر أبيك ، وقال للراعي : ما هذه الشاة ؟ فقال : هي عناق أرضعتها بلبن ~~كلبة وكانت أمها ماتت ، ثم أتى أمه ، فقال : اصدقيني ، من أبي ؟ فأخبرته ~~أنها كانت تحت ملك كثير المال وكان لا يولد له ، فخفت أن يموت وليس له ولد ~~، فأمكنت من نفسي ابن عم له كان نازلا عليه فولدتك ، فرجع إليهم وقال : ما ~~أشبه القبة الحمراء من ms0451 مال نزار فهو لمضر ، فذهب بالإبل الحمر الدنانير ، ~~فسميت : مضر الحمراء ، وأما صاحب الفرس الأدهم والخباء الأسود فله كل شيء ~~أسود ، فصار لربيعة الخيل الدهم وما شاكلها ، فقيل : ربيعة الفرس . وأما ~~الخادم الشمطاء فلصاحبها الخيل البلق والماشية ، فسميت : إياد الشمطاء ، ~~وقضى لأنمار بالدراهم والأرض فصدروا الخيل البلق من عنده على ذلك ، فقال ~~الأفعى : إن العصا من العصية ، وإن خشينا من أخشن ، فأرسلهما مثلا . وقولهم ~~: " إن العوان لا تعلم الخمرة " : يضرب للرجل المجرب . وقولهم : " إني لآكل ~~الرأس وأنا أعلم بما فيه " : يضرب للأمر تأتيه وأنت تعلم ما فيه مما تكره . ~~وقولهم : " أنف في السماء واست في الماء " : يضرب للمتكبر الصغير الشأن . ~~وقولهم : " إن الذليل الذي ليست له عضد " أي أنصار وأعوان : يضرب لمن يخذله ~~ناصره . وقولهم : " إن يدم أظلك فقد نقب خفي " الأظل : ما تحت منسم البعير ~~: والخف : قائمته : يضربه الشكو إليه المشاكي أي أنا منه في مثل ما تشكوه . ~~وقولهم : " إن تسلم الجلة فالنيب هدر " الجلة : جمع جليل يعني العظام من ~~الإبل ، والنيب : جمع ناب وهي الناقة المسنة ، معناه إذا سلم ما ينتفع به ~~هان ما لا ينتفع به . PageV03P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" وقولهم : " إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك ~~القمر " يقال : إن بني ثعلبة ابن سعد في الجاهلية تراهنوا على الشمس والقمر ~~ليلة أربع عشرة ، فقالت طائفة : تطلع الشمس والقمر يرى ، وقالت طائفة : بل ~~يغيب قبل طلوعها ، فتراضوا برجل جعلوه بينهم ، فقال رجل منهم : إن قومي ~~يبغون علي ، فقال العدل : إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر ، فذهبت مثلا ~~: يضرب للأمر المشهور . وقولهم : " إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا " الإعصار ~~: ريح شديدة تهب فيما بين السماء والأرض : يضرب للمدل بنفسه إذا صلى بمن هو ~~أدهى منه وأشد . وقولهم : " إنك خير من تفاريق العصا " قالوا : قالته غنية ~~الأعرابية لابنها ، وكان عارما مع ضعفه ، فواثب يوما فتى فقطع أذنه فأخذت ~~ديتها ، فزادت حسن حل ثم واثب آخر فقطع شفته فأخذت الدية فذكرته في ~~أرجوزتها فقالت : أحلف بالمروة حقا والصفا . . . إنك ms0452 أجدى من تفاريق العصا ~~فقيل لأعرابي : ما تفاريق العصا ؟ فقال : العصا تقطع ساجورا والسواجير ~~للكلاب والأسرى من الناس ثم تقطع عصا الساجور فتصير أوتادا ويقطع الوتد ~~فيصير كل قطعة شظاظا وإن جعل لرأس الشظاظا كالفلكة صار للبختي مهارا وهو ~~العود الذي يدخل في أنفه ، وإذا فرق المهار جاءت منه تواد وهي الخشبة التي ~~تشد على خلف الناقة . وقولهم : " إنه ليعلم من أين تؤكل الكتف " : يضرب ~~للرجل الداهي ، قال بعضهم : لم تؤكل الكتف من أسفلها ؟ قال : لأنها تنقشر ~~عن عظمها وتبقى المرقة مكانها ثابتة . وقولهم : " إنك لا تجني من الشوك ~~العنب " أي لا تجد عند ذى المنبت السوء جميلا ، والمثل من قول أكثم قال : ~~إذا ظلمت فاحذر الانتصار ، فان الظلم لا يكسبك إلا مثل فعلك . PageV03P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" وقولهم : " أخو الظلماء أعشى باليل " : يضرب ~~لمن يخطئ حجته ولا يبصر الخرج مما وقع فيه . وقولهم : " إنك لتكثر الحز ~~وتخطئ المفصل " : يضرب لمن يجتهد قي السعى ثم لا يظفر بالمراد . وقولهم : " ~~أول الشجرة النواة " : يضرب للأمر الصغير يتولد منه الكبير . وقولهم : " ~~إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فلتذبح " قاله الفرزدق في امرأة قالت الشعر . ~~وقولهم : " إذا رآنى رأى السكين في الماء " : يضرب لمن يخافك جد ا . وقولهم ~~: " إنك ريان فلا تعجل بشربك " : يضرب لمن أشرف على إدراك بغيته فيؤمر ~~بالرفق . وقولهم : " أبطش من دوسر " هي إحدى كتائب النعمان أشدها بطشا ~~ونكاية ، قال بعض الشعراء : ضربت دوسر فيهم ضربة . . . أثبتت أوتاد ملك ~~فاستقر قولهم : " أبرما قرونا " البرم : الذي لا يدخل مع القوم في الميسر ~~لبخله ، والقرون : الذي يقرن بين الشيئين ، وأصله أن رجلا كان لا يدخل في ~~الميسر ولا يرى اللحم فجاء . إلى امرأته وبين يديها لحم تأكله فأقبل يأكل ~~معها بضعتين يقرن بينهما فقالت له : أبرما قرونا : يضرب لمن يجمع بين ~~خصلتين مكروهتين . وقولهم : " الثيب عجالة الراكب " : يضرب في الحث على ~~الرضا بيسير الحاجة عند إعواز جليلها . وقولهم : البس لكل حالة لبوسها . . ~~. إما نعيمها وإما بوسها أول من قال ذلك بيهس : وهو رجل من ms0453 بني غراب بن ~~فزارة ، وكان سابع سبعة إخوة ، فأغار عليهم أناس من بني أشجع ، وهم في ~~إبلهم فقتلوا منهم ستة وتركوا بيهسا لحمقة فقال : دعوني أتوصل معكم إلى ~~أهلي فأقبل معهم ، فلما كان من الغد نحروا في يوم شديد الحر ، فقال بعضهم : ~~أظلوا لحمكم لا تفسده الضح ، PageV03P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" فقال بيهس : لكن بالأثلاث لحم لا يظلل ، ~~فأرسلها مثلا ، ثم فارقهم وأتى أمه فأخبرها الخبر فقالت : ما جاء بك من بين ~~إخوتك وأنت أخبثهم فقال : ما خيرك القوم فتختاري ، فأرسلها مثلا ، ثم أعطته ~~ثياب إخوته ومتاعهم ، فقال : يا حبذا التراث ، لولا الذلة ، فأرسلها مثلا ، ~~وأخذ يوما يبرم سكينا ، فقيل له : ما تصنع بها ؟ فقال : أقتل بها قتلة ~~إخوتي ، فقيل له : إنك لأحمق ، فقال : يا يؤمنك من أحمق في يده سكين ، ~~فأرسلها مثلا ، ثم إنه مر بنسوة من قومه يصلحن امرأة يردن أن يهدينها لبعض ~~قتلة إخوته فكشف ثوبه عن استه وغطى به رأسه ، فقيل له : ما تصنع ؟ فقال : ~~البس لكل حالة لبوسها . . . إما نعيمها وإما بوسها وقولهم : " الصيف ضيعت ~~اللبن " قال الأصمعي : معناه تركت الشيء في وقته ، وقال غيره : تركت الشيء ~~وهو ممكن ، وقال أبو عبيدة : أول من قاله عمرو بن عدس ، وكان قد تزوج ~~دختنوس بعد ما كبر ، فكان ذات يوم نائما في حجرها فجحف وسال لعابه فتأففته ~~فانتبه وهي تتأفف منه ، فقال : أتحبين أن أطلقك ؟ قالت : نعم ، فطلقها ، ~~وتزوجها فتى ضرير حسن الوجه ، ففجأتهم ذات يوم غارة والفتى نائم فجاءت ~~دختنوس فأنبهته وقالت له : الخيل ، فجعل يقول : الخيل الخيل ، من الخوف حتى ~~مات فرقا وسبيت دختنوس فبلغ عمرو الخبير فركب ولحقهم وقاتل حتى استنقذ جميع ~~ما أخذوا واستنقذها فوضعها قدامه على السرج وردها إلى أهلها ، ثم اصابتهم ~~سنة فبعث إليه تقول : نحتاج اللبن فبعث إليها بلقحة وقال : الصيف ضيعت ~~اللبن . PageV03P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" وقولهم : " اضطره السيل إلى معطشه " وهو أن ~~رجلا عطش وكان قد أتى واديا له غور وماء شديد الجرية ، فبقي في أصل شجرة لا ~~يقدر أن ms0454 ينزل فيأخذ به الماء ، ولم يجد ماء فمات عطشا : يضرب لمن ألقاه ~~الخير الذي كان فيه إلى الشر . وقولهم : إن الحماة أولعت بالكنة . . . ~~وأولعت كنتها بالظنة الحماة : أم الزوج ، والكنة : امرأة الابن والأخ ، ~~والظنة : التهمة ، وبين الحماة والكنة عداوة مستحكمة : يضرب بها المثل في ~~الشر يقع بين قوم هم أهل لذلك . وقولهم : " إن لله جنودا منها العسل " قاله ~~معاوية : لما بلغه أن الأشتر سقى عسلا فيه سم فمات : يضرب عند الشماتة ~~بمصاب العدو . وقولهم : " إن الهوى ليميل باست الراكب " أي من هوى شيئا مال ~~نحوه قبيحا أو جميلا ، كما قيل . وما زرتكم عمدا ولكن ذا الهوى . . . إلى ~~حيث يهوى القلب تهوى به الرجل وقولهم : " إن الجواد قد يعثر " : يضرب لمن ~~يكون الغالب عليه فعل الجميل ثم تكون منه الزلة وقولهم : " إن الشفيق بسوء ~~ظن مولع " : يضرب للمعنى بشأن صاحبه لأنه لا يكاد يظن به غير وقوع الحوادث ~~كظنون الوالدات بالأولاد . وقولهم : " إن خصلتين خيرهما الكذب لخصلتا سوء " ~~: يضرب للرجل يعتذر من شيء فعله بالكذب . وقولهم : " أحاديث طسم وأحلامها " ~~: يضرب لمن يخبرك بما لا أصل له . وقولهم : " أحشفا وسوء كيلة " : يضرب لمن ~~يجمع بين خصلتين مكروهتين . PageV03P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" وقولهم : " الحق أبلج ، والباطل لجلج " : ~~معناه أن الحق واضح بين والباطل يتلجلج فيه أي يتردد فلا يجد صاحبه مخرجا . ~~وقولهم : " الحزم سوء الظن بالناس " : هذا المثل قاله أكثم بن صيفي . ~~وقولهم : " اختلط الخاثر بالزباد " . الخاثر : ما خثر من اللبن ، والزباد : ~~الزبد : يضرب للقوم يقعون في التخليط من أمرهم . وقولهم : " أخطأت استه ~~الحفرة " : يضرب لمن رام شيئا فلم ينله . وقولهم : " ادع إلى طعانك ، من ~~تدعوه إلى جفانك " إي استعمل في حوائجك من تخصه بمعروفك . وقولهم : " ~~أروغانا يا ثعال ، وقد علقت بالحبال " ثعالة : يضرب لمن يراوغ وقد وجب عليه ~~الحق . وقولهم : " إرم فقد أفقته مريشا " يقال : أفقت السهم إذا وضعت فوقه ~~في الوتر : يضرب لمن تمكن من طلبته . وقولهم : " أضرطا وأنت الأعلى " قاله ~~سليك بن سلكة السعدي ، وذلك أنه بينا هو نائم إذ جثم ms0455 عليه رجل من الليل ~~وقال : استأسر فقال له سليك : الليل طويل وأنت مقمر ، فأرسلها مثلا : ثم ~~ضمه سليك بيديه ضمة أضرطته ، فقال له : أضرطا وأنت الأعلى فأرسلها مثلا : ~~يضرب لمن يشكو في غير موضع الشكوى . وقولهم : " أضللت من عشر ثمانيا " يضرب ~~لمن يفسد أكثر ما يليه من الأمر . وقولهم : " أعط أخاك تمرة ، فإن أبي ~~فجمرة " : يضرب لمن يختار الهوان على الكرامة . وقولهم : " أكذب النفس إذا ~~حدثتها " معناه لا تحدث نفسك بأنك لا تظفر ، فإن ذلك يثبطك . قال لبيد : ~~أكذب النفس إذا حدثتها . . . إن صدق النفس يزرى بالأمل وقولهم : " أكبرا ~~وإمعارا " أي أتجمع بين الكبر والفقر . PageV03P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" وقولهم : " أمكرا وأنت في الحديد " هذا المثل ~~قاله عبد الملك بن مروان لعمرو . ابن سعيد لما قبض عليه وكبله ، فقال : يا ~~أمير المؤمنين ، إن رأيت أن لا تفضحني بأن تخرجني للناس فتقتلني بحضرتهم ~~فافعل ، وإنما أراد عمرو بهذه المقالة أن يخالفه عبد الملك فيخرجه فيمنعه ~~منه أصحابه ، فقال : أنا أمية أمكرا وأنت في الحديد : يضرب لمن أراد أن ~~يمكر وهو مقهور . وقولهم : " أهون هالك عجوز في هام سنة " : يضرب للشيء ~~يستخف به وبهلاكه . قال الشاعر : وأهون مفقود إذا الموت نابه . . . على ~~المرء من أصحابه من تقنعا وقولهم : " أوسعتهم سبا وأودوا بالإبل " أصله أن ~~رجلا من العرب أغير على إبله فأخذت ، فلما تواروا صعد أكمة وجعل يسبهم ثم ~~رجع إلى قومه فسألوه عن إبله ، فقال هذا المثل . ويقال : إن أول من قاله ~~كعب بن زهير بن أبي سلمى ، وذلك أن الحارث بن ورقاء الصيداوي أغار على بني ~~عبد الله بن غطفان واستاق إبل زهير وراعيه ، فقال زهير في ذلك قصيدته التي ~~أولها بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا . . . وزودوك اشتياقا أية سلكوا وبعث ~~بها إلى الحارث فلم يرد الإبل ، فهجاه ، فقال كعب ابنه : أوسعتهم سبا ~~وأودوا بالإبل ، فذهبت مثلا : يضرب لمن لم يكن عنده إلا الكلام . وقولهم : ~~" أوردها سعد وسعد مشتمل " : هو سعد بن زيد مناة أخو مالك الذي يقال فيه : ~~إنك ابل ms0456 من مالك ، وذلك أن مالكا تروج بامرأة وبني بها فأورد الإبل أخوه ~~سعد ولم يحسن القيام عليها والرفق بها ، فقال مالك أوردها سعد وسعد مشتمل . ~~. . ما هكذا تورد يا سعد الإبل فضرب مثلا لمن قصر في طلب الأمر . ~~PageV03P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" وقولهم : " إن الشقي وافد البراجم " قاله عمرو ~~بن هند الملك . وذلك أن سويد بن ربيعة التميمي قتل أخاه سعد بن هند وهرب ~~فنذر عمرو ليقتلن بأخيه مائة من بني تميم ، فسار إليهم بجمعه فلقيهم الخبر ~~فتفرقوا في نواحي بلادهم فلم يجد إلا عجوزا كبيرة وهي حمراء بنت ضمرة ، ~~فلما نظر إليها قال : إني لأحسبك أعجمية ، قالت : لا والذي أسأله أن يخفض ~~جناحك ، ويهد عمادك ، ويضع وسادك ، ويسلبك بلادك ما أنا بأعجمية ، قال : ~~فمن أنت ؟ قالت : أنا بنت ضمرة بن جابر ، ساد معدا كابرا عن كابر ، وأنا ~~أخت ضمرة بن ضمرة ، قال : فمن زوجك ؟ قالت : هوذة ابن جرول ، قال : وأين هو ~~الآن ؟ أما تعرفين مكانه ؟ قالت : لو كنت أعلم مكانه حال بيني وبينك ، فقال ~~عمرو : أما والله لولا أني أخاف أن تلدي مثل أبيك وأخيك وزوجك لاستبقيتك ، ~~فقالت : والله ما أدركت ثارا ، ولا محوت عارا ، مع كلام كثير كلمته به فأمر ~~بإحراقها ، فلما نظرت إلى النار ، قالت : ألا فتى مكان عجوز فذهبت مثلا ، ~~ثم مكثت ساعة فلم يفدها أحد ، فقالت : هيهات صارت الفتيان حمما ، فذهبت ~~مثلا ثم ألقيت في النار ولبث عمرو عامة يومه لا يقدر على أحد ، حتى إذا كان ~~آخر النهار أقبل راكب يسمى عمارا توضع به راحلته حتى أناخ إليه ، فقال له ~~عمرو : من أنت ؟ قال : أنا رجل من البراجم ، قال : فما جاء بك إلينا ؟ قال ~~: سطع الدخان وكنت طويت منذ أيام وظننته طعاما ، فقال عمرو : إن الشقي وافد ~~البراجم ، فذهبت مثلا وأمر به فألقى في النار ، قيل : إنه أحرق مائة من بني ~~تميم : تسعة وتسعين من بني دارم ، وواحدا من البراجم . وقال بعضهم : ما ~~بلغنا أنه أصاب من بني تميم غير وافد البراجم وإنما أحرق النساء ms0457 والصبيان ، ~~قال جرير وأخزاكم عمرو كما قد خزيتم . . . وأدرك عمارا شقي البراجم ~~PageV03P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" ولذلك عيرت بنو تميم بحب الطعام ، قال الشاعر ~~: إذا ما مات ميت من تميم . . . وسرك أن يعيش فجيء بزاد بخبز أو بلحم أو ~~بتمر . . . أو الشيء الملفف في البجاد تراه ينقب الآفاق حولا . . . ليأكل ~~رأس لقمان بن عاد وهذا المثل يضرب لمن يوقع نفسه في هلكة طمعا . حرف الباء ~~تقول العرب : " بلغ السيل الزبى " هي جمع زبية وهي حفرة تحفر للأسد إذا ~~أرادوا صيده لا يعلوها الماء فإذا بلغها السيل كان مجحفا : يضرب لمن جاوز ~~الحد . وقولهم : " بين العصا ولحائها " اللحاء : القشر : يضرب للمتخاللين ~~المتفقين ، ويروى : لا مدخل بين العصا ولحائها . وقولهم : " بينهم داء ~~الضرائر " هي جمع ضرة يضرب للعداوة إذا رسخت بين قوم . وقولهم : " بينهم ~~عطر منشم " قال الأصمعي : منشم كانت عطارة بمكة وكانت خزاعة وجرهم إذا ~~أرادوا القتال تطيبوا من طيبها فإذا فعلوا ذلك كثرت بينهم القتلى فكان يقال ~~: أشأم من عطر منشم : يضرب في الشر العظيم ، وفيه يقول زهير تداركتما عبسا ~~وذبيان بعد ما . . . تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم وقولهم : " به داء ظبي " ~~: أي أنه لا داء به كما أن الطبي لا داء به ، وقيل : ربما يكون بالظبي داء ~~لا يعرف مكانه معناه أن به داء لا يعرف . وقولهم : " بلغت الدماء الثنن " ~~الثنة ، الشعرات التي في مؤخر رسغ الدابة : يضرب عند بلوغ الشر النهاية . ~~وقولهم : " برح الخفاء " أي زال من قولهم ما برح ، والمعنى زال الشر فوضح ~~الأمر ، ويقال : الخفاء المتطاطىء من الأرض ، والبراح المرتفع أي صار ~~الخفاء براحا . PageV03P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" وقولهم : " بنان كف ليس فيها ساعد " يضرب لمن ~~له همة ولا مقدرة له على ما في نفسه . وقولهم : " بات فلان يشوي القراح " ~~يعني الماء الخالص لا يخالطه شيء : يضرب لمن ساءت حاله ، وفقد ماله بحيث ~~يشوي الماء شهوة للطبيخ . وقولهم : " بخ بخ ساق بخلخال " هي كلمة يقولها ~~المتعجب من حسن الشيء وكماله . وأول من قال ذلك الورثة بنت ثعلبة ، وذلك ms0458 أن ~~ذهل بن شيبان كان زوج الورثة وكانت لا تترك له امرأة ، إلا ضربتها فتزوج ~~رقاش بنت عمرو بن عثمان من بني ثعلبة ، فخرجت رقاش يوما وعليها خلخالان ، ~~فقالت الورثة ذلك ، فذهبت مثلا . حرف التاء وقولهم : " ترك الظبي ظله " أي ~~كناسه الذي يستظل به : يضرب لمن نفر من شيء فتركه تركا لا يعود له . وقولهم ~~: " تركته على مثل ليلة الصدر " وهي ليلة ينفر الناس من منى فلا يبقى منهم ~~أحد . وقولهم : " تركته أنقى من الراحة " أي على حال لا خير فيه كما لا شعر ~~على الراحة : يضرب في اصطلام الدهر . وقولهم : " تجوع الحرة ولا تأكل ~~بثدييها " : أي لا تكون ظنرا وإن آذاها الجوع . أول من قاله الحارث بن سليل ~~الأسدي وكان حليفا لعلقمة بن حصفة الطائي فزاره فنظر إلى ابنته الزباء ~~وكانت من أجمل أهل دهرها ، فقال : أتيتك خاطبا وقد ينكح الخاطب ، ويدرك ~~الطالب ، ويمنح الراغب ، فقال له علقمة : أنت كفء كريم يقبل منك الصفو ، ~~ويؤخذ منك العفو ، فأقم ننظر في أمرك ، ثم انكفأ إلى أمها ، فقال : إن ~~الحارث سيد قومه حسبا ومنصبا وبيتا ، وقد خطب إلينا الزباء فلا ينصرفن ~~PageV03P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" إلا بحاجته ، فقالت المرأة لابنتها : أي ~~الرجال أحب إليك الكهل الجحجاح ، الواصل المناح ، أم الفتى الوضاح ؟ قالت : ~~بل الفتى الوضاح ، فقالت : إن الفتى يغيرك ، وإن الشيخ يميرك ، وليس الكهل ~~الفاضل ، الكثير النائل ، كالحديث السن ، الكثير المن ، قالت يا أماه : إن ~~الفتاة تحب الفتى ، كحب الرعاء أنيق الكلا ، قالت : أي بنيه إن الفتى شديد ~~الحجاب ، كثير العتاب ، قالت : إن الشيخ يبلي شبابي ، ويدنس ثيابي ، ويشمت ~~بي أترابي ، فلم تزل أمها بها حتى غلبتها على رأيها ، فتزوجها الحارث على ~~مائة وخمسين من الإبل وخادم والف درهم ، فابتنى بها ، ثم رحل بها إلى قومه ~~فبينا هو ذات يوم جالس بفناء قومه وهي إلى جانبه ، إذ أقبل شباب من بني أسد ~~يعتلجون فتنفست الصعداء ، ثم أرخت عينيها بالبكاء ، فقال : ما ببكيك ؟ قالت ~~: مالي وللشيوخ ، الناهضين كالفروخ ، فقال لها : ثكلتك أمك تجوع ms0459 الحرة ولا ~~تأكل بثدييها ، ثم قال لها : وأبيك ، لرب غارة شهدتها ، وسبية أردفتها ، ~~وخمرة شربتها ، فالحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك ، وهذا المثل يضرب في صيانة ~~الرجل نفسه عن خسيس المكاسب . وقولهم : " تحبشأ لقمان من غير شبع " : يضرب ~~لمن يدعي ما ليس يملك . وقولهم : " تخبر عن مجهوله مرآته " : أي منظره يخبر ~~عن مخبره . وقولهم : " تشكو إلى غير مصمت " : أي إلى من لم يهتم بشأنك . ~~قال الشاعر إنك لا تشكو إلى مصمت . . . فاصبر على الحمل الثقيل أومت وقولهم ~~: " تجاوز الروض إلى القاع القرق " : يضرب لمن يعدل بحاجته من الكريم إلى ~~اللئيم ، والقرق : " المستوى . وقولهم : " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه " ~~ويروى : لا أن تراه : يضرب لمن خبره خير من مرآه ، أول من قاله : المنذر بن ~~ماء السماء . PageV03P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" وقولهم : " تقطع أعناق الرجال المطامع " : ~~يضرب في ذم الطمع . وقولهم : " تقلدها طوق الحمامة " كناية عن الخصلة ~~القبيحة التي لا تزايله ولا تفارقه . حرف الثاء وقولهم : " ثار حابلهم على ~~نابلهم " الحابل : صاحب الحبالة ، والنابل : صاحب النبل أي اختلط أمرهم : ~~يضرب في فساد ذات البين وتأريث الشر في القوم . وقولهم : " ثور كلاب في ~~الرهان أقعد " : هو كلاب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة القيسي كان يحمق ، ~~وذلك أنه يحمق ، وذلك أنه ارتبط عجل ثور ليسابق عليه ، والأقعد من القعيد ~~وهو المتخلف المتباطىء : يضرب لمن يروم ما لا يكون . حرف الجيم وقولهم : " ~~جرى المذكيات غلاب " المذكية من الخيل التي أتى عليها بعد قروحها سنة أو ~~سنتان والغلاب المغالبة : يضرب لمن يوصف بالتبريز على أقرانه في حلبة الفضل ~~، وأول من قاله نذكره إن شاء الله تعالى في حرب داحس والغبراء . وقولهم : " ~~جزاء سنمار " وهو الذي بني الخورنق وتقدم خبره في مباني العرب . وقولهم : " ~~جرحه حيث لا يضع الراقي أنفه " قالته جندلة بنت الحارث ، وكانت تحت حنظلة ~~بن مالك وهي عذراء ، وكان حنظلة شيخا كبيرا فخرجت في ليلة مطيرة فبصر بها ~~رجل فوثب عليها وافتضها ، فصاحت وقالت : لسعت . قيل أين ؟ قالت : حيث لا ~~يضع الراقي أنفه ms0460 : يضرب لمن يقع في أمر لا حيلة له في الخروج منه . ~~PageV03P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" وقولهم : " جعجعة ولا أرى طحنا " : يضرب لمن ~~يعد ولا يفي ؟ وقولهم : " جرى منه مجرى اللدود " وهو ما يصب في أحد شقي ~~الفم من الدواء ، يضرب لمن يبغض ويكره . وقولهم : " جماعة على أقذاء " . ~~معناه اجتماع بالأبدان ، وافتراق بالقلوب ، وهو بمعنى قوله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) " هدنة على دخن " : يضرب لمن يضمر أذى ويظهر صفاء . وقولهم : " جار ~~كجار أبي دؤاد " يعنون كعب بن مامة فإنه كان إذا جاوره رجل فإن مات وداه ، ~~وإن هلك له بعير أو شاة أخلف عليه ، فضربت به العرب المثل في حسن الجوار ، ~~قال طرفة إني كفاني من أمر هممت به . . . جار كجار الحذاقي الذي اتصفا ~~والحذاقي هو أبو دؤاد . وقولهم : " جدع الحلال أنف الغيرة " قاله رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ليلة زفت فاطمة إلى علي رضي الله عنهما . وقولهم : ~~" جوع كلبك يتبعك " . أول من قال ذلك ملك من ملوك حمير كان جائرا على أهل ~~مملكته يسلبهم ما في أيديهم وإن امرأته سمعت صوت السؤال فقالت : إني لأرحم ~~هؤلاء وإني لأخاف أن يكونوا عليك سباعا ، بعدما كانوا لك أتباعا ، فقال : ~~جوع كلبك يتبعك ، ثم إنه غزا بهم ولم يقسم عليهم شيئا فقالوا لأخ له : قد ~~ترى ما نحن فيه من الجهد ونحن نكره خروج الملك عنكم إلى غيركم فساعدنا على ~~قتل أخيك واجلس مكانه ، فوافقهم على ذلك ، ثم وثبوا على الملك فقتلوه ، فمر ~~به عامر بن جذيمة وهو مقتول ، فقال : ربما أكل الكلب مؤدبه إذا لم ينل شبعه ~~، فأرسلها مثلا ، والمثل يضرب في اللئام وما ينبغي أن يعاملوا به . وقولهم ~~: " جاءتهم عوانا غير بكر " أي مستحكمة غير ضعيفة يريدون حربا أو داهية ~~عظيمة . PageV03P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" وقولهم : " جاء بصحيفة المتلمس " إذا جاء ~~بالداهية ، وكان من خبر صحيفة المتلمس أن المتلمس وطرفة قدما على عمرو بن ~~المنذر بن امرىء القيس فجعلهما في صحابة قابوس بن المنذر أخيه وأمرهما ~~بلزومه ، وكان قابوس شابا يعجبه اللهو ms0461 ، فطال بقاؤهما عنده ، فهجا طرفة ~~عمرا بأبيات فبلغته فاستدعاهما فحباهما بحباء وكتب معهما إلى أبي كرب عامله ~~على هجر أن يقتلهما ، وقال : قد كتبت لكما بحباء ومعروف ، فلما صدرا من ~~عنده ، قال المتلمس لطرفة : هل لك في كتابينا ، فإن كان فيهما خير مضينا له ~~، وإن كان شرا اتقيناه ، فأبي طرفة وقرأ المتلمس كتابه فإذا فيه السوءة ~~فألقاه في الماء وقال لطرفة : ألق كتابك فأبى ومضى بكتابه ، قال : ومضى ~~المتلمس حتى لحق بملوك بني جفنة بالشام وسار طرفة بكتابه ، فلما انتهى إلى ~~العامل قتله . وقولهم : " جندلتان اصطكتا " : يضرب لقرنين يتصاولان . ~~وقولهم : " جزيته حذو النعل بالنعل " : للمكافأة . وقولهم : " جاءوا على ~~بكرة أبيهم " أي جاءوا جميعا لم يتخلف منهم أحد . وقيل : بل البكرة تأنيث ~~البكر ، يصفهم بالقلة أي بحيث تحملهم بكرة أبيهم . وقيل بل البكرة التي ~~يستقي عليها ، معناه جاءوا بعضهم يتلو بعضا كدوران البكرة على نسق واحد ، ~~وقيل : المراد بالبكرة الطريقة كأنهم جاءوا على طريقة أبيهم ، وقال ابن ~~الأعرابي : البكرة : جماعة من الناس أي بأجمعهم . وقولهم : " جاوز الحزام ~~الطبيين " : يضرب في تجاوز الحد . PageV03P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" حرف الحاء وقولهم : " حرك لها حوارها تحن " ~~الحوار : ولد الناقة ، والجمع القليل أحورة والكثير حوران وحيران ، معناه ~~ذكره بعض أشجانه يهج له ، قاله عمرو بن العاص لمعاوية حين أراد أن يستنصر ~~أهل الشام ، أي أرهم دم عثمان على قميصه . وقولهم : " حلبتها بالساعد الأشد ~~" أي أخذتها بالقوة إذ لم يتأت بالرفق . وقولهم : " حذو القذة بالقذة " أي ~~مثلا بمثل : يضرب في التسوية بين الشيئين ، ومثله : حذو النعل بالنعل ، وقد ~~تقدم . وقولهم : " حلب الدهر أشطره " معناه أنه اختبر الدهر شطري خيره وشره ~~فعرف ما فيه . وقولهم : " حسبك من غنى شبع ورى " ، قال امرؤ القيس إذا ما ~~لم تكن إبل فمعزي . . . كأن قرون جلتها العصى فتملا بيتنا أقطا وسمنا . . . ~~وحسبك من غنى شبع ورى قال أبو عبيدة : يحتمل معنيين أحدهما أعط كل ما كان ~~لك وراء شبعك وريك ، والآخر القناعة باليسير . وقولهم : " حسبك من القلادة ~~ما أحاط بالعنق " أي اكتف ms0462 بالقليل عن الكثير . وقولهم : " حسبك من شر سماعه ~~" أي اكتف بسماعه ولا تعاينه ، قال : ويجوز أن يريد يكفيك سماع الشر وإن لم ~~تقدم عليه ولم تنسب إليه ، والمثل قالته فاطمة بنت الخرشب من بني أنمار بعض ~~بن بغيض أم الربيع بن زياد ، وذلك أن ابنها الربيع كان أخذ من قيس بن زهير ~~بن جذيمة درعا ، فتعرض قيس لأم الربيع وهي على راحلتها فأراد أن يذهب بها ~~ليرتهنها بالدرع ، فقالت له : أين عزب عنك عقلك يا PageV03P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" قيس ؟ أترى بني زياد مصالحيك وقد ذهبت بأمهم ~~يمينا وشمالا وقال الناس ما قالوا وشاءوا ، وإن حسبك من شر سماعه ، فذهبت ~~كلمتها مثلا تقول : كفى بالمقالة عارا وإن كان باطلا . وقولهم : " حلقت به ~~عنقاء مغرب " : يضرب لما يئس منه ، قال الشاعر إذا ما ابن عبد الله خلى ~~مكانه . . . فقد حلقت بالجود عنقاء مغرب قال الميداني : والعنقاء طائر عظيم ~~معروف الاسم مجهول الجسم يقال : كان بأرض الرس جبل يقال له : دمخ مصعد في ~~السماء ، وكان يأتيه طائر عظيم لها عنق طويلة ، وهي من أحسن الطير ، فيها ~~من كل لون ، وكانت تقع منتصبة وتنقض على الطير فتأكلها ، فجاعت يوما ~~وأعوزها الطير فانقضت على صبي فذهبت به فسميت عنقاء مغرب : لأنها تغرب بكل ~~ما تأخذه ، ثم انقضت على جارية حين ترعرعت فأخذتها فضمتها إلى جناحين لها ~~صغيرين سوى جناحيها الكبيرين ثم طارت ، فشكوا ذلك إلى نبيهم : خالد بن ~~صفوان ، فقال : اللهم خذها واقطع نسلها وسلط عليها آفة فأصابتها صاعقة ~~فاحترقت فضربتها العرب مثلا . قال عنترة بن الأخرس الطائي في مرثية خالد بن ~~زيد لقد حلقت بالجود عنقاء كاسر . . . كفتخاء دمخ حلقت بالحزور فما إن لها ~~بيض فيعرف بيضها . . . ولا شبه طير منجد أو مغور وقولهم : " حتام تكرع ولا ~~تنقع " كرع إذا تناول الماء بفيه من موضعه : يضرب للحريص في جمع الشيء . ~~PageV03P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" وقولهم : " حسبك من إنضاجه أن تقتله " : يضرب ~~لطالب الثأر فيقول : لأقتلن فلانا وقومه أجمعين فيقال : لا تعد ، حسبك أن ~~تدرك ثأرك ms0463 وطلبتك : ويضرب لمتجاوز الحد . حرف الخاء قولهم : " خير حالبيك ~~تنطحين " : يضرب لمن يكافىء المحسن بالإساءة ، ومثله : خير إناءيك تكفئين . ~~وقولهم : " خامري أم عامر " معناه استترى ، وأم عامر : الضبع ، يشبه بها ~~الأحمق ، ومثله : خامري حضاجر ، أتاك ما تحاذر : وهو اسم للذكر والأنثى من ~~الضباع . وقولهم : " خلا لك الجو فبيضي واصفري " قاله طرفة بن العبد ، وكان ~~في سفر مع عمه فنصب فخا للقنابر ونثر حبا فلم يصد شيئا ، فلما تحملوا رأى ~~القنابر يلقطن الحب الذي نثره لهن ، فقال في ذلك يا لك من قنبرة بمعمر . . ~~. خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري . . . قد رحل الصياد عنك ~~فابشري ورفع الفخ فما ذا تحذري . . . لا بد من صيدك يوما فاصبري يضرب في ~~الحاجة يتمكن منها صاحبها . وقولهم : " خلع الدرع بيد الزوج " المثل لرقاش ~~بنت عمرو بن تغلب بن وائل ، وكان زوجها كعب بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة ، ~~فقال لها : اخلعي ، فقالت : خلع الدرع بيد الزوج . فقال : اخلعيه لأنظر ~~إليك ، فقالت : التجرد لغير النكاح مثلة ، فذهبت كلمتاها مثلين يضربان في ~~وضع الشيء في غير موضعه . وقولهم خل سبيل من وهى سقاؤه . . . ومن هريق ~~بالفلاة ماؤه يضرب لمن كره صحبتك وزهد فيك . وقولهم : " خمر أبي الروقاء ~~ليست تسكر " : يضرب للغني الذي لا فضل له على أحد . PageV03P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" حرف الدال قولهم : " دمث لجنبك قبل النوم ~~مضطجعا " أي استعد للنوائب قبل حلولها ، والتدميث : التليين . وقولهم : " ~~دع امرءا وما اختار " : يضرب لمن لا يقبل النصح ، قال الشاعر : إذا المرء ~~لم يدر ما أمكنه . . . ولم يأت من أمره أزينه وأعجبه العجب فاقتاده . . . ~~وتاه به التيه فاستحسنه فدعه فقد ساء تدبيره . . . سيضحك يوما ويبكي سنه ~~حرف الذال وقولهم : " ذكرني فوك حماري أهلي " أصله أن رجلا يطلب حمارين ~~ضلاله ، فرأى امرآة فأعجبته فنسى الحمارين ، فلما أسفرت عن وجهها رآها ~~فوهاء فقال : ذكرني فوك حماري أهلي ، وقال ليت النقاب على النساء محرم . . ~~. كي لا تغر قبيحة إنسانا وقولهم : " ذهبوا ايدي سبا " ويقال : تفرقوا ، أي ~~تفرقوا تفريقا ms0464 لا اجتماع معه . وقصة سبإ لما تفرقوا بسبب سيل العرم مشهورة ~~، وسند كرها إن شاء الله تعالى في التاريخ . وقولهم : " ذهبوا شغر بغر ، ~~وشذر مذر ، وخذع مذع " أي في كل وجه . وقولهم : " ذل بعد شماسه اليعفور " : ~~يضرب لمن انقاد بعد جماحه ، واليعفور : فرس . وقولهم : " ذهبت طولا ، وعدمت ~~معقولا " : يضرب للطويل بلا طائل . PageV03P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" حرف الراء وقولهم : " رمتني بدائها وانسلت " ~~أصل هذا المثل : أن سعد بن زيد مناة تزوج رهم ابنة الخزرج ، وكانت من أجمل ~~النساء ، وكان ضرائرها إذا سابينها يقلن لها : يا عفلاء ، فقالت لها أمها : ~~إذا ساببنك فابدئيهن بذلك ، ففعلت رهم ذلك مع ضرتها ، فقالت : رمتني بدائها ~~وانسلت ، فذهبت مثلا : يضرب لمن يعير الآخر بما هو يعير به . وقولهم : " ~~رماه بثالثة الأثافي " وهي قطعة من الجبل يوضع إلى جنبها حجران وينصب عليها ~~القدر : يضرب لمن رمى بداهية عظيمة . وقولهم : " رب صلف تحت الراعدة " ~~الصلف : قلة الخير ، والراعدة : السحابة ذات الرعد : يضرب للبخيل مع السعة ~~. وقولهم : " رجع بخفي حنين " أصله أن حنينا كان إسكافا بالحيرة وساومه ~~أعرابي بخفين فاختلفا حتى أغضبه ، فلما ارتحل الأعرابي أخذ حنين الخفين ~~فألقى أحدهما على طريق الأعرابي ، ثم ألقى الآخر بموضع آخر على طريقه ، ~~فلما مر الأعرابي بالخف الأول قال : ما أشبه هذا بخف حنين ولو كانا خفين ~~لأخذتهما ، ثم مر بالآخر فندم على ترك الأول فأناخ راحلته وانصرف إلى الأول ~~وقد كمن له حنين ، فأخذ الراحلة وذهب بها وأقبل الأعرابي إلى أهله ليس معه ~~غير خفي حنين ، فذهبت مثلا : يضرب عند اليأس من الحاجة والرجوع بالخيبة . ~~وقولهم : " رب ساع لقاعد ، وآكل غير حامد " أول من قاله النابغة الذبياني ، ~~وكان سبب ذلك أن وفدا وفد إلى النعمان وفيهم رجل من بني عبس يقال له : شقيق ~~، فمات عنده ، فلما حبا النعمان الوفود بعث بحبائه إلى أهله ، فقال النابغة ~~في ذلك . أتى أهله منه حباء ونعمة . . . ورب امرىء يسعى لآخر قاعد ~~PageV03P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" وقولهم : " رب ملوم لا ذنب له " قاله أكثم بن ~~صيفي ، معناه ms0465 قد ظهر للناس منه أمر أنكروه عليه وهم لا يعرفون عذره ، وقيل ~~: إن رجلا قال للأحنف ابن قيس : أنا أبغض التمر والزبد ، فقال : رب ملوم لا ~~ذنب له . وقولهم : " رب كلمة تقول لصاحبها دعني " : يضرب في النهي عن ~~الإكثار مخافة الإهجار ، ذكروا أن ملكا من ملوك حمير خرج إلى الصيد ومعه ~~نديم له فوقفا على صخرة ملساء ، فقال النديم : لو أن إنسانا ذبح على هذه ~~الصخرة إلى أين كان يبلغ دمه ، فأمر بذبحه ، وقال : رب كلمة تقول لصاحبها ~~دعني . ومثله قولهم : " رب رأس حصيد لسان " : يضرب للأمر بالسكوت . وقولهم ~~: " رد الحجر من حيث جاءك " : أي لا تقبل الضيم وارم من رماك . حرف الزاي ~~وقولهم : " زين في عين والد ولده " : يضرب في عجب الرجل برهطه . وقولهم : " ~~زاحم بعود أو دع " أي لا تستعن إلا بأهل السن والتجربة . وقولهم : " زوج من ~~عود ، خير من قعود " ، قالته بعض نساء العرب ، قالوا : كان ذو الإصبع ~~العدواني غيورا ، وله بنات أربع ، وكان لا يزوجهن غيرة عليهن ، فاستمع ~~عليهن يوما وقد خلون يتحدثن ، فقالت إحداهن : لتقل كل واحدة منا ما في ~~نفسها ، ولنصدقن جميعا ، فاشتهت كل واحدة من الثلاثة زوجا وصفت من جماله ~~وكماله وسعة حاله ، ثم أبت الصغرى أن تتكلم ، فقالوا : لا بد أن تقولي ، ~~وألحوا عليها ، فقالت : زوج من عود ، خير من قعود ، فزوجهن . وقولهم : " ~~زرغبا تزدد حبا " قاله معاذ بن صرم الخزاعي ، وكانت أمه من عك ، وكان يكثر ~~من زيارة أخواله ، فأقام فيهم زمانا ، ثم خرج يتصيد مع بني PageV03P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" أخواله ، فحمل على عير ، فلحقه ابن خال له ~~يقال له : الغضبان فتخاصما ، فقال له الغضبان : والله لو كان فيك خير لما ~~تركت قومك ، فقال : زرغبا ، تزدد حبا ، فأرسلها مثلا ، وفي ذلك يقول الشاعر ~~: إذا شئت أن تقلي فزر متواليا . . . وإن شئت أن تزداد حبا فزرغبا وقال آخر ~~: عليك بإغباب الزيارة إنها . . . إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكا ألم تر أن ~~القطر يسأم دائما . . . ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا حرف السين وقولهم ms0466 : " ~~سبق السيف العذل " قاله ضبة بن أد لما لامه الناس على قتل قاتل ابنه في ~~الحرم ، ويقال : إنه لخزيم بن نوفل الهمداني . وقولهم : " سقط العشاء به ~~على سرحان " أصله أن رجلا خرج يلتمس العشاء ، فوقع على ذئب فأكله ، وقال ~~ابن الأعرابي : أصله أن رجلا من بني غني يقال له : سرحان ابن هزلة كان بطلا ~~فاتكا فقال رجل والله لأرعين إبلي هذا الوادي ، فورد بإبله ، فوجد سرحان ~~فقتله ، وأخذ إبله وقال : أبلغ نصيحة أن راعي أهلها . . . سقط العشاء به ~~على سرحان سقط العشاء به على متقمر . . . طلق اليدين معاود لطعان يضرب في ~~طلب الحاجة يؤدي صاحبها إلى التلف . ومثله قولهم " : سقط العشاء به على ~~متقمر " وهو الأسد . وقولهم : " سكت ألفا ، ونطق خلفا " الخلف : الرديء من ~~القول وغيره . وقولهم : " ساء سمعا فأساء جابة " أول من قاله سهيل بن عمرو ~~أخو بني عامر ، وكان قد خرج بابنه أنس ، فوقف بحزورة مكة ، فأقبل الأخنس بن ~~شريق PageV03P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" الثقفي فقال له : من هذا ؟ فقال : ابني فقال : ~~حياك الله يا فتى أين أمك ؟ فقال : لا والله ما أمي في البيت ، ولكنها ~~انطلقت إلى أم حنظلة تطحن دقيقا ، فقال أبوه : ساء سمعا فأساء جابة ، ~~فأرسلها مثلا . وقولهم : " سحاب نوء ماؤه حميم " : يضرب لمن له لسان لطيف ~~وليس وراءه خير . وقولهم : " سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة " : معناه ~~حصول البعض مع الاحتياط خير من الكل مع التهور . حرف الشين قولهم : " شخب ~~في الإناء وشخب في الأرض " : يضربلمن يتكلم فيصيب مرة ويخطىء أخرى . وقولهم ~~: " شرق بالريق " أي ضره أقرب الأشياء إلى نفعه . وقولهم : " شنشنة أعرفها ~~من أخزم " قاله أبو أخزم الطائي : وكان له ابن يقال له : أخزم ، فمات وترك ~~بنين ، فوثبوا على جدهم يوما فأدموه ، وكان أبوهم عاقا له فقال إن بني ~~ضرجوني بالدم . . . شنشنة أعرفها من أخزم وقولهم : " شمر ذيلا ، وادرع ليلا ~~" : يضرب على الحث في الجد والطلب . وقولهم : " شنوءة بين يتامى رضع " ~~الشنوءة : ما يستقذر من القول والفعل : يضرب لقوم اجتمعوا على فجور وفاحشة ~~ليس ms0467 فيهم مرشد ولا ناه . وقولهم : " شيخ بحوران له ألقاب " وبعده الذئب ~~والعقعق والغراب حوران بأرض الشام : يضرب لمن يظهر للناس العفاف ، ومن حقه ~~أن يحترز منه . PageV03P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" وقولهم : " شغل الحلي أهله أن يعارا " : يضرب ~~للمسؤل شيئا هو إليه أحوج من السائل . وقولهم : " شب عمرو عن الطوق " قاله ~~جذيمة الأبرش ، وعمرو هذا هو ابن أخته وهو عمرو بن عدي بن نصر . حرف الصاد ~~قولهم : " صبرا على مجامر الكرام " قال ذلك يسار الكواعب ، وكان عبدا أسود ~~يرعى لأهله إبلا ضخمة ، وكان معه عبد يراعيه ، فمر أهله يوما سائرين بحذاء ~~الإبل التي يرعاها ، فعمد إلى لقوح فحلبها في علبة ، حتى ملأها ثم مشى بها ~~، وكان أفجح الرجلين ، حتى أتى بها ابنة مولاه يسقيها ، وهي راكبة على ~~جملها ، فنظرت إلى رجليه فتبسمت ، ثم شربت اللبن وجزته خيرا ، فانطلق فرحا ~~حتى أتى صاحبه ، فقص عليه القصة ، فقال : اسخر بنفسك ولا تسخر ببنات ~~الأحرار ، فقال : والله لقد دحكت إلى دحكة لا أخيبها ، يريد : ضحكت : وكان ~~أعجمي اللسان ، ثم باتا فقام فحلب في علبة فملأها ، ثم أتى ابنة مولاه ، ~~فنبهها من نومها فاستيقظت وشربت ، ثم اضطجعت وجلس يسار حيالها ، فقالت : ما ~~حاجتك ؟ فقال : ما أعلمك بحاجتي فقالت : لا والله فما هي ؟ قال : ذاك الرجل ~~الذي حكت إلي . فقالت : حياك الله ، وقامت إلى سفط لها فأخرجت منه بخورا ~~ودهنا طيبا وعمدت إلى موسى كانت تحف به الشعرة وأخذت مجمرة فيها نارا فيها ~~نار ، فوضعت عليها البخور ووضعتها تحته ، وطأطأت كأنها تصلح البخور ، فعمدت ~~إلى مذاكيره فمسحتها بالموسى ، فلما أحس بحرارة الحديد ، قال : صبرا على ~~مجامر الكرام ، ثم أومأت إلى أنها تدهنه وقالت : إن هذا دهن طيب ، إلا أن ~~فيه حرارة PageV03P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" فتصبر عليه ، فإن ريحك ريح الإبل وأنا أعافك ، ~~ثم أشمته الدهن على الموسى ، ورفعته فوضعته بين عينيه فاستلتت بها أنفه . ~~وقالت : قم إلى إبلك يا بن الخبيثة ، فأتى صاحبه ، فلما رآه . قال : أمقبل ~~أنت أم مدبر ؟ قال : أخزاك الله ، أو قد عمى بصرك ms0468 ؟ إذ لا ترى أنفا ولا ~~أذنين . . . أما ترى وباصة العينين هذا أحد الأقوال في هذا المثل : يضرب ~~لمن يؤمر بالصبر على ما يكره . ويقال : إن أعرابيا قدم الحضر بإبل ، فباعها ~~بمال كثير وأقام لحوائج له ، ففطن قوم من جيرته لما معه من المال ، فعرضوا ~~عليه تزويج جارية وصفوها بالجمال والحسب طمعا في ماله ، فرغب فيها فزوجوه ~~إياها ، ثم اتخذوا طعاما وجمعوا الحي ، وجلس الأعرابي في صدر المجلس ، ~~فأكلوا الطعام وأداروا الكؤوس وشرب الأعرابي ، ثم أتوه بكسوة فاخرة ، ~~فلبسها وقدموا له مجمرة فيها بخور لا عهد له به ، وكان لا يلبس السراويل ، ~~فلما جلس على المجمرة ، سقطت مذاكيره في النار ، فظن أن ذلك سنة لا بد منها ~~، واستحيا أن يكشف ثوبه . فقال : صبرا على مجامر الكرام ، فذهبت مثلا ~~واحترقت مذاكيره ، وتفرق القوم ، وارتحل إلى البادية وترك المرأة والمال ، ~~فلما وصل إلى قومه وقص عليهم القصة . قالوا : است لم تعود المجمر ، فذهبت ~~مثلا : يضرب لمن لا قديم له . وقولهم : " صار الزج قدام السنان " : يضرب في ~~سبق المتأخر المتقدم من غير استحقاق لذلك . وقولهم : " صرح المحض عن الزبد ~~" : يضرب للأمر إذا انكشف وتبين . وقولهم : " صفقة لم يشهدها حاطب " هو ~~حاطب بن أبي بلتعة كان حازما ، فباع بعض أهله بيعة غبن فيها حين لم يشهدها ~~حاطب ، فسارت مثلا لكل أمر ينبرم دون صاحبه . PageV03P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" حرف الضاد قولهم : " ضربه ضرب غرائب الإبل " ~~وذلك أن الغريبة تزدحم على الحياض عند الورود ، وصاحب الحوض يطردها ويضربها ~~بسبب إبله : يضرب في دفع الظالم عن ظلمه بأشد ما يمكن . وقولهم : " ضل ~~الدريص نفقه " الدريص : ولد الفأرة واليربوع والهرة وأشباه ذلك ، ونفقه : ~~حجره : يضرب لمن يعني بأمره ويعد حجة لخصمه ، فينسى عند الحاجة . وقولهم : ~~" ضل حلم امرأة فأين عيناها ؟ " أي هب أن عقلها ذهب فأين ذهب بصرها ؟ : ~~يضرب في استبعاد عقل الحليم . وقولهم : " ضائف الليث قتيل المحل " : يضرب ~~لمن اضطر لشيء فغرر بنفسه في طلبه . حرف الطاء قولهم : " طويته على بلاله ~~وعلى بللته " قال الشاعر وصاحب مرامق داجيته ms0469 . . . على بلال نفسه طويته ~~ويقال : طويت السقاء على بللته إذا طويته وهو ند لأنه إن طوى يابسا تكسر ، ~~وإن طوى نديا عفن : يضرب للرجل يحمل على ما فيه من العيب ، قال الشاعر ولقد ~~طويتكم على بللاتكم . . . وعلمت ما فيكم من الأذراب فإذا القرابة لا تقرب ~~قاطعا . . . وإذا المودة أقرب الأنساب والأذراب : جمع ذرب وهو الفساد . ~~وقولهم : " طويته على غره " : غر الثوب : أثر كسره الأول : يضرب لمن يوكل ~~إلى رأيه وما انطوى عليه . PageV03P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" حرف الظاء قولهم : " ظالع يعود كسيرا " : يضرب ~~للضعيف ينصر من هو أضعف منه . وقولهم : " ظئر رءوم ، خير من أم سؤوم " : ~~الظئر ، الحاضنة ، والرءوم : العطوف ، والسؤوم : الملول : يضرب في عدم ~~الشفقة وقلة الاهتمام . وقولهم : " ظاهر العتاب خير من باطن الحقد " معناه ~~ظاهر . وقولهم : " ظلال صيف ما لها قطار " : يضرب لمن له ثروة ولا يجدي على ~~أحد . حرف العين قولهم : " عند الصباح يحمد القوم السرى " أول من قاله خالد ~~بن الوليد لما بعث إليه أبو بكر رضي الله عنه ، وكان باليمامة أن يسير إلى ~~العراق ، ونالته مشقة بسبب العطش ، فأسرى حتى أدرك الماء فقال : عند الصباح ~~يحمد القوم السرى : يضرب لمن يحمل المشقة رجاء الراحة . وقولهم : " عند ~~جهينة الخبر اليقين " : يضرب في معرفة الشيء حقيقة . وقولهم : " عير عاره ~~وتده " أي أهلكه ، وأصله أن رجلا أشفق على حماره فربطه إلى وتد ، فهجم عليه ~~السبع فلم يمكنه الفرار فأهلكه . وقولهم : " عند النطاح يغلب الكبش الأجم " ~~وهو الذي لا قرن له : يضرب لمن غلبه صاحبه بما أعد له . وقولهم : " على ~~أهلها تجني براقش " قالوا : كانت براقش كلبة لقوم من العرب ، فأغير عليهم ~~فهربوا وهي معهم ، فنبحت فاتبع القوم آثارهم بنباحها ، فأدركوهم ~~PageV03P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" فقتلوهم ، ففيها يقول حمزة بن بيض بل جناها أخ ~~على كريم . . . وعلى أهلها براقش تجني وقيل في هذا المثل غير ذلك . وقولهم ~~: " عسى الغوير أبؤسا " الغوير : تصغير غار ، والابؤس : جمع بؤس وهو الشدة ~~، قالته الزباء عند رجوع قصير من العراق ، ومعه الرجال ، وكان الغوير على ~~طريقه ms0470 ، ومعناه لعل الشر يأتيكم من قبل الغار : يضرب للرجل يقال له : لعل ~~الشر جاء من قبلك . وقولهم : " عشب ولا بعير " : يضرب للرجل له مال كثير ~~ولا ينفقه على نفسه ولا على غيره . وقولهم : " عاد غيث على ما أفسد " : ~~يضرب للرجل فيه فساد ، وصلاحه أكثر . وقولهم : " عاد السهم إلى النزعة " أي ~~رجع الحق إلى أهله . وقولهم : " عصا الجبان أطول " لأنه يفعل ذلك من فشله ، ~~يرى أن طولها أشد ترهيبا لعدوة من قصرها . وقولهم : " على الخبير سقطت " ~~المثل لمالك بن جبير العامري ، وتمثل به الفرزدق حين لقي الحسين بن علي رضي ~~الله عنهما ، عند مقدمه من العراق وخروج الحسين إليه وقد قال له : ما وراءك ~~؟ فقال : على الخبير سقطت ، قلوب الناس معك ، وسيوفهم مع بني أمية ، والنصر ~~من السماء . وقولهم : " عادة السوء شر من المغرم " معناه أن المغرم إذا ~~أذيته فارقك ، وعادة السوء لا تفارق صاحبها . PageV03P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" وقولهم : " عجعج لما عضه الظعان " أي صاح ، ~~والظغان : نسع يشد به الهودج : يضرب لمن يضج إذا لزمه الحق . وقولهم : " ~~عند الرهان تعرف السوابق " : يضرب لمن يدعي ما ليس فيه . وقولهم : " عاد ~~الأمر إلى نصابه " : يضرب في الأمر يتولاه أربابه . وقولهم : " عينك عبري ~~والفؤاد في دد " الدد والددن والددا : اللعب واللهو : يضرب لمن يظهر حزنا ~~لحزنك وفي قلبه خلاف ذلك . وقولهم : " عرفطة تسقى من الغوادق " ويروى : ~~الغوابق ، العرفطة : شجرة خشنة المس ، والغوادق : السحاب الكثير الماء : ~~يضرب للشرير يكرم ويبجل . حرف الغين قولهم : " غدة كغدة البعير وموت في بيت ~~سلولية " قاله عامر بن الطفيل : وذلك أنه لما قدم على النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وقدم معه أربد بن قيس أخو لبيد ابن ربيعة العامري الشاعر لأمة ~~، فقال رجل : يا رسول الله ، هذا عامر بن الطفيل قد أقبل ، قال : " دعه فإن ~~يرد الله به خيرا يهده " فأقبل حتى قام عليه ، فقال : يا محمد ، مالي إن ~~أسلمت ؟ قال : لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم " قال : تجعل لي الأمر بعدك ، ~~قال : " ليس ذاك إلي ، إنما ذاك إلى الله ms0471 تعالى يجعله حيث يشاء " قال : ~~فتجعلني على الوبر وأنت على المدر ، قال : " لا " قال : فما ذا تجعل لي ؟ ~~قال : " أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها " قال : أو ليس ذلك إلى اليوم ؟ ~~وكان قد أوصى إلى أربد بن قيس : " إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه ~~بالسيف " فاخترط أربد سيفه شبرا فحبسه الله تعالى فلم يقدر على سله ، ~~فالتفت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فرأى أربد وما يصنع بسيفه ، فقال ~~: " اللهم اكفنيهما بما شئت " فأرسل الله تعالى على أربد صاعقة في يوم صائف ~~صاح فأحرقته ، وولي عامر بن الطفيل هاربا وقال يا محمد ، دعوت ربك فقتل ~~أربد ، والله لأملأنها عليك خيلا جردا وفتيانا مردا ، فقال : رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) " يمنعك الله من ذلك " فسار عامر حتى نزل ببيت امرأة ~~سلولية ، فخرجت على ركبته غدة عظيمة ، فقال : غدة كغدة PageV03P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" البعير وموت في بيت سلولية ، ثم مات على ظهر ~~فرسه ، وسلول أقل العرب وأذلهم ، فسار كلامه مثلا : يضرب في خصلتين إحداهما ~~شر من الأخرى . وقولهم : " غرني برداك من خدافلي " ويروى : من غدافلي ، أصل ~~المثل أن رجلا استعار بردي امرأة فلبسهما ، ورمى بخلقان كانت عليه ، ~~فاسترجعت المرأة برديها فقاله : يضرب لمن ضيع ماله طمعا في مال غيره . حرف ~~الفاء قولهم : " في وجه المال تعرف أمرته " أي نماءة وخيره ، ويقال : أمرت ~~أموال بني فلان إذا نمت وكثرت : يضرب لمن يستدل بحسن ظاهره على حسن باطنه . ~~وقولهم : " في بيته يؤتى الحكم " زعمت العرب أن الأرنب التقطت تمرة ~~فاختلسها الثعلب فأكلها ، فانطلقا يختصمان إلى الضب ، فقالت الأرنب : يا ~~أبا الحسل ، قال : سميعا دعوت ، قالت : أتيناك لنختصم إليك ، قال : عادلا ~~حكتما ، قالت : فاخرج إلينا ، قال : في بيته يؤتى الحكم ، قالت : إني وجدت ~~تمرة ، قال : حلوة فكليها ، قالت : فاختلسها الثعلب ، قال : لنفسه بغى ~~الخير ، قالت : لطمته ، قال : بحقك أخذت ، قالت : لطمني ، قال : حر انتصر ، ~~قالت : فاقض بيننا ، قال : حدث حديثين امرأة ، فإن أبت فأربعة ، فذهبت ~~أقواله كلها أمثالا . وقولهم : " فتى ولا كمالك " قاله ms0472 متمم بن نويرة في ~~أخيه مالك لما قتل . وقولهم : " في دون هذا ما تنكر المرأة صاحبها " أول من ~~قاله جارية من مزينة ، قال الحكم بن صخر الثقفي : خرجت منفردا فرأيت بإمرة ~~وإمرة موضع ، جاريتين أختين لم أر كجمالهما ، فكسوتهما وأحسنت إليهما ، قال ~~: ثم حججت من قابل ومعي أهلي ، وقد اعتللت ونصل خضابي ، فلما صرت بإمرة ، ~~إذا إحداهما قد جاءت ، فسألت سؤال منكرة ، قال فقلت : فلانة ؟ قالت : فدى ~~لك أبي وأمي ، وأني تعرفني وأنكرك ؟ قال فقلت : أنا الحكم بن صخر ، قالت : ~~رأيتك عام أول شابا سوقة ، وأراك العام شيخا ملكا ، وفي دون هذا ما تنكر ~~المرأة صاحبها ، فذهبت مثلا ، قال قلت : ما PageV03P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" فعلت أختك ؟ قال : فتنفست الصعداء ، وقالت : ~~تزوجها ابن عم لها وذهب بها ، فذاك حيث تقول إذا ما قفلنا نحو نجد وأهلها . ~~. . فحسبي من الديا قفول إلى نجد قال قلت : أما إني لو أدركتها لتزوجتها ، ~~قالت : وما يمنعك من شريكتها في حسنها وجمالها وشقيقتها ؟ قال قلت : يمنعني ~~من ذلك قول كثير حيث يقول إذا وصلتنا خلة كي تزيلنا . . . أبينا وقلنا ~~الحاجبية أول فقالت : كثير بيني وبينك ، أليس الذي يقول هل وصلت عزة إلا ~~وصل غانية . . . في وصل غانية من وصلها خلف قال : فتركت جوابها عيا . ~~وقولهم : " فاتكة واثقة بري " زعموا أن امرأة كثر لبنها وطفقت تهريقه ، ~~فقال لها زوجها : لم تهر يقينه ؟ فقالت : فاتكة واثقة بري : يضرب للمفسد ~~الذي وراء ظهره ميسرة . حرف القاف قولهم : " قطعت جهيزة قول كل خطيب " أصله ~~أن قوما اجتمعوا يخطبون في صلح بين حيين ، قتل أحدهما من الآخر قتيلا ~~ليرضوا بالدية ، فبينما هم في ذلك ، إذ جاءت أمة يقال لها : جهيزة ، فقالت ~~: إن القاتل قد ظفر به بعض أولياء المقتول فقتله ، فقالوا : قطعت جهيزة قول ~~كل خطيب : يضرب لمن يقطع على الناس ما هم فيه بجهله . وقولهم : " قبل ~~البكاء كان وجهك عابسا " : يضرب للبخيل يعتل بالإعدام . ومثله : " قبل ~~النفاس كنت مصفرة . PageV03P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" وقولهم : " قلب الأمر ظهرا لبطن " : يضرب في ~~حسن ms0473 التدبير . وقولهم : " قد شمرت عن ساقها فشمري " : يضرب في الحث على ~~الجد في الأمر . وقولهم : " قد يضرط العير والمكواة في النار " قاله عرفطة ~~بن عرفجة سيد بني هزان ، وكان بينه وبين الحصين بن نبيت العكلي حروب ووقائع ~~، فقتلت عكل رجلا من بني هزان ، وأسر عرفطة بن عكل رجلين ، فقال لهما : ~~أيكم أفضل لأقتله بصاحبنا ؟ فجعل الآخر يضرط ، فقال عرفطة : قد يضرط العير ~~والمكواة في النار ، فأرسلها مثلا : يضرب للرجل يخوف بالأمر فيجزع قبل ~~وقوعه . وهذا أحد الأقوال فيه ، وقيل غير ذلك . وقولهم : " قد بين الصبح ~~لذي عينين " : يضرب في ظهور الأمر كل الظهور . وقولهم : " قد أنصف القارة ~~من راماها " القارة : قبيلة قد تقدم ذكرها في الأنساب . وقولهم : " قبل ~~الرماء تملأ الكائن " أي تؤخذ أهبة الأمر قبل وقوعه . ومثله : " قبل الرمي ~~يراش السهم " : يضرب في تهيئة الآلة قبل الحاجة إليها . وقولهم : " قلب له ~~ظهر المجن " : يضرب لمن كان لصاحبه على مودة ، ثم حال عن عهده . وقولهم : " ~~قد ألقى عصاه " إذا استقر من سفر أو غيره ، يقال : إنه لما بويع لأبي ~~العباس السفاح ، قام خطيبا فسقط القضيب من يده ، فقام رجل من القوم وأنشد ~~فألقت عصاه واستقر بها النوى . . . كما قر عينا بالإياب المسافر وقولهم : " ~~قد ونى طرفاه " : يضرب لمن ذل وضعف عن أن يتم له أمر ، قال النجاشي : وإن ~~فلانا والإمارة كالذي . . . ونى طرفاه بعد ما كان أجدعا PageV03P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" وقولهم : " قدت سيورهم من أديمك " : يضرب ~~للشيئين يستويان في الشبة قال الشاعر وقدت من أديمهم سيوري وقولهم : " قد ~~بلغ الشظاظا الوركين " الشظاظا : عويد يجعل في عروة الجوالق : يضرب فيما ~~جاوز الحد ، وهو كقولهم : جاوز الحزام الطبيين . حرف الكاف قولهم : " كان ~~كراعا ، فصار ذراعا " : يضرب للذليل الضعيف صار عزيزا قويا . وقولهم : " ~~كلام كالعسل ، وفعل كالأسل " : يضرب في اختلاف القول والفعل . وقولهم : " ~~كنت تبكي من الأثر العافي فقد لاقيت أخدودا " : يضرب لمن يشكو القليل من ~~الشر ثم يقع في الكثير . وقولهم : " كل ذات بعل ستئيم " هذا من أمثال أكثم ~~بن صيفي ، قال ms0474 الشاعر أفاطم إني هالك فتثبتي . . . ولا تجزعي كل النساء ~~تئيم أي ستفارق زوجها . وقولهم : " كل أزب نقور " قاله زهير بن جذيمة لأخيه ~~أسيد ، ونذكر الخبر في وقائع العرب . وقولهم : " كل فتاة بأبيها معجبة " : ~~يضرب في عجب الرجل بعشيرته ورهطه . وقولهم : " كل الصيد في جوف الفرا " ~~الفرا : الحمار الوحشي ، أصل المثل أن ثلاثة نفر خرجوا متصيدين ، فاصطاد ~~أحدهم أرنبا ، والآخر ظبيا ، والثالث حمارا ، PageV03P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" فتطاولا عليه بصيدهما ، فقال : كل الصيد في ~~جوف الفرا : يضرب لمن يفضل على أقرانه ، وقد تمثل به رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . وقولهم : " كدمت غير مكدم " : يضرب لمن يطلب شيئا في غير ~~مطلبه . وقولهم : " كالثور يضرب لما عافت البقر " : يضرب في عقوبة البريء ~~بذنب المجرم ، ويأتي ذكر ذلك في أوابد العرب . وقولهم : " كالكبش يحمل شفرة ~~وزنادا " : يضرب لمن يتعرض للهلاك . وقولهم : " كالمستغيث من الرمضاء ~~بالنار " : يضرب في الخلتين يجتمعان على الرجل . وقولهم : " كالقابس ~~العجلان " : يضرب لمن عجل في طلب حاجته . وقولهم : " كلاهما وتمرا " أول من ~~قاله عمرو بن جمران الجعدي ، وذلك أنه مر برجل وبين يديه زبد وسنام وتمر ، ~~فقال : أنلني مما بين يديك ، فقال : إيما أحب إليك أزبد أم سنام ؟ فقال : ~~كلاهما وتمرا ، فسارت مثلا . وقولهم : " كالباحث عن المدية " يقال : إن ~~رجلا وجدا صيدا ، ولم يكن معه ما يذبحه به ، فبحث الصيد بأظلافه في الأرض ، ~~فسقط على شفرة فذبحه بها : يضرب في طلب الشيء يؤدي صاحبه إلى تلف النفس . ~~وقولهم : " كذى العر يكوي غيره وهو راتع " : يضرب في أخذ البريء بذنب ~~الجاني ، ويأتي ذكره في أوابد العرب . وقولهم : " كالمحتاض على عرض السراب ~~" : يضرب لمن يطمع في محال . وقولهم : " كل لياليه لنا حنادس " : يضرب لمن ~~لا يصل إليك منه إلا ما تكره . PageV03P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" حرف اللام قولهم : " لو ذات سوار لطمتني " : ~~معناه لو ظلمني من كان كفؤا لي لهان علي ، ولكن ظلمني من هو دوني ، وهو ~~كقول بعضهم : فلو أني بليت بهاشمي . . . خؤولته بنو عبد المدان لهان علي ما ~~ألقى ولكن . . . تعالي فانظري ms0475 بمن ابتلاني وقولهم : " لو غير ذات سوار ~~لطمتني " روى الأصمعي : أن حاتما الطائي مر ببلاد عنزة في بعض الأشهر الحرم ~~فناداه أسير لهم : يا أبا سفانة : أكلني الإسار والقمل ، فقال : ويحك ، ~~أسأت إذ نوهت باسمي في غير بلاد قومي ، فساوم القوم به ثم قال : أطلقوه ~~واجعلوا يدي في القد مكانه ، ففعلوا ذلك ، ثم جاءته امرأة ببعير ليفصده ~~فنحره فلطمته فقال : لو غير ذات سوار لطمتني ، يعني أني لا أقتص من النساء ~~، ثم عرف ، ففدي نفسه فداء عظيما . وقولهم : " لو ترك القطا ليلا لنام " ~~قالته امرأة عمرو بن مامة ، وقد نزل عليه قوم من مراد ، فطرقوه ليلا ، ~~فأثاروا القطا ، فرأته امرأته فنبهته فقال : إنما هذا القطا ، فقالت : لو ~~ترك القطا ليلا لنام ، فسار مثلا : يضرب لمن حمل على مكروه من غير إرادته ، ~~وقيل : إن التي قالته له حذام بنت الريان . وقولهم : " لبس له جلد النمر " ~~: يضرب في إظهار العداوة وكشفها . وقولهم : " لقد ذل من بالت عليه الثعالب ~~" : أصله أن رجلا من العرب كان يعبد صنما ، فجاء ثعلب فبال عليه ، فقال في ~~ذلك : أرب يبول الثعلبان برأسه . . . لقد ذل من بالت عليه الثعالب وقولهم : ~~" ليس هذا بعشك فادرجي " : يضرب لمن يرفع نفسه فوق قدره . وقولهم : " لم ~~أجد لشفرتي محزا " : يضرب عدرا في تعذر الحاجة . PageV03P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" وقولهم : " لو سئلت العارية أين تذهبين لقالت ~~أكسب أهلي ذما " هذا من كلام أكثم بن صيفي : يضرب في سوء الجزاء للمنعم . ~~وقولهم : " ليس من العدل ، سرعة العذل " أي لا ينبغي أن تعجل بالعذل قبل أن ~~تعرف العذر . وقولهم : " ليس القدامى كالخوافي " : يضرب عند التفضيل . ~~وقولهم : " لو كويت على داء لم أكره " أي لو عوتبت على ذنب ما امتعضت . ~~وقولهم : " ليس على الشرق طخاء يحجب " أي ليس على الشمس سحاب : يضرب في ~~الأمر المشهور الذي لا يخفي على أحد . وقولهم : " لأكوينه كية المتلوم " أي ~~كيا بليغا ، والمتلوم : الذي يتتبع الداء حتى يعلم مكانه : يضرب في التهديد ~~الشديد . وقولهم : " لأمر ما جدع قصير أنفه " قالته الزباء لما ms0476 رأت قصيرا ~~مجدوعا ، وخبره يأتي في باب المكايد . حرف الميم قولهم : " ما تنفع الشفعة ~~في الوادي الرغب " الشفعة : المطرة الهينة ، والرغب : الواسع : يضرب للذي ~~يعطيك قليلا لا يقع منك موقعا . وقولهم : " ما وراءك يا عصام ؟ " يقال : ~~أول من قال ذلك الحارث بن عمرو ملك كندة ، وذلك انه بلغه جمال ابنة عوف بن ~~محلم فأرسل إليها امرأة ذات عقل ولسان ، يقال لها : عصام ، وقال : اذهبي ~~لتعلميني بحالها ، فلما انتهت إليها ونظرتها خرجت وهي تقول : " ترك الخداع ~~، من كشف القناع " فذهبت مثلا ، فأرسلتها مثلا ، ثم عادت إليه فقال لها : ~~ما وراءك يا عصام ؟ فقاالت : صرح المحض عن الزبد وساق الميداني على هذا ~~المثل كلاما طويلا قالته عصام في وصف أعضاء المخطوبة . PageV03P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" وقولهم : " ما يوم حليمة بسر " هي حليمة بنت ~~الحارث بن أبي شمر ، كان أبوها وجه جيشا إلى المنذر بن ماء السماء فأخرجت ~~لهم طيبا في مركن فطيبتهم ، فلما انتهت إلى لبيد بن عمرو وذهبت لتخلقه ، ~~قبلها ، فلطمته وأتت أباها ، فقال لها : ويلك اسكتي عنه ، فهو أرجاهم عندي ~~ذكاء فؤاد ، وإني مرسله ، فإن قتل فقد كفى الله شره ، فسار إلى المنذر ~~بالجيش ، فقتلوا المنذر وكان يوما مشهورا ، فقيل فيه : ما يوم حليمة بسر . ~~وقولهم : " ما أشبه الليلة بالبارحة " : أي ما أشبه بعض القوم ببعض . ~~وقولهم : " مرعى ولا كالسعدان " قالوا : السعدان أخثر العشب لبنا ، ومنابته ~~السهول : يضرب مثلا للشيء يفضل على أقرانه وأشكاله ، وأول من قال المثل : ~~خنساء بنت عمرو بن الشريد ، وقيل : بل قالته امرأة من طيء تزوجها امرؤ ~~القيس بن حجر الكندي فقال لها : أين أنا من زوجك الأول ؟ فقالت : مرعى ولا ~~كالسعدان ، أي إنك إن كنت رضا فلست كفلان . وقولهم : " ماء ولا كصداء " ~~صداء : ركية عذبة ، قال ضرار السعدي وإني وتهيامي بزينب كالذي . . . تطلب ~~من أحواض صداء مشربا معناه أنه لا يصل إليها إلا بالمزاحمة لفرط حسنها ، ~~كالذي يرد الماء فإنه يزاحم عليه لفرط عذوبته . وقولهم : " محا السيف ما ~~قال ابن دارة أجمعا " : هو سالم بن دارة ms0477 الغطفاني : ودارة : امه ، وكان قد ~~هجا بعض بني فزارة فاغتاله زميل فقتله ، ففيه PageV03P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" يقول الكميت فلا تكثروا فيه الضجاج فإنه . . . ~~محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا وقولهم : " ملكت فأسجح " الإسجاح : حسن ~~العفو ، أي ملكت الأمر فأحسن العفو ، وقد تمثل به رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في بعض غزواته ، ونذكر الخبر في ذلك في المغازي . وقولهم : " ~~من ينكح الحسناء يعط مهرها " : أي من طلب حاجة بذل ماله فيها . وقولهم : " ~~من سره بنوه ساءته نفسه " قاله ضرار بن عمرو الضبي : وكان له ولده ثلاثة ~~عشر رجلا ، كلهم قد غزا ورأس ، فرآهم يوما وأولادهم ، فعلم أنهم لم يبلغوا ~~هذه الأسنان إلا مع كبر سنه ، فقال : من سره بنوه ساءته نفسه ، فأرسلها ~~مثلا . وقولهم : " من أشبه أباه فما ظلم " : معناه ظاهر . وقولهم : " من ير ~~يوما ير به " : قاله كلحب بن شؤبوب الأسدي ، وكان يغير على طيء وحده ، فدعا ~~حارثة بن لأم رجلا من قومه يقال له : عترم ، فقال له : أما تستطيع أن ~~تكفيني مؤونة هذا الخبيث ؟ فقال : بلى ، فأرسل عشرة عيون عليه ، فعلموا ~~مكانه فانطلق إليه عترم فوجده نائما في ظل أراكة فنزل ومعه آخر فأخذ كل ~~واحد منهما بإحدى يديه فانتبه فنزع يده اليمنى من ممسكها وقبض على حلق ~~الآخر فقتله وبادر الباقون فأخذوه وشدوه وثاقا وأتوا به حارثة ، فقال له : ~~يا كلحب ، إن كنت أسيرا فطالما أسرت ، فقال : من ير يوما ير به ، فأرسلها ~~مثلا ، وقال حوذة وهو ابن المقتول لحارثة : أعطنيه أقتله بأبي ، فقال : ~~دونكه وجعلوا يتكلمون وهو يعالج كتافه حتى انحل ، ثم وثب على رجليه فاتبعوه ~~بالخيل فأعجزهم . وقولهم : " من سلك الجدد أمن العثار " الجدد : الأرض ~~المستوية : يضرب في طلب العافية . وقولهم : " من يشتري سيفي وهذا أثره ؟ " ~~قاله الحارث بن ظالم ، وذلك أنه PageV03P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" لما قتل خالد بن جعفر بن كلاب بزهير بن جذيمة ~~العبسي على ما نذكره إن شاء الله في وقائع العرب وهرب ، فوجه النعمان فوارس ~~في طلبه فأدركوه سحرا فعطف ms0478 عليهم وقتل منهم جماعة وكروا عليه فجعل لا يقصد ~~لجماعة إلا فرقها وهو يقول : من يشتري سيفي وهذا أثره ، فارتدعوا عنه ~~وانصرفوا إلى النعمان . وقولهم : " من مال جعد وجعد غير محمود " : قاله جعد ~~بن الحصين أبو صخر ابن جعد الشاعر ، وكان قد كبر فتفرق عنه بنوه وأهله ، ~~وبقيت له جارية سوداء تخدمه ، فعلقت بفتى من الحي يقال له : عرابة ، فجعلت ~~تنقل إليه ما في بيت جعد ، ففطن جعد لذلك ، فقال في ذلك أبلغ لديك بني عمرو ~~مغلغلة . . . عمرا وعوفا وما قولي بمردود بأن بيتي أمسى فوق داهية . . . ~~سوداء قد وعدتني شر موعود تعطى عرابة بالكفين مجتنحا . . . من الخلوق ~~وتعطيني على العود أمسى عرابة ذا مال يسر به . . . من مال جعد وجعد غير ~~محمود يضرب للرجل يصاب من ماله ويذم . وقولهم : " من مأمنه يؤتى الحذر " ~~قاله أكثم بن صيفي . وقولهم : " من يمش يرض بما ركب " : يضرب للذي يضطر إلى ~~ما كان يرغب عنه . وقولهم : " من يلق أبطال الرجال يكلم " قاله عقيل بن ~~علقمة المري ، وقد رماه عملس ابنه بسهم فحل فخذيه ، فقال أبياتا منها إن ~~بني زملوني بالدم . . . شنشنة أعرفها من أخزم من يلق أبطال الرجال يكلم ~~وقولهم : " من لا يذد عن حوضه يهدم " أي من لم يدفع عن نفسه يظلم ، قاله ~~زهير بن أبي سلمى . وقولهم : " مكره أخوك لا بطل " قاله أبو حنش خال بيهس : ~~يضرب لمن يحمل على ما ليس من شأنه . PageV03P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" وقولهم : " من نام لا يشعر بشجو الأرق " : ~~يضرب لمن غفل عما يعانيه صاحبه من المشقة . حرف النون قولهم : " نفس عصام ~~سودت عصاما " : هو عصام بن شهبر حاجب النعمان ابن المنذر : يضرب في نباهة ~~الرجل من غير قديم ، وقيل في هذا نفس عصام سودت عصاما . . . وعلمته الكر ~~والإقداما وصيرته ملكا هماما وقولهم : " نظرة من ذي علق " أي من ذي هوى : ~~يضرب لمن ينظر بود . وقولهم : " نزت به البطنة " : يضرب لمن لا يحتمل ~~النعمة ، قال الشاعر فلا تكونن كالنازي ببطنته . . . بين القرينين حتى ظل ~~مقرونا وقولهم ms0479 : " نجوت وأرهنتهم مالكا " قال عبد الله بن همام السلولي ~~فلما خشيت أظافيرهم . . . نجوت وأرهنتهم مالكا يضرب لمن ينجو من هلكة نشب ~~فيها شركاؤه وأصحابه . وقولهم : " نام عصام ساعة الرحيل " : يضرب لمن طلب ~~الأمر بعد ما ولي . حرف الهاء قولهم : " هدنة على دخن " . وقولهم : " هذا ~~أوان شدكم فشدوا " . ومثله قولهم : " هذا أوان الشد فاشتدي زيم " قال ~~الأصمعي : زيم : اسم فرس : يضرب للرجل يؤمر بالجد . PageV03P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" وقولهم : " هو على حبل ذراعك " أي الأمر فيه ~~إليك : يضرب في قرب المتناول ، وحبل الذراع : عرق في اليد . وقولهم : " هان ~~على الأملس ما لاقي الدبر " : يضرب في سوء اهتمام الرجل بشأن صاحبه . ~~وقولهم : " هو بين حاذف وقاذف " الحاذف بالعصا ، والقاذف بالحصى : يضرب لمن ~~هو بين الشرين . وقولهم : " هو على طرف الثمام " الثمام : نبت ضعيف سهل ~~المتناول تسد به خصائص البيوت ، وربما حشيت به المخاد ، قالوا : إنه ينبت ~~على قدر قامة الإنسان : يضرب في تسهيل الحاجة وقرب النجاح . وقولهم : " هي ~~الخمر تكنى الطلاء " : يضرب للأمر ظاهره حسن وباطنه على خلاف ذلك . حرف ~~الواو قولهم : " وافق شن طبقة " قال الشرقي بن القطامي : كان رجل من دهاة ~~العرب وعقلائهم يقال له : شن فآلى أنه يطوف البلاد حتى يجد امرأة مثله ~~فيتزوجها ، فبينا هو في بعض مسيره إذ وافقه رجل في الطريق فسارا جميعا ، ~~فقال له شن : أتحملني أم أحملك ؟ فقال : أنا راكب وأنت راكب ، فكيف تحملني ~~أو أحملك ؟ ثم سارا فانتهيا إلى زرع قد استحصد ، فقال شن : أترى هذا الزرع ~~أكل أم لا ؟ فقال : لم أر أجهل منك ، نبتا مستحصدا فتقول : أكل أم لا ؟ ~~فسكت ، ثم سارا حتى دخلا القرية فلقيا جنازة ، فقال شن : أترى صاحب هذا ~~النعش حيا أم ميتا ؟ فقال له الرجل : ترى جنازة تسأل عنها أميت صاحبها أم ~~حي ؟ فسكت عنه شن وأراد مفارقته فأبى أن يتركه وسار به إلى منزله ، وكان ~~للرجل بنت يقال لها : طبقة ، فلما دخل عليها أبوها سألته عن ضيفه ، فقال : ~~ما رأيت أجهل منه ، وحدثها بحديثه ، فقالت : يا أبت ms0480 ما هذا PageV03P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" بجاهل ؟ قوله : اتحملني أو أحملك ؟ أراد ~~أتحدثني أم أحدثك ، وأما قوله : أترى هذا الزرع أكل أم لا ؟ فأراد هل باعه ~~أهله فأكلوا ثمه أم لا ؟ وأما الجنازة فأراد هل ترك عقبا يحيا بهم ذكره أم ~~لا ؟ فخرج الرجل فقعد مع شن فحادثه ، وقال له : أتحب أن أفسر لك ما سألتني ~~؟ قال نعم ، ففسره فقال شن : ما هذا من كلامك ، فأخبرني من صاحبه ؟ فقال : ~~ابنة لي ، فخطبها إليه فزوجه إياها وحملها إلى أهله ، فلما رأوها قالوا : ~~وافق شن طبقة ، فذهبت مثلا : يضرب للمتوافقين ، وقال الأصمعي : هم وقم كان ~~لهم وعاء من أدم فتشنن فجعلوا له طبقا فوافقه فقيل : وافق شن طبقه ، ورواه ~~أبو عبيدة في كتابه ، وقال ابن الكلبي : طبقة : قبيلة من إياد كانت لا تطاق ~~فأوقعت بها شن بن أفصى بن دعمي ، فانتصفت منها وأصابت فيها فضربتا مثلا ~~وأنشد . لقيت شن إيادا بالقنا . . . طبقا وافق شن طبقه وقولهم : " وجدت ~~الناس اخبر تقله " أصله اخبر الناس تقلهم : يضرب في ذم الناس وسوء معاشرتهم ~~. وقولهم : " ولود الوعد عاقر الإنجاز " : يضرب لمن يكثر وعده ويقل نقده . ~~وقولهم : " ودع مالا مودعه " : لأنه إذا استودعه غيره فقد ودعه وغرر به ~~ولعله لا يرجع إليه . وقولهم : " ومورد الجهل وبي المنهل " يضرب في النهي ~~عن استعمال الجهل . ما جاء في أوله لا قولهم : " لا مخبأ لعطر بعد عروس " ~~ويقال : " لا عطر بعد عروس " أول من قاله امرأة من عذرة ، يقال لها : أسماء ~~بنت عبد الله ، وكان لها زوج من بني عمها يقال له : عروس ، فمات عنها ، ~~فتزوجها رجل من قومها يقال له نوفل ، وكان أعسر أبخر بخيلا ذميما ، فلما ~~دخل بها قال : ضمي إليك عطرك ، فقالت : لا عطر بعد عروس ، ذهبت مثلا ، ~~ويقال : إن رجلا تزوج امرأة ، فلما أهديت إليه وجدها PageV03P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" تفلة فقال لها : أين الطيب ؟ فقالت : خبأته ، ~~فقال لها : لا مخبأ لعطر بعد عروس : يضرب مثلا لمن لا يدخر عنه نفيس . ~~وقولهم : " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ms0481 " : يضرب لمن أصيب ونكب مرة بعد ~~أخرى ، يقال هذا من أمثال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قاله لأبي عزة ~~الشاعر وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد أسره يوم بدر فمن عليه ~~وأطلقه ثم أتاه يوم أحد فأسره ، فقال : من علي ، فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين " أي لو كنت مؤمنا لم تعد ~~لقتالنا . وقولهم : " لا أطلب أثرا بعد عين " أول من قاله مالك بن عمرو ~~العامري ، وكان من حديثه أن بعض ملوك غسان كان يطلب في بني عامر ذحلا فأخذ ~~منهم مالكا وسماك ابني عمرو العامري فاحتبسهما زمانا ثم دعا بهما ، فقال ~~لهما : إني قاتل أحدكما ، فأيكما أقتل ؟ فجعل كل واحد منهما يقول : اقتلني ~~مكان أخي ، فقتل سماكا وخلى سبيل مالك ، فقال سماك حين ظن أنه مقتول فاقسم ~~لو قتلوا مالكا . . . لكنت لهم حية راصدة برأس سبيل على مرقب . . . ويوما ~~على طرق وارده فأم سماك فلا تجزعي . . . فللموت ما تلد الوالده وانصرف مالك ~~إلى قومه فأقام فيهم زمانا ثم إن ركبا مروا وواحد منهم يتغنى بقول سماك ~~فأقسموا لو قتلوا مالكا فسمعته أم سماك ، فقالت : يا مالك ، قبح الله ~~الحياة بعد سماك ، اخرج في الطلب فخرج فلقي قاتل أخيه يسير في ناس من قومه ~~فقال : من أحس لي الجمل الأحمر ، فقالوا له وقد عرفوه : يا مالك اكفف ولك ~~مائة من الإبل ، فقال : لا أطلب أثرا بعد عين ، فذهبت مثلا . وقولهم : " لا ~~يرسل الساق إلا ممسكا ساقا " : أصله في الحرباء : يضرب لمن لا يدع حاجة إلا ~~سأل أخرى . PageV03P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" وقولهم : " لا ماءك أبقيت ، ولا حرك أنقيت " : ~~ويروى : ولا درنك ، أصله أن رجلا كان في سفر ومعه امرأته ، وكانت عاركا ~~فطهرت وكان معها ماء يسير فاغتسلت به فنفذ ولم يكفها لغسلها فعطشا فقال هذا ~~القول فسار مثلا ، وقيل : إن الذي قاله الضب بن أروى الكلاعي قاله لامرأته ~~عمرة بنت سبيع ، قال الفرزدق وكنت كذات الحيض لم تبق ماءها . . . ولا هي من ms0482 ~~ماء العذابة طاهر وقولهم : " لا ناقتي في هذا ولا جملي " المثل للحارث بن ~~عباد حين قتل جساس بن مرة كليبا وهاجت الحرب بين الفريقين واعتزلهما الحارث ~~، قال الراعي وما هجرتك حتى قلت معلنة . . . لا ناقة لي في هذا ولا جمل ~~يضرب عند التبرؤ من الظلم والإساءة . وقولهم : " لا ينتطح فيها عنزان " ~~قاله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وقولهم : " لا ينبت البقلة ، إلا ~~الحقلة " الحقلة : القراح ، أي لا يلد الوالد إلا مثله : ويضرب مثلا للكلمة ~~الخسيسة تخرج من الرجل الخسيس . وقولهم : " لا تدخل بين العصا ولحائها " : ~~يضرب في المتخالين المتصافين . وقولهم : " لا يحزنك دم هراقة أهله " قال ~~هذا المثل جذيمة : يضرب لمن يوقع نفسه فيما لا مخلص له منه . حرف الياء ~~قولهم : " يداك أوكتا وفوك نفخ " أصله أن رجلا كان في جزيرة من جزائر البحر ~~فأراد أن يعبر على زق قد نفخ فيه فلم يحسن إحكامه ، فلما توسط البحر ~~PageV03P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" خرجت منه الريح فغرق فاستغاث برجل ، فقال له : ~~يداك أوكتا وفوك نفخ ، فذهبت مثلا : يضرب لمن يجني على نفسه الحين . وقولهم ~~: " يشج ويأسو " : يضرب لمن يصيب في التدبير مرة ويخطىء أخرى ، قال الشاعر ~~إني لأكثر مما سمتني عجبا . . . يد تشج وأخرى منك تأسوني وقولهم : " يسر ~~حسوا في ارتغاء " أصله أن الرجل يؤتي باللبن فيظهر أنه يريد الرغوة خاصة ~~فيشربها ، وهو في ذلك ينال من اللبن : يضرب لمن يريك أنه يعينك وإنما يجر ~~النفع إلى نفسه ، قال الكميت : فإني قد رأيت لكم صدودا . . . وتحساء بعلة ~~مرتغينا وقولهم : " يمشي رويدا ويكون أولا " يضرب للرجل يدرك حاجته في تؤدة ~~ودعة ، وينشد فيه : تسألني أم الوليد جملا . . . يمشي رويدا ويكون أولا ~~وقولهم : " يصبح ظمآن وفي البحر فمه : يضرب لمن يعاشر بخيلا مثريا . وقولهم ~~: " يملأ الدلو إلى عقد الكرب " : مأخوذ من قول عتبة بن أبي لهب من يساجلني ~~يساجل ماجدا . . . يملأ الدلو إلى عقد الكرب وهو الحبل الذي يشد في وسط ~~العراقي : يضرب لمن يبالغ فيما يلي من الأمر . وقولهم : " يكوي البعير من ms0483 ~~يسير الداء " : يضرب في حسم الأمر الضائر قبل أن يعظم ويتفاقم . وقولهم : " ~~يعود على المرء ما يأتمر " ويروى : يعدو ، معناه يعود على الرجل ما تأمره ~~به نفسه فيأتمر ، أي يمتثله ظنا منه أنه رشد ، وربما كان هلاكه فيه ، ومنه ~~قول امرىء القيس أحار بن عمرو كأني خمر . . . ويعدو على المرء ما يأتمر ~~PageV03P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" مما يتمثل به من أشعار الجاهلية امرؤ القيس بن ~~جحر : قد تقدم من شعره في الاستشهاد على أمثال العرب ما يستغنى عن إعادته ~~في هذا المكان . ومن شعره : والبر خير حقيبة الرجل . . . رضيت من الغنيمة ~~بالإياب إن الشقاء على الأشقين مصبوب وقال أيضا : وقاهم جدهم ببني أبيهم . ~~. . وبالأشقين ما كان العتاب وقال : فإنك لم يفخر عليك كفاخر . . . ضعيف ~~ولم يغلبك مثل مغلب زهير بن أبي سلمى يقول : ومن يغترب يحسب عدوا صديقه . . ~~. ومن لا يكرم نفسه لا يكرم ومهما يكن عند امرىء من خليقة . . . ولو خالها ~~تخفي عن الناس تعلم ومن لا يصانع في أمور كثيرة . . . يضرس بأنياب ويوطأ ~~بمنسم ومن يجعل المعروف من دون عرضه . . . يفره ومن لا يتق الشتم يشتم ومن ~~يك ذا فضل فيبخل بفضله . . . على قومه يستغن عنه ويذمم ومن لا يذد عن حوضه ~~بسلاحه . . . يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ومن يعص أطراف الزجاج فإنه . . . ~~مطيع العوالي ركبت كل لهذم وقال أيضا : وهل ينبت الخطى إلا وشيجه . . . ~~وتغرس إلا في منابتها النخل PageV03P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" وقال أيضا : والستر دون الفاحشات وما . . . ~~يلقاك دون الخير من ستر وقال أيضا : فإن الحق مقطعه ثلاث . . . يمين أو ~~نفار أو جلاء يقول : إنما الحقوق تصح بواحدة من هذه الثلاث : يمين أو ~~محاكمة أو حجة واضحة ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعجب من معرفته ~~بمقاطع الحقوق . النابغة الذبياني : اسمه زياد بن عمرو ، ويكنى أبا أمامة ، ~~غلب عليه النابغة لأنه عبر برهة لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله ، وكذلك الجعدي ~~، وقيل : إنما لقب بالنابغة لقوله : فقد نبغت لهم منا شؤون وقيل في نسبه : ~~زياد ms0484 بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة ابن عوف بن سعد بن ~~ذبيان . فما يتمثل به من شعره قوله فإنك كالليل الذي هو مدركي . . . فإن ~~مطية الجهل الشباب وقال ولست بمستبق أخا لا تلمه . . . على شعث أي الرجال ~~المهذب وقال أيضا : استبق ودك للصديق ولا تكن . . . قتبا يعض بغارب ملحاحا ~~طرفة بن العبد يقول حنانيك بعض الشر أهون من بعض . . . ما أشبه الليلة ~~بالبارحه PageV03P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" وقال أيضا : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا . . ~~. ويأتيك بالأخبار من لم تزود وقال أيضا : وأعلم علما ليس بالشك أنه . . . ~~إذا ذل مولى المرء فهو ذليل أوس بن حجر يقول : فإنكما يا ابني حباب وجدتما ~~. . . كمن دب يستخفي وفي الكف جلجل وقال أيضا : وما ينهض البازي بغير جناحه ~~. . . ولا يحمل الماشين إلا الحوامل إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا . . . ~~أصبت حليما أو أصابك جاهل وقال أيضا : ولست بخابي أبدا طعاما . . . حذار غد ~~لكل غد طعام بشر بن أبي خازم يقول وأيدي الندى في الصالحين قروض . . . كفى ~~بالموت نأيا واغترابا المتلمس وهو جرير بن عبد المسيح يقول قليل المال ~~تصلحه فيبقى . . . ولا يبقى الكثير مع الفساد PageV03P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" وقال أيضا : لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع ~~العصا . . . وما علم الإنسان إلا ليعلما ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي . . ~~. جعلت لهم فوق العرانين ميسما وما كنت إلا مثل قاطع كفه . . . بكف له أخرى ~~فأصبح أجذما وقال أيضا : ولا يقيم على ذل يراقبه . . . إلا الأذلان عير ~~السوء والوتد هذا على السخف مربوط برمته . . . وذا يشج فلا يرثي له أحد ~~الأفوه الأودي يقول إنما نعمة دنيا متعة . . . وحياة المرء ثوب مستعار ~~وصروف الدهر في أطباقه . . . حلقة فيها ارتفاع وانحدار بينما الناس على ~~عليائها . . . إذ هووا في هوة منها فغاروا وقال أيضا : والبيت لا يبتنى إلا ~~له عمد . . . ولا عماد إذا لم ترس أوتاد فإن تجمع أوتاد وأعمدة . . . وساكن ~~بلغوا الأمر الذي كادوا تهدي الأمور بأهل الرأي ما صلحت . . . وإن تولت ~~فبالأشرار ms0485 تنقاد لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم . . . ولا سراة إذا جهالهم ~~سادوا تميم بن أبي مقبل يقول خليلي لا تستعجلا وانظرا غدا . . . عسى أن ~~يكون الرفق في الأمر أرشدا PageV03P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" وقال أيضا : ما أنعم العيش لو أن الفتى حجر . ~~. . تنبو الحوادث عنه وهو ملموم حميد بن ثور يقول أرى بصري قد رابني بعد ~~صحة . . . وحسبك داء أن تصح وتسلما ولن يلبث العصران يوما وليلة . . . إذا ~~طلبا أن يدركا ما تيمما عدي بن زيد يقول كفى واعظا للمرء أيام دهره . . . ~~تروح له بالواعظات وتغتدي عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه . . . فكل قرين ~~بالمقارن يقتدي وظلم ذوي القربى أشد مضاضة . . . على المرء من وقع الحسام ~~المهند إذا ما رأيت الشر يبعث أهله . . . وقام جناة الشر للشر فاقعد قال ~~أيضا : يا راقد الليل مسرورا بأوله . . . إن الحوادث قد يطرقن أسحارا وقال ~~قد يدرك المبطىء من حظه . . . والخير قد يسبق جهد الحريص وقال لو بغير ~~الماء حلقي شرق . . . كنت كالغصان بالماء اعتصاري وقال فهل من خالد إما ~~هلكا . . . وهل بالموت يا للناس عار PageV03P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" الأسود بن يعفر يقول ماذا أؤمل بعد آل محرق . ~~. . تركوا منازلهم وبعد إياد أرض تخيرها لطيب مقيلها . . . كعب بن مامة ~~وابن أم دؤاد أهل الخورنق والسدير وبارق . . . والقصر ذي الشرفات من سنداد ~~جرت الرياح على محل ديارهم . . . فكأنهم كانوا على ميعاد ولقد غنوا فيها ~~بأنعم عيشة . . . في ظل ملك ثابت الأوتاد فإذا النعيم وكل ما يلهى به . . . ~~يوما يصير إلى بلى ونفاد علقمة بن عبدة يقول فإن تسألوني بالنساء فإنني . . ~~. عليهم بأدواء النساء طبيب إذا شاب رأس المرء أو قل ماله . . . فليس له في ~~ودهن نصيب يردن ثراء المال حيث علمنه . . . وشرخ الشباب عندهن عجيب وقال ~~أيضا : وكل حصن وإن طالت إقامته . . . على دعائمه لا بد مهدوم ومن تعرض ~~للغربان يزجرها . . . على سلامته لا بد مشئوم عمرو بن كلثوم يقول وما شر ~~الثلاثة أم عمرو . . . بصاحبك الذي لا تصحبينا وإن غدا وإن اليوم رهن ms0486 . . . ~~وبعد غد بما لا تعلمينا PageV03P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" الحارث بن حلزة يقول لا تكسع الشول بأغبارها . ~~. . إنك لا تدري من الناتج واصبب لأضيافك ألبانها . . . فإن شر اللبن ~~الوالج حاتم الطائي يقول أماوى ما يغني الثراء عن الفتى . . . إذا حشرجت ~~يوما وضاق بها الصدر وقد علم الأقوام لو أن حاتما . . . أراد ثراء المال ~~كان له وفر وقال أيضا : وأنت إذا أعطيت بطنك سؤله . . . وفرجك نالا منتهى ~~الذم أجمعا المرقش الأصغر يقول ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره . . . ومن يغو ~~لا يعدم على الغي لائما النمر بن تولب يقول يود الفتى طول السلامة جاهدا . ~~. . فكيف ترى طول السلامة يفعل PageV03P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" وقال أيضا : ومتى تصبك خصاصة فارج الغنى . . . ~~وإلى الذي يهب الرغائب فارعب لا تغضبن على امرىء في ماله . . . وعلى كرائم ~~صلب مالك فاغضب وقال فلا وأبي الناس لا يعلمو . . . ن للخير خير وللشر شر ~~فيوما علينا ويوما لنا . . . ويوما نساء ويوما نسر مهلهل بن ربيعة ، واسمه ~~عدي يقول أعزز على تغلب بما لقيت . . . أخت بني الأكرمين من جشم أنكحها ~~فقدها الأراقم في . . . جنب وكان الخباء من أدم لو بأبانين جاء يخطبها . . ~~. ضرج ما أنف خاطب بدم ليسوا بأكفائنا الكرام ولا . . . يغنون من ذلة ولا ~~عدم طفيل الغنوي يقول إن النساء كأشجار نبتن معا . . . منهن مر وبعض المر ~~مأكول إن النساء متى ينهبن عن خلق . . . فإنه واجب لا بد مفعول عروة بن ~~الورد يقول وما شاب رأسي من سنين تتابعت . . . علي ولكن شيبتني الوقائع ~~PageV03P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" وقال أيضا : ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا . . . ~~من المال يطرح نفسه كل مطرح ليبلغ عذرا أو ينال رغيبة . . . ومبلغ نفس ~~عذرها مثل منجح الأعشى : وهو ميمون بن قيس بن بني قيس بن ثعلبة يقول كناطح ~~صخرة يوما ليفلقها . . . فلم يضرها وأوهي قرنه الوعل وقال أيضا : تعالوا ~~فإن الحكم عند ذوي النهي . . . من الناس كالبلقاء باد حجولها وقال أيضا : ~~ومن يغترب عن قومه لم يزل يرى . . . مصارع مظلوم مجرا ومسحبا وتدفن منه ~~الصالحات وإن ms0487 يسىء . . . يكن ما أثار النار في رأس كبكبا وقال أيضا : عودت ~~كندة عادة فاصبر لها . . . اغفر لجاهلها ورو سجالها لقيط بن معبد يقول ~~قوموا قياما على أمشاط أرجلكم . . . ثم افزعوا قد ينال الأمر من فزعا هيهات ~~ما زالت الأموال مذ أبد . . . لأهلها إن أصيبوا مرة تبعا PageV03P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" تأبط شرا : وهو ثابت بن جابر يقول لتقرعن على ~~السن من ندم . . . إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي المثقب العبدي يقول فإما أن ~~تكون أخي بحق . . . فأعرف منك غثى من سميني وإلا فاطرحني واتخذني . . . ~~عدوا أتقيك وتتقيني فإني لو تعاندني شمالي . . . عنادك ما وصلت بها يميني ~~الممرق العبدي يقول فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي . . . وإلا فأدركني ولما ~~أمزق أفنون التغلبي يقول لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي . . . إذا هو لم ~~يجعل له الله واقيا الأضبط بن قريع السعدي يقول قد يجمع المال غير آكله . . ~~. ويأكل المال غير من جمعه لا تحقرن الفقير علك أن . . . تركع يوما والدهر ~~قد رفعه واقبل من الدهر ما أتاك به . . . من قر عينا بعيشه نفعه ~~PageV03P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" سويد بن أبي كاهل يقول رب من أنضجت غيظا قلبه ~~. . . قد تمنى لي موتا لم يطع ويراني كالشجى في حلقه . . . عسرا مخرجه ما ~~ينتزع ويحييني إذا لاقيته . . . وإذا يحلو له لحمي رتع انتهى ما يتمثل به ~~من أشعار الجاهلية . ومما يتمثل به من أشعار المخضرمين المخضرمون : هم ~~الذين أدركوا الجاهلية والإسلام . منهم لبيد بن ربيعة ، وفاته سنة إحدى ~~وأربعين ، وعمره مائة سنة وسبع وخمسون سنة يقول وإذا رمت رحيلا فارتحل . . ~~. واعص ما يأمر توصيم الكسل واكذب النفس إذا حدثتها . . . إن صدق النفس ~~يزرى بالأمل وقال أيضا : وما المال والأهلون إلا وديعة . . . ولا بد يوما ~~أن ترد الودائع وما المرء إلا كالشهاب وضوئه . . . يحور رمادا بعد إذ هو ~~ساطع وقال أيضا : كانت قناتي لا تلين لغامز . . . فألانها الإصباح والإمساء ~~ودعوت ربي في السلامة جاهدا . . . ليصحني فإذا السلامة داء PageV03P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" وقال أيضا : ذهب الذين يعاش في أكنافهم . . . ~~وبقيت ms0488 في خلف كجلد الأجرب وقال أيضا : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما . . ~~. ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر كعب بن زهير يقول ومن دعا الناس إلى ذمه . ~~. . ذموه بالحق وبالباطل مقالة السوء إلى أهلها . . . أسرع من منحدر سائل ~~النابغة الجعدي : وهو قيس بن عبد الله ، وقيل حسان بن قيس بن عبد الله ~~ويكنى النابغة : أبا ليلى ، وهو أسن من الذبياني ، وطال عمره حتى أدرك أيام ~~بني أمية ، وهو الذي قال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) " لا يفضض الله ~~فاك " فما سقطت له سن ، وفي رواية : فكان أحسن الناس ثغرا إذا سقطت له سن ~~تنبت له أخرى ، وعاش عشرين ومائة سنة ، وقيل أكثر . ومما يتمثل به من شعره ~~قوله ولا خير في حلم إذا لم يكن له . . . بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير ~~في جهل إذا لم يكن له . . . حليم إذا ما أورد الأمر أضدرا وقال أيضا : كليب ~~لعمري كان أكثر ناصرا . . . وأيسر جرما منك ضرج بالدم أمية بن أبي الصلت ~~الثقفي يقول تلك المكارم لا قعبان من لبن . . . شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ~~PageV03P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" حسان بن ثابت يقول وإن امرا يمسي ويصبح سالما ~~. . . من الناس إلا ما جنى لسعيد وقال أيضا : رب حلم أضاعه عدم الما . . . ~~ل وجهل غطى عليه النعيم ما أبالي أنب بالحزن تيس . . . أم لحاني بظهر غيب ~~لئيم الحطيئة : واسمه جرول بن أوس بن مخزوم . وقيل : جرول بن أوس بن مالك ~~ابن غطفان بن سعد ويكنى : أبا مليكة ، والحطيئة لقب غلب عليه ، قيل لقب به ~~لقصره وقربه من الأرض ، وقيل : حبق في مجلس قومه فقال : إنما هي حطأة فسمي ~~الحطيئة . فمما يتمثل به من شعره قوله من يفعل الخير لا يعدم جوازيه . . . ~~لا يذهب العرف بين الله والناس دع المكارم لا ترحل لبغيتها . . . واقعد ~~فإنك أنت الطاعم الكاسي وقال أيضا : أقلوا عليهم لا ابا لأبيكم . . . من ~~اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا . . . وإن ~~وعدوا أوفوا وإن عقدوا ms0489 شدوا متمم بن نويرة يقول وكنا كندماني جذيمة حقبة . ~~. . من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكا . . . لطول اجتماع ~~لم نبت ليلة معا PageV03P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" أبو ذؤيب الهذلي يقول وتجلدي للشامتين أريهم . ~~. . أني لريب الدهر لا أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها . . . ألفيت كل ~~تميمة لا تنفع والنفس راغبة إذا رغبتها . . . وإذا ترد إلى قليل تقنع ~~الخنساء : وهي تماضر بنت عمرو بن الشريد تقول ومن ظن ممن يلاقي الحروب . . ~~. بأن لا يصاب فقد ظن عجزا وقالت أيضا : نهين النفوس وبذل النفو . . . س ~~عند الكريهة أبقى لها عمرو بن معد يكرب يقول إذا لم تستطع أمرا فدعه . . . ~~وجاوزه إلى ما تستطيع وقال أيضا : ليس الجمال بمئزر . . . فاعلم وإن رذيت ~~بردا إن الجمال مآثر . . . ومكارم أو رثن مجدا PageV03P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" معن بن أوس يقول وفي الناس إن رثت حبالك واصل ~~. . . وفي الأرض عن دار القلى متحول إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد . . . ~~إليه بوجه آخر الدهر تقبل وقال أيضا : أعلمه الرماية كل يوم . . . فلما ~~اشتد ساعده رماني زياد بن زيد يقول ولا أتمنى الشر والشر تاركي . . . ولكن ~~متى أحمل على الشر أركب وقال أيضا : هل الدهر والأيام إلا كما ترى . . . ~~رؤية مال أو فراق حبيب أيمن بن خزيم بن فاتك الأسدي يقول إن للفتنة ميطا ~~بيننا . . . فرويد الميط منها تعتدل فإذا كان عطاء فأتهم . . . وإذا كان ~~قتال فاعتزل انتهى ما يتمثل به من أشعار المخضرمين . ومما يتمثل به من ~~أشعار صدر الإسلام القطامي : واسمه عمير بن شيم يقول ومعصية الشفيق عليك ~~مما . . . يزيدك مرة منه استماعا PageV03P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" وخير الأمر ما استقبلت منه . . . وليس بأن ~~تتبعه اتباعا أراهم يغمزون من استركوا . . . ويجتنبون من صدق المصاعا كذاك ~~وما رأيت الناس إلا . . . إلى ما جر جانيهم سراعا وقال أيضا : قد يدرك ~~المتأني بعض حاجته . . . وقد يكون مع المستعجل الزلل وربما فات بعض القوم ~~أمرهم . . . مع التأني وكان الرأي لو عجلوا والناس من يلق خيرا قائلون له . ~~. . ما يشتهي ولأم ms0490 المخطىء الهبل الطرماح بن حكيم بن الحكم يقول لقد زادني ~~حبا لنفسي أنني . . . بغيض إلى كل امريء غير طائل وأني شقي باللئام ولن ترى ~~. . . شقيا بهم إلا كريم الشمائل الكميت بن زيد الأسدي يقول إذا لم يكن إلا ~~الأسنة مركب . . . فلا رأى للمضطر إلا ركوبها وقال أيضا : فيا موقدا نارا ~~لغيرك ضوءها . . . ويا حاطبا في حبل غيرك تحطب المساور بن هند يقول شقيت ~~بنو أسد بشعر مساور . . . إن الشقي بكل حبل يخنق PageV03P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" عدي بن الرقاع يقول وإذا نظرت إلى أميري زادني ~~. . . ضنا به تطوى إلى الأمراء بل ما رأيت جبال أرض تستوي . . . فيما عشيت ~~ولا نجوم سماء كالبرق منه وابل متتابع . . . جود وآخر ما يبض بماء والمرء ~~يورث مجده أبناءه . . . ويموت آخر وهو في الأحياء الفرزدق ، واسمه همام بن ~~غالب يقول : فواعجبا حتى كليب تسبني . . . كأن أباها نهشل أو مجاشع وقال ~~أيضا : ترجى ربيع أن يجيء صغارها . . . بخير وقد أعيا عليك كبارها وقال ~~أيضا : فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة . . . وإلا فإني لا إخالك ناجيا وقال ~~أيضا : يمضي أخوك فلا تلقى له خلفا . . . والمال بعد ذهاب المال مكتسب وقال ~~أيضا : ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا . . . مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا ~~وقال أيضا : قل لنضر والمرء في دولة السل . . . طان أعمى ما دام يدعى أميرا ~~فإذا زالت الولاية عنه . . . واستوى بالرجال عاد بصيرا وقال أيضا : ولا ~~تلين لسلطان يكايدنا . . . حتى يلين لضرس الماضغ الحجر PageV03P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" وقال أيضا : هل ابنك إلا ابن من الناس فاصبرن ~~. . . فلن يرجع الموتى حنين المآتم جرير : هو ابن الخطفى توفي سنة عشر ~~ومائة يقول : إن الكريمة ينصر الكرم ابنها . . . اللئيمة للئام نصور وقال ~~أيضا : زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا . . . أبشر بطول سلامة يا مربع وقال ~~أيضا : وابن اللبون إذا مالز في قرن . . . لم يستطع صولة البزل القناعيس ~~وقال أيضا : رأيتك مثل البرق يحسب ضوءه . . . قريبا وأدنى ضوئه منك نازح ~~وقال ايضا : أما الرجال فجعلان ونسوتهم . . . مثل القنافذ لا حسن ولا طيب ms0491 ~~الأخطل : واسمه مالك بن غياث بن غوث ، وقال أبو الفرج الأصبهاني : اسمه ~~غياث ابن غوث بن الصلت بن طارقة بن سيحان بن عمرو ، ورفع نسبه إلى جشم بن ~~بكر ويكنى : أبا مالك ، قال : وقال المدائني هو غياث بن غوث بن سلمة بن ~~طارقة . فمما يتمثل به من شعره قوله : والناس همهم الحياة ولا أرى . . . ~~طول الحياة يزيد غير خبال وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد . . . ذخرا يكون ~~لصالح الأعمال قال أيضا : إن الصنيعة تلقاها وإن قدمت . . . كالعر يكمن ~~حينا ثم ينتشر وأقسم المجد حقا لا يحالفهم . . . حتى يحالف بطن الراحة ~~الشعر PageV03P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" وقال أيضا : وإذا دعوتك يا أخي فإنه . . . ~~أحنى إليك مودة ووصالا وإذا دعونك عمهن فإنه . . . نسب يزيدك عندهن خبالا ~~وقال أيضا : ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت . . . فدل عليها صوتها حية البحر ~~وقال أيضا : يا مرسل الريح جنوبا وصبا . . . إن غضبت قيس فزدها غضبا ~~الصلتان العبدي يقول : وإن يك بحر الحنظليين واحدا . . . فما يستوي حيتانه ~~والضفادع وما يستوي صدر القناة وزجها . . . وما يستوي في الراحتين الأصابع ~~كثير عزه : وهو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود الخزاعي ، توفي سنة خمس ومائة ~~يقول وإني وتهيامي بعزة بعد ما . . . تخليت مما بيننا وتخلت لكالمرتجي ظل ~~الغمامة كلما . . . تبوأ منها للمقيل اضمحلت فقلت لها يا عز كل مصيبة . . . ~~إذا وطنت يوما لها النفس ذلت هنيئا مريثا غير داء مخامر . . . لعزة من ~~أعراضنا ما استحلت وقال أيضا : قضى كل ذي دين فوفى غريمه . . . وعزه ممطول ~~معنى غريمها وقال أيضا : ومن لا يغمض عينه عن صديقه . . . وعن بعض ما فيه ~~يمت وهو عاتب ومن يتتبع جاهدا كل عثرة . . . يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب ~~PageV03P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" جميل يقول فإن يك حرب بين قومي وبينها . . . ~~فإني لها في كل نائية سلم وقال أيضا : ولرب عارضة علينا وصلها . . . بالجد ~~تخلطه بقول الهازل فأجبتها في القول بعد تستر . . . حبي بثينة عن وصالك ~~شاغلي لو كان في قلبي كقدر قلامة . . . وصلا وصلتك أو أتتك رسائلي عمر ms0492 بن ~~عبد الله بن أبي ربيعة يقول ليت هندا أنجزتنا ما تعد . . . وشفت أكبادنا ~~مما نجد واستبدت مرة واحدة . . . إنما العاجز من لا يستبد وقال أيضا : لا ~~تلمني وأنت زينتها لي . . . أنت مثل الشيطان للإنسان ومما يتمثل به من ~~أشعار المحدثين منهم إبراهيم بن هرمة يقول عجبت أثيلة أن رأتني مخلقا . . . ~~ثكلتك أمك أي ذاك يروع قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه . . . خلق وجيب قميصه ~~مرقوع PageV03P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" وقال أيضا : كتاركة بيضها بالعراء . . . ~~وملبسة بيض أخرى جناحا بشار بن برد يقول إذا كنت في كل الأمور معاتبا . . . ~~صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه فعش واحدا أو صل أخاك فإنه . . . مقارف ذنب ~~مرة ومجانبه إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى . . . ظمئت وأي الناس تصفو ~~مشاربه وقال أيضا : ولا تجعل الشورى عليك غصاضة . . . فإن الخوافي عدة ~~للقوادم وما خير كف أمسك الغل أختها . . . وما خير سيف لم يؤيد بقائم وقال ~~أيضا : كبكر تشهى لذيذ النكاح . . . وتفرق من صولة الناكح وقال أيضا : أنت ~~من قلبها محل شراب . . . يشتهي شربه ويخشى صداعه وقال أيضا : الحر يلحى ~~والعصا للعبد . . . وليس للمحلف مثل الرد وصاحب كالدمل الممد . . . حملته ~~في رقعة من جلدي وقال أيضا : وإذا جفوت قطعت عنك منافعي . . . والدر يقطعه ~~جفاء الحالب وقال أيضا : ولولا الذي خبروا لم أكن . . . لا مدح ريحانة قبل ~~شم PageV03P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" وقال أيضا : تأتي المقيم وما سعى حاجاته . . . ~~عدد الحصى ويخيب سعي الناصب وقال أيضا : أنا والله أشتهي سحر عيني . . . ك ~~وأخشى مصارع العشاق وقال أيضا : نرجو غدا وغدا كحاملة . . . في الحي لا ~~يدرون ما تلد وقال أيضا : تسقط الطير حيث ينتثر الح . . . ب وتغشى منازل ~~الكرماء ليس يعطيك للرجاء ولا الخو . . . ف ولكن يلذ طعم العطاء وقال أيضا ~~: والصعب يمكن بعد ما جمحا . . . ولن تبلغ العليا بغير الدراهم وقال أيضا : ~~ولا بد من شكوى إلا ذي مروءة . . . يواسيك أو يسليك أو يتوجع أبو العتاهية ~~يقول أذل الحرص أعناق الرجال . . . وكل غنى في العيون جليل PageV03P0075 # """""" صفحة رقم 76 ms0493 """""" رواءح الجنة في الشباب . . . وأي الناس ليس له ~~عيوب وقال أيضا : إن الشباب والفراغ والجده . . . مفسدة للدين أي مفسده ~~وقال أيضا : أنت ما استغنيت عن صا . . . حبك الدهر أخوه فإذا احتجت إليه . ~~. . ساعة مجك فوه وقال أيضا : ما يحرز المرء من أطرافه طرفا . . . إلا ~~تخونه النقصان من طرف وقال أيضا : يصاد فؤادي حين أرمي ورميتي . . . تعود ~~إلى نحري ويسلم من أرمى وقال أيضا : ولرب شهوة ساعة . . . قد أورثت حزنا ~~طويلا سلم بن عمرو الخاسر : وهو مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وهو ~~بصري لقب الخاسر لأنه ورث من أبي مصحفا فباعه واشترى بثمنه طنبورا ، وقيل : ~~بل خلف أبوه مالا فأنفقه في الأدب والشعر ، فقال له بعض أهله : إنك لخاسر ~~الصفقة ، فلقب بذلك . فمما يتمثل به من شعره قوله من راقب الناس مات غما . ~~. . وفاز باللذة الجسور لولا منى العاشقين ماتوا . . . غما وبعض المنى غرور ~~PageV03P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" وقال أيضا : ولو ملكت عنان الريح تصرفه . . . ~~في كل ناحية ما فاتك الطلب وقال أيضا : لا تسأل المرء عن خلائقه . . . في ~~وجهه شاهد من الخبر صالح بن عبد القدوس يقول ما يبلغ الأعداء من جاهل . . . ~~ما يبلغ الجاهل من نفسه والجاهل الآمل ما في غد . . . كحفظه في اليوم أو ~~أمسه والشيخ لا يترك أخلاقه . . . حتى يواري في ثرى رمسه والحمق داء ماله ~~حيلة . . . ترجى كبعد النجم من لمسه وقال أيضا : وإن عناء أن تفهم جاهلا . ~~. . فيحسب جهلا أنه منك أفهم متى يبلغ البنيان يوما تمامه . . . إذا كنت ~~تبنيه وغيرك يهدم وقال أيضا : إذا وترت امرءا فاحذر عداوته . . . من يزرع ~~الشوك لا يحصد به عنبا وقال أيضا : شر المواهب ما تجود به . . . من غير ~~محمدة ولا أجر وقال أيضا : لا تجد بالعطاء في غير حق . . . ليس في منع غير ~~ذي الحق بخل إنما الجود أن تجود على من . . . هو للجود منك والبذل أهل وقال ~~أيضا : يشقى رجال ويشقى آخرون بهم . . . ويسعد الله أقواما بأقوام ~~PageV03P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" وليس رزق الفتى من لطف حيلته ms0494 . . . لكن جدود ~~بأرزاق وأقسام كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد . . . يرمى فيرزقه من ليس ~~بالرامي وقال أيضا : إن يكن به ما أصبت جليلا . . . فذهاب العزاء منه أجل ~~كل آت لا شك آت وذو الجه . . . ل معنى والغم والحزن فضل ابن ميادة هو ~~الرماح بن أبي أبرد كنيته شرحبيل يقول واعجبا من خالد كيف لا . . . يخطيء ~~فينا مرة بالصواب وقال أيضا : وأرانا كالزرع يحصده الده . . . ر فمن بين ~~قائم وحصيد وكأنا للموت ركب مخبو . . . ن سراع لمنهل مورود أبو نواس الحسن ~~بن هانيء يقول دع عنك لومي فإن اللوم إغراء . . . ألا رب إحسان عليك ثقيل ~~وقال : وللرجاء حرمة لا تجهل . . . وأي جد بلغ المازح وقال أيضا : إذا ~~امتحن الدنيا لبيب تكشفت . . . له عن عدو في ثياب صديق PageV03P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" وقال أيضا : لا أذود الطير عن شجر . . . قد ~~بلوت المر من ثمره وقال أيضا : وليس لله بمستنكر . . . أن يجمع العالم في ~~واحد وقال أيضا : صار جدا ما مزحت به . . . رب جد ساقه اللعب وقال أيضا : ~~كفى حزنا أن الجواد مقتر . . . عليه ولا معروف عند بخيل وقال أيضا : وأوبة ~~مشتاق بغير دراهم . . . إلى أهله من أعظم الحدثان أبو عيينة المهلبي يقول ~~وكيف جحود القلب والعين تشهد . . . ولا خير فيمن لا يدوم له عهد وشتان ما ~~بين الولاية والعزل وقال أيضا : وإذا تطاولت الرءو . . . س فغط رأسك ثم ~~طاطه عبد الله بن أبي عتبة المهلبي يقول كل المصائب قد تمر على الفتى . . . ~~فتهون غير شماتة الأعداء PageV03P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" وقال أيضا : ما كنت إلا كلحم ميت . . . دعا ~~إلى أكله اضطرار العباس بن الأحنف يقول لو كنت عاتبة لسكن روعتي . . . أملي ~~رضاك وزرت غير مراقب لكن مللت فما لصدك حيلة . . . صد الملول خلاف صد ~~العاتب وقال أيضا : صرت كأني ذبالة نصبت . . . تضيء للناس وهي تحترق وقال ~~أيضا : أرى الطريق قريبا حين أسلكه . . . إلى الحبيب بعيدا حين أنصرف وقال ~~أيضا : كفى حزنا أن التباعد بيننا . . . وقد جمعتنا والأحبة دار وقال أيضا ~~: اقمنا مكرهين بها فلما . . . ألفناها ms0495 خرجنا مكرهينا وقال أيضا : ولا خير ~~في ود يكون بشافع . . . من عالج الشوق لم يستبعد الدارا مسلم بن الوليد : ~~هو مولى الأنصار ، ثم مولى آل أبي أمامة : أسعد بن زرارة الخزرجي ولقب صريع ~~الغواني ، ومما يتمثل به من شعره قوله دلت على عيبها الدنيا وصدقها . . . ~~ما استرجع الدهر مما كان أعطاني وكان يقول أخذت معنى هذا البيت من التوراة ~~. PageV03P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" وقال أيضا : يعد الفتى مر الليالي سليمة . . . ~~وهن به عما قليل عواثر وقال أيضا : أما الهجاء فدق عرضك دونه . . . والمدح ~~عنك كما علمت جليل فاذهب فأنت طليق عرضك إنه . . . عرض عززت به وأنت ذليل ~~منصور النمري : هو منصور بن الزبرقان بن سلمة ، وقيل منصور بن سلمة بن ~~الزبرقان بن شريك ، مطعم الكبش الرخم ، سمي بذلك لأنه أطعم ناسا نزلوا به ~~ونحر لهم ، ثم رفع رأسه فإذا هو برخم يحمن حول أضيافه ، فأمر أن يذبح لهن ~~كبش ويرمى لهن ففعل ذلك ونزلت عليه فمزقنه ، وهو ابن مالك بن سعد بن عامر ~~الضحيان ، سمي بذلك لأنه كان سيد قومه وحاكمهم وكان يجلس لهم إذا أضحى ~~النهار ، وهو ابن سعد ابن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن ~~أفصى بن دعمي بن جديلة ابن أسد بن ربيعة بن نزار . فمما يتمثل به من شعره ~~قوله لعل لها عذرا وأنت تلوم . . . ورب امريء قد لام وهو مليم وقال أيضا : ~~ما كنت أوفى شبابي كنه عزته . . . حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع وقال أيضا ~~: أقلل عتاب من استربت بوده . . . ليست تنال مودة بعتاب العتابي : هو كلثوم ~~بن عمرو بن أيوب بن عبيد بن حبيش بن أوس بن مسعود ابن عمرو بن كلثوم الشاعر ~~ابن مالك بن عتاب بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن ~~تغلب . فمما يتمثل به من شعره قوله وإن عظيمات الأمور مشوبة . . . ~~بمستودعات في بطون الأساود PageV03P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" وقال أيضا : ولله في عرض السموات جنة . . . ~~ولكنها محفوفة ms0496 بالمكاره وقال أيضا : قلت للفرقدين والليل ملق . . . سود ~~أكنافه على الآفاق ابقيا ما بقيتما سوف يرمى . . . بين شخصيكما بسهم الفراق ~~أشجع السلمى : هو أشجع بن عمرو أبو الوليد ، وقيل : أبو عمرو من أهل الرقة ~~. فمما يتمثل به من شعره قوله نسيبك من أمسى يناجيك طرفه . . . وليس لمن ~~تحت التراب نسيب وقال أيضا : سبق القضاء بكل ما هو كائن . . . فليجهد ~~المتقلب المحتال وقال أيضا : داء قديم في بني آدم . . . فتنة إنسان بإنسان ~~وقال أيضا : وعلى عدوك يا ابن عم محمد . . . رصدان ضوء الصبح والإظلام فإذا ~~تنبه رعته وإذا غفا . . . سلت عليه سيوفك الأحلام الجرهمي وأعددته ذخرا لكل ~~ملمة . . . وسهم الرزايا بالذخائر مولع PageV03P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" وقال أيضا : إذا ما مات بعضك فابك بعضا . . . ~~فإن البعض من بعض قريب وقال أيضا : أرى الحلم في بعض المواطن دلة . . . وفي ~~بعضها عزا يسود فاعله وقال أيضا : ودون الندى في كل قلب ثنية . . . لها ~~مصعد حزن ومنحدر سهل وقال أيضا : العيش لا عيش إلا ما قنعت به . . . قد ~~يكثر المال والإنسان مفتقر وقال أيضا : وهل حازم إلا كآخر عاجز . . . إذا ~~حل بالإنسان ما يتوقع محمود الوراق : هو محمود بن الحسن البغدادي مولى بني ~~زهرة ، ويكنى أبا الحسن . فمما يتمثل به من شعره قوله وإذا غلا شيء على ~~تركته . . . فيكون أرخص ما يكون إذا غلا وقال أيضا : ما كدت أفحص على أخي ~~ثقة . . . إلا ذممت عواقب الفحص وقال أيضا : الدهر لا يبقى على حالة . . . ~~لا بد أن يقبل أو يدبرا فإن تلقاك بمكروهه . . . فاصبر فإن الدهر لن يصبرا ~~وقال أيضا : إذا كان وجه العذر ليس بواضح . . . فإن اطراح العذر خير من ~~العذر PageV03P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" محمد بن حازم الباهلي ألا إنما الدنيا على ~~المرء فتنة . . . على كل حال أقبلت أم تولت وقال أيضا : وقائل كيف تفرقتما ~~. . . فقلت قولا فيه إنصاف لم يك لي شكلا ففارقته . . . والناس أشكال وألاف ~~السموءل بن عادياء إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه . . . فكل رداء يرتديه ~~جميل وقال أيضا : إذا كنت ms0497 ملحيا مسيئا ومحسننا . . . فغشيان ما تهوى من ~~الأمر أكيس محمد بن أبي زرع الدمشقي لا يؤنسنك أن تراني ضاحكا . . . كم ~~ضحكة فيها عبوس كامن وقال أيضا : قد يمهن الهندي وهو حسام . . . ويحث ~~الجواد وهو جواد أبو الشيص : واسمه محمد بن رزين بن تميم بن نهشل ، وأبو ~~الشيص لقب غلب عليه ، وكنيته أبو جعفر وهو عم دعبل بن علي . فمما يتمثل به ~~من شعره قوله إذا لم تكن طرق الهوى لي ذليلة . . . تنكبتها وانحزت من جانب ~~السهل PageV03P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" علي بن جبلة بن عبد الرحمن الأنباري ، وهو ~~الملقب العكوك قال وأرى الليالي ما طوت من شرتي . . . ردته في عظتي وفي ~~إفهامي وعلمت أن المرء من سنن الردى . . . حيث الرمية من سهام الرامي وقال ~~أيضا : وخافت على التطواف قومي وإنما . . . تصاب غرار الوحش وهي رتوع ~~اللجلاج الحارثي وما كنت زوارا ولكن ذا الهوى . . . إلى حيث يهوى القلب ~~تهوى به الرجل وقال أيضا : إذا ما أهان امرؤ نفسه . . . فلا أكرم الله من ~~يكرمه عبد الصمد بن المعذل ليس لي عذر وعندي بلغة . . . إنما العذر لمن لا ~~يستطيع وقال أيضا : وأعلم أن بنات الرجاء . . . تحل العزيز محل الذليل وأن ~~ليس مستغنيا بالكثي . . . ر من ليس مستغنيا بالقليل وقال أيضا : أرى الناس ~~أحدوثة . . . فكونوا حديثا حسن كان لم يكن ما أتى . . . وما قد مضى لم يكن ~~PageV03P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" إذا وطن رابني . . . فكل بلاد وطن إذا عز يوما ~~أخو . . . ك في بعض أمر فهن الحمدوني إن المقدم في حذق بصنعته . . . أنى ~~توجه فيها فهو محروم العتبي قالت عهدتك مجنونا فقلت لها . . . إن الشباب ~~جنون برؤه الكبر وقال أيضا : وحسبك من حادث بامرىء . . . يرى حاسديه له ~~راحمينا أبو سعيد المخزومي : واسمه عيسى بن خالد بن الوليد ، والصحيح أنه ~~أبو سعد لا سعيد . فمما يتمثل به في شعره قوله وكم رأينا للدهر من أسد . . ~~. بالت على راسه ثعالبه وقال أيضا : إذا ضن الجواد بما لديه . . . فما فضل ~~الجواد على البخيل وقال أيضا : ليس لبس الطيالس . . . من ms0498 لباس الفوارس لا ~~ولا حومة الوغى . . . كصدور المجالس وظهور الجياد غي . . . ر ظهور الطنافس ~~ليس من مارس الخطو . . . ب كمن لم يمارس PageV03P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" دعبل بن علي الخزاعي : هو أبو جعفر واسمه محمد ~~ودعبل لقب غلب عليه ، والدعبل : البعير المسن ، وقيل : الناقة التي معها ~~أولادها . فمما يتمثل بن من شعره قوله لا تعجبي يا سلم من رجل . . . ضحك ~~المشيب برأسه فبكى وقال أيضا : هي النفس ما حسنته فمحسن . . . إليها وما ~~قبحته فمقبح وقال أيضا : جئنا به يشفع في حاجة . . . فاحتاج في الإذن إلى ~~شافع وقال أيضا : تلك المساعي إذا ما أخرت رجلا . . . أحب للناس عيبا كالذي ~~عابه كذاك من كان هدم المجد عادته . . . فإنه لبناء المجد عيابه إسحاق بن ~~إبراهيم الموصلي وكل مسافر يزداد شوقا . . . إذا دنت الديار من الديار ~~المؤمل بن أميل إذا مرضنا أتيناكم نعودكم . . . وتذنبون فنأتيكم ونعتذر لا ~~تحسبوني غنيا عن مودتكم . . . إني إليكم وإن أيسرت مفتقر PageV03P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول مولى يزيد ~~بن المهلب يكنى أبا إسحاق ، وأصله من خراسان . فمما يتمثل به من شعره قوله ~~ورب أخ ناديته لملمة . . . فألفيته منها أجل وأعظما وقال أيضا : وكنت أذم ~~إليك الزمان . . . فأصبحت فيك أذم الزمانا وكنت أعدك للنائبات . . . فها ~~أنا أطلب منك الأمانا وقال أيضا : دنت بأناس عن تناء زيارة . . . وشط بليلى ~~عن دنو مزارها وإن مقيمات بمنقطع اللوى . . . لأقرب من ليلى وهاتيك دارها ~~أبو علي البصير : وهو الفضل بن جعفر الكوفي يقول فلا تعتذر بالشغل عنا ~~فإنما . . . تناط بك الآمال ما اتصل الشغل وقال أيضا : لعمر أبيك ما نسب ~~المعلى . . . إلى كرم وفي الدنيا كريم ولكن البلاد إذا اقشعرت . . . وصوح ~~نبتها رعى الهشيم PageV03P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" سعيد بن حمير يقول إن جهد المقل غير قليل . . ~~. وعلى المريب شواهد لا تدفع وقال أيضا : وإنك كالدنيا تذم صروفها . . . ~~ونوسعها سبا ونحن عبيدها علي بن الجهم يقول ولكل حال معقب ولربما . . . ~~أجلى لك المكروه عما تحمد وقال أيضا : وعاقبة الصبر الجميل جميلة ms0499 . . . ~~وأفضل أخلاق الرجال التفضل ولا عار إن زالت عن المرء نعمة . . . ولكن عارا ~~أن يزول التجمل وقال أيضا : ارض للسائل الخضوع وللقا . . . رف ذنبا مذلة ~~الأعذار ابن أبي فنن : هو أحمد بن صالح بن أبي معشر مولى المنصور يقول أرى ~~الدهر يخلقني كلما . . . لبست من الدهر ثوبا جديدا وقال أيضا : سر من عاش ~~ماله فإذا حا . . . سبه الله سره الإعدام وقال أيضا : رب أمر سر أخره . . . ~~بعد ما ساءت أوائله PageV03P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" يزيد بن محمد المهلبي يقول لا عار إن ضامك دهر ~~أو ملك وقال وإن الناس جمعهم كثير . . . ولكن من تسر به قليل وقال أيضا : ~~ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها . . . كفى المرء نبلا أن تعد معايبه عمارة بن ~~عقي بن بلال بن جرير يقول فإن تلحظى حالي وحالك مرة . . . بنظرة عين عن هوى ~~النفس تحجب ترى كل يوم مر من بؤس عيشتي . . . عليك بيوم من نعيمك يحسب أحمد ~~بن أبي طاهر يقول ودين الفتى بين التماسك والنهي . . . ودنيا الفتى بين ~~الهوى والتغرر وقال أيضا : حسن الفتى أن يكون ذا حسب . . . من نفسه ليس ~~حسنه حسبه أبو تمام حبيب بن أوس الطائي يقول : ما الحب إلا للحبيب الأول . ~~. . لسان المرء من جذم الفؤاد وذي النقص في الدنيا بذي الفضل مولع ~~PageV03P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" وقال ما أب من أب لم يظفر بحاجته . . . ولم ~~يعب طالب للنجح لم يجب وقال أيضا : ومن لم يسلم للنوائب أصبحت . . . خلائقه ~~طرا عليه نوائبا وقال أيضا : لأمر عليهم أن يتم صدوره . . . وليس عليه أن ~~تتم عواقبه وقال أيضا : لا تنكري عطل الكريم من الغنى . . . فالسيل حرب ~~للمكان العالي وقال أيضا : وإذا تأملت البلاد رأيتها . . . تثري كما تثري ~~الرجال وتعدم وقال أيضا : وإذا أمرؤ أهدى إليك صنيعة . . . من جاهه فكأنها ~~من ماله وقال أيضا : خلقنا رجالا للتجلد والأسى . . . وتلك الغواني للبكا ~~والمآتم وقال أيضا : ينال الفتى من عيشه وهو جاهل . . . ويكدي الفتى في ~~دهره وهو عالم ولو كانت الأرزاق تجري على الحجى . . . هلكن إذا من ms0500 جهلهن ~~البهائم وقال أيضا : أآلفة النحيب كم افتراق . . . أطل فكان داعية اجتماع ~~وليست فرحة الأوبات إلا . . . لموقوف على ترح الوداع وقال أيضا : وإذا أراد ~~الله نشر فضيلة . . . يوما أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما ~~جاورت . . . ما كان يعرف طيب عرف العود PageV03P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" وقال أيضا : خشعوا لصولتك التي هي عندهم . . . ~~كالموت يأتي ليس فيه عار وقال أيضا : ذاك الذي قرحت بطون جفونه . . . مرها ~~وتربة أرضه من إثمد وقال أيضا : وتركي ساعة الصدر اعتباطا . . . يدل على ~~موافقة الورود وقال أيضا : ولم أر كالمعروف تدعي حقوقه . . . مغارم في ~~الأقوام وهي مغانم وقال أيضا : وإن أمرءا ضنت يداه على أمريء . . . بنيل يد ~~من غيره لبخيل أبو عبادة البحتري ، وهو الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد بن ~~شملان بن جابر ابن مسلمة بن مسهر بن الحارث بن خيثم بن أبي حارثة بن جدي بن ~~نزول بن بحتر الطائي . فمما يتمثل به من شعره قوله وأبرح مما حل ما يتوقع ~~وقال أيضا : وليس تقترن النعماء والحسد وقال أيضا : إن المعنى طالب لا يظفر ~~وقال أيضا : أرى الكفر للنعماء ضربا من الكفر وقال أيضا : يزين اللآلى في ~~النظام ازدواجها PageV03P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" وقال وكان رجائي أن أؤوب مملكا . . . فصار ~~رجائي أن أؤوب مسلما وقال أيضا : متى أحرجت ذا كرم تخطى . . . إليك ببعض ~~أخلاق اللئيم وقال أيضا : والشيء تمنعه يكون بفوته . . . أجدي من الشيء ~~الذي تعطاه وقال أيضا : تناس ذنوب قومك إن حفظ ال . . . ذنوب إذا قدمن من ~~الذنوب وقال أيضا : وإذا ما خفيت كنت حريا . . . أن أرى غير مصبح حيث أمسى ~~وقال أيضا : متى أردت الدنيا نباهة خامل . . . فلا تنظر إلا خمول نبيه وقال ~~أيضا : وأرى النجابة لا يكون تمامها . . . لنجيب قوم ليس بابن نجيب وقال ~~أيضا : وإذا ما الشريف لم يتواضع . . . للأخلاء فهو عين الوضيع وقال أيضا : ~~ولم أر أمثال الرجال تفاوتت . . . إلى المجد حتى عد ألف بواحد وقال أيضا : ~~ليس الذي يعطيك تالد ماله . . . مثل الذي يعطيك مال الناس وتفاضل ms0501 الأخلاق ~~إن حصلتها . . . في الناس حيث تفاضل الأجناس وقال أيضا : لا ييأس المرء أن ~~ينجيه . . . ما يحسب الناس أنه عطبه يسرك الشيء قد يسوء وكم . . . نوه يوما ~~بخامل لقبه PageV03P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" وقال أيضا : إذا محاسني اللاتي أدل بها . . . ~~كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر وقال أيضا : وعطاء غيرك إن بذل . . . ت عناية ~~فيه عطاؤك ديك الجن ، واسمه عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن ~~عبد الله ابن رغبان بن زيد بن تميم بن مجد من أهل حمص يقول وشافي النصح ~~يعدل بالأشافي . . . وليس القدر إلا بالأثافي وقال إذا شجر المودة لم تجده ~~. . . بغيث البر أسرع في الجفاف وقال أيضا : يرقد الناس آمنين وريب ال . . ~~. دهر يرعاهم بمقلة لص ابن الرومي يقول وكم داخل بين الحميمين مصلح . . . ~~كما انغل بين العين والجفن مرود وقال أيضا : هو باز صائد أرسلته . . . ~~فارجعوه سالما إن لم يصد وقال أيضا : وما الحمد إلا توأم الشكر في الفتى . ~~. . وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض إذا الأرض ردت ريع ما أنت زارع . . . من ~~البذر فهي الأرض ناهيك من أرض وقال أيضا : وإذا أتاك من الأمور مقدر . . . ~~ففررت منه فنحوه تتوجه PageV03P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" وقال أيضا : كيف ترضى الفقر عرسا لامريء . . . ~~وهو لا يرضى لك الدنيا أمه وقال أيضا : عدوك من صديقك مستفاد . . . فلا ~~تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه . . . يكون من الطعام أو الشراب ~~عبد الله بن المعتز يقول فإن العيون وجوه القلوب وقال أيضا : أم الكرام ~~قليلة الأولاد وقال أيضا : أبطأ فيض الدلاء أملؤها وقال أيضا : اصبر على ~~كيد الحسو . . . د فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها . . . إذ لم تجد ما ~~تاكله وقال أيضا : ولا هم إلا سوف يفتح قفله . . . ولا حال إلا للفتى بعدها ~~حال وقال أيضا : لا تأمنوا من بعد خير شرا . . . كم غصن أخضر عاد جمرا وقال ~~أيضا : وإني على إشفاق عيني من البكا . . . لتجمح مني نظرة ثم أطرق كما ~~حلئت عن ماء برد طريدة . . . تمد إليه جيدها ms0502 وهي تفرق PageV03P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" وقال أيضا وإشارته إلى الديك صفق إما ارتياحة ~~لسنا ال . . . فجر وإما على الدجى أسفا عبيد بن عبد الله بن طاهر ألم تر أن ~~المرء تدوي يمينه . . . فيقطعها عمدا ليسلم سائره فكيف تراه بعد يمناه ~~صانعا . . . لمن ليس منه حين تدوي سرائره وقال أيضا : ألا قبح الله الضرورة ~~إنها . . . تكلف أعلى الخلق أدنى الخلائق وقال أيضا : وكم قائل قد قال مالك ~~راجلا . . . فقلت له من أجل أنك فارس وقال أيضا : ومن سره أن لا يرى ما ~~يسوءه . . . فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا ابن طباطبا العلوي : هو أبو الحسن ~~محمد بن أحمد العلوي الأصبهاني يقول إن في نيل المنى وشك الردى . . . وقياس ~~القصد عند السرف كسراج دهنه قوت له . . . فإذا غرقته فيه طفى وقال أيضا : ~~لقد قال أبو بكر . . . صوابا بعد ما أنصت خرجنا لم نصد شيئا . . . وما كان ~~لنا أفلت وقال أيضا : يا عيشنا المفقود خذ من عمرنا . . . عاما ورد من ~~الصبا أياما PageV03P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" منصور الفقيه المقريء يقول يا من يخاف أن يكو ~~. . . ن ما أخاف سرمدا أما سمعت قولهم . . . إن مع اليوم غدا وقال أيضا : ~~الملح يصلح كل ما . . . يخشى عليه من الفساد فإذا الفساد جرى علي . . . ه ~~فحكمه حكم الرماد وقال أيضا : كل مذكور من الناس إذا ما . . . فقدوه صار في ~~حكم الرماد وقال أيضا : كل مذكور من الن . . . اس إذا ما فقدوه صار في حكم ~~حديث . . . حفظوه ونسوه وقال أيضا : كل من أصبح في ده . . . رك ممن قد تراه ~~هو من خلفك مقرا . . . ض وفي الوجه مراه ابن بسام : هو علي بن محمد بن نصر ~~بن منصور بن بسام كنيته أبا الحسن يقول وكم أمنية جلبت منيه وقال ولولا ~~الضرورة ما جئتكم . . . وعند الضرورة يؤتى الكنيف PageV03P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" وقال أيضا : قل لأبي القاسم المرجي . . . ~~قابلك الدهر بالعجائب مات لك ابن وكان زينا . . . وعاش ذو الشين والمعائب ~~حياة هذا كموت هذا . . . فلست تخلو من المصائب وقال أيضا : رب يوم ms0503 بكيت منه ~~فلما . . . جزت في غيره بكيت عليه وقال أيضا : قد يحمل الشيخ الكبي . . . ر ~~جنازة الطفل الصغير جحظة : هو أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن ~~خالد بن برمك النديم يقول : وللمساكين أيضا بالندى ولع وقال أيضا : وآفة ~~التبر ضعف منتقده وقال أيضا : متى يلتقي الميت والغاسل ؟ وقال أيضا : لا ~~تعدن للزمان صديقا . . . وأعد الزمان للأصدقاء وقال أيضا : وما كذب الذي قد ~~قال قبلي . . . إذا ما مر يوم مر بعضي وقال أيضا : إذا الشهر حل ولا رزق لي ~~. . . فعدي لأيامه باطل PageV03P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" وقال أيضا : وإذا جفاني جاهل . . . لم أستخر ~~ما عشت قطعه وجعلته مثل القبو . . . ر أزوره في كل جمعه الصنوبري يقول محن ~~الفتى يخبرن عن فضل الفتى . . . كالنار مخبرة بفضل العنبر وقال أيضا : رب ~~حال كأنها مذهب الدي . . . باج صارت من رقة كاللاذ وزمان مثل ابنة الكرم ~~حسنا . . . عاد عند العيون مثل الداذي أو ما من فساد رأى الليالي . . . أن ~~شعري هذا وحالي هذي أبو الفتح كشاجم : هو محمود بن الحسين بن السندي بن ~~شاهك ، وشاهك أمه يقول يعاد حديثه فيزيد حسنا . . . وقد يستقبح الشيء ~~المعاد وقال أيضا : شخص الأنام إلى جمالكفاستعذ . . . من شر أعينهم بعيب ~~واحد PageV03P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" ومما يتمثل به من أشعار المولدين : منهم أبو ~~فراس الحمداني غنى النفس لمن يعق . . . ل خير من غنى المال وفضل الناس في ~~الأنف . . . س ليس الفضل في الحال وقال أيضا : ونحن أناس لا توسط عندنا . . ~~. لنا الصدر دون العالمين أو القبر تهون علينا في المعالي نفوسنا . . . ومن ~~خطب الحسناء لم يغله المهر وقال أيضا : وندعو كريما من يجود بماله . . . ~~ومن يبذل النفس النفيسة أكرم وقال أيضا : وجميل العدو غير جميل . . . وقبيح ~~الصديق غير قبيح أبو الطيب المتنبي يقول مصائب قوم عند قوم فوائد وقال أيضا ~~: إن المعارف في أهل النهي ذمم وقال أيضا : وخير جليس في الزمان كتاب وقال ~~أيضا : وتأبى الطباع على الناقل وقال أيضا : ومنفعة الغوث قبل العطب وقال ~~أيضا : ومن ms0504 فرح النفس ما يقتل PageV03P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" وقال أيضا : إذا عظم المطلوب قل المساعد وقال ~~أيضا : أنا الغريق فما خوفي من البلل وقال أيضا : فإن الرفق بالجاني عتاب ~~وقال أيضا : بغيض إلي الجاهل المتعاقل وقال أيضا : وكل امريء يولي الجميل ~~محبب . . . وكل مكان ينبت العز طيب وقال أيضا : إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ~~. . . وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ووضع الندى في موضع السيف بالعلى . . . ~~مضر كوضع السيف في موضع الندى وقال أيضا : والأمر لله رب مجتهد . . . ما ~~خاب إلا لأنه جاهد وقال أيضا : وليس يصح في الأفهام شيء . . . إذا احتاج ~~النهار إلى دليل وقال أيضا : ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى . . . عدوا له ~~ما من صداقته بد وقال وإذا كانت النفوس كبارا . . . تعبت في مرادها الأجسام ~~وقال أيضا : وإن يكن الفعل الذي ساء واحدا . . . فأفعاله اللاتي سررن ألوف ~~PageV03P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" وقال أيضا : وإذا أتتك مذمتي من ناقص . . . ~~فهي الشهادة لي بأني فاضل وقال أيضا : وما الحسن في وجه الفتى شرفا له . . ~~. إذا لم يكن في فعله والخلائق وقال أيضا : وما يوجع الحرمان من كف حارم . ~~. . كما يوجع الحرمان من كف رازق وقال أيضا : إنا لفي زمن ترك القبيح به . ~~. . من أكثر الناس إحسانا وإجمال ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته . . . ما ~~فاته وفضول العيش أشغال وقال أيضا : وقيدت نفسي في ذراك محبة . . . ومن وجد ~~الإحسان قيدا تقيدا وقال أيضا : ما كل ما يتمنى المرء يدركه . . . تجري ~~الرياح بما لا تشتهي السفن السري بن أحمد بن السري الموصلي يقول إذا العبء ~~الثقيل توزعته . . . أكف القوم هان على الرقاب وقال أيضا : فإنك كلما ~~استودعت سرا . . . أنم من النسيم على الرياض وقال أيضا : إلى كم أحبر فيك ~~المديح . . . ويلقي سواي لديك الحبورا PageV03P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" أبو بكر محمد بن هاشم الخالدي يقول إن خانك ~~الدهر فكن عائذا . . . بالبيد والظلماء والعيس ولا تكن عبد المنى فالمنى . ~~. . رءوس أموال المفاليس وقال أيضا : وأخ رخصت عليه حتى ملني . . . والشيء ~~مملول إذا ما يرخص ما في ms0505 زمانك ما يعز وجوده . . . إن رمته إلا صديق مخلص ~~أبو عثمان سعيد بن هاشم الخالدي أخوه يقول : يا هذه إن رحت في . . . خلق ~~فما في ذاك عار هذي المدام هي الحيا . . . ة قميصها خرقق وقار وقال أيضا : ~~صغير صرفت إليه الهوى . . . وما خاتم في سوى خنصر الخباز البلدي : هو أبو ~~بكر محمد بن أحمد بن حمدان ، نسبة إلى بلد وهي من بلاد الجزيرة التي منها ~~الموصل يقول : إذا استثقلت أو أبغضت خلقا . . . وسرك بعده حتى التناد فشرده ~~بقرض دريهمات . . . فإن القرض داعية الفساد PageV03P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" أبو إسحاق الصابيء يقول : نعم الله كالوحوش ~~وما تأ . . . لف إلا الأخاير النساكا نفرتها آثام قوم وصارت . . . لأولى ~~البر والتقى أشراكا وقال أيضا : ومن الظلم أن يكون الرضى س . . . را ويبدو ~~الإنكار وسط التادي وقال أيضا : الضب والنون قد يرجى التقاؤهما . . . وليس ~~يرجى التقاء اللب والذهب عبد العزيز عمر بن نباته يقول فلا تحقرن عدوا رماك ~~. . . وإن كان في ساعديه قصر فإن السيوف تحز الرقاب . . . وتعجز عما تنال ~~الإبر وقال أيضا : مثل خلعت على الزمان رداءه . . . عوز الدراهم آفة ~~الأجواد وقال أيضا : يهوى الثناء مبرز ومقصر . . . حب الثناء طبيعة الإنسان ~~وقال أيضا : ونبت بنا أرض العرا . . . ق فما مجناها بمجنه غير الرحيل كفى ~~البلا . . . د برحلة العجفاء هجنه PageV03P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" ابن لنكك البصري : هو أبو الحسين محمد بن ~~محمد يقول : وماذا أرجى من حياة تكدرت . . . ولو قد صفت كانت كأضغاث أحلام ~~وقال أيضا : عدنا في زماننا . . . عن حديث المكارم من كفى الناس شره . . . ~~فهو في جود حاتم وقال أيضا : جار الزمان علينا في تصرفه . . . وأي دهر على ~~الأحرار لم يجر عندي من الدهر مالو أن أيسره . . . يلقى على الفلك الدوار ~~لم يدر أبو الحسن عبد الله بن محمد بن محمد السلامي يقول تبسطنا على الأيام ~~لما . . . رأينا العفو من ثمر الذنوب وقال أيضا : والمرء ما شغلته فرصة لذة ~~. . . ناسي الحوادث آمن الحدثان وقال : وكان رقادي بين كأس وروضة . . . ~~فصار سهادي بين طرف وصارم ms0506 PageV03P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" وقال أيضا : ركوب الهول أركبك المذاكي . . . ~~ولبس الدرع ألبسك الغلائل أبو الفرج الببغا يقول ما الذل إلا تحمل المنن . ~~. . فكن عزيزا إن شئت أو فهن وقال أيضا : ومن طلب الأعداء بالمال والظبى . ~~. . وبالسعد لم يبعد عليه مرام وقال أيضا : ولم أر مذ عرفت محل نفسي . . . ~~بلوغ مني تساوي حمل من وقال أيضا : أكل وميض بارقة كذوب . . . أما في الدهر ~~شيء لا يريب ابن سكرة الهاشمي : هو محمد بن عبد الله يقول وعلة الحال تنسي ~~علة الجسد وقال أيضا : وقد ينبت الشوك بين الأقاحي وقال أيضا : الموت أنصف ~~حين عدل قسمة . . . بين الخليقة والفقير البائس ابن الحجاج : هو عبد الله ~~الحسين بن أحمد بن الحجاج يقول : ورب كلام تستثار به الحرب PageV03P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" وقول أيضا : خود تزف إلى ضرير مقعد وقول أيضا ~~: واللوزة المرة يا سادتي . . . يفسد في الطعم بها السكر وقول أيضا : ما ~~زلت أسمع كم من واقف خجل . . . حتى ابتليت فكنت الواقف الخجلا وقول أيضا : ~~وبي مرضان مختلفان حال ال . . . عليلة منهما يمنى بحالي إذا عالجت هذا جف ~~كبدي . . . وإن عالجت ذاك ربي طحالي أبو الحسن الموسوي النقيب : هو محمد بن ~~الحسين بن موسى يقول أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه . . . لقد تقارب بين العز ~~والهون ومنظر كان بالسراء يضحكني . . . يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني وقال ~~أيضا : والحر من حذر الهوا . . . ن يزاول الأمر الجسيما وهو العظيم وغير بد ~~. . . ع منه إن ركب العظيما وقول أيضا : ما السؤدد المطلوب إلا دون ما . . ~~. يومي إليه السؤدد المولود فإذا هما اتفقا تكسرت القنا . . . إن غالبا ~~وتضعضع الجلمود PageV03P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" وقول أيضا : اشتر العز بما بيع . . . فما ~~العز بغالي بالقصار البيض إن شئ . . . ت أو السمر الطوال ليس بالمغبون عقلا ~~. . . مشتر عزا بمال إنما يدخر المال . . . لحاجات الرجال والفتى من جعل ~~الأق . . . وال أثمان المعالي أبو طالب المأموني يقول لي في ضمير الدهر سر ~~كامن . . . لا بد أن تستله الأقدار وقول أيضا : وما شرف الإنسان إلا ms0507 بنفسه ~~. . . أكان ذووه سادة أم مواليا وقال إذا الغيث وفي الروض واجب حقه . . . ~~وزاد فإن الغيث للروض ظالم ابن العميد : هو أبو الفضل محمد بن أبي عبد الله ~~الحسين بن محمد ، عرف بابن العميد ، كان أبوه أبو عبد الله وزير مرداويج ~~توفي ابن العميد بالري في محرم سنة ستين وثلثمائة يقول لن يصرف الدهر من ~~سجيته . . . أرب أريب وحول ذي حيل أي معين صفا على كدر ال . . . دهر وأي ~~النعيم لم يزل وقول أيضا : من يشف من ذا بآخر مثله . . . أثرت جوانحه من ~~الأدواء داوي جوي بجوي وليس بحازم . . . من يستكف النار بالحلفاء ~~PageV03P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" الصاحب بن عباد : هو أبو القاسم إسماعيل بن ~~عباد . توفي في صفر سنة خمس وثمانين وثلثمائة وعمره خمس وستون وسمي بالصاحب ~~لصحبة ابن العميد يقول بقدر الهموم تكون الهمم . . . كم صارم جرب في خنزير ~~وقول أيضا : لقد صدقوا والراقصات إلى منى . . . بأن مودات العدا ليس تنفع ~~ولو أنني داريت دهري حية . . . إذا استمكنت يوما من اللسع تلسع الحسن بن ~~علي بن عبد العزيز القاضي يقول القلب يدرك ما لا يدرك البصر . . . يتملك ~~الأحرار بالإيناس وقال أيضا : وما أعجبتي قط دعوى عريضة . . . ولو قام في ~~تصديقها ألف شاهد وقول أيضا : يقولون لي فيك انقباض وإنما . . . رأوا رجلا ~~عن موقف الذل أحجما إذا قيل هذا مورد قلت قد أرى . . . ولكن نفس الحر تحتمل ~~الظما وقول أيضا : وقالوا اضطرب في الأرض فالرزق واسع . . . فقلت ولكن مطلب ~~الرزق ضيق إذا لم يكن في الأرض حر يعينني . . . ولم يك لي كسب فمن أين أرزق ~~أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي يقول ومن عجب الأيام ترك التعجب وقول ~~أيضا : لكل صناعة يوما مديل PageV03P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" وقول أيضا : وإذا مدة الشقي تناهت . . . جاءه ~~من شقائه متقاضي وقول أيضا : عليك بإظهار التجلد للعدا . . . ولا تظهرن ~~منها الدنو فتحقرا بديع الزمان أبو الفضل الهمذاني ، أحمد بن الحسين بن ~~يحيى بن سعيد توفي سنة ثمان وتسعين وثلثمائة مسموما وأوفى على الأربعين سنة ~~يقول ms0508 : يا حريصا على الغنى . . . قاعدا بالمراصد لست في سعيك الذي . . . ~~خضت فيه بقاصد إن دنياك هذه . . . لست فيها بخالد بعض هذا فإنما . . . أنت ~~ساع لقاعد إسماعيل الناشيء يقول وللشباب نراعي حرمة الكتم وقول أيضا : وكنت ~~أرى أن التجارب عدة . . . فخانت ثقات الناس حتى التجارب وقال أيضا : فركضا ~~في ميادين التصابي . . . أحق الخيل بالركض المعار وقول أيضا : ولا تجزعن ~~على أيكة . . . أبت أن تظلك أغصانها أبو الفتح علي بن محمد البستي يقول إذا ~~مر بي يوما ولم أتخذ يدا . . . ولم أستفد علما فما ذاك من عمري ~~PageV03P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" وقول أيضا : أنا كالورد فيه راحة قوم . . . ~~ثم في لآخرين زكام وقول أيضا : لا ترج شيئا خالصا نفعه . . . فالغيث لا ~~يخلو من العيث وقول أيضا : ولم أر مثل الشكر جنة غارس . . . ولا مثل حسن ~~الصبر جنة لابس وقول أيضا : ولن يشرب السم الزعاف أخو الحجي . . . مدلا ~~بدرياق لديه مجرب وقول أيضا : ما استقامت قناة رأيي إلا . . . بعد أن عوج ~~المشيب قناتي وقول أيضا : وطول جمام الماء في مستقرة . . . يغيره لونا ~~وريحا ومطعما وقول أيضا : إذا حيوان كان طعمة ضده . . . توقاه كالفأر الذي ~~يتقي الهرا ولا شك أن المرء طعمة دهره . . . فما باله يا ويحه يأمن الدهرا ~~وقول أيضا : لا تحقر المرء إن رأيت به . . . دمامة أو رثاثة الحلل فالنحل ~~لا شك في ضؤولته . . . يشتار منه الفتى خير العسل PageV03P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" الباب الثاني من القسم الثاني من الفن الثاني ~~في أوابد العرب ومعنى الأوابد ها هنا : الدواهي ، وهي مما حمى الله تعالى ~~هذه الملة الإسلامية منها ، وحذر المؤمنين عنه . فقال تعالى " يأيها الذين ~~آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " ~~وقال تعالى " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " وقال ~~تعالى " إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما " وكانت للعرب أوابد جعلوها بينهم أحكاما ونسكا وضلالة وعادة ~~ومداواة ودليلا وتفاؤلا وطيرة . فمنها : البحيرة : قالوا : كان أهل الوبر ~~يعطون ms0509 لآلهتهم من اللحم ، وأهل المدر يعطون لها من الحرث ، فكانت الناقة ~~إذا أنتجت خمسة أبطن عمدوا إلى الخامس ما لم يكن ذكرا فشقوا أذنها ، فتلك : ~~البخيرة ، فربما اجتمع منها هجمة من البحر فلا يجز لها وبر ولا يذكر عليها ~~إن ركبت اسم الله ، ولا إن حمل عليها شيء ، فكانت ألبانها للرجال دون ~~النساء . الوصيلة : كانت الشاة إذا وضعت سبعة أبطن عمدوا إلى السابع ، فإن ~~كان ذكرا ذبح ، وإن كانت أنثى تركت في الشاء ، فإن كان ذكرا وأنثى قيل : ~~وصلت أخاها ، فحرما جميعا ، وكانت منافعها ، ولبن الأنثى منها للرجال دون ~~النساء . السائبة : كان الرجل يسيب الشيء من ماله ، إما بهيمة أو إنسانا ، ~~فتكون حراما أبدا ، منافعها للرجال دون النساء . الحامي : كان الفحل إذا ~~أدركت أولاده فصار ولده جدا قالوا : حمى ظهره ، اتركوه فلا يحمل عليه ، ولا ~~يركب ، ولا يمنع ماء ، ولا مرعى ، فإذا ماتت هذه التي جعلوها PageV03P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" لآلهتم ، اشترك في أكلها الرجال والنساء ، ~~وذلك قوله تعالى " وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على ~~أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء " قالوا : وكان أهل المدر والحرث إذا ~~حرثوا حرثا ، أو غرسوا غرسا ، خطوا في وسطه خطا ، فقسموه بين اثنين فقالوا ~~: ما دون هذا الخط : لآلهتم ، وما وراءه : لله ، فإن سقط مما جعلوه لآلهتهم ~~شيء فيما جعلوه لله ردوه ، وإن سقط مما جعلوه لله فيما جعلوه لآلهتهم أقروه ~~، وإذا أرسلوا الماء في الذي لآلهتم ، فانفتح في الذي سموه لله سدوه ، وإن ~~انفتح من ذاك في هذا قالوا : اتركوه فإنه فقير إليه ، فأنزل الله عز وجل " ~~وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم ساء ما يحكمون . " الأزلام : قالوا : كانوا إذا كانت مداراة أو ~~نكاح أو أمر يريدونه ، ولا يدرون ما الأمر فيه ولم يصح لهم أخذوا قداحا لهم ~~فيها : أفعل ولا أفعل لا يفعل ، ثم لا خير ms0510 ، شر بطيء سريع ، فأما المداراة ~~فإن قداحا لهم فيها بيضا ليس فيها شيء فكانوا يجيلونها فمن خرج سهمه فالحق ~~له ، وللحضر والسفر سهمان ، فيأتون السادن من سدنة الأوثان فيقول السادن : ~~اللهم أيهما كان خيرا فأخرجه لفلان ، فيرضى بما يخرج له ، فإذا شكوا في نسب ~~الرجل أجالوا له القداح وفيها : صريح ، وملصق ، فإن خرج الصريح ألحقوه بهم ~~، وإن خرج الملصق نفوه ، وإن كان صريحا فهذه قداح الاستقسام . الميسر : ~~قالوا في الميسر : إن القوم كانوا يجتمعون فيشترون الجزور بينهم ، ~~فيفصلونها على عشرة أجزاء ، ثم يؤتي بالحرضة وهو رجل يتأله عندهم لم يأكل ~~لحما قط بثمن ، ويؤتى بالقداح وهو أحد عشر قدحا ، سبعة منها لها حظ إن فازت ~~، وعلى أهلها غرم إن خابت ، بقدر مالها من الحظ إن فازت ، وأربعة ينقل بها ~~القداح ، لاحظ لها إن فازت ، ولا غرم عليها إن خابت . فأما التي لها الحظ : ~~فأولها الفذ في صدره حز واحد ، فإن خرج أخذ نصيبا ، وإن خاب غرم صاحبه ثمن ~~نصيب ، ثم التوأم ، له نصيبان إن فاز ، وعليه ثمن نصيبين PageV03P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" إن خاب ، ثم الضريب ، وله ثلاثة أنصباء ، ثم ~~الحلس وله أربعة ، ثم النافس ، وله خمسة ، ثم المسبل ، وله ستة ، ثم المعلى ~~وله سبعة . قالوا : والمسبل يسمى : المصفح ، والضريب يقال له : الرقيب . ~~وقد جمع الصاحب بن عباد هذه الأسماء ونظمها في أبيات فقال : إن القداح ~~أمرها عجيب . . . الفذ والتوأم والرقيب والحلس ثم النافس المصيب . . . ~~والمصفح المشتهر النجيب ثم المعلى حظه الترغيب . . . هاك فقد جاء بها ~~الترتيب وأما الأربعة التي ينقل بها القداح فهي : السفيح ، والمنيح ، ~~والمضعف ، والوغد . قال ابن قتيبة : والمنيح له موضعان : أحدهما لاحظ له ، ~~والثاني له حظ ، فكأنه الذي يمنح حظه ، وعلى ذلك دل قول عمرو بن قبيصة : ~~بأيديهم مقرومة ومغالق . . . يعود بأرزاق العيال منيحها قالوا : فيؤتى ~~بالقداح كلها وقد عرف لك ما اختار من السبعة ولا يكون الأيسار إلا سبعة ، ~~لا يكونون أكثر من ذلك ، فإن نقصوا رجلا أو رجلين ، فأحب الباقون أن يأخذوا ~~ما فضل من ms0511 القداح ، فيأخذ الرجل القدح والقدحين فيأخذ فوزهما إن فازا ، ~~ويغرم عنهما إن خابا ويدعي ذلك : التميم قال النابغة : إني أتمم أيساري ~~وأمنحهم . . . من الأيادي وأكسوا الجفنة الأدما فيعمدوا إلى القداح ، فتشد ~~مجموعة في قطعة جلد ثم يعمد إلى الحرضة فيلف على يده اليمنى ثوبا لئلا يجد ~~مس قدح له في صاحبه هوى ، فيحابيه في إخراجه ، ثم PageV03P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" يؤتي بثوب أبيض يدعى . المجول ، فيبسط بين ~~يدي الحرضة ، ثم يقوم على رأسه رجل يدعي : الرقيب ، ويدفع ربابة القداح إلى ~~الحرضة وهو محول الوجه عنها ، والربابة : ما يجمع فيها القداح ، فيأخذها ~~ويدخل شماله من تحت الثوب ، فينكر القداح بشماله ، فإذا نهد منها قدح ~~تناوله فدفعه إلى الرقيب . فإن كان مما لاحظ له رد إلى الربابة ، فإن خرج ~~بعده المسبل ، أخذ الثلاثة الباقية ، وغرم الذين خابوا ثلاثة أنصباء من ~~جزور أخرى ، وعلى هذه الحال يفعل بمن فاز ومن خاب ، فربما نحروا عدة جزور ~~ولا يغرم الذين فازوا من ثمنها شيئا ، وإنما الغرم على الذين خابوا ولا يحل ~~للخائبين أن يأكلوا من ذلك اللحم شيئا ، فإن فاز قدح الرجل فأرادوا أن ~~يعيدوا قدحه ثانية على خطار فعلوا ذلك به . ومنها : نكاح المقت : كان الرجل ~~إذا مات قام أكبر ولده فألقى ثوبه على امرأة أبيه فورث نكاحها ، فإن لم يكن ~~له فيها حاجة تزوجها بعض إخوته بمهر جديد ، فكانوا يرثون نكاح النساء كما ~~يرثون المال ، فأنزل الله تعالى " يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا ~~النساء كرها ولا تعضلوهن " . ومنها : رمى البعرة : كانت المرأة في الجاهلية ~~إذا توفي عنها زوجها ، دخلت حفشا ، والحفش : الخص ، ولبست شر ثيابها ولم ~~تمس طيبا ولا شيئا ، حتى تمر لها سنة ثم تؤتي بدابة : حمار أو شاة أو طير ~~فتفتض به أي تمسح به ، فقلما تفتض بشيء إلا مات ، ثم تخرج على رأس الحول ، ~~فتعطى بعرة فترمي بها ، ثم تراجع ما شاءت من طيب أو غيره ومعنى رميها ~~بالبعرة : أنها ترى أن هذا الفعل هين عليها مثل البعرة ms0512 المرمية ، فنسخ ~~الإسلام ذلك بقوله تعالى : " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " . ومنها : ذبح العتائر : قالوا : كان الرجل ~~منهم يأخذ الشاة ، وتسمى العتير والمعتورة فيذبحها ويصب دمها على رأس الصنم ~~، وذلك يفعلونه في رجب ، والعتر قيل : هو مثل الذبح ، وقيل : هو الصنم الذي ~~يعتر له . قال الطرماح فجر صريعا مثل عاترة النسك PageV03P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" أراد بالعاترة : الشاة المعتورة . عقد السلع ~~والعشر : وقد تقدم ذكره عند ذكر أسماء نيران العرب . ذبح الظبي : كان الرجل ~~ينذر أنه إذا بلغت إبله أو غنمه مبلغا فأذبح عنها كذا ، فإذا بلغت ضن بها ، ~~وعمد إلى الظباء فيصطادها ويذبحها وفاء بالنذر ، قال الشاعر عنتا باطلا ~~وزورا كما يع . . . تر عن حجرة الربيض الظباء ومنها : " حبس البلايا : ~~كانوا إذا مات الرجل يشدون ناقته إلى قبره ، ويعكسون رأسها إلى ذنبها ، ~~ويغطون رأسها بولية وهي البردعة ، فإن أفلتت لم ترد عن ماء ولا مرعى ، ~~ويزعمون أنهم إنما يفعلون ذلك ، ليركبها صاحبها في المعاد ، ليحشر عليها ، ~~فلا يحتاج أن يمشي ، قال أبو زبيد : كالبلايا رءوسها في الولايا . . . ~~مانحات السموم حر الخدود ومنها : خروج الهامة : زعموا أن الإنسان إذا قتل ، ~~ولم يطالب بثأره ، خرج من رأسه طائر يسمى : الهامة ، وصاح على قبره : ~~اسقوني اسقوني إلى أن يطلب بثأره ، قال ذو الإصبع يا عمرو إن لا تدع شتمي ~~ومنقصتي . . . أضربك حتى تقول الهامة : اسقوني ومنها : إغلاق الظهر : كان ~~الرجل منهم إذا بلغت إبله مائة ، عمد إلى البعير الذي أمات به ، فأغلق ظهره ~~لئلا يركب ، ويعلم أن صاحبه حمى ظهره ، وإغلاق ظهره أن ينزع سناسن فقرته ~~ويعقر سنامه . ومنها : التعمية والتفقئة : وكان الرجل إذا بلغت إبله ألفا ~~فقأ عين الفحل يقول : إن ذلك يدفع عنها العين والغارة ، قال الشاعر : ~~وهبتها وأنت ذو امتنان . . . تفقأ فيها أعين البعران فإن زادت عن ألف فقأ ~~العين الأخرى ، فهو التعمية . PageV03P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" ومنها : بكاء المقتول : كان النساء لا يبكين ~~المقتول إلا أن يدرك بثأره ، وإذا أدرك بثأره بكينه ، قال الشاعر : من ms0513 كان ~~مسرورا بمقتل مالك . . . فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسرا يبدبنه ~~. . . يلطمن حر الوجه بالأسحار ومنها : رمى السن في الشمس : يقولون : إن ~~الغلام إذا ثغر ، فرمى سنه في عين الشمس بسبابته وإبهامه وقال : أبدليني ~~أحسن منها ، أمن على أسنانه العوج ، والفلج ، والثعل ، قال طرفة بدلته ~~الشمس من منبته . . . بردا أبيض مصقول الأشر ومنها : خضاب النحر : كانوا ~~إذا أرسلوا الخيل على الصيد فسبق واحد منها ، خضبوا صدره بدم الصيد علامة ~~له ، قال الشاعر : كأن دماء العاديات بنحره . . . عصارة حناء بشيب مرجل ~~ومنها : التصفيق : كانوا إذا ضل الرجل منهم في الفلاة ، قلب ثيابه ، وحبس ~~ناقته ، وصاح في أذنها كأنه يوميء إلى إنسان ، وصفق بيديه : الوحا الوحا ، ~~النجا النجا ، هيكل ، الساعة الساعة ، إلي إلي ، عجل ، ثم يحرك الناقة ~~فيهتدي ، قال الشاعر : وأذن بالتصفيق من ساء ظنه . . . فلم يدر من أي ~~اليدين جوابها يعني : يسوء ظنه بنفسه إذا ضل . ومنها : جز النواصي ، كانوا ~~إذا أسروا رجلا ، ومنوا عليه فأطلقوه ، جزوا ناصيته ووضعوها في الكنانة ، ~~قال الحطئية : قدنا سلول فسلوا من كنانتهم . . . مجدا تليدا ونبلا غير ~~أنكاس يعني بالنبل : الرجال ، وقالت الخنساء جززنا نواصي فرسانهم . . . ~~وكانوا يظنون أن لا تجزا PageV03P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" ومنها : كي السليم عن الجرب : زعموا أن الإبل ~~إذا أصابها العر فأخذوا الصحيح وكووه زال العر عن السقيم ، قال النابغة : ~~وكلفتني ذنب امريء وتركته . . . كذي العر يكوي غيره وهو راتع ويقال : إنهم ~~كانوا يفعلون ذلك ، ويقولون : تؤمن معه العدوى . ومنها : ضرب الثور : ~~وزعموا أن الجن تركب الثيران فتصد البقر عن الشرب ، قال الأعشى : وإني وما ~~كلفتماني وربكم . . . ليعلم من أمسى أعق وأحوبا لكالثور والجنى يركب ظهره . ~~. . وما ذنبه إن عافت الماء مشربا وما ذنبه إن عافت الماء باقر . . . وما ~~إن تعاف الماء إلا ليضربا وقال آخر : كذاك الثور يضرب الهواري . . . إذا ما ~~عافت البقر الظماء ومنها : كعب الأرنب : كانوا يعلقونه على أنفسهم ويقولون ~~: إن من فعل ذلك لم تصبه عين ولا سحر ، وذلك أن الجن تهرب من الأرنب ، ~~لأنها ليست من ms0514 مطايا الجن لأنها تحيض ، قال الشاعر : ولا ينفع التعشير إن ~~حم واقع . . . ولا زعزع يغني ولا كعب أرنب وقيل لزيد بن كثوة : أحق ما ~~يقولون : إن من علق على نفسه كعب أرنب لم يقر به جنان الحي وعمار الدار ؟ ~~فقال : أي والله ولا شيطان الحماطة ، الحماطة : شجرة التين ، وجان العشرة ، ~~وغول العقر ، وكل الخوافي ، إي والله يطفىء نيران السعالى . ومنها : حيض ~~السمرة : يزعمون أن الصبي إذا خيف عليه نظرة أو خطفة ، فعلق عليه سن ثعلب ، ~~أو سن هرة ، أو حيض سمرة ، أمن ، فإن الجنية إذا أرادته لم تقدر عليه ، ~~فإذا قال لها صواحباتها في ذلك ، قالت : PageV03P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" كانت عليه نفره . . . ثعالب وهرره والحيض حيض ~~السمره ومنها الطارف والمطروف : يزعمون أن الرجل إذا طرف عين صاحبه ، فهاجت ~~فمسح الطارف عين المطروف سبع مرات وقال في كل مرة : بإحدى جاءت من المدينة ~~، باثنتي جاءتا من المدينة ، بثلاث جئن من المدينة ، إلى سبع ، سكن هيجانها ~~. ومنها : وطء المقاليت : يزعمون أن المرأة المقلات إذا وطئت قتيلا شريفا ~~بقي أولادها ، وفي ذلك يقول بشر بن أبي خازم : تظل مقاليت النساء يطأنه . . ~~. يقلن ألا يلقى على المرء مئزر ومنها : تعليق الحلي على السليم : كانوا ~~يعلقون الحلي على الملسوع ويقولون إنه إذا علق عليه أفاق ، فيلقون عليه ~~الأسورة والرعاث ، ويتركونها عليه سبعة أيام ويمنع من النوم ، قال النابغة ~~: يسهد في وقت العشاء سليمها . . . لحلي النساء في يديه قعاقع ومنها : ذهاب ~~الخدر : يزعمون أن الرجل إذا خدرت رجله فذكر أحب الناس إليه ذهب عنه ، قال ~~كثير : إذا خدرت رجلي دعوتك أشتفي . . . بذكراك من مذل بها فيهون وقالت ~~امرأة من كلاب : إذا خدرت رجلي ذكرت ابن مصعب . . . فإن قلت : عبد الله ~~أجلي فتورها وقيل ذلك لابن عمر وقد خدرت رجله فقال : يا محمداه . ومنها : ~~الحلأ : زعموا أنه إذا ظهرت بشفة الغلام بثور ، يأخذ منخلا على رأسه ويمر ~~بين بيوت الحي ، وينادي : الحلأ الحلأ ، فيلقي في منخله من ها هنا ثمرة ، ~~ومن PageV03P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" ها هنا كسرة ms0515 ، ومن ثم بضعة لحم ، فإذا امتلأ ~~، نثره بين الكلاب ، فيذهب عنه البثر ، وذلك البثر يسمى : الحلأ . ومنها : ~~التعشير : يزعمون أن الرجل إذا أراد دخول قرية ، فخاف وباءها ، فوقف على ~~بابها قبل أن يدخلها فعشر كما ينهق الحمار ، ثم دخلها لم يصبه وباؤها ، قال ~~عروة ابن الورد : لعمري لئن عشرت من خشية الردى . . . نهاق الحمير إنني ~~لجزوع ومنها : عقد الرتم : كان الرجل منهم إذا أراد سفرا ، عمد إلى رتم ~~فعقده ، والرتم : نبت ، فإن رجع ورآه معقودا ، زعم أن امرأته لم تخنه ، وإن ~~رأه محلولا زعم أنها قد خانته ، قال الشاعر : هل ينفعنك اليوم إن همت بهم . ~~. . كثرة ما توصي وتعقاد الرتم وقال آخر : خانته لما رأت شيبا بمفرقه . . . ~~وغره حلفها والعقد للرتم ومنها : دائرة المهقوع : وهو الفرس الذي به ~~الدائرة التي تسمى : الهقعة ، يزعمون أنه إذا عرق تحت صاحبه ، اغتلمت ~~حليلته وطلبت الرجال ، قال الشاعر إذا عرق المهقوع بالمرء أنعظت . . . ~~حليلته وازداد حرا عجانها ومنها : شق الرداء والبرقع : زعموا أن المرأة إذا ~~أحبت رجلا أو أحبها ثم لم تشق عليه رداءه ، ويشق عليها برقعها ، فسد حبهما ~~، فإذا فعل ذلك دام حبهما ، قال الشاعر : إذا شق برد شق بالبرد برقع . . . ~~دواليك حتى كلنا غير لابس فكم قد شققنا من رداء محبر . . . ومن برقع عن ~~طفلة غير عانس PageV03P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" ومنها : نوء السماك : كانوا يكرهونه ويقولون ~~فيه داء الإبل ، قال الشاعر : ليت السماك ونوءه لم يخلقا . . . ومشى ~~الأفيرق في البلاد سلما ومنها : النسيئ : وقد تقدم خبره في الفن الأول من ~~الكتاب . ومنها : وأد البنات : وقد نهاهم الله عز وجل عنه في قوله : " ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم " . وكانوا يقتلوهن خشية ~~الإملاق أو من الإملاق ، وقد قيل : إنهم كانوا يقتلوهن خوف العار أو أن ~~يسبين ، فمن قتلهم خشية الإملاق ما روي عن صعصعة بن ناجية المجاشعي جد ~~الفرزدق : أنه لما أتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا رسول الله ، ~~إني كنت أعمل عملا في الجاهلية ، أفينفعني ذلك اليوم ؟ قال ms0516 : وما عملك ؟ ~~قال : أضللت ناقتين عشراوين ، فركبت جملا ومضيت في بغائهما فرفع لي بيت ~~جريد ، فقصدته فإذا رجل جالس بفنائه ، فسألته عن الناقتين ، فقال : ما ~~نارهما ؟ قلت : ميسم بني دارم ، قال : هما عندي ، وقد أحيا الله تعالى بهما ~~قوما من أهلك من مضر ، وإذا عجوز قد خرجت من كسر البيت ، فقال لها : ما ~~وضعت ؟ فإن كان سقبا شاركنا في أموالنا ، وإن كانت حائلا وأدناها ، معنى ~~قوله سقبا أي ذكرا ، وحائلا أي أنثى فقالت العجوز : وضعت أنثى ، فقلت : ~~أتبيعها ؟ قال : وهل تبيع العرب أولادها ؟ قال قلت : احتكم ، قال بالناقتين ~~والجمل ، قلت : لك ذلك ، على أن تبلغني الحمل وإياها ففعل ، فآمنت بك يا ~~رسول الله ، وقد صارت لي سنة على أن أشتري كل موءودة بناقتين عشراوين وجمل ~~، فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائتا موءودة قد أنقذتها ، فقال رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) : لا ينفعك ذلك ، لأنك لم تبتغ به وجه الله تعالى ، ~~وإن تعمل في إسلامك عملا صالحا تئب عليه ، ففي ذلك يقول الفرزدق مفتخرا ~~وجدي الذي منع الوائدين . . . وأحيي الوئيد فلم توءد وممن قتلهم خشية العار ~~: قيس بن عاصم المنقري وكان من وجوه قومه ومن ذوي الأموال فيهم وكان يئد ~~بناته وسبب ذلك ، أن النعمان بن المنذر لما منعته بنو PageV03P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" تميم الإناوة التي كانت تؤديها له جهز إليهم ~~أخاه الريان بن المنذر ، ومعه بكر بن وائل فغزاهم ، فاستاق النعم وسبى ~~الذراري ، فوفدت إليه بنو تميم فلما رآها أحب البقاء عليها ، فقال النعمان ~~: ما كان ضر تميما لو تعمدها . . . من فضلنا ما عليه قيس غيلان فأناب القوم ~~وسألوه النساء ، فقال النعمان : كل امرأة اختارت أباها ردت إليه وإن اختارت ~~صاحبها تركت عليه ، فكلهن اخترن أباهن إلا ابنة لقيس بن عاصم اختارت صاحبها ~~عمرو بن المشمرج ، فنذر قيس لا يولد له ابنة إلا قتلها ، فاعتل بهذا من وأد ~~وزعم أنه حمية . الباب الثالث أخبار الكهنة ويتصل به الزجر والفأل والطيرة ~~والفراسة والذكاء ، كانت الكهنة العرب لهم أتباع من الشياطين ms0517 يسترقون السمع ~~ويأتونهم بالأخبار ، فيلقونها لمن يتبعهم ، ويسألهم عن خفيات الأمور حتى ~~جاء الإسلام ، فمنعت الشياطين من استراق السمع ، كما أخبر الله تعالى عنهم ~~في كتابه العزيز " وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له ~~شهابا رصدا " فعند ذلك انقطعت الكهانة فلم يسمع في الإسلام بكاهن ، وهذا من ~~معجزات سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لزوال الإشكال في الوحي ، ~~فمن أخبار الكهنة ، خبر سطيح الكاهن حين ورد عليه ابن أخته عبد المسيح وهو ~~يعالج الموت ، فأخبره خبر ما جاء لأجله ، وذلك أنه لما كانت الليلة التي ~~ولد فيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ارتجس إيوان كسرى ، وسقط منه ~~أربع عشرة شرفة ، وخمدت نار فارس ، ولم تكن خمدت قبل ذلك بألف عام ، وغارت ~~بحيرة ساوة ، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة ~~PageV03P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" وانتشرت في بلاد فارس ، فلما أصبح كسرى تصبر ~~تشجعا ثم رأى أن لا يكتم ذلك عن وزرائه ومرزبته ، فلبس تاجه ، وقعد على ~~سريره ، وجمعهم وأخبرهم الخبر فبيناهم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النار ~~فازداد غما وسأل الموبذان وكان أعلمهم فقال : حادث يكون من قبل العرب ، ~~فكتب كسرى إلى النعمان ابن المنذر : أن وجه إلي رجلا عالما بما أريد أن ~~أسأله عنه فوجه إليه عبد المسيح بن حسان بن نفيلة الغساني فقال له كسرى : ~~أعندك علم بما أريد أن أسألك عنه ؟ قال : ليخبرني الملك فإن كان عندي منه ~~علم ، وإلا اخبرته بمن يعلمه ، فأخبره بما رآه فقال : علم ذلك عند خال لي ~~يسكن مشارق الشام يقال له : سطيح ، فأرسله كسرى إليه فورد على سطيح وقد ~~أشفى على الموت فسلم عليه وحياه فلم يحر سطيح جوابا فأنشد يقول : أصم أم ~~يسمع غطريف اليمن . . . أم فاز فازلم به شأو العنن يا فاصل الخطة أعيت من ~~ومن . . . وكاشف الكربة عن وجه الغضن أتاك شيخ الحي من آل سنن . . . وأمه ~~من آل ذئب بن حجن أزرق ممهى الناب صرار الأذن . . . أبيض فضفاض ms0518 الرداء ~~والبدن رسول قيل العجم يسري بالوسن . . . لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن يجوب ~~في الأرض على ذات شجن . . . ترفعني وجنا وتهوي بي وجن حتى أتى عاري الجآجي ~~والقطن . . . تلفه في الريح بوغاء الدمن PageV03P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" كأنما حثحث من حضني ثكن ففتح سطيح عينيه ثم ~~قال : عبد المسيح ، على جمل مشيح ، أتى إلى سطيح ، وقد أوفى على الضريح ، ~~بعثك ملك بني ساسان ، لارتجاس الإيوان ، وخمود النيران ، ورؤيا الموبذان ، ~~رأى إبلا صعابا ، تقود خيلا عرابا ، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلاد فارس ، ~~يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوه ، وبعث صاحب الهراوه ، وفاض وادي السماوه ، ~~وغاصت بحيرة ساوه ، وخمدت نار فارس ، فليس الشام لسطيح شاما ، ولا بابل ~~للفرس مقاما ، يملك فيهم ملوك وملكات ، بعدد الشرفات ، وكل ما هو آت آت ، ~~ثم قضى سطيح لوقته ، فثار عبد المسيح إلى رحله وهو يقول : شمر فإنك ماضي ~~العزم شمير . . . لا يفزعنك تفريق وتغيير إن كان ملك بني ساسان أفرطهم . . ~~. فإن ذا الدهر أطوار دهارير فربما ربما أضحوا بمنزلة . . . تهاب صولهم ~~الأسد المهاصير منهم أخو الصرح بهرام وإخوته . . . والهرمزان وسابور وشابور ~~والناس أولاد علات فمن علموا . . . أن قد أقل فمحقور ومهجور وهم بنو الأم ~~أما إن رأوا نشبا . . . فذاك بالغيب محفوظ ومنصور والخير والشر مقرونان في ~~قرن . . . فالخير متبع والشر محذور فلما قص الخبر على كسرى قال : إلى أن ~~يملك منا أربعة عشر تكون أمور ، فملك منهم عشرة في أربع سنين ، وملك ~~الباقون إلى زمن عثمان رضي الله عنه . PageV03P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" ومن أخبارهم : أن سعدى بنت كريز بن ربيعة ~~كانت قد تطرقت وتكهنت وهي خالة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، روي عنه أنه ~~قال : لما زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ابنته رقية من عتبة بن أبي لهب ~~وكانت ذات جمال رائع ، دخلتني الحسرة أو كالحسرة أن لا أكون سبقت إليها ثم ~~لم ألبث أن انصرفت إلى منزلي فألفيت خالتي فلما رأتني قالت : أبشر وحييت ~~ثلاثا تترى . . . ثم ثلاثا وثلاثا أخرى ثم بأخرى ms0519 كي تتم عشرا . . . أتاك ~~خير ووقيت شرا نكحت والله حصانا زهرا . . . وأنت بكر ولقيت بكرا وافيتها ~~بنت نفيس قدرا . . . بنت نبي قد أشاد ذكرا قال عثمان : فعجبت من قولها ، ~~وقلت : ماذا تقولين فقالت : عثمان يا ابن أخت يا عثمان . . . لك الجمال ولك ~~البيان هذا نبي معه البرهان . . . أرسله بحقه الديان وجاءه التنزيل ~~والفرقان . . . فاتبعه لا تحتالك الأوثان فقلت : يا خالة إنك لتذكرين ما قد ~~وقع ذكره في بلدتنا فأثبتيه لي ، فقالت : إن محمد بن عبد الله رسول من عند ~~الله ، جاء بتنزيل الله ، يدعو إلى الله ، مصباحه مصباح ، وقوله صلاح ، ~~ودينه فلاح ، وأمره نجاح ، وقرنه نطاح ، ذلت له البطاح ، ما ينفع الصياح ، ~~لو وقع الذباح ، وسلت الصفاح ، ومدت الرماح ، قال : ثم قامت فانصرفت ووقع ~~كلامها في قلبي ، وجعلت أفكر فيه ، وذكر بعد ذلك إسلامه وتزويجه رقية ، ~~فكان يقال : أنهما أحسن زوجين اتفاقا وجمالا . ومنها أن هندا بنت عتبة بن ~~ربيعة كانت عند الفاكه بن المغيرة ، وكان من فتيان قريش ، وكان له بيت ~~الضيافة ، خارجا من البيوت ، تغشاه الناس من غير إذن ، فجلا البيت ذات يوم ~~واضطجع هو وهند فيه ، ثم نهض لبعض حاجته ، وأقبل رجل ممن كان يغشى البيت ~~فولجه ، فلما رآها ولى هاربا وأبصره الفاكه فأقبل إليها فضربها برجله وقال ~~لها : من هذا الذي خرج من عندك ؟ قالت : ما رأيت أحدا ، ولا انتبهت حتى ~~أنبهتني فقال لها : ارجعي إلى أبيك ، وتكلم الناس فيها ، فقال لها أبوها : ~~يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك ، فأنبئيني نبأك ، فإن يكن الرجل عليك ~~صادقا دسست عليه من يقتله ، فتنقطع عنك المقالة ، وإن يك كاذبا حاكمته إلى ~~بعض الكهان ، فقالت : لا والله ما هو علي بصادق ، فقال له : يا فاكه إنك قد ~~رميت ابنتي بأمر عظيم ، PageV03P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" فحاكمني إلى بعض كهان اليمن ، فخرج الفاكه في ~~جماعة من بني مخزوم ، وخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف ، ومعهم هند ~~ونسوة ، فلما شارفوا البلاد ، وقالوا : غدا نرد على الرجل ، تنكرت حال هند ~~، فقال ms0520 لها عتبة : إني أرى ما بك من تنكر الحال ، وما ذاك إلا لمكروه عندك ~~، فهلا كان هذا قبل أن يشتهر عند الناس مسيرنا ؟ فقالت : لا والله ولكني ~~أعرف أنكم تأتون بشرا يخطيء ويصيب ولا آمنه أن يسمني ميسما يكون على سبة ~~فقال : إني سوف أختبره لك ، فصفر لفرسه حتى أدلى ثم أدخل في إحليله حبة ~~حنطة وأوكأ عليها بسير ، فلما أصبحوا قدموا على الرجل فأكرمهم ونحر لهم ، ~~فلما تغدوا قال له عتبة : قد جئناك في أمر وقد خبأنا لك خبيئا أختبرك به ، ~~فانظر ما هو ؟ فقال ثمره : في كمره . قال إني أريد أبين من هذا ، قال : حبة ~~بر ، في إحليل مهر ، قال : انظر في أمر هؤلاء النسوة ، فجعل يدنو من إحداهن ~~فيضرب بيده على كتفها ويقول لها ، انهضي ، حتى دنا من هند فقال لها : انهضي ~~غير رسحاء ولا زانية ، ولتلدن ملكا اسمه معاوية ، فنهض إليها الفاكه فأخذ ~~بيدها فجذبت يدها من يده وقالت : إليك عني فوالله لأحرصن أن يكون من غيرك ، ~~فتزوجها أبو سفيان . ومنها أن أمية بن عبد شمس دعا هاشم بن عبد مناف إلى ~~المنافرة ، فقال هاشم : إن أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق ، ننحرها بمكة ~~أو الجلاء عن مكة عشر سنين ، فرضي أمية وجعلا بينهما الخزاعي الكاهن وخرجا ~~إليه ومعهما جماعة من قومهما فقالوا : نخبأ له خبيئا فإن أصابه تحاكمنا ~~إليه ، وإن لم يصبه تحاكمنا إلى غيره ، فوجدا أبا همهمة وكان معهم أطباق ~~جمجمة ، فأمسكها معه ثم أتوا الكاهن فأناخوا ببابه وكان منزله بعسفان : ~~فقالوا : إنا قد خبأنا لك خبيئا فأنبئنا عنه . قال : أحلف بالضوء والظلمه ، ~~وما بتهامة من تهمه ، وما بنجد من أكمه ، لقد خبأتم لي أطباق PageV03P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" جمجمه ، مع الفلندح أبي همهمه ، فقالوا : ~~صدقت احكم بين هاشم بن عبد مناف وبين أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أيهما ~~أشرف بيتا ونفسا ، قال : والقمر الباهر . والكوكب الزاهر . والغمام الماطر ~~، وما بالجو من طائر ، وما اهتدى بعلم مسافر ، من منجد وغائر ، لقد سبق ~~هاشم ms0521 أمية إلى المآثر ، أولا منه وآخر ، فأخذ هاشم لإبل ونحرها وأطعمها من ~~حضر وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين ، فيقال : إنها أول عداوة وقعت ~~بين بني هاشم وبين بني أمية . ومنها : أن بني كلاب وبني رباب من بني نضر ~~خاصموا عبد المطلب في مال قريب من الطائف فقال عبد المطلب : المال مالي ~~فسلوني أعطكم ، قالوا : لا ، قال : فاختاروا حاكما قالوا : ربيعة بن حذار ~~الأسدي فتراصوا به وعقلوا مائة ناقة في الوادي وقالوا : الإبل والمال لمن ~~حكم له ، وخرجوا وخرج مع عبد المطل حرب بن أمية فلما نزلوا بربيعة بعث ~~إليهم بجزائر فنحرها عبد المطلب ، وأمر فصنع جزرا وأطعم من أناه ، ونحر ~~الكلابيون والنضريون ووشقوا فقيل لربيعة فقال : إن عبد المطلب امرؤ من ولد ~~خزيمة فمتى يملق يصله بنو عمه وأرسل إليهم أن اخبأوا لي خبيئا فقال عبد ~~المطلب : قد خبأت كلبا اسمه سوار في عنقه قلادة ، في خرزة مزادة ، وضممتها ~~بعين جرادة ، فقال الآخرون : قد رضينا ما خبأت وأرسلوا إلى ربيعة فقال : ~~خبأ ثم خبيئا حيا قالوا : زد ، قال : ذو برثن أغبر ، وبطن أحمر ، وظهر أنمر ~~، قالوا : قربت ، قال : سما فسطع ، ثم هبط فلطع ، فترك الأرض بلقع ، قالوا ~~: قربت فطبق قال : PageV03P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" عين جرادة ، في خرزة مزادة ، في عنق سوار ذي ~~القلادة ، قالوا : زه زه أصبت فاحكم لأشدنا طعانا ، وأوسعنا مكانا ، قال ~~عبد المطلب : احكم لأولانا بالخيرات ، وأبعدنا عن السوآت وأكرمنا أمهات ، ~~فقال ربيعة : والغسق والشفق ، والخلق المتفق ، ما لبني كلاب وبني رباب من ~~حق ، فانصرف يا عبد المطلب على الصواب ، ولك فصل الخطاب ، فوهب عبد المطلب ~~المال لحرب بن أمية . وأخبار الكهنة كثيرة نذكر منها إن شاء الله تعالى في ~~السيرة النبوية جملة تقف عليها في المبشرات برسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وذلك في السفر الرابع عشر من كتاب الأصل . الزجر الطير قال أبو ~~عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في زجر الطير : إن العلماء بهذا الفن قالوا : إذا ~~خرجت من منزلك تطلب حاجة ، أو ms0522 تخطب امرأة ، فنعب غراب عن يمينك وعن يسارك ~~أو سنح أو برح فامض فإنك مدرك حاجتك إن شاء الله تعالى فإن نعب أمامك أو ~~فوقك فارجع ففيها تأخير . وإن خرجت تريد خصومة فنعب فوق رأسك فامض فإنك ~~مدرك حاجتك إن شاء الله تعالى . فإن خرجت تطلب دابة فنعب عن يمينك أو يسارك ~~على حائط مرتفع ، فامض لحاجتك ، فإن نعب أمامك فارجع . وإن خرجت تطلب مالا ~~ضل عنك أو سرق ، فنعب غراب على شجرة يابسة فلا تطلبه فقد استهلك وقد يأتيك ~~بعضه ، فإن نعب على جدار جديد أو شجرة خضراء فإنك تصيب مالك إن شاء الله ~~تعالى . فإن خرجت تريد الضال فنعب من ورائك ، فارجع فليس لك في ذلك خيرة ، ~~وإن نعب عن يسارك فإني خاف على نفسك إلا إن شاء الله تعالى . فإن خرجت تريد ~~الصيد فنعب من فوقك فارجع فإن نعب أمامك فامض فإنك تدرك خيرا . وإن خرجت ~~تطلب سلطانا في طلب مال أو حاجة فنعب عن يمينك ثم طار ثم نعب أدركت منه ~~طلبتك إن شاء الله تعالى . PageV03P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" وإن خرجت تريد شراء شيء فنعب عن يمينك فإنه ~~صالح ، وإن نعب عن يسارك فلا خير فيه . وإن خرجت من منزلك فرأيت غرابا يمسح ~~منقاره على الأرض فإنك تصيب أو تأتيك هدية من مكان بعيد . وإن خرجت تطلب ~~حاجة فنعب عن يمينك ثم قطع الطريق إلى يسارك فنعب فإنك تدرك حاجتك عجلا إن ~~شاء الله تعالى فإن نعب فوق رأسك فارجع فإني أخاف عليك بعض أعدائك . وإن ~~خرجت تريد سلطانا فنعب غراب وهو مستقبل الشرق فامكث يومك ذلك فإني أخاف ~~عليك . فإن خرجت فرأيت غرابا ينفض ريشه ، فإنه يأتيك خي عاجل . وإن خرجت ~~تريد أرضا بعيدة فرأيت غرابا ينتفض فامض لحاجتك ، فإنك تدرك أملك إن شاء ~~الله تعالى . وإن خرجت تريد السلطان فوقع غراب على شيء فنعب ثلاث مرات فامض ~~لحاجتك ، فهو خير عاجل وتيسر للحوائج إن شاء الله تعالى . وإن خرجت فرأيت ~~غرابا ناشرا جناحيه يريد ms0523 الطيران فامض ، فإن نعب فارجع يومك . وإن خرجت ~~تريد خصومة فنعب من فوقك فامض ، وإن نعب فأجابه الآخر فهو جيد صالح . وإن ~~خرجت تريد خصومة فنعب من فوقك أو شخ فامض ، فإنك تلقى في يومك ذلك ما تريد ~~إن شاء الله تعالى . وإن خرج جماعة وفيهم رجل شريف فشخ غراب على رأس الشريف ~~، ثم أتوا ملكا فإنهم يصيبون خيرا إن شاء الله تعالى . وإن خرج يطلب حاجة ~~إلى سلطان فواجهه غراب فليمكث يومه ذلك ولا يمض في تلك الحاجة ، وإن نعب عن ~~يمينه فقطع الطريق ثم وقع فهو يدرك حاجته . وإن خرج يريد السلطان أو بعث ~~إليه وهو لا يدري فرأى غرابا يطير قليلا ، ثم يقع فيلقط من الأرض شيئا ~~فليمض فإنه يصيب سلطانا ويلي قوما ، وإن رأى غرابا PageV03P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" يبحث في الأرض فإن بعض أهله يموت سريعا ، وإن ~~رآه ينقر في الأرض فذلك ملك . وإن خرج فرأى غرابا يطير ثم وقع ثلاث مرات ~~وهو ساكت لا ينعب ، فذلك غم يصيبه إلا أن يدفع الله عز وجل عنه . وإن خرج ~~فرآه ينتفض ثم ينعب ثم يطير فذلك سلطان يناله ويتزوج ، والعلم عند الله . ~~وإن خرج فرآى غرابا يطير ثم يقع فذاك خير وسرور يأتيه . وإن خرج فرأى غرابا ~~يطير نحو عين الشمس فذاك هم يصيبه شديد . وإن خرج فلقي بقرا فليرجع فإن لقي ~~من البغال شيئا لم يركب فليرجع والمركوبة صالحة لا بأس بها . وإن خرج يغود ~~مريضا فنهق حمار عن يمينه أو عن يساره فالمريض صالح ، وإن نهق خلفه فقد ~~اشتد بالمريض مرضه وأنا خائف عليه . وإن خرج يريد حاجة فاستقبله غلام يبكي ~~وهو متلطخ بعذرة وهو ذاهب والغلام راجع فليمض فإن حاجته تقضي ، وإن استقبله ~~غلام يعدو ويتلهف فإن حاجته تعسر وتطول . وإن خرج في حاجته فرأى ورشانا ~~يطير ، يرتفع ويهبط فليمض فإن ذلك أنجح لحاجته ، وإن رآه يطير مستعليا ~~فليرجع ، وإن رأى حمامة مسرولة تطير من فوق رأسه وتدور فإن حاجته مقضية بعد ~~بطء ومطل ms0524 ، وإن رأى حمامة هابطة واقعة تقع وتطير فإن ذلك خير صالح وسرور إن ~~شاء الله تعالى . وإن خرج من منزله فاستقبلته جنازة وجماعة فليرجع يومه ذلك ~~ولا يعود لحاجته فإنها غير مقضية ، فإن كانت الجنازة قد جاوزته مدبرة ~~فليذهب لحاجته ، فإن ذلك صالح ، وإن رأى نسوة إلى المقابر وهن مقبلات نحوه ~~فليقعد حتى يمضين عنه فإنه أنجح لحاجته وإن رآهن مدبرات فليمض في حاجته ~~فإنها مقضية . PageV03P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" وإن خرج من داره قرأى في أرضها نملا كثيرا ~~وفي حائطها فليمض لحاجته فذلك خير وسرور يناله . فإن رأى ذبابا كثيرا ~~مجتمعا على حائط وهو يسمع لهن دبيبا فذاك مرض يصيبه في بدنه أو يصيب بعض ~~أهله . ومن رأى ذرا كثيرا وقردانا فذلك فرح ورزق عاجل يناله إن شاء الله ~~تعالى . ومن رأى دجاجتين تقتتلان بنقر بعضهما فذاكيدل على أنه يقع بينه ~~وبين امرأته كلام وغضب . وإن خرج من منزله فرأى ورشانين يقتتلان في جو ~~السماء رافعين وهابطين فيأتيه ما يسر به . وإن رأى كلبة والكلاب تطوف حولها ~~ويتبع بعضها بعض فإن ذلك عليه دين قضاء الله عنه وإن كانت له حاجة مهمة ~~قضيت في وجهه ذلك وإن أراد شيئا يسره الله له وإن أراد سفرا تهيأ له ورجع ~~سالما . وإن خرج فرأى على رجل قربة ثم انشقت فليرجع إلى منزله ويتعوذ بالله ~~من شر ذلك اليوم فإنه مكروه جدا . وإن خرج فرأى رجلا وهو يريد أن يملأ قربة ~~فليمض في حاجته فإنه فرح وسرور وخير يناله عاجلا إن شاء الله تعالى . وإن ~~خرج فرأى حمارا أو بغلا عليه راوية مملوءة فشأنه غير صالح وهو مكروه ، وإن ~~كان صاحب الراوية يريد أن يملأها فليمض فحاجته مقضية إن شاء الله تعالى . ~~وإن خرج من منزله فرأى جملا عليه حطب أو بعض منافع الناس فهو من علامات ~~النجاح في الخصومة والظفر العاجل إن شاء الله تعالى ، فإن رآه غير محمول ~~عليه وعليه صاحبه فإن ذلك خير يأتيه وينعي إليه بعض أهله من مكان ms0525 بعيد . ~~قال : وأرجو أن يدفع الله ، فإن رآه مناخا يرغو فإن ذلك خير يأتيه ويخبر عن ~~شيء مما يحب من تزويج أو غنيمة وهو صالح . وإن خرج فرأى بعيرا قد شرد ورأى ~~من يطلبه فإن ذلك نجاة من عدوه وفرح قريب إن شاء الله تعالى . وإن خرج فرأى ~~بعيرا قد شرد فاجتمع عليه الناس فإن ذلك يدل على ظفره بعدوه وانتقامه منه ~~فليحمد الله على ما رأى ويشكره . PageV03P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" ومن خرج من منزله فرأى قردا يتقلب والناس ~~حوله فليمض لحاجته فإنها مقضية . وإن خرج فرأى القرد يلعب والناس مجتمعون ~~عليه وقد صار لعبه إلى أن يتقلب ظهرا لبطن في الأرض فليرجع من وجهه ذلك ~~فليس بموفق وهو مكروه . وإن خرج من منزله فرأى غلمانا يلعبون بالأكرة ~~ويتسابقون فليمض في وجهه ذلك فإنه يصيب رفعة وشرفا وتمكنا من السلطان ويصيب ~~مالا عظيما . وإن خرج فرآهم يلعبون بالصوالجة فهو رفعة ويدل على مال رديء ~~حرام يصيبه من سلطان ويركب أمرا عظيما من عمله فليتق الله . وإن رأى جواري ~~يلعبن بالطرق كأنهن يزففن عروسا فهو خير وسرور ودخول في أمر شريف وإنه يربح ~~ربحا عظيما وهو خير الزجر . وإن خرج فرأى عصفورين يلقطان الحب فهو صالح ، ~~وإن رآهما يتافسدان فهو خير يناله في يومه ، وإن رآهما مدبرين فليمض لحاجته ~~فإنها مقضية إن شاء الله تعالى . وإن خرج فتعلق بثوبه شيء فليرجع ، فإني ~~أكره له أن يذهب في حاجته تلك . وإن خرج فرأى حدأى تسفد حدأة وهي تصيح فهو ~~نجاح فليمض لحاجته . وإن خرج فعثر فلا يذهبن في تلك الحاجة وليؤخرها . ومن ~~الزجر ما مخرجه مخرج الكهانة . فمن ذلك ما حكي أن أمية بن أبي الصلت الثقفي ~~بينا هو يشرب مع إخوان له في قصر عيلان بالطائف إذ سقط غراب على شرفة القصر ~~فنعب نعبة فقال أمية : PageV03P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" بفيك الكثكث أي التراب فقال له أصحابه : ما ~~يقول ؟ قال يقول : إنك إذا شربت الكأس التي بيدك مت ، ثم نعب نعبة أخرى ms0526 ، ~~فقال أمية كمقالته الأولى فقال أصحابه : ما يقول ؟ قال : يزعم أنه يقع على ~~هذه المزبلة في أسفل القصر فيستثير عظما فيبتلعه به فيموت ، فوقع الغراب ~~على المزبلة فأثار العظم وابتلعه فشجى فمات ، فأنكر أمية ووضع الكأس من يده ~~وتغير لونه فقال أصحابه : ما أكثر ما سمعنا مثل هذا وكان باطلا وألحوا عليه ~~حتى شرب الكأس فمال فأغمى عليه ثم أفاق فقال : لا بريء فأعتذر ، ولا قوي ~~فأنتصر ، ثم خرجت نفسه . وزعموا أن رجلا من كعب خرج في جماعة ومعه سقاء من ~~لبن فسار صدر يومه فعطش فأناخ ليشرب فإذا غراب ينعب فأثار راحلته ، ثم سار ~~فلما أظهر أناخ ليشرب ، فنعب الغراب وتمرغ في التراب فضرب الرجل السقاء ~~بسيفه فإذا فيه أسود ضخم فقتله ، ثم سار فإذا غراب واقع على سدرة فصاح به ~~فوقع على سلمة فصاح به فوقع على صخرة فانتهى إليها فأثار كنزا ، فلما رجع ~~إلى أبيه قال له : إيه ما صنعت ؟ قال : سرت صدر يومي ، ثم أنخت لأشرب فنعب ~~الغراب ، قال أثرها وإلا فلست بابني قال : أثرتها ، ثم أنخت لأشرب فنعب ~~الغراب وتمرغ في التراب قال : اضرب السقاء وإلا لست بابني قال : فعلت ، ~~فإذا أسود ضخم قال : ثم مه قال : ثم رأيت غرابا على سدرة قال : أطره وإلا ~~فلست بابني قال : فعلت فوقع على سلمة قال : أطره وإلا فلست بابني قال : ~~فعلت فوقع على صخرة قال : أحد يا بني فأحداه . ومن الزجر : ما يروى أن كسرى ~~أبرويز بعث إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حين بعث زاجرا ومصورا وقال ~~للزاجر : انظر ما ترى في طريقك وعنده ، وقال للمصور : إئتني بصورته ، فلما ~~عاد إليه أعطاه المصور صورته ( صلى الله عليه وسلم ) فوضعها كسرى على ~~وسادته ، وقال للزاجر : ما رأيت ؟ فقال : لم أر ما أزجره حتى الآن وأرى ~~أمره يعلو عليك لأنك وضعت صورته على وسادتك . PageV03P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" وقيل : إن كثيرا تعشق امرأة من خزاعة يقال ~~لها : أم الحويرث ، فشبب بها فكرهت أن يفضحها كما فضح عزة فقالت له ms0527 : إنك ~~رجل فقير لا مال لك فابتغ مالا ، ثم تعالى فاخطبني كما يخطب الكرام قال : ~~فاحلفي لي ووثقي أنك لا تتزوجين حتى أقدم عليك فحلفت ووثقت له فمدح عبد ~~الرحمن بن الأزدي وخرج إليه ، فلقي ظباء سوانح ، ولقي غرابا يفحص التراب ~~بوجهه فتطير من ذلك حتى قدم على حي من لهب فقال : أيكم يزجر ؟ قالوا : فمن ~~تريد ؟ قال : أعلمكم بذلك قالوا : ذلك الشيخ المنحني الصلب ، فأتاه فقص ~~عليه القصة فكره ذلك له وقال : قد ماتت أو تزوجت رجلا من بني عمها فقال ~~كثير تيممت لهبا أبتغي العلم عندهم . . . وقد رد علم العائفين إلى لهب ~~فيممت شيخا منهم ذا نحالة . . . بصيرا بزجر الطير منحني الصلب فقلت له : ~~ماذا ترى في سوانح . . . وصوت غراب يفحص الأرض بالترب فقال : جرى الطير ~~السنيح ببينها . . . ونادى غراب بالفراق وبالسلب فإن لا تكن ماتت فقد حال ~~دونها . . . سؤال خليل باطن من بني كعب قال : ثم مدح الرجل الأزدي فأصاب ~~منه خيرا ، ثم قدم عليها فوجدها قد تزوجت رجلا من بني عمها فأخذه الهلاس ~~فكشح جنباه بالنار ، فلما اندمل من علته ووضع يده على ظهره فإذا هو برقمتين ~~فقال : ما هذا ؟ قالوا : أخذك الهلاس وزعم الأطباء أنه لا علاج لك إلا ~~بالكشح بالنار فكشحت بها فأنشأ يقول : عفى الله عن أم الحويرث ذنبها . . . ~~علام تعنيني وتكمي دوائيا ولو آذنوني قبل أن يرقموا بها . . . لقلت لهم أم ~~الحويرث دائيا وحكى أن صاحب الروم بعث إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~رسولا وقال له : انظر أين تراه جالسا ، ومن إلى جانبه ، وانظر ما بين كنفيه ~~حتى الخاتم والشامة ، فقدم ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) PageV03P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" على نشز واضعا قدميه في الماء ، وعن يمينه ~~علي عليه السلام ، فلما رآه ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " تحول فانظر ما ~~أمرت به " فنظر ثم رجع إلى صاحبه فأخبره الخبر فقال : ليعلون أمره وليملكن ~~ما تحت قدمي وقال : بالنشز العلو وبالماء الحياة . ومن الزجر : ما روي عن ~~أبي ذؤيب الهذلي قال ms0528 : إنه بلغنا أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عليل ~~فأوجس أهل الحي خيفة عليه فبت بليلة ثابتة النجوم طويلة الأناة لا ينجاب ~~ديجورها ولا يطلع نورها حتى إذا قرب السحر غفوت فهتف لي هاتف يقول : خطب ~~أجل أناخ بالإسلام . . . بين النخيل ومعقد الآطام قبض النبي محمد فعيوننا . ~~. . تذري الدموع عليه بالتسجام قال أبو ذؤيب : فوثبت من نومي فزعا فنظرت ~~إلى السماء فلم أر إلا سعد الذابح فتفاءلت به ذبحا يقع في العرب ، وعلمت أن ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد مات أو هو ميت من علته ، فركبت ناقتي وسرت ~~حتى أصبحت فطلبت شيئا أزجره ، فعن لي شيهم قد أرم على صل وهو يتلوى عليه ~~والشهيم يقضمه حتى أكله فزجرت ذلك شيئا مهما فقلت : تلوي السل : انفتال ~~الناس عن الحق على القائم بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم أولت ~~أكل الشيهم إياه : غلبة القائم على الأمر فحثثت ناقتي حتى إذا كنت بالعلية ~~زجرت الطير فأخبرني بوفاته . ونعب غراب سانحا بمثل ذلك فتعوذت من شر ما عن ~~لي في طريقي ، ثم قدمت المدينة ولأهلها ضجيج كضجيج الحجيج أهلوا جميعا ~~بالإحرام فقلت : مه قالوا قبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فجئت ~~المسجد فأصبته خاليا فأتيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأصبت بابه ~~مرتجا وقد خلا به أهله فقلت : أين الناس ؟ فقيل : في سقيفة بني ساعدة صاروا ~~إلى الأنصار فجئت السقيفة فوجدت أبا بكر ، وعمر رضي الله عنهما ، ~~PageV03P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" وأبا عبيدة ، وسالما ، وجماعة من قريش ورأيت ~~الأنصار فيهم سعد بن عبادة ومعهم شعراؤهم وأمامهم حسان بن ثابت ، وكعب في ~~ملإ منهم فأويت إلى الأنصار فتكلموا فأكثروا وتكلم أبو بكر فلله من رجل لا ~~يطيل الكلام ويعلم مواضع الفصل ، والله لتكلم بكلام لم يسمعه سامع إلا ~~انقاد له ومال إليه ، وتكلم بعده عمر رضي الله عنه بكلام دون كلامه ، ومد ~~يده فبايعه ، ورجع أبو بكر رضي الله عنه ورجعت معه ، فشهدت الصلاة على رسول ~~الله ( صلى الله عليه ms0529 وسلم ) ، وشهدت دفنه قال : ولقد بايع الناس من أبي ~~بكر رجلا حل قداماها ولم يركب ذنابابها وانصرف أبو ذؤيب إلى باديته وثبت ~~على إسلامه . ومنه : ما روي عن مصعب بن عبد الله الزبيري أنه حدث عن رجل ~~قال : شردت لنا إبل فأتيت حليسا الأسدي فسألته عنها فقال لبنت له : خطى ، ~~فخطت ونظرت ثم انقبضت وقامت منصرفة فنظر حليس في خطها فضحك وقال : أتدري لم ~~قامت ؟ قلت : لا ، قال : رأت أنك تجد إبلك تتزوجها فاستحيت فقامت ، فخرجت ~~فأصبت إبلي ثم تزوجتها بعد . الفأل والطيرة حكي أنه لما ولد لسعيد بن العاص ~~عنبسة قال سعيد لابنه يحيى : أي شيء تجله ؟ قال : دجاجة بفراريجها ، وإنما ~~أراد احتقاره بذلك لأن أمه كانت أمة فقال سعيد : إن صدق الطير ليكونن أكثر ~~كم ولدا فكان كذلك . لما طلب عامر بن إسماعيل مروان بن محمد اعترضه بالفيوم ~~قوم PageV03P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" من العرب فسأل رجلا : ما اسمك ؟ فقال منصور ~~بن سعد : وأنا من سعد العشيرة ، فتبسم تفاؤلا به وتيمنا واستصحبه فظفر ~~بمروان تلك الليلة . ومن الطيرة : ما حكى عن بعضهم قال : حضرت الموقف مع ~~عمرو بن الخطاب رضي اله عنه فصاح به رجل من خلفه : يا خليفة رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ، فقال رجل من خلفه : ~~دعاه باسم ميت مات والله أمير المؤمنين ، ولا يقف هذا الموقف أبدا فالتفت ~~إليه فإذا هو اللهبي ، فقتل عمر قبل الحول . وحكي أن عمر رضي الله عنه خرج ~~إلى حرة واقم فلقي رجلا من جهينة فقال له : ما اسمك ؟ قال : شهاب ، قال : ~~ابن من ؟ قال : ابن جمرة قال : وممن أنت ؟ قال : من الحرقة قال : ثم ممن ؟ ~~قال : من بني ضرام قال : وأين منزلك ؟ قال : بحرة ليلى قال : وأين تريد ؟ ~~قال : لظى وهو موضع فقال عمر : أدرك أهلك ، فما أراك تدركهم إلا وقد ~~احترقوا ، قال : فأدركهم ، وقد أحاطت بهم النار . وقال المدايني : وقع ~~الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان فخرج هاربا منه فنزل قرية ms0530 من ~~الصعيد يقال لها : شكر ، فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك فقال له عبد ~~العزيز : ما اسمك ؟ قال طالب بن مدرك ؟ فقال : أوه ما أراني راجعا إلى ~~الفسطاط أبدا ، ومات في تلك القرية . وقيل : بينا مروان بن محمد في إيوان ~~له ينفذ الأمور ، فانصدعت زجاجة الأموال ، فوقعت الشمس منها على منكب مروان ~~وكان هناك عياف فقال : صدع الزجاج أمر منكر على أمير المؤمنين ، ثم قام ~~فاتبعه ثوبان مولى مروان . فقال له : ويحك ما قلت ؟ قال . قلت : صدع الزجاج ~~صدع السلطان ، تذهب الشمس بملك PageV03P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" مروان ، بقوم من الترك أو خراسان ، ذلك عندي ~~واضح البرهان قال : فما ورد لذلك شهران حتى ورد خبر أبي مسلم . وقال ~~إبراهيم بن المهدي : أرسل إلى محمد الأمين في ليلة مقمرة من ليالي الصيف ~~فقال : يا عمي إن الحرب بيني وبين طاهر قد سكنت قصر إلي فإني إليك مشتاق ~~فجئته وقد بسط له على سطح ، وعنده سليمان بن جعفر ، وعليه كساء روذباري ، ~~وقلنسوة طويلة ، وجواريه بين يديه وضعف جاريته عنده . فقال لها : غنيني فقد ~~سررت بعمومتي فاندفعت تغنيه : هم قتلوه كي يكونوا مكانه . . . كما فعلت ~~يوما بكسرى مرازبه بني هاشم كيف التواصل بيننا . . . وعند أخيه سيفه ~~ونجائبه هكذا غنته ، وإنما هو : وعند علي سيفه ونجائبه فغضب وتطير ، وقال : ~~ما قصتك ؟ ويحك غنيني ما يسرني ، فغنت هذا مقام مطرد . . . هدمت منازله ~~ودوره فازداد تطيرا ، ثم قال : ويحك انتهى وغني غير هذا فغنت كليب لعمري ~~كان أكثر ناصرا . . . وأيسر جرما منك ضرج بالدم فقال لها : قومي إلى لعنة ~~الله ، فوثبت ، وكان بين يديه قدح بلور وكان لحبه إياه يسميه محمد باسمه ، ~~فأصابه طرف ذيلها فسقط على بعض الصواني فانكسر ، فأقبل علي وقال : أرى ~~والله يا عم أن هذا آخر أمرنا ، فقلت : كلا بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين ~~ويسرك ، قال : ودجلة والله هادئة ما فيها صوت مجداف ، ولا أحد يتحرك ، ~~فسمعت هاتفا يهتف : قضى الأمر الذي فيه تستفتيان قال فقال لي : سمعت يا عم ~~؟ فقلت ms0531 : وما هو ؟ وقد والله سمعته ، فإذا الصوت قد عاد فقال : ~~PageV03P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" انصرف بيتك الله بخير فمحال أن لا تكون الآن ~~قد سمعت ما سمعت ، فانصرفت وكان آخر العهد به . وشبيه بهذا ما حكي عن علوية ~~المغني قال : كنت مع المأمون لما خرج إلى الشام ، فدخلنا دمشق فطفنا فيها ، ~~وجعل يطوف على قصور بني أمية ، ويتتبع آثارهم ، فدخلنا صحنا من صحونهم ، ~~مفروشا بالرخام الأخضر ، وفيه بركة ماء فيها سمك ، وأمامها بستان ، فاستحسن ~~ذلك وعزم على الصبوح ودعا بالطعام والشراب ، وأقبل علي فقال : غنني ونشطني ~~، فكأن الله تعالى أنساني الغناء كله إلا هذا الصوت من شعر عبد الله بن قيس ~~الرقيات لو كان حولي بنو أمية لم . . . تنطق رجال أراهم نطقوا من كل قرم ~~محض ضرائبه . . . عن منكبيه القميص ينخرق قال : فنظر إلي مغضبا ، وقال : ~~عليك وعلى بني أمية لعنة الله ، ويلك أقلت لك سرني أو سؤني ؟ ألم يكن لك ~~وقت تذكر فيه بني أمية إلا هذا الوقت تعرض بي ؟ فتجلدت عليه وعلمت أني قد ~~أخطأت ، فقلت : أتلومني على أن أذكر بني أمية ؟ هذا مولاكم زرياب عندهم ~~يركب في مائتي غلام مملوك له ، ويملك ثلثمائة ألف دينار وهبوها له سوى ~~الخيل والضياع والرقيق : وأنا عندكم أموت جوعا ، فقال : أو لم يكن لك شيء ~~تذكرني به نفسك غير هذا ؟ فقلت : هكذا حضرني حين ذكرتهم ، فقال : ~~PageV03P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" أعرض وتنبه على إرادتي وغن فأنساني الله كل ~~شيء أحسنه إلا هذا الصوت الحين ساق إلى دمشق وما . . . كانت دمشق لأهلنا ~~بلدا قادتك نفسك فاستقدت لها . . . وأرتك أمر غواية رشدا فرماني بالقدح ~~فأخطأني وانكسر القدح ، وقال : قم إلى لعنة الله وحر سقر فركب ، وكانت تلك ~~الحال آخر عهدي به حتى مرض ومات بعد ذلك بقليل . ومثل ذلك ما حكي في قتلة ~~المتوكل ، وذلك أنه جلس يوم الأربعاء لأيام خلون من شوال سنة تسع وأربعين ~~ومائتين وقال للفتح بن خاقان : أحب أن نصطبح ، فأحضر المغنين وفيهم أحمد بن ~~أبي العلاء فقال له : غن فغنى ms0532 يا عاذلي من الملام دعاني . . . إن البلية ~~فوق ما تصفان زعمت بثينة أن فرقتنا غدا . . . لا مرحبا بغد فقد أبكاني ~~فتطير المتوكل منه ، وقال : أحمد كيف وقع لك أن تغني بهذا الشعر ، قال : ~~فشغل قلب ابن أبي العلاء لما أنكر عليه ، ثم ذهب ليغني غيره ، فغناه ثانية ~~، فقال المتوكل : نسأل الله خير هذا اليوم ، وصرف المغنين وقام لصلاة الظهر ~~، فلما فرغ قال له الفتح : يا سيدي أتمم يومك ، فدعا بالشراب وقال : أين ~~ابن أبي العلاء ؟ فأحضر فقال له : غن ، فأغمي عليه فأعاد البيتين فاغتم ~~المتوكل غاية الغم وقتل في الليلة الآتية من ذلك اليوم . قال القاضي أبو ~~علي الجويني : حضرت بين يدي سيف الدولة أبي الحسن صدقة ابن منصور بن دبيس ، ~~وابنه أبو المكارم محمد إذ ذاك مريض مرضه الذي مات فيه وقد أتى بديوان أبي ~~نصر بن نباته فتصفحه فوقع بيده وقال : يعزى سيف الدولة أبا الحسن ويرثي ~~ابنه أبا المكارم محمد ، فأخذت المجلد وأطبقته فعاد فتصفحه فخرج ~~PageV03P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" ذلك ، ومن القصيدة التي عناها قوله : فإن ~~بميا فارقين حفيرة . . . تركنا عليها ناظر الجود داميا تضمنها أيدي فتى ~~ثكلت به . . . غداة ثوى أمالنا والأمانيا ولما عدمنا الصبر بعد محمد . . . ~~أتينا أباه نستفيد التعازيا حكي : أن أبا الشمقمق شخص مع خالد بن يزيد بن ~~مزيد وقد تقلد الموصل ، فلما أراد الدخول إليها اندق لواؤه في أول درب منها ~~، فتطير من ذلك وعظم عليه ، فقال أبو الشمقمق : ما كان مندق اللواء لريبة . ~~. . تخشى ولا أمر يكون مبذلا لكن هذا الرمح ضعف متنه . . . صغر الولاية ~~فاستقل الموصلا فسرى عن خالد ، وكتب صاحب البريد بذلك إلى المأمون ، فزاده ~~ديار ربيعة وكتب إليه : هذا التضعيف الموصل متن رمحك ، فأعطى خالد أبا ~~الشمقمق عشرة آلاف درهم . وقيل : لما توجه المسترشد للقاء السلطان مسعود بن ~~محمد بن ملكشاه السلجلقي ، وقع على الشمسية التي ترفع على رأسه طائر من ~~الجوارح وألح ، كلما نفر عاد ، فتفاءل الناس له بذلك وسر هو به ، فقال ~~إنسان يعرف بملكدار : هذا ms0533 جارح ومنقبض الكف وليس فيه بشرى بل ضدها ، وأقبل ~~السلطان في جيشه فكانت الكسرة وقبض على المسترشد وقتل من بعد . ~~PageV03P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" خرج بعض ملوك الفرس إلى الصيد ، فكان أول من ~~استقبله أعور فأمر بضربه وحبسه ، ثم خرج وتصيد صيدا كبيرا ، فلما عاد ~~استدعى الأعور وأمر له بصلة ، فقال الأعور : لا حاجة لي في صلتك ، ولكن ~~ائذن لي في الكلام ، فقال : تكلم قال : لقيتني فضربتني وحبستني ، ولقيتك ~~فصدت وسلمت فأينا أشأم ؟ فضحك وخلاه . الفراسة والذكاء يقولون : عظم الجبين ~~يدل على البله ، وعرضه يدل على قلة العقل ، وصغره على لطف الحركة ، ~~والحاجبان إذا اتصلا على استقامة دلا على تخنيث واسترخاء ، وإذا تزججا نحو ~~الصدغين دلا على طنز واستهزاء ، والعين إذا كانت صغيرة الموق دلت على سوء ~~دخلة ، وخبث شمائل ، وإذا وقع الحاجب على العين دل على الحسد ، والعين ~~المتوسطة في حجمها دليل فطنة وحسن خلق ومروءة ، والناتئة على اختلاط عقل ، ~~والطائرة على حدة ، والتي يطول تحديقها على قحة وحمق ، والتي تكسر طرفها ~~على خفة وطيش ، والشعر على الأذن يدل على جودة السمع ، والأذن الكبيرة ~~المنتصبة تدل على حمق وهذيان . وحكي : أن أبا موسى الأشعري وجه السائب بن ~~الأقرع في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مهرجا بعد أن فتحا ودخل ~~دار الهرمزان بعد أن جمع السبي والغنائم ، ورأى في بعض مجالس الدار تصاوير ~~فيها مثال ظبي وهو مشير بإحدى يديه إلى الأرض ، فقال السائب : لأمر ما صور ~~هذا الظبي هكذا ، إن له لشأنا ، فأمر بحفر الموضع الذي الإشارة إليه فأفضى ~~إلى موضع فيه PageV03P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" حوض من رخام ، فيه سفط جوهر فأخذه السائب ~~وخرج به إلى عمر رضي الله عنه . وقيل : كان المعتضد يوما جالسا في بيت يبني ~~له وهو يشاهد الصناع فرأى في جملتهم عبدا أسود منكر الخلق ، شديد المرح ، ~~يصعد على السلاليم مرقاتين مرقاتين ويحمل ضعف ما يحمل غيره ، فأنكر أمره ، ~~وأحضره وسأله عن سبب ذلك ، فلجلج فقال لوزيره : قد خمنت في هذا تخمينا ما ms0534 ~~أحسبه باطلا ، إما أن يكون معه دنانير قد ظفر بها من غير وجهها ، أو لصا ~~يتستر بالعمل ، ثم قال : علي بالأسود فأحضره وضربه ، وحلف إن لم يصدقه ~~ليضربن عنقه ، فقال الأسود : ولي الأمان يا أمير المؤمنين ، قال : نعم إلا ~~ما كان من حد ، فظن أنه قد أمنه ، فقال : كنت أعمل في أتون الآجر ، منذ ~~سنين ، فأنا منذ شهور جالس إذ مر بي رجل في وسطه كيس فتبعته وهو لا يعرف ~~مكاني فحل الهميان وأخرج منه دينارا فتأملته فإذا كله دنانير فكتفته وسددت ~~فاه وأخذت الهميان وحملته على كتفي وطرحته في التنور وطينت عليه ، فلما كان ~~بعد أيام أخرجت عظامه وطرحتها في دجلة والدنانير معي تقوي قلبي قال : فأرسل ~~المعتضد من أحضر الدنانير ، وإذا على الكيس : لفلان بن فلان ، فنادي في ~~المدينة ، فحضرت امرأته وقالت : هذا زوجي وقد ترك طفلا صغيرا خرج في وقت ~~كذا ومعه كيس فيه ألف دينار ، فغاب إلى الآن ، فسلم الدنانير إليها وأمرها ~~أن تعتد ، وضرب عنق الأسود وأمر أن يوضع في الأتون . وقيل : جلس المنصور في ~~إحدى قباب المدينة فرأى رجلا ملهوفا مهموما يجول في الطرقات ، فأرسل من ~~أتاه به فسأله عن حاله فأخبره أنه خرج في تجارة فأفاد مالا ورجع إلى منزله ~~به ، فدفعه إلى امرأته ، فذكرت المرأة أن المال سرق ولم ير نقبا ولا تسلقا ~~، فقال له المنصور : منذ كم تزوجتها ؟ قال : منذ سنة ، قال : فبكرا أو ثيبا ~~؟ قال ثيبا ، قال : فلها ولد من سواك ؟ قال : لا ، قال : شابة أم مسنة ؟ ~~قال : شابة ، فدعا المنصور بقارورة طيب ، وقال : تطيب بهذا ، فهو يذهب همك ~~، فأخذها وانقلب إلى أهله ، ثم قال المنصور لأربعة من ثقاته : اقعدوا على ~~أبواب المدينة ، فمن مر بكم PageV03P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" وعليهم شيء من هذا الطيب فأتوني به ، وأشمهم ~~من ذلك الطيب ، ومضى الرجل بالطيب ، فدفعه إلى امرأته وقال : وهبه لي أمير ~~المؤمنين ، فلما شمته بعثت به إلى رجل كانت تحبه وقد كانت دفعت إليه المال ~~فتطيب به ، ومر مجتازا ببعض الأبواب ms0535 ، فأخذ وأتى به إلى المنصور ، فقال له ~~: من أين استفدت هذا الطيب ؟ فلجلجلسانه ، فسلمه إلى صاحب شرطته وقال : أن ~~احضر الدنانير وإلا فاضربه ألف سوط ، فما هو إلا أن جرد وهدد ، فأحضر ~~الدنانير على حالتها فأعلم المنصور بذلك ، فدعا صاحب الدنانير وقال : ~~أرأيتك إن رددت عليك متاعك بعينه أتحكمني في امرأتك ؟ قال : نعم قال : خذ ~~دنانيرك وقد طلقت امرأتك وخبره الخبر . ودخل شريك بن عبد الله القاضي على ~~المهدي فأراد أن يبخره فقال للخادم : ائت القاضي بعود ، فذهب فجاء بالعود ~~الذي يلهى به ، فوضعه في حجر شريك ، فقال شريك : ما هذا يا أمير المؤمنين ؟ ~~قال : عود أخذه صاحب العسس البارحة فأحببنا أن يكون كسره على يد القاضي ، ~~فقال شريك : جزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين ، ثم ضرب به الأرض فكسره ثم ~~أفاضوا في حديث آخر حتى نسي الأمر ثم قال المهدي لشريك : ما تقول فيمن أمر ~~وكيلا له أن يأتي بشيء فجاء بغيره فتلف ذلك الشيء ؟ فقال : يضمن يا أمير ~~المؤمنين ، فقال للخادم : اضمن ما تلف . الباب الرابع من القسم الثاني من ~~الفن الثاني في الكنايات والتعريض والكنايات لها مواضع ، فأحسنها العدول عن ~~الكلام القبيح إلى ما يدل على معناه في لفظ أبهى منه . ومن ذلك أن يعظم ~~الرجل فلا يدعى باسمه ويكنى بكنيته ، أو يكنى باسم ابنه صيانة لاسمه ، وقد ~~ورد في ذلك كثير من آي القرآن فمنها قوله تعالى " فقولا له قولا لينا " أي ~~كنياه . وقد كني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) علي بن PageV03P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" أبي طالب رضي الله عنه : بأبي تراب ، وقال ~~البحتري : يتشاغفن بالصغير المسمى . . . موضعات وبالكبير المكنى وهذا يدل ~~على أن المراد بالكنية التبجيل ، وقول ابن الرومي : بكت شجوها الدنيا فلما ~~تبينت . . . مكانك منها استبشرت وتثنت وكان ضئيلا شخصها فتطاولت . . . ~~وكانت تسمى ذلة فتكنت وقال أبو صخر الهذلي : أبي القلب إلا حبه عامرية . . ~~. لها كنية عمرو وليس لها عمرو ومن عادة العرب وشأنهم ، استعمال الكنايات ~~في الأشياء التي يستحيي من ذكرها ، قصدا ms0536 للتعفف باللسان ، كما يتعفف بسائر ~~الجوارح ، قال الله عز وجل تأديبا لعباده " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ~~ويحفظوا فروجهم " فقرن عفة البصر بعفة الفرج ، وفي القرآن كنايات عدل بها ~~عن التصريح تنزيها عن اللفظ المستهجن ، كقوله تعالى : " نساؤكم حرث لكم ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم " وقال أبو عبيد : هو كناية ، شبه النساء بالحرث ، ~~وقوله تعالى : " وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا " ، قيل : هو كناية عن ~~الفروج ، وفي موضع آخر : " يوم يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما ~~كانوا يعملون " ، وقوله تعالى : " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " ~~، وقوله تعالى : " ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه ~~صديقة كانا يأكلان الطعام " قال المفسرون : هذا تنبيه بأكل الطعام على ~~عاقبة ما يصير إليه ، وهو الحدث ، لأن من أكل الطعام فلا بد أن يحدث . ثم ~~قال : " انظر كيف نبين لهم الآيات " وهذا من ألطف الكناية ، ومنه قوله ~~تعالى : " أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء " فالغائط : المطمئن ~~من الأرض ، وكانوا يأتونه لحاجتهم ويستترون به عن الأماكن المرتفعة . ومن ~~لم ير الضوء من لمس النساء جعل الملامسة ها هنا كناية عن الفعل . ومن ~~الكنايات في كلام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو وإن كان قد ورد في ~~الأمثال أشبه بالكناية منها قوله ( صلى الله عليه وسلم ) " إياكم وخضراء ~~الدمن " يريد بها المرأة الحسناء في المنبت السوء ، وتفسير ذلك : أن الريح ~~تجمع الدمن ، وهو البعر في البقعة من الأرض فأذا أصابه المطر نبت غضا يهتز ~~وتحته الدمن الخبيث ، يقول : فلا تنكحوا هذه المرأة PageV03P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" الحسناء لجمالها ، ومنبتها خبيث كالدمن ، فإن ~~أعراق السوء تزرع أولادها ، وقال زفر بن الحارث : وقد ينبت المرعى على دمن ~~الثرى . . . وتبقى حزازات النفوس كما هيا وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~حمى الوطيس " قاله لما جال المسلمون يوم حنين ، والوطيس : حفيرة تحتفر في ~~الأرض شبيهة بالتنور ، وقال الحسن : لبث أيوب عليه السلام على المزبلة سبع ~~سنين ، وما على الأرض يومئذ خلق أكرم على الله ms0537 منه ، فما سأل الله العافية ~~إلا تعريضا في قوله : " إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " والعرب تكنى عن ~~الفضلة المستقذرة بألفاظ كلها كنايات منها : الرجيع والنجو والبراز والغائط ~~والعذرة والحش ، فبعض هذه الألفاظ يراد بها نفس الحدث ، وبعضها يراد بها ~~المواضع التي يأتي بها المحدث ، وكذلك استعملوا في إتيان النساء : المجامعة ~~، والمرافعة ، والمباضعة ، والمباشرة ، والملامسة ، والمماسة ، والخلوة ، ~~والإفضاء ، والغشيان ، والتغشي ، وكل هذه الألفاظ مذكورة في القرآن . وحكي ~~: أن رجلا من بني العنبر كان أسيرا في بكر بن وائل ، وعزموا على غزو قومه ، ~~فسألهم رسولا إلى قومه ، فقالوا : لا ترسل إلا بحضرتنا لئلا تنذرهم ، وجيء ~~بعبد أسود ، فقال له : أتعقل ؟ قال : نعم إني لعاقل قال : ما أراك عاقلا . ~~ثم أشار بيده إلى الليل ، فقال : ما هذا ؟ قال : الليل قال : أراك عاقلا . ~~ثم ملأ كفيه من الرمل فقال : كم هذا ؟ قال : لا أدري وإنه لكثير ، قال : ~~أيما أكثر ؟ النجوم أم النيران ؟ قال : كل كثير ، فقال : أبلغ قومي التحية ~~، وقل لهم ليكرموا فلانا ، يعني أسيرا كان في أيديهم من بكر ، فإن قومه لي ~~مكرمون وقل لهم : إن العرفج قد أدبي ، وشكت النساء ، وأمرهم أن يعروا ناقتي ~~الحمراء ، فقد أطالوا ركوبها ، وأن يركبوا جملي الأصهب PageV03P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" بآية ما أكلت معهم حيسا ، واسألوا عن خبري ~~أخي الحارث ، فلما أدى العبد الرسالة إليهم قالوا : قد جن الأعور ، والله ~~ما نعرف له ناقة حمراء ، ولا جملا أصهب ، ثم سرحوا العبد ودعوا الحارث ~~فقصوا عليه القصة ، فقال : قد أنذركم ؛ أما قوله : قد أدبي العرفج ، يريد : ~~أن الرجال قد استلاموا ولبسوا السلاح ، وقوله : وشكت النساء ، أي اتخذن ~~الشكاء للسفر ، وقوله : الناقة الحمراء ، أي ارتحلوا عن الدهناء واركبوا ~~الصمان وهو الجمل الأصهب ، وقوله : بآية ما أكلت معكم حيسا أي أخلاط من ~~الناس وقد غزوكم ، لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط ، فامتثلوا ما قال ، ~~وعرفوا لحن كلامه ، وحكي أبو الفرج الأصفهاني بسنده إلى مجاهد ابن سعيد عبد ~~الملك بن عمر قال : قدم علينا عمر بن هبيرة الكوفة ، فأرسل إلى ms0538 عشرة أنا ~~أحدهم من وجوه أهل الكوفة ، فسمرنا عنده . ثم قال : ليحدثني كل رجل منكم ~~أحدوثة . وابدأ أنت يا أبا عمرو ، فقلت : أصلح الله الأمير ، أحديث الحق أم ~~حديث الباطل ؟ قال : بل حديث الحق ، قلت : إن امرأ القيس آلى ألية أن لا ~~يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة واثنين ، فجعل يخطل النساء فإذا ~~سألهن عن هذا ، قلن أربعة عشر ، فبينا هو يسير في جوف الليل إذا هو برجل ~~يحمل ابنة له صغيرة ، كأنها البدر لتمه ، فأعجبته فسألها : يا جارية ما ~~ثمانية وأربعة واثنان ؟ فقالت : أما ثمانية فأطباء الكلبة ، وأما أربعة ~~فأخلاف الناقة ، وأما اثنان فثديا المرأة ، فخطبها إلى أبيها ، فزوجه إياها ~~وشرطت عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال ، فجعل لها ذلك ، وعلى أن ~~يسوق إليها مائة من الإبل ، وعشرة أعبد ، وعشر وصائف ، وثلاثة أفراس ، ففعل ~~ذلك ، ثم إنه بعث عبدا له إلى المرأة ، وأهدى لها نحيا من سمن ، ونحيا من ~~عسل ، وحلة من قصب ، فنزل العبد على بعض المياه ، فنشر الحلة فلبسها فتعلقت ~~PageV03P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" بسمرة فانشقت ، وفتح النحيين فأطعم أهل الماء ~~منهما فنقصا ، ثم قدم على حي المرأة وهم خلوف فسألها عن أبيها وأمها وأخيها ~~، ودفع إليها هديتها فقالت له : أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيدا ، ويبعد ~~قريبا ، وأن أمي ذهبت تشق النفس نفسين ، وأن أخي ذهب يراعي الشمس ، وأن ~~سماءكم انشقت ، وأن وعاءيكم نضبا ، فقدم الغلام على مولاه فأخبره ، فقال : ~~أما قولها : أن أبي ذهب يقرب بعيدا ويبعد قريبا : فإن أباها ذهب يحالف قوما ~~على قومه ، وأما قولها : ذهبت أمي تشق النفس نفسين : فإن أمها ذهبت تقبل ~~امرأة نفساء ، وأما قولها : ذهب أخي يراعي الشمس : فإن أخاها في سرح له ~~يرعاه ، فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به ، وقولها : أن سماءكم انشقت : فإن ~~البرد الذي بعثت به انشق ، وأما قولها : أن وعاءيكم نضبا : فإن النحيين ~~نقصا ، فاصدقني ، فقال : يا مولاي إني نزلت بماء من مياه العرب ، فسألوني ~~عن نسبي ، فأخبرتهم أني ابن عمك ، ونشرت ms0539 الحلة فلبستها وتجملت بها ، فتعلقت ~~بسمرة فانشقت ، وفتحت النحيين فأطعمت منهما أهل الماء . فقال : أولى لك ، ~~ثم ساق مائة من الإبل ، وخرج ومعه الغلام ليسقي الإبل ، فعجز ، فأعانه امرؤ ~~القيس فرمى به الغلام في البئر ، وخرج حتى أتى المرأة بالإبل فأخبرهم أنه ~~زوجها ، فقيل لها : قد جاء زوجك فقالت : والله ما أدري أزوجي هو أم لا ؟ ~~ولكن انحروا له جزورا وأطعموه من كرشها وذنبها ، ففعلوا ، فأكل ما أطعموه ، ~~قالت : اسقوه لبنا حازرا وهو الحامض فسقوه ، فشرب ، فقالت : افرشوا له عند ~~الفرث والدم ، ففرشوا له ، فنام . فلما أصبحت أرسلت إليه : أريد أن أسألك ~~عن ثلاث ، قال : سلي عما بدا لك ، فقالت : لم تختلج شفتاك ؟ قال : من ~~تقبيلي إياك قالت : لم تختلج فخذاك ؟ قال : لتورك إياك قالت : فلم يختلج ~~كشحاك ؟ قال : لالتزامي إياك قالت : عليكم العبد فشدوا أيديكم به ، ففعلوا ~~، قال : ومر قوم فاستخرجوا امرأ القيس من البئر ، فرجع إلى حيه واستاق مائة ~~من الإبل وأقبل إلى امرأته . فقيل له : قد جاء زوجك فقالت : والله ما أدري ~~أزوجي هو أم لا ؟ ولكن انحروا له جزورا وأطعموه من كرشها وذنبها ، ففعلوا ~~فلما أتوه بذلك ، قال : وأين الكبد والسنام والملحاء ؟ فأبى أن يأكل ، ~~فقالت : اسقوه لبنا حازرا ، فأتى به ، فأبى أن يشربه PageV03P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" وقال : أين الصريف والرثيئة ؟ فقالت : افرشوا ~~له عند الفرث والدم ، ففرشوا له ، فأبى أن ينام وقال : افرشوا لي فوق ~~التلعة الحمراء واضربوا عليها خباء ، ثم أرسلت إليه : هلم شريطتي عليك في ~~المسائل الثلاث ، فأرسل إليها : سليني عما شئت ، فقالت : لم تختلج شفتاك ؟ ~~. قال : لشرب المشعشعات ، قالت : فلم يختلج كشحاك ؟ قال : للبس الحبرات ، ~~قالت : فلم يختلج فخذاك ؟ قال : لركض المطهمات ، قالت : هذا زوجي لعمري ~~فعليكم به ، واقتلوا العبد فقتلوه ، ودخل امرؤ القيس بالجارية ، قال ابن ~~هبيرة : حسبكم فلا خير في الحديث في سائر الليلة بعد حديثك يا أبا عمرو ولن ~~يأتينا أحد بأعجب منه ، فقمنا فانصرفنا وأمر لي بجائزة . لتزامي إياك قالت ~~: عليكم العبد فشدوا أيديكم به ، ففعلوا ، قال : ومر ms0540 قوم فاستخرجوا امرأ ~~القيس من البئر ، فرجع إلى حيه واستاق مائة من الإبل وأقبل إلى امرأته . ~~فقيل له : قد جاء زوجك فقالت : والله ما أدري أزوجي هو أم لا ؟ ولكن انحروا ~~له جزورا وأطعموه من كرشها وذنبها ، ففعلوا فلما أتوه بذلك ، قال : وأين ~~الكبد والسنام والملحاء ؟ فأبى أن يأكل ، فقالت : اسقوه لبنا حازرا ، فأتى ~~به ، فأبى أن يشربه وقال : أين الصريف والرثيئة ؟ فقالت : افرشوا له عند ~~الفرث والدم ، ففرشوا له ، فأبى أن ينام وقال : افرشوا لي فوق التلعة ~~الحمراء واضربوا عليها خباء ، ثم أرسلت إليه : هلم شريطتي عليك في المسائل ~~الثلاث ، فأرسل إليها : سليني عما شئت ، فقالت : لم تختلج شفتاك ؟ . قال : ~~لشرب المشعشعات ، قالت : فلم يختلج كشحاك ؟ قال : للبس الحبرات ، قالت : ~~فلم يختلج فخذاك ؟ قال : لركض المطهمات ، قالت : هذا زوجي لعمري فعليكم به ~~، واقتلوا العبد فقتلوه ، ودخل امرؤ القيس بالجارية ، قال ابن هبيرة : ~~حسبكم فلا خير في الحديث في سائر الليلة بعد حديثك يا أبا عمرو ولن يأتينا ~~أحد بأعجب منه ، فقمنا فانصرفنا وأمر لي بجائزة . وقيل : بعث بشامة بن ~~الأعور العنبري إلى أهله بثلاثين شاة ونحي صغير فيه سمن ، فسرق الرسول شاة ~~، وأخذ من رأس النحى شيئا ، فقال لهم الرسول : ألكم حاجة أخبره بها ؟ فقالت ~~امرأته : أخبره أن الشهر محاق ، وأن جدينا الذي كان يطالعنا وجدناه مرثوما ~~، فارتجع منه الشاة والسمن . وقيل : أسرت طيء غلاما ، فقدم أبوه ليفديه ، ~~فاشتطوا عليه . فقال أبوه : لا والذي جعل الفرقدين يمسيان ويصبحان على جبلي ~~طيء ما عندي غير ما بذلته ، ثم انصرف وقال : لقد أعطيته كلاما إن كان فيه ~~خير فهمه . كأنه قال : الزم الفرقدين على جبلي طيء ، ففهم الابن تعريضه ~~وطرد إبلا لهم من ليلته ونجا . ومن التخليص المتوسط إليه بالكناية ، ما روي ~~عن عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي ، أنه قال يوما في حق الوليد بن ~~PageV03P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" عقبة بن أبي معيط : ألا تعجبون لهذا ؟ أشعر ~~بركا يولي مثل هذا المصر ، والله ما يحسن أن يقضي في تمرتين . فبلغ ms0541 ذلك ~~الوليد فقال على المنبر : أنشد الله رجلا سماني أشعر بركا إلا قام ، فقام ~~عدي بن حات فقال : أيها الأمير ، إن الذي يقوم فيقول : أنا سميتك أشعر بركا ~~لجريء ، فقال له : اجلس يا أبا طريف فقد برأك الله منها ، فجلس وهو يقول : ~~ما برأني الله منها . وقيل : كان شريح عند زياد بن أبيه وهو مريض ، فلما ~~خرج من عنده أرسل إليه مسروق رسولا وقال : كيف تركت الأمير ؟ فقال : تركته ~~يأمر وينهي ، قال مسروق : إنه صاحب مرض ، فارجع إليه واسأله ما يأمر وينهي ~~، قال : يأمر بالوصية وينهي عن النوح . خطب رجل إلى قوم فجاءوا إلى الشعبي ~~يسألونه عنه ، وكان به عارفا ، فقال : هو والله ما علمت نافذ الطعنة ، ركي ~~الجلسة ، فزوجوه ، فإذا هو خياط فأتوه فقالوا : غررتنا فقال : ما فعلت وإنه ~~لكما وصفت . وخطب باقلاني إلى قوم وذكر أن الشعبي يعرفه فسألوه فقال : إنه ~~لعظيم الرماد ، كثير الغاشية . قيل : أخذ العسس رجلين فقال لهما : من أنتما ~~؟ فقال أحدهما : أن ابن الذي لا ينزل الدهر قدره . . . وإن نزلت يوما فسوف ~~تعود ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره . . . فمنهم قيام حولها وقعود ~~PageV03P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" وقال الآخر : أنا ابن من تخضع الرقاب له . . ~~. ما بين مخزومها وهاشمها تأتيه بالذل وهي صاغرة . . . يأخذ من مالها ومن ~~دمها فظنوهما من أولاد الأكابر ، فلما أصبح سأل عنهما ، فإذا الأول ابن ~~طباخ والثاني ابن حجام . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للأحنف : أي ~~الطعام أحب إليك ؟ قال : الزبد والكمأة . فقال : ما هما بأحب الطعام إليه ، ~~ولكنه يحب الخصب للمسلمين . قال لقمان لابنه : كل أطيب الطعام ، ونم على ~~أوطأ الفرش كنى عن إكبار الصيام ، وإطالة القيام . ومن جيد التورية وغريبها ~~مع توخي الصدق في موطن الخوف : قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وقد أقبل ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو رديفه عام الهجرة ، فقيل له : من هذا ~~يا أبا بكر ؟ فقال : رجل يهديني السبيل . ورفع إلى عبيد الله بن الحسن قاضي ~~البصرة وصية لرجل بمال ms0542 أمر أن تتخذ به حصون . فقال : اشتروا به خيلا للسبيل ~~، أما سمعتم قول النخعي : ولقد علمت على تجنبي الردى . . . أن الحصون الخيل ~~لا مدر القرى قيل كان البراء بن قبيصة صاحب شراب ، فدخل على الوليد بن عبد ~~الملك ، وبوجهه أثر ، فقال : ما هذا ؟ قال فرس لي أشقر ، ركبته فكبابي ، ~~فقال : لو ركبت الأشهب لما كبابك ، يريد الماء . قال عبد الملك بن مروان ~~لثابت بن الزبير : ما ثابت من الأسماء ليس باسم رجل ولا امرأة ، قال : يا ~~أمير المؤمنين لا ذنب لي لو كان اسمي إلي ، لسميت نفسي زينب ، يعرض به ، ~~فإنه كان يعشق زينب بنت عبد الرحمن بن هشام فخطبها ، فقالت : لا أوسخ نفسي ~~بأتى الذبان . PageV03P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" قال نميري لفقعسي : إني أريد إتيانك فأجد على ~~بابك جروا ، فقال له الفقعسي : اطرح عليه ترابا وادخل ، أراد النميري قول ~~الشاعر : ينام الفقعسي وما يصلي . . . ويخرى فوق قارعة الطريق وأراد ~~الفقعسي قول الآخر : ولو وطئت نساء بني نمير . . . على ترب لخبثن التراب ~~قال عبد الله بن الزبير لامرأة عبد الله بن حازم السلمي : أخرجي المال الذي ~~وضعته تحت استك ، فقالت : ما ظننت أن أحدا يلي شيئا من أمور المسلمين يتكلم ~~بهذا ، فقال بعض من حضر : أما ترون الخلع الخفي الذي أشارت إليه ؟ فلما أخذ ~~الحجاج أم عبد الرحمن بن الأشعث تجنب ما عيب على ابن الزبير ، فكني عن ~~المعنى فقال لها : عمدت إلى مال الله فوضعته تحت ذيلك . ماتت للهذلي أم ولد ~~، فأمر المنصور الربيع بأن يعزيه ويقول له : إن أمير المؤمنين يوجه إليك ~~بجارية نفيسة لها أدب وظرف تسليك عنها ، وأمر لك بفرس وكسوة وصلة ، فلم يزل ~~الهذلي يتوقعها ، ونسيها المنصور ، ثم حج ومعه الهذلي فقال له وهو بالمدينة ~~: أحب أن أطوف الليلة في المدينة ، وأطلب من يطوف بي فقال : أنا لها يا ~~أمير المؤمنين ، فطاف به حتى وصل إلى بيت عاتكة فقال : يا أمير المؤمنين ~~PageV03P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" وهذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص : يا ~~بيت عاتكة الذي ms0543 أتعزل فأنكر المنصور ذكر بيت عاتكة من غير أن يسأله عنه ، ~~فلما رجع أمر القصيدة على خاطره فإذا فيها : وأراك تفعل ما تقول وبعضهم . . ~~. مذق الحديث يقول ما لا يفعل فتذكر الموعد وأنجزه واعتذر إليه . اجتمع ~~الشعراء بباب أمير من أمراء العرب ، فمر رجل بباز فقال رجل من بني تميم ~~لآخر من بني نمير : هذا البازي فقال النميري : إنه يصيد القطا ، عرض الأول ~~بقول جرير : أنا البازي المطل على نمير . . . أتيح من السماء لها انصبابا ~~وأراد الآخر قول الطرماح : تميم بطرق اللؤم أهدي من القطا . . . ولو سلكت ~~طرق المكارم ضلت قال عمر بن هبيرة الفزاري لأيوب بن ظبيان النميري وهو ~~يسايره : غض من بغلتك فقال : إنها مكتوبة ، أراد بن هبيرة قول جرير : فغض ~~الطرف إنك من نمير . . . فلا كعبا بلغت ولا كلابا وأراد النميري قول ابن ~~دارة : لا تأمنن فزاريا خلوت به . . . على قلوصك واكتبها بأسيار ~~PageV03P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" وقيل : كان العزيز بن المعز العبيدي أحد ~~الخلفاء بمصر يلعب بالحمام فتسابق هو وخادم له فسبق طائر الخادم طائر ~~الخليفة ، فبعث إلى وزيره ابن كلس اليهودي يستعلمه عن ذلك فاستحيي أن يقول ~~: إن طائر الخليفة سبق ، فكتب إليه : يا بن الذي طاعته عصمة . . . وحبه ~~مفترض واجب طائرك السابق لكنه . . . جاء وفي خدمته حاجب جاءت امرأة إلى عمر ~~رضي الله عنه فقالت : أشكو إليك زوجي ، خير أهل الأرض إلا رجل سبقه لعمل ، ~~أو عمل مثل عمله ، يقول الليل حتى يصبح ، ويصوم النهار حتى يمسي ، ثم أخذها ~~الحياء فقالت : أقلني يا أمير المؤمنين فقال : جزاك الله خيرا فقد أحسنت ~~الثناء ، فلما ولت قال كعب بن شور : يا أمير المؤمنين لقد أبلغت إليك في ~~الشكوى ، فإنها كنت بذلك عن عدم المباضعة . الباب الخامس من القسم الثاني ~~من الفن الثاني في الألغاز والأحاجي قالوا : واشتقاق اللغز من ألغز اليربوع ~~ولغز : إذا حفر لنفسه مستقيما ، ثم أخذ يمنة ويسرة ليواري بذلك ويعمي على ~~طالبه . وللغز أسماء فمنها : المعاياة ، PageV03P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" والعويص ، والرمز ، والمحاجاة ، وأبيات ~~المعاني ms0544 ، والملاحن ، والمرموس ، والتأويل ، والكناية ، والتعريض ، ~~والإشارة ، والتوجيه ، والمعمي ، والممثل ، ومعنى الجميع واحد ، واختلافها ~~بحسب اختلاف وجوه اعتبارات ، فإنك إذا اعتبرته من حيث إن واضعه كأنه يعابيك ~~، أي يظهر إعياءك وهو التعب ، سميته : معاياة ، وإذا اعتبرته من حيث صعوبة ~~فهمه واعتياص استخراجه ، سميته : عويصا ، وإذا اعتبرته من حيث إنه قد عمل ~~على وجوه وأبواب ، سميته : لغزا ، وفعلك له : إلغازا ، وإذا اعتبرته من حيث ~~إن واضعه لم يفصح عنه قلت : رمز ، وقريب منه الإشارة ، وإذا اعتبرته من حيث ~~إن غيرك حاجاك أي استخرج مقدار عقلك ، سميته : محاجاة ، وإذا اعتبرته من ~~حيث إنه استخرج كثرة معانيه ، سميته : أبيات المعاني ، وإذا اعتبرته من حيث ~~إن قائله قد يوهمك شيئا ويريد غيره ، سميته : لحنا وسميت فعلك : الملاحن ، ~~وإذا اعتبرته من حيث إنه سترعنك ورمس فهو : المرموس ، والرمس : القبر ، ~~وإذا اعتبرته من أن معناه يؤول إليك ، سميته : مؤولا ، وسميت فعلك : تأويلا ~~، وإذا اعتبرته من حيث إن صاحبه لم يصرح بغرضه ، سميته : تعريضا وكناية ، ~~وإذا اعتبرته من حيث إنه ذو وجوه ، سميته : الموجه ، وسميت فعلك : التوجيه ~~، وإذا اعتبرته من حيث إنه مغطى عليك ، سميته : معمى . قال الحكيم أمير ~~الدولة المعروف بابن التلميذ في الميزان : ما واحد مختلف الأسماء . . . ~~يعدل في الأرض وفي السماء يحكم بالقسط بلا رياء . . . أعمى يرى الرشاد كل ~~رائي أخرس لا من علة وداء . . . يغني عن التصريح بالإيماء يجيب إن ناداه ذو ~~امتراء . . . بالرفع والخفض عن النداء يفصح إن علق في الهواء قوله : مختلف ~~الأسماء يعني ميزان الشمس ، والآصطرلاب ، وسائر آلات الرصد ، وهو معنى قوله ~~: يحكم في السماء . وميزان الكلام : النحو ، وميزان الشعر : العروض ، ~~وميزان المعاني : المنطق ، وهذه الميزان والذراع والمكيال . PageV03P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" وقال آخر فيه : ما تقولون ؟ فيما نزل من ~~السماء ، وعلق في الهواء ، له عين عمياء ، وكف شلاء ، ليس له إن عدل ثواب ، ~~ولا عليه إن جار عقاب ، خلق من ثلاثة أجناس ، تضعضعه الأنفاس ، جسمه عار من ~~غير لباس ، أخرس اللسان ، في أذنه خرصان ، مكرر الذكر في القرآن ، ينطوي ~~إذا نام ms0545 كالصل ، وفعله المستقبل معتل ، وله في الآخرة أكبر محل . وقال أبو ~~نصر الكاتب في الخاتم : ومنكوح إذا ملكته كف . . . وليس يكون في هذا مراء ~~له عين تخللها ضياء . . . فإن كحلت فللميل العماء يظل طليعة للوصل هونا . . ~~. وللخاشي بزورته احتماء وقد أوضحته وأبنت عنه . . . ففسره فقد برح الخفاء ~~أراد بقوله : تخللها ضياء أي أنها مفتوحة وكحلها بالإصبع ، وقد يبعث ~~المحبوب بخاتمه علامة للزيارة أو رهنا عليها وهو أمان للجاني . وقال ابن ~~الرومي في فتيلة السراج : ما حية في رأسها درة . . . تسبح في بحر قليل ~~المدى إن غيبت كان العمى حاضرا . . . وإن بدت لاح طريق الهدى وقال السري ~~الرفاء في شبكة الصياد : وكثيرة الأحداق إلا أنها . . . عمياء ما لم تنغمس ~~في ماء وإذا هيي انغمست أفادت ربها . . . ما لا ينال بأعين البصراء ~~PageV03P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" وقال آخر في النوم : وحامل يحملني . . . وما ~~له شخص يرى إذا حصلت فوقه . . . وهو لذيذ الممتطى سريت لا أدري أفي . . . ~~أرض سريت أم سما وقال أبو العلاء المعري في ركابي السرج : خليلان نيطا في ~~جوانب مجلس . . . جداراه قدام له ووراء متى يضع الرجلين ماش عليهما . . . ~~يزل عنه في شك حفا وحفاء قوله : خليلان لتشابههما ، والمجلس : السرج ، ~~وجداراه : قربوسه ورادفته ، والحفا مقصور : وجع الرجل ، وممدود : من مشى ~~الرجل حافيا بغير نعل . وقال ابن القاسم عبد الصمد بن نائ في القفل : مجامع ~~يعقد عقد الكلبه . . . إن رامه غيرك جر نكبه ينام كالأمرد لا كالقحبه . . . ~~حتى إذا شك القمد جنبه وعالج الجذبة بعد الجذبه . . . وانحل بالحقنة لا ~~بالشربه ألقي جنينا نتجته العزبه . . . ثم إذا عاد إليه أشبه بعض حروف ~~المعجم المنكبه . . . يبغض وهو صادق المحبه يعتقد السلم وينوي حربه . . . ~~وهو على ذاك طويل الصحبه شبهه بالمجامع : لدخول الفراش في بطنه ، وقوله : ~~يعقد عقد الكلبة : في عسر المفارقة ، وإن فتحه غيرك جر نكبة عليك لسرقة ما ~~فيه ، ينام كالأمرد : لانكبابه ، والقمد : الذكر وهو المفتاح ، والجنين : ~~الفراش ، وإذا عاد إليه أشبه حرف الكاف . وقال في اسم سعيد : يبسم عن أول ~~اسمه حبي ms0546 . . . ثم بثاني حروفه يسبي PageV03P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" ثم بحرفين لو بدا بهما . . . أسدي يدا صورة ~~اسمها تنبي أربعة نصفها كجملتها . . . في العد لم تنتقص ولم تربي هذا وفيه ~~اسم يوم اتفقت . . . مفاخر العجم فيه والعرب فأعمل الفكر في تأمله . . . ~~واركب به كل مركب صعب شبه السين بالثغر ، وثانيه العين وهي تسبي القلوب ، ~~والحرفان يد وهي أربعة في العدد وستة في الصورة ، وإذا أخذت السين والعين ~~فهي أربعة وهي جملة العدد ، وفيه عيد وهو يوم التفاخر بالزينة واللبوس . ~~وقال ابن أبي البغل الكاتب في القلم : اصم عن المنادي لا يجيب . . . به ~~تخبو وتشتعل الخطوب ضئيل الجسم أعلم ليس تخفى . . . عليه غيوب ما تخفى ~~القلوب تراه راجلا لا روح فيه . . . ويحييه وينطقه الركوب يبين لسانه ما كن ~~سودا . . . معارفه ويخرسه المشيب يقسم في الورى بؤسى ونعمى . . . ويحكم ~~والقضاء له مجيب عجبت لسطوة فيه وضعف . . . وكل أموره عجب عجيب أراد بقوله ~~: أعلم : مشقوق الشفة . وقال أبو العلاء المعري في الملح : وبيضاء من سر ~~الملاح ملكتها . . . فلما قضت إربي حبوب بها صحبي فباتوا بها مستمتعين ولم ~~تزل . . . تحثهم بعد الطعام على الشرب قوله : سر أي خالصة ، والملاح جمع ~~ملح ، والإرب : الحاجة . وقال آخر في عودي الغناء والبخور : وما شيئان ~~إسمهما سواء . . . وأصلهما معا عند انتساب إذا حضراك بت قرير عين . . . بلا ~~طعم يلذ ولا شراب وما أن يوجدان النفع إلا . . . بضرب أو بضرب من عذاب ~~PageV03P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" معنى اسمهما سواء ظاهر ، وأصلهما خشب ، ~~والضرب الأول : ضرب العود ، والثاني : من العذاب وهو الإحراق . وقال آخر في ~~الحرب : ما ذات شوك لها جناح . . . يختطف الناس عن قريب وهي عقيم ترى بنيها ~~. . . من بين مرد وبين شيب يأكل بعض البنين بعضا . . . طلوع شمس إلى غروب ~~تصحيفها الداء غير شك . . . قد يحسم الداء بالطيب والداء معكوسه مكان . . . ~~يصلح للطائر النجيب يعرفها من يكون طبا . . . بالشعر والنحو والغريب هذا ~~لغز معمي في الحرب ، وشوكها : السلاح ، وجناحاها : جانباها ، وعقيم : لأنها ~~لا تلد ، وبنوها : رجالها ، وأكلهم : قتلهم ، وتصحيفها : الجرب ، وعكسه ms0547 : ~~برج . وقال آخر في الثدي : وما أخوان مشتبهان جدا . . . كما اشتبه الغرابة ~~والغراب يضمهما على مر الليالي . . . وما اجتمعا ولا افترقا إهاب لذاك وذا ~~دموع هاملات . . . ولكن كل دمعهما شراب يصونهما عن الأبصار دين . . . ويضرب ~~دون نيلهما حجاب هما : ثديا المرأة ، ويضمهما إرهاب : وهو الجلد . وقال آخر ~~في الفخ : وما ميت كفنته ودفنته . . . فقام إلى حي صحيح فأوثقه وقال آخر ~~وهو لغز : حلف الحبيب علي لا سميته . . . فكنيته ولطفت خوف تغاضبه ظبي إذا ~~ما زارني حل اسمه . . . قلبي وذلك من عجيب عجائبه ويكون إن رخمته وخرمته . ~~. . وقلبته ما تشتهي من صاحبه PageV03P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" ويكون إن صحفت مبدأه الذي . . . أصبحت تهواه ~~لعين مراقبه وتراه بعد الجزم إن ميزت في الت . . . صحيف مقلوبا أشد معائبه ~~وحروفها فالنصف منها جذرها . . . وحساب ذلك غير متعب حاسبه فاطلبه سادس ~~سادس ثانيه ثا . . . نيه وثالثه كذاك لطالبه وتمامه من بعد مثل حروفه . . . ~~في البيت صح اسم الحبيب لقالبه هو لغز في فرحة ، والترخيم : حذف الآخر ، ~~والخرم : حذف الأول ، فإذا رخم وخرم وقلب بقي : حر ، وإذا قلبت الفاء قافا ~~بقي : قرحة لعين المراقب ، وإذا صحفته مقلوبا ، جزمت آخره صار : هجر ، ~~والنصف من حروفه اثنان ، وهما جذر جميع حروفه ، وقوله : فاطلبه سادس سادس : ~~يعني البيت السادس . وقال آخر في سلمى : سل ماهرا بالقريض والأدب . . . ما ~~اسم فتاة قعيدة النسب قد صرح الشعر باسمها فمتى . . . فكرت فيها ظفرت ~~بالعجب الاسم : سلمى ، وهو ظاهر في أول البيت . وقال آخر في الكرة : ~~ومضروبة تحيا إذا ما ضربتها . . . وإن تركت من شدة الضرب ماتت وقال أبو عبد ~~الله بن المغلس بن السراج : وداع إلى نفسه في الظلام . . . وما سمعت أذنه ~~صوته إذا هو بيض وجه الطري . . . ق سود في وجهه بيته وقال آخر في الصدى : ~~وساكن يسكن في الفلاة . . . ليس في الوحش ولا النبات ولا من الجن ولا ~~الحيات . . . ولا الخيام الشعر والأبيات ولا بذي جسم ولا حياة . . . كلا ~~ولا يدرك بالصفات بلى له صوت من الأصوات . . . يسمع في الأحيان والأوقات ms0548 ~~وقال ابن المغلس في النخلة : وقائمة أبدا لا تنام . . . وما قعدت قط مذ ~~قامت تعيش إذا غسلوا رجلها . . . وإن حلقوا رأسها ماتت PageV03P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" وقال آخر : ما يقول سيدنا الشيخ : في شيء نزل ~~من السماء ، وركض في الهواء ، وخيم في البيداء ، نطق على نفسه فأفصح ، ~~وتكلم فبين وأوضح ، أفقر وأغنى ، وأمات وأحيا ، له شوارق من غير غضب ، ~~ورقصات على غير طرب ، يسبق الفرس السريع ، ويسبقه الطفل الرضيع ، مختلف ~~الألوان ، يوجد في كل زمان ، ما أكثر لغاته وأعم في البشر ذكر صفاته وهو ~~خفيف ثقيل ، كثير قليل ، كبير صغير ، طويل قصير ، غال رخيص ، قوي ضعيف ، ~~سريع بطيء ، بارد حار ، نافع ضار ، أبيض أسود أزرق ، قريب بعيد ، قديم جديد ~~، متحرك ساكن ، ظاهر باطن ، يتجسر ويتكسر ، ويتعوج ويتدور ، سلطانه في ~~الشمال وبه يذل ، وضعفه في الجنوب وبه يعز ، نحيل يخفي جثة الفيل في طيه ~~وعطفه ، ويتخلل جفن العين الرمدة برفقه ولطفه ، يمشي على الحدق فلا يؤلمها ~~، ويطأ القلوب فلا يكلمها ، على أنه يقطع الطريق ، ويخيف الفريق ، كم أهلك ~~من قوم وما راق ولا سفك يحمل ألف قنطار ، ويعجز عن حمل دينار ، وهو ليلي ~~نهاري ، عربي عجمي ، بري بحري ، سهلي جبلي ، رومي نوبي ، هندي حبشي ، صيني ~~جاهلي إسلامي ، كان مع آدم في الجنة ، وصحب نوحا في السفينة ، وتوسط النار ~~مع إبراهيم ، كم له مع موسى من خبر ولموسى فيه من آية وأثر حمل المسيح على ~~غير ظهر ، وما سار في بر ولا بحر ، أخرجه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~جسده ، وفرقه على صحابته ، إذا نطقت به كان بعض أحد خلفاء بني العباس ~~السبعة وهو 1431 . وقال آخر : ما شيء وجهه قمر ، وقلبه حجر إن علقته ضاع ، ~~وإن أدخلته السوق أبي أن يباع ، وإن فككته دعا لك ، وإن ركبت نصفه هالك ، ~~وربما كثر أموالك ، وإن حذفت آخره ، وشددت ثانيه ، أورثك الألم عند الفجر ، ~~والضجر عند العصر : هو الدملج الفضة . ومما يتصل بهذا الباب مسائل العويص ~~فمن ذلك : امرأتان التقتا برجلين قالتا لهما : مرحبا ms0549 بابنينا وزوجينا وابني ~~زوجينا ، وذلك أن كل واحد منهما تزوج بأم الآخر فهما ابناهما وزوجاهما ~~وابنا زوجيهما . PageV03P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" رجلان كل واحد منهما عم الآخر وابن أخيه ، ~~وذلك : أن كل واحد من أبويهما تزوج بأم الآخر ، فرزق كل واحد منهما ولدا ~~فكل من الولدين عم الآخر وابن أخيه . رجلان كل واحد منهما خال الآخر وابن ~~أخته ، وذلك : أن كل واحد من أبويهما تزوج بابنة الآخر ، فرزق كل واحد منها ~~ولدا فكل من ولديهما خال الآخر وابن أخته . رجل وامرأتان هو خال أحديهما ، ~~وهي خالته وعم الأخرى ، وهي عمته ، وذلك : أن جدته أم أبيه تزوجت بأخيه ~~لأمه وأخته لأبيه تزوجت بأب أمه ، فولدتا بنتين فبنت أخته خالته وهو خالها ~~، وبنت جدته عمته وهو عمها ، وهذا أصل الأبيات المنظومة في ذلك : ولي خالة ~~وأنا خالها . . . ولي عمة وأنا عمها رجلان كل واحد منهما ابن خال الآخر ~~وابن عمته ، وذلك : أن كل واحد من أبويهما تزوج بأخت الآخر ، فرزق كل واحد ~~منهما ولدا ، فكل من ولديهما ابن خال الآخر وابن عمته . رجلان كل واحد ~~منهما عم والد الآخر ، وذلك : أن كل واحد من أبويهما تزوج بأم أب الآخر ، ~~فكل من أولادهما عم أب الآخر . رجلان كل واحد منهما عم أم الآخر ، وذلك : ~~أن كل واحد من أبويهما تزوج بابنة ابن الآخر ، فكل من أولادها عم أم الآخر ~~. رجلان كل واحد منهما خال أم الآخر ، وذلك : أن كل واحد من أبويهما تزوج ~~بابنة بنت الآخر ، فكل من أولادهما خال أم الآخر . رجلان أحدهما عم الآخر ~~والآخر خاله ، وذلك : أن رجلين تزوج أحدهما امرأة يتزوج الآخر ابنة ابنها ، ~~فولد لكل منهما ولد فابن الأب عم ابن الابن ، وابن الابن من أم امرأة الأب ~~، هو أخوها وخال ابنها . رجلان أحدهما عم الآخر وخاله ، والآخر ابن أخيه ~~وابن أخته ، وذلك : أن رجلا له أخ لأب وأخت لأم فزوج أخاه لأبيه بأخته لأمه ~~فأولدها ولدا فهما كذلك . PageV03P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" القسم الثالث المدح ، والهجو ، والمجون . . ، ~~والفكاهات ، والملح ms0550 ، والخمر ، والمعاقرة ، والندمان ، والقيان ، ووصف آلات ~~الطرب وفيه خمسة أبواب الباب الأول من هذا القسم في المدح وفيه ثلاثة عشر ~~فصلا حقيقة المدح وما قيل فيه ، ما قيل في الجود والكرم وأخبار الكرام ، ما ~~قيل في الإعطاء قبل السؤال ، ما قيل في الشجاعة والصبر والإقدام ، ما قيل ~~في وفور العقل ، ما قيل في الصدق ، ما قيل في الوفاء والمحافظة ، ما قيل في ~~التواضع ، ما قيل في القناعة والنزاهة ما قيل في الشكر والثناء ، ما قيل في ~~الوعد والإنجاز ، ما قيل في الشفاعة ، ما قيل في الاعتذار والاستعطاف . ~~فأما حقيقية المدح ، فقد عبر عنها الحمدوني في غاية الاختصار والإيجاز ~~بقوله : حقيقة المدح : وصف الموصوف بأخلاق يحمد صاحبها عليها ، ويكون نعتا ~~حميدا . قال الله تعالى " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون . ~~والذين هم عن اللغو معرضون . والذين هم للزكاة فاعلون . والذين هم لفروجهم ~~حافظون " وقال عز وجل : " التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون ~~الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر ~~المؤمنين " وروي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " أصحابي ~~كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " وقد أولوا الخبر المروي عن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) " إذا رأيتم المداحين فاحثوافي وجوههم التراب " قال ~~العتبي هو المدح الباطل والكذب . PageV03P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" وأما مدح الرجل بما هو فيه فلا بأس به ، ومما ~~يعضد هذا أن العباس بن عبد المطلب وكعب بن زهير ، وحسان بن ثابت ، وغيرهم ، ~~مدحوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فلم يرد أنه حثا في وجه أحد منهم ~~ترابا . وقيل في حثو التراب معنيان : أحدهما التغليظ في الرد عليه ، ~~والثاني يقال له : بفيك التراب . وللشعراء عادة في تجاوز قدر الممدوح فوق ~~ما يستحقه حتى إن ذلك أفضى بكثير منهم إلى الكفر والخروج عن الحد أعاذنا ~~الله من ذلك ، وقال أنو شروان : من أثنى عليك بما لم توله فغير بعيد أن ~~يذمك بما لم تحبه . وقال وهب بن منبه : من مدحك بما ليس فيك ، فلا تأمن أن ms0551 ~~يذمك بما ليس فيك . وأنشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه قول زهير بن أبي سلمى ~~في هرم بن سنان : دع ذا وعد القول في هرم . . . خير الكهول وسيد الحضر لو ~~كنت من شيء سوى بشر . . . كنت المنور ليلة القدر ولأنت أوصل من سمعت به . . ~~. لنوائل الأرحام والصهر ولنعم حشو الدرع أنت إذا . . . دعيت نزال ولج في ~~الذعر فقال عمر رضي الله عنه : ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~ولما حضر أبا بكر الصديق رضي الله عنه الوفاة ، قالت عائشة رضي الله عنها ~~وهو يغمض : وأبيض يستسقي الغمام بوجهه . . . ثمال اليتامى عصمة للأرامل ~~فنظر إليها وقال : ذاك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . PageV03P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" وقال آخر : ولو كنت أرضا كنت ميثاء سهلة . . ~~. ولو كنت ليلا كنت صاحبة البدر ولو كنت ماء كنت ماء غمامة . . . ولو كنت ~~يوما كنت تعريسة الفجر وقال محمد بن هانيء : أغير الذي قد خط في اللوح ~~أبتغي . . . مديحا له إني إذا لعنود وما يستوي وحي من الله منزل . . . ~~وقافية في الغابرين شرود وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمتمم بن نويرة ~~صف لي أخاك فإني أراك تمدحه ، فقال : كان أخي يحبس المزاد بين الصوحين في ~~الليلة القرة معتقلا للرمح الخطل ، عليه الشملة القلوب ، يقود الفرس الحرون ~~فيصيح ضاحكا مستبشرا : الخطل : الطويل المضطرب ، والقلوب : التي لا تنضم ~~على الرحل لقصرها . وسأل عبد الله بن عباس صعصعة بن صوحان العبدي عن إخوته ~~فقال : أما زيد فكما قال أخو عبس . فتى لا يبالي أن يكون بوجهه . . . إذ ~~نال خلان الكرام شحوب PageV03P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" ثم قال : كان والله يا ابن عباس ، عظيم ~~المروءة ، شريف الأبوة ، جليل القدر ، بعيد الشر ، كميش العروة ، زين ~~الندوة ، سليم جوانح الصدر ، قليل وساوس الفكر ، ذاكرا لله تعالى في طرفي ~~النهار وزلفا من الليل ، الجوع والشبع عنده سيان ، لا منافس في الدنيا ، ~~ولا غافل عن الآخرة ، يطيل السكوت ، ويديم الفكر ، ويكثر الاعتبار ، ويقول ~~الحق ، ويلهج الصدق ، ليس في قلبه غير ربه ms0552 ، ولا يهمه غير نفسه ، فقال ابن ~~عباس : ما ظنك برجل سبقه عضو منه إلى الجنة ؟ رحم الله زيدا فأين كان عبد ~~الله منه ؟ فقال : كان عبد الله سيدا شجاعا ، شيخا مطاعا ، خيره وساع ، ~~وشره دفاع . لين النحيزة ، أحوذي الغريزة ، لا ينهنهه منهنه عما أراد ، ولا ~~يركب إلا ما اعتاد ، سمام العدى ، فياض الندى ، صعب المقادة ، جزل الرفادة ~~. أخو إخوان ، وفتى فتيان ، ثم أنشد شعر حسان بن ثابت : إذا قال لم يترك ~~مقالا لقائل . . . بملتقطات لا يرى بينها فصلا قضى فشفى ما في النفوس فلم ~~يدع . . . لذي إربة في القوم جدا ولا هزلا ودخل ضرار بن ضمرة الكناني على ~~معاوية بن أبي سفيان فقال له : صف لي عليا فقال له : أو تعفيني ؟ فقال : لا ~~أعفيك ؟ قال : أما إذ لا بد ، فإنه كان بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول ~~فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة نواحيه ، يستوحش ~~من الدنيا وزهرتها ، ويأنس بالليل وظلمته ، كان والله غزير العبرة ، طويل ~~الفكرة ، يقلب كفيه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ~~ما خشن ، كان والله كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكان ~~مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له ، فإن تبسم فعن مثل لؤلؤ منظوم ~~، يعظم أهل الدين ، ويحب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس ~~الضعيف من عدله . وذكر عمرو بن معد يكرب بني سليم فقال : بارك الله على حي ~~بني سليم ما أصدق في الهيجاء لقاءها وأثبت في النوازل بلاءها وأجزل في ~~النائبات عطاءها والله لقد قابلتهم فما أجبتهم ، وهاجيتهم فما أفحمتهم ، ~~وسألتهم فما أجبنتهم . PageV03P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وقال بعض العرب : فلان حتف الأقران غداة ~~النزال ، وربيع الضيفان عشية النزول . وقال آخر : فلان ليث إذا غدا ، وبدر ~~إذا بدا ، ونجم إذا هدى . وسم إذا أردى . ودخل على النعمان بن المنذر بن ~~امريء القيس ابن عمرو بن عدي اللخمي فحياه بتحية الملوك ثم قال : أيفاخرك ~~ذو فائش وأنت سائس العرب ، وعروة الحسب والأدب ، لأمسك أيمن من ms0553 يومه ولعبدك ~~أكرم من قومه ، ولقفاك أحسن من وجهه ، وليسارك أجود من يمينه ، ولظنك أصدق ~~من يقينه ولوعدك أثلج من رفده ، ولخالك أشرف من جده ، ولنفسك أمنع من جنده ~~، وليومك أزهر من دهره ، ولفترك أبسط من شبره ، ثم قال : أخلاق مجدك جلت ~~مالها خطر . . . في البأس والجود بين الحلم والخفر متوج بالمعالي فوق مفرقه ~~. . . وفي الوغى ضيغم في صورة القمر إذا دجا الخطب جلاه بصارمه . . . كما ~~يجلي زمان المحل بالمطر فتهلل وجه النعمان سرورا ، ثم أمر أن يحشى فوه ~~داروكسي أثواب الرضى وكانت حباب أطواقها الذهب بقصب الزمرد . ثم قال ~~النعمان : هكذا فليمدح الملوك . وذو فائش : هو سلامة بن يزيد بن سلامة من ~~ولد يحصب بن مالك وكان النابغة متصلا به قبل اتصاله بالنعمان ، وله فيه ~~مدائح كثيرة فاقتص الله تعالى من النعمان ابن المنذر بعد ذلك لما حكي أنه ~~دخل حسان بن ثابت على الجفني فقال : انعم صباحا أيها الملك السماء غطاؤك ، ~~والأرض وطاؤك ، ووالدي ووالدتي فداؤك ، أنى ينافسك ابن المنذر ؟ فوالله ~~لقذالك أحسن من وجهه ، ولأمك خير من أبيه ، ولظلك خير من شخصه ، ولصمتك ~~أبلغ من كلامه ، ولشمالك خير من يمينه ، ثم قال : قذاك أحسن من وجهه . . . ~~وأمك خير من المنذر ويسر يديك إذا أعسرت . . . كيمني يديه فلا تمتري أخذ ~~المعنى الحسن بن هانيء فقال : بأبي أنت من غزال غرير . . . بذ حسن الوجوه ~~حسن قفاكا PageV03P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" ونظر بعض الشعراء إلى هذا المعنى فقال يمدح ~~زبيدة ابنة جعفر بن أبي جعفر المنصور أم الأمين : أزبيدة ابنة جعفر . . . ~~طوبي لزائرك المثاب تعطين من رجليك ما . . . تعطي الأكف من الرغاب فلما ~~أنشد ذلك تبادر العبيد ليوقعوا به فقالت زبيدة : كفوا عنه فلم يرد إلا خيرا ~~، ومن أراد خيرا فأخطأ خير ممن أراد شرا فأصاب ، إنه سمع الناس يقولون : ~~قفاك أحسن من وجه غيرك ، وشمالك أندى من يمين سواك ، فقدر أن هذا مثل ذاك ، ~~أعطوه ما أمل ، وعرفوه ما جهل ، ومثله : مدح شاعر أميرا فقال : أنت الهمام ~~ابن الهما . . . م ms0554 الواسع ابن الواسعه فقال له : من أين عرفتها ؟ قال : قد ~~جربتها فقال : أسوأ من شعرك ، ما أتيت به من عذرك قال دخل خالد بن عبد الله ~~العنبري على عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة فقال : يا أمير المؤمنين من ~~تكن الخلافة قد زانته فأنت قد زينتها ، ومن يكن شرفته فقد شرفتها ، وأنت ~~كما قال الشاعر : وإذا الدر زان حسن وجوه . . . كان للدر حسن وجهك زينا ~~فقال عمر بن عبد العزيز : أعطي صاحبكم مقولا ، ولم يعط معقولا . ولما دخل ~~عبد الله المأمون بغداد تلقاه وجوه أهلها فقال له رجل منهم : يا أمير ~~المؤمنين بارك الله لنا في مقدمك ، وزادك في نعمتك ، وشكرك على رعيته ، ~~تقدمت من قبلك ، وأتعبت من بعدك ، وأيأست أن نعاين مثلك ، أما فيمن مضى فلا ~~نعرفه ، وأما فيمن بقي فلا نرجوه ، فنحن جميعا ندعو لك ، ونثي عليك . خصب ~~لنا جنابك ، وعذب شرابك ، وحسنت نصرتك ، وكرمت مقدرتك . جبرت الفقير ، ~~وفككت الأسير ، فأنت PageV03P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" يا أمير المؤمنين كما قال الشاعر : ما زلت في ~~البذل للنوال وإط . . . لاق لعان بجرمه علق حتى تمنى البراء أنهم . . . ~~عندكم أمسوا في القد والحلق وقال رجل للحسن بن سهل : لقد صرت لا أستكثر ~~كثيرك ، وإن قيلك أكثر من كثير غيرك . وقال الرشيد لبعض الشعراء : هل أحدثت ~~فينا شيئا ؟ قال : يا أمير المؤمنين المديح كله دون قدرك ، والشعر فيك فوق ~~قدري . ولكني أستحسن قول العتابي : ماذا عسى مادح يثني عليك وقد . . . ~~ناداك في الوحي تقديس وتطهير فت الممادح إلا أن ألسننا . . . مستنطقات بما ~~تخفي الضمائير وقال رجل في خالد بن صفوان : قريع المنطق ، جزل الألفاظ ، ~~عربي اللسان ، قليل الحركات ، حسن الإشارات ، حلو الشمائل ، كثير الطلاوة ، ~~صموتا قؤولا ، يهنأ الجرب ، ويداوي الدبر ، ويك المحز ، ويطبق المفصل ، لم ~~يكن بالزمر في مروءته ، ولا بالهذر في منطقه ، متبوعا غير تابع ، كأنه علم ~~في رأسه نار . وقيل لبعض الخلفاء : إن شبيب بن شيبة يستعمل الكلام ليستعد ~~به ، فلو أمرت به أن يصعد المنبر فجاءة لافتضح ، قال : فأمر ms0555 من أخذ بيده ~~فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ثم قال : إن لأمير المؤمنين أشباها أربعة ، فمنها : الأسد الخادر ، والبحر ~~الزاخر ، والقمر الباهر ، والربيع الناضر ، فأما PageV03P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" الأسد الخادر ، فأشبه منه صولته ومضاؤه . ~~وأما البحر الزاخر ، فأشبه منه جوده وعطاؤه . وأما القمر الباهر ، فأشبه ~~منه نوره وضياؤه . وأما الربيع الناضر ، فأشبه منه حسنه وبهاؤه ، ثم نزل . ~~وقيل دخل رجل على المنصور فقال له تكلم بحاجتك ، فقال : يبقيك الله تعالى ~~يا أمير المؤمنين قال : تكلم بحاجتك ، فإنك لا تقدر على مثل هذا المقام في ~~كل حين . قال : والله يا أمير المؤمنين ما أستقصر أجلك ، ولا أخاف بخلك ، ~~ولا أغتنم مالك ، وإن عطاءك لشرف ، وإن سؤالك لزين ، وما بامريء بذل إليك ~~وجهه نقص ولا شين ، فأحسن جائزته وأكرمه . وقال محمد بن مالك القرطبي من ~~رسالة : ما رأيت وجها أسمح ، ولا حلما أرجح ، ولا سجية أسمع ، ولا بشرا ~~أبدى ، ولا كفا أندى ، ولا غرة أجمل ، ولا فضيلة أكمل ، ولا خلقا أصفى ، ~~ولا وعدا أوفى ، ولا ثوبا أطهر ، ولا سمتا أوفر ، ولا أصلا أطيب ، ولا رأيا ~~أصوب ، ولا لفظا أعذب ، ولا عرضا أنقى ، ولا بناء أبقى ، مما خص الله به ~~ثالث القمرين ، وسراج الخافقين ، وعماد الثقلين المعتصم بالله . وقال بعض ~~الكتاب : إن من النعمة على المثنى عليك أن لا يخاف الإفراط ، ولا يأمن ~~التقصير ، ولا يحذر أن يلحقه نقيصه الكذب ، ولا ينتهي به المدح إلى غاية ، ~~إلا وجد في فضلك عونا على تجاوزها . ومن سعادة جدك أن الداعي لك لا يعدم ~~كثرة المشايعين له ، والمؤمنين معه . وقال آخر : إني فيما أتعاطى من مدحك ~~كالمخبر عن ضوء النهار الباهر ، والقمر الزاهر الذي لا يخفي على كل ناظر ، ~~وأيقنت أني حيث انتهى بي القول إلى العجز مقصر عن الغاية فانصرفت عن الثناء ~~عليك إلى الدعاء لك ، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك . وقال أبو عبد ~~الله محمد بن الخياط من رقعة طويلة في المظفر في أولها ms0556 : حجب الله عن ~~الحاجب المظفر أعين النائبات ، وقبض دونه أيدي الحادثات ، فإنه مذ كان أنور ~~من الشمس ضياء ، وأكمل من البدر بهاء وأندى من الغيث كفا ، وأحمى من الليث ~~أنفا ، وأسخى من البحر بنانا ، وأمضى من النصل لسانا ، وأنجبه المنصور ~~PageV03P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" فجرى على سننه ، وأدب فأخذ بسننه ، وكانت ~~الرياسة عليه موقوفة ، والسياسة إليه مصروفة ، قصرت الأوهام عن كنه فضله ، ~~وعجزت الأقلام عن وصف مثله ، غير أن الفضائل لا بد من نشرها ، والمكارم لا ~~عذر في ترك شكرها . فهذه نبذة كافية مما ورد في المنثور فلنذرك ما ورد من ~~المنظوم في ذلك . قال أبو هلال العسكري : سمعت أبا أحمد الحسن بن عبد الله ~~بن سعيد يقول : امدح بيت قالته العرب قول النابغة الذبياني يمدح النعمان بن ~~المنذر : ألم تر أن الله أعطاك سورة . . . ترى كل ملك دونها يتذبذب بأنك ~~شمس والملوك كواكب . . . إذا طلعت لم يبد منهن كوكب وهو مأخوذ من قول بعض ~~شعراء كندة مدح عمرو بن هند : تكاد تميد الأرض بالناس أن رأوا . . . لعمرو ~~بن هند غضبة وهو عاتب هو الشمس وافت يوم سعد فأفضلت . . . على كل ضوء ~~والملوك كواكب وقال نصيب : هو البدر والناس الكواكب حوله . . . وهل يشبه ~~البدر المضيء كواكب وقالوا : أبدع بيت قيل في المديح قول النابغة : فإنك ~~كالليل الذي هو مدركي . . . وإن خلت أن المنتأي عنك واسع وقوله : أخلاق ~~مجدك الأبيات وقد تقدمت وقد تداول الناس قول النابغة : فإنك كالليل الذي هو ~~مدركي PageV03P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" فقال الفرزدق : فلو حملتني الريح ثم طلبتني . ~~. . لكنت كشيء أدركته مقادره وقول النابغة أبلغ ، لأن الليل أعم من الريح ، ~~والريح يمتنع منها بأشياء ، والليل لا يمتنع منه بشيء . وأخذ سلم الخاسر ~~قول الفرزدق فقال : فأنت كالدهر مبثوثا حبائله . . . والدهر لا ملجأ منه ~~ولا هرب ولو ملكت عنان الريح أصرفه . . . في كل ناحية ما فاتك الطلب وقالوا ~~: أجود شيء قيل في الحسن مع الشجاعة من شعر المتقدمين والمحدثين قول أبي ~~العتاهية يمدح الرشيد بن المهدي وولده : نبو المصطفى ms0557 هارون حول سريره . . . ~~فخير قيام حوله وقعود تقلب ألحاظ المهابة بينهم . . . عيون ظباء في قلوب ~~أسود وقالوا : أمدح بيت قالته العرب قول أبي الطمحان القيني : أضاءت لهم ~~أحسابهم ووجوههم . . . دجى الليل حتى نظم الجزع ناقبه نجوم سماء كلما انقض ~~كوكب . . . بدا كوكب يأوي إليه كواكبه وما زال منهم حيث كان مستود . . . ~~تسير المنايا حيث سارت كتائبه وهذه الأبيات من قصيدة مدح بها بجير بن أوس ~~بن حارثة ، ابن لأم الطائي ، وكان أسيرا في يده ، فلما مدحه بها أطلقه بعد ~~أن جز ناصيته ، وأول القصيدة : إذا قيل أي الناس خير قبيلة . . . وأصبر ~~يوما لا تواري كواكبه فإن بني لأم بن عمرو أرومة . . . علت فوق صعب لا تنال ~~مراتبه PageV03P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" أضاءت لهم أحسابهم الأبيات . ومثله قول ابن ~~أبي السمط : فتى لا يبالي المدلجون بنوره . . . إلى بابه أن لا تضيء ~~الكواكب له حاجب من كل أمر يشينه . . . وليس له عن طالب العرف حاجب ومثله ~~قول الحطيئة : نمشي على ضوء أحساب أضأن لنا . . . كما أضاءت نجوم الليل ~~للساري ومثله قول الآخر : وجوه لو أن المدلجين اعتشوا بها . . . صدعن الدجى ~~حتى يرى الليل ينجلي وقال عيسى بن أوس يمدح الجنيد بن عبد الرحمن : إلى ~~مستنير الوجه طال بسؤدد . . . تقاصر عنه الشاهق المتطاول مدحتك بالحق الذي ~~أنت أهله . . . ومن مدح الأقوام حق وباطل يعيش الندى ما دمت حيا فإن تمت . ~~. . فليس لحي بعد موتك طائل وما لامريء عندي مخيلة نعمة . . . سواك وقد ~~جادت على مخائل وقالوا : أمدح بيت قالته العرب قول الأعشى : فتى لو ينادي ~~الشمس ألقت قناعها . . . أو القمر الساري لألقى المقالدا وهذا من الغلو وهو ~~مذموم عند بعضهم . PageV03P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" ومثله في الغلو قول طريح بن إسماعيل : لو قلت ~~للسيل دع طريقك وال . . . موج عليه كالهضب يعتلج لارتد أو ساخ أو لكان له . ~~. . في جانب الأرض عنك منعرج ومن الغلو قول أبي تمام في المعتصم بالله : ~~بيمن أبي إسحاق طالت يد العلي . . . وقامت قناة الدين واشتد كاهله هو البحر ~~من أي ms0558 النواحي أتيته . . . فلجته المعروف والجود ساحله تعود بسط الكف حتى ~~لو أنه . . . أراد انقباضا لم تطعه أنامله ولو لم يكن في كفه غير نفسه . . ~~. لجاد بها فليتقي الله سائله وقال العسكري : وكيف يبيت الجار منك على صدى ~~. . . وكفك بحر لجة الجود ساحله وقال أبو هلال العسكري يرفعه إلى الأصمعي ~~قال : سمعت أعرابيا يقول : إنكم معاشر أهل الحضر ، لتخطئون المعنى ، إن ~~أحدكم ليصف الرجل بالشجاعة فيقول : كأنه الأسد ، ويصف المرأة بالحسن فيقول ~~: كأنها الشمس ، ولم لا تجعلون هذه الأشياء بهم أشبه ؟ ثم قال : والله ~~لأنشدنك شعرا يكون لك إماما . ثم أنشدني : إذا سألت الورى عن كل مكرمة . . ~~. لم تلف نسبتها إلا إلى الهول فتى حوادا أعار النيل نائله . . . فالنيل ~~يشكر منه كثرة النيل والموت يرهب أن يلقى منيته . . . في شدة عند لف الخيل ~~بالخيل لو عارض الشمس ألفى الشمس مظلمة . . . أو زاحم الصم ألجاها إلى ~~الميل أو بارز الليل غطته قوادمه . . . دون الخوافي كمثل الليل في الليل ~~أمضي من النجم إن نابته نائبة . . . وعند أعدائه أجرى من السيل ~~PageV03P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" ومثله قول الآخر : علم الغيث الندى حتى إذا . ~~. . ما حكاه علم البأس الأسد فله الغيث مقر بالندى . . . وله الليث مقر ~~بالجلد وقال أمية بن أبي الصلت في عبد الله بن جدعان : أأذكر حاجتي أم قد ~~كفاني . . . حياؤك إن شيمتك الحياء كريم لا يغيره صباح . . . عن الخلق ~~الكريم ولا مساء فأرضك أرض مكرمة بنتها . . . بنو تيم وأنت لها سماء ونحوه ~~قوله : لكل قبيلة شرف وعز . . . وأنت الرأس تقدم كل هاد وقال ابن الرومي : ~~قوم يحلون من مجد ومن شرفي . . . ومن غناء محل البيض واليلب حلوا محلهما من ~~كل جمجمة . . . نفعا ودفعا وإطلالا على الرتب قوم هم الرأس إذ حسادهم ذنب . ~~. . ومن يمثل بين الرأس والذنب وقال أبو هلال العسكري : فابشر فإنك رأس ~~والعلي جسد . . . والمجد وجه وأنت السمع والبصر لولاك لم تك للأيام منقبة . ~~. . تسمو إليها ولا للدهر مفتخر وقال علي بن جبلة : لولا أبو دلف لم تحى ~~عارفة . . . ولم ينؤ ms0559 نوء مأمول بآمال يا بن الأكارم من عدنان قد علموا . . ~~. وتالد المجد بين العم والخال وناقل الناس من عدم إلى جدة . . . وصارف ~~الدهر من حال إلى حال PageV03P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" أنت الذي تنزل الأيام منزلها . . . وتمسك ~~الأرض عن خسف وزلزال وما مددت مدى طرف إلى أحد . . . إلا قضيت بآمال وآجال ~~تزور سخطا فتمسي البيض راضية . . . وتستهل فتبكي أوجه المال وقالوا : أمدح ~~بيت قالته العرب قول زهير : تراه إذا ما جئته متهللا . . . كأنك تعطيه الذي ~~أنت سائله وعاب بعضهم هذا البيت وقال : جعل الممدوح يفرح بغرض يناله ، وليس ~~هذا صفة كبير الهمة ، والجيد قول أبي نوفل عمرو بن محمد الثقفي : ولئن فرحت ~~بما ينيلك إنه . . . لبما ينيلك من نداه أفرح ما زال يعطي ناطقا أو ساكتا . ~~. . حتى ظننت أبا عقيل يمزح ومثله قوله أبي تمام : أسائل نصر لا تسله فإنه ~~. . . أحن إلى الإرفاد منك إلى الرقد وقالوا : أمدح بيت قالته العرب قول ~~الحطيئة : متى تأته تعشو إلى ضوء . . . تجد خير نار عندها خير موقد وقال ~~القاسم بن حنبل : من البيض الوجوه بني سنان . . . لو انك تستضيء بهم أضاءوا ~~لهم شمس النهار إذا استقلت . . . ونور لا يغيبه العماء هم حلوا من الشرف ~~المعلى . . . ومن حسب العشيرة حيث شاءوا فلو أن السماء دنت لمجد . . . ~~ومكرمة دنت لهم السماء وقالوا أيضا : أمدح بيت قيل قول الأول أيضا : قوم ~~سنان أبوهم حين تنسبهم . . . طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا PageV03P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" لو كان يقعد فوق الشمس من كرم . . . قوم ~~بعزهم أو مجدهم قعدوا محسدون على ما كان من نعم . . . لا ينزع الله عنهم ما ~~له حسدوا وقالوا : أمدح بيت قاله محدث ، قول مروان بن أبي حفصة في معن ابن ~~زائدة : بنو مطر يوم اللقاء كأنهم . . . أسود لها في غيل خفان أشبل هم ~~المانعون الجار حتى كأنما . . . لجارهم بين السماكين منزل بهاليل في ~~الإسلام سادوا ولم يكن . . . كأولهم في الجاهلية أول هم القوم إن قالوا ~~أصابوا وإن دعوا . . . أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا وقال العسكري ms0560 : ~~وأنشد بعض أهل الأدب قول ابن أبي طاهر وقال : لو استعمل الإنصاف لكان هذا ~~أحسن مدح قاله متقدم ومتأخر وهو : إذا أبو أحمد جادت لنا يده . . . لم يحمد ~~الأجودان البحر والمطر وإن أضأت لنا أنوارغرته . . . تضاءل النيران الشمس ~~والقمر وإن مضى رأيه أو جد عزمته . . . تأخر الماضيان السيف والقدر من لم ~~يكن حذرا من حد صولته . . . لم يدر ما المزعجان الخوف والحذر حلو إذا أنت ~~لم تبعث مرارته . . . فإن أمر فحلو عنده الصبر سهل الخلائق إلا أنه خشن . . ~~. لين المهرة إلا أنه حجر PageV03P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" لا حية ذكر في صولته . . . إن صال يوما ولا ~~الصمصامة الذكر إذا الرجال طغت آراؤهم وعموا . . . بالأمر رد إليه الرأي ~~والنظر الجود منع عيان لا ارتياب به . . . إذ جود كل جواد عنده خبر وقال : ~~ومن المديح القليل النظير ، قول علي بن محمد الأفوه : أوفوا من المجد ~~والعلياء في قلل . . . شم قواعدهن البأس والجود سبط اللقاء إذا شميت ~~مخائلهم . . . بسل اللقاء إذا صيد الصناديد محسدون ومن يعلق بحبلهم . . . ~~من البرية يصبح وهو محسود وقالوا : أمدح بيت قاله محدث قوله علي بن جبلة في ~~أبي دلف : إنما الدنيا أو دلف . . . بين باديه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف . ~~. . ولت الدنيا على أثره وهي من القصائد المشهورة ، وأولها : ذاد ورد الغي ~~عن صدره . . . وارعوي واللهو من وطره جاء منها في مدحه : يا دواء الأرض إن ~~فسدت . . . ومجير اليسر من عسره كل من في الأرض من عرب . . . بين باديه إلى ~~حضره مستعير منه مكرمة . . . يكتسيها يوم مفتخره إنما الدنيا أبو دلف . . . ~~. . . . . . . . . . قال العسكري : ومن المديح البارع قول بشار : ألا أيها ~~الطالب المبتغي . . . نجوم السماء بسعي أمم PageV03P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" سمعت بمكرمة ابن العلاء . . . فأنشأت تطلبها ~~لست ثم إذا عرض الهم في صدره . . . لها بالعطاء وضرب البهم فقل للخليفة إن ~~ختمه . . . نصيحا ولا خير من المتهم إذا أيقظتك جسام الأمور . . . فنبه لها ~~عمرا ثم نم فتى لا يبيت على دمنة . . . ولا يشرب الماء إلا بدم يحب العطاء ~~وسفك الدماء . . . فيغدو ms0561 على نعم أو نقم قال ومن المديح القليل النظير : ~~قول أمامة بنت الجلاح الكلبية : إذا شئت أن تلقى فتى لو وزنته . . . بكل ~~معدي وكل يماني وفي بهم جودا وحلما وسؤددا . . . وباسا ، فهذا الأسود بن ~~قنان فتى كالفتاة البكر يسفر وجهه . . . كأن تلالي وجهه القمران أغر أبر ~~ابني نزار ويعرب . . . وأثقهم عقدا بقول لسان وأوفاهم عهدا وأطولهم يدا . . ~~. وأعلاهم فعلا بكل مكان وأضربهم بالسيف من دون جاره . . . وأطعنهم من دونه ~~بسنان كأن العطايا والمنايابكفه . . . سحابان مقرونان مؤتلفان ومن المديح ~~البارع قول أبي تمام : رأيت لعياش خلائق لم تكن . . . لتكمل إلا في اللباب ~~المهذب له كرم لو كان في الماء لم يغض . . . وفي البرق ما شام امرؤ برق خلب ~~أخو عزمات بذله بذل محسن . . . إلينا ولكن عذره عذر مذنب يهولك أن تلقاه في ~~صدر محفل . . . وفي نحر أعدا وفي قلب موكب وما ضيق أقطار البلاد أضافني . . ~~. إليك ولكن مذهبي فيك مذهبي وهذي بنات المدح فاجرر ذيولها . . . عليك وهذا ~~مركب الحمد فاركب PageV03P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" وقد أحسن التنوخي في قوله : وفتية من حميرس ~~حمر الظبى . . . بيض العطايا حين يسود الأمل شموس مجد في سموات علي . . . ~~وأسد موت بين غابات أسل وقالت الخنساء في أخيها صخر : طويل النجاج رفيع ~~العما . . . د ساد عشيرته أمردا إذا القوم مدوا بأيديهم . . . إلى المجد مد ~~إليه يدا فنال الذي فوق أيديهم . . . من المجد ثم مضى مصعدا فكلفه القوم ما ~~عالهم . . . وإن كان أصغرهم مولدا ترى الحمد يهوي إلى بيته . . . يرى أفضل ~~الكسب أن يحمدا قال آخر : ومصعد هضبات المجد يطلعها . . . كأنه لسكون الجأش ~~منحدر ما زال يسبق حتى قال حاسده . . . له طريق إلى العلياء مختصر وقال ~~إبراهيم بن العباس : تلج السنون بيوتهم وترى لها . . . عن بيت جارهم ازورار ~~مناكب وتراهم بسيوفهم وشفارهم . . . مستشرقين لراغب أو راهب حامين أو قارين ~~حيث لقيتهم . . . نهب العفاة ونزهة للراغب وقال أيضا : إذا السنة الشهباء ~~مدت سماءها . . . مددت سماء دونها فتحلت وعادت بك الريح العقيم لدى القرى . ~~. . لقاحا فدرت عن نداك وطلت وقال ms0562 ابن الرومي : كأن مواهبه في المحو . . . ~~ل آراؤه عند ضيق الحيل PageV03P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" فلو كان غيثا لعم البلاد . . . ولو كان سيفا ~~لكان الأجل ولو كان يعطي على قدره . . . لأغنى النفوس وأفنى الأمل وقال أبو ~~الحسن بن أبي البغل البغدادي يمدح أبا القاسم بن وهب وقد تقدم ذكر بعضها ~~لابن أبي طاهر : إذا أبو قاسم جادت لنا يده . . . لم يحمد الأجودان البحر ~~والمطر وإن أضأت لنا أنوار غرته . . . تضاءل النيران الشمس والقمر وإن بدا ~~رأيه أو جد عزمته . . . تأخر الماضيان السيف والقدر ينال بالظن ما كان ~~اليقين به . . . والشاهدان عليه العين والأثر كأنه وزمام الدهر في يده . . ~~. يدري عواقب ما يأتي وما يذر وقال ذو الرمة : يطيب تراب الأرض إن نزلوا ~~بها . . . ويختال أن تعلو عليها المنابر وما زلت تسمو للمعالي وتجتني . . . ~~جنى المجد مذ شدت عليك المآزر إلى أن بلغت الأربعين فألقيت . . . إليك ~~جماهير الأمور الأكابر فاحكمتها لا أنت في الحكم عاجز . . . ولا أنت فيها ~~عن هدى الحق جائر وقال الشريف الرضى : يا مخرس الدهر عن مقالته . . . كل ~~زمان عليك متهم شخصك في وجه كل داجية . . . ضحى وفي كل مجهل علم وقال أبو ~~الحسن السلامي : إذا زرته لم تلق من دون بابه . . . حجابا ولم تدخل عليه ~~بشافع كماء الفرات الجم أعرض ورده . . . لكل أناس فهو سهل الشرائع تراه إذا ~~ما جئته متهللا . . . تهلل أبكار الغيوث الهوامع PageV03P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" وقال محمد بن الحسين الآمدي : من القوم لما ~~استغرب المجد غيرهم . . . من الناس أمسوا منه فوق الغرائب إذا سالموا كانوا ~~صدور مراتب . . . وإن حاربوا كانوا قلوب مواكب جواد متى ما رامت الريح شأوه ~~. . . كبت دون مرمى خطوه المتقارب وبحر ندى لو زاره البحر حدثت . . . ~~عجائبه عن فعله بالعجائب وقال الأصمعي : كنت بالبادية فرأيت امرأة على قبر ~~تبكي وتقول : فمن للسؤال ومن للنوال . . . ومن للمقال ومن للخطب ومن للحماة ~~ومن للكماة . . . إذا ما الكماة جثو للركب إذا قيل مات أبو مالك . . . فتى ~~المكرمات قريع العرب فقد مات عز بني آدم . . . وقد ms0563 ظهر النكد بعد الطرب قال ~~: فملت إليها ، وسألتها عنه ، فقالت : فديتك هذا أبو مالك الحجام ، ختن أبي ~~منصور الحائك ، فما ظننت إلا أنه من سادات العرب . وقال العماد الأصفهاني : ~~حييون يخفون إحسانهم . . . ويعتذرون كان قد اساءوا إذا أظلم الدهر أعدوا ~~عليه . . . وإن أظلم الخطب يوما أضاءوا بمثلكم قد أقر الرجال . . . فمثلكم ~~لم تلده النساء وللناس من حسن أيامكم . . . بدولتكم كل يوم هناء ~~PageV03P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" وقال أيضا : فلأطوين على أغر محجل . . . عرض ~~الفلاة إلى أغر محجب ليث الوغى غوث الورى غيث الندى . . . بدر الندى نعم ~~وصدر الموكب وإذا استوى في دسته مالت له . . . أعناق كل متوج ومعصب وتميت ~~رأفته حقود عداته . . . وتحل هيبته عقود المحتبى إن الممالك ما تزال برأيه ~~. . . في صائب وبجوده في صيب يحبوك معتذرا إليك فيا له . . . من محسن تعروه ~~خجلة مذنب يزهى بأصل في العلاء مخيم . . . شرفا وفرع بالكرام مطنب وقال ~~أحمد بن محمد النامي : له سورة في البشر تقرأ في العلا . . . وتثبت في صحف ~~العطاء وتكتب إذا ما علي أمطرتك سماؤه . . . رأيت العلا أنواؤها تتحلب ~~وأزهر يبيض الندى منه في الرضا . . . وتحمر أطراف القنا حين يغضب أمير ~~الندى ما للندى عنك مذهب . . . ولا عنك يوما للرغائب مرغب وقال أبو حامد ~~أحمد بن محمد الأنطاكي : سيد شادت علاه له . . . في العلا آباؤه النجب وله ~~بيت يمد له . . . فوق مجرى الأنجم الطنب PageV03P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" حسبه بالمصطفى شرفا . . . وعلي حين ينتسب ~~رتبة في العز شامخة . . . قصرت عن مثلها الرتب وقال ابن نباتة السعدي : يرى ~~الشمس أما والكواكب إخوة . . . وينظر من بدر السماء إلى ترب غنيت عن الآمال ~~حين رأيته . . . وأصبح من بين الورى كلهم حسبي فلم أطلب المعروف من غير كفه ~~. . . وهل تطلب الأمطار إلى من السحب وقال أبو حامد أحمد الأنطاكي : لو نيل ~~بالمجد في العلياء منزلة . . . لنال بالمجد أعنان السموات يرمى الخطوب برأي ~~يستضاء به . . . إذا دجا الرأي من أهل البصيرات فليس يلقاه إلا عند عارفة . ~~. . أو واقفا في صدور السمهريات وقال أبو طالب المأموني ms0564 : قد وجدنا خطا ~~الكلام فساحا . . . فجعلنا النسيب فيك امتداحا وأفضنا ما في الصدور ففاض ال ~~. . . مدح قبل النسيب فيك انفساحا وعمدنا إلى علاك فصغنا . . . لصدور ~~القريض منها وشاحا وصدعنا في أوجه الشعر من بي . . . ض مساعيك بالندى ~~أوضاحا كم كسير جبرته وفقير . . . مستميح رددته مستماحا وأمان خرس بسطت لها ~~في ال . . . قول حتى أعدتهن فصاحا وبلاد جوامح رضتها بال . . . عزم حتى ~~أنسيتهن الجماحا شهرت منك آل سامان عضبا . . . ينجح السعي غربه إنجاحا لا ~~يذوق الإغفاء إلا رجاء . . . أن يرى طيف مستميح رواحا PageV03P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" وقال أحمد بن محمد النامي : أمير العلا إن ~~العوالي كواسب . . . علاءك في الدنيا وفي جنة الخلد يمر عليك الحول سيفك في ~~الطلى . . . وطرفك ما بين الشكيمة واللبد ويمضي عليك الدهر فعلك للعلا . . ~~. وقولك للتقوى وكفك للرفد وقال أيضا : فتى قسم الأيام بين سيوفه . . . ~~وبين طريفات المكارم والتلد فسود يوما بالعجاج وبالردى . . . وبيض يوما ~~بالفضائل والحمد وقال الصاحب بن عباد : أيها الآملون حطوا سريعا . . . ~~برفيع العماد واري الزناد فهو إن جاد ذم حاتم طيء . . . وهو إن قال فل قس ~~إياد وإذا ما ربا فأين زياد . . . من علاه وأين آل زياد وقال أبو طالب ~~المأموني من قصيدة : فتى ملئت بردتاه علا . . . ونبلا وفضلا ومجدا وخيرا ~~إذا ضمه الدست ألفيته . . . سحابا مطيرا وبدرا منيرا وإن أبرزته وغى خلته . ~~. . حساما بتورا وليثا هصورا وطورا معيدا وطورا مبيدا . . . وطورا مجيرا ~~وطورا أميرا ترى في ذراه لسان المنى . . . طويلا وباع الليالي قصيرا تضم ~~الأسرة منه ذكاء . . . وتحمل منه المذاكي ثبيرا PageV03P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" وقال أبو الطيب المتنبي : بمشي الكرام على ~~آثار غيرهم . . . وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع من كان فوق محل الشمس موضعه . . ~~. فليس يرفعه شيء ولا يضع وقال أبو المعالي محمد بن مسعود الأصفهاني شاعر ~~الخريدة : قد حل في مدرج العلياء مرتبة . . . مطامح الشهب عن غاياتها تقف ~~أغري بوصف معاليه الورى شغفا . . . لكنه والمعالي فوق ما وصفوا إن ناصبته ~~العدا فالدهر معتذر . . . أو أنكروا فضله فالمجد معترف وقال السلامي شاعر ms0565 ~~اليتيمة : يزور نائلك العافي وصارمك ال . . . عاصي فتحويهما أيد وأعناق في ~~كل يوم لبيت المجد منك غنى . . . وثروة ولبيت المال إملاق كم خضت من لجة ~~للنفع زاخرة . . . ماء المنون بها حاشاك دفاق وقال المتنبي : أنت الجواد ~~بلا من ولا كدر . . . ولا مطال ولا وعد ولا ملل وقال أبو الفرج الببغاء : ~~لا غيث نعماه في الورى خلب ال . . . برق ولا ورد جوده وشل جاد إلى أن لم ~~يبق نائله . . . مالا ولم يبق للورى أمل وقال محمد بن الحسن الحاتمي شاعر ~~اليتيمة : ومن عودته المكرمات شمائلا . . . فليس له عنها ولو شاء ناقل ~~PageV03P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" وإن راسل الأعداء فالجود رسله . . . إليهم ~~وأطراف العوالي الرسائل عظمت فهذا الدهر دونك همة . . . وجدت فهذا القطر ~~عندك باخل وقال مؤيد الدين الطغرائي : لو دب رأيك في كعوب قنا . . . ما ~~مسها طنب ولا خلل أو كان ضوءك للغزالة لم . . . يحجب ضياء جبينها الطفل أو ~~كان لطفك في الحياة لما . . . طافت بها الأسقام والعلل أنت الذي لولا علاه ~~عفت . . . طرق الهدى واستبهم السبل في كل شعب من رويته . . . شعب ومن آرائه ~~شعل يرتد عنه جفن حاسده . . . فكأنه بالنار يكتحل وجه كيوم الصحو مبتسم . . ~~. ويد كليل الدجن تنهمل مسحت على الأنواء راحته . . . فانساق منها العارض ~~الهطل إن ضن غيث أو خبا قمر . . . فجبينه ويمينه البدل وقال ابن الرومي : ~~آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم . . . في الحادثات إذا دجون نجوم فيها معالم للهدى ~~ومصائج . . . تجلو الدجى والأخريات رجوم وقال أبو الطيب المتنبي : قوم بلوغ ~~الغلام عندهم . . . طعن نحور الكماة لا الحلم كأنما يولد الندى معهم . . . ~~لا صغر عاذر ولا هرم إذا تولوا عداوة كشفوا . . . وإن تولوا صنيعة كتموا ~~PageV03P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" تظن من كثرة اعتذارهم . . . أنهم أنعموا وما ~~علموا إن برقوا فالحتوف حاضرة . . . أو نطقوا فالصواب والحكم أو شهدوا ~~الحرب لاقحا أخذوا . . . من مهج الدار عين ما احتكموا أو ركبوا الخيل غير ~~مسرجة . . . فإن أفخاذهم لها حزم تشرق أعراضهم وأوجههم . . . كأنها في ~~نفوسهم شيم أعيذكم من صروف دهركم . . . فإنه في الكرام متهم وقال ms0566 أيضا : ~~ودانت له الدنيا فأصبح جالسا . . . وأيامه فيما يريد قيام وكل أناس يبتغون ~~إمامهم . . . وأنت لأهل المكرمات إمام وقال أيضا : هم المحسنون الكر في ~~حومة الوغى . . . وأحسن منه كرهم في المكارم ولولا احتقار الأسد شبهتها بهم ~~. . . ولكنها معدودة في البهائم وقال المشوق الشامي شاعر اليتيمة : يروح ~~إلى كسب الثناء ويغتدي . . . إذا كان هم الناس كسب الدراهم وإن جلس الأقوام ~~عن واجب الندى . . . وحق العطايا كان أو قائم يزيد ابتهاجا كلما زار قاصد . ~~. . كأن به شوقا إلى كل قادم وقال السلامي شاعرها : تشبهه المداح في البأس ~~والندى . . . بمن لو رآه كان أصغر خادم ففي جيشه خمسون ألفا كعنتر . . . ~~وأمضى وفي خزانة ألف حاتم وقال أبو طالب المأموني من قصيدة : يعمم بالهندي ~~حين يسله . . . أسود الوغى بالضرب فوق العمائم فلا ملك إلا ما أقمت عروشه . ~~. . ولا غيث إلا ما أفضت لشائم PageV03P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" ولا تاج إلا ما توليت عقده . . . على جبهة ~~الملك المكنى بقاسم فرأيك نجم في دجى الليل ثاقب . . . وعزمك عضب في طلى كل ~~ناجم وقال المشوق الشامي : ما زال يبني كعبة للعلى . . . ويجعل الجود لها ~~ركنا حتى أتى الناس فطافوا بها . . . وقبلوا راحته اليمنى وقال المأموني من ~~قصيدة : همام يبكي المشرفية ساخطا . . . ويضحك أبكار الأماني راضيا ولو أن ~~بحرا يستطيع ترقيا . . . إليه لأم البحر جدواه راجيا ذكر ما قيل في ~~الافتخار قالوا : أفخر بيت قالته العرب قول جرير : إذا غضبت عليك بنو تميم ~~. . . حسبت الناس كلهم غضابا قال : دخل رجل من بني سعد على عبد الملك بن ~~مروان فقال له : ممن الرجل ؟ قال : من الذين قال لهم الشاعر : إذا غضبت ~~عليك بنو تميم ، البيت . قال : فمن أيهم أنت ؟ قال : من الذين يقول فيهم ~~القائل : يزيد بنو سعد على عدد الحصى . . . وأثقل من وزن الجبال حلومها قال ~~: فمن أيهم أنت ؟ قال : من الذين يقول لهم الشاعر : بنات بني عوف طهارى ~~نقية . . . وأوجههم عند المشاهد غران قال : فمن أيهم أنت ؟ قال : من الذين ~~يقول لهم الشاعر : فلا وأبيك ما ظلمت قريع ms0567 . . . بأن يبنوا المكارم حيث ~~شاءوا PageV03P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" قال : فمن أيهم أنت ؟ قال : من الذين يقول ~~لهم الشاعر : قوم هم الأنف والأذناب غيرهم . . . ومن يستوي بأنف الناقة ~~الذنبا قال : اجلس ، لا جلست ، والله لقد خفت أن تفخر علي وقالوا : أفخر ~~بيت قالته العرب قول الفرزدق : ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا . . . وإن ~~نحن أومأنا إلى الناس وقفوا وقال عمرو بن كلثوم وهو أبلغ ما قاله جاهلي في ~~الافتخار : ونحن الحاكمون إذا أطعنا . . . ونحن العائفون إذا عصينا ونحن ~~التاركون لما سخطنا . . . ونحن الآخذون لما رضينا وقال إبراهيم بن العباس : ~~إما تريني أمام القوم متبعا . . . فقد أرى من وراء الخيل أتبع يوما أبيح ~~فلا أرعى على نشب . . . وأستبيح فلا أبقي ولا أدع لا تسألي القوم عن حي ~~صبحتهم . . . ماذا صنعت وماذا أهله صنعوا وقالوا : من أحسن ما مدح به الرجل ~~نفسه قول أعشى ربيعة : وما أنا في نفسي ولا في عشيرتي . . . بمهتضم حقي ولا ~~قارع سني ولا مسلم مولاي عند جناية . . . ولا خائف مولاي من شر ما أجنى وأن ~~فؤادي بين جنبي عالم . . . بما أبصرت عيني وما سمعت أذني وفضلني في الشعر ~~واللب أنني . . . أقول على علم وأعلم ما أعني فأصبحت إذ فضلت مروان وابنه . ~~. . على الناس قد فضلت خير أب وابن PageV03P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" وقال أبو هفان : لعمري لئن بيعت في دار غربة ~~. . . بناتي إذ ضاقت علي المآكل فما أنا إلا السيف يأكل جفنه . . . له حلية ~~من نفسه وهو عاطل قال أبو هلال العسكري ، ولا أعرف في الافتخار أحسن مما ~~أنشده أبو تمام وهو : فقل لزهير إن شتمت سراتنا . . . فلسنا بشتامين ~~للمتشتم ولكننا نأبى الظلام ونقتضي . . . بكل رقيق الشفرتين مصمم وتجهل ~~أيدينا ويحلم رأينا . . . ونشتم بالأفعال لا بالتكلم ومن الافتخار قول ~~السموءل بن عاديا من كلمته التي أولها : إذ المرء لم يدنس من اللؤم عرضه . ~~. . فكل رداء يرتديه جميل وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها . . . فليس إلى ~~حسن الثناء سبيل وقائلة ما بال أسرة عاديا . . . تنادي وفيها قلة وحمول ~~تعيرنا ms0568 أنا قليل عديدنا . . . فقلت لها إن الكرام قليل وما قل من كانت ~~بقاياه مثلنا . . . شباب تسامى للعلا وكهول وما ضرنا أنا قليل وجارنا . . . ~~عزيز وجار الأكثرين ذليل وأنا أناس لا نرى القتل سبة . . . إذا ما رأته ~~عامر وسلول يقرب حب الموت آجالنا لنا . . . وتكرهه آجالهم فتطول وما مات ~~منا سيد حتف أنفه . . . ولا طل منا حيث كان قتيل تسيل على حد الظباة نفوسنا ~~. . . وليست على غير الظباة تسيل صفونا فلم نكدر وأخلص سرنا . . . إناث ~~أطابت حملنا وفحول علونا إلى خير الظهور وحطنا . . . لوقت إلى خير البطون ~~نزول فنحن كماء المزن ما في نصابنا . . . كهام ولا فينا يعد بخيل ~~PageV03P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" وننكر إن شئنا على الناس قولهم . . . ولا ~~ينكرون القول حين نقول إذا سيد منا خلا قام سيد . . . قؤول لما قال الكرام ~~فعول وما أخمدت نار لنا دون طارق . . . ولا ذمنا في النازلين نزيل وأيامنا ~~مشهورة في عدونا . . . لها غرر معلومة وحجول وأسيافنا في كل شرق ومغرب . . ~~. بها من قراع الدارعين فلول معودة أن لا تسل نصالها . . . فنغمد حتى ~~يستباح قبيل سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم . . . وليس سواء عالم وجهول فإن ~~بني الديان قطب لقومهم . . . تدور رحاهم حولهم وتجول وقال أبو هلال العسكري ~~من قصيدة : وما ضاع مثلى حيث حلت ركابه . . . بل حيث ضاع المجد مثلى ضائع ~~ومثلى مخضوع له غير أنه . . . إذا كان مجهول الفضائل خاضع ومثلى متبوع على ~~كل حالة . . . فإن ينقلب وجه الزمان فتابع وقال عبد الله بن المعتز : ~~سألتكما بالله هل تعلمانني . . . ولا تكتما شيأ فعندكما خبري أأرفع نيران ~~القرى لعفاتها . . . وأصبر يوم الروع في ثغرة الثغر وأسأل نيلا لا يجاد ~~بمثله . . . فيفتحه بشرى ويختمه عذري ومن الافتخار قول بعض الشعراء ، ويروي ~~حسان بن ثابت من قصيدة أولها : أنسيم ريحك أم خيار العنبر . . . يا هذه أم ~~ريح مسك أزفر قولي لطيفك أن يصد عن الحشى . . . سطوات نيران الأسى ثم اهجري ~~وانهي رماتك أن يصبن مقاتلي . . . فينال قومك سطوة من معشري إنا من النفر ~~الذين جيادهم ms0569 . . . طلعت على كسرى بريح صرصر PageV03P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" وسلبن تاجي ملك قيصر بالقنا . . . واجترن باب ~~الدرب لابن الأصفر كم قد ولدنا من كريم ماجد . . . دامي الأظافر أو ربيع ~~ممطر خلقت أنامله لقائم مرهف . . . ولبذل مكرمة وذروة منبر يلقي الرماح ~~بوجهه وبصدره . . . ويقيم هامته مقام المغفر ويقول للطرف اصطبر لشبا القنا ~~. . . فهدمت ركن المجد إن لم تصبر وإذا تأمل شخص ضيف مقبل . . . متسربل ~~سربال ثوب أغبر أوما إلى الكوماء هذا طارق . . . نحرتني الأعداء إذ لم تنحر ~~ذكر ما قيل في الجود والكرم وأخبار الكرام حقيقة الجود بذل المال ، قال ~~الله عز وجل : " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " وقال تعالى : " ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ~~" وروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إن الله استخلص ~~هذا الدين لنفسه ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ألا فزينوا دينكم ~~بهما " وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " تجاوزوا عن ذنب السخي فإن الله عز ~~وجل آخذ بيده كلما عثر وفاتح له كلما افتقر " وقال ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " الجود من جود الله تعالى فجودوا يجود الله عليكم " . " ألا أن السخاء ~~شجرة في الجنة أغصانها متدلية في الأرض فمن تعلق بغصن منها أدخله الجنة " . ~~" ألا إن السخاء من الإيمان والإيمان في الجنة " . وقال علي بن عبد الله بن ~~عباس : سادة الناس في الدنيا الأسخياء . وقال بعض الحكماء : الجواد من جاد ~~بماله وصان نفسه عن مال غيره . وقيل لعمرو بن عبيد : ما الكرم ؟ فقال : أن ~~تكون بمالك متبرعا ، وعن مال غيرك متورعا . ويقال : مراتب السخاء ثلاثة : ~~سخاء وجود وإيثار ، فالسخاء إعطاء الأقل وإمساك الأكثر ، والجود إعطاء ~~الأكثر PageV03P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" وإمساك الأقل ، والإيثار إعطاء الكل من غير ~~إمساك بشيء ، وهو أشرف درجات الكرم ، وبه استحقوا ثناء الله عز وجل عليهم ~~في قوله : " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " . ومن كلام ينسب إلى ~~جعفر بن محمد : لا يتم المعروف إلا بثلاثة : تعجيله ، وتصغيره ms0570 ، وستره . ~~الجود زكاة السعادة ، والإيثار على النفس موجب لاسم الكرم ، وقال : لا ~~يستحي من بذل القليل فإن الحرمان أقل منه . قال بعض الشعراء : أعط القليل ~~ولا يمنعك قلته . . . فكل ما سد فقرا فهو محمود وقال علي بن الحسين : ~~الكريم يبتهج بفضله ، واللئيم يفتخر بماله . وقال الحسين بن علي رضي الله ~~تعالى عنهما : أيها الناس من جاد ساد ، ومن بخل رذل ، وأن أجود الناس من ~~أعطى من لا يرجوه . وقيل ليزيد بن معاوية : ما الجود ؟ قال : أن تعطي المال ~~من لا تعرف ، فإنه لا يصير إليه حتى يتخطى من تعرف . وقال أحمد بن محمد بن ~~عبد ربه : لو لم يكن في الكرم ، إلا أنه صفة من صفات الله تعالى ، تسمى بها ~~فهو الكريم عز وجل . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إذا أتاكم ~~كريم قوم فأكرموه " . وقيل لعبد الله بن جعفر : إنك قد أسرفت في بذل المال ~~، قال : إن الله عز وجل قد عودني بعادة أن يتفضل علي ، وعودته أن أتفضل على ~~عباده ، وأخاف أن أقطع العادة فيقطع عني . وقال المأمون لمحمد بن عباد ~~المهلبي : إنك متلاف ، قال : منع الجود ، سوء ظن بالمعبود . قال الله تعالى ~~: " وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين " . وقال أكثم بن صيفي ~~حكيم PageV03P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" العرب : ذللوا أخلافكم للمطالب ، وقودوها إلى ~~المحامد ، وعلموها المكارم ، ولا تقيموها على خلق تذمونه من غيركم ، وصلوا ~~من رغب إليكم وتحلوا بالجود يكسبكم المحبة ، ولا تعتقدوا البخل ، لتعجلوا ~~الفقر ، أخذه الشاعر فقال : أمن خوف فقر تعجلته . . . وأخرت إنفاق ما تجمع ~~فصرت الفقير وأنت الغني . . . وما كنت تعدو الذي تصنع وكتب رجل من البخلاء ~~إلى رجل من الأسخياء يأمره بالإنفاق على نفسه ويخوفه الفقر ، فأجابه : " ~~الشيطان يعد كم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعد كم مغفرة منه وفضلا " ~~وإني أكره أن أترك أمرا قد وقع لأمر لعله لا يقع . وكان سعيد بن العاص يقول ~~على المنبر : من رزقه الله رزقا حسنا ، فلينفق منه سرا وجهرا ، حتى يكون ~~أسعد الناس ms0571 به ، فإنما يترك ما يترك لأحد رجلين ، إما لمصلح ، فلا يقل عليه ~~شيء ، وإما لمفسد ، فلا يبقى له شيء . أخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال : ~~اسعد بمالك في الحياة فإنما . . . يبقي خلافك مصلح أو مفسد فإذا جمعت لمفسد ~~لم يغنه . . . وأخو الصلاح قليله يتزيد وقال أبو ذر رضي الله عنه : لك في ~~مالك شريكان الحدثان ، والوارث ، فإن استطعت أن لا تكون أبخس الشركاء حظا ~~فافعل . وقال بزرجمهر الفارسي : إذا أقبلت عليك الدنيا ، فانفق منها ، ~~فإنها لا تفنى ، وإذا أدبرت عليك ، فانفق منها ، فإنها لا تبقى ، أخذ ~~الشاعر هذا المعنى فقال : لا بتخلن بدينا وهي مقبلة . . . فليس ينقصها ~~التبذير والسرف وإن تولت فأحرى أن تجود بها . . . فالحمد منها إذا ما أدبرت ~~خلف PageV03P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" وكان كسرى يقول : عليكم بأهل السخاء والشجاعة ~~، فإنهم أهل حسن ظن بالله ، ولو أن أهل البخل ، لم يدخل عليهم من ضر بخلهم ~~، ومذمة الناس لهم ، وإطباق القلوب على بغضهم ، إلا سوء ظنهم بربهم في ~~الخلف ، لكان عظيما ، أخذه محمود الوراق فقال : من ظن بالله خيرا جاد ~~مبتدئا . . . والبخل من سوء ظن المرء بالله وقيل لأبي عقيل البليغ العراقي ~~: كيف رأيت مروان بن الحكم عند طلب الحاجة إليه ؟ قال : رأيت رغبته في ~~الشكر ، وحاجته إلى قضاء الحاجة ، أشد من حاجة صاحبها . وقال زياد : كفى ~~بالبخيل عارا ، أن اسمه لم يقع في حمد قط . وقال أسماء بن خارجة : ما أحب ~~أن أرد أحدا عن حاجة طلبها ، لأنه لا يخلو أن يكون كريما ، فأصون له عرضه ، ~~أو لئيما ، فأصون عرضي منه . وقال إبراهيم بن المهدي : قلت لرجل من أهل ~~الكوفة من وجوه أهلها كان لا يجف بيده قلم ، ولا يستريح قلبه ، ولا تسكن ~~حركته في طلب حوائج الرجال ، وإدخال المرافق على الضعفاء : أخبرني عن ~~الحالة التي خففت عنك النصب ، وهونت عليك التعب ، في القيام بحوائج الناس ، ~~ما هي ؟ قال : قد والله سمعت تغريد الطير بالأسحار ، في فروع الأشجار ، ~~وسمعت خفق أوتاد العيدان وترجيع أصوات القيان ، فما طربت من صوت ms0572 قط ، طربي ~~من ثناء حسن ، بلسان حسن ، على رجل قد أحسن ، ومن شكر حر لمنعم حر ، ومن ~~شفاعة محتسب ، لطالب شاكر ، قال إبراهيم : فقلت ، لله أبوك لقد حشيت كرما . ~~وكان طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري من أجود قريش في زمانه ، فقالت له ~~امرأته : ما رأيت قوما ألام من إخوتك ، فقال لها : لمه ؟ وأني قلت ذاك ؟ ~~فقالت : أراهم إذا أيسرت أتوك ، وإذا أعسرت تركوك ، قال : هذا والله كرمهم ~~، يأتوننا في حال القوة عليهم ، ويتركوننا في حال العجز عنهم . ~~PageV03P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" وحكي أن رجلا شيخا أتى سعيد بن سالم ، وكلمه ~~في حاجة وما شاه ، فوضع الشيخ زج عصاه التي يتوكأ عليها ، على رجل سعيد حتى ~~أدماها ، فما تأوه لذلك ، وما نهاه ، فلما فارقه ، قيل له : كيف صبرت على ~~هذا منه ؟ فقال : خفت أن يعلم جنايته ، فينقطع عن ذكر حاجته . ذكر من انتهى ~~إليهم الجود في الجاهلية وذكر شيء من أخبارهم والذي انتهى إليهم الجود في ~~الجاهلية حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي ، وهرم بن سنان المري ، وكعب بن ~~مامة الإيادي ، وضرب المثل بحاتم وكعب ، والمشهور حاتم . وكعب هذا : هو ~~الذي جاد نفسه ، وآثر رفيقه بالماء في المفازة ، ولم يشهر له خبر غير هذا . ~~وأما حاتم فأخباره مشهورة . منها : أنه كان إذا اشتد البرد ، أمر غلامه ~~يسارا ، فأوقد نارا في بقاع من الأرض ، لينظر إليها من ضل عن الطريق ، وفي ~~ذلك يقول : أوقد فإن الليل ليل قر . . . والريح يا واقد ريح صر عسى يرى ~~نارك من يمر . . . إن جلبت ضيفا فأنت حر قالوا : ولم يك حاتم يمسك غير ~~سلاحه وفرسه ، ثم جاد بفرسه في سنة أزمة . قالت النوار امرأة حاتم : ~~أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض ، واغبر أفق السماء ، وضنت المراضع عن ~~أولادها ، لا تبض بقطرة ، وأيقنا بالهلاك ، فوالله ، إني لفي ليلة صنبرة ، ~~بعيدة ما بين الطرفين ، إذ تضاغي صبيتنا جوعا ، عبد الله ، وعدي ، وسفانة ، ~~فقام حاتم إلى الصبيين ، وقمت إلى الصبية ، فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأة ~~من الليل ms0573 ، وأقبل يعللني ، فعرفت ما يريد ، فتناومت ، فلما تهورت النجوم ، ~~إذا بشيء قد رفع كسر البيت ، فقلت : من هذا ؟ فولى ، ثم عاد آخر الليل ، ~~فقال من هذا ؟ فقالت : PageV03P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" جارتك فلانة ، أتيتك من عند صبية يتعاوون عوى ~~الذئاب ، فما وجدت معولا إلا عليك أبا عدي ، فقال : أعجليهم ، فقد أشبعك ~~الله وإياهم ، فأقبلت المرأة تحمل اثنين ، ويمشي بجانبها أربع كأنها نعامة ~~حولها رئالها ، فقام إلى فرسه ، فوجأ لبته بمدية ، فخر ، ثم كشط عن جلده ، ~~ودفع المدية إلى المرأة ، وقال : شأنك ، فاجتمعنا على اللحم نشوي ، ونأكل ، ~~ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا ، فيقول : هبوا عليكم بالنار ، والتفع بثوبه ناحية ~~ينظر إلينا ، لا والله إن ذاق منه مضغة وإنه لأحوج إليه منا ، فأصبحنا وما ~~في الأرض إلا عظم أو حافر . وقيل : كان مبدأ الأمر لحاتم في الجود ، أنه ~~لما ترعرع ، جعل يخرج طعامه فإن وجد من يأكله معه أكله ، وإن لم يجد طرحه ، ~~فلما رأى أبوه ، أنه يهلك طعامه ، قال له : ألحق بالإبل ، فخرج إليها ، ~~فوهب له جارية ، وفرسا وفلوها . وقيل : بل هلك أبو حاتم وهو صغير ، وهذه ~~القصة كانت مع جده سعد بن الحشرج ، فلما أتى حاتم الإبل ، طفق يبتغي الناس ~~، فلا يجدهم ، ويأتي الطريق ، فلا يجد عليه أحدا ، فبينا هو كذلك ، إذ بصر ~~بركب على الطريق ، فأتاهم ، فقالوا : يا فتى ، هل من قرى ؟ فقال : تسألونني ~~عن القرى ؟ وقد ترون الإبل وكان الذي بصر بهم ، عبيد ابن الأبرص ، وبشر بن ~~أبي خازم ، والنابغة الذبياني ، وكانوا يريدون النعمان ، فنحر لهم ثلاثة من ~~الإبل ، فقال عبيد : إنما أردنا اللبن ، وكانت تكفينا بكرة ، إن كنت لا بد ~~متكلفا لنا شيئا ، فقال حاتم : قد عرفت ، ولكن رأيت وجوها مختلفة ، وألوانا ~~متفرقة ، فظننت أن البلدان غير واحد ، فأردت أن يذكر كل واحد منكم ما رأى ، ~~إذا أتى قومه فقالوا فيه أشعارا امتدحوه بها ، وذكروا فضله ، فقال حاتم : ~~أردت أن أحسن إليكم ، فصار لكم الفضل علي ، وإني أعاهد الله أن أضرب عراقيب ~~إبلي عن آخرها ، أو تقدموا إليها ms0574 فتقتسموها ففعلوا فأصاب كل واحد تسعا ~~وثلاثين بعيرا ، ومضوا على سفرهم إلى النعمان ، وأن أبا حاتم أو جده ، سمع ~~بما فعل ، فقال : أين الإبل ؟ فقال : يا أبت طوقتك بها طوق الحمامة مجدا ~~وكرما ، لا يزال الرجل يحمل بيت شعر أثنى به علينا عوضا عن إبلك ، فلما سمع ~~أبوه ذلك ، قال : أبإبلي فعلت PageV03P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" ذلك ؟ قال : نعم ، قال : والله لا أساكنك ~~أبدا ، فخرج أبوه بأهله ، وترك حاتما ، ومعه جاريته وفرسه وفلوه . قال : ~~فبينما حاتم يوما نائم ، إذا انتبه ، وحوله نحو مائتي بعير تجول وتحطم ~~بعضها بعضا ، فساقها إلى قومهن فقالوا : يا حاتم ، أبق على نفسك ، فقد رزقت ~~مالا ، ولا تعودن إلى ما كنت فيه من الإسراف ، قال : فإنها نهب بينكم ، ~~فانتهبت ، ثم أقبل ركب من بني أسد ومن قيس يريدون النعمان ، فلقوا حاتما ، ~~فقالوا له : إنا تركنا قومنا يثنون عليك خيرا ، وقد أرسلوا إليك برسالة ، ~~قال : وما هي ؟ فأنشده الأسديون شعرا ، لعبيد ، وأنشده الليئيون شعرا ~~للنابغة ، ثم قالوا : إنا لنستحي أن نسألك شيئا وإن لنا لحاجة ، قال : وما ~~هي ؟ قالوا : صاحب لنا راجل ، فقال حاتم : خذوا فرسي هذه ، فاحملوا عليها ~~صاحبكم ، فأخذوها ، وربطت الجارية فلوها بثوبها ، فأفلت فاتبعته الجارية ~~لترده ، فقال حاتم : ما لحقكم من شيء فهو لكم ، فذهبوا بالفرس والفلو ~~والجارية . وأما هرم بن سنان ، فمن أخباره : أنه آلى على نفسه أنه لا يسلم ~~عليه زهير إلا أعطاه فقل مال هرم ، وكان زهير يمر بالنادي وفيه هرم فيقول : ~~أنعموا صباحا ما خلا هرما ، وخير القوم تركت ، قالوا : وكان عبد الله بن ~~جدعان ، حين كبر ، أخذت بنو تميم على يده ، ومنعوه أن يعطي شيئا من ماله ، ~~فكان الرجل إذا أتاه يطلب منه ، قال له : ادن مني ، فإذا دنا منه لطمه ، ثم ~~قال : اذهب فاطلب لطمتك أو ترضى ، فترضيه بنو تميم من ماله ، وفيه يقول ~~الشاعر : والذي إذا أشار نحوك لطما . . . تبع اللطم نائل وعطاء ومن أخبار ~~الكرام : ما حكي عن خالد بن عبد الله القسري أمير العراق ، كان يكثر ms0575 الجلوس ~~ثم يدعو بالبدر ويقول : إنما هذه الأموال ودائع العرب لا بد من تفرقتها ، ~~فقال ذلك مرة ، وقد وفد عليه أخوه أسد بن عبد الله من خراسان ، فقام ، فقال ~~أيها الأمير إن الودائع تجمع ولا تفرق ، فقال : ويحك إنها ودائع المكارم ، ~~وأيدينا وكلاؤها ، فإذا أتانا المملق فأغنيناه ، والظمآن فأرويناه ، فقد ~~أدينا فيها الأمانة ، PageV03P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" ومر يزيد بن المهلب بأعرابية في هروبه من سجن ~~عمر بن عبد العزيز ، وهو يريد البصرة ، فقدمت له عنزا فقبلها ، ثم قال ~~لابنه معاوية : ما معك من النفقة ؟ قال ثمانمائة دينار ، قال : ادفعها ~~إليها فقال له ابنه : إنك تريد الرجال ، ولا تكون الرجال إلا بالمال ، وهذه ~~يرضيها اليسير ، وهي بعد لا تعرفك ، فقال : إن كانت ترضي باليسير ، فأنا لا ~~أرضى إلا بالكثير ، وإن كانت لا تعرفني ، فأنا أعرف نفسي ، ادفعها إليها ، ~~فدفعها إليها . قال الأحنف : كثرت على الديات بالبصرة ، لما قتل مسعود ، ~~فلم أجدها في حاضرة تميم ، فخرجت نحو يبرين ، فسألت : من المقصود هناك ؟ ~~فأرسلت إلى قبة ، فإذا شيخ جالس بفنائها ، مؤتزر بشملة ، محتب بحبل ، فسلمت ~~عليه ، وانتسبت له ، فقال : ما فعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ قلت ~~: توفي ، قال : فما فعل عمر بن الخطاب الذي الذي كان يحفظ العرب ويحطها ؟ ~~قلت : مات ، قال : فأي خبر في حاضرتكم بعدهما ؟ قال : فذكرت الديات التي ~~لزمتنا للأزد وربيعة ، قال : أقم ، فإذا راع قد أزاح عليه بألف بعير ، فقال ~~: خدها ، ثم أراح عليه آخر بمثلها ، فقال : خذها ، قلت : لا أحتاج إليها ، ~~فانصرفت بالألف ، ووالله ما أدري من هو إلى الساعة . وروي عن معن بن زائدة ~~، قال : لما هربت من المنصور ، خرجت من باب حرب ، بعد أن أقمت في الشمس ~~أياما ، وخففت لحيتي وعارضي ، ولبست جبة صوف غليظة ، وركبت جملا ، وخرجت ~~عليه لأمضي إلى البادية ، قال : فتبعني أسود متقلد سيفا ، حتى إذا غبت عن ~~الحرس ، قبض على خطام الجمل فأناخه ، وقبض علي ، فقلت : ما شأنك ؟ فقال : ~~أنت بغية أمير المؤمنين فقلت له : ومن أنا حتى يطلبني أمير ms0576 المؤمنين ؟ فقال ~~معن بن زائدة فقلت : يا هذا اتق الله وأين أنا من معن ؟ فقال : دع هذا عنك ~~، فأنا والله أعرف بك ، فقلت له : فإن كانت القصة كما PageV03P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" تقول ، فهذا جوهر حملته معي ، بأضعاف ما بذله ~~المنصور ، لمن جاءه بي فخذه ولا تسفك دمي ، فقال : هاته ، فأخرجته إليه ، ~~فنظر إليه ساعة ، وقال : صدقت في قيمته ، لست قابله حتى أسألك عن شيء ، فإن ~~صدقتني أطلقتك ، فقلت : قل ، فقال : إن الناس قد وصفوك بالجود فأخبرني هل ~~وهبت قط مالك كله قلت : لا ، فنصفه قلت : لا ، قال : فثلثه قلت ، لا حتى ~~بلغ العشر فاستحييت وقلت : إني أظن قد فعلت هذا ، فقال : ما ذاك بعظيم ، ~~أنا والله راجل ، ورزقي على أبي جعفر ، عشرون درهما ، وهذا الجوهره قيمته ~~ألف دينار ، وقد وهبته لك ، ووهبتك لنفسك ، ولجودك المأثور بين الناس ، ~~ولتعلم أن في الدنيا من هو أجود منك ، ولا تعجبك نفسك ، ولتحقر بعد هذا كل ~~شيء تفعله ولا تتوقف عن مكرمة ، ثم رمى بالعقد إلي ، وخلي خطام الجمل ~~وانصرف ، فقلت : يا هذا قدو الله فضحتني ، ولسفك دمي أهون علي مما فعلت ، ~~فخذ ما دفعته إليك ، فإني عنه في غنى ، فضحك ، ثم قال : أردت أن تكذبني في ~~مقامي هذا ، فوالله لا آخذه ، ولا آخذ لمعروف ثمنا أبدا ، ومضى ، فوالله ~~لقد طلبته بعد أن أمنت ، وبذلت لمن جاءني به ما شاء ، فما عرفت له خبرا ، ~~وكأن الأر ابتلعته ، وكان سبب غضب المنصور على معن ابن زائدة : أنه خرج مع ~~عمرو بن يزيد بن عمرو بن هبيرة وأبلى في حربه بلاء حسنا . ويقال : إن شاعرا ~~أتى وهب بن وهب ، وكان جوادا ، فمدحه فهش وبش له وثنى له الوسادة وأضافه ~~ورفده وحمله ، فلما أراد الرجل الرحلة ، لم يخدمه أحد من غلمان وهب ، فأنكر ~~الرجل ذلك مع جميل فعله ، فعاتب بعضهم ، فقال له الغلام : إنا إنما نعين ~~النازل على الإقامة ولا نعين الراحل على الفراق . وكان الحارث بن هشام ~~المخزومي في وقعة اليرموك ، وبها أصيب فاثبته الجراح ، فاستسقى ms0577 ماء ، فأتي ~~به ، فلما تناوله ، نظر إلى عكرمة بن أبي جهل صريعا PageV03P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" في مثل حاله ، فرد الإناء على الساقي ، وقال ~~: امض إلى عكرمة بن أبي جهل ، فمضى إليه ، فأبى أن يشرب قبله ، فرجع إلى ~~الحارث ، فوجده ميتا ، فرجع إلى عكرمة ، فوجده قد مات ، فلم يشرب واحد ~~منهما . وقد وصف الناس أهل الجود والكرم بمدائح ، سنذكر ما استجودناه منها ~~. فمن ذلك ما حكي عن أبي العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب ، قال : كان ~~ببغداد فتى يجن ستة أشهر ، فاستقبلته ببعض السكك ذات يوم ، فقال : ثعلب ؟ ~~قلت : نعم ، قال : فأنشدني فأنشدته : وإذا مررت بقبره فاعقر به . . . كوم ~~الهجان وكل طرف سابح وانضح جوانب قبره بدمائها . . . فكذا يكون أخا دم ~~وذبائح فضحك ، ثم سكت ساعة ، وقال : ألا قال ؟ اذهبا بي إن لم يكن لكما عق ~~. . . ر على ترب قبره فاعقراني وانضحا من دمي عليه فقد كا . . . ن دمي من ~~نداه لو تعلمان ثم رآني يوما بعد ذلك فتأملني ، وقال : ثعلب قلت : نعم ، ~~قال : أنشدني فأنشدته . أعار الجود نائله . . . إذا ما ماله نفدا وإن ليثا ~~شكا جبنا . . . أعار فؤاده الأسدا فضحك ، وقال : ألا قال ؟ علم الجود الندى ~~حتى إذا . . . ما حكاه علم البأس الأسد فله الجود مقر بالندى . . . وله ~~الليث مقر بالجلد وقال مسلم بن الوليد وهو مما يجوز إيراده في الشجاعة ~~والكرم . يجود النفس إن ضن الجواد بها . . . والجود بالنفس أقصى غاية الجود ~~PageV03P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" وأول من أتى بهاذ المعنى علقمة بن عبدة حيث ~~قال : تجود بنفس لا يجاد بمثلها . . . فأنت بها يوم اللقاء خصيب وهذا مثل ~~قول يزيد بن أبي يزيد الشيباني : من جاد بنفسه عند اللقاء ، وبماله عند ~~العطاء ، فقد جاد بنفسية كلتيهما . قالوا : وأجود ما قيل في ذلك قول أبي ~~العتاهية يمدح العباس بن محمد : لو قيل العابس يا ابن محمد . . . قل لا ~~وأنت مخلد ما قالها إن السماحة لم تزل معقولة . . . حتى حللت براحتيك ~~عقالها وإذا الملوك تسايرت في بلدة . . . كانوا كواكبها وكنت هلالها فلم ms0578 ~~يثبه العباس ، فقال : هززتك هزة السيف المحلى . . . فلما أن ضربت بك انثنيت ~~فهبها مدحة ذهبت ضياعا . . . كذبت عليك فيها وافتريت فلما سمع العباس ~~الأبيات غضب ، وقال : والله لأجهدن في حتفه ، قال : فمر أبو العتاهية ~~بإسحاق بن العباس ، وقال له إسحاق : أنشدني شيئا من شعرك فأنشده : ألا أيها ~~الطالب المستغيث . . . بمن لا يفيد ولا يرفد ألا تسأل الله من فضله . . . ~~فإن عطاياه لا تنفد إذا جئت أفضلهم للسؤا . . . ل رد وأحشاؤه ترعد ~~PageV03P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" كأنك من خشية للسؤا . . . ل في عينه الحية ~~الأسود ففر إلى الله من لؤمهم . . . فإني أرى الناس قد أصلدوا وإني أرى ~~الناس قد أبرقوا . . . بلؤم الفعال وقد أرعدوا ثم مضى ، فقيل لإسحاق : إن ~~هذا الشعر له في أبيك ، فقال إسحاق : أولى له ، لم عرض نفسه وأحوج أبا ~~العتاهية إلى مثل هذا مع ملكه وقدرته ؟ وقد أورد أبو الفرج الأصفهاني خبر ~~هذه الأبيات ، فقال : امتدح ربيعة الرقي العباس بن محمد بن علي بن عبد الله ~~بن العباس بقصيدة لم يسبق إليها حسنان وهي طويلة يقول فيها : لو قيل للعباس ~~يا ابن محمد . . . قل لا وأنت مخلد ما قالها ما إن أعد من المكارم خصلة . . ~~. إلا وجدتك عمها أو خالها وإذا الملوك تسايرت في بلدة . . . كانوا كواكبها ~~وكنت هلالها إن المكارم لم تزل معقولة . . . حتى حللت براحتيك عقالها قال : ~~فبعث إليه بدينارين ، وكان يقدر فيه ألفين ، فلما نظر إلى الدينارين ، كاد ~~أن يجن غضبا ، وقال الرسول : خذ الدينارين فهما لك على أن ترد إلى الرقعة ، ~~من حيث لا يدري العباس ، ففعل الرسول ذلك ، فأخذها ربيعة ، وأمر من كتب في ~~ظهرها . مدحت مدحة السيف المحلى . . . لتجري في الكرام كما جريت هبها مدحة ~~ذهبت ضياعا . . . كذبت عليك فيها وآفتريت أنت المرء ليس له وفاء . . . كأني ~~إذ مدحتك قد زنيت ثم دفعها إلى الرسول وقال : ضعها في الموضع الذي أخذتها ~~منه ، ففعل ، فلما كان من الغد ، أخذها العباس فنظر فيها ، فلما قرأ ~~الأبيات ، غضب ، وقام من وقته ، فركب إلى الرشيد ، وكان ms0579 أثيرا عنده يبجله ~~ويقدمه ، وكان قد هم أن يخطب إليه ابنته ، فرأى الرشيد الكراهة في وجهه ، ~~فقال ما شأنك ؟ قال : هجاني ربيعة الرقى ، فأحضره PageV03P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" الرشيد : وقال له : يا ماص كذا وكذا من أمه ~~أتهجو عمى ، وآثر خلق الله عندي ؟ لقد هممت أن أضرب عنقك ، فقال : يا أمير ~~المؤمنين ، والله لقد امتدحته بقصيدة ما قال أحد مثلها من الشعراء في أحد ~~من الخلفاء ، ولقد بالغت في الثناء ، وأكثرت الوصف ، فإن رأى أمير المؤمنين ~~أن يأمر بإحضارها فعل ، فلما سمع الرشيد ذلك ، سكن غضبه ، وأحب أن ينظر في ~~القصيدة ، فأمر العباس بإحضارها فتلكأ عليه ، فقال له الرشيد : سألتك بحق ~~أمير المؤمنين ، إلا أمرت بإحضارها ؟ فأحضرت ، فإذا فيها القصيدة بعينها ، ~~فاستحسنها واستجادها وأعجب بها ، وقال : والله ما قال أحد من الشعراء في ~~أحد من الخلفاء مثلها ، ولقد صدق ربيعة فبر ، ثم قال العباس : كم أثبته ~~عليها ؟ فسكت العباس ، وتغير لونه ، وغص بريقه ، فقال ربيعة : أثابني عنها ~~يا أمير المؤمنين دينارين ، فتوهم الرشيد أنه قال ذلك من الموجدة عليه ، ~~فقال : بحياتي يا رقي كم أثابك ؟ فقال : وحياتك يا أمير المؤمنين ما أثابني ~~إلا بدينارين ، فغضب الرشيد غضبا شديدا ، ونظر في وجه العباس ، وقال : سوءة ~~لك أية حال قعدت بك عن إثابته ؟ أقلة مال ؟ فوالله لقد نولتك جهدي ، أم ~~انقطاع المال عنك ؟ فوالله ما انقطعت بك ، أم أصلك ؟ فهو الأصل الذي لا ~~يدانيه شيء ، أم نفسك ؟ لا ذنب لي ، بل نفسك والله فعلت بك ذلك ، حتى فضحت ~~أجدادك وفضحني ، وفضحت نفسك ، فنكس العباس رأسه ، ولم ينطق ، فقال الرشيد : ~~يا غلام ، أعط ربيعة ثلاثين ألف درهم ، وخلعة ، واحمله على بغلة ، ثم قال ~~له : بحياتي لا تذكره في شيء من شعرك تعريضا ولا تصريحا ، وفتر الرشيد عما ~~كان قد هم به من أن يتزوج إليه وأظهر له بعد ذلك جفاء واطراحا . وقال محمد ~~بن هانيء : الواهب الألف إلا أنها بدر . . . والطاعن الألف إلا أنها نسق ~~تأتي عطاياه شتى غير واحدة . . . كما تدافع موج البحر ms0580 يصطفق وقال الرضى ~~الموسوي : ريان والأيام ظمآنة . . . من الندى نشوان بالبشر لا يمسك العذل ~~يديه ولا . . . تأخذ منه نشوة الخمر PageV03P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" وقال أيضا : ذخائره العرف في أهله . . . ~~وخزان أمواله السائلونا وقال أمية بن أبي الصلت الثقفي يمدح عبد الله بن ~~جدعان : أأذكر حاجتي أم قد كفاني . . . حياؤك إن شيمتك الحياء وعلمك ~~بالأمور وأنت قرم . . . لك الحسب المهذب والسناء كريم لا يغيره صباح . . . ~~عن الخلق السنى ولا مساء إذا أثنى عليك المرء يوما . . . كفاه من تعرضه ~~الثناء وقال الشماخ بن ضرار : نزور امرأ يعطي على الحمد ماله . . . ومن يعط ~~أثمان المحامد يحمد وأنت امرؤ من تعطه اليوم نائلا . . . بكفك لا يمنعك من ~~نائل الغد ترى الجود لا يدني من المرء حتفه . . . كما البخل والإمساك ليس ~~بمخلد مفيد ومتلاف إذا ما سألته . . . تهلل واهتز اهتزاز المهند متى تأته ~~تعشو إلى ضوء ناره . . . تجد خير نار عندها خير موقد وقال : لما سمع عمر ~~رضي الله عنه هذا البيت ، قال : كذب ، تلك نار موسى عليه السلام . وقال ~~السري الرفاء : كالغيث والليث والهلال إذا . . . أقمر بأسا وبهجة وندى ناس ~~من الجود ما يجود به . . . وذاكر منه كلما وعدا وقال أبو الفرج الوأواء : ~~من قاس جدواك بالغمام فما . . . أنصف في الحكم بين اثنين أنت إذا جدت ضاحكا ~~أبدا . . . وهو إذا جاد باكي العين PageV03P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" وقال ابن نباتة السعدي من قصيدة : لم يبق ~~جودك لي شيئا أؤمله . . . تركتني أصحب الدنيا بلا أمل ذكر ما قيل في ~~الإعطاء قبل السؤال قال سعيد بن العاصي : قبح الله المعروف ، إذا لم يكن ~~ابتداء من غير مسألة ، فما المعروف عوض من مسألة الرجل ، إذا بذل وجهه ، ~~فقلبه خائف ، وفرائصه ترعد ، وجبينه يرشح ، لا يدري اريجع بنجح الطلب أم ~~بسوء المنقلب ، قد بات ليلته يتململ على فراشه ، يعاق بين شقيه ، مرة هكذا ~~، ومرة هكذا ، من لحاجته ؟ فخطرت بباله أنا أم غيري ، فمثل أرجاهم في نفسه ~~، وأقربهم من حاجته ، ثم عزم علي ، وترك غيري ، قد انتفع لونه ، ودهب دم ms0581 ~~وجهه ، فلو خرجت له مما أملك أم أكافئه ، وهو علي آمن مني عليه ، اللهم فإن ~~كانت الدنيا لها عندي حظ فلا تجعل لي حظا في الآخرة . وقال أكثم بن صيفي : ~~كل سؤال وإن قل ، أكثر من كل نوال وإن جل . وقال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه لأصحابه : من كانت له إلي منكم حاجة ، فليرفعها في كتاب ، لأصون وجوهكم ~~عن المسألة . وقال عبد العزيز بن مروان : ما تأملني رجل قط ، إلا سألته عن ~~حاجته ، ثم كنت من ورائها . وقال حبيب : عطاؤك لا يفني ويستغرق المنى . . . ~~وتبقى وجوه الراغبين بمائها وقال أيضا : ما ماء كفك إن جادت وإن بخلت . . . ~~من ماء وجهي إذا أفنيته عوض وقالوا : من بذلك إليك وجهه ، فقد وفاك حق ~~نعمته . وقال معاوية لصعصعة بن صوحان : ما الجود ؟ فقال : التبرع بالمال ، ~~والعطاء قبل السؤال . وقال أحمد بن محمد بن عبد ربه : كريم على العلات جزل ~~عطاؤه . . . ينيل وإن لم يعتمد لنوال وما الجود من يعطي إذا ما سألته . . . ~~ولكن من يعطي بغير سؤال PageV03P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" وقال حبيب الطائي : لئن حجدتك ما أوليت من ~~كرم . . . إني لفي اللؤم أمضي منك في الكرم أنسى ابتسامك والألوان كاسفة . ~~. . تبسم الصبح في داج من الظلم رددت رونق وجهي في صفيحته . . . رد الصقال ~~صفاء الصارم الخذم وما أبالي وخير القول أصدقه . . . حقنت لي ماء وجهي أم ~~حقنت دمي ذكر ما قيل في الشجاعة والصبر والإقدام روي عن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أنه قال : " الشجاعة غريزة يضعها الله فيمن يشاء من عباده ~~، إن الله يحب الشجاع ولو على قتل حية " . وقالوا : حد الشجاعة سعة الصدر ~~بالإقدام على الأمور المتلفة . وسئل بعضهم عن الشجاعة فقال : جبلة نفس أبية ~~، قيل له : فما النجدة ؟ قال : ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت ، حتى ~~تحمد بفعلها دون خوف . وقيل لبعضهم : ما الشجاعة ؟ فقال : صبر ساعة . وقال ~~بعض أهل التجارب : الرجال ثلاثة : فارس ، وشجاع ، وبطل ، فالفارس : الذي ~~يشد إذا شدوا ، والشجاع : الداعي إلى البراز والمجيب داعيه ms0582 ، والبطل : ~~الحامي لظهور القوم إذا ولوا . قال يعقوب بن السكيت في كتابالألفاظ : العرب ~~تجعل الشجاعة في أربع طبقات ، تقول : رجل شجاع ، فإذا كان فوق ذلك ، قالوا ~~: بطل ، فإذا كان فوق ذلك ، قالوا : بهمة ، فإذا كان فوق ذلك ، قالوا : ~~اليس . وقال بعض الحكماء : جسم الحرب : الشجاعة ، وقلبها ، التدبير ، ~~ولسانها : المكيدة ، وجناحها : الطاعة ، وقائدها : الرفق ، وسائقها : النصر ~~. قالوا : لما ظفر المهلب بن أبي صفرة بالخوارج ، وجه كعب بن معدان إلى ~~الحجاج ، فسأله عن بني المهلب ، فقال : المغيرة فارسهم وسيدهم ، وكفى بيزيد ~~فارسا شجاعا ، وجوادهم وشيخهم : قبيصة ، ولا يستحي الشجاع أن يفر من مدرك ، ~~وعبد PageV03P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" الملك : سم نافع ، وحبيب : موت زعاف ، ومحمد ~~: ليث غاب ، وكفاك بالمفضل نجدة ، قال : فكيف خلفت جماعة الناس ؟ قال : ~~خلفتهم بخير ، قد أدركوا ما أملوا ، وأمنوا ما خافوا ، قال : فكيف كان بنو ~~المهلب فيهم ؟ قال : كانوا حماة السرج نهارا ، فإذا أليلوا ففرسان البيات ، ~~قال : فأيهم كان أنجد ؟ قال : كانوا كالحلقة المفرغة ، لا يدري أين طرفها ، ~~قال : فكيف كنتم أنتم وعدوكم ؟ قال : كنا إذا أخذنا ، عفونا ، وإذا اجتهدوا ~~، اجتهدنا فيهم ، فقال الحجاج : إن العاقبة للمتقين . وقالوا : أشجع بيت ~~قاله العرب قول العباس بن مرداس السلمي : أشد على الكتيبة لا أبالي . . . ~~أحتفي كان فيها أم سواها وقد مدح الشعراء الشجاعة وأهلها ، وأوسعوا في ذلك ~~، فمن ذلك قول المتنبي : شجاع كأن الحرب عاشقة له . . . إذا زارها فدته ~~بالخيل والرجل وقال أيضا : وكم رجال بلا أرض لكثرتهم . . . تركت جمعهم أرضا ~~بلا رجل ما زال طرفك يجري في دمائهم . . . حتى مشى بك مشى الشارب الثمل ~~وقال العماد الإصفهاني : قوم إذا لبسوا الحديد إلى الوغى . . . لبس الحداد ~~عدوهم في المهر المصدرون الدهم عن ورد الوغى . . . شقرا تجلل بالعجاج ~~الأشهب PageV03P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" وقال أبو الفرج الببغاء : واليوم من غسق ~~العجاجة ليلة . . . والكر يخرق سجفها الممدودا وعلى الصفاح من الكفاح وصدقه ~~. . . ردع أحال بياضها توريدا والطعن يغصب الجياد شياتها . . . والضرب يقدح ~~في التليل وقودا وعلى النفوس من الحمام طلائع . . . والخوف ينشد صبرها ~~المفقودا ms0583 وأجل ما عند الفوارس حثها . . . في طاعة الهرب الجياد القودا حتى ~~إذا ما فارق الرأي الهوى . . . وغدا اليقين على الظنون شهيدا لم يغن غير ~~أبي شجاع والعلا . . . عنه تناجي النصر والتأييدا وقال أيضا وروي البحتري : ~~من كل متسع الأخلاق مبتسم . . . للخطب إن ضاقت الأخلاق والحيل يسعى به ~~البرق إلا أنه فرس . . . في صورة الموت إلا أنه رجل يلقى الرماح بصدر منه ~~ليس له . . . ظهر وهادي جواد ما له كفل وقال البحتري : معشر أمسكت حلومهم ~~الأر . . . ض وكادت لولاهم أن تميدا فإذا الجدب جاء كانوا غيوثا . . . وإذا ~~النقع ثار ثاروا أسودا وكأن الإله قال لهم في ال . . . حرب كونوا حجارة أو ~~حديدا وقال مسلم : لو أن قوما يخلقون منية . . . من بأسم كانوا بني جبريلا ~~قوم إذا حمي الوطيس لديهم . . . جعلوا الجماجم للسيوف مقيلا PageV03P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" وقال آخر : عقبان روع والسروج وكورها . . . ~~وليوث حرب والقنا آجام وبدور تم والشوائك في الوغى . . . هالاتها والسابري ~~غمام جادوا بممنوع التلاد وجودوا . . . ضربا تخد به الطلا والهام وتجاورت ~~أسيافهم وجيادهم . . . فالأرض تمطر والسماء تغام وقال آخر : قوم شراب ~~سيوفهم ورماحهم . . . في كل معترك دم الأشراف رجعت إليهم خيلهم بمعاشر . . ~~. كل لكل جسيم أمر كاف يتجننون إلى لقاء عدوهم . . . كتحنن الألاف للألاف ~~ويباشرون ظبا السيوف بأنفس . . . أمضى وأقطع من ظبا الأسياف وقال ابن حيوس ~~: إن ترد خبر حالهم عن قريب . . . فأتهم يوم نائل أو نزال تلق بيض الوجوه ~~سود مثار ال . . . نقع خضر الأكناف حمر النصال ومما قيل في الصبر والإقدام ~~قال الله عز وجل : " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا ~~الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم واصبروا PageV03P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" إن الله مع الصابرين " . وقال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا ~~لقيتموهم فاثبتوا وأكثروا من ذكر الله وإن جلبوا وضجوا فعليكم بالصمت " . ~~ومن كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه : رب حياة ، سببها التعرض للموت ، ~~ورب منية ms0584 ، سببها طلب الحياة . وقالوا : أجمع كلمة قيلت في الصبر قول بعضهم ~~: الصبر مطية النصر . وقال آخر : الصبر مطية لا تكبو ، وإن عنف عليه الزمان ~~. وقال آخر : الصبر شرية ، تثمر أرية . وقيل للمهلب بن أبي صفرة : إنك ~~لتلقي نفسك في المهالك ، فقال : إن لم آت الموت مسترسلا ، أتاني مستعجلا ، ~~إني لست آتي الموت من حبه ، وإنما آتيه من بغضه ، وتمثل بقول الحصين بن ~~الحمام : تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد . . . لنفسي حياة مثل أن أتقدما وهي ~~قصيدة مشهورة منها : فلسنا على الأعقاب تدمي كلومنا . . . ولكن على أقدامنا ~~تقطر الدما نفلق هاما من كرام أعزة . . . علينا وهم كانوا أعق وأظلما ولما ~~رأينا الصبر قد حيل دونه . . . وإن كان يوما ذا كواكب مظلما صبرنا وكان ~~الصبر منا سجية . . . بأسيافنا يقطعن كفا ومعصما ولما رأيت الود ليس بنافعي ~~. . . عمدت إلى الأمر الذي كان أحزما فلست بمبتاع الحياة بسبة . . . ولا ~~مرتق من خشية الموت سلما وقالت العرب : الشجاعة وقاية ، والجبن مقتلة . ~~وكذلك : إن من يقتل مدبرا ، أكثر ممن يقتل مقبلا . PageV03P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لخالد بن ~~الوليد : احرص على الموت ، توهب لك الحياة . وقالت الحكماء : استقبال الموت ~~، خير من استدباره . وقال العلوي : محرمة أكفال خيلي على القنا . . . ~~ودامية لباتها ونحورها حرام على أرماحنا طعن مدبر . . . وتندق منها في ~~الصدور صدورها وقال أبو تمام : قلوا ولكنهم طابوا فأنجدهم . . . جيش من ~~الصبر لا يحصى له عدد أذا لا رأوا للمناياعارضا لبسوا . . . من اليقين ~~دروعا مالها زرد ناوا عن المصرح الأدنى فليس لهم . . . إلا السيوف على ~~أعدائهم مدد وما زالت العرب يتمادحون بالموت قعصا ، ويتسابون بالموت على ~~الفراش ، ويقولون فيه : مات فلان حتف أنفه ، وأول من قال ذلك رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . ومدح أعرابي قوما فقال : يقتحمون الحرب كأنما . . . ~~يلقونها بنفوس أعدائهم وقال عبد الله بن الزبير لما بلغه قتل أخيه مصعب : ~~إن يقتل فقد قتل أخوه وأبوه وعمه ، إنا والله لا نموت حتفا ولكن قعصا ~~بأطراف الرماح ، وموتا تحت ظلال ms0585 السيوف ، وقال السموءل بن عادياء : وما مات ~~منا سيد في فراشه . . . ولا طل منا حث كان قتيل تسيل على حد الظباة نفوسنا ~~. . . وليست على غير الظباة تسيل PageV03P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" وقال أيضا آخر : وإنا لتستحلي المنايا نفوسنا ~~. . . ونترك أخرى مرة ما نذوقها وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم ~~صفين ، وقد قيل له : أتقائل أهل الشام بالغداة ، وتظهر بالعشي في إزار ~~ورداء ؟ فقال : أبالموت تخوفونني ؟ فوالله ما أبالي ، أسقطت على الموت ، أم ~~سقط الموت علي ، وقال لابنه الحسن : لا تدعون أحدا إلى المبارزة ، وإن دعيت ~~إليها فأجب ، فإن الداعي باغ ، وللباغي مصرع . وقال رضي الله عنه : " بقية ~~السيف أنمي عددا " . يريد أن السيف إذا أسرع في أهل بيت كثر عددهم ونمى . ~~وقال ابن عباس رضي الله عنه : عقمت النساء أن تأتي بمثل علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه ، لعهدي به يوم صفين ، وعلى رأسه عمامة بيضاء ، وهو يقف على ~~شرذمة شرذمة من الناس ، يحضهم على القتال ، حتى انتهى إلي ، وأنا في كنف من ~~الناس ، وفي أغيلمة من بني عبد المطلب ، فقال : يا معشر المسلمين ، تجلببوا ~~السكينة ، وكملوا اللأمة ، وأقلقوا السيوف في الأغماد ، وكافحوا بالظبا ، ~~وصلوا السيوف بالخطا ، فإنكم بعين الله ، ومع ابن عم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، عاودوا الكر ، واستحيوا من الفر ، فإنه عار في الأعقاب ، ~~ونار في الحساب ، وطيبوا على الحياة أنفسا ، وسيروا إلى الموت سيرا سجحا ، ~~ودونكم هذا الرواق الأعظم ، فاصبروا ، فإن الشيطان راكب صعدته ، قدموا ~~للوثبة رجلا ، وأخروا للنكوص أخرى ، فصمدا صمدا ، حتى يبلغ الحق أجله ، ~~والله معكم ، ولن تترككم أعمالكم ، ثم صدر عنا ، وهو يقرأ " قاتلوهم يعذبهم ~~الله بأيديهم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين " . وكان معاوية ~~بن أبي سفيان يتمثل يوم صفين بهذه الأبيات : أبت لي شيمتي وأبي بلائي . . . ~~وأخذي الحمد بالثمن الربيح PageV03P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" وإقدامي على المكروه نفسي . . . وضربي هامة ~~البطل المشيج وقولي كلما جشأت لنفسي . . . مكانك تحمدي أو تستريحي لأدفع عن ~~مآثر صالحات . . . وأحمي بعد عن ms0586 عرض صحيح وقال قطري بن الفجاءة أمير ~~الخوارج : وقولي كلما جشأت لنفسي . . . من الأبطال ويحك لا تراعي فإنك لو ~~سألت بقاء يوم . . . على الأجل الذي لك لم تطاعي فصبرا في مجال الموت صبرا ~~. . . فما نيل الخلود بمستطاع سبيل الموت غاية كل حي . . . وداعية لأهل ~~الأرض داعي وقال عبد الله بن رواحة الأنصاري : يا نفس إن لم تقتلي تموتي . ~~. . إن تسلمي اليوم فلا تفوتي أو تبتلي فطالما عوفيت . . . هذي حياض الموت ~~قد صليت وما تمنيت فقد لقيت . . . إن تفعلي فعلهما هديت وإن توليت فقد شقيت ~~يريد بقوله : فإن تفعلي فعلهما هديت فعل زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ~~رضي الله عنهما ، وكانا قتلا في ذلك اليوم بموته . وكان علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه ، يخرج كل يوم بصفين حتى PageV03P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" يقف بين الصفين وينشد : من أي يومي من الموت ~~أفر . . . يوم لا يقدر أم يوم قدر فيوم لا يقدر لا أرهبه . . . ثم من ~~المقدور لا ينجو الحذر ومثله قول جرير من قصيدة أولها : هاج الفراق لقلبك ~~المهتاج . منها : قل للجبان إذا تأخر سرجه . . . ما أنت من شرك المنية ناجي ~~وقالت امرأة من عبد القيس : أبوا أن يفروا والقنا في نحورهم . . . ولم ~~يبتغوا من خشية الموت سلما ولو أنهم فروا لكانوا أعزة . . . ولكن رأوا صبرا ~~على الموت أكرما وقال حبيب بن أوس الطائي : فأثبت في مستنقع الموت رجله . . ~~. وقال لها من تحت أخمصك الحشر وقد كان فوت الموت سهلا فرده . . . عليه ~~الحفاظ المر والخلق الوعر غدا غدوة والحمد نسج ردائه . . . فلم ينصرف إلا ~~وأكفانه الأجر تردي ثياب الموت حمرا فما أتى . . . لها الليل إلا وهي من ~~سندس خضر وقال : قوم إذا لبسوا الحديد حسبتهم . . . لم يحسبوا أن المنية ~~تخلق انظر بحيث ترى السيوف لوامعا . . . أبدا وفوق رءوسهم تتألق وقال ~~الببغاء : يسعى إلى الموت والقنا قصد . . . وخيله بالرؤوس تنتعل كأنه واثق ~~بأن له . . . عمرا مقيما وما له أجل وقال كعب بن مالك : نصل السيوف إذا ~~قصرن بخطونا . . . قدما ونلحقها ms0587 إذا لم تلحق PageV03P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" ومثله لبعض بني قيس بن ثعلبة : لو كان في ~~الألف منا واحد فدعوا . . . من فارس خالهم إياه يعنونا إذا الكماة تنحوا أن ~~يصيبهم . . . حد الظباة وصلناها بأيدينا ومثله قول الآخر : إذا قصرت ~~أسيافنا كان وصلها . . . خطانا إلى أعدائنا فنقارب ومثله قول وداك بن ثميل ~~المازني : مقاديم وصالون في الورع خطوهم . . . بكل رقيق الشفرتين يماني إذا ~~استنجدوا لم يسألوا من دعاهم . . . لأية حرب أم بأي مكان وقال أبو تمام في ~~سعة الخطو : خطو ترى الصارم الهندي منتصرا . . . به من المازن الخطي منتصفا ~~وقال آخر : كأن سيوفه صيغت عقودا . . . تجول على الترائب والنحور وسمر ~~رماحه جعلت هموما . . . فما يخطرن إلا في ضمير وأجود ما قاله محدث في الصبر ~~قول ابن الرومي : أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب . . . فكيف إذا ما لم يكن ~~عنه مذهب هناك يحق الصبر والصبر واجب . . . وما كان منه كالضرورة أوجب فشد ~~امرؤ بالصبر كفا فإنه . . . له عصمة أسبابها لا تقضب هو المهرب المنجي لمن ~~أحدقت به . . . مكاره دهر ليس منهن مهرب لبوس جمال جنة من شماتة . . . شفاء ~~أسى يثني به ويثوب فيا عجبا للشيء هذي خلاله . . . وتارك ما فيه من الحظ ~~أعجب وقد يتظنى الناس أن أساهم . . . وصبرهم فيهم طباع مركب PageV03P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" فإنهما ليسا كشيء مصرف . . . يصرفه ذو نكبة ~~حين ينكب فإن شاء أن يأسي أطاع له الأسى . . . وإن شاء صبرا جاءه الصبر ~~يجلب وليسا كما ظنوهما بل كلاهما . . . لكل لبيب مستطاع مسبب يصرفه المختار ~~منا فتارة . . . يراد فيأتي أو يزاد فيذهب إذا احتج محتج على النفس لم تكد ~~. . . على قدر يمني لها لتعتب وساعدها الصبر الجميل فأقبلت . . . إليها له ~~طوعا جنائب تجنب وإن هو مناها الأباطيل لم تزل . . . تقاتل بالعتب القضاء ~~وتغلب فيضحي جزوعا إن أصابت مصيبة . . . ويمسي هلوعا إن تعذر مطلب فلا ~~يعذرن التارك الصبر نفسه . . . بأن قيل : إن الصبر لا يتكسب ذكر ما قيل في ~~وفور العقل قال الله تعالى : " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ms0588 أو ألقى ~~السمع وهو شهيد " قال المفسرون : عبر عن العقل بالقلب ، لأنه محله وسكنه ، ~~وقال تعالى : " وليذكر أولو الألباب " ، وقال تعالى : " وما يذكر إلا أولو ~~الألباب " . وقال تعالى : " هل في ذلك قسم لذي حجر " . وروي عن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " أول ما خلق الله العقل ، قال له : أقبل ، ~~فأقبل ، ثم قال له : وعزتي وجلالي ، ما خلقت خلقا أكرم علي منك ، بك آخذ ، ~~وبك أعطي ، وبك أثيب ، وبك أعاقب " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال ~~: " إن الله تعالى قسم العقل على ثلاثة أقسام ، فمن كن فيه كمل عقله ، ومن ~~لم يكن فيه جزء منها ، فلا عقل له " . قيل : يا رسول الله ، ما أجزاء العقل ~~؟ قال : " حسن المعرفة بالله ، وحسن الطاعة لله ، وحسن الصبر على أمر الله ~~" . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ما اكتسب رجل مثل فضل عقل ~~يهدي صاحبه إلى هدى ، ويرده عن ردى ، وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه ، ~~حتى يكمل عقله " . PageV03P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" وعن عمر رضي الله عنه أنه قال لتميم الداري : ~~ما السؤدد فيكم ؟ قال : العقل ، قال : صدقت ، سألت رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) كما سألتك ، فقال كما قلت ، ثم قال : سألت جبريل ما السؤدد ؟ ~~فقال : العقل . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله ، بأي ~~شيء يتفاضل الناس في الدنيا ؟ قال : بالعقل ، قلت : وفي الآخرة ؟ قال ~~بالعقل ، قلت : أليس إنما يجزون بأعمالهم فقال : " يا عائشة ، وهل عملوا ~~إلا بقدر ما أعطاهم الله تعالى من العقل ، فبقدر ما أعطو من العقل كانت ~~أعمالهم ، وبقدر ما عملوا يجزون " . وعن سعيد بن المسيب : أن عمر وأبي بن ~~كعب وأبا هريرة دخلوا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقالوا : يا ~~رسول الله ، من أعلم الناس ؟ قال : العاقل ، قالوا : فمن أعبد الناس ؟ قال ~~: العاقل ، قالوا : فمن أفضل الناس ؟ قال : العاقل ، قالوا : أليس العاقل ~~من طهرت مروءته ، وظهرت فصاحته ، وجادت كفه ، وعظمت منزلته ؟ فقال عليه ~~الصلاة والسلام : " وإن كل ذلك ms0589 لما متاع الحياة الدنيا والأخر عند ربك ~~للمتقين " . إن العاقل هو التقى وإن كان في الدنيا خسيسا دنيا . وورد في ~~الأثر : " أن الله تعالى أنزل على آدم عليه السلام العقل والدين والحياء ، ~~فاختار العقل ، فقيل للدين والحياء : ارتفعا ، قالا ، لا ، قال : أفعصيتما ~~أمر ربكما ؟ قالا : ما عصينا أمر ربنا ، ولكنا أمرنا أن نتبع العقل حيث كان ~~" . وقال لقمان لابنه : إن غاية الشرف والسؤدد في الدنيا والآخرة ، حسن ~~العقل ، لأن العبد إذا حسن عقله ، غطى ذلك عيوبه ، وأصلح مساويه ، ورضي عنه ~~خالقه ، وكفى بالمرء عقلا أن يسلم الناس من شره . وقيل : مكتوب في حكمة آل ~~داود عليه السلام : على العاقل أن يكون عالما بأهل زمانه ، مالكا للسانه ، ~~مقبلا على شأنه . PageV03P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" وقال بعض الحكماء : كل شيء يعز إذا قل ، ~~والعقل كلما كان أكثر كان أعز وأغلى ، ولو بيع ، لما اشتراه إلا العاقل ~~لمعرفته بفضله ، وأول شرف العقل أنه لا يشتري بالمال . قال أبو عطاء السندي ~~: فإن العقل ليس له إذا ما . . . تذكرت الفضائل من كفاء وقالوا : العلم ~~قائد ، والعقل سائق ، والنفس بينهما حرون ، فإذا كان قائد بلا سائق هلكت ، ~~وإن كان سائق بلا قائد أخذت يمينا وشمالا ، فإذا اجتمعا أجابت طوعا أو كرها ~~. ذكر ما قيل في حد العقل وما هيته وما وصف به وقد اختلف الحكماء ، في حد ~~العقل ، فقيل : حده الوقوف عند مقادير الأشياء قولا وفعلا ، وقيل : النظر ~~في العواقب ، وقال المتكلمون : هو اسم لعلوم إذا حصلت للإنسان صح تكليفه . ~~وقيل : العاقل من له رقيب على شهواته ، وقيل : هو من عقل نفسه عن المحارم ، ~~وقال عمرو بن العاص : أن يعرف خير الخيرين ، وشر الشرين . قال أبو هلال : ~~ومن العجب أن العرب تمثلت في جميع الخصال ، بأقوام جعلوهم أعلاما فيها ، ~~فضربوا بها المثل إذا أرادوا المبالغة ، فقالوا : أحلم من الأحنف ، ومن قيس ~~بن عاصم ، وأجود من حاتم ، ومن كعب بن مامة ، وأشجع من بسطام ، وأبي من ~~سحبان ، وأرمي من ابن تقن ، وأعلم من دغفل ، ولم يقولوا : أعقل من ms0590 فلان ، ~~فلعلهم لم يستكملوا عقل أحد ، على حسب ما قال الأعرابي ، وقد قيل له : حد ~~لا العقل ، فقال : كيف أحده ولم أره كاملا في أحد قط . وقيل لحكيم : ما ~~جماع العقل ؟ فقال : ما رأيته مجتمعا في أحد فأصفه ، وما لا يوجد كاملا فلا ~~حد له . وقالوا : لكل شيء غاية وحده ، والعقل لا غاية له ولا حد ، ولكن ~~الناس يتفاوتون فيه كتفاوت الأزهار في الرائحة والطيب . PageV03P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" واختلفوا في ماهية العقل ، كما اختلفوا في ~~حده ، فقال بعضهم : هو نور وضعه الله تعالى طبعا وغريزة في القلب ، كالنور ~~في العين وهو البصر ، فالعقل نور في القلب ، والبصر نور في العين ، وهو ~~ينقص ويزيد ، ويذهب ويعود ، وكما يدرك بالبصر شواهد الأمور ، كذلك يدرك ~~بالعقل كثير من المحجوب والمستور ، وعمى القلب كعمى البصر ، قال تعالى : " ~~فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور " . وعن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ليس الأعمى من عمى بصره ، ولكن من عميت ~~بصيرته " . وقال عبد الله بن عمر بن معاوية عن عمر بن عتبة المعروف بالعتبي ~~: العقل عقلان ، عقل تفرد الله تعالى بصنعه ، وهو الأصل ، وعقل يستفيده ~~المرء بأدبه وهو الفرع ، فاذا اجتمعا ، قوي كل واحد منهما صاحبه ، تقوية ~~النار في الظلمة للبصر . نظم بعض الشعراء هذا اللفظ فقال ، ويروي لعلي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه : رأيت العقل عقلان . . . فمطبوع ومسموع ولا ينفع ~~مسموع . . . إذا لم يك مطبوع كما لا تنفع الشمس . . . وضوء العين ممنوع ~~وأكثر الناس على أن العقل في القلب ، ودليله قوله عز وجل : " أفلم يسيروا ~~في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمي ~~الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور " . وروي عن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أنه قال : " العقل في القلب يفرق به بين الحق والباطل " . وقال ~~بعضهم : هو في الدماغ ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه . وأما ما وصف به فقيل ~~: العقل وزير رشيد ، وظهير سعيد ، من عصاه أرداه ، ومن ms0591 أعطاه أنجاه . وقال ~~سعيد بن جبير : لم تر عيناي أجل من فضل عقل يتردى به الرجل إن انكسر جبره ، ~~وإن تصدع أنعشه ، وإن ذل أعزه ، وإن اعوج أقامه ، وإن عثر اقاله ، وإن ~~افتقر أغناه ، وإن عرى كساه ، وإن غوى أرشده وإن خاف أمنه ، وإن حزن أفرحه ~~، PageV03P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" وإن تكلم صدقه ، وإن أقام بين أظهر قوم ~~اغتبطوا به ، وإن غاب عنهم أسفوا عليه ، وإن بسط يده قالوا : وإن قبضها ~~قالوا : مقتصد ، وإن أشار قالوا : عالم ، وإن صام قالوا : مجتهد ، وإن أفطر ~~قالوا : معذور . قال بعض الشعراء : يعد رفيع القوم من كان عاقلا . . . وإن ~~لم يكن في قومه بحسيب وإن حل أرضا عاش فيها بعقله . . . وما عاقل في بلدة ~~بغريب وقال بعض الحكماء : إذا غلب العقل الهوى ، صرف المساويء إلى المحاسن ~~، فجعل البلادة حلما ، والحدة ذكاء ، والمكر فطنة ، والهذر بلاغة ، والعي ~~صمتا ، والعقوبة أدبا ، والجبن حذرا ، والإسراف جودا . وقيل : لو صور العقل ~~، لأضاء معه الليل ، ولو صور الجهل ، لأظلم معه النهار ، قال المتنبي : ~~لولا العقول لكان أدنى ضيغم . . . أدنى إلى شرف من الإنسان وقد ندب إلى ~~صحبة العقلاء : قال الزهري : إذا أنكرت عقلك ، فاقدحه بعاقل . قال ابن ~~زرارة : جالس العقلاء أعداء كانوا أم أصدقاء ، فإن العقل يقع على العقل . ~~قال بعض الشعراء : عدوك ذو العقل أبقى عليك . . . وأبقى من الوامق الأحمق ~~وقال آخر : لله در العقل من راشد . . . وصاحب في اليسر والعسر وحاكم يقضي ~~على غائب . . . قضية الشاهد للأمر وإن شيئا بعض أحواله . . . أن يفصل الخير ~~من الشر له قوى قد خصه ربه . . . بخالص التقديس والطهر وقال آخر : إذا لم ~~يكن للمرء عقل فإنه . . . وإن ان ذا قدر على الناس هين وإن كان ذا عقل أجل ~~لعقله . . . وأفضل عقل عقل من يتبين PageV03P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" وقال آخر : العقل حلة فجر من تسربلها . . . ~~كانت له نشبا يغني عن النشب وأفضل العقل ما في الناس كلهم . . . بالعقل ~~ينجو الفتى من حومة العطب وقال ابن دريد : وأفضل قسم الله للمرء عقله . . . ~~فليس من ms0592 الخيرات شيء يقاربه فزين الفتى في الناس صحة عقله . . . وإن كان ~~محظورا عليه مكاسبه ويزري به في الناس قلة عقله . . . وإن كرمت أعراقه ~~ومناسبه إذا أكمل الرحمن للمرء عقله . . . فقد كملت أخلاقه ومآربه وقال آخر ~~: ما وهب الله لامريء هبة . . . أشرف من عقله ومن أدبه هما جمال الفتى فإن ~~عدما . . . فإن فقد الحياة أنفع به وقال آخر : ولم أر مثل الفقر أوضع للفتى ~~. . . ولم أر مثل المال أرفع للنذل ولم أر من عدم أضر على الفتى . . . إذا ~~عاش بين الناس من عدم العقل ذكر ما قيل في الصدق قال الله عز وجل مبشرا ~~للصادقين : " هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتا الأنهار ~~خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم " . وقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " تحروا الصدق ، فإن الصدق يهدي إلى البر ، ~~والبر يهيد إلى الجنة ، وإن المرء ليتحرى الصدق ، حتى يكتب صديقا " . وعن ~~عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال : جاء رجل إلى النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وقال : يا رسول الله ، ما عمل أهل الجنة ؟ قال : الصدق ، إذا ~~صدق العبد بر ، وإذا بر أمن ، وإذا أمن دخل الجنة . قال : يا رسول الله ما ~~عمل أهل النار ؟ قال : الكذب ، إذا كذب العبد فجر ، وإذا فجر كفر ، وإذا ~~كفر دخل النار . PageV03P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" وعن عائشة رضي الله عنها قالت : سألت رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، بم يعرف المؤمن ؟ قال : بوقاره ، ولين كلامه ~~، وصدق حديثه . ومن كلام علي رضي الله عنه : " الإيمان أن تؤثر الصدق حيث ~~يضرك ، على الكذب حيث ينفعك " . وقال بعض الحكماء : الصدق أزين حلية ، ~~والمعروف أربح تجارة ، والشكر أدوم نعمة ، وقال بعضهم : رأيت أرسطالطليس في ~~المنام ، فقلت : أي الكلام أحسن ؟ فقال : ما صدق قائله ، قلت : ثم ماذا ؟ ~~قال : ما استحسنه سامعه ، قلت : ثم ماذا ؟ قال : كل كلام جاوز هذا فهو ~~ونهيق الحمار بمنزلة . وقال الأحنف لابنه : يا بني ، يكفيك من شرف الصدق ، ~~أن الصادق يقبل قوله ms0593 في عدوهن ومن دناءة الكذب ، أن الكاذب لا يقبل قوله في ~~صديقه ولا عدوه ، لكل شيء حلية ، وحلية المنطق الصدق يدل على اعتدال وزن ~~العقل . قال عامر بن الظرب العدواني في وصيته : إني وجدت صدق الحديث طرفا ~~من الغيب فاصدقوا ، من لزم الصدق وعوده لسانه ، فلا يكاد يتكلم بشيء يظنه ~~إلا جاء على ظنه . وقالوا : ما السيف الصارم . في كف الشجاع ، بأعز من ~~الصدق . وقيل : مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، بعجوز تبيع اللبن ، فقال ~~لها : يا عجوز ، لا تغشي المسلمين ، ولا تشوبي لبنك بالماء ، قالت : نعم يا ~~أمير المؤمنين ، ثم مر بها بعد ذل ، فقال يا عجوز ، ألم أعهد إليك أن لا ~~تشوبي لبنك بالماء ؟ فقالت : والله ما فعلت يا أمير المؤمنين ، فتكلمت بنت ~~لها من داخل الخباء ، فقالت : يا أماهن أغشا وحنثا جمعت على نفسك ؟ فسمعها ~~عمر فأعجبته ، فقال لولده : أيكم يتزوجها ؟ فلعل الله أن يخرج منها نسمة ~~طيبة ، فقال ابنه عاصم : أنا أتزوجها يا أمير المؤمنين ، فزوجها منه ، ~~فأولدها أم عاصم ، تزوجها عبد العزيز بن مروان فأولدها عمر ابن عبد العزيز ~~. PageV03P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" وروي أن بلالا لم يكذب منذ أسلم ، فبلغ ذلك ~~بعض من يحسده ، فقال : اليوم أكذبه فسايره ، فقال له : يا بلال ما سن فرسك ~~؟ قال عظم ، قال : فما جريه ؟ قال : يحضر ما استطاع ، قال : فأين تنزل ؟ ~~قال : حيث أضع قدمي ، قال : ابن من أنت قال ابن أبي وأمي ، قال : فكم أتي ~~عليك ؟ قال : ليال وأيام ، الله أعلم بعدها ، قال : هيهات ، أعيت فيك حيلتي ~~، ما اتعب بعد اليوم أبدا . ذكر ما قيل في الوفاء والمحافظة والأمانة قال ~~الله عز وجل : " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا " . وقال تعالى : " ~~وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم " . وقال تعالى : " إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها " . وقال تعالى : " والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون . ~~وروي : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال لأبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه : " عليك بصدق الحديث ووفاء العهد ، وحفظ الأمانة ، فإنها وصية ~~الأنبياء ms0594 " . كان أبو العاص بن الربيع بن عبد العزي بن عبد شمس ، ختن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) على ابنته زينت ، تاجرا تضار به قريش بأموالهم ~~، فخرج إلى الشام سنة الهجرة ، فلما قدم ، عرض له المسلمون ، وأسروه ، ~~وأخذوا ما معه ، وقدموا به المدينة ليلا ، فلما وصلوا الفجر ، قامت زينت ~~على باب المسجد ، فقالت : يا رسول الله ، قد أجرت أبا العاص وما معه ، فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : قد أجرنا من أجرت ودفع إليه ما أخذوه ~~منه ، وعرض عليه الإسلام ، فأبى ، وخرج إلى مكة ، ودعا قريشا ، فأطعمهم ، ~~ثم دفع إليهم أموالهم ، ثم قال : هل وفيت ؟ قالوا : نعم ، قد أديت الأمانة ~~ووفيت ، قال : اشهدوا جميعا ، إني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا ~~رسول الله ، وما منعني أن أسلم إلا أن يقولوا : أخذ أموالنا ، ثم هاجر ، ~~فأقره رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على النكاح ، وتوفي في سنة اثنتي ~~عشرة . وقيل لما قوي أمر بني العباس وظهر ، قال مروان بن محمد لعبد الحميد ~~بن يحيى كاتبه : إنا نجد في الكتب ، أن هذا الأمر زائل عنا لا محالة ، ~~PageV03P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" وسيظهر إليك هؤلاء القوم ، يعني ولد العباس ، ~~فصر إليهم ، فإني لأرجو أن تتمكن منهم ، فتنفعني في مخلفي ، وفي كثير من ~~أموري ، فقال : وكيف لي بعلم الناس جميعا أن هذا عن رأيك ، وكلهم يقول : ~~إني غدرت بك ، وصرت إلى عدوك ؟ وأنشد : أسر وفاء ثم أظهر غدرة . . . فمن لي ~~بعذر يوسع الناس ظاهره ثم قال : ولؤم ظاهر لا شك فيه . . . للائمة وعذري ~~بالمعيب فلما سمع مروان ذلك ، علم أنه لا يفعل ، ثم قال له عبد الحميد : إن ~~الذي أمرتني به ، لأنفع الأمرين لك ، وأقبحهما بي ، ولك على الصبر معك ، ~~إلى أن يفتح الله عليك ، أو أقتل معك . والعر تضرب المثل في الوفاء ~~بالسموءل بن عادياء الأزدي ، وقيل : إنه من ولد الكاهن بن هارون بن عمران ، ~~وكان من خبره ، أن امرأ القيس بن حجر ، أودعه أدراعا مائة ، فأتاه الحارث ~~بن ظالم ، ويقال ms0595 الحارث بن أبي شمر الغساني ، ليأخذها منه ، فتحصن منه ~~السموءل ، فأخذ ابنا له غلاما وناداه : إما أن أسلمت إلى الأدرع ، وإما أن ~~قتلت ابنك ، فأبى أن يسلمها ، فقتل ابنه بالسيف ، ففي ذلك يقول : وفيت ~~بأدرع الكندي إني . . . إذا ما القوم قد غدروا وفيت وأوصي عاديا يوما بأن ~~لا . . . تهدم يا سموءل ما بنيت وفيه يقول الأعشى : كن كالسموءل إذ طاف ~~الهمام به . . . في جحفل كسواد الليل جرار الأبلق الفرد من تيماء منزله . . ~~. حصن حصين وجار غير غدار قد سامه خطتي خسف فقال له . . . قل ما بدا لك إني ~~سامع حار فقال : ثكل وغدر أنت بينهما . . . فاختر وما فيهما حظ لمختار فحار ~~غير طويل ثم قال له . . . أقتل أسيرك إني مانع جاري PageV03P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" ومن وفاء العرب ، ما فعله هانيء بن مسعود ~~الشيباني ، حتى جر ذلك يوم ذي قار ، وكان من خبره : أن النعمان بن المنذر ~~لما خاف كسرى ، وعلم أنه لا منجأ منه ولا ملجأ ، رأى أن يضع يده في يده ، ~~فأودع ماله وأهله عند هانيء ، ثم أتى كسرى فقتله ، وأرسل إلى هانيء يطالبه ~~بوديعة النعمان ، وقال له : إن النعمان كان عاملي ، فابعث إلي بوديعته ، ~~وإلا بعثت إليك بجنود تقتل المقاتلة وتسبي الذرية ، فبعث إليه هانيء : إن ~~الذي بلغك باطل ، وإن يكن الأمر كما قيل ، فأنا أحد رجلين ، إما رجل استودع ~~أمانة ، فهو حقيق أن يردها على من استودعه إياها ، ولن يسلم الحر أمانته ، ~~أو رجل مكذوب عليه ، وليس ينبغي للملك أن يأخذه بقول عدو ، فبعث كسرى إليه ~~الجنود ، وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب ، وبعث معه الكتيبة الشهباء ~~والأساورة ، فلما التقوا ، قام هانيء بن مسعود ، وحرض قومه على القتال ، ~~وجرى بينهم حروب كثيرة ليس هذا موضع ذكرها ، وسنذكرها إن شاء الله في وقائع ~~العرب ، فانتصر هانيء وانهزمت الفرس ، وكانت وقعة مشهورة ، قيل : وكان ~~مرداس في سجن عبيد الله بن زياد بن أبيه ، فقال له السبحان : أنا أحب أن ~~أوليك حسنة ، قال : فإن أذنت لك في الانصراف إلى ms0596 دارك أفتدلج علي ؟ قال : ~~نعم ، فكان يفعل ذلك به ، فلما كان ذات يوم ، قتل بعض الخوارج صاحب شرطة ~~ابن زياد ، فأمر أن يتقل من في السجن من الخوارج ، وكان مرداس إذ ذاك خارجا ~~، فقال له أهله : اتق الله في نفسك ، فإنك مقتول إن رجعت ، فقال : ما كنت ~~لألقى الله غادرا ، وهذا جبار ، ولا آمن أن يقتل السجان ، فرجع وقال للسجان ~~: قد بلغني ما عزم صاحبك عليه من قتل أصحابنا ، فبادرت لئلا يلحقك منه ~~مكروه ، فقال له السجان : خذ أي طريق شئت ، فانج بنفسك . خرج سليمان بن عبد ~~الملك ومعه يزيد بن المهلب إلى بعض جبابين الشام ، وإذا بامرأة جالسة عند ~~قبر تبكي ، فجاء سليمان ينظر إليها ، فقال لها يزيد ، وقد عجب PageV03P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" سليمان من حسنها : يا أمة الله ، هل لك في ~~أمير المؤمنين ؟ فنظرت إليهما ، ثم نظرت إلى القبر ، وقالت : فإن تسألاني ~~عن هواي فإنه . . . بحوماء هذا القبر يا فتيان وإني لأستحييه والترب بيننا ~~. . . كما كنت أستحييه وهو يراني ومن أحسن الوفاء ، ما حكي عن نائلة بنت ~~القرافصة زوج عثمان بن عفان رضي الله عنه : أن معاوية خطبها فردته ، وقالت ~~: ما يعجب الرجال مني ؟ قالوا : ثناياها فكسرت ثناياها ، وبعثت بها إلى ~~معاوية ، فكان ذلك مما يرغب قريشا في نكاح نساء كلب . وامرأة هدية لما قتل ~~زوجها ، قطعت أنفها وشفتيها ، وكانت جميلة الوجه ، لئلا يرغب فيها . وحيث ~~ذكرنا الوفاء والمحافظة ، فلنذكر بيعة خليفة ويمين ، ذكرها بعض أهل الأدب ~~في تصنيفه ، وهي : تبايع عبد الله الإمام أمير المؤمنين ، بيعة طوع وإيثار ~~ورضا واختيار واعتقاد وإضمار وإعلان وإسرار وإخلاص من طويتك وصدق من نيتك ، ~~وانشراح من صدرك ، وصحة من عزيمتك ، طائعا غير مكره ، ومنقادا غير مجبر ، ~~مقرا بفضلها ، مذعنا بحقها ، ومعترفا ببركتها ، ومعتدا بحسن عائدتها ، ~~وعالما بما فيها ، وفي توكيدها من صلاح الكافة ، واجتماع كلمة الخاصة ~~والعامة ، ولم الشعث ، وأمن العواقب ، وسكون الدهماء ، وعز الأولياء ، وقمع ~~الأعداء ، على أن فلانا عبد الله وخليفته المفترض عليك طاعته ، الواجب على ~~الأمة إمامته وولايته ms0597 ، اللازم لهم القيام بحقه ، والوفاء بعهده ، لا تشك ~~فيه ، ولا ترتاب به ، ولا تداهن من أمره ، ولا تميل ، ولكنك ولي أوليائه ، ~~وعدو أعدائه ، من خاص وعام ، وقريب وبعيد ، وحاضر وغائب ، متمسك في بيعته ~~بوفاء العهد ، وذمة العقد ، سريرتك مثل علانيتك ، وضميرك فيه وفق ظاهرك ، ~~على أن إعطاءك هذه البيعة من نفسك ، وتوكيدك إياه في عنقك ، لفلان أمير ~~المؤمنين ، على سلامة من قلبك ، واستقامة من عزمك ، واستمرار من هواك ورأيك ~~، على أن لا تتأول عليه فيها ، ولا تسعى في نقض شيء منها ، ولا تعقد عن ~~نصرة له في الرخاء والشدة ، ولا تدع النصح له في PageV03P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" كل حالة راهنة وحادثة ، حتى تلقى الله موفيا ~~بها ، مؤديا للأمانة فيها ، إذ كان الذين يبايعون ولاة الأمر وخلفاء الله ~~في الأرض : " إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه " عليك بهذه البيعة التي طوقتها عنقك ، وبسطت لها يديك ، وأعطيت ما ~~شرط عليك فيها ، من وفاء ، ونصح ، وموالاة ، ومشايعة ، وطاعة ، وموافقة ، ~~واجتهاد ، ومبالغة ، عهد الله إن عهده كان مسئولا ، وما أخذ الله على ~~أنبيائه ، ورسله عليهم السلام ، وعلى من أخذ من عباده من وكدات مواثيقه ، ~~ومحكمات عهوده ، وعلى أن تتمسك بها ، فلا تبدل ، وتستقيم ، فلا تميل ، وإن ~~نكثت هذه البيعة ، وبدلت شرطا من شروطها ، أو عفيت رسما من رسومها ، أو ~~غيرت حكما من أحكمها ، معلنا أو مسرا ، محتالا أو متأولا ، أو زغت عن ~~السبيل التي يسلكها من لا يحتقر الأمانة ، ولا يستحل الغدر والخيانة ، ولا ~~يستجيز حل العقود والعهود فكل ما تملكه من عين أو ورق ، أو آنية أو عقار أو ~~سائمة أو زرع أو ضرع أو غير ذلك من صنوف الأملاك المعتقدة ، والأموال ~~المدخرة ، صدقة على المساكين ، يحرم عليك أن ترجع شيئا من ذلك إلى مالك ، ~~بحيلة من الحيل ، على وجه من الوجوه ، أو سبب من الأسباب ، أو مخرج من ~~مخارج الإيمان ، فكل ما تفيده عمرك من مال يقل خطره أو يجل فتلك سبيله إلى ~~أن لتوفاك ms0598 منيتك ، أو يأتيك أجلك ، وكل مملوك لك اليوم من ذكر وأنثى أو ~~تملكه إلى آخر أيامك أحرار سائبون لوجه الله تعالى ، ونساؤك يوم يلزمك ~~الحنث وما تتروح بعدهن مدة بقائك طوالق ثلاثا ، طلاق الحرج والسنة لا ~~مثنوية فيها ولا رجعة ، وعليك المشي إلى بيت الله الحرام ، ثلاثين حجة ~~حافيا راجلا ، لا يرضى الله منك إلا بالوفاء بها ، ولا يقبل الله صرفا ولا ~~عدلا ، وخذلك يوم تحتاج إليه ، وبرأك من حوله وقوته ، وألجأك إلى حولك ~~وقوتك والله عز وجل بذلك شهيد " وكفى بالله شهيدا " والله على ما تقول وكيل ~~. ذكر ما قيل في التواضع قال الله تبارك وتعالى : " أذلة على المؤمنين " . ~~وقال الله تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) : " واختفض جناحك للمؤمنين " ~~. وقال قتادة في تفسير قوله تعالى : " وبشر المخبتين " قال : هم المتواضعون ~~. وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يأكل على الأرض متواضعا . ~~PageV03P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" وقال أنس بن مالك : كان رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يعود المريض ويتبع الجنائز ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار ، ~~ولقد رأيته يوم حنين على حمار ، خطامه ليف . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" إن العفو لا يزيد البعد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله ، وإن التواضع لا يزيد ~~العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله ، وإن الصدقة لا تزيد المال إلا نماء ~~فتصدقوا يزدكم الله " . وقال عروة ابن الزبير : التواضع أحد مصايد الشرف ، ~~وفي لفظ " سلم الشرف " . وقال جعفر بن محمد : رأس الخير التواضع ، فقيل له ~~: وما التواضع ؟ فقال : أن ترضى من المجلس بدون شرفك وأن تسلم على من لقيت ~~، وأن تترك المراء وإن كنت محقا . وعن علي رضي الله عنه ولم يذكر المراء ~~فيه وزاد فيه : وتكره الرياء والسمعة . وقيل : ثمرة القناعة الراحة ، وثمرة ~~التواضع المحبة ، وقيل : التواضع نعمة لا يفطن لها الحاسد ، وقيل : التواضع ~~كالوهدة يجتمع فيها قطرها وقطر غيرها . وقال عبد الله بن المعتز : متواضع ~~العلماء أكثرهم علما ، كما أن المكان المنخفض أكثر الأماكن ماء . وكان يحيى ~~بن خالد يقول : لست أرى أحدا ms0599 تواضع في إمارة إلا وهو في نفسه أكبر مما نال ~~من سلطانه . ومن التواضع المأثور ما روي : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~مر ويده على المعلى بن الجارود فلقيته امرأة من قريش ، فقالت له : يا عمر ، ~~فوقف لها ، فقالت له : كنا نعرفك مرة عميرا ثم صرت بعد عمير عمر ثم صرت بعد ~~عمر أمير المؤمنين فاتق الله يا بن الخطاب ، فانظر في أمور الناس ، فإنه من ~~خاف الوعيد ، قرب عليه البعيد ، ومن خاف الموت ، خشي الفوت ، فقال لها ~~المعلى ، إيها ، إليك يا أمة الله لقد أبكيت أمير المؤمنين ، فقال له عمر ~~أتدري من هذه ؟ ويحك هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من سمائه ، ~~فعمر أحرى أن يسمع قولها ويقتدي به . وقال PageV03P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" عدي بن أرطاة لإياس بن معاوية : إنك لسريع ~~المشية ، قال : ذلك أبعد من الكبر وأسرع من الحاجة . وقال عمر رضي الله عنه ~~وقد قيل له مثل هذا : أنجح للحاجة وأبعد من الكبر . أما سمعت قوله عز وجل ؟ ~~واقصد في مشيك واغضض من صوتك . وقد مدح الشعراء أهل التواضع ، فمن ذلك قول ~~أبي تمام حبيب : متبذل في القوم وهو مبجل . . . متواضع في الحي وهو معظم ~~وقال آخر : متواضع والنبل يحرس قدره . . . وأخو النباهة بالنباهة ينبل وقال ~~البحتري : دنوت تواضعا وعلوت مجدا . . . فشأناك انحدار وارتفاع كذلك الشمس ~~تبعد أن تسامي . . . ويدنو الضوء منها والشعاع وقال أبو محمد التيمي : ~~تواضع لما زاده الله رفعة . . . وكل رفيع قدره متواضع وقال آخر : دنوت ~~تواضعا وعلوت قدرا . . . ففيك تواضع وعلو شان ذكر ما قيل في القناعة ~~والنزاهة جاء في تفسير قوله تعالى : " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن فلنحيينه حياة طيبة " أن المراد بالحياة الطيبة : القناعة . ~~PageV03P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~القناعة مال لا ينفد " . وقال عليه السلام : " ما عال من افتصد " . ومن ~~كلام على رضي الله عنه : كفى بالقناعة ملكا ، وبحسن الخلق نعيما . وقال ~~جعفر بن محمد : ثمرة القناعة ms0600 الراحة . وقال علي بن موسى : القناعة تجمع إلى ~~صيانة النفس ، وعز القدرة طرح مؤونة الاستكثار والتعبد لأهل الدنيا ، ولا ~~ملك طريق القناعة إلا رجلان ، إما متقلل يريد أجر الآخرة ، أو كريم يتنزه ~~عن آثام الدنيا . وقال الراضي : القانع يعيش آمنا مطمئنا مستريحا مريحا ، ~~والشره لا يعيش إلا تعبا نصبا في خوف وأذى . وقال بعض الحكماء : عز النزاهة ~~أحب إلي من فرح الفائدة ، والصبر على العسرة أحب إلي من احتمال المنة . ~~وقال أبو ذؤيب الهذلي : والنفس راغبة إذا رغبتها . . . وإذا ترد إلى قليل ~~تقنع وقال سالم بن وامضة : غنى النفس ما يكفيك في سد فاقة . . . فإن زاد ~~شيئا عاد ذاك الغنى فقرا وقال أبو هلال العسكري : ألا إن القناعة خير مال . ~~. . لذي كرم يروح بغير مال وإن يصبر فإن الصبر أولى . . . بمن عثرت به نوب ~~الليالي تجمل إن بليت بسوء حال . . . فإن من التجمل حسن حال ذكر ما قيل في ~~الشكر والثناء قال الله تبارك وتعالى : " وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ~~" فالشكر مما يوجب الزيادة . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لا يزهدك ~~في المعروف من لا يشكرك عليه ، فقد يشكرك عليه من لا يستمتع بشيء منه ، وقد ~~يدرك من شكر الشاكر ، أكثر مما أضاع الكافر ، " والله يحب المحسنين " . ~~PageV03P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" ومما تعزيه الفرس إلى إسفنديار : الشكر أفضل ~~من النعمة لأنه يبقى وتلك تفنى . وقال موسى بن جعفر : المعروف لا يفكه إلا ~~المكأفاة أو الشكر ، وقال : قلة الشكر تزهد في اصطناع المعروف . وقيل : إذا ~~قصرت يدك عن المكأفاة ، فليطل لسانك بالشكر . وقيل : للشكر ثلاث منازل : ~~ضمير القلب ، ونشر اللسان ، ومكأفاة اليد . قال الشاعر : أفادتكما النعماء ~~مني ثلاثة . . . يدي ولساني والضمير المحجبا وقال يحيى بن زياد الحارثي بن ~~كعب : حلفت برب العيس تهوي بركبها . . . إلى حرم ما عنه للناس معدل لما ~~يبلغ الإنعام في النفع غاية . . . على المرء إلا مبلغ الشكر أفضل ولا بلغت ~~أيدي المنيلين بسطة . . . من الطول إلا بسطة الشكر أطول ولا ثقلت في الوزن ~~أعباء ms0601 منة . . . على المرء إلا منة الشكر أثقل فمن شكر المعروف يوما فقد ~~أتى . . . أخا العرف من حسن المكأفاة من عل وقال رجل من غطفان : الشكر أفضل ~~ما حاولت ملتمسا . . . به الزيادة عند الله والناس وقال أبو بجيلة : شكرتك ~~إن الشكر حبل من التقي . . . وما كل من أوليته نعمة يقضي ونبهت لي ذكرى وما ~~كان خاملا . . . ولكن بعض الذكر أنبه من بعض وقال آخر : سأشكر عمرا ما ~~تراخت منيتي . . . أيادي لم تمنن وإن هي جلت فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ~~. . . ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت رأى خلتي من حيث يخفي مكانها . . . ~~فكانت قذى عينيه حتى تجلت وقال أبو تمام : كم نعمة منك تسربلتها . . . ~~كأنها طرة برد قشيب من اللواتي إن ونى شاكر . . . قامت لمسديها مقام الخطيب ~~PageV03P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" وقال أبو عيينة بن محمد بن أبي عتبة المهلبي ~~: ياذا اليمينين قد أوليتني مننا . . . تترى هي الغاية القصوى من المنن ~~ولست أسطيع من شكر أجيء به . . . إلا استطاعة ذي جسم وذي بدن لو كنت اعرف ~~فوق الشكر منزلة . . . أوفى من الشكر عند الله في الثمن أخلصتها لك من قلبي ~~مهذبة . . . حذوا على مثل ما أوليت من حسن قالوا وأجود ما قيل في عظم ~~النعمة وقصور الشكر من قديم الشعر قول طريح ابن إسماعيل : سعيت ابتغاء ~~الشكر فيما صنعت لي . . . فقصرت مغلوبا وإني لشاكر لأنك توليني الجميل ~~بداهة . . . وأنت لما استكثرت من ذاك حاقر فأرجع مغبوطا وترجع بالتي . . . ~~لها أول في المكرمات وآخر وقال دعبل : هجرتك لا عن جفوة وملالة . . . ولا ~~لقلي أبطأت عنك أبا بكر ولكنني لما رأيتك راغبا . . . فأفرطت في بري عجزت ~~عن الشكر فملآن لا آتيك إلا تعذرا . . . أزورك في الشهرين يوما وفي الشهر ~~وقال البحتري : هاتيك أخلاق إسماعيل في تعب . . . من العلا والعلا منهن في ~~تعب أبث شكري فأمسى منك في نصب . . . أقصر فمالي في جدواك من أرب لا أقبل ~~الدهر نيلا لا يقول له . . . شكري ولو كان يسديه إلي أبى لما سألتك وافاني ~~نداك علي . . . أضعاف ms0602 شكري فلم أظفر ولم أخب وقال أيضا : إني هجرتك إذ ~~هجرتك وحشة . . . لا العود يذهبهما ولا الإبداء أخجلتني بندي يديك فسودت . ~~. . ما بيننا تلك اليد البيضاء وقطعتني بالجود حتى إنني . . . متخوف أن لا ~~يكون لقاء PageV03P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" صلة غدت للناس وهي قطيعة . . . عجبا وبر راح ~~وهو جفاء ليواصلنك ركب شعر سائر . . . يرويه فيك لحسنه الأعداء حتى يتم لك ~~الثناء مخلدا . . . أبدا كما تمت لك النعماء فتظل تحسدك الملوك الصيد بي . ~~. . وتظل تحسدني بك الشعراء وقال الحسن بن هانيء : قد قلت للعباس معتذرا . ~~. . من عظم شكريه ومعترفا أنت امرؤ جللتني نعما . . . أوهت قوى شكري فقد ~~ضعفا لا تسدين إلي عارفة . . . حتى أقوم بشكرها سلفاد وقال الحسين بن ~~الضحاك للواثق من أبيات : إذا كنت من جدواك في كل نعمة . . . فلا كنت إن لم ~~أفن عمري بشكركا وقال البحتري : إذا أنا لم أشكر لنعماك جاهدا . . . فلا ~~نلت نعمي بعدها توجب الشكرا وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر : إني ~~لشاكر أمسه ووليه . . . في يوه ومؤمل عنه غدا وقال آخر : وكيف أنساك لا ~~نعماك واحدة . . . عندي ولا بالذي أوليت من قدم وقال عبد الأعلى بن حماد : ~~دخلن على المتوكل ، فقال لي : قد هممنا أن نصلك ، فتدافعت الأمور ، فقلت : ~~يا أمير المؤمنين ، قد بلغني عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال : من لم يشكر ~~للهمة ، لم يشكر للنعمة ، وأنشدته قول الباهلي : لأشكرنك معروفا هممت به . ~~. . إن اهتمامك بالمعروف معروف ولا ألومك إن لم يمضه قدر . . . فالشيء ~~بالقدر المحتوم مصروف وقال ابن الرومي : كم من يد بيضاء قد أسديتها . . . ~~تثني إليك عنان كل وداد شكر الإله صنائعا أوليتها . . . سلكت مع الأرواح في ~~الأجساد PageV03P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" وقال آخر : وأحسن ما قال امرؤ فيك مدحة . . . ~~تلاقت عليها منة وقبول وشكر كأن الشمس تعني بنشره . . . ففي كل أرض مخبر ~~ورسول ومن كلام الحسن بن وهب : من شكر الله على درجة رفعته إليها ، أو ثروة ~~أفدته إياها ، فإن شكري لك على مهجة أحييتها ، وحشاشة أبقيتها ، ورمق ~~أمسكته ms0603 ، وقمت بين التلف وبينه ، ولكل نعمة من نعم الدنيا حد ينتهي إليه ، ~~ومدى توقف عليه ، وغاية من الشكر يسمو إليها الطرف ، خلا هذه النعمة التي ~~فاتت الوصف ، وطالت الشكر ، وتجاوزت كل قدر ، وأتت من وراء كل غاية ، وردت ~~عنا كيد العدو ، وأرغمت أنف الحسود ، نلجأ منها إلى ظل ظليل ، وكنف كريم ، ~~فكيف يشكر الشاكر ، وأين يبلغ جهد المجهود . وقال الشريف الرضى : ألبستني ~~نعما على نعم . . . وفعت لي علما على علم وعلوت بي حتى مشيت على . . . بسط ~~من الأعناق والقمم فلأشكرن يديك ما شكرت . . . خضر الرياض مصانع الديم ~~فالحمد يبقى ذكر كل فتى . . . ويبين قدر مواقع الكرك والشكر مهر للصنيعة إن ~~. . . طلبت مهور عقائل النعم وقال أبو الحسن الكاتب المغربي : سأشكر نعماك ~~التي انبسطت بها . . . يدي ولساني فهو بالمجد ينطق وأثني بما أوليتني من ~~صنيعة . . . ومن منة تغدو على وتطرق وكل امريء يرجو نداك موفق . . . وكل ~~امريء عليك مصدق وقال ابن رشيق القيرواني : خذ ثناء عليك غب الأيادي . . . ~~كثناء الربى على الأمطار سقط الشكر وهو موجب نعما . . . ك سقوط الأنواء ~~بالأثمار PageV03P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" ومن المنعمين من رأى أن الشكر بإظهار النعمة ~~، أبلغ منه بالنطق باللسان ، وعاقب على ذلك بالحرمان . فمن ذلك ما رواه أبو ~~هلال العسكري يسنده إلى العتبي قال : أراد جعفر بن يحيى حاجة كان طريقه ~~إليها على باب الأصمعي ، فدفع إلى خادم له كيسا فيه ألف دينار وقال : إني ~~سأنزل في رجعتي إلى الأصمعي ، ثم سيحدثني ويضحكني ، فإذا ضحكت ، فضع الكيس ~~بين يديه ، فلما رجع ، ودخل إليه ، رأى حبا مكسور الرأس ، وجرة مكسورة ~~العنق ، وقصعة مشعبة ، وجفنة أعشارا ، ورآه على مصلى بال ، وعليه برنكان ~~أجرد ، فغمز غلامه أن لا يضع الكيس بين يديه ، فلم يدع الأصمعي شيئا مما ~~يضحك الثكلان والغضبان إلا أورده فلم يتبسم ، ثم خرج ، فقال لرجل يسايره : ~~من استرعى الذئب ظلم ، ومن زرع السبخة حصد الفقر ، إني والله لما علمت أن ~~هذا يكتم المعروف بالفعل ، ما حلفت بنشره له باللسان ، وأين يقع مديح ~~اللسان من ms0604 آثار العيان ؟ إن اللسان قد يكذب ، والحال لا يكذب ، ولله در ~~نصيب حيث يقول : فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله . . . ولو سكتوا أثنت عليك ~~الحقائب ثم قال : أعلمت أن ناووس أبرويز ، أمدح لأبرويز من زهير لآل سنان ؟ ~~وقالت الحكماء : لسان الحال ، أصدق من لسان الشكوى . وقد أجاد ابن الرومي ~~في هذا المعنى فقال : حالي تبوح بما أوليت من حسن . . . فكل ما تدعيه غير ~~مردود كلي هجاء وقتلي لا يحل لكم . . . فما يداويكم مني سوى الجود وقالوا : ~~شهادات الأحوال ، أعدل من شهادات الرجال . PageV03P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" ذكر ما قيل الوعد والإنجاز روي عن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " وعد المؤمن كأخذ باليد " . وقال الحسن ~~بن علي رضي الله عنهما : الوعد مرض في الجود ، والإنجاز دواءه . ومن كلامه ~~: المسئول حر حتى يعد ، ومستر بالوعد حتى ينجز . وقال الزهري : حقيق على من ~~أزهر بالوعد ، أن يثمر بالفعل . وقال مسلم بن الوليد عن أبيه قال : سألت ~~الفضل بن سهل حاجة ، فقال : أشرفك اليوم بالوعد ، وأحبوك غدا بالإنجاز ، ~~فإني سمعت يحيى بن خالد يقول : المواعيد شبكة من شباك الكرام ، يصيدون بها ~~محامد الأحرار ، ولو كان المعطي لا يعد ، لارتفعت مفاخر إنجاز الوعد ، ونقص ~~فضل صدق المقال . وقال الأبرش الكلبي لهشام بن عبد الملك : يا أمير ~~المؤمنين ، لا تصنع إلي معروفا ، حتى تعدني ، فإنه لم يأتني منك سيب على ~~غير وعد ، إلا هان علي قدره ، وقل مني شكره ، فقال له هشام : لئن قلت ذلك ، ~~لقد قال سيد أهلك أبو مسلم الخولاني : أنجع المعروف في القلوب ، وأبرده على ~~الأكباد ، معروف منتظر من وعد لا يكدر بالمطل . وكان يحيى بن خالد لا يقضي ~~حاجة إلا بوعد . وقال أعرابية لرجل : مالك تعطي ولا تعد ، فقال : مالك ~~والوعد ؟ قالت ينفسح به البصر ، وينشر فيه الأمل ، وتطيب بذكره النفس ، ~~ويرخي به العيش ، وتربح به المدح بالوفاء . PageV03P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" قيل : كلم منصور بن زياد يحيى بن خالد في ~~حاجة لرجل فقال : عده عني قضاءها ، قال : وما يدعوك أعزك الله ms0605 إلى العدة مع ~~وجود القدرة ؟ فقال يحيى : هذا قول من لا يعرف موضع الصنائع من القلوب ، إن ~~الحاجة إن لم لتقدمها بوعد ينتظر به نجحها ، لم تتجاذب الأنفس بسرورها ، ~~ولم تتلذذ بتأميلها ، وإن الوعد تطعم ، والإنجاز طعام ، وليس من فاجأه طعام ~~، كمن وجد رائحته ، وتمطق له وتطعمه ، ثم تطعمه ، فدع الحاجة تحتم بالوعد ، ~~ليكون لها عند المصطنع إليه حسن موقع ، ولطف محل . وقال عيسى بن ماهان : ~~إني أحب أن أهب بلا وعد ، وأحب أن أعد ، لأخرج من جملة المخلفين ، وأدخل في ~~عدد الوافين ، ويؤثر عني كرم المنجزين ، فإن من سبق فعله وعده ، وصف بكرم ~~فرد ، وسقط عنه جميع ما ذكرت . قال ذكر العباس المأمون فقال : إنه ألقح ~~معروفه عندي بالوعد ، ونتجه بالنجح ، وأرضعه بالزيادة ، وشيبه بالتعهد ، ~~وهرمه باستتمامه من جهاته ، وهنأه بترك الامتنان به . وشكا رجل جعفر بن ~~يحيى لأبيه : أنه وعد وعدا ومطله به ، فوقع : يا بني ، أنتم معاقل الأحرار ~~ومظان المطالب ومعادن الشكوى ، فكونوا سواء في الأقوال والأفعال ، فإن الحر ~~، يدخر وعد الحر ويعتقده وينفقه قبل ملكته ، فإن أخفق أمله ، كان سببا لذمه ~~واتهامه وسوء ظنه ، حتى يواري قبح ذلك حسن يقينه ، فأنجز الوعد ، وإلا ~~فأقصر القول ، فإنه أعذر والسلام . قال : كلم المأمون في الحسين بن الضحاك ~~الخليع أن يرد عليه رزقه ، فقال : أليس هو القائل في الأمين : فلا فرح ~~المأمون بالملك بعده . . . ولا زال في الدنيا طريدا مشردا PageV03P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" فما زالوا يتلطفون معه في القول ، إلى أن أذن ~~له أن ينشده ، فأنشده : أبن لي فإني قد ظمئت إلى الوعد ، متى تنجز الوعد ~~المؤكد بالعهد أعيذك من صد الملوك وقد ترى . . . تقطع أنفاسي عليك من الوجد ~~فما لي شفيع عند حسنك غيره . . . ولا سبب إلا التمسك بالود أيبخل فرد الحسن ~~فرد صفاته . . . علي وقد أفردته بهوى وحدي رأى الله عبد الله خير عباده . . ~~. فملكه والله أعلم بالعبد فقال له المأمون : هذه بتلك ، وقد عفونا عنك ~~فقال : يا أمير المؤمنين ، فأتبع عفوك إحسانك ، فأمر برد أرزاقه عليه ms0606 ، ~~وكانت فيكل شهر خمسمائة دينار ، فقال المأمون : لولا أني نويت عفوا عنه ، ~~وجعلت ذلك وعدا له من قبل ، ما فعلته ، وإنما ذكر الوعد في تشبيه يذكرنيه . ~~وقال بعض ملوك العجم : البخل بعد الوعد ، يضعف قبحه على البخل قبله ، فما ~~قولك في أمر ، البخل أحسن منه ؟ وقال بعض الشعراء : ولي منك موعود طلبت ~~نجاحه . . . وأنت امرؤ لا تخلف الدهر موعدا وعودتني أن لا تزال تظلني . . . ~~يد منك قد قدمت من قبلها يدا فلو أن مجدا أو ندى أو فضيلة . . . تخلد شيئا ~~كنت أنت المخلدا وقال بشار : وعد الكريم يحث نائله . . . كالغيث يسبق رعده ~~مطره وقال ابن الرومي : يتخطى العداة عمدا إلى البذ . . . ل كسح الحيا بلا ~~إيماض ذكر ما قيل في الشفاعة قال الله عز وجل : " من يشفع شفاعة حسنة يكن ~~له نصيب منها " . PageV03P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~إن الله تعالى يسأل العبد عن جاهه كما يسأله عن عمره ، فيقول له : جعلت لك ~~جاها ، فهل نصرت به مظلوما ، أو قمعت به ظالما ، أو أعنت به مكروبا " ؟ ~~وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " أفضل الصدقة أن تيعن بجهك من لا جاه له " ~~. وقال : " الخلق عيال الله ، فأحبهم إليه ، أنفعهم لعياله " . وقال : " ~~الشفيع جناح الطلب " . وقيل : قصد ابن السماك الواعظ رجلا من حاجة لرجل ~~سأله الشفاعة فيها ، فقال ابن السماك : إني أتيتك في حاجة ، وأن الطالب ~~والمطلوب إليه عزيزان إن قضيت الحاجة ، وذليلان إن لم تقض ، فاختر لنفسك عز ~~البذل ، على ذل المنع ، واختر لي عز النجح ، على ذل الرد ، فقضي حاجته . ~~قال أبو تمام : وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة . . . من جاهه فكأنها من ماله ~~وقال رجل لبعض الملوك : إن الناس يتوسلون إليك بغيرك ، يسألون معروفك ، ~~ويشكرون غيرك ، وأنا أتوسل إليك بك ، ليكون شكري لك لا لغيرك . قال بعض ~~الشعراء : إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة . . . فلا خير في ود ويكون بشافع ذكر ~~ما قيل في الاعتذار والاستعطاف رأيت جماعة من أهل الأدب قد ألحقوا الاعتذار ~~والاستعطاف بالمدح ms0607 ، كالحمدوني في تذكرته ، وغيره ، فلذلك أضفته إليه ، ~~وجعلته من فصوله . قال الله عز وجل : " وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم " . وروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من ~~اعتذر إليه أخوه المسلم ، فلم يقبل ، لم يرد على الحوض " . وقال علي رضي ~~الله عنه : أولى الناس بالعفو ، أقدرهم على العقوبة . وقال : العفو زكاة ~~الظفر . وقال : إذا قدرت على عدوك ، فاجعل عفوك عنه شكر المقدرة عليه . ~~وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما : لا تعاجل الذنب بالعقوبة ، واجعل ~~بينهما للاعتذار طريقا . وقال : أوسع ما يكون الكرم بالمغفرة ، إذا ضاقت ~~بالذنب المعذرة . PageV03P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" وقال جعفر بن محمد الصادق : شفيع المذنب ~~إقراره ، وتوبة المجرم الاعتذار . وقالوا ما أذنب من اعتذر ، ولا أسى من ~~استغفر . وأوصى بعض الحكماء ولده فقال : يا بني لا يعتذر إليك أحد من الناس ~~، كائنا من كان ، في أي جرم كان ، صادقا كان أو كاذبا ، إلا قبلت عذره ، ~~فكفاك بالاعتذار برا من صديقك ، وذلا من عدوك . قال بعض الشعراء : فإن كنت ~~ترجو في العقوبة راحة . . . فلا تزهدن عند التجاوز في الأجر وقال أبو هلال ~~الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري : الاعتذار ذلة ، ولا بد منه ، لأن ~~الإصرار على الذنب ، فيما بينك وبين خالقك هلكة ، وفيما بينك وبين صديقك ~~فرقة ، وعند سائر الناس مثلبة وهجنة ، فعليك به ، إذا واقعت الذنب ، وقارفت ~~الجرم ، ولا تستنكف من خضوعك وتذللك فيه ، فربما استثير العز من تحت الذلة ~~، واجتني الشرف من شجرة النذلة ، ورب محبوب في مكروه ، والمجد شهد يجتني من ~~حنظل . قال : ومما خص به الاعتذار أن الحق لا يثبت لباطله ، والحقيقة لا ~~تقوم مع تخييله وتمويهه ، وأن رده لا يسع مع الكذب اللائح في صفحاته . ~~وقالوا : لا عذر في رد الاعتذار ، والمعتذر من الذنب ، كمن لا ذنب له ، ~~وهذه خصلة لا يشركه فيها غيره . قال بعضهم : كنت بحضرة عبيد الله بن سليمان ~~، فوردت عليه رقعة من جعفر ابن توابة ، نسختها : قد فتحت للمظلوم بابك ، ~~ورفعت عنه ms0608 حجابك ، فأنا أحاكم الأيام إلى عدلك ، وأشكو صروفها إلى فضلك ، ~~وأستجير من لؤم غلبتها بكرم قدرتك ، وحسن ملكتك ، فإنها تؤخرني إذا قدمت ، ~~وتحرمني إذا قسمت ، فإن أعطت أعطت يسيرا ، وإن ارتجعت ارتجعت كثيرا ، ولم ~~أشكها إلى أحد قبلك ، ولا أعددت الانتصاف منها إلا إلى فضلك ، ولي مع ذمام ~~المسألة لك ، وحق الظلام إليك ، ذمام تأميلك ، وقدم صدق في طاعتك ، والذي ~~يملأ من النصفة يدي ، ويفرغ الحق علي ، PageV03P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" حتى تكون لي محسنا ، وأكون بك إلى الأيام ~~مقربا ، أن تخلطني بخواص خدمك الذين نقلتهم من حد الفراغ إلى الشغل ، ومن ~~الخمول إلى النباهة والذكر ، فإن رأيت أن تعذبني فقد استعديت إليك ، ~~وتنصرني فقد عذت بك ، وتوسع لي كنفك فقد أويت إليه ، وتسمني بإحسانك فقد ~~عولت عليه ، وتستعمل يدي ولساني فيما يصلحان له من خدمتك ، فقد درست كتب ~~أسلافك وهم القدوة في البيان ، واستضأت بآرائهم ، واقتفوت آثارهم اقتفاء ~~جعلني بين وحشي الكلام وأنيسه ، ووقفني منه على جادة متوسطة ، يرجع إليها ~~العالي ، ويلحق بها المقصر التالي ، فعل إن شاء الله . قال : فعل إن شاء ~~الله قال : فجعل عبيد الله يرددها ويستحسنها ، ثم قال : هذا أحق بديوان ~~الرسائل . ومن الاستعطاف : ما حكي أن محمد بن الحنفية ، جرى بينه وبين أخيه ~~الحسين ، كلام افترقا بسببه متغاضبين ، فلما وصل محمد إلى منزله ، كتب إلى ~~الحسين رقعة فيها : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد ، فإن لك شرفا لا أبلغه ~~، وفضلا لا أدركه ، أبونا علي ، لا أفضلك فيه ولا تفضلني ، وأمي امرأة من ~~بني حنيفة ، وأمك فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولو كان ~~ملء الأرض نساء مثل أمي ما وفين بأمك ، فإذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك ~~ونعليك وتعال لتترضاني ، وإياك أن أسبقك إلى هذا الفضل الذي أنت أولى به ~~مني والسلام . فلبس الحسين رداءه ونعليه وجاء إلى محمد وترضاه . وقيل : وقع ~~جعفر بن يحيى في رقعة معتذرا : قد تقدمت طاعتك ونصيحتك ، فإن ثبت منك هفوة ~~فلن تغلب سيئة حسنتين . وقال شاعر : إرض ms0609 للسائل الخضوع وللقا . . . رف ذنبا ~~مذلة الإعتذار قال أبو هلال العسكري : لم يرو عن أحد النابغة الذبياني في ~~الاعتذار شعر ، فمن أجود ما روي له فيه ، قوله حين سعى به المنخل ~~PageV03P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" اليشكري إلى النعمان ، وزعم أنه غشى المتجردة ~~حظية النعمان ، وذلك حين وصفها النابغة في شعره فقال : وإذا لمست لمست أخثم ~~جاثما . . . متحيزا بمكانه ملء اليد وإذا طعنت طعنت في مستهدف . . . رابي ~~المجسة بالعبير مقرمد وإذا نزعت نزعت من مستحصف . . . نزع الحزور بالرشاء ~~المحصد فقال المنخل للنعمان : هذا وصف من ذاقها ، فوقر ذلك في نفس النعمان ~~، ثم وفد عليه رهط من بني سعد بن زياد مناة من بني قريع ، فأبلغوه أن ~~النابغة ما يزال يذكرها ويصف منها ، فأجمع النعمان على الإيقاع بالنابغة ، ~~فعرفه بذلك عصام حاجب النعمان ، وهو الذي قيل فيه : نفس عصام ستودت عصاما ~~فانطلق النابغة إلى آل غسان وكانوا قتلوا المنذر والد النعمان ، فزادهم ~~لحاق النابغة بهم حشمة ، ثم اتصلت بالنعمان كثرة مدائح النابغة لهم ، ~~فحسدهم عليه وأمنه وراسله في المصير إليه ، فأتاه وجعل يعتذر مما قذف به ~~ومن مدحه لآل غسان فقال : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة . . . وليس وراء الله ~~للمرء مذهب لئن كنت قد بلغت عني جناية . . . لمبلغك الواشي أغش وأكذب ولست ~~بمستبق أخا لا تلمه . . . على شعث أي الرجال المهذب فأن أك مظلوما فعبد ~~ظلمته . . . وإن تك ذا عتبي فمثلك يعتب يقول : مثلك يعفو ويحسن إن كان ~~عاتبا ، وفي كرمك ما يفعل ذلك ، ولك العتبي والرجوع إلى ما تحب . ومنه قوله ~~أيضا النعمان : أتاني أبيت اللعن أنك لمتني . . . وتلك التي تستك منها ~~المسامع PageV03P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" مقالة أن قد قلت سوف أناله . . . وذلك من ~~تلقاء مثلك رائع فبت كأني ساورتني ضئيلة . . . من الرقش في أنيابها السم ~~ناقع لكلفتني ذنب امريء وتركته . . . كذع العر يكوي غيره وهو راتع إلى أن ~~قال : فإن كنت لا ذو الضغن عني مكذب . . . ولا حلفي على البراءة نافع ولا ~~أنا مأمون بشيء أقوله . . . وأنت بأمر لا محالة واقع ms0610 فإنك كالليل الذي هو ~~مدركي . . . وإن خلت أن المتتأي عنك واسع وقال أيضا : أنبئت أن أبا قابوس ~~أوعدني . . . ولا قرار على زار من الأسد مهلا فداء لك الأقوام كلهم . . . ~~وما أثمر من مال ومن ولد لا تقذفني بركن لا كفاء به . . . وإن تأثفك ~~الأعداء بالرفد ما قلت من سيء مما أتيت به . . . إذا فلا رفعت سوطي إلى يدي ~~قال : فخلع عليه النعمان خلع الرضى ، وكن حبرات خضار مطرقة بالجوهر . قال ~~العسكري : ولم يسلك أحد طريقته فأحسن فيها كإحسان البحتري ، فمن اعتذاراته ~~قوله في قصيدته التي أولها : لوت بالسلام بنانا خضيبا قال منها : فديناك من ~~أي خطب عرى . . . ونائبة أوشكت أن تنوبا وإن كان رأيك قد حال في . . . ~~وأوليتني بعد شر قطوبا يريبني الشيء تأتي به . . . وأكبر قدرك أن أستريبا ~~PageV03P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" وأكره أن يتمادى علي سبيل اغ . . . ترار ~~فألقى شعوبا أكذب نفسي بأن قد سخطت . . . وما كنت أعهد ظني كذوبا ولو لم ~~تكن ساخطا لم أكن . . . أذم الزمان وأشكو الخطوبا أيصبح ودي في ساحتي . . . ~~ك طرقا ومرعاي محلا جديبا وما كان سخطك إلا الفراق . . . أفاض الدموع وأشجي ~~القلوبا ولو كنت أعرف ذنبا لما كا . . . ن خالجني الشك في أن أتوبا سأصبر ~~حتى ألاقي رضا . . . ك إما بعيدا وإما قريبا أراقب رأيك حتى يصح . . . ~~وأنظر عطفك حتى يثوبا وقوله : عذيري من الأيام رنقن مشربي . . . ولقينني ~~نحسا من الطير أشأما وأكسبنني سخط امريء بت موهنا . . . أرى سخطه ليلا مع ~~الصبح مظلما تبلج عن بعض الرضى وانطوي على . . . بقية عتب شارفت أن تصرما ~~إذا قلت يوما : قد تجاوز حدها . . . تلبث في أعقابها وتلوما وأصيد إن ~~نازعته الطرف رده . . . قليلا وإن راجعته القول جمجما ثناه العدا عني فأصبح ~~معرضا . . . ووهمه الواشون حتى توهما وقد كان سهلا واضحا فتوعرت . . . رباه ~~وطلقا ضاحكا فتجهما أمتخذ عندي الإساءة محسن . . . ومنتقم مني امرؤ كان ~~منعما ومكتسب في الملامة ماجد . . . يرى الحمد غنما والملامة مغرما يخوفني ~~من سوء رأيك معشر . . . ولا خوف إلا أن تجوز وتظلما أعيذك أن ms0611 أخشاك من غير ~~حادث . . . تبين أو جرم إليك تقدما الست الموالي فيك نظم قصائد . . . هي ~~الأنجم اقتادت مع الليل أنجما أعد نظرا فيما تسخطت هل ترى . . . مقالا ~~دنيئا أو فعالا مذمما PageV03P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" وكان رجائي أن أؤوب مملكا . . . فصار رجائي ~~أن أؤوب مسلما حياء فلم يذهب بي الغي مذهبا . . . بعيدا ولم أركب من الأمر ~~معظما ولم أعرف الذنب الذي سؤتني له . . . فأقتل نفسي حسرة وتندما ولو كان ~~ما خبرته أو ظننته . . . لما كان غروا أن ألوم وتكرما أذكرك العهد الذي ليس ~~سؤددا . . . تناسبه والود الصحيح المسلما وما حمل الركبان شرقا ومغربا . . ~~. وأنجد في أعلى البلاد وأتهما أقر بما لم أجنه متنصلا . . . إليك على أني ~~إخالك ألوما لي الذنب معروفا فإن كنت جاهلا . . . به فلك العتبي علي وأنعما ~~ومثلك إن أبدي الفعال أعاده . . . وإن صنع المعروف زاد وتمما وقال سعيد بن ~~حميد : لم آت ذنبا فإن زعمت بأن . . . أتيت ذنبا فغير معتمد قد تطرف الكف ~~عين صاحبها . . . فلا يرى قطعها من الرشد وقال آخر : وكنت إذا ما جئت أدنيت ~~مجلسي . . . ووجهك من ماء البشاشة يقطر فمن لي بالعين التي كنت مرة . . . ~~إلي بها في سالف الدهر تنظر وقال آخر : اغتفر زلتي لتحرز فضل ال . . . عفو ~~عني ولا يفوتك أجرى لا تكلني إلى التوسل بالعذ . . . ر لعلي أن لا أقوم ~~بعدرى وقال بعض فضلاء الأندلس : إني جنيت ولم يزل أهل النهي . . . يهبون ~~للجانين ما يجنونه ولقد جمعت من الذنوب فنونها . . . فاجمع من الصفح الجميل ~~فنونه من كان يرجو عفو من هو فوقه . . . فليعف عن ذنب الذي هو دونه . ~~PageV03P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" الباب الثاني من القسم الثالث من الفن الثاني ~~في الهجاء وفيه أربعة عشر فصلا ما قيل في الهجاء ومن يستحقه . ما قيل في ~~الحسد . ما قيل في السعاية والبغي . ما قيل في الغيبة والنميمة . ما قيل في ~~البخل واللؤم وأخبار البخلاء واحتجاجهم . ما قيل في التطفيل ويتصل به أخبار ~~الأكلة والمؤاكلة . ما قيل في الجبن والفرار . ما قيل في الحمق ms0612 والجهل . ما ~~قيل في الكذب . ما قيل في الغدر والخيانة . ما قيل في الكبر والعجب . ما ~~قيل في الحرص والطمع . ما قيل في الوعد والمطل . ما قيل في العي والحصر . ~~ذكر ما قيل في الهجاء ومن يستحقه قال الله تعالى : " والشعراء يتبعهم ~~الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم ~~الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " . فهذه رخصة لمن ظلم في الانتصار . وقال ~~حسان بن ثابت الأنصاري يرد على أبي سفيان بن الحارث : ألا أبلغ أبا سفيان ~~عني . . . مغلغلة فقد برح الخفاء PageV03P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" هجوت محمدا فأجبت عنه . . . وعند الله في ذاك ~~الجزاء أتهجوه ولست له بكفء . . . فشركما لخيركما الفداء لنا في كل يوم من ~~معد . . . سباب أو قتال أو هجاء لساني صارم لا عيب فيه . . . وبحري لا ~~تكدره الدلاء فإن أبي ووالدتي وعرضي . . . لعرض محمد منكم وقاء ويستحق ~~الهجاء من اتصف بسوء الخصال ، واتسم بأخلاق الأرذال والأنذال ، وجعل اللؤم ~~جلبانه وشعاره ، والبخل وطاءه ودثاره ، وسأذكر جماع ما اتصفوا به من سوء ~~الفعال ، وأسسوا بنيانهم عليه من قبح الخلال . قال بعض الحكماء : أربعة من ~~علامات اللؤم : إفشاء السر ، واعتقاد الغدر ، وغيبة الأحرار ، وإساءة ~~الجوار . وسأل عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف عن خلقه ، فتلكأ عليه ~~وأبى أن يخبره فأقسم عليه فقال : حسود ، كنود ، حقود ، فقال عبد الملك : ما ~~في إبليس شر من هذه الخلال ، فبلغ ذلك خالد بن صفوان فقال : لقد انتحل الشر ~~بحذافيره ، ومرق من جميع خلال الخير ، وتأنق في ذم نفسه ، وتجرد في الدلالة ~~على لؤم طبعه ، وأفرط في إقامة الحجة على كفره ، وخرج من الخلال الموجبة ~~رضي ربه . قال أبو تمام : تأنست بذميم الفعل طلعته . . . تأنس المقلة ~~الرمداء بالظلم وعن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " أربعة ، ~~من كن فيه فهو منافق ، من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر ، ~~وإذا أؤثمن خان ms0613 " . وقالوا : اللئيم كذوب الوعد ، خؤون العهد ، قليل الرفد ~~. وقالوا : اللئيم إذا استغنى بطر ، وإذا افتقر قنط ، وإذا قال أفحش ، وإذا ~~سئل بخل ، وإن سأل ألح ، وإن أسدي إليه صنيع أخفاه ، وإناستكتم سرا أفشاه ، ~~فصديقه منه على حذر ، وعدوه منه على غرر . وإن للشعراء والبلغاء في الذم ~~والهجاء نظما ونثرا سنورد منه طرفا ، ونشرح ما يجل ضوء النهار على المقول ~~فيه سدفا . PageV03P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" فمن ذلك ما قاله أحمد بن يوسف الكاتب في بني ~~سعيد بن مسلم بن قتيبة : محاسنهم مساويء السفل ، ومساوئهم فضائح الأمم ، ~~وألسنتهم معقودة بالعي ، وأيديهم معقولة بالبخل ، وأعراضهم أعراض الذم ، ~~فهم كما قيل : لا يكثرون وإن طالت حياتهم . . . ولا تبيد مخازيهم وإن بادوا ~~وذم أعرابي قوما فقال : هم أقل الناس ذنوبا إلى أعدائهم ، وأكثرهم تجرؤا ~~على أصدقائهم ، يصومون عن المعروف ، ويفطرون على الفحشاء . وذم أعرابي قوما ~~فقال : قوم سلخت أقفاؤهم بالهجاء ، ودبغت جلودهم باللؤم ، فلباسهم في ~~الدنيا الملامة ، وفي الآخرة الندامة . وكان عيسى بن فرخان شاه يتيه على ~~أبي العيناء حال وزارته ، فلما صرف عن الوزارة لقي أبا العيناء في بعض ~~السكك فسلم عليه سلاما خفيفا ، فقال أبو العيناء لقائده : من هذا ؟ قال : ~~أبو موسى ، فدنا منه حتى أخذ بعنان بغلته وقال : لقد كنت أقنع بإيمائك دون ~~بنانك ، وبلحظك دون لفظك ، الحمد لله على ما آلت إليه حالك ، فلئن كانت ~~أخطأت فيك النعمة ، لقد أصابت فيك النقمة ، ولئن كانت الدنيا أبدت صفحاتها ~~بالإقبال عليك ، لقد أظهرت محاسنها بالإدبار عنك ، ولله المنة إذا أغنانا ~~عن الكذب عليك ، ونزهنا عن قول الزور فيك ، وقد والله أسأت حمل النعمة ، ~~وما شكرت حق المنعم ، ثم أطلق يده من عنانه ، ورجع إلى مكانه فقيل له : يا ~~أبا عبد الله لقد بالغت في السب ، فما كان الذنب ؟ قال : سألته في حاجة أقل ~~من قيمته ، فردني عنها بأقبح من خلقته . قال بعض الأعراب : نزلت بذاك ~~الوادي فإذا ثياب أحرار على أجسام عبيد ، إقبال حظهم ، إدبار حظ الكرام ، ~~ألم بهذا المعنى شاعر فقال : أرى ms0614 حللا تصان على رجال . . . وأعراضا تذال ~~ولا تصان يقولون الزمان به فساد . . . وهم فسدوا وما فسد الزمان ~~PageV03P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" وسئل بعض البلغاء عن رجل فقال : هو صغير ~~القدر ، قصير الشبر ، ضيق الصدر ، لئيم النجر ، عظيم الكبر ، كثير الفخر . ~~وذم أعرابي رجلا فقال : هو عبد البدن ، حر الثياب ، عظيم الرواق ، صغير ~~الأخلاق ، الدهر يرفعه ، ونفسه تضعه . وقال آخر : فلان غث في دينه ، قذر في ~~دنياه ، رث في مروءته ، سمج في هيئته منقطع إلى نفسه ، راض عن عقله ، بخيل ~~بما أنعم الله عليه ، كتوم لما آتاه الله من فضله ، حلاف لجوج ، إن سأل ~~ألحف ، وإن وعد أخلف ، لا ينصف الأصاغر ، ولا يعرف حق الأكابر . وترجم ~~الفتح بن عبد الله القيسي صاحب قلائد العقيان في كتابه عن أبي بكر بن ماجة ~~المعروف بابن الصائغ فقال : هو رمد جفن الدين ، وكمد نفوس المهتدين ، اشتهر ~~سخفا وجنونا ، وهجر مفروضا ومسنونا ، فما يشرع ، ولا يأخذ في غير الأضاليل ~~ولا يشرع ، ناهيك به من رجل ما تطهر من جنابه ، ولا أظهر مخيلة إنابه ، ولا ~~استنجي من حدث ، ولا أسجي فؤاده مواري في جدث ، ولا أقر ببارئه ومصوره ، ~~ولا فرعن تباريه في ميدان تهوره ، الإساءة إليه أجدى من الإحسان ، والبهيمة ~~أهدى عنده من الإنسان ، نظر في تلك التعاليم ، وفكر في أجرام الأفلاك وحدود ~~الأقاليم ، ورفض كتاب الله الحكيم العليم ، ونبذه وراء ظهره ، ثاني عطفه ، ~~وأراد إبطال ما لا تأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، واقتصر على ~~الهيئة ، وأنكر أن يكون له عند الله تبارك وتعالى فيئة ، وحكم للكواكب ~~بالتدبير ، واجترم على الله اللطيف الخبير ، واجترأ عند سماع النهي ~~والإيعاد ، واستهزأ بقوله تعالى : " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى ~~معاد " . فهو يعتقد أن الزمان دور ، وأن الإنسان نبات له نور ، حمامه تمامه ~~، واختلافه فطامه ، قد محي الإيمان من قلبه فما له فيه رسم ، ونسي الرحمن ~~لسانه فما يمر له عليه اسم ، انتمت نفسه للضلال PageV03P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" وانتسبت ، ونفت يوما تجزي فيه كل نفس بما ms0615 ~~كسبت ، فقصر عمره على طرب ولهو ، واستشعر كل كبر وزهو ، وهو يعكف على سماع ~~التلاحين ، ويقف عليها كل حين ، يعلن بذلك الإعتقاد ، ولا يؤمن بشيء قادنا ~~إلى الله في أسلس مقاد ، مع منشإ وخيم ، ولؤم أصل وخيم ، وصورة شوهها الله ~~وقبحها ، وطلعة لو رآها كلب لنبحها ، وقذارة يؤذي البلاد نفسها ، ووضارة ~~يحكي الحداد دنسها وفند لا يعمر إلا كنفه ، ولدد لا يقوم إلا الصفاد جنفه . ~~وكتب أحمد بن يوسف : أما بعد فإني لا أعرف للمعروف طريقا أوعر من طريقه ~~إليك ، لأنه يحصل منك بين حسب دنيء ، ولسان بذيء ، وجهل قد ملك عليك طباعك ~~، فالمعروف لديك ضائع ، والشكر عندك مهجور ، وإنما غايتك في المعروف أن ~~تحوره ، وفي وليه أن تكفره . ومما قيل في الهجاء من النظم فمن ذلك قول جرير ~~وهو أهجى بيت قالته العرب : فغض الطرف إنك من نمير . . . فلا كعبا بلغت ولا ~~كلابا ولو وضعت فقاح بني نمير . . . على خبث الحديد إذا لذابا وقال عبد ~~الملك بن مروان يوما لجلسائه : هل تعلمون أهل بيت قيل فيهم شعر ودوا افتدوا ~~منه بأموالهم ، وشعر لهم يسرهم به حمر النعم فقال أسماء بن خارجة : نحن يا ~~أمير المؤمنين قال : وما قيل فيكم : قول الحارث بن ظالم وما قومي بثعلبة بن ~~سعد . . . ولا بفزارة الشعر الرقابا PageV03P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" فوالله يا أمير المؤمنين إني لألبس العمامة ~~الصفيقة فيخيل إلي أن شعر قفاي قد بدا منها ، وقول قيس بن الخطيم : هممنا ~~بالإقامة يوما سرنا . . . مسير حذيفة الخير بن بدر فما يسرنا أن لنا بها ~~أوبه حمر النعم ، فقال هانيء بن قبيصة النميري : أولئك نحن يا أمير ~~المؤمنين قال : ما قيل فيكم ؟ قال قول جرير : فغض الطرف إنك من نمير والله ~~لوددنا أننا افتدينا بأملاكنا ، وقول زياد الأعجم : لعمرك ما رماح بني نمير ~~. . . بطائشة الصدور ولا قصار فوالله ما يسرنا به حمر النعم . قال العسكري ~~وذكر أن جريرا لما قال : والتغلبي إذا تنحنح للقرى . . . حك استه وتمثل ~~الأمثالا قال : قلت فيهم بيتا لو طعن أحدهم ms0616 في استه لم يحكها وقالوا : مرت ~~امرأة ببني نمير فتغامزوا إليها فقالت : يا بني نمير لم تعملوا بقول الله ~~ولا بقول الشاعر ، يقول الله تعالى : " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " . ~~ويقول الشاعر : فغض الطرف إنك من نمير فخجلوا ، وكان النميري إذا قيل له : ~~ممن أنت ؟ قال : من نمير ، فصار يقول : من بني عامر بن صعصعة . قال العسكري ~~: ولو قيل إن أهجي بيت قالته العرب قول الفرزدق لم يبعد وهو : ولو ترمي ~~بلؤم بني كليب . . . نجوم الليل ما وضحت لساري PageV03P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" ولو يرمي بلؤمهم نهار . . . لدنس لؤمهم وضح ~~النهار وما يغدو عزيز بني كليب . . . ليطلب حاجة إلا بجار ومثله قول الآخر ~~: ولو أن عبد القيس ترمي بلؤمها . . . على الليل لم تبد النجوم لمن يسري ~~وقالوا : أهجي بيت قالته العرب قول الأعشى : تبيتون في المشتا ملاء بطونكم ~~. . . وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا وهذا البيت من أبيات ولها سبب نذكره الآن ~~في هذا الموضع وإن كان خارجا عن مكانه وذلك : أن عامر بن الطفيل بن مالك ~~وعلقمة بن علاثة تنازعا الزعامة فقال عامر : أنا أفضل منك وهي لعمي ولم يمت ~~، وعمه عامر بن مالك بن جعفر ابن كلاب وكان قد أهتر وسقط ، وقال علقمة : ~~أنا أفضل منك أنا عفيف ، وأنت عاهر ، وأنا وفي وأنت غادر ، وأنا ولود وأنت ~~عاقر ، وأنا أدنى إلى ربيعة ، فتداعيا إلى هرم بن قطنة ، ليحكم بينهما ~~فرحلا إليه ومع كل واحد منهما ثلثمائة من الإبل ، مائة يطعمها من تبعه ، ~~ومائة يعطيه للحاكم ، ومائة تعقر إذا حكم ، فأبي هرم بن قطنة أن يحكم ~~بينهما مخافة الشر وأبيا أن يرتحلا ، فجلا هرم بعلقمة وقال له : أترجو أن ~~ينفرك رجل من العرب على عامر فارس مضر ، أندى الناس كفا ، وأشجعهم لقاء ، ~~لسنان رمح عامر أذكر في العرب من الأحوص ، وعمه ملاعب الأسنة ، وأمه كبشة ~~بنت عروة الرحال ، وجدته أم البنين بنت عمرو بن عامر فارس الضحياء ، وأمك ~~من النخع ، وكانت أمه مهيرة ، وأم علاثة أخيذة من النخع ، ثم خلا بعامر ~~فقال ms0617 له : أعلى علقمة تفخر ؟ أنت تناوئه ، أعلى بن عوف بن الأحوص ، أعف بني ~~عامر وأيمنهم نقيبة ، وأحلمهم وأسودهم وأنت اعور عاقر مشئوم أما كان لك رأي ~~يزعك عن هذا أكنت تظن أن أحدا من PageV03P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" العرب ينفرك عليه ؟ فلما اجتمعا وحضر الناس ~~للقضاء قال : أنتما كركبتي الجمل فتراجعا راضيين . قال العسكري : والصحيح ~~أنه توارى عنهما ولم يقل شيئا فيهما ولو قال : أنتما كركبتي الجمل لقال كل ~~واحد منهما : أنا اليمني ، فكان الشر حاضرا ، قال وسأله عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه بعد ذلك بحين : لمن كنت حاكما لو حكمت ؟ فقال : أعفني يا أمير ~~المؤمنين فلو قلتها لعادت جذعة . فقال عمر : صدقت مثلك فليحكم . قال ~~فارتحلوا عن هرم لما أعياهم نحو عكاظ فلقيهم الأعشى منحدرا من اليمن ، وكان ~~لما أرادها قال لعلقمة : اعقد لي حبلا ، فقال : أعقد لك من بني عامر قال : ~~لا يغني عني قال : فمن قيس قال : لا ، قال : فما أنا بزائدك ، فأتى عامر بن ~~الطفيل فأجاره من أهل السماء والأرض فقيل له : كيف تجيره من أهل السماء ؟ ~~قال : إن مات وديته ، فقال الأعشى لعامر : أظهر أنكما حكمتماني ففعل ، فقام ~~الأعشى فرفع عقيرته أي صوته في الناس فقال : حكمتموه فقضي بينكم . . . أبلج ~~مثل القمر الزاهر لا يأخذ الرشوة في حكمه . . . ولا يبالي خسر الخاسر علقم ~~لا لست إلى عامر ال . . . ناقض الأوتار والواتر واللابس الخيل بخيل إذا . . ~~. ثار عجاج الكبة الثائر إن تسدا الحوص فلم تعدهم . . . وعامر ساد بني عامر ~~ساد وألفي رهطه سادة . . . وكابرا سادوك عن كابر قال وشد القوم في أعراض ~~الإبل المائة فعقروها وقالوا : نفر عامر ، وذهبت بها الغوغاء ، وجهد علقمة ~~أن يردها فلم يقدر على ذلك ، فجعل يتهدد الأعشى PageV03P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" فقال : أتاني وعيد الحوص من آل عامر . . . ~~فيا عبد عمرو لو نهيت الأحارصا فما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم . . . وبحرك ~~ساج لا يواري الدعامصا كلا أبويكم كان فرعا دعامة . . . ولكنهم زادوا ~~وأصبحت ناقضا تبيتون في المشتا ملاء بطونكم . . . وجاراتكم غرثى ms0618 يبتن ~~خمائصا يراقبن من جوع خلال مخافة . . . نجوم العشاء العاتمات الغوامصا رمى ~~بك في أخراهم تركك الندى . . . وفضل أقواما عليك مراهصا فعض حديد الأرض إن ~~كنت ساخطا . . . بفيك وأحجار الكلاب الرواهصا قال فبكى علقمة لما بلغه هذا ~~الشعر وكان بكاؤه زيادة عليه في العار ، والعرب تعير بالبكاء ، قال مهلهل : ~~يبكي علينا ولا نبكي على أحد . . . ونحن أغلظ أكبادا من الإبل وقال جرير : ~~بكى دوبل لا يرقى الله دمعه . . . ألا إنما يبكي من الذل دوبل قال عبد ~~الملك بن مروان لأمية : مالك وللشاعرإذ يقول : إذا هتف العصفور طار فؤاده . ~~. . وليث حديد الناب عند الشدائد فقال : أصابه حد من حدود الله فأقمته عليه ~~قال : فهلا درأته عنه بالشهبات ؟ قال : كان أهون علي من أن أعطل حدا من ~~حدود الله فقال : يا بني أمية أحسابكم أحسابكم ، أنسابكم أنسابكم ، لا ~~تعرضوا للفصحاء فإن الشعر مواسم لا يزيدها الليل والنهار إلا جدة ، والله ~~ما يسرني أني هجيت ببيت الأعشى حيث يقول : تبيتون في المشتا الخ ولي الدنيا ~~بحذافيرها ولو أن رجلا خرج من عرض الدنيا كان قد أخذ PageV03P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" عوضا لقول ابن حرثان : على مكثريهم حق من ~~يعتريهم . . . وعند المقلين السماحة والبذل وهذا البيت لزهير : وقالوا أهجي ~~ببيت قالته العرب قول الحطيئة في الزبرقان بن بدر : دع المكارم لا ترحل ~~لبغيتها . . . واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ولهذا الشعر حكاية نذكرها في ~~أخبار الحطيئة في البخلاء ، وقيل : اتفق جماعة من الشعراء على أن أهجي بيت ~~قالته العرب ، قول الفرزدق في جرير : أنتم قرارة كل معدن سوءة . . . ولكل ~~سائلة تسيل قرار أخذه أبو تمام فقال : وكانت زفرة ثم اطمأنت . . . كذاك لكل ~~سائلة قرار وقالوا أهجي بيت قالته العرب قول الأخطل لجرير : ما زال فينا ~~الخيل معلمة . . . وفي كليب رباط اللؤم والعار قوم إذا استنبح الأضياف ~~كلبهم . . . قالوا لأمهم : بولي على النار قالت بنو تميم : ما هجينا بشيء ، ~~هو أشد علينا من هذا البيت ، وهو يتضمن وجوها شتى من الذم : جعلهم بخلاء ~~بالقرى ، وجعل أمهم خادمهم ms0619 ، يأمرونها بكشف فرجها ، وجعلهم يبخلون بالماء ~~أن يطفئوا به النار ، وجعل نارهم من قلتها تطفى ببولة ، وأغرى بينهم وبين ~~المجوس ، لتعظيم المجوس النار ، وإهانتهم لها إلى غير ذلك . وقالوا أهجى ~~بيت قالته العرب قول الطرماح : تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا . . . ولو ~~سلكت طرق المكارم ضلت PageV03P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" وقيل أهجى بيت قالته العرب قول الأعرابي : ~~اللؤم أكرم من وبر ووالده . . . واللؤم أكرم من وبر وما ولدا قوم إذا ما ~~جنى جانيهم أمنوا . . . من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا وقال مسلم بن الوليد ~~يهجو دعبل الخزاعي : أما الهجاء فدق عرضك دونه . . . والمدح عنك كما علمت ~~جليل فاذهب فأنت طليق عرضك إنه . . . عرض عززت به وأنت ذليل وكان سبب ذلك ~~أنه كان بخراسان عند الفضل بن سهل ، فبلغ دعبل ما هو فيه من الحظوة عنده ، ~~فصار إلى مرو ، وكتب إلى الفضل بن سهل : لا تعبأن بابن الوليد فإنه . . . ~~يرميك بعد ثلاثمة بملال إن الملوك إذا تقادم عهده . . . كانت مودته كفىء ~~ضلال فدع الفضل الرقعة إلى مسلم ، فلما قرأها قال : هل عرفت لقب دعبل وهو ~~غلام أمرد يفسق به ؟ فقال : لا ، قال : كان يلقب بمياس ، وكتب إليه : مياس ~~قل ليأين أنت من الورىلا أنت معلوم ولا مجهول أما الهجاء الخ ، ومنه أخذ ~~إبراهيم بن العباس فقال : فكن كيف شئت وقل ما تشاء . . . وأبرق يمينا وأرعد ~~شمالا نجا بك لؤمك منجا الذباب . . . حمته مقاذيره أن ينالا PageV03P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" وأنشد الجاحظ : ووثقت أنك لا تسب . . . حماك ~~لؤمك أن تنالا وقال الآخر : بذلة والديك كسيت عزا . . . وباللؤم اجترأت على ~~الجواب وقال آخر : دناءة عرضك حصن منيع . . . يقيك إذا ساء منك الصنيع فقل ~~لعدوك ما تشتهي . . . فأنت المنيع الرفيع الوضيع وقال أبو نواس : ما كان لو ~~لم أهجه غالب . . . قام له هجوي مقام الشرف يقول : قد أسرف في هجونا . . . ~~وإنما ساد بذاك السرف غالب لا تسع لتبني العلا . . . بلغت مجدا بهجائي فقف ~~قد كنت مجهولا ولكنني . . . نوهت بالمجهول حتى عرف وقال أبو هلال العسكري : ~~أهنت ms0620 هجائني يا بن عروة فانتحي . . . على ملام الناس في البعد والقرب ~~وقالوا : أتهجو مثله في سقوطه . . . فقلت لهم جربت سيفي في كلب وقال ابن ~~لنكك : وعصبة لما توسطهم . . . صارت على الأرض كالخاتم كأنهم من سوء ~~أفهامهم . . . لم يخرجوا بعد إلى العالم يضحك إبليس سرورا بهم . . . لأنهم ~~عار على آدم وقالوا أهجي بيت قاله محدث قول الآخر : قبحت مناظرهم فحين ~~خبرتهم . . . حسنت مناظرهم لقبح المخبر وقال العسكري : ولست أعرف في الهجاء ~~أبلغ من قول الأول : إن يفجروا أو يغدروا . . . أو يبخلوا لم يحفلوا وغدوا ~~عليك مرجلي . . . ن كأنهم لم يفعلوا PageV03P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" ومن البليغ قول حسان : أبناء حار فلن تلقى ~~لهم شبها . . . إلا التيوس على أكتافها الشعر إن نافروا نفروا أو كاثروا ~~كثروا . . . أوقامر والربح عن أحسابهم قمروا كأن ريحهم في الناس إن خرجوا . ~~. . ريح الكلاب إذا ما مسها المطر وقال أيضا : أبوك أبو سوء وخالك مثله . . ~~. ولست بخير من أبيك وخالكا وإن أحق الناس أن لا تلومه . . . على اللؤم من ~~ألفى أباه كذلكا وقال الآخر : سل الله ذا المن من فضله . . . ولا تسألن أبا ~~واثله فما سأل الله عبد له . . . فخاب ولو كان من باهله وقال آخر : ولو قيل ~~للكلب : يا باهلي . . . لأعول من قبح هذا النسب وقال زياد : ما هجيت ببيت ~~قط أشد علي من قول الشاعر : فكر ففي ذاك إن فكرت معتبر . . . هل نلت مكرمة ~~إلا بتأمير عاشت سمية ما عاشت وما علمت . . . أن ابنها من قريش في الجماهير ~~وقال إبراهيم بن العباس : ولما رأيتك لا فاسقا . . . تهاب ولا أنت بالزاهد ~~وليس عدوك بالمتقي . . . وليس صديقك بالحامد أتيت بك السوق سوق الهوان . . ~~. فناديت هل فيك من زائد على رجل غادر بالصديق . . . كفور لنعمائه جاحد ~~PageV03P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" فما جاءني رجل واحد . . . يزيد على درهم واحد ~~سوى رجل حان منه الشقاء . . . وحلت به دعوة الوالد فبعتك منه بلا شاهد . . ~~. مخافة ردك بالشاهد وأبت إلى منزلي سالما . . . وحل البلاء على الناقد ~~وقال العسكري : إن كان شكلك غير متفق . . . فكذا ms0621 خلالك غير مؤتلفه صورت من ~~نطف قد اختلفت . . . فأتت خلالك وهي مختلفه من عصبة شتى إذا اجتمعوا . . . ~~شبهت داركم بهم عرفه فورثت من ذا قبح منظره . . . وورثت ذاك خناه أو صلفه ~~وقال الحسن بن مطران شاعر اليتيمة : كم غصت في مدحك فكرا على . . . در نفيس ~~غير مثقوب ولم يغص رأيك يوما على . . . برى ولا أري لمكذوب إن كان موعودك ~~في الجود لي . . . أكذب من موعود عرقوب فإن أخبارك في مدحتي . . . أكذب من ~~ذئب ابن يعقوب وقال أحمد بن محمد بن حامد شاعر الخريدة : بليت بقوم ما لهم ~~في العلايد . . . ولا قدم تسعى لبذل الصنائع إذا نظرت عيني إليهم تنجست . . ~~. برؤيتهم طهرتها بالمدامع وقال المتنبي : إن أوحشتك المعالي . . . فإنها ~~دار غربه أو آنستك المخازي . . . فإنها بك أشبه وقال أبو عبد الله الحسن بن ~~محمد بن الحجاج : ولقد عهدتك تشتهي . . . قربي وتستدعي حضوري PageV03P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" وأرى الجفا بعد الوفا . . . مثل الفسا بعد ~~البخور يا خرية العدس الصح . . . يح النيىء والخبز الفطير في جوف منحل ~~الطبي . . . عة والقوى شيخ كبير يخرى فيخرج سرمه . . . شبرين من وجع الزحير ~~يا فسوة بعد العشا . . . بالبيض واللبن الكثير وفطائر عجنت بلا ال . . . ~~ملح الجريش ولا الخمير يا نتن رائحة الطبي . . . خ إذا تغير في القدور يا ~~عش بيض القمل ف . . . رخ في السوالف والشعور يا بول صبيان الفطا . . . م ~~ويا خراهم في الحجور يا بعض تدخين الحشا . . . في الصوم من تخم السحور يا ~~حر قولنج البطو . . . ن وبرد أعصاب الظهور يا ذلة المظلوم أص . . . بح وهو ~~معدوم النصير يا سوء عاقبة التف . . . قد عند تشبيه الأمور يا كل شيء متعب ~~. . . متعقد صعب عسير يا حيرة الشيخ الأص . . . م وحسرة الحدث الضرير يا ~~قعدة في دجلة . . . والريح تلعب بالجسور يا قرحة السل التي . . . هدت ~~شراسيف الصدور يا أربعاء لا تدو . . . ربه مخافات الشهور يا هدة الحيطان تن ~~. . . قض بالمعاول والمرور يا قرحة في ناظر . . . غلظوا عليها بالذرور ~~فتسلخت مع ما يلي . . . ها في الجفون من البثور يا ms0622 خيبة الأمل الذي . . . ~~أمسى يعلل بالغرور يا غلمة المتخدرا . . . ت وراء أبواب القصور ~~PageV03P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" يا وحشة الموتى إذا . . . صاروا إلى ظلم ~~القبور يا ضجرة المحموم بال . . . غدوات من ماء الشعير يا شؤم إقبال الشتا ~~. . . ء أضر بالشيخ الفقير يا دولة الحسن التي . . . خسفت بأيام السرور يا ~~ضجة الضجر المص . . . دع بالتنازع والشرور يا عثرة القلم المرش . . . ش بين ~~أثناء السطور يا ليلة العريان غ . . . ب عشية اليوم المطير يا نومة في شمس ~~آ . . . ب على التراب بلا حصير يا فجأة المكروه في ال . . . يوم العبوس ~~القمطرير يا نهمة الكلب الرضي . . . ع ونكهة الليث الهصور يا عيش عان موثق ~~. . . في القيد مغلول أسير يا حدة الرمد الذي . . . لا يستفيق من القطور يا ~~عيشة الكناس من . . . شم الذرائر والعبير يا حيرة العطشان وق . . . ت الظهر ~~في وسط الهبير من لي بأن تلقاك خي . . . ل بني كلاب بلاخفير وأرى بعيني ~~لحمك المطب . . . وخ في حر الهجير في الأرض ما بين السبا . . . ع وفي السما ~~بين النسور وقال المتنبي : يمشي بأربعة على أعقابه . . . تحت العلوج ومن ~~وراء يلجم وجفونه ما تستقر كأنها . . . مطروفة أوفت فيها حصرم وتراه أصغر ~~ما تراه ناطقا . . . ويكون أكذب ما يكون ويقسم وإذا أشار مكلما فكأنه . . . ~~قرد يقهقه أو عجوز تلطم يقلى مفارقة الأكف قذاله . . . حتى يكاد على يد ~~يتعمم PageV03P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" ومما يذم به الرجل أن يكون ثقيلا ، فأبلغ ما ~~قيل في ذلك قول بعضهم : وثقيل أشد من غصص المو . . . ت ومن زفرة العذاب ~~الأليم لو عصت ربها الجحيم لما كا . . . ن سواه عقوبة للجحيم وأبلغ ما قيل ~~في هذا المعنى قول بشار : ولقد قلت حيت وتد في الأر . . . ض ثقيل ارتبي على ~~ثهلان كيف لم تحمل الأمانة أرض . . . حملت فوقها أبا سفيان ومما هجى به أهل ~~الوقت على الإطلاق . فمن ذلك قول أبي هلال العسكري : كم حاجة أنزلتها . . . ~~بكريم قوم أو لئيم فإذا الكريم من اللئي . . . م أو اللئيم من الكريم سبحان ~~رب قادر . . . قد ms0623 البرية من أديم فشريفهم ووضيعهم . . . سيان في سفه ولوم ~~قد قل خير غنيهم . . . فغنيهم مثل العديم وإذا اختبرت حميدهم . . . ألفيته ~~مثل الذميم ومما قيل في هجاء بعض العشيرة ومدح بعضهم ، فمن ذلك قول أبي ~~عيينة ليهجو خالد بن يزيد المهلبي ويمدح أباه : أبوك لنا غيث نعيش بفضله . ~~. . وأنت جراد ليس يبقى ولا يذر له أثر في المكرمات يسرنا . . . وأنت تعفي ~~دائبا ذلك الأثر لقد قنعت قحطان خزيا بخالد . . . فهل لك فيه يخزك الله يا ~~مضر وله في قبيصة بن روح ، يفضل عليه ابن عمه داود بن يزيد بن حاتم أقبيص ~~لست وإن جهدت ببالغ . . . سعى ابن عمك ذى الندى داود PageV03P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" شتان بينك يا قبيص وبينه . . . إن المذمم ليس ~~كالمحمود داود محمود وأنت مذمم . . . عجبا لذاك وأنتما من عود ولرب عود قد ~~يشق لمسجد . . . نصفا وسائره لحش يهودي وقال حسان في أبي سفيان بن الحارث : ~~أبوك أب حر وأمك حرة . . . وقد يلد الحران غير نجيب فلا تعجبن الناس منك ~~ومنهما . . . فما خبث منفضة بعجيب ذكر ما قيل في الحسد ومما يذم به الرجل ، ~~أن يكون حسودا ، وقد أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام ، أن يتعوذ ~~من شر الحاسد إذا حسد . قال ابن السماك : أنزل الله تعالى سورة جعلها عوذة ~~لخلقه من صنوف الشر ، فلما انتهى إلى الحسد ، جعله خاتما إذ لم يكن بعده في ~~الشر نهاية ، والحسد أول ذنب عصى الله تعالى به في السماء ، وأول ذنب عصى ~~به في الأرض ، أما في السماء ، فحسد إبليس لآدم ، وأما في الأرض ، فحسد ~~قابيل لهابيل ، وذهب بعض أهل التفسير في قوله عز وجل إخبارا عن أهل النار : ~~" ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من ~~الأسفلين " . أن المراد بالجن إبليس ، وبالإنس قابيل ، وذلك أن إبليس أول ~~من سن الكفر ، وقابيل أول من سن القتل ، وأصل ذلك كله الحسد . وقال عبد ~~الله بن مسعود : لا تعادوا نعم الله ، فقيل له : ومن يعادي نعم الله ؟ قال ~~: الذين ms0624 يحسدون الناس على ما آثارهم الله من فضله ، يقول الله تعالى في بعض ~~الكتب : الحسود عدو نعمتي ، مسخط لقضائي ، غير راض بقسمتي . PageV03P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" وقالت الحكماء : إذا أراد الله ، أن يسلط على ~~عبد عدوا لا يرحمه ، سلط عليه حاسدا . وكان يقال في الدعاء على الرجل : ~~طلبك من لا يقصر دون الظفر ، وحسدك من لا ينام دون الشقاء . وقالوا : ما ~~ظنك بعداوة الحاسد ، وهو يرى زوال نعمتك نعمة عليه ؟ قال أبو الطيب المتنبي ~~: سوى وجع الحساد داء فإنه . . . إذا حل في قلب فليس يحول ولا تطمعن من ~~حاسد في مودة . . . وإن كنت تبديها له وتنيل وقال الببغاء : ومن البلية أن ~~تداوي حقد من . . . نعم الاله عليك من أحقاده وقال علي رضي الله عنه : " لا ~~راحة لحسود ، ولا أخ لملول ، ولا محب لسيء الخلق " . وقال الحسن : ما رأيت ~~ظالما أشبه بمظلوم من حاسد ، نفس دائم ، وحزن لازم ، وغيرة لا تنفد ، ثم ~~قال : لله در الحسد ما أعدله يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود . وقال ~~الجاحظ : من العدل المحض ، والإنصاف الصحيح ، أن تحط عن الحاسد نصف عقابه ، ~~لأن ألم جسمه ، قد كفاك مئونة شطر غيظك عليه . وقيل : الحسد أن تتمنى زوال ~~نعمة غيرك ، والغبطة أن تتمنى مثل حال صاحبك . وفي الحديث : " المؤمن يغبط ~~، والمنافق يحسد " . وقال أرسطاطاليس : الحسد حسدان : محمود ، ومذموم ، ~~فالمحمود أن ترى عالما فتشتهي أن تكون مثله ، وزاهدا فتشتهي مثل فعله ، ~~والمذموم أن ترى PageV03P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" عالما وفاضلا فتشتهي أن يموتا . وقيل : ~~الحسود غضبان على القدر ، والقدر لا يعتبه . قال منصور الفقيه : ألا قل لمن ~~كان لي حاسدا . . . أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في فضله . . . ~~إذا أنت لم ترض ما قد وهب وقال المتنبي : وأظلم أهل الأرض من بات حاسدا . . ~~. لمن بات في نعمائه يتقلب ومن أخبار الحسدة : ما حكي ، أنه اجتمع ثلاثة ~~نفر منهم ، فقال أحدهم لصاحبه : ما بلغ من حسدك ؟ قال : ما اشتهيت أن أفعل ~~بأحد خيرا قط ، فقال . الثاني : أنت رجل صالح ms0625 ، أنا ما اشتهيت أن يفعل أحد ~~بأحد خيرا قط ، فقال الثالث : ما في الأرض أفضل منكما ، أنا ما اشتهيت أن ~~يفعل بي أحد خيرا قط . ومما قيل من الشعر في تفضيل المحسود ومدحه . وهجاء ~~الحاسد وذمه . قال بعض الشعراء : إن يحسدوني فإني غير لائمهم . . . قبلي من ~~الناس أهل الفضل قد حسدوا لي ولهم ما بي وما بهم . . . ومات أكثرنا غما بما ~~يجد وقال آخر : إن الغراب وكان يمشي مشية . . . فيما مضى من سالف الأحوال ~~حسد القطاة ورام يمشي مشيها . . . فأصابه ضرب من العقال وقال آخر : حسدوا ~~الفتى إذ لم ينالوا سعيه . . . فالقوم أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن ~~لوجهها . . . حسدا وبغيا إنه لدميم وقال البحتري : لا تحسدوه فضل رتبته ~~التي . . . أعيت عليكم وافعلوا كفعاله PageV03P0267 # """""" صفحة رقم 268 """""" وقال السري الرفاء : نالت يداه أقاصي المجد ~~الذي . . . بسط الحسود إليه باعا ضيقا أعدوه هل للسماك جريرة . . . في أن ~~دنوت من الحضيض وحلقا أم هل لمن ملأ اليدين من العلا . . . ذنب إذا لم كنت ~~منها مملقا وقال أبو تمام الطائي : وإذا أراد الله نشر فضيلة . . . يوما ~~أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت . . . ما كان يعرف طيب ~~عرف العود وقال البحتري : ولن يستبين الدهر موضع نعمة . . . إذا أنت لم ~~تدلل عليها بحاسد وقال محمد بن مناذر : يا أيها العاتبي وما بي من . . . ~~عتب ألا ترعوى وتزدجر هل لك عندي وتر فتطلبه . . . أم أنت مما أتيت معتذر ~~إن يك قسم الإله فضلني . . . وأنت صلد ما فيك معتصر فالحمد والشكر والثناء ~~له . . . وللحسود التراب والحجر ماذا الذي يجتني جليسك أو . . . يبدو له ~~منك حين يختبر اقرأ لنا سورة تذكرنا . . . فإن خير المواعظ السور أوصف لنا ~~الحكم في فرائضنا . . . ما تستحق الأنثى أو الذكر أو ارو فقها تروي القلوب ~~به . . . جاء به عن نبينا الأثر أو من أحاديث جاهليتنا . . . فإنها حكمة ~~ومفتخر أوارو عن فارس لنا مثلا . . . فإن أمثالها لنا عبر PageV03P0268 # """""" صفحة رقم 269 """""" أو غن صوتا تشجي النفوس به . . . وذنب ما قد ~~أتيت ms0626 مغتفر فإن تكن قد جهلت ذاك وذا . . . ففيك للناظرين معتبر ذكر ما قيل ~~في السعاية والبغي والغيبة والنميمة قال الله تعالى : " يأيها الناس إنما ~~بغيكم على أنفسكم " . وقال تعالى : " ثم بغي عليه لينصرنه الله " . وقال ~~تعالى : " هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم " . وقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ~~يرفعن إلينا عورة أخيه المؤمن " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا يراح ~~القتات رائحة الجنة " . وفي لفظ " لا يدخل الجنة قتات " ، والتات : النمام ~~. قال بعض الشعراء : فلا تسعى على أحد ببغي . . . فإن البغي مصرعه وخيم ~~وقال العتابي : بغيت فلم تقع إلا صريعا . . . كذاك البغي مصرع كل باغي وسأل ~~رجل عبد الملك بن مروان الخلوة . فقال لأصحابه : إذا شئتم ، فقاموا ، فلما ~~تهيأ الرجل للكلام ، قال له : إياك أن تمدحني فإني أعلم بنفسي منك ، أو ~~تكذبني ، فإنه لا رأى لكذوب ، أو تسعى إلي بأحد ، وإن شئت أقلتك ، قال : ~~أقلني . قال : ولما ولي عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك دمشق ، ولم يكن ~~في بني أمية ألب منه في حداثة سنه ، قال أهل دمشق : هذا غلام شاب ، ولا علم ~~له بالأمور ، وسيسمع منا ، فقام إليه رجل ، فقال : أصلح الله الأمير ، عندي ~~نصيحة ، فقال له : يا ليت شعري ، ما هذه النصحية التي ابتدأتني بها من غير ~~يد سبقت مني إليك ؟ فقال : جار لي عاص ، متخلف عن ثغره ، فقال له : ما ~~اتقيت الله ، ولا أكرمت أميرك ، ولا حفظت جوارك ، إن شئت ، نظرنا فيما تقول ~~، فإن كنت صادقا ، لم ينفعك ذلك عندنا ، وإن كنت كاذبا ، عاقبناك ، وإن شئت ~~، أقلناك ، قال : أقلني ، قال : اذهب حيث شئت ، لا صحبك الله ، ثم قال : يا ~~أهل دمشق ، ما أعظمتم ما جاء به الفاسق ، إن السعاية أحسب منه سجية ، ولولا ~~أنه لا ينبغي للوالي أن يعاقب ، قبل أن يعاتب ، كان لي فيه رأي ، فلا يأتني ~~أحد منكم بسعاية على أحد ، فإن الصادق فيها فاسق ، PageV03P0269 # """""" صفحة رقم 270 """""" والكاذب بهات . وسعى ms0627 رجل برجل إلى عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه ، فقال : إن شئت نظرنا في أمرك ، فإن كنت كاذبا ، فأنت ~~من هذه الآية : " إن جاءكم فاسق بنبإ " . وإن كنت صادقا ، فأنت من هذه ~~الآية : " هماز مشاء بنميم " . وإن شئت عفونا عنك ، قال : العفو يا أمير ~~المؤمنين ، قال : على أن لا تعود . وكتب محمد بن خالد إلى ابن الزيات : إن ~~قوما صاروا إلي متنصحين ، فذكروا أن رسوما للسلطان قد عفت ودرست ، وأنه ~~توقف عن كشفها إلى أن يعرف موقع رأيه فيها ، فوقع على رقعته : قرأت هذه ~~الرقعة المذمومة ، وسوق السعاة مكسد عندنا ، وألسنتهم تكل في أيامنا ، ~~فاحمل الناس على قانونك ، وخذهم بما في ديوانك ، فلم ترد للناحية لكشف ~~الرسوم العافية ، ولا لتحيي الأعلام الداثرة ، وجنبني وتجنب قول جرير : ~~وكنت إذا حللت بدار قوم . . . رحلت بخزية وتركت عارا قالوا : وكان الفضل بن ~~يحيى يكره السعاة ، فإذا أتاه ساع ، قال له : إن صدقتنا ، أبغضناك ، وإن ~~كذبتنا ، عاقبناك ، وإن استقلتنا ، أقلناك . وحكي صاحب العقد قال : قال ~~العتبي ، حدثني أبي عن سعيد القصري ، قال : نظر إلي عمرو ابن عنبة ورجل ~~يشتم بين يدي رجلا ، فقال لي : ويلك ، وما قال لي ويلك قبلها : نزه سمعك عن ~~استماع الخنا ، كما تنزه لسانك عن الكلام به ، فإن السامع شريك القائل ، ~~وإنه عمد إلى شر ما في وعائه ، فأفرغه في وعائك ، ولو ردت كلمة جاهل في فيه ~~، لسعد رادها ، كما شقي قائلها ، وقد جعله الله تعالى شريك القائل ، فقال : ~~" سماعون للكذب أكالون للسحت " . الغيبة والنميمة ، روي عن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أنه قال : " إذا قلت في الرجل ما فيه فقد اغتبته وإذا قلت ~~ما ليس فيه فقد بهته " . اغتاب رجل رجلا عند قتيبة بن مسلم ، فقال له : ~~أمسك عليه أيها الرجل والله لقد تلمظت بمضغة طالما لفظتها الكرام . ~~PageV03P0270 # """""" صفحة رقم 271 """""" وذكر في مجلسه رجل ، فنال منه بعض جلسائه ، ~~فقال له : يا هذا أوحشتنا من نفسك ، وأيأستنا من مودتك ، ودللتنا على عورتك ~~. واغتاب رجل عند بعض الأشراف ms0628 ، فقال له : قد استدللت على كثرة عيوبك ، بما ~~تذكر من عيب الناس ، لأن الطالب للعيوب ، إنما يطلبها بقدر ما فيه منها ، ~~أما سمعت قول الشاعر : لا تهتكن من مساوى الناس ما ستروا . . . فيهتك الله ~~سترا من مساويكا واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا . . . ولا تعب أحدا منهم ~~بما فيكا وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن ~~يذكرك به ، ودع منه ما تحب أن يدع منك . وقال بعض الملوك لولده وهو ولي ~~عهده : يا بني ليكن أبغض رعيتك إليك ، أشدهم كشفا لمعايب الناس عندك ، فإن ~~في الناس معايب وأنت أحق بسترها ، وإنما تحكم فيما ظهر لك ، والله يحكم ~~فيما غاب عنك ، واكره للناس ما تكرهه لنفسك ، واستر العورة ، يستر الله ~~عليك ، ما تحب ستره ، ولا تعجل إلى تصديق ساع ، فإن الساعي غاش ، وإن قال ~~قول نصح . ووشي واش برجل إلى الإسكندر فقال له : أتحب أن نقبل منك ما قلت ~~فيه ، على أن نقبل منه ما يقول فيك ؟ قال : لا ، قال : فكف عن الشر ، نكف ~~عنك . وقال ذو الرياستين : قبول النميمة ، شر من النميمة ، لأن النميمة ~~دلالة ، والقبول إجازة ، وليس من دل على شيء ، كمن قبله وأجازه . قال أبو ~~الأسود الدؤلي : لا تقبلن نميمة بلغتها . . . وتحفظن من الذي أنباكها إن ~~الذي أهدى إليك نميمة . . . سينم عنك بمثلها قد حاكها PageV03P0271 # """""" صفحة رقم 272 """""" وقال رجل لعمرو بن عبيد : إن الأساوري لم يزل ~~يذكرك ، ويقول : الضال ، فقال عمرو : يا هذا والله ما راعيت حق مجالسته ، ~~حتى نقلت إلينا حديثه ، ولا راعيت حقي ، حين أبلغتني عن أخي ما أكرهه ، ~~اعلم أن الموت يعمنا ، والبعث يحشرنا ، والقيامة تجمعنا ، والله يحكم بيننا ~~. وقال معاوية للأحنف في شيء بلغه عنه ، فأنكره الأحنف : بلغني عنك الثقة ، ~~فقال الأحنف : إن الثقة لا يبلغ . قال بعض الشعراء : لعمرك ما سب الأمير ~~عدوه . . . ولكنما سب الأمير المبلغ وقال ابن المعتز : الساعي كاذب لمن سعى ~~إليه ، خائن لمن سعى عليه . وقالوا : النمام ، شر من الساحر ، فإن ms0629 النمام ، ~~يفسد في الساعة الواحدة ، ما لا يفسد الساحر في المدة الطويلة . وقالوا : ~~النميمة ، من الخلال الذميمة ، تدل على نفس سقيمة ، وطبيعة لئيمة ، مشغوفة ~~بهتك الأستار ، وإفشاء الأسرار . وقال بعض الحكماء : الأشرار يتتبعون مساؤى ~~الناس ، ويتركون محاسنهم ، كما يتتبع الذباب المواضع الألمة من الجسد ، ~~ويترك الصحيحة . وقالوا : لم يمش ماش ، شر من واش . والساعي بالنميمة ، ~~كشاهد الزور ، يهلك نفسه ، ومن سعى به ، ومن سعى إليه . وقالوا : حسبك من ~~شر سماعه . وقد لهج الشعراء بذم النمام ، وجعلوه من أهاجيهم . PageV03P0272 # """""" صفحة رقم 273 """""" قال بعض الشعراء : من نم في الناس لم تؤمن ~~عقاربه . . . على الصديق ولم تؤمن أفاعيه كالسيل بالليل لا يدري به أحد . . ~~. من أين جاء ولا من أين يأتيه وقال السري الرفاء : أنم بما استودعته من ~~زجاجة . . . ترى الشيء فيها ظاهرا وهو باطن وقال محمد بن شرف : وناصب نحو ~~أفواه الورى أذنا . . . كالقعب يلقط فيها كل ما سقطا يظل يلتقط الأخبار ~~مجتهدا . . . حتى إذا ما وعاها زق ما لقطا وقال ابن وكيع : ينم بسر مسترعيه ~~لؤما . . . كما نم الظلام بسر نار أنم من النصول على مشيب . . . ومن صافي ~~الزجاج على عقار وقال الحسن البصري : لا غيبة في ثلاثة : فاسق مجاهر ، ~~وإمام جائر ، وصاحب بدعة . وكتب الكسائي إلى الرقاشي : تركت المسجد الجام . ~~. . ع والترك له ريبه PageV03P0273 # """""" صفحة رقم 274 """""" وأخبارك تأتينا . . . على الأعلام منصوبه فإن ~~زدت من الغيب . . . ة زدناك من الغيبة ذكر ما قيل في البخل واللؤم والبخل ~~منع الحقوق وإليه الإشارة بقوله تعالى : " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوي ~~بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون " ~~. وقال تعالى : " ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا ~~لهم بل هو شر لهم سيطرقون ما بخلوا به يوم القيامة " . وقال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " خلتان لا تجتمعان في مؤمن : البخل وسوء الخلق " . ~~وقال بعض السلف : منع الجود ، سوء ms0630 ظن المعبود ، وتلا " وما أنفقتم من شيء ~~فهو يخلفه وهو خير الرازقين " . وروى أبو بكر الخطيب في كتاب البخلاء ، ~~بإسناده عن أبي هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، أنه قال : " لما ~~خلق الله تعالى جنة عدن ، قال لها : تزيني فتزينت ، ثم قال لها : أظهري ~~أنهارك ، فأظهرت عين السلسبيل ، وعين الكافور ، وعين التسنيم ، ونهر الخمر ~~، ونهر العسل ، ونهر اللبن ، ثم قال لها : أظهري حورك ، وحللك ، وسررك ~~وحجالك ، ثم قال لها : تكلمي ، فقالت : طوبي لما دخلني ، فقال الله عز وجل ~~: أنت حرام على كل بخيل " . وقال سقراط : الأغنياء البخلاء ، بمنزلة البغال ~~والحمير ، تحمل الذهب والفضة ، وتعتلف التبن والشعير . وقالوا : البخل من ~~سوء الظن ، وخمول الهمة ، وضعف الروية ، وسوء الاختيار ، والزهد في الخيرات ~~. PageV03P0274 # """""" صفحة رقم 275 """""" وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما : البخل ~~جامع للمساؤى والعيوب ، وقاطع للمودات من القلوب . وقالوا : حد البخل ، منع ~~المسترفد مع القدرة على رفده . وكان أبو حنيفة لا يقبل شهادة البخيل ، ~~ويقول محتجا لذلك : إن البخيل يحمله بخله ، على أن يأخذ فوق حقه ، مخافة أن ~~يغبن ، ومن كان هكذا لا يكون مأمونا . وقال بشر بن الحارث الحافي : لا غيبة ~~لبخيل ، ولشرطي سخي أحب إلي من عابد بخيل . وقالوا : البخيل لا يستحق اسم ~~الحرية ، فإن ماله يملكه . ويقال : لا مال للبخيل ، وإنما هو لماله . وقال ~~الحسن البصري : لم أر أشقى بماله من البخيل ، لأنه في الدنيا يهتم بجمعه ، ~~وفي الآخرة يحاسب على منعه ، غير آمن في الدنيا من همه ، ولا ناج في الآخرة ~~من إثمه ، عيشه في الدنيا عيش الفقراء ، وحسابه في الآخرة حساب الأغنياء . ~~ودخل رحمه الله على عبد الله بن الأهتم يعوده في مرضه ، فرآه يصعد بصره ~~ويصوبه إلى صندوق في بيته ، ثم التفت إليه ، فقال : يا أبا سعيد ، ما تقول ~~في مائة ألف دينار في هذا الصندوق لم أؤد منها زكاة ولم أصل بها رحما ؟ ~~فقال له : ثكلتك أمك ولم كنت تجمعها ؟ قال لروعة الزمان ، وجفوة السلطان ، ~~وتكاثر العشيرة ، ثم مات ، فشهده الحسن ، فلما ms0631 فرغ من دفنه ، ضرب بيده على ~~القبر ، ثم قال : انظروا إلى هذا ، أتاه شيطانه فخوفه روعة زمانه ، وجفوة ~~سلطانه ، بما استودعه الله إياه ، وعمره فيه . انظروا PageV03P0275 # """""" صفحة رقم 276 """""" إليه كيف خرج مذموما مدحورا ثم التفت إلى ~~وارثه ، فقال : أيها الوارث لا تخدعن كما خدع صويحبك بالأمس ، أتاك هذا ~~المال حلالا ، فلا يكونن عليك وبالا ، أتاك عفوا صفوا ، ممن كان له جموعا ~~منوعا ، من باطل جمعه ، ومن حق منعه ، قطع فيه لجج البحار ، ومفاوز القفار ~~، ولم تكدح لك فيه عين ولم يعرق لك فيه جبين ، إن يوم القيامة يوم ذو حسرات ~~، وإن من أعظم الحسرات غدا ، أن ترى مالك في ميزان غيرك ، فيالها حسرة لا ~~تقال ، وتوبة لا تنال . ومن أخبار البخلاء : قيل : بخلاء العرب أربعة ، ~~الحطيئة ، وحميد الأرقط ، وأبو الأسود الدؤلي وخالد بن صفوان ، ونقلت عنهم ~~أمور دلت على بخلهم . أما الحطيئة : فقد حكي عنه : أنه مر به ابن الحمامة ، ~~وهو جالس بفناء بيته ، فقال له : السلام عليكم ، فقال : قلت ما لا ينكر ، ~~فقال : إني خرجت من أهلي بغير زاد ، قال : ما ضمنت لأهلك قراك ، قال : ~~أفتأذن لي أن آتي بظل بيتك فأتفيأ به ؟ قال : دونك الجبل يفيء عليك ، قال ~~أنا ابن الحمامة ، قال : انصرف وكن ابن أي طائر شئت . قال : واعترضه رجل ~~وهو يرعى غنما ، فقال له : يا راعي الغنم ، وكان بيد الحطيئة عصا فرفعها ، ~~وقال : عجراء من سلم ، فقال الرجل : إنما أنا ضيف ، فقال : للأضياف أعددتها ~~. وكان الحطيئة أحد الحمقى ، أوصى عند موته ، أن يحمل على حمار ، وقال : ~~لعلي إن حملت عليه ، لا أموت ، فإني ما رأيت كريما مات عليه قط وقال : لكل ~~جديد لذيذ إلا جديد الموت فإني رأيته غير لذيذ . وقيل له : أوص ، فقال : ~~أوصي أن مالي للذكور دون الإناث ، قالوا : فإن الله ليس يقول كذلك ، قال : ~~لكني أقوله . وقالوا له : قل لا إله إلا الله ، فقال : أشهد أن الشماخ أشعر ~~غطفان . ومن أخباره : أن الزبرقان بن بدر ، لقيه في سفر ، فقال له : من أنت ms0632 ~~؟ فقال : أنا حسب موضوع ، أنا أبو مليكة ، فقال له الزبرقان : إني أريد ~~وجها ، فصر إلى منزلي ، PageV03P0276 # """""" صفحة رقم 277 """""" وكن هناك ، حتى أرجع ، فصار الحطيئة إلى ~~امرأة الزبرقان ، فأنزلته وأكرمته ، فحسده بنو عمه ، وهم بنو لأي ، فقالوا ~~للحطيئة : إن تحولت إلينا ، أعطيناك مائة ناقة ، ونشد إلى كل طنب من أطناب ~~بيتك حلة تحويه ، وقالوا لامرأة الزبرقان : إن الزبرقان إنما قدم هذا الشيخ ~~ليتزوج بنته ، فقدح ذلك في نفسها ، فلما أراد القوم النجعة ، تخلف الحطيئة ~~، فتغافلت عنه امرأة الزبرقان ، فاحتمله القريعيون ووفوا له بما قالوا ، ~~فمدحهم ، وهجا الزبرقان ، فقال : أزمعت يأسا مبينا من نوالكم . . . ولا يرى ~~طاردا للحر كاليأس دع المكارم لا ترحل لبغيتها . . . واقعد فإنك أنت الطاعم ~~الكاسي من يفعل الخير لا يعدم جوازيه . . . لا يذهب العرف بين الله والناس ~~فاستعدى الزبرقان عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فحكم عمر ، حسان ابن ~~ثابت ، فقال حسان : ما هجاه ولكن سلح عليه ، فحبس عمر الحطيئة ، فقال ~~يستعطفه : ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ . . . حمر الحواصل لا ماء ولا شجر ~~ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة . . . فاغفر عليك سلام الله يا عمر ما آثروك بها ~~إذ قدموك لها . . . لكن لأنفسهم كانت بك الآثر فأخرجه عمر ، وجلس على كرسي ~~، وأخذ بيده شفرة ، وأوهم أنه يريد قطع لسانه ، فضج ، وقال : إني والله يا ~~أمير المؤمنين قد هجوت أبي وأمي وآمرأتي ونفسي ، فتبسم عمر ، ثم قال : ما ~~الذي قلت ؟ قال : قلت لأبي وأمي : ولقد رأيتك في النساء فسؤتني . . . وأبا ~~بنيك فساءني في المجلس وقلت لأبي خاصة : فبئس الشيخ أنت لدى تميم . . . ~~وبئس الشيخ أنت لدى المعالي PageV03P0277 # """""" صفحة رقم 278 """""" وقلت لأمي خاصة : تنحي واجلسي مني بعيدا . . ~~. أراح الله منك العالمينا أغر بالا إذا استودعت سرا . . . وكانونا على ~~المتحدثينا وقلت لامرأتي : أطوف ما أطوف ثم آتي . . . إلى بيت قعيدته لكاع ~~وقلت لنفسي : أبت شفتاي اليوم إلا تكلما . . . بسوء فما أدرى لمن أنا قائله ~~أرى لي وجها شوه الله خلقه . . . فقبح من وجه وقبح حامله فخلى عمر سبيله ، ~~وأخذ ms0633 عليه أن لا يهجو أحدا ، وجعل له ثلاثة آلاف اشتري بها منه أعراض ~~المسلمين ، فقال يذكر نهيه إياه عن الهجاء ويتأسف : وأخذت أطراف الكلام فلم ~~تدع . . . شتما يضر ولا مديخا ينفع ومنعتني عرض البخيل فلم يخف . . . شتمي ~~وأصبح آمنا لا يجزع وأما حميد الأرقط : فكان هجاء للضيف ، فحاشا عليه ، ~~فنزل به ضيف ذات ليلة ، فقال لامرأته : نزل بك البلاء ، قومي فأعدي لنا ~~شيئا ، ففعلت ، فجعل الضيف يأكل ويقول : ما فعل الحجاج بالناس ؟ فلما فرغ ، ~~قال حميد : يجر على الأطناب من جذل بيتنا . . . هجف لمخزون التحية باذل ~~يقول وقد ألقى المراسي للقرى . . . أين لي ما الحجاج بالناس فاعل فقلت : ~~لعمري ما لهذا أتيننا . . . فكل ودع الأخبار ما أنت آكل تدبر كفاه ويحدر ~~حلقه . . . إلى الصدر ما حازت عليه الأنامل أتانا ولم يعدله سحبان وائل . . ~~. بيانا وعلما بالذي هو قائل فما زال عنه اللقم حتى كأنه . . . من العي لما ~~أن تكلم باقل PageV03P0278 # """""" صفحة رقم 279 """""" ونزل به أضياف ، فأطعمهم تمرا وهجاهم ، وادعي ~~عليهم أنهم يأكلونه بنواه ، فقال : باتوا وجلتنا الصهباء حولهم . . . كأن ~~أظفارهم فيها السكاكين فأصبحوا والنوى ملقى معرسهم . . . وليس كل النوى ~~ألقى المساكين وأما خالد بن صفوان : فكان إذا أخذ جائزته ، قال للدرهم : ~~طالما سرت في البلاد ، أما والله لأطيلن حبسك ، ولأديمن لبثك . وقيل له : ~~مالك لا تنفق ، فإن مالك عريض ؟ فقال : الدهر أعرض منه ، قيل : كأنك تؤمل ~~أن تعيش الدهر كله ، قال : ولا أخاف أن أموت في أوله . وأما أبو الأسود ~~الدؤلي : فعمل دكانا عاليا يجلس عليه ، فكان ربما أكل عليه فلا يناله ~~المجتاز ، فمر به أعرابي على جمل ، فعرض عليه أن يأكل معه ، وظن أنه لا ~~يناله ، فأناخ الأعرابي بعيره ، حتى وازى الدكان ، وأكل معه ، فما جلس بعد ~~ذلك على الدكان ، وكان يقول : لو أطعنا المساكين في أموالنا ، كنا أسوأ ~~حالا منهم ، وقال لبنيه : لا تطمعوا المساكين في أموالكم ، فإنهم لا يقنعون ~~منكم ، حتى يروكم في مثل حالهم . ووقف عليه أعرابي وهو يتغدى ، فسلم عليه ، ~~فرد عليه ، ثم أقبل ms0634 على الأكل ، ولم يعرض عليه ، فقال الأعرابي : أما إني ~~قد مررت بأهلك ، قال : كان ذلك طريقك ، قال : وهم صالحون ، قال : كذلك ~~فارقتهم ، قال : وامرأتك حبلى ، قال : كذلك كان عهدي بها ، قال : ولدت ، ~~قال : ما كان بد لها أن تلد ، قال : ولدت غلامين ، قال : كذلك كانت أمها ، ~~قال : مات أحدهما ، قال : ما كانت تقوى على رضاع اثنين ، قال : ثم مات ~~الآخر ، قال : ما كان ليبقى بعد أخيه ، قال : وماتت الأم ، قال : جزعا على ~~ولديها ، قال : ما أطيب طعامك قال : ذلك جزائي على أهله ، اف لك ما ألأمك ~~قال : من شاء سب صاحبه . ونظير هذه الحكاية : ما حكي أن أعرابيا مر بآخر ، ~~فقال : من أين أقبلت يا بن عم ؟ قال : من الثنية ، قال : فهل أتيتنا منها ~~بخبر ؟ قال : سل عما بدا لك ، قال : كيف علمك بيحيى ؟ قال : أحسن العلم ، ~~قال : هل لك علم بكلبي نفاع ؟ قال : حارس PageV03P0279 # """""" صفحة رقم 280 """""" الحي ، قال : فبأم عثمان ؟ قال بخ بخ ، ومن ~~مثل أم عثمان لا تدخل من الباب إلا منحرفة بالثياب المعصفرات ، قال : ~~فبعثمان ؟ قال : وأبيك فإنه جرو الأسد ويلعب مع الصبيان ، وبيده الكسرة ، ~~قال : فبجملنا السقاء ؟ قال : إن سنامه ليخرج من الغبيط ، قال فبالدار ؟ ~~قال : وأبيك ، إنها لخصيبة الجناب ، عامرة الفناء ، ثم قال عنه ، وقعد ~~ناحية يأكل فلا يدعوه ، فمر كلب ، فصاح به ، وقال : يا بن عم ، أين هذا ~~الكلب من نفاع ؟ قال : يا أسفا على نفاع مات ، قال : وما أماته ؟ قال : أكل ~~من لحم الجمل السقاء ، فاغتص بعظم منه فمات ، قال : إنا لله ، أو قد مات ~~الجمل فما أماته ؟ قال : عثر بقبر أم عثمان ، فانكسرت رجله . قال : ويلمك ~~أماتت أم عثمان ؟ قال : إي والله ، أماتها الأسف على عثمان . قال : ويلك ~~أمات عثمان ؟ قال : إي وعهد الله سقطت الدار عليه ، فرمي الأعرابي بطعامه ~~ونثره وأقبل ينتف لحيته ويقول : إلى أين أذهب ؟ فيقول الآخر إلى النار ، ~~وأقبل يلتقط الطعام ويأكله ويهزأ به ويضحك ، ويقول : لا أرغم الله إلا أنف ~~اللئام . وكان أحيحة بن الجلاح من ms0635 البخلاء ، وكان إذا هبت الصبا ، طلع أطمة ~~، ينظر إلى ناحية هبوبها ثم يقول : هبي هبوبك ، فقد أعددت لك ثلثمائة وستين ~~صاعا من عجوة ، أدفع إلى الوليد منها ، خمس نمرات ، فيرد علي منها ثلاثا ، ~~أي لصلابتها بعد جهد ما يلوك منها . والعرب تضرب المثل في اللؤم بمادر ، ~~تقول : هو ألأم من مارد ، ويزعمون أنه بني حوضا وسقى إبله ، فلما أصدرها ~~سلح في الحوض ، لئلا يسقي غيره فيه . وكان عمر بن يزيد الأسدي مبخلا جدا ، ~~فأصابه القولنج فحقنه الطبيب بدهن كثير ، فانحل ما في بطنه ، فلما أبرزه ، ~~قال للغلام : ما تصنع به ؟ قال أصبه ، قال : لا ولكن ميز الدهن منه واستصبح ~~به . PageV03P0280 # """""" صفحة رقم 281 """""" وقال سلم بن أبي المعافي : كان أبي متنحيا عن ~~المدينة ، وكان إلى جنبه مزرعة فيها قثاء ، وكنت صبيا فجاءني صبيان أقران ~~لي ، فكلمت أبي ليهب لي درهما أشتري لهم به قثاء ، فقال لي : أتعرف حال ~~الدرهم ؟ كان في حجر في جبل ، فضرب بالمعاول ، حتى استخرج ، ثم طحن ، ثم ~~أدخل القدر وصب عليه الماء ، وجمع بالزئبق ، ثم صفى من رق ، ثم أدخل النار ~~فسبك ، ثم أخرج فضرب ، وكتب في أحد شقيه : لا إله إلا الله ، وفي الآخر : ~~محمد رسول الله ، ثم حمل إلى أمير المؤمنين ، فأمر بإدخاله بيت ماله ، ووكل ~~به عوج القلانس صهب السبال ، ثم وهبه لجارية حسناء جميلة ، وأنت والله أقبح ~~من قرد ، أو ززقه رجلا شجاعا وأنت والله أجبن من صرد ، فهل ينبغي لك أن تمس ~~الدرهم إلا بثوب ؟ ومثله قول سهل بن هارون ، وقد قال له رجل : هبني ما لا ~~مرزئة عليك فيه ، قال : وما ذاك ؟ قال : درهما واحدا ، قال : يا بن أخي لقد ~~هونت الدرهم ، وهو طابع الله في أرضه ، والدرهم ويحك عشر العشرة ، والعشرة ~~عشر المائة ، والمائة عشر الألف ، والألف عشر دية المسلم ، ألا ترى يا بن ~~أخي كيف انتهى الدرهم الذي هونته ؟ وهل بيوت الأموال إلا درهم على درهم ؟ ~~وقال سليمان بن مزاحم ، وقد وقع بيده درهم ، فجعل يقلبه ، ويقول : في ms0636 شق ، ~~لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وفي شق ، قل هو الله أحد ، ما ينبغي لهذا ~~إلا أن يكون تعويذا أو رقية ، ويرمي به في الصندوق . كان بعضهم إذا صار ~~الدرهم في يده يخاطبه ويقول : بأبي وأمي أنت ، كم من أرض قطعت ، وكيس خرقت ~~، وكم من خامل رفعت ، ومن رفيع أخملت ، لك عندي أن لا تعري ولا تضحي ، ثم ~~يلقيه في كيسه ، فيقول : اسكن على اسم الله ، في مكان لا تزول عنه ، ولا ~~تزعج منه . ومن البخلاء مزبد وله حكاية نذكرها ، قيل : كان بالمدينة جارية ~~جميلة مغنية ، يقال لها : بصبص وكانت الأشراف تجتمع عند مولاها ، فاجتمع ~~يوما عنده PageV03P0281 # """""" صفحة رقم 282 """""" محمد بن عيسى الجعفري وعبد الله بن مصعب ~~الزبيري في جماعة من الأشراف ، فتذاكروا أمر مزبد وبخله ، فقالت الجارية : ~~أنا آخذ لكم منه درهما ، فقال لها مولاها : أنت حرة إن فعلت إن لم أشتر لك ~~مخنقة بمائة دينار وثوب وشي بمائة دينار ، وأجعل لك مجلسا بالعقيق أنحر فيه ~~بدنة ، فقالت : جيء به ، وارفع الغيرة ، حتى أفعل ، فقال : أنت حرة إن ~~منعتك منه ، ولأعاوننه عليك إن حصلت منه الدرهم ، فقال عبد الله بن مصعب : ~~أنا آتيكم به ، قال عبد الله : فصليت الغداة في المسجد ، فإذا أنا به قد ~~أقبل ، فقلت : يا أبا إسحاق ، إنا نحب أن نرى بصبص ؟ قال : بلى والله ، ~~وامرأته طالق إن لم تكن له سنة يشتهي أن يلقاها ، فقلت له : إذا صليت العصر ~~، فاتني ها هنا ، فقال : امرأته طالق إن برح من ها هنا إلى العصر قال ~~فانصرفت في حوائجي ، فلما كان العصر جئت فوجدته ، فأخذت بيده ، وأتيتهم به ~~، فأكل القوم وشربوا حتى صليت العتمة ، ثم تساكروا وتناوموا ، فأقبلت بصبص ~~على مزبد ، فقالت له : يا أبا إسحاق ، كأني والله في نفسك تشتهي أن أغنيك ~~الساعة : لقد حثوا الجمال ليهربوا منا فلم يئلوا فقال لها : امرأته طالق إن ~~لم تكوني تعلمين ما في اللوح المحفوظ ، فغنته إياه ، ثم قالت له : كأني بك ~~تشتهي أن أقوم من مجلسي ms0637 فأجلس إلى جنبك فتدخل يدك في جلبابي ، فقال : ~~امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في الأرحام ، وما تكسب الأنفس غدا قالت ~~: فقم ، فقام وجلس إلى جانبها وغنت له ، ثم قالت : أعلم أنك تشتهي أن أغنيك ~~: أنا أبصرت بالليل . . . غلاما حسن الدل كغصن البان قد أصبح مسقيا من الطل ~~فقال لها : امرأته طالق أن لم تكوني نبية مرسلة ، فغنته وقبلها ، ثم قالت : ~~يا أبا إسحاق ، هل رأيت قط أنذل من هؤلاء ؟ يدعونني ويدعونك ؟ ويخرجونني ~~إليك ولا PageV03P0282 # """""" صفحة رقم 283 """""" يشترون نقلا ولا ريحانا ، كأني بك وفي جيبك ~~درهم وأنت تقول : الساعة أخرجه ، وأعطيها إياه ، وتشتري به ما تريد ، فقام ~~من جنبها وقال : أخطأت استك الحفرة ، وانقطع عنك الوحي ، ووثب وجلس ناحية ، ~~فانتبه القوم وعطعطوا عليها وعلموا أن حيلتها لم تتم ، وخرج من عندهم ولم ~~يعد إليهم . وقال بعضهم : بت عند رجل من أهل الكوفة من الموسرين ، وله ~~صبيان نيام ، فرأيته في الليل يقوم فيقلبهم من جنب إلى جنب ، فلما أصبحنا ~~سألته عن ذلك ، فقال : هؤلاء الصبيان يأكلون وينامون على اليسار ، فيمريهم ~~الطعام ، ويصبحون جياعا ، فأنا أقلبهم من اليسار إلى اليمين لئلا ينهضم ما ~~أكلوه سريعا . وكان زياد بن عبد الله الحارثي واليا على المدينة ، وكان فيه ~~بخل وجفاء ، فأهدى إليه كاتب له سلالا فيها أطعمة ، وقد تنوق فيها فوافته ~~وقد تغدى ، فقال : ما هذه ؟ قالوا : غداء بعثه فلان الكاتب ، فغضب ، وقال : ~~يبعث أحدهم الشيء في غير وقته ، يا خيثم بن مالك يريد صاحب شرطته ، ادع لي ~~أهل الصفة يأكلون هذا ، فبعث خيثم الحرس يدعونهم ، فقال الرسول الذي جاء ~~بالسلال : أصلح الله الأمير ، لو أمرت بهذه السلال تفتح وينظر ما فيها ، ~~قال : اكشفوها فإذا طعام حسن من دجاج وفراخ وجداء وسمك وأخبصة وحلواء فقال ~~: ارفعوا هذه السلال ، وجاء أهل الصفة ، فأخبر بهم ، فأمر بإحضارهم ، وقال ~~: يا خيثم اضربهم عشرة أسواط ، فإنه بلغني أنهم يفسون في مسجد رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . ومن الخلفاء من ينسب إلى البخل ، فمنهم عبد الملك ms0638 ~~بن مروان كان يلقب برتح الحجر ولبن الطير لبخله . ومنهم هشام ابنه وكان ~~ينظر في بيع الهدايا التي تهدي إليه . حكي عنه أن أعرابيا أكل عنده فرفع ~~اللقمة إلى فيه ، فقال له هشام : في لقمتك شعرة يا أعرابي ، فقال : وإنك ~~تلاحظني ملاحظة من يرى الشعرة ، والله لا أكلت عندك أبدا ، ثم قام وانصرف . ~~ومنهم أبو جعفر المنصور كان يلقب بأبي الدوانيق ، لقب بذلك لأنه لما بني ~~مدينة بغداد كان يباشرها بنفسه ويحاسب الصناع ، فيقول لهذا : أنت نمت ~~القائلة ، PageV03P0283 # """""" صفحة رقم 284 """""" ولهذا : لم تبكر ، ولهذا : انصرفت قبل أن ~~تكمل اليوم ، فيسقط لهذا دانقا ، ولهذا دانقين ، فلا يكاد يعطي لأحد أجرة ~~كاملة ، وكان يقول : يزعمون أني بخيل ، وما أنا ببخيل ، ولكن رأيت الناس ~~عبيد المال ، فمنعتهم عنه ، ليكونوا عبيدا لي . ويحكي عنه أنه قال لطباخه : ~~لكم ثلاثة وعليكم اثنتان ، لكم الرءوس والأكارع والجلود ، وعليكم الحبوب ~~والتوابل . ومن حكاياته الدالة على بخله : أن صاحبه الربيع بن يونس قال له ~~يوما : يا أمير المؤمنين ، إن الشعراء ببابك وهم كثير ، وقد طالت أيامهم ~~ونفدت نقفاتهم ، فقال : اخرج إليهم وسلم عليهم ، وقل لهم من مدحنا منكم فلا ~~يصف الأسد ، فإنما هو كلب من الكلاب ، ولا الحية ، فإنما هي دويبة منتنة ~~تأكل التراب ، ولا الجبل فإنه حجر أصم ، ولا البحر ، فإنه عطن بض لجب ، فمن ~~ليس في شعره شيء من هذا فليدخل ، ومن كان في شعره شيء منه فلينصرف ، ~~فأبلغهم فانصرفوا كلهم إلا إبراهيم بن هرمة فقال : أنا له يا ربيع فأدخلني ~~عليه : فأدخله ، فلما مثل بين يديه ، قال له : يا ربيع قد علمت أنه لا ~~يجيبك غيره فأنشده قصيدته التي منها : له لحظات في حفافي سريره . . . إذا ~~كرها فيها عقاب ونائل فأم الذي أمنت آمنة الردى . . . وأم الذي خوفت بالثكل ~~ثاكل فرفع له الستر وأقبل عليه وأصغى إليه ، فلما فرغ من إنشاده أمر له ~~بعشرة آلاف درهم وقال له : يا إبراهيم ، لا تتلفها طمعا في نيل مثلها منا ، ~~فما كل وقت تصل إلينا ، فقال إبراهيم ms0639 : ألقاك يا أمير المؤمنين يوم القيامة ~~وعليها الجهبذ . ودخل المؤمل بن أميل على المهدي وكان بالري ، وهو إذ ذاك ~~ولي عهد أبيه المنصور ، فامتدحه بأبيات يقول فيها : هو المهدي إلا أن فيه . ~~. . مشابه صورة القمر المنير تشابه ذا وذا فهما إذا ما . . . أنارا يشكلان ~~على البصير PageV03P0284 # """""" صفحة رقم 285 """""" فهذا في الضياء سراج عدل . . . وهذا في ~~الظلام سراج نور ولكن فضل الرحمن هذا . . . على ذا بالمنابر والسرير وبعض ~~الشهر يخفي ذا وهذا . . . منير عند نقصان الشهور وجاء منها : فإن سبق ~~الكبير فأهل سبق . . . له فضل الكبير على الصغير وإن بلغ الصغير مدى كبير . ~~. . فقد خلق الصغير من الكبير فأعطاه عشرين ألف درهم ، فكتب بذلك صاحب ~~البريد إلى المنصور وهو ببغداد ، فكتب إلى المهدي يلومه ويقول له : إنما ~~كان ينبغي أن تعطي الشاعر إذا أقام ببابك سنة ، أربعة آلاف درهم ، وأمره أن ~~يوجهه إليه ، فطلب فلم يوجد ، وتوجه إلى بغداد ، فكتب إلى المنصور بذلك ، ~~فأمر بإرصاده فمسك ، وقيل له أنت بغية أمير المؤمنين وطلبته ، قال المؤمل : ~~فكاد قلبي ينخلع خوفا وفرقا ، ثم أخذ بيدي وانطلق بي إلى الربيع ، فأدخلني ~~على المنصور ، وقال : يا أمير المؤمنين ، هذا المؤمل ابن أميل قد ظفر به ، ~~فسلمت عليه ، فرد علي السلام ، فسكن جأشي واطمأن قلبي وزال روعي ، ثم قال ~~لي : أتيت غلاما غرا فخدعته فانخدع ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنما أتيت ~~ملكا جوادا كريما ، فمدحته فحملته أريحيته على أن وصلني وبرني ، فأعجبه ذلك ~~، ثم قال : أنشدني ما قلت فيه ، فأنشدته ، فقال : والله لقد أحسنت ، لكن ما ~~يساوي عشرين ألفا ، يا ربيع ، خذ المال منه ، وأعطه منه أربعة آلاف درهم ، ~~فلما ولي المهدي الخلافة ، قدم عليه المؤمل ، فأخبره بما كان بينه وبين ~~أبيه ، فضحك ورد عليه ما أخذ منه . وحكي ابن حمدون في كتابه المترجم ~~بالتذكرة : أن المنصور حج في بعض السنين فحدا به سالم الحادي يوما بقول ~~الشاعر : أبلج بين حاجبيه نوره . . . إذا تغدى رفعت ستوره يزينه حياؤه ~~وخيره . . . ومسكه يشوبه كافوره PageV03P0285 # """""" صفحة رقم 286 ms0640 """""" فطرب المنصور حتى ضرب برجله المحمل ، ثم قال ~~: يا ربيع ، أعطه نصف درهم ، فقال سالم : لا غير ، يا أمير المؤمنين ، ~~والله لقد حدوت بهشام بن عبد الملك فأمر لي بثلاثين ألف درهم ، فقال ~~المنصور : ما كان له أن يعطيك من بيت المال ما ذكرت ، يا ربيع وكل به من ~~يستخرج منه هذا المال ، قال الربيع : فما زلت أسفر بينهما حتى شرط عليه أن ~~يحدو به في خروجه ورجوعه بغير مؤنة ، وكان سالم هذا يورد الإبل لثمان ولتسع ~~ولعشر ، فيحدو لها فيلهيها حدوه عن ورود الماء . ومن طريف ما حكى عنه : أن ~~عبيد الله بن زياد الحارثي ، كتب إليه رقعة بليغة يستميحه فيها ، فوقع ~~عليها : إن الغنى والبلاغة إذا اجتمعا لرجل أبطراه ، وإن أمير المؤمنين ~~مشفق عليك ، فاكتف بالبلاغة . وقد ذم الشعراء البخل وهجوا من اتصف به ، فمن ~~ذلك ، وهو أبلغ ما قاله محدث ، قول ابن الرومي الحابس الروث في أعفاج بغلته ~~. . . خوفا على الحب من لقط العصافير وقال العسكري : أبلغ ما قيل في البخل ~~، قول ابن الرومي يقتر عيسى على نفسه . . . وليس بباق ولا خالد فلو يستطيع ~~لتقتيره . . . تنفس من منخر واحد رضيت لتشتيت أمواله . . . يدى وارث ليس ~~بالحامد وقال أبو تمام صدق أليته إن قال مجتهدا . . . لا والرغيف فذاك البر ~~من قسمه وإن هممت به فافتك بخبزته . . . فإن موقعها من لحمه ودمه قد كان ~~يعجبني لو كان غيرته . . . على جرادقه كانت على حرمه وقال دعبل استبق ود ~~أبى المقا . . . تل حين تأكل من طعامه سيان كسر رغيفه . . . أو كسر عظم من ~~عظامه وتراه من خوف النزي . . . ل به يروع في منامه PageV03P0286 # """""" صفحة رقم 287 """""" وقال أبو هلال العسكري خبز الأمير عشيقه . . ~~. يغدو عليه يلاعبه وإذا بدا لجليسه . . . أفضى إليه يعاتبه وتحوطه حراسة . ~~. . وتذب عنه كتائبه فالزور يصفع عنده . . . والضيف ينتف شاربه وقال آخر ~~فتى لرغيفه قرط وشنف . . . وإكليلان من در وشذر إذا كسر الرغيف بكى عليه . ~~. . بكاالخنساء إذ فجعت بصخر ودون رغيفه قلع الثنايا . . . وحرب مثل وقعة ~~يوم بدر ms0641 وقال آخر إن هذا الفتى يصون رغيفا . . . ما إليه لآكل من سبيل هو ~~في سفرتين من أدم الطا . . . ئف في سلتين من زنبيل ختمت كل سلة برصاص . . . ~~وسيور قددن من جلد فيل في جراب في جوف تابوت موسى . . . والمفاتيح عند ~~ميكائيل وقال العسكري قل خير ابن قاسم . . . فغناه كعدمه كاد من خشية القرى ~~. . . يختبى في حرامه جاز في اللؤم حده . . . كأبيه وعمه كاد يعديك لؤمه . ~~. . لو تسميت باسمه PageV03P0287 # """""" صفحة رقم 288 """""" وقال أيضا : لله برمه نزهتها . . . من أن ~~تدنس بالدسم بيضاء يشرق نورها . . . كالبدر في غسق الظلم لو كان عرضك مثلها ~~. . . كنت الممدوح في الأمم أو كان فعلك مثل قو . . . لك كنت تاريخ الكرم ~~وقال أيضا : ضفت عمرا فجاءني برغيف . . . زادني أكله على الجوع جوعا ثم ولى ~~يقول وهو كئيب : . . . لهف نفسي على رغيف أضيعا كان خداعه الضيوف ولكن . . ~~. ربما أصبح الخدوع خديعا كنت أنزلته محلا رفيعا . . . فغدا ذلك الرفيع ~~وضيعا عجبا منه إذ أبيح حماه . . . كيف لم يمتنع وكان منيعا وقال آخر أرى ~~ضيفك في الدار . . . وكرب الموت يغشاه على خبرك مكتوب . . . فسيكفبكم الله ~~" وقال بشار وضيف عمرو وعمرو يسهران معا . . . عمرو لبطنته والضيف للجوع ~~وقال آخر نوالك دونه خرط القتاد . . . وخبزك كالثريا في البعاد ولو أبصرت ~~ضيفا في منام . . . لحرمت المنام إلى التنادى أرى عمر الرغيف يطول جدا . . ~~. لديك كأنه من قوم عاد وما أهجوك أنك كفء شعري . . . ولكني هجوتك للكساد ~~وقال العسكري قد كان للمال ربا . . . فصار بالبخل عبده وصحف الصيف ضيفا . . ~~. فراح يلطم خده PageV03P0288 # """""" صفحة رقم 289 """""" وقال أبو نواس في إسماعيل بن نوبخت ، بعد أن ~~نصب إسماعيل في صحن داره طارمه ، وآصطبح فيها أربعين يوما ومعه جماعة . ~~منهم أبو نواس ، فبلغت نفقته أربعين ألف درهم ، ثم قال بعد ذلك خبز إسماعيل ~~كالوش . . . ى إذا ما شق يرفا عجبا من أثر الصن . . . عة قيه كيف تخفى ؟ إن ~~رفاءك هذا . . . ألطف الأمة كفا فإذا ألصق بالنص . . . ف من الجردق نصفا ~~الطف الصنعة حتى . . . ما ترى مطعن إشفى ms0642 مثل ما جاء من التن . . . ور ما ~~غادر حرفا وله في الماء أيضا . . . عمل أبدع ظرفا مزجه العذب بماء ال . . . ~~بئركي يزداد ضعفا فهو لا يسقيك منه . . . مثل ما يشرب صرفا وقال فيه على ~~خبز إسماعيل واقية البخل . . . فقد حل في دار الأمان من الأكل وما خبزه إلا ~~كعنقاء مغرب . . . يصور في بسط الملوك وفي المثل يحدث عنها الناس من غير ~~رؤية . . . سوى صورة ما إن تمر ولا تحلى وما خبزه إلا كاوي يرى ابنه . . . ~~ولم ير آوى في الحزون وفي السهل وما خبزه إلا كليب بن وائل . . . ليالي ~~يحمي عزه منبت البقل وإذ هو لا يستب خصمان عنده . . . ولا الصوت مرفوع بجد ~~ولا هزل فإن خبز إسماعيل حل به الذي . . . أصاب كليبا لم يكن ذاك عن ذل ~~ولكن قضاء ليس يسطاع رده . . . بحيلة ذي مكر ولا دهى ذي عقل PageV03P0289 # """""" صفحة رقم 290 """""" وقال ابن الرومي بخيل يصوم أضيافه . . . ~~ويبخل عنهم بأجر الصيام يدس الغلام فيوليهم . . . هوانا فيشتم مولى الغلام ~~فهم مفطرون وهم صائمون . . . وما يطعمون وهم في أثام فيحتال بخلا لأن ~~يفطرون . . . على رفث القول دون الطعام وقال أحمد بن كشاجم صديق لنا من ~~أبرع الناس في البخل . . . وأفضلهم فيه وليس بذي فضل دعاني كما يدعو الصديق ~~صديقه . . . فجئت كما يأتي إلى مثله مثلي فلما جلسنا للطعام رأيته . . . ~~يرى أنه من بعض أعضائه أكلي ويغتاظ أحيانا ويشتم عبده . . . وأعلم أن الغيظ ~~والشتم من أجلي فأقبلت أستل الغداء مخافة . . . وألحاظ عينيه رقيب على فعلي ~~أمد يدي سرا لأسرق لقمة . . . فليحظني شزرا فأعبث بالبقل إلى أن جنت كفي ~~لحتفي جناية . . . وذلك أن الجوع أعدمني عقلي فجرت يدي للحين رجل دجاجة . . ~~. فجرت كما جرت يدي رجلها رجلي وقدم من بعد الطعام حلاوة . . . فلم أستطع ~~فيها أمر ولا أحلي وقمت لو أني كنت بيت نية . . . ربحت ثواب الصوم مع عدم ~~الأكل وقال آخر : تراهم خشية الأضياف خرسا . . . يقيمون الصلاة بلا أذان ~~احتجاج البخلاء وتحسينهم للبخل على قبحه قالت الحكماء : لتكن عنايتك بحفظ ~~ما ms0643 اكتسبته ، كعنايتك باكتسابه . وقال أبو الأسود الدؤلي لبنيه : لا ~~تجاودوا الله ، فإنه أكرم وأجود ، ولو شاء أن يغني الناس كلهم لفعل ، ولكنه ~~علم أن قوما لا يصلحهم ولا يصلح لهم إلا الفقر ، وقوما لا يصلحهم ولا يصلح ~~لهم إلا الغنى . وقال رجل من تغلب : أتيت رجلا من كندة أسأله ، فقال : يا ~~أخا بني تغلب ، إني لن أصلك حتى أحرم من هو أقرب إلى منك ، وإنه لم يبق من ~~مالي وعرضي وأهلي إلا ما منعته من الناس . PageV03P0290 # """""" صفحة رقم 291 """""" وقيل : إن لقمان الحكيم ، قال لابنه : يا بني ~~، أوصيك باثنتين لن تزال بخير ما تمسكت بهما : درهمك لمعاشك ، ودينك لمعادك ~~. وقال أبو الأسود : إمساكك ما تبذل ، خير من طلبك ما يبذل غيرك ، وأنشد : ~~يلومونني في البخل جهلا وضلة . . . وللبخل خير من سؤال بخيل ونظيره قول ~~المتلمس : وحبس المال أيسر من بغاه . . . وضرب في البلاد بغير زاد وإصلاح ~~القليل يزيد فيه . . . ولا يبقى الكثير مع الفساد وقال الجاحظ : قلت ~~للحزامي : يا بخيل قال : لا أعدمني الله هذا الاسم ، لأنه لا يقال لي : ~~بخيل إلا وأنا ذو مال فسلم لي المال ، وسمني بأي اسم شئت ، قلت : ولا يقال ~~لك : سخي ، إلا وأنت ذو مال ، فقد جمع الله لهذا الاسم المال والحمد ، وجمع ~~لذاك المال والذم ، فقال : بينهما فرق عجيب ، وبون بعيد ، إن في قولهم : ~~بخيل ، سببا لمكث المال في ملكي ، وفي قولهم : سخي ، سببا لخروجه عن ملكي ، ~~واسم البخل فيه حزم وذم واسم السخاء فيه تضييع وحمد ، وما أقل غناء الحمد ~~عنه إذا جاع بطنه وعري ظهره وضاع عياله وشمت به عدوه . وقال محمد بن الجهم ~~: من شأن من استغنى عنك ، أن لا يقيم عليك ، ومن احتاج إليك أن لا يزول من ~~عندك ، ومن حبك لصديقك وضنك بمودته أن لا تبذل له ما يغنيه عنك ، وأن تتلطف ~~له فيما يحوجه إليك . وقد قيل في مثل هذا : " أجع كلبك يتبعك ، وسمنه يأكلك ~~" ، فمن أغنى صديقه فقد أعانه على الغدر ، وقطع أسباب الشكر ، والمعين على ms0644 ~~الغدر شريك للغادر ، كما أن المزين للفجور شريك للفاجر . وقال أبو حنيفة : ~~لا خير فيمن لا يصون ماله ليصون به عرضه ، ويصل به رحمه ويستغني به عن لئام ~~الناس ، قال عبد الله بن المعتز : أعاذل ليس البخل مني سجية . . . ولكن ~~وجدت الفقر شر سبيل لموت الفتى خير من البخل للفتى . . . وللبخل خير من ~~سؤال بخيل PageV03P0291 # """""" صفحة رقم 292 """""" وكان داود بن علي يقول : لأن يترك الرجل ماله ~~لأعدائه ، خير من الحاجة في حياته لأوليائه ، قال الشاعر : مال يخلفه الفتى ~~. . . للشامتين من العدا خير له من قصده . . . إخوانه مسترفدا وقال سفيان ~~الثوري : لأن أخلف عشرة آلاف درهم أحاسب عليها ، أحب إلي من أن أحتاج إلى ~~الناس ، وقال : كان المال فيما مضى يكره ، وأما اليوم فهو يزين المؤمن ، ~~وجاءه رجل فقال له : يا أبا عبد الله ، تمسك هذه الدنانير فقال : اسكت ، ~~فلولاها لتمندلتنا هؤلاء الملوك ، ولكن من كان في يده منها شيء فليصلحه ، ~~فإنه زمان من احتاج فيه كان أول ما يبذل دينه . وقال المنصور لمحمد بن ~~مروان التميمي : إنك لسيد لولا جمود فيك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إني ~~لأجمد في الحق ، ولا أذوب في الباطل . وكان محمد بن الجهم يقول : من وهب من ~~عمله ، فهو أحمق ، ومن وهب بعد العزل ، فهو مجنون ، ومن وهب من جوائز ملوكه ~~أو ميراثه ، فهو مخذول ، ومن وهب من كسبه وما استفاده بحيلة ، فهو المطبوع ~~على قلبه ، المأخوذ ببصره وسمعه . وسأل رجل زياد بن أبيه ، فأعطاه درهما ، ~~فقال : صاحب العراقين أسأله فيعطيني درهما ؟ فقال له زياد : من بيده خزائن ~~السموات والأرض ربما رزق أخص عباده عنده وأكرمهم لديه التمرة واللقمة ، وما ~~يكبر عندي أن أصل رجلا بمائة ألف درهم ، ولا يصغر أن أعطي سائلا رغيفا ، إن ~~كان رب العالمين فعل ذلك . قال PageV03P0292 # """""" صفحة رقم 293 """""" الشاعر : يا رب جود جر فقر امريء . . . فقام ~~للناس مقام الذليل فاشدد عرى مالك واستبقه . . . فالبخل خير من سؤال البخيل ~~وقال الشريف بن الهبارية : لأصونن درهمي . . . فهو لا شك صائني لم ms0645 يعني ابن ~~والدي . . . وصحيحي أعانني وقال أيضا : لله در دراهمي . . . فهي التي أعلت ~~مكاني لولا الغنى عن صاحبي . . . لأحلني دار الهوان وقال آخر : كن بما ~~أوتيته مغتبطا . . . تستدم عيش القنوع المكتفي إن في نيل المنى وشك الردى . ~~. . واجتناب القصد عين السرف كسراج دهنه قوت له . . . فإذا غرقته فيه طفى ~~ومن ذلك رسالة كتبها سهل بن هارون ، وقد عيب عليه أمور من البخل ، فاعتذر ~~عنها واحتج فقال : أصلح الله أمركم ، وجمع شملكم ، وعلمكم الخير ، وجعلكم ~~من أهله ، قال الأحنف بن قيس : يا بني تميم ، لا تسرعوا إلى الفتنة ، فإن ~~أسرع الناس إلى القتال ، أقلهم حياء من الفرار ، وكانوا يقولون : إذا أردت ~~أن ترى العيوب جمة ، فتأمل عيابا فإنه يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب ، ~~ومن أعيب العيب أن تعيب ما ليس بعيب ، وقبيح أن تنهي مرشدا أو تغري مشفقا ، ~~وما أريد بما قلت إلا هدايتكم وتقويمكم وصلاح فسادكم ، وإبقاء النعمة عليكم ~~، ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم ، فما أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا وبينكم ~~، ثم قد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما اخترناه لأنفسنا قبلكم ، وشهرنا به ~~في الآفاق دونكم ، ثم نقول في PageV03P0293 # """""" صفحة رقم 294 """""" ذلك ما قال العبد الصالح لقومه : وما أريد أن ~~أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا ~~بالله عليه توكلت وإليه أنيب . فما كان أحقكم في كريم حرمتنا بكم أن ترعوا ~~حق قصدنا بذلك إليكم ، على ما رعيناه من واجب حقكم ، فلا العذر المبسوط ~~بلغتم ، ولا بواجب الحرمة قمتم ، ولو كان ذكر العيوب برا وفخرا ، لرأينا في ~~أنفسنا عن ذلك شغلا ، عبتموني بقولي لخادمي : أجيدي العجين فيكون أطيب ~~لطعمه ، وأزيد في ريعه ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أملكوا العجين ~~فإنه أحد الريعين ، وعبتموني حين ختمت على سل عظيم ، وفيه شيء ثمين من ~~فاكهة نفيسة ، ومن رطبة غريبة ، على عبد نهم ، وصبي جشع ، وأمه لكعاء ، ~~وزوجة مضيعة ، وليس بين أهل الأدب ، ولا في ترتيب الحكم ، ولا في عادات ms0646 ~~القادة ، ولا في تدبير السادة ، أن يستوي في نفيس المأكول ، وغريب المشروب ~~، وثمين الملبوس ، وخطير المركوب التابع والمتبوع ، والسيد والمسود ، كما ~~لا تستوي مواضعهم في المجالس ، ومواقع أسمائهم في العنوانات ، ومن شاء أطعم ~~كلبه الدجاجة السمينة ، وعلف حماره السمسم المقشر ، وعبتموني بالختم ، وقد ~~ختم بعض الأئمة على مد سويق ، وختم على كيس فارغ ، وقال طينة خير من ظنه ، ~~فأمسكتم عمن ختم على لا شيء ، وعبتم على من ختم على شيء ، وعبتموني أيضا ، ~~أن قلت للغلام : إذا زدت في المرق ، فزد في الإنضاج ، ليجتمع مع التأدم ~~باللحم طيب المرق ، وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " إذا طبخ أحدكم ~~لحما ، فليزد من الماء ، فمن لم يصب لحما أصاب مرقا " . وعبتموني بخصف ~~النعل ، وبتصدير القميص ، وحين زعمت أن المخصوفة من النعل أبقى وأقوى وأشبه ~~بالنسك ، وأن الترفيع من الحزم ، والتفريق من التضييع ، والاجتماع مع الحفظ ~~، وقد كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يخصف نعله ، ويرقع ثوبه ، ويلطع ~~أصابعه ، ويقول : " لو أهدي إلى كراع لقبلت ، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت " . ~~وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " من لم يستحي من الخلال ، خفت مؤنته ، وقل ~~كبره " . وقالت الحكماء : لا جديد لمن لم يلبس الخلق ، وبعث زياد رجلا ~~يرتاد له محدثا ، واشترط عليه أن يكون عاقلا ، فأتاه به موافقا ، فقال له : ~~أكنت به ذا معرفة ؟ قال : لا ، ولكني PageV03P0294 # """""" صفحة رقم 295 """""" رأيته في يوم قائظ ، يلبس خلقا ، ويلبس الناس ~~جديدا ، فتفرست فيه العقل والأدب ، وقد علمت أن الخلق في موضعه ، مثل ~~الجديد في موضعه ، وقد جعل الله لكل شيء قدرا ، وسمي له موضعا ، كما جعل ~~لكل زمان حالا ، ولكل مقام مقالا ، وقد أحيا الله بالسم ، وأمات بالغذاء ، ~~وأغص بالماء ، وقتل بالدواء ، وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكاسبين ، كما ~~زعموا أن قلة العيال أحد اليسارين ، وقد جبر الأحنف بن قيس يد عنز وأمر ~~مالك بن أنس بفرك البعر ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من أكل بيضة ~~فقد أكل دجاجة ، ولبس سالم بن عبد الله جلد أضحية ms0647 ، وقال رجل لبعض الحكماء ~~: أريد أن أهدي لك دجاجة ، قال : إن كان لا بد ، فاجعلها بيوضا ، وعبتموني ~~حين قلت : من لم يعرف مواضع السرف في الموجود الرخيص لم يعرف مواضع ~~الاقتصاد في الممتنع الغالي ، وقد أتيت بماء للوضوء على مبلغ الكفاية ، ~~وأشف من الكفاية ، فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء ، وإلى التوفير ~~عليها من وظيفة الماء ، وجدت في الأعضاء فضلا عن الماء ، فعلمت أن لو كنت ~~مكنت الاقتصاد في أوائله لخرج أوله على كفاية آخره ، ولكان نصيب الأول ~~كنصيب الآخر ، فعبتموني بذلك وشنعتموه علي ، وقد قال الحسن وذكر السرف : ~~أما إنه ليكون في الماء والكلا ، فلم يرض بذكر الماء حتى أردفه بالكلا ، ~~وعبتموني إلى قلت : لا يغترن أحد بطول عمره ، وتقويس ظهره ، ورقة عظمه ، ~~ووهن قوته ، وأن برى دخله أكثر من رزقه فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من يده ، ~~وتحويله إلى ملك غيره ، أو تحكيم السرف فيه ، وتسليط الشهوات عليه ، فلعله ~~أن يكون معمرا وهو لا يدري وممدودا له في السن وهو لا يشعر ، ولعله أن يرزق ~~الولد على اليأس ، وتحدث عليه آفات الكبر ما لا يخطر على باله ، ولا يدركه ~~عقله ، فيسترده ممن لا يرده ، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه ، أضعف ما كان ~~عن الطلب ، وأقبح ما كان له أن يطلب ، فعبتموني بذلك ، وقال عمرو بن العاص ~~: اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا ، واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا ، وعبتموني ~~بأن قلت : إن التلف والتبذير إلى مال المواريث ، وأموال الملوك ، وإن الحفظ ~~إلى المال المكتسب ، والغنى المجتلب ، وإلى ما يعرض فيه بذهاب الدين ، ~~واهتضام العرض ، ونصب البدن ، واهتمام القلب أسرع ، ومن لم يحسب نفقته لم ~~يحسب دخله ، ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع المال ، ومن لم يعرف للغنى قدره ~~فقد أذن بالفقر ، وطاب نفسا بالذل ، وعبتموني بأن زعمت أن كسب الحلال ، ~~مضمن بالإنفاق في الحلال ، وأن الخبيث ينزع إلى الخبيث ، وأن الطيب يدعو ~~إلى PageV03P0295 # """""" صفحة رقم 296 """""" الطيب ، وأن الإنفاق في الهوى ، حجاب دون ~~الحقوق ، وأن الإنفاق ms0648 في الحقوق حجاب دون الهوى ، فعبتم علي هذا القول ، ~~وقد قال معاوية بن أبي سفيان : لم أر تبذيرا قط ، إلا وإلى جنبه حق مضيع ، ~~وقال الحسن : إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب الرجل ماله ، فانظروا في أي ~~شيء ينفقه ، فإن الخبيث إنما ينفق في السرف ، وقلت لكم بالشفقة عليكم ، ~~وحسن النظر مني إليكم ، أنتم في دار الآفات ، والجوائح غير مأمونات ، فإن ~~أحاطت بمال أحدكم آفة ، لم يرجع إلى ثقة ، فاحذروا النقم ، باختلاف الأمكنة ~~، فإن البلية لا تجري في الجميع ، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ~~العبد ، والأمة ، والشاة ، والبعير : فرقوا بين المنايا ، واجعلوا الرأس ~~رأسين ، وقال ابن سيرين لبعض البحريين : كيف تصنعون في أموالكم ؟ قالوا : ~~نفرقها في السفن ، فإن عطب بعض ، سلم بعض ، ولولا أن السلامة أكثر ، ما ~~حملنا أموالنا في البحر ، فقال ابن سيرين : تحسبها خرقاء وهي صناع ، ~~وعبتموني بأن قلت لكم عند إشفاقي عليكم : إن للغنى سكرا ، والمال نزوة ، ~~فمن لم يحفظ الغنى من سكره ، فقد أضاعه ، ومن لم يرتبط المال لخوف الفقر ~~فقد أهمله ، فعبتموني بذلك ، وقد قال زيد بن جبلة : ليس أحد أقصر عقلا ، من ~~غنى أمن الفقر ، وسكر الغنى أشد من سكر الخمر ، وقد قال الشاعر في يحيى ابن ~~خالد : رن أحد بطول عمره ، وتقويس ظهره ، ورقة عظمه ، ووهن قوته ، وأن برى ~~دخله أكثر من رزقه فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من يده ، وتحويله إلى ملك ~~غيره ، أو تحكيم السرف فيه ، وتسليط الشهوات عليه ، فلعله أن يكون معمرا ~~وهو لا يدري وممدودا له في السن وهو لا يشعر ، ولعله أن يرزق الولد على ~~اليأس ، وتحدث عليه آفات الكبر ما لا يخطر على باله ، ولا يدركه عقله ، ~~فيسترده ممن لا يرده ، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه ، أضعف ما كان عن ~~الطلب ، وأقبح ما كان له أن يطلب ، فعبتموني بذلك ، وقال عمرو بن العاص : ~~اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا ، واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا ، وعبتموني ~~بأن قلت : إن التلف والتبذير ms0649 إلى مال المواريث ، وأموال الملوك ، وإن الحفظ ~~إلى المال المكتسب ، والغنى المجتلب ، وإلى ما يعرض فيه بذهاب الدين ، ~~واهتضام العرض ، ونصب البدن ، واهتمام القلب أسرع ، ومن لم يحسب نفقته لم ~~يحسب دخله ، ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع المال ، ومن لم يعرف للغنى قدره ~~فقد أذن بالفقر ، وطاب نفسا بالذل ، وعبتموني بأن زعمت أن كسب الحلال ، ~~مضمن بالإنفاق في الحلال ، وأن الخبيث ينزع إلى الخبيث ، وأن الطيب يدعو ~~إلى الطيب ، وأن الإنفاق في الهوى ، حجاب دون الحقوق ، وأن الإنفاق في ~~الحقوق حجاب دون الهوى ، فعبتم علي هذا القول ، وقد قال معاوية بن أبي ~~سفيان : لم أر تبذيرا قط ، إلا وإلى جنبه حق مضيع ، وقال الحسن : إذا أردتم ~~أن تعرفوا من أين أصاب الرجل ماله ، فانظروا في أي شيء ينفقه ، فإن الخبيث ~~إنما ينفق في السرف ، وقلت لكم بالشفقة عليكم ، وحسن النظر مني إليكم ، ~~أنتم في دار الآفات ، والجوائح غير مأمونات ، فإن أحاطت بمال أحدكم آفة ، ~~لم يرجع إلى ثقة ، فاحذروا النقم ، باختلاف الأمكنة ، فإن البلية لا تجري ~~في الجميع ، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العبد ، والأمة ، ~~والشاة ، والبعير : فرقوا بين المنايا ، واجعلوا الرأس رأسين ، وقال ابن ~~سيرين لبعض البحريين : كيف تصنعون في أموالكم ؟ قالوا : نفرقها في السفن ، ~~فإن عطب بعض ، سلم بعض ، ولولا أن السلامة أكثر ، ما حملنا أموالنا في ~~البحر ، فقال ابن سيرين : تحسبها خرقاء وهي صناع ، وعبتموني بأن قلت لكم ~~عند إشفاقي عليكم : إن للغنى سكرا ، والمال نزوة ، فمن لم يحفظ الغنى من ~~سكره ، فقد أضاعه ، ومن لم يرتبط المال لخوف الفقر فقد أهمله ، فعبتموني ~~بذلك ، وقد قال زيد بن جبلة : ليس أحد أقصر عقلا ، من غنى أمن الفقر ، وسكر ~~الغنى أشد من سكر الخمر ، وقد قال الشاعر في يحيى ابن خالد : وهوب تلاد ~~المال فيما ينوبه . . . منوع إذا ما منعه كان أحزما وعبتموني حين زعمتم ، ~~أني أقدم المال على العلم ، لأن المال به يفاد العلم ، وبه تقوم النفس ، ~~قبل أن يعرف فضل العلم ms0650 ، فهو أصل ، والأصل أحق بالتفضيل من الفرع ، فقلتم . ~~كيف هذا ؟ وقد قيل لبعض الحكماء : الأغنياء أفضل أم العلماء ؟ فقال : ~~العلماء ، قيل له : فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء ، أكثر مما يأتي ~~الأغنياء أبواب العلماء ؟ قال : ذلك لمعرفة العلماء بحق المال ، وجهل ~~الأغنياء بحق العلم ، فقلت : حالهما هي القاضية بينهما ، وكيف يستوي شيء ~~حاجة العلماء إليه ، وشيء يغني فيه PageV03P0296 # """""" صفحة رقم 297 """""" بعضهم عن بعض ، وكان النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم ، والفقراء باتخاذ الدجاج ، وقال أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه : إني لأبغض أهل البيت ينفقون نفقة الأيام في ~~اليوم الواحد ، وكان أبو الأسود الدؤلي يقول لولده : إذا بسط الله لك في ~~الرزق فابسط ، وإذا قبض فاقبض ، وعبتموني حين قلت : إن فضل الغنى عن القوت ~~، إنما هو كفضل الآلة تكون في البيت ، إن احتيج إليها استعملت ، وإن استغنى ~~عنها كانت عدة ، وقد قال الحصين بن المنذر : وددت أن لي مثل أحد ذهبا لا ~~أنتفع منه بشيء ، قيل له : فما كنت تصنع به ؟ قال : لكثرة من كان يخدمني ~~عليه ، لأن المال مخدوم ، وقال بعض الحكماء : عليك بطلب الغنى ، فلو لم يكن ~~فيه إلا أنه عز في قلبك ، وذل في قلب عدوك لكان الحظ فيه جسيما ، والنفع ~~عظيما ، ولسنا ندع سيرة الأنبياء ، وتأدب الخلفاء ، وتعليم الحكماء ، ~~لأصحاب الهوى ، فلستم علي تردون ، ولا رأيي تفندون ، فقدموا النظر قبل ~~العزم ، وأدركوا ما عليكم من قبل أن تدركوا مالكم ، والسلام . ومن نوادر ~~البخلاء ، قال رجل لبعض البخلاء : لم لا تدعوني إلى طعامك ؟ قال : لأنك جيد ~~المضغ سريع البلع ، إذا أكلت لقمة هيأت أخرى ، قال : يا أخي أتريد إذا أكلت ~~عندك أن أصلي ركعتين بين كل لقمتين ؟ وقال آخر لبخيل : لم لا تدعوني إلى ~~طعامك ؟ قال : لأنك تعلق ، وتشدق ، وتحدق ، أي تحمل واحدة في يدك ، وأخرى ~~في شدقك ، وتنظر إلى الأخرى بعينك . وقال بعض البخلاء : أنا لا آكل إلا نصف ~~الليل ، قيل له : ولم ؟ قال يبرد الماء ، وينقمع الذباب ، وآمن فجأة الداخل ~~، وصرخة ms0651 السائل . وطبخ بعض البخلاء قدرا ، وجلس يأكل مع زوجته فقال : ما ~~أطيب هذا الطعام لولا كثرة الزحام ، فقالت : وأي زحام وما ثم إلا أنا وأنت ~~؟ قال : كنت أحب أن أكون أنا والقدر . وقال بعض البخلاء لغلامه : هات ~~الطعام ، وأغلق الباب ، فقال : يا مولاي ، ليس هذا بحزم ، وإنما أغلق الباب ~~، وأقدم الطعام ، فقال له : أنت حر لوجه الله . وعزم بعض إخوان أشعب عليه ~~ليأكل عنده ، فقال : إني أخاف من ثقيل يأكل معنا فينغص لذتنا ، فقال : ليس ~~عندي إلا ما تحب فمضى معه فبينما هما يأكلان ، إذا بالباب قد طرق ، فقال ~~أشعب : ما أرانا إلا صرنا لما نكره ، فقال صاحب المنزل : إنه PageV03P0297 # """""" صفحة رقم 298 """""" صديق لي ، وفيه عشر خصال ، إن كرهت منها ~~واحدة لم آذن له ، فقال أشعب : هات ، قال : أولها ، أنه لا يأكل ولا يشرب ، ~~فقال : التسع لك ودعه يدخل ، فقد أمنا منه ما نخافه . ذكر ما قيل في ~~التطفيل ويتصل به أخبار الأكلة والمؤاكلة والتطفيل من اللؤم ، وهو التعرض ~~إلى الطعام ، من غير أن يدعى إليه ، وسنذكر تلو هذا الفصل آداب الأكل ، ~~والمؤاكلة ، والاقتصاد في المطاعم ، والعفة عنها ، وما يجري هذا المجرى ، ~~وإن كان خارجا عنه ، وإنما الشيء يذكر بالشيء ، والعرب تقول للطفيلي : ~~الوارش ، والراشن ، قيل : هو مشتق من الطفل ، وهو الظلمة لأن الفقير من ~~العرب كان يحضر الطعام الذي لم يدع إليه مستترا بالظلمة ، لئلا يعرف . وقيل ~~: سمي بذلك ، لإظلام أمره على الناس ، لا يدري من دعاه ، وقيل : بل من ~~الطفل لهجومه على الناس كهجوم الليل على النهار ، فيكون من الظلمة ، ولذلك ~~قيل : " أطفل من ليل على نهار " ، وأول من سمي بهذا الاسم : طفيل العرائس ، ~~وإليه ينسب الطفيليون ، وكان يقول لأصحابه : إذا دخل أحدكم عرسا ، فلا ~~يلتفت تلفت المريب ، ويتخير المجالس ، وإن كان العرس كثير الزحام ، فليمض ~~ولا ينظر في عيون الناس ، ليظن أهل المرأة أنه من أهل الرجل ، ويظن أهل ~~الرجل أنه من أهل المرأة ، وإن كان البواب غليظا فاحشا ، فليبدأ به ، ~~ويأمره وينهاه من غير أن ms0652 يعنف عليه ، ولكن بين النصيحة والإدلال . وأشهر من ~~نسب إليه هذا الاسم ، وكثرت عنه الحكايات ، بنان الطفيلي ، وهو عبد الله بن ~~عثمان ، ويكنى أبا الحسن ، ولقبه بنان ، وأصله مروزي وأقام ببغداد ، وكان ~~نقش خاتمه ، مالكم لا تأكلون . حكي أن رجلا سأله أن يدعو له ، فقال : اللهم ~~ارزقه صحة الجسم وكثرة الأكل ، ودوام الشهوة ، ونقاء المعدة ، وأمتعه بضرس ~~طحون ، ومعدة هضوم ، مع السعة والدعة ، والأمن والعافية ، وقال يوصي بعض ~~أصحابه : إذا قعدت على مائدة وكان موضعك ضيقا فقل للذي يليك : لعلى ضيقت ~~عليك فإنه يتأخر إلى خلف ، ويقول : موضعي واسع ، فيتسع عليك موضع رجل ، ~~PageV03P0298 # """""" صفحة رقم 299 """""" وقال له طفيلي : أوصني ، فقال : لا تصادفن من ~~الطعام شيئا ، فترفع يدك عنه وتقول : لعلي أصادف ما هو أطيب منه ، فإن هذا ~~عجز ووهن ، قال : زدني ، قال : إذا وجدت خبزا فيه قلة ، فكل الحروف ، فإن ~~كان كثيرا فكل الأوساط ، قال : زدني قال : لا تكثر شرب الماء وأنت تأكل ، ~~فإنه يصدك عن الأكل ، ويمنعك من أن تستوفي ، قال : زدني ، قال : إذا وجدت ~~الطعام ، فكل منه أكل من لم يره قط ، وتزود منه زاد من لا يراه أبدا ، قال ~~: زدني ، قال : إذا وجدت الطعام ، فاجعله زادك إلى الله تعالى ، وقال : إذا ~~دعاك صديق لك ، فاقعد يمنة البيت فإنك ترى ما تحب ، وتسودهم في كل شيء ، ~~وتسبقهم إلى كل خير ، وأنت أول من يغسل يده والمنديل جاف ، والماء واسع ، ~~والخوان بين يديك يوضع ، والنبيذ أول القنينة ، ورأسها تشربه ، والنقل ~~منتخب ، يوضع بين يديك ، وتكون أول من يتبخر ، فإذا أردت أن تقوم لحاجة لم ~~تحتج أن تتخطاهم ، وأنت في كل سرور إلى أن تنصرف . قال البديع الهمذاني في ~~طفيليين يشبههم ببنان : خلفتم بنانا فكم من أديب . . . من الغيظ عض عليكم ~~بنانا إذا ما النهار بدا ضوءه . . . غدوتم خماصا ورحتم بطانا ومنهم : عثمان ~~بن دراج ، قيل له : كيف تصنع إذا لم يدخلك أهل العرس ؟ قال : أنوح على ~~الباب ، فيتطيرون فيدخلونني . وحكي أبو الفرج الأصفهاني : أن عثمان هذا ، ~~كان يلزم ms0653 سعيد بن عبد الكريم الخطابي أحد ولد زيد بن الخطاب ، فقال له : ~~ويحك إني أبخل بأدبك وعلمك ، وأضن بك عما أنت فيه من التطفيل ولي وظيفة ~~راتبة في كل يوم ، فالزمني وكن مدعوا ، أصلح لك مما تفعل ، فقال : يرحمك ~~الله فأين لذة الجديد ، وطيب التنقل كل يوم إلى مكان ؟ وأين هويناك ووظيفتك ~~من احتفال العرس ؟ وأين ألوانك من ألوان الوليمة ؟ قال : فأما إذا ثبت ذاك ~~: فإذا ضاقت عليك المذاهب فأتني قال : أما هذا فنعم ، قال : وقال له رجل : ~~ما هذه الصفرة التي في لونك ؟ قال : من الفترة التي بين القصعتين ، ومن ~~خوفي في كل يوم من نفاد الطعام قبل أن أشبع ، وقيل له مرة : هل تعرف بستان ~~فلان ؟ فقال : إي والله ، وإنه للجنة الحاضرة في الدنيا ، قيل له : فلم لا ~~تدخل إليه فتأكل من ثماره ، وتقيل تحت PageV03P0299 # """""" صفحة رقم 300 """""" أشجاره ، وتسبح في أنهاره ؟ قال : لأن فيه ~~كلبا لا يتمضمض إلا بدماء عراقيب الرجال ، وعثمان هذا الذي يقول : لذة ~~التطفيل دومي . . . وأقيمي لا تريمي أنت تشفين غليلي . . . وتسلين همومي ~~ولهم أخبار وحكايات ، منها : ما نقل عن نصر بن علي الجهضمي أنه قال : كان ~~لي جار طفيلي ، إذا دعيت إلى مدعاة ركب معي وجلس حيث أجلس ، فيأكل وينصرف ، ~~وكان نظيفا عطرا ، حسن اللباس والمركب ، وكنت لا أعرف من أمره إلا الظاهر ، ~~فاتفق لجعفر بن القاسم الهاشمي حق دعا له أشراف البصرة ووجوهها ، وهو يومئذ ~~أمير البصرة ، فقلت في نفسي : إن تبعني هذا الرجل إلى دار الأمير لأخزيته ، ~~فلما كان يوم الحضور ، جاءني الرسول ، فركبت ، وإذا به قد تبعني حتى دخل ~~بدخولي ، وارتفع حيث أجلست ، فلما حضرنا الطعام ، قلت : حدثنا درست ابن ~~زياد عن أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " من دخل إلى دار قوم بغير إذنهم ، دخل سارقا ، وخرج مغيرا ، ~~ومن دعي ولم يجب فقد عصى الله ورسوله " . فظننت أني قد أشرفت على الرجل ~~وقصرت من لسانه ، فأقبل علي وقال : أعيذك ms0654 بالله من هذا الكلام في دار ~~الأمير ، فإن الأشراف لا يحتملون التعريض باللؤم ، وقد حظر الدين التعريض ، ~~وعزر عليه عمر رضي الله عنه ، ووليمة الأمير دعاء لأهل مصره فإنه سليل أهل ~~السقاية ، والرفادة ، والمطعمين الأفضلين الذين هشموا الثريد ، وأبرزوا ~~الجفان لمن غدا إليها ، ثم لا توزع وأنت في بيت من العلم معروف من أن تحدت ~~عن درست بن زياد وهو ضعيف عن أبان ابن طارق وهو متروك الحديث بحكم رفعه ~~الله إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، والمسلمون على خلافه ، لأن حكم ~~السارق القطع ، والمغير يعزر على ما يراه الإمام ، وهذان حكمان لا ينفذان ~~على داخل دارا في مجمع فيتناول لقما من فضل الله الذي آتي أهلها ثم لا يحدث ~~حدثا حتى يخرج عنها ، وقد قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " طعام ~~الواحد يكفي الاثنين ، وطعام الاثنين يكفي الأربعة " . حدثنا بذلك أبو عاصم ~~النبيل عن ابن جريح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، فأين أنت عن هذا الحديث الصحيح الإسناد والمتن ؟ قال نصر : فأصابتني خجلة ~~شديدة ، فلما نظر الرجل إلى ما بي أكل ونهض قبلي ، فلما خرجت وجدته واقفا ~~على دابته بالباب ، فلما رآني تبعني ، ولم يكلمني ولم أكلمه ، إلا أنني ~~سمعته يتمثل : ومن ظن ممن يلاقي الحروب . . . بأن لا يصاب فقد ظن عجزا ~~PageV03P0300 # """""" صفحة رقم 301 """""" وقيل : مر طفيلي بسكة النخع بالبصرة على قوم ~~، وعندهم وليمة ، فاقتحم عليهم ، وأخذ مجلسه مع من دعي ، فأنكره صاحب ~~المنزل ، فقال له : لو تأنيت أو وقفت حتى يؤذن لك ، أو يبعث إليك ، فقال : ~~إنما اتخذت البيوت ليدخل إليها ، ووضعت الموائد ليؤكل ما عليها ، وما وجهت ~~بهدية فأتوقع الدعوة ، والحشمة قطيعة ، واطراحها صلة ، وقد جاء في الأثر : ~~" صل من قطعك ، وأعط من حرمك " ، ثم أنشد : كل يوم أدور في عرصة الدا . . . ~~ر أشم القتار شم الذباب فإذا ما رأيت آثار عرس . . . أو دخانا أو دعوة ~~الأصحاب لم أعرج دون التقحم لا أر . . . هب شتما ولكزة البواب مستهينا بمن ~~دخلت ms0655 عليه . . . غير مستأذن ولا هياب فتراني ألف بالرغم منه . . . كل ما ~~قدموه لف العقاب ووصف طفيلي نفسه فقال : نحن قوم إذا دعينا أجبنا . . . ~~ومتى ننس يدعنا التطفيل قولنا علنا دعينا فغبنا . . . أو أتانا فلم يجدنا ~~الرسول وقال آخر : نحن قوم نحب هدى رسول ال . . . له هديا به الصواب أصبنا ~~فادعنا كلما بسطت فإنا . . . لو دعينا إلى كراع أجبنا وقال آخر : نحن قوم ~~إن جفا النا . . . س وصلنا من جفانا لا نبالي صاحب الدا . . . ر نسينا أم ~~دعانا وقال آخر وقد أقبل إلى طعام ، من غير أن يدعي إليه فقال له صاحب ~~الصنيع : من دعاك ؟ فأنشد : دعوت نفسي حين لم تدعني . . . فالحمد لي لا لك ~~في الدعوة وكان ذا أحسن من موعد . . . إخلافه يدعو إلى جفوة PageV03P0301 # """""" صفحة رقم 302 """""" وقد مدح أبو روح ظفر بن عبد الله الهروي ~~طفيليا ولم يسبق إليه ، فقال : إن الطفيلي لي حرمة . . . زادت على حرمة ~~ندماني لأنه جاء ولم أدعه . . . مبتدئا منه بإحسان ودخل طفيلي إلى قوم ~~فقالوا له : ما دعوناك فما الذي جاء بك ؟ فقال : إذا لم تدعوني ولم آت ، ~~وقعت وحشة ، فضحكوا منه وقربوه . وقيل : مر طفيلي على قوم يتغدون ، فقال : ~~سلام عليكم معشر اللئام ، فقالوا : لا والله بل كرام ، فثنى ركبته ونزل ، ~~وقال : اللهم اجعلهم من الصادقين ، واجعلني من الكاذبين . قال هشام أخوذي ~~الرمة لرجل أراد سفرا : إن لكل رفقة كلبا يشركهم في فضلة الزاد ، فإن ~~استطعت أن لا تكون كلب الرفاق فافعل . ونظر طفيلي إلى قوم من الزنادقة يسار ~~بهم إلى القتل ، فظنهم يدعون إلى صنيع ، فتلطف حتى دخل في لفيفهم وصار ~~كواحد منهم ، فلما بلغوا صاحب الشرطة ، أمر بضرب أعناقهم ، فقدموا واحدا ~~بعد واحد حتى انتهوا إلى الطفيلي فلما قدم للقتل التفت إلى صاحب الشرطة ، ~~فقال له : إني والله ما أنا منهم ، ولا أعلم بما يدينون ، وإنما أنا طفيلي ~~ظننتهم يذهب بهم إلى صنيع ، فتلطفت حتى دخلت في جملتهم ، فقال ليس هذا مما ~~ينجيك ، اضربوا عنقه ، فقال : أصلحك الله ، إن كنت ms0656 عزمت على قتلي ، فأمر ~~السياف أن يضرب بطني بالسيف ، فإنه هو الذي أوقعني في هذه الورطة ، فضحك ، ~~وكشف عنه ، فأخبر أنه طفيلي معروف ، فخلي سبيله . وحكي أن المأمون أمر أن ~~يحمل إليه عشرة من الزنادقة سموا له من أهل البصرة ، فجمعوا ، فأبصرهم ~~طفيلي ، فقال : ما اجتمعوا إلا لصنيع ، فدخل في وسطهم ومضى بهم الموكلون ، ~~حتى انتهوا إلى زورق قد أعد لهم ، قال الطفيلي : هي نزهة ، فدخل معهم ~~الزورق ، فلم يكن بأسرع من أن قيدوا ، وقيد معهم الطفيلي ، ثم سير بهم إلى ~~بغداد ، فأدخلوا على المأمون ، فجعل يدعوهم بأسمائهم رجلا رجلا ، ويأمر ~~بضرب أعناقهم ، حتى وصل إلى الطفيلي ، وقد استوفى العدة ، فقال للموكلين : ~~ما هذا ؟ قالوا : والله ما ندري ، غير أنا وجدناه مع القوم ، فجئنا به ، ~~فقال له المأمون : ما قصتك ؟ ويلك فقال يا أمير المؤمنين : امرأتي طالق إن ~~كنت PageV03P0302 # """""" صفحة رقم 303 """""" أعرف من أقاويلهم شيئا ولا مما يدينون به ، ~~وإنما أنا رجل طفيلي ، رأيتهم مجتمعين فظننت صنيعا يدعون إليه ، فضحك ~~المأمون وقال : يؤدب ، وكان إبراهيم بن المهدي قائما على رأس المأمون فقال ~~: يا أمير المؤمنين ، هب لي أدبه وأحدثك بحديث عجيب عن نفسي ، قال : قل يا ~~إبراهيم ، قال : يا أمير المؤمنين ، خرجت من عندك يوما ، فطفت في سكك بغداد ~~متطرفا ، حتى انتهيت إلى موضع كذا ، فشممت من قتار أبا زير قدور قد فاح ، ~~فتاقت نفسي إليها ، وإلى طيب ريحها ، فوقفت إلى خياط ، فقلت له : لمن هذه ~~الدار ؟ فقال : لرجل من التجار ، قلت : ما اسمه ؟ قال : فلان بن فلان ، ~~فرميت بطرفي إلى الدار ، فإذا شباك فيها مطل ، وإذا كف قد خرج من الشباك ~~ومعصم ، فشغلني حسن الكف والمعصم عن رائحة القدور ، فبهت ساعة ، ثم أدركني ~~ذهني ، فقلت للخياط : أهو ممن يشرب النبيذ ؟ قال : نعم ، وأحسب أن عنده ~~اليوم دعوة ، وهو لا ينادم إلا تجارا مثله مستورين ، فإني لكذلك ، إذا أقبل ~~رجلان نبيلان راكبان من رأس الدرب ، فقال لي الخياط : هؤلاء منادماه ، فقلت ~~: ما اسماهما وما كناهما ؟ فقال : فلان وفلان ، فحركت ms0657 دابتي وداخلتهما ، ~~وقلت : جعلت فداكما ، قد استبطأكما أبو فلان ، وسايرتهما حتى بلغنا الباب ~~فأجلاني وقدماني ، فدخلت ودخلا ، فلما رآني صاحب المنزل معهما ، لم يشك أني ~~منهما ، فرحب بي وأجلسني في أفضل المواضع ، فجيء يا أمير المؤمنين بمائدة ~~عليها خبز نظيف وأتينا بتلك الألوان ، فكان طعمها أطيب من ريحها ، فقلت في ~~نفسي : هذه الألوان قد أكلتها ، بقيت الكف ، كيف إلى صاحبتها ؟ ثم رفع ~~الطعام ، وجيء بالوضوء ، ثم صرنا إلى مجلس المنادمة ، فإذا أشكل منزل ، ~~وجعل صاحب المنزل يلطف بي ، ويميل علي بالحديث ، حتى إذا شربنا أقداحا ، ~~خرجت علينا جارية ، كأنها بدر ، تتثنى يا أمير المؤمنين كالخيزران ، فأقبلت ~~وسلمت غير خجلة وثنيت لها وسادة ، فجلست عليها ، وأتي بالعود فوضع في حجرها ~~، فجسته فاستبينت حذقها في جسها ، ثم اندفعت تغني : توهمها طرفي فأصبح خدها ~~. . . وفيه مكان الوهم من نظري أثر تصافحها كفى فتؤلم كفها . . . فمن مس ~~كفى في أناملها عقر PageV03P0303 # """""" صفحة رقم 304 """""" فهيجت يا أمير المؤمنين بلابلي ، وطربت لحسن ~~شعرها ، ثم اندفعت تغني : أشرت إليها هل عرفت مودتي . . . فردت بطرف العين ~~إني على العهد فحدت عن الإظهار عمدا لسرها . . . وحادت عن الإظهار أيضا على ~~عمد فصحت يا أمير المؤمنين ، وجاءني من الطرب ما لم أملك نفسي معه ، ثم ~~اندفعت فغنت الصوت الثالث : أليس عجيبا أن بيتا يضمني . . . وإياك لا نخلو ~~ولا نتكلم سوى أعين تشكو الهوى بجفونها . . . وتقطيع أكباد على النار تضرم ~~إشارة أفواه وغمز حواجب . . . وتكسير أجفان وكف تسلم فحسدتها والله يا أمير ~~المؤمنين على حدقها ومعرفتها بالغناء ، وإصابتها لمعنى الشعر ، فقلت : بقي ~~عليك يا جارية ، فضربت بالعود على الأرض ، وقالت : متى كنتم تحضرون مجالسكم ~~البغضاء ؟ فندمت على ما كان مني ، ورأيت القوم قد تغيروا لي ، فقلت : أما ~~عندكم عود غير هذا ؟ قالوا : بلى ، فأتيت بعود ، فأصلحت من شأنه ثم غنيت : ~~ما للمنازل لا يجبن حزينا . . . أصممن أم قدم البلى فبلينا راحوا العشية ~~روحة مذكورة . . . إن متن متنا أو حيين حيينا فما استتممته يا أمير ~~المؤمنين ، حتى قامت الجارية ، فأكبت على ms0658 رجلي تقبلهما ، وقالت : معذرة يا ~~سيدي ، فوالله ما سمعت أحدا يغني هذا الصوت غناءك ، وقام مولاها وأهل ~~المجلس ، ففعلوا كفعلها ، وطرب القوم واستحثوا الشرب فشربوا ، ثم اندفعت ~~أغني : أفي الحق أن تمشي ولا تذكرنني . . . وقد همعت عيناي من ذكرها الدما ~~إلى الله أشكو بخلها وسماحتي . . . لها عسل مني وتبذل علقما فردي مصاب ~~القلب أنت قتلته . . . ولا تتركيه ذاهل العقل مغرما فطرب القوم حتى خرجوا ~~من عقولهم ، فأمسكت عنهم ساعة حتى تراجعوا ، ثم غنيت الثالث : هذا محبك ~~مطويا على كمده . . . عبري مدامعه تجري على جسده له يد تسأل الرحمن راحته . ~~. . مما به ويد أخرى على كبده PageV03P0304 # """""" صفحة رقم 305 """""" فجعلت الجارية تصيح : هذا الغناء والله يا ~~سيدي ، لا ما كنا فيه منذ اليوم ، وسكر القوم ، وكان صاحب المنزل حسن الشرب ~~، صحيح العقل ، فأمر غلمانه أن يخرجوهم ويحفظوهم إلى منازلهم ، وخلوت معه ، ~~فلما شربنا أقداحا ، قال : يا سيدي ، ذهب ما مضى من أيامي ضياعا ، إذ كنت ~~لا أعرفك ، فمن أنت ؟ ولم يزل يلح علي ، حتى أخبرته الخبر ، فقام وقبل رأسي ~~، وقال : وأنا أعجب أن يكون هذا الأدب إلا لملك ؟ وإني لجالس مع الخلافة ~~ولا أشعر ، ثم سألني عن قصتي ، فأخبرته حتى بلغت إلى صاحبة الكف والمعصم ، ~~فقال للجارية : قومي فقولي لفلانة تنزل ، فلم تزل تنزل جواريه واحدة واحدة ~~، فأنظر إلى كفها ومعصمها ، وأقول : ليس هي هذه حتى قال : والله ما بقي غير ~~أختي وأمي ، والله لأنزلهما إليك ، فعجبت من كرمه وسعة صدره ، فقلت : جعلت ~~فداك ، ابدأ بالأخت قبل الأم فعسى أن تكون هي ، فبرزت ، فلما رأيت كفها ~~ومعصمها ، قلت : هي هذه فأمر غلمانه ، فساروا إلى عشرة مشايخ من جلة جيرانه ~~، فأقبلوا بهم ، وأمر ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم ، ثم قال للمشايخ : هذه ~~أختي فلانة ، أشهدكم أني قد زوجتها من سيدي إبراهيم بن المهدي ، وأمهرتها ~~عنه عشرين ألف درهم ، فرضيت وقبلت النكاح ، فدفع إليها بدرة ، وفرق الأخرى ~~على المشايخ وصرفهم ، ثم قال : يا سيدي ، أمهد بعض البيوت فتنام فيه مع ~~أهلك ، فأحشمني ما ms0659 رأيت من كرمه ، فقلت : أحضر عمارية وأحملها إلى منزلي ، ~~ففعل ، فوالله يا أمير المؤمنين ، لقد أتبعها من الجهاز ما ضاقت عنه بيوتنا ~~، فأولدتها هذا القائم على رأس أمير المؤمنين ، يشير إلى ولده ، فعجب ~~المأمون من كرم الرجل وألحقه في خاصة أهله ، وأطلق الطفيلي وأجازه . ومن ~~إنشاء المولى الفاضل تاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني وهو الذي ~~حاز قصبات السبق في فن الأدب على أترابه ، وفاز من البلاغة بقدحها المعلى ~~في عنفوان شبابه ، رسالة وضعها في هذا الفن ، وصار له بها على أهله غاية ~~المن ، مع نزاهة نفسه الأبية ، وارتفاعه عن المطاعم الدنية ، وإنما وضعها ~~تجربة لخاطره ، وضمها إلى فوائد دفاتره ، وهي : PageV03P0305 # """""" صفحة رقم 306 """""" هذا عهد عهده زارد بن لاقم ، لبالع بن هاجم ، ~~استفتحه بأن قال : الحمد لله مسهل أوقات اللذات وميسرها ، وناظم أسباب ~~الخيرات ومكثرها ، وجاعل أسواق الأفراح قائمة على ساق ، جابرة لمن ورد ~~إليها بأنواع الإرفاد وأجناس الإرفاق ، أحمده على أن أحلنا في منازل ~~السادات ، أرفع الدرجات ، وأحل لنا من الأطعمة الفائقة الطيبات ، وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة تهدينا إلى المقام الرفيع ، ~~وتخصنا بالمحل الجسيم المنيع ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رب المكارم ~~الجسام ، ومعدن الجسارة والإقدام ، الجامع بين فضيلتي الطعان والطعام ، صلى ~~الله عليه وعلى آله أهل السماحة والكرم والإكرام ، صلاة تحل قائلها في ~~غرفات الجنان في دار السلام ، وبعد ، فإن صناعة التطفيل صناعة مهوبة ، ~~وحرفة هي عند الظرفاء محبوبة ، لا يلبس شعارها إلا كل مقدام ، ولا يرفع ~~خافق علمها إلا من عد في حرفته من الأعلام ، ولا يتلو أساطير شهامتها إلا ~~من ارتضع أفاويق الصفاقة ، ولا يهتدي لمنار علائها إلا من نزع عن منكبيه ~~رداء الرقاعة والحماقة ، وكنت والفود غدافي الإهاب ، والغصن ريان من ماء ~~الشباب ، والقد يميس في حلة النشاط ، والقدم تذرع الأرض ذرع الاختباط ، لا ~~يقام سوق وليمة إلا وأنا الساعي إليها ، ولا ترفع أعلام نار مأدبة إلا وكنت ~~الواقف لديها ، أتخذ الدروب شباكا للاصطياد ، وحبائل ms0660 أبلغ بها لذيد ~~الازدراد ، قد جعلت المعطس حليف الهواء ، والقلب نزيل الأهواء ، فحيث عبقت ~~روائح الأبازير من أعالي تلك القصور ، وتمندلت تلك الشوارع بزعفران البرم ~~والقدور ، ألقيت عصا المسير على الباب ، وخلبت بحسن أدبي قلب البواب ، ~~وأوسعت في وصولي ألف حيله ، وجعلتها على ما عندي من حسن فنونها مخيله ، فلا ~~دعوة ، إلا وكنت عليهم دعوة ، ولا وليمة ختان ، إلا وقد طلعت على أرجائها ~~مثل الجان ، ولا سماط تأنيب ، إلا وكنت إليه الساعي المنيب ، ولا مجمع ~~ضيافة ، إلا وكنت عليه أشد PageV03P0306 # """""" صفحة رقم 307 """""" آفة ، ولا ملاك عرس مشهود ، إلا وانتظمت في ~~سلك الشهود ، يحسن في قول القائل : لو طبخت قدر بمطمورة . . . موقدها الشام ~~وأعلى الثغور وأنت في الصين لوافيتها . . . يا عالم الغيب بما في القدور ~~واليوم قد مال القويم إلى الاعوجاج ، وعز بازي الشيب غراب الشعر الداج ، ~~وقيد الزمن أقداما ، ومنعت الشيخوخة إقداما ، وصرت لحما على وضم ، بعد أن ~~كنت نارا على علم ، وقد أفادتني التجربة من هذه الصناعة فنونا ، وتلت علي ~~من محاسنها متونا ، وقد أبقيت لكل مجمع بابا ، وفذلكت لكل مشهد حسابا ، وقد ~~اقتضى حسن الرأي أن أفوض إليك أمرها ، وأودع تأمور قلبك وحسك سرها ، علمي ~~بأنك الكيس الفطن ، بل الألمعي الذرب المرن ، لو عقدت أكلة الولائم بغاب ~~ولجه ، وأحسن بتأنيه الجميل مدخلة ومخرجه ، وقد شاهدت من أعمالك الصالحة ، ~~ما يقال عند ذهابي : ما أشبه الليلة بالبارحة ، وقد عهدت إليك ، واستخرت ~~الله في التعويل عليك ، فمثلك من يخطب للمناصب ، ويتسنم ذروة المراتب ، ~~ودونك ما أنطق به من الوصايا ، واحفظ ما يسرده لسان القلم من جميل المزايا ~~، إياك وموائد اللئام ، وانزل بساحات الكرام ، واتخذ الشروع في الشوارع ~~حرفة ، وأظهر على مشيك صلافة وعفة ، وميز بعينك حسن المساطب ونقش الستور ، ~~وجمال الخدم وقعود الصدور ، واقصد الأبواب العالية ، والأكلة المنقوشة ~~الجالية ، فإن دللت على مأدبة نصبها بعض الأعيان ، وجمع إليها أصحابه ~~الإخوان ، فالبس من ثيابك الجميلة قشيبها ، وضوع بالمندل الرطب طيبها ، ~~وأتقن خبر صاحب الدار وأخباره ، وقف على صدر الشارع من ms0661 الحاره ، فإذا رأيت ~~الجمع وقد تهادوا بالهوادي والأقدام ، وتهادوا فيما بينهم لذيذ الكلام ، ~~تقدم إليهم بقلب قلب الأمور ، وعلم بحسن تطلعه وتضلعه داء الجمهور ، وقل ~~لهم : رب الدار قد استبطالكم ، فما الذي أبطأكم ؟ حتى إذا قاربوا صعود ~~العتبة ، ولم تبق هنالك معتبة ، تقدم رافعالهم الستور ، ومعرفا بمقدار ~~أولئك PageV03P0307 # """""" صفحة رقم 308 """""" الصدور ، فالأضياف ، يعتقدون أنك غلام ~~المضياف ، ورب الحلة ، يعتقد أنك رفيق السادة الجلة ، وإن ولجت مجتمع ختان ~~، وقد نصبت فيه موائد الألوان ، وذرفنت الأبواب ، واكفهرت وجوه الحجاب ، ~~فاجعل تحت ضبنك المجمع ، واخدع قلوبهم فمثلك من يخدع ، وقل : رفيق الأستاذ ~~ومعينه ، ورجله التي يسعى بها بل يمينه ، فحينئذ ترفع الستور ، وتقدم لك ~~أطايب القدور ، وإن رماك القدر على باب غفل عنه صاحبه ، وسها في غلقة حاجبه ~~، وقد مدوا في أوانيه سماطا ، وجعلوا لأوائل من يقدمه فراطا ، وقد تقاربت ~~الزبادي ، وامتدت الأيادي ، ورأيت السماط روضة تخالفت ألوانها ، وامتدت ~~أفنانها ، والموائد فيما بينها أفلاك تدور بصحونها ، بل بروج ثابتة تشعر ~~بسكونها ، فلج على غفلة من الرقيب ، وابسط بنان الأكل وكف لسان المجيب ، ~~فإن قيل لك : أما غلق دونك باب ؟ فقل : ما على الكرماء من حجاب ، وإياك ~~والإطالة على الموائد ، فإنها مصايد الشوارد ، وإياك والقذارة عليها ، ~~فإنها إمارة الحرمان لديها ، وإن وقعت على وليمة كثيرة الطعام ، قليلة ~~الازدحام ، كبر اللقمة ولا تطل علكها ، ومر الفك في سرعة أن يفكها ، فإنك ~~ما تدري ما تحدث الليالي والأيام ، خيفة أن يعثر عليك بعض الأقوام ، فتكتسي ~~حلة الخجل ، وتظهر على وجهك صفرة الوجل ، واجعل من آدابك ، تطلعك إلى ~~أثوابها ، ولا ترفع لمستجل وجها وجيها ، وقل لمن يحادثك : إيه ولا تقل : ~~إيها ، وجاوب بنعم ، فإنها معينة على اللقم ، واجعل لكل مقام ما يناسبه من ~~الحيلة ، ومل على أهل الولائم والمآدب ميلة وأي ميلة ، واسأل عمن ورث من ~~آبائه مالا ، وقد جمعه بوعثاء السفر وعنائه حراما وحلالا ، أهل يعقد مقاما ~~؟ أم يبلغ من دنياه بالقصف مراما ؟ فإن قيل : فلان الفلاني رب هذه المثابة ~~، وصاحب الدعوة المجابة ، فكن ثالثة ms0662 الأثافي لبابه ، وانتظم في سلك عشرائه ~~وأترابه ، وتفقد الأسواق خصوصا اللحامين ، ومواطن الطبخ ومساطب المطر بين ، ~~ومجمع القراء ومعاهد محال الوعاظ ، وكل بقعة هي مظنة فرح يعود عليك نفعه ~~وكن أول داخل وآخر خارج ، ومل إلى الزوايا ، فهي أجمل ما لهذه الحرفة من ~~المزايا ، ونقل ركابك في كل يوم ، فتارة في سوق اللحم وتارة في سوق الثوم ، ~~وغير الحلية ، وقصر اللحية ، وابرز كل يوم في لباس ، فهو PageV03P0308 # """""" صفحة رقم 309 """""" أكثر للالتباس ، وجدد البهت حتى تتخذه عصاك ، ~~وتجعله ذريعة لمن عصاك ، وأتقن الفنون المحتاج إليها من غنى ونجامة ، وطب ~~وشهامة ، وتاريخ وأدب وكرم أصل وحسب ، وحالتي التوقيت والتنزيل ، فاجعلهما ~~دأبك ، فإذا عرفوك ، وحضر الجمع وكشفوك ، فطرز كل محفل بمحاسن أقوالك ، ~~وكلل جيد كل مأدبة بجواهر أفعالك ، واعلم أنها صنعة دثرت معالمها ، وقل ~~عالمها ، ولو لم أر على وجهك مخائل بشرها ، وعلى أعطاف أردافك روائح نشرها ~~، لما ألقيت إليك كتاب عهدها ، ولا حملت لبابك راية مجدها ، فتلق راية هذا ~~العهد بساعد مساعد ، وعضد في الولوج على الأسمطة معاضد ، فوضت إليك أمر من ~~تحلى بجواهرها المنظومة ، ولبس حللها القشيبة المرقومة ، وبسطت لسان قلمك ~~في رقم عهودها ، وأذنت لك أن تجريهم على سنن معهودها ، وإياك أن تعهد إلا ~~لمن ملك خصالها ، وجاس خلالها ، واستجلى هلالها ، وأتقن أحوالها ، ولاية ~~عامة ، وكلمة مبرهة تامة ، حرس الله بك معقل الأدب واللطافة ، ومحا بك ~~معالم الثقالة والكثافة . ها ، وعلى أعطاف أردافك روائح نشرها ، لما ألقيت ~~إليك كتاب عهدها ، ولا حملت لبابك راية مجدها ، فتلق راية هذا العهد بساعد ~~مساعد ، وعضد في الولوج على الأسمطة معاضد ، فوضت إليك أمر من تحلى ~~بجواهرها المنظومة ، ولبس حللها القشيبة المرقومة ، وبسطت لسان قلمك في رقم ~~عهودها ، وأذنت لك أن تجريهم على سنن معهودها ، وإياك أن تعهد إلا لمن ملك ~~خصالها ، وجاس خلالها ، واستجلى هلالها ، وأتقن أحوالها ، ولاية عامة ، ~~وكلمة مبرهة تامة ، حرس الله بك معقل الأدب واللطافة ، ومحا بك معالم ~~الثقالة والكثافة . ذكر آداب الأكل والمؤاكلة قال الله تعالى : " يأيها ~~الذين ms0663 آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون " . ~~وروي أن داود عليه السلام أمر مناديه فنادى : أيها الناس ، اجتمعوا لأعلمكم ~~التقوى ، فاجتمعوا فقام في محرابه ، فبكى ثم حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال ~~: يأيها الناس ، لا تدخلوا ها هنا إلا طيبا ، ولا تخرجوا منه إلا طيبا ، ~~وأشار إلى فيه . قيل : أول آداب الأكل ، معرفة الحلال من الحرام ، والخبيث ~~من الطيب . وأما الآداب في هيئة المؤاكلة وأفعالها ، فقد روي أن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ما عاب طعاما قط ، إن اشتهاه أكله وإلا تركه . وروي ~~أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " لا تشموا الطعام كما تشمه البهائم ~~، من اشتهى شيئا فليأكل ، ومن كره فليدع " . وقال أنس : قدم النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) المدينة ، وأنا ابن عشر ، ودخل دارنا ، فحلبنا له شاة ، ~~فشرب ، وأبو بكر عن يساره ، وأعرابي عن يمينه ، فقال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه : أعط أبا بكر ، فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~PageV03P0309 # """""" صفحة رقم 310 """""" " الأيمن فالأيمن " . وفي هذا المعنى يقول ~~الشاعر : صددت الكأس عنا أم عمرو . . . وكان الكأس مجراها اليمينا وروي عن ~~أنس : أنه رأى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) شرب جرعة ، ثم قطع ، ثم سمى ، ~~ثم شرب جرعة ، ثم قطع ، ثم سمى ، ثم قطع الثالثة ، ثم جرع مصا ، حتى فرغ ثم ~~حمد الله ، وقد ندب إلى غسل اليد قبل الأكل فإنه ينفي الفقر ، وينقي اللمم ~~، ومن السنة : البداءة باسم الله ، وحمده عند الانتهاء . روي عن عمر بن أبي ~~سلمة أنه قال : مررت بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يأكل ، فقال : " ~~اجلس يا بني وسم الله ، وكل بيمينك مما يليك " . وقال بعض السلف : إذا جمع ~~الطعام أربعا ، فقد كمل كل شيء ، إذا كان حلالا ، وذكر اسم الله عليه ، ~~وكثرت عليه الأيدي ، وحمد الله حين يفرغ منه . وروي عن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أنه قال : " من قال عند مطعمه ومشربه بسم الله خير الأسماء رب ~~الأرض والسماء لم يضره ما أكل ms0664 وما شرب " . وفي حديث عائشة رضي الله عنها ، ~~عنه ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله فإن نسي ~~في أوله ، فليقل بسم الله في أوله وآخره " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه ، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله " . ~~وروي : أن المسيح عليه السلام كان إذا دعا أصحابه قام عليهم ، ثم قال : ~~هكذا فاصنعوا بالفقراء . ووصف شاعر قوما فقال : جلوس في مجالسهم رزان . . . ~~وإن ضيف ألم بهم وقوف قال سهل بن حصين : شهدت الحسن في وليمة ، فطعم ثم قال ~~، فقال : مد الله لكم في العافية ، وأوسع عليكم في الرزق ، واستعملكم ~~بالشكر . PageV03P0310 # """""" صفحة رقم 311 """""" وروي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ~~قال : " تخللوا فإنه نظافة والنظافة من الإيمان ، والإيمان مع صاحبه في ~~الجنة " . وفي حديث عمر رضي الله عنه : عليكم بالخشبتين : يعني السواك ~~والحلال . وكان بعضهم يقول لولده إذا رأى حرصه في الطعام : يا بني ، عود ~~نفسك الأثرة ، ومجاهدة الشهوة ، ولا تنهس نهس السباع ، ولا تخضم خضم ~~البراذين ، فإن الله جعلك إنسانا ، فلا تجعل نفسك بهيمة . وحكي عن بعض ~~الكتاب قال : تغديت مع المأمون فالتفت إلي وقال : خلال قبيحة عند الجلوس ~~على الطعام : كثرة مسح اليد ، والانكباب على الطعام ، وكثرة أكل البقل ، ~~ومعنى ذمة هذه الخلال الثلاث : أنه إذا أكثر مسح اليد فإنما ذلك من غمسها ~~في الطعام ، والانكباب يدل على شدة الحرص وزيادة الشره والنهم . قال الشاعر ~~: لقد سترت منك الخوان عمامة . . . دجوجية ظلماؤها ليس تقلع وأما البقل ، ~~فإن الحاجة إلى البلغة منه ، وفي الإكثار منه تشبه بالبهائم ، لأنه مرعاها ~~. وقيل : الأكل ثلاثة : مع الفقراء بالإيثار ، ومع الإخوان بالانبساط ، ومع ~~أبناء الدنيا بالأدب . وقيل لبعض الحكماء : أي الأوقات أحمد للأكل ؟ فقال : ~~أما من قدر فإذا اشتهى ، وأما من لم يقدر فإذا وجد . PageV03P0311 # """""" صفحة رقم 312 """""" ذكر الاقتصاد في المطاعم والعفة عنها قال ~~الله عز وجل : " يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا ~~تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ms0665 " . وفي الحديث أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) قال : " من زاره أخوه المسلم فقرب إليه ما تيسر غفر له وجعل في طعامه ~~البركة ، ومن قرب إليه ما تيسر فاستحقر ذلك كان في مقت من الله حتى يخرج " ~~. وقالت عائشة رضي الله عنها : أولم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على بعض ~~نسائه مدين من شعير . وقيل : كان عيسى بن مريم صلوات الله عليه يقول : ~~اعملوا ولا تعملوا لبطونكم ، وإياكم وفضول الدنيا ، فإن فضولها رجز ، هذه ~~طير السماء تغدو وتروح ، ليس معها من أرزاقها شيء ، لا تحرث ولا تحصد ، ~~والله يرزقها ، فإن قلتم : بطوننا أعظم من بطونها ، فهذه الوحش تغدو وتروح ~~، وليس معها من أرزاقها شيء والله يرزقها . وروي أن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه : لما دخل شهر رمضان كان يفطر ليلة عند الحسن ، وليلة عند الحسين ~~، وليلة عند عبد الله بن جعفر ، لا يزيد على لقمتين أو ثلاث ، فقيل له ، ~~فقال : إنما هي أيام قلائل يأتي أمر الله وأنا خميص ، فقتل من ليلته . وفي ~~الحديث عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من قل طعمه صح بدنه ~~وصفا قلبه ، ومن كثر طعمه سقم جسمه وقسا قلبه " . وعنه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قال : " ما زين الله رجلا بزينة أفضل من عفاف بطنه " . قال حاتم : ~~أبيت خميص البطن مضطمرا الحشا . . . من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا فإنك إن ~~أعطيت بطنك سؤله . . . وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا وقال بعضهم : رأيت ~~مجنونا ببغداد ، وهو على باب دار فيها صنيع والناس يدخلون ، وكنت ممن دعي ، ~~فقلت : ألا تدخل فتأكل ؟ فإن الطعام كثير ، قال : وإن PageV03P0312 # """""" صفحة رقم 313 """""" كثر فإني ممنوع منه ، فقلت : كيف والباب ~~مفتوح ، ولا مانع من الدخول ؟ فقال : أآكل طعاما لم أدع إليه ؟ لقد اضطرني ~~إلى ذلك غير الجوع ، فقلت : ما هو ؟ قال : دناءة النفس وسوء الغريزة ، قال ~~شاعر : وإني لعف عن مطاعم جمة . . . إذا زين الفحشاء للنفس جوعها وقال آخر ~~: وأعرض عن مطاعم قد أراها . . . فأتركها وفي البطن انطواء فلا ms0666 وأبيك ما في ~~العيش خير . . . وفي الدنيا إذا ذهب الحياء قال الجنيد : مر بي الحارث بن ~~أسد المحاسبي ، فرأيت فيه أثر الجوع ، فقلت : يا عم ، تدخل الدار وتتناول ~~شيئا ؟ قال : نعم ، فدخل ، وقدمت إليه طعاما حمل إلي من عرس ، فأخذ لقمة ~~فلاكها ونهض فألقاها في الدهليز ومضى ، فالتقيت به بعد أيام ، فقلت له في ~~ذلك : فقال : كنت جائعا ، وأردت أن أسرك بأكلي ، ولكن بيني وبين الله تعالى ~~علامة ، أن لا يسوغني طعاما فيه شبهة ، فمن أين كان ذلك الطعام ؟ فأخبرته ، ~~ثم قلت له : تدخل اليوم ؟ قال : نعم ، فقدمت إليه كسرا كانت لنا فأكل وقال ~~: إذا قدمت لفقير شيئا ، فقدم مثل هذا . روي أن عمرو بن العاص قال لأصحابه ~~يوم الحكمين : أكثروا لهم الطعام ، فوالله ما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم ~~، وما مضت عزمة رجل بات بطينا ، فلما وجد معاوية ما قال صحيحا ، قال : ~~البطنة تذهب الفطنة . وروي أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " لا ~~تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب ، فإن القلوب تموت كالزرع إذا كثر عليه ~~الماء " . PageV03P0313 # """""" صفحة رقم 314 """""" ودخل عمر رضي الله عنه على ابنه عاصم وهو ~~يأكل لحما فقال : ما هذا ؟ قال : قرمنا إليه ، قال : ويحك قرمت إلى شيء ~~فأكلنه ، كفى بالمرء شرها أن يأكل كل ما يشتهي . قال ابن دريد : العرب تعير ~~بكثرة الأكل ، وأنشد : لست بأكال كأكل العبد . . . ولا بنوام كنوم الفهد ~~وقال عمر رضي الله عنه : ما اجتمع عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إدامان ~~إلا أكل أحدهما وتصدق بالآخر . وقال أبو سليمان الداراني : خير ما أكون إذا ~~لصق بطني بظهري ، أجوع الجوعة فأخرج تزحمني المرأة فما ألتفت إليها ، وأشبع ~~الشبعة فأخرج فأرى عيني تطمحان . ذكر أخبار الأكلة قد نسب ذلك إلى جماعة من ~~الأكابر وذوي الهمم ، فمن ذلك ما حكاه الحمدوني في تذكرته : أن معاوية بن ~~أبي سفيان أتى بعجل مشوي ، فأكل معه دستا من الخبز السميد ، وأربع فراني ، ~~وجديا حارا ، وجديا باردا ، سوى الألوان ، ووضع بين يديه مائة رطل ms0667 من ~~الباقلاء الرطب ، فأتى عليه ، وقيل : إنه كان يأكل كل يوم أربع أكلات آخرهن ~~أشدهن ، ثم يقول : يا غلام ، ارفع ، فوالله ما شبعت ، ولكني مللت . ومنهم ~~عبيد الله بن زياد ، كان يأكل في اليوم خمس أكلات آخرها جنبة بغل ، ويوضع ~~بين يديه بعد ما يفرغ من الطعام عناق أو جدي فيأتي عليه وحده . ومنهم ~~الحجاج بن يوسف ، قال سالم بن قتيبة : كنت في دار الحجاج مع ولده ، وأنا ~~غلام ، فقالوا جاء الأمير ، فدخل الحجاج وأمر بتنور ، فنصب ، وأمر رجلا ~~يخبز PageV03P0314 # """""" صفحة رقم 315 """""" خبز الماء ودعا بسمك ، فأكل حتى أتى على ~~ثمانين جاما من السمك بثمانين رغيفا من خبز الماء . ومنهم سليمان بن عبد ~~الملك ، روي أنه شوى له أربعة وثمانون خروفا ، فمد يده إلى كل واحد منها ~~فأكل شحم أليته ونصف بطنه ، مع أربعة وثمانين رغيفا ، ثم أذن للناس ، وقدم ~~الطعام ، فأكل معهم أكل من لم يذق شيئا . وقال الشمردل وكيل عمرو بن العاص ~~: قدم سليمان بن عبد الملك الطائف ، فدخل هو وعمر بن عبد العزيز ، فجاء حتى ~~ألقى صدره إلى غصن ، ثم قال : يا شمردل ، ما عندك شيء تطعمني ؟ قلت عندي ~~جذع تغدو عليه حافل وتروح أخرى ، قال : عجل به ، فأتيته به كأنه عكة سمن ، ~~فجعل يأكل وهو لا يدعو عمر ، حتى بقي منه فخذ ، قال : يا أبا حفص ، هلم ، ~~قال : إني صائم ، فأتى عليه ، ثم قال : يا شمردل ويلك ما عندك شيء ؟ قلت : ~~دجاجات ست ، كأنهن رئلان النعام ، فأتيته بهن فأتى عليهن ، ثم قال : ويلك ~~يا شمردل ما عندك ؟ قلت : سويق كأنه قراضة الذهب ، فأتيته PageV03P0315 # """""" صفحة رقم 316 """""" بعس يغيب فيه الرأس ، فشربه ، فلما فرغ تجشأ ~~كأنه صارخ في جب ، ثم قال : يا غلام أفرغت من غدائنا ؟ قال : نعم ، قال : ~~ما هو ؟ قال : نيف وثمانون قدرا ، قال : فأت بقدر قدر ، وبقناع عليه رقاق ، ~~فأكل من كل قدر ثلاث لقم ، ثم مسح يده واستلقى على فراشه ، فوضع الخوان ، ~~وقعد يأكل مع الناس . ومن المشهورين بالأكل ، هلال بن الأسعر ms0668 المازني ، قال ~~المعتمر بن سليمان : سألته عن أكله فقال : جعت مرة ومعي بعير لي فنحرته ~~وأكلته إلا ما حملت منه على ظهري ، فلما كان الليل راودت امة لي فلم أصل ~~إليها ، فقالت كيف تصل إلي وبيني وبينك جمل ؟ فقلت له : كم بلغتك هذه ~~الأكلة ؟ فقال : أربع أيام . وحكي أبو سعيد منصور بن الحسن الأبي في كتابه ~~المترجم بنثر الدر : أن هلالا هذا أكل بعيرا ، وأكلت امرأته فصيلا وجامعها ~~، فلم يتمكن منها ، فقالت له : كيف تصل إلي وبيني وبينك بعيران ؟ وله ~~حكايات ذكرها الحمدوني في التذكرة ، والأبي في نثر الدر تركناها اختصارا . ~~ومنهم محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، ذكر الجاحظ : أنه أكل يوما جنبي ~~بكر شواء بعد طعام كثير . ومن المشهورين بالنهم ، أحمد بن أبي خالد الأحول ~~وزير المأمون ، وكان المأمون إذا وجهه في حاجة ، أمره أن يتغدى ويمضي فرفع ~~إلى المأمون في المظالم : إن رأى أمير المؤمنين أن يجري على ابن أبي خالد ~~نزلا ، فإن فيه PageV03P0316 # """""" صفحة رقم 317 """""" كلبية ، إلا أن الكلب يحرس المنزل بكسرة ، ~~وابن أبي خالد يقتل المظلوم ، ويعين الظالم بأكلة ، فأجرى عليه المأمون في ~~كل يوم ألف درهم لمائدته ، وكان مع ذلك يشره إلى طعام الناس . ولما انصرف ~~دينار بن عبد الله من الجبل ، قال المأمون لأحمد بن أبي خالد : امض إلى هذا ~~الرجل وحاسبه وتقدم إليه يحمل ما يحصل لنا عليه وأنفذ معه خادما ينهي إليه ~~ما يكون منه ، وقال : إن أكل أحمد عند دينار عاد إلينا بما نكره ، ولما ~~اتصل خبر أحمد بدينار ، قال للطباخ : إن أحمد أشره من نفخ فيه الروح ، فإذا ~~رأيته فقل له : ما الذي تأمر أن يتخذ لك ؟ ففعل الطباخ ، فقال أحمد : ~~فراريج كسكرية بماء الرمان تقدم مع خبز الماء بالسميد ، ثم هات بعدها ما ~~شئت ، فابتدأ الطباخ بما أمر ، وأخذ أحمد يكلم دينارا ، فقال له : يقول لك ~~أمير المؤمنين : إن لنا قبلك مالا قد حبسته علينا ، فقال : الذي لكم ثمانية ~~آلاف ألف ، قال فاحملها ، قال : نعم ms0669 ، وجاء الطباخ فاستأذن في نصب المائدة ~~، فقال أحمد : عجل بها فإني أجوع من كلب ، فقدمت وعليها ما اقترح ، وقدم ~~الدجاج وعشرين فروجا كسكرية فأكل أكل جائع نهم ، ما ترك شيئا مما قدم ، ~~فلما فرغ وقدر الطباخ أنه قد شبع ، لوح بطيفورية فيها خمس سمكات شبابيط ~~كأنها سبائك الفضة ، فأنكر أحمد عليه إلا قدمها ؟ وقال : هاتها ، وأعاد ~~أحمد الخطاب ، فقال دينار : أليس قد عرفتك إن الباقي لكم عندي سبعة آلاف ~~ألف ؟ قال أحسبك اعترفت بأكثر منها ، فقال : ما اعترفت إلا بها ، فقال : ~~هات خطك بما اعترفت به ، فكتب بستة آلاف ألف فقال أحمد : سبحان الله أليس ~~قد اعترفت بأكثر من هذا ؟ قال : ما لكم قبلي إلا هذا المقدار ، فأخذ خطه ~~بها وتقدم الخادم ، فأخبر المأمون بما جرى ، فلما ورد أحمد ناوله الخط ، ~~فقال : قد عرفنا ما كان من الألف ألف بتناول الغداء ، فما بال الألف ألف ~~الأخرى ، فكان المأمون بعد ذلك يقول : ما أعلم غداء قام على أحد بألفي ألف ~~إلا غداء دينار ، واقتصر على الخط ولم يتعقبه كرما ونبلا . PageV03P0317 # """""" صفحة رقم 318 """""" ومنهم أبو العالية ، حكي أن امرأة حملت فحلفت ~~إن ولدت غلاما لأشبعن أبا العالية خبيصا ، فولدت غلاما ، فأطعمته ، فأكل ~~سبع جفان ، فقيل له : إنها حلفت أن تشبعك خبيصا ، فقال : والله لو علمت لما ~~شبعت إلى الليل . ومنهم أبو الحسن بن أبي بكر العلاف الشاعر دخل يوما على ~~الوزير المهلبي ببغداد ، فأنفذ الوزير من أخذ حماره الذي كان يركبه من ~~غلامه ، وأدخل المطبخ وذبح وطبخ لحمه بماء وملح ، وقدم بين يديه ، فأكله ~~كله وهو يظن أنه لحم بقر ، فلما خرج طلب الحمار ، قيل له : قد أكلته ، ~~وعوضه الوزير عنه ووصله ، فهذا كاف في أخبار الأكلة . ذكر ما قيل في الجبن ~~والفرار ومن أقبح ما هجى به الرجل أن يكون جبانا فرارا ، وقد نهانا الله عز ~~وجل عن الفرار ، فقال : " يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا ~~فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يؤمئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا ms0670 إلى ~~فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير " . وقال تعالى : " إن ~~الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استنزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ~~ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم " . وقالت عائشة رضي الله عنها : إن ~~لله خلقا ، قلوبهم كقلوب الطير ، كلما خفقت الريح خفقت معها ، فأف للجبناء ~~، أف للجبناء . وقال خالد بن الوليد عند موته : لقيت كذا وكذا زحفا ، وما ~~في جسدي موضع إلا فيه طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم ، وهأنذا أموت ~~على فراشي حتف أنفي ، كما يموت العير ، فلا نامت أعين الجبناء . وقيل كتب ~~زياد إلى ابن عباس : أن صف لي الشجاعة والجبن والجود والبخل فكتب إليه : ~~كتبت تسألني عن طبائع ركبت في الإنسان تركيب الجوارح ، اعلم أن ~~PageV03P0318 # """""" صفحة رقم 319 """""" الشجاع يقاتل عمن لا يعرفه ، والجبان يفر عن ~~عرسه ، وأن الجواد يعطي من لا يلزمه ، وأن البخيل يمسك عن نفسه ، وقال شاعر ~~: يفر جبان القوم عن عرس نفسه . . . ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه وقالوا ~~: الجبن غريزة كالشجاعة يضعها الله فيمن شاء من خلقه . قال المتنبي : يرى ~~الجبناء أن الجبن حزم . . . وتلك خديعة الطبع اللئيم وقالوا : حد الجبن ~~الضن بالحياة ، والحرص على النجاة . وقالت الحكماء في الفراسة : من كانت ~~فزعته في رأسه ، فذاك الذي يفر من أمه وأبيه ، وصاحبته وأخيه وفصيلته التي ~~تؤويه . ويقال : أسرع الناس إلى الفتنة أقلهم حياء من الفرار . وقال هانيء ~~الشيباني لقومه يوم ذي قار يحرضهم على القتال : يا بني بكر هالك معذور ، ~~خير من ناج فرور ، المنية ، ولا الدنية ، استقبال الموت خير منه استدباره ، ~~الثغر في ثغور النحور ، خير من في الأعجاز والظهور ، يا بني بكر قاتلوا ، ~~فما من المنايا بد ، الجبان مبغض حتى لأمه ، والشجاع محبب حتى لعدوه . ~~ويقال : الجبن خير أخلاق النساء ، وشر أخلاق الرجال . وقال يعلى بن منبه ~~لقومه حين فروا من علي يوم صفين : إلى أين ؟ قالوا : ذهب الناس ، قال : أف ~~لكم فرارا واعتذارا قال : ولما قوتل أبو الطيب المتنبي ورأى ms0671 الغلبة عليه فر ~~، فقال له غلامه : أترضى أن يحدث بهذا الفرار عنك ؟ وأنت القائل : الخيل ~~والليل والبيداء تعرفني . . . والطعن والضرب والقرطاس والقلم فكر راجعا ، ~~وقاتل حتى قتل ، واستقبح أن يعير بالفرار . PageV03P0319 # """""" صفحة رقم 320 """""" وقال المنصور لبعض الخوارج عليه وقد ظفر به : ~~أخبرني عن أصحابي ، أيهم كان أشد إقداما في المبارزة ، قال : لا أعرف ~~وجوههم مقبلين وإنما أعرف أقفيتهم مدبرين ، فقل لهم : يدبروا لأعرفك أيهم ~~كان أشد فرارا . وقال ابن الرومي في سليمان بن عبد الله بن طاهر : قرن ~~سليمان قد أضربه . . . شوق إلى وجهه سيدنفه لا يعرف القرن وجهه ويرى . . . ~~قفاه من فرسخ فيعرفه وقال حسان بن ثابت يعير الحارث ابن هشام بفراره يوم ~~بدر : إن كنت كاذبة الذي حدثتني . . . فنجوت منجى الحارث بن هشام لأحبة لم ~~يقاتل دونهم . . . ونجا برأس طمرة ولجام ملأت به الفرجين فارمدت به . . . ~~وثوى أحبته بشر مقام وقال أبو الفرج الأصفهاني : وكان أبو حية النميري وهو ~~الهيثم بن الربيع ابن زرارة جبانا بخيلا كذابا ، قال ابن قتيبة : وكان له ~~سيف يسميه ، لعاب المنية ، ليس بينه وبين الخشبة فرق ، قال : وكان أجبن ~~الناس ، قال : فحدثني جار له ، قال : دخل ليلة إلى بيته كلب فظنه لصا ، ~~فأشرفت عليه ، وقد انتضى سيفه وهو واقف في وسط الدار يقول : أيها المغتر ~~بنا ، المجتريء علينا ، بئس والله ما اخترت لنفسك ، خير قليل ، وسيف صقيل ، ~~لعاب المنية الذي سمعت به ، مشهورة ضربته ، لا تخاف نبوته ، اخرج بالعفو ~~عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك ، إني والله إن أدع قيسا إليك لا تقم لها ، ~~وما قيس ؟ تملأ والله الفضاء خيلا ورجلا ، سبحان الله ما أكثرها وأطيبها ~~فبينا هو كذلك ، إذا الكلب قد خرج ، فقال : الحمد لله الذي مسخك كلبا ، ~~وكفانا حربا . PageV03P0320 # """""" صفحة رقم 321 """""" ومن أبلغ ما قيل في الجبن من الشعر القديم ، ~~قول الشاعر : ولو أنها عصفورة لحسبتها . . . مسومة تدعو عبيدا وأرنما ومثله ~~قول عروة بن الورد : وأشجع قد أدركتهم فوجدتهم . . . يخافون خطف الطير من ~~كل جانب وقال آخر : ما زلت ms0672 تحسب كل شيء بعدهم . . . خيلا تكر عليهم ورجالا ~~وقول أبي تمام : موكل بيفاع الأرض يشرفه . . . من خفة الخوف لا من خفة ~~الطرب وقال ابن الرومي : وفارس أجبن من صفرد . . . يحول أو يغور من صفره لو ~~صاح في الليل به صائح . . . لكانت الأرض له طفره يرحمه الرحمن من جبنه . . ~~. فيرزق الجند به النصره ومن أخبار الفرارين الذين حسنوا الفرار على قبحه ~~قال صاحب كليلة ودمنة : إن الحازم يكره القتال ما وجد بدا منه ، لأن النفقة ~~فيه من النفس ، والنفقة في غيره من المال . وقالوا : من توقى سلم ، ومن ~~تهور ندم . وقال عبد الله بن المقفع : الشجاعة متلفة ، وذلك أن المقتول ~~مقبلا أكثر من المقتول مدبرا ، فمن أراد السلامة فليؤثر الجبن على الشجاعة ~~. وليم بعض الجبناء على جبنه ، فقال : أول الحرب شكوى ، وأوسطها نجوى ، ~~وآخرها بلوى . PageV03P0321 # """""" صفحة رقم 322 """""" وقال آخر : الحرب مقتلة للعباد ، مذهبة ~~للطارف والتلاد . وقيل لجبان : لم لا تقاتل ؟ فقال : عند النطاح يغلب الكبش ~~الأجم . وقالوا : الحياة أفضل من الموت ، والفرار في وقته ظفر . وقالوا : ~~الشجاع ملقى ، والجبان موقى . قال البديع الهمداني : ما ذاق هما كالشجاع ~~ولا خلا . . . بمسرة كالعاجز المتواني وقالوا : الفرار في وقته ، خير من ~~الثبات في غير وقته . وقالوا : السلم أزكى للمال ، وأبقى لأنفس الرجال . ~~وقالوا : الحمام في الإقدام ، والسلامة في الإحجام . وقال المتوكل لأبي ~~العيناء : إني لأفرق من لسانك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، الكريم ذو فرق ~~وإحجام ، واللئيم ذو وقاحة وإقدام . وقيل لأعرابي : ألا تعرف القتال ؟ فإن ~~الله قد أمرك به ، فقال : والله إني لأبغض الموت على فراشي في عافية ، فكيف ~~أمضي إليه ركضا ، قال شاعر : تمشي المنايا إلى قوم فأبغضها . . . فكيف أعدو ~~إليها عاري الكفن وقيل ليزيد : إن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " ~~إذا رأيت شخصا بالليل ، فكن للإقدام عليه أولى منه عليك " . فقال : أخاف أن ~~يكون قد سمع الحديث قبلي ، فأقع معه فيما أكره ، وإنما الهرب خير . وسمع ~~سليمان بن عبد الملك قارئا يقرأ : " قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت ms0673 ~~أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا " . فقال : ذلك القليل نريد . ولما فر ~~أمية بن عبد الله بن خالد بن أسد يوم مرداء هجر بالبحرين من أبي ~~PageV03P0322 # """""" صفحة رقم 323 """""" فديك الخارجي إلى البصرة ، ودخل عليه أهلها ، ~~فلم يدروا كيف يكلمونه ولا ما يلقونه به من القول ، أيهنئونه بالسلامة أم ~~يعزونه بالفرار ، حتى دخل عبد الله ابن الأهتم ، فاستشرف الناس له ، ثم ~~قالوا : ما عسى أن يقول لمنهزم ؟ فسلم ثم قال : مرحبا بالصابر المخذول ، ~~الحمد لله الذي نظر لنا عليك ، ولم ينظر لك علينا ، فقد تعرضت للشهادة جهدك ~~، ولكن الله علم حاجة أهل الإسلام إليك فأبقاك لهم بخذلان من معك لك ، فقال ~~أمية : ما وجدت أحدا أخبرني عن نفسي غيرك . وقال الحارث بن هشام وأحسن في ~~اعتذاره عن الفرار : الله يعلم ما تركت قتالهم . . . حتى علوا مهري بأشقر ~~مزبد وعلمت أني إن أقاتل واحدا . . . أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي فصدفت عنهم ~~والأحبة فيهم . . . طمعا لهم بعقاب يوم سرمد وقال زفر بن الحارث وقد فر يوم ~~مرج راهط عن رفيقيه : أيذهب يوم واحد إن أسأته . . . بصالح أيامي وحسن ~~بلائيا فلم تر مني زلة قبل هذه . . . فراري وتركي صاحبي ورائيا وهي أبيات ~~نذكرها إن شاء الله في التاريخ ، ونظير ذلك قول عمرو بن معد يكرب من أبيات ~~يخاطب بها أخته ريحانه ، وقد فر من بني عبس : أجاعلة أم النوير خزاية . . . ~~علي فراري إذ لقيت بني عبس وليس يعاب المرء من جبن يومه . . . إذا عرفت منه ~~الحماية بالأمس وعكس هذا البيت عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي ، وكان ~~قد فر يوم PageV03P0323 # """""" صفحة رقم 324 """""" الحرة من جيش مسلم بن عقبة ، فلما حاصر ~~الحجاج عبد الله بن الزبير بمكة جعل يقاتل أهل الشام ويرتجز : أنا الذي ~~فررت يوم الحره . . . والشيخ لا يفر إلا مرة فاليوم أجزى كرة بفره . . . لا ~~بأس بالكرة بعد الفره ولم يزل يقاتل حتى قتل ، قال الفرار السلمي : وفوارس ~~لبستها بفوارس . . . حتى إذا التبست أملت بهايدي وتركتهم نقض الرماح ظهورهم ms0674 ~~. . . من بين مقتول وآخر مسند هل ينفعني أن تقول نساؤهم . . . وقتلت دون ~~رجالهم لا تبعد وقال آخر : قامت تشجعني هند فقلت لها . . . إن الشجاعة ~~مقرون بها العطب لا والذي منع الأبصار رؤيته . . . ما يشتهي الموت عندي من ~~له أرب للحرب قوم أضل الله سعيهم . . . إذا دعتهم إلى نيرانها وثبوا وقيل ~~لجبان في بعض الوقائع : تقدم ، فقال : وقالوا : تقدم قلت لست بفاعل . . . ~~أخاف على فخارتي أن تحطما فلو كان لي رأسان أتلفت واحدا . . . ولكنه رأس ~~إذا زال أعقما وأوتم أولادا وأرمل نسوة . . . فكيف على هذا ترون التقدما ~~ذكر ما قيل في الحمق والجهل قالوا : الحمق قلة الإصابة ، ووضع الكلام في ~~غير موضعه ، وقيل : هو فقدان ما يحمد من العاقل ، وقيل لعمر بن هبيرة : ما ~~حد الحمق ؟ قال : لا حد له كالعقل . PageV03P0324 # """""" صفحة رقم 325 """""" وروي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ~~قال : " الأحمق أبغض الخلق إلى الله ، لأنه حرمه أعز الأشياء عليه وهو ~~العقل " . وقيل : أوحى الله تعالى إلى موسى ، أتدري لم رزقت الأحمق ؟ قال : ~~لا يا رب ، قال : ليعلم العاقل أن طلب الرزق ليس بالاجتهاد . وقال الشعبي : ~~إذا أراد الله أن يزيل عن عبد نعمة ، كان أول ما يعدمه عقله . وقالوا : ~~الحمق داء دواؤه الموت . وقد بين الله تعالى لحبيبه من لم يعقل بقوله : " ~~لينذر من كان حيا " قيل : عاقلا ، وبقوله : " لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا ~~في أصحاب السعير " . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : أثنى قوم على رجل ~~عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حتى بالغوا ، فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " كيف عقل الرجل ؟ " فقالوا : نخبرك عن اجتهاده في العبادة ~~وأصناف الخير وتسألنا عن عقله فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~إن الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر ، وترتفع العباد غدا في الدرجات ~~على قدر عقولهم " . ومن كلام لقمان لابنه : أن تكون أخرس عاقلا خير من أن ~~تكون نطوقا جاهلا ، ولكل شيء دليل ، ودليل العقل النقل ، ودليل النقل الصمت ~~، وكفى ms0675 بك جهلا أن تنهي الناس عن شيء وتركبه . وقال عيسى عليه السلام : ~~عالجت الأكمة والأبرص فأبرأتهما ، وعالجت الأحمق فأعياني ، قال شاعر : لكل ~~داء دواء يستطب به . . . إلا الحماقة أعيت من يداويها وقال آخر : وعلاج ~~الأبدان أيسر خطب . . . حين تعتل من علاج العقول وقال آخر : الحمق داء ما ~~له حيلة . . . ترجى كبعد النجم من مسه وقيل : إذا قيل لك إن فقيرا استغنى ، ~~وغنيا افتقر ، وحيا مات ، أو ميتا عاش ، فصدق ، وإذا بلغك أن أحمق استفاد ~~عقلا فلا تصدق . PageV03P0325 # """""" صفحة رقم 326 """""" وقالوا : الأحمق لتمنى أمة أنها به مثكلة ، ~~وتتمنى زوجه أنها منه أرملة ، ويتمنى جاره منه العزلة ، ورفيقه منه الوحشة ~~، وأخوه منه الفرقة . وقال سهل بن هارون : وجدت مودة الجاهل ، وعداوة ~~العاقل ، أسوة في الخطر ، ووجدت الأنس بالجاهل ، والوحشة من العاقل ، سيين ~~في العيب ، ووجدت غش العاقل أقل ضررا من نصيحة الجاهل ، ووجدت ظن العاقل ~~أوقع بالصواب من يقين الجاهل ، ووجدت العاقل أحفظ لما لم يستكتم من الجاهل ~~لما استكتم . وقال لقمان لابنه : لا تعاشر الأحمق وإن كان ذا جمال ، وانظر ~~إلى السيف ما أحسن منظره وأقبح أثره . وقال علي رضي الله عنه : قطيعة ~~الجاهل تعدل صلة العاقل ، وقال : صديق الجاهل في تعب . وقال آخر : لأنا ~~للعاقل المدبر ، أرجى شيء من الأحمق المقبل ، وقال شاعر : عدوك ذو العقل ~~خير من ال . . . صديق لك الوامق الأحمق والبيت المشهور السائر : ولأن يعادي ~~عاقلا خير له . . . من أن يكون له صديق أحمق وقيل : الحمق يسلب السلامة ، ~~ويورث الندامة ، وقد ذموا من له أدب بلا عقل . ووصف أعرابي رجلا فقال : هو ~~ذو أدب وافر ، وعقل نافر ، قال شاعر : فهبك أخا الآداب أي فضيلة . . . تكون ~~لذي علم وليس له عقل ومن صفات الأحمق وعلاماته قيل : ما أعدمك من الأحمق ~~فلا يعدمك منه كثرة الالتفات وسرعة الجواب ، ومن علاماته الثقة بكل أحد . ~~ويقال : إن الجاهل مولع بحلاوة العاجل ، غير مبال بالعواقب ، ولا معتبر ~~بالمواعظ ، ليس يعجبه إلا ما ضره ، إن أصاب فعلى غير قصد ، وإن أخطأ فهو ms0676 ~~الذي لا يحسن به غيره ، لا يستوحش من الإساءة ، ولا يفرح بالإحسان . ~~PageV03P0326 # """""" صفحة رقم 327 """""" وقالوا : ست خصال تعرف في الجاهل ، الغضب من ~~غير شيء ، والكلام في غير نفع ، والفطنة في غير موضع ، ولا يعرف صديقه من ~~عدوه ، وإفشاء السر ، والثقة بكل أحد . وقالوا : غضب الجاهل في قوله ، وغضب ~~العاقل في فعله ، والعاقل إذا تكلم بكلمة أتبعها مثلا ، والأحمق إذا تكلم ~~بكلمة أتبعها خلفا ، الأحمق إذا حدث ذهل ، وإذا تكلم عجل ، وإذا حمل على ~~القبيح فعل . وقال أبو يوسف : إثبات الحجة على الجاهل سهل ، ولكن إقراره ~~بها صعب . وقال وهب بن منبه : كان يقال للأحمق إذا تكلم : فضحه حمقه ، وإذا ~~سكت فضحه عيه ، وإذا عمل أفسد ، وإذا ترك أضاع ، لا علمه يعينه ، ولا علم ~~غيره ينفعه ، تود أمه أنها ثكلته ، وتتمنى امرأته أنها عدمته ، ويتمنى جاره ~~منه الوحدة ، وتأخذ جليسه منه الوحشة . ويستدل على الأحمق بأشياء ، قالوا : ~~من طالت قامته ، وصغرت هامته ، وانسدلت لحيته ، كان حقيقا على من يراه أن ~~يقرئه عن عقله السلام . ويقال في التوراة : اللحية مخرجها من الدماغ ، فمن ~~أفرط عليه طولها قل دماغه ، ومن قل دماغه قل عقله ، ومن قل عقله فهو أحمق . ~~وقالت أعرابية لقاض قضى عليها : صغر رأسك ، فبعد فهمك ، وانسدلت لحيتك ، ~~فتكوسج عقلك ، وما رأيت ميتا يقضي بين حيين غيرك . PageV03P0327 # """""" صفحة رقم 328 """""" وقال مسلمة بن عبد الملك لجلسائه : يعرف حمق ~~الرجل في أربع ، طول لحيته ، وبشاعة كنيته ، وإفراط شهوته ، ونقش خاتمه ، ~~فدخل عليه رجل طويل اللحية ، فقال : أما هذا فقد أتاكم بواحدة ، فانظروا ~~أين هو من الثلاث ؟ فقيل له : ما كنيتك ؟ فقال : أبو الياقوت ، فقيل له : ~~ما نقش خاتمك ؟ فقال : " وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد " قيل : فأي ~~الطعام أحب إليك ؟ قال : الجلنجبين ، فقال مسلمة : فيه ما بعد كنيته ، مع ~~طول لحيته ، مع نقش خاتمه ، شك لمعتبر . قال الشعبي : خطب الحجاج يوم جمعة ~~فأطال ، فقام إليه أعرابي ، فقال له : إن الوقت لا ينتظرك وإن الرب لا ~~يعذرك ، فأمر به فحبس ، فأتاه ms0677 أهله يشفعون فيه وقالوا : إنه مجنون ، فقال ~~الحجاج : إن أقر بالجنون خليت سبيله ، فأتوه وسألوه ذلك ، فقال : لا والله ~~، لا أقول إن الله ابتلاني وقد عافاني ، فبلغ كلامه الحجاج ، فعظم في نفسه ~~وأطلقه . وقال الأصمعي : قلت لغلام من أبناء العرب : أيسرك أن يكون لك مائة ~~ألف وأنت أحمق ؟ قال : لا والله ، قلت : ولم ؟ قال : أخاف أن يجني علي حمقي ~~جناية ، فنذهب مني ، ويبقى حمقي . والعرب تضرب المثل في الحمق بعجل بن لجيم ~~، ويزعمون أنه قيل له : إن لكل فرس جواد اسما ، وإن فرسك هذا سابق فسمه ، ~~ففقأ عينه ، وقال : سميته الأعور ، وفيه يقول الشاعر : رمتني بنو عجل بداء ~~أبيهم . . . وهل أحد في الناس أحمق من عجل أليس أبوهم عار عين جواده . . . ~~فسارت به الأمثال في الناس بالجهل ويضربون المثل في الحمق بهبنقة القيسي ، ~~وهو يزيد بن ثروان ، ويكنى أبا PageV03P0328 # """""" صفحة رقم 329 """""" نافع ، حكي أنه شرد له بعير ، فقال : من جاء ~~به فله بعيران ، فقيل له : أتجعل في بعير بعيرين ؟ فقال : إنكم لا تعرفون ~~فرحة الوجدان . وقد رضي قوم بالجهل فقالوا : ضعف العقل أمان من الغم ، ~~وقالوا : ما سر عاقل قط ، قال أبو الطيب المتنبي : ذو العقل يشقي في النعيم ~~بعقله . . . وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم وقال حكيم : ثمرة الدنيا السرور ~~، ولا سرور للعقلاء ، وقال المغيرة بن شعبة : ما العيش إلا في إلقاء الحشمة ~~. وقال بكر بن المعتمر : إذا كان العقل سبعة أجزاء احتاج إلى جزء من جهل ~~ليقدم على الأمور ، فإن العاقل أبدا متوان مترقب متوقف متخوف ، قال النابغة ~~الجعدي : ولا خير في حلم إذا لم تكن له . . . بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ~~وقال آخر : من راقب الناس لم يظفر بحاجته . . . وفاز بالطيبات الفاتك اللهج ~~أخذه آخر فقال : من راقب الناس مات غما . . . وفاز باللذة الجسور وقالوا : ~~الجاهل ينال أغراضه ، ويظفر بأرائه ، ويطيع قلبه ، ويجري في عنان هواه ، ~~وهو بريء من اللوم ، سليم من العيب ، مغفور الزلات . وقالوا : الجاهل رخي ~~الذرع ، خالي البال ، عازب الهم ، حسن الظن ، لا يخطر ms0678 خوف الموت بفكره ، ~~ولا يجري ألم الإشفاق على ذكره . وقالوا : الجهل مطية المراح والمسرة ، ~~ومسرح المزاح والفكاهة ، وحليف الهوى والتصابي ، وصاحبه في ذمام من عهده ~~اللوم والعتب ، وأمان من قوارص الذم والسب ، قال بعض الشعراء : ورأيت ~~الهموم في صحة الع . . . قل فداويتها بإمراض عقلي PageV03P0329 # """""" صفحة رقم 330 """""" وقالوا : لو لم يكن من فضيلة الجهل ، غير ~~الإقدام ، وورود الحمام ، إذ هما من الشجاعة والبسالة ، وسبب تحصيل المهابة ~~والجلالة ، لكفاه ، قال أبو هلال العسكري : سألني بعض الأدباء أي الشعراء ~~أشد حمقا ، قلت الذي يقول : أتيه على إنس البلاد وجنها . . . ولو لم أجد ~~خلقا لتهت على نفسي أتيه فلا أدري من التيه من أنا . . . سوى ما يقول الناس ~~في وفي جنسي فإن صدقوا أني من الإنس مثلهم . . . فما في عيب غير أني من ~~الإنس ذكر ما قيل في الكذب قال الله عز وجل : " ويل لكل أفاك أثيم " . وقال ~~: " إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون " . ~~وقال في الكاذبين : " لهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون " . وقال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، ~~والفجور يهدي إلى النار " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " الكذب مجانب ~~الإيمان " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " ثلاث من كن فيه فهو منافق ، ~~وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ، من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا أؤتمن ~~خان " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا يجوز الكذب في جد ولا هزل " . ~~وقال : " لا يكون المؤمن كذابا " . وقالت الحكماء : ليس لكاذب مروءة . ~~وقالوا : من عرف بالكذب لم يحسن صدقه . وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه ~~: خلف الوعد ثلث النفاق . وقال بعض الحكماء : الصدق منجيك وإن خفته ، ~~والكذب مرديك وإن أمنته . قال عمرو بن العلاء القاريء : ساد عتبة بن ربيعة ~~وكان مملقا ، وساد أبو جهل وكان حدثا ، وساد أبو سفيان وكان بخالا ، وساد ~~عامر بن الطفيل وكان عاهرا ، وساد كليب بن وائل وكان ظلوما ، وساد عيينة ~~وكان محمقا ، ولم يسد قط ms0679 كذاب ، فصلح السؤدد مع الفقر والحداثة والبخل ~~والعهر والظلم والحمق ، ولم يصلح مع الكذب ، لأن الكذب يعم الأخلاق كلها ~~بالفساد . PageV03P0330 # """""" صفحة رقم 331 """""" وقال يحيى بن خالد : رأيت شريب خمر نزع ولصا ~~أقلع ، وصاحب فواحش رجع ، ولم أر كذابا رجع . ويقال : الكذب مفتاح كل كبيرة ~~، والخمر جماع كل شر . وقيل : لا تأمنن من يكذب لك أن يكذب عليك . وقيل : ~~الكذب والنفاق والحسد أثافي الذل . وقال ابن عباس : حقيق على الله أن لا ~~يرفع للكاذب درجة ، ولا يثبت له حجة ، وقال سليمان بن سعد : لو صحبني رجل ~~وقال : لا تشترط على إلا شرطا واحدا لقلت : لا تكذبني . وقال أبو حيان ~~التوحيدي : الكذب شعار خلق ، ومورد رنق ، وأدب سيء ، وعادة فاحشة ، وقل من ~~استرسل فيه إلا ألفه ، وقل من ألفه إلا أتلفه . وقال غيره : الكذب أوضع ~~الرذائل خطة ، وأجمعها للمذمة والمحطة ، وأكبرها ذلا في الدنيا ، وأكثرها ~~خزيا في الآخرة ، وهو من أعظم علامات النفاق ، وأقوى الدلائل على دناءة ~~الأخلاق والأعراق ، لا يؤتمن حامله على حال ، ولا يصدق إذا قال . وقيل : ~~لكل شيء آفة ، والكذب آفة النطق . وقال بعض الكرماء : لو لم أدع الكذب ~~تأثما ، لتركته تكرما . وقال أرسطاطاليس : فضل الناطق على الأخرس بالنطق ، ~~وزين النطق الصدق ، فإذا كان الناطق كاذبا ، فالأخرس خير منه . وقال بعض ~~الحكماء لولده : يا بني إياك والكذب ، فإنه يزري بقائله ، وإن كان شريفا في ~~أصله ، ويذله وإن كان عزيزا في أهله . PageV03P0331 # """""" صفحة رقم 332 """""" وقال الأحنف بن قيس : اثنان لا يجتمعان : ~~الكذب والمروءة . وقال بزرجمهر : الكاذب والميت سواء ، لأن فضيلة النطق ~~الصدق ، فإذا لم يوثق بكلامه بطلت حياته . وقال معاوية يوما للأحنف : أتكذب ~~؟ فقال : والله ما كذبت مذ علمت أن الكذب شين . وقيل : لا يجوز للرجل أن ~~يكذب لصلاح نفسه ، فما عجز الصدق عن إصلاحه كان الكذب أولى بفساده . قال ~~بعض الشعراء : ما أحسن الصدق والمغبوط قائله . . . وأقبح الكذب عند الله ~~والناس وقالوا : احذر مصاحبة الكذاب ، فإن اضطررت إليها فلا تصدقه ولا ~~تعلمه أنك كذبته ، فينتقل عن مودته ms0680 ، ولا ينتقل عن كذبه . وقال هرمس : ~~اجتنب مصاحبة الكذاب ، فإنك لست منه على شيء يتحصل ، وإنما أنت معه على مثل ~~السراب يلمع ولا ينفع . وقيل : الكذاب شر من النمام ، فإن الكذاب يختلق ~~عليك ، والنمام ينقل عنك . قال شاعر : إن النموم أغطى دونه خبري . . . وليس ~~لي حيلة في مفترى الكذب وقال آخر : لي حيلة فيمن ينم . . . وليس في الكذاب ~~حيله من كان يخلق ما يقو . . . ل فحيلتي فيه قليله ووصف أعرابي كذابا فقال ~~: كذبه مثل عطاسه ، لا يمكنه رده . وقال بعض الأعراب : عجبت من الكذاب ~~المشيد بكذبه ، وإنما هو يدل الناس على عيبه ، ويتعرض للعقاب من ربه ، ~~فالآثام له عادة ، والأخبار عنه متضادة ، إن قال حقا لم يصدق ، وإن أراد ~~خيرا لم يوفق ، فهو الجاني على نفسه بفعاله ، والدال على PageV03P0332 # """""" صفحة رقم 333 """""" فضيحتها بمقالة ، فما صح من صدقه نسب إلى ~~غيره ، وما صح من كذب غيره نسب إليه . ويقال : الكذب جماع النفاق ، وعماد ~~مساويء الأخلاق ، عار لازم ، وذل دائم ، يخيف صاحبه نفسه وهو آمن ، ويكشف ~~ستر الحسب عن لؤمه الكامن ، وقال بعض الشعراء : لا يكذب المرء إلا من ~~مهانته . . . أو عادة السوء أو من قلة الورع وقال الأصمعي : قيل لرجل معروف ~~بالكذب . هل صدقت ؟ قال : أخاف أن أقول : لا فأصدق . وآفة الكذب النسيان . ~~قال شاعر : ومن آفة الكذاب نسيان كذبه . . . وتلقاه ذا دهي إذا كان كاذبا ~~وقال علي بن اللحام شاعر اليتيمة : تكذب الكذبة يوما . . . ثم تنساها قريبا ~~كن ذكورا يا أبا يح . . . يى إذا كنت كذوبا وقال أبو تمام : يا أكثر الناس ~~وعدا حشوه خلف . . . وأكثر الناس قولا حشوه كذب وقال أحمد بن محمد بن عبد ~~ربه : صحيفة أفنيت ليت بها فعسى . . . عنوانها راحة الراجي إذا يئسا وعد له ~~هاجس في القلب قد برمت . . . أحشاء صدري به من طول ما هجسا يراعة غرني منها ~~وميض سنا . . . حتى مددت إليها الكف مقتبسا فصادفت حجرا لو كنت تضربه . . . ~~من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا وقال آخر : وتقول لي قولا أظنك صادقا ms0681 . . . ~~فأحيء من طمع إليك وأذهب فإذا اجتمعت أنا وأنت بمجلس . . . قالوا مسيلمة ~~وهذا أشعب PageV03P0333 # """""" صفحة رقم 334 """""" ذكر ما قيل الغدر والخيانة قال الله عز وجل : ~~" وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين " . وقال تعالى : " ~~والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار " . وروي عن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من أمن رجلا ثم قتله وجبت له النار وإن ~~كان المقتول كافرا " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إذا جمع ~~الله الأولين والآخرين رفع لكل غادر لواء وقيل : هذه غدرة فلان " . وقالوا ~~: من نقض عهده ، ومنع رفده ، فلا خير عنده . وقالوا : الغالب بالغدر مغلول ~~، والناكث للعهد ممقوت مخذول . وقالوا : من علامات النفاق ، نقض العهد ~~والميثاق . وقالوا : لا عذر في الغدر ، والعذر يصلح في كل المواطن ، ولا ~~عذر لغادر ولا خائن . وفي بعض الكتب المنزلة : إن مما تعجل عقوبته من ~~الذنوب ولا يؤخر : الإحسان يكفر ، والذمة تخفر . قال شاعر : أخلق بمن رضي ~~الخيانة شيمة . . . أن لا يرى إلا صريع حوادث ما زالت الأرزاء تلحق بؤسها . ~~. . أبدا بغادر ذمة أو ناكث وقالوا : الغدر ضامن العثرة ، قاطع ليد النصرة ~~. ويقال : من تعدى على جاره ، دل على لؤم نجاره . وذكر أن عيسى صلوات الله ~~عليه مر برجل وهو يطارد حية وهي تقول له : والله لئن لم تذهب عني ، لأنفخن ~~عليك نفخة أقطعك بها قطعا ، فمضى عيسى عليه السلام في شأنه ، ثم عاد فرأى ~~الحية في جونة الرجل محبوسة ، فقال لها : ويحك أين ما كنت تقولين ؟ قالت : ~~يا روح الله ، إنه حلف لي وغدر ، وإن سم غدره أقتل له من سمي . ~~PageV03P0334 # """""" صفحة رقم 335 """""" ذكر أخبار أهل الغدر وغدراتهم المشهورة أعرف ~~الناس في الغدر آل الأشعث بن قيس بن معد يكرب ، وقد عدت لهم غدرات ، فمنها ~~: غدر قيس بن معد يكرب بمراد ، وكان بينهم عهد أن لا يغزوهم إلى انقضاء شهر ~~رجب ، فوافاهم قبل ms0682 الأمد بكندة ، وجعل يحمل عليهم ويقول : أقسمت لا أنزل ~~حتى يهزموا . . . أنا ابن معد يكرب فاستسلموا فارس هيجا ورئيس مصدم فقتل ~~قيس بن معد يكرب وارتد الأشعث عن الإسلام . وغدر الأشعث ببني الحارث بن كعب ~~، وكان قد غزاهم فأسروه ، ففدى نفسه بمائتي بعير ، فأعطاهم مائة وبقي عليه ~~مائة ، فلم يؤدها ، وجاء الإسلام فهدم ما كان في الجاهلية . وغدر محمد بن ~~الأشعث بن قيس بمسلم بن عقيل بن أبي طالب ، وغدر أيضا بأهل طبرستان وكان ~~عبيد الله بن زياد ولاه إياها ، فصالح أهلها على أن لا يدخلها ورحل عنهم ، ~~ثم عاد إليهم غادرا ، فأخذوا عليه الشعاب ، وقتلوا ابنه أبا بكر . وغدر عبد ~~الرحمن بن محمد بن الأشعث بالحجاج لما ولاه خراسان ، وخرج عليه وادعى ~~الخلافة ، وكان بينهم من الوقائع ما نذكره في التاريخ في أخبار الحجاج إن ~~شاء الله تعالى ، وكانت الدائرة على عبد الرحمن ، وكلهم ورثوا الغدر عن معد ~~يكرب ، فإنه غدر مهرة ، وكان بينه وبينهم عهد إلى أجل ، فغزاهم ناقضا ~~لعهدهم ، فقتلوه وبقروا بطنه وملأوه بالحصا . وغدرت ابنة الضيزن بن معاوية ~~بأبيها صاحب الحصن ودلت سابور على طريق فتحه ، ففتحه وقتل أباها وتزوجها ، ~~ثم قتلها . وقد ذكرنا ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب في المباني . ومن ~~ذلك ما فعله النعمان بسنمار ، وقد ذكرناه أيضا في خبر بناء الخورنق . ~~PageV03P0335 # """""" صفحة رقم 336 """""" وممن اشتهر بالغدر عمرو بن جرموز : غدر ~~الزبير بن العوام ، وقتله بوادي السباع ، ونذكر ذلك إن شاء الله تعالى في ~~حرب الجمل . ومن الغدر الشنيع ما فعله عضل والقارة ، روي أنه قدم على رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد أحد رهط من عضل والقارة ، فقالوا : يا ~~رسول الله إن فينا إسلاما وخيرا فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في ~~الدين ، ويقرئوننا القرءان ، ويعلموننا شرائع الإسلام ، فبعث معهم رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) سبعة نفر من أصحابه ، وهم مرثد بن أبي مرثد ~~الغنوي ، وخالد بن البكير حليف بني عدي ابن كعب ، وعاصم بن ثابت بن أبي ms0683 ~~الأقلح أخو بني عمرو بن عوف ، وخبيب بن عدي أخو بني جحجبي بن كلفة بن عمرو ~~بن عوف ، وزيد بن الدثنة أخو بني بياضة بن عامر ، وعبد الله بن طارق ، ~~ومعتب بن عبيد أخو عبد الله لأمه ، وأمر عليهم مرثد ابن أبي مرثد ، وقيل ~~أمر عليهم عاصما ، فخرجوا مع القوم ، حتى إذا كانوا على الرجيع : ماء لهذيل ~~غدروا بهم واستصرخوا عليهم هديلا ، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال ~~في أيديهم السيوف ، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم ، فقالوا : إنا والله ما ~~نريد قتلكم ، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ، فأما مرثد وخالد ~~وعاصم ومعتب فقالوا : والله ما نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا ، فقاتلوا حتى ~~قتلوا ، وأما زيد وخبيب وعبد الله فلانوا ورغبوا في الحياة ، وأعطوا ~~بأيديهم ، فأسروهم وخرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها ، حتى إذا كانوا بمر ~~الظهران ، انتزع عبد الله بن طارق يده من القران ، ثم أخذ سيفه واستأخر عن ~~القوم ، فرموه بالحجارة حتى قتلوه ، وقدموا بخبيب وزيد إلى مكة فباعوهما ~~فابتاع خبيبا حجر بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن ~~عامر بن نوفل ليقتله بالحارث ، وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ~~ليقتله بأمية بن خلف ، وروي أن خبيبا لما حصل عند بنات الحارث استعار من ~~إحداهن موسى يستحد بها فما راع المرأة إلا صبي لها يدرج ، وخبيب قد أجلس ~~الصبي على فخذه ، والموسى في يده ، فصاحت المرأة ، فقال خبيب : أتحسبين أني ~~أقتله ؟ إن الغدر ليس من شأننا ، فقالت المرأة : ما رأيت بعد أسيرا قط ~~PageV03P0336 # """""" صفحة رقم 337 """""" خيرا من خبيب ، لقد رأيته وما بمكة من ثمرة ، ~~وإن في يده قطفا من عنب يأكله ، إن كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا ، ولما ~~خرج لزدت ، وما أبالي على أي شقي كان مصرعي ، وهذه القصة نذكرها إن شاء ~~الله تعالى بما هو أبسط من هذا في السيرة النبوية في سيرة مرثد إلى الرجيع ~~. قيل : أغار خيثمة بن مالك الجعفي على حي ms0684 من بني القين فاستاق منهم إبلا ~~فلحقوه ليستنقذوها منه ، فلم يطمعوا فيه ، ثم ذكر يدا كانت لبعضهم عنده ، ~~فخلى عما كان في يده ، وولي منصرفا ، فنادوه وقالوا : إن المفازة أمامك ، ~~ولا ماء معك ، وقد فعلت جميلا ، فأنزل ولك الذمام والحباء ، فنزل فلما ~~اطمأن وسكن ، واستمكنوا منه غدروا به فقتلوه ، ففي ذلك تقول عمرة ابنته : ~~غدرتم بمن لو كان ساعة غدركم . . . بكفيه مفتوق الغرارين قاضب أذادكم عنه ~~بضرب كأنه . . . سهام المنايا كلهن صوائب وتلاحي بنو مقرون بن عمرو بن ~~محارب ، وبنو جهم بن مرة بن محارب ، على ماء لهم فغلبتهم بنو مقرون فظهرت ~~عليهم ، وكان في بني جهم شيخ له تجربة وسن ، فلما رأى ظهورهم ، قال : يا ~~بني مقرون ، نحن بنو أب واحد ، فلم نتفاني ؟ هلموا إلى الصلح ، ولكم عهد ~~الله تعالى وميثاقه آبائنا ، أن لا نهيجكم أبدا ولا نزاحمكم في هذا الماء ، ~~فأجابتهم بنو مقرون إلى ذلك ، فلما اطمأنوا ووضعوا السلاح عدا عليهم بنو ~~جهم فنالوا منهم منالا عظيما ، وقتلوا جماعة من أشرافهم ، ففي ذلك يقول أبو ~~ظفر الحارثي : هلا غدرتم بمقرون وأسرته . . . والبيض مصلته والحرب تستعر ~~لما اطمأنوا وشاموا في سيوفهم . . . ثرتم إليهم وعر الغدر مشتهر ~~PageV03P0337 # """""" صفحة رقم 338 """""" غدرتموهم بأيمان مؤكدة . . . والورد من بعده ~~للغادر الصدر هذا ما قيل في الغدر . وأما الخيانة ، فقد نهى الله تعالى ~~عنها فقال : " يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ~~وأنتم تعلمون " . وروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " لا ~~إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له " . وقيل : من ضيع الأمانة ، ~~ورضي الخيانة ، فقد بريء من الديانة . وقال حكيم : لو علم مضيع الأمانة ، ~~ما في النكث والخيانة ، لقصر عنهما عنانه . وقالوا : من خان مان ، ومن مان ~~هان ، وتبرأ من الإحسان . قيل دخل شهر بن حوشب وهو جلة القراء وأصحاب ~~الحديث على معاوية ، وبين يديه خرائط فيها مال ، قد جمعت لتوضع في بيت ~~المال ، فقعد على خريطة منها ، وأخذها ، ومعاوية ينظر إليه ، فلما رفعت ms0685 ~~الخرائط ، فقد من عددها خريطة ، فأعلم الخازن بذلك معاوية ، فقال : هي ~~محسوبة لك فلا تسأل عن آخذها ، ففيه يقول بعض الشعراء : لقد باع شهر دينه ~~بخريطة . . . فمن يأمن القراء بعدك يا شهر ؟ وقال المنصور لعامل بلغه عنه ~~خيانته : يا عدو الله ، وعدو أمير المؤمنين ، وعدو المسلمين ، أكلت مال ~~الله ، وخنت خليفة الله ، فقال : يا أمير المؤمنين ، نحن عيال الله ، وأنت ~~خليفة الله ، والمال مال الله ، فمن أين نأكل إذا ، فضحك وأطلقه ، وأمر أن ~~لا يولي عملا بعدها . PageV03P0338 # """""" صفحة رقم 339 """""" وسرق رجل في مجلس أنوشروان جاما من ذهب وهو ~~يراه ، فتفقده الشرابي ، فقال : والله لا يخرج أحد حتى يفتش ، فقال له ~~أنوشروان : لا تتعرض لأحد ، فقد أخذه من لا يرده ، ورآه من لا ينم عليه . ~~وحكي أن بعض التجار أودع عند قاض بمعرة النعمان وديعة ، وغاب مدة ، فلما ~~رجع ، طالب بها ، فأنكرها القاضي ، فتشفع إليه برؤساء بلده في ردها ، فما ~~زالوا به حتى أقر بها ، وادعى أنها سرقت من حرزه ، فاستحلفه المودع فخلف ، ~~فقال ابن الدويدة في ذلك : لا يصدق القاضي الخؤن إذا ادعى . . . عدم ~~الوديعة من حصين المودع إن قال قد ضاعت فيصدق أنها . . . ضاعت ولكن منك ~~يعني لو تعي أو قال قد وقعت فيصدق أنها . . . وقعت ولكن منه أحسن موقع وقال ~~ابن الحجاج : وأدعوهم إلى القاضي عساهم . . . إذا وقع اليمين يحلفوني وأضيع ~~ما يكون الحق عندي . . . إذ عزم الغريم على اليمين ذكر ما قيل في الكبر ~~والعجب قال الله عز وجل : " إنه لا يحب المستكبرين " . وقال تعالى : " ~~فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين " . وقال : " أليس في ~~جهنم مثوى للمتكبرين " . وقال : " كذلك نطبع على كل قلب متكبر جبار " . ~~وقال : " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق " . وناهيك بهذا ~~زجرا . PageV03P0339 # """""" صفحة رقم 340 """""" وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~لا يدخل الجنة ، من في قلبه حبة من خردل من كبر " . وقال ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " من تعظم في نفسه ، واختال في مشيته لقي الله عز ms0686 وجل وهو عليه ~~غضبان " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله ~~إليه " . وروي : أن عبد الله بن سلام ، مر بالسوق يحمل حزمة حطب ، فقيل له ~~: أليس قد أغناك الله عن هذا ؟ قال : بلى ولكني أردت أن أقمع به الكبر ، ~~سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " لا يدخل الجنة من كان في ~~قلبه مثقال حبة من كبر " . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما وجد أحد ~~في نفسه كبرا إلا من مهانة يجدها في نفسه . وقالوا : من قل لبه ، كثر عجبه ~~. وقالوا : عجب المرء بنفسه ، أحد حساد عقله . وقال أزدشير بن بابك : ما ~~الكبر إلا فضل حمق لم يدر صاحبه أين يضعه فصرفه إلى الكبر . ومن كلام لابن ~~المعتز : لما عرف أهل التقصير حالهم ، عند أهل الكمال استعانوا بالكبر ~~ليعظم صغيرا ، ويرفع حقيرا ، وليس بفاعل . وقال أكثم بن صيفي : من أصاب حظا ~~من دنياه ، فأصاره ذلك إلى كبر وترفع ، فقد علم أنه نال فوق ما يستحق ، ومن ~~أقام على حاله فقد علم أنه نال ما يستحق ، ومن تواضع وغادر الكبر ، فقد علم ~~أنه نال دون ما يستحق . وقال علي رضي الله عنه : عجبت للمتكبر الذي كان ~~بالأمس نطفة ، وهو غدا جيفة . وقيل : مر بعض أولاد المهلب بمالك بن دينار ~~وهو يخطر ، فقال له : يا بني ، لو خفضت بعض هذه الخيلاء ألم يكن أحسن بك من ~~هذه الشهرة التي قد شهرت بها نفسك ؟ فقال له الفتى : أو ما تعرف من أنا ؟ ~~قال : بلى والله أعرفك معرفة جيدة ، أولك نطفة مذره ، وآخرك جيفة قذره ، ~~وأنت بين ذلك حامل عذره ، فأرخى الفتى ردينه وكف مما كان يفعله ، وطأطأ ~~رأسه ، ومضى مسترسلا . PageV03P0340 # """""" صفحة رقم 341 """""" وقال الواقدي : دخل الفضل بن يحيى ذات يوم ~~على أبيه وهو يتبختر في مشيته ، فقال له يحيى : يا أبا عبد الله ، إن البخل ~~والجهل مع التواضع ، أزين بالرجل من الكبر مع السخاء والعلم ، فيا لها من ~~حسنة غطت على عيبين عظيمين ، ويا ms0687 لها من سيئة غطت على حسنتين كبيرتين ، ثم ~~أومأ إليه بالجلوس وقال : احفظه يا عبد الله ، فإنه أدب كبير أخذناه عن ~~العلماء . ومن الكبر المستهجن ما روي : أن وائل بن حجر أتى النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فأقطعه أرضا ، وقال لمعاوية : اعرض هذه الأرض عليه ~~واكتبها له ، فخرج مع وائل في هاجره شاوية ، ومشى خلف ناقته ، وقال له : ~~أردفني على عجز راحلتك ، فقال : لست من أرداف الملوك ، قال : فأعطني نعليك ~~، فقال : ما بخل يمنعني يا بن أبي سفيان ، ولكن أكره أن يبلغ أقيال اليمن ~~أنك لبست نعلي ، ولكن امش في ظل ناقتي ، فحسبك بها شرفا ، وقيل : إن وائلا ~~أدرك زمن معاوية ودخل عليه فأقعده معه على السرير وحدثه . والعرب تجعل ~~جذيمة الأبرش الغاية في الكبر ، وروي : أنه كان لا ينادم أحدا ترفعا وكبرا ~~، ويقول : إنما ينادمني الفرقدان . ومنه قول متمم : وكنا كندماني جذيمة ~~حقبة قيل : إنما أراد الفرقدين ، لا كما ذكره الرواة أنهما مالك وعقيل . ~~وقيل : كان أبو ثوابة أقبح الناس كبرا ، روي : أنه قال لغلامه اسقني ماء ، ~~فقال : نعم ، قال : إنما يقول : نعم من يقدر على أن يقول : لا وأمر بضربه ، ~~ودعا PageV03P0341 # """""" صفحة رقم 342 """""" أكارا فكلمه ، فلما فرغ دعا بماء ، وتمضمض ~~استقذارا لمخاطبته . قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود : ولا ~~تعجبا أن تؤتيا فتكلما . . . فما حشى الأقوام شرا من الكبر قال الجاحظ : ~~المذكورون بالكبر من قريش ، بنو مخزوم ، وبنو أمية ، ومن العرب ، بنو جعفر ~~بن كلاب ، وبنو زرارة بن عدس ، وأما الأكاسرة فكانوا لا يعدون الناس إلا ~~عبيدا ، وأنفسهم إلا أربابا ، والكبر في الأجناس الذليلة أرسخ ، ولكن القلة ~~والذلة مانعتان من ظهور كبرهم ، ومن قدر من الوضعاء أدبي قدرة ، ظهر من ~~كبره ما لا خفاء به ، ولم أر ذا كبر قط علا من دونه ، إلا وهو يذل لمن فوقه ~~بمقدار ذلك ووزنه . قال : أما بنو مخزوم ، وبنو أمية ، وبنو جعفر بن كلاب ، ~~واختصاصهم بالتيه ، فإنهم أبطرهم ما وجدوا لأنفسهم من الفضيلة ، ولو كان في ms0688 ~~قوى عقولهم فضل عن قوى دواعي الحمية فيهم ، لكانوا كبني هاشم في تواضعهم ~~وإنصافهم من دونهم . وقال أبو الوليد الأعرابي : ولست بتياه إذا كنت مثريا ~~. . . ولكنه خلقي إذا كنت معدما وأن الذي يعطي من المال ثروة . . . إذا كان ~~نذل الوالدين تعظما ومن المتكبرين ، عمارة بن حمزة ، حكي عنه : أنه دخل على ~~المهدي ، فلما استقر به الجلوس ، قام رجل كان المهدي قد أعده له ليتهكم به ~~، فقال : مظلوم يا أمير المؤمنين ، قال : من ظلمك ؟ قال : عمارة غصبني ~~ضيعتي ، وذكر ضيعة من أحسن ضياع عمارة وأكثرها خراجا ، فقال المهدي لعمارة ~~: قم فاجلس مع خصمك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ما هو لي بخصم ، إن كانت ~~الضيعة له ، فلست أنازعه فيها ، وإن PageV03P0342 # """""" صفحة رقم 343 """""" كانت لي فقد وهبتها له ، ولا أقوم من مجلس ~~شرفني به أمير المؤمنين ، فلما انصرف المجلس ، سأل عمارة عن صفة الرجل ، ~~وما كان لباسه ، وأين كان موضع جلوسه ، وكان من تيهه أنه إذا أخطأ يمر على ~~خطئه تكبرا عن الرجوع ويقول : نقض وإبرام في ساعة واحدة ، الخطأ أهون منه . ~~ومنهم من أهلكه الكبر وأذله . كان خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسري ~~أميرا على العراق ، وبلغ من هشام بن عبد الملك محلا رفيعا ، فأفسد أمره ~~العجب والكبر ، وأدناه إلى الهلكة ، وعذب حتى مات ، وذلك أنه كان إذا ذكر ~~هشام عنده ، قال : ابن الحمقاء فسمعها رجل من أهل الشام ، فقال لهشام : إن ~~هذا البطر الأشر الكافر لنعمتك ونعمة أبيك وإخوتك ، يذكرك بأسوأ الذكر ، ~~قال : لعله يقول : الأحول ، قال : لا ، ولكنه يقول : ما لا تلتقي به ~~الشفتان ، قال : لعله يقول : ابن الحمقاء ، فأمسك الشامي ، فقال هشام قد ~~بلغني كل ذلك عنه ، وكان خالد يقول : والله ما إمارة العراق مما تشرفني ، ~~فبلغ ذلك هشاما ، فكتب إليه : بلغني أنك يا بن النصرانية تقول : إن إمارة ~~العراق لا تشرفك وأنت دعي بجيلة القليلة الذليلة ، والله إني لأظن أن أول ~~من يأتيك صيفي بن قيس فيشد يدك إلى عنقك ، قال خالد بن صفوان ms0689 بن الأهتم : ~~لم تزل أفعال خالد حتى عزله هشام وعذبه ، وقتل ابنه يزيد بن خالد ، فرأيت ~~في رجله شريطا قد شده به الصبيان يجرونه ، فدخلت إلى هشام يوما ، فحدثته ~~فأطلت ، فتنفس ، وقال : يا خالد كان أحب إلي قربا وألذ عندي حديثا منك ، ~~يعني خالد القسري ، قال : فانتهزتها ورجوت أن أشفع فتكون لي عند خالد يدا ، ~~فقلت : يا أمير المؤمنين ، ما يمنعك من استئناف الصنيعة ، فقد أدبته بما ~~فرط منه ، فقال : هيهات إن خالدا أوجف فأعجف ، وأدل فأمل ، وأفرط في ~~الإساءة ، فأفرطنا في المكافأة ، فحلم الأديم ، ونغل الجرح ، وبلغ السيل ~~الزبى ، والحزام الطبيين ، ولم يبق فيه مستصلح ، ولا للصنيعة عنده موضع ، ~~عد إلى حديثك . PageV03P0343 # """""" صفحة رقم 344 """""" ومنهم : من أفرط به الكبر إلى الكفر ، حكي : ~~أن سعيد بن زرارة مرت به امرأة فقالت له : يا عبد الله ، كيف الطريق إلى ~~مكان كذا ؟ فقال لها : أمثلي يكون من عبيد الله . ومنهم : عبيد الله بن ~~زياد بن ظبيان ، قال له رجل من قومه وقد رأى منه ما أعجبه : كثر الله فينا ~~مثلك ، فقال : لقد كلفتم الله شططا . ومن أشعار المتكبرين التياهين قول ~~بعضهم : أتيه على جن البلاد وإنسها الأبيات ، وقد تقدمت في الحمقى . وقال ~~آخر : ألقني في لظى فإن أحرقتني . . . فتيقن أن لست بالياقوت صنع النسج كل ~~من حاك لكن . . . ليس داود فيه كالعنكبوت قال ابن حبارة الحراني المنجنيقي ~~يرد عليه : أيها المدعي الفخار دع الفخ . . . ر لذي الكبرياء والجبروت نسج ~~داود لم يفد ليلة الغا . . . ر وكان الفخار للعنكبوت وبقاء السمند في لهب ~~النا . . . ر مزيل فضيلة الياقوت وكذاك النعام يلتقم الجم . . . ر وما ~~الجمر للنعام بقوت ومما هجى به أهل التكبر ، قول جعيفران يهجو سعيد بن مسلم ~~بن قتيبة : أم سعيد لم ولدتيه . . . ملوثا بالكبر والتيه ليتك إذ جئت به ~~هكذا . . . حين خريتيه أكلتيه PageV03P0344 # """""" صفحة رقم 345 """""" ذكر ما قيل في الحرص والطمع قال الله عز وجل ~~لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) : " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم ms0690 زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى " . وقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أربع من الشقاء الخ . . . . . عد منها ~~الحرص والأمل " . وقال : " ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم فأفسداها أشد من ~~حرص المرء على المال " . وقال : " يشيب ابن آدم وتشب منه اثنتان : " الحرص ~~على المال ، والحرص على العمر " وقال : " إياكم الطمع فإنه الفقر الحاضر " ~~. ومن كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الطمع مورد غير مصدر ، وضامن ~~غير وفي ، وكلما عظم قدر الشيء المتنافس فيه ، عظمت الرزية لفقده ، ~~والأماني تعمى البصائر . أزرى بنفسه من استشعر الطمع ، واستولت عليه ~~الأماني . وقال بعضهم : الحرص ينقص من قدر الإنسان ، ولا يزيد في رزقه . ~~وقال قتيبة : إن الحريص استعجل الذلة ، قبل إدراك البغية . وقيل : لا راحة ~~لحريص ، ولا غنى لذي طمع . وقيل : إن كعبا لقي عبد الله بن سلام ، فقال : ~~يا بن سلام ، من أرباب العلم ؟ قال : الذين يعملون به ، قال : فما أذهب ~~العلم من قلوب العلماء بعد إذ علموه ووعوه ؟ قال : الطمع ، وشره النفس ، ~~وطلب الحوائج إلى الناس . قال الأصمعي : سمعت أعرابيا يقول : عجبت للحريص ~~المستكبر ، المستقل لكثير ما في يده ، المستكثر لقليل ما في يد غيره ، حتى ~~طلب الفضل ، بذهاب الأصل ، فركب مفاوز البراري ، ولجج البحار ، معرضا نفسه ~~للممات ، وماله للآفات ، ناظرا إلى من سلم ، غير معتبر بمن عدم . قال يزيد ~~بن الحكم الثقفي : رأيت السخي النفس يأتيه رزقه . . . هنيئا ولا يعطي على ~~الحرص جامع وكل حريص لن يجاوز رزقه . . . وكم من موفى رزقه وهو وادع ~~PageV03P0345 # """""" صفحة رقم 346 """""" وقالوا : مصارع الألباب تحت ظلال الطمع . ~~ويقال : الحر عبد ما طمع . . . والعبد حر ما قنع وقالوا : أخرج الطمع من ~~قلبك ، تحل القيد من رجلك ، وقال عمرو بن مالك الحارثي : الحرص للنفس فقر ~~والقنوع غنى . . . والقوت إن قنعت بالقوت يجزيها والنفس لو أن ما في الأرض ~~حيز لها . . . ما كان إن هي لم تقنع بكافيها وقال ابن هرمة : وفي اليأس عن ~~بعض المطامع راحة . . . ويا رب خسر أدركته المطامع وقال ms0691 هرمة بن خشرم : ~~وبعض رجاء المرء ما ليس نائلا . . . عناء وبعض اليأس أعفى وأروح وقال مكنف ~~بن معاوية التيمي : ترى المرء يأمل ما لا يرى . . . ومن دون ذلك ريب الأجل ~~وكم آيس قد أتاه الرجاء . . . وذي طمع قد لواه الأمل وقال آخر : طمعت فيما ~~وعدتك المنى . . . وليس فيما وعدت مطمع وثقت بالباطل من قولها . . . وليس ~~حقا كل ما تسمع وإنما موعدها بارق . . . في كل حين خلب يلمع PageV03P0346 # """""" صفحة رقم 347 """""" ويضرب المثل في الطمع بأشعب . قيل له : ما ~~بلغ من طمعك ؟ فقال للقائل له : لم تقل هذا إلا وفي نفسك خير تصنعه بي ، ~~وقيل : إنه لم يمت شريف قط من أهل المدينة إلا استعدى أشعب على وصيه أو ~~وارثه وقال له : احلف أنه لم يوص لي بشيء قبل موته ، ووقف على رجل يعمل ~~طبقا من الخيزران ، فقال له : وسعه قليلا ، قال الخيزراني : كأنك تريد أن ~~تشتريه ؟ قال : لا ، ولكن ربما يشتريه بعض الأشراف فيهدي إلي فيه شيئا ، ~~وسأله سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن طمعه ، قال : قلت لصبيان ~~مرة : اذهبوا ، هذا سالم قد فتح بيت صدقة عمر حتى يطعمكم تمرا ، فلما ~~أحضروا ظننت أنه كما قلت لهم ، فعدوت في إثرهم ، وقيل له : ماذا بلغ من ~~طمعك ؟ قال : أرى دخان جاري فأثرد عليه ، وقيل له أيضا : ما بلغ من طمعك ؟ ~~قال : ما رأيت عروسا بالمدينة تزف إلا كنست بيتي ورششته طمعا أن تزف إلي ، ~~وقيل له : هل رأيت أطمع منك ؟ قال : نعم ، كلب أم حومل ، تبعني فرسخين ، ~~وأنا أمضغ كندرا ، ولقد حسدته على ذلك . ذكر ما قيل في الوعد والمطل روي عن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " العدة دين " . وقال بعض ~~القرشيين : من خاف الكذب ، أقل من المواعيد . وقيل : أمران لا يسلمان من ~~الكذب : كثرة المواعيد وشدة الاعتذار . وقالوا : خلف الوعد ، خلق الوغد . ~~وقال المهلب لبنيه : يا بني ، إذا غدا عليكم الرجل أو راح مسلما ، فكفى ~~بذلك تقاضيا . قال الشاعر : اروح لتسليم عليك وأغتدي ms0692 . . . فحسبك بالتسليم ~~مني تقاضيا كفى بطلاب المرء ما لا يناله . . . عناء وباليأس المصرح ناهيا ~~وقيل : الوعد إذا لم يشفعه إنجاز يحققه ، كان كلفظ لا معنى له ، وجسم لا ~~روح فيه . وقالوا : الخلف ألأم من البخل ، لأنه من لم يعرف المعروف ، لزمه ~~ذم PageV03P0347 # """""" صفحة رقم 348 """""" اللؤم ، وذم الخلف ، وذم العجز . قال بعض ~~الشعراء : وعدت فأكذبت المواعيد جاهدا . . . وأقلعت إقلاع الجهام بلا وبل ~~وأجررت لي حبلا طويلا تبعته . . . ولم أدر أن اليأس في طرف الحبل وقال أبو ~~تمام : وما نفع من قد مات بالأمس صاديا . . . إذا ما سماء اليوم طال ~~انهمارها وما العرف بالتسويف الأكخلة . . . تسليت عنها حين شط مزارها ~~والعرب تضرب المثل بمواعيد عرقوب ، وكان رجلا من العماليق وله في ذلك ~~حكايات ، فمنها : أنه أتاه أخ له ، يسأله شيئا ، فقال له عرقوب : إذا أطلعت ~~هذه النخلة فلك طلعها ، فلما أطلعت ، أتاه الرجل للعدة ، فقال : دعها حتى ~~تصير بلحا ، فلما أبلحت ، أتاه ، فقال : دعها حتى تصير زهوا ، فلما أزهت ، ~~قال : دعها حتى تصير رطبا ، فلما أرطبت ، قال : دعها حتى تصير تمرا ، فلما ~~أتمرت ، عمد إليها عرقوب ، فجذها ولم يعط أخاه منها شيئا . وفيه يقول ~~الأشجعي : وعدت وكان الخلف منك سجية . . . مواعيد عرقوب أخاه بيثرب وقال ~~السكيت للمهدي : يا أمير المؤمنين ، لو كان الوعد يستنزل بالإهمال والسكون ~~، لشكرتك القلوب بالضمير ، ولنظرت إلى فضلك العيون بالأوهام ، فقال المهدي ~~: هذا جزاء التفريط فيما يكسب الأجر ، ويدخر الشكر ، وأمر بقضاء حاجته . ~~وقال أعرابي : العذر الجميل ، أحسن من المطل الطويل ، فإن أردت الإنعام ~~فأنجح ، وإن تعذرت الحاجة فأفصح . وقال بعض كرماء العرب : لأن أموت عطشا ، ~~أحب إلي من أن أخلف موعدا . PageV03P0348 # """""" صفحة رقم 349 """""" وقالوا : من وعد فأخلف ، لزمته ثلاث مذمات ، ~~ذم اللؤم ، وذم الخلف ، وذم الكذب ، وقال بعض الشعراء : ولا خير في وعد إذا ~~كان كاذبا . . . ولا خير في قول إذا لم يكن فعل فإن تجمع الآفات فالبخل ~~شرها . . . وشر من البخل المواعيد والمطل قال بعض الأعراب : فلان له مواعيد ~~المطل ، وثمارها الخلف ، ومحصولها اليأس ms0693 . وقال آخر : فلان له وعد مطمع ، ~~ومطل مؤيس ، وأنت منه أبدا بين يأس وطمع ، فلا بذل مريح ، ولا منع صريح . ~~وقال الثعالبي : أول من أخلف المواعيد ولم يف بشيء منها : إسماعيل بن صبيح ~~كاتب الرشيد ، وما كان الرؤساء يعرفون قبله المواعيد الكاذبة . ذكر ما قيل ~~في العي والحصر قال الله عز وجل : " أو من ينشأ في الحيلة وهو في الخصام ~~غير مبين " . وقال تعالى إخبارا عن فرعون عند افتخاره على موسى بالبيان : " ~~أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين " . قال أهل التفسير : إن ~~موسى عليه السلام لما سمع هذا القول قال : " رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ~~واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي " . الآية ، فقال الله تعالى : " قد أوتيت ~~سؤلك يا موسى " . وقيل : حد العي معنى قصير ، يحويه لفظ طويل . وقال أكثم ~~بن صيفي : هو أن تتكلم فوق ما تقتضيه حاجتك . وقالوا : الفقير الناطق ، ~~أغنى من الغني الساكت . وقال كسرى : الصمت خير من عي الكلام . وقالوا : فضل ~~الإنسان على ما عداه من الحيوان بالبيان ، فإذا نطق ولم يفصح عاد بهيما . ~~وقالوا : العي داء دواؤه الخرس . ومن علامات العي الاستعانة ، وهي أن ترى ~~المخاطب إذا كل لسانه عند مقاطع كلامه ، يقول للمخاطب : اسمع مني ، أو سمعت ~~لي ، وافهم عني ، وأشباه ذلك . PageV03P0349 # """""" صفحة رقم 350 """""" ومنهم من يقول : قولي كذا ، أعني به كذا ، ~~ولا يريد التفسير ، ولكنه يعيد كلامه بصيغة أخرى تكون غير مراده الأول ~~ليفهم عنه . ومن عيوب اللسان : التمتمة ، والفأفأة ، والعقلة ، والحبسة ، ~~واللفف ، والرتة ، والغمغمة ، والطمطمة ، واللكنة ، والغنة ، واللثغة . ~~فالتمتمة ، قال الأصمعي : إذا تعتع في التاء فهو تمتام ، وإذا ردد في الفاء ~~فهو فأفاء ، قال الراجز : ليس بفأفاء ولا تمتام . . . ولا كثير الهجر في ~~الكلام . والعقلة : التواء اللسان عند الكلام ، والحبسة : تعذر النطق ، ولم ~~تبلغ حد الفأفاة ولا التمتام ، ويقال : إنها تعرض أول الكلام ، فإذا مر فيه ~~انقطعت . واللفف : إدخال بعض الكلام في بعض ، قال الراجز : كان فيه لففا ~~إذا نطق . . . من طول تحبيس وهم ms0694 وأرق والرتة : اتصال بعض الكلام ببعض دون ~~إفادة ، والغمغمة : أن تسمع الصوت ولا يتبين تقطيع الحروف ، ولا تفهم معناه ~~، والطمطمة : أن يكون الكلام شبيها بكلام العجم ، وهي حميرية ، وقالوا : هي ~~إبدال الطاء بالتاء لأنهما من مخرج واحد ، فيقول : السلتان والشيتان ، ~~وأشباه ذلك ، قيل : وكانت في لسان زياد بن سلمى ، وكان خطيبا شاعرا كاتبا ، ~~واللكنة : إدخال بعض حروف العرب في حروف العجم ، وتشترك فيها اللغة التركية ~~والنبطية ، وهي إبدال الهاء حاء ، وانقلاب العين همزة ، وكانت في لسان عبيد ~~الله بن زياد ، وصهيب الرومي صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وقيل ~~: إن مولى لزياد ، قال له : أيها الأمير ، أحدوا لنا همار وهش : يريد : ~~أهدوا لنا حمار وحش ، فلم يفهم زياد عنه ، وقال : ويلك ماذا تقول ؟ قال : ~~أحدوا لنا أيرا : يريد عيرا ، فقال زياد : أرجعنا إلى الأول هو خير ، ~~والغنة : أن يشرب الصوت PageV03P0350 # """""" صفحة رقم 351 """""" الخيشوم ، والخنة : ضرب منها ، والترخيم : ~~حذف بعض الكلمة لتعذر النطق بها ، واللثغة : إبدال ستة حروف بغيرها ، وهي ~~الهمزة والراء والسين والقاف والكاف واللام ، فالتي تعرض للهمزة ، فهي ~~إبدالها عينا ، فإذا أراد أن يقول : أنت ، قال : عنت وهي مستعملة في لسان ~~التكرور ، وأما التي تعرض في الراء فهي ستة أحرف ، فمنهم من يجعلها غينا ~~معجمة فيقول غمغ : يريد عمر ، وهي غالبة على لسان أهل دمشق ، وإذا اجتمعت ~~الراء والغين في كلمة كقولهم : رغيف ، قال : غريف ، وفغرت بمكان فرغت : ~~فيبدلون كل حرف بالآخر ، قيل : وكانت في لسان محمد بن شبيب الخارجي ، وواصل ~~بن عطاء المعتزلي ، وكان لاقتداره على الكلام ، وغزارة مادته ، يتجنب النطق ~~بها ، وفيه يقول الشاعر من أبيات : ويجعل البرقمحا في تصرفه . . . وجانب ~~الراء حتى احتال للشعر ولم يطق مطرا والقول يجعله . . . فعاد بالغيث إشفاقا ~~من المطر ومنهم من يجعلها عينا مهملة ، فيقول في أزرق : أزعق ، وهي في لسان ~~عوام أهل دمشق ، ومنهم من يجعلها ياء ، فيقول في عمر : غمى ، ومنهم من ~~يبدلها بالظاء أخت الطاء ، ومنهم من يبدلها همزة ، فإذا أراد أن يقول : ~~رأيت ، قال : أأيت ms0695 ، وأما التي تعرض للسين ، فإنهم يبدلونها ثاء ، فيقولون ~~: بثم الله ، ويثرة الله : إذا أرادوا بسم الله ، ويسرة الله ، أو أشباه ~~ذلك ، وهي مستحسنة في الجواري والغلمان . قال الشاعر : وأهيف كالهلال شكوت ~~وحدي . . . إليه لحسنه وأطلت بثي وقلت له فدتك النفس صلني . . . تحز في ~~الثواب فقال بثي وأما التي تعرض للقاف ، فإن صاحبها يجعل القاف طاء ، فإذا ~~أراد أن يقول : قال ، وقلت ، نطق : بطال ، وطلت ، وهي نبطية ، وكانت في ~~لسان أبي مسلم صاحب PageV03P0351 # """""" صفحة رقم 352 """""" الدعوة ، وعبيد الله بن زياد ، ومنهم من ~~يجعلها كافا فيقول : كال وكلت ، وأما التي تعرض للكاف ، فمنهم من يجعلها ~~همزة ، فيقول : أأف ، ومنهم من يبدلها تاء ، فيقول : تان ، إذا أراد : كان ~~، وأما التي تعرض في اللام ، فمنهم من يبدلها ياء ، فيقول : اعتييت ، بمعنى ~~: اعتللت ، ويقول في جمل : جمى ، وإذا أقسم بالله ، يقول : وياه ، ومنهم من ~~يبدل الخاء المعجمة حاء مهملة ، فيقول في خوخ : حوح ، وتستحسن في الغلمان ~~والجواري ، ومنهم من يبدل الجيم ضادا ، فإذا اجتمع لأحد في كلمة جيم وضاد ، ~~مثل ضجر ، ونضج ، قال : جضر ، ونجض ، والحمد لله وحده PageV03P0352 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الرابع PageV04P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل أفضل صلاة على ~~أفضل خلقك سيدنا محمد وآله وسلم ### | AUT الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الثاني في المجون والنوادر والفكاهات والملح # وهذا الباب مما تنجذب النفوس إليه ، وتشتمل الخواطر عليه ؛ فإن فيه راحة ~~للنفوس إذا تعبت وكلت ، ونشاطا للخواطر إذا سئمت وملت ؛ لأن النفوس لا ~~تستطيع ملازمة الأعمال ، بل ترتاح إلى تنقل الأحوال . فإذا عاهدتها ~~بالنوادر في بعض الأحيان ، ولاطفتها بالفكاهات في أحد الأزمان ، عادت إلى ~~العمل الجد بنشطة جديدة ، وراحة في طلب العلوم مديدة . وقد روي عن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن ~~القلوب إذا كلت عميت " . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " أجموا هذه ~~القلوب والتمسوا لها طرق الحكمة ، فإنها تمل كما تمل الأبدان ، والنفس ~~مؤثرة للهوى ، آخذة ms0696 PageV04P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" بالهويني ، جانحة إلى اللهو ، أمارة بالسوء ، ~~مستوطنة بالعجز ، طالبة للراحة ، نافرة عن العمل ؛ فإن أكرهتها أنضيتها ، ~~وإن أهملتها أرديتها " . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يضحك حتى ~~تبدو نواجذه . وكان محمد بن سيرين يضحك حتى يسيل لعابه . وقال هشام بن عبد ~~الملك : قد أكلت الحلو والحامض حتى ما أجد لواحد منهما طعما ، وشممت الطيب ~~حتى ما أجد له رائحة ، وأتيت النساء حتى ما أبالي أمرأة أتيت أم حائطا ؛ ~~فما وجدت شيئا ألذ إلي من جليس تسقط بيني وبينه مئونة التحفظ . وقال أحمد ~~بن عبد ربه : الملح نزهة النفس ، وربيع القلب ، ومرتع السمع ، ومجلب الراحة ~~، ومعدن السرور . وقال أيضا : إن في بعض الكتب المترجمة أن يوحنا وشمعون ~~كانا من PageV04P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" الحواريين ، فكان يوحنا لا يجلس مجلسا إلا ضحك ~~وأضحك من حوله ، وكان شمعون لا يجلس مجلسا إلا بكى وأبكى من حوله . فقال ~~شمعون ليوحنا : ما أكثر ضحكك كأنك قد فرغت من عملك فقال له يوحنا : ما أكثر ~~بكاك كأنك قد يئست من ربك . فأوحى الله إلى عيسى بن مريم عليه السلام : أن ~~أحب السيرتين إلي سيرة يوحنا . والعرب إذا مدحوا الرجل قالوا : هو ضحوك ~~السن ، بسام العشيات ، هش إلى الضيف . وإذا ذمته قال : هو عبوس الوجه ، جهم ~~المحيا ، كريه المنظر ، حامض الوجه كأنما وجهه بالخل منضوح . وكأنما أسعط ~~خيشومه بالخردل . وقيل لسفيان : المزاح هجنة ؛ فقال : بل سنة ، لقوله عليه ~~الصلاة والسلام : " إني لأمزح ولا أقول إلا الحق " ، ( صلى الله عليه وسلم ~~) وعلى آله وصحبه أجمعين . ذكر مزاحات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وقد مزح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فمن ذلك : أنه قال ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لرجل استحمله : " نحن حاملوك على ولد الناقة " يريد : البعير . ~~وقال ( صلى الله عليه وسلم ) لامرأة من الأنصار : " الحق زوجك ففي عينه ~~بياض " . فسعت المرأة نحو زوجها مرعوبة ؛ فقال لها : ما دهاك ؟ فقالت : قال ~~لي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : إن في عينك بياضا ؛ فقال : إن ms0697 في ~~عيني بياضا لا PageV04P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" لسوء . وأتته عجوز أنصارية قالت : يا رسول الله ~~، ادع لي بالمغفرة . فقال لها : " أما علمت أن الجنة لا يدخلها العجز " ~~فصرخت ؛ فتبسم ( صلى الله عليه وسلم ) وقال لها : " أما قرأت " إنا ~~أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا " " . ونظر عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه إلى أعرابي قد صلى صلاة خفيفة ، فلما قضاها قال : اللهم زوجني ~~بالحور العين ؛ فقال عمر : يا هذا أسأت النقد ، وأعظمت الخطبة . ذكر من ~~اشتهر بالمزاح من الصحابة رضوان الله عليهم كان أشهرهم بالمزاح رضي الله ~~عنهم نعيمان ، وهو أحد أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) البدريين ، ~~وله رضي الله عنه مزاحات مشهورة ، منها ما روى : أنه خرج مع أبي بكر الصديق ~~إلى بصرى ، وكان في الحملة سويبط ، هو بدري أيضا ، وكان سويبط على الزاد ؛ ~~فجاءه نعيمان فقال له : أطعمني ؛ قال : لا ، حتى يأتي أبو بكر . فقال ~~نعيمان : والله لأغيظنك . وجاء إلى أناس جلبوا ظهرا ، فقال ابتاعوا مني ~~غلاما عربيا فارها إلا أنه دعاء ، له لسان ، لعله يقول : أنا حر ؛ فإن كنتم ~~تاركيه لذلك فدعوه ، لا تفسدوا على غلامي ، قالوا : بل نبتاعه منك بعشر ~~قلائص . فأقبل بها يسوقها ، وأقبل بالقوم حتى عقلها ، ثم قال : دونكم هذا ~~هو . فقالوا : قد اشتريناك . فقال سويبط : هو كاذب ، أنا رجل حر ؛ فقالوا : ~~قد أخبرنا خبرك ، ووضعوا في عنقه حبلا وذهبوا به . فجاء أبو بكر رضي الله ~~عنه فأخبر بذلك ، فذهب هو وأصحابه ، فردوا القلائص على أربابها وأخذوه . ~~وأخبر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بالقصة فضحك منها حولا . PageV04P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" ومن مزاحاته : أنه أهدى إلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) جرة عسل اشتراها من أعرابي ، وأتى بالأعرابي إلى باب ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : خذ الثمن من هاهنا . فلما قسمها النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) نادى الأعرابي : ألا أعطى ثمن عسلي ؟ فقال النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " إحدى هنات نعيمان " . وسأله : لم فعلت هذا ؟ فقال ~~: أردت برك يا رسول الله ، ولم ms0698 يكن معي شيء . فتبسم النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وأعطى الأعرابي حقه . ومن مزاحاته أيضا : أنه مر يوما بمخرمة بن ~~نوفل الزهري ، وهو ضرير ، فقال له : قدني حتى أبول ، فأخذ بيده حتى إذا كان ~~في مؤخر المسجد قال له : اجلس ؛ فجلس مخرمة ليبول ، فصاح الناس : يا أبا ~~المسور ، أنت في المسجد . فقال : من قادني ؟ فقيل له : نعيمان . قال : لله ~~علي أن أضربه بعصاي إن وجدته . فبلغ ذلك نعيمان ، فجاء يوما فقال لمخرمة : ~~يا أبا المسور ، هل لك في نعيمان ؟ قال نعم . قال : هو ذا يصلي . وأخذ بيده ~~وجاء به إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو يصلي ، فقال : هذا نعيمان ؛ ~~فعلاه مخرمة بعصاه ؛ فصا به الناس : ضربت أمير المؤمنين . فقال : من قادني ~~؟ قالوا : نعيمان ؛ فقال : لا جرم لا عرضت له بسوء أبدا . ومنهم ابن أبي ~~عتيق ، وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنهم . وكان ذا ورع وعفاف وشرف ، وكان كثير المجون ، وله نوادر مستظرفة ، ~~منها : أنه لقي عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : ما تقول في ~~إنسان هجان بشعر ، وهو : أذهبت مالك غير متروك . . . في كل مؤنسة وفي الخمر ~~ذهب الإله بما تعيش به . . . وبقيت وحدك غير ذي وفر فقال عبد الله بن عمر : ~~أرى أن تأخذ بالفضل وتصفح . فقال له عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن : ~~والله أرى غير ذلك . فقال : وما هو ؟ قال : أرى أن أنيكه . فقال ابن عمر : ~~سبحان الله ما تترك الهزل وافترقا . ثم لقيه بعد ذلك فقال له : أتدري ما ~~فعلت بذلك الإنسان ؟ فقال : أي إنسان ؟ قال : الذي أعلمتك أنه هجاني . ~~PageV04P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" قال : ما فعلت به ؟ قال : كل مملوك لي حر إن لم ~~أكن نكته . فأعظم ذلك عبد الله بن عمر واضطرب له . فقال له : امرأتي والله ~~التي قالت الشعر وهجتني به . وكانت امرأته أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله ~~. وقد مدح الشعراء اللعب في موضعه ، كما مدح ms0699 الجد في موضعه ؛ فقال أبو تمام ~~: الجد شيمته وفيه فكاهة . . . طورا ولا جد لمن لم يلعب وقال الأبيرد رحمة ~~الله عليه : إذا جد عند الجد أرضاك جده . . . وذو باطل إن شئت ألهاك باطله ~~ومن مجون عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ما حكي أن جاريته قالت له : إن ~~فلانا القارئ ، وكان يظهر النسك ، قد قطع علي الطريق وآذاني ويقول لي : أنا ~~أحبك . فقال لها : قولي له : وأنا أحبك أيضا ، وواعديه المنزل ؛ ففعلت ~~وأدخلته المنزل ؛ وكان عبد الله قد واعد جماعة من أصحابه ليضحكوا على الرجل ~~. ودخلت الجارية إلى البيت الذي فيه الرجل ، فدعاها فاعتلت عليه ، فوثب ~~إليها فاحتملها وضرب بها الأرض ، فدخل عليه ابن أبي عتيق وأصحابه وقد ~~تولكها ، فحجل وقام وقال : يا فساق ، ما تجمعتم ها هنا إلا لريبة ، فقال له ~~ابن أبي عتيق : استر علينا ستر الله عليك . ثم لم يرتدع عن العبث بها ، ~~فشكت ذلك إلى سيدها ؛ فقال لها : هيئي من الطعام طحن ليلة إلى الغداة ففعلت ~~، ثم قال لها : عديه الليلة ، فإذا جاء فقولي له : إن وظيفتي الليلة طحن ~~هذا كله ، ثم اخرجي إلى البيت واتركيه ، ففعلت . فلما دخل طحنت الجارية ~~قليلا ، ثم قالت له : أدر الرحى حتى أفتقد سيدي ، فإذا نام وأمنا أن يأتينا ~~أحد ، صرت إلى ما تحب ، ففعل ، ومضت الجارية إلى مولاها ، وأمر ابن أبي ~~عتيق عدة من مولياته أن PageV04P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" يتراوحن على سهر ليلتهن ويتفقدن أمر الطحن ~~ويحثثن عليه ، ففعلن وجعلن ينادين الفتى كلما كف عن الطحن : يا فلانة إن ~~مولاك مستيقظ والساعة يعلم أنك قد كففت عن الطحن ، فيقوم إليك بالعصا ~~كعادته مع من كانت نوبتها قبلك إذا هي نامت وكفت عن الطحن . فلم يزل كلما ~~سمع ذلك الكلام منهن اجتهد في العمل والجارية تتفقده وتقول له : استيقظ ~~مولاي والساعة ينام فأصير إلى ما تحب وهو يطحن ، حتى أصبح وفرغ القمح . ~~فأتته الجارية بعد فراغه فقالت له : قد أصبح فانج بنفسك . فقال : أو قد ~~فعلتها يا عدوة الله ms0700 وخرج تعبا نصبا ، وأعقبه ذلك مرضا شديدا أشرف منه على ~~الموت ، وعاهد الله ألا يعود إلى كلام الجارية ، فلم تر منه بعد ذلك شيئا ~~تكرهه . قال : وتعشى عبد الله ليلة ومعه رجل من الأنصار ، فوقع حجر في ~~الدار ووقع آخر وثالث ؛ فقال للجارية : اخرجي فانظري : أذنوا المغرب أم لا ~~، فخرجت وجاءت بعد ساعة ، وقالت : قد أذنوا وصلوا . فقال الرجل الذي كان ~~عنده : أليس قد صلينا قبل أن تدخل الجارية ؟ قال : بلى ، ولكن لو لم أرسلها ~~تسأل عن ذلك لرجمنا إلى الغداة ، أفهمت ؟ قال : نعم ، قد فهمت . قال وسمع ~~بعد الله بن أبي عتيق قول عمر بن أبي ربيعة : من رسولي إلى الثريا فإني . . ~~. ضقت ذرعا بهجرها والكتاب فركب بغلته من المدينة ، وسار يريد مكة ، فلما ~~بلغ ذا الحليفة قيل له : أحرم ؛ قال : ذو الحاجة لا يحرم ، وجاء حتى دخل ~~على الثريا . فقال لها : ابن عمك يقول : ضقت ذرعا بهجرها والكتاب ثم ركب ~~بغلته وعاد . PageV04P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" ذكر شيء من مجون الأعراب سئل أعرابي عن جارية ~~له يقال لها زهرة ، فقيل له : أيسرك أنك الخليفة وأن زهرة ماتت ؟ فقال : لا ~~والله تذهب الأمة وتضيع الأمة . وجد أعرابي مرآة وكان قبيح الصورة ، فنظر ~~فيها فرأى وجهه فاستقبحه ، فرمى بها وقال : لشر ما طرحك أهلك . وقيل ~~لأعرابي : لم يقال : باعك الله في الأعراب ؟ فقال : لأنا نجيع كبده ، ونعرى ~~جلده ، ونطيل كده . وتزوج أعرابي على كبر سنه ، فقيل له في ذلك ، فقال : ~~أبادره باليتم ، قبل أن يبادرني بالعقوق . ومر أعرابي وفي يده رغيف برجل في ~~يده سيف ، فقال : بعني هذا السيف بهذا الرغيف ، فقال : أمجنون أنت ؟ فقال ~~الأعرابي : ما أنكرت مني ؟ انظر أيهما أحسن أثرا في البطن . وحكي أن المهدي ~~خرج للصيد فغلبه فرسه حتى انتهى به إلى خباء لأعرابي ، فقال : يا أعرابي ، ~~هل من قرى ؟ قال : نعم ، وأخرج له فضلة من خبز ملة فأكلها وفضلة من لبن ~~فسقاه ، ثم أتى بنبيذ في زكرة فسقاه قعبا . فلما شرب قال : أتدري من أنا ؟ ~~قال ms0701 : لا والله . قال : أنا من خدم الخاصة ، قال : بارك لك الله في موضعك . ~~ثم سقاه آخر ، فلما شربه قال : أتدري من أنا ؟ قال : نعم ، زعمت أنك من خدم ~~الخاصة ، قال : بل أنا م قواد أمير المؤمنين ، فقال له الأعرابي : رحبت ~~بلادك ، وطاب مادك ومرادك . ثم سقاه قدحا ثالثا ، فلما فرغ منه قال : يا ~~أعرابي ، أتدري من أنا ؟ قال : زعمت أخيرا أنك أنك من قواد أمير المؤمنين ، ~~قال : لا ولكني أمير المؤمنين . فأخذ الأعرابي الزكرة فأوكاها وقال : والله ~~لئن شربت الرابع لتقولن : إنك لرسول الله ، فضحك المهدي . ثم أحاطت بهم ~~الخيل ، فنزل أبناء الملوك والأشراف ، فطار قلب الأعرابي ، فقال له المهدي ~~: لا PageV04P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" بأس عليك وأمر له بصلة . فقال : أشهد أنك صادق ~~، ولو ادعيت الرابعة لخرجت منها . ودخل أعرابي على يزيد بن المهلب وهو على ~~فرشه والناس سماطان ، فقال : كيف أصبح الأمير ؟ قال يزيد : كما تحب . فقال ~~الأعرابي : لو كنت كما أحب كنت أنت مكاني وأنا مكانك ، فضحك يزيد . ذكر شيء ~~من نوادر القضاة قيل : أتى عدي بن أرطاة شريحا القاضي ومعه امرأة له من أهل ~~الكوفة يخاصمها إليه ، فلما جلس عدي بين يدي شريح ، قال عدي : أين أنت ؟ ~~قال : بينك وبين الحائط . قال : إني امرؤ من أهل الشام ، قال : بعيد الدار ~~. قال : وإني قدمت العراق ، قال : خير مقدم . قال : وتزوجت هذه المرأة ، ~~قال : بالرفاء والبنين . قال : وإنها ولدت غلاما ، قال : ليهنك الفارس . ~~قال : وقد أردت أن أنقلها إلى داري ، قال : المرء أحق بأهله . قال : كنت ~~شرطت لها دارها ، قال : الشرط أملك . قال : اقض بيننا ، قال : قد فعلت . ~~قال : فعلى من قضيت ؟ قال : على ابن أمك . ودخل على الشعبي في مجلس قضائه ~~رجل وامرأته ، وكانت المرأة من أجمل النساء ، فاختصما إليه ، فأدلت المرأة ~~بحجتها ، وقويت بينتها . فقال للزوج : هل عندك من دافع ؟ فأنشأ يقول : فتن ~~الشعبي لما . . . رفع الطرف إليها فتنته بدلال . . . وبخطى حاجبيها ~~PageV04P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" قال للجلواز قرب . . . ها وقدم شاهديها فقضى ~~جورا على الخص . . . م ولم ms0702 يقض عليها قال الشعبي : فدخلت على عبد الملك بن ~~مروان ، فلما نظر إلي تبسم وقال : فتن الشعبي لما . . . رفع الطرف إليها ثم ~~قال : ما فعلت بقائل هذه الأبيات ؟ قال : أوجعته ضربا يا أمير المؤمنين بما ~~انتهك من حرمتي في مجلس الحكومة وما افترى به علي . قال : أحسنت . وأحضر ~~رجل امرأته إلى بعض قضاة البصرة ، وكانت حسنة المنتقب ، قبيحة المسفر ، ~~فمال القاضي لها على زوجها وقال : بعمد أحدكم إلى المرأة الكريمة فيتزوجها ~~ثم يسيء إليها . فطن الرجل لميله إليها فقال : أصلح الله القاضي ، قد شككت ~~في أنها امرأتي ، فمرها تسفر عن وجهها ، فوقع ذلك بوفاق من القاضي ، فقال ~~لها : اسفري رحمك الله ؟ فسفرت عن وجهه قبيح . فقال القاضي لما نظر إلى قبح ~~وجهها : قومي عليك لعنة الله كلام مظلوم ، وجهه ظالم . قيل : بينا رقة بن ~~مصقلة القاضي في حلقته ، إذ مر به رجل غليظ العنق ، فقال له بعض جلسائه : ~~يا أبا عبد الله ، هذا أعبد الناس . فقال رقبة : إني لأرى لهذا عنقا ما ~~دققتها العبادة . قال : فمضى الرجل وعاد قاصدا إليهم . فقال رجل لرقبة : يا ~~أبا عبد الله ، أخبره بما قلت حتى لا تكون غيبة ، قال : نعم ، أخبره أنت ~~حتى تكون نميمة . ودخل رقبة المسجد الأعظم فألقى نفسه إلى حلقة قوم ، ثم ~~قال : قتيل فالوذج رحمكم الله قالوا : عند من ؟ قال : عند من حكم في الفرقة ~~وقضى في الجماعة ، يعني : بلال بن أبي بردة . PageV04P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" واختصم رجلان إلى إياس بن معاوية وهو قاضي ~~البصرة لعمر بن عبد العزيز في مطرف خزوأنبجاني ، وادعى كل واحد منهما أن ~~المطرف له وأن الأنبجاني لصاحبه . فدعا إياس بمشط وماء ، فبل رأس كل واحد ~~منهما ، ثم قال لأحدهما : سرح رأسك فسرحه ، فخرج في المشط عفر المطرف ، وفي ~~مشط الآخر عفر الأنبجاني ، فقال : يا خبيث الأنبجاني لك ، فأقر ، فدفع ~~المطرف لصاحبه . وقال رجل لإياس : هل ترى على من بأس إن أكلت تمرا ؟ قال : ~~لا . قال : فهل ترى علي من بأس إن أكلت معه كيسوما ؟ قال ms0703 : لا . قال : فإن ~~شربت عليهما ماء ؟ قال : جائز . قال : فلم تحرم السكر ، وغنما هو ما ذكرت ~~لك ؟ قال له إياس لو صببت عليك ماء هل كان يضرك ؟ قال : لا . قال : فلو ~~نثرت عليك ترابا هل كان يضرك ؟ قال : لا . قال : فإن أخذت ذلك فخلطته ~~وعجنته وجعلت منه لبنة عظيمة فضربت بها رأسك هل كان يضرك ؟ قال : كنت ~~تقتلني . قال : فهذا مثل ذاك . دعا الرشيد أبو يوسف القاضي فسأله عن مسألة ~~فأفتاه ، فأمر له بمائة ألف درهم . فقال : إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر ~~بتعجيلها قبل الصبح فقال : عجلوها له . فقيل : إن الخازن في بيته والأبواب ~~مغلقة . فقال أبو يوسف : وقد كنت في بيتي والدروب مغلقة ، فلما دعيت فتحت . ~~فقال له الرشيد : بلغني أنك لا ترى لبس السواد . فقال : يا أمير المؤمنين ، ~~ولم وليس في بدني شيء أعز منه ؟ قال : وما هو ؟ قال : السواد الذي في عيني ~~. وسأل الرشيد الأوزاعي عن لبس السواد ، فقال : لا أحرمه ، ولكني أكرهه . ~~قال : ولم ؟ قال : لأنه لا تجلى فيه عروس ، ولا PageV04P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" يلبي فيه محرم ، ولا يكفن فيه ميت . فالتفت ~~الرشيد إلى أبي يوسف وقال : ما تقول أنت في السواد ؟ قال : يا أمير ~~المؤمنين ، النور في السواد . فاستحسن الرشيد ذلك . ثم قال : وفضيلة أخرى ~~يا أمير المؤمنين . قال : وما هي ؟ قال : لم يكتب كتاب الله إلا به ، فاهتز ~~الرشيد لذلك . تقدم رجل إلى أبي حازم عبد الحميد بن عبد العزيز السكوني ~~قاضي المعتمد ، وقدم أباه يطالبه بدين له عليه ، فأقر الأب بالدين ، وأراد ~~الابن حبس والده . فقال القاضي : هل لأبيك مال ؟ قال : لا أعلمه . قال : ~~فمذ كم داينته بهذا المال ؟ قال : منذ كذا وكذا . قال : قد فرضت عليك نفقة ~~أبيك من وقت المداينة ، فحبس الابن وخلى الأب . كان عبد الملك بن عمر قاضي ~~الكوفة ، فهجاه هذيل الأشجعي بأبيات منها : إذا ذات دل كلمته بحاجة . . . ~~فهم بأن يقضى تنحنح أو سعل فكان عبد الملك يقول : قاتله الله والله لربما ~~جائتني النحنحة وأنا في المتوضأ ms0704 فأذكر ما قال فأردها . وقيل : شهد سلمى ~~الموسوس عند جعفر بن سليمان على رجل ، فقال : هو أصلحك الله ناصبي ، رافضي ~~، قدري ، مجبري ، يشتم المحجاج بن الزبير الذي يهدم الكعبة على علي بن أبي ~~سفيان . فقال له جعفر : ما أدرى على أي شيء PageV04P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" أحسدك : على علمك بالمقالات ، أم على معرفتك ~~بالأنساب فقال : أصلح الله الأمير ، ما خرجت من الكتاب ، حتى حذفت هذا كله ~~ورائي . واستفتي بعض القضاة ، وقد نسبت إلى القاضي أبي بكر بن قريعة ، فقيل ~~له : ما يقول سيدنا القاضي أيده الله في رجل باع حجرا من رجل ، فحين رفع ~~ذنبها ليقلبه خرجت منها ريح مصوتة اتصلت بحصاة ففقأت عين المشتري ؟ أفتينا ~~في الدية والرد يرحمك الله . فأجاب : لم تجر العادة بمثل هذه البدائع ، بين ~~مشتر وبائع ؛ فلذلك لم يثبت في كتب الفقهاء ، ولم يستعمل في فتوى العلماء ، ~~لكن هذا وما شاكله يجري مجرى الفضول المستخرج من أحكام العقول ، والقول فيه ~~وبالله العصمة من الزلل والخطل : أن دية ما جنته الحجر ملغي في الهدر ، ~~عملا بقول النبي المختار ، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار ، " جرح العجماء ~~جبار " ، لاسيما والمشتري عند كشفه لعورتها ، استثار كامن سورتها . وعلى ~~البائع لها ارتجاعها ، ورد ما قبض من ثمنها ، لأنه دلس حجرا مضيقها ~~منجنيقها . وإذا كانت السهام طائشة ، فهي من العيوب الفاحشة . وكيف يمتنع ~~ردها وأغراضها نواظر الحدق ، وقلما يستظهر المقلبون الخيل بالدرق . ذكر شيء ~~من نوادر النحاة قدم رجل من النحاة خصما إلى القاضي ، وقال : لي عليه ~~مائتان وخمسون درهما . فقال لخصمه : ما تقول ؟ فقال : أصلح الله القاضي ، ~~الطلاق لازم له ، إن كان له إلا ثلثمائة ، وإنما ترك منها خمسين ليعلم ~~القاضي أنه نحوي . PageV04P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" ومر أبو علقمة بأعدال قد كتب عليها : رب سلم ~~لأبو فلان ، فقال لأصحابه : لا إله إلا الله يلحنون ويربحون . وجاء رجل إلى ~~الحسن البصري فقال : ما تقول في رجل مات فترك أبيه وأخيه ؟ فقال الحسن : ~~ترك أباه وأخاه . فقال : ما لأباه وأخاه ، فقال الحسن ms0705 : ما لأبيه وأخيه . ~~فقال الرجل : إني أراك كلما طاوعتك تخالفني . وقيل سكر هارون بن محمد بن ~~عبد الملك ليلة بين يدي الموفق ، فقام لينصرف فغلبه السكر فنام في المضرب . ~~فلما انصرف الناس جاء راشد الحاجب فأنبهه وقال : يا هارون انصرف . فقال : ~~هارون لا ينصرف . فأعاد راشد القول على هارون ، فقال هارون : سل مولاك فهو ~~يعلم أن هارون لا ينصرف . فسمع الموفق فقال : هارون لا ينصرف ، فتركه راشد ~~. فلما أصبح الموفق وقف على أن هارون بات في مضربه ، فأنكر على راشد ، وقال ~~: يا راشد ، يبيت في مضربي رجل لا أعلم به فقال : أنت أمرتني بهذا ، قلت : ~~هارون لا ينصرف . فضحك وقال : ما أردت إلا الإعراب وظننت أنت غيره . وقيل : ~~قدم العريان بن الهيثم على عبد الملك ، فقيل له : تحفظ من مسلمة فإنه يقول ~~: لأن يلقمني رجل بحجر أحب غلي من أن يسمعني رجل لحنا ، فأتاه العريان ذات ~~يوم فسلم عليه . فقال له مسلمة : كم عطاءك ؟ قال : ألفين . فنظر إلى رجل ~~عنده وقال له : لحن العراقي ، فلم يفهم الرجل عن مسلمة ، فأعاد مسلمة القول ~~على العريان وقال : كم عطاؤك ؟ فقال : ألفان . فقال : ما الذي دعاك إلى ~~اللحن أولا والإعراب ثانيا ؟ قال : لحن الأمير فكرهت أن أعرب ، وأعرب ~~فأعربت . فاستحسن قوله وزاد في عطائه . ووقف نحوي على بقال يبيع الباذنجان ~~فقال له : كيف تبيع ؟ قال : عشرين بدانق ، فقال : وما عليك أن تقول : عشرون ~~بدانق ؟ فقدر البقال أنه يستزيده ، فقال PageV04P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" ثلاثين بدانق . فقال : وما عليك أن تقول : ~~ثلاثون ؟ فما زال على ذلك إلى أن بلغ سبعين ، فقال : وما عليك أن تقول : ~~سبعون ؟ فقال : أراك تدور على الثمانون وذلك لا يكون أبدا . ذكر شيء من ~~نوادر المتنبئين قيل : ادعى رجل النبوة في أيام المهدي ، فأدخل عليه ، فقال ~~له : إلى من بعثت ؟ فقال : ما تركتموني أذهب إلى من بعثت إليهم ، فإني بعثت ~~بالغداة وحبستموني بالعشي . فضحك المهدي منه وأمر له بجائزة وخلى سبيله . ~~وتنبأ رجل وادعى أنه موسى بن عمران . فبلغ خبره الخليفة ms0706 ، فأحضره وقال له : ~~من أنت ؟ قال : أنا موسى بن عمران الكليم . قال : وهذه عصاك التي صارت ~~ثعبانا قال نعم . قال : فألقها من يدك ومرها أن تصير ثعبانا كما فعل موسى . ~~قال : قل أنت " أنا ربكم الأعلى " كما قال فرعون حتى أصير عصاي ثعبانا كما ~~فعل موسى . فضحك الخليفة منه واستظرفه . وأحضرت المائدة ، فقيل له : أكلت ~~شيئا ؟ قال : ما أحسن العقل لو كان لي شيء آكله ، ما الذي كنت أعمل عندكم ؟ ~~فأعجب الخليفة وأحسن إليه . وادعت امرأة النبوة على عهد المأمون ، فأحضرت ~~إليه فقال لها : من أنت ؟ قال : أنا فاطمة النبية . فقال لها المأمون : ~~أتؤمنين بما جاء به محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ قالت : نعم ، كل ما جاء ~~به فهو حق . فقال المأمون : فقد قال محمد ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا ~~نبي بعدي " . قالت : صدق عليه الصلاة والسلام ، فهل قال : لا نبية بعدي ؟ ~~فقال المأمون لمن حضره : أما أنا فقد انقطعت ، فمن كانت عنده حجة فليأت بها ~~، وضحك حتى غطى على وجهه . PageV04P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" وادعى رجل النبوة ، فقيل له : ما علامات نبوتك ~~؟ قال : أنبئكم بما في نفوسكم . قالوا : فما في أنفسنا ؟ قال : في أنفسكم ~~أنني كذبت ولست بنبي . وتنبأ رجل في أيام المأمون ، فأتي به إليه ، فقال له ~~: أنت نبي ؟ قال نعم . قال : فما معجزتك ؟ قال : ما شئت . قال : أخرج لنا ~~من الأرض بطيخة . قال : أمهلني ثلاثة أيام . قال المأمون : بل الساعة ~~أريدها . قال : يا أمير المؤمنين ، أنصفني ، أنت تعلم أن الله ينبتها في ~~ثلاثة أشهر ، فلا تقبلها من ي في ثلاثة أيام فضحك منه ، وعلم أنه محتال ، ~~فاستتابه ووصله . وادعى آخر النبوة في زمانه فطالبه بمعجزة ، فقال : أطرح ~~لكم حصاة في الماء فأذيبها حتى تصير مع الماء شيئا واحدا . قالوا : قد ~~رضينا . فأخرج حصاة كانت معه فطرحها في الماء فذابت . فقالوا : هذه حيلة ، ~~ولكن أذب حصاة غيرها نأتيك بها نحن . فقال لهم : لا تتعصبوا ، فلست أضل من ~~فرعون ، ولا أنا أعظم من موسى ، ولم يقل فرعون موسى : لا أرضى ms0707 بما تفعله ~~بعصاك حتى أعطيك عصا من عندي تجعلها ثعبانا . فضحك المأمون منه وأجازه . ~~وادعى رجل النبوة في أيام المعتصم ، فأحضر بين يديه ، فقال له : أنت نبي ، ~~قال : نعم . قال : إلى من بعثت ؟ قال : إليك . قال : أشهد إنك لسفيه أحمق . ~~قال : إنما يذهب إلى كل قوم مثلهم . فضحك منه وأمر له بشيء . وادعى آخر ~~النبوة في أيام المأمون ، فقال له : ما معجزتك ؟ قال : سل ما شئت ، وكان ~~بين يديه قفل ، فقال : خذ هذا القفل فافتحه . فقال : أصلحك الله ، لم أهل ~~إني حداد . فضحك منه واستتابه وأجازه . وادعى آخر النبوة ، فطلب ودعى له ~~بالسيف والنطع ، فقال : ما تصنعون ؟ قالوا : نقتلك . قال : ولم تقتلونني ؟ ~~قالوا : لأنك ادعيت النبوة . قال : فلست أدعيها . قيل له : فأي شيء أنت ؟ ~~قال : أنا صديق . فدعي له بالسياط ، فقال : لم PageV04P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" تضربونني ؟ قالوا : لادعائك أنك صديق ، قال : ~~لا أدعي ذلك . قالوا : فمن أنت ؟ قال : من التابعين لهم بإحسان . فدعي له ~~بالدرة . قال : ولم ذلك ؟ قالوا : لادعائك ما ليس فيك ، فقال : ويحكم أدخل ~~إليكم وأنا نبي تريدون أن تحطوني في ساعة واحدة إلى مرتبة العوام لا أقل من ~~أن تصبروا علي إلى غد حتى أصير لكم ما شئتم . وادعى آخر النبوة ، وسمى نفسه ~~نوحا ، فنهاه صديق له عن ذلك فلم ينته ، فأخذه السلطان وصلبه ، فمر به ~~صديقه الذي كان ينهاه ، فقال : يا نوح ما حصل لك من السفينة غير الدقل . ~~ذكر شيء من نوادر المغفلين والحمقى قال بعضهم : رأيت ابن خلف الهمداني في ~~صحراء هو يطلب شيء ، فقلت له : ما تبغي ها هنا ؟ قال : دفنت شيئا ولست ~~أهتدي إليه . قالت : فهلا علمت عليه بشيء قال : جعلت علامتي قطعة من الغيم ~~كانت فوقه ، وما أراها الساعة . ونظر مرة في الحب وهو الزير فرأى وجهه ، ~~فعدا إلى أمه فقال : يا أمي في الحب لص . فجاءت أمه وتطلعت فيه ، فقالت : ~~إي والله ومعه قحبة . ورئي في وسط داره وهو يعدو عدوا شديدا ويقرأ بصوت عال ~~. فسئل عن ذلك فقال : أردت ms0708 أن أسمع صوتي من بعيد . ودخل إلى رجل يعزيه ، ~~فقال : عظم الله مصيبتكم ، وأعان أخاك على ما يرد عليه من يأجوج ومأجوج . ~~فضحك الناس . فقال : تضحكون مما قلت وإنما أردت هاروت وماروت . وقيل : كتب ~~المنصور إلى زياد بن عبد الله الحارثي ، ليقسم بين القواعد والعميان ~~والأيتام مالا . فدخل عليه أبو زياد التميمي ، وكان مغفلا فقال : أصلحك ~~الله PageV04P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" اكتبني في القواعد ، فقال له : عافاك الله ، ~~القواعد هن النساء اللاتي قعدن عن أزواجهن . فقال : فاكتبني في العميان . ~~قال : اكتبوه منهم ، فإن الله تعالى يقول : " فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور " . قال أبو زياد : واكتب ابني في الأيتام ، ~~قال : نعم من كنت أباه فهو يتيم . وسئل بعضهم عن مولده ، فقال : ولدت رأس ~~الهلال للنصف من رمضان بعد العيد بثلاثة أيام ، فاحسبوا الآن كيف شئتم . ~~ذكر شيء من نوادر النبيذيين قال رجل لبعض أصحاب النبيذ : وجهت إليك رسولا ~~عشية أمس فلم يجدك ، فقال : ذاك وقت لا أجد فيه نفسي . وقيل لبعضهم : كم ~~الصلاة ؟ فذكر الغداة والظهر . قالوا : فالعصر ؟ قال : تعرف وتنكر . قالوا ~~: فالعشاء ؟ قال : يبلغها الجواد . قالوا : فالعتمة ؟ قال : ما كانت لنا في ~~حساب قط . شرب الأقيشر في حانوت خمار حتى نفد ما معه ، ثم شرب بثيابه وبقي ~~عريانا ، فجلس في تبن يستدفئ به . فمر رجل ينشد ضالة ، فقال الأقيشر : الله ~~اردد عليه ، واحفظ علينا . فقال له الخمار : سخنت عينك ، أي شيء يحفظ عليك ~~ربك قال : هذا التبن ، لئلا يأخذه صاحبه فأهلك من البرد . وباع بعضهم ضيعة ~~له ، فقال له المشتري : بالعشي أشهد عليك . فقال : لو كنت ممن يفرغ بالعشي ~~ما بعت ضيعتي . ذكر شيء من نوادر النساء والجواري قال رجل : قلت لجارية ~~أريد شراءها : لا يريبك شيبي ، فإن عندي قوة ، فقالت : أيسرك أن عندك عجوزا ~~مغتلمة PageV04P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" أدخل على المنصور جاريتان فأعجبتاه . فقالت ~~التي دخلت أولا : يا أمير المؤمنين ، إن الله فضلني على هذه بقوله : " ~~والسابقون الأولون " . وقالت الأخرى : لا ، بل الله فضلني عليها ms0709 بقوله : " ~~وللآخرة خير لك من الأولى " . وعرض على المعتصم جاريتان بكر وثيب ، فمال ~~إلى البكر . فقالت الثيب : ما بيننا إلا يوم واحد . فقالت البكر : " وإن ~~يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون " . قيل لامرأة ظريفة : أبكر أنت ؟ قالت : ~~أعوذ بالله من الكساد . وقال المتوكل لجارية استعرضها : أنت بكر أم أيش ؟ ~~قالت : أنا أيش يا أمير المؤمنين . واستعرض رجل جارية فاستقبح قدميها . ~~فقالت : لا تبال ، فإني أجعلها وراء ظهرك . وقال الرشيد لبغيض جاريته : إنك ~~لدقيقة الساقين . قالت : أحوج ما تكون إليهما لا تراهما . وروى أبو الفرج ~~الأصفهاني عن إسحاق : أن الرشيد أحضره مجلسه ذات ليلة ، وقد مضى شطر الليل ~~، قال : فأخرج جارية كأنها مهاة ، فأجلسها في PageV04P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" حجره ، ثم قال غنيني ، فغنته : جئن من الروم ~~وقاليقلا . . . يرفلن في المرط ولين الملا مقرطقات بصنوف الحلى . . . يا ~~حبذا البيض وتلك الحلى فاستحسنته وشرب عليه . طلبت جارية محمود الوراق ~~للمعتصم بسبعة آلاف دينار ، فامتنع من بيعها ، واشتريت له بعد ذلك من ~~ميراثه بسبعمائة دينار . فذكر المعتصم ذلك لها ، فقالت : إن كان أمير ~~المؤمنين ينتظر بشهواته المواريث فسبعون دينارا في ثمني كثير ، فكيف ~~بسبعمائة . واستعرض رجل جارية فقال لها : في يديك عمل ؟ قالت : لا ، ولكن ~~في رجلي . وحكى أن بعض المجان كان يعشق جارية أمجن منه . فضاق يوما ، فكتب ~~إليها : قد طال عهدي بك يا سيدتي ، وأقلقني الشوق إليك . فإن رأيت أن ~~تستدركي رمقي بضمغة علك وتجعليه بين دينارين وتنفذيه إلي لأستفشفي به فعلت ~~إن شاء الله . ففعلت ذلك وكتبت إليه : رد الظرف من الظرف ، وقد سارعت إلى ~~إنفاذ ما طلبت ، فأنعم برد الطبق والمكبة ، واستعمل الخبر : " استدروا ~~الهدايا برد الظروف " . وطلب آخر من عشيقته خاتما كان معها ، فقالت : يا ~~سيدي ، هذا ذهب وأخاف أن تذهب ، ولكن خذ هذا العود حتى تعود . PageV04P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" وكتب رجل إلى عشيقته : مري خيالك أن يلم بي . ~~فكتبت إليه : ابعث إلي بدينارين حتى آتيك بنفسي . قدم بعضهم عجوزا دلالة ~~إلى القاضي وقال : أصلح الله القاضي ، زوجتي ms0710 هذه امرأة ، فلما دخلت بها ~~وجدتها عرجاء . فقالت : أصل الله القاضي زوجته امرأة يجامعها ، ولم أعلم ~~أنه يريد أن يحج عليها أو يسابق بها في الحلبة أو يلعب عليها بالكرة ~~والصولجان . كتب رجل إلى عشيقته رقعة ، قال في أولها : عصمنا الله وإياك ~~بالتقوى . فكتبت إليه في الجواب : يا غليظ الطبع ، إن استجاب الله دعاءك لم ~~نلتق أبدا . قال عقيل بن بلال : سمعتني أعرابية أنشد : وكم ليلة قد بتها ~~غير آثم . . . بمهضومة الكشحين ريانة القلب فقالت : هلا أثمت أخزاك الله . ~~كان أبو نواس يوما عند بعض إخوانه ، فخرجت عليه جارية بيضاء عليها ثياب خضر ~~. فلما رآها مسح عينيه وقال : خيرا رأيت إن شاء الله تعالى . فقالت : وما ~~رأيت ؟ قال : ألك معرفة بعلم التعبير ؟ قالت : ولا أعرف غيره . قال : رأيت ~~كأني راكب دابة شهباء ، وعليها جل أخضر وهي تمرح تحتي . فقالت : إن صدقت ~~رؤياك فستدخل فجلة . وقد روي أن هذه الحكاية اتفقت له مع عنان جارية ~~الناطفي . وكان بعضهم جالسا مع امرأته في منظرة ، فمر غلام حسن الوجه ، ~~فقالت : أعيذ هذا بالله ، ما أحسنه وأحسن وجهه وقده فقال الزوج : نعم ، لو ~~لا أنه خصي . فقالت : لعنه الله ولعن من خصاه . PageV04P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" قال أبو العيناء : خطبت امرأة فاستقبحتني . ~~فكتبت إليها : فإن تنفري من قبح وجهي فإني أريب أديب لا غبي ولا فدم ~~فأجابتني : ليس لديوان الرسائل أريدك . وخطب ثمامة العوفي امرأة . فسألت عن ~~حرفته ، فكتب إليها يقول : وسائلة عن حرفتي قلت حرفتي . . . مقارعة الأبطال ~~في كل مازق وضربي طلى الأبطال بالسيف معلما . . . إذا زحف الصفان تحت ~~الخوافق فلما قرأت الشعر ، قالت للرسول : قل له : فديتك أنت أسد ، فاطلب لك ~~لبؤة ، فإني ظبية أحتاج إلى غزال . خرجت حبى المدنية في جوف الليل ، فلقيها ~~إنسان فقال لها : تخرجين في هذا الوقت قالت : ما أبالي ، إن لقيني شيطان ~~فأنا في طاعته ، وإن لقيني رجل فأنا في طلبه . وجاءت إلى شيخ يبيع اللبن ، ~~ففتحت ظرفا فذاقته ودفعته إليه وقالت : لا تعجل بشده ، ثم فتحت آخر ms0711 فذاقته ~~ودفعته إليه . فلما أشغلت يديه جميعا ، كشفت ثوبه من خلفه ، وجعلت تصفق ~~بظاهر قدميها آسته وخصييه ، وتقول : يا ثارات ذات النحيين ، والشيخ يستغيث ~~، فلم يخلص منها إلا بعد جهد . غاب رجل عن امرأته فبلغها أنه اشترى جارية ، ~~فاشترت غلامين ، فبلغه ذلك فجاء مبادرا ، وقال لها : ما هذا ؟ فقالت : أما ~~علمت أن الرحى إلى بغلين أحوج من البغل إلى رحيين ولكن بع الجارية حتى نبيع ~~الغلامين ، ففعل ذلك ففعلت . PageV04P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" ومثل ذلك ما حكي عن الأحنف : أنه اعتم ونظر في ~~المرآة ، فقالت له امرأته : كأنك قد هممت بخطبة امرأة قال : قد كان ذلك . ~~قالت : فإذا فعلت فاعلم أن المرأة إلى رجلين أحوج من الرجل إلى امرأتين . ~~فنقض عمته وترك ما كان قد هم به . ذكر شيء من نوادر العميان قال إبراهيم بن ~~سيابة لبشار الأعمى : ما سلب الله من مؤمن كريمتيه إلا عوضه عنهما : إما ~~الحفظ والذكاء ، وإما حسن الصوت . فما الذي عوضك الله عن عينينك ؟ قال : ~~فقد النظر لبغيض ثقيل مثلك ونظير هذه الحكاية ما حكي عن بعضهم ، قال : خرجت ~~ليلة من قرية لبعض شأني ، فإذا أنا بأعمى على عاتقه جرة وبيده سراج ، فلم ~~يزل حتى انتهى إلى النهر ، وملأ جرته وعاد . قال : فقلت له : يا هذا ، أنت ~~أعمى ، والليل والنهار عندك سواه ، فما تصنع بالسراج ؟ قال : يا كثير ~~الفضول ، حملته لأعمى القلب مثلك ، يستضيء به لئلا يعثر في الظلمة ، فيقع ~~علي ويكسر جرتي . قالوا : بلغ أبا العيناء أن المتوكل يقول : لولا عمى أبي ~~العيناء لاستكثرت منه ، فقال : قولوا لأمير المؤمنين : إن كان يريدني لرؤية ~~الأهلة ونظم اللآلئ واليواقيت وقراءة نقوش الخواتيم ، فأنا لا أصلح لذلك ، ~~وإن كان يريدني للمحاضرة والمنادمة والمذاكرة والمسامرة ، فناهيك بي . ~~فانتهى ذلك إلى المتوكل فضحك منه ، وأمر بإحضاره ، فحضر ونادمه . ~~PageV04P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" تزوج بعض العمين بسوداء ، فقالت له : لو نظرت ~~إلى حسني وجمالي وبياضي لازددت في حبا . فقال لها : لو كنت كما تقولين ما ~~تركك لي البصراء . ذكر شيء من نوادر ms0712 السؤال سأل أبو عون رجلا فمنعه ، فألح ~~عليه فأعطاه ، فقال : الله آجرنا وإياهم ، نسألهم إلحافا ويعطوننا كرها ، ~~فلا يبارك الله لنا فيها ولا يؤجرهم عليها . وقف أعرابي سائل على باب وسأل ~~، فأجابه رجل وقال : ليس هاهنا أحد . فقال : إنك أحد لو جعل الله فيك بركة ~~. ووقف سائل على باب ، وكانت صاحبة الدار تبول في البالوعة ، فسمع السائل ~~صوت بولتها فظنه نشنش المقلى ، فقال : أطعمونا من هذا الذي تقلونه ، فضرطت ~~المرأة وقالت : حطبنا رطب ليس يشعل . ووقف سائل على باب وقال : تصدقوا علي ~~فإني جائع . قالوا : إلى الآن لم نخبز . قال : فكف سويق . قالوا : ليس ~~عندنا سويق . قال : فشربة من ماء فإني عطشان . قالوا : ما أتانا السقاء . ~~قال : فيسير دهن أجعله في رأسي . قالوا : من أين لنا دهن . فقال : يا أولاد ~~الزنا ، فما قعودكم هنا قوموا واسحتوا معي ذكر شيء من نوادر من اشتهر ~~بالمجون كان مزبد ممن اشتر بالمجون والنوادر ، وله نوادر . فمنها ما قيل : ~~إنه أخذه بعض الولاة وقد اتهم بالشرب ، فاستنكهه ، فلم يد منه رائحة ، فقال ~~: قيئوه . فقال مزبد : ومن يضمن عشائي أصلحك الله ؟ فضحك منه وأطلقه . وهبت ~~ريح شديد فصاح الناس : القيامة ، القيامة فقال مزبد : هذه قيامة على الريق ~~بلا دابة ، ولا دجال ، ولا PageV04P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" القائم ، ولا عيسى بن مريم ، ولا يأجوج ومأجوج ~~. وقيل له : لم لا تكون كفلان ؟ يعنون رجلا موسرا فقال : بأبي أنتم كيف ~~أشبه بمن يضرط فيشمت وأعطس فألطم . وقيل له : ما بال حمارك يتبلد إذا توجه ~~نحو المنزل وحمير الناس إلى منازلها أسرع ؟ قال : لأنه يعرف سوء المنقلب . ~~ونظرت امرأته وهي حبلى إلى قبح وجهه ، فقالت : الويل لي إن كان الذي في ~~بطني يشبهك . فقال لها : الويل لك إن لم يكن يشبهني . وسمع رجلا يقول عن ~~ابن عباس : من نوى حجة وعاقه عائق ، كتبت له . فقال مزبد : ما خرج العام ~~كراء أرخص من هذا . وممن اشتهر بالمجون أشعب . ذكر شيء من نوادر من نوادر ~~أشعب وأخباره هو أشعب بن جبير . واسمه ms0713 شعيب ، وكنيته أبو العلاء . وأمه أم ~~الجلندح ، وقيل أم حميد حميدة . وهي مولاة أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنها . وكان أبوه قد خرج مع المختار ابن أبي عبيد ، فأسره مصعب بن ~~الزبير ، فقال له : ويلك تخرج علي وأنت مولاي وقتله صبرا . وقد قيل في ~~ولائه : إن أباه مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وإن أمه كانت مولاة أبي ~~سفيان بن حرب ، وإن ميمونة أم المؤمنين أخذتها لما تزوجها رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . وكانت تدخل على أزواج PageV04P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فيستظرفنها ، ~~ثم صارت تنقل أحاديث بعضهن إلى بعض ، وتغري بينهن . فدعا عليها رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فماتت . وقد حكي عن أشعب : أنه جلس يوما في مجلس فيه ~~جماعة ، فتفاخروا وذكر كل واحد منهم مناقبه وشرفه أو شجاعته أو شعره وغير ~~ذلك مما يتمدح به الناس ويتفاخرون ، فوثب أشعب وقال : أنا ابن أم الجلندح ، ~~أنا ابن المحرشة بين أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . فقيل له : ويلك ~~أو بهذا يفتخر الناس قال : وأي افتخار أعظم من هذا لو لم تكن أمي عندهن ثقة ~~لما قبلن روايتها في بعضهن بعضا . وقد حكي : أنها زنت ، فحلقت ، وطيف بها ~~على جمل ، فكانت تنادي على نفسها : من رآني فلا يزنين . فقالت لها امرأة : ~~نهانا الله عز وجل عنه فعصيناه ، ونطيعك وأنت مجلودة محلوقة ، راكبة على ~~جمل . ونشأ أشعب بالمدينة في دور آل أبي طالب ، وكفلته وتولت تربيته عائشة ~~بنت عثمان . وعمر أشعب عمرا طويلا . وحكي عنه أنه قال : كنت مع عثمان رضي ~~الله عنه يوم الدار لما حصر ، فلما جرد مماليكه السيوف ليقاتلوا كنت فيهم ، ~~فقال عثمان : من أغمد سيفه فهو حر . فلما وقعت في أذني كنت والله أول من ~~أغمد سيفه فعتقت . وكانت وفاته بعد سنة أربع وخمسين ومائة . وهذا القول يدل ~~على أنه كان مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه . وقد روى أبو الفرج ~~الأصفهاني بإسناد رفعه إلى إبراهيم بن المهدي ms0714 عن عبيد ابن أشعب عن أبيه : ~~أنه كان مولده في سنة تسع من الهجرة ، وأن أباه كان من مماليك عثمان بن ~~عفان . وعمر أشعب حتى هلك في أيام المهدي . قال : وكانت في أشعب خلال ، ~~منها : أنه كان أطيب أهل زمانه عشرة ، وأكثرهم نادرة ، وكان أقوم أهل دهره ~~لحجج المعتزلة ، وكان امرأ منهم . وقال مصعب بن عبد الله : كان ~~PageV04P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" أشعب من القراء حسن الصوت بالقراءة ، وكان قد ~~نسك وغزا ، وقد روى الحديث عن عبد الله بن جعفر . وقال الأصمعي : قال أشعب ~~: نشأت أنا وأبي الزناد في حجر عائشة بنت عثمان ، فلم يزل يعلوا وأسفل حتى ~~بلغنا هذه المنزلة . وقال إسحاق ابن إبراهيم : كان أشعب مع ملاحته ونوادره ~~يغني أصواتا فيجيدها . وفيه يقول عبد الله بن مصعب الزبيري عفا الله عنه : ~~إذا تمرزت صراحية . . . كمثل ريح المسك أو أطيب ثم تغنى لي بأهزاجه . . . ~~زيد أخو الأنصار أو أشعب حسبت أني ملك جالس . . . حفت به الأملاك والموكب ~~وما أبالي وإله العلا . . . أشرق العالم أم غربوا ولأشعب نوادر مستظرفة ~~وحكايات مستحسنة ، وقد آن أن نذكرها . فمنها ما حكي أنه كان يقول : كلبي ~~كلب سوء ، يبصبص للأضياف ، وينبح على أصحاب الهدايا . وقيل له : قد لقيت ~~رجالا من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فلو حفظت أحاديث تتحدث بها ~~فقال : أنا أعلم الناس بالحديث . قيل فحدثنا : قال : حدثني عكرمة عن ابن ~~عباس رضي الله عنهم قال : خلتان لا تجتمعان في مؤمن إلا دخل الجنة ، ثم سكت ~~. فقيل له : هات ، ما الخلتان ؟ قال : نسي عكرمة إحداهما ونسيت أنا الأخرى ~~. وكان أشعب يحدث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فيقول : حدثني عبد ~~الله ، وكان يبغضني في الله . وكان أشعب يلازم طعام سالم بن عبد الله بن ~~عمر رضي الله عنهم . PageV04P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" فاشتهى سالم أن يأكل مع بناته فخرج إلى ~~البستان ، فجاء أشعب إلى منزل سالم على عادته ، فأخبر بالقصة ، فاكترى جملا ~~بدرهم وجاء إلى البستان . فلما حاذى الحائط وثب فصار عليه ms0715 ، فغطى سالم ~~بناته بثوبه وقال : بناتي بناتي فقال أشعب : " لقد علمت ما لنا في بناتك من ~~حق وإنك لتعلم ما نريد " . قال أشعب : جاءتني جارية بدينار وقالت : هذا ~~وديعة عندك ، فجعلته بين ثني الفراش . فجاءت بعد أيام وقالت : بأبي أنت ~~الدينار ، فقلت ارفعي فراشي وخذي ولده فإنه قد ولد ، وكنت قد تركت إلى جنبه ~~درهما ، فأخذت الدرهم وتركت الدينار . وعادت بعد أيام فوجدت معه درهما آخر ~~فأخذته ، وفي الثالثة كذلك . وجاءت في الرابعة ، فلما رأيتها بكيت ، فقالت ~~: ما يبكيك ؟ قلت : مات دينارك في النفاس . فقالت : وكيف يكون للدينار نفاس ~~؟ قلت : يا فاسقة تصدقين بالولادة ولا تصدقين النفاس . ومن أخباره ~~المستظرفة ما حكاه المدائني ، قال : قال أشعب : تعلقت بأستار الكعبة فقلت : ~~اللهم أذهب عني الحرص والطلب إلى الناس ، فمررت بالقرشيين وغيرهم فلم يعطني ~~أحد شيئا . فجئت إلى أمي ، فقالت : مالك قد جئت خائبا ؟ فأخبرتها بذلك ، ~~فقالت : والله لا تدخل حتى ترجع فتستقيل ربك فرجعت فجعلت أقول : يا رب ~~أقلني ، ثم رجعت ، فما مررت بمجلس لقريش ولا غيرهم إلا أعطوني ، ووهب لي ~~غلام ، فجئت إلى أمي بجمال موقورة من كل شيء . فقالت : ما هذا الغلام ؟ ~~فخفت أن أخبرها فتموت فرحا إن قلت : وهبوه لي . فقالت : أي شيء هذا ؟ فقلت ~~: غين . قالت : أي شيء غين ؟ قلت : لام . قالت : أي شيء لام ؟ قلت : ألف . ~~قالت : وأي شيء ألف ؟ قلت : ميم . قالت : وأي ميم ؟ قلت : غلام ، فغشي ~~عليها . ولو لم أقطع الحروف لماتت الفاسقة فرحا . قال : وجلس أشعب يوما إلى ~~جانب مروان بن أبان بن عثمان ، فانفلتت من مروان ريح لها صوت ، فانصرف أشعب ~~يوهم الناس أنه هو الذي خرجت منه الريح . فلما انصرف مروان إلى منزله جاءه ~~أشعب PageV04P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" فقال له : الدية ، قال : دية ماذا ؟ دية ~~الضرطة التي تحملتها عنك ، وإلا شهرتك ، فلم يدعه حتى أخذ منه شيئا صالحه ~~عليه . قوال محمد بنأبي قبيلة : غذى أشعب جديا بلبن أمه وغيرها حتى بلغ ~~غاية ، ثم قال لزوجته أم ابنه وردان : إني أحب أن ms0716 ترضعيه بلبنك ففعلت . ثم ~~جاء به إلى إسماعيل بن جعفر بن محمد ، فقال : تالله إنه لابني ، رضع بلن ~~زوجتي ، قد حبوتك به ، ولم أر أحدا يستأهله سواك . فنظر إسماعيل إليه وأمر ~~به فذبح وسمط . فأقبل عليه أشعب وقال : المكافأة ، فقال : ما عندي والله ~~اليوم شيء ، ونحن من تعرف ، وذلك غير فائت لك . فلما يئس أشعب منه قام من ~~عنده فدخل على أبيه جعفر ، ثم اندفع فشهق حتى التقت أضلاعه ، ثم قال : ~~أخلني . قال : ما معنا أحد يسمع ، ولا عليك عين . قال : وثب ابنك إسماعيل ~~على ابني فذبحه وأنا أنظر إليه . فارتاع جعفر وصاح : ويلك وفيم ؟ وتريد ~~ماذا ؟ قال : أما ما أريد فوالله مالي في إسماعيل حيلة ولا يسمع هذا سامع ~~أبدا بعدك . فجزاه خيرا وأدخله منزله وأخرج إليه مائتي دينار فقال : خذ هذه ~~، ولك عندنا ما تحب . قال : وخرج إلى إسماعيل وهو لا يبصر ما يطأ عليه ، ~~فإذا به مسترسل في مجلسه . فلما رأى وجه أبيه أنكره وقام إليه ، فقال : يا ~~إسماعيل ، فعلتها بأشعب قتلت ولده ؟ قال : فاستضحك وقال : جاءني ، وأخبره ~~الخبر . فأخبره أبوه بما كان منه وما صار إليه . قال : فكان جعفر يقول ~~لأشعب : رعتني راعك الله فيقول : روعة ابنك بنا في الجدي أكثر من روعتك ~~بالمائتي الدينار . قال المدائني : دخل أشعب على الحسين بن علي رضي الله ~~عنهما ، وعنده أعرابي قبيح المنظر ، مختلف الخلقة ، فسبح أشعب حين رآه وقال ~~للحسين : بأبي أنت وأمي ، أتأذن لي أن أسلح عليه ؟ فقال : إن شئت . ومع ~~الأعرابي قوس وكنانة ، PageV04P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" ففوق نحوه سهما ، وقال : والله لئن فعلت ~~لتكونن آخر سلحة سلحتها . فقال أشعب للحسين : جعلت فداك ، أخذني القولنج . ~~وعنه قل : توضأ أشعب فغسل رجله اليسرى وترك اليمنى . فقيل له : لم تكرت غسل ~~اليمنى ؟ فقال : لأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " أمتي غر محجلون ~~من آثار الوضوء " وأنا أحب أن أكون أغر محجلا مطلق اليمين . وقال : سمع ~~أشعب حبى المدنية تقول : اللهم لا تمتني حتى تغفر لي ذنوبي ، فقال لها ms0717 : يا ~~فاسقة أنت لم تسألي الله تعالى المغفرة ، وإنما سألته عمر الأبد يريد : أن ~~الله لا يغفر لها أبدا . وقال الزبير بن بكار : كان أشعب يوما في المسجد ~~يدعو ، وقد قبض وجهه فصيره كالصبرة المجموعة . فرآه عامر بن عبد الله بن ~~الزبير فحصبه وناداه : يا أشعب ، إنما أنت تناجي ربك فناجه بوجه طليق . قال ~~: فأرخى لحييه حتى وقعا على زوره . قال : فأعرض عنه ، وقال : ولا كل ذا . ~~وقال مصعب : بلغ أشعب أن الغاضري قد أخذ في مثل مذهبه ونوادره ، وأن جماعة ~~استطابوه ، فرقبهم حتى علم أنه في مجلس من مجالس قريش يحادثهم ويضحكهم ، ~~فصار إليهم ، ثم قال : قد بلغني أنك قد نحوت نحوي ، وشغلت عني من كان ~~يألفني ، فإن كنت مثلي فافعل كما أفعل . ثم غضن وجهه وعرضه وشنجه ، حتى صار ~~عرضه أكثر من طوله ، وصار في هيئة لم يعرفه أحد بها ، ثم أرسل وجهه حتى كاد ~~ذقنه يجوز صدره ، وصار كأنه وجه الناظر في سيف ، ثم نزع ثيابه وتحادب ، ~~فصار في ظهره حدبة كسنام البعير ، وصار طوله مقدار شبر ، ثم نزع سراويله ، ~~وجعل يمد جلد خصييه حتى حك بهما الأرض ، ثم خلاهما من يده ، PageV04P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" وجعل يميس ، وهما يخطان الأرض ، ثم قام فتطاول ~~وتمدد وتمطى ، حتى صار كأطول ما يكون من الرجال . فضحك القوم حتى أغمي ~~عليهم ، وقطع بالغاضري فما تكلم بنادرة ولا زاد على أن يقول : يا أبا ~~العلاء ، لا أعاود ما تكره أبدا ، إنما أنا عبدك وتخريجك ، ثم انصرف أشعب ~~وتركه . وقال الزبير بن بكار : حدثني عمي ، قال : لقي أشعب صديق لأبيه ، ~~فقال له : ويلك يا أشعب كان أبوك الحى وأنت أقط ، فإلى من خرجت تشبه ؟ قال ~~: إلى أمي . وقال الهيثم بن عدي : لقيت أشعب فقلت له : كيف ترى أهل زمانك ~~هذا ؟ قال : يسألونني عن أحاديث الملوك ، ويعطونني عطاء العبيد . وقال مصعب ~~بن عثمان : لقي أشعب سالم بن عبد الله بن عمر ، فقال له : يا أشعب ، هل لك ~~في هريس أعد لنا ؟ قال : نعم ، بأبي ms0718 أنت وأمي . فمضى أشعب إلى منزله ، ~~فقالت له امرأته : قد وجه عبد الله بن عمرو بن عثمان يدعوك ، قال : ويحك إن ~~لسالم بن عبد الله هريسة قد دعاني إليها ، وعبد الله بن عمرو في يدي متى ~~شئت ، وسالم إنما دعوته للناس فلتة ، وليس لي بد من المضي إليه . قالت : ~~إذا يغضب عبد الله . قال آكل عنده ثم أصير إلى عبد الله . فجاء إلى منزل ~~سالم فجعل يأكل أكل متعالل . فقال له : كل يا أشعب ، وابعث ما فضل عنك إلى ~~منزلك . قال : ذلك أردت ، بأبي أنت وأمي . قال : فقال : يا غلام ، احمل هذا ~~إلى منزله ، فحمله ومشى أشعب معه . فقالت امرأته : ثكلتك أمك ، قد حلف عبد ~~الله لا يكلمك شهرا ، قال : دعيني وإياه ، هاتي شيئا من زعفران ، فأعطته ، ~~فأخذه ودخل الحمام ، فمسحه على وجهه وبدنه ، وجلس في الحمام حتى صفره ، ~~وخرج متوطأ على عصا يرعد حتى أتى دار عبد الله بن عمرو بن عثمان . فلما رآه ~~حاجبه قال : ويحك بلغت بك العلة ما أرى . ودخل فأعلم صاحبه ، فأذن له . ~~فلما دخل عليه ، إذا سلم بن عبد الله عنده ، فجعل يزيد في الرعدة ، ويقارب ~~الخطو ، وجلس وما كاد PageV04P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" أن يستقل . فقال عبد الله : ظلمناك يا أشعب في ~~غضبنا عليك . فقال له سالم : ويلك مالك ؟ ألم تكن عندي آنفا وأكلت هريسة ~~قال : لقد شبه لك ، لا حول ولا قوة إلا بالله . قال : لعل الشيطان يتشبه بك ~~. قال أشعب : علي وعلي إن كنت رأيتك منذ شهر . فقال له عبد الله : اعزب ~~ويلك عن خالي أتبهته لا أم لك قال : ما قلت إلا حقا . قال : بحياتي اصدقني ~~وأنت آمن من غضبي . قال : وحياتك لقد صدق ، وحدثه بالقصة ، فضحك حتى استلقى ~~على قفاه . وقال المدائني والهيثم بن عدي : بعث الوليد بن يزيد بن عبد ~~الملك بن مروان إلى أشعب بعد ما طلق امرأته سعدة ، فقال له : يا أشعب ، لك ~~عندي عشرة آلاف درهم على أن تبلغ رسالتي إلى سعدة . فقال له : أحضر المال ms0719 ~~حتى أنظر إليه ، فأحضر الوليد بدرة ، فوضعها أشعب على عنقه ، وقال : هات ~~رسالتك . قال : قل لها يقول لك : أسعدة هل إليك لنا سبيل . . . وهل حتى ~~القيامة من تلاق بلى ولعل دهرا أن يؤاتى . . . بموت من حليلك أو طلاق فأصبح ~~شامتا وتقر عيني . . . ويجمع شملنا بعد افتراق قال : فأتى أشعب الباب ~~فأخبرت بمكانه ، فأمرت ففرش لها فرش وجلست وأذنت له ، فدخل فأنشدها . فلما ~~أنشد البيت الأول : أسعدة هل إليك لنا سبيل . . . وهل حتى اليامة من تلاق ~~قالت : لا والله ، لا يكون ذلك أبدا . فلما أنشد البيت الثاني : بلى ولعل ~~دهرا أن يؤاتي . . . بموت من حليلك أو طلاق قالت : كلا إن شاء الله ، بل ~~يفعل الله ذلك به . فلما أنشد البيت الثالث : فأصبح شامتا وتقر عيني . . . ~~ويجمع شملنا بعد افتراق قالت : بل تكون الشماتة به . ثم قالت لخدمها : خذوا ~~الفاسق . فقال : يا سيدتي ، إنها عشرة آلاف درهم . قالت : والله لأقتلنك أو ~~تبلغه كما بلغتني . قال : وما PageV04P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" تهبين لي ؟ قاتل : بساطي الذي تحتي . قال : ~~قومي عنه ، فقامت ، فطواه ، ثم قال : هاتي رسالتك ، جعلت فداك قالت : قل له ~~: أتبكي على لبنى وأنت تركتها . . . فقد ذهبت لبنى فما أنت صانع ؟ فأقبل ~~أشعب ، حتى دخل على الوليد ، فأنشده البيت . فقال : أوه قتلتني والله فما ~~تراني صانعا بك يا ابن الزانية اختر إما أن أدليك منكسا في بئر ، أو أرميك ~~من فوق القصر منكسا ، أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربة . قال له : ما كنت ~~فاعلا بي شيئا من ذلك . قال : ولم ؟ قال : لأنك لم تكن لتعذب عينين قد ~~نظرتا إلى سعدة قال : صدقت يا ابن الزانية وروى أبو الفرج الأصفهاني ~~بإسناده إلى إبراهيم المهدي عن ابن أشعب عن أبيه ، قال : دعي ذات يوم ~~بالمغنين إلى الوليد بن يزيد ، وكنت نازلا معهم ، فقلت للرسول : خذني فيهم ~~، قال : لم أؤمر بك ، إنما أمرت بإحضار المغنيين ، وأنت بطال لا تدخل في ~~جملتهم . فقلت له : أنا والله أحسن غناء منهم ، ثم اندفعت فغنيت . فقال : ~~لقد سمعت حسنا ، ولكن ms0720 أخاف . قلت : لا خوف عليك ، ولك من ذلك شرط . قال : ~~وما هو ؟ قلت : كل ما أصبت فلك شطره ، فأشهد علي الجماعة ، ومضينا حتى ~~دخلنا على الوليد ، وهو لقس النفس ، فغناه المغنون في كل فن فلم يتحرك ولم ~~ينشط . فقام الأبجر إلى الخلاء ، وكان خبيثا داهيا ، فسأل الخادم عن خبره ، ~~فقال : بينه وبين امرأته شر ، لأنه عشق أختها فغضبت عليه ، وهو إلى أختها ~~أميل ، وقد عزم على طلاقها ، وحلف ألا يذكرها أبدا بمراسلة أو مخاطبة ، ~~فخرج على هذه الحال من عندها . فعاد الأبجر إلينا ، وجلس ثم اندفع يغني : ~~فبيني فإني لا أبالي وأيقني . . . أصعد باق حبكم أم تصوبا ألم تعلمي أني ~~عزوف عن الهوى . . . إذا صاحبي من غير شيء تغضبا فطرب الوليد وارتاح ، وقال ~~للأبجر : أصبت والله يا عبيد ما في نفسي ، وأمر له بعشرة آلاف درهم وشرب ~~حتى سكر ، ولم يحظ أحد بشيء سوى الأبجر . فلما PageV04P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" أيقنت بانقضاء المجلس وثبت فقلت : إن رأى أمير ~~المؤمنين أن يأمر من يضربني مائة سوط الساعة بحضرتك فضحك . ثم قال : قبحك ~~الله وما السبب في ذلك ؟ فأخبرته بقصتي مع الرسول ، وقلت له : إنه بدأني ~~بالمكروه في أول يومه فاتصل علي إلى آخره ، فأريد أن أضرب مائة سوط ويضرب ~~بعدي مثلها . فقال : لقد لطفت ، بل أعطوه مائة دينار ، وأعطوا الرسول خمسين ~~دينارا من مالنا عوض الخمسين التي أراد أخذها من أشعب ، فقبضتها وانصرفت . ~~قال ابن زبنج : كان أبان بن عثمان من أهزل الناس وأعبثهم ، فبينا نحن ذات ~~يوم عنده وعنده أشعب ، إذ أقبل أعرابي معه جمل ، والأعرابي أشقر أزرق أزعر ~~يتلظى كأنه أفعى ، والشر بين في وجهه ، ما يدنو منه أحد إلا شتمه ونهره ، ~~فقال أبان : هذا والله من البادية ، ادعوه لي ، فدعوه له وقيل : إن الأمير ~~أبان بن عثمان يدعوك ، فأتاه فسلم عليه ، فسأله أبان بن عثمان عن نسبه ، ~~فانتسب له . فقال له أبان : حياك الله يا خال ، اجلس ، فجلس . فقال له : ~~إني أطلب جملا مثل جملك هذا منذ زمان فلم ms0721 أجده كما أشتهي بهذه الصفة وهذه ~~الهامة والصورة والورك والأخفاف ، والحمد لله الذي جعل ظفري به عند من أحبه ~~، أتبيعنيه ؟ فقال : نعم أيها الأمير . قال : فإني قد بذلت لك به مائة ~~دينار ، فطمع الأعرابي وسر بذلك وانتفخ ، وبان الطمع في وجهه . فأقبل أبان ~~على أشعب ثم قال له : ويلك يا أشعب إن خالي هذا من أهلك وأقاربك يعني : في ~~الطمع فأوسع له مما عندك ، قال : نعم ، بأبي أنت وزيادة . فقال له أبان : ~~يا خال ، إنما زدتك في الثمن على بصيرة أن الجمل يساوي ستين دينارا ، ولكني ~~بذلت لك مائة دينار لقلة النقد عندنا ، وإني أعطيك عروضا تساوي مائة دينار ~~، فزاد طمع الأعرابي وقال : قد قبلت ذلك أيها الأمير . وأسر أبان إلى أشعب ~~، فأخرج شيئا مغطى ، فقال له : أخرج ما جئت به ، فأخرج جرد عمامة تساوي ~~أربعة دراهم . فقال له : قومها يا أشعب . فقال : عمامة الأمير تساوي أربعة ~~دراهم . فقال له : قومها يا أشعب . فقال : عمامة الأمير يشهد فيها الأعياد ~~والجمع ويلقي فيها الخلفاء خمسون دينارا . قال : ضعها بين يديه ، وقال لابن ~~زبنج : أثبت قيمتها ، فكتب ذلك ، ووضعت العمامة بين يدي الأعرابي ، فكاد ~~يدخل بعضه في بعض غيظا ، ولم يقدر على الكلام . قال : PageV04P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" هات قلنسوتي ، فأخرج قلنسوة طويلة خلقا قد ~~علاها الوسخ والدهن وتخرقت تساوي نصف درهم . قال : قوم ، فقال : قلنسوة ~~الأمير تعلو هامته ، ويصلي فيها الصلوات الخمس ، ويجلس فيها للحكم ثلاثون ~~دينارا . قال : أثبت ، فأثبت ذلك ، ووضعت القلنسوة بيد يدي الأعرابي فأربد ~~وجهه وجحظت عيناه وهم بالوثوب ، ثم تماسك وهو مقلقل . ثم قال لأشعب : هات ~~ما عندك ، فأخرج خفين خلقين قد نقبا وتقشرا وتفتتا ، فقال : قوم ، فقال : ~~خفا الأمير يطأ بهما الروضة ، ويعلو بهما منبر النبي صلى لله عليه وسلم ~~أربعون دينارا ، فقال : ضعهما بين يديه . ثم قال للأعرابي : أضمم إليك ~~متاعك ، وقال لبعض الأعوان : امض مع الأعرابي واقبض ما بقي لنا عليه من ثمن ~~المتاع ، وهو عشرون دينارا . فوثب الأعرابي فأخذ القماش فضرب به وجوه القوم ms0722 ~~لا يألو في شدة الرمي ، ثم قال له : أتدري في أي شيء أموت ؟ قال : لا ، قال ~~: لم أدرك أباك عثمان فأشترك والله في دمه إذ ولد مثلك ثم نهض كالمجنون حتى ~~أخذ برأس بعيره ، وضحك أبان حتى سقط ، وضحك من كان معه . فكان الأعرابي بعد ~~ذلك إذا لقي أشعب يقول له : هلم إلي يا ابن الخبيثة ، حتى أكافئك على ~~تقويمك المتاع يوم قومت ، فيهرب منه أشعب . وقال المدائني : حدثني شيخ من ~~أهل المدينة قال : كانت امرأة شديدة العين ، لا تنظر إلى شيء فتستحسنه إلا ~~عانته ، فدخلت على أشعب وهو في الموت ، وهو يقول لابنته : يا بنية ، إذا ~~أنا مت فلا تندبيني ، والناس يسمعونك ، وتقولين : وا أبتاه ، أندبك للصوم ~~والصلاة ، للفقه والقرآن ، فيكذب الناس ويلعنونني . ثم التفت فرأى المرأة ، ~~فغطى وجهه بكمه وقال لها : يا فلانة ، بالله إن كنت استحسنت شيئا مما أنا ~~فيه ، فصلي على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ولا تهلكيني ، فغضبت المرأة ~~وقالت : سخنت عينك وفي أي شيء أنت مما يستحسن ؟ أنت في آخر رمق قال : قد ~~علمت ، ولكن قلت لئلا تكوني قد استحسنت خفة الموت علي وسهلة النزع ، فيشتد ~~ما أنا فيه . فخرجت من عنده وهي تسبه ، وضحك من كان حوله من كلامه ومات . ~~PageV04P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" ذكر شيء من نوادر أبي دلامة هو أبو دلامة زند ~~بن الجون . وزند بالنون . وهو كوفي ، أسود ، مولى لبني أسد ، كان أبوه عبدا ~~لرجل منهم يقال له قصاقص ، فأعتقه . وأدرك آخر زمن بني أمية ولم يكن له ~~نباهة في أيامهم ، ونبغ في أيام بني العباس ، فانقطع إلى أبي العباس السفاح ~~وأبي جعفر المنصور والمهدي ، وكانوا يقدمونه ويفضلونه ويستطيبون مجالسته ~~ونوادره . قال أبو الفرج الأصفهاني : كان أبو دلامة رديء المذهب ، مرتكبا ~~للمحارم ، مضيعا للفروض ، متجاهرا بذلك ، وكان يعلم هذا منه ويعرف به ، ~~فيتجافى عنه للطف محله . وله أخبار وأشعار ليس هذا موضع ذكرها ، وإنما نثبت ~~في هذا الموضع ما له من نادرة أ حكاية مستظرفة . فمن ذلك أنه دخل على أبي ms0723 ~~جعفر المنصور ، وكان المنصور قد أمر أصحابه بلبس السواد والقلانس الطوال ، ~~تدعم بعيدان من داخلها ، وأن يعلقوا السيوف في المناطق ، ويكتبوا على ~~ظهورهم : " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " . فلما دخل عليه أبو دلامة ~~في هذا الزي قال له المنصور : ما حالك ؟ قال : شر حال يا أمير المؤمنين ، ~~وجهي في نصفي ، وسيفي في استي ، وقد صبغت بالسواد ثيابي ونبذت كتاب الله ~~وراء ظهري ، ثم أنشد : وكنا نرجى منحة من إمامنا . . . فجاءت بطول زاده في ~~القلانس تراها على هام الرجال كأنها . . . دنان يهود جللت بالبرانس ~~PageV04P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" فضحك منه المنصور وأعفاه وحذره من ذلك ، وقال ~~: إياك أن يسمع هذا منك أحد . وحكي عنه : أنه كان واقفا بين يدي السفاح أو ~~المنصور ، فقال له : سلني حاجتك ، فقال أبو دلامة : كلب صيد ، قال : أعطوه ~~إياه . قال : ودابة أتصيد عليها . قال : أعطوه . قال : وغلام يقود الكلب ~~ويتصيد به ، قال : أعطوه غلاما . قال : وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه ~~، قال : أعطوه جارية . قال : هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال فلا بد لهم من ~~دار يسكنونها ، قال : أعطوه دارا تجمعهم . قال : فإن لم يكن ضيعة فمن أين ~~يعيشون ؟ قال : قد أقطعتك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة . قال : وما ~~الغامرة ؟ قال : ما لا نبات فيه . قال : قد أقطعتك يا أمير المؤمنين ~~خمسمائة ألف جريب غامرة من فيافي بني أسد . فضحك وقال : اجعلوا المائتين ~~كلها عامرة . قال : فأذن لي أن أقبل يدك ، قال : أما هذه فدعها ، فإني لا ~~أفعل . قال : والله ما منعت عيالي شيئا أقل عليهم ضررا منها . وروي : أنه ~~دخل على المنصور فأنشده قصيدته التي يقول فيها : إن الخليط أجدوا البين ~~فانتجعوا . . . وزودوك خبالا بئس ما صنعوا والله يعلم أن كادت ، لبينهم . . ~~. يوم الفراق ، حصاة القلب تنصدع عجبت من صبيتي يوما وأمهم . . . أم ~~الدلامة لما هاجها الجزع لا بارك الله فيها من منبهة . . . هبت تلوم عيالي ~~بعدما هجعوا ونحن مشتبهو الألوان ، أوجهنا . . . سود قباح ، وفي أسمائنا ~~شنع إذا تشكت إلى الجوع ، قلت لها . . . ما هاج جوعك ms0724 إلا الري والشبع أذابك ~~الجوع مذ صارت عيالتنا . . . على الخليفة منه الري والشبع لا والذي يا أمير ~~المؤمنين قضى . . . لك الخلافة في أسبابها الرفع ما زلت أخلصها كسبي فتأكله ~~. . . دوني ودون عيالي ثم تضطجع PageV04P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" شوهاء مشنأة في بطنها ثجل . . . وفي المفاصل ~~من أوصافها ندع ذكرتها بكتاب الله حرمتنا . . . ولم تكن بكتاب الله ترتجع ~~فاخرنطمت ثم قالت وهي مغضبة . . . أأنت تتلو كتاب الله يا لكع أخرج تبغ لنا ~~مالا ومزرعة . . . كما لجيراننا مال ومزدرع واخدع خليفتنا عنا بمسألة . . . ~~إن الخليفة للسؤال ينخدع قال : فضحك أبو جعفر وقال : أرضوها عنه بمائتي ~~جريب عامرة ويروى ستمائة جريب عامرة وغامرة فقال : أنا أقطعك يا أمير ~~المؤمنين أربعة آلاف جريب غامرة فيما بين الحيرة والنجف ، وإن شئت زدتك . ~~فضحك وقال : اجعلوها كلها عامرة . قال : ولما توفي السفاح دخل أبو دلامة ~~على المنصور والناس عنده يعزونه ، فقال : أمسيت بالأنبار يا بن محمد . . . ~~لم تستطع عن عقرها تحويلا ويلي عليك وويل أهلي كلهم . . . ويلا وعولا في ~~الحياة طويلا فلتبكين لك السماء بعبرة . . . ولتبكين لك الرجال عويلا مات ~~الندى إذ مت يا بن محمد . . . فجعلته لك في التراب عديلا إني سألت الناس ~~بعدك كلهم . . . فوجدت أسمح من سألت بخيلا ألشقوتي أخرت بعدك للتي . . . ~~تدع العزيز من الرجال ذليلا ؟ فلا حلفن يمين حق برة . . . تالله ما أعطيت ~~بعدك سولا قال : فأبكى الناس الناس قوله . فغضب المنصور غضبا شديدا وقال : ~~إن سمعتك تنشد هذه القصيدة لأقطعن لسانك . قال : يا أمير المؤمنين ، إن أبا ~~العباس أمير المؤمنين كان لي مكرما ، وهو الذي جاء بي من البدو ، كما جاء ~~الله بإخوة يوسف PageV04P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" إليه ، فقل كما قال يوسف : " لا تثريب عليكم ~~اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " . فسرى عن المنصور وقال : قد ~~أقلناك يا أبا دلامة ، فسل حاجتك . قال : يا أمير المؤمنين ، قد كان أبو ~~العباس أمر لي بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوبا وهو مريض ولم أقبضها . فقال ~~المنصور : ومن يعلم ذلك ؟ قال : هؤلاء وأشار إلى ms0725 جماعة ممن حضر فوثب سليمان ~~بن مجالد وأبو الجهم فقالا : صدق أبو دلامة ، نحن نعلم ذلك . فقال المنصور ~~لأبي أيوب الخازن وهو مغيظ : يا سليمان ادفعها إليه وسيره إلى ذا الطاغية ~~يعني عبد الله بن علين ، وكان قد خرج بالشام وأظهر الخلاف فوثب أبو دلامة ~~وقل : يا أمير المؤمنين ، أعيذك بالله أن أخرج معهم ، ووالله ما أحب أن ~~يجرب ذلك مني على مثل هذا العسكر ، فإني لا أدري أيهما يغلب : يمنك أو شؤمي ~~، إلا أني بنفسي أوثق وأعرف وأطول تجربة . فقال : دعني وهذا ، فمالك من ~~الخروج بد . قال : فإني أصدقك الآن ، شهدت والله تسعة عشر عسكرا كلها هزمت ~~، وكنت سببها ، فإن شئت الآن على بصيرة أن يكون عسكرك تمام العشرين فافعل . ~~فضحك المنصور وأمره أن يتخلف مع عيسى بن موسى بالكوفة . وعن جعفر بن حسين ~~اللهبي قال : حدثني أبو دلامة قال : أتى بي المنصور أو المهدي وأنا سكران ، ~~فحلف ليخرجني في بعث حرب ، فأخرجني مع روح بن حاتم المهلبي لقتال الشراة . ~~فلما التقى الجمعان قلت لروح : أما والله لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثرت ~~في عدوك اليوم أثرا ترتضيه فضحك وقال : والله العظيم لأدفعن إليك ذلك ~~ولآخذنك بالوفاء بشرطك ، فنزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفع ذلك إلي ، وعاد ~~بغيره فاستبدل به . فلما حصل ذلك في يدي قلت : أيها الأمير ، هذا مقام ~~PageV04P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" العائذ بك ، وقد قلت أبياتها فاسمعها . قال : ~~هات ، فأنشدته : إني استجرتك أن أقدم في الوغى . . . لتطاعن وتنازل وضراب ~~فهب السيوف رأيتها مشهورة . . . وتركتها ومضيت في الهراب ماذا تقول لما ~~يجيء ولا يرى . . . من بادرات الموت بالنشاب فقال : دع هذا عنك ، وبرز رجل ~~من الخوارج يدعو إلى المبارزة فقال : اخرج إليه يا أبا دلامة . فقال : ~~أنشدك الله أيها الأمير في دمي . فقال : والله لتخرجن فقلت : أيها الأمير ، ~~فإنه أول يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا ، وأنا والله جائع ما تنبعث مني ~~جارحة من الجوع ، فمر لي بشيء آكله ثم أخرج ، فأمر لي برغيفين ودجاجة ، ~~فأخذت ms0726 ذلك وبرزت عن الصف . فلما رآني الشاري أقبل نحوي وعليه فرو قد أصابه ~~المطر فابتل ، وأصابته الشمس فاقفعل وعيناه تقدان ، فأسرع إلي ، فقلت : على ~~رسلك يا هذا فوقف ، فقلت : أتقتل من لا يقاتلك ؟ قال : لا . قلت : أتستحل ~~أن تقتل رجلا على دينك ؟ قال : لا . قلت : أفتستحل ذلك قبل أن تدعو من ~~تقابله إلى دينك ؟ قال : لا ، فاذهب عني إلى لعنة الله ، فقلت : لا أفعل أو ~~تسمع مني . قال : قل . فقلت : هل كانت بيننا عداوة أو ترة أو تعرفني بحال ~~تحفظك علي أو تعلم بيني وبين أهلك وترا ؟ قال : لا والله ، قلت : ولا أنا ~~والله لك إلا علي جميل الرأي ، فإني لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين دينك وأريد ~~السوء لمن أرادك . فقال : يا هذا ، جزاك الله خيرا فانصرف . قلت : إن معي ~~زادا أريد أن آكله وأريد مؤاكلتك لتتوكد المودة بيننا ويرى أهل العسكرين ~~هوانهم علينا ، قال : فافعل . فتقدمت إليه حتى اختلفت أعناق دوابنا وجمعنا ~~أرجلنا على معارفها وجعلنا نأكل والناس قد غلبوا ضحكا . فلما استوفينا ~~ودعني ، ثم قلت له : إن هذا الجاهل ، إن أقمت على طلب المبارزة ندبني إليك ~~فتتعب وتتعبني ، فإن رأيت ألا تبرز اليوم فافعل . قال : قد فعلت ، فانصرف ~~وانصرفت . فقلت لروح : أما أنا فقد كفيتك قرني ، فقل لغيري PageV04P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" يكفيك قرنه كما كفيتك . وخرج آخر يدعو إلى ~~البراز ، فقال لي : اخرج إليه ، فقلت : إني أعوذ بروح أن يقدمني . . . إلى ~~القتال فتخزى بي بنو أسد إن البراز إلى الأقران أعلمه . . . مما يفرق بين ~~الروح والجسد قد حالفتك المنايا إذا رصدت لها . . . وأصبحت لجميع الخلق ~~كالرصد إن المهلب حب الموت أرثكم . . . فما ورثت اختيار الموت عن أحد لو أن ~~لي مهجة أخرى لجدت بها . . . لكنها خلقت فردا فلم أجد قال : فضحك روح ~~وأعفاني . قال : وشرب أبو دلامة في بعض الحانات وسكر ، فمضى وهو يميل ، ~~فلقيه العسس فأخذه ، فقيل له : من أنت ؟ وما دينك ؟ فقال : ديني على دين ~~بني العباس . . . ما ختم الطين على القرطاس إذا اصطحب أربعا بالكاس . . . ~~فقد ms0727 أدار شربها براسي فهل بما قلت لكم من باس فأخذوه وخرقوا ثيابه وساجه ، ~~وأتي به إلى أبي جعفر ، فأمر بحبسه مع الدجاج في بيت . فلما أفاق جعل ينادي ~~غلامه مرة وجاريته أخرى فلا يجيبه أحد ، وهو مع ذلك يسمع صوت الدجاج وزقاء ~~الديك . فلما أكثر قال له السجان : ما شأنك ؟ قال : ويلك من أنت ؟ وأين أنا ~~؟ قال : قال : أنت في الحبس ، وأنا فلان السجان . قال : ومن حبسني ؟ قال : ~~أمير المؤمنين . قال : ومن خرق طيلساني ؟ قال : الحرس . فطلب أن يأتيه ~~بدواة وقرطاس ، ففعل فأتاه ، فكتب إلى أبي جعفر المنصور يقول : أمير ~~المؤمنين فدتك نفسي . . . علام حبستني وخرقت ساجي PageV04P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" أمن صهباء صافية المزاج . . . كأن شعاعها لهب ~~السراج وقد طبخت بنار الله حتى . . . لقد صارت من النطف النضاج تهش لها ~~القلوب وتشتهيها . . . إذا برزت ترقرق في الزجاج أقاد إلى السجون بغير جرم ~~. . . كأني بعض عمال الخراج فلو معهم حبست لكان سهلا . . . ولكني حبست مع ~~الدجاج وقد كانت تخبرني ذنوبي . . . بأني من عقابك غير ناج على أني وإن ~~لاقيت شرا . . . لخيرك بعد ذاك الشر راجي فاستدعاه المنصور وقال : أين حبست ~~يا أبا دلامة ؟ قال : مع الدجاج . قال : فما كنت تصنع ؟ قال : أقوقي معهم ~~إلى الصباح ، فضحك وخلى سبيله وأمر له بجائزة . فلما خرج قال الربيع : إنه ~~شرب الخمر يا أمير المؤمنين ، أما سمعت قوله : وقد طبخت بنار الله ؟ يعني ~~الشمس قال : لا والله ، ما عنيت إلا نار الله الموقدة التي تطلع على فؤاد ~~الربيع . فضحك المنصور وقال : خذها يا ربيع ولا تعاود التعرض له . وروى عن ~~المدائني قال : دخل أبو دلامة على المهدي وعند إسماعيل بن علي وعيسى بن ~~موسى والعباس بن محمد بن إبراهيم الإمام وجماعة من بني هاشم ، فقال له ~~المهدي : أنا أعطي الله عهدا إن لم تهج واحدا ممن في البيت ، لأقطعن لسانك ~~أو لأضربن عنقك . فنظر إليه القوم ، وكلما نظر إلى أحد منهم غمزه بأن علي ~~رضاك . قال أبو دلامة : فعلمت أني قد وقعت وأنها عزمة من ms0728 عزماته لا بد منها ~~، فلم أر أحدا أحق بالهجاء مني ولا أدعي إلى السلامة من هجاء نفسي ، فقلت : ~~إلا أبلغ لديك أبا دلامه . . . فلست من الكرام ولا كرامه إذا لبس العمامة ~~كان قردا . . . وخنزيرا إذا نزع العمامه جمعت دمامة وجمع لؤما . . . كذاك ~~اللؤم تتبعه الدمامه فإن تك قد أصبت نعيم دنيا . . . فلا تفرح فقد دنت ~~القيامه PageV04P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" فضحك القوم ولم يبق منهم أحد إلا أجازه . قال ~~: وخرج المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد ، فسنح لهما قطيع من ظباء ، فأرسلت ~~الكلاب وأجريت الخيل ، ورمى المهدي سهما فأصاب ظبيا ، ورمى علي بن سليمان ~~فأصاب بعض الكلاب فقتله ، فقال أبو دلامة : قد رمى المهدي ظبيا . . . شك ~~بالسهم فؤاده وعلي بن سليما . . . ن رمى كلبا فصاده فهنيئا لهما ك . . . ل ~~امرئ يأكل زاده فضحك المهدي حتى كاد يسقط عن سرجه ، وقال : صدق والله أبو ~~دلامة ، وأمر له بجائزة سنية ، فلقب عبي بن سليمان بعد ذلك صائد الكلب ، ~~فغلب عليه . قال : وتوفيت حمادة بنت عيسى ، حضر المنصور جنازتها ، فلما وقف ~~على حفرتها قال لأبي دلامة : ما أعددت لهذه الحفرة ؟ قال : ابنة عمك يا ~~أمير المؤمنين حمادة بنت عيسى يجاء بها الساعة فتدفن فيها . فضحك المنصور ~~حتى غلب وستر وجهه . قال الهيثم بن عدي رحمة الله عليه : حجت الخيزران ، ~~فلما خرجت ، صاح أبو دلامة : جعلني الله فداك ، الله الله في أمري فقالت : ~~من هذا ؟ قالوا : أبو دلامة . فقالت : سلوه ما أمره ، قالوا له : ما أمرك ؟ ~~قال : أدنوني من محملها ، قالت : أدنوه ، فأدنى ، فقال لها : أيها السيدة ، ~~إني شيخ كبير وأجرك في عظيم . قالت : فمه قال : تهبيني جارية من جواريك ~~تؤنسني ، وترفق بي وتريحني من عجوز عندي ، قد أكلت رفدي ، وأطالت كدي ، فقد ~~عاف جلدي جلدها ، وتشوقت فقدها . فضحكت الخيزران وقالت : سوف آمر لك بما ~~سألت . فلما رجعت تلقاها وأذكرها وخرج معها إلى بغداد ، فأقام حتى غرض . ثم ~~دخل على أم عبيدة حاضنة موسى وهارون PageV04P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" فدفع إليها رقعة قد كتب بها إلا ms0729 الخيزران ، ~~فقها : أبلغي سيدتي با . . . لله يا أم عبيده أنها أرشدها ا . . . لله وإن ~~كانت رشيده وعدتني قبل أن تخ . . . رج للحج وليده فتأنيت وأرسل . . . ت ~~بعشرين قصيده كلما أخلقن أخلف . . . ت بعشرين قصيده ليس في بيتي لتمهي . . ~~. د فراشي من قعيده غير عجفاء عجوز . . . ساقها مثل القديده وجهها أقبح من ~~حو . . . ت طري في عصيده ما حياة مع أنثى . . . مثل عرسي بسعيده فلما قرأت ~~عليها ، ضحكت ودعت بجارية من جواريها فائقة الجمال ، فقالت لها : خذي كل ~~مالك في قصري ، ففعلت ، ثم دعت بعض الخدم وقالت له : سلمها إلى أبي دلامة . ~~فانطلق الخادم بها فلم يصادفه في منزله ، فقال لامرأته : إذا رجع أبو دلامة ~~فادفعيها إليه وقولي له : تقول لك السيدة : أحسن صحبة هذه الجارية فقد أمرت ~~لك بها . فقالت له نعم . فلما خرج الخادم دخل ابنها دلامة فوجد أمه تبكي ، ~~فسألها عن خبرها فأخبرته وقالت : إن أردت أن تبرني يوما من الأيام فاليوم . ~~قال : قولي ما شئت فإني أفعله . قالت : تدخل عليها فتعلمها أنك مالكها ~~وتطؤها فتحرمها عليه وإلا ذهبت بعقله فجفاني وجفاك ، ففعل ودخل إلى الجارية ~~فوطئها ووافقها ذلك منه ، وخرج . فدخل أبو دلامة فقال لامرأته : أين ~~الجارية ؟ قالت : في ذلك البيت ، فدخل إليها شيخ محطم ذاهب ، فمد يده إليها ~~ذهب ليقبلها ، فقالت : مالك ويحك تنح وإلا لطمتك لطمة دققت منها أنفك . ~~فقال لها : أبهذا أوصتك السيدة ؟ قالت : بعثت بي إلى فتى من هيئته وحاله ~~كيت وكيت ، وقد كان عندي آنفا ونال مني حاجته . فعلم أنه قد دهي من أم ~~دلامة وابنها . فخرج أبو دلامة إلى دلامة فلطمه ولببه وحلف ألا يفارقه إلا ~~إلى المهدي . فمضى به ملببا حتى وقف بباب المهدي ، فعرف خبره ، وأنه جاء ~~بابنه على تلك الحال . فأمر بإدخاله فلما دخل قال : مالك ؟ قال : ~~PageV04P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" فعل بي هذا ابن الخبيثة ما لم يفعله ولد بأبيه ~~، ولا يرضيني إلا أن تقتله . قال : ويحك وما فعل بك ؟ فأخبره الخبر ، فضحك ~~حتى استلقى ثم جلس . فقال ms0730 له أبو دلامة : أعجبك فعله فتضحك منه ؟ فقال : ~~علي بالسيف والنطع . فقال له دلامة : قد سمعت قوله يا أمير المؤمنين ، ~~فاسمع حجتي . قال : هات قال : هذا الشيخ أصفق الناس وجها ، هو يفعل بأمي ~~منذ أربعين سنة ما غضبت ، وفعلت أنا بجاريته مرة واحدة غضب وصنع بي ما ترى ~~. فضحك المهدي أشد من ضحكه الأول ، ثم قال : دعها له يا أبا دلامة ، وأنا ~~أعطيك خيرا منها ، قال : على أن تخبأها لي بين السماء والأرض وإلا فعل بها ~~والله كما فعل بهذه ، فتقدم إلى دلامة ألا يعاود مثل فعله ، وحلف أنه إن ~~عاود قتله ، ثم وهب له جارية . قال عبد الله بن صالح رحمه الله جاء ابن أبي ~~دلامة يوما إلى أبيه وهو في محفل من جيرانه وعشيرته فجلس بين يديه ، ثم ~~أقبل على الجماعة فقال لهم : إن شيخي كما تؤون قد كبر سنه ورق جلده ودق ~~عظمه ، وبنا إلى حياته حاجة شديدة ، فلا أزال أشير عليه بالشيء يمسك رمقه ~~ويبقى قوته فيخالفني فيه ، وإني أسألكم أن تسألوه قضاء حاجة لي أذكرها ~~بحضرتكم فيها صلاح جسمه وبقاء حياته ، فأسعفوني بمسألته معي . فقالوا : ~~نفعل حبا وكرامة ، ثم أقبلوا على أبي دلامة بألسنتهم فتناولوه بالعتاب حتى ~~رضي ابنه وهو ساكت ، قال : قولوا للخبيث فليقل ما يريد ، فستعلمون أنه لم ~~يأت إلا ببلية . فقالوا له : قل ، فقال : إن أبي إنما قتله كثرة الجماع ، ~~فتعاونوني حتى أخصيه ، فلن يقطعه عن ذلك غير الخصاء فيكون أصح لجسمه وأطول ~~لعمره . فعجبوا بما أتى به وضحكوا . ثم قالوا لأبي دلامة : قد سمعت فأجب . ~~قال : قد سمعتم أنتم فعرفتكم أنه لم يأت بخير . قالوا : فما عندك في هذا ؟ ~~قال : قد جعلت أمه حكما فيما بيني وبينه ، فقوموا بنا إليها . فقاموا ~~بأجمعهم ودخلوا إليها ، وقص أبو دلامة القصة عليها وقال : قد حكمتك . ~~فأقبلت على الجماعة فقالت : إن ابني هذا أبقاه الله قد نصح أباه ولم يأل ~~جهدا ، وما أنا إلى بقاء أبيه أحوج مني إلى بقائه ، وهذا أمر لم يقع به ms0731 ~~تجربة منا ولا جرى بمثله عادة لنا ، وما أشك في معرفته بذلك ، فليبدأ بنفسه ~~فليخصها ، فإذا عوفي ورأينا ذلك قد أثر عليه أثرا محمودا استعمله أبوه . ~~فضحك أبوه والقوم وانصرفوا يعجبون من خبثهم جميعا . PageV04P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" ومنهم أبو صدقة . ذكر شيء من نوادر أبي صدقة ~~هو أبو صدقة مسكين بن صدقة من أهل المدينة مولى لقريش . قال أبو الفرج : ~~وكان مليح الغناء طيب الصوت كثير الرواية صالح الصنعة ، من أكثر الناس ~~نادرة وأخفهم روحا وأشدهم طمعا وألحهم مسألة ، وهو من المغنين الذين أقدمهم ~~الرشيد من الحجاز في أيامه . قيل : إنه عوتب على كثرة إلحاحه في المسألة ، ~~فقال : وما يمنعني من ذلك ، واسمي مسكين وكنيتي أبو صدقة وابنتي فاقة وابن ~~صدقة ، فمن أحق بهذا مني ؟ وكان الرشيد يعبث به كثيرا ، فقال ذات يوم ~~لمسرور : قل لابن جامع وإبراهيم الموصلي وزبير بن دحمان وزلزل وبرصوما وابن ~~أبي مريم المديني : إذا رأيتموني قد طابت نفسي ، فليسأل كل واحد منكم حاجة ~~، مقدارها مقدار صلته ، وذكر لكل واحد منهم مبلغ ذلك ، وأمرهم أن يكتبوا ~~أمرهم عن أبي صدقة ، فقال لهم مسرور ما أمر به الرشيد . ثم أذن الرشيد لأبي ~~صدقة قبل إذنه لهم . فلما جلس قال له : يا أبا صدقة ، لقد أضجرتني بكثرة ~~مسألتك وأنا في هذا اليوم ضجر وأحببت أن أتفرج وأفرح ، ولست آمن أن تنغص ~~علي مجلسي بمسألتك ، فإما أن تعفيني أن تسألني اليوم حاجة وإلا فانصرف . ~~فقال له : لست من يومي هذا إلى شهر أسألك حاجة . فقال له الرشيد : أما إذ ~~شرطت لي هذا على نفسك فقد اشتريت منك حوائجك بخمسمائة دينار وها هي ذه ~~فخذها طيبة معجلة ، فإن سألتني شيئا بدها من هذا اليوم فلا لوم علي إن لم ~~أصلك سنة بشيء . فقال : نعم وسنتين . فقال له الرشيد : زدني في الوثيقة . ~~فقال : قد جعلت أمر أم صدقة في يدك فطلقها متى شئت ، إن شئت واحدة وإن شئت ~~ألفا إن سألتك في يومي هذا حاجة ، وأشهدت الله ومن حضر على ذلك ms0732 . فدفع إليه ~~المال ، ثم أذن للجلساء والمغنين فدخلوا وشرب القوم . فلما طابت نفس الرشيد ~~، قال له ابن جامع : يا أمير المؤمنين ، قد نلت منك ما لم تبلغه أمنيتي ، ~~وكثر إحسانك إلي حتى كبت أعدائي وقتلتهم ، وليس لي بمكة دار تشبه حالي ، ~~فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بمال أبني به دار وأفرشها بباقيه لأفقأ ~~عيون أعدائي وأزهق نفوسهم فعل . فقال له : وكم قدرت لذلك ؟ قال : أربعة ~~آلاف دينار ، فأمر له بها . وقام إبراهيم الموصلي فقال : يا أمير المؤمنين ~~، قد ظهرت نعمتك PageV04P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" علي وعلى الكبار من ولدي ، وفي أصاغرهم من ~~أحتاج إلي ختانه ، وفيهم صغار أحتاج أن أتخذ لهم خدما ، فإن رأى أمير ~~المؤمنين أن يحسن معونتي على ذلك فعل . فأمر له بمثل ما أمر به لابن جامع . ~~وجعل كل واحد منهم يقول في الثناء ما يحضره ويسأل حاجته على قدر جائزته ، ~~وأبو صدقة ينظر إلى الأموال تفرق يمينا وشمالا ، فوثب قائما ورمى بالدنانير ~~من كمه وقال للرشيد : أقلني أقال الله عثرتك . فقال الرشيد : لا أفعل . ~~فجعل يستحلفه ويضطرب ويلح والرشيد يضحك ويقول : مالي إلى ذلك سبيل ، الشرط ~~أملك . فلما عيل صبره أخذ الدنانير ورمى بها بين يدي الرشيد وقال : هاكها ~~قد رددتها عليك وزدتك أم صدقة فطلقها واحدة إن شئت وإن شئت ألفا . وإن لم ~~تلحقني بجوائز القوم فألحقني بجائزة هذا البارد عمرو الغزال - وكانت جائزته ~~ثلاثة آلاف دينار - فضحك حتى استلقى ثم رد عليه الخمسمائة الدينار وأمر له ~~بألف أخرى معها ، وكان ذلك أكثر ما أخذه منذ خدمه إلى أن مات ، رحمة الله ~~عليهم . وروى أبو الفرج عن أبي إسحاق قال : مطرنا ونحن مع الرشيد بالرقة مع ~~الفجر فاتصل إلى غد ذلك اليوم ، وعرفنا خبر الرشيد أنه مقيم عند أم ولده ~~المسماة سحر ، فتشاغلنا عنه في منازلنا . فلما كان من غد جاءنا رسول الرشيد ~~فحضرنا جميعا ، وأقبل يسأل كل واحد منا عن يومه الماضي وما صنع فيه ، ~~فيخبره إلى أن انتهى إلى جعفر بن يحيى ms0733 ، فسأله عن خبره فقال له : كان عندي ~~أبو زكار الأعمى وأبو صدقة ، وكان أبو زكار كلما غنى صوتا ، لم يفرغ منه ~~حتى يأخذه أبو صدقة ، فإذا انتهى الدور إليه أعاده وحكى أبا زكار فيه ~~وحركاته وشمائله ، ويفطن أبو زكار لذلك فيجن ويموت غيظا ويشتم أبا صدقة كل ~~الشتم حتى يضجر ، وهو لا يجيبه ولا يدع العبث به وأنا أضحك من ذلك ، إلى أن ~~توسطنا الشرب وسمنا من عبثه به ، فقلت له : دع هذا عنك وغن غناءك . فغنى ~~رملا ذكر أنه من صنعته ، فطربت له والله يا أمير المؤمنين طربا ما أذكر أني ~~طربت مثله منذ حين وهو : فتنتنى بفاحم اللون جعد . . . وبثغر كأنه نظم در ~~وبوجه كأنه طلعة البد . . . روعين في طرفها نفث سحر PageV04P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" فقلت له : أحسنت والله يا أبا صدقة فلم أسكت ~~من هذه الكلمة حتى قال : يا سيدي إني قد بنيت دارا أنفقت عليها جميع مالي ~~وما أعددت لها فرشا فأفرشها لي . فتغافلت عنه . وعاود الغناء فتعمدت أن قلت ~~: أحسنت ، فسألني فتغافلت ، فقال : يا سيدي ، هذا التغافل متى حدث لك ؟ ~~سألتك بالله وبحق أبيك عليك إلا أجبتني عن كلامي ولو بشتم . فأقبلت عليه ~~وقلت له : أنت والله بغيض ، اسكت يا بغيض ، واكفف عن هذه المسألة الملحة . ~~فوثب من بين يدي ، فقلت : إنه قد خرج لحاجة ، فإذا هو قد نزع ثيابه وتجرد ~~منها خوفا من أن تبتل ووقف تحت السماء لا يواريه شيء والمطر يأخذه ورفع ~~رأسه وقال : يا رب أنت تعلم أني مله ولست نائحا ، وعبدك الذي قد رفعته ~~وأحوجتني إلى خدمته يقول لي : أحسنت لا يقول لي : أسأت ، وأنا مذ جلست أقول ~~له : بنيت ولا أقول له : هدمت ، فيحلف بك جرأة عليك أني بغيض ، فاحكم بيني ~~وبينه فأنت خير الحاكمين . فغلبني الضحك وأمرت به فتنحى ، وجهدت به أن يغني ~~فامتنع ، حتى حلفت له بحياتك أني أفرش له داره يا أمير المؤمنين ، وخدعته ~~فلم أسم له بما أفرشها . فقال له الرشيد : طيب والله الآن تم ms0734 لنا به اللهو ~~، أدعه فإنه إذا رآك سوف يتنجزك الفرش لأنك حلفت له بحياتي فهو يقتضيك ذاك ~~بحضرتي ليكون أوفق له ، فقل له : أنا أفرشها لك بالبواري وحاكمه إلي . ثم ~~دعا به فحضر فلما استقر في المجلس قال لجعفر : الفرش الذي حلفت بحياة أمير ~~المؤمنين أنك تفرش به داري ، تقدم به . فقال له جعفر : اختر ، إن شئت ~~فرشتها لك بالبواري وإن شئت فبالبردي من الحصر ، فصاح واضطرب . فقال له ~~الرشيد : وكيف كانت القصة ؟ فأخبره ، فقال له : أخطأت يا أبا صدقة إذ لم ~~تسم النوع ولا حددت القيمة ، فإذا فرشها لك بالبردي أو بما دون ذلك فقد بر ~~في يمينه ، وإنما خدعك ولم تفطن أنت ولا توثقت وضيعت حقك . فسكت ثم قال : ~~نوفر أيضا البردي والبواري عليه أعزه الله . وغنى المغنون حتى انتهى الدور ~~إليه ، فأخذ يغني غناء الملاحين والبنائين والسقائين وما يجري مجراه من ~~الغناء . فقال له الرشيد : أي شيء هذا الغناء ؟ قال : من فرش داره بالبواري ~~والبردي فهذا الغناء كثير منه ، وكثير أيضا لمن هذه صلته . فضحك الرشيد ~~وطرب وصفق وأمر له بألف دينار منماله ، وقال له : افرش دارك بهذه . فقال : ~~وحياتك يا أمير المؤمنين لا آخذها أو تحكم لي على جعفر بما وعدني وإلا مت ~~PageV04P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" والله أسفا لفوات ما حصل في طمعي ووعدت به ، ~~فحكم له على جعفر بخمسمائة دينار أخرى ، فأمر له جعفر بها . ذكر شيء من ~~نوادر الأقيشر هو أبو معرض المغيرة بن عبد الله بن معرض بن عمرو بن معرض بن ~~أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر . والأقيشر لقب غلب عليه لأنه كان ~~أحمر الوجه أقيشر . قال أبو الفرج الأصفهاني : وعمر الأقيشر عمرا طويلا ، ~~ولعله ولد في الجاهلية ونشأ في الإسلام ، وكان أبعد بني أسد نسبا . قال : ~~وكان كوفيا خليعا ماجنا مدمنا للخمر . وهو الذي يقول لنفسه : فإن أبا معرض ~~إذ حسا . . . من الراح كأسا على المنبر خطيب لبيب أبو معرض . . . فإن ليم ~~في الخمر لم يصبر أحل الحرام ms0735 أبو معرض . . . فصار خليعا على المكبر يحب ~~اللئام ويلحى الكرام . . . وإن أقصروا عنه لم يقصر قال : وشرب الأقيشر في ~~بيت خمار بالحيرة ، فجاءه الشرط ليأخذوه ، فتحرز منهم وأغلق الباب وقال : ~~لست أشرب فما سبيلكم علي ؟ قالوا : قد رأينا العس في كفك وأنت تشرب . فقال ~~: إنما شربت من لبن القحة لصاحب هذه الدار ، فما برحوا حتى أخذوا منه ~~درهمين . فقال : إنما لقحتنا باطية . . . فإذا ما مزجت كانت عجب لبن أصفر ~~صاف لونه . . . ينزع الباسور من عجب الذنب إنما نشرب من أموالنا . . . ~~فسلوا الشرطي ما هذا الغضب ؟ وروى أبو الفرج الأصفهاني عن أبي عمرو ~~الشيباني وغيره قال : كان الأقيشر لا يسأل أحدا أكثر من خمسة دراهم ، يجعل ~~درهمين للشراب ودرهما للطعام ودرهمين في كراء بغل إلى الحيرة . وكان له جار ~~يكنى أبا المضاء ، له بغل PageV04P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" يكريه ، فكان يعطيه درهمين ويأخذ بغله فيركبه ~~إلى الحيرة حتى يأتي به بيت الخمار فينزل عنه ويربطه ، ثم يجلس للشرب حتى ~~يمسي ثم يركبه . وله في ذلك أشعار كثيرة . قال وتزوج الأقيشر ابنة عم له ~~يقال لها الرباب ، على أربعة آلاف درهم ويقال : على عشرة آلاف درهم فأتى ~~قومه فسألهم فلم يعطوه شيئا ، فأتى ابن رأس البغل وهو دهقان الصين ، وكان ~~مجوسيا ، فسأله فأعطاه الصداق كاملا ، فقال : كفاني المجوسي هم الرباب . . ~~. فدى للمجوسي خال وعم شهدت بأنك رطب اللسان . . . وأنك بحر جواد خضم وأنك ~~سيد أهل الجحيم . . . إذا ما ترديت فيمن ظلم تجاور هامان في قعرها . . . ~~وفرعون والمكتنى بالحكم فقال له المجوسي : ويحك سألت قومك فما أعطوك شيئا ، ~~وجئتني فأعطيتك فجزيتني هذا القول ولم أفلت من شرك قال : أو ما ترضى أن ~~جعلتك مع الملوك وفرين أبي جهل ؟ . قال : ثم جاء إلى عكرمة بن ربعي التميمي ~~، فسأله فلم يعطه شيئا ، فقال فيه : سألت ربيعة من شرها . . . أبا ثم أما ~~فقالوا لمه فقلت لأعلم من شركم . . . وأجعل للسب فيه سمه فقالوا لعكرمة ~~المخزيات . . . وما ذا يرى الناس في عكرمه فإن يك عبدا زكا ماله . . . فما ms0736 ~~غير ذا فيه من مكرمه PageV04P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" قال الأصمعي : قال عبد الملك بن مروان للأقيشر ~~: أنشدني أبياتك في الخمر ، فأنشده قوله : تريك القذى من دونها وهي دونه . ~~. . لوجه أخيها في الإناء قطوب كميت إذا شجت وفي الكأس وردة . . . لها في ~~عظام الشاربين دبيب فقال له : أحسنت والله يا أبا معرض لقد أجدت في وصفها ، ~~وأظنك قد شربتها . فقال : والله يا أمير المؤمنين ، إنه ليربيني معرفتك بها ~~. قال : وكان الأقيشر يأتي إخوانا له فيسألهم فيعطونه ، فأتى رجلا منهم ~~فأمر له بخمسمائة درهم فأخذها ومضى إلى الحانة فدفعها إلى صاحبها ، وقال له ~~: أقم لي ما أحتاج إليه ، ففعل . فانضم إليه رفقاء له فلم يزل معهم حتى ~~نفدت الدراهم ، فأتاهم بعد إنفاقها فاحتملوه يوما ويوما . فلما أتاهم في ~~اليوم الثالث نظروا إليه من بعيد ، فقالوا لصاحب الحانة : اصعد بنا إلى ~~الغرفة ، وأعلم الأقيشر أنا لم نأت اليوم ، ففعل . فلما جاء الأقيشر أعلمه ~~بما قالوا ، فعلم أنه لا فرج له عند صاحب الحانة إلا برهن ، فطرح إليه بعض ~~ثيابه وقال له : أقم لي ما أحتاج إليه ، ففعل . فلما أخذ منه الشراب أخذ ~~يقول : يا خليلي اسقياني كأسا . . . ثم كأسا حتى أخر نعاسا إن في الغرفة ~~التي فوق رأسي . . . لأناسا يخادعون أناسا يشربون المعتق الراح صرفا . . . ~~ثم لا يرفعون للزور راسا قال : فلما سمع أصحابه هذا الشعر ، فدوه بآبائهم ~~وأمهاتهم ، ثم قالوا له : إما أن تصعد إلينا وإما أن ننزل إليك ، فصعد ~~إليهم . PageV04P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" قال : وكان يختلف إلى رجل من بني تميم وكان ~~يجري عليه في كل شهر عشرة دراهم ، فجاءه مرة فوجده قد أصيب بابنه ، فردته ~~امرأته عنه ، ثم عاد بعد ذلك بيومين فردته عنه أيضا ، فكتب إليه بيتي شعر ~~ودفع الرقعة إليها وقال : أوصليها إليه ، فقرأها ، فإذا فيها : ألا أبلغ ~~لديك أبا هشام . . . فإن الريح أبردها الشمال عداتك في الهلال عدات صدق . . ~~. فهل سمنت كما سمن الهلال فلما قرأ الرقعة أمر برده وقال : لقد سمنت وما ~~بقي إلا الهزال إن ms0737 تأخرت ، فأمر له بها وزادها خمسة دراهم . وكان الأقيشر ~~مع شرفه وشعره يرضيه اليسير ويسخطه . وأخباره كثيرة ونوادره مشهورة ، وفيما ~~أوردناه منها كفاية . ومات الأقيشر قتيلا . وقيل : إنه مدح عبد الله بن ~~إسحاق بن طلحة بن عبيد الله فلم يعطه شيئا فهجاه ، فزعموا أن غلمانا لعبد ~~الله بن إسحاق قتلوه ، فاجتمع بنو أسد وادعوا عليه قتل الأقيشر ، فافتدي ~~منهم بديته . وقل ابن الكلبي : كان الأقيشر مولعا بهجاء عبد الله بن إسحاق ~~ومدح أخيه زكريا . فقال لغلمانه : ألا تريحونني منه فانطلقوا فجمعوا بعرا ~~وقصبا بظهر الكوفة وجعلوه في وسط إرة ، وأقبل الأقيشر سكرانا من الحيرة على ~~بغل أبي المضاء المكاري ، فأنزلوه عن البغل وشدوه رباطا ثم وضعوه في تلك ~~الإرة وألهبوا النار في القصب والبعر فمات ، ولم يعلم من قتله . والله أعلم ~~. ذكر شيء من نوادر ابن سيابة هو إبراهيم بن سيابة مولى بني هاشم . كان ~~يقال : إن جده حجام أعتقه بعض الهاشميين . قدمه إبراهيم الموصلي وابنه ~~إسحاق لأنه مدحهما فرفعا من قدره وغنيا بشعره ونوها بذكره . وكان خليعا ~~ماجنا حسن النادرة . وله نوادر نذكر منها نبذا فيما رواه أبو الفرج ~~الأصفهاني . منها ما رواه عن إسحاق الموصلي قال : أتى إبرهيم ابن سيابة وهو ~~سكران ابنا لسؤار بن عبد الله القاضي أمرد ، فعانقه وقبله ، وكانت معه ~~PageV04P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" داية يقال لها رحاص ، فقيل لها : إنه لم يقبل ~~تقبيل التسليم ، وإنما قبله شهوة ، فلحقته الداية فشتمته وأسمعته ما يكره ، ~~وهجره الغلام بعد ذلك ، فقال : لئن لثمتك سرا . . . فأبصرتني رحاص وقال في ~~ذاك قوم . . . على انتقاصي حراص هجرتني وأتتني . . . شتيمة وانتقاص فهاك ~~فاقتص مني . . . إن الجروح قصاص وقد قيل : إن رحاص هذه كانت مغنية كان ~~الغلام يهواها ، وإن سكر ونام ، فقبله ابن سيابة . فلما انتبه قال للمغنية ~~: ليت شعري ما كان خبرك مع ابن سيابة ؟ فقالت له : سل عن خبرك أنت معه ، ~~وحدثته بالقصة ، فهجره الغلام ، فقال هذا الشعر . وقال إسحاق بن إبراهيم : ~~كان ابن سيابة عندنا يوما مع جماعة نتحدث نتناشد ms0738 وهو ينشد شيئا من شعره ، ~~فتحرك فضرط فضرب بيده على استه غير مكترث وقال : إما أن تسكتي حتى أتكلم ، ~~وإما أن تتكلمي حتى أسكت . وقال جعفر الكاتب : قال لي إبراهيم بن سيابة ~~الشاعر : إذا كان عند جيرانك جنازة وليس في بيتك دقيق فلا تحضر الجنازة ، ~~فإن المصيبة عندك أكبر منها عند القوم ، وبيتك أولى بالمأتم من بيتهم . ~~وقال سليمان بن يحيى بن معاذ : قدم علي إبراهيم بن سيابة بنيسابور فأنزلته ~~علي ، فجاء ليلة من الليالي فجعل يصيح : يا أبا أيوب ، فخشيت أن يكون قد ~~غشيه شيء ، فقلت : ما تشاء ؟ فقال : أعيان الشادن الربيب PageV04P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" قلت بماذا ؟ قال : أكتب أشكو فلا يجيب فقلت : ~~داره ودواه ، فقال : من أين أبغي شفاء قلبي . . . وإنما دائي الطبيب فقلت : ~~لا دواء إذا إلا أن يفرج الله عز وجل عنك . فقال : يا رب فرج إذا وعجل . . ~~. فإنك السامع المجيب ثم انصرف . وقد تقدمت هذه الحكاية والسلام . ذكر شيء ~~من نوادر مطيع بن إياس الكناني وأخباره قال أبو الفرج الإصفهاني : هو شاعر ~~من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية . كان ظريفا خليعا ماجنا حلو العشرة ~~مليح النادرة قال : وكان متهما في دينه بالزندقة . وكان مولده ومنشؤه ~~بالكوفة ، وكان منقطعا إلى الوليد بن عبد الملك ، ثم اتصل بخدمة الوليد بن ~~يزيد . وكان سبب ذلك ما حكي عن حكم الوادي المغني ، قال : غنيت الوليد بن ~~يزيد وهو غلام حديث السنم بشعر مطيع بن إياس وهو : إكليلها ألوان . . . ~~ووجهها فتان وخالها فريد . . . ليس له جيران إذا مشت تثنت . . . كأنها ~~ثعبان قد جدلت فجاءت . . . كأنها عنان فطرب حتى زحف عن مجلسه إلي ، ~~واستعادني الصوت حتى صحل صوتي ، ثم قال : ويحك من يقول هذا ؟ فقلت : عبد لك ~~يا أمير المؤمنين أرضاه لخدمتك . PageV04P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" قال : ومن هو ؟ قالت : مطيع بن إياس . قال : ~~وأين هو ؟ قلت : بالكوفة ، فأمر أن يحمل إليه مع البريد ، فحمل إليه ، ~~فسأله عن الشعر فقال : من يقول هذا ؟ فقال : عبدك أنا يا أمير المؤمنين . ~~فقال له : أدن مني ms0739 ، فدنا منه فضمه الوليد إليه وقبل فاه وبين عينيه ، وقبل ~~مطيع رجليه والأرض بين يديه ، ثم أدناه حتى جلس في أقرب المجلس إليه ، ~~واصطبح معه أسبوع متوالي الأيام على هذا الصوت . وكان في خلال الدولة ~~الأموية ينقطع إلى أوليائها وعلمائها ، ثم انقطع في الدولة العباسية إلى ~~جعفر ابن أبي جعفر المنصور فكان معه حتى مات جعفر . ومات مطيع في خلافة ~~الهادي بعد ثلاثة أشهر مضت منها . وله نوادر وأخبار مستظرفة هذا موضع ذكرها ~~، فلنقتصر هاهنا من أخباره عليها دون غيرها . قيل : سقط لمطيع حائط ، فقال ~~له بعض أصحابه : أحمد الله على السلامة . قال : أحمد الله أنت إذ لم ترعك ~~هدته ، ولم يصبك غباره ، ولم تغرم أجرة بنائه . ومن أخباره ما رواه أبو ~~الفرج الإصفهاني بإسناده إلى عبد الملك المرواني عن مطيع بن إياس ، قال : ~~قال لي حماد عجرد يوما : هل لك أن أريك خشة صديقتي وهي المعروفة بظبية ~~الوادي قلت : نعم . قال : إنك إن قعدت عندها وخبثت عينك في النظر أفسدتها ~~علي . فقلت : لا والله لا أتكلم بكلمة تسوءك ولأسرنك . فمضى بي وقال : ~~والله لئن خالفت ما قلت لأخرجنك . قال : قلت : إن خالفت إلى ما تكره فاصنع ~~بي ما أحببت . قال : امض بنا فمضينا ، فأدخلني على أحسن خلق الله وأظرفهم ~~وأحسنهم وجها . فلما رأيتها أخذني الزمع ، وفطن لي فقال : اسكت يا بن ~~الزانية ، فسكت قليلا ، فلحظتني ولحظتها لحظة أخرى فغضب ووضع قلنسوته على ~~رأسه ، وكانت صلعته حمراء كأنها آست قرد ، فلما وضعها وجدت للكلام موضعا ، ~~فقلت : وإن السوءة الوءا . . . ء يا حماد عن خشه PageV04P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" عن الأترجة الغض . . . ة والتفاحة الهشه ~~فالتفت إلي وقال : فعلتها يا بن الزانية فقالت له : أحسن ، فوالله ما بلغ ~~صفتك بعد ، فما تريد منه فقال لها : يا زانية فسبته وتثاورا ، فشقت قميصه ~~وبصقت في وجهه وقالت له : ما يصادقك ويدع مثل هذا إلا زانية ، وخرجنا وقد ~~لقي كل بلاء ، وقال لي : ألم أقل لك يا بن الزانية : إنك ستفسد علي مجلسي ~~فأمسكت عن ms0740 جوابه ، وجعل يهجوني ويسبني ويشكوني إلى أصحابنا ، فقالوا لي : ~~اهجه ودعنا وإياه ، فقلت : ألا يا ظبية الوادي . . . وذات الجسد الرادي ~~وزين المصر والدار . . . وزين الحي والنادي وذات المبسم العذب . . . وذات ~~المبسم البادي أما بالله تستحي . . . ين من خلة حماد فحماد فتى ليس . . . ~~بذي عز فتنقادي ولا مال ولا طرف . . . ولا حظ لمرتاد فتوبي واتقي الله . . ~~. وبتي حبل عجراد فقد ميزت بالحسن . . . عن الخلق بإفراد وهذا البين قد حم ~~. . . فجودي لي بالزاد قال : فأخذ أصحابنا رقاعا فكتبوا الأبيات فيها ~~وألقوها في الطريق ، وخرجت أنا فلم أدخل عليهم ذلك اليوم ، فلما رآها ~~وقرأها قال لهم : يا أولاد الزنا فعلها ابن الزانية وساعدتموه ؟ قال : ~~وأخذها حكم الوادي فغنى بها ، فلم يبق بالكوفة سقاء ولا طحان ولا مكار إلا ~~غنى فيها ثم غبت مدة وقدمت فأتاني فما سلم علي حتى قال لي : أما بالله ~~تستحي . . . ين من خلة حماد PageV04P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" قتلتني قتلك الله والله ما كلمتني حتى الساعة ~~. قال : قلت : اللهم أدم هجرها له وسوء رأيها فيه وأسفه عليها وأغوه بها ، ~~فشتمني ساعة . قال مطيع : ثم قلت له : قم امض بنا حتى أريك أختي - وكان ~~لمطيع صديقة يسميها أختي وتسميه أخي ، وكانت مغنية - فلما خرجت إلينا ، ~~دعوت قيمة لها فأسررت إليها في أن تصلح لنا طعاما وشرابا ، وعرفتها أن الذي ~~معي حماد فضحكت . ثم أخذت صاحبتي في الغناء وقد علمت بموضعه وعرفت ، فكان ~~أول ما غنت : أما بالله تستحي . . . ين من خلة حماد فقال لها : يا زانية ~~وأقبل علي وقال : وأنت يا زاني يا بن الزانية أسررت هذا إلى قيمتها فقلت : ~~لا والله كذبت . وشاتمته صاحبتي ساعة ثم قامت فدخلت ، وجعل يتغيظ علي . ~~فقلت : أنت ترى أني أمرتها أن تغني بما غنت ؟ فقال : أرى ذلك وأظنه ظنا ~~والله ولكني أتيقنه . فحلفت له بالطلاق على بطلاه ظنه وانصرفنا . وحكى قال ~~يحيى بن زياد المحاربي لمطيع وكان صديقا له : انطلق بنا إلى فلانة صديقتي ، ~~فإن بيني وبينها مغاضبة لتصلح بيننا وبئس المصلح والله أنت ms0741 . قال : فدخلا ~~عليها ، فأقبلا يتعاتبان ومطيع ساكت ، حتى إذا أكثر قال يحيى : ما يسكتك ؟ ~~أسكت الله نأمتك قال مطيع : أنت معتلة عليه وما زا . . . ل مهينا لنفسه في ~~رضاك فأعجب يحيى وهش له . فقال مطيع : فدعيه وواصلي ابن إياس . . . جعلت ~~نفسه الغداة فداك فقام يحيى إليه بوسادة في البيت فما زال يجلد بها رأسه ~~ويقول : ألهذا جئت بك يا بن الزانية ومطيع يغوث حتى مل يحيى ، والجارية ~~تضحك منهما ، ثم تركه . وروي عن محمد بن الفضل السكوني قال : رفع صاحب ~~الخبر إلى المنصور أن مطيع بن إياس زنديق وأنه يلازم ابنه جعفر وجماعة من ~~أهل بيته ، ويوشك أن يفسد أديانهم أو ينسبوا إلى مذهبه . فقال له المهدي : ~~أنا به عارف ، أما الزندقة فليس من PageV04P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" أهلها ، ولكنه خبيث الدين فاسق مستحل للمحارم ~~، قال : فأحضره وانهه عن صحبة جعفر وسائر أهله ، فأحضره المهدي وقال له : ~~يا خبيث يا فاسق لقد أفسدت أخي ومن تصحبه من أهلي ، والله لقد بلغني أنهم ~~يتقارعون عليك ، ولا يتم لهم سرور إلا بك ، وقد غررتهم وشهرتهم في الناس ، ~~ولولا أني شهدت لك عند أمير المؤمنين بالبراءة مما نسبت إليه من الزندقة ، ~~لقد كان أمر بضرب عنقك يا ربيع اضربه مائة سوط واحبسه . قال : ولم يا سيدي ~~؟ قال : لأنك سكير خمير قد أفسدت أهلي كلهم بصحبتك . فقال له : إن أذنت لي ~~وسمعت احتججت . فقال له : قل ، فقال : أنا امرؤ شاعر ، وسوقي إنما تنفق مع ~~الملوك وقد كسدت عندكم ، وأن في أيامكم مطرح ، وقد رضيت منها مع سعتها ~~للناس جميعا بالأكل على مائدة أخيك ، لا يتبع ذلك غيره ، وأصفيته على ذلك ~~شكري وشعري ، فإن كان ذلك غاليا عندك تبت منه . فأطرق المهدي ثم رفع رأسه ~~فقال : قد رفع إلي صاحب الخبر أنك تتماجن على السؤال ، وتضحك منهم . قال : ~~لا والله ما ذاك من فعلي ولا شأني ولا جرى مني قط إلا مرة واحدة ، فإن ~~سائلا أعمى اعترضني وقد عبرت الجسر على بغلتي ، فظنني من الجند فرفع ms0742 عصاه ~~في وجهي ، ثم صاح : اللهم سخر الخليفة لأن يعطي للجند أرزاقهم فيشتروا من ~~التجار الأمتعة وتربح التجار عليهم فتدر أموالهم فتجب فيها الزكاة عليهم ~~فيتصدقوا علي منها . فنفرت بغلتي من صياحه ورفعة عصاه في وجهي حتى كدت أسقط ~~في الماء . فقلت : يا هذا ، ما رأيت أكثر فضولا منك ، سل الله أن يرزقك ولا ~~تجعل بينك وبينه هذه الحوالات والوسائط التي لا يحتاج إليها فإن هذه ~~المسائل فضول . فضحك الناس منه ورفع علي في الخبر قولي له هذا . فضحك ~~المهدي وقال : خلوه ولا يضرب ولا يحبس . فقال له : أدخل عليك لموجدة وأخرج ~~عن رضا وتبرأ ساحتي وأنصرف بلا جائزة قال : لا يجوز هذا ، أعطوه مائتي ~~دينار ، ولا يعلم أمير المؤمنين فتجدد عنده ذنوبه ، وقال له : اخرج عن ~~بغداد ودع صحبة جعفر حتى ينساك أمير المؤمنين ، ثم عد إلي . فقال له : فأين ~~أقصد ؟ قال : أكتب إلى سليمان بن علي فيوليك عملا ويحسن إليك . قال : قد ~~رضيت . فوفد إلى سليمان بكتاب المهدي فولاه الصدقة بالبصرة ، وكان عليها ~~داود بن أبي هند فعزله به . وأخباره في هذا الباب كثيرة أغضينا عن كثير ~~منها . PageV04P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" ذكر شيء من نوادر أبي الشبل هو عاصم بن وهب بن ~~البراجم . مولده الكوفة . نشأ وتأدب بالبصرة . وفد إلى سامراء أيام المتوكل ~~ومدحه . وكان طيبا كثير الغزل والنوادر والمجون . فنفق عند المتوكل وخدمه ~~واختص به وامتدحه بقوله : أقبلي فالخير مقبل . . . واتركي قول المعلل وثقي ~~بالنجح إن . . . أبصرت وجه المتوكل ملك ينصف يا ظا . . . لمتي فينا ويعدل ~~فهو الغاية والمأ . . . مول يرجوه المؤمل فأمر له بثلاثين ألف درهم . وله ~~أخبار مستظرفة تتضمن شعرا ونوادر تدل على ظرفه سنذكر منها طرفا . فمن ذلك ~~ما حكي عنه : أنه مدح مالك بن طوق ، وقدر أن يعطيه ألف درهم . فبعث إليه ~~بصرة مختومة فيها مائة دينار ، فظن أنها دراهم فردها إليه وكتب معها : فليت ~~الذي جادت به كف مالك . . . ومالك مدسوسان في است أم مالك وكان إلى يوم ~~القيامة في استها . . . فأيسر ms0743 مفقود وأيسر هالك وكان مالك يومئذ أميرا على ~~الأهواز . فلما قرأ الرقعة أمر بإحضاره وقال : ما هذا ؟ ظلمتنا واعتديت ~~علينا . فقال : قدرت عندك ألف درهم فوصلتني بمائة درهم . فقال : افتحها ، ~~ففتحها فإذا فيها مائة دينار ، فقال : أقلني أيها الأمير . فقال : قد أقلتك ~~ولك كل ما تحب أبدا ما بقيت وقصدتني . قال : وكان له جار طبيب أحمق ، فمات ~~فرثاه فقال : قد بكاه بول المريض بدمع . . . واكف فوق مقلتيه ذروف ~~PageV04P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" ثم شقت جيوبهن القواري . . . ر عليه ونحن نوح ~~اللهيف يا كساد الخيار شنبر والأق . . . راص طرا ويا كساد السفوف كنت تمشي ~~مع القوي فإن جا . . . ء ضعيف لم تكترث بالضعيف لهف نفسي على صنوف رقاعا . ~~. . ت تولت منه وعقل سخيف وقال أبو الشبل : كان خالد بن يزبد بن هبيرة يشرب ~~النبيذ ، وكان يغشانا ، وكانت له جارية صفراء مغنية يقال لها لهب ، كانت ~~تغشانا معه ، وكنت أعبث بها كثيرا . فقام مولاها يوما إلى الخابية يستقي ~~نبيذا ، فإذا قميصه قد انشق ، فقلت فيه : قالت له لهب يوما وجاد لها . . . ~~بالشعر في باب فعلان ومفعول أما القميص فقد أزرى الزمان به . . . فليت شعري ~~ما حال السراويل قال أبو الشنبل : وكانت أم خالد هذا ضراطة تضرط على صوت ~~العيدان وغيرها في الإيقاع . فقلت فيه : في الحي من لا عدمت خلته . . . فتى ~~إذا ما قطعته وصلا له عجوز بالحبق أبصر من . . . بصرته ضاربا ومرتجلا ~~نادمته مرة وكنت فتى . . . ما زلت أهوى وأشتهي الغزلا حتى إذا ما أمالها ~~سكر . . . يبعث في قلبها لها مثلا اتكأت يسرة وقد خرفت . . . أشراجها ك ~~تقوم الرملا فلم تزل إستها تطارحني . . . اسمع من يسومني العللا وقال محمد ~~بن المرزبان : كنت أرى أبا الشبل كثيرا عند أبي ، وكان إذا PageV04P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" حضر أضحك الثكلى بنوادره . فقال له أبي يوما : ~~حدثنا ببعض نوادرك وطرائفك . قال : نعم . من طرائف أموري أن ابني زنى ~~بجارية سندية لبعض جيراني ، فحبلت وولدت ، وكانت قيمة الجارية عشرين دينارا ~~. فقال : يا أبت ، الصبي والله ابني ، فساومت فيه ms0744 فقيل لي : خمسون دينارا . ~~فقلت له ويلك كنت تخبرني وهي حبلى فأشتريها بعشرين دينارا ونربح الفضل بين ~~الثمنين وأمسكت عن المساومة بالصبي حتى اشتريه من القوم بما أرادوا . ثم ~~أحبلها ثانيا فولدت ابنا آخر ، فجاء يسألني أن أبتاعه ، فقلت : عليك لعنة ~~الله ، أي شيء حملك على أن تحبل هذه ، هلا عزلت عنها فقال : إني لا أستحل ~~العزل . ثم أقبل على جماعة عندي فجعل يقول : شيخ كبير يأمرني بالعزل ~~ويستحله . فقلت له : يا بن الزانية تستحل الزنا وتتحرج من العزل فضحكنا منه ~~. ذكر شيء من نوادر حمزة بن بيض الحنفي كان شاعرا من شعراء الدولة الأموية ~~، وهو كوفي خليع ماجن ، وكان منقطعا إلى المهلب بن أبي صفرة وولده ، ثم إلى ~~أبان بن الوليد وبلال بن أبي بردة ، واكتسب بالشعر من هؤلاء مالا عظيما . ~~يقال : إنه أخذ بالشعر من مال وشاء ورقيق وحملان وغير ذلك ألف ألف درهم . ~~وله نوادر ، منها ما حكاه أبو الفرج الأصفهاني عنه : أنه كان يسامر عبد ~~الملك بن بشر بن مروان ، وكان عبد الملك يعبث به عبثا شديدا . فوجه إليه ~~ليلة برسول وقال : خذه على أي حالة وجدته ، وأحلفه وغلظ PageV04P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" عليه الأيمان على ذلك . فمضى الرسول فهجم عليه ~~فوجده يريد أن يدخل الخلاء ، فقال له : أجب الأمير . فقال : ويحك إني أكلت ~~طعاما كثيرا وشربت نبيذا حلوا وأخذني بطني . فقال : والله ما تفارقني أو ~~أمضي بك إليه ولو سلحت في ثيابك . فجهد في الخلاص فلم يقدر عليه . ومضى به ~~، فوجده قاعدا في طارمة له وجارية جميلة جالسة ين يديه ، وكان يتحظاها ، ~~تسجر الند . فجلس حمزة يحادثه وهو يعالج ما هو فيه . قال حمزة : فعرضت لي ~~ريح فقلت : أسرحها وأستريح لعل ريحها لا يظهر مع هذا الند ، فأطلقتها ، ~~فغلبت والله ريح البخور وغمرته . فقال : ما هذا يا حمزة ؟ فقلت : على عهد ~~الله وميثاقه وعلى المشي والهدى إن كنت فعلتها وما هذا إلا عمل الجارية ~~الفاجرة . فغضب ، وخجلت الجارية فما قدرت على الكلام . ثم جاءتني أخرى ~~فسرحتها ms0745 ، فسطع والله ريحها . فقال : ما هذا ؟ ويلك أنت والله الآفة . فقلت ~~: امرأتي طالق ثلاثا إن كنت فعلتها . فقال : وهذه اليمين لازمة إن كنت ~~فعلتها ، وما هو إلا عمل هذه الجارية ، وقال لها : ما قصتك ؟ ويلك قومي إلى ~~الخلاء إن كنت تجدين شيئا . فزاد خجلها ، وطمعت فيها فسرحت الثالثة فسطع من ~~ريحها ما لم يكن في الحساب . فغضب عبد الملك حتى كاد يخرج من جلده ، ثم قال ~~: يا حمزة ، خذ بيد الزانية فقد وهبتها لك وامض ، فقد نغصت علي ليلتي . ~~فأخذت بيدها وخرجت . فلقيني خادم له فقال : ما تريد أن تصنع ؟ فقلت له : ~~أمضي بهذه الجارية . فقال : لا تفعل ، فوالله لئن فعلت ليبغضنك بغضا لا ~~تنتفع به بعده أبدا ، وهذه مائتا دينار خذها ودع هذه الجارية فإنه يتحظاها ~~، وسيندم على هبته إياها لك . فأبيت إلا بخمسمائة دينار ، فقال : ليس غير ~~ما ذكرت لك . فأخذتها وتركت الجارية . فلما كان بعد ثلاث دعاني عبد الملك . ~~فلما قربت من داره لقيني الخادم وقال لي : هل لك في مائة أخرى وتقول مالا ~~يضرك ولعله ينفعك ؟ قلت : وما ذاك ؟ قال : إذا دخلت فادع الفسوات الثلاث ~~وانسبها إلى نفسك وانضح عن الجارية ما قرفتها به . فأخذتها ودخلت على عبد ~~الملك . فلما وقفت بين يديه قلت له : الأمان حتى أخبرك بخبر يسرك ~~PageV04P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" ويضحكك . قال : لك الأمان . فقلت : أرأيت ليلة ~~كذا وكذا وما جرى ؟ قال : نعم . قلت : فعلي وعلي إن كان فسا تلك الفسوات ~~غيري . فضحك حتى سقط على قفاه وقال : ويلك فلم لم تخبرني ؟ قال فقلت : أردت ~~بذلك خصالا ، منها أني قمت فقضيت حاجتي وقد كان رسولك منعني من ذلك . ومنها ~~أني أخذت جاريتك . ومنها أني كافأتك على أذاك لي بمثله . قال : وأين ~~الجارية ؟ قلت : ما برحت من دارك ولا خرجت حتى سلمتها إلى فلان الخادم ~~وأخذت مائتي دينار . فسر بذلك وأمر لي بمائتي دينار أخرى ، قال : هذه لجميل ~~فعلك في وتركك أخذ الجارية . قال حمزة : ودخلت إليه يوما وكان له غلام لم ~~ير الناس ms0746 أنتن إبطا منه . فقال لي : يا حمزة ، سابق غلامي هذا حتى يفوح ~~صنانكما ، فأيكما كان صنانه أنتن فله مائة دينار . فطمعت في المائة ويئست ~~منها لما أعلمه من نتن إبط الغلام ، فقلت : أفعل . وتعادينا ساعة فسبقني ، ~~فسلحت في يدي ثم طليت إبطي بالسلاح ، وقد كان عبد الملك جعل بيننا حكما ، ~~فلما دنا الغلام منه وشمه وثب وقال : هذا والله لا يشاكله شيء . فصحت به : ~~لا تعجل علي بالحكم ، مكانك ثم دنوت منه فألقمت أنفه إبطي حتى علمت أنه قد ~~خالط دماغه وأنا ممسك رأسه تحت يدي ، فصاح : الموت والله هذا بالكنف أشبه ~~منه بالإبط . فضحك عبد الملك ثم قال : أفحكمت له ؟ قال : نعم . فأخذت ~~الدنانير . قال : ودخلت يوما على سليمان بن عبد الملك . فلما مثلت بين يديه ~~قلت : رأيتك في المنام شتنت خزا . . . علي بنفسجا وقضيت ديني فصدق يا فدتك ~~النفس رؤيا . . . رأتها في المنام لديك عيني قال سليمان : يا غلام ، أدخله ~~خزانة الكسوة واشتن عليه كل ثوب خز بنفسجي ، فخرجت كأني مشجب . ثم قال : كم ~~دينك ؟ قلت : عشرة آلاف ، فأمر لي بها وما أعلم والله أني رأيت من ذلك شيئا ~~. PageV04P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" ذكر شيء من نوادر أبي العيناء عفا الله عنه هو ~~محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر بن سليمان ، من بني حنيفة أهل اليمامة . ~~وأسر ياسر في سباء في خلافة المنصور . فلما صار في يد المنصور أعتقه ، فهم ~~موالي بني هاشم . وكان أبو العيناء ضرير البصر ، يقال : إن جده الأكبر لقي ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأساء مخاطبته فدعا عليه وعلى ولده بالعمى ، ~~فكل من عمي منهم فهو صحيح النسب . وهو ممن اشتره بالمجون ، وله نوادر ~~وحكايات مستظرفة ، ومراسلات عجيبة ، سأورد منها طرفا ، وأسطر طرفا . فمن ~~ذلك : أن بعض الرؤساء قال له : يا أبا العيناء ، لو مت لرقص الناس طربا ~~وسرورا . فقال بديهة : أردت مذمتي فأجدت مدحي . . . بحمد الله ذلك لا بحمدك ~~فلا تك واثقا أبدا بعمد . . . فقد يأتي القضاء بغير عمدك ثم قال ms0747 : أجل ~~الناس قد ذهبوا ، فلوا رآني الموتى لطربوا لدخول مثلي عليهم ، وحلول عقلي ~~لديهم ، ووصول فضلي إليهم ، فما زال الموتى يغبطونكم ويرحمونني بكم . وقال ~~: واتصلت أشغال أبي الصقر الوزير ، فتأخر توقيعه عن أبي العيناء برسومه . ~~فكتب إليه : رقعتي ، أطال الله بقاء الوزير ، رقعة من علم شغلك فاطرح عدلك ~~، وحقق أمرك فبسط عذرك . أما والليل إذا عسعس ، فالبنان لبنات الدنان ، ~~وملامسات الحسان ، وأما والصبح إذا تنفس ، فالبنان للعنان ، ومؤامرات ~~السلطان ، فمن أبو العيناء القرنان . فوقع أبو الصقر تحت سطوره : لكل طعام ~~مكان ، ولكل معوز إمكان ، وقد وقعنا لك بالرسوم ، وجعلنا لك بالرسوم ، ~~وجعلنا لك حظا من المقسوم ، وكفينا أنفسنا عذرك الذي هو تعزير ، ولسانك ~~الذي هو تحذير . والسلام . PageV04P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" ثم لقيه أبو العيناء في صدر موكبه فقال : طاعة ~~شيمك لسلطان كرمك ، ألزمتك الصبر على ذنوبي إليك ، وتجني خلقي عليك . فقال ~~أبو الصقر : كبير حسناتك ، يستغرق يسير سيئاتك . فدعا له وانصرف شاكرا . ~~قال : وبسط أبو العيناء لسانه على أهله في بعض الدواوين . فقال له فتى من ~~أبناء الكتاب كانت فيه جرأة : كل الناس لك يا أبا العيناء زوجة ، وأنت زوجة ~~أبي علي البصير . فقال له أبو العيناء : قد ملكنا عصمتك بيقين فحواك ، ثم ~~ننظر في شكوك دعواك ، وقد طلقت الناس كلهم سواك ، ذلك أدنى ألا نعول ، وفيك ~~ما يروى الفحول ، ويتجاوز السول . قال : ففضحه بهذا الكلام ، فلم يجبه . ~~قال : وكان في بني الجراح فتى خليع ماجن فأراد العبث بأبي العيناء ، فنهاه ~~نصحاؤه فأبى ، فقالوا : شأنك . فقال له : يا أبا العيناء ، متى أسلمت ؟ ~~فقال : حين آمن أهلك وأبوك الذين لم يؤدبوك . فقال له الفتى : إذا قد علمت ~~أنك ما أسلمت . فقال أبو العيناء : شهادتك لأهلك دعوى ، وشهادتي عليهم بلوى ~~، وسترى أي السلطانين أقوى ، وأي الشيطانين أغوى ، وسيعلم أهلك ، ما جنى ~~عليهم جهلك . قال : فأتاه أبوه فتبرأ من ذمته ، ودفعه إليه برمته . فقال له ~~أبو العيناء : قد وهبت جوره لعدلك ، وتصدقت بحمقه على عقلك . ومن أخبار أبي ~~العيناء أيضا : أن محمد بن ms0748 عبيد الله بن خاقان حمله على برذون زعم أنه غير ~~فاره ، فكتب إلى أبيه : أعلم الوزير أعزه الله تعالى أن أبا علي محمدا أراد ~~أن يبرني فعقني ، وأن يركبني فأرجلني أمر لي بدابة تقف للنبرة ، وتعثر ~~بالبعرة ، كالقضيب اليابس عجفا ، وكالعاشق المجهود دنفا ، يساعد أعلاه ~~لأسفله ، حباقه مقرون بسعاله ، فلو أمسك لترجيت ، أو أفرد لتعزيت ، ولكنه ~~يجمعهما في الطريق المعمور ، والمجلس المشهور ، كأنه خطيب مرشد ، أو شاعر ~~منشد ، تضحك من فعله النسوان ، ويتناغى من فعله الصبيان ، فمن صائح يصيح : ~~داوه بالطباشير ، ومن قائل يقول : نق له من الشعير . قد حفظ الأشعار ، وروى ~~PageV04P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" الأخبار ، ولحق العلماء في الأمصار ، فلو أعين ~~بنطق ، لروى بحق وصدق ، عن جابر الجعفي ، وعامر الشعبي . وإنما أتيت من من ~~كاتبه الأعور ، الذي إذا اختار لنفسه أطاب وأكثر ، وإذا اختار لغيره أخبث ~~وأنزر . فإن رأى الوزير أن يبدلني ويريحني بمركوب يضحكني كما يضحك مني ، ~~يمحو بحسنه وفراهته ، ما سطره العيب بقبحه ودمامته . ولست أرد كرامه ، سرجه ~~ولجامه ، لأن الوزير أكرم من أن يسلب ما يهديه ، أو ينقص ما يمضيه فوجه ~~إليه عبيد الله برذونا من براذينه بسرجه ولجامه . ثم اجتمع محمد بن عبيد ~~الله عند أبيه . فقال عبيد الله لأبي العيناء : شكوت دابة محمد ، وقد ~~أخبرني إنه ليشتريه منك الآن بمائة دينار ، وما هذا ثمنه فلا يشتكي . فقال ~~: أعز الله الوزير لو لم أكذب مستزيدا ، لم أنصرف مستفيدا . وإني وإياه ~~لكما قالت امرأة العزيز : " الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين " . فضحك عبيد الله وقال : حجتك الداحضة ، بملاحتك وظرفك أبلغ من ~~حجة غيرك البالغة . ودخل أبو العيناء على أبي الصقر وكان قد تأخر عنه ، ~~فقال : ما أخرك عنا ؟ قال : سرق حماري . قال : وكيف سرق ؟ قال : لم أكن مع ~~اللص فأخبرك . قال : فلم لم تأت على غيره ؟ قال : أبعدني عن الشراء قلة ~~يساري ، وكرهت ذلة المكاري ، ومنة العواري . قال : وصار يوما إلى باب صاعد ~~بن مخلد ، فقيل له : هو مشغول يصلي ، فقال : لكل ms0749 جديد لذة . وكان صاعد ~~نصرانيا قبل الوزارة . وقال له صاعد يوما : ما الذي أخرك عنا ؟ قال : بنتي ~~. قال : وكيف ؟ قال : قالت لي : يا أبت ، قد كنت تغدو من عندنا فتأتي ~~PageV04P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" بالخلعة السرية ، والجائزة السنية ، ثم أنت ~~الآن تغدو مسدفا ، وترجع معتما ، فإلى من ؟ قلت : إلى أبي العلاء ذي ~~الدرايتين . قال : أيعطيك ؟ قلت : لا . قالت : أفيشفعك ؟ قلت : لا . قالت : ~~أيرفع مجلسك ؟ قلت : لا . قالت : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا ~~يغني عنك شيئا . وقال له رجل من بني هاشم : بلغني أنك بغاء . قال : ولم ~~أنكرت ذلك مع قول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " مولى القوم منهم " ~~؟ قال : إنك دعي فينا . قال : بغائي صحح نسبي فيكم . وسأل أبو العيناء ~~الجاحظ كتابا إلى محمد بن عبد الملك في شفاعة لصاحب له ، فكتب الكتاب ~~وناوله الرجل ، فعاد به إلى أبي العيناء وقال : قد أسعف . قال : فهل قرأته ~~؟ قال : لا ، لأنه مختوم . قال : ويحك فضه لا يكون صحيفة المتلمس . ففضه ~~فإذا فيه : موصل كتابي سألني فيه أبو العيناء ، وقد عرفت سفهه وبذاء لسانه ~~، وما أراه لمعروفك أهلا . فإن أحسنت إليه فلا تحسبه علي يدا ، وإن لم تحسن ~~إليه لم أعده عليك ذنبا ، والسلام . فركب أبو العيناء إلى الجاحظ وقال له : ~~قد قرأت الكتاب يا أبا عثمان . فخجل الجاحظ وقال : يا أبا العيناء ، هذه ~~علامتي فيمن أعتني به . قال : فإذا بلغك أن صاحبي قد شتمك فاعلم أنها ~~علامته فيمن شكر معروفه . وقال أبو العيناء : مررت يوما بدرب بسامراء ، ~~فقال لي غلامي : يا مولاي ، في الدرب حمل سمين والدرب خال . فأمرته أن ~~يأخذه وغطيته بطيلساني وصرت به إلى منزلي . فلا كان من الغد جاءتني رقعة من ~~بعض رؤساء ذلك الدرب مكتوب فيها : جعلت فداك ، ضاع لنا بالأمس حمل ، ~~فأخبرني صبيان دربنا أنك أنت سرقته ، فأمر برده متفضلا . قال أبو العيناء : ~~فكتبت إليه : أي سبحان الله ما أعجب هذا الأمر مشايخ دربنا يزعمون أنك بغاء ~~وأكذبهم PageV04P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" ولا ms0750 أصدقهم ، وتصدق أنت صبيان دربكم أني سرقت ~~الحمل . قال فسكت وما عاودني . ولأبي العيناء أخبار كثيرة وحكايات مشهورة ~~قد أوردنا منها ما يدخل في هذا الباب وتركنا ما سواه . ذكر ما ورد في كراهة ~~المزح روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من مزح استخف ~~به " . وقال حكيم : خير المزاح لا ينال ، وشره لا يقال ، سكرات الموت به ~~محدقة ، وعيون الآجال إليه محدقة . وقال آخر : تجنب شؤم الهزل ونكد المزاح ~~، فإنهما بابان إذا فتحا لم يغلقا إلا بعد عسر ، وفحلان إذا لقحا لم ينتجا ~~غير ضر . وقالوا : المزاح يضع قدر الشريف ، ويذهب هيبة الجليل . وقالوا : ~~لا تقل ما يسوءك عاجله ، ويضرك آجله . وقالوا : إياك وما يستقبح من الكلام ~~، فإنه ينفر عنك الكرام ، ويجسر عليك اللئام . وقال عمر بن عبد العزيز : ~~اتقوا المزاح ، فإنها حمقة تورث ضغينة . وقال حكيم لابنه : يا بني ، إياك ~~والمزاح ، فإنه يذهب ببهاء الوجه ويحط من المروءة . قال شاعر : اكره لنفسك ~~ما لغيرك تكره . . . وافعل لنفسك فعل من يتنزه وارفع بصمتك عنك سبات الورى ~~. . . خوف الجواب فإنه بك أشبه ودع الفكاهة بالمزاح فإنها . . . تودي وتسقط ~~من بها يتفكه وقيل : ألا رب قول قد جرى ممن ممازح . . . فساق إليه الموت في ~~طرف الحبل فإن مزاح المرء في غير حينه . . . دليل على فرط الحماقة والجهل ~~PageV04P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" وقيل : فإياك إياك المزاح فإنه . . . يجري ~~عليك الطفل والرجل النذلا ويذهب ماء الوجه بعد بهائه . . . ويورث بعد العز ~~صاحبه ذلا وقال بعض البلغاء : المزاح خرف ، والاقتصاد فيه ظرف ، والإفراط ~~فيه ندامة . وقالوا : من كثر مزحه لم يسلم من استخفاف به أو حقد عليه . ~~ويقال : أكثر أسباب القطيعة المزاح . وإن كان لا غنى للنفس عنه للجمام ، ~~فليكن بمقدار الملح في الطعام . قال أبو الفتح البستي رحمه الله : أفد طبعك ~~المكدود بالهم راحة . . . تراح وعلله بشيء من المزح ولكن إذا أعطيته المزح ~~فليكن . . . بمقدار ما يعطى الطعام من الملح وقيل : امزح بمقدار الطلاقة ~~واجتنب . . . مزحا تضاف به إلى سوء الأدب ms0751 لا تغضبن أخا إذا مازحته . . . إن ~~المزاح على مقدمة الغضب وقيل : مازح صديقك ما أحب مزاحا . . . وتوق منه في ~~المزاح جماحا فلربما مزح الصديق بمزحة . . . كانت لبدء عداوة مفتاحا وقال ~~سعيد بن العاص لولده : يا بني ، اقتصد في مزحك ، فإن الإفراط فيه يذهب ~~البهاء ، ويجرئ السفهاء . ويقال : المزاح أوله فرح ، وآخره PageV04P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" ترح . قال أبو العتاهية : وترى الفتى يلقي ~~أخاه وخدنه . . . في بعض منطقه بما لا يغفر ويقول كنت ملاعبا وممازحا . . . ~~هيهات نارك في الحشا تتسعر ألقيتها وطفقت تضحك لاهيا . . . وفؤاده مما به ~~يتفطر أو ما علمت ومثل جهلك غالب . . . أن المزاح هو السباب الأكبر فهذه ~~نبذة مما قيل في الفكاهات والمجون ، يفرح لها قلب المحزون ، وتزول عنه ~~الشجون . فلنذكر ما قيل مما يناسب هذا الباب . من أشعار المزاحين ذكر شيء ~~من الشعر المناسب لهذا الباب والداخل فيه وسنورد في هذا الفصل من أشعار هذا ~~الفن ، ما رفلت معانيه في حلل أنفاسها على صفحات أطراسها ، وأهلت مغانيه ~~بما أودعه لسان القلم صدر قرطاسها من بديع إيناسها . يضحك سامعه وإن كان ~~ثكلا . ويستوفيه وإن كان عجلا . هذا مع ما فيه من فحش القول الذي إذا ~~تأملته في موضعه كان أزين من عقود اللآلئ ، وإن لمحته في غيره كان أقفر من ~~ظلم الليالي . نسأل الله المسامحة لكاتبه وقائله ، ومستمعه وناقله . فمن ~~ذلك ما كتب به ابن حجاج لمن شرب دواء : يا أبا أحمد بنفسي أدي . . . ك ~~وأهلي من سائر الأسواء PageV04P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" كيف كان انحطاط جعسك في طا . . . عة شرب ~~الدواء يوم الدواء كيف أمسى سبال مبعرك الند . . . ل غريقا في المرة ~~الصفراء وقال الحسن بن هانئ : للطمة يلطمني أمرد . . . تأخذ مني العين ~~والفكا أطيب من تفاحة من يدي . . . ذي لحية محشوة مسكا وقال أبو عبد الله ~~محمد بن الحسن الحجاج : قومي تنحي فلست من شأني . . . قومي اذهبي لا يراك ~~شيطاني لا كان دهر عليك حصنني . . . ولا زمان إليك ألجاني قعدت تفسين فوق ~~طنفستي . . . ما بين راحي وبين ريحاني ms0752 فما عدمنا من الكنيف وقد . . . حضرت ~~إلا بنات وردان وقال أبو بكر محمد الخوارزمي : فسا الشيخ سهوا وفي كفه . . ~~. شراب فلمناه لوما قبيحا فقال لي الدخل والخرج لي . . . فأدلت راحا وأخرجت ~~ريحا وقال ابن سكرة الهاشمي : وبات في السطح معي صاحب . . . من أكرم الناس ~~ذوي الفضل أفسو فيفسو فهو لي مسعد . . . وإنما أملي ويستملي PageV04P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" الباب الرابع في الخمر وتحريمها وآفاتها ~~وجناياتها وأسمائها ، وأخبار من تنزه عنها في الجاهلية ، ومن حد فيها من ~~الأشراف ، ومن اشتهر بها ، ولبس ثوب الخلاعة بسببها ، وما قيل فيها من جيد ~~الشعر ، وما قيل في وصف آلاتها وآنيتها ، وما قيل في مبادرة اللذات ، وما ~~وصفت به المجالس وما يجري هذا المجرى . ذكر ما قيل في الخمر وتحريمها أجمع ~~الناس على أن الخمر المحرمة في كتاب الله عز وجل هي المتخذة من عصير العنب ~~بعد أن يغلى ويقذف بالزبد م غير أن يمسها نار . وإذا انقلبت بنفسها وتخللت ~~طهرت من غير أن يتسبب في ذلك بشيء يلقى فيها . وطهارتها إذا غلبت عليها ~~الحموضة وفارقتها النشوة . والخمر المتخذة أيضا من التمر ، لقول النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فيما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه : ~~" الخمر من هاتي الشجرتين النخلة والعنبة " . وفي حديث آخر : " من هاتين ~~الشجرتين الكمة والنخلة " . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت ~~عمر رضي الله عنه على منبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : أما ~~بعد ، أيها الناس : إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة ، من التمر والعنب ~~والعسل والحنطة والشعير " . والخمر ما خامر العقل . ولا خلاف بين أحد من ~~الأئمة في أن الخمر حرام ، لما ورد في ذلك من الكتاب والسنة . أما ما ورد ~~في كتاب الله عز وجل فأربع آيات ، منها ما يقتضي الإباحة ، ومنها ما يقتضي ~~الكراهة والتحريم . فأول ما نزل فيها بمكة قوله عز وجل : " ومن ثمرات ~~النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا " . فكان المسلمون يشربونها ~~يومئذ وهي حلال ms0753 لهم . ثم أنزل الله عز وجل بالمدينة : " يسألونك عن الخمر ~~PageV04P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر من نفعهما " نزلت هذه الآية في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ~~وفر من الأنصار أتوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا : يا رسول ~~الله ، أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال ، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن ربكم ~~تقدم في تحريم الخمر " . فتركها قوم للإثم الكبير وقالوا : لا حاجة لنا في ~~شربها ولا في شيء فيه إثم كبير ، وشربها قوم لقوله تعالى : " ومنافع للناس ~~" . وكانوا يستمتعون بمنافعهم ويتجنبون مآثمها ، إلى أن صنع عبد الرحمن بن ~~عوف طعاما فدعا ناسا من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأتاهم ~~بخمر فشربوا وسكروا وحضرت صلاة المغرب ، فقدموا بعضهم ليصلي بهم ، فقرأ قل ~~يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون إلى آخر السورة بحذف " لا " فأنزل الله عز ~~وجل . " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما ~~تقولون " فحرم السكر في أوقات الصلاة . فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ~~إن الله عز وجل تقارب في النهي عن شرب الخمر وما أراه إلا سيحرمها . فلما ~~نزلت هذه الآية تركها قوم ، وقالوا : لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة ~~. وقال قوم : نشربها ونجلس في بيوتنا ، فكانوا يتركونها وقت الصلاة ~~ويشربونها في غير حين الصلاة ، إلى أن شربها رجل من المسلمين ، فجعل ينوح ~~على قتلى بدر ويقول : تحيا بالسلامة أم بكر . . . وهل لي بعد رهطك من سلام ~~ذريني أصطبح بكرا فإني . . . رأيت الموت كفت عن هشام وود بنو المغيرة لو ~~فدوه . . . بألف من رجال أو سوام PageV04P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" وفي أبيات أخر . فبلغ ذلك رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فجاء فزعا يجر رداءه حتى انتهى إليه ، ورفع شنا كان في ~~يده ليضربه ، فلما عاينه الرجل قال : أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ، ~~والله لا أطعمها أبدا ms0754 ، ثم نزلت آية التحريم وهي قوله عز وجل : " إنما يريد ~~الشيطان أو يوقف بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون " . وروى أن هذه الآية نزلت في شأن حمزة ~~بن عبد المطلب ، وكان نزولها وتحريم الخمر في شهر ربيع الأول سنة أربع من ~~الهجرة . وكان من خبر حمزة بن عبد المطلب ما رواه مسلم بن الحجاج بن مسلم ~~في صحيحه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : أصبت شارفا مع رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في مغنم يوم بدر ، وأعطاني رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) شارفا أخرى من الخمس . قال علي : فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) واعدت رجلا صواعا من بني قنيقناع يرتحل ~~معي فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من الصواغين فأستعين به على وليمة عرسي . ~~فبينا أنا أجمع لشارفي متاعا من الأقتاب والغرائر والحبال ، وشارفاي ~~مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار ورجعت حين جمعت ما جمعت ، فإذا شارفاي ~~قد اجتنبت أسنمتهما وبقرت خواصرهما وأخذ من أكبادهما ، فلم أملك نفسي حين ~~رأيت ذلك المنظر منهما أن قلت : من فعل هذا ؟ قالوا : فعله حمزة بن عبد ~~المطلب وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار ، PageV04P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" غنته قينة وأصحابه ، فقالت في غنائها : ألا يا ~~حمزة للشرف النواء لم يذكر مسلم في صحيحه من الشعر غير ما ذكرناه . ~~والأبيات التي غنت بها : ألا يا حمز للشرف النواء . . . وهن معقلات بالفناء ~~ضع السكين في اللبات منها . . . فضرجهن حمزة بالدماء وعجل من شرائحها كبابا ~~. . . ملهوجة على وهج الصلاء وأصلح من أطايبها طبيخا . . . لشربك من قديد ~~أو شواء فأنت أبا عمارة المرجى . . . لكشف الضر عنها والبلاء فقام حمزة ~~بالسيف فاجتب أسمنتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما . فقال علي : ~~فانطلقت حتى أدخل على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعند زيد بن حارثة ~~. قال : فعرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في وجهي الذي لقيت ms0755 ، فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " مالك " ؟ قلت : يا رسول الله ، ما ~~رأيت كاليوم قط ، عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هو ~~ذا في بيت معه شرب . فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بردائه فارتداه ~~ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء الباب الذي فيه حمزة ، ~~فاستأذن فأذنوا له ، فإذا هم شرب ، فطفق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يلوم حمة فيما فعل وإذا حمزة محمرة عيناه ، فنظر حمزة إلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ثم صعد النظر إلى ركبتيه ثم صعد النظر إلى سرته ثم صعد ~~النظر فنظر إلى وجهه ، فقال حمزة : وهل أنتم إلا عبيد لأبي فعرف رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) أنه ثمل ، فنكص رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~على عقبيه القهقري وخرج وخرجنا معه . وفي حديث آخر : أن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال لعلي : " إن عمك قد PageV04P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" ثمل وهما لك علي " فغرمهما رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) لعلي . فلما أصبح حمزة غدا على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يعتذر . فقال : " مه يا عم فقد سألت الله فعفا عنك " . قالوا : ~~واتخذ عتبان بن مالك صنيعا ودعا رجالا من المسلمين ، منهم سعد بن أبي وقاص ~~، وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى أخذت منهم ، ثم ~~إنهم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الأشعار ، وأنشد سعد قصيدة فيها ~~هجاء الأنصار وفخر لقومه ، فقام رجل من الأنصار فأخذ لحي البعير فضرب به ~~رأس سعد فشجه شجة موضحة . فانطلق سعد إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وشكا إليه الأنصار . فقال عمر رضي الله عنه : اللهم بين لنا رأيك في الخمر ~~بيانا شافيا ، فأنزل الله عز وجل تحريم الخمر في سورة المائدة " إنما يريد ~~الشيطان " الآية إلى " منتهون " . فقال عمر : انتهينا يا رب . وقيل : إنها ~~حرمت بعد غزوة الأحزاب بأيام في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة . والله أعلم ~~. قال ms0756 أنس رضي الله عنه : حرمت ولم يكن للعرب يومئذ عيش أعجب منها ، وما ~~حرم عليهم شيء أشد من الخمر . قال : فأخرجنا الحباب إلى الطريق فصببنا ما ~~فيها ، فمنا من كسر حبه ، ومنا من غسله بالماء والطين ، ولقد غودرت أزقة ~~المدينة بعد ذلك حينا ، كلما مطرت استبان فيها لون الخمر وفاحت ريحها . ~~وقال أنس بن مالك رضي الله عنه : كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي ~~طلحة ، وما شرابهم إلا فضيخ البسر والتمر ، فإذا مناد ينادي ، فقال القوم : ~~اخرج فانظر ، فإذا مناد ينادي : ألا إن الخمر قد حرمت ، قال : فجرت في سكك ~~المدينة . فقال لي أبو طلحة : اخرج فاهرقها فهرقتها . فقالوا أو قال ~~PageV04P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" بعضهم : قتل فلان قتل فلان وهي في بطونهم ، ~~فأنزل الله عز وجل : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فما طعموا ~~إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات " . وأما ما ورد في تحريمها في كتاب ~~الله وبينته السنة ، فالأحاديث متضافرة في تحريمها . فمن ذلك ما روي عن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من مات وهو مدمن خمر لقي ~~الله وهو كعابد وثن " . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا يدخل ~~الجنة مدمن خمر " . وأما من زعم أنها تباح للتداوي بها فيرد عليه ذلك ما صح ~~عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها ، وقال : إنما ~~أصنعها للدواء ، فقال : " إنها ليست بدواء ولكنه داء " . وعنه ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وقد سأله رجل قدم من جيشان وجيشان من اليمن فسأل النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " أو مسكر هو " قال نعم . قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " كل مسكر حرام إن على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه ~~من طينة الخبال " . فقالوا : يا رسول الله ، وما طينة الخبال ؟ قال : " عرق ~~أهل النار " . وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله ( صلى الله عليه ms0757 ~~وسلم ) : " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو ~~يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة " وفي لفظ : " حرمها في الآخرة فلم ~~يسقها " وفي لفظ : " إلا أن يتوب " . وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه : ~~من سره أن يحرم ما حرم الله ورسوله فليحترم النبيذ . وعن أبي هريرة رضي ~~الله عنه : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " لا يزني الزاني ~~حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق ~~وهو مؤمن " أخرجه البخاري في صحيحه والله سبحانه وتعالى أعلم ، وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل . PageV04P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" ذكر ما قيل في إباحة المطبوخ والمطبوخ يسمى ~~الطلاء وهو الذي طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه . سمي بذلك لأنه شبيه بطلاء ~~الإبل في ثخنه وسواده . وقد اختلف العلماء في المطبوخ ، فقال بعضهم : كل ~~عصير طبخ حتى ذهب نصفه فهو حلال إلا أنه يكره ، وإن طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ~~ثلثه فهو حلال مباح شربه وبيعه إلا أن السكر منه حرام . وحجتهم في ذلك ما ~~روي : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى بعض عماله : أن ارزق المسلمين ~~من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه . وعن عبد الله بن يزيد الخطمي قال : كتب ~~إلينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أما بعد ، فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه ~~نصيب الشيطان في عود الكرم ، فإن له اثنين ولكم واحد . وعن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه : أن نوحا عليه السلام لما نازعه الشيطان في عود الكرم فقال : هذا ~~لي ، وقال : هذا لي ، فاصطلحا على أن لنوح ثلثها وللشيطان ثلثيها . وسئل ~~سعيد بن المسيب : ما الشراب الذي أحله عمر رضي الله عنه ؟ فقال : الذي يطبخ ~~حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه . وحكي أن أبا موسى الأشعري وأبا الدرداء كانا ~~يشربان من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه . وعلى الجملة فمجموع هذه الأخبار ~~في مثلث لم يسكر البتة . ودليل ذلك ما حكي عن ms0758 عبد الله بن عبد الملك ابن ~~الطفيل الخزرجي قال : كتب إلينا عمر بن عبد العزيز : ألا تشربوا من الطلاء ~~حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ، وكل مسكر حرام . هذا الذي عليه أكثر العلماء . ~~وقال قوم : إذا طبخ العصير أدنى الطبخ صار حلالا ، وهو قول إسماعيل بن علية ~~وبشر المريسي وجماعة من أهل العراق . وذهب بعضهم إلى أن الطلاء الذي رخص ~~فيه إنما هو الرب والدبس . والله عز وجل أعلم . PageV04P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" ذكر آفات الخمر وجناياتها وآفات الخمر ~~وجناياتها كثيرة ، لأنها أم الكبائر . وأول آفاتها أنها تذهب العقل ، وأفضل ~~ما في الإنسان عقله ، وتحسن القبيح وتقبح الحسن . قال أبو نواس الحسن ابن ~~هانئ عفا الله عنه ورحمه وغفر له ما أسلف : اسقني حتى تراني . . . حسنا ~~عندي القبيح وقال أيضا : اسقني صرفا حميا . . . تترك الشيخ صبيا وتريه الغي ~~رشدا . . . وتريه الرشد غيا وقال أبو الطيب : رأيت المدامة غلابة . . . ~~تهيج للمرء أشواقه تسئ من المرء تأديبه . . . ولكن تحسن أخلاقه وأنفس ما ~~للفتى له . . . وذو اللب يكره إنفاقه وقد مت أمس بها ميتة . . . وما يشتهي ~~الموت من ذاقه قالوا : وإنما قيل لمشارب الرجل نديم ، من الندامة ، لأن ~~الرجل معاقر الكأس إذا سكر تكلم بما يندم عليه وفعل ما يندم عليه ، فقيل ~~لمن شاربه نادمه لأنه فعل مثل فعله فهو نديم له ، كما يقال : جالسه فهو ~~جليس له . والمعاقر : المدمن ، كأنه لزم عقر الشيء أي فناءه . وقد شهر ~~أصحاب الشراب بسوء العقد وقلة الحفاظ ، وقالوا : صاحب الشراب صديقك ما ~~استغنيت عنه حتى تفتقر ، وما عوفيت حتى تنكب ، وما غلت دنانك حتى تنزف ، ~~وما رأوك بعيونهم حتى يفقدوك . قال بعض الشعراء عفا الله تعالى عنه : أرى ~~كل قوم يحفظون حريمهم . . . وليس لأصحاب النبيذ حريم PageV04P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" إذا جئتهم حيوك ألفا ورحبوا . . . وإن غبت ~~عنهم ساعة فذميم إخاؤهم ما دارت الكأس بينهم . . . وكلهم رث الوصال سئوم ~~فهذا بياني لم أقل بجهالة . . . ولكنني بالفاسقين عليم قيل : سقى قوم ~~أعرابية مسكرا ، فقالت : أيشرب نساؤكم هذا الشراب ؟ قالوا : نعم ms0759 . قالت : ~~فما يدري أحدكم من أبوه . وقال قصي بن كلاب لبنيه : اجتنبوا الخمر فإنه ~~يصلح الأبداء ويفسد الأذهان . وقيل لعدي بن حاتم : مالك لا تشرب النبيذ ؟ ~~قال : معاذ الله أصبح حليم قوم وأمسي سفيههم . وقيل لأعرابي : مالك لا تشرب ~~النبيذ ؟ قال : لا أشرب ما يشرب عقلي . وقيل لعثمان بن عفان : ما منعك من ~~شرب الخمر في الجاهلية ولا حرج عليك ؟ قال : إني رأيتها تذهب العقل جملة ~~وما رأيت شيئا يذهب جملة ويعود جملة . وقال عبد العزيز بن مروان لنصيب بن ~~رباح : هل لك فيما يثمر المحادثة ؟ يريد المنادمة ، فقال : أصلح الله ~~الأمير الشعر مفلفل واللون مرمد ، ولم أقعد إليك بكرم عنصر ولا بحسن منظر ، ~~وإنما هو عقلي ولساني ، فإن رأيت ألا تفرق بينهما فافعل . ودخل مصيب هذا ~~على عبد الملك بن مروان فأنشده فاستحسن عبد الملك شعره فوصله ، ثم دعا ~~بالطعام فطعم معه . فقال له عبد الملك : هل لك أن تنادم عليه ؟ قال : يا ~~أمير المؤمنين ، تأملني . قال : قد أراك . قال : يا أمير المؤمنين ، جلدي ~~أسود وخلقي مشوه ووجهي قبيح ولست في منصب ، وإنما بلغ بي مجالستك ومؤاكلتك ~~عقلي ، وأنا أكره أن أدخل عليه ما ينقصه . فأعجبه كلامه وأعفاه . وقال ~~الحسن : لو كان العقل عرضا لتغالي الناس في ثمنه ، فالعجب لمن يشتري بماله ~~شيئا ليشربه فيذهب عقله . PageV04P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" وقال الوليد بن عبد الملك للحجاج بن يوسف في ~~وفدة وفدها عليه وقد أكلا : هل لك في الشراب ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، ~~ليس بحرام ما أحللت ، ولكن أمنع أهل عملي ، وأكره أن أخالف قول العبد ~~الصالح وهو قوله تعالى : " وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه " . ~~وقالوا : للنبيذ حدان ، حد لا هم معه ، وحد لا عقل معه ، فعليك بالأول واتق ~~الثاني . ومن آفات الخمر افتضاح شاربها بريحها عند من يحتشم منه ويتقيه ~~ويخافه يثبت في الفم اليوم واليومين بعد تركها . فمن شربها ساعة وهو يحتشم ~~من الناس أن يظهر ذل عليه احتجاج إلى الانقطاع في بيته بعد زوال السكر ms0760 ~~وأوبة العقل حتى تزول الرائحة . وقد تحايل الذي يشربون الخمر على قطع ريحها ~~من الفم وعالجوا ذلك بأدوية صنعوها يستعملونها بعد شربها . فأجود ما صنعوه ~~من هذه الأدوية أن يؤخذ من المؤ والبسباسة والسعد والجناح والقرنفل أجزاء ~~متساوية وجزءان من الصمغ ، ويدق ذلك ويجبل بماء الورد ويستعمل منه فإنه ~~يقطع رائحة الخمر من الفم ، كما زعموا . وقد نظم بعض الشعراء هذه المفردات ~~في أربعة أبيات فقال : مر وبسباسة وسعد . . . إلى جناح وماء ورد ينظمها ~~الصمغ إن تلاه . . . قرنفل الهند نظم عقد PageV04P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" أجزاؤها كلها سواء . . . والصمغ جزآن ، لا ~~تعدي فيه لذي مرة شفاء . . . وصون عرض وحفظ ود ذكر أسماء الخمر من حين تعصر ~~إلى أن تشرب الخمر إذا عصر فاسم ما يسيل منه قبل أن تطأه الرجل : السلاف ، ~~وأصله من السلف وهو المتقدم من كل شيء ، وهو في مثل ذلك الخرطوم أيضا . ~~ويقال للذي يعصر بالأقدام : العصير ، والموضع الذي يعصر فيه : المعصرة . ~~والنطل : ما عصر فيه السلاف ، ويقال للعاصر : الناطل ، ثم يترك العصير حتى ~~يغلي فإذا غلا فهو خمر ، وقيل : سميت خمرا لأنها تخامر العقول فتخلطها . ~~وقالوا : لأنها تخمر في الإناء ، أي تغطى وهي مؤنثة . ويقال لها : القهوة ، ~~لأنها تقهى عن الطعام والشراب ، يقال : أقهى عن الطعام وأقهم عنه إذا لم ~~يشتهه . ومن أسمائها : الشمول ، سميت بذلك لأن لها عصفة كعصفة الشمال ، ~~وقيل : لأنها تشمل القوم بريحها . ومنها : السلاف والسلافة والخرطوم وقد ~~تقدم معناها . ومنها : القرقف لأن شاربها يقرقف إذا شربها ، أي يرعد ، يقال ~~: قرقف وقفقف . وقال أبو عمرو : القرقف اسم للخمر غير صفة وأنكر قولهم سميت ~~بها لأنها ترعد . ومنها : الراح لأ ، ها تكسب صاحبها الأريحية أي خفة ~~العطاء . ومنها : العقار لأنها عاقرت الدن ، وقيل : لأنها تعقر شاربها من ~~قول العرب : كلأ بني فلان عقار ، أي يعقر الماشية . ومن أسمائها : المدامة ~~والمدام لأنها داومت الظرف الذي انتبذت فيه . والرحيق ومعناه الخالص من ~~الغش . وقيل : الصافي . وقيل : العتيق . والكميت سميت بذلك للونها إذ كانت ~~تضرب إلى السواد . والجريال ms0761 وهو صبغ أحمر سميت بذلك للونها أيضا . والسبيئة ~~والسباء وهي المشتراة وأصلها مسبوءة ، يقال : سبأت الخمر إذا اشتريتها . ~~والمشعشعة وهي الممزوجة . والصهباء وهي التي عصرت من العنب الأبيض . ~~والشموس شبهت بالدابة التي تجمح براكبها . والخندريس وهي القديمة . ~~والحانية : منسوبة إلى الحانة . والماذية : اللينة يقال : عسل ماذي إذا كان ~~لينا . والعانية : منسوبة إلى عانة . والسخامية : اللينة من قولهم : قطن ~~سخام أي لين وثوب سخام . قال الراجز : كأنه بالصحصحان الأنجل . . . قطن ~~سخامي بأيدي غزل PageV04P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" والمزة والمزاء لطعمها . الإسفنط ، قال ~~الأصمعي : هو بالرومية . والغرب ومعناه الحد ، وغرب كل شيء حده . ولعلها ~~سميت بذلك لحدتها . والحميا ، وحميا كل شيء سورته وحدته . والمصطار : الخلة ~~ويقال : المضطار بالضاد أيضا . والخمطة : المتغيرة الطعم . والمعتقة : التي ~~قد طال مكثها . والإثم : اسم لها لعله وقع عليها لما في شربها من الإثم . ~~والحمق كذلك . قال الشاعر : شربت الإثم حتى ضل عقلي . . . كذاك الإثم يفعل ~~بالعقول والمعرق : الممزوج قليلا ، يقال : عرق من ماء أي ليس بكثير . ومن ~~أسمائها : القنديد والفيهج وأم زنبق والمقطب والطوس والسلسال والسلسل ~~والزرجون والكلفاء والجرباء والعانسة والطابة والناجود والكأس والطلاء ، ~~قال عبيد بن الأبرص : هي الخمر صرفا تكنى الطلا . . . كالذئب يسمى أبا جعدة ~~والباذق والبختج : فارسيان . والجهوري . والمقدى منسوبة إلى قرية من قرى ~~الشام . والمزاء من قولك : هذا أمزى من هذا أي أفضل . والنبيذ . والبتع : ~~نبيذ العسل والسكركة من الذرة . والجعة من الشعير . والفضيخ من البسر . ~~والمزر من الحبوب . ذكر أخبار من تنزه عن الخمر في الجاهلية وتركها ترفعا ~~عنها كان ممن تركها في الجاهلية عثمان بن عفان رضي الله عنه وعبد المطلب بن ~~هاشم وعبد الله بن جدعان التيمي وكان سيدا جوادا من سادات قريش ، وسبب تركه ~~لها أنه شرب مع أمية بن أبي الصلت الثقفي فأصبحت عين أمية مخضرة فخاف عليها ~~الذهاب ، فسأله عبد الله : ما بال عينك ؟ فقال : أنت صاحبها أصبتها البارحة ~~، PageV04P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" قال : وبلغ مني الشراب ما أبلغ معه من جليسي ~~هذا المبلغ ، فأعطاه عشرة آلاف درهم وقال ms0762 : الخمر علي حرام ، لا أذوقها ~~أبدا ، وقال فيها : شربت الخمر حتى قال صحبي . . . ألست عن السقاة بمستفيق ~~؟ وحتى ما أوسد في مبيت . . . أنام به سوى الترب السحيق وممن حرمها في ~~الجاهلية : قيس بن عاصم المنقري ، والسبب في ذلك أنه سكر فغمز عكنة ابنته ~~أو أخته فهربت منه ، فلما صحا أخبروه فحرم الخمر على نفسه ، وقال في ذلك : ~~وجدت الخمر جامحة وفيها . . . خصال تفضح الرجل الكريما فلا والله أشربها ~~حياتي . . . ولا أدعو لها أبدا نديما ولا أعطي لها ثمنا حياتي . . . ولا ~~أشفي بها أبدا سقيما فإن الخمر تفضح شاربيها . . . وتجشمهم بها أمرا عظيما ~~إذا دارت حمياها تعلت . . . طوالع تسفه الرجل الحليما ومنهم : عامر بن ~~الظرب العدواني ، قال : سآلة للفتى ماليس في يده . . . ذهابة بعقول القوم ~~والمال أقسمت بالله أسقيها وأشربها . . . حتى يفرق ترب القبر أوصالي ومنهم ~~: صفوان بن أمية بن محرث الكتامي وعفيف بن معد يكرب الكندي والأسلوم بن ~~نامي من همدان ومقيس بن عدي السهمي وكان سكر فجعل يخط ببوله : أنعامة أو ~~بعيرا ، فلما أفاق وأخبر بذلك حرمها . PageV04P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" ومنهم : العباس بن مرداس السلمي قيل له : لم ~~تركت الشراب وهو يزيد في جرأتك وسماحتك ؟ فقال : أكره أن أصبح سيد قومي ~~وأمسي سفيههم . ومنهم : سعيد بن ربيعة بن عبد شمس وورقة بن نوفل والوليد بن ~~المغيرة . وقال زيد بن ظبيان : بئس الشراب حين تشربه . . . يوهي العظام ~~وطورا يوهي العصب إني أخاف مليكي أن يعذبني . . . وفي العشيرة أن يزرى على ~~حسبي وقال رجل لسعيد بن سلم : ألا تشرب النبيذ ؟ فقال : تركت كثيره لله ~~تعالى وقليله للناس . ذكر من حد فيها من الأشراف ومن شربها منهم ومن اشتهر ~~بها ولبس فيها ثوب الخلاعة ومن افتخر بشربها فأما من حد فيها من الأشراف ، ~~فالوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو أخو عثمان بن عفان لأمه ، شهد عليه أهل ~~الكوفة أنه صلى بهم الصبح ثلاث ركعات وهو سكران ثم التفت إليهم فقال : وإن ~~شئتم زدتكم ، فجلده عبد الله بن جعفر بين يدي عثمان ms0763 رضي الله عنه ، وسنذكر ~~الواقعة إن شاء الله تعالى بجملتها في الباب الثاني من القسم الخامس من ~~الفن الخامس في التاريخ في خلافة عثمان رضي الله عنه . ومنهم : عبيد الله ~~بن عمر بن الخطاب شرب بمصر فحده بها عمرو بن العاص سرا ، فلما قدم على أبيه ~~جلده حدا آخر علانية . ومنهم : عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب المعروف بأبي ~~شحمة ، حده أبوه في الشراب فمات تحت حده . ومنهم : عاصم بن عمر بن الخطاب ، ~~حده بعض ولاة المدينة . ومنهم : قدامة بن مظعون ، حده عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه بشهادة علقمة الخصي وغيره . PageV04P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" ومنهم : عبد الله بن عروة بن الزبير ، حده ~~هشام بن إسماعيل المخزومي . ومنهم : عبد العزيز بن مروان ، حده عمرو بن ~~سعيد الأشدق . ومنهم : أبو محجن الثقفي واسمه عمرو بن حبيب ، وكان مغرما ~~بالشراب ، حده عمر مرارا في الخمر ، وحده سعيد بن أبي وقاص مرارا وشهد ~~القادسية وأبلى بلاء حسنا ، ثم حلف بعد القادسية ألا يذوق الخمر أبدا ومات ~~تائبا عنها ، وأنشد رجل عند عبد الله بن مسلم بن قتيبة قوله : إذا مت ~~فادفني إلى جنب كرمة . . . تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني في ~~الفلاة فإنني . . . أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها فقال عبد الله : حدثني من ~~رأى قبره بأرمينية بين شجرات كرم يخرج إليه الفتيان ويشربون عنده ويتناشدون ~~شعره ، فإذا جاءت كأسه صبوها على قبره . ومنهم إبراهيم بن هرمة وكان مغرما ~~بالشراب ، حده جماعة من عمال المدينة فلما طال ذلك عليه رحل إلى أبي جعفر ~~المنصور ، وقيل : إنما رحل إلى المهدي وامتدحه بقصيدته التي يقول فيها : له ~~لحظات في حفافي سريره . . . إذا كرها فيها عقاب ونائل له تربة بيضاء من آل ~~هاشم . . . إذا اسود من لؤم التراب القبائل فاستحسن شعره وقال له : سل ~~حاجتك ، فقال : تأمر لي بكتاب إلى عامل المدينة ألا يحدني على شراب ، فقال ~~له : ويلك لو سألتني عزل عامل المدينة وتوليتك PageV04P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" مكانه لفعلت ، قال : يا أمير المؤمنين ms0764 ، ولو ~~عزلته ووليتني مكانه أما كنت تعزلني أيضا وتولي غيري قال : بلى ، قال : ~~فكنت أرجع إلى سيرتي الأولى فأحد ، فقال المهدي لوزرائه : ما تقولون في ~~حاجة ابن هرمة وما عندكم فيها من التلطف ؟ قالوا : يا أمير المؤمنين ، إنه ~~سأل مالا سبيل إليه ، إسقاط حد من حدود الله عز وجل ، فقال المهدي : له ~~حيلة إذا أعيتكم الحيل فيه ، اكتبوا إلى عامل المدينة : من أتاك بابن هرمة ~~سكرانا فاضربه مائة سوط واجلد ابن هرمة ثمانين ، فكان إذا شرب ومشى في أزقة ~~المدينة يقول : من يشتري مائة بثمانين ؟ وأما من شربها منهم واشتهر بها ، ~~جماعة من الأكابر والأعيان والخلفاء . منهم : يزيد بن معاوية شهر بشربها ، ~~وكان يقال له : يزيد الخمور ، روى هشام بن الكلبي عن أبيه قال : وجه معاوية ~~جيشا إلى أرض الروم فأصابهم الجدري ، وعند يزيد امرأته أم كلثوم بنت عبد ~~الله بن عامر فسكر وأنشأ يقول : إذا ارتفقت علي الأنماط في غرف . . . بدير ~~مران عندي أم كلثوم فما أبالي الذي لاقت جيوشهم . . . بالغذقذونة منحمى ومن ~~موم فبلغ الخبر معاوية ، فقال : أنت هاهنا إلحق بهم ، وسيره إلى قتال الروم ~~. ومنهم : عبد الملك بن مروان ، وكان يسمى : حمامة المسجد ، لاجتهاده في ~~العبادة ، هذا قبل أن يلي الخلافة ، فلما أفضت الخلافة إليه شرب ، فقال له ~~سعيد بن المسيب : بلغني يا أمير المؤمنين ، أنك شربت الطلاء ، قال : إي ~~والله والدماء . PageV04P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" ومنهم : يزيد بن عبد الملك بن مروان وهو صاحب ~~حبابة وسلامة ، وأخباره مشهورة . ومنهم : ابنه الوليد بن يزيد بن عبد الملك ~~ذهب به الشراب كل مذهب حتى خلع وقتل ، وله في ذلك حكايات وأشعار . منها : ~~أنه سمع بشراعة بن الزندبوذ الكوفي ، وكان من أهل البطالة المشهورين باللعب ~~وإدمان الشراب ، فاستدعاه بالكوفة إلى دمشق فحمل إليه فلما دخل عليه قال له ~~: يا شراعة ما أرسلت إليك لأسألك عن كتاب الله ولا سنة نبيه ، قال : لو ~~سألتني عنهما لوجدتني فيهما حمارا ، قال : وإنما أرسلت إليك لأسألك عن ~~القهوة ، قال : أنا دهقانها الخبير ، ولقمانها الحكيم ms0765 ، وطبيبها الماهر ، ~~قال : فأخبرني عن الشراب قال : سل عما بدا لك قال : ما تقول في الماء قال : ~~لا بد منه ، والحمار شريكي فيه . قال : فاللبن ؟ قال : ما رأيته إلا ~~استحييت من طول ما أرضعتني أمي به ، قال : فالسويق ؟ قال : شراب الحزين ~~والمستعجل والمريض . قال : فشراب التمر ؟ قال : سريع الامتلاء ، سريع ~~الانفشاش . قال : فنبيذ الزبيب ؟ قال : حاموا به على الشراب ، قال : فالخمر ~~؟ قال : تلك والله صديقة روحي ، قال : وأنت والله صديق روحي ، قال : فأي ~~المجالس أحسن ؟ قال : ما شرب فيه على وجه السماء : ومن شعر الوليد : خذوا ~~ملككم لا ثبت الله ملككم . . . ثباتا يساوي ما حييت عقالا دعوا لي سلمى ~~والنبيذ وقينة . . . وكأسا ، ألا حسبي بذلك مالا أبا لملك أرجو أن أخلد ~~فيكم . . . ألا رب ملك قد أزيل فزالا PageV04P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" ومنهم : المأمون بن الرشيد وشهر بالشراب وله ~~فيه أخبار ، منها : أنه شرب هو ويحيى بن أكثم القاضي وعبد الله بن طاهر ، ~~فتعامل المأمون وابن طاهر على سكر يحيى ، فأشار إلى الساقي فأسكره ، وكان ~~بين أيديهم رزم من الورد والرياحين ، فأمر المأمون فشق ليحيى لحد من الورد ~~والرياحين وصيروه فيه ، وعمل بيتي شعر ودعا قينة فجلست عند رأس يحيى وغنت ~~بالشعر : دعوته وهو حي لا حياة به . . . مكفنا في ثياب من رياحين فقلت قم ~~قال رجلي لا تطاوعني . . . فقلت خذ قال كفى لا تواتيني فانتبه يحيى لرنة ~~العود وصوت الجارية فقال : يا سيدي وأمير الناس كلهم . . . قد جار في حكمه ~~من كان يسقيني إني غفلت عن الساقي فصيرني . . . كما تراني سليب العقل ~~والدين فانظر لنفسك قاض إنني رجل . . . ألراح يقتلني والروح يحييني ومنهم : ~~العباس بن علي بن عبد الله بن العباس وهو عم المنصور ، كان يأخذ الكأس بيده ~~ويقول : أما العقل فتتلفين ، وأما المروءة فتمحقين ، وأما الدين فتفسدين ، ~~ويسكت ساعة ثم يقول : وأما النفس فتسخين ، وأما القلب فتشجعين ، وأما الهم ~~فتطردين ، أفتراك مني تفلتين ثم يشربها . ومنهم : بلال بن أبي بردة فضح ~~بالشراب وفيه يقول يحيى بن نوفل الحميري : وأما ms0766 بلال فذاك الذي . . . يميل ~~الشراب به حيث مالا يبيت يمص عتيق الشراب . . . كمص الوليد يخاف الفصالا ~~ويصبح مضطربا ناعسا . . . تخال من السكر فيه احولالا ويمشي ضعيفا كمشي ~~النزيف . . . تخال به حين يمشي شكالا PageV04P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" ومنهم : عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي قاضي ~~الكوفة وفضح بمنادمة سعد بن هبار وفيه يقول حارثة بن بدر : نهاره في قضايا ~~غير عادلة . . . وليله في هوى سعد بن هبار ومنهم : آدم بن عبد العزيز بن ~~عمر بن عبد العزيز وهو الذي يقول : هاك فاشرب يا خليلي . . . في مدى الليل ~~الطويل قهوة في ظل كرم . . . سبيت من نهر نيل في لسان المرء منها . . . مثل ~~لذع الزنجبيل إنما أذهب مالي . . . طول إدمان الشمول وحنين العود تثني . . ~~. ه يدا ظبي كحيل فالطوي العنق الأهيف كالسيف الصقيل يا خليلي اسقياني . . ~~. واهتفا بالشمس زولي قل لمن لامك فيها . . . من نصيح أو عذول يبق بين ~~الباب والدا . . . ر على نعب الطلول وقيل لأبيه عبد العزيز بن عمر : إن ~~بنيك يشربون الخمر ، فقال : صفوهم لي ، فقالوا : أما فلان إذا شرب خرق ~~ثيابه وثياب نديمه ، فقال : سوف يدع هذا شربها ، قالوا : وأما فلان فإذا ~~شربها تقيأ في ثيابه ، قال : وهذا سوف يدعها ، قالوا : وأما آدم فإذا شربها ~~فأسكن ما يكون لا ينال أحدا بسوء ، قال : هذا لا يدعها أبدا . ومنهم : ~~حارثة بن زيد العدواني - رجل من تميم - دخل يوما على زياد ابن أبيه وبوجهه ~~أثر ، فقال له زياد : ما هذا الأثر بوجهك ؟ فقال : أصلح الله الأمير ~~PageV04P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" ركبت فرسي الأشقر فجمح بي حتى صدمني الحائط ، ~~فقال : أما إنك لو ركبت فرسك الأشهب لم يصبك مكروه . ولحارثة فيها أشعارا ~~كثيرة وأخبار مع الأحنف بن قيس ، وكان الأحنف ينهاه عنها وهو لا ينتهي ~~ويجيبه بشعر في مدحها وقيل : إن حارثة هذا أدرك النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) بالسن في حال صباه وحداثته . ومنهم : والبة بن الحباب الأسدي وهو الذي ~~ربى أبا نواس وأدبه وعلمه الفتوة وقول الشعر . حكي أن المنصور قال ms0767 له يوما ~~: ادخل إلى محمد - يعني المهدي - وحدثه ، فدخل عليه ، فأول ما أنشده قوله : ~~قولا لعمرو لا تكن ناسيا . . . وسقني لا تحبسن كاسيا واردد على الهيثم مثل ~~الذي . . . هجت به ويحك وسواسيا وقل لساقينا على خلوة . . . أدن كذا رأسك ~~من راسيا فبلغ ذلك المنصور ، فقال : لا تعيدوه إليه أردنا أن نصلحه فأراد ~~هو أن يفسده . ومنهم : أبو الهندي وهو عبد المؤمن بن عبد القدوس بن شبث بن ~~ربعي اليربوعي ، حج به نصر بن سيار فلما ورد الحرم قال له نصر : إنك بفناء ~~بيت الله الحرام ومحل حرمه فدع الشراب ، فلما زال عنه وضعه بين يديه وجعل ~~يشرب ويبكي ويقول : رضيع مدام فارق الراح روعه . . . فظل عليها مستهل ~~المدامع أديرا على الكأس إني فقدتها . . . كما فقد المفطوم در المراضع ومر ~~به نصر بن سيار وهو يميل سكرا ، فقال له : أفسدت شرفك ، فقال : لو لم أفسد ~~شرفي لم تكن أنت اليوم والي خراسان . ومنهم : سعيد بن وهب وكان شاعرا بصريا ~~. PageV04P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" ومنهم : الحسين بن الضحاك النديم صاحب الحسن ~~بن هانئ وكان خليعا ماجنا مليح الشعر وهو الذي يقول : ألا إنما الدنيا وصال ~~حبيب . . . وأخذك من مشمولة بنصيب وعيشك بين المسمعات ممتعا . . . بفنين من ~~عزف وشدو مصيب وأنس وإنسان تلذ بقربه . . . وبذلة معشوق ونوم رقيب وعدى ~~ساعات النهار ورقبتي . . . إلى الشمس لما آذنت بمغيب ومنهم : يحيى بن زياد ~~وهو الذي يقول : أعاذل ليت البحر خمر وليتني . . . مدى الدهر حوت ساكن لجة ~~البحر فأضحى وأمسي لا أفارق لجة . . . أروى بها عظمي وأشفي بها صدري طوال ~~الليالي ، ليس عني بناضب . . . ولا ناقص حتى أصير إلى الحشر ومنهم : أبو ~~نواس الحسن بن هانئ ممن اشتهر بالشراب واللهو والطرب ومنادمة القيان ، وله ~~في الخمر تشبيهات حسنة وحكايات ظريفة ، نذكر هاهنا من أخباره طرفا : حكي أن ~~مسلم بن الوليد عاتبه وقال : يا أبا نواس ، قد خلعت عذارك وأطلت الإكباب ~~على المجون حتى غلب على لبك وما كذلك يفعل الأدباء فأطرق ثم قال : فأول ~~شربك طرح الرداء ms0768 . . . وآخر شربك طرح الإزار وما هنأتك الملاهي بمثل . . . ~~إماتة مجد وإحياء عار وما جاد دهر بلذاته . . . على من يضن بخلع العذار ~~PageV04P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" فانصرف مسلم وقد أيس من فلاحه وهو يقول : جواب ~~حاضر ، من كهل فاجر . ومما يحفظ من أخباره ، ويروى من أشعاره في ذلك : أنه ~~بلغ إخوانه عنه أنه ترك الشراب واللذات وأخذ في الزهد والصلاة في أوقاتها ~~فاجتمعوا إليه وأقبلوا يهنئونه ، فوضع بين يديه باطية وجعل لا يدخل إليه ~~أحد يهنئه إلا شرب بين يديه رطلا وأنشد : قالوا نزعت ولما يعلموا وطري . . ~~. في كل أغيد ساجي الطرف مياس كيف النزوع وقلبي قد تقسمه . . . لحظ العيون ~~وقرع لسن بالكاس لا خير في العيش إلا في المجون مع ال . . . أكفاء والراح ~~والريحان والآس ومسمع يتغنى والكئوس لها . . . حث علينا بأخماس وأسداس يا ~~موري الزند قد أكبت قوادحه . . . اقبس إذا شئت من قلبي بمقباس ما أقبح ~~الناس في عيني وأسمجهم . . . إذا نظرت فلم أبصرك في الناس وحدث الفضل بن ~~سلمة عن الثوري ، قال : خرج الحسن بن هانئ ومعه مطيط صاحبه ، حتى أتيا دار ~~خمار . فقال الحسن لمطيط : ادخل بنا نمزح بهذا الخمار . فدخلا فسلما فرد ~~عليهما . فقال له الحسن : أعندك خمر عتيقة يا خمار ؟ فقال : عندي ~~PageV04P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" منها أجناس ، فأيها تريد ؟ قال : التي يقول ~~فيها الشاع : حجبت خيفة وصينت فجاءت . . . كجلاء العروس بعد الصيان وكأن ~~الأكف تصبغ من ضو . . . ء سناها بالورس والزعفران فملأ له الخمار قدحا من ~~خمر صفراء ، كأنها ذهب محلول ، فشربه الحسن وقال : أحسن من هذا أريد . فقال ~~له الخمار : أي جنس تريد ؟ قال : التي يقول فيها الشاعر : دفعتها أيدي ~~الهواجر حتى . . . صيرت جسمها كجسم الهواء فهي كالنور في الإناء وكالنا . . ~~. ر إذا ما تصير في الأحشاء فملأ له الخمار قدحا من خمر كأنها العقيق . ~~فشربه وقال : أرفع من هذا أريد . فقال : أي جنس ؟ قال : التي يقول فيها ~~الشاعر : وإذا حسا منها الوضيع ثلاثة . . . سمح الوضيع كفعل ذي القدر في ~~لون ماء الغيث إلا أنها ms0769 . . . بين الضلوع كواقد الجمر قملأ له قدحا من خمر ~~بيضاء ، كأنها ماء المزن . فشرب الحسن وقال للخمار : أتعرفني ؟ قال : إي ~~والله يا سيدي ، أنا أعرف الناس بك . قال : من أنا ؟ قال : أنت الذي يسكر ~~من غير وزن . فضحك الحسن وقال لمطيط : ادفع إليه ما بقي عندك من النفقة ، ~~فأعطاه مائة درهم وانصرف . وقال الحسين بن الضحاك : كنت مع أبي نواس بمكة ~~عام حج ، فسمع صبيا يقرأ " يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه ~~وإذا أظلم عليهم قاموا " . فقال أبو نواس : في مثل هذا يجيء للخمر صفة حسنة ~~، ففكر ساعة ثم أنشدني : وسيارة ضلت عن القصد بعد ما . . . ترادفهم أفق من ~~الليل مظلم فأصغوا إلى صوت ونحن عصابة . . . وفينا فتى من سكره يترنم ~~PageV04P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" فلاحت لهم منا على النأي قهوة . . . كأن سناها ~~ضوء نار تضرم إذا ما حسوناها أقاموا مكانهم . . . وإن مزجت حثوا الركاب ~~ويمموا قال : فحدث بهذا الحديث محمد بن الحسين فقال : لا ولا كرامة ، ما ~~سرقه من القرآن ولكن من قول الشاعر : وليل بهيم كلما قلت غورت . . . كواكبه ~~عادت لنا لتذيل به الركب إما أومض البرق يمموا . . . وإن لم يلح فالقوم ~~بالسير جهل وقال أبو نواس فيها : ألا دارها بالماء حتى تلينها . . . فما ~~تكرم الصهباء حتى تهينها أغالي بها حتى إذا ما مللتها . . . أهنت لإكرام ~~النديم مصونها وقال أيضا : نبهته والليل ملتبس به . . . وأزحت عنه حثاثه ~~فانزاحا قال ابغني المصباح ، قلت له اتئد . . . حسبي وحسبك ضوءها مصباحا ~~فسكبت منها في الزجاجة شربة . . . كانت له حتى الصباح صباحا من قهوة جاءتك ~~قبل مزاجها . . . عطلا فألبسها المزاج وشاحا شك البزال فؤادها فكأنها . . . ~~أبدت إليك بريحها تفاحا وقال أيضا : ردا على الكأس ، إنكما . . . لا تدريان ~~الكأس ما تجدي خوفتماني الله جهدكما . . . وكخيفتيه رجاؤه عندي لا تعذلا في ~~الراح إنكما . . . في غفلة عن كنه ما تسدي PageV04P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" لو نلتما ما نلت ما مزجت . . . إلا بدمعكما من ~~الوجد ما مثل نعماها إذا اشتملت . . . إلا اشتمال فم على خد ms0770 إن كنتما لا ~~تشربان معي . . . خوف الإله شربتها وحدي وأخبار الحسن بن هانئ فيها كثيرة ، ~~وفيما أوردناه منها كفاية . ومنهم : الثرواني ، كان شاعرا مطبوعا بليغا ، ~~من أهل الخلاعة المشهورين . وكان آخر أمره أن أصيب في حانة خمار بين زقي ~~خمر وهو ميت . وهو القائل فيها : كر الشراب على نشوان مضطجع . . . قد هب ~~يشربها والديك لم يصح والليل في عسكر حمر بوارقه . . . من النجوم ، وضوء ~~الصبح لم يضح والعيش لا عيش إلا أن تباكرها . . . نشوان تقتل هم النفس ~~بالفرح حتى يظل الذي قد بات يشربها . . . ولا مراح به يختال كالمرح ومنهم : ~~مطيع بن إياس . وكان شاعرا أديبا ظريفا مشتهرا بالخلاعة واللعب . وكان ~~أصحابه على ذلك ، وهم يحيى بن زياد ، ووالبة بن الحباب ، وحماد عجرد . ~~ومنهم : أبو عبد الرحمن العطوي . كان شاعرا فصيحا ، لا يكاد يتقدمه أحد ~~لجزالة ألفاظه وحلاوة معاني . وكان مولعا بالخمر مشتهرا بها مدمنا عليها ، ~~أكثر أشعاره فيها . فمن شعره : أخطب لكأسك ندمانا تسر به . . . أولا فنادم ~~عليها حكمة الكتب أخطبه حرا كريما ذا محافظة . . . ترى مودته من أقرب النسب ~~PageV04P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" وقال أيضا : وكم قالوا تمن ، فقلت كأسا . . . ~~يطوف بها قضيب في كثيب وندمانا يساقطني حديثا . . . كصدق الوعد أو غض ~~الرقيب ومنهم : أبو هفان . وكان شاعرا محسنا ، وخليعا ماجنا . حكى أنه شرب ~~مع أحمد بن أبي طاهر حتى فنى ما عندهما ، وكانا بجوار العلاء بن أيوب . ~~فقال ابن أبي طاهر لأبي هفان : تماوت حتى نحتال على أبي العلاء في أن ~~ينيلنا شيئا . فمضى إليه ابن أبي طاهر فقال : أصلحك الله نزلنا جوارك فوجب ~~حقنا عليك ، وقد مات أبو هفان وليس له كفن . فقال لوكيله : امض معه وشاهد ~~أمره وادفع إليه كفنا . فأتاه فوجده ملقى عليه ثوب فنقر أنفه فضرط . فقال : ~~ما هذا ؟ فقال : أصلحك الله عجلت له صعقة القبر فإنه مات وعليه دين ، فضحك ~~وأمر له بدنانير . ومنهم : الأقيشر . وكان مغرما بالشراب مدمنا عليه . وهو ~~القائل : ومقعد قوم قد مشى من شرابنا . . . وأعمى سقيناه ثلاثا فأبصرا كميت ms0771 ~~كأن العنبر الورد ريحه . . . ومسحوق هندي من المسك أذفرا ومنهم : النعمان ~~بن علي بن نضلة . وكان عاملا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه على ميسان ، وكان ~~مدمن الشراب . وهو القائل : ألا أبلغ الحسناء أن خليلها . . . بميسان يسقى ~~في زجاج وحنتم فإن كنت ندماني فبالأكبر سقني . . . ولا تسقني بالأصغر ~~المتثلم لعل أمير المؤمنين يسوءه . . . تنادمنا بالجوسق المتهدم فبلغ الشعر ~~عمر رضي الله عنه . PageV04P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" فكتب إليه : " بسم الله الرحمن الرحيم ، حم ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي ~~الطول لا إله إلا هو إليه المصير " أما بعد ، فقد بلغني قولك : لعل أمير ~~المؤمنين يسوءه . . . تنادمنا بالجوسق المتهدم وأيم الله لقد ساءني وعزله . ~~فلما قدم عليه سأله ، فقال : والله ما كان من هذا شيء ، وما كان إلا فضل ~~شعر وجدته وما شربتها قط . فقال عمر : أظن ذلك ، ولكن لا تعمل لي عملا أبدا ~~. فنزل البصرة ، ولم يزل يغزو مع المسلمين حتى مات رحمه الله . ومنهم : ~~عمارة بن الوليد بن المغيرة . خطب امرأة من قومه ، فقالت : لا أتزوجك حتى ~~تدع الخمر والزنا . فقال : أما الزنا فإني أدعه ، وأما الخمر فوجدي بها ~~شديد . ثم اشتد وجده بالمرأة فعاود طلبها ، فقالت : حتى يحلف بطلاقي يوم ~~يزني أو يشرب خمرا ، فحلف لها وتزوجها . ومكث حينا لا يشرب ، إلى أن مر ~~بخمار وعنده قوم يشربون وقينة تغنيهم وهو على ناقة ، فطرب إليهم وارتاح ~~ورمى بثيابه إلى الخمار ، وقال : أسقهم بها ، ونحر لهم ناقته ، ومكث أياما ~~يطعمهم ويسقيهم حتى أنفد ما معه . ثم رجع إلى امرأته ، فلامته ، فأنشأ يقول ~~: أقلي علي اللوم يا أم سالم . . . وكفى فإن العيش ليس بدائم أسرك لما صرع ~~القوم نشوة . . . خروجي منهم سالما غير غارم سليما كأني لم أكن كنت منهم . ~~. . وليس الخداع من تصافى التنادم ثم قال لها : الحقي بأهلك ، وعاد إلى ما ~~كان عليه . وأما من افتخر بشربها وسبائها ، فقد كانت العرب تفتخر بسبائها ، ~~وتضيفه إلى عظيم غنائها ، وتقرنه بمذكور بلائها . وشاهد ذلك ms0772 قول امرئ القيس ~~: PageV04P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" كأني لم أركب جوادا للذة . . . ولم أتبطن ~~كاعبا ذات خلخال ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل . . . لخيلي كرى كرة بعد ~~إجفال فقرن دوده في سباء الزق ببسالته في كر الخيل . ولما أنشد أبو الطيب ~~المتنبي سيف الدولة بن حمدان قصيدته التي يقول فيها : وقفت وما في الموت شك ~~لواقف . . . كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة . . . ~~ووجهك وضاح وثغرك باسم فقال له سيف الدولة : انتقدنا عليك يا أبا الطيب ~~هذين البيتين كما انتقد على امرئ القيس بيتاه ، وذكرهما ، قال : وبيتاك لا ~~يلتئم شطراهما كما لا يلتئم شطرا هذين البيتين : كان ينبغي لامرئ القيس أن ~~يقول : كأني لم أركب جوادا ولم أقل . . . لخيلي كرى كرة بعد إجفال ولم أسبأ ~~الزق الروي للذة . . . ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال وأن تقول أنت : وقفت وما ~~في الموت شك لواقف . . . ووجهك وضاح وثغرك باسم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ~~. . . كأنك في جفن الردى وهو نائم فقال : أيد الله مولانا إن كان صح أن ~~الذي استدرك على امرئ القيس أعلم منه بالشعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت ~~أنا ، والثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك لأن البزاز يعرف جملته والحائك ~~يعرف جملته وتفاريقه ، لأنه هو الذي أخرجه من الغزلية إلى الثوبية . وإنما ~~قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد ، وقرن السماحة في سباء الخمر ~~للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء ، وأنا لم ذكرت الموت في أول البيت ~~أتبعته بذكرى الردى وهو الموت ليجانسه . ولما كان الجريح PageV04P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوسا وعينه ~~باكية قلت : ووجهك وضاح وثغرك باسم لأجمع بين الأضداد في المعنى وإن لم ~~يتسع اللفظ لجميعها . فأعجب سيف الدولة بقوله ووصله . وقال لقيط بن زرارة : ~~شربت الخمر حتى خلت أني . . . أبو قابوس أو عبد المدان وقال حسان بن ثابت ~~الأنصاري عفا الله عنه ورحمه : إذا ما الأشربات ذكرن يوما . . . فهن لطيب ~~الراح الفداء ونشربها فتتركنا ملوكا . . . وأسدا ما ينهنهها اللقاء ms0773 حكي أن ~~حسان بن ثابت عنف جماعة من الفتيان على شرب الخمر وسوء تنادمهم عليها وأنهم ~~يضربون عليها ضرب الإبل ولا يرجعون عنها أبدا ، فقالوا : إنا إذا هممنا ~~بالإقلاع عنها ذكرنا قولك : ونشربها فتتركنا ملوكا . . . وأسدا ما ينهنهها ~~اللقاء فعاودناها . وقال الأخطل يخاطب عبد الملك بن مروان : إذا ما نديمي ~~علني ثم علني . . . ثلاث زجاجات لهن هدير خرجت أجر الذيل حتى كأنني . . . ~~عليك أمير المؤمنين أمير PageV04P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" وقال آخر إذا صدمتني الكأس أبدت محاسني . . . ~~ولم يخش ندماني أذاي ولا بخلي ولست بفحاش عليه وإن أسا . . . وما شكل من ~~آذى نداماه من شكلي وقال آخر : شربنا من الداذي حتى كأننا . . . ملوك لهم ~~بر العراقين والبحر فلما انجلت شمس النهار رأيتنا . . . تولى الغني عنا ~~وعاودنا الفقر ومثله للمنخل اليشكري : فإذا سكرت فإنني . . . رب الخورنق ~~والسدير وإذا صحوت فإنني . . . رب الشويهة والبعير وقال عنترة : وإذا سكرت ~~فإنني مستهلك . . . مالي ، وعرضي وافر لم يكلم وإذا صحوت فما أقصر عن ندى . ~~. . وكما علمت شمائلي وتكرمي أخذه البحتري وزاد عليه في قوله : وما زالت ~~خلا للندامى إذا انتشوا . . . وراحوا بدورا يستحثون أنجما تكرمت من قبل ~~الكئوس عليهم . . . فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرما PageV04P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" والزيادة أن عنترة ذكر أنه يستهلك ماله إذا ~~سكر ، والبحتري ذكر أن ممدوحه يتكرم قبل الكئوس فيبالغ حتى لا تستطيع ~~الكئوس أن تزيده تكرما . وكان الأعشى ميمون بن قيس مشهورا بتعاطي الخمر ~~مشغوفا بها كثير الذكر لها في شعره . ومن اشتهاره بها قال المفضل بين قدماء ~~الشعراء : أشعرهم امرؤ القيس إذا ركب ، والنابغة إذا رهب ، وزهير إذا رغب ، ~~والأعشى إذا طرب . وقصد الأعشى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليسلم ~~وامتدحه بقصيدته التي أولها : ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا . . . وبت كما ~~بات السليم مسهدا فاعترضه في طريقه من أراد منعه ، فقالوا له : إنه يحرم ~~عليك الزنا والخمر . فقال : أما الزنا فقد كبرت فلا حاجة لي فيه ، وأما ~~الخمر فلا أستطيع تركها . وعاد لينظر في أمره ، وقيل : إنه قال ms0774 : أعود ~~فأشربها سنة وأرجع ، فمات قبل الحول . قالوا : ونظر الحسن بن وهب إلى رجل ~~يعبس في كأسه ، فقال : ما أنصفتها ، تضحك في وجهك وتعبس في وجهها . ومن ذلك ~~قول الشريف الرضي : كالخمر يعبس حاسيها على مقة . . . والكأس تجلو عليه ثغر ~~مبتسم PageV04P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" وهو مأخوذ من قول عبد الله بن المعتز حيث ~~يقول : ما أنصف الندمان كأس مدامة . . . ضحكت إليه فشمها بتعبس ذكر شيء مما ~~قيل فيها من جيد الشعر قد أوسع الشعراء في هذا المغنى وأطنبوا فيه وتنوعوا ~~. فمنهم من مدحها ومنهم من وصفها وشبهها ، ومنهم من ذكر أفعالها وتغزل فيها ~~. وسنورد في هذا الموضع نبذة مما طالعناه في ذلك ، إذ لو أوردنا مجموع ما ~~وقفنا عليه لطال ، ولاتسعت فيه دائرة المقال . فأما ما قيل فيها على سبيل ~~المدح لها ، فمن ذلك قول ابن الرومي حيث يقول : تالله ما أدري بأية علة . . ~~. يدعون هذا الراح باسم الراح ؟ ألريحها ولروحها تحت الحشا . . . أم ~~لارتياح نديمها المرتاح ؟ إن حرمت فبحقها من خمرة . . . ما كان مثل حريمها ~~بمباح أو حللت فبحقها من نشوة . . . تشفي سقام قلوبنا بصحاح وقال أيضا : ~~خمر إذا ما نديمي ظل يكرعها . . . أخشى عليه من اللألاء يحترق لو رام يحلف ~~أن الشمس ما غربت . . . في فيه كذبه في وجهه الشفق PageV04P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" ومثله قول الطليق المرواني : فإذا ما غربت في ~~فمه . . . أطلعت في الخد منه شفقا وقال الناجم : وقهوة كشعاع الشمس صافية . ~~. . مثل السراب ترى من رقة شبحا إذا تعاطيتها لم تدر من فرح . . . راحا بلا ~~قدح أعطيت أم قدحا ؟ وقال الناشي : يا ربما كأس تناولتها . . . تسحب ذيلا ~~من تلاليها كأنها النار ولكنها . . . منعم والله صاليها ومما قيل في وصفها ~~وتشبيهها ، فمن ذلك ما قاله يزيد بن معاوية : ومدامة حمراء في قارورة . . . ~~زرقاء تحملها يد بيضاء فالخمر شمس والحباب كواكب . . . والكف قطب والإناء ~~سماء وقال السروي : عنيت بالمدامة الشعراء . . . وصفوها وذاك عندي عناء كيف ~~تحصيل علمها وهي موت . . . وحياة وعلة وشفاء فهي في باطن الجوانح نار . . . ~~وهي ms0775 في ظاهر المحاجر ماء حلوة مرة فما أحد يد . . . ري أداء خصوصها أم دواء ~~PageV04P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" وقال البحتري : اشرب على زهر الرياض يشوبه . ~~. . زهر الخدود وزهرة الصهباء من قهوة تنسى الهموم وتبعث ال . . . شوق الذي ~~قد ضل في الأحشاء يخفى الزجاجة لونها فكأنها . . . في الكف قائمة بغير إناء ~~ولها نسيم كالرياض تنفست . . . في أوجه الأرواح والأنداء وفواقع مثل الدموع ~~ترددت . . . في صحن خد الكاعب الحسناء يسقيكها رشأ يكاد يردها . . . سكرى ~~بفترة مقلة حوراء يسعى بها وبمثلها من طرفه . . . عودا وإبداء على الندماء ~~وقال الوأواء الدمشقي : فامزج بمائك نار كأسك واسقني . . . فلقد مزجت ~~مدامعي بدماء واشرب على زهر الرياض مدامة . . . تنفي الهموم بعاجل السراء ~~لطفت فصارت من لطيف محلها . . . تجري كجري الروح في الأعضاء وكأن مخنفة ~~عليها جوهر . . . ما بين نار أذكيته وهواء وكأنها وكأن حامل كأسها . . . إذ ~~قام يجلوها علىالندماء شمس الضحى رقصت فنقط وجهها . . . بدر الدجى بكواكب ~~الجوزاء وقال أبو نواس : أقول لما تحاكيا شبها . . . أيهما للتشابه الذهب ~~هما سواء وفرق بينهما . . . أنهما جامد ومنسكب PageV04P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" وله أيضا : إذا عب فيها شارب القوم خلته . . ~~. يقبل في داج من الليل كوكبا ترى حيثما كانت من البيت مشرقا . . . وما لم ~~تكن فيه من البيت مغربا يدور بها ساق أغن ترى له . . . على مستدار الأذن ~~صدغا معقربا سقاهم ومناني بعينيه منية . . . فكانت إلى نفسي ألذ وأطيبا ~~ومثل البيت الأول قول ابن المعتز : كأنه قائم والكأس في يده . . . هلال أول ~~شهر غاب في شفق وقال ابن الرومي : ومهفهف تمت محاسنه . . . حتى تجاوز منتهى ~~النفس أبصرته والكأس بين فم . . . منه وبين أنامل خمس فكأنه والكأس في فمه ~~. . . قمر يقبل عارض الشمس وقال الحسين بن الضحاك : كأنما نصب كأسه قمر . . ~~. يكرع في بعض أنجم الفلك وقال آخر : واكتست من فضة دررا . . . خلتها من ~~تحتها ذهبا ككميت اللون قلدها . . . فارس من لؤلؤ حببا وقال آخر : تغشى ~~بياض شاربها . . . فتخالها بيمين مختضب دارت وعين الشمس غائبة . . . فحسبت ~~عين الشمس لم تغب PageV04P0108 # """""" صفحة رقم 109 ms0776 """""" وقال آخر : حمراء وردية مشعشعة . . . كأنها ~~في إنائها لهب صهباء صرفا لو مستها حجر . . . من جامد الصخر مسه طرب وقال ~~آخر : قلت والراح في أكف الندامى . . . كنجوم تلوح في أبراج أمداما خرطتم ~~لمدام . . . أم زجاجا سبكتم لزجاج وقال الحسن بن وهب : وقهوة صافية . . . ~~كالمسك لما نفحا شربت من دنانها . . . من كل دن قدحا فعدت لا تحملني . . . ~~أعواد سرجي مرحا من شدة السكر الذي . . . على فؤادي طفحا وقال ابن المعتز : ~~خليلي قد طاب الشراب المبرد . . . وقد عدت بعد النسك والعود أحمد فهات ~~عقارا من قميص زجاجة . . . كياقوتة في درة تتوقد يصوغ عليها الماء شباك فضة ~~. . . له حلق بيض تحل وتعقد وقال التنوخي : وراح من الشمس مخلوقة . . . بدت ~~في قدح من نهار PageV04P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" هواء ولكنه ساكن . . . وماء ولكنه غير جاري ~~إذا ما تأملته وهي فيه . . . تأملت ماء محيطا بنار فهذا النهاية في ~~الابيضاض . . . وهذا النهاية في الاحمرار وما كان في الحكم أن يوجدا . . . ~~لفرط تنافيهما والنفار ولكن تجاور سطحاهما ال . . . بسيطان فأتلفا بالحوار ~~كأن المدير لها باليمين . . . إذا مال بالسقي أو باليسار تدرع ثوبا من ~~الياسمين . . . له فرد كم من الجلنار وقال ابن وكيع التنيسي : حملت كفه إلى ~~شفتيه . . . كأسه والظلام مرخى الإزار فالتقى لؤلؤا حباب وثغر . . . ~~وعقيقان من فم وعقار وقال آخر : ثم فاسقني قد تبلج الغسق . . . من قهوة في ~~الزجاج تأتلق كأننا والكئوس نأخذها . . . نشرب نارا وليس نحترق وقال أبو ~~نواس : غننا بالطلول كيف بلينا . . . واسقنا نعطك الجزاء الثمينا من سلاف ~~كأنها كل شيء . . . يتمنى مخير أن يكونا أكل الدهر ما تجسم منها . . . ~~وتبقى لنا بها المكنونا فإذا ما اجتليتها فهباء . . . تمنع الكف ما تبيح ~~العيونا ثم شجت فاستضحكت عن لآل . . . لو تجمعن في يد لاقتنينا ~~PageV04P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" في كئوس كأنهن نجوم . . . جاريات ، بروجها ~~أيدينا طالعات مع السقاة علينا . . . فإذا ما غربن يغربن فينا لو ترى الشرب ~~حولها من بعيد . . . قلت قوم من قرة يصطلونا وقال ابن المعتز : وخمارة من ~~بنات المجوس . . . ترى الدن في بيتها شائلا ms0777 وزنا لها ذهبا جامدا . . . ~~فكالت لنا ذهبا سائلا وأما ما قيل في أفعالها ، فمن ذلك قول أبي تمام ~~الطائي : وكأس كمعسول الأماني شربتها . . . ولكنها أجلت وقد شربت عقلي إذا ~~عوتبت بالماء كان اعتذارها . . . لهيبا كوقع النار في الحطب الجزل إذا اليد ~~نالتها بوتر توفرت . . . على ضغنها ثم استقادت من الرجل ومثله قول ديك الجن ~~واسمه عبد السلام : فقام تكاد الكأس تخضب كفه . . . وتحسبه من وجنتيه ~~استعارها مشعشعة من كف ظبي كأنما . . . تناولها من خده فأدارها فظلنا ~~بأيدينا نتعتع روحها . . . وتأخذ من أقدامنا الراح ثارها PageV04P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" وقريب من المعنى الأول قول أبي بكر الخالدي : ~~كانت لها أرجل الأعلاج واترة . . . بالدوس فانتصفت من أرؤس العرب أخذ هذا ~~المعنى أبو غالب الإصباعي الكاتب فقال : عقرتهم معقورة لو سالمت . . . ~~شرابها ما سميت بعقار لانت لهم حتى انتشوا وتمكنت . . . منهم فصاحت فيهم ~~بالثار ذكرت حقائدها القديمة إذ غدت . . . صرعى تداس بأرجل العصار وقال آخر ~~: أسروها وجه النهار من الدن . . . فأمسوا وهم لها أسراء وقال عبد الصمد بن ~~بابك عفا الله عنه : عقار عليها من دم الصب نفضة . . . ومن عبرات المستهام ~~فواقع معودة غصب العقول كأنما . . . لها عند ألباب الرجال ودائع وأما ما ~~وصفت به غير ما قدمناه ، فمن ذلك قول أبي الفضل يحيى بن سلامة الحصكفي ~~والحصكفي نسبة إلى حصن كيفا : وخليع بت أعتبه . . . ويرى عتبي من العبث قلت ~~إن الخمر مخبثة . . . قال حاشاها من الخبث قلت منها القيء ، قال أجل . . . ~~طهرت عن مخرج الحدث قلت فالأرفاث تتبعه . . . قال طيب العيش في الرفث ~~وسأسلوها فقلت متى . . . قال عند الكون في الجدث PageV04P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" وقال آخر : ثقلت زجاجات أتتنا فرغا . . . حتى ~~إذا ملئت بصرف الراح خفت فكادت أن تطير بماحوت . . . وكذا الجسوم تخف ~~بالأرواح وقريب من المعنى قول الآخر : وزنا الكأس فارغة وملأى . . . فكان ~~الوزن بينهما سواء وقال أبو نواس : قهوة أعمى عنها . . . ناظرا ريب المنون ~~عتقت في الدن حتى . . . هي في رقة ديني ثم شجت فأدارت . . . فوقها مثل ~~العيون حدقا ترنو إلينا ms0778 . . . لم تحجر بجفون ذهبا يثمر درا . . . كل إبان ~~وحين من يدي ساق عليه . . . حلة من ياسمين غاية في الظرف والشكل وفرد من ~~المجون وقال : ذد بماء الكرم والعنب . . . خطرات الهم والنوب قهوة لو أنها ~~نطقت . . . ذكرت ساما أبا العرب وهي تكسو كف شاربها . . . دستبانات من ~~الذهب وقال تاج الملوك بن أيوب : وكم ليلة فيها وصلنا غبوقنا . . . وكم من ~~صباح كان فيه صبوح PageV04P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" تدار علينا من أكف سقاتنا . . . عقار من الهم ~~الطويل تريح تلوح لنا كالشمس في كف أغيد . . . يلوح لعيني البدر حين يلوح ~~مدام تحاكي خده ورضابه . . . ونكهته في الطيب حين تفوح ولكن لها أفعال ~~عينيه في الحشا . . . فكل حشا فيها عليه جريح وقال أيضا : والكأس أعطاها ~~عقيقا أحمرا . . . قان ، فأعطيها لجينا يققا من قهوة ما العيش إلا أن أرى . ~~. . مصطبحا في شربها مغتبقا أشربها شربا هنيئا من يدي . . . غصن رشيق وغزال ~~أرشقا ومما قيل فيها إذا مزجت بالماء ، فمن ذلك قول أبي نواس : وصفراء قبل ~~المزج بيضاء بعده . . . كأن شعاع الشمس يلقاك دونها ترى العين تستعفيك من ~~لمعانها . . . وتحسر حتى ما تقل جفونها ومنه أخذ ديك الجن فقال : وحمراء ~~قبل المزج صفراء بعده . . . بدت بين ثوبي نرجس وشقائق حكت وجنة المعشوق ~~صرفا فسلطوا . . . عليها مزاجا فاكتست لون عاشق وقال أبو هلال العسكري : ~~راح إذا ما الليل مد رواقه . . . لاحت تطرز حلة الظلماء حتى إذا مزجت أراك ~~حبابها . . . زهرات أرض أو نجوم سماء PageV04P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" وقال أيضا : وكأس تمتطي أطراف كف . . . كأن ~~بنانها من أرجوان أنازعها على العلات شربا . . . لهن مضاحك من أقحوان يلوح ~~على مفارقها حباب . . . كأنصاف الفرائد والجمان وطالعني الغلام بها سحيرا . ~~. . فزاد على الكواكب كوكبان ووافقها بخد أرجوان . . . وخلفها بفرع أدجوان ~~قوله : كأنصاف الفرائد والجمان مأخوذ من قول ابن الرومي : لها صريح كأنه ~~ذهب . . . ورغوة كاللآلئ الفلق وقال أبو نواس : فإذا علاها الماء ألبسها . ~~. . حببا شبيه جلاجل الحجل حتى إذا سكنت جوانحها . . . كتبت بمثل أكارع ~~النمل وهو مأخوذ من قول الأول ، ويقال : إنه ms0779 ليزيد بن معاوية : وكأس سباها ~~التجر من أرض بابل . . . كرقة ماء الحزن في الأعين النجل إذا شجها الساقي ~~حسبت حبابها . . . عيون الدبا من تحت أجنحة النمل PageV04P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" وقال أبو نواس أيضا : قامت تريني وأمر الليل ~~مجتمع . . . صبحا تولد بين الماء واللهب كأن صغرى وكبرى من فقاقعها . . . ~~حصباء در على أرض من الذهب وقال ابن المعتز : للماء فيها كتابة عجب . . . ~~كمثل نقش في فص ياقوت وقال العسكري : ذاب في الكأس عقيق فجرى . . . وطفا ~~الدر عليه فسبح نصب الساقي على أقداحها . . . شبك الفضة تصطاد الفرح وقال ~~ابن الساعاتي : وليلة بات بدر التم ساقينا . . . يدير فلك من شربها شهبا ~~بكر إذا فرعت بالماء كان بنا . . . جدا وإن كان في كاساتها لعبا حمراء من ~~خجل حتى إذا مزجت . . . لم تدر ما خجلا تحمر أم غضبا تزيد بالبارد السلسال ~~جذوتها . . . وما سمعت بماء محدث لهبا تكسو النديم إذا ما ذاقها وضحا . . . ~~حتى كأن شعاع الشمس قد شربا وقال آخر : فنبهتني وساقي القوم يمزجها . . . ~~فصار في البيت للمصباح مصباح قلنا على علمنا والشك يغلبنا . . . أراحنا ~~نارنا أم نارنا الراح وقال ابن وكيع التنيسي : وصفراء من ماء الكروم كأنها ~~. . . فراق عدو أو لقاء صديق PageV04P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" كأن الحباب المستدير بطوقها . . . كواكب در ~~في سماء عقيق صببت عليها الماء حتى تعوضت . . . قميص بهار من قميص شقيق ~~وقال آخر : حمراء ما اعتصموا بالماء حين طفت . . . إلا وقد حسبوها أنها لهب ~~وقال الخالديان : فهاتها كالعروس محمرة ال . . . خدين في معجر من الحبب ~~كادت تكون الهواء في أرج ال . . . عنبر لو لم تكن من العنب من كف راض عن ~~الصدود وقد . . . غضبت في حبه على الغضب فلو ترى الكأس حين يمزجها . . . ~~رأيت شيئا من أعجب العجب نار حواها المزاج يلهجها الماء ودر يدور في لهب ~~ذكر ما قيل في مبادرة اللذات ومجالس الشراب وطيها قال أحمد بن أبي فنن : ~~جدد اللذات فاليوم جديد . . . وامض فيما تشتهي كيف تريد واله ما أمكن يوم ~~صالح . . . إن يوم الشر لا كان ms0780 عتيد وقال ديك الجن : تمتع من الدنيا فإنك ~~فاني . . . في أيدي حوادث عاني ولا تنظرن اليوم لهوا إلى غد . . . ومن لغد ~~من حادث بأمان PageV04P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" فإني رأيت الدهر يسرع بالفتى . . . وينقله ~~حالين مختلفان فأما الذي يمضي فأحلام نائم . . . وأما الذي يبقى له فأماني ~~وقال ابن المعتز من أبيات : وبادر بأيام السرور فإنها . . . سراع وأيام ~~الهموم بطاء وخل عتاب الحادثات لوجهها . . . فإن عتاب الحادثات عناء تعالوا ~~فسقوا أنفسا قبل موتها . . . ليأتي ما يأتي وهن رواء وقال أحمد المارداني : ~~عاقر الراح ودع نعت الطلل . . . واعص من لامك فيها وعذل غادها واسع لها ~~واغر بها . . . وإذا قيل : تصابي ، قل أجل إنما دنياك فاعلم ساعة . . . أنت ~~فيها وسوى ذاك أمل وقال ابن بسام : واصل خليلك إنما ال . . . دنيا مواصلة ~~الخليل وانعم ولا تتعجل ال . . . مكروه من قبل النزول بادر بما تهوى فما . ~~. . تدري متى وقت الرحيل وارفض مقالة لائم . . . إن الملام من الفضول ومما ~~وصفت به مجالس الشرب ، فمن ذلك قول أبي نواس : في مجلس ضحك السرور به . . . ~~عن ناجذيه وحلت الخمر وقال ديك الجن : كأنما البيت بريحانة . . . ثوب من ~~السندس مشقوق PageV04P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" وقال السري : ألست ترى ركب الغمام يساق . . . ~~وأدمعه بين الرياض تراق وقد رق جلباب النسيم على الثرى . . . ولكن جلابيب ~~الغيوم صفاق وعندي من الريحان نوع تجسه . . . وكأس كرقراق الخلوق دهاق وذو ~~أدب جلت صنائع كفه . . . ولكن معاني الشعر منه دقاق له أبدا من نثره ونظامه ~~. . . بدائع حلي ما لهن حقاق وأغيد مهتز ، على صحن خده . . . غلائل من صبغ ~~الحياء رقاق أحاطت عيون العاشقين بخصره . . . فهن له دون النطاق نطاق وقد ~~نظم المنثور فهو قلائد . . . علينا ، وعقد مذهب وخناق وغرفتنا بين السحائب ~~تلتقي . . . لهن علينا كلة ورواق تقسم زوار من الهند سقفها . . . خفاف على ~~قلب الكريم رشاق PageV04P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" أعاجم تلتذ الخصام كأنها . . . كواعب زنج ~~راعهن طلاق أنسن بنا أنس الإماء تحببت . . . وشيمتها غدر بنا وإباق مواصلة ~~والورد في شجراته . . . مفارقة إن حان منه فراق فزر فتية ms0781 ، برد الشراب ~~لديهم . . . حميم إذا فارقتهم وغساق قوله : أحاطت عيون العاشقين بخصره . . ~~. فهن له دون النطاق نطاق مأخوذ من قول المتنبي : وخصر تثبت الأحداق فيه . ~~. . كأن عليه من حدق نطاقا وقال أبو هلال العسكري : وليل ابتعت به لذة . . ~~. وبعت فيه العقل والدينا أصاب فيه الوصل قلب الجوى . . . وبات فيه الهم ~~مسكينا وقد خلطنا بنسيم الصبا . . . نسيم راح ورياحينا وأكؤس الراح نجوم ~~إذا . . . لاحت بأيدينا هوت فينا تضحك في الكأس اباريقنا . . . وحسبما تضحك ~~تبكينا ومما قيل في طي مجالس الشراب ، فمن ذلك قول بعض الشعراء : حكم ~~العقار إذا قصدت لشربها . . . في لذة من مسمع وقيان ألا تعود لذكر ما أبصرت ~~من . . . أحدوثة من شارب سكران PageV04P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" وقال آخر : إذا ذكر النبيذ فليس حقا . . . ~~إعادة ما يكون على النبيذ إعادة ما يكون من السكارى . . . يكدر صفوة العيش ~~اللذيذ وقال آخر : تنازعوا لذة الصهباء بينهم . . . وأوجبوا لرضيع الكأس ما ~~يجب لا يحفظون على السكران زلته . . . ولا يريبك من أخلاقهم ريب ذكر ما قيل ~~في وصف آلات الشراب وأوانيها من ذلك ما قيل في وصف معصرة الخمر : قال أبو ~~الفرج الببغاء : ومعصرة أنخت بها . . . وقرن الشمس لم يغب فخلت قرارها ~~بالرا . . . ح بعض معادن الذهب وقد ذرفت لفقد الكر . . . م فيها أعين العنب ~~وجاش عباب واديها . . . بمنهل ومنسكب وياقوت العصير بها . . . يلاعب لؤلؤ ~~الحبب فيا عجبا لعاصرها . . . وما يفنى به عجبي وكيف يعيش وهو يخو . . . ض ~~في بحر من اللهب وقال ابن المعتز يصف الدنان : ودنان كمثل صف رجال . . . قد ~~أقيموا ليرقصوا دستبندا PageV04P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" وقال القطامي يصف جرار الخمر : واستودعتها ~~رواقد مقيرة . . . دكن الظواهر قد برنس بالطين مكافحات لحر الشمس قائمة . . ~~. كأنهن نبيط في تبابين وقال العلوي الأصفهاني : مخدرة مكنونة قد تقشفت . . ~~. كراهبة بين الحسان الأوانس وأترابها يلبسن بيض غلائل . . . هي العري ~~مغرور بها كل لابس مشعثة مرهاء ما خلت أنني . . . أرى مثلها عذراء في زي ~~عانس ومما قيل في الراووق ، قال بعض الشعراء : كأنما الراووق وانتصابه . . ~~. خرطوم فيل سقطت ms0782 أنيابه والبيت منه عطر ترابه . . . كأن مسكا فتقت عيابه ~~وقال آخر : سماء لاذ ، قطرها رحيق . . . رحب الذري ينحط فيه الضيق ماء عقيق ~~لو جرى العقيق . . . حتى إذا ألهبها التصفيق صحنا إلى جيراننا : الحريق ~~PageV04P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" ومما وصفت به زقاق الخمر ، فمن ذلك قول ~~الأخطل : أناخوا فجروا شاصيات كانها . . . رجال من السودان لم يتسربلوا ~~وقال أبو الهندي وأجاد في شعره : أتلف المال وما جمعته . . . طلب اللذات من ~~ماء العنب واستباء الزق من حانوتها . . . شائل الرجلين معضوب الذنب كلما كب ~~لشرب خلته . . . حبشيا قطعت منه الركب وقال ابن المعتز : وتراها وهي صرعى . ~~. . فرغا بين الندامى مثل أبطال حروب . . . قتلوا فيها كراما وقال العلوي ~~الأصفهاني : عجبت من حبشي لا حراك به . . . لا يدرك الثأر إلا وهو مذبوح ~~طورا يرى وهو بين الشرب مضطجع . . . رخو الصفاق وطورا وهو مشبوح ومما وصفت ~~به الأباريق ، فمن ذلك قول شبرمة بن الطفيل : كأن أباريق الشمول عشية . . . ~~إوز بأعلى الطف عوج الحناجر PageV04P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" وقال آخر : يا رب مجلس فتية نادمتهم . . . من ~~عبد شمس في ذرى العلياء وكأنما إبريقهم من حسنه . . . ظبي على شرف أمام ~~ظباء وقال ابن المعتز : وكأن إبريق المدام لديهم . . . ظبي على شرف أناف ~~مدلها لما استحثته السقاة جثى لها . . . فبكى على قدح النديم وقهقها وقال ~~إسحاق الموصلي : كأن أباريق المدام لديهم . . . ظباء بأعلى الرقمتين قيام ~~وقد شربوا حتى كأن رقابهم . . . من اللين لم يخلق لهن عظام وكلهم نظروا إلى ~~قول علقمة بن عبدة : كأن إبريقهم ظبي على شرف . . . مفدم بسبا الكتان ملثوم ~~وقال محمد بن هانئ من أبيات : والأباريق كالظباء العواطي . . . أوجست نبأة ~~الخيول العتاق مصغيات إلى الغناء مطلا . . . ت عليه كثيرة الإطراق ~~PageV04P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" وهي شم الأنوف يشمخن كبرا . . . ثم يرعفن ~~بالدم المهراق وقال أبو نواس عفا الله عنه : والكوب يضحك كالغزال مسبحا . . ~~. عند الركوع بلثغة الفأفاء وكأن أقداح الرحيق إذا جرت . . . وسط الظلام ~~كواكب الجوزاء وقال بشار بن برد : كأن إبريقنا والقطر من فمه . . . طير ~~تناول ياقوتا بمنقار ومما ms0783 وصفت به الكاسات والأقداح ، فمن ذلك قول ابن ~~المعتز : غدا بها صفراء كرخية . . . تخالها في كأسها تتقد وتحسب الماء ~~زجاجا لها . . . وتحسب الأقداح ماء جمد وقال ابن المعتز أيضا عفا الله عنه ~~: وكأس تحجب الأبصار عنها . . . فليس لناظر فيها طريق كأن غمامة بيضاء بيني ~~. . . وبين الكأس تخرقها البروق وقال أبو الفرج الببغاء : من كل جسم كأنه ~~عرض . . . يكاد لطفا باللحظ ينتهب كأنما صاغه النفاق فما . . . يخلص منه ~~صدق ولا كذب PageV04P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" وقال الرفاء : كأن الكئوس بفضلاتها . . . ~~متوجة بأكاليل نور جيوب من الوشي مزرورة . . . يلوح عليها بياض النحور وقال ~~آخر : وكأنما الأقداح مترعة الحشا . . . بين الشروب كواكب الجوزاء وكأنها ~~ياقوتة فضلاتها . . . مخروطة من درة بيضاء وقال المعوج : يعاطيك كأسا غير ~~ملأى كأنها . . . إذا مزجت أحداق درع مزرد كأن أعاليها بياض سوالف . . . ~~يلوح على توريد خد مورد وقال أبو نواس : وكأنما الروض السماء ونهره . . . ~~فيه المجرة والكئوس الأنجم وقال الثعالبي : يا واصف الكأس بتشبيهها . . . ~~دونك وصفا عالي القدر كأن عين الشمس قد أفرغت . . . في قالب صيغ من البدر ~~وقال آخر : أقول للكأس إذ تبدت . . . بكف أحوى أغن أحور أخربت بيتي وبيت ~~غيري . . . وأصل ذا كعبك المدور PageV04P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" الباب الخامس من القسم الثالث من الفن الثاني ~~في الندمان والسقاة قال سهل بن هارون : ينبغي للنديم أن يكون كأنما خلق من ~~قلب الملك يتصرف بشهواته ويتقلب بإرادته ، لا يمل المعاشرة ، ولا يسأم ~~المسامرة ، إذا انتشى يحفظ ، وإذا صحا ييقظ ، ويكون كاتما لسره ، ناشرا ~~لبره . قالوا : فاخر كاتب نديما ، فقال الكاتب : أنا معونة ، وأنت مؤونة ، ~~وأنا للجد ، وأنت للهزل ، وأنا للشدة ، وأنت للرخاء ، وأنا للحرب ، وأنت ~~للسلم . فقال النديم : أنا للنعمة ، وأنت للخدمة ، وأنا للحظوة ، وأنت ~~للمهنة ، تقوم وأنا قاعد ، وتحتشم وأنا مؤانس ، تدأب لراحتي ، وتشقى لما ~~فيه سعادتي ، فأنا شريك وأنت معين ، كما أنك تابع وأنا قرين . فلم يحر ~~الكاتب جوابا . والله أعلم . وسئل إسحاق بن إبراهيم الموصلي رحمه الله عن ~~الندماء ، فقال : واحد غم ، واثنان هم ، وثلاثة قوام ، وأربعة ms0784 تمام ، وخمسة ~~مجلس ، وستة زحام ، وسبعة جيش ، وثمانية عسكر ، وتسعة اضرب طبلك ، وعشرة ~~الق بهم من شئت . وقال الجماز : النبيذ حرام على اثني عشر نفسا ، من غنى ~~الخطأ ، واتكأ على اليمين ، وأكثر من أكل البقل ، وكسر الزجاج ، وسرق ~~الريحان ، وبل ما بين يديه ، وطلب العشاء ، وقطع البم ، وحبس أول قدح ، ~~وأكثر الحديث ، وامتخط في منديل الشراب ، وبات في موضع لا يحتمل المبيت فيه ~~. قال أبو هلال العسكري : ما أعاف النبيذ خيفة إثم . . . إنما عفته لفقد ~~النديم ليس في اللهو والمدامة حظ . . . لكريم دون النديم الكريم ~~PageV04P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" فتخير قبل النبيذ نديما . . . ذات خلال ~~معطرات النسيم وجمال إذا نظرت بديع . . . وضمير إذا اختبرت سليم وقال آخر : ~~أرى للكأس حقا لا أراه . . . لغير الكأس إلا للنديم هو القطب الذي دارت ~~عليه . . . رحى اللذات في الزمن القديم وقال آخر : وندمان أخي ثقة . . . ~~كأن حديثه حبره يسرك حسن ظاهره . . . وتحمد منه مختبره ويستر عيب صاحبه . . ~~. ويستر أنه ستره وقال آخر : ونديم حلو الحديث يجاري . . . ك بما تشتهيه في ~~ميدانك ألمعي كأن قلبك في أض . . . لاعه أو كلامه في لسانك وقال يحيى بن ~~زياد : ولست له في فضلة الكأس قائلا . . . لأصرفه عنها : تحس وقد أبى ولكن ~~أحييه وأكرم وجهه . . . وأشرب ما أبقى وأسقيه ما أشتهي ولست إذا ما نام ~~عندي بموقظ . . . ولا مسمع يقظان شيئا من الأذى وقال آخر : ليس من شأنه إذا ~~دارت الكأ . . . س فأزري إدمانها بالحلوم قول ما يسخط وإن أس . . . خطه عند ~~ذاك قول النديم وقال عبد الرحمن العطوي رحمه الله : اخطب لكأسك ندمانا تسر ~~به . . . أو لا فنادم عليها حكمة الكتب أخطبه حرا كريما ذا محافظة . . . ~~ترى مودته من أقرب النسب PageV04P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" وقال أبو نواس : وندمان يرى عيبا عليه . . . ~~بأن يمشي وليس به انتشاء إذا نبهته من نوم سكر . . . كفاه مرة منك النداء ~~فليس بقائل لك : إيه دعني . . . ولا مستخبرا لك ما تشاء ولكن سقني ويقول ~~أيضا . . . عليك الصرف إن أعياك ماء إذا ما أدركته الظهر صلي ms0785 . . . لا عصر ~~عليه ولا عشاء يصلي هذه في وقت هذي . . . وكل صلاته أبدا قضاء وقال آخر : ~~نبهت ندماني فهبوا . . . بعد المنام لما استحبوا هذا أجاب وذا أنا . . . ب ~~وذا يسير وذاك يحبو أنشدتهم بيتا يعلم . . . ذا الصبابة كيف يصبو ما العيش ~~إلا أن تح . . . ب وأن يحبك من تحب فتطربوا والأريحي . . . ة شأنه طرب وشرب ~~وقال أبو عبادة البحتري عفا الله تعالى عنه : ونديم نبهته ودجى اللي . . . ~~ل وضوء الصباح يعتلجان قم نبادر بها الصيام فقد أق . . . مر ذاك الهلال من ~~شعبان وقال أيضا : بات نديما لي حتى الصباح . . . أغيد مجدول مكان الوشاح ~~كأنما يبسم عن لؤلؤ . . . منضد أو برد أو أقاح PageV04P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" يساقط الورد علينا وقد . . . تبلج الصبح ، ~~نسيم الرياح إن لان عطفاه قسا قلبه . . . أو ثبت الخلخال جال الوشاح أمج ~~كأسي بجنى ريقه . . . وإنما أمزج راحا براح ومنهم من كره النديم وآثر ~~الانفراد . قال إبراهيم الموصلي عفا الله تعالى عنه ورحمه : دخلت يوما على ~~الفضل بن يحيى فصادفته يشرب وعنده كلب ، فقلت له : تنادم كلبا قال : نعم ، ~~يمنعني أذاه ، ويكف عني أذى سواه ، ويشكر قليلي ، ويحفظ مبيتي ومقيلي . ~~وأنشد : وأشرب وحدي من كراهتي الأذى . . . مخافة شر أو سباب لئيم انتهى ~~وأستغفر الله العظيم . ومما قيل في السقاة ، فمن ذلك قول الصنوبري عفا الله ~~عنه : ومورد الخدين يخ . . . طر حين يخطر في مورد يسقيك من جفن اللجي . . . ~~ن إذا سقاك دموع عسجد حتى تظن النجم ين . . . زل أو تظن الأرض تصعد فإذا ~~سقاك بعينه . . . وبفيه ثم سقاك باليد حياك بالياقوت ث . . . م الدر من تحت ~~الزبرجد PageV04P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" وقال ديك الجن : ومزر بالقضيب إذا تثنى . . . ~~ومزهاة على القمر التمام سقاني ثم قبلني وأوما . . . بطرف سقمه يشفي سقامي ~~فبت له علىالندمان أسقي . . . مداما في مدام في مدام وقال ابن المعتز : ~~تدور علينا الراح من كف شادن . . . له لحظ عين يشتكي السقم مدنف كأن سلاف ~~الخمر من ماء خده . . . وعنقودها من شعره الجعد يقطف وقال أيضا : بين ~~أقداحهم ms0786 حديث قصير . . . هو سحر وما سواه الكلام فكأن السقاة بين الندامى . ~~. . ألفات بين السطور قيام وقال أحمد بن أبي فنن : بكف مقرطق خنث . . . ~~تطيب بطيبه الريب تراها وهي في كفي . . . ه من خديه تلتهب وقال الصنوبري : ~~وساق إذا هم ندماننا . . . بأن يزجى الكأس لم يزجه كلعبة عاج على فرشه . . ~~. وليث عرين على سرجه PageV04P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" لطيف الممنطق مهتزه . . . ثقيل المؤزر مرتجه ~~سقاني بعينيه أضعاف ما . . . سقاني بكفيه من غنجه وقال آخر : يا ساقي إن ~~دارت إلى فلا . . . تمزج فإني بدمعي مازج كاسي ويا فتى الحي إن غنيت من طرب ~~. . . فغن : واحربا من قلبه القاسي وقال ابن المعتز : وعاقد زنار على غصن ~~الآس . . . دقيق المعاني مخطف الخصر مياس سقاني عقارا صب فيها مزاجها . . . ~~فأضحك عن ثغر الحباب فم الكاس وقال أيضا : قام كالغصن في النقا . . . يمزج ~~الشمس بالقمر وسقاني المدام وال . . . ليل بالصبح مؤتزر والثريا كنور غص . ~~. . ن على الغرب قد نثر وقال البحتري : وفي القهوة أشكال . . . من الساقي ~~وألوان حباب مثل ما يضح . . . ك عنه وهو جذلان ويسكر مثل ما يسك . . . ر ~~طرف منه وسنان وطعم الريق إن جاد . . . به والصب هيمان لنا من كفه راح . . ~~. ومن رياه ريحان PageV04P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" وقال أبو القاسم الهبيري الكاتب رحمة الله ~~تعالى عليه : سقاني الراح ساق ، كل راح . . . سوى ألحاظ عينيه سراب يدير ~~الكأس مبتسما علينا . . . فما ندري أثر أم حباب ؟ وقد سفر الدجى عن ثوب فجر ~~. . . منير مثل ما سفر النقاب فخلت الصبح في أثر الثريا . . . بشيرا جاء في ~~يده كتاب وقال أبو الشيص : يطوف علينا به أحور . . . يداه من الكأس ~~مخضوبتان غزال تميل بأعطافه . . . قناة تعطف كالخيزران وقال أبو بكر محمد ~~بن عمار : وهويته يسقي المدام كأنه . . . قمر يطوف بكوكب في حندس متأرج ~~الحركات تندى ريحه . . . كالغصن هزته الصبا بتنفس يسعى بكأس في أنام سوسن . ~~. . ويدير أخرى في محاجر نرجس وقال المعوج يصف ساقية : لا عيش إلا من كف ~~ساقية . . . ذات دلال في طرفها مرض كأنما الكأس حين تمزجها ms0787 . . . نجوم ليل ~~تعلو وتنخفض وقال آخر يصف امرأة ساقية : وساقية كأن بمفرقيها . . . أكاليلا ~~على طبقات ورد لها طيب المنى وصفاء لون . . . وحمرة وجنة ومذاق شهد ~~PageV04P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" وقال ديك الجن يصف ساقيا وساقية : أفديكما من ~~حاملي قدحين . . . قمرين في غصنين في دعصين رود منعمة ومهضوم الحشا . . . ~~للناظرين منى وقرة عين قامت مؤنثة وقام مؤنثا . . . فتناهبا الألحاظ ~~بالنظرين صبا على الراح إن هلالنا . . . قد صب نعمته على الثقلين وإلى ~~كأسكما على ما خيلت . . . بالتبر معجونا بماء لجين الباب السادس من القسم ~~الثالث من الفن الثاني في الغناء والسماع وما ورد في ذلك من الحظر والإباحة ~~، وما استدل به من رأى ذلك ، ومن سمع الغناء من الصحابة رضوان الله عليهم ~~أجمعين ومن التابعين ومن الأئمة والعباد والزهاد ، ومن غنى من الخلفاء ~~وأبنائهم والأشراف والقواد عنهم ، ومن اشتهر بالغناء وأخبار القيان . ذكر ~~ما ورد في الغناء من الحظر والإباحة قد تكلم الناس في الغناء في التحريم ~~والإباحة واختلفت أقوالهم وتباعدت مذاهبهم وتباينت استدلالاتهم ، فمنهم من ~~رأى كراهته وأنكر استماعه ، واستدل على تحريمه ، ومنهم من رأى خلاف ذلك ~~مطلقا وأباحه وصمم على إباحته ، ومنهم من فرق بين أن يكون الغناء مجردا أو ~~أضيف إليه آلة كالعود والطنبور وغيرهما من الآلات ذوات الأوتار والدفوف ~~والمعازف والقصب ، فأباحه على انفراده وكرهه إذا انضاف إلى غيره وحرم سماع ~~الآلات مطلقا . ولكل طائفة من أرباب هذه المقالات أدلة استدلت بها . وقد ~~رأينا أن نثبت في هذا الموضع نبذة من أقوالهم على سبيل الاختصار وحذف ~~النظائر المطولة فنقول وبالله التوفيق . PageV04P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" أما ما قيل في تحريم الغناء وما استدل به من ~~رأى ذلك ، فإنهم استدلوا على التحريم بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة ~~والتابعين والأئمة من علماء المسلمين . أما دليلهم من الكتاب العزيز فقول ~~الله عز وجل : " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن ~~اللغو معرضون " . وقوله عز وجل : " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه " . وقوله ~~سبحانه وتعالى : " والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو ms0788 مروا كرما " . ~~وقوله تبارك وتعالى : " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ~~بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين " . وقوله سبحانه وتعالى : " ~~واستفزز من استطعت منهم بصوتك " ، وقوله : " أفمن هذا الحديث تعجبون ~~وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون " . قال ابن عباس : سامدون هو الغناء بلغة ~~حمير ، وقال مجاهد : هو الغناء بقول أهل اليمن ، سمد فلان إذا غنى . وروي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في هذه الآية " ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث " : إنه الغناء ، ومن طريق آخر : إنه الغناء وأشباهه . وروي عن عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه : هو - والذي لا إله إلا هو - الغناء . وعن ~~مجاهد رضي الله عنه في قوله تعالى : " واستفزز من استطعت منهم بصوتك " قال ~~: صوته الغناء والمزامير . وعنه في قوله تعالى : " والذين لا يشهدون الزور ~~" قال : الغناء . وأما دليلهم من السنة ، فما روي عن عائشة رضي الله عنها ~~أنها قالت : إن الله عز وجل حرم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع ~~إليها ، ثم قرأت " ومن الناس من يشتري لهو الحديث " الآية . وروي عن أبو ~~أمامة رضي الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " ما رفع ~~أحد صوته بغناء إلا بعث الله عز وجل إليه شيطانين على منكبيه يضربان ~~بأعقابهما على صدره حتى يمسك " . وروي أبو الزبير عن جابر بن عبد الله رضي ~~الله عنهما قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " كان إبليس أول ~~من ناح وأول من تغنى " . وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) قال : " نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نعمة ~~وصوت عند مصيبة " . PageV04P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" وأما أقوال الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ~~، فقد روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال : ما تغنيت قط . فتبرأ من ~~الغناء وتبجح بتركه . وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : الغناء ~~ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل . وروي أن ms0789 ابن عمر رضي الله ~~عنهما مر على قوم محرمين ومعهم قوم ورجل يغني فقال : ألا لا سمع والله لكم ~~، ألا لا أسمع والله لكم . وروي عن عبد الله بن دينار قال : مر ابن عمر رضي ~~الله عنهما بجارية صغيرة تغني ، فقال : لو ترك الشيطان أحدا ترك هذه . وعن ~~إسحاق بن عيسى قال : سألت مالك بن أنس رضي الله عنه عما ترخص فيه بعض أهل ~~المدينة من الغناء فقال : ما يفعله عندنا إلا الفساق . وقال الشعبي : لعن ~~المغني والمغني له وقال الحكم بن عتيبة : حب السماع ينبت النفاق في القلب . ~~وروي أن رجلا سأل القاسم بن محمد فقال : ما تقول في الغناء ، أحرام هو ؟ ~~فأعاد عليه ، فقال له في الثالثة : إذا كان يوم القيامة فأتى بالحق والباطل ~~أين يكون الغناء ؟ قال : مع الباطل . قال القاسم : أفت نفسك . وقال الفضيل ~~بن عياض : الغناء رقية الزنا . وقال بعضهم : الغناء رائد من رواد الفجور . ~~وقال الضحاك : الغناء مفسدة للقلب ، مسخطة للرب . وقال يزيد بن الوليد مع ~~اشتهاره بما اشتهر به : يا بني أمية ، إياكم والغناء ، فإنه ينقص الحياء ~~ويزيد الشهوة ويهدم المروءة ، وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعله السكر ، ~~فإن كنتم لا شك فاعلين فجنبوه النساء ، فإن الغناء رقية الزنا . وإني لأقول ~~ذلك فيه على أنه أحب إلي من كل لذة ، وأشهى إلى نفسي من الماء إلى ذي الغلة ~~الصادي ، ولكن الحق أحق أن يقال . وأما أقوال الأئمة رحمهم الله تعالى فقد ~~قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في كتاب أدب القضاة : الغناء لهو مكروه ~~يشبه الباطل . وقال : من استكثر منه فهو سفيه PageV04P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" ترد شهادته . قال القاضي حسين بن محمد : وأما ~~سماعه من المرأة التي ليست بمحرم ، فإن أصحاب الشافعي قالوا : لا يجوز بحال ~~سواء كانت بارزة أو من وراء حجاب وسواء كانت حرة أو مملوكة . وقال الشافعي ~~: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته . ثم غلظ القول ~~فيه وقال : هو دياثة . قال : وإنما جعل صاحبها سفيها ms0790 لأنه دعا الناس إلى ~~الباطل ، ومن دعا إلى باطل كان سفها فاسقا . وقال مالك بن أنس : إذا اشترى ~~جارية فوجدها مغنية كان له ردها بالعيب ، قال : وهو مذهب سائر أهل المدينة ~~إلا إبراهيم بن سعد أهل الكوفة وسفيان الثوري ، وحماد بن سلمة ، وإبراهيم ~~النخعي ، والشعبي وغيرهم لا خلاف بينهم في ذلك . قال : ولا يعرف أيضا بين ~~أهل البصرة خلاف في كراهة ذلك والمنع منه . وقال بعض الزهاد : والغناء يورث ~~العناد في قوم ، ويورث التكذيب في قوم ، ويرث القساوة في قوم . وقال بعضهم ~~عن حاله عند السماع : أتذكر وقتنا وقد اجتمعنا . . . على طيب الغناء إلى ~~الصباح ودارت بيننا كأس الأغاني . . . فأسكرت النفوس بغير راح فلم ترفيهم ~~إلا نشاوي . . . سرورا والسرور هناك صاحي إذا لبى أخو اللذات فيه . . . ~~منادي اللهو حي على السماح ولم يملك سوى المهجات شيئا . . . أرقناها لألحاظ ~~ملاح هذا ملخص ما ذكروه في تحريم الغناء . وقد استدل من أباحه بما يناقض ما ~~تقدم على ما نذكر ذلك إن شاء الله في إباحة الغناء . PageV04P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" ذكر ما ورد في إباحة الغناء والضرب بالآلة ~~وقد تكلم الناس في إباحة الغناء وسماع الأصوات والنغمات والآلات ، وهي الدف ~~واليراع والقصب والأوتار على اختلافها من العود والطنبور وغيره ، وأباحوا ~~ذلك واستدلوا عليه وضعفوا الأحاديث الواردة في تحريمه ، وتكلموا على رجالها ~~وجرحوهم وبسطوا في ذلك المصنفات ووسعوا القول وشرحوا الأدلة . وطالعت من ~~ذلك عدة تصانيف في هذا الفن مجردة له ومضافة إلى غيره من العلوم . وكان ممن ~~تكلم في ذلك وجرد له تصنيفا الشيخ الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن ~~علي المقدسي رحمه الله تعالى ، فقال في ذل ما نذكر مختصره ومعناه : اعلم أن ~~الله تعالى بعث محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) بالحنيفية السمحة إلى الكافة ~~. قال الله تعالى : " الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا ~~عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم ~~الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~فالذين آمنوا ms0791 به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون " . فبلغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الرسالة ، وأدى ~~الأمانة ، ونصح الأمة ، وسن وشرع ، وأمر ونهى ، كما أمر ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . فليس لأحد بعده وبعد الخلفاء الراشدين الذين أمر رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بالاقتداء بهم والاتباع لسنتهم أن يحرم ما أحل الله عز ~~وجل ورسوله ( صلى الله عليه وسلم ) إلا بدليل ناطق من آية محكمة ، أو سنة ~~ماضية صحيحة ، أو إجماع من الأمة على مقالته . وأما الاستدلال بالموضوعات ~~والغرائب والأفراد من رواية المكذبين والمجرحين الذين لا تقوم بروايتهم حجة ~~، وبأقاويل من فسر القرآن على حسب مراده ورأيه ، فلا يرجع إلى قولهم ولا ~~يسلك طريقهم ، إذ لو جاز ذلك لم يكن قول أحد من الناس أولى من قول غيره ، ~~وإنما يلزم بقول من أيد بالوحي والتنزيل ، وعصم من التغيير والتبديل . قال ~~الله تعالى : " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى " . فعلمنا أنه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) لم يأمر ولم ينه عن أمر إلا بوحي من الله تعالى . وكذلك ~~كان ( صلى الله عليه وسلم ) إذا سئل عن أمر لم ينزل فيه وحي توقف حتى يأتيه ~~الوحي ، وليست هذه المنزلة لغيره فيلزم قبول قوله . PageV04P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" ذكر ما استدلوا به على إباحة الغناء من ~~الأحاديث النبوية قد استدلوا على إباحة الغناء بأحاديث صحيحة عن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) . منها ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ~~دخل علي أبو بكر رضي الله عنه وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما ~~تقاولت به الأنصار يوم بعاث وليستا بمغنيتين ، فقال أبو بكر : أمزمار ~~الشيطان في بيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وذلك يوم عيد . فقال له ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا ~~عيدنا " . ومن طريق آخر عنها رضي الله عنها قالت : دخل عل رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث ، فاضطجع ms0792 على الفراش ~~وحول وجهه ، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال : مزمارة الشيطان عند النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فأقبل عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : " ~~دعهما " . فلما غفل غمزتهما فخرجتا ، وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدرق ~~والحراب ، فإما سألت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإما قال : " ~~تشتهين تنظرين " فقلت نعم . فأقامني وراءه ، خدي على خده وهو يقول : " ~~دونكم يا بني أرفدة " حتى إذا مللت قال . " حسبك ؟ " قلت نعم . قال : " ~~فاذهبي " . ومن طريق آخر عنها رضي لله عنها : أن أبا بكر رضي الله عنه دخل ~~عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان والنبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) متغش بثوبه ، فانتهرهما أبو بكر ، فكشف النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) عن وجهه وقال : " دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد " . وتلك الأيام أيام ~~منى . وقالت عائشة : رأيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يسترني وأنا أنظر ~~إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر ، فقال النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " دعهم أمنا بني أرفدة " يعني من الأمن . قال أبو محمد علي بن ~~أحمد بن سعيد بن حزم رحمه الله عند ذكر هذه الأحاديث : أين يقع إنكار من ~~أنكر من إنكار سيدي هذه الأمة بعد نبيها ( صلى الله عليه وسلم ) : أبي بكر ~~وعمر رضي الله عنهما وقد أنكر عليه الصلاة والسلام إنكارهما ، فرجعا عن ~~رأيهما إلى قوله ( صلى الله عليه وسلم ) . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ~~كانت PageV04P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" جارية من الأنصار في حجري فزففتها ، فدخل ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يسمع غناء ، فقال : " يا عائشة ألا ~~تبعثين معها من يغني فإن هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء " . وعن جابر بن ~~عبد الله رضي الله عنهما قال : نكح بعض الأنصار بعض أهل عائشة فأهدتها إلى ~~قباء ، فقال لها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أهديت عروسك " ؟ ~~قالت نعم . قال : " فأرسلت معها بغناء فإن الأنصار يحبونه " ؟ قال لا . قال ~~: " فأدركيها يا زينب " امرأة كانت تغني بالمدينة رواه أبو ms0793 الزبير محمد بن ~~الزبير بن مسلم المكي عن جابر . وعنه أيضا قال : أنكحت عائشة رضي الله عنها ~~ذات قرابة لها رجلا من الأنصار ، فجاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فقال : " أهديتم الفتاة " ؟ قالوا نعم . قال : " أرسلتم معها " ؟ - قال أبو ~~طلحة راوي الحديث : ذهب عني - فقالت لا . فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : إن الأنصار قوم فيهم غزل فلو بعثتم معها من يقول : أتيناكم ~~أتيناكم . . . فحيانا وحياكم " وروي عن فضالة بن عبيد قال قال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " لله اشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر ~~به من صاحب القينة إلى قينته " . قال أبو عبد الله الحاكم في كتابه ~~المستدرك : هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم ، ولم يخرجاه ، وقد خرجه ~~الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه . قال الحافظ ~~أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي رحمه الله تعالى : ووجه الاحتجاج من هذا ~~الحديث هو أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أثبت أن الله تعالى يستمع ~~إلى حسن الصوت بالقرآن كما يستمع صاحب القينة إلى قينته ، فأثبت دليل ~~السماع إذ لا يجوز أن يقيس على استماع محرم . قال : ولهذا الحديث أصل في ~~الصحيحين أخرجاه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) قال : " ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغني بالقرآن " . هذا ما ورد في ~~السماع . وأما ما ورد في الضرب بالآلة ، فمن ذلك ما ورد في الدف . روي عن ~~محمد بن حاطب قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " فصل ما بين ~~الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح " . قال الحافظ أبو الفضل رحمه الله ~~تعالى : هذا حديث صحيح ألزم أبو الحسن PageV04P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" الدارقطني مسلما إخراجه في الصحيح ، وقال : ~~قد روي عنه يعني محمد حاطب أبو مالك الأشجعي وسماك بن حرب وابن عون ويوسف ~~نب سعد وغيرهم . قال : وأخرج هذا الحديث أبو عبد الرحمن النسائي وأبو عبد ~~الله بن ماجة في سننهما ms0794 . وروى الحافظ أبو الفضل بسند رفعه إلى جابر رضي ~~الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سمع صوت دف فقال : " ما هذا ~~" ؟ فقيل : فلان تزوج . فقال : " هذا نكاح ليس بالسفاح " . وقد ضعف إسناده ~~لأنه شاهد الحديث الصحيح المتقدم . وروى أبو الفضل أيضا بسنده إلى خالد بن ~~ذكوان عن الربيع بنت معوذ قالت : جاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فدخل على صبيحة بني علي ، فجلس على فراشي كمجلسك مني ، فجعلت جويريات يضربن ~~بدف لهن ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر إلى أن قالت إحداهن : وفينا نبي ~~يعلم ما في غد ، فقال : " دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين قبله " . وهذا ~~حديث صحيح أخرجه البخاري . قال : وقد رواه حماد بن سلمة ن خالد بن ذكوان ~~أتم من هذا ، قال : كنا بالمدينة يوم عاشوراء وكان الجواري يضربن بالدف ~~ويغنين ، فدخلنا على الربيع بنت معوذ ، فذكرنا لها ذلك ، فقالت : دخل علي ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) صبيحة عرسي وعندي جاريتان تغنيان وتندبان ~~آبائي الذين قتلوا يوم بدر ، وتقولان فيما تقولان : وفينا نبي يعلم ما في ~~غد ، فقال : " أما هذا فلا تقولوه لا يعلم ما في غد إلا الله عز وجل " . ~~وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سافر سفرا ، ~~فنذرت جارية من قريش لئن رده الله تعالى أن تضرب في بيت عائشة بدف . فلما ~~رجع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جاءت الجارية فقالت عائشة لرسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) : فلانة ابنة فلان نذرت لئن ردك الله تعالى أن تضرب ~~في بيتي بدف ، قال : " فلتضرب " . قال أبو الفضل : وهذا إسناد تصل ورجاله ~~ثقات ، وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا نذر في معصية الله ~~" . فلو كان ضرب الدف معصية لأمر بالتكفير عن نذرها أو منعها من فعله . ~~وروي عن الشعبي قال : مر عياض الأشعري في يوم عيد فقال : مالي لا أراهم ~~يفلسون فإنه من السنة والتفليس : الضرب بالدف . قال هشيم . PageV04P0141 # """""" صفحة رقم ms0795 142 """""" وأما ما ورد في اليراع ، فقد احتج بعضهم ~~بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو ما خرجه أبو داود سليمان بن ~~الأشعث السجستاني في سننه قال : حدثنا أحمد بن عبد الله لغداني ، حدثنا ~~مسلم ، حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع ، قال : سمع ~~ابن عمر رضي الله عنهما مزمارا ، فوضع إصبعيه على أذنيه ونأى عن الطريق ، ~~وقال لي : يا نافع ، هل تسمع شيئا ؟ قلت لا . قال : فرفع إصبعيه من أذنيه ~~وقال : كنت مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا ~~. قال أبو عبد الله اللؤلئي : سمعت أبا داود يقول : هذا الحديث منكر . وقال ~~الحافظ محمد بن طاهر : هذا حديث خرجه أبو داود في سننه هكذا وقد أنكره . ~~وقد ورد من غير هذا الطريق أن ابن عمر رضي الله عنهما سمع راعيا وذكره . ~~وفساد هذا الحديث من وجهين : أحدهما فساد طريق الإسناد ، فإن سليمان هذا هو ~~الأشدق الدمشقي تكلم فيه أهل النقل وتفرد بهذا الحديث عن نافع ولم يؤوه عنه ~~غيره . وقال البخاري : سليمان بن موسى عنده مناكير . والثاني قول عبد الله ~~بن عمر رضي الله عنهم : أتسمع ؟ ولو كان ذلك منهيا عنه لم يأمره بالاستماع ~~. وقوله : كنت مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فسمع مثل هذا فصنع مثل ~~هذا . ولو كان حراما لنهاه عنه وصرح بتحريمه ، لأنه الشارع المأمور بالبيان ~~. قالت عائشة رضي الله عنها : علقت على سهوة لي سرا فيه تصاوير ، فلما رآه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تلون وجهه وهتكه . وسمع النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحلف بآبائه فنهاه عن ذلك . ورأى ~~يزيد بن طخفة مضطجعا على بطنه فنهاه وقال : " هذه ضجعة يبغضها الله عز وجل ~~" . وسمع ( صلى الله عليه وسلم ) رجلا يلعن ناقته ، فوقف فقال : " لا ~~يتبعنا ملعون " ، فنزل عنها وأرسلها . قال الحافظ المقدسي : وتأخير البيان ~~عن وقت الحاجة لا يجوز بحال ، فثبت فساد هذا الحديث إسنادا ms0796 ومتنا . وأما ما ~~ورد في القصب والأوتار . ويقال له التغيير ، ويقال له القطقطة أيضا . ولا ~~فرق بينه وبين الأوتار ، إذ لم يوجد في إباحته وتحريمه أثر لا صحيح ولا ~~PageV04P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" سقيم ، وإنما استباح المتقدمون استماعه لأنه ~~مما لم يرد الشرع بتحريمه ، وكان أصله الإباحة . وأما الأوتار ، فالقول ~~فيها القول في القصب ، لم يرد الشرع بتحليلها ولا تحريمها . قال : وكل ما ~~أوردوه في التحريم فغير ثابت عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ولا ~~خلاف بين أهل المدينة في إباحة سماعه . ومن الدليل على إباحته أن إبراهيم ~~بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف مع جلالته وفقهه وثقته كان يفتي ~~بحله ، وقد ضرب بالعود - وسنذكر خبره في ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى - ~~ولم تسقط عدالته بفعله عند أهل العلم ، فكيف تسقط عدالة المستمع وكان يبالغ ~~في هذا الأمر أتم مبالغة . وقد أجمعت الأئمة على عدالته واتفق البخاري ~~ومسلم على إخراج حديثه في الصحيح ، وقد علم من مذهبه إباحة سماع الأوتار . ~~والأئمة الذين رووا عنه أهل الحل والعقد في الآفاق إنما سمعوا منه ورووا ~~عنه بعد استماعهم غنائه وعلمهم أنه يبيحه ، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل ، ~~سمع منه ببغداد بعد حلفه أنه لا يحدث حديثا إلا بعد أن يغني على عود ، وذلك ~~أنه لا شك سمع غناءه ثم سمع حديثه . قال : وهذا أمر لم يردعن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في تحليله ولا تحريمه نص يرجع إليه ، فكان حكمه كحكم ~~الإباحة . وإنما تركه من تركه من المتقدمين تورعا كما تركوا لبس اللين وأكل ~~الطيب وشرب البارد والاجتماع بالنسوان الحسان ، ومعلوم أن هذا كله حلال . ~~وقد ترك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أكل الضب وسئل عنه أحرام هو ؟ ~~قال : " لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدنثي أعافه " وأكل على مائدته ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . وقد روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال : إذا ~~رأيت أهل المدينة اجتمعوا على شيء فاعلم أنه سنة ms0797 . وقد روي عن محمد بن ~~سيرين رحمه اله أن رجلا قدم المدينة بجوار ، فنزل على ابن عمر وفيهن جارية ~~تضرب ، فجاء رجل فساومه فلم يهو منهن شيئا . فقل : انطلق إلى رجل هو أمثل ~~لك بيعا من هذا ، فأتى إلى عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه ، فأمر جارية قال ~~: خذي ، فأخذت العود حتى ظن ابن عمر أنه قد نظر إلى ذلك ، فقال ابن عمر : ~~حسبك سائر اليوم من مزمور الشيطان ، قال : فبايعه . ثم جاء الرجل إلى ابن ~~عمر فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إني PageV04P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" غبنت بسبعمائة درهم . فأتى ابن عمر إلى ابن ~~جعفر فقال : إنه قد غبن بسبعمائة درهم ، فإما أن تعطيها إياه وإما أن ترد ~~عليه بيعه ، فقال : بل نعطيها إياه . وهذه الحكاية ذكرها أبو محمد بن حزم ~~واستدل بها على إباحته فقال : فهذا عبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر رضي ~~الله عنهما قد سمعا الغناء بالعود ، وإن كان ابن عمر كره ما ليس من الجد ~~فلم ينه عنه ، وقد سفر في بيع مغنية كما ترى ، ولو كان حراما ما استجاز ذلك ~~أصلا . وأما ما ورد في المزامير والملاهي ، قال الشيخ الإمام الحافظ أبو ~~الفضل محمد بن طاهر المقدسي : وأما القول في المزامير والملاهي ، فقد وردت ~~الأحاديث الصحيحة بجواز استماعها . فمن ذلك ما رواه بسند رفعه إلى علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ~~" ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يفعلونه غير مرتين كل ذلك يحول الله ~~عز وجل بيني وبين ما أريده من ذلك ثم ما هممت بعدها بشيء حتى أكرمني الله ~~برسالته فإني قلت لغلام من قريش ليلة وكان يرعى معي في أعلى مكة لو أنك ~~أبصرت غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب قال أفعل . فخرجت أريد ~~ذلك حتى جئت أول دار من ديار مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير فقلت ما هذا ~~فقالوا فلان تزوج فلانة بنت فلان فجلست أنظر ms0798 إليهم فضرب الله عز وجل على ~~أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال ماذا فعلت قلت ما ~~صنعت شيئا ثم خبرته الخبر فقال ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك فقال أفعل ~~فخرجت حتى دخلت مكة فسمعت حين دخلت مكة مثل ما سمعت تلك الليلة فسألت عنه ~~فقالوا فلان نكح فلانة فجلست أنظر فضرب الله على أذني فما أيقظني إلا مس ~~الشمس فخرجت إلى صاحبي فأخبرته الخبر ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله ~~تعالى برسالته " . قال الحافظ أب الفضل : وكان هذا قبل النبوة والرسالة ~~ونزول الأحكام والفرق بين الحلال والحرام ، فإن الشرع لما ورد أمره الله ~~تعالى بالإبلاغ والإنذار فأقره على ما كان عليه في الجاهلية ولم يحرمه كما ~~حرم غيره . قال : والدليل على أنه باق على الإباحة قول الله عز وجل : " ~~وإذا رأوا تجارة PageV04P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند ~~الله خير من اللهو والتجارة والله خير الرازقين " . ثم بين الدليل على ذلك ~~بما رواه بسنده إلى جابر قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يخطب ~~قائما ، ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائما ، يخطب خطبتين . فكانت الجواري إذا ~~أنكحوهن يمرون فيضربون بالدف والمزامير فيتسلل الناس ويدعون رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قائما ، فعاتبهم الله عز جل بقوله : " وإذا رأوا ~~تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما " . وقال : هذا حديث صحيح أخرجه ~~مسلم في كتابه عن عبد اله بن حميد عن خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال . ~~والله عز وجل عطف اللهو على التجارة وحكم المعطوف حكم ما عطف عليه ، ~~والإجماع على تحليل التجارة ، فثبت أن هذا الحكم مما أقره الشرع على ما كان ~~عليه في الجاهلية لأنه غير محتمل أن يكون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~حرمه ، ثم يمر به على باب المسجد يوم الجمعة ثم يعاتب الله عز وجل من ترك ~~رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) قائما ثم خرج ينظر إليه ويستمع . لم ms0799 ينزل في ~~تحريمه آية لا سن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سنة ، فعلمنا بذلك ~~بقاءه على حاله . قال : ويزيد ذلك بيانا ووضوحا حديث عائشة رضي الله عنها ~~في المرأة التي زفتها وقد تقدم ذكر الحديث . وروي أيضا بسند رفعه عن زوج ~~درة بنت أبي لهب قال : دخل على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين تزوجت ~~درة فقال : " هل من لهو " . ذكر ما ورد في توهين ما استدلوا به على تحريم ~~الغناء والسماع قد ذكر الحافظ أبو الفضل المقدسي رحمه الله تعالى الأحاديث ~~التي استدلوا بها على تحريمه وفسروا بها الآيات والأحاديث التي استدلوا بها ~~على تحريمه مما قدمنا ذكر ذلك في حججهم ومما لم نذكره مما يستدل به على ~~تحريمه وكراهته وضعف رجالها . وتكلم الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله ~~أيضا في ذلك ووهن احتجاجهم إذا ثبت الحديث على ما نذكر ذلك . PageV04P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" قال الحافظ أبو الفضل : أما ما احتجوا به من ~~الآيات في قوله تعالى : " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ~~بغير علم " الآية . وما أوردوه في ذلك من الأسانيد إلى عبد الله بن عباس ، ~~وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمر رضي لله عنهم ، فنظرت في جميعها فلم ~~أر فيها طريقا يثبت إلا واحدا منها رواه يوسف بن موسى القطان عن جرير بن ~~عبد الحميد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم ~~في قوله تعالى : " ومن الناس من يشتري لهو الحديث " قال : الغناء وأشباهه . ~~وسائرها لا يخلو من رواية ضعيف لا تقوم بروايته حجة . قال : ورأيت في بعضها ~~رواية عطية العوفي عن ابن عباس من حديث غير ثابت أصلا " ومن الناس من يشتري ~~لهو الحديث " قال : باطل الحديث وهو الغناء ونحوه ، وهو أن رجلا من قريش ~~اشترى جارية مغنية فنزلت فيه . قال : وهذا وإن لم يصح عندي الاحتجاج بسندهم ~~فيلزمهم قبوله لأنهم احتجوا به فيكون في حق هذا الرجل بعينه . وقد ورد ms0800 في ~~الآية تفسير ثالث يلزمهم قبوله على أصلهم ، وذكر حديثا رفعه إلى نافع عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما : أنه سمع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول في ~~قوله عز وجل : " ومن الناس من يشتري لهو الحديث " " اللعب والباطل وتشح ~~نفسه أن يتصدق بدرهم " . قال : وهذا أيضا غير ثابت عندي وإنما أوردت هذين ~~التفسيرين مناقضة لما أوردوه فيما تمسكوا به . قال : ولن أركن إلى هذا أبدا ~~ولا أقنع به ولا أحتج عليه ولا ألزمهم إياه ، بل أقول صح عن عبد الله بن ~~عباس رضي الله عنهما إجماع أهل السنة على أن السنة تقضي على الكتاب ، وأن ~~الكتاب لا يقضي على السنة ، وقد جاءت السنة الصحيحة : أن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) استمع للغناء وأمر باستماعه ، وقد أوردنا في ذلك من الأحاديث ~~ما تقدم إيراده . قال : وجواب ثان يقال لهؤلاء القوم المحتجين بهذه ~~التفاسير : هل علم هؤلاء الصحابة الذين أوردتم أقاويلهم من هذه الآية ما ~~علمه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أو لم يعلمه ؟ فإن قالوا : لم يعلمه ~~وعلمه هؤلاء ، كان جهلا عظيما بل كفرا . وإن قالوا : علمه ، قلنا : نقل ~~إلينا عنه في تفسير هذه الآية مثل ما نقل عن هؤلاء من الصحابة ، وتأخير ~~البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحاجل . ومن المحال أن يكون تفسير قوله عز ~~وجل : " ومن PageV04P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" الناس من يشتري لهو الحديث " هو الغناء ، ~~ويقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أما كان معكن لهو فإن الأنصار ~~يعجبهم اللهو " . وقال أحمد بن حنبل رحمه الله : ثلاثة ليس لها أصل : ~~المغازي ، والملاحم ، والتفسير . وقال أبو حاتم محمد بن حسان في كتاب ~~الضعفاء : الله عز وجل يؤتي رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) تفسير كلامه ~~وتأويل ما أنزل عليه حيث قال : " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم " . ومن المخل المحال أن يأمر الله تعالى نبيه ( صلى الله عليه وسلم ~~) أن يبين لخلقه مراده حيث جعله موضع الإبانة عن كلامه ومفسرا لهم حتى ~~يفهموا مراد الله ms0801 عز وجل فلا يفعل ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~بل أبان مراد الله عز وجل من الآي وفسر لأمته ، ما تهم الحاجة إليه ، وبين ~~سنته ( صلى الله عليه وسلم ) . فمن تتبع السنن وحفظها وأحكمها فقد عرف ~~تفسير كتاب الله عز وجل وأغناه لله تعالى عن الكلبي وذويه ، وما لم يبين ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لأمته في معاني الآي التي أنزلت عليه مع ~~أمر الله عز وجل له بلك جاز ذلك كان لمن بعده من أمته أجوز ، وترك التفسير ~~لما تركه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أحرى . قال : ومن أعظم الدلائل ~~على أن الله تعالى لم يرد بقوله : " لتبين للناس ما نزل إليهم " القرآن كله ~~أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) نزل عليه من الكتاب متشابه من الآي . ~~فالآيات التي ليس فيها أحكام لم يبين كيفيتها لأمته . فلما فعل ذلك رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) دل ذلك على أن المراد من قوله تعالى : " لتبين ~~للناس ما نزل إليهم " كان بعض القرآن لا الكل . وقال الإمام أبو حامد ~~الغزالي رحمه الله في هذه الآية : وأما شراء لهو الحديث بالدين استبدالا به ~~ليضل به عن سبيل الله فهو حرام مذموم ، وليس النزاع فيه . وليس كل غناء ~~بدلا عن الدين مشترى به ومضلا عن سبيل الله وهو المراد ف الآية ، ولو قرأ ~~القرآن : ليضل به عن سبيل الله لكان حراما . حكي عن بعض المنافقين : أنه ~~كان يؤتم الناس ولا يقرأ إلا سورة " عبس " لما فيها من العتاب مع رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، فهم عمر بقتله ورأى فعله حراما لما فيه من ~~الإضلال فالإضلال بالشعر والغناء أولى بالتحريم . PageV04P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" وقال الثعلبي في أحد أقواله عن تفسير هذه ~~الآية عن الكلبي ومقاتل : نزلت في النضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن ~~عبد الدار بن قصي ، كان يتجر فيخرج إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها ~~ويحدث بها قريشا ويقول : إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا ms0802 أحدثكم ~~بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستملحون حديثه ويتركون استماع ~~القرآن . واحتجوا بقوله تعالى : " أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا ~~تبكون وأنتم سامدون " قال ابن عباس : هو الغناء بلغة حمير ، يعني - السمود ~~- قال الغزالي رحمه الله : فنقول ينبغي أن يحرم الضحك وعدم البكاء أيضا ، ~~لأن الآية تشتمل عليه ، فإن قيل : إن ذلك مخصوص بالضحك على المسلمين ~~لإسلامهم فهذا أيضا مخصوص بأشعارهم وغنائهم في معرض الاستهزاء بالمسلمين ~~كما قال تعالى : " والشعراء يتبعهم الغاوون " وأراد به شعراء الكفار ولم ~~يدل ذلك على تحريم نظم الشعر في نفسه . واحتجوا بقوله تعالى : " والذين هم ~~عن اللغو معرضون " . قال الثعلبي : قال الحسن ، عن المعاصي . وقال ابن عباس ~~: الحلف الكاذب . وقال مقاتل : الشتم والأذى . وقال غيرهم : ما لا يحل من ~~القول والفعل . قال : وقيل اللغو الذي لا فائدة فيه . واحتجوا بقوله تعالى ~~: " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه " . قال الثعلبي : أي القبيح من القول . ~~وبقوله تعالى : " وإذا مروا باللغو مروا كراما " . قال مقاتل : إذا سمعوا ~~من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا ، وبقوله : " واستفزز من استطعت منهم ~~بصوتك " . قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : بدعائك إلى معصية الله تعالى . وكل ~~داع إلى معصية الله تعالى من جنود إبليس . وأما ما احتجوا به من الحديث ~~فإنهم احتجوا بحديث روي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال : " لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ولا تحل التجارة ~~فيهن وأثمانهن حرام والاستماع إليهن حرام " . قال الحافظ أبو الفض المقدسي ~~رحمه الله : هذا حديث رواه عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن ~~أبي أمامة ، قال : والصحابة كلهم عدول . وأما عبيد الله بن زحر وعلي والقسم ~~فهم في الرواية سواء لا يحتج بحديث واحد منهم إذا انفرد بالرواية عن ثقة ~~فكيف PageV04P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" إذا روي عن مثله . أما عبيد الله بن زحر ~~فيقال : إنه من أهل مصر . قال أبو مسهر الغساني : عبيد الله بن زحر صاحب كل ~~معضلة ليس على حديثه اعتماد . وقال ms0803 عثمان بن سعيد الدارمي : قلت ليحيى بن ~~معين : عبيد الله ابن زحر كيف حديثه ؟ قال : كل حديثه ضعيف ، قلت : عن علي ~~بن يزيد وغيره ؟ قال نعم . وقال عباس الدوري عن يحيى : عبيد الله بن زحر ~~ليس بشيء . وقال أبو حاتم في كتاب الضعفاء والمتروكين : عبيد الله بن زحر ~~منكر الحديث جدا ، روى الموضوعات عن الثقات وإذا روى عن علي بن يزيد أتى ~~بالظلمات ، وإذا اجتمع في إسناد عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقسم بن ~~عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الحديث إلا مما عملت أيديهم فلا يحل الاحتجاج ~~بهذه الصحيفة . قال المقدسي : وهذا الحديث قد اجتمعوا في إسناده ، قال : ~~وأما علي بن يزيد فهو من أهل دمشق يكنى بأبي عبد الملك روى عن القاسم قال ~~النسائي في كتاب الضعفاء : علي بن يزيد متروك الحديث . وقل أبو عبد الرحمن ~~بن حيان : علي بن يزيد مطروح منكر الحديث جدا . وأما القاسم بن عبد الرحمن ~~ويكنى بأبي عبد الرحمن فقال يحيى بن معين : القاسم بن عبد الرحمن لا يسوي ~~شيئا . وقال أحمد بن حنبل ، وذكر القاسم مولى يزيد بن معاوية فقال : منكر ~~الحديث . وقال أبو حاتم بن حسان : القاسم يروي عنه أهل الشام ، كان يروي عن ~~الصحابة المعضلات ويأتي عن الثقات بالأسانيد المقلوبات ، حتى كان يسبق إلى ~~القلب أنه المعتمد لها . قال المقدسي : فهذا شرح أحوال رواة الحديث الذي ~~احتجوا به في التحريم ، هل تجوز روايته كما ذكره الأئمة حتى يستدل به في ~~التحليل والتحريم . واحتجوا بما روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ~~قال : " أمرني ربي عز وجل بنفي الطنبور والمزمار " وهو حديث رواه إبراهيم ~~بن اليسع بن الأشعث المكي وإسماعيل بن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي ~~الله عنها . وإبراهيم هذا - قال البخاري - : منكر الحديث . وقال النسائي : ~~المكي ضعيف . PageV04P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" واحتجوا بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال ~~: نهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن ضرب الدف ولعب الصنج وصوت ~~الزمارة ms0804 ، وهو حديث رواه عبد الله بن ميمون عن مطر بن سالم عن علي قال : ~~وعبد الله هو القداح ذاهب الحديث ، ومطر هذا شبه مجهول . واحتجوا بما روي ~~عن علي رضي الله عنه أنه قال : نهاني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن ~~المغنيات والنواحات وعن شرائهن وبيعهن والتجارة فيهن وقال : " كسبهن حرام " ~~. قال : وهذا حديث رواه علي بن يزيد الصدائي عن الحارث بن نبهان عن أبي ~~إسحاق السبيعي عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال : والحارث بن نبهان ليس ~~بشيء ولا يكتب حديثه قاله يحيى بن معين . وقال البخاري : الحارث منكر ~~الحديث . وقال أحمد بن حنبل : الحارث رجل صالح ولم يكن يعرف الحديث ولا ~~يحفظ ، منكر الحديث . وقال النسائي : الحارث بن نبهان متروك الحديث . لم ~~يروه عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي وغيره ولا رواه عنه غير علي بن ~~يزيد الصدائي . وعلى هذا قال أحمد بن عدي : أحاديثه لا تشبه أحاديث الثقات ~~. والحارث الذي روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الحارث بن عبد الله ~~أبو زهير الخارفي الأعور ، أجمع أهل النقل على كذبه ، والحمل في هذا الحديث ~~على الحارث بن نبهان وإن كان في الإسناد من الضعفاء غيره . واحتجوا بما روي ~~عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " صوتان ملعونان في الدنيا ~~والآخرة صوت مزمار عند نعمة وصوت ندبة عند مصيبة " وهذا حديث رواه محمد بن ~~زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ومحمد بن زياد هذا هو ~~الطحان اليشكري . قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سألت أبي عنه فقال : أعور ~~كذاب خبيث يضع الحديث . وقال يحيى بن معين : أجمع الناس على طرح هؤلاء ~~النفر لا يعتد بهم ، منهم محمد بن زياد . وكان أبو يوسف الصيدلاني يقول : ~~قدم محمد بن زياد الرقة بعد موت ميمون بن مهران . واحتجوا بما روي عن النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) : أنه ذكر خسفا ومسخا وقذفا يكون في هذه الأمة ، ~~قالوا : يا ms0805 رسول الله إنهم يقولون : لا إله إلا الله ، قال : " نعم إذا ~~PageV04P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" أظهروا النرد والمعازف وشرب الخمور ولبس ~~الحرير " قال : وهذا حديث رواه عثمان بن مطر عن عبد الغفور عن عبد العزيز ~~بن سعيد عن أبيه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . قال : ~~وعثمان هو الشيباني من أهل البصرة وكان ضريرا . قال يحيى بن معين : ليس ~~بشيء . وقال البخاري : متروك الحديث . واحتجوا بما روي عن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أنه قال : " بعثني ربي عز وجل بمحق المزامير والمعازف والأوثان ~~التي كانت تعبد في الجاهلية والخمر وأقسم ربي عز وجل بعزته ألا يشربها عبد ~~في الدنيا " الحديث . قال : وهذا حديث رواه محمد بن الفرات عن أبي إسحاق ~~السبيعي عن الحارث الأعور عن علي بن أي طالب رضي الله عنه ، ومحمد بن ~~الفرات هذا من أهل الكوفة . قال أبو بكر بن أبي شيبة : هذا شيخ كذاب . وقال ~~يحيى بن معين : ليس بشيء . وقال النسائي : متروك . وقد تقدم ذكر السبيعي ~~والحارث الأعور ، ومضى الكلام عليه . واحتجوا بما روي عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه مسندا : " إن الغناء ينبت النفاق في القلب " وهو حديث عبد الرحمن ~~بن عبد الله العمري ابن أخي عبيد الله بن عمر عن أبيه عن سعيد ابن أبي سعيد ~~المقبري عن أبي هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعبد الرحمن هذا ~~قال أحمد بن حنبل : ليس يسوى حديثه شيئا ، سمعت منه ثم تركناه وكان ولي ~~قضاء المدينة ، أحاديثه مناكير وكان كذابا . قال النسائي : وهو متروك ~~الحديث . واحتجوا بما روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من ~~استمع إلى قيان صب في أذنيه الآنك " وهو حديث رواه أبو نعمي الحلبي عن عبد ~~الله بن المنذر عن مالك عن محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك . وأبو نعيم ~~اسمه عبيد بن هشام من أهل حلب ضعيف ولم يبلغ عن ابن المبارك . مرسل . ~~واحتجوا بما روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " لعن ms0806 الله ~~النائحة والمستمعة والمغني والمغنى له " وهو حديث رواه عمرو بن يزيد ~~المدائني عن الحسن البصري عن أبي هريرة ، وعمرو هذا قال أبو أحمد بن عدي : ~~منكر الحديث ، والحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئا . وقال ابن عدي : هذا ~~الحديث غير محفوظ . PageV04P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" واحتجوا بما روي عن النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أنه قال : " النظر إلى المغنية حرام وغناؤها حرام وثمنها حرام " وهو ~~حديث يزيد بن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل النوفلي المدني عن يزيد بن ~~خصيفة عن السائب بن يزيد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . ويزيد الأول قال النسائي : متروك الحديث . وقال أحمد بن ~~حنبل : عنده مناكير . وقال يحيى بن معين : يزيد بن عبد الملك ليس بذاك . ~~واحتجوا بما روي عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " واتخذ القيان والمعازف " ، وهو حديث رواه فرج بن فضالة الشيباني ~~من أهل حمص عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن علي عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه . قال عبد الرحمن بن مهدي : أحاديث الفرج عن يحيى بن سعيد ~~منكرة . وقال يحيى بن معين : فرج ضعيف . وقال أبو حاتم بن حسان : فرج بن ~~فضالة كان يقلب الأحاديث الصحيحة ويلصق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة ، ~~لا يحل الاحتجاج به . واحتجوا بحديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أخذ بيد عبد الرحمن فذكر حديثا قال فيه : " نهيت عن صوتين ~~أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة وصوت عند نعمة لعب ولهو ومزامير الشيطان " ~~وهذا حديث رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطاء عن جابر ، وأنكر ~~عليه هذا الحديث وضعف لأجله . قال أبو حاتم بن حسان : كان رديء الحفظ كثير ~~الوهم فاحش الخطأ يروي الشيء على وجه الوهم ويستحق الترك . وتركه أحمد بن ~~حنبل ويحيى بن معين . واحتجوا بأنه ( صلى الله عليه وسلم ) سمع صوتا فقال : ~~" انظروا من هذا " فنظرت ms0807 فإذا معاوية وعمرو يتغنيان . الحديث ، وفيه : " ~~اللهم اركسهما في الفتنة ركسا " وهو حديث رواه يزيد بن أبي زياد عن سليمان ~~عن عمرو بن الأحوص عن أبي برزة الأسلمي . ويزيد هذا من أهل الكوفة ، وكان ~~الكذبة يلقنونه على وفق اعتقادهم فيتلقاها ويحدث بها ضعفة أهل النقل ، وقد ~~روي هذا الحديث من طريق آخر ليس فيه معاوية هذا ، وأنه ابن التابوت . قال ~~المقدسي : ولم يصح عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ذكر أحدا من أصحابه ~~إلا بخير . PageV04P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" واحتجوا بما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه رفع الحديث ، أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " يكون في آخر هذه ~~الأمة خسف ومسخ وقف في متخذي القيان وشاربي الخمور ولابسي الحرير " وهو ~~حديث رواه زياد بن أبي زياد الجصاص عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه . وزياد هذا متروك الحديث . واحتجوا بحديث روي عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من مات وله ~~قينة فلا تصلوا عليه " وهو حديث روي بإسناد مجهول عن خارجة بن مصعب عن داود ~~بن أبي هند عن الشعبي عن علي . وخارجة متروك الحديث من أهل سرخس . واحتجوا ~~بما روي عن عبد الرحمن بن الجندي قال : قال عبد الله بن بسر صاحب النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : يا بن الجندي ، فقلت : لبيك يا أبا صفوان ، قال : ~~والله ليمسخن قوم وإنهم لفي شرب الخمور وضرب المعازف حتى يكونوا قردة أو ~~خنازير . والحديث موقوف وابن الجندي مجهول . والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~سأل ربه ألا يعذب أمته بما عذب به الأمم قبلها فأعطاه ذلك . واحتجوا بما ~~روي عن أبي أمامة رضي الله عنه وقد تقدم بعضه ، وفيه زيادة أخرى أن النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قال : " لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ولا الجلوس ~~إليهن " ثم قال : " والذي نفسي بيده ما رفع رجل عقيرته بغناء إلا ارتدف على ~~ذلك شيطان على عاتقه هذا وشيطان ms0808 على عاتقه هذا حتى يسكت " وهذا حديث قد ~~تقدم أوله من حديث عبيد الله بن زحر ، وهذه الزيادة من رواية مسلمة بن علي ~~الدمشقي عن يحيى بن الحارث عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة . ومسلمة ~~هذا ، قال ابن معين : ليس بشيء . وقال البخاري : منكر الحديث . وقد تقدم ~~القول في القاسم بن عبد الرحمن . واحتجوا بحديث روي عن عبد الله بن مسعود ~~من رواية سلام بن مسكين قال : حدثني شيخ سمع أبا وائل يقول : سمعت ابن ~~مسعود يقول : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) PageV04P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" يقول : " الغناء ينبت النفاق في القلب " هكذا ~~رواه سلام عن شيخ مجهول لا يعرف . ورواه جرير بن عبد الحميد عن ليث بن أبي ~~سليم عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود وقوله ، ~~ولم يذكر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . ورواه الثقات عن شعبة بن الحجاج ~~عن مغيرة عن إبراهيم ، قوله ، ولم يذكر أحدا تقدمه فيه وهذا أصح الأقاويل ~~فيه من قول إبراهيم . قال الغزالي رحمه الله تعالى : قول ابن مسعود : ينبت ~~النفاق أراد به في حق المغني فإنه في حقه ينبت النفاق إذا غرضه كله أن يعرض ~~نفسه على غيره ويروج صوته عليه ، ولا يزال ينافق ويتودد إلى الناس ليرغبوا ~~في غنائه ، وذلك أيضا لا يوجب تحريما ، فإن لبس الثياب الجميلة وركوب الخيل ~~المهملجة وسائر أنواع الزينة والتفاخر بالحرث والأنعام والزرع ينبت الرياء ~~والنفاق في القلب المعاصي فقط . بل المباحات التي هي مواقع نظر الخلق أكثر ~~تأثيرا . ولذلك نزل ابن عمر رضي الله عنهما عن فرس هملج تحته وقطع ذنبه ~~لأنه استشعر في نفسه الخيلاء لحسن مشيته ، فهذا النفاق من المباحات . ~~واحتجوا بحديث روي عن صفوان بن أمية قال : كنا جلوسا عند رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إذ جاءه عمرو بن قرة فقال : يا نبي الله إن الله عز وجل ~~كتب علي الشقوة ولا أراني أرزق إلا من دفي بكفي أفتأذن لي في ms0809 الغناء من غير ~~فاحشة ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا إذن ولا كرامة ولا ~~نعمة " وذكر حديثا طويلا ، وهو حديث رواه عبد الرزاق بن همام الصنعاني عن ~~يحيى بن العلاء عن بشر بن نمير عن مكحول قال : حدثني يزيد بن عبد الملك عن ~~صفوان بن أمية . ويحيى بن العلاء هذا مدني الأصل رازي . قال يحيى بن معين : ~~يكنى أبا عمرو ليس بثقة . وقال عمرو بن علي الصيرفي : يحيى بن العلاء متروك ~~الحديث والله أعلم . واحتجوا بما روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ~~نهى عن ثمن الكلب وكسب الزمارة ، وهو حديث نقله سليمان بن أبي سليمان ~~الداودي البصري عن محمد بن بشر عن أبي هريرة . وسليمان هذا متروك الحديث ~~غير ثقة . PageV04P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" واحتجوا بقول عثمان بن عفان رضي الله عنه : ~~ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكرى بيميني منذ بايعت النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . وهذا حديث رواه صقر بن عبد الرحمن عن أبيه عن مالك بن مغول عن عبد ~~الله بن إدريس عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك في حديث القف والصيد . ~~قال المقدسي : هذا حديث لم أر فيه تحاملا ، ورأيته ذكر من هذا أشياء لم يأت ~~بها غيره توجب ترك حديثه والله أعلم . وقال الغزالي رحمه الله تعالى وذكر ~~هذا الحديث : قلنا فليكن التمني ومس الذكر باليمين حراما إن كان هذا دليل ~~تحريم الغناء ، فمن أين ثبت أن عثمان كان لا يترك إلا الحرام . قال الحافظ ~~أبو الفضل المقدسي رحمه الله تعالى : فهذه الأحاديث وأمثالها احتج بها من ~~أنكر السماع جهلا منهم بصناعة علم الحديث وعرفته ، فترى الواحد منهم إذا ~~رأى حديثا مكتوبا في كتاب جعله لنفسه مذهبا واحتج به على مخالفه ، وهذا ~~عظيم بل جهل جسيم . هذا ملخص ما أورده رحمه الله تعالى وفيه من الزيادات ما ~~هو منسوب إلى الثعلبي والغزالي على ما بيناه في مواضعه . وقد تكلم الإمام ~~أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطويس رحمه الله تعالى ms0810 على السماع في كتابه ~~المترجم ب " إحياء علوم الدين " وبين دليل الإباحة وذكر بعد ذلك آداب ~~السماع وآثاره في القلب والجوارح فقال : اعلم أن السماع هو أول الأمر ، ~~ويثمر السماع حالة في القلب تسمى الوجد ويثمر الوجد تحريك الأطراف ، إما ~~بحركة غير موزونة تسمى الاضطراب ، وإما موزونة فتسمى التصفيق والرقص . ثم ~~بدأ بحكم السماع وبين الدليل على إباحته ثم ذكر ما تمسك به القائلون ~~بتحريمه وأجاب عن ذلك بما نذكره أو مختصره إن شاء الله تعالى . قال رحمه ~~الله تعالى : نقل أبو طالب المكي إباحة السماع عن جماعة وقال : سمع من ~~الصحابة عبد الله بن جعفر ، وابن الزبير ، والمغيرة بن شعبة ، ومعاوية ~~وغيرهم . وقد فعل ذلك كثير من السلف صحابي وتابعي . قال : ولم يزل ~~الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهي الأيام ~~المعدودات PageV04P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" التي أمر الله عز وجل عباده فيها بذكره كأيام ~~التشريق . ولم يزل أهل المدينة ومكة مواظبين على السماع إلى زماننا هذا ~~فأدركنا أبا مروان القاضي وله جوار يسمعن الناس التلحين قد أعدهن للصوفية . ~~قال : وكان لعطاء جاريتان تلحنان وكان إخوانه يستمعون إليهما . قال : وقيل ~~لأبي الحسن بن سالم : كيف تنكر السماع وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو ~~النون يسمعون فقال : كيف أنكر السماع وأجازه وسمعه من هو خير مني . وقد كان ~~عبد الله بن جعفر الطيار يسمع . وإنما أنكر اللهو واللعب في السماع . وروي ~~عن يحيى بن معاذ أنه قال : فقدنا ثلاثة أشياء فلا نراها ولا أراها تزداد ~~إلا قلة : حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن القول مع الديانة ، وحسن الإخاء مع ~~الوفاء . قال الغزالي : ورأيت في بعض الكتب هذا بعينه محكيا عن المحاسبي ~~وفيه ما يدل على تجويزه السماع مع زهده وتصاونه وجده في الدين وتشميره . ~~وحكي عن ممشاد الدينوري أنه قال : رأيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~النوم فقلت : يا رسول الله ، هل تنكر من هذا السماع شيئا ؟ فقال : " ما ~~أنكر منه شيئا ولكن قل لهم يفتتحون قبله بالقرآن ms0811 ويختتمون بعده بالقرآن " . ~~قال الغزالي : وعن ابن جريح أنه كان يرخص في السماع فقيل له : تقدمه يوم ~~القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك ؟ فقال : لا في الحسنات ولا في السيئات ~~لأنه شبيه باللغو ، قال الله تعالى : " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ~~" ، ثم بين الغزالي رحمه الله الدليل على إباحة PageV04P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" السماع فقال : اعلم أن قول القائل : السماع ~~حرام ، معناه أن الله تعالى يعاقب عليه وهذا أمر لا يعرف بمجرد العقل بل ~~بالسمع ، ومعرفة الشرعيات محصورة في النص أو القياس على المنصوص . قال : ~~وأعني بالنص ما أظهره رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بقوله أو فعله ، ~~وبالقياس المعنى المفهوم من ألفاظه وأفعاله ، فإن لم يكن فيه نص ولم يستقم ~~فيه قياس على منصوص بطل القول بتحريمه ويبقى فعلا لا حرج فيه كسائر ~~المباحات ، ولا يدل على تحريم السماع نص ولا قياس . قال : وقد دل القياس ~~والنص جميعا على إباحة السماع . أما القياس فهو أن الغناء اجتمع فيه معان ~~ينبغي أن يبحث عن أفرادها ثم عن مجموعها فإن فيه سماع صوت طيب موزون مفهوم ~~المعنى محرك للقلب . فالوصف الأعم أنه صوت طيب ، ثم الطيب ينقسم إلى ~~الموزون وغيره . والموزون ينقسم إلى المفهوم كالأشعار ، وإلى غير المفهوم ~~كأصوات الجمادات وأصوات سائر الحيوانات . أما سماع الصوت الطيب من حيث إنه ~~طيب فلا ينبغي أن يحرم بل هو حلال بالنص والقياس . أما القياس فإنه يرجع ~~إلى تلذذ حاسة السمع بإدراك ما هو مخصوص به . وللإنسان عقل وخمس حواس ولكل ~~حاسة إدراك . وفي مدركات تلك الحاسة ما يستلذ . فلذة البصر في المبصرات ~~الجميلة كالخضرة والماء الجاري والوجه الحسن وسائر الألوان الجميلة وهي في ~~مقابلة ما يكره من الألوان الكدرة القبيحة . وللشم الروائح الطيبة وهي في ~~مقابلة الأنتان المستكرهة . وللذوق الطعوم اللذيذة كالدسومة والحلاوة ~~والحموضة وهي في مقابلة المرارة والمزازة المستبشعة . وللمس لذة اللين ~~والنعومة والملاسة وهي في مقابلة الخشونة والضراسة . وللعقل لذة العلم ~~والمعرفة وهي في مقابلة الجهل والبلادة . فكذلك الأصوات المدركة بالسمع ms0812 ~~تنقسم إلى مستلذة كصوت العنادل والمزامير ، ومستكرهة كنهيق الحمر وغيرها ، ~~فما أظهر قياس هذه الحاسة ولذتها على سائر الحواس ولذاتها . PageV04P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" وأما النص فيدل على إباحة سماع الصوت الحسن ~~امتنان الله على عباده به إذ قال تعالى : " يزيد في الخلق ما يشاء " فقيل : ~~هو حسن الصوت . وفي الحديث : " ما بعث الله نبيا إلا حسن الصوت " . وقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لله أشد أذنا للرجل الحسن الصوت ~~بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته " وفي الحديث في معرض المدح لداود عبيه ~~السلام : " أنه كان حسن الصوت في النياحة على نفسه وفي تلاوة الزبور حتى ~~كان يجتمع الإنس والجن والوحش والطير لسماع صوته ، وكان يحمل من مجلسه ~~أربعمائة جنازة وما يقرب من ذلك في الأوقات " . وقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في مدح أبي موسى الأشعري : " لقد أعطي مزمارا من مزامير آل ~~داود " وقوله تعالى : " إن أنكر الأصوات لصوت الحمير " يدل بمفهومه على مدح ~~الصوت الحسن . ولو جاز أن يقال : إنما أبيح ذلك بشرط أن يكون في القرآن ~~للزمه أن يحرم سماع صوت العندليب لأنه ليس بقرآن . وإذا جاز سماع صوت غفل ~~لا معنى له ، فلم لا يجوز سماع صوت يفهم منه الحكمة والمعاني الصحيحة وإن ~~من الشعر لحكمة . قال : فهذا نظر في الصوت من حيث إنه طيب حسن . الدرجة ~~الثانية : النظر في الصوت الطيب الموزون فإن الوزن وراء الحسن ، فكم من صوت ~~حسن خارج عن الوزن ، وكم من صوت موزون غير مستطاب . والأصوات الموزونة ~~باعتبار مخارجها ثلاثة ، فإنها إما أن تكون من جماد كصوت المزامير والأوتار ~~وضرب القضيب والطبل وغيره . وإما أن تخرج من حنجرة حيوان وذلك الحيوان إما ~~إنسان وإما غيره . فصوت العنادل والقماري وذوات السجع من الطيور مع طيها ~~موزونة متناسبة المطالع والمقاطع فلذلك يستلذ سماعها . والأصل في الأصوات ~~حناجر الحيوانات . وإنما وضعت المزامير على صورة الحناجر وهي تشبيه الصنعة ~~بالخلقة . وما من شيء توصل أهل الصناعات بصناعتهم إلى تصويره إلا وله مثال ~~في الخلقة ms0813 التي استأثر الله تعالى باختراعها ، منه تعلم الصناع وبه قصدوا ~~الاقتداء . فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيبة أو موزونة فلا ~~ذاهب إلى تحريم صوت العندليب وسائر الطيور . ولا فرق بين حنجرة وحنجرة ولا ~~بين جماد وحيوان . فينبغي أن يقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة من ~~سائر الأجسام باختيار الآدمي كالذي يخرج من حلقه أو من القضيب والطبل والدف ~~وغيرها . ولا يستثنى من هذا إلا الملاهي والأوتار والمزامير ، إذ ورد الشرع ~~PageV04P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" بالمنع منها لا للذتها إذ لو كان للذة لقيس ~~عليها كل ما يلتذ به الإنسان ولكن حرمت الخمور واقتضت ضراوة الناس بها ~~المبالغة في الفطام عنها حتى انتهى الأمر في الابتداء إلى كسر الدنان ، ~~فحرم معها ما هو شعار أهل الشرب وهي الأوتار والمزامير فقط . وكان تحريمه ~~من قبيل الاتباع كما حرمت الخلوة لأنها مقدمة للجماع . وحرم النظر إلى ~~الفخذ لاتصاله بالسوأتين . وحرم قليل الخمر وإن كان لا يسكر لأنه يدعو إلى ~~المسكر . وما من حرام إلا وله حرم يطيف به . وحكم الحرمة ينسحب على حريمه ~~ليكون حمى للحرام ووقاية له وحظارا مانعا حوله كما قال ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " إن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه " فهي محرمة تبعا لتحريم ~~الخمر . الدرجة الثالثة : الموزون المفهوم وهو الشعر ، وذلك لا يخرج إلا من ~~حنجرة الإنسان فيقطع بإباحة ذلك لأنه ما زاد إلا كونه مفهوما . والكلام ~~المفهوم غير حرام . والصوت الطيب الموزو غير حرام . فإذا لم يحرم الآحاد ~~فمن أين يحرم المجموع ، نعم ينظر فيما يفهم منه ، إن كان فيه أمر محظور حرم ~~نثره ونظمه وحرم التصويت به سواء كان بألحان أو لم يكن . والحق فيه ما قاله ~~الشافعي رحمه الله إذ قال : الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح . ومهما جاز ~~إنشاد الشعر بغير صوت وألحان جاز مع الألحان . فإن أفراد المباحات إذا ~~اجتمعت كان مباحا ، ومهما انضم مباح إلى مباح لم يحرم إلا إذا تضمن المجموع ~~محظورا لا تتضمنه الآحاد ، ولا محظور هاهنا . وكيف ms0814 ينكر إنشاد الشعر وقد ~~أنشد ين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقال ( صلى الله عليه وسلم ~~) : " إن من الشعر لحكمة " وساق رحمه الله في هذا الموضع الأحاديث الصحيحة ~~التي تضمنت إنشاد الشعر والحداء به وهي أشهر من أن يحتاج إلى سردها . ثم ~~قال بعد سياق الأحاديث : ولم يزل الحداء وراء الجمال من عادة العرب في زمان ~~سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وزمان الصحابة ، وما هو إلا أشعار ~~تؤدى بأصوات طيبة وألحان موزونة . ولم ينقل عن أحد من الصحابة إنكاره . بل ~~ربما كانوا يلتمسون ذلك تارة لتحريك الجمال وتارة PageV04P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" للاستلذاذ ، فلا يجوز أن يحرم من حيث إنه ~~كلام مفهوم مؤدى بأصوات طيبة وألحان موزونة . الدرجة الرابعة : النظر فيه ~~من حيث إنه محرك للقلب ومهيج لما هو الغالب عليه ، قال أبو حامد : فأقول : ~~لله سبحانه تعالى سر في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح حتى أنها لتؤثر ~~فيها تأثيرا عجيبا . فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما يحزن ومنها ما ينوم ~~ومنها ما يضحك ويطرب ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد ~~والرجل والرأس . ولا ينبغي أن يظن أن ذلك لفهم معاني الشعر بل هذا جار في ~~الأوتار حتى قيل : من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد ~~المزاد ليس له علاج . وكيف يكون ذلك بفهم المعنى ، وتأثيره مشاهد في الصبي ~~في مهده فإنه يسكته الصوت الطيب عن بكائه ، وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى ~~الإصغاء إليه . والجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثيرا يستخف معه ~~الأحمال الثقيلة ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة ، وينبعث ~~فيه من النشاط ما يسكره ويولهه ، فتراها إذا طالت عليها البوادي واعتراها ~~الإعياء والكلال تحت المحامل والأحمال إذا سمعت منادي الحداء تمد أعناقها ~~وتصغي إلى الحادي ناصبة آذانها وتسرع في سيرها حتى تتزعزع عليها أحمالها ~~ومحاملها ، وربما تتلف أنفسها في شدة السير وثقل الحمل وهي لا تشعر بها ~~لنشاطها . فقد حكى أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالرقي ، قال ms0815 : ~~كنت في البادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب فأضافني رجل منهم وأدخلني خباء ~~فرأيت في الخباء عبدا أسود مقيدا بقيد ، ورأيت جمالا قد ماتت بين يدي البيت ~~وقد بقي منها جمل وهو ناحل ذابل كأنه ينزع روحه . فقال لي الغلام : أنت ضيف ~~ولك حق فتشفع في حقي إلى مولاي فإنه مكرم لضيفه فلا يرد شفاعتك فعساه يحل ~~القيد عني . فلما أحضروا الطعام امتنعت وقلت : لا آكل ما لم أشفع في هذا ~~العبد ، فقال : إن هذا العبد قد أفقرني وأهلك جميع مالي ، فقلت : ماذا فعل ~~؟ فقال : إن له صوتا طيبا ، وإني كنت أعيش من ظهور هذه الجمال فحملها ~~أحمالا ثقالا وكان يحدو بها حتى قطعت مسيرة ثلاث ليال في ليلة من طيب نغمته ~~فلما حطت أحمالها موتت كلها إلا هذا الجمل الواحد ، ولكن أنت ضيفي فلكرامتك ~~قد وهبته لك قال : فأحببت أن أسمع صوته ، فلما أصبحنا أمره أن PageV04P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" يحدو على جميل يستقي الماء من بئر هناك ، ~~فلما رفع صوته هام ذلك الجمل وقطع حباله ووقعت أنا على وجهي ، فما أظن أني ~~قط سمعت صوتا أطيب منه . قال : فإذا تأثير السماع في القلب محسوس . ومن لم ~~يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال بعيد عن الروحانية ، زائد في غلظ ~~الطبع وكثافته على الجمال والطيور بل على سائر البهائم فإن جميعها تتأثر ~~بالنغمات الموزونة . ومهما كالناظر في السماع باعتبار تأثيره في القلوب لم ~~يجز أن يحكم فيه مطلقا بإباحة ولا تحريم ، بل يختلف ذلك بالأحوال والأشخاص ~~واختلاف طرق النغمات ، فحكمه حكم ما في القلب . قال أبو سليمان : السماع لا ~~يجعل في القلب ما ليس فيه ، ولكن يحرك ما هو فيه . ذكر أقسام السماع ~~وبواعثه وأقسام السماع تختلف باختلاف الأحوال : فإن منه ما هو مستحب وما هو ~~مباح وما هو مكروه وما هو حرام . أما المستحب فهو لمن غلب عليه حب الله ~~تعالى ولم يحرك السماع منه إلا الصفات المحمودة . وأما المباح فهو لمن لاحظ ~~له من السماع إلا التلذذ بالصوت ms0816 الحسن ، وأما المكروه فهو لمن لا ينزله على ~~صورة المخلوقين ولكن يتخذه عادة في أكثر الأوقات على سبيل اللهو . وأما ~~الحرام فهو لأكثر الناس من الشباب ومن غلبت عليه شهوة الدنيا فلا حرك ~~السماع منهم إلا ما هو الغالب على قلوبهم من الصفات المذمومة . وقد تكلم ~~على هذه الأقسام الإمام أبو حامد الغزالي فقال رحمه الله ما مختصره ومعناه ~~: الكلمات المسجعة الموزونة تعتاد في مواضع لأغراض مخصوصة ترتبط بها آثار ~~في القلب وهي سبعة مواضع : الأول : غناء الحجيج فإنهم يدورون أولا في ~~البلاد بالطبل والغناء وذلك مباح لما فيه من التشويق إلى الحج وأداء ~~الفريضة وشهود المشاعر . PageV04P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" الثاني : ما يعتاده الغزاة لتحريض الناس على ~~الغزو وهو مباح أيضا لما فيه من استثارة النفس وتحريكها على الغزو وإثارة ~~الغضب على الكفار وتحسين الشجاعة وتقبيح الفرار . الثالث : ما يرتجزه ~~الشجعان عند اللقاء في الحرب وهو مباح ومندوب لما فيه من تشجيع النفس ~~وتحريك النشاط للقتال والتمدح بالشجاعة والنجدة وقد فعله غير واحد من ~~الصحابة رضوان الله عليهم ، منهم علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد وغيرهما ~~. الرابع : أصوات النياحة ونغماتها وتأثيرها في تهييج البكاء وملازمة الحزن ~~والكآبة وهذا قسمان : محمود ومذموم . فأما المذموم فالحزن على ما فات . قال ~~الله تبارك وتعالى : " لكيلا تأسوا على ما فاتكم " . والحزن على الأموات من ~~هذا القبيل فإنه يغضب الله جل جلاله وتأسف على ما لا تدارك فيه . وأما ~~المحمود فهو حزن الإنسان على تقصيره في أمر دينه وبكاؤه على خطاياه . ~~والبكاء والتباكي والحزن والتحازن على ذلك محمود لأنه يبعث على التشمير ~~للتدارك . ولذلك كانت نياحة داود عليه السلام محمودة ، فقد كان يحزن ويحزن ~~ويبكي ويبكي حتى كانت الجنائز ترفع من مجالس نياحته وكان يفعل ذلك بألفاظه ~~وألحانه ، وذلك محمود لأن المفضي إلى المحمود محمود . وعلى هذا لا يحرم على ~~الواعظ الطيب الصوت أن ينشد على المنبر بألحانه الأشعار المحزنة المرققة ~~للقلب ولا أن يبكي ويتباكى ليتوصل به إلى بكاء غيره وإثارة حزنه . الخامس ms0817 : ~~السماع في أقوات السرور تأكيدا للسرور وتهييجا له إن كان ذلك السرور مباحا ~~كالغناء في أيام العيد وفي العرس وفي وقت قدوم الغائب ووقت الوليمة ~~PageV04P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" والعقيقة وعند الولادة والختان وعند حفظ ~~القرآن ، وكان ذلك معتاد لأجل إظهار السرور . قال : ووجه جوازه أن من ~~الألحان ما يثير الفرح والسرور والطرب وكل ما جاز السرور به جاز إثارة ~~السرور فيه ، ويدل على هذا إنشادهم بالدف والألحان عند مقدم النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يقولون : طلع البدر علينا . . . من ثنيات الوداع وجب ~~الشكر علينا . . . ما دعا لله داعي فإظهار السرور بالنغمات والشعر والرقص ~~والحركات محمود . فقد نقل عن جماعة من الصحابة أنهم حجلوا في سرور أصابهم ~~كما سيأتي في أحكام في أحكام الرقص وهو جائز في قدوم كل غائب وكل ما يجوز ~~الفرح به شرعا . ويجوز الفرح بزيارة الإخوان ولقائهم واجتماعهم في موضع ~~واحد على طعام أو كلام . السادس : سماع العشاق تحريكا للشوق وتهييجا للعشق ~~وتسلية للنفس ، فإن كان في حال مشاهدة المعشوق فالغرض تأكيد اللذة ، وإن ~~كان مع المفارقة فالغرض تهييج الشوق . وإن كان مؤلما ففيه نوع لذة إذا ~~انضاف إليه رجاء الوصال ، فإن الرجاء لذيذ واليأس مؤلم ، وقوة لذة الرجاء ~~بحسب قوة الشوق والحب للشيء المرجو ، ففي هذا السماع تهييج للعشق وتحريك ~~للشوق وتحصيل للذة الرجاء المقدر في الوصال مع الإطناب في وصف حسن المحبوب ~~. قال : وهذا حلال إن الكان المشتاق إليه ممن يباح وصاله كمن يعشق زوجته أو ~~سريته فيصغي فيصغي إلى غنائها لتتضاعف لذته في لقائها ، فيحظى بالمشاهدة ~~البصر وبالسماع الأذن ويفهم لطائف معاني الوصال والفراق القلب ، فتترادف ~~أسباب اللذة . فهذا نوع تمتع من جملة مباحات الدنيا ومتاعها ، وما متاع ~~الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وهذا منه . وكذلك إن غصبت منه جارية أو حيل ~~بينه وبينها بسبب من الأسباب فله أن يحرك بالسماع شوقه وأن يستثير به لذة ~~رجاء الوصال . فإن باعها أو طلقها حرم PageV04P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" عليه ذلك بعده إذ لا يجوز تحريك الشوق ms0818 حيث لا ~~يجوز تحقيقه بالوصال واللقاء . وأما من يتمثل في نفسه صورة صبي أو امرأة لا ~~يجوز له النظر إليها وكان ينزل ما يسمع على ما يتمثل في نفسه فهو حرام لأنه ~~محرك للفكر في الأفعال المحظورة ومهيج للداعية إلى مالا يباح الوصول إليه ~~لا لأمر يرجع إلى نفس السماع . وقد سئل بعض الحكماء عن العشق فقال : دخان ~~يصعد إلى دماغ الإنسان يزيله الجماع ويهيجه السماع . السابع : سماع من أحب ~~الله سبحانه وتعالى واشتاق إلى لقائه فلا ينظر إلى شيء إلا رآه فيه ، ولا ~~يقرع سمعه قارع إلا سمعه منه أو فيه ، فالسماع في حقه مهيج لشوقه ، ومؤكد ~~لعشقه وحبه ، ومور زناد قلبه ، ومستخرج منه أحوالا من المكاشفات والملاطفات ~~لا يحيط الوصف بها يعرفها من ذاقها وينكرها من كل حسه عن ذواقها ، وتسمى ~~تلك الأحوال بلسان الصوفية وجدا - مأخوذ من الوجود - وللصوفية على هذا كلام ~~يطول شرحه ليس هذا موضع إيراده . والله أعلم . ذكر العوارض التي يحرم معها ~~السماع قال أبو حامد رحمه الله تعالى : والسماع يحرم بخمسة عوارض : عارض في ~~المسمع وعارض في آلة السماع ، وعارض في نظم الصوت ، وعارض في نفس المستمع ~~أو في مواطنه ، لأن أركان السماع هي المسمع والمستمع وآلة السماع . العارض ~~الأول : أن يكون المسمع امرأة لا يحل النظر إليها وتخشى الفتنة من سماعها ، ~~وفي معناها الصبي الذي تخشى فتنته ، وهذا حرام لما فيه من خوف الفتنة ، ~~وليس ذلك لأجل الغناء بل لو كانت المرأة بحيث تفتن بصوتها في المحاورة في ~~غير ألحان فلا يجوز محاورتها ومحادثتها ولا سماع صوتها في القرآن أيضا ، ~~وكذلك الصبي الذي تخاف فتنته . فإن قلت : فهل تقول : إن ذلك حرام بكل حال ~~حسما للباب ، أو لا يحرم إلا حيث تخاف الفتنة . فأقول : هذه مسألة محتملة ~~من حيث الفقه يتجاذبها أصلان : PageV04P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" أحدهما : أن الخلوة بالأجنبية والنظر إلى ~~وجهها حرام سواء خيفت منها الفتنة أو لم تخف لأنها مظنة الفتنة على الجملة ~~. فقضى الشرع بحسم الباب من غير التفات ms0819 إلى الصورة . والثاني : أن النظر ~~إلى الصبيان مباح إلا عند خوف الفتنة فلا يلحق الصبيان بالنساء في عموم ~~الحسم بل ينبغي أن يفصل في الحال . وصوت المرأة دائر بين هذين الأصلين ، ~~فإن قسناه على النظر إليها وجب حسم الباب وهو قياس قريب ، ولكن بينهما فرق ~~إذ الشهوة تدعو إلى النظر في أول هيجانها ولا تدعو إلى سماع الصوت . وليس ~~تحريك النظر لشهوة المماسة كتحريك السماع بل هو أشد . وصوت المرأة في غير ~~الغناء ليس بعورة ولكن للغناء مزيد أثر في تحريك الشهوة ، فقياس هذا على ~~النظر إلى الصبيان أولى لأنهم لم يؤمروا بالاحتجاب كما لم تؤمر النساء بستر ~~الأصوات ، فينبغي أن يتبع مثار الفتن ويقصر التحريم عليه ، هذا هو الأقيس ~~عندي . قال : ويتأيد بحديث الجاريتين المغنيتين في بيت عائشة رضي الله عنها ~~إذ يعلم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان يسمع صوتهما ولم يحترز عه ~~ولكن لم تكن الفتنة مخوفة عليه فلذلك لم يحترز . فإذا يختلف هذا بأحوال ~~المرأة وأحوال الرجل في كونه شابا وشيخا ولا يبعد أن يختلف الأمر في مثل ~~هذا بالأحوال . فإنا نقول : للشيخ أن يقبل زوجته وهو صائم وليس للشاب ذلك . ~~والقبلة تدعو إلى الوقاع في الصوم وهو المحظور . والسماع يدعو إلى النظر ~~والمقاربة وهو حرام ، فيختلف ذلك أيضا بالأشخاص . العارض الثاني : في الآلة ~~بأن تكون من شعائر أهل الشرب أو المخنثين وهي المزامير والأوتار وطبل ~~الكوبة ، فهذه ثلاثة أنواع وما عدا ذلك يبقى على أصل الإباحة كالدف وإن كان ~~فيه الجلاجل وكالطبل والشاهين والضرب بالقضيب وسائر الآلات . PageV04P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" العارض الثالث : في نظم الصوت وهو الشعر فإن ~~كان فيه شيء من الخنا والفحش والهجاء أو هو كذب على الله عز وجل أو على ~~رسوله أو على الصحابة كما رتبه الروافض في هجاء الصحابة وغيرهم ، فسماع ذلك ~~حرام بألحان وغير ألحان ، والمستمع شريك القائل وكذلك ما فيه وصف امرأة ~~بعينها فإنه لا يجوز وصف المرأة بين يدي الرجال . وأما هجاء الكفار وأهل ~~البدع فذلك ms0820 جائز . فقد كان حسان بن ثابت ينافح عن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ويهاجي الكفار ، وأمره رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بذلك ~~. فأما النسيب وهو التشبيب بوصف الخدود والأصداغ وحسن القد والقامة وسائر ~~أوصاف النساء فهذا فيه نظر . والصحيح أنه لا يحرم نظمه وإنشاده بلحن وغير ~~لحن ، وعلى المستمع ألا ينزله على امرأة معينة إلا على من تحل له من زوجة ~~أو جارية ، فإن نزله على أجنبية فهو العاصي بالتنزيل وإجالة الفكر فيه . ~~ومن هذا وصفه فينبغي أن يجتنب السماع رأسا فإن من غلب عليه عشق نزل كل ما ~~يسمعه عليه سواء كان اللفظ مناسبا أو لم يكن ، إذ ما من لفظ إلا ويمكن ~~تنزيله على معان بطريق الاستعارة فالذي غلب عليه عشق خلوق ينبغي أن يحترز ~~من السماع بأي لفظ كان ، والذي غلب عليه حب الله تعالى فلا تضره الألفاظ ~~ولا تمنعه عن فهم المعاني اللطيفة المتعلقة بمجاري همته الشريفة . العارض ~~الرابع : في المستمع وهو أن تكون الشهوة غالبة عليه وكان في غرة الشباب ~~وكانت هذه الصفة أغلب من غيرها عليه ، فالسماع حرام عليه سواء غلب على قلبه ~~حب شخص معين أو لم يغلب . فإنه كيفما كان فلا يسمع وصف الصدغ والخد والوصال ~~والفراق إلا ويحرك ذلك شهوته وينله على صورة معينة ينفخ الشيطان بها في ~~قلبه فتشتعل فيه نار الشهوة وتحتد بواعث الشر . وذلك هو النصرة لحزب ~~الشيطان والتخذيل للعقل المانع منه الذي هو حزب الله تعالى . والقتال في ~~القلب دائم بين جنود الشيطان وهي الشهوات ، وبين حزب الله وهو نور العقل ~~إلا في قلب قد فتحه أحد الجندين واستولى عليه بالكلية . وغالب القلوب قد ~~فتحها جند الشيطان وغلب عليها فتحتاج حينئذ إلى أن تستأنف أسباب القتال ~~لإزعاجه فكيف يجوز تكثير PageV04P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" أسلحته وتشحيذ سيوفه وأسنته ، والسماع مشحذ ~~لأسلحة جند الشيطان في حق مثل هذا الشخص . فليخرج مثل عن جميع السماع فإنه ~~يستضريه والله أعلم . العارض الخامس : أن يكون الشخص من عوام الخلق ولم ms0821 ~~يغلب عليه حب الله فيكون السماع له محبوبا ولا غلبت عليه الشهوة فيكون في ~~حقه محظورا ، ولكنه أبيح في حقه كسائر أنواع اللذات المباحة إلا أنه اتخذه ~~ديدنه وهجيراه وقصر عليه أكثر أوقاته ، فهذا هو السفيه الذي ترد شهادته فإن ~~المواظبة على اللهو جناية . وكما أن الصغيرة بالإصرار والمداومة تصير كبيرة ~~، فبعض المباحات بالمداومة يصير صغيرة وهو كالمواظبة على متابعة الزنوج ~~والحبشة والنظر إلى لعبهم على الدوام فإنه ممنوع وإن لم يكن أصله ممنوعا ~~إذا فعله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ومن هذا القبيل اللعب ~~بالشطرنج فإنه مباح ، ولكن المواظبة عليه مكروهة كراهة شديدة ، ومهما كان ~~الغرض معالجة له في بعض الأوقات لتنبعث دواعيه . هذا ملخص ما أورده في ~~أقسام السماع وبواعثه ومقتضياته ، ثم ذكر بعد ذلك آثار السماع وآدابه . ذكر ~~آثار السماع وآدابه قال أبو حامد رحمه الله : اعلم أن أول درجة السماع فهم ~~المسموع وتنزيله على معنى يقع للمستمع ثم يثمر الفهم الوجد . وثمر الوجد ~~الحركة بالجوارح . فلينظر إلى هذه المقامات الثلاثة : المقام الأول : في ~~الفهم ، وهو مختلف باختلاف أحوال المستمع . وللمستمع أربعة أحوال : إحداها ~~: أن يكون سماعه بمجرد الطبع أي لاحظ له في السماع إلا استلذاذ الألحان ~~والنغمات فهذا مباح وهو أخس رتب السماع ، إذ الإبل شريكة له فيه وكذا سائر ~~البهائم . ولكل حيوان نوع تلذذ بالأصوات الطيبة . PageV04P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" الحالة الثانية : أن يسمع بفهم ولكن ينزله ~~على صورة إما معينة أو غير معينة وهو سماع الشباب وأرباب الشهوة ويكون ~~تنزيلهم المسموع على حسب شهواتهم ومقتضى أحوالهم . وهذه الحالة أخس من أن ~~تكلم فيها إلا ببيان خستها والنهى عنها . الحالة الثالثة : أن ينزل ما ~~يسمعه على أحوال نفسه في معاملة الله تعالى وتقلب أحواله في التمكن منه مرة ~~وبعده منه أخرى ، وهذا سماع المريدين لا سيما المبتدئين . فإن للمريد لا ~~محالة مرادا هو مقصده ، ومقصده معرفة الله تعالى ولقاؤه والوصول إليه بطريق ~~المشاهدة بالسر وكشف الغطاء ، وله في مقصده طريق هو سالكه ، ومعاملات هو ~~مثابر ms0822 عليها ، وحالات تستقبله في معاملاته . فإذا سمع ذكر عتاب أو خطاب أو ~~قبول أو رد أو وصل أو هجر أو قرب أو بعد أو تلهف على فائت أو تعطش إلى ~~منتظر أو شوق إلى وارد أو طمع أو يأس أو وحشة أو استئناس أو وفاء بالوعد أو ~~نقض للعهد أو خوف فراق أو فرح بوصال أو ذكر ملاحظة الحبيب ومدافعة الرقيب ~~أو همول العبرات أو ترادف الحسرات أو طول الفراق أو عدة الوصال أو غير ذلك ~~مما يشتمل على وصفه الأشعار ، فلا بد أن يوافق بعضها حال المريد في طلبه ، ~~فيجري ذلك مجرى القداح الذي يوري زناد قلبه ، فتشتعل به نيرانه ، ويقوى به ~~انبعاث الشوق وهيجانه ، وتهجم عليه بسببه أحوال مخالفة لعاداته ، ويكون له ~~مجال رحب في تنزيل الألفاظ على أحواله . وليس على المستمع مراعاة مراد ~~الشاعر من كلامه ، بل لكل كلام وجوه ولكل ذي فهم في اقتباس المعنى منه حظ . ~~وضرب الإمام الغزالي لذلك أمثلة يطول شرحها . الحالة الرابعة : سماع من ~~جاوز الأحوال والمقامات فعزت عن فهم ما سوى الله تعالى حتى عزل عن فسه ~~وأحوالها ومعاملاتها وكان كالمدهوش الغائص ف عين الشهود الذي يضاهي حاله ~~حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن في مشاهدة جمال يوسف حتى بهتن وسقط إحساسهن ~~. وعن مثل هذه الحالة تعبر الصوفية بأنه فني PageV04P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" عن نفسه . ومهما فني عن نفسه فهو عن غيره ~~أفنى ، فكأنه فني عن كل شيء إلا عن الواحد المشهود ، وفني أيضا عن الشهود ~~فإن القلب إن التفت إلى الشهود وإلى نفسه بأنه مشاهد فقد غفل عن المشهود . ~~فالمستهتر بالمرئي لا التفات له في حال استغراقه إلى رؤيته ولا إلى عينه ~~التي بها رؤيته ولا إلى قلبه الذي به لذته . فالسكران لا خبر له في سكره ، ~~والملتذ لا خبر له في التذاذه ، إنما خبره من الملتذ به فقط ، ولكن هذا في ~~الغالب يكون كالبرق الخاطف الذي لا يثبت ولا يدوم وإن دام لم تطقه القوة ~~البشرية فربما يضطرب تحت أعبائه ms0823 اضطرابا تهلك فيه نفسه كما روي عن أبي ~~الحسن النوري أنه سمع هذا البيت : ما لت أنزل من ودادك منزلا . . . تتحير ~~الألباب دون نزوله فقام وتواجد وهام على وجهه ووقع في أجمة قصب قد قطعت ~~وبقيت أصولها مثل السيوف فصار يعدو فيها ويعيد البيت إلى الغداة والدم يجري ~~من رجليه حتى ورمت قدماه وساقاه ومات بعد أيام رحمه الله . قال أبو حامد : ~~وهذه درجة الصديقين في الفهم والوجد وهي أعلى الدرجات ، لأن السماع على ~~الأحوال وهي ممتزجة بصفات البشرية نوع قصور ، وإنما الكمال أن يفنى بالكلية ~~عن نفسه وأحواله . أعني أنه ينساها فلا يبقى له التفات إليها كما لم يكن ~~للنسوة التفات إلى اليد والسكين . فيسمع بالله ، وفي الله ، ومن الله ، ~~وهذه رتبة من خاض لجة الحقائق وعبر ساحل الأحوال والأعمال واتحد بصفاء ~~التوحيد وتحقق بمحض الإخلاص فلم يبق فيه منه شيء أصلا ، بل خمدت بالكلية ~~بشريته وفني التفاته إلى صفات البشرية رأسا . قال : ولست أعني بفنائه فناء ~~جسده بل فناء قلبه ، ولست أعني بالقلب اللحم والدم بل سر لطيف له إلى القلب ~~الظاهر نسبة خفية وراءها سر الروح الذي هو من أمر الله عرفها من عرفها ~~وجهلها من جهلها ولذلك السر وجود إلا للحاضر . ومثاله المرآة المجلوة ، إذ ~~ليس لها لون في نفسها بل لونها لون PageV04P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" الحاضر فيها . وكذلك الزجاجة فإنها تحكي لون ~~قرارها ولونها لون الحاضر فياه وليس لها في نفسها صورة بل صورتها قبول ~~صورتها قبول الصور ولونها هو هيئة الاستعداد لقبول الألوان . قال : وهذه ~~مغاصة من مغاصات علوم المكاشفة منها نشأ خيال من ادعى الحلول والاتحاد . ~~هذا ملخص ما أورده في مقام الفهم والله سبحانه وتعالى أعلم . المقام الثاني ~~: بعد الفهم والتنزيل الوجد . قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : وللناس ~~كلام طويل في حقيقة الوجد أعني الصوفية والحكماء الناظرين في وجه مناسبة ~~السماع للأرواح فلننقل من أقوالهم ألفاظا ثم لنكشف عن الحقيقة فيه . أما ~~الصوفية ، فقد قال ذو النون المصري رحمه الله في ms0824 السماع : إنه وارد حق جاء ~~يزعج القلوب إلى الحق ، فمن أصغى إليه بحق تحقق ، ومن أصغى إليه بنفس تزندق ~~. فكأنه عبر عن الوجد بانزعاج القلوب إلى الحق وهو الذي يجده عند ورود وارد ~~السماع ، إذ سمي السماع وارد حق . وقال أبو الحسين الدراج مخبرا عما وجده ~~في السماع : والوجد عبارة عما يوجد عند السماع ، وقال : جال بي السماع في ~~ميادين البهاء ، فأوجدني الحق عند العطاء ، فسقاني بكأس الصفاء ، فأدركت به ~~منازل الرضاء ، وأخرجني إلى رياض النزهة والفضاء . وقال الشبلي : السماع ~~ظاهره فتنة وباطنه عبرة ، فمن عرف الإشارة حل له استماع العبرة وإلا فقد ~~استدعى الفتنة وتعرض للبلية . وأقوال الصوفية في هذا النوع كثيرة . ~~PageV04P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" وأما الحكماء ، فقال بعضهم : في القلب فضيلة ~~شريفة لم تقدر قوة النطق على إخراجها باللفظ فأخرجتها النفس بالألحان ، ~~فلما ظهرت سرت وطربت إليها ، فاستمعوا من النفس وناجوها ودعوا مناجاة ~~الظواهر . وقال بعضهم : نتائج السماع استنهاض العاجز من الرأي واستجلاب ~~العازب من الفكر وحدة الكال من الأفهام والآراء حتى يثوب ما عزب وينهض ما ~~عجز ويصفو ما كدر ويمرح في كل رأي ونية فيصيب ولا يخطئ ويأتي ولا يبطئ . ثم ~~ذكر المعنى الذي الوجد عبارة عنه فقال : هو عبارة عن حالة يثمرها السماع ~~وهو وارد حق جديد عقيب السماع يجده المستمع من نفسه . وتلك الحالة لا تخلو ~~من قسمين : فإنها إما أن ترجع إلى مكاشفات ومشاهدات هي من قبيل العلوم ~~والتنبيهات ، وإما أن ترجع إلى تغيرات وأحوال ليست من العلوم والتنبيهات بل ~~هي كالشوق والخوف والحزن والقلق والسرور والأسف والندم والبسط والقبض . ~~وهذه الأحوال يهيجها السماع ويقويها فإن ضعفت بحيث لم تؤثر في تحريك الظاهر ~~أو تسكينه أو تغيير حاله حتى يتحرك على خلاف عادته أو يطرق أو يسكن عن ~~النظر والنطق والحركة على خلاف عادته لم يسم وجدا . وإن ظهر على الظاهر سمي ~~وجدا إما ضعيفا وإما قويا بحسب ظهوره وتغييره الظاهر وتحريكه بحسب قوة ~~وروده وحفظ الظاهر عن التغيير بحسب قوة الواجد وقدرت ms0825 على حفظ جوارحه ، فقد ~~يقوي الوجد في الباطن ولا يتغير الظاهر لقوة صاحبه وقد لا يظهر لضعف الوارد ~~وقصوره عن التحريك وحل عقد التماسك . وإلى المعنى الأول أشار أبو سعيد بن ~~الأعرابي حيث قال في الوجد : إنه مشاهدة ما لم يكن مكشوفا قبله ، فإن الكشف ~~يحصل بأسباب : منها التنبيه ، والسماع منبه . ومنها تغير الأحوال ومشاهدتها ~~وإدراكها ، فإن إدراكها ، فإن إدراكها نوع علم يفيد إيضاح أمور لم تكن ~~معلومة قبل الورود . ومنها صفاء القلب ، والسماع مؤثر في تصفية القلوب ، ~~والصفاء سبب المكاشفة . ومنها انبعاث نشاط القلب بقوة السماع فيقوى على ~~مشاهدة ما كان تقصر عنه قبل ذلك قوته كما يقوى البعير على حمل ما كان لا ~~يقوى عليه قبله ، وهذا PageV04P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" الاستكشاف من ملاحظة أسرار الملكوت . وكما أن ~~حمل الجمل يكون بواسطة ، فبواسطة هذه الأسباب يكون سبب الكشف ، بل القلب ~~إذا سفا تمثل له الحق في صورة مشاهدة أو في لفظ منظوم يقرع سمعه يعبر عنه ~~بصوت الهاتف إذا كان في اليقظة وبالرؤيا إذا كان في المنام وذلك جزء من ~~النبوة ، وعلم تحقيق ذلك خارج عن علم المعاملة . وذلك كما روي عن محمد بن ~~مسروق البغدادي أنه قال : خرجت يوما في أيام جهلي وأنا نشوان وكنت أغنى هذا ~~البيت : بطيزناباذ كرم ما مررت به . . . إلا تعجبت ممن يشرب الماء فسمعت ~~قائلا يقول : وفي جهنم ماء ما تجرعه . . . خلق فأبقى له في الجوف أمعاء ~~فقال : وكان ذلك سبب توبتي واشتغالي بالعلم . قال أبو حامد : فانظر كيف أثر ~~الغناء في تصفية قلبه حتى تمثل له حقيقة الحق في صفة جهنم وفي لفظ منظوم ~~موزون وقرع ذلك سمعه الظاهر . وكما يسمع صوت الهاتف عند صفاء القلب . ~~ويشاهد أيضا بالبصر صورة الخضر عليه السلام فإنه يخيل لأرباب القلوب بصور ~~مختلفة ، وفي مثل هذه الأحوال من الصفاء يقع الاطلاع على ضمائر القلوب ، ~~ولذلك قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ~~ينظر بنور الله تعالى " . قال : فحاصل الوجد يرجع إلى مكاشفات ms0826 وإلى حالات ~~ينقسم كل واحد منهما إلى ما لا يمكن التعبير عنه عند الإقامة منه وإلى ما ~~لا تمكن العبارة عنه أصلا . وضرب لذلك أمثلة ، منها أن الفقيه قد تعرض عليه ~~مسألتان متشابهتان في الصورة ويدرك بذوقه أن بينهما فرقا في الحكم ، فإذا ~~كلف ذكر وجه الفرق لم يساعده اللسان على التعبير عنه وإن كان من أفصح الناس ~~، فيدرك بذوقه الفروق ولا يمكنه التعبير عنه ، وإدراكه الفرق علم يصادفه في ~~قلبه بالذوق . ولا شك أن لوقوعه في قلبه PageV04P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" سببا ، وله عند الله تعالى حقيقة ، ولا يمكنه ~~الإخبار عنه لقصور في لسانه بل لدقة المعنى أن تناله العبارة . وأما الحال ~~فكم من إنسان يدرك في قلب في الوقت الذي يصبح فيه قبضا أو بسطا ولا يعلم ~~سببه ، وقد يتفكر في شيء فيؤثر في نفسه أثرا فينسى ذلك السبب ويبقى الأثر ~~في نفسه وهو يحسبه . وقد تكون الحالة التي يحسها سرورا يثبت في نفسه بتفكره ~~في سبب موجب للسرور ، أو حزنا فينسى المتفكر فيه ويحس بالأثر عقيبه . وقد ~~تكون تلك الحال حالة غريبة لا يعرب عنها لفظ السرور والحزن ولا يصادف لها ~~عبارة مطابقة مفصحة عن المقصود ، بل ذوق الشعر الموزون والفرق بينه وبين ~~غير الموزون يختص به بعض الناس دون بعض ، وهي حالة يدركها صاحب الذوق بحيث ~~لا يشك فيها أعني التفرقة بين الموزون والمنزحف ولا يمكنه التعبير عنها بما ~~يتضح به مقصوده لمن لا ذوق له . وفي النفس أحوال غريبة هذا وصفها بل ~~المعاني المشهورة من الخوف والحزن والسرور إنما تحصل في السماع عن غناء ~~مفهوم . فأما الأوتار وسائر النغمات التي ليس مفهومة فإنها تؤثر في النفس ~~تأثيرا عجيبا ، ولا يمكن التعبير عن عجائب تلك الأوتار ، وقد يعبر عنها ~~بالشوق ، ولكن شوق لا يعرف صاحبه المشتاق إليه ، فهذا عجيب . والذي اضطربت ~~نفسه بسماع الأوتار والشاهين وما أشبهه ليس يدري إلى ماذا يشتاق ، ويجد في ~~نفسه حالة كأنها تتقاضى أمرا ليس يدري إلى ماذا يشتاق ، ويجد في نفسه ms0827 حالة ~~كأنها تتقاضى أمرا ليس يدري ما هو ، حتى يقع ذلك للعوام ومن لا يغلب على ~~قلبه لا حب آدمي ولا حب الله تعالى . وهذا له سر ، وهو أن كل شوق فله ركنان ~~: أحدهما صفة المشتاق وهو نوع مناسبة مع المشتاق إليه . والثاني : معرفة ~~المشتاق إليه ومعرفة صورة الوصول إليه . فإن وجدت الصفة التي بها الشوق ~~ووجد العلم بالمشتاق ووجدت الصفة المشوقة وحركت قلبك الصفة واشتعلت نارها ، ~~أورث ذلك دهشة وحيرة لا محالة . ولو نشأ آدمي وحده حيث لم ير صورة النساء ~~ولا عرف صورة الوقاع ثم راهق الحلم وغلبت عليه الشهوة لكان يحس من نفسه ~~بنار الشهوة ولا يدري أنه يشتاق إلى الوقاع لأنه ليس يدري صورة الوقاع ولا ~~يعرف صورة النساء ، فكذلك في نفس الآدمي مناسبة مع العالم الأعلى واللذات ~~التي وعد PageV04P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" بها في سدرة المنتهى والفراديس العلا ، إلا ~~أنه لم يتخيل من هذه الأمور إلا الصفات والأسماء كالذي يسمع لفظ الوقاع ~~واسم النساء ولم يشاهد صورة امرأة قط ولا صورة رجل ولا صورة نفسه في المرآة ~~ليعرف بالمقايسة . فالسماع يحرك منه الشوق ، والجهل المفرط والاشتغال ~~بالدنيا قد أنساه نفسه وأنساه ربه وأنساه مستقره الذي إليه حنينه واشتياقه ~~بالطبع ، فيتقاضاه قلبه أمرا ليس يدري ما هو فيدهش ويضطرب ويتحير ويكون ~~كالمختنق الذي لا يعرف طريق الخلاص . فهذا وأمثاله من الأحوال التي لا يدرك ~~تمام حقائقها ، ولا يمكن المتصف بها أن يعبر عنها . فقد ظهر انقسام الوجد ~~إلى ما يمكن إظهاره وإلى ما لا يمكن إظهاره . قال : واعلم أيضا أن الوجد ~~ينقسم إلى هاجم وإلى متكلف يسمى التواجد . وهذا التواجد المتكلف ، فمنه ~~مذموم وهو الذي يقصد به الرياء وإظهار الأحوال الشريفة مع الإفلاس منها ، ~~ومنه ما هو محمود وهو التوصل إلى الاستدعاء للأحوال الشريفة واكتسابها ~~واجتلابها بالحيلة ، فإن للكسب مدخلا في جلب الأحوال الشريفة ، ولذلك أمر ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من لم يحضره البكاء في قراءة القرآن أن ~~يتباكى ويتحازن ، فإن هذه الأحوال قد ms0828 تتكلف مباديها ثم تتحقق أواخرها . ~~وكيف لا يكون التكلف سببا في أن يصير المتكلف بالآخرة طبعا ، وكل من يتعلم ~~القرآن أو لا يحفظه تكلفا ويقرؤه تكلفا مع تمام التأمل وإحضار الذهن ثم ~~يصير ذلك ديدنا للسان مطردا حتى يجري به لسانه في الصلاة وغيرها وهو غافل ~~فيقرأ تمام السورة وتثوب نفسه إليه بعد انتهائه إلى آخرها ويعلم أنه قرأها ~~في حال غفلته . وذكر أبو حامد أمثلة نحو ذلك ثم قال : وكذلك الأحوال ~~الشريفة لا ينبغي أن يقع اليأس منها عند فقدها ، بل ينبغي أن يتكلف ~~اجتلابها بالسماع وغيره ، فلقد شوهد في العادات من اشتهى أن يعشق شخصا ولم ~~يكن يعشقه فلم يزل يردد ذكره على نفسه ويديم النظر إليه ويقرر على نفسه ~~الأوصاف المحبوبة إليه والأخلاق المحمودة فيه حتى عشقه ورسخ ذلك في قلبه ~~رسوخا خرج عن حد اختياره ، واشتهى بعد ذلك الخلاص منه فلم يتخلص ، فكذلك حب ~~الله تعالى والشوق إلى لقائه والخوف من سخطه وغير ذلك من الأحوال الشريفة ~~إذا فقدها PageV04P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" الإنسان فينبغي أن يتكلف اجتلابها بمجالسة ~~الموصوفين بها ، ومشاهدة أحوالهم ، وتحسين صفاتهم في النفس ، وبالجلوس معهم ~~في السماع ، وبالدعاء والتضرع إلى الله تعالى في أن يرزقه تلك الحالة بأن ~~ييسر له أسبابها السماع ومجالسة الصالحين والخائفين والمحبين والمشتاقين ~~والخاشعين ، فمن جالس شخصا سرت إليه صفاته من حيث لا يدري . ويدل على إمكان ~~تحصيل الحب وغيره من الأحوال بالأسباب قول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) في دعائه : " اللهم ارزقني حبك وحب من أحبك وحب من يقربني إلى حبك " . ~~فقد فزع إلى الدعاء في طلب الحب . قال : فهذا بيان انقسام الوجد إلى ~~مكاشفات وإلى أحوال ، وانقسامه إلى ما يمكن الإيضاح عنه وإلى ما لا يمكن ، ~~وانقسامه إلى المتكلف وإلى المطبوع . المقام الثالث : في آداب السماع ظاهرا ~~وباطنا ، وما يحمد من آثار الوجد ويذم . قال الإمام أبو حامد رحمه الله ~~تعالى : فأما الآداب فهي خمس جمل : الأول : مراعاة الزمان والمكان والإخوان ~~. قال الجنيد : السماع يحتاج إلى ms0829 ثلاثة أشياء وإلا فلا تسمع : الزمان ~~والمكان والإخوان . قال الغزالي : ومعناه أن الاشتغال به في وقت حضور طعام ~~و خصام أو صلاة أو صارف من الصوارف مع اضطراب القلب لا فائدة فيه ، فهذا ~~معنى مراعاة الزمان ، فيراعى فراغ القلب . والمكان قد يكون شارعا مطروقا أو ~~موضعا كريه الصورة أو فيه سبب يشغل القلب فيتجنب ذلك . وأما الإخوان فسببه ~~أنه إذا حضر غير الجنس من منكر السماع متزهد الظاهر مفلس من لطائف القلوب ~~كان مستثقلا في المجلس واشتغل القلب به ، وكذا إذا حضر متكبر من أهل الدنيا ~~فيحتاج إلى مراقبته ومراعاته ، أو متكلف متواجد من أهل التصوف يرائي بالوجد ~~والرقص وتمزيق الثوب ، فكل ذلك مشوشات ، فترك السماع عند فقد هذه الشروط ~~أولى . الثاني : وهو نظر للحاضرين ، أن الشيخ إذا كان حوله مريدون يضرهم ~~السماع فلا ينبغي أن يسمع في حضورهم ، فإن سمع فليشغلهم بشغل آخر . والمريد ~~الذي لا يستفيد بالسماع أحد ثلاثة : أقلهم درجة هو الذي لم يدرك من الطريق ~~إلا الأعمال الظاهرة ولم يكن له ذوق السماع ، فاشتغاله بالسماع اشتغال بما ~~لا يعنيه ، فإنه ليس من أهل اللهو فيلهو ، ولا من أهل الذوق فيتنعم بذوق ~~السماع ، فليشتغل بذكر أو PageV04P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" خدمة وإلا فهو مضيع لزمانه . الثاني : هو ~~الذي له ذوق ولكن فيه بقية من الحظوظ والالتفات إلى الشهوات والصفات ~~البشرية ولم ينكسر بعد انكسارا تؤمن غوائله ، فربما يهيج السماع منه داعية ~~اللهو والشهوة فينقطع طريقه ويصده عن الاستكمال . الثالث : أن يكون قد ~~انكسرت شهوته وأمنت غائلته وانفتحت بصيرته واستولى على قلبه حب الله تعالى ~~، ولكنه لم يحكم ظاهر العلم ولم يعرف أسماء الله وصفاته وما يجوز عليه وما ~~يستحيل ، وإذا فتح له باب السماع نزل المسموع في حق الله تعالى على ما يجوز ~~وما لا يجوز ، فيكون ضرره من تلك الخواطر التي هي كفر أعظم عليه من نفع ~~السماع . قال سهل : كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل . فلا يصلح ~~السماع لمثل هذا ولا لمن قلبه ms0830 بعد ملوث بحب الدنيا وشهوة المحمدة والثناء ، ~~ولا من يسمع لأجل التلذذ والاستطابة بالطبع ، فيصير ذلك عادة له ويشغله عن ~~عبادته ومراعاة قلبه وتنقطع عليه طريقة الأدب ، فالسماع مزلة قدم يجب حفظ ~~الضعفاء عنه . الأدب الثالث : أن يكون مصغيا إلى ما يقوله القائل ، حاضر ~~القلب ، قليل الالتفات إلى الجوانب ، متحرزا عن النظر إلى وجوه المستمعين ~~وما يظهر عليهم من أحوال الوجد ، مشتغلا بنفسه ومراعاة قلبه ومراقبة ما ~~يفتح الله له من رحمته في سره ، متحفظا عن حركة تشوش على أصحابه قلوبهم ، ~~بل يكون ساكن الظاهر ، هادئ الأطراف متحرزا عن التنحنج والتثاؤب ، يجلس ~~مطرقا رأسه كجلوسه في فكر مستغرق لقلبه ، متماسكا عن التصفيق والرقص وسائر ~~الحركات على وجه التصنع والتكلف والمراءاة ، ساكتا عن النطق في أثناء القول ~~بكل ما عنه بد . فإن غلبه الوجد وحركه بغير اختيار فهو فيه معذور وغير ملوم ~~، ومهما رجع إليه اختياره فليعد إلى هدوه وسكونه . ولا ينبغي أن يستديمه ~~حياء من أن يقال : انقطع وجده على القرب ، ولا أن يتواجد خوفا من أن يقال : ~~هو اقسي القلب عديم الصفاء والرقة . قال : وقوة الوجد تحرك ، وقوة العقل ~~التماسك تضبط الظواهر . وقد يغلب أحدهما الآخر إما لشدة قوته ، وإما لضعف ~~ما يقابله ، ويكون النقصان والكمال بحسب ذلك . فلا تظنن أن الذي يضطرب ~~بنفسه على الأرض أتم وجدا من الساكن باضطرابه ، بل رب ساكن أتم ~~PageV04P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" وجدا من المضطرب ، فقد كان الجنيد يتحرك في ~~السماع في بدايته ثم صار لا يتحرك فقيل له في ذلك فقال : " وترى الجبال ~~تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء " إشارة إلى أن ~~القلب مضطرب جائل في الملكوت ، والجوارح متأدبة في الظاهر ساكنة . الأدب ~~الرابع : ألا يقوم ولا يرفع صوته بالبكاء وهو يقدر على ضبط نفسه ، ولكن إن ~~رقص أو تباكى فهو مباح إذا لم يقصد به المراءاة ، لأن التباكي استجلاب ~~للحزن ، والرقص سبب في تحريك السرور والنشاط ، وكل سرور مباح فيجوز تحريكه ~~، ولو كان ذلك حراما ms0831 لما نظرت عائشة رضي الله عنها إلى الحبشة مع رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) وهم يزفنون . وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم ~~حجلوا لما ورد عليهم سرور أوجب ذلك وذلك في قصة ابنة حمزة بن عبد المطلب ~~لما اختصم فيا علي بن أبي طالب وأخوه جعفر وزيد بن حارثة رضي الله عنهم ، ~~فتشاحوا في تربيتها ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعلي : " أنت ~~مني وأنا منك " فحجل علي . وقال لجعفر : " أشبهت خلقي وخلقي " فحجل . وقال ~~لزيد : " أنت أخونا ومولانا " فحجل . الحديث . قال : والحجل : الرقص ، ~~ويكون لفرح أو شوق ، فحكمه حكم مهيجه إن كان فرحه محمودا ، والرقص يزيده ~~ويؤكده فهو محمود ، فإن كان مباحا فهو مباح ، وإن كان مذموما فهو مذموم . ~~نعم لا يليق ذلك بمناصب الأكابر وأهل القدوة لأنه في الأكثر يكون عن لهو ~~ولعب ، وما له صورة اللعب في أعين الناس فينبغي أن يجتنبه المقتدي به لئلا ~~يصغر في أعين الخلق فيترك الاقتداء به . وأما تخريق الثياب فلا رخصة فيه ~~إلا عند خروج الأمر عن الاختيار . ولا يبعد أن يغلب الوجد بحيث يمزق ثوبه ~~وهو لا يدري لغلبة سكر الوجد عليه أو يدري ولكن يكون كالمضطر الذي لا يقدر ~~على ضبط نفسه ، وتكون صورته صورة المكره ، إذ يكون له في الحركة أو التمزيق ~~متنفس فيضطر إليه اضطرار المريض إلى الأنين ، ولو كلف الصبر عنه لم يقدر ~~عليه مع أنه فعل اختياري ، فليس كل فعل حصوله بالإرادة يقدر الإنسان على ~~تركه ، فالتنفس فعل يحصل بالإرادة ، ولو كلف الإنسان نفسه أن يمسك التنفس ~~ساعة اضطر من باطنه إلى أن يختار التنفس ، فكذلك الزعقة وتخريق الثياب قد ~~يكون كذلك فهذا لا يوصف بالتحريم . PageV04P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" الأدب الخامس : موافقة القوم في القيام إذا ~~قام واحد منهم في وجد صادق من غير رياء وتكلف ، أو قام باختيار من غير ~~إظهار وجد وقام له الجماعة فلا بد من الموافقة ، فذلك من آداب الصحبة . ~~وكذلك إن جرت عادة طائفة بتنحية العمامة على ms0832 موافقة صاحب الوجد إذا سقطت ~~عمامته أو خلع الثياب إذا سقط عنه ثوبه بالتخريق . فالموافقة في هذه الأمور ~~من حسن الصحبة والعشرة ، غذ المخالفة موحشة . ولكل قوم رسم ، ولا بد من ~~مخالفة الناس بأخلاقهم كما ورد في الخبر لا سيما إذا كانت أخلاقا فيها حسن ~~المعاشرة والمجاملة وتطييب القلب بالمساعدة . وقول القائل : إن ذلك بدعة لم ~~تكن في الصحابة ، فليس كل ما يحكم بإباحته منقولا عن الصحابة ولم ينقل ~~النهي عن شيء من هذا . والقيام عند الدخول للداخل لم تكن من عادة العرب ، ~~بل كان الصحابة لا يقومون لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في بعض ~~الأحوال كما رواه أنس رضي الله عنه ، وإن كان لم يثبت فيه نهي عام ، فلا ~~نرى به بأسا في البلاد التي جرت العادة فيها بإكرام الداخل بالقيام ، فإن ~~القصد منه الاحترام والإكرام وتطييب القلب به ، كذلك سائر أنواع المساعدة ~~إذا قصد بها طيبة القلب واصطلح عليها جماعة فلا بأس بمساعدتهم عليها ، بل ~~الأحسن المساعدة إلا فيما ورد فيه نهي لا يقبل التأويل . ومن الأدب ألا ~~يقوم للرقص مع القوم إن كان يستثقل رقصه ويشوش عليهم أحوالهم ، إذ الرقص من ~~غير إظهار التواجد مباح ، والمتواجد هو الذي يلوح للجميع منه أثر التكلف ، ~~ومن يقوم عن صدق لا تستثقله الطباع ، فقلوب الحاضرين إذا كانوا من أرباب ~~القلوب محك للصدق والتكلف . سئل بعضهم عن الوجد الصحيح فقال : صحته قبول ~~قلوب الحاضرين له إذا كانوا أشكالا غير أضداد . هذا ملخص ما أورده الغزالي ~~رحمه الله تعالى في معنى السماع وقسمه إلى هذه الأقسام التي ذكرناها . وأما ~~أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم فقد ذكر مسألة السماع بين إباحته ، ~~فبدأ بذكر الأحاديث التي احتجوا بها وضعف رواتها نحو ما تقدم وذكر الآية : ~~" ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم " ~~PageV04P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" وأنه قيل : إنه الغناء ، فليس عن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ولا ثبت عن أحد من أصحابه رضي ms0833 الله عنهم ، فإنما هو ~~قول بعض المفسرين ممن لا يقوم بقوله حجة ، وما كان هكذا فلا يجوز القول به ~~. ثم لو صح لما كان فيه متعلق ، لأن الله تبارك وتعالى يقول : " ليضل عن ~~سبيل الله " وكل شيء اقتنى ليضل به عن سبيل الله فهو إثم وحرام ولو أنه ~~شراء مصحف أو تعليم قرآن . فإذا لم يصح في هذا شيء فقد قال الله عز وجل : " ~~وقد فصل لكم ما حرم عليكم " . وقال تعالى : " خلق لكم ما في الأرض جميعا " ~~وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أعظم الناس جرما في الإسلام من ~~سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته " ، فصح أن كل شيء حرمه الله عز وجل ~~علينا فقد فصله لنا ، وكل ما لم يفصل تحريمه لنا فهو حلال . واستدل رحمه ~~الله على إباحته بالأحاديث التي ذكرناها ، حديث عائشة عن خبر أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنهما في غناء الجاريتين ، واستدل أيضا بحديث نافع أن ابن ~~عمر سمع مزمارا فوضع إصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق وقال : يا نافع ، هل ~~تسمع شيئا ؟ قلت لا ، فرفع إصبعيه عن أذنيه وقال : كنت مع رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وسمع مثل هذا وصنع مثل هذا . قال : فلو كان حراما ما أباح ~~عليه الصلاة والسلام لابن عمر سماعه ولا أباح ابن عمر لنافع سماعه ، ولكنه ~~عليه الصلاة والسلام كره لنفسه كل شيء ليس من التقرب إلى الله عز وجل ، كما ~~كره الأكل متكئا ، والتنشف بعد الغسل في ثوب يعد لذلك ، والستر الموشى على ~~سهوة عائشة وعلى باب فاطمة رضي الله عنهما ، وكما كره ( صلى الله عليه وسلم ~~) أشد الكراهة أن يبيت عنده دينار أو درهم . وإنما بعث عليه الصلاة والسلام ~~منكرا للمنكر ، آمرا بالمعروف . فلو كان ذلك حراما لما اقتصر النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أن يسد اذنيه عنه دون أن يأمر بتركه وينهى عنه ، ولم يفعل ~~عليه الصلاة والسلام شيئا من ذلك بل أقره وتنزه عنه ، فصح أنه مباح وأن ~~الترك ms0834 له أفضل كسائر فضول الدنيا المباحة . قال : فإن قال قائل : قال الله ~~تبارك وتعالى : " فماذا بعد الحق إلا الضلال " ففي أي ذلك يقع الغناء ؟ قيل ~~له : حيث يقع التروح في البساتين وصباغ ألوان الثياب ، ولكل امرئ ما نوى ~~فإذا نوى المرء ترويح نفسه وإجمامها لتقوى على طاعة الله فما أتى ضلالا . ~~قال : ولا يحل تحريم شيء ولا إباحته إلا بنص من الله عز وجل أو من رسوله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، لأنه إخبار عن الله عز وجل ، ولا يجوز PageV04P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" عنه تعالى إلا بالنص الذي لا شك فيه . وقد ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده ~~من النار " . وقد تكلم على إباحة السماع جماعة من العلماء . وفيما أوردناه ~~من هذا الفصل كفاية . فلنذكر من سمع الغناء من الصحابة رضي الله عنهم . ذكر ~~من سمع الغناء من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم قد روي أن جماعة من ~~الصحابة رضي الله عنهم سمعوا الغناء . منهم النعمان بن بشير الأنصاري ~~الخزرجي رضي الله عنه ، روى أبو الفرج الأصفهاني في كتابه المترجم : ~~بالأغاني بسند رفعه إلى أبي السائب المخزومي وغيره ، قال : دخل النعمان بن ~~بشير المدينة في أيام يزيد بن معاوية وابن الزبير فقال : والله لقد أخفقت ~~أذناي من الغناء فأسمعوني . فقيل له : لو وجهت إلى عزة الميلاء . فإنها من ~~قد عرفت ، فقال : إي ورب هذه البنية إنها لممن يزيد النفس طيبا والعقل شحذا ~~، ابعثوا إليها عن رسالتي ، فإن أبت صرت إليها . فقال له بعض القوم : إن ~~النقلة تشتد عليها لثقل بدنها ، وما بالمدينة دابة تحملها . فقال النعمان : ~~وأين النجائب عليها الهوادج ؟ فوجه إليها بنجيبة فذكرت علة ، فلما عاد ~~الرسول إلى النعمان قال لجليسه : أنت كنت أخبر بها ، قوموا بنا . فقام هو ~~مع خواص أصحابه حتى طرقوها ، فأذنت وأكرمت اعتذرت ، فقبل النعمان عذرها ~~وقال لها : غني ، فغنت : أجد بعمرة غنيانها . . . فتهجر أم شأنها شانها ؟ ~~وعمرة من سروات النسا . . . ء بالمسك أردانها PageV04P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" قال : وهذا ms0835 الشعر هو لقيس بن الخطيم في أم ~~النعمان بن بشير ، وهي عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة ، قال : فأشير ~~إلى عزة أنها أمه فأمسكت ، فقال : غنني فوالله ما ذكر إلا كرما وطيبا ولا ~~تغنى سائر اليوم غيره ، فلم تزل تغنيه هذا اللحن حتى انصرف . ومنهم حسان بن ~~ثابت الأنصاري رضي الله عنه ، روى أبو الفرج الأصفهاني بسنده إلى محرز بن ~~جعفر قال : ختن زيد بن ثابت بنيه وأولم واجتمع إليه المهاجرون والأنصار ~~وعامة أهل المدينة ، وحضر حسان بن ثابت وقد كف بصره يومئذ وثقل سمعه فوضع ~~بين يديه خوان ليس عليه غيره إلا عبد الرحمن ابنه ، وكان يسأله كلما وضعت ~~صحفة أطعام يد أم يدين ؟ فلم يزل يأكل حتى جيء بالشواء ، فقل : أطعام يد أم ~~يدين ؟ فقال : بل طعام يدين ، فأمسك يده ، حتى إذا فرغ من الطعام ثنيت ~~وسادة وأقبلت عزة الميلاء وهي إذا شابة ، فوضع في حجرها مزهر فضربت به ~~وتغنت ، فكان أول ما ابتدأت به شعر حسان : فلا زال قصر بين بصرى وجلق . . . ~~عليه من الوسمي جود ووابل فطرب حسان وجعلت عيناه تنضحان على خديه وهو مصغ ~~لها . وروى أيضا بسنده إلى خارجة بن زيد أنه قال : دعينا إلى مأدبة في آل ~~نبيط ، فحضرنا وحضر حسان بن ثابت ، فجلسنا جميعا على مائدة واحدة وهو يومئذ ~~PageV04P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" قد ذهب بصره ومعه ابنه عبد الرحمن ، وكان إذا ~~أتي بطعام سأل ابنه عبد الرحمن أطعام يد أم طعام يدين ؟ يعني بطعام اليد ~~الثريد ، وطعام اليدين الشواء لأنه ينهش نهشا فإذا قال : طعام يد أكل ، ~~وإذا قال : طعام يدين أمسك يده . فلما فرغوا من الطعام أتوا بجاريتين ~~مغنيتين إحداهما رائقة والأخرى عزة فجلستا وأخذتا مزهريهما وضربتا ضربا ~~عجيبا وغنتا بقول حسان بن ثابت : أنظر خليلي بباب جلق هل . . . تؤنس دون ~~البلقاء من أحد قال : فأسمع حسان يقول : قد أراني هناك سميعا بصيرا ، ~~وعيناه تدمعان ، فإذا سكتتا سكن عنه البكاء وإذا غنتا يبكي . قال : وكنت ~~أرى عبد الرحمن ابنه ms0836 إذا سكتتا يشير إليهما أن غنيا ، فيبكي أبوه ، فيقال : ~~ما حاجته إلى بكاء أبيه . وروى أيضا بسنده إلى عباد بن عبد الله بن الزبير ~~عن شيخ من قريش قال : إني وفتية من قريش عند قينة ومعنا عبد الرحمن بن حسان ~~بن ثابت إذ استأذن حسان ، فكرهنا دخوله وشق علينا ، فقال لنا عبد الرحمن ~~ابنه : أيسركم ألا يجلس ؟ قال نعم . قال : فمروا هذه إذا نظرت إليه أن تغني ~~: أولاد جفنة حول قبر أبيهم . . . قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ~~ما تهر كلابهم . . . لا يسألون عن السواد المقبل قال : فغنته ، فوالله لقد ~~بكى حتى ظننا أنه سيلفظ نفسه . ثم قال : أفيكم الفاسق ؟ لعمري لقد كرهتم ~~مجلسي اليوم . وقام فانصرف . وهذا الشعر لحسان بن ثابت وهو مما امتدح به ~~جبلة بن الأيهم ، وهو من قصيدة طويلة منها قوله في مدح آل جفنة : بيض ~~الوجوه كريمة أحسابهم . . . شم الأنوف من الطراز الأول وروى أبو الفضل محمد ~~بن طاهر المقدسي رحمه الله تعالى بسند رفعه إلى الحارث بن عبد الله بن ~~العباس : أنه بينما هو يسير مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه PageV04P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" بطريق مكة في خلافته ومعه من معه من ~~المهاجرين والأنصار ، ترنم عمر ببيت فقال له رجل من أهل العراق - ليس معه ~~عراقي غيره - : غيرك فليقلها يا أمير المؤمنين قال : فاستحيا عمر وضرب ~~راحلته حتى انقطعت من الركب . قال المقدسي : ويزد ذلك وضوحا - وساق حديثا ~~بسند رفعه إلى يحيى بن عبد الرحمن - قال : خرجنا مع عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه في الحج الأكبر ، حتى إذا كان عمر بالروحاء كلم الناس رباح بن المعترف ~~، وكان حسن الصوت بغناء الأعراب ، فقالوا : أسمعنا وقصر عنا الطريق ، فقال ~~: إني أفرق من عمر . قال : فكلم القوم عمر . إنا كلمنا رباحا أن يسمعنا ~~ويقصر لنا طريق المسير فأبى إلا أن تأذن له . فقال له : يا رباح ، أسمعهم ~~وقصر عنهم المسير ، فإذا أسحرت فارفع واحدهم بشعر ضرار بن الخطاب ، فرفع ~~عقيرته يتغنى وهم محرمون . وروى ms0837 أيضا بسنده إلى يزيد بن أسلم عن أبيه : أن ~~عمر رضي الله عنه مر برجل يتغنى فقال : إن الغناء زاد المسافر . وروى سفيان ~~الثوري وشعبة كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي عن عامر بن سعد البجلي : أن أبا ~~مسعود البدري ، وقرظة بن كعب ، وثابت بن يزيد ، وهم في عرس وعندهم غناء ، ~~فقلت : هذا وأنتم أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا : إنه رخص لنا ~~في الغناء في العرس والبكاء على الميت في غير النواح . إلا أن شعبة قال : ~~ثابت بن وديعة مكان ثابت بن يزيد ، ولم يذكر أبا مسعود . وقال الإمام أبو ~~حامد الغزالي رحمه الله عن أبي طالب المكي : سمع من الصحابة عبد الله بن ~~جعفر ، وعبد الله بن الزبير ، والمغيرة بن شعبة ، ومعاوية وغيرهم ، وقال : ~~قد فعل ذلك كثير من السلف صحابي وتابعي بإحسان . وروى الحافظ أبو الفضل ~~المقدسي بسند رفعه إلى عمر بن أبي زائدة قال : حدثتني امرأة عمر بن الأصم ~~قالت : مررنا ونحن جوار بمجلس سعيد بن جبير ومعنا PageV04P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" جارية تغني ومعها دف وهي تقول : لئن فتنتني ~~فهي بالأمس أفتنت . . . سعيدا فأمسى قد قلى كل مسلم وألقى مفاتيح القراءة ~~واشترى . . . وصال الغواني بالكتاب المنمنم فقال سعيد : تكذبين تكذبين . ~~ذكر من سمع الغناء من الأئمة والعباد والزهاد قالوا : وقد سمع الغناء من ~~الأئمة الإمام الشافعي ، وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى ، وغيرهما من ~~أصحابهما . روى الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي رحمه الله ~~تعالى بسند رفعه إلى المريسي ، قال : مررنا مع الشافعي وإبراهيم ابن ~~إسماعيل على دار قوم وجارية تغنيهم : خليلي ما بال المطايا كأنها . . . ~~نراها على الأعقاب بالقوم تنكص فقال الشافعي : ميلوا بنا نسمع . فلما فرغت ~~قال الشافعي لإبراهيم : أيطربك هذا ؟ قال لا . قال : فما لك حس وروى أيضا ~~بسند رفعه إلى صالح بن أحمد بن حنبل قال : كنت أحب السماع وكان أبي يكره ~~ذلك ، فواعدت ليلة ابن الخبازة ، فمكث عندي إلى أن علمت أن أبي قد نام ، ~~فأخذ يغني ، فسمعت ms0838 خشفة فوق السطح ، فصعدت ، فرأيت أبي فوق السطح يسمع ما ~~يغني وذيله تحت إبطه وهو يتبختر كأنه يرقص . قال : وقد رويت هذه الحكاية ~~أيضا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل - وساق سندا إليه - قال : كنت أدعو ابن ~~الخبازة وكان أبي ينهانا عن الغناء ، وكنت إذا كان عندي كتمته من أبي لئلا ~~يسمع . فكان ذات ليلة عندي وهو يقول ، فعرضت لأبي عندنا حاجة - وكانوا في ~~زقاق - فجاء وسمعه يقول ، فوقع في سمعه شيء من قوله ، فخرجت لأنظر فإذا ~~بأبي يترجح ذاهبا وجائيا ، فرددت الباب ودخلت . فلما كان من الغد قال أبي : ~~يا بني ، إذا كان مثل هذا فنعم الكلام ، أو معناه . قال أبو الفضل : وابن ~~الخبازة هذا هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن زكريا الشاعر ، وكان ~~عاصر أحمد ورثاه حين مات . PageV04P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" وروى أبو الفضل أيضا بسند رفعه إلى أبي مصعب ~~الزهري أنه قال : حضرت مجلس مالك بن أنس فسأله أبو مصعب عن السماع ، فقال ~~مالك : ما أدري ، أهل العلم ببلدنا لا ينكرون ذلك ولا يقعدون عنه ولا ينكره ~~غلا غبي جاهل أو ناسك عراقي غليظ الطبع . وقال أيضا : أخبرنا أبو محمد ~~التميمي ببغداد قال : سألت الشريف أبا علي محمد بن أحمد بن أبي موسى ~~الهاشمي عن السماع فقال : ما أدري ما أقول فيه ، غير أني حضرت دار شيخنا ~~أبي الحسن عبد العزيز بن الحارث التميمي سنة سبعين وثلاثمائة في دعوة عملها ~~لأصحابه ، حضرها أبو بكر الأبهري شيخ المالكية ، وأبو القاسم الداركي شيخ ~~الشافعية ، وأبو الحسن طاهر بن الحسن شيخ أصحاب الحديث ، وأبو الحسن ابن ~~سمعون شيخ الوعاظ والزهاد ، وأبو عبد الله محمد بن مجاهد شيخ المتكلمين ، ~~وصاحبه أبو بكر الباقلاني في دار شيخنا أبي الحسن التميمي شيخ الحنابلة ، ~~فقال أبو علي : لو سقط السقف عليهم لم يبق بالعراق من يفتي في حادثة يشبه ~~واحدا منهم ، ومعهم أبو عبد الله غلام تام ، وكان هذا يقرأ القرآن بصوت حسن ~~، وربما قال شيئا . فقيل له : قل ms0839 لنا شيئا ، فقال لهم وهم يسمعون : خطت ~~أناملها في بطن قرطاس . . . رسالة بعبير لا بأنقاس أن زر فديتك لي من غير ~~محتشم . . . فإن حبك لي قد شاع في الناس فكان قولي لمن أدى رسالتها . . . ~~قف لي لأمشي عل العينين والراس قال أبو علي : فبعد أن رأيت هذا لا يمكنني ~~أن أفتي في هذه المسألة بحظر ولا إباحة . وممن أحب السماع والغناء وسمعه من ~~الزهاد والعباد والعلماء أبو السائب المخزومي . روى أبو الفرج الأصفهاني ~~بسنده إلى صفية بنت الزبير بن هشام قالت : كان أبو السائب المخزومي رجلا ~~صالحا زاهدا متقللا يصوم الدهر ، وكان أرق خلق الله قلبا وأشدهم غزلا . ~~فوجه غلامه يوما يأتيه بما يفطر عليه ، فأبطأ الغلام إلى PageV04P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" العتمة . فلما جاء قال له : يا عدو نفسه ، ما ~~أخرك إلى هذا الوقت ؟ قال : اجتزت بباب فلان فسمعت منه غناء فوقفت حتى ~~أخذته . فقال : هاته يا بني ، فوالله لئن كنت أحسنت لأحبونك ، وإن كنت أسأت ~~لأضربنك . فاندفع يغني بشعر كثير : ولما علوا شغبا تبينت أنه . . . تقطع من ~~أهل الحجاز علائقي فلا زلن حسرى ظلعا لما حملنها . . . إلى بلد ناء قليل ~~الأصادق فلم يزل يغنيه ويستعيده إلى نصف الليل . فقلت له زوجته : يا هذا ، ~~قد انتصف الليل وما أفطرت . فقال لها : أنت الطلاق إن أفطرنا على غيره . ~~فلم يزل يغنيه ويستعيده حتى أسحر . فقالت له : هذا السحر وما أفطرنا . فقال ~~لها : أنت الطلاق إن كان سحورنا غيره . ثم قال لابنه : يا بني ، خذ جبتي ~~هذه وأعطني خلقك ليكون الحباء فضل ما بينهما . فقال له : يا أبت ، أنت شيخ ~~وأنا شاب وأنا أقوى على البرد منك ، فقال له : يا بني ، ما ترك هذا الصوت ~~للبرد علي سبيلا ما حييت . ويؤيد هذه الحكاية ما حكاه أبو طالب المكي في ~~كتابه ، قال : كان بعض السامعين يقتات بالسماع ليقوى به على زيادة طيه ، ~~كان يطوي اليوم واليومين والثلاثة ، فإذا تاقت نفسه إلى القوت عدل بها إلى ~~السماع ، فأثار تواجده ، فاستغنى بذلك عن الطعام . وروى ms0840 أبو الفرج بسنده ~~إلى عبد الله بن أبي مليكة عن أبيه عن جده قال : كان بالمدينة رجل ناسك من ~~أهل العلم والعفة ، وكان يغشى عبد الله بن جعفر ، فسمع PageV04P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" جارية مغنية لبعض النخاسين تغني : بانت سعاد ~~وأمسى حبلها انقطعا . . . واحتلت الغور فالجدين فالفرعا وأنكرتني وما كان ~~الذي نكرت . . . من الحوادث إلا الشيب والصلعا فهام الناسك وترك ما كان ~~عليه ، حتى مشى إليه عطاء وطاوس ولاماه ، فكان جوابه لهما أن تمثل : يلومني ~~فيك أقوام أجالسهم . . . فما أبالي أطار اللوم أم وقعا فبلغ عبد الله بن ~~جعفر خبره ، فبعث إلى النخاس ، فاعترض الجارية وسمع غناءها بهذا الصوت وقال ~~: ممن أخذتيه ؟ قالت : من عزة الميلاء ، فابتاعها بأربعين ألف درهم . ثم ~~بعث إلى الرجل فسأله عن خبرها فأعلمه إياه ، فقال : أتحب أن تسمع هذا الصوت ~~ممن أخذته عنه تلك الجارية ؟ قال نعم . فدعا عزة الميلاء فقال : غنيه إياه ~~. فغنته ، فصعق الرجل وخر مغشيا عليه . فقال ابن جعفر : أثمنا فيه ، الماء ~~الماء فنضح على وجهه . فلما أفاق قال له : أكل هذا بلغ بك عشقها ؟ قال : ~~وما خفي عليك أكثر . قال : أفتحب أن تسمعه منها ؟ قال : قد رأيت ما نالني ~~حين سمعته من غيرها وأنا لا أحبها ، فكيف يكون حالي إن سمعته منها وأنا لا ~~أقدر على ملكها فأخرجها إليه وقال : خذها فهي لك ، ووالله ما نظرت إليها ~~إلا عن عرض . فقبل الرجل يديه ورجليه وقال : أنمت عيني ، وأحييت نفسي ، ~~وتركتني أعيش بين قومي ، ورددت إلى عقلي ، ودعا له دعاء كثيرا . فقال عبد ~~الله : ما أرضى أن أعطيكها هكذا ، يا غلام ، احمل معه مثل ثمنها ، ففعل . ~~قال الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين : كان ابن مجاهد لا يجيب دعوة ~~إلا أن يكون فيها سماع . قال : وكان أبو الخير العسقلاني الأسود من ~~الأولياء يسمع ويوله عند السماع ، وصنف فيه كتابا ورد فيه على منكريه . ~~وحكي عن بعض الشيوخ أنه قل : رأيت أبا العباس الخضر عليه السلام ، فقلت : ~~ما تقول PageV04P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" في ms0841 هذا السماع الذي اختلف فيه أصحابنا ؟ قال ~~: هو الصفا الزلال الذي لا تثبت عليه إلا أقدام العلماء . وروى الأصفهاني ~~بسند رفعه إلى ابن كناسة قال : اصطحب شيخ مع شاب في سفينة في الفرات ومعهم ~~مغنية . فلما صاروا في بعض الطريق قالوا للشيخ : معنا جارية وهي تغني ، ~~فأحببنا أن نسمع غناءها فهبناك ، فإن أذنت فعلنا . فقال : أنا أصعد على ~~أطلال السفينة ، فاصنعوا أنتم ما شئتم ، فصعد وأخذت المغنية عودها وغنت : ~~حتى إذا الصبح بدا ضوءه . . . وغابت الجوزاء والمرزم أقبلت والوطء خفي كما ~~. . . ينساب من مكمنه الأرقم فطرب الشيخ وصاح ، ثم رمى بنفسه وبثيابه في ~~الفرات وجعل يغوص ويطفو ويقول : أنا الأرقم أنا الأرقم فألقوا أنفسهم خلفه ~~، فبعد لأي ما استخرجوه ، وقالوا : يا شيخ ، ما حملك على ما فعلت ؟ فقال : ~~إليكم عني ، فإني أعرف من معاني الشعر ما لا تعرفون . فقالوا له : ما أصابك ~~؟ قال : دب من قدمي شيء إلى رأسي كدبيب النمل ونزل من رأسي مثله ، فلما ~~اجتمعا على قلبي عملت ما عملت . وقال أحمد بن أبي داود : كنت أعيب الغناء ~~وأطعن على أهله ، فخرج المعتصم يوما إلى الشماسية في حراقة ، ووجه في طلبي ~~فصرت إليه . فلما قربت منه سمعت غناء حيرني وشلني عن كل شيء ، فسقط سوطي عن ~~يدي ، فالتفت إلى غلامي أطلب منه سوطا ، فقال لي : قد والله سقط مني سوطي . ~~فقلت له : أي شيء كان سبب سقوطه ؟ قال : صوت سمعته فحيرني ، فما علمت كيف ~~سقط ، فإذا قصته قصتي . قال : وكنت أنكر أمر الطرب على الغناء وما يستفز ~~الناس منه فيغلب على PageV04P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" عقولهم ، وأناظر المعتصم عليه . فلما دخلت ~~عليه يومئذ أعلمته بالخبر ، فضحك وقال : هذا عمي كان يغنيني : إن هذا ~~الطويل من آل حفص . . . أنشر المجد بعد ما كان ماتا فإن تبت مما كنت تناظر ~~عليه من ذم الغناء سألته أن يعيده ، ففعلت وفعل ، فبلغ بي الطرب أكثر مما ~~يبلغه من غيري ، ورجعت عن رأي منذ ذلك اليوم . وعمه الذي أشار إليه هو ~~إبراهيم بن المهدي ms0842 . ذكر من غنى من الخلفاء وأبنائهم ونسبت له أصوات من ~~الغناء نقلت عنه كان من غنى من الحلفاء على ما أورده أبو الفرج الأصفهاني ~~في كتابه المترجم بالأغاني ونسبت له أصوات جماعة ، منهم عمر بن عبد العزيز ~~قد نسبت له أصوات ، ومنهم من أنكر ذلك . ولعل ما نقل عنه كان منه قبل ~~الخلافة . وكان رحمه الله من أحسن الناس صوتا . فكان مما نسب إليه من ~~الغناء : علق القلب سعادا . . . عادت القلب فعادا كلما عوتب فيها . . . أو ~~نهى عنها تمادى وهو مشغوف بسعدى . . . وعصى فيها وزادا ومما نسب إليه من ~~الغناء ما قيل إنه غناه من شعر جرير : قفا يا صاحبي نزر سعادا . . . لو شك ~~فراقها ودعا البعادا لعمرك إن نفعل سعاد عني . . . لمصروف ونفعي عن سعادا ~~إلى الفاروق ينتسب ابن ليلى . . . ومروان الذي رفع العمادا PageV04P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" ومن ذلك ما قيل إنه غناه من شعر الأشهب بن ~~رميلة : ألا يا دين قلبك من سليمى . . . كما قد دين قلبك من سعادا هما سبتا ~~الفؤاد وهاضتاه . . . ولم يدرك بذلك ما أرادا قفا نعرف منازل من سليمى . . ~~. دوارس بين حومل أو عرادا ذكرت لها الشباب وآل ليلى . . . فلم يزد الشباب ~~بها مزادا فإن نشب الذوائب أم عمرو . . . فقد لاقيت أياما شدادا وممن غنى ~~من خلفاء الدولة العباسية ، ممن دونت له صنعة ، الواثق بالله أبو جعفر ~~هارون بن المعتصم بالله بن الرشيد . حكى أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه إلى ~~إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال : دخلت يوما دار الواثق بالله بغير إذن إلى ~~موضع أمر أن أدخله إذا كان جالسا ، فسمعت صوت عود من بيت وترنما لم أسمع ~~أحسن منه . فأطلع خادم رأسه ثم رده وصاح بي ، فدخلت وإذا أنا بالواثق بالله ~~. فقال : أي شيء سمعت ؟ فقلت : الطلاق كامل لازم له وكل مملوك له حر ، لقد ~~سمعت ما لم أسمع مثله قط حسنا فضحك وقال : وما هو ؟ إنما هذه فضلة أدب وعلم ~~مدحه الأوائل واشتهاه أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والتابعون ~~بعدهم ms0843 وكثر في حرم الله عز وجل ومهاجر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~أتحب أن تسمعه ؟ قلت : إي والله الذي شرفني بخطابك وجميل رأيك . فقال : يا ~~غلام ، هات العود وأعط إسحاق رطلا ؛ فدفع الرطل إلي وضرب وغني في شعر لأبي ~~العتاهية بلحن صنعه فيه : أضحت قبورهم من بعد عزتهم . . . تسفى عليها الصبا ~~والحرجف الشمل PageV04P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" لا يدفعون هواما عن وجوههم . . . كأنهم خشب ~~بالقاع منجدل فشربت الرطل ثم قمت . فدعوت له ، فأحتبسني وقال : أتشتهي أن ~~تسمعه بالله ؟ فقلت : إي والله ، فغنانيه ثانية وثالثة ، وصاح ببعض خدمه ~~وقال : احمل إلى إسحاق الساعة ثلاثمائة ألف درهم . قال : يا إسحاق ، قد ~~سمعت ثلاثة أصوات وشربت ثلاثة أرطال وأخذت ثلاثمائة ألف درهم ، فأنصرف إلى ~~أهلك مسرورا ليسروا معك ، فأنصرفت بالمال . وقال أبو الفرج بسنده إلى عريب ~~المأمونية قالت : صنع الواثق بالله مائة صوت ما فيها صوت ساقط . ولقد صنع ~~في هذا الشعر : هل تعلمين وراء الحب منزلة . . . تدني إليك فإن الحب أقصاني ~~هذا كتاب فتى طالت بليته . . . يقول يا مشتكي بثي وأحزاني قال : وكان ~~الواثق بالله إذا أراد أن يعرض صنعته على إسحاق نسبها إلى غيره فقال : وقع ~~إلينا صوت قديم من بعض العجائز فأسمعه ، وأمر من يغنيه إياه . وكان إسحاق ~~يأخذ نفسه بقول الحق في ذلك أشد أخذ ، فإن كان جيدا رضيه وأستحسنه وإن كان ~~فاسدا أو مطرحا أو متوسطا ذكر ما فيه . فإن كان للواثق فيه هوى سأله تقويمه ~~وإصلاح فاسده وإلا اطرحه . وقال إسحاق بن إبراهيم : كان الواثق أعلم الناس ~~بالغناء ، وبلغت صنعته مائة صوت ، وكان أحذق من غنى بضرب العود ، ثم ذكر ~~أغانيه . وذكر أبو الفرج الأصفهاني منها أصواتا ؛ منها : ولم أر ليلى غير ~~موقف ليلة . . . بخيف منى ترمى جمار المحصب ويبدي الحصى منها إذا خذفت به . ~~. . من البرد أطراف البنان المخضب PageV04P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" ألا إنما غادرت يا أم مالك . . . صدى أينما ~~تذهب به الريح يذهب وأصبحت من ليلى الغداة كناظر . . . مع الصبح في أعجاز ~~نجم مغرب وذكر ms0844 أصواتا كثيرة غير هذا تركنا ذكرها أختصارا . قال : ولما خرج ~~المعتصم إلى عمرية أستخلف الواثق . فوجه الواثق إلى الجلساء والمغنين أن ~~يبكروا إليه يوما حده لهم ، ووجه إلى إسحاق ، فحضر الجميع . فقال لهم ~~الواثق : إني عزمت على الصبوح ، ولست أجلس على سرير حتى أختلط بكم ونكون ~~كالشيء الواحد ، فأجلسوا معي حلقة ، وليكن إلى جانب كل جليس مغن ، فجلسوا ~~كذلك . فقال الواثق : أنا أبدأ ، فأخذ العود فغنى وشربوا وغنى من بعده ، ~~حتى انتهى إلى إسحاق وأعطى العود فلم يأخذه ؛ فقال : دعوه . ثم غنوا دورا ~~آخر ؛ فلما بلغ الغناء إلى إسحاق لم يغن وفعل ذلك ثلاث مرات . فوثب الواثق ~~فجلس على سريره وأمر بالناس فأدخلوا ؛ فما قال لأحد منهم : اجلس . ثم قال : ~~علي بإسحاق . فلما رآه قال : يا خوزي يا كلب ، أتبذل لك وأغني فتترفع علي ~~أتراني لو قتلتك كان المعتصم يقيدني بك ابطحوه ، فبطح وضرب ثلاثين مقرعة ~~ضربا خفيفا وحلف لا يغني سائر يومه سواه ؛ فأعتذر وتكلمت الجماعة فيه ؛ ~~فأخذ العود ، وما زال يغني حتى أنقضى مجلسه . وللواثق بالله في الغناء ~~أخبار وحكايات يطول بذكرها الشرح . ومنهم المنتصر بالله أبو جعفر محمد بن ~~المتوكل على الله أبو الفضل جعفر . قال يزيد المهلبي : كان المنتصر حسن ~~العلم بالغناء ، وكان إذا قال الشعر صنع فيه وأمر المغنين بإظهاره . فلما ~~ولي الخلافة قطع ذلك وأمر بستر ما تقدم منه ؛ فلذلك لم تظهر أغانيه . ~~PageV04P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" ومنهم المعتز بالله أبو عبد الله محمد بن ~~جعفر المتوكل . ذكر أيضا أنه كان يغني أصواتا . فمما غنى به في شعر عدي بن ~~الرقاع : لعمري لقد أصحرت خيلنا . . . بأكناف دجلة للمصعب فمن يك منا يبت ~~آمنا . . . ومن يك من غيرنا يهرب وهذه الأبيات من قصيدة لعدي بن الرقاع ~~قالها في الوقعة التي كانت بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير وقتل ~~فيها مصعب بن الزبير ، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار عبد ~~الله بن الزبير . ومنهم المعتمد على الله أبو العباس أحمد بن ms0845 المتوكل على ~~الله . هو ممن له يد في الغناء وصنعة حسنة . ومما نقل من أغانيه أنه غنى في ~~شعر الفرزدق : ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا . . . مثل الشفيع الذي يأتيك ~~عريانا وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر : إن المعتضد جمع النغم العشر ~~في صوت صنعه في شعر دريد بن الصمة وهو : PageV04P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" يا ليتني فيها جذع . . . أخب فيها وأضع قال : ~~وأستعلمني هل هو صحيح القسمة والأجزاء أم لا ، فعرفته صحته ودللته على ذلك ~~حتى تيقنه فسر به . قال عبيد الله : وهو لعمري من جيد الصنعة ونادرها . قال ~~: وقد صنع ألحانا في عدة أشعار قد صنع فيها الفحول من القدماء والمحدثين ~~وعارضهم بصنعته فأحسن وشاكل وضاهى فلم يعجز ولا قصر ، ولا أتى بشيء يعتذر ~~منه . قال : فمن ذلك أنه صنع في قول الشاعر : أما القطاة فإني سوف أنعتها . ~~. . نعتا يوافق نعتي بعض ما فيها فجاء في نهاية الجودة وهو أحسن ما صنع في ~~هذا الشعر على كثرة الصنعة فيه وأشتراك القدماء والمحدثين في صنعته مثل ~~معبد ونشيط ومالك وأبن محرز وسنان وعمر الوادي وأبن جامع وإبراهيم وأبنه ~~إسحاق وعلويه . قال : وصنع في : تشكى الكميت الجرى لما جهدته . . . وبين لو ~~يسطيع أن يتكلما فما قصر في صنعته ولا عجز عن بلوغ الغاية فيها مع اصوات له ~~صنعها تناهز مائة صوت ما فيها ساقط ولا مرذول . فهؤلاء الذين لهم صنعة في ~~الغناء من الخلفاء . وأما أبناء الخلفاء الذين لهم صنعة بد في هذا الفن . ~~فمنهم إبراهيم بن المهدي وأخته علية بنت المهدي رحمهما الله تعالى ، ~~وإبراهيم يكنى أبا إسحاق أمه شكلة أمة مولدة كان أبوها من أصحاب المازيار ~~يقال له : PageV04P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" شاه أفرند قتل مع المازيار وسبيت شكلة فحملت ~~إلى المنصور فوهبها لمحياة أم ولده فربتها وبعثت بها إلى الطائف فنشأت هناك ~~، فلما كبرت ردت إليها . فرآها المهدي فأعجبته فطلبها من محياة فأعطته ~~إياها فولدت له إبراهيم . قال أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه إلى إسحاق بن ~~إبراهيم قال ms0846 : كان إبراهيم بن المهدي أشد خلق الله إعظاما للغناء وأحرصهم ~~عليه وأشدهم منافسة فيه . قال : وكانت صنعته لينة فكان إذا صنع شيئا نسبه ~~إلى غيره لئلا يقع عليه طعن أو تقريع فقلت صنعته في أيدي الناس مع كثرتها . ~~وكان إذا قيل له فيها شيء يقول : إنما أصنع تطربا لا تكسبا وأغني لنفسي لا ~~للناس فأعمل ما أشتهي . قال : وكان حسن صوته يستر عوار ذلك . وكان الناس ~~يقولون : لم ير في جاهلية ولا إسلام أخ وأخت أحسن غناء من إبراهيم بن ~~المهدي وأخته علية . وكان إبراهيم يجادل إسحاق ويأخذ عليه في مواطن كثيرة ~~إلا أنه كان لا يقوم له ويظهر إسحاق خطأه . ووقع بينهما في ذلك بين يدي ~~الرشيد وفي مجلسه كلام كثير أفضى إلى أمور نذكرها إن شاء الله تعالى في ~~أخبار إسحاق بن إبراهيم . وكان إبراهيم بن المهدي في أول أمره يتستر في ~~الغناء بعض التستر إلا أنه يذكره في مجلس الرشيد أخيه . فلما كان من أمره ~~في الوثوب على الخلافة ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة ~~العباسية عند ذكرنا لخلافة المأمون بن الرشيد ، ثم لما أمنه المأمون بعد ~~هربه منه تهتك بالغناء ومشى مع المغنين ليلا إذا خرجوا من عند المأمون ، ~~وإنما أراد المأمون بذلك ليظهر للناس أنه قد خلع ربقة الخلافة من عنقه وأنه ~~تهنك فلا يصلح للخلافة . وكان من أعلم الناس بالنغم والوتر والإيقاعات ~~وأطبعهم في الغناء وأحسنهم صوتا . وكان مع علمه وطبعه ومعرفته يقصر عن ~~الغناء القديم وعن أن ينحوه في صنعته . فكان يحذف نغم الأغاني الكثيرة ~~العمل حذفا شديدا ويحققها على قدر ما يصلح له ويفي بأدائه فإذا عيب ذلك ~~عليه قال : أنا ملك وأبن ملك وإنما أغني على ما أشتهي وكما ألتذ . فهو أول ~~من أفسد الغناء القديم . وروى عن حمدون بن إسماعيل قال : قال إبراهيم بن ~~المهدي : لولا أني أرفع نفسي عن هذه الصناعة لأظهرت منها ما يعلم الناس معه ~~أنهم لم يروا قبلي مثلي . PageV04P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" وروى ms0847 أبو الفرج الأصفهاني عن جعفر بن سليمان ~~الهاشمي قال : حدثنا إبراهيم أبن المهدي قال : دخلت يوما على الرشيد وبي ~~فضلة خمار وبين يديه أبن جامع وإبراهيم الموصلي فقال : بحياتي يا إبراهيم ~~غن ، فأخذت العود ولم ألتفت إليهما لما في رأسي من الفضلة فغنيت : أسرى ~~بخالدة الخيال ولا أرى . . . شيئا ألذ من الخيال الطارق إن البلية من تمل ~~حديثه . . . فأنقع فؤادك من حديث الوامق أهواك فوق هوى النفوس ولم يزل . . ~~. مذ بنت قلبي كالجناح الخافق شوقا إليك ولم تجاز مودتي . . . ليس المكذب ~~كالحبيب الصادق فسمعت إبراهيم يقول لأبن جامع : لو طلب هذا بهذا الغناء ما ~~نطلب لما أكلنا خبزا أبدا فقال أبن جامع : صدقت ، فلما فرغت من غنائي وضعت ~~العود ثم قلت : خذا في حقكما ودعا باطلنا . وروى عن إبراهيم قال : كان ~~الرشيد يحب أن يسمعني فخلا بي مرات إلى أن سمعني ، ثم حضرته مرة وعنده ~~سليمان بن أبي جعفر فقال لي : عمك وسيد ولد المنصور بعد أبيك وقد أحب أن ~~يسمعك ، فلم يتركني حتى غنيت بين يديه : سقيا لربعك من ربع بذي سلم . . . ~~وللزمان به إذ ذاك من زمن إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصية . . . وإذ أجر إليكم ~~سادرا رسني فأمر لي بألف ألف درهم ، ثم قال لي ليلة ولم يبق في المجلس عنده ~~إلا جعفر أبن يحيى : أنا أحب أن تشرف جعفرا بأن تغنيه صوتا فغنيته لحنا ~~صنعته في شعر الدارمي : كأن صورتها في الوصف إذ وصفت . . . دينار عين من ~~المضروبة العتق PageV04P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" فأمر لي الرشيد بألف ألف درهم . وحكى عن ~~إسحاق بن إبراهيم قال : لما صنعت صوتي الذي هو : قل لمن صد عاتبا . . . ~~ونأى عنك جانبا قد بلغت الذي أرد . . . ت وإن كنت لاعبا وأعترفنا بما أدعي ~~. . . ت وإن كنت كاذبا فأفعل الآن ما أرد . . . ت فقد جئت تائبا اتصل خبره ~~بإبراهيم بن المهدي فكتب إلي يسألني عنه ، فكتبت إليه الشعر وإيقاعه وبسيطه ~~ومجراه وإصبعه وتجزئته وأقسامه ومخارج نغمه ومواضع مقاطعه ومقادير أدواره ~~وأوزانه فغناه ثم ms0848 لقيني فغنانيه ، ففضلني فيه بحسن صوته . وقال أبن أبي ~~طيبة : كنت أسمع إبراهيم بن المهدي يتنحنح فأطرب . وعن محمد بن خير عن عبد ~~الله بن العباس الربيعي قال : كنا عند إبراهيم بن المهدي ذات يوم وقد دعا ~~كل محسن من المغنين يومئذ وهو جالس يلاعب أحدهم بالشطرنج فترنم إبراهيم ~~بصوت فريدة في شعر أبي العتاهية : قال لي أحمد ولم يدر ما بي . . . أتحب ~~الغداة عتبة حقا فتنفست ثم قلت نعم حبا . . . جرى في العروق عرقا فعرقا وهو ~~متكئ ، فلما فرغ ترنم به مخارق فأحسن فيه وأطربنا وزاد على إبراهيم ، فغناه ~~إبراهيم وزاد في صوته على غناء مخارق . فلما فرغ رده مخارق وغناه بصوته كله ~~وتحفظ فيه وكدنا نطير سرورا . فاستوى إبراهيم جالسا وكان متكئا وغناه بصوته ~~كله ووفاه نغمه وشذوره ونظرت إلى كتفيه تهتزان وبدنه أجمع يتحرك إلى أن فرغ ~~منه ومخارق شاخص نحوه يرعد وقد أنتقع لونه وأصابعه تختلج فخيل إلي أن ~~الإيوان يسير بنا ، فلما فرغ منه تقدم إليه مخارق فقبل يده وقال : جعلني ~~الله فداك PageV04P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" أين أنا منك ثم لم ينتفع مخارق بنفسه بقية ~~يومه في شيء من غنائه ، والله لكأنما كان يتحدث . وروى عن منصور بن المهدي ~~قال : كنت عند أخي إبراهيم في يوم كانت عليه فيه نوبة لمحمد الأمين ، ~~فتشاغل بالشرب في بيته ولم يمض ، وأرسل إليه الأمين عدة رسل فتأخر . قال ~~منصور : فلما كان من غد قال لي : ينبغي أن نعمل على الرواح إلى أمير ~~المؤمنين فنترضاه ، فما أشك في غضبه علينا ، فمضينا فسألنا عن خبره فأعلمنا ~~أنه مشرف على حير الوحش وهو مخمور ، وكان من عادته ألا يشرب إذا لحقه ~~الخمار . فدخلنا ، وكان طريقنا على حجرة تصنع فيها الملاهي ، فقال لي : ~~اذهب فاختر منها عودا ترضاه وأصلحه غاية الإصلاح حتى لا يحتاج إلى إصلاحه ~~وتغييره عند الضرب به ؛ ففعلت وجعلته في كمي . ودخلنا على الأمين وظهره ~~إلينا . فلما بصرنا به من بعد قال : أخرج عودك فأخرجته ، فاندفع يغني : ~~وكأس شربت ms0849 على لذة . . . وأخرى تداويت منها بها لكي يعلم الناس أني أمرؤ . ~~. . أتيت الفتوة من بابها وشاهدنا الورد والياسمي . . . ن والمسمعات ~~بقصابها وبربطنا دائم معمل . . . فأي الثلاثة أزرى بها فأستوى الأمين جالسا ~~وطرب طربا شديدا وقال : أحسنت والله يا عم وأحييت لي طربا . ودعا برطل ~~فشربه على الريق وابتدأ شربه . قال منصور : وغنى إبراهيم يومئذ على أشد ~~طبقة يتناهى إليها في العود ، وما سمعت مثل غنائه يومئذ قط . ولقد رأيت منه ~~شيئا عجيبا لو حدثت به ما صدقت : كان إذا ابتدأ يغني صغت الوحوش إليه ومدت ~~أعناقها ، ولم تزل تدنو حتى تكاد تضع رءوسها على الدكان الذي كنا عليه ، ~~فإذا سكت نفرت وبعدت عنا حتى تنتهي إلى أبعد غاية يمكنها التباعد عنا فيها ~~، وجعل الأمين يعجب من ذلك . وأنصرفنا من الجوائز بما لم ينصرف بمثله قط . ~~PageV04P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" وعن الحسن بن إبراهيم بن رباح قال : كنت أسأل ~~مخارقا : أي الناس أحسن غناء ؟ فكان يجيبني جوابا مجملا ، حتى حققت عليه ~~يوما فقال : كان إبراهيم الموصلي أحسن غناء من أبن جامع بعشر طبقات ، ~~وإبراهيم بن المهدي أحسن غناء مني بعشر طبقات . ثم قال لي : أحسن الناس ~~غناء أحسنهم صوتا . وإبراهيم بن المهدي أحسن الإنس والجن والوحش والطير ~~صوتا ، وحسبك هذا . وعن إسحاق بن إبراهيم قال : غنى إبراهيم بن المهدي ليلة ~~محمدا الأمين صوتا لم أرضه في شعر لأبي نواس ، وهو : يا كثير النوح في ~~الدمن . . . لا عليها بل على السكن سنة العشاق واحدة . . . فإذا أحببت ~~فأستنن ظن بي من قد كلفت به . . . فهو يجفوني على الظنن رشأ لولا ملاحته . ~~. . خلت الدنيا من الفتن فأمر له بثلاثمائة ألف دينار . فقال له إبراهيم : ~~يا أمير المؤمنين . أجزتني إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم فقال : وهل ~~هي إلا خراج بعض الكور . هكذا رواه إسحاق ، وقد حكيت هذه الحكاية عن محمد ~~بن الحارث ، وفيها أن إبراهيم لما أراد الأنصراف قال : أوقروا زورق عمي ~~دنانير فأوقروه ، فأنصرف بمال جليل . قال : وكان محمد بن موسى المنجم يقول ms0850 ~~: حكمت أن إبراهيم بن المهدي أحسن الناس كلهم غناء ببرهان ، وذلك أني كنت ~~أراه في مجالس الخلفاء مثل المأمون والمعتصم يغني المغنون ويغني ، فإذا ~~أبتدأ بالصوت لم يبق من الغلمان أحد إلا ترك ما في يديه وقرب من أقرب موضع ~~يمكنه أن يسمعه فلا يزال مصغيا إليه لاهيا عما كان فيه ما دام يغني ، حتى ~~إذا أمسك وتغنى غيره رجعوا إلى التشاغل بما كانوا فيه PageV04P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" ولم ينبعثوا إلى شيء . فلا برهان أقوى من هذا ~~في مثل هذا من شهادة الفطن به وأتفاق الطبائع مع أختلافها وتشعب طرقها على ~~الميل إليه والانقياد نحوه . ولإبراهيم بن المهدي أصوات معروفة . منها ما ~~غناه بشعر مروان بن أبي حفصة : هل تطمسون من السماء نجومها . . . بأكفكم أو ~~تسترون هلالها أو تدفعون مقالة من ربكم . . . جبريل بلغها النبي فقالها ~~طرقتك زائرة فحي خيالها . . . زهراء تخلط بالدلال جمالها وأما علية بنت ~~المهدي ، فقد قيل : ما أجتمع في جاهلية ولا إسلام أخ وأخت أحسن غناء من ~~إبراهيم بن المهدي وأخته علية . وروى عن أبي أحمد ابن الرشيد قال : كنت ~~يوما بحضرة المأمون وهو يشرب ، ثم قام وقال لي : قم ؛ فدخل دار الحرم ودخلت ~~معه ، فسمعت غناء أذهل عقلي ولم أقدر أن أتقدم ولا أتأخر ؛ وفطن المأمون ~~لما بي فضحك وقال : هذه عمتك علية تطارح عمك إبراهيم . قال أبو الفرج : وأم ~~علية أم ولد مغنية يقال لها مكنونة ، كانت من جواري المروانية المغنية . ~~والمروانية هذه ليست من آل مروان بن الحكم ، وإنما هي زوجة الحسن بن عبد ~~الله بن عبيد الله بن العباس . وكانت مكنونة من أحسن جواري المدينة وجها ، ~~وكانت رسحاء ، وكانت حسنة البطن والصدر . فاشتريت للمهدي في حياة أبيه ~~بمائة ألف درهم ؛ فغلبت عليه حتى كانت الخيزران تقول : ما ملك أمة أغلظ علي ~~منها . ولما أشتريت للمهدي ستر أمرها عن أبيه المنصور حتى مات ، وولدت ~~للمهدي علية هذه . PageV04P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" وكانت علية بنت المهدي من أجمل الناس وأظرفهم ~~، تقول الشعر الجيد وتصوغ فيه ms0851 الألحان الحسنة . وكان في جبينها فضل سعة ، ~~فاتخذت العصائب المكللة بالجوهر لتستر بها جبينها ؛ فهي أول من أحدث ذلك . ~~قال : وكانت علية حسنة الدين ، وكانت لا تغنى ولا تشرب النبيذ إلا إذا كانت ~~معتزلة الصلاة ؛ فإذا طهرت أقبلت على الصلاة وقراءة القرآن وقراءة الكتب . ~~ولم تله بشيء غير قول الشعر في الأحيان ، إلا أن يدعوها الخليفة إلى شيء ~~فلا تقدر على خلافه . وكانت رحمها الله تقول : ما حرم الله شيئا إلا وقد ~~جعل فيما حلل منه عوضا ، فبأي شيء يحتج عاصيه والمنتهك لحرماته . وكانت ~~تقول : لا غفر الله لي فاحشة أرتكبتها قط ، وما أقول في شعري إلا عبثا . ~~وعن سعيد بن هريم قال : كانت علية بنت المهدي تحب أن تراسل بالأشعار من ~~تختصه ، فأختصت خادما يقال له طل من خدم الرشيد ، تراسله بالشعر . فلم تره ~~أياما ؛ فمشت على ميزاب وحدثته ثم قالت في ذلك : قد كان ما كلفته زمنا . . ~~. ياطل من وجد بكم يكفي حتى أتيتك زائرا عجلا . . . أمشي على حتف إلى حتفي ~~فحلف عليها الرشيد ألا تكلم طلا ولا تسميه بأسمه ، فضمنت له ذلك . وأستمع ~~عليها يوما وهي تقرأ آخر سورة البقرة حتى بلغت إلى قوله عز وجل : " فإن لم ~~يصبها وابل " فأرادت أن تقول : فطل فقالت : فالذي نهى عنه أمير المؤمنين . ~~فدخل الرشيد فقبل رأسها وقال : قد وهبت لك طلا ولا أمنعك بعدها من شيء ~~تريدينه . ولها في طل هذا عدة أشعار صنعت فيها ألحانا ، وكانت في بعضها ~~نصحف أسمه وتكنى عنه بغيره . وكانت أيضا تقول الشعر في خادم لها يقال له : ~~رشأ وتكنى عنه بزينب . فمن شعرها فيه : وجد الفؤاد بزينبا . . . وجدا شديدا ~~متعبا أصبحت من كلف بها . . . أدعى شقيا منصبا ولقد كنيت عن أسمها . . . ~~عمدا لكي لا تغضبا وجعلت زينب سترة . . . وكتمت أمرا معجبا PageV04P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" قالت وقد عز الوصا . . . ل ولم أجد لي مذهبا ~~والله لا نلت المودة . . . أو تنال الكوكبا فصحفت أسمه في قولها : زينبا ؛ ~~وهذا من الجناس الخطي . قال : وكانت لأم جعفر ms0852 جارية يقال لها طغيان ، فوشت ~~بعلية إلى رشأ وحكت عنها ما لم تقل . فقالت علية : لطغيان خف مذ ثلاثين حجة ~~. . . جديد فلا يبلي ولا يتخرق وكيف بلى خف هو الدهر كله . . . على قدميها ~~في السماء معلق فما خرقت خفا ولم تبل جوربا . . . وأما سراويلاتها فتمزق ~~وروى عن أبي هفان قال : أهديت للرشيد جارية في غاية الجمال ؛ فخلا معها ~~يوما وأخرج كل قينة في داره وأصطبح . وكان من حضر من جواريه الغناء والخدمة ~~في الشراب زهاء ألفي جارية في أحسن زي من كل نوع من أنواع الثياب والجوهر . ~~وأتصل الخبر بأم جعفر فعظم عليها ذلك ؛ فأرسلت إلى علية تشكو إليها . ~~فأرسلت إليها علية : لا يهولنك هذا ، والله لأردنه إليك . قد عزمت أن أضع ~~شعرا وأصوغ فيه لحنا وأطرحه على جواري ، فلا تبقي عندك جارية إلا بعثت بها ~~إلي وألبسيهن أنواع الثياب ليأخذن الصوت مع جواري ؛ ففعلت أم جعفر ما ~~أمرتها به . فلما جاء وقت صلاة العصر لم يشعر الرشيد إلا وعلية وأم جعفر قد ~~خرجتا إليه من حجرتيهما معهما زهاء ألفي جارية من جواريهما وسائر جواري ~~القصر عليهن غرائب اللباس وكلهن في لحن واحد هزج صنعته علية وهو : منفصل ~~عني وما . . . قلبي عنه منفصل يا هاجري اليوم لمن . . . نويت بعدي أن تصل ~~فطرب الرشيد وقام على رجليه حتى أستقبل أم جعفر وعلية وهو على غاية السرور ~~، وقال : لم أر كاليوم قط . يا مسرور ، لا تبقين في بيت المال درهما إلا ~~نثرته . فكان ما نثر يومئذ ستة آلاف ألف درهم ، وما سمع بمثل ذلك اليوم . ~~PageV04P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" وروى عن عريب أنها قالت : أحسن يوم رأيته في ~~الدنيا وأطيبه يوم أجتمعت فيه مع إبراهيم بن المهدي عند أخته علية وعندها ~~أخوهما يعقوب بن المهدي ، وكان أحذق الناس بالزمر . فبدأت علية فغنت من ~~صنعتها وأخوها يعقوب يزمر عليها : تحبب فإن داعية الحب . . . وكم من بعيد ~~الدار مستوجب القرب تبصر فإن حدثت أن أخا هوى . . . نجا سالما فارج النجاة ~~من الحب إذا لم يكن ms0853 في الحب سخط ولا رضا . . . فأين حلاوات الرسائل والكتب ~~وغنى إبراهيم في صنعته وزمر عليه يعقوب : لم ينسنيك سرور لا ولا حزن . . . ~~وكيف لا ، كيف ينسي وجهك الحسن ولا خلا منك قلبي لا ولا جسدي . . . كلي ~~بكلك مشغول ومرتهن يا فردة الحسن مالي منك مذ كلفت . . . نفسي بحبك إلا ~~الهم والحزن نور تولد من شمس ومن قمر . . . حتى تكامل فيك الروح والبدن ~~قالت عريب : فما سمعت مثل ما سمعت منها قط وأعلم أني لا أسمع مثله أبدا . ~~وروى عن خشف الواضحية قالت : تماريت أنا وعريب في غناء علية بحضرة المتوكل ~~أو غيره من الخلفاء . فقلت أنا : هي ثلاثة وسبعون صوتا ، وقالت عريب : هي ~~أثنان وسبعون صوتا . فقال المتوكل : غنيا غناءها ؛ فلم أزل أغني غناءها حتى ~~مضى أثنان وسبعون صوتا ، ولم أدر الثالث والسبعين . قالت : فقطع بي وأستعلت ~~عريب وأنكسرت . قالت خشف : فلما كان الليل رأيت علية فيما يرى النائم ، ~~فقالت : يا خشف خالفتك عريب في غنائي . قلت : نعم يا سيدتي . قالت : الصواب ~~معك ، أفتدرين ما الصوت الذي أنسيتيه ؟ قلت : لا والله ، ولوددت أني فديت ~~ما جرى بجميع ما أملك . قالت : هو : بني الحب على الجور فلو . . . أنصف ~~المعشوق فيه لسمج ليس يستحسن في وصف الهوى . . . عاشق يعرف تأليف الحجج ~~وقليل الحب صرفا خالصا . . . لك خير من كثير قد مزج PageV04P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" وكأنها قد أندفعت تغنى به ، فما سمعت أحسن ~~مما غنته ، وقد زادتني فيه أشياء في نومي لم أكن أعرفها ، فأنتبهت وأنا لا ~~أعقل فرحا به . فباكرت الخليفة وذكرت له القصة . فقالت عريب : هذا شيء ~~صنعته أنت لما جرى أمس ، وأما الصوت فصحيح . فحلفت للخليفة بما رضي به أن ~~القصة كما حكيت . فقال : رؤياك والله أعجب ، رحم الله علية ؟ فما تركت ~~ظرفها حية ولا ميتة . وأجازني جائزة سنية . وروى أبو الفرج أيضا بسنده إلى ~~محمد بن جعفر بن يحيى بن خالد قال : شهدت أبي جعفرا وأنا صغير وهو يحدث جدي ~~يحيى بن خالد في بعض ما كان يخبره به ms0854 من خلوته مع هارون الرشيد ، قال : يا ~~ابت ، أخذ بيدي أمير المؤمنين وأقبل في حجره يخترقها حتى أنتهى إلى حجرة ~~مغلقة ، ففتحها بيده ودخلها ودخلت وأغلق بابها من داخل بيده ، ثم صرنا إلى ~~رواق ففتحه ، وفي صدره مجلس مغلق فقعد على باب المجلس ، ونقر الباب بيده ~~نقرات فسمعنا حسا ، ثم أعاد النقر ثانية فسمعنا صوت عود ، ثم أعاد النقر ~~ثالثة فغنت جارية ما ظننت والله أن الله جل وعز خلق مثلها في حسن الغناء ~~وجودة الضرب . فقال لها أمير المؤمنين بعد أن غنت أصواتا : غنى صوتي ؛ فغنت ~~صوته ، وهو : ومخنث شهد الزفاف وقبله . . . غنى الجواري حاسرا ومنقبا لبس ~~الدلال وقام ينقر دفه . . . نقرا أقر به العيون وأطربا إن النساء رأينه ~~فعشقنه . . . فشكون شدة ما بهن فأكذبا قال : فطربت والله طربا هممت معه أن ~~أنطح برأسي الحائط . ثم قال : غنى : طال تكذيبي وتصديقي فغنت : طال تكذيبي ~~وتصديقي . . . لم أجد عهدا لمخلوق PageV04P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" إن ناسا في الهوى غدروا . . . حسنوا نقض ~~المواثيق لا تراني بعدهم أبدا . . . أشتكي عشقا لمعشوق قال : فرقص الرشيد ~~ورقصت معه ؛ ثم قال : أمض بنا ، فإني أخشى أن يبدو منا ما هو أكثر من هذا ، ~~فمضينا . فلما صرنا إلى الدهليز قال وهو قابض على يدي : هل عرفت هذه المرأة ~~؟ فقلت : لا يا أمير المؤمنين . قال : فإني أعلم أنك ستسأل عنها ولا تكتم ~~ذلك وأنا أخبرك بها ، هذه علية بنت المهدي . ووالله لئن لفظت به بين يدي ~~أحد وبلغني لأقتلنك . قال : فسمعت جدي يقول لأبي : فقد والله لفظت به ؛ ~~ووالله ليقتلنك ، فأصنع ما أنت صانع . وأخبار علية وأغانيها كثيرة ، وقد ~~ذكرنا منها ما يكتفي به . قال أبو الفرج : وكان مولد علية سنة ستين ومائة ، ~~وتوفيت سنة عشرة ومائتين ، وقيل : سنة تسع ومائتين ، ولها خمسون سنة . ~~وكانت عند موسى بن عيسى ابن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رضي ~~الله عنهما . وكان سبب وفاتها أن المأمون ضمها إليه وجعل يقبل رأسها ووجهها ~~مغطى ، فشرقت من ذلك ms0855 وسعلت ثم حمت بعقب هذا أياما يسيرة وماتت . رحمها الله ~~. ومنهم أبو عيسى بن الرشيد . هو أبو عيسى أحمد ، وقيل : بل أسمه صالح بن ~~هارون الرشيد . وأمه أم ولد بربرية . كان من أحسن الناس وجها ومجالسة وعشرة ~~وأمجنهم وأحدهم نادرة وأشدهم عبثا . وكان أبو عيسى جميل الوجه جدا ؛ فكان ~~إذا عزم على الركوب جلس الناس له حتى يروه أكثر مما كانوا يجلسون للخلفاء . ~~وكانت عريب المأمونية تقول : ما سمعت غناء أحسن من غناء أبي عيسى بن الرشيد ~~، ولا رأيت وجها أحسن من وجهه . وروى أن الرشيد قال يوما لأبي عيسى وهو صبي ~~: ليت جمالك لعبد الله ؟ يعني المأمون فقال له : يا أمير المؤمنين ، على أن ~~حظه منك لي . فعجب الرشيد من جوابه على صباه وضمه إليه وقبله . قال أبو ~~الفرج : وكان أبو عيسى جيد الصنعة ، وله أغان منسوبة إليه ومعروفة به . ~~منها : رقدت عنك سلوتي . . . والهوى ليس يرقد PageV04P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" وأطار السهاد نو . . . مي فنومي مشرد أنت ~~بالحسن منك يا . . . حسن الوجه يشهد وفؤادي بحسن وجهك . . . يشقى ويكمد وله ~~غير هذا من الأصوات . قال : وكان كثير البسط والمجون والعبث . وكان المأمون ~~أشد الناس حبا له ، وكان يعده للأمر بعده ويذكر ذلك كثيرا . حتى لقد حكي ~~عنه أنه قال يوما : إنه ليسهل علي أمر الموت وفقد الملك ، ولا يسهل شيء ~~منهما على أحد ؛ وذلك لمحبتي أن يلي أبو عيسى الأمر بعدي لشدة حبي إياه . ~~وكانت وفاة أبي عيسى في سنة سبع ومائتين . روى عن عبد الله بن طاهر قال : ~~حدثني من شهد المأمون ليلة وهم يتراءون هلال شهر رمضان وأبو عيسى أخوه معه ~~وهو مستلق على قفاه ، فرأوه وجعلوا يدعون . فقال أبو عيسى قولا أنكر عليه ؛ ~~كأنه يسخط لورود الشهر ، فما صام بعده . ونقل عنه أنه قال : دهاني شهر ~~الصوم لا كان من شهر . . . ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر فلو كان يعديني ~~الإمام بقدرة . . . على الشهر لأستعديت جهدي على الشهر فناله بعقب هذا ~~القول صرع ، فكان يصرع في اليوم ms0856 مرات حتى مات . ولما مات وجد المأمون عليه ~~وجدا شديدا . روى عن محمد بن عباد المهلبي قال : لما مات أبو عيسى بن ~~الرشيد دخلت على المأمون فخلعت عمامتي ونبذتها ورائي والخلفاء لا تعزى في ~~العمائم فقال لي : يا محمد ، حال القدر ، دون الوطر . فقلت : يا أمير ~~المؤمنين ، كل مصيبة أخطأتك شوى ، فجعل الله الحزن PageV04P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" لك لا عليك . قال : فركب المأمون إلى دار أبي ~~عيسى فحضر جهازه وصلى عليه ونزل في قبره . وأمتنع من الطعام أياما حتى خيف ~~أن يضر ذلك به . قال : وما رأيت مصابا حزينا قط أجمل أثرا في مصيبته ولا ~~أحرق وجدا منه ، صامت ودموعه تهمى على خديه من غير كلح ولا أستنثار . وروى ~~عن أحمد بن أبي داود قال : دخلت على المأمون وقد توفى أخوه أبو عيسى وهو ~~يبكي ويمسح عينيه بمنديل ، فقعدت إلى جنب عمرو بن مسعدة وتمثلت قول الشاعر ~~: نقص من الدنيا وأسبابها . . . فحسبك مني ما تجن الجوانح كأن لم يمت حي ~~سواك ولم تقم . . . على أحد إلا عليك النوائح ثم ألتفت إلي وقال : هيه يا ~~أحمد فتمثلت بقول عبدة بن الطبيب : عليك سلام الله قيس بن عاصم . . . ~~ورحمته ما شاء أن يترحما تحية من أوليته منك نعمة . . . إذا زار عن شحط ~~بلادك سلما فما كان قيس هلكه هلك واحد . . . ولكنه بنيان قوم تهدما ~~PageV04P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" فبكى ساعة ، ثم ألتفت إلى عمرو بن مسعدة فقال ~~: هيه يا عمرو فقال : نعم يا أمير المؤمنين . بكوا حذيفة لم تبكوا مثله . . ~~. حتى تعود قبائل لم تخلق قال : فإذا عريب وجوار معها يسمعن ما يدور بيننا ~~؛ فقالت : اجعلوا لنا معكم في القول نصيبا . فقال المأمون : قولي ، فرب ~~صواب منك كثير . فقالت : كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر . . . فليس لعين لم ~~يفض ماؤها عذر كأن بني العباس يوم وفاته . . . نجوم سماء خر من بينها البدر ~~فبكى وبكينا . ثم قال لها المأمون : نوحي ، فناحت ورد عليها الجواري . فبكى ~~المأمون حتى قلت : قد فاضت نفسه وبكينا معه أحر بكاء ms0857 ، ثم أمسكت . فقال ~~المأمون : أصنعي فيه لحنا على مذهب النوح وغنى به ؛ ففعلت وغنته إياه على ~~العود . فوالذي لا يحلف بأعظم منه لقد بكينا عليه غناء أكثر مما بكينا عليه ~~نوحا . ومنهم عبد الله بن موسى الهادي . قال أبو الفرج : كان له في الغناء ~~صنعة حسنة ، وله أصوات مذكورة ، منها قوله : تقاضاك دهرك ما أسلفا . . . ~~وكدر عيشك بعد الصفا فلا تجزعن فإن الزمان . . . رهين بتشتيت ما ألفا ولما ~~رآك قليل الهموم . . . كثير الهوى ناعما مترفا ألح عليك بروعاته . . . ~~وأقبل يرميك مستهدفا PageV04P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" قال : وكان عبد الله هذا من أضرب الناس ~~بالعود وأحسنهم غناء . وكان له غلام أسود يقال له قلم ، فعلمه الضرب فحذق ~~فيه ؛ فأشترته منه أم جعفر بثلاثمائة ألف درهم . وروى عن سليمان بن داود ~~كاتب أم جعفر قال : كنت جالسا مع عبد الله بن موسى الهادي ، فمر به خادم ~~لصالح بن الرشيد ؛ فقال له : ما أسمك ؟ قال : أسمي لا تسل . فأعجبه حسنه ~~وحسن منطقه ، فقال لي : قم بنا حتى نشرب اليوم ونذكر هذا البدر ، فقمت معه ~~. فأنشدني في ذلك اليوم : وشادن مر بنا . . . يجرح باللحظ المقل مظلوم خصر ~~ظالم . . . منه إذا يمشي الكفل اعتدلت قامته . . . والطرف منه ما عدل بدر ~~تراه أبدا . . . طالع سعد ما أفل سألته عن أسمه . . . فقال : إسمي لا تسل ~~وطلعت في وجنتي . . . ه وردتان من خجل فقلت ما أخطأ الذي . . . سماك بل قال ~~المثل لا تسألن عن شادن . . . فاق جمالا وكمل وقال فيه : عز الذي تهوى وذل ~~. . . صب الفؤاد مختبل جد به الهجر وذا أل . . . هجر إذا جد قتل من شادن ~~ممنطق . . . فاق جمالا وكمل تناصف الحسن به . . . فلا تسل عن لا تسل وعن ~~أحمد بن المكي قال : دعاني عبد الله بن موسى يوما فقال لي : أتقوم غلاما ~~ضاربا مغنيا قيمة عدل لا حيف فيها على البائع ولا على المشتري ؟ فقلت ~~PageV04P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" نعم . فأخرج إلي ابنه القاسم ، وكنت قد عرفت ~~خبره وهو أحسن من القمر ليلة البدر ، فأخذ عودا يضرب ms0858 به ؛ فأكببت على يديه ~~أقبلهما فقال لي عبد الله : أتقبل يد غلام مملوك فقلت : بأبي وأمي هو من ~~مملوك وقبلت رجله أيضا . فقال : أما إذ عرفته فأحب أن تضاربه ، ففعلت . ~~فلما رأى الغلام زيادتي في الضرب عليه أغتم وأقبل على أبيه فقال له ~~كالمعتذر إليه : يا أبت ، أنا متلذذ وهذا متكسب . فضحكت وقلت : هو كذلك يا ~~سيدي . وعجبت من حدة جوابه معتذرا على صغر سنه . قال عبد الله بن حبيب : ~~كان عبد الله بن موسى الهادي معربدا ، وكان قد أعضل المأمون مما يعربد عليه ~~إذا شرب معه ؛ فأمر به أن يحبس في منزله فلا يخرج منه ، وأقعد على بابه ~~حرسا ؛ ثم تذمم من ذلك فأظهر له الرضا وصرف الحرس عن بابه . ثم نادمه فعربد ~~عليه أيضا وكلمه بكلام أحفظه . وكان عبد الله مغرما بالصيد ؛ فأمر المأمون ~~خادما من خواص خدمه يقال له حسن فسمه في دراج ؛ فلما أكله أحس بالسم ، فركب ~~في الليل وقال لأصحابه : هو آخر ما تروني ، ومات بعد أيام . وأكل معه ~~خادمان ، فمات أحدهما لوقته ، وضنى الآخر ثم مات بعد مدة . ومنهم عبد الله ~~بن محمد الأمين . قال أبو الفرج الأصفهاني : كان عبد الله بن محمد الأمين ~~ظريفا غزلا يقول شعرا لينا ويصنعه صنعة صالحة . وكان بينه وبين أبي نهشل بن ~~حميد مودة ؛ فاعترض عبد الله جارية مغنية لبعض نساء بني هاشم وأعطى بها ~~مالا عظيما . وعرفت مولاتها منه رغبة فيها فزادت عليه في السوم فتركها ؛ ~~فأشتراها أخ لأبي نهشل ، فتبعتها نفس عبد الله ، فسأل أبا نهشل أن يسأل ~~أخاه النزول عنها ؛ فسأله ذلك فوعده ودافعه . فكتب عبد الله إلى أبي نهشل : ~~يأبن حميد يا أبا نهشل . . . مفتاح باب الحدث المقفل يا أكرم الناس ودادا ~~وأر . . . عاهم لحق ضائع مهمل أحسنت في ودي وأجملت بل . . . جزت فعال ~~المحسن المجمل PageV04P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" بيتك في ذي يمن شامخ . . . تقصر عنه قنتا ~~يذبل خلفت فينا حاتما ذا الندى . . . وجدت جود العارض المسبل أي أخ أنت لذي ~~وحدة . . . تركته بالعز ms0859 في جحفل نجوم حى منك مسعودة . . . فيما أرجى ليس ~~بالأقل فصدق الظن بما قلته . . . وسهل الأمر به يسهل لا تحرمني ولديك المنى ~~. . . بالله صيد الرشأ الأكحل رميت منه بسهام الهوى . . . وما درى ما الرمي ~~في مقتلي أدنيتني بالوعد في صيده . . . إدناء عطشان من المنهل ثم تناسيت ~~وأسلمتني . . . إلى مطال موحش المنزل تركتني في جلة عائما . . . لا أعرف ~~المدبر من مقبل صرح بأمر واضح بين . . . لا خير في ذي لبس مشكل قال : فلم ~~يزل أبو نهشل بأخيه حتى نزل له عنها . ولعبد الله هذا صنعة منها قوله : ألا ~~يا دير حنظلة المفدى . . . لقد أورثتني سقما وكدا أزف من الفرات إليك زقا . ~~. . وأجعل حوله الورد المندى ومنهم أبو عيسى بن المتوكل . قال عبد الله بن ~~المعتز : جمع لأبي عيسى بن المتوكل صنعة مقدارها أكثر من ثلثمائة صوت ، ~~منها الجيد الصنعة ومنها المتوسط . وقال النميري : سمعت أبا عيسى بن ~~المتوكل يقول : إذا أتممت صنعة ثلثمائة وستين صوتا عدد أيام السنة تركت ~~الصنعة . فلما أتمها ترك PageV04P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" الصنعة . فمنها قوله في شعر علي بن الجهم : ~~هي النفس ما حملتها تتحمل . . . وللدهر أيام تجور وتعدل وعاقبة الصبر ~~الجميل جميلة . . . وأفضل أخلاق الرجال التجمل قال أبو الفرج الأصفهاني : ~~وهو لعمري من جيد الغناء وفاخر الصنعة ، ولو لم يصنع غيره لكفي . ومنهم عبد ~~الله بن المعتز . هو أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله العباسي . قد ~~وصفه أبو الفرج الأصفهاني فقال : وأمره مع قرب عهده بعصرنا مشهور في فضائله ~~وأدبه شهرة يشترك في أكثرها الخاص والعام ، وشعره وإن كان فيه رقة الملوكية ~~وغزل الظرفاء وهلهلة المحدثين ، فإن فيه أشياء كثيرة تجري في أسلوب ~~المجيدين ، ولا تقصر عن مدى السابقين وأشياء ظريفة من أشعار الملوك في جنس ~~ما هم بسبيله ، ليس عليه أن يتشبه فيها بفحول الجاهلية . وأطنب في وصفه ~~وتقريظه ، وهو فوق ما قال . ثم قال : وكان عبد الله حسن العلم بصناعة ~~الموسيقي والكلام على النغم وعللها ؛ وله في ذلك وفي غيره من الآداب كتب ms0860 ~~مشهورة ومراسلات جرت بينه وبين عبيد الله أبن عبد الله بن طاهر وبين بني ~~حمدون وغيرهم تدل على فضله وغزارة أدبه . وذكر منها شيئا ليس هذا موضع ~~إيراده . ثم قال : ومن صنعة عبد الله بن المعتز في شعره : هل ترجعن ليال قد ~~مضين لنا . . . والدار جامعة أزمان أزمانا قال أبو الفرج : ومن صنعته ~~الظريفة الشكل مع جودتها : وابلائي من محضر ومغيب . . . وحبيب منى بعيد ~~قريب لم ترد ماء وجهه العين إلا . . . شرقت قبل يها برقيب PageV04P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" قال : ومن صنعته التي تظارف فيها وملح : زاحم ~~كمي كمه فألتويا . . . وافق قلبي قلبه فأستويا وطالما ذاقا الهوى فأكتويا . ~~. . يا قرة العين ويا همي ويا وحكى عن جعفر بن قدامة قال : كان لعبد الله ~~بن المعتز غلام يحبه ، فغضب الغلام عليه ، فجهد أن يترضاه ، فلم يكن له فيه ~~حيلة . ودخلت عليه فأنشدني فيه : بأبي أنت قد تما . . . ديت في الهجر ~~والغضب وأصطباري على صدو . . . دك يوما من العجب ليس لي إن فقدت وج . . . ~~هك ي العيش من أرب رحم الله من أعا . . . ن على الصلح وأحتسب قال : فمضيت ~~إلى الغلام ، فلم أزل أداريه وأرفق به حتى ترضيته له وجئته به ؛ فمر لنا ~~يومئذ أطيب يوم وأحسنه . ذكر من غنى من الأشراف والعلماء رحمهم الله كان ~~ممن غنى من الأشراف والعلماء على ما نقل إلينا من أخبارهم : عبد العزيز بن ~~المطلب . روى الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي رحمه الله بسند ~~رفعه إلى محمد بن مسلمة قال حدثني أبي قال : أتيت عبد العزيز بن المطلب ~~أسأله عن بيعة الجن للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) بمسجد الأحزاب ما كان ~~بدؤها ، فوجدته مستلقيا وهو يغني : فما روضة بالحزن طيبة الثرى . . . يمج ~~الندى جثجاثها وعرارها PageV04P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" بأطيب من أردان عزة موهنا . . . وقد أوقدت ~~بالمندل الرطب نارها من الخفرات البيض لم تلق شقوة . . . وبالحسب المكنون ~~صاف نجارها فإن برزت كانت لعينيك قرة . . . وإن غبت عنها لم يغمك عارها ~~فقلت له : تغنى أصلحك ms0861 الله وأنت في جلالتك وشرفك أما والله لأحدون بها ~~ركبان نجد . قال : فوالله ما أكترث وعاد يتغنى : فما ظبية أدماء خفاقة ~~الحشى . . . تجوب بظلفيها بطون الخمائل بأحسن منها إذ تقول تدللا . . . ~~وأدمعها يذرين حشو المكاحل تمتع بذا اليوم القصير فإنه . . . رهين بأيام ~~الشهور الأطاول قال : فندمت على قولي له ، فقلت : أصلحك الله ، أتحدثني في ~~هذا بشيء فقال : نعم ، حدثني أبي قال : دخلت على سالم بن عبد الله بن عمر ~~رضي الله عنهم وأشعب يغنيه : معقربة كالبدر سنة وجهها . . . مطهرة الأثواب ~~والعرض وافر لها نسب زاك وعرض مهذب . . . وعن كل مكروه من الأمر زاجر من ~~الخفرات البيض لم تلق ريبة . . . ولم يستملها عن تقي الله شاعر فقال له ~~سالم رضي الله عنه : زدني . فقال : ألمت بنا والليل داج كأنه . . . جناح ~~غراب عنه قد نفض القطرا فقلت أعطار ثوى في رحالنا . . . وما أحتملت ليلى ~~سوى ريحها عطرا PageV04P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" فقال سالم : أما والله لولا أن تداوله الرواة ~~لأجزلت جائزتك ، فلك من هذا الأمر مكان . ومنهم إبراهيم بن سعد . هو أبو ~~إسحاق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري . كان من ~~العلماء الثقات المحدثين . سمع أباه وأبن شهاب الزهري وهشام بن عروة وصالح ~~بن كيسان ومحمد بن إسحاق بن يسار . روى عنه يزيد بن عبد الله بن الهاد ~~وشعبة بن الحجاج والليث بن سعد ، وأبناه يعقوب وسعد أبنا إبراهيم وعبد ~~الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون ويونس المؤدب وأبو داود الطيالسي وسليمان بن ~~داود الهاشمي وعبد العزيز الآدمي وعلي بن الجعد ومحمد بن جعفر الوركاني ~~وأحمد بن حنبل وغيرهم . كان يبيح السماع ويضرب بالعود ويغني عليه . وله في ~~ذلك قصة رواها أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي بسند رفعه إلى سعيد بن كثير ~~بن عفير قال : قدم إبراهيم بن سعد الزهري العراق سنة أربع وثمانين ومائة ، ~~فأكرمه الرشيد وأظهر بره . وسئل عن الغناء فأفتى بتحليله ؛ فأتاه بعض أهل ~~الحديث ليسمع منه أحاديث الزهري ، فسمعه يتغنى ، فقال : لقد كنت ms0862 حريصا على ~~أن أسمع منك ، فأما الآن فلا سمعت منك حديثا ابدا . قال : إذا لا أفقد إلا ~~شخصك . علي وعلي ألا أحدث ببغداد ما أقمت حديثا واحدا حتى أغني قبله . ~~وشاعت هذه الحكاية ببغداد ، فبلغت الرشيد ، فدعا به فسأله عن حديث ~~المخزومية التي قطعها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في سرقة الحلي ؛ فدعا ~~بعود . فقال الشيد : أعود المجمر ؟ قال : لا ولكن عود الطرب ، فتبسم . ~~ففهمها إبراهيم بن سعد فقال : لعلك بلغك يا أمير المؤمنين حديث السفيه الذي ~~آذاني بالأمس وألجأني إلى أن حلفت . قال نعم . فدعا له الرشيد بعود فأخذه ~~وغنى : يا أم طلحة إن البين قد أفدا . . . مل الثواء لأن كان الرحيل غدا ~~فقال له الرشيد : من كان من فقهائكم ينكر السماع ؟ قال : من ربط الله على ~~قلبه . قال : فهل بلغك عن مالك في هذا شيء ؟ فقال : لا والله ، إلا أن أبي ~~أخبرني PageV04P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" أنهم أجتمعوا في مدعاة كانت في بني يربوع وهم ~~يومئذ جلة ، ومالك أقلهم في فقه وقدر ، ومعهم دفوف ومعازف وعيدان يغنون ~~ويلعبون . ومع مالك دف مربع وهو يغنيهم : سليمى أزمعت بينا . . . وأين ~~لقاؤها أينا وقد قالت لأتراب . . . لها زهر تلاقينا تعالين فقد طاب . . . ~~لنا العيش تعالينا فضحك الرشيد ووصله بمال عظيم . ومات إبراهيم في هذه ~~السنة وهو أبن خمس وسبعين سنة . قال : وكان إبراهيم بن سعد يبالغ فيه إلى ~~هذا الحد . وقد أجمعت الأئمة على ثقته وعدالته والرواية عنه . وأتفق ~~البخاري ومسلم على إخراج حديثه في الصحيح . ولم تسقط عدالته بفعله عند أهل ~~العلم ، بل قلد قضاء بغداد على جلالتها ، وقلد أبوه القضاء بالمدينة على ~~شرفها . وروى أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي ~~قال : شهدت إبراهيم بن سعد يحلف للرشيد وقد سأله عمن بالمدينة ينكر الغناء ~~، فقال : من قنعه الله خزيه : مالك بن أنس ؛ ثم حلف أنه سمع مالكا يغني : ~~سليمى أزمعت بينا . . . فأين لقاؤها أينا في عرس لرجل من أهل المدينة يكنى ~~أبا حنظلة . وروى أيضا بسنده إلى ms0863 الحسين بن دحمان الأشقر قال : كنت ~~بالمدينة ، فخلا لي الطريق في نصف النهار ، فجعلت أتغنى : ما بال أهلك يا ~~رباب . . . خزرا كأنهم غضاب PageV04P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" قال : فإذا خوخة قد فتحت وإذا وجه قد بدا ~~تتبعه لحية حمراء ، فقال : يا فاسق أسأت التأدية ، ومنعت القائلة ، وأذعت ~~الفاحشة ؛ ثم أندفع يغنيه ؛ فظننت أن طويسا قد نشر يغنيه ، فقلت : أصلحك ~~الله من أين لك هذا الغناء ؟ قال : نشأت وأنا غلام أتبع المغنين وآخذ عنهم ~~؛ فقالت لي أمي : يا بني ، إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى ~~غنائه ، فدع الغناء وأطلب الفقه فإنه لا يضر معه قبح الوجه . فتركت المغنين ~~وأتبعت الفقهاء ، فبلغ الله بي ما ترى . فقلت : فأعد جعلت فداءك . فقال : ~~لا ولا كرامة أتريد أن تقول أخذته عن مالك بن أنس وإذا هو مالك ولم أعلم . ~~ومنهم محمد بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما . كان ~~عالما بالفقه والغناء جميعا . وكان يحيى بن أكثم وصفه للمأمون بالفقه ، ~~ووصفه أحمد بن يوسف بالغناء . فقال المأمون : ما أعجب ما أجتمع فيه العلم ~~بالعلم والغناء . ذكر من غنى من الأعيان والأكابر والقواد ممن نسبت له صنعة ~~في الغناء منهم أبو دلف العجلي . هو أبو دلف القاسم بن عيسى بن إدريس أحد ~~بني عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل . كان محله من الشجاعة وبعد ~~الهمة وعلو المحل عند الخلفاء وعظم الغناء في المشاهد وحسن الأدب وجودة ~~الشعر محلا كبيرا ليس لكثير من أمثاله . قال أبو الفرج الأصبهاني : وله ~~صنعة حسنة . فمن جيد صنعته قوله والشعر له أيضا : بنفسي يا جنان وأنت مني . ~~. . مكان الروح من جسد الجبان ولو أني أقول مكان نفسي . . . خشيت عليك ~~بادرة الزمان لإقدامي إذا ما الخيل حامت . . . وهاب كماتها حر الطعان ~~PageV04P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" قال : وكان أحمد بن أبي داود ينكر أمر الغناء ~~إنكارا شديدا ؛ فأعلمه المعتصم أن أبا دلف صديقه يغني . فقال : ما أراه مع ~~عقله يفعل ذلك ms0864 فستر المعتصم أحمد بن أبي داود في موضع أبا دلف وأمره أن ~~يغني ففعل ذلك وأطال ، ثم أخرج أحمد بن أبي داود عليه ؛ فخرج والكراهة ~~ظاهرة في وجهه . فلما رآه أحمد قال : سوءة لهذا من فعل أبعد هذه السن وهذا ~~المحل تصنع بنفسك ما أرى فخجل أبو دلف وتشور وقال : إنهم ليكرهوني على ذلك ~~. فقال : هبهم أكرهوك على الغناء أهم أكرهوك على الإحسان فيه والإصابة . ~~قال : وكان أبو دلف ينادم الواثق . فوصف للمعتصم فأحب أن يسمعه ، وسأل ~~الواثق عنه فقال له : يا أمير المؤمنين ، أنا على نية الفصد غدا وهو عندي . ~~وفصد الواثق فأتاه أبو دلف وأتته رسل الخليفة بالهدايا ، فأعلمهم الواثق ~~حصول أبي دلف عنده . فلم يلبث أن أقبل الخدم يقولون : قد جاء الخليفة . ~~فقام الواثق وكل من كان عنده حتى تلقوه ؛ وجاء حتى جلس ، وأمر بندماء ~~الواثق فردوا إلى مجالسهم . وأقبل الواثق على أبي دلف فقال : يا قاسم ، إن ~~أمير المؤمنين . فقال : صوتا بعينه أو ما أخترت ؟ قال : بل من صنعتك في شعر ~~جرير . فغنى : بان الخليط برامتين فودعوا . . . أو كلما أعتزموا لبين تجزع ~~كيف العزاء ولم أجد مذ غبتم . . . قلبا يقر ولا شرابا ينقع فقال المعتصم : ~~أحسن أحسن ثلاثا وشرب رطلا . ولم يزل يستعيده حتى شرب تسعة أرطال . ثم دعا ~~بحمال فركبه ، وأمر أبا دلف أن ينصرف معه ؛ فخرج معه فثبت في ندمائه ، وأمر ~~له بعشرين ألف دينار . قال : وكان أبو دلف جوادا ممدحا . وفيه يقول علي بن ~~جبلة من قصيدة يقول فيها : ذاد ورد الغي عن صدره . . . وأرعوى واللهو من ~~وطره PageV04P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" ندمى أن الشباب مضى . . . لم أبلغه مدى أشره ~~حسرت عني بشاشته . . . وذوي المحمود من ثمره ودم أهدرت من رشأ . . . لم يرد ~~عقلا على هدره جاء منها : دع جدا قحطان أو مضر . . . في يمانيه وفي مضره ~~وأمتدح من وائل رجلا . . . عصر الآفاق من عصره ومنها : المنايا في مقانبه . ~~. . والعطايا في ذرا حجره ملك تندى أنامله . . . كأنبلاج النوء عن مطره ~~مستهل عن مواهبه . . . كأبتسام ms0865 الروض عن زهره ومنها : إنما الدنيا أبو دلف ~~. . . بين باديه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف . . . ولت الدنيا على أثره كل من ~~في الأرض من عرب . . . بين باديه إلى حضره مستعير منه مكرمة . . . يكتسيها ~~يوم مفتخره وهذان البيتان اللذان أحفظا المأمون على علي بن جبلة حتى سل ~~لسانه من قفاه . PageV04P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" وقوله فيه : أنت الذي تنزل الأيام منزلها . . ~~. وتنقل الدهر من حال إلى حال وما مددت مدى طرف إلى أحد . . . إلا قضيت ~~بأرزاق وآجال تزور سخطا فتضحى البيض ضاحكة . . . وتستهل فتبكي أعين المال ~~وكان سبب مدح علي بن جبلة أبا دلف بقوله : إنما الدنيا أبو دلف ما رواه أبو ~~الفرج الأصفهاني بسنده عن علي بن جبلة قال : زرت أبا دلف بالجبل ، فكان ~~يظهر من بري وإكرامي والتحفي بي أمرا عظيما مفرطا حتى تأخرت عنه حياء . ~~فبعث إلي معقلا وقال : يقول لك الأمير : قد أنقطعت عني ، وأظنك قد أستقللت ~~بري ، فلا يغضبنك ذلك فإني سأزيد فيه حتى ترضي . فقلت : والله ما قطعني إلا ~~الإفراط في البر ، وكتبت إليه : هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة . . . وهل ~~يرتجى نيل الزيادة بالكفر ولكنني لما أتيتك زائرا . . . فأفرطت في بري عجزت ~~عن الشكر فم الآن لا آتيك إلا مسلما . . . أزورك في الشهرين يوما وفي الشهر ~~فإن زدتني برا تزايدت جفوة . . . ولم تلقني طول الحياة إلى الحشر فلما ~~قرأها معقل أستحسنها وقال : أحسنت والله أما إن الأمير يعجبه هذا من ~~المعاني . فلما أوصلها إلى أبي دلف قال : قاتله الله ما أشعره وأرق معانيه ~~وأجابني لوقته وكان حسن البديهة حاضر الجواب : ألا رب طيف طارق قد بسطته . ~~. . وآنسته قبل الضيافة بالبشر أتاني يرجيني فما حال دونه . . . ودون القرى ~~والعرف من نائلي سترى وجدت له فضلا علي بقصده . . . إلي وبرا زاد فيه علي ~~بري فزودته مالا يدوم بقاؤه . . . وزودني مدحا يدوم على الدهر PageV04P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" قال : وبعث بالأبيات وصيفا وبعث إلي معه بألف ~~دينار . فقلت حينئذ : إنما الدنيا أبو دلف الأبيات . وروى أبو الفرج عن ~~أحمد ms0866 بن عبيد الله بن عمار قال : كنا عند أبي العباس المبرد يوما وعنده فتى ~~من ولد أبي البختري وهب بن وهب ، أمرد حسن الوجه ، وفتى من ولد أبي دلف ~~البجلي شبيه به في الجمال . فقال المبرد لأبن أبي البختري : أعرف لجدك قصة ~~ظريفة من الكرم حسنة لم يسق إليها . قال : وما هي ؟ قال : دعى رجل من أهل ~~الأدب إلى بعض المواضع فسقوه نبيذا غير الذي يشربون منه ؛ فقال فيهم : ~~نبيذان في مجلس واحد . . . لإيثار مثر على مقتر فلو كان فعلك ذا في الطعام ~~. . . لزمت قياسك في المسكر ولو كنت تفعل فعل الكرام . . . صنعت صنيع أبي ~~البختري تتبع إخوانه في البلاد . . . فأغنى المقل عن المكثر فبلغت الأبيات ~~أبا البختري فبعث إليه ثلثمائة دينار . قال أبن عمار : فقلت وقد فعل جد هذا ~~الفتى في هذا المعنى ما هو أحسن من هذا . قال : وما فعل ؟ قلت : بلغه أن ~~رجلا أفتقر من ثروة ، فقالت له امرأته ، أفترض في الجند ، فقال : إليك عني ~~فقد كلفتني شططا . . . حمل السلاح وقول الدارعين قف تمشى المنايا إلى قوم ~~فأكرهها . . . فكيف أمشي إليها عاري الكتف حسبت أن نفاد المال غيرني . . . ~~أو أن روحي في جنبي أبي دلف PageV04P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" فأحضره أبو دلف وقال : كم أملت أمرأتك أن ~~يكون رزقك ؟ قال : مائة دينار ، قال : كم أملت أن تعيش ؟ قال : عشرين سنة . ~~قال : فذلك لك على ما أملت وأملت أمرأتك في مالنا دون مال السلطان ، وأمر ~~بإعطائه إياه . قال : فرأيت وجه أبن أبي دلف يتهلل وأنكسر أبن أب البختري . ~~وهذه الأبيات رويت لأبن أبي فنن . ومنهم أخوه معقل بن عيسى . كان فارسا ~~شاعرا جوادا مغنيا فهما بالنغم والوتر ، ذكره الجاحظ مع ذكر أخيه أبي دلف . ~~وهو القائل لمخارق وقد كان زار أبا دلف بالجبل ثم رجع إلى العراق ، وله في ~~ذلك غناء : لعمري لئن قرت بقربك أعين . . . لقد سخنت بالبعد عنك عيون فسر ~~أو أقم ، وقف عليك مودتي . . . مكانك من قلبي عليك مصون فما أوحش الدنيا ~~إذا كنت نازحا . . . وما ms0867 أحسن الدنيا بحيث تكون ومنهم عبد الله بن طاهر بن ~~الحسين وأبنه عبيد الله . فأما عبد الله فكان محله من علو المنزلة وعظم ~~القدر والتمكن عند الخلفاء ما هو مشهور مذكور في أخبارهم . وتقلد الولايات ~~الكبيرة مثل مصر والجزيرة وما يلي ذلك ، ثم نقل إلى خراسان . وله عطايا ~~وهبات وصلات لا ينكرها أحد . ومحله من الشجاعة والإقدام معروف . وكان يعتني ~~بالغناء ويصنعه ، إلا أنه كان يترفع عن ذكره والأعتراف به ونسبته إليه . ~~قال أبو الفرج : والأصوات التي غنى فيها عبد الله بن طاهر كثيرة . وكان ~~أبنه عبيد الله إذا ذكر شيئا منها من صنعته قال : الغناء للدار الكبيرة ، ~~وإذا ذكر شيئا من صنعة نفسه قال : الغناء للدار الصغيرة . فمن الأصوات التي ~~صنع فيها عبد الله بن طاهر قوله : هلا سقيتم بني حزم أسيركم . . . نفسي ~~فداؤك من ذي غلة صادى الطاعن الطعنة النجلاء يتبعها . . . مضرج بعد ما جادت ~~بإزباد PageV04P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" قال : فقد جاء به عبد الله صحيح العمل مزدوج ~~النغم بين لين وشدة على رسم الحذاق القدماء . قال عبيد الله وذكر صوتا من ~~أصواته : لما صنع أبي هذا الصوت لم يحب أن يسمع عنه شيء من الغناء ولا ينسب ~~إليه ؛ لأنه كان يترفع عن ذلك ، وما جس بيده وترا قط ولا تعاطاه ، ولكنه ~~كان يعلم من هذا الشأن بطول الدربة وحسن الثقافة ما لا يعرفه كثير . قال : ~~وبلغ من علم ذلك إلى أن صنع في أبيات أصواتا كثيرة ، فألقاها على جواريه ، ~~فأخذتها عنه وغنين بها وسمعها الناس منهن وممن أخذ عنهن . فلما أن صنع هذا ~~الصوت . هلا سقيتم بني سهم أسيركم . . . نفسي فداؤك من ذي غلة صادى نسبه ~~إلى مالك بن أبي السمح . وكانت لآل الفضل بن الربيع جارية يقال لها راحة ، ~~وكانت ترغب إلى عبد الله لما ندبه المأمون إلى مصر ، وكانت تغنيه ؛ وأخذت ~~هذا الصوت عن جواريه ، وأخذه المغنون عنها ، وروى لمالك بن أبي السمح مدة . ~~ثم قدم عبد الله العراق ، فحضر مجلس المأمون وغنى الصوت بحضرته ms0868 ونسب إلى ~~مالك ؛ فضحك عبد الله ضحكا كثيرا ؛ فسئل عن القصة فصدق فيها وأعترف بصنعة ~~الصوت . وكشف المأمون عن القصة ؛ فلم يزل كل من سئل عنه يخبر عمن أخذه ، ~~فينتهي بالقصة إلى راحة ويقف فلا يعدوها . فأحضرت راحة وسئلت فأخبرت بقصته ~~؛ فعلم أنه من صنعته حينئذ بعد أن جاز على إسحاق وطبقته أنه لمالك . ويقال ~~: إنه لم يعجب من شيء عجبه من حذق عبد الله بمذاهب الأوائل وحكاياتهم . ~~وأما عبيد الله ، ويكنى أبا أحمد . قال أبو الفرج الأصبهاني : له محل من ~~الأدب والتصرف في فنونه ورواية الشعر وقوله والعلم باللغة وأيام الناس ~~وعلوم الأوائل من الفلاسفة في الموسيقى والهندسة وغير ذلك مما يجل عن الوصف ~~ويكثر ذكره . وله صنعة في الغناء حسنة متقنة عجيبة تدل على ما ذكرناه ها هن ~~من توصله إلى ما عجز عنه الأوائل من جمع النغم كلها في صوت واحد تتبعه هو ~~وأتى به على ما فصله فيها وطلبه منها . PageV04P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" وكان المعتضد بالله ربما أراد أن يصنع في بعض ~~الأشعار غناء ويحضره أكابر المغنين فيعدل عنهم إليه فيصنع فيه أحسن صنعة ، ~~ويترفع عن إظهار نفسه بذلك فيومئ إلى أنه من صنعة جاريته ساجى . وسنذكر ~~ساجى إن شاء الله تعالى في أخبار القيان ، وكانت تخريج عبيد الله وتأديبه . ~~قال : ولما أختلت حال عبيد الله كان المعتضد بالله يتفقده بالصلات . ومن ~~أصوات عبيد الله التي جمع فيها النغم العشر قوله في شعر إبراهيم بن علي بن ~~هرمة : وإنك إذ أطمعتني منك بالرضا . . . وأيأستني من بعد ذلك بالغضب ~~كممكنة من درها كف حالب . . . ودافقة من بعد ذلك ما حلب وأخبار عبيد الله ~~كثيرة سنذكر منها في هذا الباب في أخبار ساجى طرفا ، ونورد منها إن شاء ~~الله تعالى في فن التاريخ ما يناسب . وأستغفر الله العظيم . ذكر أخبار ~~المغنين الذين نقلوا الغناء من الفارسية إلى العربية ومن أخذ عنهم ومن ~~أشتهر بالغناء والغناء قديم في الفرس والروم ، ولم يكن للعرب قبل ذلك إلا ~~الحداء والنشيد ، وكانوا ms0869 يسمونه الركبانية . وأول من نقل الغناء العجمي إلى ~~العربي من أهل مكة سعيد بن مسجح ومن أهل المدينة سائب خاثر . وأول من صنع ~~الهزج طويس . ولنبدأ بذكر أخبار هؤلاء ثم نذكر من أخذ عنهم إن شاء الله ~~تعالى . ذكر أخبار سعيد بن مسجح هو أبو عثمان سعيد بن مسجح ، مولى بني جمح ~~، وقيل : مولى بني مخزوم ، وقيل : مولى بني نوفل بن الحارث بن عبد المطلب . ~~مكي أسود وقيل : أصفر حسن اللون . وقيل : كان مولدا ، يكنى أبا عيسى . وقيل ~~: كان هو وأبن سريج PageV04P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" لرجل واحد . مغن متقدم من فحول المغنين ~~وأكابرهم . وهو أول من وضع الغناء منهم ، وأول من غنى الغناء العربي بمكة ؛ ~~وذلك أنه مر بالفرس وهم يبنون المسجد الحرام في أيام عبد الله بن الزبير ، ~~فسمع غناءهم بالفارسية فقلبه في شعر عربي ، ثم رحل إلى الشام فأخذ ألحان ~~الروم والبربطية والأسطوخوسية ، وأنقلب إلى فارس فأخذ غناء كثيرا وتعلم ~~الضرب ، ثم قدم إلى الحجاز وقد أخذ محاسن تلك النغم وألقى منها ما أستقبحه ~~من النبرات والنغم ؛ وكان أول من فعل ذلك ، وتبعه الناس بعد ؛ وعلم أبن ~~سريج ، وعلم أبن سريج الغريض . قالوا : وكان في صباه فطنا ذكيا ، وكان ~~مولاه معجبا به ، فكان يقول : ليكونن لهذا الغلام شأن ، وما يمنعني من عتقه ~~إلا حسن فراستي فيه ، ولئن عشت لأتعرفن ذلك ، وإن مت قبله فهو حر . فسمعه ~~مولاه يوما يتغنى بشعر أبن الرقاع يقول : ألمم على طلل عفا متقادم . . . ~~بين الذؤيب وبين غيب الناعم لولا الحياء وأن رأسي قد عسا . . . فيه المشيب ~~لزرت أم القاسم فدعاه مولاه فقال : أعد يا بني ؛ فأعاده فإذا هو أحسن مما ~~أبتدأ به ، وقال : إن هذا لبعض ما كنت أقول . ثم قال له : أنى لك هذا ؟ قال ~~: سمعت هذه الأعاجم تتغنى بالفارسية فقلبتها في هذا الشعر . قال : فأنت حر ~~لوجه الله . فلزم مولاه وكثر أدبه وأتسع في غنائه وشهر بمكة وأعجبوا به . ~~فدفع إليه مولاه عبيد بن سريج وقال : يا بني علمه وأجتهد فيه ms0870 . وكان أبن ~~سريج أحسن الناس صوتا ، فتعلم منه ثم برز عليه . وقد قيل : إنه إنما سمع ~~الغناء من الفرس لما أمر معاوية ببناء دوره بمكة التي يقال لها الرقط ، ~~وكان قد حمل إليها بنائين من الفرس الذين كانوا بالعراق فكانوا يبنونها ، ~~وكان سعيد بن مسجح يأتيهم فيسمع غناءهم على بنائهم ؛ فما أستحسن من ألحانهم ~~أخذه ونقله إلى الشعر العربي ، ثم صاغر على نحو ذلك . وكان من قديم غنائه ~~الذي صنعه على تلك الألحان شعر الأحوص ، وهو : أسلام إنك قد ملكت فأسجحي . ~~. . قد يملك الحر الكريم فيسجح PageV04P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" منى علي عان أطلت عناءه . . . في الغل عندك ~~والعناة تسرح إني لأنصحكم وأعلم أنه . . . سيان عندك من يغش وينصح وإذا ~~شكوت إلى سلامة حبها . . . قالت أجد منك ذا أم تمزح وهذا من أقدم الغناء ~~العربي المنقول عن الفارسي . قال : وعاش سعيد بن مسجح حتى لقيه معبد وأخذ ~~عنه في ايام الوليد بن عبد الملك . ومن أخبار سعيد ما رواه أبو الفرج ~~الأصفهاني بسند رفعه قال : كتب عامل لعبد الملك بن مروان بمكة إليه أن رجلا ~~أسود يقال له سعيد بن مسجح قد أفسد فتيان قريش وأنفقوا عليه أموالهم . فكتب ~~إليه : أن أقبض ماله وسيره إلي . فتوجه أبن مسجح إلى الشام ؛ فصحبه رجل له ~~جوار مغنيات في الطريق . فقال له : أين تريد ؟ فأخبره الخبر وقال : أريد ~~الشام ؛ فصحبه حتى بلغا دمشق ، فدخلا مسجدها فسألا : من أخص الناس بأمير ~~المؤمنين ؟ فقالوا : هؤلاء النفر من قريش وبنو عمه . فوقف أبن مسجح عليهم ~~فسلم ، ثم قال : يا فتيان ، هل فيكم من يضيف رجلا غريبا من أهل الحجاز ؟ ~~فنظر بعضهم إلى بعض وكان عليهم موعد أن يذهبوا إلى قينة يقال لها برق الأفق ~~، فتثاقلوا به إلا فتى منهم تذمم فقال له : أنا أضيفك ، وقال لأصحابه : ~~أنطلقوا أنتم وأنا أذهب مع ضيفي . فقالوا : لا ، بل تجيء معنا أنت وضيفك . ~~فذهبوا جميعا إلى بيت القينة . فلما أتوا بالغداء قال لهم سعيد : إني رجل ~~أسود ، ولعل فيكم من يقذرني ms0871 ، فأنا أجلس وآكل ناحية وقام ؛ فأستحيوا منه ~~وبعثوا له بما أكل . فلما صاروا إلى الشراب قال لهم مثل ذلك ففعلوا . ثم ~~أخرجوا جاريتين ، فجلستا على سرير قد وضع لهما فغنتا إلى العشاء ثم دخلتا ؛ ~~وخرجت جارية حسنة الوجه والهيئة وهما معها فجلستا أسفل السرير عن يمينه ~~وشماله ولجست هي على السرير . قال أبن مسجح : فتمثلت هذا البيت : فقلت أشمس ~~أم مصابيح بيعة . . . بدت لك خلف السجف أم أنت حالم PageV04P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" فغضبت الجارية وقالت : أيضرب مثل هذا الأسود ~~بي الأمثال فنظروا إلي نظرا منكرا ، ولم يزالوا يسكنونها . ثم غنت صوتا . ~~قال ابن مسجح : فقلت : أحسنت والله فغضب مولاها وقال : أمثل هذا الأسود ~~يقدم على جاريتي فقال لي الرجل الذي أنزلني عنده : قم فأنصرف إلى منزلي ، ~~فقد ثقلت على القوم . فذهبت أقوم . فتذمم القوم وقالوا : بل أقم وأحسن أدبك ~~: فأقمت . فغنت ، فقلت : أخطأت والله وأسأت ثم أندفعت فغنيت الصوت ؛ فوثبت ~~الجارية فقالت لمولاها : هذا أبو عثمان سعيد بن مسجح . فقلت : إي والله ، ~~أنا هو ، والله لا أقيم عندكم ووثبت ؛ فثوب القرشيون : فقال هذا : تكون ~~عندي ، وقال هذا : تكون عندي ، وقال هذا : بل عندي ، فقلت : والله لا أقيم ~~إلا عند سيدكم يعني الرجل الذي أنزله منهم وسألوه عما أقدمه . فأخبرهم . ~~فقال له صاحبه : إني أسمر الليلة عند أمير المؤمنين ، فهل تحسن أن تحدو ؟ ~~فقال : لا والله ، ولكني أصنع حداء . فقال له : إن منزلي بحذاء منزل أمير ~~المؤمنين ، فإذا وافقت منه طيب نفس أرسلت إليك . ومضى إلى عبد الملك . فلما ~~رآه طيب النفس أرسل إلى أبن مسجح ؛ فأخرج رأسه من وراء شرف القصر ثم حدا : ~~إنك يا معاد يأبن الفضل . . . إن زلزل الأقدام لم تزلزل عن دين موسى ~~والكتاب المنزل . . . تقيم أصداغ القرون الميل للحق حتى ينتحوا للأعدل فقال ~~عبد الملك للقرشي : من هذا ؟ فقال : رجل حجازي قدم علي . قال : أحضره ، ~~فأحضره . ثم قال له : هل تغني غناء الركبان ؟ فغنى . فقال له : هل تغني ~~الغناء المتقن ؟ قال نعم . قال : هيه ، فغنى ؛ فأهتز ms0872 عبد الملك طربا ، ثم ~~قال : أقسم بالله إن لك في القوم أسما كبيرا ، من أنت ؟ ويلك قال : أنا ~~المظفوم المقبوض ماله المسير عن وطنه سعيد بن مسجح ، قبض مالي عامل الحجاز ~~ونفاني . فتبسم عبد الملك ثم قال : قد وضح عذر فتيان قريش في أن ينفقوا ~~عليك أموالهم ؛ وأمنه ووصله وكتب إلى عامله بالحجاز أن أردد إليه ماله ، ~~ولا تتعرض إليه بسوء . والله أعلم . PageV04P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" ذكر أخبار سائب خاثر هو أبو جعفل سائب بن ~~يسار ، مولى لبني ليث . وأصله من فيء كسرى ، وأشتراه عبد الله بن جعفر ~~فأعتقه . وقيل : بل كان على ولائه لبني ليث ، ولكنه أنقطع إلى عبد الله بن ~~جعفر ولزمه وعرف به . وهو أول من عمل العود بالمدينة وغنى به . قال : وكان ~~عبد الله بن عامر بن كريز سبي إماء صناجات فأتى بهن المدينة . فكن يلعبن في ~~يوم الجمعة ويسمع الناس منهن ، فأخذ عنهن . وقدم رجل فارسي يعرف بنشيط ، ~~فغنى ، فعجب عبد الله بن جعفر منه . فقال له سائب خاثر : أنا أصنع لك مثل ~~غناء هذا الفارسي بالعربية . ثم غدا علي عبد الله بن جعفر وقد عمل في : لمن ~~الديار رسومها قفر . . . لعبت بها الأرواح والقطر وخلالها من بعد ساكنها . ~~. . حجج مضين ثمان أو عشر والزعفران على ترائبها . . . شرق به اللبات ~~والنحر قال أبن الكلبي : وهو أول صوت غنى به ف الإسلام من الغناء العربي ~~المتقن الصنعة . قال : ثم أشترى عبد الله بن جعفر نشيطا بعد ذلك ؛ فأخذ عنه ~~سائب خاثر الغناء العربي ، وأخذ عنه أبن سريج وجميلة ومعبد وعزة الميلاء ~~وغيرهم . وقيل : إنه لم يكن يضرب بالعود وإنما كان يقرع بالقضيب ويغني ~~مرتجلا . قال أبن الكلبي : وكان سائب تاجرا موسرا يبيع الطعام بالمدينة ، ~~وكان تحته أربع نسوة . وكان أنقطاعه إلى عبد الله بن جعفر ، وهو مع ذلك ~~يخالط سروات الناس وأشرافهم لظرفه وحلاوته وحسن صوته . وكان قد آلى على ~~نفسه ألا يغني أ ؛ دا سوى عبد الله بن جعفر إلا أن يكون خليفة أو ولي ms0873 عهد ~~أو PageV04P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" أبن خليفة ؛ فكان على ذلك إلى أن قتل ، على ~~ما نذكره . وأخذ عنه معبد غناء كثيرا . قال : وسمع معاوية غناء سائب خاثر ~~مرارا ، فالمرة الأولى لما وفد عبد الله بن جعفر إلى معاوية وهو معه ، فسأل ~~عنه معاوية ، فأخبره عبد الله خبره وأستأذنه في دخوله عليه ، فأذن له . ~~فلما دخل قام على الباب ثم رفع صوته فغنى : لمن الديار رسومها قفر الأبيات ~~فالتفت معاوية إلى عبد الله وقال : أشهد لقد حسنه . وقضى معاوية حوائجه ~~وأحسن إليه ووصله . وقيل : أشرف معاوية ليلة على منزل يزيد ، فسمع صوتا ~~أعجبه ، وأستخفه السماع فأستمع حتى مل ؛ ثم دعا بكرسي فجلس عليه وأشتهى ~~الأستزادة ، فاستمع بقية ليلته . فلما أصبح غدا عليه يزيد ؛ فقال : يا بني ~~، من كان جليسك البارحة ؟ قال : أي جليس يا أمير المؤمنين ؟ وأستعجم عليه . ~~فقال : عرفني به فإنه لم يخف علي شيء من أمرك . قال : هو سائب خاثر . قال ~~معاوية : فأكثر له يا بني من برك وصلتك ، فما رأيت بمجالسته بأسا . قال أبن ~~الكلبي : وقدم معاوية المدينة في بعض ما كان يقدم ، فأمر حاجبه بالإذن ~~للناس ؛ فخرج ثم رجع فقال : ما بالباب أحد . فقال معاوية : وأين الناس ؟ ~~قال : عند عبد الله بن جعفر . فركب معاوية بغلته ثم توجه إليهم . فلما جلس ~~قال بعض القرشيين لسائب خاثر : مطرفي هذا لك إن أندفعت تغنى وكان المطرف من ~~خز ؛ فقام بين السماطين وغنى فقال : لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى . . . ~~وأسيافنا يقطرن من نجدة دما فسمع منه معاوية طرب وأصغى إليه حتى سكت وهو ~~مستحسن لذلك ، ثم أنصرف ، وأخذ سائب خاثر المطرف . PageV04P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" وكان مقتل سائب خاثر بالمدينة يوم الحرة . ~~قال : وكان يخشى على نفسه من أهل الشام . فخرج إليهم وجعل يقول : أنا مغن ، ~~ومن حالي ومن قصتي كيت وكيت ، وقد خدمت أمير المؤمنين يزيد وأباه قبله . ~~فقالوا له : إن لنا ، ففعل . فقام أحدهم فقال : أحسنت والله ، ثم ضربه ~~بالسيف فقتله . وبلغ يزيد خبره ومر به أسمه في أسماء ms0874 من قتل فلم يعرفه وقال ~~: من سائب خاثر ؟ فعرف به ، فقال : ويله ما له وما لنا ألم نحسن إليه ونصله ~~ونخلطه بأنفسنا فما الذي حمله على عداوتنا لا جرم أن بغيه علينا صرعه . ~~وقيل : إنه لما بلغه قتله قال : إنا لله أو بلغ القتل إلى سائب خاثر وطبقته ~~ما أرى أنه بقي بالمدينة أحد ، وقال . فبحكم الله يأهل الشام تجدهم وجدوه ~~في حائط أو حديقة مستترا فقتلوه . وقد قيل : إنه تقدم يوم الحرة وقاتل حتى ~~قتل . والله أعلم . ذكر أخبار طويس هو عيسى بن عبد الله . وكنيته أبو عبد ~~المنعم ، وغيرها المخنثون فقالوا : أبو عبد النعيم . وطويس لقب غلب عليه ، ~~وقيل : أسمه طاوس ، مولى بني مخزوم . وكان أيضا يلقب بالذائب ؛ لأنه غنى : ~~قد براني الحب حتى . . . كدت من وجدت أذوب وهذا أول غناء غناه وهزج هزجه . ~~وقد ضرب المثل به في الشؤم فقالوا : أشأم من طويس لأنه ولد يوم مات رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وفطم يوم مات أبو بكر رضي الله عنه ، وختن ~~يوم مات عمر رضي الله عنه ، وتزوج يوم قتل عثمان ، وولد له يوم مات علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه . وكان مخنثا أحول طويلا ؛ وقيل : إنه ولد ذاهب ~~العين اليمني . قالوا : وكانت أمه تمشي بين نساء الأنصار بالنمائم . وطويس ~~أول من صنع الهزم والرمل في الإسلام ، وكان الناس يضربون به المثل فيقولون ~~: أهزج من طويس . وكان لا يضرب بالعود وإنما ينقر بالدف . وكان ظريفا عالما ~~بأمر المدينة وأنساب أهلها . PageV04P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" حكى أبو الفرج الأصفهاني بسنده إلى المدائني ~~قال : قدم أبن سريح المدينة ، فجلس يوما في جماعة وهم يقولون له : أنت ~~والله أحسن الناس غناء ، إذ مر بهم طويس فسمعهم وما يقولون ، فأستل دفه من ~~حضنه ونقره وغنى ؛ فلما سمعه أبن سريج قال : هذا والله أحسن الناس غناء لا ~~أنا . وقال المدائني ، قال مسلمة أبن محارب : حدثني رجل من أصحابنا قال : ~~خرجنا في سفر ومعنا رجل من أصحابنا فانتهينا إلى واد ، فدعونا بالغداء ms0875 ، ~~فمد الرجل يده إلى الطعام فلم يقدر عيه ، وكان قبل ذلك يأكل معنا ؛ فخرجنا ~~نسأل عن حاله فنلقي رجلا طويلا أحول مضطرب الخلق في زي الأعراب ؛ فقال لنا ~~: مالكم ؟ فأنكرنا سؤاله لنا ؛ فأخبرناه خبر الرجل فقال : ما أسم صاحبكم ؟ ~~فقلنا : أسيد ؛ فقال : هذا واد قد أخذت سباعه فارتحلوا ، فلو قد جاوزتم ~~الوادي أستمر صاحبكم وأسد وأكل . قلنا في أنفسنا : هو من الجن ، ودخلتنا ~~فزعة . ففهم ذلك وقال : ليفرخ روعكم فأنا طويس . فقال له رجل منا : مرحبا ~~بك أبا عبد النعيم ، ما هذا الزي ؟ فقال : دعاني بعض أودائي من الأعراب ~~فخرجت إليهم وأحببت أن أتخطى الأحياء فلا ينكروني . فسأله رجل منا أن ~~يغنينا ؛ فأندفع ونقر بدف كان معه مربع ، فلقد خيل لي أن الوادي ينطق معه ~~حسنا . وتعجبنا من علمه وما أخبرنا به من أمر صاحبنا . قال المدائني : وكان ~~طويس ولعا بالشعر الذي قالته الأوس والخزرج في حروبهم ، وكان يريد بذلك ~~الإغراء ؛ فقل مجلس أجتمع فيه هذان الحيان فغنى فيه طويس إلا وقع فيه شيء . ~~فنهى عن ذلك ، فقال : والله لا تركت الغناء بشعر الأنصار حتى يوسدوني ~~التراب ؛ وذلك لكثرة تولع القوم به ، وكان يبدي السرائر ويخرج الضغائن ؛ ~~وغناؤه يستحسن ولا يصبر عن حديثه . وحكى الأصبهاني عفا الله عنه قال : كان ~~بالمدينة مخنث يقال له النغاشي . فقيل لمروان بن الحكم : إنه لا يقرأ من ~~كتاب الله تعالى شيئا . فبعث إليه فاستقرأه أم PageV04P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" الكتاب ؛ فقال : والله ما معي بناتها ، أو ما ~~أقرأ البنات فكيف أقرأ أمهن فقال : أتهزأ لا أم لك فأمر به فقتل ببطحان ، ~~وقال : من جاءني بمخنث فله عشرة دنانير . فأتي طويس وهو في بني الحارث بن ~~الخزرج فأخبر بمقالة مروان ؛ فقال : أما فضلني الأمير عليهم بفضل حتى جعل ~~في وفيهم شيئا واحدا . ثم خرج حتى نزل السويداء على ليلتين من المدينة في ~~طريق الشام فنزلها ، فلم يزل بها بقية عمره . وعمر حتى مات في ولاية الوليد ~~بن عبد الملك . ثم ساق الأصفهاني هذه القصة في موضع ms0876 آخر بسند آخر قال : خرج ~~يحيى بن الحكم وهو أمير على المدينة ، فبصر بشخص في السبخة مما يلي مسجد ~~الأحزاب ؛ فلما نظر إلى يحيى جلس ؛ فاستراب به ، فوجه إليه أعوانه ، فأتي ~~به كأنه أمرأة في ثياب مصبغة مصقولة وهو ممتشط مختضب . فقال له أعوانه : ~~هذا أبن نغاش المخنث . فقال : ما أحسبك تقرأ من كتاب الله تعالى شيئا اقرأ ~~أم القرآن ؛ فقال : لو عرفت أمهن عرفت البنات . فأمر به فضربت عنقه . وساق ~~نحو ما تقدم ، إلا أنه قال : جعل في كل مخنث ثلثمائة درهم . وحكى أيضا بسند ~~رفعه إلى صالح بن كيسان وغيره : أن أبان بن عثمان لما أمره عبد الملك على ~~الحجاز أقبل ، حتى إذا دنا من المدينة تلقاه أهلها وخرج إليه أشرافها ، ~~فخرج معهم طويس . فلما رآه سلم عليه ، ثم قال له : أيها الأمير ، إني كنت ~~قد أعطيت الله تعالى عهدا إن رأيتك أميرا لأخضبن يدي إلى المرفقين ثم أزدو ~~بالدف بين يديك . ثم أبدي عن دفه وتغني بشعر ذي جدن الحميري : ما بال أهلك ~~يا رباب . . . خزرا كأنهم غضاب فطرب أبان حتى كاد يطير ، ثم جعل يقول : ~~حسبك يا طاوس ولم يقل له طويس لنبله في عينه ثم قال له : أجلس ، فجلس . ~~فقال له أبان : قد زعموا أنك كافر . فقال له : جعلت فداءك والله إني لأشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصلي ~~الخمس وأصوم رمضان وأحج البيت . قال : أفأنت أكبر أم عمرو بن عثمان ؟ وكان ~~عمرو أخا أبان لأبيه وأمه فقال طويس : جعلت فداءك أنا PageV04P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" والله مع جلائل نساء قومي أمسك بذيولهن يوم ~~زفت أمك المباركة إلى أبيك الطيب . فاستحيا أبان ورمى بطرفه إلى الأرض . ~~ذكر أخبار عبد الله بن سريج هو أبو يحيى عبد الله بن سريج ، مولى بني نوفل ~~بن عبد مناف . وقال أبن الكلبي : إنه مولى لبني الحارث بن عبد المطلب . ~~وقيل : إنه مولى لبني ليث ، ومنزله بمكة . وقال الحسن بن عتبة اللهبي : إنه ms0877 ~~مولى لبني عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم . وحكى أبو الفرج الأصبهاني ~~أنه كان آدم أحمر ظاهر الدم سناطا ، في عينيه قبل ، وبلغ خمسا وثمانين سنة ~~، وكان منقطعا إلى عبد الله بن جعفر . ونقل أيضا عن أبن الكلبي أنه كان ~~مخنثا أحول أعمش ، يلقب وجه البا . وكان لا يغني إلا متنقبا ، مسبل القناع ~~على وجهه . قال : وكان أحسن الناس غناء ، وكان يغني مرتجلا ويوقع بقضيب ، ~~وقيل : كان يضرب بالعود . وغنى في زمن عثمان بن عفان ، ومات في خلافة هشام ~~بن عبد الملك . وقيل : كان أسمه عبيد بن سريج من أهل مكة . وقال أبن جريج : ~~كان عبيد بن سريج مولى آل خالد بن أسيد ، وقيل : كان أبوه تركيا . وقيل : ~~كان عوده على صنعة عيدان الفرس ، وهو أول من ضرب به على الغناء العربي بمكة ~~؛ وذلك أنه رآه مع العجم الذين قدم بهم أبن الزبير لبناء الكعبة ، فأعجب ~~أهل مكة غناؤهم . فقال أبن سريج : أنا أضرب به على غنائي ، فضرب به فكان ~~أحذق الناس . وأخذ الغناء عن سعيد بن مسجح ، وقد تقدم ذكر ذلك . وأول ما ~~أشتهر بالغناء في ختان أبن مولاه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين . قال ~~أبن سريج لأم الغلام : خفضي عليك بعض المغرم والكلفة ، فوالله لألهين نساءك ~~حتى لا يدرين ما جئت به . وكان معبد إذا أعجبه غناء نفسه قال : أنا اليوم ~~سريجي . ومن أخباره أيضا أن عطاء بن أبي رباح لقيه بذي طوى وعليه ثياب ~~مصبغة وفي يده جرادة مشدودة الرجل بخيط يطيرها ويجنبها كلما تخلفت ؛ فقال ~~له عطاء : يا فتان ، ألا تكف عما أنت فيه كفى الله الناس مئونتك . فقال له ~~أبن سريج : وما على PageV04P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" الناس من تلويني ثيابي ولعبي بجرادتي فقال : ~~تغنيهم أغانيك الخبيثة . فقال له أبن سريج : بحق من تبعته من أصحاب رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبحق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عليك ~~إلا سمعت مني بيتا من الشعر ، فإن سمعت منكرا أمرتني بالإمساك ms0878 عما أنا عليه ~~، وأنا أقسم بالله وبحق هذه البنية إن أمرتني بعد أستماعك مني بالإمساك عما ~~أنا عليه لأفعلن . فأطمع ذلك عطاء في أبن سريج وقال له : قل . فأندفع يغني ~~بشعر جرير : إن الذين غدوا بلبك غادروا . . . وشلا بعينك لا يزال معينا ~~غيضن من عبراتهن وقلن لي . . . ماذا لقيت من الهوى ولقينا قال : فلما سمعه ~~عطاء أضطرب أضطرابا شديدا وداخلته أريحية ، فحلف ألا يكلم أحدا بقية يومه ~~إلا بهذا الشعر ، وصار إلى مكانه من المسجد الحرام ، فكان كل من يأتيه يسأل ~~عن حلال أو حرام أو خبر لا يجيبه إلا بأن يضرب إحدى يديه على الأخرى وينشد ~~هذا الشعر حتى صلى المغرب ، ولم يعاود أبن سريج بعدها ولا تعرض له . وحكى ~~عنه أيضا أن عمر بن أبي ربيعة حج في عام من الأعوام ومعه أبن سريج ، فلما ~~رموا الجمرات تقدما الحاج إلى كثيب على خمسة أميال من مكة مشرف على طريق ~~المدينة وطريق الشام والعراق ، وهو كثيب شامخ مفرد عن الكثبان ، فصارا إليه ~~فأكلا وشربا . فلما أنتشيا أخذ أبن سريج الدف فنقره وجعل يتغنى وهم ينظرون ~~إلى الحاج . فلما أمسيا رفع أبن سريج صوته وتغنى بشعر لعمر بن أبي ربيعة ، ~~فسمعه الركبان ، فجعلوا يصيحون به : يا صاحب الصوت ، أما تتقي الله قد حبست ~~الناس عن مناكسهم ، فيسكت قليلا حتى إذا مضوا رفع صوته فيقف آخرون ؛ إلى أن ~~وقف عليه في الليل رجل حسن الهيئة على فرس عتيق حتى وقف بأصل الكثيب ، ثم ~~نادى : يا صاحب الصوت ، أيسهل عليك أن تردد شيئا مما سمعته منك ؟ قال : نعم ~~ونعمة عين ، فأيها تريد ؟ فأقترح صوتا فغناه . ثم قال له أبن سريج : ازدد ~~إن شئت ؛ فأقترح صوتا آخر فغناه ، فقال له : والثالث ولا أستزيدك ، فغناه ~~الثالث . وقال له أبن سريج : PageV04P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" أبقيت لك حاجة ؟ قال نعم ، تنزل لأخاطبك ؛ ~~فنزل إليه فإذا هو يزيد ابن عبد الملك ، فأعطاه حلته وخاتمه وقال : خذهما ~~ولا تخدع فيهما فإن شراءهما ألف وخمسمائة دينار ؛ فعاد أبن سريج ms0879 بهما ~~فأعطاهما لعمر بن أبي ربيعة وقال : هما بك أشبه منهما بي ، فأخذهما وعوضه ~~عنهما ثلثمائة دينار ؛ وغدا فيهما إلى المسجد ، فعرفهما الناس وجعلوا ~~يتعجبون ويسألون عمر عنهما ، فيخبرهم أن يزيد بن عبد الملك كساه ذلك . وقيل ~~: إن عمر بن عبد العزيز مر به فسمع أبن سريج وهو يغني ، فقال : لله در هذا ~~الصوت لو كان بالقرآن . قال إبراهيم بن المهدي : كان أبن سريج رجلا عاقلا ~~أديبا ، وكان يعاشر الناس بما يشتهون فلا يغنيهم بما مدح به أعداؤهم ولا ~~بما فيه عار عليهم أو غضاضة منهم . ومن أخباره ما حكاه أبو الفرج الأصبهاني ~~بإسناده ، قال : كتب الوليد بن عبد الملك إلى عامل مكة أن أشخص إلي أبن ~~سريج فأشخصه إليه . فلما قدم مكث أياما لا يدعوه ولا يلتفت إليه ، ثم ذكره ~~فأستحضره ، فدخل عليه وسلم فأذن له بالجلوس وأستدناه حتى كان قريبا منه ؛ ~~فقال : ويحك يا عبيد لقد بلغني عنك ما حملني على الوفادة بك من كثرة أدبك ~~وجودة أختيارك مع ظرف لسانك وحلاوة مجلسك . قال : جعلت فداءك يا أمير ~~المؤمنين تسمع بالمعيدي لا أن تراه ، قال الوليد : إني لأرجو ألا تكون أنت ~~ذاك ، ثم قال : هات ما عندك ؛ فأندفع يغني بشعر الأحوص : وإني إذا حلت ببيش ~~مقيمة . . . وحل بوج جالسا أو تتهما PageV04P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" يمانية شطت وأصبح نفعها . . . رجاء وظنا ~~بالمغيب مرجما أحب دنو الدار منها وقد أبى . . . بها صدع شعب الدار إلا ~~تثلما بكاها وما يدري سوى الظن ما بكى . . . أحيا يبكي أم ترابا وأعظما ~~فدعها وأخلف للخليفة مدحة . . . تزل عنك بؤسي أو تفيدك مغنما فإن بكفيه ~~مفاتيح رحمة . . . وغيث حيا يحيا به الناس مرهما إمام أتاه الملك عفوا ولم ~~يثب . . . على ملكه مالا حراما ولا دما تخيره رب العباد لخلقه . . . وليا ~~وكان الله بالناس أعلما ينال الغنى والعز من نال وده . . . ويرهب موتا ~~عاجلا من تشأما فقال الوليد : أحسنت والله وأحسن الأحوص . ثم قال : يا عبيد ~~هيه فغناه بشعر عدي بن الرقاع العاملي يمدح الوليد : طار ms0880 الكرى وألم الهم ~~فأكتنعا . . . وحيل بيني وبين النوم فأمتنعا كان الشباب قناعا أستكن به . . ~~. وأستظل زمانا ثمت أنقشعا وأستبدل الرأس شيبا بعد داجية . . . فينانة ما ~~ترى في صدغها نزعا فإن تكن ميعة من باطل ذهبت . . . وأعقب الله بعد الصبوة ~~الورعا فقد أبيت أراعي الخود رابية . . . على الوسائد مسرورا بها ولعا ~~براقة الثغر يشفي القلب لذتها . . . إذا مقبلها في ريقها كرعا PageV04P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" كالأقحوان بضاحي الروض صبحه . . . غيث أرش ~~بتنضاح وما نقعا صلى الذي الصلوات الطيبات له . . . والمؤمنون إذا ما جمعوا ~~الجمعا على الذي سبق الأقوام ضاحية . . . بالأجر والحمد حتى صاحباه معا هو ~~الذي جمع الرحمن أمته . . . على يديه وكانوا قبله شيعا عدنا بذي العرش أن ~~نحيا ونفقده . . . وأن نكون لراع بعده تبعا إن الوليد أمير المؤمنين له . . ~~. ملك أعان عليك الله فارتفعا لا يمنع الله ما أعطى الذي هم . . . له عباد ~~ولا يعطون ما منعا فقال الوليد : صدقت يا عبيد ، أنى لك هذا ؟ قال : هو من ~~عند الله . قال الوليد : لو غير هذا قلت لأحسنت أدبك . قال أبن سريج : ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء قال الوليد : يزيد في الخلق ما يشاء . قال أبن سريج ~~: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر . قال الوليد : لعلمك والله أكثر ~~وأعجب إلي من غنائك غنني ؛ فغناه بشعر عدي بن الرقاع يمدح الوليد فقال : ~~عرف الديار توهما فأعتادها . . . من بعد ما شمل البلي أبلادها إلا رواسي ~~كلهن قد أصطلى . . . جمرا وأشعل أهلها إيقادها كانت رواحل للقدور فعريت . . ~~. منهن وأستلب الزمان رمادها وتنكرت كل التنكر بعدنا . . . والأرض تعرف ~~بعلها وجمادها ولرب واضحة العوارض حرة . . . كالريم قد ضربت به أوتادها ~~تصطاد بهجتها المعلل بالصبا . . . عرضا فتقصده ولن يصطادها كالظبية البكر ~~الفريدة ترتعي . . . من أرضها قفاتها وعهادها PageV04P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" خضبت لها عقد البراق جبينها . . . من عركها ~~علجانها وعرادها كالزين في وجه العروس تبذلت . . . بعد الحياء فلاعبت ~~أرآدها تزجى أغن كأن إبرة روقه . . . قلم أصاب من الدواة مدادها ركبت به من ~~عالج متحيرا . . . قفرا تريث ms0881 وحشه أولادها فترى محانيه التي تسق الثرى . . ~~. والهبر يونق نبتها روادها بانت سعاد وأخلفت ميعادها . . . وتباعدت عنا ~~لتمنع زادها إني إذا ما لم تصلني خلتي . . . وتباعدت عني أغتفرت بعادها إما ~~ترى شيبي تقشع لمتي . . . حتى علا وضح يلوح سوادها فلقد ثنيت يد الفتاة ~~وسادة . . . لي جاعلا يسرى يدي وسادها وأصاحب الجيش العرمرم فارسا . . . في ~~الخيل أشهد كرها وطرادها وقصيدة قد بت أجمع بينها . . . حتى أقوم ميلها ~~وسنادها نظر المثقف في كعوب قناته . . . حتى يقيم ثقافه منآدها فسترت عيب ~~معيشتي بتكرم . . . وأتيت في سعة النعيم سدادها وعلمت حتى ما أسائل واحدا . ~~. . عن عليم واحدة لكي أزدادها صلى الإله على أمرئ ودعته . . . وأتم نعمته ~~عليه وزادها وإذا الربيع تتابعت أنواؤه . . . فسقى خناصرة الأحص فجادها ~~PageV04P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" نزل الوليد بها فكان لأهلها . . . غيثا أغاث ~~أنيسها وبلادها أولا ترى أن البرية كلها . . . ألقت خزائمها إليه فقادها ~~ولقد أراد الله إذ ولاكها . . . من أمة إصلاحها ورشادها أعمرت أرض المسلمين ~~فأقبلت . . . وكففت عنها من يروم فسادها وأصبت في أرض العدة مصيبة . . . ~~عمت أقاصي غورها ونجادها ظفرا ونصرا ما تناول مثله . . . أحد من الخلفاء ~~كان أرادها فإذا نشرت له الثناء وجدته . . . جمع المكارم طرفها وتلادها غلب ~~المساميح الوليد سماحة . . . وكفى قريش المعضلات وسادها تأتيه أسلاب الاعزة ~~عنوة . . . قسرا ويجمع للحروب عتادها وإذا رأى نار العدو تضرمت . . . سامي ~~جماعة أهلها فأقتادها بعرمرم تبدو الروابي ذي وعى . . . كالحرة أحتمل الضحى ~~أطوادها أطفأت نارا للحروب وأوقدت . . . نار قدحت براحتيك زنادها فبدت ~~بصيرتها لمن يبغي الهدى . . . وأصاب حر شديدها حسادها وإذا غدا يوما بنفحة ~~نائل . . . عرضت له الغد مثلها فأعادها وإذا عدت خيل تبادر غاية . . . ~~فالسابق الجالي يقود جيادها فأشار الوليد إلى بعض الخدم فغطوه بالخلع ، ~~ووضعوا بين يديه كيس الدنانير وبدر الدراهم ، ثم قال الوليد : يا مولى بني ~~نوفل بن الحارث لقد أوتيت أمرا جليلا فقال أبن سريج : وأنت يا أمير ~~المؤمنين لقد آتاك الله ملكا عظيما وشرفا عاليا PageV04P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" وعزا بسط يدك فيه فلم يقبضه عنك ms0882 ولا يفعل إن ~~شاء الله ، فأدام الله لك ما ولاك وحفظك فيما أسترعاك ، فإنك أهل لما أعطاك ~~، ولا ينزعه منك إذ رآك له موضعا . قال : يا نوفلي ، وخطيب أيضا قال أبن ~~سريج : عنك نطقت ، وبلسانك تكلمت ، وبعزك بينت ، وكان قد أمر بإحضار الأحوص ~~بن محمد الأنصاري وعدي بن الرقاع العاملي ، فلما قدما عليه أمر بإنزالهما ~~حيث أبن سريج فأنزلا منزلا بجوار منزله . فقالا : والله لقرب أمير المؤمنين ~~كان أحب إلينا من قربك يا مولى بني نوفل ، وإن في قربك لما يلذنا ويشغلنا ~~عن كثير مما نريد . فقال لهما أبن سريج : أو قلة شكر فقال له عدي : كأنك يا ~~بن اللخناء تمن علينا ، علي وعلي إن جمعنا وإياك سقف بيت أو صحن دار عند ~~أمير المؤمنين ، فقال الأحوص : أولا تحتمل لأبي يحيى الزلة والهفوة ، ~~وكفارة يمين خير من لجاج في غير منفعة . فتحول عدي وبقي الأحوص . وبلغ ~~الوليد ما جرى بينهم ، فدعا أبن سريج فأدخله بيتا وأرخى دونه سترا ثم أمره ~~إذا فرغ الأحوص وعدي من كلمتيهما أن يغني ، فلما دخلا وأنشداه مدائح لهما ~~فيه ، رفع أبن سريج صوته من حيث لا يرونه وضرب بعود . فقال عدي : يا أمير ~~المؤمنين ، أتأذن لي أن أتكلم ؟ قال : قل يا عاملي ، قال : مثل هذا عند ~~أمير المؤمنين ويبعث إلى أبن سريج يتخطى رقاب قريش والعرب من تهامة إلى ~~الشام ترفعه أرض وتخفضه أخرى ليسمع غناءه قال : ويحك يا عدي أولا تعرف هذا ~~الصوت ؟ قال : لا والله ما سمعته قط ولا سمعت مثله ، ولولا أنه في مجلس ~~أمير المؤمنين لقلت طائفة من الجن يتغنون ، فقال : أخرج عليهم ، فخرج فإذا ~~أبن سريج . فقال عدي : حق لهذا أن يحمل حق لهذا أن يحمل ثلاثا ، ثم أمر ~~لهما بمثل ما أمر به لأبن سريج وأرتحل القوم . وروى أبو الفرج أيضا عن سهل ~~بن بركة وكان يحمل عود أبن سريج قال : كان على مكة نافع بن علقمة الكناني ~~فشدد في الغناء والمغنين والنبيذ ونادى في المخنثين . فخرج فتية من ms0883 قريش ~~إلى بطن محسر وبعثوا برسول لهم ، فجاءهم براوية من شراب الطائف ، فلما ~~شربوا وطربوا قالوا : لو كان معنا أبن سريج تم سرورنا ، فقلت : هو علي لكم ~~، فقال لي بعضهم : دونك هذه البغلة فاركبها وأمض إليه ، فأتيته فأخبرته ~~بمكان القوم وطلبهم إياه ؛ فقال لي : ويحك وكيف لي بذلك مع PageV04P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" شدة السلطان في الغناء وندائه فيه . فقلت له ~~: أتردهم ؟ قال : لا والله فكيف لي بالعود ؛ فقلت : أنا أخبؤه لك فشأنك . ~~فركب وسترت العود فأردفني . فلما كنا ببعض الطريق إذا بنافع بن علقمة قد ~~أقبل ؛ فقال لي : يا أبن بركة ، هذا الأمير . فقلت له : لا بأس عليك أرسل ~~عنان البغلة وأمض ولا تخف ، ففعل . فلما حاذيناه عرفني ولم يعرف أبن سريج ، ~~فقال لي . يا أبن بركة ، من هذا أمامك ؟ قلت : من ينبغي أن يكون هذا أبن ~~سريج ؛ فتبسم ثم تمثل : فإن تنج منها يا أبان مسلما . . . فقد أفلت الحجاج ~~خيل شبيب ثم مضى ومضينا . فلما كنا قريبا من القوم نزل إلى شجرة يستريح . ~~فقلت له : غنني مرتجلا ؛ فرفع صوته فخيل إلي أن الشجرة تنطق معه ، فغنى ~~وقال : كيف الثواء ببطن مكة بعدما . . . هم الذين تحب بالإنجاد أم كيف قلبك ~~إذ ثويت مخمرا . . . سقما خلافهم وكربك بادي هل أنت إن ظعن الأحبة غادى . . ~~. أم قبل ذلك مدلج بسواد قال : فقلت : أحسنت والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ~~ولو أن كنانة كلها سمعتك لأستحسنتك ، فكيف بنافع بن علقمة المغرور من غره ~~نافع . ثم قلت : زدني وإن كان القوم متعلقة قلوبهم بك ؛ فغنى وتناول عودا ~~من الشجرة فوقع به على الشجرة ؛ فكان صوت الشجرة أحسن من خفق بطون الضأن ~~على العيدان إذا أخذتها عيدان الدملى ، وغنى : لا تجمعي هجرا علي وغربة . . ~~. فالهجر في تلف المحب سريع من ذا فديتك يستطيع لحبه . . . دفعا إذا أشتملت ~~عليه ضلوع PageV04P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" فقلت : بنفسي أنت والله ، من لا يكل ولا يمل ~~والله ما جهل من فهمك ، اركب بنا فدتك نفسي . قال : أمهلني كما أمهلتك أقض ~~بعض ms0884 شأني . فقلت : وهل عما تريد مدفع . فقام فصلى ركعتين ثم ضرب بيده إلى ~~الشجرة وقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله . ثم مضينا ~~والقوم مستشرفون . فلما دنونا منهم إذا الغريض يغنيهم : من خيل حي لا تزال ~~مغيرة . . . سمعت على شرف صحيل حصان فبكى أبن سريج حتى ظننت أن نفسه قد ~~خرجت . فقلت : ما يبكيك يا أبا يحيى ؟ جعلت فداك لا يسوءك الله ولا يريك ~~سوءا قال : أبكاني هذا المهنث بحسن غنائه وشجا صوته ، والله ما ينبغي لأحد ~~أن يغني وهذا الصبي حي ؛ ثم نزل وأستراح وركب . فلما سرنا هنيهة أندفع ~~الغريض يغني لهم بلحنه : يا خليلي قد مللت ثوائي . . . بالمصلى وقد سئمت ~~البقيعا بلغاني ديار هند وسعدى . . . وأرجعاني فقد هويت الرجوعا قال : ~~ولصوته دوي في تلك الجبال . فقال أبن سريج : يا أبن بركة ، أسمعت مثل هذا ~~الغناء قط ؟ قال : ونظروا إلينا فأقبلوا نشاوى يسحبون أعطافهم وجعلوا ~~يقبلون وجه أبن سريج . فنزل فأقام عندهم ثلاثا ، والغريض لا ينطق بحرف ، ~~وأخذوا في شرابهم وقالوا : يا حبيب النفس وشقيقها ، أعطها بعض شأنها . فضرب ~~بيده إلى جيبه فأخرج منه مضرابا ثم أخذه بيده ووضع العود في حجره فما رأيت ~~يدا أحسن من يده ولا خشبة تخيلت لي أنها جوهرة إلا هي ثم ضرب فلقد ضج القوم ~~جميعا ؛ ثم غنى فكل قال : لبيك لبيك فكان مما غنى به واللحن له هزج : لبيك ~~يا سيدتي . . . لبيك ألفا عددا لبيك من ظالمة . . . أحببتها مجتهدا قومي ~~إلى ملعبنا . . . نحك الجواري الخردا وضع يد فوق يد . . . نرفعها يدا يدا ~~PageV04P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" فكل قال : نفعل ذاك ؛ فلقد رأيتنا نستبق أينا ~~تقع يده على يده . ثم غنى : ما هاج شوقك بالصرائم . . . ربع أحال لآل عاصم ~~ربع تقادم عهده . . . هاج المحب على التقادم فيه النواعم والشبا . . . ب ~~الناعمون مع النواعم من كل واضحة الجبي . . . ن عميمة ريا المعاصم ثم غنى ~~بقوله : شجاني مغاني الحي وأنشقت العصا . . . وصاح غربا البين أنت مريض ~~ففاضت دموعي عند ذاك صبابة . . . وفيهن ms0885 خود كالمهاة غضيض ووليت محزون ~~الفؤاد مروعا . . . كئيبا ودمعي في الرداء يفيض قال : فلقد رأيت جماعة من ~~الطير وقعن بقربنا وما نحس من قبل ذلك منها شيئا . فقالت الجماعة : يا تمام ~~السرور وكمال المجالس ، لقد سعد من أخذ بحظه منك وخاب من حرمك ، يا حياة ~~القلوب ونسيم النفوس جعلنا الله فداءك ، غننا . فغنى : يا هند إنك لو علم . ~~. . ت بعاذلين تتابعا قال : فبدرت من بينهم فقبلت عينيه ، فتهافت القوم ~~عليه يقبلونه ، ولقد رأيتني وأنا أرفعهم عنه شفقة عليه . PageV04P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" وكانت وفاة أبن سريج بالعلة التي أصابته من ~~الجذام بمكة في خلافة سليمان ابن عبد الملك أو في خلافة الوليد ، ودفن في ~~موضع يقال له دسم . رحمة الله عليه وعفا عنه وغفر له . والحمد لله رب ~~العالمين . حكى أنه لما أحتضر نظر إلى أبنته تبكي فبكى وقال : إنه من أكبر ~~همي أنت وأخشى أن تضيعي بعدي . فقالت : لا تخف فما غنيت شيئا إلا وأنا ~~أغنيه . فقال : هاتي ، فأندفعت فغنت وهو مصغ إليها . فقال : قد أصبت ما في ~~نفسي وهونت علي أمرك . ثم دعا سعيد بن مسعود الهذلي فزوجه إياها ؛ فأخذ ~~أكثر غناء أبيها وأنتحله . ذكر أخبار معبد هو معبد بن وهب ، وقيل : أبن ~~قطني مولى أبن قطن ؛ وقيل : إن قطنا مولى العاص بن واقصة المخزومي ، وقيل : ~~مولى معاوية بن أبي سفيان . غنى معبد في أيام بني أمية في أوائلها ، ومات ~~في أيام الوليد بن يزيد بدمشق . قال أبو الفرج الأصفهاني : إنه لما مات ~~خرجت سلامة جارية الوليد بن يزيد بن عبد الملك وأخذت بعمود السرير والناس ~~ينظرون إليها وهي تندبه وتقول شعر الأحوص : قد لعمري بت ليلي . . . كأخي ~~الداء الوجيع ونجى الهم مني . . . بات أدنى من نجيعي كلما أبصرت ربعا . . . ~~خاليا فاضت دموعي قد خلا من سيد كا . . . ن لنا غير مضيع لا تلمنا إن خشعنا ~~. . . أو هممنا بخشوع PageV04P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" وكان معبد قد علمها هذا الصوت فندبته به . ~~قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي : كان معبد من أحسن ms0886 الناس غناء ، وأجودهم ~~صنعة ، وأحسنهم حلقا ؛ وهو إمام أهل المدينة في الغناء ، وأخذ عن سائب خاثر ~~ونشيط الفارسي مولى عبد الله بن جعفر ، وعن جميلة مولاة بهز بطن من بني ~~سليم . وفي معبد يقول الشاعر : أجاد طويس والسريجي بعده . . . وما قصبات ~~السبق إلا لمعبد وحكى أبو الفرج أيضا : أن الوليد بن يزيد أشتاق إلى معبد ، ~~فوجه إليه البريد إلى المدينة فأحضره . فلما بلغ الوليد قدومه أمر ببركة ~~ملئت ماء ورد وخلط بمسك وزعفران ، ثم جلس الوليد على حافة البركة وفرش ~~لمعبد مقابله وضرب بينهما ستر ليس معهما ثالث . وجيء بمعبد فقيل له : سلم ~~على أمير المؤمنين وأجلس في هذا الموضع ؛ فسلم فرد عليه من خلف السجف ، ثم ~~قال له : أتدري لم وجهت إليك ؟ قال : الله أعلم وأمير المؤمنين . قال : ~~ذكرتك فأحببت أن أسمع منك . فقال له معبد : أأغني ما حضر أو ما يقترحه أمير ~~المؤمنين ؟ قال : بل غن : ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم . . . حتى تفانوا ~~وريب الدهر عداء فغناه . فرفع الجواري السجف ، ثم خرج الوليد فألقى نفسه في ~~البركة فغاص فيها ، ثم خرج منها ، فأستقبله الجواري بثياب غير الثياب التي ~~كانت عليه ، ثم شرب وسقى معبدا ثم قال له : غنني يا معبد : يا ربع مالك لا ~~تجيب متيما . . . قد عاج نحوك زائرا ومسلما جادتك كل سحابة هطالة . . . حتى ~~ترى عن زهرة متبسما لو كنت تدري من دعاك أجبته . . . وبكيت من حرق عليه إذا ~~دما PageV04P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" قال : فغناه . وأقبل الجواري فرفعن الستر ، ~~وخرج الوليد فألقى نفسه في البركة فغاص فيها ثم خرج ، فلبس ثيابا غير تلك ~~الثياب ، ثم شرب وسقى معبدا وقال له : غنني يا معبد : عجبت لما رأتني . . . ~~أندب الربع المحيلا واقفا في الدار أبكي . . . لا أرى إلا الطلولا كيف تبكي ~~لأناس . . . لا ميلون الذميلا كلما قلت أطمأنت . . . دارهم جدوا الرحيلا ~~قال : فلما غناه ألقى نفسه في البركة ثم خرج فردوا عليه ثيابه ، ثم شرب ~~وسقى معبدا وقال له : يا معبد ، من أراد أن يزداد حظوة عند ms0887 الملوك فليكتم ~~أسرارهم . فقال : ذلك مما لا يحتاج أمير المؤمنين إلى إيصائي به . فقال ~~الوليد : يا غلام أحمل إلى معبد عشرة آلاف دينار تحصل له في بلده وألفي ~~دينار لنفقة طريقه ؛ فحملت إليه كلها ، وحمل على البريد من وقته إلى ~~المدينة . وقد قيل : إنه أعطاه في ذلك المجلس خمسة عشر ألف دينار . وقال ~~أبو الفرج بسند رفعه : إن معبدا كان قد علم جارية من جواري الحجاز الغناء ~~تدعى طيبة وعنى بتخريجها ؛ فأشتراها رجل من أهل العراق وأخرجها إلى البصرة ~~وباعها هناك ، فأشتراها رجل من أهل الأهواز فأعجب بها وذهبت به كل مذهب ~~وغلبت عليه ، ثم ماتت بعد أن أقامت عنده برهة من الزمان ؛ فأخذ جواريه أكثر ~~غنائها عنها . فكان لمحبته إياها وأسفه عليها لا يزال يسأل عن أخبار معبد ~~وأين مستقره ، ويظهر التعصب له والميل إليه والتقديم لغنائه على سائر ~~الأغاني من أهل عصره ، إلى أن عرف ذلك منه وبلغ معبدا خبره . فخرج من مكة ~~حتى أتى البصرة ؛ فلما وردها صادف الرجل قد خرج عنها في ذلك الوقت واليوم ~~إلى الأهواز . فجاء معبد في طلب سفينة تحمله إلى الأهواز ، فلم يجد غير ~~سفينة الرجل ، فركب فيها وكلاهما لا يعرف الآخر ؛ وأنحدرت السفينة . فلما ~~صاروا بفم نهر الأبلة ، أمر الرجل جواريه بالغناء فغنين ، إلى أن غنت ~~PageV04P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" إحداهن صوتا من غناء معبد فلم تجد أداءه ؛ ~~فصاح بها معبد : يا جارية ، إن غناءك هذا ليس بمستقيم . فقال مولاها وقد ~~غضب : وأنت ما يدريك الغناء ما هو ألا تمسك وتلزم شأنك فأمسك . ثم غنت ~~أصواتا من غناء غيره وهو ساكت لا يتكلم حتى غنت من غنائه فأخلت ببعضه ؛ ~~فقال لها معبد : يا جارية ، قد أخللت بهذا الصوت إخلالا كثيرا . فغضب الرجل ~~وقال له : ويلك ما أنت والغناء ألا تكف عن هذا الفضول فأمسك معبد . وغنى ~~الجواري مليا ؛ ثم غنت إحداهن صوتا من غنائه فلم تصنع فيه شيئا . فقال لها ~~معبد : يا هذه ، أما تقومين على أداء صوت واحد فغضب الرجل وقال ms0888 له : ما ~~أراك تدع هذا الفضول بوجه ولا حيلة فأقسم بالله إن عاودت لأخرجنك من ~~السفينة . فأمسك معبد ، حتى سكتت الجواري سكتة ، فاندفع يغني الصوت الأول ~~حتى فرغ منه . فصاح الجواري : أحسنت والله يا رجل ، فأعده . قال : لا والله ~~ولا كرامة . ثم أندفع يغني الثاني ؛ فقلن لسيدهن : ويحك هذا والله أحسن ~~الناس غناء ، فسله أن يعيده علينا ولو مرة واحدة لعلنا نأخذه منه ، فإنه إن ~~فاتنا لم نجد مثله أبدا . قال : قد سمعتن سوء رده عليكن وأنا خائف مثله منه ~~، وقد أستقبلناه بالإساءة ، فأصبر ، حتى نداريه . قال : ثم غنى الثالث ~~فزلزل عليهم الأرض . فوثب الرجل فقبل رأسه ، وقال : يا سيدي أخطانا عليك ~~ولم نعرف موضعك . فقال له : وهبك لم تعرف موضعي ، قد كان ينبغي لك أن تتثبت ~~ولا تسرع إلى سوء العشرة وجفاء القول . فلم يزل يرفق به حتى نزل إليه ، ~~وكان معبد قد أجلس في مؤخر السفينة . فقال له الرجل : ممن أخذت هذا الغناء ~~؟ قال : من بعض أهل الحجاز ، فمن أين أخذه جواريك ؟ قال : أخذنه من جارية ~~كانت لي ، كانت قد أخذت الغناء عن أبي عباد معبد وكانت تحل مني مكان الروح ~~من الجسد ، ثم أستأثر الله بها وبقي هؤلاء الجواري وهن من تعليمها ، فأنا ~~إلى الآن أتعصب لمعبد وأفضله على المغنين جميعا ، وأفضل صنعته على كل صنعة ~~. فقال له معبد : وإنك لأنت هو أفتعرفني ؟ قال لا . قال : فصك معبد بيده ~~صلعته ثم قال : فأنا والله معبد وإليك قدمت من الحجاز ووافيت البصرة ساعة ~~نزلت السفينة لأقصدك بالأهواز ، ووالله لا قصرت في جواريك هؤلاء ولأجعلن لك ~~في كل واحدة خلفا من الماضية . فأكب الرجل والجواري على يده ورجليه ~~يقبلونها ويقولون : كتمتنا نفسك حتى جفوناك في PageV04P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" المخاطبة وأسأنا عشرتك وأنت سيدنا ومن نتمنى ~~أن نلقاه . ثم غير الرجل أثواب معبد وخلع عليه عدة خلع وأعطاه في ذلك الوقت ~~ثلثمائة دينار وطيبا وهدايا مثلها ، وأنحدر معه إلى الأهواز فأقام عنده حتى ~~رضي حذق جواريه ، ثم ودعه وأنصرف إلى ms0889 الحجاز . ذكر أخبار الغريض وما يتصل ~~بها من أخبار عائشة بنت طلحة هو عبد الملك ، وكنيته أبو زيد ، وقيل : أبو ~~مروان ، والغريض لقب لقب به ؛ لأنه كان طري الوجه نضرا غض الشباب حسن ~~المنظر ، فلقب بذلك . والغريض : الطري من كل شيء . وقال أبن الكلبي : شبه ~~بالإغريض وهو الجمار ثم ثقل ذلك على الألسنة فحذفت الألف فقيل : الغريض . ~~وهو من مولدي البربر . وولاؤه للثريا صاحبة عمر بن أبي ربيعة وأخواتها ~~الرضيا وقريبة وأم عثمان بنات علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر . ~~قالوا : وكان يضرب بالعود وينقر بالدف ويوقع بالقضيب . وكان قبل الغناء ~~خياطا . وأخذ الغناء في أول أمره عن عبيد بن سريج ، لأنه كان قد خدمه ؛ ~~فلما رأى أبن سريج طبعه وظرفه وحلاوة منطقه ، خشى أن يأخذ غناءه فيغلبه ~~عليه ويفوقه بحسن وجهه ، وحسده ، فأعتل عليه وشكاه إلى مولياته ، وكن دفعنه ~~إليه ليعلمه الغناء ، وجعل يتجنى عليه ثم طرده . فعرف مولياته غرض أبن سريج ~~فيه وأنه حسده ؛ فقلن له : هل لك أن تسمع نوحنا على قتلانا فتأخذه وتغني ~~عليه ؟ قال نعم . فأسمعنه المراثي فأحتذاها وخرج غناءه عليها . وكان ينوح ~~مع ذلك فيدخل المأتم وتضرب دونه الحجب ثم ينوح فيفتن كل من سمعه . فلما كثر ~~غناؤه عدل الناس إليه لما كان فيه من الشجا ؛ فكان أبن سريج لا يغني صوتا ~~إلا عارضه فيه فيغني فيه لحنا آخر . فلما رأى أبن سريج موقع الغريض اشتد ~~عليه وحسده ، فغنى الأرمال والأهزاج ، فأشتهاها الناس . فقال له الغريض : ~~يا أبا يحيى قصرت الغناء وحذفته . قال : نعم يا مخنث حين جعلت تنوح على ~~أبيك وأمك . قال : ولم يفضل أبن سريج عليه إلا بالسبق ، وأما غير ذلك فلا . ~~PageV04P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" وقال بعضهم : كان الغريض أشجى غناء ، وأبن ~~سريج أحكم صنعة . وحكى أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه إلى أيوب بن عباية عن ~~مولى لآل الغريض قال : حدثني بعض مولياتي وقد ذكرن الغريض فترحمن عليه وقلن ~~: جاءنا يوما فحدثنا بحديث أنكرناه عليه ثم عرفناه بعد ذلك ms0890 حقيقة . قالت : ~~وكان أبن سريج بجوارنا فدفعناه إليه ولقن الغناء ، وكان من أحسن الناس صوتا ~~، ففتن أهل مكة بحسن وجهه مع حسن صوته . فلما رأى ذلك أبن سريج نحاه عنه . ~~فكان بعض مولياته تعلمه النياحة فبرز فيها . فجاءني يوما فقال : نهتني الجن ~~أن أنوح وأسمعتني صوتا عجيبا ، فقد أبتنيت عليه لحنا فأسمعيه مني ، فأندفع ~~فغنى بصوت عجيب في شعر لمرار الأسدي : حلفت لها بالله ما بين ذي الغضا . . ~~. وهضب القنان من عوان ومن بكر أحب إلينا منك دلا وما نرى . . . به عند ~~ليلى من ثواب ولا أجر قالت : فكذبناه وقلنا : شيء فكر فيه وأخرجه على هذا ~~الجنس . فكان في كل يوم يأتينا فيقول : سمعت البارحة صوتا من الجن بترجيع ~~وتقطيع ، فقد بنيت عليه صوت كذا وكذا بشعر فلان ، فلم يزل على ذلك ونحن ~~ننكر عليه . فإنا لكذلك ليلة وقد أجتمع جماعة من نساء أهل مكة في جمع لنا ~~سمرنا فيه ليلتنا والغريض يغنينا بشعر عمر بن أبي ربيعة حيث يقول : أمن آل ~~زينب جد البكور . . . نعم فلأي هواها تصير إذ سمعنا في بعض الليل عزيفا ~~عجيبا وأصواتا ذعرتنا وأفزعتنا . فقال لنا الغريض : إن في هذه الأصوات صوتا ~~إذا نمت سمعته وأصبح أبني عليه غنائي ؛ فأصغينا إليه فإذا نغمته نغمة ~~الغريض بعينها ، فصدقناه تلك الليلة . وكانت وفاة الغريض باليمن في خلافة ~~سليمان بن عبد الملك أو عمر بن عبد العزيز ، وكان قد هرب من نافع بن علقمة ~~لما ولي مكة من مكة إلى اليمن وأستوطنها ومات بها . PageV04P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" وللغريض أخبار مستظرفة وحكايات مستحسنة قد ~~رأينا أن نثبت في هذا الموضع ما سنقف عليه إن شاء الله تعالى . فمن ذلك ما ~~حكاه أبو الفرج الأصبهاني في كتابه المترجم بالأغاني في أخبار الحارث بن ~~خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي ، بعد أن ساق قطعة من أخباره مع ~~عائشة بنت طلحة بن عبيد الله ، وأنه كان يهواها ويشبب بها في شعره ، ثم قال ~~في أثناء ذلك : لما قدمت عائشة بنت ms0891 طلحة مكة أرسل إليها الحارث وهو أمير ~~مكة يومئذ ، وكان وليها من قبل عبد الملك بن مروان ، فأرسل إليها : إني ~~أريد السلام عليك ؛ فإذا خف ذلك عليك أذنت ، وكان الرسول الغريض . فأرسلت ~~إليه : إنا حرم ، فإذا أحللنا أذناك . فلما أحلت خرجت سرا على بغلتها ، ~~ولحقها الغريض بعسفان أو قريب منه ومعه كتاب الحارث إليها ، وفيه : ما ضركم ~~لو قلتم سددا . . . إن المطايا عاجل غدها ولها علينا نعمة سلفت . . . لسنا ~~على الأيام نجحدها لو أتممت أسباب نعمتها . . . تمت بذلك عندنا يدها فلما ~~قرأت الكتاب قالت : ما يدع الحارث باطله . ثم قالت للغريض : هل أحدثت شيئا ~~؟ قال : نعم فأسمعي ، ثم أندفع يغني في هذا الشعر . فقالت عائشة : والله ما ~~قلنا إلا سددا ولا أردنا إلا أن نشتري لسانه ؛ وأتسحسنت الشعر ، وأمرت ~~للغريض بخمسة آلاف درهم وأثواب ، وقالت : زدني . فغنى في قول الحارث أيضا ~~حيث يقول : زعموا بأن البين بعد غد . . . فالقلب مما أحدثوا يجف والعين منذ ~~أجد بينهم . . . مثل الجمان دموعها تكف نشكو وتشكو ما أشت بنا . . . كل ~~بوشك البين معترف ومقالها ودموعها سجم . . . أقلل حنينك حين تنصرف ~~PageV04P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" فقالت عائشة : يا غريض ، بحقي عليك أهو أمرك ~~أن تغنيني في هذا الشعر ؟ قال : لا وحياتك يا سيدتي ؛ فأمرت له بخمسة آلاف ~~درهم ، ثم قالت : غنني في غير شعره ؛ فغناها بشعر عمر بن أبي ربيعة وكان ~~عمر قد سأله ذلك فقال : أجمعت خلتي مع الهجر بينا . . . جلل الله ذلك الوجه ~~زينا أجمعت بينها ولم نك منها . . . لذة العيش والشباب قضينا فتولت حمولها ~~وأستقلت . . . لم تنل طائلا ولم تقض دينا ولقد قلت يوم مكة لما . . . أرسلت ~~تقرأ السلام علينا أنعم الله بالرسول الذي أر . . . سل والمرسل الرسالة ~~عينا قال : فضحكت ثم قالت : وأنت يا غريض فأنعم الله بك عينا وأنعم بأبن ~~أبي ربيعة عينا ، لقد تلطفت حتى أديت إينا رسالته ، وإن وفاءك له لمما ~~يزيدنا رغبة فيك وثقة بك . وكان عمر سأل الغريض أن يغنيها بشعره هذا لأنه ~~كان قد ترك ذكرها ms0892 لما غضبت بنو تيم من ذلك ، فلم يحب التصريح بها وكره ~~إغفار ذكرها . فقال له عمر بن أبي ربيعة : إن أبلغتها هذه الأبيات في غناء ~~فلك خمسة آلاف درهم ، فوفي له ، وأمرت له عائشة بخمسة آلاف درهم . ثم أنصرف ~~الغريض من عندها ، فلقي عاتكة بنت يزيد بن معاوية أمرأة عبد الملك بن مروان ~~وقد كانت حجت في تلك السنة ؛ فقال لها جواريها : هذا الغريض . فقالت لهن : ~~علي به ؛ فجئن به إليها . قال الغريض : فلما دخلت سلمت فردت علي وسألتني عن ~~الخبر ، فقصصته عليها . فقالت : غنني بما غنيتها به ، ففعلت ؛ فلم أرها تهش ~~لذلك ؛ فغنيتها معرضا ومذكرا بنفسي في شعر مرة بن محكان السعدي يخاطب ~~أمرأته وقد نزل به أضياف : أقول والضيف مخشي ذمامته . . . على الكريم وحق ~~الضيف قد وجبا يا ربة البيت قومي غير صاغرة . . . ضمي إليك رحال القوم ~~والقربا في ليلة من جمادى ذات أندية . . . لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا ~~لا ينبح الكلب فيها غير واحدة . . . حتى يلف على خيشومه الذنبا ~~PageV04P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" فقالت وهي مبتسمة : نعم وقد وجب حقك يا غريض ~~، فغنني ؛ فغنيتها : يا دهر قد أكثرت فجعتنا . . . بسراتنا ووقرت في العظم ~~وسلبتنا ما لست مخلفه . . . يا دهر ما أنصفت في الحكم لو كان لي قرن أناضله ~~. . . ما طاش عند حفيظة سهمي لو كان يعطى النصف قلت له . . . أحرزت قسمك ~~فاله عن قسمي فقالت : نعطيك النصف فلا يضيع سهمك عندنا ونجزل لك قسمك ، ~~وأمرت له بخمسة آلاف درهم وثياب عدنية وغير ذلك من الألطاف . قال الغريض : ~~فأتيت الحارث بن خالد فأخبرته الخبر وقصصت عليه القصة ؛ فأمر لي بمثل ما ~~أمرتا لي جميعا ؛ وأتيت أبن أبي ربيعة فأعلمته بما جرى ، فأمر لي بمثل ذلك ~~. فما أنصرف أحد من ذلك الموسم بمثل ما أنصرفت به : نظرة من عائشة ، ونظرة ~~من عاتكة وهما أجمل نساء عالمهما وبما أمرتا لي به ، والمنزلة عند الحارث ~~وهو أمير مكة وأبن أبي ربيعة وما أجازاني به جميعا من المال . ولنصل هذا ~~الفصل بشيء ms0893 من أخبار عائشة بنت طلحة ؛ لأن الشيء بالشيء يذكر . هي عائشة ~~بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم . ~~وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وكانت عائشة لا تستر ~~وجهها من أحد . فعاتبها مصعب في ذلك فقالت : إن الله تبارك وتعالى وسمني ~~بميسم جمال أحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضلي عليهم فما كنت لأسترهن ووالله ~~ما في وصمة يقدر أن يذكرني بها أحد . قال أبو الفرج الأصبهاني : وكانت شرسة ~~الخلق ، وكذلك نساء بني تيم ، هن أشرس خلق الله خلقا وأحظاهن عند أزواجهن . ~~قال : وآلت عائشة من PageV04P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" زوجها مصعب بن الزبير ، فقالت : أنت علي كظهر ~~أمي ، وقعدت في غرفة وهيأت ما يصلحها . فجهد مصعب أن تكلمه فأبت . فعبث ~~إليها أبن قيس الرقيات فسألها كلامه . فقالت : كيف بيميني ؟ فقال : ها هنا ~~الشعبي فقيه أهل العراق فأستفتيه . فدخل الشعبي عليها فأخبرته ؛ فقال : ليس ~~هذا بشيء ؛ فأمرت له بأربعة آلاف درهم . وحكى أبو الفرج أن مصعب بن الزبير ~~لما عزم على زواج عائشة بنت طلحة ، جاء هو وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ~~بكر الصديق وسعيد بن العاص إلى عزة الميلاء وكانت عزة هذه يألفها الأشراف ~~وغيرهم من أهل المروءات ، وكانت من أظرف الناس وأعلمهم بأمور النساء فقالوا ~~لها : إنا خطبنا فأنظري لنا . فقالت لمصعب : يا أبن أبي عبد الله ، ومن ~~خطبت ؟ قال : عائشة بنت طلحة . قالت : فأنت يا أبن أبي أحيحة ؟ قال : عائشة ~~بنت عثمان بن عفان . قالت : فأنت يا أبن الصديق ؟ قال : أم الهيثم بنت ~~زكريا بن طلحة . فقالت : يا جارية ، هاتي منقلي تعني خفيا ، فلبستهما وخرجت ~~ومعها خادم لها ، فبدأت بعائشة بنت طلحة ، فقالت : فديتك ، كنا في مأدبة أو ~~مأتم لقريش ، فتذاكروا جمال النساء وخلقهن فذكروك فلم أدر كيف أصفك ، فديتك ~~، فألقي ثيابك ؛ ففعلت فأقبلت وأدبرت فأريج كل شيء منها . فقالت لها عزة : ~~خذي ثوبك . فقالت عائشة : قد قضيت حاجتك وبقيت حاجتي . فقالت عزة ms0894 : وما هي ~~؟ فديتك قالت : تغنيني صوتا . فأندفعت تغني لحنها في شعر لجميل بن عبد الله ~~بن معمر العذري : خليلي عوجا بالمحلة من جمل . . . وأترابها بين الأصيفر ~~فالحبل نقف بمغان قد عفا رسمها البلي . . . تعاقبها الأيام بالريح والوبل ~~PageV04P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" فلو درج النمل الصغار بجلدها . . . لأندب ~~أعلى جلدها مدرج النمل وأحسن خلق الله جيدا ومقلة . . . تشبه في النسوان ~~بالشادن الطفل فقبلت عائشة ما بين عينيها ودعت لها بعشرة أثواب وطرائف من ~~أنواع الفضة ، فدفعته إلى مولاتها . وأتت النسوة على مثل ذلك تقول ذلك لهن ~~. ثم اتت القوم في السقيفة . فقالوا : ما صنعت ؟ فقالت : يا أبن أبي عبد ~~الله ، أما عائشة فلا والله ما رأيت مثلها مقبلة ولا مدبرة ، محطوطة ~~المتنين ، عظيمة العجيزة ، ممتلئة الترائب ، نقية الثغر وصفحة الوجه ، ~~فرعاء الشعر ، ممتلئة الصدر ، خميصة البطن ذات عكن ، ضخمة السرة ، مسرولة ~~الساق ، يريج ما بين أعلاها إلى قدميها ؛ وفيها عيبان ، أما أحدهما فيواريه ~~الخمار ، وأما الآخر فيواريه الخف : عظم الأذن والقدم . وكانت عائشة بنت ~~طلحة كذلك . ثم قالت عزة : وأما أنت يا أبن أبي أحيحة فإني والله ما رأيت ~~مثل خلق عائشة بنت عثمان لأمرأة قط ليس فيها عيب والله لكأنما أفرغت إفراغا ~~ولكن في الوجه ردة ، وإن أستشرتني أشرت عليك . قال : هات . قالت : عليك ~~بوجه تستأنس به . وأما أنت يا أبن الصديق : فوالله ما رأيت مثل أم الهيثم ، ~~كأنها خوط بانة تنثني ، أو كأنها جان يتثنى على رمل ، لو شئت أن تعقد ~~طرفيها لفعلت ، ولكنها شختة الصدر وأنت عريض الصدر ، فإذا كان كذلك كان ~~قبيحا ، لا والله حتى يملأ كل شيء مثله . قال : فوصلها الرجال والنساء ~~وتزوجوهن . وحكى أبو الفرج أيضا : أن مصعب بن الزبير إنما تزوجها بعد عبد ~~الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر . وقال : وكانت عائشة بنت طلحة تشبه بخالتها ~~عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، فزوجتها عائشة من أبن أخيها عبد الله بن ~~عبد الرحمن بن أبي بكر ، وهو أول من تزوجها . ولم تلد عائشة بنت طلحة ms0895 من ~~أحد من أزواجها PageV04P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" غيره ، ولدت له عمران وبه كانت تكنى ، وعبد ~~الرحمن وأبا بكر وطلحة ونفيسة ، ولكل من هؤلاء عقب . وأنا من عقب طلحة بن ~~عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر من ولده ليث ابن طلحة . وليس هذا موضع ~~سرد نسبي فأسرده . قال أبو الفرج : وصارمت عائشة بنت طلحة زوجها عبد الله ~~بن عبد الرحمن وخرجت من داره مغضبة تريد عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها . ~~فرآها أبو هريرة فسبح الله تعالى وقال : كأنها من الحور العين . فمكثت عند ~~عائشة قريبا من أربعة أشهر . وكان عبد الله قد آلى منها ؛ فأرسلت عائشة ~~إليه : إني أخاف عليك الإيلاء ؛ فضمها إليه وكان موليا منها . فقيل له : ~~طلقها ؛ فقال : يقولون طلقها لأصبح ثاويا . . . مقيما علي الهم ، أحلام ~~نائم وإن فراقي أهل بيت أحبهم . . . لهم زلفة عندي لإحدى العظائم وتوفي عبد ~~الله بعد ذلك وهي عنده ، فما فتحت فاها عليه ؛ وكانت عائشة أم المؤمنين رضي ~~الله عنها تعد هذا عليها في ذنوبها التي تعددها . ثم تزوجها بعده مصعب بن ~~الزبير ، فمهرها خمسمائة ألف درهم وأهدى لها مثل ذلك . وكانت عائشة تمتنع ~~على مصعب في غالب الأوقات . فحكى أنه دخل عليها يوما وهي نائمة ومعه ثماني ~~لؤلؤات قيمتها عشرون ألف دينار ، فأنبهها ونثر اللؤلؤ في حجرها . فقالت : ~~نومتي كانت أحب إلي من هذا اللؤلؤ . ولم تزل حالها معه على مثل ذلك حتى شكا ~~ذلك إلى كاتبه أبن أبي فروة . فقال له : أنا أكفيك هذا إن أذنت لي . قال : ~~نعم افعل ما شئت . فأتاها ليلا ومعه أسودان فأستأذن عليها . فقالت : أفي ~~مثل هذه الساعة ؟ قال نعم ؛ فأذنت له فدخل . فقال للأسودين : أحفرا ها هنا ~~بئرا . فقالت له جاريتها : وما تصنع بالبئر ؟ قال : شؤم مولاتك ، أمرني هذا ~~الظالم أن أدفنها حية ، وهو أسفك خلق الله لدم حرام . قالت عائشة : فأنظرني ~~أذهب إليه ؛ قال : هيهات لا سبيل إلى ذلك ، وقال للأسودين : أحفرا . فلما ~~رأت الجد منه بكت وقالت : يا أبن أبي فروة ms0896 ، إنك لقاتلي ما منه بد ؟ قال : ~~نعم ، وإني لأعلم أن الله عز PageV04P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" وجل سيخزيه بعدك ، ولكنه قد غضب وهو كافر ~~الغضب . قالت : وفي أي شيء غضبه ؟ قال : من أمتناعك عليه وقد ظن أنك ~~تبغضينه وتتطلعين إلى غيره ، فقد جن . فقالت : أنشدك الله إلا عاودته . قال ~~: أخاف أن يقتلني ؛ فبكت وبكى جواريها . فقال لها : قد رققت لك وحلف لها ~~إنه يغرر بنفسه ، وقال لها : فما أقول ؟ قالت : تضمن له عني أني لا أعود ~~أبدا . قال : فمالي عندك ؟ قالت : قيام بحقك ما عشت . قال : فأعطيني ~~المواثيق فأعطته . فقال للأسودين : مكانكما . أتى مصعبا فأخبره . فقال : ~~أستوثق منها بالأيمان ؛ فأستوثق منها ففعلت ، وصلحت بعد ذلك لمصعب . قال : ~~وكان مصعب من أشد الناس إعجابا بها . ولم يكن لها شبيه في زمانها حسنا ~~وديانة وجمالا وهيئة وشارة وعفة ، وإنها دعت يوما نسوة من قريش ، فلما ~~جئنها أجلستهن في مجلس قد نضد فيه الريحان والفواكه والطيب والمجامر ، ~~وخلعت على كل أمرأة منهن خلعة من الوشي والحز ونحو ذلك ، ودعت عزة الميلاء ~~ففعلت بها مثل ذلك وأضعفته ؛ ثم قالت لعزة : هات يا عزة فغنينا . فغنتهن في ~~شعر أمرئ القيس فقالت : وثغر أغر شنيب اللثات . . . لذيذ المقبل والمبتسم ~~وما ذقته غير ظن به . . . وبالظن يقضي عليك الحكم وكان مصعب قريبا منهن ~~ومعه إخوان له ، فقام فأنتقل حتى دنا منهن والستور مسبلة ، فصاح بها : يا ~~هذه ، إنا قد ذقناه فوجدناه على ما وصفت ، فبارك الله فيك يا عزة . ثم أرسل ~~إلى عائشة : أما أنت فلا سبيل لنا إليك مع من عندك ، وأما عزة فتأذنين لها ~~أن تغنينا هذا الصوت ثم تعود إليك ، ففعلت وخرجت عزة إليهم فغنتهم هذا ~~الصوت مرارا ، وكاد مصعب أن يذهب عقله فرحا . ثم قال لها : يا عزة ، إنك ~~لتحسنين القول والوصف ، وأمرها بالعود إلى مجلسها . قال : ولم تزل عند مصعب ~~حتى قتل عنها . فخطبها بشر بن مروان ، وقدم عمر أبن عبيد الله بن معمر ~~التيمي من الشام فنزل الكوفة ، فبلغه أن بشرا خطبها ms0897 ، PageV04P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" فأرسل إليها جارية لها وقال : قولي لأبنة عمي ~~: ابن عمك يقرئك السلام ويقول لك : أنا خير لك من هذا المبسور المطحول ، ~~وأنا أبن عمك أحق بك ، وإن تزوجت بك ملأت بيتك خيرا . فتزوجته فبني عليها ~~بالحيرة ، فمهدت له سبعة أفرشة عرضها أربع أذرع ؛ فأصبح ليلة بني بها عن ~~تسعة . فلقيته مولاة لها فقالت : أبا حفص ، فديتك ؟ قد كملت في كل شيء حتى ~~في هذا . وقيل إنه لما تزوجها حمل إليها ألف ألف درهم ، خمسمائة ألف مهر ، ~~وخمسمائة ألف هدية ، وقال لمولاتها : لك علي ألف دينار إن دخلت بها الليلة ~~، وأمر بالمال فحمل فألقي في الدار وغطى بالثياب ؛ وخرجت عائشة فقالت ~~لمولاتها : ما هذا ؟ أفرش أم ثياب ؟ قالت : انظري إليه ؛ فنظرت فإذا هو مال ~~، فتبسمت . فقالت الجارية : أجزاء من حمل هذا المال أن يبيت عزبا قالت : لا ~~والله ، ولكن لا يجوز دخوله إلا بعد أن أتزين له وأستعد . قالت : وماذا ؟ ~~فوالله لوجهك أحسن من كل زينة وما تمدين يديك إلى طيب أو ثوب أو مال أو ~~فراش إلا وهو عندك ، وقد عزمت عليك أن تأذني له . فقالت : أفعلي . فذهبت ~~إليه فقالت له : بت بنا الليلة . فجاءهم عند العشاء الآخرة فأدني إليه طعام ~~فأكل الطعام كله حتى أعرى الخوان وغسل يده وسأل عن المتوضأ فأخبر به ، فقام ~~فتوضأ وقام يصلي حتى ضاق صدري ونمت ، ثم قال : أعليكم آذن ؟ قلت : نعم ~~فأدخل ، فأدخلته وأسبلت الستر عليهما . فلما أصبحنا وقفت على رأسه فقال : ~~أتقولين شيئا ؟ قلت : نعم والله ما رأيت مثلك فضحك وضرب بيده على منكب ~~عائشة وقال لها : كيف رأيت أبن عمك ؟ فضحكت وغطت وجهها وقالت : قد رأيناك ~~فلم تحل لنا . . . وبلوناك فلم نرض الخبر ومكثت عائشة عند عمر بن عبيد الله ~~ثماني سنين حتى مات سنة أثنتين وثمانين . ولما مات ندبته قائمة ، ولم تندب ~~أحدا قبله من أزواجها إلا جالسة . فقيل لها في ذلك فقالت : إنه كان أكرمهم ~~علي وأمسهم بي رحما ، فأردت ألا أتزوج بعده . وكانت المرأة إذا ms0898 ندبت زوجها ~~قائمة لا تتزوج بعده أبدا . ولم تتزوج عائشة بنت طلحة بعد زوجها عمر بن ~~عبيد الله . PageV04P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" ومن أخبار عائشة بنت طلحة أيضا ما رواه أبو ~~الفرج الأصفهاني بسنده إلى يزيد أبن عياض ، قال : استأذنت عاتكة بنت يزيد ~~بن معاوية عبد الملك في الحج ، فأذن لها وقال : أرفعي حوائجك وأستظهري ، ~~فإن عائشة بنت طلحة تحج ، ففعلت وتجهزت بهيئة جهدت فيها . فلما كانت بين ~~مكة والمدينة إذا موكب قد جاء فضغطها وفرق جماعتها ؛ فقالت : أرى هذه عائشة ~~بنت طلحة ، فسألت عنها ، فقالوا : هذه جاريتها . ثم جاء موكب آخر أعظم من ~~ذلك ، فقالوا : عائشة عائشة ، فضغطهم فسألت عنها ، فقالوا : هذه ما شطتها . ~~ثم جاءت مواكب على هذا لحاشيتها ، ثم اقبلت في ثلثمائة راحلة عليها القباب ~~والهوادج ؛ فقالت عاتكة : ما عند الله خير وأبقى . قال : ووفدت عائشة بنت ~~طلحة على هشام بن عبد الملك ، فقال لها : ما أوفدك ؟ قالت : حبست السماء ~~مطرها ومنع السلطان الحق . قال : فأنا أصل رحمك وأعرف حقك . ثم بعث إلى ~~مشايخ بني أمية فقال : إن عائشة عندي فأسمروا عندي الليلة فحضروا ؛ فما ~~تذاكروا شيئا من أخبار العرب وأشعارها وآثارها إلا أفاضت معهم فيه ، وما ~~طلع نجم ولا غار إلا أسمته . فقال لها هشام : أما الأول فلا أنكره ، وأما ~~النجوم فمن أين لك ؟ قالت : أخذته عن خالتي عائشة رضي الله عنها ؛ فأمر لها ~~بمائة ألف درهم وردها إلى المدينة . قال : ولما تأيمت عائشة كانت تقيم بمكة ~~سنة وبالمدينة سنة ، وتخرج إلى مال لها بالطائف عظيم وقصر لها هناك فتتنزه ~~وتجلس فيه بالعشيات ، فتتناضل بين يديها الرماة . فمر بها النميري الشاعر ، ~~فسألت عنه فأنتسب لها ؛ فقالت : أئتوني به ، فجيء به . فقالت له : أنشدني ~~مما قلت في زينب ؛ فأمتنع وقال : بنت عمي وقد صارت عظاما بالية . قالت : ~~أقسمت عليك لما فعلت ؛ فأنشدها قوله : نزلن بفخ ثم رحن عشية . . . يلبين ~~للرحمن معتمرات PageV04P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" يخمرن أطراف الأكف من التقى . . . ويخرجن جنح ~~الليل معتجرات ولما رأت ركب النميري راعها ms0899 . . . وكن من أن يلقينه حذرات ~~تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت . . . به زينب في نسوة خفرات وزينب هذه هي زينب ~~بنت يوسف الثقفي أخت الحجاج ، وكان النميري يهواها ويشبب بها ، وله معها ~~أخبار يطول شرحها ليس هذا موضع إيرادها قال : فقالت له عائشة لما أنشدها ~~هذا الشعر : والله ما قلت إلا جميلا ، ولا وصفت إلا كرما وطيبا ودينا وتقى ~~، أعطوه ألف درهم . فلما كانت الجمعة الأخرى تعرض لها ، فقالت : علي به ؛ ~~فجاء فقالت له : أنشدني من شعرك في زينب ؛ قال : فأنشدك من قول الحارث فيك ~~. فوثب مواليها إليه ، فقالت : دعوه فإنه أراد أن يستقيد لأبنة عمه ، هات ؛ ~~فأنشدها : ظعن الأمير بأحسن الخلق . . . وغدا بلبك مطلع الشرق وتنوء تثقلها ~~عجيزتها . . . نهض الضعيف ينوء بالوسق ما صبحت زوجا بطلعتها . . . إلا غدا ~~بكواكب الطلق بيضاء من تيم كلفت بها . . . هذا الجنون وليس بالعشق فقالت : ~~والله ما ذكر إلا جميلا ، ذكر أني إذا صبحت زوجا بوجهي غدا بكواكب الطلق ، ~~وأني غدوت مع أمير تزوجني إلى الشرق ، أعطوه ألف درهم وأكسوه حلتين ولا تعد ~~لإنياننا يا نميري ؛ والله أعلم ولنرجع إلى أخبار المغنين . ذكر أخبار محمد ~~بن عائشة يكنى أبا جعفر ولم يكن له أب يعرف فنسب إلى أمه ؛ وكان يزعم أن ~~أسم أبيه جعفر . وعائشة أمه مولاة لكثير بن الصلت الكندي حليف قريش ، وقيل ~~: هي مولاة PageV04P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" لآل المطلب بن أبي وداعة السهمي . وقال أبن ~~عائشة وقد سأله الوليد بن يزيد فقال : يا محمد ألبغية أنت ؟ : كانت أمي يا ~~أمير المؤمنين ماشطة وكنت غلاما ، وكانت إذا دخلت إلى موضع قالت : أرفعوا ~~هذا لأبن عائشة ، فغلبت على نسبي . قالوا : وكان أبن عائشة يفتن كل من سمعه ~~، وكان فتيان من المدينة قد فسدوا في زمانه بمحادثته ومجالسته . وأخذ عن ~~معبد ومالك بن أبي السمح ، ولم يموتا حتى ساواهما على تقديمه لهما وأعترافه ~~بفضلهما . وكان تياها سيئ الخلق ، إن قال له إنسان : تغن قال : ألمثلي يقال ~~هذا فإن غنى وقال له إنسان : أحسنت ، سكت ؛ فكان ms0900 قليلا ما ينتفع به . وكان ~~أبن عائشة منقطعا إلى الحسن بن الحسن ، وكان الحسن مكرما له . فسأله الحسن ~~أن يخرج معه إلى البغيبغة ، فأمتنع أبن عائشة ، فأقسم عليه وأظهر الجد . ~~فلما عاين ما ظهر عليه قال : أخرج طائعا لا كارها ؛ فأمر له ببغلة فركبها ~~ومضيا إلى البغيبغة ، فنزلا الشعب ثم أكلوا . وقال له : غنني ، فأندفع ~~فغناه صوتا فأستحسنه . فقال ابن عائشة : والله لا غنيتك في يومي هذا شيئا . ~~فأقسم الحسن ألا يفارق البغيبغة ثلاثة أيام . فأغتم أبن عائشة ليمينه وندم ~~. فلما كان في اليوم الثاني قال له : إن فقد برت يمينك ؛ فنظر إلى ناقة ~~تقدم جماعة إبل فأندفع يغني : تمر كجندلة المنجني . . . ق يرمي بها السور ~~يوم القتال وهي أبيات لأمية بن أبي عائذ الهذلي يصف حمارا وحشيا ؛ والبيت ~~يمر بالياء . وقيل : سال العقيق مرة فدخل عرصة سعيد بن العاص الماء حتى ~~ملأها ، فخرج الناس إليها ، وخرج أبن عائشة فجلس على قرن البئر . فبينما هم ~~كذلك إذ طلع الحسن على بغلة ومعه غلامان أسودان ، فقال لهما : امضيا رويدا ~~حتى تقفا بأصل القرن الذي عليه أبن عائشة ، ففعلا ذلك . ثم ناداه الحسن : ~~كيف أصبحت يا بن عائشة قال : بخير . قال : أنظر من تحتك ، فنظر فإذا ~~العبدان . قال : أتعرفهما ؟ قال PageV04P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" نعم . قال : فهما حران لئن لم تغنني مائة صوت ~~لآمرنهما بطرحك في البئر ، وهما حران لئن لم يفعلا لأقطعن أيديهما . فأندفع ~~أبن عائشة وغنى بشعر الهذلي : ألا لله درك من . . . فتى قوم إذا رهبوا ~~وقالوا من فتى للحر . . . ب يرقبنا ويرتقب فكنت فتاهم فيها . . . إذا تدعى ~~لها تثب ذكرت أخي فعاودني . . . صداع الرأس والوصب كما يعتاد ذات البو . . ~~. بعد سلوها الطرب على عبد بن زهرة بت . . . طول الليل أنتحب وروى أبو ~~الفرج الأصفهاني ببسند رفيه إلى حماد الراوية : أن الوليد بن يزيد أستقدمه ~~من العراق إلى الشام على دواب البريد . وكان مما حكاه عنه قال : قدمت عليه ~~فأذن لي ، فدخلت فإذا هو على سرير ممهد وعليه ثوبان أصفران وعنده ms0901 معبد ~~ومالك بن أبي السمح وأبو كامل مولاه ، فأستنشدني : أمن المنون وريبها تتوجع ~~فأنشدته حتى أتيت على آخرها . ثم قال : يا مالك ، غنني : ألا هل هاجك ~~الأظعا . . . ن إذ جاوزن مطلحا فغناه . ثم قال : غنني : جلا أمية عني كل ~~مظلمة . . . سهل الحجاب وأوفى بالذي وعدا PageV04P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" فغناه . ثم قال : غنني : أتنسى إذ تودعنا ~~سليمى . . . بفرع بشامة ، سقي البشام فغناه ؛ ثم أتاه الحاجب فقال : يا ~~أمير المؤمنين ، الرجل الذي طلبت بالباب ، فأذن له فدخل شاب لم أر أحسن ~~وجها منه . فقال له : غنني : وهي إذ ذاك عليها مئزر . . . ولها بيت جوار من ~~لعب فغناه ، فنبذ إليه الثوبين ، ثم قال : غنني : طاف الخيال فمرحبا . . . ~~ألفا برؤية زينبا فغضب معبد وقال : يا أمير المؤمنين ، إنا مقبلون عليك ~~بأقدارنا وأسناننا وإنك تركتنا بمزجر الكلب وأقبلت على هذا الصبي . فقال : ~~يا أبا عباد ، ما جهلت قدرك ولا سنك ، ولكن هذا الغلام طرحني في مثل ~~الطناجير من حرارة غنائه . قال حماد : فسألت عن الغلام فقيل لي : هو أبن ~~عائشة . وحكى عن شيخ من تنوخ قال : كنت صاحب ستر الوليد بن يزيد ، فرأيت ~~أبن عائشة عنده وقد غناه : إني رأيت صبيحة النفر . . . حورا نفين عزيمة ~~الصبر مثل الكواكب في مطالعها . . . بعد العشاء أطفن بالبدر وخرجت أبغي ~~الأجر محتسبا . . . فرجعت موفورا من الوزر فطرب الوليد حتى كفر وألحد ، ~~وقال : يا غلام ، أسقنا بالسماء السابعة ، ثم قال : أحسنت والله يا أميري ، ~~أعد بحق عبد الشمس فأعاد ، ثم قال : أحسنت يا أميري والله ، أعد بحق أمية ~~فأعاد ، ثم قال : أعد بحق فلان حتى بلغ من الملوك نفسه ، PageV04P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" فقال : أعد بحياتي فأعاده ؛ فقام فأكب عليه ، ~~فلم يبق عضو من أعضائه إلا قبله ؛ ثم نزع ثيابه فألقاها عليه وبقي مجردا ~~إلى أن أتوه بمثلها ، ووهب له ألف دينار وحمله على بغلة وقال : أركبها بأبي ~~أنت وأنصرف ، فقد تركتني على مثل المقلى من حرارة غنائك . فركبها على بساطه ~~وأنصرف . وحكى أيضا أن أبن عائشة أنصرف من عند الوليد ms0902 وقد غناه : أبعدك ~~معقلا أرجو وحصنا . . . قد أعيتني المعاقل والحصون فأمر له بثلاثين ألف ~~درهم وبمثل كارة القصار كسوة . فبينا أبن عائشة يسير إذ نظر إليه رجل من ~~أهل وادي القرى ، وكان يشتهي الغناء ويشرب النبيذ ، فقال لغلامه : من هذا ~~الراكب ؟ قال : أبن عائشة المغني ، فدنا منه فقال : جعلت فداءك أنت أبن ~~عائشة أم المؤمنين ؟ قال : لا أنا مولى لقريش وعائشة أمي ، وحسبك هذا . قال ~~: وما هذا الذي أراه بين يديك من المال والكسوة ؟ قال : غنيت أمير المؤمنين ~~صوتا فأطربه فكفر وترك الصلاة وأمر لي بهذا المال وهذه الكسوة . قال : جعلت ~~فداءك فهل تمن علي أن تسمعني ما أسمعته إياه ؟ فقال : ويلك أمثلي يكلم بهذا ~~في الطريق قال : فما أصنع ؟ قال : ألحقني بالباب . وحرك أبن عائشة بغلته ~~لينقطع عنه ، فعدا معه حتى وافيا الباب كفرسي رهان . ودخل أبن عائشة فمكث ~~طويلا طمعا ان يضجر فينصرف ، فلم يفعل حتى أعياه . فقال لغلامه : أدخله ، ~~فلما دخل ، قال له : ويلك من أين صبك الله علي قال : أنا رجل من أهل وادي ~~القرى أشتهي هذا الغناء . فقال له : هل لك فيما هو أنفع لك منه ؟ قال : وما ~~ذاك ؟ قال : مائتا دينار وعشرة أثواب تنصرف بها إلى أهلك . فقال له : جعلت ~~فداءك والله إن لي بنية ما في أذنها علم الله حلقة من الورق فضلا عن الذهب ~~، وإن لي زوجة ما عليها شهد الله قميص ، ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به ~~أمير المؤمنين على هذه الحالة والفقر اللذين عرفتكهما وأضعفت لي هذا لكان ~~الصوت أعجب إلي . فتعجب أبن عائشة وغناه الصوت ، فجعل يحرك رأسه ويطرب له ~~طربا شديدا حتى ظن أن عنقه PageV04P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" ستنقصف ؛ ثم خرج من عنده ولم يرزأه شيئا . ~~وبلغ الخبر الوليد بن يزيد ، فسأل أبن عائشة عنه ، فجعل يغيب عن الحديث ؛ ~~فلم يزل به حتى صدقه الحديث ، طلب الرجل ، فطلب حتى أحضر إليه ووصله صلة ~~سنية وجعله من ندمائه ووكله بالسقي ؛ فلم يزل معه حتى قتل رحمه الله . وعن ms0903 ~~علي بن الجهم الشاعر قال : حدثني رجل أن أبن عائشة كان واقفا بالموسم مهجرا ~~. فمر به بعض أصحابه فقال : ما يقيمك ها هنا ؟ قال : إني أعرف رجلا لو تكلم ~~لحبس الناس ها هنا فلم يذهب أحد ولم يجئ . فقال له الرجل : ومن ذاك ؟ قال : ~~أنا ؛ ثم أندفع يغني : جرت سنحا فقلت لها أجيزي . . . نوى مشمولة فمتى ~~اللقاء بنفسي من تذكره سقام . . . أعانيه ومطلبه عناء قال : فحبس الناس ~~وأضطربت المحامل ومدت الإبل أعناقها ، فكادت الفتنة أن تقع . فأتي به هشام ~~بن عبد الملك ، فقال له : يا عدو الله ؟ أردت أن تفتن الناس ؟ قال : فأمسك ~~عنه وكان تياها ؛ فقال له هشام : ارفق بتيهك . فقال : يحق لمن كانت هذه ~~مقدرته على القلوب أن يكون تياها ؟ فضحك هشام وخلى سبيله . وأختلف في وفاة ~~أبن عائشة وسببها . فقيل : كانت وفاته في أيام هشام بن عبد الملك ، وقيل : ~~في أيام الوليد بن يزيد وهو أشبه ، لأنه قد تقدم أنه نادم الوليد وغناه . ~~والذي يقول : إنه توفي في أيام هشام يزعم أنه نادم الوليد في أيام ولايته ~~العهد . وكانت وفاته بذي خشب ، وهو على أميال من المدينة . قيل : كان سبب ~~وفاته أن الغمر بن يزيد خرج إلى الشام ؛ فلما نزل قصر ذي خشب جلس على سطحه ~~، فغنى أبن عائشة صوتا طرب له الغمر ، فقال : أعده فأبى ، وكان لا يردد ~~صوتا لسوء خلقه . فأمر به فطرح من أعلى السطح فمات . وقيل : بل قام من ~~الليل يبول وهو سكران فسقط من السطح فمات . وقيل : بل كان قد رجع من عند ~~الوليد بن يزيد ، فلما قرب من المدينة نزل بذي خشب ، وكان والي المدينة ~~إبراهيم بن هشام المخزومي وكان في قصره هناك ، فدعاه فأقام عنده ذلك اليوم ~~. فلما أخذوا في الشرب PageV04P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" أخرج المخزومي جواريه ، فنظر إلى أبن عائشة ~~وهو يغمز جارية منهن ؛ فقال لخادمه : إذا خرج أبن عائشة يريد حاجته فأرم به ~~من القصر ، وكانوا يشربون في سطح القصر . فلما قام رماه الخادم فمات . وقيل ~~: بل أقبل ms0904 من الشام فنزل بقصر ذي خشب فشرب فيه ثم صعد إلى أعلى القصر فنظر ~~إلى نسوة يمشين في ناحية الوادي ، فقال لأصحابه : هل لكم فيهن ؟ فقالوا : ~~وكيف لنا بهن فلبس ملاءة مدلوكة ثم قام على شرفة من شرفات القصر وتغنى بشعر ~~أبن أذينة : وقد قالت لأتراب . . . لها زهر تلاقينا تعالين فقد طاب . . . ~~لنا العيش تعالينا فأقبلن عليه ، فطرب وأستدار فسقط فمات ، عفا الله تعالى ~~عنه ورحمه . وقيل : بل مات بالمدينة . وأول هذه الأبيات : سليمى أزمعت بينا ~~. . . وأين لقاؤها أينا وقد قالت لأتراب . . . لها زهر تلاقينا تعالين فقد ~~طاب . . . لنا العيش تعالينا فأقبلن إليها مس . . . رعات يتهادينا إلى مثل ~~مهارة الرم . . . ل تكسو المجلس الزينا إلى خود منعمة . . . حففن بها ~~وفدينا تمنين مناهن . . . فكنا ما تمنينا ذكر أخبار أبن محرز هو مسلم ، ~~وقيل : عبد الله بن محرز . ويكنى أبا الخطاب . مولى عبد الدار بن قصي . ~~وكان أبوه من سدنة الكعبة ، وأصله من الفرس . وكان يسكن المدينة مرة ومكة ~~مرة . فكان إذا أتى المدينة أقام بها ثلاثة أشهر يتعلم الضرب من عزة ~~الميلاء ثم يرجع إلى مكة فيقيم بها ثلاثة أشهر . ثم شخص إلى فارس فتعلم ~~ألحان الفرس وأخذ غناءهم ، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم ~~. وأسقط من ذلك PageV04P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" ما لا يستحسن من غناء الفريقين ونغمهم وأخذ ~~محاسنها ، فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب ، ~~فأتي بما لم يسمع مثله . وكان يقال له صناج العرب . وقيل : إنه أول من أخذ ~~الغناء عن أبن مسجح . وهو أول من غنى بالرمل وما غنى قبله . وكان أبن محرز ~~قليل الملابسة للناس ، فأخمل ذلك ذكره . وأخذ أكثر غنائه جارية كانت لصديق ~~له من أهل مكة كانت تألفه فأخذه الناس عنها . ومات بعلة الجذام ، وكان ذلك ~~سبب أمتناعه من معاشرة الخلفاء ومخالطة الناس . وحكى أنه رحل إلى العراق ، ~~فلما بلغ القادسية لقيه حنين فقال له : كم منتك نفسك من العراق ؟ قال : ألف ~~دينار ؛ قال : هذه خمسمائة دينار ms0905 فخذها وأنصرف وأحلف ألا تعود ، ففعل . ~~فلما شاع ما فعل حنين لامه أصحابه : فقال : والله لو دخل العراق ما كان لي ~~معه خبز آكله ولأطرحت ثم سقطت إلى آخر الدهر . ولم أقف من أخبار أبن محرز ~~على أكثر من هذا فأورده . والسلام . ذكر أخبار مالك بن أبي السمح هو أبو ~~الوليد مالك بن أبي السمح . وأسم أبي السمح جابر بن ثعلبة الطائي ، وأمه ~~قرشية من بني مخزوم ؛ وقيل : بل أم أبيه منهم ؛ وقيل فيه : مالك بن أبي ~~السمح بن سليمان . وكان أبوه منقطعا إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ~~ويتيما في حجره أوصى به أبوه إليه . وكان مالك أحول طويلا . وأخذ الغناء عن ~~جميلة ومعبد وعمر ، وأدرك الدولة العباسية . وكان منقطعا إلى بني سليمان بن ~~علي ، ومات في خلافة أبي جعفر المنصور . وروى الأصفهاني بسنده إلى الورداني ~~، قال : كان مالك بن أبي السمح المغني من طيء ، فأصابتهم حطمة في بلادهم ~~بالجبلين ، فقدمت به أمه وبإخوة له وأخوات أيتام لا شيء لهم . وكان يسأل ~~الناس على باب حمزة بن الزبير . وكان معبد منقطعا إلى حمزة يكون عنده في كل ~~يوم . فسمع مالك غناءه فأعجبه وأشتهاه . وكان لا يفارق باب حمزة يسمع غناء ~~معبد إلى PageV04P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" الليل ولا يطوف بالمدينة ولا يطلب من أحد ~~شيئا ولا يريم موضعه ، فينصرف إلى أمه ولم يكسب شيئا فتضربه ، وهو مع ذلك ~~يترنم بألحان معبد فيؤديها نغما بغير لفظ . وجعل حمزة كلما غدا أو راح رآه ~~ملازما لبابه ؛ فقال لغلامه يوما : أدخل هذا الغلام إلي فأدخله الغلام إليه ~~؛ فقال له حمزة : من أنت ؟ قال : غلام من طيء أصابتنا حطمة بالجبلين فهبطنا ~~إليكم ومعي أم لي وإخوة ، وإني لزمت بابك فسمعت من دارك صوتا أعجبني ولزمت ~~بابك من أجله . قال : فهل تعرف منه شيئا ؟ قال : أعرف لحنه كله ولا أعرف ~~الشعر . فقال : إن كنت صادقا إنك لفهم . ودعا بمعبد فأمره أن يغني صوتا ~~فغناه ، ثم قال لمالك : هل تستطيع أن تقوله ؟ قال نعم ms0906 . قال : هاته ؛ ~~فأندفع فغناه فأدى نغمه بغير شعر ، يؤدي مداته ولياته وعطفاته ونبراته ~~ومتعلقاته لا يخرم منه حرفا . فقال لمعبد : خذ هذا الغلام إليك وخرجه ~~فليكونن له شأن . قال معبد : ولم أفعل ذلك ؟ قال : لتكون محاسنه منسوبة ~~إليك وإلا عداك إلى غيرك فكانت محاسنه منسوبة إليه . فقال معبد : صدق ~~الأمير ، وأنا أفعل ما أمرتني به . قال حمزة لمالك : كيف وجدت ملازمتك ~~لبابنا ؟ قال : أرأيت إن قلت فيك غير الذي أنت له مستحق من الباطل أكنت ~~ترضى بذلك ؟ قال لا . قال : وكذلك لا يسرك أن تحمد بما لم تفعل ؛ قال نعم . ~~قال : فوالله ما شبعت على بابك شبعة قط ، ولا أنقلبت إلى أهلي منه بخير . ~~فأمر له ولأمه ولإخوته بمنزل وأجرى عليهم رزقا وكسوة وأمر لهم بخادم يخدمهم ~~وعبد يسقيهم الماء ، وأجلس مالكا معه في مجالسه ، وأمر معبدا أن يطارحه فلم ~~ينشب أن مهر . فخرج مالك يوما فسمع أمرأة تنوح على زيادة الذي قتله هدبة بن ~~خشرم والشعر لأخي زيادة : أبعد الذي بالنعف نعف كويكب . . . رهينة رمس ذي ~~تراب وجندل أذكر بالبقيا على من أصابني . . . وذلك أني جاهد غير مؤتلي فلا ~~يدعني قومي لزيد بن مالك . . . لئن لم أعجل ضربة أو أعجل وإلا أنل ثأري من ~~اليوم أو غد . . . بني عمنا فالدهر ذو متطول أنختم علينا كلكل الحرب مرة . ~~. . بني عم ؟ نا منيخوها عليكم بكلكل PageV04P0267 # """""" صفحة رقم 268 """""" فغنى في هذا الشعر لحنين ، أحدهما نحا فيه ~~نحو المرأة في نوحها ورققه وأصلحه ، والآخر نحا فيه نحو معبد في غنائه . ثم ~~دخل على حمزة فقال له : أيها الأمير ، إني قد صنعت غناء في شعر سمعت أهل ~~المدينة ينشدونه وقد أعجبني ، فإن أذن الأمير غنيته . قال : هات ؛ فغنى ~~اللحن الذي نحا فيه نحو معبد ؛ فطرب حمزة وقال : أحسنت يا غلام ، هذا ~~الغناء غناء معبد بطريقته . قال : لا تعجل أيها الأمير وأسمع مني شيئا ليس ~~من غناء معبد ولا طريقته ؛ فغناء اللحن الذي تشبه فيه بنوح المرأة . فطرب ~~حمزة حتى ألقي عليه حلة كانت ms0907 عليه قيمتها مائتا دينار . ودخل معبد فرأى حلة ~~حمزة على مالك فأنكرها . وعلم حمزة بذلك فأخبر معبدا بالسبب ، وأمر مالكا ~~فغناه الصوتين . فغضب معبد لما سمع الصوت الأول وقال : قد كرهت أن آخذ هذا ~~الغلام فيتعلم غنائي فيدعيه لنفسه . فقال حمزة : لا تعجل وأسمع غناء صنعه ~~ليس من شأنك ولا غنائك ، وأمره أن يغني الصوت الآخر فغناه ، فأطرق معبد . ~~فقال له حمزة : والله لو أنفرد بهذا لضاهاك ثم تزايد على الأيام ، وكلما ~~كبر وزاد شخت أنت وأنتقصت ، فلأن يكون منسوبا إليك أجمل . فقال له معبد وهو ~~منكسر : صدق الأمير . فأمر حمزة لمعبد بخلعة من ثيابه وجائزة حتى سكن وطابت ~~نفسه . فقام مالك على رجليه وقبل رأس معبد وقال له : يا أبا عباد ، أساءك ~~لما سمعت مني ؟ والله لا أغني لنفسي شيئا أبدا ما دمت حيا ؟ وإن غلبتني ~~نفسي فغنيت في شعر أستحسنته لا نسبته إلا إليك ، فطب نفسا وأرض عني . فقال ~~له معبد : أتفعل هذا وتفي به ؟ قال : إي والله وأزيد . فكان مالك إذا غنى ~~صوتا وسئل عنه قال : هذا لمعبد ، ما غنيت لنفسي شيئا قط ، وإنما آخذ غناء ~~معبد فأنقله إلى الأشعار وأحسنه وأزيد فيه وأنقص منه . وحضر مالك بن أبي ~~السمح عند يزيد بن عبد الملك مع معبد وأبن عائشة فغنوه ، فأمر لكل واحد ~~منهم بألف دينار . وحكى عن أبن الكلبي قال : قال الوليد بن يزيد لمعبد : قد ~~آذتني ولولتك هذه ، وقال لأبن عائشة : قد آذاني استهلالك هذا ، فاطلبا لي ~~رجلا يكون مذهبه متوسطا بين مذهبيكما . فقالا له : مالك بن أبي السمح ؛ ~~فكتب في إشخاصه إليه وسائر من بالحجاز من المغنين . فلما قدم مالك على ~~الوليد بن يزيد فيمن معه نزل على الغمر بن يزيد ، فأدخله على الوليد فغناه ~~فلم يعجبه . فلما أنصرف قال له الغمر : إن أمير المؤمنين لم يعجبه شيء من ~~غنائك ، فقال له : PageV04P0268 # """""" صفحة رقم 269 """""" جعلني الله فداك ؟ اطلب لي الإذن عليه مرة ~~أخرى ، فإن أعجبه شيء مما أغنيه وإلا انصرفت إلى بلادي . فلما ms0908 جلس الوليد ~~في مجلس اللهو ذكره الغمر له ؛ فأذن له فشرب مالك ثلاث صراحيات صرفا ، ودخل ~~على الوليد وهو يخطر في مشيئته ، فلما بلغ باب المجلس وقف ولم يسلم وأخذ ~~بحلقة الباب ثم رفع صوته فغنى : لا عيش إلا بمالك بن أبي السمح . . . فلا ~~تلحني ولا تلم أبيض كالبدر أو كما يلمع ال . . . بارق في حالك من الظلم ~~فليس يعصيك إن رشدت ولا . . . يهتك حق الإسلام والحرم يصيب من لذة الكرام ~~ولا . . . يجهل آي الترخيص في اللمم يا رب ليل لنا كحاشية ال . . . برد ~~ويوم كذاك لم يدم نعمت فيه ومالك بن أبي السمح . . . الكريم الأخلاق والشيم ~~فطرب الوليد ورفع يديه حتى بان إبطاه وقام فأعتنقه ، ثم أخذ في صوته ذلك فم ~~يزالوا فيه أياما ، وأجزل له العطية حين أراد الأنصراف . قال : ولما أتى ~~مالك على قوله : أبيض كالبدر قال الوليد : أحول كالقرد أو كما يرقب السارق ~~. . . في حالك من الظلم قالوا : وكان مالك بن أبي السمح مع الوليد بن يزيد ~~يوم قتل هو وابن عائشة . قال ابن عائشة : وكان مالك من أحمق الخلق ، فلما ~~قتل الوليد قال : اهرب بنا ؛ قلت : وما يريدون منا ؟ قال : وما يؤمنك أن ~~يأخذوا رأسينا فيجعلوا رأسه بينهما ليحسنوا أمرهم بذلك . ذكر أخبار يونس ~~الكاتب هو يونس بن سليمان بن كرد بن شهريار من ولد هرمز ، مولى لعمرو بن ~~الزبير ، ومنشؤه ومنزله بالمدينة ، وكان أبوه فقيها فأسلمه في الديوان وكان ~~من كتابه . PageV04P0269 # """""" صفحة رقم 270 """""" وأخذ الغناء عن معبد وابن سريج وأبن محرز ~~والغريض ، وكان أكثر روايته عن معبد . ولم يكن في أصحاب معبد أحذق منه ولا ~~اقوم بما أخذ عنه منه . وله غناء حسن ، وصنعة كثيرة ، شعر جيد . وهو أول من ~~دون الغناء . وله كتاب في الأغاني نسبها إلى من غنى فيها . وخرج إلى الشام ~~في تجارة ، فبلغ الوليد بن يزيد مكانه فأحضره والوليد إذ ذاك ولى العهد . ~~قال : فلما وصلت إليه سلمت عليه ، فأمرني بالجلوس ، ثم دعا بالشراب ~~والجواري . قال يونس : فمكثنا يومنا ms0909 وليلتنا في أمر عجيب ، وغنيته فأعجب ~~بغنائي إلى أن غنيته : إن يعش مصعب فنحن بخير . . . قد أتانا من عيشنا ما ~~نرجى ثم تنبهت فقطعت الصوت وأخذت أعتذر من غنائي بشعر في مصعب ، فضحك ثم ~~قال : إن مصعبا قد مضى وأنقطع أثره ولا عداوة بيني وبينه وإنما أريد الغناء ~~، فأمض الصوت ؛ فعدت فيه فغنيته ولم يزل يستعيده حتى أصبح فشرب مصطبحا وهو ~~يستعيدني هذا الصوت ولا يتجاوزه . فلما مضت ثلاثة ايام قلت : جعلني الله ~~فداك إني رجل تاجر خرجت مع تجار وأخاف أن يرتحلوا فيضيع مالي ، فقال : أنت ~~تغدو غدا ، وشرب باقي ليلته وأمر لي بثلاثة آلاف دينار . فحملت إلي وغدوت ~~إلى أصحابي . فلما أستخلف بعث إلي فأتيته فلم أزل معه حتى قتل . ذكر أخبار ~~حنين هو حنين بن بلوع الحيري . وأختلف في نسبه ، فقيل : هو من العباديين من ~~تميم ، وقيل : إنه من بني الحارث بن كعب ، وقيل : إنه من قوم بقوا من طسم ~~وجديس ، فنزلوا في بني الحارث بن كعب فعدوا فيهم . ويكنى أبا كعب . وكان ~~شاعرا مغنيا من فحول المغنين ، وكان يسكن الحيرة ويكرى الجمال إلى الشام ، ~~وكان نصرانيا . وعن المدائني قال : كان حنين غلاما يحمل الفاكهة بالحيرة ، ~~وكان إذا حمل الرياحين إلى بيوت الفتيان ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان ~~والمتطربين ورأوا رشاقته وحسن قده وحلاوته وخفة روحه أستحلوه وأقام عندهم ، ~~فكان يسمع الغناء ويصغي له ، حتى شدا منه أصواتا فأستمعه الناس ، وكان ~~مطبوعا حسن الصوت . وأشتهر غناؤه وشهر بالغناء ومهر فيه وبلغ فيه مبلغا ~~كبيرا . ثم رحل إلى PageV04P0270 # """""" صفحة رقم 271 """""" عمر بن داود الوادي وإلى حكم الوادي وأخذ ~~منهما وغنى لنفسه وأستولى على الغناء في عصره ، وهو الذي بذل لأبن محرز ~~خمسمائة دينار حتى رجع عن العراق ، كما قدمناه في أخبار أبن محرز . وبلغ من ~~الناس بالغناء مبلغا عظيما ، حتى قيل له فيما حكى : إنك تغني منذ خمسين سنة ~~فما تركت لكريم مالا ولا دارا ولا عقارا إلا أتيت عليه . فقال : بأبي أنتم ~~إنما هي أنفاسي أقسمها ms0910 بين الناس ، أفتلومونني أن أغلي بها الثمن . وحكى ~~المدائني قال : حج هشام بن عبد الملك وعديله الأبرش الكلبي ؛ فوقف له حنين ~~بظهر الكوفة ومعه عود وزامر له . فلما مر به هشام عرض له فقال : من هذا ؟ ~~قيل : حنين ؛ فأمر به هشام فحمل في محمل على جمل وعديله زامره وسيره أمامه ~~، فغناه : أمن سلمى بظهر الكو . . . فة الآيات والطلل تلوح كما تلوح علي . ~~. . جفون الصيقل الخلل فأمر له هشام بمائتي دينار وللزامر بمائة دينار . ~~وحكى أن خالد بن عبد الله القسري حرم الغناء بالعراق في أيامه ثم أذن للناس ~~يوما في الدخول عليه عامة ؛ فدخل عليه حنين في جملة الناس ومعه عود تحت ~~ثيابه فقال : أصلح الله الأمير كانت لي صناعة أعود بها على عيالي فحرمها ~~الأمير فأضر ذلك بي وبهم . فقال : وما كانت صناعتك ؟ فكشف عن عوده وقال : ~~هذا . فقال له خالد : غن ؛ فعرك أوتاره وغنى : أيها الشامت المعير بالده . ~~. . ر أأنت المبرأ الموفور أم لديك العهد الوثيق من الأي . . . أم بل أنت ~~جاهل مغرور من رأيت المنون خلدن أم من . . . ذا عليه من أن يضام خفير ~~PageV04P0271 # """""" صفحة رقم 272 """""" قال : فبكى خالد وقال : قد أذنت لك وحدك خاصة ~~، ولا تجالس سفيها ولا معربدا . فكان إذا دعى قال : أفيكم سفيه أو معربد ؟ ~~فإذا قالوا لا ، دخل . وقال بشر بن الحسين بن سليمان بن سمرة بن جندب : عاش ~~حنين بن بلوع مائة سنة وسبع سنين . ذكر أخبار سياط هو عبد الله بن وهب ~~ويكنى أبا وهب ، وسياط لقب غلب عليه . وهو مكي مولى خزاعة . كان مقدما في ~~الغناء رواية وصنعة ، مقدما في الطرب . وهو أستاذ أبن جامع وإبراهيم ~~الموصلي وعنه أخذا ، وأخذ هو عن يونس الكاتب . وكان سياط زوج أم أبن جامع . ~~قيل : وإنما لقب سياط بهذا اللقب لأنه كان كثيرا ما يغنى : كأن مزاحف ~~الحيات فيها . . . قبيل الصبح آثار السياط حكى أن إبراهيم الموصلي غنى صوتا ~~لسياط ، فقال أبنه إسحاق : لمن هذا الغناء يا أبت ؟ قال : لمن لو عاش ما ms0911 ~~وجد أبوك خبزا يأكله ، سياط . وحكى أن سياطا مر بأبي ريحانة في يوم بارد ~~وهو جالس في الشمس وعليه سمل ثوب رقيق رث ؛ فوثب إليه أبو ريحانة المدني ~~وقال : بأبي أنت يا أبا وهب غنني صوتك في شعر أبن جندب : فؤادي رهين في ~~هواك ومهجتي . . . تذوب وأجفاني عليك همول فغناه إياه ، فشق قميصه ورجع إلى ~~موضعه من الشمس وقد أزداد بردا وجهدا . فقال له رجل : ما أغنى عنك هذا من ~~شق قميصك ؟ فقال : يا أبن أخي ، إن الشعر الحسن من المغنى المحسن ذي الصوت ~~المطرب أدفأ للمقرور من حمام محمى . فقال له رجل : أنت عندي من الذين قال ~~الله تعالى فيهم : " فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين " فقال : بل أنا ~~ممن قال الله تعالى فيهم : " الذين PageV04P0272 # """""" صفحة رقم 273 """""" يستمعون القول فيتبعون أحسنه " . وقد حكيت ~~هذه الحكاية أيضا من طريق آخر : أنه لما غناه هذا الصوت شق قميصه حتى خرج ~~منه وبقي عاريا وغشى عليه وأجتمع الناس حوله ، وسياط واقف يتعجب مما فعل ، ~~ثم أفاق فقام إليه . فقال له سياط : مالك يا مشئوم أي شيء تريد ؟ قال : ~~غنني بالله عليك يا سيدي : ودع أمامة حان منك رحيل . . . إن الوداع لمن تحب ~~قليل مثل القضيب تمايلت أعطافه . . . فالريح تجذب متنه فيميل إن كان شأنكم ~~الدلال فإنه . . . حسن دلالك يا أميم جميل فغناه ، فلطم وجهه حتى خرج الدم ~~من أنفه ووقع صريعا . ومضى سياط وحمل الناس أبا ريحانة إلى الشمس . فلما ~~أفاق قيل له في ذلك فقال نحو ما تقدم . قال : ووجه إليه سياط بقميص وسراويل ~~وجبة وعمامة . وكانت وفاة سياط في أيام موسى الهادي . ودخل عليه أبن جامع ~~وقد نزل به الموت فقال له : ألك حاجة ؟ قال : نعم لا تزد في غنائي شيئا ولا ~~تنقص منه ، فإنما هو ثمانية عشر صوتا دعه رأسا برأس . قيل : بل كانت وفاته ~~فجأة ، وذلك أنه دعاه بعض إخوانه فأتاهم وأقام عندهم وبات ؛ فأصبحوا فوجدوه ~~ميتا في منزلهم ؛ فجاءوا إلى أمه وقالوا : يا هذه إنا دعونا ms0912 أبنك لنكرمه ~~ونسر به ونأنس بقربه فمات فجأة ، وها نحن بين يديك ، فأحكمي ما شئت ، ~~وناشدناك الله أن لا تعرضينا لسلطان أو تدعي علينا ما لم نفعله . قالت : ما ~~كنت لأفعل ، وقد صدقتم ، وهكذا مات أبوه فجأة ، وتوجهت معهم فحملته إلى ~~منزله ودفنته . ذكر أخبار الأبجر هو عبيد الله بن القاسم بن منبه ، ويكنى ~~أبا طالب . وقيل : أسمه محمد بن القاسم ، والأبجر لقب غلب عليه . وهو مولى ~~لكنانة ثم لبني ليث بن بكر . وكان يلقب بالحسحاس . وكان مدنيا منشؤه مكة أو ~~مكيا منشؤه المدينة . قال عورك اللهبي : PageV04P0273 # """""" صفحة رقم 274 """""" لم يكن بمكة أحد أظرف ولا أسرى ولا أحسن هيئة ~~من الأبجر ؛ كانت حلته بمائة دينار وفرسه بمائة دينار ومركبه بمائة دينار ؛ ~~وكان يقف بين المأزمين ويرفع عقيرته ، فيقف الناس له فيركب بعضهم بعضا . ~~وروى الأصفهاني بسنده إلى اسحاق ابن إبراهيم الموصلي قال : جلس الأبجر في ~~ليلة اليوم السابع من أيام الحج على قريب من التنعيم فإذا عسكر جرار قد ~~أقبل في آخر الليل وفيه دواب تجنب ومنها فرس أدهم عليه سرج حليته ذهب ، ~~فأندفع يغني : عرفت ديار الحي خالية قفرا . . . كأن بها لما توهمتها سطرا ~~فلما سمعه من في القباب والمحامل أمسكوا وصاح صائح : ويحك أعد الصوت فقال : ~~لا والله إلا بالفرس الأدهم بسرجه ولجامه وأربعمائة دينار ؛ وإذا الوليد بن ~~يزيد صاحب العسكر . فنودي : أين منزلك ؟ ومن أنت ؟ فقال : أنا الأبجر ، ~~ومنزلي على زقاق باب الخرازين . فغدا عليه رسول الوليد بذلك الفرس ~~وأربعمائة دينار وتخت ثياب وشي وغير ذلك ، ثم أتى به الوليد ، فأقام وراح ~~مع أصحابه عشية التروية وهو أحسنهم هيئة ، وخرج معه أو بعده إلى الشام . ~~وحكى عن عمرو بن حفص بن أم كلاب ، قال : كان الأبجر مولانا وكان مكيا ، ~~وكان إذا قدم من مكة نزل علينا . فقال لنا يوما : أسمعونا غناء أبن عائشتكم ~~هذا ؛ فأرسلنا إليه فجمعنا بينهما في بيت أبن هبار . فغنى أبن عائشة ؛ فقال ~~الأبجر : كل مملوك له حر إن غنيت معك إلا بنصف ms0913 صوتي ، ثم PageV04P0274 # """""" صفحة رقم 275 """""" أدخل إصبعه في شدقه وغنى فسمع صوته من في ~~السوق ، فحشر الناس علينا ، فلم يفترقا حتى تشاتما . ذكر أخبار أبي زيد ~~الدلال هو أبو زيد ناقد مدني ، مولى عائشة بنت سعيد بن العاص ، وكان مخنثا ~~. قال إسحاق : لم يكن في المخنثين أحسن وجها ولا أنظف ثوبا ولا أظرف من ~~الدلال . قالوا : ولم يكن بعد طويس أظرف منه ولا أكثر ملحا . وكان كثير ~~النوادر نزر الحديث ، فإذا تكلم أضحك الثكالى ، وكان ضاحك السن ، ولم يكن ~~يغني إلا غناء مضعفا يعني كثير العمل . وقال أيوب بن عباية : شهدت أهل ~~المدينة إذا ذكروا الدلال وأحاديثه طولوا رقابهم وفخروا به ، فعلمت أن ذلك ~~لفضيلة كانت عنده . قالوا : وكان مبتلى بالنساء والكون معهن ، فكان يطلب ~~فلا يقدر عليه . وكان صحيح الغنخاء حسن الجرم . قالوا : وإنما لقب بالدلال ~~لشكله وحسن ظرفه ودله وحلاوة منطفه وحسن وجهه . وكان مشغوفا بمخالطة النساء ~~يكثر وصفهن للرجال . وكان يشاغل كل من يجالسه عن الغناء بأحاديث النساء ~~كراهة منه للغناء . وكان إذا غنى أجاد ، كما حكاه أبن الماجشون عن أبيه قال ~~: غناني الدلال يوما بشعر مجنون بني عامر ، فلقد خفت الفتنة على نفسي . ~~وأستحضره سليمان بن عبد الملك من المدينة سرا وغناه وأقام عنده شهرا ثم ~~صرفه إلى الحجاز مكرما . قال الأصمعي : حج هشام بن عبد الملك ؛ فلما قدم ~~المدينة نزل رجل من أشراف أهل الشام وقوادهم بجنب دار الدلال ، فكان الشامي ~~يسمع غناء الدلال ويصغي إليه ويصعد فوق PageV04P0275 # """""" صفحة رقم 276 """""" السطح ليقرب من الصوت ، ثم بعث إلى الدلال : ~~إما أن تزورنا وإما أن نزورك . فبعث إليه الدلال بل تزورنا . فبعث الشامي ~~ما يصلح ومضى إليه بغلامين من غلمانه كأنهما درتان مكنونتان . فغناه الدلال ~~، فأستحسن الشامي غناءه فقال : زدني ؛ قال : أو ما يكفيك ما سمعت قال : لا ~~والله ما يكفيني . قال : فإن لي حاجة . قال : وما هي ؟ قال : تبيعني أحد ~~هذين الغلامين أو كليهما ، فقال : أختر أيهما شئت ، فأختار أحدهما ، فقال ~~له الشامي : هو لك ms0914 ؛ فقبله منه الدلال ، ثم غناه وغنى : دعتني دواع من أريا ~~فهيجت . . . هوى كان قدما من فؤاد طروب لعل زمانا قد مضى أن يعود لي . . . ~~فتغفر أروى عند ذاك ذنوبي سبتني أريا يوم نعف محسر . . . بوجه جميل للقلوب ~~سلوب فقال له الشامي : أحسنت . ثم قال له أيها الرجل الجميل ، إن لي إليك ~~حاجة ، قال الدلال : وما هي ؟ قال : أريد وصيفة ولدت في حجر صالح ونشأت في ~~خير ، جميلة الوجه مجدولة وضيئة جعدة في بياض مشربة حمرة حسنة الهامة سبطة ~~أسيلة الخد عذبة اللسان لها شكل ودل تملأ العين والنفس . فقال له الدلال : ~~قد أصبتها لك ، فما لي عندك إن دللتك عليها ؟ قال : غلامي هذا . قال : إذا ~~رأيتها وقبلتها فالغلام لي ؟ قال نعم . قال : فأتي أمرأة كنى عن أسمها ، ~~فقال لها : جعلت فداءك نزل بقربي رجل من قواد هشام ، له ظرف وسخاء ، وجاءني ~~زائرا فأكرمته ، ورأيت معه غلامين كأنهما الشمس الطالعة المنيرة والكواكب ~~الزاهرة ما وقعت عيني على مثلهما ولا يطول لساني بوصفهما ، فوهب لي أحدهما ~~والآخر عنده ، وإن لم يصر إلي فنفسي ذاهبة . قالت : وتريد ماذا ؟ قال : طلب ~~مني وصيفة على صفة لا أعلمها إلا في أبنتك ، فهل لك أن تريد إياها ؟ قالت : ~~وكيف لك بأن يدفع الغلام إليك إذا رآها ؟ قال : إني قد شرطت عليه ذلك عند ~~النظر لا عند البيع . قالت : شأنك ، لا يعلم هذا أحد . فمضى الدلال وأتى ~~بالشامي . فلما صار إلى المرأة وضع له كرسي وجلس . فقالت له المرأة : أمن ~~العرب أنت ؟ قال نعم . قالت : من أيهم ؟ قال : من خزاعة . قالت : مرحبا ~~PageV04P0276 # """""" صفحة رقم 277 """""" بك وأهلا أي شيء طلبت ؟ فوصف لها الصفة . ~~قالت : قد اصبتها ؛ وأسرت إلى جارية لها فدخلت فمكثت هنيهة ثم خرجت فنظرت ~~فقالت : أخرجي ، فخرجت وصيفة ما رأى الراءون مثلها . فقالت لها : أقبلي ~~فأقبلت ، ثم قالت : أدبري فأدبرت تملأ العين والنفس ، فما بقي منها شيء إلا ~~وضع يده عليه . فقالت له : أتحب أن نؤزرها لك ؟ قال نعم . قالت : أئتزري ؛ ~~فضمها الإزار وظهرت محاسنها ms0915 الخفية ؛ فضرب بيده إلى عجيزتها وصدرها . ثم ~~قالت : أتحب أن نجردها لك ؟ قال نعم . قالت : أي حبيبتي وضحي ؛ فألقت ~~الإزار فإذا أحسن خلق الله كأنها سبيكة . فقالت : يا أخا العرب ، كيف رأيت ~~؟ قال : منية المتمني . قال : بكم تقولين ؟ قالت : ليس يوم النظر يوم البيع ~~، ولكن تعود غدا حتى نبايعك فلا تنصرف إلا عن رضا ، فأنصرف من عندها . فقال ~~له الدلال : أرضيت ؟ قال : نعم ، ما كنت أحسب أن مثل هذه في الدنيا ، وإن ~~الصفة لتقصر دونها ، ثم دفع إليه الغلام الثاني . فلما كان من الغد قال له ~~الشامي : أمض بنا . فمضيا حتى قرعا الباب ، فأذن لهما فدخلا فسلما ، فرحبت ~~المرأة بهما ثم قالت للشامي : أعطنا ما تبذل ؛ فقال : ما لها عندي ثمن إلا ~~وهي أكثر منه ، فقولي أنت يا أمة الله . قالت : بل قل أنت ، فإنا لم نوطئك ~~أعقابنا ونحن نريد خلافك وأنت لها رضا . قال : ثلاثة آلاف دينار . قالت : ~~والله لقبلة منها خير من ثلاثة آلاف دينار . قال : أربعة آلاف دينار . قالت ~~: غفر الله لك أعطنا أيها الرجل . قال : والله ما معي غيرها ولو كان لزدتك ~~إلا رقيق ودواب . قالت : ما أراك إلا صادقا ، أتدري من هذه ؟ قال : تخبريني ~~. قالت : هذه ابنتي فلانة بنت فلانة وأنا فلانة بنت فلان ، قم راشدا . فقال ~~للدلال : خدعتني . قال : أو ما ترضى أن ترى ما رأيت من مثلها وتهب مائة ~~غلام مثل غلامك ؟ قال : أما هذا فنعم . وخرجا من عندها . والدلال أحد من ~~خسى من المخنثين بالمدينة لما أمر سليمان بن عبد الملك عامله على المدينة ~~أبا بكر بن عمرو بن حزم بخصيهم . ذكر أخبار عطرد هو أبو هارون عطرد ، مولى ~~الأنصار ثم مولى بني عمرو بن عوف ، وقيل : إنه مولى مزينة . مدني كان ينزل ~~قباء . وكان جميل الوجه حسن الغناء طيب الصوت PageV04P0277 # """""" صفحة رقم 278 """""" جيد الصنعة حسن الزي والمروءة فقيها قارئا ~~للقرآن . وقيل : إنه كان معدل الشهادة بالمدينة . وأدرك دولة بني أمية وبقي ~~إلى أول أيام الرشيد . وكان يغني مرتجلا . وحكى أبو ms0916 الفرج الأصفهاني بسند ~~رفعه قال : لما أستخلف الوليد بن يزيد كتب إلى عامله بالمدينة فأمره بإشخاص ~~عطرد المعنى إليه ، ففعل . قال عطرد : فدخلت على الوليد وهو جالس في قصره ~~على شفير بركة مرصصة مملوءة خمرا ليست بالكبيرة ولكنها يدور الرجل فيها ~~سباحة . قال : فوالله ما تركني أسلم حتى قال : أعطرد ؟ قلت : نعم يا أمير ~~المؤمنين . قال : ما زلت إليك مشتاقا يا أبا هارون ، غنني : حي الحمول ~~بجانب العزل . . . إذ لا يشاكل شكلها شكلي الله أنجح ما طلبت به . . . ~~والبر خير حقيبة الرحل إني بحبلك واصل حبلي . . . وبريش نبلك رائش نبلي ~~وشمائلي ما قد علمت وما . . . نبحت كلابك طارقا مثلي قال : فغنيته إياه ، ~~فوالله ما أتممته حتى شق حلة وشي كانت عليه لا أدري كم قيمتها ، فتجرد منها ~~كما ولدته أمه ، وألقي نفسه في البركة فنهل منها حتى تبينت أنها قد نقصت ~~نقصانا بينا ، وأخرج منها وهو كالميت سكرا ، فأضجع وغطى ؛ فأخذت الحلة وقمت ~~وأنصرفت إلى منزلي متعجبا من فعله . فلما كان في غد ، جاءني رسوله في مثل ~~الوقت فأحضرني . فلما دخلت عليه قال : يا عطرد ؟ قلت : لبيك يا أمير ~~المؤمنين قال : غنني : أيذهب عمري هكذا لم أنل به . . . مجالس تشفى قرح ~~قلبي من الوجد PageV04P0278 # """""" صفحة رقم 279 """""" وقالوا تداو إن في الطب راحة . . . فعللت ~~نفسي بالدواء فلم يجد فغنيته إياه ، فشق حلة وشي كانت تلمع عليه بالذهب ~~احتقرت والله الأولى عندها ، ثم ألقي نفسه في البركة فنهل منها حتى تبينت ~~نقصانها وأخرج كالميت سكرا ، فألقي وغطى ونام ؛ وأخذت الحلة وأنصرفت . فلما ~~كان اليوم الثالث ، جاءني رسوله فدخلت إليه وهو في بهو قد ألقيت ستوره ، ~~فكلمني من وراء الستور وقال : يا عطرد قلت : لبيك يا أمير المؤمنين قال : ~~كأني بك الآن قد أتيت إلى المدينة فقمت في مجالسها وقعدت وقلت : دعاني أمير ~~المؤمنين فدخلت عليه فأقترح علي فغنيته فأطربته فشق ثيابه وأخذت سلبه وفعل ~~وفعل ووالله يا أبن الزانية إن تحركت شفتاك بشيء مما جرى لأضربن عنقك يا ~~غلام أعطه ألف ms0917 دينار ؛ خذها وانصرف إلى المدينة . فقلت : إن رأى أمير ~~المؤمنين أن يأذن لي في تقبيل يده ويزودني نظرة منه وأغنيه صوتا فقال : لا ~~حاجة بي ولا بك إلى ذلك ، فأنصرف . قال عطرد : فخرجت من عنده وما علم الله ~~أني ذكرت شيئا مما جرى حتى مضت من دولة بني هاشم مدة . ودخل عطرد على ~~المهدي وغناه . قيل : ودخل على الرشيد وغناه . والله سبحانه وتعالى أعلم ~~بالصواب . ذكر أخبار عمر الوادي هو عمر بن داود بن زاذان . وجده زاذان مولي ~~عمرو بن عثمان بن عفان . وأخذ الغناء عن حكم ، وقيل : بل أخذ حكم عنه . وهو ~~من أهل وادي القرى . قدم الحرم وأخذ من غناء أهله فحذق وصنع فأجاد . وكان ~~طيب الصوت شجيا مطربا . وهو أول من غنى من أهل وادي القرى ، وأتصل بالوليد ~~بن يزيد في أيام إمارته فتقدم عنده جدا ، وكان يسميه جامع لذاتي ومحبي طربي ~~. وقتل الوليد وهو يغنيه ، وكان آخر الناس به عهدا . قال : وكان يجتمع مع ~~معبد ومالك بن أبي السمح وغيرهما من المغنين عند الوليد بن يزيد ، فلا ~~يمنعه حضورهم من تقديمه والإصغاء إليه والأختصاص به . وفي عمر هذا يقول ~~الوليد بن يزيد : إنما فكرت في عمر . . . حين قال القول واختلجا ~~PageV04P0279 # """""" صفحة رقم 280 """""" إنه للمستنير به . . . قمر قد طمس السرجا ~~ويغني الشعر ينظمه . . . سيد القوم الذي فلجا أكمل الوادي صنعته . . . في ~~كتاب فاندمجا أراد الوليد بن يزيد بقوله : سيد القوم نفسه . ذكر أخبار حكم ~~الوادي هو أبو يحيى الحكم بن ميمون ، وقيل : الحكم بن يحيى بن ميمون . مولى ~~الوليد بن عبد الملك ، كان أبوه حلاقا يحلق رأس الوليد ، فأشتراه فأعتقه . ~~وكان حكم طويلا أحول ، يكري الجمال ينقل عليها الزيت من الشام إلى المدينة ~~. وقيل : كان أصله من الفرس . وكان واحد عصره في الحذق ، وكان يغني بالدف ~~ويغني مرتجلا . وعمر عمرا طويلا ، غنى الوليد بن عبد الملك ، وغنى الرشيد ، ~~ومات في الشطر من خلافته . وأخذ الغناء عن عمر الوادي ، وقد قيل : إن عمر ~~أخذ عنه . قال حماد ms0918 بن إسحاق قال لي أبي : أربعة بلغت في أربعة أجناس من ~~الغناء مبلغا قصر عنه غيرهم : معبد في الثقيل ، وابن سريج في الرمل ، وحكم ~~في الهزج ، وإبراهيم في الماخوري . قال أبو الفرج الأصفهاني : وزار حكم ~~الوادي الرشيد ، فبره ووصله بثلثمائة ألف درهم ، وخيره فيمن يكتب له بها ~~عليه ؛ فقال : أكتب لي بها على إبراهيم بن المهدي وكان إبراهيم إذ ذاك ~~عاملا له بالشام فقدم عليه حكم بكتاب الرشيد ؛ فأعطاه ما كتب له به ، ووصله ~~بمثل ذلك ، إلا أنه نقصه ألف درهم من الثلثمائة ألف ، وقال له : لا أصلك ~~بمثل ما وصلك أمير المؤمنين . قال إبراهيم بن المهدي : وأقام عندي ثلاثين ~~يوما أخذت عنه فيها ثلثمائة صوت ، كل صوت أحب إلي من الثلثمائة ألف التي ~~وهبتها له . وقيل : إنه لم يشتهر بالغناء حتى صار إلى بني العباس ، فأنقطع ~~إلى محمد بن أبي العباس ، وذلك في خلافة المنصور ، فأعجب به وأختاره على ~~المغنين وأعجبته أهزاجه . وكان يقال : إنه أهزج الناس . ويقال : إنه غنى ~~الأهزاج في آخر عمره ؛ فلامه ابنه على ذلك وقال : أبعد الكبر تغني غناء ~~المخنثين فقال له : اسكت فإنك جاهل ، غنيت الثقيل ستين سنة فلم أنل إلا ~~القوت ، وغنيت الأهزاج منذ سنتين فكسبتك ما لم تر مثله قط . والله أعلم . ~~PageV04P0280 # """""" صفحة رقم 281 """""" ذكر أخبار ابن جامع هو أبو القاسم إسماعيل بن ~~جامع بن عبد الله بن المطلب بن أبي وداعة أبن صبيرة بن سهم بن هصيص بن كعب ~~بن لؤي . قالوا : وكان أبن جامع من أحفظ خلق الله لكتاب الله تعالى ، كان ~~يخرج من منزله مع الفجر يوم الجمعة فيصلي الصبح ثم يصف قدميه حتى تطلع ~~الشمس ، فلا يصلي الناس الجمعة حتى يختم القرآن ثم ينصرف إلى منزله . وكان ~~حسن السمت ، كثير الصلاة . وكان يعتم بعمامة سوداء على قلنسوة ويلبس لباس ~~الفقهاء ويركب حمارا مريسيا في زي أهل الحجاز . وروي عنه أنه قال : لولا أن ~~القمار وحب الكلاب قد شغلاني لتركت المغنين لا يأكلون الخبز . قال أبن جامع ~~: أخذت ms0919 من الرشيد بيتين غنيته إياهما عشرة آلاف دينار . قالوا : وكان ~~إبراهيم بن المهدي يفضل أبن جامع فلا يقدم عليه أحدا . قال : وكان أبن جامع ~~منقطعا إلى موسى الهادي في أيام أبيه ، فضربه المهدي وطرده . فلما مات ~~المهدي بعث الفضل بن الربيع إلى مكة فأحضر أبن جامع في قبة ولم يعلم به ~~أحدا . فذكره موسى الهادي ذات ليلة فقال لجلسائه : أما فيكم أحد يرسل إلى ~~أبن جامع وقد عرفتم موقعه مني ؟ فقال الفضل بن الربيع : هو والله عندي يا ~~أمير المؤمنين وأحضره إليه . فوصل الفضل في تلك الليلة بعشرة آلاف دينار ~~وولاه حجابته . وحكى أنه دخل على الهادي فغناه فلم يعجبه ؛ فقال له الفضل : ~~تركت الخفيف وغنيت الثقيل . قال : فأدخلني عليه أخرى فأدخله ؛ فغناه الخفيف ~~، فأعطاه ثلاثين ألف دينار . قال أحمد بن يحيى المكي : كان أبن جامع أحسن ~~ما يكون غناء إذا حزن . وأحب الرشيد أن يسمع ذلك ، فقال للفضل بن الربيع : ~~ابعث بخريطة فيها نعى أم أبن جامع وكان برا بأمه ففعل . فقال الرشيد : يا ~~أبن جامع ، في هذه الخريطة نعى أمك ؛ فأندفع أبن جامع يغني بتلك الحرقة ~~والحزن الذي في قلبه : كم بالدروب وأرض السند من قدم . . . ومن جماجم صرعى ~~ما بها قبروا بقدنرهار ومن تكتب منيته . . . بقندهار يرجم دونه الخبر ~~PageV04P0281 # """""" صفحة رقم 282 """""" قال : فوالله ما ملكنا أنفسنا ، ورأيت ~~الغلمان يضربون برءوسهم الحيطان والأساطين ، وأمر له الرشيد بعشرة آلاف ~~دينار . وروى أبو الفرج بسنده إلى عبد الله بن علي بن عيسى بن ماهان قال : ~~سمعت يزيد يحدث عن أم جعفر أنه بلغها أن الرشيد جالس وحده وليس معه أحد من ~~الندماء ولا المسامرين ، فأرسلت إليه : يا أمير المؤمنين ، إني لم أرك منذ ~~ثلاث وهذا اليوم الرابع . فأرسل إليها : عندي أبن جامع . فأرسلت إليه : أنت ~~تعلم أني لا أتهنأ بشرب ولا سماع ولا غيرهما إلا أن تشركني فيه ، ما كان ~~عليك أن أشركك في هذا الذي أنت فيه فأرسل إليها : إني صائر إليك الساعة . ~~ثم قام وأخذ بيد أبن ms0920 جامع وقال للخادم : امض إليها وأعلمها أني قد جئت . ~~وأقبل الرشيد ؛ فلما نظر إلى الخدم والوصائف قد أستقبلوه علم أنها قد قامت ~~تستقبله ؛ فوجه إليها : إن معي أبن جامع ، فعدلت إلى بعض المقاصير . وجاء ~~الرشيد وصير أبن جامع في بعض المواضع التي يسمع منه فيها ، ثم أمر أبن جامع ~~فأندفع يغني : ما رعدت رعدة ولا برقت . . . لكنها أنشئت لنا خلقه الماء ~~يجري ولا نظام له . . . لو يجد الماء مخرقا خرقه بتنا وباتت على نمارقها . ~~. . حتى بدا الصبح عينها أرقه أن قيل إن الرحيل بعد غد . . . والدار بعد ~~الجميع مفترقه فقالت أم جعفر للرشيد : ما أحسن ما أشتهيت والله يا أمير ~~المؤمنين ثم قالت لمسلم خادمها : ادفع إلى أبن جامع بكل بيت مائة ألف درهم ~~. فقال الرشيد : غلبتينا يا أبنة أبي الفضل وسبقتينا إلى بر ضيفنا وجليسنا ~~. فلما خرج حمل الرشيد إليها مكان كل درهم دينارا . ذكر أخبار عمرو بن أبي ~~الكنات قال أبو الفرج الأصفهاني : هو أبو عثمان ، وقيل : أبو معاذ عمرو بن ~~أبي الكنات ، مولى بني جمح . وهو مكي مغن حسن الصوت ، من طبقة أبن جامع ~~PageV04P0282 # """""" صفحة رقم 283 """""" وأصحابه . وفيه يقول الشاعر : أحسن الناس ~~فأعلموه غناء . . . رجل من بني أبي الكنات قال محمد بن عبد الله بن فروة : ~~قلت لإسماعيل بن جامع يوما : هل غلبك أحد من المغنين قط ؟ قال : نعم ، كنت ~~ليلة ببغداد إذ جاءني رسول أمير المؤمنين هارون الرشيد فأمرني بالركوب ، ~~فركبت حتى صرت إلى الدار ، فإذا أنا بالفضل بن الربيع ومعه زلزل العواد ~~وبرصوما ؛ فسلمت وجلست يسيرا . فطلع خادم فقال للفضل : هل جاء ؟ قال لا . ~~قال : فابعث إليه . ولم يزل المغنون يدخلون واحدا واحدا حتى كنا ستة أو ~~سبعة . ثم طلع الخادم فقال : هل جاء ؟ فقال لا ؛ فقال : قم فابعث في طلبه ؛ ~~فقام فغاب غير طويل فإذا هو قد جاء بعمرو بن أبي الكنات . فسلم وجلس إلى ~~جنبي ، فقال لي : من هؤلاء ؟ قلت : مغنون ، هذا زلزل وهذا برصوما . فقال : ~~لأغنينك غناء يخرق هذا السقف وتجيبه ms0921 الحيطان . ثم طلع الخصى فدعا بكراسي ، ~~وخرج الجواري . فلما جلسن قال الخادم : شدوا فشدوا عيدانهم ؛ ثم قال : يغني ~~أبن جامع ، فغنيت سبعة أو ثمانية أصوات ؛ قال : أسكت ، وليغن إبراهيم ~~الموصلي ؛ فغنى مثل ذلك أو دونه ثم سكت ، وغنى القوم كلهم واحدا بعد واحد ~~حتى فرغوا . ثم قال لأبن أبي الكنات : غن ؛ فقال لزلزل : شد طبقتك فشدح ثم ~~قال له : شد فشد ، ثم أخذ العود من يده فجسه حتى وقف على الموضع الذي يريده ~~، ثم قال : على هذا . وأبتدأ الصوت الذي أوله ألالا ؛ فوالله لقد خيل إلأي ~~أن الحيطان تجاوبه ؛ ثم رجع النغمة فيه ؛ فطلع الخصى فقال : أسكت لا تتم ~~الصوت فسكت . ثم قال : يجلس عمرو بن أبي الكنات وينصرف سائر المغنين ؛ ~~فقمنا بأسوأ حال وأكسف بال ، ولا والله ما زال كل واحد منا يسأل صاحبه عن ~~كل ما يرويه من الغناء الذي أوله ألالا طمعا في أن يعرفه وأن يوافق غناءه ~~فما عرفه منا أحد . وبات عمرو عند الرشيد ليلته وأنصرف من عنده بجوائز ~~وصلات وطرف سنية . وقال موسى بن أبي المهاجر : خرج أبن جامع وأبن أبي ~~الكنات حين دفع الإمام من عرفة ، حتى إذا كانوا بين المأزمين جلس عمرو على ~~طرف الجبل ثم أندفع يغني ، فركب الناس بعضهم بعضا حتى صاحوا به وأستغاثوا : ~~يا هذا ، الله الله PageV04P0283 # """""" صفحة رقم 284 """""" أسكت عنا يجز الناس ؛ فضبط أبن جامع بيده على ~~فيه حتى مضى الناس إلى مزدلفة . قال علي بن الجهم : حدثني من أثق به قال : ~~واقفت أبن أبي الكنات على جسر بغداد أيام الرشيد فحدثته بحديث أتصل بي عن ~~أبن عائشة أنه وقف في الموسم في أيام هشام ، فمر به بعض أصحابه فقال : ما ~~تصنع ؟ فقال : إني لأعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس فلم يذهب منهم أحد ولم ~~يجيء . فقلت له : من هذا الرجل ؟ قال : أنا ، ثم أندفع فغنى فحبس الناس ، ~~فأضطربت المحامل ومدت الإبل أعناقها . فقال أبن أبي الكنات وكان معجبا ~~بنفسه : أنا أفعل كما فعل وقدرتي على القلوب ms0922 أكثر من قدرته . ثم أندفع فغنى ~~الصوت الذي غنى فيه أبن عائشة ، وهو : جرت سنحا فقلت لها أجيزي . . . نوى ~~مشمولة فمتى اللقاء بنفسي من تذكره سقام . . . أعالجه ومطلبه عناء قال : ~~فغناه ، وكنا إذ ذاك على جسر بغداد ، وكان على دجلة ثلاثة جسور ، فأنقطعت ~~الطرق وأمتلأت الجسور بالناس فأزدحموا عليها وأضطربت حتى خيف عليها أن ~~تنقطع لثقل من عليها من الناس . فأخذ فأتي به الرشيد ؛ فقال له : يا عدو ~~الله ، أردت أن تفتن الناس قال : لا والله يا أمير المؤمنين ولكنه بلغني أن ~~أبن عائشة فعل مثل هذا في أيام هشام ، فأحببت أن يكون في أيامك مثله . ~~فأعجبه ذلك ، وأمر له بمال وأمره أن يغني فغنى ؛ فسمع شيئا لم يسمع مثله ، ~~فأحتبسه عنده شهرا يستزيده ، وكل يوم يستأذن له في الأنصراف فلا يأذن له ~~حتى تمم شهرا ، وأنصرف بأموال جسيمة . وقال عثمان بن موسى : كنا على شراب ~~يوما ومعنا عمرو بن أبي الكنات إذ قال لنا قبل طلوع الشمس : من تحبون أن ~~يجيئكم ؟ قلنا : منصور الحجبي . فقال : أمهلوا حتى يكون الوقت الذي ينحدر ~~فيه إلى سوق البقر ، فمكثنا ساعة ثم أندفع PageV04P0284 # """""" صفحة رقم 285 """""" يغني : أحسن الناس فأعلموه غناء . . . رجل من ~~بني أبي الكنات عفت الدار فالهضاب اللواتي . . . بين ثور فملتقى عرفات فلم ~~نلبث أن رأينا منصورا من بعد قد أقبل يركض دابته نحونا . فلما جلس إلينا ~~قلت له : من أين علمت بنا ؟ قال : سمعت صوت عمرو وأنا في سوق البقر ، فخرجت ~~أركض دابتي حتى صرت إليكم . قال : وبيننا وبين ذلك الموضع ثلاثة أميال . ~~وقال يحيى بن يعلى بن سعيد : بينا أنا ليلة في منزلي في الرمضة بأسفل مكة ، ~~إذ سمعت صوت عمرو بن أبي الكنات كأنه معي ، فأمرت الغلام فأسرج لي دابتي ~~وخرجت أريده ، فلم أزل أتبع الصوت حتى وجدته جالسا على الكثيب العارض ببطن ~~عرفة يغني : خذي العفو مني تستديمي مودتي . . . ولا تنطقي في سورتي حين ~~أغضب ولا تنقريني نقرة الدف مرة . . . فإنك لا تدرين كيف المغيب فإني رأيت ms0923 ~~الحب في الصدر والأذى . . . إذا أجتمعا لم يلبث الحب يذهب ذكر أخبار أبي ~~المهنأ مخارق هو أبو المهنأ مخارق بن يحيى بن ناووس الجزار مولى الرشيد . ~~وقيل : بل ناووس لقب أبيه يحيى ؛ وإنما لقب بناووس لأنه بايع رجلا أنه يمضي ~~إلى ناووس الكوفة فيطبخ فيه قدرا بالليل حتى تنضج ، فطرح رهنه بذلك ؛ فدس ~~الرجل الذي راهنه رجلا فألقى نفسه في الناووس بين الموتى . فلما فرغ ناووس ~~من الطبخ مد الرجل يده من بين الموتى وقال له : أطعمني ؛ فغرف بالمغرفة من ~~المرق وصبها في يد الرجل فأحرقها وضربها بالمغرفة وقال له : اصبر حتى نطعم ~~الأحياء أولا ثم نتفرغ للموتى ؛ فلقب ناووسا لذلك . PageV04P0285 # """""" صفحة رقم 286 """""" قال : وكان مخارق لعاتكة بنت شهدة ، وهي من ~~المغنيات المحسنات المتقدمات في الضرب . نشأ مخارق بالمدينة ؛ وقيل : كان ~~منشؤه بالكوفة . وكان أبوه جزارا مملوكا ، وكان مخارق وهو صبي ينادي على ما ~~يبيعه أبوه من اللحم . فلما بان طيب صوته علمته مولاته طرفا من الغناء ، ثم ~~أرادت بيعه ، فأشتراه إبراهيم الموصلي منها وأهداه للفضل بن يحيى ، فأخذه ~~الرشيد منه ثم أعتقه . وقيل : أشتراه إبراهيم من مولاته بثلاثين ألف درهم ~~وزادها ثلاثة آلاف درهم . قال : ولما أشتراه قال له الفضل بن يحيى : ما خبر ~~غلام بلغني أنك أشتريته ؟ فقال : هو ما بلغك . قال : فأرنيه ، فأحضره ، ~~فغنى بين يديه ؛ فقال له : ما أرى فيه الذي رأيت . قال : تريد أن يكون في ~~الغناء مثلي في ساعة واحدة فقال : بكم تبيعه ؟ قال : أشتريته بثلاثين ألف ~~درهم ، وهو حر لوجه الله تعالى إن بعته إلا بثلاثة وثلاثين ألف دينار . ~~فغضب الفضل وقال : إنما أردت ألا تبيعه أو تجعله سببا لأن تأخذ مني ثلاثة ~~وثلاثين ألف دينار . فقال إبراهيم : أنا أصنع بك خصلة واحدة ، أبيعك نصفه ~~بنصف هذا المال وأكون شريكك في نصفه وأعلمه ، فإن أعجبك إذا علمته أتممت لي ~~باقي المال وإلا بعته بعد ، وكان الربح بيني وبينك . فقال الفضل : إنما ~~أردت أن تأخذ مني المال الذي قدمت ذكره ، فلما لم تقدر ms0924 على ذلك أردت أن ~~تأخذ نصفه ، وغضب . فقال إبراهيم له : فأنا أهبه لك على أنه يساوي ثلاثة ~~وثلاثين ألف دينار ؛ قال : قد قبلته ؛ قال : وقد وهبته لك . وغدا إبراهيم ~~على الرشيد ؛ فقال له : يا إبراهيم ، ما غلام بلغني أنك وهبته للفضل ؟ قال ~~: غلام يا أمير المؤمنين لم تملك العرب ولا العجم مثله ، ولا يكون مثله ~~أبدا . قال : فوجه إلى الفضل يأمره بإحضاره . فوجه به إليه ، فغنى بين يديه ~~؛ فقال له : كم يساوي ؟ قال إبراهيم : يساوي خراج مصر وضياعها . قال : ويحك ~~أتدري ما تقول مبلغ هذا المال كذا وكذا قال : وما مقدار هذا المال في غلام ~~لم يملك أحد مثله قط قال : فالتفت الرشيد إلى مسرور الكبير وقال : قد عرفت ~~يميني أني لا أسأل أحدا من البرامكة شيئا فقال مسرور : PageV04P0286 # """""" صفحة رقم 287 """""" فأنا أمضي إلى الفضل فأستوهبه منه ، فإذا كان ~~عندي فهو عندك . فقال له : شأنك . فمضى مسرور إلى الفضل وأستوهبه منه ، ~~فوهبه له . وقيل : بل إبراهيم هو الذي أهداه للرشيد ؛ فأمره الرشيد بتعليمه ~~فعلمه حتى بلغ ما بلغه . قال : وكان مخارق يقف بين يدي الرشيد مع الغلمان ~~لا يجلس ويغني وهو واقف . فغنى ابن جامع ذات يوم بين يدي الرشيد : كأن ~~نيراننا في جنب قلعتهم . . . مصبغات على أرسان قصار هوت هرقلة لما أن رأت ~~عجبا . . . جواثما ترتمي بالنفط والنار فطرب الرشيد وأستعاده مرارا ؛ وهو ~~شعر مدح به الرشيد في فتح هرقلة . فأقبل الرشيد على أبن جامع دون غيره . ~~فغمز مخارق إبراهيم بعينه وتقدمه إلى الخلاء ، فلما جاء قال له : مالي أراك ~~منكسرا ؟ فقال له : أما ترى إقبال أمير المؤمنين على أبن جامع بسبب هذا ~~الصوت فقال مخارق : قد والله أخذته . فقال : ويحك إنه الرشيد ، وأبن جامع ~~من تعلم ، ولا يمكن معارضته إلا بما يزيد على غنائه وإلا فهو الموت فقال : ~~دعني وخلاك ذم ، وعرفه أني أغني به ، فإن أحسنت فإليك ينسب ، وإن أسأت فإلي ~~يعود . فقال إبراهيم للرشيد : يا أمير المؤمنين ، أراك متعجبا من هذا الصوت ~~بغير ما يستحقه ms0925 وأكثر مما يستوجبه فقال : لقد أحسن فيه أبن جامع ما شاء . ~~قال : أو لأبن جامع هو ؟ قال : نعم ، كذا ذكر . قال : فإن عبدك مخارقا ~~يغنيه . فنظر إلى مخارق ؛ فقال : نعم يا أمير المؤمنين . قال : هاته ؛ ~~فغناه وتحفظ فيه فأتى بالعجائب ، وطرب الرشيد حتى كاد يطير ؛ ثم أقبل على ~~أبن جامع فقال : ويلك ما هذا ؟ فابتدأ يحلف بالطلاق وكل محرجة أنه لم يسمع ~~ذلك الصوت قط من غيره وأنه صنعه وأنها حيلة جرت عليه . فأقبل على إبراهيم ~~وقال : أصدقني بحياتي ؛ فصدقه عن قصة مخارق . فقال لمخارق : اجلس إذا مع ~~أصحابك ، فقد تجاوزت مرتبة من يقوم . وأعتقه ووصله بثلاثة آلاف دينار ~~وأقطعه ضيعة ومنزلا . PageV04P0287 # """""" صفحة رقم 288 """""" وقد روى أبو الفرج الأصفهاني عن هارون بن ~~مخارق ، قال : كان أبي إذا غنى هذا الصوت : يا ربع سلمى لقد هيجت لي طربا . ~~. . زدت الفؤاد على علاته وصبا ربع تبدل ممن كان يسكنه . . . عفر الظباء ~~وظلمانا به عصبا يبكي ويقول : أنا مولى هذا الصوت . فقلت له : كيف يا أبت ؟ ~~فقال : غيته مولاي الرشيد ، فبكى وشرب عليه رطلا ثم قال : أحسنت يا مخارق ~~فسلني حاجتك ؛ فقلت : تعتقني يا أمير المؤمنين أعتقك الله من النار ؛ فقال ~~: أنت حر لوجه الله تعالى ، فأعد الصوت فأعدته ؛ فبكى وشرب رطلا ، ثم قال : ~~أحسنت يا مخارق فسلني حاجتك ؛ فقلت : ضيعة تقيمني غلتها ؛ فقال : قد أمرت ~~لك بها ، أعد الصوت فأعدته ؛ فبكى وقال : سل حاجتك ؛ فقلت : يا أمير ~~المؤمنين ، تأمر لي بمنزل وفرس وخادم ؛ فقال : ذلك لك ، أعد الصوت فأعدته ؛ ~~فبكى وقال : سل حاجتك ؛ فقبلت الأرض بين يديه وقلت : حاجتي أن يطيل الله ~~بقاءك ويديم عزك ويجعلني من كل سوء فداءك ؛ فأنا مولى هذا الصوت بعد مولاي ~~. ويروى أيضا عن الحسين بن الضحاك عن مخارق أن الرشيد قال يوما للمغنين وهو ~~مصطبح : من منكم يغني : يا ربع سلمى لقد هيجت لي طربا فقمت وقلت : أنا يا ~~أمير المؤمنين . فقال : هاته ؛ فغنيته فطرب وشرب ثم قال : علي بهرثمة ؛ ~~فقلت في نفسي : ماذا يريد ms0926 منه فجاء هرثمة فقال له : مخارق الشاري الذي ~~قتلناه بنواحي الموصل ما كانت كنيته ؟ فقال : أبو المهنأ ؛ فقال : أنصرف ~~فانصرف ؛ ثم أقبل الرشيد علي فقال : قد كنيتك أبا المهنأ لإحسانك ؛ وأمر لي ~~بمائة ألف درهم ؛ فأنصرفت بها وبالكنية . قال أبو عبد الله بن حمدون : كنا ~~عند الواثق وأمه عليلة . فلما صلى المغرب دخل إليها وأمر ألا نبرح ، فجلسنا ~~في صحن الدار ، وكانت ليلة مقمرة وأبطأ الواثق PageV04P0288 # """""" صفحة رقم 289 """""" علينا ؛ فاندفع مخارق يغني ، فأجتمع علينا ~~الغلمان ، وخرج الواثق فصاح : يا غلام ، فلم يجبه أحد ، ومشى في المجلس إلى ~~أن توسط الدار ؛ فلما رأيته بادرت إليه ؛ فقال لي : ويلك هل حدث في داري ~~شيء ؟ فقلت : لا يا سيدي . قال : فما بالي أصيح فلا أجاب ؟ فقلت : مخارق ~~يغنى والغلمان قد أجتمعوا إليه فليس فيهم فضل لسماع غير ما يسمعونه . فقال ~~: عذر والله لهم يا أبن حمدون وأي عذر ثم جلس وجلسنا بين يديه إلى السحر . ~~وقد روى نحو هذه الحكاية في أمر الغلمان مع مخارق عند المعتصم . وقال محمد ~~بن عبد الملك الزيات : قال لي الواثق : ما غناني مخارق قط إلا قدرت أنه من ~~قلبي خلق . وكان يقول : أتريدون أن تنظروا فضل مخارق على جميع أصحابه ؟ ~~انظروا إلى هؤلاء الغلمان الذين يقفون في السماط ، فكانوا يتفقدونهم وهم ~~وقوف فكلهم يسمع الغناء من المغنين جميعا وهو واقف مكانه ضابط لنفسه ، فإذا ~~تغنى مخارق خرجوا عن صورهم فتحركت أرجلهم ومناكبهم وبانت أسباب الطرب فيهم ~~، وأزدحموا على الحبل الذي يقفون من ورائه . وحكى أنه خرج مرة إلى باب ~~الكناسة بمدينة السلام والناس يرحلون إلى مكة ؛ فنظر إلى كثرتهم وأزدحامهم ~~، فقال لأصحابه الذين معه : قد جاء في الخبر أن أبن سريج كان يغني في أيام ~~الحج والناس يمشون فيستوقفون بغنائه ، وسأستوقف لكم هؤلاء الناس وأستلهيهم ~~جميعا لتعلموا أنه لم يكن ليفضلني إلا بصنعته دون صوته ؛ ثم اندفع يؤذن ، ~~فأستوقف أولئك الخلق واستلهاهم ، حتى جعلت المحامل يغشي بعضها بعضا . قالوا ~~: وجاء أبو العتاهية إلى باب مخارق وطرقه ms0927 فخرج إليه ؛ فقال له : يا حسان ~~هذا الإقليم ، يا حكيم أرض بابل ، أصبب في أذني شيئا يفرح به قلبي وتتنعم ~~به نفسي وكان في جماعة منهم محمد بن سعيد اليزيدي فقال : انزلوا ، فنزلوا ، ~~فغناهم . فقال محمد بن سعيد : فكدت أسعى على وجهي طربا . قال : وجعل أبو ~~العتاهية يبكي ، ثم قال : يا دواء المجانين ، لقد رققت حتى كدت أن أحسوك ، ~~فلو كان الغناء طعاما لكان غناؤك أدما ، ولو كان شرابا لكان ماء الحياة . ~~PageV04P0289 # """""" صفحة رقم 290 """""" وقال أبو الفرج عن عمر بن شبة قال : حدثني ~~بعض آل نوبخت قال : كان أبي وعبد الله بن أبي سهل وجماعة من آل نوبخت ~~وغيرهم وقوفا بكناسة الدواب في الجانب الغربي ببغداد يتحدثون ، وإنهم لكذلك ~~إذ أقبل مخارق على حمار أسود وعليه قميص رقيق ورداء مسهم ؛ فقال : فيم كنتم ~~؟ فأخبروه . فقال : دعونا من وسواسكم هذا ، أي شيء لي عليكم إن رميت بنفسي ~~بين قبرين من هذه القبور وغطيت وجهي وغنيت صوتا فلم يبق أحد بهذه الكناسة ~~ولا في الطريق من مشتر ولا بائع ولا صادر ولا وارد إلا ترك عمله وقرب مني ~~واتبع صوتي ؟ فقال عبد الله : إني لأحب أن أرى هذا ، فقل ما شئت . فقال ~~مخارق : فرسك الأشقر الذي طلبته منك فمنعتنيه . قال : هو لك إن فعلت ما قلت ~~. قال : فرمى بنفسه بين قبرين وتغطى بردائه ، ثم أندفع يغني بشعر أبي ~~العتاهية : نادت بوشك رحيلك الأيام . . . أفلست تسمع أم بك أستصمام ومضى ~~أمامك من رأيت وأنت لل . . . باقين حتى يلحقوك أمام مالي أراك كأن عينك لا ~~ترى . . . عبرا تمر كأنهن سهام تمضي الخطوب وأنت منتبه لها . . . فإذا مضت ~~فكأنها أحلام قال : فرأيت الناس يأتون إلى المقبرة أرسالا بين راكب وراجل ~~وصاحب شغل ومار في الطريق حتى لم يبق أحد . ثم قال لنا من تحت ردائه : هل ~~بقي أحد ؟ قلنا : لا ، وقد وجب الرهن . فقام فركب حماره ، وعاد الناس إلى ~~صنائعهم ؛ وقال لعبد الله : أحضر الفرس ؛ قال : على أن تقيم عندي ؛ قال نعم ~~؟ فسلم الفرس ms0928 إليه وبره وأحسن رفده . وروى عن يحيى المكي قال : خرج مخارق ~~مع بعض إخوانه إلى بعض المتنزهات ، فنظر إلى قوس مذهبة مع بعض من خرج معه ، ~~فسأله إياها ، وكان المسئول ضن بها ، وسنحت ظباء بالقرب منه ؛ فقال لصاحب ~~القوس : أرأيت PageV04P0290 # """""" صفحة رقم 291 """""" إن تغنيت صوتا فعطفت علي به خدود هذه الظباء ~~أتدفع إلي القوس ؟ قال نعم فاندفع يغني : ماذا تقول الظباء . . . أفرقة أم ~~لقاء أم عهدها بسليمى . . . وفي البيان شفاء مرت بناسانحات . . . وقد دنا ~~الإمساء فما أحارت جوابا . . . وطال فيها العناء قال : فعطفت الظباء راجعة ~~إليه حتى وقفت بالقرب منه تنظر إليه مصغية إلى صوته . فعجب من حضر من ~~رجوعها ووقوفها ؛ وناوله الرجل القوس ، فأخذها وقطع الغناء فعاودت الظباء ~~نفارها ومضت راجعة على سننها . وروى عن إسحاق بن إبراهيم قال : دخلت على ~~أبي وهو جالس بين بابين له ومخارق بين يديه وهو يغنيه : يا ربع بشرة إن ~~أضربك البلى . . . فلقد رأيتك آهلا معمورا قال : فرأيت أبي ودموعه تجري على ~~خديه من أربعة أماكن وهو ينشج أحر نشيج . فلما رآني قال : يا إسحاق ، هذا ~~والله صاحب اللواء غدا إن مات أبوك . وروى عن مخارق قال : رأيت وأنا حدث ~~كأن شيخا جالسا على سرير في روضة حسنة ، فدعاني فقال لي : غنني يا مخارق ؛ ~~فقلت : أصوتا تقترحه أو ما حضر ؟ فقال : ما حضر . فغنيته : دعى القلب لا ~~يزدد خبالا مع الذي . . . به منك أو داوى جواه المكتما وليس بتزويق اللسان ~~وصوغه . . . ولكنه قد خالط اللحم والدما فقال لي : أحسنت يا مخارق ثم أخذ ~~وترا من أوتار العود فلفه على المضراب ودفعه إلي ، فجعل المضراب يطول ويغلظ ~~والوتر ينتشر ويعرض حتى صار المضراب كالرمح والوتر كالعذبة عيه وصار في يدي ~~علما ، ثم أنتبهت فحدثت PageV04P0291 # """""" صفحة رقم 292 """""" برؤياي إبراهيم الموصلي ؛ فقال لي : الشيخ ~~بلا شك إبليس ، وقد عقد لواء صنعتك فانت ما حييت رئيس أهلها . وقال أحمد بن ~~حمدون : غضب المعتصم على مخارق فأمر أن يجعل في المؤذنين ويلزمهم ففعل ذلك ~~؛ وأمهل حتى ms0929 علم أن المعتصم يشرب ، فأذنت العصر ، فدخل إلى الستر حيث يقف ~~المؤذن للسلام ، ثم رفع صوته جهده وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ~~ورحمة الله وبركاته ، الصلاة يرحمك الله . فبكى حتى جرت دموعه وبكى كل من ~~حضر ، ثم قال : أدخلوه علي وأقبل علينا ؛ ثم قال : سمعتم هكذا قط ؟ هذا ~~الشيطان لا يترك أحدا يغضب عليه ؟ . فدخل إليه فقبل الأرض بين يديه ؛ فدعاه ~~المعتصم إليه فأعطاه يده فقبلها وأمره بإحضار عوده فأحضره ، وأعاده إلى ~~مرتبته . وأخباره كثيرة ، وفيما أوردناه منها كفاية . وكانت وفاته في أول ~~خلافة المتوكل ؛ وقيل : بل في آخر خلافة الواثق . وغنى خمسة من الخلفاء : ~~الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق . رحمهم الله تعالى . ذكر أخبار ~~يحيى بن مرزوق المكي هو أبو عثمان يحيى بن مرزوق المكي ، مولى بني أمية ، ~~وكان يكتم ذلك لخدمته للخلفاء من بني العباس ؛ وكان إذا سئل عن ولائه أنتمى ~~إلى قريش ، ولم يذكر البطن الذي ولاؤه له ، ويستعفى من يسأله عن ذلك . قال ~~الأصفهاني : وعمر يحيى المكي مائة وعشرين سنة ، وأصاب بالغناء ما لم يصبه ~~أحد من نظرائه ومات وهو صحيح العقل والسمع والبصر . وكان قدم مع الحجازيين ~~الذين قدموا على المهدي في أول خلافته فبقي بالعراق . وكان أبن جامع ~~وإبراهيم الموصلي وفليح يفزعون إليه في الغناء القديم فيأخذونه عنه ، ~~ويعابي بعضهم بعضا بما يأخذونه منه . فإذا خرجت لهم الجوائز أخذوه منها ~~ووفروا نصيبه . وله صنعة عجيبة نادرة متقدمة . قال : وله كتاب في الأغاني ~~ونسبها وأجناسها كبير جليل مشهور ، إلا أنه كالمطروح عند الرواة لكثرة ~~تخليطه في رواياته ؛ والعمل على كتاب أبنه أحمد ، PageV04P0292 # """""" صفحة رقم 293 """""" فإنه صحح كثيرا مما أفسده وأزال ما عرفه من ~~تخاليط أبيه ، وحقق ما نسبه من الأغاني إلى صانعه . قال : وهو يشتمل على ~~نحو ثلاثة آلاف صوت . قال أحمد بن سعيد : كانت صنعة يحيى ثلاثة آلاف صوت ، ~~منها زهاء ألف صوت لم يقاربه فيها أحد . وسئل أبنه أحمد عن صنعة أبيه فقال ~~: الذي صح عندي منها ألف صوت وثلثمائة صوت ms0930 ، منها مائة وسبعون صوتا ، غلب ~~فيها على الناس جميعا من تقدم منهم ومن تأخر ، فلم يقم له أحد فيها . قال ~~أحمد بن يحيى قال لي إسحاق : يا أبا جعفر لأبيك مائة وسبعون صوتا من أخذها ~~عنه بمائة وسبعين ألف درهم فهو الرابح . والله أعلم . ذكر أخبار أحمد بن ~~يحيى المكي الملقب بطنين هو أبو جعفر أحمد بن يحيى المكي ، وكان يلقب طنينا ~~. وهو أحد المحسنين المبرزين الرواة للغناء المحكمي الصنعة . كان إسحاق ~~يقدمه ويؤثره ويشدو بذكره ويجهر بتفضيله . قال أبو الفرج : وكتابه المجرد ~~في الأغاني ونسبها أصل من الأصول المعول عليها . قال : وكان مع جودة غنائه ~~وحسن صنعته أحد الضراب الموصوفين المتقدمين . قال علي بن يحيى : قلت لإسحاق ~~بن إبراهيم الموصلي وقد جرى ذكر أحمد ابن يحيى المكي : يا أبا محمد لو كان ~~أبو جعفر أحمد بن يحيى مملوكا كم كان يساوي ؟ قال : أخبرك عن ذلك ، انصرفت ~~ليلة من دار الواثق فأجتزت بدار الحسن بن وهب فدخلت إليه فإذا أحمد عنده . ~~فلما قاموا لصلاة العشاء الآخرة قال لي الحسن بن وهب : كم يساوي أحمد لو ~~كان مملوكا ؟ قلت : يساوي عشرين ألف دينار . قال : ثم رجع فغنى صوتا ؛ فقال ~~لي الحسن : كم يساوي أحمد لو كان مملوكا ؟ قلت : يساوي ثلاثين ألف دينار . ~~ثم تغنى صوتا آخر ؛ فقلت للحسن : يا أبا علي أضعفها . ثم أردت الأنصراف ~~فقلت لأحمد : PageV04P0293 # """""" صفحة رقم 294 """""" غنني لولا الحياء وأن الستر من خلقي . . . ~~إذا قعدت إليك الدهر لم أقم أليس عندك سكر للتي جعلت . . . ما أبيض من ~~قادمات الأس كالحمم فغناه فأحسن فيه كل الإحسان . فلما قمت للأنصراف قلت : ~~يا أبا علي ، أضعف الجميع . فقال له أحمد : ما هذا الذي أسمعكما تقولانه ~~ولست أدري ما معناه ؟ فقال : نحن نبيعك ونشتريك منذ الليلة وأنت لا تدري . ~~وقال محمد بن عبد الله بن مالك : سألني إسحاق بن إبراهيم الموصلي يوما : من ~~بقي من المغنين ؟ قلت : وجه القرعة محمد بن عيسى . فقال : صالح كيس ؛ ومن ~~أيضا ؟ قلت : أحمد بن يحيى ms0931 المكي . قال : نج نج ذاك المحسن المجمل الضارب ~~المغني ، القائم بمجلسه لا يحوج أهل المجلس إلى غيره . وكانت وفاته في أول ~~خلافة المستعين . ذكر أخبار هاشم بن سليمان مولى بني أمية يكنى أبا العباس ~~. وكان موسى الهادي يسميه أبا الغريض . قال أبو الفرج : وهو حسن الصنعة ~~غزيرها ؛ وفيه يقو الشاعر : يا وحشتي بعدك يا هاشم . . . غبت فشجوى بك لي ~~لازم اللهو واللذة يا هاشم . . . ما لم تكن حاضره ما تم وقال الأصبهاني ~~بسند رفعه إلى هاشم : أصبح موسى أمير المؤمنين يوما وعنده جماعة فقال : يا ~~هاشم غنني : أبهار قد هيجت لي أوجاعا فإن أصبت مرادي فيه فلك حاجة مقضية . ~~قال : فغنيته ، وهو : أبهار قد هيجت لي أوجاعا . . . وتركتني عبدا لكم ~~مطواعا PageV04P0294 # """""" صفحة رقم 295 """""" بحديثك الحسن الذي لو كلمت . . . وحش الفلاة ~~به لجئن سراعا وإذا مررت على البهار منضدا . . . في السوق هيج لي إليك ~~نزاعا والله لو علم البهار بأنها . . . أضحت سميته لصار ذراعا فقال : اصبت ~~وأحسنت ، سل حاجتك ؛ فقلت : يا أمير المؤمنين ، تأمر بأن يملأ هذا الكانون ~~دراهم وكان بين يديه كانون عظيم فأمر به فملئ فوسع ثلاثين ألف درهم . فلما ~~حصلتها قال لي : يا ناقص الهمة ، والله لو سألت أن أملأه لك دنانير لفعلت . ~~فقلت : أقلني يا أمير المؤمنين . قال : لا سبيل إلى ذلك ولم يسعدك الجد به ~~. وقد رويت هذه الحكاية في موضع آخر ، وذكر أن الذي غناه غير هذا الشعر ، ~~وأن الكانون وسع ست بدر ، فدفعها إليه . ذكر أخبار يزيد حوراء هو رجل من ~~أهل المدينة من موالي بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ؛ ويكنى أبا ~~خالد . مغن محسن كثير الصنعة ، من طبقة أبن جامع وإبراهيم الموصلي . وكان ~~ممن قدم على المهدي في خلافته فغناه . وكان حسن الصوت حلو الشمائل . فحسده ~~إبراهيم الموصلي على شمائله وإشاراته في الغناء ، فاشترى عدة جوار وشاركه ~~فيهن ، وقال له : علمهن ، فما رزق الله تعالى من ربح فيهن فهو بيننا . ~~وأمرهن أن يجعلن وكدهن أخذ إشارته ففعلن ذلك ms0932 . فكان إبراهيم يأخذها عنهن هو ~~وأبنه ويأمرهن بتعليم كل من يعرفنه ذلك حتى شهرها في الناس ، فأبطل عليه ما ~~كان منفردا به من ذلك . قال عبد الله بن العباس الربيعي : كان يزيد حوراء ~~نظيفا ظريفا حسن الوجه شكلا ، لم يقدم علينا من الحجاز أنظف منه ولا أشكل ، ~~وما كنت تشاء أن ترى خصلة جميلة لا تراها في أحد منهم إلا رأيتها فيه . ~~وكان يتعصب لإبراهيم الموصلي على أبن جامع ، فكان إبراهيم يرفع منه ويشيع ~~ذكره بالجميل وينبه على مواضع تقدمه وإحسانه ، ويبعث بأبنه إسحاق إليه يأخذ ~~عنه . PageV04P0295 # """""" صفحة رقم 296 """""" وحكى أبو الفرج بسند رفعه إلى يزيد حوراء قال ~~: كلمني أبو العتاهية في أن أكلم المهدي في عتبة ؛ فقلت : إن الكلام لا ~~يمكنني ، ولكن قل شعرا أغنيه به ؛ فقال : نفسي بشيء من الدنيا معلقة . . . ~~الله والقائم المهدي يكفيها إني لأيأس منها ثم يطمعني . . . فيها أحتقارك ~~للدنيا وما فيها قال : فعملت فيه لحنا وغنيته . فقال : ما هذا ؟ فأخبرته ~~خبر أبي العتاهية ؛ فقال : ننظر فيما سأل ؛ فأخبرت بذلك أبا العتاهية . ثم ~~مضى شهر فجاءني فقال : هل حدث خبر ؟ قلت لا . قال : فأذكرني للمهدي . فقلت ~~: إن أحببت ذلك فقل شعرا تحركه به وتذكره وعده حتى أغنيه به ؛ فقال : ليت ~~شعري ما عندكم ليت شعري . . . فلقد أخر الجواب لأمر ما جواب أولى بكل جميل ~~. . . من جواب يرد من بعد شهر قال يزيد : فغنيت المهدي ، فقال : علي بعتبة ~~فأحضرت ؛ فقال : إن أبا العتاهية كلمني فيك ، فما تقولين ولك عندي وله ما ~~تحبان مما لا تبلغه أمانيكما ؟ فقالت : قد علم أمير المؤمنين ما أوجب الله ~~علي من حق مولاتي ، وأريد أن أذكر هذا لها . قال : فأفعلي . قال : فأعلمت ~~أبا العتاهية . ومضت أيام فسألني معاودة المهدي ؛ فقلت : قد عرفت الطريق ، ~~فقل ما شئت حتى أغنيه به ؛ فقال : أشربت قلبي من رجائك ما له . . . عنق يخب ~~إليك بي ورسيم وأملت نحو سماء جودك ناظري . . . أرعى مخايل برقها وأشيم ~~ولقد تنسمت الرياح لحاجتي . . . فإذا لها من راحتيك نسيم ولربما ms0933 أستيأست ثم ~~أقول لا . . . إن الذي وعد النجاح كريم PageV04P0296 # """""" صفحة رقم 297 """""" قال يزيد : فغنيته الشعر ، فقال : علي بعتبة ~~فجاءت ؛ فقال : ما صنعت ؟ فقالت : ذكرت ذلك لمولاتي فكرهته وأبت أن تفعل ، ~~فليفعل أمير المؤمنين ما يريد . قال : ما كنت لأفعل شيئا تكرهه . فأعلمت ~~أبا العتاهية بذلك ، فقال : قطعت منك حبائل الآمال . . . وأرحت من حل ومن ~~ترحال ما كان أشأم إذ رجاؤك قاتلي . . . وبنات وعدك يعتلجن ببالي ولئن طمعت ~~لرب برقة خلب . . . مالت بذي طمع ولمعة آل وقد حكى أبو الفرج أيضا هذه ~~الحكاية وأختصرها ، ولم يذكر الأبيات منها أشربت قلبي من رجائك ما له إلا ~~أنه غير قوله : أشربت قلبي بقوله : أعلمت نفسي من رجائك . وقال : فصنع فيه ~~يزيد لحنا وغناه المهدي . فدعا بأبي العتاهية وقال له : أما عتبة فلا سبيل ~~إليها ، لأن مولاتها قد منعت منها ، ولكن هذه خمسون ألف درهم فأشتر ببعضها ~~خيرا من عتبة فحملت إليه ، فأخذها وأنصرف . وحكى عن حماد بن إسحاق قال : ~~قال يزيد حوراء : كنت أجلس بالمدينة على أبواب قريش ، وكانت تمر بي جارية ~~تختلف إلى الزرقاء تتعلم منها الغناء . فقلت لها يوما : افهمي قولي وردي ~~جوابي وكوني عند ظني ؛ فقالت : هات ما عندك . فقلت : بالله ما أسمك ؟ فقالت ~~: ممنعة . فأطرقت طيرة من أسمها مع طمعي فيها ، ثم قلت : بل باذلة ومبذولة ~~إن شاء الله فأسمعي مني . فقالت وهي تتبسم : إن كان عندك شيء فقل . فقلت : ~~ليهنك مني أنني لست مفشيا . . . هواك إلى غيري ولو مت من كربي PageV04P0297 # """""" صفحة رقم 298 """""" ولا مانحا خلقا سواك محبة . . . ولا قائلا ما ~~عشت من حبكم حسبي فنظرت إلي طويلا ثم قالت : أنشدك الله ، أعن فرط محبة أم ~~أهتياج غلمة تكلمت ؟ فقلت : لا والله إلا عن فرط محبة . فقالت : فوالله رب ~~الناس لا خنتك الهوى . . . ولا زلت مخصوص المحبة من قلبي فثق بي فإني قد ~~وثقت ولا تكن . . . على غير ما أظهرت لي يا أخا الحب قال : فوالله لكأنما ~~أضرمت في قلبي نارا . فكانت تلقاني في الطريق الذي ms0934 كانت تسلكه فتحدثني ~~فأتفرج بها ؛ ثم أشتراها بعض أولاد الخلفاء ، وكانت تكاتبني وتلاطفني دهرا ~~طويلا . ذكر أخبار فليح بن أبي العوراء هو رجل من أهل مكة مولى لبني مخزوم ~~، وهو أحد مغني الدولة العباسية ؛ له محل كبير من صناعته ، وهو أحد الثلاثة ~~الذي أختاروا المائة الصوت للرشيد التي بنى أبو الفرج الأصفهاني كتابه ~~المترجم بالأغاني عليها . قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي : ما سمعت أحسن من ~~غناء فليح وأبن جامع . وكان المهدي لا يغنيه مغن إلا من وراء الستارة إلا ~~فليح فإن الستارة كانت ترفع بينه وبين المهدي . وهو أول مغن نظر وجه المهدي ~~. وروى أبو الفرج الأصفهاني عن يوسف بن إبراهيم عن إبراهيم بن المهدي قال : ~~كتب إلي جعفر بن يحيى وأنا عامل الرشيد على جند دمشق : قد قدم علينا فليح ~~بن أبي العوراء ، فأفسد علينا بأهزاجه وخفيفه كل غناء سمعناه قبله . وأنا ~~محتال لك في تخليصه إليك لتسمع منه كما أسمعنا . فلم ألبث أن ورد على فليح ~~بكتاب الرشيد يأمر له بثلاثة آلاف دينار ؛ فورد علي منه رجل أذكرني لقاؤه ~~الناس وأخبرني أنه PageV04P0298 # """""" صفحة رقم 299 """""" قد ناهز المائة . فأقام عندي ثلاث سنين ، ~~وأخذ جواري عنه كل ما كان معه من الغناء ، وأنتشر بعض غنائه بدمشق . وروى ~~أيضا بسنده إلى أحمد بن يحيى المكي عن فليح بن أبي العوراء قال : كان ~~بالمدينة فتى يعشق أبنة عم له ، فوعدته أنها تزوره ؛ وشكا إلي أنها تأتيه ~~ولا شيء عنده ؛ فأعطيته دينارا للنفقة . فلما زارته قالت له : من يلهينا ؟ ~~قال : صديق لي ، ووصفني لها ؛ ودعاني فأتيته ؛ وكان أول ما غنيته : من ~~الخفرات لم تفضح أخاها . . . ولم ترفع لوالدها شنارا فقامت إلى ثوبها ~~فلبسته لتنصرف . فتعلق بها وجهد كل الجهد في أن تقيم فم تفعل وأنصرفت . ~~فأقبل يلومني في أن غنيتها ذلك الصوت . فقلت : والله ما هو شيء أعتمدت به ~~مساءتك ولكنه شيء أتفق . قال : فلم نبرح حتى عاد رسولها ومعه صرة فيها ألف ~~دينار ، فدفعها إلى الفتى وقال : تقول لك أبنة عمك ms0935 : هذا مهري ، فادفعه إلى ~~أبي وأخطبني ، ففعل وتزوجها . ذكر أخبار إبراهيم الموصلي عفا الله عنه هو ~~إبراهيم بن ماهان بن ميمون ، وأصله من فارس ، ومولده في سنة خمس وعشرين ~~ومائة بالكوفة ، ووفاته ببغداد في سنة ثمان وثمانين ومائة . قالوا : ومات ~~ماهان وترك إبراهيم صغيرا ، فكفله آل خزيمة بن خازم ، فكان ولاؤه لبني تميم ~~. وكان السبب في نسبه إلى الموصل أنه لما كبر وأشتد وأدرك صحب الفتيان ~~وأشتهى الغناء وطلبه ؛ فاشتد أخواله بنو عبد الله بن دارم عليه في ذلك ~~وبلغوا منه ، فهرب منهم إلى الموصل فأقام بها سنة ؛ فلما رجع إلى الكوفة ~~قال له إخوانه من الفتيان : مرحبا بالفتى الموصلي ، فغلب عليه ثم أرتحل إلى ~~الري في طلب الغناء ، فطال مقامه هناك ، وأخذ الغناء الفارسي والعربي . ~~PageV04P0299 # """""" صفحة رقم 300 """""" قال إسحاق : حدثني أبي قال : أول شيء أعطيته ~~بالغناء أني كنت بالري أنادم أهلها بالسوية لا أرزؤهم شيئا ولا أنفق إلا من ~~بقية مال كان معي . فمر بنا خادم أبو جعفر المنصور إلى بعض عماله برسالة ، ~~فسمعني عند رجل من أهل الري فشغف بي وخلع علي دواج سمور له قيمة ، ومضى ~~بالرسالة فرجع وقد وصله العامل بسبعة آلاف درهم وكسوة كثيرة ، فجاءني إلى ~~منزلي الذي كنت أسكنه ، فأقام عندي ثلاثة أيام ووهب لي نصف الكسوة التي معه ~~وألفي درهم . وكان ذلك أول مال كسبته من الغناء . فقلت : والله لا أنفق هذه ~~الدراهم إلا على الصناعة التي أفادتنيها . ووصف لي رجل بالأبلة اسمه : ~~جوانويه وكان حاذقا ، فخرجت إليه ، وصحبت فتيانها وأخذت عنهم وغنيتهم ~~فشغفوا بي . قال إبراهيم : ولما أتيت جوانويه لم أصادفه في منزله فأقمت حتى ~~جاء . فلما رآني أحتشمني وكان مجوسيا ؛ فأخبرته بصناعتي والحال التي قصدته ~~فيها ؛ فرحب بي وأفرد لي جناحا في داره ووكل بي جارية ، فقدمت لي ما أحتاج ~~إليه . فلما كان العشاء عاد إلى منزله ومعه جماعة من الفرس ممن يغني ؛ ~~فنزلت إليه فجلسنا وأخذوا في شأنهم وضربوا وغنوا ؛ فلم أجد في غناء أحد ~~منهم فائدة ؛ وبلغت النوبة ms0936 إلي فضربت وغنيت ؛ فقاموا جميعا إلي فقبلوا رأسي ~~وقالوا : سخرت بنا ، نحن إلى تعليمك إيانا أحوج منك إلينا . فأقمت على تلك ~~الحال أياما حتى بلغ محمد بن سليمان بن علي خبري ، فوجه إلي فأحضرني وأمرني ~~بملازمته . فقلت : أيها الأمير ، لست أتكسب بهذه الصناعة وإنما ألتذ ~~بالغناء فلذلك تعلمته ، وأريد العود إلى الكوفة ؛ فلم أنتفع بذلك عنده ~~وأخذل بملازمته وسألني : من أين أنا ؟ فأنتسبت إلى الموصل ، فلزمتني وعرفت ~~بها . ولم أزل عنده مكرما ، حتى قدم عليه خادم المهدي . فلما رآني عنده قال ~~له : أمير المؤمنين أحوج إلى هذا منك ، فدافعه عني . فلما قدم الخادم على ~~المهدي سأله عما رأى في طريقه ومقصده ، فأخبره بما رأى ، حتى أنتهى إلى ~~ذكرى فوصفني له . فأمره المهدي PageV04P0300 # """""" صفحة رقم 301 """""" بالرجوع وإشخاصي إليه ، فجاء وأشخصني إلى ~~المهدي ، وحظيت عنده وقدمني . قال : وما سمع المهدي قبلي أحدا من المغنين ~~سوى فليح بن أبي العوراء وسياط ؛ فإن الفضل بن الربيع وصفهما له . قال : ~~وكان المهدي لا يشرب ، فأرادني على ملازمته وترك الشرب ، فأبيت عليه . وكنت ~~أغيب عنه الأيام ، فإذا جئته جئته منتشيا ؛ فغاظه ذلك مني وضربني وحبسني ؛ ~~فحذقت القراءة والكتابة في الحبس . ثم دعاني يوما فعاتبني على شربي في ~~منازل الناس والتبذل معهم . فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنما تعلمت هذه ~~الصناعة للذتي وعشرة إخواني ولو أمكنني تركها تركتها وجميع ما أنا فيه لله ~~تعالى . فغضب غضبا شديدا وقال : لا تدخل على موسى وهارون ، فوالله لئن دخلت ~~عليهما لأفعلن وأصنعن . فقلت نعم . ثم بلغه أني دخلت عليهما وشربت معهما ~~وكانا مشتهرين بالنبيذ ، فضربني ثلاثمائة سوط وستين سوطا . فقلت له وأنا ~~أضرب : إن جرمي ليس من الأجرام التي يحل بها سفك دمي ، ووالله لو كان سر ~~أبنيك تحت قدمي ما رفعتهما عنه ولو قطعتا ، ولو فعلت ذلك كنت في حالة أبان ~~العبد الساعي . فلما قلت ذلك ضربني بالسيف في جفنه فشجني ، فسقطت مغشيا علي ~~. وقال لعبد الله أبن مالك : خذه إليك وأجعله في مثل القبر . فدعا عبد الله ~~بكبش ms0937 فذبحه وسلخه وألبسني جلده ليسكن الضرب عني ، ودفعني إلى خادم له يقال ~~له أبو عثمان سعيد التركي ، فجعلني في قبر ووكل بي جارية . فتأذيت بنز كان ~~في القبر وببق . فقلت للجارية : أصلحي لي مجمرة وكندرا ليذهب عني هذا البق ~~ففعلت . فلما دخنت أظلم القبر وكادت نفسي تذهب ، ثم خف ذلك وزال البق ، ~~وإذا حيتان مقبلتان نحوي من شق في القبر تدوران حولي ، فهممت أن آخذ واحدة ~~بيدي اليمنى والأخرى بيدي اليسرى ، فإما علي وإما لي ، ثم كفيتهما ، فدخلتا ~~في الثقب الذي خرجتا منه . فمكثت PageV04P0301 # """""" صفحة رقم 302 """""" في ذلك القبر ما شاء الله ، ثم أخرجت منه . ~~وأحلفني المهدي بالطلاق والعتاق وكل يمين لا فسحة لي فيها ألا أدخل على ~~أبنيه موسى وهارون أبدا ولا أغنيهما ، وخلى سبيلي . قال إبراهيم : وقلت ~~وأنا في الحبس : ألا طال ليلي أراعي النجوم . . . أعالج في الساق كبلا ~~ثقيلا بدار الهوان وشر الديار . . . اسام بها الخسف صبرا جميلا كثير ~~الأخلاء عند الرخاء . . . فلما حبست أراهم قليلا لطول بلائي مل الصديق . . ~~. فلا يأمنن خليل خليلا قال : فلما ولي موسى الهادي الخلافة أستتر إبراهيم ~~منه ولم يظهر له بسبب الأيمان التي حلف بها للمهدي . فلم يزل يطلبه حتى أتي ~~به فلما عاينه قال : يا سيدي ، فارقت أم ولدي أعز الخلق علي ؛ ثم غناه : يا ~~أبن خير الملوك لا تتركن . . . غرضا للعدو يرمى حيالي فلقد في هواك فارقت ~~أهلي . . . ثم عرضت مهجتي للزوال ولقد عفت في هواك حياتي . . . وتغربت بين ~~أهلي ومالي قال إسحاق بن إبراهيم : فموله الهادي وخوله ؛ وبحسبك أنه أخذ ~~منه مائة ألف وخمسين ألف دينار في يوم واحد ، ولو عاش لنا لبنينا حيطان ~~دورنا بالذهب والفضة . قال حماد بن إسحاق قال لي أبي : والله ما رأيت أكمل ~~مروءة من جدك ، وكان له طعام يعد أبدا في كل وقت . فقلت لأبي : كيف كان ~~يمكنه ذلك ؟ قال : كان له في كل يوم ثلاث شياه ، واحدة مقطعة في القدور ، ~~وأخرى مسلوخة معلقة ، وأخرى قائمة في المطبخ ؛ فإذا أتاه قوم ms0938 طعموا مما في ~~القدور ، فإذا فرغت القدور قطعت الشاة المعلقة ووضعت في القدور ~~PageV04P0302 # """""" صفحة رقم 303 """""" وذبحت القائمة وأتى بأخرى فأقيمت في المطبخ . ~~وكانت وظيفته لطعامه وطيبه وما يتخذ له في كل شهر ثلاثين ألف درهم سوى ما ~~كان يجري وسوى كسوته . ولقد كان مرة عندنا من الجواري الودائع لإخوانه ~~ثمانون جارية ، ما فيهن واحدة إلا ويجري عليها من الطعام والكسوة والطيب ~~مثل ما يجري لأخص جواريه ، فإذا ردت الواحدة إلى مولاها وصلها وكساها . ~~ومات وما في ملكه إلا ثلاثة آلاف دينار وعليه من الدين سبعمائة دينار قضيت ~~منها . وروى عن إسحاق بن إبراهيم قال : اشترى الرشيد من أبي جارية بستة ~~وثلاثين ألف دينار ، فأقامت عنده ليلة ثم أرسل إلى الفضل بن الربيع وقال له ~~: إنا أشترينا هذه الجارية من إبراهيم ونحن نحسب أنها على صفة وليست كما ~~ظننا وما قربتها ، وقد ثقل علي الثمن وبينك وبينه ما بينكما ؛ فأذهب إليه ~~فسله أن يحطنا من ثمنها ستة آلاف دينار . قال : فأتاه الفضل ، فخرج إليه ~~وتلقاه ؛ فقال له : دعني من هذه الكرامة التي لامؤنة فيها ، قد جئتك في أمر ~~، ثم أخبره الخبر . فقال له إبراهيم : إنما أراد أن يبلو قدرك عندي . قال : ~~هو ذاك ؟ قال : فمالي في المساكين صدقة إن لم أضعفه لك ، قد حططتك أثني عشر ~~ألف دينار . فرجع الفضل إليه بالخبر ؛ فقال : ويحك احمل إليه المال بجملته ~~، فما رأيت سوقة أنبل منه نفسا . قال إسحاق : وكنت قد أتيت أبي فقلت : ما ~~كان لحطيطة هذا المال معنى ولا هو قليل يتغافل عنه ، قال لي : يا أحمق ، ~~أنا أعرف الناس به ، والله لو أخذت المال منه كملا ما أخذته إلا وهو كاره ~~ولحقد ذلك ، وكنت أكون عنده صغير القدر ، وقد مننت عليه وعلى الفضل وأنبسطت ~~نفسه وعظم قدري عنده ، وإنما أشتريت الجارية بأربعين ألف درهم وقد أخذت بها ~~أربعة وعشرين ألف دينار . فلما حمل إليه المال بكماله دعاني وقال : كيف ~~رأيت يا إسحاق ، من البصير أنا أم أنت ؟ فقلت : أنت ، جعلني ms0939 الله فداك . ~~قال : وإبراهيم أول من علم الجواري المثمنات الغناء فإنه بلغ بالقيان كل ~~مبلغ ورفع من أقدارهن . ومن أخباره مع الرشيد ما روى عن إسحاق قال حدثني ~~أبي قال : إن الرشيد غضب علي فقيدني وحبسني بالرقة وجلس للشرب يوما في مجلس ~~قد زينه وحسنه . فقال لعيسى بن جعفر : هل لمجلسنا عيب ؟ قال : نعم ، غيبة ~~إبراهيم PageV04P0303 # """""" صفحة رقم 304 """""" الموصلي عنه . فأمره باحضاري ؛ فأحضرت في ~~قيودي ، ففكت عني بين يديه ، وأمرهم فناولوني عودا ؛ ثم قال : إن يا ~~إبراهيم ؛ فغنيته : تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت . . . به زينب في نسوة ~~عطرات فاستعاده وشرب وطرب وقال : هنأتني وسأهنئك بالصلة ، وقد وهبت لك ~~الهنئ والمرئ ، فانصرفت ؛ فلما أصبحت عوضت منهما مائتي ألف درهم . قال ~~إبراهيم : دخلت على موسى الهادي فقال لي : يا إبراهيم ، إن من الغناء ما ~~ألذ وأطرق عليه ولك حكمك . فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن لم يقابلني زحل ~~ببرده رجوت ذلك ؛ فغنيته : وإني لتعروني لذكراك هزة . . . كما أنتفض ~~العصفور بلله القطر فضرب بيده إلى جيب دراعته فحطه ذراعا ؛ ثم قال : أحسنت ~~والله ؟ زدني ؛ فغنيت : فيها حبها زدني جوى كل ليلة . . . ويا سلوة الأيام ~~موعدك الحشر فضرب بيده إلى دراعته فحطها ذراعا آخر وقال : زدني ويلك ؟ ~~أحسنت والله ووجب حكمك ؛ فغنيت : هجرتك حتى قيل ما يعرف الهوى . . . وزرتك ~~حتى قيل ليس له صبر فرفع صوته وقال : أحسنت والله لله أبوك هات ما تريد . ~~فقلت : يا سيدي عين مروان بالمدينة . فدارت عيناه في رأسه حتى صارتا كأنهما ~~جمرتان وقال : يا أبن اللخناء أردت أن تشهرني بهذا المجلس فيقول الناس : ~~أطربه فحكم عليه فتجعلني سمرا وحديثا يا إبراهيم الحراني ، خذ بيد هذا ~~الجاهل فأدخله بيت مال الخاصة ، فإن PageV04P0304 # """""" صفحة رقم 305 """""" أخذ كل ما فيه فحله وإياه . فدخلت فأخذت ~~خمسين ألف دينار . وهذا الشعر لأبي صخر الهذلي ، وأوله : عجبت لسعي الدهر ~~بيني وبينها . . . فلما أنقضى ما بيننا سكن الدهر فيا حبها زدني جوى كل ~~ليلة . . . ويا سلوة الأيام موعدك الحشر ويا هجر ليلى قد ms0940 بلغت بي المدى . . ~~. وزدت على ما ليس يبلغه الهجر وإني لتعروني لذكراك هزة . . . كما أنتفض ~~العصفور بلله القطر هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى . . . وزرتك حتى قيل ليس ~~له صبر أما والذي ابكى وأضحك والذي . . . أمات وأحيا والذي أمره الأمر لقد ~~تركتني أحسد الوحش أن أرى . . . أليفين منها لا يروعهما الذعر ذكر نبذة من ~~أخبارغبراهيم الموصلي مع البرامكة رحمهم الله تعالى كان لإبراهيم الموصلي ~~مع البرامكة أخبار مستحسنة ، سنورد منها طرفا . منها ما حكى عن مخارق قال : ~~أذن لنا أمير المؤمنين الرشيد أن نقيم في منازلنا ثلاثة أيام وأعلمنا أنه ~~يشتغل فيها مع الحرم . فمضى الجلساء أجمعون إلى منازلهم وقد أصحبت السماء ~~متغيمة تطش طشيشا خفيفا . فقلت : والله لأذهبن إلى أستاذي إبراهيم فأعرف ~~خبره ثم أعود ، وأمرت من عندي أن يسووا لنا مجلسا إلى وقت رجوعي . فجئت إلى ~~إبراهيم ، فدخلت إليه ، فإذا هو جالس في رواق له والستارة منصوبة والجواري ~~خلفها ؛ فدخلت أترنم ببعض الأصوات وقلت له : ما بال الستارة لست أسمع من ~~ورائها صوتا ؟ فقال : اقعد ويحك غني أصبحت فجاءني خبر ضيعة تجاورني قد ~~والله طلبتها زمانا وتمنيتها ولم أملكها ، وقد أعطي بها مائة الف درهم . ~~فقلت له : ما يمنعك منها ؟ فوالله لقد أعطاك الله أضعاف هذا المال وأكثر . ~~قال : صدقت ، ولكن لست أطيب نفسا بأن أخرج هذا المال . فقلت : فمن يعطيك ~~الساعة مائة ألف درهم ؟ قال : والله ما أطمع في ذلك من الرشيد ، فكيف بمن ~~دونه ثم قال : اجلس ، خذ هذا الصوت . ثم نقر PageV04P0305 # """""" صفحة رقم 306 """""" بقضيب على الدواة وألقي علي هذا الصوت : نام ~~الخليون من هم ومن سقم . . . وبت من كثرة الأحزان لم أنم يا طالب الجود ~~والمعروف مجتهدا . . . اعمد ليحيى حليف الجود والكرم قال : فأخذت الصوت ~~وأحكمته . ثم قال لي : أنصرف إلى الوزير يحيى بن خالد فإنك تجد الناس على ~~بابه قبل أن يفتح الباب ، ثم تجد الباب قد فتح ولم يجلس بعد ، فاستأذن عليه ~~قبل أن يصل إليه أحد ، فإنه ينكر مجيئك ويقول : من ms0941 أين أقبلت في هذا الوقت ~~؟ فحدثه بقصدك إياي وما ألقيت إليك من خبر الضيعة وأعلمه أني قد صنعت هذا ~~الصوت وأعجبني ولم أر أحدا يستحقه إلا جاريته فلانة ، وأني ألقيته عليك حتى ~~أحكمته لتطرحه عليها ؛ فسيدعوها ويأمر بالستارة فتنصب ويوضع لها كرسي ويقول ~~لك : اطرحه عليها بحضرتي ؛ فأفعل وأتني بما يكون بعد ذلك من الخبر . قال ~~مخارق : فجئت إلى باب يحيى بن خالد فوجدته كما وصف . وسألني فأعلمته بما ~~أمرني به ؛ ففعل كل شيء قاله لي إبراهيم وأحضر الجارية فألقيته عليها . ثم ~~قال لي : تقيم عندنا يا أبا المهنأ أو تنصرف ؟ فقلت : بل أنصرف ، أطال الله ~~بقاءك ، فقد علمت ما أذن لنا فيه . فقال يا غلام ، احمل مع أبي المهنأ عشرة ~~آلاف درهم واحمل إلى أبي إسحاق مائة ألف درهم ثمن هذه الضيعة . فحملت عشرة ~~الآلاف معي ، وأتيت منزلي وقلت : أسر يومي هذا وأسر من عندي . ومضى الرسول ~~بالمال إلى إبراهيم ؛ فدخلت منزلي ونثرت على من عندي دراهم من تلك البدرة ~~وتوسدتها وأكلت وشربت وطربت وسررت يومي كله . فلما أصبحت قلت : والله لآتين ~~أستاذي ولأعرفن خبره ؛ فأتيته فوجدته كهيئته بالأمس ملى مثل ما كان عليه ، ~~فترنمت وطربت فلم يتلق ذلك بما يجب ؛ فقلت : ما الخبر ؟ ألم يأتك المال ~~بالأمس ؟ فقال : بلى ، فما كان خبرك أمس ؟ فأخبرته بما كان وقلت : ما تنتظر ~~؟ فقال : ارفع السجف ، فرفعته فإذا عشر بدر ؛ فقلت : فأي شيء بقي عليك في ~~أمر الضيعة ؟ فقال : ويحك ما هو والله إلا أن دخلت منزلي حتى شححت عليها ~~وصارت PageV04P0306 # """""" صفحة رقم 307 """""" مثل ما حويت قديما . فقلت : سبحان الله فتصنع ~~ماذا ؟ قال : قم حتى ألقي عليك صوتا صنعته يفوق ذاك . فقمت فجلست بين يديه ~~؛ فألقي علي : ويفرح بالمولود من آل برمك . . . بغاة الندى ، والسيف والرمح ~~والنصل وتنبسط الآمال فيه لفضله . . . ولا سيما إن كان والده الفضل قال ~~مخارق : فلما ألقى علي الصوت سمعت ما لم أسمع مثله قط وصغر في عيني الأول ، ~~فأحكمته . ثم قال : امض الساعة إلى الفضل بن ms0942 يحيى ، فغنك تجده لم يأذن لأحد ~~بعد وهو يريد الخلوة مع جواريه اليوم ؛ فأستأذن عليه وحدثه بحديثنا وما كان ~~من أبيه إلينا ، وأعلمه أني صنعت هذا الصوت وكان عندي أرفع منزلة من الصوت ~~الأول الذي صنعته بالأمس ، وأني ألقيته عليك حتى أحكمته ووجهت بك قاصدا ~~لتلقيه على فلانة جاريته . فصرت إلى باب الفضل فوجدت الأمر على ما ذكر ، ~~فاستأذنت فوصلت إليه ؛ وسألني عن الخبر ، فأعلمته بخبري وما وصل إلي وإليه ~~من المال ؛ فقال : أخزى الله إبراهيم ما أبخله على نفسه ثم دعا خادما فقال ~~له : اضرب الستارة ، فضربها ؛ فقال لي : ألقه . فلما ألقيته وغنته الجارية ~~لم أتمه حتى أقبل يجر مطرفه ، ثم قعد على وسادة دون الستارة وقال : أحسن ~~والله أستاذك وأحسنت أنت يا مخارق . ولم أبرح حتى أحكمته الجارية ؛ فسر ~~بذلك سرورا عظيما وقال : أقم عندي اليوم . فقلت : يا سيدي إنما بقي لنا يوم ~~واحد ، ولولا أنني أحب سرورك لم أخرج من منزلي . فقال : يا غلام ، احمل مع ~~أبي المهنأ عشرين ألف درهم وإلى أبي إسحاق مائتي ألف درهم . فانصرفت إلى ~~منزلي بالمال ، وفتحت بدرة ونثرت منها على الجواري وشربت وسررت أنا ومن ~~عندي يومنا . فلما أصبحت بكرت إلى إبراهيم أتعرف خبره وأعرفه خبري ، فوجدته ~~على الحال التي كان عليها أولا وآخرا ؛ فدخلت أترنم وأصفق . فقال لي : أدن ~~؛ فقلت : ما بقي عليك ؟ فقال : اجلس وأرفع سجف هذا الباب ؛ فرفعته فإذا ~~عشرون بدرة مع تلك العشر . فقلت : ما تنتظر الآن ؟ فقال : ويحك ما هو إلا ~~أن حصلت حتى جرت مجرى ما تقدم . فقلت : والله ما أظن أحدا PageV04P0307 # """""" صفحة رقم 308 """""" نال من هذه الدولة ما نلت فلم تبخل على نفسك ~~بشيء تمنيته دهرا وقد ملكك الله أضعافه ثم قال : اجلس فخذ هذا الصوت . ~~فألقي علي صوتا أنساني صوتي الأولين وهو : أفي كل يوم أنت صب وليلة . . . ~~إلى أم بكر لا تفيق فتقصر أحب على الهجران أكناف بيتها . . . فيالك من بيت ~~يحب ويهجر إلى جعر سارت بنا كل جسرة . . . طواها سراها ms0943 نحوه والتهجر إلى ~~واسع للمجتدين فناؤه . . . تروح عطاياه عليهم وتبكر وهو شعر مروان بن أبي ~~حفصة يمدح جعفر بن يحيى قال مخارق : ثم قال لي إبراهيم : هل سمعت مثل هذا ~~قط ؟ فقلت : ما سمعت قط مثله فلم يزل يردده علي حتى أخذته ، ثم قال لي : ~~امض إلى جعفر فافعل به كما فعلت بأبيه وأخيه . قال : فمضيت ففعلت مثل ذلك ~~وأخبرته بما كان وعرضت عليه الصوت ؛ فسر به ودعا خادما فأمره أن يضرب ~~الستارة ، وأحضر الجارية وقعد على كرسي ؛ ثم قال : هات يا مخارق ؛ فألقيت ~~الصوت عليها حتى أخذته ؛ فقال : أحسنت يا مخارق وأحسن أستاذك ، فهل لك في ~~المقام عندنا اليوم ؟ فقلت : يا سيدي ، هذا آخر أيامنا ، وإنما جئت لموقع ~~الصوت مني حتى ألقيته على الجارية . فقال : يا غلام ، احمل معه ثلاثين ألف ~~درهم وإلى الموصلي ثلثمائة ألف درهم . فصرت إلى منزلي بالمال وأقمت ومن ~~عندي مسرورين نشرب طول يومنا ونطرب . ثم بكرت إلى إبراهيم فتلقاني قائما ، ~~ثم قال لي : أحسنت يا مخارق فقلت : ما الخبر ؟ قال : اجلس فجلست ؛ فقال لمن ~~PageV04P0308 # """""" صفحة رقم 309 """""" خلف الستارة : خذوا فيما أنتم عليه ثم رفع ~~السجف فإذا المال . فقلت ما خبر الضيعة ؟ أدخل يده تحت مسورة وهو متكئ ~~عليها فقال : هذا صك الضيعة اشتراها يحيى بن خالد وكتب إلي : قد علمت أنك ~~لا تسخو نفسك بشراء هذه الضيعة من مال يحصل لك ولو حويت الدنيا كلها ، وقد ~~أبتعتها من مالي . ووجه إلي بصكها ، وهذا المال كما ترى ، ثم بكى وقال : يا ~~مخارق ، إذا عاشرت فعاشر مثل هؤلاء ، وإذا خنكرت فخنكر لمثل هؤلاء ، ستمائة ~~الف ، وضيعة بمائة ألف ، وستون ألف درهم لك ، حصلنا ذلك أجمع وأنا جالس في ~~مجلسي لم أبرح منه ، متى يدرك مثل هؤلاء . وروى عنه قال : أتيت الفضل بن ~~يحيى يوما فقلت له : يا أبا العباس ، جعلت فداك هب لي دراهم فإن الخليفة قد ~~حبس بره . فقال : ويحك يا أبا إسحاق ما عندي ما أرضاه لك . ثم قال : هاه ~~إلا أن ها ms0944 هنا خصلة ، أتانا رسول صاحب اليمن فقضينا حوائجه ، ووجه إلينا ~~بخمسين ألف دينار يشتري لنا بها محبتنا . فما فعلت ضياء جاريتك ؟ قلت : ~~عندي جعلت فداك . قال : فهو ذا ، أقول لهم يشترونها منك فلا تنقصها من ~~خمسين ألف دينار ؛ فقبلت رأسه ثم أنصرفت . فبكر علي رسول صاحب اليمن ومعه ~~صديق له ولي ، فقال : جاريتك فلانة عندك ؟ قلت : عندي . قال : أعرضها علي ~~فعرضتها عليه ؛ فقال : بكم ؟ فقلت : بخمسين ألف دينار ولا أنقص منها دينارا ~~واحدا ، وقد أعطاني الفضل بن يحيى أمس هذه العطية ، فقال : هل لك في ثلاثين ~~ألف دينار مسلمة ؟ وكان مشتري الجارية أربعمائة دينار ، فلما وقع في أذني ~~ذكر ثلاثين ألف دينار أريج علي ولحقني زمع ، وأشار علي صديقي الذي معه ~~بالبيع ، وخفت والله أن يحدث بالجارية حدث أو بي أو بالفضل بن يحيى ، ~~فسلمتها وأخذت المال . ثم بكرت على الفضل ، فإذا هو جالس وحده . فلما نظر ~~إلي ضحك وقال لي : يا ضيق العطن والحوصلة ، حرمت نفسك عشرين ألف دينار . ~~فقلت له : جعلت فداك ، دع ذا عنك ، فوالله لقد دخلني شيء أعجز عن وصفه وخفت ~~أن تحدث PageV04P0309 # """""" صفحة رقم 310 """""" بي حادثة أو بالجارية أو بالمشتري أو بك ~~أعاذك الله من كل سوء ، فبادرت بقبول الثلاثين ألف دينار . فقال : لا ضير ، ~~يا غلام جيء بجاريته ، فجيء بها ، فقال : خذ بيدها وأنصرف بارك الله لك ~~فيها ، ما أردنا إلا منفعتك ولم نرد الجارية . فلما نهضت قال لي : مكانك ، ~~إن رسول صاحب أرمينية قد جاءنا فقضينا حوائجه ونفذنا كتبه ، وقد ذكر أنه قد ~~جاء بثلاثين ألف دينار يشتري لنا بها ما نحب ، فاعرض عليه جاريتك هذه ولا ~~تنقصها من ثلاثين ألف دينار ؛ فأنصرفت بالجارية . وبكر علي رسول صاحب ~~أرمينية ومعه صديق لي آخر ، فقاولني بالجارية ؛ فقلت : لن أنقصها من ثلاثين ~~ألف دينار . فقال لي : معي عشرون ألف دينار مسلمة خذها بارك الله لك فيها . ~~فدخلني والله مثل الذي دخلني في المرة الأولى وخفت مثل خوفي الأول ، فسلمته ~~وأخذت المال . وبكرت على الفضل ms0945 ، فإذا هو وحده . فلما رآني ضحك وضرب برجله ~~ثم قال : ويحك ، حرمت نفسك عشرة آلاف دينار . فقلت : أصلحك الله ، خفت ~~والله مثل ما خفت في المرة الأولى . فقال : لا ضير ، أخرج يا غلام جاريته ~~فجيء بها ؛ فقال : خذها ، ما أردناها وما أردنا إلا منفعتك . فلما ولت ~~الجارية صحت بها : ارجعي فرجعت ؛ فقلت : أشهدك جعلت فداك هي حرة لوجه الله ~~تعالى ، وإني قد تزوجتها على عشرة آلاف درهم ، كسبت لي في يومين خمسين ألف ~~دينار فما جزاؤها إلا هذا . فقال : وفقت إن شاء الله تعالى . وأخباره مع ~~البرامكة كثيرة وصلاتهم له وافرة . وقد ذكرنا منها ما فيه غنية عن زيادة . ~~فلنذكر وفاة إبراهيم . كانت وفاته ببغداد في سنة ثمان وثمانين ومائة ، ومات ~~في يوم وفاته العباس بن الأحنف الشاعر ، وهشيمة الخمارة ؛ فرفع ذلك إلى ~~الرشيد فأمر المأمون أن يصلي عليهم ، فخرج وصلى عليهم . قال إسحاق : لما ~~مرض إبراهيم مرض موته ركب الرشيد حمارا ودخل على إبراهيم يعوده وهو جالس في ~~الأبزن ، فقال له : كيف انت يا إبراهيم ؟ فقال : أنا PageV04P0310 # """""" صفحة رقم 311 """""" والله يا سيدي كما قال الشاعر : سقيم مل منه ~~أقربوه . . . وأسلمه المدواي والحميم فقال الرشيد : إنا لله فما بعد حتى ~~سمع الواعية عليه . تم الجزء الرابع من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ، ~~يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الخامس وأوله ذكر أخبار إسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي PageV04P0311 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الخامس PageV05P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" بسم الله الرحمن الرحيم وبه توفيقي ذكر أخبار ~~إسحاق بن إبراهيم هو أبو محمد إسحاق بن إبراهيم الموصلي ، وقد تقدم نسبه في ~~أخبار أبيه . وكان الرشيد يولع به فيكنيه أبا صفوان . قال أبو الفرج ~~الأصفهاني في ترجمة إسحاق : وموضعه من العلم ، ومكانه من الأدب ، ومحله من ~~الرواية ، وتقدمه في الشعر ، ومنزلته في سائر المحاسن أشهر من أن يدل عليها ~~بوصف . قال : فأما الغناء فكان أصغر علومه وأدنى ما يوسم به وإن كان الغالب ~~عليه وعلى ما كان يحسنه ، فإنه كان له في سائر أدواته ms0946 نظراء وأكفاء ولم يكن ~~له في هذا نظير . لحق بمن مضى فيه وسبق من قد بقى ، وسهل طريق الغناء ~~وأنارها ، فهو إمام أهل صناعته جميعا وقدوتهم ورأسهم ومعلمهم ، يعرف ذلك ~~منه الخاص والعام ، ويشهد له به الموافق والمفارق . على أنه كان أكره الناس ~~للغناء وأشدهم بغضا له لئلا يدعى إليه ويسمى به . وكان المأمون يقول : لولا ~~ما سبق على ألسنة الناس وشهر به عندهم من الغناء PageV05P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" لوليته القضاء بحضرتي ، فإنه أولى به وأعف ~~وأصدق وأكثر دينا وأمانة من هؤلاء القضاة . وقد روى الحديث ولقي أهله مثل ~~مالك بن أنس وسفيان بن عينينة وهشيم بن بشير وإبراهيم بن سعد وأبي معاوية ~~الضرير وروح ابن عبادة وغيرهم من شيوخ العراق والحجاز . وكان مع كراهته ~~للغناء أضن خلق الله به وأشدهم بخلا على كل أحد حتى على جواريه وغلمانه ومن ~~يأخذ عنه منتسبا إليه ومتعصبا له فضلا عن غيرهم . قال : وهو صحح أجناس ~~الغناء وطرائقه وميزها تمييزا لم يقدر عليه أحد قبله . وقال محمد بن عمران ~~الجرجاني : كان والله إسحاق غرة في زمانه ، وواحدا في عصره علما وفهما ~~وأدبا ووقارا وجودة رأي وصحة مودة . وكان الله يخرس الناطق إذا نطق ، ويحير ~~السامع إذا تحدث ، لا يمل جليسه مجلسه ، ولا تمج الآذان حديثه ، ولا تنبو ~~النفس عن مطاولته . إن حدثك ألهاك ، وإن ناظرك أفادك ، وإن غناك أطربك . ~~وما كانت خصلة من الأدب ، ولا جنس من العلم يتكلم فيه إسحاق فيقدم أحد على ~~مساجلته أو مناوأته فيه . حكى أبو الفرج عن إسحاق قال : دعاني المأمون ~~وعنده إبراهيم بن المهدي وفي مجلسه عشرون جارية قد أجلس عشرا عنة يمينه ~~وعشرا عن شماله . فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته . فقال ~~المأمون أسمعت خطأ ؟ قلت : نعم يا PageV05P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" أمير المؤمنين . فقال لإبراهيم بن المهدي : هل ~~تسمع خطأ ؟ قال : لا . قال : فأعاد علي السؤال ، فقلت بلى والله يا أمير ~~المؤمنين ، وإنه لفي الجانب الأيسر . فأعاد إبراهيم سمعه إلى الناحية ~~اليسرى ثم قال ms0947 : لا والله يا أمير المؤمنين ما في هذه الناحية خطأ . فقلت ~~يا أمير المؤمنين ، مر الجواري اللاتي على اليمين يمسكن ، فأمرهن فأمسكن ، ~~ثم قلت لإبراهيم : هل تسمع خطأ ؟ فتسمع ثم قال : ما هاهنا خطأ . فقلت يا ~~أمير المؤمنين ، يمسكن وتضرب الثانية ، فأمسكن وضربت الثانية ، فعرف ~~إبراهيم الخطأ فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، هاهنا خطأ . فقال المأمون عند ~~ذلك لإبراهيم بن المهدي : لا تمار إسحاق بعدها ، فإن رجلا عرف الخطأ بين ~~ثمانين وترا وعشرين حلقا لجدير ألا تماريه ، قال : صدقت . وقال ابن حمدون : ~~سمعت الواثق يقول : ما غناني إسحاق قط إلا ظننت أنه قد زيد في ملكي ، ولا ~~سمعته قط يغني غناء ابن سريج إلا ظننته أن ابن سريج قد نشر ، وإني ليحضرني ~~غيره إذا لم يكن حاضرا ، فيتقدمه عندي بطيب الصوت ، حتى إذا اجتمعا عندي ~~رأيت إسحاق يعلو ورأيت من ظننت أنه يتقدمه ينقص . وإن إسحاق لنعمة من نعم ~~الملوك لم يحظ أحد بمثلها . ولو أن العمر والشباب والنشاط مما يشترى ~~لاشتريتهن له بشطر ملكي . وحكى عن أحمد بن المكي عن أبيه قال : كان المغنون ~~يجتمعون مع إسحاق وكلهم أحسن صوتا منه ولم يكن فيه عيب إلا صوته فيطمعون ~~فيه ، ولا يزال بلطفه وحذقه ومعرفته حتى يغلبهم جميعا ويفضلهم ويتقدم عليهم ~~. قال : وهو أول من أحدث المجتث ليوافق صوته ويشاكله فجاء معه عجبا من ~~العجب ، وكلن في حلقه نبؤ عن الوتر . وحكى قال : سأل إسحاق الموصلي المأمون ~~أن يكون دخوله مع أهل العلم والأدب والرواة لا مع المغنين ، فإذا أراد ~~الغناء غناه ، فأجابه إلى ذلك . ثم سأله بعد مدة طويلة أن يأخذ له في ~~الدخول مع الفقهاء فأذن له ، قال : فكان يدخل ويده في يد PageV05P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" قاضي القضاة يحيى بن أكثم . ثم سأل إسحاق ~~المأمون في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة ، قال : فضحك ~~المأمون وقال : ولا كل هذا يا إسحاق وقد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف ~~دينار وأمر له بها . وكان لإسحاق مع إبراهيم ms0948 بن المهدي مخاطبات ومنازعات ~~ومحاورات بسبب الغناء ، وكان الرشيد ينصر إسحاق على إبراهيم أخيه . من ذلك ~~ما حكاه إسحاق قال : كنت عند الرشيد يوما ، وعنده ندماؤه وخاصته وفيهم ~~إبراهيم بن المهدي ، فقال لي الرشيد : غن : شربت مدامة وسقيت أخرى . . . ~~وراح المنتشون وما انتشيت فغنيته . فأقبل على إبراهيم بن المهدي فقال لي : ~~ما أصبت يا إسحاق ولا أحسنت . فقلت له : ليس هذا مما تعرفه ولا تحسنه ، وإن ~~شئت فغنه فإن لم أجدك أنك تخطئ فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك فدمي حلال . ثم ~~أقبلت على الرشيد فقلت : يا أمير المؤمنين ، هذه صناعتي وصناعة أبي ، وهي ~~التي قربتنا منك واستخدمتنا لك فأوطأتنا بساطك ، فإذا نازعنا أحد بغير علم ~~لم نجد بدا من الإفصاح والذب ، فقال : لا غرور ولا لوم عليك . وقام الرشيد ~~ليبول ، فأقبل إبراهيم بن المهدي علي وقال : ويحك يا إسحاق أتجترئ على ~~وتقول لي ما قلت يا ابن الفاعلة لا يكنى . فداخلني ما لم أملك نفسي معه ، ~~فقلت له : أنت تشتمني ولا أقدر على إجابتك وأنت ابن الخليفة وأخو الخليفة ، ~~ولولا ذلك لقلت لك : يا ابن الزانية كما قلت لي يا ابن الزانية . أو تراني ~~كنت لا أحسن أن أقول : يا ابن الزانية ولكن قولي في ذمك ينصرف كله إلى خالك ~~الأعلم ، ولولاك لذكرت صناعته ومذهبه - قال إسحاق : وكان بيطارا - قال : ثم ~~سكت ، وعلمت أن إبراهيم PageV05P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" سوف يشكوني إلى الرشيد ، وسوف يسأل من حضر عما ~~جرى فيخبرونه ، فتلافيت ذلك بأن قلت : إنك تظن أن الخلافة تصير إليك ، فلا ~~تزال تتهددني بذلك وتعاديني كما تعادي سائر أولياء أخيك حسدا له ولولده على ~~الأمر وأنت تضعف عنه وعنهم ، وتستخف بأوليائهم تشفيا ، وأرجو ألا يخرجها ~~الله من الرشيد وولده ، وأن يقتلك دونها . فإن صارت إليك - والعياذ بالله ~~تعالى من ذلك - فحرام علي حينئذ العيش والموت أطيب من الحياة معك ، فاصنع ~~حينئذ ما بدا لك قال : فلما خرج الرشيد وثب إبراهيم بين يديه وقال : يا ~~أمير المؤمنين ، شتمني إسحاق وذكر أمي واستخف ms0949 بي . فغضب وقال لي : ويلك ما ~~تقول ؟ قلت : لا أعلم ، فسل من حضر . فأقبل على مسرور وحسين فسألهما عن ~~القصة فجعلا يخبرانه ووجهه يربد إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة فسرى عنه ~~ورجع لونه ، وقال لإبراهيم : لا ذنب له ، شتمته فعرفك أنه لا يقدر على ~~جوابك ، ارجع إلى موضعك وأمسك عن هذا . فلما انفض المجلس وانصرف الناس أمر ~~الرشيد بألا أبرح . وخرج كل من حضر حتى لم يبق غيري ، فساء ظني وهمتني نفسي ~~. فأقبل علي وقال : يا إسحاق ، أتراني لم أفهم قولك ومرادك قد والله زنيته ~~ثلاث مرات أتراني لا أعرف وقائعك وأقدامك وأين ذهبت ويلك لا تعد حدثني عنك ~~لو ضربك إبراهيم أكنت أقتص لك منه فأضربه وهو أخي يا جاهل أتراه لو أمر ~~غلمانه فقتلوك أكنت أقتله بك فقلت : والله يا أمير المؤمنين ، قد قتلني هذا ~~الكلام ، وإن بلغه ليقتلني ، وما أشك أنه قد بلغه الآن . فصاح بمسرور وقال ~~له : علي بإبراهيم فأحضر ، وقال لي : قم فانصرف . فقلت لجماعة من الخدم - ~~وكلهم كان لي محبا وإلي مائلا ولي مطيعا - : أخبروني بما يجري ، فأخبروني ~~من غد أنه لما دخل عليه وبخه وجهله وقال له : أتستحف بخادمي وصنيعتي وابن ~~خادمي وصنيعتي وصنيعة أبي في مجلسي وتقدم علي وتستخف بمجلسي وحضرتي هاه هاه ~~هاه وتقدم على هذا وأمثاله وأنت مالك وللغناء وما يدريك ما هو ومن أخذك به ~~وطارحك إياه حتى تتوهم أنك تبلغ منه مبلغ إسحاق الذي غذي به وعلمه وهو من ~~صناعته ثم تظن أنك تخطئه فيما لا تدريه ، ويدعوك إلى إقامة الحجة عليه فلا ~~تثبت لذلك وتعتصم PageV05P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" بشتمه هذا مما يدل على السقوط وضعف العقل وسوء ~~الأدب من دخولك فيما لا يشبهك ، وغلبة لذتك على مروءتك وشرفك ، ثم إظهارك ~~إياه ولم تحكمه ، وادعائك ما لا تعلمه حتى ينسبك إلى إفراط الجهل . ألا ~~تعلم ، ويحك ، أن هذا سوء أدب وقلة معرفة وقلة مبالاة بالخطأ والتكذيب ~~والرد القبيح ثم قال : والله العظيم وحق رسوله وإلا فأنا بريء ms0950 من المهدي إن ~~أصابه أحد بسوء أو أسقط عليه حجر من السماء أو سقط من دابته أو أسقط عليه ~~سقفه أو مات فجأة لأقتلنك به . والله والله والله فلا تعرض له وأنت أعلم قم ~~الآن فاخرج ، فخرج وقد كاد يموت . فلما كان بعد ذلك دخلت على الرشيد ~~وإبراهيم عنده فأعرضت عن إبراهيم فجعل ينظر إلي مرة وإليه مرة ويضحك ، ثم ~~قال : إني لأعلم محبتك لإسحاق وميلك إليه وإلى الأخذ عنه ، وإن هذا لا ~~يجيئك من جهته كما تريد إلا بعد أن يرضى ، والرضا لا يكون بمكروه ، ولكن ~~أحسن إليه وأكرمه واعرف حقه وبره وصله ، فإذا فعلت ذلك ثم خالف ما تهواه ~~عاقبته بيد مستطيلة منبسطة ولسان منطلق . ثم قال لي : قم إلى مولاك وابن ~~مولاك فقبل رأسه ، فقمت إليه وقام إلي وأصلح الرشيد بيننا . رأسه ، فقمت ~~إليه وقام إلي وأصلح الرشيد بيننا . قال أبو الفرج : وكان إسحاق جيد الشعر ~~، كان يقول الشعر وينسبه للعرب . فمن ذلك قوله : لفظ الخدور إليك حورا عينا ~~. . . أنسين ما جمع الكناس قطينا فإذا بسمن فعن كمثل غمامة . . . أو أقحوان ~~الرمل بات معينا وأصح ما رأت العيون محاجرا . . . ولهن أمراض ما رأيت بات ~~عيونا PageV05P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" فكأنما تلك الوجوه أهلة . . . أقمرن بين العشر ~~والعشرينا وكأنهن إذا نهضن لحاجة . . . ينهضن بالعقدات من يبرينا وأشعاره ~~في هذا النوع كثيرة . روي عن الأصمعي قال : دخلت أنا وإسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي يوما على الرشيد فرأيناه لقس النفس ، فأنشده إسحاق : وآمرة بالبخل ~~قلت لها اقصري . . . فذلك شيء ما إليه سبيل أرى الناس خلان الكرام ولا أرى ~~. . . بخيلا له حتى الممات خليل وإني رأيت البخل يزرى بأهله . . . فأكرمت ~~نفسي أن يقال بخيل ومن خير حالات التي لو علمته . . . إذا نال خيرا أن يكون ~~ينيل فعالي فعال المكثرين تجملا . . . ومالي كما تعلمين قليل وكيف أخاف ~~الفقر أو أحرم الغنى . . . ورأي أمير المؤمنين جميل قال : فقال الرشيد : لا ~~تخف إن شاء الله ، ثم قال : لله در أبيات تأتين بها ما أشد أصولها ، وأحسن ms0951 ~~فصولها ، وأقل فضولها وأمر له بخمسين ألف درهم . فقال له PageV05P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" إسحاق : وصفك والله يا أمير المؤمنين لشعري ~~أحسن منه ، فعلام آخذ الجائزة فضحك الرشيد وقال : اجعلوها مائة ألف درهم . ~~قال الأصمعي : فعلمت يومئذ أن إسحاق أحذق بصيد الدراهم مني . قال أبو العبد ~~بن حمدون : سأل المتوكل عن إسحاق ، فعرف أنه كف وأنه بمنزله ببغداد ، فكتب ~~في إحضاره . فلما دخل عليه رفعه حتى أجلسه قدام السرير وأعطاه مخدة وقال : ~~بلغني أن المعتصم دفع إليك في أول يوم جلست بين يديه مخدة ، وقال : إنه لا ~~يستجلب ما عند حر مثل إكرامه . ثم سأله : هل أكل ؟ فقال نعم ، فأمر أن يسقى ~~. فلما شرب أقداحا قال : هاتوا لأبي محمد عودا ، فجيء به فاندفع يغني بشعره ~~: ما علة الشيخ عيناه بأربعة . . . تغرورقان بدمع ثم ينسكب قال ابن حمدون : ~~فما بقي غلام من الغلامان الوقوف على الحير إلا وجدته يرقص طربا وهو لا ~~يعلم بما يفعل ، فأمر له بمائة ألف دينار . ثم انحدر المتوكل إلى الرقة ~~وكان يستطيبها لكثرة تغريد الطير فيها ، فغناه إسحاق : أأن هتفت ورقاء في ~~رونق الضحى . . . على فنن غض النبات من الرند بكيت كما يبكي والوليد ولم ~~تزل . . . جليدا وأبديت الذي لم تكن تبدي PageV05P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" فضحك المتوكل ثم قال : يا إسحاق ، هذه أخت ~~فعلتك بالواثق لما غنيته بالصالحية : طربت إلى أصيبية صغار . . . وذكرني ~~الهوى قرب المزار فكم أعطاك لما أذن لك في الانصراف ؟ قال : مائة ألف دينار ~~، فأمر له بمائة ألف دينار وأذن له بالانصراف . وكان آخر عهده بإسحاق . ~~توفي بعد ذلك بشهرين . وكانت وفاته في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومائتين . ~~وكان يسأل الله تعالى ألا يبتليه بالقولنج لما رأى من صعوبته على أبيه ، ~~فرأى في منامه كأن قائلا يقول له : قد أجيبت دعوتك ولست تموت بالقولنج ~~ولكنك تموت بضده ، فأصابه ذرب في شهر رمضان ، فكان يتصدق في كل يوم يمكنه ~~صومه بمائة درهم ، ثم ضعف عن الصوم فلم يطقه ومات في الشهر . ولما نعي إلى ms0952 ~~المتوكل غمه وحزن عليه وقال : ذهب صدر عظيم من جمال الملك وبهائه وزينته . ~~رحمه الله تعالى . ذكر أخبار علويه هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن سيف . ~~وجده سيف من الصغد الذين سابهم الوليد بن عثمان بن عفان واسترق منهم جماعة ~~اختصهم لخدمته وأعتق بعضهم ولم يعتق الباقين فقتلوه . قال أبو الفرج ~~الأصفهاني : وكان علي هذا مغنيا حاذقا ، ومؤدبا محسنا ، وصانعا متقنا ، ~~وضاربا متقدما ، مع خفة روح وطيب مجالسة وملاحة نوادر . وكان إبراهيم ~~الموصلي علمه وخرجه وعني بتحذيقه جدا ، فبرع وغنى لمحمد الأمين وعاش إلى ~~أيام المتوكل ومات بعد إسحاق الموصلي بيسير . PageV05P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" وكان سبب وفاته أنه خرج عليه جرب ، فشكاه إلى ~~يحيى بن ماسويه ، فبعث إليه بدواء مسهل وطلاء ، فشرب الطلاء وأطلى بالدواء ~~، فقتله ذلك . قال : وكان علويه أعسر ، فكان عوده مقلوب الأوتار : ألبم ~~أسفل الأوتار كلها ثم المثلث فوقه ثم المثنى ثم الزير ، فكان عوده إذا كان ~~في يد غيره يكون مقلوبا ، وإذا أخذه كان في يده اليمنى وضرب باليسرى فيكون ~~مستويا . وكان إسحاق يتعصب له في أكثر أوقاته على مخارق . وقال حماد ابن ~~إسحاق : قلت لأبي : أيما أفضل عندك مخارق أم علويه ؟ فقال : يا بني ، علويه ~~أعرقهما فهما بما يخرج من رأسه ، وأعلمها بما يغنيه ويؤديه ، ولو خيرت ~~بينهما من يطارح جواري ، أو شاورني من يستنصحني لما أشرت إلا بعلويه ، لأنه ~~يؤدي الغناء ، وإذا صنع شيئا صنه صنعة محكمة ، ومخارق لتمكنه من حلقه وكثرة ~~نغمه لا يقنع بالأخذ منه ، لأنه لا يؤدي صوتا واحدا كما أخذه ولا يغنيه ~~مرتين غناء واحدا لكثرة زوائده فيه ، ولكنهما إذا اجتمعا عند خليفة أو سوقة ~~غلب مخارق على المجلس والجائزة بطيب صوته وكثرة نغمه . وقال أبو عبد الله ~~بن حمدون : حدثني أبي قال : اجتمعت مع إسحاق يوما في بعض دور بني هاشم ، ~~وحضر علويه فغنى أصواتا ثم غنى من صنعته : ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة . . . ~~إلي فهلا نفس ليلى شفيعها فقال له إسحاق : أحسنت أحسنت والله يا أبا الحسن ms0953 ~~أحسنت ما شئت فقام علويه من مجلسه فقبل رأس إسحاق وعينيه وجلس بين يديه وسر ~~بقوله سرورا كثيرا ، ثم قال أنت سيدي وابن سيدي وأستاذي وابن أستاذي ، ولي ~~إليك حاجة . قال : قل ، فوالله إني أبلغ فيها ما تحب . قال : أيما أفضل أنا ~~عندك أم مخارق ؟ فإني أحب أن أسمع منك في هذا المعنى قولا يؤثر ويحكيه عنك ~~من حضر ، فشرفني به . فقال PageV05P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" إسحاق : ما منكما إلا محسن مجمل ، فلا ترد أن ~~يجري في هذا شيء . قال : سألتك بحقي عليك وبتربة أبيك وبكل حق تعظمه إلا ~~حكمت فقال : ويحك والله لو كنت أستجير أن أقول غير الحق لقلته فيما تحب ، ~~فأما إذا أبيت إلا ذكر ما عندي ، فلو خيرت أنا من يطارح جواري ويغنيني لما ~~اخترت غيرك ، ولكنكما إذا غنيتما بين يدي خليفة أو أمير غلبك على إطرابه ~~واستبد عليك بجائزته . فغضب علويه وقام وقال : أف من رضاك وغضبك وكان ~~الواثق بالله يقول : علويه أصح الناس صنعة بعد إسحاق ، وأطيب الناس صوتا ~~بعد مخارق ، وأضرب الناس بعد زلزل وملاحظ ، فهو مصلي كل سابق نادر وثاني كل ~~أول ، وأصل كل متقدم . وكان يقول : غناء علويه مثل نقر الطست يبقى ساعة في ~~السمع بعد سكوته . وقال عبد الله بن طاهر : لو اقتصرت على رجل واحد يغني ~~لما اخترت سوى علويه ، لأنه إن حدثني ألهاني ، وإن غناني أشجاني ، وإن رجعت ~~إلى رأيه كفاني . وقال محمد بن عبد الله بن مالك : كان علويه يغني بين يدي ~~الأمين ، فغنى في بعض غنائه : ليت هندا أنجزتنا ما تعد . . . وشفت أنفسنا ~~مما تجد وكان الفضل بن ربيع يضطغن عليه شيئا ، فقال للأمين : إنما يعرض بك ~~ويستبطئ المأمون في محاربته إياك ، فأمر به فضرب خمسين سوطا وجر برجله حتى ~~PageV05P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" أخرج ، وجفاه مدة ، حتى سأل كوثرا أن يترضاه ~~له فترضاه له ورده إلى الخدمة وأمر له بخمسة آلاف درهم . فلما قدم المأمون ~~تقرب إليه بذلك فلم يقع له بحيث يحب ، وقال : إن الملك بمنزلة ms0954 الأسد أو ~~النار فلا تتعرض لما يغضبه ، فإنه ربما جرى منه ما يتلفك ثم لا يقدر بعد ~~ذلك على تلافي ما فرط منه ، ثم قرب من المأمون بعد ذلك . قال علويه : أمرنا ~~المأمون أن نباكره لنصطبح ، فلقيني عبد الله بن إسماعيل المراكبي مولى عريب ~~فقال : أيها الظالم المعتدي ، أما ترحم ولا ترق عريب هائمة من الشوق إليك ~~تدعو الله وتستحكمه عليك وتحلم بك في نومها في كل ليلة ثلاث مرات . قال ~~علويه : فقلت أم الخلافة زانية ومضيت معه . فحين دخلت قلت : أستوثق من ~~الباب فإني أعرف الناس بفضول الحجاب ، وإذا عريب جالسة على كرسي تطبخ ثلاث ~~قدور من دجاج . فلما رأتني قامت فعانقتني وقبلتني وقالت : أي شيء تشتهي ؟ ~~فقلت : قدرا من هذه القدور ، فأفرغت قدرا بيني وبينها فأكلنا ، ودعت ~~بالنبيذ فصبت رطلا فشربت نصفه وسقتني نصفه ، فما زلت أشرب حتى كدت أن أسكر ~~. ثم قالت : يا أبا الحسن ، غنيت البارحة في شعر لأبي العتاهية أعجبني ، ~~أفتسمعه وتصلحه ؟ فغنت : عذيرى من الإنسان لا إن جفوته . . . صفا لي ولا إن ~~صرت طوع يديه وإني لمشتاق إلى ظل صاحب . . . يروق ويصفو إن كدرت عليه ~~فصيرناه مجلسنا . وقالت : قد بقي فيه شيء ، فلم أزل أنا وهي حتى أصلحناه . ~~ثم قالت : أحب أن تغني أنت أيضا فيه لحنا ففعلت ، وجعلنا نشرب على اللحنين ~~ثلاثا . ثم جاء الحجاب فكسروا الباب واستخرجوني ، فدخلت على المأمون فأقبلت ~~PageV05P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" أرقص من أقصى الإيوان وأصفق وأغني بالصوت ، ~~فسمع المغنون والمأمون ما لم يعرفوه فاستطرفوه ، وقال المأمون : ادن يا ~~علويه وردده ، فرددته عليه سبع مرات ، فقال لي في آخرها عند قولي : يروق ~~ويصفو إن كدرت عليه : يا علويه خذ الخلافة وأعطني هذا الصاحب . وقال علويه ~~: قال إبراهيم الموصلي يوما : إني قد صنعت صوتا وما سمعه مني أحد بعد ، وقد ~~أحببت أن أنفعك به وأرفع منك بأن ألقيه عليك وأهبه لك ، ووالله ما فعلت هذا ~~بإسحاق قط ، وقد خصصتك به ، فانتحله وادعه ، فلست أنسبه إلى نفسي ، وستكسب ~~به مالا . فألقى ms0955 علي : إذا كان لي شيئان يا أم مالك . . . فإن لجاري منهما ~~ما تخيرا فأخذته عنه وادعيته ، وسترته طول أيام الرشيد خوفا من أن أتهم فيه ~~وطول أيام الأمين ، حتى حدث عليه ما حدث وقدم المأمون من خراسان ، وكان ~~يخرج إلى الشماسية فيتنزه ، فركبت يوما في زلالي وجئت أتبعه ، فرأيت حراقة ~~على بن هشام ، فقلت للملاح : اطرح زلالي على الحراقة ففعل ، واستؤذن لي ~~فدخلت وهو يشرب مع الجواري ، وما كانوا يحجبون جواريهم ، فغنيته الصوت ~~فاستحسنه جدا وطرب عليه ، وقال : لمن هذا ؟ فقلت : هذا صوت صنعته وأهديته ~~لك ولم يسمعه أحد قبلك ، فازداد به عجبا وطربا ، وقال للجارية : خذيه عنه ، ~~فألقيته عليها حتى أخذته ، فسر بذلك وطرب ، وقال لي : ما أجد لك مكافأة على ~~هذه الهدية إلا أن أتحول عن هذه الحراقة بما فيها وأسلمه إليك ، فتحول إلى ~~أخرى وسلمت لي بخزانتها وجميع آلاتها وكل شيء فيها ، فبعت ذلك بمائة ألف ~~وخمسين ألف درهم ، واشتريت ضيعتي الصالحية . وقال علويه : خرج المأمون يوما ~~ومعه أبيات قد قالها وكتبها في رقعة بخط يده وهي : خرجت إلى الصيد الظباء ~~فصادني . . . هناك غزال أدعج العين أحور PageV05P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" غزال كأن البدر حل جبينه . . . وفي خده الشعرى ~~المنيرة تزهر فصاد فؤادي إذ رماني بسهمه . . . وسهم غزال الإنس طرف ومحجر ~~فيا من رأى ظبيا يصيد ، ومن رأى . . . أخا قنص يصطاد قهرا ويقسر قال : ~~فغنيته فأمر لي بعشرين ألف درهم . ذكر أخبار أخبار معبد اليقطيني قال أبو ~~الفرج : كان معبد هذا غلاما مولدا من مولدي المدينة ، أخذ الغناء عن جماعة ~~من أهلها ، واشتراه بعض ولد على بن يقطين . واخذ الغناء بالعراق عن إسحاق ~~وابن جامع وطبقتهما ، وخدم الرشيد ولم يخدم غيره من الخلفاء ، ومات في ~~أيامه . وكان أكثر انقطاعه إلى البرامكة . وروى أبو الفرج الأصفهاني حكاية ~~عنه أحببت أن أذكرها في هذا الموضع ، وهي ما رواه بسنده إلى محمد بن عبد ~~الله بن مالك الخزاعي ، قال حدثني معبد الصغير المغني مولى علي بن يقطين ~~قال : كنت منقطعا إلى ms0956 البرامكة أحدثهم وألازمهم . فبينما أنا ذات يوم في ~~منزلي إذ أتاني آت فدق بابي ، فخرج غلامي ثم رجع إلي فقال لي : على الباب ~~فتى ظاهر المروءة يستأذن عليك ، فأذنت له ، فدخل شاب ما رأيت أحسن وجها منه ~~ولا أنظف ثوبا ولا أجمل زيا منه من رجل دنف عليه آثار السقم ظاهرة . فقال ~~لي : إني أحاول لقائك منذ مدة ولا أجد إلى ذلك سبيلا ، وإن لي حاجة . فقلت ~~: وما هي ؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدي فقال : أسألك أن تقبلها ~~وتصنع في بيتين قلتهما لحنا تغنيني به . PageV05P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" فقلت : هاتهما فأنشدني : والله يا طرفي الجاني ~~على بدني . . . لتطفئن بدمعي لوعة الحزن أو لأبوحن حتى يحجبوا سكني . . . ~~فلا أراه وقد أدرجت في كفني قال : فصنعت فيه لحنا ثم غنيته إياه ، وأغمي ~~عليه حتى ظننته قد مات ، ثم أفاق فقال أعد ، فديتك فناشدته الله في نفسه ~~وقلت : أخشى أن تموت ، فقال : هيهات أنا أشقى من ذلك . وما زال يخضع لي ~~ويتضرع حتى أعدته ، فصعق صعقة أشد من الأولى حتى ظننت أن نفسه قد فاضت . ~~فلما أفاق رددت عليه الدنانير فوضعتها بين يديه ، وقلت : يا هذا ، خذ ~~دنانيرك وانصرف عني ، قد قضيت حاجتك وبلغت وطرا مما أردته ، ولست أحب أن ~~أشرك في دمك . فقال : يا هذا ، لا حاجة لي في الدنانير ، وهذه مثلها لك ، ~~ثم أخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدي وقال : أعد الصوت علي مرة أخرى وحل ~~لك دمي فشرهت نفسي في الدنانير ، وقلت : لا والله ولا بعشرة أضعافها إلا ~~على ثلاث شرائط . قال : وما هي ؟ قلت : أولاهن أن تقيم عندي وتتحرم بطعامي ~~. والثانية أن تشرب أقداحا من النبيذ تطبب قلبك وتسكن ما بك . والثالثة أن ~~تحدثني بقصتك . قال : أفعل ما تريد . فأخذت الدنانير ودعوت بطعام فأصاب منه ~~إصابة معذر ، ثم دعوت بالنبيذ فشرب أقداحا ، وغنيته بشعر غيره في معناه وهو ~~يشرب ويبكي ، ثم قال : الشرط أعزك الله فغنيته صوته فجعل يبكي أحر بكاء ~~وينشج أشد نشيج وينتحب . فلما رأيت ما ms0957 به قد خف عما كان يلحقه ورأيت النبيذ ~~قد شد قلبه ، كررت عليه صوته مرارا . ثم قلت : حدثني حديثك ، فقال : أنا ~~رجل من أهل المدينة خرجت متنزها في ظاهرها وقد سال العقيق في فتية من ~~أقراني وأخداني ، فبصرنا بفتيات قد خرجن لمثل ما خرجنا له ، فجلسن حجرة منا ~~، وبصرت منهن بفتاة كأنها قضيب قد طله الندى ، تنظر بعينين ما ارتد طرفهما ~~إلا بنفس من PageV05P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" يلاحظهما . فأطلنا وأطلن حتى تفرق الناس ، ~~وانصرفن وانصرفنا وقد أبقت بقلبي جرحا بطيئا اندماله ، فعدت إلى منزلي وأنا ~~وقيذ ، وخرجت من الغد إلى العقيق وليس به أحد فلم أر لها ولا لصواحبها أثرا ~~، ثم جعلت أتتبعها في طرق المدينة وأسواقها ، وكأن الأرض أضمرتها فلم أحس ~~لها بعين ولا أثر ، وسقمت حتى أيس مني أهلي . وخلت بي ظئري فاستعلمتني حالي ~~وضمنت لي كتمانها والسعي فيما أحبه منها ، فأخبرتها بقصتي ، فالت : لا بأس ~~عليك ، هذه أيام الربيع وهذه سنة خصب وأنواء وليس يبعد عنك المطر ، ثم هذا ~~العقيق فتخرج حينئذ وأخرج معك فإن النسوة سيجئن ، فإذا فعلن ورأيتها اتبعها ~~حتى أعرف موضعها ثم أصل بينك وبينها وأسعى لك في تزويجها . فكأن نفسي ~~اطمأنت إلى ذلك ووثقت به وسكنت إليه ، فقويت وطعمت وتراجعت إلى نفسي . وجاء ~~مطر بعقب ذلك وسال العقيق وخرج الناس وخرجت مع إخواني إليه ، فجلسنا مجلسنا ~~الأول بعينه ، فما كنا والنسوة إلا كفرسي رهان ، فأومأت إلى ظئري فجلست ، ~~وأقبلت على إخواني فقلت : لقد أحسن القائل : رمتني بسهم أقصد القلب وانثنت ~~. . . وقد غادرت جرحا به وندوبا فأقبلت على صواحباتها وقالت : أحسن والله ~~القائل ، وأحسن من أجابه حيث يقول : بنا مثل ما تشكو فصبرا لعلنا . . . نرى ~~فرجا يشفي السقام قريبا فسكت عن الجواب خوفا من أن يظهر مني ما يفضحني ~~وإياها ، وعرفت ما أرادت . ثم تفرق الناس وانصرفنا ، وتبعتها ظئري حتى عرفت ~~منزلها ، وصارت إلي فأخذت بيدي ومضينا إليها ، فلم نتلطف حتى وصلت إليها ، ~~فتلاقينا وتزاورنا على حال مخالسة ومراقبة ، حتى شاع حديثي وحديثها وظهر ms0958 ما ~~بيني وبينها ، فحجبها أهلها PageV05P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" وسدوا أبوابها ، فما زلت أجهد في لقائها فلا ~~أقدر عليه ، وشكوت ذلك إلى أبي لشدة ما نالني وسألته خطبتها لي . فمضى أبي ~~ومشيخة أهلي إلى أبيها فخطبوها ، فقال : لو كان بدأ بهذا قبل أن يفضحها ~~ويشهرها لأسعفته بما التمس ، ولكنه قد فضحها فلم أكن لأحقق قول الناس فيها ~~بتزويجه إياها ، فانصرفت على يأس منها ومن نفسي . قال معبد : فسألته أن ~~ينزل بجواري ، وصارت بيننا عشرة . ثم جلس جعفر بن يحيى ليشرب فأتيته ، فكان ~~أول صوت غنيته صوتي في شعر الفتى ، فشرب وطرب عليه طربا شديدا ، وقال : ~~ويحك إن لهذا الصوت حديثا فما هو ؟ فحدثته ، فأمر بإحضار الفتى فأحضر من ~~وقته ، واستعاده الحديث فأعاده ، فقال : هي في ذمتي حتى أزوجك إياها ، ~~فطابت نفسه وأقام معنا ليلتنا حتى أصبح ، وغدا جعفر إلى الرشيد فحدثه ~~الحديث ، فعجب منه وأمر بإحضارنا جميعا فأحضرنا ، وأمر بأن أغنيه الصوت ~~فغنيته إياه وشرب عليه وسمع حديث الفتى ، فأمر من وقته بكتاب إلى عامل ~~الحجاز بإشخاص الرجل وابنته وجميع أهله إلى حضرته ، فلم تمض إلا مسافة ~~الطريق حتى أحضروا . فأمر الرشيد بإحضار أبي الجارية إليه فأحضر ، وخطب ~~إليه الجارية للفتى وأقسم عليه ألا يخالف أمره ، فأجابه وزوجها إياه ، وحمل ~~إليه الرشيد ألف دينار لجهازها وألف دينار لنفقة طريقه ، وأمر للفتى بألف ~~دينار ولي بألف دينار ، وأمر جعفر لي وللفتى بألف دينار . وكان المديني بعد ~~ذلك من ندماء جعفر بن يحيى . ذكر أخبار محمد الرف هو محمد بن عمرو مولى بني ~~تميم ، كوفي المولد والمنشأ . والرف لقب غلب عليه . وكان مغنيا ضاربا صالح ~~الصنعة مليح النادرة . وكان أسرع خلق الله أخذا للغناء وأصحهم أداء له ~~وأذكاهم . وكان إذا سمع الصوت مرتين أو ثلاثا أداه لا يكون بينه وبين من ~~أخذه عنه فرق فيه . وكان متعصبا على ابن جامع مائلا إلى إبراهيم الموصلي ~~وابنه إسحاق ، وكانا يرفعان منه ويقدمانه ويأخذان له الصلات من الخلفاء . ~~وكانت فيه عربدة إذا سكر . فعربد بحضرة الرشيد ms0959 مرة ، فأمر بإخراجه ومنعه من ~~الدخول إليه PageV05P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" وجفاه وتناساه . قال أبو الفرج : وأحسبه مات ~~في خلافته أو خلافة الأمين . ومن أخباره في جودة الأخذ وسرعة الحفظ ما رواه ~~حماد بن إسحاق عن أبيه قال : غنى ابن جامع يوما بحضرة الرشيد : جسور على ~~هجري جبان عن الوصل . . . كذوب عدات يتبع الوعد بالمطل مقدم رجل في الوصال ~~مؤخر . . . لأخرى يشوب الجد في ذاك بالهزل يهم بنا حتى إذا قلت قددنا . . . ~~وجاذبني عطفاه مال إلى البخل يزيد امتناعا كلما زدت صبوة . . . وأزداد حرصا ~~كلما ضن بالبذل فأحسن فيه ما شاء وأجمل ، فغمزت عليه محمد الرف وفطن لما ~~أردت ، واستحسنه الرشيد وشرب عليه واستعاده مرتين أو ثلاثا . ثم قمت إلى ~~الصلاة وغمزت الرف فجاءني ، وأومأت إلى مخارق وعلويه وعقيد فجاءوني ، ~~فأمرته بإعادة الصوت فأعاده وأداه كأنه لم يزل يرويه ، ولم يزل يكرره على ~~الجماعة حتى غنوه . ثم عدت إلى المجلس ، فلما انتهى الدور إلي ابتدأت ~~فغنيته قبل كل شيء غنيته . فنظر إلى ابن الجامع محددا طرفه ، وأقبل علي ~~الرشيد وقال : أكنت تروي هذا الصوت ؟ قلت : نعم يا سيدي . فقال ابن الجامع ~~: كذب والله ما أخذه إلا مني الساعة . فقلت : هذا صوت أرويه قديما ، وما ~~فيمن حضر أحد إلا وقد أخذه مني . وأقبلت عليهم فقلت لهم : غنوه ، فغناه ~~علويه ثم عقيد ثم مخارق . فوثب ابن جامع فجلس بين يديه فحلف بحياته وبطلاق ~~امرأته أن اللحن صنعه منذ ثلاث ليال وما سمع به قبل ذلك الوقت . فأقبل ~~الرشيد علي وقال : بحياتي اصدقني عن القصة ، فصدقته ، فجعل يضحك ويصفق ~~ويقول : لكل شيء آفة ، وآفة ابن جامع الرف . PageV05P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" قال إسحاق بن إبراهيم : كان محمد الرف أروى ~~خلق الله تعالى للغناء وأسرعهم أخذا لما سمعه ، ليست عليه في ذلك كلفة ، ~~إنما يسمع الصوت مرة واحدة وقد أخذه . وكنا معه في بلاء إذا حضر ، فكان كل ~~من غنى منا صوتا فسأله عدو له أو صديق بأن يلقيه عليه فبخل ومنعه إياه وسأل ~~محمد الرف ms0960 أن يأخذه فما هو إلا أن يسمعه مرة واحدة حتى أخذه وألقاه على من ~~سأله . قال : وكان أبي يبره ويصله ويجديه من كل جائزة وفائدة تصل إليه . ~~وكان محمد الرف مغرى بابن جامع خاصة من بين المغنين لبخله ، وكان لا يفتح ~~ابن جامع فاه بصوت إلا وضع عينيه عليه أصغى بسمعه عليه حتى يحكيه . وكان في ~~ابن جامع بخل شديد لا يقدر معه على أن يسعفه ببر ورفد . وساق نحو ما تقدم ~~إلا أنه قال : إن الرف أخذ الصوت لأول مرة وألقاه على إسحاق فأخذه عنه في ~~ثلاث مرار ؟ قال حماد : وللرف صنعة يسيرة ، وذكر منها أصواتا . ذكر أخبار ~~محمد بن الأشعث قال أبو الفرج : كان محمد بن الأشعث القرشي ثم الزهري كاتبا ~~، وكان من فتيان أهل الكوفة وظرفائهم ، وكان يقول الشعر ويغني فيه . فمن ~~ذلك قوله في سلامة زرقاء بن رامين : أمسى لسلامة الزرقاء في كبدي . . . صدع ~~يقيم طوال الدهر والأبد لا يستطيع صناع القوم يشعبه . . . وكيف يشعب صدع ~~الحب في الكبد إلا بوصل التي من حبها انصدعت . . . تلك الصدوع من الأسقام ~~والكمد وكان ملازما لابن رامين ولجاريته سلامة الزرقاء ، فشهر بذلك ، فلامه ~~قومه في فعله فلم يحفل بمقالتهم ، وطال ذلك منه ومنهم ، حتى رأى بعض ما ~~يكره في منزل ابن رامين ، فمال إلى سحيقة جارية زريق ابن منيح مولى عيسى بن ~~موسى ، وكان زريق شيخا كريما نبيلا ، يجتمع إليه أشراف أهل الكوفة من كل حي ~~، وكان الغالب على منزله رجلا من ولد القاسم بن عبد الغفار العجلي كغلبة ~~PageV05P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" محمد بن الأشعث على منزل ابن رامين ، فتلازما ~~على ملازمة زريق . وفي ذلك يقول محمد بن الأشعث : يا بن رامين بحت بالتصريح ~~. . . في هواي سحيقة ابن منيح قينة عفة ومولى كريم . . . ونديم من اللباب ~~الصريح ربعي مهذب أريحي . . . يشتري الحمد بالفعال الربيح نحن منه في كل ما ~~تشتهي الأن . . . فس من لذة وعيش نجيج عند قوم من هاشم في ذراها . . . ~~وغناء من الغزال المليح في سرور وفي ms0961 نعيم مقيم . . . قد أمنا من كل أمر ~~قبيح فاسل عنا كما سلوناك إني . . . غير سال عن ذات نفسي وروحي حافظ منك كل ~~ما كنت قد ضي . . . عت مما عصيت فيه نصيحي فالقى ما حييت منى لك الده . . . ~~ر بود لمنيتي ممنوح يا ابن رامين فالزمن مسجد الح . . . ي بطول الصلاة ~~والتسبيح قال عمر بن نوفل وهو راوي هذه الأبيات : فلم يدع ابن رامين شريفا ~~بالكوفة إلا تحمل به على ابن الأشعث وهو يأبى أن يرضى عنه وأن يعاود زيارته ~~، حتى تحمل عليه بالجحواني ، وهو محمد بن بشر بن جحوان الأسدي وكان يومئذ ~~على الكوفة ، فكلمه فرضي عنه وعاد إلى زيارته ، ولم يقطع منزل زريق . وقال ~~في سحيقة : سحيقة أنت واحدة القيان . . . فما لك مشبه فيهن ثاني ~~PageV05P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" فضلت على القيان بفضل حذق . . . فحزت على ~~المدى قصب الرهان سجدن لك القيان مكفرات . . . كما سجد المجوس لمزربان ولا ~~سيما إذا غنت بصوت . . . وحركت المثالث والمثاني شربت الخمر حتى خلت أني . ~~. . أبو قابوس وقاس أو عبد المدان فإعمال اليسار على الملاوي . . . ومن ~~يمناك ترجمة البيان ولمحمد بن الأشعث أصوات لها فيها غناء . منها : رحبت ~~بلادك يا أمامه . . . وسلمت ما سجعت حمامه وسقى ديارك كلما . . . حنت إلى ~~السقيا غمامه إني وإن أقصيتني . . . شفق أحب لك الكرامة وأرى أمورك طاعة . ~~. . مفروضة حتى القيامة وله غير ذلك من الأصوات . ذكر أخبار عمرو بن بانة ~~قال أبو الفرج الأصفهاني : هو عمر بن محمد بن سليمان بن راشد مولى ثقيف . ~~وكان أبوه صاحب ديوان ووجها من وجوه الكتاب ، ونسب إلى أمه . وكان ~~PageV05P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" مغنيا محسنا ، وشاعرا صالح الشعر ، وصنعته ~~صنعة متوسطة ، وكان مرتجلا . قال : وكتابه في الأغاني أصل من الأصول . وكان ~~يذهب مذهب إبراهيم بن المهدي في الغناء ، ويخالف إسحاق ويتعصب عليه تعصبا ~~شديدا ويواجهه بنفسه . وهو معدود في ندماء الخلفاء ومغنيهم ، على ما كان به ~~من الوضح . وفيه يقول الشاعر : أقول لعمرو وقد مر بي . . . فسلم تسليمة ~~جافية لئن فضولك بفضل الغنا . . . ء ms0962 فقد فضل الله بالعافية وقال أحمد بن ~~حمدون : كان عمرو حسن الحكاية لمن أخذ عنه الغناء ، حتى كان من يسمعه لو ~~توارى عن عينه عمرو لم يشك في أنه هو الذي أخذ عنه ، لحسن حكايته . وكان ~~محظوظا ممن يعلمه ، ما علم أحدا قط إلا خرج نادرا مبرزا . وله أخبار مع ~~الخلفاء وإنعام منهم عليه ، منهم المتوكل على الله . رحمه الله . ذكر أخبار ~~عبد الله بن العباس الربيعي هو أبو العباس عبد الله بن العباس بن الفضل بن ~~ربيع . والربيع ، على ما يدعيه أهله ، ابن يونس بن أبي فروة . وآل أبي فروة ~~يدفعون ذلك ويزعمون أنه لقيط وجد منبوذا كفله يونس ، فلما خدم المنصور ادعى ~~عليه . قال أبو الفرج الأصفهاني : وكان شاعرا مطبوعا ومغنيا محسنا جيد ~~الصنعة نادرها . قال : وهو أول من غنى بالكنكلة في الإسلام . وكان سبب ~~دخوله في الغناء على ما رواه أبو الفرج بسنده إليه قال : كان سبب دخولي في ~~الغناء وتعلمي إياه أني كنت أهوى جارية لعمتي رقية بنت الفضل بن ~~PageV05P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" الربيع ، وكنت لا أقدر على ملازمتها والجلوس ~~معها خوفا من أن يظهر ما لها عندي ، فيكون ذلك سبب منعي منها ، فأظهرت ~~لعمتي أني أشتهي أن أتعلم الغناء ويكون ذلك في ستر عن جدي - وكان جدي وعمتي ~~على حال من الرقة علي والمحبة لي لا نهاية وراءها ، لأن أبي توفي في حياة ~~جدي الفضل - فقالت : يا بني ، وما دعاك إلى ذلك ؟ فقلت : شهوة غلبت على ~~قلبي ، إن منعت منها مت غما - قال : وكان لي في الغناء طبع قوي - فقالت لي ~~: أنت اعلم وما تختاره ، والله ما أحب منعك من شيء ، وإني كارهة أن تحذق في ~~ذلك وتشتهر فتسقط ويفتضح أبوك وجدك . فقلت : لا تخافي من ذلك ، فإنما آخذ ~~منه مقدار ما ألهو به . ولازمت الجارية لمحبتي إياها بعلة الغناء ، فكنت ~~آخذ عنها وعن صواحباتها حتى تقدمت الجماعة حذقا وأقرت لي بذلك ، وبلغت ما ~~كنت أريد من الجارية ، وصرت ألازم مجلس جدي . ثم لم يكن ms0963 يمر لإسحاق ولا ~~لابن جامع ولا للزبير بن دحمان ولا لغيرهم صوت إلا أخذته ، وكنت سريع الأخذ ~~، إنما كنت أسمعه مرتين أو ثلاثا وقد صح لي . وأحسست في نفسي قوة في ~~الصناعة ، فصنعت أول صوت صنعته في شعر العرجي : أماطت كساء الخز عن حر ~~وجهها . . . وأدنت على الخدين بردا مهلهلا ثم صنعت : أقفر من بعد خلة شرف . ~~. . فالمنحنى فالعقيق فالجرف وعرضتهما على الجارية التي كنت أهواها وسألتها ~~عما عندها فيهما ، فقال : لا يجوز أن يكون في الصنعة فوق هذا . وكان جواري ~~الحارث بن بسخنر وجواري أبيه يدخلن إلى دارنا فيطرحن على جواري عمتي وجواري ~~جدي ويأخذن أيضا ما ليس عندهن ، فأخذنهما مني ، وسألن الجارية عنهما ~~فأخبرتهن أنهما من صنعتي . PageV05P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" ثم اشتهرا حتى غني الرشيد بهما يوما ~~فاستظرفهما ، وسأل إسحاق هل تعرفهما ؟ فقال : لا ، وإنهما لمن أحسن الصنعة ~~وجيدها ومتقنها . ثم سأل الجارية عنهما فوقفت خوفا من عمتي وحذرا أن يبلغ ~~جدي أنها ذكرتني ، فانتهرها الرشيد فأخبرته القصة ، فوجه من وقته فدعا بجدي ~~فقال له : يا فضل ، أيكون لك ابن يغني ثم يبلغ في الغناء المبلغ الذي يمكنه ~~أن يصنع صوتين يستحسنهما إسحاق وسائر المغنين ويتداولهما الجواري القيان ~~فلا تعلمني بذلك ، كأنك رفعت قدره عن خدمتي في هذا الشأن فقال له جدي : وحق ~~ولائك يا أمير المؤمنين ونعمتك وإلا فأنا بريء من بيعتك وعلى العهد ~~والميثاق والعتق والطلاق إن كنت علمت بشيء من هذا قط إلا منك الساعة . فمن ~~هذا من ولدي ؟ قال : عبد الله بن العباس هو ، فأحضرنيه الساعة . فجاء جدي ~~وهو يكاد أن ينشق غيظا ، فدعاني ، فلما خرجت إليه شتمني وقال : يا كلب بلغ ~~من أمرك أنك تجسر على أن تتعلم الغناء بغير إذني ثم زاد ذلك حتى صنعت ، ولم ~~تقنع بهذا حتى ألقيت صنعتك على الجواري في داري ، ثم تجاوزهن إلى جواري ~~الحارث بن بسخنر ، فاشتهرت ، وبلغ أمير المؤمنين فتنكر لي ولامني ، وفضحت ~~آباءك في قبورهم وسقطت للأبد إلا من المغنين فبكيت مما جرى علي ms0964 وعلمت أنه ~~صدقني ، فرحمني وضمني إليه وقال : قد صارت الآن مصيبتي في أبيك مصيبتين ، ~~إحداهما به وقد مضى وفات ، والأخرى بك وهي موصولة بحياتي ، ومصيبة باقية ~~العار علي وعلى أهلي بعدي ، وبكى وقال : عز علي يا بني أني أراك أبدا ما ~~بقيت على غير ما أحب ، وليست لي في هذا الأمر حيلة لأنه أمر قد خرج عن يدي ~~. وقال : جئني بعود حتى أسمعك وأنظر كيف أنت ، فإن كنت تصلح للخدمة في هذه ~~الفضيحة وإلا جئت بك منفردا وعرفته خبرك واستعفيته لك . فأتيت بعود وغنيت ~~غناء قديما ، فقال : لا ، بل صوتيك الذين صنعتهما ، فغنيته إياهما ، ~~فاستحسنهما وبكى ، ثم قال : بطلت والله يا بني وخاب أملي فيك . فواحزنا ~~عليك وعلى أبيك فقلت : ليتني مت قبل ما أنكرته أو خرست ومالي حيلة لكني ~~وحياتك يا سيدي - وإلا فعلى عهد الله وميثاقه والعتق والطلاق وكل يمين يحلف ~~بها حالف لازمة لي - لا غنيت أبدا إلا لخليفة أو ولي عهد . فقال : قد أحسنت ~~فيما نبهت عليه من هذا . فركب أمر بي فأحضرت ، ووقفت بين يدي الرشيد وأنا ~~أرعد ، فاستدعاني واستدناني حنى صرت أقرب الجماعة إليه ، ومازحني وأقبل ~~PageV05P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" علي وسكن مني ، وأمر جدي بالانصراف ، وأومأ ~~إلى الجماعة فحدثوني وسقيت أقداحا وغنى المغنون جميعا ، وأومأ إلى إسحاق ~~بعينيه أن أبدأ فغن إذا بلغت النوبة إليك قبل أن تؤمر بذلك ليكون أملح ~~وأجمل بك . فلما جاءت النوبة إلي أخذت عودا ممن كان إلى جنبي وقمت قائما ~~واستأذنت في الغناء ، فضحك الرشيد وقال : غن جالسا ، فغنيت لحني الأول ، ~~فطرب واستعاده ثلاث مرات وشرب عليه ثلاثة أنصاف . ثم غنيت الثاني فكانت هذه ~~حاله ، فسكر ودعا بمسرور وقال : احمل الساعة مع عبد الله عشرة آلاف دينار ~~وثلاثين ثوبا من فاخر ثيابي وعيبة مملوءة طيبا ، فحمل ذلك كله معي . قال ~~عبد الله : ولم أزل كلما أراد ولي عهد أن يعلم من الخليفة بعد الخليفة هو ~~أم غيره دعاني وأمرني أن أغني ، فأعرفه يميني فيستأذن الخليفة في ذلك ، فإن ~~أذن ms0965 لي في الغناء علم أنه ولي عهد وإلا عرف أنه غيره ، حتى كان آخرهم ~~الواثق فدعاني في أيام المعتصم وسأله أن يأذن لي في الغناء ، فأذن لي ثم ~~دعاني من الغد فقال : ما كان غناؤك إلا سببا لظهور سري وأسرار الخلفاء قبلي ~~والله لقد هممت أن آمر بضرب رقبتك لا يبلغني أنك امتنعت من الغناء عند أحد ~~، فوالله لئن امتنعت لأضربن عتقك فأعتق من كنت تملكه يوم حلفت ، وطلق من ~~كان عندك يومئذ ، وأرحنا من يمينك هذه المشئومة . فقمت وأنا لا أعقل جزعا ~~منه ، فأعتقت جميع ما كان بقي عندي من مماليكي الذين حلفت يومئذ وهم في ~~ملكي ثم تصدقت بجملة ، واستفتيت في يميني أبا يوسف القاضي حتى خرجت منها ، ~~وغنيت بعد ذلك إخواني جميعا حتى اشتهر أمري ، وبلغ المعتصم خبري فتخلصت منه ~~. ي فتخلصت منه . وروى أبو الفرج أيضا عن الصولي عن الحسين بن يحيى قال : ~~قلت لعبد الله ابن العباس : إنه بلغني لك خبر مع الرشيد أول ما شهرت ~~بالغناء فحدثني به ، PageV05P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" فقال : نعم أول صوت صنعته : أتاني يؤامرني في ~~الصبو . . . ح ليلا فقلت له غادها فلما دار لي وضربت عليه بالكنكلة ، عرضته ~~على جارية لنا يقال لها راحة ، فاستحسنته ، وأخذته عني . وكانت تختلف إلى ~~إبراهيم الموصلي ، فسمعها يوما تغنيه وتناغي به جارية من جواريه ، ~~فاستعادها إياه فأعادته ، فقال : لمن هذا الصوت ؟ قالت : صوت قديم . قال : ~~كذبت لو كان قديما لعرفته . وما زال يداريها ويتغاضب عليها حتى اعترفت له ~~أنه من صنعتي ، فعجب من ذلك . ثم غناه يوما بحضرة الرشيد ليغرب به على ~~المغنين ، فاستحسنه الرشيد ، فقال له : لمن هذا يا إبراهيم ؟ فأمسك عن ~~الجواب وخشي أن يكذبه فينمى إليه الخبر من غيره ، وخاف من جدي إن يصدقه ، ~~فقال له : مالك لا تجيبني ؟ قال : ما يمكنني يا أمير المؤمنين . فاستراب ~~بالقصة ، فأقسم الرشيد أنه إن لم يعرفه عاقبه عقوبة توجعه ، وتوهم انه ~~لعلية بنت المهدي أو لبعض حرمه فأستطير غضبا . فلما رأى إبراهيم الجد منه ms0966 ~~صدقه فيما بينه وبينه سرا . فدعا لوقته بالفضل بن الربيع وقال له : أيصنع ~~ولدك غناء يرويه الناس ولا تعرفني فجزع وحلف بحياته وبيعته انه ما عرف ذلك ~~قط ولا سمع به إلا في وقته ذلك . وساق باقي الخبر نحو ما تقدم . قال عبد ~~الله بن العباس : دخل محمد بن عبد الملك الزيات على الواثق وأنا بين يديه ~~أغنيه وقد استعادني صوتا فأعدته ، فاستحسنه محمد بن عبد الملك وقال : هذا ~~والله يا أمير المؤمنين أولى الناس بإقبالك عليه وإصغائك إليه ، فقال : أجل ~~هذا والله مولاي وابن مولاي لا يعرفون غير ذلك . فقال : ليس كل مولى يا ~~أمير المؤمنين مولى لمواليه ، ولا كل مولى يتجمل بولائه يجمع ما جمعه عبد ~~الله من ظرف وأدب وصحة عقل وفضل علم وجودة شعر . فقال له : صدقت يا محمد . ~~فلما كان من الغد جئت محمد بن عبد الملك شاكرا لحسن محضره ، فقلت في أضعاف ~~كلامي : وأفرط الوزير ، أعزه الله تعالى ، في وصفي وتقريظي في كل شيء حتى ~~وصفني بجودة PageV05P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" الشعر ، وليس ذلك عندي ، وإنما أعبث بالبيتين ~~والثلاثة . ولو كان عندي أيضا شيء من ذلك لصغر عن أن يصفه الوزير ويحكيه في ~~هذا المجلس الرفيع المشهور . فقال : والله يا أخي لو عرفت مقدار قولك : يا ~~شادنا رام إذ م . . . ري في الشعانين قتلى يقول لي : كيف أصبح . . . ت ؟ ~~كيف يصبح مثلي لما قلت هذا القول . والله لو لم يكن لك شعر في عمرك إلا ~~قولك : كيف يصبح مثلي لكنت شاعرا مجيدا . وهذا الشعر قاله عبد الله بن ~~العباس في نصرانية كان يهواها ولا يصل إليها إلا إذا خرجت إلى البيعة ؟ وله ~~معها أخبار وأشعار له فيها أصوات . منها قوله : إن في القلب من الظبي كلوم ~~. . . فدع اللوم فإن اللوم لوم حبذا يوم الشعانين وما . . . نلت فيه من ~~نعيم لو يدوم إن أكن أعظمت أن همت به . . . فالذي تركب من عذلي عظيم لم اكن ~~أول من سن الهوى . . . فدع العذل فذا داء قديم وروى أبو ms0967 الفرج بسنده إلى ~~محمد بن جبير قال : كنا عند أبي عيسى بن الرشيد في زمن ربيع وعندنا مخارق ~~وعلويه وعبد الله بن العباس الربيعي و عبد الله بن الحارث بن بسخنر ونحن ~~مصطحبون في طارمة مضروبة على بستانه وقد تفتح فيه ورد وياسمين وشقائق ~~والسماء متغيمة غيما مطبقا وقد بدأت ترش رشا ساكبا ، فنحن في أكمل نشاط ~~وأحسن يوم ، إذ خرجت قيمة دار أبي عيسى فقالت : يا سيدي ، قد جاءت عساليج ، ~~قال : تخرج إلينا فليس بحضرتنا من تحتشمه . قال : فخرجت إلينا جارية شكلة ~~حلوة حسنة العقل والهيئة والأدب في يدها عود فسلمت ، وأمرها أبو عيسى ~~بالجلوس فجلست . وغنى القوم حتى انتهى الدور إليها ، وظننا أنها لا تصنع ~~شيئا وخفنا أن تهابنا فتحصر ، فغنت غناء حسنا مطربا متقنا ، لم تدع أحدا ~~ممن حضر PageV05P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" إلا غنت صوتا من صنعته فأدته على غاية الإحكام ~~، فطربنا واستحسنا غناءها و خاطبناها بالاستحسان ، وألح عبد الله بن العباس ~~من بيننا بالاقتراح عليها والمزاح معها والنظر إليها . فقال أبو عيسى : ~~عشقتها وحياتي يا عبد الله فقال : لا والله يا سيدي وحياتك ما عشقتها ، ~~ولكن استملحت كل ما شاهدته منها من منظر وشكل وعقل وعشرة وغناء . فقال له : ~~ويحك فهذا والله هو العشق وسببه . ورب جد جره اللعب . قال : وشربنا ، فلما ~~غلب النبيذ على عبد الله غنى أهزاجا قديمة وحديثة ، وغنى فيما بينها هزجا ~~في شعر قاله فيها لوقته ، فما فطن له إلا أبو عيسى ، وهو : نطق المكتوم مني ~~فبدا . . . كم ترى المكتوم مني لا يضح سحر عينيك إذا ما رنتا . . . لم يدع ~~ذا صبوة أو يفتضح ملكت قلبا فأمسى غلقا . . . عندها صبا بها لم يسترح بجمال ~~وغناء حسن . . . جل عن أن ينتقيه المقترح أورث القلب هموما ولقد . . . كنت ~~مسرورا بمرآه فرح ولكم مغتبق هما وقد . . . باكر اللهو بكور المصطبح فقال ~~له أبو عيسى : فعلتها والله يا عبد الله ، صح والله قولي لك في عساليج وأنت ~~تكابر حتى فضحك السكر . فجحد وقال : هذا غناء كنت ms0968 أرويه . فحلف أبو عيسى ~~أنه ما قاله وما غناه إلا في يومه ، وقال له : احلف بحياتي أن الأمر ليس هو ~~كذلك فلم يفعل . فقال أبو عيسى : والله لو كانت لي لوهبتها لك ، ولكنها لآل ~~يحيى ابن معاذ ، ووالله إن باعوها لأملكنك إياها ولو بكل ما املك ووحياتي ~~لتنصرفن قبلك إلى منزلك . ثم دعا بحافظتها وخادما من خدمه فوجه بها معهما ~~إلى منزله . والتوى عبد الله قليلا وتجلد ثم انصرف . واتصل الأمر بينهما ~~بعد ذلك فاشترتها عمته رقية بنت الفضل بن الربيع من آل يحيى بن معاذ ، ~~وكانت عندهم حتى ماتت . قال : وقالت بذل الكبيرة لعبد الله بن العباس : قد ~~بلغني أنك عشقت جارية اسمها PageV05P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" عساليج ، فاعرضها علي ، فإما أن عذرتك أو ~~عذلتك ، فوجه إليها فحضرت ، وقال لبذل : هذه هي يا سيدتي ، فاسمعي وانظري ~~ثم مريني بما شئت أطعك . فأقبلت عليه عساليج وقالت : يا عبد الله ، أتشاور ~~في فوالله ما شاورت فيك لما حبتك . فقالت بذل : أحسنت والله يا صبية ولو لم ~~تحسني شيئا ولا كانت فيك خصلة تحمد لوجب أن تعشقي لهذه الكلمة . ثم قالت ~~لعبد الله : ما ضيعت ، احتفظ بصاحبتك هذه . وقال حمدون بن إسماعيل : دخلت ~~يوما على عبد الله بن العباس الربيعي وخادم له يسقيه ، وبيده عود وهو يغني ~~: إذا اصطحبت ثلاثا . . . وكان عودي نديمي والكأس تضحك ضحكا . . . من كف ~~ظبي رخيم فما على طريق . . . لطارقات الهموم فما رأيت احسن مما حكى حاله في ~~غنائه ولا سمعت أحسن مما غنى . ومن صنعته وشعره قوله صدع البين والفؤادا . ~~. . إذ به الصائح نادى بينما الأحباب مجمو . . . عون إذ صاروا فرادى فأتى ~~بعض بلادأ . . . وأتى بعض بلادا كلما قلت تناهى . . . حدثان الدهر زادا ذكر ~~أخبار وجه القرعة هو أبو جعفر محمد بن حمزة بن نصير الوصيف مولى المنصور ، ~~ويلقب وجه القرعة ، أحد المغنين الحذاق الضراب الرواة . أخذ الغناء عن ~~إبراهيم الموصلي وطبقته . وكان حسن الأداء طيب الصوت لا علة فيه ، إلا انه ~~كان إذا غنى الهزج PageV05P0031 # """""" صفحة رقم ms0969 32 """""" خاصة خرج لا لسبب يعرف ، إلا أنه إن تعرض ~~للحنين في جنس من الأجناس فلا يصح له البتة . وروى أبو الفرج بسنده عن محمد ~~الهاشمي انه شهد إسحاق بن إبراهيم الموصلي عند عمه هارون بن عيسى وعنده ~~محمد بن الحسن بن مصعب ، قال : فأتانا محمد بن حمزة وجه القرعة ، وكان شرس ~~الأخلاق أبي النفس ، وكان إذا سئل الغناء أباه ، فإذا أمسك عنه كان هو ~~المبتدئ به ، فأمسكنا عنه حتى طلب العود فأتي به فغنى : مر بي سرب ظباء . . ~~. رائحات من قباء زمرا نحو المصلى . . . يتمشين حذائي فتجاسرت وألقي . . . ~~ت سرابيل الحياء وقديما كان لهوي . . . وفنوني بالنساء قال : وكان يحسنه ~~ويجيده ، فجعل إسحاق يشرب ويستعيده حتى شرب ثلاثة أرطال ، ثم قال : أحسنت ~~يا غلام هذا الغناء لي وأنت تتقدمني فيه ولا يخلق الغناء مادام مثلك ينشأ ~~فيه . وقال أيضا : كنا في البستان المعروف ببستان خالص النصراني ببغداد ، ~~ومعنا محمد ابن حمزة وجه القرعة وهو يغنينا : يا دار أفقر رسمها . . . بين ~~المحصب والحجون يا بشر إني فاعلمي . . . والله مجتهدا يميني ما إن صرمت ~~حبالكم . . . فصلي حبالي أو ذريني PageV05P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" فإذا برجل راكب على حمار يؤمنا وهو يصيح : ~~أحسنت والله فقلنا اصعد إلينا كائنا من كنت ، فصعد وقال : لو منعتموني من ~~الصعود لما امتنعت ، ثم سفر اللثام عن وجهه فإذا هو مخارق . فقال : يا أبا ~~جعفر ، اعد على صوتك فأعاده ، وشرب رطلا من شرابنا وقال : لولا أني مدعو ~~الخليفة لأقمت عندكم واستمعت هذا الغناء الذي هو أحسن من النزهة غب المطر . ~~وله مع إسحاق بن إبراهيم ومخارق أخبار شهدا له فيها بحسن الصنعة ، وكفاه ~~ذلك فضلا في صناعته . ذكر أخبار محمد بن الحارث بن بسخنر قال أبو الفرج ~~الأصفهاني : هو من أهل الري ، مولى المنصور ، من ولد بهرام شوبين مرزبان ~~الري . قال : وهو مرتجل قليل الصنعة حسن الغناء والنغم بقوة وشجا واقتدار ~~شديد على الغناء ، وكان في زمانه أحد المعدودين في حسن الأدب وتمام المروءة ~~وحسن الزي والآلة ، وكان عظيم ms0970 التيه رفيع الهمة ، وكانت له منزلة عند ~~المأمون . قال محمد بن الحارث : كنت مع المأمون وهو يريد بلاد الروم ومعه ~~عدة من المغنين ، فجلس يوما والمعتصم والعباس معه من حيث لا نراهم وهم ~~يسمعون غناءنا ، فغنى المغنون جميعا وغنيت هزجا لإسماعيل بن جامع ، فبعث ~~إلي المأمون بأصل شاهشفرم وقد لف أصله بمنديل حرير ، فجاءني به الغلام وقال ~~: أعد الصوت ، فأخذته وشممته وثبت فأعدته قائما ، ووضعت الأصل بين يدي ~~وشربت رطلا وقلت للمغنين : حكم لي أمير المؤمنين بالحذق والغناء . فقالوا : ~~وكيف ؟ قلت : دفع إلي لواء الغناء من بينكم . فقالوا : ليست كما ذكرت ، ~~ولكن حياك إذ أطربته ، والرسول قائم فانصرف بالخبر ، فما لبث أن رجع إلي ~~فقال : هو كما ذكرت . قال أبو العنبس بن حمدون : كان محمد بن الحارث أحسن ~~خلق الله شمائل وإشارة إذا غنى . وقال أحمد بن حمدون : صنع محمد بن الحارث ~~هزجا في هذا PageV05P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" الشعر : أمسيت عبدا مسترقا . . . أبكي الألى ~~سكنوا دمشقا أعطيتهم قلبي فمن . . . يبقى بلا قلب فأبقى وطرحه على المسدود ~~الطنبوري فوقع له موقعا حسنا ، واستحسنه محمد منه فقال : أتحب أن أهبه لك ؟ ~~قال : نعم ، قال : قد فعلت . فكان المسدود يغنيه ويدعيه ، وإنما هو لمحمد ~~بن الحارث . قال محمد : لما قدم المأمون من خراسان لم يشتق مغنيا بمدينة ~~السلام غيري . فبعث إلي فكنت أنادمه سرا ، ولم يظهر للندماء حتى ظفر ~~بإبراهيم بن المهدي ، فلما عفا عنه ظهر للندماء . ولمحمد بن الحارث شعر ، ~~منه قوله : ومن ظن أن التيه من فضل قدره . . . فإني رأيت التيه من صغر ~~القدر ولو كان ذا عز ونفس أبية . . . لغض الغنى منه وعز عن الفقر رأى نفسه ~~لا تستقل بحقها . . . فتاه لنقص النفس أو قلة الشكر ذكر أخبار أحمد بن صدقة ~~قال أبو الفرج الأصفهاني : هو أحمد بن صدقة بن أبي صدقة . كان أبوه حجازيا ~~مغنيا ، قدم على الرشيد وغنى له . وقد ذكرنا أخباره في النوادر من كتابنا ~~هذا ، فلا حاجة بنا إلى إعادتها . وكان أبو أحمد طنبوريا محسنا مقدما ms0971 حاذقا ~~حسن الغناء محكم الصنعة . قال : وله غناء كثير في الأرمال والأهزاج وما ~~يجري مجراها من غناء الطنبوريين . وكان ينزل الشام . ووصف للمتوكل فأمر ~~بإحضاره ، فقدم عليه فغناه ، فاستحسن غناءه وأجزل صلته . واشتهاه الناس ~~وكثر من يدعوه ، فكسب بذلك أكثر مما كسبه مع المتوكل أضعافا . PageV05P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" وروى أبو الفرج عن أحمد بن صدقة قال : اجتزت ~~بخالد بن يزيد الكاتب ، فقلت له : أنشدني بيتين من شعرك حتى أغني فيهما . ~~فقال : وأي حظ لي في ذلك تأخذ أنت الجائزة وأحصل أنا على الإثم فحلفت أني ~~إن أخذت بشعره فائدة جعلت له فيها حظا ، وأذكرت به الخليفة وسألته فيه . ~~فقال : أما الحظ من جهتك فأنت أنذل من ذلك ، ولكن عسى أن تفلح في مسئلة ~~الخليفة ، وأنشدني : تقول سلا ، فمن المدنف . . . ومن عينه أبدا تذرف ومن ~~قلبه قلق خافق . . . عليك وأحشاؤه ترجف فلما جلس المأمون للشرب دعاني ، ~~وكان قد غضب على حظية له ، فحضرت مع المغنين . فلما طابت نفسه وجهت إليه ~~بتفاحة من عنبر عليها مكتوب بالذهب : يا سيدي سلوت ، وما علم الله أني عرفت ~~شيئا من خبرهما . وانتهى الدور إلي فغنيت البيتين ، فاحمر وجه المأمون ~~وانقلبت عيناه وقال : يا بن الفاعلة ، لك علي وعلى حرمي صاحب خبر فوثبت ~~وقلت : يا سيدي ، ما السبب ؟ قال : من أين عرفت قصتي مع جاريتي حتى غنيت في ~~معنى ما بيننا ؟ فحلفت أني لم أعرف شيئا من ذلك ، وحدثته بحديثي مع خالد ، ~~فلما انتهيت إلى قوله : أنت أنذل من ذلك ضحك وقال : صدق ، وعجب من هذا ~~الاتفاق ، وأمر لي بخمسة آلاف درهم ولخالد بمثلها . وروى عنه أيضا قال : ~~دخلت على المأمون في يوم الشعانين وبين يديه عشرون وصيفة جلب وروميات ~~مزنرات قد تزين بالديباج الرومي ، وعلقن في PageV05P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" أعناقهن صلبانا من الذهب ، وفي أيديهن الخوص ~~والزيتون . فقال لي المأمون : ويلك يا أحمد قد قلت في هؤلاء أبياتا فغن بها ~~، ثم أنشدني : ظباء كالدنانير . . . ملاح في المقاصير جلاهن الشعانين . . . ~~علينا في الزنانير وقد زرفن أصداغا ms0972 . . . كأذناب الزرازير وأقبلن بأوساط . ~~. . كأوساط الزنابير فحفظته وغنيته ، فلم يزل يشرب والوصائف يرقصن بين يديه ~~بأنواع الرقص من الدستبندا إلى الإلي حتى سكر ، وأمر لي بألف دينار ، وأمر ~~بأن ينثر على الجواري ثلاثة آلاف دينار ، فقبضت الألف ونثرت ثلاثة آلاف ~~الدينار فانتهبتها معهن . قال : ولم يزل أحمد بالعراق حتى بلغه موت بنية له ~~بالشام ، فشخص نحو منزله ، وخرج عليه الأعراب فأخذوا ما معه وقتلوه . ذكر ~~أخبار أبي حشيشة قال أبو الفرج : أبو حشيشة لقب غلب عليه ، وهو محمد بن بني ~~أمية ، ويكنى أبا جعفر . وكان أهله جميعا متصلين بإبراهيم بن المهدي ، وكان ~~هو من بينهم يغني بالطنبور أحسن الناس غناء . وخدم جماعة من الخلفاء ، ~~أولهم المأمون ومن بعده إلى المعتمد . قال : وكان أكثر انقطاعه إلى أبي ~~أحمد بن الرشيد أيام حياته . وكان أبوه وجده وأخواله كتابا . PageV05P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" قال أحمد بن جعفر جحظة في ترجمة أبي حشيشة : ~~وكان له صنعة تقدم فيها كل طنبوري لا أحاشي أحدا في ذلك . قال : فمنها : ~~كأن هموم الناس في الأرض كلها . . . علي وقلبي بينهم قلب واحد ولي شاهدا ~~عدل سهاد وعبرة . . . وكم مدع للحب من غير شاهد قال جحظة : ورأيته بين يدي ~~المعتمد على الله وقد غناه من شعر علي بن محمد ابن نصر : حرمت بذل نوالك . ~~. . واسوءتا من فعالك لما ملكت وصالي . . . آيستني من وصالك فوهب لي مائتي ~~دينار . قال : وغنى يوما عند ابن المدبر بحضرة عريب ، فقالت له : أحسنت يا ~~أبا جعفر ولو عاش الشيخان ما قلت لهما هذا تعني علويه ومخارقا . وقال أبو ~~الفرج : إن أبا حشيشة ألف كتابا جمع فيه أخباره مع من عاشر وخدم من الخلفاء ~~، وهو كتاب مشهور . قال : أول من سمعني من الخلفاء المأمون ، وصفني له ~~مخارق ، فأمر بإشخاصي إليه ، وأمر لي بألف درهم أتجهز بها . فلما وصلت إليه ~~أدناني وأعجب بي ، وقال للمعتصم : هذا أثر خدمك وخدم آبائك وأجدادك يا أبا ~~إسحاق . وذكر ما كان يشتهيه عليه كل خليفة ، فقال : كان المأمون يشتهي من ~~غنائي ms0973 : كان ينهى فنهى حتى سلا . . . وانجلت عنه غيابات الصبا PageV05P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" خلع اللهو وأضحى مسبلا . . . للنهى فضل قميص ~~وردا قال : وكان المعتصم يشتهي علي : أسرفت في سوء الصنيع . . . وفتكت بي ~~فتك الخليع وولعت بي متمردا . . . والعذر في طرق الولوع صيرت حبك شافعا . . ~~. فأتيت من قبل الشفيع قال : وكان الواثق يختار من غنائي : يا تاركي متلذذ ~~ال . . . عذال جذلان العداة انظر إلي بعين را . . . ض نظرة قبل الممات ~~خليتني بين الوعي . . . د وبين ألسنة الوشاة ماذا يرجى بالحيا . . . ة منغص ~~روح الحياة قال : وكان المتوكل يحبني ويستخفني ، وكانت أغانيه التي يشتهيها ~~علي كثيرة . منها : أطلعت الهوى وخلعت العذارا . . . وباكرت بعد المراح ~~العقارا ونازعك الكأس من هاشم . . . كريم يحب عليها الوقارا فتى فرق الحمد ~~أمواله . . . يجر القميص ويرخي الإزارا رأى الله جعفر خير الأنام . . . ~~فملكه ووقاه الحذارا PageV05P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" قال : وكان المستعين يشتهي علي : وما أنس لا ~~أنس منها الخشوع . . . وفيض الدموع وغمز اليد وخدي مضاف إلى خدها . . . ~~قياما إلى الصبح لم نرقد قال : واشتهى علي المعتمد : قلبي يحبك يا منى . . ~~. قلبي ويبغض من يحبك لأكون فردا في هوا . . . ك ، فليت شعري كيف قلبك ؟ ~~قال جحظة : وكانت وفاة أبي حشيشة بسر من رأى . وسببها أنه اصطبح عند قلم ~~غلام الفضل بن كاوش في يوم بارد ، فقال له : أنا لا آكل إلا طعاما حارا ، ~~فأتاه بفجلية باردة وقال : تساعدني وتأكل معي ، فأكل منها فخمد قلبه فمات . ~~ذكر أخبار القيان وأول من غنى من النساء ومن اشهر بالغناء منهن في الإسلام ~~قالوا : أول من غنى الغناء العربي جرادتا ابن جدعان . قال أبو الفرج ~~الأصفهاني : قال ابن الكلبي : كان لابن جدعان أمتان يسميان الجرادتين ~~يغنيان في الجاهلية ، وسماهما جرادتي عباد ، ووهبهما عبد الله بن جدعان ~~لأمية بنت أبي الصلت الثقفي وكان قد امتدحه . وابن جدعان هو عبد الله بن ~~جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب . كان ~~سيدا جوادا ، فرأى PageV05P0039 # """""" صفحة رقم 40 ms0974 """""" أمية ينظر إلى الجرادتين وهو عنده فأعطاه ~~إياهما . وقد قيل في سبب إعطائه إياهما : إن أمية بن أبي الصلت قدم عليه ، ~~فقال له عبد الله : أمر ما أتى بك فقال أمية : كلاب غرماء قد نبحتني ~~ونهشتني . فقال له عبد الله : قدمت علي وأنا عليل وحقوق لحقتني ولزمتني ، ~~فانظرني قليلا وقد ضمنت قضاء دينك فلا أسألك عن مبلغه ، قال : فأقام أمية ~~أياما ثم أتاه فقال : أأذكر حاجتي أم قد كفاني . . . حياؤك إن شيمتك الحياء ~~وعلمك بالأمور وأنت قرم . . . لك الحسب المهذب والسناء كريم لا يغيره صباح ~~. . . عن الخلق الكريم ولا مساء تباري الريح مكرمة ومجدا . . . إذا ما ~~الكلب أجحره الشتاء إذا أثنى عليك المرء يوما . . . كفاه من تعرضه الثناء ~~إذا خلفت عبد الله فاعلم . . . بأن القوم ليس لهم جزاء فأرضك كل مكرمة ~~بنتها . . . بنو تيم وأنت لهم سماء وهل تخفى السماء على بصير . . . وهل ~~بالشمس طالعة خفاء فلما أنشده أمية هذا الشعر كانت عنده قينتان ، فقال ~~لأمية : خذ أيتهما شئت ، فأخذ إحداهما وانصرف ، فمر بمجلس من مجالس قريش ~~فلاموه على أخذها ، وقالوا له : لقد ألفيته عليلا ، فلو رددتها عليه ، فإن ~~الشيخ محتاج إلى خدمتها ، كان ذلك أقرب لك عنده وأكثر من كل حق ضمنه . فوقع ~~الكلام من أمية موقعا وندم ، فرجع إليه ليردها عليه . فلما أتاه بها ، قال ~~ابن جدعان : لعلك إنما رددتها لأن قريشا لاموك على أخذها ، وذكر لأمية ما ~~قال القوم . فقال أمية : والله ما أخطأت يا أبا زهير . قال : فما الذي قلت ~~في ذلك ؟ فقال : عطاؤك زين لامرئ إن حبوته . . . ببذل وما كل العطاء يزين ~~وليس بشين لامرئ بذل وجهه . . . إليك كما بعض السؤال يشين PageV05P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" فقال عبد الله لأمية : خذ الأخرى ، فأخذهما ~~جميعا وخرج . فلما أن صار إلى القوم بهما أنشأ يقول : ومالي لا أحييه وعندي ~~. . . مواهب قد طلعن من النجاد لأبيض من بني عمرو بن تيم . . . وهم ~~كالمشرفيات الحداد لكل قبيلة هاد ورأس . . . وأنت الرأس تقدم كل هاد عماد ~~الخيف قد علمت معد . . . وإن ms0975 البيت يرفع بالعماد له داع بمكة مشمعل . . . ~~وآخر فوق دارته ينادي إلى ردح من الشيزى ملاء . . . لباب البر يلبسك ~~بالشهاد وكان سبب قول أمية بن أبي الصلت هذا الشعر أن عبد الله بن جدعان ~~وفد على كسرى فأكل عنده الفالوذ ، فسأل عنه فقيل له : هذا الفالوذ . قال : ~~وبم يصنع ؟ قيل : لباب البر يلبك مع عسل النحل . قال : أبغوني غلاما يصنعه ~~، فأتوه بغلام يصنعه فابتاعه ، ثم قدم به مكة ، فأمره أن يصنع الفالوذ ففعل ~~، ثم وضع الموائد من الأبطح PageV05P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" إلى باب المسجد ، ثم نادى مناديه : ألا من ~~أراد الفالوذ فليحضر ، فحضره الناس . وكان فيمن حضر أمية بن أبي الصلت فقال ~~الأبيات . وقال فيه أيضا : ذكر ابن جدعان بخي . . . ر كلما ذكر الكرام من ~~لا يخون ولا يع . . . ق ولا يبخله الأنام يهب النجيبة والنجي . . . ب له ~~الرحالة والزمام وابن جدعان ممن ترك شرب الخمر في الجاهلية ، وقد تقدم ذكره ~~. وهجاه دريد ابن الصمة بشعر ، فلقيه بعد ذلك عبد الله بسوق عكاظ ، فحياه ~~وقال : هل تعرفني يا دريد ؟ قال : لا . قال : فلم هجوتني ؟ قال : ومن أنت . ~~؟ قال : عبد الله بن جدعان . قال : هجوتك لأنك كنت أثرا كريما فأحببت أن ~~أضع شعري موضعه . فقال له عبد الله : لئن كنت هجوت لقد مدحت ، وكساه وحمله ~~على ناقة برحالها ، فقال دريد : إليك ابن جدعان أعملتها . . . مخففة للسرى ~~والنصب فلا خفض حتى تلاقى امرأ . . . جواد الرضا وحليم الغضب وجلدا إذا ~~الحرب مرت به . . . يعين عليها بجزل الحطب وجلت البلاد فما إن أرى . . . ~~شبيه ابن جدعان وسط العرب سوى ملك شامخ ملكه . . . له البحر يجري وعين ~~الذهب PageV05P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" وأخبار ابن جدعان كثيرة وسيادته في الجاهلية ~~مشهورة ، ليس هذا موضع إيرادها ، وإنما أوردنا ما أوردنا منها في هذا ~~الموضع على سبيل الاستطراد ، فالشيء بالشيء يذكر . فلنرجع إلى أخبار القيان ~~. ذكر أخبار جميلة هي جميلة مولاة بني سليم ، ثم مولاة بطن منهم يقال لهم ~~بنو بهز ، وكان لها زوج من موالي بني الحارث بن ms0976 الخزرج ، وكان ينزل فيهم ، ~~فغلب عليها ولاء زوجها فقيل لها : مولاة الأنصار . وقد قيل : إنها كانت ~~لرجل من الأنصار ينزل بالسنح . وقيل : كانت مولاة الحجاج بن علاط السلمي . ~~قال أبو الفرج الأصفهاني : وهي أصل من أصول الغناء ، أخذ عنها معبد وابن ~~عائشة وحبابة وسلامة وعقيلة والعتيقة وغيرهم . وفيها يقول عبد الرحمن بن ~~أرطاة : إن الدلال وحسن الغنا . . . ء وسط بيوت بني الخزرج وتلكم جميلة زين ~~النساء . . . إذا هي تزدان للمخرج إذا جئتها بذلت ودها . . . بوجه منير لها ~~أبلج قال : وكانت جميلة أعلم خلق الله بالغناء . وكان معبد يقول : أصل ~~الغناء جميلة وفرعه نحن ، ولولا جميلة لم نكن نحن مغنين . قال : وسئلت ~~جميلة : أنى لك هذا الغناء ؟ قالت : والله ما هو إلهام ولا تعليم ، ولكن ~~أبا جعفر سائب خاثر كان جارنا ، وكنت أسمعه يغني ويضرب بالعود فلا أفهمه ، ~~فأخذت تلك النغمات وبنيت عليها غنائي ، فجاءت أجود من تأليف ذلك الغناء ، ~~فعلمت وألقيت ، فسمعني مولياتي يوما وأنا أغني سرا ، ففهمني ودخلن علي وقلن ~~: قد علمنا ما تكتمين وأقسمن علي ، PageV05P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" فرفعت صوتي وغنيتهن بشعر زهير بن أبي سلمى : ~~وما ذكرتك إلا هجت لي طربا . . . إن المحب ببعض الأمر معذور ليس المحب كمن ~~إن شط غيره . . . هجر الحبيب ، وفي الهجران تغيير فحينئذ شاع أمري وظهر ~~ذكري وقصدني الناس وجلست للتعليم ، فكان الجواري يكثرن عندي ، وربما انصرف ~~أكثرهن ولم يأخذن شيئا سوى ما سمعنني أطارح غيرهن ، وقد كسبت لموالي ما لم ~~يخطر لهم ببال ، وأهل ذلك كانوا وكنت . وقد أقر لجميلة كل مكي ومدني من ~~المغنين . قال : ولما قدم ابن سريج والغريض وابن مسجح وسلم بن محرز المدينة ~~واجتمعوا هم ومعبد وابن عائشة حكموها بينهم ، واجتمعوا عندها ، وصنع كل ~~منهم صوتا وغناه بحضرتها - وقد ذكر الأصفهاني الأصوات - فلما سمعت الأصوات ~~قالت : كلكم محسن ومجيد في غنائه ومذهبه . قال ابن عائشة : ليس هذا بمقنع . ~~قالت : أما أنت يا أبا يحيى فتضحك الثكلى بحسن صوتك ومشاكلته النفوس . وأما ~~أنت يا أبا عباد فنسيج وحده ms0977 بتأليفك وحسن نظمك وعذوبة غنائك . وأما أنت يا ~~أبا عثمان فلك أولية هذا الأمر وفضله . وأما أنت يا أبا جعفر فمع الخلفاء ~~تصلح . وأما أنت يا أبا الخطاب فلو قدمت أحدا على نفسي لقدمتك . وأما أنت ~~يا مولى العبلات فلو ابتدأت قدمتك عليهم . ثم سألوها جميعا أن تغنيهم لحنا ~~كما غنوا ، فغنتهم ، فكلهم أقروا لها وفضلوها . وكانت جميلة قد آلت أنها لا ~~تغني أحدا إلا في منزلها . فكان عبد الله بن جعفر يأتيها في مجلسها فيجلس ~~عندها وتغنيه . فأرادت أن تكفر عن يمينها وتأتيه فتغنيه في بيته ، فقال : ~~لا أكلفك ذلك . PageV05P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" وروى الأصفهاني أن ابن أبي عتيق وابن أبي ~~ربيعة والأحوص بن محمد الأنصاري أتوا منزل جميلة واستأذنوا عليها فأذنت لهم ~~. فلما جلسوا سألت عن عمر ، فقال لها : إني قصدتك من مكة للسلام عليك ، ~~فقالت : أهل الفضل أنت . قال : وقد أحببت أن تفرغي لنا نفسك اليوم وتخلي ~~مجلسك ، قالت : أفعل . فقال لها الأحوص : أحب ألا تغني إلا بما نسألك ، ~~فقالت : ليس المجلس لك ، القوم شركاؤك ، فقال : أجل . قال عمر : فإني أرى ~~أن نجعل الخيار إليها . قال ابن أبي عتيق : وفق الله . فدعت بعود فغنت : ~~تمشي الهوينى إذا مشت فضلا . . . مشي النزيف المخمور في الصعد تظل من بعد ~~بيت جارتها . . . واضعة كفها على الكبد يا من لقلب متيم سدم . . . عان رهين ~~مكلم كمد أزجره وهو غير منزجر . . . عنها بطرف مكحل السهد قال راوي هذه ~~الحكاية : فلقد سمعت للبيت زلزلة وللدار همهمة . فقال عمر : لله درك يا ~~جميلة ماذا أعطيت أنت أول الغناء وآخره ثم سكتت ساعة وأخذت العود فغنت ، ~~فطرب القوم وصفقوا بأيديهم وفحصوا بأرجلهم وحركوا رءوسهم ، وقالوا : نحن ~~فداؤك من المكروه ، ما أحسن ما غنيت وأجمل ما قلت ، PageV05P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" وأحضر الغداء فتغدى القوم بأنواع من الأطعمة ~~ومن الفواكه ، ثم دعت بأنواع الأشربة ، فقال عمر : لا اشرب ، وقال ابن أبي ~~عتق مثل ذلك ، فقال الأحوص : لكني أشرب ، وما جزاء جميلة أن يمتنع من ~~شرابها فقال عمر ms0978 : ليس ذلك كما ظننت . فقالت جميلة : من شاء أن يحملني ~~بنفسه ويخلط روحه بروحي فعل ، ومن أبي ذلك عذرناه ، ولم يمنعه ذلك عندنا ما ~~يريد من قضاء حوائجه والأنس بمحادثته . قال ابن أبي عتيق : ما يحسن بنا إلا ~~مساعدتك . فقال عمر : إني لا أكون أخسكم ، افعلوا ما شئتم تجدوني سامعا ~~مطيعا . فشرب القوم أجمع ، فغنت بشعر ابن أبي ربيعة : ولقد قالت لجارات لها ~~. . . كالمها يلعبن في حجرتها خذن عني الظل لا يتبعني . . . ومضت تسعى إلى ~~قبتها لم تعلق رجلا فيما مضى . . . طفلة غيداء في حلتها لم يطش قط لها سهم ~~ومن . . . ترمه لا ينج من رميتها فصاح عمر ثم شق جيب قميصه إلى أسفله ، ثم ~~ثاب إليه عقله فندم واعتذر وقال : لم أملك من نفسي شيئا . وقال القوم : قد ~~أصبنا الذي أصابك وأغمي علينا غير أننا قد فارقناك في تخريق الثياب . فدعت ~~جميلة بثياب فجعلتها على عمر فقبلها ولبسها ، وانصرف القوم إلى منازلهم . ~~وكان عمر نازلا على ابن أبي العتيق ، فوجه إلى جميلة بعشرة آلاف درهم وعشرة ~~أثواب كانت معه فقبلتها جميلة ، وانصرف عمر إلى مكة جذلان مسرورا . وروى ~~أبو الفرج بأسانيد رفعها إلى يونس الكاتب والزبير بن بكار عن PageV05P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" عمه مصعب قالا : حجت جميلة فخرج معها من ~~الرجال المغنين والنساء والأشراف وغيرهم جماعة ذكرهم أبو الفرج ، منهم من ~~المغنين هنب وطويس والدلال ومعبد ومالك بن أبي السمح وابن عائشة ونافع ~~الخير ونافع بن طنبورة وغير هؤلاء ممن ذكرهم : ومن النساء المغنيات جماعة ~~ذكرهن منهن الفرهة وعزة الميلاء وحبابة وسلامة وخليدة وعقيلة والشماسية ~~وفرعة ونبيلة ولذة العيش وسعيده والزرقاء ، ومن غير المغنين من الأشراف أبي ~~عتيق والأحوص وكثير عزة ونصيب ، وجماعة من الأشراف الرجال والنساء . وحج ~~معها من القيان مشيعات لها ومعظمات لقدرها خمسون قينة وجه بهن مواليهن ~~وأعطوهن النفقات وحملوهن على الإبل في الهوادج والقباب وغير ذلك ، فأبت ~~جميلة أن تنفق واحدة منهن درهما فما فوقه حتى يرجعن . قال : وتخاير من خرج ~~معها في اتخاذ أنواع ms0979 اللباس العجيب والهوادج والقباب . قال : ولما قاربوا ~~مكة تلقاهم سعيد بن مسجح وابن سريج والغريض وابن محرز والهذليون وجماعة من ~~المغنين من أهل مكة وفتيان كثير ، ومن غير المغنين عمر بن أبي ربيعة ~~والحارث ابن خالد المخزومي والعرجي وجماعة من الأشراف . فدخلت جميلة مكة ~~وما بالحجاز مغن حاذق ولا مغنية إلا وهو معها وجماعة من الأشراف ممن سمينا ~~وغيرهم من الرجال والنساء ، وخرج أبناء أهل مكة من الرجال و النساء ينظرون ~~إلى جمعها وحسن هيئتهم . فلما قضت حجها سألها المكيون أن تجعل لهم مجلسا ، ~~فقالت : للغناء أم للحديث ؟ فقالوا : لهما جميعا . قالت : ما كنت لأخلط جدا ~~بهزل ، وأبت أن تجلس للغناء . فقال عمرو بن أبي PageV05P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" ربيعة : أقسمت على من كان في قلبه حب لسماع ~~غنائها إلا خرج معها إلى المدينة ، فإني خارج معها . فخرجت في جمع كثير من ~~الأشراف وغيرهم أكثر من جمعها بالمدينة . فلما قدمت المدينة تلقاها الناس ~~والأشراف من الرجال والنساء ، فدخلت بأحسن مما خرجت منها ، وخرج الرجال ~~والنساء فوقفوا على أبواب دورهم ينظرون إلى جمعها وإلى القادمين معها . ~~فلما دخلت إلى منزلها وتفرق الناس إلى منازلهم ونزل أهل مكة على أقاربهم ~~وإخوانهم ، أتاها الناس مسلمين ، وما استنكف من ذلك صغير ولا كبير . فلما ~~مضى لمقدمها عشرة أيام جلست للغناء ، وقالت لعمر بن أبي ربيعة : إني جالسة ~~لك ولأصحابك ، فإذا شئت فعد الناس . فغصت الدار بالأشراف من الرجال والنساء ~~، وابتدأت جميلة فغنت بشعر لعمر بن أبي ربيعة : هيهات من أمة الرحمن منزلنا ~~. . . إذا حللنا بسيف البحر من عدن واحتل أهلك أجيادا فليس لنا . . . إلا ~~التذكر أو حظ من الحزن لو أنها أبصرت بالجزع عبرته . . . وقد تغرد قمرى على ~~ففن إذا رأت غير ما ظنت بصاحبها . . . وأيقنت أن لحجا ليس من وطني ما أنس ~~لا أنس يوم الخيف موقفها . . . وموقفي وكلانا ثم ذو شجن وقولها للثريا وهي ~~باكية . . . والدمع منها على الخدين ذو سنن بالله قولي من غير معتبة . . . ~~ماذا أردت بطول المكث في اليمن إن ms0980 كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها . . . فما ~~أصبت بترك الحج من ثمن PageV05P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" فكلهم استحسن الغناء ، وضج القوم لحسن ما ~~سمعوا ، وبكى عمر حتى جرت دموعه على ثيابه ولحيته . ثم أقبلت على ابن سريج ~~فقالت : هات ، فغنى صوته بشعر لعمر : أليست بالتي قالت . . . لمولاة لها ~~ظهرا أشيري بالسلام له . . . إذا ما نحونا نظرا وقولي في ملاطفة . . . ~~لزينب نولي عمرا وهذا سحرك النسوا . . . ن قد خبرنني الخبرا ثم قالت لسعيد ~~بن مسجح : هات يا أبا عثمان ، فاندفع فغنى . ثم قالت : يا معبد هات ، ~~فاندفع فغنى فاستحسنته . ثم قالت : هات يا بن محرز ، فإني لم أؤخرك لخساسة ~~بك ولا جهلا بالذي يجب بالصناعة ، ولكني رأيتك تحب من الأمور كلها أوسطها ~~وأعدلها . فجعلتك حيث تحب واسطة بين المكيين والمدنيين ، فغنى . ثم قالت ~~للغريض : هات يا مولى العبلات ، فغنى بشعر عمرو بن شأس الأبيات ، وفي آخرها ~~: أرادت عرارا بالهوان ومن يرد . . . عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم فقالت : ~~أحسن عمرو بن شأس ولم تحسن ، إذ أفسدت غناءك بالتعريض ، ووالله ما وضعناك ~~إلا موضعك ولا نقصانك من حظك ، فبماذا أهناك ثم أقبلت على الجماعة فقالت : ~~يا هؤلاء اصدقوه وعرفوه نفسه ليقنع بمكانه . فأقبل القوم عليه وقالوا يا ~~أبا زيد ، قد أخطأت إن كنت عرضت . فقال : قد كان ذلك ، ولست بعائد ، وقام ~~إلى جميلة فقبل طرف ثوبها واعتذر ، فقبلت عذره وقالت : لا تعد ، وأقبلت على ~~ابن عائشة فقالت : يا أبا جعفر ، هات ، فغنى ، فقالت : حسن ما قلت . ثم ~~أقبلت على نافع وبديح فقالت : أحب أن تغنيا جميعا بصوت ولحن واحد ، فغنيا . ~~ثم أقبلت على الهذليين الثلاثة فقالت : غنوا صوتا واحدا ، فاندفعوا فغنوا . ~~ثم أقبلت على نافع ابن PageV05P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" طنبورة فقالت : هات يا نقش الغضارة ويا حسن ~~اللسان ، فاندفع فغنى ، فقالت : حسن والله . ثم قالت : يا مالك هات ، فإني ~~لم أؤخرك لأنك في طبقة آخرهم ، ولكن أردت أن أختم بك ، يومنا تبركا بك ، ~~وكي يكون أول مجلسنا كآخره ووسطه كطرفه ، فإنك عندي ومعبدا في ms0981 طريقة واحدة ~~ومذهب واحد ، لا يدفع ذلك إلا ظالم ولا ينكره إلا عاضل للحق ، والحق أقول ، ~~فمن شاء أن ينكر ، فسكت القوم كلهم إقرارا بما قالت . فاندفع فغنى : عدو ~~لمن عادت وسلم لسلمها . . . ومن قربت سلمى أحب وقربا هبيني امرأ إما بريئا ~~ظلمته . . . وإما مسيئا تاب بعد وأعتبا أقول التماس العذر لما ظلمتني . . . ~~وحملتني ذنبا وما كنت مذنبا ليهنك إشمات العدو بهجرنا . . . وقطعك حبل الود ~~حتى تقضبا فقالت جميلة : يا مالك ، ليت صوتك قد دام لنا ودمنا له وقطعت ~~المجلس ، وانصرف عامة الناس وبقي خواصهم . قال : ولما كان في اليوم الثاني ~~حضر القوم جميعا . فقالت لطويس : هات يا أبا عبد النعيم ، فغنى : قد طال ~~ليلي وعادني طربي . . . من حب خود كريمة الحسب غراء مثل الهلال آنسة . . . ~~أو مثل تمثال صورة الذهب صادت فؤادي بجيد مغزلة . . . ترعى رياضا ملتفة ~~العشب فقالت جميلة : حسن والله يا أبا عبد النعيم . ثم قالت للدلال : هات ~~يا أبا يزيد ، فغنى ، فاستحسنت غناءه . ثم قالت لهنب : إنا نجلك اليوم لكبر ~~سنك ورقة عظمك ، فقال : أجل . ثم قالت لبرد الفؤاد ونومة الضحى : هاتيا ~~جميعا لحنا واحدا ، فغنيا ، فقالت : أحسنتما . ثم قالت لفند وزجة وهبة الله ~~: هاتوا جميعا صوتا واحدا ، إنكم متفقون في الأصوات ، فاندفعوا فغنوا . ثم ~~غنت جميلة بشعر الأعشى : PageV05P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا . . . واحتلت ~~الغور فالجدين فالفرعا واستنكرتني وما كان الذي نكرت . . . من الحوادث إلا ~~الشيب والصلعا تقول بنتي وقد قربت مرتحلا . . . يارب جنب أبي الأوصاب ~~والوجعا وكان شيء إلى شيء فغيره . . . دهر ملح على تفريق ما جمعا قال : فلم ~~يسمع شيء أحسن من ابتدائها بالأمس وختمها في اليوم ، وقطعت المجلس وانصرف ~~قوم وأقام آخرون . فلما كان في اليوم الثالث اجتمع الناس فضربت ستارة ~~وأجلست الجواري ، فضربن كلهن ، وضربت هي فضربت على خمسين وترا فزلزلت الدار ~~. ثم غنت على عودها وهن يضربن على ضربها : فإن خفيت كانت لعينك قرة . . . ~~وإن تبد يوما لم يعممك عارها من الخفرات البيض لم تر غلظة . . . وفي ms0982 الحسب ~~الضخم الرفيع نجارها فما روضة بالحزن طيبة الثرى . . . يمج الندى جثجاثها ~~وعرارها بأطيب من فيها إذا جئت موهنا . . . وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها ~~فدمعت أعين كثير حتى بلوا ثيابهم وتنفسوا الصعداء ، وقالوا : بأنفسنا أنت ~~جميلة ثم قالت للجواري : اكففن فكففن ، وقالت : يا عز غني ، فغنت بشعر لعمر ~~: تذكرت هندا وأعصارها . . . ولم تفض نفسك أوطارها تذكرت النفس ما قد مضى . ~~. . وهاجت على العين عوارها لتمنح رامة منا الهوى . . . وترعى لرامة ~~أسرارها إذا لم تزرها حذار العدا . . . حسدنا على الزور زوارها ~~PageV05P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" فقالت جميلة : يا عز ، إنك لباقية على الدهر ، ~~فهنيئا لك حسن هذا الصوت مع جودة هذا الغناء . ثم قالت لحبابة وسلامة : ~~هاتيا لحنا واحدا ، فغنتا فاستحسن غناؤهما . ثم أقبلت على خليدة فقالت : ~~بنفسي أنت غني فغنت ، فاستحسن منها ما غنت . ثم قالت لعقيلة والشماسية : ~~هاتيا ، فغنتا . ثم قالت لفرعة ونبيلة ونديمة ولذة العيش هاتين ، فغنين ، ~~فقالت : أحسنتن . وقالت لسعيدة والزرقاء : غنيا ، فغنتا . ثم قالت للجماعة ~~فغنوا ، وانقضى المجلس وعاد كل إنسان إلى وطنه . فما رئي مجلس ولا جمع أحسن ~~من هذه الأيام الثلاثة . وقد ذكر أبو الفرج ما غنى به كل واحد منهم فأوردنا ~~بعضه وتركنا بعضه اختصارا . وأخبار جميلة كثيرة ، قد ذكر منها أبو الفرج ~~الأصفهاني جملة تدل على أنها كانت مبجلة عند الأشراف معظمة عند المغنين ، ~~يأخذون عنها ويأتمرون بأمرها ، ويسعون إليها ، وينطقون إذا استنطقتهم ، ~~ويكفون إذا استكفتهم ، وفيما قدمناه دلالة على ذلك والله أعلم . ذكر أخبار ~~عزة الميلاء قال أبو الفرج الأصفهاني : كانت عزة مولاة للأنصار ، ومسكنها ~~المدينة ، وهي أقدم من غنى الغناء الموقع من نساء الحجاز ، وماتت قبل جميلة ~~. قال : وقد أخذ عنها معبد ومالك بن أبي السمح وابن محرز وغيرهم من المكيين ~~والمدنيين . وكانت من أجمل النساء وجها وأحسنهن جسما . وسميت الميلاء ~~لتمايلها في مشيتها . وقال معبد : كانت من أحسن النساء ضربا بعود ، مطبوعة ~~على الغناء ، لا يعيبها أداؤه ولا صنعته ولا تأليفه ، وكانت تغني أغاني ~~القيان القدماء مثل شيرين وزرياب وخولة ms0983 والرباب وسلمى ورائقة ، وكانت رائقة ~~أستاذتها . فلما قدم نشيط وسائب ، خاثر المدينة غنيا أغاني بالفارسية ، ~~فأخذت عزة عنهما نغما وألفت عليها ألحانا عجيبة ، فهي أول من فتن أهل ~~المدينة بالغناء وحرض رجالهم ونسائهم عليه . وقال الزبيري : وجدت مشايخ أهل ~~المدينة إذا ذكروا عزة قالوا : لله درها ما كان أحسن غناءها ، وأطل صوتها ، ~~وأندى حلقها ، وأحسن ضربها بالمزاهر PageV05P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" والمعازف وسائر الملاهي ، وأجمل وجهها ، وأظرف ~~لسانها ، وأقرب مجلسها ، وأكرم خلقها ، وأسخى نفسها ، وأحسن مساعدتها . ~~وكانت جميلة تقول مثل ذلك فيها . وكان ابن سريج في حداثة سنه يأتي المدينة ~~فيأخذ عنها ويتعلم منها ، وكان بها معجبا ، وكان إذا سئل : من أحسن الناس ~~غناء ؟ قال : مولاة الأنصار المتفضلة على كل من غنى وضرب بالمعازف والعيدان ~~من الرجال والنساء . وكان ابن محرز يقيم بمكة ثلاثة أشهر ثم يأتي المدينة ~~فيقيم بها ثلاثة أشهر من أجل عزة ، وكان يأخذ عنها . وقد تقدم ذلك في ~~أخباره . وكان طويس أكثر ما يأوي إلى منزل عزة ، وكان في جوارها ، وكان إذا ~~ذكرها يقول : هي سيدة من غنى من النساء ، مع جمال بارع ، وخلق فاضل ، ~~وإسلام لا يشوبه دنس ، تأمر بالخير وهي من أهله ، وتنهى عن الشر وهي تجانبه ~~، فناهيك بها ما كان أنبلها وأنبل مجلسها . ثم قال : كانت إذا جلست جلوسا ~~عاما فكأن الطير على رءوس أهل مجلسها ، فمن تكلم أو تحرك نقر رأسه . وقال ~~صالح بن حسان الأنصاري : كانت عزة مولاة لنا ، وكانت عفيفة جميلة . وكان ~~عبد الله بن جعفر وابن أبي عتيق وعمر بن عبد الله بن أبي ربيعة يغشونها في ~~منزلها فتغنيهم . وغنت عمر بن أبي ربيعة لحنا لها في شيء من شعره ، فشق ~~ثيابه وصاح صيحة عظيمة صعق معها . فلما أفاق قال له القوم : لغيرك الجهل يا ~~أبا الخطاب ، قال : إني سمعت والله ما لم املك معه نفسي ولا عقلي . وكان ~~حسان بن ثابت معجبا بها ، وكان يقدمها على سائر قيان المدينة . وقد ذكرنا ~~خبرها مع النعمان بن بشير وحسان بن ثابت ms0984 ، وأن كل واحد منهما سمع غناءها ، ~~فبكي حسان بن ثابت واستعاد النعمان بن بشير صوتها مرارا ، وتقدم أيضا من ~~PageV05P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" أخبارها في خبر عائشة بنت طلحة وأخبار جميلة ~~ما يستغنى عن إعادته في هذا الموضع . فلنذكر من سواها . ذكر أخبار سلامة ~~القس كانت سلامة القس هذه مولدة من مولدات المدينة ، وبها نشأت ، وأخذت ~~الغناء عن معبد وابن عائشة وجميلة ومالك بن أبي السمح ومن دونهم ، فمهرت ~~فيه . وإنما سميت سلامة القس لأن رجلا يعرف بعبد الرحمن بن أبي عمار بن جشم ~~بن معاوية - وكان منزله بمكة ، وهو من قراء أهل المدينة ، كان يلقب بالقس ~~لعبادته - شغف بها وشهر بحبها . وكان سبب ذلك أنه سمع غناءها على غير تعمد ~~منه فبلغ منه كل مبلغ . فرآه مولاها فقال : هل لك أن تدخل فتسمع ؟ فأبى . ~~فقال له مولاها : أنا أقعدها حيث تسمع غناءها ولا تراها . فلم يزل بها حتى ~~دخل ، فأسمعه غناءها فأعجبه . فقال : هل لك أن أخرجها إليك ؟ قال : لا . ~~فلم يزل به حتى أخرجها فأقعدها بين يديه ، فغنت فشغف بها وشغفت به وعرف ذلك ~~أهل مكة . فقالت له يوما : أنا والله أحبك . فقال : وأنا والله الذي لا إله ~~إلا هو أحبك . فقالت : والله أشتهي أن أعانقك وأقبلك . فقال : والله وأنا ~~أشتهي مثل ذلك . قالت : وأشتهي والله أن أضاجعك واضع بطني على بطنك وصدري ~~على صدرك قال : وأنا والله كذلك . قالت : فما يمنعك من ذلك ؟ والله إن ~~المكان لخال . قال : يمنعني منه قوله عز وجل : " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض ~~عدو إلا المتقين " ، فأنا أكره أن تحول مودتي إياك عداوة يوم القيامة . ثم ~~قام وانصرف وعاد إلى ما كان عليه من النسك ، ولم يعد إليها بعد ذلك . وكان ~~يشبه بعطاء بن أبي رباج . وكان له فيها أشعار كثيرة ، منها قوله : إن التي ~~طرقتك بين ركائب . . . تمشي بمزهرها وأنت حرام لتصيد قلبك أو أجزاء مودة . ~~. . إن الرفيق له عليك ذمام باتت تعللنا وتحسب أننا . . . في ذاك أيقاظ ~~ونحن نيام PageV05P0054 # """""" صفحة رقم 55 ms0985 """""" حتى إذا سطع الضياء لناظر . . . فإذا وذلك ~~بيننا أحلام قد كنت أعذل في السفاهة أهلها . . . فأعجب لما تأتي به الأيام ~~فاليوم أعذرهم وأعلم أنما . . . سبل الضلالة والهدى أقسام وقوله أيضا فيها ~~: ألم ترها لا يبعد الله دارها . . . إذا رجعت في صوتها كيف تصنع تمد نظام ~~القول ثم ترده . . . إلى صلصل من صوتها يترجع وقوله فيها : ألا قل لهذا ~~القلب هل أنت مبصر . . . وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر ألا ليت أني حيث صارت ~~بي النوى . . . جليس لسلمى كلما عج مزهر وله من قصيدة طويلة أولها : سلام ~~هل لي منكم ناصر . . . أم هل لقلبي عنكم زاجر قد سمع الناس بوجدي بكم . . . ~~فمنهم اللائم والعاذر في أشعار كثيرة يطول الشرح بذكرها . ومدحها الأحوص ~~أيضا بشعر كثير . وقال فيها أيضا ابن قيس الرقيات . وروى أبو الفرج ~~الأصفهاني قال : كانت سلامة وريا أختين ، وكانتا من أجمل النساء وأحسنهن ~~غناء ، فاجتمع الأحوص وابن قيس الرقيات عندهما . فقال لهما ابن قيس الرقيات ~~: إني أريد أن أمدحكما بأبيات فأصدق فيها ولا أكذب . فإن أنتما غنيتماني ~~بذلك وإلا هجوتكما ولم أقربكما أبدا . قالتا : فما قلت ؟ قال : قلت : لقد ~~فتنت ريا وسلامة القسا . . . فلم يتركا للقس عقلا ولا نفسا PageV05P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" فتاتان أما منهما فشبيهة ال . . . هلال وأخرى ~~منهما تشبه الشمسا تكنان أبشارا رقاقا وأوجها . . . عتاقا وأطرافا مخضبة ~~ملسا فغنته سلامة فاستحسنه . وقال ابن قيس الرقيات للأحوص : يا أخا الأنصار ~~، ما قلت ؟ قال قلت : سلام هل لمتيم تنويل . . . أم قد صرمت وغال ودك غول ~~لا تصرمني عني ولاءك إنه . . . حسن لدي وإن بخلت جميل أزعمت أن مودتي ~~وصبابتي . . . كذب وان زيارتي تقليل فغنت الأبيات . فقال ابن قيس الرقيات : ~~أحسنت والله ما أظنك إلا عاشقة لهذا الجلف . فقال له الأحوص : وما الذي ~~أخرجك إلى هذا ؟ قال : حسن غنائها بشعرك ، فلولا أن لك في قلبها محبة مفرطة ~~ما جاء هكذا حسنا على هذه البديهة فقال الأحوص : على قدر حسن شعري على شعرك ~~هكذا حسن الغناء به . وما هذا منك إلا ms0986 حسد ، وليس ذلك إلا ما حسدت عليه . ~~فقالت سلامة : لولا أن الدخول بينكما يوجب بغضة لحكمت بينكما حكومة لا ~~يردها أحد . قال الأحوص : فأنت من ذلك آمنة . قال قس بن الرقيات : كلا قد ~~أمنت أن تكون الحكومة عليك ، فلذلك سبقت بالأمان لها . فتفرقا على ذلك . ثم ~~مشى ابن قيس الرقيات إلى الأحوص فاعتذر إليه فقبل عذره . ومن شعر الأحوص ~~فيها : سلام إنك قد ملكت فأسجحي . . . قد يملك الحر الكريم فيسجح مني على ~~عان أطلت عناءه . . . في الغل عندك والعناة تسرح إني لأنصحكم وأعلم أنه . . ~~. سيان عندك من يغش وينصح وإذا شكوت إلى سلامة حبها . . . قالت أجد منك ذا ~~أم تمزح PageV05P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" وحكى أبو الفرج قال : لما قدم عثمان بن حيان ~~المري المدينة واليا عليها ، قال له قوم من وجوه الناس : إنك قد وليت ~~المدينة على كثرة من الفساد ، فإن كنت تريد أن تصلح فطهرها من الغناء ~~والرثاء . فصاح في ذلك واجل أهله ثلاثا يخرجون فيها من المدينة ، وكان أبي ~~عتيق غائبا ، وكان من أهل الفضل والعفاف والصلاح . فلما كان آخر ليلة من ~~الأجل قدم فقال : لا أدخل منزلي حتى أدخل على سلامة القس . فدخل عليها فقال ~~: ما دخلت منزلي حتى جئتكم لأسلم عليكم . فقالوا : ما أغفلك عن أمرنا ~~وأخبروه الخبر . فقال : اصبروا علي الليلة . فقالوا : نخاف ألا يمكنك شيء . ~~قال : إن خفتم شيئا فأخرجوا في السحر . ثم خرج فاستأذن على عثمان بن حيان ~~فأذن له ، فسلم عليه وذكر غيبته وأنه جاء ليقضي حقه ، ثم جزاه خيرا على ما ~~فعل من إخراج أهل الغناء والرثاء ، وقال : أرجو ألا تكون حملت عملا هو خير ~~لك من ذلك . قال عثمان : قد فعلت ذلك وأشار علي به أصحابك . فقال : قد أصبت ~~، ولكن ما تقول في امرأة كانت هذه صناعتها وكانت تكره على ذلك ، ثم تركته ~~وأقبلت على الصلاة والصيام والخير ، وأنا رسولها إليك تقول : أتوجه إليك ~~وأعوذ بك أن تخرجني من جوار رسول اله ( صلى الله عليه وسلم ) ومسجده ، قال ~~قال : فإني ms0987 أدعها لك ولكلامك . فقال ابن أبي عتيق : لا يدعك الناس ، ولكن ~~تأتيك وتسمع من كلامها وتنظر إليها ، فإن رأيت أن مثلها ينبغي أن يترك ~~تركتها ، قال نعم فجاءه بها . وقال : احملي معك سبحة وتخشعي ففعلت . فلما ~~دخلت على عثمان سلمت عليه وجلست وحدثته ، فإذا هي من أعلم الناس بأمور ~~الناس ، فأعجب بها ، وحدثته عن آبائه وأمورهم ففكه لذلك فقال ابن أبي عتيق ~~: اقرئي للأمير . فقرأت ، فقال لها : احدى ففعلت . وكثر عجبه منها . فقال : ~~كيف لو سمعتها في صناعتها فلم يزل ينزله شيئا فشيئا حتى أمرها بالغناء ~~فغنته . فقام عثمان من مجلسه وقعد بين يديها ، ثم قال : لا والله ما مثل ~~هذه تخرج . فقال ابن أبي عتيق : لا يدعك الناس تقر سلامة وتخرج غيرها . قال ~~: فدعوهم جميعا . فتركهم جميعا وأصبح الناس يتحدثون بذلك . ثم اشترى يزيد ~~بن عبد الملك سلامة ، وكانت لمصعب بن سهيل الزهري ، PageV05P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" وقيل : لسهيل بن عبد الرحمن بن عوف . وكانت ~~حبابة جارية آل لاحق ، فاشتراهما جميعا ، فاشترى سلامة بعشرين ألف درهم ، ~~وتسلمها رسل يزيد فخرجوا بها وشيعها الناس . فلما نزلت سقاية سليمان بن عبد ~~الملك قالت للرسل : إن لي قوما كانوا يغشوني ويسلمون علي ، ولا بد لي من ~~وداعهم والسلام عليهم ، فأذن للناس عليها ، فأتوا حتى ملؤا رحبة القصر ~~والفناء ، ووقفت هي بينهم بارزة ومعها العود فغنت : فارقوني وقد علمت يقينا ~~. . . ما لمن ذاق ميتة من إياب إن أهل الحصاب قد تركوني . . . موزعا مولعا ~~بأهل الحصاب أهل بيت تتابعوا للمنايا . . . ما على الدهر بعدهم من عتاب كم ~~بذاك الحجون من حي صدق . . . من كهول أعفة وشباب سكنوا الجزع جزع بيت أبي ~~مو . . . سى إلى النخل من صفي السباب فلي الويل بعدهم وعليهم . . . صرت ~~فردا وملني أصحابي قال : فلم تزل تردد هذا الصوت حتى راحت ، وانتحب الناس ~~بالبكاء عند ركوبها ، فما شئت أن ترى باكيا نبيلا إلا رأيته . قالوا : ~~وكانت حبابة عند يزيد متقدمة على سلامة ، وكانت حبابة تنظر إلى سلامة بتلك ~~العين الجميلة المتقدمة وتعرف ms0988 فضلها عليها ، فلما رأت أثرة يزيد لها ومحبته ~~إياها استخفت بها . فقالت لها سلامة : أي أخية ، نسيت فضلي عليك ويلك أين ~~تأديب الغناء أين حق التعليم أنسيت قول جميلة لك وهي تطارحنا : خذي إحكام ~~ما PageV05P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" أطارحك من أختك سلامة ، فلا تزالين بخير ما ~~بقيت لك وكان أمركما مؤتلفا . فقالت : صدقت : والله لا عدت لشيء تكرهينه ~~أبدا . وماتت حبابة وعاشت سلامة بعدها دهرا . ولما مات يزيد أحضرها ابنه ~~الوليد وأمرها بالغناء ، فتنغصت من ذلك وبكت ، ثم غنته . فقال : رحم الله ~~أبي وأطال عمري وأمتعني بحسن غنائك . يا سلامة ، بم كان أبي يقدم حبابة ~~عليك ؟ قالت : لا أدري والله . قال : لكنني أدري ذلك ، بما قسم الله عز وجل ~~لها ، قالت : يا سيدي أجل ، وهي إحدى من اتهم بهن الوليد من جواري أبيه . ~~ذكر أخبار حبابة كانت حبابة جارية مولدة من مولدات المدينة لرجل من أهلها ~~يعرف بابن دبابة ، وقيل : بل كانت لآل لاحق المكيين ، وقيل : كانت لرجل ~~يعرف بابن مينا . وكانت تسمى العالية ، فسماها يزيد بن عبد الملك لما ~~اشتراها حبابة . وكانت حلوة جميلة الوجه ظريفة حسنة الغناء طيبة الصوت ~~ضاربة بالعود . أخذت الغناء عن ابن سريج وابن محرز ومالك بن أبي السمح ~~ومعبد وعن جميلة وعزة الميلاء . وكان يزيد بن عبد الملك يقول : ما تقر عيني ~~ما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة جارية مصعب بن سليم وحبابة جارية ابن ~~لاحق المكية . فأرسل فاشتريتا له . فلما اجتمعنا عنده قال : أنا الآن كما ~~قال الأول : فألقت عصاها واستقر بها النوى . . . كما قر عينا بالإياب ~~المسافر وكان يزيد بن عبد الملك في خلافة أخيه سليمان قد قدم المدينة فتزوج ~~سعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان على عشرين ألف دينار ، وربيحة بنت محمد ~~بن علي ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب على مثل ذلك ، واشترى العالية ~~بأربعة آلاف دينار . فبلغ ذلك سليمان فقال : لأحجرن عليه . فبلغ يزيد ذلك ~~فاستقال مولى حبابة ، ثم اشتراها بعد ذلك رجل من ms0989 أهل إفريقية . فلما ولي ~~يزيد اشترتها PageV05P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" سعدة امرأته وعلمت انه لابد طالبها ومشتريها . ~~فلما حصلت عندها قالت له : هل بقي عليك شيء من الدنيا لن تنله ؟ قال : نعم ~~، العالية . قالت : أو رأيتها ؟ قال : نعم ، قالت : أفتعرفها ؟ قال : نعم ، ~~فرفعت الستر فرآها ، فقالت : هذه هي ؟ قال : نعم . قالت : هي لك ، وخرجت ~~عنهما . فسماها حبابة وعظم قدر سعدة عنده . ويقال : إنها أخذت عليها قبل أن ~~تهبها له أن توطئ لابنها عنده في ولاية العهد . قال : وارتفع قدر حبابة عند ~~يزيد وتمكن حبها في قلبه تمكنا عظيما . وكان أول ذلك أنه أقبل يوما إلى ~~البيت الذي هي فيه فقام من وراء الستر فسمعها تترنم وتغني : كان لي يا يزيد ~~حبك حينا . . . كاد يقضي علي لما التقينا فرفع الستر فوجدها مضطجعة مقبلة ~~على الجدار ، فعلم أنها لم تعلم به ولم يكن ذلك لمكانه ، فألقى نفسه عليها ~~وحركت منه . قال : وأراد يزيد بن عبد الملك أن يشتبه بعمر بن عبد العزيز ، ~~وقال : بماذا صار عمر أرجى لربه مني . وقيل : بل لامه مسلمة بن عبد الملك ~~على الإلحاح على الغناء والشرب ، وقال له : إنك وليت بعقب عمر بن عبد ~~العزيز وعدله ، وقد تشاغلت بهذه الإماء عن النظر في الأمور ، والوفود ببابك ~~وأصحاب الظلامات يصيحون وأنت غافل قال : صدقت والله ، وهم أن يترك الشرب ، ~~ولم يدخل على حبابة أياما ، فشق ذلك عليها فأرسلت إلى الأحوص أن يقول ~~أبياتا في ذلك ، فقال : ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا . . . فقد غلب المحزون ~~أن يتجلدا بكيت الصبا جهدي فمن شاء لامني . . . ومن شاء آسى في البكاء ~~وأسعدا PageV05P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" وإني وإن فندت في طلب الصبا . . . لأعلم أني ~~لست في الحب أوحدا إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى . . . فكن حجرا من ~~يابس الصخر جلمدا فما العيش إلا ما تلذ وتشتهي . . . وإن لام فيه ذو الشنان ~~وفندا قال : فلما كان في يوم الجمعة تعرضت له حبابة عند خروجه إلى الصلاة ، ~~فلقيته والعود في يدها ، فغنت البيت ms0990 الأول ، فغطى وجهه وقال : مه لا تفعلي ~~. ثم غنت وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي فعدل إليها وقال : صدقت ، قبح الله ~~من لامني فيك يا غلام ، مر مسلمة فليصل بالناس . وأقام معها يشرب وهي تغنيه ~~وعاد إلى حاله ، وقال لها : من يقول هذا الشعر ؟ قالت : الأحوص . فاستدعاه ~~واستنشده الشعر فأنشده الأبيات . ثم أنشده قصيدته التي أولى : يا موقدة ~~النار بالعلياء من إضم . . . أوقد فقد هجت شوقا غير منصرم وهي قصيدة طويلة ~~، فقال له يزيد : ارفع حوائجك ، فكتب إليه في نحو أربعين ألف درهم من دين ~~وغيره فأمر له بها . وقد قيل في أمر هذه الأبيات : إن حبابة لما بعثت ~~للأحوص في عمل الشعر قالت له : إن رددت أمير المؤمنين عن رأيه فلك ألف ~~دينار ، فدخل عليه الأحوص واستأذنه في الإنشاد ، فقال : ليس هذا وقتك . فلم ~~يزل به حتى أذن له فأنشده الأبيات . فلما سمعها وثب حتى دخل على حبابة وهو ~~يتمثل : وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي . . . وإن لام فيه ذو الشنان وفندا ~~قالت : ما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أبيات أنشدنيها الأحوص ، فسلي ما ~~شئت . قالت : ألف دينار تعطيها الأحوص ، فأعطاه ألف دينار . قال : وقال ~~يزيد يوما لسلامة وحبابة : أيكما غنتني ما في نفسي فلها حكمها . فغنت سلامة ~~فلم تصب ما في نفسه ، وغنت حبابة بشعر ابن قيس PageV05P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" الرقيات : حلق من بني كنانة حولي . . . ~~بفلسطين يسرعون الركوبا جزعت أن رأت مشيبي عرسي . . . لا تلومي ذوائبي أن ~~تشيبا فأصابت ما في نفسه ، فقال : احتكمي . قالت : تهب لي سلامة ومالها . ~~قال : اطلبي غيرها ، فأبت غيرها ، فقال : أنت أولها بها ومالها ، فلقيت ~~سلامة من ذلك أمرا عظيما . فقال حبابة : لا ترين إلا خيرا . فجاءها يزيد ~~فسألها أن تبيعه إياها بحكمها . فقالت : أشهدك الآن أنها حرة ، فاخطبها ~~الآن أزوجك مولاتي . قال : وغنت حبابة يوما يزيد : ما أحسن الجيد من مليكة ~~وال . . . لبات إذ زانها ترائبها يا ليتني ليلة إذا هجع الناس ونام الكلاب ~~صاحبها في ليلة لا يرى بها أحد ms0991 . . . يسعى علينا إلا كواكبها فطرب يزيد ، ~~وقال : هل رأيت قط أطرب مني ؟ قال : نعم ، ابن الطيار معاوية ابن عبد ~~الرحمن بن جعفر . فكتب يزيد إلى عبد الرحمن بن الضحاك فحمله إليه . فلما ~~قدم أرسلت إليه حبابة : إنما بعث إليك لكذا وكذا وأخبرته بالقصة ، فإذا ~~أدخلت عليه وتغنيت فلا تظهرن طربا حتى أغني الصوت الذي غنيته ، فقال : سوءة ~~على كبر السن فدعاه يزيد وهو على طنفسة خز ، ووضع لمعاوية مثلها ، وجاءوا ~~بجامين فيهما مسك ، فوضع أحدهما بين يدي يزيد والآخر بين يدي معاوية . قال ~~معاوية : فلم أدر كيف أصنع ، فقلت : أنظر كيف يصنع فأصنع مثله ، فكان يقلبه ~~فتفوح ريحه وأفعل مثل ذلك . فلما جيء بحبابة وغنت ، فلما غنت ذلك الصوت أخذ ~~معاوية الوسادة فوضعها على رأسه وقام يدور ويقول : الدخن PageV05P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" بالنوى يعني اللوبيا وأمر له يزيد بصلات في ~~دفعات مبلغها ثمانية آلاف دينار . وحكى أيضا أنها غنت يوما يزيد فطرب ، ثم ~~قال : هل رأيت أطرب مني ؟ قالت : نعم ، مولاي الذي باعني . فغاظه ذلك ، ~~فكتب في حمله مقيدا . فلما وصل أمر يزيد بإدخاله عليه فأدخل يرسف في قيوده ~~، وأمر يزيد حبابة أن تغني فغنت : تشط بنا دار جيراننا . . . وللدار بعد غد ~~أبعد فوثب حتى ألقى نفسه على الشمعة فاحترقت لحيته ، وجعل يصيح : الحريق يا ~~أولاد الزنا فضحك يزيد وقال : لعمري إن هذا لأطرب الناس وأمر بحل قيوده ~~ووصله بألف دينار ووصلته حبابة ، ورده إلى المدينة . وروى أبو الفرج ~~الأصفهاني بسنده إلى غانم الأزدي قال : نزل يزيد بن عبد الملك ببيت رأس ~~بالشام ومعه حبابة ، فقال : زعموا أنه لا يصفوا لأحد يوما عيشه إلى الليل ~~لا يكدره شيء عليه ، وسأجرب ذلك ، ثم قال لمن معه : إذا كان غد لا تخبروني ~~بشيء ولا تأتوني بكتاب . وخلا هو وحبابة ، فأتيا بما يأكلان ، فأكلت رمانة ~~فشرقت بحبة منها فماتت ، فأقام لا يدفنها ثلاثا حتى تغيرت وأنتنت وهو يشمها ~~ويرشفها . فعاتبه على ذلك ذووه وأقرباؤه وصديقه وعابوا عليه ما يصنع ، ~~وقالوا : قد صارت جيفة ms0992 بين يديك ، فأذن لهم في غسلها ودفنها ، فأخرجت في ~~نطع ، وخرج معها لا يتكلم حتى جلس على قبرها . فلما دفنت قال : أصبحت والله ~~كما قال كثير : فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى . . . فباليأس تسلو عنك لا ~~بالتجلد وكل خليل راءني فهو قائل . . . من أجلك هذا هامة اليوم أو غد ~~PageV05P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" فما بقي إلا خمس عشرة ليلة ومات ، فدفن إلى ~~جنبها . وروي أيضا عن مسلمة بن عبد الملك قال : لما ماتت حبابة جزع عليها ~~يزيد ، فجعلت أسكنه وأعزيه وهو ضارب بذقنه على صدره ما يكلمني حتى دفنها . ~~فلما بلغ إلى بابه التفت وقال : فإن تسل عنك النفس . . . البيت ، ثم دخل ~~بيته فمكث أربعين يوما ثم هلك . قال : وروي المدائني انه اشتاق إليها بعد ~~ثلاثة أيام من دفنه إياها ، فقال : لا بد أن تنبش حتى أنظر إليها ، فنبشت ~~وكشف له عن وجهها وقد تغيرت تغيرا قبيحا ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ، ~~اتق الله تعالى ألا تراها كيف صارت فقال : ما رأيت قط أحسن منها اليوم ، ~~أخرجوها . فجاء مسلمة ووجوه أهله ، فلم يزالوا به حتى أزالوه عن ذلك ~~ودفنوها ، وانصرف ، وكمد كمدا شديدا حتى مات ، فدفن إلى جانبها . وروي عن ~~عبد الله بن عروة بن الزبير قال : خرجت مع أبي إلى الشام زمن يزيد بن عبد ~~الملك . فلما ماتت حبابة وأخرجت ، لم يستطع يزيد الركوب من الجزع ولا المشي ~~، فحمل على منبر على رقاب الرجال . فلما دفنت قال : لم أصل عليها ، انبشوا ~~عنها . فقال له مسلمة : ننشدك الله يا أمير المؤمنين ، إنما هي أمة من ~~الإماء وقد واراها الثرى . فلم يأذن للناس بعد حبابة إلا مرة واحدة ، قال : ~~فو الله ما استتم دخول الناس حتى قال الحاجب : اخرجوا رحمكم الله . ولم ~~ينشب يزيد أن مات كمدا . ذكر أخبار خليدة المكية قال أبو الفرج : هي مولاة ~~لابن شماس ، كانت هي وعقيلة وربيحة يعرفن بالشماسيات . وقد أخذت الغناء عن ~~ابن سريج ومالك ومعبد . PageV05P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" وروى أبو الفرج بسنده إلى الفضل ms0993 بن الربيع أنه ~~قال : ما رأيت ابن جامع يطرب لغناء كما يطرب لغناء خليدة المكية . وكانت ~~سوداء ، وفيها يقول الشاعر : فتنت كاتب الأمير رباح . . . يا لقومي خليدة ~~المكية وغنت هشام بن عروة يوما ، فلما سمعها قال : اكتبي على صدرك " قل هو ~~الله أحد " وبين يديك المعوذتين لا تصيبك العين . وقال عمر بن شبة : بلغني ~~أن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان أرسل إلى خليدة المكية أبا ~~عون مولاه يخطبها عليه . فاستأذن فأذنت له وعليها ثياب رقاق لا تسترها ، ثم ~~وثبت فقالت : إنما ظننتك بعض سفهائنا ، ولكنني ألبس لك ثياب مثلك ففعلت . ~~وقال : قد أرسلني إليك مولاي ، وهو من تعلمين من رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ومن عثمان بن عفان ومن علي وهو ابن عم أمير المؤمنين ، يخطبك . قالت ~~: قد نسبت فأبلغت ، فاسمع نسبي أنا بأبي أنت إن أبي بيع على غير عقد ~~الإسلام ولا عهده ، فعاش عبدا ومات في رجله قيد وفي عنقه سلسلة على الإباق ~~والسرقة ، وولدتني أمي على غير رشدة وماتت وهي آبقة ، فأنا من تعلم . فإن ~~أراد صاحبك نكاحا مباحا أو زنا صراحا فهلم إلينا فنحن له . فقال : إنه لا ~~يدخل في الحرام . فقالت : لا ينبغي أن يستحي من الحلال ، فأما نكاح السر ~~فلا والله لا فعلته ولا كنت عارا على القيان . قال : فأتيت محمدا فأخبرته ، ~~فقال : ويحك أتزوجها مغنية وعندي بنت طلحة بن عبيد الله لا ولكن ارجع إليها ~~فقل لها : تختلف إلي أردد بصري فيها لعلي أسلو ، فرجعت إليها فأبلغتها ~~الرسالة فضحكت وقالت : أما هذا فنعم ، لسنا نمنعه . ذكر أخبار متيم ~~الهشامية قال أبو الفرج : كانت متيم مولدة صفراء من مولدات البصرة ، وبها ~~نشأت PageV05P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" وتدربت وغنت . وأخذت عن إسحاق وأبيه قبله وعن ~~طبقتهما من المغنين . وكانت من تخريج بذل وتعليمها . واشتراها علي ابن هشام ~~بعد ذلك فازدادت أخذا ممن كان يغشاه من أكابر المغنين . وكانت من أحسن ~~الناس وجها وغناء وأدبا . وكانت تقول : الشعر ليس مما يستجاد ms0994 ولكنه يستحسن ~~من مثلها . وحظيت عند علي بن هشام حظوة شديدة ، وتقدمت جواريه جمع عنده ، ~~وهي أم ولده كلهم . حكى أبو الفرج قال : كان عند علي بن هشام برذون أشهب ~~قرطاسي في نهايته الحسن والفراهة وكان به معجبا ، وكان إسحاق بن إبراهيم ~~يشتهيه شهوة شديدة ويعرض لعلي مرارا في طلبه فلم يسمح به . فسار إسحاق إلى ~~علي يوما وقد صنعت متيم : فلا زلن حسرة ظلعا ، لم حملنها . . . إلى بلد ناء ~~قليل الأصادق فاحتبسه علي بعث إلى متيم يأمرها أن تجعل صوتها في صدر غنائها ~~ففعلت ، فأطربت إسحاق إطرابا شديدا ، وجعل يستعيده ويستوفيه ليزيد في طربه ~~وهو يصغي إليه ويتفهمه حتى صح له . ثم قال لعلي : ما فعل البرذون الأشهب ؟ ~~قال : على ما عهدت من حسنه وفراهته . قال : اختر الآن مني خلة من اثنتين : ~~إما أن طبت لي نفسا به وحملتني عليه ، وإما أن أبيت فأدعي والله هذا الصوت ~~لي وقد أخذته ، أفتراك تقول : إنه لمتيم وأقول : إنه لي ، فيؤخذ قولك ويترك ~~قولي ؟ فقال : لا والله ما أظن هذا ولا أراه ، يا غلام ، قد البرذون إلى ~~منزل إسحاق ، لا بارك الله لك فيه . وحكى أن علي بن هشام مولاها كلمها بشيء ~~فأجابته جوابا لم يرضه ، فدفع يده في صدرها ، فغضبت ونهضت وتثاقلت عن ~~الخروج إليه . فكتب إليها : فليت يدي بانت غداة مددتها . . . إليك ولم ترجع ~~بكف وساعد فإن يرجع الرحمن ما كان بيننا . . . فلست إلى يوم التنادي بعائد ~~PageV05P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" قال : وعتبت عليه مرة فتمادى عتبها ، فترضاها ~~فلم ترض ، فكتب إليها : الإدلال يدعو إلى الملال ، ورب هجر دعا إلى صبر ، ~~وإنما سمي القلب قلبا لتقلبه ، وقد صدق عندي العباس بن الأحنف حيث يقول : ~~ما أراني إلا سأهجر من لي . . . س يراني أقوى على الهجران ملني واثقا بحسن ~~وفائي . . . ما أضر الوفاء بالإنسان قال : فخرجت إليه من وقتها ورضيت . ~~وروى عن يحيى المكي قال : قال لي علي بن هشام : لما قدمت جدتي شاهك من ~~خراسان ، قالت : اعرض جواريك علي ، فعرضتهن عليها ms0995 . ثم جلسنا على الشراب ~~وغنتنا متيم ، فأطالت جدتي الجلوس ، فلم أنبسط إلى جواري كما كنت أفعل ، ~~فقلت هذين البيتين : أنبقى على هذا وأنت قريبة . . . وقد منع الزوار بعض ~~التكلم سلام عليكم لا سلام مودع . . . ولكن سلام من حبيب متيم وكتبت بهما ~~في رقعة ورميتها إلى متيم ، فأخذتها ونهضت لصلاة الظهر ، ثم عادت وقد صنعت ~~فيه لحنا فغنته . فقالت شاهك : ما أرانا إلا قد ثقلنا عليكم اليوم ، وأمرت ~~الجواري فحملوا محفتها ، وأمرت للجواري بجوائز ساوت بينهن ، وأمرت لمتيم ~~بمائة ألف درهم . قال : ومرت متيم في نسوة وهي متخفية بقصر علي بن هشام بعد ~~أن قتله المأمون . فلما رأت بابه مغلقا لا أنيس به وقد علاه التراب والغبرة ~~وطرحت في أفنيته المزابل وقفت عليه وتمثلت : يا منزلا لم تبل أطلاله . . . ~~حاشى لأطلالك أن تبلى لم أبك أطلالك لكنني . . . بكيت عيشي فيك إذ ولى ~~PageV05P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" قد كان لي فيك هوى مرة . . . غيبه الترب وما ~~ملا فصرت أبكي بعده جاهدا . . . عند ادكاري حيث قد حلا والعيش أولى ما بكاه ~~الفتى . . . لا بد للمحزون أن يسلى قال : ثم بكت حتى سقطت من قامتها ، وجعل ~~النسوة يناشدنها ويقلن : الله الله في نفسك فإنك الآن تؤخذين . فبعد لأي ما ~~احتملت تتهادى بين امرأتين حتى تجاوزت الموضع . وحكي عنها قالت : بعث إلي ~~المعتصم بعد قدومه بغداد ، فلما دخلت أمر بالعود فوضع في حجري ، وأمرني ~~بالغناء فغنيت : هل مسعد لبكائي . . . بعبرة أو دماء وذاك شيء قليل . . . ~~لسادتي النجباء - وهذا الشعر لمراد جارية علي بن هشام ترثيه - فقال : اعدلي ~~عن هذا الصوت ، فغنيت : ذهبت عن الدنيا وقد ذهبت عني فدمعت عيناه وقال : ~~غني غير هذا ، فغنيت : أولئك قومي بعد عز وثروة . . . تفانوا فإلا تذرف ~~العين أكمد فبكى بكاء شديدا ، ثم قال : ويحك لا تغني في هذا المعنى شيئا . ~~فغنيته : لا تأمن الموت في حل وفي حرم . . . إن المنايا يجني كل إنسان ~~واسلك طريقك هونا غير مكترث . . . فسوف يأتيك ما يمني لك الماني ~~PageV05P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" فقال : والله إني ms0996 لا أعلم أنك أردت بما غنيت ~~ما في قلبك لصاحبك وأنك لم تريديني ، ولو أعلم أنك تريدينني لقتلك ، ولكن ~~خذوها فأخذوا بيدي فأخرجت . وهذه متيم هي التي كان يهواها عبد الصمد بن ~~المعذل ، وأظن ذلك قبل اتصالها بعلي بن هشام ، وهي إذ ذاك عند رجل من وجوه ~~البصرة . قال : وكانت لا تخرج إلا متنقبة . فحكى المبرد وغيره : أنها قدمت ~~يوما إلى ابن عبيد الله بن الحسين العنبري القاضي ، فاحتاج إلى أن يشهد ~~عليها ، فأمر بها أن تسفر ففعلت . فقيل لعبد الصمد : أو رأيت متيم وقد ~~أسفرها القاضي لرأيت شيئا عجيبا فقال : ولما سرت عنها القناع متيم . . . ~~تروح منها العنبري متيما رأى ابن عبيد الله وهو محكم . . . عليها لها طرفا ~~عليه محكما وكان قديما كالح الوجه عابسا . . . فلما رأى منها السفور تبسما ~~فإن يصب قلب العنبري فقبله . . . صبا باليتامى قلب يحيى بن أكثما فبلغ قوله ~~يحيى بن أكثم ، فكتب إليه : عليك لعنة الله أي شيء أردت مني حتى أتاني شرك ~~من البصرة فقال لرسوله : قل له : متيم أقعدتك على طريق القافية . ذكر أخبار ~~ساجي جارية عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال أبو الفرج : كانت ساجي إحدى ~~المحسنات المقدمات المبرزات المتقدمات ، وهي تخريج مولاها عبيد الله ، وكان ~~مهما صنع من الغناء نسبه إليها ، وكان قد بلغ من ذلك الغاية ، ولكنه كان ~~يترفع عن ذكره ويكره أن ينسب إليه . PageV05P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" حكى أبو الفرج عن أحمد بن جعفر جحظة قال : كتب ~~المعتضد إلى عبيد اله ابن عبد الله بقم أن يأمر جاريته ساجي بزيارته ففعل . ~~قال جحظة : فحدثني من حضر ذلك المجلس من المغنيات قالت : دخلت علينا وما ~~فينا إلا من ترفل في الحلي والحلل وهي في أثواب ليست كأثوابنا فاحتقرناها ، ~~فلما غنت احتقرنا أنفسنا ، ولم تزل تلك حالنا حتى صارت في أعيننا كالجبل ~~وصرنا كلا شيء . ولما انصرفت أمر لها المعتضد بمال وكسوة . ودخلت إلى ~~مولاها فجعل يسألها عن خبرها وما رأت مما استظرفت وسمعت واستغربت ، فقالت : ~~ما استحسنت ms0997 هناك شيئا ولا استغربته من غناء ولا غيره إلا عودا من عود ~~محفورا فإني استظرفته . قال جحظة : فما قولك فيمن تدخل إلى دار الخليفة ولا ~~تمد عينها إلى شيء تستظرفه وتستحسنه إلا عودا قالوا : وكان المعتضد إذا ~~استحسن شيئا بعث به إلى ساجي فتغني فيه . وكانت صنعتها في عصره تسمى غناء ~~الدار . وماتت ساجي في حياة مولاها وكان عليلا ، فرثاها ببيتين فقال : ~~يمينا يقينا لو بليت بفقدها . . . وبي نبض عرق للحياة وللكنس لأوشكت قتل ~~النفس قبل فراقها . . . ولكنها ماتت وقد ذهبت نفسي ذكر أخبار دقاق قال أبو ~~الفرج : كانت دقاق مغنية محسنة متقنة الأداء والصنعة جميلة الوجه . أخذت ~~الغناء عن أكابر مغني الدولة العباسية . وكانت ليحيى بن الربيع ، فولدت له ~~ابنه أحمد . ومات يحيى فتزوجت بعده بعدة من القواد والكتاب فماتوا وورثتهم ~~، ثم PageV05P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" انقطعت إلى حمدونة بنت الرشيد ثم إلى غضيض . ~~وكانت مشهورة بالظرف والمجون . قال هبة الله بن إبراهيم بن المهدي : وكانت ~~تواصل جماعة كانوا يميلون إليها وترى كل واحد منهم أنها تهواه . وكانت أحسن ~~أهل عصرها وجها وأشأمهم على من تزوجها أو رابطها . فقال فيها إبراهيم بن ~~المهدي : عدمتك يا صديقة كل خلق . . . أكل الناس ويحك تعشقينا وكيف إذا ~~خلطت الغث منهم . . . بلحم سمينهم لا تبشيما قال أبو هفان : خرج يحيى بن ~~الربيع إلى بعض النواحي وترك جاريته دقاق في داره ، فعملت بعده الأوابد . ~~فقال موسى الأعمى فيه : قل ليحيى نعم صبرت على المو . . . ت ولم تخش ريب ~~سهم المنون كيف قل لي أطلقت ويحك يا يح . . . يى على الضعف منك حمل القرون ~~يشير بقوله : سهم ريب المنون إلى شؤمها . ذكر أخبار قلم الصالحية قال أبو ~~الفرج الأصفهاني : كانت قلم الصالحية مولدة صفراء حلوة حسنة الغناء والضرب ~~حاذقة ، قد أخذت عن إبراهيم وابنه إسحاق ويحيى المكي وزبير بن دحمان . ~~وكانت لصالح بن عبد الوهاب أخي أحمد بن عبد الوهاب كاتب صالح بن الرشيد ، ~~وقيل : بل كانت لابنه . قال : وكانت لها صنعة يسيرة نحو عشرين صوتا ms0998 ، ~~فاشتراها الواثق بعشرة آلاف دينار . قال أحمد بن الحسين بن هشام : كانت قلم ~~إحدى المغنيات المحسنات المتقدمات ، فغنى بين يدي الواثق لحن لها في شعر ~~محمد بن كناسة ، وهو : PageV05P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" في انقباض وحشمة فإذا . . . صادفت أهل الوفاء ~~والكرم أرسلت نفسي على سجيتها . . . وقلت ما قلت غير محتشم فسأل : لمن ~~الصنعة ؟ فقيل : لقلم الصالحية جارية صالح بن عبد الوهاب . فبعث إلى محمد ~~بن عبد الملك الزيات فأحضره وسأله : من صالح بن عبد الوهاب ؟ فأخبره . قال ~~: وأين هو ؟ قال : ببغداد . قال : ابعث وأشخصه وليحضر معه جاريته قلم . ~~فكتب في إشخاصهما ، فقدما على الواثق ، فدخلت عليه ، فأمرها بالجلوس ~~والغناء ، فغنت فاستحسن غناءها وأمر بابتياعها . فقال صالح : أبيعها بمائة ~~ألف دينار وولاية مصر . فغضب الواثق من ذلك وردها إليه . ثم غنى بعد ذلك ~~زرزر الكبير في مجلس الواثق بشعر الغناء فيه لها ، فقال الواثق : لمن هذا ~~الغناء ؟ فقال : لقلم الصالحية ، فبعث لابن الزيات بإشخاصها ففعل ، فدخلت ~~على الواثق فأمرها بالغناء ، فغنته من صنعتها فأعجبه غناؤها ، وبعث إلى ~~صالح فأحضره وقال له : إني قد رغبت في هذه الجارية فاستم في ثمنها سوما ~~يجوز أن تعطاه . فقال : أما إذا وقعت الرغبة فيها من أمير المؤمنين فما ~~يجوز أن املك شيئا له فيه رغبة ، وقد أهديتها إلى أمير المؤمنين ، فإن من ~~حقها علي إذا تناهيت في قضائه أن أصيرها ملكه ، فبارك الله له فيها . فقال ~~الواثق : قد قبلتها ، وأمر ابن الزيات أن يدفع إليه خمسة آلاف دينار ، ~~وسماها اعتباطا . فلم يعطه ابن الزيات المال ومطله به ، فوجه إلى قلم من ~~أعلمها بذلك ، فغنت الواثق صوتا وقد اصطبح ، فقال لها : بارك الله فيك ~~وفيمن رباك . فقالت : يا سيدي وما نفع من رباني مني إلا التعب والغرم ~~والخروج مني صفرا فقال : أو لم نأمر له بخمسة آلاف دينار ؟ قالت : بلى ولكن ~~ابن الزيات لم يعطه شيئا . فدعا بخادم من خاصة الخدم ووقع إلى ابن الزيات ~~بحمل خمسة آلاف الدينار إليه وبخمسة آلاف أخرى معها . قال صالح : فصرت ms0999 مع ~~الخادم إليه فقربني وقال : أما PageV05P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" خمسة الآلاف الأولى فقد حضرت ، وخمسة الآلاف ~~الأخرى أنا أدفعها إليك بعد جمعة . قال : فقمت ، ثم تناساني كأنه لم يعرفني ~~. فكبت إليه أقتضيه ، فبعث إلي : اكتب لي قبضا بها وخذها بعد جمعة . فكرهت ~~أن أكتب إليه قبضا فلا يحصل لي شيء . قال : فاستترت في منزل صديق لي . فلما ~~بلغه استتاري خاف أن أشكوه إلى الواثق ، فبعث إلي بالمال وأخذ كتابي بالقبض ~~. قال : فابتعت بالمال ضيعة وتعلقت بها وجعلتها معاشي ، وقعدت عن عمل ~~السلطان ، فما تعرضت لشيء بعدها . ذكر أخبار بصبص جارية ابن النفيس قال أبو ~~الفرج : كانت جارية من مولدات المدينة حلوة الوجه حسنة الغناء ، قد أخذت عن ~~الطبقة الأولى من المغنين . وكان يحيى بن نفيس مولاها صاحب قيان ، يغشاه ~~الأشراف ويسمعون غناء جواريه . ثم اشتريت للمهدي ، وهو ولي عهد ، بسبعة عشر ~~ألف دينار . وقيل : إنها ولدت له علية بنت المهدي وقيل : أم علية غيرها . ~~قال : وكان عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يأتيها فيسمع ~~منها ، وكان يأتيها فتيان قريش فيسمعون منها . فقال عبد الله بن مصعب حين ~~قدم المنصور منصرفا إلى الحج ومر بالمدينة يذكر بصبص : أراحل أنت أبا جعفر ~~. . . من قبل أن تسمع من بصبصا هيهات أن تسمع منها إذا . . . جاوزت العيس ~~بك الأعوصا فخذ عليها مجلسي لذة . . . ومجلسا من قبل أن تشخصا أحلف بالله ~~يمينا ومن . . . يحلف بالله فقد أخلصا لو أنها تدعو إلى بيعة . . . بايعتها ~~ثم شققت العصا فبلغ الشعر أبا جعفر المنصور ، فغضب ودعاه ، فقال : أما إنكم ~~يا آل الزبير قديما ما قادتكم النساء وشققتم معهن العصا ، حتى صرت أنت آخر ~~الحمقى تبايع المغنيات فدونكم يا آل الزبير هذا المرتع الوخيم . ~~PageV05P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" وقال هارون بن محمد بن عبد الملك وهو ابن ذي ~~الزوائد فيها : بصبص أنت الشمس مزدانة . . . فإن تبدلت فأنت الهلال سبحانك ~~اللهم ما هكذا . . . فيما مضى كان يكون الجمال إذا دعت بالعود في مشهد . . ~~. وعاونت يمنى يدها ms1000 الشمال غنت غناء يستفز الفتى . . . حذقا وزان الحذق ~~منها الدلال قال : وهوى محمد بن عيس الجعفري بصبص فهام بها وطال ذلك عليه ، ~~فقال لصديق له : قد شغلتني هذه عن صنعتي وكل أمري ، وقد وجدت مس السلو عنها ~~، فاذهب بنا إليها حتى أكاشفها ذلك وأستريح . فأتياها ، فلما غنتهما قال ~~لها محمد بن عيسى : أتغنين : وكنت أحبكم فسلوت عنكم . . . عليكم في دياركم ~~السلام فقالت : لا ، ولكني أغني : تحمل أهلها عنها فبانوا . . . على آثار ~~من ذهب العفاء قال : فاستحيا وازداد بها كلفا ولها عشقا ، فأطرق ساعة ثم ~~قال لها : أتغنين : وأخضع بالعتبى إذا كنت مذنبا . . . وإن أذنبت كنت الذي ~~أتنصل قال : نعم ، وأغني أحسن منه : فإن تقبلوا بالود نقبل بمثله . . . ~~وننزلكم منا بأقرب منزل فتقاطعا في بيتين وتواصلا في بيتين ، وما شعر بهما ~~أحد . قال : وحضر أبو السائب المخزومي مجلسا فيه بصبص ، فغنت : قلبي حبيس ~~عليك موقوف . . . والعين عبرى والدمع مذروف PageV05P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" والنفس في حسرة بغصتها . . . قد شف أرجائها ~~التساويف إن كنت بالحسن قد وصفت لنا . . . فإنني بالهوى لموصوف يا حسرتا ~~حسرة أموت بها . . . إن لم يكن لي إليك معروف قال : فطرب أبو السائل ونعر ~~وقال : لا عرف الله من لا يعرف لك معروفك ، ثم أخذ قناعها ووضعه على رأسه ~~وجعل يبكي ويلطم ويقول لها : بأبي أنت والله إني لأرجو أن تكوني عند الله ~~أفضل من الشهداء لما توليناه من السرور ، وجعل يصيح : واغوثاه يا لله ما ~~يلقى العاشقون . وقال عثمان بن محمد الليثي : كنت يوما في منزل ابن النفيس ~~، فخرجت إلينا جاريته بصبص ، وكان في القوم فتى يحبها ، فسألته حاجة فقام ~~ليأتيها بها ، فنسي أن يلبس نعله ومضى حافيا . فقالت له : يا فلان ، نسيت ~~نعلك ، فرجع فلبسها وقال : أنا والله كما قال الأول : وحبك ينسيني عن الشيء ~~في يدي . . . ويشغلني عن كل شيء أحاوله فأجابته فقالت : وبي مثل ما تشكوه ~~مني وإنني . . . لأشفق من حب لذاك تزايله ذكر أخبار جواري ابن رامين وهن ~~سلامة الزرقاء ، وربيحة ، وسعدة قال أبو الفرج ms1001 : وابن رامين هو عبد الملك ~~بن رامين مولى عبد الملك بن بشر ابن مروان . وكان له جوار مغنيات مجيدات ، ~~وهن سلامة الزرقاء ، وربيحة ، وسعدة . وفيهن يقول إسماعيل بن عمار قصيدته ~~التي أولها : هل من شفاء لقلب لج محزون . . . صبا وصب إلى رئم ابن رامين ~~إلى ربيحة إن الله فضلها . . . بحسنها وسماع ذي أفانين PageV05P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" نعم شفاؤك منها أن تقول لها . . . قتلتني يوم ~~دير اللج فأحييني أنت الطبيب لداء قد تلبس بي . . . من الجوى فانفثني في في ~~وارقيني نفسي تأبى لكم إلا طواعية . . . وأنت تحمين أنفا أن تطيعيني لم أنس ~~سعدة والزرقاء يومهما . . . باللج شرقيه فوق الدكاكين يغنيان ابن رامين ~~ضحاءهما . . . بالمسجحي وتشبيب المحبين فما دعوت به في عيش مملكة . . . ولم ~~نعش يومنا عيش المساكين وهي أبيات طويلة ، وله فيهن غيرها . قال : واشترى ~~جعفر بن سليمان بن علي سلامة الزرقاء بثمانين ألف درهم ، وقيل : إنه اشترى ~~ربيحة بمائة ألف درهم ، والأول الأصح . وقيل : إن الذي اشترى ربيحة محمد بن ~~سليمان ، واشترى صالح بن علي سعدة بتسعين ألف درهم . وقيل : اشترى معهن بن ~~زائدة إحداهن . قال : وكانت سلامة الزرقاء عاقلة شكلة . قال : ولما اشتراها ~~جعفر ومضت لها مدة عنده ، سألها يوما : هل ظفر أحد منك قط ممن كان يهواك ~~بخلوة أو قبلة ؟ فخشيت أن يبلغه شيء كانت قد فعلته بحضرة جماعة أو يكون قد ~~بلغه شيء ، فقالت : لا والله إلا يزيد بن عون العبادي الصيرفي ، فإنه قبلني ~~قبلة وقذف في في لؤلؤة بعتها بثلاثين ألف درهم . فلم يزل جعفر بن سليمان ~~يحتال له حتى وقع به فضربه بالسياط حتى مات . PageV05P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" وقد روى أبو الفرج الأصفهاني في خبر يزيد بن ~~عون هذا بسند رفعه إلى عبد الحمن بن مقرون أنه اجتمع هو وروح بن حاتم عند ~~ابن رامين ، وان الزرقاء خرجت عليهم في إزار ورداء قهويين موردين ، كأن ~~الشمس طالعة بين رأسها وكعبها . قال : فغنتنا ساعة ، ثم جاء الخادم الذي ~~كان يأذن لها - وكان الإذن عليها دون مولاها ms1002 - فقام على الباب وهي تغني ، ~~حتى إذا قطعت الغناء نظرت إليه فقالت : مه قال : يزيد بن عون العبادي ~~الصيرفي الملقب بالماجن على الباب . قالت : ائذن له . فلما استقبلها طفر ثم ~~أقعى بين يديها ، فوجدت والله له ، ورأيت أثر ذلك ، وتنوقت تنوقا خلاف ما ~~كان تفعل بنا . فأدخل يده في ثوبه فأخرج لؤلؤتين فقال : انظري يا زرقاء ، ~~جعلت فداك ثم حلف أنه نقد فيهما بالأمس أربعين ألف درهم . قال : فما أصنع ~~بك ؟ قال : أردت أن تعلمي . فغنت صوتا ثم قالت : يا ماجن هبهما لي قال : إن ~~شئت والله فعلت . قال : قد شئت . قال : فاليمين التي حلفت بها لازمة لي إن ~~أخذتهما إلا بشفتيك من شفتي . فقال ابن رامين للغلام : ضع لي ماء ثم خرج ~~عنا ، فقالت : هاتهما . فمشى على ركبتيه وكفيه وهما بين شفتيه وقال : هاك ، ~~فلما ذهبت تتناولهما جعل يصد عنها يمينا وشمالا ليستكثر منها ، فغمزت جارية ~~على رأسها ، فخرجت كأنها تريد حاجة ثم عطفت عليه ، فلما دنا وذهب ليروغ ~~دفعت منكبيه وأمسكتهما حتى أخذت الزرقاء اللؤلؤتين بشفتيها من فمه ورشح ~~جبينها عرقا حياء منا . ثم تجلدت علينا فأقبلت عليه وقالت : المغبون في ~~استه عود . فقال : فأما أنا فلا أبالي ، والله لا يزال طيب هذه الرائحة في ~~أنفي وفمي ما حييت . قال : واجتمع عند ابن رامين معن بن زائدة وروح بن حاتم ~~وابن المقفع . فلما تغنت الزرقاء وسعدة بعث معن فجيء ببدرة فصبها بين يديها ~~، وبعث روح فجيء PageV05P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" ببدرة فصبها بين يديها ، ولم تكن عند ابن ~~المقفع دراهم ، فبعث فجاء بصك ضيعة ، وقال : هذه عهدة ضيعتي خذيها ، فأما ~~الدراهم فما عندي منها شيء . وشربت زرقاء دواء فأهدى لها ابن المقفع ألف ~~دراجة . وعن إسحاق بن إبراهيم قال : كان روح بن حاتم بن المهلب كثير ~~الغشيان لمنزل ابن رامين ، وكان يختلف إلى الزرقاء ، وكان محمد بن جميل ~~يهواها وتهواه ، فقال لها : إن روح بن حاتم قد ثقل علينا . قال : فما أصنع ~~وقد غمر مولاي ببره قال : احتالي له ms1003 . فبات عندهم روح ليلة ، فأخذت سراويله ~~وهو نائم فغسلته . فلما أصبح سأل عنه ، فقالت : غسلناه . فظن أنه أحدث فيه ~~فاحتيج إلى غسله فاستحيا من ذلك فانقطع عنهم ، وخلا وجهها لابن جميل . ذكر ~~أخبار عنان جارية الناطفي قال أبو الفرج الأصفهاني : كانت عنان مولدة من ~~مولدات اليمامة ، وبها نشأت وتأدبت ، واشتراها الناطفي ورباها . وكان صفراء ~~جميلة الوجه شكلة مليحة الأدب والشعر سريعة البديهة ، وكان فحول الشعراء ~~يساجلونها ويعارضونها فتنتصف منهم . ولها مع أبي نواس الحسن بن هانئ وغيره ~~من الفضلاء والشعراء ماباة ومراجعات ، نذكر منها طرفا . قال أبو الحبش : ~~قال لي الناطفي : لو جئت إلى عنان فطارحتها فعزمت على الغدو إليها ، وبت ~~ليلتي أحوك بيتين ، ثم غدوت عليها فأنشدتها : أحب الملاح البيض قلبي وربما ~~. . . أحب الملاح الصفر من ولدا الحبش بكيت على صفراء منهن مرة . . . بكاء ~~أصاب العين مني بالعمش PageV05P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" فقالت عنان : بكيت عليها إن قلبي يحبها . . . ~~وإن فؤادي كالجناحين ذو رعش تعنيتنا بالشعر لما أتيتنا . . . فدونك خذه ~~محكما يا أبا حبش وقال مروان بن أبي حفصة : لقيني الناطفي فدعاني إلى عنان ~~، فانطلقت معه . فدخل إليها قلبي فقال : جئتك بأشعر الناس مروان بن أبي ~~حفصة ، فوجدها عليلة فقالت : إني عن مروان لفي شغل . فأهوى إليها بسوط ~~فضربها ، وقال لي : ادخل ، فدخلت وهي تبكي ، فرأيت الدموع تتحدر من عينيها ~~، فقلت : بكت عنان فجرى دمعها . . . كالدر إذ يسبق من خيطه فقالت مسرعة : ~~فليت من يضربها ظالما . . . تيبس يمناه على سوطه قال مروان : فقلت : أعتق ~~ما أملكك إن كان في الجن والإنس أشعر منها . وقال أحمد بن معاوية قال لي ~~رجل : تصفحت كتبا فوجدت فيها بيتا جهدت جهدي أن أجد من يجيزه فلم أجد . ~~فقال لي صديق لي : عليك بعنان جارية الناطفي ، فأتيتها فأنشدتها البيت وهو ~~: وما زال يشكو الحب حتى رأيته . . . تنفس من أحشائه وتكلما فلم تلبث أن ~~قالت : ويبكي فأبكي رحمة لبكائه ، . . . إذا ما بكى دمعا بكيت له دما وقال ~~موسى بن عبد الله التميمي : دخل أبو النواس على ms1004 الناطفي وعنان جالسة تبكي ، ~~وقد كان الناطفي ضربها ، فأومأ إلى أبي نواس أن حركها بشيء ، فقال أبو ~~PageV05P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" نواس : عنان لو وجدت لي فإني من . . . عمري في ~~آمن الرسول بما فقالت : فإن تمادى ولا تماديت في . . . قطعك حبلي أكن كمن ~~ختما فقال أبو نواس : علقت من لو أتى على أنفس ال . . . ماضين والغابرين ما ~~ندما فقالت : لو نظرت عينها إلى حجر . . . ولد فيه فتورها سقما وقال أبو ~~جعفر النخعي : كان العباس بن الأحنف يهوى عنان جارية الناطفي . فجاءني يوما ~~فقال لي : امض بنا إلى عنان . فصرنا إليها ، فرأيتها كالمهاجرة له ، فجلسنا ~~قليلا ، ثم ابتدأ العباس فقال : قال عباس وقد أج . . . هد من وجد شديد ليس ~~لي صبر على الهج . . . ر ولا لذع الصدود لا ولا يصبر للهج . . . ر فؤاد من ~~حديد فقالت عنان : من تراه كان أغنى . . . منك عن هذا الصدود بعد وصل لك ~~مني . . . فيه إرغام الحسود فاتخذ للهجر إن شئ . . . ت فؤادا من حديد ما ~~رأيناك على ما . . . كنت تجني بجليد PageV05P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" فقال عباس : لو تجودين لصب . . . راح ذا وجد ~~شديد وأخي جهل بما قد . . . كان يجني بالصدود ليس من أحدث هجرا . . . لصديق ~~بسديد ليس منه الموت إن لم . . . تصليه ببعيد قال : فقلت للعباس : ويحك ما ~~هذا الأمر ؟ قال : أنا جنيت على نفسي بتتايهي عليها . فلم أبرح حتى ترضيتها ~~له . وقال الأصمعي : بعثت إلي أم جعفر أن أمير المؤمنين قد لهج بذكر هذه ~~الجارية عنان ، فإن صرفته عنها فلك حكمك . قال : فكنت أربع لأن أجد للقول ~~فيها موضعا فلا أجده ولا أقدم عليه هيبة له ، إذ دخلت يوما فرأيت في وجهه ~~أثر الغضب فانخزلت . فقال : مالك يا أصمعي ؟ قلت : رأيت في وجه أمير ~~المؤمنين أثر الغضب ، فلعن الله من أغضبه فقال : هذا الناطفي ، والله لو لا ~~أني لم أجر في حكم قط متعمدا لجعلت على كل جبل منه قطعة ومالي في جاريته من ~~رأب غير الشعر . قال الأصمعي : فذكرت رسالة أم جعفر فقلت : أجل ms1005 ، والله ما ~~فيها غير الشعر ، أفيسر أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق فضحك حتى استلقى . ~~واتصل قولي بأم جعفر فأزجلت لي الجائزة . وقال يعقوب بن إبراهيم : طلب ~~الرشيد من الناطفي جاريته ، فأبى أن يبيعها بأقل من مائة ألف دينار . فقال ~~الرشيد : أعطيك مائة ألف دينار على أن تأخذ الدينار بسبعة دراهم ، فامتنع ~~عليه ، فأمر أن تحمل إليه . فذكروا أنها دخلت مجلسه في هيئتها ، فقال ~~الرشيد ويلك إن هذا قد اعتاص علي في أمرك . فقالت : ما منعك أن توفيه ~~وترضيه ؟ فقال : ليس يقنع بما أعطيه ، وأمرها بالانصراف . فتصدق الناطفي ~~حين رجعت إليه بثلاثين ألف درهم . فلم تزل في قلب الرشيد حتى مات مولاها . ~~فلما PageV05P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" مات بعث الرشيد مسرورا الخادم ، فأخرجها إلى ~~باب الكرخ وأقامها على سرير وعليها رداء سندي قد جللها ، فنودي عليها فيمن ~~يزيد بعد أن شاور الفقهاء فيها ، فقالوا : هذه كبد رطبة وعلى الرجل دين ، ~~فأشاروا بيعها . وكانت تقول وهي على المصطبة : أهان الله من أهانني وأرذل ~~من أرذلني فوكزها مسرور بيده . وبلغ بها مسرور مائتي ألف درهم ، فجاء رجل ~~فقال : علي زيادة خمسة وعشرين ألف درهم ، فوكزه مسرور وقال : أتزيد على ~~أمير المؤمنين فبلغ بها مائتين وخمسين ألف درهم وأخذ مالها . قال : ولم يكن ~~فيها عيب يعاب ، فطلبوا لها عيبا لا تصيبها العين ، فأوقعوا بخنصر رجلها في ~~ظفره شيئا . قال : وأولدها الرجل الذي اشتراها ولدين ، ثم خرج بها إلى ~~خراسان فمات هناك وماتت بعده . ذكر أخبار شارية جارية إبراهيم بن المهدي ~~قال أبو الفرج : كانت شارية مولدة من مولدات البصرة . يقال : إن أباها كان ~~من بني سامة بن لؤي المعروفين ببني ناجية ، وإنه جحدها . وكانت أمها أمة ، ~~فدخلت في الرق . وقيل : وإن أمها كانت تدعي أنها بنت محمد بن زيد من بني ~~سامة ابن لؤي ، وقيل : إنها أنها كانت تدعي أنها من بني زهرة ، وقيل : بل ~~سرقت فبيعت ، فاشترتها امرأة من بني هشام فأدبتها وعلمتها الغناء ، ثم ~~اشتراها إبراهيم بن المهدي ، فأخذت عنه غنائه كله أو ms1006 أكثره . وبذلك يحتج من ~~يقدمها على عريب ويقول : إن إبراهيم خرجها ، وكان يأخذها بصحة الأداء لنفسه ~~وبمعرفة ما يأخذها به ، ولم تلق عريب ذلك ، لأن المراكبي لم يكن يقارب ~~إبراهيم في العلم ولا يقاس به في بعضه فضلا عن سائره . قال : ولما عرضتها ~~مولاتها الهاشمية للبيع ببغداد عرضت على إسحاق بن إبراهيم الموصلي فأعطى ~~فيها ثلاثمائة دينار ، ثم استغلاها بذلك ولم يردها . فجئ بها إلى إبراهيم ~~بن المهدي فساوم بها ، فقالت له مولاتها : إن إسحاق بن إبراهيم أعطى بها ~~ثلاثمائة دينار وأنت أحق بها . فقال : زنوا لها ما قالت فوزن لها . ثم دعا ~~بقيمته فقال : خذي هذه الجارية ولا تزينيها سنة ، وقولي للجواري يطرحن ~~عليها . فلما كان بعد سنة أخرجت إليه ، فنظر إليها وسمع منها ، فأرسل إلى ~~إسحاق بن إبراهيم ، فلما أتاه أراه إياها وأسمعه غناءها ، وقال : هذه جارية ~~تباع ، فبكم تأخذها لنفسك ؟ قال إسحاق : آخذها بثلاثة آلف دينار وهي رخيصة ~~بها . فقال له إبراهيم : أتعرفها ؟ قال : PageV05P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" لا . قال : هذه الجارية التي عرضتها الهاشمية ~~بثلاثمائة دينار فلم تقبلها . فعجب إسحاق من حالها وما صارت إليه . وقد حكي ~~عن هبة الله بن إبراهيم بن المهدي أنها عرضت ببغداد على إبراهيم فأعجب بها ~~إعجابا كبيرا ، فلم يزل يعطى بها حتى بلغت ثمانية آلاف درهم . قال : ولم ~~يكن عند أبي درهم ولا دانق ، فقال لي : ويحك قد والله أعجبتني هذه الجارية ~~إعجابا شديدا ، وليس عندي شيء . فقلت له : بع ما تملكه حتى الخزف وتجمع ~~ثمنها . فقال لي : قد تذكرت في شيء ، اذهب إلى علي ابن هشام فأقرئه مني ~~السلام ، وقل له : قد عرضت علي جارية وقد أخذت بمجامع قلبي ، وليس عندي شيء ~~، فأحب أن تقرضني عشرة آلاف درهم . فقلت : إن ثمنها ثمانية آلاف درهم ، فلم ~~نكثر على الرجل بعشرة آلاف درهم فقال : إذا اشتريتها بثمانية آلاف درهم ~~فليس لنا بد من أن نكسوها ونقيم لها ما تحتاج إليه . قال : فصرت إلى علي بن ~~هشام وأبلغته الرسالة ، فدعا بوكيل له وقال ms1007 : ادفع إلى خادمه عشرين ألف ~~درهم ، وقل له : أنا لا أصلك ، ولكن هي لك حلال في الدنيا والآخرة . قال : ~~فصرت إلى أبي بالدراهم ، فلو طلعت عليه بالخلافة لم تكن تعدل عنده تلك ~~الدراهم . قال : وكانت أمها خبيثة ، وكانت كلما لم يعط إبراهيم ابنتها ما ~~تشتهي ذهبت إلى عبد الوهاب بن علي ، ودفعت إليه رقعة يوصلها إلى المعتصم ~~تسأله أن تأخذ ابنتها من إبراهيم . وحكي عن يوسف بن إبراهيم المصري صاحب ~~إبراهيم بن المهدي أن إبراهيم وجه به إلى عبد الوهاب بن علي في حاجة كانت ~~له . قال : فلقيته وانصرفت من عنده ، فلم أخرج من دهليز عبد الوهاب حتى ~~استقبلتني امرأة ، فلما نظرت في وجهي سترت وجهها ، فأخبرني شاكري أن المرأة ~~أم شارية جارية إبراهيم . فبادرت إلى إبراهيم وقلت له : إني رأيت أم شارية ~~في دار عبد الوهاب ، وهي من تعلم ، وما يفجؤك إلا حيلة قد أوقعتها . فقال ~~لي : اشهد أن جاريتي شارية صدقة على ميمونة بنت إبراهيم بن المهدي ، ثم ~~أشهد ابنه هبة الله على مثل ما أشهدني ، وأمرني بالركوب إلى ابن أبي دواد ~~وإحضار من قدر عليه من الشهود المعدلين عنده ، فأحضر PageV05P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" أكثر من عشرين شاهدا . وأمر بإخراج شارية ~~فأخرجت . فقال لها : استري وجهك ، فجزعت عن ذلك ، فأعلمها أنما أمرها بذلك ~~لخير يريده لها ففعلت . فقال لها : تسمي ، فقالت : أنا أمتك . فقال لهم : ~~تأملوا وجهها ففعلوا . ثم قال : فإني أشهدكم أنها حرة لوجه الله تعالى ، ~~وأني قد تزوجتها وأصدقتها عشرة آلاف درهم ، يا شارية أرضيت ؟ قالت : نعم يا ~~سيدي ، قد رضيت ، والحمد لله تعالى على ما أنعم به علي . فأمرها بالدخول ، ~~وأطعم الشهود وطيبهم وانصرفوا . قال : فما أحسبهم تجاوزوا دار ابن أبي دواد ~~حتى دخل علينا عبد الوهاب بن علي ، فأقرأ عمه سلام المعتصم ، ثم قال له : ~~يقول لك أمير المؤمنين : من المفترض علي طاعتك وصيانتك من كل ما يسوءك ، إذ ~~كنت عمي وصنو أبي . وقد رفعت امرأة إلى قصة ذكرت فيها أن شارية ابنتها ، ~~وأنها ms1008 امرأة من قريش من بني زهرة ، واحتجت بأنه لا تكون بنت امرأة من قريش ~~أمة . فإن كانت هذه المرأة صادقة في أن شارية بنتها ، وأنها من بني زهرة ، ~~فمن المحال أن تكون شارية أمة . والأشبه بك والأصلح إخراج شارية من دارك ~~وتصيرها عند من تثق به من أهلك ، حتى يكشف عما قالته هذه المرأة . فإن ثبت ~~ذلك أمرت من جعلتها عنده بإطلاقها ، وكان في ذلك الحظ لك في دينك ومروءتك . ~~وإن لم يصح ذلك أعيدت الجارية إليك وقد زال عنك القول الذي لا يليق بك ولا ~~يحسن . فقال إبراهيم : فديتك ، هب شارية بنت زهرة بنت كلاب ، أينكر علي ابن ~~العباس بن عبد المطلب أن يكون بعلا لها ؟ فقال عبد الوهاب : لا . فقال : ~~أبلغ أمير المؤمنين - أبقاه الله - السلام ، وأخبره أن شارية حرة ، وأني قد ~~تزوجتها بشهادة جماعة من العدول . وقد كان الشهود واعلموا ابن أبي دواد ~~بالقصة ، فركب إلى المعتصم وحدثه بالحديث معجبا له منه ، فقال : ضل سعي عبد ~~الوهاب . ثم دخل عبد الوهاب على المعتصم . فلما رآه يمشي في صحن الدار سد ~~المعتصم أنفه وقال : يا عبد الوهاب ، أنا أشم رائحة صوف محرق ، وأحسب عمي ~~لم يقنعه ردك على أذنك صوفة حتى أحرقها ، فشممت رائحتها منك . فقال : الأمر ~~على ما ظن أمير المؤمنين وأسمج . قال : ثم ابتاع PageV05P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" إبراهيم من بنته ميمونة شارية بعشرة آلاف درهم ~~وستر ذلك عنها ، فكان عتقه إياها وهي في ملك غيره ، ثم ابتاعها من ميمونة ~~فحلت له ، فكان يطؤها بملك اليمين وهي تتوهم أنها زوجته . فلما توفي طلبت ~~شارية مشاركة أم محمد بنت خالد زوجة إبراهيم في الثمن ، فأظهرت خبرها ، ~~فأمر المعتصم بابتياعها من ميمونة بخمسة آلاف وخمسمائة دينار فحولت إلى ~~داره ، وكانت في ملكه حتى توفي . وقال ابن المعتر : وقد قيل : إن المعتصم ~~ابتاعها بثلاثمائة دينار ، وملكها إبراهيم ولها سبع سنين ورباها تربية ~~الولد . قال : وحدثت شارية أنها كانت مع إبراهيم في حراقة قد توسط بها دجلة ~~في ليلة مقمرة ، فاندفعت ms1009 فغنت : لقد حثوا الجمال ليه . . . ربوا منا فلم ~~يئلوا فوثب إليها فأمسك فاها فقال : أنت والله أحسن من الغريض وجها وغناء ، ~~فما يؤمنني عليك أمسكي . ويقال : إنها لم تضرب بالعود إلا في أيام المتوكل ~~لما اتصل الشر بينها وبين عريب ، فصارت تقعد بها عند الضرب ، فضربت بعد ذلك ~~. قال ابن المعتر : وحدث محمد بن سهل بن عبد الكريم المعروف بسهل الأحول ، ~~وكان قاضي الكتاب في زمانه ، كان يكتب لإبراهيم وكان ثقة ، قال : أعطى ~~المعتصم إبراهيم بشارية سبعين ألف دينار ، فامتنع من بيعها . قال : فعاتبته ~~على ذلك ، فلم يجبني بشيء . ثم دعاني بعد أيام وبين يديه مائدة لطيفة ، ~~فأحضر الغلام سفودا فيه ثلاث فراريج ، فرمى إلي بواحدة فأكلتها وأكل اثنتين ~~، ثم شرب رطلا وسقاني ، ثم أتى بسفود آخر ففعل كما فعل وشرب كما شرب وسقاني ~~، ثم ضرب ستر إلى جانبه فسمعت حركة العيدان ، ثم قال : يا شارية تغني ، ~~فسمعت شيئا ذهب بعقلي . فقال : يا PageV05P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" سهل ، هي التي عاتبتني في أن أبيعها بسبعين ~~ألف دينار ، لا والله ولا هذه الساعة الواحدة بسبعين ألف دينار وحكي عن ~~عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال : أمرني المعتز بالله ذات يوم بالمقام ~~عنده فأقمت ، ومدت الستارة وخرج من كان يغني وراءها وفيهن شارية ، ولم أكن ~~سمعتها قبل ذلك فاستحسنت ما سمعت منها ، وقال لي المعتز : يا عبيد الله ، ~~كيف ما تسمع منها عندك ؟ فقلت : حظ العجب من هذا الغناء أكثر من حظ الطرب ، ~~فاستحسن ذلك ، وأخبرها به فاستحسنته . قالوا : وكانت شارية أحسن الناس غناء ~~منذ توفي المعتصم إلى آخر خلافة الواثق . وقيل : إن إبراهيم بن المهدي لم ~~يطأ شارية ، وإن الذي افتضها المعتصم . وكان إبراهيم يسمي شارية بنتي . ~~وقال يعقوب بن بيان : كانت شارية لصالح بن وصيف . فلما بلغه رحيل موسى بن ~~بغا من الجبل يريده بسبب قتل المعتز ، أودع شارية جوهره ، فظهر لها جوهر ~~كثير بعد ذلك . فلم أوقع موسى بصالح استترت شارية عند هارون بن شعيب ~~العكبري ، وكان أنظف ms1010 خلق الله طعاما وأسراهم مائدة ، وأوسخهم كل شيء بعد ~~ذلك ، وكان له بسر من رأى منزله وفيه بستان كبير ، وكانت شارية تسميه أبي ، ~~وتزوره في منزله فتحمل معها كل شيء تحتاج إليه حتى الحصير تقعد عليه . ~~وكانت من أكرم الناس . عاشرها أبو الحسن علي بن الحسين عند هارون هذا ، ثم ~~أضاق في وقت فاقترض منها على غير رهن عشرة آلف دينار فأقرضته ، ومكثت أكثر ~~من سنة ما أذكرته بها ولا طالبته بردها . PageV05P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" قال يعقوب بن بيان : وكان الناس بسر من رأى ~~محتازبين ، فقوم مع شارية ، وقوم مع عريب ، لا يدخل أصحاب هذه في هؤلاء ، ~~ولا أصحاب هذه في هؤلاء . وكان أبو الصقر إسماعيل بن بلبل عريبيا ، فدعا ~~على بن الحسين يوم الجمعة أبا الصقر وعنده عريب وجواريها . فاتصل الخبر ~~بشارية فبعثت بجواريها إلى علي ابن الحسين بعد يوم أو يومين ، وأمرت إحداهن ~~- قال : وما أدري من هي : مهرجان أو مطرب أو قمرية ، إلا أنها إحدى الثلاث ~~- أن تغنيه : لا تعودن بعدها . . . فترى كيف أصنع فلما سمع الغناء ضحك وقال ~~: لست أعود . قال : وكان المعتمد قد وثق بشارية فلم يكن يأكل إلا طعامها ، ~~فمكثت دهرا تعد له كل يوم جونتين ، فكان طعامه منهما في أيام المتوكل . ~~وقال أبو الفرج : حدثني جحظة قال : كنت عند المعتمد يوما فغنت شارية بشعر ~~مولاها إبراهيم بن المهدي ولحنه : يا طول علة قلبي المعتاد . . . إلف ~~الكرام وصحبة الأمجاد ما زلت آلف كل قرم ماجد . . . متقدم الآباء والأجداد ~~فقال لها : أحسنت والله فقالت : هذا غنائي وأنا عارية ، فكيف لو كنت كاسية ~~فأمر لها بألف ثوب من جميع أصناف الثياب الخاصة ، فحمل ذلك إليها . فقال لي ~~علي بن الحسين بن يحيى المنجم : اجعل انصرافك معي ، ففعلت . فقال لي : هل ~~بلغك أن خليفة أمر لمغنية بمثل ما أمر به أمير المؤمنين اليوم لشارية ؟ قلت ~~: لا . فأمر بإخراج سير الخلفاء ، فأقبل بها الغلمان في دفاتر عظام ، ~~فتصفحناها كلها فما وجدنا أحدا قبله فعل مثل ذلك . انقضت أخبار ms1011 شارية . ~~PageV05P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" ذكر أخبار بذل قال أبو الفرج : كانت بذل صفراء ~~مولدة من مولدات المدينة وربيت بالبصرة ، وهي إحدى المحسنات المتقدمات ~~الموصوفات بكثرة الرواية . يقال : إنها كانت تغني ثلاثين ألف صوت . قال : ~~ولها كتاب في الغاني منسوب الأصوات غير مجنس يشتمل على اثني عشر ألف صوت ، ~~يقال : إنها عملته لعلي بن هشام . قال : وكانت حلوة الوجه ظريفة ضاربة ~~متقدمة . وابتاعها جعفر بن موسى الهادي ، فأخذها منه محمد الأمين وأعطاه ~~مالا جزيلا . وأخذت بذل عن أبي سعيد مولى فائد ودحمان وفليح وابن جامع ~~وإبراهيم وطبقتهم . وقال جحظة عن أبي حشيشة : وكانت احسن الناس غناء في ~~دهرها ، وكانت أستاذة كل محسن ومحسنة ، وكانت أروى خلق الله للغناء . وكانت ~~لجعفر بن موسى الهادي ، فوصفت لمحمد الأمين ، فبعث إلى جعفر فسأله أن يزيره ~~إياها فأبى ، فأتاه الأمين إلى منزله فسمع ما لم يسمع مثله قط ، فقال لجعفر ~~: يا أخي ، بعني هذه الجارية . فقال له : يا سيدي ، مثلي لا يبيع جارية . ~~قال : هبها لي . قال : هي مدبرة . فاحتال الأمين عليه حتى أسكره وأمر بحمل ~~بذل إلى الحراقة وانصرف بها . فلما أفاق جعفر سأل عنها ، فأخبر بالخبر ، ~~فسكت . فبعث إليه محمد من الغد ، فجاء وبذل جالسة فلم يقل شيئا . فلما أراد ~~جعفر أن ينصرف قال الأمين : أوقروا حراقة ابن عمي دراهم فأوقرت ، فكان مبلغ ~~ذلك عشرين ألف ألف درهم . وبقيت بذل عند الأمين إلى أن قتل ، ثم خرجت فكان ~~ولد جعفر وولد الأمين يدعون ولاءها ، فلما مات ورثها ولد الأمين . وقال ~~محمد بن حسن الكاتب : إن الأمين وهبها من الجوهر ما لم يملك أحد مثله ، ~~فسلم لها بعد مقتل الأمين ، فكانت تبيع منه الشيء بعد الشيء بالمال العظيم ~~، فكانت على ذلك مع ما يصل إليها من الخلفاء إلى أن ماتت وعندها منه بقية ~~عظيمة . قال : ورغب إليها وجوه القواد والكتاب والهاشميين في التزويج فأبته ~~، وأقامت على حالها حتى ماتت . PageV05P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" وحكى أبو حشيشة قال : كنت يوما عند بذل وأنا ~~غلام ، وذلك في ms1012 أيام المأمون وهو ببغداد ، وهي في طارمة لها تتمشط ، فخرجت ~~إلى الباب فرأيت الموكب فظننت أن الخليفة يمر على ذلك الموضع ، فرجعت إليها ~~فقلت : يا سيدتي ، الخليفة يمر على بابك . فقالت : انظروا أي شيء هذا ، إذ ~~دخل بوابها فقال : علي بن هشام بالباب . فقالت : وما أصنع به فقامت إليها ~~جاريتها وشيك ، وكانت ترسلها إلى الخليفة وغيره في حوائجها ، فأكبت على ~~رجلها وقالت : الله الله أتحتجبين على علي بن هشام فدعت بمنديل فطرحته على ~~رأسها ولم تقم إليه . فقال : إني جئتك بأمر سيدي أمير المؤمنين ، وذلك أنه ~~سألني عنك فقلت له : لم أرها منذ أيام ، فقال : هي عليك غضبى ، فبحياتي لا ~~تدخل منزلك حتى تدخل إليها فتسترضيها . فقالت : إن كنت جئتنا بأمر الخليفة ~~فأنا أقوم ، فقامت فقبلت رأسه ويديه ، وقعد ساعة وانصرف . فقالت : يا وشيك ~~، هاتي الدواة وقرطاسا ففعلت ، فجعلت تكتب فيه يومها وليلتها حتى كتبت اثني ~~عشر ألف صوت - وقيل : سبعة آلاف صوت - ثم كتبت إليه : يا علي بن هشام ، ~~تقول : استغنيت عن بذل بأربعة آلاف صوت أخذناها منها وقد كتبت هذا وأنا ~~ضجرة ، فكيف لو فرغت لك قلبي كله . وختمت الكتاب وقالت لها : امضي به إليه ~~. فما كان أسرع من أن جاء رسوله خادم أسود يقال له مخارق بالجواب يقول فيه ~~: يا سيدتي ، لا والله ما قلت الذي بلغك ، ولقد كذب علي عندك ، إنما قلت : ~~لا ينبغي أن يكون في الدنيا أكثر من أربعة آلاف صوت ، وقد بعثت إلي بديوان ~~لا أؤدي شكرك عليه أبدا ، وبعث إليها بعشرة آلاف درهم وتخوت فيها بز ووشي ~~وملح وتختا مطبقا فيه أنواع الطيب . وقيل : إن إبراهيم بن المهدي كان ~~يعظمها ، ثم يرى أنه يستغني عنها بنفسه . فصارت إليه ، فدعت بعود فغنت في ~~طريقة واحدة وانقطاع واحد وإصبع واحدة مائة صوت لم يعرف إبراهيم منها صوتا ~~واحدا ، ثم وضعت العود وانصرفت ، ولم تدخل داره حتى طال طلبه لها وتضرعه ~~إليها في الرجوع إليه . وقال أحمد بن سعيد المالكي : إن إسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي ms1013 خالف بذلا في نسبة صوت غنته بحضرة المأمون ، فأمسكت عنه ساعة ثم ~~غنت ثلاثة أصوات في PageV05P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" الثقيل الثاني واحدا بعد واحد ، وسألت إسحاق ~~عن صانعها فلم يعرفه . فقالت للمأمون : هي والله لأبيه أخذتها من فيه ، ~~فإذا كان لا يعرف غناء أبيه فكيف يعرف غناء غيره فاشتد ذلك على إسحاق حتى ~~رئي ذلك فيه . وقال حماد بن إسحاق : غنت بذل بين يدي أبي : إن تريني ناحل ~~البدن . . . فلطول الهم والحزن كان ما أخشى بواحدتي . . . ليته والله لم ~~يكن قال : فطرب أبي طربا شديدا وشرب رطلا وقال لها : أحسنت يا ابنتي ، ~~والله لا تغنين صوتا إلا شربت عليه رطلا . انتهت أخبار بذلك . ذكر أخبار ~~ذات الخال قال أبو الفرج الأصفهاني : واسم ذات الخال خشف ، وكانت لأبي ~~الخطاب النحاس المعروف بقرين مولى العباسة بنت المهدي . وكانت ذات الخال من ~~أجمل النساء وأكملهن ، وكان لها خال فوق شفتها العليا ، وقيل على خدها . ~~وكان إبراهيم الموصلي يتعشقها ، وله فيها أشعار كثيرة كان يقولها ويغني ~~فيها حتى شهرها بشعره وغنائه . واتصل خبرها بالرشيد ، فاشتراها بسبعين ألف ~~درهم . فقال لها ذات يوم : أسألك عن شيء ، فإن صدقتني وإلا صدقني غيرك ~~وكذبتك . قالت : أصدقك . قال : هل كان بينك وبين إبراهيم الموصلي شيء قط ؟ ~~وأنا أحلفه أن يصدقني . قال : فسكتت ساعة ثم قالت : نعم مرة واحدة ، ~~فأبغضها . وقال يوما في مجلسه : أيكم لا يبالي أن يكون كشخانا حتى أهبه ذات ~~الخال ؟ فبدر حمويه الوصيف فقال : أنا ، فوهبها له . ثم اشتاقها الرشيد ~~يوما فقال : ويلك يا حمويه وهبنا لك الجارية على أن تسمع غناءها وحدك فقال ~~: يا أمير المؤمنين ، مر فيها بأمرك . قال : نحن عندك غدا . فمضى فاستعد ~~لذلك واستعار لها من بعض الجوهريين بدنة وعقودا ثمنها اثنا عشر ~~PageV05P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" ألف دينار ، فأخرجها إلى الرشيد وهي عليها . ~~فلما رآه أنكره وقال : ويلك يا حمويه من أين لك هذا ؟ ما وليتك عملا تكسب ~~فيه مثله ولا وصل إليك مني هذا القدر فصدقه عن أمره ، فبعث الرشيد ms1014 إلى ~~أصحاب الجوهر ، فأحضرهم واشترى الجوهر منهم ووهبه لها ، وحلف ألا تسأله في ~~يومه ذلك حاجة إلا قضاها ، فسألته أن يولي حمويه الحرب والخراج بفارس سبع ~~سنين ، ففعل ذلك وكتب له عهده بذلك ، وشرط على ولي العهد أن يتممها له إن ~~لم تتم في حياته . قال الأصفهاني : ولإبراهيم الموصلي في ذات الخال شعر ~~كثير غنى فيه . فمنه قوله : أذات الخال قد طال . . . بمن أسقمته الوجع وليس ~~إلى سواكم في ال . . . ذي يلقى له فزع أما يمنعك الإسلا . . . م من قتلي ~~ولا الورع وما ينفك لي فيك . . . هوى تغتره خدع ومنها : جزى الله خيرا من ~~كفلت بحبه . . . وليس به إلا التموه من حبي وقالوا قلوب الغانيات رقيقة . . ~~. فما بال ذات الخال قاسية القلب وقالوا لها هذا حبيبك معرضا . . . فقالت ~~لهم إعراضه أيسر الخطب فما هي إلا نظرة بتبسم . . . فتنشب رجلاه ويسقط ~~للجنب وله فيها أشعار كثيرة غير ما أوردناه . ذكر أخبار دنانير البرمكية ~~قال أبو الفرج : كانت دنانير مولاة يحيى بن خالد البرمكي ، وكانت صفراء ~~مولدة ، من أحسن الناس وجها ، وأظرفهم وأكملهم أدبا ، وأكثرهم رواية للغناء ~~والشعر ، ولها كتاب مجرد في الأغاني مشهور . وكان اعتمادها في غنائها على ~~ما أخذته من بذل ، وهي خرجتها ، وقد أخذت أيضا عن الأكابر الذين أخذت بذل ~~عنهم PageV05P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" مثل فليح وإبراهيم وابن الجامع وإسحاق ~~ونظائرهم . وكانت تغني غناء إبراهيم فتحكيه فيه حتى لا يكون بينهما فرق ، ~~فكان يقول ليحيى : متى فقدتني ودنانير باقية فما فقدتني . وقال أحمد بن ~~المكي : كانت دنانير لرجل من أهل المدينة ، كان قد خرجها وأدبها ، وكانت ~~أروى الناس للغناء القديم ، وكانت صفراء صادقة الملاحة . فلما رآها يحيى ~~وقعت من قلبه موقعا فاشتراها . وشغف بها الرشيد حتى كان يصير إلى منزل ~~مولاها فيسمعها ، فألفها واشتد إعجابه بها ، ووهب لها هبات سنية . منها أنه ~~وهب لها في ليلة عقدا قيمته ثلاثون ألف دينار ، فردته عليه في مصادرة ~~البرامكة بعد ذلك . وعرفت أم جعفر الخبر فشكته إلى عمومته وأهله ، فصاروا ~~جميعا إليه ms1015 فعاتبوه ، فقال : مالي في هذه الجارية أرب في نفسها ، وإنما ~~أربي في غنائها ، فاسمعوها ، فإن استحقت أن تؤلف لغنائها وإلا فقولوا ما ~~شئتم . فلما سمعوها عذروه ، وعادوا إلى أم جعفر وأشاروا عليها ألا تلح في ~~أمرها ، فقبلت ذلك ، وأهدت إلى الرشيد عشر جوار منهن أم المأمون وأم ~~المعتصم وأم صالح . وقال عمر بن شبة : إن دنانير أصابتها العلة الكلبية ~~فكانت لا تصبر على الطعام ساعة واحدة ، وكان يحيى يتصدق عنها في كل يوم من ~~شهر رمضان بألف دينار لأنها كانت لا تصومه . وبقيت عند البرامكة مدة طويلة ~~. وقال إسحاق وأحمد بن الطيب : إن الرشيد دعا بدنانير بعد البرامكة ، ~~فأمرها أن تغني . فقالت : يا أمير المؤمنين ، إني آليت ألا أغني بعد سيدي ~~أبدا . فغضب وأمر بصفعها فصفعت ، وأقيمت على رجليها وأعطيت العود ، فأخذته ~~وهي تبكي أحر بكاء ، واندفعت فغنت : يا دار سلمى بنازح السند . . . من ~~الثنايا ومسقط اللبد لما رأيت الديار قد درست . . . أيقنت أن النعيم لم يعد ~~قال : فرق لها الرشيد ، وأمر بإطلاقها ، فانصرفت . PageV05P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" وقال أبو عبد الله بن حمدون : إن عقيدا مولى ~~صالح بن الرشيد خطب دنانير وشغف بها فردته ، فاستشفع إليها بمولاه صالح بن ~~الرشيد وببذل والحسن بن محرز فلم تجب ، وأقامت على الوفاء لمولاها . فكتب ~~إليها عقيد : يا دنانير قد تنكر عقلي . . . وتحيرت بين وعد ومطل شغفي شافعي ~~إليك وإلا . . . فاقتليني إن كنت تهوين قتلي أنا بالله والأمير وما آ . . . ~~مل من موعد الحسين وبذل ما أحب الحياة يا حب إن لم . . . يجمع الله عاجلا ~~بك شملي فلم يعطفها ذلك عليه ، ولم تزل على حالها حتى ماتت . ولعقيد هذا ~~فيها أشعار فيها غناء . وكان عقيد حسن الغناء ، وله فيها أصوات ، منها قوله ~~: هذي دنانير تنساني وأذكرها . . . وكيف تنسى محبا ليس ينساها أعوذ بالله ~~من هجران جارية . . . أصبحت من حبها أهذي بذكراها قد أكمل الحسن في تركيب ~~صورتها . . . فارتج أسفلها واهتز أعلاها قامت لتمشي فليت الله صورني . . . ~~ذاك التراب الذي مسته رجلاها والله والله لو ms1016 كانت ، إذا برزت ، . . . نفس ~~المتيم في كفيه ألقاها ذكر أخبار عريب المأمونية قال أبو الفرج الأصفهاني : ~~كانت عريب مغنية محسنة ، وشاعرة صالحة الشعر ، وكانت مليحة الخط والمذهب في ~~الكلام ، ونهاية في الحسن والجمال والظرف وحسن الصوت وجودة الضرب وإتقان ~~الصنعة والمعرفة بالنغم والأوتار والرواية للشعر ، لم يتعلق بها أحد من ~~نظرائها ، ولا رئي في النساء - بعد القيان الحجازيات مثل جميلة وعزة ~~الميلاء وسلامة الزرقاء ومن جرى مجراهن على قلة عددهن - نظير لها . قال : ~~وكان فيها من الفضائل التي وصفناها ما ليس لهن مما يكون في مثلها من جواري ~~الخلفاء ومن نشأ في قصور الخلفاء وغذي برقيق العيش الذي لا يدانيه عيش ~~الحجاز والمنشأ بين العرب العامة والعرب الجفاة . قال : وقد شهد لها من لا ~~تحتاج مع شهادته PageV05P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" إلى غيره ، فروي عن حماد بن إسحاق قال قال أبي ~~: ما رأيت امرأة أضرب من عريب ، ولا أحسن صنعة ووجها ، ولا أخف روحا ، ولا ~~أحسن خطابا بارعا ، ولا أسرع جوابا ، ولا ألعب بالشطرنج والنرد ، ولا أجمع ~~لخصلة حسنة لم أرها في امرأة غيرها قط . قال حماد : فذكرت ذلك ليحيى بن ~~أكثم ، فقال : صدق أبو محمد ، هي كذلك . قلت أفسمعتها ؟ قال : نعم ، هناك ~~يعني في دار المأمون . قلت : أفكانت كما ذكر أبو محمد في الحذق ؟ قال يحيى ~~: هذه مسئلة الجواب فيها على أبيك ، هو أعلم مني بها . فأخبرت أبي بذلك ، ~~فضحك ثم قال : أما استحييت من قاضي القضاة أن تسأله عن مثل هذا وقال إسحاق ~~بن إبراهيم الموصلي : استدعاني المأمون يوما فدخلت عليه ، فسألني عن صوت ~~وقال لي : أتدري لمن هو ؟ فقلت : أسمعه ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء الله ~~بذلك . فأمر جارية من وراء الستارة أن تغنيه ، فضربت فإذا هي قد شبهته ~~بالقديم ، فقلت : زدني معها عودا آخر . فإنه اثبت لي ، فزادني عودا آخر . ~~فقلت : يا أمير المؤمنين ، هذا صوت محدث لامرأة ضاربة . قال : من أين قلت ~~ذلك ؟ فقلت : إني لما سمعت لينه عرفت أنه محدث من غناء النساء ، ولما ms1017 رأيت ~~جودة مقاطعه علمت أن صاحبته ضاربة حفظت مقاطعه وأجزاءه ، ثم طلبت عودا آخر ~~فلم أشك . قال : صدقت ، الغناء لعريب . وقال ابن المعتز : قال علي بن يحيى ~~: أمرني المعتمد على الله أن أجمع غناء عريب الذي صنعته ، فأخذت منها ~~دفاترها وصحفها التي كانت قد جمعت فيها غنائها ، فكتبته فكان ألف صوت ، وقد ~~قيل أكثر من ذلك . وقد وصفها أبو الفرج الأصفهاني وأطنب في وصفها وتفضيلها ~~، واستدل على ذلك وبسط القول فيه . PageV05P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" وأما ما قيل في نسبها وسنها وكيف تنقلت بها ~~الحال إلى أن اتصلت بالمأمون ، فقد روي عن إسماعيل بن الحسين خال المعتصم ~~أنها ابنة جعفر بن يحيى ، وأن البرامكة لما نهبوا سرقت وهي صغيرة فبيعت . ~~قال أحمد بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي : إن أم عريب كانت تسمى فاطمة ، ~~وكانت يتيمة ، فتزوجها جعفر بن يحيى بن خالد ، فأنكر عليه أبوه ، وقال له : ~~تتزوج بمن لا يعرف لها أم ولا أب اشتر مكانها ألف جارية . فأخرجها جعفر ~~وأسكنها في دار في ناحية باب الأنبار سرا من أبيه ، ووكل بها من يحفظها ، ~~وكان يتردد إليها ، فولدت عريب في سنة إحدى وثمانين ومائة . وكانت سنوها ~~إلى أن ماتت ستا وتسعين سنة . قال : وماتت أم عريب في حياة جعفر ، فدفعها ~~إلى امرأة نصرانية وجعلها داية لها . فلما حدثت بالبرامكة تلك الحادثة ~~باعتها من سنبس النخاس ، فباعها من المراكبي . قال ابن المعتز : وأخبرني ~~يوسف بن يعقوب قال : كنت إذا نظرت قدمي عريب شبهتها بقدمي جعفر بن يحيى . ~~قال : وسمعت من يحكي أن بلاغتها في كتبها ذكرت لبعض الكتاب ، فقال : وما ~~يمنعها من ذلك وهي بنت جعفر بن يحيى هذا ملخص ما حكاه أبو الفرج في نسبها . ~~وأما أخبارها مع من ملكها وكيف تنقلت بها الحال ، فقد حكى ابن المعتز عن ~~الهاشمي أن مولاها خرج بها إلى البصرة فأدبها وخرجها وعلمها الخط والنحو ~~والشعر والغناء ، فبرعت في ذلك أجمع ، وتزايدت حتى قالت الشعر . وكان ~~لمولاها صديق يقال له حاتم بن عدي من ms1018 قواد خراسان ، وقد قيل : إنه كان يكتب ~~لعجيف على ديوان العرض ، فكان مولاها يدعوه كثيرا ويخالطه . فركبه دين ~~فاستتر عنده ، فمد عينه إلى عريب وكاتبها فأجابته ، ودامت المواصلة بينهما ~~وعشقته ، ثم انتقل من منزل مولاها . فلم تزل تحتال حتى أخذت سلما من سب ، ~~وقيل : من خيوط غلاظ ، وكان قد اتخذ لها موضعا ، ثم لفت ثيابها وجعلتها في ~~فراشها بالليل ودثرتها PageV05P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" بدثرها ، ثم تسورت الحائط وهربت ، وأتته فمكثت ~~عنده ، ومولاها لا يتهمه بشيء من أمرها . فقال عيسى بن عبد الله بن إسماعيل ~~المراكبي يهجو أباه ويعيره بها - وكان كثيرا ما يهجوه - : قاتل الله عريبا ~~. . . فعلت فعلا عجيبا ركبت والليل داج . . . مركبا صعبا مهيبا فارتقت ~~متصلا بالن . . . جم أو منه قريبا صبرت حتى إذا ما . . . أقصد النوم ~~الرقيبا مثلت بين حشايا . . . ها ، لكي لا تستريبا خلفا منها إذا نو . . . ~~دي لم يلف مجيبا ومضت يحملها الخو . . . ف قضيبا وكثيبا محة لو حركت خف . . ~~. ت عليها أن تذوبا فتدلت لمحب . . . فتلقاها حبيبا جذلا قد نال في الدن . ~~. . يا من الدنيا نصيبا أيها الظبي الذي تس . . . حر عيناه القلوبا والذي ~~يأكل بعضا . . . بعضه حسنا وطيبا كنت نهبا لذئاب . . . فلقد أطعمت ذيبا ~~وكذا الشاة إذا لم . . . يك راعيها لبيبا لا يبالي وبأ المر . . . ععى إذا ~~كان خصيبا ولقد أصبح عبد الل . . . ه كشخانا جريبا قد لعمري لطم الخد . . . ~~وقد شق الجيوبا وجرت منه دموع . . . بلت الذقن الخضيبا PageV05P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" وقال ابن المعتز : وحدثني محمد بن موسى بن ~~يونس : أنها ملته بعد ذلك فهربت منه ، فكانت تغني عند أقوام عرفتهم ببغداد ~~وهي مستترة متخفية . فلما كان يوم من الأيام اجتاز ابن أخي المراكبي ببستان ~~كانت فيه مع قوم تغني ، فسمع غناءها فعرفه ، فبعث إلى عمه وأقام هو مكانه ، ~~فلم يبرح حتى جاء عمه وكبسها ، فأخذها وضربها مائة مقرعة وهي تصيح : يا هذا ~~، لم تقتلني لست أصبر عليك ، أنا امرأة حرة ، فإن كنت مملوكة فبعني ، لست ~~أصبر على الضيق . فلما كان من الغد ms1019 ندم على فعله وصار إليها فقبل رأسها ~~ويدها ورجلها ووهب لها عشرة آلاف درهم . ثم بلغ محمدا الأمين خبرها فأخذها ~~. قال : وكان الأمين في حياة أبيه طلبها منه فلم يجبه إلى ذلك . فلما أفضت ~~إليه الخلافة جاء المراكبي و محمد راكب ليقبل يده ، فأمر بمنعه ودفعه ، ~~ففعل ذلك الشاكري ، فضربه المراكبي وقال : أتمنعني من تقبيل يد مولاي فجاء ~~الشاكري لما نزل محمد الأمين فشكاه ، فأمر بإحضار المراكبي فأمر بضرب عنقه ~~، فسئل في أمره فعفا عنه وحبسه ، وطالبه بخمسمائة ألف درهم مما اقتطعه من ~~نفقات الكراع ، وبعث فأخذ عريب من منزله مع خدم كانوا له . فلما قتل محمد ~~الأمين هربت عريب إلى المراكبي فكانت عنده . قال ابن المعتز : وأما رواية ~~إسماعيل بن الحسن خال المعتصم فإنها تخالف هذا ، وذكر أنها إنما هربت من ~~دار مولاها المراكبي إلى محمد بن الحامد الخاقاني المعروف بالخشن أحد قواد ~~خراسان ، وكان أشقر أصهب أزرق العينين . وفيه تقول عريب ولها فيه غناء : ~~بأبي كل أصهب . . . أزرق العين أشقر جن قلبي به ولي . . . س جنوني بمنكر ~~وقال إسحاق بن إبراهيم : لما نمي إلى الأمين خبر عريب بعث في إحضارها ~~وإحضار مولاها فأحضرا ، فغنت بحضرة إبراهيم بن المهدي ، فطرب الأمين ~~واستعادها ، وقال لإبراهيم : كيف سمعت ؟ قال : سمعت يا سيدي حسنا ، وإن ~~تطاولت بها الأيام وسكن روعها ازداد غناؤها حسنا وطيبا . فقال للفضل بن ~~الربيع : PageV05P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" خذها إليك وساوم بها ففعل ، فاشتط مولاها ~~بالسوم ثم أوجبها له بمائة ألف درهم . وانتقض أمر الأمين وشغل عنها فلم ~~يأمر لمولاها بشيء حتى قتل بعد أن افتضها ، فرجعت إلى مولاها ، ثم هربت منه ~~إلى ابن حامد ، فأمر المأمون بإحضاره وسئل عنها فأنكرها . فقال له المأمون ~~: كذبت ، وقد سقط إلي خبرك ، وأمر صاحب الشرط أن يجرده في مجلس الشرط ويضع ~~عليه السياط حتى يردها فأخذه . فبلغها الخبر ، فركبت حمار مكار وجاءت وقد ~~جرد ليضرب ، وهي مكشوفة الوجه وهي تصيح : إن كنت مملوكة فبعني ، وإن كنت ~~حرة فلا سبيل علي . فرفع خبرها ms1020 إلى المأمون ، فأمر بتعديلها عند قتيبة بن ~~زياد القاضي فعدلت عنده . وتقدم إليه المراكبي مطالبا بها ، فسأله البينة ~~عن ملكه إياها فعاد متظلما إلى المأمون وقال : قد طولبت بما لم يطالب به ~~أحد في رقيق . وتظلمت زبيدة بنت جعفر إليه وقالت : من أغلظ ما جرى علي ، ~~بعد قتل ابني ، هجوم المراكبي على داري وأخذ عريب منها . فقال المراكبي : ~~إنما أخذت ملكي ، لأنه لم ينقذني الثمن . فأمر المأمون بدفعها إلى محمد بن ~~عمر الواقدي ، وكان قد ولاه القضاء بالجانب الشرقي ، فأخذها من قتيبة بن ~~زياد وأمر ببيعها ساذجة ، فاشترها المأمون بخمسين ألف درهم ، وقيل اشتراها ~~بخمسة آلاف درهم . ودعا عبد الله بن إسماعيل وقال له : لو لا أني حلفت ألا ~~أشتري مملوكا بأكثر من هذا لزدتك ، ولكني سأوليك عملا تكسب فيه أضعاف هذا ~~الثمن ، ورمي إليه بخاتمين من ياقوت أحمر قيمتهما ألف دينار ، وخلع عليه ~~خلعا سنية . فقال : يا أمير المؤمنين ، إنما ينتفع بهذا الأحياء ، وأما أنا ~~فإني لا محالة ميت ، لأن هذه الجارية كانت حياتي . وخرج فاختلط وتغير عقله ~~ومات بعد أربعين يوما . وذهبت بالمأمون كل مذهب ميلا إليها ومحبة لها ، حتى ~~قيل : إن المأمون قبل رجلها في بعض الأيام وإنها قالت أثر ذلك : والله يا ~~أمير المؤمنين ، لولا ما شرفها الله به من وضع فمك الكريم لقطعتها ولكن لله ~~علي ألا اغسلها لغير وضوء أو طهر إلا بماء الورد ما عشت . فكانت تفعل ذلك ~~إلى أن ماتت . PageV05P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" وحكى علي بن يحيى المنجم أن المأمون لما مات ~~بيعت في ميراثه - ولم يبع له عبد ولا أمة غيرها - فاشتراها المعتصم بمائة ~~ألف وأعتقها فهي مولاته . وقيل : إنه لما مات محمد الأمين تدلت عريب من قصر ~~الخلد بحبل إلى الطريق وهربت إلى حاتم بن عدي . وحكى إبراهيم بن رباح قال : ~~كنت أتولى نفقات المأمون ، فوصف له إسحاق ابن إبراهيم الموصلي عريب ، فأمره ~~أن يشتريها له ، فاشتراها بمائة ألف درهم ، فأمرني المأمون بحملها ، وأن ~~احمل إلى إسحاق مائة ألف درهم ms1021 ، ففعلت ذلك ، فلم أدر كيف أثبتها ، فكتبت في ~~الديوان أن مائة الألف خرجت في ثمن جوهرة ، ومائة الألف الأخرى خرجت ~~لصائغها ودلالها . فجاء الفضل بن مروان للمأمون وقد رأى ذلك وأنكره ، ~~وسألني عنه فقلت : نعم ، هو ما رأيت . فسأل المأمون عن ذلك فقال : وهبت ~~لدلال وصائغ ألف درهم وغلظ القصة ، فأنكرها المأمون ، ودعاني فدنوت وأخبرته ~~أن المال الذي خرج في ثمن عريب وصلة إسحاق ، وقلت أيما أصوب يا أمير ~~المؤمنين : ما فعلت ، أم أثبت بالديوان أنها خرجت ثمن مغنية وصلة مغن . ~~فضحك المأمون وقال : الذي فعلت أصوب . ثم قال للفضل ابن مروان : يا نبطي ، ~~لا تعترض على كاتبي هذا في شيء . ولعريب أخبار قد بسط أبو الفرج الأصفهاني ~~القول بها في كتابه الذي ترجمه " تحف الوسائد في إخبار الولائد " ، وذكر ~~أيضا نتفا من أخبارها في كتابه المترجم " بالأغاني " . منها خبرها مع محمد ~~بن حامد المعروف بالخشن ، وأخبار لها مع المأمون ، وأخبار مع صالح المنذري ~~الخادم ، وإبراهيم بن المدبر ، وغير ذلك من أخبارها . وقد رأينا أن نثبت ~~لمعا من ذلك . أما أخبارها مع محمد بن حامد - وهو أحد من كانت تعشقه وتهواه ~~وتخاطر بنفسها في الاجتماع به - فمنها ما روي عن عبد الملك الضرير أنها لما ~~صارت في دار المأمون احتالت عليه حتى وصلت إليه ، وكانت تلقاه في الوقت بعد ~~الوقت حتى حملت منه وولدت بنتا ، فبلغ ذلك المأمون فزوجه إياها . وقال محمد ~~بن موسى : اصطبح PageV05P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" المأمون يوما ومعه ندماؤه وفيهم محمد بن حامد ~~وجماعة من المغنين وعريب معه على مصلاة ، فأومأ إليها محمد بن حامد بقبلة ، ~~فاندفعت فغنت ابتداء : رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة . . . كحاشية البرد ~~اليماني المسهم تريد بغنائها جواب محمد بن حامد بان تقول له : طعنة . فقال ~~المأمون للندماء : أيكم أومأ إلى عريب بقبلة ؟ والله لئن لم يصدقني لأضربن ~~عنقه فقال محمد بن حامد : أنا يا أمير المؤمنين أومأت إليها ، والعفو أقرب ~~للتقوى . فقال : قد عفوت عنك . فقال : كيف استدل أمير المؤمنين على ذلك ؟ ~~فقال ms1022 : ابتدأت صوتا ، وهي لا تغني ابتداء إلا معنى ، فعلمت أنها لم تبتدئ ~~هذا الصوت إلى لشيء أومئ إليها به ، ولم يكن من شرط هذا الموضع إلا إيماء ~~بقبلة ، فعلمت أنها أجابته بطعنة . وقد حكي أن المأمون قال في هذه الواقعة ~~عن محمد بن حامد : نكشخنه قبل أن يكشخننا ، فزوجه إياها ، واشترط عليه أن ~~يحضرها إلى مجلسه في أوقات عينها له المأمون . وقال حمدون : كنت ليلة في ~~مجلس المأمون في بلاد الروم بعد العشاء الآخرة في ليلة ظلماء ذات رعود ~~وبروق ، فقال لي المأمون : اركب الساعة فرس النوبة وسر إلى عسكر أبي إسحاق ~~، يعني المعتصم ، فأد إليه رسالتي وهي كيت وكيت . فركبت فلم تثبت معي شمعة ~~، وسمعت وقع حافر دابة فرهبت ذلك فجعلت أتوقاه حتى صك ركابي تلك الدابة ، ~~وبرقت بارقة فأبصرت وجه الراكب فإذا عريب ، فقلت : عريب ؟ قال : نعم ، ~~حمدون ؟ قلت نعم . ثم قلت لها : من أين أقبلت في هذا الوقت ؟ قالت : من عند ~~محمد بن حامد . قلت : وما صنعت عنده ؟ قالت : يا نكس ، عريب تجيء في هذا ~~الوقت من عند محمد بن حامد خارجة من مضرب الخليفة راجعة إليه تقول لها : أي ~~شيء عملت معه صليت معه التراويح ، أو قرأت عليه أجزاء من القرآن ، أو ~~دارسته شيئا من الفقه يا أحمق ، تحادثنا وتعاتبنا واصطلحنا ولعبنا وشربنا ~~وغنينا وانصرفنا . قال : فأخجلتني وغاظتني وافترقنا . PageV05P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" ومضيت فأديت الرسالة ، ثم عدت إلى المأمون ~~وأخذنا في الحديث وتناشدنا الأشعار ، فهممت أن أحدثه بحديثها ثم هبته ، ~~فقلت : أقدم قبل ذلك تعريضا بشيء من الشعر فأنشدته : ألا حي أطلالا لقاطعه ~~الحبل . . . ألوف تساوي صالح القوم بالرذل فلو أن من أمسى بجانب تلعة . . . ~~إلى جبلي طي فساقطة النعل جلوس إلى أن يقصر الظل عندها . . . لراحوا وكل ~~القوم منها على وصل فقال لي المأمون : اخفض صوتك لا تسمع عريب فتغضب وتظن ~~أنا في حديثها ، فأمسكت عما أردت أن أخبره به ، وخار الله لي في ذلك . وقال ~~محمد بن عيسى الواثقي : قال لي محمد بن حامد ms1023 ليلة : أحب أن تفرغ لي مضربك ، ~~فإني أريد أن أجيئك فأقيم عندك ، ففعلت وأتاني . فلما جلس جاءت عريب فدخلت ~~وجلسنا ، فجعل محمد يعاتبها ويقول : فعلت كذا وفعلت كذا فقالت لي : يا محمد ~~، هذا عندك رأي ثم أقبلت عليه فقالت : يا عاجز ، خذ بنا فيما نحن فيه ، ~~واجعل سراويلي مخنقتي وألصق خلخالي بقرطي ، فإذا كان غد فاكتب بعتابك في ~~طومار حتى أكتب إليك في مثله ، ودع عنك هذا الفضول ، فقد قال الشاعر : دعي ~~عد الذنوب إذا التقينا . . . تعالي لا نعد ولا تعدي فأقسم لو هممت بمد شعري ~~. . . إلى باب الجحيم لقلت مدي وقال أحمد بن حمدون : وقع بين عريب وبين ~~محمد بن حامد شر حتى كادا يخرجان إلى القطيعة ، وكان في قلبها منه أكثر مما ~~في قلبه منها . فلقيته يوما فقالت : كيف قلبك يا محمد ؟ قال : أشقى ما كان ~~وأقرحه . فقالت : استبدل تسل . فقال لها : لو كانت البلوى باختيار لفعلت ~~فقالت : لقد طال إذا تعبك . فقال : وما يكون أصبر PageV05P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" مكرها أما سمعت قول العباس بن الأحنف : تعب ~~يطول مع الرجاء لذي الهوى . . . خير له من راحة في الياس لولا كرامتكم لما ~~عاتبتكم . . . ولكنتم عندي كبعض الناس قال : فذرفت عيناها ، واعتذرت إليه ~~واعتنقته ، واصطلحا وعادا إلى ما كانا عليه . وحكى أحمد بن جعفر بن حامد ~~قال : لما توفي عمي محمد بن حامد ، صار جدي إلي منزله ، فنظر إلى تركته ~~وجعل يقلب ما خلف ، ويخرج إليه منها الشيء بعد الشيء ، إلى أن أخرج إليه ~~سفط مختوم ، ففض الخاتم وفتحه ، فإذا فيه رقاع عريب إليه ، فجعل يتصفحها ~~ويبتسم ، فوقعت في يده رقعة فقرأها ووضعها بين يديه ، وقام لحاجته ، ~~فقرأتها فإذا هي : ويلب عليك ومكنا . . . أوقعت في الحق شكا زعمت أني خؤون ~~. . . جوارا علي وإفكا إن كان ما قلت حقا . . . أو كنت أزمعت تركا فأبدل ~~الله ما بي . . . من ذلة الحب نسكا قال : وهذا الشعر لعريب . وأما أخبارها ~~مع المأمون وإخوته وغير ذلك من أخبارها . قال صالح بن علي بن الرشيد ~~المعروف ms1024 بزعفرانة : تمارى خالي أبو علي والمأمون في صوت ، فقال المأمون : ~~أين عريب ؟ فجاءت وهي محمومة ، فسألها عن الصوت ، فقالت فيه بعلمها . فقال ~~لها : غنيه . فولت لتجئ بالعود ، فقال : غنيه بلا عود . فاعتمدت من الحمى ~~على الحائط وغنت ، وأقبلت عقرب فرأيتها وقد لسبت يدها مرتين أو ثلاثا ، فما ~~نحت يدها ولا سكتت حتى فرغت من الصوت ، ثم سقطت وقد غشي عليها . ~~PageV05P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" قال عثمان بن العلاء عن أبيه : عتب المأمون ~~على عريب فهجرها أياما ، ثم اعتلت فعاد فقال : كيف وجدت طعم الهجر ؟ فقالت ~~: يا أمير المؤمنين ، لو لا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل ، ومن ذم بدء ~~الغضب حمد عاقبة الرضا . فخرج المأمون إلى جلسائه فحدثهم بالقصة ، ثم قال : ~~أترى لو كان هذا من كلام النظام لم يكن كثيرا وقال أحمد بن أبي دواد : جرى ~~بين المأمون وبين عريب كلام ، فكلمها المأمون بشيء فغضبت منه فهجرته أياما ~~. فدخلت على المأمون ، فقال : يا أحمد ، اقض بيننا . فقالت عريب : لا حاجة ~~لي في قضائه ودخوله بيننا ، وأنشأت تقول : ونخلط الهجر بالوصال ولا . . . ~~يدخل في الصلح بيننا أحد وكانت قد تمكنت من المأمون وأخذت بمجامع قلبه ، ~~وذهب به حبها كل مذهب ، وقد قدمنا أنه قبل رجلها . وكانت عريب تهوى أبا ~~عيسى بن الرشيد أخا المأمون ، وكان المثل يضرب بحسنه وحسن غنائه ، وكانت ~~تزعم أنها ما عشقت أحدا من بني هاشم وأصفته من الخلفاء وأولادهم سواه . ولم ~~تزل عريب مبجلة عند الخلفاء محبوبة إليهم مكرمة لديهم إلى أن غضب عليها ~~المعتصم والواثق وانحرفا عنها . وكان سبب ذلك أن المعتصم وجد لها كتابا إلى ~~العباس بن المأمون ببلد الروم تقول فيه : اقتل أنت العلج حتى أقتل أنا ~~الأعور الليلي هاهنا - تعني الواثق ، وكان المعتصم استخلفه ببغداد - ولعمري ~~إن هذا من الأمور العظيمة التي لا تحتمل من الأولاد والأخوة فكيف من أمة ~~مغنية ولو لم تكن لها عندهم المكانة العظمى والمحل الكبير لما أبقوها بعد ~~الاطلاع من باطن حالها على هذه الطوية . وكانت عريب تكايد ms1025 PageV05P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" الواثق فيما يصوغه من الألحان ، وتصوغ في ذلك ~~الشعر تغنيه لحنا فيكون أجود من لحنه . قال : وكانت عريب تتعشق صالحا ~~المنذري الخادم ، فتزوجته سرا . فحكي عنها أن بعض الجواري دخلت عليها يوما ~~، فقالت لها عريب : ويحك تعالي إلي فجاءت ، فقالت : قبلي هذا الموضع مني ، ~~فإنك تجدين ريح الجنة ، وأومأت إلى سالفتها ، ففعلت ثم قالت لها : ما السبب ~~في هذا ؟ قالت : قبلني الساعة صالح المنذري في هذا الموضع . قال : ووجهه ~~المتوكل إلى مكان بعيد في حاجة ، فقالت عريب فيه : أما الحبيب فقد مضى . . ~~. بالرغم مني لا الرضى أخطأت في تركي لمن . . . لم ألق منه عوضا وكانت عريب ~~تهوى إبراهيم بن المدبر ويهواها ، ولها معه أخبار وحكايات ، وبينهما أشعار ~~وفكاهات . فمن مكاتباتها إليه ما روي عن ابن المعتز فقال : كتبت إليه تدعو ~~له في شهر رمضان : أفديك بسمعي وبصري ، وأهل الله عليك هذا الشهر باليمن ~~والمغفرة ، وأعانك على المفترض منه والمتنفل ، وبلغك مثله أعواما ، وفرج ~~عنك وعني فيه . وكتبت في شيء بلغها عنه : وهب الله لنا بقاءك ممتعا بالنعم ~~. ما زلت أمس في ذكرك ، فمرة بمدحك ، ومرة بأكلك وبذكرك بما فيك لونا لونا ~~. اجحد ذنبك الآن ، وهات حجج الكتاب ونفاقهم . فأما خبرنا أمس فإنا شربنا ~~من فضل نبيذك على تذكارك رطلا ، وقد رفعنا حسابنا إليك ، فارفع حسابك إلينا ~~، وخبرنا من زارك أمس وألهاك ، وأي شيء كانت القصة على جهتها . ولا تخطرف ~~فتحوجنا إلى كشفك والبحث عليك وعن حالك ، وقل الحق ، فمن صدق نجا . وما ~~أحوجك إلى تأديب ، فإنك لا تحسن أن تود . والحق أقول إنه يعتريك كزاز شديد ~~يجوز حد البرد . وكفاك بهذا من قولي عقوبة . وإن عدت سمعت أكثر منه . ~~والسلام . PageV05P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" ولما نكب عبد الله بن يحيى بن خاقان ابن ~~المدبر وحبسه ، كتبت إليه كتابا تتشوقه وتخبره استيحاشها له واهتمامها ~~بأمره ، وأنها قد سألت الخليفة في أمره فوعدها ما تحب . فأجابها عن كتابها ~~، وكتب في آخر الجواب : لعمرك ما صوت بديع لمعبد . . . بأحسن عندي من ms1026 كتاب ~~عريب تأملت في أثنائه خط كاتب . . . ورقة مشتاق ولفظ خطيب وراجعني من وصلها ~~ما استفزني . . . وزهدني في وصل كل حبيب فصرت لها عبدا مقرا بملكها . . . ~~ومستمسكا بودها بنصيب وقال أبو عبد الله بن حمدون : اجتمعت أنا وإبراهيم ~~المدبر وابن ميادة . القاسم بن زرزر في بستان بالمطيرة في يوم غيم ورذاذ ~~يقطر أحسن قطر ونحن في أطيب عيش وأحسن يوم ، فلم نشعر إلا بعريب قد أقبلت ~~من بعيد ، فوثب إبراهيم من بيننا فخرج حافيا حتى تلقاها ، وأخذ بركابها حتى ~~نزلت ، وقبل الأرض بين يديها . وكانت قد هجرته مدة لشيء أنكرته عليه . ~~فجاءت وجلست وأقبلت عليه مبتسمة ، ثم قالت : إنما جئت إلى من هاهنا لا إليك ~~. فاعتذر وشفعنا له فرضيت . وأقامت عندنا يومئذ وباتت ، واصطبحنا من غد ~~وأقامت عندنا . فقال إبراهيم : بأبي من حقق الظن به . . . وأتانا زائرا ~~مبتديا كان كالغيث تراخى مدة . . . وأتى بعد قنوط مرويا طاب لنا يومان في ~~قربه . . . بعد شهرين لهجر مضيا فأقر الله عيني وشفى . . . سقما كان لجسمي ~~مبليا وقال فيها أيضا : ألا يا عريب وقيت الردى . . . وجنبك الله صرف الزمن ~~PageV05P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" فإنك أصبحت زين النساء . . . وواحدة الناس في ~~كل فن فقربك يدنيني لذيذ الحياة . . . وبعدك ينفي لذيذ الوسن فنعم الأنيس ~~ونعم الجليس . . . ونعم السمير ونعم السكن وقال أيضا فيها وفي جاريتها بدعة ~~وتحفة : إن عريبا خلقت وحدها . . . في كل ما يحسن من أمرها ونعمة لله في ~~خلقه . . . يقصر العالم في شكرها أشهدني جاريتها على . . . أنهما محسنتا ~~دهرها فبدعة تبدع في شجوها . . . وتحفة تتحف في زمرها يا رب أمتعها بما ~~خولت . . . وامدد لها يا رب في عمرها وقال علي بن العباس بن طلحة الكاتب : ~~كنت عند إبراهيم المدبر ، فزارته بدعة وتحفة ، وأخرجتا رقعة من عريب ، ~~فقرأها فإذا فيها : بنفسي أنت وسمعي وبصري ، وقل ذلك لك . أصبح يومنا هذا ~~طيبا - طيب الله عيشك - قد احتجبت سماؤه ، ورق هواؤه ، وتكامل صفاؤه ، ~~وكأنه أنت في رقة شمائلك وطيب محضرك ومخبرك ، لا فقدت ذلك أبدا منك ولم ~~يصادف ms1027 حسنه وطيبه منا نشاطا ولا طربا لأمور صدتني عن ذلك ، أكره تنغيص ما ~~أشتهيه لك من السرور بشرحها . وقد بعثت إليك ببدعة وتحفة ليؤنساك وتسر بهما ~~، سرك الله وسرني بك . فكتب إليها : كيف السرور وأنت نازحة . . . عني وكيف ~~يسوغ لي الطرب إن غبت غاب العيش وانقطعت . . . أسبابه وألحت الكرب وأنفذ ~~الجواب إليها . فلم تلبث أن جاءت على حمار مصري ، فبادر إليها وتلقاها ~~حافيا حتى جاء بها إلى صدر المجلس ، يطأ الحمار بساطه وما عليه ، حتى ~~PageV05P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" أخذ بركابها فأجلسها في مجلسه وجلس بين يديها ~~. ثم قال : ألا رب يوم قصر الله طوله . . . بقرب عريب ، حبذا هو من قرب بها ~~تحسن الدنيا وينعم عيشها . . . وتجتمع للسراء للعين والقلب وقال إبراهيم بن ~~اليزيدي : كنت مع المأمون في بلد الروم . فبينما أنا أسير في ليلة مظلمة ~~شاتية ذات غيم وريح وغلى جانبي قبة ، إذ برقت برقة فإذا بالقبة عريب . ~~فقالت : يا إبراهيم بن اليزيدي . فقلت : لبيك قالت : قل في هذا البرق ~~أبياتا ملاحا لأغني فيها . فقلت : ماذا بقلبي أليم الخفق . . . إذا رأيت ~~لمعان البرق من قبل الأردن أو دمشق . . . لأن من أهوى بذاك الأفق فارقته ~~وهو أعز الخلق . . . علي والزور خلاف الحق ذاك الذي يملك مني رقي . . . ~~ولست أبغي ما حييت عتقي فتنفست نفسا ظننته قد قطع حياز يمها ، فقلت : ويحك ~~على من هذا التنفس ؟ فضحكت ثم قالت : على الوطن . فقلت هيهات ليس هذا كله ~~على الوطن . فقالت : ويلك أظننت أنك تستفزني والله لقد نظرت نظرة مريبة في ~~مجلس فادعاها أكثر من ثلاثين رئيسا ، والله ما علم أحد منهم لمن كانت إلى ~~هذا الوقت . وقال أبو العبيس بن حمدون : غضبت عريب على بعض جواريها ، فجئت ~~إليها وسألتها أن تعفو عنها ، فقالت - في بعض ما تقوله مما تعتد به عليها ~~من ذنوبها - : يا أبا العباس ، إن كنت تشتهي أن ترى زناي وصفاقة وجهي ~~وجرأتي على كل عظيمة أيام شبابي ، فانظر إليها واعرف أخبارها . فقال : ~~وكانت في شبابها يقدم إليها البرذون فتطفر عليه ms1028 بلا ركاب . PageV05P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" وقال أبو العباس بن الفرات : حدثتني بدعة ~~جارية عريب : أن عريب كانت تجد في رأسها بردا وكانت تغلف رأسها بستين ~~مثقالا مسكا وعنبرا ، وتغسله من جمعة إلى جمعة ، فإذا غسلته جددت غيره ، ~~وتقتسم الجواري غسالة رأسها . وقال علي بن المنجم : دخلت يوما على عريب ~~مسلما عليها ، فلما جلست هطلت السماء بمطر عظيم . فقالت : أقم عندي اليوم ~~حتى أغنيك أنا وجواري ، وابعث إلى من أحببت من إخوانك ، فأمرت بدوابي فردت ~~، وجلسنا نتحدث . فسألتني عن خبرنا بالأمس في مجلس الخليفة ومن كان يغنينا ~~، وأي شيء استحسناه من الغناء . فأخبرتها أن صوت الخليفة كان لحنا صنعه ~~بنان من الماخوري . فقالت : وما هو ؟ فقلت : تجافي ثم تنطبق . . . جفون ~~حشوها الأرق وذي كلف بكى جزعا . . . وسفر القوم منطلق به قلق يململه . . . ~~وكان ما به قلق جوانحه على خطر . . . بنار الشوق تحترق فوجهت رسولا إلى ~~بنان ، فحضر وقد بلته السماء ، فأمرت بخلع فاخرة فخلعت عليه ، وقدم له طعام ~~فأكل ، وجلس يشرب معنا . فسألته عن الصوت فغناه إياه . فأخذت دواة ورقعة ~~وكتبت : أجاب الوابل الغدق . . . وصاح النرجس الغرق وقد غنى بنان لنا : . . ~~. جفون حشوها الأرق فهاك الكأس مترعة . . . كأن ختامها حدق قال : فما شربنا ~~بقية يومنا إلا على هذه الأبيات . وأخبار عريب كثيرة ، قد وضع عبد الله بن ~~المعتز فيها ديوانا . وفيما أوردناه من أخبارها كفاية لا تحتمل المختصرات ~~أكثر منها . والله تعالى أعلم . PageV05P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" ذكر أخبار محبوبة قال أبو الفرج : كانت مولدة ~~من مولدات البصرة ، شاعرة ، سريعة الخاطر ، مطبوعة ، لا تكاد فضل الشاعرة ~~اليمانية تتقدمها ، وكانت أجمل من فضل وأعف ، وكانت تغني غناء غير فاخر . ~~وقال علي بن الجهم : كانت محبوبة لعبد الله بن طاهر أهداها إلى المتوكل في ~~جملة أربعمائة جارية . وكانت بارعة الحسن والظرف والأدب ، مغنية محسنة ، ~~فحظيت عند المتوكل حتى كان يجلسها خاف الستارة وراء ظهره إذا جلس للشرب ، ~~فيدخل رأيه إليها فيراها ويحدثها في كل ساعة . وقال علي بن يحيى المنجم : ~~كان علي بن الجهم ms1029 يقرب من أنس المتوكل جدا ، فلا يكتمه شيئا من سره مع حرمه ~~وأحاديث خلواته . فقال له يوما : إني دخلت على قبيحة فوجدتها قد كتبت اسمي ~~على خدها بغالية ، فلا والله ما رأيت شيئا أحسن من سواد تلك الغالية على ~~بياض ذلك الخد ، فقل في هذا شيئا - قال : وكانت محبوبة حاضرة الكلام من ~~وراء الستارة - فدعا علي بن الجهم بدواة ، فإلى أن أتي بها وابتدأ يفكر ~~قالت محبوبة على البديهة من غير فكرة ولا روية : وكاتبة في الخد بالمسك ~~جعفرا . . . بنفسي مخط المسك من حيث أثرا لئن كتبت في الخد سطرا بكفها . . ~~. لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا فيا من لملوك لملك يمينه . . . مطيع له ~~فيما أسر وأظهرا ويا من هواها في السريرة جعفر . . . سقى الله من سقيا ~~ثناياك جعفرا قال : فبقى علي الجهم واجما لا ينطق بحرف ، وأمر المتوكل ~~بالأبيات فبعث إلى عريب وأمرها أن تغني فيها . قال علي بن الجهم : فتحيرت ~~والله وتقلبت خواطري ، فو الله ما قدرت على حرف واحد أقوله . PageV05P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" وقال أيضا : غاضب المتوكل يوما محبوبة وهجرها ~~ومنع جواريها جميعا من كلامها ، ثم نازعته نفسه إليها وأراد ذلك ، ثم ~~نازعته العزة منها وامتنع من ابتدائها ، وامتنعت من ابتدائه دلالا عليه ~~لمحلها منه . قال علي : فبكرت إليه يوما ، فقال لي : يا علي ، إني رأيت ~~البارحة في نومي كأني صالحت محبوبة . فقلت : أقر الله عينك يا أمير ~~المؤمنين وأنامك على خير وأيقظك على سرور أرجو أن يكون هذا الصلح في اليقظة ~~. فبينا هو يحدثني وأحدثه إذا بوصيفة قد جاءت فأسرت إليه شيئا ، فقال : ~~أتدري ما أسرت إلي هذه ؟ قلت : لا . قال : حدثتني أنها اجتازت بمحبوبة ~~الساعة وهي في حجرتها تغني ، أفلا تعجب من هذا ؟ أنا مغاضبها وهي متهاونة ~~بذلك ، لا تبدؤني بصلح ثم لا ترضى حتى تغني في حجرتها ، فقم بنا نسمع ما ~~تغنني . ثم قام وتبعته حتى انتهى إلى حجرتها ، وإذا هي تغني : أدور في ~~القصر لا أرى أحدا . . . أشكو إليه ولا يكلمني حتى كأني ms1030 أتيت معصية . . . ~~ليست لها توبة تخلصني فهل لنا شافع إلى ملك . . . قد زراني في الكرى ~~وصالحني حتى إذا ما الصباح لاح لنا . . . عاد إلى هجره فصارمني فعجب ~~المتوكل ، وأحست بمكانه فأمرت بخدمها فخرجوا وتنحينا ، وخرجت إليه فحدثته ~~أنها رأته في منامها فانتبهت وقالت هذه الأبيات وغنت فيها ، فحدثها هو أيضا ~~رؤياه واصطلحا . فلما قتل المتوكل سلاه جميع جواريه غيرها ، فإنها لم تزل ~~حزينة هاجرة لكل لذة حتى ماتت . ولها فيه ميراث . حكى أبو الفرج : أن وصيفا ~~بعد قتل المتوكل أحضرها يوما وأحضر الجواري ، فجئن وعليهن الثياب الملونة ~~المذهبة والحلي وقد تزين وتعطرن ، وجاءت محبوبة وعليها ثياب بيض غير فاخرة ~~حزنا على المتوكل . فغنى الجواري جميعا وشربن ، وطرب وصيف وشرب . ثم قال : ~~يا محبوبة ، غني ، فأخذت العود وغنت وهي تبكي : أي عيش يطيب لي . . . لا ~~أرى فيها جعفرا PageV05P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" ملكا قد رأته عي . . . ني قتيلا معفرا كل من ~~كان ذا هيا . . . م وحزن فقد برا غير محبوبة التي . . . لو ترى الموت يشترى ~~لاشترته بملكها . . . كل هذا لتقبرا إن موت الكثيب أص . . . لح من أن يعمرا ~~فاشتد ذلك على وصيف وأمر بقتلها ، فاستوهبها بغا منه فوهبها له . فأعتقها ~~وأمر بإخراجها وأن تكون حيث تختار من البلاد . فخرجت إلى بغداد من سر من ~~رأى ، وأخملت ذكرها طول عمرها ، وما طمع فيها أحد . رحمها الله تعالى . ذكر ~~أخبار عبيدة الطنوبرية قال أبو الفرج الأصفهاني : كانت عبيدة الطنوبرية من ~~المحسنات المتقدمات في الصنعة والأدب ، شهد لها بذلك إسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي ، قال : وحسبها بشهادته . قال : وكان أبو حشيشة يعظمها ويعترف لها ~~بالرياسة والأستاذية . وكانت من أحسن الناس وجها وأطيبهم صوتا ، وكانت لا ~~تخلو من عشق . قال : ولم يعرف في الدنيا امرأة أعظم صنعة منها من الطنبور . ~~وكانت لها صنعة عجيبة . فمنها في الرمل : كن لي شفيعا إليكا . . . إن خفف ~~ذاك عليكا وأعفني من سؤالي . . . سواك ما في يديكا يا من أعز وأهوى . . . ~~مالي أهون لديكا قال : وحضرت يوما عند علي بن الهيثم اليزيدي ms1031 وعنده عمرو بن ~~مسعدة وهارون بن أحمد بن هشام ، فجاءه إسحاق بن إبراهيم الموصلي فأخبره ~~خبرهم . فقال له إسحاق : إني كنت أشتهي أن أسمع عبيدة ، ولكنها إن عرفتني ~~وسألتموني أن أغني PageV05P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" بحضرتها انقطعت ولم تصنع شيئا ، فدعوها على ~~جبلتها ، فوافقوه على ذلك ، ودخل وكتموه أمره ، وكانت لا تعرف إسحاق . وقدم ~~النبيذ ، فغنت لحنا لها : قريب غير مقترب . . . ومؤتلف كمجتنب له ودي ولي ~~منه . . . دواعي الهمم والكرب أواصله على سبب . . . ويهجرني بلا سبب ~~ويظلمني على ثقة . . . بأن إليه منقلبي قال : فطرب إسحاق وشرب نصفا ، ثم ~~تغنت وشرب ، حتى والى بين عشرة أنصاف ، قال علي بن الهيثم : وشربنا معه . ~~وقام إسحاق ليصلي ، فقال لها هارون : ويحك يا عبيدة ما تبالين والله متى مت ~~قالت : ولم ؟ قال : أتدرين من المستحسن غناءك والشارب عليه ما شرب ؟ قالت : ~~ولم ؟ قال : أتدرين من المستحسن غناءك والشارب عليه ما شرب ؟ قالت : لا ~~والله . قال : إسحاق بن إبراهيم ، فلا تعرفينه أنك قد عرفتيه . فلما جاء ~~إسحاق ابتدأت تغني فلحقتها هيبة له واختلاط ، فنقصت نقصانا بينا . قال : ~~أعرفتموها من أنا ؟ فقلت : نعم ، عرفها هارون . فقال إسحاق : نقوم إذا ~~فننصرف ، فإنه لا خير في عشرتكم الليلة ولا فائدة لي ولا لكم ، وقام فانصرف ~~. وقال ملاحظ غلام أبي العباس : اجتمع الطنبوريون عند أبي العباس بن الرشيد ~~يوما وفيهم المسدود وعبيدة . فقالوا للمسدود : غن ، فقال : لا والله ، لا ~~تقدمت على عبيدة وهي الأستاذ ، فما غنى حتى غنت . وقال محمد بن عبد الله بن ~~مالك الخزاعي : سمعت إسحاق يقول : الطنبور إذا تجاوز عبيدة هذيان . هذا ما ~~أمكن إيراده في هذا الباب من أخبار من اشتهر بالغناء ، وأخبار القيان ، وهو ~~مختصر مما أورده أبو الفرج الأصفهاني - رحمه الله تعالى - في كتابه المترجم ~~بالأغاني من أخبارهم . ولم نلتزم استيعابهم بل ذكرنا أكثرهم وأشهرهم ~~بالغناء ، وذكرنا من أخبارهم ما فيه كفاية . فلنذكر خلاف ذلك . ~~PageV05P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" الباب السابع حاجات المغني ووصف القيان ~~والآلات ويضطر إلى معرفته ، وما قيل في الغناء ، وما وصفت ms1032 به القيان ، ووصف ~~آلات الطرب ذكر ما يحتاج إليه المغني ويضطر وما قيل في الغناء والقيان من ~~جيد الشعر قال مالك بن أبي السمح : سألت ابن أبي إسرائيل عن المحسن المصيب ~~من المغنين ، فقال : هو الذي يشبع الألحان ، ويملأ الأنفاس ، ويعدل الأوزان ~~، ويفخم الألفاظ ، ويعرف الصواب ، ويقيم الإعراب ، ويستوفي النغم الطوال ، ~~ويحسن مقاطع النغم القصار ، ويصيب أجناس الإيقاع ، ويختلس مواضع النبرات ، ~~ويستوفي ما يشاكلها من النقرات . فعرضت على ما قال معبد ، فاستحسنه وقال : ~~ما يقال فيه أكثر من هذا . وقد رويت هذه المقالة عن ابن سريج . وقال ~~إبراهيم الموصلي : الغناء على ثلاثة أضرب : فضرب مله مطرب يحرك ويستخف ، ~~وضرب ثان له شجى ورقة ، وضرب ثالث حكمة وإتقان صنعة . قال : كان هذا كله ~~مجموعا في غناء ابن سريج . وقال أبو عثمان الناجم : بحبوحة الحلق الطيب ~~تشبه مرض الأجفان الفاترة . وأما ما قيل في الغناء وما وصفت به القيان . ~~حكي أن بعض المحدثين سمع غناء بخراسان بالفارسية ، فلم يدر ما هو غير أنه ~~شرقه لشجاه وحسنه ، فقال في ذلك ، وقيل إنه لأبي تمام : حمدتك ليلة شرفت ~~وطابت . . . أقام سهادها ومضى كراها PageV05P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" سمعت بها غناء كان أولى . . . بأن يقتاد نفسي ~~من عناها ومسمعة يحار السمع فيها . . . ولم تصممه ، لا يصمم صداها مرت ~~أوتارها فشفت وشاقت . . . فلو يسطيع حاسدها فداها ولم أفهم معانيها ولكن . ~~. . ورت كبدي فلم أجهل شجاها فكنت كأنني أعمى معنى . . . بحب الغانيات وما ~~رآها وقال كشاجم في بحة حلق المغني : أشتهي في الغناء بحة حلق . . . ناعم ~~الصوت متعب مكدود كأنين المحب أضعفه الشو . . . ق فضاهى به أنين العود لا ~~أحب الأوتار تعلو كما لا . . . أشتهي الضرب لازما للعمود وأحب المحنبات ~~كحبي . . . للمبادي موصولة بالنشيد كهبوب الصبا توسط حالا . . . بين حالين ~~شدة وركود وقال الناجم : شدو ألذ من ابتدا . . . ء العين في إغفائها أحلى ~~وأشهى من منى . . . نفس وصدق رجائها وقال بن بشير : وصوت لبنى الأحرا . . . ~~ر أهل السيرة الحسنى شج يستغرق الأوتا . . . ر حتى كلها تفنى فما أدري ms1033 اليد ~~اليسرى . . . به أشقى أم اليمنى ؟ وقلنا لمغنيه . . . وقد غنى على المثنى ~~PageV05P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" ألا يا ليت هذا الصو . . . ت حتى الصبح لا ~~يفنى فقد أيقظت اللذا . . . ت عينا ولم تزل وسنى وما أفهم ما يعني . . . ~~مغنيه إذا غنى ولكني من حبي . . . له أستحسن المعنى وقال الثعالبي : غناؤك ~~يهزم جيش الكروب . . . وعيناك للناس عذر الذنوب فويل القلوب إذا ما رنوت . ~~. . وإما شدوت فويل الجيوب وقال أيضا : وسائلة تسائل عنك قلنا . . . لها في ~~وصفك العجيب العجيبا رنا ظبيا وغنى عندليبا . . . ولاح شقائقا ومشى قضيبا ~~وقال عكاشة يصف قينة : من كف جارية كأن بنانها . . . من فضة قد طرفت عنابا ~~وكأن يمناها إذا نطقت به . . . تلقى على يدها الشمال حسابا وقال ابن الرومي ~~: وقيان كأنها أمهات . . . عاطفات على بنيها حواني مطفلات وما حملن جنينا . ~~. . مرضعات ولسن ذات لبان PageV05P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" كل طفل يدعى بأسماء شتى . . . بين عود ومزهر ~~وكران أمه دهرها تترجم عنه . . . وهو بادي الغنى عن الترجمان وقال أيضا : ~~كأنما رقة مسموعها . . . رقة شكوى سبقت دمعه غنت فلم تحتج إلى زامر . . . ~~هل تحوج الشمس إلى شمعة كأنما غنت لشمس الضحى . . . فألبستها حسنها خلعة ~~وقال الناجم : ما صدحت عاتب ومزهرها . . . إلا وثقنا باللهو والفرح لها ~~غناء كالبرء في جسد . . . أضناه طول السقام والترح تعبدها الراح فهي ما ~~صدحت . . . إبريقنا ساجد على القدح وقال أيضا : ما تغنت إلا تكشف هم . . . ~~عن فؤاد وأقشعت أحزان تفضل المسمعين طيبا وحسنا . . . مثل ما يفضل السماع ~~العيان وقال أبو عبادة البحتري : وأشارت على الغناء بألحا . . . ظ مراض من ~~التصابي ، صحاح فطربن لهن قبل المثاني . . . وسكرنا لهن قبل الراح وقال ~~كشاجم وهو أبو الفتح محمود : أفدي التي أهدت لنا . . . شمس الضحى والليل ~~حالك PageV05P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" مملوكة جلت فلي . . . س تفي بقيمتها الممالك ~~عرضت فأعطت عودها . . . ضربا يعرض للمهالك وتبعتها فتصرفت . . . بالضرب في ~~كل المسالك ويئست من إدراكها . . . فجعلت صورتي عند ذلك قصرت يدي عن الغدا ~~. . . ة ، فكيف لي بيد تنالك وقال أيضا : بدت في نسوة مثل ms1034 ال . . . مها ~~أدمجن إدماجا يجاذبن من الأردا . . . ف كثبانا وأمواجا ويسترن من الأبشا . ~~. . ر في الديباج ديباجا وقضبانا من الفض . . . ة قد أثمرت العاجا وقد لاثت ~~من الكور . . . على مفرقها تاجا فلما طفن بالمجل . . . س أفرادا وأزواجا ~~تجاوبن فغنين . . . ك أرمالا وأهزاجا وحركن من الأوتا . . . ر إمساكا ~~وإدماجا فلا لوم على قلب . . . ك إن هيج فاهتاجا وقال علي بن عبد الرحمن بن ~~يونس المنجم في عوادة : غنت فأخفت صوتها في عودها . . . فكأنما الصوتان صوت ~~العود غيداء تأمر عودها فيطيعها . . . أبدا ويتبعها اتباع ودود أندى من ~~النوار صبحا صوتها . . . وأرق من نشر الثنا المعهود فكأنما الصوتان حينما ~~تمازجا . . . ماء الغمامة وابنة العنقود PageV05P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" وقال أبو عون الكاتب : تشد فيرقص بالرءو . . ~~. س لها ويرمز بالكئوس وقال الناجم : طفقت تغنينا فخلنا أنها . . . لسرورنا ~~بغنائها تعنينا وقال أبو هلال العسكري : وهيجت لي من شجو ومن فرح . . . أيد ~~نثرن على الأوتار عنابا لا عيب في العيش إلا خوف غيبتكم . . . إن السرور ~~إذا ما غبتمو غابا وقال هارون بن علي المنجم : غصن على دعص نقا منهال . . . ~~سعى بكأس مثل لمع الآل وفاتنات الطرف والدلال . . . هيف الخصور رجح الأكفال ~~يأخذن من طرائف الأرمال . . . ومحكم الخفاف والثقال تجري مع الناس بلا ~~إنفصال . . . مثل اختلاط الخمر بالزلال تدعو إلى الصبوة كل سال . . . تصرع ~~كل فاتك بطال بين حرام اللهو والحلال . . . أكرم من مصارع الأبطال وقال ~~شاعر يذم مغنيا : ومغن بارد النغ . . . مة مختل اليدين ما رآه أحد في . . . ~~دار قوم مرتين صوته أقطع للذ . . . ات من سطوة بين PageV05P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" وقال ابن الرومي : فظلت أشرب بالأرطال لا ~~طربا . . . عليه بل طلبا للسكر والنوم ذكر ما قيل في وصف آلات الطرب فمن ~~ذلك ما وصف به العود . نظم أبو الفتح محمود المعروف بكشاجم قول الحكماء : ~~إن العود مركب على الطبائع الأربع ، فقال : شدت فجلت أسماعنا بمخفف . . . ~~يحدثها عن سرها وتحدثه مشاكلة أوتاره في طباعها . . . عناصر منها أحدث ~~الخلق محدثه فللنار منه الزير والبم أرضه . . . وللريح مثناه وللماء ms1035 مثلثه ~~وكل امرئ يرتاح منه لنغمة . . . على حسب الطبع الذي منه يبعثه شكا ضرب ~~يمناها فظلت يسراها . . . تطوقه طورا وطورا ترعثه فما برحت حتى أرتنا ~~مخارقا . . . يجاوبه في أحسن النقر عثعثه وحتى حسبت البابليين ألقيا . . . ~~على لفظها السحر الذي فيه تنفثه وقال آخر : جاءت بعود تناغيه فيسعدها . . . ~~انظر بدائع ما تأتي به الشجر غنت على عوده الأطيار من طرب . . . رطبا ، ~~فلما ذوى غنت به البشر فلا يزال عليه أو به طرب . . . يهيجه الأعجمان : ~~والطير والوتر وقال آخر : سقى الله أرضا أنبتت عودك الذي . . . ذكت منه ~~أنفاس وطابت مغارس تغنت عليه الورق والعود أخضر . . . وغنت عليه الغيد ~~والعود يابس PageV05P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" وقال آخر : لا تحسب العود إن غنتك شادنة . . ~~. جاءتك بالطيف فيه نغمة الوتر وإنما الطير ألقت عنده خبرا . . . فعذبوه ~~فنم العود بالخبر وقال آخر : فكأنه في حجرها ولد لها . . . ضمته بين ترائب ~~ولبان طورا تدغدغ بطنه فإذا هفا . . . عركت له أذنا من الآذان وقال الناجم ~~: إذا احتضنت عودها عابث . . . وناغته أحسن أن يعربا تدغدغ في مهل بطنه . . ~~. فيسمعنا مضحكا معجبا وقال الحمدوني : وناطق بلسان لا ضمير له . . . كأنه ~~فخذ نيطت إلى قدم يبدي ضمير سواه في الحديث كما . . . يبدي ضمير سواه الخط ~~بالقلم وقال كشاجم : جاءت بعود كأن نغمته . . . صوت فتاة تشكو فراق فتى ~~مخفف خفت النفوس به . . . كأنما الزهر حوله نبتا دارت ملاويه واختفت . . . ~~مثل اختلاف الكفين شبكتا لو حركته وراء منهزم . . . على بريد لعاج والتفتا ~~يا حسن صوتيهما كأنهما . . . أختان في صنعة تراسلتا وهو على ذا ينوب إن ~~سكتت . . . عنها ، وعنه تنوب إن سكتا PageV05P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" وقال أيضا : وجارية مثل شمس النهار . . . أو ~~البدر بين النجوم الدراري أتتك تميس بقد القضيب . . . وترنو بعين مهاة ~~القفار وترفل في مصمت أبيض . . . تلون من خدها الجلناري وتحمل عودا فصبح ~~الجواب . . . يشارك أرواحنا في المجاري له عنق كذراع الفتاة . . . ودسانة ~~بمكان السوار فجادت عليه وجادت له . . . بسعف اليمين ولطف اليسار فما ~~أمهلته وما نهنهته . . . من الظهر حتى تقضي النهار ولما ms1036 تغنت غناء الوداع . ~~. . بكيت وقلت لبعض الجواري : لئن عشت عند هزار اللقاء . . . لقد مت عند ~~هزار الإزار وقال أيضا : وكثيرة النغمات تحسبها . . . في كل عضو أوتيت حلقا ~~غنت فظلت إخالني طربا . . . أسمو إلى الأملاك أو أرقى وتكلمت أوتارها فأنا ~~. . . فيها أخبر بالذي ألقى تحكي أنيني وهي شاكية . . . مما أجن وتشتكي ~~عشقا وترى لها عودا تعانقه . . . وكلامه وكلامها وفقا لو لم تحركه أناملها ~~. . . كان الهواء يفيده نطقا جسته عالمة بحالته . . . جس الطبيب لمدنف عرقا ~~فحسبت يمناها تحركه . . . رعدا ، وخلت يسارها برقا PageV05P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" وقال أيضا : تميس من الوشي في حلة . . . ~~تجرجر من فضل أذيالها وتحمل عودا فصيح الجواب . . . يضاهي اللحون بأشكالها ~~له عنق مثل ساق الفتاة . . . ودستانة مثل خلخالها فظلت تطارح أوتاره . . . ~~بأهزاجها وبأرمالها وتعمل جسا لجس العروق . . . وتلوي الملاوي بأمثالها ~~وقال آخر يصف الطنبور : مخطف الخصر أجوف . . . جيده نصف سائره أنطقته يدا ~~فتى . . . فاتر اللحظ ساحره فجلا عن ضميره . . . ما حوى في خواطره وقال سيف ~~الدين المشد في دف : وطارية قرعت طارها . . . وغنت عليه بصوت عجيب فعاينت ~~شمس الضحى أقبلت . . . وبدر تقدمها عن قريب وقال أيضا يصف شبابة : وعارية ~~من كل عيب ، حبيبة . . . إلى كل قلب بات بالبين مجروحا لها جسد ميت يعيش ~~بنفخة . . . متى داخلته الريح صارت به روحا تعيد الذي يلقى عليها بلذة . . ~~. تزيد فؤاد الصب وجدا وتبريحا وتنطق بالسحر الحلال عن الهوى . . . وتوحي ~~إلى الأسماع أطيب ما يوحى PageV05P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" القسم الرابع من الفن الثاني وفيه أربعة ~~أبواب في التهاني والمراثي والزهد والتوكل والأدعية وفيه أربعة أبواب الباب ~~الأول من هذا القسم في التهاني والبشائر والتهاني تنقسم إلى قسمين وتنحاز ~~في جهتين : خصوص وعموم . فالخصوص هو ما يتعلق بالرجل من منصب يليه ، ونعمة ~~تواليه ، وولد رزقه ، وشفاء من مرض أقلقه وأرقه ، وقدوم من سفر ، وزواج قضى ~~به الأرب والوطر . والعموم هو ما يتعلق بالجمهور ، ويتساوى فيه الملك ~~والمملوك والآمر والمأمور : من انصباب غيث عم الربا والوهاد ، وجريان نيل ~~شمل بريه البلاد وآمن العباد ، وهزيمة عدو ms1037 زاد في عدوانه وتمادى في طغيانه ~~، وفتوح حصن أمن أهله بتشييد أركانه وإتقان بنيانه . ذكر شيء مما هنئ به ~~ولاة المناصب كتب بعض الفضلاء تهنئة بخلافة فقال : أما بعد ، فإن أولى ~~النعم بالدوام ، وأرجاها للبقاء والتمام ، وأجدرها بالخلود ، وأقربها إلى ~~المزيد ، وأحراها بالسلامة على نوب الأيام وتصاريف الأحداث ، نعمة نشأت ~~بفنائه ، وسكنت ذراه فحمدت مثواه ، وساسها أولياؤها بحسن المجاورة وكرم ~~المصاحبة سياسة الحاني الشفيق ، وكفلوها كفالة الحدب الرفيق ، فنمت وتمت ، ~~وخصت وعمت ، ثم اعترضها من ريب الزمان ما هاج سواكنها ، وأزعج كوامنها ، ~~PageV05P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" وأصارها إلى الوحشة بعد الأنس ، والنفرة بعد ~~الإلف ، تتقلقل تقلقل العوادي ، وتشرد شرود الضوال ، لافظة لها الأقطار ~~ونابية بها المحال ، إلى أن أعداها الله تعالى بلطفه إلى مغناها المعروف ، ~~وربعها المألوف ، واستقرت بعد الاضطراب ، وفاءت بعد الاغتراب . وتلك نعمة ~~الله عند سيدنا أمير المؤمنين ، لما جدد له من كرامته ، واصطفاه له من ~~خلافته ، وطوقه إياها من إمامته ، ورده إليه من تدبير الملك ، واعتمد عليه ~~في سياسة الأنام ، فأحيا به السنن القاصرة ، وأزال به الرسوم الجائرة ، ~~ونهج به سبيل العدل ، وأقام به منار الفضل . وقال طريح بن إسماعيل الثقفي ~~في المنصور لما أفضت الخلافة إليه : لما أتى الناس ملكهم . . . إليك قد صار ~~أمره سجدوا واستبشروا بالرضى تباشرهم . . . بالخلد لو قيل إنهم خلدوا كنت ~~أرى ما وجدت من الفر . . . حة لم يلق مثلها أحد حتى رأيت العباد كلهم . . . ~~قد وجدوا فيك مثل ما أجد قد طلب الناس ما بلغت فما . . . نالوا ولا قاربوا ~~ولا جهدوا يرفعك الله بالتكرم والتق . . . وى فتعلو وأنت تقتصد قال زيد ~~السندي يهنئ الوزير يعقوب بن كلس بوزارة العزيز بمصر : إن الوزارة لم تزل ~~بك صبة . . . تهواك لم يخطر سواك ببالها خطبت فلم تعط القياد لطالب . . . ~~وأبت على طلابها بوصالها وقال ابن بشر الصقلي الكاتب يهنئ الحسن بن إبراهيم ~~التستري بوزارة مصر ، وقد وزر للمستنصر في سنة أربع وخمسين وأربعمائة : ~~بيومك طارت في البلاد البشائر . . . وطابت بموجوع الحديث المحاضر ~~PageV05P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" وأصبحت ms1038 الأمصار أمنا وغبطة . . . أسرتها ~~مهتزة والمنابر وقام خطيب الحمد في كل موقف . . . يعدد ما تملي عليه المآثر ~~ومنها : لقد عاشرت الوزارة منك ماجدا . . . له كنف لا يجتويه المعاشر فسيح ~~امتداد الظل بين رحابه . . . وبين المعالي آهل الربع عامر فألقت عصاها ~~واستقر بها النوى . . . كما قر عينا بالإياب المسافر وما زلت ملحوظا لها ~~ومؤهلا . . . لذا الأمر مذ شدت عليك المآزر وقال آخر : كلما رمت أن أهنيك ~~وقتا . . . بمحل من العلا ترتقيه شمت مقدارك الذي أعجز الوا . . . صف أعلى ~~من الذي أنت فيه وكتب الحمدوني أخو صاحب التذكرة يهنئ بالسلامة من حريق وقع ~~في دار الخلافة : الدنيا - أعز الله أنصار الخدمة الشريفة - دار الامتحان ~~والاختبار ، ومجاز الابتلاء والاعتبار ، ولله فيما نزله فيها إلى عباده من ~~نعمه ، وتخولهم من مواهبه وقسمه ، عادات يقتضيها بالغ حكمته ، وماضي إرادته ~~ومشيئته ، ليستيقظ الذاهل ، ويعترف الجاهل ، ويزداد العالم اللبيب اعتبارا ~~، ويستفيد العاقل الأريب تفكرا واستبصارا ، فلا يغفل عن واجب الشكر إذا ~~سيقت النعمة إليه ، ولا يلهو عن استدعاء المزيد منها بالاعتراف إذا أسبغت ~~عليه ، وهو أن الباري سبحانه إذا تابع آلاءه إلى عبد ووالاها ، وجردها له ~~من الشوائب وأخلاها ، وأماط عن مشاربها أكدار الدنيا المطبوعة على الكدر ، ~~وغمر مساربها بالأمن من طوارق الغير ، خيف عليها الانتقاض والزوال ، وتوقع ~~لها الانتهاء والانتقال . ومن ذلك الخبر المروي : أنه لما أنزل الله تعالى ~~" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " ~~PageV05P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" ابتهج الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلا عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه فإنه بكى . فقالوا : ما يبكيك وقد أكمل الله لنا ~~ديننا برحمته ، وأتمم لنا سابغ نعمته ؟ فقال : يبكيني أنه ما تم أمر إلا ~~بدا نقصه . فقبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن قريب . وإذا كانت ~~مشوبة برائع يتخلل صفوها ، وطارق يجهم في بعض الأوقات عفوها ، كان ذلك ~~صارفا عنها عين الكمال ، مؤذنا بطول الآجال ، حاكما لها بتراخي عمر البقاء ~~، دالا على الصعود بها إلى درج المكث الطويل والارتقاء ، وحكمه حكم ms1039 المرضى ~~الذي تصح به الأجساد ، وتمحص ذنوب من يسلط عليه من العباد : فلا يبهج ~~الأعداء سوء ظنونهم . . . فلله صنع في الذي ساء ظاهره فكم طالب به الشر ~~كامن . . . وكم كاره أمرا به الخير وافر فلله الحمد الذي جعل ما جرت به ~~الأقدار من الألم الواقع ظاهره ، الوجل لوقعه ناظره ، لعنايته جلت عظمته ~~عنوانا ، وعلى دوام نعمته دليلا واضحا وبرهانا . وإليه الرغبة في أن يجعل ~~الديار وساكنيها ، والناس في أقاصي الدنيا وأدانيها ، لشريف الحوزة التي ~~بها صلاح العالم فداء ، وعنها للمكروه وقاء ، فكل حادث مع دوام هذه الأيام ~~الزاهرة جلل ، وكل غمر من نوائب الدهر ما دفع لطف الله عنها وشل . وقال أبو ~~عبادة البحتري يهنئ الفتح بن خاقان بسلامته من الغرق : بعدوك الحدث الجليل ~~الواقع . . . ولمن يكايدك الحمام الفاجع قلنا : لعا لما عثرت ولا تزل . . . ~~نوب الليالي وهي عنك رواجع PageV05P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" ولربما عثر الجواد وشأوه . . . متقدم ونبا ~~الحسام القاطع لم تظفر الأعداء منك بزلة . . . والله دونك حاجز ومدافع إحدى ~~الحوادث شارفتك فردها . . . صنع الإله ولطفه المتتابع حتى برزت لنا وجأشك ~~ساكن . . . من نجدة وضياء وجهك ساطع ما حال لون عند ذاك ولا هفا . . . عزم ~~ولا راع الجوانح رائع وقال المتنبي يهنئ بعافية : المجد عوفي إذا عوفيت ~~والكرم . . . وزال عنك إلى أعدائك الألم وما أخصك في برء بتهنئة . . . إذا ~~سلمت فكل الناس قد سلموا من اتصل بزوجة ذات جمال محمد وحسب ، وأصالة وأدب . ~~وقلما تقع التهنئة بذلك إلا بين صديقين صح بينهما الالتئام ، وسقطت بينهم ~~مؤنة الاحتشام ، وتساويا في الرتبة ، وانحدا في الصحبة . فمن ذلك ما كتب به ~~الوزير أبو الحسن العامري إلى بعض إخوانه وقد ابتنى بأهل : بأيمن طائر وأتم ~~سعد . . . يكون من الكريمين اجتماع أما إنه المجد اليفاع ، والحسن المطاع ، ~~تعارفت الطباع ، فالتأمت الأنفس الشعاع ، كما التقى الثريان ، واقترن ~~النيران ، كما حاصر الرئيم الضغيم ، وهاصر النسيم الغصن المنعم ، كما راق ~~فوق المعطف الصارم العضب ، كما PageV05P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" التقت الصهباء والبارد العذب ، بل كما فازت ~~القداح ، ونظم ms1040 الوشاح ، واعتنق شن طبقه ، واعتلق الروض عبقه . فحبذا النسب ~~شابكه الصهر ، والحسب عاقده التقى والبر ، على حين جرت الأيامن ، واكتنف ~~الحرم الآمن . وبالبين والرفاء ، والنعيم والصفاء ، والثروة والنماء ، ~~والزمن الرغد والعزة القعساء الشماء ، على الوفاق ، والوئام والاتساق ، ~~والحظوظ والجدود ، والفسطاط الممدود ، وهصر العيش الأملود ، والالتئام ~~وتتابع البشرى بالفارس المولود . ومالي تأودت أعطافها ، وتأنقت أوصافا ~~وتهللت جذلا ، وبسطت في الدعاء مذلا أهنأي الأرب ، أم صفا المشرب وقد غبت ~~عن اليوم المشهود ، وعطت سدة الأذن للوفود ، ولم أقم في السماط ، سافرا عن ~~وجه الاغتباط ، أتلقى الوالج بمرور التحية ، وأفدي الخارج بحكم السرور ~~والأريحية ، وأتخدم رفع الوحي والإيماء ، وأتقدم من المصافاة والموالاة في ~~الغفير الجماء ، كلا ولا شهدت ليلة الزفاف ، وما حلت من محاسنها الأفواف ، ~~حيث دارت المنى سلافا ، وصارت العلا دوحة ألفافا ، وأبدى رونق السيف جلاء ، ~~وأبرز عقيلة الحي هداء ، هنالك حلت النعماء ، ونهلت الأظماء ، فياله منظرا ~~، ووعدا منتظرا ، لو ناجيته من كثب ، وكرعت منه في المنهل الأعذب بلى إنه ~~وقع ، فشفى ونفع ، والركب سنح ، فنعم ما منح ، أهداها حملا ، فكأنما أسداها ~~أملا ، أثلج الفؤاد ، وأروى الزناد ، وفي النفس أو كاد ، وقلت عن قراه ، ~~نفس جذلت بسراه ، وأرجت لذكراه . والله ما PageV05P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" أحظاه مقدما وأعلاه في الإحسان قدما ، لو ~~وهبت لمقتضاه من الكرامة دما . وقد كان في الحق أن أهاجر ، وأعصي الناهي ~~والزاجر ، فابسط لي عذرا ، وأعدني لك ذخرا ، وطب مدى الدهر خبرا وخبرا . من ~~رزقه الله ولدا فمن ذلك ما كتب به الأستاذ ابن العميد في فصل يهنئ عضد ~~الدولة بن بويه وقد ولد له ابنان توءمان : وصل كتاب الأمير بالبشرى التي ~~أبت النعمة بها أن تقع مفردة ، وامتنعت العارفة فيها أن تسنح موحدة ، حتى ~~تيسرت منحتان في وطن ، وانتظمت موهبتان في قرن ، وطلع من النجيبين أبي قاسم ~~وأبي كاليجار - أدام الله عزهما - طالعا ملك ، ونجما سعد ، وشهابا عز ، ~~وكوكبا مجد ، فتأهلت بهما رباع المحاسن ، ووطئت لهما أكناف المكارم ، ~~واستشرفت إليهما صدور الأسرة والمنابر . وفهمته وشكرت الله تعالى شكر ms1041 من ~~نادى الآمال فأجابته مكتبة ، ودعا الأماني فجاءته مصحبة ، وحمدته حمدا ~~مكافئا جسيم ما أتاح وعظيم ما أفاد ، واكتنفني من السرور ما فسح مناهج ~~الغبطة ، وسهل موارد البهجة ، وأشعت ما ورد إشاعة شرحت صدور الأولياء ~~بمسارها ، وأزعجت قلوب الأعداء عن مقارها ، وسألت الله إتمام ما آذن به ~~الأميران السيدان من سعادة لا يهتدي إليها الاختيار علوا ، ولا ترتقي إليها ~~الأفكار سموا ، وسلطان تضيق البحار عن اتساعه ، وتنخفض الأفلاك عن ارتفاعه ~~، ويبلغهما أفضل ما تقسمه السعود ، وتعلو به الجدود ، حتى يستغرقا مع ~~السابقين إخوتهما مساعي الفضل ، ويشيدا قواعد الفخر ، ويرجما صروف الدهر ، ~~ويضبطا أطراف الأرض ، وهو تعالى قريب مجيب . PageV05P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" ومن كلام الوزير الفقيه أبي القاسم محمد بن ~~الجد الأندلسي : إن أحق ما انبسط فيه للتهنئة لسان ، وتصرف في ميادين ~~معانيه بيان وبنان ، أمل رجي فتأبا زمانا ، واستدعي فلوى عنانا ، وطاردته ~~الأماني فأتعبته حينا ، وغازلته الهمم فأشعرها حنينا ، ثم طلع غير مرتقب ، ~~وورد من صحبة المناجح في عسكر لجب ، وكان كالمشير إلى ما بعده من مواكب ~~الآمال ، والدليل على ما وراءه من كواكب الإقبال ، أو كالصبح افترت عن ~~أنوار الشمس مباسمه ، والبرق تتابعت إثر وميضه غمائمه . وفي هذه الجملة ما ~~دل على المولود ، المؤذن بترادف الحظوظ وتضاعف السعود . فياله نجم سعادة ، ~~طلع في أفق سيادة ، وغصن سناء ، تفرع عن دوحة علاء ، لقد تهللت وجوه ~~المحاسن باستهلاله ، وأقبلت وفود الميامن لاستقباله ، ونظمت له قلائد ~~التمائم ، من جواهر المكارم ، وخص بالثدي الحوافل ، بلبان الفضائل . وما ~~كان منبت الشرف بإفراد تلك الأرومة الكريمة إلا مقشعر الربا ، مغبر الثرى ، ~~متهافت أغصان الرضا ، فأما وقد اهتز في أيكة السيادة قضيب ، ونشأ من نبتته ~~النجابة نجيب ، فأخلق بذلك المنبت أن تعاوده نضرته ، وترف عليه حبرته ، ~~ويراجعه رونقه وبهاؤه ، وتضاحكه أرضه وسماؤه . فاحمد لله على ما أتاحه من ~~انثناء الأمل من جماحه ، واختيال الجذل في حلبة غرره وأوضاحه . وهو المسئول ~~أن يهبك منه صنعا يحسن في مثله الحسد ، ويتمنى لفضله النسل والولد ، بعزته ~~. وقال أبو هلال ms1042 العسكري : قد زاد في عدد الكرام كريم . . . محض صريح في ~~الكرام صميم PageV05P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" عالي المحلة لا يزال كأنه . . . للفرقدين ~~وللسماك نديم فلأمره التتميم كيف تصرفت . . . حالاته ، ولشأنه التفخيم ~~فابشر فقد وافاك يوم رزقته . . . حظ بتخليد السرور زعيم فرع تكفل دهره ~~بتمامه . . . حتى يكر الدهر وهو أروم إن الهلال يصير بدرا كاملا . . . ويهد ~~سد الليل وهو بهيم وهو الوجيه إذا تبدى وجهه . . . وغدا إذا نزل العظيم ~~عظيم فلأهله به شرف متوطد . . . ولهم به شرف أشم عميم فاقرر به عينا فإن ~~خلاله . . . تصفو وتسلس أو يقال نسيم ولجده التصميم حيث تلاحقت . . . ~~أقرانه ولشأوه التقديم ومن كلام الصاحب بن عباد تهنئة ببنت : أهلا وسهلا ~~بعقيلة النساء ، وأم الأبناء ، وجالبة الأصهار ، وأولاد الأطهار ، والمبشرة ~~بإخوة يتنافسون ، ونجباء يتلاحقون . فلو كان النساء كمثل هذي . . . لفضلت ~~النساء على الرجال وما التأنيث لاسم الشمس عيب . . . ولا التذكير فخر ~~للهلال فادرع يا سيدي اغتباطا ، واستأنف نشاطا ، فالدنيا مؤنثة والرجال ~~يخدمونها ، والذكور يعبدونها ، والأرض مؤنثة ومنها خلقت البرية ، وفيها ~~كثرت الذرية ، والسماء مؤنثة وقد تزينت بالكواكب ، وحليت بالنجم الثاقب ، ~~والنفس مؤنثة وهي قوام الأبدان ، وملاك الحيوان ، والجنة مؤنثة وبها وعد ~~المتقون ، وفيها ينعم المرسلون . فهنيئا هنيئا ما أوليت ، وأوزعك الله شكر ~~ما أعطيت ، وأطال بقاءك ما عرف النسل والولد ، وما بقي الأبد ، وكما عمر ~~لبد . PageV05P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" ومن كلام أبي المكارم بن عبد السلام من شعراء ~~الخريدة : هذا شعيب النبي بابنته صفوراء استأجر موسى كليم الله . وهذا سيد ~~المرسلين ، أبقى الله بفاطمة ابنته نسله إلى يوم الدين . وهذه أم الكتاب ~~سميت الفاتحة ، وهي لأبواب مناجاة الرحمن فاتحة . وهذه محكمات القرآن ، بها ~~ثبتت شرائع الإيمان . وهذه سورة النساء وسميت بهن وهي من الطوال ، ولا سورة ~~من القصار سميت بالرجال . على أن الدنيا بأسرها مؤنثة والملوك من خدامها ، ~~والشمس مؤنثة والضياء والبهاء من تمامها ، والنفس تؤنث وبها فضل الناس ، ~~والحياة تؤنث وهي أساس الحواس ، و العين تؤنث وبها يتوسل إلى علم الدقائق ، ~~واليد تؤنث وهي المتصدية لتحبير الأشياء ms1043 ، والعضد تؤنث وبها استعانة سائر ~~الأعضاء ، والسماء تؤنث وهي تجزي الأمطار ، والأرض تؤنث وهي مجمع أطياب ~~الثمار ، والجنة تؤنث وبها وعد الأبرار الأخيار ، والعين - أعني الذهب - ~~تؤنث وبها يدفع الهلك ، والقوس تؤنث وبها عز الملك . مما هنئ به في المواسم ~~والقدوم قال ابن الرومي تهنئة بعيد الفطر : قد مضى الصوم صاحبا محمودا . . ~~. وأتى الفطر صاحبا مودودا ذهب الصوم وهو يحيك نسكا . . . وأتى الفطر وهو ~~يحيك جودا وقال آخر : رأى العيد وجهك عيدا له . . . وإن كنت زدت عله جمالا ~~وكبر حين رآك الهلال . . . كفعلك حين رأيت الهلالا رأى منك ما منه أبصرته . ~~. . هلالا أضاء ووجها تلالا PageV05P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" وقال ابن الرومي يهنئ بعيد أضحى وهو يوم ~~نوروز : عيدان : أضحى ونوروز كأنهما . . . يوما فعالك من بؤس وإنعام كذاك ~~يوماك : يوم سبيه ديم . . . على العفاة ، ويوم سيفه دامي وقال أبو إسحاق ~~الصابي : يا سيدا أضحى الزما . . . ن بأنسه منه ربيعا أيام دهرك لم تزل . . ~~. للناس أعيادا جميعا حتى لأوشك بينها . . . عيد الحقيقة أن يضيعا وقال ~~الشريف الرضي تهنئة بقدوم : قدم السرور بقدمة لك بشرت . . . غرر العلا ~~وعوالي التيجان قلقت ظبا الأسياف منك بفرحة . . . فتكاد تنهضها من الأجفان ~~قد كان هذا الدهر يلحظ جانبي . . . عن طرف ليث ساغب ظمآن فالآن حين قدمت ~~عدن صروفه . . . يرمقني بنواظر الغزلان من شواذ التهاني وهي الجمع بين ~~التهنئة والتعزية ، والبشارة والتسلية فمن ذلك ما قاله عبد الملك بن صالح ~~للرشيد ، وكان من يحسده قد قال للرشيد عنه : إنه يعد كلامه . فأنكر الرشيد ~~وقال : بل هو طبع . وجلس في بعض الأيام PageV05P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" ودخل عبد الملك ، فقال الرشيد للفضل : قل له ~~: ولد لأمير المؤمنين في هذه الليلة ابن ومات له ابن . فقال الفضل له ذلك . ~~فدنا عبد الملك وقال : يا أمير المؤمنين ، سرك الله فيما ساءك ، ولا ساءك ~~فيما سرك ، وجعلها واحدة بواحدة ، ثواب الشاكر وأجر الصابر . فقال الرشيد : ~~أهذا الذي زعموا أنه يتصنع الكلام ما رأى الناس أطبع من عبد الملك في ~~الفصاحة . ومن ذلك ما ms1044 حكاه ثمامة بن أشرس قال : لما دخل المأمون بغداد بعد ~~قتل الأمين دخلت عليه زبيدة بنة جعفر أم الأمين ، فجلست بين يديه وقالت : ~~الحمد لله إن أهنئك بالخلافة فقد هنأت بها نفسي قبل أن أراك ، وإن كنت فقدت ~~ابنا خليفة لقد اعتضدت ابنا خليفة . وما خسر من اعتاض مثلك ، ولا ثكلت أم ~~ملأت عينها منك . وأنا أسأل الله أجرا على ما أخذ ، وإمتاعا بما وهب . فقال ~~المأمون : ما تلد النساء مثل هذه ، ما تراها أبقت في الكلام لبلغاء الرجال ~~وقال عبد الله بن الحسن الجعفري السمرقندي يهنئ العزيز بخلافة مصر ويرثي ~~أباه المعز : قد أصبح الجوهر العلوي منتقلا . . . في خير من كان خير الورى ~~بدلا يا منحة كملت في منحة عظمت . . . لولاك في الدهر ما نال امرؤ أملا صنع ~~من الله في خطب أتيح لنا . . . عم البلاد وعم السهل والجبلا كان الزمان بمن ~~أبقى ومن أخذت . . . صروفه مذنبا طورا ومنتصلا قام العزيز بما أفضى المعز ~~به . . . إليه مضطلعا بالعبء محتملا PageV05P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" فقام أحفظ مسترعى رعى فكفى . . . من بعد خير ~~إمام قوم الميلا كالسيف منتصلا والبحر مندفقا . . . والبدر مؤتلقا والغيث ~~محتفلا ومنها : في طلعة البدر من شمس الضحى عوض . . . وظلمة الليل يجلو ~~جنحها ابن جلا وما الأئمة إلا أنجم زهر . . . يبدو لنا كوكب إن كوكب أفلا ~~إن المعز الذي لا خلق يشبهه . . . إلا العزيز ابنه إن قال أو فعلا ملك ~~وجدنا التقى والعدل عدته . . . إذا الملوك استعدوا الكيد والحيلا سمت إلى ~~العالم النوري همته . . . ففارق القتم الأرضي وانتقلا وراجعت نفسه في القدس ~~عنصرها . . . ولم يزل بحبال الله متصلا لم يرض خلقا من الدنيا يجاوره . . . ~~إلا الملائك في الفردوس والرسلا لولا نزار وعين الله تحرسه . . . كنا بفقد ~~معد أمة هملا فإن مضى كافل الدنيا وما ضمنت . . . فذا ابنه كافل عنه بما ~~كفلا وإن هوى الجبل الراسي فذا جبل . . . راسلنا بعده ، أعظم به جبلا عمت ~~خلافته الدنيا برونقها . . . كأنه الشمس فيها حلت الحملا ملك أغر وأيام ~~محجلة . . . ودولة كل وقت فيها ms1045 تقهر الدولا أضحت ملوك بني الدنيا له خولا . ~~. . وما حوت كل دار منهم نفلا يا أيها الملك والمأمول نائله . . . ومن هو ~~الغاية القصوى لنا أملا كان السرير سرير الملك منخفضا . . . حتى ارتقيت ~~ذراه فارتقى وعلا PageV05P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" ومن ذلك ما كتب عامل إلى المصروف به : قد ~~قلدت العمل بناحيتك ، فهنأك الله بتجدد ولايتك ، فأنفذت خليفتي لخلافتك ، ~~فلا تخله من هدايتك ، إلى أن يمن الله بزيارتك . فأجابه : ما انتقلت عني ~~نعمة صارت إليك ، ولا خلوت من كرامة اشتملت عليك . وإني لأجد صرفي بك ولاية ~~ثانية وصلة وافية ، لما أرجو لمكانك من حسن الخاتمة ومحمود العاقبة . ~~والسلام . وكتب إبراهيم بن عيسى الكاتب يهنئ إبراهيم بن المدبر بالعزل عن ~~عمل : ليهنئ أبا إسحاق أسباب نعمة . . . مجددة بالعزل ، والعزل أنبل شهدت ~~لقد منوا عليك وأحسنوا . . . لأنك بعد العزل أعلى وأفضل آخر : إن الأمير هو ~~الذي . . . يضحي أميرا عند عزله إن زال سلطان الولا . . . ية فهو في سلطان ~~فضله وكتب أبو إسحاق الصابي إلى رجل زوج أمه : قد جعلك الله - وله الحمد - ~~من أهل التحصيل ، والرأي الأصيل ، وصحة الدين ، وخلق ذي اليقين . فكما أنك ~~لا تتبع الشهوة في محظور تحله ، فكذلك لا تطيع الأنفة في مباح تحظره . ~~وتأدى إلي من اتصال الوالدة - يسر الله لها في مدتك ، وأحسن بالبقية منها ~~إمتاعك - بأبي فلان ، أعزه الله ، ما علمت فيه أنك بين طاعة للديانة ~~توخيتها ، ومشقة تجشمتها ، وأنك جدعت أنف الغيرة بها ، وأضرعت خد الحمية ~~فيها ، وأسخطت نفسك بإرضائها ، وعصيت هواك لرأيها . فنحن نهيك بعزيمة صبرك ~~، ونعزيك عن فائت مرادك ، ونسأل الله الخيرة لك فيه ، وان يجعلها أبدا معك ~~فيما شئت وأبيت ، وتجنبت وأتيت . PageV05P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" وقال كاتب متقدم في مثل ذلك : الرضا بما ~~يبيحه حكم الله أولى من الامتعاض فيما تحظره أنفة الحمية . ولا قبح فيما ~~أحل الله ، كما لا جمال فيما حرم الله . فعرفك الله الخيرة فيما اختارته من ~~طهارة العفاف ونبل الحصانة ، وعطفك من برها على ما تؤدي به حقها ، وما لزمك ms1046 ~~المعروف في مصاحبتها . وكتب الصاحب بن عباد تهنئة بزواج أم وتعزية بموت أب ~~، فقال : الأيام - أطال الله بقائك - تجري على أنحاء مختلفة ، وشعب متفرقة ~~، وأحكامها تتفاوت بيننا بما يسوء ويسر ، وينفع ويضر . وبلغني من نفوذ قضاء ~~الله في شيخك - رحمه الله - ما أزعجني ، وأبهم طرق السلوة دوني ، وإن كان ~~من خلفك غير خارج عن مزية الأحياء ، ولا حاصل في زمرة الأموات . والله يأسو ~~كلمك ، ويسد ثلمك . وقد فعل ذلك بأن أتاح الله لك بعد أبيك أبا لا يقصر عنه ~~شفقة عليك وحنوا ، وإيثارا لك وبرا . وقد لعمري وفقت حين وصلت بحبلك حبله ، ~~وأسكنت الكبيرة - حرسها الله تعالى - ظله ، لئلا تفقد من الماضي - عفا الله ~~عنه - إلا شخصه . فالحمد لله الذي أرشدك لما يعيد الشمل مجتمعا بعد فراقه ، ~~والعدد موفورا بعد انتقاصه ، حمدا يقضي لك بالمسرة ، ويحسم دونك مراد ~~الوحشة ، ويلقيك ثواب ما قضيته من الحق ، وتحملته فيه من الأوق ، إنه فعال ~~لما يريد . فهذه نبذة كافية في التهاني الخالصة ، فلنذكر العامة . ذكر نبذة ~~من التهاني العامة والبشائر التامة ولنبدأ من ذلك بما قيل في البشارة بوفاء ~~النيل ، لما فيه من عموم المنافع الشاملة ، وشمول النعم الكاملة ، والخصب ~~الذي يتساوى في الانتفاع به الغني والفقير ، والمأمور والأمير . فمن ذلك ما ~~كتب به المولى الفاضل ، الصدر الكبير الكامل ، ذو المناقب والمآثر ، ~~والفضائل والمفاخر ، شهاب الدين محمود الحلبي : PageV05P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" وسره بنبأ النيل الذي عم نيلا ، وجرى على وجه ~~الأرض ملاءة ملأته ، فشمر المحل للرحلة ذيلا ، وجرد على الجرد سيف خصبه ~~فسال محمر دمه على وجه الصعيد سيلا ، وجرى وسرى في ضياء إشراقه وظلمة ~~تراكمه إلى الأرض التي بارك بها حولها ، فجعل من أجراه نهارا وسبحان من ~~أسرى به ليلا . صدرت هذه المكاتبة إليه - أعزه الله تعالى - ونعم الله قد ~~عمت ، وآلاؤه مع تحقق المزيد قد تمت ، ومواد فضله قد أمت الأقطار فقامت ~~صلاة الصلات إذ أمت ، وكلمة الخصب قد نمت في الآفاق ، فوشت بمكنون حديثها ~~للأرض ونمت ، والخصب قد أقبل على ms1047 الجدب فلم يكن له بمقاومته قبل ، وطوفان ~~الرحمة قد طبق الوهاد ، فلم يغن المحل أن قال : سآوى منه إلى جبل . والسيل ~~قد بلغ في تتبع بقايا القحط الزبى ، والنيل قد عم بنيله الأرض حتى كلل ~~مفارق الآكام وعمم رءوس الربا ، وحمى الأرض من تطرق المحول إليها فأصبحت ~~منه في حرم ، وظهرت به عجائب القدرة ، ومنها أن ابن الستة عشر بلغ إلى ~~الهرم ، وبث جوده في الوجود فلو صور نفسه لم يزدها على ما فيه من كرم ، ~~وتلقت منه النفوس أبهج محبوب طرد ممقوتا ، ووثقت من حمرته بالغنى والمنى إذ ~~لم تدر أيا قوتا تشاهد منه أم قوتا . وجرى في الوفاء على أكمل ما ألف من ~~عادته ، وظهر بإشراقه وعموم نفعه ظهور الشمس فألقى على الأرض أشعة سعادته ، ~~وأقبلت به على الخلق بوادر الإقبال ، وركب الناس منه في سفن النجاح والنجاة ~~فهي تجري بهم في موج كالجبال . وبلغ الله به المنافع فزعزع الشم ولم يتجاسر ~~على الجسور ، وأمن الناس به طروق المحل الطرود به عنهم فضرب بينهم بسور ، ~~وأقطع الخصب الأرض كلها فله في كل بقعة مثال مرئي ومنشور منشور ، وبعث إلى ~~كل عمل من سرايا جوده عارضا مغضبا على المحل ما يخطر إلا وسيفه مشهور ، ~~وأودع بطن الثري مواد ثرائه ، واستقبل الورى بوجه ما تأمله امرؤ صادى ~~الجوانح إلا ارتوى من مائه ، وأظهر الله به مثال ما سلف من كرامة أصفيائه ، ~~إذ جعل تحت كل نخلة من سراه سرايا ، وجلا به عن الأمة ظلم الغمة إذ أطلع ~~منه في أول مطالعه PageV05P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" المرتقبة محيا بدريا . وذلك أنه لما كان في ~~اليوم الفلاني وفي النيل المبارك ستة عشر ذراعا ، ومد بحسن صنع الله إلى ~~مصالح البلاد يدا صناعا ، وركبنا إلى المقياس الذي تعلم به مواقع الرحمة في ~~كل يوم ، وتهدى منه واردات السرور إلى كل قوم ، ووقفنا به لابسين من رحمة ~~الله تعالى أحسن لباس ، آنسين من أنوار الرحمة في التي أزالت اليأس وأذهبت ~~الباس ، ناظرين إلى أثر رحمة ms1048 الله التي أحيت الأرض بعد موتها ، ذلك من فضل ~~الله علينا وعلى الناس . وجرى الأمر في التخليق على أجمل عادات البدور ، ~~وعلقت ستارة المقياس لا للإخفاء على عادة الأستار ، بل للإشاعة والظهور ، ~~واستقر حكم المسرة على السنن المعهود ، وعاد للناس عيد سرورهم إذ ذاك يوم ~~مجموع له الناس وذلك يوم مشهود . وركب مولانا السلطان إلى سد الخليج والماء ~~قد استطال عليه ، وسرت سرايا أمواجه إليه ، وصدمه بقوة فاندفع منكسرا بين ~~يديه ، فانجبرت القلوب بكسره ، وساق الله به الماء إلى الأرض الجزر فأحياها ~~وحياها ، ورق لوجهها المغبر فستر بردائه المحمر صفحة محياها . كل ذلك وهو - ~~بحمد الله تعالى - آخذ في الازدياد ، جار على وفق المراد إلى حده المعتاد ، ~~سالك ببلاغه سبيل أهل البلاغة إذ يهيمون في كل واد . وهاهو الآن يرتفع إلى ~~كل ربوة على جناح النجاح ، ويخيف السبل وما عليه حرج ويقطع الطرق وليس عليه ~~جناح . فليأخذ مولانا حظه من هذه البشرى التي عم بشرها ، ووجب على كل مؤمن ~~شكرها ، ويتحقق أن هذه بوادر خير تسري إليه على ركائب السحائب ، وطلائع خصب ~~هي لديه أقرب غائب وأسرع آئب . و الله تعالى يعز أنصاره ، ويوالي مباره ، ~~بمحمد وآله . وكتب أيضا في مثل ذلك : ضاعف الله نعمة المجلس العالي ، وبشره ~~بما أجرى الأمة عليه من عوائد كرمه ، وسره بما يسره من خصوص بره وعموم نعمه ~~، وهناه بما سناه من هرب جيش المحل بعد قدم وثبات قدمه ، وأورد على سمعه من ~~أنباء نصرة الخصب ما يتحقق به أن لم يبق في الأرض علم إلا تحت علمه ، وأنه ~~ذبح الجدب بسيف مده الذي أنبأ بحمرة عندمه عن دمه ، وبث PageV05P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" سراياه في الأقطار ، على متون القطار ، مرهفا ~~على بقايا المحل سيوف بروقه ونبال ديمه ، وضرب قباب موجه على المسالك ، فلو ~~هبت بينهما عاصفة جدب تعثرت بأطناب خيمه ، ولعب على ما شمخ من الربا ، فعجب ~~له من كامل يلعب وقد بلغ إلى هرمه صدرت هذه المكاتبة تقص عليه من نعم الله ~~أحسن القصص ms1049 ، وتهدي إليه من مواد فضله ما يخص الشام وأهله منه بأوفى ~~الأقسام وأوفر الحصص ، وتحثه على شكر الله تعالى الذي به ينتهز من مزيد بره ~~أعظم الحظوظ وأفضل الفرص ، وتعلم أن الله نصر جيش الرخاء بمدد لطفه على ~~اليأس الذي تولى الشيطان أمره فلما تراءت الفئتان نكص ، وأنعم على خلقه بما ~~أرخصته عزائم كرمه بهم ، فوجب أن تقابل نعمه بعزائم الشكر دون الرخص ، وذلك ~~أن الله تعالى أجاب دعوة المضطر ، وأفاض بره العميم على الغني والفقير ~~والقانع والمعتر ، وأحيا الأرض بعد موتها ، وتدارك برحمته دنيا الدهماء بعد ~~أن أشرفت على فوتها ، وأجرى الخلق على عوائد كرمه ، وأجرى لهم بقدرته من ~~حجب الغيب مواد نعمه ، وأعلى لديهم موارد نيلهم حتى كاد ما يشرب بفروق ساقه ~~يتناول الماء بفمه ، وأمر البحر فأقبل بالفرج القريب من الأمد البعيد ، ~~وأذن له في الترفع من محله فسجد على الترب شكرا وتيمم الصعيد وإن لم يبق به ~~الآن على وجه الأرض صعيد ، وأسرى منه ركائب السرور إلى الأقطار ففي كل ناد ~~من هديره حاد وفي كل بر من بروره بريد ، وذكر بإحياء الأرض بعد موتها إحياء ~~أمواتها ، " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد " ، ~~ونشر ألويته على الثرى لأهل الأرض بشرا بين يدي رحمته ، " وهو الذي ينزل ~~الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد " ، وأقبل بعد نقص ~~عامه الماضي بوجه عليه حمرة الخجل ، وعزم سبق سيفه إلى المحل العذل بل ~~الأجل ، وحزم أدرك الجدب بوجه قبل أن يقول : سآوى إلى جبل ، واستظهار على ~~كل ما علا من الأرض حتى إن الهرمين باتا منه على وجل ، ومهد الأرض التي ~~كانت ترقبه فهو لها المنتظر على الحقيقة ، ووطئ بطن القرى فنتج الخصب ~~بينهما وذبح المحل في العقيقة ، وقطع الطرق فآمن بذلك كل حاضر وباد ورائح ~~وغاد ، واتبعه الري PageV05P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" لا الروي حتى أضحى كالشعراء يهيم في كل واد ، ~~وعمت بركاته على الأرض فتركن كل قرارة كالدرهم من ms1050 الخصب مرتعا ، وأربى على ~~ريه فيما سلف من السنين ، فأضحى كهوى ابن أبي ربيعة " يقيس ذراعا كلما قسن ~~إصبعا " ، وتجعد على الآكام فخيل للعيون أنها تسيل ، وشيب مفارق الربا ~~ببياض زبده ، وعادة بياض الشيب أن يخضب بورق النيل . وكأن ما بقي من المحل ~~قد جعل بينه وبينه سدا ، وتستر منه ورآه وهو يملي ويعد له عدا ، فصدمه ~~بقلبه وجعله دكا إذ جاء أمر ربه وأدركه وملكه ، وسفك دمه فجرى مستطيلا إذ ~~سفكه ، ووفى بما وعد من ظفره ، وأتى لنصرة الخصب من مكان بعيد فأسفر عن ~~النجح وجه سفره ، وأسبل على مقياسه ستر السرور لإخفاره ذمة الجدب لا لخفره ~~، وبشر مصره بنصرة سرايا السحائب في أقطار الممالك لأنها من أشياعه ونفره . ~~ولما كان اليوم الفلاني علق الستر وخلق المقياس ، وكسر الخليج فكان في كسره ~~جبر للخليقة ومنافع للناس ، وذلك بعد أن وفى النيل المبارك ستة عشر ذراعا ، ~~وصرف في مصالح البلاد يدا تضن بالبذل خرقا وتكفي بحسن التدبير ضياعا ، وبث ~~في أرجاء الأعمال بحارا تحسب بتلاطم الأمواج ركاما وبمضاعفة الفجاج سراعا . ~~وهو بحمد الله آخذ في ازدياده إلى حده ، جار على اعتياده في المشي على وجه ~~الثرى وخده ، يتتبع أدواء المحل تتبع طبيب خبير ، ويعكس بيت أبي الطيب ~~فتمسي وبسطها تراب ، ويصبحها وبسطها حرير . وقد وثقت الأنفس بفضل الله ~~العميم ، وأصبح الناس بعد قطوب اليأس تعرف في وجوههم نضرة النعيم ، تيمنا ~~ببركة أيامنا التي أعادت إليهم الهجوع ، وأعاذتهم مما ابتلي به غيرهم من ~~الخوف والجوع . فليأخذ المجلس العلي حظه من هذه PageV05P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" البشرى التي خصت وعمت ، ووثقت النفوس بمزيد ~~النعمة إذ قيل : تمت ، ويذيعها في الأقطار ، ويعرفهم قدر ما منح الله جيوش ~~الإسلام من فضله الذي يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ، ويستقبل نعم الله ~~التي سيسم الأرض وسميها ويولى النعم وليها ويأتي بالبركات أتيها حتى تغص ~~بالنعم تلك الرحاب ، ويظن لعموم ري البلاد الشامية أن نيل مصر وصل إليها ~~على السحاب ، ويقيم منار العدل الذي هو خير بالأرض من ms1051 أن تمطر ، ويعفى آثار ~~الظلم حتى لا تكاد تظهر . ما منح الله جيوش الإسلام من فضله الذي يعجب ~~الزراع ليغيظ بهم الكفار ، ويستقبل نعم الله التي سيسم الأرض وسميها ويولى ~~النعم وليها ويأتي بالبركات أتيها حتى تغص بالنعم تلك الرحاب ، ويظن لعموم ~~ري البلاد الشامية أن نيل مصر وصل إليها على السحاب ، ويقيم منار العدل ~~الذي هو خير بالأرض من أن تمطر ، ويعفى آثار الظلم حتى لا تكاد تظهر . ~~التهاني بالفتوحات وهزيمة الأعداء فمن ذلك ما كتب به المهلب بن أبي صفرة ~~إلى الحجاج بن يوسف الثقفي في حرب الأزارقة : أما بعد فالحمد لله الذي لا ~~تنقطع مواد نعمته من خلقه حتى تنقطع مواد الشكر . وإنا وعدونا كنا على ~~حالتين : يسرنا منهم أكثر ما يسوءنا ، ويسوءهم منا أكثر مما يسرهم ، فلم ~~يزل الله عز وجل يزيدنا وينقصهم ، ويعزنا ويذلهم ، ويؤيدنا ويخذلهم ، ~~ويمحصنا ويمحقهم ، حتى بلغ الكتاب أجله ، فقطع دابر القوم الذين ظلموا ~~والحمد لله رب العالمين . وكتب الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة حين ولي ~~العراق من قبل عبد الله ابن الزبير إليه يخبره بهزيمة الخوارج : أما بعد ، ~~فإنا مذ خرجنا نؤم هذا العدو في نعم من PageV05P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" الله متصلة علينا ، ونقمة من الله متتابعة ~~عليهم ، نقدم ويحجمون ، ونجد ويرحلون ، إلى أن حللنا بسوق الأهواز . والحمد ~~لله رب العالمين . ثم كتب إليه بعد هذا الكتاب : أما بعد ، فإنا لقينا ~~الأزارقة بجد وحد ، وكانت في الناس جولة ثم ثاب أهل الحفاظ والصبر بنيات ~~صادقة وأبدان شداد وسيوف حداد ، فأعقب الله خير عاقبة ، وجاوز بالنعمة ~~مقدار الأمل ، فصاروا دريئة رماحنا وضريبة سيوفنا ، وقتل الله أميرهم ابن ~~الماحوز ، وأرجو أن يكون آخر هذه النعمة كأولها . والسلام . وكتب طاهر بن ~~الحسين إلى المأمون لما فتح بغداد وقتل محمدا الأمين : أما بعد ، فإن ~~المخلوع ولو كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة ، لقد فرق الله ~~بينهما في الولاية والحرمة ، لمفارقته عصمة الدين ، وخروجه عن الأمر الجامع ~~للمسلمين . قال الله عز وجل : " يا ms1052 نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح " ~~. ولا صلة لأحد في معصية الله ، ولا قطيعة في ذات الله . وكتبت إلى أمير ~~المؤمنين وقد قتل المخلوع ورداه الله رداء نكبة ، وأحمد لأمير المؤمنين ~~أمره ، وأنجز له ما كان ينتظر من صادق وعده . والحمد لله المتولي لأمير ~~المؤمنين بنعمته ، والراجع إليه بمعلوم حقه ، والكائد له ممن ختر عهده ونكث ~~عقده ، حتى رد له الألفة بعد تفريقها ، وأحيا الأعلام بعد دروس أثرها ، ~~ومكن له في الأرض بعد شتات أهلها . ولما فتح المعتصم عمورية أكثر الشعراء ~~من ذكر هذا الفتح ، فمن ذلك قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي من قصيدته ~~التي يقول في أولها : PageV05P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" السيف أصدق أنباء من الكتب . . . في حده الحد ~~بين الجد واللعب بيض الصفائح لاسود الصفائح في . . . متونهن جلاء الشك ~~والريب والعلم في شهب الأرماح لامعة . . . بين الخميسين لا في السبعة الشهب ~~جاء منها : فتح الفتوح تعالى أن يحط به . . . نظم من الشعر أو نثر من الخطب ~~فتح تفتح أبواب السماء له . . . وتبرز الأرض في أثوابها القشب ومنها : ~~وبرزة الوجه قد أعيت رياضتها . . . كسرى وصدت صدودا عن أبي كرب بكر فما ~~افترعتها كف حادثة . . . ولا ترقت إليها همة النوب من عهد إسكندر أو قبل ~~ذاك فقد . . . شابت نواصي الليالي وهي لم تشب PageV05P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" حتى إذا مخض الله السنين لها . . . مخض ~~الحليبة كانت زبدة الحقب أتتهم الكربة السوداء سادرة . . . منها وكان اسمها ~~فراجة الكرب لما رأت أختها بالأمس قد خربت . . . كان الخراب لها أعدى من ~~الجرب أشار في هذا البيت إلى فتح أنقرة . ومنها : لبيت صوتا زبطريا هرقت له ~~. . . كأس الكرى ورضاب الخرد العرب قيل : كانت الروم لما فتحت زبطرة صاحت ~~امرأة من المسلمين : وا محمداه وا معتصماه فلما بلغه الخبر ركب لوقته يؤم ~~الشام ، وصاح : لبيك لبيك ولم يرجع إلى أن فتح أنقرة وعمورية . ومنها : ~~خليفة الله جازى الله سعيك عن . . . جرثومة الدين والإسلام والحسب إن كان ~~بين صروف الدهر من رحم . . . موصولة ms1053 أو ذمام غير منقضب فبين أيامك اللاتي ~~نصرت بها . . . وبين أيام بدر أقرب النسب PageV05P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" وكتب أبو عبيد عبد الله البكري إلى المعتمد ~~على الله المؤيد بنصر الله يهنئه بالفتح الذي كان في سنة سبع وسبعين ~~وأربعمائة : أطال الله بقاء سيدي ومولاي الجليل القدر ، الجميل الذكر ، ذي ~~الأيادي الغر ، والنعم الزهر ، وهنأه ما منحه من فتح ونصر ، واعتلاء وقهر . ~~بطالع السعد يا مولاي أبت ، وبسانح اليمن عدت ، وبكنف الحرز عذت ، وفي سبيل ~~الظفر سرت ، وبقدم البر سعيت ، وبجنة العصمة أتيت ، وبسهم السداد رميت ~~فأصميت . صدر عن أكرم المقاصد وأشرف المشاهد ، وعود بأجل ما ناله عائد وآب ~~به وارد ، فتوح أضحكت مبسم الدهر ، وسفرت عن صفحة البشر ، وردت ماضي العمر ~~، وأكبت واري الكفر ، وهزت أعطاف الأيام طربا ، وسقت أقداح السرور نخبا ، ~~وثنت آمال الشرك كذبا ، وطوت أحشاء الطاغية رهبا ، فذكرها زاد الراكب ، ~~وراحة اللاغب ، ومتعة الحاضر ، ونقلة المسافر . بها تنقض الأحلاس في كل ~~منزل . . . وتعقد أطراف الحبال وتطلق شملت النعمة وجبرت الأمة ، وجلت الغمة ~~، وشفت الملة ، وبردت الغلة ، وكشفت العلة . كان داء الإشراك سيفك واشت . . ~~. دت شكاة الهدى وكان طبيبا فغدا الدين جديدا ، والإسلام سعيدا ، والزمان ~~حميدا ، وعمود الدين قائما ، وكتب الله حاكما ، ودعوة الإيمان منصورة ، ~~وعين الله قريرة . فهنأ الله مولانا وهنأنا هذه المنح البهية مطالعها ، ~~الشهية مواقعها ، وعضد حسامه فبالقسط يسل ويغمد ، وأيد مذاهبه فبالتحزم ~~تسدى وتلحم ، وأمر كتائبه ففي الله تسرج وتلجم . فكم فادح خطب كفاه ، وظلام ~~كرب جلاه ، وميت حق أحياه ، وحي باطل أرداه وكم جاحم ضلالة PageV05P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" أطفأ ناره ، وناجم فتنة قلم أظافره ، ومفلول ~~سنة أرهف شفاره ، ومستباح حرمة حمى ذماره . فلله هذه المساعي الكريمة ~~والمنازع القويمة ، المتبلجة عن ميمون النقيبة ومحمود العزيمة ، فقد تمثل ~~بها العهد الأول والقرن الأفضل الذي أخرج للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ، والذي سطع هذا السراج ، وانتهج هذا المنهاج ، فلا زالت الفتوح ~~تتوالى عليه ، وصنائع الله تتصل لديه ، إدالة من مشاقيه وإذالة لمحاربيه ، ~~وإبادة لمناوئيه . وإن ms1054 أجل هذه النعم في الصدور ، وأحقها بالشكر الموفور ، ~~ما من الله به من سلامة مولاي التي هي جامعة لعز الدين وصلاح كافة المسلمين ~~، بعد أن صلى من الحرب نيرانها ، فكان أثبت أركانها وأصبر أقرانها : وقفت ~~وما في الموت شك لواقف . . . كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال ~~كلمى هزيمة . . . ووجهك وضاح وثغرك باسم هنيئا لضرب الهام والمجد والعلا . ~~. . ووجهك والإسلام أنك سالم فلله الحمد والإبداع والإلهام ، وله المنة ~~وعلينا متابعة الشكر والدوام . وقد فازت الكف الكليم ، بأعلى قداح المكلوم ~~لدى المقام الكريم ، وإنها لهي التالية للإصبع الدامية في المنزلة العالية ~~. بصرت بالراحة العليا فلم ترها . . . تنال إلا على جسر من التعب ومن كلام ~~القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني جواب كتاب ورد إليه يخبر فيه بانتصار ~~المسلمين . ابتدأه بقوله عز وجل : " يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله ~~لا يضيع أجر المؤمنين " . وصلت بشرى المجلس السامي - أعلاه الله وشيده ، ~~وأسعده وأصعده ، وشكر مشهده وأنجح مقصده ، وملأ بالحسنات أمسه ويومه وغده ، ~~وأهلك وعادى أعداءه وحسده ، واجتب بسيفه زرع الكفار وذراه وحصده - بما من ~~الله سبحانه من نصرة المسلمين عند لقاء عدوهم ، وما وليهم الله من القوة ~~والإظهار ، وما قذف في قلوب الكفر من الخوف والحذار ، وشرح القضية شرحا شرح ~~الصدور ، واستوى فيها الغياب مع الحضور ، فكانت البشارة منه وكانت المباشرة ~~له ، وما كل من بشر باشر ، ولا كل من غار غاور ، ولا PageV05P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" كل من خبر عن السيوف لقيها بوجهه ، ولا كل من ~~حدث عن الرماح عانقها بصدره . فنفعه الله بالإسلام كما نفع الإسلام به ، ~~وأتم النعمة عليه كما أتمها فيه ، وتقبل جهاده الذي جلا فيه الكربات ، ~~وابتغى فيه القربات . ويتوقع إن هان العدو في العيون ، وظهر منه غير ما كان ~~في الظنون ، أن يكسر الله بكم مصافه ، ويفتح عليكم بلاده ، ويطهر بسيوفكم ~~الشام ، ويسر بنصركم الإسلام ، ويشرف بيوم نصركم الأيام . والخير يغتنم إذا ~~عنت فرصه ، ويصاد إذا أمكن الصائد قنصه ، والجهاد فرض على المطيق تقتضيه ~~عزائمه ولا ms1055 تقتضيه رخصه . وقد حضر المولى وحضر كل خير ، وحضر من رأيه ما ~~يكفي أمر العدو ولو لم يكن إلا رأيه لا غير ، فكيف وفي يده من العضب ، مثل ~~ما في صدره من القلب ، كلاهما حديد لا تكل مضاربه ، ولا تخونه ضرائبه ، ولا ~~تفنى إذا عددت عجائبه ، فكم له من يوم أغر محجل الأطراف ، وليلة في سبيل ~~الله دهماء الأهوال بيضاء الأوصاف ، والنفوس واثقة بأن الظفر على يده يجري ~~، والمبشر من جهته يسر ويسري . والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين . وكتب ~~أيضا في مثل ذلك : ورد كتاب المجلس - نصر الله عزمته ، وشكر همته ، وأتم ~~عليه نعمته ، وصرف به وعنه صرف كل دهر وملمته ومؤلمته ، وأعان أولياءه على ~~أن يؤدوا خدمته ، ويستوهبوا له فضل الله ورحمته ، وأجزل قسمه من الخير الذي ~~يحسن بين محبيه قسمته - سافرا عن مثل الصباح السافر ، متحدثا عن روض أفعاله ~~بلسان النسيم السحري الساحر ، حاملا حديث بيضه وسمره حديث السامر . وهنأ ~~بالفتح وهو المهنأ به ، وكيف لا يهنأ بالفتح من هو فاتحه وكيف لا يشرح خبره ~~من هو فاتح كل صدر وشارحه ولقد دعا له لسان كل مسلم وساعدت لسانه جوارحه ، ~~وعلم أنه باشر الحرب وتولى كبرها ، وأخمد جمرها ، ولقى أقرانها ، وافترس ~~فرسانها ، وجبن شجعانها ، وشجع جبانها ، وأنفق الكريمين على النفس : النفس ~~والمال ، وحفظ على الإسلام الطرفين : الفاتحة والمآل . وإذا تأمل المجلس ~~الدنيا علم أن الذي يبقى بها أحاديث ، وإذا نظر إلى المال علم أن الذي في ~~الأيدي PageV05P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" منه مواريث ، فالحازم من ورث ماله ولم يورثه ~~لغيره ، والسعيد من لم يرض لنفسه من الحديث إلا بخيره . وما يخفى عن أحد ما ~~فعله ، ولا ما بذله ، ولا ما هان عليه ، ولا ما أهان الله كرائم المال ~~بيديه ، ولقد حلت نعمة الله في محلها لديه ، وكان كفأها الكريم الذي أصدقها ~~ما في كفيه . هذا ثنائي وهاتيكم مناقبكم . . . يا أعين الناس ما أبعدت ~~إسهادي " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما " ، بل هو ~~سبحانه ms1056 يوفي عباده مثاقيل الذر ، وللصابرين عنده الأجر بغير حساب لجلالة ~~قدر الصبر . والمجلس صبر نفسه على المشقات فليبشر بثوابها ، وكثر أعمال ~~البر فهو يدخل الجنة بفضل الله من جميع أبوابها . وكما يهنأ المجلس ~~بالافتتاح فهو يهنأ بالجراح ، ولا يغسل ثوب العمل إلا الدم المسفوح ، وكل ~~جرح إنما هو باب إلى الجنة مفتوح . والحمد لله على أن أمتع الأمة بنفسه ~~التي بذلها ، وقد باعها له وأبقاها لنا وقبلها . " وإن ربك لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون " . وكتب المرحوم علاء الدين علي بن القاضي ~~محي الدين بن الزكي إلى أخيه بهاء الدين مبشرا بفتح صفد ، وكان هذا الفتح ~~في يوم الجمعة ثامن عشر شوال سنة أربع وستين وستمائة ، على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى في أخبار دولة الترك في أيام الملك الظاهر بيبرس : يقبل اليد ~~الكريمة ، ويبث ما يعالجه من لواعج الأشواق التي تركته بين الأصحاب مدلها ، ~~وسلبت لبه فلا أعلم عليه من دلها ، وينهى أن المملوك فارق كريم جنابه وتوجه ~~إلى صفد المحروسة فوصل إليها في تاريخ كذا ، ووافاها والحصن قد تزعزعت ~~أركانه ، والكفر قد انهدم بنيانه ، وشمر عن ساق الهزيمة شيطانه ، وحماة ~~الحرب قد وقفت في مراكزها ، وكماة PageV05P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" الهيجاء قد استعدت لأخذ فرص النصر ومناهزها ، ~~والرماح قد اهتزت شوقا إلى لقائهم ، والسيوف قد آلت أنها لا توافق على ~~مقامهم ، والمجانيق تزور حماهم وتلك الزيارة لشقائهم ، وتدمر بحجارتها ~~عليهم تدميرا ، وتريهم من بأسها يوما عبوسا قمطريرا ، وتصير بهم إلى الهلاك ~~وتعدهم جهنم وساءت مصيرا ، والقسى ترسل إليهم المنايا في أجنحة السهام ، ~~وقد أحدقت بهم كماة الترك كأنها ظباء بأعلى الرقمتين قيام ، فمن نازع بقوسه ~~وهو لمهج الكافرين منازع ، ومن متدرع بنحره نحو المنايا يسارع ، ومن واد ~~منهل المنية وآخر في إثره كارع ، ومن متدرع وحاسر علما أن ليس لقضاء الله ~~دافع ، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ، وما سلك بهم إلا صراطا مستقيما ، ~~وما اشترى أنفسهم وأموالهم إلا بالجنة وأعد لهم أجرا كريما . والسلطان - عز ~~نصره ms1057 - قد شحذت شبوات عزمه ، وفوق سديد سهمه ليفوز بجزيل سهمه ، وهو يرتب ~~عساكره ، ويهيئ ميامنه ومياسره ، وينفذ أوائله ويقدم أواخره ، ويحث صناديه ~~، ويثبت رعاديده ، ويسعر همة مساعره ، ويذكي نار الحرب في مجامره ، ويقابل ~~الأبراج ببروج يهدمونها ، ويكل بالنقوب نقباء يحفرونها ، ويعد للمؤمنين ~~مغانم كثيرة يأخذونها ، ويعد لكل مقام رجلا ، ويرتب لكل مقاتل من المسلمين ~~قتلا ، ويبسط لهم بقتل الكافرين آمالا ، حتى قامت الحرب على ساق ، وضاق ~~بأهل الشقاق الخناق ، وبلغت الأرواح منهم التراقي ، ودارت عليهم كؤوس ~~المنايا فانتشى المسقي والساقي ، وأحدقت بهم الجياد تصهل ، وسحب القسى تهطل ~~، وكواذب الآمال تعدهم وتمطل ، وخرصوا لأنفسهم الفرج فكذبتهم أسنة ~~PageV05P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" الخرصان ، ونظروا إلى الحياة بعين الطمع ~~فكحلتهم بنات الحنية المرنان ، فما أشرب العجز نفوسهم ، واستوى في الشورى ~~مرءوسهم ورئيسهم ، ومنوا بالمنايا من كل جانب ، وسمح كل منهم بالمال والذهب ~~مذ علم أنه ذاهب ، وتحققوا أن لا ملجأ من السيف إلا إليه ، ولا معول بعد ~~المعول إلا عليه ، وتيقنوا أن لا مقام لهم ولا مقر ، وقال الكافر يومئذ أين ~~المفر . والمسلمون مثابرون على العمل الصالح يرفعونه ، ومبادرون أجل عدوهم ~~يمزقون منه كل ما يرقعونه ، وإذا بصيحة كالصيحة التي تأخذهم وهم ينظرونها ، ~~أو الصعقة التي ينتظرونها ، إذ أمرت السيوف على رقابهم وهم يبصرونها ، ~~فارتجت أرجاء الحصن بالاصطخاب ، ووقع الاختلاف بينهم والاضطراب ، وقيل : إن ~~الكافر قد طلب الأمان ، وإنه ركب ظهر المذلة مذ ناوله الجزع العنان ، وإن ~~الكفر قد ذل للإيمان ، وإن شيطانه قد نكص على عقبه لما تراءت الفئتان ، ~~فأمسكت المجانيق عن ضربها ، وكفت الحنايا عن إرسال شهبها ، وأقصرت ليوث ~~الحرب الضارية عن وثبها . فما كان إلا هنيهة وقد خرج رسول منهم حيث لا تنفع ~~الرسائل ، واخترق وشيج القنا وشوك النصال وظبا المناصل ، ورأى كثرة هالته ~~فكادت تنقد تحت الذعر منه المفاصل ، ومشى إلى السلطان خاضعا وأعيا على ~~السماطين يقوم كلما عوجته الأفاكل . وأقبل كما قبل التراب قبله . . . وكل ~~كمي واقف متضائل وأدى الرسالة وإذا هي كما قال أبو الطيب دروع ، ورجع إلى ms1058 ~~أهله وفي قلبه من جيش الإسلام - كثره الله - صدوع . فأقبل من أصحابه وهو ~~مرسل . . . وعاد إلى أصحابه وهو عاذل فأبوا لنصيحته قبولا ، وقالوا : قاتلك ~~الله رسولا ، لقد خرجت عن سنة إخوانك ، وألقيت إلى المسلمين فاضل عنانك ، ~~ولم ترقب رضا أقستك ورهبانك . والرعب قد خرج به عن قومه وآله ، وهو يناشدكم ~~الله في أموالهم وأنفسهم وينشدهم بلسان PageV05P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" حاله : أمرتهم أمري بمنعرج اللوى . . . فلم ~~يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد فلما استحكمت مرة عصيانهم ، وأبو مغالاة إلا ~~في طغيانهم ، ولم يسمحوا بتسليم ذلك الحصن الحصين ، وقالوا : إنه على حفظ ~~أرواحنا لقوي أمين ، أرسلت عليهم من المجانيق حجارة كالمطر ، إلا أنها ترمي ~~بشرر كالقصر فتهدم قصورا كالشرر ، فزعزعت منها بروجا وبدنا ، وقالت : هذا ~~جزاؤكم وإن عدتم عدنا ، ولنتبعن بعدها آثاركم ونقلع منكم قلاعا ومدنا . ~~فلما أكذبهم الحصن في آمالهم ، وأراهم الله قرب آجالهم ، وكان ذلك في اليوم ~~الأغر يوم الجمعة والفتح ، سلكوا في التسليم عادة لم يسلكوها ، ورأوا من ~~الجزع خطة ملكتهم ولم يملكوها ، فأجمعوا أمرهم وشركائهم إ لا أنه كان عيهم ~~غمة ، وطلبوا الذمام ومن قبلها كانوا لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ، ~~فألقوا إلى الإسلام يومئذ السلم ، ورأوا نور الله الظاهر أشهر من نار على ~~علم ، فخرجوا من الحصن زارفات وأوزاعا ، مهطعين إلى الداعي كيوم يخرجون من ~~الأجداث سراعا . فلو تراهم نحو المنايا يركضون ، " كأنهم إلى نصب يوفضون ~~خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون " . جرت الرياح على ~~مقر ديارهم . . . فكأنما كانوا على ميعاد وصدق الله المؤمنين وعده ، وكان ~~بصدق وعده حقيقا ، " وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في ~~قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا " . فلما كان يوم السبت نادى فيهم ~~السيف بالرحيل ، ولم يتزودوا من متاع الدنيا إلا بقليل ، وقام النصر على ~~منابر الهامات خطيبا ، وكثر القتل فصار المهند الصقيل خضيبا ، وأجرى أودية ~~من دمائهم ، ولم يغادر بقية من ذمائهم ، واستوى العبيد منهم والأرباب ، ~~وصار فرسانهم فرائس الذئاب ، واستمرءوا المرعى PageV05P0152 # """""" صفحة رقم ms1059 153 """""" الوخيم فرعاهم الذباب ، ووجدوا غب البغي ~~علينا ، وقلنا : " هذه بضاعتنا ردت إلينا " ، وآب المسلمون بخير عميم ، ~~وفتح عظيم وأجر كريم ، وجعل الله الجنة جزاء للسالمين منهم والذاهبين ، " ~~وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ~~فنعم أجر العاملين " . فليأخذ حظه من هذه البشرى فإن لها من النصر العزيز ~~ما بعدها ، ومن المغانم الكثيرة ما ينجز للأمة المحمدية وعدها ، ويثق بأن ~~له إن شاء الله من ثواب هذه الغزوة أوفر نصيب ، وان سهم عزمه في نحور ~~الأعداء إن شاء الله مصيب ، فقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ~~قال : " إن بالمدينة قوما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم " ~~. والله لا يخليه من أجرها ، ولا يحرمه وافر برها ، ويتحفه من مقربات ~~التهاني بما تكون له هذه بمنزلة العنوان في الكتاب ، والآحاد في الحساب ، ~~وركعة النافلة بالنسبة إلى الخمس ، والفجر الأول قبل طلوع طلعة الشمس ، وأن ~~يديم على الإسلام والمسلمين حياة مولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدنيا ~~والدين ، ويؤيده بالملائكة المقربين ، ما دامت السماوات والأرضون ، إن شاء ~~الله تعالى . ومن إنشاء المولى المرحوم محي الدين عبد الله بن عبد الظاهر ~~كتاب كتبه عن السلطان الملك الأشرف خليل إلى الملك المظفر يوسف بن عمر صاحب ~~اليمن قرين كتاب السلطان الملك المنصور المسير إليه بالهناء بفتح طرابلس ~~الشام : أعز الله نصرة المقام وأوفد عليه كل بشرى أحسن من أختها ، وكل ~~تهنئة لا يجليها إلا هو لوقتها ، وكل مبهجة يعجز البيان والبنان عن ثبتها ~~ونعتها ، وتتبلج فتود الدرر والدراري لو زفت هذه إلى تراقيها وسمت هذه إلى ~~سمتها ، وصبحه منها بكل هاتفة أسجع من هواتف الحمائم ، وبكل عارفة أسرع من ~~عوارف الزهر عند عزائم النسائم ، وبكل عاطفة أعنة الإتحاف بالإيجاف الذي ~~شكرت PageV05P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" الصفاح منه أعظم قادر والصحائف أكرم قادم ، ~~والغزو الذي لا تخص تهامة ببشراه بل جميع النجود والتهائم ، وذوو الصوارم ~~والصرائم ، وألو القوى والقوائم ، وكل ثغر عن ابتهاج أهل الإسلام باسم ms1060 ، ~~وكل بر بر بتوصيل ما ترتب عليه من ملاحم ، وكل بحر عذب يمون كل غاز لا يحبس ~~عن الجهاد الكفار في عقر الدار الشكائم ، وكل بحر ملح كم تغيظ من مجاورة ~~أخيه لأهل الشرك ومشاركتهم فيه فراح وموجه المتلاطم . المملوك يجدد خدمة ~~يقتفي فيها أثر والده ، ويجري في تبليغها على أجمل عوائده ، ويستفتح فيها ~~استفتاحا تحف به من هنا ومن هنا محامده ، ويصف ولاء قد جعله أجمل عقوده ~~وأكمل عقائده ، ويشفعهما بإخلاص قد جعل ميله أحسن وسائله وقلبه أزين وسائده ~~، ويطلع العلم الكريم أن من سجايا المتعرضين إلى الإعلان بشكر الله في كل ~~ما يعرض للمسلمين من نصر ، ويفرض لهم من أجر غزو كم قعد عنه ملك فيما مضى ~~من عصر ، أن يقدروا تلك النعمة حق قدرها من التحدث بنعمتها ، والتنبيه ~~لسماع نغمتها ، وإرسال أعنة الأقلام في ميادين الطروس ، وإدارة حرباء وصف ~~خير حرب إلى مواجهة خير الشموس . ولما كانت غزوات مولانا السلطان ملك ~~البسيطة الوالد - خلد الله سلطانه - قد أصبحت ذكرى للبشر ، ومواقفه للنصر ~~فكم جاءت هي والقدر على قدر ، وقد صارت سيرها وسيرها هذه شدو الأسمار ، ~~وهذه جادة يستطيب منها حسن الحدو السفار ، فكم قاتلت من يليها من الكفار ، ~~وكم جعلت من يواليها وهو منصورها منصورا بالمهاجرين والأنصار . ولما أذل ~~الله ببأسها طوائف التتار في أقاصي بلاد العجم ، وجعل حظ قلوبهم الوجع من ~~الخوف ونصيب وجوههم الوجم ، وأخلى الله من نسورهم الأوكار ومن أسودهم الأجم ~~، وقصرت بهم هممهم حتى صاروا يخافون الصبح إذا هجم والظن إذا رجم ، وصارت ~~رؤية الدماء تفزعهم فلو احتاج أحدهم لتنقيص دم لمرض PageV05P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" لأحجم من خوفه وما احتجم . وأباد الله الأرمن ~~فحل بالنيل منهم الويل ، وما شمر أحد من الجنود الإسلامية عن ساعد إلا وشمر ~~هو من الذل الذيل ، ولا أثارت الجياد من الخيل عثيرا منعقدا إلا وظنوه مساء ~~قد أقبل أو ليل . وانتهت نوبة القتل بهم والإسرار إلى التكفور ليفون ملك ~~الأرمن الذي كان يحمي سرحهم ويمرد صرحهم ، ويستنطق هتف ms1061 التتار ويسترجع ~~صدحهم ، وتعتز طرابلس الشام بأنه خال إبرنسها الكافر ، ولسان مشورته السفير ~~ووجه تدبيره السافر ، وطالما غر وأغرى ، وجر وأجرى ، وضر وأضرى ، فلما توكل ~~مولانا السلطان وعزم وعزم فتوكل ، وتحقق أن البلاء به قد نزل ، وما تشكك أن ~~ذلك في ذهن القدر قد تصور وتشكل ، وأن يومه في الفتك سيكون أعظم من أمسه ~~وأعظم منهما معاداة غده ، وأن نصر الله لن يخلفه صادق موعده ، أكل يده ~~ندامة على ما فرط في جنب الله ، وساق الحتف لنفسه بيده فعمر الله بروحه ~~الخبيثة الدرك الأسفل من النار ، وسقاه الحتف كأسا بعد كأس لم يكن لها غير ~~الهلك من خمار . وكانت طرابلس هي ضالة الإسلام الشريدة ، وإحدى آبقاته من ~~الأعوام العديدة ، وكلما مرت شمخت بأنفها ، وتأنقت في تحسين منازهها وتزيين ~~ريحانها وعصفها ، ومرت وهي لا تغازل ملكا بطرفها وكلما تقادم عهدها تكثرت ~~بالأفواج والأمواج من بين يديها ومن خلفها ، إذ البحر لها جلباب والسحاب ~~لها خمار ، وليس بها من البر إلا بمقدار ساحة الباب من الدار ، كأنها في ~~سيف ذلك البحر جبل قد انحط ، أو ميل استواء قد خرج عن الخط ، وما قصد أحد ~~شطها بنكاية إلا شط واشتط ، قدر الله أن صرف مولانا السلطان إليها العنان ، ~~وسبق جيشه إليها كل خبر وليس الخبر كالعيان ، وجاءها بنفسه النفيسة ~~والسعادة قد أحرسته عيونها وتلك المخاوف PageV05P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" كلهن أمان ، وقد اتخذ من إقدامه عليها خير ~~حبائل ومن مفاجأته لها أمد عنان ، وفي خدمته جنود لا تستبعد مفازة ، وكم ~~راحت وغدت وفي نفوسها للأعداء حزازة ، فامتطوا بخيولهم من جبال لبنان ~~تيجانا لها صاغتها الثلوج ، ومعارج لا ترافق بها غير الرياح الهوج ، وانحطت ~~تلك الجيوش من تلك الجنادل ، انحطاط الأجدال ، واندفعوا في تلك الأوعار ~~اندفاع الأوعال ، ولم يحفل أحد منهم بسرب لاصق ولا بجبل شاهق فقال : هذا ~~منخفض أو عال ، وشرعوا في التحصيل لما يوهي ذلك التحصين ، وابتناء كل سور ~~أمام أسوارها من التدبير الحسن والرأي الرصين ، فما لبثوا إلا مقدار ما قيل ~~لهم ms1062 : دونكم والاحتطاب ، ونقل المجانيق على الخيل وعلى الرقاب ، حتى جروها ~~بأسرع من جر النفس ، وأجروها على الأرض سفائن وكم قالوا : السفينة لا تجري ~~على يبس . وفي الحال نقلت إليها فرأوا من متوقلها من يمشي بها على رجلين ~~ومنهم من يمشي على أربع ، ووجهت سهامها وجوهها إلى منافذها فما شوهدت منها ~~عين إلا وكان قدامها منها إصبع ، وألقيت العداوة بين الحجارة من المجانيق ~~وبين الحجارة من الأسوار ، فكم نقبت ونقبت من فلذة كبدها عن أسرار ، وأوقدت ~~نيران المكايد ثم فكم حولها من صافن ومن صافر ، وكم رمتهم بشرر كالقصر فوقع ~~الحافر كما يقال على الحافر . وما برحت سوق أهل الإيمان في نفاق على أهل ~~النفاق ، وأكابرهم تساق أرواحهم الخبيثة إلى السياق . وكان أهل عكاء قد ~~أنجدوهم من البحر بكل بر ، ورموا الإسلام بكل شرر وكل شر ، فكان السهم الذي ~~يخرج منها لا يخرج إلا مقترنا بسهام . وشرفات ذلك الثغر كالثنايا ولكنها ~~لكثرة من بها لا تفتر عن ابتسام ، وما زالت جنود الإسلام كذاك ، ومولانا ~~السلطان لا ترى جماعة مقدمة ولا متقدمة إلا وهو يرى بين أولئك . وأستمر ذلك ~~من مستهل شهر ربيع الأول غلى يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الآخر ، فزحف ~~عليها في بكرة ذلك النهار زحفا يقتحم كل لهضبة ووهدة ، وكل PageV05P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" صلبة وصلده ، حتى أنجز الله وعده ، وفتحها ~~المسلمون مجازا وفي الحقيقة فتحها وحده ، وطلعت سناجق الإسلام الصفر على ~~أسوارها ، ودخلت عليهم من أقطارها ، وجاست الكسابة خلال ديارها ، فاحتازها ~~مولانا السلطان لنفسه ملكا ، وما كان يكون له في فتحها شريك وقد نفا عنها ~~شركا ، وكما قيل : هذه طرابلس فتحت قال النصر بمن قتل فيها من النجد ~~الواصلة وأكثر عكا وأهل عكا ، وأعاد الله قوة الكفر بها أنكاثا ، وكان ~~أخذها من مائة سنة وثمانين سنة في يوم الثلاثاء واستردت في يوم الثلاثاء . ~~ولما عمت هذه البشائر ووكل بها مولانا السلطان إلى كل من يستجلي حسان هذه ~~العرائس ، ويستحلي نفيس هذه النفائس ، سير مولانا السلطان إلى مولانا بشرى ~~فقعقع ms1063 بها البريد ، لتتلى بأمر مولانا على كل من ألقى السمع وهو شهيد ، ~~وكما عم السرور بذلك كل قريب قصد أن يعم الهناء كل بعيد . وأصدر المملوك ~~هذه الخدمة يتحجب بين يدي نجواها ، ويتوئب بعد هذه المفاتحة لكل سانحة يحسن ~~لدى المولى مستقرها ومثواها . لا برح المقام يستبشر لكماة الإسلام بكل فضل ~~ونعمى ، ويفرح لسرح الكفر إذا انتهك ولسفح الملك إذا يحمى ، ولسمع الشرك ~~إذا يصم ولقلبه إذا يصمى . ، وانحطت تلك الجيوش من تلك الجنادل ، انحطاط ~~الأجدال ، واندفعوا في تلك الأوعار اندفاع الأوعال ، ولم يحفل أحد منهم ~~بسرب لاصق ولا بجبل شاهق فقال : هذا منخفض أو عال ، وشرعوا في التحصيل لما ~~يوهي ذلك التحصين ، وابتناء كل سور أمام أسوارها من التدبير الحسن والرأي ~~الرصين ، فما لبثوا إلا مقدار ما قيل لهم : دونكم والاحتطاب ، ونقل ~~المجانيق على الخيل وعلى الرقاب ، حتى جروها بأسرع من جر النفس ، وأجروها ~~على الأرض سفائن وكم قالوا : السفينة لا تجري على يبس . وفي الحال نقلت ~~إليها فرأوا من متوقلها من يمشي بها على رجلين ومنهم من يمشي على أربع ، ~~ووجهت سهامها وجوهها إلى منافذها فما شوهدت منها عين إلا وكان قدامها منها ~~إصبع ، وألقيت العداوة بين الحجارة من المجانيق وبين الحجارة من الأسوار ، ~~فكم نقبت ونقبت من فلذة كبدها عن أسرار ، وأوقدت نيران المكايد ثم فكم ~~حولها من صافن ومن صافر ، وكم رمتهم بشرر كالقصر فوقع الحافر كما يقال على ~~الحافر . وما برحت سوق أهل الإيمان في نفاق على أهل النفاق ، وأكابرهم تساق ~~أرواحهم الخبيثة إلى السياق . وكان أهل عكاء قد أنجدوهم من البحر بكل بر ، ~~ورموا الإسلام بكل شرر وكل شر ، فكان السهم الذي يخرج منها لا يخرج إلا ~~مقترنا بسهام . وشرفات ذلك الثغر كالثنايا ولكنها لكثرة من بها لا تفتر عن ~~ابتسام ، وما زالت جنود الإسلام كذاك ، ومولانا السلطان لا ترى جماعة مقدمة ~~ولا متقدمة إلا وهو يرى بين أولئك . وأستمر ذلك من مستهل شهر ربيع الأول ~~غلى يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الآخر ، فزحف ms1064 عليها في بكرة ذلك النهار ~~زحفا يقتحم كل لهضبة ووهدة ، وكل صلبة وصلده ، حتى أنجز الله وعده ، وفتحها ~~المسلمون مجازا وفي الحقيقة فتحها وحده ، وطلعت سناجق الإسلام الصفر على ~~أسوارها ، ودخلت عليهم من أقطارها ، وجاست الكسابة خلال ديارها ، فاحتازها ~~مولانا السلطان لنفسه ملكا ، وما كان يكون له في فتحها شريك وقد نفا عنها ~~شركا ، وكما قيل : هذه طرابلس فتحت قال النصر بمن قتل فيها من النجد ~~الواصلة وأكثر عكا وأهل عكا ، وأعاد الله قوة الكفر بها أنكاثا ، وكان ~~أخذها من مائة سنة وثمانين سنة في يوم الثلاثاء واستردت في يوم الثلاثاء . ~~ولما عمت هذه البشائر ووكل بها مولانا السلطان إلى كل من يستجلي حسان هذه ~~العرائس ، ويستحلي نفيس هذه النفائس ، سير مولانا السلطان إلى مولانا بشرى ~~فقعقع بها البريد ، لتتلى بأمر مولانا على كل من ألقى السمع وهو شهيد ، ~~وكما عم السرور بذلك كل قريب قصد أن يعم الهناء كل بعيد . وأصدر المملوك ~~هذه الخدمة يتحجب بين يدي نجواها ، ويتوئب بعد هذه المفاتحة لكل سانحة يحسن ~~لدى المولى مستقرها ومثواها . لا برح المقام يستبشر لكماة الإسلام بكل فضل ~~ونعمى ، ويفرح لسرح الكفر إذا انتهك ولسفح الملك إذا يحمى ، ولسمع الشرك ~~إذا يصم ولقلبه إذا يصمى . وكتب المولى محي الدين أيضا عن نفسه مطالعة إلى ~~السلطان الملك المنصور يهنئه بهذا الفتح : هنئت يا ملك البسيطة . . . فتحا ~~به النعمى محيطه وبقيت يا خير الملو . . . ك بسيفك الدنيا محوطه يقبل الأرض ~~ويبتهل إلى دعاء صالح يقدمه بين يدي بشره وبشراه ، وكل مقام محمود من ~~الإجابة يحوله في سره ونجواه ، ويهنئ بهذا الفتح الذي كم مضى ملك وفي قلبه ~~منه حسرة ، وما ادخر الله إلا لمولانا السلطان أجره وفخره . فالحمد لله على ~~هذا النصر العزيز وهذا الفتح المبين ، والظفر الذي أعطاه الله إياه في شهر ~~وقد أقامت جموع الكفر حتى حازت بعضه في مدة سبع سنين . وله الشكر على أن ~~جعل الكفر PageV05P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" من بعد قوة أنكاثا ، وجعل أخذ مدينة طرابلس ~~من ms1065 الكفار في يوم الثلاثاء وكان أخذها من المسلمين في يوم الثلاثاء ، وله ~~المنة في رد هذه الأخيذة ، وجعلها بين مولانا السلطان منبوذة . ثم المنة ~~على الله على أن سطر في سيرة مولانا السلطان هذه السنة ، وجعلها ما بين ~~نومة عين وانتباهها في أقرب من سنة ، ورد إباقها على المسلمين بعد أن أقامت ~~هاربة عند الكفار مائة سنة وستا وثمانين سنة ، والله يلحق بها في الفتح ~~أخواتها من المدن ، ولا يلبث إن شاء الله هاديا بها بعدها مثل عكاء وصور ~~وصيدا حتى يراهن إلى قبضته قد عدن ، إن شاء الله تعالى . وكتب الأمير حسام ~~الدين طرنطاي عن الأمير بدر الدين بيدرا في ذلك : المملوك يهنئ بهذا الفتح ~~الذي كادت به هذه الغزوة تزهو على غيرها من الغزوات وتتيه ، وأشرقت الأرض ~~بنور ربها ابتهاجا بما أمضاه الله منه وما سيمضيه ، وبما سيعطيه حتى يرضيه ~~، وذلك أن فتح طرابلس التي طالما شمخت بأنفها على الملوك ، وكم أبت على ~~مستفتح فما قال لغيره إباؤها : لله أبوك ، وأخر الله مدتها إلى خير الأزمان ~~، وفتحها على يد سلطاننا الذي حقق الله به آمالا تنفذ إلا منه بسلطان . ~~فالحمد لله الذي عضد هذا الملك من مولانا بخير من دبره ، وحماه منه بأقطع ~~حسام جرده الله لنقض ما أمره ، وما من فتوح ولا أمر ممنوح إلا ومولانا منضد ~~عقوده ، ومجهز بريده ، ومطلع سعوده ، ورافع علمه ، وممضي سيفه ومرضي قلمه . ~~فأمتع الله الأمة من مولانا السلطان بسلطان يسترد لهم الحقوق ويتقاضى لهم ~~الديون ، وأمتع الله سلطانها من مولانا بمن آراؤه أقفال الممالك وسيوفه ~~مفاتيح الحصون . ومن إنشاء المولى شهاب الدين محمود الحلبي ما كتب به عن ~~الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة الشريفة إلى النائب بقلعة الجبل عند ~~كسرة التتار بمرج الصفر في شهر رمضان سنة اثنتين وسبعمائة : وبشره بالفتح ~~الذي أعاد الله به الأمة خلقا جديدا ، والنصر الذي أنزل الله فيه من ~~الملائكة أنصارا وجنودا ، والظفر الذي أطفأ الله به من نار الكفر ما لم يكن ~~يرهب خمودا ms1066 ، والغزوة التي زلزل الله بها جبال أهل الشرك وقد تدفقت على ~~الأرض PageV05P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" أمثال البحار عددا وعديدا . المملوك يقبل ~~اليد العالية التي لها من هذه النصرة وإن لم تبلغها أجر الرامي المسدد سهمه ~~، المعجل من التهاني غنمه ، الموفر من المحامد الجزيلة قسمه ، ويهنئ المولى ~~بهذا الفتح الذي مد الله به على الأمة جناح رحمته وفضله ، ومن على أيامنا ~~الزاهرة فيه بالشام وأهله ، وبرز فيه الإسلام كله للشرك كله . ولله الحمد ~~الذي أعز دينه ونصره ، وحصد بسيوف الإسلام عدو دينه بعد أن حصره ، وأباد ~~جيوش الشرك وهم مائة ألف أو يزيدون ، وأفنى أحزاب أهل الكفر وكانوا أمثال ~~الرمال لا يعدون ، وينهي أن علمه الكريم قد أحاط بما كان من أمر هذا العدو ~~المخذول ودخوله إلى البلاد المحروسة بجيوشه وكتائبه وجموعه وجنوده من أشياع ~~أهل الكفر وأحزاب الشرك . ولما تواصلت الأخبار بقربه ، واستعداده بحزبه ، ~~ومهاجمته البلاد ، وإيقاع الرعب في قلوب أهلها بالتنوع في الفساد ، ساق ~~الركاب الشريف في طلبه يطوي المراحل ، ويقطع في كل يوم منزلتين بل منازل . ~~ولما حل الركاب الشريف بمرج الصفر على مرحلة من دمشق المحروسة في يوم السبت ~~مستهل شهر رمضان المعظم زينت العساكر المنصورة للقاء حال وصولها ، واستعدت ~~للحرب دون تشاغل بأسباب نزولها ، فوافى العدو المخذول في مائة ألف من جيوش ~~تسيل كالرمال ، وتعلو الجبال بأشد من الجبال ، وحين وصلوا حملوا على ~~الميمنة بجملتهم ، وقصدوا إزاحتها عن موقفها بحملتهم ، فتلقتهم الجيوش ~~المنصورة بنفوس قد بايعت الله على لقاء عدو الله وعدوها ، ووثقت بما اعد ~~الله لها من الجزاء في رواحها في سبيله وغدوها ، وصدمتهم صدمة كسرت حدهم ، ~~وأوهنت شدتهم وشدهم ، وأزالت طمعهم ، وأبانت ظلعهم ، وسالت عليهم الجيوش ~~المنصورة من كل جانب ، وحميت الحرب بين الكتائب الإسلامية وبين تلك الكتائب ~~، ودخل الليل ونار الحرب تشتعل ، والجياد من المحاجر تحفى وبالجماجم تنتعل ~~، فأووا إلى جبال واعتصموا بهضابها ، واحتموا بتوعر مسالكها وضيق عقابها ، ~~وأحاطت بهم الجيوش المنصورة لحوسهم لا لحفظهم ، وتضم أطرافهم لا لحبهم بل ~~لبغضهم ، فكانوا - PageV05P0159 # """""" صفحة ms1067 رقم 160 """""" بعد كثرة من قتل منهم في المعركة الأولى أو ~~فر من أول الليل - جمعا يناهز الأربعين ألف فارس ، فاصبحوا يعاودون القتال ~~، وينزلون إلى أطراف الجبال للنزال ، والجيوش المنصورة تلزمهم من كل جانب ، ~~وتحكم في أبطالهم القنا والقواضب . وجرت في أثناء ذلك حملات ظهر في كل منها ~~خسارهم ، وشهد عندهم بما يكابدون قتلهم وإسارهم ، وبعد ذلك نزلوا من جانب ~~واحد يطلبون الفرار ، ويتوقعون القتل إن تعذر الإسار ، فساقت خلفهم الجيوش ~~المنصورة تتخطفهم رماحها ، وتتلقفهم صفاحها ، وتقاذفت بمن نجا من الفلوات ، ~~وغرقتهم أمواج السراب قبل أمواج الفرات ، فأخذوا قنصا باليد من بطون ~~الأودية ورءوس الشعاب ، ولم يحصل أحد منهم على الغنيمة بالإياب ، وقتل أكثر ~~مقدمي التمانات وفر كبيرهم وأنى له الفرار ، وبين يديه مفاوز إن سلك منها ~~تناولته بأرماح من العطش القفار . فيأخذ المولى حظه من هذه البشرى التي ~~تنبئ عن الفتح العظيم والفضل العميم ، والنصرة التي حفظ الله بها على ~~الإسلام البلاد والثغور والأموال والحريم ، ويكتب إلى البلاد بمضمونها ، ~~ويسر قلوب أهل الثغور بمكنونها ، ويستنهض المولى الأمة لشكر الله عليها ، ~~ومن ذا الذي يقوم بشكر ذلك ويعرفهم مواقع هذه النصرة التي أنجد الله فيها ~~الإسلام بالملائك ، ويتقدم أمره بضرب البشائر بكل مكان ، ويشهر في جميع ~~الثغور أن عدو الله وعدو الإسلام دخل في خبر كان ، وأن الله تعالى كسر جيوش ~~التتار كسرا لا يجبر صدعه ، ولا يتأتى إن شاء الله جمعه . و الله تعالى ~~يسمعه من التهاني كل ما يسر الإسلام وأهله ، ويشكر قوله في مصالح الإسلام ~~وفعله ، إن شاء الله تعالى . الباب الثاني من القسم الرابع من الفن الثاني ~~في المراثي والنوادب والمراثي إنما جعلت تسلية لمن عضته النوائب بأنيابها ، ~~وفرقت الحوادث بين نفسه وأحبابها ، وتأسية لمن سبق إلى هذا المصرع ، ونهل ~~من هذا المشرع ، ووثوقا باللحاق بالماضي ، وعلما أن حادثة الموت من الديون ~~التي لابد لها من PageV05P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" التقاضي ، وأنه لا سبيل إلى الخلود والبقاء ، ~~ولا بد لكل نفس من الذهاب ولكل جسد من الفناء ms1068 . قال الله تعالى في محكم ~~تنزيله مخاطبة لرسوله : " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفائن مت فهم ~~الخالدون كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون " . ~~فليرض من فجع بخليله وشقيقه ، وصاحبه وصديقه ، وأهله وولده ، وجمعه وعدده ، ~~وماله ومدده ، نفسه الجامحة في ميادين أسفها وبكائها ، الجانحة إلى طلب ~~دوائها من مظان أدوائها ، بزمام الصبر الجميل ، لينال الأجر الكريم والثواب ~~الجزيل ، فقد أثنى الله تعالى على قوم بقوله : " والصابرين على ما أصابهم " ~~، وقال تعالى إخبارا عن لقمان في وصيته لابنه : " واصبر على ما أصابك إن ~~ذلك من عزم الأمور " . وليسترجع من أصابته مصيبة أو نزلت به بلية ، وطرقته ~~حادثة أو لمت به رزية ، لما جعل الله تعالى للمسترجع بفضله ومنته ، من ~~صلاته عليه ورحمته ، قال الله عز وجل : " الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا ~~إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون " . وليتأس الفاقد برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقد جعل ~~الله فيه أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ، وليقتد بأصحابه رضي ~~الله عنهم ليفوز بثواب الصابر ويحوز أجر الشاكر . وباب الرثاء فهو باب فسيح ~~الرحاب والنوادي ، فصيح اللسان في إجابة المنادي ذي القلب الصادي ، متباين ~~الأسلوب ، مختلف الأطراف متباعد الشعوب ، منه ما يصمى القلوب بنباله ، ومنه ~~ما يسليها بلطيف مقاله ، ومنه ما يبعثها على الأسف ، ومنه ما يصرفها عن ~~موارد التلف . وقد أكثر الشعراء القول في هذا الباب ، وارتقوا الذروة ~~العلياء من هذه الهضاب ، ووجدوا مكان القول ذا سعة فقالوا ، وأصابهم هجير ~~اللوعة فمالوا إلى ظله وقالوا . قال الأصمعي : قلت لأعرابي : ما بال ~~المراثي أشرف أشعاركم ؟ قال : لأنا نقولها وقلوبنا محترقة . معلى الجملة ~~فالموت هو المصيبة التي لا تدفع ، والزرية التي لا ترد بكثرة الجموع ولا ~~تمنع ، والحادثة التي لا تنصرف بالفداء وإن جل مقداره ، والنازلة التي لا ~~تتأخر عن وقتها بالدعاء PageV05P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" وإن عظمت في غيرها آثاره ، وهو أبعد الأربعة ~~التي فرغ منها ، وصرفت وجوه المطامع عنها ms1069 . وقد قالت الحكماء : أعظم ~~المصائب كلها انقطاع الرجاء . وقالوا : كل شيء يبدو صغيرا ثم يعظم إلا ~~المصيبة فإنها تبدو عظيمة ثم تصغر . وقالوا : لا يكون البكاء إلا من فضل ، ~~فإذا اشتد الحزن ذهب البكاء . قال الشاعر : فلئن بكيناه لحق لنا . . . ولئن ~~تركنا ذاك للصبر فلمثله جرت العيون دما . . . ولمثله جمدت فلم تجر وقيل : ~~مر الأحنف بامرأة تبكي ميتا ورجل ينهاها ، فقال : دعها فإنها تندب عهدا ~~وسفرا بعيدا . وقيل لأعرابية مات ابنها : ما أحسن عزاءك ؟ قالت : إن فقدي ~~إياه آمنني كل فقد سواه ، وإن مصيبتي به هونت علي المصائب بعده ، ثم أنشأت ~~تقول : كنت السواد لمقلتي . . . فعمى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت . . . ~~فعليك كنت أحاذر ليت المنازل والديا . . . ر حفائر ومقابر إني وغيري لا محا ~~. . . لة حيث صرت لصائر وقد نقل أبو الفرج الأصفهاني : أن بعض هذا الشعر ~~لإبراهيم بن العباس بن محمد بن صول يرثي ابنا له فقال : أنت السواد لمقلة . ~~. . تبكي عليك وناظر من شاء بعدك فليمت . . . فعليك كنت أحاذر ولم يزد على ~~هذين البيتين شيئا . أخذ الحسن بن هانئ معنى البيت الأول فقال في الأمين : ~~طوى الموت ما بيني وبين محمد . . . وليس لما تطوي المنية ناشر PageV05P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" وكنت عليه أحذر الموت وحده . . . فلم يبق لي ~~شيء عله أحاذر لئن عمرت دورا بمن لا نحبه . . . لقد عمرت ممن نحب المقابر ~~وقيل : من أحسن ما قيل في التعازي أن أعرابيا مات له ثلاثة بنين في يوم ~~واحد فدفنهم وعاد إلى مجلسه ، فجعل يتحدث كان لم يفقد أحدا ، فليم على ذلك ~~، فقال : ليسوا في الموت ببديع ، ولا أنا في المصيبة بأوحد ، ولا جدوى ~~للجزع ، فعلام تلومونني ، وهذه ثلاثة الأقسام لا رابع لها . وعزى أعرابي ~~رجل فقال : لما دفن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فاطمة رضي الله عنها تمثل ~~على قبرها بهذين البيتين : لكل اجتماع من خليلين فرقة . . . وكل الذي دون ~~الممات قليل وغن افتقادي واحدا بعد واحد . . . دليل على ألا يدوم خليل وعزى ~~علي بن أبي ms1070 طالب رضي الله عنه الأشعث بن قيس عن ابنه فقال : إن تحزن فقد ~~استحقت ذلك منك الرحم ، وغن تصبر ففي الله خلف من كل هالك ، مع انك إن صبرت ~~جرى عليك القدر وأنت مأجور ، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت موزور ، سرك ~~الله وهو بلاء وفتنة ، وحزنك وهو ثواب ورحمة . وعزى أكثم بن صيفي حكيم ~~العرب عمرو بن هند الملك عن أخيه فقال : أيها الملك ، إن أهل هذه الدار سفر ~~لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها ، وقد أتاك ما ليس بمردود عنك ، وارتحل ~~عنك ما ليس براجع إليك ، وأقام معك من سيظعن ويدعك ، فما أحسن الشكر للمنعم ~~والتسليم للقادر وقد مضت لنا أصول نحن فروعها ، فما بقاء الفرع بعد أصله ~~واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها ، وخير من الخير معطيه ، وشرق من ~~الشر فاعله . PageV05P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" وقال ابن السماك : المصيبة واحدة ، فإن كان ~~فيها جزع فهي اثنتان . وقال أبو علي الرازي : صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين ~~سنة ما رأيته ضاحكا ولا مبتسما إلا يوم مات ابنه علي ، فقلت له في ذلك ، ~~فقال : إن الله أحب أمرا فأحببت ما أحب الله . وقال صالح المري : إن تكن ~~مصيبتك في أخيك أحدثت لك خشية فنعم المصيبة مصيبتك ، وإن تكن مصيبتك بأخيك ~~أحدثت لك جزعا فبئست المصيبة مصيبتك ، وقال علي بن موسى للفضل بن سهل يعزيه ~~: التهنئة بآجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة . وعزى الرشيد رجل ~~فقال : كان لك الأجر يا أمير المؤمنين لا بك ، وكان العزاء لك لا عنك . ~~أخذه الآخر فقال : كن المعزى لا المعزى به . . . إن كان لابد من الواحد ~~وقال عمر بن عبد العزيز لابنه عبد الملك وقد اشتد به الألم : كيف تجدك يا ~~بني ؟ قال : أجدني في الموت ، فاحتسبني ، فإن ثواب الله خير لك مني . قال : ~~والله يا بني لأن تكون في ميزاني أحب إلي من أكون في ميزانك . قال : وأنا ~~والله لأن يكون ما تحب أحب إلى من يكون ما أحب . وعزى ms1071 شبيب بن شبة أبا جعفر ~~المنصور بأخيه أبي العباس السفاح فقال : جعل الله ثواب ما رزئت لك أجرا ، ~~وأعقبك عليه صبرا ، وختم لك بعافية تامة ، ونعمة عامة ، فثواب الله خير لك ~~منه ، وأحق ما صبر عليه ما ليس إلى تغييره سبيل . ودخل البلاذري عل علي بن ~~موسى الرضا يعزيه بابنه فقال : أنت تجل عن وصنا ، ونحن نقصر عن عظتك ، وفي ~~علمك ما كفاك ، وفي ثواب الله ما عزاك . PageV05P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" فهذه نبذة في التعازي كافية ، وجنة لمن تحصن ~~بها من ذوي الفجائع واقية . فلنذكر المراثي . ذكر شيء من المراثي والنوادب ~~ولنبدأ من ذلك بما قاله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وبشيء مما قيل ~~عند وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فمن ذلك ما قاله رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) يوم وفاة ولده إبراهيم عليه السلام : " يا إبراهيم لو ~~لا أنه أمر حق ووعد صدق وأن آخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك حزنا هو أشد من ~~هذا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون تبكي العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط ~~الرب " . ذكره الجواني النسابة في شجرة الأنساب ، وذكره غيره مختصرا . ومنه ~~ما روي أن فاطمة رضي الله عنها وقفت على قبره ( صلى الله عليه وسلم ) وقالت ~~: إنا فقدناك فقد الأرض وابلها . . . وغاب مذ غبت عنا الوحي والكتب فليت ~~قبلك كان الموت صادفنا . . . لما نعيت وحالت دونك الكثب ووقف على رضى الله ~~عنه على قبره ( صلى الله عليه وسلم ) ساعة دفن وقال : الصبر لجميل إلا عنك ~~، وإن الجزع لقبيح إلا عليك ، وإن المصاب بك لجليل ، وإنه قبلك وبعدك لجلل ~~. وقد ألم الشعراء بهذا المعنى ، فقال إبراهيم بن إسماعيل في علي ابن موسى ~~الرضا : إن الرزية يا ابن موسى لم تدع . . . في العين بعدك للمصائب مدمعا ~~والصبر يحمد في المواطن كلها . . . والصبر أن نبكي علبك ونجزعا ووفق أعرابي ~~على قبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : قلت فقبلنا ، وأمرت ~~فحفظنا ، وقلت عن ربك فسمعنا : " ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم ms1072 جاءوك ~~فاستغفروا الله PageV05P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ~~" ، وقد ظلمنا أنفسنا وجئناك فاستغفر لنا ، فما بقيت عين إلا سالت . ودخل ~~عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في مرض موته ، فقال : يا ~~خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، لقد كلفت القوم بعدك تعبا ، ~~ووليتهم نصبا ، فهيهات من شق غبارك وكيف باللحاق بك . وقالت عائشة أم ~~المؤمنين رضي الله عنها وأبوها يغمض : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه . . . ~~ثمال اليتامى عصمة للأرامل فنظر إليها وقال : ذاك رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . ثم أغمي عليه ، فقالت : لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى . . . ~~إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر فنظر إليها كالغضبان وقال : قولي : " وجاءت ~~سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد " . ثم قال : انظروا ملاءتي ~~فاغسلوهما وكفنوني فيهما ، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت . ووقفت رضي ~~الله عنها على قبره رضي الله عنه فقالت : نضر الله وجهك ، وشكر لك صالح ~~سعيك ، فقد كنت للدنيا مذلا عنها بإدبارك عنها ، وكنت للآخرة معزا بإقبالك ~~عليها ، ولئن كان أجل الحوادث بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رزءك ، ~~وأعظم المصائب بعده فقدك ، إن كتاب الله ليعد بحسن الصبر فيك وحسن العوض ~~منك ، فإنا لنتنجز موعود الله بحسن العزاء عليك ، واستعيضه منك بالاستغفار ~~لك . أما لئن كانوا أقاموا بأمور الدنيا لقد قمت بأمر الدين حين وهى شعبه ، ~~وتفاقم صدعه ، ورجفت جوانبه . فعليك السلام ورحمة الله توديع غير قالية لك ~~، ولا زارية على القضاء فيك . ثم انصرفت . ولما قبض رضي الله عنه سجي عليه ~~بالثوب ، فارتجت المدينة بالبكاء ودهش القوم كيوم قبض رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وجاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه باكيا مسرعا مسترجعا حتى ~~وقف بالباب وهو يقول : رحمك الله يا أبا بكر ، كنت والله أول القوم ~~PageV05P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" إسلاما ، وأخلصهم إيمانا ، وأشدهم يقينا ، ~~وأعظمهم غناء ، وأحفظهم على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأحدبهم ~~على الإسلام ، وأحناهم على أهله ms1073 ، وأشبههم برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) خلقا وفضلا وهديا وسمتا ، فجزاك الله عن الإسلام وعن الرسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) خيرا ، صدقت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين كذبه ~~الناس ، وواسيته حين بخلوا ، وقمت معه حين قعدوا ، وأسماك الله في كتابه ~~صديقا فقال : " والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " ، يريد محمدا ~~ويريدك . كنت والله للإسلام حصنا وعلى الكافرين عذابا ، ولم تفلل حجتك ، ~~ولم تضعف بصيرتك ، ولم تجبن نفسك . كنت كالجبل الذي لا تحركه العواصف ولا ~~تزيله القواصف . كنت كما قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ضعيفا في ~~بدنك ، قويا في أمر الله ، متواضعا في نفسك ، عظيما عند الله جليلا في ~~الأرض ، كبيرا عند المؤمنين . لم يكن لأحد عندك مطمع ولا لأجد عندك هوادة ، ~~فالقوي عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه ، والضعيف عنك قوي حتى تأخذ الحق له . ~~فلا حرمنا الله أجرك ، ولا أضلنا بعدك . فانظر إلى هذا الأسلوب العجيب ، ~~وتأمل هذا النمط الغريب ، الذي جمع بين سلاسة الألفاظ وإيجازها ، وإصابة ~~المعنى وإعجازها . ولا يستكثر على من أنزل القرآن بلغتهم ، أن يكون هذا ~~القول من بديهتهم . ولنذكر لمعة من رسائل البلغاء والفضلاء ، ولمحة من ~~أشعار الأدباء والشعراء . فمن ذلك رسالة كتبها الوزير الفقيه الكاتب أبو ~~القاسم محمد بن عبد الله بن الجد ، إلى الوزير الفقيه أبي القاسم الهوريني ~~يعزيه عن أخيه ، ابتدأها بأن قال : لابد من فقد ومن فاقد . . . هيهات ما في ~~الناس من خالد كن المعزى لا المعزى به . . . إن كان لا بد من الواحد إذا لم ~~يكن بد من ترجع الحمام ، وتشتت النظام ، وانصداع شمل الكرام ، فمن الاتفاق ~~السعيد والقدر الحميد أن يرث أعمار البنية الكريمة مشيد علاها ، وتسلم ~~PageV05P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" من القلادة وسطاها ، فمدار الكنانة على ~~معلاها ، وفخار الحلبة بمحرز مداها . وفي هذه النبذة إشارة إلى ما فرط من ~~الإخوة النبلاء ، ودرج من السادة النجباء ، فإنهم وإن كانوا في رتبة الفضل ~~صدورا ، وغدوا في سماء النبل بدورا ، فإن شمس علائك أبهر ms1074 أضواء وأزهر ~~أنوارا ، وظل جنابك على بنيهم ومخلفيهم أندى آصالا وأبرد أسحارا . نعي إلي ~~- أوشك الله سلوانك ، ولا أخلى من شخصك الكريم مكانك - الوزير أبو فلان ، ~~برد الله ثراه ، وكرم مثواه ، فكأنما طعن ناعيه في كبدي ، وظعن باكيه ~~بذخيرة جلدي . لا جرم أني دفعت إلى غمرة من التلدد ولو صدم بها النجم لحار ~~، أو دهم بها الحزم لخار ، ثم ثابت إلى نفسي وقد وقذها الجزع ، وعضها الوجع ~~، فأطلت الاسترجاع ، وجمعت الجلد الشعاع ، وها أنا عند الله أحتسبه جماع ~~فضائل ، وجمال محافل ، وحديقة مكارم صوحت ، وصحيفة محاسن درست وانمحت . وما ~~اقتصرت من رسم التعزية المألوف ، على القليل المحذوف ، فبك يقتدي اللبيب ، ~~وعلى مثالك يحتذي الأديب ، وإلى غرضك من كل موطن يوفى المصيب ، وفي تجافي ~~الأقدار عن حوبائك ، وسقوطها دون فنائك ، ما يدعوا إلى التعزية . لا صدع ~~الله جمعك ، ولا قرع بنبأة المكروه سمعك . ومن إنشاء القاضي الفاضل عبد ~~الرحيم البيساني : ورد الخبر بمصرع فلان الذي عز على المعالي ، وعزيت به ~~الليالي ، وسقط به نجم الشرف وهوى ، وجف به روض الكرم وذوى ، ونقصت الأرض ~~من أطرافها ، ورجفت الجبال من أعرافها ، وبكيت عليه السماء فإن يده كانت من ~~سحبها ، وتناثرت PageV05P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" له النجوم فإن عزمه كان من شهبها ، وأظلمت في ~~عيني الدنيا الظالمة ، وتجرعت منها كأسا لا تسيغها النفس كاظمة ، وتقسمت ~~الأيام فريقين في مودتي وعداوتي ، فآها على السفالة ولا مرحبا بالقادمة ، ~~وأصبحت أخوض الماء وأحشائي تتقطع غليلا ، وارى الناس كثيرا بعيني وبقلبي ~~قليلا . وما الناس في عيني إلا حجارة . . . لبينك والأعراس إلا مآتم فقد ~~استوحشت الدنيا لفقده ، وارتابت بنفسها من بعده ، وعلمت حلاوة قربه بمرارة ~~بعده ، وانصرف ذوو الألباب عن بابه ، واجتنبت الآمال مغنى جنابه ، وبكت ~~الرياض على آثار سحابه . فإن يمس وحشا بابه فلربما . . . تناطح أفواجا عليه ~~المواكب ومن إنشائه رحمه الله تعالى : ما شككت - أطال الله بقائك - حين ورد ~~النعي بالمصائب التي قصمت الظهور بمكروهها ، وحسرت فيها الحسرات عن وجوهها ~~، أن السماء على الأرض قد انطبقت ، وأن الأيام ms1075 ما أبقت والسعادة قد أبقت ، ~~والحياة لم يبق في طولها طائل ، والصبر بهجير اللوعة ظل منسوخ زائل ، وشمس ~~الفضائل قد غربت وكيف بطلوعها ، ونفس المكارم قد نزعت من بين ضلوعها ، وغاب ~~الإسلام قد غاب منه أي ليث ، ورياض الآمال قد أقلع عن سقياها أي غيث . فإنا ~~لله وإنا إليه راجعون ، رضا بحكمه ، وتجلدا علة ما رمى به الحادث من سهمه ، ~~وطبا للقلوب على مضض البلاء وكلمه ، وفرارا من الجمع بين مصيبة الفاقد ~~وإثمه . وسقى الله ذلك الضريح ما شاء أن يسقيه من سحاب كصوب يديه ، ورحمه ~~رحم تحف بجانبيه . وآها للماء العذب كيف ارتشفته النوازل وأبقت الملح ، ثم ~~آها للصباح الطلق كيف اغتالته الأصائل وأطلقت الجنح ، ووا أسفا لتلك ~~الذخيرة التي فذلكت بها الأيام ذخائري ، PageV05P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" والسريرة التي طالما صنتها أن تمر بسرائري ، ~~شفقا عليها من سهام دهر بالذخائر مولعة ، وسترا لها من عين الزمان على ~~السرائر موقعة . ولئن صحب قلبي بعد أضلعي ، وتحملت بعد فقده على ظلعي ، ~~فإنا غدا على أثره ، وإن كنا اليوم على خبره . وقصر الحياة إلى قصور ، كما ~~أن محصول غرورها غرور . والتأدب بأدب الله أولى ما خفف به المسلوب عن ~~مناكبه ، وطريق السلوان لابد أن يراجعه عزم منكبه . فأنشدها الله إلا جعلت ~~مصيبتها مصيبة على الشامت بما تلبسه من صبر يلبس عليه المصيبة فيشبهها ~~بنعمة ، وبما تستشعره من تجلد في النازلة ينزل عليها صلوات من ربها ورحمة . ~~ولن ترى أعجب من مصاب لا ترى به إلا مصابا ، وساكن ترب لم يبق بعده إلا من ~~سقى بدمعه ترابا ، اشترك فيه الأمتان العرب والعجم ، وعزي به العزيزان ~~المجد والكرم ، واستباح الدهر به الصيد في الحرم . وتشابه به الباكون فلم ~~يبن . . . دمع المحق لنا من المتعمل وكتب أيضا في مثل ذلك : أخرت مكاتبة ~~الحضرة - مد الله في عمرها في صبرها وفي أجرها ، وألهمها التسليم لحكم من ~~هو غلب على أمرها - إلى أن تنقضي نبوة الخطب ، وتضع الأنفاس أوزارها للحرب ~~، ويخرج ماء الجفن نار القلب ، وتراجع الخواطر ms1076 إلى عاداتها ، وتنظر في ~~الدنيا التي ما صبحت إلا على عادياتها ومعاداتها ، فتكون الحضرة عرفت من ~~غير تعريف ، ووقفت على الحزم من غير توقيف ، وتوفر عليها الثواب من غير ~~مشارك ورجعت إلى فهم مدرك وصواب مدارك . وتأخير التعزية عن البادرة خلاف ما ~~شرع فيه ، ولكن إنما يحتاج أن يثبت من صبره هاف ، ويرم من تجلده عاف . وقد ~~علم الله اهتمامي واغتنامي بفقد شيخها رحمه الله وعدمها منه من لا عوض منه ~~إلا ثواب الله الذي يهون الوقائع ، ويوطن على الروائع . وأسباب التعزية غير ~~واحدة ، منها أنه إنما درج في السن التي هي معترك المنايا ، ومنها أنه ما ~~خرج عن الدنيا إلى أن رأى منها خلفا يهون الرزايا ، ومنها أنه لقي الله ~~بعمل صالح هو بمشيئة الله نجاته ، ومنها أنه فارقها على الرضا عنها ويكفيها ~~مرضاته ، وعلى الدعاء المقبول لها ونعمت الجنن دعواته . PageV05P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" ولكن للألاف لابد حسرة . . . إذا جعلت ~~أقرانها تنقطع ومنها أن الحزن لو أطيع والحزم لو أضيع لما أفضى إلي مراد ، ~~ولا أعاد ميتا قبل المعاد . وأحق متروك ما يأثم طالبه ، ويؤجر مجانبه . عن ~~الدهر فاصفح إنه غير متعب . . . وفي غير من قد وارت الترب فاطمع والحضرة ~~تعلمني من لاحقة رجوعها إلى الله بعد الاسترجاع ، ومن تسليم خاطر الحزن إلى ~~حكم الله ما يسر خاطر الاستطلاع ، وحسبه - أبقاه الله تعالى - من كل هالك ، ~~ولا يجزه المحاسب من فذلك ، ومثله من أخذ بعزائم الله فيما هو آخذ وتارك . ~~جبر الله مصابه ، وعظم ثوابه ، وسقى الماضي وروى ترابه ، ولا تذهب النفس ~~حسرة لما شهدت العين ذهابه . وتخطفته يد الردى في غيبتي . . . هبني حضرت ~~فكنت ماذا أصنع ومن إنشاء الشيخ ضياء الدين أحمد بن محمد القرطبي ما كتب به ~~إلى الصاحب شرف الدين الفائزي يعزيه في مملوك توفي له ، وكان الصاحب قد جزع ~~لفقده . ابتدأ كتابه بأن قال : فدى لك من يقصر عن مداكا . . . فلا أحد إذا ~~إلا فداكا إنا لله وإنا إليه راجعون . لقد كان لكم في رسول ms1077 الله أسوة حسنة ~~، وسنة في الأسى مستحسنة ، وإنما الأنفس ودائع مستودعة ، وعوار مسترجعة ، ~~ومواهب بيد الفناء مستنزعة . فالعمر نوم والمنية يقظة . . . والمرء بينهما ~~خيال ساري وما برح ذوو العزمات يتلقون واردات المصائب بصبرهم ، وما كان ~~لمؤمن ولا لمؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم . ~~وإن يد الله PageV05P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" لملية بفيض المواهب ، وفي الله عوض من كل ~~بائن وخلف من كل ذاهب . وإذا سلم مولانا في نفسه وولده ، فلا بأس إذا تطرقت ~~يد الردى إلى ملك يده . فأنت جوهر الأعناق ، ما ملكت . . . كفاك من طارف أو ~~تالد عرض والحمد لله الذي جعل المصيبة عندك لا بك ، والرزية لك لا فيك . ~~إذا سلمت فكل الناس قد سلموا وإذا تخطتكما المنية فلها في سواكما الخيار ، ~~ولنا القدح المعلى إذا أروي زند هذا الاختيار . ولا بد في مشرع المنية من ~~مفقود وفاقد . كن المعزى لا المعزى به . . . إن كان لا بد من الواحد وهذا ~~فقد وهب الله لمولانا من حيث إنه أخذه منه ، وأبقاه من حيث رآه ذاهبا عنه ، ~~فهو بالأمس عارية مردودة ، واليوم ذخيرة موجودة ، وكان عطية مسلوبة وهو ~~الآن نعمة موهوبة ، كنت له وهو الآن لك ، وفزت به والسعيد من فاز بما ملك . ~~وهذه دار دواؤها داؤها ، وبقاؤها فناؤها ، طالبها مطلوب ، وسالبها مسلوب ، ~~وإن لنا فيمن سلف لعزاء ، ولنا برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اقتداء ، ~~ولا بد من ورود هذا المشرع ، وملاقاة هذا المصرع . ومن إنشاء المولى شهاب ~~الدين محمود الحلبي ما كتب به عن بعض النواب إلى الأمير عز الدين الحموي ~~النائب - كان بدمشق - تعزية بولده : أعز الله أنصار المقر الكريم العالي ، ~~ولا هدمت له الخطوب ركنا ، ولا فجأت له الحوادث حمى ولا طلبت عليه إذنا ، ~~ولا هصرت أيدي الأقدار من عروشه الناضرة غصنا ، ولا أذاقته الأيام بعد ما ~~مر أسفا على من يحب ولا حزنا ، PageV05P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" ولا سلبه الجزع رداء الصبر الذي لا يخصه ~~بجزيل الأجر وإن شركه في الأسى ms1078 والأسف كل منا . المملوك يقبل اليد الكريمة ~~، ويهنئ أنه اتصل به النبأ الذي صدع قلبه ، وشغل بالبكاء طرفه وبالأسف ~~لسانه وبالحزن لبه ، وهو ما قدره الله تعالى من وفاة المولى الأمير ركن ~~الدين عمر - تغمده الله برضوانه - الذي اختار الله له ما لديه ، وارتضى له ~~البقاء الدائم على الفاني فنقله إليه ، على أن الدين فقد منه ركنا شديدا ، ~~ورأيا سديدا ، وعزما وحزما معينا مفيدا ، وأميرا أردنا أن يعيش سعيدا ، ~~فأبى الله إلا أن يموت شهيدا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . لقد كان للرجاء ~~في اعتضاد الدولة القاهرة به أي مجال ، وللآمال في الانتظار ببأسه ظنون ~~تحقق أن الغلبة للدين دائما مع أن الحروب سجال ، وللمواكب بطلوع طلعته أي ~~إشراق ، وللعيون عن مشاهدة كماله وأبهة جلاله أي إغضاء ورأي إطراق . ولله ~~أي بدر هوى من أفق بروجه عن فلك ، وأي شمس ما رأته الجواري الكنس إلا قلن : ~~حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك ، وأي حصن كانت منه ثمار الشجاعة تجتنى ~~، وأي أسد براثنه الصوارم وأجماته القنا . لقد فت في عضد الدين مصابه ، ~~وأذهب صحة الأنس به وحلاوة وجوده أوصاب فقده وصابه ، وكادت الصوارم أن تشق ~~عليه غمودها ، والرايات أن تقطع عليه ذوائبها وتغير بنودها ، والرماح أن ~~تعرض على النار لتقصف لا لتثقف قدودها ، والجياد أن تتعثر للحزن بذيولها ، ~~وتعتاض بالنوح عن صهيلها . ولو أنصف لأكنته القلوب في ضمائرها ، ولو قبل ~~الفداء لسمحت فيه النفوس بالنفائس ولو كانت الحياة من ذخائرها ، أو لو كان ~~الحتف مما يدافع بالجنود تحطمت دونه القنا في دروع عساكرها ، ولكنه السبيل ~~الذي لا PageV05P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" محيد عن طريقه ، والمعرس الذي لابد لكل حي من ~~النزول على فريقه ، وهو الغاية التي تستن إليها النفوس استنان الجياد ، ~~والحلبة التي كنا نحن وهذا الدارج نركض إليها ولكن السابق كان الجواد ، على ~~أن المتأخر لابد له من اللحاق ، وماذا عسى يسر البدر بكماله وهو يعلم أن ~~وراءه المحاق وفي رسول الله أسوة حسنة لمن كان يعلم أن ms1079 كل رزء بعده جلل ، ~~وإذا انتقل العبد إلى الله تعالى غير مفتون في دينه ولا مثقل الظهر من ~~الأوزار حمد في غد ما فعل ، وغبط بقدومه على أكرم الأكرمين مسرورا ، ولقي ~~الله وقد جعل في قلبه نورا وفي سمعه نورا وفي بصره نورا . والمولى أعزه ~~الله تعالى أولى من تلقى أمر الله بالتسليم والرضا ، وقابل أقداره بأن ~~الخيرة فيما قدر وقضى ، وحمد الله على ما وهب من بقاء إخوته الذين فيهم ~~أعظم خلف ، وأجمل عوض يقال به للدهر الذي اعتذر بدوام المسرة فيهم : عفا ~~الله عما سلف ، وعلم أن الخطب الذي هد ركن الدين باحترابه واجتراحه ، قد ~~صرفه إلى الأمد عن الإلمام بساحة شهابه والتعرض إلى حمى فخره والنظر إلى حي ~~صلاحه ، ففي بقائهم ما يرغم العدا ، ويعز حزب الهدى ، ويقيم كلا منهم في ~~خدمة الدولة القاهرة بين يدي المولى مقام الشبل المنتمي للأسد ، وينهضهم من ~~مصالح الإسلام مع ما يعلمه منهم من حسن الثبات من الوالد وسرعة الوثبات من ~~الولد . والله تعالى يجزل له من الأجر أوفاه ، ويحفظ عليه - وقد فعل - ~~أخراه ، ويجعله للإسلام ذخرا ، ولا يسمعه مع طول البقاء بعدها تعزية أخرى . ~~ومن أحسن الرثاء وأشجاه ما نطقت به الخنساء في رثائها لأخيها صخر ، فمن ذلك ~~قولها : ألا يا صخر إن أبكيت عيني . . . لقد أضحكتني دهرا طويلا ~~PageV05P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" دفعت بك الجليل وأنت حي . . . فمن ذا يدفع ~~الخطب الجليلا إذا قبح البكاء على قتيل . . . رأيت بكاءك الحسن الجميلا ~~وقالت أيضا فيه : ألا هبلت أم الذين غدوا به . . . إلى القبر ، ما ذا ~~يحملون إلى القبر وماذا يواري القبر تحت ترابه . . . من الجود يابؤس ~~الحوادث والدهر فشأن المنايا إذ أصابك ريبها . . . لتغد على الفتيان بعدك ~~أو تسري وقالت : يذكرني طلوع الشمس صخرا . . . وأبكيه لكل غروب شمس ولو لا ~~كثرة الباكين حولي . . . على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن . ~~. . أسلي النفس عنه بالتأسي وقالوا : أرثى بيت قالته العرب قول متمم بن ~~نورية في أخيه مالك ، وكان قد قتله ms1080 خالد بن الوليد في الردة . وكان متمم ~~قدم العراق ، فاقبل لا يرى قبرا إلا بكى ، فقيل له : يموت أخوك بالملا ~~وتبكي على قبر بالعراق فقال : لقد لامني عند القبور على البكا . . . رفيقي ~~لتذارف الدموع السوافك أمن أجل قبر بالملا أنت نائح . . . على كل قبر أو ~~على كل هالك وقال : أتبكي كل قبر رأيته . . . لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك ~~فقلت له : إن الشجا يبعث الشجا . . . فدعني فهذا كله قبر مالك PageV05P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" معناه قد ملأ الأرض مصابه عظما ، فكأنه مدفون ~~بكل مكان . وهو أبلغ ما قيل في تعظيم ميت . وقيل أرثى بيت قالته العرب قول ~~المحدث : على قبره بين القبور مهابة . . . كما قبلها كانت على صاحب القبر ~~وقيل : بل قول الآخر : أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه . . . فطيب تراب القبر ~~دل على القبر وقالوا : بل بيت غيره : فما كان قيس هلكله هلك واحد . . . ~~ولكنه بنيان قوم تهدما وقال الأصمعي : أرثي بيت قالته العرب قول الشاعر : ~~ومن عجب أن بت مستشعر الثرى . . . وبت بما زودتني متمتعا ولو أنني أنصفتك ~~الود لم أبت . . . خلافك حتى ننطوي في الثرى معا ومن أحسن الرثاء قول ~~الحسين بن مطير الأسدي : ألما بمعن ثم قولا لقبره : . . . سقتك الغوادي ~~مربعا ثم مربعا فتى عيش في معروفه بعد موته . . . كما كان بعد السيل مجراه ~~مرتعا أيا قبر معن كنت أول حفرة . . . من الأرض خطت للسماحة مضجعا ويا قبر ~~معن كيف واريت جوده . . . وقد كان منه البر والبحر مترعا بلى قد وسعت الجود ~~والجود ميت . . . ولو كان حيا ضقت حتى تصدعا ولما مضى معن مضى الجود والندى ~~. . . وأصبح عرنين المكارم أجدعا قال أبو هلال العسكري : هذه الأبيات أرثى ~~ما قيل في الجاهلية والإسلام . PageV05P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" وقال بكر بن النطاح يرثي معقل بن عيسى : ~~وحدثني عن بعض ما قال أنه . . . رأت عينه فيما ترى عين نائم كأن الندى يبكي ~~على قبر معقل . . . ولم تره يبكي على قبر حاتم ولا قبر كعب إذ يجود بنفسه . ~~. . ولا قبر حلف الجود قيس بن ms1081 عاصم فأيقنت أن الله فضل معقلا . . . على كل ~~مذكور بفضل المكارم وقال آخر : لعمرك ما وارى التراب فعاله . . . ولكنما ~~وارى ثيابا وأعظما ومثله المنصور النمري : فإن تك أفنته الليالي وأوشكت . . ~~. فإن له ذكرا سيبقى اللياليا وقال التميمي في منصور بن زياد : أما القبور ~~فإنهن أوانس . . . بفناء قبرك والديار قبور عمت صنائعه فعم مصابه . . . ~~فالناس فيه كلهم مأجور يثني عليك لسان من لم توله . . . خيرا لأنك بالثناء ~~جدير ردت صنائعه إليه حياته . . . فكأنه من نشرها منشور فالناس مأتمهم عليه ~~واحد . . . في كل دار رنة وزفير PageV05P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" وقال ابن القزاز المغربي : سأبكيك لا أن ~~البكا عدل لوعتي . . . ولا أن وجدي فيك كفء تندمي وقل لعيني أن تفيض دموعها ~~. . . عليك ولو أن الذي فاض من دمي وقال الخريمي : وأعددته ذخر لكل ملمة . ~~. . وسهم الرزايا بالذخائر مولع وإني وإن أظهرت مني جلادة . . . وصانعت ~~أعدائي عليه لموجع ولو شئت أن أبكي دما لبكيته . . . عليه ولكن ساحة الصبر ~~أوسع وقال أبو هلال العسكري : على الرغم من أنف المكارم والعلا . . . غدت ~~داره قفرا ومغناه بلقعا ألم تر أن البأس أصبح بعده . . . أشل وأن الجود ~~أصبح أجدعا فمرا على قبر المسود وانظرا . . . إلى المجد العلياء كيف تخشعا ~~فإن يك واراه التراب فكبرا . . . على الجود والمعروف والفضل أربعا ولا ~~تسأما نوحا عليه مكررا . . . ونوحا لفقد العارفات مرجعا فما كان قيس هلكه ~~هلك واحد . . . ولكنه بنيان قوم تضعضعا ولا تحسبا أني أواريه وحده . . . ~~ولكنني واريته والندى معا وقال أيضا : ألست ترى موت العلا والفضائل . . . ~~وكيف غروب النجم بين الجنادل فما للمنايا أغفلت كل ناقص . . . ونقبن في ~~الآفاق عن كل فاضل على الرغم من أنف العلا سيق للردى . . . بكل كريم الفعل ~~حر الشمائل PageV05P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" على أن من أبقته ليس بخالد . . . وليس امرؤ ~~يرجو الخلود بعاقل رأيت المنايا بين غاد ورائح . . . فما للبرايا بين ساه ~~وغافل ولم أر كالدنيا حبيبا مضرة . . . ولم أر مثل الموت حقا كباطل وقال ~~الرقاشي في البرامكة : ألان استرحنا واستراحت ركابنا . . . وقل الذي يحدى ms1082 ~~ومن كان يحتدي فقل للمطايا : قد أمنت من السرى . . . وطي الفيافي فدفدا بعد ~~فدفد وقل للمنايا : قد ظفرت بجعفر . . . ولن تظفري بعده بمسود وقل للعطايا ~~بعد فضل : تعطلي . . . وقل للرزايا كل يوم : تجددي ودونك سيفا برمكيا مهندا ~~. . . أصيب بسيف هاشمي مهند وقال آخر : سأبكيك للدنيا وللدين ، إنني . . . ~~رأيت يد المعروف بعدك شلت ربيع إذا ظن الغمام بمائه . . . وليث إذا ما ~~المشرفية سلت وقال عبد الله بن المعتز : ألست ترى موت العلا والمحامد . . . ~~وكيف دفنا الخلق في قبر واحد وللدهر أيام يسئن عوامدا . . . ويحسن إن أحسن ~~غير عوامد وقال أبو الطيب المتنبي : إني لأعلم واللبيب خبير أن الحياة وإن ~~حرصت غرور PageV05P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" ما كنت أعلم قبل دفنك في الثرى . . . أن ~~الكواكب في التراب تغور خرجوا به ولكل باك حوله . . . صعقات موسى يوم دك ~~الطور حتى أتوا جدثا كأن ضرحه . . . في قلب كل موحد محفور نبكي عليه وما ~~استقر قراره . . . في اللحد حتى صافحته الحور ومنها : صبرا على المكروه فيه ~~تكرما . . . إن العظيم على العظيم صبور ولكل مفجوع سواكم مشبه . . . ولكل ~~مفقود سواه نظير وقال آخر : كفى حزنا أني تخلقت بعده . . . أدور مع الباكين ~~في عرصاته وصارت يميني ما حلفت بقبره . . . وكانت يميني قبلها بحياته وقال ~~آخر : وكنت أخاف الدهر ما كان باقيا . . . فلما تولى مات خوفي على الدهر ~~وقال آخر : ولما دعوت الصبر بعدك والبكا . . . أجاب البكا طوعا ولم يجب ~~الصبر وإن ينقطع منك الرجاء فإنه . . . سيبقى عليك الحزن ما بقي الدهر وقال ~~آخر : فو الله لو أسطيع قاسمته الردى . . . فمتنا جميعا أو يقاسمني عمري ~~ولكنما أرواحنا ملك غيرنا . . . فمالي في نفسي ولا فيه من أمر أحمله ثقل ~~التراب وإنني . . . لأخشى عليه الثقل من موطئ الذر وما أنا بالوافي وقد عشت ~~بعده . . . روب اعتراف كان أبلغ من عذر PageV05P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" وقال آخر : يا راحلا لم يبق لي . . . من بعده ~~في العيش نفعا ضاقت على الأرض في . . . ك وضقت بالإخوان ذرعا ورعيت فيك ~~النجم يا . . . من كان يحفظني ويرعى ms1083 أبكيت بالشعر الذي . . . قد رق حتى صار ~~دمعا وقال تاج الملوك بنو أيوب يرثي أخاه : لو كان يشفي الدعم غلة واجد . . ~~. لشفي غليلي فيض دمعي الهامر هيهات لا برد الغليل وقد ثوى . . . من كان من ~~عددي وخير ذخائري يا للرجال لنكبة قد أذهبت . . . جلد الجليد وحسن صبر ~~الصابر طرقت فتى الملك المعظم فانثنى . . . من بعد بهجته كربع طائر ومنها : ~~جبل هوى فارتجت الدنيا له . . . فكأنما ركبت جناحي طائر ومنها : من للنوائب ~~يوم تفترس الورى . . . قسرا بأنياب لها وأظافر أضحى وحيدا في التراب كأنه . ~~. . ما سار بين مواكب وعساكر قد كان لا تعصي البرية أمره . . . فانقاد ~~متمثلا لأمر الآمر مولاي دعوة واله غادرته . . . وقفا على نوب الزمان ~~الغادر هل من سبيل للزيارة عندها . . . هيهات حال الموت دون الزائر لو كان ~~خصمك غير حادثة الردى . . . لرددته بذوابل وبواتر PageV05P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" أو كان يدرك ثأر من أودى به . . . ريب المنون ~~لكنت أول ثائر لكنه الموت الذي قهر الورى . . . من حيث لا تثنيه قدرة قادر ~~وقال كمال الدين بن النبيه يرثي علي ابن الخليفة الناصر لدين الله : الناس ~~للموت كخيل الطراد . . . فالسابق السابق منها الجواد والله لا يدعو إلى ~~داره . . . إلا من استصلح من ذي العباد والموت نقاد ، على كفه . . . جواهر ~~يختار منها الجياد والمرء كالظل ولا بد أن . . . يزول ذلك الظل بعد امتداد ~~لا تصلح الأرواح إلا إذا . . . سرى إلى الأجسام هذا الفساد أرغمت يا موت ~~أنوف القنا . . . ودست أعناق السيوف الحداد كيف تخيرت أميرا وما . . . ~~أنجده كل طويل النجاد مصيبة أذكت قلوب الورى . . . كأنما في كل قلب زناد ~~نازلة عمت فمن أجلها . . . سن بنو العباس لبس السواد مأتمة في الأرض لكن ~~لها . . . عرس على السبع الطباق الشداد طرقت يا موت كريما فلم . . . يقنع ~~بغير النفس للضيف زاد قصمته من سدرة المنتهى . . . غصنا فشلت يد أهل العناد ~~يا ثالث السبطين خلفتني . . . أهيم من همي في كل واد يا نائما في غمرات ~~الردى . . . كحلت أجفاني بميل السهاد PageV05P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" ويا ضجيع الترب ms1084 أسقمتني . . . كأنما فراشي ~~شوك القتاد دفنت في الترب ولو أنصفوا . . . ما كنت إلا في صميم الفؤاد ~~خليفة الله اصطبر واحتسب . . . فما وهى البيت وأنت العماد في العلم والحكم ~~بكم يقتدى . . . إذا دجا الخطب وضل الرشاد وأنت لج البحر ما ضره . . . أن ~~سأل من بعض نواحيه واد ولما مات الإخشيد محمد بن طغج رثاه جماعة من الشعراء ~~منهم محمد بن الحسن ابن زكريا فقال : في الرزايا روائع الأوجال . . . ~~والبرايا دريئة الآجال وكذا الليل والنهار اعتبار . . . للورى في تفكر ~~الأحوال كل شيء وإن تمادى مداه . . . قصره للفناء أو للزوال وأرى كل عيشة ~~لأناس . . . كونها مؤذن بوشك انتقال كل ذي جدة إذا ما الجديدان ألحا عليه ~~مود بال ما لخلق من المنون مفر . . . لا ولا دون بطشها من مآل كان غيث ~~الأيام إن أخلف الغي . . . ث أطلت سحابه بانهمال فجعتنا بواهب لا نراه . . ~~. يخلق الوجه عنده بابتذال فجعتنا ببهجة الأرض في الأر . . . ض وشمس الضحى ~~وبدر الليالي فجعتنا بمن حمى حرمة الإس . . . لام من حادث ومن ختال فجعتنا ~~بالباسل البطل السا . . . مي غداة الوغى إلى الأبطال فجعتنا بالواهب المجزل ~~المر . . . تاح حين السؤال للسؤال عجب إذ دنت عليه المنايا . . . وحمى عزه ~~المنيع العالي أين من يشتري المدائح والشك . . . ر بأسنى وفر وأوفى نوال ~~PageV05P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" قطع الموت وصلنا منه كرها . . . والردى قاطع ~~لكل اتصال رحمة الله والسلام عليه . . . في الضحى والعشاء والآصال وسقى ~~الله حفرة ضمنته . . . شكر واه من الحيا هطال ثم خرج من الرثاء إلى مدح ~~ابنه فقال : إن خبا بدره فقد لاح للأم . . . ة لما خبا طلوع الهلال نوره ~~مشرق مضيء مدى الده . . . ر منير وليس ذا اضمحلال وقال أبو الطيب المتنبي ~~يرثيه : هو الزمان مشت بالذي جمعا . . . في كل يوم نرى من صرفه بدعا لو كان ~~ممتنع تغنيه منعته . . . لم يصنع الدهر بالإخشيد ما صنعا ذاق الحمام فلم ~~تدفع كتائبه . . . عنه القضاء ولا أغناه ما جمعا لقد نعى كل من نعاه مفتخر ~~. . . وكل جود لأهل الأرض حين نعى لله ms1085 ما حل بالإسلام حين ثوى . . . لقد ~~وهى شعب هذا الدين فانصدعا فمن تراه يقود الخيل ساهمة . . . سد الفضاء وملء ~~الأرض ما وسعا ترى الحتوف غلوقا في أسنته . . . لدى الوغى وشهاب الموت قد ~~لمعا PageV05P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" لو كان يسطيع قبر ضمه لسعى . . . إليه شوقا ~~ليلقاه وإن شسعا فليعجب الناس من لحد تضمن من . . . تضمن الرزق بعد الله ~~فاضطلعا لو يعلم اللحد ما قد ضم من كرم . . . ومن فخار ومن نعماء لاتسعا يا ~~لحده إن تضق عنه فلا عجب . . . فيه الحجا والنهى والبأس قد جمعا يا لحد طل ~~فإن البحر فيك محتبسا . . . والليث منهصرا والجود مجتمعا يا يومه لم تخص ~~الفجع أسرته . . . كل الورى بردى الإخشيد قد فجعا يا يومه لم تدع صبرا ~~لمصطبر . . . ولم تدع مدمعا إلا وقد دمعا أردى الرفاق ردى الإخشيد فانقرضوا ~~. . . فما ترى منهم في الأرض منتجعا يأيها الملك المخلي مجالسه . . . أحميت ~~أعيننا الإغماض فامتنعا ومنها : لئن مضيت حميد الأمر متفقدا . . . لقد تركت ~~حميد الأمر متبعا PageV05P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" ثم خرج من الرثاء إلى مدح ولد الإخشيد : ثبت ~~الجنان فلا نكس ولا ورع . . . تلقاه مؤتزرا بالحزم مدرعا أعطت أبي القاسم ~~الأملاك بيعتها . . . ولو أبت أخذت أسيافه البيعا وانقاد أعداؤه ذلا لهيبته ~~. . . وظل متبعوهم من خوفه تبعا أضحت بهم همم الغلمان عالية . . . كأن ~~مولاهم الإخشيد قد رجعا وقال مهلهل بن يموت يرثيه أيضا : أي عز مضى من ~~الإسلام . . . أي ركن أضحى حديث انهدام ذاق موتا محمد بن طغج . . . هو ليث ~~الشرى وغيث الغمام فقد الناس مولى الإنعام . . . فهم سائمون كالأنعام مات ~~رب العلا وراعي الرعايا . . . والسرايا وكافل الأيتام أين ما كنت فيه من ~~عزك البا . . . ذخ والمرتقى عزيز المرام أين ذاك الحجاب والملك والهي . . . ~~بة أين الزحام وقت الزحام من أمير وقائد وخطير . . . ورئيس وماجد وهمام ~~كلهم مطرق لديك من الهي . . . بة خوف الإجلال والإعظام أين تلك الخيام حولك ~~إن عر . . . ست والأسد حول تلك الخيام من عديد وعدة لك ما بي . . . ن قعود ~~فيها وبين قيام لم ms1086 يطق جمعهم دفاع الردى عن . . . ك ولم يمنعوك منع اعتصام ~~أسلمتك الخيول قسرا وقد كن . . . ت عليها سورا على الإسلام PageV05P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" خانك السيف وهو يصدر عن أم . . . رك مستعديا ~~بغير احتجام خذل الرمح وهو عونك لو حا . . . ن لقاء وثار نقع قتام لم ترد ~~القسى عنك سهام ال . . . حتف والحتف عندها في السهام ما وقتك الحراب حرب ~~المنايا . . . حين وافاك جيشها من أمام لم يحصنك ما اقتنيت من الآ . . . ~~لات من جوشن ولا من لام حكم الموت فيك من بعد ما كن . . . ت ترى حاكما على ~~الحكام فقدتك الفسطاط وجدا مدى الده . . . ر ومن بعدها بلاد الشام فجعت ~~يثرب ومكة والبي . . . ت إلى زمزم أجل والمقام عم فيك المصاب فاشترك العا . ~~. . لم في الرزء منه والآلام حسبنا الله من عز من حكم يج . . . ري على ~~الحاكمين بالأحكام كل شيء إلى زوال ، ومن ذا . . . نال ملك الدنيا بغير ~~اخترام أين أين الملوك في سالف الد . . . هر دهتم حوادث الأيام أين من قد ~~كانوا يخافون في البأ . . . س ويرجون للعطايا الجسام ليس يبقى إلا الإله ~~تعالى . . . من له الملك ثابتا بالدوام أيهذا الأمير بل يا أبا القا . . . ~~سم يا بن السميدع القمقام ارض حكم الإله في الحكم الما . . . ضي وسلم لنافذ ~~الأحكام وهناك الذي بلغت من الأم . . . ر وما حزته بحسن انتظام ~~PageV05P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" ما كمثل الذي رزئت ولا مث . . . ل الذي قد ~~ملكت في ذا العام أنت مثل الإخشيد فانهض بما مل . . . كت بالجد منك ~~والاعتزام وقال بعض الشعراء يرثي الوزير يعقوب بن كلس وزير العزيز بن المعز ~~خليفة مصر : إن التصبر في الأمور جميل . . . إلا عليك فما إليه سبيل يا ~~حاملا ثقل العلا وكأنه . . . لعلو همته بها محمول يا واهبا فوق المنى وكأنه ~~. . . لسخائه مما يجود بخيل جاء منها : يا ترب لا تأكل لسانا طالما . . . ~~والى به الحميد والتهليل يل ترب لا تعنف بكف طالما . . . قد كان يؤلم ظهرها ~~التقبيل ومنها : يا دهر تعلم ما جنيت على ms1087 الورى ؟ . . . خطب لعمرك إن علمت ~~جليل ما كان ضرك لو مهلت بمثله . . . يا دهر إنك بعدها لعجول ومن المراثي ~~المشهورة التي عني بها ، واتصلت أسباب الشارحين بسببها ، المرثية العبدونية ~~التي نظمها الوزير الكاتب أبو محمد عبد المجيد بن عبدون يرثي بها بني مسلمة ~~المعروفين ببني الأفطس ، وهي من أمهات القصائد ووسائط القلائد ، فإنه ذكر ~~فيها عدة من مشاهير الملوك والخلفاء والأكابر ممن أبادهم الدهر بحوادثه ~~ونكباته ، ووثب عليهم الزمن فما وجدوا جنة تقيهم من وثباته ، ودبت عليهم ~~الأيام بصروفها ، وسقتهم المنية بكأس حتوفها . وهانحن نذكرها ونزيدها ~~تبيانا بشرح من استبهمت أخباره ، وخفيت على المطالع آثاره . PageV05P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" وأول القصيدة : الدهر يفجع بعد العين بالأثر ~~. . . فما البكاء على الأشباح والصور أنهاك أنهاك لا آلوك معذرة . . . عن ~~وقفة بين ناب الليث والظفر فالدهر حرب وإن أبدى مسالمة . . . فالبيض والسمر ~~مثل البيض والسمر ولا هوادة بين الرأس تأخذه . . . يد الضارب وبين الصارم ~~الذكر فلا تغرنك من دنياك نومتها . . . فما صناعة عينيها سوى السهر ما ~~لليالي أقل الله عثرتنامن الليالي وخانتها يد الغير في كل حين لها في كل ~~جارحة . . . منا جراح وإن زاغت عن البصر تسر بالشيء لكن كي تغر به . . . ~~كالأيم ثار إلى الجاني من الثمر كم دولة وليت بالنصر خدمتها . . . لم تبق ~~منها وسل ذكراك من خبر هوت بدارا وفلت غرب قاتله . . . وكان عضبا على ~~الأملاك ذا أثر دارا الذي ذكره هو دارا بن دارا آخر ملوك الفرس ، وقاتله ~~الإسكندر . وسنذكر إن شاه الله أخبارهما في فن التاريخ . واسترجعت من بني ~~ساسان ما وهبت . . . ولم تدع لبني يونان من أثر بنو ساسان هم الفرس الأخر ~~ولهم دولة مشهورة انقرضت في الإسلام . وبنو يونان أيضا من الملوك أرباب ~~الدول المشهورة ، ومن مشاهير ملوكهم الإسكندر بن فيلبس . وسترد إن شاء الله ~~أخبارهم . وأتبعت أختها طسما ، وعاد على . . . عاد وجرهم منها ناقض المرر ~~أخت طسم جديس ، وهما أبناء عم كثر نسلهما وهم العرب العاربة . وسنذكر ~~أخبارهما إن شاء الله في وقائع العرب . وعاد ms1088 هم قوم هود . وجرهم هو ~~PageV05P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" ابن عوف بن زهير بن أنس بن الهميسع بن حمير ~~بن سبأ الأكبر بن يشجب ابن يعرب بن قحطان ، وقيل : إن العمالقة من ولد جرهم ~~. أراد بذكرهم أنهم كلهم أبادهم الموت . وما أقالت ذوي الهيئات من يمن . . ~~. ولا أجارت ذوي الغايات من مضر اليمن كلهم باتفاق العلماء بالأنساب من ولد ~~قحطان ، ومنهم ملوك نذكرهم إن شاء الله في التاريخ . ومضر بن نزار بن معبد ~~بن عدنان . وقد تقدم ذكرهم في الأنساب . ومزقت سبأ في كل قاصية . . . فما ~~التقى رائح منهم بمبتكر سبأ الذي أشار إليه هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن ~~قحطان ، واسمه عبد شمس ، وإنما قيل فيه سبأ لأنه أول من أدخل بلاد اليمن ~~السبي . وكان له عشرة أولاد سكن الشام منهم أربعة وهم : لخم وغسان وجذام ~~وعاملة ، وسكن اليمن منهم ستة : كندة ومذحج والأزد وأنمار والأشعر وعمرو ، ~~وقد ذكر الله عز وجل تمزيقهم بقوله : " ومزقناهم كل ممزق " . وسنذكر أخبار ~~سيل العرم وسد مأرب . وأنفذت في كليب حكمها ورمت . . . مهلهلا بين سمع ~~الأرض والبصر كليب الذي ذكر هو كليب بن ربيعة بن الحارث الذي ضرب به المثل ~~فقيل : " أعز من كليب وائل " . وأشار ابن عبدون إلى هذا البيت إلى ما كان ~~من قتل جساس بن المرة كليبا وما وقع بين بكر وتغلب من الحروب التي نشرحها ~~إن شاء الله في وقائع العرب . وقوله : ورمت مهلهلا بين سمع الأرض والبصر ، ~~كأنه أراد ما حكى أنه قتل في موضع لم يطلع عليه أحد ، وهو مثل ، يقال : " ~~فعل كذا وكذا بين سمع الأرض وبصرها إذا فعله خاليا " . ولم ترد على الضليل ~~صحته . . . ولا ثنت أسدا عن ربها حجر PageV05P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" الضليل الذي أشار إليه هو امرؤ القيس بن حجر ~~بن عمرو ، والحارث هو آكل المرار ، وسمي لمرؤ القيس بالضليل لأنه ترك ملكه ~~وتوجه إلى قيصر يطلب منه جيشا يأخذ به ثأر أبيه من بني أسد . وإشارته إلى ~~الصحة لقول امرئ القيس في ms1089 قصيدته السينية : وبدلت قرحا داميا بعد صحة . . . ~~لعل منايانا تحولن أبؤسا لقد طمح الطماح من بعد أرضه . . . ليلبسني من دائه ~~محمد ما تلبسا والطماح رجل من بني أسد أرسله قيصر إلى امرئ القيس بحلة ~~مسمومة ، فلم البسها تقطع ومات بأنقرة . وإشارته إلى أسد لأن بني أسد كانوا ~~قتلوا حجر ابن الحارث يوم ماقط . ودوخت آل ذبيان وإخوتهم . . . عبسا وعضت ~~بني بدر على النهر أشار إلى ما كان بين عبس وذبيان من الحروب بسبب داحس ~~والغبراء . وسيرد ذلك في وقائع العرب إن شاء الله تعالى . وألحقي بعدي ~~بالعراق على . . . يد ابنه أحمر العينين والشعر أراد عدي بن أيوب بن زيد ~~مناة بن تميم الشاعر . وأحمر العينين والشعر هو النعمان بن المنذر . وكان ~~عدي هذا ترجمانا لأبرويز وكاتبه بالعربية ، فلما مات قابوس بن المنذر تلطف ~~عدي وتحيل على أبرويز حتى ولى النعمان إمرة العرب وقدمه على إخوته وكان ~~أدمهم ، ثم اتهمه النعمان أنه وشى به فاحتال عليه حتى ظفر به وحبسه ثم قتله ~~بالعراق ، فتلطف ابنه زيد بن عدي وتوصل حتى خدم أبويز على عادة أبيه ، ~~وأوقع بين أبرويز والنعمان حتى قتله أبرويز ، على ما يرد إن شاء الله تعالى ~~في التاريخ . والله أعلم . وأشرفت بخبيب فوق فارعة . . . وألصقت طلحة ~~الفياض بالعفر أشار إلى خبيب بن عدي الأنصاري وهو بدري وأسر في السرية التي ~~خرج فيها مرثد بن أبي مرثد فانطلق به المشركون إلى مكة واشتراه حجر بن إهاب ~~التميمي PageV05P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن نوفل ~~ليقتله بأبيه ، وكان خيب قتل الحارث أبا عقبة يوم بدر ، فصلبه عقبة على ~~خشبة بالتنعيم وقتله . وطلحة الفياض هو طلحة ابن عبد الله التميمي أحد ~~العشرة أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قتل يوم الجمل ، على ما ~~سنذكره إن شاء الله تعالى . ومزقت جعفرا بالبيض ، واختلست . . . من غيله ~~حمزة الظلام للجزر جعفر الذي 1 ذكره هو جفعر بن أبي طالب أخو علي رضي الله ~~عنهما قلت في غزوة مؤتة . حمزة ms1090 هو ابن عبد المطلب عم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وقتل يوم أحد قتله وحشي غلام جبير بن مطعم ، وجعله ظلاما للجزر ~~وصفه بالكرم . وبلغت يزدجرد الصين واختزلت . . . عنه سوى الفرس جمع الترك ~~والخزر لم ترد مواضي رستم وقنا . . . ذي حاجب عنه سعدا في ابنة الغير ~~يزدجرد الذي ذكر هو ابن شهريار آخر ملوك الساسانية . ورسمت هو الأرمني وهو ~~الذي قاتل سعد بن أبي وقاص وقتل يوم القادسية ، وعلى ما يأتي شرح ذلك في ~~مواضعه إن شاء الله تعالى . وخضبت شيب عثمان دما ، وخطت . . . إلى الزبير ، ~~ولم تستحي من عمر أشار في هذا البيت إلى مقتل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ~~والزبير بن العوام رضي الله عنهم . وسترد إن شاء الله أخبارهم . وما رعت ~~لأبي اليقظان صحبته . . . ولم تزوده إلا الضيح في الغمر أبو يقظان هو عمر ~~بن ياسر العنسي قتل بصفين وكان مع علي ، وعنه قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " تقتل عمارا الفئة الباغية " . ولما قتل كانت الراية يومئذ ~~بيده فعطش فدعا بشربة من الماء فأتي بضحية فشربها ثم قال : أخبرني رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن اللبن آخر شربة أشربها في الدنيا ، فقتل ~~يومئذ رضي الله عنه . وأجزرت سيف أشقاها أبا حسن . . . وامكنت من حسين ~~راحتى شمر PageV05P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" أشقاها هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي قاتل ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يا علي ، ~~أشقاها الذي يخضب هذه من هذه " وأشار إلى لحية علي ورأسه . والحسين الذي ~~ذكره هو الحسين بن علي . وشمر هو شمر لبن ذي الجوشن وهو الذي أرسله عبيد ~~الله بن زياد إلى عمر بن سعد يحرضه على قتل الحسين ، وقيل : إن شمرا لم ~~يباشر قتل الحسين ، والذي قتله سنان بن أنس النخعي ، وشمر فهو المجهز ~~والمحرض على قتله ، فلذلك ذكره . وليتها إذ فدت عمرا بخارجة . . . فدت عليا ~~بمن شاءت من البشر عمرو الذي أشار إليه هو عمرو بن العاص بن وائل ms1091 بن هشام ~~بن سعيد بن سهم ابن عمرو بن هصيص بن كعب ، أمير مصر لمعاوية ابن أبي سفيان ~~. وخارجة رجل من سهم عمرو . وكان من خبره أن الخوارج كانت قد اجتمعت على ~~قتل علي ومعاوية وعمرو ، فكان الذي انتدب لقتل عمرو زادويه مولى بني العنبر ~~، ورصده إلى ليلة المعاد التي اتفقوا على الفتك بهم فيها ، فاشتكى عمرو تلك ~~الليلة من بطنه ولم يخرج للصلاة واستخلف خارجة ليصلي بالناس ، فلما قام في ~~المحراب وثب عليه زادويه وهو يظن أنه عمرو بن العاص فقتله ، وأخذ زادويه ~~وأدخل على عمرو ، فسمع الناس يخاطبونه بالإمرة ، فقال : أو ما قتلت عمرا ؟ ~~قيل له : لا إنما قتلت خارجة ، فقال : أردت عمرا وأراد الله خارجة . فلذلك ~~قال : وليتها إذ فدت عمرا بخارجة وفي ابن هند وفي ابن المصطفى حسن . . . ~~أتت بمعضلة الألباب و الفكر فبعضنا قائل ما اغتاله أحد . . . وبعضنا ساكت ~~لم يؤت من حصر ابن هند الذي أشار إليه هو معاوية بن أب سفيان ، أراد ما كان ~~بينه وبين الحسن بن علي في أمر الخلافة . وأراد بالبيت الثاني ما وقع ~~الاختلاف فيه من أن الحسن مات مسموما وأن معاوية وعد زوجة الحسن جعدة بنت ~~قيس الكندي بمائة ألف درهم ويزوجها لابنه يزيد إن قتلت الحسن ، ففعلت وسمته ~~. ولما مات الحسن وفى لها بالمال وقال : حب حياة يزيد منعني تزويجه منك ، ~~وقيل مات الحسن حتف أنفه . والله أعلم . وعممت بالردى فودى أبي أنس . . . ~~ولم ترد الردى عنه قنا زفر PageV05P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" أبو أنس هو الضحاك بن قيس الفهري . يشير إلى ~~ما وقع بينه وبين مروان ابن الحكم بمرج راهط ، وكان الضحاك يدعو لابن ~~الزبير فقتل الضحاك ، على ما نذكره إن شاء الله في أخبار مروان . وكان زفر ~~بن الحارث الكلابي مع الضحاك ففر عنه . وأردت ابن زياد بالحسين فلم . . . ~~يبؤ بشسع له قد طاح أو ظفر أشار إلى عبيد الله بن زياد ابن أبيه عامل يزيد ~~بن معاوية على العراق ، وهو الذي جهز عمر بن سعد ms1092 لحرب الحسين بن علي رضي ~~الله عنهما . وقوله يبؤ بشسع له أخذه من قول مهلهل حين قتل بجير بن الحارث ~~وقال : بؤ بشسع نعل كليب . وأنزلت مصعبا من رأس شاهقة . . . كانت به مهجة ~~المختار في وزر أشار إلى مصعب بن الزبير بن العوام وقلته . والشاهقة هي ~~الكوفة . جعلها شاهقة لمنعتها وكثرة رجالها . وأراد ما كان بين مصعب وعبد ~~الملك بن مروان من الحرب التي قتل فيها مصعب . والمختار الذي ذكره هو ~~المختار بن أبي عبيد بن مسعود ابن عمرو الثقفي . أشار إلى ما كان بينه وبين ~~مصعب من الحرب وقتل المختار . وسنورد كل هذه الوقائع إن شاء الله في ~~التاريخ . ولم تراقب مكان ابن الزبير ولا . . . راعت عياذته بالبيت والحجر ~~أراد عبد الله بن الزبير ، وكان يسمى العائذ لأنه كان يقول : أنا العائذ ~~بالبيت ، وقتله الحجاج بن يوسف الثقفي لما وجهه عبد الملك لحربه . ولم تدع ~~لأبي الذبان قاضيه . . . ليس اللطيم لها عمرو بمنتصر أبو الذبان هو عبد ~~الملك بن مروان بن الحكم ، سمي بذلك لبخره . وقوله قاضيه لأنه كان مظفرا ~~على أعدائه فإنه غلب على من كان يناوئه في سلطانه مثل عبد الله ومصعب ابني ~~الزبير ، وعمرو بن سعيد ، وعبد الحمن بن الأشعث ، ما منهم إلا من ~~PageV05P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" قتل وحكم فيه قاضيه وهو سيفه ، ولم يغن ذلك ~~عنه لما أتته منيته . وأما اللطيم فهو عمر بن سعيد الأشدق ، سمي بذلك لميل ~~كان في فمه فقيل له من أجله لطيم الشيطان ، وقتله الملك بن عبد المروان . ~~وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولم . . . تبق الخلافة بين الكأس والوتر الوليد ~~هذا هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، وهو الذي يقال له الجبار العنيد . ~~أشار إلى ظفر يزيد بن الوليد بن عبد الملك به وقتله . وقوله : ولم تبق ~~الخلافة بين الكأس والوتر أراد بذلك ما كان عليه الوليد من الاشتهار باللهو ~~واللعب . ولم تعد قضب السفاح نابية . . . عن رأس مروان أو أشياعه الفجر ~~السفاح هو أبو العباس عبد الله بن محمد ms1093 بن علي بن عبد الله بن عباس ، وهو ~~أول خلفاء الدولة العباسية . يشير إلى ظفره بمروان بن محمد وقتله ، وانقراض ~~دولة بني أمية وقتلهم على يديه . وأسبلت عبرات للعيون على . . . دم بفخ لآل ~~المصطفى هدر أشار في هذا البيت إلى ذكر من قتل بفخ وهم الحسين بن علي بن ~~حسن بن حسن بن علي ، والحسن بن محمد بن الحسن بن الحسن بن علي ، و عبد الله ~~بن إسحاق ابن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ، على ما نذكره في التاريخ إن شاء ~~الله تعالى . وأشرقت جعفرا والفضل ينظره . . . والشيخ يحيى بريق الصارم ~~الذكر أشار في هذا البيت إلى قتل جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك ونكبة ~~البرامكة في أيام الرشيد . وأخفرت في الأمين العهد ، وانتدبت . . . لجعفر ~~بابنه والأعبد الغدر PageV05P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" الأمين هو محمد بن هارون الرشيد . يشير إلى ~~ما كان بينه وبين أخيه المأمون وإلى العهد الذي كان الرشيد كتبه بينهما . ~~وجعفر الذي أشار إليه هاهنا هو المتوكل ابن المعتصم . أراد ما كان من قتل ~~باغر التركي له بمواطأة من ابنه المنتصر ، على ما نورده في أخباره . وروعت ~~كل مأمون ومؤتمن . . . وأسلمت كل منصور ومنتصر المأمون هو عبد الله بن ~~الرشيد وهو أول من لقب بالمأمون ، ولقب به بعد ذلك ولد من أولاد المعتمد بن ~~عباد ويحيى بن ذي النون صاحب طليطلة . والمؤتمن فأول من لقب به مروان بن ~~الحكم على قول من يقول إنه كان لبني أمية ألقاب ، ثم لقب به القاسم بن ~~الرشيد . وكان الرشيد لما كتب العهد بين الأمين والمأمون جعل ابنه المؤتمن ~~بعد المأمون ، وجعل أمر المؤتمن إلى أخيه المأمون إذا أفضت الخلافة إليه إن ~~شاء أمضاه وإن شاء خلعه ، فلما أفضت الخلافة إلى المأمون أزال المؤتمن ~~فارتاع لذلك . وتلقب بالمؤتمن محمد بن ياقوت مولى المعتضد صاحب فارس . ~~وتلقب به سلامة الطولوني ، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي عامر ثم تسمى ~~بالمنصور . وأما المنصور فأول من لقب به هشام بن عبد الملك بن ms1094 مروان على ~~تلك الرواية ، ثم المنصور أبو جعفر عبد الله بن علي العباسي ، ثم أبو طاهر ~~إسماعيل ابن القائم بن المهدي صاحب إفريقية ، ثم محمد بن أبي عامر بالأندلس ~~، وتلقب به ابن زيرى الصنهاجى ، وتلقب به سابور صاحب بطليوس ، وعبد الله بن ~~محمد ابن مسلمة التجيبي ، وحفيده يحيى بن محمد بن عبد الله ، وعبد العزيز ~~بن أبي عامر ، ثم تلقب به جماعة من الملوك بعد نظم هذه المرثية . وأما ~~المنتصر فهو محمد ابن المتوكل ، وممن تلقب بالمنتصر مدرار بن اليسع صاحب ~~سجلماسة . PageV05P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" وكل هؤلاء أبادهم الموت . وأعثرت آل عباس ~~ولعا لهم بذيل زباء من بيض ومن سمر أشار في هذا البيت إلى مكان من تغلب ~~الأتراك والديلم على خلفاء الدولة العباسية حتى لم يبق لهم إلا اسم الخلافة ~~، على ما سيرد في أخبارهم . وقوله : بذيل زباء من بيض ومن سمر تنبيها على ~~كثرة عدد المتغلبين على الأمر وقدرتهم على السلاح . ولا وفت بعهود المستعين ~~ولا . . . بما تأكد المعتز من مرر المستعين هو أحمد بن المعتصم العباسي . ~~أشار إلى ما كان من قيام المعتز على المستعين وهرب المستعين من سامرا إلى ~~بغداد . والمعتز هو أبو عبد الله محمد بن المتوكل ، وسترد أخبارهم إن شاء ~~الله تعالى : وأوثقت في عراها كل معتمدوأرقت بقذاها كل مقتدرالمعتمد هو أبو ~~العباس بن المتوكل ، وهو أول من لقب بهذا اللقب ، وتلقب به محمد بن عباد ~~بإشبيلية . والمقتدر هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد ، وهو أول من لقب ~~بالمقتدر ، ثم لقب به أحمد بن سليمان بن هود الجذامي بسرقسطة . ثم أخذ ابن ~~عبدون في رثاء بني الأفطس ، فقال : بني المظفر والأيام ما برحت . . . ~~مراحلا والورى منها على سفر سحقا ليومكم يوما ولا حملت . . . بمثله ليلة في ~~مقبل العمر PageV05P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" من للأسرة أو من للأعنة أو . . . من للأسنة ~~يهديها إلى الثغر من للبراعة أو من لليراعة أو . . . من للسماة أو للنف ~~والضرر أو رفع كارثة أو دفع آزفة . . . أو قمع حادثة تعيا على ms1095 القدر من ~~للظبى وعوالي الخط قد عقدت . . . أطراف ألسنها بالعي والحصر وطوقت بالثنايا ~~السود بيضهم . . . أعجب بذاك وما منها سوى ذكر ويح السماح وويح الجود لو ~~سلما . . . وحسرة الدين والدنيا على عمر سقت ثرى الفضل والعباس هامية . . . ~~تعزى إليهم سماحا لا إلى مطر ثلاثة ما ارتقى النسران حيث رقوا . . . وكل ما ~~طار من نسر ولم يطر ثلاثة ما رأى العصران مثلهم . . . فضلا ولو عززا بالشمس ~~والقمر ومر من كل شيء فيه أطيبه . . . حتى التمتع بالآصال والبكر ~~PageV05P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" من للجلال الذي عمت مهابته . . . قلوبنا ~~وعيون الأنجم الزهر أين الإباء الذي أرسوا قواعده . . . على دائم من عز ومن ~~ظفر أين الوفاء الذي أصفوا مشاربه . . . فلم يرد أحد منها على كدر كانوا ~~رواسي أرض الله مذ نأوا . . . عنها استطارت بمن فيها ولم تقر كانوا ~~مصابحيها فمذ خبوا غبرت . . . هذي الخليقة يا لله في سدر كانوا شجا الدهر ~~فاستهوتهم خدع . . . منه بأحلام عاد في خطا الخضر من لي ولا من بهم إن ~~أطبقت محن . . . ولم يكن وردها بفضي إلى صدر من لي ومن لا بهم إن أظلمت نوب ~~. . . ولم يكن ليلها يفضي إلى سحر من لي ولا بمن بهم إن عطلت سنن . . . ~~وأخفتت ألسن الأيام والسير على الفضائل إلا الصبر يعدهم . . . سلام مرتقب ~~للأجر منتظر يرجو عسى ، وله في أختها طمع . . . والدهر ذو عقب شتى وذو غير ~~قرطت آذان من فيها بفاضحة . . . على الحسان حصى الياقوت والدرر ~~PageV05P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" ومن أجود الرثاء وأصنعه وأتقنه وأبدعه مراثي ~~أبي تمام حبيب بن أوس الطائي ، فمن ذلك ما قاله يرثي به غالب بن السعدي : ~~هو الدهر لا يشوي وهن المصائب . . . وأكثر آمال الرجال كواذب فيا غابا لا ~~غالب لرزية . . . بل الموت لا شك الذي هو غالب وقالت : أخي ، قالوا : أخ من ~~قرابة ؟ . . . فقلت لهم إن الشكول أقارب نسيبي في رأي وعزم ومنصب . . . وإن ~~باعدتنا في الأصول المناسب كأن لم يقل يوما : كأن ، فتنثني . . . إلى قوله ~~الأسماع وهي رواغب ولم يصدع النادي بلفظة فيصل . . . سنانية ms1096 في صفيحتها ~~التجارب ومنها : مضى صاحبي واستخلف البث والأسى . . . علي ، فلى من ذا ~~وهذاك صاحب عجبت لصبري بعده وهو ميت . . . وكنت امرأ أبكي دما وهو غائب على ~~أنها الأيام قد صرن كلها . . . عجائب حتى ليس فيها عجائب وقال يرثي محمد بن ~~الفضل الحميري : ريب دهر أصم دون العتاب . . . مرصد بالأوجال والأوصاب ~~PageV05P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" جف در الدنيا فقد أصبحت تك . . . تال أرواحنا ~~بغير حساب لو بدت سافرا أهينت ولكن . . . شغف الخلق أنها في النقاب إن ريب ~~الزمان يحسن أن يه . . . دي الرزايا إلى ذوي الحاسب فلهذا يجف بعد اخضرار . ~~. . قبل روض الوهاد روض الروابي جاء منها : ذهبت يا محمد الغر من أي . . . ~~امك الواضحات أي ذهاب عبس اللحد منك والثرى منك وجها . . . غير ما عابس ولا ~~قاطب أطفأ اللحد والثرى لبك المس . . . روج يسمى مقطع الأسباب منزلا موحشا ~~وإن كان معمو . . . را بجل الصديق والأحباب يا شهابا خبا لآل عبيد الله . . ~~. أعزز بفقد هذا الشهاب ومنها : أنزلته الأيام عن ظهرها من . . . بعد إثبات ~~رجله في الركاب حين تم الشباب واغتدت الدن . . . يا إليه مفتوحة الأبواب ~~وحكى الصارم المحلى سوى أ . . . ن حلاه جواهر الآداب قصدت نحوه المنية حتى ~~. . . وهبت حسن وجهه للتراب وقال يرثي بن أبي ربعي : أي ندى بين الثرى ~~والجيوب . . . وسؤدد لدن ورأي صليب يا ابن أبي ربعي استقبلت . . . من يومك ~~الدنيا بيوم عصيب شق جيوبا من أناس لو اس . . . طاعوا لشقوا ما وراء الجيوب ~~كنت على البعد قريبا فقد . . . صرت على قربك غير القريب راحت وفود الأرض عن ~~قبره . . . فارغة الأيدي ملاء القلوب قد علمت ما رزئت ، إنما . . . يعرف ~~فقد الشمس بعد المغيب PageV05P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" إذا البعيد الوطن انتابه . . . حل إلى نهي ~~وواد خصيب أدنته أيدي العيس من ساحة . . . كأنها مسقط رأس الغريب أظلمت ~~الآمال من بعده . . . وعريت من كل حسن وطيب كانت خدودا صقلت برهة . . . ~~واليوم صارت مألفا للشحوب كم حاجة صارت ركوبا به . . . ولم تكن من قبله ~~بالركوب حل عقاليها كما أطلقت . . . من عقد ms1097 المزنة ريح الجنوب إذا تيممناه ~~في مطلب . . . كان قلبيا ورشاء القليب ونعمة منه تسربلتها . . . كأنها طرة ~~برد قشيب من اللواتي ونى شاكر . . . قامت لمسديها مقام الخطيب متى تنخ ترحل ~~بتفضيله . . . أو غاب يوما حضرت بالمغيب فما لنا اليوم ولا للعلا . . . من ~~بعده غير الأسى والنحيب وقال يرثي أحمد بن هارون القرشي : دأب عيني البكاء ~~، والحزن دابيفاتركيني وقيت ما بي لما بي سأجزي بقاء أيام عمري . . . بين ~~بثي وعبرتي واكتئابي فيك يا أحمد بن هارون خصت . . . ثم عمت رزيتي ومصابي ~~فجعتني الأيام في الصادق النط . . . ق فتى المكرمات والآداب بخليل دون ~~الأخلاء لا بل . . . صاحبي المصطفى على أصحابي أفلما تسربل المجد واجتا . . ~~. ب من الحمد أيما مجتاب وتراءته أعين الناظريه . . . قمرا باهرا ورئبال ~~غاب وعلا عارضيه ماء الندى الجا . . . ري وماء الحجا وماء الشباب أرسلت ~~نحوه النية عينا . . . قطعت منه أوثق الأسباب PageV05P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" وقال يرثي أبا الصقر : لو صح الدمع لي أو ~~ناصح الكمد . . . لقلما صحباني الروح والجسد خان الصفاء أخ خان الزمان له . ~~. . أخا فلم يتخون جسمه الكمد تساقط الدمع أدنى ما بليت به . . . للوجد إذ ~~لم تساقط مهجة ويد فوالذي رتكت تطوي الفجاج له . . . سفائن البر في خد ~~الثرى تخد لأنفدن أسى إن لم أمت أسفا . . . وينفد العمر بي أو ينفد الأمد ~~عني إليك فإني عنك في شغل . . . لي منه يوم سيبلي مهجتي وغد وإن بجرية نابت ~~جأرت لها . . . إلى ذرى جلدي فاستؤهل الجلد هي النوائب فاشجي أوفعي عظة . . ~~. فإنها شجر أثمارها رشد هبي ترى قلقا من تحته أرق . . . يحدوهما كمد يعنو ~~له الجسد صماء سم العدا في جنبها ضرب . . . وشرب كأس الردى في ظلها شهد ~~هناك أم النهى لم تود من حزن . . . ولم تجد لبني الدنيا بما تجد لو يعلم ~~الناس علمي بالزمان وما . . . عانت يداه لما ربوا ولا ولدوا لا يبعد الله ~~ملحودا أقام به . . . شخص الحجا وسقاه الواحد الصمد يا صاحب القبر ، دعوى ~~غير متئب . . . إن قال أودي الندى والبدر والأسد بات الثرى بأخي ms1098 جذلان ~~مبتهجا . . . وبت يحكم في أجفاني السهد لهفي عليك وما لهفي بمجدية . . . ما ~~لم يزرك بنفسي حر ما أجد أمسى أبو الصقر يعفو الترب أحسنه . . . دوني ودلو ~~الردى في مائه يرد ويل لأمك أقصر إنه حدث . . . لم يعتقد مثله قلب ولا خلد ~~PageV05P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" غال الزمان شقيق الجود لم يقه . . . أهل ولم ~~يفده مال ولا ولد حين ارتوى الماء وافترت شبيبته . . . عن مضحك للمعالي ~~ثغره برد وقيل : أحمدها ، بل قيل : أمجدها . . . بل قيل : أنجدها إن فرت ~~النجد رؤد الشباب كنصل السيف لا جعد . . . في راحتيه ولا في عوده أود سقى ~~الحبيس ومحبوسا ببرزخه . . . من السمي كغيث الودق يطرد بحيث حل أبو صقر ~~فودعه . . . صفو الحياة ومن لذاتها الرغد بحيث حل فقيد المجد مغتربا . . . ~~ومورث حسرات ليس تفتقد وقال يرثي عمير بن الوليد : أعيدي النوح معولة أعيدي ~~. . . وزيدي في بكائك ثم زيدي وقومي حاسرا في حسرات . . . خوامش للنحور ~~وللخدود هو الخطب الذي ابتدأ الرزايا . . . وقال لأعين الثقلين جودي ألا ~~رزئت خسران فتاها . . . غداة ثوى عمير بن الوليد ألا رزئت بمسئول منيل . . ~~. ألا رزئت بمتلاف مفيد ألا إن الندى والجود حلا . . . بحيث حللت من حفر ~~الصعيد بنفسي أنت من ملك رمته . . . منيته بسهم ردى سديد تجلت غمرة الهيجاء ~~عنه . . . خضيب الوجه من دمه الجسيد فيا بحر المنون ذهبت منه . . . ببحر ~~الجود في السنة الصلود ويا أسد المنون فرست منه . . . غداة فرسته أسد ~~الأسود أبالبطل النجيد فتكت منه . . . نعم وبقاتل البطل النجيد تراءى ~~للطعان وقد تراءت . . . وجوه الموت من حمر وسود PageV05P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" فيالك وقعة جللا أعادت . . . أسى وصبابة جلد ~~الجليد ويالك ساعة أهدت غليلا . . . إلى أكبادنا أبد الأبيد ألا أبلغ ~~مقالتي الإمام ال . . . خليفة والأمين بن الرشيد بأن أميرنا لم يأل عدلا . ~~. . ونصحا في الرعايا والجنود أفاض نوال راحته عليهم . . . وسامح بالطريف ~~وبالتليد وأضحى دونهم للموت حتى . . . سقاه الموت من مقر هبيد وما ظفروا به ~~حتى قراهم . . . قشاعم أنسر وضباع بيد بطعن في نحورهم رشيق . . . وضرب في ~~رءوسهم عتيد فيا ms1099 يوم الثلاثاء اصطبحنا . . . غداة منك هائلة الورود ويا يوم ~~الثلاثاء اعتمدنا . . . بفقد فيك للسند العميد وكم أسخنت فينا من عيون . . ~~. وكم أعثرت فينا من جدود فما زجرت طيورك عن سنيح . . . ولا طلعت نجومك ~~بالسعود ألا أيها الملك المردى . . . رداء الموت في جدث جديد حضرت فناء ~~بابك واعتراني . . . شجى بين المخنق والوريد رأيت به مطايا مهملات . . . ~~وأفراسا صوافن بالوصيد فكنت عتاد إما فك عان . . . وإما قتل طاغية عنود ~~رأيت مؤمليك عدت عليهم . . . عواد صعدتهم في كؤود وأضحت عند غيرك في هبوط . ~~. . حظوظ كن عند في صعود PageV05P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" وأصبحت الوفود وقفا . . . على أن لا مفاد ~~لمستفيد فكلهم أعد اليأس وقفا . . . عليك ونص راحلة العقود لقد سخنت عيون ~~الجود لما . . . ثويت وأقصدت غرر القصيد وقال يرثي محمد بن حميد الطوسي : ~~كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر . . . فليس لعين لم يفض ماؤها عذر توفيت ~~الآمال بعد محمد . . . وأصبح في شغل عن السفر السفر وما كان إلا مال من قل ~~ماله . . . وذخرا لمن أمسى وليس له ذخر وما كان يدري المجتدى جود كفه . . . ~~إذا ما استهلت أنه خلق العسر ألا في سيبل الله من عطلت له . . . فجاج سبيل ~~الله واثغر الثغر فتى كلما فاضت عيون قبيلة . . . دما ضحكت عنه الأحاديث ~~والذكر فتى دهره شطران فيما ينوبه . . . ففي بأسه شطر وفي جوده شطر فتى مات ~~بين الضرب والطعن ميتة . . . تقوم مقام النصر إذا فاته النصر PageV05P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" وما مات حتى مات مضرب سيفه . . . من الشل ~~واعتلت عليه القنا السمر وقد كان فوت الموت سهلا فرده . . . عليه الحفاظ ~~المر والخلق الوعر ونفس تعاف العار حتى كأنه . . . هو الكفر يوم الروع أو ~~دونه الكفر فأثبت في مستنقع الموت رجله . . . وقال لها من تحت أخمصك الحشر ~~غدا غدوة والحمد نسج رداثه . . . فلم ينصرف إلا وأكفانه الأجر تردى ثياب ~~الموت حمرا فما أتى . . . لها الليل إلا وهي من سندس خضر كأن بني نبهان يوم ~~وفاته . . . نجوم سماء خر من بينها البدر يعزون عن ثاو تعزى به العلا . . . ~~ويبكي ms1100 عليه الجود والبأس والشعر وأنى لهم صبر قد مشى . . . إلى الموت حتى ~~استشهدا هو والصبر فتى كان عذب الروح لاعن غضاضة . . . ولكن كبرا أن يكون ~~له كبر فتى سلبته الحيل وهو حمى لها . . . وبزته نار الحرب وهو لها جمر وقد ~~كانت البيض المآثير في الوغى . . . بواتر فهي الآن من بعده بتر ~~PageV05P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" أمن بعد طي الحادثات محمدا . . . يكون لأثواب ~~العلا أبدا نشر إذا شجرات العرف جذت أصولها . . . ففي أي فرع يوجد الورق ~~النضر لئن أبغض الدهر الخؤن لفقده . . . لعهدي به ممن يحب له الدهر لئن ~~غدرت في الروع أيامه به . . . لما زالت الأيام شيمتها الغدر لئن ألبست في ~~المصيبة طيء . . . لما عريت منها تميم ولا بكر كذلك ما ننفك نفقد هالكا . . ~~. يشاركنا في فقده البدو والحضر سقى الغيث غيثا وارت الأرض شخصه . . . وإن ~~لم يكن فيها سحاب ولا قطر وكيف احتمالي للسحاب صنيعة . . . بإسقائها فبرا ~~وفي لحده البحر ثوى في الثرى من كان يحيا به الثرى . . . ويغمر صرف الدهر ~~نائله الغمر مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة . . . غداة ثوى إلا اشتهت أنها ~~قبر عليك سلام الله وقفا فإنني . . . رأيت الكريم الحر ليس له عمر وقال ~~يرثي إدريس بن بدر السامي : دموع أجابت داعي الحزن همع . . . توصل منا عن ~~قلوب تقطع عفاء على الدنيا طويل فإنها . . . تفرق من حيث ابتدت تتجمع ~~PageV05P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" تبدلت الأشياء حتى خلتها . . . ستثني غروب ~~الشمس من حيث تطلع لها صيحة في كل روح ومهجة . . . وليست لشيء ما خلا القلب ~~تسمع أإدريس ضاع المجد بعدك كله . . . ورأى الذي يرجوه بعدك أضيع وغودر وجه ~~العرف الأسود بعد ما . . . يرى وهو كالبكر الكعاب تصنع وأصبحت الأحزان لا ~~لمبرة . . . تسلم شزرا والمعالي تودع وضل بك المرتاد من حيث يهتدي . . . ~~وضرت بك الأيام من حيث تنفع وأضحت قريحات القلوب من الجوى . . . تقيظ ولكن ~~المدامع تربع عيون حفظن الليل فيك محرما . . . وأعطينك الدمع الذي كان يمنع ~~وقد كان يدعى لابس الصبر حازما . . . فأصبح يدعى حازما حين يجزع وقالوا ~~عزاء ms1101 : ليس للموت مدفع . . . فقلت : ولا للحزن للمرء مدفع لإدريس يوم ما ~~تزال لذكره . . . دموعي وإن سكنتها تتفرع ولما نضا ثوب الحياة وأوقعت . . . ~~به نائبات الدهر ما يتوقع غدا ليس يدري كيف يصنع معدم . . . درى دمعه من ~~وجده كيف يصنع وماتت نفوس الغالبيين كلهم . . . وإلا فصبر الغالبيين أجمع ~~غدوا في زوايا نعشه وكأنما . . . قريش قريش حين مات مجمع ولم أنس سعي الجود ~~خلف سريره . . . بأكسف بال يستقيم ويظلع وتكبيره خمسا عليه معالنا . . . ~~وإن اكن تكبير المصلين أربع وما كنت أدري يعلم الله قبلها . . . بأن الندى ~~في أهله يتشيع وقمنا فقلنا بعد أن أفرد الثرى . . . به ما يقال في السحابة ~~تقلع PageV05P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" - هذا مأخوذ من قول مسلم : فاذهب كما ذهبت ~~غوادي مزنةأثنى عليها السهل والأوعار ألم تك ترعانا من الدهر إن سطا . . . ~~وتحفظ من أموالنا ما نضيع وتبسط كفا في الحقوق كأنما . . . أناملها في ~~البأس والجود أذرع وتلبس أخلاقا كراما كأنها . . . على العرض من فرط ~~الحصانة أدرع وتربط جأشا والكماة قلوبهم . . . تزعزع خوفا من قنا تتزعزع ~~وأمنية المرتاد يحضرك الندى . . . فيشفع في مثل الفلا فيشفع فأنطق فيه حامد ~~وهو فيه مفحم . . . وأفحم فيه حاسد وهو فيه مصقع ألا إن في ظفر المنية مهجة ~~. . . تظل لها عين العلا وهي تدمع هي النفس إن تبك المكارم فقدها . . . فمن ~~بين أحشاء المكارم تنزع ألا إن أنفا لم يعد وهو أجدع . . . لفقدك عند ~~المكرمات لأجدع وإن امرأ لم يمس فيك مفجعا . . . بملحوده ، في عقله لمفجع ~~وقال يرثي القاسم بن طوق بن مالك : جوى ساور الأحشاء والقلب واغله . . . ~~ودمع يضيم العين والجفن هامله وفاجع موت لا عدو يخافه . . . فيبقي ، ولا ~~يبقي صديقا يجامله وأي أخي عز وذي جبرية . . . ينابذه أو أي رام يناضله إذا ~~ما جرى مجرى دم المرء حكمه . . . وبثت على طرق النفوس حبائله فلو شاء هذا ~~الدهر أقصر شره . . . كما أقصرت عنا لهاه ونائله PageV05P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" سنشكوه إعلانا وسرا ونية . . . شكية من لا ~~يستطيع يقاتله فمن مبلغ عني ربيعة أنه . . . تقشع طل ms1102 الجود عنها ووابله وأن ~~الحجا منها استطارت صدوعه . . . ولو لم يزايلنا لكنا نزايله ولم يعلموا أن ~~الزمان يريده . . . بفجع ولا أن المنايا تراسله ومنها : طواه الردى طي ~~الرداء وغيبت . . . فضائله عن قومه وفواضله طوى شيما كانت تروح وتغتدي . . ~~. وسائل من أعيت عليه وسائله فيا عارضا للعرف أقلع مزنه . . . ويا واديا ~~للجود جفت مسايله وقال يرثي محمد بن حميد وأخاه قحطبة : بأبي وغير أبي وذاك ~~قليل ثاو عليه ثرى النباج مهيل خذلته أسرته كأن سراتهم . . . جهلو بأن ~~الخاذل المخذول أكال أشلاء الفوارس بالقنا . . . أضحى بهن وشلوه مأكول كفى ~~، فقتل محمد لي شاهد . . . أن العزيز مع القضاء ذليل ومنها : هيهات لا يأتي ~~الزمان بمثله . . . إن الزمان بمثله لبخيل ما أنت بالمقتول صبرا إنما . . . ~~أملي غداة نعيك المقتول PageV05P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" ومنها : من ذا يحدث البقاء ضميره . . . هيهات ~~أنت على الفناء دليل يا ليت شعري بالمكارم كلها . . . ماذا ، وقد فقدت نداك ~~، تقول ؟ ومنها : يا يوم قحطبة لقد أبقيت لي . . . حرقا أرى أيامها ستطول ~~ليث لو أن الليث قام مقامه . . . لانصاع وهو يراعة إجفيل لما رأى جمعا ~~قليلا في الوغى . . . وأولو أميرا الحفاظ من القليل قليل لاقى الكريهة وهو ~~مغمد روعه . . . فيها ولكن بأسه مسلول ومشى إلى الموت الزؤام كأنما . . . ~~هو من محبته إليه خليل ومنها : أضحت عراص محمد و محمد . . . وأخيهما وكأنهن ~~طلول أبني حميد ليس أول ما عفا . . . بعد الأسود من الأسود الغيل مازال ذاك ~~الصبر وهو عليكم . . . بالموت في ظل السيوف كفيل مستبسلون كأن مهجاتهم . . ~~. ليست لهم إلا غداة تسيل ألفوا المنايا فالقتل لديهم . . . من لم يخل ~~العيش وهو قتيل إن كان ريب الدهر أثكلنيكم . . . فالموت أيضا ميت مثكول ~~PageV05P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" وقال يعزي مالك بن طوقان : أمالك إن الحزن ~~أحلام حالم . . . ومهما تدم فالحزن ليس بدائم أمالك إفراط الصبابة تارك . . ~~. حنا واعوجاجا في قناة المكارم تأمل رويدا هل عدن سالما . . . إلى آدم أم ~~هل تعد ابن سالم متى ترع هذا الموت عينا بصيرة . . . نجد عادلا منه شبيها ~~بظالم فإن تك ms1103 مفجوعا بأبيض لم تكن . . . تشد على جدواه عقد التمائم بفارس ~~دغمي وهضبة وائل . . . وكوكب عتاب وحمزة هاشم شجا الريح فازدادت لفقده . . ~~. وأحدث شجوا في بكاء الحمائم فمن قبله ما قد أصيب نبينا . . . أبو القاسم ~~النور المبين بقاسم وخبر قيس بالجليلة في ابنه . . . فلم يتغير وجه قيس بن ~~عاصم وقال علي في التعازي لأشعث . . . وخاف عليه بعض تلك المآثم : أتصبو ~~للبلوى عزاء وحسبة . . . فتؤجر ، أم تسلو سلو البهائم ؟ PageV05P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" خلقنا رجالا للتجلد والأسى . . . وتلك ~~الغواني للبكا والمآتم وأي فتى في الناس أحرض من فتى . . . غدا في خفارات ~~الدموع السواجم وهل من حكيم ضيع الصبر بعدما . . . رأى الحكماء الصبر ضربة ~~لازم فلا برحت تسطو ربيعة منكم . . . بأرقم عطاف وراء الأراقم فأنت وصنواك ~~الشقيقان إخوة . . . خلقتم سعوطا للأنوف الرواغم ثلاثة أركان ، وما انهد ~~سؤدد . . . إذا ثبتت فيه ثلاث دعائم وقال يرثي عمير بن الوليد : كف الندى ~~أمست بغير بنان . . . وقناته أضحت بغير سنان جبل الجبال غدت عليه ملمة . . ~~. تركته وهو مهدم الأركان أنعى عمير بن الوليد لغارة . . . بكر من الغارات ~~أو لعوان أنعى فتى الفتيان غير مكذب . . . قولي ، وأنعى فارس الفرسان عثر ~~الزمان ونائبات صروفه . . . بمقيلنا عثرات كل زمان لم يترك الحدثان يوم سطا ~~به . . . أحدا نصول به على الحدثان قد كنت حشو الدرع ثم أراك قد . . . ~~أصبحت حشو اللحد والأكفان شغلت قلوب الناس ثم عيونهم . . . مذ مت بالخفقان ~~والهملان واستعذبوا الأحزان حتى إنهم . . . يتحاسدون مضاضة الأحزان ما ~~يرعوي أحد إلى أحد ولا . . . يشتاق إنسان إلى إنسان أأصاب منك الموت فرصة ~~ساعة . . . فعدا عليك وأنتما أخوان فمن الذي أبقى ليوم تكرم . . . ومن الذي ~~أبقى ليوم طعان وقال يرثي ابنا له : كان الذي حفت أن يكونا . . . إنا إلى ~~الله راجعونا أمسى المرجى أبو علي . . . موسدا في الثرى يمينا PageV05P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" حين استوى وانتهى شبابا . . . وحقق الرأي ~~والظنونا أصبت فيه وكان عندي . . . على المصيبات لي معينا كنت كثيرا به ~~عزيزا . . . وكنت صبا به ضنينا دافعت إلا النون عنه . . . والمرء لا يدفع ~~المنونا ms1104 آخر عهدي به صريعا . . . للموت بالداء مستكينا إذا شكا غصة وكربا . ~~. . يمنعه الموت أن يبينا يشخص طورا بناظريه . . . وتارة يطبق الجفونا ثم ~~قضى نحبه وأمسى . . . في جدث للثرى دفينا باشر برد الثرى بوجه . . . قد كان ~~من قبله مصونا بعيد دار قريب جار . . . قد فارق الإلف والقرينا بني يا واحد ~~البنينا . . . غادرتني مفردا حزينا هون رزئي بك الرزايا . . . علي في الناس ~~أجمعينا آليت أنساك ما تجلى . . . صبح نهار لمصبحينا وما دعا طائر هديلا . ~~. . ورجعت واله حنينا تصرف الدهر بي صروفا . . . وعاد لي شأنه شؤونا وحز في ~~اللحم بل براه . . . واجتث من طلحتي فنونا أصاب مني صميم قلبي . . . وخفت ~~أن يقطع الوتينا والمرء رهن بحالتيه . . . فشدة مرة ولينا شواذ المراثي من ~~ذلك ما قالته جليلة بنت مرة أخت جساس زوج كليب لما قتل أخوها جساس زوجها ~~كليبا ، وكان نساء الحي لما اجتمعن للمأتم قلن لأخت كليب : رحلي ~~PageV05P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" جليلة عنك فإن قيامها فيه شماتة وعار علينا ~~عند العرب ، فقالت لها : أخرجي عن مأتمنا ، فأنت أخت واترنا وشقيقة قاتلنا ~~، فخرجت وهي تجر أعطافها ، فلقيها أبوها مرة فقال لها : ما وراءك يا جليلة ~~؟ فقالت : ثكل العدد ، وحزن الأبد ، وفقد خليل ، وقتل أخ عن قليل ، وبين ~~ذلك غرس الأحقاد ، وتفتت الأكباد . فقال لها : أو يكف ذلك كرم الصفح وإغلاء ~~الديات ؟ فقالت جليلة : أمنية مخدوع ورب الكعبة ، أبالبدن تدع لك وائل دم ~~ربها قال : ولما رحلت جليلة قالت أخت كليب : رحلة المعتدي وفراق الشامت ويل ~~غدا لآل مرة ، من الكرة بعد الكرة وبلغ قولها جليلة فقالت : وكيف تشمت ~~الحرة بهتك سترها وترقب وترها أسعد الله أختي ، ألا قالت : نفرة الحياء ~~وخوف الأعداء ثم أنشأت تقول : يا بنة الأقوام إن لمت فلا . . . تعجلي ~~باللوم حتى تسألي فإذا أنت تبينت الذي . . . يوجب اللوم فلومي واعذلي إن ~~تكن أخت امرئ ليمت على . . . جزع منها عليه فافعلي جل عندي فعل جساس فيا . ~~. . حسرتا عما انجلت أو تنجلي فعل جساس على ضني به . . . قاطع ظهري ومدن ~~أجلي لو بعين ms1105 فقئت عين سوى . . . أختها وانفقأت لم أحفل تحمل العين قذى ~~العين كما . . . تحمل الأم أذى ما تفتلي إنني قاتلة مقتولة . . . فلعل الله ~~أن يرتاح لي يا قتيلا قوض الدهر به . . . سقف بيتي جميعا من عل ورماني فقده ~~من كثب . . . رمي المصمى به المستأصل PageV05P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" هدم البيت الذي استحدثته . . . وبدا في هدم ~~بيتي الأول يا نسائي دونكم اليوم قد . . . خصني الدهر برزء معضل مسني فقد ~~كليب بلظى . . . من ورائي ولظى مستقبلي ليس من يبكي ليومين كمن . . . إنما ~~يبكي ليوم ينجلي درك الثائر شافيه وفي . . . دركي ثاري ثكل المثكل ليته كان ~~دمي فاحتلبوا . . . دررا منه دما من أكحلي ولما مات معاوية بن أبي سفيان ~~اجتمع الناس بباب يزيد فلم يقدروا على الجمع بين التهنئة والتعزية ، حتى ~~أتى عبد الله بن همام فقال : يا أمير المؤمنين ، أجزل الله أجرك على الرزية ~~. وبارك لك في العطية ، وأعانك على الرعية ، فقد رزئت عظيما ، وأعطيت جسيما ~~، فاشكر الله على ما أعطيت ، واصبر على ما رزيت ، فقد فقدت خليفة الله ، ~~ففارقت جليلا ، وأعطيت جزيلا ، إذ قضى معاوية نحبه ، ووليت الرياسة ، ~~فأورده الله موارد السرور ، ووفقك في جميع الأمور : فاشكر يزيد فقد فارقت ~~ذا مقة . . . واشكر حباء الذي بالملك حاباكا أصبحت تملك هذا الخلق كلهم . . ~~. فأنت ترعاهم والله يرعاكا لارزء في الأقوام قد علموا . . . مما رزئت ، ~~ولا عقبى كعقباكا وفي معاوية الباقي لنا خلف . . . إذا نعيت ولا نسمع ~~بمنعاكا ففتح للناس باب الرثاء وجروا على منواله . وقال أبو نواس الحسن بن ~~هانئ يعزي الفضل بن ربيع عن الرشيد ويهنئه بالأمين : تعز أبا العباس عن خير ~~هالك . . . بأكرم حي كان أو هو كائن PageV05P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" حوادث أيام تدور صروفها . . . لهن مساو مرة ~~ومحاسن وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى . . . فلا أنت مغبون ولا الموت غابن ~~وقال أبو تمام يرثي المعتصم ويهنئ الواثق : ما للدموع تروم كل مرام . . . ~~والجفن ثاكل هجعة ومنام يا حفرة المعصوم تربك مودع . . . ماء الحياة وقاتل ~~الإعدام إن الصفائح منك قد نضدت على ms1106 . . . ملقى عظام لو علمت عظام فتق ~~المدامع أن لحدك حله . . . سكن الزمان وممسك الأيام ومصرف الملك الجموح ~~كأنه . . . قد زم معصبه له بزمام هدمت صروف الدهر أرفع حائط . . . ضربت ~~دعائمه على الإسلام دخلت على ملك الملوك رواقه . . . وتسربت لمقوم القوام ~~مفتاح كل مدينة قد أبهمت . . . غلقا ومخلي كل دار مقام ومعرف الخلفاء أن ~~حظوظها . . . في حيز الإسراج والإلجام أخذ الخلافة عن أسنته التي . . . ~~منعت حمى الآباء والأعمام فلسورة الأنفال في ميراثه . . . آثارها ولسورة ~~الأنعام مادام هارون الخليفة فالهدى . . . في غبطة موصولة بدوام إنا رحلنا ~~واثقين بواثق . . . بالله شمس ضحى وبدر تمام لله أي حياة انبعثت لنا . . . ~~يوم الخميس وبهد أي حمام أودى بخير إمام اضطربت به . . . شعب الرجال وقام ~~خير إمام تلك الرزية لا رزية مثلها . . . والقسم ليس كسائر الأقسام ~~PageV05P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" جاء منها : نقض كرجع الطرف قد أبرمته . . . ~~يا بن الخلائف أي إبرام ما إن رأى الأقوام شمسا قبلها . . . أفلت فلم ~~تعقبهم بظلام أكرم بيومهم الذي ملكتهم . . . في صدره وبعامهم من عام ثم أخذ ~~في مدح الواثق . وفي هذه الواقعة يقول ابن الزيات : قد قلت إذ غيبوك ~~واصطفقت . . . عليك أيد بالترب والطين اذهب فنعم المعين كنت على الد . . . ~~نيا ونعم الظهير للدين لن يجبر الله أمة فقدت . . . مثلك إلا بمثل هارون ~~ومن أشد الرثاء صعوبة على الشاعر وأضيقه مجالا أن يرثي امرأة أو طفلا . وقد ~~أخذ على المتنبي في قوله يرثي أم سيف الدولة بن حمدان : سلام الله خالقنا ~~حنوط . . . على الوجه المكفن بالجمال وقالوا : ماله ومال هذه العجوز يصف ~~جمالها ووبخه الصاحب بن عباد في قوله فيها : رواق العز فوقك مسبطر . . . ~~وملك علي ابنك في كمال PageV05P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" قال أبو الحسن علي بن رشيق الأزدي في كتابه ~~المترجم بالعمدة وبالأغاني أيضا : أشد ما هجن هذه اللفظة وجعلها مقام قصيدة ~~من الهجاء أنه قرنها بفوقك فجاء عملا تاما لم يبق فيه إلا الإفضاء . وإن ~~يكن المتنبي أخطأ في هذا فلقد أجاد في غيره ، والفاضل من عدت سقطاته ms1107 ، ~~وحفظت هفواته وفلتاته ، وانظر إلى قوله في أخت سيف الدولة : يا أخت خير أخ ~~يا أخت خير أب . . . كناية بهما عن أشرف النسب أجل قدرك أن تدعي مؤنثة . . ~~. ومن يصفك فقد سماك للعرب وقاله أيضا : ولو كان النساء كمن فقدنا . . . ~~لفضلت النساء على الرجال مشى الأمراء حوليها حفاة . . . كأن المرو من زف ~~الرئال ومن جيد ما رثي النساء به وأشده تأثيرا في القلب وإثارة للحزن قول ~~عبد الملك ابن الزيات في أم ولده : ألا من رأى الطفل المفارق أمه . . . ~~بعيد الكرى عيناه تبتدران رأى كل أم وابنها غير أمه . . . يبيتان تحت الليل ~~ينتجيان وبات وحيدا في الفراش تحثه . . . بلابل قلب دائم الخفقان ومنها بعد ~~أبيات . ألا إن سجلا واحدا قد أرقته . . . من الدمع أو سجلين قد شفياني فلا ~~تلحياني إن بكيت فإنما . . . أداوي بهذا الدمع ما تريان وإن مكانا قي الثرى ~~خط لحده . . . لمن كان من قلبي بكل مكان أحق مكان بالزيارة والهوى ، . . . ~~فهل أنتما إن عجت منتظران ؟ PageV05P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" فهبني عزمت الصبر عنها لأنني . . . جليد فمن ~~بالصبر لابن ثمان ضعيف القوى لا يعرف الأجر حسبة . . . ولا يأتسي بالناس ~~الحدثان ألا من أمنيه المنى وأعده . . . لعثرة أيام وصرف زمان ألا من إذا ~~جئت أكرم مجلسي . . . وإن غبت عنه حاطني ورعاني فلم أر كالأقدار كيف تصيبني ~~. . . ولا مثل هذا الدهر كيف رماني وقال أبو تمام يرثي جارية له : ألم ترني ~~خليت عيني وشانها . . . ولم أحفل الدنيا ولا حدثانها لقد خوفتني النائبات ~~صروفها . . . ولو أمنتني ما قبلت أمانها وكيف على نار الليالي معرسي . . . ~~إذا كان شيب العارضين دخانها أصبت بخود سوف أغبر بعدها . . . حليف أسى أبكي ~~زماني زمانها عنان من اللذات قد كان في يدي . . . فلما مضى الإلف استردت ~~عنانها منحت الدمى هجري فلا محسناتها . . . أود ولا يهوى فؤادي حسانها ~~يقولون : هل يبكي الفتى لخريدة . . . متى أراد اعتاض عشرا مكانها وهل ~~يستعيض المرء من خمس كفه . . . ولو صاغ من حر اللجين بنانها وقال أبو الفتح ~~كشاجم يعزي بابنة : تأس يا أبا ms1108 بكر . . . لموت الحرة البكر فقد زوجتها ~~القبر . . . وما كالقبر من صهر وعوضت بها الأجر . . . وما كالأجر من مهر ~~زفاف أهديت فيه . . . من الخدر إلى القبر فتاة أسبغ الله . . . عليها أفضل ~~الستر PageV05P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" ورزء أشبه النعم . . . ة في الموقع والقدر ~~وقد يختار في المكرو . . . ه للمرء وما يدري فقابل نعمة الله . . . وما ~~أولاك من شكر وعز النفس عما فا . . . ت بالتسليم والصبر وقال أبو مروان بن ~~أبي الخصال الأندلسي في مثل ذلك : ألا يا موت كنت بنا رءوفا . . . فجددت ~~الحياة لنا بزوره حمدت لفعلك المأثور لما . . . كفيت مؤونة وسترت عوره ~~فأنكحنا الضريح بغير مهر . . . وجهزنا الفتاة بغير شوره وقال أبو تام حبيب ~~بن أوس الطائي في ابنين لعبد الله بن طاهر ماتا صغيرين في يوم واحد من ~~قصيدة : نجمان شاء الله ألا يطلعا . . . إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا إن ~~الفجيعة بالرياض نواضرا . . . لأجل منها بالرياض ذوابلا لو ينسآن لكان هذا ~~غاربا . . . للمكرمات وكان هذا كاهلا لهفي على تلك الشواهد فيهما . . . لو ~~أمهلت حتى تكون شمائلا لغدا سكونهما حجا وصباهما . . . حلما وتلك الأريحية ~~نائلا إن الهلال إذا رأيت نموه . . . أيقنت أن سيكون بدرا كاملا وقال أبو ~~الحسن الأنباري في محمد بن بقية وزير عز الدولة بختيار بن معز الدولة ابن ~~بويه لما صلبه عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه عند خلع بختيار ، وهي من ~~نوادر المراثي : علو في الحياة وفي الممات . . . لحق أنت إحدى المعجزات كأن ~~الناس حولك حين قاموا . . . وفود نداك أيام الصلات PageV05P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" كأنك قائم فيهم خطيبا . . . وكلهم قيام ~~للصلاة مددت يدك نحوهم جميعا . . . كمدهما إليهم بالهبات ولما ضاق بطن ~~الأرض عن أن . . . يضم علاك من بعد الممات أصاروا الجو قبرك واستنابوا . . ~~. عن الأكفان ثوب السافيات لعظمك في النفوس بقيت ترعى . . . بحراس وحفاظ ~~ثقات وتشعل عندك النيران ليلا . . . كذلك كنت أيام الحياة ولم أر قبل جذعك ~~قط جذعا . . . تمكن من عناق المكرمات ركبت مطية من قبل زيد . . . علاها في ~~السنين الذاهبات أشار في هذا البيت ms1109 إلى زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ~~لما قتل وصلب في أيام هشام بن عبد الملك . ومما يدخل في هذا الباب ويلتحق ~~به ما يطرأ من الحوادث التي تعم بها البلية ، وتشمل بسببها الرزية ، ~~كاستيلاء أهل الكفر على بلد من بلاد الإسلام ، وهزيمتهم لجيشه اللهام ، فمن ~~ذلك ما كتب به القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني إلى أمير عز الدين سامة ~~لما استعاد الفرنج - خذلهم الله تعالى - مدينة بيروت : ابتدأ كتابه بأن قال ~~بعد البسملة : قال الله سبحانه في كتابه العزيز مسليا لنبيه الكريم ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل " ، فإذا ~~كان من الناس من خان الله ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فكيف لا يخون ~~الناس الناس وأين الموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأس والضراء ~~وحين الباس : وقد كانوا إذا عدوا قليلا . . . فقد صاروا أقل من القليل ~~والمولى - أعزه الله بنصره ، وعوضه أحسن العوض من أجره ، وكتب له ثواب ~~تسليمه إليه وصبره - ليس بأول من وثق بمن وخان ، وقضية بيروت بأول مقدور ~~قال الله له : كن فكان ، والقدر السابق لا يدفعه الهم اللاحق ، ومن الخجلات ~~المستعارة خجلة الواثق ، والموثوق به لائق به الخجل الصادق ، ومعاذ الله أن ~~ينكس المجلس رأسه حياء ، أو أن يسخط لله قضاء ، أو أن يأسف على مال نقله من ~~مودعه الذي لا يؤمن PageV05P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" من الآفات عليه ، إلى مودع الله الذي يحفظه ~~إلى أن يأتيه به أحوج من كان إليه ، والحمد لله الذي جعل مصائبنا في الدنيا ~~فوائدنا في الأخرى ، ثم الحمد لله الذي جعل البادرة للعدوان والعاقبة ~~للتقوى . وقد علم الله أني مقاسمه ومساهمه ، ومضمر من الهم بما اتفق من هذا ~~المقدور ما مقدره عالمه ، غير أنه لا حيلة لمن لا حيلة له إلا الصبر ، وإن ~~صبر جرى عليه القدر وجرى له الأجر ، وإن لم يصبر جرى عليه القدر وكتب عليه ~~الوزر ، وكل ما ذهب من صاحبه قبل أن يذهب صاحبه فقد أنعم الله ms1110 عليه ، حيث ~~أخرج ما في يديه وأبقى يديه ، والمال غاد ورائح ، والمال بالحقيقة هو العمل ~~الصالح ، وإن اجتمع موصلها بحضرته فهو ينهى ما عندي ، ويؤدي حقيقة ودي ، ~~ورأيه الموفق . وقال أبو المظفر الأبيوردي لما استولى الإفرنج على البيت ~~المقدس في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة قصيدة منها : مزجنا دماء بالدموع ~~السواجم . . . فلم يبق منا عرضة للمراجم وشر سلاح المرء دمع يفيضه . . . ~~إذا الحرب شبت نارها بالصوارم فإيها بني الإسلام إن وراءكم . . . وقائع ~~يلحقن الذرى بالمناسم أتهويمة في ظل أمن وغبطة . . . وعيش كنوار الخميلة ~~ناعم وكيف تنام العين ملئ جفونها . . . على هبوات أيقظت كل نائم وإخوانكم ~~بالشام يضحي مقيلهم . . . ظهور المذاكي أو بطون القشاعم يسومهم الروم ~~الهوان وأنتم . . . تجرون ذيل الخفض فعل المسالم وكم من دماء قد أبيحت ، ~~ومن دمى . . . تواري حيائها حسنها بالمعاصم PageV05P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" بحيث السيوف البيض محمرة الظبى . . . وسمر ~~العوالي داميات اللهاذم وبين اختلاس الطعن والضرب وقفة . . . تظل لها ~~الولدان شيب القوادم وتلك حروب من يغب عن غمارها . . . ليسلم يقرع بعدها سن ~~نادم سللن بأيدي المسلمين قواضيا . . . ستغمد منهم في الطلى والجماجم يكاد ~~بهن المستجن بطيبة . . . ينادي بأعلى الصوت : يا آل هاشم أرى أمتي لا ~~يشرعون إلى العدا . . . رماجهم والدين واهي الدعائم ويجتنبون النار خوفا من ~~العدا . . . ولا يحسبون العار ضربة لازم أترضى صناديد الأعاريب بالأذى . . ~~. وتغضي على ذل كماة الأعاجم فليتهم إن لم يذودوا حمية . . . عن الدين ضنوا ~~غيرة بالمحارم وإن زهدوا في الأجر إذا حمي الوغى . . . فهلا أتوه رغبة في ~~المغانم لئن أذعنت تلك الخياشيم للثرى . . . فلا عطسوا إلا بأجدع راغم ~~دعوناكم والحرب ترنو ملحة . . . غلينا بألحاظ النسور القشاعم تراقب فينا ~~غارة عربية . . . تطيل عليها الروم عضد الأباهم فإن أنتم لم تغضبوا عند هذه ~~. . . رمتنا إلى أعدائنا بالجرائم وقال علاء الدين علي الأوتاري الدمشقي في ~~مثل ذلك لما استولى التتار على دمشق في سنة تسع وتسعين وستمائة : لك علم ~~بما جرى يا سهادي . . . من جفوني على افتقاد رقادي لم أجد عند شدتي مؤنسا ~~لي . . . غير سهدي ms1111 ملازما لسوادي وحبيب العين الرقاد جفاها . . . مذ رآها ~~خليفة الأنكاد PageV05P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" أحسن الله يا دمشق عزاك . . . في مغانيك يا ~~عماد البلاد وبرستاق نير بيك مع الم . . . زة مع رونق بذاك الوادي وبأنس ~~بقاسيون وناس . . . أصبحوا مغنما لأهل الفساد طرقتهم حوادث الدهر بالق . . ~~. تل ونهب الأموال والأولاد وبنات محجبات عن الشم . . . إسحاق تناءت بهن ~~أيدي الأعادي وقصور مشيدات تقضت . . . في ذراها الأيام كالأعياد وبيوت فيها ~~التلاوة والذك . . . ر وعالي الحديث بالإسناد حرقوها وخربوها وبادت . . . ~~بقضاء الإله رب العباد وكذا شارع العقيبة والقص . . . ر وشاغورها وذاك ~~النادي أصبحوا اليوم مثل أمس تقضى . . . وبكتهم سماؤهم والغوادي ولكم سورها ~~حوى من معنى . . . مقرح القلب والحشى والفؤاد إن بكى لا يفيده أو تشكى . . ~~. وجد المشتكي حليف سهاد يشتكي فوق ما اشتكاه بأضعا . . . ف فيغدو وهمه في ~~ازدياد فالغلا والجلا مع الجوع والعر . . . ي ونهب الأقوات والأزواد ~~والحصار الشديد والحبس والخو . . . ف مع السادة العراة المكادي وبوزن ~~الأموال من غير وجد . . . باعتساف الغتم الغلاظ الشداد كاترآقجا كبرخوار ~~أنت ياغيه . . . لمحمود غازان قاآن البلاد يا ترى هل لكربنا من مجير . . . ~~أم لتشديد أسرنا من مفادي PageV05P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" لهف نفسي على جيوش تولت . . . ثم ولت جريحة ~~الأكباد كل ندب عضب حمى كمي . . . أمجد أصيد شجاع جواد إن سطا في هابته كان ~~بحرا . . . أو سطا خلته من الآساد أو بدا حاملا تخل عنتريا . . . أو غدا ~~سابق الجواد فغادي إن أتاني مبشر بلقاهم . . . حاز روحي ومهجتي وقيادي ~~ولثمت التراب شكرا وعفر . . . ت خدودي على بلوغ مرادي لست أرجو غير البشير ~~شفيعا . . . عند ربي في المن بالإنجاد غير أن الفساد يكسب ذلا . . . ويعمى ~~الفساد طرق السداد وارتكاب الفساد يورث فقرا . . . وخراب البيوت عقبى ~~الفساد يا حبيب الإله لا تتخلى . . . عن عصاة غمرتهم بالأيادي يا حبيب ~~الإله قد مسنا الض . . . ر فجد بالإسعاف والإسعاد يا حبيب الإله تبنا إلى ~~الله . . . وأنت العماد حتى المعاد من لأسرى كسرى حيارى دهتهم . . . دهمتهم ~~جياد أهل العناد واضع اللقط في الحساب عناه لو ms1112 يعش حصر كثرة الأعداد منهم ~~الطفل والصبية والشا . . . ب ينادي ، فمن يجيب المنادي وينادى عليهم برغيف ~~. . . وبنزر بخس بسوق الكساد عوضوا عن سرورهم بغرور . . . وقصور البلاد ~~سكنى البوادي وبأهل الوداد شر أناس . . . وبلين المهاد شوك القتاد أي عين ~~عليهم ليست تبكي . . . أي قلب عليهم غير صادي فلأنت الرحيم قلبا ولبا . . . ~~ولأنت الهادي لسبل الرشاد ولأنت البديع خلقا وخلقا . . . ولأنت السميع ~~للإنشاد ولأنت الطراز في كل معنى . . . ولسيف المقال شبه النجاد ~~PageV05P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" ولأنت الحاوي فنون صفات . . . دون حصر لها ~~فناء المداد ولأنت الممدوح من فوق عرش . . . بعد ماذا يقول قس الإيادي جل ~~قصد الفصيح بالنظم معنى . . . نشر فضل الممدوح بين العباد فإذا كان منشئ ~~المدح ربي . . . عاد مدح الفصيح جمع سواد فعليك الصلاة يرجوا بها الأم . . ~~. ن علي من سائر الأنكاد وحيث انتهينا من المراثي والنوادب إلى هذه الغاية ~~، فلنذكر نبذة من الزهد والتوكل . الباب الثالث من القسم الرابع من الفن ~~الثاني في الزهد والتوكل وهذا الباب - وفقنا الله وإيانا لقصدنا ، وألهمنا ~~سلوك سبيل رشدنا ، واستعملنا في مراضيه ، وجنبنا عن الالتفات بالقول والفعل ~~إلى معاصيه - من هذا الفن هو واسطة عقده ، وعضد زنده ، وقائم مرهفه وحد ~~فرنده ، وشبا سنانه ، ومثنى عنانه ، وإنسان حدقته ، وحدقة إنسانه ، وكيف لا ~~وهو للنفس درة تاجها ، وطيب علاجها ، وواضح منهاجها ، ودليلها المرشد إذا ~~ضل الدليل ، ومنجيها من الهول الأعظم إذا فر المرء من الأخ والأم والأب ~~والابن والصاحبة والخليل . فتأمله أيها المطالع بعين قلبك قبل ناظرك ، ~~واتخذه من أحصن جنتك وأعدد عددك وأنفس ذخائرك ، ورض به نفسك إذا جمحت ، ~~وسكن به آمالك إذا مالت إلى المطامع وجنحت . واعلم أن الدنيا ظل زائل ، ~~وعدو قد نصب لك الشباك ومد الحبائل ، ولابد أنك مسئول عما اكتسبته منها ، ~~فليت شعري ما أعددت لجواب المسائل ؟ فهي العدو الذي أشبه PageV05P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" بالصديق ، والغادر الماكر الذي ما أخوفني أن ~~مكره بي وبك سيحيق . فاقتصر على القليل منها ، واعلم أنك سترحل في غد عنها ~~، وان الموت نازل بك فلا ms1113 ينفعك ما جمعته من مال وخول ، ولا يصحبك من الدنيا ~~إلا ما قدمته لآخرتك من صالح اعمل ، وان مالك سيقتسمه من لعله لا يشكرك ~~عليه ، وما ذا ينفعك شكره لو أن فعل وغاية ما ينالك من دنياك ، وغن بلغت ~~منها مناك ، وطال بها مداك ، أن تتمتع بزهرتها ، وتنال من لذتها ، وقد علمت ~~بالمشاهدة من حالك وحال غيرك ما يؤول أمر ملاذها إليه في العاجل ، وما ~~يتوقع لمن اقتصر من دنياه عليها في الآجل ، فالمأكل والمشرب صائران إلى ما ~~عملته وإنما تحصل اللذة بهما قبل الازدراد ، والمنكح والمركب فأنت وهما في ~~الموت والفناء على ميعاد ، والملابس فستخلقها الأيام بعد الجدة ، والمساكن ~~فستعفى الليالي آثارها ولو بعد مدة . فإذا علمت أن مآل الدنيا إلى الزوال ، ~~وقصارها إلى الانتقال ، وملاذها إلى هذه الغاية ، والعمر فيها وإن طال سريع ~~الناهية ، فتقلل منها حسب طاقتك ، واقتصر على ما تسد به بعض خلتك وفاقتك ، ~~واعمل لآخرتك التي لا ينقضي أمدها ، ولا يفنى من النعيم الدائم مددها . وقد ~~أمرتك الخير وليتني به لو ائتمرت ، وأوضحت لك سبيل الرشاد وليتني به لو ~~مررت . أمرتك الخير لكن ما ائتمرت به . . . وما استقمت فما قولي لك : استقم ~~وسأورد إن شاء الله على سمعك من هذا الباب ما إن تمسكت به كان سببا لإرشادك ~~، وذخيرة تجدها في يوم معادك . ذكر بيان حقيقة الزهد قال الإمام الأوحد ~~العالم زين الدين حجة المتكلمين أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي ~~الطوسي رحمه الله تعالى في كتابه المترجم بإحياء علوم الدين : اعلم أن ~~الزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات السالكين . وينتظم هذا المقام ~~PageV05P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" من علم وحال وعمل كسائر المقامات ، لأن أبواب ~~الإيمان كلها كما قال السلف ترجع إلى عقد وقول وعمل . وكأن القول لظهوره ~~أقيم مقام الحال ، إذا به يظهر الحال الباطن ، وإلا فليس القول مرادا بعينه ~~، وإذا لم يكن صادرا عن حال سمي إسلاما ولم يسم إيمانا . والعلم هو السبب ~~في الحال يجري مجرى المثمر ، والعمل يجري مجرى ms1114 الثمرة . فأما الحال فنعني ~~بها ما يسمى زهدا ، وهو عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه ~~، فكل من عدل عن شيء إلى غيره بمعاوضة وبيع وغيره فإنما عدل عنه لرغبته عنه ~~، وإنما عدل لغيره لرغبته فيه . فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمى زهدا ~~، وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمى رغبة وحبا . فإذا يستدعي حال الزهد ~~مرغوبا عنه ومرغوبا فيه هو خير من المرغوب عنه . وشرط المرغوب عنه أن يكون ~~هو أيضا مرغوبا فيه بوجه من الوجوه ، فمن رغب عما ليس مطلوبا في نفسه لا ~~يسمى زاهدا ، فتارك التراب والحجارة والحشرات لا يسمى زاهدا ، لأن ذلك ليس ~~في مظنة الرغبة ، وإنما يسمى زاهدا تارك الدراهم والدنانير . وشرط المرغوب ~~فيه أن يكون عنده خيرا من المرغوب عنه حتى تغلب هذه الرغبة ، فالبائع لا ~~يقدم على البيع إلا والمشترى عنده خير من المبيع ، فيكون حاله بالإضافة إلى ~~المبيع زهدا فيه ، وبالإضافة إلى العوض رغبة وحبا ، ولذلك قال الله تعالى : ~~" وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين " وشروه بمعنى باعوه ~~، ووصف إخوة يوسف بالزهد فيه إذ طمعوا أن يخلو لهم وجه أبيهم ، وكان ذلك ~~عندهم أحب إليهم من يوسف فباعوه طمعا في العوض . فإذا كل من باع الدنيا ~~بالآخرة فهو زاهد في الدنيا ، وكل من باع الآخرة بالدنيا فهو أيضا زاهد في ~~الدنيا ، وكل من باع الآخرة بالدنيا فهو أيضا زاهد ولكن في الآخرة ، ولكن ~~العادة جارية بتخصيص اسم الزهد بمن وهد في الدنيا ، كما خصص اسم الإلحاد ~~بمن يميل إلى الباطل خاصة ، وإن كان هو الميل في وضع اللسان . قال : ولما ~~كان الزهد رغبة عن محبوب بالجملة لم يتصور إلا بالعدول إلى شيء هو أحب منه ~~، وإلا فترك المحبوب بغير الأحب محال . والذي يرغب عن كل ما سوى الله تعالى ~~فهو الزاهد المطلق . والذي يرغب عن كل حظ ينال في الدنيا ولم يزهد في مثل ~~تلك الحظوظ في الآخرة بل طمع في الحور PageV05P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" العين والقصور ms1115 والفواكه والأنهار فهو أيضا ~~زاهد ولكنه دون الأول . والذي يترك من حظوظ الدنيا البعض دون البعض ، كالذي ~~يترك المال دون الجاه ، أو يترك التوسع في الأكل ولا يترك التجمل في الزينة ~~، فلا يستحق اسم الزهد مطلقا ، ودرجته في الزهاد درجة من يتوب عن بعض ~~المعاصي في التائبين ، وهو زهد صحيح كما أن التوبة عن بعض المعاصي صحيحة ، ~~فإن التوبة عبارة عن ترك المحظورات ، والزهد عبارة عن ترك المباحات التي هي ~~حظ النفس . والمقتصر على ترك المحظورات لا يسمى زاهدا ، وإن كان زهد في ~~المحظور وانصرف عنه ، ولكن العادة تخصص هذا الاسم بتارك المباحات . فإذا ~~الزهد عبارة عن رغبة عن الدنيا عدولا إلى الآخرة أو عن غير الله عدولا إلى ~~الله ، وهي الدرجة العليا . وكما يشترط في المرغوب فيه أن يكون خيرا عنده ، ~~فيشترط في المرغوب عنه أن يكون مقدورا عليه ، فإن ترك مالا يقدر عليه محال ~~، وبالترك يتبين زوال الرغبة ، ولذلك قيل لابن المبارك : يا زاهد ، فقال : ~~الزاهد عمر بن عبد العزيز ، إذا جاءته الدنيا راغمة فتركها ، وأما أنا ففيم ~~زهدت وأما العلم الذي هو المثمر لهذه الحال فهو العلم بكون المتروك حقيرا ~~بالإضافة إلى المأخوذ ، كعلم التاجر بأن العوض خير من المبيع فيرغب فيه ، ~~وما لم يتحقق هذا العلم لا يتصور أن تزول الرغبة عن المبيع ، فكذلك من عرف ~~أن ما عند الله باق وأن الآخرة خير وأبقى ، أي لذتها خير في نفسها وأبقى . ~~فبقدر قوة اليقين والمعرفة بالتفاوت بين الدنيا والآخرة تقوى الرغبة في ~~البيع والمعاملة ، حتى إن من قوي يقينه يبيع نفسه وماله ، كما قال الله عز ~~وجل : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن الجنة لهم " الآية ~~، ثم بين أن صفقتهم رابحة فقال الله تعالى : " فاستبشروا ببيعكم الذي ~~بايعتم به " . فليس يحتاج من العلم في الزهد إلا إلى هذا القدر وهو أن ~~الآخرة خير وأبقى ، وقد يعلم PageV05P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" ذلك من لا يقدر على ترك الدنيا إما لضعف علمه ~~ويقينه ، وإما لاستيلاء الدنيا والشهوة ms1116 في الحال عليه ولكونه مقهورا في يد ~~الشيطان ، وإما لاغتراره بمواعيد الشيطان في التسويف يوما فيوما إلى أن ~~يختطفه الموت ، ولا يبقى معه إلا الحسرة بعد الفوت . قال : وإلى التعريف ~~خساسة الدنيا الإشارة بقوله تعالى : " قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن ~~اتقى ولا تظلمون فتيلا " ، وإلى تعريف نفاسة الآخرة والإشارة بقوله عز وجل ~~: " وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن " ، فنبه على أن ~~العلم بنفاسته هو المرغب عن عوضه . قال : ولما لم يتصور الزهد إلا بمعاوضة ~~ورغبة عن محبوب في أحب منه قال رجل : اللهم أرني الدنيا كما تراها ، فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا تقل هذا ولكن قل اللهم أرني ~~الدنيا كما أريتها الصالحين من عبادك " . وهذا لأن الله يراها حقيرة كما هي ~~، وكل مخلوق بالإضافة إلى جلاله حقير ، والعبد يراها حقيرة في حق نفسه ~~بالإضافة إلى ما هو خير له ، ولا يتصور أن يرى بائع الفرس وإن رغب عن فرسه ~~كما يرى حشرات الأرض مثلا ، لأنه مستغن عن الحشرات أصلا وليس مستغنيا عن ~~الفرس ، و الله تعالى غني بذاته عن كل ما سواه ، فيرى الكل في درجة واحدة ~~بالإضافة إلى جلاله ، ويراها متفاوتة بالإضافة إلى غيره ، والزاهد هو الذي ~~يرى تفاوتها بالإضافة إلى نفسه لا إلى غيره . وأما العمل الصادر عن حال ~~الزاهد فهو ترك وأخذ ، لأنه بيع ومعاملة واستبدال الذي هو خير بالذي هو ~~أدنى . فكما أن العمل الصادر من عقد البيع هو ترك المبيع وإخراجه عن اليد ~~وأخذ العوض ، فكذلك الزهد يوجب ترك المزهود فيه بالكلية وهي الدنيا بأسرها ~~مع أسبابها ومقدماتها وعلائقها ، فيخرج من القلب حبها ويدخل حب الطاعات ، ~~وإلا كان كمن سلم المبيع ولم يأخذ الثمن . فإذا وفى شرط الحالتين في الأخذ ~~والترك فليستبشر ببيعه الذي بايع به ، فإن الذي بايعه بهذا البيع وفي ~~بالعهد ، فمن سلم حاضرا في غائب وسلم الحاضر وأخذ يسعى في طلب الغائب سلم ~~إليه الغائب حين فراغه من سعيه إن كان العاقد ممن ms1117 يوثق بصدقه وقدرته ووفائه ~~بالعهد . ومادام ممسكا للدنيا فلا يصح زهده أصلا ، ولذلك لم يصف ~~PageV05P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" الله تعالى إخوة يوسف بالزهد في بنيامين وإن ~~كانوا قد قالوا : " ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا " ، وعزموا على إبعاده ~~كما عزموا على إبعاد يوسف حتى شفع فيه أحدهم فترك ، ولا وصفهم أيضا بالزهد ~~في يوسف عند العزم على إخراجه إلا عند التسليم والبيع . فعلامة الرغبة ~~الإمساك ، وعلامة الزهد الإخراج . فإن أخرجت عن اليد بعض الدنيا دون البعض ~~فأنت زاهد فيما أخرجت فقط ، ولست زاهدا مطلقا ، وإن لم يكن لك مال ولم ~~تساعدك الدنيا لم يتصور منك الزهد ، لأن ما لا تقدر عليه لا تقدر على تركه ~~. وربما يستهويك الشيطان بغروره ويخيل إليك أن الدنيا وإن لم تأتك فأنت ~~زاهد فيها ، فلا ينبغي أن تتدلى بحبل غروره دون أن تستوثق وتستظهر بموثق ~~غليظ من الله تعالى ، فإنك إذا لم تجرب حال القدرة فلا تثق بالقدرة على ~~الترك عندها ، فكم من ظان بنفسه كراهة المعاصي عند تعذرها فلما تيسرت لها ~~أسبابها منة غير مكدرو لا مخوف من الخلق وقع فيها . وإذا كان هذا غرور ~~النفس في المحظورات فإياك أن تثق بوعدها في المباحات . والموثق الغليظ الذي ~~تأخذه عليها أن تجربها مرة بعد مرة في حال القدرة ، فإذا وفت بما وعدت على ~~الدوام مع انتفاء الصوارف والأعذار ظاهرا وباطنا فلا بأس أن تثق بها وثوقا ~~ما ، ولكن تكون من تغيرها على حذر ، فإنها سريعة النقض للعهد ، قريبة ~~الرجوع إلى مقتضى الطبع . وبالحملة فلا أمان منها إلا عند الترك بالإضافة ~~إلى ما تركت فقط وذلك عند القدرة . قال : وليس من الزهد بذل المال على سبيل ~~السخاء والفتوة وعلى سبيل استمالة القلوب ولا على سبيل الطمع ، فذلك كله من ~~محاسن العادات ولا مدخل له في العبادات ، إنما الزهد أن تترك الدنيا لعلمك ~~بحقارتها بالإضافة إلى نفاسة الآخرة . فأما كل نوع من الترك فإنه يتصور ممن ~~لا يؤمن بالآخرة فذلك قد يكون مروءة وفتوة وسخاء وحسن خلق ms1118 ، وحسن الذكر ~~وميل القلوب من حظوظ العاجلة ، وهي ألذ وأهنأ من المال ، بل الزاهد من أتته ~~الدنيا راغمة عفوا وصفوا وهو قادر على التنعم بها من غير نقصان جاه وقبح ~~اسم وفوات حظ للنفس ، فتركها خوفا من أن يأنس بها فيكون آنسا بغير الله ~~ومحبا لما سوى الله ، ويكون مشركا في حب الله غير الله ، أو تركها طمعا في ~~ثواب آخر فترك التمتع بأشربة الدنيا طمعا في PageV05P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" أشربة الجنة ، وترك التمتع بالسراري والنسوان ~~طمعا في الحور العين ، وترك التفرج في البساتين طمعا في بساتين الجنة ~~وأشجارها ، وترك التزين والتجمل بزينة الدنيا طمعا في زينة الجنة ، وترك ~~المطاعم اللذيذة طمعا في فواكه الجنة وخوفا من أن يقال له : " أذهبتم ~~طيباتكم في حياتكم الدنيا " فآثر في جميع ذلك ما وعد به في الجنة على ما ~~تيسر له في الدنيا عفوا وصفوا ، لعلمه بأن ما في الآخرة خير وأبقى ، وما ~~سوى هذه فعلامات دنيوية لا جدوى لها في الآخرة أصلا . وحيث قدمنا هذه ~~المقدمة من أحوال الزهد في الحال والعلم فلنذكر بيان فضيلة الزهد وذم ~~الدنيا . ذكر فضيلة الزهد وبغض الدنيا قال الله تعالى : " فخرج على قومه في ~~زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه ~~لذو حظ عظيم ، وقال الذين أتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل ~~صالحا " ، فنسب الزهد للعلماء ووصف أهله بالعلم ، وذلك غاية الثناء ، وقال ~~تعالى : " أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا " جاء في التفسير : على الزهد ~~في الدنيا . وقال تعالى : " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم ~~أحسن عملا " . قيل : معناه أيهم أزهد في الدنيا ، فوصف الزهد بأنه من أحسن ~~الأعمال . وقال تعالى : " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه " . وقال ~~تعالى : " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم " إلى قوله : " ورزق ~~ربك خير وأبقى " . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من أصبح وهمه ~~الدنيا شتت الله عليه أمره وفرق ms1119 عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته ~~من الدنيا إلا ما كتب له ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له أمره وحفظ عليه ~~ضيعته وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة " . وقال ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " إذا رأيتم العبد قد أوتي منطقا وزهدا في الدنيا فاقتربوا منه ~~فإنه يلقن الحكمة " . وقال تعالى : " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " ~~، ولذلك قيل : من زهد في الدنيا أربعين يوما أجرى الله ينابيع الحكمة في ~~قلبه وأطلق بها لسانه . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن أردت ~~أن يحبك الله فازهد في الدنيا " فجعل الزهد سببا للمحبة ، فمن أحبه الله ~~فهو في أعلى PageV05P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" الدرجات ، فينبغي أن يكون الزهد في أفضل ~~المقامات . ولما سئل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن قوله تعالى : " ~~فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام " وقيل له : ما هذا الشرح ؟ قال : ~~" إن النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفسح " . قيل : يا رسول الله ، ~~هل لذلك من علامة ؟ قال : " نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار ~~الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله " . وقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " استحيوا من الله حق الحياء " قالوا : إنا نستحي من الله ، فقال ~~: " ليس كذلك تبنون مالا تسكنون وتجمعون مالا تأكلون " . فبين أن ذلك يناقض ~~الحياء من الله . وقدم وفد على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا : ~~إنا مؤمنون . قال : " وما علامة إيمانكم ؟ " فذكروا الصبر على البلاء ، ~~والشكر على الرخاء ، والرضا بمواقع القضاء ، وترك الشماتة بالمصيبة إذا ~~نزلت بالأعداء . قال : " إن كنتم كذلك فلا تجمعوا مالا تأكلون ولا تبنوا ~~مالا تسكنون ولا تنافسوا فيما عنه ترحلون " ، فجعل الزهد تكملة إيمانهم . ~~وروي أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مر في أصحابه بإبل عشار حفل وهي ~~الحوامل ، وكانت من أحب أموالهم إليهم وأنفسها عندهم ، لأنها تجمع بين ~~اللحم واللبن والوبر والظهر ، فأعرض عنها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وغض بصره . فقيل له : يا رسول ms1120 الله ، هذه أنفس أموالنا ، لم لا تنظر إليها ~~؟ فقال : " قد نهاني الله عن ذلك " ، ثم تلا قوله تعالى : " ولا تمدن عينيك ~~إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير ~~وأبقى " . وروى مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : قلت : يا رسول ~~الله ، ألا تستطعم الله فيطعمك ؟ قالت : وبكيت لما رأيت به من الجوع . فقال ~~: " يا عائشة والذي نفسي بيده لو سألت ربي أن يجري معي جبال الدنيا ذهبا ~~لأجراها حيث شئت من الأرض ولكن اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقر الدنيا على ~~غناها وحزن الدنيا على فرحها يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل ~~محمد يا عائشة إن الله لم يرض لأولي العزم من الرسل إلى الصبر على مكروه ~~الدنيا والصبر عن محبوبها ثم لم يرض إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال : " فاصبر ~~كما صبر أولوا العزم من الرسل " والله مالي بد من طاعته وإني والله لأصبرن ~~كما صبروا جهدي ولا حول ولقوة إلا بالله " . وروي عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أنه حين فتح عليه الفتوحات قالت له ابنته حفصة : البس لين الثياب ~~إذا وفدت عليك الوفود من الآفاق ، ومر بصنعة طعام PageV05P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" تطعمه وتطعم من حضر . فقال : يا حفصة ، ألست ~~تعلمين بأن أعلم الناس بحال الرجل أهل بيته ؟ قالت : بلى . قال : ناشدتك ~~الله ، هل تعلمين أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لبث في النبوة كذا ~~وكذا سنة لم يشبع هو ولا أهل بيته غدوة إلا جاعوا عشية ، ولا شيعوا عشية ~~إلا جاعوا غدوة ؟ وناشدتك الله ، هل تعلمين أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) لبث في النبوة كذا وكذا سنة لم يشبع من التمر هو وأهله حتى فتح الله عليه ~~خيبر ؟ وناشدتك الله ، هل تعلمين أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قربتم إليه يوما طعاما على مائدة فيها ارتفاع فشق ذلك عليه حتى تغير لونه ~~ثم أمر بالمائدة فرفعت ووضع الطعام على دون ذلك أو ms1121 وضع على الأرض ؟ ناشدتك ~~الله ، هل تعلمين أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان ينام على عباءة ~~مثنية فثنيت له ليلة أربع طاقات فنام عليها ، فلما استيقظ قال : " منعتموني ~~قيام هذه الليلة بهذه العباءة اثنوها باثنتين كما كنتم تثنونها " ؟ وناشدتك ~~الله ، هل تعلمين أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يضع ثيابه لتغسل ~~فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فما يجد ثوبا يخرج به إلى الصلاة حتى تجف ثيابه ~~فيخرج بها إلى الصلاة ؟ وناشدتك الله ، هل تعلمين أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) صنعت له امرأة من بني ظفر كساءين إزارا ورداء وبعثت إليه ~~بأحدهما قبل أن يبلغ الآخر ، فخرج إلى الصلاة وهو مشتمل به ليس عليه غيره ~~قد عقد طرفيه إلى عنقه فصلى كذلك ؟ فما زال يقول حتى أبكاها ، وبكى عمر رضي ~~الله عنه وانتحب حتى ظننا أن نفسه ستخرج . وفي بعض الروايات زيادة من قول ~~عمر وهو أنه قال : كان لي صاحبان سلكا طريقا ، فإن سلكا غير طريقهما سلك بي ~~طريق غير طريقهما ، وإني والله سأصبر على عيشهما الشديد لعلي أدرك معهما ~~عيشهما الرغيد . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن PageV05P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ~~لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر فلا يلبس إلا العباءة وإن كان ~~أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم " ~~. عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ~~لما ورد موسى عليه السلام ماء مدين كانت خضرة البقل ترى في بطنه من الهزال ~~" . وفي حديث عمر رضي الله عنه أنه لما نزل قوله تعالى : " والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله " الآية ، قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " تبا للدنيا تبا للدينار والدرهم " فقلنا : نهانا الله ~~عن كنز الذهب والفضة فأي شيء ندخر ؟ فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " ليتخذ ~~أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة صالحة تعينه على أمر آخرته ms1122 . وفي حديث ~~حذيفة رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " من آثر الدنيا على ~~الآخرة ابتلاه الله تعالى بثلاث : هما لا يفارق قلبه أبدا وفقرا لا يستغني ~~أبدا وحرصا لا يشبع أبدا " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : لا يستكمل ~~العبد الإيمان حتى يكون ألا يعرف أحب إليه من أن يعرف وحتى تكون قلة الشيء ~~أحب إليه من كثرته " . وقال المسيح عليه السلام : " الدنيا قنطرة فاعبروها ~~ولا تعمروها " . وقيل له يا نبي الله ، لو أمرتنا أن نبتني بيتا نعبد الله ~~فيه قال : " اذهبوا فابنوا بيوتا على الماء " . فقالوا كيف يستقيم بنيان ~~على الماء قال : " وكيف تستقيم عبادة مع حب الدنيا . وقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " إن ربي عرض علي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت لا يا ~~رب ولكن أجوع يوما وأشبع يوما فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك ~~وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك " . وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال : خرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ذات يوم يمشي وجبريل معه ~~فصعد على الصفا ، فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " والذي بعثك ~~بالحق ما أمسى لآل محمد كف سويق ولا سفه دقيق . فلم يكن كلامه بأسرع من أن ~~سمع هدة من السماء أفظعته ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أمر ~~الله القيامة أن تقوم " ؟ قال : لا ، ولكن هذا إسرافيل قد نزل إليك حين سمع ~~كلامك . فأتاه إسرافيل فقال : إن الله عز وجل سمع ما ذكر ، فبعثني بمفاتيح ~~الأرض وأمرني أن أعرض عليك إن أحببت أن أسير PageV05P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" معك جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة ~~فعلت ، وإن شئت نبيا ملكا وإن شئت نبيا عبدا . فأومأ إليه جبريل أن تواضع ~~لله . فقال : " نبيا عبدا " ثلاثا . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " إذا ~~أراد الله بعبد خيرا زهده في الدنيا ورغبه في الآخرة وبصره بعيوب نفسه " . ~~وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " من أراد أن يؤتيه الله علما بغير تعلم ms1123 ~~وهدى بغير هداية فليزهد في الدنيا " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " من ~~اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن خاف من النار لهى عن الشهوات ومن ~~ترقب الموت ترك اللذات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب " . والأحاديث ~~في ذلك كثيرة وفيما ذكرناه منها كفاية . فلنذكر ما جاء من ذلك في الأثر . ~~ليك إن أحببت أن أسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة فعلت ، وإن ~~شئت نبيا ملكا وإن شئت نبيا عبدا . فأومأ إليه جبريل أن تواضع لله . فقال : ~~" نبيا عبدا " ثلاثا . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " إذا أراد الله بعبد ~~خيرا زهده في الدنيا ورغبه في الآخرة وبصره بعيوب نفسه " . وقال ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " من أراد أن يؤتيه الله علما بغير تعلم وهدى بغير هداية ~~فليزهد في الدنيا " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " من اشتاق إلى الجنة ~~سارع إلى الخيرات ومن خاف من النار لهى عن الشهوات ومن ترقب الموت ترك ~~اللذات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب " . والأحاديث في ذلك كثيرة ~~وفيما ذكرناه منها كفاية . فلنذكر ما جاء من ذلك في الأثر . قيل : جاء في ~~الأثر : لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن العباد سخط الله ما لم يسألوا ما ~~نقص من دنياهم . وفي لفظ آخر : ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم فإذا ~~فعلوا ذلك وقالوا : لا إله إلا الله قال الله تعالى : " كذبتم لستم بها ~~صادقين " . وعن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه قال : تابعنا الأعمال كلها ~~فلم نر في أمر الآخرة أبلغ من زهد الدنيا . وقال بعض الصحابة لصدر التابعين ~~: أنتم أكثر أعملا واجتهادا من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وكانوا خيرا منكم . قيل : ولم ذاك ؟ قال : كانوا أزهد في الدنيا منكم . ~~وقال عمر رضي الله عنه : الزهادة في الدنيا راحة القلب والجسد . والآثار في ~~ذلك كثيرة فلا نطول بسردها . ذكر بيان ذم الدنيا وشيء من المواعظ والرقائق ~~الداخلة في هذا الباب قد ورد في كتاب الله عز وجل ms1124 كثير في ذم الدنيا وصرف ~~الخلق عنها ودعوتهم إلى الآخرة ، وهو أيضا مقصود الأنبياء ولذلك بعثوا ، ~~فلا حاجة إلى الاستشهاد بالآيات لظهورها . فلنذكر نبذة من الأخبار والآثار ~~الواردة في ذلك ، وذلك من جملة ما اختاره الغزالي رحمه الله في كتابه ~~المترجم بإحياء علوم الدين . فمن ذلك ما روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) أنه مر على شاة ميتة فقال : " أترون أن الشاة هينة على أهلها " ؟ قالوا : ~~من هوانها عليهم ألقوها . قال : " والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من ~~هذه الشاة على أهلها ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى ~~كافرا منها شربة ماء " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " الدنيا ملعونة ~~ملعون ما فيها إلا ما كان الله منها " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~PageV05P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" " حب الدنيا أسس كل خطيئة " . وقال ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار ~~الغرور " . وروي أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقف على مزبلة فقال : ~~" هلموا إلى الدنيا وأخذ خرقا قد بليت على تلك المزبلة وعظاما قد نخرت فقال ~~هذه هي الدنيا " وهذه إشارة إلى أن زينتها ستخلق مثل تلك الخرق ، وأن ~~الأجسام التي ترى بها ستصير عظاما بالية . وقال عيسى بن مريم عليه السلام : ~~" لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم عبيدا ، اكنزوا كنزكم عند من لا يضيعه ، ~~فإن صاحب كنز الدنيا يخاف عليه الآفة وصاحب كنز الله لا يخاف عليه الآفة " ~~. وقال أيضا : " يا معشر الحواريين ، إني قد كببت لكم الدنيا على وجهها فلا ~~تنعشوها بعدي ، فإن من خبث الدنيا أن الله عصي فيها ، وإن من خبث الدنيا أن ~~الآخرة لا تدرك إلا بتركها . ألا فاعبروا الدنيا ولا تعمروها ، واعلموا أن ~~أصل كل خطيئة حب الدنيا . ورب شهوة أورثت حزنا طويلا . وعن الرسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إن الله جل ثناؤه لم يخلق خلقا أبغض إليه ~~من الدنيا وإنه منذ خلقها لم ينظر إليها " . وقال ( صلى الله عليه ms1125 وسلم ) : ~~" ألهاكم التكاثر يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت ~~فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له ~~وعليها يعادى من لا علم له وعليها يحسد من لا فقه له ولها يسعى من لا يقين ~~له " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : من أصبح والدنيا أكبر همه فليس من ~~الله في شيء وألزم الله قلبه أربع خصال هما لا ينقطع عنه أبدا وشغلا لا ~~يتفرغ منه أبدا وفقرا لا يبلغ غناه أبدا وأملا لا يبلغ منتهاه أبدا " . ~~وقال أبو هريرة رضي الله عنه : قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" يا أبا هريرة ألا أريك الدنيا جميعا بما فيها " ؟ قلت : بلى يا رسول الله ~~. فأخذ بيدي وأتى بي واديا من أودية المدينة ، فإذا مزبلة فيها رءوس ~~PageV05P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" ناس وعذرات وخرق وعظام ، ثم قال : " يا أبا ~~هريرة هذه الرءوس كانت تحرص كحرصكم وتأمل آمالكم هي اليوم عظام بلا جلد ثم ~~هي صائرة رمادا وهذه العذرات هي ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها ثم ~~قذفوها في بطونهم فأصبحت والناس يتحامونها وهذه الخرق البالية كانت رياشهم ~~ولباسهم فأصبحت الرياح تصفقها وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون ~~عليها أطراف البلاد فمن كان باكيا على الدنيا فليبك " . قال : " فما برحنا ~~حتى اشتد بكاؤنا . وقال الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " الدنيا موقوفة بين ~~السماء والأرض منذ خلقها الله تعالى لا ينظر إليها وتقول يوم القيامة : يا ~~رب اجعلني لأدنى أوليائك نصيبا اليوم فيقول اسكتي يا لا شيء إني لم أرضك ~~لهم في الدنيا أأرضاك لهم اليوم " وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " ليجيئن ~~أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة فيؤمر بهم إلى النار " . قالوا : ~~يا رسول الله ، مصلين ؟ قال : " نعم كانوا يصلون ويصومون ويأخذون هنة من ~~الليل فإذا عرض لهم من الدنيا شيء وثبوا عليه " . وقال ( صلى الله ms1126 عليه ~~وسلم ) في بعض خطبه : " المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ما الله ~~صانع فيه وبين أجل قد بقى لا يدري ما الله قاض فيه فليتزود العبد من نفسه ~~لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن حياته لموته ومن شبابه لهرمه فإن الدنيا خلقت ~~لكم وأنتم خلقتم للآخرة والذي نفسي بيده ما بعد الموت مستعتب ولا بعد ~~الدنيا من دار إلا الجنة أو النار " . قال ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) ~~لأصحابه : " هل منكم من يريد أن يذهب الله عنه العمى ويجعله بصيرا ألا إنه ~~من رغب في الدنيا وطال أمله فيها أعمى الله قلبه على قدر ذلك ومن زهد في ~~الدنيا وقصر أمله فيها أعطاه الله علما بغير تعلم وهدى بغير هداية ألا إنه ~~سيكون بعدكم قوم لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل والتجبر ولا الغنى إلا ~~بالفخر والبخل ولا المحبة إلا باتباع الهوى ألا فمن أدرك ذلك الزمان منكم ~~فصبر للفقر وهو يقدر على الغنى وصبر على البغضاء وهو يقدر على المحبة وصبر ~~PageV05P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" للذل وهو يقدر على العز لا يريد بذلك إلا وجه ~~الله تعالى أعطاه الله ثواب خمسين صديقا " . وقال عيسى بن مريم عليه السلام ~~: " ويل لصاحب الدنيا كيف يموت ويتركها ، ويأمنها وتغره ، ويثق بها وتخذله ~~، وويل للمغترين كيف أرتهم ما يكرهون وفارقهم ما يحبون ، وجاءهم ما يوعدون ~~وويل لمن الدنيا همه ، والخطايا عمله كيف يفتضح غدا بذنبه . وقيل له : ~~علمنا علما واحدا يحبنا الله عليه ، قال : " أبغضوا الدنيا يحبكم الله " . ~~وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ~~ولبكيتم كثيرا ولهانت عليكم الدنيا ولآثرتم الآخرة " . ومن الآثار في ذلك ~~ما حكاه داود بن هلال قال : مكتوب في صحف إبراهيم عليه السلام : يا دنيا ، ~~ما أهونك على الأبرار الذين تصنعت وتزينت لهم إني قذفت في قلوبهم بغضك ~~والصدود عنك ، وما خلقت خلقا أهون علي منك ، كل شأنك صغير ms1127 ، وإلى الفناء ~~تصيرين ، قضيت عليك يوم خلقتك ألا تدومي لأحد ولا يدوم أحد لك وإن بخل بك ~~صاحبك وشح عليك . طوبى للأبرار الذين أطلعوني من قلوبهم على الرضا ، ومن ~~ضميرهم على الصدق والاستقامة طوبى لهم مالهم عندي من الخير إذا وفدوا إلى ~~من قبورهم إلا النور يسعى أمامهم والملائكة حافون بهم حتى أبلغهم ما يرجون ~~من رحمتي . وقال عمار بن سعيد : مر عيسى بن مريم عليه السلام بقرية فإذا ~~أهلها موتى في الأفنية والطرق ، فقال : " يا معشر الحواريين ، إن هؤلاء ~~ماتوا عن سخطة ، ولو ماتوا عن غير ذلك لتدافنوا . فقالوا : يا روح الله ، ~~وددنا أنا علمنا خبرهم ، فسأل الله تعالى فأوحى إليه : إذا كان الليل ~~فنادهم يجيبوك . فلما كان الليل أشرف على نشز ، ثم نادى يا أهل القرية ، ~~فأجابه مجيب : لبيك يا روح الله . فقال : ما حالكم وما قصتكم . قال : بتنا ~~في عافية وأصبحنا في الهاوية . قال : وكيف ذلك ؟ قال : لحبنا الدنيا ~~وطاعتنا PageV05P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" أهل المعاصي . قال : وكيف كان حبكم للدنيا ؟ ~~قال : حب الصبي لأمه ، إذا أقبلت فرح بها ، وإذا أدبرت حزن وبكى عليها . ~~قال : فما بال أصحابك لا يجيبونني ؟ قال : لأنهم ملجمون بلجم من نار بأيدي ~~ملائكة غلاظ شداد . قال : فكيف أجبتني من بينهم ؟ قال : لأني كنت فيهم ولم ~~أكن منهم ، فلما نزل بهم العذاب أصابني معهم ، فأنا معلق على شفير جهنم لا ~~أدري أنجو منها أم أكب فيها . فقال المسيح للحواريين : " لأكل الخبز الشعير ~~بالملح الجريش ولبس المسوح والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا ~~والآخرة . قيل : وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن يا موسى لا ~~تركنن إلى حب الدنيا فلن تأتني بكبيرة هي أشد منها . وقال لقمان لابنه : يا ~~بني ، إن الدنيا بحر عميق وقد غرق فبه ناس كثير ، فلتكن فيها سفينتك تقوى ~~الله عز وجل ، وحشوها الإيمان بالله تعالى ، وشراعها التوكل على الله عز ~~وجل ، لعلك تنجو وما أراك ناجيا . وقال بعض الحكماء : إنك لن تصبح في شيء ~~من الدنيا إلا وقد ms1128 كان له أهل قبلك ويكون له أهل بعدك ، وليس لك من الدنيا ~~إلا عشاء ليلة وغداء يوم ، فلا تهلك في أكلة ، وصم عن الدنيا وأفطر على ~~الآخرة ، وإن رأس مال الدنيا الهوى وربحها النار . وقيل لبعضهم : كيف ترى ~~الدهر ؟ قال : يخلق الأبدان ، ويجدد الآمال ، ويقرب المنية ، ويبعد الأمنية ~~. قيل : فما حال أهله ؟ قال : من ظفر به تعب ، ومن فاته نصب . وفي ذلك قيل ~~: ومن يحمد الدنيا لعيش يسره . . . فسوف لعمري عن قريب يلومها إذا أدبرت ~~كانت على المرء حسرة . . . وإن أقبلت كانت كثيرا همومها PageV05P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" وقال بعض الحكماء : كانت الدنيا ولم أكن فيها ~~، وتذهب الدنيا ولا أكون فيها ، فلا أسكن إليها ، فإن عيشها نكد ، وصفوها ~~كدر ، وأهلها منها على وجل ، إما بنعمة زائلة ، أو بلية نازلة ، أو منية ~~قاضية . وقال أبو حازم : إياكم والدنيا ، فإنه بلغني أنه يوقف العبد يوم ~~القيامة إذا كان معظما للدنيا فيقال : هذا عظم ما حقره الله . وقال ابن ~~مسعود : ما أصبح أحد من الناس إلا وهو ضيف وماله عارية ، فالضيف يرتحل ~~والعارية مردودة . وفي ذلك قيل : وما المال والأهلون إلا وديعة . . . ولا ~~بد يوما أن ترد الودائع وزار رابعة العدوية أصحابها فذكروا الدنيا فأقبلوا ~~على ذمها ، فقالت : أمسكوا عن ذكرها ، فلو لا موقعها من قلوبكم ما أكثرتم ~~من ذكرها ، ألا من أحب شيئا أكثر من ذكره . وقال رجل لعلي رضي الله عنه يا ~~أمير المؤمنين ، صف لنا الدنيا ، فقال : وما أصف لكم من دار من صح فيها ما ~~أمن ، ومن سقم فيها ندم ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن استغنى فيها فتن ، في ~~حلالها الحساب ، وفي حرامها العذاب . وقال الحسن بعد أن تلا قوله تعالى " ~~فلا تغرنكم الحياة الدنيا " : من قال ذا ؟ من خلقها من هو أعلم بها . إياكم ~~وما شغل من الدنيا فإن الدنيا كثيرة الأشغال ، لا يفتح رجل على نفسه باب ~~شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب . وقال أيضا : مسكين ابن ~~آدم رضي بدار حلالها حساب ، وحرامها عذاب ms1129 ، إن أخذه من حله حوسب به ، وإن ~~أخذه من حرام عذب به . ابن آدم يستقل ماله ولا يستقل عمله ، يفرح في مصيبته ~~في دينه ويجزع من مصيبته في دنياه . PageV05P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" وقال داود الطائي : يا بن آدم ، فرحت ببلوغ ~~أملك ، وإنما بلغته بانقضاء أجلك ، ثم سوفت بعملك ، كأن منفعته لغيرك . ~~وقال بشر : من سأل الله الدنيا فإنما يسأله طول الوقوف بين يديه . وقال أبو ~~حازم : ما في الدنيا شيء يسرك إلا وقد ألصق الله إليه شيئا يسوءك . وقال ~~الحسن : أهينوا الدنيا ، فوالله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها . وقال ~~أيضا : إذا أراد الله بعبد خيرا أعطاه عطية من الدنيا ثم يمسك ، فإذا نفذ ~~أعاد عليه ، وإذا هان عليه عبد بسط له الدنيا بسطا . قال الجنيد : كان ~~الشافعي رحمه اله من المريدين الناطقين بلسان الحق في الدين ، وعظ أخا له ~~في الله تعالى وخوفه بالله فقال : يا أخي ، إن الدنيا دحض مزلة ، ودار مذلة ~~، عمرانها إلى الخرائب صائر ، وساكنها إلى القبور زائر ، شملها على الفرقة ~~موقوف ، وغناها إلى الفقر مصروف ، الإكثار فيها إعسار ، والإعسار فيها يسار ~~، فافزع إلى الله وارض برزق الله . لا تستسلف من دار بقائك في دار فنائك ، ~~فإن عيشك فيء زائل ، وجدار مائل ، أكثر من عملك ، وقصر من أملك . وهذا من ~~أبلغ المواعظ والترغيب . PageV05P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" ومن المواعظ ما قاله أبو الدرداء رضي الله ~~عنه : والله لو تعلمون ما أعلم لخرجتم إلى الصعدات تجأرون وتبكون على ~~أنفسكم ، ولتركتم أموالكم لا حارس لها ولا راجع إليها إلا ما لابد منه ، ~~ولكن يغيب عن قلوبكم ذكر الآخرة وحضرها الأمل ، فصارت الدنيا أملك بأعمالكم ~~وصرتم كالذين لا يعملون ، فبعضكم شر من البهائم التي لا تدع هواها مخافة ~~مما في عاقبته . مالكم لا تحابون فبعضكم شر من البهائم التي لا تدع هواها ~~مخافة مما في عاقبته . ما لكم لا تحابون ولا تناصحون وأنمت إخوان على دين ~~الله ، ما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم ، ولو اجتمعتم على البر ~~لتحاببتم ms1130 . ما لكم تناصحون في أمر الدنيا ولا يملك أحدكم النصيحة لمن يحبه ~~ويعنيه على أمر آخرته ما هذا إلا من قلة الإيمان في قلوبكم . لو كنتم ~~توقنون بخير الآخرة وشرها كما توقنون بالدنيا لآثرتم طلب الآخرة لأنها أملك ~~بأموركم . فإن قلتم : حب العاجلة غالب ، فإنا نراكم تدعون العاجل من الدنيا ~~للآجل مما تكدون أنفسكم بالمشقة والاحتراف في طلب أمر لعلكم لا تدركونه . ~~فبئس القوم أنتم ما حققتم إيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ فيكم . فإن ~~كنتم في شك مما جاء به محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فأتوا لنبين لكم ونريكم ~~من النور ما تطمئن إليه قلوبكم . والله ما أنتم بالمنقوصة عقولكم فنعذركم ، ~~إنكم لتبينون صواب الرأي في دنياكم وتأخذون بالحزم في أموركم . مالكم ~~تفرحون باليسير من الدنيا تصيبونه وتحزنون على اليسير منها يفوتكم ، يتبن ~~ذلك في وجوهكم ويظهر على ألسنتكم ، وتسمونها المصائب وتقيمون فيها المآتم ، ~~وعامتكم قد تركوا كثيرا من دينهم ثم لا يتبين ذلك في وجوهكم ولا يتغير حال ~~بكم . إني لأرى الله قد تبرأ منكم . يلقى بعضكم بعضا بالسرور ، وكلكم يكره ~~أن يستقبل صاحبه بما يكره مخافة أن يستقبله صاحبه بمثله ، فاصطحبتم على ~~الغل ، ونبتت مراعيكم على الدمن ، وتصافيتم على رفض الأجل . ولوددت أن الله ~~أراحني منكم وألحقني بمن أحب رؤيته ، ولو كان حيا لم يصابركم . فإن كان ~~فيكم خير فقد أسمعتكم ، وإن تطلبوا ما عند الله تجدوه يسيرا . والله أستعين ~~على نفسي وعليكم . PageV05P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" وكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز ~~رحمهما الله تعالى : أما بعد ، فإن الدنيا دار ظغن ليست بدار إقامة ، وإنما ~~أنزل آدم عليه السلام من الجنة إليها عقوبة ، فاحذرها يا أمير المؤمنين ، ~~فإن الزاد منها تركها ، والغنى منها فقرها ، لها في كل حين قتيل ، تذل من ~~أعزها ، وتفقر من جمعها ، هي كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه . فكن فيها ~~كالمداوي جراحته ، يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا ، ويصبر على شدة الدواء ~~مخافة طول الداء . فاحذر هذه الدار الغدارة الختالة ms1131 الخداعة التي قد تزينت ~~بخدعها وفتنت بغرورها ، وحلت بآمالها ، وسوفت بخطابها ، فأصبحت كالعروس ~~المجلوة ، فالعيون إليها ناظرة ، والقلوب عليها والهة ، والنفوس لها عاشقة ~~، وهي لأزواجها كلهم قالية ، فلا الباقي بالماضي معتبر ، ولا الآخر بالأول ~~مزدجر ، والعارف بالله عز وجل حين أخبره عنها مدكر ، فعاشق لها قد ظفر منها ~~بحاجته فاغتر وطغى ونسي المعاد ، فشغل به لبه حتى زلت به قدمه ، فعظمت ~~ندامته ، وكثرت حسرته ، واجتمعت عليه سكرات الموت وتألمه ، وحسرات الفوت ~~بغصته ، وراغب فيها لم يدرك فيها ما طلب ، ولم يروح نفسه من التعب ، فخرج ~~بغير زاد ، وقدم على غير مهاد . فاحذرها يا أمير المؤمنين ، وكن أسر ما ~~تكون فيها أحذر ما تكون لها ، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن إلى سرور أشخصته ~~إلى مكروه ، السار فيها أهلها غار ، والنافع فيها غدار ضار ، وقد وصل ~~الرخاء فيها بالبلاء ، وجعل البقاء فيها إلى فناء ، فسرورها مشوب بالأحزان ~~. لا يرجع منها ما ولى وأدبر ، ولا يدرى ما هو آت فينتظر ، أمانيها كاذبة ، ~~وآمالها باطلة ، وصفوها كدر ، وعيشها نكد ، وابن آدم فيها على خطر ، ومن ~~البلاء على الحذر . فلو كان الخالق لم يخبر عنها خبرا ، ولم يضرب لها مثلا ~~، لكانت الدنيا أيقظت النائم ونبهت الغافل ، فكيف وقد جاء من الله عز وجل ~~عنها زاجر وفيها واعظ فما لها عند الله عز وجل ثناؤه قدر ، وما نظر إليها ~~منذ خلقها . ولقد عرضت على نبيك ( صلى الله عليه وسلم ) بمفاتيحها وخزائنها ~~لا ينقصه ذلك عند الله جناح بعوضة فأبى أن يقبلها إذ كره أن يخالف على الله ~~أمره ، أو يحب ما أبغض خالقه ، أو يرفع ما وضع مليكه . فزواها عن الصالحين ~~اختبارا . وبسطها لأعدائه اغترارا ، PageV05P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" فيظن المغرور المقتدر عليها أنه أكرم بها ، ~~ونسي ما صنع الله عز وجل بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) حين شد الحجر على ~~بطنه . ولقد جاءت الرواية عنه عن ربه عز وجل أنه قال لموسى عليه السلام : " ~~إذا رأيت الغنى مقبلا فقل : ذنب عجلت عقوبته ، وإذا رأيت الفقر مقبلا ms1132 فقل : ~~مرحبا بشعار الصالحين " . فإن شئت اقتديت بصاحب الروح والكلمة عيسى بن مريم ~~عليه السلام فإنه كان يقول : " إدامى الجوع ، وشعاري الخوف ، ولباسي الصوف ~~، وصلائي في الشتاء مشارق الشمس ، وسراجي القمر ، ودابتي رجلاي ، وطعامي ~~وفاكهتي ما تنبت الأرض ، أبيت ليس لي شيء وأصبح لي شيء على الأرض أغنى مني ~~. وقال بعضهم لبعض الملوك : إن أحق الناس بذم الدنيا وقلاها من بسط له فيها ~~وأعطي حاجته منها ، لأنه يتوقع آفة تعدو على ماله فتجتاحه ، أو على جمعه ~~فتفرقه ، أو تأتي سلطانه فتهدمه من القواعد ، أو تدب إلى جسمه فتسقمه ، أو ~~تفجعه بشيء هو ضنين به من أحبابه . فالدنيا أحق بالذم ، هي الآخذة لما تعطي ~~، الراجعة فيما تهب . بينا هي تضحك صاحبها إذا أضحكت منه غيره ، وبينا هي ~~تبكي له إذا أبكت عليه ، وبينا هي تبسط كفه بالإعطاء إذ بسطتها بالاسترداد ~~. تعقد التاج على رأس صاحبها اليوم وتعفره في التراب غدا ، سواء عليها ذهاب ~~ما ذهب وبقاء ما بقي ، تجد في الباقي من الذاهب خلفا ، وترضي بكل من كل ~~بدلا . وعن وهب ابن منبه أنه قال : لما بعث الله عز وجل موسى وهارون عليهما ~~السلام إلى فرعون قال : لا يروعنكما لباسه الذي لبس من الدنيا ، فإن ناصيته ~~بيدي ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني ، ولا يعجبنكما ما متع به منها ~~فإنما هي زهرة الدنيا وزينة المترفين . فلو شئت أن أزينكما بزينة من الدنيا ~~يعرف فرعون حين يراها أن قدرته تعجز عما أوتيتما لفعلت ، ولكن أرغب بكما عن ~~ذلك فأزوي ذلك عنكما ، وكذلك PageV05P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" أفعل بأوليائي ، إن لأذودهم عن نعيمها كما ~~يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة ، وما ذاك لهوانهم علي ولكن ~~ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا . إنما يتزين لي أوليائي بالذل ~~والخضوع والخوف والتقوى تنبت في قلوبهم فتظهر على أجسادهم ، فهي ثيابهم ~~التي يلبسون ، ودثارهم الذي يظهرون ، وضميرهم الذي يستشعرون ، ونجاتهم التي ~~بها يفوزون ، ورجاؤهم الذي إياه يأملون ، ومجدهم الذي به يفخرون ، وسيماهم ~~التي بها يعرفون ms1133 . فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك . ~~واعلم أن من أخاف لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ، ثم أنا الثائر له يوم ~~القيامة . وخطب علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوما خطبة فقال فيها : اعلموا ~~أنكم ميتون ، ومبعوثون من بعد الموت وموقوفون على أعمالكم ومجزيون بها ، ~~فلا تغرنكم الحياة الدنيا ، فإنها بالبلاء محفوفة ، وبالفناء معروفة ، ~~وبالغدر موصوفة ، وكل ما فيها إلى زوال ، وهي بين أهلها دول وسجال ، لا ~~تدوم أحوالها ، ولا يسلم من شر نزالها ، بينا أهلها في رخاء وسرور ، إذا هم ~~منها في بلاء وغرور ، أحوال مختلفة ، وتارات متصرفة ، العيش فيها مذموم ، ~~والرخاء فيها لا يدوم . وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها ، ~~وتقصيهم بحمامها ، وكل حتفه فيها مقدور ، وحظه فيها موفور . واعلموا عباد ~~الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كانوا أطول ~~منكم أعمارا ، وأشد منكم بطشا وأعمر ديارا ، وأبعد آثارا ، فأصبحت أصواتهم ~~هامدة وخامدة من بعد طول تقلبها ، وأجسادهم بالية ، وديارهم خالية ، ~~وآثارهم عافية ، استبدلوا بالقصور المشيدة ، والسرر والنمارق الممهدة ، ~~الصخور والأحجار المسندة ، في القبور اللاطئة الملحدة ، فمحلها مقترب ، ~~وساكنها مغترب ، بين أهل عمارة موحشين ، وأهل محلة متشاغلين ، لا يستأنسون ~~بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الجيران والإخوان ، على ما بينهم من قرب ~~PageV05P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" المكان والجوار ، ودنو الدار . وكيف يكون ~~بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البلى ، وأكلتهم الجنادل والثرى ، وأصبحوا ~~بعد الحياة أمواتا ، وبعد غضارة العيش رفاتا ، فجع بهم الأحباب ، وسكنوا ~~التراب ، وظعنوا فليس لهم إياب . هيهات هيهات كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ~~ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ، فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى ~~والوحدة في دار المثوى ، وارتهنتم في ذلك المضجع ، وضمكم ذلك المستودع ، ~~فكيف بكم لو قد عاينتم الأمور ، وبعثرت القبور ، وحصل ما في الصدور ، ~~ووقفتم للتحصيل ، بين يدي الملك الجليل ، فطارت القلوب ، لإشفاقها من سالف ~~الذنوب ، وهتكت عنكم الحجب والأستار ، وظهرت منكم العيوب والأسرار ، هنالك ~~تجزى كل نفس ما كسبت . إن ms1134 الله عز وجل يقول : " ليجزي الذين أساءوا بما ~~عملوا ويجزي الذين احسنوا بالحسنى " ، وقال تعالى : " ووضع الكتاب فترى ~~المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا " . جعلنا ~~الله وإياكم عاملين بكتابه ، متبعين لأوليائه ، حتى يحلنا وإياكم دار ~~المقامة من فضله ، إنه حميد مجيد . ملحق لهذا الفصل خطبة قطري بن الفجاءة ~~وسترد في كلام البلغاء في باب الكتابة . وقال بعضهم : يا أيها الناس ، ~~اعملوا على مهل ، وكونوا من الله على وجل ، ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل ~~، ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدارة خداعة ، قد تزخرفت لكم بغرورها ، ~~وفتنتكم بأمانيها ، وتزينت لخطابها ، فأصبحت كالعروس المجلوة ، العيون ~~إليها ناظرة ، والقلوب عليها عاكفة ، والنفوس لها عاشقة . فكم من عاشق لها ~~قتلت ، ومطمئن إليها خذلت . فانظروا إليها بعين الحقيقة فإنها دار كثرت ~~بوائقها ، وذمها خالقها ، جديدها يبلى ، وملكها يفنى ، وعزيزها يذل ، ~~وكثيرها يقل ، PageV05P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" وحيها يموت ، وخيرها يفوت . فاستيقظوا من ~~غفلتكم ، وانتبهوا من رقدتكم قبل أن يقال : فلان عليل ، أو مدنف ثقيل ، فهل ~~على الدواء من دليل ، أو على الطبيب من سبيل ، فيدعى لك الأطباء ، ولا يرجى ~~لك الشفاء ، ثم يقال : فلان أوصى ، ولماله أحصى ، ثم يقال : قد ثقل لسانه ~~فما يكلم إخوانه ، ولا يعرف جيرانه ، وعرق عند ذلك جبينك ، وتتابع أنينك ، ~~وثبت يقينك ، وطمحت جفونك ، وصدقت ظنونك ، وتلجلج لسانك ، وبكى إخوانك ، ~~وقيل لك : هذا ابنك فلان ، وهذا أخوك فلان ، ومنعت الكلام فلا تنطق ، ثم حل ~~بك القضاء ، وانتزعت نفسك من الأعضاء ، ثم عرج بها إلى السماء ، فاجتمع عند ~~ذلك إخوانك ، وأحضرت أكفانك ، فغسلوك وكفنوك ، فانقطع عوادك ، واستراح ~~حسادك ، وانصرف أهلك إلى مالك ، وبقيت مرتهنا بأعمالك . وقال بعض الحكماء : ~~الأيام سهام ، والناس أغراض ، والدهر يرميك كل يوم بسهامه ، ويتخرمك ~~بلياليه وأيامه ، حتى يستغرق جميع أجزائك ، فكم بقاء سلامتك مع وقوع الأيام ~~بك ، وسرعة الليالي في بدنك لو كشفت لك عما أحدثت الأيام فيك من النقص ~~لاستوحشت ms1135 من كل يوم يأتي عليك ، واستثقلت ممر الساعات بك ، ولكن تدبير الله ~~فوق تدبير الاعتبار ، وبالسلو عن غوائل الدنيا وجد طعم لذاتها ، وإنها لأمر ~~من العلقم إذا عجمها الحكيم ، وقد أعيت الواصف لعيوبها بظاهر أفعالها ، وما ~~تأتي به من العجائب أكثر مما يحيط به الواعظ . أللهم أرشدنا للصواب . وخطب ~~عمر بن عبد العزيز رحمه الله فقال : أيها الناس ، إنكم خلقتم لأمر إن كنتم ~~تصدقون به فإنكم حمقى ، وإن كنتم تكذبون به إنكم لهلكى ، إنما خلقتم للأبد ~~، ولكنكم من دار إلى دار تنقلون . عباد الله ، إنكم في دار لكم فيها من ~~طعامكم غصص ، ومن شرابكم شرق ، لا تصفو نعمة تسرون بها إلا بفراق أخرى ~~تكرهون فراقها ، فاعملوا لما أنتم صائرون إليه خالدون فيه . ثم غلبه البكاء ~~ونزل . PageV05P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" ذكر بيان الزهد وأقسامه وأحكامه فأما درجاته ~~فقد قال الغزالي رحمه الله : إنها تتفاوت بحسب تفاوت قوته على ثلاث درجات : ~~الأولى وهي السفلى منها : أن يزهد في الدنيا وهو لها مشته ، وقلبه إليها ~~مائل ، ونفسه إليها ملتفتة ولكنه يجاهدها ويكفها ، وهذا يسمى التزهد ، وهو ~~مبدأ الزهد في حق من يصل إلى درجة الزهد بالكسب والاجتهاد . والمتزهد يذيب ~~أولا نفسه ثم كسبه ، والزاهد يذيب أولا كسبه ثم يذيب نفسه في الطاعة لا في ~~الصبر على ما فارقه . والمتزهد على خطر ، فإنه ربما تغلبه نفسه وتجذبه ~~شهوته فيعود إلى الدنيا وإلى الاستراحة بها في قليل أو كثير . الثانية : ~~الذي يترك الدنيا طوعا لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما طمع فيه كالذي يترك ~~درهما لأجل درهمين فإنه لا يشق عليه ذلك وإن كان يحتاج إلى انتظار قليل . ~~ولكن هذا الزاهد يرى لا محالة زهده ويلتفت إليه ، كما يرى البائع المبيع ~~ويلتفت إليه ، فيكاد يكون معجبا بنفسه وزهده ، ويظن بنفسه أنه ترك شيئا له ~~قدر لما هو أعظم قدرا منه ، وهذا أيضا نقصان . الثالثة وهي العليا : أن ~~يزهد طوعا ويزهد في زهده فلا يرى زهده ، إذا لا يرى أنه ترك شيئا إذ عرف أن ~~الدنيا لاشيء ms1136 ، فيكون كمن ترك خزفة وأخذ جوهرة فلا يرى ذلك معاوضة ولا يرى ~~نفسه تاركا شيئا . والدنيا بالإضافة إلى الله ونعيم الآخرة أخس من خزفة ~~بالإضافة إلى جوهرة ، فهذا هو الكمال في الزهد ، وسهبه كمال المعرفة . وأما ~~أقسامه فمنها ما هو مضاف إلى المرغوب فيه والمرغوب عنه ، فأما المرغوب فيه ~~فهو على ثلاث درجات : الأولى هي السفلى : أن يكون المرغوب فيه النجاة من ~~النار ومن سائر الآلام كعذاب القبر ومناقشة الحساب وخطر الصراط وسائر ما ~~بين العبد من الأهوال كما وردت به الأخبار . وفي الخبر : " إن الرجل ليوقف ~~في الحساب حتى لو وردت مائة بعير عطاشا على عرقه لصدرت رواء " ، فهذا زهد ~~الخائفين وكأنهم رضوا بالعدم لو أعدموا فإن الخلاص من الألم يحصل بمجرد ~~العدم . PageV05P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" الدرجة الثانية : أن يزهد رغبة في ثواب الله ~~ونعمه واللذات الموعودة في جنته من الحور والقصور وغيره ، وهذا زهد الراجين ~~، فإن هؤلاء ما تركوا الدنيا قناعة بالعدم والخلاص من الألم بل طمعوا في ~~وجود دائم ونعيم سرمد لا آخر له . الدرجة الثالثة وهي العليا : ألا يكون له ~~رغبة إلا في الله وفي لقائه ، فلا يلتفت قلبه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها ~~، ولا إلى اللذات ليقصد نيلها والظفر بها ، بل هو مستغرق الهم بالله تعالى ~~، وهو الموحد الحقيقي الذي لا يطلب غير الله تعالى ، لأن من طلب غير الله ~~فقد عبده ، وكل مطلوب معبود ، وكل طالب عبد بالإضافة إلى مطلبه ، وطلب غير ~~الله فمن الشرك الخفي ، وهذا زهد المحبين وهم العارفون ، لأنه لا يحب الله ~~تعالى خاصة إلا من عرفه ، وكما أن من عرف الدينار والدرهم وعلم أنه لا يقدر ~~على الجمع بينهما لم يحب إلا الدينار ، فلذلك من عرف الله تعالى وعرف للذة ~~النظر إلى وجهه الكريم ، وعرف أن الجمع بين تلك اللذة وبين لذة التنعم ~~بالحور العين والنظر إلى نقش القصور وخضرة الأشجار غير ممكن ، فلا يحب إلا ~~لذة النظر ولا يؤثر غيره . قال : ولا تظنن أن أهل الجنة عند النظر إلى ms1137 وجه ~~الله تعالى يبقى للذة الحور القصور متسع في قلوبهم ، بل تلك اللذة بالإضافة ~~إلى لذة نعيم الجنة كلذة ملك الدنيا والاستيلاء على أطراف الأرض ورقاب ~~الخلق بالإضافة إلى الاستيلاء على عصفور واللعب به ، والطالبون لنعيم الجنة ~~عند أهل المعرفة وأرباب القلوب كالصبي الطالب للعب بالعصفور في نفسه أعلى ~~وألذ من الاستيلاء بطريق الملك على كافة الخلق . وأما المرغوب عنه ، فقد ~~كثرت فيه الأقاويل . قال الغزالي رحمه الله : لعلها تزيد على مائة قول ، ~~وأشار إلى كلام محيط بالتفاصيل فقال : المرغوب عنه بالزهد له إجمال وتفصيل ~~، ولتفصيله مراتب بعضها أشرح لآحاد الأقسام وبعضها أجمع للجمل . أما ~~الإجمال في الدرجة الأولى : فهو كل ما سوى الله ينبغي أن يزهد فيه حتى يزهد ~~في نفسه أيضا . PageV05P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" والإجمال في الدرجة الثانية : أن يزهد في كل ~~صفة للنفس فيها متعة ، وهذا يتناول جميع مقتضيات الطبع من الشهوة والغضب ~~والكبر والرياسة والمال والجاه وغير ذلك . في الدرجة الثالثة : أن يزهد في ~~المال والجاه وأسبابهما ، إذ إليهما ترجع جميع حظوظ النفس . وفي الدرجة ~~الرابعة : أن يزهد في العلم والقدرة والدينار والدرهم والجاه ، إذا الأموال ~~وإن كثرت أصنافها فيجمعها الدينار والدرهم ، والجاه وإن كثرت أسبابه فيرجع ~~إلى العلم والقدرة . قال : وأعني به كل علم وقدرة مقصودهما ملك القلوب ، إذ ~~معنى الجاه هو ملك القلوب والقدرة عليها ، كما أن معنى المال ملك الأعيان ~~والقدرة عليها . قال : فإن جاوزت هذا التفصيل إلى شرح وتفصيل أبلغ من هذا ~~فتكاد تخرج ما فيه الزهد عن الحصر . وقد ذكر الله تعالى في آية واحدة سبعة ~~منها فقال : " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة ~~من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا " ~~. ثم رده في آية أخرى إلى خمسة فقال : " اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ~~ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد " . ثم رده في موضع ~~آخر إلى اثنين فقال : " وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب " . ثم رد الكل في ~~موضع آخر إلى واحد ms1138 فقال : " ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى " ، ~~فالهوى لفظ يجمع جميع حظوظ النفس في الدنيا ، فينبغي أن يكون الزهد فيه . ~~قال : فالحاصل أن الزهد عبارة عن الرغبة عن حظوظ النفس كلها . وقال أبو ~~سليمان الداراني : سمعنا في الزهد كلاما كثيرا ، والزهد عندنا ترك كل شيء ~~يشغلك عن الله عز وجل ، وقرأ قوله تعالى : " إلا من أتى الله بقلب سليم " ، ~~قال : هو القلب الذي ليس فيه غير الله . فهذا بيان أقسامه بالإضافة إلى ~~المرغوب فيه وعنه . PageV05P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" وأما أحكامه فتنقسم إلى فرض ونفل وسلامة . ~~فالفرض هو الزهد في الحرام ، والنفل هو الزهد في الحلال ، والسلامة هو ~~الزهد في الشبهات . فهذه درجاته وأقسامه وأحكامه على سبيل الاختصار . ذكر ~~بيان تفصيل الزهد فيما هو من ضروريات الحياة قال الغزالي رحمه الله : اعلم ~~أن ما الناس منهمكون فيه ينقسم إلى فضول وإلى مهم ، فالفضول كالخيل المسومة ~~- إذ غالب الناس إنما يقتنيها للترفه بركوبها وهو قادر على المشي - وغير ~~ذلك مما لا ينحصر . ثم حصر المهم الضروي فتميز ما عداه انه فضول . قال : ~~والمهم أيضا يتطرق إليه فضول في مقداره وجنسه وأوقاته على ما يشرحه من قوله ~~. قال : والمهمات ستة أمور ، وهي : المطعم ، والملبس ، والمسكن ، وأثاثه ، ~~والمنكح ، والمال ، والجاه يطلب لأغراض . فالمهم الأول المطعم . ولا بد ~~للإنسان من قوت حلال يقيم صلبه ، ولكن له طول وعرض ووقت . فأما طوله ~~فبالإضافة إلى جملة العمر فإن من يملك طعام يومه قد لا يقنع به ، وهو لا ~~يقصر إلا بقصر الأمل ، وأقل درجات الزهد فيه الاقتصار على قدر دفع الجوع ~~عند شدته وخوف المرض . ومن هذا حاله فإذا استقل بما تناوله لم يدخر من ~~غدائه لعشائه ، وهذه الدرجة العليا . والثانية : أن يدخر لشهر أو أربعين ~~يوما . والثالثة : أن يدخر لسنة فقط ، وهذه رتبة ضعفاء الزهاد . ومن ادخر ~~لكثر من ذلك فتسميته زاهدا محال ، لأن من أمل بقاء أكثر من سنة فهو طويل ~~الأمل جدا فلا يتم منه الزهد إلا إذا لم يكن له كسب ms1139 ولم يرض لنفسه الأخذ من ~~أيدي الناس ، كداود الطائي فإنه ورث عشرين دينارا فأمسكها وأنفقها عشرين ~~سنة ، فهذا لا يضاد الزهد إلا عند من جعل التوكل شرط الزهد . وأما عرضه ~~فبالإضافة إلى المقدار ، وأقل درجاته في اليوم والليلة نصف رطل ، وأوسطه ~~رطل ، وأعلاه مد - وهو ما قدره الله تعالى في إطعام المساكين في الكفارة - ~~وما وراء ذلك فهو اتساع واشتغال بالبطن . وممن لم يقدر على الاقتصار على مد ~~لم يكن له من الزهد في البطن نصيب . PageV05P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" وأما بالإضافة إلى الجنس فأقله ما يقوت وهو ~~الخبز من النخالة ، وأوسطه خبز الشعير والذرة ، وأعلاه خبز البر غير منخول ~~، فإذا ميزت النخالة منه وصار حوارى فقد دخل في التنعم وخرج عن آخر أبواب ~~الزهد فضلا عن أوائله . وأما الأدم ، فأقله الملح أو البقل والخل ، وأوسطه ~~الزيت أو يسير من الأدهان ، وأعلاه اللحم وذلك في الأسبوع مرة أو مرتين ، ~~فإن صار دائما أو أكثر من مرتين في الأسبوع خرج من آخر أبواب الزهد فلم يكن ~~صاحبه زاهدا في البطن أصلا . وأما بالإضافة إلى الوقت فأقله في اليوم ~~والليلة مرة وهو أن يكون صائما ثم يفطر في وقت الإفطار ، وأوسطه أن يصوم ~~ويشرب ليلة ولا يأكل ، ويأكل ليلة ولا يشرب ، وأعلاه أن ينتهي إلى أن يطوي ~~ثلاثة أيام وأسبوعا وما زاد عليه . وانظر إلى أحوال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وأصحابه في كيفية زهدهم في المطاعم وتركهم الأدم واقتصارهم على ~~ما يمسك الرمق . قال عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : كانت تأتي علينا ~~أربعون ليلة وما يوقد في بيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مصباح ولا ~~نار . قيل لها : فبم كنتم تعيشون ؟ قالت : بالأسودين التمر والماء . وجاء ~~أهل قباء إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بشربة من لبن مشوبة بعسل ، فوضع ~~القدح من يده وقال : " أما إني لست أحرمه ولكني أتركه تواضعا لله تعالى " . ~~وأتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشربة من ماء بارد وعسل في يوم صائف فقال ms1140 ~~: اعزلوا عني حسابها . وقال يحيى بن معاذ الرازي . الزاهد الصادق قوته ما ~~وجد ، ولباسه ما ستر ، ومسكنه حيث أدرك ، الدنيا سجنه ، والقبر مضجعه ، ~~والخلوة مجلسه ، والاعتبار فكرته ، والقرآن حديثه ، والرب أنيسه ، والذكر ~~رفيقه ، والزهد قرينه ، والحزن شأنه ، والحياء شعاره ، والجوع إدامه ، ~~والحكمة كلامه ، والتراب فراشه ، والتقوى زاده ، والصمت غنيمته ، الصبر ~~معتمده ، والتوكل حسبه ، والعقل دليله ، والعبادة حرفته ، والجنة مبلغه إن ~~شاء الله تعالى . PageV05P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" المهم الثاني الملبس . وأقل درجاته ما يدفع ~~الحر والبرد ويستر العورة ، وهو كساء يتغطى به ، وأوسطه قميص وقلنسوة ~~ونعلان ، وأعلاه أن يكون معه منديل وسراويل . وما جاوز هذا من حيث المقدار ~~فهو مجاوز حد الزهد . وشرط الزهد ألا يكون له ثوب يلبسه إذا غسل بل يلزمه ~~القعود في البيت ، فإذا صار صاحب قميصين وسراويلين ومنديلين فقد خرج من ~~جميع أبواب الزهد . هذا من حيث المقدار . وأما الجنس ، فأقله المسموح ~~الخشنة ، وأوسطه الصوف الخشن ، وأعلاه القطن الغليظ . وأما من حيث الوقت ، ~~فأقصاه ما يستر سنة ، وأقله ما يبقى يوما ، وقد رقع بعضهم ثوبه بورق الشجر ~~وإن كان يتسارع الجفاف إليه ، وأوسطه ما يتماسك عليه شهرا وما يقاربه . ~~فطلب ما يبقى أكثر من سنة خروج إلى طول الأمل ، وهو مضاد للزهد إلا إذا كان ~~المطلوب خشونته وقد يتبع ذلك قوته ودوامه . فمن وجد زيادة من ذلك فينبغي أن ~~يتصدق به ، فإن أمسكه لم يكن زاهدا بل كان محبا للدنيا . ولينظر إلى أحوال ~~الأنبياء صلى الله عليهم والصحابة رضي الله عنهم كيف تركوا الملابس . قال ~~أبو بردة : أخرجت لنا عائشة رضي الله عنها كساء ملبدا وإزارا غليظا فقالت : ~~قبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في هذين . وقال ( صلى الله عليه وسلم ~~) : " إن الله تعالى يحب المتبذل الذي لا يبالي ما لبس " . وفي الخبر : " ~~ما من عبد لبس ثوب شهرة إلا أعرض الله عنه حتى ينزعه وإن كان عنده حبيبا " ~~. واشترى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثوبا بأربعة دراهم وكان إزاره ~~أربعة أذرع ونصفا ، واشترى سراويل ms1141 بثلاثة دراهم ، وكان يلبس شملتين بيضاوين ~~من صوف وكانت تسمى حلة لأنهما ثوبان من جنس واحد . وربما كان يلبس بردين ~~يمانيين أو سحوليين . ولبس ( صلى الله عليه وسلم ) يوما واحدا ثوبا سيراء ~~من سندس قيمته مائتا درهم ، فكان أصحابه يلمسونه ويقولون : يا رسول الله ، ~~أنزل هذا عليك من الجنة تعجبا ، وكان قد أهداه إليه المقوقس ملك الإسكندرية ~~، فأراد أن يكرمه بلبسه ثم نزعه وأرسل به إلى رجل من المشركين وصله به ، ثم ~~حرم لبس الحرير والديباج . وقد صلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~PageV05P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" في خميصة لها علم فلما سلم قال : " شغلني ~~النظر إلى هذه اذهبوا بها إلى أبي جهم وأتوني بأنبجاتيته " يعني كساءه ~~فاختار لبس الكساء على الثوب الناعم . وكان شراك نعله قد أخلق فأبدل بسير ~~جديد فصلى فيه ، فلما سلم قال : " أعيدوا الشراك الخلق وانزعوا هذا الجديد ~~فإني نظرت إليه في الصلاة " . وعن جابر رضي الله عنه قال : دخل رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) على فاطمة رضي الله عنها وهي تطحن بالرحا وعليها كساء ~~من وبر الإبل ، فلما نظر إليها بكى وقال : " يا فاطمة تجرعي مرارة الدنيا ~~لنعيم الأبد " . فأنزل الله عليه " ولسوف يعطيك ربك فترضى " . وقد أوصى ~~أمته عامة باتباعه إذ قال : " من أحبني فليستن بسنتي " . وقال : " عليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ " . وقال الله ~~تعالى : " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " . وأوصى رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) عائشة رضي الله عنها خاصة وقال : " إن أردت اللحوق ~~بي فإياك ومجالسة الأغنياء ولا تنزعي ثوبا حتى ترقعيه " . وعد على قميص عمر ~~رضي الله عنه اثنتان وعشرون رقعة بعضها من أدم . وفي الخبر : " من ترك ثوب ~~جمال وهو يقدر عليه تواضعا لله تعالى وابتغاء لوجهه كان حقا على الله أن ~~يدخر له من عبقري الجنة في أتخات الياقوت " . وقال عمر رضي الله عنه : ~~اخلولقوا واخشوشنوا ، وإياكم وزي العجم كسرى وقيصر . وقال الثوري وغيره : ~~البس من الثياب مالا يشهرك ms1142 عند العلماء ولا يحقرك عند الجهال . وقال بعضهم ~~: قومت ثوبي سفيان ونعليه بدرهم وأربعة دوانيق . والأخبار في التقلل من ~~اللباس كثيرة فلا نطول بسردها . PageV05P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" المهم الثالث المسكن . وللزهد فيه أيضا ثلاث ~~درجات ، أعلاها ألا يطلب موضعا خاصا لنفسه فيقنع بزوايا المساجد كأصحاب ~~الصفة ، وأوسطها أن يطلب موضعا خاصا لنفسه مثل كوخ مبني من سعف أو خص أو ما ~~يشبهه ، وأدناها أن يطلب حجرة مبنية إما بشراء أو إجارة . فإن كان قدر سعة ~~المسكن على قدر حاجته من غير زيادة ولم تكن فيه زينة لم يخرجه هذا القدر عن ~~آخر درجات الزهد . فإن طلب التشييد و التجصيص والسعة وارتفاع السقف أكثر من ~~ستة أذرع فقد جاوز بالكلية حد الزهد في المسكن . قال : والغرض من المسكن ~~دفع المطر والبرد ودفع الأعين والأذى . وأقل الدرجات فيه معلوم ، وما زاد ~~عليه فهو من الفضول ، والفضول كله من الدنيا ، وطالب الفضول الساعي له بعيد ~~من الزهد . وقد روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إذا ~~أراد الله بعبد شرا أهلك ماله في الماء والطين " . وقال الحسن : مات رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة . ~~وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : مر علينا رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ونحن نعالج خصا فقال : " ما هذا " قلنا : خص لنا قد وهى ، قال : " ~~أرى الأمر أعجل من ذلك " . واتخذ نوح عليه السلام بيتا من قصب ، فقيل له : ~~لو بنيت فقال : هذا كثير لمن يموت . وقال الحسن : دخلنا على صفوان بن محرز ~~وهو في بيت من قصب قد مال عليه ، فقيل له : لو أصلحته فقال : كم من رجل قد ~~مات وهذا قائم على حاله . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من ~~بنى ما يكفيه كلف أن يحمله يوم القيامة " . وفي الخبر : " كل نفقة للعبد ~~يؤجر عليها إلا ما أنفقه في الماء والطين " . وجاء في تفسير قوله تعالى : " ~~تلك الدار الآخرة نجعلها للذين ms1143 لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا " أنه ~~الرياسة والتطاول في البنيان . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما أكن من حر وبرد " . ونظر عمر ~~رضي الله عنه في طريق الشام إلى صرح قد بني بجص وآجر ، فكبر وقال : ما كنت ~~أظن أن يكون في أمتي من يبني بنيان هامان لفرعون . وكان ارتفاع بناء السلف ~~قامة وبسطة . قال الحسن : كنت إذا دخلت بيوت رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ضربت يدي إلى السقف . وقال عمرو بن دينار : إذا على العبد البناء ~~فوق ستة أذرع ناداه ملك : إلى أين يا أفسق الفاسقين . وقال الفضيلي : إني ~~لا أعجب PageV05P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" ممن بنى وترك ولكني أعجب ممن نظر إليه ولم ~~يعتبر . وقال ابن مسعود : يأتي قوم يرفعون الطين ، ويضعون الدين ، ~~ويستعملون البراذين ، يصلون إلى قبلتكم ، ويموتون على غير دينكم . المهم ~~الرابع أثاث البيت . وللزهد فيه أيضا درجات ، أعلاها حال عيسى عليه السلام ~~إذا كان لا يصحبه إلا مشط وكوز ، فرأى إنسانا يمشط لحيته بأصابعه ، فرمى ~~بالمشط . ورأى آخر يشرب من النهر بكفيه فرمى بالكوز . وهذا حكم كل أثاث ~~فإنه إنما يراد لمقصود فإذا استغني عنه فهو وبال في الدنيا والآخرة . وما ~~لا يستغنى عنه فيقتصر فيه على أقل الدرجات وهو الخزف في كل ما يكفي فيه ~~الخزف ، ولا يبالي أن يكون مكسور الطرف إذا كان المقصود يحصل به . وأوسطها ~~أن يكون له أثاث بقدر الحاجة صحيح في نفسه ، ولكن يستعمل الآلة الواحدة في ~~مقاصد كالذي معه قصعة يأكل فيها ويشرب فيها ويحفظ المتاع فيها . وكان السلف ~~يستحبون استعمال آلة واحدة في أشياء للتخفيف . وأعلاها أن يكون له بعدد كل ~~حاجة آلة من الجنس النازل الخسيس ، فإن زاد في العدد أو في نفاسة الجنس خرج ~~من جميع أبواب الزهد وركن إلى طلب الفضول . ولينظر إلى سيرة رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وسيرة أصحابه رضي الله عنهم . قالت عائشة رضي الله ~~عنها : كان ضجاع ms1144 رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذي ينام عليه وسادة من ~~أدم حشوها ليف . وقال الفضيل : ما كان فراش رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) إلا عباءة مثنية ووسادة حشوها ليف . وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~دخل على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو نائم على سرير مرمول بشريط ، ~~فجلس فرأى أثر السرير في جنبه عليه السلام فدمعت عينا عمر . فقال النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " ما الذي أبكاك يا بن الخطاب " ؟ قال : ذكرت كسرى ~~وقيصر وما هما فيه من الملك وذكرتك وأنت حبيب الله وصفيه ورسوله نائم على ~~سرير مرمول بالشريط فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " أما ترضى يا عمر أن ~~تكون لهما الدنيا ولنا الآخرة " قال : بلى يا رسول الله . قال : " فذلك ~~كذلك " . ودخل رجل على أبي ذر فجعل يقلب بصره في بيته فقال : يا أبا ذر ، ~~ما أرى في بيتك متاعا ولا غير ذلك من الأثاث فقال : إن لنا بيتا نوجه إليه ~~صالح PageV05P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" متاعنا . فقال : إنه لا بد لك من متاع ما دمت ~~هاهنا . فقال : إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه . ولما قدم عمير بن سعد أمير ~~حمص على عمر قال له : ما معك من الدنيا ؟ فقال : معي عصاي أتوكأ عليها ~~وأقتل بها حية إن لقيتها ، ومعي جرابي أحمل فيه طعامي ، ومعي قصعتي آكل ~~فيها وأغسل فيها رأسي وثوبي ، ومعي مطهرتي أحمل فيها شرابي ووضوئي للصلاة ، ~~فما كان بعد هذا من الدنيا فهو تبع لما معي . فقال عمر : صدقت ، رحمك الله ~~. وقدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من سفر ، فدخل على فاطمة رضي الله ~~عنها فرأى على باب منزلها سترا وفي يدها قلبين من فضة فرجع . فدخل عليها ~~أبو رافع وهي تبكي ، فأخبرته برجوع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~فسأله أبو رافع فقال : " من أجل الستر والسوارين " : فأرسلت بهما بلالا إلى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقالت : قد تصدقت بهما فضعهما حيث ترى . ~~فقال : " اذهب فبعه وادفعه ms1145 إلى أهل الصفة " . فباع القلبين بدرهمين ونصف ~~وتصدق بهما عليهم . فدخل عليها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : " ~~بأبي أنت قد أحسنت " . وقال الحسن : أدركت سبعين من الأخيار ما لأحدهم إلا ~~ثوبه ، وما وضع أحدهم بينه وبين الأرض ثوبا قط ، كان إذا أراد النوم باشر ~~الأرض بجسمه وجعل ثوبه فوقه . المهم الخامس المنكح . قال الغزالي : وقد قال ~~قائلون : لا معنى للزهد في أصل النكاح ولا في كثرته ، وإليه ذهب سهل بن عبد ~~الله وقال : قد حبب إلى سيد الزاهدين النساء فكيف نزهد فيهن ووافقه ابن ~~عينية ، وقال : كان أزهد الصحابة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان له ~~أربع نسوة وبضع عشرة سرية . قال الغزالي : والصحيح ما قاله أبو سليمان ~~الداراني إذ قال : كل ما شغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك مشئوم . ~~والمرأة قد تكون شاغلا عن الله . قال : وكشف الحق فيه أن قد تكون العزوبة ~~أفضل في بعض الأحوال فيكون ترك النكاح من الزهد . وحيث يكون النكاح أفضل ~~لدفع الشهوة الغالبة فهو واجب فكيف يكون تركه من الزهد وإن لم يكن عليه آفة ~~في تركه ولا فعله ولكن ترك النكاح احترازا عن ميل القلب إليهن والأنس بهن ~~بحيث يشتغل عن ذكر الله فترك ذلك من الزهد . وإن علم أن المرأة لا تشغله عن ~~ذكر الله ولكن ترك ذلك احترازا من لذة النظر والمضاجعة والمواقعة فليس هذا ~~من الزهد أصلا ، فإن الولد PageV05P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" مقصود لبقاء نسله ، وتكثير أمة محمد ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من القربات . واللذة التي تلحق الإنسان فيما هو من ضرورة ~~الوجود لا تضره إذا لم تكن هي المقصد والمطلب ، وهكذا كمن ترك أكل الخبز ~~وشرب الماء احترازا من لذة الأكل والشرب ، وليس ذلك من الزهد في شيء ، لأن ~~من ترك ذلك فوات بدنه ، فكذلك في ترك النكاح انقطاع نسله ، فلا يجوز أن ~~يترك النكاح زهدا في لذته من غير آفة أخرى . قال : وأكثر الناس تشغلهم كثرة ~~النسوان ، فينبغي أن يترك ms1146 الأصل إن كان يشغله ، وإن لم يشغله وكان يخاف من ~~أن تشغله الكثرة منهن أو جمال المرأة فلينكح واحدة غير جميلة وليراع قلبه ~~في ذلك . قال أبو سليمان : الزهد في النساء أن تختار المرأة الدون أو ~~اليتيمة على المرأة الجميلة والشريفة . وقال الجنيد : أحب للمريد المبتدي ~~ألا يشغل قلبه بثلاث وإلا تغير حاله : التكسب ، وطلب الحديث ، والتزوج . ~~فقد ظهر أن لذة النكاح كلذة الأكل والشرب ، فما شغل عن الله تعالى فهو ~~محذور فيهما جميعا . المهم السادس : ما يكون وسيلة إلى هذه الخمسة وهو ~~المال والجاه . أما الجاه فمعناه ملك القلوب بطلب محل فيها ليتوصل به إلى ~~الاستعانة في الأغراض والأعمال . وكل من لا يقدر على القيام بنفسه في جميع ~~حاجاته وافتقر إلى من يخدمه افتقر إلى جاه لا محالة في قلب خادمه ، لأنه لم ~~يكن عنده محل وقدر لم يقم بخدمته . وقيام القدر والمحل في القلوب هو الجاه ~~. قال : وإنما يحتاج إلى المحل في القلوب إما لجلب نفع أو لدفع ضرر أو ~~لخلاص من ظلم . فأما النفع فيغني عنه المال ، فإن من يخدم بأجرة خدم وإن لم ~~يكن عنده للمستأجر قدر ، وإنما يحتاج إلى الجاه في قلب من يخدم بغير أجرة . ~~وأما دفع الضرر فيحتاج لأجله إلى الجاه في بلد لا يكمل فيه العدل أو يكون ~~بين جيران يظلمونه فلا يقدر على دفع شرهم إلا بمحل له في قلوبهم أو محل له ~~عند السلطان . وقدر الجاه فيه لا ينضبط . والخائض في طلب الجاه سالك طريق ~~الهلاك . بل حق الزاهد ألا يسعى لطلب المحل في القلوب أصلا ، فإن اشتغاله ~~بالدين والعبادة يمهد له من المحل في القلوب ما يدفع عنه الأذى ولو كان بين ~~الكفار فكيف بين المسلمين . وأما التوهمات والتقديرات التي تحوج إلى زيادة ~~في الجاه على الحاصل بغير كسب فهي أوهام كاذبة ، إذ من طلب الجاه لم يخل عن ~~أذى في بعض الأحوال ، فعلاج ذلك بالاحتمال والصبر أولى من علاجه بطلب الجاه ~~. فإذا طلب المحل في PageV05P0261 # """""" صفحة رقم 262 ms1147 """""" القلوب لا رخصة فيه أصلا ، واليسير منه داع ~~إلى الكثير ، وضراوته أشد من ضراوة الخمر ، فليحترز من قليله وكثيره . وأما ~~المال ، فهو ضروري في المعيشة أعني القليل منه . فإن كان كسوبا ، فإذا ~~اكتسب حاجة يومه فينبغي أن يترك الكسب ، هذا شرط الزهد ، فإن جاوز ذلك إلى ~~ما يكفيه أكثر من سنة فقد خرج عن حد ضعفاء الزهاد وأقويائهم جميعا . وإن ~~كانت له ضيعة ولم تكن له قوة يقين في التوكل فأمسك منها مقدار ما يكفي ريعه ~~لسنة واحدة فلا يخرج بهذا القدر عن الزهد بشرط أن يتصدق بكل ما يفضل عن ~~كفاية سنة ، ولكن يكون من ضعفاء الزهاد . قال : وأمر المنفرد في جميع ذلك ~~أخف من أمر المعيل . وقد قال أبو سليمان : لا ينبغي أن يرهق الرجل أهله إلى ~~الزهد بل يدعوهم إليه ، فإن أجابوا وإلا تركهم وفعل بنفسه ما شاء . قال : ~~والذي يضطر إليه الإنسان من الجاه والمال ليس بمحدود ، فالزائد منه على ~~الحاجة سم قاتل ، والاقتصار على قدر الضرورة دواء نافع ، وما بينهما درجات ~~متشابه ، فما يقرب من الزيادة وإن لم يكن سما قاتلا فهو مضر ، وما يقرب من ~~الضرورة فهو وإن لم يكن دواء نافعا لكنه قليل الضرر . والسم محظور شربه ، ~~والدواء فرض تناوله ، وما بينهما مشتبه أمره . فمن احتاط فإنما يحتاط لنفسه ~~، ومن تساهل فإنما يتساهل على نفسه ، ومن استبرأ لدينه وترك ما يريبه إلى ~~ما لا يريبه ورد نفسه إلى مضيق الضرورة فهو الآخذ بالحزم وهو من الفرقة ~~الناجية لا محالة . والمقتصر على قدر الضرورة والمهم لا يجوز أن ينسب إلى ~~الدنيا ، بل ذلك القدر من الدنيا هو عين الدين لأنه شرط الدين ، والشرط من ~~جملة المشروط . وقد روي أن إبراهيم الخليل عليه السلام أصابته حاجة فذهب ~~إلى صديق له يستقرضه شيئا فلم يقرضه فرجع مهموما ، فأوحى الله تعالى إليه : ~~لو سألت خليلك لأعطاك . فقال : يا رب ، عرفت مقتك للدنيا فخفت أن أسألك ~~منها شيئا . فأوحي الله إليه : ليس الحاجة من الدنيا . فعلى هذا يكون ms1148 قدر ~~الحاجة من الدين وما وراء ذلك وبال في PageV05P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" الآخرة ، وهو أيضا في الدنيا كذلك ، يعرفه من ~~يخبر أحوال الأغنياء وما عليهم من المحنة في كسب المال وجمعه وحفظه واحتمال ~~الذل فيه ، وغاية سعادته به أن يسلم لورثته فيأكلوه ، وربما يكونون أعداء ~~له ، وقد يستعينون به على المعاصي فيكون هو معينا لهم عليها . ولذلك شبه ~~جامع الدنيا ومتبع الشهوات بدود القز إذا لا يزال ينسج على نفسه حيا ثم ~~يروم الخروج فلا يجد مخلصا فيموت ويهلك بسبب عمله الذي عمله بنفسه ، فكذلك ~~كل من اتبع شهوات الدنيا . قال الشاعر : كدود كدود القز ينسج دائما . . . ~~ويهلك غما وسط ما هو ناسجه قال : ولما انكشف لأولياء الله تعالى أن العبد ~~مهلك نفسه بأعماله واتباعه هوى نفسه إهلاك دود القز نفسه رفضوا الدنيا ~~بالكلية ، حتى قال الحسن : رأيت سبعين بدريا كانوا فيما أحل الله لهم أزهد ~~منكم فيما حرم الله عليكم . وفي لفظ آخر : كانوا بالبلاء أشد فرحا منكم ~~بالخصب والرخاء ، لو رأيتموهم قلتم : مجانين ولو رأوا خياركم قالوا : ما ~~لهؤلاء من خلاق ، ولو رأوا شراركم قالوا : ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب . ~~وكان أحدهم يعرض له المال الحلال فلا يأخذه ويقول : أخاف أن يفسد علي قلبي ~~. فمن كان له قلب فهو لا محالة يخاف من فساده ، والذين أمات حب الدنيا ~~قلوبهم فقد أخبره الله عنهم فقال : " ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ~~والذين هم عن آياتنا غافلون " ، وقال تعالى : " ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ~~ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا " ، وقال تعالى : " فاعرض عمن تولى عن ~~ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم " ، فأحال ذلك كله ~~على الغفلة وعدم الفكر . وقال بعضهم : ما من يوم ذر شارقه إلا وأربعة أملاك ~~ينادون في الآفاق بأربعة أصوات : ملكان بالمشرق وملكان بالغرب يقول أحدهم ~~بالمشرق : يا باغي الخير هلم ، ويا باغي الشر أقصر . ويقول الآخر : اللهم ~~أعط منفقا خلفا ، وأعط ممسكا تلفا . ويقول اللذان بالمغرب أحدهما : لدوا ~~للموت وابنوا للخراب ms1149 ، ويقول الآخر : كلوا وتمتعوا لطول الحساب . ~~PageV05P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" ذكر بيان علامات الزهد قال الغزالي رحمه الله ~~تعالى : اعلم أنه قد يظن أن تارك المال زاهد ، وليس كذلك ، فإن ترك المال ~~وإظهار الخشونة سهل على من أحب المدح بالزهد . فكم من الرهابين من ردوا ~~أنفسهم كل يوم إلى نزر يسير من الطعام ولازموا ديرا لا باب له ، وإنما مسرة ~~أحدهم معرفة الناس حاله ونظرهم إليه ومدحهم له ، فلذلك لا يدل على الزهد ~~دلالة قاطعة ، بل لابد من الزهد في المال والجاه جميعا حتى يكمل الزهد في ~~جميع حظوظ النفس من الدنيا ، بل قد يدعي جماعة الزهد مع لبس الأصواف ~~الفاخرة والثياب الرفيعة كما قال الخواص في وصف المدعين إذ قال : وقوم ~~ادعوا الزهد ولبسوا الفاخر من الثياب يموهون بذلك على الناس ليهدى إليهم ~~مثل لباسهم لئلا ينظر إليهم بالعين التي ينظر بها إلى الفقراء فيحقروا ~~فيعطوا كما يعطى المساكين ويحتجون لأنفسهم باتباع العلم وأنهم على السنة ~~وأن الأشياء داخلة إليهم وهم خارجون منها ، وإنما يأخذون ما يأخذون بعلة ~~غيرهم ، هذا إذا طولبوا بالحقائق وألجئوا إلى المضايق . وكل هؤلاء أكلة ~~الدنيا بالدين لم يعنوا بتصفية أسرارهم ولا بتهذيب أخلاق نفوسهم ، فظهرت ~~عليهم صفاتهم فغلبتهم فادعوها حالا لهم ، فهم مائلون إلى الدنيا متبعون ~~للهوى . هذا كلام الخواص . قال الغزالي رحمه الله : فإذا معرفة الزهد أمر ~~مشكل ، بل حال الزهد على الزاهد مشكل ، فينبغي أن يعول في باطنه على ثلاث ~~علامات : العلامة الأولى : ألا يفرح بموجود ، ولا يحزن على مفقود ، كما قال ~~الله تعالى : " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم " ، بل ~~ينبغي أن يكون بالضد من ذلك وهو أن يحزن لوجود المال ويفرح لفقده . العلامة ~~الثانية : أن يستوي عنده ذامه ومادحه ، فالأولى علامة الزهد في المال ، ~~والثانية علامة الزهد في الجاه . العلامة الثالثة : أن يكون أنسه بالله عز ~~وجل ، والغالب على قلبه حلاوة الطاعة ، إذ لا يخلو القلب من حلاوة المحبة ، ~~إما محبة الدنيا وإما محبة الله ، وهما في القلب ms1150 كالماء والهواء في القدح ، ~~فالماء إذا دخل خرج الهواء ولا يجتمعان ، وكل من أنس PageV05P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" بالله اشتغل به ولم يشتغل بغيره . وقد قال ~~أهل المعرفة : إذا تعلق الإيمان بظاهر القلب أحب الدنيا والآخرة جميعا وعمل ~~لهما ، وإذا بطن الإيمان في سويداء القلب وباشره أبغض الدنيا ولم ينظر ~~إليها ولم يعمل لها . وقد ورد في دعاء آدم عليه السلام : اللهم إني أسألك ~~إيمانا يباشر قلبي . وقال أبو سليمان : من شغل بنفسه شغل عن الناس ، وهذا ~~مقام العاملين . ومن شغل بربه شغل عن نفسه ، وهذا مقام العارفين . والزاهد ~~لا بد أن يكون في أحد هذين المقامين . وبالجملة فعلامة الزهد استواء الفقر ~~والغنى والعز والذل والمدح والذم ، وذلك لغلبة الأنس بالله . ويتفرع عن هذه ~~العلامات علامات أخر مثل أن يترك الدنيا ولا يبالي من أخذها . وقيل : ~~علامته أن يترك الدنيا كما هي فلا يقول : أبني رباطا أو أعمر مسجدا ، وهذا ~~من كلام الأستاذ أبي علي الدقاق . وقال ابن خفيف : علامته وجود الراحة في ~~الخروج من الملك . وقال الجنيد : علامته خلو القلب عما خلت منه اليد . وقال ~~أحمد بن حنبل وسفيان : علامة الزهد قصر الأمل . وقال رجل ليحيى بن معاذ : ~~متى أدخل حانوت التوكل وألبس برد الزهد وأقعد مع الزاهدين ؟ فقال : إذا صرت ~~من رياضتك لنفسك في السر إلى حد لو قطع الله عنك الرزق ثلاثة أيام لم تضعف ~~في نفسك ، فأما ما لم تبلغ هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ثم لا ~~آمن عليك أن تفتضح . قالوا : ولا يتم الزهد إلا بالتوكل ، فلنذكر التوكل . ~~ذكر ما ورد في التوكل فضيلته وحقيقته أما فضيلته فقد قال تعالى : " وعلى ~~الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين " ، وقال الله تعالى : " وعلى الله فليتوكل ~~المتوكلون " . وقال PageV05P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" تعالى : " ومن يتوكل على الله فهو حسبه " . ~~وقال تعالى : " إن الله يحب المتوكلين " ، وناهيك بذلك مقاما . وقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أريت الأمم في الموسم فرأيت أمتي قد ملئوا ~~السهل والجبل فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم فقيل ms1151 لي أرضيت قلت نعم قال ومع هؤلاء ~~سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب قيل من هم يا رسول الله قال هم الذين لا ~~يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون " . وقال ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " من انقطع إلى الله عز وجل كفاه الله تعالى مئونة رزقه من ~~حيث لا يحتسب ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها " . وأما حقيقة التوكل ~~فقد قال الغزالي رحمه الله : التوكل مشتق من الوكالة يقال : وكل أمره إلى ~~فلان أي فوضه إليه واعتمد عليه فيه . ويسمى الموكول إليه وكيلا ، ويسمى ~~المفوض إليه متكلا عليه ومتوكلا عليه مهما اطمأنت إليه نفسه ووثق به ولم ~~يتهمه فيه بتقصيره ولم يعتقد فيه عجزا ولا قصورا . ثم قال بعد أن ضرب لذلك ~~أمثلة يطول شرحها : واعلم أن حالة التوكل في القوة والضعف ثلاث درجات : ~~الأولى : أن يكون حاله في حق الله تعالى والثقة بكفالته وعنايته كحاله في ~~الثقة بالوكيل . الثانية وهي أقوى : أن يكون حاله مع الله تعالى كحال الطفل ~~في حق أمه فإنه لا يعرف غيرها ولا يفزع إلى سواها ولا يعتمد إلا إياها ، ~~فإن رآها تعلق في كل حال بها ، وإن نابه أمر في غيبتها كان أول سابق إلى ~~لسانه : يا أماه ، وأول خاطر يخطر على قلبه أمه لوثوقه بكفالتها وكفايتها ~~وشفقتها . الثالثة وهي أعلاها : أن يكون بين يدي الله تعالى في حركاته ~~وسكناته مثل الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف أراد لا يكون له حركة ولا ~~تدبير . قال : وهذا المقام في التوكل يثمر ترك الدعاء والسؤال منه ثقة ~~بكرمه وعنايته ، وأنه يعطي ابتداء أفضل مما يسأل . وقد تكلم المشايخ في ~~التوكل وبيان حده واختلفت عباراتهم وتكلم كل واحد عن مقام نفسه وأخبر عن ~~حده . PageV05P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" قال أبو موسى الديلي : قلت لأبي زيد : ما ~~التوكل ؟ فقال : ما تقول أنت ؟ قلت : إن أصحابنا يقولون : لو أن السباع ~~والأفاعي عن يمينك ويسارك ما تحرك لذلك سرك . فقال أبو زيد : نعم هذا قريب ~~، ولكن لو أن أهل ms1152 الجنة في الجنة يتنعمون ، وأهل النار في النار يعذبون ، ~~ثم وقع بك تمييز عليهما خرجت من جملة التوكل . وسئل أبو عبد الله القرشي عن ~~التوكل فقال : التعلق بالله تعالى في كل حال . فقال السائل : زدني ، فقال : ~~ترك كل سبب يوصل إلى سبب حتى يكون الحق هو المتولي لذلك . وهذا مثل توكل ~~إبراهيم الخليل عليه السلام إذ قال له جبريل : ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك ~~فلا ، إذا كان سؤاله يفضي إلى سبب فترك ذلك ثقة بأن الله يتولى ذلك . قال ~~أبو سعيد الخراز : التوكل اضطراب بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب . أشار ~~بالأول إلى فزعه إلى الله تعالى وابتهاله وتضرعه بين يديه كاضطراب الطفل ~~بيديه إلى أمه ، وبالثاني إلى سكون القلب إلى الوكيل وثقته به . وقال أبو ~~علي الدقاق : التوكل على ثلاث درجات : التوكل ثم التسليم ثم التفويض ، ~~فالمتوكل يسكن إلى وعده ، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه ، وصاحب التفويض يرضى ~~بحكمه . وقال : التوكل بداية ، والتسليم وسائط ، والتفويض نهاية . وقال : ~~التوكل صفة المؤمنين ، والتسليم صفة الأولياء ، والتفويض صفة الموحدين . ~~وسئل ابن عطاء عن حقيقة التوكل فقال : ألا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب مع ~~شدة فاقتك إليها ، ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها . ~~وقال أبو نصر السراج : شرط التوكل ما قاله أبو تراب النخشبي وهو طرح البدن ~~في العبودية وتعلق القلب بالربوبية والطمأنينة إلى الكفاية ، فإن أعطي شكر ~~، وإن منع صبر . وكما PageV05P0267 # """""" صفحة رقم 268 """""" قال ذو النون : التوكل ترك تدبير النفس ~~والانخلاع من الحول والقوة . وقال أبو بكر الدقاق : التوكل رد العيش إلى ~~يوم واحد وإسقاط هم غد . وسئل ذو النون : ما التوكل ؟ فقال : خلع الأرباب ، ~~وقطع الأسباب . فقال السائل : زدني ، فقال : إلقاء النفس في العبودية ~~وإخراجها من الربوبية . وقال مسروق : التوكل الاستسلام لجريان القضاء ~~والأحكام . وقال أبو عثمان : التوكل الاكتفاء بالله مع الاعتماد عليه . ~~وقيل : التوكل الثقة بما في يد الله واليأس مما في يد الناس . وقيل : ~~التوكل فراغ السر عن التفكر في التقاضي في طلب الرزق . ذكر بيان ms1153 أعمال ~~المتوكلين قال الغزالي رحمه الله : قد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن ~~وترك التدبير بالقلب ، والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة وكاللحم على ~~الوضم ، وهذا ظن الجهال ، فإن ذلك حرام في الشرع ، والشرع قد أثنى على ~~المتوكلين فكيف ينال مقام من مقامات الدين بمحظورات الدين بل إنما يظهر ~~تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه بعمله إلى مقاصده . وسعي العبد باختياره ~~إما أن يكون لأجل جلب نافع هو مفقود عنده كالكسب ، أو لحفظ نافع هو موجود ~~عنده كالادخار ، أو لدفع ضار لم ينزل به كدفع الصائل والسارق والسباع ، أو ~~لإزالة ضار قد نزل به كالتداوي من المرض . فمقصود حركات العبد لا يعدو هذه ~~الحالات الأربع التي هي جلب النافع أو حفظه أو دفع الضار أو قطعه . ثم ذكر ~~شرط التوكل ودرجاته في كل واحد منها ، وقرن ذلك بشواهد الشرع ، فقال ما ~~مختصره ومعناه : أما جلب النافع ، فالأسباب التي بها يجلب النافع على ثلاث ~~درجات : مقطوع به ، ومظنون ظنا يوثق به ، وموهوم وهما لا تثق النفس به ثقة ~~تامة ولا تطمئن إليه . فالدرجة الأولى : المقطوع به كالطعام إذا وضع بين ~~يدي الرجل وهو جائع محتاج إلى تناوله فامتنع من مد يده وقال : أنا متوكل ، ~~وشرط التوكل ترك السعي ، PageV05P0268 # """""" صفحة رقم 269 """""" ومد اليد إليه سعي وحركة ، وكذلك مضغه ~~بالأسنان وابتلاعه بإطباق أعالي الحنك على أسفله ، فهذا جنون وليس من ~~التوكل في شيء ، فإنه إن انتظر أن الله تعالى يخلق فيه شبعا دون الخبز أو ~~يسخر ملكا يمضغه ويوصله إلى معدته فهذا رجل جهل سنة الله تعالى ، وكذلك لو ~~لم يزرع الأرض وطمع أن الله تعالى يخلق نباتا من غير بذر أو تلد زوجه من ~~غير مباضعة كريم ، فكل ذلك جنون ، بل يجب عليه أن يعلم أن الله تعالى خالق ~~الطعام واليد والأسنان وقوة الحركة ، وأنه الذي يطعمه ويسقيه ، وأن يكون ~~قلبه واعتماده على فضل الله تعالى لا على اليد والطعام ، فليمد يده وليأكل ~~فإنه متوكل . والدرجة الثانية : الأسباب التي ليست متعينة ms1154 ، ولكن الغالب أن ~~المسببات لا تحصل دونها واحتمال حصولها دونها بعيد كالذي يفارق الأمصار ~~والقوافل ويسافر في البوادي التي لا يطرقها الناس إلا نادرا ويكون سفره من ~~غير استصحاب زاد ، فهذا ليس شرطا في التوكل ، بل استصحاب الزاد في البوادي ~~سنة الأولين مع الاعتماد على فضل الله عز وجل لا على الزاد ، ولكن فعل ذلك ~~جائز ، وهو من أعلى مقامات التوكل وهو فعل الخواص . قال الغزالي : فإن قلت ~~: فهذا سعي في الهلاك وإلقاء النفس إلى التهلكة ، فاعلم أن ذلك يخرج عن ~~كونه حراما بشرطين : أحدهما أن يكون الرجل قد راض نفسه وجاهدها حتى صبرت عن ~~الطعام أسبوعا أو ما يقاربه بحيث إنه لا يناله ضيق قلب ولا تشويش خاطر . ~~والثاني أن يكون بحيث يقوى على التقوت بالحشيش وما يتفق من الأشياء الخسيسة ~~، فإنه لا يخلو غالب الأمر في البوادي كل أسبوع أن يلقاه آدمي أو ينتهي إلى ~~محلة أو قرية أو إلى حشيش يتقوت به ، وعلى هذا كان يعول الخواص ونظراؤه من ~~المتوكلين . وقد كان الخواص مع توكله لا تفارقه الإبرة والمقراض والحبل ~~والركوة ، ويقول : هذا لا يقدح في التوكل . وأما لو انحاز إلى شعب من شعاب ~~الجبال حيث لا ماء ولا حشيش ولا يطرقه طارق فيه وجلس متوكلا فهو آثم به ساع ~~في إهلاك نفسه . PageV05P0269 # """""" صفحة رقم 270 """""" وأما القاعد في البلد بغير كسب فليس ذلك ~~حراما ، لأنه لايبعد أن يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب ولكن قد يتأخر عنه . ~~فإن أغلق باب البيت على نفسه بحيث لا طريق لأحد إليه ففعله ذلك حرام . فإن ~~فتح باب البيت وهو بطال غير مشغول بعبادة فالكسب والخروج له أولى ، ولكن ~~ليس فعله حراما إلا أن يشرف على الموت ، فعند ذلك يلزمه الخروج والسؤال ~~والكسب . وإن كان مشغول القلب بالله غير متطلع إلى الناس ولا إلى من يدخل ~~من الباب فيأتيه برزق ، بل تطلعه إلى فضل الله تعالى واشتغاله بالله فهو ~~أفضل وهو من مقامات التوكل ، فإن الرزق يأتيه لا محالة . فلو ms1155 هرب العبد من ~~رزقه لطلبه كما لو هرب من الموت لأدركه . قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~اختلف الناس في كل شيء إلا في الرزق والأجل فإنهم أجمعوا أن لا رازق ولا ~~مميت إلا الله تعالى . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لو ~~توكلتم على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح ~~بطانا ولزالت بدعائكم الجبال " . وقال عيسى عليه السلام : انظروا إلى الطير ~~لا تزرع ولا تحصد ولا تدخر و الله تعالى يرزقها يوما بيوم ، فإن قلتم نحن ~~أكبر بطونا ، فانظروا إلى الأنعام كيف قيض الله تعالى لها هذا الخلق للرزق ~~. وقال أبو يعقوب السوسي : المتوكلون تجري أرزاقهم على أيدي العباد بلا تعب ~~منهم وغيرهم مشغولون مكدودون . وقال بعضهم : العبيد كلهم في رزق الله تعالى ~~، لكن بعضهم يأكل بذل كالسؤال ، وبعضهم يأكل بتعب كالتجار ، وبعضهم بامتهان ~~كالصناع ، وبعضهم بعز كالصوفية ، يشهدون العزيز فيأخذون رزقهم من يده ولا ~~يرون الواسطة . والدرجة الثالثة : ملابسة الأسباب التي يتوهم إفضاؤها إلى ~~المسببات من غير ثقة ظاهرة ، كالذي يستقصي في التدبيرات الدقيقة في تفصيل ~~الاكتساب ووجوهه ، وذلك يخرج بالكلية عن درجات التوكل كلها ، وهو الذي ~~الناس كلهم فيه من التكسب بالحيل الدقيقة اكتسابا مباحا لمال مباح . هذا ~~ملخص ما أورده رحمه الله تعالى في جلب النافع ، ذكر لذلك أمثلة ونظائر ~~تركناها اختصارا . وأما حظ النافع فهو التعرض لأسباب الادخار ، فمن حصل له ~~مال بإرث أو كسب أو سؤال أو سبب من الأسباب فله في الادخار ثلاث أحوال : ~~PageV05P0270 # """""" صفحة رقم 271 """""" الأولى : أن يأخذ قدر حاجته في الوقت فيأكل ~~إن كان جائعا ، ويلبس إن كان عاريا ، ويشتري مسكنا مختصرا إن كان محتاجا ، ~~ويفرق الباقي في الحال ولا يدخر منه إلا ما أرصده لمحتاج ، فهذا هو الموفي ~~بموجب التوكل تحقيقا ، وهي الدرجة العليا . الحالة الثانية المقابلة لهذه ~~المخرجة له عن حدود التوكل : أن يدخر لسنة فما فوقها ، فهذا ليس من ~~المتوكلين أصلا . الحالة الثالثة : أن يدخر لأربعين يوما فما دونها ، فهذا ~~يوجب ms1156 حرمانه من المقام المحمود الموعود في الآخرة للمتوكلين . وقال الخواص ~~: لا يخرج بأربعين يوما ويخرج بما زاد عليها . وأما دفع الضار عن النفس ~~والمال فقد قال الغزالي رحمه الله : ليس من شرط التوكل ترك الأسباب الدافعة ~~للضرر . أما في النفس فكالنوم في الأرض المسبعة أو في مجاري السيل من ~~الوادي أو تحت الجدار المائل أو السقف المتكسر ، فإن ذلك منهي عنه وصاحبه ~~قد عرض نفسه إلى الهلاك بغير فائدة . وأما في المال فلا ينقص التوكل إغلاق ~~باب البيت عند الخروج منه ولا أن يعقل البعير . فهذه أسباب عرفت بسنة الله ~~تعالى ، فقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : جاء رجل على ناقة ~~فقال : يا رسول الله ، أدعها وأتوكل ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) : " اعقلها وتوكل " . وأما إزالة الضرر فقد قال الغزالي رحمه الله تعالى ~~: إن الأسباب المزيلة للضرر تنقسم إلى مقطوع به كالماء المزيل لضرر العطش ~~والخبز المزيل لضرر الجوع ، وإلى مظنون كالفصد والحجامة وشرب الدواء وسائر ~~أبواب الطب ، وإلى موهوم كالكي والرقية . PageV05P0271 # """""" صفحة رقم 272 """""" أما المقطوع به فليس من التوكل تركه بل تركه ~~حرام عند خوف الموت . وأما الموهوم ، فشرط التوكل تركه ، إذ بتركه وصف رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) المتوكلين ، قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " لم يتوكل من استرقى واكتوى " . وقال سعيد بن جبير : لدغتني عقرب ~~فأقسمت على أمي لتسترقين ، فناولت الراقي يدي التي لم تلدغ . وأما الدرجة ~~الوسطى وهي المظنونة كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند الأطباء ففعل ذلك لا ~~يناقض التوكل بخلاف الموهوم ، وتركه ليس بمحظور بخلاف المقطوع به . وقد ~~تداوى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأمر بالتداوي وقال : " ما من داء ~~إلا وله دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله إلا السام " يعني الموت ، وتضافرت ~~الأحاديث بالأمر بالدواء . ومنهم من رأى أن ترك التداوي قد يحمد في بعض ~~الأحيان إذا اقترن به أحد أسباب ستة : الأول : أن يكون المريض من المكاشفين ~~وقد كوشف بأنه انتهى اجله ms1157 وأن الدواء لا ينفعه ، وتحقق ذلك إما برؤيا صادقة ~~أو بحدس وظن أو بكشف محقق كحال أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما قيل له في ~~مرض موته : لو دعونا لك طبيبا ؟ فقال : الطبيب نظر إلي وقال إني فعال لما ~~أريد . وكان رضي الله عنه من المكاشفين ، والدليل على ذلك أنه قال لعائشة ~~رضي الله عنها في أمر الميراث : إنما هن أختاك ، وما كان لها إلا أخت واحدة ~~وكانت امرأته حاملا فولدت أنثى ، فلا يبعد أن يكون كوشف بانتهاء أجله ، ~~ومحال أن ينكر التداوي وقد رأى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فعله . ~~الثاني : أن يكون المريض مشغولا بحاله وبخوف عاقبته وإطلاع الله تعالى عليه ~~، فينسيه ذلك ألم المرض فلا يتفرغ قلبه للتداوي شغلا بحاله ، كحال أبي ذر ~~لما رمدت عيناه ، فقيل له : لو داويتهما فقال : إني عنهما مشغول . فقيل له ~~لو سألت الله أن يعافيك فقال : أسأل فيما هو أهم علي منهما . وكحال أبي ~~الدرداء فإنه قيل له في مرضه : ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي . قيل : فما تشتهي ؟ ~~قال : مغفرة ربي . قالوا : ألا ندعو لك طبيبا ؟ قال : الطبيب أمرضني . ~~ويكون حال هذا كالمصاب بموت عزيز أو كالخائف من ملك فيشغله ذلك عن ألم ~~الجوع . PageV05P0272 # """""" صفحة رقم 273 """""" الثالث : أن تكون العلة مزمنة والدواء الذي ~~يؤمر به بالإضافة إلى علته موهوم كالكي والرقية ، فتركه للتوكل كالربيع بن ~~خيثم فإنه أصابه فالج ، فقيل له : لو تداويت فقال : لقد هممت ثم ذكرت عادا ~~وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا وكان فيهم الأطباء فهلك المداوي والمداوى ولم ~~تغن الرقى شيئا . أي أن الدواء غير موثوق به . الرابع : أن يقصد العبد ترك ~~التداوي استيفاء للمرض لينال ثواب المرض بحسن الصبر على بلاء الله تعالى ~~وليجرب نفسه في القدرة على الصبر . الخامس : أن يكون العبد قد سبق له ذنوب ~~وهو خائف منها عاجز عن تكفيرها فيرى المرض إذا طال تكفيرا ، وترك التداوي ~~خوفا من أن يسرع زوال المرض ورغب في مضاعفة الأجر . فقد ورد عن النبي ( صلى ms1158 ~~الله عليه وسلم ) انه قال : " حمى يوم كفارة سنة " . السادس : أن يستشعر ~~العبد في نفسه مبادئ البطر والطغيان بطول مدة الصحة ، فيترك التداوي خوفا ~~من أن يعاجله زوال المرض فتعاوده الغفلة والبطر والطغيان أو طول الأمل ~~والتسويف في تدارك الفائت وتأخير الخيرات ، فإن الصحة تحرك الهوى وتبعث على ~~الشهوات وتدعو إلى المعاصي ، وأقلها أن تدعوا إلى التنعم في المباحات وهو ~~تضييع الأوقات وإهمال الربح العظيم في مخالفة النفس وملازمة الطاعات . وإذا ~~أراد الله بعبد خيرا لم يخله عن التنبيه بالأمراض والمصائب ، ولذلك قيل : ~~لا يخلوا المؤمنون من علة أو قلة أو ذلة . قال : فلما أن كثرت فوائد المرض ~~رأى جماعة ترك الحيلة في زوالها ، إذ رأوا لأنفسهم مزيدا فيها لا من حيث ~~رأوا التداوي نقصانا ، وكيف يكون ذلك نقصانا وقد فعله رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . فهذه نبذة كافية في مقامي الزهد والتوكل . فلنذكر الأدعية . ~~الباب الرابع من القسم الرابع من الفن الثاني في الأدعية وهذا الباب - يقبل ~~الله منا ومنك وفينا وفيك صالح الدعوات ، وجعلنا وإياك ممن اعتمد على كرمه ~~ومنته في الحركات والسكنات ، ووفقنا للتضرع والسكون إلى PageV05P0273 # """""" صفحة رقم 274 """""" فضله ، وعاملنا بما هو من أهله لا ما نحن من ~~أهله - هو مشرع الظمآن إلى موارد الكرم العذبة ، ومفزع الحيران إذا ألمت به ~~الضائقة وحصرته الكربة ، فبه يتوسل إلى الله تعالى في مطالب الدنيا والآخرة ~~، ويتوصل إلى النعم الوافية والخيرات الوافرة ، كيف لا وقد أمرنا الرب ~~العظيم بالدعاء والإنابة ، ووعدنا وهو الوفي الكريم بالقبول والإجابة ، ~~وترادفت بفضله الأخبار الصحيحة ، وجاءت بشرفه الآثار الصريحة ، على ما ستقف ~~على ذلك إن شاء الله تعالى واضحا ، وتعول عليه مقيما وظاعنا وغاديا ورائحا ~~. فلازمه في سائر أحوالك ، وتعاهده على بكرك وآصالك ، فستجني إن شاء الله ~~منه ثمار غرسك ، وتجد حلاوة ذلك في قلبك وأنسه في نفسك . واعلم أن للدعاء ، ~~كما قال ابن عطاء ، أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا . قال : فإن وافق أركانه ~~قوي ، وإن وافق أجنحته طار في السماوات ، وإن وافق مواقيته ms1159 فاز ، وإن وافق ~~أسبابه أنجح . فأركانه حضور القلب والرقة والاستكانة والخشوع وتعلق القلب ~~بالله وقطعه من الأسباب . وأجنحته الصدق . ومواقيته الأسحار . وأسبابه ~~الصلاة على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . قال عز وجل : " وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان " . روي عن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أنه قال : " يقول الله تعالى للعبد يوم القيامة أكنت ترى لبعض ~~دعائك الإجابة ولا ترى لبعضه فيقول نعم فيقول له أما إنك ما دعوتني بدعوة ~~إلا وقد استجبت لك فيها أليس دعوتني يوم كذا وكذا فرأيت الإجابة فيقول نعم ~~و يقول ودعوتني يوم كذا وكذا فلم تر الإجابة فيقول نعم فإني ادخرتها لك في ~~الجنة فلا يبقى له دعوة إلا بينها له حتى يتمنى المؤمن أن دعواته كلها كانت ~~ذخائره في الآخرة " . وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن الدعاء هو العبادة " قال : وقرأ " وقال ~~ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " ~~. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ~~ليس شيء أكرم على الله من الدعاء " . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " إن الدعاء ينفع مما PageV05P0274 # """""" صفحة رقم 275 """""" نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء " ~~. وعن أنس رصي الله عنه قال ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن ~~الله عز وجل حي كريم يستحي إذا بسط الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا ليس ~~فيهما شيء " . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أنه قال : " دعوة المسلم لا ترد إلا بإحدى ثلاث ما لم يدع بإثم أو ~~قطيعة رحم إما أن يستجيب الله له فيما دعا أو يدخر له في الآخرة أو يصرف ~~عنه من السوء بقدر ما دعا " . وعن أنس رضي الله عنه قال : قيل يا رسول الله ~~: إنا ندعوا بدعاء ms1160 كثير منه ما نرى إجابته ومنه ما لا نرى إجابته فقال : " ~~والذي نفسي بيده ما من أحد يدعو بدعوة إلا استجيب له أو صرف عنه مثلها شرا ~~" . قالوا : يا رسول الله إذا نكثر ؟ قال : " الله أكثر وأكثر " ثلاث مرات ~~. وعنه رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " دعوة في السر ~~تعدل سبعين دعوة في العلانية " . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن لله عز وجل في الليل والنهار ~~عتقاء من النار ولكل مسلم ومسلمة في كل يوم وليلة دعوة مستجابة " . وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " إن الله تعالى ~~يقول من ذا الذي دعاني فلم أجبه وسألني فلم أعطه واستغفرني فلم أغفر له ~~وأنا أرحم الراحمين " . وعن أنس رضي اله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قال : " إذا فتح الله على عبد باب الدعاء فليكثر فإن الله يستجيب له ~~" . وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ~~" من فتح له باب في الدعاء فتحت له أبواب الإجابة " . وعن أبي هريرة عن ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من لم يسأل الله يغضب عليه " . ~~وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قرأ ~~قوله تعالى : " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان " ~~الآية فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " اللهم إنك أمرت بالدعاء وتوكلت ~~بالإجابة لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك ~~لا شريك لك أشهد أنك فرد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ~~وأشهد أن وعدك حق ولقاءك حق والجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب ~~فيها وأنك تبعث من القبور " . هذا مما ورد في الحث على الدعاء . وأما ما رد ~~في نفع الدعاء ودفعه للبلاء ، روي عن رسول الله ( صلى ms1161 الله عليه وسلم ) أنه ~~قال : " إن أنواع البر كلها نصف العبادة والنصف الآخر الدعاء " . وعن عائشة ~~رضي الله عنها PageV05P0275 # """""" صفحة رقم 276 """""" أنها قالت : قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " لا ينفع حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن ~~الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان إلى يوم القيامة " . وعن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " الدعاء ينفع مما نزل ~~ومما لم لا ينزل وإن الدعاء ليرد القضاء المبرم وإن الدعاء والبلاء ~~ليلتقيان بين السماء والأرض فلا يزال أحدهما يدفع صاحبه إلى يوم القيامة " ~~. وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر " . وعن ~~علي بن أبي طالب رضي اله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات والأرض " . وأما ما ورد في ~~الإلحاح في الدعاء وهيئة الذلة والإنابة ، قال الله تعالى : " ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين " . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن الله يحب الملحين في الدعاء " . ~~وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله عز وجل لا يستجيب دعاء ~~من قلب ساه لاه " . وعن أنس رضي الله عنه : أن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) كان يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه . وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا دعا جل باطن ~~كفيه إلى وجهه . وعنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " سلوا ~~الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم " وعن ~~ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن ~~ربكم عز وجل حي كريم يستحي أن يرفع العبد ms1162 يديه فيردهما صفرا لا خير فيهما ~~فإذا رفع أحدكم يده فليقل يا حي لا إله إلا أنت يا أرحم الراحمين ثلاث مرات ~~ثم إذا رد يده فليفرغ ذلك الخير على وجهه " . وعن عمر رضي الله عنه قال : ~~كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا مد يده في الدعاء لم يردهما حتى ~~يمسح بهما وجهه . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال : " الإخلاص هكذا ورفع إصبعا واحدا من اليد اليمنى والدعاء ~~هكذا وجعل بطونهما مما يلي السماء والابتهال هكذا ومد يديه شيئا وجعل ظهر ~~الكف مما يلي السماء " . PageV05P0276 # """""" صفحة رقم 277 """""" وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قال : " أقرب ما يكون العبد كمن ربه وهو ساجد فأكثروا ~~الدعاء " . وأما ما ورد من كراهية استعجال الإجابة ورفع البصر والسجع في ~~الدعاء ، قال الله تعالى : " بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء " . ~~وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ~~" يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول قد دعوت فلم يستجب لي " . وعنه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل " . قالوا : وكيف ~~يستعجل ؟ قال : " يقول قد دعوت الله مرارا فلا أراه يستجيب لي " . وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " لينتهين ~~أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم " ~~. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " إياك والسجع في الدعاء فإني شهدت ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه لا يفعلون ذلك . وأما ما ورد فيمن ~~تجاب دعواتهم . قال الله عز وجل : " أمن يجيب دعوة المضطر إذا دعاه " . ~~وقال الله تعالى : " وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه " . ~~وروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " خمس دعوات لا ترد ~~دعوة الحاج حتى يصدر ودعوة الغازي حتى يرجع ودعوة المظلوم ms1163 حتى ينتصر ودعوة ~~المريض حتى يبرأ ودعوة الأخ لأخيه بالغيب وأسرع هؤلاء الدعوات إجابة دعوة ~~الأخ لأخيه بالغيب " . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال : " ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة الوالد ودعوة ~~المسافر ودعوة المظلوم " . وفي حديث آخر : " دعوة الصائم بدل دعوة الوالد " ~~. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : " إنك تأتي قوما أهل كتاب فاتق دعوة المظلوم " ~~. وعنه صلى الله وسلم : " الإمام العادل لا ترد دعوته " . وقال ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " ثلاثة لا ترد دعوتهم إمام مقسط ودعوة الصائم ودعوة المظلوم ~~تفتح لها أبواب السماء ويقول الله عز وجل لأنصرنك ولو بعد حين " . وعنه ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " دعاء الوالد لولده مثل دعاء النبي لأمته " . وعن ~~عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " أسرع الدعاء PageV05P0277 # """""" صفحة رقم 278 """""" إجابة دعوة غائب لغائب " . وعن أبي الدرداء ، ~~رضي الله عنه ، عنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " دعوة الرجل لأخيه ~~بظهر القلب تعدل سبعين دعوة مستجابة ويوكل الله عز وجل ملكا يقول آمين ولك ~~مثل ما دعوت " . وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " ما من مؤمن يدعو لأخيه المؤمن بظهر القلب إلا قال ~~له ملك عن يمينه وملك عن شماله ولك مثله " . وعن أبي أمامة رضي الله عنه ~~قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " حامل القرآن له دعوة ~~مستجابة " . وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أنه قال : " إذا دخلت على المريض فسله يدعو لك فإن دعاءه كدعاء الملائكة " ~~. وعن أنس رضي الله عنه قال ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من ~~ألهم الدعاء لم يحرم الإجابة لأن الله تعالى يقول : " ادعوني أستجب لكم " ~~ومن ألهم التوبة لم يحرم القبول لأن الله تعالى ms1164 يقول : " وهو الذي يقبل ~~التوبة عن عباده " ومن ألهم الشكر لم يحرم الزيادة لأن الله تعالى يقول : " ~~ولئن شكرتم لأزيدنكم " ومن ألهم الاستغفار لم يحرم المغفرة لأن الله تعالى ~~يقول : " استغفروا ربكم إنه كان غفارا " ومن ألهم النفقة لم يحرم الخلف ~~لقوله تعالى : " وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه " . ذكر الأوقات التي ترجى ~~فيها إجابة الدعاء قال الله عز وجل : " ومن الليل فتهجد به نافلة لك " . ~~وقال تعالى : " إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا " . وعن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ينزل الله ~~حين يبقى ثلث الليل إلى السماء الدنيا فيقول من يسألني فأعطيه ومن يدعوني ~~فأستجب له ومن يستغفرني فأغفر له " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) : " تفتح ~~أبواب السماء ويستجاب دعاء المسلم عند إقامة الصلاة وعند نزول الغيث وعند ~~زحف الصفوف في سبيل الله وعند رؤية الكعبة " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أنه قال : " إذا فاءت الأوفياء وهبت الرياح فارفعوا إلى الله حوائجكم فإنها ~~ساعة الأوابين إنه كان للأوابين غفورا " . وعن أبي أمامة قال قلت : يا رسول ~~الله ، أي الدعاء أسمع ؟ قال : " جوف الليل وأدبار المكتوبات " . وعن ابن ~~عمر قال : أفضل الساعات مواقيت PageV05P0278 # """""" صفحة رقم 279 """""" الصلاة فادعوا فيها . وعن أبي هريرة رضي الله ~~عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " خير يوم طلعت في الشمس يوم الجمعة ~~إن فيه لساعة لا يوافقها عبد يصلي يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه " . ~~وقد اختلف في ابتداء وقت هذه الساعة فقيل : أول ساعة من طلوع الشمس ، وقيل ~~: آخر ساعة من غروبها ، وقيل : عند جلوس الإمام على المنبر ، وقيل : من ~~الزوال إلى ابتداء الصلاة ، وقيل : من بعد العصر إلى الغروب ، وقيل : إنها ~~تنتقل في ساعات اليوم كما تنتقل ليلة القدر في شهر رمضان . روي عن أبي بردة ~~بن أبي موسى الأشعري قال : قال لي عبد الله بن عمر رضي الله عنهم : أسمعت ~~أباك يحدث عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ms1165 شأن ساعة الجمعة ؟ قال : ~~نعم ، سمعته يقول : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شأن ساعة ~~الجمعة يقول : " هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة " . وعن ~~فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ورضي الله عنها عن أبيها ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أنه قال : " إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يسأل ~~الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه " . فقلت : يا أبت ، أي ساعة هي ؟ قال : " ~~إذا تدلى نصف الشمس للغروب " . فكانت فاطمة رضي الله عنها إذا كان يوم ~~الجمعة تأمر غلاما لها يقال له زيد يرصد لها الشمس ، فإذا تدلى نصف الشمس ~~للغروب أعلمها ، فتقوم فتدخل المسجد فتدعو حتى تغرب الشمس وتصلي . وحيث ~~ذكرنا هذه المراتب فلنذكر الأدعية المنصوص عليها . ذكر دعوات ساعات الأيام ~~السبعة ولياليها كما أورد الشيخ أبو العباس أحمد بن علي بن يوسف القرشي ~~البوني رحمه الله تعالى دعوات الساعات في اللمعة النورانية فبدأ بيوم الأحد ~~وذكر دعاء كل ساعة منه ، ثم ذكر يوم الاثنين فقال : ساعة كذا يدعى فيها ~~بدعاء ساعة كذا من يوم الأحد ، ثم ذكر يوم الثلاثاء فقال : ساعة كذا يدعى ~~فيها بدعاء كذا من يوم الاثنين وكذلك في بقية ساعات الأيام والليالي ، يذكر ~~كل ساعة ويحيل في دعائها على ساعة من اليوم أو الليلة التي قبلها . فرأيت ~~أن الراغب في الدعاء يحتاج في معرفته إلى كشف طويل وتحقيق إلى أن يصل إلى ~~تلك الساعة من يوم الأحد ، وربما تعذر ذلك على كثير من الناس ، فرتبت ~~الأدعية على ما ستقف إن شاء الله تعالى عليه ليسهل على المتناول طريقها ~~ويدنو من المحاول تحقيقها ، فقلت وبالله التوفيق : PageV05P0279 # """""" صفحة رقم 280 """""" دعاء يدعى به في الساعة الأولى من يوم الأحد ~~، وفي الثامنة من ليلة الاثنين ، وفي العاشرة من يوم الاثنين ، وفي الخامسة ~~من ليلة الثلاثاء ، وفي السابعة من يوم الثلاثاء ، وفي الثانية من ليلة ~~الأربعاء وفي الرابعة من يوم الأربعاء ، والحادية عشرة من ليلة الخميس ، ~~والحادية عشرة من ليلة الجمعة والعاشرة ms1166 من يوم الجمعة ، وفي الثامنة من ~~ليلة السبت وفي السابعة من يوم السبت ، وفي الخامسة من ليلة الأحد ، وهو : ~~" رب اغمسني في بحر من نور هيبتك حتى أخرج منه وفي وجهي شعاعات هيبة تخطف ~~أبصار الحاسدين من الجن والإنس فتعميهم عن رمي سهام الحسد في قرطاس نعمتي ، ~~واحجبني عنهم بحجاب النور الذي باطنه النور وظاهره النار . أسألك باسمك ~~النور وبوجهك النور يا نور النور أن تحجبني في نور اسمك حجابا يمنعني من كل ~~نقص يمازج مني جوهرا أو عرضا إنك نور الكل ومنور الكل بنورك " . قال البوني ~~: تدعو بهذا الدعاء ثمانيا وأربعين مرة في هذه الساعة على وضوء بعد صلاة ~~ركعتين فيما يتعلق بسؤال الهيبة وإقامة الكلمة وقهر العدو . ويناسب هذه ~~الدعاء من القرآن قوله تعالى : " الله نور السماوات والأرض " الآية ، قال : ~~من قرأ هذه الآية هذا العدد المتقدم في بيت مظلم وعيناه مغلقتان شاهد ~~أنوارا عجيبة تملأ قلبه ، وإن استدام ذلك تشكلت له في عالم الحس . وهو ذكر ~~يصلح لأرباب الهمم وأهل الخلوات ، وكاتبه وحامله تظهر له زيادات في قوى ~~نفسه وقهر عدوه وخصمه لم يكن يعدها من قبل ، ومن أمكنه أن يداوي به العلل ~~الكائنة في الرأس خصوصا من البرودة وجد تأثير ذلك لوقته . دعاء يدعى به في ~~الساعة الثانية من يوم الأحد والتاسعة من ليلة الاثنين وفي الحادية عشر من ~~يوم الاثنين ، وفي السادسة من ليلة الثلاثاء وفي الثامنة من يوم الثلاثاء ، ~~وفي الثالثة من ليلة الأربعاء وفي الخامسة من يوم الأربعاء ، وفي الثانية ~~عشر من ليلة الخميس وفي الثانية من يوم الخميس ، وفي الحادية عشر من يوم ~~الجمعة ، وفي التاسعة من ليلة السبت وفي الثامنة من يوم السبت ، وفي ~~السادسة من ليلة الأحد وهو : PageV05P0280 # """""" صفحة رقم 281 """""" " رب فرحني بما ترضى به عني فرحا يبهجني ~~بجميل المسار ، حتى لا ينبسط شيء من وجودي إلا بما بسطه جودك العلي . رب ~~فرحني بنيل المراد منك بفناء إرادتي مني حتى لا يكون في كوني إرادة إلا ~~إرادتك محفوظة من ms1167 عوارض التكوين ، وأبهج بذلك في سر سماء الأفراح في ~~الوجودين برزق الباطن والظاهر ، إنك باسط الرزق والرحمة يا ذا الجود الباسط ~~يا ذا البسط والجود " . هذا الذكر من ذكره في ساعة من هذه الساعات تسعا ~~وأربعين مرة أذهب الله تعالى عن قلبه الحزن وعن صدره الحرج والضيق ، ونفى ~~عنه كل هم وغم ، وبه يدعوا المسجونون والمأسورون والمحزونون فيفرج الله ~~تعالى عنهم ، وذلك بعد صلاة تسليمتين ، والآيات المناسبة لهذا القسم " ~~فرحين بما آتاهم الله من فضله " الآية ، " قل بفضل الله وبرحمته " الآية . ~~قال البوني : ويقدم على ذكر هذه الآيات : اللهم اجعلني من الفرحين بما ~~آتاهم الله من فضله ، يقول ذلك بعد الذكر الأول مثل العدد المذكور ، فيرى ~~المهموم من فضل الله تعالى به عجبا ، ويزداد به ذلك السرور سرورا لا يعرف ~~سببه . ويصلح هذا الذكر لأرباب الفيض من أهل الخلوات فإنهم يستروحون منه ~~أنسا في خلواتهم ومخاطبات بألفاظ مختلفة بقدر الفيض والمقام والسبب ، يعرف ~~ذلك من كانت له إحاطة بكشف أسرار الدعوات والأسماء . دعاء يدعى به في ~~الساعة الثالثة من يوم الأحد ، والعاشرة من ليلة الاثنين وفي الثانية عشرة ~~من ليلة الاثنين وفي الثانية عشرة من يوم الاثنين ، وفي السابعة من ليلة ~~الثلاثاء وفي التاسعة من يوم الثلاثاء ، وفي الرابعة من ليلة الأربعاء وفي ~~السادسة من يوم الأربعاء ، وفي الأولى من ليلة الخميس وفي الثالثة من يوم ~~الخميس ، وفي الأولى من ليلة الجمعة وفي الثانية عشرة من يوم الجمعة ، وفي ~~العاشرة من ليلة السبت وفي التاسعة من يوم السبت ، وفي السابعة من ليلة ~~الأحد . وهو : " رب قلبني في أطوار معارف أسمائك تقليبا تشهدني به في ذرات ~~وجودي ما أودعته ذرات وجودي الملك والملكوت حتى أعاين سريان قدرك في معالم ~~المعلومات ، فلا يبقى معلوم إلا وبيدي سر دقيقة منه مجذوبة بيد الكمال ونور ~~الطوع ، PageV05P0281 # """""" صفحة رقم 282 """""" وأذهب ظلمة الإكراه حتى أتصرف في المهج ~~بمبهجات المحبة إنك أنت المحب المحبوب يا مقلب القلوب " . قال : من دعا ~~بهذا الاسم والذكر ست عشرة مرة ms1168 بعد صلاة ثلاث تسليمات قلب الله قلبه عن كل ~~خاطر فيه نقص إلى كل خاطر فيه كمال في حقه ، ويصلح لأرباب الاستخارات ، ~~وفيه لسرعة قضاء الحاجات معنى بديع . والآيات المناسبة له " قوله الحق ، ~~وله املك " ، وقوله تعالى : " يكور الليل على النهار " إلى آخر الآية ، ~~وقوله تعالى : " فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا " الآية ، وما يناسب ~~ذلك من القرآن . وهو ذكر يصلح لأرباب القلوب من تكرار الخواطر والوساوس ، ~~وله في تقلب الأحوال أمور عجيبة عظيمة لمن فهم ذلك ، وكذلك من كتب الذكر ~~كله وعلقه عليه عصمه الله في تقلباته من الآفات حتى في أمور دنياه وآخرته . ~~دعاء يدعى به في الساعة الرابعة من يوم الأحد ، وفي الحادية عشرة من ليلة ~~الاثنين وفي الأولى من يوم الاثنين ، وفي الثامنة من ليلة الثلاثاء وفي ~~العاشرة من يوم الثلاثاء ، وفي الخامسة من ليلة الأربعاء وفي السابعة من ~~يوم الأربعاء ، وفي الثانية من ليلة الخميس وفي الرابعة من يوم الخميس ، ~~وفي الثانية من ليلة الجمعة والأولى من يوم الجمعة ، وفي الحادية عشر من ~~ليلة السبت وفي العاشرة من يوم السبت ، وفي الثامنة من ليلة الأحد . وهو : ~~" رب قابلني بنور اسمك مقابلة تملئ وجودي ظاهرا وباطنا حتى تمحو مني حظوظ ~~الأشكال كلها فيبدوا لي في وجودي ومن وجودي سر ما كتبه قلم تقديرك من كل ~~مستودع في مستقر ومستقر في مستودع فلا يخفى علي ما غاب عني فأنظرني بك ~~وأنظر من سواي بنور اسمك فأرى الكمال المطلق في الملك المطلق ، يا مودع ~~الأنوار قلوب عباده الأبرار يا سريع يا قريب " . قال : من دعا في ساعة من ~~هذه الأبيات ست عشرة مرة ثم قصد أي حاجة أراد ، أسرع الله تعالى قضاءها ~~ونمى له ما يملكه من مال أو جاه أو حال أو مقام . ومن خاصة هذا الذكر وضع ~~البركة في أي شيء وضع عليه . ويصلح هذا الذكر لمطالبي المكاشفات من أرباب ~~الخلوات فإنهم إذا داوموا هذا الذكر ألقي إليهم الخاطر PageV05P0282 # """""" صفحة رقم 283 """""" الصحيح . قال ms1169 : وإن أضيف له يا سريع يا قريب ~~يا مبين ظهر ما يريد من كشف العواقب في الأفعال المرتطبة بعالم الغيب ~~والشهادة . دعاء يدعى به في الساعة الخامسة من يوم الأحد ، وفي الثانية ~~عشرة من ليلة الاثنين وفي الثانية من يوم الاثنين ، وفي التاسعة من ليلة ~~الثلاثاء وفي الحادية عشرة من يوم الثلاثاء ، وفي السادسة من ليلة الأربعاء ~~في الثامنة من يوم الأربعاء ، وفي الثالثة من ليلة الخميس وفي الخامسة من ~~يوم الخميس ، وفي الثالثة من يوم الجمعة ، وفي الثانية عشرة من ليلة السبت ~~وفي الحادية عشرة من يوم السبت ، وفي التاسعة من ليلة الأحد . وهو : " رب ~~أسألك مددا روحانيا تقوي به قواي الكلية والجزئية حتى أقهر بمبادئ نفسي كل ~~نفس قاهرة قتنقبض لي رقابها انقباضا تسقط بها قواها ، فلا يبقى في الكون ذي ~~روح إلا ونار القهر أخمدت ظهوره ، يا شديد يا ذا البطش يا قهار يا جبار ~~أسألك بما أودعته عزرائيل من قوى أسمائك القهرية فانفعلت له النفوس بالقهر ~~أن تكسوني ذلك السر في هذه الساعة حتى ألين به كل صعب ، وأذل به كل منيع ~~بقوتك يا ذا القوة المتين " . قال : من دعا بهذا الدعاء في ساعة من هذه ~~الساعات تسعا وثمانين مرة ، ثم دعا على ظالم أخذ لوقته ، وذلك بعد صلاة خمس ~~تسليمات بالفاتحة لا غير . ويناسب هذا الدعاء من آي القرآن العظيم " وكذلك ~~أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد " . قال : في هذا الذكر ~~قمع الجبابرة ، وقطع دابر الظالمين ، وخراب ديار الماردين ، وما شابه ذلك . ~~وهو ذكر يليق بالسالكين في مبادئ الرياضيات والمنتهين في مقامات التجلي إلى ~~الخلوة ، وهو من الأسرار العجيبة ، ولا يذكره من غلبته الشيخوخة إلا وجد في ~~قلبه خفقانا بالخاصية ، ولا يذكره محموم إلا برئ من حماه لوقته ، وإن كتبه ~~وعلقه عليه دامت صحته . دعاء يدعى به في الساعة السادسة من يوم الأحد ، وفي ~~الأولى من ليلة الاثنين وفي الثالثة من يوم الاثنين ، وفي العاشرة من ليلة ~~الثلاثاء وفي الثانية ms1170 عشرة من يوم الثلاثاء ، وفي السابعة من ليلة الأربعاء ~~، وفي التاسعة من يوم الأربعاء ، وفي الرابعة من ليلة الخميس وفي السادسة ~~من يوم الخميس ، وفي الرابعة من ليلة الجمعة وفي الثالثة PageV05P0283 # """""" صفحة رقم 284 """""" من يوم الجمعة ، وفي الأولى من ليلة السبت ~~وفي الثانية عشرة من يوم السبت ، وفي العاشرة من ليلة الأحد . وهو : " رب ~~صفني من كدرات الأغيار صفاء من صفته يد عنايتك من نقص التكوين حتى ينجلي في ~~مرآة قلبي ومستوى نفسي كل اسم انطبع في قوة جبرائيل فقوي به على كشف ما في ~~اللوح من أسرار أسمائك ومجامع رسائلك ، فكل نفس منفوسة امتدت لها من دقائقه ~~دقيقة طرفها منه والثاني لمن هو به ، ومجامع هذه الدقائق في دقيقة الاسم ~~الجبرائيلي العالم العليم العلام ، يا ذا الكرم الذي علم بالقلم ، فمواد ~~الوحي والإلهام والتحديث والفهم تسري بنفحة منه في هذه الساعة إلى مثلها . ~~إلهي منطقني بالدقيقة العظمى منه حتى أتلقى عنك بما به تلقى عنك جبرائيل ~~مما أملأ به وجودي بلا ميل لغلبة حتى أتلذذ بمصافاتك تلذذ جبريل برسائلك ، ~~إنك علام الغيوب " . قال : من دعا به خمسا وعشرين مرة في ساعة من هذه ~~الساعات ألهم رشده في عواقب أموره . والاسم اللائق بهذا الدعاء يا علام ~~الغيوب يا عالم الخفيات وما شاكل هذا النمط من الأسماء ، ومن القرآن العظيم ~~" وعنده مفاتح الغيب " الآية . قال : وهو من الكبريت الأحمر وبعضه من ~~الدرياق الأكبر . وهذا الذكر للذي فتح عليه باب من المعارف فإنه مهما ~~استدامه ألهم قلبه إلى علوم جليلة ، ويخاطب في نفسه بإلقاءات من وحي ~~الإلهام ، ويخاطبه الحيوان بمعنى يفهمه فيستفيد علوما عظيمة ، يعرف ذلك ~~أرباب المنازلات لفهم الحديث . دعاء يدعى بع في الساعة السابعة من يوم ~~الأحد ، وفي الثانية من ليلة الاثنين وفي الرابعة من يوم الاثنين ، وفي ~~الحادية عشر من ليلة الثلاثاء وفي الأولى من يوم الثلاثاء ، وفي الثامنة من ~~ليلة الأربعاء وفي العاشرة من يوم الأربعاء ، وفي الخامسة من ليلة الخميس ~~وفي السابعة من يوم الخميس ، وفي ms1171 الخامسة من ليلة الجمعة وفي الرابعة من ~~يوم الجمعة ، وفي الثانية من ليلة السبت وفي الأولى من يوم السبت ، وفي ~~الحادية عشرة من ليلة الأحد . وهو : " رب أوقفني موقف العز حتى لا أجد في ~~ذرة ولا رقيقة ولا دقيقة إلا وقد غشاها من عز عزتك ما منعها من الذل لغيرك ~~، حتى لا أشهد ذل من سواي لعزتي PageV05P0284 # """""" صفحة رقم 285 """""" بك مؤيدا برقيقة من الرعب يخضع لها كل شيطان ~~مريد ، وجبار عنيد ، وأبق على ذل العبودية في العزة بقاء يبسط لسان ~~الاعتراف ، ويقبض لسان الدعوى ، إنك العزيز الجبار المتكبر القهار " . قال ~~: من دعا بهذا الدعاء في هذه الساعة أو في ساعة من هذه الساعات ست عشرة مرة ~~بعد صلاة وحضور قلب نصر على أي عدو قصده ظاهرا وباطنا . دعاء يدعى به في ~~الساعة الثامنة من يوم الأحد ، وفي الثالثة من يوم الاثنين وفي الخامسة من ~~يوم الاثنين ، وفي الثانية عشرة من ليلة الثلاثاء ، وفي الثانية من يوم ~~الثلاثاء ، وفي التاسعة من ليلة الأربعاء وفي الحادية عشر من يوم الأربعاء ~~، وفي السادسة من ليلة الخميس وفي الثامنة من يوم الخميس ، وفي السادسة من ~~ليلة الجمعة وفي الخامسة من يوم الجمعة ، وفي الثالثة من ليلة السبت وفي ~~الثانية من يوم السبت ، وفي الثانية عشرة من ليلة الأحد . وهو : " إلهي ~~أطلع على وجودي شمس شهودي منك في الأكوان والألوان حتى أمشي بما أشهدتني في ~~آفاق الملكوت منه معنى كلمة التكوين فينفعل لي كل مكون انفعاله للكلمة ~~بإذنك الذي سخرت به ما في الوجودين بلا ظلمة وضع ولا ظلمة طبع ، إنك منور ~~الكل بكلك ومنور الأنوار بنورك الذي صدوره عن اسمك النور والظاهر والحي ~~والقيوم ، كل شيء هالك إلا وجهك " الآية . قال البوني : لا يذكر أحد هذا ~~الذكر في ساعة من هذه الساعات تسعا وأربعين مرة إلا كساه الله نورا يجد ذلك ~~في نفسه ، وييسر عليه المقسوم من الرزق ، وتسري كلمته في الأسباب سريانا ~~عجيبا . وهو ذكر يصلح لأرباب المكاشفات يثبت لهم ما يكاشفون ms1172 . دعاء يدعى به ~~في الساعة التاسعة من يوم الأحد ، وفي الرابعة من ليلة الاثنين وفي السادسة ~~من يوم الاثنين ، وفي الأولى من ليلة الثلاثاء وفي الثالثة من يوم الثلاثاء ~~، وفي العاشرة من ليلة الأربعاء وفي الثانية عشرة من يوم الأربعاء ، وفي ~~السابعة من ليلة الخميس وفي التاسعة من يوم الخميس ، وفي السابعة من ليلة ~~الجمعة وفي السادسة من يوم الجمعة ، وفي الرابعة من ليلة السبت وفي الثالثة ~~من يوم السبت ، وفي الأولى من ليلة الأحد . وهو : PageV05P0285 # """""" صفحة رقم 286 """""" " سيدي أدخلني في بواطن رياض اسمك من الباب ~~الخاص الذي لا يحجب بنور ولا بظلمة ولا بشيء منه ولا بشيء خارج عنه وأطلق ~~يد قواي في نيل النعمة ، وألهمني تحقيق ذوق كل مذوق منه حتى أكون بك فيه ~~وأكون فيه بك مبتهجا منك وبك ، رب إنك لطيف عطوف رحيم رحمن " . قال : هذا ~~الذكر بخاصية فيه يجلب الفرح ويذهب الحزن ويطيب الوقت ويجلو الكرب ، ومن ~~دعا به أربعين مرة في ساعة من هذه الساعات على طهارة واستقبال فرج به كربه ~~وانجلى غمه . دعاء يدعى به في الساعة العاشرة من يوم الأحد ، وفي الخامسة ~~من ليلة الاثنين وفي السابعة من يوم الاثنين ، وفي الثانية من ليلة ~~الثلاثاء وفي الرابعة من يوم الثلاثاء ، وفي الحادية عشرة من ليلة الأربعاء ~~وفي الأولى من يوم الأربعاء ، وفي الثامنة من ليلة الخميس وفي العاشرة من ~~يوم الخميس ، وفي الخامسة من ليلة السبت وفي الرابعة من يوم السبت ، وفي ~~الثانية من ليلة الأحد . وهو : " يا من نسبة العلوم إلى علمه نسبة لا شيء ~~لشيء لا يتناهى ، أظهرت الحروف بالقلم فكان لها صريف في ألواح الملكوت قام ~~لها مقام مخارج الحروف من الحلق والصدر واللها واللسان ، كل جنس صدر عنه ~~اسم لا يعلم تركيبه سوى ملك قلمك ، وكل نوع صدر عنه مركبا ، فلوح إسرافيل ~~أظهره بقوة ما في آحاد كلياته من جزئيات تراكيبه ، أسألك بهذا السر الخفي ~~الذي وقف العقل دونه وتقدم إليك السر بسر أودعته فيه يوم إمكان ms1173 وجوده ، ~~أسألك كشف حجاب الغيب حتى أعاين الغيب بما به حي الروح الباقي ، يا حي ، ~~ياه يا هو ، يا أنت يا مهيمن يا خالق يا بارئ أنت هو " . قال البوني : هذا ~~الذكر من ذكره في ساعة من هذه الساعات مائة مرة يسر له قضاء أي حاجة قصدها ~~بغير مشقة . PageV05P0286 # """""" صفحة رقم 287 """""" دعاء يدعى به في الساعة الحادية عشرة من يوم ~~الأحد ، وفي السادسة من ليلة الاثنين وفي الثامنة من يوم الاثنين ، وفي ~~الثالثة من ليلة الثلاثاء وفي الخامسة من يوم الثلاثاء ، وفي الثانية عشرة ~~من ليلة الأربعاء وفي الثانية من يوم الأربعاء ، وفي التاسعة من ليلة ~~الخميس وفي الحادية عشرة من يوم الخميس ، وفي التاسعة من ليلة الجمعة وفي ~~الثامنة من يوم الجمعة وفي السادسة من ليلة السبت وفي الخامسة من يوم السبت ~~، وفي الثالثة من ليلة الأحد . وهو : " يا من لوجوده العلي باعتبار حكمته ~~إلى كل موجود حصل من وجوده اسم يليق به هو مفتاحه الخاص ، ومعناه المغيب ، ~~وحقيقته الوجودية وسره القابل ، فما في الأكوان جوهر فرد من جواهر آحاد ~~العالم العلوي والسفلي إلا ومقاليد أحكامه متعلقة باسم من أسمائه ، ~~واجتماعها برقائقها بيد اسمك الذي استأثرت به عن جميع خلقك فلم يظهر لهم ~~إلا ما ناسب الأفعال ، فأسماؤك إلهي لا تحصى ، ومعلوماتك لا نهاية لها ، ~~أسألك غمسة في بحر هذا النور حتى أعود إلى الكمال الأول فأتصرف في الكون ~~باسم الكمال تصرفا ينفي النقص بالوقوف على عبودية النقص ، إنك المعز المذل ~~اللطيف الخبير العدل المجيب " . قال : من ذكر هذا الذكر ست عشرة مرة في ~~ساعة من هذه الساعات ثم سأل الله تعالى فيها رزقا ، وتيسير أسباب ، وسكون ~~بحر هائج ، وسلطان غاصب ، ونفس متمردة من شيطاني الإنس والجن وما ناسب ذلك ~~إلا أجيب له لوقته ، وذلك على طهارة وصلاة وجمع همة في موضع خال من الأصوات ~~. دعاء يدعى به في الساعة الثانية عشرة من يوم الأحد ، والسابعة من ليلة ~~الاثنين والتاسعة من يوم الاثنين ، وفي الرابعة من ليلة الثلاثاء ms1174 وفي ~~السادسة من يوم الثلاثاء ، وفي الأولى من ليلة الأربعاء وفي الثالثة من يوم ~~الأربعاء ، وفي العاشرة من ليلة الخميس وفي الثانية عشرة من يوم الخميس ، ~~وفي العاشرة من ليلة الجمعة وفي التاسعة من يوم الجمعة ، وفي السابعة من ~~ليلة السبت وفي السادسة من يوم السبت ، وفي الرابعة من ليلة الأحد . وهو : ~~" تعاليت يا من تقاصر كل فكر عن حصر معنى من معاني أسمائه ، فكل علو ورفعة ~~فمن ذلك العلو والرفعة صدوره ظاهرا وباطنا ، وتقدس مجدك يا من أستار عرشه ~~أظهر فيها كبرياءه ومجده ، أسألك بالصفات التي لا تعلق لها بموجود ، يا ذا ~~العظمة والكبرياء والجلال والجمال والبهاء ، أسألك الأنس بمقابلات سر القدر ~~أنسا يمحو آثار PageV05P0287 # """""" صفحة رقم 288 """""" وحشة الفكر حتى يطيب وقتي بك فأطيب بوقتي لك ~~، فلا يتحرك ذو طبع لمخالفتي إلا صغر لعظمتك وقصم بكبريائك ، إنك جبار ~~الأرض والسماء ، وقاهر الكل بقهرك يا مجيب " . قال البوني : من ذكر هذا ~~الذكر سبعا وعشرين مرة في ساعة من هذه الساعات ودعا بما يريد كفي لوقته شر ~~ما يحاذره . فهذه دعوات ساعات الأيام والليالي . ذكر ما يدعى به في المساء ~~والصباح والغدو والرواح والصلاة والصوم ، والجماع والنوم ، والورد والصدر ، ~~والسفر والحضر ، وغير ذلك . فأما ما يقال عند المساء والصباح ، فقد روي عن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~وقد سأله فقال : يا رسول الله مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت . فقال ~~: " قل اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السماوات والأرض رب كل شيء ومليكه ~~أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه قلهن إذا ~~أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك " . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) إذا أصبح يقول : " أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا ~~محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وملة أبينا إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ~~" . وكان ( صلى الله عليه وسلم ) إذا أصبح قال : " أصبحنا وأصبح الملك ~~والكبرياء والعظمة والخلق ms1175 والأمر والليل والنهار وما سكن فيهما من شيء لله ~~وحده لا شريك له اللهم اجعل أول هذا النهار لنا صلاحا وأوسطه فلاحا وآخره ~~نجاحا أسألك خير الدنيا وخير الآخرة يا أرحم الراحمين " . وكان ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يقول إذا أصبح : " اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك ~~نموت وإليك النشور " . وإذا أمسى قال : " اللهم بك أمسينا وبك نحيا وبك ~~نموت " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من قال حين يصبح أو يمسي ~~اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما ~~استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليك وأبوء بذنبي فاغفر لي ~~إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فمات من يومه أو من ليلته دخل الجنة " . وعنه ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من قال لا إله إلا الله وحده ~~PageV05P0288 # """""" صفحة رقم 289 """""" لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير بعد ما يصلي الغداة عشر مرات كتب الله له عشر حسنات ومحا عنه عشر ~~سيئات ورفع له عشر درجات وكن له عدل رقبتين من ولد إسماعيل وكن له حجابا من ~~الشيطان حتى يمسي فإن قالها حين يمسي كان له مثل ذلك وكن له حجابا من ~~الشيطان حتى يصبح " ، وفي رواية : " من قالها في يوم مائة مرة كانت له عدل ~~عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان ~~يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه ومن ~~قال سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد ~~البحر " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من قال حين يمسي أعوذ ~~بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق لم تضره لدغة عقرب حتى يصبح " . ~~وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) : " من قال حين يصبح في أول يومه أو في أول ~~ليلته باسم الله الذي لا يضر ms1176 مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو ~~السميع العليم ثلاثا لم يضره شيء في ذلك اليوم أو تلك الليلة " . وعنه ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " من قال إذا أصبح باسم الله العلي الأعلى الذي لا ~~ولد له ولا صاحبة ولا شريك أشهد أن نوحا رسول الله وأن إبراهيم خليل الله ~~وأن موسى نجي الله وأن داود خليفة الله وأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها ~~إلى مريم وأن محمدا رسول الله وخاتم النبيين لا نبي بعده لم تلسعه حية ولا ~~عقرب ولم يخف من سلطان ولا كاهن ولا ساحر حتى يمسي وإذا قالها إذا أمسى لم ~~يخف شيئا من ذلك حتى يصبح " . وأما ما يقال عند النوم ، روي عن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " وإذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم ~~اضطجع على شقك الأيمن ثم قل أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري ~~إليك رهبة ورغبة إليك لا ملجأ ولا منجي منك إلا إليك اللهم آمنت بكتابك ~~الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت فإن مت من ليلتك مت على فطرة الإسلام واجعلهن ~~آخر ما تتكلم به " . قال البراء بن عازب : فرددتها على النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فلما بلغت اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت : ورسولك قال : ~~" ونبيك الذي أرسلت " . وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) كان إذا قام من الليل يقول : " اللهم لك الحمد أنت ~~نور السماوات والأرض PageV05P0289 # """""" صفحة رقم 290 """""" ولك الحمد أنت قيام السماوات والأرض ومن فيهن ~~أنت الحق وقولك الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والساعة حق ~~اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت ~~فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت " ~~. وأما ما يقال عند دخول المنزل والمسجد والخروج منهما ، روي عن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إذا ولج الرجل بيته فليقل ms1177 باسم الله ~~اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج باسم الله ولجنا وباسم الله خرجنا ~~وعلى الله توكلنا ثم ليسلم على أهله . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) : " إذا ~~دخل الرجل بيته فقال باسم الله قعد الشيطان على الباب وقال ما من مقيل فهل ~~من غداء فإذا أتي بغدائه فقال باسم الله قال ما من غداء ولا مقيل " . وعنه ~~( صلى الله عليه وسلم ) : " إذا خرج الرجل من بيته فقال سبحان الله قال ~~الملك هديت وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله قال الملك وقيت فإذا قال ~~توكلت على الله يقول الملك كفيت يقول الشيطان عند ذلك كيف أعمل بمن كفي ~~وهدي ووقي " . وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : ما خرج رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من بيته صباحا قط إلا قال : " اللهم إني أعوذ بك أن أزل ~~أو أضل أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~ما من مسلم خرج من بيته يريد سفرا أو غيره فقال حين يخرج باسم الله آمنت ~~بالله اعتصمت بالله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله إلا رزق خير ~~ذلك المخرج وصرف عنه شر ذلك المخرج " . وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال فضيل ~~بن مرزوق - أحسبه رفعه - قال : " من قال حين يخرج إلى الصلاة اللهم إني ~~أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا ~~رياء ولا سمعة خرجت خوف سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وان ~~تغفر ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وكل الله به سبعين ألف مللك ~~يستغفرون له وأقبل الله عليه بوجهه حتى يفرغ من صلاته " . وعن فاطمة رضي ~~الله عنها قالت : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا دخل المسجد قال ~~: " باسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي وافتح PageV05P0290 # """""" صفحة رقم 291 """""" لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال باسم الله ~~والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي ms1178 وافتح لي أبواب فضلك " . وقال ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح لي أبواب ~~رحمتك وإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك " . وأما ما يقال عند النداء ~~، فقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إذا كان عند الآذان ~~فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء وإذا كان عند الإقامة لم ترد دعوة " . ~~وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) : " من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد ~~رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال ~~: " من سمع المؤذن فقال اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت ~~محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم ~~القيامة " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) : " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ~~ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا " . وأما ~~ما يقال عند دخول الخلاء ، فقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا ~~دخل الخلاء قال : " اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " وإذا خرج قال : ~~" غفرانك " . وفي لفظ إذا خرج قال : " الحمد لله الذي أذهب عني الأذى ~~وعافاني " . وعن انس رضي الله عنه قال : كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إذا دخل الخلاء قال : " اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث ~~الشيطان الرجيم " ، وإذا خرج قال : " الحمد لله الذي أذهب عني الأذى ~~وعافاني " . وأما ما يقال عند الوضوء وغسل الأعضاء ، قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم ~~الله عليه " . وعن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " يا علي إذا توضأت فقل باسم الله والصلاة على رسول ~~الله " . وعن محمد بن الحنفية قال : دخلت على والدي علي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنهما - وإذا عن ms1179 يمينه إناء به من ماء ، فسمى ثم سكب على يمينه ثم ~~PageV05P0291 # """""" صفحة رقم 292 """""" تمضمض فقال : اللهم حصن فرجي واستر عورتي ولا ~~تشمت بي الأعداء ، ثم تمضمض واستنشق وقال : اللهم لقني حجتي ولا تحرمني ~~رائحة الجنة . ثم غسل وجهه وقال : اللهم بيض وجهي يوم تسود الوجوه ولا تسود ~~وجهي يوم تبيض الوجوه . ثم سكب على يمينه فقال : اللهم أعطني كتابي بيميني ~~والخلد بشمالي . ثم سكب على شماله اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا تجعلها ~~مغلولة إلى عنقي ثم مسح برأسه وقال : اللهم غشنا برحمتك فإنا نخشى عذابك ، ~~اللهم لا تجمع بين نواصينا وأقدامنا . ثم مسح عنقه فقال : اللهم نجنا من ~~مقطعات النيران وأغلالها . ثم غسل قدميه فقال : اللهم ثبت قدمي على الصراط ~~المستقيم يوم تزل فيه الأقدام . ثم استوى قائما فقال : اللهم كما طهرتنا ~~بالماء فطهرنا من الذنوب ، ثم قال بيده هكذا ، يقطر الماء من أنامله ، ثم ~~قال : يا بني ، افعل كفعلي هذا فإنه ما من قطرة تقطر من أناملك إلا خلق ~~الله منها ملكا يستغفر لك إلى يوم القيامة . يا بني ، من فعل كفعلي هذا ~~تساقطت عنه الذنوب كما يتساقط الورق عن الشجر يوم الريح العاصف . وعن علي ~~رضي الله عنه قال : دعاني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : " يا ~~علي إذا توضأت فقل اللهم إني أسألك تمام الوضوء وتمام مغفرتك ورضوانك " . ~~وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " ~~من توضأ فأحسن وضوءه ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله صادقا من قلبه فتح الله له ثمانية أبواب الجنة يدخل ~~من أيها يشاء " . وعن علي رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " يا علي إذا فرغت من وضوئك فقل أشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني ~~من المتطهرين تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك ms1180 وتفتح لك ثمانية أبواب الجنة ~~فيقال ادخل من أيها شئت " . وأما أدعية الصلاة ، فهي إما أن تقع قبلها أو ~~فيها أو بعدها . فأما ما يقال قبلها فقد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال ~~: سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بأي شيء كان نبي الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يفتتح الصلاة إذا قام من الليل ؟ قال : إذا قام يفتتح ~~PageV05P0292 # """""" صفحة رقم 293 """""" صلاته يقول : " اللهم رب جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك ~~فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلفت فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من ~~تشاء إلى صراط مستقيم " . وأما ما يدعى به في نفس الصلاة ، فقد روي عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا ~~افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه ثم يقول : " سبحانك اللهم وبحمدك تبارك ~~اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك " . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ . ~~فقلت : " يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، ما تقول في سكوتك بين التكبير ~~والقراءة ؟ قال : " أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق ~~والمغرب اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس واغسلني من ~~خطاياي بالثلج والماء والبرد " . وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه رأى ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يصلي قال : فكبر فقال : " الله أكبر كبيرا ~~ثلاث مرات والحمد لله كثيرا ثلاث مرات وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاث مرات ~~اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه " . قال راويه ~~عمرو بن مرة : نفخه : الكبر ، ونفثه : السحر ، وهمزه : الموتة ، وهي الجنون ~~. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان ~~إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال : " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ~~مسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ms1181 لله رب العالمين ~~لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ~~أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني ~~سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس ~~إليك وأنا بك وإليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك " . فإذا ركع قال : ~~" اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي " ~~. فإذا رفع رأسه قال : " سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ملء السماوات ~~والأرض وما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد " . فإذا سجد قال : " اللهم لك ~~سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره فأحسن صوره وشق سمعه ~~وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين " . فإذا فرغ من الصلاة وسلم قال : " ~~اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت به ~~أعلم مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت " . وقد ورد PageV05P0293 # """""" صفحة رقم 294 """""" في لفظ آخر أنه يقول : اللهم اغفر لي إلى آخر ~~الدعاء بين التشهد والتسليم . وعن حذيفة رضي الله عنه قال : صليت مع رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) فسمعته يقول في ركوعه : " سبحان ربي الأعلى " ~~. وفي لفظ أنه كان يقول ذلك ثلاث مرات . وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يقول في سجوده وركوعه : " سبوح قدوس رب ~~الملائكة والروح " . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه كان رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إذا رفع رأسه من الركوع قال : " ربنا لك الحمد ملئ ~~السماوات والأرض وملئ ما شئت ممن شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال ~~العبد وكلنا لك عبد اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما مانعت لا ينفع ~~منك ذلك الجد منك الجد " . وعن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " من قال ~~وهو ms1182 ساجد ثلاث مرات رب اغفر لي لم يرفع رأسه حتى غفر له " . وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يعلمنا التشهد ~~كما يعلمنا السورة من القرآن ، وكان يقول : " التحيات المباركات الصلوات ~~الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد ~~الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله " . وروي ~~: " السلام " في الموضعين . وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : كنا ~~نقول في الصلاة خلف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : السلام على الله ~~السلام على فلان . فقال لنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ذات يوم : " ~~إن الله هو السلام فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله والصلوات ~~والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين فإذا قالها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم يتخير في المسألة ما شاء " ~~. وقد علم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أصحابه الصلاة عليه . وقد سأله ~~كعب بن عجرة عنها فقال : " قولوا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت ~~على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما ~~باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد " . وعن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال : رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إذا فرغ أحدكم من التشهد ~~فليتعوذ بالله من أربع : من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات ~~وشر المسيح الدجال " . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن أبا بكر الصديق ~~رضي الله عنه قال : PageV05P0294 # """""" صفحة رقم 295 """""" قلت يا رسول الله : علمني دعاء أدعو به في ~~الصلاة وفي بيتي قال : " قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر ~~الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك إنك أنت الغفور الرحيم " . وروى بعد ~~قوله من عندك : " وارحمني إنك أنت ms1183 التواب الرحيم " . حمد كما صليت على ~~إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت ~~على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد " . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ~~: رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ ~~بالله من أربع : من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وشر المسيح ~~الدجال " . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ~~قال : قلت يا رسول الله : علمني دعاء أدعو به في الصلاة وفي بيتي قال : " ~~قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة ~~من عندك إنك أنت الغفور الرحيم " . وروى بعد قوله من عندك : " وارحمني إنك ~~أنت التواب الرحيم " . وأما ما يدعى به بعد التسليم ، فقد روي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول دبر كل ~~صلاة : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي يميت ~~وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ~~ذا الجد منك الجد " . وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال : كان ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى : " ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ~~لا حول ولا قوة إلا بالله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله ~~الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " . وفي ~~طريق آخر : " له الدين وهو على كل شيء قدير " . وعن أم سلمة رضي الله عنها ~~أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان إذا صلى الصبح قال : " اللهم إني ~~أسألك علما نافعا ورزقا طيبا وعملا متقبلا " . وعن أنس رضي الله عنه عن ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " من قال حين ينصرف من صلاته ms1184 سبحان الله ~~العظيم وبحمده لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثلاث مرات فإنه مغفور ~~له " . وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا ~~أن يموت " . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قال : " ما من عبد بسط كفيه في دبر صلاته ثم يقول إلهي إله إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب إله جبريل وميكائيل وإسرافيل أسألك أن تستجيب دعوتي وتعصمني في ديني ~~فإني مبتلى وتنالني برحمتك فإني مذنب وتنفي عني الفقر فإني مستمسك إلا كان ~~حقا على الله ألا يرد يديه خائبتين " . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " من PageV05P0295 # """""" صفحة رقم 296 """""" قال دبر كل صلاة الحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة ~~وسبحان الله ثلاثا وثلاثين مرة والله أكبر ثلاثا وثلاثين مرة وتمام المائة ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ~~غفرت ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر " . وعن علي رضي الله عنه أن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يقول في آخر وتره : " اللهم إني أعوذ ~~برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك ~~أنت كما أثنيت على نفسك " . وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : علمني ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كلمات أقولهن في الوتر ، وفي لفظ : في ~~قنوت الوتر : " اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمنن عافيت وتولني فيمن ~~توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا ~~يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت " . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ~~صلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على جنازة فقال : " اللهم اغفر لحينا ~~وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا اللهم من أحييته ~~منا فأحيه على الإيمان ومن توفيته ms1185 منا فتوفه على الإسلام اللهم لا تحرمنا ~~أجره ولا تضلنا بعده " . وعن علي رضي الله عنه قال : دعاني رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فقال : " يا علي إذا صليت على جنازة رجل فقل اللهم هذا ~~عبدك ابن عبدك ابن أمتك ماض فيه حكمك خلقته ولم يكن شيئا مذكورا نزل بك ~~وأنت خير منزول به اللهم لقنه حجته وألحقه بنبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ~~) وثبته القول الثابت فإنه افتقر إليك واستغنيت عنه كان يشهد أن لا إله إلا ~~الله فاغفر له وارحمه ولا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده اللهم إن كان زاكيا ~~فزكه وإن كان خاطئا فاغفر له . وإذا صليت على جنازة امرأة فقل اللهم أنت ~~خلقتها وأنت أحييتها وأنت أمتها تعلم سرها وعلانيتها جئناك شفعاء لها فاغفر ~~لها وارحمها ولا تحرمنا أجرها ولا تفتنا بعدها . وإذا صليت على جنازة طفل ~~فقل اللهم اجعله لوالديه سلفا واجعله لهما ذخرا واجعله لهما رشدا واجعله ~~لهما نورا واجعله لهما فرطا وأعقب لوالديه الجنة ولا تحرمنا أجره ولا تفتنا ~~بعده " . وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال : سمعت النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وصلى على جنازة يقول : " اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم ~~نزله ووسع مدخله واغسله بماء وثلج وبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب ~~الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا ~~من زوجه وقه فتنة PageV05P0296 # """""" صفحة رقم 297 """""" القبر وعذاب القبر وعذاب النار " . قال عوف ~~رضي الله عنه : فتمنيت لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . قه فتنة القبر وعذاب القبر وعذاب النار " . قال عوف رضي الله عنه ~~: فتمنيت لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وأما ~~ما يقال عند رؤية الجنازة والتلقين والدفن ، وما في ذلك من الأجر ، روي عن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من رأى جنازة فقال الله أكبر ~~صدق الله ورسوله هذا ما وعدنا الله ورسوله ms1186 اللهم زدنا إيمانا وتسليما كتب ~~له عشرون حسنة في كل يوم من يوم يقولها إلى يوم القيامة " . وقال ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " . وقال ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا باسم الله وعلى ملة رسول ~~الله " . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا سوى على الميت التراب قال ~~: " اللهم أسلمه إليك الأهل والمال والعشيرة وذنبه عظيم فاغفر له " . وعن ~~سعيد بن عبد الله الأودي قال : شهدت أبا أمامة وهو في النزع فقال : إذا أنا ~~مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن نصنع بموتانا ~~، أمرنا فقال : " إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم ~~أحدكم على رأس قبره فليقل يا فلان بن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيبه ثم يقول ~~يا فلان بن فلانة فإنه يستوي قاعدا ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يقول ~~أرشدنا رحمك الله ولكن لا تشعرون فليقل اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام ~~دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد ~~صاحبه ويقول انطلق بنا ما نقعد عند من لقن حجته فيكون الله حجيجه دونهما " ~~. فقال رجل : يا رسول الله فإن لم يعرف أمه ؟ قال : " فينسبه إلى حواء يا ~~فلان ابن حواء " . وأما ما يقال عند زيارة القبور ، عن عائشة رضي الله عنها ~~أنها تبعت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى زيارة البقيع فقال لها : " ~~قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمؤمنات ويرحم الله المستقدمين ~~منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " . وكان PageV05P0297 # """""" صفحة رقم 298 """""" رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذ أتى ~~المقابر قال : " السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن ~~شاء الله بكم لاحقون أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع أسأل الله العافية لنا ولكم ~~" . وأما ما يقال عند الإفطار من الصوم ms1187 ، والأكل والشرب ، روي عن النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أنه كان إذا أفطر قال : " اللهم لك صمنا وعلى رزقك ~~أفطرنا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" من قال اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت وعليك توكلت كتب له من الأجر بعدد ~~من صام ذلك اليوم " . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " إن أحدكم لتوضع مائدة بين يديه فما تكاد أن ترفع ~~حتى يغفر له " . قيل يا رسول الله وكيف ذلك ؟ قال : " لأنه يسمي الله إذا ~~وضعت المائدة وأكل ويحمد الله وإذا رفعت " . وعن عائشة رضي الله عنها أن ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " إذا نسي أحدكم أن يذكر اسم الله في ~~أول طعامه فليقل باسم الله أوله وآخره " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~من أكل طعاما ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه بغير حول ~~مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه " . وكان رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إذا أكل قال : " الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا " . ~~ومن رواية أنس : " الحمد لله الذي أطعمني وسقاني وهداني وكل بلاء حسن ~~أبلاني الحمد لله الرازق ذي القوة اللهم لا تنزع منا صالحا أعطيتناه ولا ~~صالحا رزقتناه واجعلنا لك من الشاكرين " . وعنه أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) كان إذا أكل قال : " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وأشبعنا ~~وآوانا وكفانا " . وعن علي رضي الله عنه قال : دعاني رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فقال : " يا علي إذا شربت ماء فقل الحمد لله الذي سقانا ماء ~~عذبا فراتا برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا تكتب شاكرا " . وكان رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا أفطر عند أهل بيت قال لهم : " أفطر عندكم ~~الصائمون وأكل طعامكم الأبرار ونزلت عليكم الملائكة " ، وروي : " وصلت ~~عليكم الملائكة وذكركم الله فيمن عنده " . وأما ما يقال عند لباس الثوب ~~وإلباسه ، وعند النظر في المرآة والتسريح وفي ms1188 المجلس ، روى أبو سعيد الخدري ~~رضي الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان إذا استجد ~~PageV05P0298 # """""" صفحة رقم 299 """""" ثوبا - سماه باسمه قميصا أو إزارا أو عمامة - ~~يقول : " اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه اللهم إني أسألك من خيره وخير ما صنع ~~له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له " . وعن علي رضي الله عنه قال : قال لي ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يا علي إذا لبست ثوبا فقل باسم الله ~~الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأستغني به عن الناس لم يبلغ الثوب ~~رقبتك حتى يغفر لك يا علي من لبس ثوبا جديدا وكسا أسماله عريانا أو مسكينا ~~كان في جوار الله وأمنه وحفظه ما دام عليه منه سلك " . وعن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " من لبس ثوبا فقال الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه ~~من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " . وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال : كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إذا نظر في المرآة ~~يقول : " الحمد لله رب العالمين الذي خلقني وسوى خلقي وجعلني بشرا سويا ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله " . قال ابن عباس رضي الله عنهما : فما تركتها منذ ~~سمعتها من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم قال : لا يمس وجهه من ~~قالها سوء أبدا . وعن علي رضي الله عنه قال : دعاني رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فقال : " يا علي إذا نظرت في المرآة فقل اللهم كما حسنت خلقي ~~فأحسن خلقي وارزقني " . وعن الرضى علي بن موسى عن أبيه عن آبائه أبا فأبا ~~رضي الله عنهم عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " من أمر المشط على ~~رأسه ولحيته في كل يوم سبع مرات وقال في كل مرة سبحان الله العظيم لا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لم يقارنه ذنب " . وعن أبي هريرة رضي الله ~~عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " من جلس ms1189 في مجلس كثر لغطه فيه ~~فقال قبل أن يقوم سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب ~~إليك غفر الله له ما كان في مجلسه ذلك " . وأما ما يقال في المرض والرقى ~~والوساوس والحريق ، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) كان يقول للمريض : " باسم الله تربة أرضنا وريقة بعضنا يشفى سقيمنا ~~بإذن ربنا " . وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه قال : قدمت على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبي وجع قد كاد يبطلني فقال لي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " اجعل يدك اليمنى عليه ثم قل PageV05P0299 # """""" صفحة رقم 300 """""" باسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما ~~أجد سبع مرات ، ففعلت ذلك فشفاني الله تعالى . وعنه صلى عليه وسلم : " من ~~عاد مريضا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش ~~العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض " . وكان ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إذا دخل على مريض وضع يده اليمنى على خده وقال : " أذهب الباس ، رب ~~الناس واشف أنت الشافي شفاء لا يغادر سقما " . وعن عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه أنه قرأ في أذن مبتلى فأفاق ، فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) : " ما قرأت في أذنه " ، قال : قرأت " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا " إلى ~~آخر السورة . فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " لو أن رجلا موقنا قرأ ~~بها على جبل لزال " . وعن ابن عمر أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " ~~من رأى صاحب بلاء فقال الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك وفضلني عليك وعلى ~~كثير ممن خلق الله عافاه الله من ذلك البلاء كائنا ما كان أبدا ما عاش " . ~~وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أرقي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~من العين فأضع يدي على صدره وأقول : أذهب الباس ، رب الناس ، بيدك الشفاء ~~ولا كاشف إلا أنت . وعن ابن عباس رضي الله عنهما رفع الحديث أن النبي ( صلى ms1190 ~~الله عليه وسلم ) قال : " هذه الكلمات دواء من كل داء أعوذ بكلمات الله ~~التامة وأسمائه كلها عامة من السامة والهامة وشر العين اللامة ومن شر حاسد ~~إذا حسد ومن شر أبي قترة وما ولد له ثلاثون من الملائكة أتوا ربهم عز وجل ~~فقالوا وصب بأرضنا فقال خذوا تربة من أرضكم وامسحوا بوصبكم رقية محمد رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) من أخذ عليها صفدا أو كتمها أحدا فلا أفلح ~~أبدا " . وعن علي رضي الله عنه قال : من اشتكى ضرسه فليأخذ التراب من موضع ~~سجوده ثم يمسح يده على الموضع الذي يشتكي ، ثم يقول : باسم الله ، والشافي ~~الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه أتاه ~~رجل فذكر له أن أباه احتبس بوله وأصابته حصاة منعته البول فعلمه رقية سمعها ~~من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهي : " ربنا الله الذي في السماء تقدس ~~اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض ~~واغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين فأنزل شفاء من شفائك ورحمة من ~~رحمتك على الوجع فيبرأ " ، فأمره برقية فرقاه بها فبرئ . وعن علي رضي الله ~~عنه أن جبريل عليه السلام أتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فوافقه مغتما ، ~~فقال : يا PageV05P0300 # """""" صفحة رقم 301 """""" محمد ، ما هذا الغم الذي أراه على وجهك ؟ قال ~~: " الحسن والحسين أصابتهما عين " . فقال : يا محمد صدق العين فإن العين حق ~~ثم قال : أفلا عوذتهما بهؤلاء الكلمات ، فقال : " وما هن يا جبريل " ، فقال ~~: " قل اللهم ذا السلطان العظيم ، ذا المن القديم ، ذا الوجه الكريم ، ~~والكلمات التامات ، والدعوات المستجابات عاف الحسن والحسين من أنفس الجن ~~وأعين الإنس " . فقالها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقاما يلعبان بين ~~يديه . فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لأصحابه : " عوذوا أنفسكم بهذا ~~التعوذ فإنه لم يتعوذ المتعوذون بمثله " . وعن علي رضي الله عنه قال : ~~دعاني النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : " أمان لك من الحرق أن تقول ~~سبحانك ربي لا إله ms1191 إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم " وعنه أيضا ~~رضي الله عنه قال : دعاني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : " يا ~~علي أمان لك من الوسواس أن تقرأ " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا " . " وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا ~~على أدبارهم نفورا " . وأما ما يقال عند دخول السوق وشراء الجارية والدابة ~~، روي أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان إذا دخل السوق قال : " ~~اللهم إني أسألك من خير هذه السوق وأعوذ بك من الكفر والفسوق " . وعن علي ~~رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يا علي ~~إذا دخلت السوق فقل حين تدخل باسم الله وبالله أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبد ورسوله يقول الله عز وجل عبدي هذا ذكرني والناس غافلون ~~اشهدوا أني قد غفرت له " . وعن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه عن النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال : " من دخل السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء ~~قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ورفع له ألف ألف درجة " أو قال : " وبنى له ~~بيتا في الجنة " . وعن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إذا أفاد ~~أحدكم الجارية أو المرأة أو الدابة فليأخذ بناصيتها وليدع بالبركة وليقل ~~اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلت عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت ~~عليه فإن كان بعيرا فليأخذه بذروة سنامه " . PageV05P0301 # """""" صفحة رقم 302 """""" وأما ما يقال عند هبوب الريح وفي الرعد ~~والمطر ، عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن الريح هاجت على عهد رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فسبها رجل فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~لا تسبها فإنها مأمورة ولكن قل اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما ~~أمرت به وأعوذ بك من شرها وشر ms1192 ما فيها وشر ما أمرت به " . وعن ابن عمر رضي ~~الله عنهما قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا سمع الرعد أو ~~البرق قال : " اللهم لا تقتلنا غضبا ولا تقتلنا بغتة وعافنا قبل ذلك " . ~~وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان إذا سمع ~~الرعد والصواعق قال : " اللهم لا تهلكنا بغضبك ولا تقتلنا بعذابك وعافنا ~~قبل ذلك " . وعن أنس أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان لا يرفع يديه في ~~شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه . وعن كعب بن مرة ~~السلمي رضي الله عنه قال : كنا عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وجاءه ~~رجل فقال : يا رسول الله ، استسق الله لمضر ، فرفع رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يديه وقال : " اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا مريئا عاجلا غير ~~رائث نافعا غير ضار " . قال : فما جمعوا حتى أحيوا . فأتوه فشكوا إليه ~~المطر فقالوا : يا رسول الله قد تهدمت البيوت . فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بيديه : " اللهم حوالينا لا علينا " ، فجعل السحاب يتقطع يمينا ~~وشمالا . وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان إذا ~~رأى ناشئا في أفق السماء ترك العمل وإن كان في صلاة ، ثم يقول : " اللهم ~~إني أعوذ بك من شرها " ، فإن رأى مطرا قال : " اللهم صيبا هنيئا " . وعنها ~~رضي الله عنها قالت : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا رأى المطر ~~قال : " اللهم صيبا نافعا " . وأما ما يقال في الخوف والشدائد ، عن عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ~~إذا تخوف الرجل من السلطان فليقل اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم ~~كن لي جارا من فلان بن فلان يسمي الذي يريد وشر الجن والإنس وأحزابهم ~~وأتباعهم أن يفرط علي أحد منهم أو يطغى عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك " . ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ( صلى الله عليه ms1193 وسلم ) : " من خاف ~~من PageV05P0302 # """""" صفحة رقم 303 """""" السلطان أو غيره فليفزع إلى هذه الدعوة الله ~~أكبر وأعز من خلقه جميعا الله أكبر وأعز مما أخاف وأحذر وأعوذ بالله الذي ~~لا إله إلا هو ممسك السماوات السبع أن يقعن على الأرض إلا بإذنه من شر فلان ~~ابن فلان يا رب كن لي جارا من شره عز جارك وجل ثناؤك ولا إله إلا أنت العلي ~~العظيم يقولهن ثلاث مرات إلا أعاذه الله من شر ذلك " . وعن علي رضي الله ~~عنه قال : دعاني النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : " يا علي إذا اشتد بك ~~أمر فكبر ثلاثا وقل الله أكبر وأعز من كل شيء والله أكبر أعز من خلقه وأقدر ~~وأعز مما أخاف وأحذر اللهم أدرأ بك في نحره وأعوذ بك من شره فإنك تكفي بإذن ~~الله عز وجل " . وأما ما يقال في الغضب والفزع ، عن سليمان بن صرد رضي الله ~~عنه قال : استب رجلان عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فجعل أحدهما تحمر ~~عيناه وتنتفخ أوداجه . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إني ~~لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " . ~~وعن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " إذا فزع أحدكم فليقل أعوذ بكلمات ~~الله التامة من غضبه وعذابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون ~~فإنها لم تضره " . قال فكان عبد الله يعلمها من بلغ من ولده ، ومن لم يبلغ ~~منهم كتبها في صك وعلقها عليه . وفي لفظ : " إذا فزع أحدكم في النوم فليقل ~~" يعني الكلمات ، وفي طريق : كان خالد بن الوليد رجلا يفزع في نومه فذكر ~~ذلك لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال له : " إذا اضطجعت للنوم فقل " ~~يعني الكلمات ، فقالها فذهب ذلك عنه . وأما ما يقال في السفر وركوب الدابة ~~والسفينة ودخول القرية ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) إذا أراد سفرا توضأ فأسبغ وضوئه وصلى ركعتين ، ويقول ~~وهو في مجلسه مستقبل القبلة : " الحمد لله ms1194 الذي خلقني ولم أك شيئا رب أعني ~~على أهوال الدنيا والآخرة ومن مصيبات الليالي والأيام في سفري فاحفظني وفي ~~أهلي PageV05P0303 # """""" صفحة رقم 304 """""" فاخلفني " . وعن النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) : " ما استخلف العبد في أهله إذا هو شد عليه ثياب سفره خيرا من أربع ~~ركعات يصليهن في بيته يقرأ في كل واحدة بفاتحة الكاتب وقل هو الله أحد ثم ~~يقول اللهم إني أتقرب بهن إليك فاجعلهن خليفتي في أهلي ومالي قال فهو ~~خليفته في أهله وماله وولده ودور حول داره حتى يرجع إلى داره " . وعن أنس ~~رضي الله عنه قال : لم يرد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) سفرا قط إلا قال ~~حين ينهض من جلوسه : " بك انتشرت إليك وجهت وبك اعتصمت أنت ثقتي ورجائي ~~اللهم اكفني ما يهمني وما لا أهتم به وما أنت أعلم به مني اللهم زودني ~~التقوى واغفر لي ذنبي ووجهني إلى الخير أينما توجهت " . وعن النبي رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إذا ركبتم الإبل فتعوذوا بالله ~~واذكروا اسم الله عليه فإن على سنام كل بعير شيطانا " . وكان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) إذا استوى على بعيره يريد السفر كبر ثلاثا ثم قال : ~~سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم ~~إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون لنا ~~سفرنا هذا واطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ~~والمال والولد " ، وإذا رجع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قالهن وزاد ~~فيهن : " آئبون تائبون لربنا حامدون " . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان إذا قفل من حج أو عمرة فأشرف على شرف كبر ~~ثلاثا ثم قال : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير آئبون تائبون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم ~~الأحزاب وحده وكل شيء هالك إلا وجهه له الحكم ms1195 وإليه ترجعون اللهم إني أعوذ ~~بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال " . وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أمان ~~لأمتي من الغرق إذا ركبوا السفن أن يقولوا باسم الله الرحمن الرحيم وما ~~قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون باسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور ~~رحيم " . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا سافر فأقبل الليل قال ~~: " يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما يدب عليك ~~أعوذ بالله من أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكن البلد ومن والد وما ~~ولد " . وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " يا علي إذا نزلت منزلا فقل باسم الله اللهم أنزلنا ~~منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ترزق خيره ويدفع عنك شره " . وقال ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " من نزل منزلا وقال أعوذ بكلمات الله التامات كلها من ~~شر ما خلق لم يضره شيء حتى PageV05P0304 # """""" صفحة رقم 305 """""" يرتحل من منزله ذلك " . وعن علي رضي الله عنه ~~قال : دعاني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : " إذا أردت الدخول ~~إلى مدينة أو قرية فقل حين تعاينها اللهم إني أسألك خير هذه القرية وخير ما ~~كتبت فيها وأعوذ بك من شرها وشر ما كتبت فيها اللهم ارزقني خيرها وأعوذ بك ~~من شرها وحببنا إلى أهلها وحبب أهلها إلينا " . وعن صهيب رضي الله عنه أن ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم ير قرية يريد دخولها إلا قال : " اللهم رب ~~السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الرياح وما ذرين ~~ورب الشياطين وما أضللن أسألك خير هذه القرية وخير ما فيها وأعوذ بك من ~~شرها وشر ما فيها " . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) إذا سافر فأراد ms1196 أن ينزل قرية عدل إليها وقال : " الله ~~أكبر ثلاثا اللهم ارزقنا خيرها واصرف عنا وباءها وحببنا إلى صالح أهلها ~~وحببهم إلينا " . وأما ما يقال في الزواج والجماع ، عن عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إذا تزوج ~~أحدكم ثم دخل على أهله فليقل اللهم بارك لي في أهلي وبارك لأهلي في وارزقني ~~منها وارزقها مني واجمع بيننا ما جمعت في خير وإذا فرقت بيننا ففرق في خير ~~" . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما ~~رزقتني فإن قضي بينهما ولد لم يضره الشيطان " ، أو قال : " لم يسلط عليه " ~~. وأما ما يقال في قضاء الدين ونجاح الحوائج ، عن أبي سعيد رضي الله عنه ~~قال : دخل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ذات يوم المسجد فإذا هو برجل ~~من الأنصار يقال له أبو أمامة ، فقال : " يا أبا أمامة مالي أراك جالسا في ~~المسجد في غير وقت صلاة " ؟ قال : هموم لزمتني وديون يا رسول الله . قال : ~~" أفلا أعلمك كلاما إذا قلته أذهب الله همك عنك وقضى عنك دينك " قال : بلى ~~يا رسول الله . قال : " قل إذا أصبحت وأمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم ~~والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من ~~غلبة الدين وقهر الرجال " ، قال : ففعلت ذلك PageV05P0305 # """""" صفحة رقم 306 """""" فأذهب الله همي وقضى عني ديني . وعن معاذ ابن ~~جبل رضي الله عنه أنه تخلف عن صلاة من الصلوات ففقده النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . فلما جاءه قال : " ما خلفك عن الصلاة يا معاذ " ؟ قال : ليوحنا ~~اليهودي علي دين فخشيت إن خرجت أن يلزمني فلا أنا وصلت إليك ولا أنا كنت في ~~أهلي . فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " ألا أعلمك كلمات إذا قلتها قضى ~~الله عنك دينك ولو كان مثل الأرض أو مثل صبر ذهبا أو ورقا قضاه الله ms1197 عنك " ~~قلت بلى يا رسول الله قال : " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ~~وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء ~~قدير . تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت ~~وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب . رحمن الدنيا والآخرة ~~ورحيمهما تعطي منهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء أسألك بعزتك ورحمتك أن ~~تقضي عني ديني " . وعن عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي رضي الله عنه قال : ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من كانت له حاجة إلى الله أو إلى ~~أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء وليصل ركعتين ثم ليثن على الله عز ~~وجل ويصل على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ثم ليقل لا إله إلا الله الحكيم ~~الكريم سبحان الله رب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين أسألك موجبات ~~رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل ذنب لا تدع لي ذنبا ~~إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها " . وعن علي ~~رضي الله عنه قال : دعاني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : " يا ~~علي إذا خرجت من منزلك تريد حاجة فاقرأ آية الكرسي فإن حاجتك تقضى إن شاء ~~الله تعالى " . وعنه رضي الله عنه قال : " إذا أراد أحدكم الحاجة فليبكر في ~~طلبها يوم الخميس وليقرأ إذا خرج من بيته آخر سورة آل عمران وآية الكرسي ~~وإنا أنزلناه في ليلة القدر وأم الكتاب فإن فيها قضاء حوائج الدنيا والآخرة ~~" . PageV05P0306 # """""" صفحة رقم 307 """""" وأما ما يقال في رد الضالة ، من مكحول رضي ~~الله عنه أنه كان يدعو في الضالة : اللهم هادي وراد الضوال اردد علي ضالتي ~~ولا تعنني بطلبها ولا تفجعني بمصيبتها فإنها من رزقك وعطائك . وكان يقول في ~~الآبق : اللهم ضيق عليه البلاد واجعله في أضيق من ضرورة الحمل حتى ترده . ~~دعاء الاستخارة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : كان ms1198 رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يقول إذا أراد الأمر : " اللهم خر لي واختر لي " . وعن ~~جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يعلمنا الاستخارة في الأمور كمل يعلمنا السورة من القرآن ، يقول : " إذا هم ~~أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك ~~بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا ~~أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ~~ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي ثم ~~بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - ~~أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث ~~كان ثم رضني به ويسمي حاجته " . ذكر ما ورد في أسماء الله الحسنى والاسم ~~الأعظم قال الله تعالى : " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " . وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن لله ~~عز وجل تسعة وتسعين اسما مائة غير واحد إنه وتر يحب الوتر من أحصاها دخل ~~الجنة هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن ، الرحيم ، الملك ، القدوس ، ~~السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الخالق ، البارئ ~~، المصور ، الغفار ، القهار ، الوهاب ، الرزاق ، الفتاح ، العليم ، القابض ~~، الباسط ، الخافض ، الرافع ، المعز ، المذل ، السميع ، البصير ، الحكم ، ~~العدل ، اللطيف ، الخبير ، الحليم ، العظيم ، الغفور ، الشكور ، العلي ، ~~الكبير ، الحفيظ ، المقيت ، الحسيب ، الجليل ، الكريم ، الرقيب ، المجيب ، ~~PageV05P0307 # """""" صفحة رقم 308 """""" الواسع ، الحكيم ، الودود ، المجيد ، الباعث ~~، الشهيد ، الحق ، الوكيل ، القوي ، المتين ، الولي ، الحميد ، المحصي ، ~~المبدئ ، المعيد ، المحيي ، المميت ، الحي ، القيوم ، الواجد ، الماجد ، ~~الواحد ، الصمد ، القادر ، المقتدر ، المقدم ، المؤخر ، الأول ، الآخر ، ~~الظاهر ، الباطن ، الوالي ، المتعال ، البر ، التواب ، المنتقم ، العغو ، ~~الرءوف ، مالك الملك ، ذو الجلال والإكرام ، المقسط ، الجامع ، الغني ، ~~المغني ، المانع ، الضار ، النافع ، النور ، الهادي ، البديع ، الباقي ، ~~الوارث ، الرشيد ، الصبور . وقد نبه البوني رحمه الله في اللمعة ms1199 النوارانية ~~على كيفية العلم والعمل بأسماء الله الحسنى وخاصية كل اسم منها ، ورتب ذلك ~~وجعله عشرة أنماط فقال : النمط الأول من نظم الأسماء اسمه الله ، والإله ، ~~والرب ، والخالق ، والبارئ ، والمصور ، والمبدئ ، والمعيد ، والمحيي ، ~~والمميت . قال البوني : هذا النمط عشرة أسماء لا تكون إلا أذكارا للذاكرين ~~على اختلاف أحوالهم . فالله والإله ذكر الأكابر والمولهين في الغالب . ~~والرب ، والخالق ، والبارئ ذكر الأكابر من السالكين المريدين . والمصور ، ~~والمبدئ ، والمعيد ، والمحيي ، والمميت ذكر عباد الله المتعبدين والمتبصرين ~~. النمط الثاني الأحد ، الواحد ، الصمد ، الفعال ، البصير ، السميع ، ~~القادر ، المقتدر ، القوي ، القائم . قال : هذه الأسماء العشرة سلك واحد في ~~تقارب الأذكار ، وهذا القسم فيه أذكار السالكين المتعلقين بأسرار التوحيد ~~ذكرهم الأحد والواحد . وأما الصمد فذكر يصلح للمرتاضين بالجوع ، فذاكره لا ~~يحس بألم الجوع البتة ما لم يدخل عليه ذكرا غيره . والفعال اسم للمغلوبين ~~بالخواطر والوساوس وكثرة الأفكار واغتمام القلب بهذا السبب ، فمهما ذكره من ~~هذه صفته تقلبت أفكاره إلى ما يقع له به سرور وفرح . وأما السميع البصير ~~فتنزيه جليل ، وهو ذكر يصلح للملحين في الدعاء فإنه ربما أسرعت لهم الإجابة ~~. وأما القادر ، والمقتدر ، والقوي ، والقائم فذكر يصلح لأصحاب الإعياء ~~والحرفة الثقيلة ، ولو علم سره من يعاني الأثقال واستدامه لم يحس بثقل فيما ~~يتعاطاه البتة ، ومن نقشها في فص خاتم وتختم به أدرك ذلك لوقته ، ومن ضعف ~~عن شيء ما وعلقه عليه وذكره قوي لوقته . PageV05P0308 # """""" صفحة رقم 309 """""" النمط الثالث الحي ، القيوم ، الرحمن ، ~~الرحيم الملك القدير ، العلي ، العظيم ، الكبير ، المتعال . قال : هذا ~~القسم من الأسماء يحتوي على أذكار المراقبين ، وفيه أعمال جليلة البرهان . ~~فالحي القيوم اسمان جليلان ، ذكر لأهل الحضرة ، وهو من أذكار إسرافيل ~~وملائكة الصور أجمعين ، يصلح أن يذكر من مبادئ الفجر إلى طلوع الشمس ، يجد ~~ذاكره من الزيادة والخشية والتطلع إلى طلب الفضائل ما لم يعهده قبل ، ومن ~~نقش الاسمين عند طلوع الشمس من يوم الجمعة مستقبل القبلة على ذكر وأمسكه ~~عنه أحيا الله ذكره إن كان خاملا ، وأحيا رزقه إن كان قليلا . وأما الرحمن ms1200 ~~الرحيم فأذكار شريفة للمضطرين وأمان للخائفين لا ينقشه أحد في خاتم في يوم ~~جمعة آخر النهار فيرى ما يكرهه ما دام عليه . ومن أكثر من ذكره كان ملطوفا ~~به في كل أموره . وأما الملك والقدير فذكر يذكر عند كل ذي ملك وقدرة فإنه ~~ما من ملك يستديم هذا الذكر في عموم أوقاته إلا ثبت ملكه وانبسطت قدرته ، ~~ويصلح للسالك الذي تغلبه شهوات نفسه ، فإنه ما يستديم ذكره من هذا مقامه ~~إلا بعث الله إليه قوة ملكية تؤيده وتنصره على من يخالفه من عوالمه . وأما ~~العلي العظيم فللتنزيه . والكبير المتعال مناسب للتنزيه أيضا ، وهما اسمان ~~لائقان بأهل التعظيم من أرباب الأحوال ليس للعامة في الذكر بهما قسم . ~~النمط الرابع المهيمن ، المقيت ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، المحيط ، ~~الحفيظ ، الفاطر ، المجيد ، ذو الجلال . قال البوني : أما المهيمن ، ~~والمقيت فللعلم والاستيلاء والمراقبة في الجزئيات والكليات . والعزيز ، ~~والجبار ، والمتكبر فمن أسماء صفات الذات اللازمة للخوف والرهبة والعظمة ، ~~لا يذكرها ذليل إلا عز ، ولا حقير إلا ارتفع ، ولا بين يدي جبار إلا ذل ~~وخضع ، ولا يذكرها ملك من ملوك الأرض إلا وجد في نفسه ذلة وانكسارا . وأما ~~الحفيظ فإنه اسم سريع الإجابة للخائفين في الأسفار . وأما المحيط ، والمجيد ~~، والفاطر ، وذو الجلال ، فأسماه التنزيه وزيادات في التوحيد . النمط ~~الخامس العليم ، الحكيم ، البديع ، النور ، القابض ، الباسط ، الأول الآخر ~~، الظاهر ، الباطن . قال : هذا القسم من الأسماء جليل القدر عظيم الشأن . ~~فأما العليم ، والحكيم PageV05P0309 # """""" صفحة رقم 310 """""" فللتوحيد الخاص ، لا يصلحان إلا لمن أبهم ~~عليه أمر من كشف سر من أسرار الله تعالى يعسر على الفكر إدراكه ، فإنه إذا ~~استدام ذكر العليم الحكيم يسر الله عليه علم ما سأل وعرفه الحكمة فيه ، ~~ومنه اسمه البديع أيضا مثل ذلك . وأما النور ، والباسط ، والظاهر ، فذكر ~~أرباب المكاشفات . ومن أراد أن ينظر شيئا في منامه فليذكر هذه الأسماء على ~~طهارة وهو في فراشه إلى أن ينام على هذا الذكر ، ويعمل همته فيما يريد فإنه ~~يمثل له في نومه كشف ذلك . وأما القابض ، والأول ، والآخر ms1201 ، والباطن ، ~~فكلها أسماء للتعظيم والتوحيد . النمط السادس الحليم ، الرءوف ، المنان ، ~~الكريم ، ذو الطول ، الوهاب ، الغفور ، الغافر ، العفو ، المجيب . قال : ~~هذا النمط من الأسماء عليه مدار إبقاء الوجود ودفع الأضداد وجمع المتفرق . ~~أما الحليم ، والرءوف ، والمنان ، فذكر للخائفين ، ما داومه من يخاف شيئا ~~إلا أوجد الله تعالى برد الطمأنينة وسكن روعه . قال البوني : وذكر لي من له ~~إطلاع أنه من استدام هذا الذكر إلى أن يغلب عليه حال منه على خلو معدة ثم ~~أمسك النار لم تعد عليه ، ولو تنفس حينئذ على قدر تغلي سكن غليانها بإذن ~~الله تعالى ، ولا يكتبها أحد ويقابل بها من يخاف منه إلا أطفأ الله شره عند ~~رؤيته ، ولا يستديم هذا الذكر من غلبته شهوته إلا نزع الله منه النزوع ~~إليها في أثناء ذكره . وأما الكريم ، الوهاب ، وذو الطول ، فلا يستديم على ~~هذا الذكر من قدر عليه رزقه ومسته حاجة إلا يسر الله عليه من حيث لا يشعر ، ~~ومن نقش هذه الأسماء وعلقها عليه لم يدر كيف ييسر الله عليه المطالب من غير ~~عسر . وأما الغفور ، والغافر ، والعفو ، فنظم متقارب لسؤال دفع المؤلم ~~خصوصا من آلام الدين والدنيا . وأما المجيب ، فيذكر في آخر الدعوات . النمط ~~السابع الكافي ، الغني ، الفتاح الرزاق ، الودود ، اللطيف ، الواسع ، ~~الشهيد ، نعم المولى ونعم النصير . قال : هذا النمط من الأسماء جليل القدر ~~، به ينزل الله الرغائب من كل مفضول به على أحد من عباده . فاسمه الكافي ، ~~والغني ، والفتاح ، والرزاق لا يذكر أحد هذه الأسماء الأربعة وهو يتمنى ~~شيئا لم تبلغه أمنيته إلا بلغه بإذن الله تعالى PageV05P0310 # """""" صفحة رقم 311 """""" من جهة لا يعتمد عليها لم تخطر بباله . لا ~~يذكر أحد هذا الذكر على القليل إلا كثره الله ولا على طعام إلا ظهرت فيه ~~زيادة ، ولا يذكره من هو في رتبة وهمته طالبة أعلى منها إلا يسر الله له ~~الوصول إليها . وأما الودود ، واللطيف ، والواسع ، والشهيد ، فنمط جليل ~~النظم لأرباب الهجوع والخلوة ، واللطيف خصوصا لتفريج الكرب في أوقات ~~الشدائد لا يضاف إليه غيره ، لا ms1202 يذكره من يؤلمه شيء في نفسه وبدنه إلا ~~أزاله الله عنه أثناء الذكر . النمط الثامن الشديد ذو القوة ، المتين ، ~~السريع ، الرقيب ، المقتدر ، القاهر ، الوارث ، الباعث ، القوي . هذا النمط ~~من الأسماء عظيم الشأن فأما الشديد ، وذو القوة ، والقاهر ، والمقتدر ، فهي ~~أسماء القهر لا يذكرها ضعيف الهمة إلا قويت نفسه ، ولا يدعو بها أحد على ~~ظالم في احتراق الشهر في السابعة من الليل في بيت مظلم حاسر الرأس على ~~الأرض لا حائل بينه وبينها مائة مرة يقول في آخرها : يا شديد خذ لي بحقي من ~~فلان ، ولا يشخص شيئا فالله أعلم بما يعمل . قال : وقد جرب مئين من المرات ~~. ولا ينقشها أحد في خاتم ويتختم به إلا ألبسه الله تعالى مهابة يدركها من ~~نفسه ويدركها غيره منه ، ويرتاع منه كل جبار عنيد عند رؤيته ، حتى كأن ~~الجبال على كاهله ما دام ينظر إلى من هو معه . وأما السريع ، والرقيب ، ~~والمتين ، فذكر لأرباب المراقبة في الأفعال تنفتح لهم بذلك مكاشفات وأسرار ~~. وأما الوارث ، والباعث ، فلحكمة الاعتبار والتصديق بآثار القدرة . النمط ~~التاسع التواب ، الشاكر ، الولي ، الحسيب ، الوكيل ، القريب ، الصادق ، ~~البر ، الباقي ، الخلاق . قال : هذا القسم مرتب على مقامات السالكين ، ~~فالتواب للتائبين ، والشاكر للشاكرين ، والولي للأولياء ، والحسيب لأهل ~~الكفاية ، والوكيل للمتوكلين ، والقريب من أهل القرب ، والصادق مع الصادقين ~~، والبر مع أهل البر ، والباقي مع أهل الشهداء ، والخلاق لذوي الاعتبار . ~~وللمشايخ في هذا الميدان مجال رحب بحسب اختلاف أحوالهم . PageV05P0311 # """""" صفحة رقم 312 """""" النمط العاشر الهادي ، الخبير ، المبين ، ~~علام الغيوب ، ذو الجلال والإكرام ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، وينتظم في ~~ذلك المعز ، والمذل ، وما في آخر سورة الإخلاص . قال : فالهادي ، والخبير ، ~~والمبين ، لمن أراد كشف عواقب الأمور بجوع وسهر ، ويذكر هذه الأسماء وعلى ~~رأس مائة من أعداد الذكر يقول : اهدني يا هادي ، وخبرني يا خبير ، وبين لي ~~يا مبين ، ويسمي ما يريده وذلك في جوف الليل ، فإذا أدركه النوم مثل له كشف ~~ما أراد من أي نوع شاء . هذا مختصر ما قاله البوني في ترتيب أسماء الله ~~الحسنى . وأما ms1203 ما ورد في الاسم الأعظم ، فقد روي عن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أنه سمع رجلا يقول : اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا ~~إله إلا أنت الأحد ، الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، ~~فقال : " لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سأل به أعطى وإذا دعي به أجاب " . ~~وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : دخلت مع رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) المسجد فإذا رجل من الأنصار يقال له أبو عياش الزرقي يصلي ، فدنوت ~~منه ، فدعا في صلاته : اللهم إني أسألك - بأن لك الحمد لا إله إلا أنت ~~المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام - أن تغفر لي . فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي ~~به أجاب وإذا سئل به أعطى " . وعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أن النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قال : " اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وإلهكم إله ~~واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم " وفاتحة سورة آل عمران " الم الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم " . وعن أبي أمامة واسمه صدي بن عجلان الباهلي رضي ~~الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن اسم الله ~~الأعظم لفي ثلاث سور من القرآن في البقرة وآل عمران وطه " . قال فالتمستهما ~~فوجدت في البقرة آية الكرسي " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " ، وفاتحة ~~آل عمران " الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم " ، وفي طه " عنت الوجوه ~~للحي القيوم " . PageV05P0312 # """""" صفحة رقم 313 """""" والأدعية المختارة كثيرة وقد أتينا منها بما ~~فيه كفاية لمن توجه إلى الله تعالى وسأله . ولنختم هذا الباب بما ختم ~~البخاري كتابه : كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان ، حبيبتان ~~إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم . تم الجزء الخامس من ~~كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري ، والحمد لله وحده ، وصلى الله على ~~من لا نبي بعده محمد وآله وسلم يتلوه ms1204 إن شاء الله الجزء السادس ~~PageV05P0313 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء السادس PageV06P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ### | AUT القسم الخامس في الملك وما يشترط فيه وما يحتاج إليه وما يجب له على الرعية وما يجب للرعية عليه ، ويتصل به ذكر الوزراء وقادة الجيوش وأوصاف السلاح وولاة المناصب الدينية والكتاب والبلغاء # . وفيه أربعة عشر بابا : الباب الأول من هذا القسم في شروط الإمامة ~~الشرعية والعرفية الشروط الشرعية فقد ذكر منها الشيخ الإمام أبو عبد الله ~~الحسين ابن الحسن بن محمد بن الحليم الحليمي الجرجاني الشافعي - رحمه الله ~~- في كتابه المترجم " بالمنهاج " لمعة واضحة البيان ، حسنة التبيان ؛ ~~اكتفينا بإيرادها عما سواها ، واقتصرنا عليها دون ما عداها ؛ لجمعها أكثر ~~الشروط مع إيجاز اللفظ وإصابة الغرض ، على ما ستقف عليه إن شاء الله تعالى ~~. قال الحليمي : إذا أراد أهل الاجتهاد نصب إمام حين لا إمام لهم ، فأول ~~شرائطه أن يكون من قريش . والثانية أن يكون عالما بأحكام الدين من الصلاة ~~وأخذ الصدقات ومصارفها والقضايا والجهاد بالمسلمين وقسم الغنائم والنظر في ~~حدود الله تعالى إذا PageV06P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" رفعت إليه فيقيمها أو يدرأها وغير ذلك . ~~والثالثة أن يكون عدلا في دينه وتعاطيه ومعاملاته . فأما اشتراط النسب ؛ ~~فلما روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " الأئمة من قريش ~~. . . " وأنه ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " قدموا قريشا ولا تقدموها ~~ولولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله تعالى " . وأما اشتراط العلم ~~بأحكام الصلاة والزكاة والجهاد والقضاء والحدود والأموال التي يتولاها ~~الأئمة ، فإنه لا يمكنه أن يقوم بحقها والواجب فيها إلا بعد العلم ، لتكون ~~معالم الدنيا قائمة ، وأحكام الله تعالى بين عباده جارية . فإذا لم يكن ~~عنده من العلم ما يتوصل به إلى ما يحتاج الإمام إليه فوجوده وعدمه بمنزلة ~~واحدة . وينبغي أن يكون شجاعا شهما ، لأن رأس أمور الناس الجهاد ؛ فإذا كان ~~من يتولى أمورهم جبانا فشلا منعه ذلك من مجاهدة المشركين وحمله على أن يترك ~~كثيرا من حقوق المسلمين فكان ضررهم به أكثر من نفعهم . وأما ms1205 اشتراط العدالة ~~، فلأن الإمام إذا كان يتولى حقوق الله تعالى وحقوق المسلمين فمنصبه منصب ~~الأمانة ائتمان له على الحقوق ؛ ولا يجوز أن يؤتمن على حقوق الله تعالى من ~~ظهرت خيانته لله ولعباده ، ولأن الفاسق ناقص الإيمان فلا يجوز أن يشرف ~~بالتولية على المسلمين الذين فيهم من هو كامل الإيمان وأقرب إلى كماله منه ~~، كما لا يجوز أن يولى شيئا من أمور المسلمين كافر ، ولأن الفاسق لا يرضى ~~للشهادة فكان بألا يرضى للحكم وهو أرفع منزلة من الشهادة أولى ، وإذا لم ~~يرض للحكم كان بألا يرضى للإمامة التي هي أجمع من الحكم أولى ، والله أعلم ~~، ولأنه إذا لم يكن يصلح نفسه فهو في حق غيره أكثر تضييعا ولإصلاحه أشد ~~عجزا ، ومن كان بهذه المنزلة فهو أبعد الناس من موقف الأئمة . فصل وإذا ~~اجتمعت هذه الشرائط التي ذكرناها في رجل ، فإن كان الإمام الذي تقدمه ولاه ~~في حياته ما يتولاه إما استخلافا عند عجزه عن القيام ما عليه فيه ، وإما ~~انخلاعا إليه فلا اعتراض في ذلك عليه ، وإن كان أوصى له بالولاية بعد موته ~~فالأظهر جواز ذلك . قال : فإن لم يكن لمن جمع شرائط الإمامة عهد من إمام ~~قبله واحتيج إلى نصب إمام للمسلمين فاجتمع أربعون عدلا من المسلمين أحدهم ~~عالم يصلح PageV06P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" للقضاء بين الناس ، فعقدوا لرجل جمع الشرائط ~~التي تقدم ذكرها بعد إمعان النظر والمبالغة بالاجتهاد ، ثبتت له الإمامة ~~ووجبت طاعته . وينبغي أن يبدأ العالم الذي بينهم بالعقد ثم الذين ليسوا في ~~العلم والرأي مثله . فصل قال : وإذا لم يجدوا من قريش من توجد فيه شرائط ~~الإمام - وهذا بعيد جدا وإنما هي مسائل توضع لاحتمال الوقوع - فعند ذلك ~~يكون الإمام من أقرب القبائل إلى قريش ، فيكون من كنانة ؛ لقوله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " إن الله اصطفى كنانة من العرب واصطفى قريشا من كنانة " ؛ ~~فإن لم يوجد فيهم كان من أقرب العرب من كنانة ، حتى إذا استوفي بنو إسماعيل ~~لم يعدل إلى بني إسحاق ، وإن كانوا أقرب لأنهما ابنا ms1206 إبراهيم ، ولكن إلى ~~جدهم من العرب ، ثم الأقرب فالأقرب . فصل وإذا وجد قرشي عالم غير عدل وقرشي ~~عدل غير عالم وكناني عالم عدل ، قال الحليمي : الأشبه عندي أن يقدم القرشي ~~العدل ، فإن أشكل عليه شيء عمل فيه برأي أهل العلم . فصل وإذا خلع الإمام ~~نفسه ولم يول أحدا مكانه ، فإن كان الإمام صالحا للإمامة بالإطلاق فذلك منه ~~غير نافذ ، لأنه نصب ناظرا للمسلمين ، وخلعه نفسه في هذه الحالة ضرر عليهم ~~، لأنه يدعهم بلا إمام ويعرضهم للاجتهاد في نصب غيره ، وقد يصيبون في ذلك ~~أو يخطئون . فصل وإذا أمر الإمام أمراء واستقضى قضاة ثم مات ، كان أمراؤه ~~وقضاته على أعمالهم كما كانوا في حياته ولا ينعزلون ، وليسوا كالوكيل ينعزل ~~بموت الموكل ، لأن الوكالة نيابة ، والولاية شركة . هذا ما قاله الحليمي ، ~~والله تعالى أعلم . فهذه الشرعية التي لابد منها في حق الإمام . ~~PageV06P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" وأما الشروط العرفية والاصطلاحية وهي ما ينبغي ~~أن يأتيه الملك من جميل الفعال ، ويذره من قبيح الخصال . قال معاوية بن أبي ~~سفيان : مهما كان في الملك فلا ينبغي أن تكون فيه خمس خصال : لا ينبغي أن ~~يكون كذابا ، فإنه إذا كان كذابا فوعد بخير لم يرج ، وإن وعد بشر لم يخف ؛ ~~ولا ينبغي أن يكون بخيلا ، فإنه إذا كان بخيلا لم يناصحه أحد ، ولا تصلح ~~الولاية إلا بالمناصحة ؛ ولا ينبغي أن يكون حديدا ، فإنه إذا كان حديدا مع ~~القدرة هلكت الرعية ؛ ولا ينبغي أن يكون حسودا ، فإنه إذا كان حسودا لم ~~يشرف أحد ، ولا يصلح الناس إلا على أشرافهم ؛ ولا ينبغي أن يكون جبانا ، ~~فإنه إذا كان جبانا اجترأ عليه عدوه . وقال ابن المقفع : ليس للملك أن يغضب ~~، لأن القدرة من وراء حاجته ؛ وليس له أن يكذب ، لأنه لا يقدر على استكراهه ~~على غير ما يريد ؛ وليس له أن يبخل ، لأنه أقل الناس عذرا في خوف الفقر ؛ ~~وليس له أن يكون حقودا ، لأن خطره أعظم من المجازاة . وقالت الحكماء : يجب ~~على الملك أن يتلبس بثلاث خصال : تأخيره ms1207 العقوبة في سلطان الغضب ، وتعجيل ~~مكافأة المحسن ، والعمل بالأناة فيما يحدث ؛ فأن له في تأخير العقوبة ~~إمكانا ، وفي تعجيل المكافأة بالإحسان المسارعة في الطاعة من الرعية ، وفي ~~الأناة انفساح الرأي وإيضاح الصواب . PageV06P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" وقالوا : ينبغي للملك أن يأنف أن يكون في رعيته ~~من هو أفضل منه دينا ، كما يأنف من أن يكون منهم من هو أنفذ منه أمرا . ~~وقيل : لا ينبغي للملك أن يسرع إلى حبس من يكتفى له بالجفاء والوعيد . ~~وقالوا : ينبغي للملك أن تعرفه رعيته بالأمانة ، ولا يعجل بالعقاب ولا ~~بالثواب ، فإن ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء الراجي . وقال بعض حكماء الفرس : ~~أحزم الملوك من غلب جده هزله ، وقهر رأيه هواه ، وعبر عن ضميره فعله ، ولم ~~يخدعه رضاه عن حظه ، ولا غضبه عن كيده . الباب الثاني من القسم الخامس من ~~الفن الثاني في صفات الملك وأخلاقه وما يفضل به على غيره ، وذكر ما نقل من ~~أقوال الخلفاء والملوك الدالة على علو هممهم وكرم شيمهم . قال أحمد بن محمد ~~بن عبد ربه : السلطان زمام الأمور ، ونظام الحقوق ، وقوام الحدود ، والقطب ~~الذي عليه مدار الدين والدنيا ؛ وهو حمى الله في بلاده ، وظله الممدود على ~~عباده ، به يمنع حريمهم ، وينصر مظلومهم ، ويقمع ظالمهم ، ويؤمن خائفهم . ~~وقال بعض البلغاء : الملك من تبيض آثار آياديه ، وتسود أيام أعاديه ؛ وتخضر ~~مواقع سيبه ، وتحمر مواضع سيفه ؛ وتصفر وجوه حساده ، وتروق أعين أنداده . ~~وقال سهل بن هارون : الملك صبي الرضا ، كهل الغضب ؛ يأمر بالقتل وهو ~~PageV06P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" يضحك ، ويستأصل شأفة القوم وهو يمزح ، يخلط ~~الجد بالهزل ، ويتجاوز في العقوبة قدر الذنب ، وربما أحفظه الذنب اليسير ، ~~وربما أعرض صفحا عن الخطب الكبير ؛ أسباب الموت والحياة متعلقة بطرف لسانه ~~، لا يعرف ألم العقوبة فيبقي ، ولا يؤنب على بادرة فينتهي ، يخطئ فيصوب ~~ويصيب فيفترض ، مفتون الهوى فظ الخليقة أخرق العقوبة ، لا يمنعه من ذي ~~الخاصة به ما يعلم من عنايته وطول صحبته أن يقتله بخطرة من خطرات موجدته ، ~~ثم لا ينفك أن يخطب إليه موضعه ، فلا ms1208 الثاني بالأول يعتبر ، ولا الملك عن ~~مثل ما فرط منه يزدجر . قال عمرو بن هند : الملوك يشتمون بالأفعال لا ~~بالأقوال ، ويسفهون بالأيدي لا بالألسن . قال معبد بن علقمة : وتجهل أيدينا ~~ويحلم رأينا . . . ونشتم بالأفعال لا بالتكلم وأما ما يفضل به الملك على ~~غيره ، فقد قيل : تميز الملك على غيره إنما يكون بفضيلة الذات لا بفضيلة ~~الآلات . وفضل ذات الملك بخمس خصال : رحمة تشمل رعيته ، ويقظة تحوطهم ، ~~وصولة تذب عنهم ، ولين يكيد به الأعداء ، وحزم ينتهز به الفرص ، فهذه فضيلة ~~الذات . وأما فضيلة الآلات ، فاتخاذ المباني الوثيقة العلية ، والملابس ~~الأنيقة السنية ، والذخائر النفيسة ، والمطاعم الشهية ، والمراكب البهية . ~~وقالت أم مالك طخارستان لنصر بن سيار : ينبغي للملك أن يكون على ~~PageV06P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" ستة أشياء خاصة به : وزير يثق به ويفضي إليه ~~بسره ، وحصن إذا فزع يأوي إليه ، وسيف إذا نزل به أمر لم يخف أن يخونه ، ~~وذخيرة خفيفة إذا نابته نائبة استعان بها ، وامرأة جميلة إذا دخل عليها ~~أذهبت همه ، وطباخ إذا لم يشته الطعام عمل له ما يشتهيه . ذكر شيء من ~~الأقوال الصادرة عن الخلفاء والملوك الدالة على عظم هممهم ، وكرم أخلاقهم ~~وشيمهم ، وشدة كيدهم ، وقوة أيدهم . قيل للإسكندر وهو يحارب دارا : إن دارا ~~في ثمانين ألفا ، فقال : إن القصاب لا يهوله كثرة الغنم . واصطنع أنوشروان ~~رجلا ، فقيل له : إنه لا قديم له ، فقال : اصطناعنا إياه بيته وشرفه ، ولما ~~رهن حاجب ابن زرارة قوسه عند كسرى قال : لولا أنهم عندي أقل من القوس لم ~~أقبلها . قال النعمان بن المنذر : يعفو الملوك عن الكثير . . . من الذنوب ~~لفضلها ولقد تعاقب في اليسير . . . وليس ذلك لجهلها لكن ليرجى عفوها . . . ~~ويخاف شدة نكلها ومن كلام معاوية : تحن الزمان ، من رفعناه ارتفع ، ومن ~~وضعناه اتضع . وكان يقول : إني لآنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي ، ~~وذنب لا يسعه عفوي ، وحاجة لا يسعها جودي . وقال معاوية أيضا : إني لأرفع ~~نفسي أن يكون PageV06P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" ذنب أوسع من حلمي ، وما غضبي على من أملك ms1209 ، أو ~~ما غضبي على من لا أملك يريد إني إذا كنت مالكا للمذنب ، فإني قادر على ~~الانتقام منه ، فلم ألزم نفسي الغضب وإن لم أكن أملكه فليس يضره غضبي ، فلم ~~أغضب عليه فأضر نفسي ولا أضره ومن كلام السفاح : ما أقبح بنا أن تكون ~~الدنيا لنا وأولياؤنا خالون من حسن آثارنا . ومن كلام المأمون : إنما تطلب ~~الدنيا لتملك ، فإذا ملكت فلتوهب . وكان يقول : إنما يستكثر من الذهب ~~والفضة من يقلان عنده . ومن كلام العباس بن محمد الرشيد : إنما هو درهمك ~~وسيفك ، فازرع بهذا من شكرك ، واحصد بهذا من كفرك ؛ فقال : يا عم ، والله ~~ما للملك غير هذا . كما قيل : لم أر شيئا صادقا نفعه . . . للمرء كالدرهم ~~والسيف يقضي له الدرهم حاجاته . . . والسيف يحميه من الحيف قيل : لما أشير ~~على الإسكندر بتبيت الفرس ، قال : لا أجعل غلبتي سرقة . وقيل له : لو تزوجت ~~ببنت دارا فقال : لا تغلبني امرأة غلبت أباها . ومن كلام أنوشروان : إن ~~الملك إذا كثرت أمواله مما يأخذ من رعيته كان كمن يعمر سطح بيته مما يقتلع ~~من قواعد بنيانه . وكان يقول وجدنا للذة العفو ما لم نجد للذة العقوبة . ~~ومن كلام المنصور : يحتمل الملوك كل شيء إلا ثلاثة : القدح في الملك ، ~~وإفشاء السر ، والتعرض للحرم . PageV06P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" الباب الثالث من الفن الثاني فيما للملك على ~~الرعايا من الطاعة والنصيحة والتعظيم والتوقير . وأما الطاعة فواجبة على ~~سائر الرعية ، لأن الله تعالى قرن طاعة أولي الأمر بطاعته وطاعة رسوله ، ~~ونص على ذلك في محكم تنزيله فقال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " ، فبأمره تبارك وتعالى وجبت ، ~~وبسنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) تأكدت وترتبت . روي عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من أطاعني ~~فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص ~~الأمير فقد عصاني " وهذا الحديث ثابت في صحيح مسلم . وعنه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أنه قال ms1210 : " اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ~~" . فقد تبين بكتاب الله وسنة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) وجوب طاعة ~~الإمام على كل مسلم . وأما النصيحة ، فلما روي عن تميم الداري رضي اله عنه ~~أنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن الدين النصيحة إن ~~الدين النصيحة إن الدين النصيحة " ؛ قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : " ~~لله ولكتابه ورسوله وأئمة المؤمنين " أو قال : " أئمة المسلمين وعامتهم " . ~~وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" إن الله عز وجل رضي لكم ثلاثا وسخط لكم ثلاثا رضي لكم أن تعبدوه ولا ~~تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ~~ولاه الله عز وجل أمركم " . وقال أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الخيري رحمه ~~الله تعالى : فانصح للسلطان وأكثر له من الدعاء بالصلاح والرشاد في القول ~~والعمل ، فإنهم إذا صلحوا صلح العباد والبلاد بصلاحهم ، وإياك أن تدعوا ~~عليهم فيزدادوا شرا ويزداد البلاء بالمسلمين ، وإياك أن تأتيهم أو تتصنع ~~لإتيانهم أو تحب أن يأتوك ، واهرب منهم ما استطعت . PageV06P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" وفي كتاب للهند أن رجلا دخل على بعض ملوكهم ~~فقال : أيها الملك ، إن نصيحتك واجبة في الصغير الحقير والكبير الخطير ، ~~ولولا الثقة بفضيلة رأيك واحتمال ما يسوء موقعه منك في جنب صلاح العامة ~~وتلافي الخاصة لكان خرقا مني أن أقول ، ولكنا إذا رجعنا إلى أن بقائنا ~~مشمول ببقائك ، وأنفسنا معلقة بنفسك لم نجد بدا من أداء الحق إليك وإن أنت ~~لم تسلني ذلك ؛ فإنه يقال : من كتم السلطان نصيحته والأطباء مرضه والإخوان ~~بثه فقد أخل بنفسه . وأنا أعلم أن كل ما كان من كلام يكرهه سامعه ، لم ~~يتشجع عليه قائله إلا أن يثق بعقل المقول إليه ، فإنه إذا كان عاقلا احتمل ~~ذلك ، لأنه ما كان فيه من نفع فهو للسامع دون القائل . وإنك أيها الملك ذو ~~فضيلة في الرأي وتصرف في العلم ، وإنما يشجعني ذلك على أن أخبرك بما ms1211 تكره ~~واثقا بمعرفتك بنصحي لك وإيثاري إياك على نفسي . وقال عمرو بن عتبة للوليد ~~بن يزيد حين تغير الناس له : يا أمير المؤمنين ، إنه ينطقني الأمن منك ، ~~وتسكتني الهيبة لك ، وأراك تأمن أشياء أخافها عليك ، أ فأسكت مطيعا أم أقول ~~مشفقا ؟ قال : قل ، مقبول منك ، ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه ، فقتل ~~بعد ذلك بأيام . وقالوا : ينبغي لمن صحب السلطان ألا يكتم عنه نصيحته وإن ~~استقلها ، وليكن كلامه له كلام رفق لا كلام خرق ، حتى يخبره بعيبه من غير ~~أن يواجهه بذلك ، ولكن يضرب له الأمثال ويعرفه بعيب غيره ، ليعرف به عيب ~~نفسه . دخل الزهري على الوليد بن عبد الملك فقال له : ما حديث يحدثنا به ~~أهل الشام ؟ قال : وما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : يحدثوننا أن الله إذا ~~استرعى عبدا رعية PageV06P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" كتب له الحسنات ولم يكتب له السيئات ؛ قال : ~~باطل يا أمير المؤمنين ، أنبي خليفة أكرم على الله أم خليفة غير نبي ؟ قال ~~: نبي خليفة ؛ قال : فإن الله تعالى يقول لنبيه داود عليه السلام : " يا ~~داود إنا جعلناك خليفة بالأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك ~~عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم ~~الحساب " ؛ فهذا يا أمير المؤمنين وعيده لنبي خليفة ، فما ظنك بخليفة غير ~~نبي قال : إن الناس ليعروننا من ديننا . خطب المنصور فقال في خطبته ما كأنه ~~تفسير ما أدمجه فيثاغورث وإيضاحه ، وهو : معشر الناس ، لا تضمروا غش الأئمة ~~فإنه من أضمر ذلك أظهره الله على سقطات لسانه ، وقلبات أحواله وسحنة وجهه . ~~قال : خرج الزهري يوما من مجلس هشام بن عبد الملك فقال : ما رأيت كاليوم ~~ولا سمعت كأربع كلمات تكلم بهن رجل عند هشام بن عبد الملك ، دخل عليه فقال ~~: يا أمير المؤمنين ، احفظ عني أربع كلمات فيهن صلاح ملكك ، واستقامة رعيتك ~~، قال : هاتهن ؛ فقال : لا تعدن عدة لا تثق من نفسك بإنجازها ، ولا يغرنك ~~المرتقى وإن كان سهلا إذا كان المنحدر ms1212 وعرا ، واعلم أن الأعمال جزاء فاتق ~~العواقب ، وأن الأمور بغتات فكن على حذر ، قال عيسى بن دأب : فحدثت الهادي ~~بها وفي يده لقمة قد رفعها إلى فيه فأمسكها ، وقال : ويحك أعد علي ؛ فقلت : ~~يا أمير المؤمنين ؛ أسغ لقمتك ؛ فقال : حديثك أعجب إلي . وقال ابن المقفع : ~~اعلم أن السلطان يقبل من الوزراء التبخيل ويعده منهم شفقة ويحمدهم عليه وإن ~~كان جوادا ، فإن كنت مبخلا غششت صاحبك بفساد مروءته ، وإن كنت مسخيا لم ~~تأمن من إضرار ذلك بمنزلتك ؛ فالرأي تصحيح النصيحة PageV06P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" على وجهها ، والتماس المخرج من العيب واللائمة ~~فيما تترك من تبخيل صاحبك ، فلا يعرف منك فيما تدعوه إلي ميلا إلى شيء من ~~هواك ، ولا طلبا لغير ما ترجو أن يزينه وينفعه . وأما تعظيمه وتوقيره ~~والأدب في خدمته والتمسك بجماعته ، فلما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " السلطان ظل الله ~~في أرضه فمن أكرمه أكرمه الله ومن أهانه أهانه الله " . وعن أبي عبيدة ~~الجراح رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " ~~لا تسبوا السلطان فإنه فيء الله في أرضه " . وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : ~~خطبنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : " إنه كائن بعدي سلطان فلا ~~تذلوه فمن أراد أن يذله فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وليس بمقبول توبته ~~حتى يسد الثلمة التي ثلم ثم يعود فيكون فيمن يعزه " . وقد روي عن أنس رضي ~~الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " إذا مررت ببلد ليس ~~فيه سلطان فلا تدخله فإنما السلطان ظل الله ورمحه في الأرض " . وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " من خرج من ~~الطاعة وفارق الجماعة ثم مات مات ميتة جاهلية " . وعن أبي رجاء العطاردي ~~قال : سمعت ابن عباس يرويه عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " من ~~رأى من أميره ما يكرهه فليصبر فإنه ms1213 ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا ~~مات ميتة جاهلية " . رواه بخاري . فقد تبين لك في سنة رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وجوب تعظيم السلطان وتوقيره . وقال بزرجمهر : من جالس الملوك ~~بغير أدب فقد خاطر بنفسه . وقال ابن المقفع : من خدم السلطان فعليه ~~بالملازمة من غير معاتبة . وقال : إن سأل السلطان غيرك فلا تكن المجيب عنه ~~، فإن استلابك الكلام خفة منك واستخفاف بالسائل والمسئول ؛ وما أنت قائل إن ~~قال لك : ما إياك سألت أو قال لك المسئول عند PageV06P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" المسألة يعاد له بها : يا هذا ، دونك فأجب ؟ ~~وإذا لم يقصد الملك بمسئلته رجلا بعينه وعم بها جميع من عنده فلا تبادرن ~~بالجواب ، ولا تسابق الجلساء ولا تواثب بالكلام مواثبة ، فإنك إن سبقت ~~القوم إلى الجواب صاروا لكلامك خصوما فتعقبوه بالعيب له والطعن فيه ، وإذا ~~أنت لم تعجل بالجواب وخليته للقوم عرضت قولهم على عينك ، ثم تدبرته وفكرت ~~فيه وفيما عندك ، ثم هيأت من تفكيرك ومما سمعت جوابا مرضيا ، ثم استدبرت به ~~أقاويلهم حتى تصغي إليك الأسماع ، ويهدأ عنك الخصوم . فإن لم يبلغك الكلام ~~واكتفى بغيرك وانقطع الحديث فلا يكونن من الغبن عند نفسك فوت ما فاتك من ~~الجواب ، فإن صيانة القول خير من سوء موضعه . وقال : إذا كلمك السلطان ~~فاستمع لكلامه واصغ إليه ، ولا تشغل طرفك بنظر ، ولا أطرافك بعمل ، ولا ~~قلبك بحديث نفس ، واحذر هذا من نفسك وتعهدها به . وقال : لا تشكون إلى ~~وزراء السلطان ودخلائه ما اطلعت عليه منه من رأى أنت تكرهه ، فإنك تكون قد ~~فطنتهم لهواه والميل عليك معه . وقال : لا تكونن صحبتك للملوك إلا بعد ~~رياضة منك لنفسك على طاعتهم في المكروه عندك ، وموافقتهم فيما خالفك ، ~~وتقدير الأمور على أهوائهم دون هواك ، وعلى ألا تكتمهم سرك ولا تستطلعهم ~~على ما كتموك ، وتخفي ما أطلعوك عليه عن الناس كلهم حتى تحمي نفسك الحديث ~~به ، وعلى الاجتهاد في طلب رضاهم ، والتلطف لحاجاتهم ، والتثبيت لحجتهم ، ~~والتصديق لمقالتهم ، والتزين لرأيهم ، وقلة الامتعاض لما فعلوا إذا أساءوا ms1214 ~~، وترك الانتحال لما فعلوا إذا أحسنوا ، وكثرة النشر لمحاسنهم ، وحسن الستر ~~لمساوئهم ، والمقاربة لمن قاربوا وإن كان بعيدا ، والمباعدة لمن باعدوا وإن ~~كان قريبا ، والاهتمام بأمورهم وإن لم يهتموا ، والحفظ لأمورهم وإن ضيعوا ، ~~والذكر لأمورهم وإن نسوا ، والتخفيف بمؤنتك عنهم ، والاحتمال لكل مؤنة لهم ~~، والرضا منهم بالعفو ، وقلة الرضا من نفسك بالمجهود . فإن كنت حافظا إذا ~~ولوك ، حذر إذا قربوك ، أمينا إذا ائتمنوك ، ذليلا إذا صرموك ، راضيا إذا ~~أسخطوك ، تعلمهم وكأنك تتعلم منهم ، وتؤدبهم وكأنك تتأدب منهم ، وتشكرهم ~~ولا تحملهم الشكر ، وإلا فالبعد منهم كل البعد . ومن الآداب العرفية في ~~صحبة الملوك وخدمتهم ، ألا يسلم على قادم بين أيديهم ، وإنما استسن ذلك ~~زياد بن أبيه ، وذلك أن عبد الله بن PageV06P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" عباس قدم على معاوية بن أبي سفيان وعنده زياد ~~، فرحب به معاوية وألطفه وقربه ولم يكلمه زياد بكلمة ، فابتدأه ابن عباس ~~وقال : ما حالك يا أبا المغيرة كأنك أردت أن تحدث بيننا وبينك هجرة ؛ قال : ~~لا ، ولكنه لا يسلم على قادم بين يدي أمير المؤمنين ؛ فقال له ابن عباس : ~~ما ترك الناس التحية بينهم عند أمرائهم ؛ فقال له معاوية : كف عنه يا بن ~~عباس ، فإنك لا تشاء أن تغلب إلا غلبت . وقالوا : كن على التماس الخطأ ~~بالسكوت بين يدي السلطان أحرص منك على التماسه بالكلام . وقالوا : مساءلة ~~الملوك عن أحوالهم من تحية النوكى . وقالوا : لا تسلم على الملك ، فإنه إن ~~أجابك شق عليه ، وإن لم يجبك شق عليك . وقال الفضل بن الربيع : سنتان ~~مهملتان عند الملوك : السلام والتشميت ، لأنهم يصانون عن كل ما يقتضي جوابا ~~. وقيل : لا يقدر على صحبة السلطان إلا من يستقل بما حملوه ، ولا يلحف إذا ~~سألهم ، ولا يغتر بهم إذا رضوا عنه ، ولا يتغير لهم إذا سخطوا عليه ، ولا ~~يطغى إذا سلطوه ، ولا يبطر إذا أكرموه . PageV06P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" وقال فيلسوف : إذا قربك السلطان فكن منه على ~~حد السنان ، وإن استرسل إليك فلا تأمن انقلابه عليك ، وارفق به رفقك بالصبي ~~، وكلمه بما يشتهي ms1215 . قال الصاحب بن عباد : إذا ولاك سلطان فزده . . . من ~~التعظيم واحذره وراقب فما السلطان إلا البحر عظما . . . وقرب البحر محذور ~~العواقب وقال أبو الفتح البستي : أجهل الناس من كان مدلا على السلطان مذلا ~~للإخوان . قال الشعبي : قال لي ابن عباس : قال لي أبي : إني أرى هذا الرجل ~~- يعني عمر بن الخطاب - يستفهمك ويقدمك على الأكابر من أصحاب رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وإني موصيك بخلال أربع : لا تفشين له سرا ، ولا ~~يجربن عليك كذبا ، ولا تطو عنه نصيحة ، ولا تغتابن عنده أحدا ؛ قال الشعبي ~~: فقلت لابن عباس : كل واحدة خير من ألف ، قال : إي والله ومن عشرة آلاف . ~~الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الثاني في وصايا الملوك كتب ~~أرسطاطاليس إلى الإسكندر : أن املك الرعية بالإحسان إليها تظفر ~~PageV06P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" بالمحبة منها ، فإن طلبك الناس بإحسانك هو ~~أدوم بقاء منه باعتسافك ؛ واعلم أنك إنما تملك الأبدان فاجمع لها القلوب ؛ ~~واعلم أن الرعية إذا قدرت أن تقول قدرت أن تفعل . وهذا مخالف لما حكي عن ~~معاوية أن رجلا أغلظ عليه فحلم عنه ؛ قيل له : أتحلم عن مثل هذا ؟ فقال : ~~إنا لا نحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا . ~~وكتب إلى الإسكندر : اعلم أنك غير مستصلح رعيتك وأنت مفسد ، ولا مرشدهم ~~وأنت غاو ، ولا هاديهم وأنت ضال ؛ وكيف يقدر الأعمى على الهدى ، والفقير ~~على الغنى ، والذليل على العز . وقال أنوشروان : ثمانية أشياء هي أساس ~~الملك ، يأتي بأربعة ، ويحذر أربعة ؛ فالذي يأتي به : النصح في الدين ، ~~وكفاء الأمين ، وتقديم الحزم ، وإمضاء العزم . والذي يحذره : غش الوزير ، ~~وسوء التدبير ، وخبث النية ، وظلم الرعية . وقال أردشير لأصحابه : إني إنما ~~أملك الأجساد لا النيات ، وأحكم بالعدل لا بالرضا ، وأفحص عن الأعمال لا عن ~~السرائر . وقال أبرويز لابنه شيرويه : لا توسعن على جندك سعة يستغنون بها ~~عنك فيطغوا ، ولا تضيق عليهم ضيقا يضجون به منك ، ولكن أعطهم عطاء قصدا ~~وامنعهم منعا جميلا ، وابسط لهم في الرجاء ، ولا تبسط لهم في ms1216 العطاء . وكتب ~~إليه أيضا من الحبس : اعلم أن كلمة منك تسفك دما وأخرى تحقن دما ، وأن سخط ~~سيفك مسلول على من سخطت عليه ، وأن رضاك بركة مستفادة على من رضيت عنه ، ~~وأن نفاذ أمرك مع ظهور كلامك ، فاحترس في غضبك من قولك أن يخطئ ، ومن لونك ~~أن يتغير ، ومن جسدك أن يخف ، فإن الملوك تعاقب حزما وتعفو حلما . واعلم ~~أنك تجل عن الغضب ، وأن ملكك يصغر عن رضاك ، فقدر لسخطك من العقاب ما تقدر ~~لرضاك من الثواب . وكتب إليه أيضا من الحبس : اختر لولايتك امرأ كان وضيعا ~~فرفعته ، وذا شرف كان مهملا فاصطنعته ، ولا تجعله امرأ أصبته بعقوبة فاتضع ~~PageV06P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" لها ، ولا امرأ أطاعك بعدما أذللته ، ولا أحدا ~~ممن يقع في خلدك أن إزالة سلطانك أحب إليه من ثبوته ؛ وإياك أن تستعمله ~~ضرعا غمرا ، كثيرا إعجابه بنفسه ، قليلا تجربته في غيره ، ولا كبيرا مدبرا ~~قد أخذ الدهر من عقله كما أخذت السن من جسمه . قال لقيط الإيادي : فقلدوا ~~أمركم لله دركم . . . رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا لا مترفا إن رخاء العيش ~~ساعده . . . ولا إذا عض مكروه به خشعا مازال يحلب در الدهر أشطره . . . ~~يكون متبعا طورا ومتبعا حتى استمرت على شزر مريرته . . . مستحصد الرأي لا ~~قحما ولا ضرعا وكتب سابور بن أردشير في عهده إلى ولده : ليكن وزيرك مقبول ~~القول عندك ، قوي المنزلة لديك ، يمنعه مكانه منك وما يثق به من لطافة ~~منزلته ، من الخشوع لأحد أو الضراعة أو المداهنة لأحد في شيء مما تحت يده ، ~~لتبعثه الثقة بك على محض النصيحة لك ، والمنابذة لمن أراد غشك وانتقاصك حقك ~~. وإن أورد عليك رأيا يخالفك ولا يوافق الصواب عندك ، فلا تجبهه جبه الظنين ~~، ولا ترده عليه بالتجهم فيفت ذلك في عضده ، ويقبضه عن إبثاثك كل رأي يلوح ~~صوابه ، بل اقبل ما ارتضيت من قوله ، وعرفه ما تخوفت من ضرر الرأي الذي ~~انصرفت عنه ، لينتفع بأدبك فيما يستقبل الرأي فيه . واحذر كل الحذر أن تنزل ~~هذه المنزلة سواه ممن يطيف ms1217 بك من خدمك وخاصتك ، وأن تسهل لأحد منهم سبيل ~~الانبساط بالنطق عندك PageV06P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" والإفاضة في أمور ولايتك ورعيتك ، فإنه لا ~~يوثق بصحة رأيهم ، ولا يؤمن الانتشار فيما أفضي من السر إليهم . وقال ابن ~~المقفع : عود نفسك الصبر على من خالفك من ذوي النصيحة ، والتجرع لمرارة ~~قولهم وعذلهم ، ولا تسهلن سبيل ذلك إلا لأهل الفضل والعقل والسن والمروءة ~~في ستر ، لئلا ينتشر من ذلك ما يجترىء به سفيه أو يستخف به شانئ . واعلم أن ~~رأيك لا يتسع لكل شيء ففرغه لمهم ما يعنيك ، وأن مالك لا يتسع للناس فاخصص ~~به أهل الحق ، وأن كرامتك لا تطيق العامة فتوخ بها أهل الفضل ، وأن ليلك ~~ونهارك لا يستوعبان حاجاتك وإن دأبت فيهما ، فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك ~~. واعلم أن ما شغلت من رأيك بغير المهم أزرى بك ، وما صرفت من مالك في ~~الباطل فقدته حين تريده للحق ، وما عدلت به من كرامتك إلى أهل النقص أضر بك ~~في العجز عن أهل الفضل . وكتب عبد الله بن عباس إلى الحسن بن علي لما ولاه ~~الناس أمرهم بعد علي رضي الله عنهما : أن شمر للحرب ، وجاهد عدوك ، واشتر ~~من الضنين دينه بما لا يثلم دينك ، ووال أهل البيوتات تستصلح به عشائرهم . ~~وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : يجب على الوالي أن يتعهد أموره ويتفقد ~~أعوانه حتى لا يخفى عليه إحسان محسن ولا إساءة مسيء ، ثم لا يترك أحدهما ~~بغير جزاء ، فإنه إذا ترك ذلك تهاون المحسن واجترأ المسيء ، وفسد الأمر ~~وضاع العمل . وقال بعض الحكماء : الملك المنعم إذا أفاض المكارم واغتفر ~~الجرائم ارتبط بذلك خلوص نية من قرب منه وهم الأقل ، وانفساح الأمل ممن بعد ~~عنه وهم الأكثر ، فيستخلص حينئذ ضمائر الكل من حيث لم يصل معروفه إلا إلى ~~البعض . PageV06P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" ولم أر فيما طالعته من هذا المعنى أجمع ~~للوصايا ولا أشمل من عهد كتبه علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى مالك بن ~~الحارث الأشتر حين ولاه ms1218 مصر ، فأحببت أن أورده على طوله وآتي على جملته ~~وتفصيله ، لأن مثل هذا العهد لا يهمل ، وسبيل فضله لا يجهل ، وهو : هذا ما ~~أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين إلى مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه ~~حين ولاه مصر : جباية خراجها ، وجهاد عدوها ، واستصلاح أهلها ، وعمارة ~~بلادها ، أمره بتقوى الله وإيثار طاعته واتباع ما أمره به في كتابه من ~~فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا باتباعها ، ولا يشقى إلا بالعدول عنها ؛ ~~وأن ينصر الله تعالى بيده وقلبه ولسانه ، فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من ~~نصره وإعزاز من أعزه ؛ وأمره أن يكسر نفسه عند الشهوات ويزعها عند الجمحات ~~، فإن النفس لأمارة بالسوء . ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت ~~عليها دول من قبلك من عدل وجور ، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت ~~تنظر فيه من أمر الولاة قبلك ، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم . وإنما يستدل ~~على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده . فليكن أحب الذخائر إليك ~~ذخيرة العمل الصالح . فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك ؛ فإن الشح ~~بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت . وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة ~~لهم ؛ والطف بهم ، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم ؛ فإنهم صنفان : ~~إما أخ في الدين ، وإما نظير لك في الخلق ، يفرط منهم الزلل وتعرض لهم ~~العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ ؛ فأعطهم من صفحك وعفوك مثل الذي ~~تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ، فإنك فوقهم ، ووالي الأمر عليك فوقك ؛ ~~والله فوق من ولاك ؛ وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم ، فلا تنصبن نفسك لحرب ~~الله ، فإنه لا قوة لك بنقمته ، ولا غنى بك من عفوه ورحمته . ولا تندمن على ~~عفو ، ولا تبجحن بعقوبة ، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت منها مندوحة ، ولا ~~تقولن : مؤمر آمر فأطاع ، فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين وتقرب من ~~الغير . فإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو ms1219 مخيلة ، PageV06P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" فانظر إلى عظم ملك الله تعالى فوقك وقدرته منك ~~على ما لا تقدر عليه من نفسك ، فإن ذلك يطامن إليك من طماحك ، ويكف عنك من ~~غربك ويفيء إليك بما عزب عنك من عقلك . وإياك ومساماة الله في عظمته ~~والتشبه به في جبروته ، فإن الله يذل كل جبار ويهين كل مختال . أنصف الله ~~وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك وممن لك فيه هوى من رعيتك ، فإنك إلا ~~تفعل تظلم ، ومن ظلم عباد الله كان خصمه دون عباده ، ومن خاصمه الله أدحض ~~حجته وكان لله حربا حتى ينزع ويتوب . وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله ~~وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم فإن الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين ~~بالمرصاد . وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها ~~لرضا الرعية ، فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة ، وإن سخط الخاصة يغتفر ~~برضا العامة . وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤنة في الرخاء ، وأقل ~~معونة في البلاء ، وأكره للإنصاف ، وأسأل بالإلحاف ، وأقل شكرا عند العطاء ~~، وأبطأ عذرا عند المنع ، وأضعف صبرا عند ملمات الدهر من أهل الخاصة ، وإن ~~عمود الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة ؛ فليكن صغوك ~~لهم وميلك معهم . وليكن أبعد رعيتك منك وأشنؤهم عندك أطلبهم لعيوب الناس ، ~~فإن في الناس عيوبا الوالي أحق بسترها ، فلا تكشفن عما غاب عنك منها ، ~~فإنما عليك تطهير ما ظهر لك ، والله حكم على ما غاب عنك منها . فاستر ~~العورة ما استطعت يستر الله ما تحب ستره من عيبك . أطلق عن الناس عقدة كل ~~حقد ، واقطع عنهم سبب كل وتر ، وتغاب عن كل ما لا يصلح لك . ولا تعجلن إلى ~~تصديق ساع ، فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين . ولا تدخلن في مشورتك ~~بخيلا فيعدل عن الفضل ويعدك الفقر ، ولا جبانا فيضعفك عن الأمور ، ولا ~~حريصا فيزين لك الشره بالجور ؛ فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها ~~سوء الظن بالله . واعلم أن شر وزرائك من كان للأشرار ms1220 قبلك وزيرا ومن شركهم ~~في الآثام ، فلا يكونن لك بطانة ، فإنهم أعوان الأثمة وإخوان الظلمة . وأنت ~~واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم ، وليس عليه مثل آصارهم ~~وأوزارهم ، ممن لم يعاون ظالما على ظلمه ولا آثما على إثمه ، أولئك أخف ~~عليك مؤنة وأحسن لك معونة ، وأحنى عليك عطفا وأقل لغيرك إلفا ، ~~PageV06P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك . ثم ليكن ~~آثرهم عندك أقولهم للحق ، وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله تعالى ~~لأوليائه واقعا من هواك حيث وقع . ثم رضهم على ألا يطروك ولا يبجحوك بباطل ~~لم تفعله ، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني إلى العزة . ولا يكونن ~~المحسن والمسيء عندك بمنزلة واحدة ، فإن في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في ~~الإحسان ، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة ، وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه ~~. واعلم أنه ليس شيء أدعى إلى حسن ظن وال برعيته من إحسانه إليهم وتخفيف ~~المؤنات عليهم وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم . وليكن منك في ذلك ~~أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك ، فإن حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا . وإن ~~أحق من حسن ظنك به من حسن بلاؤك عنده ، وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء ~~بلاؤك عنده . ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة واجتمعت بها ~~الألفة وصلحت عليها الرعية ، ولا تحدثن سنة تضر بشيء من ماضي تلك السنن ، ~~فيكون الأجر لمن سنها ، والوزر عليك بما نقضت منها . وأكثر مدارسة العلماء ~~ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك ، وإقامة ما استقام به ~~الناس قبلك . واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ، ولا غنى ~~ببعضها عن بعض ، فمنها جنود الله ، ومنها كتاب العامة والخاصة ، ومنها قضاة ~~العدل ، ومنها عمال الإنصاف والرفق ، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل ~~الذمة ومسلمة الناس ، ومنها التجار وأهل الصناعات ، ومنها الطبقة السفلى من ~~ذوي الحاجة والمسكنة ، وكل قد سمى الله سهمه ، ووضع على حده فريضته في ~~كتابه وسنة نبيه ms1221 ( صلى الله عليه وسلم ) عهدا منه محفوظا . فالجنود بإذن ~~الله حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسبل الأمن ، وليس تقوم الرعية إلا ~~بهم ، ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به في ~~جهاد عدوهم ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ويكون من وراء حاجتهم . ثم لا قوام ~~لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما يحكمون من ~~المعاقد ، ويجمعون من المنافع ، ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها . ~~ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من ~~مرافقهم ، ويقومون به في أسواقهم ، ويكفونهم من الرفق بأيديهم ما لا يبلغه ~~رفق غيرهم . ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ~~ومعونتهم ؛ وفي الله لكل سعة ؛ ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه . وليس ~~يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من PageV06P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله وتوطين ~~نفسه على لزوم الحق والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل . فول من جنودك أنصحهم ~~في نفسك لله تعالى ولرسوله ولإمامك ، وأنقاهم ، جيبا ، وأفضلهم حلما ، ممن ~~يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر ورفق بالضعفاء وينبو عن الأقوياء ، وممن ~~لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف . ثم ألحق بذوي الأحساب وأهل البيوتات ~~الصالحة والسوابق الحسنة أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة ، فإنهم ~~جماع الكرم وشعب العرف ؛ ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما . ~~ولا يتفاقمن في نفسك شيء قويتهم به ؛ ولا تحقرن لطفا تعاهدهم به وإن قل ، ~~فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك ، وحسن الظن بك . ولا تدع تفقد لطيف ~~أمورهم اتكالا على جسيمها ، فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به ، وللجسيم ~~موقعا لا يستغنون عنه . وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته ~~وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم حتى يكون ~~همهم هما واحدا في جهاد العدو ، فإن عطفك عليهم يعطف عليك قلوبهم ؛ وإن ~~أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد ms1222 وظهور مودة الرعية ؛ وإنه لا ~~تظهر مودتهم إلا بسلامة صدرهم ، ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة ~~أمورهم وقلة استثقال دولهم وترك استبطاء انقطاع مدتهم ، فافسح في آمالهم ~~وواصل في حسن الثناء عليهم وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم ، فإن كثرة ~~الذكر لحسن فعالهم تهز الشجاع وتحرض الجبان إن شاء الله . ثم اعرف لكل امرئ ~~منهم ما أبلى . ولا تضمن بلاء امرئ إلى غيره ، ولا تقصرن به دون غاية بلائه ~~. ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا ، ولا ضعة امرئ ~~إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما . واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من ~~الخطوب ويشتبه عليك من الأمور ؛ فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم : " ~~يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول " ؛ فالراد إلى الله هو الآخذ بمحكم ~~كتابه ، والراد إلى الرسول الآخذ بسنته الجامعة غير المتفرقة . ثم اختر ~~للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ، ولا تممكه ~~الخصوم ، ولا يتمادى في الذلة ، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا ~~PageV06P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" عرفه ، ولا تشرف نفسه على طمع ، ولا يكتفي ~~بأدنى فهم دون أقصاه ، أوقفهم في الشبهات ، وآخذهم بالحجج ، وأقلهم تبرما ~~بمراجعة الخصم ، وأصبرهم على تكشف الأمور ، وأصرمهم عند إيضاح الحكم ، ممن ~~لا يزدهيه إطراء ، ولا يستميله إغراء ؛ وأولئك قليل . ثم أكثر تعاهد قضائه ~~؛ وافسح له في البذل ما يريح علته وتقل معه حاجته إلى الناس ، وأعطه من ~~المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له ~~عندك . فانظر في ذلك نظرا بليغا ؛ فإن هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي ~~الأشرار يعمل فيه بالهوى وتطلب به الدنيا . ثم انظر في أمور عمالك ~~فاستعملهم اختبارا ولا تولهم محاباة وأثرة ، فإنهما جماع من شعب الجور ~~والخيانة . وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم ~~في الإسلام المتقدمة ، فإنهم أكرم ms1223 أخلاقا وأصح أعراضا ، وأقل في المطامع ~~إسرافا ، وأبلغ في عواقب الأمور نظرا . ثم أسبغ عليهم الأرزاق ، فإن ذلك ~~قوة لهم على استصلاح أنفسهم ، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم ، وحجة ~~عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك . ثم تفقد أعمالهم ، وابعث العيون من ~~أهل الصدق والوفاء عليهم ، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على ~~استعمال الأمانة والرفق بالرعية . وتحفظ من الأعوان ، فإن أحد منهم بسط يده ~~إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا ، فبسطت ~~عليه العقوبة في بدنه ، وأخذته بما أصاب من عمله ، ثم نصبته بمقام الذلة ، ~~ووسمته بالخيانة ، وقلدته عار التهمة . وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله ، ~~فإن صلاحهم وصلاحه صلاح لمن سواهم ، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم ، لأن ~~الناس كلهم عيال على الخراج وأهله . وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من ~~نظرك في استجلاب الخراج ، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ؛ ومن طلب الخراج ~~بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلا . فإن شكوا ~~ثقلا أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها ~~عطش ، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم ؛ ولا يثقلن عليك شيء خففت به ~~المؤنة عنهم ، فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك ، مع ~~استجلابك حسن ثنائهم PageV06P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" وتبجحك باستفاضة العدل فيهم ، معتمدا فضل ~~قوتهم بما ذخرت عندهم من إجماحك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم ~~ورفقك بهم . فربما حدث من الأمور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد ، احتملوه ~~طيبة أنفسهم به ، فإن العمران يحتمل ما حملته ، وإنما يؤتى خراب الأرض من ~~إعواز أهلها ، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع وسوء ظنهم ~~بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر . واستعمل من يحب أن يدخر حسن الثناء من ~~الرعية والمثوبة من الله عز وجل والرضا من الإمام . ثم انظر في حال الكتاب ~~فول أمورك خيرهم . واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكايدك ms1224 وأسرارك بأجمعهم ~~لوجود صالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ~~ملأ ، ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك وإصدار جوابها على ~~الصواب منها عنك ، وفيما يأخذ لك ويعطى منك ، ولا يضعف عقدا اعتقده لك ، ~~ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك ، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور ، فإن ~~الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل . ثم لا يكن اختيارك إياهم على ~~فراستك واستنامتك وحسن الظن منك ، فإن الرجال يتعرفون لفراسات الولاة ~~بتصنعهم وحسن خدمتهم ؛ وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شيء ؛ ولكن ~~اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك ، فاعمد لأحسنهم كان في العامة أثرا ، ~~وأعرفهم بالأمانة وجها ، فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره . ~~واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأسا منه لا يقهره كبيرها ولا يتشتت عليه ~~كثيرها . ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته . ثم استوص بالتجار ~~وذوي الصناعات ، وأوص بهم خيرا المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق ببدنه ~~، فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجلابها من المباعد والمطارح في برك ~~وبحرك وسهلك وجبلك وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترئون عليها ، فإنهم ~~سلم لا تخاف بائقته ، وصلح لا تخشى غائلته . وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي ~~بلادك . واعلم أن في كثير منهم ضيقا فاحشا وشحا قبيحا واحتكارا للمنافع في ~~المبايعات ، وذلك باب مضرة للعامة ، وعيب على الولاة ، فامنع من الاحتكار ، ~~فإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منع منه . وليكن البيع بيعا سمحا ~~بموازين PageV06P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين البائع والمبتاع ~~، فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به وعاقبه من غير إسراف . ثم الله الله ~~في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم والمساكين المحتاجين وأهل البؤسى ~~والزمنى ، فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترا ، فاحفظ الله ما استحفظك فيهم ، ~~واجعل لهم قسما من بيت مالك ، وقسما من غلات صوافى الإسلام في كل بلد ، فإن ~~للأقصى منهم مثل الذي للأدنى . وكل قد استرعيت حقه فلا ms1225 يشغلنك عنهم بطر ~~فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لأحكامك الكثير المهم ، فلا تشخص همك عنهم ولا ~~تصعر خدك لهم ؛ وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون وتحقره ~~الرجال ، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع ، فليرفع إليك أمورهم ؛ ~~ثم اعمل فيهم بالاعذار إلى الله سبحانه وتعالى في تأدية حقه إليه . وتعهد ~~أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه . وذلك ~~على الولاة ثقيل ؛ والحق كله ثقيل وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة ~~فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم . واجعل لذوي الحاجات منك قسما ~~تفرغ لهم في شخصك وتجلس لهم فيه مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك ~~وتبعد عنهم جندك وأعوانك من حراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متعتع فإني ~~سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول في غير موطن : " لن تقدس أمة ~~لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع . ثم احتمل الخرق منهم والعي ، ~~ونح عنك الضيق والأنف يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته ويوجب لك ثواب طاعته ~~، وأعط ما أعطيت هنيئا ، وامنع في إجمال وإعذار . ثم أمور من أمورك لابد لك ~~من مباشرتها : منها إجابة عمالك بما لا يغني عنه كتابك ، ومنها إصدار حاجات ~~الناس عند ورودها عليك مما تحرج به صدور أعوانك . وأمض لكل يوم عمله فإن ~~لكل يوم ما فيه . واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل PageV06P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" تلك المواقيت وأجزل تلك الأقسام ، وإن كانت ~~كلها لله إذا صلحت فيها النية وسلمت منها الرعية . وليكن في خاصة ما تخلص ~~لله به دينك إقامة فرائضه التي هي له خاصة ، فأعط الله من بدنك في ليلك ~~ونهارك ، ووف ما تقربت به إلى الله تعالى من ذلك كاملا غير مثلوم ولا منقوص ~~بالغا من بدنك ما بلغ . وإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفرا ولا مضيعا ~~، فإن في الناس من به العلة وله الحاجة ؛ وقد سألت رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ms1226 ) حين وجهني إلى اليمن كيف أصلي بهم ؟ فقال : " كصلاة أضعفهم وكن ~~بالمؤمنين رحيما " . وأما بعد هذا فلا يطولن احتجابك عن رعيتك ، فإن احتجاب ~~الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالأمور . والاحتجاب منهم يقطع ~~عنهم علم ما احتجبوا دونه ، فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير ويقبح الحسن ~~ويحسن القبيح ويشاب الحق بالباطل . وإنما الوالي بشر لا يعرف ما يوارى عنه ~~الناس من الأمور ؛ وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب . ~~وإنما أنت أحد رجلين : إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ، ففيم احتجابك من ~~واجب حق تعطيه أو فعل كريم تسديه ؟ وإما امرؤ مبتلى بالمنع ، فما أسرع كف ~~الناس عن مسألتك إذا يئسوا من ذلك مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤنة ~~فيه عليك من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف في معاملة . ثم إن للوالي خاصة وبطانة ~~فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف في معاملة ، فاحسم مادة ذلك بقطع أسباب تلك ~~الأحوال . ولا تقطعن لأحد من حاشيتك وخاصتك قطيعة ، ولا يطمعن منك في ~~اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤنته على ~~غيرهم ، فيكون مهنأ ذلك لهم دونك ، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة . وألزم ~~الحق من لزمه من القريب والبعيد ، وكن في ذلك صابرا محتسبا واقعا ذلك من ~~قرابتك وخاصتك حيث وقع ؛ وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه ، فإن مغبة ذلك ~~محمودة . وإن ظنت الرعية بك حيفا PageV06P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" فأصحر لهم بعذرك واعدل عنك ظنونهم بإصحارك ، ~~فإن في ذلك إعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق . ولا تدفعن صلحا ~~دعاك إليه عدوك ولله فيه رضا ، فإن في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك ~~وأمنا لبلادك . ولكن احذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه ، فإن العدو ربما قارب ~~ليتغفل ، فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن . فإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة ~~وألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالأمانة واجعل نفسك جنة دون ~~ما أعطيت ، فإنه ليس ms1227 من فرائض الله شيء الناس أشد عليه اجتماعا مع تفرق ~~أهوائهم وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود ؛ وقد لزم ذلك المشركون فيما ~~بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر . فلا تغدرن بذمتك ولا ~~تخيسن بعهدك ولا تختلن عدوك ، فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي . وقد ~~جعل الله عهده وذمته أمنا قضاه بين العباد برحمته ، وحرما يسكنون إلى منعته ~~ويستفيضون إلى جواره ، فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه . ولا تعقد عقدا ~~تجوز فيه العلل . ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة . ولا يدعونك ~~ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق ، فإن صبرك على ضيق ~~ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته وأن تحيط بك من الله طلبة ~~فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك . إياك والدماء وسفكها بغير حلها ، فإنه ~~ليس شيء أدعى لنقمة ولا أعظم تبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك ~~الدماء بغير حقها ، والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من ~~الدماء يوم القيامة ؛ فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام ، فإن ذلك مما يضعفه ~~ويوهنه بل يزيله وينقله . فلا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد ، لأن ~~فيه قود البدن . فإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة ؛ ~~فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة ، فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى ~~أولياء المقتول حقهم . PageV06P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها ~~وحب الإطراء ، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان ~~المحسنين . وإياك والمن على رعيتك بإحسانك ، والتزيد فيما كان من فعلك ، ~~وأن تعدهم فتتبع موعدك بخلف ، فإن المن يبطل الإحسان ، والتزيد يذهب بنور ~~الحق ، والخلف يوجب المقت عند الله والناس . قال الله تعالى : " كبر مقتا ~~عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " . وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها ، ~~أو التسقط فيها عند إمكانها ، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت ، أو الوهن ms1228 عنها ~~إذا استوضحت ؛ فضع كل أمر موضعه وأوقع كل عمل موقعه . وإياك والاستئثار بما ~~الناس فيه أسوة ، والتغابي عما يعنى به مما قد وضح لعيون الناظرين ، فإنه ~~مأخوذ منك لغيرك ، وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك المظلوم . ~~املك حمية أنفك وسورة حدك وسطوة يدك وغرب لسانك ، واحترس من كل ذلك بكف ~~البادرة وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار ، ولن تحكم ذلك من ~~نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك . والواجب عليك أن تتذكر ما مضى ~~لمن تقدمك من حكومة عادلة ، أو سنة فاضلة ، أو أثر عن نبينا ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، أو فريضة في كتاب الله ، فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها ~~، وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا ، واستوثقت به من الحجة ~~لنفسي عليك لكيلا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها . وأنا أسأل الله ~~بسعة رحمته وعظيم قدرته على إعطاء كل ذي رغبة : أن يوفقني وإياك لما فيه ~~رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه ، مع حسن الثناء في ~~العباد وجميل الأثر في البلاد وتمام النعمة وتضعيف الكرامة ، وأن يختم لي ~~ولك بالسعادة والشهادة . إنا لله وإنا إليه راجعون . تم العهد بعون الله ~~تعالى . PageV06P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" وقيل ينبغي للملك أن يسوق العنف باللطف ، ~~والتوفير بالتوقير ، ولا يتخذ أعوانا إلا أعيانا ، ولا إخلاء إلا أجلاء ، ~~ولا ندماء إلا كرماء ، ولا جلساء إلا ظرفاء . الباب الخامس من القسم الخامس ~~من الفن الثاني فيما يجب على الملك للرعايا ويجب على الملك أن يبسط لرعيته ~~بساطا ، ويبني لهم من الأمن فسطاطا ، وينشر عليهم ألوية حلم خفقت ذوائبها ، ~~ويسلسل لهم أنهار بر امتدت دوائبها ؛ ويكف عنهم أكف المظالم ، ويوكف عليهم ~~سحائب المكارم . وأهم ما قدم من ذلك العدل . ذكر ما قيل في العدل وثمرته ~~وصفة الإمام العادل والعدل واجب على كل من استرعى رعية من إمام وغيره ؛ قال ~~الله تعالى : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " ، وقال تعالى : " وإن حكمت ~~فاحكم بينهم ms1229 بالقسط إن الله يحب المقسطين " ، وقال تعالى : " وإذا قلتم ~~فاعدلوا ولو كان ذا قربى " ، وقال تعالى : " يا داود إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى " ، وقال تعالى : " الذين إن ~~مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله عاقبة الأمور " . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~عدل ساعة في حكمة خير من عبادة ستين سنة " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع وهو ~~مسئول عنهم والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم والمرأة راعية على بيت ~~بعلها وولده وهي مسئولة عنهم والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه فكلكم ~~راع وكلكم مسئول عن رعيته " . قال بعض الشعراء : فكلكم راع ونحن رعية . . . ~~وكل سيلقى ربه فيحاسبه PageV06P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" وقالت الحكماء : إمام عادل خير من مطر وابل ، ~~وإمام غشوم خير من فتنة تدوم . يقال : إن جمشيد أحد ملوك الفرس الأول ، لما ~~ملك الأقاليم عمل أربعة خواتيم : خاتما للحرب والشرطة وكتب عليه الأناة ، ~~وخاتما للخراج وكتب عليه العمارة ، وخاتما للبريد وكتب عليه الوحا ، وخاتما ~~للمظالم وكتب عليه العدل ، فبقيت هذه الرسوم في ملوك الفرس إلى أن جاء ~~الإسلام . وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : إذا كان الإمام عادلا فله ~~الأجر وعليك الشكر ، وإذا كان جائرا فله الوزر وعليك الصبر . وقال أردشير ~~لابنه : يا بني إن الملك والعدل أخوان لا غنى لأحدهما عن صاحبه ، فالملك أس ~~والعدل حارس ، فما لم يكن له أس فمهدوم ، وما لم يكن له حارس فضائع ، يا ~~بني اجعل حديثك مع أهل المراتب ، وعطيتك لأهل الجهاد ، وبشرك لأهل الدين ، ~~وبرك لمن عناه ما عناك من ذوي العقول . وقال بعض الحكماء : يجب على السلطان ~~أن يلتزم العدل في ظاهر أفعاله لإقامة أمر سلطانه ، وفي باطن ضميره لإقامة ~~أمر دينه ، فإذا فسدت السياسة ذهب السلطان ؛ ومدار السياسة كلها على العدل ~~والإنصاف ، فلا يقوم السلطان لأهل الكفر والإيمان ms1230 إلا بهما ، ولا يدور إلا ~~عليهما . وقال عبد الملك بن مروان لبنيه : كلكم يترشح لهذا الأمر ، ولا ~~يصلح له منكم إلا من له سيف مسلول ، ومال مبذول ؛ وعدل تطمئن إليه القلوب . ~~PageV06P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" وخطب سعيد بن سويد بحمص ، فحمد الله وأثنى ~~عليه ثم قال : أيها الناس ، إن للإسلام حائطا منيعا وبابا وثيقا ؛ فحائط ~~الإسلام الحق وبابه العدل ؛ ولا يزال الإسلام منيعا ما اشتد السلطان ؛ وليس ~~شدة السلطان قتلا بالسيف ولا ضربا بالسوط ، ولكن قضاء بالحق وأخذ بالعدل . ~~وكتب إلى عمر بن عبد العزيز بعض عماله يستأذنه في تحصين مدينة ، فكتب إليه ~~: حصنها بالعدل ونق طريقها من الظلم . وقال معاوية : إني لأستحي أن أظلم من ~~لا يجد علي ناصرا إلا الله . وقال المهدي للربيع بن جهم وهو وال على أرض ~~فارس : يا ربيع ، انشر الحق والزم القصد وابسط العدل وارفق بالرعية ، واعلم ~~أن أعدل الناس من أنصف من نفسه ، وأجورهم من ظلم الناس لغيره . وقال جعفر ~~بن يحيى : الخراج عمود الملك ، وما استغزر بمثل العدل ، ولا استنزر بمثل ~~الظلم . وقال عمرو بن العاص : لا سلطان إلا برجال ، ولا رجال إلا بمال ، ~~ولا مال إلا بعمارة ، ولا عمارة إلا بعدل . PageV06P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" وقيل : سأل الإسكندر حكماء بابل ، فقال : أيما ~~أبلغ عندكم ، الشجاعة أم العدل ؟ فقالوا إذا استعملنا العدل استغنينا عن ~~الشجاعة . ولما جيء بالهرمزان ملك خوزستان أسيرا إلى عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه ، لم يزل الموكل به يقتفي أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى ~~وجده بالمسجد نائما متوسدا درته ، فلما رآه الهرمزان قال : هذا هو الملك ؟ ~~قيل نعم ، فقال له : عدلت فأمنت فنمت ، والله إني قد خدمت أربعة من ملوك ~~الأكاسرة أصحاب التيجان فما هبت أحدا منهم هيبتي لصاحب هذه الدرة . وقالوا ~~: إذا عدل الإمام خصب الزمان . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إن الأرض ~~لتزين في أعين الناس إذا كان عليها إمام عادل ، وتقبح إذا كان عليها إمام ~~جائر . وحكي أن كسرى أبرويز نزل متنكرا بامرأة ms1231 ، فحلبت له بقرة فرآها حلبت ~~لبنا كثيرا ، فقال لها : كم يلزمك في السنة على هذه البقرة للسلطان ؟ فقالت ~~: درهم واحد ؛ فقال : أين ترتع وبكم منها ينتفع ؟ فقالت : ترتع في أراضي ~~السلطان ، ولي منها قوتي وقوت عيالي ؛ فقال في نفسه : إن الواجب أن أجعل ~~إتاوة على البقور فلأصحابها نفع عظيم ؛ فما لبث أن قالت المرأة : أوه ، إن ~~سلطاننا هم يجور ، فقال أبرويز : لمه ؟ فقالت : لأن در البقرة انقطع ، وإن ~~جور السلطان مقتض لجدب الزمان ؛ فأقلع عما كان هم به . وكان يقول بعد ذلك : ~~إذا هم الإمام بجور ارتفعت البركة . وقال سقراط : ينبوع فرح العالم الملك ~~العادل ، وينبوع حزنهم الملك الجائر . وقال الفضل : لو كان عندي دعوة ~~مستجابة لم أجعلها إلا في الإمام . فإنه إذا صلح أخصبت البلاد وأمنت العباد ~~؛ فقبل ابن المبارك رأسه وقال : لا يحسبن هذا غيرك . وقال قدامة : حسبكم ~~دلالة على فضيلة العدل أن الجور الذي هو ضده لا يقوم إلا به ؛ وذلك أن ~~اللصوص إذا أخذوا الأموال واقتسموها بينهم احتاجوا إلى استعمال العدل في ~~اقتسامهم وإلا أضر ذلك بهم . PageV06P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" صفة الإمام العادل . كتب عمر بن عبد العزيز ~~لما ولي الخلافة إلى الحسن ابن أبي الحسن البصري أن يكتب له صفة الإمام ~~العادل ؛ فكتب إليه الحسن : اعلم يا أمير المؤمنين ، أن الله جعل الإمام ~~العادل قوام كل مائل ، وقصد كل جائر ، وصلاح كل فاسد ، وقوة كل ضعيف ، ~~ونصفة كل مظلوم ، ومفزع كل ملهوف . والإمام العادل يا أمير المؤمنين ~~كالراعي الشفيق على إبله والحازم الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المراعي ، ~~ويذودها عن مراتع الهلكة ، ويحميها من السباع ، ويكنفها من أذى الحر والقر ~~. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده ، يسعى لهم صغارا ~~، ويعلمهم كبارا ، يكسب لهم في حياته ، ويدخر لهم بعد وفاته . والإمام ~~العادل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها ، حملته كرها ~~، ووضعته كرها ، وربته طفلا ، تسهر لسهره وتسكن لسكونه ، وترضعه تارة ~~وتفطمه أخرى ، وتفرح بعافيته ، وتغتم بشكايته . والإمام العادل يا أمير ~~المؤمنين ms1232 وصي اليتامى ، وخازن المساكين ، يربي صغيرهم ويمون كبيرهم . ~~والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوارح ، تصلح الجوارح بصلاحه ~~، وتفسد بفساده . والإمام العادل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله ~~وعباده ، يسمع كلام الله ويسمعهم ، وينظر إلى الله ويريهم ، وينقاد لله ~~ويقودهم . فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده ~~واستحفظه ماله وعياله ، فبدد المال وشرد العيال فأفقر أهله وأهلك ماله . ~~واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش ~~، فكيف إذا أتاها من يليها وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده ، فكيف إذا ~~قتلهم من يقتص لهم واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده ، وقلة أشياعك ~~عنده وأنصارك عليه ، فتزود له وما بعده من الفزع الأكبر . PageV06P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلا غير منزلك ~~الذي أنت به ، يطول فيه ثواؤك ، ويفارقك أحباؤك ، ويسلمونك في قعره فريدا ~~وحيدا ؛ فتزود له ما يصحبك يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ~~. واذكر يا أمير المؤمنين إذا بعثر ما في القبور ، وحصل ما في الصدور ؛ ~~فالأسرار ظاهرة ، والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ؛ فالآن يا ~~أمير المؤمنين وأنت في مهل ، قبل حلول الأجل ، وانقطاع الأمل ؛ لا تحكم يا ~~أمير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهلين ، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين ، ~~ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين ، فإنهم لا يرقبون في مؤمن غلا ولا ذمة ~~، فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك ، وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك . ولا ~~يغرنك الذين ينعمون بما فيه بؤسك ، ويأكلون الطيبات من دنياهم بإذهاب ~~طيباتك في آخرتك . ولا تنظرن إلى قدرك اليوم ، ولكن انظر إلى قدرك غدا وأنت ~~مأسور في حبائل الموت ، وموقوف بين يدي الله تعالى في مجمع الملائكة ~~والمرسلين ، وقد عنت الوجوه للحي القيوم . إني يا أمير المؤمنين إن لم أبلغ ~~في عظتي ما بلغه أولو النهي قبلي ، فلم آلك شفقة ونصحا ؛ فأنزل كتابي هذا ~~إليك كمداوي حبيبه يسقيه الأدوية الكريمة لما يرجو له بذلك من ms1233 العافية ~~والصحة . والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته . وحيثما ذكرنا ~~العدل وصفة الإمام العادل فلنذكر الظلم وسوء عاقبته . ذكر ما قيل في الظلم ~~وسوء عاقبته قال الله تعالى : " ألا لعنة الله على الظالمين " ، وقال تعالى ~~: " وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا " ، وقال تعالى : " ولا تحسبن الله ~~غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين " ؛ قيل ~~: هذا تعزية للمظلوم ووعيد للظالم . قال تعالى : " إنا أعتدنا للظالمين ~~نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس ~~الشراب وساءت مرتفقا " . وقال تعالى : " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون " . وقال تعالى : " وما للظالمين من أنصار " . وقال تعالى : " فقطع ~~دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " . وقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " أشد الناس عذابا يوم القيامة PageV06P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" إمام جائر " وفي لفظ آخر : " أبغض الناس إلى ~~الله يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " اتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " وفي لفظ : " فإنها ~~مستجابة " . ويقال : ما أنعم الله على عبد نعمة فظلم بها إلا كان حقيقا على ~~الله أن يزيلها . وقال الأحنف : إذا دعتك نفسك إلى ظلم الناس فاذكر قدرة ~~الله على عقوبتك ، وانتقام الله لهم ، وذهاب ما آتيت إليهم عنهم . وقال ~~يوسف بن أسباط : من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله . وروي في ~~الحديث : " إن الله تعالى يقول وعزتي لأجيبن دعوة المظلوم وإن كان كافرا " ~~. وقال : " ما من عبد ظلم فشخص بصره إلى السماء ثم قال : يا رب ؛ عبدك ، ~~ظلمت فلم أنتصر إلا بك إلا قال الله لبيك عبدي لأنصرنك ولو بعد حين " . ~~وقيل : الظلم أدعى شيء إلى تغيير نعمة وتعجيل نقمة . وقال ابن عباس : ليس ~~للظالم عهد ، فإن عاهدته فانقضه ، فإن الله تعالى يقول : " لا ينال عهدي ~~الظالمين " . وأجمعوا على أن المظلوم موقوف على النصرة لقوله تعالى : " ثم ~~بغي عليه لينصرنه الله " . والظالم مدرجة العقوبة وإن تنفست مدته . وقيل ~~لعمر بن الخطاب رضي ms1234 الله عنه : كان الرجل يظلم في الجاهلية فيدعو ~~PageV06P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" على من ظلمه فيجاب عاجلا ولا يرى ذلك في ~~الإسلام ؛ فقال : هذا حاجز بينهم وبين الظلم ، وإن موعدكم الآن الساعة ، ~~والساعة أدهى وأمر . وقيل : تندمل من المظلوم جراحه ، إذا انكسر من الظالم ~~جناحه . وقالوا : الجور آفة الزمان ، ومحدث الحدثان ؛ وجالب الإحن ، ومسبب ~~المحن ؛ ومحيل الأحوال ، وممحق الأموال ؛ ومخلى الديار ، ومحيي البوار . ~~وهو مأخوذ من قولهم : جار عن الطريق إذا نكب عنها ، فكأنه عدل عن طريق ~~العدل وحاد عن سبيله . وفي الإسرائليات أن الله عز وجل أوحى إلى موسى عليه ~~السلام : " يا موسى ، قل لبني إسرائيل : تجنبوا الظلم ؛ وعزتي وجلالي إن له ~~عندي مغبة ؛ قال : يا رب وما مغبته ؟ قال : يتم الولد ، وتقليل العدد ، ~~وانقطاع الأمد ، والثواء في النار . وقد أوردنا في ذلك ما يكتفي به من أن ~~يعلم الله تعالى مسائله ومحاسبه ، ومناقشه غدا ومطالبه ؛ وجامع الناس ليوم ~~لا ريب فيه ، وموقف المظلوم لطلب حقه ممن ظلمه بملء فيه ؛ وربما يعجل له ~~العقوبة في دنياه ، ويضاعف عليه العذاب في أخراه ، ويريه عاقبة بغيه في يوم ~~ينظر المرء ما قدمت يداه . نسأل الله تعالى أن يحمينا أن نظلم أو نظلم ، ~~وأن يجعلنا ممن فوض أمره إليه وسلم ، ولا يمتحننا بمكروه ، فهو بضعفنا عن ~~حمله أدرى ، وبعجزنا أعلم ، بمنه وكرمه . ذكر ما قيل في حسن السيرة والرفق ~~بالرعية . قال الله تعالى : " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " . ~~وروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من أعطي حظه من ~~الرفق فقد أعطى حظه من الخير كله ، ومن حرم من الرفق فقد حرم حظه من الخير ~~كله " . ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة أرسل إلى سالم بن عبد الله ~~ومحمد بن كعب فقال لهما : أشيرا علي ؛ فقال له سالم : اجعل الناس أبا وأخا ~~PageV06P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" وابنا ، فبر أباك ، واحفظ أخاك ، وارحم ابنك . ~~وقال محمد بن كعب : أحبب للناس ما تحب لنفسك ، واكره لهم ما تكره لنفسك ms1235 ، ~~واعلم أنك أول خليفة يموت . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة : أما ~~بعد ، فإذا أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرة الخالق عليك ، واعلم أن ~~ما لك عند الله مثل ما للرعية عندك . وقال المنصور لابنه المهدي : يا بني ~~لا تبرم أمرا حتى تفكر فيه ، فإن فكرة العاقل مرآته تريه حسناته وسيئاته ؛ ~~واعلم أن الخليفة لا يصلحه إلا التقوى ، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة ، ~~والرعية لا يصلحها إلا العدل ؛ وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة ، ~~وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه . وقال خالد بن عبد الله القسري لبلال ~~بن أبي بردة : لا يحملنك فضل المقرة على شدة السطوة ، ولا تطلب من رعيتك ~~إلا ما تبذله لها ، ف " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " . وقيل ~~: لما انصرف مروان بن الحكم من مصر إلى الشام ، استعمل ابنه عبد العزيز على ~~مصر ، وقال له حين ودعه : أرسل حكيما ولا توصه ؛ انظر أي بني إلى أهل عملك ~~، فإن كان لهم عندك حق غدوة فلا تؤخره إلى عشية ، وإن كان لهم PageV06P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" عشية فلا تؤخره إلى غدوة ، وأعطهم حقوقهم عند ~~محلها تستوجب بذلك الطاعة منهم . وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب ، فإنهم إن ~~ظهر لهم منك كذب لم يصدقوك في الحق . واستشر جلساءك وأهل العلم ، فإن لم ~~يستبن لك فاكتب إلي يأتيك رأيي فيه إن شاء الله . وإن كان بك غضب على أحد ~~من رعيتك فلا تؤاخذه به عند سورة الغضب ، واحبس عقوبتك حتى يسكن غضبك ثم ~~يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب مطفأ الجمرة ، فإن أول من جعل السجن كان ~~حليما ذا أناة ؛ ثم انظر إلى أهل الحسب والدين والمروءة ، فليكونوا أصحابك ~~وجلساءك ، ثم ا رفع منازلهم منك على غيرهم على غير استرسال ولا انقباض ، ~~أقول هذا وأستخلف الله عليك . الباب السادس من القسم الخامس من الفن الثاني ~~في حسن السياسة ، وإقامة المملكة وما يتصل به الحزم والعزم ، وانتهاز الفرص ~~، والحلم ، والعفو ، والعقوبة ، والانتقام . فأما ms1236 ما قيل في حسن السياسة ~~وإقامة المملكة ؛ قالوا : " من طلب الرياسة فليصبر على مضض السياسة " . ~~ويقال : " إذا صحت السياسة تمت الرياسة " . كتب الوليد بن عبد الملك إلى ~~الحجاج بن يوسف يأمره أن يكتب إليه بسيرته فكتب إليه : إني أيقظت رأيي ~~وأنمت هواي ، وأدنيت السيد المطاع في قومه ، ووليت الحرب الحازم في أمره ، ~~وقلدت الخراج الموفر لأمانته ، وقسمت لكل خصيم من نفسي قسما ، أعطيته حظا ~~من لطيف عنايتي ونظري ، وصرفت السيف إلى PageV06P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" النطف المسيء ، والثواب إلى المحسن البريء ؛ ~~فخاف المريب صولة العقاب ، وتمسك المحسن بحظه من الثواب . وقال الوليد بن ~~عبد الملك لأبيه : يا أبت ، ما السياسة ؟ فقال : هيبة الخاصة مع صدق مودتها ~~، واقتياد قلوب العامة مع الإنصاف لها ، واحتمال هفوات الصنائع . وقيل : ~~بلغ بعض الملوك سياسة ملك آخر فكتب إليه : قد بلغت من حسن السياسة مبلغا لم ~~يبلغه ملك في زمانك ، فأفدني الذي بلغت به ذلك ؛ فكتب إليه : لم أهزل في ~~أمر ولا نهي ولا وعد ، واستكفيت أهل الكفاية وأثبت على العناء لا على الهوى ~~، وأودعت القلوب هيبة لم يشبها مقت ، وودا لم يشبه كذب ، وعممت القوت ، ~~ومنعت الفضول . وقيل إن أنوشروان كان يوقع في عهود الولاة : سس خيار الناس ~~بالمحبة ، وامزج للعامة الرغبة بالرهبة . ولما قدم سعد العشيرة في مائة من ~~أولاده على ملك حمير سأله عن صلاح الملك ؛ فقال : معدلة شائعة ، وهيبة ~~وازعة ، ورعية طائعة ؛ ففي المعدلة حياة الإمام ، وفي الهيبة نفي للظلام ~~وفي طاعة الرعية حسن التئام . وقال أبو معاذ للمتوكل : إذا كنتم للناس أهل ~~سياسة فسوسوا كرام الناس بالرفق والبذل ، وسوسوا لئام الناس بالذل يصلحوا ~~على الذل ، إن الذل يصلح الناس . وقال أنوشروان : الناس ثلاثة طبقات ، ~~تسوسهم ثلاث سياسات ، طبقة هم خاصة الأشراف ، تسوسهم باللين والعطف ، وطبقة ~~هم خاصة الأشرار ، تسوسهم بالغلظة والعنف ، وطبقة هم العامة ، تسوسهم ~~بالشدة واللين . وقال معاوية بن أبي سفيان : إني لا أضع سيفي حيث يكفيني ~~سوطي ، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني ، ولو أن بيني وبين العوام شعرة ms1237 ما ~~انقطعت ؛ قيل له : وكيف ذلك ؟ قال : كنت إذا جذبوها أرخيتها وإذا أرخوها ~~جذبتها . وقال المأمون : أسوس الملوك من ساس نفسه لرعيته ، فأسقط مواقع ~~حجتها عنه وقطع مواقع حجته عنها . وأما ما قيل في الحزم والعزم وانتهاز ~~الفرصة ؛ قالت الحكماء : أحزم الملوك من هزم جده هزله ، وغلب رأيه هواه ، ~~وأعرب عن ضميره فعله ، ولم يختدعه رضاه عن PageV06P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" سخطه ، ولا غضبه عن كيده . وقيل لبعضهم : ما ~~الحزم ؟ فقال : التفكر في العواقب . وقال عبد الملك بن مروان لابنه الوليد ~~: يا بني ، اعلم أنه ليس بين السلطان وبين أن يملك الرعية أو تملكه الرعية ~~إلا حزم أو توان . وقالوا : ينبغي للعاقل ألا يستصغر شيئا من الخطأ والزلل ~~، فإن من استصغر الصغير يوشك أن يقع في الكبير ، فقد رأينا الملك يؤتى من ~~العدو المحتقر ، ورأينا الصحة تؤتى من الدواء اليسير ، ورأينا الأنهار ~~تنبثق من الجداول الصغار . وقال مسلمة بن عبد الملك : ما أخذت أمرا قط بحزم ~~فلمت نفسي فيه وإن كانت العاقبة علي ، ولا أخذ أمرا قط وضيعت الحزم فيه ~~فحمدت نفسي وإن كانت العاقبة لي . وقال عبد الملك لعمر بن عبد العزيز : ما ~~العزيمة في الأمر ؟ فقال : إصداره إذا أورد بالحزم ؛ قال : وهل بينهما فرق ~~؟ قال : نعم ، أم سمعت قول الشاعر : ليست تكون عزيمة ما لم يكن . . . معها ~~من الحزم المشيد رافد وقيل لملك سلب ملكه : ما الذي سلب ملكك ؟ فقال : دفع ~~شغل اليوم إلى الغد والتماس عدة بتضييع عدد ، واستكفاء كل مخدوع عن عقله . ~~والمخدوع عن عقله : من بلغ قدرا لا يستحقه أو أثيب ثوابا لا يستوجبه . وفي ~~كتب للهند : الحازم يحذر عدوه على كل حال ، يحذر المواثبة إن قرب ، ~~والمغارة إن بعد ، والكمين إن انكشف ، والاستطراد إن ولى . وقال صاحب كتاب ~~كليلة ودمنة : إذا عرف الملك أن رجلا يساوى به في المنزلة والهمة والمال ~~واتبع فليصرعه ، فإن لم يفعل فهو المصروع . وقيل : من لم يقدمه حزمه أخره ~~عجزه . وقيل : من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ . قال البحتري ms1238 : فتى ~~لم يضيع وجه حزم ولم يبت . . . يلاحظ أعجاز الأمور تعقبا PageV06P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" ومثله قول آخر : وخير الأمر ما استقبلت منه . ~~. . وليس بأن تتبعه اتباعا وقيل : من لم ينظر في العواقب فقد تعرض لحادثات ~~النوائب . قال الشاعر : ومن ترك العواقب مهملات . . . فأيسر سعيه أبدا تبار ~~وقال صاحب كتاب كليلة ودمنة : رأس الحزم للملك معرفته بأصحابه وإنزالهم ~~منازلهم واتهام بعضهم على بعض ، فإنه إن وجد بعضهم إلى هلاك بعض سبيلا أو ~~إلى تهجين بلاء المبلين وإحسان المحسنين والتغطية على إساءة المسيئين ، ~~سارعوا إلى ذلك ، واستحالوا محاسن أمور المملكة ، وهجنوا محاسن رأيه ؛ ولم ~~يبرح منهم حاسد قد أفسد ناصحا ، وكاذب قد اتهم أمينا ، ومحتال قد أغضب ~~بريئا . وليس ينبغي للملك أن يفسد أهل الثقة في نفسه بغير أمر يعرفه ، بل ~~ينبغي في فضل حلمه وبسطة علمه الحيطة على رأيه فيهم ، والمحاماة على حرمتهم ~~وذمامهم ، وألا يرتاح إلى إفسادهم ، فلم يزل جهال الناس يحسدون علماءهم ، ~~وجبناؤهم شجعانهم ، ولئامهم كرماءهم ، وفجارهم أبرارهم ، وشرارهم خيارهم . ~~وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : انتهزوا هذه الفرص فإنها تمر مر ~~السحاب ، ولا تطلبوا أثرا بعد عين . وكتب يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد ~~، وقد بلغه عنه تلكؤ في بيعته : أما بعد فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى ، ~~فإذا أتاك كتابي فاعتمد أيهما شئت والسلام . PageV06P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" وكتب عبد الله بن طاهر الخراساني إلى الحسن بن ~~عمر التغلبي : أما بعد ، فإنه بلغني من قطع الفسقة الطريق ما بلغني ، فلا ~~الطريق تحمي ، ولا اللصوص تكفي ، ولا الرعية ترضي ، وتطمع بعد هذا في ~~الزيادة إنك لمنفسح الأمل وايم الله لتكفين من قبلك أو لأوجهن إليك رجالا ~~لا تعرف مرة من جشم ، ولا عديا من رهم . ولا حول ولا قوة إلا بالله . وكتب ~~الحجاج بن يوسف إلى قتيبة بن مسلم والي خراسان : أما بعد ، فإن وكيع بن ~~حسان كان بالبصرة منه ما كان ، ثم صار لصا بسجستان ، ثم صار إلى خراسان ، ~~فإذا أتاك كتابي هذا فاهدم بناءه ms1239 واحلل لواءه . وكان على شرطة قتيبة فعزله ~~وولى الضبي . ذكر ما قيل في الحلم . الحلم دفع السيئة بالحسنة . وقيل : ~~تجرع الغيظ ، وقيل : الحلم دعامة العقل ، قال الله تعالى : " ولا تستوي ~~الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم " . وقال علي ~~رضي الله عنه : حلمك عن السفيه يكثر أنصارك عليه . وقيل : ليس الحليم من ~~إذا ظلم حلم حتى إذا قدر استنصر ، ولكن الحليم من ظلم فإذا قدر غفر . وقيل ~~: الحليم من لم يكن حلمه لفقد النصرة أو لعدم القدرة . وهو جوهر في الإنسان ~~يصدر عن صدر سالم من الغوائل والأذى ، صاف من شوائب الكدر والقذى ؛ لا ~~يستطاع تعلما ، ولا يدرك تفهما وتبصرا ؛ كما قال أبو الطيب : PageV06P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" وإذا الحلم لم يكن في طباع . . . لم يحلم ~~تقادم الميلاد ويدل على ذلك أنه غريزة في الإنسان . وقد روي عن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أنه قال لأشجع عبد القيس : " يا أبا المنذر إن فيك ~~خصلتين يرضاهما الله ورسوله الحلم والأناة " فقال : يا رسول الله ، أ شيء ~~جبلني الله عليه أم شيء اخترعته من قبل نفسي ؟ قال : " بل شيء جبلك الله ~~عليه " ، قال : الحمد لله الذي جبلني على خلق يرضاه الله ورسوله . ومن ~~الناس من يقول : إن الحلم ليس غريزة ولا طبيعة بل مكتسب مستفاد ، تتمرن ~~النفس الأبية عليه ، وتنقاد حبا في المحمدة إليه . وقالوا : الحلم بالتحلم ~~كما أن العلم بالتعلم ؛ ويدل على ذلك ما حكي عن جعفر الصادق أنه كان عنده ~~عبد سيء الخلق ، فقيل له : أما تأنف من مثل هذا عندك وأنت قادر على ~~الاستبدال به ؟ فقال : إنما أتركه لأتعلم عليه الحلم . ويحكى عنه أنه كان ~~إذا أذنب إليه عبد أعتقه ؛ فقيل له في ذلك ؛ فقال : أريد بفعلي هذا تعلم ~~الحلم . قال الشاعر : وليس يتم الحلم للمرء راضيا . . . إذا هو عند السخط ~~لم يتحلم كما لا يتم الجود للمرء موسرا . . . إذا ms1240 هو عند القتر لم يتحشم ~~وروي عن سري السقطي أنه قال : الحلم على خمسة أوجه : حلم غريزي ، وهو هبة ~~من الله للعبد ، يعفو عمن ظلمه ، ويصل من قطعه ، ويعطي من حرمه ، ويحسن لمن ~~أساء إليه ؛ وحلم تحالم ، يكظم غيظه رجاء الثواب وفي القلب كراهية ؛ وحلم ~~كبر ، لا يرى المسيء أهلا أن يجاريه ، وحلم مذموم ، رياء وسمعة وهو حاقد ~~ساكت يرائي به جلساءه ، وحلم مهانة وذلة وعجز وضعف نفس وصغر همة . ~~PageV06P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" وقال أبو الهلال العسكري : أجمع كلمة سمعناها ~~في الحلم ما سمعت عم أبي يقول : الحلم ذليل عزيز ؛ وذلك أن صورة الحليم ~~صورة الذليل الذي لا انتصار له ، واحتمال السفيه والتغافل عنه في ظاهر ~~الحال ذل وإن لم يكن به . وقيل : " الحليم مطية الجهول " ؛ لاحتماله جهله ~~وتركه الانتصاف منه . وقال الأول البيتين وقد تقدما . ولهذا قال شيخ من ~~الأعراب وقد قيل له : ما الحلم ؟ فقال : الذي تصبر عليه . وقال : الحلم ~~عقال الشر ، وذلك أن من سمع مكروهة فسكت عنها انقطعت عنه أسبابها ، وإن ~~أجاب اتصلت بأمثالها . وقالوا : الحلم والأناة توءمان ينتجهما علو الهمة . ~~ومن كلام النبوة : " كاد الحليم أن يكون نبيا " . ورأى حكيم رقة من ملك ~~فقال : أيها الملك ليس التاج الذي يفتخر به عظماء الملوك فضة ولا ذهبا ، ~~ولكنه الوقار المكلل بجواهر الحلم ، وأحق الملوك بالبسطة ، من حلم عند ظهور ~~السقطة . وقال معاوية لابنه يزيد : عليك بالحلم والاحتمال حتى تمكنك الفرصة ~~، فإذا أمكنتك فعليك بالصفح ، فإنه يدفع عنك معضلات الأمور ، ويقيك مصارع ~~المحذور . وقال أيضا : أفضل ما أعطي الرجل الحلم . وقال : ما وجدت لذة هي ~~عندي ألذ من غيظ أتجرعه وسفه بحلم أقمعه . وقالوا : الحلم مطية وطيئة تبلغ ~~راكبها قاصية المجد ، وتملكه ناصية الحمد . PageV06P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" وقال أبو هلال : ومن أشرف نعوت الإنسان أن ~~يدعى حليما ، لأنه لا يدعاه حتى يكون عاقلا وعالما ومصطبرا محتسبا وعفوا ~~وصافحا ومحتملا وكاظما . وهذه شرائف الأخلاق وكرائم السجايا والخصال . ذكر ~~اخبار من اشتهر بالحلم واتصف به كان ممن اشتهر بالحلم ms1241 الأحنف بن قيس . قيل ~~له : ممن تعلمت الحلم ؟ قال : من قيس بن عاصم المنقري ، رأيته قاعدا بفناء ~~داره محتبيا بحمائل سيفه يحدث قومه ، حتى أتي بمكتوف ورجل مقتول ، فقيل له ~~: هذا ابن أخيك قتل ابنك ؛ قال : فوالله ما حل حبوته ولا قطع كلامه ، ثم ~~التفت إلى ابن أخيه فقال : يا بن أخي أثمت بربك ، ورميت نفسك بسهمك ، وقتلت ~~ابن عمك ؛ ثم قال لابن له آخر : قم يا بني فواري أخاك وحل كتاف ابن عمك وسق ~~إلى أمك مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة . وقد ساق أبو هلال هذه القصة ~~بسند وزاد فيها زيادة حسنة نذكرها ، فقال : إن قيس بن عاصم لما فرغ من ~~حديثه التفت إلى بعض بنيه ، فقال : قم إلى ابن عمك فأطلقه ، وإلى أخيك ~~فادفنه . فبدأ بإطلاق القاتل قبل دفن المقتول . وقال في خبره : ثم اتكأ على ~~شقه الأيسر وقال : إني امرؤ لا يعتري خلقي . . . دنس يفنده ولا أفن من منقر ~~في بيت مكرمة . . . والفرع ينبت فوقه الغصن خطباء حين يقول قائلهم . . . ~~بيض الوجوه مصاقع لسن لا يفطنون لعيب جارهم . . . وهمو لحفظ جواره فطن وقيل ~~: قتل للأحنف بن قيس ولد وكان الذي قتله أخ للأحنف ، فجيء به مكتوفا ليقيده ~~؛ فلما رآه الأحنف بكى ، وأنشد : أقول للنفس تأساء وتعزية . . . إحدى يدي ~~أصابتني ولم ترد كلاهما خلف من فقد صاحبه . . . هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي ~~PageV06P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" وممن اشتهر بالحلم معاوية بن أبي سفيان . حكي ~~أن رجلا خاطر رجلا أن يقوم إلى معاوية إذا سجد فيضع يده على كفله ويقول : ~~سبحان الله يا أمير المؤمنين ما أشبه عجيزتك بعجيزة أمك هند ففعل ذلك ؛ ~~فلما انفتل معاوية عن صلاته قال له : يا أخي ، إن أبا سفيان كان محتاجا إلى ~~ذلك منها ؛ فخذ ما جعلوه لك . فأخذه ؛ ثم خاطره آخر بعد ذلك أن يقوم إلى ~~زياد وهو في الخطبة فيقول : أيها الأمير ، من أمك ، ففعل ؛ فقال زياد : هذا ~~يخبرك ، وأشار إلى صاحب الشرطة ، فقدمه وضرب عنقه ؛ فلما بلغ ذلك معاوية ms1242 ~~قال : ما قتله غيري ، ولو أدبته على الأولى ما عاد إلى الثانية . قيل : ~~ودخل خريم الناعم على معاوية بن أبي سفيان فنظر معاوية إلى ساقيه ، فقال : ~~أي ساقين لو أنهما على جارية فقال له خريم : في مثل عجيزتك يا أمير ~~المؤمنين ؛ فقال : واحدة بواحدة والبادئ أظلم . وقيل : خاطر رجل على أن ~~يقوم إلى عمرو بن العاص وهو في الخطبة فيقول له : أيها الأمير ، من أمك ؛ ~~ففعل ؛ فقال عمرو : النابغة بنت عبد الله أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ ؛ ~~فاشتراها عبد الله بن جدعان فوهبها للعاصي بن وائل فولدت له فأنجبت ، فإن ~~كانوا جعلوا لك شيئا فخذه . وقيل : أسمع رجل عمر بن عبد العزيز بعض ما يكره ~~؛ فقال : لا عليك ، إنما أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك ~~اليوم ما تناله مني غدا ، انصرف إذا شئت . حكى صاحب العقد عن ابن عائشة أن ~~رجلا من أهل الشام دخل المدينة ، قال : فرأيت رجلا راكبا على بغلة لم أر ~~أحسن وجها ولا سمتا ولا ثوبا ولا دابة منه ، قال : فمال قلبي إليه ، فسألت ~~عنه ، فقيل : هذا الحسن بن علي بن أبي طالب ، PageV06P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" فامتلأ قلبي بغضا له وحسدت عليا أن يكون له ~~ولد مثله ، فصرت إليه فقلت : أنت ابن أبي طالب ؟ قال : أنا ابن ابنه ، قلت ~~: قلت فيك وفي أبيك أشتمهما ، فلما انقضى كلامي ، قال : أحسبك غريبا ؛ فقلت ~~: أجل ؛ قال : فإن احتجت إلى منزل أنزلناك أو إلى مال آسيناك أو إلى حاجة ~~عاوناك ؛ فانصرفت وما على الأرض أحب إلي منه . حدث زياد عن مالك بن أنس قال ~~: بعث إلي أبو جعفر المنصور وإلى ابن طاوس ؛ فأتينا فدخلنا عليه ، فإذا هو ~~جالس على فرش قد نضدت ، وبين يديه أنطاع قد بسطت ، وجلاوزة بأيديهم السيوف ~~يضربون بها الأعناق ، فأومأ إلينا أن اجلسا فجلسنا ، ثم أطرق عنا طويلا ، ~~ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاوس فقال : حدثني عن أبيك ؛ قال : نعم ، سمعت ~~أبي يقول : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أن أشد الناس ms1243 عذابا ~~يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله " ؛ فأمسك ~~ساعة ؛ قال مالك : فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأني من دمه ؛ ثم التفت ~~إليه أبو جعفر فقال : عظني يا بن طاوس ؛ قال : نعم يا أمير المؤمنين إن ~~الله تعالى يقول : " ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق ~~مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين ~~طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك ~~لبالمرصاد " ؛ قال مالك : فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأني دمه ؛ ~~فأمسك ساعة حتى اسود ما بيننا وبينه ، ثم قال : يا بن طاوس ناولني هذه ~~الدواة ؛ فأمسك ؛ فقال : ما يمنعك أن تناولنيها ؟ قال : أخشى أن تكتب بها ~~معصية لله فأكون شريكك فيها ؛ فلما سمع ذلك قال : قوما عني ؛ فقال ابن طاوس ~~: ذلك ما كنا نبغي منذ اليوم . قال مالك : فمازلت أعرف لابن طاوس فضله . ~~وقيل : دخل الحارث بن مسكين على المأمون فسأله عن مسألة ؛ فقال : أقول فيها ~~كما قال مالك بن أنس لأبيك الرشيد ؛ وذكر قوله فلم يعجب المأمون ، فقال : ~~PageV06P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" لقد تتيست فيها وتتيس مالك ؛ فقال الحارث بن ~~مسكين : فالسامع يا أمير المؤمنين من التيسين أتيس ؛ فتغير وجه المأمون ، ~~وقام الحارث وندم على ما كان منه ؛ فلم يستقر في منزله حتى أتاه رسول ~~المأمون ، فأيقن بالشر ولبس ثياب أكفانه ، ثم أقبل حتى دخل عليه ، فقربه ~~المأمون من نفسه ، ثم أقبل عليه بوجهه وقال له : يا هذا ، إن الله تبارك ~~وتعالى قد أمر من هو خير منك بالإنة القول لمن هو شر مني ، قال لنبيه موسى ~~( صلى الله عليه وسلم ) إذ أرسله إلى فرعون : " فقولا له قولا لينا لعله ~~يتذكر أو يخشى " ؛ فقال الحارث بن مسكين : يا أمير المؤمنين ، أبوء بالذنب ~~وأستغفر الرب ؛ فقال : عفا الله عنك ، انصرف إذا شئت . وقد مدح الشعراء ذوي ~~الحلم ، فمن ذلك قول بعضهم : لن يدرك المجد أقوام وإن كرمواحتى يذلوا ms1244 وإن ~~عزوا لأقوام ويشتموا فترى الألوان مسفرة . . . لا ذل عجز ولكن ذل أحلام ~~وقال آخر : لقد أسمع القول الذي هو كلما . . . تذكرنيه النفس قلبي يصدع ~~فأبدي لمن أبداه مني بشاشة . . . كأني مسرور بما منه أسمع وما ذاك من عجز ~~به غير أنني . . . أرى أن ترك الشر للشر أدفع وقال مهيار : وإذا الإباء ~~المر قال لك : انتقم . . . قالت خلائقك الكرام : بل احلم شرع من العفو ~~انفردت بدينه . . . وفضيلة لسواك لم تتقدم حتى لقد ود البريء لو أنه . . . ~~أدلى إليك بفضل جاه المجرم وقال آخر : فدهره يصفح عن قدرة . . . ويغفر ~~الذنب على علمه كأنه يأنف من أن يرى . . . ذنب امرئ أعظم من حلمه ~~PageV06P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" وقال آخر : أسد على أعدائه . . . ما إن يذل ~~ولا يهون فإذا تمكن منهم . . . فهناك أحلم ما يكون وقال محمود الوراق : إني ~~وهبت لظالمي ظلمي . . . وغفرت زلته على علمي ورأيته أسدى إلي يدا . . . لما ~~أبان بجهله حلمي فكأنما الإحسان كان له . . . وأنا المسيء إليه في الحكم ~~مازال يظلمني وأرحمه . . . حتى بكيت له من الظلم وقال آخر : وذي رحم قلمت ~~أظفار ضغنه . . . بحلمي عنه حين ليس له حلم إذا سمته وصل القرابة سامني . . ~~. قطيعتها ، تلك السفاهة والإثم فداويته بالحلم ، والمرء قادر . . . على ~~سهمه ما كان في كفه السهم لأستل منه الضغن حتى سللته . . . وإن كان ذا ضغن ~~يضيق به الحزم وقد كره بعضهم الحلم في كل الأمور ، فمن ذلك ما أنشد المبرد ~~: أبا حسن ما أقبح الجهل بالفتى . . . وللحلم أحيانا من الجهل أقبح إذا كان ~~حلم المرء عون عدوه . . . عليه فإن الجهل أعفى وأروح PageV06P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" وقال آخر : ترفعت عن شتم العشيرة إنني . . . ~~رأيت أبي قد عف عن شتمهم قبلي حليم إذا ما الحلم كان جلالة . . . وأجهل ~~أحيانا إذا التمسوا جهلي وقال آخر : " إذا الحلم لم ينفعك فالجهل أحزم " ~~وقال الأحنف : آفة الحلم الذل . وقال : لا حلم لمن لا سفيه له . وقال : ما ~~قل سفهاء قوم إلا ذلوا . وقال النابغة الجعدي : ولا خير في حلم إذا لم ms1245 تكن ~~له . . . بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له . . . ~~حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا ولما أنشد هذين البيتين النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال : " أجدت لا يفضض الله فاك " ؛ قال : فعاش مائة وثلاثين ~~سنة لم تنفض له ثنية . وقال كعب بن زهير : إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ~~. . . أصبت حليما أو أصابك جاهل PageV06P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" ذكر ما قيل في العفو . قال الله تعالى : " ~~وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم " . وقال ~~تعالى : " فمن عفا وأصلح فأجره على الله " . وقال تعالى : " والكاظمين ~~الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " . وقال تعالى : " وأن تعفو ~~أقرب للتقوى " . وقال تعالى : " فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره " . ~~وقال تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) : " خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض ~~عن الجاهلين " . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن العفو لا ~~يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ~~قال : " إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلق في صعيد واحد حيث يسمعهم ~~الداعي وينفذهم البصر ينادي مناد من تحت العرش ألا من كان له على الله حق ~~فليقم فلا يقوم إلا من عفا عن مجرم " . وفي لفظ : " ينادي مناد يوم القيامة ~~ألا من كان له أجرا على الله فليقم ، فيقوم العافون عن الناس " . وعنه ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ما من إمام عفا بعد قدرة إلا قيل له يوم ~~القيامة ادخل الجنة بغير حساب " . وقال معاذ بن جبل : لما بعثني رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) إلى اليمن قال لي : " يا معاذ مازال جبريل يوصيني ~~بالعفو فلولا علمي بالله لظننت أنه يوصيني بترك الحدود " . وعنه ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أنه قال : " من عفا عن مظلمة صغيرة أو كبيرة فأجره على الله ~~ومن كان أجره على الله فهو من المقربين يوم القيامة " . وعن علي بن الحسين ~~أنه قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد : ليقم أهل الفضل ms1246 فيقوم ناس ، ~~فيقال لهم : انطلقوا إلى الجنة ، فتتلقاهم الملائكة وهم سائرون فيقولون لهم ~~: أين تريدون ؟ فيقولون : الجنة ؛ فيقولون لهم : قبل الحساب ؟ فيقولون : ~~نعم ؛ فيقولون : من أنتم ؟ فيقولون : نحن أهل الفضل ؛ فيقولون : وما فضلكم ~~؟ فيقولون : كنا إذا جهل علينا حلمنا ، وإذا ظلمنا صبرنا ، وإذا أسيء إلينا ~~عفونا ؛ فيقولون : يحق لكم أن تكونوا من أهل الجنة فنعم أجر العاملين . ~~PageV06P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" وقيل لأبي الدرداء : من أعز الناس ؟ فقال : ~~الذين يعفون إذا قدروا ؛ فاعفوا يعزكم الله تعالى . قيل : حد العفو ترك ~~المكافأة عند القدرة قولا وفعلا . وقيل : هو السكون عند الأحوال المهيجة ~~للانتقام . قال الأحنف : إياك وحمية الأوغاد ؛ قيل : وما هي ؟ قال : يرون ~~العفو مغرما والتحمل مغنما . وقيل لبعضهم : هل لك في الإنصاف ، أو ما هو ~~خير من الإنصاف ؟ فقال : وما هو خير من الإنصاف ؟ فقال : العفو . وقيل : ~~العفو زكاة النفس . وقيل : لذة العفو أطيب من لذة التشفي ؛ لأن لذة العفو ~~يلحقها حمد العاقبة ، ولذة التشفي يلحقها ذم الندم . وقيل للإسكندر : أي ~~شيء أنت أسر به مما ملكت ؟ فقال : مكافأة من أحسن إلي بأكثر من إحسانه ، ~~وعفوي عمن أساء بعد قدرتي عليه . قال أشجع : يعفو عن الذنب العظيم . . . ~~وليس يعجزه انتصاره صفحا عن الجاني عليه وليس حاط به اقتداره وقال المتنبي ~~: فتى لا تسلب القتلى يداه . . . ويسلب عفوه الأسرى الوثاقا PageV06P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" وقال قابوس وشمكير : العفو عن المذنب من ~~واجبات الكرم . وقالوا : العفو يزين حالات من قدر ، كما يزين الحلي قبيحات ~~الصور . وقال المنصور لولده المهدي : لذة العفو أطيب من لذة التشفي ، وقد ~~تقدم ذكر الدليل . وقال الشاعر : لذة العفو إن نظرت بعين العدل . . . أشفى ~~من لذة الانتقام هذه تكسب المحامد والأجر . . . وهذي تجيء بالآثام قال عمر ~~بن حبيب العدوي : كنت في وفد أهل البصرة لما قدموا على المنصور يسألونه أن ~~يولي عليهم قاضيا ، فبينا نحن عنده إذ جيء برجل مصفد بالحديد ، يده مغلولة ~~في عنقه ، فوقف بين يديه فساءله طويلا ، ثم بسط له نطع وأمر بضرب عنقه ، ~~والرجل يحلف وهو ms1247 يكذبه ، ولم يتكلم أحد من الجمع ، فقمت وكنت أحدثهم سنا ~~فقلت : يا أمير المؤمنين ؛ أتاذن لي في الكلام ؟ فقال : قل ؛ قلت : يروى عن ~~ابن عمك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من اعتذر إليه أخوه ~~المسلم فلم يقبل لم يرد على الحوض " وقد اعتذر إليك فاقبل منه عذره ؛ فقال ~~: يا غلام اضرب عنقه ؛ قلت : إن أباك حدثني عن جدك عن ابن عباس أنه قال : ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إذا كان يوم القيامة نادى مناد ~~من تحت العرش ليقم كل من كان له عند الله يد فلا يقوم إلا من عفا عن أخيه ~~المسلم " ، فقال : آالله أبي حدثك ؟ فقلت : آالله إن أباك حدثني عن جدك عن ~~ابن عباس عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فقال أبو جعفر : صدق ، حدثني ~~أبي عن جدي عن ابن عباس بهذا ؛ فقال : يا غلام خل له السبيل ، وأمر له ~~بجائزة وولاني قضاء البصرة . وقيل أتي المأمون برجل يريد أن يقتله وعلي بن ~~موسى الرضا جالس ، PageV06P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" فقال : ما تقول يا أبا الحسن ؟ فقال : أقول : ~~إن الله تعالى لا يزيدك بحسن العفو إلا عزا ؛ فعفا عنه . وكان المأمون ~~مؤثرا للعفو كأنه غريزة له ؛ وهو الذي يقول : لقد حبب إلي العفو حتى إني ~~أظن أني لا أثاب عليه . وأحضر إلى المأمون رجل قد أذنب ، فقال له المأمون : ~~أنت الذي فعلت كذا وكذا ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، أنا الذي أسرف على ~~نفسه واتكل على عفوك ؛ فعفا عنه . قال : ولما ظفر المأمون بإبراهيم بن ~~المهدي أمر بإدخاله عليه ، فلما مثل بين يديه قال : ولي الثأر محكم في ~~القصاص ، والعفو أقرب للتقوى ، والقدرة تذهب الحفيظة ، ومن مد له الاعتذار ~~في الأمل هجمت به الأناة على التلف ، وقد جعل الله كل ذنب دون عفوك ، فإن ~~صفحت فبكرمك ، وإن أخذت فبحقك ؛ قال المأمون : إني شاورت أبا إسحاق والعباس ~~في قتلك فأشارا علي به ؛ قال : أما أن يكونا قد نصحاك في عظم قدر الملك ~~ولما جرت ms1248 عليه السياسة فقد فعلا ، ولكن أبيت أن تستجلب النصر إلا من حيث ~~عودك الله ، ثم استعبر باكيا ؛ فقال له المأمون : ما يبكيك ؟ قال : جذلا إذ ~~كان ذنبي إلى من هذه صفته ، ثم قال : إنه وإن كان جرمي بلغ سفك دمي فحلم ~~أمير المؤمنين وفضله يبلغاني عفوه ، ولي بعد هذا شفعة الإقرار بالذنب وحرمة ~~الأب بعد الأب ؛ قال المأمون : لو لم يكن في حق نسبك ما يبلغ الصفح عن جرمك ~~لبلغك إليه حسن تنصلك . فكان تصويب إبراهيم لرأي أبي إسحاق والعباس ألطف في ~~طلب الرضا ودفع المكروه عن نفسه من تخطئتهما . ثم قال المأمون لإسحاق بن ~~العباس : لا تحسبني أغفلت إجلابك مع ابن المهدي وتأييدك لرأيه وإيقادك ~~لناره ؛ فقال : والله لإجرام قريش إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أعظم من جرمي إليك ، ولرحمي أمس من أرحامهم ، وقد قال لهم رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) كما قال يوسف لإخوته " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله ~~لكم وهو أرحم الراحمين " ، PageV06P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" وأنت يا أمير المؤمنين أحق وارث لهذه المنة ~~ومتمثل بها ؛ قال : هيهات تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام ، وجرمك جرم ~~في إسلامك في دار خلافتك ؛ قال يا أمير المؤمنين : فوالله للمسلم أحق ~~بإقالة العثرة وغفران الذنب من الكافر ، هذا كتاب الله بيني وبينك ، يقول ~~الله تعالى : " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم " الآية إلى " والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " ، فهي للناس يا أمير المؤمنين سنة ~~دخل فيها المسلم والكافر والشريف والمشروف ؛ قال : صدقت ، اجلس وريت بك ~~زنادي ، وعفا عنه . وقال أحمد بن أبي داود : ما رأيت رجلا نزل به الموت فما ~~شغله ذلك ولا أذهله عما كان يجب أن يفعله إلا تميم ابن جميل ، فإنه كان ~~تغلب على شاطىء الفرات فظفر به ، ووافى به الرسول باب المعتصم في يوم ~~الموكب في حين جلوسه للعامة فأدخل عليه ، فلما مثل بين يديه دعا بالنطع ~~والسيف فأحضرا ، وجعل تميم بن جميل يصعد النظر إلى ذلك ولا يقول شيئا ، ~~وجعل ms1249 المعتصم يصعد النظر فيه ويصوبه ، وكان جسيما وسيما ، فرأى أن يستنطقه ~~لينظر أين جنانه ولسانه من منظره ، فقال : يا تميم ، إن كان لك عذر فأت به ~~أو حجة فأدل بها ، فقال : أما إذ قد أذنت لي يا أمير المؤمنين بالكلام فإني ~~أقول : الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ، " ثم ~~جعل نسله من سلالة من ماء مهين " ، يا أمير المؤمنين جبر الله بك صدع الدين ~~ولأم بك شعث الأمة وأخمد بك شهاب الباطل وأوضح بك سراج الحق يا أمير ~~المؤمنين ، إن الذنوب تخرس الألسنة ، وتصدع الأفئدة ، ولقد عظمت الجريرة ~~وكبر الذنب وساء الظن ، ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك ، وأرجو أن ~~PageV06P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" يكون أقربهما منك وأسرعهما إليك أولاهما ~~بإمامتك وأشبههما بخلافتك ، ثم أنشد : أرى الموت بين السيف والنطع كامنا . ~~. . يلاحظني من حيثما أتلفت وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي . . . وأي امرئ مما ~~قضى الله يفلت ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة . . . وسيف المنايا بين عينيه ~~مصلت يعز على أبناء تغلب موقف . . . يسل على السيف فيه وأسكت وما جزعي من ~~أن أموت وإنني . . . لأعلم أن الموت شيء مؤقت ولكن خلفي صبية قد تركتهم . . ~~. وأكبادهم من حسرة تتفت كأني أراهم حين أنعي إليهم . . . وقد خمشوا تلك ~~الوجوه وصوتوا فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة . . . أذود الردى عنهم وإن مت ~~موتوا وكم قائل : لا يبعد الله داره . . . وآخر جذلان يسر ويشمت قال : ~~فتبسم المعتصم وقال : كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل اذهب فقد غفرت ~~لك الهفوة وتركتك للصبية . وحكي : أن عبد الملك بن مروان غضب على رجل فهرب ~~منه ، فلما ظفر به أمر بقتله ؛ فقال له الرجل : إن الله قد فعل ما أحببت من ~~الظفر فافعل ما يحبه من العفو ، فإن الانتقام عدل والتجاوز فضل ، والله يحب ~~المحسنين ؛ فعفا عنه . وحكي عن محمد بن حميد الطوسي أنه كان يوما على غدائه ~~مع جلسائه إذا بصيحة عظيمة على باب داره ، فرفع رأسه وقال لبعض غلمانه : ما ~~هذه ms1250 الضجة ؟ من كان على الباب فليدخل ؛ فخرج الغلام ثم عاد إليه وقال : إن ~~فلانا أخذ وقد أوثق بالحديد والغلمان ينتظرون أمرك فيه ؛ فرفع يده من ~~الطعام ؛ فقال رجل من جلسائه : الحمد لله الذي أمكنك من عدوك ، فسبيله أن ~~تسقي الأرض من دمه ؛ وأشار كل من جلسائه عليه بقتله على صفة اختارها ، وهو ~~ساكت ؛ ثم قال : يا غلام ، فك عنه وثاقه ويدخل إلينا مكرما ، فأدخل عليه ~~رجل لا دم فيه ؛ فلما رآه هش إليه ورفع مجلسه وأمر بتجديد الطعام ، وبسطه ~~بالكلام ولقمه حتى انتهى الطعام ، ثم أمر له بكسوة حسنة وصلة ، وأمر برده ~~إلى أهله مكرما ولم يعاتبه على جرم ولا جناية ، ثم التفت PageV06P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" إلى جلسائه وقال لهم : إن أفضل الأصحاب من حض ~~الصاحب على المكارم ، ونهاه عن ارتكاب المآثم ؛ وحسن لصاحبه أن يجازي ~~الإحسان بضعفه ، والإساءة بصفحه ؛ إنا إذا جازينا من أساء إلينا بمثل ما ~~أساء فأين موقع الشكر على النعمة فيما أتيح من الظفر إنه ينبغي لمن حضر ~~مجالس الملوك أن يمسك إلا عن قول سديد وأمر رشيد ، فإن ذاك أدوم للنعمة ~~وأجمع للألفة ؛ إن الله تعالى يقول : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم " . وقيل : بعث بعض ~~الملوك في رجل وجد عليه فظفر به ، فلما مثل بين يديه قال : أيها الأمير ، ~~إن الغضب شيطان فاستعذ بالله منه ، وإنما خلق العفو للمذنب والتجاوز للمسيء ~~، فلا يضيق على ما يسع الرعية من حلمك وعفوك ؛ فعفا عنه وأطلق سبيله . وقال ~~خالد بن عبد الله لسليمان بن عبد الملك حين وجد عليه : يا أمير المؤمنين ، ~~إن القدرة تذهب الحفيظة ، وأنت تجل عن العقوبة ، ونحن مقرون بالذنب ، فإن ~~تعف عني فأهل ذلك أنت ، وإن تعاقبني فأهل ذلك أنا ؛ فعفا عنه . وقيل : أتي ~~الحجاج بأسرى من الخوارج ، فأمر بضرب أعناقهم فقتلوا ، حتى قدم شاب منهم ~~فقال : والله يا حجاج إن كنا أسأنا في الذنب فما أحسمت في العفو ؛ فقال ~~الحجاج : أفا لهذه الجيف ms1251 أما كان فيهم من يقول مثل هذا وأمسك عن القتل . ~~وأتي الحجاج بأسرى فأمر بقتلهم ، فقال له رجل منهم : لا جزاك الله يا حجاج ~~عن السنة خيرا ، فإن الله تعالى يقول : " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب ~~الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء " ، فهذا ~~قول الله تعالى في كتابه ، وقال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق ~~: وما نقتل الأسرى ولكن نفكهم . . . إذا أثقل الأعناق حمل القلائد فقال ~~الحجاج : ويحكم أعجزتم أن تخبروني ما أخبرني به هذا المنافق وأمسك عمن بقي ~~. PageV06P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" ذكر ما قيل في العقوبة والانتقام . ومن الناس ~~من يرجح عقوبة المذنب على ذنبه ، ومقابلة المسيء بما يستحقه من نكاله وضربه ~~؛ ورأى أن العفو عن المجرم موجب لتكراره ، والإحسان إلى المسيء مقتض ~~لإصراره ، وقال : إن طباع اللؤم التي حملته على ذلك لا ترتدع بالإحسان ، ~~ومرارة الذنب التي استحلاها لا تغيرها حلاوة الغفران . وأخذ في ذلك بالكتاب ~~والحديث ، وقابل على الذنب القديم بالعذاب الحديث ؛ قال الله تعالى : " فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " . وقال تعالى : " وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " . وقد أمر رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بقتل أبي عزة ، لما كان يتعرض له من أذى رسول الله صلى عليه وسلم ، ~~وصلب عقبة بن أبي معيط يوم بدر إلى شجرة ؛ فقال : يا رسول الله ، أنا من ~~بين قريش قال : " نعم " ؛ قال : فمن للصبية ؟ قال : " النار " . وقيل : إنه ~~أول مصلوب صلب في الإسلام . وكان النضر بن الحارث بن كلدة شديد العداوة ~~لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأخذ أسيرا يوم بدر ، فأمر النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بقتله ، فقتل صبرا بيد علي بن أبي طالب . وقال علي ~~رضي الله عنه : الخير بالخير والبادئ أفضل ، والشر بالشر والبادئ أظلم . ~~وقال : " رد الحجر من حيث جاءك " فالشر لا يدفع إلا بالشر ؛ وأنشد : لئن ~~كنت محتاجا إلى الحلم إنني . . . إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج ولي فرس ~~للخير بالخير ملجم ms1252 . . . ولي فرس للشر بالشر مسرج فمن رام تقويمي فإني مقوم ~~. . . ومن رام تعويجي فإني معوج وقال الجاحظ : من قابل الإساءة بالإحسان ~~فقد خالف الله في تدبيره ، وظن أن رحمة الله دون رحمته ، فإن الله تعالى ~~يقول : " من يعمل سوءا يجز به " ، وقال : " وجزاء سيئة سيئة مثلها " ، وقال ~~تعالى : " فمن PageV06P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره " . وقال أكثم بن ضيفي : من تعمد الذنب فلا ترحمه دون العقوبة ، ~~فإن الأدب رفق ، والرفق يمن . قال أبو الطيب المتنبي : من الحلم أن تستعمل ~~الجهل دونه . . . إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم وقالوا : تواضع للمحسن ~~إليك وإن كان عبدا حبشيا ، وانتصف ممن أساء إليك وإن كان حرا قرشيا . وقال ~~الشعبي : يعجبني الرجل إذا سيم هوانا دعته الأنفة إلى المكافأة وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها . ورفع كلامه إلى الحجاج بن يوسف الثقفي فقال : لله دره أي رجل ~~بين جنبيه وتمثل بقول الشاعر : ولا خير في عرض امرئ لا يصونه . . . ولا خير ~~في حلم امرئ ذل جانبه وقال رجل لابن سيرين : إني وقعت فيك فاجعلني في حل ؛ ~~قال : ما أحب أن أحل لك ما حرم الله عليك . وقالوا : من ترك العقوبة أغرى ~~بالذنب ، ولولا السيف كثر الحيف . قال الشاعر : إذا المرء أولاك الهوان ~~فأوله . . . هوانا وإن كانت قريبا أواصره وإن أنت لم تقدر على أن تهينه . . ~~. فدعه إلى اليوم الذي أنت قادره وقارب إذا ما لم تكن لك حيلة . . . وصمم ~~إذا أيقنت أنك عاقره وقيل : استؤمر عبد الله بن طاهر بن الحسين في رجلين ~~كانا في السجن ، أحدهما ضعيف والآخر عليل ، فوقع : الضعيف يقوى والعليل ~~يبرأ ، فإن يكن في PageV06P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" الحبس ممن يؤمن شره غيرهما فليفرج عنه ودعهما ~~في موضعهما ، فإنه من أطلق مثلهما على الناس فهو شر منهما وشريكهما في ~~فعلهما . وكتب رجل إلى المأمون - وكان قد طال حبسه - : أغفلت يا أمير ~~المؤمنين أمري ، وتناسيت ذكري ، ولم تتأمل حجتي وعذري ، وقد مل من صبري ~~الصبر ، ومسني في ms1253 حبسك الضر ؛ فأجابه المأمون : ركوبك مطية الجهل ، صيرك ~~أهلا للقتل ، وبغيك علي وعلى نفسك نقلك من سعة الدنيا إلى قبر من قبور ~~الأحياء ، ومن جهل الشكر على المنن قل صبره على المحن ، فاصبر على عواقب ~~هفواتك وموبقات زلاتك ، على قدر صبرك على كثير جناياتك ؛ فإن حصل في نفسك ~~كف عن معصيتي ، وعزم على طاعتي ، وندم على مخالفتي ، فلن تعدم مع ذلك جميلا ~~من بيتي والسلام . وقيل لأعرابي : أ يسرك أن تدخل الجنة ولا تسيء إلى من ~~أساء إليك ؟ قال : بل يسرني أن أدرك الثار وأدخل النار . قال البحتري : تذم ~~الفتاة الرؤد شيمة بعلها . . . إذا بات دون الثأر وهو ضجيعها ويقال : إنما ~~هو مالك وسيفك ، فازرع بمالك من شكرك ، واحصد بسيفك من كفرك . قال الشاعر : ~~قط العدا قط اليراع وانتهز . . . بظبا السيوف سوائم الأضغان إن البيادق إن ~~توسع خطوها . . . أخذت إليك مآخذ الفرزان وقالوا : العفو يفسد من اللئيم ، ~~بقدر ما يصلح من الكريم . وقال معاوية ابن يزيد بن معاوية لأبيه : هل ذممت ~~عاقبة حلم قط ؟ قال : ما حلمت عن لئيم وإن PageV06P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" كان وليا إلا أعقبني ندما على ما فعلت . قال ~~بعض الشعراء : متى تضع الكرامة من لئيم . . . فإنك قد أسأت إلى الكرامة ~~وقالوا : جنب كرامتك اللئام ، فإنك إن أحسنت إليهم لم يشكروا ، وإن أساءوا ~~لم يشعروا . ومن رسالة لأبي إسحاق الصابي في حق من نزع يده من الطاعة : ~~وكان الذي أثمره الجهاد ، ودل عليه الارتياد ؛ اليأس من صلاح هذه الطوائف ~~الناشئة على اعتياد المعاصي والاستئناس بالدواهي ، والثقة بأن أودها لا ~~يتقوم ، وزيغها لا يتسدد ، وخلائفها لا تنصرف عما ضربت العادة عليه بسياجها ~~، واستمرت به على اعوجاجها ، إذا كانت العادة طبيعة ثانية ، وسجية لازمة ؛ ~~كذلك زعمت الحكماء ، وبرهنت عليه العلماء . قال بعض الشعراء : ما كل يوم ~~ينال المرء ما طلبا . . . ولا يسوغه المقدار ما وهبا وأنصف الناس في كل ~~المواطن من . . . سقى الأعادي بالكأس التي شربا وليس يظلمهم من بات يضربهم ~~. . . بحد سيف به من قبلهم ضربا فالعفو إلا ms1254 عن الأعداء مكرمة . . . من قال ~~غير الذي قد قلته كذبا قتلت عمرا وتستبقي يزيد لقد . . . رأيت رأيا يجر ~~الويل والحربا لا تقطعن ذنب الأفعى وتتركها . . . إن كنت شهما أتبع رأسها ~~الذنبا هم جردوا السيف فاجعلهم به جزرا . . . هم أوقدوا النار فاجعلهم لها ~~حطبا PageV06P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" ومنها : لا عفو عن مثلهم في مثل ما طلبوا . . ~~. لكن ذلك كان الهلك والعطبا علام تقبل منهم فدية وهم . . . لا فضة قبلوا ~~منا ولا ذهبا الباب السابع المشورة وإعمال الرأي والاستبداد ومن يعتمد رأيه ~~وذكر من كره أن يستشير ذكر ما قيل في المشورة وإعمال الرأي والاستبداد ومن ~~يعتمد على رأيه وذكر من كره أن يستشير ذكر ما قيل في المشورة وإعمال الرأي ~~قد أمر الله عز وجل نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) بمشاورة من هو دونه من ~~أصحابه فقال تعالى : " وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله " ؛ ذهب ~~المفسرون إلى أن الله تعالى لم يأمر نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) بمشاورة ~~أصحابه لحاجة منه إلى رأيهم ولكن ليعلم ما في المشاورة من البركة . وقيل : ~~أمره بذلك تألفا لهم وتطييبا لنفوسهم . وقيل : ليستن بذلك المسلمون . وروي ~~عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ما ندم من استشار ولا خاب ~~من استخار . وقيل : الخطأ مع الاستشارة أحمد من الإصابة مع الاستبداد . ~~وقيل : من استشار فيما نزل به صديقه واستخار ربه واجتهد رأيه ، فقد قضى ما ~~عليه ، وأمن من رجوع الملامة إليه ؛ ويفعل الله في أمره ما يشاء . وقيل : ~~ما هلك امرؤ عن مشورة . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : نعم المؤازرة ~~المشاورة ، وبئس الاستعداد الاستبداد . وقيل : الأحمق من قطعه العجب عن ~~الاستشارة ، والاستبداد عن الاستخارة . وقيل : لما همت ثقيف بالارتداد بعد ~~وفاة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، استشاروا عثمان بن أبي العاصي وكان ~~مطاعا فيهم ؛ فقال : لا تكونوا آخر العرب إسلاما وأولهم ارتدادا ؛ فنفعهم ~~الله تعالى برأيه . PageV06P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" وقال العتبي لرجل من عبس : ما أكثر صوابكم ~~فقال : نحن ms1255 ألف رجل وفينا حازم واحد ، فنحن نشاوره فكأنا ألف حازم . وسئل ~~بعض الحكماء : أي الأمور أشد تأييدا للعقل ، وأيها أشد إضرارا به ؟ فقال : ~~أشدها تأييدا له ثلاثة أشياء : مشاورة العلماء ، وتجربة الأمور ، وحسن ~~التثبت ؛ وأشدها إضرارا به ثلاثة أشياء : الاستبداد ، والتهاون ، والعجلة . ~~وقال بعض الحكماء : إذا استبد الرجل برأيه عميت عليه المراشد . وقال الفضل ~~بن سهل : الرأي يسد ثلم السيف ، والسيف لا يسد ثلم الرأي . وقالوا : من ~~استغنى برأيه فقد خاطر بنفسه . وقال بعض البلغاء : إذا أشكلت عليك الأمور ، ~~وتغير لك الجمهور ، فارجع إلى رأي العقلاء ، وافزع إلى استشارة العلماء ؛ ~~ولا تأنف من الاسترشاد ، ولا تستنكف من الاستمداد ؛ فلأن تسأل وتسلم خير من ~~أن تستبد وتندم . وقال حكيم لابنه : يا بني ، إن رأيك إذا احتجت إليه وجدته ~~نائما ووجدت هواك يقظان ، فإياك أن تستبد برأيك ، فإنه حينئذ هواك . ويقال ~~: تعوذ من سكرات الاستبداد بصحوات الاستشارة ، ومن عثرات البغي باستقالة ~~الاستخارة . PageV06P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" وقال ابن المقفع : لا يقذفن في روعك أنك إذا ~~استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك فتنقطع بذلك عن المشورة ، ~~فإنك لا تريد الفخر ولكن الانتفاع . قال بشار : إذا بلغ الرأي المشورة ~~فاستعن . . . برأي نصيح أو نصيحة حازم ولا تحسب الشورى عليك غضاضة . . . ~~فإن الخوافي رافدات القوادم قال الأصمعي : قلت لبشار : إن الناس يعجبون من ~~أبياتك في المشورة ؛ فقال : يا أبا سعيد ، إن المشاور بين صواب يفوز بثمرته ~~، وخطأ يشارك في مكروهه ؛ فقلت : أنت والله في قولك أشعر منك في شعرك . ~~وهذان البيتان من قصيدة كان بشار بن برد قد كتب بها إلى إبراهيم بن عبد ~~الله بن الحسن يمدحه بها ويحرضه على أبي جعفر المنصور ، فمات إبراهيم قبل ~~وصول القصيدة إليه ، فخاف بشار من اشتهارها فقبلها وجعل التحريض على أبي ~~مسلم الخراساني PageV06P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" فقال : أبا مسلم ما طيب عيش بدائم . . . ولا ~~سالم عما قليل بسالم وإنما كان قال : " أبا جعفر ما طيب عيش بدائم " . قال ~~فيها بعد هذين البيتين المقدمين : وخل الهوينى ms1256 للضعيف ولا تكن . . . نؤوما ~~فإن الحزم ليس بنائم وما خير كف أمسك الغل أختها . . . وما خير سيف لم يؤيد ~~بقائم وحارب إذا لم تعط إلا ظلامة . . . شبا الحرب خير من قبول المظالم ~~وأدن على القربى المقرب نفسه . . . ولا تشهد الشورى امرأ غير كاتم فإنك لا ~~تستطرد الهم بالمنى . . . ولا تبلغ العليا بغير المكارم إذا كنت فردا هرك ~~القوم مقبلا . . . وإن كنت أدنى لم تفز بالعزائم وما قرع الأقوام مثل مشيع ~~. . . أريب ولا جلى العمى مثل عالم وقال الهيثم : ما رأيت ابن شبرمة قط إلا ~~وهو متهيئ كأنه يريد الركوب فذكر ذلك له وأنا حاضر ؛ فقال : إن الرجل لا ~~يستجمع له رأيه حتى يجمع عليه ثيابه ، ثم قال : أتى رجل من الحي فقال ~~لدهقان : يا هذا ، إنه ربما انتشر علي أمري في PageV06P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" الرأي فهل عندك مشورة ؟ فقال : تهيأ والبس ~~ثيابك ثم اهمم بما تريد ، فهو أجمع لرأيك ، فليس من أحد يفعل ذلك إلا اجتمع ~~له رأيه . وقال أفلاطون : إذا استشارك عدوك فجرد له النصيحة ، لأنه ~~بالاستشارة قد خرج من عداوتك إلى موالاتك . وقيل : إذا أردت أن تعرف الرجل ~~فشاوره ، فإنك تقف من مشورته على جوره وعدله ، وحبه وبغضه ، وخيره وشره . ~~وقيل : لما سار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى قريش في غزاة بدر نزل ~~( صلى الله عليه وسلم ) أدنى ماء من مياه بدر ، فقال له الحباب بن المنذر : ~~يا رسول الله ، أ رأيت هذا المنزل أ منزل أنزلكه الله عز وجل ليس لنا أن ~~نتقدمه ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : " بل هو الرأي ~~والحرب والمكيدة " ؛ فقال : يا رسول الله ، فإن هذا ليس لك بمنزل فارحل ~~بالناس حتى نأتي أدنى ماء من مياه القوم فننزله ، ثم نعور ما سواه من القلب ~~، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء ، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربوا ، فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لقد أشرت بالرأي " ، وفعل ما أشار به ~~الحباب . وقال بزرجمهر : أفره ما يكون من ms1257 الدواب لا غنى به عن السوط ، ~~وأعقل ما يكون من النساء لا غنى بها الزوج ، وأدهى ما يكون من الرجال لا ~~غنى به عن المشورة . وقيل : كانت اليونان والفرس لا يجمعون وزراءهم على ~~الأمر يستشيرون فيه ، وإنما يستشيرون الواحد منهم من غير أن يعلم الآخر به ~~، لمعان شتى : منها لئلا يقع بين المشاورين منافسة تذهب أصالة الرأي وصحة ~~النظر ، لأن من طباع المشتركين في الأمر التنافس والتغالب والطعن من بعضهم ~~على بعض ، وربما أشار أحدهم بالرأي الصواب وسبق إليه فحسده الآخرون فتعقبوه ~~بالإعراض والتأويل والتهجين وكدروه وأفسدوه . ومنها أن في اجتماعهم على ~~المشورة تعريض السر للإضاعة والشناعة والإذاعة ؛ ولذلك قالت الفرس : إنما ~~يراد الاجتماع والكثرة والتناصر في الأمور التي يحتاج فيها إلى القوة ، ~~فأما الآراء والأمور الغامضة فإن الاجتماع يفسدها ويولد فيها التضاغن ~~والتنافس . PageV06P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" ذكر ما قيل فيمن يعتمد على مشورته وبديهته ، ~~ويعتضد بفكرته ورويته . قال بعض الحكماء : عليك بمشورة من حلب أشطر دهره ، ~~ومرت عليه ضروب خيره وشره ؛ وبلغ من العمر أشده ، وأورت التجربة زنده . ~~وقيل : استشار زياد رجلا ؛ فقال الرجل : حق المستشار أن يكون ذا عقل وافر ، ~~واختبار متظاهر ، ولا أراني كذلك . قال إبراهيم بن العباس : يمضي الأمور ~~على بديهته . . . وتريه فكرته عواقبها فيظل يصدرها ويوردها . . . فيعم ~~حاضرها وغائبها وإذا الحروب علت بعثت لها . . . رأيا تفل به كتائبها رأيا ~~إذا نبت السيوف مضى . . . قدما بها فسقى مضاربها وقال آخر : ألمعي يرى بأول ~~رأي . . . آخر الأمر من وراء المغيب لا يروي ولا يقلب كفا . . . وأكف ~~الرجال في تقليب وقال آخر : الألمعي الذي يظن بك الظن . . . كأن قد رأى وقد ~~سمعا PageV06P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" وكانت العرب تحمد آراء الشيوخ لتقدمها في السن ~~، ولأنها لا تتبع حسناتها بالأذى والمن ، ولما مر عليها من التجارب التي ~~عرفت بها عواقب الأمور ، حتى كأنها تنظرها عيانا ، وطرأ عليها من الحوادث ~~التي أوضحت لها طريق الصواب وبينته تبيانا ، ولما منحته من أصالة رأيها ، ~~واستفادته بجميل سعيها . ولذلك قال علي بن أبي طالب ms1258 رضي الله عنه : رأي ~~الشيخ خير من مشهد الغلام . ومن أمثالهم : " زاحم بعود أو دع " . وقال بعض ~~الشعراء : لئن فقدوا الشباب فرب عقل . . . أفادوه على مر الليالي خبت نار ~~الذكاء فأججوها . . . بآراء أحد من النصال وقد عدل قوم عن ذلك ، وسلكوا في ~~خلافه أوضح الطرق وأنهج المسالك ؛ وقالوا : بل رأي الشباب هو الرأي الصائب ~~، وفهمهم الفهم الثاقب ؛ ونجم سعدهم الطالع ، وسحاب جدهم الهامع ؛ وإن لهم ~~من الفطنة أوفر نصيب ، وإن سهم رأيهم الرائش المصيب ؛ وإن عقولهم سليمة من ~~العوارض ، وأذهانهم آخذة بحظ وافر من الغوامض . ولذلك قالت الحكماء : عليكم ~~بآراء الأحداث ومشورة الشبان ، فإن لهم أذهانا تفل القواصل ، وتحطم الذوابل ~~. وقالوا : آراء الشباب خضرة نضرة لم يهتصر غصنها هرم ، ولا أذوى زهرتها ~~قدم ، ولا خبا من ذكائها بطول المدة ضرم . قال شاعر : عليكم بآراء الشباب ~~فإنها . . . نتائج ما لم يبله قدم العهد فروع ذكاء تستمد من النهى . . . ~~بأنور في اللأواء من قمر السعد PageV06P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" وقال آخر : رأيت العقل لم يكن انتهابا . . . ~~ولم يقسم على عدد السنينا ولو أن السنين تقسمته . . . حوى الأباء أنصبة ~~البنينا وقال آخر : أدركت ما فات الكهول من الحجا . . . في عنفوان شبابك ~~المستقبل فإذا أمرت فلا يقال لك : اتئد . . . وإذا قضيت فلا يقال لك : اعدل ~~ذكر ما قيل فيمن نهي عن مشاورته ومعاضدته وأمر بالامتناع من مشايعته ~~ومتابعته . وقد كرهت العرب والحكماء مشاورة من اعترته الشواغل ، وألمت به ~~النوازل ؛ مع وفور عقله وحزمه ، والتمسك بنصحه وفهمه . قال قس بن ساعدة ~~الأيادي لابنه : لا تشاور مشغولا وإن كان حازما ، ولا جائعا وإن كان فهما ، ~~ولا مذعورا وإن كان ناصحا ، ولا مهموما وإن كان عاقلا ، فالهم يعقل العقل ~~فلا يتولد منه رأي ولا تصدق به روية . وقال الأحنف بن قيس : لا تشاور ~~الجائع حتى يشبع ، ولا العطشان حتى يروى ، ولا الأسير حتى يطلق ، ولا المقل ~~حتى يجد ، ولا الراغب حتى ينجح . وقالوا : لا تشاور المعزول ، فإن رأيه ~~مفلول . PageV06P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" وقيل : لا تدخل في مشورتك بخيلا ms1259 فيقصر بفعلك ، ~~ولا جبانا فيخوفك ، ولا حريصا فيعدك ما لا يرجى ؛ فإن البخل والجبن والحرص ~~طبيعة واحدة يجمعها سوء الظن بالله . قال الشاعر : وأنفع من شاورت من كان ~~ناصحا . . . شفيقا فأبصر بعدها من تشاور وليس بشافيك الشفيق ورأيه . . . ~~عزيب ولا ذو الرأي والصدر واغر ذكر ما قيل في الأناة والروية . كانت العرب ~~تحمد الأناة في الرأي وإجالة الفكرة فيه وعدم التسرع . وكان عبد الله بن ~~وهب الراسبي يقول : إياي والرأي الفطير وكان يستعيذ بالله من الرأي الدبري ~~؛ وهو الذي يسنح عند الفوت . وأوصى إبراهيم بن هبيرة ولده فقال : لا تكن ~~أول مشير ؛ وإياك والرأي الفطير ؛ ولا تشيرن على مستبد ، فإن التماس ~~موافقته لؤم والاستماع منه خيانة . وكان عامر بن الظرب حكيم العرب يقول : ~~دعوا الرأي يغب حتى يختمر ، وإياكم والرأي الفطير يريد الأناة في الرأي ~~والتثبت فيه . قال شاعر : تأن وشاور فإن الأمو . . . رمنها مضيء ومستغمض ~~فرأيان أفضل من واحد . . . ورأي الثلاثة لا ينقض وقال آخر : الرأي كالليل ~~مسود جوانبه . . . والليل لا ينجلي إلا بإصباح فاضمم مصابيح آراء الرجال ~~إلى . . . مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح PageV06P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" وقال المتنبي : الرأي قبل شجاعة الشجعان . . . ~~هو أول وهي المحل الثاني فإذا هما اجتمعا لنفس حرة . . . بلغت من العلياء ~~كل مكان وقال طاهر بن الحسين : اعمل صوابا تنل بالحزم مأثرة . . . فلن يذم ~~لأهل الحزم تدبير فإن هلكت برأي أو ظفرت به . . . فأنت عند ذوي الألباب ~~معذور وإن ظفرت على جهل وفزت به . . . قالوا : جهول أعانته المقادير ومن ~~أحسن ما قيل فيمن أشير عليه فلم يقبل ، قول السبيع لأهل اليمامة بعد إيقاع ~~خالد بن الوليد بهم : يا بني حنيفة بعدا كما بعدت عاد وثمود ، والله لقد ~~أنبأتكم بالأمر قبل وقوعه ، كأني أسمع جرسه وأبصر غبه ، ولكنكم أبيتم ~~النصيحة فاجتنيتم الندامة ، وإني لما رأيتكم تتهمون النصيح ، وتسفهون ~~الحليم ، استشعرت منكم اليأس وخفت عليكم البلاء . والله ما منعكم الله ~~التوبة ولا أخذكم على غرة ، ولقد أمهلكم حتى مل الواعظ وهرأ الموعوظ ، ~~وكنتم كأنما يعنى بما ms1260 أنتم فيه غيركم ، فأصبحتم وفي أيديكم من تكذيبي ~~التصديق ومن نصحي الندامة ، وأصبح في يدي من هلاككم البكاء ومن ذلكم الجزع ~~، وأصبح ما كان غير مردود ، وما بقي غير مأمون . ذكر ما قيل في الاستبداد ~~وترك الاستشارة وكراهة الإشارة ومن الناس من آثر الاستبداد برأيه وكره أن ~~يستشير . قال عبد الملك بن صالح : ما استشرت أحدا قط إلا تكبر علي وتصاغرت ~~له ، ودخلته العزة ودخلتني PageV06P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" الذلة . فعليك بالاستبداد ، فإن صاحبه جليل في ~~العيون مهيب في الصدور . واعلم أنك متى استشرت تضعض شأنك ، ورجفت بك أركانك ~~. وما عز سلطان لم يغنه عقله عن عقول وزرائه ، وآراء نصحائه . فإياك ~~والمشورة وإن ضاقت عليك المذاهب ، واستبهمت لديك المسالك ، وأنشد : فما كل ~~ذي نصح بمؤتيك نصحه . . . ولا كل مؤت نصحه بلبيب وقال المهلب بن أبي صفرة : ~~لو لم يكن بالاستبداد في الرأي إلا صون السر وتوفير العقل لوجب التمسك به . ~~وقال بزرجمهر : أردت نصيحا أثق به فما وجدت غير فكري ، واستضأت بنور الشمس ~~والقمر فلم أستضئ بشيء أضوأ من نور قلبي . وقال علي بن الحسين : الفكرة ~~مرآة تري المؤمن سيئاته فيقلع عنها ، وحسناته فيكثر منها ، فلا تقع مقرعة ~~التقريع عليه ، ولا تنظر عيون العواقب شزرا إليه . ومازال المنصور يستشير ~~أهل بيته حتى مدحه ابن هرمة بقوله : يزرن امرأ لا يصلح القوم أمره . . . ~~ولا ينتجي الأدنين فيما يحاول فاستوى جالسا وقال : أصبت والله واستعاده ، ~~وما استشار بعدها . PageV06P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" قالوا : وعلى المستبد أن يتروى في رأيه ، فكل ~~رأي لم تتمخض به الفكرة ليلة فهو مولود لغير تمام . قال شاعر : إذا كنت ذا ~~رأي فكن ذا أناءة . . . فإن فساد الرأي أن تتعجلا وما العجز إلا أن تشاور ~~عاجزا . . . وما الحزم إلا أن تهم فتفعلا قال بعض جلساء هارون الرشيد : أنا ~~قتلت جعفر بن يحيى ، وذلك أني رأيت الرشيد يوما وقد تنفس تنفسا منكرا ~~فأنشدت إثر تنفسه : واستبدت مرة واحدة . . . إنما العاجز من لا يستبد ومما ~~مدح به ذو الرأي قول بعض الشعراء ms1261 : بصير بأعقاب الأمور كأنما . . . يخاطبه ~~من كل أمر عواقبه وأين مفر الحزم منه وإنما . . . مرائي الأمور المشكلات ~~تجاربه وقال البحتري في سليمان بن عبد الله : كأن آراءه والحزم يتبعها . . ~~. تريه كل خفي وهو إعلان ما غاب عن عينه فإن القلب يكلؤه . . . وإن تنم ~~عينه فالقلب يقظان PageV06P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" وقال أيضا : كأنه وزمام الدهر في يده . . . ~~يرى عواقب ما يأتي وما يذر وقال آخر : يرى العواقب في أثناء فكرته . . . ~~كأن أفكاره بالغيب كهان وقال آخر : بديهته وفكرته سواء . . . إذا ما نابه ~~الخطب الخطير وأحزم ما يكون الدهر يوما . . . إذا عجز المشاور والمشير ومن ~~الناس من كره أن يشير ، فمنهم عبد الله بن المقفع ؛ وذلك أن عبد الله ابن ~~علي استشاره فيما كان بينه وبين المنصور ؛ فقال : لست أقود جيشا ، ولا ~~أتقلد حربا ، ولا أشير بسفك دم ، وعثرة الحرب لا تستقال ، وغيري أولى ~~بالمشورة في هذا المكان . واجتمع رؤساء بني سعد إلى أكثم بن صيفي يستشيرونه ~~فيما دهمهم يوم الكلاب ؛ فقال : إن وهن الكبر قد فشا في بدني ، وليس معي من ~~حدة الذهن ما أبتدىء به الرأي ، ولكن اجتمعوا وقولوا ، فإني إذا مر بي ~~الصواب عرفته . وسيأتي خبر كلامه في وقائع العرب ؛ وإنما أوردناه في هذا ~~الموضع لدخوله فيه والتئامه به ، ومناسبته له ، لا على سبيل السهو والتكرار ~~لغير فائدة . الباب الثامن من الفن الثامن في حفظ الأسرار والإذن والحجاب ~~ما قيل في حفظ الأسرار قال الله تعالى إخبارا عن نبيه يعقوب بن إسحاق حين ~~أوصى يوسف ابنه عليهم السلام : " يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا ~~لك كيدا " . وروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ~~استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان " . PageV06P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" وقالت الحكماء : صدرك أوسع لسرك . وقالوا : ~~سرك من دمك . يعنون أنه ربما كان في إفشاء السر سفك الدم . وقالوا : أصبر ~~الناس من صبر على كتمان سره ، فلم يبده لصديق فيوشك أن يصير عدوا فيذيعه . ~~وقالوا : ما كنت كاتمه عن عدوك فلا تظهر عليه ms1262 صديقك . وقال عمرو بن العاص : ~~ما استودعت رجلا سرا فأفشاه فلمته ، لأني كنت أضيق صدرا حين استودعته منه ~~حين أفشاه . قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الفقيه : إذا كان ~~لي سر فحدثته العدا . . . وضاق بي صدري فللناس أعذر هو السر ما استودعته ~~وكتمته . . . وليس بسر حين يفشو ويظهر وقال آخر : فلا تودعن الدهر سرك ~~أحمقا . . . فإنك إن أودعته منه أحمق إذا ضاق صدر المرء عن كتم سره . . . ~~فصدر الذي يستودع السر أضيق وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج : لا تفش ~~سرك إلا إليك . . . فإن لكل نصيح نصيحا فإني رأيت غواة الرجا . . . ل لا ~~يتركون أديما صحيحا PageV06P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" وقال الوليد بن عتبة لأبيه : إن أمير المؤمنين ~~أسر إلي حديثا ولا أراه يطوي عنك ما يبسطه لغيرك أفلا أخبرك به ؟ فقال : لا ~~، يا بني إنه من كتم سرا كان الخيار له ، ومن أظهره كان الخيار عليه ، فلا ~~تكن مملوكا بعد أن كنت مالكا . وفي كتاب التاج : أن بعض ملوك العجم استشار ~~وزيريه ، فقال أحدهما : إنه لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحدا إلا خاليا ~~به ، فإنه أموت للسر وأحزم للرأي وأجدر بالسلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض ~~؛ فإن إفشاء السر إلى رجل واحد أوثق من إفشائه إلى اثنين ، وإفشاؤه إلى ~~ثلاثة كإفشائه إلى جماعة ؛ لأن الواحد رهن بما أفشي إليه ، والثاني مطلق ~~عنه ذلك الرهن ، والثالث علاوة فيه ، فإذا كان السر عند واحد كان أحرى ألا ~~يظهره رهبة ورغبة . وإن كان عند اثنين كان الملك على شبهة ، واتسعت على ~~الرجلين المعاريض . فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد ، وإن اتهمهما اتهم ~~بريئا بجناية مجرم . وإن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما ولا ذنب له ، وعن ~~الآخر ولا حجة عليه . وقال علي رضي الله عنه : الظفر بالحزم ، والحزم ~~بأصالة الرأي ، والرأي بتحصين السر . وقيل : من حصن سره فله من تحصينه إياه ~~خلتان : إما الظفر بما يريد ، وإما السلامة من العيب والضرر إن أخطأه الظفر ~~. وقيل : كلما كثر ms1263 خزان السر ازداد ضياعا . ويقال : إذا انتهى السر من ~~الجنان إلى عذبة اللسان ، فالإذاعة مستولية عليه . وقال عمرو بن العاص : ~~القلوب أوعية للأسرار ، والشفاه أقفالها ، والألسن مفاتيحها ، فليحفظ كل ~~امرىء مفتاح سره . قال شاعر : صن السر عن كل مستخبر . . . وحاذر فما الحزم ~~إلا الحذر أسيرك سرك إن صنته . . . وأنت أسير له إن ظهر وكان يقال : الكاتم ~~سره بين إحدى فضيلتين : الظفر بحاجته ، والسلامة من شر إذاعته . ويقال : ~~أصبر الناس من صبر على كتمان سره . PageV06P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" وقال آخر : كتمانك سرك يعقبك السلامة ، ~~وإفشاؤه يعقبك الندامة ، والصبر على كتمان السر أيسر من الندامة على إفشائه ~~. قال شاعر : إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها . . . فسرك عند الناس أفشى وأضيع ~~وقال آخر : تبوح بسرك ضيقا به . . . وتحسب كل أخ يكتم وكتمانك السر ممن ~~تخاف . . . ومن لا تخافنه أحزم إذا ذاع سرك من مخبر . . . فأنت متى لمته ~~ألوم وكان يقال : لا تظهر كوامن صدرك بإذاعة سرك ، فيمكر بك حاسدك ، ويظهر ~~عليك معاندك . قال عمر بن أبي ربيعة : فقالت وأرخت جانب الستر إنما . . . ~~معي فتحدث غير ذي رقبة أهلي فقلت لها ما بي لهم من ترقب . . . ولكن سري ليس ~~يحمله مثلي ومما قيل في استراحة الرجل بمكنون سره إلى صديقه ، قال الله ~~تعالى : " لكل نبأ مستقر " . وقالت الحكماء : لكل سر مستودع . قال بعض ~~الشعراء : وأبثثت عمرا بعض ما في جوانحي . . . وجرعته من مر ما أتجرع فلا ~~بد من شكوى إلى ذي حفيظة . . . إذا جعلت أسرار نفسي تطلع وقال حبيب : شكوت ~~وما الشكوى لمثلي عادة . . . ولكن تفيض الكأس عند امتلائها PageV06P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" وقال أبو الحسن بن محمد البصري : تعب الهوى ~~بمعالمي ورسومي . . . ودفنت حيا تحت ردم همومي وشكوت همي حين ضقت ، ومن شكا ~~. . . هما يضيق به فغير ملوم مما وصف به كتمان السر قيل : أسر رجل إلى صديق ~~له حديثا ، فلما استقصاه قال : أفهمت ؟ قال : بل نسيت . وقيل لآخر : كيف ~~كتمانك للسر ؟ فقال : أجحد المخبر ، وأحلف للمستخبر . ومن جيد ما قيل في ~~كتمان السر ms1264 قول الأول : تلاقت حيازيمي على قلب حازم . . . كتوم لما ضمت ~~عليه أضالعه أؤاخي رجالا لست أطلع بعضهم . . . على سر بعض ، إن قلبي واسعه ~~قال قيس بن الخطيم : إذا جاوز الاثنين سر فإنه . . . بنث وتكثير الحديث ~~قمين وإن ضيع الإخوان سرا فإنني . . . كتوم لأسرار العشير أمين يكون له ~~عندي إذا ما ضممته . . . مكان بسوداء الفؤاد مكين وقال أبو إسحاق الصابي : ~~لسر صديقي مكمن في جوانحي . . . تمنع أن تدنو إليه المباحث تغلغل مني حيث ~~لا تستطيعه . . . كؤوس الندامة والأنيس المحادث إذا الفحص آلى جاهدا أن ~~يناله . . . تراجع عنه وهو خزيان حانث فقل لصديقي إذا لم السر آمنا . . . ~~إذا لم يكن ما بيننا فيه ثالث PageV06P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" وهذا البيت مأخوذ من قول جميل : ولا يسمعن سري ~~وسرك ثالث . . . ألا كل سر جاوز اثنين ضائع وقال الصابي أيضا : وللسر فيما ~~بين جنبي مكمن . . . خفي قصي عن مدارج أنفاسي أضن به ضني بموضع حفظه . . . ~~فأحميه عن إحساس غيري وإحساسي فقد صار كالمعدوم لا يستطيعه . . . يقين ولا ~~ظن لخلق من الناس كأني من فرط احتياطي أضعته . . . فبعضي له واع وبعضي له ~~ناسي وقال كثير : كريم يميت السر حتى كأنه . . . إذا استنطقوه عن حديثك ~~جاهله رعى سركم مستودع القلب والحشا . . . شفيق عليكم لا تخاف غوائله وأكتم ~~نفسي بعض سري تكرما . . . إذا ما أضاع السر في الناس حامله ذكر ما قيل في ~~الأذن والاستئذان الإذن والاستئذان قال الله تعالى : " يأيها الذين آمنوا ~~لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم ~~لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ~~ارجعوا فارجعوا هو أذكى لكم " وقال تعالى : " يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات " الآية . وقال ~~تعالى : " يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " الآية ~~. وقيل : استأذن رجل على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو في بيت فقال : " ~~أ ألج ؟ فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ms1265 ) لخادمه : " أخرج إلى هذا وعلمه ~~الاستئذان وقل له يقول السلام عليكم أ أدخل " . وقال النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع " . PageV06P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الأولى ~~إذن والثانية مؤامرة والثالثة عزمة ، إما أن يأذنوا وإما أن يرجع . وقال ~~زياد بن أبيه لعجلان حاجبه : كيف تأذن للناس ؟ قال : على البيوتات ثم على ~~الأسنان ثم على الأدب ؛ قال : فمن تؤخر ؟ قال : الذين لا يعبأ الله بهم ؛ ~~قال : ومن هم ؟ قال : الذين يلبسون كسوة الشتاء في الصيف وكسوة الصيف في ~~الشتاء . وكان سعيد بن عتبة بن حصين إذا حضر باب أحد من السلاطين جلس جانبا ~~؛ فقيل له : إنك لتتباعد من الآذن جهدك ؛ فقال : لأن أدعى من بعيد خير من ~~أن أقصى من قريب . قال بعض الشعراء : رأيت أناسا يسرعون تبادرا . . . إذا ~~فتح البواب بابك إصبعا ونحن جلوس ساكنون رزانة . . . وحلما إلى أن يفتح ~~الباب أجمعا وقيل لمعاوية : إن آذنك ليقدم معارفه في الإذن على وجوه الناس ~~؛ قال : وما عليه إن المعرفة لتنف في الكلب العقور والجمل الصؤول ، فكيف ~~رجل حسيب ذو كرم ودين ونظر رجل إلى روح بن حاتم وهو واقف في الشمس عند باب ~~المنصور ، فقال له : لقد طال وقوفك في الشمس ؛ فقال : ذلك ليطول جلوسي في ~~الظل . ذكر ما قيل في الحجاب . قال خالد بن عبد الله القسري أمير العراق ~~لحاجبه : إذا أخذت مجلسي فلا تحجبن عني أحدا ، فإن الوالي يحتجب عن الرعية ~~لإحدى ثلاث : إما لعي PageV06P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" يكره أن يطلع عليه ، أو لبخل يكره أن يسأل ~~شيئا ، وإما لريبة لا يحب أن تظهر منه . وقال زياد لحاجبه : وليتك حجابتي ~~وعزلتك عن أربع : المنادي إلى الصلاة والفلاح ، لا تفرجنه عني فلا سلطان لك ~~عليه ، وطارق الليل لا تحجبه فشر ما جاء به ، ولو كان خيرا ما جاء به تلك ~~الساعة ، ورسول الثغر فإنه إن أبطأ ساعة فسد عمل سنة فأدخله علي وإن كنت في ~~لحافي ، وصاحب الطعام ms1266 فإن الطعام إذا أعيد تسخينه فسد . وقف أبو سفيان باب ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه وقد اشتغل بمصلحة للمسلمين فحجبه ؛ فقال له رجل ~~وأراد إغراءه : يا أبا سفيان ، ما كنت أرى أن تقف بباب مضري فيحجبك فقال ~~أبو سفيان : لا عدمت من قومي من أقف بابه فيحجبني . واستأذن أبو الدرداء ~~على معاوية بن أبي سفيان فحجبه ؛ فقال : من يغش أبواب الملوك يقم ويقعد ، ~~ومن يجد بابا مغلقا يجد إلى جانبه بابا مفتوحا إن دعا أجيب وإن سأل أعطي . ~~قال محمود الوراق : شاد الملوك قصورهم فتحصنوا . . . من كل طالب حاجة أو ~~راغب PageV06P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" غالوا بأبواب الحديد لعزها . . . وتنوقوا في ~~قبح وجه الحاجب فإذا تلطف في الدخول إليهم . . . راج تلقوه بوعد كاذب فاطلب ~~إلى ملك الملوك ولا تكن . . . يا ذا الضراعة طالبا من طالب قال أبو مسهر : ~~أتيت إلى باب أبي جعفر محمد بن عبد الله بن عبد كان ، فحجبني فكتبت إليه : ~~إني أتيتك للتسليم أمس فلم . . . تأذن عليك لي الأستار والحجب وقد علمت ~~بأني لم أرد ولا . . . والله ما رد إلا العلم والأدب فأجابه ابن عبد كان : ~~لو كنت كافأت بالحسنى لقلت كما . . . قال ابن أوس وفيما قاله أدب ليس ~~الحجاب بمقص عنك لي أملا . . . إن السماء ترجى حين تحتجب وقف إلى باب محمد ~~بن منصور رجل من خاصته فحجب عنه ، فكتب إليه : على أي باب أطلب الإذن بعد ~~ما . . . حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه وقف أبو العتاهية إلى باب بعض ~~الهاشميين ، فطلب الإذن ؛ فقيل له : تكون لك عودة ؛ فقال : لئن عدت بعد ~~اليوم إني لظالم . . . سأصرف وجهي حين تبغي المكارم متى يظفر الغادي إليك ~~بحاجة . . . ونصفك محجوب ونصفك نائم PageV06P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" ونظيره قول العماني : قد أتيناك للسلام مرارا ~~. . . غير من بنا بتلك المرار فإذا أنت في استتارك باللي . . . ل على مثل ~~حالنا بالنهار وقال أبو تمام : سأترك هذا الباب ما دام إذنه . . . على ما ~~أرى حتى يلين قليلا فما خاب من لم يأته متعمدا . . . ولا ms1267 فاز من قد نال منه ~~وصولا ولا جعلت أرزاقنا بيد امرئ . . . حمى بابه من أن ينال دخولا إذا لم ~~أجد للإذن عندك موضعا . . . وجدت إلى ترك المجيء سبيلا وقال آخر : أتيتك ~~للتسليم لا أنني امرؤ . . . أردت بإتيانك أسباب نائلك فألفيت بوابا ببابك ~~مغرما . . . بهدم الذي وطدته من فضائلك وقال العماني : إذا ما أتيناه في ~~حاجة . . . رفعنا الرقاع له بالقصب له حاجب دونه حاجب . . . وحاجب حاجبه ~~محتجب وقال آخر : يا أبا موسى وأنت فتى . . . ماجد حلو ضرائبه كن على منهاج ~~معرفة . . . إن وجه المرء حاجبه فيه تبدو محاسنه . . . وبه تبدو معايبه وقف ~~عبد الله بن العباس بن الحسين العلوي على باب المأمون يوما ، فنظر إليه ~~الحاجب ثم أطرق ؛ فقال عبد الله لقوم معه : إنه لو أذن لنا لدخلنا ، ولو ~~صرفنا PageV06P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" لانصرفنا ، لو اعتذر إلينا لقبلنا ، فأما ~~الفترة بعد النظرة ، والتوقف بعد التعرف ، فلا أفهمه ، ثم تمثل : وما عن ~~رضا كان الحمار مطيتي . . . ولكن من يمشي سيرضى بما ركب وانصرف ؛ فبلغ ~~المأمون كلامه ، فصرف الحاجب وأمر لعبد الله بصلة جزيلة وعشر دواب . وحجب ~~بعض الهاشميين فرجع مغضبا فرد فلم يرجع ، وقال : ليس بعد الحجاب إلا العذاب ~~، لأن الله تعالى يقول : " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا ~~الجحيم " . ذكر ما قيل في النهي عن شدة الحجاب . قيل : لا شيء أضيع للملكة ~~وأهلك للرعية من شدة الحجاب ، لأن الرعية إذا وثقت بسهولة الحجاب أحجمت عن ~~الظلم ، وإذا وثقت بصعوبته هجمت على الظلم . وهذا مخالف لوصية زياد لابنه : ~~عليك بالحجاب ، فإنما تجرأت الرعاة على السباع لكثرة نظرها إليها . قال ~~سعيد بن المسيب : نعم الرجل عبد العزيز لولا حجابه وعن علي رضي الله عنه : ~~إنما أمهل فرعون مع دعواه ما ادعاه لسهوله إذنه وبذل طعامه . وقال ميمون بن ~~مهران : كنت عند عمر بن عبد العزيز ، فقال لابنه : من بالباب ؟ فقال : رجل ~~أناخ الآن يزعم أنه ابن بلال مؤذن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ~~من ولي شيئا من أمور ms1268 المسلمين ثم حجب عنه حجبه الله يوم القيامة ، فقال ~~لحاجبه : الزم بيتك . فما رئي على بابه بعده حاجب . وقال عمرو بن العاص ~~لابنه وقد ولي ولاية : انظر حاجبك فإنه لحمك ودمك ، ولقد رأيتنا بصفين وقد ~~أشرع قوم في وجوهنا يريدون نفوسنا مالنا ذنب إليهم إلا الحجاب . ~~PageV06P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" وقيل : ولى المنصور حجابته الخصيب فقال : إنك ~~بولايتي عظيم القدر ، وحجابتي عظيم الجاه ، فبقها على نفسك ، أبسط وجهك ~~للمستأذنين ، وصن عرضك عن تناول المحجوبين ، فما شيء أوقع بقلوبهم من سهولة ~~الإذن وطلاقة الوجه . قال سليمان بن زيد النابلسي : سأهجركم حتى يلين ~~حجابكم . . . على أنه لا بد أن سيلين خذوا حذركم من نبوة الدهر إنها . . . ~~وإن لم تكن حانت فسوف تحين وقال آخر : كم من فتى تحمد أخلاقه . . . وتسكن ~~الأحرار في ذمته قد كثر الحاجب أعداءه . . . وسلط الذم على نعمته وقال ~~أعرابي : لعمري إن حجبتني العبيد . . . ببابك ما تحجب القافيه سأرمي بها من ~~وراء الحجاب . . . فتعدو عليك بها داهيه تصم السميع وتعمي البصير . . . ~~وتسأل من مثلها العافيه وقال جعفر المصري : وتفضل علي بالإذن إن جئ . . . ت ~~فإني مخفف في اللقاء ليس لي حاجة سوى الحمد والشك . . . ر فدعني أقريك حسن ~~الثناء الباب التاسع من القسم الخامس من الفن الثاني في الوزراء وأصحاب ~~الملك ما قيل في الوزارة وشروطها واشتقاقها وما يحتاج الوزير إليه . قال ~~الله عز وجل إخبارا عن موسى عليه السلام : " واجعل لي وزيرا من أهلي هارون ~~أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري " . وروي PageV06P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ~~ما من أحد أعظم أجرا من وزير صالح يكون مع إمام فيأمر بذات الله تعالى " . ~~قالت الحكماء : أعرف الملوك يحتاج إلى الوزير ، وأشجع الرجال يحتاج إلى ~~السلاح ، وأجود الخيل يحتاج إلى السوط ، وأحد الشفار يحتاج إلى المسن . ~~وقالوا : صلاح الدنيا بصلاح الملوك ، وصلاح الملوك بصلاح الوزراء ، ولا ~~يصلح الملك إلا لأهله ، ولا تصلح الوزارة إلا لمستحقها . وقالوا : أفضل عدد ~~الملوك صلاح الوزراء الكفاة ، لأن في ms1269 صلاحهم صلاح قلوب عوامهم لهم . وقالوا ~~: خير الوزراء أصلحهم للرعية ، وأصدقهم نية في النصيحة ، وأشدهم ذبا عن ~~المملكة ، وأسدهم بصيرة في الطاعة ، وآخذهم لحقوق الرعية من نفسه وسلطانه . ~~وقالوا : الوزير الخير لا يرى أن صلاحه في نفسه وسلطانه كائن صلاحا حتى ~~يتصل بصلاح الملك ورعيته ، وتكون عنايته فيما عطف الملك على عامته ، وفيما ~~استعطف قلوب العامة على الطاعة لملكه ، وفيما قوم أمر الملك والمملكة من ~~تدبير ، حتى يجمع إلى أخذ الحق وتقديمه عموم الأمن والسلامة ، ويجمع إلى ~~صلاح الملك صلاح أتباعه . وإذا تطرقت الحوادث ودهمت العظائم كان للملك عدة ~~وعتادا ، وللرعية كافيا محتاطا ، ومن ورائها ذابا ناصرا ، يعنيه من صلاحها ~~ما لا يعنيه من صلاح نفسه دونها . ذكر ما قيل في اشتقاق الوزارة وصفة ~~الوزير وما يحتاج إليه أما اشتقاقها فقد اختلف في معناه على ثلاثة أوجه : ~~أحدها أنه مشتق من الوزر وهو الثقل ، لأنه يحمل عن الملك أثقاله . والثاني ~~أنه مشتق من الأزر وهو الظهر ، لأن الملك يقوى بوزيره كقوة البدن بظهره . ~~والثالث أنه مشتق من الوزر - وهو الملجأ - ومنه قوله تعالى : " كلا لا وزر ~~" ؛ أي لا ملجأ ؛ لأن الملك يلجأ إلى وزيره ومعونته . PageV06P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" وأما صفة الوزير وما يحتاج إليه ، فقد قال ~~أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب الماوردي في كتابه ~~المترجم " بقوانين الوزارة " ما معناه : إن الوزير في منصب مختلف الأطراف ، ~~يدبر غيره من الرعايا ويتدبر بغيره من الملوك ، فهو سائس ومسوس يقوم بسياسة ~~رعيته وينقاد لطاعة سلطانه ، فيجمع بين سطوة مطاع وانقياد مطيع ، فشطر فكره ~~جاذب لمن يسوسه ، وشطره مجذوب بمن يطيعه ؛ لأن الناس بين سائس ، ومسوس ، ~~وجامع بينهما ، وله هذه المرتبة الجامعة ؛ فهو يجمع ما اختلف من أحكامها ، ~~ويستكمل ما تباين من أقسامها ؛ وبيده تدبير مملكة صلاحها مستحق عليه ، ~~وفسادها منسوب إليه ؛ يؤاخذ بالإساءة ولا يعتد له بالإحسان ، تلان له ~~المبادئ بالإرغاب وتشدد عليه الغايات بالإعتاب ، مستظهرا ليكفي اعتداد ~~الإحسان إليه ، ويسلم من غب المؤاخذة له ، ويلزمه ضدها ms1270 في حق سلطانه ألا ~~يعتد عليه بصلاح ملكه ، لأنه للصلاح مندوب ، ولا يعتذر إليه من اختلاله ، ~~لأن الاختلال إليه منسوب . والوزير مباشر لتدبير ملك له أس هو الدين ~~المشروع ، ونظام هو الحق المتبوع . فإن جعل الدين قائده ، والحق رائده ؛ ~~تذلل له كل صعب ، وسهل عليه كل خطب ؛ لأن للدين أنصارا وأعوانا ، إن قعدت ~~عنه أجسادهم لم تقعد عنه قلوبهم . وحسبه أن تكون القلوب معه ، فإن للدين ~~سلطانا قد انقادت إليه إمامته ، واستقرت عليه زعامته . فإن جعله ظهيرا له ~~في أموره ، وعونا على تدبيره ، يجد من القلوب خشوعا ، ، ومن النفوس خضوعا ؛ ~~فما اعتزت مملكة إليه إلا صالت ، ولا التحفت بشعاره إلا طالت . ولن يستغزر ~~الوزير مواده إلا بالعدل والإحسان ، ولن يستنزرها بمثل الجور والإساءة ؛ ~~لأن العدل استثمار دائم ، والجور استئصال منقطع . وليس يختص بالأموال دون ~~الأقوال والأفعال ، فعدله في الأموال أن تؤخذ بحقها وتدفع إلى مستحقها ؛ ~~لأنه في الحقوق سفير مؤتمن ، وكفيل مرتهن ؛ عليه غرمها ، ولغيره غنمها . ~~وعدله في PageV06P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" الأقوال ألا يخاطب الفاضل بخطاب المفضول ، ولا ~~العالم بخطاب الجهول ؛ ويقف في الحمد والذم على حسب الإحسان والإساءة ، ~~ليكون إرغابه وإرهابه وفق أسبابهما من غير سرف ولا تقصير ؛ فلسانه ميزانه ، ~~فليحفظه من رجحان أو نقصان . وعدله في الأفعال ألا يعاقب إلا على ذنب ، ولا ~~يعفو إلا عن إنابة ، ولا يبعثه السخط على اطراح المحاسن ، ولا يحمله الرضا ~~على العفو عن المساوئ . وليكن وفاؤه بالوعد حتما ، وبالوعيد حزما ، لأن ~~العد حق عليه لغيره يسقط فيه اختياره ، والوعيد حق له على غيره فهو فيه ~~خياره . فمن أجل ذلك لم يجز إخلاف الوعد وإن جاز إخلاف الوعيد . قال بعض ~~الشعراء : وإني إذا أوعدته أو وعدته . . . لمخلف إيعادي ومنجز موعدي لكن ~~ينبغي أن يقرن بخلف الوعيد عذرا حتى لا يهون وعيده ؛ ليكون نظام الهيبة ~~محفوظا ، وقانون السياسة فيه مضبوطا ؛ وليظهره إن خفي ليكون بإخلاف وعيد ~~معذورا ، وبعفوه عنه مشكورا . ولتكن أفعاله أكثر من أقواله ، فإن زيادة ~~القول على الفعل دناءة وشين ، وزيادة الفعل ms1271 على القول مكرمة وزين . ولا ~~يجعل لغضبه سلطانا على نفسه يخرجه عن الاعتدال إلى الاختلال ؛ فلن يسلم ~~بالغضب رأي من زلل ، ولا كلام من خطل ؛ لأن ثورته طيش معر ، ونفرته بطش مضر ~~؛ لأنه يخرج عن التأدب إلى الانتقام ، وعن التقويم إلى الاصطلام . قال ابن ~~عباس : لم يمل إلى الغضب إلا من أعياه سلطان الحجة . وقال بعض السلف : إياك ~~وعزة الغضب ، فإنها تفضي بك إلى ذل الاعتذار . وقال بعض الحكماء : من كثر ~~شططه ، كثر غلطه . قال بعض الشعراء : ولم أر في الأعداء حين اختبرتهم . . . ~~عدوا لعقل المرء أعدى من الغضب وليكن غضبه تغاضبا يملك به عزمه ، ويقوم به ~~خصمه ، فيسلم من جور غضبه ويقف على اعتدال تغاضبه . فقد قيل في بعض صحف بني ~~إسرائيل : إذا كان الرجل ذا غضب تواترت عليه الوضائع ، فكلما اشتد غضبه ~~ازداد بلاء . وقد يقترن بالغضب PageV06P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" لجاج يساويه في معرته ، ويشاركه في مضرته ؛ ~~لأن في اللجاج التزام الخطأ واطراح الصواب . فليدع عنه لجاج الخصم الألد ، ~~وليتجنب عواقب المدل الفدم . وليتابع الرأي فيما اقتضاه ؛ فلأن ينتف بالرأي ~~خير من أن يستضر باللجاج . فقد قال بعض الحكماء : من استعان بالرأي ملك ، ~~ومن كابر الأمور هلك . وقال ابن المقفع : دع اللجاج فإنه يكسر عزائم العقول ~~. وقيل الظفر لمن احتج ، لا لمن لج . وليأخذ الوزير أموره بالجد دون الهزل ~~. فالجد والهزل ضدان متنافران ؛ لأن الجد من قواعد الحق الباعث على الصلاح ~~، والهزل من مرح الباطل الداعي إلى الفساد ؛ فصار فرق ما بين الجد والهزل ~~هو فرق ما بين الحق والباطل . وتنافر الأضداد يمنع من الجمع بينهما ؛ فمتى ~~انفرد بأحدهما كان للآخر تاركا . وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~أنه قال : العقل حسام قاطع ، والحلم غطاء ساتر ، فقابل هواك بعقلك ، واستر ~~خلل خلقك بحلمك ، واستعمل الجد ينقد إليك الحق ويفارقك الباطل . ولا تعدل ~~إلى الهزل فيتبعك الباطل وينافرك الحق . وقلما انثلمت هيبة الجد أو تكاملت ~~هيبة الهزل ؛ والهيبة أس السلطنة . حكي عن عمر بن مرة ms1272 أن رجلا من قريش قال ~~لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : لن لنا فقد ملأت قلوبنا مهابة ؛ فقال عمر : ~~أ في ذلك ظلم ؟ قال : لا ؛ قال : فزادني الله في صدوركم مهابة . وقال حكيم ~~الهند : ليكن فيك مع طلاقتك تشدد ، لئلا يجترأ عليك بالطلاقة وينفر منك ~~بالتشدد . والهزل إنما يكون مع سخف أو بطر يجل عنهما من ساس الرعايا ودبر ~~الممالك . وسأل ملك الهند الإسكندر وقد دخل بلاده : ما علامة دوام الملك ؟ ~~قال : الجد في كل الأمور ؛ قال : فما علامة زواله ؟ فال : الهزل فيها . ~~وليس الكبر والعنف جدا ، ولا التواضع واللطف هزلا . قالوا : وإن استكد الجد ~~خاطره فلا بأس أن يستروح ببعض الهزل ليستعين به على مصابرة الجد ، لكن يكون ~~في زمان راحته وأوقات خلوته بمقدار دوائه من دائه ، PageV06P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" فإن الكلال ملال . ولينك ذلك كما قال بعض ~~الشعراء : أفد طبعك المكدور بالجد راحة . . . يجم وعلله بشيء من المزح ولكن ~~إذا أعطيته المزح فليكن . . . بمقدار ما تعطي الطعام من الملح وكذلك فليتحر ~~الصدق ويتجنب الكذب ، فإنهما ضدان متنافران تختلف عللهما وتفترق نتائجهما ؛ ~~فالصدق من لوازم العقل وهو أس الدين وقوام الحق ؛ والكذب من غرائز الجهل ~~وهو زور يقترن بغرور ، إن التبست أوائله انتهكت أواخره ، وإن جر التباسه ~~نفعا عاد انتهاكه ضررا ، فلن يسلم من معرة زوره ، ومضرة غروره . وقد قدمنا ~~من مدح الصدق في باب المدح ، وذم الكذب في باب الهجاء ، ما فيه غنية عن ~~تكراره . وحيث ذكرنا هذه المقدمة في اشتقاق الوزارة وما يحتاج الوزير إليه ~~فلنذكر صفة الوزارة وشروطها . ذكر صفة الوزارة وشروطها قال أقضى القضاة أبو ~~الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي : والوزارة ضربان : وزارة تفويض تجمع ~~بين كفايتي السيف والقلم ، ووزارة تنفيذ تختص بالرأي والحزم ؛ ولكل واحدة ~~منهما حقوق وشروط . وزارة التفويض فهي : الاستيلاء على التدبير بالعقد ، ~~والحل ، والتقليد والعزل . فأما العقد فيشتمل على شرطين : دفاع وحذر . وكل ~~شرط من هذه الشروط الأربعة يشتمل على فصول . الشرط الأول وهو التنفيذ فهو ~~رأس الوزارة وقاعدة ms1273 النيابة ، وهو الأخص بكفاية القلم في مصالح الملك ~~واستقامة الأعمال . ويشتمل على أربعة أقسام : الأول : تنفيذ ما صدرت به ~~أوامر الملك . وعلى الوزير فيها حقان : أحدهما أن يتصفحها من زلل في ~~ابتدائها ، ويحرسها من خلل في أثنائها ؛ ليرده عن زللها باللطف ، ويقوي ~~عزمه على صوابها بالإحماد . وقد قال أفلاطون : أول رياضة الوزير أن يتأمل ~~أخلاق الملك ومعاملته ، فإن كانت شديدة فظة عامل الناس بدونها ، وإن كانت ~~لينة مطلقة عاملهم بأقوى منها ، ليقرب من العدل في سعيه . والثاني : تعجيل ~~إمضائها للوقت المقدر لها حتى لا يقف فيوحش ، لأن وقوف أوامره يوحش ، وهو ~~PageV06P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" مندوب للتنفيذ دون الوقوف . وقد قال الحكيم ~~الهند : العجلة في الأمر خرق ، وأخرق منها التفريط في الأمر بعد القدرة ~~عليه . ودرك هذا التنفيذ عائد على الملك دون الوزير . القسم الثاني : تنفيذ ~~ما اقتضاه رأي الوزير من تدبير المملكة . فعليه في إمضائه حقان : أحدهما أن ~~يراعي أولى الأمور في اجتهاده ، وأصوبها في رأيه ، لأنه مندوب لأصلحها ~~ومأخوذ بأصوبها . والثاني أن يطالع الملك به إن جل ، ويجوز أن يطويه إن قل ~~، ليخرج عن الاستبداد المنفر ، ويسلم من الحقد المؤثر . وقال حكيم الهند : ~~الأحقاد مؤثرة حيث كانت ، وأخوفها ما كان في أنفس الملوك ، لأنهم يدينون ~~بالانتقام ويرون التطلب بالوتر مكرمة وفخرا . فإن عارضه الملك في رأيه بعد ~~المطالعة به لم يستوحش من معارضته ، لأنه مالك مستنيب ، وظان مستريب ، ~~وقابل بين رأيه ومعارضته ، واستوضح من الملك أسباب المعارضة بلطف إن خفيت ، ~~فإن وضح صوابها توقف عن رأيه وشكره على استدراك زلله وتلافي خلله وقد من ~~عليه ولم يؤنب . وإن كان الصواب مع الوزير تلطف في إيضاح صوابه ، وكشف علله ~~وأسبابه . فإن ساعده على إمضائه أمضاه ؛ وكان درك تنفيذه عائدا على الوزير ~~دون الملك . والقسم الثالث : تنفيذ ما صدر عن خلفائه على الأعمال التي ~~فوضها إلى آرائهم ووكلها إلى اجتهادهم . فإن تفردوا بتنفيذها أمضاها لهم ~~ولم يتعقبها عليهم ما لم يتحقق زللهم فيها ؛ وكان درك تنفيذها عائدا على ~~العمال دون الوزير ms1274 . وإن وقفوها على تنفيذ الوزير فعليه في تنفيذها حقان : ~~أحدهما أن يستكشف عن أسبابها ، ليعلم خطأها من صوابها والثاني تقوية أيديهم ~~ونفي الارتياب عنهم ، فإن ظهور الارتياب مجشة للقلوب . فإن نفذها لهم حين ~~لم يتحقق زللهم فيها كان درك تنفيذها عائدا على الوزير دون العمال . والقسم ~~الرابع : تنفيذ أمور الرعايا على ما ألفوه من عادات ومعاملات اختلفوا فيها ~~حين ائتلفوا بها ، لأن الناس مجبولون على الحاجة إلى أنواع لا يقدر الواحد ~~أن يقوم بجميعها ، فخولف بين هممهم لينفرد كل قوم بنوع منها فيأتلفوا بها ، ~~فيقوم PageV06P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" الزراع بمزارعهم ، ويتشاغل الصناع بصنائعهم ، ~~ويتوفر التجار على متاجرهم . وعليه في تنفيذها لهم حقان : أحدهما ألا يعارض ~~صنفا منهم في مطلبه ، والثاني ألا يشاركه في مكسبه . وربما كان للسلطان رأي ~~في الاستكثار من أحد الأصناف فينقل إليه من لم يألفه فيختل النظام بهم فيما ~~نقلوا عنه وفيما نقلوا إليه . وربما ضن السلطان عليهم بمكاسبهم فتعرض لها ~~أو شاركهم فيها فاتجر مع التجار وزرع مع الزراع . وهذا وهن في حقوق السياسة ~~وقدح في شروط الرياسة من وجهين : أحدهما أنه إذا تعرض لأمر ، قصرت فيه يد ~~من عداه ؛ فإن تورك عليه لم ينهض به ، وإن شورك فيه ضاق على أهله . وقد روي ~~عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ما عدل وال اتجر في رعيته " . ~~والثاني لأن الملوك أشرف الناس منصبا فخصوا بمواد السلطنة ، لأنها أشرف ~~المواد مكسبا . فإن زاحموا العامة في رذل مكاسبهم أوهنوا الرعايا ودنسوا ~~الممالك ؛ وعاد وهنهم عليها فاختل نظامها ، واعتل مرامها . وقد روي عن ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إذا اتجر الراعي هلكت الرعية " . ~~وكتب حكيم الروم إلى الإسكندر : أي ملك تطنف نفسه إلى المحقرات فالموت أكرم ~~له . فهذا ما اشتمل عليه الشرط الأول . الشرط الثاني فهو الدفاع . وهو أس ~~السلطنة وقانون السياسة والأخص بكفاية السيف في تدبير الملك وضروب المصالح ~~. ويشتمل على أربعة أقسام : أحدها الدفاع عن الملك من الأولياء ، والثاني ~~الدفاع عن المملكة من الأعداء ms1275 ، والثالث دفاع الوزير عن نفسه من الأكفاء ، ~~والرابع دفاعه عن الرعية من خوف واختلال . فالقسم الأول في دفاعه عن الملك ~~من أوليائه : ويكون بثلاثة أسباب : أحدها أن يقودهم إلى طاعته بالرغبة ، ~~ويكفهم عن معصيته بالرهبة ؛ فإن الرغبة والرهبة إذا تواليا على النفس ذلت ~~لهما وانقادت خوفا وطمعا ، وبهما تعبد الله الخلق في وعده ووعيده . والثاني ~~أن يقوم بكفايتهم حتى لا ينفروا بالقوة أو يتفرقوا بالضعف ؛ وكلاهما قدح في ~~الملك . والثالث أن يحفظهم من الإغواء ، ويحرسهم من الإغراء ؛ وذلك بأمرين ~~: أحدهما البحث عن أخبارهم حتى يعلم سليمهم من سقيمهم . والثاني بإبعاد ~~المفسدين عنهم حتى لا يتعدى إليهم فسادهم ؛ فإن الكف بحسب الكشف . ~~PageV06P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" والقسم الثاني في دفاعه عن المملكة من أعدائها ~~: وأعداء الممالك من انفرد بملك أو امتنع بقوة . وهم ثلاثة أصناف : أكفاء ~~مماثلون ، وعظماء متقدمون ، وناجمة منافسون . فأما الأكفاء المماثلون ~~فيدفعون بالمقاربة والمسالمة . وأما العظماء المتقدمون فيدفعون بالملاطفة ~~والملاينة . وأما الناجمة المنفسون فيدفعون بالسوط والمخاشنة . والقسم ~~الثالث في دفاع الوزير عن نفسه من أكفائه : ويكون بعد استصلاح الطرفين : ~~الأعلى وهو الملك ، والأدنى وهم الأعوان . وأكفاؤه ثلاثة : واتر ، وموتور ، ~~ومنافس . فأما الواتر : فقد بدأ بشره وجاهر بعداوته ؛ وكلاهما بغي مؤنس ~~بالنصر عليه . وللوزير في ترته حقان : حق في مقابلته على ما قدم من ترته ، ~~وقح في استدفاع ما جاهر به من عداوته . فأما حقه في المقابلة ، فإن عفا ~~الوزير عنها كان بالفضل جديرا ، وإن قابل كان في المقابلة معذورا . وقد قيل ~~: لذة العفو أطيب من لذة التشفي لأن لذة العفو يتبعها الحمد ولذة التشفي ~~يعقبها الندم . قال الشاعر : فإنك تلقى فاعل الشر نادما . . . عليه ولم على ~~الخير فاعله وأما حقه في استدفاع شره ، فقد أيقظته مجاهرته ، وأوهن كيده ~~مظاهرته . وقد قيل في منثور الحكم : أوهن الأعداء كيدا أظهرهم بعداوته . ~~فاحذر بادرته وادفع عداوته . ودفعها مختلف باختلاف طباعه في انثنائه ~~بالرغبة وتقويمه بالرهبة . وأما الموتور : فقد بودئ بالإساءة فصبر عليها ، ~~وجوهر بالعداوة فأخفاها ؛ فله ترة مظلوم ووثبة مختلس ، فتتوقى ترة ms1276 ظلامته ~~بالاستعطاف ، ووثبة مخالسته بالاحتراز . وأما المنافس : فهو طالب رتبة إن ~~نال منها سدادا من عوز ياسر ، وإن ضويق فيها نافر . فليرخ الوزير له عنان ~~الأمل ، وليخفض له جناح منافسته بالاستبانة والعمل ؛ ليندفع بالمياسرة عن ~~المنافرة . وليغالط به الأيام ، فإن الساعات تهدم الأعمار ، ولا يجعل له ~~فراغا يتشاغل فيه بمساءته ، ويجعله عذرا في السعي على منزلته . فإن ساق ~~القضاء إليه حظا كان له مصطنعا ، يرعى له حقوق الاصطناع . فقد قيل : من ~~علامة الإقبال ، اصطناع الرجال . فإن صده القضاء عن إرادته وعجزه القدر عن ~~طلبته كفي PageV06P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" الوزير منه ما خافه وقد أحسن ، ووصل إلى ما ~~أراده وقد أجم ، وأوجب بإحسانه شكرا ، وأقام بإجمامه عذرا ، اجتذب بهما ~~قياد منافسه إلى طاعته ، وصرفه بهما عن التعرض لمنافسته . فهنالك يجعله ~~قبلة رجائه ؛ إذا لم يحظ بخير إلا منه ، ولم يقض من زمان وطرا إلا به . وقد ~~قيل في منثور الحكم : من استصلح الأضداد ، بلغ المراد . وربما تعرض لعداوة ~~الوزير من قصر عن رتبة منافسته . فليعطه من رجائه طرفا ، وليقبض من زمامه ~~طرفا ، وليختبره فيهما ، فسيقف على صلاحه أو فساده . فإن صلح سوعد ، وإن ~~فسد بوعد . فقد قال أردشير بن بابك : احذروا صولة الكريم إذا جاع ، واللئيم ~~إذا شبع . وقد قيل في منثور الحكم : علة المعاداة ، قلة المبالاة . والقسم ~~الرابع في الدفاع عن الرعية من خوف واختلال : فالخوف من نتائج الخرق ، ~~والاختلال من نتائج الإهمال ؛ وكلاهما من سوء السيرة وفساد السياسة ، ~~لترددهما بين تفريط وإفراط ، وخروجهما عن العدل إلى تقصير أو إسراف . وهم ~~قوام الملك المستمد ، وذخيرة المستعد . وليس يستقيم ولن يستقيم ملك فسدت ~~فيه أحوال الرعايا ، لأنهم منهم بمنزلة الرأس من الجسد لا ينهض إلا بقوته ~~ولا يستقل إلا بمعونته . وعلى الوزير لهم ثلاثة حقوق : أحدها أن يعينهم على ~~صلاح معايشهم ووفور مكاسبهم ، لتتوفر بهم مواده ، وتعمر بهم بلاده . ~~والثاني أن يقتصر منهم على حقوقه ، ويحملهم فيها على إنصافه ، ليكونوا على ~~الاستكثار أحرص ، وفي الطاعة أخلص ، ولا يكلهم في مقادير الحقوق ms1277 إلى غيره ، ~~ليكونوا له أرجى وعليه أحنى . والثالث أن يحوطهم بكف الأذى عنهم ، ومنع ~~الأيدي الغالبة منهم ؛ ليكون لهم كالأب الرؤوف ويكونوا له كالأولاد البررة ~~؛ فإنه كافل مسترعى ومسئول مؤاخذ . ولله عليه فيهم حق ، وللسلطان عليه فيهم ~~تبعة . فليغتنم الوزير بهم شكر إحسانه ، ويجمل بعدله فيهم آثار سلطانه . ~~الشرط الثالث وهو الإقدام فهو في السياسة أوفى شطريها ، وفي الوزارة أكفى ~~نظريها ؛ لظفر الإقدام ، وخيبة الإحجام . وقد قيل PageV06P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" في منثور الحكم : بالإقدام تثبت الأقدام . ~~وإنما يجب الإقدام إذا ظهرت أسبابه ، وقصدت أبوابه . قال الشاعر : إذا ما ~~أتيت الأمر من غير بابه . . . ضللت وإن تقصد إلى الباب تهتدي ثم يجمع ~~بعدهما بين حزمه وعزمه . فالحزم تدبير الأمور بموجب الرأي ، والعزم تنفيذها ~~للوقت المقدر لها . فإذا تكاملت شروط الإقدام من هذه الوجوه الأربعة - وهي ~~: ظهور أسبابه ، وقصد أبوابه ، والحزم ، والعزم - لم يمنع من الظفر ، إلا ~~عوائق القدر . والإقدام ينقسم إلى قسمين : أحدهما الإقدام على اجتلاب ~~المنافع ، والثاني على دفع المضار . فأما الإقدام على اجتلاب المنافع ~~فضربان : أحدهما استضافة ملك ، والثاني استزادة مواد . فأما استضافة الملك ~~فتكون بالحزم والعزم إذا اقترنا برغبة أو رهبة . ولأن تكون بالاغتيال ~~والاحتيال ، أولى من أن تكون بالقتال . وأما استزادة المواد فتكون بالعدل ~~والإحسان إذا اقترنا برفق ومياسرة لتكثر بهما العمارة وتتوفر بهما الزراعة ~~، فإن الأرض كنوز الملك يستخرجها أعوان متطوعون يقنعهم الكف عنهم ويقطعهم ~~العسف بهم . الإقدام على دفع المضار فضربان : أحدهما . دفع ما اختل من ~~الملك . وله سببان : إهمال أو عجز . والثاني دفع ما نقص من المواد . وله ~~سببان : نفور أو جور . فيحتاج الوزير أن يدفع ضرر كل واحد منهما بالضد من ~~سببه ، فإن علاج كل داء بضده من الدواء . فإن كان اختلال الملك من الإهمال ~~أيقظ له عزمه ، وإن كان من العجز استعمل فيه حزمه . وإن كان نقص المواد من ~~النفور استنجد فيه رهبته ، وإن كان من الجور أظهر فيه معدلته . فإن كان ~~حدوث ذلك في الملك صدر عن الوزير كان مؤاخذا بتفريطه ms1278 في الابتداء ، ~~ومستدركا لتقصيره في الانتهاء ؛ فيجبر إساءته بإحسانه ، ويمحو قبيحه بجميله ~~. وإن كان حدوثه من غيره كانت جريرة الإساءة على من أحدثه ، وكان حمد ~~الإحسان للوزير . الشرط الرابع وهو الحذر فيتعين على الوزير أن يكون حذرا ، ~~لأن الدهر ثائر بطوارقه ، ومنافر بنوائبه ، يغدر إن وفى ، ويفتك إن هفا . ~~قال عبد الحميد : أصاب الدنيا من حذرها ، وأصابت الدنيا من أمنها . وقال ~~PageV06P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" عبد الملك بن مروان : احذروا الجديدين ، ~~فللأقدار أوقات تغضي عنها الأبصار . فإذا صادفت طوارق الدهر غرا مسترسلا ~~صار هدفا لسهامه الصوائب ، وغرضا لمنافرة الحوادث والنوائب . وقد قال بعض ~~الحكماء : من أعرض عن الحذر والاحتراس ، وبنى أمره على غير أساس ، زال عنه ~~العز واستولى عليه العجز ؛ وإن قدم لطوارقه حذر المتيقظ ، وتلقاها بعدة ~~المتحفظ ، رد بادرتها بعزم ذي حزم قد حلب أشطر دهره ، وقام بواضح عذره . ~~قال بعض الشعراء : إن للدهر صولة فاحذرنها . . . لا تبيتن قد أمنت الدهورا ~~ثم هو بعد حذره مستسلم لقضاء لا يرد ، وقدر لا يصد . وقد روي عن أبي ~~الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ~~احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت " . وقبل لبعض الحكماء : من ~~السعيد ؟ قال : من اعتبر بأمسه ، واستظهر لنفسه . وقال بعض الشعراء : وحذرت ~~من أمر فمر بجانبي . . . لم يبكني ولقيت ما لم أحذر وللحذر حد يقف عنده إن ~~زاد عليه صار خورا ، كما أن للإقدام حدا إن زاد عليه صار تهورا . والزيادة ~~على الحدود ، نقص في المحدود . ولهما زمان إن خرجا عنه صار الحذر فشلا ، ~~والإقدام خرقا . وعيارهما معتبر بحزم العاقل ويقظة الفطن . قال بعض الحكماء ~~: ليعرفك السلطان عند افتتاح التدبير بالحذر ، وعند وقوع الأمر بالجد . ~~والحذر يلزم من أربعة أوجه : أحدها الحذر من الله تعالى فيما فرض . والثاني ~~الحذر من السلطان فيما فوض . والثالث الحذر من الزمان فيما اعترض . والرابع ~~من غلبة الأعداء ومكر الدهاة . الحذر من الله تعالى : فهو عماد الدين ~~الباعث على الطاعة . والحذر منه هو الوقوف عند أوامره ms1279 ، والانتهاء عن ~~زواجره ؛ فيعمل بطاعته فيما أمر ، وينتهي عن PageV06P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" معصيته فيما حظر . فلن يرى قليل الحذر إلا ~~متجوزا في دينه طائحا في غلوائه ، لا يرى رشدا في العاجل ، وهو على وعيد في ~~الآجل ؛ مع نفور النفوس منه وسراية الذم فيه . وقد قيل في بعض الصحف الأولى ~~: العزة والقوة يعظمان القلب ، وأفضل منهما خوف الله تعالى ؛ لأن من لزم ~~خشية الله لم يخف الوضيعة ولم يحتج إلى ناصر . وقال علي رضي الله عنه : من ~~حاول أمرا بمعصية الله كان أبعد لما رجا ، وأقرب لمجيء ما اتقى . الحذر من ~~السلطان فهو وثاب بقدرته ، متحكم بسطوته ، يميل به الهوى فيقطع بالظن ~~ويؤاخذ بالارتياب ؛ فالثقة به عجز ، والاسترسال معه خطر . والحذر منه في ~~حالتي السخط والرضا أسلم ؛ لأنه يستذنب إذا مل حتى يصير المحسن عنده ~~كالمسيء . فليستخلص رأيه بالنصح ، ويستدفع تنكره بالحذر . وقال بعض الحكماء ~~: اصحب السلطان بثلاث : الحذر ، ورفض الدولة ، والاجتهاد في النصح . والحذر ~~منه يكون بثلاثة أمور : أحدها ألا يعول على الثقة به في الإدلال والاسترسال ~~، فما جرت الثقة إلا ندما . وقد قيل : الخرق الدالة على السلطان ، والوثبة ~~قبل الإمكان . فاقبض نفسك إذا قدمك ، وتواضع له إذا عظمك ، واحتشمه إذا ~~آنسك ، ولن له إذا خاشنك ، واصبر على تجنيه إذا غالظك ؛ فهو على التجني ~~أقدر ، فكن على احتماله أصبر ؛ فربما كانت مجاملته لك مكرا وتجنيه عليك ~~غدرا . فقد قيل في بعض الصحف الأولى : حب الملك وهواه يشبه الطل على العشب ~~. فلا تجعل له في إظهار تنكره عذرا ؛ فربما اعترف بالحق فوفى ، ورق بالصبر ~~فكف . وقد قيل في أمثال " كليلة ودمنة " : صاحب السلطان كراكب الأسد يخافه ~~الناس وهو لمركوبه أشد خوفا . والثاني من حذره منه أن يساعده على مطالبه ، ~~ويوافقه على محابه ومآربه ، ولا يصده عن غرض إذا لم يقدح في دين ولا عرض ، ~~ولا يتوقف عن إجابته وإن شغله ما هو أهم ؛ فإن الملك لا يقيم لوزيره عذرا ~~إذا وجده في أغراضه مقصرا ، وإن كان على مصالح ملكه متوفرا ؛ فإنه ms1280 اتخذه ~~لنفسه ثم لملكه ؛ وقد يقدم حظ نفسه على مصلحة ملكه ، لغلبة الهوى ونازع ~~الشهوة . فليكن متوفرا على مراده ليسلم اعتقاده له . فإن قدحت أغراضه في ~~دين أو عرض سل الوزير نفسه من وزرها وتحفظ من شينها بالتلطف في كفه عنها ~~بما يعتاضه بدلا منها ، ليسهل عليه إقلاعه عنها . فإن ساعده الملك عليها ~~سلم دينهما ، وزال شينهما . فقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ~~قال : " إن لله خزائن للخير والشر مفاتيحها الرجال فطوبى لمن جعله الله ~~مفتاحا للخير مغلاقا للشر وويل لمن جعله الله مفتاحا للشر مغلاقا للخير " . ~~PageV06P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" وقال الشاعر : ستلقى الذي قدمت للشر محضرا . ~~. . وأنت بما تأتي من الخير أسعد وإن أصر الملك عليها فليلن الوزير في ~~متاركته ، ويحجم عن مساعدته ؛ وهو خداع يتدلس بالمغالطة ويخفى بالحزم ؛ ~~فليستنجد فيه عقله ، ويستعمل فيه حزمه ؛ ليسلم من تنكره ، ويخلص من وزره . ~~فقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إن من شرار الناس عند ~~الله يوم القيامة عبدا أذهب آخرته بدنيا غيره " . والثالث من حذره منه أن ~~يذب عن نفسه وملكه بما استطاع من مال ونفس ؛ فإنه عن نفسه يذب ، ولها يرب ؛ ~~فإنه لا يصلح حاله مع فساد حال ملكه وهو فرع من أصله . وهو يسترسل لثقته به ~~، ويستسلم لتعويله عليه ؛ فليقابل ثقته بأمانته ، واستسلامه بكفايته ، ولا ~~يلجئه أن يباشر دفع الخوف والحذر ، فيلجئه إلى ما هو أخوف وأحذر ؛ لأن ~~الوزير يخاف الملك ويخاف ما يخافه ، فيتوالى عليه خوفان ، ويتمالأ عليه ~~خطران . قال شاعر : إن البلاء يطاق غير مضاعف . . . فإذا تضاعف صار غير ~~مطاق وأما حذره من زمانه فلأنه يتقلب بألوانه ، ويخشن بعد ليانه ، فيسلب ما ~~أعطى ويفرق ما جمع . وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) قال : " أنظروا دور من تسكنون وأرض من تزرعون وفي ~~طرق من تمشون " . وقال بعض الحكماء : الدنيا إن بقيت لك لم تبق لها . وقال ~~بعض البلغاء : إن الدنيا تقبل ms1281 إقبال الطالب ، وتدبر إدبار الهارب ؛ لا تبقى ~~على حالة ، ولا تخلو من استحالة ؛ تصلح جانبا بإفساد جانب ، وتسر صاحبا ~~بمساءة صاحب ؛ فالكون فيها على خطر ، والثقة بها على غرر . وقال قيس بن ~~الخطيم : ومن عادة الأيام أن خطوبها . . . إذا سر منها جانب ساء جانب ~~والحذر من الزمان يكون من أربعة أوجه : أحدها : ألا يثق بمساعدته ، ولا ~~يركن إلى مياسرته ، فيغفل عن الحذر والاستعداد ، فربما انعكس فافترس ، ~~وغافص فاختلس . وقد قيل : للدهر صروف ، PageV06P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" لست عنها بمصروف . قال أبو العتاهية : إن ~~الزمان وإن ألا . . . ن لأهله لمخاشن فخطوبه المتحركا . . . ت كأنهن سواكن ~~والثاني : أن ينتهز فرصة مكنته بفعل الجميل ، وغرس الصنائع ، وإسداء ~~العوارف ؛ ليكون ذلك ذخيرة له في النوائب ، وخلفا في العواقب ؛ ولا يلهيه ~~استكفاؤه عن الاستظهار ، ولا يمنعه استغناؤه عن الاستكثار . فقد قيل : المر ~~غلك وحياتك قبل موتك " . قال سعيد بن سلم : إنما الدنيا هبات . . . وعوار ~~مسترده شدة بعد رخاء . . . ورخاء بعد شده والثالث : أن يكف نفسه عن القبيح ~~ويقبض يده عن الإساءة ، ليكفى رصد الترات ، وغوائل الهفوات ، فيأمن من وجله ~~، ويسلم من زلله ، ولا يتطاول بالقدرة فيغفل وهو مطلوب ، ويأمن وهو مسلوب . ~~والرابع : أن يستعد لآخرته ، ويستظهر لمعاده ، ولا يغتر بالأمل فيخونه ~~الفوت ، ولا تلهيه الدنيا فتصده عن الآخرة . فقل من لابسها فسلم من تبعاتها ~~؛ لهفوات غرورها ، وعواقب شرورها . روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أنه قال : " يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور " . ~~وقيل في منثور الحكم : طلاق الدنيا مهر الجنة . حذره من أهل الزمان فلأن ~~الإنسان محسود بالنعمة ، مغبوط بالسلامة . والناس على أربعة أطوار متباينة ~~: PageV06P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" أحدها خير عاقل يسالم بخيره ، ويساعد بعقله ؛ ~~فالظفر به سعادة ، والاستعانة به توفيق . فليجتهد ألا يفوته وإن كان قليل ~~الوجود ، ليحظى بخيره ويسعد بعقله . وقل أن يكون الخير العاقل إلا متحليا ~~بالعلم متزينا بالأدب . فإذا أظفره الزمان بمن تكاملت فضائله ، وتهذبت ~~خصائله ، فليتخذه ذخيرة نوائبه ، وعدة شدائده ، يجده كفيل صلاحها ، وزعيم ~~نجاحها ms1282 . والطور الثاني : شرير جاهل يضر بشره ، ويضل بجهله . فليحذر ~~مخالطته ، فهي أضر من السم ، وأنفذ من السهم . وشره بجهله منتشر يضعف إن ~~تورك ، ويقوى إن شورك ؛ فليكفف شره بالإبعاد ، ولا يعزه بالتقريب ، فيلحقه ~~ضرري شره وجهله . وضرر الجهل أعم من ضرر الشر ؛ لأن قانون الشر معلوم ، ~~وقانون الجهل غير معلوم . والطور الثالث : خير جاهل يسالم بخيره ، ويضل ~~بجهله ؛ فليقاربه ، إن شاء ، لخيره ، ولا يستعمله لجهله ؛ ليكون بخيره ~~موسوما ، ومن جهله سليما . والطور الرابع : شرير عاقل وهو الداهية المكر ، ~~يستعمل للخطوب إذا حزبت . فليكن على حذر من مكره ، ويتاركه في الدعة على ~~استدفاع لشره . وقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إن ~~الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " . ومثل هذا يستكف بمعونة تمده ، ~~ومراعاة ترضيه ؛ فإنه كالسبع الضاري إن أجعته هاج ، وإن أشبعته سكن ؛ ليكون ~~مذخورا للحاجة ؛ فإن للزمان خطوبا لا تدفع إلا بشرار أهله ؛ كما قال حذيفة ~~بن اليمان لرجل : أ يسرك أن تغلب شر الناس ؟ قال : نعم ؛ قال : إنك لن ~~تغلبه حتى تكون شرا منه . فيعد لخطوب الشر إن طرقت ؛ فإنه بها أخبر ، وعلى ~~دفعها أقدر ، ولأهلها أقهر ؛ ف " إن الحديد بالحديد يفلح " . فيستكف إلى ~~حينها بما يدفع عادية شره ، ويقطع غائلة مكره ، وإن كانت ضراوة الشر أجذب ، ~~وطباع PageV06P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" النفوس أغلب . فإن وجد الوزير من هذا الداهية ~~فتورا في همته ، وقصورا في منته كانت سراية مكره أنزر ، وتأثيره في الخطوب ~~أيسر . وإن كان عالي الهمة قوي المنة يتطاول إلى معالي الأمور ، كانت سراية ~~مكره أوفر ، وتأثيره في الخطوب أكثر . فليعطه في كل حال من أمريه من الحذر ~~والسكون بحسب ما تقتضيه همته ، وتبعث عليه منته ؛ ليكون قانونه معه مستقيما ~~، ومن دهاء مكره سليما ؛ لا يناله خور من سرف ، ولا استرسال من تقصير ؛ فقد ~~جعل الله تعالى لكل شيء قدرا . فهذا تفصيل ما اشتمل عليه العقد والحل . ~~التقليد والعزل وهو الشطر الثاني من شروط وزارة التفويض . فالتقليد على ~~ضربين : تقليد تقرير ، وتقليد تدبير . فأما ms1283 تقليد التقرير ، فهو فيما ~~يستأنف إنشاء قواعده ، ويبتدأ تقرير رسومه . وهو على ثلاثة أقسام : أحدها : ~~أن يكون في حاضر يقدر الوزير على مباشرته ، فالوزير أخص بتقريره ، وأحق ~~بتنفيذه ؛ لأنها أصول مؤبدة وهي من خواص نظره . فإن قلد عليها واستناب فيها ~~، كان تقصيرا منه إن جل ، ومعذورا فيه إن قل . ولم يكن لمن قلده تنفيذ ~~تقريره إلا عن إذنه ، وإلا كان عزلا خفيا ؛ لأنه يصير ملزما وقد كان ملزما ~~، ومحكما وقد كان حاكما . والثاني : أن يكون التقليد فيما بعد عنه ويمكن ~~استئماره فيه ، فيجوز أن يستنيب في تقريره ، ويكون موقوفا على إمضاء الوزير ~~وتنفيذه . ولا يجمع المستناب بين الأمرين ، ليكون التقليد مقصورا على ~~التقرير ، والوزير مختصا بالتنفيذ . فإن جمع المستناب بين التقرير والتنفيذ ~~كان فيه متجوزا ، إلا أن يؤمر به فيصير الآمر متجوزا ، إلا أن يكون اضطرارا ~~يزول معه حكم الاختيار . والثالث : أن يكون التقليد فيما بعد عنه ويتعذر ~~استئماره فيه ، فيجوز أن يستنيب فيه من يجمع بين تقريره وتنفيذه إذا تكاملت ~~في المستناب ثلاثة شروط : أحدها الكفاية التي ينهض بها في التقرير . ~~والثاني الهيبة التي يطاع بها في التنفيذ . والثالث الأمانة التي يكف بها ~~عن الاسترشاء والخيانة ، بعد تكامل الشروط المعتبرة في جميع الولايات ، وهي ~~ثلاثة : العقل ، والديانة ، والمروءة . فلا فسحة في تقليد من أخل ~~PageV06P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" ببعضها ، لقصوره عن حقها ، وخروجه من أهلها ؛ ~~وإنما يختلف ما سواها باختلاف الولايات ، وإن كانت هذه مستحقة في جميعها . ~~وقد قال كسرى أبرويز : من اعتمد على كفاة السوء لم يخل من رأي فاسد وظن ~~كاذب وعدو غالب . وقد قال بعض الحكماء : لا تستكفين مخدوعا عن عقله ؛ ~~والمخدوع من بلغ به قدرا لا يستحقه ، أو أثيب ثوابا لا يستوجبه . وأما ~~تقليد التدبير ، فهو النظر فيما استقرت رسومه ، وتمهدت قواعده . وهو مشترك ~~بين الوزير وبين الناظر فيه ؛ لكن يختص الوزير بمراعاته ، والناظر بمباشرته ~~؛ ليستظهر الوزير بالمراعاة ، ولا يتبذل بالمباشرة . وهو ضربان : أحدهما ~~تدبير الأجناد . والثاني تدبير الأموال . فأما تدبير الأجناد ، فلا يستغني ~~الوزير عن ms1284 تقليد سفير فيه وإن كانوا يلاقونه ؛ ليحفظ بالسفير حشمة وزارته ~~ولا يقف أغراض أجناده ، وقد انصان عن لغط كلامهم ، وجفوة طباعهم . والأغلب ~~على تدبيرهم الرأي والسياسة . فيعتبر في الثاني : أن يكون من ذوي الرأي ~~والسياسة ، ليقودهم برأيه إلى الصواب ويقفهم بسياسته على الاستقامة . ~~والثالث : أن يكون متوصلا إلى استعطاف القلوب ، واجتماع الكلمة ، ليسلموا ~~من اختلاف أو منافرة . والرابع : أن يكون بينه وبين الأجناد مناسبة في ~~الطباع ومشاكلة في الأخلاق يمتزجون بها في الموافقة ولا يختلفون فيها في ~~المباينة . والخامس : أن يكون سليم الباطن صحيح المعتقد ؛ لأنه يصير أخص ~~بهم ، ويصيرون أطوع له . والسادس : ما اختلف باختلاف الحال ، فإن كان في ~~زمان السلم اعتبر فيه الأناة والسكون ؛ وإن كان في زمان الحرب اعتبر فيه ~~الإقدام والسطوة ، ليكون مطبوعا على PageV06P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" ما يضاهي حال زمانه . فإذا ظفر بمن استكملها ~~- وبعيد أن يظفر به إلا أن يعان بالتوفيق - وجب تقليده ، ولزمت مناصفته في ~~الحقوق التي له وعليه ، ليدوم ويستقيم . فقد قيل في منثور الحكم : من قضيت ~~واجبه ، أمنت جانبه . وأما تدبير الأموال ، فالوزير مصون عن مباشرتها ، ~~وإنما يحفظ دخلها بالهيبة والاستظهار ، ويضبط خرجها بالحاجة والاضطرار . ~~وللتقليد على كل حال منهما شروط . فشروط التقليد على مباشرة دخلها خمسة : ~~أحدها : أن يكون مطبوعا على العدل ، لينصف وينتصف . والثاني : أن يكون ~~متدينا بالأمانة ، ليستوفي ويوفى . والثالث : أن يكون كافيا ، ليضبط ~~بكفايته ، ولا يضيع بعجزه . والرابع : أن يكون خبيرأ بعمله يعرف وجوه مواده ~~، وأسباب زيادته . والخامس : أن يكون رفيقا بمعامليه غير عسوف ولا أخرق . ~~حكي أن الإسكندر كتب إلى معلمه أرسطاطاليس ليستشيره في عماله ؛ فكتب إليه : ~~إن من كان له عبيد فأحسن في سياستهم فوله الجند ، ومن كان له ضيعة فأحسن ~~تدبيرها فوله الخراج . شروط التقليد على مباشرة خرجها ، بعد الأمانة التي ~~هي مشروطة في كل ولاية ، فمعتبرة بأحوال الخرج . وينقسم إلى ثلاثة أقسام : ~~أحدها : ما كان راتبا عن رسوم مستقرة كأرزاق الجيوش والحواشي ، فللتقليد ~~عليه شرطان : معرفة مقاديرها ، ومعرفة مستحقيها . والثاني : ما كان عارضا ms1285 ~~عن أوامر تقدمتها والناظر مأمور بها كالصلات وحوادث النفقات ، فللتقليد ~~عليه شرطان : وقوفها على الأوامر ، ومعرفة أغراض الآمر . والثالث : ما كان ~~عارضا فوض إلى رأي الناظر ووكل إلى تقريره كالمصالح والنفقات ، فالتقليد ~~عليه أوفى شروطا لوقوفها على اجتهاده وتقديره ، فيحتاج مع الأمانة إلى ~~ثلاثة شروط : أحدها : معرفة وجوه الخرج ، حتى لا يتصرف في غير حق . والثاني ~~: الاقتصاد فيه ، حتى لا يفضي إلى سرف ولا تقصير . PageV06P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" والثالث : استصلاح الأثمان والأجور من غير ~~تحيف ولا غبن . العزل فضربان : أحدهما : ما كان عن غير سبب فهو خارج عن ~~السياسة ؛ لأن للأفعال والأقوال أسبابا إذا تجردت عنها صار الفعل عبثا ~~والكلام لغوا لا يقتضيه رأي حصيف ، ولا توجبه سياسة لبيب . وقد قيل : العزل ~~أحد الطلاقين . فكما أنه لا يحسن الطلاق بغير سبب ، كذلك لا يحسن العزل ~~بغير سبب . وإذا لم يثق الناظر باستدامة نظره مع الاستقامة ، عدل عنها إلى ~~النظر لنفسه ، فعاد الوهن على عمله . وما يكون هذا العزل إلا عن فشل أو ملل ~~. والضرب الثاني : أن يكون العزل لسبب دعا إليه . وأسبابه تكون من ثمانية ~~أوجه : أحدها : أن يكون سببه خيانة ظهرت منه ، فالعزل لها من حقوق السياسة ~~مع استرجاع الخيانة والمقابلة عليها بالزواجر المقومة . ولا يؤاخذ فيها ~~بالظنون والتهم . فقد قيل : من يخن يهن . والوجه الثاني : أن يكون سببه ~~عجزه وقصور كفايته ، فالعمل بالعجز مضاع ، وهو نقص في العاجز وإن لم يكن ~~ذنبا له ؛ فلا يجوز في السياسة إقراره على العمل الذي عجز عنه . ثم روعي ~~عجزه بعد عزله ، فإن كان لثقل ما تقلده من العمل جاز أن يقلد ما هو أسهل ، ~~وإن كان لقصور منته وضعف حزمه لم يكن أهلا لتقليد ولا عمل . والوجه الثالث ~~: أن يكون سببه اختلال العمل من عسفه أو خرقه . فهذا السبب زائد على ~~الكفاية ، وخارج عن السياسة . والوزير المقلد فيه بين خيارين : إما أن ~~يعزله بغيره ، وإما أن يكفه عن عسفه وخرقه . ويجوز أن يكون مرصدا لتقليد ما ~~تدعو السياسة فيه إلى العسف ms1286 لمن شاق ونافر . فقد قيل : لكل بناء أساس ، ~~ولكل تربة غراس . والوجه الرابع : أن يكون سببه انتشار العمل به من لينه ~~وقلة هيبته . فهذا السبب موهن للسياسة . والوزير فيه بين خيارين : إما أن ~~يعزله بمن هو أقوى وأهيب ، وإما أن PageV06P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" يضم إليه من تتكامل به القوة والهيبة . ~~وخياره فيه معتبر بالأصلح . ويجوز أن يقلد بعد صرفه ما لا يستضر فيه بضعفه ~~. والوجه الخامس : أن يكون سببه فضل كفايته وظهور الحاجة إليه فيما هو أكبر ~~من عمله . فهذا أحمد وجوه العزل وليس بعزل في الحقيقة ، وإنما هو نقل من ~~عمل إلى ما هو أجل منه ، فصار بهذا العزل زائد الرتبة . وقد قال بعض ~~البلغاء : الناس في العمل رجلان : رجل يجل به العمل لفضله ورياسته ؛ ورجل ~~يجل بالعمل لتقصيره ودناءته ، فمن جل به العمل ازداد تواضعا وبشرا ، ومن جل ~~بالعمل ازداد ترفعا وكبرا . والوجه السادس : أن يكون سببه وجود من هو أكفأ ~~منه . فيراعى حال الأكفأ ، فإن كان فضل كفايته مؤثرا في زيادة العمل به كان ~~عزل الناظر به من لوازم السياسة ولم يسغ فيها إقراره على عمله ؛ وإن لم ~~يؤثر في زيادة العمل كان عزل الناظر من طريق الأولى في تقديم الأكفاء وتخير ~~الأعوان ، وإن جاز في السياسة إقرار الناظر على عمله لنهوضه به . والوجه ~~السابع : أن يكون سببه أن يخطب عمله من الكفاة من يبذل زيادة فيه . فلا ~~يجوز عزله ببذل الزيادة حتى يكشف عن سببها ، فربما تخرص بها الباذل لرغبة ~~في العمل ، أو لعداوة في العامل . فإن لم يظهر لها بعد الكشف موجب لم يجز ~~في السياسة عزله بهذا البذل الكاذب ؛ وكان الباذل جديرا بالإبعاد لابتدائه ~~بالإدغال . فإن ظهر موجب الزيادة لم يخل من ثلاثة يكون موجبها فضل كفاية ~~الباذل ؛ فيجب عزله بالباذل دون غيره . والثالث أن يكون سببها عسف الباذل ~~وخرقه ، فلا يجوز في السياسة عزل الناظر ولا تقريب الباذل ، فربما مال إلى ~~الزيادة من تغاضى عن العدل ، فعزل وقلد فصار هو العاسف المجازف . والوجه ms1287 ~~الثامن : أن يكون سببه أن الناظر مؤتمن ، فيخطب عمله ضامن . فتضمين الأعمال ~~خارج عن قوانين السياسة العادلة ، لأن المؤتمن عليها إذا كان كافيا استوفى ~~ما PageV06P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" وجب ، وكف عما لم يجب ؛ وهذا هو العزل . ~~والضامن إن ضمنها بمثل ارتفاعها لم يؤثر ، وإن ضمنها بأكثر منه تحكم في ~~عمله ، وكان بين عسف أو هرب ، لأنه ضمن ليغنم لا ليغرم . وحكي أن المأمون ~~عزم على تضمين السواد ، وعنده عبيد الله ابن الحسن العنبري القاضي ؛ فقال ~~له : يا أمير المؤمنين إن الله قد دفعها إليك أمانة ، فلا تخرجها من يدك ~~قبالة . فعدل عن الضمان . فهذا تفصيل ما تعلق بوزارة التفويض من عقد وحل ~~وتقليد وعزل . فلنذكر حقوق الملك على وزيره وحقوق الوزير على ملكه . ذكر ~~حقوق الملك على وزيره وحقوق الوزير على ملكه فأما حقوق السلطان على وزيره ~~فهي ثلاثة : أحدها : قيامه بمصالح ملكه ، وهي أربع : عمارة بلاده ، وتقويم ~~أجناده ، وتثمير أمواله ، وحياطة رعيته . والثاني : قيامه بمصالح نفسه ، ~~وهي أربع : إدرار كفايته ، وتحمل عوارضه ، وتهذيب حاشيته ، وإعداد ما ~~يستدفع به النوائب . والثالث : قيامه بمقاومة أعدائه ، وذلك بأربعة أشياء : ~~تحصين الثغور ، واستكمال العدة ، وترتيب العساكر ، وتقدير الحدود . فيجب ~~على الوزير أن يؤدي حقوق سلطانه ، ويوفي شروط ائتمانه ؛ ويحذر بادرة ~~مؤاخذته إن قصر ، وسطوة انتقامه إن فرط ؛ لأن بادرة الانتقام ، أسرع من ~~ظهور الإنعام ؛ لأن الانتقام يصدر عن طيش الغضب ، والإنعام يصدر عن أناة ~~الكرم . وقد قيل في حكم الفرس : ما أضعف طمع صاحب السلطان في السلامة . ~~وذلك أنه إن عف جنى عليه العفاف عداوة الخاصة ، وإن بسط يده جنى عليه البسط ~~ألسنة المتنصحين . فلزم لذلك أن يكون حذره أغلب من رجائه ، وخوفه أكثر من ~~أمنه . ولئن تكدر بهما العيش فهما إلى السلامة أدعى . حقوق الوزير على ~~السلطان فثلاثة : أحدها : معونته على نظره . وذلك بأربعة أشياء : تقوية يده ~~، وتنفيذ أمره ، وإطلاق كفايته ، وألا يجعل لغيره عليه أمرا . PageV06P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" وقد قال سابور بن أردشير في عهده إلى ابنه ~~هرمز : ينبغي للوزير أن ms1288 يكون قوي الأمر ، مقبول القول ، يمنعه مكانه منك ، ~~من الضراعة لغيرك ، وتبعثه الثقة بك ، على بذل النصيحة لك ، ويشجعه ما يعرف ~~من رأيك ، على مقاومة أعدائك ؛ وأحذرك أن تنزل بهذه المنزلة من سواه من ~~خدمك . والثاني : أن يثق منه بأربعة أشياء : ألا يؤاخذه بغير ذنب ، وألا ~~يطمع في ماله من غير خيانة ، وألا يقدم عليه من هو دونه ، وألا يمكن منه ~~عدوا . وقد عهد ملك إلى ابنه فقال : يا بني ، إنك لن تصل إلى إحكام ما ~~تريده من تدبير ملكك إلا بمعونة وزرائك وأعوانك ، فأعنهم على طاعتك ~~بمياسرتك ، وعلى معونتك بمساعدتك . والثالث : أن يحفظ منزلته من أربعة ~~أشياء : الأول ألا يرتاب بباطنه وظاهره سليم ، فيؤاخذ بالظن ، ويعجز عن ~~دفعه باليقين ؛ فليس يؤاخذ بضمائر القلوب ، إلا علام الغيوب . قيل لكسرى ~~قباذ : إن قوما من خواصك قد فسدت سرائرهم ؛ فوقع : أن أملك الأجساد دون ~~النيات ، وأحكم بالعدل لا بالرضا ، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر . ~~والثاني : ألا يستبدل به ونظره مستقيم ، فيقل نفعه ، ويضعف نشاطه ، ولا ~~يجهد نفسه في النهوض بما كفله ؛ فإن داعي الطبع أبلغ من مصنوع التكلف . وقد ~~اتخذه لاستقامة وجدها به . فإذا أضاع حقه بالاستبدال ظلم نفسه ، وكان من ~~غيره على خطر . وقد قال كسرى : الوزارة أبعد الأمور من أن تحتمل غير أهلها ~~. لأن الوزير من الملك بمنزلة سمعه وبصره ولسانه وقلبه ، لأنه مغلق الأبواب ~~، مستور عن الأبصار ؛ ليحفظه في أمواله ، ويستر خلله في أفعاله ؛ وحقيق بمن ~~كان بهذه المنزلة أن يكون محفوظا . والثالث : ألا يؤاخذه بدرك ما جره ~~القضاء وساقه القدر ، فيجعله غرضا في معارضة خالقه . وهل الوزير فيه إلا ~~كالملك فأفعال الله عز وجل لا تكون ذنوبا لعباده . وقد روي عن النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أنه قال : " إذا أراد الله إنفاد قضائه وقدره سلب ذوي ~~العقول عقولهم حتى ينفد فيهم قضاؤه وقدره " . والرابع : ألا يحمله ما ليس ~~في قدرته ، ولا يكلفه ما ليس في طاقته ، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها . ~~وما ذاك إلا من دواعي ms1289 التجني ، ومبادئ التنكر . فهذه حقوق الوزير على ~~سلطانه . وهي مقابلة لحقوق السلطان على وزيره . لكن حقوق الوزير موضوعة على ~~المسامحة في أكثرها ، وحقوق السلطان موضوعة على المؤاخذة بأقلها ؛ ~~لاستطالته عليه بالقدرة وقصوره عنه بالنيابة . وحيث ذكرنا هذه الحقوق ~~الداخلة في وزارة التفويض فلنذكر وزارة التنفيذ . PageV06P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" ذكر وزارة التنفيذ قال الماوردي ما معناه : ~~إن لوزارة التنفيذ أربعة قوانين : فالأول من قوانينها : السفارة بين الملك ~~وأهل مملكته ، لأن الملك معظم بالحجاب ، مصون عن المباشرة بالخطاب ؛ فاقتضى ~~ذلك اختصاصه بسفير محتشم ووزير معظم مطاع فيما يورده عنه من الأوامر ~~والنواهي ، ويهاب فيما يتحمله إليه من المطالب والمباغي . ليكون للملك ~~لسانا ناطقا ، وأذنا واعية . وهذه السفارة مختصة بخمسة أصناف : السفارة بين ~~الملك وأجناده ، فيحملهم على أوامره ونواهيه ، ويتنجز لهم من الملك ما ~~استوجبوه أو سألوه . ويحتاج في سفارته معهم أن يجمع بين اللين والعنف ، ~~والخشونة واللطف ؛ ليقتادهم إلى طاعته بالرغبة والرهبة . والثاني : السفارة ~~بين الملك وعماله ، فيستوفي مناظرة العمال ويتصفح أحوال الأعمال ؛ ليستدرك ~~خللا إن كان ، ويستديم صلاحا إن وجد . ويحتاج في هذه السفارة إلى استعمال ~~الرهبة خاصة ؛ ليكفهم عن الخيانة ، ويبعثهم على الأمانة . والثالث : اللين ~~واللطف ، ليصلوا إلى استيفاء الظلامة ، ويستدفعوا ذل الاستضامة . والرابع : ~~السفارة في استيفاء حقوق السلطنة التي للملك وعليه ، من غير مباشرة قبض ولا ~~إقباض . ويحتاج في هذه السفارة إلى الرهبة فيما يستوفيه للملك ، وإلى اللطف ~~فيما ينجزه منه . والخامس : السفارة في اختيار العمال ، ومشارفة الأعمال ؛ ~~لينهي حال من يرى تقليده وعزله من غير أن يباشر تقليدا ولا عزلا ؛ لأن ~~التقليد والعزل داخل في وزارة التفويض خارج عن وزارة التنفيذ . وشروط هذه ~~السفارة : أن يكون جيد الحدس ، صحيح الاختيار ، قليل الاغترار ، عارفا ~~بكفاة العمال ومقادير الأعمال ، ليحمد اختياره ، ويقل عثاره . PageV06P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" والثاني من قوانينها أن يمد الملك برأيه ~~ومشورته ؛ فإن الملك مع جزالة رأيه وصحة رويته محجوب الشخص عن مباشرة ~~الأمور ، فصار محجوب الرأي عن الخبرة بها . فاحتاج إلى بارز الشخص ~~بالمباشرة ، ليكون بارز الرأي ms1290 بالخبرة ؛ فليس شاهد كالغائب ، ولا المخبر ~~كالمعاين . والوزير أحق بهذه المرتبة . وله في المشورة حالتان : إحداهما : ~~أن يبتدئه الملك بالاستشارة ، فيلزمه إن يشير فيها برأيه سواء اختصت بملكه ~~أو تعدت إلى غيره . وعلى الوزير فيها حقان : أحدهما : اجتهاد رأيه في إيضاح ~~الصواب . والثاني : إبانة صحته بتعليل الجواب ليكون مجيبا ومحتجا ، فيكفى ~~توهم الزلل ويسلم من ظنة الارتياب . والحلة الثانية : أن يبتدئ بالمشورة ~~على الملك : فله فيها حالتان : إحداهما : ألا يقع بمشورته اجتلاب نفع أو ~~استدفاع ضرر . فهذا تجوز من الوزير ، وتبسط على الملك ؛ إن أنكره فبحقه ، ~~وإن احتمله فبفضله . والثانية : أن يتعلق بمشورته اجتلاب نفع ، أو استدفاع ~~ضرر . فإن اختص بالمملكة كان من حقوق الوزارة ، وإن تجاوزها كان من نصح ~~الوزير . وعليه أن يذكر سبب ابتدائه ، ويوضح صواب رأيه . ويلزمه فيما يؤدى ~~به من الاستشارة ويبدأ به من المشورة ، أن يكتمه عن كل خاص وعام ؛ لأمرين : ~~أحدهما : أن الرأي لا يجب أن يظهر إلا بالأفعال دون الأقوال ؛ لأن ظهوره ~~بالفعل ظفر ، وظهوره بالقول خطر . وقد قيل : من وهن الأمر إعلانه قبل ~~إحكامه . والثاني : أنه من أسرار الملك التي يجب أن تكتم في الصدور ، وتصان ~~عن الظهور ؛ ليجمع بين تأدية الأمانة وطلب السلامة ؛ فإن في إفشاء سر الملك ~~خطرا به وبمن أفشاه . وقلما تعفو الملوك عن مفشي أسرارها ؛ لتردده بين ~~خيانة وجناية . أن يكون عينا للملك ناظرة ، وأذنا سامعة ، ينهي ما شاهد على ~~حقه ، ويخبر بما سمع به على صدقه ؛ لأنه قد سوهم بالملك وميز بالاختصاص ، ~~وندب للمصالح ؛ فهو القائم مقام الملك في مشاهدة ما غاب ، وسماع ما بعد . ~~وعليه في ذلك ثلاثة حقوق : PageV06P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" أحدها : أن يديم الفحص عن أحوال المملكة حتى ~~يعلم ما غاب كعلمه بما حضر ، وما خفي كعلمه بما ظهر ؛ فلا يتدلس عليه حق ~~أمر من باطله ، ولا يشتبه عليه صدق قول من كذبه . فإن قصر فيها حتى خفيت ، ~~أو استرسل فيها حتى تدلست كان مؤاخذا بجرم التقصير ، وجريرة الضرر . ~~والثاني : أن يعجل مطالعة الملك ms1291 بها ولا يؤخرها ، وإن جاز تأخير العمل بها ~~؛ لأن عليه الإنهاء ، وليس عليه العمل . وإذ كان من الملك بمنزلة عينه ~~وأذنه اللتين يتعجل العلم بهما ، وجب أن يجري معه على حكمهما ، ليستدرك ~~الملك ما يجب تعجيله ، ويقدم الروية فيما يجوز تأخيره . فإن أخر الوزير ~~إعلام الملك بها وقد حسم ضررها ، كان للنصيحة مؤديا ، ومن الملك على وجل . ~~والثالث : أن يوضح له حقائق الأمور ، ويساوي فيها بين الصغير والكبير ، فلا ~~يمايل قريبا ، ولا يتحيف بعيدا ، ولا يعظم من الأمور صغيرا ، ولا يصغر منها ~~عظيما . فإن خاف من صغار الأمور أن تصير كبارا ، أو كبارها أن تعود صغارا ، ~~أخبر بحقائقها في المبادئ ، وذكر ما تؤول إليه في العواقب ؛ ليكون بالمبادئ ~~مخبرا ، وفي الغايات مشيرا . فإن أخبر بالغايات وأعرض عن ذكر المبادئ ، كان ~~تدليسا ، وكان بالإنكار حقيقا وبالذم جديرا . أن يفتدي راحة الملك بتعبه ، ~~ويقي دعته بنصبه ؛ ولا يغيب إذا أريد ، ولا يسأم إذا أعيد ؛ لأنه لسان ~~الملك إذا نطق ، وعينه إذا رمق ، ويده إذا بطش ؛ فلا يبعد عن دعائه ، ولا ~~يضجر من ندائه ؛ لأن عوارض الملك من هواجس أفكاره وتقلب خاطره . وقد يتجدد ~~مع الأوقات ما لا تعرف أسبابه ولا تتعين أوقاته ؛ فليكن هذا الوزير على رصد ~~منها . وربما مل الوزير الملازمة فأعقبته أسفا إذا فارقها ، لأن في ملازمته ~~للملك نصبا يقترن بعز ، وفي متاركته راحة تؤول إلى ذل . فليختر لنفسه ما ~~وافقها من عز يجتذبه بالكد ، أو ذل يؤول إليه بالدعة . فإنه إن صبر على ما ~~أراده الملك ظفر بإرادته من الملك ، وهو على الضد إن خالفها . وقد قال ~~أنوشروان : ما استنجحت الأمور بمثل الصبر ، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر ~~. وقيل : من خدم السلطان خدمه الإخوان . فيطرد على هذا التعليل أن من تنكر ~~له السلطان ، تنكر له الإخوان . هذه قوانين وزارة التنفيذ . ذكر ما تتميز ~~به وزارة التفويض على وزارة التنفيذ وما تختلف فيه . وتتميز وزارة التفويض ~~على وزارة التنفيذ وتختلف من ستة أوجه : PageV06P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" أحدها : أن الملك يقلد ms1292 وزير التفويض في حقوقه ~~وحقوق رعيته ، ويقلد وزير التنفيذ في حقوقه خاصة دون حقوق رعيته ؛ لأن وزير ~~التفويض تنفذ الأمور برأيه ، ووزير التنفيذ يمضيها بأمر الملك وعن رأيه . ~~والثاني : أن وزارة التفويض تفتقر إلى عقد يصح به نفوذ أفعاله ، ووزارة ~~التنفيذ لا تفتقر إلى عقد ، لأنه فيها مأمور بتنفيذ ما صدر عن أمر الملك . ~~والثالث : أن وزير التفويض مأخوذ بدرك ما أمضاه ، ووزير التنفيذ غير مؤاخذ ~~بدركه . والرابع : أن وزير التفويض لا ينعزل إلا بالقول أو ما في معناه دون ~~المتاركة ، لأنه قد تملك بها مباشرة الأمور ، ووزير التنفيذ ينعزل ~~بالمتاركة لأنه مأمور . والخامس : أن وزير التفويض لا ينعزل إن كف وترك ، ~~حتى يستعفي ويعفيه الملك منها ، لأنه مستودع الأعمال فلزمه ردها إلى ~~مستحقها ، ووزير التنفيذ يجوز أن ينعزل بعزل نفسه بالكف والمتاركة ، لأنه ~~لا شيء بيده فيؤخذ برده . والسادس : أن وزير التفويض يفتقر إلى كفاية ~~بالسيف والقلم ، لنهوضه بما أوجبهما ، ووزارة التنفيذ غير مفتقرة إليهما ~~لقصورها عنهما . ويعتبر في وزير التنفيذ ستة أوصاف : وهي الأبهة والمنة ~~والهمة والعفة والمروءة وجزالة الرأي . وهذه الأوصاف معتبرة في كل مدبر ذي ~~رياسة . ذكر حقوق الوزارة وعهودها ووصايا الوزراء أما حقوق الوزارة : فهي ~~أن تقلد لمن اجتمعت فيه ثمانية أوصاف ، وهي التي ذكرها الماوردي في قوانين ~~الوزارة ، وبينها بالنص والتعيين لا بالتعريض والإشارة : فأحدها : أن يكون ~~بأعباء الوزارة ناهضا ، وفي مصالح المملكة راكضا ؛ يقدم حظ الملك على حظ ~~نفسه ويعلم أن صلاحه مقترن بصلاحه ؛ فلن تستقيم أحوال الوزير مع اختلال ~~أحوال الملك ، لأن الفروع إنما تستمد من أصولها . والثاني : أن يكون على ~~الكد والتعب قادرا ، وفي السخط والرضا صابرا ؛ لا ينفر إن أوحش ، فإن نفوره ~~عطب . وليتوصل إلى راحته بالتعب ، وإلى دعته بالنصب . وقد قيل : علة الراحة ~~قلة الاستراحة . وقال عبد الحميد : أتعب قدمك ، فكم تعب PageV06P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" قدمك . فإن تشاغل الوزير براحته ، ومال إلى ~~لذته ، سلبهما بالتنكر ، وعدمهما بالتغير . والثالث : أن يكون لإحسان الملك ~~شاكرا ؛ ولإساءته عاذرا ، يشكر على يسير الإحسان ms1293 ، ويعذر على كثير الإساءة ~~، ليستمد بالشكر إحسانه ، ويستدفع بالعذر إساءته . فإن عدل عنهما ، كان منه ~~على ضدهما . فقد قيل : أحق الناس بالمنع الكفور ، وبالصنيعة الشكور . ~~والرابع : أن يظهر محاسنه إن خفيت ، ويستر مساويه إن ظهرت ، لأنه بمحاسنه ~~موسوم وبمساويه مقروف ، يشاركه في حمد محاسنه ، ويؤاخذ بذم مساويه . وربما ~~استرسل الملك لثقته بالاحتجاب ، فارتكب بالهوى ما يصان عن إذاعته ، فكان ~~الوزير أحق بستره عليه ، لأنه الباب المسلوك منه إليه . والخامس : أن تخلص ~~نيته في طاعته ، ويكون سره كعلانيته ، فإن القلوب جاذبة تملك أعنة الأجساد ~~؛ فإن اتفقا ، وإلا فالقلب أغلب ، وإلى مراده أجذب . والقلوب تنم على ~~الضمائر فتهتك أستارها وتذيع أسرارها . وقد روي عن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أنه قال : " في ابن آدم مضغة إذا صلحت صلح الجسد وإذا فسدت فسد ~~الجسد ألا وهي القلب " . والسادس : ألا يعارض الملك فيمن قرب واستبطن ، ولا ~~يماريه فيمن حط ورفع ؛ فإنه يتحكم بقدرته ويأنف من معارضته . فربما انقلب ~~بسطوته إذا عورض ، ومال بانتقامه إذا خولف . فبوادر الملك تسبق نذيرها ، ~~وتدحض أسيرها ؛ فإن سلم من الخطر لم يسلم من الضجر . والسابع : أن يتقاصر ~~عن مشاكلة الملك في رتبته ، ويقبض نفسه عن مثل هيئته ، فلا يلبس مثل ملابسه ~~، ولا يركب مثل مراكبه ، ولا يستخدم مثل خدمه ؛ فإن الملك يأنف إن موثل ، ~~وينتقم إن شوكل ، ويرى أن ذلك من أمواله المجتاحة ، وحشمته المستباحة . ~~وليقتصر على نظافة لباسه وجسده من غير تصنع ، فإن النظافة من المروءة ، ~~والتصنع للنساء ؛ ليكون بالسلامة محفوظا ، وبالحشمة ملحوظا . والثامن : أن ~~يستوفي للملك ولا يستوفي عليه ، ويتأول له ولا يتأول عليه ؛ فإن الملك إذا ~~أراد الإنصاف كان عليه أقدر ، وإن لم يرده فيد الوزير معه أقصر ؛ وإنما ~~أراد الوزير عونا لنفسه ولم يرده عونا عليها . فإن وجد إلى مساعدته سبيلا ~~سارع PageV06P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" إليها ، وإن خاف ضررها وانتشار الفساد بها ~~تلطف في كفه عنها إن قدر . فإن تعذر عليه تلطف في الخلاص منها ؛ ولا يجهر ~~بالمخالفة . سئل بعض حكماء الروم عن أصلح ms1294 ما عوشر به الملوك ، فقال : قلة ~~الخلاف وتخفيف المؤنة . والملوك لا يصحبون إلا على اختيارهم ولا يتمسكون ~~إلا بمن وافقهم على آرائهم . وإذا روعيت أحوال الناس وجدوا لا يأتلفون إلا ~~بالموافقة ، فكيف الملوك . قال شاعر : الناس إن وافقتهم عذبوا . . . أو لا ~~فإن جناهم مر كم من رياض لا أنيس بها . . . تركت لأن طريقها وعر عهودها ~~ووصاياها . فلم أر فيما طالعته في هذا المعنى أشمل ولا أكمل ولا أنفع ولا ~~أجمع من كلام لأبي الحسن الماوردي ؛ فلذلك أوردته بفصه ، وأتيت على أكثر ~~نصه . قال الماوردي : فأما العهود الموقظة فسأقول ، وأرجو أن يقترن بالقبول ~~: اجعل أيها الوزير لله تعالى على سرك رقيبا يلاحظك من زيغ في حقه ، واجعل ~~لسلطانك على خلوتك رقيبا يكفك عن تقصير في أمره ؛ ليسلم دينك في حقوق الله ~~تعالى ، وتسلم دنياك في حقوق سلطانك ، فتسعد في عاجلتك وآجلتك . فإن تنافى ~~اجتماعهما لك فقدم حق الله تعالى على حق الملك . ف " لا طاعة لمخلوق في ~~معصية الخالق " . وقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من ~~أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى ~~" ، وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من التمس رضا الله بسخط الناس ~~رضي الله عنه وأرضى عنه الناس " . قال : حق عليك أيها الوزير أن تكون بأمور ~~الناس خبيرا ، وإلى أحوالهم متطلعا ، وبهم على نفسك وعليهم مستظهرا ، لأنهم ~~من بين من تسوسه أو تستعين به ، لتعلم ما فيهم من فضل ونقص وعلم وجهل وخير ~~وشر ، وتتحرز مع غرور المتشبه وتدليس المتصنع ؛ فتعطي كل واحد حقه ، ولا ~~تقصر بذي فضل ، ولا تعتمد على ذي جهل . فقد قيل : من الجهل صحبة ذوي الجهل ~~، ومن المحال مجادلة ذوي المحال ، وافرق بين الأخيار والأشرار ، فإن ذا ~~الخيريبني ، وذا الشر يهدم . واحذر الكذوب فلن ينصحك من غش نفسه ؛ ولن ~~ينفعك من ضرها . ولا تستكفين عاجزا فيضيع العمل ، ولا شرها PageV06P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" فيضرك باحتجانه ، ولا تعبأ بمن لا يحافظ على ~~المروءة ms1295 ، فقلما تجد فيه خيرا ؛ لزهده في صيانة النفس وميله إلى خمول القدر ~~. وبعيد ممن أسقط حق نفسه أن يقوم بحق غيره ، وصعب على من ألف إسقاط التكلف ~~أن يحول عنه . وقد قيل في حكم الهند : ذو المروءة يرتفع بها ، وتاركها يهبط ~~؛ والارتقاء صعب والانحطاط هين ، كالحجر الثقيل الذي رفعه عسير وحطه يسير . ~~وقال بعض البلغاء : أحسن رعاية ذوي الحرمات ، وأقبل على أهل المروءات ؛ فإن ~~رعاية ذوي الحرمة تدل على كرم الشيمة ، والإقبال على ذوي المروءة يعرب عن ~~شرف الهمة . اختبر أحوال من استكفيته لتعلم عجزه من كفايته ، وإحسانه من ~~إساءته ؛ فتعمل بما علمت من إقرار الكافي وصرف العجز ، وحمد المحسن وذم ~~المسيء . فقد قيل : من استكفى الكفاة ، كفي العداة . فإن التبست عليك ~~أمورهم أوهنت الكافي وسلطت العاجز ، وأضعت المحسن وأغريت المسيء . ولأن ~~يكون العمل خاليا فتصرف إليه فكرك أولى من أن يباشره عاجز أو خائن فيقبح ~~بهما أثرك . فاحذر العاجز فإنه مضيع ، وتوق الخائن فإنه يكدح لنفسه . قال ~~شاعر : إذا أنت حملت الخؤون أمانة . . . فإنك قد أسندتها شر مسند اقتصر في ~~أعوانك بحسب حاجتك إليهم . ولا تستكثر منهم لتكثر بهم . فلن يخلو الاستكثار ~~من تنافر يقع به الخلل ، أو اتفاق يستأكل به العمل . وليكن أعونك وفق ~~أعمالك ، فإنه أنظم للشمل وأجمع للعمل وأبلغ في الاجتهاد وأبعث على النصح . ~~قال ابن الرومي : عدوك من صديقك مستفاد . . . فلا تستكثرن من الصحاب فإن ~~الداء أكثر ما تراه . . . يكون من الطعام أو الشراب فدع عنك الكثير فكم ~~كثير . . . يعاف وكم قليل مستطاب فما اللجج الملاح بمرويات . . . وتلقى ~~الري في النطف العذاب هذب نفسك من الدنس تتهذب جميع أتباعك . ونزه نفسك عن ~~الطمع تتنزه جميع خلفائك وتوق الشره فلن يزيدك إلا حرصا إن أجديت ، ونقصا ~~إن PageV06P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" أكديت ، وهما معرة ذي الفضل ومضرة أولي الحزم ~~. روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " اقتربت الساعة ولا ~~يزداد الناس في الدنيا إلا حرصا ولا تزداد منهم إلا بعدا " . رض نفسك عن ~~الطمع ms1296 يتنزه جميع عمالك ، وتنتظم بك جميع أعمالك . ولا تكل إلى غيرك ما ~~تختص بمباشرته طلبا للدعة ، فتعزل عنه نفسك وتؤثر به غيرك ؛ فتكون من وفائه ~~على غدر ، ومن نفسك على تقصير . قال بزرجمهر : إن يكن الشغل مجهدة ، فإن ~~الفراغ مفسدة . وقال عبد الحميد : ما زانك ما أضاع زمانك ، ولا شانك ما ~~أصلح شانك . اجعل زمان فراغك مصروفا إلى حالتين : إحداهما راحة جسدك وإجمام ~~خاطرك ، ليكونا عونا لك على نظرك . والثانية أن تفكر بعد راحة جسدك وإجمام ~~خاطرك فيما قدمته من أفعالك ، وتصرفت فيه من أعمالك : هل وافقت الصواب فيه ~~فتقويه وتجعله مثالا تحتذيه ، أو نالك فيها زلل فتستدرك منه ما أمكن ، ~~وتنتهي عن مثله في المستقبل . فقد قيل : من فكر أبصر . وقال بعض البلغاء : ~~من لم يكن له من نفسه واعظ ، لم تنفعه المواعظ . اخفض جناحك لمن علا ، ووطئ ~~كنفك لمن دنا ، وتجاف عن الكبر تملك من القلوب مودتها ، ومن النفوس ~~مساعدتها . فقد قيل لحكيم الروم : من أضيق الناس طريقا ، وأقلهم صديقا ؟ ~~قال : من عاشر الناس بعبوس وجهه ، واستطال عليهم بنفسه . ولذلك قيل : ~~التواضع في الشرف ، أشرف من الشرف . كن شكورا في النعمة ، صبورا في الشدة ، ~~لا تبطرك السراء ، ولا تدهشك الضراء ؛ لتكافأ أحوالك ، وتعتدل خصالك ؛ ~~فتسلم من طيش البطر وحيرة الدهش . فقد قال بعض الحكماء : اشتغل بشكر النعمة ~~عن البطر بها . وقيل في أمثال الهند : العاقل لا يبطر بمنزلة أصابها ولا ~~شرف وإن عظم ، كالجبل الذي لا يتزلزل وإن اشتدت الرياح ، والسخيف تبطره ~~أدنى منزلة كالحشيش الذي تحركه أدنى ريح . PageV06P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" استدم مودة وليك بالإحسان إليه ، واستسل ~~سخيمة عدوك بعد الاحتراز منه ، وداهن من يجاهرك بعداوتك . فقد قيل لبعض ~~الحكماء : ما الحزم ؟ قال : مداجاة الأعداء ، ومؤاخاة الأكفاء . ولا تعول ~~على التهم والظنون واطرح الشك باليقين . فقد قيل : لا يفسدك الظن على صديق ~~قد أصلحك اليقين له . قال شاعر : إذا أنت لم تبرح تظن وتقتضي . . . على ~~الظن أردتك الظنون الكواذب واختبر من اشتبهت حاله عليك ، لتعلم معتقده فيك ms1297 ~~، فتدري أين تضعه منك ؛ فإن الألسن لا تصدق عن القلوب ؛ لما يتصنعه المداجي ~~ويتكلفه المداهن . وشهادات القلوب أصدق ، ودلائل النفوس أوثق . فإن وقفت بك ~~الحال على الارتياب ، اعتقدت المودة في ظاهره ، وأخذت بالحزم في باطنه . ~~وإذا أقنعك الإغصاء عن الاختبار فلا تتخطه ، فأكثر الأمور تمشي على التغافل ~~والإغضاء . فقد قال أكثم بن صيفي : من تشدد نفر ، ومن تراخى تألف ، والسر ~~وفي التغافل . ولقلما جوهر المغضي وقوطع المتغافل ، مع انعطاف القلوب عليه ~~، وميل النفوس إليه . وهذا من أسباب السعادة وحسن التوفيق . شاور في أمورك ~~من تثق منه بثلاث خصال : صواب الرأي ، وخلوص النية ، وكتمان السر . فلا عار ~~عليك أن تستشير من هو دونك إذا كان بالشورى خبيرا ؛ فإن لكل ذي عقل ذخيرة ~~من الرأي وحظا من الصواب ، فتزداد برأي غيرك وإن كان رأيك جزلا ، كما يزداد ~~البحر بمواده من الأنهار وإن كان غزيرا . وقد يفضل المستشير على المشير ؛ ~~ويظفر المشير بالرأي لأنها ضالة يظفر بها من وجدها من فاضل ومفضول . وعول ~~على استشارة من جرب الأمور وخبرها ، وتقلب فيها وباشرها ، حتى عرف مواردها ~~ومصادرها ، فلن يخفى عليه خيرها وشرها ، ما لم يوهنه ضعف الهرم . واعدل عن ~~استشارة من قصد موافقتك متابعة لهواك ، أو اعتمد مخالفتك انحرافا عنك ، ~~وعول على من توخى الحق لك وعليك . فقد قيل في قديم الحكم : من التمس الرخص ~~من الإخوان في الرأي ، ومن الأطباء في المرض ، ومن الفقهاء في الشبه ، أخطأ ~~الرأي ، وزاد في المرض ، واحتمل الوزر . ولا تؤاخذ من استشرت بدرك ~~PageV06P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" الرأي أن زل ، فما عليه إلا الاجتهاد وإن ~~حجزته الأقدار عن الظفر . وقد قيل في منثور الحكم : من كثر صوابه لم يطرح ~~لقليل الخطأ . اختر لأسرارك من تثق بدينه وكتمانه ، وتسلم من إذاعته ~~وإدلاله ، ولو قدرت ألا تودع سرك غيرك ، وكان أولى بك وأسلم لك ؛ لأنك فيها ~~بين خطر أو حذر . وقد قيل في منثور الحكم : انفرد بسرك ولا تودعه حازما ~~فيزل ، ولا جاهلا فيخون . تثبت فيما لا تقدر على استدراكه ؛ فقلما ms1298 تعقب ~~العجلة إلا ندما . روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من ~~تأنى أصاب أو كاد ومن عجل أخطأ أو كاد " . وقيل في حكمة آل داود : من كان ~~ذا تؤدة وصف بالحكمة . وقدم ما قدرت عليه من المعروف ، فقلما يعقب الريث ~~إلا فواتا ؛ فإن للقدرة غاية ، ولنفوذ الأمر نهاية ، فاغتنمها في مكنتك ~~تسعد بما قدمته ، ويسعد بك من أعنته . قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ~~انتهزوا الفرصة فإنها تمر مر السحاب . وقال بعض الحكماء : من أخر الفرصة عن ~~وقتها ، فليكن على ثقة من فوقها . واحذر قبول المدح من المتملقين ، فإن ~~النفاق مركوز في طباعهم ، ويدا جونك بهين عليهم ؛ فإن نفقوا عليك غششت نفسك ~~، وداهنت حسك ؛ وأنت أعرف بنفسك من غيرك فيما تستحق به حمدا أو ذما . فناصح ~~نفسك بما فيها ، فإنك أعلم بمحاسنها ومساويها . فقد قيل فيما أنزل الله ~~تعالى من الكتب السالفة : " عجب لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح وعجب ~~لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب " . وقال بعض البلغاء : من أظهر شكرك ~~فيما لم تأت إليه فاحذره أن يكفر نعمك فيما أسديت إليه . ففوض مدحك إلى ~~أفعالك ، فإنها تمدحك بصدق إن أحسنت ، وتذمك بحق إن أسأت . ولا تغتر ~~بمخادعة اللسان الكذوب . فقد قيل : أبصر الناس من أحاط بذنوبه ، ووقف على ~~عيوبه . وكتب حكيم الروم إلى الإسكندر : لا ترغب في الكرامة التي تنالها من ~~الناس كرها ، ولكن في التي تستحقها بحسن الأثر وصواب التدبير . اعتمد بنظرك ~~إحماد سلطانك وشكر رعيتك ، تكن أيامك سعيدة ، وأفعالك محمودة ، والناس بك ~~مسرورين ، ولك أعوانا مساعدين ؛ ويبقى بعدك في الدنيا جميل PageV06P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" أثرك ، وفي الآخرة جزيل أجرك . واستعذ بالله ~~من صدها فتعدل بك إلى ضدها ، فإن الولايات كالمحك تظهر جواهر أربابها ، ~~فمنهم نازل مرذول ومنهم صاعد مقبول . فقد روي عن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أنه قال : " أحسنوا جوار نعم الله فقلما زالت عن قوم فعادت إليهم " ~~. وتعرض رجل ليحيى بن خالد وهو ms1299 على الجسر بكتاب وسأله أن يختمه ؛ فقال : يا ~~غلام اختم كتابة ما دام الطين رطبا ، ثم أنشد : إذا هبت رياحك فاغتنمها . . ~~. وجد فلكل خافقة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها . . . فما تدري السكون متى ~~يكون إذا نلت من سلطانك حظا ، وأوجبت عليه بخدمتك حقا ، فلا تستوفه ، ودع ~~لنفسك بقية يدخرها لك ويراها حقا من حقوقك ، ويكون كفيل أدائها إليك . فإن ~~استوفيتها برئ وصرت إلى غاية ليس بعدها إلا النقصان . قال الشاعر : إذا تم ~~أمر بدا نقصه . . . توقع زوالا إذا قيل تم واعلم أنك مرصد لحوائج الناس ، ~~لأن بيدك أزمة الأمور وإليك غاية الطلب ، فكن عليها صبورا ، تكن بقضائها ~~مشكورا ؛ ولا تضجر على طالبها وقد أملك ولا تنفر عليه إذا راجعك ؛ فما يجد ~~الناس من سؤلك بدا . ولخير دهرك أن ترى مرجوا . قال أبو بكر بن دريد : لا ~~تدخلنك ضجرة من سائل . . . فلخير دهرك أن ترى مسئولا PageV06P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" لا تجبهن بالرد وجه مؤمل . . . فبقاء عزك أن ~~ترى مأمولا واعلم بأنك عن قليل صائر . . . خبرا فكن خبرا يروق جميلا وقد ~~قيل في الصحف الأولى : القلب الضيق لا تحسن به الرياسة ، والرجل اللئيم لا ~~يحسن به الغنى . ولئن كانت الحوائج كالمغارم لمن استثقلها فهي مغانم لمن ~~وفق لها . روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ما عظمت ~~نعمة الله على عبد ألا عظمت مؤنة الناس عليه فمن لم يحتمل مؤنة الناس عرض ~~تلك النعمة للزوال " . وإذا جعلت الوزارة غايات الأمور إليك ، وحوائج الناس ~~واقفة عليك ، والقدرة لك مساعدة ، لانبساط يدك ونفوذ أمرك صرت بالتوقف ~~والإعراض مخلا بحقوق نظرك ، وآسفا على فوات مكنتك . فقد قال بهرام جور في ~~عهده إلى ملوك فارس : إنكم بمكان لا مصرف للناس عن حوائجهم إليكم ، فلتتسع ~~صدوركم كاتساع سلطانكم . قال علي بن الجهم : إذا جدد الله لي نعمة . . . ~~شكرت ولم يرني جاحدا ولم يزل الله بالعائدات . . . على من يعود بها عائدا أ ~~يا جامع المال وفرته . . . لغيرك إذ لم تكن خالدا فإن قلت أجمعه ms1300 للبنين . . ~~. فقد يسبق الولد الوالدا وإن قلت أخشى صروف الزمان . . . فكن في تصاريفه ~~واحدا فاجعل يومك أسعد من أمسك ، وصلاح الناس عندك كصلاح نفسك . ومل إلى ~~اجتذاب القلوب بالاستعطاف ، وإلى استمالة النفوس بالإنصاف ، تجدهم كنزا في ~~شدائدك ، وحرزا في نوائبك . احذر دعوة المظلوم وتوقها ، ورق لها إن واجهك ~~بها ، ولا تبعثك العزة على البطش فتزداد ببطشك ظلما ، وبعزتك بغيا . وحسبك ~~بمنصور عليك الله ناصره منك . PageV06P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" كن عن الشهوات عزوفا تنفك من أسرها ، فإن من ~~قهرته الشهوة كان لها عبدا ، ومن استعبدته ذل بها . وقد روي عن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن ~~أشفق من النار لها عن الشهوات " . وقيل لبعض حكماء الروم : ما الملك الأعظم ~~؟ قال : أن يغلب الإنسان شهوته . وكن بالزمان خبيرا تسلم من عثرته ؛ فإن ~~الاغترار به مرد . وقدم لمعادك ليبقى عليك ما ذخرته ، فلن تجد إلا ما قدمته ~~؛ وإنك لتجازى بما صنعت . واستقل الدنيا تجد في نفسك عزا ، فترضى إذا سخطت ~~، وتسر إذا حزنت ، فلن يذل إلا طالبها ، ولن يحزن إلا صاحبها . فقد قال بعض ~~الحكماء : ليكن طلبك الدنيا اضطرارا ، وفكرك فيها اعتبارا ، وسعيك لمعادك ~~ابتدارا . وقال عبد الحميد : طالب الدنيا عليل ، ليس يروى له غليل . اجعل ~~صالح عملك ذخرا لك عند ربك ، وجميل سيرتك أثرا مشكورا في الناس بعدك ، ~~ليقتدي بك الأخيار ، ويزدجر بك الأشرار ، تكن بالثواب حقيقا ، وبالحمد ~~جديرا . فقد قيل : الاغترار بالأعمار من شيم الأغمار . فلن يبقى بعدك إلا ~~ذكرك في الدنيا ، وثوابك في الآخرة ، فاظفر بهما تكن سعيدا فيهما ؛ فإن ~~الدنيا كأحلام النائم يستحليها في غفوته ، ويلفظها بعد يقظته . وقد قيل في ~~بعض الصحف الأولى : احرص على العمل الصالح لأنه لا يصحبك غيره . انتهى كلام ~~الماوردي . وقد بالغ - رحمه الله - في عهده ، وجاد بعظيم بره وجزيل رفده ؛ ~~وأوضح ما إن استمسك به الوزير كفاه ، وإن حذا على مثاله كان ذخيرة لدينه ~~ومعونة لدنياه . فليتمسك به من رفل من الوزارة في ms1301 حللها ، وارتقى من ~~الرياسة إلى شواهقها المنيعة وقللها ؛ وأفاضت عليه السياسة برودها ، وطوقته ~~السعادة عقودها . وليأخذ نفسه به ويرضها عليه ؛ ويجعله نصب عينه فيما فوض ~~من أمور العالم إليه ؛ ليفوز بسعادة الدنيا وثواب الآخرة ، ويلتحق غدا بذوي ~~الوجوه الناضرة ، التي هي إلى ربها ناظرة . وإن عدل عنه وعمل بضده فوا خيبة ~~مسعاه ، وسوء منقلبه ومثواه ، " يوم ينظر المرء ما قدمت يداه " . ~~PageV06P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" ذكر ما قيل في وصايا أصحاب السلطان وصفاتهم ~~صفاتهم فقد ذكر " الحمدوني " في " تذكرته " ما لا بد منه لصاحب السلطان ~~وجليسه ، وحادثه وأنيسه ؛ ولا يستغني عنه وزراؤه وندماؤه ، وخواصه وأوليائه ~~؛ فقال : من صحب الملوك وقرب منهم فينبغي أن يكون جامعا للخلال المحمودة . ~~فأولها العقل ، فإنه رأس الفضائل . والعلم ، فإنه من ثمار العقل ولا تليق ~~صحبة الملوك بأهل الجهل . والود ، فإنه خلق من أخلاق الناس يولده العقل في ~~الإنسان لذوي وده . والنصيحة ، وهي تابعة للود وهو الذي يبعث عليها . ~~والوفاء ، فلا تتم الصحبة إلا به . وحفظ السر ، وهو من صدق الوفاء . والعفة ~~عن الشهوات والأموال . والصرامة ، وهي شدة القلب فإن الملوك لا يجوز أن ~~يصحبهم أولو النكول ، ولا ينال الجسيم من الأمور إلا الشجاع الندب النجد . ~~والصدق ، فإنه من لا يصدق يكذب ، ومضرة الكذب لا تتلافى . وحسن الزي ~~والهيئة ، فإن ذلك يزيد في بهاء الملك . والبشر في اللقاء ، فإنه يتألف به ~~قلب من يلاقيه ، وفي الكلوح تنفير عن غير ريبة . والأمانة فيما يستحفظ . ~~ورعاية الحق فيما يستودع . والعدل والإنصاف ، فإن العدل يصلح السرائر ويجمل ~~الظواهر ، وبه يخاصم الإنسان نفسه إذا دعته إلى أمر لا يحسن ركوبه . وينبغي ~~له أن يجانب أضداد هذه الخلال ؛ وألا يكون حسودا فإن الحسد يفسد ما بينه ~~وبين الناس ؛ وليفرق بين الحسد والمنافسة فإنهما يشتبهان على من لا يعقل ؛ ~~وأن يخلو من اللجاج والمحال فإن ذلك يضر بالأفعال إذا وقع فيها اشتراك ؛ ~~وألا يكون بذاخا ولا متكبرا ، فإن البذخ من دلائل سقوط النفس ، والكبر من ~~دواعي المقت ؛ وألا يكون حريصا ، فإن الحرص من ms1302 ضيق النفس وشدة البطش والبعد ~~عن الصبر . وينبغي ألا يكون فدما وخما ولا ثقيل الروح ، فإنها صفة لا تليق ~~بمن يلاقي الملوك ، وأبدا تكون صفة للمقت من غير جرم . وينبغي لمن صحب ~~السلطان أن يأخذ لعمله من جميع شغله ، فيأخذ من طعامه وشرابه ونومه وحديثه ~~ولهوه ، لا كما يفعل الأغمار الجهال بخدمة الملوك ، فإن أحدهم كلما ازداد ~~عملا نقص من ساعات نصبه وعمله فزادها في ساعات شهوته وعبثه . PageV06P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" فهذه الصفات ، فلنذكر الوصايا . وصايا أصحاب ~~السلطان فهي متقاربة من وصايا الوزراء غير متفاوتة . وفيها ما يضطر الوزير ~~إليه ، على ما تقف إن شاء الله تعالى عليه . قالت الحكماء : إذا نزلت من ~~الملك بمنزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق ، ولا تكثر من الدعاء له في كل ~~كلمة ، فإن ذلك يشبه حال الوحشة والغربة ، إلا أن تكلمه على رؤوس الناس فلا ~~تأل عما وقره وعظمه . وإذا أردت أن يقبل قولك فصحح رأيك ولا تشوبنه بشيء من ~~الهوى ، فإن الرأي يقبله منك العدو ، والهوى يرده عليك الصديق . وتبصر ما ~~في الملك من الأخلاق التي يحب ويكره ، ثم لا تكابره بالتحويل له عما يحب ~~ويكره إلى ما تحب وتكره ، فإنها رياضة صعبة قد تحمل على التنائي والقلى . ~~فقلما تقدر على رد رجل عن المكابرة والمناقضة وإن لم يكن جمح به عز السلطان ~~، فكيف إذا جمح به ولكن تعينه على أحسن رأيه وتزينه له وتقويه عليه ؛ فإذا ~~قويت المحاسن كانت هي التي تكفيك المساوي . وإذا استحكمت منه ناحية من ~~الصواب كان ذلك الصواب هو الذي يبصره مواقع الخطأ بألطف من تبصيرك وأعدل من ~~حكمك في نفسه ؛ فإن الصواب يؤيد بعضه بعضا ويدعو بعضه إلى بعض . وإذا كنت ~~له مكابرا لحقك الخطر ولم تبلغ ما تريد . ولا يكونن طلبك ما عند السلطان ~~بالمسألة ولا تستبطئه وإن أبطأ ، ولكن اطلب ما عنده بالاستحقاق له ~~والاستيناء به وإن طالت الأناة ، فإنك إذا استحققته أتاك من غير طلب ، وإذا ~~لم تستبطئه كان أعجل له . ولا تخبرن الملك ms1303 أن لك عليه حقا ، وأنك تعتد عليه ~~بلاء . وإن استطعت ألا ينسى حقك وبلاءك فافعل . وليكن ما تذكره به تجديدك ~~له النصيحة والاجتهاد ، وألا يزال ينظر منك إلى آخر يذكره الأول ؛ فإن ~~السلطان إذا انقطع عنه الآخر نسي الأول ؛ فإن أرحامهم منقطعة وحبالهم ~~منصرمة إلا عمن رضوا عنه في يومهم وساعتهم . PageV06P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" واعلم أن أكثر الناس عدو لصاحب السلطان ~~ووزيره وذوي المكانة عنده ، لأنه منفوس عليه مكانه كما ينفس على الملك ملكه ~~، وحسود كما يحسد عليه ؛ غير أنه يجترأ عليه ولا يجترأ على الملك ، لأن ~~حساده أحباء الملك الذين يشاركونه في المنزلة والدخول ، وهم حضور ، وليسوا ~~كعدو الملك النائي عنه الكاتم لعداوته ؛ فهم لا يغفلون عن نصب الحبائل له . ~~فالبس لهؤلاء الأعداء كلهم سلاح الصحة والاستقامة ولزوم المحجة فيما تسر ~~وتعلن . ثم روح عن قلبك حتى كأنك لا عدو لك ولا حاسد . جانب المسخوط عليه ~~والمظنون به عند السلطان ولا يجمعنك وإياه مجلس ولا منزل ، ولا تظهرن له ~~عذرا ولا تثنين عليه خيرا . فإذا رأيته قد بلغ في الإعتاب مما سخط عليه فيه ~~ما ترجو أن يلين له الملك ، واستيقنت أن الملك قد تحقق مباعدتك إياه وشدتك ~~عليه ، فضع عند ذلك عذره عند الملك ، واعمل في إرضائه بالرفق واللطف . وإذا ~~أصبت الجاه عند الملك وكانت لك خاصة منزلة ، فلا يحدثن لك ذلك تغيرا على ~~أهله وأعوانه واستغناء عنهم ، فإنك لا تدري متى ترى أدنى جفوة فتذل لهم . ~~وإن استطعت أن يعرف صاحبك أنك تنحله صواب رأيك فضلا عن صوابه فتسند ذلك ~~إليه وتزينه به ، فإن الذي أنت بذلك آخذ أفضل من الذي أنت به معط . واعلم ~~أن السلطان يقبل من الوزراء التبخيل ويعده منهم شفقة ونظرا ويحمدهم عليه ~~وإن كان جوادا . فإن كنت مبخلا فقد غششت صاحبك بفساد مروءته ، وإن كنت ~~مسخيا لم تأمن إضرار ذلك بمنزلتك . فالرأي لك تصحيح النصيحة والتماس المخرج ~~، بألا يعرف منك ميلا إلى شيء من هواك . فهذه نبذة من وصايا أصحاب السلطان ~~يكتفي ms1304 بها اللبيب ، ويتمسك بها الأريب . وقد قدمنا في شروط الوزارة ما ~~يحتاج صاحب السلطان إلى استعماله في خدمته . فلنذكر ما يحتاج إليه نديم ~~الملك ومؤاكله . PageV06P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" ذكر ما يحتاج إليه نديم الملك ، وما يأخذ به ~~نفسه ، وما يلزمه . قالوا : مما يزيد النديم في المحل تقدما ، وعند ملكه ~~تمكنا ، أن يكون عالما بكل ما يتنافس الملوك ويتغالون فيه ، من الرقيق ~~المثمن ، وقيمة الجوهر النفيس ، والآلات المحكمة ، وأنواع الطيب والفرش ، ~~إلى غير ذلك من معرفة الخيل والسلاح . ولذلك قال الواصف نفسه للفضل بن يحيى ~~بن خالد يرغبه في اختصاصه بمنادمته في شعر طويل : لست بالناسك المشمر ثوبي ~~. . . ه ولا الفاتك الخليع الوقاح أبصر الناس بالجواهر والخي . . . ل ~~وبالخرد الحسان الملاح قالوا : ومن أبرد من النديم مجلسا وأكسف منه بالا ~~إذا عرض على الملوك شيء من هذه الأعلاق فلم يحر جوابا ولا وجد عنده منه ~~علما . ويستظرف من نديم السلطان أن يصف اللون الغريب من الطعام ، والصوت ~~البديع من الشعر ، واللحن الشجي من الغناء . وقالوا : من لم يدر عشرة أصوات ~~من الغناء ويحسن من غرائب الطبيخ عشرة ألوان ، لم يكن عندهم ظريفا كاملا ، ~~ولا نديما جامعا . وأما ما يأخذ به نفسه فقد قالوا : ينبغي أن يكون نديم ~~السلطان معتدل الأخلاق ، سليم الجوارح ، طيب المفاكهة والمحادثة ، عالما ~~بأيام الناس ومكارم أخلاقهم ، راوية للنادر من الشعر والمثل السائر ، ~~متصرفا في كل فن ، قد أخذ PageV06P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" من الخير والشر بنصيب ؛ فإن مالت شهوة الملك ~~إلى ضرب ما وجد عنده منه علما . ويلزمه أيضا أن يحضر في الزي الظاهر الذي ~~يعرف به ، ويشهد فيه المجالس الحافلة من غير أن يتشهر . فإن شاء الملك أن ~~يغير حاله وزيه ويكرمه بشيء من ثيابه ، حسن أن يلبس ذلك من وقته حتى ينقضي ~~المجلس ولم يحسن أن يجلس فيه ظاهرا في مجلس ثان ؛ لأنه شيء اختاره الملك في ~~ساعة بعينها لا في كل أوقاته . وأما العمامة والخف فلا يخلو منهما . والغرض ~~من ذلك إجلال السلطان عن مشاركته ms1305 فيما اتسع له من التبدل والتخير في الزي ~~الذي لا ثقل عليه منه ، والانفراد به عمن هو دونه . وهذه كانت عادة ملوك ~~الأعاجم ؛ لأنهم رسموا لكل طبقة من طبقات أهل مملكتهم برسم من الزي ~~ليتميزوا به ، ولا يتشبه سوقة بملك ، ولا مشروف بذي الشرف ، ولا تابع برئيس ~~. ومما يجب أن يأخذ به نفسه الإسراع في الخطو إذا كان بحيث يراه الملك ، ~~ليكون مشيه إرقالا ولا يكون اختيالا . ومما يلزمه أن يتحفظ منه ويروض به ~~نفسه ألا يصبحه ولا يمسيه ولا يشمته ولا يستخبره . وإنما ترك ذلك كله لما ~~فيه من تكلف الجواب . وأول من سن ذلك وحمل الناس عليه الفضل بن الربيع . ~~الآداب في محادثة السلطان فقد قالوا : من حق الملك إذا حضر سماره ومحدثوه ~~ألا يبتدئه أحد حديثا . فإن بدأ هو بالحديث صرف من حضره ذهنه وفكره نحوه . ~~فإن كان يعرف الحديث الذي حدث به الملك استمعه استماع من لم يدره ولم يعرفه ~~، وأظهر السرور بفائدة الملك والاستبشار بحديثه ؛ فإن في ذلك أمرين : ~~أحدهما ما يظهر من حسن أدبه . والآخر أن يعطي الملك حقه بحسن الاستماع . ~~وإن كان لم يعرفه فالنفس إلى فوائد الملوك والحديث عنهم أتوق منها إلى ~~فوائد السوقة ومن PageV06P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" أشبهها . وقد كان روح بن زنباع يقول : إذا ~~أردت أن يمكنك الملك من أذنه فأمكن أذنك من الإصغاء إليه إذا حدث . وكان ~~أسماء بن خارجة يقول : ما غلبني أحد قط غلبة رجل يصغي إلى حديثي . ومن حق ~~الملك إذا قرب إنسانا أو أنس به حتى يهازله ويضاحكه ، ثم دخل عليه ، أن ~~يدخل دخول من لم يجر بينهما أنس قط ، وأن يظهر من الإجلال والتعظيم أكثر ~~مما كان عليه ؛ فإن أخلاق الملوك ليست على نظام . ومجالستهم ومحادثتهم ~~تحتاج إلى سياسة وتحفظ من وضع الحديث والمثل والشعر في موضعه . وإذا حدث ~~الملك بحديث وفرغ منه فنظر إلى بعض جلسائه ، فقد أذن له أن يحدثه بنظير ذلك ~~الجنس من الحديث ، وليس له أن يأخذ في غير جنس ms1306 حديثه . فإذا فرغ من ذلك ~~الحديث فليس له أن يصله بحديث آخر وإن كان شبيها للحديث الأول . فإن رأى ~~الملك قد أقبل عليه بوجهه وأصغى إلى حديثه فليمض فيه حتى يكمله ويأتي على ~~آخره . وليس له - إن قطع الملك استماع حديثه بشغل يعرض له - أن يمر على ~~كلامه ، ولكن ينصت مطرقا . فإن اتصل شغل الملك ، ترك الحديث . فإن فرغ ونظر ~~إليه ، فقد أذن له في إتمامه وإعادته ، وإلا فلا . ومن حق الملك ألا يضحك ~~بحضرته ، لأن الضحك جرأة عليه ؛ وألا يعاد عليه الحديث مرتين وإن طال ~~بينهما الدهر ، إلا أن يذكره الملك ، فإن ذكره فقد أذن له في إعادته . وكان ~~روح بن زنباع يقول : أقمت مع عبد الملك بن مروان سبع عشرة سنة من أيامه ما ~~أعدت عليه حديثا . وكان الشعبي يقول : ما حدثت بحديث مرتين لرجل بعينه قط . ~~وكان أبو العباس السفاح يقول : ما رأيت رجلا أغزر علما من أبي PageV06P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" بكر الهذلي لم يعد علي حديثا قط . وكان أبو ~~بكر الهذلي يقول : حدثت المنصور بأكثر من عشرة آلاف حديث ، فقال لي ليلة - ~~وقد حدثته عن يوم ذي قار وقد اضطررت إلى التكرار - : أتعيد الحديث ؟ فقلت : ~~ما هذا مما مر يا أمير المؤمنين ؛ فقال : أما تذكر ليلة الرعد والأمطار ~~وأنت تحدث بحديث يوم ذي قار فقلت لك : ما يوم ذي قار بأصعب من هذه الليلة ؟ ~~ومن حق المحادثة وواجب المؤانسة ترك المراء ؛ هذا مع الأكفاء فكيف مع ~~الملوك والرؤساء وقالوا : المماراة تفسد الصداقة القديمة ، وتحل العقدة ~~الوثيقة وتكسب الإحنة والبغضاء . وقال الصاحب بن عباد : للمحدث على السامع ~~ثلاث : كتمان السر ، وإصغاء الذهن ، وترك التحفظ . هذا ما يلزم نديم الملك ~~. مؤاكل الملك فقد اصطلح الناس على إجلال رؤسائهم وملوكهم عن غسل أيديهم ~~بحضورهم ، واستجازوا ذلك مع نظرائهم ومن يسقط التحفظ بينهم وبينهم . وربما ~~تجمل الرئيس فقال لمؤاكله : اغسل يدك مكانك ولا تبرح . فالغبي يغتنم ذلك ~~ويفعل ، والفطن يأباه ويسلك سبيل الأدب ، فيخف على القلب . هذا بعد الطعام ~~. وأما ms1307 قبله فجائز أن يغسل اليد بحضرة الرئيس . وأما الخلال فلا يستعمل ~~بحضرته البتة . آداب الأكل بين يدي الرئيس ألا يخلط طعاما بطعام ، ولا يغمس ~~اللقمة بالخل ثم يضعها في الطعام ، ونحو ذلك . هذا ما يلزم نديم الملك ~~ومؤاكله . وقد ذكرنا مما يجب للملك على رعيته من المناصحة والأدب والتوقير ~~والتعظيم فيما تقدم ما يدخل في هذا الباب ، فلا فائدة في تكراره . فلنذكر ~~ما ورد في النهي عن صحبة الملوك . ذكر ما ورد في النهي عن صحبة الملوك ~~والقرب منهم . قد نهت الحكماء عن صحبة الملوك وقالوا : إن الملوك إذا ~~خدمتهم ملوك ، وإن لم تخدمهم أذلوك . وإنهم يستعظمون في الثواب رد الجواب ، ~~ويستقلون في العقاب PageV06P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" ضرب الرقاب . وإنهم ليعثرون على العثرة ~~اليسيرة من خدمهم فيبنون لها منارا ، ثم يوقدون لها نارا ، ويعتقدونها ثارا ~~. وقال ابن المقفع : إن وجدت عن السلطان وصحبته غنى فصن عنه نفسك ، واعتزله ~~جهدك ؛ فإنه من يأخذه السلطان بحقه يحل بينه وبين لذة الدنيا وعمل الآخرة . ~~وقال العتابي وقد قيل له : لم لا تقصد الأمير فتخدمه ؟ فقال : لأني أراه ~~يعطي الواحد لغير حسنة ولا يد ، ويقتل الآخر بلا سيئة ولا ذنب ، ولست أدري ~~أي الرجلين أكون ، ولست أرجو منه مقدار ما أخاطر به . وقال لامرأته : أ سرك ~~أني نلت ما نال جعفر . . . من الملك أو ما نال يحيى بن خالد فقالت : بلى ~~والله فقال : وأن أمير المؤمنين أغصني . . . مغصهما بالمرهفات البوارد ~~فقالت : لا والله فقال : ذريني تجئني ميتتي مطمئنة . . . ولم أتجشم هول تلك ~~الموارد فإن جسيمات الأمور منوطة . . . بمستودعات في بطون الأساود الباب ~~العاشر قادة الجيوش ، والجهاد . . ، ومكايد الحرب ، ووصف الوقائع ، والرباط ~~، وما قيل في أوصاف السلاح . ذكر ما قيل في قادة الجيوش وشروطهم وأوصافهم ~~ووصاياهم وما يلزمهم . قال الشيخ الإمام أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن ~~محمد بن حليم الحليمي PageV06P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" الجرجاني الشافعي في كتابه المترجم ب " ~~المنهاج " ما مختصره ومعناه : إذا أنفذ الإمام جيشا أو سرية فينبغي أن يؤمر ~~عليهم ms1308 رجلا صالحا أمينا محتسبا ، لأن القوم إليه ينظرون . فإذا لم يكن خيرا ~~في نفسه كانت أعماله بحسب سريرته وكانت أعمال القوم بحسبها مضاهية لها ، ~~فإن رأوا منه كسلا كسلوا ، وإن رأوا منه فشلا فشلوا ، وإن ثبت ثبتوا ، وإن ~~رجع رجعوا ، وإن جنح إلى السلم جنحوا ، وإن جد جدوا ؛ فهم في تبعه كالمأموم ~~مع الإمام . والعدو إنما يفرق من رئيس القوم ، فإذا سمع بذي ذكر كان ذلك ~~أهيب له من أن يسمع بخامل لا صيت له . وإذا سمع بشجاع غير فرار كان آيس من ~~مقاومته ، منه إذا سمع بفشل جبان . وإذا سمع بلين يطمع في خداع مثله كان ~~أجرأ على استقباله ، منه إذا سمع بصلب في الدين شديد في البأس . فيكون ما ~~يكون من العدو من الإقدام والإحجام بحسب ما يبلغه من حال رأس المسلمين . ~~فلهذين السببين وجب أن يكون الرأس مستصلحا جامعا لأسباب الغناء والكفاية . ~~والله تعالى أعلم . ما يلزم قائد الجيش . قال أبو الحسن الماوردي في كتابه ~~المترجم ب " الأحكام السلطانية " ما معناه : إن أمير الجيش يلزمه ستة أحكام ~~: الأول منها : مسيره بالجيش . وعليه في السير بهم سبعة حقوق : أحدها الرفق ~~بهم في السير الذي يقدر عليه أضعفهم وتحفظ به قوة أقواهم . ولا يجد السير ~~فيهلك الضعيف ويستفرغ جلد القوي . فقد قال النبي صلى الله علي وسلم : " إن ~~هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى " . ~~والثاني أن يتفقد خيلهم التي يجاهدون عليها وظهورهم التي يمتطونها ، فلا ~~يدخل في خيل الجهاد قحما كبيرا ، ولا ضرعا صغيرا ، ولا حطما كسيرا ، ولا ~~أعجف رازحا هزيلا ؛ لأنها لا تغني ، وربما كان ضعفها وهنا . ويتفقد ظهور ~~المطايا والركوب ، فيخرج منها ما لا يقدر على المسير ويمنع من أن تحمل ~~زيادة على طاقتها . والثالث أن يراعي من معه من المقاتلة . وهم صنفان : ~~مسترزقة ، وهم أصحاب الديوان من أهل الفيء بحسب الغناء والحاجة ؛ ومتطوعة ، ~~وهم الخارجون عن الديوان من البوادي والأعراب وسكان PageV06P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" القرى والأمصار الذين خرجوا ms1309 في النفير الذي ~~ندب الله إليه بقوله : " انفروا خفافا وثقالا " ، قيل معناه : شبابا وشيوخا ~~، وقيل : أغنياء وفقراء ، وقيل : ركبانا ومشاة ، وقيل : ذا عيال وغير ذي ~~عيال . وهؤلاء يعطون من الصدقات دون الفيء . والرابع أن يعرف على الفريقين ~~العرفاء وينقب عليهم النقباء ، ليعرف من عرفائهم ونقبائهم أحوالهم ويقربوا ~~عليه إذا دعاهم . وقد فعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك في مغازيه ~~. والخامس أن يجعل لكل طائفة شعارا يتداعون به ليصيروا به مميزين . فقد جعل ~~رسول الله صلى الله علي وسلم شعار المهاجرين : " يا بني عبد الرحمن " وشعار ~~الخزرج : " يا بني عبد الله " وشعار الأوس : " يا بني عبيد الله " وسمى ~~خيله : " خيل الله " . والسادس أن يتصفح الجيش ومن فيه ، فيخرج منهم من كان ~~فيه تخذيل للمجاهدين وإرجاف بالمسلمين أو عينا عليهم للمشركين . فقد رد ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عبد الله بن أبي بن سلول في بعض غزواته ~~لتخذيله المسلمين . قال الله تعالى : " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين كله لله " ، أي لا يفتن بعضكم بعضا . والسابع ألا يمايل من ناسبه أو ~~وافق رأيه ومذهبه على من باينه في النسب أو خالفه في رأي ومذهب ، فيظهر من ~~المباينة ما تفرق به الكلمة الجامعة تشاغلا بالتقاطع والاختلاف . فقد أغضى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن المنافقين وهم أضداد في الدين ، وأجرى ~~عليهم حكم الظاهر حتى قويت بهم الشوكة وكثر بهم العدد وتكاملت بهم العدة ، ~~ووكلهم فيما أضمروه من النفاق إلى الله تعالى . قال الله تعالى : " ولا ~~تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " ، قيل فيه : الدولة ، وقيل : القوة . ~~والثاني : تدبير الحرب . قال الماوردي : والمشركون في دار الحرب صنفان ، ~~صنف منهم بلغتهم دعوة الإسلام فامتنعوا منها وتأبوا عليها . فأمير الجيش ~~مخير في قتالهم بين أن يبيتهم ليلا ونهارا بالقتل والتحريق ، وبين أن ~~ينذرهم الحرب ويصافهم في القتال . والصنف الثاني لم تبلغهم دعوة الإسلام ~~وهم قليل جدا ، إلا أن يكونوا وراء من يلي هذه البلاد الإسلامية من الترك ~~والروم في مبادئ بلاد المشرق وأقاصي ms1310 المغرب ، فيحرم عليه الإقدام على ~~قتالهم غرة وبياتا ، وأن يبدأهم بالقتال قبل إظهار دعوة الإسلام لهم ~~وإعلامهم من معجزات النبوة وظهور الحجة ما يقودهم إلى الإجابة . فإن أقاموا ~~على الكفر بعد ظهورها لهم ، حاربهم وصاروا فيه كمن بلغتهم الدعوة . قال ~~الله تعالى : " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي ~~PageV06P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" هي أحسن " ، معناه إلى دين ربك بالنبوة ~~والقرآن . فإن بدأ بقتالهم قبل دعائهم إلى الإسلام وإنذارهم بحججه وقتلهم ~~غرة وبياتا ، ضمن ديات نفوسهم . وهي على الأصح من مذهب الشافعي كديات ~~المسلمين . وقيل : بل تكون كديات الكفار على اختلافها . وإذا تقابلت الصفوف ~~في الحرب جاز لمن قاتل من المسلمين أن يعلم بما يشتهر به في الصفوف ويتميز ~~به من بين الجيش ، وأن يركب الأبلق إن كانت خيول الناس دهما أو شقرا . روي ~~عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال يوم بدر : " سوموا فإن ~~الملائكة قد سومت " . ويجوز أن يجيب إلى البراز إذا دعي إليه ؛ فقد دعا أبي ~~بن خلف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى البراز يوم أحد فبرز إليه ~~فقتله النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . ويجوز أيضا للمقاتل من المسلمين أن ~~يدعو إلى البراز لما فيه من إظهار القوة في دين الله تعالى بعد أن يعلم من ~~نفسه أن لن يعجز عن مقاومة خصمه ويقدر على دفع عدوه . ولا يجوز ذلك لزعيم ~~الجيش ، فإنه إذا طلب البراز وفقد ، أثر ذلك في المسلمين ؛ وربما يفضي بهم ~~عدمه إلى الهزيمة . ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إنما برز لثقته بنصر ~~الله وإنجاز وعده ، وليس ذلك لغيره . ويجوز لأمير الجيش إذا حض على الجهاد ~~أن يعرض للشهادة من الراغبين فيها من يعلم أن قتله في المعركة مما يحرض ~~المسلمين على القتال حمية له . حكى موسى بن إسحاق أن النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) خرج من العريش يوم بدر فحرض الناس على الجهاد ونفل كل امرئ منهم ما ~~أصاب ، وقال : " والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل ms1311 فيقتل صابرا محتسبا ~~مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة " ؛ فقال عمير بن الحمام من بني سلمة ~~وفي يده تمرات يأكلهن : بخ بخ ما بقي بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن ~~يقتلني هؤلاء القوم ، ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه وتقدم وقاتل القوم ~~حتى قتل - رحمه الله - وهو يقول : ركضا إلى الله بغير زاد . . . إلا التقى ~~وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد . . . وكل زاد عرضة النفاد غير ~~التقى والبر والرشاد ويجوز للمسلم أن يقتل من ظفر به من مقاتلة المشركين ~~محاربا وغير محارب . واختلف في قتل شيوخهم ورهبانهم من سكان الصوامع ~~والديارات . فمن منع من PageV06P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" قتلهم قال : إنهم موادعون . ومن قال بقتلهم ~~وإن لم يقاتلوا قال : لأنهم ربما أشاروا برأي يكون فيه إنكاء للمسلمين . ~~وقد قتل دريد بن الصمة في حرب هوازن - وهو يوم حنين - وقد جاوز مائة سنة ، ~~ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يراه فلم ينكر قتله ؛ وكان يقول حين قتل ~~: أمرتهم أمري بمنعرج اللوى . . . فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد فلما ~~عصوني كنت منهم وقد أرى . . . غوايتهم لا أنني غير مهتدي ولا يجوز قتل ~~النساء والولدان في حرب ولا غيرها ما لم يقاتلوا ؛ لنهي رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) عن قتلهم . وقد نهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن ~~قتل العسفاء والوصفاء - والعسفاء : المستخدمون ، والوصفاء : المماليك - . ~~فإن قاتل النساء والولدان قوتلوا مقبلين ولم يقتلوا مدبرين . وإذا تترسوا ~~في الحرب بنسائهم وأطفالهم عمد قتلهم وتوقي قتل النساء والأطفال ، فإن لم ~~يوصل إلى قتلهم إلا بقتل النساء والأطفال جاز ، ولو تترسوا بأسرى المسلمين ~~ولم يوصل إلى قتلهم إلا بقتل الأسارى لم يجز قتلهم ، فإن أفضى الكف عنهم ~~إلى الإحاطة بالمسلمين ، توصلوا إلى الخلاص منهم كيف أمكنهم وتحرزوا أن ~~يعمدوا قتل مسلم ؛ ويجوز عقر خيلهم من تحتهم إذا قاتلوا عليها ؛ ومنع بعض ~~الفقهاء من عقرها . وليس لأحد من المسلمين أن يعقر فرس نفسه ، لأن الخيل من ~~القوة التي أمر الله تعالى بإعدادها ms1312 في جهاد عدوه . قال الله تعالى : " ~~وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعوكم " . ~~ولا احتجاج بعقر جعفر بن أبي طالب فرسه يوم مؤتة ، فإنه اقتحم بفرس له ~~شقراء حتى التحم القتال ثم نزل عنها وعقرها وقاتل حتى قتل رضي الله عنه ، ~~وهو أول رجل من المسلمين عقر فرسه في الإسلام ، وهو إنما عقر فرسه بعد أن ~~أحيط به ، فعقره لها خشية أن يتقوى بها المشركون على المسلمين ، فصار عقرها ~~كعقر خيولهم . والثالث : ما يلزم أمير الجيش في سياستهم . والذي يلزمه فيها ~~عشرة أشياء : أحدها : حراستهم من غرة يظفر بها العدو منهم ، وذلك بأن يتتبع ~~المكامن PageV06P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" فيحفظها عليهم ويحوط سوادهم بحرس يأمنون به ~~على نفوسهم ورحالهم ، ليسكنوا في وقت الدعة ويأمنوا ما وراءهم في وقت ~~المحاربة . والثاني : أن يتخير لهم موضع نزولهم لمحاربة العدو ، وذلك أن ~~يكون أوطأ الأرض مكانا وأكثرها مرعى وماء وأحرسها أكنافا وأطرافا ، ليكون ~~أعون لهم على المنازلة وأقوى لهم على المرابطة . والثالث : إعداد ما يحتاج ~~الجيش إليه من زاد وعلوفة تفرق عليهم في وقت الحاجة ، لتسكن نفوسهم إلى ~~مادة يستغنون بها عن السعي في تحصيلها ، وتتوفر دواعيهم على منازلة العدو . ~~والرابع : أن يعرف أخبار عدوه حتى يقف عليها ، ويتصفح أحوالهم حتى يخبرها ~~ليسلم من مكرهم ويلتمس الغرة في الهجوم عليهم . والخامس : ترتيب الجيش في ~~مصاف الحرب ، والتعويل في كل جهة على من يراه كفئا لها ، ويتفقد الصفوف من ~~الخلل فيها ، ويراعي كل جهة يميل العدو عليها بمدد يكون عونا لها . والسادس ~~: أن يقوي نفوسهم بما يشعرهم من الظفر ويخيل إليهم من أسباب النصر ، ليقل ~~العدو في أعينهم فيكونوا عليه أجرأ . قال الله عز وجل : " إذ يريكهم الله ~~في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر " . والسابع : ~~أن يعد أهل الصبر والبلاء منهم بثواب الله إن كانوا من أهل الآخرة ، ~~وبالجزاء والنفل من الغنيمة إن كانوا من أهل الدنيا . والثامن : أن يشاور ~~ذوي الرأي فيما أعضل ms1313 ، ويرجع إلى أهل الحزم فيما أشكل ؛ ليأمن الخطأ ويسلم ~~من الزلل . وقد تقدم ذكر ما في المشورة من البركة والخير . والتاسع : أن ~~يأخذ جيشه بما أوجب الله تعالى من حقوقه وأمر به من حدوده ، حتى لا يكون ~~منهم تجوز في دين الله ولا تحيف في حق ، فإن من جاهد عن الدين كان أحق ~~الناس بالتزام أحكامه . وقد روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ~~قال : " انهوا جيوشكم عن الفساد فإنه ما فسد جيش قط إلا قذف الله في قلوبهم ~~الرعب وانهوا جيوشكم عن الزنا فإنه ما زنى جيش قط إلا سلط الله عليهم ~~الموتان وانهوا جيوشكم عن الغلول فإنه ما غل جيش قط إلا قذف الله الرعب في ~~قلوبهم " . وقال أبو الدرداء : يا أيها الناس ، عمل صالح قبل الغزو فإنما ~~تقاتلون بأعمالكم . والعاشر : ألا يمكن أحدا من جيشه أن يتشاغل بتجارة أو ~~زراعة ليصرفه الاهتمام بها عن مصابرة العدو وصدق الجهاد . روي عن نبي من ~~PageV06P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" أنبياء الله تعالى أنه قال : " لا يغزون معي ~~من بنى بناء لم يكمله ولا رجل تزوج امرأة لم يدخل بها ولا رجل زرع زرعا لم ~~يحصده " . والرابع : ما يلزم المجاهدين معه من حقوق الجهاد . وهو ضربان : ~~أحدهما ما يلزمه في حق الله تعالى ؛ والثاني ما يلزمهم في حق الأمير عليهم ~~. فأما اللازم لهم في حق الله تعالى فأربعة أشياء . أحدها : مصابرة العدو ~~عند التقاء الجمعين بألا ينهزم عنه من مثليه فما دون ذلك . وقد كان الله عز ~~وجل فرض في أول الإسلام على كل مسلم أن يقاتل عشرة من المشركين ، فقال ~~تعالى : " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا " . ثم خفف ~~الله عنهم عند قوة الإسلام وكثرة أهله فأوجب على كل مسلم لاقى العدو أن ~~يقاتل رجلين منهم ، فقال تعالى : " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ~~فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ms1314 مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن ~~الله والله مع الصابرين " ، فحرم على كل مسلم أن ينهزم من مثليه إلا لإحدى ~~حالتين : إما أن يتحرف لقتال فيولي لاستراحة أو لمكيدة ويعود إلى قتالهم ؛ ~~وإما أن يتحيز إلى فئة أخرى يجتمع معها على قتالهم . قال الله تعالى : " ~~ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من ~~الله " ، قال : وسواء قربت الفئة التي يتحيز إليها أو بعدت . فقد قال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه لفل القادسية حين انهزموا إليه : أنا فئة كل مسلم . ~~ويجوز إذا زادوا على مثليه ولم يجد إلى المصابرة سبيلا أن يولي عنهم غير ~~متحرف لقتال ولا متحيز إلى فئة . هذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله . ~~واختلف أصحابه فيمن عجز عن مقاومة مثليه وأشرف على القتل هل يجوز انهزامه ، ~~فقالت طائفة : لا يجوز انهزامه عنهم وإن قتل ، للنص . وقالت طائفة أخرى : ~~يجوز أن يولي ناويا أن يتحرف لقتال أو يتحيز إلى فئة ليسلم من القتل ومن ~~إثم الخلاف ؛ فإنه إن عجز عن المصابرة فلا يعجز عن هذه النية . وقال أبو ~~حنيفة : لا اعتبار بهذا التفصيل ، والنص فيه منسوخ ، وعليه أن يقاتل ما ~~أمكنه وينهزم إذا عجز وخاف القتل . والثاني من حقوق الله تعالى : أن يقصد ~~بقتاله نصرة دين الله تعالى وإبطال ما خالفه من الأديان ، ليظهره على الدين ~~كله ولو كره المشركون . فيكون بهذا الإعتقاد حائزا لثواب الله تعالى ~~PageV06P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" ومطيعا له في أوامره ونصرة دينه ومستنصرا على ~~عدوه ليستسهل ما لاقى فيكون أكثر ثباتا وأبلغ نكاية . ولا يقصد بجهاده ~~استفادة المغنم فيصير من المتكسبين لا من المجاهدين . والثالث من حقوق الله ~~تعالى : أن يؤدي الأمانة فيما حازه من الغنائم ولا يغل منها شيئا حتى تقسم ~~بين جميع الغانمين ممن شهد الوقعة وكانوا على العدو يدا ، لأن لكل واحد ~~منهم فيها حقا . قال الله تعالى : " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة " . ~~والرابع من حقوق الله تعالى : ألا يمايل ms1315 من المشركين ذا قربى ولا يحابي في ~~نصرة الله تعالى ذا مودة ، فإن حق الله أوجب ونصرة دينه ألزم . قال الله ~~تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم ~~بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق " . نزلت الآية في حاطب بن أبي بلتعة ~~وقد كتب كتابا إلى أهل مكة حين هم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بغزوهم ~~يعلمهم فيه بالخبر وأنفذه مع سارة - مولاة لبني المطلب - فأطلع الله تعالى ~~نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) على ذلك ، فأنفذ عليا والزبير في أثرها ~~فأدركاها وأخذا الكتاب من قرون رأسها ، فدعا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~حاطبا فقال : " ما حملك على ما صنعت " ؛ فقال : والله يا رسول الله إني ~~لمؤمن بالله ورسوله ، ما كفرت ولا بدلت ولكني امرؤ ليس لي في القوم أصل ولا ~~عشيرة وكان لي بين أظهرهم أهل وولد فصانعتهم عليهم ؛ فعفا رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) عنه . على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى مبينا في أثناء ~~السيرة النبوية عند ذكرنا لغزوة الفتح ، فتأمله هناك تجده . وأما ما يلزمهم ~~في حق الأمير عليهم فأربعة أشياء . أحدها : التزام طاعته والدخول في ولايته ~~؛ لأن ولايته عليهم انعقدت ، وطاعته بالولاية وجبت . والثاني : أن يفوضوا ~~الأمر إلى رأيه ويكلوه إلى تدبيره ، حتى لا تختلف آراؤهم فتختلف كلمتهم ~~ويفترق جمعهم . قال الله تعالى : " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر ~~منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " . فجعل تفويض الأمر إلى وليه سببا إلى ~~حصول العلم وسداد الأمر . فإن ظهر لهم صواب خفي عليه بينوه له وأشاروا به ~~عليه . والثالث : أن يسارعوا إلى امتثال أمره ، والوقوف عند نهيه وزجره ، ~~لأنهما من لوازم طاعته . فإن توقفوا عما أمرهم به أو أقدموا على ما نهاهم ~~عنه ورأى تأديبهم على المخالفة بحسب أفعالهم ، فعل . ولا يغلظ فينفر . قال ~~الله تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) : " فبما رحمة من الله لنت لهم ~~ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " . PageV06P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" والرابع ms1316 : ألا ينازعوه في الغنائم إذا قسمها ~~فيهم ، ويتراضوا به بعد القسمة . والخامس من أحكامها : مصابرة الأمير على ~~قتال العدو ما صبر وإن تطاولت به المدة . ولا يولي عنهم وفيه قوة . قال ~~الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون " . قيل : في تأويل هذه الآية : اصبروا على الجهاد ، وصابروا ~~العدو ، ورابطوا بملازمة الثغر . فإذا كانت مصابرة القتال من حقوق الجهاد ~~فهي لازمة حتى يظفر بخصلة من أربع خصال : إحداهن : أن يسلموا فيصير لهم ~~بالإسلام ما لنا وعليهم ما علينا ، ويقروا على ما ملكوا من بلاد وأموال . ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " . ~~وتصير بلادهم إذا أسلموا دار إسلام يجري عليها حكم الإسلام . ولو أسلم منهم ~~في معركة الحرب طائفة ، قلت أو كثرت ، أحرزوا بالإسلام ما ملكوا في دار ~~الحرب من أرض ومال . فإذا ظهر على دار الحرب لم تغنم أموال من أسلم . وقال ~~أبو حنيفة : يغنم ما لا ينقل من أرض ودار ، ولا يغنم ما ينتقل من مال ومتاع ~~. والخصلة الثانية : أن يظفره الله تعالى بهم مع مقامهم على شركهم ، فيسبي ~~دراريهم ويغنم أموالهم ويقتل من لم يحصل في الأسر منهم . ويكون مخيرا في ~~الأسرى في استعمال الأصلح من أربعة أمور . أحدها : أن يقتلهم صبرا بضرب ~~العنق . والثاني : أن يسترقهم ويجري عليهم أحكام الرق من بيع أو عتق . ~~والثالث : أن يفادي بهم على مال أو أسرى . والرابع : أن يمن عليهم ويعفو ~~عنهم . قال الله تعالى : " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا ~~أثخنتموهم فشدوا الوثاق " ، معناه الأثر ، ثم قال : " فإما منا بعد وإما ~~فداء حتى تضع الحرب أوزارها " . والخصلة الثالثة : أن يبذلوا مالا على ~~المسالمة والموادعة ، فيجوز أن يقبله منهم ويوادعهم فيه . وهو على ضربين : ~~أحدهما : أن يبذلوه لوقتهم ولا يجعلوه خراجا مستمرا ، فهذا المال غنيمة ~~لأنه مأخوذ بإيحاف خيل وركاب ، فيقسم بين الغانمين ، ويكون ذلك ms1317 أمانا لهم ~~في الانكفاف عن قتالهم في هذا الجهاد ، ولا يمنع من جهادهم فيما بعد . ~~والضرب الثاني : أن يبذلوه في كل عام ، فيكون خراجا مستمرا ، ويكون الأمان ~~به مستقرا . والمأخوذ منهم في الأول غنيمة تقسم بين الغانمين ، وما يؤخذ ~~PageV06P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" في الأعوام المستقبلة يقسم بين أهل الفيء . ~~ولا يجوز أن يعاود جهادهم ما كانوا مقيمين على بذل المال ، لاستقرار ~~الموادعة عليه . وإذا دخل أحدهم إلى دار الإسلام ، كان له بعقد الموادعة ~~وارتفع الأمان ولزم الجهاد كغيرهم من أهل الحرب . وقال أبو حنيفة : لا يكون ~~منعهم من مال الجزية والصلح نقضا لأمانهم ، لأنه حق عليهم فلا ينتقض العهد ~~بمنعهم منه . والخصلة الرابعة : أن يسألوا الأمان والمهادنة ؛ فيجوز إذا ~~تعذر الظفر بهم وأخذ المال منهم أن يهادتهم على المسألة في مدة مقدرة تعقد ~~الهدنة عليها إذا كان الإمام قد أذن له في الهدنة أو فوض إليه الأمر . فقد ~~هادن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قريشا عام الحديبية عشر سنين . ~~ويقتصر في مدة الهدنة على أقل ما يمكن ، ولا يجاوز بأكثرها عشر سنين . فإذا ~~هادنهم أكثر منها بطلت الهدنة فيما زاد عليها ، ولهم الأمان فيها إلى ~~انقضاء مدتها لا يجاهدون فيها من غير إنذار . فإن نقضوه صاروا حربا يجاهدون ~~من غير إنذار فقد نقضت قريش صلح الحديبية . فسار إليهم رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) عام الفتح محاربا . وإذا نقضوا عهدهم فلا يجوز قتل من في ~~أيدينا من رهائنهم . وقد نقض الروم عهدهم في زمان معاوية وفي يده رهائن ~~فامتنع المسلمون جميعا من قتلهم وخلوا سبيلهم وقالوا : وفاء بغدر خير من ~~غدر بغدر . وإذا لم يجز قتل الرهائن لم يجب إطلاقهم ما لم يحاربوا . فإن ~~حاربونا وجب إطلاق رهائنهم وإبلاغ الرجل منهم مأمنهم وإيصال النساء ~~والأطفال والذراري إلى أهليهم . ويجوز أن يشترط لهم في عقد الهدنة رد من ~~أسلم من رجالهم إليهم . فإذا أسلم أحدهم رد إليهم إن كانوا مأمونين على دمه ~~، ولم يرد إليهم إن لم يؤمنوا على دمه ms1318 . ولا يشترط رد من أسلم من نسائهم ، ~~لأنهم ذوات فروج محرمة . فإن شرط ردهن لم يجز أن يرددن ؛ ودفع إلى أزواجهن ~~مهورهن إذا طلبن . ولا تجوز المهادنة لغير ضرورة تدعو إلى عقدها ، وتجوز ~~الموادعة أربعة أشهر فما دونها ولا يزيد عليها . وأما الأمان الخاص فيصح أن ~~يبذله كل مسلم من رجل وامرأة وحر وعبد ؛ لقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم يسغى بذمتهم أدناهم " ، ~~يعني عبيدهم . وقال أبو حنيفة : لا يصح أمان العبد إلا أن يكون مأذونا له ~~في القتال . PageV06P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" والسادس من أحكامها : السيرة في نزال العدو ~~وقتاله . يجوز لأمير الجيش في حصار العدو أن ينصب عليهم العرادات والمجانيق ~~. فقد نصب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على أهل الطائف منجنيقا . ~~ويجوز أن يهدم عليهم منازلهم ، ويضع عليهم البيات والتحريق . وإذا رأى في ~~قطع نخلهم وشجرهم صلاحا ليظفر بهم عنوة أو يدخلوا في السلم صلحا لما ينالهم ~~من الضعف ، فعل . ولا يفعل إن لم ير فيه صلاحا ، فقد قطع النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) كروم أهل الطائف فكان سببا لإسلامهم ، وأمر في حرب بني النضير ~~بقطع نوع من النخل يقال له الأصفر يرى نواه من وراء اللحاء ، وكانت النخلة ~~منها أحب إليهم من الوصيف ، فحزنوا لقطعها ، وجاء المسلمون إلى رسول الله ~~صلى الله علي وسلم فقالوا : يا رسول الله ، هل لنا فيما قطعنا من أجر ؟ وهل ~~علينا فيما تركنا من وزر ؟ فأنزل الله تعالى : " ما قطعتم من لينة أو ~~تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين " . ويجوز أن يعور ~~عليهم المياه ويقطعها عنهم وإن كان فيهم النساء والأطفال ؛ لأنه من أقوى ~~أسباب ضعفهم والظفر بهم . وإذا استسقى منهم عطشان فالأمير مخير في سقيه أو ~~منعه . ومن قتل منهم واراه عن الأبصار ولم يلزم تكفينه . ولا يجوز أن يحرق ~~بالنار منهم حيا ولا ميتا . روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ~~" لا تعذبوا عباد الله بعذاب الله " ، وقد ms1319 أحرق أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه قوما من أهل الردة . قال الماوردي : ولعل ذلك كان منه والخبر لم يبلغه ~~. ومن قتل من شهداء المسلمين زمل في ثيابه ودفن ولم يغسل ولم يصل عليه . ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شهداء أحد : " زملوهم بكلومهم ~~فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما اللون لون دم والريح ريح المسك ~~" ، قال الله تعالى : " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون " . ولا يمنع الجيش في دار الحرب من أكل طعامهم ~~وعلوفة دوابهم غير محتسب به عليهم . ولا يتعدوا القوت والعلوفة إلى ما ~~سواهما من ملبوس ومركوب . فإن دعتهم الضرورة إلى ذلك ، كان ما لبسوه أو ~~ركبوه أو استعملوه ، مسترجعا منهم في المغنم إن كان باقيا ، ومحتسبا عليهم ~~من سهمهم إن كان مستهلكا . ولا يجوز لأحد منهم أن يطأ PageV06P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" جارية من السبي إلا بعد أن يعطاها بسهمه ~~فيطأها بعد الاستبراء . فإن وطئها قبل القسمة عزر ولا يحد ، لأن له فيها ~~سهما ؛ ووجب عليه مهر مثلها يضاف إلى الغنيمة . فإن أحبلها لحق به ولدها ~~وصارت أم ولد له إن ملكها . وإن وطئ من لم تدخل في السبي حد ، لأن وطأها ~~زنا ؛ ولم يلحق به ولدها إن علقت . وإذا عقدت هذه الإمارة على غزاة واحدة ، ~~لم يكن لأميرها أن يغزو غيرها سواء غنم فيها أو لم يغنم . وإذا عقدت عموما ~~عاما بعد عام لزمه معاودة الغزو في كل وقت يقدر على الغزو فيه ، ولا يفتر ~~عنه مع ارتفاع الموانع إلا قدر الاستراحة . وأقل ما يجزيه أن لا يعطل عاما ~~من جهاد . ولهذا الأمير ، إذا فوضت إليه الإمارة على المجاهدين ، أن ينظر ~~في أحكامهم ويقيم الحدود عليهم وسواء من ارتزق منهم أو تطوع . ولا ينظر في ~~أحكام غيرهم ما كان سائرا إلى ثغره . فإذا استقر في الثغر الذي تقلده ، جاز ~~أن ينظر في أحكام جميع أهله من مقاتلة ورعية . وإن كانت إمارته خاصة أجري ~~عليها حكم الخصوص ms1320 . وصايا أمير الجيش . قال الحليمي : ويوصي الإمام أمير ~~السرية والجند بتقوى الله وطاعته والاحتياط والتيقظ ، ويحذرهم الشتات ~~والفرقة والإهمال والغفلة ، ويأخذ على الجند أن يسمعوا ويطيعوا أميرهم ولا ~~يختلفوا عليه وينصحوا له ، ولا يخذل بعضهم بعضا ، وإن أظفرهم الله على ~~العدو لا يغلوا ولا يخونوا ، ولا يعقروا من دواب المشركين التي لا تكون ~~تحتهم ، ولا يقتلوا امرأة لا تقاتلهم ولا وليدا ، وأنهم إن وصلوا إلى قرية ~~لا يدرون حالها ، أمسكوا عنها وعن أهلها ولا يبيتونهم ولا يشنون الغارة ~~عليهم حتى يعلموا حالهم ؛ إلى غير ذلك من الآداب التي يحتاجون إلى معرفتها ~~مما يلزم ويحل أو يحرم من أمر القتل والأسر والمغنم والقسم وعزل الخمس ومن ~~يسهم له أولا يسهم ومن يرضخ له ، والفرق بين الفارس والراجل ونحو ذلك . ~~وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح أنه بلغني أن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) كان إذا بعث جيشا أو سرية قال : " باسم الله وفي سبيل الله تقاتلون ~~من كفر بالله لا تغلوا PageV06P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا امرأة ولا ~~وليدا " . فإذا بعثت جيشا أو سرية فمرهم بذلك . وقال أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه حين وجهه لقتال أهل الردة : سر على بركة الله ، فإذا دخلت أرض ~~العدو فكن بعيدا من الحملة فإني لا آمن عليك الجولة ، واستظهر بالزاد ، وسر ~~بالأدلاء ، ولا تقاتل بمجروح فإن بعضه ليس منه ، واحترس من البيات فإن في ~~العرب غرة ، وأقلل من الكلام فإنما لك ما وعي عنك ، واقبل من الناس ~~علانيتهم وكلهم إلى الله في سريرتهم ؛ واستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه . ~~وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول عند عقد الألوية : باسم الله وبالله ~~وعلى عون الله ، أمضوا بتأييد الله والنصر ولزوم الحق والصبر ، فقاتلوا في ~~سبيل الله من كفر بالله ، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين . ولا تجبنوا ~~عند اللقاء ، ولا تمثلوا عند القدرة ، ولا تسرفوا عند الظهور ، ولا تقتلوا ~~هرما ولا امرأة ولا وليدا ، وتوقوا قتلهم ms1321 إذا التقى الزحفان وعند شن ~~الغارات . وكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص ومن معه من الأجناد : أم بعد فإني ~~آمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال ، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو ~~وأقوى المكيدة في الحرب . وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي ~~منكم من عدوكم ؛ فإن ذنوب الجيش أ ؛ وف عليهم من عدوهم ، وإنما ينصر ~~المسلمون بمعصية عدوهم لله ، ولولا ذلك لم تكن لنا قوة بهم ؛ لأن عددنا ليس ~~كعددهم ، ولا عدتنا كعدتهم . فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا ~~في القوة . وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا . واعلموا أن عليكم في ~~مسيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون ، فاستحيوا منهم . ولا تعملوا بمعاصي ~~الله وأنتم في سبيل الله . ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا وإن ~~أسأنا ؛ فرب قوم قد سلط عليهم شر منهم كما PageV06P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله ~~كفرة المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا . واسألوا الله العون على ~~أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم . اسأل الله ذلك لنا ولكم . وترفق ~~بالمسلمين في مسيرهم ، ولا تجشمهم مسيرا يتعبهم ، ولا تقصر بهم عن منزل ~~يرفق بهم ، حتى يبلغوا عدوهم والسفر لم ينقص قوتهم ؛ فإنهم سائرون إلى عدو ~~مقيم حامي الأنفس والكراع . وأقم بمن معك في كل جمعة يوما وليلة حتى تكون ~~لهم راحة يجمعون فيها أنفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم . ونح منازلهم عن قرى ~~أهل الصلح والذمة ، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه ولا يرزأ أحدا ~~من أهلها شيئا ، فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر ~~عليها ؛ فما صبروا لكم ففوا لهم . ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل ~~الصلح . وإذا وطئت أدنى أرض العدو فأذك العيون بينك وبينهم ، ولا يخف عليك ~~أمرهم . وليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تطمئن إلى نصحه وصدقه ، ~~فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدق في بعضه ، والغاش عين ms1322 عليك وليس عينا لك ~~. وليكن منك عند دنوك من أرض العدو أن تكثر الطلائع وتبث السرايا بينك ~~وبينهم فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم ، وتتبع الطلائع عوراتهم . وانتق ~~للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك ، وتخير لهم سوابق الخيل ، فغن لقوا ~~العدو كان أول ما تلقاهم القوة من رأيك . واجعل أمر السرايا إلى أهل الجهاد ~~والصبر على الجلاد ، ولا تخص بها أحدا بهوى ، فيضيع من رأيك وأمرك أكثر مما ~~حابيت به أهل خاصتك . ولا تبعث طليعة ولا سرية في وجه تتخوف عليها فيه ضيعة ~~ونكاية . فإذا عاينت العدو فاضمم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك ، واجمع إليك ~~مكيدتك وقوتك ، ثم لا تعاجلهم المناجزة ، ما لم يستكرهك قتال ، حتى تبصر ~~عورة عدوك ومقاتله ، وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها ، فتصنع بعدوك كصنيعه ~~بك . ثم أذك أحراسك على عسكرك ، وتحفظ من البيات جهدك . ولا تؤتي بأسير ليس ~~له عهد إلا ضربت عنقه ، لترهب بذلك عدوك وعدو الله . والله ولي أمرك ومن ~~معك ، وولي النصر لكم على عدوكم ؛ والله المستعان . وأوصى عبد الملك بن ~~مروان أميرا سيره إلى أرض الروم فقال : أنت تاجر الله لعباده ، فكن ~~كالمضارب الكيس الذي إن وجد ربحا تجر ، وإلا تحفظ برأس PageV06P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" المال ؛ ولا تطلب الغنيمة حتى تحوز السلامة ؛ ~~وكن من احتيالك على عدوك أشد حذرا من احتيال عدوك عليك . وكان زياد بن أبيه ~~يقول لقواده : تجنبوا اثنين لا تقاتلوا فيهما العدو : الشتاء ، وبطون ~~الأودية . وكان قتيبة بن مسلم يقول لأصحابه : إذا غزوتم فأطيلوا الأظفار ، ~~وقصروا الشعور ، والحظوا الناس شزرا ، وكلموهم رمزا ، واطعنوهم وخزا . وكان ~~أبو مسلم الخراساني صاحب الدعوة يقول لقواده : أشعروا قلوبكم الجرأة فإنها ~~من أسباب الظفر ، وأكثروا ذكر الضغائن فإنها تبعث على الإقدام ، والزموا ~~الطاعة فإنها حصن المحارب . وقالت الحكماء : لا تستصغرن أمر عدوك إذا ~~حاربته ، لأنك إن ظفرت به لم تحمد وإن ظفر بك لم تعذر ؛ والضعيف المحترس من ~~العدو القوي أقرب إلى السلامة من القوي المغتر بالضعيف . ذكر ما يقوله قائد ~~الجيش وجنده من حين يشاهد العدو ms1323 إلى انفصال الحرب والظفر بعدوهم . قال ~~الشيخ أبو عبد الله الحسين الحليمي في منهاجه : إذا مضى الجيش باسم الله ~~فلقوا العدو فليتعوذوا بالله تعالى ، وليقولوا : اللهم إنا ندرأ بك في ~~نحورهم ، ونعوذ بك من شرورهم . فإذا قاتلوا فليقولوا : اللهم بك نصول ونجول ~~، وليقولوا : " إياك نعبد وإياك نستعين " . وليقولوا : اللهم منزل الكتاب ~~وسريع الحساب هازم الأحزاب ، اللهم اهزمهم وزلزلهم . وإن حصبوهم فليقولوا : ~~" شاهت الوجوه " . وإن رموهم فليقولوا : " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ~~وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا " . وإن بيتهم العدو فليكن شعارهم " حم " ~~PageV06P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" لا ينصرون " حم عسق " يفرق أعداء الله ، ~~وبلغت حجة الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . وليقولوا إذا دخل العدو ~~ديارهم : " ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا " . وليقولوا إذا صافوهم : " ~~قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ~~ويذهب غيظ قلوبهم " . وليقولوا : " فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم ~~الظالمين " . وليقولوا : " جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب " . وليقولوا : " ~~سيهزم الجمع ويولون الدبر " ز وليقولوا : " فكفروا به فسوف يعلمون " ؛ " إذ ~~الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون " . وإن ~~صبحوا دارهم فليقولوا : الله أكبر ، هزم العسكر ، إذا نزلنا ساحة قوم ، " ~~فساء صباح المنذرين " . وإن بيتوهم فليقولوا : " أ فأمن أهل القرى أن ~~يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون " . وإن جاءوهم نهارا فليقولوا : " أو أمن ~~أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أ فأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر ~~الله إلا القوم الخاسرون " . وليقولوا في عامة أحوالهم وأوقاتهم : " حسبنا ~~الله ونعم الوكيل " . وليقولوا : " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان ~~زهوقا " . " إن كيد الشيطان كان ضعيفا " . وإن كان العدو يهودا فليقل ~~المسلمون في وجوههم : " وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما ~~قالوا " . وليقولوا : " فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ~~" . وليقرءوا المعوذتين غدوة وعشيا . وإن وقعت هزيمة فتبعهم العدو ~~فليتحصنوا منهم بقراءة قوله تعالى : " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ms1324 مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ~~وفى آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا . " ~~وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون " . وإن ~~هزموا العدو فليقولوا على آثارهم : " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد ~~لله رب العالمين " ، وليقولوا : " ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير " ~~. وإن لج العدو وثبتوا فليقولوا : " ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من ~~فوق الأرض ما لها من قرار " . وليقولوا : " ألم ترى إلى الذين بدلوا نعمة ~~الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار PageV06P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" جهنم يصلونها وبئس القرار " . وليقولوا : " ~~مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون ~~مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد " . وليقولوا : " والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا " ، ~~وليقولوا : " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " . وليقولوا ~~: " وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما " . وليقولوا : " ما جئتم ~~به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق ~~بكلماته ولو كره المجرمون " . وليقولوا : " ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا ~~يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين " . وليقولوا ~~إذا حملوا على العدو : " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ~~ولكم الويل مما تصفون " . " بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر ~~كل شئ بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزى القوم المجرمين " . ~~وليقولوا : " ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا " . وليقولوا : " أعرض عن هذا ~~إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود " . وليقولوا : " وإذ تأذن ~~ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع ~~العقاب وإنه لغفور رحيم " . وليقولوا : " فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ~~" . وإن حمل العدو عليهم فليقولوا لأنفسهم : " يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفى الآخرة " . وليقولوا : " فاصبر كما صبر ~~أولو العزم ms1325 من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا ~~إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون " . وليقولوا : " ~~فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا " . ~~وليقولوا : " وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم ~~كانوا في شك مريب " . وليقولوا : " الله الذي جعل لكم الأرض قرارا " . وإن ~~لحق العدو مدد فليقل المسلمون : " لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون " ~~. PageV06P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" وليقولوا : " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء ~~إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله " . وإن لحق المسلمين ~~مدد فليقولوا : " وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر ~~إلا من عند الله العزيز الحكيم " . وإذا تحصنوا من العدو بموضع فليقولوا إن ~~قصدوهم : " فأوا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم ~~مرفقا " . وليقولوا : " فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا " . ~~وإن تحصن العدو منهم بموضع فليقولوا إن قصدوه : " فإذا جاء وعد ربي جعله ~~دكاء وكان وعد ربي حقا " . وليقولوا : " اهبطوا بعضكم لبعض عدو " . ~~وليقولوا إذا خافوهم : " إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم ~~وخافون إن كنتم مؤمنين " . وليقولوا : " وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ~~يعبدونني لا يشركون بي شيئا " . وليقولوا : " سنلقى في قلوب الذين كفروا ~~الرعب بما أشركوا الله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى ~~الظالمين " . وليقولوا : " فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولى الأبصار " . ~~وليقولوا : " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " . ~~وليقولوا : " وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم " . وإن حاصروا ~~العدو وأحدقوا بهم فليقولوا : " إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ~~وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا " . ~~وليقولوا : " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات ~~والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان " ، " يرسل عليكم شواظ من نار ونحاس ~~فلا تنتصران " . وإن حاصرهم العدو وأحاط بهم ms1326 فليقولوا : " قل الله ينجيكم ~~منها ومن كل كرب " . وليقولوا : " ولقد مننا على موسى وهرون ونجيناهما ~~وقومهما من الكرب العظيم ونصرناهم فكانوا هم الغالبين " . وليقولوا : " وذا ~~النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي ~~المؤمنين " . وإن رماهم العدو بالنار فليقولوا : " يا نار كوني بردا وسلاما ~~على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين " . PageV06P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" " فأنجاه الله من النار " . وليقولوا : الله ~~أكبر ، الله ربنا ، وحمد نبينا ، وأنت يا نار لغيرنا . وليقولوا : " كلما ~~أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله " . وإن رموا العدو بالنار فليقولوا معها : ~~" ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا " . ~~وليقولوا : " ذوقوا مس سقر " . وليقولوا : " فسحقا لأصحاب السعير " . " ~~وذوقوا عذاب الحريق " . وليقولوا : " إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر ~~وتولى وجمع فأوعى " . وليقولوا : " ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب ~~واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب " . وإن رموا العدو بالمنجنيق ~~فليقولوا : " جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة ~~عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد " . وإن رماهم العدو بالمنجنيق فليقولوا ~~: " إن الله يدافع عن الذين آمنوا " . وليقولوا : " وما أنزلنا على قومه من ~~بعده من جند من السماء وما كنا منزلين " . وليقولوا : " قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا " . وإذا دخلوا أرض العدو فليقولوا : باسم الله " لقد صدق الله رسوله ~~الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ~~ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا " . " ~~وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون ~~آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما " . ويقولوا إذا كانت الريح تصفق في ~~وجه العدو : " إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر تنزع الناس ~~كأنهم أعجاز نخل منقعر " . وإن كانت الريح تهب على وجوه المسلمين فليقولوا ~~: " وهو ms1327 الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته " . " ومن آياته أن يرسل ~~الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته " ، ويقولوا : " اللهم اجعلها رياحا ولا ~~تجعلها ريحا " ، ويقولوا : اللهم نسألك من خير ما تأتي به الرياح ، ونعوذ ~~بك من شر المساء والصباح . وإن بارز مسلم مشركا فليقرأ عليه : " فساهم فكان ~~من المدحضين " . وليقل : " فوكزه موسى فقضى عليه " . وليقل : " فالله يحكم ~~بينكم يوم القيامة " . " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " . ~~PageV06P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" وإذا التقى الصفان فليدع أمير السرية ويسأل ~~الله النصر والفتح ويؤمن الناس على دعائه ؛ فإنها من ساعات الإجابة . ذكر ~~ما قيل في المكيدة والخداع في الحروب وغيرها روي عن النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أنه قال : " الحرب خدعة " . وكان ( صلى الله عليه وسلم ) إذا غزا ~~أخذ طريقا وهو يريد أخرى ، ويقول : " الحرب خدعة " . وكان مالك بن عبد الله ~~الخثعمي وهو على الصافة يقوم في الناس ، إذا أراد أن يرحل ، فيحمد الله ~~ويثني عليه ، ثم يقول : إني دارب بالغداة درب كذا ؛ فتتفرق الجواسيس عنه ~~قبذلك ، فإذا أصبح سلك طريقا غيرها . فكانت الروم تسميه الثعلب . وقال ~~المهلب لبنيه : عليكم في الحرب بالمكيدة ، فإنها أبلغ من النجدة . وسئل بعض ~~أهل التمرس بالحروب : أي المكايد فيها أحزم ؟ فقال : إذكاء العيون ، وإفشاء ~~الغلبة ، واستصلاح الأخبار ، وإظهار السرور ، وإماتة الفرق ، والاحتراس من ~~البطانة ، من غير إقصاء لمستنصح ولا استنصاح لمستغش ، وإشغال الناس عما هم ~~فيه من الحرب بغيره . قال حكيم : اللطف في الحيلة ، أجدى للوسيلة . وقيل : ~~من لم يتأمل الأمر بعين عقله لم يقع سيف حيلته إلا على مقالته ، والتثبت ~~يسهل الطريق الرأي إلى الإصابة ، والعجلة تضمن العثرة . PageV06P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" ويقال : إن سعيد بن العاص صالح أهل حصن من ~~حصون فارس على ألا يقتل منهم رجلا واحدا ، فقتلهم كلهم إلا رجلا واحدا . ~~وقيل : لما أتي بالهرمزان أسيرا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قيل له : ~~يا أمير المؤمنين ، هذا زعيم العجم وصاحب رستم ، فقال له عمر رضي الله عنه ~~: أعرض عليك الإسلام نصحا لك في ms1328 عاجلك وآجلك ؛ فقال : إنما أعتقد ما أنا ~~عليه ولا أرغب في الإسلام رهبة ؛ فدعا عمر بالسيف ، فلما هم بقتله ، قال : ~~يا أمير المؤمنين ، شربة من ماء هي أفضل من قتلي على الظمأ ؛ فأمر له بشربة ~~من ماء ؛ فلما أخذها الهرمزان قال : يا أمير المؤمنين ، أنا آمن حتى أشربها ~~؟ قال : نعم ؛ فرمى بها وقال : الوفاء يا أمير المؤمنين نور أبلج ؛ قال : ~~صدقت ، لك التوقف عنك والنظر فيك ، ارفعا عنه السيف ؛ فقال : يا أمير ~~المؤمنين ، آلآن أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وما جاء به ~~حق من عنده ؛ فقال عمر : أسلمت خير إسلام ، فما أخرك ؟ قال : كرهت أن يظن ~~بي أني أسلمت خوفا من السيف ؛ فقال عمر : ألا لأهل فارس عقولا استحقوا بها ~~ما كانوا فيه من الملك ، ثم أمر ببره وإكرامه . ونظير هذه القصة ما فعل ~~الأسير الذي أتي به إلى معن بن زائدة في جملة الأسرى فأمر بقتلهم ؛ فقال : ~~أتقتل الأسرى عطاشا يا معن ؟ فأمر بهم فسقوا ، فلما شربوا قال : أتقتل ~~أضيافك يا معن ؟ فخلى عنهم . ومن المكايد المشهورة حكاية قصير مع الزباء ، ~~وسنذكرها إن شاء الله تعالى في التاريخ في أخبار ملوك العرب ، وواقعة ملك ~~الهياطلة مع فيروز بن يزدجرد ، ونذكرها أيضا في أخبار ملوك الفرس . ~~PageV06P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" ومن المكايد خبر عمرو بن العاص والمغيرة بن ~~شعبة مع معاوية بن أبي سفيان ، وكان معاوية قد كتب إليهما واستقدم عمرا من ~~مصر والمغيرة من الكوفة ؛ فقال عمرو للمغيرة : ما جمعنا إلا ليعزلنا ، فإذا ~~دخلت عليه فاشك الضعف واستأذنه أن تأتي الطائف أو المدينة ، وأنا إذا دخلت ~~عليه سأسأله ذلك فإنه يظن أنا نريد أن نفسد عليه . فدخل المغيرة على معاوية ~~فسأله أن يعفيه فأذن له ؛ ودخل عليه عمرو وسأله ذلك ؛ فقال معاوية : قد ~~تواطأتما على أمر وإنكما لتريدان شرا ، ارجعا إلى عمليكما . وكتب المغيرة ~~بن شعبة إلى معاوية حين كبر وخاف العزل : أما بعد ، فإنه قد كبرت سني ، ودق ~~عظمي ، وقرب أجلي ، وسفهني رجال قريش ms1329 ، فرأي أمير المؤمنين في عمله موفق . ~~فكتب إليه معاوية : أما ما ذكرت من كبر سنك ، فإن سنك أكلت عمرك . وأما ~~اقتراب أجلك ، فإني لو كنت أستطيع أن أدفع المنية عن أحد لدفعتها عن آل أبي ~~سفيان . وأما ما ذكرت من العمل فضح قليلا فلا يدرك الهيجا حمل وأما ما ذكرت ~~من سفهاء قريش ، فإن حلماء قريش أنزلوك هذا المنزل . فاستأذن معاوية في ~~القدوم فأذن له ؛ فلما وصل إليه قال له معاوية : كبرت سنك ، واقترب أجلك ، ~~ولم يبق منك شيء ، ولا أظنني إلا مستبدلا بك . قال : فانصرف والكآبة تعرف ~~في وجهه ؛ فقيل له : ما تريد أن تفعل ؟ فقال : ستعلمون ذلك . ثم أتى معاوية ~~فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الأنفس يغدى عليها ويراح ، ولست في زمن أبي ~~بكر ولا عمرن وقد اجترح الناس ، ولو نصبت لنا عملا من بعدك نصير إليه مع ~~أني كنت قد دعوت أهل العراق إلى يزيد فركنوا إليه حتى جاءني كتابك ؛ قال : ~~يا أبا محمد ، انصرف إلى عملك فأحكم هذا الأمر لابن أخيك ، وأعاده على ~~البريد يركض . PageV06P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" وقيل : جاء بازيار لعبد الله بن طاهر فأعلمه ~~أن بازيا له انحط على عقاب له فقتلها ؛ فقال : اذهب فاقطف رأسه ، فإني لا ~~أحب الشيء أن يجترئ على ما فوقه . وأراد أن يبلغ ذلك المأمون فيسكن إلى ~~جانبه . قال الشعبي : وجهني عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم ، فلما قدمت ~~عليه ودفعت إليه كتاب عبد الملك ، جعل يسألني عن أشياء فأخبره بها ، فأقمت ~~عنده أياما ، ثم كتب جواب كتابي ، فلما انصرفت دفعته إلى عبد الملك ، فجعل ~~يقرؤه ويتغير لونه ، ثم قال : يا شعبي ، علمت ما كتب به إلي الطاغية ؟ قلت ~~: يا أمير المؤمنين ، كانت الكتب مختومة ما قرأتها وهي إليك ؛ فقال : إنه ~~كتب إلي : إن العجب من قوم يكون فيهم مثل من أرسلت به إلي فيملكون غيره ؛ ~~فقال : قلت يا أمير المؤمنين لأنه لم يرك ؛ قال : فسري عنه ، ثم قال : إنه ~~حسدني عليك فأراد أن أقتلك . قال : ولما ظفر ms1330 الجنيد بن عبد الرحمن ، وهو ~~يلي خراسان في أيام هشام ، بصبيح الخارجي وبعده من أصحابه فقتلهم جميعا إلا ~~رجلا أعمى قال هذا الرجل أنا أدلك على أصحاب صبيح وأجازيك على ما صنعت ، ~~وكتب له قوما ؛ فأمر الجنيد بقتلهم حتى قتل مائة ؛ فقال الأعمى عند ذلك : ~~لعنك الله يا جنيد أتزعم أنه يحل لك دمي وأني ضال ثم تقبل قولي في مائة ~~قتلتهم لا والله ما كتبت لك من أصحاب صبيح رجلا ، وما هم إلا منكم . فقدمه ~~الجنيد وقتله . وكان معاوية بن أبي سفيان من الدهاة ؛ وله أخبار في الدهاء ~~تدل على بعد غوره وحدة ذهنه . فمنها أن يزيد ابنه سمع بجمال زينب بنت إسحاق ~~زوج عبد الله بن سلام القرشي ، وكانت من أجمل النساء في وقتها وأحسنهن أدبا ~~وأكثرهن مالا ، ففتن بها يزيد ؛ فلما عيل صبره ذكر ذلك لبعض خصيان أبيه ، ~~وكان ذلك الخصي خاصا بمعاوية واسمه رفيق ، فذكر رفيق ذلك لمعاوية وقال له : ~~إن يزيد قد ضاق ذرعه بها . PageV06P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" فبعث معاوية إلى يزيد فاستفسره عن أمره ؛ فبث ~~له شأنه ؛ فقال : مهلا يا يزيد ؛ فقال له : علام تأمرني بالمهل وقد انقطع ~~منها الأمل ؟ فقال له معاوية : فأين مروءتك وحجاك وتقاك ؟ فقال : قد عيل ~~الصبر ، ولو كان أحد ينتفع فيما يبتلى به من الهوى بتقاه ، أو يدفع ما ~~أقصده بحجاه لكان أولى الناس به داود حين ابتلي به ؛ فقال : اكتم يا بني ~~أمرك ، فإن البوح به غير نافعك ، والله بالغ أمره فيك ، ولابد مما هو كائن ~~. وأخذ معاوية في الاحتيال في تبليغ يزيد مناه ، فكتب إلى زوجها عبد الله ~~بن سلام ، وكان قد استعمله على العراق : أن أقبل حين تنظر كتابي لأمر فيه ~~حظك إن شاء الله تعالى فلا تتأخر عنه . فأغذ السير وقدم ، فأنزله معاوية ~~منزلا كان قد هيئ له وأعد فيه نزله ؛ وكان عند معاوية يومئذ بالشام أبو ~~هريرة وأبو درداء ، فقال لهما معاوية : إن الله قد قسم بين عباده قسما ~~ووهبهم نعما أوجب عليهم فيها ms1331 شكره وحتم عليهم حفظها ، فحباني منها عز وجل ~~بأتم الشرف وأفضل الذكر ، وأوسع علي الرزق ، وجعلني راعي خلقه ، وأمينه في ~~بلاده ، والحاكم في أمر عباده ، ليبلوني أ أشكر أم أكفر . وأول ما ينبغي ~~للمرء أن يتفقد وينظر من استرعاه الله أمرهم ، ومن لا غنى به عنه . وقد ~~بلغت لي ابنة أريد إنكاحها والنظر في اختيار من يباعلها ، لعل من يكون بعدي ~~يقتدى فيه بهديي ويتبع فيه أثري فإنه قد يلي هذا الملك بعدي من يغلب عليه ~~الشيطان ويرقيه إلى تعضيل بناتهم فلا يرون لهم كفؤا ولا نظيرا ، وقد رضيت ~~لها ابن سلام القرشي ، لدينه وشرفه وفضله ومروءته وأدبه ؛ فقالا له : إن ~~أولى الناس برعاية نعم الله وشكرها وطلب مرضاته فيما اختصه منها لأنت ؛ ~~فقال لهما معاوية : فاذكرا له ذلك عني ، وقد كنت جعلت لها في نفسها شورى ، ~~غير أني أرجو ألا تخرج من رأيي إن شاء الله . فخرجا من عنده وأتيا عبد الله ~~بن سلام وذكرا له القصة . ثم دخل معاوية على ابنته وقال لها : إذا دخل عليك ~~أبو الدرداء وأبو هريرة فعرضا عليك أمر عبد الله بن سلام وحضاك على ~~المسارعة إلى اتباع رأيي فيه ، فقولي لهما : إنه كفء كريم وقريب حميم ، غير ~~أن تحته زينب بنت إسحاق ، وأخاف أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء ~~فأتناول منه ما يسخط الله تعالى فيه فيعذبني عليه ، ولست بفاعلة حتى ~~يفارقها . فلما اجتمع أبو هريرة وأبو الدرداء بعبد الله وأعلماه بقول ~~معاوية ، ردهما إليه يخطبان له منه ، فأتياه ؛ فقال : قد علمتما رضائي به ~~وحرصي عليه ، وكنت قد أعلمتكما الذي جعلت لها في نفسها من PageV06P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" الشورى ، فادخلا عليها واعرضا عليها الذي ~~رأيت لها . فدخلا عليها وأعلماها ؛ فقالت لهما ما قاله معاوية لها . فرجعا ~~إلى ابن سلام وأعلماه بما قالته . فلما ظن أنه لا يمنعها منه إلا فراق زينب ~~أشهدهما بطلاقها وأعداهما إلى ابنة معاوية . فأتيا معاوية وأعلماه بما كان ~~من فراق عبد الله زوجته رغبة في الاتصال بابنته ms1332 ؛ فأظهر معاوية كراهة فعله ~~وفراقه لزينب وقال : ما استحسنت له طلاق امرأته ولا أحببته ، فانصرفا في ~~عافية ثم عودا إليها وخذا رضاها ، فقاما ثم عادا إليه ، فأمرهما بالدخول ~~على ابنته وسؤالها عن رضاها تبريا من الأمر ، وقال : لم يكن لي أن أكرهها ~~وقد جعلت لها الشورى في نفسها . فدخلا عليها وأعلماها بطلاق عبد الله بن ~~سلام امرأته ليسرها ، وذكرا من فضله وكمال مروءته وكرم محتده ؛ فقالت لهما ~~: إنه في قريش لرفيع القدر ، وقد تعرفان أن الأناة في الأمور أرفق لما يخاف ~~من المحذور ، وإني سائلة عنه حتى أعرف دخلة أمره وأعلمكما بالذي يزينه الله ~~لي ، ولا قوة إلا بالله ؛ فقالا : وفقك الله وخار لك . وانصرفا عنها ، ~~وأعلما عبد الله بقولها ؛ فأنشد : فإن يك صدر هذا اليوم ولى . . . فإن غدا ~~لناظره قريب وتحدث الناس بما كان من طلاق عبد الله زينب وخطبته ابنة معاوية ~~، ولاموه على مبادرته بالطلاق قبل إحكام أمره وإبرامه . ثم استحث عبد الله ~~أبا هريرة وأبا الدرداء ؛ فأتياها وقالا لها : اصنعي ما أنت صانعة واستخيري ~~الله ، فإنه يهدي من استهداه ؛ فقالت : أرجو ، والحمد لله ، أن يكون الله ~~قد خار لي ، وقد استبرأت أمره وسألت عنه فوجدته غير ملائم ولا موافق لما ~~أريد لنفسي ، ولقد اختلف من استشرته فيه ، فمنهم الناهي عنه ومنهم الآمر به ~~، واختلافهم أول ما كرهت . فلما بلغاه كلامها علم أنه مخدوع ، وقال : ليس ~~لأمر الله راد ، ولا لما لابد منه صاد ؛ فإن المرء وإن كمل له حلمه واجتمع ~~له عقله واستد رأيه ليس بدافع عن نفسه قدرا برأي ولا كيد ولعل ما سروا به ~~واستجذلوا له لا يدوم لهم سروره ، ولا يصرف عنهم محذوره . وذاع أمره وفشا ~~في الناس ، وقالوا : خدعه معاوية حتى طلق امرأته ، وإنما أرادها لابنه ، ~~وقبحوا فعله . فتمت مكيدته هذه ؛ لكن المقادير أتت بخلاف تدبيره وبضد ~~تقريره . وذلك أنه لما انقضت PageV06P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" أقراء زينب ، وجه معاوية أبا الدرداء إلى ~~العراق خاطبا لها على ابنه يزيد ؛ فخرج حتى قدم الكوفة ، وبها ms1333 يومئذ الحسين ~~بن علي رضي الله عنهما ، فبدأ أبو الدرداء بزيارته ، فسلم عليه الحسين ~~وسأله عن سبب مقدمه ؛ فقال : وجهني معاوية خاطبا على ابنه يزيد زينب بنت ~~إسحاق ؛ فقال له الحسين : لقد كنت أردت نكاحها وقصدت الإرسال إليها إذا ~~انقضت أقراؤها ، فلم يمنعني من ذلك إلا تخير مثلك ، فقد أتى الله بك ، ~~فاخطب - رحمك الله - علي وعليه ، لتتخير من اختاره الله لها ، وهي أمانة في ~~عنقك حتى تؤديها إليها ، وأعطها من المهر مثل ما بذل معاوية عن ابنه ؛ فقال ~~: أفعل إن شاء الله . فلما دخل عليها أبو الدرداء قال : أيتها المرأة ، إن ~~الله خلق الأمور بقدرته ، وكونها بعزته ، فجعل لكل أمر قدرا ، ولكل قدر ~~سببا فليس لأحد عن قدر الله مستحاص ، ولا للخروج عن أمره مستناص ؛ فكان مما ~~سبق لك وقدر عليك الذي كان من فراق عبد الله بن سلام إياك ، ولعل ذلك لا ~~يضرك ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ؛ وقد خطبك أمير هذه الأمة وابن ملكها وولي ~~عهده والخليفة من بعده يزيد بن معاوية ، والحسين ابن بنت رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وسيد شباب أهل الجنة ، وقد بلغك شأنهما وسناؤهما وفضلهما ~~، وقد جئتك خاطبا عليهما ، فاختاري أيهما شئت ؛ فسكتت طويلا ثم قالت : يا ~~أبا الدرداء ، لو أن هذا الأمر جاءني وأنت غائب لأشخصت فيه الرسل إليك ~~واتبعت فيه رأيك ولم أقتطعه دونك ، فأما إذ كنت أنت المرسل فقد فوضت أمري ~~بعد الله إليك وجعلته في يديك ، فاختر لي أرضاهما لديك ، والله شاهد عليك ، ~~فاقض في أمري بالتحري ولا يصدنك عن ذلك اتباع هوى ، فليس أمرهما عليك خفيا ~~، ولا أنت عما طوقتك غبيا ؛ فقال : أيتها المرأة ، إنما علي إعلامك وعليك ~~الاختيار لنفسك ؛ قالت : عفا الله عنك إنما أنا ابنة أخيك ، ولا غنى لي عنك ~~، فلا تمنعك رهبة أحد عن قول الحق فيما طوقتك ، فقد وجب عليك أداء الأمانة ~~فيما حملتك ؛ والله خير من روعي وخيف ، إنه بنا خبير لطيف . فلما لم يجد ~~بدا من القول والإشارة قال : أي بنية ms1334 ، إن ابن بنت رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أحب إلي وأرضى عندي ، والله أعلم بخيرهما لك ، وقد ~~PageV06P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقد ~~وضع شفتيه على شفتي الحسين ، فضعي شفتيك حيث وضع رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) شفتيه ؛ قالت : اخترته وأردته ورضيته . فتزوجها الحسين وساق لها ~~مهرا عظيما . فبلغ ذلك معاوية فتعاظمه ولام أبا الدرداء شديدا ، وقال : من ~~يرسل ذا بله وعمى يركب خلاف ما يهوى . وأما عبد الله ابن سلام فإن معاوية ~~اطرحه وقطع عنه جميع روافده ، لسوء قوله فيه وتهمته أنه خدعه ، ولم بزل ~~يجفوه حتى عيل صبره وقل ما في يديه . فرجع إلى العراق ، وكان قد استودع ~~زينب قبل طلاقه لها مالا عظيما ودرا كثيرا ، فظن أنها تجحده لسوء فعله بها ~~وطلاقها من غير شيء كان منها ، فلقي حسينا فسلم عليه ، ثم قال : قد علمت ما ~~كان من خبري وخبر زينب ، وكنت قد استودعتها مالا ولم أقبضه ، وأثنى عليها ~~وقال له : ذاكرها أمري واحضضها على رد مالي . فلما انصرف الحسين إليها قال ~~لها : قد قدم عبد الله بن سلام وهو يحسن الثناء عليك ويحمل النشر عنك في ~~حسن صحبتك وما آنسه قديما من أمانتك ، فسرني ذلك وأعجبني ، وذكر أنه كان قد ~~استودعك مالا فأدي إليه أمانته وردي عليه ماله ، فإنه لم يقل إلا صدقا ولم ~~يطلب إلا حقا ؛ فقالت : صدق ، استودعني مالا لا أدري ما هو ، فادفعه إليه ~~بطابعه ؛ فأثنى عليها حسين خيرا وقال : ألا أدخله عليك حتى تتبرئي إليه منه ~~كما دفعه إليك ؟ ثم لقي عبد الله وقال : ما أنكرت مالك ، وإنها زعمت أنه ~~بطابعك ؛ فادخل عليها وتسلم مالك منها ؛ فقال : أو ما تأمر من يدفعه إلي ؟ ~~قال : لا بل تقبضه منها كما دفعته إليها . ودخل عليها حين وقال : هذا عبد ~~الله قد جاء يطلب وديعته ؛ فأخرجت إليه البدر فوضعتها بين يديه وقالت : هذا ~~مالك ؛ فشكر وأثنى . وخرج حسين عنهما ، وفض عبد الله ابن سلام خواتم بدرة ~~وحثي لها ms1335 من ذلك وقال : خذي فهو قليل مني ؛ فاستعبرا جميعا حتى علت ~~أصواتهما بالبكاء أسفا على ما ابتليا به ؛ فدخل الحسين عليهما وقد رق لهما ~~فقال : أشهد الله أنها طالق ثلاثا ، اللهم قد تعلم أني لم أستنكحها رغبة في ~~مالها ولا جمالها ، ولكني أردت إحلالها لبعلها . فسألها عبد الله أن تصرف ~~إلى حسين ما كان قد ساق إليها من مهر ؛ فأجابته إلى ذلك ؛ فلم يقبله الحسين ~~وقال : الذي أرجو إليه من الثواب خير لي . فلما انقضت أقراؤها تزوجها عبد ~~الله ، وحرمها الله تعالى يزيد بن معاوية . ومن مكايد معاوية أن رجلا من ~~قريش أسر فحمل إلى صاحب القسطنطينية ، فكلمه ملك الروم فجاوبه القرشي بجواب ~~لم يوافقه ؛ فقام إليه رجل من بطارقة PageV06P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" صاحب القسطنطينية فوكزه ، فقال القرشي : ~~وامعاوياه لقد أغفلت أمورنا وأضعتنا . فوصل الخبر إلى معاوية فطوى عليه ~~واحتال في فداء الرجل . فلما وصل إليه سأله عن أمره مع صاحب القسطنطينية ~~وعن اسم البطريق الذي وكزه ؛ فلما عرفه أرسل إلى رجل من قواد صور الذين ~~كانوا قواد البحر ممن عرف بالنجدة وغزو الروم ، وقال له : أنشئ مركبا يكون ~~له مجاديف في جوفه ، واستعمل السفر إلى بلاد الروم ، وأظهر أنك إنما تسافر ~~لبلادهم على وجه السر والاستتار منا ، وتوصل إلى صاحب القسطنطينية ومكنه من ~~المال واحمل إليه الهدايا وإلى جميع أصحابه ، ولا تعرض لفلان يعني الذي لطم ~~الرجل القرشي واعمل كأنك لا تعرفه ، فإذا كلمك وقال لك : لأي معنى تهادي ~~أصحابي وتتركني ، فاعتذر إليه وقل له : أنا رجل أدخل هذه المواضع مستترا ~~ولا أعرف إلا من عرفت به ، فلو عرفت أنك من وزراء الملك لهاديتك كما هاديت ~~أصحابك ، ولكني إذا انصرفت إليكم مرة أخرى سأعرف حقك . ففعل القائد ذلك . ~~ولما انصرف إليهم ثانية هاداه وألطفه وأربى في هديته على أصحابه ، ولم يزل ~~حتى اطمأن إليه العلج . فلما كان في إحدى سفراته قال له البطريق : كنت أحب ~~أن تجلب لي من بلاد المسلمين وطاء ديباج يكون على ألوان الزهر ؛ قال : نعم ms1336 ~~. فلما انصرف أخبر معاوية بما طلبه البطريق ؛ فأمر له ببساط على ما وصف ، ~~وقال : إذا دخلت وادي القسطنطينية فأخرجه وابسطه على ظهر المركب وتربص في ~~الوادي حتى يصل الخبر إلى ذلك العلج ، وابعث له في السر وتحين خروجه إلى ~~ضيعته التي له على ضفة وادي القسطنطينية ، فإذا وصلت إلى حد ضيعته فابتدئ ~~بها ، لعل يحمله الشره على الدخول إليك ؛ فإذا حصل عندك في المركب فمر ~~الرجال بإشارة تكون بينك وبينهم أن يستعملوا المجاديف التي في جوف المركب ، ~~وكر به راجعا إلى الشام . ففعل ما أمره به معاوية . وصادف وصول ذلك القائد ~~وجود البطريق في ضيعته ، فبسط ذلك البساط على ظهر المركب ووصل إلى عرض ضيعة ~~العلج ؛ فلما عاين البساط حمله الشره والحرص على أن دخل المركب ، فلما صار ~~في المركب أشار القائد إلى رجاله فرجعوا بالمركب بعد أن أوثق البطريق ومن ~~معه ، وسار بهم حتى قدم على معاوية . فأحضر معاوية البطريق ووقفه بين يديه ~~، وأحضر القرشي وقال : هذا صاحبك ؟ قال : نعم ؛ PageV06P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" قال : قم فاصنع به ما صنع بك ولا تزد ؛ فقام ~~القرشي فوكزه كما كنا فعل به العلج . ثم قال معاوية للبطريق : ارجع إلى ~~ملكك وقل له : تركت ملك الإسلام يقتص من أصحاب بساطك ، وقال للذي ساقه : ~~انصرف به إلى أول أرض الروم وأخرجه ، واترك له البساط وكل ما سألك أن تجمل ~~له من هدية . فانصرف به إلى فم وادي القسطنطينية ، فوجد ملك الروم قد صنع ~~سلسلة على فم الوادي ووكل بها الرجال ، فلا يدخل أحد إلى الوادي إلا بإذنه ~~؛ فأخرج العلج ومن معه وما معه . فلما وصل إلى ملكه ووصف له ما صنع به ~~معاوية قال : هذا ملك كبير الحيلة . فعظم معاوية في أعينهم وفي نفوسهم فوق ~~ما كان . وهذه الواقعة محاسنها تستر مساوي ما تقدمها . وهذا الباب متسع ، ~~ستقف إن شاء الله في التاريخ الذي أوردناه في كتابنا هذا على ما تكتفي به ~~وتطلع منه على المكايد . وحيث انتهينا إلى هذه الغاية في أوصاف قادة ms1337 الجيوش ~~، فلنذكر الآن فضيلة الجهاد ووصف الجيوش والوقائع . ذكر ما ورد في الجهاد ~~وترتيب الجيوش وأسمائها في القلة والكثرة ، وأسماء مواضع القتال ، وما قيل ~~في الحروب والوقائع ، وما وصفت به . الجهاد وفضله . قال الله عز وجل : " إن ~~الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص " . وقال تعالى : " ~~أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد ~~في سبيل الله لا يستوون عند الله " . وقال تعالى : " إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ~~ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله ~~فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم " . وأثنى الله ~~تعالى على المجاهدين ووعدهم الجنة في آي كثير . قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لرجل جاءه فقال له يا رسول الله : دلني على عمل يعدل الجهاد ~~قال : " لا أجده " . وقال أبو هريرة رضي الله عنه : إن فرس المجاهد ليستن ~~في PageV06P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" طوله فيكتب له حسنات . وعن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل ~~الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ~~) أنه قال : " لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها " . وعنه ~~( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ما من عبد يموت له عند الله خير يسره ~~أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد لما يرى من فضل ~~الشهادة فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى " . وعنه ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أنه قال : " والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا ~~تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو ~~في سبيل الله والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ~~ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل " . وعنه ( صلى الله عليه ms1338 وسلم ) أنه قال ~~: " ما اغبرتا قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار " . وعنه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أنه قال : " الجنة تحت ظلال السيوف " . والأحاديث الصحيحة متاضفرة ~~بفضيلة الجهاد وما أعد الله للمجاهدين والشهداء . وقد ترجم ذلك البخاري ~~وغيره . أسماء العساكر في القلة والكثرة وأسماء مواضع القتال . قالوا : ~~الكتيبة : ما جمع فلم ينتشر . والحضيرة : العشرة فما دونهم . والمقنب ~~والمنسر من الثلاثين إلى الأربعين . والهيضلة : جماعة غير كثيرة . والرمازة ~~: التي تموج في نواحيها . والحجفل : الجيش الكثير . والمجر : أكثر ما يكون ~~. وقال الثعالبي في فقه اللغة عن أبي بكر الخوارزمي عن ابن PageV06P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" خالوية : أقل العساكر الجريدة ؛ ثم السرية ~~وهي من الأربعين إلى الخمسين ؛ ثم الكتيبة وهي من مائة إلى ألف ؛ ثم الجيش ~~وهو من ألف إلى أربعة آلاف ، وكذلك الفيلق والحجفل ؛ ثم الخميس وهو من أ ~~ربعة آلاف إلى اثني عشر ألفا ؛ والعسكر يجمعها . ولأسماء العساكر نعوت في ~~الكثرة وشدة الشوكة . نعوت العسكر في الكثرة فإنه يقال : كتيبة رجراجة ؛ ~~جيش لجب ؛ عسكر جرار ، جحفل لهام ، خميس عرمرم . وأما نعوتها في شدة الشوكة ~~مع الكثرة : فإنه يقال : كتيبة شهباء إذا كانت بيضاء من الحديد ؛ وخضراء ~~إذا كانت سوداء من صدأ الحديد ؛ وململمة إذا كانت مجتمعة ؛ ورمازة إذا كانت ~~تموج من نواحيها ؛ ورجراجة إذا كانت تتمخض ولا تكاد تسير ؛ وجرارة إذا كانت ~~لا تقدر على السير إلا رويدا من كثرتها . وأما أسماء مواضع القتال فمنها : ~~الحومة ؛ والمعركة ؛ والمعترك ؛ والمأقط ؛ والمأزم ؛ والمأزق . وأما أسماء ~~غبار الحرب : النقع والعكوب : هو الغبار الذي يثور من حوافل الخيل وأخفاف ~~الإبل . الرهج والقسطل : غبار الحرب . الخيضعة : غبار المعركة . ~~PageV06P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" وأما قيل في الحروب والوقائع ، وشيء مما وصفت ~~به : قالوا : أبلغ ما قيل في صفة الحرب قول الأول : كأن الأفق محفوف بنار . ~~. . وتحت النار آساد تزير وقول الآخر : ويوم كأن المصطلين بحره . . . وإن ~~لم يكن جمر وقوف على جمر صبرنا له حتى تجلى ، وإنما . . . تفرج أيام ~~الكريهة بالصبر وقال البحتري يصف جيشا اتبع مقدمه : حمر السيوف ms1339 كأنما ضربت ~~لهم . . . أيدي القيون صفائحا من عسجد في فتية طلبوا غبارك إنه . . . رهج ~~ترفع عن طريق السودد كالرمح فيه بضع عشرة فقرة . . . منقادة خلف السنان ~~الأصيد وقول النابغة الجعدي : تبدو كواكبه والشمس طالعة . . . لا النور نور ~~ولا الإظلام إظلام وقال أبو الفرج الببغاء : وموشية بالبيض والزعف والقنا . ~~. . محبرة الأعطاف بالضمر القب PageV06P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" بعيدة ما بين الجناحين في السرى . . . قريبة ~~ما بين الكمينين في الضرب من السالبات الشمس ثوب ضيائها . . . بثوب تولى ~~نسجه عثير الترب يعاتب نشوان القنا صاحي الظبا . . . إذا التقيا فيها على ~~قلة الشرب أعادت علينا الليل بالنقع في الضحى . . . وردت علينا الصبح في ~~الليل بالشهب تبلج عن شمس نزار ويعرب . . . وتفتر عن طودى علا تغلب الغلب ~~موقرة يقتاد ثنى زمامها . . . بصير بأدواء الكريهة في الحرب أصح اعتراما من ~~خؤون على قلى . . . وأنفذ حكما من غرام على صب وقال محمد بن أحمد عبد ربه : ~~ومعترك تهز به المنايا . . . ذكور الهند في أيدي ذكور لوامع يبصر الأعمى ~~سناها . . . ويعمى دونها طرف البصير وخافقة الذوائب قد أناقت . . . على ~~حمراء ذات شبا طرير تحوم حولها عقبان موت . . . تخطف القلوب من الصدور بيوم ~~راح في سربال ليل . . . فما عرف الأصيل من البكور وعين الشمس ترنو في قتام ~~. . . رنو البكر من خلف الستور فكم قصرت من عمر طويل . . . وكم أطالت من ~~عمر قصير PageV06P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" وقال أيضا : ومعترك ضنك تعاطت كماته . . . ~~كؤوس دماء من كلى ومفاصل يديرونها راحا من الروح بينهم . . . ببيض رقاق أو ~~بسمر ذوابل وتسمعهم أم المنية وسطها . . . عناء صليل البيض تحت المناصل ~~وقال التنوخي شاعر اليتيمة : في موقف وقف الحمام ولم يزغ . . . عن ساحتيه ~~وزاغت الأبصار فقنا تسيل من الدماء على قنا . . . بطوالهن تقصر الأعمار ~~ورءوس أبطال تطاير بالظبا . . . فكأنها تحت الغبار غبار وقال ابن الخياط ~~الأندلسي : سيوف إذا اعتلت جهات بغورة . . . فمنهن في أعناقهن تمائم وكل ~~خميس طبق الجو نقعه . . . وضيق مسراه الجياد الصلادم كأن نهار النقع إثمد ~~عينه . . . وأشفار عينيه الشفار الصوارم تعد عليه الوحش ms1340 والطير قوتها . . . ~~إذا سار والتفت عليه القشاعم والبيت الأول مأخوذ من قول المتنبي : وكان بها ~~مثل الجنون فأصبحت . . . ومن جثث القتلى عليها تمائم PageV06P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" وقال الحماني : وإنا لتصبح أسيافنا . . . إذا ~~ما انتضين ليوم سفوك منا برهن بطون الأكف . . . وأغمادهن رءوس الملوك وقال ~~حسان : إذا ما غضبنا بأسيافنا . . . جعلنا الجماجم أغمادها قال رجل من بني ~~تميم لرجل عبادي : لم يكن لآل نصر بن ربيعة صولة في الحرب . فقال : لقد قلت ~~بطلان ونطقت خطلا ؛ كانوا والله إذا أطلقوا عقل الحرب رأيت فرسانا تمور ~~كرجل الجرادن وتدافع كتدافع الأمداد ؛ في فيلق حافتاه الأسل ، يضطرب عليها ~~الأجل ؛ إذا هاجت لم تتناه دون إرادتها ، ومنتهى غايات طلباتها ؛ لا يدفعها ~~دافعن ولا يقوم لها جمع جامع ؛ وقد وثقت بالظفر لعز أنفسها ، وأيقنت ~~بالغلبة لضراوة عادتها ؛ خصصت بذلك على العرب أجمعين . قال جرير : لقومي ~~أحمى للحقيقة منكم . . . وأضرب للجبار والنقع ساطع وأوثق عند المردفات عشية ~~. . . لحاقا إذا ما جرد السيف لامع PageV06P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" ومن رسالة للفقيه الوزير أبي حفص عمر بن ~~الحسن الهوزني قال فيها : وكتابي على حالة يشيب لشهودها مفرق الوليد ، كما ~~تغير لورودها وجه الصعيد ؛ بدؤها ينسف الطريف والتالد ، ويستأصل الولد ~~والوالد ؛ تذر النساء أيامى ، والأطفال يتامى ، فلا أيمة إذا لم تبق أنثى ، ~~ولا يتيم والأطفال في قيد الأسرى ؛ بل تعم الجميع جما جما فلا تخص ، وتزدلف ~~إليهم قدما قدما فلا تنكص ؛ طمت حتى خشي على عمود الإسلام الانقضاض ، وسمت ~~حتى توقع لجناح الدين الانهياض . وفي فصل منها : وكأن الجمع في رقدة أهل ~~الكهف ، أو على وعد صادق من الصرف والكشف . ومنها : وإن هذا الأمر له ما ~~بعده ، إلا أن يسني الله على يديه دفعه وصده . وكم مثلها شوهاء نهنهت ~~فانثنت . . . وناظرها من شدة النقع أرمد فمرت تنادي : الويل للقادح الصفا . ~~. . لبعض القلوب الصخر أو هي أجلد وأبقت ثناء كاللطائم نشرت ، . . . تبيد ~~الليالي وهو غض يجدد PageV06P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" وفي فصل منها في الحرب : والحرب في اجتلائها ~~حسناء عروس تطبي الأغمار بزتها ms1341 ، وفي بنائها شمطاء عبوس تختلي الأعمار ~~غرتها ، فالأقل للهبا وارد ، والأكثر عن شهبها حائد ؛ فأخلق بمجيد عن ~~مكانها ، وعزلة في ميدانها ؛ فوقودها شكة السلاح ، وقتارها متصاعد الأرواح ~~؛ فإن عسعس ليلها مرة لانصرام ، أو انبجس وبلها ساعة لانسجام ، فيومها غسق ~~يرد الطرف كليلا ، ونبلها صيب يزيد الخوف غليلا . وقال فيها : أ عباد ضاق ~~الذرع واتسع الخرق . . . ولا غرب للدنيا إذا لم يكن شرق ودونك قولا طال وهو ~~مقصر . . . وللعين معنى لا يعبره النطق إليك انتهت آمالنا فارم ما دهى . . ~~. بعزمك يدمغ هامة البطل الحق وما أخطأ السبيل من أتى البيوت من أبوابها ، ~~ولا أرجأ الدليل من ناط الأمور بأربابها ؛ ولرب أمل بين أثناء المحاذير ~~مدمج ، ومحبوب في طي المكاره مدرج ؛ فانتهز فرصتها فقد بان من غير العجز ، ~~وطبق مضاربها فكأن قد أمكنك الحز ؛ ولا غرو أن يستمطر الغمام في الجدب ، ~~ويستصحب الحسام في الحرب . ومن إنشاء القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني من ~~جواب كتبه وصف فيه وقعة ، كتب : ورد على المملوك كتاب المولى يذكر الرجفة ~~التي سرى منها إلى أسماع الأولياء قبله ما سرى إلى عيون الأولياء بحضرته ؛ ~~وتعاظمهم الفادح الذي هم راسبون في غماره ساهون في غمرته ؛ ووصف عظم أثرها ~~وروائع منظرها ومطعن هدتها ، ومزعج PageV06P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" واقعتها وفظيع روعتها ؛ واضطراب الجبال ~~وخشوعها ، وانشقاق الأبنية وصدوعها ؛ وسجود الحصون الشمن وخضوع الصخور الصم ~~؛ وجأر العباد إلى ربهم لما مسهم من الضر ، ولياذهم بقصده لما دهاهم من ~~الأمر ؛ فوصف عظيما بعظيم ، ومثل مقاما ما عليه صبر مقيم ؛ وأنذر بانتقام ~~قائم إلا أنه كريم ، وجبار إلا أنه حليم ؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون ~~نقولها واضعين الخدود تذللان وإنا في سبيل الله وإنا إليه نائبون تخلصا ~~ونضمها بالقلوب إخلاصا وتبتلا ؛ وعرف المملوك ما وسع الخلق من معروفه ~~وإرفاقه ، وجبر الحصون من عمارته منازل التوحيد وأوكاره ، بأمواله التي ~~وقفها في سبيل الله وهانت عليه إذ كان على يد البر إخراجها ، وكرمت لديه إذ ~~طالبت بها خطرات الشهوات واعتلاجها ؛ واستقرضها من الأرض خراجا ثم وفاها ms1342 ما ~~اقترض بعمرانها ، واستخرجها من بطنانها ثم أعاد إلى ظهرانها ؛ وأرساها ~~للإسلام بقواعد حصونها ، وأسناها في يد المسلمين بوثائق رهونها ؛ ولم يزل ~~الله يختصه بكل حسنة متوضحة ، ويوفقه لكل صالحة مصلحة ؛ وينعم عليه بالنية ~~الصادقة ، وينعم منه بالموهبة السابغة السابقة ؛ فإن نزلت نازلة من وقائع ~~الأقدار ، وإن عرضت عارضة من عوارض الأيام ، تلقاها حامدا ، وأسا جرحها ~~جاهدا ، وعول على ربه قاصدا ، وأنفق فيما أصبح منه عادما ما أمسى له واجدا ~~. ذكر ما ورد في الغزو في البحر . عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : ~~حدثتني أم حرام أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال يوما في بيتها ، ~~فاستيقظ وهو يضحك ؛ قالت يا رسول الله ، ما يضحكك ؟ قال : " عجبت من قوم من ~~أمتي أ متى يركبون البحر كالملوك على الأسرة " ؛ فقلت : يا رسول الله ، أدع ~~الله أن يجعلني منهم ؛ قال : " أنت منهم " ، ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقال ~~مثل ذلك مرتين أو ثلاثا ؛ قالت : يا رسول الله ، أدع الله أن يجعلني منهم ، ~~فيقول : " أنت من الأولين " ، فتزوج بها عبادة بن الصامت فخرج بها إلى ~~الغزو ، فلما رجعت قربت دابة لتركبها فوقعت فاندقت عنقها . وفي حديث آخر : ~~" يركبون البحر الأخضر في سبيل الله مثلهم كمثل الملوك على الأسرة " ، قالت ~~: يا رسول الله ، أدع الله أن يجعلني منهم ، فقال : " اللهم اجعلها منهم " ~~وأنه قال مثل ذلك ثانية ؛ فقالت : PageV06P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" أدع الله أن يجعلني منهم ؛ قال : " أنت من ~~الأولين ولست من الآخرين " . وساق نحوه . القتال في البحر قال العسكري في ~~ديوان المعاني : لم يصف أحد من المتقدمين والمتأخرين القتال في المراكب إلا ~~البحتري ، وعدوا قصيدته هذه من عيون قصائده وفضلوها على كثير من الشعر ، ~~وهي : غدوت على الميمون صبحا وإنما . . . غدا المركب الميمون تحت المظفر ~~أطل بعطفيه ومر كأنما . . . تشرف من هادي حصان مشهر إذا زمجر النوتي فوق ~~علاته . . . رأيت خطيبا في ذؤابة منبر إذا عصفت فيه الجنوب اعتلى له . . . ~~جناحا عقاب في السماء مهجر إذا ما انكفا في هبوة الماء ms1343 خلته . . . تلفع في ~~أثناء برد محبر وحولك ركابون للهول عاقروا . . . كؤوس الردى من دارعين وحسر ~~تميل المنايا حيث مالت أكفهم . . . إذا أصلتوا حد الحديد المذكر إذا رشقوا ~~بالنار لم يك رشقهم . . . ليقلع إلا عن شواء مقتر صدمت بهم صهب العثانين ~~دونهم . . . ضراب كإيقاد اللظى المتسعر يسوقون أسطولا كأن سفينه . . . ~~سحائب صيف من جهام وممطر PageV06P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" كأن ضجيج البحر بين رماحهم . . . إذا اختلفت ~~ترجيع عود مجرجر تقارب من زحفيهم فكأنما . . . تؤلف من أعناق وحش منقر فما ~~رمت حتى أجلت الحرب عن طلى . . . مقطعة فيهم وهام مطير على حين لا نقع ~~يطرحه الصبا . . . ولا أرض تلقى للصريع المقطر وكنت ابن كسرى قبل ذاك وبعده ~~. . . مليئا بأن توهي صفاة ابن قيصر جدحت له الموت الذعاف فعافه . . . وطار ~~على ألواح شطب مسمر مضى وهو مولى الريح يشكر فضلها . . . عليه ومن يول ~~الصنيعة يشكر وحيث ذكرنا الجهاد وفضله والوقائع والحروب ، فلنذكر ما قيل في ~~المرابطة في سبيل الله . ذكر ما ورد في المرابطة قال الله تعالى : " يا ~~أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " . ~~والمرابطة في سبيل الله تعالى تنزل من الجهاد والقتال منزلة الاعتكاف في ~~المساجد من الصلاة ، لأن المرابط يقيم في وجه العدو متأهبا مستعدا ، حتى ~~إذا أحس من العدو بحركة أو غفلة نهض فلا يفوته ولا يتعذر عليه ، كما أن ~~المعتكف يكون في موضع الصلاة مستعدا ، فإذا دخل الوقت وحضر الإمام قام إلى ~~الصلاة . قال الحليمي : ولا شك أن المرابطة أشق من الاعتكاف . على أن صرف ~~الهمة إلى انتظار الصلاة قد سمي رباطا لما جاء في الحديث فيما يكفر الخطايا ~~" وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط " . وقد روي عن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أحاديث تحث على الرباط ، فمنها أنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ~~قال : : من مات مرابطا في سبيل الله أومن من عذاب القبر ونما له أجره إلى ~~يوم القيامة " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) : " رباط يوم وليلة في سبيل ~~الله خير من صيام شهر ms1344 وقيامه فإن مات جرى عليه أجر المرابطة ويؤمن الفتان ~~ويقطع له برزق PageV06P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" الجنة " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ~~قال : " من مات مرابطا في سبيل الله مات شهيدا ووقاه الله فتاني القبر ~~وأجري عليه أحسن عمله وغدي عليه وريح برزق من الجنة " . وعنه ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " إذا استشاط العدو فخير جهادكم الرباط " . وسنة المرابطة في ~~سبيل الله أن يعد من الخيل والسلاح ما يحتاج إليه ، إذا كان انتظار الواقعة ~~من غير استعداد لها يعرض للهلاك . قال الله تعالى : " وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم " . وجاء في ~~الحديث : " إن القوة الحصن ومن رباط الخيل الحجورة " الإناث . وروي عن عقبة ~~بن عامر أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " ألا هو الرمى " ؛ وقد ~~يكون اللفظ جامعا للحصن والرمى لأن كليهما قوة . والله تعالى أعلم . ذكر ما ~~قيل في السلاح وأوصافه والسلاح ما قوتل به . والجنة اسم لما اتقي به . ~~كالدرع والترس ونحوهما . وقال العتبي : بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ~~عمرو بن معد يكرب أن يبعث إليه بسيفه المعروف " بالصمصامة " فبعث إليه به ؛ ~~فلما ضرب به وجده دون ما بلغه عنه ، فكتب إليه في ذلك ؛ فأجابه يقول : إنما ~~بعثت إلى أمير المؤمنين بالسيف ولم أبعث له بالساعد الذي يضرب به . وسأله ~~عمر عن السلاح يوما فقال : ما تقول في الرمح ؟ قال : أخوك وربما خانك ~~فانقصف ؛ قال : فما تقول في الترس ؟ قال : هو المجن وعليه تدور الدوائر ؛ ~~قال : فالنبل ؟ قال : منايا تخطئ وتصيب ؛ قال : فما تقول في الدرع ؟ قال : ~~مثقلة PageV06P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" للراجل مشغلة للراكب وإنها لحصن حصين ؛ قال : ~~فما تقول في السيف ؟ قال : هنالك قارعتك أمك عن الثكل ؛ قال : بل أمك قال : ~~بل أمك يا أمير المؤمنين فعلاه أمير المؤمنين بالدرة . وقيل : بل قال له ~~لما قال عمر بل أمك قال : أمي يا أمير المؤمنين والحمى أضرعتني لك أراد أن ~~الإسلام قيدني ولو كنت في الجاهلية لم ms1345 تكلمني بهذا الكلام . وهو مثل تضرب ~~به العرب إذا اضطرت للخضوع . ومثل ذلك قول الأغر النهشلى لما بعثه لحضور ما ~~وقع بين قومه فقال : يا بني ، كن يدا لأصحابك على من قاتلهم ، وإياك والسيف ~~فإنه ظل الموت ، واتق الرمح فإنه رشاء المنية ، ولا تقرب السهام فإنها رسل ~~تعصي وتطيع . قال : فبم أقاتل ؟ قال : بما قاله الشاعر : جلاميد أملاء ~~الأكف كأنها . . . رءوس رجال حلقت في المواسم فعليك بها وألصقها بالأعقاب ~~والسوق . ما قيل في السيف من الأسماء السيف وصفاته وقد أوردتها على حروف ~~المعجم على ما أورده صاحب كتاب خزائن السلاح . فمن ذلك : إبريق " وهو شديد ~~البريق " أبيض " . " أذوذ " وهو القاطع . " إصليط " وهو الصقيل . " أغلف " ~~إذا كان في غلافه . " أنيث " وهو الذي يتخذ من حديد غير ذكر . " باتر " أي ~~قاطع . " بتار " وهو اسم لسيف كان للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) . " بصروي ~~" منسوب لبصرى . قال الشاعر : صفائح بصرى أخلصتها قيونها . . . ومطرودا من ~~نسج داود محكما PageV06P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" " بوادر " أي قواتل . " بارقة " وهي السيوف ~~التي تبرق . " جنثي " . قال الشاعر : ولكنها سوق يكون بياعها . . . بجنثية ~~قد أخلصتها الصيافل " جراز " أي قاطع . " جماد " بمعناه ؛ وفيه يقول ~~الأزهري : لسمعتم من حر وقع سيوفنا . . . ضربا بكل مهند جماد " حسام " أي ~~قاطع . " حداد " من الحديد . " حداد " من الحداد كأنه أشار إلى لونه . " ~~خشيب " أي ثقيل ، وهو من أسماء الأضداد . " خشيف " أي ماض . " خذيم " أي ~~قاطع . " خضعة " وهي السيوف القواطع . " ددان " أي لا يقطع . " ذالق " أي ~~سلس الخروج من غمده . " ذلوق " مثله . " ذكر " أي ذو ماء . " ذو الكريهة " ~~وهو الماضي في الضريبة . " ذو الفقار " سيف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) . " ذو هبة " " أي ذو هزة ومضاء . " ذرب " أي محدد . " ذو النون " سيف ~~مالك بن زهير . " ذو ذكرة " وهو الصارم . " رسوب " وهو الذي يغيب في ~~الضريبة . " رداء " . " سيف " وجمعه أسياف وسيوف وأسيف . قال الشاعر : ~~كأنهم أسيف بيض يمانية . . . عضب مضاربها باق بها الأثر " سراط " و " سراطى ~~" أي قاطع . " سقاط " وهو الذي يسقط من وراء الضريبة . " سريجى " منسوب إلى ms1346 ~~قين يقال له سريج . " شلحاء " . " صقيل " . " صارم " أي قاطع . " صفيحة " ~~وهو العريض . " صمصام " وهو الذي لا ينثني . " صمصامة " مثله ، وهو سيف عمر ~~بن معد يكرب ؛ وفيه يقول : خليل لم أخنه ولم يخني . . . على الصمصامة السيف ~~السلام PageV06P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" وقال أيضا : خليل لم أهبه على قلاه . . . ~~ولكن المواهب للكرام حبوت به كريما من قريش . . . فسر به وصين عن اللئام " ~~صنيع " مجرب مجلو ؛ قال الشاعر : بأبيض من أمية مضر حي . . . كأن جبينه سيف ~~صنيع " طبع " وهو الصدئ قال جرير : وإذا هززت قطعت كل ضريبة . . . وخرجت لا ~~طبعا ولا مبهورا " عضب " أي قاطع . " عقيقة " أي صقيل ؛ قال الشاعر : حسام ~~كالعقيقة فهو كمعى . . . سلاحى لا أفل ولا فطارا " عجوز " ز " عراض " أي ~~لدن المهزة " عطاف " ؛ قال الشاعر : ولا مال لي إلا عطاف ومدرع . . . لكم ~~طرف منه حديد ولي طرف وجمعه عطف . " فطار " أي مشقق . " فلوع " أي قاطع . " ~~فسفاس " أي كهام . " قصال " أي قطاع . " قاطع " . " قرن " . " قضيب " أي ~~قاطع وجمعه قضب . " قاضب " PageV06P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" مثله . " قرضاب " أي يقطع العظام . " قرضوب " ~~مثله . " قشيب " قريب عهد بالجلاء . " قلعي " منسوب إلى البادية . " قساسي ~~" منسوب إلى معدن بأرمينية يقال له قساس . قال الشاعر : إن القساسي الذي ~~يعصى به . . . يختصم الدارع في أثوابه " قضم " وهو الذي طال عليه الدهر ~~فتكسر حده . " كهام " أي كليل . " كليل " أي كل حده . " لهذم " هو السيف ~~الحاد ، ويسمى به السنان أيضا . " لخيف " وكان من أسياف رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) " لج " . " مرهف " أي محدود رقيق . " مصمم " وهو الذي يمر ~~في العظام . " مقطع " . " مخذم " أي قاطع . " مجذر " . " مأثور " وهو الذي ~~له أثر . " مذكر " مثل ذكر . " محتفد " سريع القطع . " مخصل " . " مخضل " ~~أي مصلت من غمده . " مقصل " أي قاطع . " مخفق " أي عريض . " مدجل " المطلي ~~بالذهب . " مهذم " قاطع . " معلوب " وهو سيف الحارث بن ظالم ؛ وفيه يقول ~~الكميت : وسيف الحارث المعلوب أردى . . . حصينا في الجبابرة الردينا " مشمل ~~" أي صغير . " مغول " سيف رقيق يكون غمده كالسوط وهو الذي يتخذ كالعكاز . " ~~مهو " . وهو الرقيق أيضا ؛ قال صخر الغي : وصارم ms1347 أخلصت خشيبته . . . أبيض ~~مهو في متنه ربد PageV06P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" " مفقر " أي الذي فيه حزوز مطمئنة عن متنه . ~~" مهند " وهو الذي طبع من حديد الهند . " مشرفي " منسوب إلى المشارف ، وهي ~~قرى من أرض العرب تدنو من الريف . " مطبق " الذي يقطع المفاصل ؛ قال الشاعر ~~: يصمم أحيانا وحينا يطبق " منصل " . " مشطب " أي الذي في متنه طرائق . " ~~مصلت " المسلول من غمده . " مفلع " أي قاطع . " معضد " هو الممتهن في قطع ~~الشجر وغيره . " معضاد " وهو الممتهن أيضا . " مذاهب " سيوف تموه بالذهب . ~~" نصل " . " نهيك " أي قاطع . " نون " هو اسم سيف بعض العرب ؛ قال الشاعر : ~~سأجعله مكان النون منى . . . وما أعطيته عرق الخلال معناه : سأجعل هذا ~~السيف الذي استفدته مكان ذلك السيف ، وما أعطيته عن مودة بل أخذته عنوة . " ~~نواحل " السيوف التي رقت ظباتها قدما من كثرة المضاربة . " هذام " السيف ~~القاطع . " هزهاز " هو الكثير الاهتزاز . " هندواني " هو المطبوع من حديد ~~الهند . " هندي " منسوب إلى الهند . " وقيع " الذي شحذ بالحجر . " يماني " ~~منسوب إلى اليمن . ومن أسماء أجزاء السيف " أثر " أثره : إفرنده وما يرى ~~عليه مما يشبه الغبار أو مدب النمل ؛ قال عيسى بن عمر : جلاها الصيقلون ~~فأخلصوها . . . خفافا كلها يتقي بأثر PageV06P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" " إفرند " وشيه وأثره . " جربان " هو حده . " ~~حرف " مثله . " ذباب " حد طرفه وقيل : حده مطلقا . " رئاس " قائمه ؛ قال ~~الشاعر : ومرفق كرئاس السيف إذ شسفا " ربد " ما تراه عليه شبه غبار أو مدب ~~نمل ؛ قال الشاعر : أبيض مهو في متنه ربد " زر " قال مجرس بن كليب في بعض ~~كلامه : أما وسيفي وزريه ، ورمحي ونصليه . والزر : الحد . " سطام " حده . " ~~سيلان " هو ما يدخل منه في النصاب . " سفن " جلدة قائمه . " شطب " طرائق في ~~إحدى متنيه . " شفرة " : حده ، وشفرتاه : حداه . " صفح " : عرضه . " ظبة " ~~: حده . " وظبتاه : حداه . " عجوز " نصل السيف ؛ قال أبو المقدام : وعجوز ~~رأيت في فم كلب . . . جعل الكلب للأمير جمالا والكلب من أجزاء السيف وهو ~~البرجق . " عير " هو الناشر في وسط السيف . " غرار " ما بين ظبتيه وبين ~~العير من وجهي السيف جميعا ، وجمعه : أغرة . وقيل : الغراران : شفرتا السيف ms1348 ~~. " غرب " غربه : حده . " فرند " مثل إفرند . " فلول " الفلول في حده . ، ~~والواحد منها فل . " قيبعة " هي التي على طرف قائمه من حديد أو فضة . " ~~مضرب " : الذي يضرب به منه ، وهو نحو شبر من طرفه . " مقبض " المقبض : حيث ~~تقبض عليه الأكف . " نون " والنون : شفرة السيف . قال شاعر : بذي النونين ~~قصال مقط " وشى " وهو فرنده وأثره ، وقد تقدم بيانه . ومما يضاف إلى السيف ~~: فأما إذا احتاج إلى الشحذ يقال : " استوقع " وإذا ضرب به فلم يعمل يقال : ~~" أحاك " . وإذا سل من قرابه يقال : " استل " . " اصلت " . PageV06P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" " امتشن " . " امتعط " . " امتحط " . " انتضي ~~" . " اخترط . " جلط " . " جرد " . " سل " . " شهر " . " معط " . " نضي " . ~~" شمت " : إذا سللت وأغمدت . وإذا خرج السيف من غير سل يقال : " اندلق " . ~~وإذا أغمض السيف من غير سل يقال : " أغمدت " السيف . " أقربت " . " شمت " . ~~" قربت " . وأما إذا تقلد به الرجل يقال : اعتطف ؛ وفيه يقول الشاعر : من ~~يعتطفه على مئزر . . . فنعم الرداء على المئزر ومن أسماء قرابه وآلته : ~~يقال : " جفن " . " جربان " . " جلبان " . " خلل " وهي بطائن كانت تغشى بها ~~أجفان السيوف . " غمد " . حمائله : يقال فيها : " حمائل " واحدتها " حميلة ~~" . " قراب " . " محمل " . " نجاد " . حليته : يقال : " رصائع " وهي حلق ~~مستديرات تحلى بها السيوف . " قبيعة " وقد تقدم ذكرها . " نعل " وهو ما ~~يكون أسفل القراب من فضة أو حديد . والنعل مؤنثة ؛ قال الشاعر : ترى سيفه ~~لا تنصف الساق نعله . . . أجل لا وإن كانت طوالا محامله وأما ما وصفته به ~~الشعراء : فمن ذلك ما قاله أبو عبادة البحتري : يتناول الروح البعيد مناله ~~. . . عفوا ، ويفنح في القضاء المقفل ماض وإن لم تمضه يد فارس . . . بطل ، ~~ومصقول وإن لم يصقل يغشى الوغى فالترس ليس بجنة . . . من حده والدرع ليس ~~بمعقل مصغ إلى حكم الردى ، فإذا مضى . . . لم يلتفت ، وإذا قضى لم يعدل ~~متوقد يبري بأول ضربة . . . ما أدركت ولو أنها في يذبل وإذا أصاب فكل شيء ~~مقتل . . . وإذا أصيب فما له من مقتل PageV06P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" وقال أبو الهول : حسام غداة الروع ماض كأنه . ~~. . من الله في قبض النفوس رسول كأن جنود الذر كسرن فوقه . . . عيون ms1349 جراد ~~بينهن ذحول كأن على إفرنده موج لجة . . . تقاصر في صحصاحه وتطول إذا ما ~~تمطى الموت في يقظاته . . . فلابد من نفس هناك تسيل وإن لاحظ الأبطال أو ~~صافح الطلى . . . تشحط يوما بينهن قتيل وقال عبد الله بن المعتز : ولي صارم ~~فيه المنايا كوامن . . . فما ينتضى إلا لسفك الدماء ترى فوق متنيه الفرند ~~كأنه . . . بقية غيم رق دون سماء وقال أيضا : وسط الخميس بكفه ذكر . . . ~~عضب كأن بمتنه نمشا ضافي الحديد كأن صيقله . . . كتب الفرند عليه أو نقشا ~~PageV06P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" وقال ابن الرومي : خير ما استعصمت به الكف ~~عضب . . . ذكر هزه أنيث المهز ما تأملته بعينك إلا . . . أرعدت صفحتاه من ~~غير هز مثله أفزع الشجاع إلى الدر . . . ع فغالى بها على كل بز ما يبالي ~~أصممت شفرتاه . . . في محز أم حادتا عن محز وقال ابن المعتز : ولقد هززت ~~مهندا . . . عضب المضارب مرهفا وإذا تولج هامة ال . . . جبار سار فأوجفا ~~عضب المضارب كالغدي . . . ر نفى القذى حتى صفا وقال أيضا : في كفه عضب إذا ~~هزه . . . حسبته من خوفه يرتعد وقال آخر : جردوها فألبسوها المنايا . . . ~~عوضا عوضت من الأغماد وكأن الآجال ممن أرادوا . . . وظباها كانت على ميعاد ~~وقال أحمد بن محمد بن عبد ربه : وذي شطب تقضي المنايا بحكمه . . . وليس لما ~~تقضي المنية بدافع فرند إذا ما اعتن للعين راكد . . . وبرق إذا ما اهتز ~~بالكف لامع يسلل أرواح الكماة انسلاله . . . ويرتاع منه الموت والموت رائع ~~إذا ما التفت أمثاله في وقيعة . . . هنالك ظن النفس بالنفس واقع ~~PageV06P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" وقال أيضا : بكل مأثور على متنه . . . مثل ~~مدب النمل في القاع يرتد طرف العين عن حده . . . عن كوكب للموت لماع وقال ~~أبو مروان بن أبي الخصال : وصقيل مدارج النمل فيه . . . وهو مذ كان ما درجن ~~عليه أخلص القين صقله فهو ماء . . . يتلظى السعير في صفحتيه وقال أحمد بن ~~الأعمى الأندلسي : موتى فإن خلعت أكفانها علمت . . . أن الدروع على الأبطال ~~أكفان نفسي فداؤك لا كفئا ولا ثمنا . . . ولو غدا المشتري منها وكيوان ~~والتبر قد ms1350 وزنوه بالحديد فما . . . ساوى ، ولكن مقادير وأوزان وقال عبد ~~العزيز بن يوسف شاعر اليتيمة : بيض تصافح بالأيدي مقابضها . . . وحدها صافح ~~الأعناق والقما ضحكن من خلل الأغماد مصلتة . . . حتى إذا اختلفت ضربا بكين ~~دما وقال الشريف الموسوي شاعرها : ونصل السيف تسلم شفرتاه . . . ويخلق كل ~~أيام قرابا وقال مؤيد الدين الطغرائي : وأبيض طاغي الحد يرعد متنه . . . ~~مخافة عزم منك أمضى من النصل عليم بأسرار المنون كأنما . . . على مضربيه ~~أنزلت آية القتل تفيض نفوس الصيد دون غراره . . . وتطفح عن متنيه في مدرج ~~النمل خلعت عليه نور وجهك فارتدى . . . بنور كفاه أن يحادث بالصقل ~~PageV06P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" وقد أكثر الشعراء تشبيه الفرند بالنمل ، وأصل ~~ذلك من قول امرئ القيس : متوسدا عضبا مضاربه . . . في متنه كمدبة النمل ~~وقال الطغرائي : وأبيض لولا الماء في جنباته . . . تلسن من حديه نار ~~الحباحب أضر به حب الجماجم والطلى . . . فغادره نضوا نحيل المضارب وقال ~~إسحاق بن خلف : ألقى بجانب خصره . . . أمضى من الأجل المتاح وكأنما ذر ~~الهبا . . . ء عليه أنفاس الرياح وقال ابن المعتز : وجرد من أغماده كل مرهف ~~. . . إذا ما انتضته الكف كاد يسيل ترى فوق متنيه الفرند كأنما . . . تنفس ~~فيه القين وهو صقيل وقال منصور النمري يصف سيفا : ذكر برونقه الفرند كأنما ~~. . . يعلو الرجال بأرجوان ناقع وترى مضارب شفرتيه كأنها . . . ملح تناثر ~~من وراء الدارع PageV06P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" ولما صار الصمصامة سيف عمرو بن معد يكرب إلى ~~موسى الهادي أذن للشعراء أن يصفوه ، فبدأهم ابن يامين فقال : حاز صمصامة ~~الزبيدي من دو . . . ن جميع الأنام موسى الأمين سيف عمرو وكان فيما سمعنا . ~~. . خير ما أغمدت عليه الجفون أخضر المتن بين حديه نور . . . من فرند تمتد ~~فيه العيون أوقدت فوقه الصواعق نارا . . . ثم شابت به الذعاف القيون فإذا ~~ما سللته بهر الشم . . . س ضياء فلم تكاد تستبين وكأن الفرند والرونق الجا ~~. . . ري في صفحتيه ماء معين وكأن المنون ناطت إليه . . . فهو من كل جانبيه ~~منون ما يبالي من انتصاه لضرب . . . أ شمال سطت به أم يمين فأمر له ببدرة ms1351 ، ~~وأخرج الشعراء . ومن الإفراط في وصف السيف قول النابغة : يقد السلوقي ~~المضاعف نسجه . . . ويوقد بالصفاح نار الحباحب فذكر أنه يقد الدرع المضاعف ~~والفارس والفرس ويصل إلى الأرض فيقدح النار . PageV06P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" وقال النمر بن تولب : تظل تحفر عنه إن ضربت ~~به . . . بعد الذراعين والقيدين والهادي ومن رسالة لأبي محمد بن مالك ~~القرطبي جاء منها في وصف السيوف ، قال : وكأنما باضت على رءوسهم نعائم الدر ~~، وبرقت في أكفهم بوارق الجو ، ولكنها إذا ما هزت فبوارق ، وإذا صبت فصواعق ~~؛ من كل ذي شطب كأنما قرى نمل ، علون منه قرى نصل ؛ فإذا أصاب فكل شيء مقتل ~~، وإذا حز فكل عضو مفصل ؛ أمضى في الأشباح ، من الأجل المتاح ؛ عصب المتن ~~ثقيل ، يكاد إذا انتضي يسيل ؛ ويكاد مبصره يغنى عن الورد ، إذا أختر من ~~الغمد ؛ ما لم يخله ريعان سراب ، في تصحصحان يباب ، لاشتباه فرند بأحباب في ~~شراب ، أو أحباب في سراب ؛ فلما رأيت جفنه قد انطوى على جمر الغضى ، وماء ~~الأضى ؛ وانتظم على خصره الجنح ، ورونق الصبح ؛ قلت سبحان مكور الليل على ~~النهار ، والجامع بين الماء والنار . الرمح من الحديث ، والأسماء ، والنعوت ~~، والأوصاف . عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) قال : " جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري " ز ~~هذا ما ورد فيه من الحديث . وأما الأسماء ، والنعوت ، والأوصاف : فمن ذلك : ~~" أسمر " وهو الدقيق . " ألة " وهو أصغر من الحربة ، وفي سنانها عرض . ~~وجمعها الإلال . " أم اللواء " . " أزنى " منسوب إلى ذي يزن . " أقصاد " ~~وهو المكسر . " ثلب " وهو المثلم . " حادر " أي غليظ . PageV06P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" " حربة " . " خرصانة " . " خرص " . " خطار " ~~أي ذو اهتزاز . " خال " أي لواء الجيش . " خطى " هو ما ينسب من الرماح إلى ~~الخط ، وهو موضع باليمامة . " خطل " وهو المضطرب . " خوار " وهو الخفيف . " ~~رمح " . " رعاش " وهو الشديد الاضطراب . " رديني " منسوب إلى امرأة اسمها ~~ردينة . " راش " أي خوار . " زاعبي " وهو الذي إذا هز تدافع كله . " رواعف ~~" . " زاعبية " منسوب إلى زاعب : رجل ، وقيل بلد . " سمهرية " هي ms1352 القنا ~~الصلبة منسوبة إلى سمهر ، كان رجلا يقوم الرماح . " شراعي " هو الرمح ~~الطويل . " شطاط " القناة المعتدلة . " صدق " هو الصلب من الرمح . " صعدة " ~~وهي القناة المستوية من أصل نبتها التي لا تحتاج إلى تثقيف ، والجمع صاد . ~~" صمع " هي الصلبة اللطيفة العقد . " ضلع " هو الرمح المعوج . " ضليع " هو ~~الرمح المائل . " ضب " اعوجاج في الرمح . " عنزة " وهي أطول من العصا وأقصر ~~من الرمح وفيها زج كزح الرمح . " عكازة " نحوها . " عاسل " هو الرمح الشديد ~~الاضطراب . " عسال " . " عسول " . " عرات " : مثل عاسل . " عشوزنة " القناة ~~الصلبة . " عراص " هو الرمح المضطرب . " عتل " هو الرمح الغليظ . " قناة " ~~وجمعها قنى وقنوات وقني وقناء . " قصد " أي مكسر . " لدن " إذا هو تدافع ~~كله . " متثنى " كان من رماح سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . " ~~مدعس " . " مطرد " أي صغير . " منجل " أي واسع الطعن . " مزج " هو صغير ~~كالمزارق . " مزارق " هو أخف من العنزة . " متل " رمح قوي يصرع به ؛ قال ~~لبيد : أعطف الجوع بمربوع متل PageV06P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" " مسمح " هو الذي ثقف . " مخموس " هو الذي ~~طوله خمسة أذرع ؛ قال عبيد يذكر ناقته : هاتيك تحملني وأبيض صارما . . . ~~ومذربا في مازن مخموس " مربوع " هو الذي طوله أربعة ، وقيل الذي ليس بطويل ~~ولا قصير . " معرن " هو الرمح المسمر السنان بالعراق وهو المسمار . " مرانة ~~" . " مثقفة " وهي الرماح التي ثقفت أي سويت . " مدرية " وهي التي كانت ~~تركب فيها الفرون المحددة مكان الأسنة ، وقيل : إنها نسبت إلى قرية باليمن ~~يقال لها مدر . " نيزك " وهو رمح قصير ، يقال : إنه فارسي وعرب . " هزع " ~~أي مضطرب . " وشيج " وهي شجرة الرماح . " وشج " نوع منه ينبت في الأرض ~~معترضا . " يزني " مثل " أزنى " . ومن أسماء السنان " أعجاف " وهو الرقيق . ~~" أشهب " إذا جلق " أذلق " وهو الحاد . " حرب " قال حربت السنان إذا حددته ~~. " خرص " وهو اسم السنان وللرمح أيضا . " خزق " و " خازق " يقال في أمثال ~~العرب : " أمضى من خازق " " ذرب " يقال : ذربته أي حددته . " ذلق " مثله . ~~" رعب " . " زرق " . " سيحف " هي نصال قصار عراض ؛ قال الشنفري : لها وفضة ~~فيها ثلاثون سيحفا . . . إذا آنست أولى العدى اقشعرت PageV06P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" " سنان ms1353 " وجمعه أسنة . " صلبي " سنان مسنون . ~~" عامل " . " عذار " وعذار السنان شفرتاه . " عير " الناتئ في وسطه . " ~~قارية " حد السنان . " لهذم " هو السنان الحاد القاطع . " مصلب " أي مسنون ~~. و " مطحر " و " محدد " و " مطرور " مثله . " مذرب " أي محدد ؛ قال كعيب : ~~بمذربات بالأكف نواهل . . . وبكل أبيض كالغدير مهند ومن أسماء ما يعقد ~~عليها " أم " الأم : العلم الذي يتبعه الجيش . " بند " هو العلم الكبير ، ~~وهو فارسي معرب . " حقيقة " هي الراية ؛ قال عامر بن الطفيل : أنا الفارس ~~الحامي حقيقة جعفر " خفق " خفقت الراية إذا اضطربت . " علم " الراية ، وقيل ~~: الذي يعقد على الرمح . " عقاب " العقاب : العلم الضخم . " غاية " وهي ~~الراية . " لواء " وهو دون الأعلام والبنود . " عذبة " خرقة تعقد على رأس ~~الرمح وأما إذا حمله الرجل وطعن به : يقال : " اعتقل الرمح " إذا جعله بين ~~ركابه وسافه . " أقرن " إذا رفع رأس رمحه . " اقتلع " إذا أخذ الرمح ليحمل ~~به . " امتعط " و " انتزع " مثل اقتلع . " أشرع " إذا قابل به خصمه " بوأ " ~~يقال : بوأت الرمح إذا سددته " تيمم " تيمه إذا قصده دون غيره ؛ قال الخليل ~~بن أحمد : يممته الرمح شزرا ثم قلت له . . . خذها حذيف فأنت السيد الصمد ~~PageV06P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" ومثل " تيمم " " جعب " . " حجل " " حجدل " . ~~" جعفل " ؛ قال الشاعر : جعفلتها لما أبت أن تخضعا " جور " مثله " جدل " ~~يقال : طعنه فجدله أي رماه إلى الأرض . " جرجم " يقال : جرجمه إذا صرعه . " ~~حفز " أي طعن . " خطار " هو الطعان بالرمح ؛ قال الشاعر : مصاليت خطارون ~~بالرمح في الوغى " خار " يقال طعنه فخار ، أي أصاب خورانه وهو مجرى الروث . ~~" دعس " إذا طعن . " دسر " أي طعن طعنة قوية . " رامح " أي ذو رمح ، لا فعل ~~له . " رصع " إذا طعن . " رمح " مثله . " ركز " إذا غرز رمحه في الأرض . " ~~زج " إذا طعن بالزج " سلق " إذا طعنه فوقع على ظهره . " سر " إذا طعنه في ~~سرته ؛ قال الشاعر : نسرهم إن همو أقبلوا . . . وإن أدبروا فهمو من نسب أي ~~نطعنهم في سباتهم . " شجر " إذا طعن . " شك " إذا طعنه فخرقه . " طعن " . " ~~قرطب " إذا طعن فصرع . " قعف " إذا طعنه فقعفه . " قعر " مثله . " قطر " أي ~~طعنه فألقاه على ms1354 قطريه وهما جانباه ؛ قال الهذلي : مجدلا يتسقى جلده دمه . ~~. . كما يقطر جذع الدومة القطل والقطل المقطوع . " قدع " يقال : تقادعوا ~~إذا تطاعنوا . " لهز " إذا طعنه في صدره . " لزه " إذا طعنه . " مداعسة " ~~وهي المطاعنة . " رماح نوادس " ؛ قال الكميت ونحن صبحنا آل نجران غارة . . ~~. تميم بن مر والرماح النوادسا PageV06P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" " مدعس " أي طعان . " مداعس " مثله . " مزجوج ~~" الذي طعن بالزج . " مكور " هو الذي طعن بالرمح ؛ قال الفرزدق : حملت عليه ~~حملة فطعنته . . . فغادرته فوق الفراش مكورا " جائفة " قال طعنه طعنة جائفة ~~إذا وصلت إلى جوفه . " نجلاء " هي الطعنة الواسعة . " نكت " يقال : طعنته ~~فنكته إذا وقع على رأسه . " هرع " يقال : هرع القوم الرماح إذا شرعوها ~~ومضوا بها . " وخض " يقال : وخضه إذا طعنه طعنا لا ينفذ ؛ قال الشاعر : ~~وخضا إلى النصف وطعنا أرصعا وأما ما وصفه به الشعراء : فمن ذلك ما قاله أبو ~~تمام حبيب بن أوس الطائي : أنهبت أرواحه الأرماح إذ شرعت . . . فما ترد ~~لريب الدهر عنه يد كأنها وهي في الأوداج والغة . . . وفي الكلى تجد الغيظ ~~الذي تجد من كل أزرق نظار بلا نظر . . . إلى المقاتل ما في متنه أود كأنه ~~كان خدن الحب مذ زمن . . . فليس يعجزه قلب ولا كبد وقال مؤيد الدين ~~الطغرائي : وخفاقة طوع الرياح كأنها . . . كواسر دجن ألثقتها الأهاضيب تميد ~~بها نشوى القدود كأنها . . . قدود العذارى يزدهيهن تطريب PageV06P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" يرنحها سقيا الدماء كأنها . . . مدام وآثار ~~الطعان أكاويب بها هزة بين ارتإح ورهبة . . . وللنصر مرتاح وللهول مرهوب ~~لها العذبات الحمر تهفو كأنها . . . ضرام بمستن العواصف مشبوب إذا نشرت في ~~الروع لاحت صحائف . . . عليهن عنوان من النصر مكتوب طوالع ، طرف الجو منهن ~~خاسئ . . . حسير وقلب الأرض منهن مرعوب وقال آخر : ومطرد لدن الكعوب كأنما ~~. . . تغشاه منباع من الزيت سائل أصم إذا ما هز مارت سراته . . . كما مار ~~ثعبان الرمال الموائل له رائد ماضي الغرار كأنه . . . هلال بدا في ظلمة ~~الليل ناحل وقال حوبة بن حوية يصف السنان : فأعد أزرق في القناة كأنه . . . ~~في طخية الظلماء ضوء شهاب وقال دعبل ms1355 : وأسمر في رأسه أزرق . . . مثل لسان ~~الحية الصادى PageV06P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" وقال آخر : جمعت ردينيا كأن سنانه . . . سنا ~~لهب لم يستعر بدخان وقال أحمد بن محمد بن عبد ربه : بكل رديني كأن سنانه . ~~. . شهاب بدا في ظلمة الليل ساطع تقاصرت الآجال في طول متنه . . . وعادت به ~~الآمال وهي فجائع وساءت ظنون الحرب في حسن ظنه . . . فهن لحبات القلوب ~~قوارع وقال أبو محمد بن مالك قرطبي من رسالة جاء منها في وصف الرمح : ومن ~~كل مثقف الكعوب ، أصم الأنبوب ؛ كأنما سلب من الروم زرقتها ، واجتلب من ~~العرب سمرتها ؛ وأخذ من الذئب عسلانه ، ومن القلب الجبان خفقانه ، ومن ~~رقراق السراب لمعانه ؛ واستعار من العاشق نحوله ، ومن العليل . قال أبو ~~تمام : مثقفات سلبن الروم زرقتها . . . والعرب أدمتها والعاشق القضفا القوس ~~العربية روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه دخل على النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وهو متقلد قوسا عربية ، فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~هكذا جاءني جبريل اللهم من استطعمك بها فأطعمه ومن استنصرك بها فانصره ومن ~~استرزقك بها فارزقه " . وقال : " ما مد الناس إلى شيء من السلاح إلا وللقوس ~~عليه أفضل " . والقوس مؤنثة . وتصغيرها قويس . وجمعها أقواس وقياس وقسي . ~~ولها أجزاء وأسماء . فأما أجزاؤها فكبدها : ما بين طرفي العلاقة . ويليه ~~الكلية . ويلي الكلية الأبهر . ثم الطائف ، وهما طائفان : الأعلى والأسفل . ~~والسية : ما عطف من طرفيها . ويدها : أعلاها . ورجلها : أسفلها . والعجس ~~والمعجس : مقبضها . وإنسيها : ما أقبل PageV06P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" على الرامي . ووحشيها ما كان إلى الصيد . ~~والفرض والفرضة : الحزة التي يقع فيها طرف الوتر المعقود وهو السية . وما ~~فوق الفرضة : الظفر والكظر . أسماء القوس ونعوتها فمنها : " بانية " أي ~~بانية على وترها إذا التصقت به . " جشو " هي القوس الغليظة وقيل الخفيفة ؛ ~~قال أبو ذؤيب : ونميمة من قانص متلبب . . . في كفه جشو أجش وأقطع " جلهق " ~~وجمعها جلاهق ، وهي قسي البندق . " حنانة " التي تحن عند الإنباض ؛ قال ~~الشاعر : وفي منكبي حنانة عود نبعة . . . تخيرها لي سوق بكة بائع " حاشكة " ~~وهي القوس البعيدة الرمي ms1356 . " حنيرة " وهي القوس بغير وتر ، وفي الحديث : " ~~لو صليتم حتى تكونوا كالحنائر ما نفعكم حتى تحبوا آل رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) " . " حدلاء " هي القوس التي تطامنت سيتها . " حصوب " وهي التي ~~إذا رمي عنها انقلب وترها . " رهيش " التي إذا رمي عنها اهتزت وضرب وترها ~~أبهرها . " زفيان " هي السريعة الإرسال للسهم . " زوراء " سميت بذلك لميلها ~~. " شسيب " وهو من أسمائها . " شريحة " . " شدفاء " سميت بذلك لاعوجاجها . ~~" صفراء " . " صريع " . " ضروح " وهي الشديدة الخفر والدفع للسهم . " طحور ~~" البعيدة الرمي . " طروح " مثل ضروح . " طلاع الكف " إذا كان مقبضها يملأ ~~الكف . " عاتك " هي القوس التي PageV06P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" احمرت من الفدم ، ومثله العاتكة . " عاتتي " ~~هي التي تغير لونها . " عطوى " هي المؤاتية السهلة ؛ قال الشاعر : له نبعة ~~عطوى كأن رنينها . . . بألوى تعاطته الأكف المواسح " عراضة " وهي العريضة . ~~" عبهر " هي القوي الممتلئة العجس . " عطافة " . " عطيفة " . " عطفى " ~~القوس المعطوفة ؛ قال أسامة الهذلي : فمد ذراعيه وأجنأ . . . وفرجها عطفى ~~مرير ملاكد " عطوف " هي المعطوفة السيتين إحداهما على الأخرى . " عتلة " ~~والعتلة : القوس الفارسية ، وجمعها عتل . " عوجاء " وهو من أسمائها . " ~~عثوث " وهي القوس المرنة . قال كثير : هتوفا إذا ذاقها النازعون . . . سمعت ~~لها بعد حبض عثاثا PageV06P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" " عطل " هي التي لا وتر عليها . " غلفاء " ~~التي في غلافها . " فرع " و " فرعة " وهما من جياد القسي . " فجاء " توصف ~~بذلك إذا بان وترها عن كبدها . " فجواء " مثلها . " فلق " إذا كانت مشقوقة ~~ولم تكن قضيبا . " فرج " إذا تنفجت سياتها . " قوس قعساء " والقعس هو نتوء ~~باطن القوس من وسطها ودخول ظاهرها . " قؤود " وهي السلسة المنقادة . " ~~كبداء " وهي التي يملأ كبدها الكف . " كزة " وهي القصيرة . " مسحنة " وهي ~~الحسنة المنظر . " مطحر " التي ترمي بسهمها صعدا . " محدلة " التي تطامنت ~~سيتها مثل الحدلاء . " مروح " وهي القوس الحسنة التي يمرح من رآها عجبا بها ~~. ويقال : ممراح وممرح أي نشيط . " مهوك " القوس اللينة . " مسيحة " وهو من ~~أسمائها . " معطفة " هي القوس المعطوفة السيتين . " مطعمة " ؛ قال الشاعر : ~~وفي الشمال من الشريان مطعمة . . . كبداء في عجسها عطف وتقويم وقيل : سميت ~~بذلك لأنها تطعم . " معطوفة " . " ماسخيات " هي ms1357 أقواس تنسب إلى ماسخة رجل ~~من الأزد كان قواسا ؛ قال الشماخ بن ضرار : فقربت مبراة تخال ضلوعها . . . ~~من الماسخيات القسي الموترا " ناترة " وهي التي تقطع الوتر لصلابتها ، ~~وجمعها نواتر . " نفوح " هي الشديدة الدفع للسهم . " همزى " مثلها . الوتر ~~فمن أسمائه : " حبجر " وهو الوتر الغليظ ، وكل غليظ كذلك ؛ قال الشاعر : ~~أرمى عليها وهي شيء بجر . . . والقوس فيها وتر بحجر وهي ثلاث أذرع وشبر ~~PageV06P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" " سرعان " وهو الوتر القوي ؛ قال الشاعر : ~~وعطلت قوس اللهو من سرعانها . . . وعادت سهامي بين أحنى وناصل " شرعة " ~~الشرعة : الوتر الرقيق ، وقيل مادام مشدودا . " فرو " . " هجار " . " وتر " ~~. وأما أصوات القوس : يقال : " أرنت " إذا رمي عنها فصوتت . " أنبض " . " ~~أنضب " . " حضب " وجمعه أحضاب . " رجعت " . " زجوم " . الزجوم التي ليست ~~شديدة الإرنان . " سجعت " إذا مدت حنينها على جهة واحدة . " عجاجة " . " ~~عزفت " . " عداد " هو صوت الوتر . " عولت " مثل أرنت . " كتوم " وهي التي ~~لا ترن . " مرنان " وهي التي إذا رمي عنها صوتت ؛ قال الشنفري : إذا زل ~~عنها السهم رنت كأنها . . . مرزأة ثكلى تحن وتعول " نأمت " أي صوتت . " ~~هتفى " . " هتافى " . " هزج " و " هزجت " إذا صوتت عند إنباض الرمي عنها ؛ ~~قال الكميت : لم يعب ربها ولا الناس منها . . . غير إنذارها عليها الحميرا ~~بأهازيج من أغانيها الجش وإتباعها النحيب الزفيرا وقال الشماخ : إذا أنبض ~~الرامون عنها ترنمت . . . ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز وقال آخر : وهي إذا ~~أنبضت عنها تسجع . . . ترنم الثكلى أبت لا تهجع وقال آخر : تسمع عند النزع ~~والتوتير . . . في سيتيها رنة الطنبور PageV06P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" وإذا وتر القوس أو أخذ عنها وترها يقال : " ~~حظرب قوسه " إذا شد توتيرها . " طحمر " إذا وترها . " متن " مثله . " وتر " ~~. " عطل " يقال : عطل القوس إذا أخذ عنها الوتر . وأما إذا حمل القوس أو ~~اتكأ عليها : يقال : " تنكب القوس " إذا ألقاها على منكبه . " تأتب " يقال ~~: تأتب قوسه إذا جعلها على ظهره . " متقوس " إذا كان معه قوس . " انكب " ~~والأنكب الذي لا قوس معه . " ارتكز " إذا وضعها بالأرض واعتمد عليها . هذا ~~ما قيل في القوس من الأسماء والصفات اللغوية ؛ فلنذكر تركيب القوس ومبدأ ~~عملها ms1358 . ذكر ما قيل في تركيب القوس ، ومبدأ عملها ومن رمى عنها ، ومعنى ~~الرمي . أما تركيب القوس : فقد أجمع الرماة أنها مبنية على طبائع الإنسان ~~الأربع وهي : العظم ، ونظيره في القوس الخشب . واللحم ، ونظيره في القوس ~~القرون . والعروق والعصب ، ونظيرها في القوس العقب . والدم ، ونظيره في ~~القوس الغراء . وأما مبدأ عملها : اختلف الناس في القوس ومبدأ عملها ومن ~~رمى عنها ، فقال بعض أهل العلم : إن القوس جاء بها جبريل إلى آدم عليه ~~السلام وعلمه الرمي عنها ، وتوارثه ولده إلى زمن نوح عليه السلام ، وذكرت ~~الفرس في كتاب الطبقات الأربع : أن أول من رمى بها جمشيد الملك الفارسي ، ~~وقيل إنه كان في زمن نوح عليه السلام ، وتوارثه بعده ولده طبقة بعد طبقة . ~~وقال آخرون : إن أول من رمى عنها النمرود ، وخبره مشهور في رميه نحو السماء ~~وعود سهمه إليه وقد غمس من الدم . وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى مبينا في ~~قصة إبراهيم عليه السلام . ورمى عنها بعد النمرود سامن اليماني ثم كند بن ~~سامن ثم رستم من المجوس ثم اسفنديار وغيرهم . وقيل : إن أول من وضعها بهرام ~~جور بن سابور ذي الأكتاف ، وهو من الملوك الساسانية ، وإنه عملها من الحديد ~~والنحاس والذهب ، ولم يكن رآها قبل ذلك ، فلم تطاوعه في المد فعملها من ~~القرون والخشب والعقب . وهذا القول PageV06P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" مردود على قائله ، لأن الفرس الأول لم تزل ~~تفتخر بالرمي في الحروب والصيد ، ولم ينقل أن الرمي انقطع في دولة ملك منهم ~~. والله تعالى أعلم . وأما معنى الرمي : ومعنى الرمي عند العرب هو القصد ، ~~وذلك أنهم يقولون : رميت ببصري الشيء ، أي قصدت إليه به ؛ قال ابن الرومي : ~~نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمها . . . ثم انثنت عنه فكاد يهيم ويلاه إن نظرت وإن ~~هي أعرضت . . . وقع السهام ونزعهن أليم وقال العباس بن الأحنف : قالت ظلوم ~~سمية الظلم . . . ما لي رأيتك ناحل الجسم يا من رمى قلبي فأقصده . . . أنت ~~العليم بموضع السهم وأما معناه عند العجم ، فقد حكي عن بهرام أنه قال : ~~معنى رميت ms1359 الشيء أي رمته فوصلت إليه . وهو مقارب لمعناه عند العرب ، لأنه ~~إنما أراد بما رامه القصد له . هذا ما قيل في القوس . فلنذكر ما قيل في ~~السهم ، ثم نذكر بعد ذلك ما قيل فيهما من النظم والنثر . ما قيل في السهم ~~روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إن الله عز وجل ليدخل ~~بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ~~والممد به " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " ارموا واركبوا وأن ترموا ~~أحب إلي من أن تركبوا " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) وقد مر على نفر من ~~أسلم ينتضلون فقال : " ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا PageV06P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" وأنا مع بني فلان " ، فأمسك أحد الفريقين ~~بأيديهم ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ما لكم لا ترمون " ؛ ~~فقالوا : كيف نرمي وأنت معهم قال : " ارموا وأنا معكم كلكم . وعن حمزة بن ~~أبي أسيد عن أبيه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم بدر حين ~~صففنا لقريش وصفوا لنا : " إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل " . وعنه ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أنه قال : " من تعلم الرمي ثم تركه فهو نعمة تركها " . ومما ~~يدل على تعظيم قدر الرامي ما ورد عن عبد الله بن شداد قال : سمعت عليا يقول ~~: ما رأيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يفدي رجلا بعد سعد ، سمعته يقول : ~~" ارم فداك أبي وأمي " . وسعد هذا هو سعد بن مالك . وكلام رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) له كان في يوم أحد . وللسهم أسماء وصفات ونعوت نطقت بها ~~العرب : منها : " أقذ " والأقذ : الذي لا ريش عليه . " أهزع " وهو السهم ~~الذي يبقى في الكنانة وحده لأنه أردأ ما فيها ، ويقال : هو أجودها وأفضلها ~~؛ ويقال : ما في جفيره أهزع ، قال العجاج : لا تك كالرامي بغير أهزعا وقال ~~آخر : فأرسل سهما له أهزعا . . . فشك نواهقه والفما " أفوق " هو المكسور ~~الفوق . " أمرط " هو الذي سقط قذذه . " أغضف " وهو الغليظ الريش . " أصمع " ~~وهو الرقيق . " ثجر " وهي سهام غلاظ ms1360 . " ثلث " وهو سهم من ثلاثة ، ومثله ~~ثليث وسبيع وسديس وخميس . " جباع " وهو الذي بغير نصل . " جماع " سهم مدور ~~الرأس يتعلم به الصبي الرمي . " حشر " يقال : سهم حشر ، وسهام حشر أي دقاق ~~. " حاب " وهو الذي يزحف في الأرض ثم يصيب الهدف . " حابض " وهو ~~PageV06P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" الذي يقع بين يدي راميه . " حظاء " هي سهام ~~صغار ، والواحدة : حظوة ، وتجمع على حظوات ، وتصغيرها : حظيات . " حسبان " ~~سهام صغار يرمى بها عن القسي الفارسية ، والواحدة حسبانة . " خارق " وهو ~~السهم الذي يصيب القرطاس . " خشيب " وهو حين يبرى البري الأول . " خلط " ~~وهو السهم الذي ينبت عوده على عوج فلا يزال يتعوج وإن قوم . " دالف " وهو ~~الذي يصيب ما دون الغرض ثم ينبو عن موضعه ، والجمع دلف . " دابر " وهو الذي ~~يخرج من الهدف . " رقميات " سهام تنسب إلى موضع بالمدينة . " زالج " وهو ~~الذي يتزلج من القوس أي يسرع ، وكل سريع زالج . " زاحف " وهو الذي يقع دون ~~الغرض ثم يزحف إليه . " زمخر " وهو النشاب واحدته زمخرة ، ويقال : هو ~~الطويل منه . " سهم سندري " نوع من السهام منسوب إلى السندرة وهي شجرة . " ~~سروة " سهم صغير ، والجمع سراء . " شارف " سهم طويل دقيق ، وقيل الذي طال ~~عهده . " شاخص " أي جاز الغرض من أعلاه . " شارم " وهو الذي يشرم جانب ~~الغرض . " صادر " هو النافذ . " صنيع " . " عبر " هو الموفور الريش . " ~~عموج " هو الذي يتلوى في ذهابه وهو الاعوجاج في السير . " عصل " السهام ~~المعوجة . " عفر " . " عائر " وهو السهم الذي لا يدرى من أين أقبل . " غرب ~~" يقال : سهم غرب ، وهو الذي يأتي ولا يعلم المصاب به من أين يأتي . " فالج ~~" هو السهم الفائز . " قطع " هو السهم العريض . " قدح " قبل أن يراش ويركب ~~نصله . " قطبة " سهم صغير يرمى به . " قطيع " قبل أن يبرى حين يكون قضيبا ، ~~والجمع قطع . " قترة " سهم صغير لا حديد فيه . " كتاب " سهم صغير مدور ~~الرأس مثل " جماح " . " كثاب " سهم صغير ؛ قال الشاعر : رمت عن كثب قلبي . ~~. . ولم ترم بكثاب " لأم " وهو السهم . " معبر " وهو السهم الموفور الريش . ~~" منزع " هو السهم مطلقا ، ويقال : المنزع : الذي يرمى أبعد ms1361 ما يكون ؛ قال ~~الأعشى : فهو كالمنزع المريش من الشو . . . حط غالت به يمين المغالي ~~PageV06P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" " مريش " ذو الريش . " مخلق " هو المصلح . " ~~مصراد " هو النافذ . " مقتعل " هو الذي لم يبر بريا جيدا ؛ قال لبيد : ~~فرميت القوم رشقا صائبا . . . ليس بالعصل ولا بالمقتعل " مطحر " هو البعيد ~~الذهاب ؛ قال أبو ذؤيب : فرمى فألحق صاعديا مطحرا . . . بالكشح فاشتملت ~~عليه الأضلع " مرماة " سهم صغير . " منجاب " هو الذي لا ريش عليه ولا نصل . ~~" مغلق " اسم لكل سهم . " مريخ " سهم طويل له أربع قدذ . " منجوف " هو ~~السهم العريض . " مراط " التي تمرط ريشها . " مقزع " الذي ريش بريش صغار . ~~" مرتدع " الذي إذا أصاب الهدف انفضح عوده . " معراض " ذو ريش يمضي عرضا ، ~~وقيل : سهم طويل له أربع قذذ دقاق فإذا رمي به اعترض . " متصمع " هو المنضم ~~الريش من الدم ، وقيل : الملطخ بالدم . " مشقص " سهم له نصل عريض . " معقص ~~" الذي ينكسر نصله ويبقى سنخه في السهم . " نكس " هو الذي انكسر فوقه فجعل ~~أسفله أعلاه . " نواقر " هي السهام التي تصيب . " نشاب " . " نجيف " هو ~~العريض النصل ، والجمع نجف ؛ قال الهذلي : نجف بذلت لها خوافي ناهض . . . ~~حشر القوادم كاللفاع الأطحل " هزاع " هو الذي يبقى في الكنانة وحده مثل ~~الأهزع . أسماء النصل فمنها : " رهب " وهو النصل الرقيق ، والجمع رهاب . " ~~رهيش " مثله . " قطع " هو النصل العريض ، وجمعه أقطاع ، وقيل : نصل صغير ، ~~وقيل : السهم الصغير . " قطبة " نصل الهدف . " مرماة " هو النصل المدور . " ~~معبلة " نصل طويل عريض ، وقيل : حديدة مصفحة لا عير لها . " نضي " هو نصل ~~السهم . " وقيع " PageV06P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" هو النصل المحدد ؛ قال عنترة : وآخر منهم ~~أجررت رمحي . . . وفي البجلي معبلة وقيع فهذه أسماء السهم والنصل . وإذا ~~أصاب السهم يقال : " ارتز السهم " إذا ثبت في القرطاس . " أصاب " . " أقصد ~~" إذا قتل مكانه ؛ قال أخطل : فإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني . . . بسهميك ~~فالرامي يصيب ولا يدري " بصر " إذا طلى رأسه بالبصيرة وهي الدم . " تاز " ~~يقال : تاز السهم إذا أصاب الرمية فاهتز بها . " خزق " إذا أصاب . " خسق " ~~مثله . " خصل " إذا وقع بلزق القرطاس ، وقيل : الخصل الإصابة ؛ ويقال ms1362 : ~~تخاصل القوم إذا تراهنوا في الرمي ، وأحرز فلان خصل فلان إذا غلب . " دبر " ~~إذا خرج عن الهدف . " شظف " إذا دخل بين الجلد واللحم . " صرد " يقال : صرد ~~السهم من الرمية إذا نفذ منها . " صاف " مثل " ضاف " و " طاش " إذا لم يصب ~~. " عصل " إذا التوى في الرمي . " عظعظ " إذا لم يقصد الرمية . " قحز " إذا ~~وقع بين يدي الرامي . " مرق " إذا نفذ من الرمية . " نصل " إذا ثبت نصله في ~~الشيء فلم يخرج . " نضا " بمعنى ذهب . " نفذ " أي من الرمية . وأما ما يضاف ~~إلى الرامي : يقال : " أذلق " عبارة عن سرعة الرمي . " أشخص " إذا مر سهمه ~~برأس الغرض . " انتضل " يقال : انتضل القوم وتناضلوا إذا تراموا للسبق . " ~~تيمم " إذا قصد نحو جهة بالسهم . " تنعير " إذا أدار السهم على ظفره ليعرف ~~قوامه من عوجه . " تنفيز " مثله . " رمى " معروف . " رشق " إذا رمى القوم ~~بأجمعهم في جهة واحدة . " زلخ " الزلخ رفع اليد في السهم إلى أقصى ما يقدر ~~عليه . " سعر " إذا رمى . " عقى " بالسهم إذا رمى به في الهواء وارتفع في ~~طيرانه . " غلا " إذا رمى أقصى الغاية . " لعط " PageV06P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" إذا رمى فأصاب . " لتأ " يقال : لتأ بالسهم ~~إذا رمى به . " ناشب " والناشب هو الرامي . " ندب " إذا رمى في جهة واحدة . ~~" نجف " إذا برى السهم . وأما أوعية السهام : " جعبة " وجمعها جعاب . " ~~جفير " وهو أوسع من " الكنانة " . " ظفرة " إذا كانت ممتلئة . " عيبة " مثل ~~جعبة . " قرن " . " نثل " يقال : نثلت كنانتي إذا استخرجت ما فيها . وأما ~~ما وصف به القوس والسهم من النظم والنثر . قال عتاب بن ورقاء : وحط عن ~~منكبه شريانة . . . مما اصطفى باري القسي وانتقى أم بنات عدها صانعها . . . ~~ستين في كتابه مما برى ذات رءوس كالمصابيح لها . . . أسافل مثل عراقيب ~~القطا إن حركت حنت إلى أولادها . . . كحنة الواله من فقد الطلا حتى إذا ما ~~قرنت ببعضها . . . لانت ومال طرفاها وانثنى وقالوا : أجود ما شبه به فوق ~~السهم قول الشاعر : أفواقها حشو الجفير كأنها . . . أفواه أفرخة من النغران ~~ومن إنشاء المولى القاضي شهاب الدين محمود الحلبي الكاتب : خطبة عملها ~~الرامي ms1363 نشاب ، وهي : الحمد لله الذي جعل سهم الجهاد إلى مقاتل أعداء دينه ~~مسددا ، وحكم الجلاد بإصابة الغرض في سبيله مؤيدا ، وسيف الاجتهاد في نكاية ~~من كفر به وبرسوله على PageV06P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" الأمد مجردا ، وركن الإيمان بإعداد القوة وهي ~~الرمي فيما ورد عن نبيه على كر الجديدين مجددا ؛ الذي أعاد رداء الجهاد في ~~مواطن الصبر بالنصر معلما ، وأباد أهل الإلحاد بأن جعل لحماة دينه في ~~أرواحهم أقساما وفي مقاتلهم أسهما ، وأزال بأيدي القسي من معاقل أهل الكفر ~~حكم كماتهم الذين ارتقوا منها خشية الموت سلما ، وأفاء على الإسلام من ~~النصر ما فاء به كل دين له خاضعا وآل إليه مستسلما ، وأبان حكم الأدب في ~~تجرد العبد من القوة إلا به بقوله عز من قائل : " وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى " . نحمده على نعمه التي لم يزل بها قدح الدين فائزا وسهمه مصيبا ~~، ومننه التي ما برح بها جد الكفر مدبرا فلا يجد له في إصابة نصل أو نصر ~~نصيبا ، وآلائه التي لا تنفك بها سوام السهام ترد من وريد الشرك منهلا عذبا ~~وترود من حب القلوب مرعى خصيبا ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~شهادة تدني النصر وإن بعد مداه ، وتدمي النصل الذي على راميه إرساله إلى ~~المقاتل وعلى الله هداه ، وتسمي القدر لمن ناضل عليها فيفوز في الدنيا ~~والآخرة بما قدمت يداه ؛ ونشهد أن محمدا عبده الذي نصر بالرعب على من كفر ، ~~ورسوله الذي رمى جيش الشرك بقبضة من تراب فكان فيها الظفر ، ونبيه الذي نفر ~~إلى أهل بدر بنفر من أصحابه فجمع الله النصر والفخر لأولئك النفر ؛ صلى ~~الله عليه وعلى آله وصحبه الذين آمنوا بما أنزل عليه وجاهدوا بين يديهن ~~واختصوا بالذب عنه بمزايا القرب حتى سعد سعد بما جمع له ، حين أمره بالرمي ~~، في التفدية بين أبويه ، وخص بعموم الرضوان عمه العباس الذي أقر الله ~~بإسلامه ناظريهن وبشره رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) باستخلاف بنيه في ~~الأرض فيما أسر به ms1364 إليه . وبعد ، فإن الرمي أفضل ما أعد للعدا ، وأكمل ما ~~أفيض به على أهل الكفر رداء الردى ؛ وأبلغ ما يبعث إلى المقاتل من رسل ~~المنون ، وأنفع ما يقتضى به في الوغى من أعداء الدين الديون ، وأسرع ما ~~تبلغ به المقاصد فيما يرى قريبا وهو أبعد ما يكون ؛ وأنكى ما تقذف به عن ~~الأهلة شهب الحتوف ، وأسبق ما تدرك به الأغراض قبل أن تعرف بها الرماح أو ~~تشعر بمكانها السيوف ، ما طلع في سماء النقع قوسه إلا سح وبل النبل ، ولا ~~استبقت الآجال وسهمه إلا كان في بلوغها السبق من بعد والسبق من قبل . ومن ~~شرف قدره الذي دل عليه كلام النبوة ، أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) نبه ~~على أنه المراد بقوله تعالى : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " . ~~PageV06P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" ومن أسباب فضله الذي أصبح به قدره ساميا ، ~~وفخره ناميا ، وقطره في أفق النصر هاميا ، ما ورد من قوله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) لفتية ممن أسلم من أسلم : " ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان ~~راميا " . ومما عظمت به على الأمة المنة ، وغدت فيه نفوس أرباب الجهاد ~~بالفوز في الدنيا والآخرة مطمئنة ، قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " تعلموا ~~الرمي فإنه ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة " ز ومن فضل الرمي الذي لا ~~يعرف التأويل ، ما نقل من قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من رمى بسهم في ~~سبيل الله أخطأ أو أصاب فكأنما أعتق رقبة من ولد إسماعيل " ز ومما يرفع قدر ~~السهم ما روي عنه ( صلى الله عليه وسلم ) من قوله : " إن الله يدخل بالسهم ~~الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير وراميه ومنبله " . ومما ~~حضهم به على الرمي ليجتهدوا فيه ويدأبوا : قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا " . ومن خصائص السهم أنه ذو ~~خطوة في الهواء وحكم نافذ في الماء ، وتصرف حتى في الوحش السانح في الأرض ~~والطير المحلق في السماء ؛ يكلم بلسان من حديد ، ويبطش عن ms1365 باع مديد ؛ إن ~~رام غرضا طار إليه بأجنحة النسور ، وإن حمى معلما أصاب الحدق وصان الثغور ؛ ~~يوجد بصره حيث فقد ، وإذا انفصل عن أمه لم يسر من كبد إلا إلى كبد ؛ أنجز ~~فعله على ما فيه من إخلاف الطباع ، وشرفت أجناسه بكونها أولى أجنحة مثنى ~~وثلاث ورباع . ومن خصائص القوس أنها عقيم ذات بنين ، صامتة وهي ظاهرة ~~الأنين ؛ لها كبد وهي غير مجوفة ، ويد لا تملك شيئا وهي في الأرواح متصرفة ~~؛ ورجل ما نقلت قدما ، وقبضة ما عرفت إثراء ولا عدما ؛ فهي نون ما ألف ~~الماء ، وهلال ما سكن السماء ، وقاتلة ما باشرت الدماء . ولما كان أهل هذه ~~الفضيلة يتفاوتون في مواهبها ، ويتباينون في مذاهبها ؛ ويبلغ أحدهم بصنعته ~~ما يبلغه الآخر بقواه ، ويصل بإتقانه إلى ما لا يدركه من وجود التساوي سواه ~~؛ وكان فلان ممن له هذا الشأن الباع المديد والساعد الشديد ، والإتقان الذي ~~يتصرف به في الرمي كيف يشاء ويضع به السهم حيث يريد ؛ كأنما سهمه بذرع ~~الفضاء موكل ، أو للجمع بين طرفي الأرض مؤهل ، أو لسبق البروق معد إذا لمعت ~~في حواشي السحاب المفوفة وخطرت في هداب الدمقس المفتل . وله المواقف التي ~~تشق سهامه فيها الشعر ، وتبلغ بها من الأغراض المتباعدة ما يشق إدراكه على ~~النظر ؛ فمنها أنه لما كان في اليوم الفلاني فعل كذا وكذا . ووصف ما فعله . ~~هذا شيء مما قيل في السلاح فلنذكر الجنن . PageV06P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" ذكر ما قيل في الجنة . والجنة : ما اتقي بها ~~كالترس ، والبيضة ، والدرع . فأما الترس : فمن أسمائه : " بصيرة " . " ترس ~~" . " جوب " . " جنة " . " حجفة " وهي الترس الصغير ، وجمعها حجف . " درقة ~~" وجمعها درق . " عنبر " وهو الترس . " فرض " وهو الخفيف ؛ قال الهذلي : ~~أرقت له مثل لمع البشير . . . يقلب بالكف فرضا خفيفا " قفع " والقفع جنن ~~كالمكاب تتخذ من الخشب يدخل الرجال تحتها إذا زحفوا على الحصون ، ويسمونها ~~في زماننا الحنويات . " قراع " وهو الترس الصلب . " كنيف " وهو الساتر لأنه ~~مشتق من الاكتناف . " لاي " . " مجن " . " مجنأ " . " مجول " . " مطرق " . ~~" مجنب " . " يلب " . قال الشاعر : عليهم كل سابغة دلاص ms1366 . . . وفي أيديهم ~~اليلب المدار ويسمى مقبض الترس صنارة . وأما ما وصف به حامل الترس : يقال : ~~" تارس " و " تراس " إذا كان معه الترس . " ومحاجف " وهو صاحب الحجفة في ~~القتال . وأما البيضة : فمن أسمائها : " بيضة " وهي واحدة البيض من الحديد ~~. " جماء غفير " وهو البيضة من الحديد والجماعة من الناس . " خيضعة " . قال ~~لبيد : والضاربون الهام تحت الخيضعه " دومص " . " ربيعة " . " عمامة " ~~وجمعها عمائم وعمام . " مغفر " وهو زرد على قدر الرأس . PageV06P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" ومن أسماء أجزائها : " سابغ " وهو الذي يستر ~~العنق . " قونس " وهو أعلى البيضة من حديد . قال الحسين بن الضحاك : بمطرد ~~لدن صحاح كعوبه . . . وذي رونق عضب يقد القوانسا وأما ما يوصف به لابسها : ~~يقال : " مقنع " والمقنع هو الذي يلبس بيضة ومغفرا . هذا ما قاله صاحب كتاب ~~خزائن السلاح . وقال غيره : من أسمائها " التركة " وهي المستديرة ، وجمعها ~~الترك والترائك . الدرع وهو يؤنث ويذكر . وله أسماء : منها " بصيرة " ، " ~~جارن " وجمعه جوارن . " جوشن " . " حلقة " وهي الدروع . " خدباء " وهي ~~الدرع اللينة ؛ قال الأصمعي : خدباء يحفزها نجاد مهند " درع " ، " دلاص " . ~~" دلامص " . وهو الدرع البراق . " دخاس " أي متقاربة الحلق . " درمة " . " ~~ذائلة " وهي الطويل الذليل ، " زعفة " . " سلوقية " . " سابرية " وجمعها ~~سابريات ، وهي الرقيق النسج . " سابغة " وهي الواسعة . " سك " ضيقة الحلق . ~~" سرد " اسم جامع للدروع . " سنور " ؛ قال لبيد يرثي قتلى هوازن : وجاءوا ~~به في هودج ووراءه . . . كتائب خضر في نسيج السنور PageV06P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" " صموت " التي إذا صبت لم يسمع لها صوت . " ~~فضفاضة " أي واسعة . " قضاء " أي خشنة المس ؛ قال النابغة : ونسج سليم كل ~~قضاء ذائل " لأمة " وجمعها لؤم . " لبوس " . " ماذية " . " مضاعفة " وهي ~~التي نسجت حلقتين حلقتين . " موضونة " أي منسوجة . " مسرودة " أي مثقوبة . ~~" نثرة " وهي الواسعة . " نثلة " . " يلب " وهي الدرع اليمانية تتخذ من ~~الجلود ؛ قال عمرو بن كلثوم : علينا البيض واليلب اليماني ومن أسماء أجزاء ~~الدرع : " الحرباء " وهي مسامير الدروع ؛ قال لبيد : أحكم الجنثي من ~~عوراتها . . . كل حرباء إذا أكره صل " ريع " ريع الدرع : فضول كميها على ~~أطراف الأنامل ؛ قال قيس بن الخطيم الأنصاري : مضاعفة يغشى الأنامل ريعها . ~~. . كأن قتيرها عيون ms1367 الجنادب " قتير " رءوس المسامير في الدروع . ~~PageV06P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" وأما ما يوصف به لابس الدرع : يقال : " خشخاش ~~" : جماعة عليهم سلاح ودروع ؛ قال الكميت : في حومة الفيلق الجأواء إذ ركبت ~~. . . قيس وهيضلها الخشخاش إذ نزلوا " خرساء " يقال : كتيبة خرساء ، التي ~~لا يسمع لها صوت من وقارهم في الحرب ، وقيل التي صمتت من كثرة الدروع . " ~~دارع " هو لابس الدرع ، " كافر " ، يقال : قد كفر فوق درعه أي ستره إذا لبس ~~فوقه ثوبا . " مسبغ " يقال : رجل مسبغ : عليه درع سابغة . وأما إذا لم يكن ~~عليه درع ولا مغفر : " نثر " أي نثر درعه عنه إذا ألقاها ، ولا يقال : " ~~نثلها " . ويقال : " أحمر " أي لا سلاح معه . " أعزل " . " حرض " . " عطل " ~~وجمعه أعطال . وقد وصف الشعراء الدروع في أشعارهم ، فمن ذلك ما قاله امرؤ ~~القيس : ومسرودة النسج موضونة . . . تضاءل في الطي كالمبرد تفيض على المرء ~~أردانها . . . كفيض الأتي على الجدجد قال ثعلب " فنهنهته حتى لبست مفاضة . ~~. . دلاصا كلون النهي ريح وأمطرا PageV06P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" وقال البحتري : يمشون في زرد كأن متونها . . ~~. في كل معركة متون نهاء بيض تسيل على الكماة فضولها . . . سيل السراب ~~بقفرة بيداء وإذا الأسنة خالطتها خلتها . . . فيها خيال كواكب في ماء قال ~~محمد بن عبد الله السلامي : يا رب سابغة حبتني نعمة . . . كافأتها بالسوء ~~غير مفند أضحت تصون عن المنايا مهجتي . . . وظللت أبذلها لكل مهند وقال عبد ~~الله بن المعتز : كم بطل بارزني في الوغى . . . عليه درع خلتها تطرد كأنها ~~ماء عليه جرى . . . حتى إذا ما غاب فيه جمد وقال آخر : وأرعن ملموم الكتائب ~~خيله . . . مضرجة أعرافها ونحورها عليها مذالات القيون كأنها . . . عيون ~~الأفاعي سردها وقتيرها وقال آخر : وزنت كتائبها الجبال وسربلت . . . حلق ~~الحديد فأظهرته عتادها فتخال موج البحر في جنباتها . . . والبرق لمع قتيرها ~~وسرادها وقال سلم الخاسر : كأن حباب الغدر مار عليهم . . . وما هو إلا ~~السابغات الموائر PageV06P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" وقال ابن المعتز : بحيث لا غوث إلا صارم ذكر ~~. . . وجنة كحباب الماء تغشاني وقال محمد بن عبد الملك : نهنهت أولادها ~~بضرب صادق . . . هتن كما ms1368 شق الرداء المعلم وعلي سابغة الذيول كأنها . . . ~~سلخ كسانيه الشجاع الأرقم وقال المتنبي : تخط فيها العوالي ليس تنقذها . . ~~. كأن كل سنان فوقها قلم وقال كلثوم : كأن سنا الماذي فوق متونهم . . . ~~مواقد نار لم تشب بدخان الرسائل الشاملة لأوصاف السلاح فمن ذلك ما أجابني ~~به المولى الفاضل تاج الدين بن عبد المجيد اليماني ، وقد كتبت إليه ألتمس ~~رسالة من كلامه في أوصاف السلاح ، وذلك في شهور سنة سبع وسبعمائة . كتب : ~~أمرتني أعزك الله ، وأعلى في مراتب السعود جدودك أن أبعث إليك بشيء من ~~كلامي يتضمن وصف سلاح متنوع الأجناس ، مرهوب بالسطو والباس ؛ فامتثلت ~~مرسومك وبادرت إلى ذلك ، لما يتجه علي من حقوقك الواجبة ، ومن PageV06P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" مفترضات خدمك اللازبة ؛ وأنشأت لك هذه النبذة ~~مرتجلا فيها ، ورتبتها على التهيؤ لمراتب القتال ، وقدمت الدرع وتلوته ~~بالقوس وأعقبته بالرمح ، وختمته بالسيف . فمن ذلك في وصف درع : خليق بمثله ~~أن يفاض عليه مثل هذه الفضفاضه ، وأن يبلغ بها من نيل الأعداء أمانيه ~~وأغراضه ؛ وأن يتخذها جنة تقيه سوء المزاريق في حومة القتال ، وأن يتدرعها ~~فتختال عليه غديرا صافحت صفحته يد الشمال ؛ إن نشرت على الجسد غطت الكعبين ~~، وإن طويت فكالمبرد في يد القين ؛ حميدة الملبس ميمونة المساعي ، مسرورة ~~النسج في عيون الأفاعي ؛ داووية النسب تبعية المعزى ، قد تقاربت في الحلق ~~وتناسبت في الأجزاء . وأعددت للحرب فضفاضة . . . تضاءل في الطي كالمبرد ~~دلاص ولكن كظهر النون لا يستطيعان سنان ، وموضونة ولكن يحير البصر فيها عند ~~العيان : أ موج بحر يتلاطم في جوانبها أم حبات غدران . مشفوعة بقوس طلعت ~~هلالا في سماء المعارك ، ومجرة تنقض منها نجوم المهالك ؛ ووكرا تسرح منه ~~نسور المعاطب ، وأما تفرق أولادها لإحراز الغرض من كل جانب ؛ تصرع بسهامها ~~كل رامح ونابل ، وتبكي ومن العجب أن يبكي القتيل القاتل ؛ تطيعك في أول ~~النزع وتعصيك في آخره ، وترسل سهما فلا يقنع من العدو إلا بسواد ناظره ؛ ~~إذا أنبض الرامون عنها ترنمت . . . ترنم ثكلى قد أصيب وحيدها تهابها ~~الأقران ، وتتحاماها الشجعان ، ويؤمن بمرسلها كل شيطان ms1369 من الإنس والجان . ~~ووصف الرمح فقال : وإن أولى ما اعتقل مولانا من الخطي ما سلب الروم زرقتها ~~، والعرب سمرتها ؛ وأشبه العاشق ذبولا واصفرارا ، وخالط الضرغام في غيله ~~فهو يلقى من بأسه عند المطاعنة أخبارا ؛ وهزه الفارس فالتقى طرفاه ، وخيل ~~لرائيه أن ثعلبه قد فغرفاه ؛ وإن محمله الدارع قلت غصنا على غدير ، وإن هزه ~~الفارس وألقاه PageV06P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" قلت حية على وجه الأرض تسير ؛ فهو كالرشاء ~~لكن لا يرضى قليبا غير قلب ، أو كالعدو الذي لا يهوى إلا إزالة ما في شغف ~~القلوب من حب . له رائد ماضي الغرار كأنه . . . هلال بدا في ظلمة الليل ~~ناحل طالما رجع سوسنه عند المطاعنة شقيقا ، ومزق نجمه جلابيب ظلمة القسطل ~~والعثير تمزيقا ؛ له النسب العالي في المعالي والمران ، لأن سنانه سنا لهب ~~لم يتصل بدخان ؛ مقرونا بسيف ما تأمله الرائي إلا وأرعدت صفحتاه من غير هز ~~، أو صممت شفرتاه في محز فلا ينبو حتى يفري ذلك المحز ؛ يرى فوق متنيه بقية ~~غيم يستشف منها لون السماء ، وفي صفحة فرنده نار تتأجج في خلال لجة من ~~الماء ؛ كأن صقيله كتب على فرنده أو نقش ، أو كأن القين تنفس فيه وهو صقيل ~~فألبسه حلة من نمش ؛ حلت بساحته المنايا فهي فيه كوامن ، وتبوأت مقاعده ~~الأماني فلإدراكها من فعله قرائن ؛ إذا توغل في هامة الجبار سار وأوجف ، ~~ومتى استوطن جثة الجرم أوهى مبانيها وأشرف . ماض وإن لم تمضه يد فارس . . . ~~بطل ومصقول وإن لم يصقل يغشى الوغى فالترس ليس بجنة . . . من حده والدرع ~~ليس بمعقل متوقد يفرى بأول ضربة . . . ما أدركت ولو أنها في يذبل وإذا أصاب ~~فكل شيء مقتل . . . وإذا أصيب فماله من مقتل الباب الحادي العشر في القضاة ~~والحكام وحيث ذكرنا الإمام وما يجب عليه وقواعد المملكة ، فلنذكر القضاة ~~والحكام . قال الله عز وجل : " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ~~وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان ~~سميعا بصيرا " ، وقال تعالى : " إنا أنزلنا إليك ms1370 الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما " . وقال تعالى : PageV06P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" " فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم عما جاءك من الحق " . وقال : " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط " ، ~~إلى غير ذلك من الآي . ولا يجوز أن يقلد القضاء إلا من اجتمع فيه ثمانية ~~شروط ، وهي : الذكورية ، والبلوغ ، والعقل ، والحرية ، والإسلام ، والعدالة ~~، وسلامة السمع والبصر ، والعلم بأحكام الشريعة . ولكل شرط من هذه الشروط ~~فوائد نشرح ما تلخص منها إن شاء الله . أما الذكورية : فلقوله عز وجل : " ~~الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض " قيل : المراد ~~بالتفضيل هنا العقل والرأي ، لما روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أنه قال : " النساء ناقصات عقل ودين " ، ولنقص النساء عن رتب الولايات . ~~وقال أبو حنيفة : يجوز أن تقضي المرأة فيما تصح فيه شهادتها دون ما لا تصح ~~فيه . وجوز الطبري قضاءها في جميع الأحكام . والإجماع يرد ذلك . وأما ~~البلوغ : فلأن غير البالغ لا يجري عليه قلم ، ولا يتعلق بقوله على نفسه حكم ~~، فكان أولى ألا يتعلق به على غيره . وأما العقل : فهو مجمع على اعتباره ، ~~ولا يكتفى فيه بالعقل الذي يصح معه التكليف من العلم بالمدركات الضرورية ، ~~حتى يكون صحيح التمييز جيد الفطنة بعيدا من السهو والغفلة ، ليتوصل بذكائه ~~إلى وضوح ما أشكل ، وحل ما أهم وأعضل . وأما الحرية : فنقص العبد عن ولاية ~~نفسه يمنع من انعقاد ولايته على غيره ، ولأن الرق لما منع من قبول الشهادة ~~كان أولى أن يمنع من نفوذ الحكم وانعقاد PageV06P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" الولاية . وكذلك الحكم فيمن لم تكمل حريته ~~كالمدبر والمكاتب ومن رق بعضه . ولا يمنع الرق من الفتيا والرواية . وأما ~~الإسلام : فلقوله عز وجل : " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " ~~. وهو شرط في قبول الشهادة . ولا يجوز أن يقلد الكافر القضاء على المسلمين ~~ولا على الكفار . ورأى أبو حنيفة جواز تقليده القضاء بين أهل دينه . وقد ~~جرى العرف في تقليد الكافر ؛ وهو تقليد زعامة ورياسة لا ms1371 تدخل تحته الأحكام ~~والإلزام بقضائه ، ولا يقبل الإمام قوله فيما حكم به بينهم . وإذا امتنعوا ~~من تحاكمهم إليه لم يجبروا عليه ، وكان حكم الإسلام عليهم أنفذ . وأما ~~العدالة : فهي معتبرة في كل ولاية . ومعناها أن يكون الرجل صادق اللهجة ، ~~ظاهر الأمانة ، عفيفا عن المحارم ، متوقيا للمآثم ، بعيدا من الريب ، ~~مأمونا في حالتي الرضا والغضب ، مستعملا لمروءة مثله في دينه ودنياه . فإذا ~~تكاملت هذه الأوصاف فيه ، فهي العدالة التي تجوز بها شهادته وولا يته . ~~وإذا لم يكن كذلك فلا تسمع شهادته ولا تنفذ أحكامه . وأما سلامة السمع ~~والبصر : فليصح بها إثبات الحقوق ، ويفرق بها بين الطالب والمطلوب ، ويميز ~~المقر من المنكر ، ليظهر له الحق من الباطل ، والمحق من المبطل . وأما ~~العلم بأحكام الشريعة : فالعلم بها يشتمل على معرفة أصولها وفروعها . وأصول ~~الأحكام في الشريعة أربعة : أحدها : علمه بكتاب الله عز وجل على الوجه الذي ~~يصح به معرفة ما تضمنه من الأحكام ناسخا ومنسوخا ، ومحكما ومتشابها ، ~~وعموما وخصوصا ، ومجملا ومفسرا . والثاني : علمه بسنة رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) الثابتة من أقواله وأفعاله ، وطرق مجيئها في التواتر والآحاد ، ~~والصحة والفساد ، وما كان على سبب أو إطلاق . والثالث : علمه بأقاويل السلف ~~فيما أجمعوا عليه واختلفوا فيه ، ليتبع الإجماع ويجتهد رأيه مع الاختلاف . ~~PageV06P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" والرابع : علمه بالقياس الموجب لرد الفروع ~~المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها ، حتى يجد طريقا إلى ~~العلم بأحكام النوازل ويميز الحق من الباطل . فإذا أحاط علمه بهذه الأصول ~~الأربعة في أحكام الشريعة ، صار بها من أهل الاجتهاد في الدين ، وجاز له أن ~~يفتي ويقضي . وإن أخل بها أو بشيء منها ، خرج من أن يكون من أهل الاجتهاد ، ~~ولم يحز أن يفتي ولا أن يقضي . فإن قلد القضاء فحكم بصواب أو خطأ كان ~~تقليده باطلا ، وحكمه وإن وافق الصواب مردودا ، وتوجه الحرج عليه وعلى من ~~قلده . وجوز أبو حنيفة تقليد القضاء من ليس من أهل الاجتهاد ، ويستفتي في ~~أحكامه وقضاياه . هذا معنى ما قاله أقضى القضاة أبو ms1372 الحسن الماوردي . وقال ~~الحسين الحليمي في كتابه المترجم ب " المنهاج " : وينبغي للإمام ألا يولي ~~الحكم بين الناس إلا من جمع إلى العلم السكينة والتثبت ، وإلى الفهم الصبر ~~والحلم ، وكان عدلا أمينا نزها عن المطاعم الدنية ، ورعا عن المطامع الردية ~~؛ شديدا قويا في ذات الله ، متيقظا متخوفا من سخط الله ؛ ليس بالنكس الخوار ~~فلا يهاب ، ولا المتعظم الجبار فلا ينتاب ؛ لكن وسطا خيارا . ولا يدع ~~الإمام مع ذلك أن يديم الفحص عن سيرته ، والتعرف بحالته وطريقته ؛ ويقابل ~~منه ما يجب تغييره بعاجل التغيير ، وما يجب تقريره بأحسن التقرير ؛ ويرزقه ~~من بيت المال - إن لم يجد من يعمل بغير رزق - ما يعلم أنه يكفيه ؛ ولا يقصر ~~به عن كفايته ، فيتطلع إلى أموال الناس ويشتغل عن أمورهم بطرف من الاكتساب ~~يجبر به ما نقصه الإمام من كفايته ، فتختل بذلك القواعد . وإذا رزق الإمام ~~القاضي فلا يصيب وراء ذلك من رعيته شيئا ، لقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" من استعملناه على عمل من أعمالنا ورزقناه شيئا فما أصاب بعد ذلك - أو مما ~~سوى ذلك - فهو سحت " . وإن أهدي إليه شيء ، لم يكن له قبوله . فإن كان ~~للمهدى قبله خصومة فأهدى ليحكم له أو لئلا يحكم عليه ، فهذا هو الرشوة ، ~~وهو سحت . وقد لعن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الراشي والمرتشي ~~والرائش ، وهو الذي يمشي بينهما . وإن أهدى إليه المحكوم له بعد الحكم ~~تشكرا ، لا يقبله ؛ لأن ما فعل كان واجبا عليه . PageV06P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" قال : ويقوي الإمام يده ويشد أزره ، ويكف ~~العمال وغيرهم عن معارضته ومزاحمته ، ويأمرهم جميعا بطاعته ، ولا يرخص لأحد ~~منهم في الامتناع عليه إذا دعاه ، والخروج عن أحكامه إن أمره أو نهاه ، ~~فيما يتصل بالانقياد للحكم . ويتوقى أن يقال في مجلسه : هذا حكم الله ، ~~وهذا حكم الديوان ؛ فإن هذا من قائله إشراك بالله ؛ إذ لا حكم إلا لله . ~~قال الله عز وجل : " فالحكم لله العلي الكبير " . وقال تعالى : " ألا له ~~الحكم وهو أسرع الحاسبين " . وقال تعالى : " ولا يشرك في حكمه أحدا ms1373 " . ~~وقال : " لا معقب لحكمه " . قال : وإن سمع بذلك واليه فأقره عليه كان مثله ~~؛ قال الله عز وجل : " وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله ~~يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا ~~مثلهم " . فإذا كان هذا في القعود معهم فكيف بإقرارهم والاستحسان لهم . ذكر ~~الألفاظ التي تنعقد بها ولاية القضاء والشروط قال الماوردي : وولاية القضاء ~~تنعقد بما تنعقد به الولايات : من انعقادها مع الحضور باللفظ مشافهة ، ومع ~~الغيبة بمراسلة أو مكاتبة . لكن لابد مع المكاتبة أن يقترن بها من شواهد ~~الحال ما يدل عليها عند المولى وأهل عمله . والألفاظ التي تنعقد بها ~~الولاية ضربان : صريح وكناية . فالصريح أربعة ألفاظ وهي : قد وليتك ، ~~وقلدتك ، واستخلفتك ، واستنبتك . فإذا أتى المولى بأحد هذه الألفاظ انعقدت ~~الولاية بالقضاء وغيره من الولايات ، ولا يحتاج مع هذا الصريح إلى قرينة ~~أخرى ، إلا أن يكون تأكيدا لا شرطا . وأما الكناية فهي سبعة ألفاظ . وهي : ~~قد اعتمدت عليك ، وعولت عليك ، ورددت إليك ، وجعلت إليك ، وفوضت إليك ، ~~ووكلت إليك ، وأسندت إليك . فهذه الألفاظ لما تضمنته من الاحتمال تضعف عن ~~حكم الصريح حتى يقترن بها في عقد الولاية ما ينفي عنها الاحتمال وتصير في ~~حكم الصريح ، مثل قوله : فانظر فيما وكلته إليك ، واحكم فيما اعتمدت فيه ~~عليك . فتصير الولاية بهذه القرينة مع ما تقدم من PageV06P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" الكناية منعقدة . ثم تمامها موقوف على قبول ~~المولى ، فإن كان التقليد مشافهة فقبوله على الفور لفظا ، وإن كان بمراسلة ~~أو مكاتبة ، جاز أن يكون على التراخي . واختلف في صحة القبول بالشروع في ~~النظر ، فجوزه بعضهم وجعله كالنطق ، ومنعه آخرون حتى يكون نطقا ؛ لأن ~~الشروع في النظر فرع لعقد الولاية ، فلم ينعقد قبولها به . فهذه الألفاظ ~~التي تنعقد بها الولاية . وأما شروطها فأربعة : أحدها : معرفة المولى ~~للمولى أنه على الصفة التي يجوز أن يولى معها ، فإن لم يعلم أنه على الصفة ~~التي تجوز معها تلك الولاية لم يصح تقليده ؛ فلو عرفها بعد التقليد ~~استأنفها ms1374 ، ولا يعول على ما تقدمها . والثاني : معرفة المولى بما عليه ~~المولى من استحقاق تلك الولاية بصفاته التي يصير بها مستحقا لها ، وأنه قد ~~تقلدها وصار مستحقا للاستنابة فيها . إلا أن هذا الشرط معتبر في قبول ~~المولى وجواز نظره ، وليس بشرط في عقد تقليده وولايته ، بخلاف الشرط ~~المتقدم . وليس يراعى في هذه المعرفة المشاهدة بالنظر ، وإنما يراعى ~~انتشارها بالخبر الشائع . والثالث : ذكر ما تضمنه التقليد من ولاية القضاء ~~بصريح التسمية . والرابع : ذكر تقليد البلد الذي عقدت الولاية عليه ليعرف ~~به العمل الذي يستحق النظر فيه ، ولا تصح الولاية مع الجهل به . فإذا انعقد ~~التقليد تمت الولاية بهذه الشروط والألفاظ . واحتاج المولى إلى شرط زائد ~~على شروط العقد ، وهو إشاعة تقليده في أهل عمله ليذعنوا بطاعته وينقادوا ~~إلى حكمه . وهو شرط في لزوم الطاعة وليس بشرط في نفوذ الحكم . فإذا صحت ~~عقدا ولزوما بما وصفناه ، صح فيها نظر المولى والمولى كالوكالة ، لأنهما ~~معا استنابة . ولم يلزم المقام عليها من جهة المولى ولا من جهة المولى . ~~وكان للمولى عزله عنها متى شاء ، وللمولى عزل نفسه متى شاء ؛ غير أن الأولى ~~بالمولى ألا يعزله إلا بعذر ، وألا يعتزل المولى إلا من عذر ؛ لما في ~~الولاية من حقوق المسلمين . وإذا عزل أو اعتزل وجب إظهار العزل كما وجب ~~إظهار التقليد ، حتى لا يقدم على إنفاذ حكم ولا يغتر بالترافع إليه خصم . ~~فإن حكم بعد PageV06P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" العلم بعزله لم ينفذ حكمه ، وإن حكم غير عالم ~~بعزله كان في نفوذ حكمه وجهان ، كاختلافهما في عقود التوكيل . وحيث ذكرنا ~~ما تصح به الولاية وتنعقد به من الألفاظ والشروط ، فلنذكر ما يشتمل عليه ~~النظر في الأحكام . ذكر ما يشتمل عليه نظر الحاكم المطلق التصرف من الأحكام ~~قال الماوردي : إذا كانت ولاية القاضي عامة وهو مطلق التصرف في جميع ما ~~تضمنته ، فنظره يشتمل على عشرة أحكام : أحدها : فصل المنازعات وقطع التشاجر ~~والخصومات ، إما صلحا عن تراض يراعى فيه الجواز ، أو إجبارا بحكم بات يعتبر ~~فيه الوجوب . والثاني : استيفاء ms1375 الحقوق ممن امتنع من القيام بها وإيصالها ~~إلى مستحقها من أحد وجهين : إقرار أو بينة . واختلف في جواز حكمه فيها ~~بعلمه ، فجوزه مالك والشافعي في أصح قوليه ؛ وقال أبو حنيفة : يجوز أن يحكم ~~بعلمه فيما علمه من ولايته ، ولا يحكم بما علمه قبلها . والثالث : ثبوت ~~الولاية على من كان ممنوع التصرف بجنون أو صغر ، والحجر على من يرى الحجر ~~عليه لسفه أو فلس ، حفظا للأموال على مستحقيها ، وتصحيحا لأحكام العقود ~~فيها . والرابع : النظر في الوقوف بحفظ أصولها وتثمير فروعها وقبض غلتها ~~وصرفها في سبلها . فإن كان عليها مستحق للنظر فيها راعاه ، وإن لم يكن ~~تولاه . والخامس : تنفيذ الوصايا على شروط الموصي فيما أباحه الشرع ولم ~~يحظره . فإن كانت لمعينين كان تنفيذها بالإقباض ، وإن كانت في موصوفين كان ~~تنفيذها أن يتعين مستحقوها بالاجتهاد ويملكوا بالإقباض . فإن كان فيها وصي ~~راعاه ، وإن لم يكن تولاه . والسادس : تزويج الأيامى بالأكفاء إذا عدم ~~الأولياء ودعين إلى النكاح . ولم يجعله أبو حنيفة - رحمه الله - من حقوق ~~ولاية القاضي ، لتجويزه تفرد الأيم بعقد النكاح . PageV06P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" والسابع : إقامة الحدود على مستحقيها ، فإن ~~كان من حدود الله تعالى تفرد باستيفائه من غير طالب إذا ثبت بإقرار أو بنية ~~؛ وإن كان من حقوق الآدميين كان موقوفا على طلب مستحقه . وقال أبو حنيفة : ~~لا يستوفيهما معا إلا بخصم مطالب . والثامن : النظر في مصالح عمله من الكف ~~عن التعدي في الطرقات والأفنية ، وإخراج ما لا يستحق من الأجنحة والأبنية ؛ ~~وله أن يتفرد بالنظر فيها وإن لم يحضره خصم . وقال أبو حنيفة : لا يجوز له ~~النظر فيها إلا بحضور خصم مستعد . وهي من حقوق الله تعالى التي يستوي فيها ~~المستعدي والمستعدى إليه ، فكان تفرد الولاة بها أخص . التاسع : تصفح شهوده ~~وأمنائه ، واختيار النائبين عنه من خلفائه في إقرارهم والتعويل عليهم مع ~~ظهور السلامة والاستقامة ، وصرفهم والاستبدال بهم مع ظهور الجرح والخيانة . ~~ومن ضعف منهم عما يعانيه ، كان موليه بين خيارين يأتي أصلحهما : إما أن ~~يستبدل به من هو أقوى منه ms1376 وأكفى ، وإما أن يضم إليه من يكون اجتماعهما عليه ~~أنفذ وأمضى . والعاشر : التسوية في الحكم بين القوي و الضعيف ، والعدل في ~~القضاء بين المشروف والشريف ؛ ولا يتبع هواه في تقصير بحق أو ممايلة لمبطل ~~. قال الله تعالى : " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ~~بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم ~~عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب " . وقد استوفى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~في عهده إلى أبي موسى الأشعري شروط القضاء وبين أحكام التقليد حين ولاه ~~القضاء ، قال : أما بعد ، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة . فافهم إذا ~~أدلي إليك . وأنفذ إذا تبين لك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له . وآس بين ~~الناس في وجهك وعدلك ومجلسك ، حتى لا يطمع شريف في حيفك ، ولا ييأس ضعيف من ~~عدلك . البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر . والصلح جائز بين ~~المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا . ولا يمنعك قضاء قضيته أمس ~~فراجعت اليوم PageV06P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" فيه عقلك وهديت فيه رشدك أن ترجع إلى الحق ؛ ~~فإن الحق قديم ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل . الفهم الفهم فيما ~~تلجلج فيه صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة . ثم اعرف الأمثال والأشباه ، وقس ~~الأمور بنظائرها . واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه ؛ فإن ~~أحضر بينة أخذت له بحقه ، وإلا استحللت القضية عليه ؛ فإن ذلك أنفى للشك ~~وأجلى للعمى . المسلمون عدول بعضهم على بعض ، إلا مجلودا في حد ، أو مجربا ~~عليه شهادة زور ، أو ظنينا في ولاء أو نسب فإن الله تعالى تولى منكم ~~السرائر ودرأ بالبينات والأيمان ؛ وإياك والغلق والضجر والتأفف بالخصوم ، ~~فإن استقرار الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذكر . ~~والسلام . ذكر ما يأتيه القاضي ويذره في حق نفسه إذا دعي إلى الولاية أو ~~خطبها وما يلزم الناس من امتثال أمره وطاعته ، وما يعتمده في أمر كاتبه ms1377 ~~وبطانته وأعوانه وجلوسه لفصل المحاكمات والأقضية . قال الحليمي : وإذا دعا ~~الإمام رجلا إلى القضاء ، فينبغي له أن ينظر في حال نفسه وحال الناس الذين ~~يدعى إلى النظر في مظالمهم . فإن وثق من نفسه بالاستقلال والكفاية ~~والاقتدار على أداء الأمانة ، وعلم أنه إن لم يقبل صار الأمر إلى من يكون ~~للمسلمين مثله ، فأولى به أن يجيب إلى ما يدعى إليه ويقبله ويحسن النية في ~~قبوله ؛ ليكون عمله لوجه الله تعالى . وإن وجد من يقوم مقامه ويسد مسده فهو ~~بالخيار ؛ والتمسك أفضل . فأما إن لم يعلم من نفسه الاستقلال ، أو لم يأمن ~~أن يكون منه سوء التمسك وقلة التمالك ، فلا ينبغي له أن يجيب . وهكذا إن ~~كان هناك من هو خير منه علما وعقلا وخلقا . وإن عرض الأمر عليه فلا ينبغي ~~له أن يتسارع إلى ما يدعى إليه ، لينظر ما الذي يكون من الآخر . قال : وإذا ~~دعا الإمام رجلا إلى عمل من أعماله ، قضاء أو غيره ، والرجل ممن يصلح له ، ~~فأبى ، فإن وجد الإمام من يقوم مقامه في ذلك أعفاه ، وإن لم يجد من ~~PageV06P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" يقوم مقامه أجبره عليه اقتداء بعمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه ؛ فإنه دعا سعيد بن عامر الجمحي فقال : إني مستعملك على أرض ~~كذا وكذا ؛ فقال : لا تفتني ، فقال عمر : والله لا أدعك ، قلد تموها عنقي ~~وتتركوني قال : وإذا كان عند الرجل أنه يصلح للقضاء فأراد أن يطلبه ، أو ~~دعاه الإمام إليه فأراد أن يجيبه ، فلا ينبغي له أن يبادر بما في نفسه من ~~طلب أو إجابة حتى يسأل أهل العلم والفضل والأمانة ممن خبره وعلم حاله ، ~~ويقول : إني أريد القضاء ، فما ترون في ؟ وهل تعرفون صلاحي لذلك أولا ؟ فإن ~~ذلك من المشورة التي أمر الله تعالى نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) بها ، ~~فقال تعالى : " وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله " . وقد قدمنا ~~في باب المشورة من فضيلتها ما فيه غنية عن تكراره . قال : وإذا سأل عن نفسه ~~فينبغي للمسئول أن ينصح له ويصدقه ms1378 ، لقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " ألا إن الدين نصيحة " قيل : لمن يا رسول الله ؟ قال : " لله ورسوله ~~ولأئمة المسلمين وعامتهم " ولأن المستشار مؤتمن ، ولقوله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " من غشنا فليس منا " . وإذا أراد تقلد القضاء فليستخر الله تعالى ~~ويسأله التوفيق والسداد . فإذا تقلد فينبغي أن يوكل المتميزين الثقات ~~الأمناء من إخوانه وأهل العناية بنفسه ، ويسألهم أن يتفقدوا أحواله وأموره ~~، فإن رأوا منه عثرة نبهوه عليها ليتداركها . قال : وأيما حاكم نصب بين ~~ظهراني قوم فينبغي لهم أن يسمعوا له ويطيعوا ، ويترافعوا إليه إذا اختلفوا ~~وتنازعوا ، ليفصل بينهم ؛ فإذا فصل انقادوا لفصله واستسلموا لحكمه . قال ~~الله تعالى : " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا ~~في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " . وقال تعالى : " إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم ~~الفائزون " . وذم الله تعالى قوما امتنعوا من الحكم فقال : " وإذا دعوا إلى ~~الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه ~~مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل ~~أولئك هم الظالمون " . قال : وإذا ارتفع أحد الخصمين إلى حاكم وسأله إحضار ~~خصمه فدعاه الحاكم فعليه أن يجيبه ؛ فإذا حضرا فلا يخرجا عن أمر الحاكم ؛ ~~فأيهما خرج فهو PageV06P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" عاص ؛ فإنما يقضي الحاكم بحكم الله . وللحاكم ~~أن يؤدبه بما يؤديه اجتهاده . وأيما حاكم أو وال دعا رجلا من رعيته ولم ~~يعلم لم يدعوه ، فعليه إجابته ؛ وإن علم أنه لدعوى رفعت إليه من مدع ، فإن ~~كان ذلك المدعي حضر مع رسول الحاكم فأرضاه ، سقط عنه الذهاب إلى الحاكم ، ~~وإن كان لم يحضر هو ولا وكيل له ، فليذهب ليجيب ؛ ولا يسعه التخلف مع ترك ~~الدفع إلا في حالة واحدة ، وهي أن يكون المدعي كاذبا وقد أعد شهودا زورا لا ~~يقدر على دفع شهادتهم ، فخشي ms1379 إن حضر أقيمت الشهادة عليه فحبس وأخذ منه ~~المال قهرا ، أو يفرق بينه وبين امرأته ، فله أن يهرب أو يتوارى ؛ فهذا ~~موضع عذر وضرورة قلا يقاس عليه غيره . والله تعالى أعلم . كاتب القاضي ~~وبطانته قال الحليمي : وإذا افتتح القاضي عمله واحتاج إلى أعوان يعملون له ~~من كاتب وأصحاب مسائل وقاسم ، فلا يتخذن إلا كاتبا مسلما عدلا أمينا فطنا ~~متيقظا ؛ لأنه بطانته ولا يغيب عنه أمره وأمر المترافعين إليه شيء ، وأمينه ~~وأمين المتخاصمين على ما يثبته ويخطه . ولا يجوز أن يكون من غير أهل الدين ~~، لقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا ~~يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم ~~أكبر " . وكذلك القاسم ينبغي أن يكون أمينا بصيرا بالفرائض والحساب ، لأن ~~القاسم شعبة من شعب الحكم ، فينبغي أن يكون من يتولاه في العدالة والأمانة ~~والعلم الذي يحتاج إليه كمن يتولى جميع شعبه . وكذلك أصحاب المسائل هم ~~أمناء القاضي على الشهادات التي تتعلق بها حقوق المسلمين ؛ فلا ينبغي أن ~~يأمن عليها إلا المستحق لأن يؤتمن ، ولا يثق فيها إلا بمن يستوجب بحسن ~~أحواله الثقة به . وينبغي للقاضي أن ينزه نفسه ومن حوله ويشدد عليهم ولا ~~يرخص لهم في أمر ينقمه منهم أو يخشى أن يتطرقوا به إلى غيره ويرتقوا إلى ما ~~فوقه . وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صعد المنبر فنهى الناس عن ~~شيء ، جمع أهله فقال : إني نهيت الناس عن كذا وكذا ، وإن الناس ينظرون ~~إليكم نظر الطير إلى اللحم النيء ، وأقسم بالله لا أجد أحدا منكم فعله إلا ~~أضعفت عليه العقوبة . PageV06P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" قال : ولا ينبغي للإمام ولا القاضي أن يقدم ~~أقاربه على عامة المسلمين ، ولا يسوغهم ما لا يسوغ غيرهم ، ولا ينظر لهم ~~بما لا ينظر به لغيرهم ، ولا يستعملهم ويوليهم . ما يعتمده في جلوسه فقد ~~قال الحليمي أيضا : وإذا أراد الحاكم الجلوس للحكم فليجلس وهو فارغ القلب ~~لا يهمه إلا النظر في أمور المتظلمين ms1380 . وإن تغيرت حاله بغضب أو غم أو سرور ~~مفرط أو وجع أو ملالة أو اعتراء نوم أو جوع فليقم إلى أن يزول ما به ويتمكن ~~من رأيه وعقله ثم يجلس . فقد روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ~~قال : " لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان " ؛ وعنه ( صلى الله عليه وسلم ~~) أنه قال : " لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان " . هكذا نقل الحليمي في ~~" منهاجه " ، وهذه سنة السلف . قال : والقاضي في جلوسه بالخيار : إن شاء أن ~~يخرج بالغداة إذا طلعت الشمس فيقضي حوائج الناس أولا فأولا حتى لا يزدحموا ~~على بابه ، فعل ؛ وإن شاء أقام في بيته يتأهب ويستعد بمطالعة بعض الكتب أو ~~بالاجتهاد والتأمل إلى أن يجتمع الخصوم ثم يخرج ، فعل . وينبغي أن يكون عند ~~الحاكم من يحفظ نوب الناس فيقدم الأولى فالأولى ، ويجلسهم مجالسهم . وإن ~~رأى القاضي أن يحضر مجلسه درة تطرح على أعين الناس لينتهوا بها فإن استوجب ~~أحد من الخصوم تعزيرا أقيم عليه بها ، فعل . روي عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه أن درته كانت تكون معه ، وكذلك جماعة من قضاة السلف رحمهم الله . وأما ~~في عصرنا هذا فقد كان شيخنا الإمام العلامة القدوة مفتي الفرق بقية ~~المجتهدين تقي الدين أبو الفتح محمد ابن الشيخ الإمام مجد الدين أبي الحسين ~~علي بن وهب ابن مطيع القشيري المعروف بابن دقيق العيد - رحمه الله - منع ~~نوابه من أن يضربوا بالدرة في أثناء ولايته قاضي القضاة بالديار المصرية ، ~~وقال : إنه عار يلحق ولد الولد . وكان سبب منعه - رحمه الله ورضي عنه - ~~لذلك أن بعض نوابه بالأعمال عزر بعض أعيان البلد التي هو ينوب بها بالدرة ~~في المسجد الجامع وقال له PageV06P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" عقيب ضربه وإسقاطه : قد ألحقتك بأبيك وجدك ، ~~وكانت هذه الحادثة في سنة سبع وتسعين وسبعمائة أو ما يقاربها ، ففارق ذلك ~~الرجل بلاده ووطنه ؛ فلما اتصل الخبر بقاضي القضاة شق عليه ومنع نوابه من ~~الضرب بها . نعود إلى حال القاضي . قال : وينبغي للقاضي أن ms1381 يعدل بين ~~الخصمين من حين يقدمان عليه إلى أن تنقضي خصومتهما في مدخلهما عليه ~~وجلوسهما عنده وقيامهما بين يديه ، سواء كانا فاضلين في أنفسهما أو ناقصين ~~، أو أحدهما فاضلا والآخر ناقصا ؛ لقوله عز وجل : " كونوا قوامين بالقسط ~~شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا ~~فالله أولى بهما " ، ولما جاء عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال ~~: " من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه ولفظه وإشارته ~~ومقعده ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفع على الآخر " . وفي رواية ~~: " من ولي قضاء المسلمين فليعدل بينهم في مجلسه وكلامه ولحظه " . وفي ~~رواية : " إذا ابتلي أحدكم بالقضاء بين المسلمين فليسو بينهم في المجلس ~~والإشارة والنظر ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الآخر " . قال : " ~~وإذا اختصم اثنان إلى القاضي فينبغي أن يأمر بالاصطلاح . وشروط القضاء ~~كثيرة يعرفها العلماء ، فلا حاجة إلى الزيادة والإسهاب في ذلك ؛ وإنما ~~أوردنا ما قدمناه في هذا الباب منها حتى لا يخلى كتابنا منه . ولنختم هذا ~~الباب بما ورد من التزهيد في القضاء . ذكر شيء مما ورد من التزهيد في تقلد ~~القضاء والترغيب عنه قد ورد في تقلد القضاء أحاديث وآثار تزهد فيه ، بل ~~تكاد توجب الفرار منه : من ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله علي وسلم أنه ~~قال : " من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين " ؛ وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " ما من أحد حكم بين الناس إلا جيء به يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى ~~يقف به على شفير جهنم فإن أمر به هوى به في النار سبعين خريفا " . وعن أبي ~~ذر قال : قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ستة أيام : " اعقل أبا ~~ذر ما أقول لك " فلما كان اليوم السابع قال : " أوصيك بتقوى الله في سر ~~أمرك وعلانيته وإذا أسأت فأحسن ولا تسأل أحدا شيئا وإن سقط سوطك ولا تؤمن ~~أمانة ولا تولين يتامى ولا تقضين بين اثنين " . وقال عثمان بن ms1382 عفان رضي ~~الله عنه لابن عمر : اذهب فكن قاضيا ؛ قال : أو يعفيني أمير المؤمنين ؟ قال ~~: فإني أعزم عليك ؛ قال : لا تعجل علي ؛ قال : هل PageV06P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول ~~: " من عاذ بالله فقد عاذ معاذا " . قال : نعم ، قال : فما تكره من ذلك وقد ~~كان أبوك يقضي ؟ قال : إني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " ~~من كان قاضيا يقضي بجور كان من أهل النار ومن كان قاضيا يقضي بجهل كان من ~~أهل النار ومن كان قاضيا عالما يقضي بالعدل فبالحري أن ينقلب كفافا ؛ فما ~~أصنع بهذا وقال بعضهم : ذكرنا أمر القضاء عند عائشة رضي الله عنها ، فقالت ~~: سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " يجاء بالقاضي العدل يوم ~~القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط " . ~~وقال صعصعة بن صوحان : خطبنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذي قار وعليه ~~عمامة سوداء فقال : يا أيها الناس ، إني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يقول : " ليس من وال ولا قاض إلا يؤتى به يوم القيامة حتى يوقف بين ~~يدي الله تعالى على الصراط ثم ينشر الملك سيرته فيقرؤها على رءوس الأشهاد - ~~الخلائق - فإن كان عدلا نجاه الله بعدله وإن كان غير ذلك انتفض به الصراط ~~انتفاضة صار بين كل عضو من أعضائه مسيرة مائة سنة ثم يتخرق به الصراط فما ~~يلتقي قعر جهنم إلا بوجهه وحر جبينه " ز وجاء في الآثار عن الصحابة رضي ~~الله عنهم مثل ذلك . وفيما ذكرنا مقنع وغنية عن بسط الكلام فيه . فلنذكر ~~ولاية المظالم . الباب الثاني عشر من القسم الخامس من الفن الثاني في ولاية ~~المظالم وهي نيابة دار العدل وللناظر فيها شروط ذكرها الماوردي فقال : من ~~شروط الناظر في المظالم أن يكون جليل القدر ، نافذ الأمر ، عظيم الهيبة ، ~~ظاهر العفة ، قليل الطمع ، كثير الورع ، لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة ~~الحماة ، وتثبت القضاة ، فاحتاج إلى الجمع بين صفتي ms1383 الفريقين ، وأن يكون ~~بجلالة القدر نافذ الأمر في الجهتين . فإن كان ممن يملك الأمور العامة ، ~~كالخلفاء أو ممن فوض إليه الخلفاء النظر في الأمور العامة كالوزراء ~~والأمراء ، لم يحتج للنظر فيها إلى تقليد وتولية وكان له بعموم ولايته ~~النظر فيها . وإن كان ممن لم يفوض إليه عموم النظر ، احتاج إلى تقليد ~~وتولية إذا اجتمعت فيه الشروط المتقدمة . وهذا إنما يصح فيمن يجوز أن يختار ~~لولاية العهد ، PageV06P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" أو لوزارة التفويض إذا كان نظره في المصالح ~~عاما . فإن اقتصر على تنفيذ ما عجز القضاة عن تنفيذه ، وإمضاء ما قصرت يدهم ~~عن إمضائه ، جاز أن يكون دون هذه الرتبة في القدر والخطر ، بعد ألا يأخذه ~~في الحق لومة لائم ، ولا يستشفه الطمع إلى الرشوة . ذكر من نظر في المظالم ~~في الجاهلية والإسلام . والنظر في المظالم قديم ، كان الفرس يرون ذلك من ~~قواعد الملك وقوانين العدل الذي لا يعم الصلاح إلا بمراعاته ، ولا يتم ~~التناصف إلا بمباشرته ؛ وكانوا ينتصبون لذلك بأنفسهم في أيام معلومة لا ~~يمنع عنهم من يقصدهم فيها من ذوي الحاجات وأرباب الضرورات . وسبب تمسكهم ~~بذلك أن أصل قيام دولتهم رد المظالم . وذلك أن كيومرث أول ملوكهم وقيل : ~~إنه أول ملك ملك من بني آدم كان سبب ملكه أنه لما كثر البغي في الناس وأكل ~~القوي الضعيف وفشا الظلم بينهم ، اجتمع أكابرهم ورأوا أنه لا يقيم أمرهم ~~إلا ملك يرجعون إليه ، وملكوه ؛ على ما نورده إن - شاء الله - في فن ~~التاريخ في أخبار ملوك الفرس . وكانت قريش في الجاهلية ، حين كثر فيها ~~الزعماء وانتشرت الرياسات وشاهدوا من التغالب والتجاذب ما لم يكفهم عنه ~~سلطان قاهر ، عقدوا بينهم حلفا على رد المظالم ، وإنصاف المظلوم من الظالم ~~. وكان سبب ذلك أن رجلا من اليمن من بني زبيد قدم مكة معتمرا ومعه بضاعة ، ~~فاشتراها منه رجل من بني سهم ، قيل : إنه العاص بن وائل ، فلواه بحقه ؛ ~~فسأله ماله أو متاعه ، فامتنع عليه ؛ فقام على الحجر وأنشد بأعلى صوته : ~~يال قصي لمظلوم بضاعته ms1384 . . . ببطن مكة نائي الدار والنفر وأشعث محرم لم تقض ~~حرمته . . . بين المقام وبين الحجر والحجر أقائم من بني سهم بذمتهم . . . ~~أو ذاهب في ضلال مال معتمر وأن قيس بن شيبة السلمى باع متاعا من أبي خلف ~~فلواه وذهب بحقه ، فاستجار برجل من بني جمح فلم يجره ؛ فقال قيس : يال قصي ~~كيف هذا في الحرم . . . وحرمة البيت وأخلاق الكرم أظلم لا يمنع منى من ظلم ~~PageV06P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" فأجابه العباس بن مرداس إن كان جارك لم تنفعك ~~ذمته . . . وقد شربت بكأس الذل أنفاسا فأت البيوت وكن من أهلها صددا . . . ~~لا تلق ناديهم فحشا ولا باسا وثم كن بفناء البيت معتصما . . . تلق ابن حرب ~~وتلق المرء عباسا قرمى قريش وحلا في ذوائبها . . . بالمجد والحزم ما عاشا ~~وما ساسا ساقي الحجيج ، وهذا ياسر فلج . . . والمجد يورث أخماسا وأسداسا ~~فقام العباس وأبو سفيان حتى ردا عليه ماله . واجتمعت بطون قريش فتحالفوا في ~~بيت عبد الله بن جدعان على رد المظالم بمكة ، وألا يظلم أحد إلا منعوه ~~وأخذوا للمظلوم بحقه ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) معهم قبل ~~النبوة وهو ابن خمس وعشرين سنة ، فعقدوا حلف الفضول ؛ فقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ذاكرا للحال : " لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلف ~~الفضول أما لو دعيت إليه في الإسلام لأحببت وما أحب أن لي به حمر النعم ~~وأني نقضته وما يزيده الإسلام إلا شدة " . وقال بعض قريش في هذا الحلف : ~~تيم بن مرة إن سألت وهاشم . . . وزهرة الخير في دار ابن جدعان متحالفين على ~~الندى ما غردت . . . ورقاء في فنن من الأفنان فهذا كان أصل ذلك وسببه في ~~الجاهلية . PageV06P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" وأما في الإسلام : فقد نظر رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في المظالم في الشرب الذي تنازعه الزبير بن العوام ورجل ~~من الأنصار في شراج الحرة فحضره رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بنفسه ، ~~وقال : " اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك " ، فقال له الأنصاري : أن كان ابن ~~عمتك ms1385 فتلون وجه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم قال : " اسق ثم ~~احتبس حتى يرجع الماء إلى الجدر ، فقال الزبير : والله إن هذه الآية أنزلت ~~في ذلك " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " . وقد قيل في هذا ~~الحديث إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ندب الزبير أولا إلى الاقتصار ~~على بعض حقه على طريق التوسط والصلح ، فلما لم يرض الأنصاري بذلك وقال ما ~~قال ، استوفى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) للزبير حقه . ويصحح هذا القول ~~ما جاء في آخر الحديث : " فاستوفى له حقه " يعني الزبير . ثم لم ينتدب ~~للمظالم من الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم أحد ، وإنما كانت المنازعات تجري ~~بين الناس فيفصلها حكم القضاء . فإن تجوز من جفاة الأعراب متجوز ، ثناه ~~الوعظ إن تدبره ، وقاده العنف إن أبى وامتنع ، فاقتصروا على حكم القضاء ، ~~لانقياد الناس إليه والتزامهم بأحكامه . ثم انتشر الأمر بعد ذلك وتجاهر ~~الناس بالظلم والتغالب ، ولم يكفهم زواجر المواعظ ، فاحتاجوا في ردع ~~المتغلبين وإنصاف المظلومين ، من الظالمين إلى النظر في المظالم ؛ فكان أول ~~من انفرد للمظالم وجعل لها يوما مخصصا يجلس فيه للناس وينظر في قصصهم ~~ويتأملها عبد الملك ابن مروان ، فكان إذا وقف فيها على مشكل رده إلى قاضيه ~~أبي إدريس الأودي فنفذ فيها أحكامه ، فكان عبد الملك هو الآمر وأبو إدريس ~~هو المباشر . ثم زاد جور الولاة وظلم العتاة واغتصاب الأموال في دولة بني ~~أمية ، إلى أن أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - فانتصب ~~بنفسه للنظر في المظالم ، وراعى السنن العادلة ، ورد مظالم بني أمية على ~~أهلها ؛ فقيل له وقد شدد عليهم فيها وأغلظ : إنا نخاف عليك ، من ردها ، ~~العواقب ؛ فقال : كل ما أتقيه وأخافه دون يوم القيامة لا وقيته . ثم جلس ~~لها جماعة من خلفاء الدولة العباسية ، فكان أول من جلس منهم المهدي ، ثم ~~الهادي ، ثم الرشيد ، ثم المأمون ؛ وآخر من جلس لها منهم المهتدي . ثم ~~انتصب لذلك جماعة من ملوك الإسلام أرباب الدول المشهورة بأنفسهم وأقاموا ms1386 ~~لها نوابا ، PageV06P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" ومنهم من بنى لها مكانا مخصصا بها سماه " دار ~~العدل " على ما نورد ذلك - إن شاء الله - في فن التاريخ . ذكر ما يحتاج ~~إليه ولاة المظالم في جلوسهم لها ومن يجتمع عندهم ويحضر مجلسهم ، وما يختص ~~بنظرهم وتشمله ولايتهم قال الماوردي : فإذا نظر في المظالم من انتدب لها ~~جعل لنظره يوما معروفا يقصده فيه المتظلمون ، ويراجعه فيه المتنازعون ؛ ~~ليكون ما سواه من الأيام لما هو موكول إليه من السياسة والتدبير ؛ إلا أن ~~يكون من عمال المظالم المتفردين بها ، فيكون مندوبا للنظر في جميع الأيام . ~~وليكن سهل الحجاب ، نزه الأصحاب . ويستكمل مجلس نظره بحضور خمسة أصناف لا ~~يستغني عنهم ، ولا ينتظم أمره إلا بهم ؛ وهم الحماة والأعوان ، لجذب القوي ~~وتقويم الجريء . والصنف الثاني : القضاة والحكام ، لاستعلام ما يثبت عندهم ~~من الحقوق ، ومعرفة ما يجري في مجالسهم بين الخصوم . والصنف الثالث : ~~الفقهاء ، ليرجع إليهم فيما أشكل ، ويسألهم عما اشتبه وأعضل . والصنف ~~الرابع : الكتاب ، ليثبتوا ما جرى بين الخصوم وما توجه لهم أو عليهم من ~~الحقوق . والصنف الخامس : الشهود ، ليشهدهم على ما أوجبه من حق وأمضاه من ~~حكم . فإذا استكمل مجلس المظالم بهذه الأصناف الخمسة ، شرع حينئذ في نظره . ~~ما يختص بنظر متولي المظالم وتشتمل عليه ولايته فعشرة أقسام : الأول : ~~النظر في تعدي الولاة على الرعية وأخذهم بالعسف في السيرة ، فهذا من لوازم ~~النظر في المظالم ، فيكون لسير الولاة متصفحا ، وعن أحوالهم مستكشفا ، ~~ليقويهم إن أنصفوا ، ويكفهم إن عسفوا . والثاني : جور العمال فيما يجبونه ~~من الأموال ؛ فيرجع فيه إلى القوانين العادلة في الدواوين ، فيحمل الناس ~~عليها ويأخذ العمال بها . وينظر فيما استزادوه ، فإن رفعوه إلى بيت المال ~~أمر برده ، وإن أخذوه لأنفسهم استرجعه منهم لأربابه . PageV06P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" والثالث : كتاب الدواوين ، لأنهم أمناء ~~المسلمين على بيوت أموالهم فيما يستوفونه ويوفونه منها ؛ فيتصفح أحوال ما ~~وكل إليهم ، فإن عدلوا عن حق في دخل أو خرج إلى زيادة أو نقصان ، أعاده إلى ~~قوانينه ، وقابل على تجاوزه . وهذه الأقسام الثلاثة لا ms1387 يحتاج والي المظالم ~~في تصفحها إلى متظلم . والرابع : تظلم المسترزقة من نقص أرزاقهم أو تأخيرها ~~عنهم وإجحاف النظار بهم ؛ فيرجع إلى ديوانه في فرض العطاء العادل فيجريهم ~~عليه . وينظر فيما نقصوه أو منعوه ، فإن أخذه ولاة أمورهم استرجعه لهم ، ~~وإن لم يأخذوه قضاه من بيت المال . كتب بعض ولاة الأجناد إلى المأمون أن ~~الجند شغبوا ونهبوا . فكتب إليه : لو عدلت لم يشغبوا ، ولو قويت لم ينهبوا ~~. وعزله عنهم وأدر عليهم أرزاقهم . والخامس : رد الغصوبات . وهي على ضربين ~~: أحدها غصوب سلطانية قد تغلب عليها ولاة الجور ، كالأملاك المقبوضة عن ~~أربابها ، إما لرغبة فيها أو غير ذلك . ويجوز أن يرجع في ذلك عند تظلمهم ~~إلى ديوان السلطنة ، فإذا وجد فيه ذكر قبضها عن مالكها عمل بمقتضاه وأمر ~~بردها إليه ، ولم يحتج فيه إلى بينة تشهد به ، وكان ما وجده في الديوان ~~كافيا ، كالذي حكي عن عمر بن عبد العزيز أنه خرج ذات يوم إلى الصلاة فصادفه ~~رجل ورد من اليمن متظلما ، فقال : تدعون حيران مظلوما ببابكم . . . فقد ~~أتاكم بعيد الدار مظلوم فقال له : وما ظلامتك ؟ قال : غصبني الوليد بن عبد ~~الملك ضيعتي ؛ فقال : يا مزاحم ائتني بدفتر الصوافي ؛ فوجد فيه : أصفى عبد ~~الله الوليد بن عبد الملك ضيعة فلان ؛ فقال : أخرجها من الدفتر ، وليكتب ~~برد ضيعته إليه ويطلق له ضعف نفقته . والضرب الثاني ، ما تغلب عليه ذوو ~~الأيدي القوية وتصرفوا فيه تصرف الملاك بالقهر والغلبة ، فهذا موقوف على ~~تظلم أربابه . ولا ينتزع من غاصبه إلا بأحد أربعة أمور : إما اعتراف الغاصب ~~وإقراره ؛ وإما بعلم والي المظالم ، فيجوز أن يحكم عليه بعلمه ؛ وإما ببينة ~~تشهد على الغاصب بغصبه أو تشهد للمغصوب منه بملكه ؛ وإما بتظاهر الأخبار ~~التي ينتفي عنها التواطؤ ولا تختلج فيها الشكوك ؛ لأنه لما جاز للشهود أن ~~يشهدوا في الأملاك بتظاهر الأخبار ، كان حكم ولاة المظالم بذلك أحق . ~~والسادس : مشارفة الوقوف . وهي ضربان : عامة وخاصة . فأما العامة فيبدأ ~~بتصفحها وإن لم يكن لها متظلم ، ليجريها على سبلها ويمضيها على شروط واقفها ms1388 ~~إذا PageV06P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" عرفها من أحد ثلاثة أوجه : إما من دواوين ~~الحكام المندوبين لحراستها ، وإما من دواوين السلطنة على ما جرى فيها من ~~معاملة أو ثبت لها من ذكر وتسمية ، وإما من كتب قديمة تقع في النفس صحتها ~~وإن لم يشهد الشهود بها ، لأنه ليس يتعين الخصم فيها ، فكان الحكم فيها ~~أوسع منه في الوقوف الخاصة . وأما الوقوف الخاصة ، فإن نظره فيها موقوف على ~~تظلم أهلها عند التنازع فيها ، لوقوفها على خصوم متعينين . فيعمل عند ~~التشاجر فيها على ما تثبت به الحقوق عند الحاكم ، ولا يجوز أن يرجع فيها ~~إلى ديوان السلطنة ولا إلى ما يثبت من ذكرها في الكتب القديمة إذا لم يشهد ~~بها شهود معدلون . والسابع : تنفيذ ما وقف من أحكام القضاة ، لضعفهم عن ~~إنفاذه وعجزهم عن المحكوم عليه ، لتعززه وقوة يده أو علو قدره وعظم خطره ، ~~لكون ناظر المظالم أقوى يدا وأنفذ أمرا ، فينفذ الحكم على ما يوجبه عليه ~~الحاكم بانتزاع ما في يده ، أو بإلزامه الخروج مما في ذمته . والثامن : ~~النظر فيما عجز عنه الناظرون في الحسبة من المصالح العامة كالمجاهرة بمنكر ~~ضعف عن دفعه ، والتعدي في طريق عجز من منعه ، والتحيف في حق لم يقدر على ~~رده ، فيأخذهم بحق الله تعالى في ذلك ، ويأمر بحملهم على موجبه . والتاسع : ~~مراعاة العبادات الظاهرة كالجمع والأعياد والحج والجهاد من تقصير فيها أو ~~إخلال بشروطها ؛ فإن حقوق الله تعالى أولى أن تستوفى ، وفروضه أحق أن تؤدى ~~. والعاشر : النظر بين المتشاجرين ، والحكم بين المتنازعين . ولا يخرج في ~~النظر بينهم عن موجب الحق ومقتضاه ، ولا يسوغ أن يحكم بينهم بما لا يحكم به ~~الحكام والقضاة . ذكر الفرق بين نظر ولاة المظالم ونظر القضاة قال الماوردي ~~: والفرق بين نظر المظالم ونظر القضاة من عشر أوجه : أحدها : أن لناظر ~~المظالم من فضل الهيبة وقوة اليد ما ليس للقضاة بكف الخصوم عن التجاحد ومنع ~~الظلمة من التغالب والتجاذب . PageV06P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" والثاني : أن نظر المظالم يخرج من ضيق الوجوب ~~إلى سعة الجواز ، فيكون ms1389 الناظر فيه أفسح مجالا وأوسع مقالا . والثالث : أنه ~~يستعمل من فضل الإرهاب وكشف الأسباب ، بالآثار الدالة أو شواهد الحال ~~اللائحة ما يضيق على الحكام ، فيصل به إلى ظهور الحق ، ومعرفة المبطل من ~~المحق . والرابع : أنه يقابل من ظهر ظلمه بالتأديب ، ويأخذ من بان عدوانه ~~بالتقويم والتهذيب . والخامس : أن له من التأني في ترداد الخصوم عند اشتباه ~~أمورهم واستبهام حقوقهم ، ليمعن في الكشف عن أسبابهم وأحوالهم ، ما ليس ~~للحكام ، إذا سألهم أحد الخصمين فصل الحكم ، فلا يسوغ أن يؤخره الحاكم ، ~~ويسوغ أن يؤخره متولي المظالم . والسادس : أن له رد الخصوم إذا أعضلوا إلى ~~وساطة الأمناء ، ليفصلوا التنازع بينهم صلحا عن تراض ، وليس للقاضي ذلك إلا ~~عن رضا الخصمين بالرد . والسابع : أنه يفسح في ملازمة الخصمين إذا وضحت ~~أمارات التجاحد ، ويأذن في إلزام الكفالة فيما يسوغ فيه التكفيل ، لتنقاد ~~الخصوم إلى التناصف ويعدلوا عن التجاحد والتكاذب . والثامن : أنه يسمع من ~~شهادات المستورين ما يخرج عن عرف القضاة في شهادة المعدلين . والتاسع : أنه ~~يجوز له إحلاف الشهود عند ارتيابه بهم إذا بذلوا أيمانهم طوعا ، ويستكثر من ~~عددهم ، لتزول عنه الشبهة وينتفي الارتياب ، وليس ذلك للحاكم . والعاشر : ~~أنه يجوز له أن يبتدئ باستدعاء الشهود ويسألهم عما عندهم في تنازع الخصوم ، ~~وعادة القضاة تكليف المدعي إحضار بينة ولا يسمعونها إلا بعد مسألته . فهذه ~~عشرة أوجه يقع فيها الفرق بين نظر المظالم ونظر القضاء في التشاجر والتنازع ~~؛ وهما فيما عداهما متساويان . PageV06P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" ذكر ما ينبغي أن يعتمده ولاة المظالم عند ~~رفعها إليهم وما يسلكونه من الأحكام فيها ، وما ورد في مثل ذلك من أخبارهم ~~وأحكامهم فيما سلف من الزمان . قال الماوردي : لم تخل حال الدعوى عند ~~الترافع فيها إلى والي المظالم من ثلاثة أحوال : إما أن يقترن بها ما ~~يقويها ، أو يقترن بها ما يضعفها ، أو تخلو من الأمرين . فإن اقترن بها ما ~~يقويها ، فلما يقترن بها من القوة ستة أحوال تختلف بها قوة الدعوى على ~~التدريج . فأول أحوالها : أن يظهر معها كتاب فيه ms1390 شهود معدلون حضور . والذي ~~يختص به نظر المظالم في مثل هذه الدعوى شيئان . أحدهما : أن يبتدئ الناظر ~~فيها باستدعاء الشهود للشهادة . والثاني : الإنكار على الجاحد بحسب حاله ~~وشواهد أحواله . فإذا حضر الشهود ، فإن كان الناظر في المظالم ممن يجل ~~القدرة ، كالخليفة أو وزير التفويض أو أمير الإقليم ، راعى من أحوال ~~المتنازعين ما تقتضيه السياسة : من مباشرة النظر بينهما إن جل قدرهما ، أو ~~رد ذلك إلى قاضيه بمشهد منه إن كانا متوسطين ، أو على بعد منه إن كانا ~~خاملين . حكي أن المأمون كان يجلس للمظالم في يوم الأحد ، فنهض ذات يوم من ~~مجلسه فتلقته امرأة في ثياب رثة ، فقالت : يا خير منتصف يهدي له الرشد . . ~~. ويا إماما به قد أشرق البلد تشكو إليك عميد الملك أرملة . . . عدا عليها ~~فما تقوى به أسد فابتز منها ضياعا بعد منعتها . . . لما تفرق عنها الأهل ~~والولد فأطرق المأمون يسيرا ثم رفع رأسه وقال : من دون ما قلت عيل الصبر ~~والجلد . . . وأقرح القلب هذا الحزن والكمد هذا أوان صلاة الظهر فانصرفي . ~~. . وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد المجلس السبت إن يقض الجلوس لنا . . . ~~أنصفك منه وإلا المجلس الأحد فانصرفت ، وحضرت في يوم الأحد أول الناس ؛ ~~فقال لها المأمون : من خصمك ؟ فقالت : القائم على رأسك العباس بن أمير ~~المؤمنين ؛ فقال المأمون لقاضيه PageV06P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" يحيى بن أكثم ، وقيل بل قال لوزيره أحمد بن ~~أبي خالد : أجلسها معه وانظر بينهما ؛ فأجلسها معه ونظر بينهما بحضرة ~~المأمون ، فجعل كلامها يعلو ، فزجرها بعض حجابه ؛ فقال المأمون : دعها فإن ~~الحق أنطقها والباطل أخرسه . وأمر برد ضياعها إليها . والحال الثانية في ~~قوة الدعوى : أن يقترن بها كتاب فيه من الشهود المعدلين من هو غائب فالذي ~~يختص بنظر المظالم في مثل هذه الدعوى أربعة أشياء . أحدها : إرهاب المدعى ~~عليه فربما يعجل من إقراره بقوة الهيبة ما يغني عن سماع البينة . والثاني : ~~التقدم بإحضار الشهود إذا عرف مكانهم ولم يدخل الضرر الشاق عليهم . والثالث ~~: التقدم بملازمة المدعى عليه ثلاثا ، ويجتهد رأيه في الزيادة ms1391 عليها بحسب ~~الحال من قوة الأمارة ودلائل الصحة . والرابع : أن ينظر في الدعوى ، فإن ~~كانت مالا في الذمة كلفه إقامة كفيل ، وإن كانت عينا قائمة ، حجر عليه فيها ~~حجرا لا يرفع به حكم يده ، ورد استغلالها إلى أمين يحفظه على مستحقه منهما ~~. فإن تطاولت المدة ووقع اليأس من حضور الشهود ، جاز لمتولي المظالم أن ~~يسأل المدعي عليه عن دخول يده مع تجديد إرهابه ، فإن أجاب بما يقطع التنازع ~~أمضاه ، وإلا فصل بينهما بموجب الشرع ومقتضاه . والحال الثالثة في قوة ~~الدعوى : أن يكون في الكتاب المقترن بها شهود حضور لكنهم غير معدلين عند ~~الحاكم ، فيتقدم ناظر المظالم بإحضارهم وسبر أحوالهم ؛ فإن كانوا من ذوي ~~الهيئات وأهل الصيانات ، فالثقة بشهادتهم أقوى ؛ وإن كانوا أرذالا فلا يعول ~~عليهم لكن يقوى إرهاب الخصم بهم ؛ وإن كانوا أوساطا فيجوز له أن يستظهر ~~بإحلافهم ، إن رأى ذلك ، قبل الشهادة أو بعدها . ثم هو في سماع شهادة هذين ~~الصفين بين ثلاثة أمور : إما أن يسمعها بنفسه فيحكم بها ، وإما أن يرد إلى ~~القاضي سماعها ويؤديها القاضي إليه ، وإما أن يرد سماعها إلى الشهود ~~المعدلين وهم يخبرونه بما وضح عندهم . والحالة الرابعة من قوة الدعوى : أن ~~يكون في الكتاب المقترن بها شهود موتى معدلون ، فالذي يختص بنظر المظالم ~~فيها ثلاثة أشياء . أحدها : إرهاب المدعى عليه بما يضطره إلى الصدق ~~والاعتراف بالحق . والثاني : سؤاله عن دخول يده ، لجواز أن يكون من جوابه ~~ما يتضح به الحق . والثالث : أن يكشف عن الحال من جيران الملك PageV06P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" ومن جيران المتنازعين فيه ، ليتوصل بهم إلى ~~وضوح الحق ومعرفة المحق . فإن لم يصل إليه بواحد من هذه الثلاثة ، ردها إلى ~~وساطة محتشم مطاع ، له بهما معرفة وبما يتنازعانه خبرة . فإن حصل تصادقهما ~~أو صلحهما بوساطته ، وإلا فصل الحكم بينهما على ما يوجبه حكم القضاء . ~~والحال الخامسة في قوة الدعوى : أن يكون مع المدعي خط المدعى عليه بما ~~تضمنته الدعوى ، فنظر المظالم فيه يقتضي سؤال المدعى عليه عن الخط وأن يقال ~~له ms1392 : هذا خطك ؟ فإن اعترف به ، سئل بعد اعترافه به عن صحة ما تضمنه ، فإن ~~اعترف بصحته ، صار مقرا وألزم حكم إقراره . وإن لم يعترف بصحته فمن ولاة ~~المظالم من حكم عليه بخطه إذا اعترف به وإن لم يعترف بصحته ، وجعل ذلك من ~~شواهد الحقوق اعتبارا بالعرف . والذي عليه محققوهم وما يراه الفقهاء أنه لا ~~يجوز للناظر منهم أن يحكم بمجرد الخط حتى يعترف بصحة ما فيه ؛ فإن قال : ~~كتبته ليقرضني وما أقرضني ، أو ليدفع إلي ثمن ما بعته وما دفع ، فهذا مما ~~قد يفعله الناس أحيانا . فنظر المظالم في مثله أن يستعمل الإرهاب بحسب ~~الحال ثم يرد إلى الوساطة ؛ فإن أفضت إلى الصلح ، وإلا بت الحاكم بينهما ~~بالتحالف . وإن أنكر الخط ، فمن ولاة المظالم من يختبر الخط بخطوطه التي ~~يكتبها ويكلفه من كثرة الكتابة ما يمنع من التصنع فيها ، ثم يجمع بين ~~الخطين ، فإذا تشابها حكم به عليه . والذي عليه المحققون منهم أنهم لا ~~يفعلون ذلك للحكم به ولكن للإرهاب . وتكون الشبهة مع إنكاره للخط أضعف منها ~~مع اعترافه به ، وترتفع الشبهة إن كان الخط منافيا لخطه ويعود الإرهاب على ~~المدعي ، ثم يردان إلى الوساطة فإن أفضت إلى الصلح وإلا بت القاضي الحكم ~~بينهما بالأيمان . والحال السادسة من قوة الدعوى : إظهار الحساب بما تضمنته ~~الدعوى ، وهذا يكون في المعاملات . ولا يخلو حال الحساب من أحد أمرين : إما ~~أن يكون حساب المدعي أو المدعى عليه . فإن كان حساب المدعي فالشبهة فيه ~~أضعف . ونظر المظالم في مثله أن يراعى نظم الحساب ، فإن كان مختلا يحتمل ~~فيه الإدغال كان مطرحا ، وهو بضعف الدعوى أشبه منه بقوتها . وإن كان نظمه ~~متسقا ونقله صحيحا ، فالثقة به أقوى ، فيقتضي من الإرهاب بحسب شواهده ، ثم ~~يردان إلى الوساطة ، ثم إلى الحكم البات . وإن كان الحساب للمدعى عليه ، ~~كانت الدعوى به أقوى ، فلا PageV06P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" يخلو أن يكون منسوبا إلى خطه أو خط كاتبه ، ~~فإن كان منسوبا إلى خطه فلناظر المظالم أن يسأله عنه : أهو خطه ؟ فإن ms1393 اعترف ~~به ، قيل : أتعلم ما هو ؟ فإن أقر بمعرفته ، قيل : أتعلم صحته ؟ فإن أقر ~~بصحته ، صار بهذه الثلاثة مقرا بمضمون الحساب ، فيؤخذ بما فيه . وإن اعترف ~~أنه خطه وأنه يعلم ما فيه ولم يعترف بصحته ، فمن حكم بالخط من ولاة المظالم ~~، حكم عليه بموجب حسابه وإن لم يعترف بصحته ، وجعل الثقة بهذا أقوى من ~~الثقة بالخط المرسل ، لأن الحساب لا يثبت فيه قبض ما لم يقبض ، وقد تكتب ~~الخطوط المرسلة بقبض . والذي عليه المحققون منهم - وهو قول الفقهاء - أنه ~~لا يحكم عليه بالحساب الذي لم يعترف بصحته ، لكن يقتضي من فضل الإرهاب به ~~أكثر مما اقتضاه الخط المرسل ، ثم يردان إلى الوساطة ثم إلى الحكم البات . ~~وإن كان الخط منسوبا إلى كاتبه ، سئل المدعى عليه قبل سؤال كاتبه ، فإن ~~اعترف بما فيه أخذ به ، وإن لم يعترف ، سئل عن كاتبه وأرهب ، فإن أنكره ~~ضعفت الشبهة ، وإن اعترف بصحته صار شهادة على المدعى عليه ، فيحكم عليه ~~بشهادته إن كان عدلا ، ويقضى بالشاهد واليمين . فهذه حال الدعوى إذا اقترن ~~بها ما يقويها . وأما إن اقترن بالدعوى ما يضعفها : فلما اقترن بها من ~~الضعف ستة أحوال تنافي أحوال القوة ، فينقل الإرهاب بها من جنبة المدعى ~~عليه إلى جنبة المدعي . فالحال الأولى : أن يقابل الدعوى بكتاب شهوده حضور ~~معدلون يشهدون بما يوجب بطلان الدعوى ، وذلك من أربعة أوجه . أحدها : أن ~~يشهدوا على المدعي ببيع ما ادعاه . والثاني : أن يشهدوا على إقرار الذي ~~انتقل الملك عنه للمدعي قبل إقراره له . والثالث : أن يشهدوا على المدعي ~~أنه لاحق له فيما ادعاه . والرابع : أن يشهدوا للمدعي عليه بأنه مالك لما ~~ادعاه عليه . فتبطل دعواه بهذه الشهادة ، ويؤدبه متولي المظالم بحسب حاله . ~~فإن ذكر أن الشهادة عليه بابتياع كانت على سبيل الرهن ؛ فهذا قد يفعله ~~الناس أحيانا ويسمونه بينهم بيع الأمانة ؛ ويقتضي ذلك الإرهاب في الجهتين . ~~ويرجع إلى الكشف من الجيرة ؛ فإن ظهر له ما يوجب العدول عن ظاهر الكتاب عمل ~~بمقتضاه ، وإن لم يتبين وأبهم الأمر أمضى ms1394 الحكم بما شهد به شهود الابتياع . ~~فإن سأل إحلاف المدعى عليه أن ابتياعه كان حقا ولم يكن على سبيل الرهن ، ~~فقد اختلف الفقهاء في جواز إحلافه : فمنهم من أجازه ومنهم من منعه . ولوالي ~~المظالم أن يعمل من القولين بما تقتضيه شواهد الحال . وكذلك لو كانت الدعوى ~~بدين في الذمة فأظهر PageV06P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" المدعى عليه كتاب براءة منه ، فذكر المدعي ~~أنه أشهد على نفسه قبل القبض ولم يقبض ، كان إحلاف المدعى عليه على ما تقدم ~~ذكره . والحال الثانية : أن يكون شهود الكتاب عدولا غيبا ، فهذا على ضربين ~~: أحدهما : أن يتضمن إنكاره اعترافا بالسبب كقوله : لا حق له في هذا الملك ~~، لأني ابتعته منه ودفعت إليه الثمن ، وهذا كتاب عهدتي بالإشهاد عليه . ~~فيصير المدعى عليه مدعيا . وله زيادة يد وتصرف ، فتكون الأمارة أقوى وشاهد ~~الحال أظهر ، فإن لم يثبت بها الملك فيرهبهما والي المظالم بحسب ما تقتضيه ~~شواهد أحوالهما . ويأمر بإحضار الشهود إن أمكن ، ويضرب لحضورهم أجلا يردهما ~~فيه إلى الوساطة ، فإن أفضت إلى صلح عن تراض ، استقر به الحكم وعدل عن سماع ~~الشهادة إن حضرت . وإن لم ينبرم بينهما الصلح ، أمعن في الكشف من جيرانهما ~~وجيران الملك . وكان لمتولي نظر المظالم رأيه ، في زمن الكشف ، في خصلة من ~~ثلاث ، على ما يؤدي إليه اجتهاده بحسب الأمارات وشواهد الأحوال : إما أن ~~يرى انتزاع الضيعة من يد المدعى عليه ويسلمها إلى المدعي إلى أن تقوم ~~البينة عليه بالبيع ؛ وإما أن يسلمها إلى أمين تكون في يده ويحفظ استغلالها ~~على مستحقه ؛ وإما أن يقرها في يد المدعى عليه ويحجر عليه فيها وينصب أمينا ~~لحفظ استغلالها . فإن وقع الإياس من حضور الشهود وظهور الحق بالكشف ، فصل ~~الحكم بينهما على ما تقتضيه أحكام القضاء . فلو سأل المدعى عليه إحلاف ~~المدعي ، أحلفه له ، وكان ذلك بتا للحكم بينهما . والضرب الثاني : أن لا ~~يتضمن إنكاره اعترافا بالسبب ويقول : هذا الملك أو الضيعة لا حق له فيها . ~~وتكون شهادة الكتاب على المدعي على أحد وجهين : إما على إقراره ms1395 أنه لا حق ~~له فيها ، وإما على إقراره أنها ملك للمدعى عليه ؛ فالضيعة مقرة في يد ~~المدعى عليه لا يجوز انتزاعها منه . فأما الحجر عليه فيها وحفظ استغلالها ~~مدة الكشف والوساطة فمعتبر بشواهد الحال واجتهاد والي المظالم فيما يراه ~~بينهما ، إلى أن يثبت الحق لأحدهما . والحال الثالثة : أن شهود الكتاب ~~المقابل لهذه الدعوى حضور غير معدلين ، فيراعي والي المظالم فيهم ما قدمناه ~~في جنبة المدعي من أحوالهم الثلاث ، ويراعى حال إنكاره هل تضمن اعترافا ~~بالسبب أم لا ؛ فيعمل والي المظالم في ذلك بما قدمناه ، تعويلا على اجتهاد ~~رأيه في شواهد الأحوال . PageV06P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" والحالة الرابعة : أن يكون شهود الكتاب موتى ~~معدلين ، فليس يتعلق به حكم إلا في الإرهاب المجرد ، ثم يعمل في بت الحكم ~~على ما تضمنه الإنكار من الاعتراف بالسبب أم لا . والحال الخامسة : أن ~~يقابل المدعى عليه بخط المدعي بما يوجب إكذابه في الدعوى ، فيعمل فيه بما ~~قدمناه في ذلك . وكذلك أيضا في الحال السادسة من إظهار الحساب ، فالعمل فيه ~~على ما قدمناه . وأما إن تجردت الدعوى من أسباب القوة والضعف ، فلم يقترن ~~بها ما يقويها ولا ما يضعفها ، فنظر والي المظالم في ذلك أن يراعي أحوال ~~المتنازعين في غلبة الظن . ولا يخلو حالهما فيه من ثلاثة أحوال . أحدها : ~~أن تكون غلبته في جنبة المدعي . والثاني : أن تكون في جنبة المدعى عليه . ~~والثالث : أن يعتدلا فيه . فإن كانت غلبة الظن في جنبة المدعي وكانت الريبة ~~متوجهة إلى المدعى عليه ، فقد تكون من ثلاثة أوجه . أحدها : أن يكون المدعي ~~مع خلوه من حجة مضعوف اليد مستلان الجانب والمدعى عليه ذا بأس وقدرة . فإذا ~~ادعى عليه غصب ملك أو ضيعة ، غلب في الظن أن مثله مع لينه واستضعافه لا ~~يتجوز في دعواه على من كان ذا بأس وسطوة . والثاني : أن يكون ممن اشتهر ~~بالصدق والأمانة والمدعى عليه ممن اشتهر بالكذب والخيانة ، فيغلب في الظن ~~صدق المدعي في دعواه . والثالث : أن تتساوى أحوالهما ، غير أنه عرف للمدعي ~~يد متقدمة وليس ms1396 يعرف لدخول يد المدعى عليه سبب ، فالذي يقتضيه نظر المظالم ~~في هذه الأحوال شيئان . أحدهما : إرهاب المدعى عليه لتوجه الريبة . والثاني ~~: سؤاله عن سبب دخول يده وحدوث ملكه . وأما إن كانت غلبة الظن في جنبة ~~المدعى عليه بانعكاس ما قدمناه وانتقاله من جانب المدعي إلى المدعى عليه ، ~~فمذهب مالك - رحمه الله - أنه إن كانت دعواه في مثل هذه الحال لعين قائمة ~~، لم يسمعها إلا بعد ذكر السبب الموجب لها ، وإن كانت في مال في الذمة ، لم ~~يسمعها إلا أن تقوم البينة للمدعي أنه كان بينه وبين المدعى عليه معاملة . ~~والشافعي وأبو حنيفة - رحمهما الله - لا يريان ذلك . ونظر المظالم موضوع ~~على فعل الجائز دون الواجب ، فيسوغ فيه مثل هذا عند ظهور الريبة . فإن وقف ~~الأمر على التحالف فهو غاية الحكم البات الذي لا يجوز دفع طالب عنه في نظر ~~القضاء ولا نظر المظالم . فإن فرق المدعي دعاويه وأراد أن PageV06P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" يحلف المدعى عليه في كل مجلس على بعضها قصدا ~~لإعناته وبذلته ، فالذي يوجبه حكم القضاء ألا يمنع من تبعيض الدعاوي وتفريق ~~الأيمان ، والذي ينتجه نظر المظالم أن يؤمر المدعي بجمع دعاويه عند ظهور ~~الإعنات منه و إحلاف الخصم على جميعها يمينا واحدة . فأما إذا اعتدلت حالة ~~المتنازعين وتقابلت شبهة المتشاجرين ولم يترجح أحدهما بأمارة ولا ظنة ، ~~فينبغي أن يساوي بينهما في العظة ؛ وهذا مما يتفق عليه القضاة وولاة ~~المظالم . ثم يختص ولاة المظالم ، بعد العظة ، بالإرهاب لهما معا لتساويهما ~~، ثم بالكشف عن أصل الدعوى وانتقال الملك . فإن ظهر بالكشف ما يعرف به ~~المحق منهما من المبطل عمل بمقتضاه ، وإن لم يظهر بالكشف ما ينفصل به ~~تنازعهما ردهما إلى وساطة من وجوه الجيران وأكابر العشائر ؛ فإن تحرر ما ~~بينهما ، وإلا كان فصل القضاء بينهما هو خاتمة أمرهما . وربما ترافع إلى ~~ولاة المظالم في غوامض الأحكام ومشكلات الخصام ما يرشده إليه الجلساء ~~ويفتحه عليه العلماء ، فلا ينكر عليهم الابتداء به ؛ ولا بأس برد الحكم فيه ~~إلى من يعلمه منهم . فقد ms1397 حكي أن امرأة أتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~فقالت : يا أمير المؤمنين ، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل ، وأنا أكره ~~أن أشكوه وهو يعمل بطاعة الله ؛ فقال لها عمر : نعم الزوج زوجك فجعلت تكرر ~~عليه القول ، وهو يكرر عليها الجواب ؛ فقال له كعب بن سور الأزدي : يا أمير ~~المؤمنين ، هذه امرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه ؛ فقال له عمر ~~رضي الله عنه : كما فهمت كلامها فاقض بينهما ؛ فقال كعب : علي بزوجها ، ~~فأتي به ؛ فقال له : امرأتك هذه تشكوك ؛ فقال الزوج : أفي طعام أو شراب ؟ ~~قال كعب : لا في واحد منهما ؛ فقالت المرأة : يا أيها القاضي الحكيم أرشده ~~. . . ألهى حليلي عن فراشي مسجده زهده في مضجعي تعبده . . . نهاره وليله ما ~~يرقده فلست من أمر النساء أحمده . . . فاقض القضا يا كعب لا تردده ~~PageV06P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" فقال الزوج : زهدني في قربها وفي الحجل . . . ~~أني امرؤ أذهلني ما قد نزل في سورة النحل وفي السبع الطول . . . وفي كتاب ~~الله تخويف جلل فقال كعب : إن لها حقا عليك يا رجل . . . نصيبها في أربع ~~لمن عقل فأعطها ذاك ودع عنك العلل ثم قال : إن الله سبحانه وتعالى قد أحل ~~لك من النساء مثنى وثلاث ورباع ، فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك ، ~~ولها يوم وليلة . فقال عمر رضي الله عنه لكعب : ما أدري من أي أمريك أعجب ~~أمن فهمك أمرهما ، أم من حكمك بينهما اذهب فقد وليتك القضاء بالبصرة . وهذا ~~القضاء من كعب والإمضاء من عمر إنما كان حكما بالجائز دون الواجب ؛ لأن ~~الزوج لا يلزمه أن يقسم للزوجة الواحدة ولا يجيبها إلى الفراش إذا أصابها ~~دفعة واحدة . فدل هذا على أن لوالي المظالم أن يحكم بالجائز دون الواجب . ~~ذكر توقيعات متولي المظالم وما يترتب عليها من الأحكام . قال الماوردي : ~~إذا وقع ناظر المظالم في قصص المتظلمين إليه بالنظر بينهم ، لم يخل حال ~~الموقع إليه من أحد أمرين : إما أن يكون واليا على ما وقع به إليه أو غير ~~وال عليه ms1398 . فإن كان واليا عليه ، كتوقيعه إلى القاضي بالنظر بينهما ، فلا ~~يخلو حال ما تضمنه التوقيع من أحد أمرين : إما أن يكون إذنا بالحكم ، أو ~~إذنا بالكشف والوساطة . فإن كان إذنا بالحكم ، جاز له الحكم بينهما بأصل ~~الولاية ويكون التوقيع تأكيدا لا يؤثر فيه قصور معانيه . وإن كان إذنا ~~بالكشف للصورة أو التوسط بين الخصمين فإن كان في التوقيع بذلك نهيه عن ~~الحكم فيه لم يكن له أن يحكم بينهما وكان هذا النهي عزلا عن الحكم بينهما ، ~~وكان على عموم ولايته فيمن عداهما . وإن لم ينهه في التوقيع عن الحكم ~~بينهما غير أنه أمره بالكشف ، فقد قيل : يكون نظره على عمومه في جواز حكمه ~~بينهما ؛ لأن أمره ببعض ما إليه لا يكون منعا من غيره وقيل بل يكون ممنوعا ~~من الحكم بينهما مقصورا على ما تضمنه التوقيع من الكشف PageV06P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" والوساطة ؛ لأن فحوى التوقيع دليل عليه . ثم ~~ينظر ، فإن كان التوقيع بالوساطة ، لم يلزمه إنهاء الحال إليه بعد الوساطة ~~، وإن كان بكشف الصورة ، لزمه إنهاء حالها إليه ؛ لأنه استخبار منه فيلزمه ~~إجابته عنه . فهذا حكم توقيعه إلى من إليه الولاية . وأما إن وقع إلى من لا ~~ولاية له ، كتوقيعه إلى فقيه أو شاهد ، فلا يخلو حال توقيعه من ثلاثة أحوال ~~: أحدها أن يكون بكشف الصورة ، والثاني أن يكون بالوساطة ، والثالث أن يكون ~~بالحكم . فإن كان التوقيع بكشف الصورة ، فعليه أن يكشفها وينهي منها ما يصح ~~أن يشهد به ، ليجوز لناظر المظالم الحكم به . فإن أنهى ما يجوز أن يشهد به ~~، كان خبرا لا يجوز أن يحكم به ، ولكن يجعله ناظر المظالم من الأمارات التي ~~يغلب بها حال أحد الخصمين في الإرهاب وفضل الكشف . فإن كان التوقيع ~~بالوساطة ، توسط بينهما . فإن أفضت الوساطة إلى صلح الخصمين لم يلزمه ~~إنهاؤها ، وكان شاهدا فيها ، متى استدعي للشهادة أداها . وإن لم تفض ~~الوساطة إلى صلحهما ، كان شاهدا عليهما فيما اعترفا به عنده ، يؤديه إلى ~~الناظر في المظالم إذا طلب للشهادة . وإن كان التوقيع ms1399 بالحكم بينهما ، فهذه ~~ولاية يراعى فيها معاني التوقيع ، ليكون نظره محمولا على موجبه . وإذا كان ~~كذلك فللتوقيع حالتان : إحداهما : أن يحال فيه إلى إجابة الخصم إلى ملتمسه ~~؛ فيعتبر حينئذ فيه ما سأل الخصم في قصته ويصير النظر مقصورا عليه ، فإن ~~سأل الوساطة أو كشف الصورة كان التوقيع موجبا له ، وكان النظر مقصورا عليه ~~. وسواء خرج التوقيع مخرج الأمر كقوله : أجبه إلى ملتمسه ، أو خرج مخرج ~~الحكاية كقوله : رأيك في إجابته إلى ملتمسه موفقا ؛ لأنه لا يقتضي ولاية ~~يلزم حكمها ، فكان أمرها أخف . وإن سأل المتظلم في قصته الحكم بينهما ، ~~فلابد أن يكون الخصم في القصة مسمى والخصومة مذكورة ، لتصح الولاية عليها . ~~فإن لم يسم الخصم ولم تذكر الخصومة ، لم تصح الولاية ، لأنها ليست ولاية ~~عامة فيحمل على عمومها ، ولا خاصة للجهل بها . وإن سمى رافع القصة خصمه ~~وذكر خصومته ، نظر في التوقيع بإجابته إلى ملتمسه : فإن خرج مخرج الأمر ~~فوقع أجبه إلى ملتمسه واعمل بما التمسه صحت ولايته في الحكم بينهما ، وإن ~~خرج مخرج الحكاية للحال فوقع رأيك في إجابته إلى ملتمسه موفقا ، فهذا ~~التوقيع خارج في الأعمال السلطانية مخرج الأمر ، والعرف باستعماله فيها ~~معتاد . وأما في الأحكام الدينية ، فقد جوزته طائفة من الفقهاء اعتبارا ~~بالعرف ، PageV06P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" ومنعت طائفة أخرى من جوازه وانعقاد الولاية ~~به حتى يقترن به أمر تنعقد ولايته به ، اعتبارا بمعاني الألفاظ . فلو كان ~~رافع القصة سأل التوقيع بالحكم بينهما فوقع بإجابته إلى ملتمسه ، فمن يعتبر ~~العرف المعتاد ، صحت الولاية عنده بهذا التوقيع ، ومن اعتبر معاني الألفاظ ~~لم تصح عنده به . والحالة الثانية من التوقيعات : ألا يقتصر فيه على إجابة ~~الخصم إلى ما سأل ، ويستأنف فيه الأمر بما تضمنه ، فيصير ما تضمنه التوقيع ~~هو المعتبر في الولاية . وإذا كان كذلك ، فله ثلاثة أحوال : حال كمال ، ~~وحال جواز ، وحال يخرج عن الأمرين . فأما الحال التي يكون التوقيع فيها ~~كاملا في صحة الولاية ، فهو أن يتضمن شيئين : أحدهما الأمر بالنظر ، ~~والثاني الأمر بالحكم ، فيذكر فيه : انظر بين ms1400 رافع هذه القصة وبين خصمه ، ~~واحكم بينهما بالحق وموجب الشرع . فإذا كانت كذلك جاز ، لأن الحكم لا يكون ~~إلا بالحق الذي يوجبه حكم الشرع . وإنما يذكر ذلك في التوقيعات وصفا لا ~~شرطا . فإن كان التوقيع جامعا لهذين الأمرين من النظر والحكم ، فهو النظر ~~الكامل ، ويصح به التقليد والولاية . وأما الحال التي يكون بها التوقيع ~~جائزا مع قصوره عن حال الكمال ، فهو أن يتضمن الأمر بالحكم دون النظر ، ~~فيذكر في توقيعه : احكم بين رافع هذه القصة وبين خصمه ، أو يقول : اقض ~~بينهما ، فتصح الولاية بذلك ؛ لأن الحكم بينهما لا يكون إلا بعد تقدم النظر ~~، فصار الأمر به متضمنا للنظر ، لأنه لا يخلو منه . وأما الحال التي يكون ~~التوقيع بها خاليا من كمال وجواز ، فهو أن يذكر فيه : انظر بينهما ؛ فلا ~~تنعقد بهذا التوقيع ولاية ، لأن النظر بينهما قد يحتمل الوساطة الجائزة ~~ويحتمل الحكم اللازم ؛ وهما في الاحتمال سواء ، فلم تنعقد به مع الاحتمال ~~ولاية . فإن ذكر فيه : انظر بينهما بالحق فقد قيل : إن الولاية به منعقدة ، ~~لأن الحق ما لزم ؛ وقيل لا تنعقد به ، لأن الصلح والوساطة حق وإن لم يلزم . ~~فهذه نبذة كافية فيما يتعلق بنظر المظالم . وقد يقع لهم من الوقائع ~~والمخاصمات والقرائن ما لم نذكره ، فيجرى الحال فيها بحسب الوقائع والقرائن ~~؛ وإنما هذه أصول سياسية وقواعد فقهية فيحمل الأمر من أشباهها على منوالها ~~، ويحذى في أمثالها على مثالها . والله الموفق . PageV06P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" الباب الثالث عشر من القسم الخامس من الفن ~~الثاني في نظر الحسبة وأحكامها قال أبو الحسن الماوردي - رحمه الله - : ~~والحسبة هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله . قال ~~الله عز وجل : " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر " . ومن شروط ناظر الحسبة أن يكون حرا ، عدلا ، ذا رأي وصرامة ~~وخشونة في الدين ، وعلم بالمنكرات الظاهرة . واختلف الفقهاء من أصحاب ~~الشافعي : هل يجوز له أن يحمل ، الناس فيما ينكره من الأمور التي اختلف ~~الفقهاء فيها ، على رأيه ms1401 واجتهاده ، أم لا ، على وجهين : أحدهما : - وهو ~~قول أبي سعيد الإصطخري - أن له أن يحمل ذلك على رأيه واجتهاده ؛ فعلى هذا ~~يجب أن يكون المحتسب عالما من أهل الاجتهاد في أحكام الدين ، ليجتهد رأيه ~~فيما اختلف فيه . والثاني : أنه ليس له أن يحمل الناس على رأيه ولا يقودهم ~~إلى مذهبه ، لتسويغ اجتهاد الكافة فيما اختلف فيه . فعلى هذا يجوز أن يكون ~~المحتسب من غير أهل الاجتهاد إذا كان عارفا بالمنكرات المتفق عليها . ذكر ~~الفرق بين المحتسب والمتطوع قال : والفرق بين المحتسب والمتطوع من تسعة ~~أوجه : أحدها : أن فرضه متعين على المحتسب بحكم الولاية ، وفرضه على غيره ~~داخل في فرض الكفاية . والثاني : أن قيام المحتسب به من حقوق تصرفه الذي لا ~~يجوز أن يتشاغل عنه بغيره ؛ وقيام المتطوع به من نوافل عمله الذي يجوز أن ~~يتشاغل عنه بغيره . والثالث : أنه منسوب إلى الاستعداد إليه فيما يجب ~~إنكاره ؛ وليس المتطوع منسوبا إلى الاستعداد . والرابع : أن على المحتسب ~~إجابة من استعداه ؛ وليس على المتطوع إجابته . PageV06P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" والخامس : أن عليه أن يبحث عن المنكرات ~~الظاهرة ليصل إلى إنكارها ، ويفحص عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته ~~؛ وليس على المتطوع بحث ولا فحص . والسادس : أن له أن يتخذ على الإنكار ~~أعوانا ، لأنه عمل هو له منصوب ، وإليه مندوب ، ليكون له أقهر ، وعليه أقدر ~~؛ وليس للمتطوع أن يندب لذلك عونا . والسابع : أن له أن يعزر في المنكرات ~~الظاهرة ولا يتجاوز بها الحدود ؛ وليس للمتطوع أن يعزر بها . والثامن : أن ~~له أن يرزق على حسبته من بيت المال ؛ ولا يجوز للمتطوع أن يرزق على إنكار ~~منكر . والتاسع : أن له اجتهاد رأيه فيما تعلق بالعرف دون الشرع ، كالمقاعد ~~في الأسواق وإخراج الأجنحة ، فيقر وينكر من ذلك ما أداه إليه اجتهاده ؛ ~~وليس هذا للمتطوع . فهذا هو الفرق بين متولي الحسبة وبين المتطوعة ، وإن ~~اتفقا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ذكر أوضاع الحسبة وقصورها عنه ~~وزيادتها عليه ، وموافقتها لنظر المظالم وقصورها عنه . قال : واعلم أن ~~الحسبة واسطة ms1402 بين أحكام القضاء وأحكام المظالم . فأما ما بينها وبين القضاء ~~، فهي موافقة للقضاء من وجهين ، ومقصرة عنه من وجهين ، وزائدة عليه من ~~وجهين . موافقتها أحكام القضاء فأحدهما جواز الاستعداء إليه . وسماعه دعوى ~~المستعدي على المستعدى عليه من حقوق الآدميين ، وليس في عموم الدعاوى . ~~وإنما يختص بثلاثة أنواع من الدعوى : أحدها : أن يكون فيما تعلق ببخس ~~وتطفيف في كيل أو وزن . والثاني : فيما تعلق بغش أو تدليس في مبيع أو ثمن . ~~والثالث : فيما تعلق بمطل وتأخير لدين مستحق مع المكنة . وإنما جاز نظره في ~~هذه الأنواع الثلاثة من الدعاوى دون ما عداها ، لتعلقها بمنكر ظاهر هو ~~منصوب PageV06P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" لإزالته ، واختصاصها بمعروف بين هو مندوب إلى ~~إقامته . وليس له أن يتجاوز ذلك إلى الحكم الناجز والفصل البات . فهذا أحد ~~وجهي الموافقة . والوجه الثاني : أن له إلزام المدعى عليه الخروج من الحق ~~الذي عليه . وليس هذا على العموم في كل الحقوق ، وإنما هو خاص في الحقوق ~~التي جاز له سماع الدعوى فيها إذا وجبت باعتراف وإقرار مع الإمكان واليسار ~~، فيلزم المقر الموسر الخروج منها ودفعها إلى مستحقها ، لأن في تأخيره لها ~~منكرا هو منصوب لإزالته . قصورها عن أحكامه . فأحدهما : قصورها عن سماع ~~الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات من الدعاوى في العقود والمعاملات وسائر ~~الحقوق والمطالبات ، فلا يجوز أن ينتدب لسماع الدعوى ولا أن يتعرض للحكم ~~فيها لا في كثير الحقوق ولا قليلها من درهم فما دونه ، إلا أن يرد إليه ذلك ~~بنص صريح يزيد على إطلاق الحسبة فيجوز له . ويصير بهذه الزيادة جامعا بين ~~القضاء والحسبة ، فيراعى فيه أن يكون من أهل الاجتهاد . وإن اقتصر به على ~~مطلق الحسبة ، فالقضاة والحكام أحق بالنظر في قليل ذلك وكثيره . والوجه ~~الثاني : أنها مقصورة على الحقوق المعترف بها . فأما ما تداخله جحد وإنكار ~~، فلا يجوز له النظر فيها ، لأن الحكم فيها يقف على سماع بينة وإحلاف يمين ~~، ولا يجوز للمحتسب أن يسمع بينة على إثبات حق ، ولا أن يحلف يمينا على ~~نفيه ؛ والقضاة والحكام ms1403 لسماع البينات وإحلاف الخصوم أحق . وأما الوجهان في ~~زيادتها على أحكام القضاء فأحدهما : أنه يجوز للناظر فيها أن يتعرض لتصفح ~~ما يأمر به من المعروف وينهى عنه من المنكر ، وإن لم يحضره خصم مستعد ؛ ~~وليس للقاضي أن يتعرض لذلك إلا بعد حضور خصم يجوز له سماع الدعوى منه . فإن ~~تعرض القاضي لذلك فقد خرج عن منصب ولايته وصار متجوزا في قاعدة النظر . ~~والثاني : أن للناظر في الحسبة من سلاطة السلطنة واستطالة الحماة فيما تعلق ~~بالمنكرات ما ليس للقضاة ؛ لأن الحسبة موضوعة على الرهبة ، فلا يكون خروج ~~المحتسب إليها بالسلاطة والغلظة تجوزا فيها ولا خرقا . والقضاء موضوع ~~للمناصفة فهو بالأناة والوقار أخص ، وخروجه عنهما إلى السلاطة تجوز وخرق ، ~~لأن موضوع كل واحد من المنصبين مختلف ، فالتجاوز فيه خروج عن حده . ~~PageV06P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" وأما بين الحسبة والمظالم فبينهما شبه مؤتلف ~~، وفرق مختلف . فأما الشبه الجامع بينهما فمن وجهين : أحدهما : أن موضوعهما ~~على الرهبة المختصة بسلاطة السلطنة وقوة الصرامة . والثاني : جواز التعرض ~~فيهما لأسباب المصالح والتطلع إلى إنكار العدوان الظاهر . الفرق بينهما فمن ~~وجهين : أحدهما : أن النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة ، والنظر ~~في الحسبة موضع لما رفه عنه القضاة ؛ ولذلك كانت رتبة المظالم أعلى ، ورتبة ~~الحسبة أخفض ، وجاز لوالي المظالم أن يوقع إلى القضاة والمحتسبة ، ولم يجز ~~للقاضي أن يوقع إلى والي المظالم وجاز له أن يوقع إلى المحتسب ، ولم يجز ~~للمحتسب أن يوقع إلى واحد منهما . فهذا فرق . والثاني : أنه يجوز لوالي ~~المظالم أن يحكم ، ولا يجوز ذلك للمحتسب . وحيث قدمنا هذه المقدمة في أوضاع ~~الحسبة ، فلنذكر ما تشتمل عليه ولايتها . ذكر ما تشتمل عليه ولاية الحسبة ~~وما يختص بها من الأحكام . ونظر الحسبة يشتمل على فصلين : أحدهما أمر ~~بمعروف ، والثاني نهي عن منكر . فأما الأمر بالمعروف فينقسم إلى ثلاثة ~~أقسام : أحدها ما تعلق بحقوق الله عز وجل . والثاني ما تعلق بحقوق الآدميين ~~. والثالث ما كان مشتركا بينهما ، على ما سنوضح ذلك . المتعلق بحقوق الله ~~تعالى فضربان : أحدهما ms1404 : ما يلزم الأمر به في الجماعة دون الانفراد ، كترك ~~الجمعة في وطن مسكون ؛ فإن كانوا عددا قد اتفق على انعقاد الجمعة بهم ~~كالأربعين فما زاد ، فواجب أن يأخذهم بإقامتها ويأمرهم بفعلها ويؤدب على ~~الإخلال بها . وإن كانوا عددا قد اختلف في انعقاد الجمعة بهم ، فله ولهم ~~أربعة أحوال : إحداها : أن يتفق رأيه ورأي القوم على انعقاد الجمعة بذلك ~~العدد ، فواجب عليه أن يأمرهم بإقامتها ، وعليهم أن يسارعوا إلى أمره بها ، ~~ويكون في تأديبهم على تركها ألين منه في تأديبهم على ترك ما انعقد الإجماع ~~عليه . PageV06P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" والحال الثانية : أن يتفق رأيه ورأي القوم ~~على أن الجمعة لا تنعقد بهم ، فلا يجوز أن يأمرهم بإقامتها ولا بالنهي عنها ~~لو أقيمت . والحال الثالثة : أن يرى القوم انعقاد الجمعة بهم ولا يراه ~~المحتسب ، فلا يجوز له أن يعارضهم فيها : فلا يأمر بإقامتها لأنه لا يراه ، ~~ولا ينهى عنها ويمنعهم مما يرونه فرضا عليهم . والحال الرابعة : أن يرى ~~المحتسب انعقاد الجمعة بهم ولا يراه القوم ، فهذا مما في استمرار تركه ~~تعطيل الجمعة مع تطاول الزمان وبعده وكثرة العدد وزيادته ، فهل للمحتسب أن ~~يأمرهم بإقامتها اعتبارا بهذا المعنى ، أم لا ؟ فقد اختلف الفقهاء في ذلك ~~على وجهين : أحدهما : - وهو قول أبي سعيد الإصطخري - أنه يجوز له أن يأمرهم ~~بإقامتها اعتبارا بالمصلحة ، لئلا ينشأ الصغير على تركها فيظن أنها تسقط مع ~~زيادة العدد كما تسقط بنقصانه ؛ فقد راعى زياد بن أبيه مثل هذا في صلاة ~~الناس في جامعي البصرة والكوفة ، فإنهم كانوا إذا صلوا في صحبه فرفعوا من ~~السجود مسحوا جباههم من التراب ، فأمر بإلقاء الحصى في صحن المسجد ، وقال : ~~لست آمن أن يطول الزمان فيظن الصغير إذا نشأ أن مسح الجبهة من أثر السجود ~~سنة في الصلاة . والوجه الثاني : أنه لا يتعرض لأمرهم بها ، لأنه ليس له ~~حمل الناس على اعتقاده ، ولا أن يأخذهم في الدين برأيه ، مع تسويغ الاجتهاد ~~فيه ، وأنهم يعتقدون أن نقصان العدد يمنع من إجزاء الجمعة . فأما أمرهم ~~بصلاة ms1405 العيد فله أن يأمرهم بها . وهل يكون الأمر بها من الحقوق اللازمة أو ~~من الحقوق الجائزة ؟ على وجهين من اختلاف أصحاب الشافعي فيها : هل هي ~~مسنونة أو من فروض الكفاية . فإن قيل : إنها مسنونة ، كان الأمر بها ندبا ؛ ~~وإن قيل : إنها من فروض الكفاية ، كان الأمر بها حتما . فأما صلاة الجماعة ~~في المساجد وإقامة الأذان فيها للصلوات ، فمن شعائر الإسلام وعلامات ~~متعبداته التي فرق بها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بين دار الإسلام ~~ودار الشرك . فإذا أجمع أهل محلة أو بلد على تعطيل الجماعات في مساجدهم ~~وترك الأذان في أوقات صلواتهم ، كان المحتسب مندوبا إلى أمرهم بالأذان ~~والجماعة في الصلوات . وهل ذلك واجب عليه يأثم بتركه ، أو مستحب له يثاب ~~على فعله . فأما من ترك صلاة الجماعة من آحاد الناس أو ترك الأذان والإقامة ~~لصلاة ، فلا اعتراض للمحتسب عليه إذا لم يجعله عادة وإلفا ، لأنها من الندب ~~الذي يسقط بالأعذار ، إلا أن يقترن به PageV06P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" استرابة أو يجعله إلفا وعادة ، ويخاف تعدي ~~ذلك إلى غيره في الاقتداء به ، فيراعى حكم المصلحة في زجره عما استهان به ~~من سنن عبادته . ويكون وعيده على ترك الجماعة معتبرا بشواهد حاله ، كالذي ~~روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " لقد هممت أن آمر أصحابي ~~أن يجمعوا حطبا وآمر بالصلاة فيؤذن لها وتقام ثم أخالف إلى منازل قوم لا ~~يحضرون الصلاة فأحرقها عليهم " . وأما ما يأمر به أحاد الناس و أفرادهم ، ~~فكتأخير الصلاة حتى يخرج وقتها ، فيذكر بها ويؤمر بفعلها . ويراعي جواب ~~المأمور عنها ، فإن قال : تركتها لنسيان ، حثه على فعلها بعد ذكره ولم ~~يؤدبه . وإن تركها لتوان أدبه زجرا وأخذه بفعلها جبرا . ولا اعتراض على من ~~أخرها والوقت باق ، لاختلاف الفقهاء في فضل التأخير . ولكن لو اتفق أهل بلد ~~على تأخير صلاة الجماعات إلى آخر وقتها والمحتسب يرى فضل تعجيلها ، فهل له ~~أن يأمرهم بالتعجيل أو لا . فمن رأى أنه يأمرهم بذلك ، راعى أن اعتياد ~~تأخيرها وإطباق جميع الناس ms1406 عليه مفض إلى أن الصغير ينشأ وهو يعتقد أن هذا ~~هو الوقت دون ما قبله ؛ ولو عجلها بعضهم ترك من آخرها منهم وما يراه من ~~التأخير . فأما الأذان والقنوت في الصلوات إذا خالف فيه رأي المحتسب فلا ~~اعتراض له فيه بأمر ولا نهي وإن كان يرى خلافه ، إذا كان ما يفعل مسوغا في ~~الاجتهاد . وكذلك الطهارة إذا فعلها على وجه سائغ يخالف فيه رأي المحتسب : ~~من إزالة النجاسة بالمائعات ، والوضوء بماء تغير بالمذرورات الطاهرات ، أو ~~الاقتصار على مسح أقل الرأس ، والعفو عن قدر الدرهم من النجاسة ، فلا ~~اعتراض له في شيء من ذلك بأمر ولا نهي . وفي اعتراضه عليهم في الوضوء ~~بالنبيذ عند عدم الماء وجهان ، لما فيه من الإفضاء إلى استباحته على كل ~~الأحوال ، وأنه ربما آل إلى السكر من شربه . ثم على نظائر هذا المثال تكون ~~أوامره بالعرف في حقوق الله تعالى . في حقوق الآدميين فضربان : عام وخاص . ~~فأما العام : فكالبلد إذا تعطل شربه ، أو استهدم سوره ، أو كان يطرقه بنو ~~السبيل من ذوي الحاجات فكفوا عن معونتهم ، فإن كان في بيت المال مال ، لم ~~يتوجه عليهم فيه أمر بإصلاح شربهم وبناء سورهم ولا بمعونة بني السبيل في ~~PageV06P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" الاجتياز بهم ؛ لأنها حقوق تلزم بيت المال ~~دونهم ؛ وكذلك لو استهدمت مساجدهم وجوامعهم . فأما إذا أعوز بيت المال ، ~~كان الأمر ببناء سورهم ، وإصلاح شربهم ، وعمارة مساجدهم وجوامعهم ، ومراعاة ~~بني السبيل فيهم متوجها إلى كافة ذوي المكنة منهم ولا يتعين أحدهم في الأمر ~~به . فإن شرع ذوو المكنة في عمله ومراعاة بني السبيل ، وباشروا القيام به ، ~~سقط عن المحتسب حق الأمر به . ولا يلزمهم الاستئذان في مراعاة بني السبيل ، ~~ولا في بناء ما كان مهدوما . ولكن لو أرادوا هدم ما يريدون بناءه من ~~المسترم والمستهدم ، لم يكن لهم الإقدام على هدمه إلا باستئذان ولي الأمر ~~دون المحتسب ، ليأذن لهم في هدمه بعد تضمينهم القيام بعمارته . هذا في ~~السور والجوامع . وأما المساجد المختصرة فلا يستأذنون فيها . وعلى المحتسب ~~أن ms1407 يأخذهم ببناء ما هدموه ، وليس له أن يأخذهم بإتمام ما استأنفوه . فأما ~~إذا كف ذوو المكنة عن بناء ما استهدم ، فإن كان المقام في البلد ممكنا وكان ~~الشرب وإن فسد مقنعا ، تاركهم إياه . وإن تعذر المقام فيه ، لتعطل شربه ~~واندحاض سوره ، نظر : فإن كان البلد ثغرا يضر بدار الإسلام تعطيله ، لم يجز ~~لولي الأمر أن يفسح في الانتقال عنه ، وكان حكمه حكم النوازل إذا حدثت : في ~~قيام كافة ذوي المكنة به ، وكان تأثير المحتسب في مثل هذا إعلام السلطان به ~~وترغيب أهل المكنة في عمله . وإن لم يكن البلد ثغرا مضرا بدار الإسلام ، ~~كان أمره أيسر وحكمه أخف . ولم يكن للمحتسب أن يأخذ أهله جبرا بعمارته ، ~~لأن السلطان أحق أن يقوم بعمارته . وإن أعوزه المال ، فيقول لهم المحتسب : ~~ما دام عجز السلطان عنه أنتم مخيرون بين الانتقال عنه أو التزام ما ينصرف ~~في مصالحه التي يمكن معها دوام استيطانه . فإن أجابوا إلى التزام ذلك ، كلف ~~جماعتهم ما تسمح به نفوسهم من غير إجبار ، ويقول : ليخرج كل واحد منكم ما ~~يسهل عليه وتطيب به نفسه ، ومن أعوزه المال أعان بالعمل . حتى إذا اجتمعت ~~كفاية المصلحة أو تعين اجتماعها بضمان كل واحد من أهل المكنة قدرا طاب به ~~نفسا ، شرع حينئذ في عمل المصلحة وأخذ كل واحد من الجماعة بما التزم به . ~~وإن عمت هذه المصلحة ، لم يكن للمحتسب أن يتقدم بالقيام بها حتى يستأذن ~~السلطان فيها ، لئلا يصير بالتفرد مفتاتا عليه ، إذ ليست هذه المصلحة من ~~معهود حسبته . فإن قلت وشق PageV06P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" استئذان السلطان فيها أو خيف زيادة الضرر ~~لبعد استئذانه ، جاز شروعه فيها من غير استئذان . هذا أمر العام . فأما أمر ~~الخاص : فكالحقوق إذا مطلت والديون إذا أخرت ، فللمحتسب أن يأمر بالخروج ~~منها مع المكنة إذا استعداه أصحاب الحقوق . وليس له أن يحبس عليها ، لأن ~~الحبس حكم . وله أن يلازم عليها ، لأن لصاحب الحق أن يلازم . وليس له الأخذ ~~بنفقات الأقارب ، لافتقار ذلك إلى اجتهاد شرعي فيمن يجب ms1408 له وعليه ، إلا أن ~~يكون الحاكم قد فرضها فيجوز أن يأخذ بأدائها ؛ وكذلك كفالة من تجب كفالته ~~من الصغار ولا اعتراض له فيها حتى يحكم بها الحاكم ؛ ويجوز حينئذ للمحتسب ~~أن يأمر بالقيام بها على الشروط المستحقة فيها . فأما قبول الوصايا ~~والودائع ، فليس له أن يأمر بها أعيان الناس وآحادهم ، ويجوز أن يأمر بها ~~على العموم ، حثا على التعاون بالبر والتقوى . ثم على هذا المثال تكون ~~أوامره بالمعروف في حقوق الآدميين . وأما الأمر بالمعروف : فيما كان مشتركا ~~بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين كأخذ الأولياء بإنكاح الأيامى من ~~أكفائهن إذا طلبن ، وإلزام النساء أحكام العدد إذا فورقن . وله تأديب من ~~خالف في العدة من النساء ، وليس له تأديب من امتنع من الأولياء . ومن نفى ~~ولدا قد ثبت فراش أمه ولحوق نسبه ، أخذه بأحكام الآباء جبرا وعزره على ~~النفي أدبا . ويأخذ السادة بحقوق العبيد والإماء ، وألا يكلفوا من الأعمال ~~ما لا يطيقون . وكذلك أرباب البهائم يأخذهم بعلوفتها إذا قصروا فيها ، وألا ~~يستعملوها فيما لا تطيق . ومن أخذ لقيطا فقصر في كفالته ، أمره أن يقوم ~~بحقوق التقاطه : من التزام كفالته أو تسليمه إلى من يلتزمها ويقوم بها . ~~وكذلك واجد الضوال إذا قصر فيها أخذه بمثل ذلك من القيام بها أو تسليمها ~~إلى من يقوم بها ، ويكون ضامنا للضالة بالتقصير ولا يكون به ضامنا للقيط . ~~وإذا سلم الضالة إلى غيره ضمنها ، ولا يضمن اللقيط بالتسليم . ثم على نظائر ~~هذا المثال يكون أمره بالمعروف في الحقوق المشتركة . وأما النهي عن ~~المنكرات : فينقسم إلى ثلاثة أقسام : أحدها ما كان من حقوق الله تعالى . ~~والثاني ما كان من حقوق الآدميين . والثالث ما كان مشتركا بين الحقين . ~~PageV06P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" فأما النهي عنها في حقوق الله تعالى : فعلى ~~ثلاثة أقسام : أحدها ما تعلق بالعبادات . والثاني ما تعلق بالمحظورات . ~~والثالث ما تعلق بالمعاملات . فأما المتعلق بالعبادات : فكالقاصد مخالفة ~~هيئتها المشروعة ، والمتعمد تغيير أوصافها المسنونة ، مثل من يقصد الجهر في ~~صلاة الإسرار والإسرار في صلاة الجهر ، أو يزيد في ms1409 الصلاة أو في الأذان ~~أذكارا غير مسنونة ، فللمحتسب إنكارها وتأديب المعاند فيها إذا لم يقل بما ~~ارتكبه إمام متبوع . وكذلك إذا أخل بتطهير جسده أو ثوبه أو موضع صلاته ، ~~أنكره عليه إذا تحقق ذلك منه ، ولا يؤاخذه بالتهم والظنون . وكذلك لو ظن ~~برجل أنه يترك الغسل من الجنابة أو يترك الصلاة والصيام ، لم يؤاخذه بالتهم ~~ولم يقابله بالإنكار . لكن يجوز له بالتهمة أن يعظ ويحذر من عذاب الله ~~تعالى على إسقاط حقوقه والإخلال بمفروضاته . فإن رآه يأكل في شهر رمضان لم ~~يقدم على تأديبه إلا بعد سؤاله عن سبب أكله إذا التبست أحواله ؛ فربما كان ~~مريضا أو مسافرا . ويلزمه السؤال إذا ظهرت منه أمارات الريب . فإن ذكر من ~~الأعذار ما تحتمله حاله ، كف عن زجره وأمره بإخفاء أكله ، لئلا يعرض نفسه ~~للتهمة . ولا يلزمه إحلافه عند الاسترابة بقوله ، لأنه موكول إلى أمانته . ~~وإن لم يذكر عذرا ، جاهر بالإنكار عليه وأدبه أدب زجر . وإذا علم عذره في ~~الأكل ، أنكر عليه المجاهرة به ، لتعريض نفسه للتهمة ولئلا يقتدي به من ذوي ~~الجهالة من لا يميز حال عذره من غيره . وأما الممتنع من إخراج زكاته ، فإن ~~كان من الأموال الظاهرة ، فعامل الصدقة يأخذها منه جبرا أخص من المحتسب . ~~وإن كان من الأموال الباطنة ، فيحتمل أن يكون المحتسب أخص بالإنكار عليه من ~~عامل الصدقة ، لأنه لا اعتراض للعامل في الأموال الباطنة ؛ ويحتمل أن يكون ~~العامل بالإنكار عليه أخص ، لأنه لو دفعها إليه أجزأه . ويكون تأديبه ~~معتبرا بشواهد حاله في الامتناع من إخراج زكاته . وإن ذكر أنه يخرجها ، سرا ~~وكل إلى أمانته فيها . وإن رأى رجلا يتعرض لمسألة الناس وطلب الصدقة وعلم ~~أنه غني إما بمال أو عمل ، أنكره عليه وأدبه . ولو رأى عليه آثار الغنى وهو ~~يسأل الناس ، أعلمه تحريمها على المستغني عنها ، ولم ينكر عليه ، لجواز أن ~~يكون في الباطن فقيرا . وإذا تعرض للمسألة ذو جلد وقوة على العمل ، زجره ~~وأمره أن يتعرض للاحتراف بعمله ؛ فإن أقام على المسألة عزره حتى يقلع عنها ms1410 ~~. وإذا دعت الحال ، عند إلحاح من حرمت عليه المسألة بمال أو عمل ، أن ينفق ~~على ذي المال جزءا من ماله ، ويؤاجر ذا العمل وينفق عليه من أجرته ، لم يكن ~~للمحتسب أن يفعل PageV06P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" ذلك بنفسه ؛ لأن هذا حكم ، والحكام به أحق ، ~~فيرفع أمره إلى الحاكم ليتولى ذلك أو يأذن فيه . وإذا وجد فيمن يتصدى ~~للعلوم الشرعية من ليس من أهلها من فقيه أو واعظ ولم يأمن اغترار الناس به ~~في سوء تأويل أو تحريف ، أنكر عليه التصدي لما ليس هو من أهله ، وأظهر أمره ~~لئلا يغتر به . وإن أشكل عليه أمره لم يقدم عليه بالإنكار إلا بعد الاختبار ~~. وكذلك لو ابتدع بعض المنتسبين إلى العلم قولا خرق به الإجماع وخالف النص ~~ورد قوله علماء عصره ، أنكر عليه وزجره فإن أقلع وتاب ، وإلا فالسلطان ~~بتهذيب الدين أحق . وإذا تفرد بعض المفسرين لكتاب الله عز وجل بتأويل عدل ~~فيه عن ظاهر التنزيل إلى باطن بدعة بتكلف له أغمض معانيه ، أو انفرد بعض ~~الرواة بأحاديث مناكير تنفر منها النفوس أو يفسد بها التأويل ، كان على ~~المحتسب إنكار ذلك والمنع منه . وهذا إنما يصح منه إنكاره إذا تميز عنده ~~الصحيح من الفاسد والحق من الباطل . وذلك بأحد وجهين : إما أن يكون بقوته ~~في العلم واجتهاده فيه ، فلا يخفى ذلك عليه ؛ وإما باتفاق علماء الوقت على ~~إنكاره وابتداعه ، فيستعدونه فيه ، فيعول في الإنكار على أقاويلهم ، وفي ~~المنع منه على اتفاقهم . وأما ما تعلق بالمحظورات : فهو أن يمنع الناس من ~~مواقف الريب ومظان لتهم . فقد روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ~~قال : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " . فيقدم الإنكار ، ولا يعجل ~~بالتأديب قبل الإنذار . وإذا رأى وقفة رجل مع امرأة في طريق سابل لم تظهر ~~منه أمارات الريب ، لم يعترض عليهما بزجر ولا إنكار ، فما يجد الناس بدا من ~~هذا . وإن كانت الوقفة في طريق خال ، فخلو المكان ريبة ، فينكرها ؛ ولا ~~يعجل في التأديب عليهما حذرا من أن تكون ms1411 ذات محرم . وليقل : إن كانت ذات ~~محرم فصنها عن مواقف الريب ، وإن كانت أجنبية فخف الله تعالى من خلوة تؤديك ~~إلى معصية الله . وليكن زجره بحسب الأمارات . وليستخبر . فقد حكي عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه بينا هو يطوف بالبيت إذ رأى رجلا يطوف وعلى عنقه امرأة ~~مثل المهاة حسناء جميلة ، وهو يقول : عدت لهذي جملا ذلولا . . . موطأ أتبع ~~السهولا أعدلها بالكف أن تميلا . . . أحذر أن تسقط أو تزولا أرجو بذلك ~~نائلا جزئلا PageV06P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" فقال له عمر : يا عبد الله ، من هذه التي ~~وهبت لها حجك ؟ فقال : امرأتي يا أمير المؤمنين وإنها حمقاء مرغامه ، أكول ~~قامه ، لا يبقى لها خامه ؛ فقال له : مالك لا تطلقها ؟ فقال : أنها حسناء ~~لا تفرك ، وأم صبيان فلا تترك ، قال : فشأنك بها . فلم يقدم عمر رضي الله ~~عنه بالإنكار حتى استخبره ، فلما انتفت عنه الريبة أقره على فعله . وإذا ~~جاهر رجل بإظهار الخمر ، فإن كان من المسلمين ، أراقها وأدبه ؛ وإن كان ~~ذميا أدب على إظهارها ، واختلف في إراقتها عليه ، فذهب أبو حنيفة إلى أنها ~~لا تراق عليه ، لأنها عنده من أموالهم المضمونة في حقوقهم . وذهب الشافعي ~~إلى إراقتها عليهم لأنها لا تضمن عنده في حق المسلم ولا الكافر . وأما ~~المجاهرة بإظهار النبيذ ، فعند أبي حنيفة أنه من الأموال التي يقر المسلمون ~~عليها ، فمنع من إراقته ومن التأديب على إظهاره . وعند الشافعي أنه ليس ~~بمال كالخمر وليس في إراقته غرم . فيعتبر ناظر الحسبة شواهد الحال فيه ~~فينهى فيه عن المجاهرة ، ويزجر عليه إن كان لمعاقرة ، ولا يريقه عليه ، إلا ~~أن يأمر بإراقته حاكم من أهل الاجتهاد ، لئلا يتوجه عليه غرم إن حوكم فيه . ~~وأما السكران إذا تظاهر بسكره وسخف بهجره ، أدبه على السكر والهجر ، تعزيرا ~~لا حدا ، لقلة مراقبته وظهور سخفه . وأما المجاهرة بإظهار الملاهي المحرمة ~~، فعلى المحتسب أن يفصلها حتى تصير خشبا لتخرج عن حكم الملاهي ، ويؤدب على ~~المجاهرة بها ، ولا يكسرها إن كان خشبها يصلح لغير الملاهي . وأما اللعب ~~فليس يقصد ms1412 بها المعاصي ، وإنما يقصد بها إلف البنات لتربية الأولاد ، ففيها ~~وجه من وجوه التدبير تقارنه معصية ، بتصوير ذوات الأزواج ومشابهة الأصنام ، ~~فللتمكين منها وجه ، وللمنع منها وجه ؛ وبحسب ما تقتضيه شواهد الأحوال يكون ~~إنكاره وإقراره . وقد كانت عائشة رضي الله عنه في صغرها تلعب بالبنات بمشهد ~~من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فلم ينكره عليها . PageV06P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" وأما ما لم يظهر من المحظورات ، فليس للمحتسب ~~أن يبحث عنها ولا أن يهتك الأستار فيها ؛ فقد روي عن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أنه قال : " من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله ~~فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله عليه " . فإن استتر أقوام لارتكاب محظور ~~يخشى فواته مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله أو امرأة ~~ليزني بها ، فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث ، ~~حذرا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات . وهكذا لو ~~عرف ذلك قوم من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار . وأما ما هو ~~دون هذه الرتبة ، فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه . وإن سمع ~~أصوات ملاه منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتهم ، أنكرها خارج الدار ولم ~~يهجم عليها بالدخول . وأما ما تعلق بالمعاملات المنكرة ، كالربا والبيوع ~~الفاسدة وما منع الشرع منه مع تراضي المتعاقدين به إذا كان متفقا على حظره ~~، فعلى والي الحسبة إنكاره والمنع منه الزجر عليه . وأمره بالتأديب مختلف ~~بحسب الأحوال وشدة الحظر . فأما ما اختلف الفقهاء في حظره وإباحته ، فلا ~~مدخل له في إنكاره ، إلا أن يكون مما يضعف الخلاف فيه وكان ذريعة إلى محظور ~~متفق عليه - كربا النقدين : الخلاف فيه ضعيف ، وهو ذريعة إلى ربا النساء ~~المتفق على تحريمه - فهل يدخل في إنكاره ، أم لا . وكذلك في عقود الأنكحة ~~ينكر منها ما اتفق الفقهاء على حظرها ، ولا يتعرض لما اختلف فيه ، إلا أن ~~يكون مما ضعف الخلاف فيه وكان ذريعة إلى محظور ms1413 متفق عليه ، كالمتعة فربما ~~صارت ذريعة إلى استباحة الزنا ، ففي إنكاره لها وجهان . ومما يتعلق ~~بالمعاملات غش المبيعات وتدليس الأثمان ، فينكره ويمنع منه ويؤدب عليه بحسب ~~الحال فيه ؛ فقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ليس منا ~~من غش " وفي لفظ : " من غشنا فليس منا " . فإن كان هذا الغش تدليسا على ~~المشتري وهو مما يخفى عليه ، فهو أغلظ الغشوش تحريما وأعظمها مأثما ، ~~والإنكار عليه أغلظ والتأديب أشد . وإن كان مما لا يخفى على المشتري ، كان ~~أخف مأثما وألين إنكارا . وينظر في المشتري : فإذا كان اشتراه ليبيعه من ~~غيره ، توجه الإنكار على البائع لغشه ، وعلى المشتري لابتياعه ؛ لأنه قد ~~يبيعه من لم يعلم بغشه ؛ وإن كان المشتري اشتراه ليستعمله ، خرج من جملة ~~الإنكار ، واختص الإنكار بالبائع وحده . وكذلك في تدليس الأثمان . ~~PageV06P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" ويمنع من تصرية المواشي وتحفيل ضروعها عند ~~البيع ، للنهي عنه وأنه نوع من التدليس . ومما هو عمدة نظره المنع من ~~التطفيف والبخس في المكاييل والموازين والصنجات ، لوعيد الله تعالى عليه ~~بقوله : " ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم ~~أو وزنوهم يخسرون " . وليكن الأدب عليه أظهر ، والمعاقبة فيه أكثر . ويجوز ~~له إذا استراب بموازين السوقة ومكاييلهم أن يختبرها ويعايرها . ولو كان على ~~ما عايره منها طابع معروف بين العامة لا يتعاملون إلا به ، كان أحوط وأسلم ~~. فإن فعل ذلك وتعامل قوم بغير ما طبع عليه طابعه ، توجه الإنكار عليهم إن ~~كان مبخوسا ، من وجهين : أحدهما مخالفته في العدول عن مطبوعه ؛ وإنكاره ~~لذلك من الحقوق السلطانية . والثاني للبخس والتطفيف ؛ وإنكاره من الحقوق ~~الشرعية . وإن كان ما تعاملوا به من غير المطبوع سليما من بخس ونقص ، ~~فإنكاره لمجرد حق السلطنة للمخالفة . وإن زور قوم على طابعه ، كالبهرج على ~~طابع الدنانير والدراهم ، فإن قرن التزوير بغش ، كان التأديب مستحقا من ~~الوجهين ، وهو أغلظ وأشد ؛ وإن سلم من الغش كان الإنكار لحق السلطنة خاصة . ~~وإذا اتسع البلد حتى احتاج أهله إلى عدة من الكيالين والوزانين والنقاد ms1414 ، ~~تخيرهم ناظر الحسبة ، ومنع أن ينتدب لذلك إلا من ارتضاه من الأمناء الثقات ~~. وكانت أجورهم من بيت المال إن اتسع لها ، فإن ضاق عنها قدرها لهم ، حتى ~~لا تجري بينهم فيها استزادة أو نقصان ، فيكون ذلك ذريعة إلى الممايلة أو ~~التحيف في مكيل أو موزون . فإن ظهر من أحد ممن اختاره للكيل والوزن تحيف في ~~تطفيف أو ممايلة في زيادة ، أدب وأخرج منهم ومنع من يتعرض للوساطة بين ~~الناس . وكذلك القول في اختيار الدلالين ، يقر منهم الأمناء ويمنع الخونة . ~~وإذا وقع في تطفيف تخاصم ، جاز أن ينظر المحتسب فيه إن لم يقترن به تجاحد ~~وتناكر ، فإن أفضى إلى تجاحد وتناكر ، كان القضاة أحق بالنظر فيه من ولاة ~~الحسبة ، لأنهم أحق بالأحكام ، وكان التأديب فيه إلى المحتسب . فإن ولاه ~~الحاكم جاز ، لاتصاله بحكمه . PageV06P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" ومما ينكره المحتسب في العموم ولا ينكره في ~~الخصوص والآحاد ، التبايع بما لم يألفه أهل البلد من المكاييل والأوزان ~~التي لا تعرف فيه وإن كانت معروفة في غيره . فإن تراضى بذلك اثنان ، لم ~~يعترض عليهما بالإنكار والمنع ، ويمنع من عموم التعامل بها ، لأنه قد ~~يعاملهم فيها من لا يعرفها فيصير مغرورا . هذا ما يتعلق بالنهي في حقوق ~~الله تعالى . وأما النهي في حقوق الآدميين المحضة : مثل أن يتعدى رجل في حد ~~لجاره ، أو حريم لداره ، أو وضع أجذاع على جداره ، فلا اعتراض للمحتسب فيه ~~ما لم يستعده الجار ، لأنه حق يخصه يصح منه العفو عنه والمطالبة به ؛ فإن ~~خاصمه فيه إلى المحتسب ، نظر فيه ، ما لم يكن بينهما تنازع وتناكر ، وأخذ ~~المتعدي بإزالة تعديه ؛ وكان تأديبه عليه بحسب شواهد الحال . فإن تنازعا ~~كان الحاكم بالنظر فيه أحق . ولو أقر الجار جاره على تعديه وعفا عن مطالبته ~~بهدم ما تعدى فيه ثم عاد وطالب بذلك ، كان ذلك له ، وأخذ المتعدي بعد العفو ~~عنه بهدم ما بناه . وإن كان قد ابتدأ البناء ووضع الأجذاع بإذن الجار ثم ~~رجع الجار في إذنه ، لم يؤخذ الباني بهدمه . وإن انتشرت ms1415 أغصان شجرة إلى دار ~~جاره ، كلن للجار أن يستعدي المحتسب حتى يعديه على صاحب الشجرة ، ليأخذه ~~بإزالة ما انتشر من أغصانها في داره ؛ ولا تأديب عليه لأن انتشارها ليس من ~~فعله . ولو انتشرت عروق الشجرة تحت الأرض حتى دخلت في قرار أرض الجار ، لم ~~يؤخذ بقلعها ولم يمنع الجار من التصرف في قرار أرضه وإن قطعها . وإذا نصب ~~المالك تنورا في داره فتأذى الجار بدخانه ، لم يعترض عليه ولم يمنع منه . ~~وكذلك لو نصب في داره رحى أو وضع فيها حدادين أو قصارين ، لم يمنع منه . ~~وإذا تعدى مستأجر على أجير في نقصان أجره أو زيادة عمل ، كفه عن تعديه ؛ ~~وكان الإنكار عليه معتبرا بشواهد حاله . ولو قصر الأجير في حق المستأجر ~~فنقصه من العمل أو استزاده في الأجرة ، منع منه وأنكره عليه إذا تخاصما ~~إليه ؛ فإن اختلفا وتناكرا ، كان الحاكم بالنظر بينهما أحق . ومما يؤخذ ~~ولاة الحسبة بمراعاته من أهل الصنائع في الأسواق ثلاثة أصناف : منهم من ~~يراعى عمله في الوفور والتقصير ، ومنهم من يراعى حاله في الأمانة والخيانة ~~، ومنهم من يراعى عمله في الجودة والرداءة . PageV06P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" فأما من يراعى عمله في الوفور والتقصير ~~فكالطب والتعليم ، لأن الطب إقدام على النفوس يفضي التقصير فيه إلى تلف أو ~~سقم . وللمعلمين من الطرائق التي ينشأ الصغار عليها ما يكون نقلهم عنه بعد ~~الكبر عسيرا ، فيقر منهم من توفر علمه وحسنت طريقته ، ويمنع من قصر وأساء ~~من التصدي لما تفسد به النفوس وتخبث به الآداب . وأما من يراعى حاله في ~~الأمانة والخيانة ، فمثل الصاغة والحاكة والقصارين والصباغين ، لأنهم ربما ~~هربوا بأموال الناس ، فيراعى أهل الثقة والأمانة منهم فيقرهم ويبعد من ظهرت ~~خيانته ، ويشهر أمره ، لئلا يغتر به من لا يعرفه . وقد قيل : إن الحماة ~~وولاة المعاون أخص بالنظر في أحوال هؤلاء من ولاة الحسبة ؛ وهو الأشبه ، ~~لأن الخيانة تابعة للسرقة . وأما من يراعى عمله في الجودة والرداءة فهو مما ~~ينفرد بالنظر فيه ولاة الحسبة . ولهم أن ينكروا عليهم في العموم ms1416 فساد العمل ~~ورداءته وإن لم يكن فيه مستعد ؛ وأما في عمل مخصوص اعتمد الصانع فيه الفساد ~~والتدليس ، فإذا استعداه الخصم ، قابل عليه بالإنكار والزجر ، وإن تعلق ~~بذلك غرم روعي حال الغرم ، فإن افتقر إلى تقدير أو تقويم ، لم يكن للمحتسب ~~أن ينظر فيه ، لافتقاره إلى اجتهاد حكمي ؛ وكان القاضي بالنظر فيه أحق . ~~وإن لم يفتقر إلى تقدير ولا تقويم واستحق فيه المثل الذي لا اجتهاد فيه ولا ~~تنازع ، فللمحتسب أن ينظر فيه بإلزام الغرم والتأديب . ولا يجوز أن يسعر ~~على الناس الأقوات ولا غيرها في رخص ولا غلاء ؛ وأجازه مالك - رحمه الله - ~~في الأقوات مع الغلاء . وأما النهي في الحقوق المشتركة بين حقوق الله تعالى ~~وحقوق الآدميين ، فكالمنع من الإشراف على منازل الناس . ولا يلزم من على ~~بناءه أن يستر سطحه ، وإنما يلزمه ألا يشرف على غيره . ويمنع أهل الذمة من ~~تعلية أبنيتهم على أبنية المسلمين . فإن ملكوا أبنية عالية أقروا عليها ~~ومنعوا من الإشراف منها على المسلمين وأهل الذمة . ويأخذ أهل الذمة بما شرط ~~في ذمتهم من لبس الغيار والمخالفة في الهيئة وترك المجاهرة بقولهم في عزير ~~والمسيح . ويمنع عنهم من تعرض لهم من المسلمين بسب أو أذى ، ويؤدب عليه من ~~خالف فيه . PageV06P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" وإذا كان في أئمة المساجد السابلة والجوامع ~~الحافلة من يطيل الصلاة حتى يعجز الضعفاء وينقطع بها ذوو الحاجات ، أنكر ~~ذلك ؛ فقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لمعاذ حين أطال الصلاة ~~بقومه : " أ فتان أنت يا معاذ " . فإن أقام على الإطالة ولم يمتنع منها ، ~~لم يجز أن يؤدبه عليها ، ولكن يستبدل به من يخففها . وإذا كان في القضاة من ~~يحجب الخصوم إذا قصدوه ، ويمتنع من النظر بينهم إذا تحاكموا إليه ، حتى تقف ~~الأحكام ويتضرر الخصوم ، فللمحتسب أن يأخذه ، مع ارتفاع الأعذار ، بما ندب ~~له من النظر بين المتحاكمين وفصل القضاء بين المتنازعين ، ولا يمنع علو ~~رتبته من إنكار ما قصر فيه . وإذا كان في سادة العبيد من يستعملهم فيما لا ~~يطيقون الدوام ms1417 عليه ، كان منعهم والإنكار عليهم موقوفا على استعداء العبيد ~~، فإذا استعدوه منع حينئذ وزجر . وإن كان في أرباب المواشي من يستعملها ~~فيما لا تطيق الدوام عليه ، أنكره المحتسب عليهم ومنعهم منه وإن لم يكن فيه ~~مستعد إليه . فإن ادعى المالك احتمال البهيمة لما يستعملها فيه ، جاز ~~للمحتسب أن ينظر فيه ، لأنه إن افتقر إلى اجتهاد فهو عرفه يرجع فيه إلى عرف ~~الناس ، وليس باجتهاد شرعي . وللمحتسب الاجتهاد في العرف . وإذا استعداه ~~العبد من امتناع سيده من كسوته ونفقته ، جاز له أن يأمره بهما ويأخذه ~~بالتزامهما . ولو استعداه من تقصير سيده فيهما ، لم يكن له في ذلك نظر ولا ~~إلزام ؛ لأنه يحتاج في التقدير إلى اجتهاد شرعي ، ولا يحتاج في التزام ~~الأصل إلى اجتهاد شرعي ، لأن التقدير غير منصوص عليه ولزومه منصوص عليه . ~~وللمحتسب أن يمنع أرباب السفن من حمل ما لا تسعه ويخاف منه غرقها . وكذلك ~~يمنعهم من المسير عند اشتداد الريح . وإذا حمل فيها الرجال والنساء ، حجز ~~بينهم بحائل . وإذا اتسعت السفن ، نصب للنساء مخارج للبراز لئلا يتبرجن عند ~~الحاجة . وإذا كان في أهل الأسواق من يختص بمعاملة النساء ، راعى المحتسب ~~سيرته PageV06P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" وأمانته ، فإذا تحققها منه ، أقره على ~~معاملتهن . وإن ظهرت منه الريبة وبان عليه الفجور ، منعه من معاملتهن ، ~~وأدبه على التعرض لهن . وقد قيل : إن الحماة وولاة المعاون أخص بإنكار هذا ~~والمنع منه من ولاة الحسبة ، لأنه من توابع الزنا . وينظر والي الحسبة في ~~مقاعد الأسواق ، فيقر منها ما لا ضرر على المارة فيه ، ويمنع ما استضروا به ~~. ولا يقف منعه على الاستعداء إليه . وإذا بنى قوم في طريق سابل ، منع منه ~~وإن اتسع له الطريق ، ويأخذهم بهدم ما بنوه ولو كان المبنى مسجدا ؛ لأن ~~مرافق الطرق للسلوك لا للأبنية . وإذا وضع الناس الأمتعة وآلات الأبنية في ~~مسالك الشوارع والأسواق ارتفاقا لينقلوه حالا بعد حال ، مكنوا منه إن لم ~~يستضر به المارة ، ومنعوا منه إن استضروا به . وكذلك القول في إخراج ~~الأجنحة والسوابيط ومجاري المياه ms1418 وآبار الحشوش ، يقر ما لم يضر ، ويمنع ما ~~ضر . ويجتهد المحتسب رأيه فيما ضر وما لم يضر ، لأنه من الاجتهاد العرفي ~~دون الشرعي . والفرق بين الاجتهادين أن الاجتهاد الشرعي ما روعي فيه أصل ~~ثبت حكمه بالشرع ، والاجتهاد العرفي ما روعي فيه أصل ثبت حكمه بالعرف . ~~ويوضح الفرق بينهما بتمييز ما يسوغ فيه اجتهاد المحتسب مما هو ممنوع من ~~الاجتهاد فيه . ولناظر الحسبة أن يمنع من ينقل الموتى من قبورهم إذا دفنوا ~~في ملك أو مباح ، إلا من أرض مغصوبة ، فيكون لمالكها أن يأخذ من دفنهم فيها ~~بنقلهم منها . واختلف في جواز نقلهم من أرض قد لحقها سيل أو ندى ، فجوزه ~~الزبيري وأباه غيره . ويمنع من خصاء الآدميين وغيرهم . ويؤدب عليه ؛ وإن ~~استحق فيه قود أو دية استوفاه لمستحقه ما لم يكن فيه تناكر وتنازع . ويمنع ~~من خضاب الشيب بالسواد إلا لمجاهد في سبيل الله تعالى . ويؤدب من يصبغ به ~~للنساء . ولا يمنع من الخضاب إلا بالحناء والكتم . ويمنع من التكسب ~~بالكهانة ، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي . وهذا فصل يطول شرحه ، لأن المنكرات ~~لا ينحصر عددها فتستوفى . وفيما PageV06P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" تقدم منها كفاية ؛ والأحوال تؤخذ بنظائرها ~~وأشباهها ، فلا نطول بسردها . وفقنا الله وإياك لصالح العمل ، وجنبنا موارد ~~الخطأ ومصادر الزلل ؛ وأعان كل وال على ما ولاه ، وكل راع على ما استرعاه ، ~~بمنه وكرمه ولطفه . كمل الجزء السادس من كتاب " نهاية الأرب في فنون الأدب ~~" يتلوه - إن شاء الله تعالى - في الجزء السابع الباب الرابع عشر من القسم ~~الخامس من الفن الثاني في الكتابة وما تفرع منها PageV06P0259 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء السابع PageV07P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ### | AUT الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الثاني في الكتابة وما تفرع من أصناف الكتاب # ولنبدأ باشتقاق الكتابة ، ولم سميت الكتابة كتابة ، ثم نذكر شرفها ~~وفوائدها ، ثم نذكر ما عدا ذلك من أخبار المحترفين بها ، وما يحتاج كل منهم ~~إليه ، فنقول وبالله التوفيق والإعانة . أصل الكتابة مشتق من الكتب وهو ~~الجمع ، ومنه سمي الكتاب كتابة ، لأنه ms1419 يجمع الحروف وسميت الكتيبة كتيبة ، ~~لأنها تجمع الجيش ، وقد ورد في المعارف : أن حروف المعجم أنزلت على آدم ~~عليه السلام في إحدى وعشرين صحيفة ، وسنذكر من ذلك طرفا عند ذكرنا لأخبار ~~آدم عليه السلام في فن التاريخ فهذا اشتقاقها . وأما شرفها - فقد نص الكتاب ~~العزيز عليه ، فقال - تعالى - وهو أول ما أنزل على رسول الله عليه وسلم من ~~القرآن بغار حراء في شهر رمضان المعظم - " اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق ~~الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم " ~~قال تعالى : " الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان " وقال تعالى في ~~وصف الملائكة : " كراما كاتبين " إلى غير ذلك من الآي . ومن شرف الكتابة ~~نزول الكتب المتقدمة مسطورة في الصحف كما ورد في الصحف المنزلة على شيث ~~وإدريس ونوح وإبراهيم وموسى وداود وغيرهم صلى الله PageV07P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" عليهم كما أخبر به القرآن ، قال الله تعالى " ~~إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى " وقال تعالى " وألقى الألواح " ~~وما ورد في الأخبار الصحيحة والأحاديث الصريحة أنه مكتوب على العرش وعلى ~~أبواب الجنة ما صورته : لا إله إلا الله محمد رسول الله . وكفى بذلك شرفا . ~~وأما فوائدها : فمنها رسم المصحف الكريم الموجود بين الدفتين في أيدي الناس ~~ولولا ذلك لاختلف فيه ودخل الغلط وتداخل الوهم قلوب الناس . ومنها رقم ~~الأحاديث المروية عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) التي عليها بنيت الأحكام ~~وتميز الحلال من الحرام ، وضبط كتب العلوم المنقولة عن أعلام الإسلام ~~وتواريخ من انقرض من الأنام فيما سلف من الأيام . ومنها حفظ الحقوق ، ومنع ~~تمرد ذوي العقوق ؛ بما يقع عليهم من الشهادات ويسطر عليهم من السجلات التي ~~أمر الله تعالى بضبطها بقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم ~~بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " ومنها المكاتبة بين الناس بحوائجهم من ~~المسافات البعيدة ، إذ لا ينضبط مثل ذلك برسول ، ولا تنال الحاجة به ~~بمشافهة قاصد ، ولو كان على ما عساه علي يكون من البلاغة والحفظ لوجود ms1420 ~~المشقة ، وبعد الشقة . ومنها ضبط أحوال الناس ، كمنشير الجند ، وتواقيع ~~العمال وإدارات أرباب الصلات في سائر الأعمال ، إلى ما يجري هذا المجرى ، ~~فكان وجودها في سائر الناس فضيلة وعدمها نقيصة إلا في رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فإنها إحدى معجزاته لأنه ( صلى الله عليه وسلم ) أمي " أتى " ~~بما أعجز البلغاء ، وأخرس الفصحاء ، وفل حد المعارضين من PageV07P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" غير مدارسة ولا ممارسة تعليم ، ولا مراجعة لمن ~~عرف بذلك واشتهر به . والكتابة العربية أشرف الكتابات لأن الكتاب العزيز لم ~~يرقم بغيرها خلافا لسائر الكتب المنزلة ، وهذه الكتابة العربية أول من ~~اخترعها على الوضع الكوفي سكان مدينة الأنبار ، ثم نقل هذا القلم إلى مكة ~~فعرف بها ، وتعلمه من تعلمه ، وكثر في الناس وتداولوه ، ولم تزل الكتابة به ~~على تلك الصورة الكوفية إلى أيام الوزير أبي علي بن مقلة ، فعربها تعريبا ~~غير كاف ، ونقلها نقلا غير شاف ، فكانت كذلك إلى أن ظهر علي بن هلال الكاتب ~~المعروف بابن البواب ، فكمل تعريبها وأحسن تبويبها ، وأبدع نظامها ، وأكمل ~~التئامها ، وحلاها بهجة وجمالا ، وأولاها بل أولى بها منة وإفضالا ، ~~وألبسها من رقم أنامله حللا ، وجلاها للعيون فكان أول من أحسن في ترصيعها ~~وترصيفها عملا ، ولا زال يتنوع في محاسنها ، ويتنوع في ترصيع عقود ميامنها ~~؛ حتى تقررت على أجمل قاعدة وتحررت على أكمل فائدة ، وسنزيد ما قدمناه من ~~هذه الفصول وضوحا وتبيانا ، ونقيم على تفصيل مجملها وبسط مدمجها أدلة ~~وبرهانا . " ثم الكتابة بحسب من " يحترفون بها على أقسام : وهي كتابة ~~الإنشاء ، وكتابة الديوان والتصرف ، وكتابة الحكم والشروط ، وكتابة النسخ ، ~~وكتابة التعليم ، ومنهم من عد في الكتابة كتابة الشرط ، ولم نرد ذكرها ~~تنزيها لكتابنا عنها ، ولا حكمة في إيرادها . PageV07P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" ولنبدأ بذكر كتابة الإنشاء وما يتعلق بها . ذكر ~~كتابة الإنشاء وما اشتملت عليه من البلاغة والإيجاز والجمع في المعنى ~~الواحد بين الحقيقة والمجاز ، والتلعب بالألفاظ والمعاني والتوصل إلى بلوغ ~~الأغراض والأماني . ولنبدأ من ذلك بوصف البلاغة وحدها والفصاحة : فأما ~~البلاغة - فهي أن يبلغ الرجل ms1421 بعبارته كنه ما في نفسه ، ولا يسمى البليغ ~~بليغا إلا إذا جمع المعنى الكثير في الفظ القليل ، وهو المسمى إيجازا . ~~وينقسم الإيجاز إلى قسمين : إيجاز حذف ، وهو أن يحذف شئ من الكلام وتدل ~~عليه القرينة ، كقوله تعالى : " وأسأل القرية التي كنا فيها " والمراد أهل ~~القرية وكقوله تعالى : " ولكن البر من اتقى " والمراد ولكن البر من اتقى ، ~~وكقوله تعالى : " واختار موسى قومه سبعين رجلا " والمراد من قومه وقوله ~~تعالى : " وعلى الذين يطيقونه " والمراد لا يطيقونه " ونظائرهم هذا وأشباهه ~~كثير . وإيجاز قصر هو تكثير المعنى وتقليل الألفاظ ، كقوله تعالى لنبيه ( ~~صلى الله عليه وسلم ) مما جمع فيه شرائط الرسالة : " فاصدع بما تؤمر " وسمع ~~أعرابي رجلا يتلوها فسجد وقال : سجدت لفصاحته ، ذكره أبو عبيد ، وقوله ~~تعالى مما جمع فيه مكارم الأخلاق : " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين " وقوله تعالى : " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا ~~تعلو علي وآتوني مسلمين " فجمع في ثلاث كلمات بين العنوان والكتاب والحاجة ~~وقوله تعالى : " قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان ~~وجوده وهم لا يشعرون " فجمع في هذا على لسان النملة بين النداء والتنبيه ~~والأمر والنهي والتحذير والتخصيص والعموم والإشارة والإعذار ؛ ونظير ذلك ما ~~حكي عن الأصمعي أنه سمع جارية تتكلم فقال لها : قاتلك الله ، ما أفصحك ، ~~PageV07P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" فقالت : أو يعد هذا فصاحة بعد قول الله تعالى : ~~" وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ~~ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين " فجمع في آية واحدة بين ~~أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين . ولما سمع الوليد بن المغيرة من النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قوله تعالى : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " قال : والله ~~إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أسفله لمغدق ، وإن أعلاه لمثمر ، ما ~~يقول هذا بشر . وسمع آخر رجلا يقرأ : " فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا " ~~فقال : أشهد مخلوقا لا يقدر ms1422 على مثل هذا الكلام . وقال أبو عثمان عمرو بن ~~الجاحظ : البيان اسم جامع لكل ما كشف لك من قناع المعنى ، وهتك الحجاب عن ~~الضمير ، حتى يفضي السامع إلى حقيقة اللفظ ويهجم على محصوله كائنا ما كان . ~~وقيل لجعفر بن يحيى : ما البيان ؟ فقال : أن يكون اللفظ محيطا بمعناك كاشفا ~~عن مغزاك ، وتخرجه من الشركة ، ولا تستعين عليه بطول الفكرة ويكون سليما من ~~التكلف ، بعيدا من سوء الصنعة ، بريئا من التعقيد ، غنيا عن التأمل . ~~PageV07P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" وقال آخر : خير البيان ما كان مصرحا عن المعنى ~~ليسرع إلى الفهم تلقيه وموجزا ليخف على اللسان تعاهده . وقال أعرابي : ~~البلاغة التقرب من معنى البغية ، والتبعد من وحشي الكلام وقرب المأخذ ، ~~وإيجاز في صواب ، وقصد إلى الحجة ، وحسن الاستعارة ، قال علي رضي الله عنه ~~: البلاغة لإفصاح عن حكمه مستغفلة وإبانة علم مشكل . وقال الحسن بن علي رضي ~~الله عنهما : البلاغة إيضاح الملتبسات وكشف عورات الجهالات ، بأحسن ما يمكن ~~من العبارات . وأما الفصاحة - فهي مأخوذة من قولهم : أفصح اللبن إذا أخذت ~~عنه الرغوة . وقالوا : لا يسمى الفصيح فصيحا حتى تخلص لغته عن اللكنة ~~الأعجمية ولا توجد الفصاحة إلا في العرب . وعلماء العرب يزعمون أن الفصاحة ~~في الألفاظ والبلاغة في المعاني ويستدلون بقولهم : لفظ فصيح ومعنى بليغ . ~~ومن الناس من استعمل الفصاحة والبلاغة بمعنى واحد في الألفاظ والمعاني ~~والأكثرون عليه . ذكر صفة البلاغة قيل لعمر بن عبيد : ما البلاغة ؟ قال : ~~ما بلغك الجنة ، وعدل بك عن النار ؛ قال السائل : ليس هذا أريد ؛ قال : فما ~~بصرك مواقع رشدك وعواقب غيك ؛ قال : ليس هذا أريد ؛ قال : من لم يحسن أن ~~يسكت لم يحسن أن يسمع ومن لم يحسن أن يسمع لم يحسن أن يسأل ، ومن لم يحسن ~~أن يسأل لم يحسن أن يقول ؛ قال : ليس هذا أريد ؛ قال : قال النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " أنا معشر النبين بكاء " - أي قليلوا الكلام ، وهو جمع ~~بكئ - وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله قال السائل : ليس هذا ما ~~أريد ms1423 ؛ قال : فكأنك تريد تخير اللفظ في حسن إفهام ؛ قال : نعم ، قال : إنك ~~أن أردت تقرير حجة الله في عقول المتكلمين ، تخفيف المؤونة على المستمعين ، ~~وتزيين المعاني في قلوب المستفهمين بالألفاظ الحسنة رغبة في سرعة استجابتهم ~~، ونفي الشواغل عن قلوبهم بالمواعظ الناطقة عن الكتاب والسنة كنت قد أوتيت ~~فصل الخطاب . PageV07P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" وقيل لبعضهم : ما البلاغة ؟ قال : معرفة الوصل ~~من الفصل ، وقيل لآخر : ما البلاغة ؟ قال : ألا يؤتى القائل من سوء فهم ~~السامع ، ولا يؤتى السامع من سوء بيان القائل . وقيل للخليل بن أحمد : ما ~~البلاغة ؟ فقال : ما قرب طرفاه ، وبعد منتهاه . وقيل لبعض البلغاء : من ~~البليغ ؟ قال : الذي إذا قال أسرع ، وإذا أسرع أبدع وإذا أبدع حرك كل نفس ~~بما أودع . وقالوا : لا يستحق الكلام اسم البلاغة حتى يكون معناه إلى قلبك ~~أسبق من لفظه إلى سمعك . وسأل معاوية صحارا العبدي : ما هذه البلاغة ؟ قال ~~: أن تجيب فلا تبطئ وتصيب فلا تخطئ . وقال الفضل : قلت لأعرابي : ما ~~البلاغة ؟ قال : الإيجاز في غير عجز والإطناب في غير خطل . وقال قدامة : ~~البلاغة ثلاثة مذاهب : المساواة وهو مطابقة اللفظ المعنى لا زائد ولا ناقصا ~~؛ والإشارة وهو أن يكون الفظ كاللمحة الدالة ؛ والدليل وهو إعادة الألفاظ ~~المترادفة على المعنى الواحد ، ليظهر لمن يفهمه ، ويتأكد عند فهمه . قال ~~بعض الشعراء : يكفى قليل كلامه وكثيره . . . بيت إذا طال النضال مصيب ~~PageV07P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" وقال أحمد بن محمد بن عبد ربه صاحب العقد : ~~البلاغة تكون على أربعة أوجه : تكون باللفظ والخط والإشارة والدلالة ، وكل ~~وجه منها حظ من البلاغة والبيان وموضع لا يجوز فيه غيره ، ورب إشارة أبلغ ~~من لفظ . وقال رجل للعتابي : ما البلاغة ؟ قال : كل ما أبلغك حاجتك وأفهمك ~~معناه بلا إعادة ولا حبسة ولا إستعانة فهو بليغ ، قالوا : قد فهمنا الإعادة ~~والحبسة فما معنى الاستعانة ؟ قال : أن يقول عند مقاطع الكلام : اسمع مني ، ~~وافهم عني ، أو يمسح عثنونه ، أو يفتل أصابعه ، أو يكثر التفاته ، أو يسعل ~~من غير سعلة ، أو ينبهر في كلامه ms1424 قال بعض الشعراء : ملئ ببهر والتفات وسعلة ~~. . . ومسحة عثنون وفتل الأصابع ومن كلام أحمد بن إسماعيل الكاتب المعروف ~~بنطاحة ، قال : البليغ من عرف السقيم من المعتل ، والمقيد من المطلق ، ~~والمشترك من المفرد ، والمنصوص من المتأول ، والإيماء من الإيحاء والفصل من ~~الوصل ، والتلويح من التصريح . ومن أمثالهم في البلاغة قولهم : يقل الحز ~~ويطبق المفصل . وذلك أنهم شبهوا البليغ الموجز الذي يقل الكلام ويصيب نصوص ~~المعاني بالجزار الرفيق الذي يقل حز اللحم ويصيب مفاصله ، وقولهم : يضع ~~الهناء مواضع النقب ، أي لا يتكلم إلا فيما يجب الكلام فيه ، والهناء : ~~القطران . والنقب : الحرب . وقولهم : قرطس فلان فأصاب الغرة ، وأصاب عين ~~القرطاس . كل هذه أمثال للمصيب في كلامه الموجز في لفظه . PageV07P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" فصول من البلاغة قيل : لما قدم قتيبة بن مسلم ~~خراسان واليا علها ، قال : من كان في يده شئ من مال عبد الله ب حازم ~~فلينبذه ، ومن كان في فيه فليلفظه ومن كان في صدره فلينفثه . فعجب الناس من ~~حسن ما فصل . وكتب المعتصم إلى ملك الروم جوابا عن كتاب تهدده فيه : الجواب ~~ما ترى لا تسمع " وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار " وقيل لأبي السمال الأسدي ~~أيام معاوية : كيف تركت الناس ؟ قال : تركتهم بين مظلوم لا ينتصف وظالم لا ~~ينتهي . وقيل لشبيب بن شبة عد باب الرشيد : كيف رأيت الناس ؟ قال : رأيت ~~الدخل راجيا والخارج راضيا . وقال حسان بن ثابت في عبد الله بن عباس رضي ~~الله عنهم : إذا قال لم يترك مقالا لقائل . . . بملتقطات لا ترى بينها فضلا ~~كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع . . . لذي إربة في القول جدا ولا هزلا قال ~~سهل بن هارون : البيان ترجمان العقول وروض القلوب ؛ البلاغة ما فهمته ~~العامة ، ورضيته الخاصة ؛ أبلغ الكلام ما سابق لفظه ، خير الكلام ما قل وجل ~~ودل ولم يمل ؛ خير الكلام ما كان لفظه فحلا ومعناه بكرا . وقال ابن المعتر ~~: البلاغة أن تبلغ المعنى ولم تطل سفر الكلام ؛ خير الكلام ما أسفر عن ~~الحاجة ؛ أبلغ الكلام ما يؤنس مسمعه ، ويؤنس ms1425 مضيعه ؛ أبلغ الكلام ما ~~PageV07P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" حسن إيجازه ، وقل مجازه ، وكثر إعجازه ، ~~البلاغة ما أشار إليه البحتري حيث قال : وركبن اللفظ القريب فأدرك . . . ن ~~به غاية المراد البعيد جمل من بلاغات العجم وحكمها قال أبرويز لكاتبه : إذا ~~فكرت فلا تعجل ، وإذا كتبت فلا تستعن بالفضول فإنها علاوة على الكفاية ، ~~ولا تقصرن عن التحقيق فإنها هجنة في المقالة ، ولا تلبسن كلام بكلام ، ولا ~~تباعدن معنى عن معنى ، وأجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول ووافق ~~كلامه قول ابن المعتر : ما رأيت بليغا إلا رأيت له في المعاني إطالة وفي ~~الألفاظ تقصيرا . وهذا حث على الإيجاز . وقال أبرويز أيضا لكاتبه : اعلم أن ~~دعائم المقالات أربع إن التمس إليها خامسة لم توجد ، وإن نقص منها واحدة لم ~~تتم وهي : سؤالك الشيء ، وسؤالك عن الشيء ، وأمرك بالشيء ، وخبرك عن الشيء ~~؛ فإذا طلبت فأنجح ، وإذا سألت فأوضح ، وإذا أمرت فاحكم ، وإذا أخبرت فحقق ~~. وقال بهرام جور : الحكم ميزان الله في الأرض . ووافق ذلك قول الله تعالى ~~: " والسماء رفعها ووضع الميزان " وقال أبو شروان لابنه هرمز : لا يكون ~~عندك لعمل البر غاية في الكثرة ولا لعمل الإثم غاية في القلة ، ووافق من ~~كلام العرب قول الأفوه : والخير تزداد منه ما لقيت به . . . والشر يكفيك ~~منه قلما زاد وقال أزدشير بن بابك : من لم يرض بما قسم الله له طالت معتبته ~~، وفحش حرصه ، ومن فحش حرصه ذلت نفسه ، وغلب عليه الحسد ، ومن غلب عليه ~~الحسد لم يزل مغموما فيما لا ينفعه حزينا على ما لا يناله . وقال : من شغل ~~نفسه بالمنى لم يخل قلبه من الأسى . وقال بعضهم : الحقوق أربعة : حق لله ~~وقضاؤه الرضا بقضائه ، والعمل PageV07P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" بطاعته ، وإكرام أوليائه ؛ وحق لنفسك ، وقضاؤه ~~تعهدها بما يصلحها ويصحها ويحسم مواد الأذى عنها ، وحق للناس ، وقضاؤه ~~عمومهم بالمودة ، ثم تخصيص مل امرئ منهم بالتوقير والتفضيل والصلة ، وحق ~~للسلطان وقضاؤه تعريفه بما خفي عليه من منفعة رعية وجهاد عدو ، وعمارة بلد ~~، وسد ثغر . وقال بزر جمهر ms1426 : إلزام الجمهور الحجة يسير ، وإقراره بها عسير ~~. " صفة الكاتب " وما ينبغي أن يأخذ به نفسه قال إبراهيم بن محمد الشيباني ~~: من صفة الكاتب اعتدال القامة وصغر الهامة وخفة اللهازم وكنافة اللحية ، ~~وصدق الحس ولطف المذهب وحلاوة الشمائل وخطف الإشارة ، وملاحة الزي ، وقال : ~~من كمال آلة الكاتب أن يكون بهي الملبس ، نظيف المجلس ، ظاهر المروءة ، عطر ~~الرائحة ، دقيق الذهن ، صادق الحس حسن البيان ، رقيق حواشي اللسان ، حلو ~~الإشارة ، مليح الاستعارة ، لطيف المسلك مستفره بالمركب ، ولا يكون مع ذلك ~~فضفاض الجثة ، متفاوت الأجزاء ، طويل اللحية عظيم الهامة ؛ فإنهم زعموا أن ~~هذه الصورة لا يليق بصاحبها الذكاء والفطنة . قال بعض الشعراء : وشمول ~~كأنما اعتصروها . . . من معاني شمائل الكتاب هذا ما قيل في صفة الكاتب وأما ~~ما ينبغي للكاتب أن يأخذ به نفسه ، فقد قل إبراهيم الشيباني : أول ذلك حسن ~~الخط الذي هو لسان اليد ، وبهجة الضمير ، وسفير العقول ، ووحي الفكر ، ~~وسلاح المعرفة ، وأنس الإخوان عند الفرقة ومحادثتهم على بعد المسافة ~~ومستودع السر ، وديوان الأمور . وقد قيل في قوله تعالى : " يزيد في الخلق ~~ما يشاء " : إنه الخط PageV07P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" الحسن . وقد اختلف الكتاب في نقط الخط وشكله ، ~~فمنهم من كرهه قال سعيد بن حميد الكاتب : لأن يشكل الحرف على القارئ أحب ~~إلي من أن يعاب الكاتب بالشكل . وعرض خط على عبد الله بن طاهر فقال : ما ~~أحسنه لولا أنه أكثر ونظر محمد بن عباد إلى أبي عبيد وهو يقيد البسملة فقال ~~: لو عرفته ما شكلته . . ومنهم من حمده فقال : حلو عن عواطل الكتب بالتقييد ~~، وحصنوها من شبه التصحيف والتحريف . وقيل : إعجام الكتب يمنع من استعجامها ~~، وشكلها يصونها عن إشكالها . قال الشاعر : وكان أحرف خطه شجر . . . والشكل ~~في أغصانه ثمره وأما ما قيل في حسن الخط وجودة الكتابة ومدح الكتاب والكتاب ~~. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الخط الحسن يزيد الحق وضوحا . وقال : ~~حسن الخط إحدى البلاغتين . وقال عبيد بن العباس : الخط لسان اليد . وقال ~~جعفر بن يحيى : الخط سمط الحكمة . به ms1427 تفصل شذورها ، وينتظم منثورها ؛ وقال ~~أبو هلال العسكري : PageV07P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" الكتب عقل شوادر الكلم . . . والخط خيط في يد ~~الحكم والخط نظم كل منتثر . . . منها وفصل كل منتظم والسيف وهو بحيث تعرفه ~~. . . فرض عليه عبادة القلم وقد اختلف الناس في الخط واللفظ ، فقال بعضهم : ~~الخط أفضل من اللفظ لأن اللفظ يفهم الحاضر ، والخط يفهم الحاضر والغائب . ~~قالوا : ومن أعاجيب الخط كثرة اختلافه والأصل فيه واحد كاختلاف صور الناس ~~مع اجتماعهم في الصبغة . قال الصولي : سئل بعض الكتاب عن الخط متى يستحق أن ~~يوصف بالجودة ؟ قال : إذا اعتدلت أقسامه ، وطالت ألفه ولامه ، واستقامت ~~سطوره وضاهى حدوره ، وتفتحت عيونه ولم تشتبه راؤه ونونه ، وأشرق قرطاسه ، ~~وأظلمت أنفاسه ، ولم تختلف أجناسه ، وأسرع إلى العيون تصوره ، وإلى القلوب ~~ثمره ، وقدرت فصوله ، " واندمجت وصوله وتناسبت دقيقه وجليله " وتساوت ~~أطنابه واستدارت أهدابه ، وخرج عن نمط الوراقين ، وبعد عن تصنيع المحررين ؛ ~~" وقام لكاتبه مقام النسبة والحلية " وكان حينئذ كما قلت في صفة الخط : إذا ~~ما تخل قرطاسه . . . وساوره القلم الأرقش تضمن من خطه حلة . . . كمثل ~~الدنانير أو أنقش حروف تكون لعين الكليل . . . نشاطا ويقرؤها الأخفش وقال ~~ابن المعتر : إذا أخذ القرطاس خلت يمينه . . . تفتح نورا أو تنظم جوهرا ~~وقيل لبعضهم : كيف رأيت إبراهيم الصولي ؟ فقال : PageV07P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" يؤلف اللؤلؤ المنثور منطقه . . . وينظم الدر ~~بالأقلام في الكتب وقال آخر : أضحكت قرطاسك عن جنة . . . أشجارها من حكم ~~مثمره مسودة سطحا ومبيضة . . . أرضا كمثل الليلة المقمرة وقال آخر : كتبت ~~فلولا أن هذا محلل . . . وذاك حرام قست خطك بالسحر فوا لله ما أدري أزهر ~~خميلة . . . بطرسك أم در يلوح على نحر فإن كان زهرا فهو صنع سحابة . . . ~~وإن كان درا فهو من لجج البحر وقال آخر : وكاتب يرقم في طرسه . . . روضا به ~~ترتع ألحاظه فالدر ما تنظم أقلامه . . . والسحر ما تنثر ألفاظه وقال آخر : ~~وشادن من بني الكتاب مقتدر . . . على البلاغة أحلى الناس إنشاء فلا يجاريه ~~في ميدانه أحد . . . يريك سحبان في الإنشاء إن شاء وقال آخر : إن هز أقلامه ms1428 ~~يوما ليعلمها . . . أنساك كل كمي هز عامله وإن أمر على رق أنامله . . . أقر ~~بالرق كتاب الأنام له PageV07P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" وقال أبو الفتح كشاجم : وإذا نمنمت بنانك خطا ~~. . . معربا عن بلاغة وسداد عجب الناس من بياض معان . . . تجتني من سواد ~~ذاك المداد وقال الممشوق الشامي شاعر اليتيمة : لا يخطر الفكر في كتابته . ~~. . كأن أقلامه لها خاطر القول والفعل يجريان معا . . . لا أول فيهما ولا ~~آخر قال أبو عثمان عمرو بن الجاحظ : الكتاب نعم الذخر والعقدة ، ونعم ~~الجليس والعمدة ، ونعم النشرة والنزهة ، ونعم المستغل والحرفة ، ونعم ~~الأنيس ساعة الوحدة ونعم المعرفة ببلاد الغربة ، ونعم القرين والدخيل ، ~~والوزير والنزيل ؛ والكتاب وعاء ملئ علما ، وظرف حشي ظرفا ، وإناء شحن ~~مزاجا وجدا ، إن شئت كان أبين من سحبان وائل ، وإن شئت كان أعيا من باقل ، ~~وإن شئت ضحكت من نوادره وعجبت من غرائب فوائده ، وإن شئت ألهتك نوادره ، ~~وإن شئت شجتك مواعظه ومن لك مله ، وبزاجر مغر وبناسك فاتك ، وناطق أخرس ، ~~وببادر حار ومن لك بطبيب أعرابي وبرومي هندي ، وفارسي يوناني ، وبقديم مولد ~~، وبميت ممتع ومن لك بشيء يجمع لك الأول والآخر ، والناقص والوافر ، ~~والشاهد والغائب والرفيع والوضيع والغث والسمين ، والشكل وخلافه ، والجنس ~~وضده ؛ وبعد فمتى رأيت بستانا يحمل في ردن ؟ وروضة تقلب في حجر ؟ ينطق عن ~~الموتى ، ويترجم كلام الأحيا ، ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك ، ولا ينطق ~~إلا بما تهوى ، " آمن من الأرض " وأكتم للسر من صاحب السر ، واضبط لحفظ ~~الوديعة من أرباب الوديعة وأحضر لما استحفظ من الأميين ومن الأعراب ~~المعربين بل PageV07P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" من الصبيان قبل اعتراض الأشغال ، ومن العميان ~~قبل التمتع بتمييز الأشخاص ، حين العناية تامة لم تنتقص والأذهان فارغة لم ~~تستقم ، والإرادات وافرة لم تستعتب ، والطينة لينة فهي أقبل ما تكرن للطابع ~~والقضيب رطب فهو أقرب ما يكون للعلوق ، حين هذه الخصال لم يلبس جديدها ، ~~ولم تتفرق قواها ، وكانت كقول الشاعر : أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى . . ~~. فصادف قلبي فارغا فتمكنا وقال ذو الرمة لعيسى بن ms1429 عمر : أكتب شعري فالكتاب ~~أعجب إلى من الحفظ لأن الأعرابي ينسى الكلمة قد تعب في طلبها يوما أو ليلة ~~، فيضع موضعها كلمة في وزنها لم ينشدها الناس ، والكتاب لا ينسى ولا يبدل ~~كلام بكلام ، قال : ولا أعلم جارا أبرأ ، ولاخليطا أنصف ، ولا رفيقا أطوع ، ~~ولا معلما أخضع ، ولا صاحبا أظهر كفاية ، ولا أقل خيانة ولا أقل إبراما ~~وإمالا ولا أقل خلافا وإجراما ولا أقل غيبة ، ولا أكثر أعجوبة وتصرفا ، ولا ~~أقل صلفا وتكلفا ، ولا أبعد من مراء ، ولا أترك لشغب ، ولا أزهد في جدال ، ~~ولا أكف عن قتال من كتاب ؛ ولا أعلم شجرة أطول عمرا ، ولا أجمع أمرا ، ولا ~~أطيب ثمرة ، ولا أقرب مجتني ولا أسرع إدراكا ، ولا أوجد في كل إبان من كتاب ~~؛ ولا أعلم نتاجا في حداثة سنه وقرب ميلاده ، وحضور ذهنه ، وإمكان موجوده ، ~~يجمع من التدابير العجيبة ، والعلوم الغريبة ، ومن آثار العقول الصحيحة ، ~~ومحمود الأذقان اللطيفة ، ومن الأخبار عن القرون الماضية والبلاد المتراخية ~~، والأمثال السائرة ، والأمم البائدة ما يجمع الكتاب ؛ وقد قال الله تبارك ~~اسمه لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) : " اقرأ باسم ربك الأكرم الذي علم ~~بالقلم " فوصف نفسه تعالى جده بأن علم بالقلم ، كما وصف به نفسه بالكرم ، ~~واعتد بذلك من نعمه العظام ، وفي أياديه الجسام . PageV07P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" ذكر شئ مما قيل في آلات الكتابة قال إبراهيم ~~بن محمد الشيباني فيما يحتاج إليه الكاتب : من ذلك أن يصلح الكاتب آلته ~~التي لا بد منها ، وأداته التي لا تتم صناعته إلا بها ، وهي دواته ، فلينعم ~~ربها وإصلاحها ، ثم يتخير من أنابيب القصب أقله عقدا وأكثفه لحما ، وأصلبه ~~قشرا ، وأعدله استواءا ، ويجعل لقرطاسه سكينا حادا لتكون عونا له على بري ~~أقلامه ، ويبريها من جهة نبات القصبة ، فإن محل القلم من الكاتب كمحل الرمح ~~من الفارس . وقد خص الفضلاء القلم بأوصاف كثيرة ، ومزايا خطيرة فلنذكر منها ~~طرفا . ذكر شئ مما قيل في القلم قال الله تعالى : " ن والقلم وما يسطرون " ~~وقال : " اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم " وقال ms1430 الحكماء : القلم أحد ~~اللسانين ، وهو المخاطب للعيون بسر القلوب . وقالوا : عقول الرجال تحت أسنة ~~أقلامها . بنوء الأقلام يصوب غيث الحكمة . القلم صائغ الكلام يفرغ ما يجمعه ~~القلب ، ويصوغ ما يسكبه اللب . وقال جعفر بن يحيى : لم أر باكيا أحسن تبسما ~~من القلم . وقال المأمون : لله در القلم يحوك وشئ المملكة . وقال ثمامة بن ~~أشرس : ما أثرته الأقلام ، لم تطمع في درسه الأيام . بالأقلام تدبر ~~الأقاليم ، كتاب المرء عنوان عقله ، ولسان فضله ، عقل الكاتب في قلمه . ~~وقال ابن المعتز : القلم مجهز لجيوش الكلام ، يخدم الإرادة كأنه يقبل بساط ~~سلطان أو يفتح نوار بستان . PageV07P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" وقال الحسن بن وهب : يحتاج الكاتب إلى خلال : ~~منها جودة بري القلم وإطالة جلفته ، وتحريف قطته ، وحسن التأني لامتطاء ~~الأنامل ، وإرسال المدة بعد إشباع الحروف ، والتحرز عند فراغها من الكسوف ، ~~وترك الشكل على الخطأ والإعجام على التصحيف . وقال العتابي : سألني الأصمعي ~~في دار الرشيد : أي الأنابيب للكتابة أصلح وعليها أصبر ؟ فقلت له : ما نشف ~~بالهجير ماؤه ، وستره من تلويحه غشاؤه ؛ من التبرية القشور ، الدرية الظهور ~~، الفضية الكسور ؛ قال : فأي نوع من البري أصوب وأكتب ؟ فقلت : البرية ~~المستوية القطة التي عن يمين سنها برية تؤمن معها المجة عند المدة والمطة ، ~~للهواء في شقها فتيق ، وللريح في جوفها خريق ، والمداد في خرطومها رقيق . ~~قال العتابي : فبقي الأصمعي شاخصا إلي ضاحكا لا يحير مسألة ولا جوابا . ~~وكتب علي بن الأزهر إلى صديق له يستدعي منه أقلاما : أما بعد : فإنا على ~~طول الممارسة لهده الكتابة التي غلبت على الاسم ، ولزمت لزوم الوسم ، فحلت ~~محل الأنساب وجرت مجرى الألقاب ، وجدنا الأقلام الصحرية أجرى في القواعد ~~وأمر في الجلود ، كما أن التجربة منها أسلس في القراطيس ، وألين في المعاطف ~~وأشد لتعريف الخط فيها ، ونحن في بلد قليل القصب رديئه ، وقد أحببت في أن ~~تتقدم في اختيار أقلام صحرية ، وتتنوق في اقتنائها قبلك ، وتطلبها من ~~مظانها ومنابتها من شطوط الأنهار ، وأرجاء الكروم ، وأن تتيمن باختيارك ~~منها الشديدة الصلبة النقية الجلود ، القليلة الشحوم ms1431 ، الكثيرة اللحوم ، ~~الضيقة الأجواف ، الرزينة المحمل فإنها أبقى على الكتابة ، وأبعد من الحفا ~~، وأن تقصد بانتقائك للرقاق القضبان المقومات المتون ، الملس المعاقد ~~الصافية القشور ، الطويلة الأنابيب ، البعيدة ما بين الكعوب الكريمة ~~الجواهر ، المعتدلة القوام ، المستحكمة يبسا وهي قائمة على أصولها ، لم ~~تعجل عن إبان ينعها ، ولم تؤخر إلى الأوقات المخوفة عليها من PageV07P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" خصر الشتاء وعفن الأنداء ؛ فإذا استجمعت عندك ~~أمرت بقطعها ذراعا قطعا رقيقا ، ثم عبأت منها حزما فيما يصونها من الأوعية ~~، " ووجهتها مع من يؤدي الأمانة في حراستها وحفظها وإيصالها " وتكتب معها ~~بعدتها وأصنافها بغير تأخير ولا توان ، إن شاء الله تعالى . وأهدى ابن ~~الحرون إلى بعض إخوانه أقلاما وكتب إليه : إنه لما كانت الكتابة - أبقاك ~~الله - أعظم الأمور ، وقوام الخلافة ، وعمود المملكة اتحفتك من آلتها بما ~~يخف جمله ، وتثقل قيمته ، ويعظم نفعه ، ويحل خطره ، وهي أقلام من القصب ~~النابت في الصحراء الذي نشف بحر الهجير " في قشره " ماؤه ، وستره من تلويحه ~~غشاؤه ، فهي كاللآلئ المكنونة في الصدف ، والأنوار المحجوبة في السدف ؛ ~~تبرية القشور ، درية الظهور ، فضية الكسور ؛ قد كستها الطبيعة جوهرا كالوشي ~~المحبر ، ورونقا كالديباج المنير . ومن كتاب لأبي الخطاب الصابي - يصف فيه ~~أقلاما أهداها في جملة أصناف - جاء منه : وأضفت إليها سليمة من المعايب ، ~~مبرأة من المثالب ؛ جمة المحاسن بعيدة عن المطاعن ؛ لم يربها طول ولا قصر ، ~~ولم ينقصها ضعف ولا خور ؛ ولم يشنها لي ولا رخاوة ، ولم يعبها - كزازة ولا ~~قساوة ؛ فهذه آخذة بالفضائل من جميع جهاتها مستوفية للممادح بسائر صفاتها ~~صلبة المعاجم لينة المقاطع موفية القدور والألوان ، محمودة المخبر والعيان ~~؛ قد استوى في الملامسة خارجها وداخلها ، وتناسب في السلاسة عاليها سافلها ~~، نبتت بين الشمس والظل واختلفت عليها الحر والقر ؛ فلفحها وقدان الهواجر ، ~~وسفعتها " سمائم " شهر ناجر ، ووقذها الشفان بصرده ، وقذفها الغمام ببرده ، ~~وصابتها الأنواء بصيبها ، واستهلت عليها السحائب PageV07P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" بشآبيبها ؛ فاستمرت مرائرها على إحكام واستحصد ~~سحلها بالإبرام ؛ جاءت شتى الشيات متغايرة الهيئات ، متباينة المحال ~~والبلدان ؛ تختلف بتباعد ديارها وتأتلف بكرم ms1432 نجارها ؛ فمن أنابيب باتت رماح ~~الخط في أجناسها ، وشاكلت الذهب في ألوانها ، وضاهت الحرير في لمعانها ، ~~بطيئة الحفا ، نمرة القوى ، لا يشظيها القط ، ولا يشعث بها الخط ؛ ومن ~~مصرية بيض ، كأنها " قباطي مصر نقاء وغرقئ البيض صفاء ، غذها الصعيد من ~~ثراه بليه " وسقاها النيل من نميرة وعذبه ؛ فجاءت ملتئمة الأجزاء ، سليمة ~~من الالتواء تستقيم شقوقها في أطوالها ، ولا تنكب عن يمينها ولا شمالها ، ~~تقترن بها صفراء كأنها معها عقيان قرن بلجين ، أو ورق خلط بعين ، تختال في ~~صفر ملاحفها ، وتميس في مذهب مطارفها ، بلون غياب الشمس ، وصبغ ثياب الورس ~~، ومن منقوشة تروق العين ، وتونق النفس ويهدي حسنها الأريحية إلى القلوب ، ~~ويحل الطرب لها حبوة الحكيم اللبيب ، كأنها اختلاف الزهر اللامع ، وأصناف ~~الثمر اليانع " ومن بحرية موشية الليط " رائقة التخليط ؛ كأن داخلها قطرة ~~دم ، أو حاشية رداء معلم وكأن خارجها أرقم ، أو متن واد مفعم ، نثرت ألوانا ~~تزري بورد الخدود وأبدت قامات تفصح بأود القدود . وقد أكثر الشعراء القول ~~في وصف القلم ، فمن ذلك قول أبي تمام الطائي : لك القلم الأعلى الذي بشباته ~~. . . تصاب من الأمر الكلي والمفاصل PageV07P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" لعاب الأفاعي القاتلات لعابه . . . وأرى الجنى ~~اشتارته أيد عواسل له ريقة طل ولكن وقعها . . . بآثاره في الشرق والغرب ~~وابل فصيح إذا استنطقته وهو راكب . . . وأعجم إن خاطبته وهو راجل إذا ما ~~امتطى الخمس اللطاف وأفرغت . . . عليه شعاب الفكر وهي حوافل أطاعته أطراف ~~القنا وتفوضت . . . لنجواه قويض الخيام الحجافل إذا استغزر الذهن الجلي ~~وأقلبت . . . أغاليه في القرطاس وهي أسافل وقد رفدته الخنصران وسددت . . . ~~ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل رأيت جليلا شأنه وهو مرهف . . . ضنى وسمينا ~~خطبه وهو ناحل وقال آخر : قوم إذا أخذوا الأقلام من غضب . . . ثم استمدوا ~~بها ماء المنيات نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا . . . ما لم ينالوا بحد ~~المشرفيات وقال ابن المعتر : قلم ما أراه أم فلك يجر . . . ي بما شاء قاسم ~~ويسير خاشع في يديه يلثم قرطا . . . سا كما قبل البساط شكور ولطيف المعنى ~~جليل نحيف . . . وكبير الأفعال ms1433 وهو صغير كم منايا وكم حت . . . ف وعيش تضم ~~تلك السطور تقشت بالدجى نهارا فما أدر . . . ى أخط فيهن أم تصوير وقال محمد ~~بن علي : في كفه صارم لانت مضاربه . . . يسوسنا رغبا إن شاء أو رهبا السيف ~~والرمح خدام له أبدا . . . لا يبلغان له جدا ولا لعبا تجري دماء الأغادي ~~بين أسطره . . . ولا يحس له صوت إذا ضربا فما رأيت مداد قبل ذاك دما . . . ~~ولا رأيت حساما قبل ذا قصبا PageV07P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" وقال ابن الرومي : لعمرك ما السيف سيف الكمي . ~~. . بأخوف من قلم الكاتب له شاهد إن تأتلته . . . ظهرت على سره الغائب أداة ~~المنية في جانبيه . . . فمن مثله رهبة الراهب ألم تر في صدره كالسنان . . . ~~وفي الردف كالمرهف القاضب ؟ وقال الرفاء : أخرس ينبيك بإطراقه . . . عن كل ~~ما شئت من الأمر يذري على قرطاسه دمعه . . . يبدي لا السر وما يدري كعاشق ~~أخفى هواه وقد . . . نمت عليه عبرة تجري تبصره في كل أحواله . . . عريان ~~يكسو الناس أو يعري يرى أسيرا في دواة وقد . . . أطلق أقواما من الأسر وقال ~~آخر : وذي عفاف راكع ساجد . . . أخو صلاح دمعه جاري ملازم الخمس لأوقاتها . ~~. . مجتهد في خدمة الباري وقال ابن الرومي : إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ~~. . . له الرقاب ودانت خوفه الأمم فالموت والموت لا شئ يغالبه . . . ما زال ~~يتبع ما يجري به القلم كذا قضى الله للأقلام مذ بريت . . . أن السيوف لها ~~مذ أرهفت خدم وقال أبو الطيب الأزدي : قد قلم أظفار العدى . . . وهو ~~كالأصبع مقصوص الظفر أشبه الحية حتى أنه . . . كلما عمر في الأيدي قصر ~~PageV07P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" وقال أبو الحسن بن عبد الملك بن صالح الهاشمي ~~وأسمر طاوي الكشح أخرس ناطق . . . له زملان في بطون المهارق " ذكر ما يحتاج ~~الكاتب إلى معرفته من الأمور الكلية " قال شهاب الدين أبو الثناء محمود بن ~~سليمان الحلبي في كتابه " حسن التوسل " فأول ما يبدأ به من حفظ كتاب الله ~~تعالى ، ومداومة قراءته ، وملازمة درسه وتدبر معانيه حتى لا يزال مصورا في ~~فكره ، دائرا على لسانه ms1434 ، ممثلا في قلبه ، ذاكرا له في كل ما يرد عليه من ~~الوقائع التي يحتاج إلى الاستشهاد به فيها ، ويفتقر إلى إقامة الأدلة ~~القاطعة به عليها ، وكفى بذلك معينا له في قصده ، ومغنيا له عن غيره ، قال ~~الله تعالى : " ما فرطنا في الكتاب من شئ " وقد أخرج من الكتاب العزيز ~~شواهد لكل ما يدور بين الناس في محاوراتهم ومخاطباتهم مع قصور كل لفظ ومعنى ~~عنه ، وعجز الإنس والجن عن الإتيان بسورة من مثله . ومن ذلك أن سائلا قال ~~لبعض العلماء : أين تجد في كتاب الله تعالى قولهم : الجار قبل الدار ؟ قال ~~: في قوله تعالى : " وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ~~ابن لي عندك بيتا في الجنة " فطلبت الجار قبل الدار ، ونظائر ذلك كثيرة . ~~وأين قول العرب : " القتل أنفى للقتل " لمن أراد الاستشهاد في هذا المعنى ~~من قوله عز وجل : " ولكم في القصاص حياة " وأكثر الناس على جواز الاستشهاد ~~بذلك ما لم يخول عن لفظه ، ولم يغير معناه . فمن ذلك ما روي في عهد أبي بكر ~~رضي الله عنه : هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~آخر عهده بالدنيا ، وأول عهده بالآخرة إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ، ~~فإن بر وعدل فذلك ظني به ، وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب ، والخير أردت ~~بكم ، ولكل امرئ ما اكتسب من الإثم " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ~~" PageV07P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" وروي أن عليا رضي الله عنه قال للمغيرة بن ~~شعبة لما أشار عليه بتولية معاوية " وما كنت متخذ المضلين عضدا " وكتب في ~~آخر كتاب إلى معاوية : وقد علمت مواقع سيوفنا في جدك وخالك وأخيك " وما هي ~~من الظالمين ببعيد " وقول الحسن بن علي عليه السلام لمعاوية : " وأن أدري ~~لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " وروي مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما . ~~- وكتب الحسن إلى معاوية : أما بعد ، فإن الله بعث محمدا ( صلى الله عليه ~~وسلم ) رحمة للعالمين ، ورسولا إلى الناس أجمعين " لينذر ms1435 من كان حيا ويحق ~~القول على الكافرين " وكتب محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي إلى ~~المنصور في صدر كتاب لما حاربه : " طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك ~~من نبأ موسى وفرعون " إلى قوله : " منهم ما كانوا يحذرون " ونقض عليه ~~المنصور في جوابه عن قوله : " إنه ابن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " ~~بقوله تعالى : " وما كان محمدا أبا أحد من رجالكم " ونقل عن الحسن البصري ~~رحمه الله ما يدل على كراهية ذلك فقال حين بلغه أن الحجاج أنكر على رجل ~~استشهد بآية : أنسى نفسه حين كتب إلى عبد الملك ابن مروان : بلغني أن أمير ~~المؤمنين عطس فشمته من حضر فرد عليهم " يا ليتني كنت PageV07P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" معهم فأفوز فوزا عظيما " وإذا صحت هذه الرواية ~~عن الحسن فيمكن أن يكون إنكاره على الحجاج لأنه أنكر على غيره ما فعله هو ، ~~وذهب بعضهم إلى أن كل ما أراد الله به نفسه لا يجوز أن يستشهد به إلا فيما ~~يضاف إلى الله سبحانه وتعالى مثل قوله تعالى : " ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد " وقوله تعالى : " بلى ورسلنا لديهم يكتبون " ونحو ذلك مما يقتضيه ~~الأدب مع الله سبحانه وتعالى . ومن شرف الاستشهاد بالكتاب العزيز : إقامة ~~الحجة وقطع النزاع ، وارغام الخصم كما روي أن الحجاج قال لبعض العلماء : ~~أنت تزعم أن الحسين رضي الله عنه من ذرية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فأتى على ذلك بشاهد من كتاب الله عز وجل وإلا قتلتك ، فقرأ : " وتلك حجتنا ~~أتيناها إبراهيم " إلى قوله : " ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى ~~وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى " وعيسى هو ابن ابنته ، ~~فأسكت الحجاج وقد تقوم الآية الواحدة المستشهد بها في بلوغ الغرض وتوفية ~~المقاصد ما لا نقوم به الكتب المطولة ، والأدلة القاطعة ، وأقرب ما تفق من ~~ذلك أن صلاح الدين رحمه الله كتب إلى بغداد كتابا يعدد فيه مواقفه في إقامة ~~دعوة بني العباس بمصر ، فكتب جوابه بهذه الآية : " يمنون عليك ms1436 أن أسلموا قل ~~لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين " ~~وكتب أمير المسلمين يعقوب بن عبد المؤمن إلى الأذفونش ملك الفرنج جوابا عن ~~كتابه إليه - وكان قد أبرق وأرعد فكتب في أعلاه - : " ارجع إليهم فلنأتينهم ~~بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون " PageV07P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" ومما جوزوا الاستشهاد به ما لا يقصد به إلا ~~التلويح إلى الآية دون اطراد الكلام نحو قول القاضي مما كتب به إلى الخليفة ~~عن الملك الناصر صلاح الدين في الاستصراخ " وتهويل أمر الفرنج " : " ورب ~~إني لا أملك إلا نفسي " وها هي في سبيلك مبذوله ، وأخي وقد هاجر إليك هجرة ~~يرجوها مقبوله ، وأما تغيير شئ من اللفظ أو إحالة معنى عما أريد به فلا ~~يجوز وينبغي العدل عنه ما أمكن . ويتلو ذلك الاستكثار من حفظ الأحاديث ~~النبوية - صلوات الله وسلامه على قائلها - وخصوصا في السير والمغازي ~~والأحكام والنظر في معانيها وغريبها وفصاحتها وفقه ما بد من معرفته من ~~أحاكمها ، ليحتج بها في مكان الحجة ، ويستدل بموضع الدليل ، فإن الدليل على ~~المقصد إذا استند إلى النص سلم له ، والفصاحة إذا طلبت غايتها فإنها بعد ~~كتاب الله في كلام من أوتي جوامع الكلم ، وينبغي أن يراعى في الحل لفظ ~~الحديث ما أمكن وإلا فمعناه . ويتلو ذلك قراءة ما يتفق من كتب النحو التي ~~يحصل بها المقصود من معرفته العربية ، فإنه لو أتى الكاتب من البلاغة بأتم ~~ما يكون ولحن ذهبت محاسن ما أتى به وانهدمت طبقة كلامه ، وألغي جميع " ما ~~حسنه " ووقف به عند ما جهله . ويتعلق بذلك " قراءة " ما يتهيأ من مختصرات ~~اللغة ، كالفصيح وكفاية المتحفظ وغير ذلك من كتب الألفاظ ليتسع عليه مجال ~~العبارة ، وينفتح له باب الأوصاف فيما يحتاج إلى وصفه ، ويضطر إلى نعته . ~~ويتصل بذلك حفظ خطب البلغاء من الصحابة وغيرهم ومخاطباتهم ومحاوراتهم ~~ومراجعاتهم ومكاتباتهم ، وما ادعاه كل منهم لنفسه أو لقوله وما نقصه عليه ~~خصمه ، لما في ذلك من معرفة الوقائع بنظائرها ، وتلفي ms1437 الحوادث بما شاكلها ~~والإقتداء بطريقة من فلج على خصمه ، واقتفاء آثار من اضطر إلى عذر ، أو ~~إبطال دعوى أو إثباتها ، والأجوبة الدامغة فتأمله في موضعه فإنك ستقف منه ~~على ما استغنى به عن ذلك . PageV07P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" ثم النظر في أيام العرب ووقائعهم وحروبهم ~~وتسمية الأيام التي كانت بينهم ، ومعرفة يوم كل قبيلة على الأخرى ، وما جرى ~~بينهم في ذلك من الأشعار والمنافسات ، لما في ذلك من العلم بما يستشهد به ~~من واقعة قديمة ، أو يرد عليه في مكاتبة من ذكر يوم مشهور ، أو فارسا معينا ~~، وستذكر من ذلك إن شاء الله تعالى في فن التاريخ على ما ستقف عليه ، فإن ~~صاحب هذه الصناعة إذا لم يكن عارفا بأيام العرب عالما بما جرى فيها لم يدر ~~كيف يجيب عملا يرد عليه من مثلها ولا يقول إذا سئل عنها ، وحسبه ذلك نقصا ~~في صناعته وقصورا . ثم النظر في التواريخ ومعرفة أخبار الدول ، لما في ذلك ~~من الإطلاع على سير الملوك وسياساتهم ، وذكر وقائعهم ومكايدهم في حروبهم ، ~~وما اتفق لهم من التجارب ، فإن الكاتب قد يضطر إلى السؤال عن أحوال من سلف ~~، أو يرد عليه في كتاب ذكر واقعة بعينها ، أو يحتج عليه بصورة قديمة فلا ~~يعرف حقيقتها من مجازها ، وقد أوردنا في فن التاريخ ما لا يحتاج الكاتب معه ~~إلى غيره من هذا الفن . ثم حفظ أشعار العرب ومطالعة شروحها ، واستكشاف ~~غوامضها والتوفر على ما اختاره العلماء بها منها ، كالحماسة ، والمفضليات ، ~~والأصمعيات وديوان الهذليين ، وما أشبه ذلك ، لما في ذلك من غزارة المواد ، ~~وصحة الاستشهاد ، الإطلاع على أصول اللغة ، ونوادر العربية ، وقد كان الصدر ~~الأول يعتنون بذلك غاية الاعتناء ، وقد حكي أن الإمام الشافعي رحمه الله ~~كان يحفظ ديوان هذيل ؛ فإن أكثر المترشح للكتابة من حفظ ذلك وتدبر معانيه ~~سها عليه حلة ، وظهرت له مواضع الاستشهاد به ، وساقه الكلام إلى إبراز ما ~~في ذخيرة حفظه منه ، ووضعه في مكانه ونقله في الاستشهاد والتضمين إلى ما ~~كأنه وضع له ، كما اتفق للقاضي ms1438 أبي بكر الأرجاني في تضمين أنصاف أبيات ~~العرب في PageV07P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" بعض قصائده فقال : أهد إلى الوزير المدح يجعل ~~. . . " لك المرباع منها والصفايا " ورافق رفقه حلوا إليه . . . " فأبو ~~بالنهاب وبالسبايا " وقل للراحلين إلى ذراه . . . " ألستم خير من ركب ~~المطايا " ولا تسلك سوى طرقي فإني . . . " أنا ابن جلا وطلاع الثنايا " ~~وقال بديع الزمان الهمذاني : أنا لقرب دار مولاي كما طرب النشوان مالت به ~~الخمر ومن الارتياح إلى لقائه كما انتقص العصفور بلله القطر ومن الامتزاج ~~بولائه كما التقت الصهباء والبارد العذب ومن الابتهاج بمزاره كما اهتز تحت ~~البارح الغصن الرطب " وكما قال ابن القرطبي وغيره في رسائلهم على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى . وكذلك حفظ جانب جيد من شعر المحدثين ، كأبي تمام ومسلم ~~ابن الوليد والبحتري وابن الرومي والمتنبي ، للطف مأخذهم ، ودوران الصناعة ~~في كلامهم ، ودقة توليد المعاني في أشعارهم وقرب أسلوبهم من أسلوب الخطابة ~~والكتابة . وكذلك النظر في رسائل المتقدمين دون حفظها لما في النظر فيها من ~~تنقيح القريحة ، وإرشاد الخاطر ، وتسهيل الطرق ، والنسخ على منوال المجيد ، ~~والافتداء بطريقه المحسن واستدراك ما فات القاصر والاحتراز مما أظهره النقد ~~، ورد ما بهرجه السبك ، فأما النهي عن حفظ ذلك فلئلا يتكل الخاطر على ما في ~~حاصله ، ويستند الفكر إلى ما في مودعه ، ويكتفي بما ليس له ، ويتلبس بما لم ~~يعط كلابس PageV07P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" ثوبي زور ؛ وأما من قصد المحاضرة بذلك دون ~~الإنشاء فالأحسن به حفظ ذلك وأمثاله . وكذلك النظر في كتب الأمثال الواردة ~~عن العرب نظما ونثرا كأمثال الميداني والمفضل بن سلمة الضبي وحمزة ~~الأصبهاني وغيرهم ، وأمثال المحدثين الواردة في إشعارهم كأبي العتاهية وأبي ~~تمام والمتنبي وأمثلب المولدين ، وقد أوردنا من ذلك في باب الأمثال جملا . ~~وكذلك النظر في الأحكام السلطانية ، فإنه قد يأمر بأمر فيعرف منها كيف يخلص ~~قلمه على حكم الشريعة المطهرة من تولية القضاء والحبسة وغير ذلك ، وقد ~~قدمنا في هذا الكتاب من ذلك طرفا جيدا قال : فهذه أمور كلية لا بد للمترشح ~~لهذه الصناعة من ms1439 التصدي للإطلاع عليها ، والأكباب على مطالعتها ، ~~والاستكثار منها لينفق من تلك المواد ، وليسلك في الوصول إلى صناعته تلك ~~الجواد وإلا فليعلم أنه في واد والكتابة في واد . قال : وأما الأمور الخاصة ~~التي تزيد معرفتها قدره ، ويزين العلم بها نظمه ونثره ، فإنها من المكملات ~~لهذا الفن وإن لم يضطر إليها ذو الذهن الثاقب ، والطبع السليم ، والقريحة ~~المطاوعة ، والفكرة المنقحة ، والبديهة المجيبة ، والروية المتصرفة ، لكن ~~العالم بها متمكن من أزمة المعاني ، يقول عن علم ويتصرف عن معرفة ، وينتقد ~~بحجة ، ويتخير بدليل ، ويستحسن ببرهان ، ويصوغ الكلام بترتيب ، فمن ذلك ~~المعاني والبيان والبديع والكتب المؤلفة في إعجاز الكتاب العزيز ، ككتب ~~الجرجاني والرماني والإمام فخر الدين السكاكي والخفاجي وابن الأثير ~~PageV07P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" وغيرهم ، وذكر في كتابه جملا بهذه المعاني " ~~وأورد أيضا أمور أخرى تتصل بذلك من خصائص " الكتابة وهي الاقتباس ~~والاستشهاد والحل ، وأتى على ذلك بشواهد وأمثلة ، وسأذكر في هذا الكتاب ~~ملخص ما أورده في ذلك باختصار وزيادة عليه . فأما علوم المعاني والبيان ~~والبديع ، فمنها : ذكر الفصاحة ، والبلاغة والحقيقة والمجاز ، والتشبيه ~~والاستعارة ، والكتابة ، والخبر وأحكامه ، والتقديم والتأخير والفصل والوصل ~~، والحذف والإضمار ، ومباحث إن وإنما والنظم والتجنيس ، والطباق ، ~~والمقابلة ، والسجع ، ورد العجز على الصدر ، والإعتاب والمذهب الكلامي ، ~~وحسن التعليل ، والالتفات والتمام ، والاستطراد وتأكيد المدح بما يشبه الذم ~~، وتأكيد الذم بما يشبه المدح ، وتجاهل العارف ، والهزل الذي يراد به الجد ~~، والكنايات والمبالغة ، وإعتاب المرء نفسه ، وحسن التضمين والتلميح وإرسال ~~المثل ، وإرسال مثلين ، والكلام الجامع ، واللف والنشر والتفسير ، والتعديد ~~- ويسمى سياقة الإعداد - وتنسيق الصفات والإيهام - ويقال له : التورية - ~~والتخيل ، وحسن الابتداءات ، وبراعة التلخيص ، وبراعة الطلب وبراعة المقطع ~~والسؤال والجواب ، وصحة الأقسام ، والتوشيح ، والإيغال ، والإشارة والتذبيل ~~، والترديد ، والتفويف ، والتسهيم ، والاستخدام والعكس ، والتبديل والرجوع ~~والتغاير ، والطاعة والعصيان ، والتسميط ، والتشطير ، والتطريز ، والتوشيع ~~والإغراق ، والغلو ، والقسم والاستدراك ، والمؤتلفة والمختلفة ، والتفريق ~~المفرد والجمع مع التفريق ، والتقسم المفرد ، والجمع مع التقسيم ، والتزاوج ~~، والسلب والإيجاب والاطراد ، والتجريد ، والتكميل ، والمناسبة ، والتفريع ~~، ونفي الشيء بإيجابه والإيداع والإدماج ، وسلامة الاختراع ، وحسن الاتباع ~~، والذم في معرض المدح والعنوان ms1440 ، والإيضاح والتشكيل ، والقول بالموجب ، ~~والقلب ، والتنديد ، والإسجال بعد المغالطة ، والافتنان ، والإبهام وحصر ~~الجزئي وإلحافه بالكلي ، والمقارنة والإبداع ، والانفصال ، والتصرف ، ~~والاشتراك ، والتهكم ، والتدبيج ، والموجه وتشابه الأطراف ، هذا مجموع ما ~~أورده منها ، واستشهد عليه بأدلة ، وأورد أمثلة سنشرح منها ما يكتفي به ~~اللبيب ، ويستغني به اللبيب . أما الفصاحة والبلاغة ، فقد تقدم الكلام فيها ~~في أول الباب ، فلا فائدة في إعادته . PageV07P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" وأما الحقيقة والمجاز - فالحقيقة في اللغة ~~فعيلة بمعنى مفعولة ، من حق الأمر يحقه بمعنى أثبته ، أو من حققته إذا كنت ~~منه على يقين ، والمجاز من جاز الشيء يجوزه إذا تعداه ، فإذا عدل باللفظ ~~عما يوجبه أصل اللغة وصف بأنه مجاز على أنهم قد جازوا به موضعه الأصلي ، أو ~~جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولا ، لأنه ليس بموضع أصلي لهذا اللفظ ولكنه ~~مجازه ومتعداه يقع فيه كالواقف بمكان غيره ثم يتعداه " إلى " مكانه الأصلي ~~. ولهما حدود في المفرد والجملة ، فحدها في المفرد ، أن كل كلمة أريد بها ~~ما وضعت له فهي حقيقة ، كالأسد للحيوان المفترس ، واليد للجارحة ونحو ذلك ، ~~وأن أريد بها غيره لمناسبة بينهما فهي مجاز ، كالأسد للرجل الشجاع واليد ~~للنعمة أو للقوة ، فإن النعمة تعطى باليد ، والقوة تظهر بكمالها في اليد ~~وحدهما في الجملة ، أن كل جملة كان الحكم الذي دلت عليه كما هو في العقل ~~فهي حقيقة كقولنا : خلق الله الخلق ؛ وكل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن ~~موضعه في العقل بضرب من التأويل فهي مجاز ، كما إذا أضيف الفعل إلى شئ ~~يضاهي الفاعل ، كالمفعول به في قوله عز وجل : " في عيشة راضية " و " من ماء ~~دافق " أو المصدر ، كقولهم : شعر شاعر ؛ أو الزمان ، كقول النعمان بن بشير ~~لمعاوية : وليلك عما ناب قومك نائم أو المكان كقولك : طريق سائر ، أو ~~المسيب ، كقولهم : بني الأمير المدينة ؛ أو السبب ، كقوله تعالى : " وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا " فمجاز المفرد لغوي ويسمى مجاز في المثبت ~~ومجاز في الإثبات . قال : فالمجاز قد يكون في الإثبات وحده ، وهو أن يضيف ~~الفعل ms1441 إلى غير الفاعل الحقيقي كما ذكرناه وقد يكون في المثبت وحده ، كقوله ~~تعالى : " فأحيينا به الأرض بعد موتها " جعل خضرة الأرض ونضرتها حياة ، وقد ~~يكون فيهما جميعا ، كقولك : أحيتني رؤيتك ، تريد سرتني ، فقد جعلت المسرة ~~حياة وهو مجاز في المثبت وأسندتها إلى الرؤية وهو مجاز في الإثبات . قال : ~~واعلم أنهم تعرضوا في اعتبار كون اللفظ مجازا إلى اعتبار شيئين : ~~PageV07P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" الأول أن يكون منقولا عن معنى وضع اللفظ ~~بإزائه ، وبهذا يتميز عن اللفظ المشترك . الثاني أن يكون هذا النقل لمناسبة ~~بينهما ، فلا توصف الأعلام المنقولة بأنها مجاز إذ ليس نقلها لتعلق نسبة " ~~بين " المنقول عنه ومن له العلم وإذا تحقق الشرطان سمي مجاز ، وذلك مثل ~~تسمية النعمة والقوة باليد ، لما بين اليد وبينهما من التعلق وكما قالوا : ~~رعينا الغيث يريدون النبت الذي الغيث سببه ، وصابتنا السماء ، يريدون المطر ~~، وأشباه ذلك ونظائره . وأما التشبيه - فهو الدلالة على اشتراك شيئين في ~~وصف هو من أوصاف الشيء في نفسه ، كالشجاعة في الأسد ، والنور في الشمس . ~~وهو ركن من أركان البلاغة لإخراجه الخفي وإدنائه البعيد من القريب . وحكم ~~إضافي لا يوجد إلا في الشيئين بخلاف الاستعارة . ثم التشبيه على أربعة ~~أقسام : تشبيه محسوس " بمجسوس " وتشبيه معقول " بمعقول " وتشبيه معقول ~~بمحسوس ، وتشبيه محسوس بمعقول . فأما تشبيه محسوس بمحسوس فلاشتراكهما إما ~~في المحسوسات الأولى : وهي مدركات السمع والبصر والذوق والشم واللمس ، ~~كتشبيه الخد بالورد والوجه بالنهار ، " وأطيط الرحل بأصوات الفراريح " ~~والفواكه الحلوة بالسكر والعسل ورائحة بعض الرياحين بالمسك والكافور ، ~~واللين الناعم بالحرير ، والخشن بالمسح ، أو في المحسوسات الثانية : وهي ~~الأشكال المستقيمة والمستديرة ، والمقادير والحركات كتشبيه المستوى المنتصب ~~بالرمح ، والقد اللطيف بالغصن والشيء المستدير بالكرة والحلقة ، والعظيم ~~الجثة بالجبل ، والذاهب على الاستقامة بنفوذ السهم ، أو في الكيفيات ~~الجمسانية ، كالصلابة والرخاوة ، أو في الكيفيات النفسانية ، كالغرائز ~~والأخلاق . أو في حالة إضافية ، كقولك : هذه حجة كالشمس ، وألفاظ كالماء في ~~السلالة وكالنسيم في الرقة ، وكالعسل في الحلاوة . وربما كان التشبيه بوجه ~~عقلي ، PageV07P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" كقول فاطمة بنت ms1442 الخرشب الأنمارية حين وصفت ~~بينها الكملة فقالت : هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين أطرفاها . وأما تشبيه ~~المعقول بالمعقول فهو كتشبيه الوجود العاري عن الفوائد بالعدم ، وتشبيه ~~الفوائد التي تبقى بعد عدم الشيء بالوجود كقول الشاعر : رب حي كميت ليس فيه ~~. . . أمل يرتجى لنفع وضر وعظام تحت التراب وفوق الأرض منها آثار حمد وشكر ~~وأما تشبيه المعقول بالمحسوس فهو كقوله تعالى : " مثل الذين كفروا بربهم ~~أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف " وأما تشبيه المحسوس بالمعقول ~~فهو غير جائز ، لأن العلوم العقلية مستفادة من الحواس ومنتهية إليها ، ~~ولذلك قيل : من فقد حسا فقد علما ، فإذا كان المحسوس أصلا للمعقول فتشبيه ~~به يكون جعلا للفرع أصلا والأصل فرعا ولذلك لو حاول محاول المبالغة في وصف ~~الشمس بالظهور والمسك بالثناء فقال : الشمس كالحجة في الظهور ، والمسك ~~كالثناء في الطيب ، كان ذلك سخفا من القول . فأما ما جاء في الشعر من تشبيه ~~المحسوس بالمعقول فوجهه أن يقدر المعقول محسوسا ، ويجعل كالأصل المحسوس على ~~طريق المبالغة ، فيصح التشبيه حينئذ كما قال الشاعر : وكأن النجوم بين ~~دجاها . . . سنن لاح بينهن ابتداع فإنه لما شاع وصف السنة بالبياض والإشراق ~~، واشتهرت البدعة وكل ما ليس بحق بالظلمة تخيل الشاعر أن السنن كأنها من ~~الأجناس التي لها إشراق ونور ، وأن البدع نوع من الأنواع التي لها اختصاص ~~بالسواد والظلمة ، فصار ذلك كتشبيه محسوس بمحسوس ، فجاز له التشبيه ، وهو ~~لا يتم إلا بتخيل ما ليس بمتلون " متلونا " PageV07P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" ثم يتخيله أصلا فيشبه به ، وهذا هو الذي تؤول ~~في قول أبي طالب الرقي : ولقد ذكرتك والظلام كأنه . . . يوم النوى وفؤاد من ~~لم يعشق فإنه لما كانت الأوقات التي تحدث فيها المكاره توصف بالسواد كما ~~يقال : اسودت الدنيا في عينه ، جعل يوم النوى كأنه أشهر بالسواد من الظلام ~~، فعرفه به وشبهه ، ثم عطف عليه فؤاد من لم يعشق لأن من لم يعشق عندهم قاسي ~~القلب والقلب القاسي يوصف بشدة السواد ، فأقامه أصلا ، فقس على هذا المثال ~~. قال : واعلم أن ms1443 ما به المشابهة قد يكون مقيدا بالانتساب إلى شئ ، وذلك ~~إما إلى المفعول به كقولهم : " أحذ القوس باريها " وإلى ما يجري مجرى ~~المفعول به وهو الجار والمجرور كقولهم لمن يفعل ما لا يفيد : كالراقم على ~~الماء وإما إلى الحال ، كقولهم : " كالحادي وليس له بعير " وإما إلى ~~المفعول والجار والمجرور معا ، كقولهم : هو كمن يجمع السيفين في غمد ~~وكمبتغي الصيد في عرينة الأسد " ومن ذلك قوله تعالى : " مثل الذين حملوا ~~التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا " فإن التشبيه لم يحصل من ~~مجرد الحمل بل لأمرين آخرين ، لأن الغرض توجيه الذم إلى من أتعب نفسه في ~~حمل ما يتضمن المنافع العظيمة ثم لا ينتفع به لجهله ، وكقول لبيد : وما ~~الناس إلا كالديار وأهلها . . . بها يوم حلوها وغدوا بلاقع فإنه لم يشبهه ~~الناس بالديار ، وإنما شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم بحلول أهل الديار ~~فيها ، ووشك رحيلهم منها ، قال : وكلما كانت التقييدات أكثر كان التشبيه ~~أوغل في كونه عقليا كقوله تعالى : " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه ~~من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت ~~الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو ~~نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس " فإن التشبيه متنزع من مجموع هذه ~~الجمل من غير أن يمكن فصل PageV07P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" بعضها عن بعض ، فإنك لو حذفت منها جملة واحدة ~~من أي موضع كان أخل ذلك بالمغزى من التشبيه قال : ثم ما به المشابهة إن كان ~~مركبا فإنه على قسمين : الأول ما لا يمكن إفراد أحد أجزائه بالذكر ، كقول ~~القاضي التنوخي : كأنما المريخ والمشتري . . . قدامه في شامخ الرفعه منصرف ~~بالليل من دعوة . . . قد أسرجت قدامه شمعه فإنك لو اقتصرت على قوله : كأن ~~المريخ منصرف من دعوة أو كأن المشتري شمعة لم يحصل ما قصده الشاعر ، فإنه ~~إنما قصد الهيئة التي يلبسها المريخ من كون المشتري أمامه . الثاني ما يمكن ~~إفراده بالذكر ويكون إذا أزيل منه التركيب صحيح التشبيه ms1444 في طرفيه إلا أن ~~المعنى يتغير ، كقول أبي طالب الرقي : وكأن أجرام النجوم لوامعا . . . درر ~~نثرن على بساط أزرق فلو قلت : كأن النجوم درر ، وكأن السماء بساط أزرق وجدت ~~التشبيه مقبولا ولكن المقصود من الهيئة المشبه بها قد زال . قال : وربما ~~كان التشبيه في أمور كثيرة لا يتقيد بعضها ببعض ، وإنما يكون مضموما بعضها ~~إلى بعض وكل واحد منها منفرد بنفسه ، كقولك : زيد كالأسد بأسا ، والبحر ~~جودا ، والسيف مضاء والبدر بهاء ، وله خاصيتان : إحداهما أنه لا يحب فيه ~~الترتيب ، والثانية أنه إذا سقط البعض لم يتغير حكم الباقي . ومن المتأخرين ~~من ذكر في التشبيه سبعة أنواع : الأول التشبيه المطلق ، وهو أن يشبه شيئا ~~بشيء من غير عكس ولا تبديل كقوله تعالى : " والقمر قدرناه منازل حتى عاد ~~كالعرجون القديم " وقوله تعالى : " وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام " ~~وقوله PageV07P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" تعالى : " كأنهم أعجاز نخل خاوية " وقول النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) : " الناس كأسنان المشط " الثاني التشبيه المشروط ، ~~وهو أنه يشبه شيئا بشيء لو كان بصفة كذا ، ولولا أنه بصفة كذا ، كقوله : ~~أشبه وجه مولانا بالعيد المقبل لو كان العيد تبقى ميامنه وتدوم محاسنه ، ~~وكقوله : وجه هو كالشمس لولا كسوفها ، والقمر لولا خسوفه . وكقول البديع : ~~قد كان يحيك صوت الغيث منسكبا . . . لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا والدهر ~~لو لم يخن والشمس لو نظقت . . . والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا وكقول ~~الآخر : عزماته مثل النجوم ثواقبا . . . لو لم يكن للثاقبات أفول الثالث ~~تشبيه الكناية ، وهو أن يشبه شيئا بشيء من غير أداة التشبيه ، كقول المتنبي ~~. بدت قمرا وماست خوط بان . . . وفاحت عنبرا وزنت غزالا وقول الواو الدمشقي ~~: فأمطرت لؤلؤا من نرجس فسقت . . . وردا وعضت على العناب بالبرد الرابع ~~تشبيه التسوية ، وهو أن يأخذ صفة من صفات نفسه ، وصفة من الصفات المقصودة ~~ويشبهها بشيء واحد ، كقوله : صدغ الحبيب وحالي . . . كلاهما كالليالي وثغره ~~في صفاء . . . وأدمعي كاللآلئ PageV07P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" الخامس التشبيه المعكوس ، وهو أن تشبه شيئين ~~كل واحد منهما بالآخر كقول ms1445 الشاعر : الخمر تفاح جرى ذائبا . . . كذلك ~~التفاح خمر جمد فاشرب على جامد ذوبه . . . ولا تبع لذة يوم بغد وكقول ~~الصاحب بن عباد : رق الزجاج وراقت الخمر . . . فتشابها فتشاكل كل الأمر ~~فكأنه خمر ولا قدح . . . وكأنه قدح ولا خمر وكقول بعضهم في النثر : كم من ~~دم أهرقناه في البر ، وشخص أغرقناه في البحر فأصبح البر بحرا من دمائهم ، ~~والبحر برا بأشلائهم . السادس تشبيه الإضمار ، وهو أن يكون مقصوده التشبيه ~~بشيء فدل ظاهر لفظه أن مقصوده غيره ، كقول المتنبي : ومن كنت جارا له عل . ~~. . ى لم يقبل الدر إلا كبارا فيدل ظاهره على أن مقصوده الدر ، وإنما غرضه ~~تشبيه الممدوح بالبحر . السابع تشبيه التفضيل : وهو أن يشبه شيئا بشيء ثن ~~يرجع فيرجح المشبه على المشبه به كقوله : حسبت جماله بدرا مضيئا . . . وأين ~~البدر من ذاك الجمال وكقول ابن هندو : من قاس جدواك بالغمام فما . . . أنصف ~~في الحكم بين شيئين أنت إذا جدت ضاحك أبدا . . . وذاك إن جاد دامع العين . ~~قال : وقد تقدم تشبيه شئ بشيء . PageV07P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" فأما تشبيه شئ بشيئين فكقول امرئ القيس : ~~وتعطو برخص غير شتن كأنه . . . أساريع رمل أو مساويك إسحل وأما تشبيه شئ ~~بثلاثة أشياء فكقول البحتري : كأنما يبسم عن لؤلؤ . . . منضد أو برد أو ~~أقاح وأما تشبيه شئ بأربعة أشياء فكما قال المولى شهاب الذين أو الثناء ~~محمود الحلبي الكاتب : يفتر طرسك عن سطوره جادها الس . . . فكر بصوب مسك ~~أذفر فكأنما هو روضة أو جدول . . . أو سمط در أو قلادة عنبر وأما تشبيه شئ ~~بخمسة أشياء فكقول الحريري : يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد . . . وعن أقاح وعن ~~طلع وعن حبيب وأما تشبيه شيئين بشيئين فكقول امرئ القيس : كأن قلوب الطير ~~رطبا ويابسا . . . لدى وكرها العناب والحشف البالي وأما تشبيه ثلاثة بثلاثة ~~فكقول الآخر : ليل وبدر وغصن . . . شعر ووجه وقد خمر ودر وورد . . . ريق ~~وثغر وخد وأما تشبيه أربعة بأربعة فكقول امرئ القيس : له أيطلا ظبي وساقا ~~نعامة . . . وإخاء سرحان وتقريب تتفل وكقول أبي نواس : تبكي فتذرى ms1446 الدر من ~~نرجس . . . وتلطم الورد بعناب PageV07P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" وأما تشبيه خمسة بخمسة فكقول أبي الفرج الواوا ~~الدمشقي قالت متى البين يا هذا فقلت لها . . . إما غدرا زعمرا أو لا فبعد ~~غد فأمطرت لؤلؤا من نرجس فسقت . . . وردا وعضت على العناب بالبرد وشبه قاضي ~~القضاة نجم الدين بن البارزي سبعة أشياء بسبعة أشياء وهي : يقطع بالسكين ~~بطيخة ضحى . . . على طبق في مجلس لان صاحبه كشمس ببرق قد بدرا أهلة . . . ~~لدي هالة في الأفق شتى كواكبه قال : والغرض من التشبيه قد يكون بيان إمكان ~~وجود الشيء عند ادعاء ما لا يكون إمكانه بينا ، كقول ابن الرومي : وكم أب ~~قد علا بابن ذرى شرف . . . كما علت برسول الله عدنان وكقول المتنبي : فإن ~~تفق الأنام وأنت منهم . . . فإن المسك بعض دم الغزال أو بيان مقداره ، كما ~~إذا حاولت لفي الفائدة عن فعل إنسان قلت : هذا كالقابض على الماء ، لأن ~~الخلو لفعل عن الفائدة مراتب مختلفة في الإفراط والتفريط والوسط ، فإذا مثل ~~بالمحسوس عرفت مرتبته ، ولذلك لو أرادت الإشارة إلى تنافي الشيئين فأشرت ~~إلى ماء ونار فقلت : هذا وذاك هل يجتمعان ؟ كان تأثيره زائدا على قولك : هل ~~يجتمع الماء والنار ؟ وكذلك إذا قلت في وصف طول يوم : كاطول ما يتوهم أو لا ~~آخر له أو أنشدت قوله : في ليل صول تناهى العرض والطول . . . كأنما ليله ~~بالليل موصول لم تجد فيه من الإنس ما تجده في قوله : ويوم كظل الرمح قصر ~~طوله . . . دم الزق عنا واصطفاق المزاهر وما ذاك إلا للتشبيه بالمحسوس وإلا ~~فالأول أبلغ لأن طول الرمح متناه وفي الأول حكمت أن ليله موصول بالليل ، ~~وكذلك لو قلت في قصر اليوم كأنه ساعة ، PageV07P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" أو كلمح البصر ، لوجدته دون قوله : ظللنا عند ~~دار أبي أنيسر . . . بيوم مثل سالفه الذباب وقوله : ويوم كإبهام القطاة ~~مرين . . . إلى صباه غالب لي باطله قال : وقد يكون رض التشبيه عائدا على ~~المشبه به ، وذلك أن تقصد على عاده التخييل أن توهم في الشيء القاصر عن ~~نظيره أنه ms1447 زائد فتشبه الزائد به ، كقوله : وبدا الصباح كأن غرته . . . وجه ~~الخليفة حين يمتدح وهذا أبلغ وأحسن وأمدح من تشبيه الوجه بالصباح ، لأن ~~تشبيه الوجه بالصباح أصل متفق عليه لا ينكر ولا يستكثر ، وإنما الذي ~~يستكثره تشبيه الصباح بالوجه . قال : ثم الغرض بالتشبيه إن كان إلحاق ~~الناقص بالزائد امتنع عكسه مع بقاء هذا الغرض ، وإن كان الجمع بين شيئين في ~~مطلق الصورة والشكل واللون صح العكس كتشبيه الصبح بغرة الفرس الأدهم لا ~~للمبالغة في الضياء ، بل لوقوع منير في مظلم وحصول بياض قليل في " سواد " ~~كثير . قال : والتشبيه قد يجئ غريبا يحتاج في إدراكه إلى دقة نظر ، كقول ~~ابن المعتز : والشمس كالمرآة في كف الأشل والجامع الاستدارة والإشراق مع ~~تواصل الحركة التي تراها للشمس إذا أنعمت التأمل في اضطراب نور الشمس ، ~~ويقرب منه قول الآخر : كأن شعاع الشمس في كل غدوة . . . على ورق الأشجار ~~أول طالع دنانير في كف الأشل يضمها . . . لقبض وتهوى " من " فروج الأصابع ~~PageV07P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" وكقول المتنبي : الشمس من مشرقها قد بدت . . . ~~مشرقة ليس لها حاجب كأنها بودقة أحيت . . . يجول فيها ذهب ذائب ومن لطيف ما ~~جاء في هذا المعنى من التشبيه قول الأخطل في مصلوب : أو قائم من نعاس فيه ~~لوثته . . . مواصل لتمطية من الكسل شبهه بالمتطي لأن المتمطى يمد يديه ~~وظهره ثم يعود إلى حالته الأولى فزاد فيه أنه مواصل لذلك ، وعلله بالقيام ~~من النعاس لما في ذلك من اللوثة والكسل . قال : والتشبيه ليس من المجاز ، ~~لأنه معنى من المعاني ، وله ألفاظ تدل عليه وضعا فليس فيه نقل اللفظ عن ~~موضوعه ، وإنما هو نوطئة لمن يسلك سبيل الاستعارة والتمثيل ، لأنه كالأصل ~~لهما وهما كالفرع له ، والذي يقع منه في حيز المجاز عند أهل هذا الفن هو ~~الذي يجئ على حد الاستعارة كقولك لمن يتردد في الأمر " بين " أن يفعله أو ~~يتركه : " أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى " والأصل فيه أراك في ترددك كم يقدم ~~رج ويؤخر أخرى . وأما الاستعارة فهي ادعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة ms1448 ~~في التشبيه مع طرح ذكر المشبه من البين لفظا وتقديرا . وتقديرا . وإن شئت ~~قلت : هو جعل الشيء الشيء " أو جعل الشيء للشيء " لأجل المبالغة في التشبيه ~~. فالأول كقولك : لقيت أسدا وأنت تعني الرجل الشجاع . والثاني كقول لبيد : ~~إذ أصبحت بيد الشمال زمامها أثبت اليد للشمال مبالغة في تشبيهها بالقادر في ~~التصرف فيه على ما يأتي بيان ذلك . PageV07P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" وحد الرماني الاستعارة فقال : هي تعليق ~~العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على سبيل النقل للإبانة . وقال ~~ابن المعتز : هي استعارة الكلمة من شئ قد عرف بها إلى شئ لم يعرف بها . ~~وذكر الخفاجي كلام الرماني وقال : تفسير هذه الجملة أن قوله عز وجل : " ~~واشتعل الرأس شيبا " استعارة لأن استعارة للنار ، ولم يوضع في أصل اللغة ~~للشيب فلما نقل إليه بأن المعنى لما اكتسبه من التشبيه ، لأن الشيب لما كان ~~يأخذ في الرأس شيئا فشيئا حتى يحيله إلى غير لونه الأول كان بمنزلة النار ~~التي تسري في الخشب حتى تحيله إلى غير " حالته " المتقدمة ؛ فهذا هو نقل ~~العبارة عن الحقيقة في الوضع للبيان . ولا بد من أن تكون أوضح من الحقيقة ~~لأجل التشبيه العارض فيها لأن الحقيقة لو قامت مقامها لكانت أولى بها ، ~~لأنها الأصل ، وليس يخفى على المتأمل أن قوله عز وجل : " واشتعل الرأس شيبا ~~" أبلغ من كثر شيب الرأس ، وهو حقيقة هذا المعنى . ولا بد للاستعارة من ~~حقيقة هي أصلها ، وهي مستعار منه ، ومستعار ، ومستعار له ، فالنار مستعار ~~منها ، والاشتعال مستعار ، والشيب مستعار له . قال : وأما قولنا مع طرح ذكر ~~المشبه ، فاعلم أننا إذا طرحناه كقولنا : رأيت أسدا ، وأردنا الرجل الشجاع ~~فهو استعارة بالإنفاق ، وإن ذكرنا معه الصيغة الدالة على المشابهة كقولنا : ~~زيد كالأسد أو مثله أو شبهه فليس باستعارة ؛ وإن لم نذكر الصيغة وقلنا : ~~زيد أسد فالمختار أنه ليس باستعارة إذ في اللفظ ما يدل على أنه ليس بأسد ~~فلم تحصل المبالغة ، فإذا قلت : زيد الأسد فهو أبعد عن الاستعارة ، فإن ~~الأول خرج بالتنكير ms1449 عن أن يحسن فيه كاف التشبيه ، فإن قولك : زيد كأسد كلام ~~نازل بخلاف الثاني . قال ضياء الدين بن الأثير : وهذا التشبيه المضمر ~~الأداة قد خلطه قوم بالاستعارة ولم يفرقوا بينهما ، وذلك خطأ محض . قال : ~~وسأوضح وجه الخطأ فيه وأحقق القول في الفرق بينهما فأقول : أما التشبيه ~~المظهر الأداة فلا حاجة بنا إلى ذكره لأنه لا خلاف فيه ، ولكن نذكر التشبيه ~~المضمر الأداة فنقول : إذا ذكر المنقول والمنقول إليه على أنه تشبيه مضمر ~~الأداة قيل PageV07P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" فيه : زيد أسد أي كالأسد ، فأداة التشبيه فيه ~~مضمرة مقدرة ، وإذا أظهرت حسن ظهورها ، ولم تقدح في الكلام الذي أظهرت فيه ~~، ولم تزل عنه فصاحته ، وهذا بخلاف ما إذا ذكر المنقول إليه دون المنقول ~~فإنه لا يحسن فيه ظهور أداة التشبيه ، وإذا ظهرت زال عن ذلك الكلام ما كان ~~متصفا به من الحسن والفصاحة . قال : ولنضرب لذلك مثالا يوضحه فنقول : قد ~~ورد هذا البيت لبعض الشعراء وهو : فرعاء إن نهضت لحاجتها . . . عجل القضيب ~~وأبطأ الدعص وهذا لا يحسن تقدير أداة التشبيه فيه ، فلا يقال : عجل " قد " ~~كالقضيب وأبطأ " ردف " كالدعص ، فالفرق إذن بين التشبيه المضمر أداة ~~التشبيه فيه وبين الاستعارة أن التشبيه المضمر الأداة يحسن إظهار أداة ~~التشبيه فيه ، والاستعارة لا يحسن ذلك فيها ، والاستعارة أخص من المجاز إذ ~~قصد المبالغة شرط في الاستعارة دون المجاز ، وأيضا فكل استعارة من البديع ~~وليس كل مجاز منها . والحق أن المعنى يعار أولا ثم بواسطته يعار اللفظ ؛ ~~ولا تحسن الاستعارة إلا حيث كان التشبيه مقررا بينهما ظاهرا ، وإلا فلا بد ~~من التصريح بالتشبيه ، فلو قلت : رأيت نخلة أو خامة وأنمت تريد مؤمنا إشارة ~~إلى قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " مثل المؤمن كمثل النخلة " أو " ~~كمثل الخامة " لكنت كالملغز التارك لما يفهم وكلما زاد التشبيه خفاء زادت ~~الاستعارة حسنا بحيث تكون ألطف من التصريح بالتشبيه ، فإنك لو رمت أن تظهر ~~التشبيه في قول ابن المعتز : أثمرت أغصان راحته . . . لجناة الحسن عنابا ~~احتجت أن تقول : أثمرت أصابع ms1450 راحته التي هي كالأغصان لطالب الحسن شبه ~~العناب من أطرافها المخضوبة وهذا مما لا خفاء بغثاثته . وربما جمع بين عدة ~~استعارت إلحاقا للشكل بالشكل لإتمام التشبيه فتزيد الاستعارة به حسنا ، ~~كقول امرئ القيس في صفة الليل : فقلت له لما تمطى بصلبه . . . وأردف أعجازا ~~وناء بكلكل PageV07P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" فصل فيما تدخله الاستعارة وما لا تدخله قال : ~~الأعلام لا تدخلها الاستعارة لما تقدم في المجاز ، وأما الفعل فالاستعارة ~~تقع أولا في المصدر ، ثم تقع بواسطة ذلك في الفعل ، فإذا قلت : نطقت الحال ~~بكذا فهذا إنما يصح لأنك وجدت الحال مشابهة للنطق في الدلالة على الشيء ، ~~فلا جرم " أنك " اسبتعرت النطق لتلك الحالة ثن نقلته إلى الفعل . والأسماء ~~المشتقة في ذلك كالفعل ؛ فظهر أن الاستعارة إنما تقع وقوعا أوليا في أسماء ~~الأجناس ، ثم الفعل إذا كان مستعارا فاستعارته إما من جهة فاعله ، كقوله : ~~نطقت الحال بكذا ولعبت بي الهموم ، وقول جرير : يحي الروامس ربعها فتجده . ~~. . بعد البلى وتميته الأمطار وقول أبي حية : وليلة مرضت من كل ناحية . . . ~~فما تضئ لها شمس ولا قمر أو من جهة مفعوله ، كقول ابن المعتز : جمع الحق ~~لنا في إمام . . . قتل الجوع وأحي السماحا أو من جهة مفعوليه ، كقوله ~~الحريري : وأقرئ المسامع إما نطقت . . . بيانا يقود الحرون الشموسا أو من ~~جهة أحد مفعوليه ، كقول الشاعر : نقريهم لهذميات نقد بها . . . ما كان خاط ~~عليهم كل زراد أو من جهة الفاعل والمفعول ، كقوله تعالى : " يكاد البرق ~~يخطف أبصارهم " قال : ويتصل بهذا ترشيح الاستعارة وتجريدها ، إما ترشيحها ~~فهو أن ينظر PageV07P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" فيها إلى المستعار ، ويراعى جانبه ، ويوليه ما ~~يستدعيه ويضم إليه ما يقتضيه ، كقول كثير . رمتني بسهم ريشه الهدب لم يصب . ~~. . بظاهر جسمي وهو في القلب جارح وكقول النابغة : وصدر أراح الليل عازب ~~همه . . . تضاعف فيه الحزن من كل جانب فالمستعار في كل واحد منهما وهو ~~الرمي والإراحة منطور إليهما في لفظ السهم والعازب ، وكما أنشد صاحب الكشاف ~~: ينازعني ردائي عند عمرو . . . رويدك يا أخا عمرو بن بكر ms1451 لي الشطر الذي ~~ملكت يميني . . . ودونك فاعتجر منه بشطر أراد بردائه سيفه ، ثم نظر إلى ~~المستعار في لفظ الاعتجار ، وأما تجريدها فهو أن يكون المستعار له منظورا ~~إليه ، كقوله تعالى : " فأذاقها الله لباس الجوع والخوف " فإن الإذاقة لما ~~وقعت عبارة عما يدرك من أثر الضرر والألم تشبيها له بما يدرك من الطعم المر ~~البشع ، والباس عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قال : فأذاقها الله ما ~~غشيها من ألم الجوع والخوف ، وكقول زهير : لدي أسد شاكي السلاح مقذف . . . ~~له لبد أظفاره لم تقلم فلو نظر إلى المستعار لقال : أسد دامي المخالب أو ~~دامي البراثن ، ونظر زهير في آخر البيت إلى المستعار أيضا ، ومنه قول كثير ~~: غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا . . . غلقت لضحكته رقاب المال استعار الرداء ~~للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه ووصفه بالغمر الذي ~~هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء . قال : ويقرب من ذلك الاستعارة ~~بالكناية وهي أن لا يصرخ بذكر المستعار بل بذكر بعض لوازمه تنبيها به عليه ~~، كقولهم : شجاع يفترس أقرانه ، وعالم يغترف منه الناس . PageV07P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" وكقول أبي ذؤيب : وإذا المنية أنشبت أظفارها . ~~. . ألفيت كل تميمة لا تنفع تنبيها على أن الشجاع أسد ، والمنية سبع ، ~~والعالم بحر ، وهذا وإن كان يشبه الاستعارة المجردة إلا أنه أغرب وأعجب ، ~~ويقرب منه قول زهير : ومن يعص أطراف الزجاج فإنه . . . يطيع العوالي ركبت ~~كل لهذم أراد أن يقول : من لم يرض بأحكام الصلح رضى بأحكام الحرب ، وذلك ~~أنهم كانوا إذا طلبوا الصلح قلبوا زجاج الرماح وجعلوها قدامها مكان الأسنة ~~، وإذا أرادوا الحرب أشرعوا الأسنة وقد يسمى هذا النوع المماثلة أيضا . قال ~~: وقد يزلون الاستعارة منزلة الحقيقة وذلك أنهم يستعيرون الوصف المحسوس ~~للشيء المعقول ويجعلون كأن تلك الصفة ثابتة لذلك الشيء في الحقيقة وأن ~~الاستعارة لم توجد أصلا مثاله استعارتهم العلو لزيادة الرجل على غيره في ~~الفضل والقدر والسلطان ثم وضعهم الكلام وضع من يذكر علو مكانيا كقول أبي ~~تمام : ويصعد حتى يظن الحسود . . . بأن له ms1452 حاجة في السماء وكقوله أيضا : ~~مكارم لجت في علو كأنما . . . تحاول ثأرا عند بعض الكواكب ولذلك يستعيرون ~~اسم شئ لشيء من نحو شمس أو بدر أو أسد ويبلغون إلى حيث يعتقد أه ليس هناك ~~استعارة كقول ابن العميد : قامت تظللني من الشمس . . . نفس أعز علي من نفسي ~~قامت تظللني ومن عجب . . . شمس تظللني من الشمس وكقول آخر : أيا شمعا يضئ ~~بلا إنطفاء . . . ويا بدرا يلوح بلا محاق فأنت البدر ما معنى انتقاصي . . . ~~وأنت الشمع ما معنى احتراقي ؟ PageV07P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" " فلولا أنه أنسى نفسه أن ها هنا استعارة لما ~~كان لهذا العجب معنى ، ومدار هذا النوع على التعجب " وقد يجئ على عكسه ، ~~كقول الشاعر : لا تعجبوا من بلى غلالته . . . قد زر أزراره على القمر فصل ~~في أقسام الاستعارة قال : وهي على نوعين : الأول أن تعتمد نفس التشبيه ، ~~وهو أن يشترك شيئان في وصف وأحدهما أنقص من الآخر ، فتعطى الناقص اسم ~~الزائد مبالغة في تحقق ذلك الوصف له كقولك : رأيت أسدا وأنت تعني رجلا ~~شجاعا ، وعنت لنا ظبية وأنت تريد امرأة . والثاني أن تعتمد لوازمه عند ما ~~تكون جهة الاشتراك وصفا ، وإنما ثبت كماله في المستعار منه بواسطة شئ آخر ~~فثبت ذلك الشيء للمستعار له مبالغة في إثبات المشترك كقول لبيد : وغداة ريح ~~قد كشفت وقرة . . . إذ أصبحت بيد الشمال زمامها وليس هناك مشار إليه يمكن ~~أن يجري اسم اليد عليه كما جرى الأسد على الرجل لكنه خيل إلى نفسه أن ~~الشمال في تصريف الغداة على حكم طبيعة الإنسان المتصرف فيما زمامه ومقادته ~~بيده ، لأن تصرف الإنسان إنما يكون باليد في أكثر الأمور فاليد كالآلة التي ~~تكمل بها ع القوة على التصرف ، ولما كان الغرض ثبات التصرف - وذلك مما لا ~~يكمل إلا عند ثبوت اليد - أثبت اليد للشمال تحقيقا للغرض وحكم الزمام في ~~استعارته للغداة حكم اليد في استعارتها للشمال ، وكذلك قول تأبط شرا : إذا ~~هزه في عظم قرن تهلك . . . نواجذ أفواه المنايا بالضواحك PageV07P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" لما شبه المنايا عند ms1453 هزة السيف بالمسرور - ~~وكمال الفرح والسرور إنما يظهر بالضحك الذي تتهلل فيه النواجذ - أثبته ~~تحقيقا للوصف المقصود ، وإلا فليس للمنايا ما ينقل إليه اسم النواجذ ، ~~وهكذا الكلام في قول الحماسي : سقاه الردى سيف إذا سل أو مضت . . . إليه ~~ثنايا الموت من كل مرقب ومن هذا الباب قولهم : فلان مرخى العنان ، وملقى ~~الزمام . قال : ويسمى هذا النوع استعارة تخييلية ، وهو كإثبات الجناح للذل ~~في قوله تعالى : " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " قال : ذا عرف هذا ~~فالنوع الأول على أربعة أقسام : الأول - استعارة المحسوس للمحسوس ، وذلك ~~إما بأن يشتركا في الذات ويختلفا في الصفات ، كاستعارة الطيران لغير ذي ~~جناح في السرعة ، فإن الطيران والعدو يشتركان في " الحقيقة وهي " الحركة ~~الكائنة إلا أن الطيران أسرع ، أو بأن يختلفا في الذات ويشتركا في صفة إما ~~محسوسة كقولهم : رأيت شمسا ويريدون إنسانا يتهلل وجهه ، وكقوله تعالى : " ~~واشتعل الرأس شيبا " فالمستعار منه النار والمستعار له الشيب ، والجامع ~~الانبساط ، ولكنه في النار أقوى ، وإما غير محسوسة كقوله تعالى : " إذا ~~أرسلنا عليهم الريح العقيم " المستعار له الريح ، والمستعار منه المرء ~~والجامع المنع من ظهور النتيجة . الثاني - أن يستعار شئ معقول لشيء معقول ~~لاشتراكهما في وصف عدمي أو ثبتوي وأحدهما أكمل من ذلك الوصف ، فيتنزل ~~الناقص منزلة الكامل كاستعارة اسم العدو للوجود إذا اشتركا في عدم الفائدة ~~، أو استعارة اسم الوجود للعدم إذا بقيت آثاره المطلوبة مه كتشبيه الجهل ~~بالموت لاشتراك الموصوف بهما في عدم الإدراك والعقل ، وكقولهم : فلان لقي ~~الموت إذا لقي الشدائد ، لاشتراكهما في المكروهية ، وقوله تعالى : " ولما ~~سكت عن موسى الغضب " والسكوت والزوال أمران معقولان . الثالث - أن يستعار ~~المحسوس للمعقول كاستعارة النور الذي هو محسوس للحجة ، واستعارة القسطاس ~~للعدل ، وكقوله تعالى : " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه " فالقذف والدمغ ~~مستعاران ، وقوله تعالى : " فاصدع بما تؤمر " استعارة لبيانه عما أوحى إليه ~~كظهور ما في الزجاجة عند PageV07P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" انصداعها ، وكل خوض في القرآن العزيز فهو ~~مستعار من الخوض في الماء ، وقوله تعالى : " قالتا أتينا طائعين ms1454 " جعل لهما ~~طاعة وقولا . الرابع - أن يستعار اسم المعقول للمحسوس على ما تقدم ذكره في ~~التشبيه كقوله تعالى : " إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور تكاد ~~تميز من الغيظ " فالشهيق والغيظ مستعاران ، وقوله تعالى : " حتى تضع الحرب ~~أوزارها " والأقوال في الاستعارة كثيرة ، وقد أوردنا فيها ما يستدل به ~~عليها . وأما الكناية - قال : اللفظة إذا أطلقت وكان الغرض الأصلي غير ~~معناها فلا يخلو : إما أن يكون معناها مقصودا أيضا ليكون دالا على ذلك ~~الغرض الأصلي وإما أن لا يكون كذلك . فالأول هو الكناية ، ويقال له : ~~الإرداف أيضا . والثاني المجاز . فالكناية عند علماء البيان أن يزيد ~~المتكلم إثبات معنى من المعاني لا يذكره باللفظ الموضوع له في اللفة ، ولكن ~~يجئ إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود فيومي به إليه ، ويجعله دليلا عليه ~~، مثال ذلك قولهم : طويل النجاد وكثير رماد القدر ، يعنون به أنه طويل ~~القامة ، كثير القرى ، ومن ذلك قوله تعالى : " إن الذين كفروا بعد إيمانهم ~~ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم " كنى بنفي التوبة عن الموت على الكفر . ~~وقول الشاعر : بعيدة مهوى الفرط إما لنوفل . . . أبوها إما عبد شمس وهاشم ~~PageV07P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" أراد يذكر طول جيدها " فأتى تتابعه وهو بعد ~~مهوى القرط " وكقول ليلى الأخيلية : ومخرق عنه القميص تخاله . . . وسط ~~البيوت من الحياء سقما كنت عن وجوه تخرق القميص من جذب العفاة عند ازدحامهم ~~لأخذ العطاء ، وأمثال ذلك . قال : والكناية تكون في المثبت كما ذكرنا ، وقد ~~تكون في الإثبات وهي ما إذا حاولوا إثبات معنى من المعاني لشيء فيتركون ~~التصريح بإثباته له ، ويثبتونه لما له به تعلق ، كقولهم : المجد بين ثوبيه ~~، والكرم بين برديه ، وقول الشاعر : إن المروءة والسماحة والندى . . . في ~~قبة ضربت على ابن الحشرج قال : واعلم أن الكناية ليست من المجاز لأنك تعتبر ~~في ألفاظ الكناية معانيها الأصلية ، وتفيد بمعناها معنى ثانيا هو المقصود ، ~~فتريد بقولك ، كثير الرماد حقيقته وتجعل ذلك دليلا على كونه جوادا فالكناية ~~ذكر الرديف وإرادة المردوف . وأما التعريض - فهو تضمين الكلام دلالة ms1455 ليس ~~لها ذكر ، كقولك : ما أقبح البخل ، لمن تعرض ببخله ، وكقول محمد بن عبد ~~الله ابن الحسن : لم يعرق في أمهات الأولاد ، يعرض بالمنصور بأنه ابن أمة ~~وأمثال ذلك . وأما التمثيل - فإنما يكون من باب المجاز إذا جاء على حد ~~الاستعارة ، مثاله قولك للمتحبر : فلان يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، فلو قلت : ~~إنه في تحيره كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى لم يكن من باب المجاز ، وكذلك قولك ~~لمن أخذ في عمل لا يتحصل منه المقصود : أراك تنفخ في غير ضرم ، وتخط على ~~الماء . قال : وأجمعوا على أن للكناية مزية على التصريح لأنك إذا أثبت كثرة ~~القرى بإثبات شاهدها ودليلها فهو كالدعوى التي " معها " شاهد ودليل ، وذلك ~~أبلغ من إثباتها بنفسها . PageV07P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" وأما الخبر وأحكامه - فقد قال : الخبر هو ~~القول المقتضى تصريحه نسبة معلوم إلى معلوم بالفي أو الإثبات . وتسمية أحد ~~جزيئه بالخبر مجازية ، ثم المقصود من الخبر إن كان هو الإثبات المطلاق ~~فيكون بالاسم ، كقوله تعالى : " وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد " وإن لم يتم ~~ذلك إلا بإشعار زمانه فيكون بالفعل ، كقوله تعالى : " هل من خالق غير الله ~~يرزقكم من السماء والأرض " فإن المقصود لا تتم بكونه معطيا للرزق " بل ~~بكونه معطيا للرزق " في كل حين وأوان والأخبار بالفعل أخص من الأخبار ~~بالاسم ، وإذا أنعمت النظر وجدت الاسم موضوعا على أن تثبت به المعنى الشيء ~~من غير إشعار يتجدده شيئا فشيئا ، بل جعل الانطلاق أو البسيط متلاصقة ثابتة ~~ثبوت الطول أو القصر في قولك : زيد طويل أو قصير ، بخلاف ما إذا أخبرت ~~بالفعل فإنه يشعر بالتجدد وأنه يقع جزءا فجزءا ، وإذا أردت شاهدا على ذلك ~~فتأمل هذا البيت : لا يألف الدرهم المضروب صرتنا . . . إلا يمر عليها وهو ~~منطلق فجاء بالاسم ، ولو أتى بالفعل لم يحسن هذا الحسن ، والفعل المعتدى ~~إلى جميع مفعولاته خبر واحد ، حتى إذا قلت : ضرب زيدا عمرا يوم الجمعة خلف ~~المسجد ضربا شديدا تأديبا له كان الخبر شيئا واحدا وهو إسناد الضرب المقيد ~~بهذه القيود إلى زيد ، فظهر ms1456 من ذلك " أن " قولك : جاءني رجل مغاير لما دل ~~عليه قولك : جاءني رجل ظريف ، وإنك لست في ذلك " إلا " كمن يضم إلى معنى ، ~~وحكم المبتدأ والخبر أيضا كذلك : فقول بشار : كأن مثار النقع فوف رءوسنا . ~~. . وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه خبر واحد . وإذا قلت : الرجل خير من المرأة ~~فاللام فيه قد تكون للعموم أو للخصوص بأن ترجع إلى معهود أو لتعريف الحقيقة ~~مع قطع النظر عن عمومها وخصوصها . وإذا قلت : زيد المنطلق أو زيد هو ~~المنطلق أفاد انحصار المخبر به في المخبر عنه ، فإن أمكن الحصر ترك على ~~حقيقته وإلا فعلى المبالغة . وإذا قلت : PageV07P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" المنطلق زيد فهو إخبار عما عرف بما لم يعرف ، ~~فكأن المخاطب عرف أن إنسانا انطلق ولم يعرف صاحب ، فقلت : الذي تعتقد أنه ~~منطلق زيد . وأما الذي - فهو للإشارة إلى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية ~~معلومة كقولك : ذهب الرجل الذي أبوه منطلق وهو تحقيق قولهم : إنه يستعمل ~~لوصف المعارف بالجمل ، والتصديق والتكذيب يتوجهان إلى خبر المبتدأ لا إلى ~~صفته فإذا كذبت القائل في قوله : زيد بن عمرو كريم ، فالتكذيب لم يتوجه إلى ~~كونه ابن عمرو بل إلى كونه كريما . وأما التقديم والتأخير - قال : إذا قدم ~~الشيء على غيره فإما أن يكون في نية التأخير كما إذا قدم الخبر على المبتدأ ~~؛ وإما أن يكون في نية التأخير ولكن انتقل الشيء من حكم إلى آخر ، كما إذا ~~جئت إلى اسمين جاز أن يكون كل واحد منهما مبتدأ فجعلت أحدهما مبتدأ كقولك : ~~زيد المنطلق ، والمنطلق زيد ، قال الجرجاني : قال صاحب الكتاب : كأنهم ~~يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم بشأنه أعني ، وإن كانا جميعا يهمانهم ~~ويعنياهم ، مثاله : أن الناس إذا تعلق غرضهم بقتل خارجي مفسد ولا يبالون من ~~صدر القتل منه ، وأراد مريد الإخبار بذلك فإنه يقدم ذكر الخارجي " فيقول " ~~: قتل الخارجي زيد ، ولا يقول : قتل زيد الخارجي لأنه يعلم أن قتل الخارجي ~~هو الذي يعنيهم ، وإن كان قد وقع قتل من رجل يبعد في اعتقاد الناس وقوع ~~القتل ms1457 من مثله قدم المخبر ذكر الفاعل فيقول : قتل زيد رجلا لاعتقاد الناس ~~في المذكور خلاف ذلك ، انتهى كلام الجرجاني . قال : ولنذكر ثلاثة مواضع ~~يعرف بها ما لم يذكر : الأول الاستفهام - فإذا أدخلته على الفعل وقلت : ~~أضربت زيدا ؟ كان الشك في وجود الفعل ، وإذا أدخلته على الاسم وقلت : أأنت ~~ضربت زيدا ؟ كان الفعل محققا والشك في تعيين الفاعل ، وهكذا حكم النكرة ، ~~فإذا قلت : أجاءك رجل ؟ كان المقصود : هل وجد المجيء من رجل ؟ فإذا قلت : ~~أرجل جاءك ؟ كان ذلك سؤالا عن PageV07P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" جنس من جاء بعد الحكم بوجود المجيء من إنسان ~~وقس عليه الخبر في قوله : ضربت زيدا وزيدا ضربت ، وجاءني رجل ، ورجل جاءني ~~، ثم الاستفهام قد يجئ للإنكار ، فإن كان " في " فعل ماض وأدخلت الاستفهام ~~عليه كان لإنكاره ، كقوله تعالى : " اصطفى البنات على البنين " وإن أدخلته ~~على الاسم فإن لم يكن الفعل مترددا بينه وبين غيره كان لإنكار أنه الفاعل ، ~~ويلزم منه نفي ذلك الفعل ، كقوله تعالى : " الله أذن لكم " أي لو كان إذن ~~لكان من الله ، فلما لم يوجد منه دل على أن لا إذن كما تقول : متى كان هذا ~~، في ليل أم نهار ؟ أي لو كان في ليل أو نهار ، فلما لم يوجد في واحد منهما ~~لم يوجد أصلا ، وعليه قوله تعالى : " الذكرين حرم أم الاثنين " وإن كان ~~مرددا بينه وبين غيره كان إما للتقرير والتوبيخ ، وعليه قوله تعالى حكاية ~~عن قول نمرود : " أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم " وإما لإنكار أنه ~~الفاعل مع تحقيق الفعل ، كقولك لمن انتحل شعرا : أأنت قلت هذا ؟ وإن كان ~~الفعل مضارعا ، فإن أدخلت حروف الاستفهام عليه كان إما لإنكار وجوده ، ~~كقوله تعالى : " أنلزمكموها وأنتم لها كارهون " . أو لإنكار أنه يقدر على ~~الفعل ، كقول امرئ القيس : أيقتلني والمشرقي مضاجعي . . . ومسنونة زرق ~~كأنياب أغوال أو لإزالة طمع من طمع في أمر لا يكون ، فيجهله في طمعه ، ~~كقولك : أيرضى عنك فلان وأنت على ما يكره ؟ أو لتعنيف من يضيع الحق ، كقول ~~الشاعر : أتترك إن ms1458 قلت دراهم خالد . . . زيارته إني إذن للئيم أو لتنديم ~~الفاعل ، كما تقول لمن يركب الخطر : أتخرج في هذا الوقت ؟ وإن أدخلته على ~~الاسم فهو لإنكار صدور الفعل من ذلك الفاعل إما للإستحقار كقولك : أأنت ~~تمنعني ؟ أو للتعظيم كقولك : أهو يسأل الناس ؟ أو للمبالغة إما في ~~PageV07P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" كرمه ، كقولك : أهو يمنع سائله ؟ وإما في ~~خساسته ، كقولك : أهو يسمح بمثل هذا ؟ وقد يكون لبيان استحالة فعل ظن ممكنا ~~كقوله تعالى : " أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمى " وكذلك إذا أدخلته على ~~المفعول ، كقوله تعالى : " أغير الله أتخذ وليا " و " أغير الله تدعون " و ~~" أبشرا منا واحدا نتبعه " الثاني في التقديم والتأخير في النفي - إذا ~~أدخلت النفي على الفعل فقلت : ما ضربت زيدا فقد نفيت عن نفسك ضربا واقعا ~~بزيد ، وهذا لا يقتضي كون زيد مضروبا . وإذا أدخلته على الاسم فقلت : ما ~~أنا ضربت زيدا اقتضى من باب دليل الخطاب كون زيد مضروبا وعليه قول المتنبي ~~: وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله . . . ولكن لشعري فيك من نفسه شعر ولهذا ~~يصح أن تقول : ما ضربت إلا زيدا وما ضربت زيدا ولا ضربه أحد من الناس ولا ~~يصح أن تقول : ما أنا ضربت إلا زيدا ، وأما أنا ضربت زيدا ولا ضربه أحد من ~~الناس . أما الأول فلأن نقض النفي بإلا يقتضي أن تكون ضربته ، " وتقديمك " ~~ضميرك وإيلاءه حرف النفي يقتضي ألا تكون ضربته " فيتدافعان . وأما الثاني ~~فلأن أول الكلام يقتضي أن يكون زيدا مضروبا ، وآخره يقتضي ألا يكون مضروبا ~~فيتناقضان ، إذا عرف هذا في جانب الفاعل فإن مثله في جانب المفعول ، فإذا ~~قلت : ما ضربت زيدا لم يقتض أن تكون ضاربا لغيره ، وإذا قلت : ما زيد ضربت ~~اقتضى ذلك ، ولهذا صح ما ضربت زيدا ولا أحد من الناس ولا يصح " ما " زيدا ~~ضربت ولا أحد من الناس . وحكم الجار والمجرور حكم المفعول ، فإذا قلت : ما ~~أمرتك بهذا لم يقتض أن تكون قد أمرته بشيء غير هذا ، وإذا قلت : ما بهذا ~~أمرتك اقتضاه . PageV07P0056 # """""" صفحة ms1459 رقم 57 """""" وإذا قدمت صيغة العموم على السلب وقلت : كل ذا ~~لم أفعله ، برفع كل من كان نفيا عاما ، ويناقضه الإثبات الخاص ، فلو فعلت ~~بعضه كنت كاذبا . وإن قدمت السلب وقلت : لم أفعل كل ذا كان نفيا للعموم ولا ~~ينافى الإثبات الخاص ، فلو فعلت بعضه لم تكن كاذبا ، ومن هذا ظهر الفرق بين ~~رفع كل ونصبه في قول أبي النجم : قد أصبحت أم الخيار تدعى . . . علي ذنبا ~~كله لم أصنع فإن رفعته كان النفي عاما ، واستقام غرض الشاعر في تبرئة نفسه ~~من جملة الذنوب ، وإن نصبته كان النفي نفيا للعموم ، وهو لا ينافى إتيان ~~بعض الذنب فلا يتم غرضه . الثالث في التقديم والتأخير في الخبر المثبت - ما ~~تقدم في الاستفهام والنفي قائم هنا ، فإذا قدمت الاسم وقلت : زيد فعل وأنا ~~فعلت فالقصد إلى الفاعل إما لتخصيص ذلك الفعل به ، كقولك : أنا شفعت في ~~شأنه مدعيا الانفراد بذلك أو لتأكيد إثبات الفعل له لا للحصر ، كقولك : هو ~~يعطي الجزيل لتمكن في نفس السامع أن ذلك دأبه دون نفيه عن غيره ، ومنه قوله ~~تعالى : " واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون " فإنه ليس ~~المراد تخصيص المخلوقية بهم ، وقوله تعالى : " وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد ~~دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به " وكقول درني بنت عبعبة : هما يلبسان المجد ~~أحسن لبسة . . . شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما وقول الآخر : هموا يفرشون ~~اللبد كل طمرة . . . وأجرد سباخ يبذ المغالبا قال : والسبب في هذا التأكيد ~~أنك إذا قلت مثلا : زيد فقد أشعرت بأنك تريد الحديث عنه فيحصل للسامع تشوق ~~إلى معرفته ، فإذا ذكرته قبلته النفس " قبول العاشق PageV07P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" معشوقه " فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفي الشك ~~والشبهة ، ولهذا تقول لمن تعده : أنا أعطيك أنا أكفيك ، أنا أقوم بهذا ~~الأمر ، وذلك إذا كان من شأن من يسبق له وعد أن يعترضه الشك في وفائه ، ~~ولذلك يقال في المدح : أنت تعطي الجزيل ، أنت تجود حين لا يجود أحد ، ومن ~~ها هنا تعرف الفخامة في الجمل ms1460 التي فيها ضمير الشأن والقصة كقوله تعالى : " ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " وقوله تعالى : " ~~إنه لا يفلح الكافرون " وأن فيها ما ليس في قولك : فإن الأبصار لا تعمى وإن ~~الكافرين لا يفلحون ، وهكذا في الخبر المنفي ، فإذا قلت : أنت لا تحسن هذا ~~، كان أبلغ من قولك لا تحسن هذا ، فالأول لمن هو أشد إعجابا بنفسه وأكثر ~~دعوى بأنه يحسن . قال : واعلم أنه قد يكون تقديم الاسم كاللازم نحو قوله : ~~يا عاذلي دعني من عذلكا . . . مثلي لا يقبل من مثلكا وقول المتنبي : مثلك ~~يثني الحزن عن صوبه . . . ويسترد الدمع عن غربه وقول الناس : مثلك يرعى ~~الحق والحرمة ، وما أشبه مما لا يقصد فيه إلى إنسان سوى الذي أضيف إليه وجئ ~~به للمبالغة ، وقد عبر المتنبي عن هذا المعنى فقال : ولم أقل مثلك أعني به ~~. . . سواك يا فردا بلا مشبه وكذلك حكم " غير " إذا سلك فيه هذا المسلك ~~كقول المتنبي : غيري بأكثر هذا الناس ينخدع . . . إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا ~~شجعوا أي لست ممن ينخدع ويغتر ولو لم يقدم مثلا وغيرا في هذه الصور لم يؤد ~~هذا المعنى . قال : ويقرب من هذا المعنى تقديم بعض المفعولات على بعض في ~~نحو قوله تعالى : " وجعلوا لله شركاء الجن " فإن تقديم شركاء على الجن أفاد ~~أنه ما ينبغي لله شركاء لا من الجن ولا غيرهم لأن شركاء مفعول ثان لجعلوا ، ~~PageV07P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" ولله متعلق به والجن مفعوله الأول فقد جعل ~~الإنكار على جعل الشريك لله على الإطلاق من غير اختصاص بشيء دون بشيء لأن ~~الصفة إذا ذكرت مجردة عن مجراها على شئ كان الذي تعلق بها من المنفي عاما ~~في كل ما يجوز أن تكون له تلك الصفة ، فإذا قلت ما في الدار كريم ، كنت ~~نفيت الكينونة في الدار عن كل شئ يكون الكرم صفة له ، وحكم الإنكار أبدا ~~حكم النفي ، فأما إذا أخرت شركاء فقلت : " وجعلوا الجن شركاء لله فيكون جعل ~~الشركاء مخصوصا غير مطلق فيحتمل أن يكون ms1461 المقصود بالإنكار جعل الجن شركاء " ~~لا جعل غيرهم : تعالى الله عن ذلك علوا كبير فقدم شركاء نفيا لهذا الاحتمال ~~. فصل في مواضع التقديم والتأخير قال : أما التقديم فيحسن في مواضع : الأول ~~: أن تكون الحاجة إلى ذكره أشد ، كقولك : قطع اللص الأمير . الثاني : أن ~~يكون ذلك أليق بما قبله من الكلام أو بما بعده ، كقوله تعالى : " وتغشى ~~وجوههم النار " فإنه أشكل بما بعده وهو قوله : " إن الله سريع الحساب " ~~وبما قبله وهو : " مقرنين في الأصفاد " الثالث : أن يكون من الحروف التي ~~لها صدر الكلام ، كحروف الاستفهام والنفي ، فإن الاستفهام طلب فهم الشيء ، ~~وهو حالة إضافية فلا تستقل بالمفهومية فيشتد اتصاله بما بعده . الرابع : ~~تقديم الكلي على جزيئاته ، فإن الشيء كلما كان أكثر عموما كان أعرف فإن ~~الوجود لما كان أعم الأمور كأن أعرفها عند العقل . الخامس : تقديم الدليل ~~على المدلول وأما التأخير فيحسن في مواضع : الأول : تمام الاسم كالصلة ~~والمضاف إليه . PageV07P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" الثاني : توابع الأسماء . الثالث : الفاعل . ~~الرابع : المضمر ، وهو أن يكون متأخرا لفظا وتقديرا ، كقولك : ضرب زيد ~~غلامه أو مؤخرا في اللفظ مقدما في المعنى كقوله تعالى : " وإذ ابتلى ~~إبراهيم ربه أو بالعكس كقولك : ضرب غلامه زيد ، وإن تقدم لفظا ومعنى لم يجز ~~كقولك : ضرب غلامه زيدا . الخامس : ما يفضى إلى اللبس ، كقولك : ضرب موسى ~~عيسى ، أو أكرم هذا فيجب فيه تقديم الفاعل . السادس : العامل الذي هو ضعيف ~~عمله ، كالصفة المشبهة والتمييز وما عمل فيه حرف أو معنى كقولك : هو حسن ~~وجها ، وكريم أبا ، وتصيب عرقا ، وخمسة وعشرون درهما وإن زيد قائم ، وفي ~~الدار سعد جالسا . ولا يجوز الفصل بين العامل والمعمول بما ليس منه ، فلا ~~تقول : كانت زيدا الحمي تأخذ إذا رفعت الحمى بكانت للفصل بين العامل وما ~~عمل فيه ، فإن أضمرت الحمى في كانت صحت المسألة . وأما الفصل والوصل - فهو ~~العلم بمواضع العطف والاستئناف والتهدي إلى كيفية إيقاع حروف العطف في ~~مواقعها وهو من أعظم أركان البلاغة حتى إن بعضهم حد البلاغة بأنها معرفة ~~الفصل والوصل ms1462 ، وقال عبد القاهر : إنه لا يكمل لإحراز الفضيلة فيه أحد إلا ~~كمل لسائر معاني البلاغة . قال : اعلم أن فائدة " العطف " التشريك بين ~~المعطوف والمعطوف عليه ، ثم من الحروف العاطفة ما لا يفيد إلا هذا القدر ~~وهو الواو ومنها ما يفيد فائدة كالفاء وثم وأو ، وغرضنا ها هنا متعلق بما ~~لا يفيد إلا الاشتراك فنقول : العطف إما أن يكون في المفردات وهو يقتضي ~~التشريك في الإعراب ، وإما أن يكون في الجمل وتلك الجمل إن كانت في قوة ~~المفرد كقولك : مررت برجل خلقه حسن وخلقه قبيح فقد PageV07P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" أشركت بينهما في الإعراب " والمعنى " ~~لاشتراكهما في كون كل واحد منهما يفيد للموصوف ، ولا يتصور أن يكون اشتراك ~~بين شيئين حتى يكون هناك معنى يقع ذلك الاشتراك فيه ، وحتى يكونا كالنظيرين ~~والشريكين ، وبحيث إذا عرف السامع حاله الأول عساه يعرف حاله الثاني ، يدلك ~~على ذلك أنك ذا عطفت على الأول شيئا ليس منه بسبب ولا هو مما يذكر بذكره لم ~~يستقم ، فلو قلت : خرجت اليوم من داري ، وأحسن الذي " يقول " بيت كذا قلت ~~ما يضحك منه ، ومن ها هنا عابوا على أبي تمام قوله : لا والذي هو عالم أن ~~النوى . . . صبروا وأن الحسين كريم وإن لم تكن في قوة المفرد فهي على قسمين ~~: الأول أن يكون معنى إحدى الجملتين لذاته متعلقا بمعنى الأخرى كما إذا ~~كانت كالتوكيد لها أو كالصفة ، فلا يجوز إدخال العاطف عليه ، لأن التوكيد ~~والصفة متعلقان بالمؤكد والموصوف لذاتهما ، والتعلق الذاتي يغني عن لفظ يدل ~~على التعلق فمثال التوكيد قوله تعالى : " آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه " فلا ~~ريب فيه توكيد لقوله تعالى : " ذلك الكتاب " كأنه قال : هو ذلك الكتاب ، ~~وكذلك قوله تعالى : " إن الذين كفروا سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون " وقوله تعالى : " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم ~~غشاوة ولهم عذاب عظيم " تأكيد ثان أبلغ من الأول ، وكذلك قوله تعالى : " ~~ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله ms1463 " ~~ولم يقل : ويخادعون لأن المخادعة ليست شيئا غير قولهم : آمنا مع أنهم غير ~~مؤمنين ، وكذلك قوله تعالى : " وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم ~~يسمعها كأن في أذنيه وقرا : ولم يقل تعالى : وكأن ، وأمثال " ذلك " في ~~القرآن العزيز كثيرة . القسم الثاني ألا يكون بين الجملتين تعلق ذاتي ، فإن ~~لم يكن بينهما مناسبة فيجب ترك العاطف أيضا لأن العطف للتشريك ولا تشريك ، ~~ومن ها هنا أيضا عابوا PageV07P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" على أبي تمام البيت المتقدم لا والذي هو عالم ~~. . . . إذ لا مناسبة بين مرارة النوى وبين كرم أبي الحسين ، ولذلك لم يحسن ~~جواز العاطف . وإن كان بينهما مناسبة فيجب ذكر العاطف . ثم إن كان المحدث ~~عنه في الجملتين شيئين فالمناسبة بينهما إما أن تكون بالذي أخبر بهما ، أو ~~بالذي أخبر عنها ، أو بهما كليهما ، وهذا الأخير هو المعتبر في العطف . قال ~~: ونعني بالمناسبة أن يكونا متشابهين كقولك : زيد كاتب وعمرو " شاعر " " أو ~~متضادين تضادا على الخصوص ، كقولك زيد طويل وعمرو " قصير وكقولك العلم حسن ~~والجهل قبيح ، فلو قلت : زيد طويل والخليفة قصير لا اختل معنى عند ما لا ~~لزيد تعلق بحديث الخليفة ولو قلت : زيد طويل وعمرو شاعر لا اختل لفظا إذ ~~مناسبة بين الطويل القامة والشاعر . وإن كان المحدث عنه في الجملتين شيئا ~~واحدا ، كقولك : فلان يقول ويفعل ويضر وينفع ، ويأمر وينهى ، ويسيء ويحسن ، ~~فيجب إدخال العاطف رجوع عن الأول وإذا أفاد العاطف الاجتماع ازداد الاشتراك ~~كقولك : العجب من أنك أحسنت وأسأت ، والعجب من أنك تنهى عن شيء وتأتي مثله ~~وكقوله : لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم . . . وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا ~~فإن المعنى جعل المفعلين في حكم واحد ، أي تطيعوا أن تروا إكرامنا إياكم ~~يوجد مع إهانتكم إيانا . قال : وقد يجب إسقاط العاطف في بعض المواضع ~~لاختلال المعنى عند إثباته كقوله تعالى : " وإذا قيل لهم لا تفسدوا في ~~الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا أنهم هم المفسدون " فقوله تعالى : " ألا ~~أنهم هم المفسدون كلام مستأنف وهو إخبار من الله ms1464 تعالى ، فلو أتى بالواو ~~لكان إخبارا عن اليهود بأنهم وصفوا أنفسهم بأنهم يفسدون فيختل المعنى ، ~~وكذلك قوله تعالى : " وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما ~~آمن السفهاء ألا أنهم هم السفهاء " وأمثال ذلك كثيرة ، وإذا كان كذلك فلا ~~حاجة إلى العاطف بخلاف قوله تعالى : " يخادعون الله وهو خادعهم " " ومكروا ~~ومكر الله " فإن كل واحدة من الجملتين خبر من الله تعالى . PageV07P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" قال : ومما يجب ذكره هاهنا الجملة إذا وقعت ~~حالا فإنها تجئ مع الواو تارة وبدونها أخرى فنقول : الجملة إذا وقعت حالا ~~فلا بد أن تكون خبرية تحتمل الصدق والكذب ، وهو على قسمين . الأول وله ~~أحوال : الأولى : أن يجمع لها بين الواو وضمير صاحب الحال ، كقولك : جاء ~~زيد ويده على غلامه ولقيت زيدا وفرسه سابقه ، وهذه الواو تسمى واو الحال . ~~الثانية : أن تجئ بالضمير من غير واو ، كقولك : كلمته فوه إلى في ، وهو في ~~معنى مشافها ، والرابط الضمير ، فلو قلت : كلمته إلى في فوه ، ولقيته عليه ~~جبة وشئ لم يكن من باب وقوع الجملة حالا ، لأنه يمكننا أن نرفع فوه وجبة ~~بالجار والمجرور فيرجع الكلام إلى وقوع المفرد حالا ، والتقدير كلمته كائنا ~~إلى في فوه ، ولقيته مستقرة عليه جبة وشئ وعليه قول بشار : إذا أنكرتني ~~بلدة أو نكرتها . . . غدوت مع البازي على سواد الثالثة : أن تجئ الواو من ~~غير ضمير وهو كثير ، كقولك : لقيتك والجيش قادم وزرتنا والشتاء خارج . ~~ويجوز أن تجمع بين حالين مفرد وجملة إذا أجزنا وقوع حالين كقولك : لقيتك ~~راكبا والجيش قادم فالجملة حال من التاء أو من الكاف والعامل فيها لقيت ، ~~أو من ضمير راكبا " وراكبا " هو العامل فيها . القسم الثاني الجملة الفعلية ~~، ولا بد أن تكون ماضيا أو مضارعا " أما الماضي فلا بد معه من الإتيان ~~بالواو وقد أو بأحدهما ، كقولك : تكلمت وقد عجلت ، وجاء زيد قد ضرب عمرا ، ~~وجئت وأسرعت في المجيء قال الله تعالى : " قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ~~" ولم يجر البصريون خلوة عنهما ، وقالوا في قوله تعالى ms1465 : " أو جاءوكم حصرت ~~صدروهم " وفي قول أبي صخر الهذلي : وإني لتعروني لذاكراك هزة . . . كما ~~انتقض العصفور بلله القطر PageV07P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" إن قد مقدرة فيهما ، فإن الشيء إذا عرف موضعه ~~جاز حذفه . وأما المضارع فإن كان موجبا فلا يؤتى معه بالواو ، فتقول : ~~جاءني زيد يضحك ، ويجئ عمرو يسرع ، واجلس تحدثنا بالرفع أي محدثا لنا ، ~~لأنه بتجرده عما يغير معناه أشبه اسم الفاعل إذا وقع حالا . وإن كان منفيا ~~جاز حذف الواو مراعاة لأصل الفعل الذي هو الإيجاب وجاز إثباتها لأن الفعل ~~ليس هو الحال ، فإن معنى قولك : جلس زيد ولم يتكلم جلس زيد غير متكلم فجرى ~~مجرى الجملة الأسمية ، فالحذف كقولك : جاء زيد ما يفوه ببنت شفة ، قال الله ~~تعالى : " الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا ~~فيها لغوب " لا يمسنا في موضع نصب على الحال من ضمير المرفوع في أحلنا ، ~~والإثبات كقولك : جلس زيد ولم يتكلم قال الله تعالى : " أفلا يرون ألا يرجع ~~إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا " قال : وشبهوا به الفعل الماضي ~~فقالوا : جاء زيد ما ضرب عمرا ، وجاء زيد وما ضرب عمرا . وأما الحذف ~~والإضمار - فقد قال : الأفتال المتعدية التي ترك ذكر مفعولاتها على قسمين : ~~الأول : ألا يكون له مفعول مبين : فقد يترك مفعوله لفظا وتقديرا ويجعل حاله ~~كحال غير المعتدي ، كقولهم : فلان يحل ويعقد ، ويأمر وينهى ويضر وينفع . ~~والمقصود إثبات المعنى في نفسه للشيء من غير التعريض لحديث المفعول فكأنك ~~قلت : بحيث يكون منه حل وعقد وأمر ونهي ونفع وضر ، وعليه قوله تعالى : " قل ~~هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " أي هل يستوي من له علم ومن لا ~~علم له من غير أن ينص على معلوم ، وكذلك قوله تعالى : " وأنه هو أضحك وأبكى ~~" إلى قوله : " وأنه هو أغنى وأقنى " وبالجملة فمتى كان الغرض بيان حال ~~الفاعل فلا تعد الفعل ، فإن تعديته تنقض الغرض ، ألا ترى أنك إذا قلت : ~~فلان يعطي الدنانير كان المقصود بيان جنس ما يتناوله ms1466 الإعطاء لا بيان حال ~~كونه معطيا ؟ الثاني : أن يكون له مفعول معلوم إلا أنه يحذف في اللفظ ~~لأغراض : PageV07P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" الأول : أن يكون المراد بيان حال الفاعل وأن ~~ذلك الحال دأبه لا بيان المفعول كقول طفيل : جزى الله عنا جعفرا حين أزلفت ~~. . . بنا نعلنا في الواطئين فزلت أبوا أن يملونا ولو أن أمنا . . . تلاقى ~~الذي لاقوه منا لملت هم خلطونا بالنفوس وألجئوا . . . إلى حجرات أدفأت ~~وأظلت والأصل أن تقول : لملتنا وألجؤونا وأدفأتنا وأظلتنا فحذف المفعول ~~المعين من هذه المواضع الأربعة وكأنه قد أبهم ولم يقصد قصد شئ يقع عليه ، ~~كما تقول : قد مل فلان ، تريد قد دخل عليه الملال من غير أن تخص شيئا بل لا ~~تزيد على أن تجعل الملال من صفته ، فلذلك الشاعر جعل هذه الأوصاف من دأبهم ~~، ولو أضاف إلى مفعول معين لبطل هذا الغرض ، وعليه قوله تعالى : " ولما ورد ~~ماء مدين " إلى قوله تعالى : " فسقى لهما " فقد حذف المفعول في أربعة مواضع ~~، فإن ذكره ربما يخل بالمقصود فلو قال تعالى مثلا : تذودان غنمهما لتوهم أن ~~الإنكار إنما جاء من ذودهما الغنم لا من مطلق الذود ، كقولك : مالك تمنع ~~أخاك ؟ فإن الإنكار من منع الأخ لا من مطلق المنع . الثاني : أن يكون ~~المقصود ذكره إلا أنك لا تذكره إيهاما بأنك لا تقصد ذكره كقول البحتري : ~~شجو حساده وغيظ عداه . . . أن يرى مبصر ويسمع واع المعنى أن يرى مبصر ~~محاسنه أو يسمع واع أخباره ، ولكنه تغافل عن ذلك إيذانا بأن فضائله يكفي ~~فيها أن يقع عليها بصر أو يعيها سمع حتى يعلم أنه المتفرد بالفضائل ، فليس ~~لحساده وعداه أشجى من علم بأن هنا مبصرا وسامعا . الثالث : أن يحذف لكونه ~~بينا ، كقولهم : أصيغت إليك أي أذني ، وأغضيت عليك ، أي جفنى . ~~PageV07P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" فصل في حذف المبتدأ والخبر قال : قد يحسن حذف ~~المبتدأ حيث يكون الغرض أنه قد بلغ في استحقاق الوصف بما جعل وصفا له إلى ~~حيث يعلم بالضرورة أن ذلك الوصف ليس إلا له سواء كان ms1467 في نفسه كذلك ، أم ~~بحسب دعوى الشاعر على طريق المبالغة ، فذكره يبطل هذا الغرض ، ولهذا قال ~~الإمام عبد القاهر : ما من اسم يحذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها إلا ~~وحذفه أحسن من ذكره ، فمن حذف المبتدأ قوله تعالى : " سورة أنزلناها ~~وفرضناها " أي هذه السورة وقول الشاعر : لا يبعد الله التلبب والس . . . ~~غارات إذ قال الخميس نعم أي هذه نعم قال عبد القاهر : ومن المواضع التي ~~يطرد فيها حذف المبتدأ بالقطع والاستئناف أنهم يبدءون بذكر الرجل ويقدمون ~~بعض أمره ، ثم يدعون الكلام الأول ويستأنفون كلاما " آخر " وإذا فعلوا ذلك ~~أنوا في أكثر الأمر بخبر من غير المبتدأ مثال ذلك قوله : وعلمت أنى يوم ذا ~~. . . ك منازل كعبا ونهدا قوم إذا لبسوا الحدي . . . د تنمروا خلقا وقدا ~~وقال الحطيئة : هم حلوا من الشرف المعلى . . . ومن حسب العشيرة حيث شاءوا ~~بناة مكارم وأساة كلم . . . دماؤهم من الكلب الشفاء وأمثلة ذلك كثيرة . ومن ~~حذف الخبر قوله تعالى : " لولا أنتم لكنا مؤمنين " أي لولا أنتم مضلونا ~~وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لولا علي لهلك عمر ، أي لولا علي حاضر ~~أو مفت . PageV07P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" فصل الإضمار على شريطة التفسير كقولهم : ~~أكرمني وأكرمت عبد الله أي أكرمني عبد الله وأكرمت عبد الله ، ومما يشبه ~~ذلك مفعول المشيئة إذا جاءت بعد لو ، فإن كان مفعولها أمرا عظيما أو غريبا ~~فالأولى ذكره ، كقوله : ولو شئت أن أبكي دما لبكيته . . . عليه ولكن ساحة ~~الصبر أوسع فإن بكاء الإنسان دماء عجيب ، وإن لم يكن كذلك فالأولى حذفه ، ~~كقوله تعالى : " ولو شاء الله لجمعهم على الهدى " والتقدير لو شاء الله أن ~~يجمعهم على الهدى لجمعهم ، وكذلك قوله تعالى : " ولو شاء لهداكم أجمعين " ~~وقوله تعالى : " فإن يشأ الله يختم على قلبك " و " من يشأ الله يضلله ومن ~~يشأ يجعله على صراط مستقيم " . قال : واعلم أنه قد تترك الكناية إلى ~~التصريح لما فيه من زيادة الفخامة كقول البحتري : قد طلبنا فلم نجد لك في ~~السؤ . . . دد والمجد والمكارم مثلا ms1468 المعنى قد طلبنا لك مثلا ثم حذف لأن ~~هذا المدح إنما ينفي المثل ، فلو قال : قد طلبنا لك مثلا في السؤدد والمجد ~~فلم نجده لكان قد أوقع نفي الوجود على ضمير المثل فلم يكن فيه من المبالغة ~~ما إذا أوقعه على صريح المثل ، فإن الكناية لا تبلغ مبلغ الصريح ، ولهذا لو ~~قلت : وبالحق أنزلناه زوبه نزل ، وقل هو الله أحد وهو الصمد لا تجد من ~~الفخامة ما تجده في قوله تعالى : " وبالحق أنزلناه وبالحق نزل " و " قل هو ~~الله أحد الله الصمد " وعلى ذلك قول الشاعر : لا أرى الموت يسبق الموت شيء ~~. . . تغص الموت ذا الغنى والفقيرا وأما مباحث إن وإنما - فإنه قال : أما ~~إن فلها فوائد : PageV07P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" الأولى أن تربط الجملة الثانية بالأولى ~~وبسببها يحصل التأليف بينهما حتى كأن الكلامين أفرغا واحدا ، ولو أسقطتها ~~كان الثاني نائيا عن الأول ، كقوله تعالى : " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن ~~زلزلة الساعة شئ عظيم " وقوله تعالى : " أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن ~~المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور " وقوله تعالى : " خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم بها وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم " وقد ~~تنكروا في كلام واحد ، كقوله تعالى : " وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم " ثم متى أسقطت " إن " من الجملة ~~التي أدخلتها عليها ، فإن كانت الجملة الثانية إنما تذكر لإظهار فائدة ما ~~قبلها كما في الآيات المذكورة احتجت إلى الفاء وإلا فلا ، كما في قوله ~~تعالى : " إن هذا ما كنتم به تمترون إن المتقين في مقام أمين " فلو قلت : ~~فالمتقون لم يكن كلاما ، وكذلك قوله تعالى : " إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ~~" فقوله تعالى : " إن الله يفصل بينهم " في موضع خبر إن ، فدخول الفاء يوجب ~~الثانية : أنك ترى لضمير الشأن والقصة في الجملة الشرطية مع " إن " من ~~الحسن واللطف ما لا تراه إذا هي ms1469 لم تدخل عليها ، كقوله تعالى " " إنه من ~~يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " وقوله تعالى : " أنه من يحادد ~~الله ورسوله فأن له نار جهنم " وقوله تعالى : " أنه من عمل منكم سوءا ~~بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم " الثالثة : أنها تهيء النكرة ~~وتصلحها لأن يحدث عنها ، كقوله : إن شواء ونشوة . . . وخبب البازل الأمون ~~PageV07P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" فلولا هي لم يكن كلاما ؛ وإن كانت النكرة ~~موصوفة جاز حذفها ولكن دخولها أصلح ، كقول حسان : إن دهرا يلف شملي بجمل . ~~. . لزمان يهم بالإحسان الرابعة : أنها قد تغني عن الخبر ، كما إذا قيل لك ~~: الناس إلب عليكم فهل لكم أحد ؟ فقلت : إن زيدا وإن عمرا أي لنا ، قال ~~الأعشى : إن محلا وإن مرتجلا . . . وإن السفر إذ مضوا مهلا الخامسة : قال ~~المبرد : إذا قلت عبد الله قائم ، فهو إخبار عن قيامه فإذا قلت : إن عبد ~~الله قائم ، فهو جواب عن إنكار منكر لقيامه ، سواء كان المنكر هو السائل أو ~~الحاضرين ، والدليل على أن إن إنما تذكر الجواب السائل أنهم ألزموها الجملة ~~من المبتدأ والخبر ، والله إن زيدا لمنطلق ، فالحاجة إنما تدعوا إلى " إن " ~~إذا كان للسامع ظن يخالف ذلك ، ولذلك تراها تزداد حسنا إذا كان الخبر بأمر ~~يبعد ، كقول أبي نواس : عليك باليأس من الناس . . . إن غنى نفسك في الياس ~~ومن لطيف مواقعها أن يدعى على المخاطب ظن لم يظنه ولكن " صدر " منه فعل ~~يقتضي ذلك الظن ، فيقال له : حالك تقتضي أن تكون قد ظننت ذلك ، كقول الشاعر ~~: جاء شقيق عارضا رمحه . . . إن بني عمك فيهم رماح PageV07P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" أي مجيئك هذا مدلا بنفسك مجيء من يعتقد أنه ~~ليس مع أحد رمح غيره . وقد تجئ إذا وجد أمر كان المتكلم يظن أنه لا يوجد ، ~~كقولك للشيء الذي يراه المخاطب ويسمعه : إنه كان من الأمر ما ترى ، إنه كان ~~مني إليه إحسان فقابلني بالسوء كأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وعليه قوله ~~عز وجل حكاية عن أم مريم : " قالت رب ms1470 إني وضعتها أنثى " وحكاية عن نوح : " ~~قال رب إن قومي كذبون " وأما إنما - فتارة تجئ للحصر بمعنى أن هذا الحكم لا ~~يوجد في غير المذكور وهي بمنزلة ليس إلا ، كقوله تعالى : " أنما يستجيب ~~الذين يسمعون " وقوله : " إنما تنذر من اتبع الذكر " وقوله تعالى : " إنما ~~أنت منذر من يخشاها " تارة تجئ لبيان أن هذا الأمر ظاهر عند كل حد ، سواء ~~كان كذلك أم في زعم المتكلم ، ومنه قول الشاعر : إنما مصعب شهاب من الل . . ~~. ه تجلت عن وجهه الظلماء مدعيا أن ذلمك مما لا ينكره أحد من الناس قال : ~~واعلم أنه يستعمل للتخصيص ثلاث عبارات : الأولى : إنما جاء زيد . الثانية : ~~جاءني زيد لا عمرو ، والرفق أن في الأولى يفهم إيجاب الفعل من زيد ونفيه عن ~~غيره دفعة واحدة ، ومن الثانية دفعتين ، ثم إنهما كلتيهما يستعملان لإثبات ~~التخصيص لا لنفي التشريك وفيه نظر . الثالثة : ما جاءني إلا زيد ، وهي ~~بالأصل الوضع تفيد نفي التشريك ، ولهذا لا يصح ما زيد إلا قائم لا قاعد ، ~~لأنك بقولك : إلا قائم نفيت عنه كل صفة تنافى القيام ، فيندرج فيه نفي ~~القعود ، فإذا قلت بعده ، : لا قاعد كان تكرارا لأن لفظة " لا " موضوعة لأن ~~ينفى بها ما أوجب الأول لا لأن يعاد بها نفي ما نفي أولا PageV07P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" ويصح إنما زيد قاعد لا قائم لأن صيغة وضعها ~~تدل على المخصوص الحكم بالمذكور ، وأما نفي الشركة فهو لازم من لوازمها ، ~~فليس له من القوة لما يدل عليه بوضعه ولهذا يصح : هو الجاني لا عمرو ، فثبت ~~أن دلالة الأوليين على التخصيص أقوى ، ودلالة الثالثة على نفي التشريك " ~~أقوى " لكن الثالثة قد تقام مقام الأوليين في إفادة التخصيص ، كما إذا ادعى ~~واحد أنك قلت قولا ثم قلت بخلافه ، فقلت له : ما قلت الآن إلا ما قلته قبل ~~، وعليه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام : " ما قلت لهم إلا ما ~~أمرتني به " ليس المعنى أنى لم أزد على أمرتني به شيئا ، ولكن المعنى أني ~~لم أدع مما أمرتني ms1471 به " أن " أقوله شيئا . قال : وحكم " غير " حكم " إلا " ~~فإذا قلت : ما جاءني غير زيد احتمل أن يكون المراد نفي أن يكون جاء معه ~~إنسان آخر ، وأن يكون المراد تخصيص الحكم بالمذكور لا نفيه عما عداه . فصل ~~إذا دخل ما وإلا على الجملة المشتملة على المنصوب كان المقصود بالذكر ما ~~اتصل بإلا متأخرا عنها ، فإذا قلت : ما ضرب عمرا إلا زيدا فالمقصود المرفوع ~~، وإذا قلت : ما ضرب زيدا إلا عمرا ، فالمقصود المنصوب ، وإذا قلت ما ضرب " ~~إلا " زيد عمرا ، فالاختصاص للضارب ، وإذا قلت إلا زيدا عمرو ، فالاختصاص ~~للمضروب ، فإذا قلت : لم أكس إلا زيدا جبة ، فالمعنى تخصيص زيد من بين ~~الناس بكسوة الجبة ، وإن قلت : لم أكس إلا جبة زيدا ، فالمعنى تختص كسوة ~~لجبة من بين الناس بزيد وكذلك الحكم حيث يكون بدل أحد المفعولين جار ومجرور ~~، كقول السيد الحميري : لو خير المنبر فرسانه . . . ما اختار إلا منكم ~~فارسا وكذلك حكم المبتدأ والخبر والفعل والفاعل ، كقولك : ما زيد إلا قائم ~~، وما قام إلا زيد . وأما إنما فالاختصاص فيها يقع مع المتأخر فإذا قلت ، ~~إنما ضرب زيدا عمرو فالاختصاص في الضارب ، وقوله تعالى : " إنما يخشى الله ~~من عباده العلماء " فالغرض بيان المرفوع وهو أن الخاشين هم العلماء ، ولو ~~قدم المرفوع لصار المقصود بيان المخشي منه ، والأول أتم ، ومنه قول الفرزدق ~~. PageV07P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" أنا الذائد الحامي الذمار وإنما . . . يدافع ~~عن أحسابكم أنا أو مثلي فإن غرضه أن يحصر المدافع بأنه هو لا المدافع عنه ، ~~ولو قال : إنما أنا أدافع عن أحسابكم توجه التخصيص إلى المدافع عنه ، " ~~وحكم المبتدأ والخبر " إذا أدخلت عليهما إنما ، فإن قدمت الخبر فالاختصاص ~~للمبتدأ ، وإن لم تقدمه فللخبر ، فإذا قلت : إنما هذا لك فالاختصاص في " لك ~~" بدليل أنك بعده تقول : لا لغيرك ، فإذا قلت إنما لك هذا فالاختصاص في " ~~هذا " بدليل أنك بعده تقول : لا ذاك وعليه قوله تعالى : " فإنما عليك ~~البلاغ وعلينا الحساب " وقوله تعالى : " إنما السبيل على الذين يستأذنوك " ~~فالاختصاص في الآية الأولى للبلاغ والحساب ms1472 ، وفي الثانية في الخبر الذي هو ~~على الذين دون المبتدأ الذي هو السبيل . وإذا وقع بعدها الفعل فالمعنى أن ~~ذلك الفعل لا يصح إلا من المذكور ، كقوله تعالى : " إنما يتذكر أولوا ~~الألباب " ثم قد يجتمع معه حرف النفي إما متأخرا عنه كقولك : إنما يجئ زيد ~~لا عمر : قال تعالى : " إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر " وقال لبيد : فإذا ~~جوزيت قرضا فاجزه . . . إنما يجزى الفتى ليس الجمل وإما مقدما عليه ، كقولك ~~: ما جاءني زيد وإنما جاءني عمرو ، فها هنا لو لم تقل : وقلت : ما جاءني ~~زيد وجاءني عمرو لكان الكلام مع من ظن أنهما جاءاك جميعا ، وإذا أدخلتها ~~فإن الكلام مع من غلط في الجائي أنه زيد لا عمرو . قال : واعلم أن أقوى ما ~~تكون " إنما " إذا كان لا يراد بالكلام الذي بعدها نفس معناه ، ولكن ~~التعريض بأمر هو مقتضاه ، فإنا نعلم أنه ليس الغرض من قوله تعالى : " إنما ~~يتذكر أولوا الألباب " أن يعلم السامعون ظاهر معناه ولكن أن يذم الكفار ~~ويقال لهم : إنهم من فرط العتاد في حكم من ليس بذي عقل ، وقوله تعالى : " ~~إنما أنت منذر من يخشاها " و " إنما تنذر الذين يخشون PageV07P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" ربهم بالغيب " والتقدير إن من لم تكن له من ~~هذه الخشية ، فهو كمن لم تكن له أذن تسمع وقلب يعقل ، فالإنذار معه كلا ~~إنذار ، وهذا الغرض لا يحصل دون " إنما " لأن من شأنها تضمين الكلام معنى ~~النفي بعد الإثبات فإذا أسقطت لم يبق إلا إثبات الحكم للمذكورين ، فلا يدل ~~على نفيه " عن " غيرهم إلا أن يذكر في معرض مدح الإنسان بالتيقظ والكرم ~~وأمثالهما كما يقال : كذلك يفعل العاقل ، هكذا يفعل الكريم . تنبيه - قال : ~~كاد تقرب الفعل من الوقوع ، فنفيها ينفي القرب ، فإن لم يكن في الكلام دليل ~~على الوقوع فيقيد نفي الوقوع ونفي القرب منه ، كقوله تعالى : " لم يكد ~~يراها " " أي لم يرها " ولم يقارب رؤيتها ، وكقول ذي الرمة : المعنى أن ~~براح حبها لم يقارب الكون فضلا عن أن يكون وأما النظم - فهو ms1473 عبارة عن توخي ~~معاني النحو في ما بين الكم وذلك أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو ~~بأن تنظر في كل باب إلى قوانينه والفروق التي بين معاني اختلاف صيغته وتضع ~~الحروف مواضعها وتراعي شرائط التقديم والتأخير ، ومواضع حروف العطف على ~~اختلاف معانيها ، وتعتبر الإصابة في طريق التشبيه والتمثيل . وقد أطبق ~~العلماء على تعظيم شأن النظم ، وأن لا فضل مع عدمه ولو بلغ الكلام في غرابة ~~معناه إلى ما بلغ ، وأن سبب فساده " ترك العمل بقوانين النحو واستعمال ~~الشيء في غير موضعه . ثم قال : الجمل الكثيرة إذا نظمت نظما واحدا فهي على ~~قسمين : الأول : أن لا يتعلق البعض بالبعض ولا يحتاج واضعه إلى فكر وروية ~~في استخراجه ، بل هو كمن عمد إلى اللآلئ ينظمها في سلك ومثاله قول الجاحظ ~~في مصنفاته : جنبك الله الشبهة ، وعصمك من الحيرة ، وجعل بينك وبين المعروف ~~نسبا ، PageV07P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" وبين الصدق سببا ، وحبب إليك التثبت وزين في ~~عينيك الإنصاف وأذاقك حلاوة التقوى ، وأشعر قبلك عز الحق ، وأودع صدرك برد ~~اليقين وطرد عنك ذل الطمع وعرفك ما في الباطل من الذلة ، وما في الجهال من ~~القلة وكقول النابغة للنعمان وتفضيله إياه على ذي فائش يزيد بن أبي جفنة ، ~~وكقول حسان ابن ثابت للحارث الجفني يفضله على النعمان بن المنذر ، وكقول ~~ضرار بن ضمرة لمعاوية بن علية ، ؛ وقد تقد شرح أقوالهم في الباب الأول من ~~القسم الثالث من هذا الفن في المدح ، وهو في السفر الثالث فلا حاجة بنا إلى ~~إعادته وهذا النظم لا يستحق الفضل إلا بسلامة معناه وسلامة ألفاظه ، إذ ليس ~~فيه معنى دقيق لا يدرك إلا بثاقب الفكر . قال : ربما ظن بالكلام أنه من هذا ~~الجنس ولا يكون منهم كقول الشاعر سالت عليك شعاب الحي حين دعا . . . أنصاره ~~بوجوه الدنانير فإن الحسن فيه ليس مجرد الاستعارة بل لما في الكلام من ~~التقديم والتأخير ، ولهذا لو أزلت ذلك وقلت : سال شعاب الحي بوجوه ~~كالدنانير عليه حين دعا أنصاره فإنه يذهب بالحسن والحلاوة . الثاني ms1474 : أن ~~تكون الجمل المذكورة يتلق بعضها ببعض وهناك تظهر قوة الطبع ، وجودة القريحة ~~واستقامة الذهن . ثم " ليس " لهذا الباب قانون يحفظ ، فإنه يجئ على وجوه ~~شتى . منها الإيجاز ، وهو العبارة عن العرض بأقل ما يمكن من الحروف ، وهو ~~على ضربين : إيجاز قصر ، وإيجاز حذف ، وقد تقدم الكلام على ذلك وذكر أمثلته ~~عند ذكر الفصاحة . ومنها التأكيد - وهو تقوية المعنى وتقريره ، إما بإظهار ~~البرهان ، كقول قابوس : يا ذا الذي بصروف الدهر عيرنا . . . هل عاند الدهر ~~إلا من له خطر PageV07P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" أما ترى البحر تعلو فوقه جيف . . . وتستقر ~~بأقصى قعره الدرر وفي السماء نجوم ما لها عدد . . . وليس يخسف إلا الشمس ~~والقمر وإما بالعزيمة كقوله تعالى : " فورب السماء والأرض إنه لحق " وقوله ~~تعالى : " فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعملون عظيم إنه لقرآن كريم ~~: وكقول الأشتر النخعي : بقيت وفري وانحرفت عن العلا . . . ولقيت أضيافي ~~بوجه عبوس إن لم أشن على ابن حرب غارة . . . لم تخل يوما من نهاب نفوس يريد ~~معاوية بن أبي سفيان ، وكقول أبي نواس . لا فرج الله عني إن مددت يدي . . . ~~إليه أسأله من حبك الفرجا وكقول أبي تمام : حرمت مناي منك إن كان ذا الذي . ~~. . تقوله الواشون حقا كما قالوا أو بالتكرار ، كقولهم : الله الله ، ~~والأسد والأسد ، وكقول الحادرة : أظاعنة وما تودعنا هند . . . وهند أتى من ~~دونها النأي والبعد وهذا في التنزيل كثير ، والعلم فيه سورة الرحمن . وأما ~~التجنيس - فهو يتشعب منه شعب كثيرة : فمنه المستوفي التام - وهو أن يجئ ~~المتكلم بكلمتين متفقتين لفظا مختلفتين معنى متفاوت في تركيبهما ، ولا ~~اختلاف في حركتهما ، كقول PageV07P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" الغزي : لم يبق غيرك إنسان يلاذبه . . . فلا ~~برحت لعين الدهر إنسانا وقول عبد الله بن طاهر : وإني للثغر المخوف لكالئ . ~~. . وللثغر يجري ظلمه لرشوف وكقول البستي : سما وحمى بني سام وحام . . . ~~فليس كمثله سام وحامي وذكر التبريزي أن التجنيس المستوفي كقول أبي تمام : ~~ما مات من كرم الزمان فإنه . . . يحيا لدي يحيى بن عبد الله وقال : وإنما ~~عبد ms1475 من هذا الباب لاختلاف المعينين ، لأن أحدهما فعل والآخر اسم . ومنه ~~المحتلف - ويسمى التجنيس الناقص - وهو مثل الأول في اتفاق حروف الكلمتين ~~إلا أنه يخالفه : إما في هيئة الحركة ، كقوله ( صلى الله عليه وسلم ) " ~~اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي " وكقول معاذ رضي الله عنه : الدين يهدم ~~الدين وكقولهم : جبة البرد جنة البرد ، وكقولهم : الصديق الصدوق أول العقد ~~وواسطة العقد ، وكقول المعري : لغيري زكاة من جمال فإن تكن . . . زكاة جمال ~~فاذكري ابن سبيل PageV07P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" أو بالحركة والسكون ، كقولهم : البدعة شرك ~~الشرك ، أو بالتخفيف والتشديد كقولهم : الجاهل إما مفرط وإما مفرط . ومنه ~~المذيل - ويقال له : التجنيس الزائد والناقص أيضا - وهو أن تجئ بكلمتين ~~متجانستين اللفظ متفقتي الحركات ، غير أنهما يختلفان بحرف ، إما في آخرهما ~~كقولك : فلان حام حامل لأعباء الأمور ، كاف كافل لمصالح الجمهور ، وقولهم : ~~أنا من زماني في زمانه ومن إخواني في خيانه ، وقولهم : فلان سال عن إخوانه ~~سالم من زمانه ، ومن النظم قول أبي تمام : يمدون من أيد عواص عواصم . . . ~~تصول بأسياف قواض قواضب وقول البحتري : لئن صدفت عنا فربت أنفس . . . صواد ~~إلى تلك النفوس الصوادف إما من أولهما ، كقولك تعالى : " والتفت الساق ~~بالساق إلى ربك يومئذ المساق " ومن النظم ما أنشده عبد القاهر : وكم سبقت ~~منه إلى عوارف . . . ثنائي من تلك العوارف وارف وكم غرر من بره ولطائف . . ~~. لشكري على تلك اللطائف طائف ومنه المركل وهو على ضربين : الأول : ما هو ~~متشابه لفظا وخطا ، كقولهم : همتك الهمة الفاترة وفي صميم قلبك ألفاترة ومن ~~النظم قول البستي : إذا ملك لم يكن ذاهبه . . . فدعه فدولته ذاهبه وقول ~~الآخر : عضنا الدهر بنابه . . . ليت ما حل بنا به وقول طاهر البصري : ~~ناظراه فيما جنى ناظراه . . . أودعاني رهنا بنا أودعاني الثاني : ما هو ~~متشابه لفظا لا خطا ويسمى التجنيس " المفروق " كقوله : كنت أطمع في تجريبك ~~، ومطايا الجهل تجري بك . PageV07P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" ومن النظم قول الشاعر : لا تعرضن على الرواة ~~قصيدة . . . ما لم تكن بالغت في تهذيبها فإذا عرضت القول غير ms1476 مهذب . . . ~~عدوه منك وساوسا تهذي بها وأمثال ذلك كثيرة : ومن أنواع المركب المرفق وهو ~~أن تجمع بين كلمتين إحداهما أقصر من الأخرى فتضم إلى القصيرة حرفا من حروف ~~المعاني أو من حروف الكلمات المجاورة لها حتى يعتدل ركنا التجنيس كقولهم : ~~يا مغرور أمسك ، وقس يومك بأمسك ويقرب منه قول الهمذاني : إن لم يكن لنا حظ ~~في درك درك ، فخلصنا من شرك شرك . وقول الحريري : إن أخليت منا مبارك مبارك ~~فخلصنا من معارك معارك . ومن النظم قول البستي : فهمت كتابك يا سيدي . . . ~~فهمت ولا عجب أن أهيما ومنه قول الآخر : ذو راحة وكفت ندى وكفت ردى . . . ~~وقضت بهلك عداته وعداته كالغيث في إروائه وروائه . . . والليث في وثباته ~~وتباته ومنه المزدوج - ويقال له التجنيس المردد والمكرر أيضا - وهو أن يأتي ~~في آواخر الأسجاع وقوافي الأبيات بلفظتين متجانستين إحداهما ضميمة والأخرى ~~وبعضها كقولهم : الشراب بغير النغم غم ، وبغير الدسم سم ، PageV07P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" وقول البستي : أبا العباس لا تحسب لشيني . . . ~~بأنى من حلى الأشعار عاري فلي طبع كسلسال معين . . . زلال من ذرى الأحجار ~~جاري إذا ما أكبت الأدوار زندا . . . فلي زند على الأدوار واري . ومن أجناس ~~التجنيس المصحف - ويقال له تجنيس الخط أيضا - وهو أن تأتي بكلمتين ~~متشابهتين خطا لا لفظا ، كقوله تعالى : " وهم يحسبون أنهم يحسنون " وقوله ~~تعالى : " والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين " وقوله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " عليكم بالأبكار فإنهن أشد حبا وأقل خبا " وقول النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) لعلي رضي الله عنه : قصر من ثيابك فإنه أبقى وأنقى وأتقى ~~. وكقول أبي فراس : من بحر شعرك أغترف . . . وبفضل علمك أعترف . ومنه ~~المضارع - ويسمى المطمع - وهو أن يحاء بالكلمة ويبدأ بأختها على مثل أكثر ~~حروفها ، فتطمع في أنها مثلها ، فتخالفها بحرف ، ويسمى المطرف وهو أن تجمع ~~بين كلمتين متجانستين لا تفاوت بينهما إلا بحرف واحد من الحروف المتقاربة ~~سواء وقع آخر أو حشو ، كقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " الخيل معقود ~~بتواصيها الخير " ومنه قول الحطيئة : مطاعين في الهيجا ms1477 مطاعيم في الدجى . . ~~. بني لهم آباؤهم وبني الجد وقول البحتري : ظللت أرجم فيك الظنون . . . ~~أحاجمه أنت أم حاجبه ؟ وإن كان التفاوت بغير المتقاربة سمى التجنيس اللاحق ~~، كقوله تعالى : " وإذا جاءهم أمر من الأمن " وقوله تعالى : " وإنه على ذلك ~~لشهيد وإنه لحب الخير لشديد " وقول البحتري : هل لما فات من تلاق تلافي . . ~~. أم لشاك من الصبابة شافي PageV07P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" ومنه المشوش - وهو كل تجنيس يتجاذبه طرفان من ~~الصنعة فلا يمكن إطلاق اسم أحدهما عليه ، كقولهم : فلان مليح البلاغة ، ~~صحيح البراعة . ومنه تجنيس الاشتقاق - ويسمى الاقتضاب أيضا ، ومنهم من عده ~~أصلا برأسه ، ومنهم من عده أصلا في التجنيس - وهو أن يجئ بألفاظ يجمعها أصل ~~واحد في اللغة ، كقوله تعالى : " فأقم وجهك للدين القيم " وقوله تعالى : " ~~يمحق الله الربو ويربي الصدقات " وقوله تعالى : " فروح وريحان " وقول النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) : " ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها " وقوله : " ~~الظلم ظلمات يوم القيامة " ومن النظم قول أبي تمام : غممت الخلق بالنعماء ~~حتى . . . غدا الثقلان منها متقلين وقول المطرزي : وإني لأستحي من المجد أن ~~أرى . . . حليف غوان أو أليف أغاني وقول الصاحب بن عياد : وقائلة لم عرتك ~~الهموم . . . وأمرك ممتثل في الأمم فقلت ذريني على غصتي . . . فإن الهموم ~~بقدر الهمم وقول آخر : إن ترى الدنيا أغارت . . . ونجوم السعد غارت فصروف ~~الدهر شتى . . . كلما جارت أجارت ومما يشبه المشتق - ويسميه بعضهم المشابه ~~وبعضهم المغاير - قوله تعالى : " وجنى الجنتين دان " وقوله تعالى : " ليريه ~~كيف يواري سوءة أخيه " وقوله تعالى : " وإن يردك الله بخير فلا راد لفضله " ~~وقوله تعالى : " وأسلمت مع سليمان " ومن النظم قول البحتري : وإذا ما رياح ~~جودك هبت . . . صار قول العذال فيها هباء PageV07P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" ومن أجناس التجنيس تجنيس التصريف - وهو ما كان ~~كالمصحف " إلا " في اتحاد الكتابة ثم لا يخلو من أن تتقارب فيه الحروف ~~باعتبار المخارج أو لا تتقارب فإن تقاربت سمي مضارعا ، وإن لم تتقارب سمي ~~لاحقا . مثال الأول قوله تعالى : " وهم ينهون عنه وينئون عنه " وقوله تعالى ~~" بما ms1478 كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون " وقول قس بن ساعدة ~~الإيادي : " من مات فات " وقول الشاعر : فيا لك من حزم وعزم طواهما . . . ~~جديد البلى تحت الصفا والصفائح وهذا البيت يشتمل على المضارع والمتمم ، ~~ومثال الثاني قول علي رضي الله عنه : الدنيا دار ممر ، والآخرة دار مقر ، ~~وقول عبد الله بن صالح وقد وصف اليمن : ليس فيه إلا ناسج برد ، أو أساس قرد ~~. ومنها التجنيس المخالف - وهو أن تشتمل كل واحدة من الكلمتين على حروف ~~الأخرى دون ترتيبها كقول أبي تمام : بيض الصفائح لا سود الصحائف في . . . ~~متونهن جلاء الشك والريب وقول البحتري : شواجر أرماح تقطع بينهم . . . ~~شواجر أرحام ملوم قطوعها وقول المتنبي : ممنعة منعمة رداح . . . يكلف لفظها ~~الطير الوقوعا فإن اشتملت كل كلمة على حروف الأخرى ، وكان بعض هذه قلب حروف ~~هذه خص باسم جناس العكس ، كقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " يقال ~~لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ PageV07P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" وارق " وقول عبد الله بن رواحة يمدح النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : تحمله الناقة الأدماء معتجرا . . . بالبرد كالبدر ~~جلى نوره الظلما . ومنها تجنيس المعنى - وهو أن تكون إحدى الكلمتين دالة ~~على الجناس بمعناها دون لفظها ، وسبب استعمال هذا النوع أن يقصد الشاعر ~~المجانسة لفظا ولا يوافقه الوزن على الإتيان باللفظ المجانس فيعدل إلى ~~مرادفه ، كقول الشاعر يمدح المهلب ويذكر فعله بقطري بن الفجاءة وكان قطري ~~يكنى أبا نعامة : حدا بأبي أم الرئال فأجفلت . . . نعامته من عارض متلبب ~~أراد أن يقول : حدا بأبي نعامة فأجفلت نعامته أي روحه ، فلم يستقم له فقال ~~: بأبي أم الرئال ، وأم الرئال هي النعامة ، وكقول الشماخ : وما أروى وإن ~~كرمت علينا . . . بأدنى من موقفه حرون أروى : اسم امرأة ، والموقفة الحرون ~~من الوحش : أروى وبها سميت المرأة فلم يمكنه أن يأتي باسمها فأنى بصفتها ، ~~وقد صرح بذلك المعري في قوله : أروى النياق كأروى النيق يعصمها . . . ضرب ~~يظل له السرحان مبهوتا وبعضهم لا يدخل هذا في باب التجنيس ، قال : وإنما ~~يحسن التجنيس إذا قل ms1479 ، وأتى في الكلام عفوا من غير كد ولا استكراه ، ولا ~~بعد ولا ميل إلى جانب الركة ولا PageV07P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" يكون كقول الأعشى : وقد غدوت إلى الحانوت ~~يتبعني . . . شاو مشل شلول شلشل شول ولا كقول مسلم بن الوليد : سلت وسلت ثم ~~سل سليلها . . . فأتى سيل سليلها مسلولا ولا كقول المتنبي : فقلقلت بالهم ~~الذي قلقل الحشا . . . قلاقل عيش كلهن قلاقل وأما الطباق - فإن المطابقة أن ~~تجمع بين ضدين مختلفين ، كالإيراد والإصرار والليل والنهار ، والسواد ~~والبياض ، قال الأخفش وقد سئل عنه : أجد قوما يختلف ونفيه ، فطائفة - وهم ~~الأكثر - يزعمون أنه الشيء وضده وطائفة تزعم أنه اشتراك المعنيين في لفظ ~~واحد ، كقول زياد الأعجم : ونبئتهم يستنصرون بكاهل . . . وللؤم فيهم كاهل ~~وسنام الطباق ثم قال : وهذا هو التجنيس بعينه ، ومن ادعى أنه طباق فقد خالف ~~الأصمعي والخليل ، فقيل له : أو كانا يعرفان ذلك ؟ فقال : سبحان الله وهل ~~أعلم منهما بالشعر وتمييز خبيثه من طيبه ؟ ويسمونه المطابقة والطباق ~~والتضاد والتكافؤ وهو أن تجمع بين المتضادين مع مراعاة التقابل ، فلا تجئ ~~باسم مع فعل ولا بفعل مع اسم مثاله قوله تعالى : " فليضحكوا قليلا وليبكوا ~~كثيرا " وقوله تعالى : " وتحسبهم أيقاظا وهم رقود " وقوله تعالى : " سواء ~~منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار " وقوله ~~تعالى : " قل اللهم مالك الملك " إلى قوله : " بغير حساب " وقوله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) للأنصار : " إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع " ~~ومن النظم قول PageV07P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" جرير : وباسط خير فيكم بيمينه . . . وقابض شر ~~عنكم بشماليا وقول البحتري : وأمة كان قبح الجور يسخطها . . . حينا فأصبح ~~حسن العدل يرضيها وقوله أيضا : تبسم وقطوب في ندى ووغى . . . كالبرق والرعد ~~وسط العارض البرد وقول دعبل : لا تعجبي يا سلم من رجل . . . ضحك المشيب ~~برأسه فبكى وقول ابن المعتز : منها الوحش إلا أن هاتا أو أنس . . . قنا ~~الخط إلا أن تلك ذوابل فإن هاتا للحاضر ، وتلك للغائب ، فكانتا متقابلتين ، ~~وقد تجئ المطابقة بالنفي " والإثبات " كقول البحتري : تقيض لي من حيث لا ms1480 ~~أعلم النوى . . . ويسري إلى الشوق من حيث أعلم . وقال الزكي بن أبي الإصبع ~~المصري في الطباق وهو على ضربين : ضرب يأتي بألفاظ الحقيقة ، وضرب يأتي ~~بألفاظ المجاز ، فما كان بلفظ الحقيقة سمي طباقا وما كان بلفظ المجاز سمي ~~تكافؤا ، فمثال قول أبي الأشعث العبسي من إنشادات قدامة : حلو الشمائل وهو ~~مر باسل . . . يحمى الدمار صبيحة الإرهاق PageV07P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" لأن قوله : حلو ومر خارج مخرج الاستعارة ، إذ ~~ليس الإنسان ولا شمائله مما يذاق بحاسة الذوق . ومن أمثلة التكافؤ قول ابن ~~رشيق : وقد أطفأوا شمس النهار وأوقدوا . . . نجوم العوالي في سماء عجاج وقد ~~جمع دعبل في بيته المتقدم بين الطباق والتكافؤ ، وهو : لا تعجبي يا سلم من ~~رجل . . . ضحك المشيب برأسه فبكى لأن ضحك المشيب مجاز ، وبكاء الشاعر حقيقة ~~. قال : هكذا قال ابن أبي الإصبغ وفيه نظر لأنه إذا كان الطباق عنده هو ~~التضاد من حقيقتين والتكافؤ التضاد من مجازين فليس في البيت ما شرطه . قال ~~: ومما جمع بين طباقي السلب والإيجاب قول الفرزدق من إنشادات ابن المعتز : ~~لعن الإله بني كليب إنهم . . . لا يغدرون ولا يفون لجار يستيقظون إلى هيق ~~حميرهم . . . وتنام أعينهم عن الأوتار وذكر في آخر الباب طباق الترديد ، ~~وهو أن يرد آخر الكلام المطابق إلى أوله فإن لم يكن الكلام مطابقا فهو رد ~~الأعجاز على الصدور ، ومثاله قول الأعشى : لا يرفع الناس ما أوهوا وإن ~~جهدوا . . . طول الحياة ولا يوهون ما رقعوا . وأما المقابلة - وهي أعم من ~~الطباق ، وذكر بعضهم أنها أخص وذلك أن تضع معاني تريج الموافقة بينها وبين ~~غيرها أو المخالفة فتأتي في الموافق بما وافق وفي المخالف بما خالف أو تشرط ~~شروطا وتعد أحوالا في أحد المعنيين فيجب أن تأتي في الثاني بمثل ما شرطت ~~وعددت في الأول كقوله عز وجل : " فأما من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى فسنيسره ~~لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى " وقوله تعالى : " ~~فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ms1481 ~~حرجا كأنما يصعد في السماء " ومثاله من النظم قول الشاعر : فيا عجب كيف ~~اتفقنا فناصح . . . وفي مطوى على الغل غادر PageV07P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" وقول آخر : تقاصرن واحلولين لي ثم إنه . . . ~~أتت بعد أيام طوال أمرت وقول زهير بن أبي سلمى : حلماء في النادي إذا ما ~~جئتهم . . . جهلاء يوم عجاجة ولقاء ومن فساد ذلك أن يقابل الشيء بما لا ~~يوافقه ولا يخالفه ، كقول أبي عدي القرشي : يا ابن خير الأخيار من عبد شمس ~~. . . أنت زين الدنيا وغيث لجود فليس قوله : غيث لجود موافقا لقوله : زيد ~~الدنيا ولا مخالفا له . وكقول الكميت : وقد رأينا بها حوارا منعمة . . . ~~بيضا تكامل فيها الدل والشنب فالشنب لا يشاكل الدل . وقول آخر : رحماء بذي ~~الصلاح وضرا . . . بون قدما لهامة الصنديد . قال : وقد ذكر بعض أئمة هذا ~~الفن تفصيلا في المقابلة فقال : فمن مقابلة اثنين باثنين قوله تعالى : " ~~فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا " وقول النابغة : فتى تم فيه ما يسر صديقه . ~~. . على أن فيه ما يسوء الأعاديا ومن مقابلة ثلاثة بثلاثة قول الشاعر : ما ~~أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا . . . وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل ~~PageV07P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" وقول أبي نواس : أنا استدعيت عفوك من قريب . . ~~. كما استعفيت سخطك من بعيد ومن مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى : " فأما ~~من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذبل ~~بالحسنى فسنيسره للعسرى " المقابل بقوله تعالى : " استغنى " قوله تعالى : " ~~واتقى " لأن معناه : زهد فيما عند الله واستغنى بشهوات الدنيا عن نعم ~~الآخرة ، وذلك يتضمن عدم التقوى ، ومنه قول النابغة : إذا وطئا سهلا أثارا ~~عجاجة . . . وإن وطئا حزنا تشظى الجنادل . ومن مقابلة خمسة بخمسة قول ~~المتنبي : أزورهم وسواد الليل يشفع لي . . . وأنثني وبياض الصبح يغري بي ~~قابل أزور بأنثني ، وسواد البياض والليل بالصبح ، ويشفع بيغري ولي بقوله : ~~بي . السجع وأما السجع - فهو أن كلمات الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة ~~الأعجاز موقوفا عليها ، لأن الغرض أن يجانس بين قرائن ، ويزاوج بينها ، ولا ~~يتم ذلك إلا بالوقف ، ألا ترى إلى قولهم : " ما ms1482 بعد ما فات ، وما أقرب ما ~~هو آت " فلو ذهبت تصل لم يكن بد من إعطاء أواخر القرائن ما يقتضيه حكم ~~الإعراب ، فتختلف أواخر القرائن ، ويفوت الساجع غرضه ، وإذا رأيناهم يخرجون ~~الكلمة عن أوضاعها للازدواج فيقولون : أتيتك بالغدايا والعشايا وهنأني ~~الطعام ومرأني ، وأخذه ما قدم وما حدث ، " وانصرفن مأزورات غير مأجورات " ~~يريد الغدوات وأمرأني وحدث وموزورات مع أن فيه ارتكابا لمخالفة اللغة فما ~~الظن بأواخر الكلم المشبهة بالقوافي . قال : والسجع أربعة أنواع وهي : ~~الترصيع والمتوازي والمطرف والمتوازن . PageV07P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" أما الترصيع - فهو أن تكون الألفاظ مستوية ~~الأوزان متفقة الأعجاز كقوله تعالى : " إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ~~" وقوله تعالى : " إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم " وقول النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " اللهم اقبل توبتي واغسل حوبتي " وقولهم : فلان ~~يفتخر بالهمم العالية ، لا بالرمم البالية وقولهم : عاد تعريضك تصريحا ، ~~وتمريضك تصحيحا ، ومن النظم قول الخنساء : حامى الحقيقة محمود الخليفة مه . ~~. . دي الطريقة نفاع وضرار جواب قاصية جزاز ناصية . . . عقاد ألوية للخيل ~~جرار وقد يجئ مع التجنيس كقولهم : إذا قلت الأنصار ، كانت الأبصار ، وما ~~وراء الخلق الدميم ، إلا الخلق الذميم ، ومن النظم قول المطرزي : وزند ندى ~~فواضله ورى . . . وزند ربا فضائله نضير ودر جلاله أبدا ثمين . . . ودر ~~نواله أبدا غزير . وأما المتوازي - فهو أن يراعى في الكلمتين الأخيرتين من ~~القرينتين الوزن مع اتفاق الحرف الأخير منهما ، كقوله عز وجل : " فيها سرر ~~مرفوعة وأكواب موضوعة " . وقول الحريري : ألجأني حكم دهر قاسط إلى أن انتجع ~~أرض واسط . وقوله : وأودى الناطق والصامت ورثى لنا الحاسد والشامت . وأما ~~المطرف - فهو أن يراعي الحرف الأخير في كلمتي قرينتيه من غير مراعاة الوزن ~~، كقوله تعالى : " ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا " وقولهم : ~~جنابه محط الرحال ، ومخيم الآمال . PageV07P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" وأما المتوازن - فهو أن يراعي في الكلمتين ~~الأخيرتين من القرينتين الوزن مع اختلاف الحرف الأخير منهما ، كقوله تعالى ~~: " ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة " وقولهم : اصبر على حر القتال ومضض ~~النزال ، وشدة المصاع ms1483 ، ومداومة المراس ، فإن راعى الوزن في جميع كلمات ~~القرائن أو أكثرها ، وقابل الكلمة منها بما يعادلها وزنا كان أحسن ، كقوله ~~تعالى : " وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم " وقول ~~الحريري : اسود يرمي الأبيض ، وابيض فودي الأسود ويسمى هذا في الشعر ~~الموازنة ، كقول البحتري : فقف مسعدا فيهن إن كنت عاذرا . . . وسر مبعدا ~~عنهن إن كنت عاذلا قال : ومما هو شرط الحسن في هذا المحافظة على التشابه ، ~~وهو اسم جامع للملاءمة والتناسب . فالملاءمة : تأليف الألفاظ بعضها لبعض ~~على ضروب من الاعتدال كقول لبيد : وما المرء إلا كالشهاب وضوئه . . . يعود ~~رمادا بعد إذ هو ساطع وما المال والأهلون إلا وديعة . . . ولا بد يوما أن ~~ترد الودائع وبعضهم يعد التلفيق من باب الملاءمة ، وهو أن تضم إلى ذكر ~~الشيء ما يليق به ويجري مجراه أي تجمع الأمور المناسبة ، ويقال له : مراعاة ~~النظير أيضا ، كقول ابن سمعون للمهلبي . أنت أيها الوزير إبراهيمي الجود ، ~~إسماعيلي الوعد ، شعيبي التوفيق يوسفي العفو ، محمدي الخلق . PageV07P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" وكقول أبي الفوارس الحمداني : أأخا الفوارس لو ~~رأيت مواقفي . . . والخيل من تحت الفوارس تنحط لقرأت منها ما تخط يد الوغى ~~. . . والبيض تشكل والأسنة تنقط وكقول آخر : وكم من سائل بالغيب عنك أجبته ~~. . . هناك الأيادي الشفع والسود الوتر عطاء ولا من وحكم ولا هوى . . . ~~وحلم ولا عجز وعز ولا كبر وقول ابن حيوس : يقينك والتقوى وجودك والغنى . . ~~. ولفظك والمعنى وسيفك والنصر والتناسب : هو ترتيب المعاني المتآخية التي ~~تتلاءم ولا تتنافر كقول النابغة : والرفق يمن والأناة سعادة . . . فاستأن ~~في رزق تنال نجاحا واليأس عما فات يعقب راحة . . . ولرب مطمعة تعود ذباحا ~~ويسمى التشابه أيضا وقيل : التشابه أن تكون الألفاظ غير متباينة بل متقاربة ~~في الجزالة والرقة والسلالة ، وتكون المعاني مناسبة لألفاظها من غير أن ~~يكسو اللفظ الشريف المعنى السخيف ، أو على الضد ، بل يصاغان معا صياغة ~~تناسب وتلائم . فصل في الفقر المسجوعة ومقاديرها قال : قصر الفقرات يدل على ~~قوة التمكن وإحكام الصناعة ، وأقل ما تكون كلمتان كقوله تعالى : " يا أيها ~~المدثر قم فأنذر وربك ms1484 فكبر وثيابك فطهر " PageV07P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" وأمثال ذلك في الكتاب العزيز كثيرة لكن الزائد ~~على ذلك هو الأكثر ، وكان بديع الزمان يكثر من ذلك في رسائله ، كقوله : ~~كميت نهد ، كأن راكبه في مهد يلطم الأرض بزبر وينزل من السماء بخبر ، قالوا ~~: لكن التذاذ السامع بما زاد على ذلك أكثر ، لتشوقه إلى ما يرد متزايدا على ~~سمعه . فأما الفقر المختلفة فالأحسن أن تكون الثانية أزيد من الأولى ولكن ~~بقدر كثير لئلا يبعد على السامع وجود القافية فيقل الالتذاذ بسماعها ، فإن ~~زادت القرائن على اثنين فلا يضر تساوي القرينتين الأوليين وزيادة الثالثة ~~عليهما وإن زادت الثانية عن الأولى يسيرا ، والثالثة على الثانية فلا بأس ، ~~لكن لا يكون أكثر من المثل ، ولا بد من الزيادة في آخر القرائن ، مثاله في ~~القرينتين : " وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا " ومثاله في ~~الثالثة قوله تعالى : " وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا إذا رأتهم من مكان ~~بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ~~ثبورا " وأقصر الطوال ما كان من إحدى عشرة لفظة وأكثرها غير مضبوطة مثاله ~~من إحدى عشرة لفظة : " ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ~~ليؤس كفور " والتي بعدها من ثلاث عشرة كلمة ، ومثاله من عشرين لفظة قوله ~~تعالى : " إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ~~ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور " وأما رد العجز ~~على الصدر - فهو كل كلام منثور أو منظوم يلاقى آخره أوله بوجه من الوجوه ، ~~كقوله تعالى : " وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه " وقوله تعالى : " لا ~~تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى " وقولهم : " القتل ~~انفى للقتل " و " الحيلة ترك الحيلة " وقولهم : طلب ملكهم فسلب ما طلب ونهب ~~ما لهم فوهب ما نهب . PageV07P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" وهو في النظم على أربعة أنواع : الأول : أن ~~يقعا طرفين ، إما متفقين صورة ms1485 ومعنى كقوله : سريع إلى ابن العم يشتم عرضه . ~~. . وليس إلى داعي الندى بسريع وقوله : سكران سكر هوى وسكر مدامة . . . أنى ~~يفيق به سكران أو متفقين صورة لا معنى ، وهو أحسن من الأول ، كقول السري : ~~يسار من سجيتها المنايا . . . ويمنى من عطيتها اليسار وقول الآخر : ذوائب ~~سود كالعناقيد أرسلت . . . فمن أجلها منا النفوس ذوائب أو معنى لا صورة ~~كقول عمر بن أبي ربيعة : واستبدت مرة واحدة . . . إنما العاجز من لا يستبد ~~وقول السري : ضرائب أبدعتها في السماح . . . فلسنا نرى لك فيها ضريبا وقول ~~الآخر : ثلبك أهل الفضل قد دلني . . . أنك منقوص ومثلوب أولا صورة ولا معنى ~~ولكن بينهما مشابهة اشتقاق ، كقول الحريري : ولاح يلحي على جرى العنان إلى ~~. . . ملها فسحقا له من لائح لاحى الثاني : أن يقعا في حشو المصراع الأول ~~وعجز الثاني ، إما متفقين صورة ومعنى كقول أبي تمام : ولم يحفظ مضاع المجد ~~شيء . . . من الأشياء كالمال المضاع وقول الآخر : أما القبور فإنهن أوانس . ~~. . بجوار قبرك والديار قبور PageV07P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" أو صورة لا معنى كقول الثعالبي : وإذا البلابل ~~أفصحت بلغاتها . . . فانف البلابل باحتساء بلابل فالأول جمع بلبل ، والثاني ~~جمع بلبلة وهي الهمم والثالث جمع بلبلة الإبريق وقول الزمخشري : وأخرني ~~دهري وقدم معشرا . . . لأنهم لا يعلمون وأعلم فمذ أفلح الجهال أعلم أنني . ~~. . أنا الميم والأيام أفلح أعلم أو معنى لا صورة كقول امرئ القيس : إذا ~~المرء لم يحزن عليه لسانه . . . فليس على شئ سواه بخزان وقول أبي تمام : ~~دمن ألم بها فقال سلام . . . كم حل عقده صبره والإلمام وقول أبي فراس : وما ~~إن شبت من كبر ولكن . . . لقيت من الأحبة ما أشابا أو في الاشتقاق فقط ، ~~كقول أبي فراس : منحناها الحرائب غير أنا . . . إذا جرنا منحناها الحرابا ~~الثالث : أن يقعا في آخر المصراع الأول وعجز الثاني إما متفقين صورة ومعنى ~~كقول أبي تمام : ومن كان بالبيض الكواعب مغرما . . . فما زلت بالبيض ~~القواضب مغرما PageV07P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" أو صورة لا معنى كقول الحريري : فمشغوف بآيات ~~المثاني . . . ومفتون بزنات المثاني أو معنى ms1486 لا صورة كقول البحتري : ففعلك ~~إن سئلت لنا مطيع . . . وقولك إن سألت لنا مطاع الرابع : أن يقعا في أول ~~المصراع الثاني والعجز ، إما متفقين صورة ومعنى كقول الحماسي : فإلا يكن ~~إلا معلل ساعة . . . قليلا فإني نافع لي قليلها أو صورة لا معنى كقول أبي ~~دؤاد عهدت لها منزلا داثراوآلأ على الماء يحملن آلا فالأول الأتباع والثاني ~~أعمدة الخيام ، كقول آخر : رماك زمان السوء من حيث لا ترى . . . فرامي ولم ~~يظفر بما هو راما أو معنى لا صورة ، كقول أبي تمام : ثوى في الثرى من كان ~~يحيا به الثرى . . . ويغمر صرف الدهر نائلة الغمر وقد كانت البيض البواتر ~~في الوغى . . . بواتر فهي الآن من بعده بتر قال : ومن نوادر هذا الباب بيتا ~~الحريري اللذان سماهما المطرفين وهما : سم سمة تحسن آثارها . . . وأشكر لمن ~~أعطى ولو سمسمه والمكر مهما اسطعت لا تأته . . . لتبتغي السودد والمكرمة ~~قال : فإن لم يقع في العجز فليس من هذا البابل كقوله : ونبئتهم يستنصرون ~~بكاهل . . . وللؤم فيهم كاهل وسنام وكقول الأفوه الأودي : وأقطع الهوجل ~~مستأنسا . . . بهوجل عيرانة عنتريس PageV07P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" فالهوجل الأول : الفلاة ، والثاني : الناقة ~~السريعة . وأما الإعنات - ويقال له التضييق والتشديد ما لا يلزم - فهو أن ~~يعنت نفسه في التزام ردف أو دخيل أو حرف مخصوص قبل حرف الروي ، أو حركة ~~مخصوصة ، كقوله تعالى : " فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر " ~~وقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " اللهم بك أحاول ، وبك أصاول " وقوله ~~عليه الصلاة والسلام " شر ما في المرء هالع ، أو جبن خالع " وقوله عليه ~~الصلاة والسلام " " زد غبا تودد حبا " وقول عمر رضي الله عنه : لا يكن حبك ~~كلفا ولا بغضك تلفا وقول المعتري : ضحك وكان الضحك منا سفاهة . . . وحق ~~لسكان البسيطة أن يبكوا يحطمنا صرف الزمان كأننا . . . زجاج ولكن لا يعاد ~~له السبك وقول آخر : يقولون في البستان للعين لذة . . . وفي الخمر والماء ~~الذي غير آسن إذا شئت أن تلقى المحاسن كلها . . . ففي وجه من تهوى جميع ~~المحاسن وقد التزم ابن الرومي ms1487 الفتح قبل حرف الروي - وكان أولع الناس بذلك ~~فقال : لما تؤذن الدنيا به من صروفها . . . يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا ~~فما يبكيه فيها وإنها . . . لأوسع مما كان فيه وأرغد إذا بصر الدنيا استهل ~~كأنه . . . بما سيلاقي من أذاها يهدد وأمثال ذلك في الشعر كثيرة المذهب ~~الكلامي وأما المذهب الكلامي - فهو إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام ~~نحو قوله عز وجل : " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " ومنه قول النابغة ~~يعتذر إلى النعمان : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة . . . وليس وراء الله للمرء ~~مذهب PageV07P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" لئن كنت قد بلغت عني جناية . . . لمبلغك ~~الواشي أغش وأكذب ولكنني كنت امرءا لي جانب . . . من الأرض فيه مستراد ~~ومذهب ملوك وإخوان إذا ما مدحتهم . . . أحكم في أموالهم وأقرب كفعلك في قوم ~~أراك اصطنعتهم . . . فلم ترهم في مدحهم لك أذنبوا يقول : أنت أحسنت إلى قوم ~~فمدحوك ، وأنا أحسن إلى قوم فمدحتهم فكما أن مدح من أحسنت إليه لا يعد ذنبا ~~فكذا مدحي لمن أحسن إلي لا يعد ذنبا . قال ابن أبي الإصبع ، ومن شواهد هذا ~~الباب قول الفرزدق : لكل امرئ نفسان كريمة . . . ونفس يعاصيها الفتى ~~ويطيعها ونفسك من نفسيك تشفع للندى . . . إذا قل من أحرارهن شفيعها يقول : ~~لكل إنسان نفسان : نفس مطمئنة تأمره بالخير ، ونفس أمارة بالسوء تأمره ~~بالشر ، والإنسان يعاصي الأمارة مرة ويطيعها أخرى ، وأنت إذا أمرتك الأمارة ~~بترك الندى شفعت المطمئنة إليها في الندى في الحالة التي يقل فيها الشفيع ~~في الندى من النفوس فأنت أكرم الناس . حسن التعليل وأما أحسن التعليل - فهو ~~أن يدعي لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف وهو أربعة أضرب : لأن الصفة إما ~~ثابتة قصد بيان علتها ، أو غير ثابتة أريد إثباتها فالأولى إما لا تظهر لها ~~في العادة علة ، كقوله : لم يحك نائلك السحاب وإنما . . . حمت به فصبيبها ~~الرخصاء أو يظهر لها علة كقوله : ما به قتل أعاديه ولكن . . . يتقي إخلاف ~~ما ترجو الذئاب فإن قتل الأعداء في العادة لدفع مضرتهم لا لما ذكره . ~~PageV07P0096 # """""" صفحة ms1488 رقم 97 """""" والثانية : إما ممكنة كقوله : يا واشيا حسنت ~~فينا إساءته . . . نجى حذارك إنساني من الغرق فإن استحسان إساءة الواشي ~~ممكن ، لكن لما خالف الناس فيه عقبه بما ذكر . أو غير ممكنة ، كقوله : لو ~~لم تكن نية الجوزاء خدمته . . . لما أتت وعليها عقد منتطق قال : وألحق به ~~ما بنى على الشك ، كقول أبي تمام : ربا شفعت ريح الصبا لرياضها . . . إلى ~~المزن حتى جادها وهو هامع كأن السحاب الغر غيبن تحتها . . . حبيبا فما ترقا ~~لهن مدامع وقد أحسن ابن رشيق في قوله : سألت الأرض لم كانت مصلى . . . ولم ~~كانت لنا طهرا وطيبا فقالت غير ناطقة لأني . . . حويت لكل إنسان حبيبا وأما ~~الالتفاف - فقد فسره قدامة بأن قال : هو أن يكون المتكلم آخذا في معنى ~~فيعترضه إما شك فيه وإما ظن أن رادا يرده عليه ، أو سائلا له عن سببه ~~فليتفت إليه بعد فراغه منه ، فإما أن يجلي الشك ، أو يؤكده أو يذكر سببه ، ~~كقول الرماح بن ميادة : فلا صرمه يبدو ففي اليأس راحة . . . ولا وصله يصفو ~~لنا فنكارمه كأنه توهم أن فلانا يقول : ما تصنع بصرمه ؟ فقال : لأن في ~~اليأس راحة . وأما ابن المعتر فقال : الالتفات انصراف المتكلم عن الإخبار ~~إلى المخاطبة ومثاله في القرآن العزيز الإخبار بأن الحمد لله رب العالمين ~~ثم قال : " إياك نعبد وإياك نستعين " ومثاله في الشعر قول جرير : متى كان ~~الخيام بذي طلوح . . . سقيت الغيث أيتها الخيام PageV07P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" أو الانصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار ~~كقوله تعالى " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة " ومثال ذلك في ~~الشعر قول عنترة : ولقد نزلت فلا تظني غيره . . . مني بمنزلة المحب المكرم ~~ثم قال مخبرا عنها : كيف المزار وقد تربع أهلها . . . بعنيزتين وأهلها ~~بالغيلم أو أنصراف المتكلم من الإخبار إلى المتكلم كقوله تعالى : " والله ~~الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه " أو انصراف المتكلم من التكلم إلى ~~الإخبار كقوله تعالى : " إن نشأ نذهبكم ونأت بخلق جديد وما ذلك على الله ~~بعزيز " وقد جمع امرؤ القيس الالتفاتات ms1489 الثلاثة في ثلاث أبيات متواليات ، ~~وهي قوله : تطاول ليلك بالإثمد . . . ونام الخلى ولم ترقد وبات وباتت له ~~ليلة . . . كليلة ذي العائر الأرمد وذلك من نبأ جاءني . . . وخبرته عن أبي ~~الأسود يخاطب في البيت الأول ، وانصرف إلى الأخبار في البيت الثاني وانصرف ~~عن الأخبار إلى التكلم في البيت الثالث على الترتيب . وأما التمام وهو الذي ~~سماه الحاتمي التميم وسماه ابن المعتز اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه ثم ~~يعود المتكلم فيتممه وشرح حده بأنه الكلمة التي إذا طرحت من الكلام نقص حسن ~~معناه ومبالغته مع أن لفظه يوهم بأنه تام وهو على ضربين : ضرب في المعاني ~~ضرب في الألفاظ فالذي في المعاني هو تميم المعنى PageV07P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" والذي في الألفاظ هو تميم الأوزان ، والأول هو ~~الذي قدم حده ومثاله قوله تعالى : " ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة " فقوله تعالى : " ومن ذكر أو أنثى " " تميم وقوله " ~~وهو مؤمن " تميم ثان في غاية البلاغة ، ومن هذا القسم قول النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة من غير ~~الفريضة ابتنى الله له بيتا في الجنة " فوقع التمييم في هذا الحديث في ~~ثلاثة مواضع قوله عليه السلام : مسلم ، ولله ومن غير الفريضة ومن أناشيد ~~قدامة على هذا القسم قول الشاعر : أناس إذا لم يقبل الحق منهم . . . ويعطوه ~~عادوا بالسيوف القةاضب وأما الذي في الألفاظ فهو الذي يؤتى به لإقامة الوزن ~~بحيث لو طرحت الكلمة استقل معنى البيت بدونها ، وهو على ضربين : أحدهما ~~مجيء الكلمة لا تفيد غير إقامة الوزن فقط ، والثاني مجيئها تفيد مع إقامة ~~الوزن نوعا من الحسن ، فالأول من العيوب والثاني من المحاسن ، قال : ~~والكلام هنا في الثاني ، ومثاله قول المتنبي : وخفوق قلب لو رأيت لهيبه . . ~~. يا جنتي لظننت فيه جهنما فإنه جاء بقوله يا جنتي لإقامة الوزن ، وقصد بها ~~دون غيرها مما يسد مسدها أن يكون بينها وبين قافية البيت مطابقة لا تحصل ~~بغيرها . وأما ms1490 الاستطراد - وهذه التسمية ذكر الحاتمي في حلية المحاضرة أنه ~~نقلها عن البحتري ، وقيل : أن البحتري نقلها عن أبي تمام ، وسماه ابن ~~المعتر الخروج من معنى إلى معنى ، وفسره بأن قال : هو أن يكون المتكلم في ~~معنى فيخرج منه بطريق التشبيه أو الشرط أو الإخبار أو غير ذلك إلى معنى آخر ~~يتضمن مدحا أو قدحا أو وصفا وغالب وقوعه في الهجاء ، ولا بد من ذكر ~~المستطرد به باسمه بشرط أن لا يكون تقدم له ذكر . فمن أول ما ورد في ذلك من ~~النظم قول السموءل بن عادياء : وإنا لقوم ما نرى القتل سبة . . . إذا ما ~~رأته عامر وسلول PageV07P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" ومنه قول حسان : إن كنت كاذبة الذي حدثتني . ~~. . فنجوت منجا الحارث بن هاشم ترك الأحبة لم يقاتل دونهم . . . ونجا برأس ~~طمرة ولجام وقول أبي تمام في وصف حافر الفرس بالصلابة : أيقنت إن لم تثبت ~~أن حافره . . . من صخر تدمر أو من وجه عثمان ومن أحسن ما قيل في ذلك قول ~~ابن الزمكدم أربعة استطرادات متوالية : وليل كوجه البرقعيدي ظلمة . . . ~~وبرد أغانيه وطول قرونه سريت ونومي فيه نوم مشرد . . . كعقل سليمان بن فهد ~~ودينه على أولق فيه التفات كأنه . . . أبو صالح في خبطه وجنونه إلى أن بدا ~~ضوء الصباح كأنه . . . سنا وجه قرواش وضوء جبينه وقول البحتري في الفرس ~~أيضا : ما إن يعاف قذى ولو أوردته . . . يوما خلائق حمدويه الأحول ومما جمع ~~المدح والهجاء قول بكر بن النطاح : فتى شقيت أمواله بنواله . . . كما شقيت ~~بكر بأرماح تغلب ومما جاء به على وجه المجون قول بعضهم : اكشفي وجهك الذي ~~أوحلتني . . . فيه من قبل كشفه عيناك غلطي في هواك يشبه عندي . . . غلطي في ~~أبي علي بن زاكي PageV07P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" ومما جاء في النسيب على وجه التشبيه قول امرئ ~~القيس : عوجا على الطلل المحيا لعلنا . . . نبكي الديار كما بكى ابن حمام ~~وأما تأكيد المدح بما يشبه الذم - فهو ضربان : أفضلهما أن يستثنى من صفة ذم ~~منفية عن الشئ صفة مدح بتقدير دخولها فيها ms1491 ، نحو قوله تعالى : " لايسمعون ~~فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما " فالتأكيد فيه من جهة أنه ~~كدعوى الشيء ببينة ، وأن الأصل في الاستثناء الاتصال ، فذكر ذاته قبل ذكر ~~ما بعدها يوم إخراج الشيء مما قبلها ، فإذا وليها صفة مدح جاء التأكيد . ~~والثاني : أن يثبت لشيء صفة مدح ويعقب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى ~~لها ، كقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أنا أفصح العرب بيد أني من قريش " ~~وأصل الاستثناء في هذا الضرب أيضا أن يكون منقطعا لكنه باق على حاله لم ~~يقدر . متصلا فلا يفيد التأكيد إلا من الوجه الثاني من الوجهين المذكورين ~~ولهذا كان الأول أفضل . ومن أمثلة الأول قول النابغة الذبياني : ولا عيب ~~فيهم غير أن سيوفهم . . . بهن فلول من قراع الكتائب ومن أحسن ما قيل في ذلك ~~قول حاتم الطائي : ولا تشتكيني جارتي غير أنني . . . إذا غاب عنها بعلها لا ~~أزورها ومن الثاني قول النابغة الجعدي : فتى كلمت أخلاقه غير أنه . . . ~~جواد فما يبقى من المال باقيا ومن أحسن ما ورد في هذا الباب قول بعضهم : ~~ولا عيب فينا غير أن سماحنا . . . اضربنا والبأس من كل جانب فأفنى الردى ~~أعمارنا غير ظالم . . . وأفنى الندى أموالنا غير عاتب PageV07P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" وأما تأكيد الذم بما يشبه المدح - فهو ضربان ~~: أحدهما أن يستثنى من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذم بتقدير دخولها فيها ~~كقولك : فلان لا خير فيه إلا أنه يسئ إلى من أحسن إليه . والثاني : أن تثبت ~~للشيء صفة ذم وتعقب بأداة استثناء تليه صفة ذم أخرى كقولك : فلان فاسق إلا ~~أنه جاهل وتحقيق القول فيها على قياس ما تقدم . وأما تجاهل العارف - فهو ~~سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج كلامه مخرج المدح أو الذم ، ~~أو ليدل على شدة التدله في الحب ، أو لقصد التعجب أو التوبيخ أو التقرير ، ~~وقال السكاكي : هو سوق المعلوم مساق غيره لنكتة كالتوبيخ كما في قول ~~الخارجية وهي ليلى بنت طريف : أيا شجر الخابور مالك مورقا . . . كأنك لم ~~تجزع ms1492 على ابن طريف والمبالغة في المدح ، كقول البحتري : ألمع برق سرى أم ~~ضوء مصباح . . . أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي أو الذم كما قال زهير : وما ~~أدري ولست إخال أدري . . . أقوم آل حصن أم نساء أو التدله في الحب ، كقوله ~~: بالله يا ظبيات القاع قلن لنا . . . ليلاي منكن أم ليلى من البشر وقول ~~البحتري : بدا فراع فؤادي حسن صورته . . . فقلت هل ملك ذا الشخص أم ملك ~~PageV07P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" وأما الهزل الذي يراد به الجد - فهو أن يقصد ~~المتكلم ذم إنسان أو مدحه فيخرج ذلك مخرج المجون ، كقول الشاعر : إذا ما ~~تميمي أتاك مفاخرا . . . فقل عد عن ذا كيف أكلك للضب وأما الكنايات - فهي ~~أن يعبر المتكلم عن المعنى القبيح باللفظ الحسن وعن الفاحش بالطاهر وقد ~~تقدم الكلام على ذلك في باب الكناية والتعرض وهو الباب الرابع من القسم ~~الثاني من هذا الفن ، وهو في السفر الثالث من كتابنا هذا وأما المبالغة - ~~وتسمى التبليغ والإفراط في الصفة - فقد حدها قدامة بأن قال : هي أن يذكر ~~المتكلم حالا من الأحوال لو وقف عندها لأجزأت فلا يقف حتى يزيد في معنى ما ~~ذكره ما يكون أبلغ في معنى قصده ، كقول عمير بن كريم التغلبي : ونكرم جارنا ~~ما دام فينا . . . ونتبعه الكرامة حيث مالا ومن أمثلة المبالغة المقبولة ~~قول امرئ القيس يصف فرسا : فعادى عداء بين ثور ونعجة . . . دراكا ولم ينضح ~~بماء فيغسل يقول : إنه أدرك ثورا وبقرة في مضمار واحد ولم يعرق . وقول ~~المتنبي : وأصرع أي الوحش قفيته به . . . وأنزل عنه مثله حين أركب ولا يعاب ~~في المبالغة إلا ما خرج عن حد الإمكان كقوله : وأخفت أهل الشرك حتى إنه . . ~~. لتخافك النطف التي لم تخلق وأما إذا كان كقول قيس بن الخطيم : طعنت ابن ~~عبد القيس طعنة ثائر . . . لها نفذ لولا الشعاع أضاءها ملكت بها كفي فأنهرت ~~فتقها . . . يرى قائما من دونها ما وراءها PageV07P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" فإن ذلك من جيد المبالغة إذا لم يكن قد خرج ~~مخرج الاستحالة مع كونه قد بلغ النهاية ms1493 في وصف الطعنة ، ومن أحسن ذلك ~~وأبلغه قول أحد شعراء الحماسة : رهنت يدي بالعجز عن شكر بره . . . وما بعد ~~شكري للشكور مزيد ولو كان مما يستطاع استطعته . . . ولكن ما لا يستطاع شديد ~~. وأما عتاب المرء نفسه - فهو من أفراد ابن المعتز ولم ينشد عليه سوى بيتين ~~ذكر أن الآمدي أنشدهما عن الجاحظ وهما : عصاني قومي في الرشاد الذي به . . ~~. أمرت ومن يعص المجرب يندم فصبرا بني بكر على الموت إنني . . . أرى عارضا ~~ينهل بالموت والدم قال : ولا يصلح أن يكون شاهدا لهذا الباب إلا قول أحد ~~شعراء الحماسة : أقول لنفسي في الخلاء ألومها . . . لك الويل ما هذا التجلد ~~والصبر وقول الآخر : فقدتك من نفس شعاع فإنني . . . نهيتك عن هذا وأنت جميع ~~وما ناسب ذلك من الأمثلة : وأما حسن التضمين - فهو أن يضمن المتكلم كلامه ~~كلمة من آية أو حديث أو مثل سائر أو بيت شعر : ومن إنشادات ابن المعتز عليه ~~: عوذ لما بت ضيفا له . . . أقراصه مني بياسين فبت والأرض فراشي وقد . . . ~~غنت قفا نبك مصاريني فضمن بيته الأول كلمة من السورة بتوطئة حسنة ، وبيته ~~الثاني مطلع قصيدة امرئ القيس : PageV07P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" ومما ضمن معنى حديث النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قول الآخر : وأخ مسه نزولي بقرح . . . مثلما مسني من الجوع قرح بت ~~ضيفا له كما حكم الده . . . ر وفي حكمه على الحر قبح قال لي مذ نزلت وهو من ~~السك . . . رة بالهم طافح ليس يصحو لم تغربت ؟ قلت : قال رسول الل . . . ه ~~والقول منه نصح ونجح : " سافروا تغنموا " فقال : وقد قا . . . ل تمام ~~الحديث : " صوموا تصحوا " ومن تضمين الشعر قول بعضهم : وقفنا بأنصار حكتنا ~~لواغب . . . " على مثلها من أربع وملاعب " وهو مطلع قصيدة لأبي تمام : ومنه ~~قول الغزي " طول حياة ما لها طائل . . . نغص عندي كل ما يشتهي أصبحت مثل ~~الطفل في ضعفه . . . تشابه المبدأ والمنتهى فلا تلم سمعي إذا خانني . . . " ~~إن الثمانين وبلغتها " المراد من التضمين ها هنا تمام البيت : " قد أحوجت ~~سمعي إلى ترجمان " وإنما تركه ms1494 لأن أول البيت يدل عليه لاشتهاره وهذا قد ~~أكثر المتأخرون من استعماله في أشعارهم وضمنوا البيت الكامل بعد التوطئة له ~~: وأما التلميح - وهو من التضمين ، وإنما بعضهم أفرده - فهو أن يشير في ~~فحوى الكلام إلى مثل سائر أو بيت مشهور ، أو قضية معروفة من غير أن يذكره ~~كقول الشاعر : المستغيث بعمرو عند كربته . . . كالمستغيث من الرمضاء بالنار ~~PageV07P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" أشار إلى قضية كليب حين استغاث بعمرو بن ~~الحارث ، ومنهم من يسمي ذلك اقتباسا وإيراد المثل كما هو تضمينا . وأما ~~إرسال المثل - فهو كقول أبي فراس : تهون علينا في المعالي نفوسنا . . . ومن ~~يخطب العلياء لم يغله المهر وكقول المتنبي : تبكي عليهن البطاريق في الدجى ~~. . . وهن لدينا ملقيات كواسد بذا قضت الأيام ما بين أهلها . . . مصائب قوم ~~عند قوم فوائد وأما إرسال مثلين - فهو الجمع بين مثلين كقول لبيد : ألا كل ~~شئ ما خلا الله باطل . . . وكل نعيم لا محالة زائل وأبيات زهير بن أبي سلمة ~~التي فيها ومن ومن ، وقد تقدم ذكر ذلك مستوفي في باب الأمثال ، وهو الباب ~~الأول من القسم الثاني من هذا الفن ، وهو في السفر الثالث : وأما الكلام ~~الجامع - فهو أن يكون البيت كله جاريا مجرى مثل واحد كقول زهير : ومن يك ذا ~~فضل ويبخل بفضله . . . على قومه يستغن عنه ويذمم ومن لا يصانع في أمور ~~كثيرة . . . يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم ومهما تكن عند امرئ من خليفة . . . ~~وإن خالها تخفى على الناس تعلم وكقول أبي فراس : إذا كان غير الله في عدة ~~الفتى . . . ائته الرزايا من وجوه الفوائد PageV07P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" وكقول المتنبي : وكم من عائب قولا صحيحا . . ~~. وآفته من الفهم السقيم وقوله : ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى . . . ~~عدوا له من صداقته بد وقوله : ومن البلية عذل من لا يرعوى . . . عن جهله ~~وخطاب من لا يفهم وقوله : إنا لفي زمن ترك القبيح به . . . من أكثر الناس ~~إحسان وإجمال . وأما اللف والنشر - فهو أن يذكر اثنين فصاعدا ثم يأتي ~~بتفسير ذلك جملة مع رعاية الترتيب ms1495 ثقة بأن السامع يرد إلى كل واحد منها ما ~~له ، كقوله تعالى : " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله " ومن النظم قول الشاعر : ألست أنت الذي من ورد نعمته . . ~~. وورد راحته أجنى وأغترف وقد لا يراعى فيه الترتيب ثقة بأن السامع يرد كل ~~شئ إلى موضعه سواء تقدم أو تأخر ، كقول الشاعر : كيف أسلو وأنت حقف وغصن . ~~. . وغزال الحظا وقدا وردفا وأما التفسير - وهو قريب منه - فهو أن يذكر ~~لفظا ويتوهم أنه يحتاج إلى بيانه فيعيده مع التفسير ، كقول أبي مسهر : غيث ~~وليث " فغيث " حين تسأله . . . عرفا وليث لدى الهيجاء ضرغام ومنه قول ~~الشاعر : يحيى ويردى بجداوه وصارمه . . . يحيى العفاة ويردى كل من حسدا ~~PageV07P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" ومن ذلك أن يذكر معاني ويأتي بأحوالها من غير ~~أن يزيد أو ينقص كقول الفرزدق : لقد جئت قوما لو لجأت إليهمو . . . طريد دم ~~أو حاملا ثقل مغرم لألفيت فيهم معطيا ومطاعنا . . . وراءك شزرا بالوشيج ~~المقوم لكنه لم يراع شرط اللف والنشر : قول آخر : فوا حسرتا حتى متى القلب ~~موجع . . . بفقد حبيب أو تعذر إفضال فراق حبيب مثله يورث الأسى . . . وخلة ~~حر لا يقوم بها مالي ومنه قول ابن شرف : سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد . ~~. . ملء المسامع والأفواه والمقل ومن أحسن ما في هذا الباب قول ابن الرومي ~~: آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم . . . في الحادثات إذا دجون نجوم منها معالم ~~للهدى ومصابح . . . تجلو الدجى والأخريات رجوم وفساد ذلك أن يأتي بإزاء ~~الشيء بما لا يكون مقابلا له كقول الشاعر : فيأيها الحيران في ظلم الدجى . ~~. . ومن خاف أن يلقاه بغى من العدا تعال إليه تلق من نور وجهه . . . ضياء ~~ومن كفيه بحرا من الندى فأتى بالندى بإزاء بغى العدا وكان يجب أن يأتي ~~بإزائه بالنصر أو العصمة أو الوزر وما جانسه أو يذكر في موضع البغى الفقر ~~والعدم وما جانس ذلك . وأما التعديد - ويسمى الأعداد - فهو إيقاع أسماء ~~مفردة على سياق واحد ، فإن روعي في ذلك ازدواج أو جناس أو تطبيق ms1496 أو نحو ذلك ~~كان غاية في الحسن ، كقولهم : وضع في يده زمام الحل والعقد ، والقبول والرد ~~، والأمر والنهي ، والبسط والقبض ، والإبرام والنقض ، والإعطاء والمنع ، ~~ومن النظم قول المتنبي : الخيل والليل والبيداء تعرفني . . . والضرب والطعن ~~والقرطاس والقلم . PageV07P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" وأما تنسيق الصفات - فهو أنم يذكر الشيء ~~بصفات متوالية ، كقوله عز وجل : " هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ~~السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر " وقوله تعالى : " إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا " وقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " ألا ~~أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة ؟ أحاسنكم أخلاقا ، ~~المواطئون أكنافا ، الذين يألفون ويؤلفون " ؛ ومن النطم قول أبي طالب في ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : وأبيض يستسقي الغمام بوجهه . . . ثمال ~~اليتامى عصمة للأرامل وقول المتنبي : دان بعيد محب مبغض بهج . . . أغر حلو ~~ممر لين شرس وأما الإيهام - ويقال له التورية والتخييل - فهو أن يذكر ~~ألفاظا لها معا قريبة وبعيدة ، فإذا سمعها الإنسان سبق إلى فهمه القريب ، ~~ومراد المتكلم البعيد مثاله قول عمر بن أبي ربيعة : أيها المنكح الثريا ~~سهيلا . . . عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت . . . وسهيل إذا ~~استقل يماني فذكر الثريا وسهيلا ليوهم السامع أنه يريد النجمين ، ويقول : ~~كيف يجتمعان والثريا من منازل القمر الشامية ، وسهيل من النجوم اليمانية ؟ ~~ومراده الثريا التي كان يتغزل بها لما زوجت بسهيل ، ومن ذلك قول المعري : ~~إذا صدق الجد افترى العم للفتى . . . مكارم لا تخفى وإن كذب الخال فإن وهم ~~السامع يذهب إلى الأقارب ، ومراده بالجد : الخط ، وبالعم : الجماعة من ~~الناس وبالخال : المخيلة ، ومن ذلك قول الحريري في وصف الإبرة والميل في ~~المقامة الثامنة : PageV07P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" وقوله أيضا : يا قوم كم من عاتق عانس . . . ~~ممدوحة الأوصاف في الأندية قتلتها لا أتقي وارثا . . . يطلب مني قودا أو ~~ديه يريد بالعاتق العانس : الخمر ، وبقتلها : مزجها ، كما قال حسان : إن ~~التي عاطيتني فرددتها . . . قتلت قتلت فهاتها لم تقتل وأمثال ذلك كثيرة : ~~وعند علماء البيان : التخييل تصوير حقيقة الشيء للتعظيم ، كقوله تعالى : " ~~والأرض ms1497 جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه " والغرض منه تصوير ~~عظمته والتوقيف على كنه حلاله من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة ~~حقيقة أو مجاز ، وكذلك قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إنما نحن حفنة من ~~حفنات ربنا " قال الزمخشري " ولا يرى باب في علم البيان أدق ولا ألطف من ~~هذا الباب . وأما حسن الابتداءات - قال : هذه تسمية ابن المعتز ، وأراد بها ~~ابتداءات القصائد ، وفرع المتأخرون من هذه التسمية براعة الاستهلال ، وهو ~~أن يأتي الناظم أو الناثر في ابتداء كلامه ببيت أو قرينة تدل على مراده في ~~القصيدة أو الرسالة أو معظم مراده ، والكاتب أشد ضرورة إلى ذلك من غيره ~~ليبتني كلامه على نسق واحد دل عليه من أول علم بها مقصده ، إما في خطبة ~~تقليد ، أو دعاء كتاب ، كما قيل لكاتب : اكتب إلى الأمير بأن بقرة ولدت ~~حيوانا على شكل الإنسان فكتب : أما بعد حمد الله خالق الإنسان في بطون ~~الأنعام . وكقول أبي الطيب في الصلح الذي وقع بين كافور وبين ابن مولاه : ~~حسم الصلح ما اشتهته الأعادي . . . وأذاعته ألسن الحساد وأمثال ذلك . ~~PageV07P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" قال : وينبغي أن لا يبتدئ بشيء يتطير منه ، ~~كقول ذي الرمة : " ما بال عينك منها الماء ينسكب وقول البحتري : " لك الويل ~~من ليل تقاصره آخره وكقول المتنبي : كفى بك داء أن ترى الموت شافيا . . . ~~وحسب المنايا أن يكن أمانيا وكقوله : ملث القطر أعطشها ربوعا . . . وإلا ~~فاسقها السم النقيعا قال : وينبغي أن يراعى في الابتداءات ما يقرب من ~~المعنى إذا لم تتأت له براعة الاستهلال وتسهيل اللفظ وعذوبته وسلاسة ألفاظه ~~، وقيل : إن أحسن ابتداء ابتدأت به العرب قول النابغة : كليني لهم يا أميمة ~~ناصب . . . وليل أقاسيه بطئ الكواكب ومن أحسن ما ابتدأ به مولد قول إسحاق ~~بن إبراهيم الموصلي هل إلى أن تنام عيني سبيل . . . إن عهدي بالنوم عهد ~~طويل ويحسن أن يبتدئ في المديح بمثل قول أبزون الغماني : على منبر العلياء ~~جدك يخطب . . . وللبلدة العذراء سيفك يخطب وقول المتنبي : عدوك مذموم بكل ~~لسان ms1498 . . . وإن كان من أعدائك القمران PageV07P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" وقول التيفاشي : ما هز عطفيه بين البيض ~~والأسل . . . مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي وفي التشبيب كقول أبي تمام : ~~على مثلها من أربع وملاعب . . . أذيلت مصونات الدموع السواكب وفي النسيب ~~كقول المتنبي : أتراها لكثرة العشاق . . . تحسب الدمع خلقة في المآقي وفي ~~المراثي كقول أبي تمام كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر . . . وليس لعين لم ~~يفض ماؤها عذر وأما براعة التخليص - فهو أن يكون التشبيب أو النسيب ممزوجا ~~بما بعده من مدح وغيره غير منفصل عنه ، كقول مسلم بن الوليد : أجدك هل ~~تدرين أن رب ليلة . . . كأن دجاها من قرونك تنشر نصبت لها حتى تجلت بغرة . ~~. . كغرة يحيى حين يذكر جعفر وكقول المتنبي : نودعهم والبين فينا كأنه . . ~~. قا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق وأما براعة الطلب - قال : وهو أن تكون ~~ألفاظ الطلب مقترنة بتعظيم الممدوح كقول أمية بن أبي الصلت : أأذكر حاجتي ~~أم قد كفاني . . . حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما . . . ~~كفاه من تعرضه الثناء PageV07P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" وكقول المتنبي : وفي النفس حاجات وفيك فطانة ~~. . . سكوتي بيان عندها وخطاب وأما براعة المقطع - فهو أن يكون آخر الكلام ~~الذي يقف عليه المترسل أو الخطيب أو الشاعر مستعذنا حسنا ، لتبقى لذته في ~~الأسماع ، كقول أبي تمام : أبقت بني الأصفر المصفر كاسمهم . . . صفر الوجوه ~~وجلت أوجه العرب وكقول المتنبي : وأعطيت الذي لم يعط خلق . . . عليك صلاة ~~ربك والسلام وكقول الغزي : بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله . . . وهذا دعاء ~~للبرية شامل . وأما السؤال والجواب - فهو كقول أبي فراس : لك جسمي تعله . . ~~. فدمي لم تطله ؟ قال إن كنت مالكا . . . فلي الأمر كله وأمثال ذلك . وقد ~~أوردنا منه في باب الغزل ما فيه كفاية . وأما صحة الأقسام - فهو عبارة عن ~~استيفاء أقسام المعنى الذي هو آخذ فيه بحيث لا يغادر منه شيئا . ومثال ذلك ~~قوله تعالى : " هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا " وليس في رؤية البرق إلا ~~الخوف من الصواعق ، والطمع في المطر ، وقوله تعالى : " الذين ms1499 يذكرون الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم " فلم يبق قسما من أقسام الهيئات حتى أتى به . ~~وقوله تعالى : " يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ذكور أو يزوجهم ذكرانا ~~وإناثا ويجعل من يشاء عقيما " ومن ذلك قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ليس ~~لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ولا رابع ~~لهذه الأقسام . PageV07P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" ووقف أعرابي على حلقة الحسن البصري فقال : ~~رحم الله من تصدق من فضل ، أو واسى من كفاف ، أو آثر من قوت ، فقال الحسن : ~~ما ترك الأعرابي منكم أحدا حتى عمه بالمسألة . ومن أمثلة هذا الباب في ~~الشعر قول بشار : فراح فريق في الإسار ومثله . . . قتيل ومثل لاذ بالبحر ~~هاربه وأصله قول عمرو بن الأهتم : إشربا ما شربتما فهذيل . . . من قتيل ~~وهارب وأسير ومن جيد صحة الأقسام قول الحماسي : وهبها كشيء لم يكن أو كنازح ~~. . . به الدار أو من غيبته المقابر فاستوفى جميع أقسام المعدوم : وقول أبي ~~تمام في الأفشين لما احترق بالنار : صلى لها حيا وكان وقودها . . . ميتا ~~ويدخلها مع الفجار ومن قديم ما في ذلك من الشعر قول زهير : وأعلم ما في ~~اليوم والأمس قبله . . . ولكنني عن علم ما في غد عمى ومن النادر في صحة ~~الأقسام قول عمر بن أبي ربيعة : تهيم إلى نعم فلا الشمل جامع . . . ولا ~~الحبل موصول ولا أنت مقصر ولا قرب نعم إن دنت لك نافع . . . ولا بعدها يسلي ~~ولا أنت تصبر وأما التوشيح - فهو أن يكون معنى الكلام يدل على لفظ آخره ~~فيتنزل المعنى منزلة الوشاح ، ويتنزل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح ~~اللذين يجول عليهما الوشاح . PageV07P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" وقال قدامة : هو أن يكون في أول البيت معنى ~~إذا علم علمت منه قافية البيت بشرط أن يكون المعنى المقدم بلفظه من جنس ~~معنى القافية كقول الراعي النميري : فإن وزن الحصى فوزنت قومي . . . وجدت ~~حصى ضريبتهم رزينا فإن السامع إذا فهم أن الشاعر أراد المفاخرة برزانة ~~الحصى ، وعرف القافية والروي ، علم آخر ms1500 البيت ، ومن أمثلته ما حكى عن عمر ~~بن أبي ربيعة أنه أنشد عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما : " تشط غدا دار ~~أحبابنا فقال له عبد الله : " وللدار بعد غد أبعد " فقال له عمر : هكذا ~~والله قلت ، فقال له عبد الله : وهكذا يكون . وأما الإيغال - فمعناه أن ~~المتكلم أو الشاعر إذا انتهى إلى آخر القرينة أو البيت استخرج سجعة أو ~~قافية تفيد معنى زائدا على معنى الكلام ، وأصله من أوغل في السير إذا بلغ ~~غاية قصده بسرعة . وفسره قدامة بأن قال : هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته ~~بتمامة قبل أن يأتي بقافيته ، فإذا أراد الإتيان بها أفاد معنى زائدا على ~~معنى البيت ، كقول ذي الرمة : قف العيس في آثار مية واسأل . . . رسوما ~~كأخلاق الرداء المسلسل فتمم كلامه قبل القافية ، فلما احتاج إليها أفاد بها ~~معنى زائدا ، وكذلك صنع في البيت الثاني فقال : أظن الذي يجدي عليك سؤالها ~~. . . دموعا كتبذير الجمان المفصل PageV07P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" فإنه تمم كلامه بقوله : كتبذير الجمان ، ~~واحتاج إلى القافية فأتى بها تفيد معنى زائدا لو لم يؤت بها لم يحصل . وحكى ~~عن الأصمعي أنه سئل عن أشعر الناس فقال : الذي يأتي إلى المعنى الخسيس ~~فيجعله بلفظه كثيرا وينقضي كلامه قبل القافية فإن احتاج إليها أفاد بها ~~معنى ، فقيل له : نحو من ؟ فقال : نحو الفاتح لأبواب المعاني امرئ القيس ~~حيث قال : كأن عيون الوحش حول خبائنا . . . وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب ~~ونحو زهير حيث يقول : كأن فتات العهن في كل منزل . . . نزلن به حب الفنا لم ~~يحطم ومن أبلغ ما وقع في هذا الباب قول الخنساء : وإن صخرا لتأتم العفاة به ~~. . . كأنه علم في رأسه نار ومنه قول ابن المعتز لابن طباطبا العلوي : ~~فأنتم بنوا بنته دوننا . . . ونحن بنوا عمه المسلم ومن أمثلة ذلك من شعر ~~المتأخرين قول الباخرزي : أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه . . . ترني فقلت لها ~~وأين فؤادي وقول آخر : تعجبت من ضني جسمي فقلت لها . . . على هواك فقالت ~~عندي الخبر . وأما الإشارة - فهي أن ms1501 يشتمل اللفظ القليل على معان كثيرة ~~بإيماء إليها وذكر لمحة تدل عليها ، كقوله تعالى : " فأوحى إلى عبده ما ~~أوحى " " فغشيهم من اليم ما غشيهم " . PageV07P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" وكقول امرئ القيس : فإن تهلك شنوءة أو تبدل . ~~. . فسيرى إن في غسان خالا بعزهمو عززت وإن يذلوا . . . فذلهمو أنا لك ما ~~أنا لا وكقوله أيضا : فظل لنا يوم لذيذ بنعمة . . . فقل في نعيم نحسه متغب ~~وأما التذليل - وهو ضد الإشارة - فهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى ~~الواحد حتى يظهر لمن لم يفهمه ، ويتوكد عند من فهمه ، كقوله : إذا ما عقدنا ~~له ذمة . . . شددنا العناج وعقد الكرب وقول آخر : ودعوا نزال فكنت أول نازل ~~. . . وعلام أركبه إذا لم أنزل ويقرب منه التكرار ، كقول عبيد : هل لا سألت ~~جموع كن . . . دة يوم ولوا أين أينا ؟ وكقول آخر : وكانت فزارة تصلى بنا . ~~. . فأولى فزارة أولى فزارا وأما الترديد - فهو أن تعلق لفظة في البيت ~~بمعنى ، ثم تردها فيه بعينها وتعلقها بمعنى آخر . كما قال زهير : من يلق ~~يوما على علاته هرما . . . يلقى السماحة منه والندى خلقا وكقول آخر : وأحفظ ~~مالي في الحقوق وإنه . . . لجم وإن الدهر جم عجائبه PageV07P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" وكقول أبي نواس : صفراء لا تنزل الأحزان ~~ساحتها . . . لو مسها حجر مسته سراء وأما التفريف - فهو مشتق من الثوب ~~المفوف ، وهو الذي فيه خطوط ، وهو في الصناعة عبارة عن إتيان المتكلم بمعان ~~شتى من المدح أو الغزل أو غير ذلك من الأغراض ، كل فن في سجعة منفصلة عن ~~أختها مع تساوي الجمل في الوزينة ، وتكوت في الجمل الويلة والمتوسطة ~~والقصيرة ؛ فمثال ما جاء منه في الجمل الطويلة قول النابغة الذبياني : فلله ~~عينا من رأى أهل قبة . . . أضر لمن عادى وأكثر نافعا وأعظم أحلاما وأكبر ~~سيدا . . . وأفضل مشفوعا إليه وشافعا ومثال ما جاء منه بالجمل المتوسطة قول ~~أبي الوليد بن زيدون : ته أحتمل واستطل أصبر ، وعز أهن . . . وول أقبل وقل ~~أسمع ، ومر أطع ومثال ما جاء منه بالجمل القصيرة قول المتنبي : أقل أنل ~~أقطع احمل عل ms1502 سل أعد . . . زد هش بش تفضل أدن سر صل . وأما التسهيم - فهو ~~مأخوذ من البرد المسهم ، وهو المخطط الذي لا يتفاوت ولا يختلف ، ومنهم من ~~يجعل التسهيم والتوشيح شيئا واحدا ، ويشرك بينهما بالتسوية والفرق بينهما ~~أن التوشيح لا يدلك أوله إلا على القافية فحسب ، والتسهيم تارة يدل على عجز ~~البيت ، وتارة على ما دون العجز . وتعريفه أن يتقدم من الكلام ما يدل على ~~ما يتأخر ، تارة بالمعنى ، وتارة باللفظ ، كأبيات جنوب أخت عمرو ذي الكلب ، ~~فإن الحذاق بمعنى الشعر وتأليفه يعلمون PageV07P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" أن معنى قولها : " فأقسم يا عمرو لو نبهاك " ~~يقتضي أن يكون تمامه : " إذن نبها منك داء عضالا " دون غيرك من القوافي ، ~~كما لو قالت مكان " داء عضالا " ليثا غضوبا ، أو أفعى قتولا أو أسماء وحيا ~~، أو ما يناسب ذلك ، لأن ذلك الداء العضال أبلغ من جميع هذه الأشياء وأشد ، ~~إذ كل منها يمكن مغالبته أو التوقي منه ، والداء العضال لا دواء له ، فهذا ~~مما يعرف بالمعنى . وأما يدل فيه الأول على الثاني دلالة لفظية فهو قولها ~~بعده : إذن نبها ليث عريشة . . . مفتيا مفيدا نفوسا ومالا فإن الحاذق ~~بصناعة الكلام إذا سمع قولها : " مفتيا مفيدا " تحقق أن هذا اللفظ يقتضي أن ~~يكون تمامه " نفوسنا ومالا " وكذلك قولها : " فكنت النهار به شمسه " يقتضي ~~أن يكون " بعده " " وكنت دجى الليل فيه الهلالا " ومن ذلك قول البحتري : " ~~وإذا حاربوا أذلوا عزيزا " يحكم السامع بأن تمامه : " وإذا سالموا أعزوا ~~ذليلا " وكذلك قوله : أحلت دمي من غير جرم وحرمت . . . بلا سبب يوم اللقاء ~~كلامي " فليس الذي حللته بمحلل " PageV07P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" يعرف السامع أن تمامه : " وليس الذي حرمته ~~بحرام " وأما الاستخدام - فهو أن يأتي المتكلم بلفظة لها معنيان ، ثم يأتي ~~بلفظتين يستخدم كل لفظة منهما في معنى من معني تلك اللفظة المتقدمة ، وربما ~~ألتبس الاستخدام بالتورية من كون كل واحد البابين مفتقرا إلى لفظة لها ~~معنيان والفرق بينهما أن التورية استعمال أحد المعنيين من اللفظة ، وإهمال ~~الآخر ، والاستخدام استعمالهما معا ، ومن أمثلته ms1503 قول البحتري : فسقى الغضي ~~والساكنيه وإن همو . . . شبوه بين جوانح وقلوب فإن لفظة الغضي محتملة ~~للموضع والشجر ، والسقيا صالحة لهما ، فلما قال : " والساكينه " استعمل أحد ~~معنيي اللفظ ، وهو دلالته بالقرينة على الموضع ولما قال : " شبوه " استعمل ~~المعنى الآخر ، وهو دلالته بالقرينة على الشجرة ومن ذلك قول الشاعر : إذا ~~زل السماء بأرض قوم . . . رعيناه وإن كانوا غضابا أراد بالسماء الغيث ~~وبضميره النبت وأما العكس والتبديل - فهو أن يقدم في الكلام أحد جزئيه ثم ~~يؤخر ويقع على وجوه : منها أن يقع بين طرفي الجملة ، كقول بعضهم : عادات ~~السادات ، سادات العادات ، ومنها أن يقع بين متعلقي فعلين في جملتين ، ~~كقوله تعالى : " يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي " ومنه بيت ~~الحماسة : فرد شعورهن السود بيضا . . . ورد وجوههن البيض سودا . ومنها أن ~~يقع بين كلمتين في طرفي جملتين ، كقوله تعالى : " هن لباس لكم وأنتم لباس ~~لهن " وقوله تعالى : " لا هن حل لكم ولا هم يحلون لهن " PageV07P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" وقول أبي الطيب : ولا مجد في الدنيا لمن قل ~~ماله . . . ولا مال في الدنيا لمن قل مجده . وأما الرجوع - فهو أن يعود ~~المتكلم على كلامه السابق بالنقض لنكتة كقول زهير : قف بالديار التي لم ~~يعفها القدم . . . بلى وغيرها الأرواح والديم كأنه لما وقف على الديار عرته ~~روعة ذمل بها عن رؤية ما حصل لها من التغير فقال : " لم يعفها القدم " ثم ~~ثاب إليه عقله وتحقق ما هي عليه من الدروس ، فقال : بلى عفت وغيرها الأرواح ~~والديم . ومنه بيت الحماسة : أليس قليلا نظرة إن نظرتها . . . إليك وكلا ~~ليس منك قليل . وأما التغاير - فهو أن يغاير المتكلم الناس فيما عادتهم أن ~~يمدحوه فيذمه أو يذموه فيمدحه . فمن ذلك قول أبي تمام يغاير جميع الناس في ~~تفصيل التكرم على الكرم : قد بلونا أبا سعيد حديثا . . . وبلونا أبا سعيد ~~قديما فوردناه سائحا وقليبا . . . ورعيناه بأرضا وجميما فعلمنا أن ليس إلا ~~بشق النفس صار الكريم " يدعى " كريما وهو مغاير لقوله على العادة المألوفة ~~: لا يتعب النائل المبذول همته . . . وكيف ms1504 يتعب عين الناظر النظر ~~PageV07P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" ومنه قول ابن الرومي في تفصيل القلم على ~~السيف . إن يخدم القلم السيف الذي خضعت . . . له الرقاب ودانت خوفه الأمم ~~فالموت والموت لا شئ يعادله . . . ما زال يتبع ما يجري به القلم كذا قضى ~~الله للأقلام مذ بريت . . . أن السيوف لها مذ أرهقت خدم وغايره المتنبي على ~~الطريق المألوف فقال : حتى رجعت وأقلامي قوائل لي . . . المجد للسيف ليس ~~المجد للقلم اكتب بها أبدأ قبل الكتاب بنا . . . فإنما نحن للأسياف كالخدم ~~وأما الطاعة والعصيان - فإنه قال : هذا النوع استنبطه أبو العلاء المعري ~~عند نظره في شعر أبي الطيب ، وسماه بهذه التسمية ، وقال : هو أن يريد ~~المتكلم معنى من المعاي التي لبديع فيستعصي عليه لتعذر دخوله في الوزن الذي ~~هو آخذ فيه فيأتي موضعه بكلام غيره يتضمن معنى كلامه ، ويقوم به وزنه ، ~~ويحصل به معنى من البديع غير الذي قصده ، كقول المتنبي : يرد يدا عن ثوبها ~~وهو قادر . . . ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد فإنه أراد أن يقول : يرد عن ~~ثوبها وهو مستيقظ ، حتى إذا قال : ويعصى الهوى في طيفها وهو راقد يكون في ~~البيت مطابقة ، فلم يطعه الوزن ، فأتى بقادر في موضع مستيقظ لتضمنه معناه ، ~~فإن القادر لا يكون إلا مستيقظا وزيادة ، فقد عصاه في البيت الطباق وأطاعه ~~الجناس بين قادر وراقد ، وهو جناس العكس . وأنكر ابن أبي الإصبع أن يكون ~~هذا الشاهد من باب الطاعة والعصيان ، لأنه كان يمكنه أن يقول عوض قادر : ~~ساهر ، وإنما المتنبي قصد أن يكون في بيته طباق معنوي ، لأن لقادر ساهر ~~وزيادة ، إذ ليس كل ساهر قادرا ، وأن يكون فيه جناس العكس . وقال : إن شاهد ~~الطاعة والعصيان عنده أن تعصيه إقامة الوزن مع إظهار مراده ، فتطيعه لفظة ~~من البديع يتمم بها المعنى وتزيده حسنا ، كقول عوف بن محلم : PageV07P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" إن الثمانين وبلغتها . . . قد أحوجت سمعي إلى ~~ترجمان فإنه أراد أن يقول : إن الثمانين قد أحوجت سمعي إلى ترجمان فعصاه ~~الوزن وأطاعه لفظة من البديع وهي التتميم ms1505 ، فزادته حسنا وكملت مراده وكل ~~التتميم من هذا النوع . وأما التسميط - فهو أن يجعل المتكلم مقاطيع أجزاء ~~البيت أو القرينة على سجع يخالف قافية البيت أو آخر القرينة ، كقول مروان ~~بن أبي حفصة : هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا . . . أجابوا وإن أعطوا ~~أطابوا وأجزلوا فإن أجزاء البيت مسجعة على خلاف قافيته فتكون القافية ~~بمنزلة السمط ، والأجزاء المسجعة بمنزلة حب العقد . وأما التشطير - فهو أن ~~يقسم الشاعر بيته شطرين ، ثم يصرع كل شطر من الشطرين ولكنه يأتي بكل شطر من ~~بيته مخالفا لقافية الآخر ، كقول مسلم ابن الوليد : موف على مهج في يوم ذي ~~رهج . . . كأنه أجل يسعى إلى أمل وكقول أبي تمام : تدبير معتصم بالله منتقم ~~. . . لله مرتقب في الله مرتغب وأما التطريز - فهو أن يبتدئ الشاعر بذكر ~~جمل من الذوات غير مفصلة ثم يخبر عنها بصفة واحدة من الصفات مكررة بحسب ~~تعداد جمل تلك الذوات تعداد تكرار واتحاد ، لا تعداد تغاير ، كقول ابن ~~الرومي : أموركمو بني خاقان عندي . . . عجاب في عجاب في عجاب قرون في رءوس ~~في وجوه . . . صلاب في صلاب في صلاب وكقوله : وتسقيني وتشرب من رحيق . . . ~~خليق أن يشبه بالخلوق كأن الكأس في يدها وفيها . . . عقيق في عقيق في عقيق ~~PageV07P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" وأما التوشيع - فهو مشتق من الوشيعة ، وهي ~~الطريقة في البرد ، وكأن الشاعر أهمل البيت كله إلا آخره ، فأتى فيه بطريقة ~~تعد من المحاسن ، وهو عند أهل هذه الصناعة أن يأتي المتكلم أو الشاعر باسم ~~مثنى في حشو العجز ، ثم يأتي بعده باسمين مفردين هما عين ذلك المثنى ، يكون ~~الآخر منهما قافية بيته ، أو سجعة كلامه كأنهما تفسير لما ثناه ، كقول ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) " يشيب ابن آدم وتشب فيه خصلتان : الحرص وطول ~~الأمل " ومن أمثلة ذلك في النظم قول الشاعر : أمسى وأصبح من تذكاركم وصبا . ~~. . يرثى لي المشفقان الأهل والولد قد خدد الدمع خدي من تذكركم . . . ~~واعتادني المضنيان الوجد والكمد وغاب عن مقلتي نومي لغيبتكم . . . وخانني ~~المسعدان الصبر والجلد لم يبق غير ms1506 خفي الروح في جسدي . . . فدى لك الباقيان ~~الروح والجسد . قال ابن أبي الإصبغ : وما بما قلته في هذا الباب من بأس ، ~~وهو : بي محنتان ملام في هوى بهما . . . رثى لي الفاسقان الحب والحجر لولا ~~الشفيقان من أمنية وأسا . . . أودى بي المرديان الشوق والفكر قال : ويحسن ~~أن يسمى ما في بيته مطرف التوشيع ، إذ وقع المثنى في أول كل بيت وآخره . ~~وأما الإغراق - وهو فوق المبالغة ودون الغلو ومن أمثلته قول ابن المعتز : ~~صببنا عليها ظالمين سياطنا . . . فطارت بها أيد سراع وأرجل فموضع الإغراق ~~من البيت قوله : ظالمين ، يعني أنها استقرعت جهدها في العدو فما ضربناها ~~إلا ظلما فمن أجل ذلك خرجت من الوحشية إلى الطيرية ، ولو لم يقل : ظالمين ~~لما حسن قوله : فطارت ولكنه بذكر الظلم صارت الاستعارة كأنها حقيقة وقد عد ~~من الإغراق لا المبالغة قول امرئ القيس : تنورتها من أذرعات وأهلها . . . ~~بيثرب أدنى دارها نظر عالي PageV07P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" وأما الغلو - فمنهم من يجعله هو والإراق شيئا ~~واحدا ومن شواهده قول مهلهل : فولا الريح أسمع من بحجر . . . صليل البيض ~~تقرع بالذكور ومثله قول المتنبي في وصف الأسد : ورد إذا ورد البحيرة شاربا ~~. . . بلغ الفرات زئيره والنيلا قالوا : ومن أمثلة الغلو قول النمر بن تولب ~~في صفة السيف : تظل تحفر عنه إن ضربت به . . . بعد الذراعين والساقين ~~والهادي وأما القسم - فهو أن يريد الشاعر الحلف على شئ فيأتي في الحلف بما ~~يكون مدحا له وما يكسبه فخرا ، أو يكون هجاء لغيره ، أو وعيدا ، أو جاريا ~~مجرى التغزل والترقق . فمثال الأول قول مالك بن الأشتر النخعي : " بقيت ~~وفري وانحرفت عن العلا " وقد تقدم الاستشهاد بهما في النظم فنها تضمنت فخرا ~~له ، ووعيدا لغيره ، وكقول أبي علي البصير يعرض بعلي بن الجهم . أكذبت أحسن ~~ما يظن مؤملي . . . وعدمت ما شادته لي أسلافي وعدمت عاداتي التي عودتها . . ~~. قدما من الإخلاف والإتلاف وغضضت من ناري ليخفى ضوءها . . . وقريت عذرا ~~كاذبا أضيافي إن لم أشن على علي غارة . . . تضحى قذى في أعين الأشراف ~~PageV07P0125 # """""" صفحة ms1507 رقم 126 """""" وقد يقسم الشاعر بما يزيد الممدوح مدحا كقول ~~القائل : إن كان لي أمل سواك أعده . . . فكفرت نعمتك التي لا تكفر ومما جاء ~~من القسم في النسيب قول الشاعر : فإن لم تكن عندي كعيني ومسمعي . . . فلا ~~نظرت عيني ولا أسمعت أذني ومما جاء في الغزل قول الآخر : لا والذي سل من ~~جفنيه سيف الردى . . . قدت له من عذاريه حمائله ما صارمت مقلتي دمعا ولا ~~وصلت . . . غمضا ولا سالمت قلبي بلابله وأما الاستدراك - فهو على قسمين : ~~قسم يتقدم الاستدراك فيه تقرير لما أخبر به المتكلم وتوكيد ، وقسم لا ~~يتقدمه ذلك ، فمن أمثلة الأول قول القائل : وإخوان تخدتهمو دروعا . . . ~~فكانوها ولكن للأعادي وخلتهمو سهاما صائبات . . . فكانوها ولكن في فؤادي ~~وقالوا قد صفت منا قلوب . . . لقد صدقوا ولكن من ودادي وقول الأرجاني : ~~غالطتني إذ كست جسمي ضنى . . . كسوة أعرت من الجلد العظاما ثم قالت أنت ~~عندي في الهوى . . . مثل عيني صدقت لكن سقاما وأما القسم الثاني الذي لا ~~يتقدم الاستدراك فيه تقرير ولا توكيد فكقول زهير : أخو ثقة لا يهلك الخمر ~~ماله . . . ولكنه قد يهلك المال نائله وأما المؤتلفة والمختلفة - فهو أن ~~يريد الشاعر التسوية بين ممدوحين فيأتي بمعان مؤتلفة في مدحها ، ويروم بعد ~~ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بزيادة لا ينقص بها الآخر ، فيأتي لأجل الترجيح ~~بمعان تخالف التسوية ، كقول الخنساء في أخيعا وأبيها - وراعت حق الوالد بما ~~لم ينقص الولد . جارى أباه فأقبلا وهما . . . يتعاقبان ملاءة الحضر ~~PageV07P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" وهما وقد برزا كأنهما . . . صقران قد حطا لي ~~وكر حتى إذا نزت القلوب وقد . . . لزت هناك العذر بالعذر وعلا هتاف الناس : ~~أيهما . . . قال المجيب هناك : لا أدري برقت صحيفة وجه والده . . . ومضى ~~غلوائه يجري أولى فأولى أن يساويه . . . لولا جلال السن والكبر وأول من سبق ~~إلى هذا المعنى زهير حيث قال : هو الجواد فإن يلحق بشأوهما . . . على ~~تكاليفه فمثله لحقا أو يسبقاه على ما كان من مهل . . . فمثل ما قدما من ~~صالح سبقا وتداوله الناس ، فقال أبو نواس : ثم جرى ms1508 الفضل فانثنى قدما . . . ~~دون مداه بغير ترهيق فقيل راشا سهما تراد به الغ . . . آية والنضل سابق ~~الفوق وأما التفريق المفرد - فهو كقول الشاعر : ما نوال الغمام يوم ربيع . ~~. . كنوال الأمير يوم سخاء فنوال الأمير بدرة عين . . . ونوال المام قطرة ~~ماء وأما الجمع مع التفريق - فهو أن يشبه شيئين بشيء ثم يفرق بين وجهي ~~الاشتباه كقول الشاعر : فوجهك كالنار في ضوئها . . . وقلبي كالنار في حرها ~~وأما التقسيم المفرد - فهو أن يذكر قسمة ذات جزأين أو أكثر ، ثم يضم إلى كل ~~واحد من الأقسام ما يليق به ، كقول ربيعة الرقي : يزيد سليم سالم المال ~~والفتى . . . فتى الأزد للأموال غير مسالم PageV07P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" لشتان ما بين اليزيدين في الندى . . . يزيد ~~سليم والأغر بن حاتم فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله . . . وهم الفتى القيسي ~~جمع دراهم فلا يحسب التمتام أنى هجوته . . . ولكنني فضلت أهل المكارم وكقول ~~ابن حيوس : ثمانية لم تفترق إذ جمعتها . . . فلا افترقت ماذب عن ناظر شفر ~~يقنيك والتقوى وجودك والغنى . . . ولفظك والمعنى وسيفك والنصر وقول آخر : ~~لملتمسي الحاجات جمع ببابه . . . فهذا له فن وهذا له فن فللخامل العليا ، ~~وللمعدم الغنى . . . وللمذيب الرحمى وللخائف الأمن ويجوز أن يعد هذا من ~~الجمع مع التقسيم : وأما الجمع مع التقسيم - فهو أن يجمع أمورا كثيرة تحت ~~حكم ثم يقسم بعد ذلك ، أو يقسم ثم يجمع ، مثال الأول قول المتنبي : حتى ~~أقام على أرباض خرشنة . . . تشقى به الروم والصلبان والبيع للسبي ما نكحوا ~~، والقتل ما ولدوا . . . والنهب ما جمعوا ، والنار ما زرعوا فجمع في البيت ~~الأول أرض العدو وما فيها من معنى الشقاوة ، وذكر التقسيم في البيت الثاني ~~: ومثال الثاني قول حسان : قوم ذا حاربوا ضروا عدوهمو . . . أو حاولوا ~~النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة . . . إن الحوادث فاعلم ~~شرها البدع وأما التزاوج - فهو أن يزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء كقول ~~البحتري : ذا ما نهى الناهي ولج أبي الهوى . . . أصاخت إلى الواشي فلج بها ~~الهجر وأما السلب والإيجاب - فهو أن يوقع الكلام على ms1509 نفي شئ وثباته في بيت ~~واحد كقوله : وننكر ن شئنا على الناس قولهم . . . ولا ينكرون القول حين ~~نقول PageV07P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" وكقول الشماخ : هضيم الحشى لا يملأ الكف ~~خصرها . . . ويملأ منها كل حجل ودملج وأما الاطراد - فهو أن يطرد الشاعر ~~أسماء متتالية يزيد الممدوح بها تعريفا لأنها لا تكون إلا أسماء آبائه تأتي ~~منسوقة غير منقطعة من غير ظهور كلفة على النظم كأطراد الماء وانسجامه ، ~~وذلك كقول الأعشى : أقيس بن مسعود بن خالد . . . وأنت الذي ترجو حباءك وائل ~~وكقول دريد : قتلنا بعبد الله خير لداته . . . ذؤاب بن أسماء بن زيد بن ~~قارب وهذا أحسن من الأول لأطراد الأسماء في عجز البيت . وقال ابن الإصبغ : ~~وقد أربى على هؤلاء بعض القائلين حيث قال : من يكن رام حاجة بعدت عن . . . ~~ه وأعيت عليه كل العياء فلها أحمد المرجى ابن يحيى ب . . . ن معاذ بن مسلم ~~بن رجاء لو لم يقع فيه الفصل بين الأسماء بلفظة المرجى ومنه ما كتب الشيخ ~~مجد الدين بن الظهير الحنفي على إجازة أجاز ما قد سألوا . . . بشرط أهل ~~السند محمد بن أحمد ب . . . ن عمر بن أحمد فلم يفصل بين الأسماء في البيت ~~بلفظة أجنبية . وأما التجريد - فهو أن ينتزع الشاعر أو المتكلم من أمر ذي ~~صفة أمرا آخرا مثله في تلك الصفة مبالغة في كمالها فيه ؛ وهو أقسام : منها ~~نحو قولهم : لي " من " PageV07P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" فلان صديق حميم أي بلغ من الصداقة حدا صح معه ~~أن يستخلص منه صديق آخر ؛ ومنها نحو قولهم : لئن سألت لتسألن به البحر ، ~~ومنه قول الشاعر : وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى . . . بمستلئم مثل الفنيق ~~المرحل أي تعدو بي ومعي من استعدادي للحرب لابس لأمة ؛ ومنها نحو قوله ~~تعالى : " لهم فيها دار الخلد " لأن جهنم - أعاذنا الله منها هي دار الخلد ~~، لكن اتنزع منها مثلها وجعل فيها معدا للفار تهويلا لأمرها ومنها قول ~~الحماسي : فلئن بقيت لأرحلن بغزوة . . . نحو الغنائم أو يموت كريم وعليه ~~قراءة من قرأ : " فإذا انشقت السماء ms1510 فكانت وردة كالدهان " بالرفع ، بمعنى ~~فحصلت سماء وردة ، وقيل تقدير الأول أو يموت منى الكريم ، والثاني : فكانت ~~منها وردة كالدهان ، وفيه نظر ؛ ومنها نحو قوله : يا خير من يركب المطى ولا ~~. . . يشرب كأسا بكف من بخلا ونحو قول الآخر : إن تلقني ترى غيري يناظره . ~~. . تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد ومنها مخاطبة الإنسان غيره وهو يريد نفسه ~~، كقوا الأعشى : ودع هريرة إن الركب مرتحل . . . وهل تطيق وداعا أيها الرجل ~~وقول المتنبي : لا خيل عندك تهديها ولا مال . . . فليسعد النطق إن لم يسعد ~~الحال PageV07P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" ومنه قول الحيص بيص : إلام يراك المجد في زي ~~شاعر . . . وقد نحلت شوقا فروع المنابر كتمت بصيت الشعر علما وحكمة . . . ~~ببعضهما ينقاد صعب المفاخر اما وأبيك الخير إنك فارس ال . . . الكلام ومحيي ~~الدراسات الغوابر وأما التكميل - فهو أن يأتي المتكلم أو الشاعر بمعنى من ~~مدح أو غيره من فنون الكلم وأغراضه ، ثم يرى مدحه بالاقتصار على ذلك المعنى ~~فقط غير كامل ، كمن أراج مدح إنسان بالشجاعة ، ثم رأى الاقتصار عليها دون ~~مدحه بالكرم مثلا غير كامل أو بالبأس دون الحلم ، ومثال ذلك قول كعب بن سعد ~~الغنوي : حليم إذا ما الحلم زين أهله . . . مع الحلم في عين العدو مهيب ~~قوله : " إذا ما الحلم زين أهله " احتراس لولاه لكان المدح مدخولا ، إذ بعض ~~التغاضي قد يكون عن عجز وإنما يزين الحلم أهله إذا كان قدرة ، ثم رأى أن ~~يكون مدحه بالحلم وحده غير كامل ، لأنه إذا لم يعرف منه إلا الحلم طمع فيه ~~عدوه فقال : " في عين العدو مهيب " ، ومنه قول السموءل بن عادياء : وما مات ~~منا سيد في فراشه . . . ولا طل منا حيث كان قتيل لأن صدر البيت وإن تضمن ~~وصفهم بالإقدام والصبر وربما أوهم العجز لأن قتل الجميع يدل على الوهن ~~والقلة فكمله بأخذهم للثأر ، وكمل حسنه بقوله : " حيث كان " فإنه أبلغ في ~~الشجاعة ؛ ومن ذلك في النسيب قول كثير : لو أن عزة حاكمت شمس الضحى . . . ~~في الحسن عند موفق لقضى لها لأن قوله ms1511 : " عند موفق " تكميل للمعنى ، إذ ليس ~~كل من يحاكم إليه موفقا ؛ ومنه قول المتنبي : أشد من الرياح الهوج بطشا . . ~~. وأسرع في الندى منها هبوبا PageV07P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" وأما المناسبة - فهي على ضربين : مناسبة في ~~المعنى ، ومناسبة في الألفاظ فالمعنوية أن يبتدئ المتكلم بمعنى ، ثم يتمم ~~كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ ، كقوله تعالى : " أو لم يهد لهم كم أهلكنا ~~من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون أو لم ~~يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم ~~وأنفسهم أفلا يبصرون " فقال تعالى في صدر الآية التي الموعظة فيها سمعية : ~~" أو لم يهد لهم ، وقال بعد ذكر الموعظة : أفلا يسمعون " وقال في صدر الآية ~~التي موعظتها مرئية : " أو لم يروا " وقال بعد الموعظة : " أفلا يبصرون " . ~~ومن أمثلة المناسبة المعنوية قول المتنبي : على سابح موج المنايا بنحره . . ~~. غداة كأن النبل في صدره وبل فإن بين لفظة السباحة ولفظتي الموج والوبل ~~تناسبا صار البيت به متلاحما ؛ وقول ابن رشيق : أصح وأقوى ما رويناه في ~~الندى . . . من الخبر المأثور منذ قديم أحاديث ترويها السيول عن الحيي . . ~~. عن البحر عن جود الأمير تميم فإنه وفي المناسبة حقها في صحة العنعنة ~~برواية السيول عن الحيي عن البحر ، وجعل الغاية فيها جود الممدوح . ~~والمناسبة اللفظية : توخي الإتيان بكلمات متزنات ، وهي على ضربين : تامة ~~وغير تامة . فالتامة : أن تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة ، فمن شواهد ~~التامة قوله تعالى : " ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك ~~لأجرا غير ممنون " ومن الحديث النبوي - صلاة الله وسلامه على قائله - قول ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) للحسن والحسين - رضي الله عنهما - : " ~~أعذيكما بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامه " ولم ~~يقل : " ملمة " وهي القياس لمكان المناسبة اللفظية التامة ؛ ومن شواهد ~~الناقصة قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم ~~مني مجالس يوم القيامة ؟ أحاسنكم أخلاقا ، الموطؤن أكنافا " PageV07P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" ومما جمع ms1512 بين المناسبتين قوله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " اللهم إني أسألك رحمة تهدي بها قلبي ، وتجمع بها أمري ، ~~وتلم بها شعثي ، وتصلح بها غايتي ، وترفع بها شاهدي ، وتزكي بها عملي ، ~~وتلهمني بها رشدي ، وترد بها ألفتي ، وتعصمني بها من كل سوء ، اللهم إني ~~أسألك العون في القضاء ، ونزل الشهداء ، وعيش السعداء ، والنصر على الأعداء ~~" فناسب ( صلى الله عليه وسلم ) بي قلبي وأمري ، وغايتي وشاهدي مناسبة غير ~~تامة ، لأنها في الزنة دون التفقية ، وناسب بين القضاء والشهداء والسعداء ~~والأعداء مناسبة تامة في الزنة والتفقية ؛ ومن أمثلة المناسبتين قول أبي ~~تمام : مها الوحش إلا أن هاتا أوانس . . . قنا الحط إلا أن تلك ذوابل فناسب ~~بين مها وقا مناسبة تامة ، وناسب بين الوحش والخط ، وأوانس وذوابل مناسبة ~~غير تامة . وأما التفريع - فهو أن يصدر المتكلم أو الشاعر كلامه باسم منفى ~~بينما " خاصة ، ثم يصف الاسم المنفي بمعظم أوصافه اللائقة به في الحسن أو ~~القبح ، ثم يجعله أصلا يفرع منه جملة من جار ومجرور متعلقة به تعلق مدح أو ~~هجاء أو فخر أو نسيب أو غير ذلك ، يفهم من ذلك مساواة المذكور بالاسم ~~المنفي الموصوف كقول الأعشى : ما روضة من رياض الحزن معشبة . . . خضراء جاد ~~عليها مسبل هطل يضاحك الشمس منها كوكب شرق . . . مؤزر بعميم النبت مكتهل ~~يوما بأطيب منها طيب رائحة . . . ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل وقول عاتكة ~~المرية : وما طعم ماء أي ماء تقوله . . . تحدر من غر طوال الذوائب بمنعرج ~~من بطن واد تقابلت . . . عليه رياح الصيف من كل جانب PageV07P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" نفت جرية الماء القذى عن متونه . . . فليس به ~~عيب تراه لعائب بأطيب ممن يقصر الطرف دونه . . . تقى الله واستحياء بعض ~~العواقب وقد وقع الأصل والفرع لأبي تمام في بيت واحد ، وهو : ما ربع مية ~~معمورا يطيف به . . . غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب ولا الخدود وإن أدمين ~~من خجل . . . أشهى إلى ناظري من خدها الترب ومما ورد في النثر رسالة ابن ~~القمي التي كتبها إلى سبأ بن أحمد صاحب ms1513 صنعاء : وأما حال عبده بعد فراقه في ~~الجلد ، فما أم تسعة من الولد ؛ ذكور ، كأنهم عقبان وكور ؛ اخترم منهم ~~ثمانية ، فهي على التاسع حانية ، فنادى النذير في البادية ، بالعادية يا ~~للعاديه ؛ فلما سمعت الداعي ، ورأت الخيل سواعي ؛ أقبلت تنادي ولدها : ~~ألأناة الأناة ، وهو يناديها : القناة القناة . بطل كأن ثيابه في سرحة . . ~~. يحذى نعال السبت ليس بتوأم فلما رمقته يختال في غضون الزرد الموضون أنشأت ~~تقول : أسد أضبط يمشي . . . بين طرفاء وغيل لبسه من نسج داو . . . د كضحضاح ~~المسيل عرض له في البادية أسد هصور ، كأن ذراعه مسد معصور فتطاعنا وتواقفت ~~خيلاهما . . . وكلاهما بطل اللقاء مقنع PageV07P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" فلما سمعت الرعيل ، برزت من الصرم بصبر قد ~~عيل ؛ فسألت عن الواحد فقيل : لحده اللاحد . فكرت تبتغيه فصادفته . . . على ~~دمه ومصرعه السباعا عبثن به فلم يتركن إلا . . . أديما قد تمزق أو كراعا ~~بأشد من عبده تأسفا ، ولا أعظم كمدا وتلهفا . قال : وذكر ابن أبي الإصبع في ~~التفريع قسما ذكره في صدر الباب ، وقال : إنه هو الذي استخرجه ، وهو أن ~~يبتدئ الشاعر بلفظة هي إما اسم أو صفة ، ثم يكررها في البيت مضافة إلى ~~أسماء وصفات تتفرع عليها جملة من المعاني في المدح وغيره ، كقول المتنبي : ~~أنا ابن اللقاء أنا ابن السخاء . . . أنا ابن الضراب أنا ابن الطعان أنا ~~ابن الفيافي أنا ابن القوافي . . . أنا ابن السروج أنا ابن الرعان طويل ~~النجاد طويل العماد . . . طويل القناة طويل السنان حديد اللحاظ حديد الحفاظ ~~. . . حديد الحسام حديد الجنان وأما نفي الشيء بإيجابه - فهو أن يثبت ~~المتكلم شيئا في ظاهر كلامه وينفى ما هو من سببه مجازا ، والمنفي في باطن ~~الكلام حقيقة هو الذي أثبته كقول امرئ القيس : على لاحب لا يهتدي بمناره . ~~. . إذا سافه العود النباطي جرجرا فظاهر هذا الكلام يقتضي إثبات منار لهذه ~~الطريق ، ونفي الهداية به مجازا وباطنه في الحقيقة يقتضي نفي المنار جملة ، ~~والمعنى أن هذه الطريق لو كان لها منار ما اهتدى به ، فكيف ولا منار لها ، ~~كما تقول لمن تريد ms1514 أن تسلبه الخير : ما أقل خيرك فظاهر كلامك يدل على إثبات ~~خير قليل ، وباطنه نفى الخير كثيره وقليله . وقول الزبير بن عبد المطلب ~~يمدح عميلة بن عبد الدار - وكان نديما له - : PageV07P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" صحبت بهم طلقا يراح إلى الندى . . . إذا ما ~~انتشى لم تحتضره مفاقره ضعيف بحث الكأس قبض بنانه . . . كليل على وجه ~~النديم أظافره فظاهر هذا أن للمدوح مفاقر لم تحتضره إذا انتشى ، وأن له ~~أظافر يخمش بها وجه نديمه خمشا ضعيفا ، وباطن الكلام في الحقيقة نفى ~~المفاقر جملة ، والأظافر بتة . وأما الايداع - قال : وأكثر الناس يجعلونه ~~من باب التضمين ، وهو منه إلا أنه مخصوص بالنثر ، وبأن يكون المودع نصف بيت ~~، إما صدرا أو عجزا . فمنه قول علي رضي الله عنه في جواب كتاب لمعاوية : ثم ~~زعمت أني لكل الخلفاء حسدت ، وعلى كلهم بغيت ، فإن يكن ذلك كلك فلم تكن ~~الجناية عليك ، حتى تكون المعذرة إليك " وتلك شكاة ظاهر عنك عارها " وأما ~~الإدماج - فهو أن يدمج المتكلم غرضا له في جملة معنى من المعاني قد نحاه ~~ليوهم السامع أنه لم يقصده ، وإنما عرض في كلامه لتتمة معناه الذي قصده ، ~~كقول عبيد الله بن الله عبد الله لعبيد الله بن سليمان بن وهب حين وزر ~~للمعتضد - وكان ابن عبيد الله قد اختلت حاله - فكتب إلى ابن سليمان : أبى ~~دهرنا إسعافنا في نفوسنا . . . وأسعفنا فيمن نحب ونكرم فقلت له نعماك فيهم ~~أتمها . . . ودع أمرنا إن المهم المقدم فأدمج شكوى الزمان في ضمن التهنئة ، ~~وتلطف في المسألة مع صيانة نفسه عن التصريح بالسؤال . وأما سلامة الاختراع ~~- فهو أن يخترع الشاعر معنى لم يسبق إليه ولم يتبعه أحد فيه ، كقول عنترة ~~في الذباب : هزجا يحك ذراعه بذراعه . . . قدح المكب على الزناد الأجذم ~~PageV07P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" وكقول عدي بن الرقاع في تشبيه ولد الظبية : ~~تزجي أغن كأن إبرة روقه . . . قلم أصاب من الدواة مدادها . وكقول النابغة ~~في وصف النسور : تراهن خلف القوم زورا عيونها . . . جلوس الشيوخ في مسوك ~~الأرانب وكقول أبي تمام : لا ms1515 تنكري عطل الكريم من الغنى . . . فالسيل حرب ~~للمكان العالي وقوله : ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا . . . إن السماء ترجى ~~حين تحتجب وقول ابن حجاج : وإني والمولى الذي أنا عبده . . . طريفان في أمر ~~له طرفان بعيدا تراني منه أقرب ما ترى . . . كأني يوم العيد في رمضان وأما ~~حسن الاتباع - فهو أن يأتي المتكلم إلى معنى قد اخترعه غيره فيتبعه فيه ~~اتباعا يوجب له استحقاقه ، إما باختصار لفظه ، أو قصر وزنه أو عذوبة نظمه ، ~~أو سهولة سبكه ، أو إيضاح معناه ، أو تتميم نقصه ، أو تحليته بما توجبه ~~الصناعة ، أو بغير ذلك من وجوه الاستحقاقات ؛ كقول شاعر جاهلي في صفة جمل : ~~وعود قليل الذنب عاودت ضربه . . . إذا هاج شوقي من معاهدها ذكر وقلت له ~~ذلفاء ويحك سببت . . . لك الضرب فاصبر إن عادتك الصبر PageV07P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" فأحسن ابن المعتز اتباعه حيث قال يصف خيله : ~~وخيل طواها القود حتى كأنها . . . أنا بيب سمر من قنا الخط ذبل صببنا عليها ~~ظالمين سياطنا . . . فطارت بها أيد سراع وأرجل وابتع أبو نواس جريرا في ~~قوله : إذا غضبت عليك بنو تميم . . . حسبت الناس كلهمو غضابا فقال أبو نواس ~~- ونقل المعنى من الفخر إلى المدح - : وليس على الله بمستنكر . . . أن يجمع ~~العالم في واحد وقول النميري في أخت الحجاج : فهن اللواتي إن برزن قتلنني . ~~. . وإن غبن قطعن الحشى حسرات فاتبعه ابن الرومي فقال : ويلاه إن نظرت وإن ~~هي أعرضت . . . وقع السهام ونزعهن أليم وأما الذم في معرض المدح - فهو أن ~~يقصد المتكلم ذم إنسان فيأتي بألفاظ موجهة ، ظاهرها المدح ، وباطنها القدح ~~، فيوهم أنه يمدحه وهو يهجوه كقول بعضهم في الشريف بن الشجري : يا سيدي ~~والذي يعيذك من . . . نظم يضن يصدا به الفكر ما فيك من جدك النبي سوى . . . ~~أنك لا ينبغي لك الشعر وأما العنوان - فهو أن يأخذ المتكلم في غرض له من ~~وصف أو فخر أو مدح أو هجاء أو غير ذلك ، ثم يأتي لقصد تكميله بألفاظ تكون ~~عنوانا لأخبار متقدمة ، وقصص سالفة ؛ كقول أبي نواس : يا هاشم ms1516 بن حديج ليس ~~فخركمو . . . بقتل صهر رسول الله بالسدد أدرجتمو في إهاب العير جثته . . . ~~لبئس ما قدمت أيديكمو لغد إن تقتلوا ابن أبي كر فقد قتلت . . . حجرا بدارة ~~ملحوب بنو أسد PageV07P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" ويوم قلتم لعمرو وهو يقتلكم . . . قتل الكلاب ~~لقد أبرحت من ولد ورب كندية قالت لجارتها . . . والدمع ينهل من مثنى ومن ~~وحد ألهى امرأ القيس تشبيب بغانية . . . عن ثأره وصفات النؤى والوتد فقد ~~أتى أبو نواس في هذه الأبيات بعدة عنوانات : منها قصة قتل محمد بن أبي بكر ~~، وقتل حجر أبي امرئ القيس ، وقتل عمرو بن هند كندة في ضمن هجو من أراد ~~هجوه ، وعير المهجو بما أشر إليه من الأخبار الدالة على هجاء قبيلته ؛ ومثل ~~ذلك قول أبي تمام في استعطاف مالك بن طوق على قدمه : رفدوك في يوم الكلاب ~~وشققوا . . . فيه المزاد بجحفل غلاب وهمو بعين أباغ راشوا للعدا . . . ~~سهميك عند الحارث الحراب وليالي الثرثار والحشاك قد . . . جلبوا الجياد ~~لواحق الأقراب فمضت كهولهمو ودبر أمرهم . . . أحداثهم تدبير غير صواب وقال ~~بعد ذلك : لك في رسول الله أعظم أسوة . . . وأجلها في سنة وكتاب أعطى ~~المؤلفة القلوب رضاهمو . . . كملا ورد أخائذ الأحزاب والجعفريون استقلت ~~ظعنهم . . . عن قومهم وهمو نجوم كلاب حتى إذا أخذ الفراق بقسطه . . . منهم ~~وشط بهم عن الأحباب ورأوا بلاد الله قد لفظتهمو . . . أكنافها رجعوا إلى ~~جواب فأتوا كريم الخيم مثلك صافحا . . . عن ذكر أحقاد وذكر ضباب ~~PageV07P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" فانظر إلى ما أتى به أبو تمام في هذه الأبيات ~~من العنوانات من السيرة النبوية وأيام العرب ، وأخبار بني جعفر بن كلاب ، ~~ورجوعهم إلى ابن عمهم جواب ؛ وكقوله أيضا لأحمد بن أبي داؤد : تثبت إن قولا ~~كان زورا . . . أتى النعمان قبلك عن زياد وأرث بين حي بني جلاح . . . لظى ~~حرب بني مصاد وغادر في صدور الدهر قتلى . . . بني بدر على ذات الإصاد فأتى ~~بعنوان يشير به إلى قصة النابغة حين وشى به إلى النعمان ، فجر ذلك من ~~الحروب ما تضمنت أبياته . وأما الإيضاح - وهو أن ms1517 يذكر المتكلم كلاما في ~~ظاهره لبس ، ثم يوضحه في بقية كلامه ، كقول الشاعر : يذكرنيك الخير والشر ~~كله . . . وقيل الخنا والعلم والحلم والجهل فإن الشاعر لو اقتصر على هذا ~~البيت لأشكل مراده على السامع بجمعه بين ألفاظ المدح والهجاء ، فلما قال ~~بعد : فألقاك عن مكروهها متنزها . . . وألقاك في محبوبها ولك الفضل أوضح ~~المعنى المراد ، وأزال اللبس ، ورفع الإشكال والشك . وأما التشكيك - فهو أن ~~يأتي المتكلم في كلامه بلفظة تشكك المخاطب هل هي فضلة أو أصلية لا غنى ~~للكلام عنها ؟ مثل قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين " ~~فإن لفظة تشكك السامع هل هي فضلة أو أصلية ؟ فالضعيف النظر يظنها فضلة لأن ~~لفظة تداينتم تغني عنها ، والناظر في علم البيان يعلم أنها أصلية لأن لفظة ~~الدين لها محامل ، تقول : داينت فلانا المودة ، يعني جازيته ، ومنه : " كما ~~تدين تدان " ومنه قول رؤبة : داينت أروى والديون تقضى . . . فمطلت بعضا ~~وأدت بعضا PageV07P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" وكل هذا هو الدين المجازي الذي لا يكتب ولا ~~يشهد عليه ، ولما كان المراد من الآية تمييز الدين المالي الذي يكتب ويشهد ~~عليه ، وتيسير أحكامه ، أوجبت البلاغة أن يقول : " بدين " ليعلم حكمه . ~~وأما القول بالموجب - فهو ضربان : أحدهما أن تقع صفة في كلام مدع شيئا يعني ~~به نفسه ، فثبتت تلك الصفة لغيره من غير تصريح بثبوتها له ، ولا نفيها عنه ~~، كقوله تعالى : " يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ~~ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " فإنهم كنوا بالأعز عن فريقهم ، وبالأذل عن ~~فريق المؤمنين ، فأثبت الله عز وجل صفة العزة لله ولرسوله وللمؤمنين من غير ~~تعرض لثبوت حكم الإخراج بصفة العزة ولا لنفيه . والثاني حمل كلام المتكلم ~~مع تقريره على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلقه كقول الشاعر : قلت : ثقلت ~~إذ أتيت مرارا . . . قال : ثقلت كاهلي بالأيادي قلت : طولت قال : لي بل ~~تطول . . . ت وأبرمت قال : حبل الوداد ومنه قول الأرجاني : " غالطتني أذ ~~كست جسمي ضنى " البيتين ، وقد تقدم الاستشهاد بهما في الاستدراك . وللمولى ~~شهاب الدين محمود الحلبي ms1518 الكاتب في ذلك : رأتني وقد نال مني النحول . . . ~~وفاضت دموعي على الخد فيضا فقالت : بعيني هذا السقام . . . فقلت : صدقت ، ~~وبالخصر أيضا وقول محاسن الشواء : ولما أتاني العاذلون عدمتهم . . . وما ~~فيهمو إلا للحمى قارض وقد بهتوا لما رأوني شاحبا . . . وقالوا : به عين ~~فقلت : وعارض PageV07P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" وأما القلب - فهو أن يكون الكلام أو البيت ~~كيفما انقلبت حروفه كان بحاله لا يتغير ، ومنه في التنزيل قوله تعالى : " ~~كل في فلك " " وربك فكبر " وقولهم : ساكب كاس . ومنه قول العماد الأصفهاني ~~للقاضي الفاضل : سر فلا كبا بك الفرس ، وجواب القاضي الفاضل له : دام علا ~~العماد ، وهي أول قصيدة للأرجاني ، مطلعها : " دام علا العماد " ومن ذلك ~~قول الأرجاني : مودته تدوم لكل هول . . . وهل كل مودته تدوم وأما التندير - ~~فهو أن يأتي المتكلم بادرة حلوة ، أو نكتة مستظرفة يعرض فيها بمن يريد ذمه ~~بأمر ، وغالب ما يقع في الهزل ، فمنه قول أبي تمام فيمن سرق له شعرا : من ~~بنو بجدل ، من ابن الحباب . . . من بنو تغلب غداة الكلاب من طفيل ، من عامر ~~، أم من الحا . . . رث ، من عتيبة بن شهاب إنما الضيغن الهصور أبو الأش . . ~~. بال هتاك كل خيس وغاب من عدت خيله على سرح شعري . . . وهو للحين راتع في ~~كتاب يا عذراى الكلام صرتن من بع . . . دي سبايا تبعن في الأعراب لو ترى ~~منطقي أسيرا لأصب . . . حت أسيرا ذا عبرة واكتئاب طال رغبي إليك مما أقاسي ~~. . . ه ورهبي يا رب فاحفظ ثيابي ومن ذلك ما قاله شهاب الدين بن الخيمي ~~يعرض بنجم الدين بن إسرائيل لما تنازعا في القصيدة المعروفة لابن الخيمي ~~التي أولها : يا مطلبا ليس لي من غيره أرب فقال من قطعة منها : هم العريب ~~بنجد مذ عرفتمو . . . لم يبق لي معهم مال ولا نشب PageV07P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" فما ألموا بحي أو ألم بهم . . . إلا أغاروا ~~على الأبيات وانتهبوا لم يبق منطقه قولا يروق لنا . . . لقد شكت ظلمه ~~الأشعار والخطب وأما الإسجال بعد المغالطة - فهو أن يقصد الشاعر غرضا من ~~ممدوح فيشترط ms1519 لحصوله شرطا ، ثم يقدر وقوع ذلك الشرط مغالطة ليسجل به ~~استحقاق مقصوده ، كقول بعضهم : جاء الشتاء وما عندي لقرته . . . إلا ~~ارتعادي وتصفيقي بأسناني فإن هلكت فمولانا يكفنني . . . هبني هلكت فهبني ~~بعض أكفاني وأما الافتنان - فهو أن يأتي الشاعر بفنين متضادين من فنون ~~الشعر في بيت واحد مثل التشبيب والحماسة ، " والمديح " والهجاء ، والهناء ~~والعزاء فأما ما جمع فيه بين التشبيب والحماسة فكقول عنترة : إن تغدفي دوني ~~القناع فإنني . . . طب بأخذ الفارس المستلئم وكقول أبي دلف - ويروى لعبد ~~الله بن طاهر - : أحبك يا جنان وأنت مني . . . محل الروح من جسد الجبان ولو ~~أني أقول محل روحي . . . لخفت عليك بادرة الطعان . وأما ما جمع فيه بين ~~تهنئة وتعزية فقد تقدم ذكر ذلك في بابي التهاني والتعازي ومنه فيما لم ~~نورده هناك ما كتب به الموالي شهاب الدين محمود الكاتب تهنئة وتعزية لمن ~~رزق ولدا ذكرا في يوم ماتت له فيه بنت : ولا عتب على الدهر فيما اقترف ، ~~فقد أحسن الخلف ، واعتذر بما وهب عما سلب ، فعفا الله عما سلف . وأما ~~الإبهام - بباء موحدة فهو أن يقول المتكلم كلاما مبهما يحتمل معنيين ~~متضادين ، كقول بعضهم في الحسن بن سهل لما تزوج المأمون ببنيه بوران : بارك ~~الله للحسن . . . ولبوران في الختن يا إمام الهدى ظفر . . . ت ولكن ببنت من ~~PageV07P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" فلم يعرف مراده " ببنت من " هل أراد به ~~الرفعة أو الضعة ؟ ومنه قول بشار في خياط أعور اسمه عمرو : خاط عمرو لي ~~قباء . . . ليت عيينه سواء فأبهم المعنى في الدعاء له بالدعاء عليه . وأما ~~حصر الجزئي وإلحاقه بالكلي . . . فهو كقول السلامي : إليك طوى عرض البسيطة ~~جاعل . . . قصاري المطايا أن يلوح لها القصر فكنت وعزمي في الظلام وصارمي . ~~. . ثلاثة أشباه كما اجتمع النسر وبشرت آمالي بملك هو الورى . . . ودار هي ~~الدنيا ، ويوم هو الدهر . فأما حصر أقسام الجزئي فإن العالم عبارة عن أجسام ~~وظروف زمان وظروف مكان ، وقد حصر ذلك ؛ وأما جعله الجزئي كليا فإن الممدوح ~~جزء من الورى ، والدار جزء من الدنيا ، واليوم ms1520 جزء من الدهر . وأما ~~المقارنة - فهي أن يقرن الشاعر الاستعارة بالتشبيه أو المبالغة أو غير ذلك ~~بوصل يخفى أثره إلا على مدمن النظر في هذه الصناعة ، وأكثر ما يقع ذلك ~~بالجمل الشرطية ، كقول بعض شعراء المغرب : وكنت إذا استنزلت من جانب الرضى ~~. . . نزلت نزول الغيث في البلد المحل وإن هيج الأعداء منك حفيظة . . . ~~وقعت وقوع النار في الحطب الجزل فإن لاءم بين الاستعارة والتشبيه المنزوع ~~الأداة في صدري بيتية وعجزيهما . وأما ما قرنت به الاستعارة من المبالغة ~~فمثاله قول النابغة الذبياني : وأنت ربيع ينعش الناس سيبه . . . وسيف ~~أعيرته المنية قاطع PageV07P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" فإن في كل من صدر البيت وعجزه استعارة ~~ومبالغة ، وإنما التي في العجز أبلغ . ومما اقترن فيه الإرداف بالاستعارة ~~قول تميم بن مقبل : لدن غدوه حتى نزعنا عشية . . . وقد مات شطر الشمس ~~والشطر مدنف فإنه عبر بموت شطر الشمس عن الغروب ، واستعار الدنف للشطر ~~الثاني . وأما الإبداع - فهو أن يأتي في البيت الواحد من الشعر ، أو ~~القرينة الواحدة من النثر بعدة ضروب من البديع بحسب عدد كلماته أو جمله ، ~~وربما كان في الكلمة الواحدة المفردة ضربان من البديع ، ومتى لم تكن كل ~~كلمة بهذه المثابة فليس بإبداع . قال ابن أبي الإصبغ : وما رأيت فيما ~~استقريت من الكلام كآية استخرجت منها أحدا وعشرين ضربا من المحاسن ، وهي ~~قوله تعالى : " وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي ~~الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين " : وهي المناسبة التامة ~~في " ابلعي " و " أقلعي " ؛ والمطابقة بذكر الأرض والسماء ؛ والمجاز في ~~قوله : " يا سماء " ، فإن المراد - والله أعلم - يا مطر السماء ؛ ~~والاستعارة في قوله تعالى : " أقلعي " ؛ والإشارة في قوله تعالى : " وغيض ~~الماء " فإنه عبر بهاتين اللفظتين عن معان كثيرة ؛ والتمثيل في قوله تعالى ~~: " وقضى الأمر " فإنه عبر عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين بغير لفظ المعنى ~~الموضوع له ؛ والإدارف في قوله : " واستوت على الجودي " فإنه عبر عن ~~استقرارها بهذا المكان استقرارا متمكنا بلفظ قريب من لفظ المعنى ؛ والتعليل ~~، لأن ms1521 غيض الماء علة الاستواء ؛ وصحة التقسيم إذا استوعب الله تعالى أقسام ~~أحوال الماء حالة نقصه ، إذ ليس إلا احتباس ماء السماء ، واحتقان الماء ~~الذي ينبع من الأرض ، وغيض الماء الحاصل على ظهرها ؛ والاحتراس في قوله ~~تعالى : " وقيل بعدا للقوم الظالمين " إذ الدعاء عليهم يشعر أنهم مستحقو ~~الهلاك احتراسا من ضعيف العقل يتوهم أن العذاب شمل من يستحق ومن لا يستحق ، ~~PageV07P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" فتأكد بالدعاء كونهم مستحقين ؛ والإيضاح في ~~قوله : " للقوم " ليبين أن القوم الذين سبق ذكرهم في الآية المتقدمة حيث ~~قال : " وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه " هم الذين وصفهم بالظلم ~~ليعلم أن لفظة القوم ليست فضلة وأنه يحصل بسقوطها لبس في الكلام ؛ ~~والمساواة لأن لفظ الآية لا يزيد على معناها ؛ وحسن النسق ، لأنه تعالى عطف ~~القضايا بعضها على بعض بحسن ترتيب ، وائتلاف اللفظ مع المعنى ، لأن كل لفظة ~~لا يصلح موضعها غيرها ؛ والإيجاز ، لأنه سبحانه وتعالى اقتص القصة بلفظها ~~مستوعبة بحيث لم يخل منها بشيء في أقصر عبارة ، والتسهيم ، لأن أول الآية ~~إلى قوله : " أقلعي " يقتضى آخرها ؛ والتهديب ، لأن مفردات الألفاظ موصوفة ~~بصفات الحسن ، عليها رونق الفصاحة ، سليمة من التعقيد والتقديم والتأخير ؛ ~~والتمكن ، لأن الفاصلة مستقرة في قرارها ، مطمئة في مكانها ؛ والانسجام ، ~~وهو تحدر الكلام بسهولة كما ينسجم الماء ؛ وما في مجموع الآية من الإبداع ، ~~وهو الذي سمي به هذا الباب ، فهذه سبع عشرة لفظة تضمنت أحدا وعشرين ضربا من ~~البديع غير ما تكرر من أنواعه فيها . وأما الانفصال - فهو أن يقول المتكلم ~~كلاما يتوجه عليه فيه دخل لو اقتصر عليه ، فيأتي بما يفصله عن ذلك الدخل ، ~~كقول أبي فراس : ولقد نبيت إبلي . . . س إذا راك يصد ليس من تقوى ولكن . . ~~. ثقل فيك وبرد والفرق بين هذا وبين الاحتراس خلو الاحتراس من الدخل عليه ~~من كل وجه . وأما التصرف - فهو أن يتصرف المتكلم في المعنى الذي يقصده ، ~~فيبرزه في عدة صور : تارة بلفظ الاستعارة ، وطورا بلفظ التشبيه ، وآونة ~~بلفظ الإرداف وحينا بلفظ الحقيقة ، كقول امرئ القيس ms1522 يصف الليل : وليل كموج ~~البحر مرخ سدوله . . . علي بأنواه الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بصلبه . ~~. . وأردف أعجازا وناء بكلكل فإنه أبرز المعنى بلفظ الاستعارة ، ثم تصرف ~~فيه فأتى بلفظ التشبيه فقال : فيالك من ليل كأن نجومه . . . بكل مغار الفتل ~~شدت بيذبل PageV07P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" ثم تصرف فيه فأخرجه بلفظ الإرداف فقال : ألا ~~أيها الليل الطويل ألا انجلي . . . بصبح وما الإصباح منك بأمثل وأما ~~الاشتراك - فمنه ما ليس بحسن ولا قبيح ، وهو الاشتراك في الألفاظ مثل ~~اشتراك الأبيرد وأبي نواس في لفظة الاستعفاء ، فإن الأبيرد قال في مرثية ~~أخيه : وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى . . . من الأجر لي فيه وإن عظم ~~الأجر وقال أبو نواس : ترى العين تستعفيك من لمعانها . . . وتحسر حتى ما ~~تقل جفونها ومنه الحسن ، وهو الاشتراك في المعنى ، كقول امرئ القسي : كبكر ~~المقاناة البياض بصفرة . . . غذاها نمير الماء غير المحلل وقول ذي الرمة : ~~كحلاء في برج صفراء في دعج . . . كأنها فضة قد مسها ذهب فوقع الاشتراك ~~بينهما في وصف المرأة بالصفرة ، غير أن الأول شبه الصفرة ببيضة النعامة ، ~~والآخر وصفها بالفضة المموهة ؛ ومن الاشتراك المعنوي ما ليس بحسن ولا معيب ~~، كقول كثير : وأنت التي حببت كل قصيرة . . . إلي وما تدري بذاك القصائر ~~عنيت قصيرات الحجال ولم أرد . . . قصار الخطا ، شر النساء البحاتر فإن لفظة ~~قصيرة مشتركة ، فلو اقتصر على البيت الأول لكان الاشتراك معيبا لكنه لما ~~أتى بالبيت الثاني زال العيب ، ولم يبلغ رتبة الحسن لما فيه من التضمين . ~~PageV07P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" وأما التهكم - فالفرق بينه وبين الهزل الذي ~~يراد به الجد أن التهكم ظاهره جد وباطنه هزل ، والهزل الذي يراد به الجد ~~على العكس منه ، فمن التهكم قول الوجيه الذروري في ابن أبي حصينة من أبيات ~~: لا تظنن حدبة الظهر عيبا . . . فهي في الحسن من صفات الهلال وكذاك القسي ~~محدوبات . . . وهي أنكى من الظبا والعوالي وإذا ما علا السنام ففيه . . . ~~لقروم الجمال أي جمال وأرى الانحناء في مخلب البا . . . زي ولم يعد مخلب ~~الرئبال كون الله ms1523 حدبة فيك إن شئ . . . ت من الفضل أو من الإفضال فأنت ربوة ~~على طود علم . . . وأتت موجة ببحر نوال ما رأتها النساء إلا تمنت . . . ~~أنها حلية لكل الرجال ثم ختمها بقوله : وإذا لم يكن من الهجر بد . . . فعسى ~~أن تزورنا في الخيال وكقول ابن الرومي : فياله من عمل صالح . . . يرفعه ~~الله إلى أسفل وأما التدبيج - وهو أن يذكر الشاعر أو الناثر ألوانا يقصد ~~بها الكناية أو التورية بذكرها عن أشياء من وصف أو مدح أو هجاء أو نسيب أو ~~غير ذلك من الفنون ، فمن ذلك قول الحريري في بعض مقاماته : فمذ ازور ~~المحبوب الأصفر واغبر العيش الأخضر ، اسود يومي الأبيض ، وابيض فودي الأسود ~~، حتى رثى لي العدو الأزرق ، فحبذا الموت الأحمر . وهذا التدبيج بطريق ~~التورية . وقال بعض المتأخرين يصف موقف السلطان الملك الناصر بمصاف شقحب ~~الكائن بينه وبين التتار في شهر رمضان سنة اثنتين وسبعمائة : وما زال بوجهه ~~الأبيض ، تحت علمه الأصفر ، يكابد الموت الأحمر ، تجاه العدو الأزرق ، إلى ~~أن حال بينهما الليل الأسود ، وبكر في غرة نهار الأحد الأشعل PageV07P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" وامتطى السبيل الأحوى إلى أن حل بالأبلق . ~~يريد بالأبلق : القصر الظاهري الذي بالميدان الأخضر مدينة دمشق ؛ ومن أمثلة ~~هذا الباب قول ابن حيوس الدمشقي : إن ترد علم حالهم عن يقين . . . فالقهم ~~يوم نائل أو قتال تلق بيض الوجوه سود مثار الن . . . قع خضر الأكناف حمر ~~النضال وأما الموجه - فهو الذي يمدح بشيء يقتضي المدح بشيء آخر ، كقول ~~المتنبي : نهبت من الأعمار ما لو حويته . . . لهنئت الدنيا بأنك خالد ~~وكقوله أيضا : عمر العدو إذا لاقاه في رهج . . . أقل من عمر ما يحوى إذا ~~وهبا فأول البيتين وصف بفرط الشجاعة ، وآخر الأول بعلو الدرجة ، وآخر ~~الثاني بفرط الجود . وأما تشابه الأطراف - فهو أن يجعل الشاعر قافية بيته ~~الأول أول البيت الثاني ، وقافية الثاني أول الثالث ، وهكذا إلى انتهاء ~~كلامه ، ومن أحسن ما قيل فيه قول ليلى الأخيليلة تمدح الحجاج : إذا نزل ~~الحجاج أرضا مريضة . . . تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها ms1524 من الداء العضال ~~الذي بها . . . غلام إذا هز القناة سقاها سقاها فرواها بشرب سجالها . . . ~~دماء رجال يحلبون صراها هذا ما أورده في حسن التوسل من علوم المعاني ~~والبيان والبديع ، وقد أتينا على أكثره بنصه لما رأيناه من حسن تأليفه ، ~~وبديع ترصيفه ، وأن اختصاره لا يمكن إلا عند الإخلال بفائدة لا يستغنى عنها ~~فلم نحذف منه إلا ما تكرر من الأمثلة والشواهد ، لاستغنائنا بما أوردناه ~~عما حذفناه ، فالنسبة فيه إلى فضائله وفضله والعمدة على شواهده ونقله ؛ ~~فلقد أحسن التأليف ، وأجاء التعريف ، واحتمل التوقيف ؛ وحر الشواهد ، وأوضح ~~السبيل حتى صار الغائب عن هذه الصناعة إذا طالع كتابه كالشاهد ؛ وأبدع في ~~صناعة البديع ، وبين علم البيان بحسن الترصيف والترصيع ؛ واعتنى بألفاظ ~~PageV07P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" المعاني فصرف أعنتها ببنانه ، وأبان مشكلها ~~فأحسن في بيانه ؛ وحل من التعقيد عقالها الذي عجز غيره عن حله ، وسهل ~~للأفهام مقالها فأبرزته الألسنة من محرم اللفظ إلى حله ، فله المنة فيما ~~ألف ، والفضل بما صنف . وأما ما يتصل بذلك من خصائص الكتابة - فالاقتباس ~~والاستشهاد والحل : فالاقتباس هو أن يضمن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث ~~، ولا ينبه عليه للعلم به ، كما في خطب ابن نباتة ، كقوله : فيا أيها ~~الغفلة المطرقون ، أما أنتم بهذا الحديث مصدقون ؟ مالك لا تشفقون ؟ " فورب ~~السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون " وكقوله أيضا : يوم يبعث الله ~~العالمين خلقا جديدا ، ويجعل الظالمين لجهنم وقودا ، يوم تكونون " شهداء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ~~محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا " ومن ذلك ما أورد ~~المولى شهاب الدين محمود في تقليد عن الإمام الحاكم بأمر الله أبي العباس ~~أحمد بالسلطنة ، جاء منه : وجمع بك شمل الأمة بعد أن " كاد يزيغ قلوب فريق ~~منهم " وعضدك لإقامة إمامته بأولياء دولتك الذين رضى الله عنهم ؛ وخصك ~~بأنصار دينه الذين نهضوا بما أمروا به من طاعتك وهم فارهون ، وأظهرك على ~~الذين " ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا ms1525 لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله ~~وهم كارهون " وأمثال ذلك . وأما الاستشهاد بالآيات - فهو أن ينبه عليها ، ~~كقول الحريري : فقلت وأنت أصدق القائلين : " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ~~" ونحو ذلك . وفي الأحاديث بالتنبيه عليها أيضا ، كقول المولى شهاب الدين ~~محمود في خطبة تقليد حاكمي : ونصلي على سيدنا محمد الذي استخرجه الله من ~~عنصر أهله وذويه ، وشرف قدر جده بقوله فيه : " إن عم الرجل صنو أبيه " وسره ~~بما أسر إليه من أن هذا الأمر فتح به ويختم ببنيه . وأمثال ذلك لا تحصر . ~~PageV07P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" وأما الحل - وهو باب متسع المجال ، وملاك أمر ~~المتصدي له أن يكون كثير الحفظ للأحاديث النبوية والآثار والأمثال والأشعار ~~لينفق منها وقت الاحتياج إليها . قال : وكيفية الحل أن يتوخى هدم البيت ~~المنظوم ، وحل فرائده من سلكه ، ثم يرتب تلك الفرائد وما شابهها ترتيب ~~متمكن لم يحصره الوزن ، ويبرزها في أحسن سلك ، وأجمل قالب ، وأصح سبك ، ~~ويكملها بما يناسبها من أنواع البديع إن أمكن ذلك من غير كلفة ، ويتخير لها ~~القرائن ، وإذا تم معه المعنى المحلول في قرينة واحدة يغرم له من حاصل فكره ~~، أو من ذخيرة حفظه ما يناسبه ، وله أن ينقل المعنى إذا لم يفسده إلى ما ~~شاء ، فإن كان نسيبا وتأتى له أن يجعله مديحا فليفعل ، وكذلك غيره من ~~الأنواع ؛ وإذا أراد الحل بالمعنى فلتكن ألفاظه مناسبة لألفاظ البيت ~~المحلول غير قاصرة عنها ، فمتى قصرت عنها ولو بلفظة واحدة فسد ذلك الحل وعد ~~معيبا ، وإذا حل باللفظ فلا يتصرف بتقديم ولا تأخير ولا تبديل إلا مع ~~مراعاة نظام الفصاحة في ذلك ، واجتناب ما ينقص المعنى ويحط رتبته ؛ وهذا ~~الباب لا تنحصر المقاصد فيه ، ولا حجر على المتصرف فيه . قال : ومما وقع ~~التصرف فيه بزيادة على المعنى قول ضياء الدين بن الأثير الجزري في ذكر ~~العصا التي يتوكأ عليها الشيخ الكبير : وهذه لمبتدأ ضعفي خير ، ولقوس ظهري ~~وتر ، وإذا كان إلقاؤها دليلا على الإقامة فإن حملها دليل على السفر . ~~والمحلول في ذلك قول ms1526 بعضهم : كأنني قوس رام وهي لي وتر وقول الآخر : فألقت ~~عصاها واستقرت بها النوى . . . كما قر عينا بالإياب المسافر وأما ما يحتاج ~~فيه إلى مؤاخاة القرينة المحلولة بمثلها أو ما يناسبها فكما قال المولى ~~شهاب الدين محمود في تقليد : فكم مل ضوء الصبح مما يغيره ، وظلام النقع مما ~~يثيره ، وحديد الهند مما يلاطمه والأجل مما يسابقه إلى قبض الأرواح ويزاحمه ~~. والقرينتان الأوليان نصفا بيتين للمتنبي ، فأضاف إلى كل قرينة ما يناسبها ~~، وهذا من أكثر ما يستعمل في الكتابة ، ولا ينبغي للكاتب أن يعتمد في جميع ~~كاتبه على الحل ، فيتكل خاطره على ذلك ، ويذهب رونق الطبع السليم ، وتقل ~~مادة الانسجام ، بل PageV07P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" يكون استعمال ذلك كاستعمال البديع إذا أتى ~~عفوا من غير تكلف ليكون كالشاهد على صحة الكلام ، والدال على الاطلاع ، ~~وكالرقم في الثوب ، والشذرة في القلادة والواسطة في العقد ، إذ لا ينبغي ~~للكاتب أن يخلى كلامه من نوع من أنواع المحاسن . ويقرب من هذا النوع ~~التلميح ، وقد تقدم ذكره في بعض أبواب البديع ، والذي يقع في بعض استعماله ~~في مثل ذلك مثل قول الحريري : وإني والله لطالما لقيت الشتاء بكافاته ، ~~وأعددت الأهبة له قبل موافاته . يشير إلى بيتي ابن سكرة : جاء الشتاء وعندي ~~من حوائجه وهي مشهورة . فإذا عرف الكاتب هذه العلوم ، وأتى الصناعة من هذه ~~الأبواب تعين عليه أمور أخر نذكرها الآن . ذكر ما يتعين على الكاتب ~~استعماله والمحافظة عليه والتمسك به وما يجوز في الكتابة وما لا يجوز قال ~~إبراهيم بن محمد الشيباني : فإن احتجت إلى مخاطبة الملوك والوزراء والعلماء ~~والكتاب والأدباء والخطباء والشعراء وأوساط الناس وسوقتهم ، فخاطب كلا على ~~قدر أبهته وجلالته ، وعلوه وارتفاعه ، وفطنته وانتباهه ، ولكل طبقة من هذه ~~الطباق معان ومذاهب يجب عليك أن ترعاها في مراسلتك إياهم في كتبك ، وتزن ~~كلامك في مخاطبتهم بميزانه ، وتعطيه قسمته ، وتوفيه نصيبه ، فإنك متى أهملت ~~ذلك وأضعته لم آمن عليك أن تعدل بهم عن طريقهم ، وتسلك بهم غير مسلكهم ، ~~وتجرى شعاع بلاغتك في غير مجراه ، وتنظم ms1527 جوهر كلامك في غير سلكه ، فلا تعتد ~~بالمعنى الجزل ما لم تلبسه لفظا لائقا بمن كاتبته ، وملامسا لمن راسلته ، ~~فإن إلباسك المعنى PageV07P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" - وإن صح وشرف - لفظا مختلفا عن قدر المكتوب ~~إليه لم تجربه عادته تهجين للمعنى وإخلال بقدره ، وظلم يلحق المكتوب إليه ، ~~ونقص ما يجب له ، كما أن في اتباع تعارفهم ، وما انتشرت به عادتهم ، وجرت ~~به سنتهم ، قطعا لعذرهم ، وخروجا من حقوقهم ، وبلوغا إلى غاية مرادهم ، ~~وإسقاطا لحجة أدبهم . وقال أحمد بن محمد بن عبد ربه : فامتثل هذه المذاهب ، ~~واجر على هذا القوام ، وتحفظ في صدور كتبك وفصولها وافتتاحها وخواتهما ، ~~وضع كل معنى في موضع يليق به ، وتخير لكل لفظة معنى يشاكلها ، وليكن ما ~~تختم به فصولك في موضع ذكر البلوى بمثل : " نسأل الله دفع المحذور ، وصرف ~~المكروه " وأشباه ذلك ؛ وفي موضع ذكر المصيبة : " إنا لله وإنا إليه راجعون ~~" ؛ وفي موضع ذكر النعمة : " الحمد لله خالصا ، والشكر لله واجبا " وما ~~يشاكل ذلك ، فإن هذه المواضع مما يتعين على الكاتب أن يتفقده ويتحفظ منه ، ~~فإن الكاتب إنما يصير كاتبا بأن يضع كل معنى في موضعه ، ويعلق كل لفظة على ~~طبقتها في المعنى . قال : واعلم أنه لا يجوز في الرسائل استعمال ما أتت به ~~آي القرآن من الاختصار والحذف ، ومخاطبة الخاص بالعام والعام بالخاص ، لأن ~~الله تعالى إنما خاطب بالقرآن قوما فصحاء فهموا عنه - جل ثناؤه - أمره ~~ونهيه ومراده ، والرسائل إنما يخاطب بها قوم دخلاء على اللغة لا علم بلسان ~~العرب ؛ وكذلك ينبغي للكاتب أن يتجنب اللفظ المشترك ، والمعنى الملتبس ، ~~فإنه إن ذهب ليكاتب على معنى قول الله تعالى : " واسأل القرية التي كنا ~~فيها والعير التي أقبلنا فيها " وكقوله تعالى " بل مكر الليل والنهار " ~~احتاج أن يبين أن معناه : اسأل أهل القرية ، وأهل العير ، وبل مكركم بالليل ~~والنهار ؛ قال : وكذلك لا يجوز أيضا في الرسائل والبلاغات المنثورة ما يجوز ~~في الأشعار الموزونة ، لأن الشاعر مضطر ، والشعر مقصور مقيد بالوزن ~~والقوافي ، فلذلك أجازوا لهم صرف ما لا ينصرف من ms1528 الأسماء ، وحذف ما لا يحذف ~~منها ، واغتفروا فيه سوء النظم ، وأجازوا فيه التقديم والتأخير ، والإضمار ~~في موضع الإظهار ، وذلك كله غير سائغ في الرسائل ، ولا جائز في البلاغات ؛ ~~PageV07P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" فمما أجيز في الشعر من الحذف قول الشاعر : ~~قواطنا مكة من ورق الحما يريد الحمام ، وكقول الآخر : صفر الوشاحين صموت ~~الخلخل يريد الخلخال ، وكقول الحطيئة : فيها الرماح وفيها كل سابغة . . . ~~جدلاء مسرودة من فعل سلام يريد سليمان وكقول الآخر : وسائلة بثعلبة بن سبر ~~. . . وقد علقت بثعلبة العلوق يريد ثعلبة بن سيار ، وكقول الآخر : فلست ~~بآيته ولا أستطيعه . . . ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل أراد ولكن قال : ~~وكذلك لا ينبغي في الرسائل أن يصغر الاسم في موضع التعظيم وإن كان ذلك ~~جائزا ، مثل قولهم : دويهية تصغير داهية ، وجذيل وعذيق ، تصغير جذل وعذق . ~~قال لبيد : وكل أناس سوف تدخل بينهم . . . دويهية تصفر منها الأنامل قال : ~~فتخير في الألفاظ أرجحها وزنا ، وأجزلها معنى ، وأشرفها جوهرا وأكرمها حسبا ~~، وأليقها في مكانها ، وأدر الكلام في أماكنه ، وقلبه على جميع وجوهه ، ولا ~~تجعل اللفظة قلقة في موضعها ، نافرة عن مكانها ، متى فعلت ذلك هجنت الموضع ~~الذي حاولت تحسيه ، وأفسدت المكان الذي أردت إصلاحه فإن وضع الألفاظ في غير ~~أماكنها ، والقصد بها إلى غير مظانها ، إنما هو كترقيع الثوب الذي إن لم ~~تتشابه رقاعه ، ولم تتقارب أجزاؤه ، خرج عن حد الجدة ، وتغير حسنه ، كما ~~PageV07P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" قال الشاعر : إن الجديد إذا ما زيد في خلق . ~~. . يبين للناس أن الثوب مرقوع انتهى ما أورده ابن عبد ربه . وقال المولى ~~الفاضل شهاب الدين محمود الحلبي : ومما يتعين على الكاتب استعماله ، ~~والمحافظة عليه ، والتمسك به ، إعطاء كل مقام حقه ، فإذا كتب في أوقات ~~الحروب إلى نواب الملك عنه ، وإلى مقدمي الجيوش والسرايا ، فليتوخ الإيجاز ~~والألفاظ البليغة الدالة على القصد من غير تطويل ولا بسط يضيع المقصد ، ~~ويفصل الكلام بعضه من بعض ، ولا تهويل لأمر العدو يضعف به القلوب ، ولا ~~تهوين لأمر يحصل به الاغترار . وذكر لذلك أمثلة ms1529 من إنشائه . قال : فمن ذلك ~~صورة كتاب أنشأته إلى مقدم سرية كشف - ولم أكتب به - وهو : لازال أخف في ~~مقاصده من وطأة ضيف ، وأخفى في مطالبة من زورة طيف ، وأسرع في تنقله من ~~سحابة صيف ، وأروع للعدا في تطلعه من سلة سيف ، حتى يعجب عدو الدين في ~~الاطلاع على عوراته من أين دهي وكيف ؟ ويعلم أن من أول قسمته اللقاء حصل ~~عليه في مقاصده الحيف ؛ أصدرناها إليه نحثه على الركوب بطائفة أعجل من ~~السيل ، وأهول من الليل ، وأيمن من نواصي الخيل ؛ وأقدم من النمر ، وأوقع ~~على المقاصد من الغيث المنهمر ، وأروغ في مخاتلة العدا من الذئب الحذر ؛ ~~على خيل تجري ما وجدت فلاه ، وتطيع راكبها مهما أراد منها سرعة أو أناة ، ~~تتنسم الحبال الصم كالوعل ، وإذا جارتها البروق غدت وراءها " تمشي الهوينا ~~كما يمشي الوجى الوجل " وليكن كالنجم في سراه ، وبعد ذراه ؛ إن جرى فكسهم ، ~~وإن خطر فكوهم ؛ وإن طلب فكالليل الذي هو مدرك ، وإن طلب فكالجنة التي لا ~~يجد ريحها مشرك ؛ حتى يأتي على عدو من كل شرف ، ويرى جمعه من كل طرف ، ولا ~~يسرف في الإقامة عليه إلا إذا علم أن الخير في السرف ؛ وليحرز جمعهم ، ~~ويسبق إلى التحرز منهم بصرهم وسمعهم ؛ وينظرهم بعين منعها الحزم أن ترى ~~العدد الكثير قليلا ، وصدها العزم أن ترى العدو الحقير جليلا ؛ بل ترى ~~الأمر على فصه ، وتروي الخبر PageV07P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" على نصه ؛ وإن وجد مغررا فليأخذ خبره ، إن ~~قدر على الإتيان بعينه وإلا فليذهب أثره ؛ ولا يهيج فيما لديه نار حرب إلا ~~بعد الثقة بإطفائها ، ولا يوقظ عليه عين عدو مهما ظهر له أن المصلحة في ~~إغفائها ؛ وليكشف من أمورهم ما يبدي عند الملتقى عورتهم ، ويخمد في حالة ~~الزحف فورتهم ؛ وليجعل قلبه في ذلك ربيئة طرفه ، وطليعة طرفه ، وسرية كشفه ~~والله تعالى يمده بلطفه ، ويحفظه بمعقبات من بين يديه ومن خلفه . وإذا كتب ~~عن الملك في أوقات حركات العدو إلى أهل الثغور يعلمهم بالحركة للقاء العدو ~~، فليبسط القول في وصف ms1530 العزائم ، وقوة الهمم ، وشدة الحمية للدين ، وكثرة ~~العساكر والجيوش ، وسرعة وطي المراحل ، ومعالجة العدو ، وتخييل أسباب النصر ~~، والوثوق بعوائد الله في الظفر ، وتقوية القلوب منهم ، وبسط آمالهم ، ~~وحثهم على التيقظ ، وحضهم على حفظ ما بأيديهم ، وما أشبه ذلك ، ويبرزه في ~~أمتن كلام وأجله وأمكنه ، وأقربه من القوة والبسالة ، وأبعده من اللين ~~والرقة ، ويبالغ في وصف الإنابة إلى الله تعالى ، واستنزال نصره وتأييده ، ~~والرجوع إليه في تثبيت الأقدام ، والاعتصام به في الصبر ، والاستعانة به ~~على العدو ، والرغبة إليه في خذلانهم ، وزلزلة أقدامهم ، وجعل الدائرة ~~عليهم ، دون التصريح بسؤال بطلان حركتهم ، ورجاء تأخرهم ، وانتظار العرضيات ~~في خلفهم ، لما في ذلك من إبهام الضعف عن لقائهم واستشعار الوهن والخوف ~~منهم ، وليسلك في مثل ذلك كما سلك المولى شهاب الدين محمود في نحو ما كنب ~~في صدر كتاب سلطاني إلى بعض نواب الثغور عند حركة العدو ، فإنه قال : ~~أصدرناها ومنادي النفير قد أعلن : يا خيل الله اركبي ، ويا ملائكة الرحمن ~~اصحبي ويا وفود الظفر والتأييد اقربي ؛ والعزائم قد ركضت على سوابق الرعب ~~إلى العدا والهمم قد نهضت إلى عدو الإسلام فلو كان في مطلع الشمس لاستقربت ~~ما بينها وبينه من المدى ؛ والسيوف قد أنفت من الغمود فكادت تنفر من قربها ~~، والأسنة قد ظمئت إلى موارد القلوب فتشوقت إلى الارتواء من قلبها ؛ ~~والكماة قد زأرت كالليوث إذا دنت من فرائسها ، والجياد قد مرحت لما عودتها ~~من الانتعال بجماجم الأبطال فوارسها ؛ والجيوش قد كاثرت النجوم أعدادها ، ~~وسايرتها للهجوم على أعداء الله من ملائكة الكرام أمدادها ؛ والنفوس قد ~~أضرمت الحمية نار غضبها ، PageV07P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" وعداها حر الإشفاق على ثغور المسلمين عن برد ~~الثغور وطيب شنبها ، والنصر قد أشرقت في الوجود دلائله ، والتأييد قد ظهرت ~~على الوجوه مخايله ، وحسن اليقين بالله في إعزاز دينه قد أنبأت بحسن المآل ~~أوائله ؛ والألسن باستنزال نصر الله لهجه والأرجاء بأرواح القبول أرجه ، ~~والقلوب بعوائد لطف الله بهذه الأمة مبتهجه والحماة وما منهم إلا من استظهر ~~بإمكان قوته وقوة إمكانه ، والأبطال وليس ms1531 فيهم من يسأل عن عدو بل عن مكانه ~~؛ والنيات على طلب عدو الله حيث كان مجتمعه والخواطر مطمئنة بكونها مع الله ~~بصدقها ، ومن كان مع الله كان الله معه ؛ وما بقي إلا طي المراحل ، والنزول ~~على أطراف الثغور نزول الغيث على البلد الماحل ؛ والإحاطة بعدو الله من كل ~~جانب ، وإنزال نفوسهم على حكم الأمرين الأمرين : من عذاب واصب ، وهم ناصب ؛ ~~وإحالة وجودهم إلى العدم ، وإجالة السيوف التي إن أنكرتها أعناقهم فما ~~بالعهد من قدم ؛ واصطلامهم على أيدي العصابة المؤيدة بنصر الله في حربها ، ~~وابتلائهم من حملاتها بريح عاد التي تدمر كل شيء بأمر ربها ؛ فليكن مرتقبا ~~لطلوع طلائعها عليه ، متيقنا من كرم الله استئصال عدوه الذي إن فر أدركته ~~من ورائه ، وإن ثبت أخذته من بين يديه ؛ وليجتهد فبه حفظ ما قبله من ~~الأطراف وضمها ، وجمع سوام الرعايا من الأماكن المتخوفة ولمها ، وإصلاح ما ~~يحتاج إلى إصلاحه من مسالك الأرباض المتطرفة ورمها ، فإن الاحتياط على كل ~~حال من آكد المصالح الإسلامية وأهمها ؛ فكأنه بالعدو وقد زال طمعه ، وزاد ~~ظلعه ؛ وذم عقبى مسيره ، وتحقق سوء منقلبه ومصيره ، وتبرأ منه الشيطان الذي ~~دلاه بغروره ، وأصبح لحمه موزعا بين ذئاب الفلا وضباعها ، وبين عقبان الجو ~~ونسوره ؛ ثقة من وعد الله الذي تمسكنا منه باليقين ، وتحققنا أن الله ينصر ~~من ينصره وأن العاقبة للمتقين . قال : وزيادة البسط في ذلك ونقصها بحسب ~~المكتوب إليه . وإذا كتب في التهاني بالفتوح ، فليس إلا بسط الكلام ، ~~والإطناب في شكر نعم الله ، والتبرؤ من الحول والقوة إلا به ، ووصف ما أعطى ~~من النصر ، وذكر ما منح من الثبات ، وتعظيم ما يسر من الفتح ؛ ثم ما وصف ~~بعد ذلك من عزم وإقدام وصبر وجلد عن الملك وعن جيشه حسن وصفه ، ولاق ذكره ، ~~وراق التوسيع فيه ، وعذب بسط الكلام فيه ؛ ثم كلما اتسع مجال الكلام في ذكر ~~الواقعة ووصفها كان أحسن وأدل على البلاغة ، وأدعى لسرور المكتوب إليه ، ~~وأحسن لموقع المنة عنده ، وأشهى إلى سمعه ، وأشفى لغليل تشوقه إلى معرفة ~~الحال ms1532 على جليته ، ولا بأس بتهويل أمر PageV07P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" العدو ، ووصف جمعه وإقدامه ، فإن تصغير أمره ~~تحقير للظفر به ؛ وقد ذكرنا في باب التهاني من ذلك ما تقدم شرحه ، فلنذكر ~~في هذا الموضع من كلامه فيه ما لم نورده في باب التهاني ؛ قال : وإن كان ~~المكتوب إليه ملكا صاحب مملكة منفردة تعين أن يكون البسط أكثر ، والإطناب ~~أمد ، والتهويل أبلغ ، والشرح أتم ؛ فمن ذلك فصل كتبته في جواب ابن الأحمر ~~صاحب غرناطة من جزيرة الأندلس ، قال : أما بعد حمد الله الذي أيدنا بجنوده ~~، وأنجز لنا من نصر الأمة صادق وعوده وخصنا من استدامة الفتوح بمزايا مزيده ~~، وأيدنا بنصره ، ونصرنا بتأييده والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف رسله ~~، وخاتم أنبيائه ، وأكرم عبيده ، وأعز من دعا الأمم وقد أنكرت خالقها إلى ~~الإقرار بتوحيده ، وعلى آله وصحبه الذين أشرق أفق الدين منهم بكواكب سعوده ~~؛ فإنا أصدرناها ونعم الله تعالى بنا مطيفه ، ومواقع نصره عندنا لطيفه ، ~~وجنود تأييده لممالك الأعداء إلى ممالكنا الشريفة مضيفه ، وثغور الإسلام ~~بذبنا عن دين الله منيره ، وبإعلائنا منار الهدى منيفه ؛ ونحن نحمد الله ~~على ذلك حمدا نستدر به أخلاف الظفر ، ونستديم به مواد التأييد على من كفر ؛ ~~ونستمد به عوائد النصر التي كم أقدمها علينا إقدام ، وأسفر لنا عنها وجه ~~سفر ؛ ونهدي إليه ثناء تعبق بنشر الرياض خمائله ، وتنطق بمحض الوداد مخايله ~~، وتشرق على أفق مفاخره غدواته وأصائله ؛ يشافه مجده بمصونه ، ويصارح فخره ~~بمكنونه ، ويجلو على حضرته العلية عقائل الشرف من أبكار الهناء وعونه ؛ ~~ونبدي لعلمه الكريم ورود كتابه الجليل مسفرا عن لوامع صفائه ، منبئا بجوامع ~~وده ووفائه ؛ مشرقا بلآلىء فرائده ، محدقا بروض كرمه الذي سعد رأي رائده ، ~~محتويا على سروره بما بلغه من أنباء النصرة التي سارت بها إليه سرعان ~~الركبان ، وذلت بعز ما تلي منها عليه عباد الصلبان ؛ وطبق ذكرها المشارق ~~والمغارب ، ومزقت مواكب أعداء الله التتار وهم في رأي العين أعداد الكواكب ~~، وخلطت التراب بدمائهم حتى لم يبح بها التيمم ، ومزجت بها الفرات حتى ما ~~تحل ms1533 لشارب ؛ وهي النصرة التي لا يدرك الوصف كنهها ، ولا تعرف لها البلاغة ~~مشبها فتذكر شبهها ؛ ولا يتسع نطاق النطق لذكرها ، ولا تنهض الألسنة على ~~طول الأبد بشكرها ؛ فإن التتار المخذولين أقبلوا كالرمال ، واصطفوا كالجبال ~~؛ وتدفقوا كالبحار الزواخر ، وتوالوا كالأمواج التي لا يعرف لها الأول من ~~الآخر ؛ فصدمتهم جيوشنا المنصورة صدمة بددت شملهم ، وعلمت الطير أكلهم ؛ ~~وحصرتهم في PageV07P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" الفضاء ، وطالبت أرواحهم الكافرة بدين دينها ~~وأسرفت في الاقتضاء ؛ وحصدت منهم سيوفنا المنصورة ما يخرج عن وصف الواصف ، ~~ومزقت بقيتهم في الفلوات فكانوا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ؛ وأحاطت ~~بهم كتائبنا المنصورة فلم ينج إلا من لا يؤبه له من فريقهم ، وقسمتهم ~~جيوشنا المؤيدة من الفلوات إلى الفرات بين القتل والأسر ، فلم يخرج عن تلك ~~القسمة غير غريقهم ؛ وأعقبتهم تلك الكسرة أن هلك طاغيتهم أسفا وحسره ، ~~وحزنا على من قتل من تلك المقاتلة ، وأسر من تلك الأسره ، وأماته الرعب من ~~جيوشنا المنصورة فجاءه ، واستولى عليه الوجل فجاءه من أمر الله ما جاءه ؛ ~~وقعد أخوه بعده مكانه ، والخوف من عساكرنا يضعضع أركانه ، والفرق من جيوشنا ~~يفرق أعوانه ، ويمزق إخوانه ، ويوهي سلطانه ويبرئ منه شيطانه ؛ فلاذ ~~بالالتجاء إلى سلمنا ، وعاذ بإسناد الرجاء إلى كفنا عنه وحلمنا ؛ فكرر رسله ~~ورسائله مستعطفا ، ووالى كتبه ووسائله مستعفيا من حربنا ومستسعفا ؛ وها هو ~~الآن وجنوده يتوسلون بالخضوع إلى مراحمنا ، ويتوصلون ببذل الطاعة إلى ~~مكارمنا ؛ ويسألون صفح الصفاح الإسلامية عن رقابهم ، ويبدون ما أظهره الله ~~عليهم من الذل الذي جعلته تلك النصرة خالدا في أعقابهم ؛ وسيوفنا تأبى قبول ~~وسائلهم ، وتصر على نهر سائلهم ، وتمنع من الكف عن مقاتلهم ، وتأنف أن تغمد ~~إلا في قمم محاربهم ومقاتلهم ؛ ونحن على ما نحن من الأهبة لغزوهم في عقر ~~دارهم ، وانتزاع مواطن الخلافة وغيرها من ممالك الإسلام من بين نيوبهم ~~وأظفارهم ، مستنصرين بالله على من بقي في خط المشرق منهم ، قائمين فيهم ~~بفرض الجهاد الذي لولا دفاع الله به لم يمتنع خط المغرب عنهم ؛ " ولينصرن ~~الله من ينصره " ولو ms1534 عددنا نعم الله علينا حاولنا عد ما لا نحصيه ولا نحصره ~~. وإن اضطر أن يكتب بمثل ذلك إلى ملك غير مسلم لكنه غير محارب ، فالحكم في ~~ذلك أن يذكر من أسباب المودة ما يقتضي المشاركة في المسار ، وأن أمر هذا ~~العدد مع كثرته أخذ بأطراف الأنامل ، وآل أمره إلى ما آل ، ويعظم ذكر ما ~~جرى عليه من القتل والأسر ، وتلك عوائد نصر الله ، وانتقامه ممن عادانا ؛ ~~فمن ذلك ما أشنأه المشار إليه لبعض ملوك البحر - ولم يكتب به - وهو : صدرت ~~هذه المكاتبة مبشرة بما منحنا الله من نصرة أجزل الصفاء منها سهمه ، وأكمل ~~الوفاء من التهنئة بها قسمه ؛ وخصه الوداد بأجل أجزائها ، وأجلسه الاتحاد ~~على أسرة مسرتها إذا أجلس العناد غيره على بساط عزائها ؛ علما بأنه الصديق ~~PageV07P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" الذي تبهجه مسار صديقه ، والصاحب الذي يرى ~~مساهمة صاحبه في بشرى الظفر بأعدائه أدنى حقوقه ؛ وذلك أنه قد علم ما كان ~~من أمر هؤلاء التتار في حركاتهم الذميمة ، وعزماتهم التي ما اختلفوا لها ~~إلا وكان أحد سلاحهم فيها الهزيمة ، وغاراتهم التي ما حشدوا لها إلا وقنعوا ~~فيها بالإياب من الغنيمة ؛ وأنهم ما أقدموا علينا إلا وعدموا ، ولا سلكوا ~~إلينا إلا وهلكوا ؛ حتى إن الأرض إلى الآن لم تجف من دمائهم ، وإن الفرات ~~يكاد يشف للمتأمل عن أشلائهم ؛ وأن الشيطان يعد ذلك جدد طمعهم ، وسكن هلعهم ~~، وأنساهم مصارع إخوانهم ، وأسلاهم بما زين لهم من بلوغ أوطارهم عن أوطانهم ~~؛ وقال لهم : لا غالب لكم اليوم من الناس ، وتلك الوقائع التي أصبتم فيها ~~قد لا يجري الأمر فيها على القياس ؛ وحسن لهم المحال وغرهم وجرأهم على قصد ~~البلاد المحروسة ، وفي الحقيقة استجرهم ؛ فحشدوا جموعهم وجمعوا حشودهم ، ~~واستفرغوا في الاستنفار والاشتظهار طاقتهم ومجهودهم ؛ ومالأهم على ذلك من ~~المجاورين من أبطن شقاقه ، وكتم نفاقه ، وأنساه الشيطان ما سلف من تنفيسنا ~~عنه وقد لازم الحتف خناقه ؛ ونحن في ذلك نوسعهم إمهالا ، ونبسط لهم في ~~التوغل آمالا ، ونأخذ أمرهم بالأناة استدراجا لهم لا إهمالا ؛ إلى أن بعدوا ms1535 ~~عن مواطن الهرب ، وحصل من استدراجهم الأرب ، فوثبنا عليهم وثوب الليث إذا ~~ظفر بصيده ، ونهضنا نحوهم نهوض الحازم إذا وقع عدوه في أحبولة كيده ؛ ~~وصدمتهم جيوشنا المنصورة صدمة فللت غربهم ، وأبطلت طعنهم وضربهم ، وصبغت ~~بدمائهم تربهم ؛ وحكمت السيوف في مقاتلهم ، ومكنت الحتوف من صاحب رأيهم ~~ومقاتلهم ؛ وسلطت العدم على وجودهم ، وحطتهم عن سروجهم إلى مصارعهم أو ~~قيودهم ؛ " فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين " وعادوا على عادتهم خاسئين ، ~~ورجعوا على أعقابهم خاسرين ؛ وما أغنى عنهم جمعهم ، وما أفادهم بصرهم فيما ~~شاهدوه من قبل ولا سمعهم ؛ فركن من بقي منهم إلى الفرا ، وعاذ ببرد الهرب ~~من لهب تلك السيوف الحرار وظن من انهزم منهم أنه فات الرماح ، فتناولته ~~بأرماح من العطش القفار ؛ فولوا والرعب يزلزل أقدامهم ، والذعر يقلل ~~إقدامهم ؛ والصفاح تتخطفهم من ورائهم والجراح تطمع الطير في أكلهم حتى تقع ~~على أحيائهم ؛ حتى أصبحوا هشيما تلعب بهم الصبا والدبور ، أو أحياء يئس ~~منهم أهلهم " كما يئس الكفار من أصحاب القبور " وصفحنا عمن نافقنا ووافقهم ~~ولولا ذلك لما نجا ، ورجا عواطفنا في الإبقاء على نفسه ، فأجابه حلمنا - ~~وعلمنا أنه في القبضة - PageV07P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" إلى ما رجا ، فليأخذ الملك حظه من هذه البشرى ~~التي تسر قلب الولي المحب بوادرها ، وتشرح صدر الحفي المحق مواردها ~~ومصادرها ؛ والله تعالى يبهجه عنا بسماع أمثالها ، ويديم سروره بما جلوناه ~~عليه من مثالها . قال : فإن كان المكتوب إليه متهما بممالأة العدو كتب إليه ~~بما يدل على التفريع والتهكم ، وإبراز التهديد في معرض الإخبار ، كما كتب ~~المشار إليه عن السلطان إلى ممتلك سيس - وكان قد شهد الوقعة مع العدو - قال ~~منه : بصره الله برشده ، وأراه مواقع غيه في الإصرار على مخالفته ونقض عهده ~~وأسلاه بسلامة نفسه عمن روعته السيوف الإسلامية بفقده ، صدرت تعرفه أنه قد ~~تحقق ما كان من أمر العدو الذي دلاه بغروره ، وحمله التمسك بخداعه على ~~مجانبة الصواب في أموره ؛ وأنهم استنجدوا بكل طائفة ، وأقدموا على البلاد ~~الإسلامية بنفوس طامعة وقلوب خائفة ؛ وذلك بعد أن أقاموا مدة يشترون ~~المخادعة ms1536 بالموادعة ، ويشرون المصارمة في المسالمة ؛ ويظهرون في الظاهر ~~أمورا ، ويدبرون في الباطن أمورا ، ويعدون كل طائفة من أعداء الدين مثله ~~ويمنونهم " وما يعدهم الشيطان إلا غرورا " ؛ وكنا بمكرهم عالمين ، وعلى ~~معالجتهم عاملين ، وحين تبين مرادهم وتكمل احتشادهم ؛ استدرجناهم إلى ~~مصارعهم ، واستجريناهم ليقربوا في القتل من مضاجعهم ، ويبعدوا في الهرب عن ~~مواضعهم ؛ وصدمناهم بقوة الله صدمة لم يكن بها قبل ، وحملنا عليهم حملة ~~ألجأهم طوفانها إلى ذلك الجبل ، وهل تعصم من أمر الله حيل ؟ فحصرناهم في ~~ذلك الفضاء المتسع ، وضايقناهم كما قد رأى ومزقناهم كما قد سمع ، وأنزلناهم ~~على حكم السيف الذي نهل من دمائهم حتى روي وأكل من لحومهم حتى شبع ، ~~وتبعتهم جيوشنا المنصورة تتخطفهم رماحها ، وتتلقفهم صفاحها ، ويبددهمفي ~~الفلوات رعبها ، ويفرقهم في القفار طعنها المتدارك وضربها ؛ ويقتل من فات ~~السيوف منهم العطش والجوع ، ويخيل للحي منهم أن وطنه كالدنيا التي ليس ~~للميت إليها رجوع ؛ ولعله قد رأى ذلك فوق ما وصف عيانا ، وتحقق من كل ما لا ~~يحتاج أن نزيده به علما ولا نقيم له عليه برهانا ؛ وقد علم أن أمر هذا ~~العدو المخذول مازال معنا على هذه الوتيرة ، وأنهم ما أقدموا إلا ونصر الله ~~عليهم في مواطن كثيرة ؛ وما ساقتهم الأطماع في وقت إلا إلى حتوفهم ، ولا ~~عاد منهم قط في PageV07P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" وقعة إلا آحاد عن مصارع ألوفهم ؛ ولقد أضاع ~~الحزم من حيث لم يستدم نعم الله عليه بطاعتنا التي كان في مهاد أمنها ، ~~ووهاد يمنها ؛ وحماية عفوها ، وبرد رأفتها التي كدرها بالمخالفة بعد صفوها ~~؛ يصون رعاياه بالطاعة عن القتل والإسار ، ويحمي أهل ملته بالجذر م الحركات ~~التي ما نهضوا إليها إلا وجروا ذيول الخسار ؛ ولقد عرض نفسه وأصحابه ~~لسيوفنا التي كان من سطواتها في أمان ، ووثق بما ضمن له التتار من نصره وقد ~~رأى ما آل إليه أمر ذلك الضمان ؛ وجر لنفسه بموالاة التتار عناء كان عنه في ~~غنى ، وأوقع روحه بمظافرة المغول في حومة السيوف التي تخطفت أولياءه من هنا ~~ومن هنا ؛ واقتحم بنفسه ms1537 موارد هلاك سلبت رداء الأمن عن منكبيه واغتر هو ~~وقومه بما زين لهم الشيطان من غروره " فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه " ~~وما هو والوقوف في هذه المواطن التي تتزلزل فيها أقدام الملوك الأكاسرة ~~وأنى لضعاف النقاد قدرة على الثبات لوثبات الأسود الضارية والليوث الكاسره ~~؛ لقد اعترض بين السهم والهدف بنحره ، وتعرض للوقوف بين ناب الأسد وظفره ؛ ~~وهو يعلم أننا مع ذلك نرعى له حقوق أسلافه التي ماتوا عليها ، ونحفظ له ~~خدمة آبائه التي بذلوا نفوسهم ونفائسهم في الوصول إليها ؛ ونجريه وأهل ~~بلاده مجرى أهل ذمتنا الذين لا نؤيسهم من عفونا مهما استقاموا ، ونسلك بهم ~~حكم من في أطراف البلاد من راعايانا الذين هم في قبضتنا نزحوا أو أقاموا ؛ ~~ونحن نتحقق أنه ما بقي ينسى ملازمة ربقة الحتف خناقه ، ولا يرجع يهور نفسه ~~في موارد الهلاك ، وهل يرجع إلى الموت من ذاقه ؟ فيستدرك باب الإنابة قبل ~~أن يغلق دونه ، ويصون نفسه وأهله قبل أن تبذل السيوف الإسلامية مصونه ، ~~ويبادر إلى الطاعة قبل أن يبذلها فلا تقبل ، ويتمسك بأذيال العفو قبل أن ~~ترفع دونه فلا تسبل ؛ ويعجل بحمل أموال القطيعة وإلا كان أهله وأولاده في ~~جملة ما يحمل منها إلينا ، ويسلم مفاتح ما عدا عليه من فتوحنا ، وإلا فهو ~~يعلم أنها وجميع ما تأخر في بلاده بين يدينا ؛ ويكون هو السبب في تمزق شمله ~~، وتفرق أهله ، وقلع بيته من أصله ؛ وهدم كنائسه ، وابتذال نفسه ونفائسه ؛ ~~واسترقاق حرمه ، واستخدام أولاده قبل خدمه ؛ واقتلاع قلاعه ، وإحراق ربوعه ~~ورباعه ، وتعجيل رؤية ما أوعد به قبل سماعه ، ومن لقازان بأن يجاب إلى مثل ~~ذلك ، أو يسمح له مع الأمن من سيوفنا ببعض ما في يده من الممالك ؛ ليقنع ~~بما أبقت جيوشنا المؤيدة في يده من الخيل والخول ، ويعيش في الأمن ببعض ما ~~نسمح له به ، ومن للعور بالحول ؛ والسيوف PageV07P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" الآن مصغية إلى جوابه لتكف إن أبصر سبل ~~الرشاد ، أو تتعوض برءوس حماته وكماته عن الأغماد إن أصر على العناد ، ~~والخير يكون . به ms1538 لتكف إن أبصر سبل الرشاد ، أو تتعوض برءوس حماته وكماته ~~عن الأغماد إن أصر على العناد ، والخير يكون . أما التقاليد والمناشير ~~والتواقيع وما يتعلق بذلك - فالأحسن فيها بسط الكلام ، وتعتبر كثرته وقلته ~~بحسب الرتب ، ويجب أن يراعى فيها أمور : منها براعة الاستهلال بذكر الرتبة ~~أو الحال ، أو قدر النعمة ، أو لقب صاحب التقليد أو اسمه بحيث لا يكون ~~المطلع أجنبيا من هذه الأحوال ، ولا بعيدا منها ، ولا مباينا لها ، ثم ~~يستصحب ما سناسب الغرض ويوافق المقصد من أول الخطبة إلى آخرها ؛ قال : ~~ويحسن أن يكون الكلام في التقليد منقسما إلى أربعة أقسام متقاربة المقادير ~~، فالربع الأول الخطبة ، والثاني ذكر موقع الإنعام في حق المقلد ، وذكر ~~الرتبة وتفخيم أمرها ، والثالث في أوصاف المقلد وذكر ما يناسب تلك الرتبة ~~ويناسب حاله من عدل وسياسة ومهابة وبعد صيت ، وسمعة وشجاعة إن كان نائبا ، ~~ووصف العدل والرأي وحسن التدبير ، والمعرفة بوجوه الأموال ، وعمارة البلاد ~~، وصلاح الأحوال ، وما يناسب ذلك إن كان وزيرا ؛ وكذلك في كل رتبة بحسبها ، ~~والرابع في الوصايا ؛ ومنها أن يراعي المناسبة وما تقتضيه الحال ، فلا يعطي ~~أحدا فوق حقه ، ولا يصفه بأكثر مما يراد من مثله ، ويراعى أيضا مقدار ~~النعمة والرتبة ، فيكون وصف المنة على مقدار ذلك . ومنها أن لا يصف المتولي ~~بما يكون فيه تعريض بالمعزول وتنقص له ، فإن ذلك مما يوغر الصدور ، ويؤرث ~~الضغائن في القلوب ، ويدل على ضعف الآراء في اختيار الأول ، وله أن يصف ~~الثاني بما يحصل به المقصود من غير تعريض بالأول ؛ ومنها أن يتخير الكلام ~~والمعاني ، فإنه مما يشيع ويذيع ، ولا يعذر المقصر في ذلك بعجلة ولا ضيق ~~وقت ، فإن مجال الكلام عليه متسع ، والبلاغة تظهر في القليل والكثير ، ~~والأمر الجاري في ذلك على العادة معروف ، لكن تقع أشياء خارجة عن العادة ، ~~نادرة الوقوع ، فيحتاج الكاتب فيها إلى حسن التصرف على ما تقتضيه الحال ؛ ~~فمن ذلك تقليد من إنشاء المولى الفاضل شهاب الدين محمود الحلبي كتبه لمملك ~~سيس بإقراره على ما قاطع النهر من بلاده ms1539 ، وهو : الحمد لله الذي خص أيامنا ~~الزاهرة باصطناع ملوك الملل ، وفضل دولتنا القاهرة بإجابة من سأل بعض ما ~~أحرزته لها البيض والأسل ، وجعل من خصائص PageV07P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" ملكنا بإطلاق الممالك وإعطاء الدول ، والمن ~~بالنفوس التي جعلها النصر لنا من جملة الخول ، وأغرى عواطفنا بتحقيق رجاء ~~من مد إلى عوارفنا كف الأمل ، وأفاض بمواهب نعمائنا على من أناب إلى الطاعة ~~حلل الأمن بعد الوجل ، وانتزع بآلائنا لمن تمسك بولائنا أرواح رعاياه من ~~قبضة الأجل ، وجعل برد العفو عنه وعنهم بالطاعة نتيجة ما أذاقهم العصيان من ~~حرارة الغضب ، إذ ربما صحت الأجسام بالعلل ؛ نحمده على نعمه التي جعلت ~~عفونا ممن رجاه قريبا ، وكرمنا لمن دعاه بإخلاص الطاعة مجيبا ، وبرنا لمن ~~أقبل إليه منيبا بوجه الأمل مثيبا ، وبأسنا مصيبا لمن لم يجعل الله له في ~~التمسك بمراحمنا نصيبا ؛ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة ~~تعصم دم من تمسك بذمامها ، وتحسم مواد من عاندها بانتقام حسامها ، وتفصم ~~عرا الأعناق ممن أكمعه الغرور في انفصال أحكامها وانفصامها ، وتقصم من قصد ~~إطفاء ما أظهره الله من نورها ، وانقطاع ما قضاه من دوامها ، وتجعل كلمة ~~حملتها هي العيا ، فلا تزال أعناق جاحديها في قبضة أوليائها وتحت أقدامها ؛ ~~ونشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالهدى ودين الحق إلى كل أمه ، المنعوت ~~في الكتب المنزلة بالرأفة والرحمة ، المخصوص مع عموم بخمس منهن الرعب الذي ~~كان يتقدمه إلى من قصده ، ويسبقه مسيرة شهر إلى أمه ، المنصوص في الصحف ~~المحكمة على جهاد أمته ، الذي لا حياة لمن لم يتمسك من طاعته بذمته ؛ صلى ~~الله عليه وآله وصحبه الذين فتحوا بدعوته الممالك ، وأوضحوا بشرعته إلى ~~الله المسالك ، وجلوا بنور سنته عن وجه الزمن كل حال حالك ، وأوردوا من كفر ~~بربهم ورسله موارد المهالك ، ووثقوا بما وعد الله نبيه حين زوى له مشارق ~~الأرض ومغاربها م أن ملكهم سيبلغ ما زوى الله له من ذلك ؛ صلاة لا تزال ~~الأرض لها مسجدا ، ولا يبرح ذكرها مغيرا في الآفاق ms1540 ومنجدا ، ما استفتحت ~~ألسنة الأسنة النصر بإقامتها ، وأبادت أعداءها باستدامتها ، وسلم تسليما ~~كثيرا ؛ وبعد ، فإنه لما آتانا الله ملك البسيطه ، وجعل دعوتنا بأعنة ممالك ~~الأقطار محيطه ؛ ومكن لنا في الآفاق ، وأنهضنا من الجهاد في سبيله بالسنة ~~والفرض ، وجعل كل يوم تعرض فيه جيوشنا من أمثلة يوم العرض ؛ وأظلتنا بوادر ~~الفتوح ، وأظلت على الأعداء سيوفنا التي هي على من كفر بالله وكفر النعمة ~~دعوة نوح وأيدنا بالملائكة والروح ، على من جعل الواحد سبحانه ثلاثة فانتصر ~~بالأب والابن والروح ؛ وألقت إلينا ملوك الأقطار السلم ، وبذلت كرائم ~~بلادها رغبة في الالتحاء من عفونا إلى ظل PageV07P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" أعلى من علم ؛ وتوسل من كان منهم يظهر الغلظة ~~بالذلة والخضوع وتوصل من كان منهم يبدي القوة بالإخلاص الذي رأوه لهم أقوى ~~الجنن وأوقى الدروع ؛ عاهدنا الله تعالى ألا نرد منهم آملا ، ولا نصد عن ~~مشارع كرمنا ناهلا ؛ ولا نخيب من إحساننا راجيا ، ولا نجلي عن ظل برنا ~~لاجيا ؛ علما أن ذلك شكر للقدر التي جعلها الله لنا على ذلك الآمل ، ووثوقا ~~بأنه حيث كان في قبضتنا كما نشاء نجمع عليه الأنامل ؛ إلا أن يكون ذلك ~~اللاجئ للغل مسرا ، وعلى عدواة الإسلام مصرا ؛ فيكون هو الجاني على نفسه ، ~~والجاثي على موضع رمسه ؛ ولما كان من تقدم بالمملكة الفلانية قد زين له ~~الشيطان أعماله ، وعقد بحبال الغرور آماله ؛ وحسن له التمسك بالتتار الذين ~~هم بمهابتنا محصورون في ديارهم ، مأسورون في حبائل إدبارهم ؛ عاجزون عن حفظ ~~ما لديهم ، قاصرون عن ضبط ما استلبته سرايانا المنصورة من يديهم ؛ ليس منهم ~~إلا من له عند سيوفنا ثار ، ومن يعلم أنه لابد له عندنا من خطتي خسف : إما ~~القتل أو الإسار ؛ وحين تمادى المذكور في غيه ، وحمله الغرور على ركوب جواد ~~بغيه ؛ أمرنا جيوشنا المنصورة فجاست خلال تلك الممالك وداست حوافر خيلها ما ~~هنالك ، وساوت في عموم القتل والأسر بين العبد والحر والمملوك والمالك ؛ ~~وألحقت رواسي جبالهم بالصعيد ، وجعلت حماتهم كزروع فلاتهم منها قائم وحصيد ~~؛ فأسلمهم الشيطان ومر ، وتركهم وفر ms1541 ، وما كرهم وما كر وأعلمهم أن الساعة ~~موعدهم " والساعة أدهى وأمر " وأخلفهم ما ضمن لهم من العون وقال لهم : " ~~إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون " وكان الملك فلان ممن يريد طرق النجاة ~~فلم ير إليها بسوى الطاعة سبيلا ، ويأمل أسباب النجاح فلم يجد عليها غير ~~صدق الانتماء دليلا ؛ فأبصر بالخدمة موضع رشده ، وأدرك بسعيه نافر سعده ؛ ~~وأراه الإقبال كيف تثبت قدمه في الملك الذي زلت عنه قدم من سلف ، وأظهر له ~~الإشفاق على رعاياه مصارع من أورده سوء تدبير أخيه موارد التلف ، وعرفه ~~التمسك بإحساننا كيف احتوت يده على ما لم يبق غضبنا في يد أخيه منه إلا ~~الأسى والأسف ؛ وحسنت له الثقة بكرمنا كيف يجمل الطلب ، وعلمته الطاعة كيف ~~تستنزل عوارفنا عن بعض ما غلبت عليه سيوفنا وإنما الدنيا لمن غلب ؛ وانتمى ~~إلينا فصار من خدم أيامنا ، وصنائع إنعامنا ، وقطع علائقه من غيرنا ؛ فلجأ ~~منا إلى ركن شديد ، وظل مديد ، PageV07P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" ونصر عتيد ؛ وحرم يأوي آمله إليه ، وكرم تقر ~~نضارته ناظريه ، وإحسان يمتعه بما أقره عطاؤنا في يديه ، وامتنان يضع عنه ~~إصره والأغلال التي كانت عليه ؛ اقتضى إحساننا أن نغضي له عن بعض ما حلت ~~جيوشنا ذراه وحلت سطوات عساكرنا عراه ؛ وأضعفت عزمات سرايانا قواه ، ونشرت ~~طلائع جنودنا ما كان ستره صفحنا عنهم من عورات بلادهم وطواه ؛ وأن نخوله ~~بعض ما روت خيولنا مناهله ، ووطئت جيادنا غاربه وكاله ؛ وسلكت كماتنا فملكت ~~دارسه وآهله ؛ وأن نبقي مملكة البيت الذي مضى سلفه في الطاعة عليه ، ويستمر ~~ملك الأرمن الذي أهمل السعي في مصالحه بيديه ، ليتيمن رعاياه به ، ويعلموا ~~أنهم أمنوا على أرواحهم وأولادهم بسببه ؛ ويتحققوا أن أثقالهم بحسن توصله ~~إلى طاعتنا قد خفت ، وأن بوادر الأمن بلطف توسله إلى مراضينا قد أطافت بهم ~~وحفت وأن سيوفنا التي كانت مجردة على مقاتلهم بجميل استعطافه قد كفتهم ~~بأسنا وكفت وأن سطواتنا الحاكمة على أرواحهم قد عفت عنهم بملاطفته وعفت ؛ ~~فرسم أن يقلد كيت وكيت من المملكة الفلانية ، ويستقر بيده ms1542 استقرارا لا ~~ينازع في استحقاقه ولا يعارض فيما سبق من إعطائه وإطلاقه ؛ ولا يطالب عنه ~~بقطيعه ، ولا يطلب منه بسببه غير طوية مخلصة ونفس مطيعة ؛ ولا يخشى عليه ~~يدا جائرة ، ولا سرية في طلب الغرة سائره ؛ ولا يطرق كناسه أسد جيوش مفترسة ~~، ولا سباع نهاب مختلسة ؛ بل تستمر بلاده المذكورة في ذمام رعايتنا ، ~~وحصانه عنايتنا ؛ وكنف إحساننا ، ووديعة برنا وامتناننا ؛ لا تطمح إليها ~~عين معاند ، ولا يمتد إليها إلا ساعد مساعد ، وعضد معاضد ؛ فليقابل هذه ~~النعمة بشكر الله الذي هداه إلى الطاعة وصان بإخلاص ولائه نفسه بلاده من ~~الإضاعة ؛ وليقرن ذلك بإصفاء موارد المودة ، وإضفاء ملابس الطاعة التي لا ~~تزداد بحسن الوفاء إلا جده ؛ واستمرار المناصحة في السر والعلن ، واجتناب ~~لمخادعة ما ظهر منها وما بطن ، وأداء الأمانة فيما استقر معه لحلف عليه ، ~~ومباينة ما يخشى أن يتوجه بسببه وجه عتب إليه ؛ واستدامة هذه النعمة بحفظ ~~أسبابها ، واستقامة أحوال هذه المنة برفض موجبات الكدر واجتنابها ، وإخلاص ~~النية التي لا تعتبر ظواهر الأحوال الصالحة إلا بها . PageV07P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" ومن تقليد كتبه المشار إليه أيضا لسلامش ~~بمملكة الروم حين ورد كتابه يسأل ذلك قبل حضوره ، أوله . الحمد لله الذي ~~أيدنا بنصره ، وأمدنا من جنود الظفر بما لم يؤت ملك في عصره ، وجعل مهابتنا ~~قائمة في جهاد عدو الدين ، إن قرب مقام كسره ، وإن بعد مقام حصره ، ونشر ~~دعوة ملكنا في الأقطار كلها إذا اقتصرت دعوة غيرنا من ملوك الأمصار على ~~مصره ، وأنجد من نادانا بلسان الإخلاص من جنود الله وجنودنا بالجيش الذي لم ~~تزل أرواح العدا بأسرها في أسره ، وعضد من تمسك بطاعة الله وطاعتنا من ~~إجابة عساكرنا بما هو أقرب إلى مقاتل عدوه من بيضه المرهفة وسمره ، وأعاد ~~بنا من حقوق الدين كل ضالة ملك ظن العدو أن أمره غالب عليها والله غالب على ~~أمره ؛ فجنودنا إلى نصرة من دعاها بالإيمان أقرب من رجع نفسه إليه ، وأسرع ~~من رد الصدى جوابه عليه ؛ وأسبق إلى عدو الدين من مواقع عيانه ، وأقدر ms1543 على ~~التصرف في أرواح أهل الشرك من تصرف الكمي في عناه ؛ وأذب عن حمى الدين من ~~الجفون عن نواظرها ، وأضرى على نفوس المعتدين من أسود عنت الفرائس لكواسرها ~~؛ قد عودها النصر الإلهي ألا تسل ظباها فتغمد حتى تستباح ممالك ، وضمن لها ~~الوعد المحمدي أنها الطائفة الذين لا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة حتى ~~يأتي أمر الله وهم على ذلك ؛ نحمده على نعمه التي لم نزل نصون بها حمى ~~الدين ونصول ، وتقلد بيمنها من لجأ إلينا سيف نصر يصدع به ليل العدا ولو أن ~~النجوم نصول ، ونورد باسمها من انتصر بنا مورد عز يحرمه لمع الأسنة فوقه ، ~~فليس لظمآن من العدا إليه وصول ؛ وبعد ، فإن أولى من أصغت عزائمنا الشريفة ~~إلى نداء إخلاصه ، وأجابت مكارمنا العممة دعاء تميزه بالولاء واختصاصه ، ~~وقابلت مراسمنا انتصاره في الدين بالنفير لإعانته على ما ظفر باقتلاعه من ~~يد الكفر واقتناصه ، وتكفلت له مهابتنا بالأمن على ملك مذ وسمه باسمنا ~~الشريف يئس العدو من استخلاصه ؛ وأجيبت كتبه في الاستنجاد بسرعان الكتائب ، ~~ولمعان القواضب ، وتتابع أمداد جيوشنا التي تنوء بحملها كواهل المشارق ~~والمغارب ، وتدفق أمواج عساكرنا التي تنشد طلائعها ملوك العدا : " أين ~~الفرار ولا مفر لهارب " وتألق بروق النصر من خفق ألويتنا الشاهدة بأن ~~قبيلنا " إذا ما التقى الجمعان أول غالب " PageV07P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" ومنه : وفوضت إليه مراسمنا الحكم في الرعايا ~~بالعدل والإحسان ، وقلدته أوامرنا من عقود النظر في تلك الممالك ما تود ~~جباه الملوك لو حلت بدرها معاقد التيجان ، وعلقت به من الأوامر ما بنا تنفذ ~~مواقعه ، وكذا الأمور المعتبرة لا تنفذ إلا بسلطان ؛ من ألقى الله الإيمان ~~في قلبه ، وهداه إلى دين الإسلام فأصبح فيه على بينة من ربه ، وأراد به ~~خيرا فنقله من حزب الشيطان إلى حزبه ، وأنفذه بطاعته من موارد الهلاك بعد ~~أن كان قد أذن بحرب من الله ورسوله ، ولقد خسر الدين والدنيا والآخرة من ~~أذن من الله بحربه ؛ وأيقظه من طاعتنا التي أوجبها على الأمم لما أبصر به ~~رشده ، ورأى قصده وعلم ms1544 به أن الذي كان فيه كسراب بقيعة لم يجده شيئا ، وأن ~~الذي انتقل إليه وجد الله عنده ؛ وأنهضه من موالاتنا بما حتم به النهوض على ~~كل من كان مسلما ، وأخرجه بنور الهدى من عداد أعدائه الذين تركهم خوفنا " ~~كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما " وأراه الرشد ما علم به أن الله ~~تعالى أورثنا ملك الإسلام فبطاعتنا يتم الانتماء إليه ، وأعطانا مقاليد ~~البسيطة فمن اغتصب منها شيئا انتزعه الله لنا بجنوده المسومة من يديه ؛ ~~فلجأ من أبوابنا العالية إلى الظل الذي يلجأ إليه كل ذي منبر وسرير ، ورجا ~~من كرمنا الاعتصام بجيوشنا التي ما رمينا بها عدوا إلا ظن أن الرمال تسيل ~~والجبال تسير ؛ وتحيز منا إلى فئة الإسلام ، وانتصر بسوفنا التي هو يعلم ~~كيف يسلها على العدا الأحلام ؛ ومت إلينا بذمة الإسلام وهي عندنا أبر الذمم ~~، وطلب تقليده الحكم منا من عرف بإعاذته النظرات الصادقة أنه كان يحسب ~~الشحم فيمن شحمه ورم ؛ وعقد بنا بناء رجائه ، وهل لمسلم عن ملك الإسلام من ~~معدل ؟ وأنزل بنا ركائب آماله ، وهل بعد رامة لمرام من منزل ؟ فتلقت نعمنا ~~كرائم قصده بالترحيب ، وأحلت وفادة انتمائه بالحرم الذي شأوه بعيد ونصره ~~قريب ؛ وتسارعت إلى نصرته جنودنا التي أيامها مشهورة في PageV07P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" عدوها ، وآثارها مشكورة في رواحها وغدوها ، ~~وأعلامها منصورة في انتزاحها ودنوها ؛ وتتابعت يتلو بعضها بعضا تتابع ~~الغمام المتراكم ، والموج المتلاطم ؛ تقدم عليه بالنصر القريب من الأمد ~~البعيد ، وتعلم بوادرها أن طلائعها عنده وساقتها بالصعيد ؛ ولما كان فلان ~~هو الذي أراد الله به من الخير ما أراد ، ووطد له بعنايته أركان الرشاد ؛ ~~وجعل له بعد الجهل به علما ، وتداركه برحمته ، فما أمسى للإسلام عدوا حتى ~~أصبح هو ومن معه له سلما ؛ " قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا " وبكرمه ~~العميم فليفسحوا صدورهم ويشرحوا ، وبإرشاده الجلي وهدايته فليدعوا قومهم ~~إلى ذلك وينصحوا ؛ وحين وضحت له هذه الطرق أرشدته من خدمتنا الشريفة إلى ~~الطاعة ، ودلته على موالاة ملك الإسلام التي من لم يتمسك بها فقد ms1545 فارق ~~الجماعة ؛ فإن الله تعالى قرن طاعته وطاعة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بطاعة أولي الأمر ، وحث على ملازمة الجماعة في وقت يكون المتمسك فيه بدينه ~~كالقابض على الجمر ؛ وهذا فعل من أراد الله به خيرا ، وسعى من يحسن في دين ~~الله سيرة وسيرا ؛ ولذلك اقتضت آراؤنا الشريفة إمضاء عزمه على الجهاد ~~بالإيجاد ، وإنفاذ سهمه في أهل العناد بالإسعاف والإسعاد ؛ أرسلنا الجيوش ~~الإسلامية كما تقدم شرحه يطئون الصحاصح ، ويستقربون المدى النازح ، ويأخذون ~~كل كمي فلو استطاع السماك لم يتسم بالرامح ، ويحتسبون الشقة في طلب عدو ~~الإسلام علما أنهم لا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا ~~كتب لهم به عمل صالح ؛ فرسم بالأمر الشريف - لازال يهب الدوال ، ويقلد ~~أجياد العظماء ما تود لو تحلت ببعض فرائده تيجان الملوك الأول - أن تفوض ~~إليه نيابة الممالك الفلانية تفويضا يصون به قلاعها ، ويصول بمهابته على من ~~حاول انتزاعها من يده واقتلاعها ؛ ويجريها على ما ألفت ممالكنا من أمن لا ~~يروع سربه ، ولا يكدر شربه ؛ ولا يوجد فيه باغ تخاف السبيل بسببه ، ولا من ~~يجرد سيف بغي وإن جرده قتل به ؛ وليحفظ من الأطراف ما استودعه الله وهذا ~~التقليد الشريف حفظه ، وليعمل في قتال محاربته من العدا بقوله تعالى : " يا ~~أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة " ~~PageV07P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" ومنه : وليعلم أن جيوشنا في المسير إليه متى ~~قصدت عدوا سابقت خيولها خيالها ، وجارت جيادها ظلالها ، وأنفت سنابكها أن ~~تجعل غير جماجم الأعداء نعالها ؛ وها هي قد تقدمت ونهضت لإنجاده ، فلو ~~سامها أن تخوض البحار في سبيل الله لخاضت ، أو تصدم الجبال لصدمت . ومنه : ~~والشرع الشريف مهمه المقدم ، وأمره السابق على كل ما تقدم ؛ فليعل مناره ، ~~ويستشف من أموره أنواره ؛ وينفذ أحكامه ، ويعاضد حكامه ؛ ومن عدل عن حكمه ~~معاندا ، أو ترك شيئا من أحكامه جاحدا ؛ فقد برئت الذمة من دمه حتى يفيء ~~إلى أمر الله ، ويرجع عن عناده وينيب إلى الله ؛ فإن الله يهدي إليه من ~~أناب " وهو ms1546 الذي يقبل التوبة عن عباده " وأما الرسائل التي تتضمن أوصاف ~~السلاح وآلات الحرب وأوصاف الخيل والجوارح وأنواع الرياضات وما أشبه ذلك ، ~~فالكاتب فيه مطلق العنان ، مخلي بينه وبين فصاحته ، وموكول إلى اطلاعه ~~وبلاغته ؛ وقد تقدم من أوصاف السلاح ما فيه كفاية لمن يريد ذلك . وأما ~~الخيل والجوارح وما يلتحق بذلك من الفهود والضواري فلا غنية للكاتب عن ~~معرفته جيادها ، والأمارات الذالة على فراهتها ، وكل طير من الجارح وأفعاله ~~واستطالته ، وكيفية فعله ، وتمكنه من الطير والوحش ؛ وسنورد إن شاء الله ~~تعالى في فن الحيوان الصامت - وهو الفن الثالث من هذا الكتاب - ما يقتدي ~~الكاتب بمثاله ، وينسج على منواله . وأما الرسائل التي تعمل رياضة للخواطر ~~وتجربة للقرائح ، كالمفاخرات بين الفواكه والأزهار ، ووصف الرياحين ~~والأنهار والغدران والسواقي والجداول والبحار والمراكب وأمثال ذلك ، فقد ~~تقدم منها في الفن الأول من هذا الكتاب ما وقفت أو تقف عليه ، وسنورد منها ~~إن شاء الله تعالى في الفن الرابع في النبات ما تجده هناك . وأما الرسائل ~~الإخوانية وما يتجدد من الأمور ويطرأ من الحوادث وغير ذلك ، فسنورد إن شاء ~~الله تعالى منها في هذا الباب ما نتخبناه من رسائل الكتاب والبلغاء ~~المشارقة والمغاربة على ما تقف عليه ؛ ولنبدأ من ذلك بذكر شيء من كلام ~~الصحابة والصدر الأول . PageV07P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" ذكر شيء من الرسائل المنسوبة إلى الصحابة رضي ~~الله عنهم والتابعين وشيء من كلام الصدر الأول وبلاغتهم قدمنا أن الكاتب ~~يحتاج في صناعته إلى حفظ مخاطبات الصحابة رضي الله عنهم ، ومحاوراتهم ~~ومراجعاتهم ، فأحببنا أن نورد من ذلك في هذا الموضع ما ستقف إن شاء الله ~~عليه ؛ فمن ذلك الرسالة المنسوبة إلى أبي بكر الصديق إلى علي ، وما يتصل ~~بها من كلام عمر بن الخطاب وجواب علي رضي الله عنهم ، وهذه السرالة قد ~~اعتنى الناس بها وأوردوها في المجاميع ، ومنهم من أفردها في جزء ، وقطع ~~بأنها من كلامهم رضي الله عنهم ، ومنهم من أنكرها ونفاها عنهم ، وقال : ~~إنها موضوعة ، واختلف القائلون بوضعها ، فمنهم من زعم أن فضلاء الشيعة ms1547 ~~وضعوها ، وأرادوا بذلك الاستناد إلى أن عليا بن أبي طالب رضي الله عنه إنما ~~بايع أبا بكر الصديق بسبب ما تضمته ؛ وهذا الاستناد ضعيف ، وحجة واهية ، ~~والصحيح أن عليا بن أبي طالب رضي الله عنه بايع بيعة باطنه فيها كظاهره ، ~~والدليل على ذلك أنه وطئ من السبي الذي سبي في خلافة أبي بكر ، واستولد منه ~~محمد بن الحنفية ، ولا جواب لهم عن هذا ؛ ومنهم من زعم أن فضلاء السنة ~~وضعوها ، والله أعلم ؛ وعلى الجملة فهذه الرسالة لم نوردها في هذا الكتاب ~~إثباتا لها أنها من كلامها رضي الله عنهم ولا نفيا ، وإنما أوردناها لما ~~فيها من البلاغة ، واتساق الكلام ، وجودة الألفاظ ، وها نحن نوردها على نص ~~ما وقفنا عليه . قال أبو حيان علي بن محمد التوحيدي البغدادي : سمرنا ليلة ~~عند القاضي أبي حامد بن بشر المروروذي ببغداد ، فتصرف في الحديث كل متصرف - ~~وكان غزير الرواية ، لطيف الدرايه - فجرى حديث السقيفة ، فركب كل مركبا ، ~~وقال قولا ، وعرض بشيء ، ونزع إلى فن ؛ فقال : هل فيكم من يحفظ رسالة لأبي ~~بكر الصديق إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وجواب علي PageV07P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" عنها ، ومبايعته إياه عقب تلك المناظرة ؟ ~~فقال الجماعة : لا والله ، فقال : هي والله من بنات الحقائق ، ومخبآت ~~الصنادق ، ومنذ حفظتها ما رويتها إلا لأبي محمد المهلبي في وزارته ، فكتبها ~~عني بيده ، وقال : لا أعرف رسالة أعقل منها ولا أبين ، وإنها لتدل على علم ~~وحلم وفصاحة ونباهة ، وبعد غور ، وشدة غوص ؛ فقال له العباداني : أيها ~~القاضي ، لو أتممت المنة علينا بروايتها سمعناها ، فنحن أوعى لها عنك من ~~المهلبي ، وأوجب ذماما عليك ؛ فاندفع وقال : حدثنا الخزاعي بمكة ، عن أبي ~~ميسرة قال : حدثنا محمد بن فليح عن عيسى بن دأب نبأ صالح بن كيسان ويزيد بن ~~رومان ، قالا : حدثنا هشام بن عروة ، نبأ أبو النفاح قال : سمعت مولاي أبا ~~عبيدة يقول : لما استقامت الخلافة لأبي بكر رضي الله عنه بين المهاجرين ~~والأنصار بعد فتنة كاد الشيطان بها ، فدفع الله شرها ، ويسر ms1548 خيرها ؛ بلغ ~~أبا بكر عن علي تلكؤ وشماس ، وتهمم ونفاس ، فكره أن يتمادى الحال فتبدو ~~العورة ، وتشتعل الجمرة ، وتفرق ذات البين ، فدعاني ، فحضرته في خلوة ، ~~وكان عنده عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحده ، فقال : يا أبا عبيدة ، ما ~~أيمن ناصيتك ، وأبين الخير بين عينيك ، وطالما أعز الله بك الإسلام ، وأصلح ~~شأنه على يديك ، ولقد كنت من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالمكان ~~المحوط ، والمحل المغبوط ، ولقد قال فيك في يوم مشهود : " لكل أمة أمين ، ~~وأمي هذه الأمة أبو عبيدة " ولم تزل للدين ملتجا ، وللمؤمنين مرتجى ، ~~ولأهلك ركنا ، ولإخوانك رداءا ؛ قد أردتك لأمر له خطر مخوف ، وإصلاحه من ~~أعظم المعروف ؛ ولئن لم يندمل جرحه بيسارك ورفقك ، ولم تجب حيته برفيتك ، ~~فقد وقع اليأس ، وأعضل البأس ؛ واحتيج بعد ذلك إلى ما هو أمر منه وأعلق ، ~~وأعسر منه وأغلق ؛ والله أسأل تمامه بك ، ونظامه على يديك ، فتأت له يا أبا ~~عبيدة ، وتلطف فيه ، وانصح لله عز وجل ، ولرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~ولهذه العصابة غير آل جهدا ، ولا فال حمدا ، والله كالئك وناصرك ، وهاديك ~~ومبصرك ، إن شاء الله ؛ امض إلى علي واخفض له PageV07P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" جناحك ، واغضض عنده صوتك ، واعلم أنه سلالة ~~أبي طالب ، ومكانه ممن فقدناه بالأمس ( صلى الله عليه وسلم ) مكانه ، وقل ~~له : البحر مغرقه ، والبر مفرقه ؛ والجو أكلف ، والليل أغدف ؛ والسماء ~~جلواء ، والأرض صلعاء ؛ والصعود متعذر ، والهبوط متعسر ؛ والحق عطوف رءوف ، ~~والباطل عنوف عسوف ، والعجب قداحة الشر ، والضغن رائد البوار ، والتعريض ~~يجال الفتنة ، والقحة ثقوب العدواة ، وهذا الشيطان متكئ على شماله ، متحبل ~~بيمينه ، نافخ حضينه لأهله ، ينتظر الشتات والفرقة ، ويدب بين الأمة ~~بالشحناء والعداوة ، وعنادا لله عز وجل أولا ، ودم ثانيا ، ولنبيه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ودينه ثالثا ، يوسوس بالفجور ، ويدلي بالغرور ، ويمني أهل ~~الشرور ، يوحي إلى أوليائه زخرف القول غرورا بالباطل ، دأبا له منذ كان على ~~عهد أبينا آدم ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعادة له منذ أهانه الله تعالى في ~~سالف الدهر ، لا منجي منه إلا ms1549 بعض الناجذ على الحق ، وغض الطرف عن الباطل ، ~~ووطء هامة عدو الله بالأشد فالأشد ، والآكد فالآكد ، وإسلام النفس لله عز ~~وجل في ابتغاء رضاه ؛ ولابد الآن من قول ينفع إذا ضر السكوت وخيف غبه ، ~~ولقد أرشدك من أفاء ضالتك ، وصافاك من أحيا مودته بعتابك ، وأراد لك الخير ~~من آثر البقاء معك ، ما هذا الذي تسول لك نفسك ، ويدوي به قلبك ، ويلتوي ~~عليه رأيك ، ويتخاوض دونه طرفك ، ويسري فيه ظعنك ، ويترادف معه نفسك ، ~~وتكثر عنده صعداؤك ، ولا يفيض به لسانك ؟ أعجمة بعد إفصاح ؟ أتلبيس بعد ~~إيضاح ؟ أدين غير دين الله ؟ أخلق غير خلق القرآن ؟ أهدي غير هدي النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ؟ أمثلي تمشي إليه الضراء وتدب له الخمر ؟ أو مثلك ~~ينقبض عليه الفضاء ويكسف في عينه القمر ؟ ما هذه القعقعة بالشنان ؟ وما هذه ~~الوعوعة باللسان ؟ إنك والله جد عارف باستجابتنا إلى الله عز وجل ولرسوله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وبخروجنا عن أوطاننا وأموالنا وأولادنا وأحبتنا لله ~~عز وجل ولرسوله ونصرة لدينه ، في زمان أنت PageV07P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" فيه في كن الصبا ، وخدر الغرارة ، وعنفوان ~~الشبيبة غافلا عما يشيب ويريب ، ولا تعي ما يراد ويشاد ، ولا تحصل ما يساق ~~ويقاد ، سوى ما أنت جار عليه إلى غايتك التي إليها عدل بك ، وعندها حط رحلك ~~، غير مجهول القدر ، ولا مجحود الفضل ، ونحن في أثناء ذلك نعاني أحوالا ~~تزيل الرواسي ، ونقاسي أهوالا تشيب النواصي ؛ خائضين غمراها ، راكبين ~~تيارها ؛ نتجرع صابها ، ونشرج عيابها ؛ ونحكم آساسها ، ونبرم أمراسها ؛ ~~والعيون تحدج بالحسد ، والأنوف تعطس بالكبر ، والصدور تستعر بالغيظ ، ~~والأعناق تتطاول بالفخر ، والشفار تشحذ بالمكر ، والأرض تميد بالخوف ، لا ~~ننتظر عند المساء صباحا ، ولا عند الصباح مساء ، ولا ندفع في حر أمر إلا ~~بعد أن نحسو الموت دونه ، ولا نبلغ مرادا إلى شيء إلا بعد جرع العذاب معه ، ~~ولا نقيم منارا إلا بعد الإياس من الحياة عنده ، فادين في جميع ذلك رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالأب والأم ، والخال والعم ، والمال والنشب ، ~~والسبد واللبد ، والهلة والبلة ms1550 ، بطيب أنفس ، وقرة أعين ، وحب أعطان ، ~~وثبات عزائم ، وصحة عقول ، وطلاقة أوده ، وذلاقة ألسن ، هذا مع خفيات أسرار ~~، ومكنونات أخبار كنت عنها غافلا ، ولولا سنك لم تكن عن شيء منها ناكلا ؛ ~~كيف وفؤادك مشهوم ، وعودك معجوم والآن قد بلغ الله بك ، وأنهض الخير لك ، ~~وجعل مرادك بين يديك ، وعن علم أقول ما تسمع ؛ فارتقب زمانك ، وفلص أردانك ~~؛ ودع التقعس والتجسس لمن لا يظلع لك إذا خطا ، ولا يتزحزح عنك إذا عطا ؛ ~~فالأمر غض ، والنفوس فيها مض ؛ وإنك أديم هذه الأمة فلا تحلم لجاجا ، ~~وسيفها العضب فلا تنب اعواجاجا ، وماؤها العذب فلا تحل أجاجا ؛ والله لقد ~~سألت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن هذا الأمر فقال لي : " يا أبا ~~بكر ، هو لمن يرغب لا لمن يجاحش عليه ، ولمن يتضاءل عنه لا لمن ينتفج ~~PageV07P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" إليه ، هو لمن يقال : هو لك ، لا لمن يقول : ~~هو لي " ولقد شاورني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في الصهر ، فذكر ~~فتيانا من قريش ، فقلت : أين أنت من علي ؟ فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~إن لأكره لفاطمة ميعة شبابه ، وحداثة سنه ، فقلت له : متى كنفته يدك ، ~~ورعته عينك ، حفت بهما البركة ، وأسبغت عليهما النعمة ، مع كلام كثير ~~خاطبته به رغبة فيك ، وما كنت عرفت منك في ذلك حوجاء ولا لوجاء ، فقلت ما ~~قلت وأنا أرى مكان غيرك ، وأجد رائحة سواك ، وكنت إذ ذاك خيرا لك منك الآن ~~لي ؛ ولئن كان عرض بك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في هذا الأمر فلم ~~يكن معرضا عن غيرك ، وإن كان قال فيك فما سكت عن سواك ، وإن تلجلج في نفسك ~~شيء فهلم فالحكم مرضي ، والصواب مسموع ، والحق مطاع ؛ ولقد نقل رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) إلى ما عند الله عز وجل وهو عن هذه العصابة راض ، ~~وعليها حدب ، يسره ما يسرها ، ويسوءه ما يسوءها ، ويكيده ما كادها ، ويرضيه ~~ما أرضاها ، ويسخطه ما أسخطها ، أما تعلم أنه لم يدع أحدا من أصحابه ~~وأقاربه وسجرائه إلا ms1551 أبانه بفضيلة ، وخصه بمزية ، وأفرده بحالة ؟ أتظنه ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ترك الأمة سدى بددا ، عباهل مباهل ، طلاحي ، مفتونة ~~بالباطل ، معنونة عن الحق ، لا ذائد ولا رائد ، ولا ضابط ولا حائط ولا رابط ~~، ولا ساقي ولا واقي ، ولا هادي ولا حادي ؛ كلا ، والله ما اشتاق إلى ربه ~~تعالى ، ولا سأله المصير إلى رضوانه وقربه إلا بعد أن ضرب المدى ، وأوضح ~~الهدى ، وأبان الصوى ؛ وأمن المسالك والمطارح ، وسهل المبارك والمهايع ، ~~وإلا بعد أن شدخ يافوخ الشرك بإذن الله تعالى ، وشرم وجه النفاق لوجه الله ~~سبحانه ، وجدع أنف الفتنة في ذات الله ، وتفل في عين الشيطان بعون الله ، ~~وصدع بملء فيه ويده بأمر الله عز وجل ؛ وبعد ، فهؤلاء المهاجرون والأنصار ~~عندك ومعك في بقعة واحدة ، ودار جامعة ، إن استقالوني لك ، وأشاروا عندي بك ~~، فأنا واضع يدي في يدك ، وصائر إلى رأيهم فيك ، وإن تكن الأخرى فادخل في ~~صالح ما دخل فيه المسلمون ، وكن العون على PageV07P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" مصالحهم ، والفاتح لمغالقهم ، والمرشد ~~لضالتهم ، والرادع لغوايتهم ، فقد أمر الله تعالى بالتعاون على البر ~~والتقوى ، والتناصر على الحق ، ودعنا نقض هذه الحياة بصدور بريئة من الغل ، ~~سليمة من الضغائن والحقد ، ونلق الله تعالى بقلوب سليمة من الضغن ؛ وبعد ، ~~فالناس ثمامة فارفق بهم ، واحن عليهم ، ولن لهم ، ولا تشق نفسك بنا خاصة ~~منهم ، واترك ناجم الحقد حصيدا ، وطائر الشرك واقعا ، وباب الفتنة مغلقا ، ~~فلا قال ولا قيل ، ولا لوم ولا تعنيف ، والله على تقول شهيد ، وربما نحن ~~عليه بصير . ، والله على تقول شهيد ، وربما نحن عليه بصير . قال أبو عبيدة ~~: فلما تأهبت للنهوض قال عمر رضي الله عنه : كن لدى الباب هنيهة فلي معك ~~دور من القول ، فوقفت وما أدري ما كان بعدي إلا أنه لحقني بوجه يبدي تهللا ~~، وقال لي : قل لعلي : الرقاد محلمه ، والهوى مقحمه ؛ " وما منا إلا له ~~مقام معلوم " وحق مشاع أو مقسوم ، ونبأ ظاهر أو مكتوم ؛ وإن أكيس الكيسي من ~~منح الشارد تألفا ، وقارب البعيد تلطفا ؛ ووزن كل شيء بميزانه ms1552 ، ولم يخلط ~~خبره بعيانه ؛ ولم يجعل فترة مكان شبره دينا كان أو دينا ، ضلالا كان أو ~~هدى ، ولا خير في علم مستعمل في جهل ، ولا خير في معرفة مشوبة بنكر ، ولسنا ~~كجلدة رفع البعير بين العجان والذنب ، وكل صال فبناره ، وكل سيل فإلى قراره ~~، وما كان سكوت هذه العصابة إلى هذه الغاية لعي وشتى ، ولا كلامها اليوم ~~لفرق أو رفق ، وقد جدع الله بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) أنف كل ذي كبر ، ~~وقصم ظهر كل جبار ، وقطع لسان كل مكذوب فماذا بعد الحق إلا الضلال ما هذه ~~الخنزوانة " التي " في فراش رأسك ؟ ما هذا الشجا المعترض في مدارج أنفاسك ، ~~ما هذه القذاة التي اغشت ناظرك ؟ وما هذه الوحرة التي أكلت شراسيفك ؟ وما ~~هذا الذي لبست بسببه جلد النمر ، واشتملت بالشحناء والنكر ، ولسنا في ~~كسروية كسرى ، ولا في قيصرية قيصر ، تأمل لإخوان فارس وأبناء الأصفر ، قد ~~جعلهم الله جزرا لسيوفنا ، ودريئة لرماحنا ومرعى لطعاتنا ، وتبعا لسطاننا ، ~~بل نحن نور نبوة ، وضياء رسالة ، وثمرة حكمة ، وأثرة رحمه ، وعنوان نعمه ، ~~وظل عصمه ، بين أمة PageV07P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" مهدية بالحق والصدق ، مأمونة على الرتق ~~والفتق ، لها من الله إباء أبي ، وساعد قوي ، ويد ناصره ، وعين ناظره ، ~~أتظن ظنا يا علي أن أبا بكر وثب على هذا الأمر مفتانا على الأمة ، خادعا ~~لها ، أو متسطا " عليها " أتراه حل عقودها " وأحال عقولها " أتراه جعل ~~نهارها ليلا ، ووزنها كيلا ، ويقظتها رقادا ، وصلاحها فسادا لا والله ، سلا ~~عنها فولهت له ، وتطامن لها فلصقت به ، ومال عنها فمالت إليه ، واشمئز ~~دونها فاشتملت عليه ، حبوة حباه الله بها ، وعاقبة بلغه الله إليها ، ونعمة ~~سربله جمالها ، ويدا أوجب عليه شكرها وأمة نظر الله به لها ، والله تعالى ~~أعلم بخلقه ، وأرأف بعباده يختار ما كان لهم الخيرة ، وإنك بحيث لا يجهل ~~موضعك من بيت النبوة ومعدن الرسالة ، ولا يجحد حقك فيما أتاك الله ، ولكن ~~لك من يزاحمك بمنكب أضخم وقرب أمس من قرابتك ، وسن أعلى من سنك ، وشيبة ~~أروع من شيبتك ، وسيادة ms1553 لها أصل في الجاهلية وفرع في الإسلام ، ومواقف ليس ~~لك فيها جمل ولا ناقة ، ولا تذكر فيها في مقدمة ولا ساقه ، ولا تضرب فيها ~~بذراع ، ولا إصبع ، ولا تخرج منها ببازل ولا هبع ، ولم يزل أبو بكر حبة قلب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعلاقة نفسه وعيبة سره ، ومفزع رأيه ، ~~وراحة كفه ، ومرمق طرفه ، وذلك كله بمحضر الصادر والوارد من المهاجرين ~~والأنصار شهرة مغنية عن الدليل عليه ولعمري ، إنك أقرب إلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قرابة ، ولكنه أقرب منك قربة ، والقرابة لحم ودم ، ~~والقربة نفس وروح ، وهذا فرق عرفه المؤمنون ولذلك صاروا إليه أجمعون ومهما ~~شككت في ذلك فلا تشك أن يد الله مع الجماعة ورضوانه لأهل الطاعة ، فادخل ~~فيما هو خير لك اليوم وأنفع غدا ، وألفظ من فيك ما يعلق بلهاتك وانفث سخيمة ~~صدرك عن تقاتك ، فإن يك في الأمل طول ، وفي الأجل فسحة ، فستأكله مريئا أو ~~غير مري ، وستشربه هنيئا أو غير هنئ ، حين لا راد لقولك إلا من كان منك ، ~~ولا تابع لك إلا من كان طامعا فيك ، يمص إهابك ، ويعرك أديمك ، ويزري على ~~هديك ، هنالك تقرع السن من ندم ، وتجرع الماء ممزوجا بدم ، وحينئذ تأسى على ~~ما مضى من عمرك ودارج قوتك فتود ، أن لو سقيت بالكأس التي أبيتها ، ورددت ~~إلى حالتك التي استغويتها ، ولله تعالى فينا وفيك أمر هو بالغه ، وغيب هو ~~شاهده ، وعاقبة هو المرجو لسرائها وضرائها ، وهو الولي الحميد ، الغفور ~~الودود . PageV07P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" قال أبو عبيدة : فمشيت متزملا أنوء كأنما ~~أخطو على رأسي فرقا من الفرقة ، وشفقا على الأمة ، حتى وصلت إلى علي رضي ~~الله عنه في خلاء ، فأثبته بثي كله ، وبرئت إليه منه ، ورفقت به ؛ فلما ~~سمعها ووعاها ، وسرت في مفاصله حمياها ؛ قال : حلت معلوطة ، وولت مخروطة ، ~~وأنشأ يقول : إحدى لياليك فهيسي هيسي . . . لا تنعمي الليلة بالتعريس نعم ~~يا أبا عبيدة ، أكل هذا في أنفس القوم يحسون به ، ويضطبعون عليه ؟ قال أبو ~~عبيدة : فقلت : لا جواب لك عندي ms1554 ، إنما أنا قاض حق الدين ، وراتق فتق ~~المسلمين ، وساد ثلمة الأمة ، يعلم الله ذلك من جلجلان قلبي ، وقرارة نفسي ~~؛ فقال علي رضي الله عنه : والله ما كان قعودي في كسر هذا البيت قصدا ~~للخلاف ، ولا إنكار للمعروف ، ولا زراية على مسلم ، بل لما وقذني به رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) من فراقه ، وأودعني من الحزن لفقده ، وذلك ~~أنني لم أشهد بعده مشهدا إلا جدد علي حزنا ، وذكرني شجنا ، وإن الشوق إلى ~~اللحاق به كاف عن الطمع في غيره ، وقد عكفت على عهد الله أنظر فيه ، وأجمع ~~ما تفرق منه رجاء ثواب معد لمن أخلص لله عمله ، وسلم لعلمه ومشيئته ، وأمره ~~ونهيه ، على أني ما علمت أن التظاهر علي واقع ولي عن الحق الذي سبق سبق لي ~~دافع وإذ قد أفعم الوادي بي ، وحشد النادي من أجلي ، فلا مرحبا بما ساء ~~أحدا من المسلمين وسرني ، وفي النفس كلام لولا سابق عقد ، وسالف عهد ، ~~لشفيت نفسي بخنصري وبنصري وخضت لجنه بأخمصي ومفرقي ، ولكني ملجم إلى أن ~~ألقى ربي ، وعنده أحتسب ما نزل بي ، وإني غاد إلى جماعتكم مبايع لصاحبكم ، ~~صابر على ما ساءني وسركم ، " ليقضي الله أمرا كان مفعولا " قال أبو عبيدة : ~~فعدت إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فقصصت القول غره ، ولم أختزل شيئا من حلوه ~~ومره ، وبكرت غدوة إلى المسجد فلما كان PageV07P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" صباح يومئذ إذا علي يخترق الجماعة إلى أبي ~~بكر رضي الله عنهما ، فبايعه ، وقال خيرا ووصف جميلا ، وجلس زميتا ، ~~واستأذن للقيام فمضى ، وتبعه عمر مكرما له ، مستثيرا لما عنده ، فقال علي ~~رضي الله عنه : ما قعدت عن صاحبكم كارها له ، ولا أتيته فرقا ، ولا أقول ~~تعلة ، وإني لأعرف منتهى طرفي ، ومحط قدمي ، ومنزع قوسي ، وموقع سهمي ، ~~ولكن قد أزمت على فأسي ثقة بربي في الدنيا والآخرة . فقال له عمر رضي الله ~~عنهما : كفكف غربك ، واستوقف سربك ودع العصا بلجائها ، والدلاء على رشائها ~~، فإنا من خلفها وورائها ؛ إن قدحنا أورينا ، وإن متحنا أروينا ، وإن قرحنا ms1555 ~~أدمينا ، ولقد سمعت أماثيلك التي لغزت فيها عن صدر أكل بالجوي ، ولو شئت ~~لقلت على مقالتك ما إن سمعته ندمت على ما قلت ؛ وزعمت أنك قعدت في كسر بيتك ~~لما وقذك به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من فقده ، فهو وقذك ولم يقذ ~~غيرك ؟ بل مصابه أعم وأعظم من ذلك ، وإن من حق مصابه ألا تصدع شمل الجماعة ~~بفرقة لا عصام لها ، ولا يؤمن كيد الشيطان في بقائها ، هذه العرب حولنا ، ~~والله لو تداعت علينا في صبح نهار لم نلتق في مسائه ؛ وزعمت أن الشوق إلى ~~اللحاق به كاف عن الطمع في غيره ، فمن علامة الشوق إليه نصرة دينه ، ~~ومؤازرة أوليائه ومعاونتهم ؛ وزعمت أنك عكفت على عهد الله تجمع ما تفرق منه ~~، فمن العكوف على عهد الله النصيحة لعباد الله ، والرأفة على خلق الله ، ~~وبذل ما يصلحون به ويرشدون عليه ؛ وزعمت أنك تعلم أن التظاهر وقع عليك ، ~~وأي حق لط دونك ؟ قد سمعت وعلمت ما قالت الأنصار بالأمس سرا وجهرا ، وتقلبت ~~عليه بطنا وظهرا ، فهل ذكرتك أو أشارت بك ، أو وجدت رضاهم عنك ؟ هل قال أحد ~~منهم بلسانه : إنك تصلح لهذا الأمر ، أو أومأ بعينه ، أو همهم في نفسه ؟ ~~أتظن أن الناس ضلوا من أجلك ، وعادوا كفارا زهدا فيك وباعوا الله تعالى ~~تحاملا عليك ؟ لا والله ، لقد جاءني عقيل بن زياد الخزرجي " في نفر من ~~أصحابه ومعهم شرجبيل بن يعقوب الخزرجي " وقالوا : إن عليا ينتظر الإمامة ، ~~ويزعم أنه أولى بها من غيره ، وينكر على PageV07P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" من يعقد الخلافة ، فأنكرت عليهم ، ورددت ~~القول في نحورهم حين قالوا : إنه ينتظر الوحي ، ويتوكف مناجاة الملك ، فقلت ~~: ذلك أمر طواه الله تعالى بعد نبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، أكان ~~الأمر معقودا بأنشوطة ، أو مشدودا بأطراف ليطة ؟ كلا والله ، لا عجماء بحمد ~~الله إلا وقد أفصحت ، ولا شوكاء إلا وقد تفتحت ؛ ومن أعجب شأنك قولك : لولا ~~سالف عهد ، وسابق عقد ، لشفيت غيظي ، وهل ترك الدين لأهله أن يشفوا غيظهم ~~بيد أو ms1556 لسان ؟ تلك جاهلية قد استأصل الله شأفتها ، واقتلع جرثومتها ؛ وهور ~~ليلها ، وغور سيلها ؛ وأبدل منها الروح والريحان ، والهدى والبرهان ؛ وزعمت ~~أنك ملجم ، ولعمري إن من اتقى الله ، وآثر رضاه ، وطلب ما عنده ، أمسك ~~لسانه ، وأطبق فاه ، وجعل سعيه لما وراه . فقال علي رضي الله عنه : مهلا ~~مهلا يا أبا حفص ، والله ما بذلت ما بذلت وأنا أريد نكثه ، ولا أقررت ما ~~أقررت وأنا أبتغي حولا عنه ؛ وإن أخسر الناس صفقة عند الله من آثر النفاق ، ~~واحتضن الشقاق ؛ وفي الله سلوة عن كل حادث ، وعليه التوكل في كل الحوادث ؛ ~~ارجع يا أبا حفص إلى مجلسك ناقع القلب ، مبرود الغليل ، فسيح اللبان ، فصيح ~~اللسان ، فليس وراء ما سمعت وقلت إلا ما يشد الأزر ، ويحط الوزر ، ويضع ~~الإصر ، ويجمع الألفة بمشيئة الله وتوفيقه . قال أبو عبيدة رضي الله عنه : ~~فانصرف علي وعمر رضي الله عنهما ، وهذا أصعب ما مر علي بعد رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . ومن كلام عائشة أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنهما ، وهو مما اتصل إلينا بالرواية الصحيحة ، والأسانيد الصريحة ، ~~عن محمد بن أحمد ابن أبي المثنى عن جعفر بن عون ، عن هشام بن عروة ، عن ~~أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها : أنه بلغها أن أقواما يتناولون أبا بكر رضي ~~الله عنه ، فأرسلت أزفلة من الناس ، فلما حضروا أسدلت أستارها ، وعلت ~~وسادها ، ثم قالت : أبي وما أبيه ، أبي والله لا تعطوه الأيدي ، ذاك طود ~~منيف وظل مديد ، هيهات ، كذبت الظنون ، أنجح إذ أكديتم ، وسبق إذ ونيتم سبق ~~الجواد إذا استولى على الأمد PageV07P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" فتى قريش ناشئا ، وكهفها كهلا ، يفك عانيها ، ~~ويريش مملقها ، ويرأب شعبها ويلم شعثها ، حتى حليته قلوبها ، ثم استشرى في ~~دين الله ، فما برحت شكيمته في ذات الله عز وجل حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيى ~~فيه ، ما أمات المبطلون ، وكان رحمه الله غزير الدمعة ، وقيد الجوانح ، شجى ~~النشيج ، فانعطفت إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه ، ويستهزئون به ، " ~~الله يستهزئ بهم ويمدهم في ms1557 طغيانهم يعمهون " فأكبرت ذلك رجالات قريش ، فحنت ~~قسيها ، وفوقت سهامها ، وامتثلوه غرضلا فما فلوا صفاة ، ولا قصفوا له قناة ~~، ومر على سيسائه ، حتى إذا ضرب الدين بجرانه وألقى بركه ، ورست أوتاده ، ~~ودخل الناس فيه أفواجا ، ومن كل فرقة أرسالا وأشتاتا اختار الله لنبيه ما ~~عنده ، فلما قبض الله نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) نصب الشيطان رواقه ، ومد ~~طنبه ، ونصب حبائله ، وأجلب بخيله ورجله واضطرب حبل الإسلام ، ومرج عهده ، ~~وماج أهله ، وبغى الغوائل ، وظنت رجال أن قد أكثب نهزها ، ولات حين الذي ~~يرجون ، وأنى والصديق بين أظهرهم ؟ فقام حاسرا مشمرا ، فجمع حاشيته ورفع ~~قطريه ، فرد رسن الإسلام على غربه ، ولم شعثه بطبه ، وأقام أوده بثقافه ، ~~فابذعر النفاق بوطئه ، وانتاش الدين فنعشه ، فلما أراح الحق على أهله ، ~~وقرر الرءوس على كواهلها ، وحقن الدماء في أهبها ، ائته منيته ، فسد ثلمته ~~بنظيره في الرحمة ، وشقيقه في السيرة والمعدلة ، ذاك ابن الخطاب لله در أم ~~حفلت له ، ودرت عليه ، لقد أوحدت به ففنخ الكفرة وديخها ، وشرد الشرك شذر ~~مذر ، وبعج الأرض ونجعها ، فقاءت أكلها ، ولفظت جننيها ، ترأمه ويصدف عنها ~~تصدي له ويا باها ، ثم وزع فيها فيئها وودعها كما صحبها ، فأروني ما ~~ترتابون ؟ وأي يومي أبي تنقمون ؟ أيوم إقامته إذا عدل فيكم ، أم يوم ظعنه ~~وقد نظر لكم ؟ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم . ثم أقبلت على الناس ~~بوجهها فقالت : أنشدكم الله ، هل أنكرتم مما قلت شيئا ؟ قالوا : اللهم لا . ~~PageV07P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" ذكر شرح غريب رسالتها رضي الله عنها الأزفلة ~~: الجماعة . وتعطوه : تناوله . والطود : الجبل . والمنيف : المشرف . ~~وأكديتم : خبتم ويئس من خيركم . وونيتم : فترتم وضعفتم . والأمد : الغاية . ~~ويريش : يعطي ويفضل . والمملق : الفقير . ويرأب : يجمع . والشعب : المفترق ~~. ويلم : يضم . واستشرى : جد وانكمش . والشكيمة : الأنفة والحمية . والوقيذ ~~: العليل . والجوانح : الضلوع القصار التي تقرب من الفؤاد . والشجي : ~~الحزين . والنشيج : صوت البكاء . وانعطفت : انثنت . وامتثلوه : مثلوه . ~~والغرض : الذي يقصد للرمي . وفلوا : كسروا . والصفاة : الصخرة الملساء . ~~وقصفوا : كسروا . وسيساؤه : شدته . والسيساء : عظم الظهر ، والعرب تضربه ~~مثلا لشدة الأمر ms1558 ، قال الشاعر : لقد حملت قيس بن عيلان حربن . . . على يابس ~~السيساء محدودب الظهر والجران : الصدر . ورست : ثبت . ومرج : اختلط . وماج ~~أهله : اضطربوا وتنازعوا . وبغي الغوائل ، معناه وطلب البلايا . وأكثب : ~~قرب . والنهز : اختلاس الشيء والظفر به مبادرة . ولات حين الذي يطلبون ، ~~معناه : وليست الساعة حين ظفرهم . وقولها : فجمع حاشيتيه ورفع قطريه ، ~~معناه تحزم للأمر وتأهب له . والقطر : الناحية . والطب : الدواء . والأود : ~~العوج . والثقاف : تقويم الرماح وغيرها . وابذعر : تفرق . وانتاش الدين ، ~~أي أزل عنه ما يخاف عليه . ونعشه : رفعه . وأراح الحق على أهله أي أعاد ~~الزكاة التي منعتها العرب فقاتل عليها حتى ردت إلى حكم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . وقرر الرءوس على كواهلها ، معناه وقى المسلمين القتل . والكاهل ~~: أعلى الظهر وما يتصل به . وحقن الدماء في أهبها ، معناه أنه حقن دماء ~~المسلمين في أجسادهم . والأهب : جمع إهاب وأصل الإهاب الجلد . فكنت به عن ~~الجس د . وقولها : لله درذأم حفلت له ، أي جمعت له اللبن . وقولها : أوحدت ~~به ، معناه جاءت به منفردا لا نظير له . وقولها : ففنخ الكفرة ، معناه ~~أذلها . وديخها : صغر بها . وبعج الأرض وبخعها ، معناه شقها واستقصى غلتها ~~. وشذر مذر معناه تفريقا ، يقال : شذر مذر ، وشغر بغر ، بمعنى واحد . قولها ~~: حتى قاءت أكلها ، معناه أخرجت خبزها . وترأمه : تعطف عليها . وتصدى له : ~~تعرض له . PageV07P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" ومن كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما ~~كتب به إلى معاوية بن أبي سفيان جوابا إن كتابه - وهو من محاسن الكتب - كتب ~~رضي الله عنه : أما بعد ، فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله تعالى ~~محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) لدينه ، وتأييده إياه بمن أيده به من أصحابه ~~، فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا ، أفطفقت تخبرنا بآلاء الله عندنا ؟ فكنت في ~~ذلك كناقل التمر إلى هجر ، أو داعي مدره إلى النضال ؛ وزعمت أن أفضل الناس ~~في الإسلام فلان وفلان ، فذكرت أمرا إن تم اعتزلك كله ، وإن نقص لم يلحقك ~~قله ؛ وما أنت والفاضل والمفضول ، والسائل والمسئول ؟ وأبناء الطلقاء ~~والتمييز بين ms1559 المهاجرين الأولين ، وترتيب درجاتهم ، وتعريف طبقاتهم ؟ هيهات ~~لقد " حن قدح ليس منها " وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها ، ألا تربع على ~~ظلعك ، وتعرف قصور ذرعك ، وتتأخر حيث أخرك القدر ، فما عليك غلبة المغلوب ، ~~ولا لك ظفر الظافر ، وإنك لذهاب في التيه ، رواغ عن الفضل ، ألا ترى - غير ~~مخبر لك ، ولكن بنعمة الله أحدث - أن قوما استشهدوا في سبيل الله من ~~المهاجرين - ولكل فضل - حتى إذا استشهد شهيدنا " هو حمزة " قيل : سيد ~~الشهداء ، وخصه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بسبعين تكبيرة عند صلاته ~~عليه ؛ ألا ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله - ولكل فضل - حتى إذا فعل ~~بأحدنا ما فعل بأحدهم قيل : الطيار في الجنة ، وذو الجناحين " هو جعفر " ~~ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمة تعرفها ~~قلوب المؤمنين ، ولا تمجها آذان السامعين ، فدع عنك من مالت به الدنية فإنا ~~صنائع ربنا ، والناس بعد صنائع لنا ، لم يمنعنا قديم عزنا ، وعادي طولنا ~~على قومك أن خلطناهم بأنفسنا ، فنكحنا فعل الأكفاء ولستم هناك ، وأنى يكون ~~ذلك كذلك ؟ ومنا النبي ومنكم المكذب ، ومنا أسد الله ، ومنكم أسد الأحلاف ، ~~ومنا سيدا شباب أهل الجنة ، ومنكم صبية النار ، ومنا خير نساء العالمين ، ~~ومنكم حمالة الحطب ؛ فإسلامنا قد سمع ، وجاهليتنا لا تدفع ، كتاب الله يجمع ~~لنا ما شذ عنا و هو قوله سبحانه : " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله " وقوله تعالى : " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا ~~النبي والذين آمنوا والله ولي PageV07P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" المؤمنين " فنحن مرة أولى بالقرابة ، وتارة ~~أولى بالطاعة ؛ ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فلجوا عليهم ، فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم ، ~~وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم ؛ وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت ، وعلى ~~كلهم بغيت ، فإن يكن ذلك كذلك فليست الجناية عليك ، فتكون المعذرة إليك . " ~~وتلك شكاة ظاهر عنك عارها " . وقلت : إني كنت أقادكما يقاد الجمل المخشوش ~~حتى أبايع ، ولعمر ms1560 الله لقد أردت أن تذم فحمدت ، وأن تفضح فافتضحت ، وما ~~على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه ، ولا ~~مرتابا في يقينه ، وهذه حجتي إلى غيرك قصدها ، ولكني أطلقت لك منها بقدر ما ~~سنح من ذكرها . ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان ، فلك أن تجاب عن هذه ~~لرحمه منك ، فأينا كان أعدى له ، وأهدى إلى مقاتله ؟ أمن بذل له نصرته ~~فاستقعده واستكفه ، أمن استنصره فتراخى عنه ، وبث المنون إليه ، حتى أتى ~~قدره عليه ؟ كلا والله " قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم ~~هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا " وما كنت أعتذر من أني كنت أنقم عليه ~~أحداثا ، فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له " فرب ملوم لا ذنب له " وقد ~~يستفيد الظنة المتنصح وما أردت إلا الإصلاح ما استطعت " وما توفيقي إلا ~~بالله عليه توكلت " ؛ وذكرت أنه ليس لي ولأصحابي إلا السيف ، فلقد أضحكت ~~بعد استعبار ، متى ألفيت بني عبد المطلب عن الأعداء ناكلين ، وبالسيوف ~~مخوفين ؟ لبث قليلا PageV07P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" يلحق الهيجا حمل " فسيطلبك من تطلب ، ويقرب ~~منك ما تستبعد ، وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار ، والتابعين ~~لهم بإحسان شديد زحامهم ، ساطع قتامهم ، متسربلين سرابيل الموت ، أحب ~~اللقاء إليهم لقاء ربهم ، قد صحبتهم ذرية بدرية ، وسيوف هاشمية ، قد عرفت ~~مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك " وما هي من الظالمين ببعيد " . ومن ~~كلام الأحنف بن قيس حين وبخه معاوية بن أبي سفيان بتخذيله عائشة رضي الله ~~عنها ، وأنه شهد صفين ، وقال له : فعلت وفعلت ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ، ~~لم ترد الأمور على أعقابها ؟ أما والله إن القلوب التي أبغضناك بها لبين ~~جوانحنا ، والسيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا ، ولئن مددت بشبر من غدر ~~، لنمدن باعا من ختر ، ولئن شئت لتستصفين كدر قلوبنا بصفو حلمك ؛ قال ~~معاوية : أفعل . وجلس معاوية يوما وعنده وجوه الناس ، وفيهم الأحنف ، فدخل ~~رجل من أهل الشام ، فقال خطيبا ، فكان آخر كلامه أن لعن عليا ms1561 رضي الله عنه ~~، فأطرق الناس ، وتكلم الأحنف فقال : يا أمير المؤمنين ، إن هذا القائل ~~آنفا ما قال لو علم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم ، فاتق الله ، ودع عليا ~~فقد لقي الله ، وأفرد في حفرته ، وخلا بعمله ، وكان والله - ما علمنا - ~~المبرز بشقه ، الطاهر في خلقه ، الميمون النقيبه ، العظيم المصيبه . قال ~~معاوية : يا أحنف ، لقد أغضيت العين على القذى ، وقلت بغير ما ترى ، وايم ~~الله لتصعدن المنبر فلتلعننه طائعا أو كارها ؛ فقال الأحنف : إن تعفني فهو ~~خير ، وإن تجبرني على ذلك فوا لله لا تجري به شفتاي ؛ فقال معاوية : قم ~~فاصعد ؛ قال : أما والله لأنصفنك في القول والفعل ؛ قال معاوية : وما أنت ~~قائل إن أنصفتني ؟ قال : أصعد فأحمد الله وأثني عليه وأصلي على نبيه ، ثم ~~أقول : أيها الناس ، إن معاوية أمرني أني ألعن عليا ، ألا وإن عليا ومعاوية ~~اختلفا واقتتلا ، وادعي كل واحد منهما أنه مبغي عليه وعلى فئته ، فإذا دعوت ~~فأمنوا رحمكم الله ؛ ثم أقول : اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك ورسلك ~~وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه والفئة على المبغي عليها ، آمين يا رب ~~العالمين ؛ فقال معاوية : إذن نعفيك يا أبا بحر . PageV07P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" وأتى الأحنف مصعب بن الزبير يكلمه في قوم ~~حبسهم فقال : أصلح الله الأمير ، إن كانوا حبسوا في باطل فالحق يخرجهم ، ~~وإن كانوا حبسوا في حق فالعفو يسعهم ؛ فخلاهم . ولما قدم وفد العراق علة ~~معاوية وفيهم الأحنف ، خرج الآذن فقال : إن أمير المؤمنين يعزم عليكم ألا ~~يتكلم أحد إلا لنفسه ، فلما وصلوا إليه قال الأحنف : لولا عزمة أمير ~~المؤمنين لأخبرته أن دافة " أي الجماعة " دفت ، ونازلة نزلت ، ونائبة نابت ~~، وكلهم بهم الحاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبره ؛ فقال : حسبك يا أبا بحر ~~، فقد كفيت الغائب والشاهد . ولما خطب زياد بن أبيه بالبصرة قام الأحنف ~~فقال : لله الأمير ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ قد فلت فأسمعت ، ووعظت فأبلغت ؛ أيها ~~الأمير ، إنما السيف بحده ، والقوس بشده ، والرجل بمجده ؛ وإنما الثناء بعد ~~البلاء ، والحمد بعد العطاء ؛ ولن نثني حتى نبتلي ، ولا نحمد حتى ms1562 نعطي . ~~ولما حكم أبو موسى الأشعري أتاه الأحنف فقال له : يا أبا موسى ، إن هذا ~~مسير له ما بعده من عز الدنيا أو ذلها آخر الدهر ، ادع القوم إلى طاعة علي ~~، فإن أبوا فادعهم أن يختار أهل الشام من قريش العراق من أحبوا ، ويختار ~~أهل العراق من قريش الشام من أحبوا ، وإياك إذا لقيت ابن العاص أن تصافحه ~~بنية ، وأن يقعدك على صدر المجلس ، فإنها خديعة ، وأن يضمك وإياه بيت فيمكن ~~لك فيه الرجال ، ودعه فليتكلم لتكون عليه بالخيار ، فالبادئ مستغلق ، ~~والمجيب ناطق ؛ فما عمل أبو موسى إلا بخلاف ما قال الأحنف وأشار به ، فكان ~~من الأمر ما كان ؛ فلقيه الأحنف بعد ذلك فقال له : أدخل والله قدميك في خف ~~واحدة . وقال بخراسان : " يا بني تميم ، تحابوا " تجتمع كلمتكم " وتباذلوا ~~تعتدل أموركم ، وابدءوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح دينكم ، ولا تغلوا يسلم ~~لكم جهادكم . ولما قدمت الوفود على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قام هلال ~~بن بشر فقال : يا أمير المؤمنين : إنا غرة من خلفنا من قومنا ، وسادة من ~~وراءنا من أهل مصرنا ؛ وإنك إن تصرفنا بالزيادة في أعطيتنا ، والفرائض ~~لعيالتنا ، يزدد بذلك PageV07P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" الشريف تأميلا ، وتكن لهم أبا وصولا ؛ وإن ~~تكن مع ما نمت " به " من وسائلك ، وندلي " به " من أسبابك كالجدل لا يحل ~~ولا يرتحل ، نرجع بأنوف مصلومة ، وجدود عاثرة ، فمحنا وأهلينا بسجل مترع " ~~أي الدلو الملآنة " من سجلاك المترعة . وقام زيد بن جبلة فقال : يا أمير ~~المؤمنين ، سود الشريف ، وأكرم الحسيب ، وازرع عندنا من أياديك ما تسد به ~~الخصاصة ، وتطرد به الفاقة ؛ فإنا بقفر من الأرض يابس الأكناف ، مقشعر ~~الذروة ، لا متجر ولا زرع ، وإنا من العرب اليوم إذ أتيناك بمرأي ومسمع . ~~فقام الأحنف فقال : يا أمير المؤمنين ، إن مفاتيح الخير بيد الله ، والحرص ~~قائد الحرمان ، فاتق الله فيما لا يغني عنك يوم القيامة قيلا ولأ قالا ، ~~واجعل بينك وبين رعيتك من العدل والإنصاف شيئا يكفيك وفادة الوفود ، ~~واستماحة الممتاح ، فإن كل امرئ إنما يجمع ms1563 في وعائه إلا الأقل ممن عسى أن ~~تقتحمه الأعين فلا يوفد إليك . ومن كلام أم الخير بن الحريش البارقية ، - ~~وكانت من الفصحاء - حكي أنها لما وفدت على معاوية قال لها كيف كان كلامك ~~يوم قتل عمار بن ياسر ؟ قالت : لم أكن والله زورته قبل ولا رويته بعد ، ~~إنما كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة ، فإن شئت أن أحدث لك مقالا غير ~~ذلك فعلت ، قال : لا أشاء ذلك ، ثم التفت إلى أصحابه فقال : أيكم حفظ كلام ~~أم الخير ؟ فقال رجل من القوم : أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظي سورة ~~الحمد ، قال : هاته ، قال : نعم ، كأني يا أمير المؤمنين عليها برد زبيدي ، ~~كثيف الحاشية ، وهي على جمل أرمك ، وقد أحيط حولها وبيدها سوط منتشر الصفر ~~، وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول : " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن لزلزلة ~~الساعة شيء عظيم " إن الله قد أوضح الحق ، وأبان الدليل ، ونور السبيل ، ~~ورفع العلم ، فلم يدعكم في عمياء PageV07P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" مبهمة ، ولا سوداء مدلهمة ؛ فأنى تريدون ~~رحمكم الله ؟ أفرارا عن أمير المؤمنين ، أم فرارا من الزحف ، أم رغبة عن ~~الإسلام ، أم ارتدادا عن الحق ؟ أما سمعتم الله عز وجل يقول : " ولنبلونكم ~~حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم " ثم رفعت رأسها إلى ~~السماء وهي تقول : اللهم قد عيل الصبر ، وضعف اليقين ، وانتشرت الرغبة ، ~~وبيدك يا رب أزمة القلوب ، فاجمع الكلمة على التقوى ، وألف القلوب على ~~الهدى ، ورد الحق إلى أهله ؛ هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل ، والوصي ~~الوفي ، والصديق الأمير ؛ إنها إحن بدرية ، وأحقاد جاهلية ، وضغائن أحدية ، ~~وثب معاوية حين الغفلة ليدرك بها ثارات بني عبد شمس ؛ ثم قالت : قاتلوا ~~أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ؛ صبرا معشر المهاجرين والأنصار ~~، قاتلوا على بصيرة من ربكم ، وثبات من دينكم ، وكأني بكم غدا قد لقيتم أهل ~~الشام كحمة مستنفرة ، فرت من قسورة ، لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض ، ~~باعوا الآخرة بالدنيا ، واشتروا الضلالة بالهدى ، وباعوا البصيرة بالعمى ، ~~و " عما قليل ليصبحن ms1564 نادمين " حين تحل بهم الندامة ، فيطلبون الإقالة ، إنه ~~والله من ضل عن الحق وقع في الباطل ، ومن يسكن الجنة نزل النار ، أيها ~~الناس ، إن الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها ، واستبطئوا مدة الآخرة ~~فسعوا لها ؛ والله أيها الناس ، لولا أن تبطل الحقوق ، وتعطل الحدود ، ~~ويظهر الظالمون ، وتقوى كلمة الشيطان ، لما اخترنا ورود المنايا على خفض ~~العيش وطيبه ، فإلى أين تريدون - رحمكم الله - ؟ عن ابن عم رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وزوج ابنته ، وأبي ابنيه ، خلق من طينته ، وتفرع عن ~~نبعته ، وخصه بسره ، وجعله باب مدينته ، وأعلم بحبه المسلمين ، وأبان ببغضه ~~المنافقين ؛ فلم يزل كذلك يؤيده الله بمعونته ، ويمضي على سنن استقامته ، ~~لا يعرج لواحة اللذات ؛ وهو مفلق الهام ، ومكسر الأصنام ؛ إذ صلى والناس ~~مشركون ، وأطاع والناس مرتابون ؛ فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر ، وأفنى ~~أهل أحد ، وفرق جمع هوازن ، فيالها وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا ، وردة ~~وشقاقا ؟ ؟ ؟ ؟ وقد اجتهدت في القول ، وبالغت في النصيحة ، وبالله التوفيق ~~؛ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته . PageV07P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" فقال معاوية : والله يا أم الخير ما أردت ~~بهذا إلا قتلي ، والله لو قتلت ما حرجت في ذلك ؛ قالت : والله ما يسوءني يا ~~ابن هند أن يجري الله ذلك على يدي من يسعدني الله بشقائه ؛ قال : هيهات يا ~~كثيرة الفضول ، ما تقولين في عثمان بن عفان ؟ قالت : وما عسيت أن أقول فيه ~~؟ استخلفه الناس وهم كارهون ، وقتلوه وهم راضون ؛ فقال : إيها يا أم الخير ~~، هذا والله أصلك الذي تبنين عليه ؛ لكن الله يشهد " وكفى بالله شهيدا " ما ~~أردت بعثمان نقصا ، ولقد كان سباقا إلى الخيرات ، وإنه لرفيع الدرجات ؛ قال ~~: فما تقولين في طلحة بن عبيد الله ؟ قالت : وما عسى أن أقول في طلحة ؟ ~~اغتيل من مأمنه ، وأتي من حيث لم يحذر ، وقد وعده رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) الجنة ؛ قال : فما تقولين في الزبير ؟ قالت : يا هذا لا تدعني ~~كرجيع الضبع يعرك في المركن ؛ قال : حقا لتقولن ذلك ، وقد عزمت عليك ؛ قالت ~~: وما ms1565 عسيت أن أقول في الزبير ابن عمة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وحواريه ، وقد شهد له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالجنة ، ولقد كان ~~سباقا إلى كل مكرمة في الإسلام ؛ وإني أسألك بحق الله يا معاوية - فإن ~~قريشا تحدث أنك من أحلمها - أن تسعى بفضل حلمك ، وأن تعفيني من هذه المسائل ~~، وامض إلى ما شئت من غيرها ؛ قال : نعم وكرامة ، قد أعفيتك ، وردها مكرمة ~~إلى بلدها . وممن اشتهر بالفصاحة والبلاغة زياد بن أبيه ، والحجاج بن يوسف ~~الثقفي ، وسنذكر من كلامهما في التاريخ عند ذكرنا لأخبارهما لما ولي كل ~~منهما العراق ، وما خطب الناس به ، ولنذكر في هذا الموضع من كلام الحجاج ما ~~لم نورده هناك . قيل : لما قدم الحجاج البصرة خطب فقال : أيها الناس ، من ~~أعياه داؤه فعندي دواؤه ؛ ومن استطال أجله ، فعلي أن أعجله ومن ثقل عليه ~~رأسه وضعت عنه ثقله ؛ ومن استطال ماضي عمره قصرت عليه باقيه ؛ إن للشيطان ~~طيفا ، وللسلطان سيفا ؛ فمن سقمت سريرته ، صحت عقوبته ؛ ومن وضعه ذنبه ، ~~رفعه صلبه ، ومن لم تسعه العافية ، لم تضق عنه الهلكة ؛ ومن سبقته بادرة ~~فمه ، سبق بدنه بسفك دمه ؛ إني أنذر ثم لا أنظر ، وأحذر ثم لا أعذر ، ~~وأتوعد ثم لا أعفو ، إنما أفسدكم ترنيق ولاتكم ، PageV07P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" ومن استرخى لببه ساء أدبه ، إن الحزم والعزم ~~سلباني سوطي ، وأبدلاني به سيفي ، فقائمه في يدي ، ونجاده في عنقي ، وذبابه ~~قلادة لمن عصاني ، والله لا آمر أحدكم أن يخرج من باب من أبواب المسجد ~~فيخرج من الباب الذي يليه إلا ضربت عنقه . قال مالك بن دينار : ربما سمعت ~~الحجاج يذكر ما صنع فيه أهل العراق وما صنع بهم ، فيقع في نفسي أنهم ~~يظلمونه لبيانه وحسن تخليصه لحجج . وخطب الحجاج بعد وقعة دير الجماجم فقال ~~: يا أهل العراق ، إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم والعصب ~~والمسامع والأطراف والأعضاء والشغاف ، ثم أفضى إلى المخاخ والأصماخ ، ثم ~~ارتفع فعشعش ، ثم باض ففرخ ، فحشاكم نفاقا وشقاقا ، وأشعركم خلافا ، ~~واتخذتموه دليلا تتبعونه ms1566 ، وقائدا تطيعونه ، ومؤامرا تستشيرونه ؛ فيكف ~~تنفعكم تجربة ، أو تعظم وقعة ؛ أو يحجزكم إسلام ، أو ينفعكم بيان ؟ ألستم ~~أصحابي بالأهواز ؟ حيث رمتم المكر ، وسعيتم بالغدر ، واستجمعتم للكفر ، ~~وظننتم أن الله خذل دينه وخلافته ، وأنا أرميكم بطرفي ، تتسللون لواذا ، ~~وتنهزمون سراعا ، ثم يوم الزاوية وما يوم الزاوية ؟ كان فشلكم وتنازعكم ~~وتخاذلكم وبراءة الله منكم ، ونكوص وليكم عنكم إذ وليتم كالإبل الشوارد إلى ~~أوطانها النوازع إلى أعطانها ؛ لا يسأل المرء عن أخيه ، ولا يلوي الشيخ على ~~بينه ؛ حتى عظكم السلاح ، وقصمتكم الرماح ، ثم دير الجماجم ، وما دير ~~الجماجم بها كانت المعارك والملاحم ؛ بضرب يزيل الهام عن مقيله ، ويصرف ~~الخليل عن خليله ؛ يا أهل العراق ، والكفرات بعد الفجرات ، والغدرات بعد ~~الخترات ، والثورة بعد PageV07P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" الثورات ؛ إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم وجبنتم ~~، وإن أمنتم أرجفتم ، وإن خفتم نافقتم ؛ لا تذكرون حسنة ، ولا تشكرون نعمة ~~؛ يا أهل العراق هل استخفكم ناكث ، أو استغواكم غاو ، أو استفزكم عاص ، أو ~~استنصركم ظالم ، أو استعضدكم خالع ، إلا اتبعتموه وآويتموه ونصرتموه ~~وزكيتموه ؟ يا أهل العراق ، قلما شغب شاغب ، أو نعب ناعب ، أو زفر كاذب إلا ~~كنتم أتباعه وأنصاره ؛ يا أهل العراق ، ألم تنهكم المواعظ ، ولم تزجركم ~~الوقائع . ثم التفت إلى أهل الشام فقال : يا أهل الشام ، أنا لكم كالظليم ~~الرامح عن فراخه ، ينفي عنها المدر ، ويباعد عنها الحجر ، ويكنها من المطر ~~؛ ويحميها من الضباب ، ويحرسها من الذئاب ؛ يا أهل الشام ، أنتم الجنة ~~والرداء ، وأنتم العدة والحذاء . ومن مكاتباته إلى المهلب بن أبي صفرة ~~وأجوبة المهلب له كتب الحجاج إليه وهو في وجه الخوارج : أما بعد ، فإنه ~~بلغني أنك قد أقبلت على جيابة الخراج ، وتركت قتال العدو ، وإني وليتك وأنا ~~أرى مكان عبد الله ابن حكيم المجاشعي ، وعباد بن حصين الحبطي ، واخترتك ~~وأنت رجل من الأزد ، وأنا أقسم إن لم تلقهم في يوم كذا أشرعت إليك صدر ~~الرمح . فأجابه المهلب : ورد علي كتابك تزعم أني أقبلت على جباية الخراج ، ~~وتركت قتال العدو لعجز ؛ وزعمت أنك وليتني وأنت ترى مكان ms1567 عبد الله بن حكيم ~~وعباد بن حصين ، ولو وليتهما لكانا مستحقين لذلك في فضلهما وغنائهما ؛ وأنك ~~اخترتني وأنا رجل من الأزد ، لعمري إن شرا من الأزد لقبيلة تنازعها ثلاث ~~قبائل لم تستقر في واحدة منهن ؛ وزعمت أني إن لم ألقهم في يوم كذا أشرعت ~~إلي صدر الرمح ، فلو فعلت لقلبت إليك ظهر المجن . ووجه إليه الحجاج يستبطئه ~~في مناجزة القوم ، وكتب إليه : أما بعد ، فإنك جبيت الخراج بالعلل ، وتحصنت ~~بالخنادق ، وطاولت القوم وأنت أعز ناصرا وأكثر عددا ، وما أظن بك مع هذا ~~معصية ولا جبنا ، ولكنك اتخذتهم أكلا ، ولإبقائهم أيسر عليك من قتالهم ، ~~فناجزهم وإلا أنكرتني ، والسلام . PageV07P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" فقال المهلب للجراح : يا أبا عقبة ، والله ما ~~تركت حيلة إلا احتلتها ، ولا مكيدة إلا عملتها ، وليس العجب من إبطاء النصر ~~، وتراخى الظفر ، ولكن العجب أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره ؛ ثم ~~ناهضتم ثلاثة أيام يغاديهم ، ولا يزالون كذلك إلى العصر حتى قال الجراح : ~~قد اعتذرت ؛ وكتب إلى الحجاج : أتاني كتابك يستبطئ لقاء القوم ، على أنك لا ~~تظن بي معصية ولا جبنا ، وقد عاتبتني معاتبة الجبان ، وأوعدتني وعيد العاصي ~~، فسل الجراح والسلام . فكتب إليه الحجاج : أما بعد ، فإنك تتراخى عن الحرب ~~حتى تأتيك رسلي ويرجعون بعذرك ، وذاك أنك تمسك حتى تبرأ الجراح وتنسى ~~القتلى ، ويجم الناس ، ثم تلقاهم فتحمل منهم مثل ما يحملون منك من وحشة ~~القتل وألم الجراح ، ولو كنت تلقاهم بذلك الجد لكان الداء قد حسم ، والقرن ~~قد قصم ، ولعمري ما أنت والقوم سواء ، لأن من ورائك رجالا ، وأمامك أموالا ~~، وليس للقوم إلا ما معهم ، ولا يدرك الوجيف بالدبيب ، ولا الظفر بالتعذير ~~. فكتب إليه المهلب : أما بعد ، فإني لم أعط رسلك على قول الحق أجرا ، ولم ~~أحتج منهم مع المشاهدة إلى تلقين ؛ وذكرت أني أجم القوم ، ولابد من راحة ~~يستريح فيها الغالب ويحتال المغلوب ؛ وذكرت أن في الإجمام ما ينسي القتلى ، ~~ويبرئ الجراح ، وهيهات أن ينسى ما بيننا وبينهم ، يأبى ذلك قتل من لم يجن ، ~~وقروح ms1568 لم تتقرف ؛ ونحن والقوم على حالة ، وهم يرقبون حالات ، إن طمعوا ~~حاربوا ، وإن ملوا وقفوا ، ونطلب إذا هربوا ، فإن تركتني فالداء بإذن الله ~~محسوم ، وإن أعجلتني لم أطعك ولم أعص ، وجعلت وجهي إلى بابك ، وأنا أعوذ ~~بالله من سخط الله مقت الناس . وقال المهلب لبنيه : يا بني تباذلوا تحابوا ~~، فإن بني الأم يختلفون ، فكيف بني العلات ؛ إن البر ينسأ في الأجل ، ويزيد ~~في العدد ، وإن القطيعة تورث القلة ، PageV07P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" وتعقب النار بعد الذلة ؛ واتقوا زلة اللسان ، ~~فإن الرجل تزل رجله فينتعش ، ويزل لسانه فيهلك ؛ وعليكم في الحرب بالمكيدة ~~، فإنها أبلغ من النجدة . ولما استخلف ابنه المغيرة على حرب الخوارج ، وعاد ~~هو إلى عند مصعب بن الزبير ، جمع الناس فقال لهم : إني قد استخلفت عليكم ~~المغيرة ، وهو أبو صغيركم رقة ورحمة ، وابن كبيركم طاعة وتبجيلا وبرا ، ~~وأخو مثله مواساة ومناصحة ، فلتحسن له طاعتكم ، وليلن له جانبكم ، فوا لله ~~ما أردت صوابا قط إلا سبقني إليه . وخطب عبد الملك بن مروان ، فلما بلغ ~~الغلظة قام إليه رجل من آل صوحان فقال : مهلا مهلا يا بني مروان ، تأمرون ~~ولا تأتمرون ، وتنهون ولا تنهون ، وتعظون ولا تتعظون ؛ أفنقتدي بسيرتكم في ~~أنفسكم ، أم نطيع أمركم بألسنتكم ؟ فإن قلتم : اقتدوا بسيرتنا ، فأنى وكيف ~~، وما الحجة ، وما المصير من الله ؟ أنقتدي بسيرة الظلمة الفسقة الجورة ~~الخونة ، الذين اتخذوا مال الله دولا ، وعبيده خولا ؟ وإن قلتم : اسمعوا ~~نصيحتنا ، وأطيعوا أمرنا ، فكيف ينصح لغيره من يغش نفسه ؟ أم كيف تجب ~~الطاعة لم لم تثبت عند الله عدالته ؟ وإن قلتم : خذوا الحكمة من حيث ~~وجدتموها ، وأقبلوا العظة ممن سمعتموها ، فعلام وليناكم أمرنا ، وحكمناكم ~~في دمائنا وأموالنا ؟ أما علمتم أن فينا من هو أنطق منكم باللغات ، وأفصح ~~بالعظات ؟ فتخلوا عنها ، وأطلقوا عقالها ، وخلوا سبيلها ، ينتدب إليها آل ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذين شردتموهم في البلاد ، ومزقتموهم في ~~كل واد ، بل تثبت في أيديكم لانقضاء المدة ، وبلوغ المهلة ، وعظم المحنة ؛ ~~إن لكل قائم قدرا لا يعدوه ، ويوما لا ms1569 يخطوه ، وكتابا بعده يتلوه ، " لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها " " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ~~" . ثم التمس الرجل فلم يوجد . ومن كلام قطري بن الفجاءة - وكان من البلغاء ~~الأبطال ، فمن ذلك هطبته المشهورة التي قال فيها : أما بعد ، فإني أحذركم ~~الدنيا فإنها حلوة خضرة ، حفت بالشهوات ، وراقت بالقليل ، وتحببت بالعاجلة ~~، وحليت بالآمال ، وتزينت بالغرور ؛ لا تقوم نضرتها ، ولا تؤمن فجيعتها ؛ ~~غرارة ضرارة ، وحائلة زائلة ، ونافدة بائدة ، أكالة غوالة ؛ لا تعدو إذا ~~PageV07P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا عنها ~~أن تكون كما قال الله تعالى : " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا " مع أن امرأ ~~لم يكن معها في حبرة " أي السرور " ، إلا أعقبته بعدها حسرة ، ولم يلق من ~~سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا ، ولم تصله غيثة رخاء ، إلا هطلت ~~عليه مزنة بلاء ؛ وحرية إذا أصبحت له منتصرة ، أن تمسى له خاذلة متكره ؛ ~~وإن جانب منها اعذوذب واحلولي ، أمر عليه منها جانب وأوبا ، فأن أتت امرأ ~~من غصونها ورقا أرهقته من نوائبها تعبا ، ولم يمس منها امرؤ في جناح أمن ~~إلا أصبح منها في قوادم خوف ، غرارة غرور ما فيها ، فانية فان من عليها ؛ ~~لا خير في شيء من زادها إلا التقوى ، من أقل منها استكثر مما يؤمنه ومن ~~استكثر مها استكثر مما يوبقه ويطيل حزنه ، ويبكي عينه ؛ كم واثق بها قد ~~فجعته ، وذي حلم تنبه إليه قد صرعته ، وذي احتيال فيها قد خدعته ؛ وكم ذي ~~أبهة فيها قد صيرته حقيرا ، وذي نخوة ردته ذليلا ، ومن ذي تاج قد كبته ~~لليدين والفم ؛ سلطانها دول ، وعيشها رنق " أي الماء الكدر " وعذبها أجاج ، ~~وحلوها صبر ، وغذاؤها سمام ، وأسبابها رمام ، وقطافها سلع ؛ حيها بعرض موت ~~، وصحيحها بعرض سقم ، وميعها بعرض اهتضام ؛ وملكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب ، ~~وسليمها منكوب وجارها محروب ؛ مع أن وراء ذلك سكرات الموت ، وهول المطلع ، ~~والوقوف بين يدي الحكم العدل " ليجزي الذين أساؤوا ms1570 بما عملوا ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى " ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول منكم أعمارا ، وأوضح ~~منكم آثارا ؛ وأعد عديدا وأكثف جنودا ، وأشد عقودا ، تعبدوا للدنيا أي تعبد ~~، وآثروها أي إيثار ، وظعنوا بالكره والصغار ، فهل بلغكم أن الدنيا سمحت ~~لهم نفسا بفدية ، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكتهم بخطب ؟ بل قد أرهقتم ~~بالفوادح ، وضعضعتم بالنوائب ، وعقرتهم بالفجائع ؛ وقد رأيتم تنكرها لم ~~رادها وآثرها وأخلد إليها ، حين ظعنوا عنها لفراق الأبد ، إلى آخر المسند ؛ ~~هل زودتهم إلا السغب ، وأحلتهم إلا الضنك ، أو نورت لهم إلا الظلمة ، أو ~~أعقبتهم إلا الندامة ؟ أفهذه تؤثرون ، أم على هذه تحرصون ، أم إليها ~~تطمئنون ؟ يقول الله تعالى : " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم PageV07P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون " فبئست ~~الدار لمن أقام فيها ، فاعلموا إذ أنتم تعلمون أنكم تاركوها لابد ، فإنما ~~هي كما وصفها الله باللعب واللهو ، وقد قال الله تعالى : " أتبنون بكل ريع ~~آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم جبارين " . وذكر الذين ~~قالوا : " من أشد منا قوة ثم قال : حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، ~~وأنزلوا فلا يرعون ضيفانا ، وجعل الله لهم من الضريح أكنانا ، ومن الوحشة ~~ألوانا ، ومن الرفات جيرانا ؛ وهم في جيرة لا يجيبون داعيا ، ولا يمنعون ~~ضيما ، إن أخصبوا لم يفرحوا ، وإن قحطوا لم يقنطوا ؛ جمع وهم آحاد ، جيرة ~~وهم أبعاد ؛ متناءون ، لا يزورون ولا يزارون ؛ حلماء قد ذهبت أضغانهم ، ~~وجهلاء قد ماتت أحقادهم ؛ لا يرجى نفعهم ، ولا يخشى دفعهم ؛ وكما قال الله ~~تعالى : " فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين " ~~فاستبدوا بظهر الأرض بطنا ، وبالسعة ضيقا وبالأهل غربة ، وبالنور ظلمة ، ~~ففارقوها كما دخلوها ، حفاة عراة فرادى ، غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة ~~الدائمة ، وإلى خلود الأبد ، يقول الله تعالى : " كما بدأنا أول خلق نعيده ~~وعدا علينا إنا كنا فاعلين " فاحذروا ما حذركم الله ، وانتفعوا بمواعظه ، ~~واعتصموا بحبله ، عصمنا الله وإياكم بطاعته ، ورزقنا وإياكم أداء حقه . ومن ~~كلام أبي مسلم ms1571 الخراساني صاحب الدولة ، قيل له : ما كان سبب خروج الدولة عن ~~أبي أمية ؟ فقال : لأنهم أبعدوا أولياءهم ثقة بهم ، وأدنوا أعداءهم تألفا ~~لهم ، فلم يصر العدو بالدنو صديقا ، وصار الصديق بالبعاد عدوا . وقيل له في ~~حداثته : إنا نراك تأرق كثيرا ولا تنام ، كأنك موكل برعي الكواكب ، أو ~~متوقع الوحي في السماء ، فقال : والله ما هو ذاك ، ولكن لي رأي جوال ، ~~وغريزة تامة ، وذهن صاف ، وهمة بعيدة ، ونفس تتوق إلى معالي الأمور ، مع ~~عيش كعيش الهمج والرعاع ، وحال متناهية من الاتضاع ، وإني لأرى بعض هذا ~~مصيبة لا تجبر بسهر ، ولا تتلافى بأرق ؛ قيل له : فما الذي يبرد غليلك ، ~~ويشفي إجاج صدرك ؟ PageV07P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" قال : الظفر بالملك ؛ قيل له : فاطلب ؛ قال : ~~إن الملك لا يدرك إلا بركوب الأهوال ؛ قيل : فاركب الأهوال ؛ قال : هيهات ، ~~العقل مانع من ركوب الأهوال ؛ قيل : فما تصنع وأنت تبلى حسرة ، وتذوب كمدا ~~؟ قال : سأجعل من عقلي بعضه جهلا ، وأحاول به خطرا ، لأنال بالجهل ما لا ~~تنال إلا به ، وأدبر بالعقل ما لا يحفظ إلا بقوته ، وأعيش عيشا يبين مكان ~~حياتي فيه من مكان موتي عليه ، فإن الخمول أخو العدم ، والشهرة أبو الكون . ~~وكتب إليه عبد الحميد بن يحيى كتابا عن مروان بن محمد ، وقال لمروان : قد ~~كتبت كتابا إن نجع فذاك ، وإلا فالهلاك ، وكان لكبر حجمه يحمل على جمل ، ~~نفث فيه حواشي صدره ، وضمنه غرائب عجره وبجره ، فلما ورد على أبي مسلم دعا ~~بنار فطرحه فيها إلا قدر ذراع فإنه كتب عليه : محا السيف أسطار البلاغة ~~وانتحى . . . ليوث الوغى يقد من كل جانب فإن يقدموا تعمل سيوفا شحيذة . . . ~~يهون عليها العب من كل عاتب ورده ، فأيس الناس من معالجته . وقيل : إنه شجر ~~بينه وبي صاحب مرو كلام أربى فيه صاحب مرو عليه ، فاحتمله أبو مسلم وقال : ~~مه ، لسان سبق ، ووهم أخطأ ، والغضب شيطان ، وأنا جرأتك علي باحتمالك ، فإن ~~كنت للذنب متعمدا فقد شاركتك فيه ، وإن كنت مغلوبا فالعفو يسعك ، فقال له ~~صاحب مرو : عظم ذنبي يمنع قلبي ms1572 من الهدوء ؛ فقال أبو مسلم : يا عجبا ، ~~أقابلك بإحسان وأنت تسيء ، ثم أقابلك بإساءة وأنت تحسن فقال صاحب مرو : ~~الآن وثقت بعفوك . ومن كلام جماعة من أمراء الدولتين خطب يوسف بن عمر فقال ~~: اتقوا الله عباد الله ، فكم من مؤمل أملا لا يبلغه ، وجامع مالا لا يأكله ~~، ومانع ما سوف يتركه ؛ ولعله م باطل جمعه ، ومن حق PageV07P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" منعه ؛ أصابه حراما ، وورثه عدوا ؛ واحتمل ~~إصره ، وباء بوزره ، وورد على ربه آسفا لاهفا " خسر الدنيا والآخرة ذلك هو ~~الخسران المبين " . وقام خالد بن عبد الله القسري على المنبر خطيبا ، فحمد ~~الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم قال : يا ~~أيها الناس ، نافسوا في المكارم ، وسارعوا إلى المغانم ، واشتروا الحمد ~~بالجود ، ولا تكسبوا بالمطل ذما ، ولا تعتدوا بالمعروف ما لم تعجلوه ، ~~ومهما يكن لأحدكم عند أحد نعمة فلم يبلغ شكرها فالله أحسن لها جزاء ، وأجزل ~~عليها عطاء ؛ واعلموا أن حوائج الناس إليكم نعمة من الله عليكم ؛ فلا تملوا ~~النعم فتحول نقما ؛ واعلموا أن أفضل المال ما أكسب أجرا ، وأورث ذكرا ؛ ولو ~~رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا يسر الناظرين ، ولو رأيتم البخل ~~رجلا رأيتموه مشوها قبيحا ، تنفر عنه القلوب ، وتغض عنه الأبصار ؛ أيها ~~الناس ، إن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه ، وأعظم الناس عفوا من عفا عن ~~قدرة ، وأوصل الناس من وصل من قطعه ، ومن لم يطب حرثه لم يزك نبته ؛ ~~والأصول عن مغارسها تنمو ، وبأصولها تسمو ؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ~~ولكم . قيل لما ولي أبو بكر بن عبد الله المدينة وطال مكثه عليها كان يبلغه ~~عن قوم من أهلها أنهم لا ينالون من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، وإسعاف من آخرين لهم على ذلك ، فأمر أهل البيوتات ووجوه الناس في يوم ~~جمعة أن يقربوا من المنبر ، فلما فرغ من خطبة الجمعة قال : أيها الناس ، ~~إني قائل قولا ، فمن وعاه وأداه فعلى الله جزاؤه ، ومن لم يعه فلا يعدو من ~~ذمامها ms1573 ، إن قصرتم عن تفصيله ، فلن تعجزوا عن تحصيله ، فأرعوه أبصاركم ، ~~وأوعوه أسماعكم ، وأشعروه قلوبكم ؛ فالموعظة حياة ، والمؤمنون إخوة " وعلى ~~الله قصد السبيل " " ولو شاء لهداكم أجمعين " فأتوا الهدى تهتدوا ، ~~واجتنبوا الغي ترشدوا ، " وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم ~~تفلحون " والله جل ثناؤه ، وتقدست أسماؤه ، أمركم بالجماعة ورضيها لكم ، ~~ونهاكم عن الفرقة وسخطها منكم ، " فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم ~~إذ كنتم أعداءا فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة ~~من النار فأنقذكم منها " جعلنا الله وإياكم ممن تبع رضوانه ، وتجنب ~~PageV07P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" سخطه ، فإنما نحن به وله ؛ وإن الله بعث ~~محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) بالدين ، واختاره على العالمين ، واختار له ~~أصحابا على الحق ، ووزراء دون الخلق ، اختصهم به ، وانتخبهم له ، فصدقوه ~~ونصروه ، وعزروه ووقروه ، فلم يقدموا إلا بأمره ، ولم يحجموا إلا عن رأيه ، ~~وكانوا أعوانه بعهده ، وخلفاءه من بعده ، فوصفهم فأحسن صفتهم ، وذكرهم ~~فأثنى عليهم ، فقال - وقوله الحق - : " محمد رسول الله والذين معه أشداء ~~على الكفار " إلى قوله : " مغفرة وأجرا عظيما " فمن غاظوه كفر وخاب ، وفجر ~~وخسر ، وقال الله عز وجل : " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا " إلى قوله : " ربنا إنك رءوف رحيم " ~~فمن خالف شريطة الله عليه لهم ، وأمره إياه فيهم ، فلا حق له في الفيء ، ~~ولا سهم له في الإسلام في آي كثيرة من القرآن ؛ فمرقت مارقة من الدين ، ~~وفارقوا المسلمين ، وجعلوهم عضين ؛ وتشعبوا أحزابا ، أشابات وأوشابا ؛ ~~فخالفوا كتاب الله فيهم ، وثناءه عليهم ، وآذوا رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فيهم ، فحابوا وخسروا الدنيا والآخرة " ذلك هو الخسران المبين " " ~~أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم " ؛ مالي ~~أرى عيونا خزرا ، ورقابا صعرا ، وبطونا بجرا ؟ شجى لا يسيغه الماء ، وداء ~~لا يشرب فيه الدواء ؛ " أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين " كلا ~~والله ، بل هو الهناء والطلاء ms1574 حتى يظهر العذر ، ويبوح السر ، ويضح الغيب ، ~~ويسوس الجنب ؛ فإنكم لم تخلفوا عبثا ، ولم تتركوا سدى ؛ ويحكم إني لست ~~أتاويا أعلم ، ولا بدويا أفهم ؛ قد حلبتكم أشطرا ، وقلبتكم أبطنا وأظهرا ؛ ~~فعرفت أنحاءكم وأهواءكم ، وعلمت أن قوما أظهروا الإسلام بألسنتهم ، وأسروا ~~الكفر في قلوبهم ، فضربوا بعض أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ببعض ~~، وولدوا الروايات فيهم ، وضربوا الأثمال ، ووجدوا على ذلك من أهل الجهل من ~~أبنائهم أعوانا يأذنون لهم ، ويصغون إليهم ؛ مهلا مهلا قبل وقوع القوارع ، ~~وطول الروائع ، هذا لهذا ومع هذا ، فلست PageV07P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" أعتنش آثبا ولا تائبا ، " عفا الله عما سلف ~~ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام " فأسروا خيرا وأظهروه ، ~~واجهروا به وأخلصوا ، فطالما مشيتم القهقرى ناكصين ، وليعلم من أدبر وأصر ~~أنها موعظة بين يدي نقمة ؛ ولست أدعوكم إلى أهواء تتبع ، ولا إلى رأي يبتدع ~~؛ إنما أدعوكم إلى الطريقة المثلى ، التي فيها خير الآخرة والأولى ؛ فمن ~~أجاب فإلى رشده ، ومن عمى فعن قصده ؛ فهلم إلى الشرائع الجدائع ، ولا تولوا ~~عن سبيل المؤمنين ، ولا تستبدلوا الذي هو أدى بالذي هو خير ، " بئس ~~للظالمين بدلا " إياكم وبنيات الطريق ، فعندها الترنيق والرهق ، وعليكم ~~بالجادة ، فهي أسد وأورد ، ودعوا الأماني فقد أردت من كان قبلكم ، وليس ~~للإنسان إلا ما سعى ، ولله الآخرة والأولى ، و " لا تفتروا على الله كذبا ~~فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى " " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا وهب ~~لنا لدنك رحمة إنك أنت الوهاب " . هذا ما اتفق إيراده من رسائل وخطب بلغاء ~~الصحابة - رضي الله عنهم - وكلام التابعين وغيرهم مما يحتاج الكاتب إلى ~~حفظه . وأما رسائل المتقدمين والمعاصرين التي يحتاج إلى النظر إليها دون ~~حفظها - فهي كثيرة جدا ، سنورد من جيدها ما تقف عليه إن شاء الله . ذكر شيء ~~من رسائل وفصول الكتاب والبلغاء المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين من ~~المشارقة والمغاربة وهذه الرسائل والفصول كثيرة جدا ، وقد قدمنا منها فيما ~~مر من كتابنا هذا ما حلا ذكره ، وفاح نشره ، وأنس به سامعه ، وأيس من ms1575 ~~الإتيان بمثله صانعه ، وأوردنا في كل باب وفصل منه ما يناسبه ، وسنورد إن ~~شاء الله في فني الحيوان والنبات عند ذكر كل حيوان أو نبات يستحق الوصف ما ~~سمعناه وطالعناه من وصفه نظما ونثرا ، مع ما يندرج في فن التاريخ من ~~الرسائل والفصول والأجوبة والمحاورات عند ذكر الوقائع ، وإنما نورده ثم وإن ~~كان هذا موضعه ليكون الكلام فيه شاقة ، وترد الوقائع يتلو بعضها ~~PageV07P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" بعضا ، فلا ينقطع الكلام على ما تقف إن شاء ~~الله تعالى عليه في مواضعه ، فلنورد في هذا الموضع ما هو خارج عن ذلك النمط ~~من كلامهم ، ولنبدأ بذكر شيء من المكاتبات البليغة الموجزة ؛ من ذلك ما كتب ~~به عبد الحميد بن يحيى بالوصاة على إنسان فقال : حق موصل هذا الكتاب عليك ~~كحقه علي إذ رآك موضعا لأمله ، ورآني أهلا لحاجته ، وقد أنجزت حاجته ، فحقق ~~أمله . ومنه ما حكي أن المأمون قال لعمر بن مسعدة : اكتب إلى فلن كتاب ~~عناية بفلان في سطر واحد ، فكتب : هذا كتاب واثق بمن كتب إليه ، معتن بمن ~~كتب له ، ولن يضيع الثقة والعناية حامله . وكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون ~~يستعطفه على الجند : كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من أجناده وقواده في ~~الطاعة على أفضل ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم ، واختلت أحوالهم . ~~فأمر بإعطائهم رزق ثمانية أشهر . وكتب أحمد بن يوسف إلى المأمون يذكره بمن ~~على بابه من الوفود فقال : إن داعي نداك ، ومنادي جدواك ، جمعا ببابك ~~الوفود ، يرجون نائلك العتيد ؛ فمنهم من يمت بحرمة ، ومنهم من يدلي بخدمة ؛ ~~وقد أحجف بهم المقام ، وطالت عليهم الأيام ؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن ~~ينعشهم بسيبه ، ويحتوش ظنونهم بطوله فعل . فوقع المأمون في كتابه : الخير ~~متبع ، وأبواب الملوك مواطن لذوي الحاجات ، فاحص أسماءهم ، واجل موائنهم ، ~~ليصير إلى كل امرئ منهم قدر استحقاقه ، ولا تكدر معروفا بالمطل والحجاب ، ~~فإن الأول يقول : فإنك لن ترى طردا لحر . . . كإلصاق به طرف الهوان ولم ~~يجلب مودة ذي وفاء . . . كمثل البذل أو بسط اللسان ms1576 PageV07P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" وكتب محمد إلى يحيى بن هرمة - وكان عامله على ~~أصفهان ، وقد تظلم منه أهلها - : يا يحيى ، قد كثر شاكوك ، وقل شاكروك ؛ ~~فإما عدلت ، وإما اعتزلت . وكتب أبو بكر الخوارزمي جوابا عن هدية : وصلت ~~التحفة ، ولم يكن لها عيب إلا أن باذلها مسرف في البر ، وقابلها مقتصد في ~~الشكر ؛ والسرف مذموم إلا في المجد ، والاقتصاد محمود إلا في الشكر والحمد ~~. وكتب مالك الروم إلى المعتصم يتوعده ويتهدده ، فأمر الكتاب أن يكتبوا ~~جوابه ، فكتبوا فلم يعجبه مما كتبوا شيء ، فقال لبعضهم : اكتب : بسم الله ~~الرحمن الرحيم ، أما بعد فقد قرأت كتابك ، وفهمت خطابك ، والجواب ما ترى لا ~~ما تسمع ، " سيعلم الكافر لمن عقبى الدار " . ومن كلام بديع الزمان أبي ~~الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني - قيل : ذكر الهمذاني في مجلس أبي الحسن بن ~~فارس فقال ما معناه : إن البديع قد نسي حق تعليمنا إياه ، وعقنا وشمخ بأنفه ~~عنا ، فالحمد لله على فساد الزمان ، وتغير نوع الإسنان ؛ فبلغ ذلك البديع ، ~~فكتب إلى أبي الحسين : نعم أطال الله بقاء الشيخ الإمام ، إنه الحمأ ~~المسنون ، وإن ظنت الظنون ؛ والناس لآدم ، وإن كان العهد قد تقادم ؛ ~~وارتبكت الأضداد ، واختلط الميلاد ؛ والسيخ يقول : فسد الزمان ، أفلا يقول ~~: متى كان صالحا ؟ أفي الدولة العباسية وقد رأينا آخرها وسمعنا أولها ؛ أم ~~المدة المروانية وفي أخبارها " لا تكسع الشول بأغبارها " ؛ PageV07P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" أم السنين الحربية . والسيف يعمل في الطلى . ~~. . والرمح يركز في الكلى ومبيت حجر في الفلا . . . والحرتان وكربلا أم ~~البيعة الهاشمية وعلي يقول : ليت العشرة منكم براس ، من بني فراس ؛ أم ~~الأيام الأموية والنفير إلى الحجاز ، والعيون إلى الأعجاز ؛ أم الإمارة ~~العدوية وصاحبها يقول : هلموا إلى النزول ؛ أم الخلافة التيمية وهو يقول : ~~طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام ؛ أم على عهد الرسالة ويوم الفتح قيل : ~~اسكني يا فلانة ، فقد ذهبت الأمانة ؛ أم في الجاهلية ولبيد يقول : وبقيت في ~~خلف كجلد الأجرب أم يقل ذلك وأخو عاد يقول : بلاد بها كنا وكنا نحبها . . . ~~إذ الناس ناس والزمان ms1577 زمان أم قبل ذلك ويروى لآدم عليه السلام : تغيرت ~~البلاد ومن عليها . . . فوجه الأرض مغبر قبيح أم قبل ذلك والملائكة تقول ~~لبارئها : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ما فسد الناس ، ولكن ~~اطرد القياس ؛ ولا أظلمت الأيام ، PageV07P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" إنما امتد الإظلام ؛ وهل يفسد الشيء إلا عن ~~صلاح ، ويمسي المرء إلا عن صباح ؟ ولعمري إن كان كرم العهد كتابا يرد ، ~~وجوابا يصدر ، إنه لقريب المنال ، وإني على توبيخه لي لفقير إلى لقائه ، ~~شفيق على بقائه ، منتسب إلى ولائه ، شاكر لالائه . وكتب بديع الزمان ~~يستعطفه : إني خدمت مولاي ، والخدمة رق بغير إشهاد ، وناصحه ، والمناصحة ~~للود أوثق عماد ؛ ونادمته ، والمنادمة رضاع ثان ؛ وطاعمته ، والمطاعمة نسب ~~دان ، وسافرت معه ، وللسفر والأخوة رضيعا لبان ، وقمت بين يديه ، والقيام ~~والصلاة شريكا عنان ؛ وأثنيت عليه ، والثناء عند الله بمكان ؛ وأخلصت له ، ~~والإخلاص مشكور بكل لسان . ومن كلام أبي الفضل محمد بن الحسين بن العميد - ~~وكان وزيرا كاتبا - كتب عن ركن الدولة بن بويه كتابا لمن عصى عليه : كتابي ~~وأنا مترجح بين طمع فيك ، وإياس منك ، وإقبال عليك ، وإعراض عنك ؛ فإنك ~~تدلي بسابق خدمة ، وتمت بسالف حرمة ؛ أيسرها يوجب رعاية ، ويقتضي محافظة ~~وعناية ؛ ثم تشفعهما بحادث غلول وخيانة ، وتتبعهما بآنف خلاف ومعصية ؛ ~~وأدنى ذلك يحبط أعمالك ، ويمحق كل ما يرعى لك ؛ لا جرم أني وقفت بين ميل ~~إليك ، وميل عليك ؛ أقدم رجلا لصمدك ، وأؤخر أخرى عن قصدك ؛ وأبسط يدا ~~لاصطلامك واحتياجك ، وأثني ثانية نحو استبقائك واستصلاحك ؛ وأتوقف عن ~~امتثال بعض المأمور فيك ضنا بالنعمة عندك ، ومنافسة في الصنيعة لديك ؛ ~~وتأميلا لفيئتك وانصرافك ، ورجاء لمراجعتك وانعطافك ؛ فقد يعزب العقل ثم ~~يؤوب ، ويغرب اللب ثم يثوب ، ويذهب العزم ثم يعود ، ويفسد الحزم ثم يصلح ، ~~ويضاع الرأي ثم يستدرك ، ويسكر المرء ثم يصحو ، ويكدر الماء ثم يصفو ؛ وكل ~~ضيقة فإلى رخاء ، وكل غمرة فإلى انجلاء ؛ وكما أنك أتيت من إساءتك ما لم ~~تحتسبه أولياؤك ، فلا تدع أن تأتي من إحسانك ما لم ترتقبه أعداؤك ؛ وكما ~~استمرت بك الغفلة ms1578 حتى ركبت ما ركبت ، واخترت ما اخترت ، فلا عجب أن تنتبه ~~انتباهة تبصر فيها قبيح ما صنعت ، وسوء ما آثرت ؛ وسأقيم على رسمي في ~~الإبقاء والمماطلة ما صلح ، وعلى الاستيناء والمطاولة ما أمكن ، طمعا في ~~إنابتك ، وتحكيما لحسن الظن بك ؛ فلست أعدم فيما أظاهره من إعذارك ، ~~وأرادفه من إنذارك ، PageV07P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" احتجاجا عليك ، واستدراجا لك ؛ وإن يشأ الله ~~يرشدك ، ويأخذ بك إلى حظك ويسددك ؛ فإنه على كل شيء قدير . وفي فصل منه : ~~وزعمت أنك في طرف من الطاعة بعد أن كنت متوسطها ، وإن كنت كذلك فقد عرفت ~~حالتها ، وحلبت شطريها ، فناشدتك الله لما صدقت عما أسألك : كيف وجدت ما ~~زلت عنه ، وتجد ما صرت إليه ؟ ألم تكن من الأول في ظل ظليل ، ونسيم عليل ، ~~وريح بليل ؛ وهواء ندي ، وماء روي ، ومهاد وطي ؛ وكن كنين ، ومكان مكين ، ~~وحصن حصين ؛ يقيك المتالف ، ويؤمنك المخاوف ؛ ويكنفك من نوائب الزمان ، ~~ويحفظك من طوارق الحدثان ؛ عززت به بعد الذلة ، وكثرت بعد القلة ؛ وارتفعت ~~بعد الضعة ، وأيسرت بعد العسر ، وأثريت بعد المتربة ، واتسعت بعد الضيق ، ~~وأطافت بك الولايات ، وخففت فوقك الرايات ؛ ووطئ عقبك الرجال ، وتعلقت بك ~~الآمال ؛ وصرت تكاثر ويكاثر بك ، وتشير ويشار إليك ؛ ويذكر على المنابر ~~اسمك ، وفي المحاضر ذكرك ؛ ففيم أنت الآن في الأمر ؟ وما العوض مما ذكرت ~~وعددت ، والخلف عما وصفت ؟ وما استفدت حين أخرجت من الطاعة نفسك ، ونفضت ~~منها كفك ، وغمست في خلافها يدك ؟ وما الذي أظلك بعد انحسار ظلها عنك ؟ أظل ~~ذو ثلاث شعب ، لا ظليل ولا يغني من اللهب ؟ قل : نعم ، فذاك والله أكنف ~~ظلالك في العاجلة ، وأروحها في الآجلة ؛ إن أقمت على المحادة والعنود ، ~~ووقفت على المشاقة والجحود . ومنه : تأمل حالك وقد بلغت هذا الفصل من كلامي ~~فستنكرها ، والمس جسدك فانظر هل يحس ، واحسس عرقك هل ينبض ، وفتش ما حني ~~عليه أضلاعك هل تجد في عرضها قلبك ؟ وهل حلا بصدرك أن تظفر بفوت مزيج أو ~~موت مريح ؟ ثم قس غائب أمرك بشاهده ، وآخر شأنك بأوله . وكتب الصاحب أبو ms1579 ~~القاسم كافي الكفاة في وصف كتاب : ومن هو الذي لا يحبه وهو علم الفضل ، ~~وواسطة الدهر ؛ وقرارة الأدب والعلم ، ومجمع الدراية والفهم ؛ أمن يرغب عن ~~مكاثرة بمن ينسب الربيع إلى خلفه ويكتسب محاسنه من طبعه ، ويتوشح بأنواره ، ~~ويتوضح بآثار لسانه ويده ؟ وصل كتابه ، فارتحت لعنوانه قبل عيانه ، حتى إذا ~~فضضت ختامه أقبلت الفقر تتكاثر ، والدرر تتناثر ؛ والغرر تتراكم ، ~~PageV07P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" والنكت تتزاحم ؛ فإذا حكمت للفظة بالسبق أتت ~~أختها تتنافس ، وأقبلت عليها تتفاخر ؛ حتى استعفيت من الحكومة ، ونفضت يدي ~~من غبار الخصومة ؛ وأخذت أقول : كلكن صوادر عن أصل واحد فتسالمن ، وأرفاد ~~عن معدن رافد فتصالحن ، وقد وليت النظر بينهما من كمل لنسج برودهما ، ووفى ~~بنظم عقودهما ؛ على أنني يا مولاي أنشأت هذه الحروف وحولي أعمال وأشغال لا ~~يسلم معهما فر ، ولا يسلم بينهما طبع ؛ وتناولت قلما ، كالابن العاق ، بل ~~العدو المشاق ؛ إذا أردته استقال ، وإذا قومته مال ؛ وإذا حثثته وقف ، وإذا ~~وقفته انحرف ؛ أحدل الشق ؛ متفاوت البري ، معدوم الجري ؛ محرف القط ، مثبج ~~الخط ؛ ثم رأيت العدول عنه ضربا من الانقياد لأمره ، والانخراط في سلكه ~~فجهدته على رغمه ، وكددته على صعره ؛ لا جرم أن جناية اللجاج بادية على ~~صفحات الحروف لا تخفي ، وعادية المحك لائحة على وجوه السطور تتجلى . وكتب : ~~والله يعلم أني أخبرت بورود كتابه واستفزني الفرج قبل رؤيته ، وهز عطفي ~~المرح أمام مشاهدته ؛ فما أدري ، أسمعت بورود كتاب ، أم ظفرت برجوع شباب ؟ ~~ثم وصل بعد انتظار له شديد ، وتطلع إلى وصوله طويل عريض ؛ فتأملته فلم أدر ~~ما تأملت ، أخطأ مسطورا ، أم روضا ممطورا ، أم كلاما منثورا ، أم وشيا ~~منشورا ؟ ولم أدر ما أبصرت في أثنائه ، أأبيات شعر ، أم عقود در ؟ ولم أدر ~~ما جملته ، أغيث حل بوادي ظمآن أم غوث سبق إلى لهفان ؟ وكتب : وصل كتاب ~~القاضي فأعظمت قدر النعمة في مطلعه ، وأجللت محل الموهبة بموقعه ؛ وفضضته ~~عن السحر حلالا ، والماء زلالا ؛ وسرحت الطرف منه في رياض رقت حواشيها ، ~~وحلل تأنق واشيها ؛ فلم أتجاوز فصلا إلا إلى أخطر منه ms1580 فضلا ، ولم أتخط سطرا ~~إلا إلى أحسن منه نظما ونثرا . وكتب أيضا : وصل كتابك فجعلت وصوله عيدا ~~أؤرخ به أيام بهجتي ، وأفتتح به مواقيت غبطتي ؛ وعرفت من خبر سلامتك ما ~~سألت الله الكريم أن يصله بالدوام ، ويرفعه على أيدي الأيام . PageV07P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" وكتب أيضا : وصل كتابه - أيده الله - يضحك عن ~~أخلافه الأرجة ، ويتهلل عن عشرته العطرة ؛ ويخبر عن عافية الله لمن رأيت ~~شمل الحرية به منتظما ، وشعب المروءة له ملتئما ؛ ويحمل من أنواع بره ما ~~أقصر عن ذكره ، ولا أطمع في شكره ؛ ويؤدي من لطيف اعتذاره في أثناء عتبه ، ~~ما تزداد المودة تمهيدا به ؛ وفهمته ، ورغبت إلى الله بأخلص طوية ، وأمحض ~~نية . وقال أبو الفرج الببغاء من رسالة إلى عدة الدولة أبي تغلب جاء منها : ~~أصح دلائل الإقبال ، وأصدق براهين السعادة - أطال الله بقاء سيدنا - ما ~~شهدت العقول بصحته ، ونطقت البصائر بحقيقته ، ونعمة الله على الدنيا والدين ~~بما أولاهما من اختيار سيدنا لحراستهما بناظر فضله ، وسترهما بظل عدله ؛ ~~مفصحة بتكامل الإقبال ، مبشرة بتصديق الآمال . محروسة ضمن الشكر الوفي لها ~~. . . على الزيادة نيل السؤل والدرك تحقق العصر أن الملك منذ نشأ . . . له ~~أبو تغلب اسم غير مشترك واستخلف الفلك الدوار همته . . . فلووني أغنت ~~الدنيا عن الفلك مأمون الهفوات ، متناصر الصفات ؛ ربعي النفاسة ، حمداني ~~السياسة ، ناصري الرياسة ؛ عطاردي الذكاء ، موفق الآراء ؛ شمسي التأثير ، ~~قمري التصوير فلكي التدبير ؛ للصدق كلامه ، وللعدل أحكامه ، وللوفاء ذمامه ~~؛ وللحسام غناؤه ، وللقدر مضاؤه ، وللسحاب عطاؤه . دعوته فأجابتني مكارمه . ~~. . ولو دعوت سوى نعماه لم تجب وجدته الغيث مشغوفا بعادته . . . والروض ~~يحيا بما في عادة السحب لو فاته النسب الوضاح كان له . . . من فضله نسب ~~يغني عن النسب إذا دعته ملوك الأرض سيدها . . . طرادعته المعالي سيد العرب ~~وكتب أبو الحسن علي بن القاسم القاشاني : PageV07P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" ما أرتضي نفسي لمخاطبة مولاي إذا كنت منفي ~~الشواغل ، فارغ الخواطر ، مخلي الجوارح ، مطلق الإسار ، سليم الأفكار ، ~~فكيف مع كلال الحدة ، وانغلاق الفهم ، واستبهام القريحة ، واستعجام الطبيعة ~~؛ والمعول على النية ، وهي لمولاي ms1581 بظهر الغيب مكشوفة ، والمرجع إلى العقيدة ~~، وهي بالولاء المحض معروفة ؛ ولا مجال للعتب عن هذه الأحوال ، للعذر وراء ~~هذه الخلال . وقال محمد بن العباس الخوارزمي : الحمد لله الذي جعل الشيخ ~~يضرب في المحاسن بالقدح المعلي ، ويسمو منها إلى الشرف الأعلى ، ولم يجعل ~~فيه موضعا للولا ، ولا مجالا لإلا ؛ فإن الاستثناء إذا اعترض في المدح انصب ~~ماؤه ، وكدر صفاؤه ، وانطلق فيه حساده وأعداؤه ؛ ولذلك قالوا : ما أحسن ~~الظبي لولا خنس أنفه وما أحسن البدر لولا كلف وجهه وما أطيب الخمر لولا ~~الخمار وما أشرف الجود لولا الإقتار وما أحمد مغبة الصبر لولا فناء العمر ~~وما أطيب الدنيا لو دامت . ما أعلم الناس أن الجود مكسبة . . . للحمد لكنه ~~يأتي على النشب ذكر شيء من رسائل فضلاء المغاربة ووزرائهم وكتابهم ممن ~~ذكرهم ابن بسام في كتابه المترجم بالذخيرة في محاسن أهل الجزيرة منهم ذو ~~الوزارتين أبو الوليد بن زيدون ، فمن كلامه رسالة كتبها على لسان محبوبته ~~ولادة بنت محمد بن عبد الرحمن الناصري إلى إنسان استمالها إلى نفسه عنه ، ~~وهي : PageV07P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" أما بعد ، أيها المصاب بعقله ، المورط بجهله ~~؛ البين سقطه ، الفاحش غلطه ؛ العاثر في ذل اغتراره ، الأعمى عن شمس نهاره ~~؛ الساقط سقوط الذباب على الشراب ، المتهافت تهافت الفراش في الشهاب ؛ فإن ~~العجب أكذب ، ومعرفة المرء نفسه أصوب ؛ وإنك راسلتني مستهديا من صلتي ما ~~صفرت منه أيدي أمثالك ، متصديا من خلتي لما قرعت فيه أنوف أشكالك ؛ مرسلا ~~خليلتك مرتادة ، مستعملا عشيقتك قوادة ؛ كاذبا نفسك أنك ستنزل عنها إلي ، ~~وتخلف بعدها علي ولست بأول ذي همة . . . دعته لما ليس بالنائل ولاشك في ~~أنها قلتك إذ لم تضن بك ، وملتك إذ لم تغر عليك ، فإنها أعذرت في السفارة ~~لك ، وما قصرت في النيابة عنك ؛ زاعمة أن المروءة لفظ أنت معناه ، ~~والإنسانية اسم أنت جسمه وهيولاه ؛ قاطعة أنك انفردت بالجمال ، واستأثرت ~~بالكمال ، واستعليت في مراتب الجلال ، واستوليت على محاسن الخلال ؛ حتى ~~خيلت أن يوسف عليه السلام حاسنك فغضضت منه ، وأن امرأة العزيز رأتك فسلت ~~عنه ms1582 ؛ وأن قارون أصاب بعض ما كنزت ، والنطف عثر على فضل ما ركزت ؛ وكسرى ~~حمل غاشيتك ، وقيصر رعى ماشيتك ؛ والإسكندر قتل دارا في طاعتك ، وأردشير ~~جاهد ملوك الطوائف لخروجهم عن جماعتك ؛ والضحاك استدعى PageV07P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" مسالمتك ، وجذيمة الأبرش تمنى منادمتك ؛ ~~وشيرين نافست بوران فيك ؛ وبلقيس غايرت الزباء عليك ، وأن مالك بن نويرة ~~إنما ردف لك ؛ وعروة بن جعفر إنما رحل إليك ؛ وكليب بن ربيعة إنما حمى ~~المرعى بعزتك ؛ وجساسا إنما قتله بأنفتك ؛ ومهلهلا إنما طلب ثأره بهمتك ؛ ~~والسموءل إنما وفى عن عهدك ، والأحنف إنما احتبى في بردك ؛ وحاتما إنما جاد ~~بوفرك ، ولقي الأصناف ببشرك ؛ وزيد بن مهلل إنما ركب بفخذيك ، والسليك بن ~~السلكة PageV07P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" إنما عدا على رجليك ، وعامر بن مالك إنما ~~لاعب الأسنة بيديك ؛ وقيس بن زهير إنما استعان بدهائك ، وإياس بن معاوية ~~إنما استضاء بمصباح ذكائك ؛ وسحبان إنما تكلم بلسانك ، وعمر بن الأهتم إنما ~~سحر ببيانك ؛ وأن الصلح بين بكر وتغلب تم برسالتك ، والحمالات في دماء عبس ~~وذبيان أسندت إلى كفالتك ؛ وأن احتيال هرم لعامر وعلقمة حتى رضيا كان عن ~~رأيك ؛ وجوابه لعمر وقد سأله عن أيهما كان ينفر وقع بعد مشورتك ؛ وأن ~~الحجاج تقلد ولاية العراق بجدك ، وقتيبة فتح ما وراء النهر بسعدك ؛ ~~PageV07P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" والمهلب أوهى شوكة الأزارقة بأيدك ، وأفسد ~~ذات بينهم بكيدك ؛ وأن هرمس أعطى بلينوس ما أخذ منك ، وأفلاطون أورد على ~~أرسطو طاليس ما حدث عنك ؛ وبطليموس سوى الأسطرلاب بتدبيرك ، وصور الكرة على ~~تقديرك ؛ وأبقراط علم العلل والأمراض بلطف حسك ، وجالينوس عرف طبائع ~~الحشائش بدقة نظرك ؛ وكلاهما قلدك في العلاج ، وسألك عن المزاج ؛ واستوصفك ~~تركيب الأعضاء ، واستشارك في الداء والدواء ؛ وأنك نهجت لأبي معشر طريق ~~القضاء ، وأظهرت جابر بن حيان على سر الكيمياء ؛ وأعطيت PageV07P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" النظام أصلا أدرك به الحقائق ، وجعلت للكندي ~~رسما استخرج به الدقائق ؛ وأن صناعة الألحان اختراعك ، وتأليف الأوتار ~~توليدك وابتداعك ؛ وأن عبد الحميد بن يحيى باري أقلامك ، وسهل بن هارون ~~مدون كلامك ؛ وعمر بن بحر ms1583 مستمليك ، ومالك بن أنس مستفتيك ؛ وأنك الذي أقام ~~البراهين ، ووضع القوانين ؛ وحد الماهية وبين الكيفية والكمية ، وناظر في ~~الجوهر والعرض ، وبين الصحة من المرض ؛ وفك المعمي ، وفصل بين الاسم ~~والمسمى ؛ وضرب وقسم ، وعدل وقوم ؛ وصنف الأسماء والأفعال ، وبوب الظرف ~~والحال ؛ وبنى وأعرب ، ونفى وتعجب ؛ ووصل وقطع ، وثنى وجمع ؛ وأظهر وأضمر ، ~~وابتدأ وأخبر ؛ واستفهم وأهمل وقيد ، PageV07P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" وأرسل وأسند ، وبحث ونظر ، وتصفح الأديان ، ~~ورجح بين مذهبي ماني وغيلان ؛ وأشار بذبح الجعد ، وقتل بشار بن برد ؛ وأنك ~~لو شئت خرقت العادات ، وخالفت المعهودات ؛ فأحلت البحار عذبة ، وأعدت ~~السلام رطبة ؛ ونقلت إذا فصار أمسا ، وزدت في العناصر فكانت خمسا ؛ وأنك ~~المقول فيه : " كل الصيد في جوف الفرا " ليس على الله بمستنكر . . . أن ~~يجمع العالم في واحد والمعنى بقول أبي تمام : فلو صورت نفسك لم تزدها . . . ~~على ما فيك من كرم الطباع والمراد بقول أبي الطيب : ذكر الأنام لنا فكان ~~قصيدة . . . كنت البديع الفرد من أبياتها فكدمت غير مكدم ونفخت في غير فحم ~~؛ ولم تجد لرمح مهزا ، ولا لشفرة محزا ؛ بل رضيت من الغنيمة بالإياب ، ~~وتمنيت الرجوع بخفي حنين ، لأني قلت لها : " لقد هان من بالت عليه الثعالب ~~" PageV07P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" وأنشدت : على أنها الأيام قد صرن كلها . . . ~~عجائب حتى ليس فيها عجائب ونخرت وكفرت ، وعبست وبسرت ؛ وأبدأت وأعدت ، " ~~وأبرقت وأرعدت " و " هممت ولم أفعل وكدت " وليتني " ولولا " أن " للجوار ~~ذمة وللضيافة حرمة ؛ لكان الجواب في قذال الدمستق ، ولكن النعمل حاضرة إن ~~عادت العقرب ، والعقوبة ممكنة إن أصر المذنب ؛ وهبا لم تلاحظك بعين كليلة ~~عن عيوبك ، ملؤها حبيبها ، وحسن فيها من تود ، وكانت إنما حلتك بحلاك ، ~~ووسمتك بسيماك ؛ ولم تعرك شهاده ، ولا تكلفت لك زيادة ؛ بل صدقتك سن بكرها ~~فيما ذكرته عنك ، ووضعت الهناء مواضع النقب فيما نسبته إليك ؛ ولم تكن " ~~كاذبة فيما أثنت به عليك " ، فالمعيدي تسمع به لا أن تراه ، هجين القذال ، ~~أرعن السبال ؛ طويل العنق والعلاوة ، مفرط الحمق والغباوة ؛ جافي الطبع ، ~~سيء الجابة والسمع ؛ بغيض الهيئة ، سخيف الذهاب والجيئة ms1584 ؛ ظاهر الوسواس ، ~~منتن الأنفاس ؛ كثير المعايب ، مشهور المثالب ؛ كلامك تمتمة ، وحديثك غمغمة ~~؛ وبيانك فهفهة ، وضحكك قهقهة ؛ ومشيك هرولة ، وغناك مسألة ؛ ودينك زندقة ، ~~وعلمك مخرقة . مساو لو قسمن على الغواني . . . لما أمهرن إلا بالطلاق ~~PageV07P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" حتى إن باقلا موصوف بالبلاغة إذا قرن بك ، ~~وهبنقة مستحق لاسم العقل إذا نسب منك ، وأبا غبشان محمود منه سداد الفعل ~~إذا أضيف إليك ، وطويسا مأثور عنه يمن الطائر إذا قيس عليك ؛ فوجودك عدم ، ~~والاغتباط بك ندم ؛ والخيبة منك ظفر ، والجنة معك سقر ؛ كيف رأيت لؤمك ~~لكرمي كفاء ، وضعتك لشرفي وفاء ؟ وأني جهلت أن الأشياء إنما تنجذب إلى ~~أشكالها ، والطير إنما تقع على ألافها ؟ وهلا علمت أن الشرق والغرب لا ~~يجتمعان ، وشعرت أن ناديي المؤمن والكافر لا يتراءيان ، وقلت : الخبيث ~~والطيب لا يستويان ، وتمثلت : أيها المنكح الثريا سهيلا . . . عمرك الله ~~كيف يلتقيان وذكرت أني علق لا يباع ممن زاد ، وطائر لا يصيده من أراد ، ~~وغرض لا يصيبه إلا من أجاد ؛ ما أحبسك إلا كنت قد تهيأت للتهنئة ، وترشحت ~~للترفئة ؛ أولى لك ، لولا أن جرح العجماء جبار ، للقيت ما لقي من الكواعب ~~يسار ؛ فما هم إلا بدون ما هممت به ، ولا تعرض إلا الأيسر ما تعرضت له ؛ ~~أين أدعاؤك رواية الأشعار ، وتعاطيك حفظ السير والأخبار ؟ بنو دارم أكفاؤهم ~~آل مسمع . . . وتنكح في أكفائها الحبطات PageV07P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" وهلا عشيت ولم تغتر ، وما أمنك أن تكون وافد ~~البراجم ، أو ترجع بصحيفة المتلمس ، وأفعل بك ما فعله عقيل بن علقة بالجهني ~~إذ جاءه خاطبا فدهن استه بزيت وأدناه من قرية النمل ؟ ومتى كثر تلاقينا ، ~~واتصل ترائينا ؛ فيدعوني إليك ما دعا ابنة الخس إلى عبدها من طول السواد ، ~~وقرب الوساد ؟ وهل فقدت الأراقم فأنكح في جنب ، أو عضلني همام بن مرة فأقول ~~: زوج من عود ، خير من قعود " ؟ ولعمري بلغت هذا المبلغ لارتفعت عن هذه ~~الحطة ، وما رضيت بهذه الخطة ؛ " فالنار ولا العار " و " المنية ولا الدنية ~~" والحرة تجوع ولا تأكل PageV07P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" بثدييها : فكيف وفي أبناء ms1585 قومي منكح . . . ~~وفتيان هزان الطوال الغرانقة ما كنت لأتخطى المسك إلى الرماد ، ولا لأمتطي ~~الثور دون الجواد ؛ فإنما يتيم من لا يجد ماء ، ويرعى الهشيم من عدم الجميم ~~، ويركب الصعب من لا ذلول له ؛ ولعلك إنما غرك من علمت صبوتي إليه ، وشهدت ~~مساعفتي له ، من أقمار العصر ، ورياحين المصر ؛ الذين هم الكواكب علو همم ، ~~والرياض طيب شيم . من تلق منهم لا تقل : لاقيت سيدهم . . . مثل النجوم التي ~~يسري بها الساري فيحن قدح ليس منها ؛ ما أنت وهم ؟ وأين تقع منهم ؟ وهل أنت ~~إلا واو عمرو فيهم ، وكالوشيطة في العظم بينهم ؟ وإن كنت إنما بلغت قعر ~~تابوتك ، وتجافيت لقميصك عن بعض قوتك ؛ وعطرت أردانك ، وجررت هميانك ؛ ~~واختلت في مشيتك ، وحذفت فضول لحيتك ؛ وأصلحت شاربك ، ومططت حاجبك ؛ ودققت ~~خط عذارك ، واستأنفت عقد إزارك ؛ رجاء الاكتتاب فيهم ، وطمعا في الاعتداد ~~منهم ؛ فظننت عجزا ، وأخطأت استك الحفرة ؛ والله لو كساك محرق البردين ، ~~وحلتك مارية بالقرطين ؛ وقلدك عمرو بالصمصامة ، وحملك الحارث على ~~PageV07P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" النعامة ؛ ما شككت فيك ، ولا تكلمت بملء فيك ~~؛ ولا سترت أباك ، ولا كنت إلا ذاك ؛ وهبك ساميتهم في ذروة المجد والحسب ، ~~وجاريتهم في غاية الظرف والأدب ؛ ألست تأوي إلى بيت قعيدته لكاع ؟ إذ كلهم ~~عزب خالي الذراع ؛ وأين من أنفرد به ، ممن لا أغلب إلا على الأقل الأخس منه ~~؟ وكم بين من يعتمدني بالقوة الظاهرة ، والشهوة الوافرة ؛ والنفس المصروفة ~~إلي ، واللذة الموقوفة علي ؛ وبين آخر قد نزحت بيره ، ونضب غديره ؛ وذهب ~~نشاطه ، ولم يبق إلا ضراطه ؛ وهل كان يجمع لي فيك إلا الحشف وسوء الكيلة . ~~ويقترن علي بك إلا الغدة والموت في بيت سلولية ؟ تعالى الله يا سلم بن عمرو ~~. . . أذل الحرص أعناق الرجال " وهذا الشعر لأبي العتاهية يخاطب به سلم بن ~~عمرو ، ويلومه على حرصه ، ويتلوه " : هب الدنيا تصير إليك عفوا . . . أليس ~~مصير ذاك إلى زوال ما كان أحقك بأت تقدر بذراعك ، وتربع على ظلعك ؛ ولا ~~تكون براقش الدالة على أهلها ، وعنز السوء المستثيرة لحتفها ؛ فما أراك إلا ~~قد ms1586 سقط العشاء بك على السرحان ، وبك لا بظبي أعفر ، قد أعذرت إن أغنيت شيا ~~، وأسمعت لو ناديت حيا ؛ وقرعت عصا العتاب ، وحذرت سوء العقاب . " إن العصا ~~قرعت لذي الحلم " " والشيء تحقره وقد ينمي " . فإن بادرت بالندامة ، ورجعت ~~على نفسك بالملامة ؛ كنت قد اشتريت العافية لك بالعافية منك ؛ وإن قلت " ~~جعجعة ولا طحنا " و " رب صلف تحت الراعدة " وأنشدت : لا يؤيسك من مخبأة . . ~~. قول تغلظه وإن جرحا PageV07P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" فعدت لما نهيت عنه ، وراجعت ما استعفيت منه ؛ ~~بعثت من يزعجك إلى الخضراء دفعا ، ويستحثك نحوها وكزا وصفعا ؛ فإذا صرت بها ~~عبث أكاورها بك ، وتسلط نواطيرها عليك ؛ فمن قرعة معوجة تقوم في قفاك ، ~~وفجلة منتنة يرمي بها تحت خصاك ؛ لكي تذوق وبال أمرك ، وترى ميزان قدرك . ~~فمن جهلت نفسه قدره . . . رأى غيره منه ما لا يرى وقال أيضا في رقعة خاطب ~~بها ابن جهور - وهي من رسائله المشهورة - أولها : يا مولاي وسيدي الذي ~~ودادي له ، واعتدادي به ، واعتمادي عليه - أبقاك الله ماضي حد العزم ، واري ~~زند الأمل ، ثابت عهد النعمة - إن سلبتني أعزك الله لباس إنعامك ، وعطلتني ~~من حلي إيناسك ، وغضضت عني طرف حمايتك ؛ بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك ، ~~وسمع الأصم ثنائي عليك ، وأحس الجماد بإسنادي إليك ؛ فلا غرو قد يغص بالماء ~~شاربه ، ويقتل الدواء المستشفى به ، ويؤتي الحذر من مأمنه ، وتكون منية ~~المتنمي في أمنيته " والحين قد يسبق جهد الحريص " وإني لأتجلد ، وأري ~~الشامتين إني لا أتضعضع ، وأقول : هل أنا إلا يد أدماها سوارها ، وجبين عضه ~~إكليله ، ومشرفي ألصقه بالأرض صاقله ، وسمهري عرضه على النار مثقفه ، وعبد ~~ذهب سيده مذهب الذي يقول : فقسا ليزدجروا ومن يك حازما . . . فليقس أحيانا ~~على من يرحم والعتب محمود عواقبه ، والنبوة غمرة ثم تنجلي ، والنكبة " ~~سحابة صيف عن قريب تقشع " وسيدي إن أبطأ معذور . فإن يكن الفعل الذي ساء ~~واحدا . . . فأفعاله اللاتي سررن ألوف PageV07P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" فليت شعري ما الذنب الذي أذنبت ولم يسعه ~~العفو ؟ ولا أخلو من أن أكون بريئا فأين ms1587 العدل ؟ أو مسيئا فأين الفضل ؟ وما ~~أراني إلا لو أمرت بالسجود لآدم فأبيت واستكبرت ، وقال لي نوح : " اركب ~~معنا " فقلت : " سآوي إلى جبل يعصمني من الماء " وتعاطيت فعقرت ، وأمرت ~~ببناء صرح لعلي أطلع إلى إله موسى ، وعكفت على العجل ، واعتديت في السبت ، ~~وشربت من النهر الذي ابتلي به جنود طالوت ، وقدت الفيل لأبرهة ، وعاهدت ~~قريشا على ما الصحيفة ، وتأولت في بيعة العقبة ، ونفرت إلى العير ببدر ، ~~وانخذلت بثلث الناس يوم أحد ، وتخلفت عن صلاة العصر في بني قريظة ، وجئت ~~بالإفك على عائشة ، وأبيت من إمارة أسامة ، وزعمت أن خلافة أبي بكر كانت ~~فلتة ورويت رمحي من كتيبة خالد PageV07P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" ومزقت الأديم الذي باركت يد الله فيه ، وضحيت ~~بالأشمط الذي عنوان السجودية ، وكتبت إلى عمر بن سعد أن جعجع بالحسين ، ~~وبذلت لقطام . ثلاثة آلاف وعبدا وقينة . . . وضرب علي بالحسام المخذم ~~وتمثلت عند ما بلغني من وقعة الحرة : ليت أشياخي ببدر شهدوا . . . جزع ~~الخزرج من وقع الأسل قد قتلنا القرن من أشياخهم . . . وعدلناه ببدر فاعتدل ~~ورجمت الكعبة ، وصلبت العائذ بها على الثنية ؛ لكان فيما جرى علي ما يحتمل ~~أن يسمى نكالا ، ويدعى ولو على المجاز عقابا . وحسبك من حادث بامرىء . . . ~~يرى حاسديه له راحمينا PageV07P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" فكيف ولا ذنب إلا نميمة أهداها كاشح ، ونبأ ~~جاء به فاسق ؛ والله ما غششتك بعد النصيحة ، ولا انحرفت عنك بعد الصاغية ، ~~ولا نصبت لك بعد التشيع فيك ، ففيم عبث الجفاء بأذمتي ، وعاث في مودتي ؟ ~~وأني غلبني المغلب ، وفخر علي الضعيف ، ولطمتني غير ذات سوار ؟ ومالك لم ~~تمنع مني قبل أن أفترس ، وتدركني ولما أمزق ، أم كيف لا تتصرم جوانح ~~الأكفاء حسدا لي على الخصوص بك ، وتتقطع أنفاس النظراء منافسة في الكرامة ~~عليك وقد زانني اسم خدمتك ، وزهاني وسم نعمتك وأبليت البلاء الجميل في ~~سماطك ، وقمت المقام المحمود على بساطك . ألست الموالي فيك نظم قصائد . . . ~~هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما وهل لبس الصباح إلا بردا طرزته بمحامدك ، ~~وتقلدت الجوزاء إلا عقدا فصلته بمآثرك ms1588 ، وبث المسك إلا حديثا أذعته بمفاخرك ~~؛ " ما يوم حليمة بسر " وحاش لله أن أعد من العاملة الناصبة ، وأكون ~~كالذبالة المنصوبة تضيء للناس وهي تحترق . وفي فصل منه : ولعمري ما جهلت أن ~~الرأي في أن أتحول إذا بلغتني الشمس ، ونبا بي المنزل ، وأضرب عن المطامع ~~التي تقطع أعناق الرجال ، ولا أستوطئ العجز فيضرب بي المثل : " خامري أم ~~عامر " وإني مع المعرفة بأن PageV07P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" الجلاء سباء ، والنقلة مثلة ، لعارف أن الأدب ~~الوطن الذي لا يخشى فراقه ، والخليط الذي لا يتوقع زواله ؛ والنسب الذي لا ~~يجفي ؛ والجمال الذي لا يخفى ؛ ثم ما قران السعد للكواكب أبهى أثرا ، ولا ~~أسنى خطرا ، من اقتران غني النفس به ، وانتظامها نسقا معه ؛ فإن الحائز ~~لهما ، الضارب بسهم فيهما - وقليل ما هم - أينما توجه ورد منهمل بر ، وحط ~~في جناب قبول ، وضوحك قبل إنزال رحله ، وأعطي حكم الصبي على أهله وقيل له : ~~أهلا وسهلا ومرحبا . . . فهذا مبيت صالح وصديق غير أن الموطن محبوب ، ~~والمنشأ مألوف ؛ واللبيب يحن إلى وطنه ، حنين النجيب إلى عطنه ؛ والكريم لا ~~يجفو أرضا فيها قوابله ، ولا ينسى بلدا فيه مراضعه ؛ وأنشد قول الأول : أحب ~~بلاد الله ما بين منعج . . . إلي وسلمى أن يصوب سحابها بلاد بها عق الشباب ~~تمائمي . . . وأول أرض مس جلدي ترابها هذا إلى مغالاتي في تعلق جوارك ، ~~ومنافستي في الحظ من قربك ، واعتقادي أن الطمع في غيرك طبع ، والغني من ~~سواك عناء ، والبدل منك أعور ، والعوض لفاء . وإذا نظرت إلى أميري زادني . ~~. . ضنا به نظري إلى الأمراء " كل الصيد في جوف الفرا " و " وفي كل شجر نار ~~، واستمجد المرخ والعفار " ؛ فما هذه البراءة ممن تولاك ، والميل عمن يميل ~~إليك ؟ وهلا كان هواك فيمن هواه PageV07P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" فيك ، ورضاك لمن رضاه لك ؟ يا من يعز علينا ~~أن نفارقهم . . . وجداننا كل شيء بعدكم عدم أعيذك ونفسي من أن أشيم خلبا ، ~~وأستمطر جهاما ، وأكدم غير مكدم ، وأشكو شكوى الجريح إلى العقبان والرخم ؛ ~~وإنما أبسست لك لتدر ، وحركت لك الحوار لتحن ؛ وسريت ms1589 لك ليحمد المسري إليك ~~؛ بعد اليقين من أنك إن شئت عقد أمري تيسر ، ومتى أعذرت في فك أسري لم ~~يتعذر ؛ وعلمك يحيط بأن المعروف ثمرة النعمة ، والشفاعة زكاة المروءة ، ~~وفضل الجاه تعود به صدقة . وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة . . . من جاهه فكأنها ~~من ماله لعلي ألقي العصا بذراك ، وتستقر بي النوى في ظلك ، فتستلذ جنى شكري ~~من غرس عارفتك ، وتستطيب عرف ثنائي من روض صنيعتك ؛ وأستأنف التأدب بأدبك ، ~~والاحتمال على مذهبك ؛ فلا أوجد للحاسد مجال لحظة ، ولا أدع للقادح مساغ ~~لفظة ؛ والله ميسرك من إطلابي هذه الطلبة ، وإشكائي من هذه الشكوى لصنيعة ~~تصيب بها طريق المصنع ، ويد تستودعها أحفظ مستودع ؛ حسبما أنت خليق له ، ~~وأنا منك حري به ؛ فذلك بيده ، وهين عليه . وشفعها بأبيات فقال : الهوى في ~~طلوع تلك النجوم . . . والمنى في هبوب ذاك النسيم سرنا عيشنا الرقيق ~~الحواشي . . . لو يدوم السرور للمستديم وطر ما انقضى إلى أن تقضى . . . زمن ~~ما ذمامه بالذميم PageV07P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" زاد مستخفيا وهيهات أن يخ . . . تفي البدر في ~~الظلام البهيم فوشى الحلى إذ مشى وهفا الطي . . . ب إلى حيث كاشح بالنميم ~~أيها المؤذني بظلم الليالي . . . ليس يومي بواحد من ظلوم ما ترى البدر إن ~~تأملت والشم . . . س هما يكسفان دون النجوم وهو الدهر ليس ينفك ينحو . . . ~~بالمصاب العظيم نحو العظيم بوأ الله جهورا أشرف السؤد . . . د في السر ~~واللباب الصميم واحد سلم الجميع له الفض . . . ل وكان الخصوص وفق العموم ~~قلد الغمر ذا التجارب فيه . . . واكتفى جاهل بعلم عليم ومنها في ذكر ~~اعتقاله : سقم لا أعاد منه وفي الع . . . ائد أنس يفي ببرء السقيم نار بغي ~~سرت إلى جنة الأر . . . ض بياتا فأصبحت كالصريم بأبي أنت إن تشأتك بردا . . ~~. وسلاما كنار إبراهيم للشفع الثناء ، والحمد في صو . . . ب الحيا للرياح ~~لا للغيوم ثم قال : هاكها أعزك الله يبسطها الأمل ، ويقبضها الخجل ؛ لها ~~ذنب التقصير ، وحرمة الإخلاص ، فهب ذنبا لحرمة ، واشفع نعمة بنعمة ؛ لتأتي ~~الإحسان من جهاته ، وتسلك الفضل من طرقاته ؛ إن شاء الله تعالى ms1590 . ومن كلام ~~أبي عبد الله بن أبي الخصال من جواب لابن بسام - وكان قد كتب إليه يسأله ~~إنفاذ بعض رسائله ليضمنها كتابه الذي ترجمه بالذخيرة ، فكتب : وصل من السيد ~~المسترق ، والمالك المستحق - وصل الله أنعمه لديه ، كما قصر الفضل عليه - ~~كتابه البليغ ، واستدراجه المريغ ؛ فلولا أن يصلد زند اقتداحه ، ويرد طرف ~~افتتاحه ؛ وتقبض يد انبساطه ، وتغبن صفقة اغتباطه ؛ للزمت معه قدري ، وضن ~~بسره صدري ؛ ولكنه بنفثة سحره يستنزل العصم فتجنب ، ويقتاد PageV07P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" الصعب فيصحب ، ويستدر الصخور فتحلب ؛ ولما ~~جاءني كتاب ابتداه ، وقرع سمعي نداه ؛ فرغت إلى الفكر ، وخفق القلب بين ~~الأمن والحذر ؛ فطاردت من الفقر أوابد فقر ، وشوارد عفر ، تغبر في وجه ~~سائقها ، ولا يتوجه اللحاق إلى وجيهها ولا حقها ؛ فعلمت أنها الإهابة ~~والمهابة ، والإجابة والاسترابة ؛ حتى أيأستني الخواطر ، وأخلفتني المواطر ~~، إلا زبرجا يعقب جوادا ، وبهرجا لا يحتمل انتقادا ؛ وأني لمثلي والقريحة ~~مرجاة والبضاعة مزجاة ؛ ببراعة الخطاب ، ويراعة الكتاب ، ولولا دروس معالم ~~البيان ، واستيلاء العفاء على هذا اللسان ؛ ما فاز لمثلي فيه قدح ، ولا ~~تحصل لي في سوقه ربح ؛ ولكنه جو خال ، ومضمار جهال ؛ وأنا أعزك الله أربأ ~~بقدر الذخيرة ، عن هذه النتف الأخيرة ؛ وأرى أنها قد بلت مداها ، واستوفت ~~حلاها ؛ وإنما أخشى القدح في اختيارك ، والإخلال بمختارك ؛ وعذرا إليك - ~~أيدك الله - فإني خططت والنوم مغازل ، والقر نازل ؛ والريح تلعب بالسراج ، ~~وتصول عليه صولة الحجاج . ثم أخذ في وصف السراج كما ذكرناه في الباب الرابع ~~من القسم الثاني من الفن الأول في السفر الأول من هذا الكتاب . ومن كلام ~~الوزير الفقيه أبي القاسم محمد بن عبد الله بن الجد ، من رسالة خاطب بها ذا ~~الوزارتين أبا بكر المعروف بابن القصيرة - وقد قربت بينهما المسافة ولم ~~يتفق اجتماعهما - : لم أزل - أعزك الله - استنزل قربك براحة الوهم ، عن ~~ساحة النجم ؛ وأنصب لك شرك المنى ، في خلس الكرى ، وأعلل فيه نفس الأمل ، ~~بضرب سابق المثل : ما أقدر الله أن يدني على شحيط . . . من داره الحزن ممن ~~داره صول PageV07P0226 # """""" صفحة رقم 227 ms1591 """""" فما ظنك به وقد نزل على مسافة يوم وطالما نفر ~~عن حبالة نوم ، ودنا حتى هم بالسلام ، وقد كان من خدع الأحلام ، وناهيك من ~~ظمئتي وقد حمت حول المورد الخصر ، وذممت الرشاء بالقصر ، ووقف بي ناهض ~~القدر ، وقفة العير بين الورد والصدر ؛ فهلا وصل ذلك الأمل بباع ، وسمح ~~الزمن باجتماع ؛ وطويت بيننا رقعة الأميال ، كما زويت مراحل أيام وليال ؛ ~~وما كان على الأيام لو غفلت قليلا ، حتى أشفى بلقائك غليلا ، وأتنسم من روح ~~مشاهدتك نفسا بليلا ؛ ولئن أقعدتني بعوائقها عن لقاء حر ، وقضاء بر ؛ وسفر ~~قريب ، وظفر ريب ؛ فما تحيفت ودادي ، ولا ارتشفت مدادي ؛ ولا غاضت كلامي ، ~~ولا أحفت أقلامي ؛ وحسبي بلسان النبل رسولا ، وكفى بوصوله أملا ورسولا ؛ ~~ففي الكتاب بلغة الوطر ، ويستدل على العين بالأثر ؛ على أني نما وحيت وحي ~~المشير باليسير ، وأحلت فهمك على المسطور في الضمير ؛ وإن فرغت للمراجعة ~~ولو بحرف ، أو لمحة طرف ؛ وصلت صديقا ، وبللت ريقا ؛ وأسديت يدا ، وشفيت ~~صدى ؛ لازالت أياديك بيضا ، وجاهك عريضا ؛ ولياليك أسحارا ، ومساعيك أنوارا ~~. ؟ أبو عبد الله محمد بن الخياط من رقعة طويلة إلى الحاجب المظفر أولها : ~~حجب الله عن الحاجب المظفر أعين النائبات ، وقبض دونه أيدي الحادثات . وجاء ~~منها : ورد كتاب كريم جعلته عوض يده البيضاء فقبلته ، ولمحته بدل غرته ~~الغراء فأجللته ؛ كتاب ألقى عليه الحبر حبره ، وأهدى إليه السحر فقره ؛ ~~أنذر ببلوغ المنى ، وبشر بحصول الغنى ؛ تخير له البيان فطبق مفصله ، ورماه ~~البنان فصادف مقتله ؛ ووصل معه المملوك والمملوكة اللذان سماهما هدية ، ~~وتنزه كرما أن يقول عطية ؛ همة ترجم السماكين ، ونعمة تملأ الأذن والعين ؛ ~~وما حرك - أيده الله - بكتابه ساكنا بحمده ، ولا نبه نائما عن قصده ؛ كيف ~~وقد طلعت الشمس التي صار بها المغرب شرقا ، وهبت الريح التي صار بها ~~الحرمان رزقا ؛ صاحب لواء الحمد ، وفارس ميدان المجد . وهي رقعة طويلة قد ~~ذكرنا منها في المديح فصلا لا فائدة في إعادته . PageV07P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" ومن كلام أبو حفص عمر بن الأصغر الأندلسي فمن ~~ذلك أمان كتبه لمن عصى ms1592 وعاود الطاعة : أما بعد : فإن الغلبة لنا والظهور ~~عليك جلباك إلينا على قدمك ، دون عهد ولا عقد يمنعان من إراقة دمك ؛ ولكنا ~~بما وهب الله لنا من الإشراف على سرائر الرياسة ، والحفظ لشرائع السياسة ؛ ~~تأملنا من ساس جهتك قبلنا فوجدنا يد سياسته خرقاء ، وعين حراسته عوراء ، ~~وقدم مداراته شلاء ، لأنه غاب عن ترغيبك فلم ترجه ، وعن ترهيبك فلم تخشه ؛ ~~فأدتك حاجتك إلى طلاب المطامع الدنية ، وقلة مهابتك إلى التهالك على ~~المعاصي الوبية ؛ وقد رأينا أن تظهر فضل سيرتنا فيك ، وتعتبر بالنظر في ~~أمرك ، فمهدنا لك الترغيب لتأنس إليه ، وظللنا لك الترهيب لتفرق منه ، فإن ~~سوت الحالتان طبعك ، وداوي الثقاف والنار عودك ، فذلك بفضل الله عليك ، ~~وبإظهاره حسن السياسة فيك ؛ وأمان الله تعالى مبسوط منا ، ومواثيقه بالوفاء ~~معقودة علينا ؛ وأنت إلى جهتك مصروف ، وبعفونا والعافية منا مكنوف ، إلا أن ~~تطيش الصنيعة عندك فتخلع الربقة ، وتمرق من الطاعة ، فلسنا بأول من بغى ~~عليه ، ولست بأول من تراءت لنا مقاتله من أشكالك إن بغيت ، وانفتحت لنا ~~أبواب استئصاله من أمثالك إن طلبت . يعاتب بعض إخوانه : أظلم لي جو صفائك ، ~~وتوعرت علي طرق إخائك ؛ وأراك جلد الضمير على العتاب ، غير نافع الغلة من ~~الجفاء ؛ فليت شعري ما الذي أقصى بهجة ذلك الود ، وأذبل زهرة ذلك العهد ؛ ~~عهدي بك وصلتنا تفرق من اسم القطيعة ، وموديتنا تسأل عن صفة العتاب ونسبة ~~الجفاء ، واليوم هي آنس بذلك من الرضع بالثدي ، والخليع بالكأس ؛ وهذه ثغرة ~~إن لم تحرسها المراجعة ، وتذك فيها عيون الاستبصار توجهت منها الحيل على ~~هدم ما بيننا ، ونقض ما اقتنينا ؛ وتلك نائحة الصفاء ، والصارخة بموت ~~الإخاء ؛ لا أستند أعزك الله من الكتاب إليك - وإن رغم أنف القلم ، وانزوت ~~أحشاء القرطاس ، وأجر فم الفكر ، فلم يبق في أحدها إسعاد لي على مكاتبتك ، ~~PageV07P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" ولا بشاشة عند محاولة مخاطبتك - لقوارص عتابك ~~، وقوارع ملامك التي أكلت أقلامك ، وأغصت كتبك ، وأضجرت رسلك ، وضميري طاو ~~لم يطعم تجنيا عليك ، ونفسي وادعة لم تحرك ذنبا إليك ، وعقدي مستحكم لم ms1593 ~~يمسسه وهن فيك ؛ وأنا الآن على طرف الإخاء معك ، فإما أن تبهرني بحجة ~~فأتنصل عندك ، وإما أن تفي بحقيقة فأستديم خلتك ، وإما أن تأزم على يأسك ~~فأقطع حبلي منك ؛ كثيرا ما يكون عتاب المتصافين حيلة تسبر المودة بها ، ~~وتستثار دفائن الأخوة عنها ، كما يعرض الذهب على اللهب ، ويصفى المدام ~~بالفدام ، وقد يخلص الود على العتب خلوص الذهب على السبك ، فأما إذا أعيد ~~وأبدي وردد وتوالي فإنه يفسد غرس الإخاء ، كما يفسد الزرع توالي الماء . ؟ ~~أبو الوليد بن طريف من جواب عن المعتمد إلى ذي الوزارتين ابن يحفور صاحب ~~شاطبة بسبب أبي بكر بن عمار : وقفت على الإشارة الموضوعة من قبلك على إخلاص ~~دل على وجوه السلامة ، المستنام فيها إلى شرف محتدك وصفاء معتقدك أكرم ~~استنامة ؛ بالشفاعة فيمن أساء لنفسه حظ الاختيار ، وسبب لها سبب النكبة ~~والعثار ؛ بغمطه لعظيم النعمة ؛ وقطعه لعلائق العصمة ؛ وتخبطه في سنن غيه ~~واستهدافه ، وتجاوزه في ارتكاب الجرائم وإسرافه ؛ حتى لم يدع للصلح موضعا ، ~~وخرق ستر الإبقاء بينه وبين مولى النعمة عنده فلم يترك فيه مرقعا ؛ وقد كان ~~قبل استشراء رأيه ، وكشفه لصفحة المعاندة ، وإبدائه غدره في جميع جناياته ~~مقبولا ، وجانب الصفح له معرضا مبذولا ؛ لكن عدته جوانب الغواية ، عن طرق ~~الهداية ؛ فاستمر على ضلاله ، وزاغ عن سنن اعتداله ؛ وأظهر المناقضة ، ~~وتعرض بزعمه إلى المساورة والمعارضة ؛ فلم يزل يريغ الغوائل ، وينصب ~~الحبائل ؛ ويركب في العناد أصعب المراكب ، ويذهب منه في أوعر المذاهب ؛ حتى ~~علقته تلك الأشراك التي نصبها ، وتشبثت به مساوي المقدمات التي جرها وسببها ~~؛ فذاق وبال فعله " ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله " ولم يحصل في الأنشوطة ~~التي تورطها ، والمحنة التي اشتملت عليه وتوسطها ؛ إلا ووجه العفو له قد ~~أظلم ، وباب الشفاعة فيه قد أبهم ؛ ومن تأمل أفعاله الذميمة ، ومذاهبه ~~اللئيمة ؛ رأى أن الصفح عنه بعيد ، والإبقاء عليه داء حاضر عتيد . ~~PageV07P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" وفي فصل منه : ففوق لمناضلة الدولة نباله ، ~~وأعمل في مكايدها جهده واحتياله ؛ ثم بم يقتصر على ذلك بل تجاوزه إلى إطلاق ~~بسانه ms1594 بالذم الذي صدر عن لؤم نجاره ، والطعن الشاهد بخبث طويته وإضماره ؛ ~~ومن فسد هذا الفساد كيف يرجى استصلاحه ، ومن استبطن مثل غله كيف يؤمل فلاحه ~~؛ ومن لك بسلامة الأديم النغل ، وصفاء القلب الدغل ؛ وعلى ذلك فلا أعتقد ~~عليك فيما عرضت به من وجه الشفاعة غير الجميل ، ولا أتعدى فيه حسن التأويل ~~؛ ولو وفدت شفاعتك في غير هذا الأمر الذي سبق فيه السيف العذل ، وأبطل عاقل ~~الأقدار فيه الإلطاف والحيل ؛ لتلقيت بالإجلال ، وقوبلت ببالغ المبرة ~~والاهتبال . ؟ ذو الوزارتين أبي المغيرة بن حزم من رسالة . لم أزل أزجر ~~للقاء سيدي السانح ، وأستمطر الغادي والرائح ؛ وأروم اقتناصه ولو بشرك ~~المنام ، وأحاول اختلاسه ولو بأيدي الأوهام ؛ وأعاتب الأيام فيه فلا تعتب ، ~~وأقودها إليه فلا تصحب ؛ حتى إذا لب اليأس ، وشمت الناس ؛ وضربت بي الأمثال ~~، فقيل : أكثر الآمال ضلال ؛ تنبه الدهر من رقدته ، وحل من عقدته ؛ وقبل ~~مني ، وأظهر الرضى عني ؛ وقال : دونك ما طمح فقد سمح ، إليك فقد دنا ما قد ~~جمح ؛ فطرت بجناح الارتياح ، وركبت إلى الغمام كواهل الرياح ؛ وقلت : فرصة ~~تغتنم ، وركن يستلم ؛ وطرقت روضة العلم عميمة الأزهار ، فصيحة الأطيار ؛ ~~ريا الجداول ، باردة الضحى والأصائل ؛ وطفت بكعبة الفضل مصونة الحبر ، ~~ملثومة الحجر ؛ عزيزة المقام ، معمورة المشعر الحرام ؛ فما شئنا من محاضرة ~~، تجمع بين الدنيا والآخرة ؛ بين يدي نثر يدني الإعجاز ، ونظم ما أشبه ~~الصدور بالأعجاز ؛ وحديث تثقف العقول بآرائه ، وتروى بصافي مائه ؛ فحين شمخ ~~بالظفر أنفي ، واهتز لنيل الأمل عطفي - والدهر يضحك سرا ، ويتأبط شرا ؛ وقد ~~أذهلني الجذل عن سوء ظني به ، وأوهمني نزوعه عن ذميم مذهبه - أتت ألوانه ، ~~وفسا ظربائه ؛ ونادى : ليقم من قعد ، وينتبه من رقد ؛ إنما فترت تلك الفترة ~~، ليكون ما رأيت عليك حسرة ؛ وسمحت لك مرة ، لتذوق من الأسف عليها كأسامرة ~~، فرأيت وقد غطى على PageV07P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" بصري ، وعقلت وكنت في عمياء من خبري ؛ وقلت : ~~هو الذي أعهده من لؤمه ، وأعرفه من شؤمه ؛ فما وهب ، إلا وسلب ؛ ولا أعطى ، ~~إلا ساعات كإبهام القطا ؛ فياله من قادر ما ms1595 ألأم قدرته ، وذابح ما أحد ~~شفرته ولو تسلط علينا ، من يظهر شخصه إلينا ، لأدركته رماحنا ، وعصفت به ~~رياحنا ؛ لكنه أمير من وراء سجف ، يسعر بلا رجل ويصول بلا كف . ؟ ومن كلام ~~الوزير الكاتب أبي محمد بن عبد الغفور إلى بعض إخوانه - وكان قد وصف له ~~امرأة ومدحها وحضه على زواجها ، وكان لذلك الصديق امرأة سوداء - فأجابه ابن ~~عبد الغفور : بينما كنت ناظرا من المرآة في شعر أحتم ، ورأس أجم ، لا أخاف ~~معه الذم ؛ إذ تقدم رسولك إلي ، يخطب بنت فلان علي ؛ ويرغب منها في سعة مال ~~، وبراعة جمال ؛ ويقسم إنها لبرة بالزوج بريكة ، لا تحوجه عند النوم إلى ~~أريكة ؛ ولو يسرت - وعياذا بالله - لهذا النكاح ، لرزقت قبل الولد منها آلة ~~النطاح ؛ ولا حاجة لي بعد الدعة والسكون ، إلى حرب زبون ، وقراع بالقرون ، ~~ولو حملت إلي تاج كسرى وكنوز قارون ؛ فاطلب لهذه السلعة المباركة مشتريا ~~غيري ، ولا تسقها ولو في النوم إلى . . . ؛ وابتعها ولو بأرفع الأثمان إلى ~~نفسك ، وأضف عاجها النفيس إلى أبنوس عرسك ؛ ولا عذر لها في النشوز والإعراض ~~، فإنما يحسن السواد لحالك بالبياض ؛ والله يمدك بقرنين قبل الحين ، ويضع ~~لك صنعين وبيلين ، فيسقطك بهذا النكاح الثاني الفم كما أسقطت بالأول لليدين ~~. كمل السفر السابع من كتاب " نهاية الأرب في فنون الأدب " للنويري رحمه ~~الله تعالى - ويليه الجزء الثامن منه ، وأوله ذكر نبذة من كلام القاضي ~~الفاضل PageV07P0231 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الثامن PageV08P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ذكر نبذة من كلام القاضي الفاضل الأسعد محيي ~~الدين أبي علي عبد الرحيم ابن القاضي الأشرف أبي المجد علي بن الحسن بن ~~الحسين ابن أحمد اللخمي الكاتب المعروف بالبيساني - رحمه الله تعالى - إليه ~~انتهت صناعة الإنشاء ووقفت ، وبفضله أقرت أبناء البيان واعترفت ، ومن بحر ~~علمه رويت ذوو الفضائل واغترفت ؛ وأمام فضله ألقت البلاغة عصاها ، وبين ~~يديه استقرت بها نواها ؛ فهو كاتب الشرق والغرب في زمانه وعصره ، وناشر ~~ألوية الفضل في مصره وغير مصره ؛ ورافع علم البيان لا محاله ، والفاصل بغير ~~إطالة ؛ وقد أنصف بعض الكتاب ms1596 فيه ، ونطق من تفضيله بملء فيه ؛ حيث قال : كل ~~فاضل بعد الفاضل فضله ، وكل ؟ قد عرف له فضله ؛ وستقف إن شاء الله من كلامه ~~على السحر الحلال ، فتروى صداك من ألفاظه بالعذب الزلال ؛ فمن ذلك قوله : ~~وافينا قلعة نجم وهي نجم في سحاب ، وعقاب في عقاب ؛ وهامة لها الغمامة ~~عمامه ، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامه . PageV08P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" ومن رسائله ما كتب به إلى النظام أمير حلب : ~~ورد كتاب المجلس السامي - حرس الله به نظام المجد وأطلق فيه لسان الحمد ، ~~ودامت مساعيه مصافحة ليد السعد ، وأحسن له التدبير في اليومين : من قبل ومن ~~بعد - فمرحبا بمقدمه ، وأهلا بمنجمه ؛ والشوق تختلف وفود صروفه ، وتتنوع ~~صنوف ضيوفه ؛ فلا بد أن تتبعض إذا تبعضت المسافات ، وتبرد وتخمد إذا عبدت ~~ودنت الطرقات ؛ ولو بمقدار ما يدنو اللقاء على الرسول السائر ، بالكتاب ~~الصادر ، والخيال الزائر ، بالحبيب العاذر ، والنسيم الخاطر ، من رسائل ~~الخواطر ؛ وقد وجدت عندي أنسا لا أعهده ؛ وعددت نقص البعد أحد اللقاءين ، ~~كما كنت أعد زيادة البعد أحد النأيين ؛ فزاده الله من القلوب حظوه ، ولا ~~أخلاه من بسط يد وقدم في حظ ؟ وحظوه ؛ ووقفت على هذا الكتاب المشار إليه ~~وما وقفت عنه لسانا شاكرا ، ولا صرفت عنه طرفا ناظرا ، وبلغت من ذلك جهدي ~~وإن كان قاصرا ، واستفرغت له خاطري وما أعده اليوم خاطرا ؛ ومما أسر به أن ~~يكون في الخدمة السلطانية - أعلاها الله ورفعها ، ووصلها ولا قطعها ، وألف ~~عليها القلوب وجمعها ، واستجاب فيها الأدعية وسمعها - من يكثر قليلى ، ~~ويشفى في تقبيل الأرض غليلي ، فإن تقبيل سيدنا كتقبيلي ؛ فلو شرب صديق وأنا ~~عطشان لأرواني ، ولو استضاء بلمعة في الشرق وأنا في الغرب لأراني ؛ كما أن ~~الصديق إذا مسته نعمة وجب عنها شكري ، وإذا وصلت إليه يد منعم وصلتني ~~وتغلغلت إلى ولو كنت في قبرى . ومنها : وأعود إلى جواب الكتاب ، الأخبار لا ~~تزال غامضة إلى أن يشرحها ، ومقفلة إلى أن يفتحها ؛ بخلاف حالي مع الناس ، ~~فإن القلوب لا تزال سالمة إلا أن يجرحها ms1597 ، والهموم خفيفة إلا أن يرجحها ؛ ~~والحق من جهته ما تحقق ، وما استنطق بشكر من أنطق ؛ وفي الخواطر في هذا ~~الوقت موجود يجعلها في العدم ، ويخرجها من الألم إلى اللمم ، ويعادى بين ~~الألسنة والأسماع وبين العيون والقلم ؛ وكلما قلت الحيلة المشكوك في نجحها ~~، فتح الله باب الحيلة المطموع في فتحها ؛ وهي من فضل الله سبحانه ~~والاستجارة بالاستخارة ، فتلك تجارة رابحة وكل تجارة لا PageV08P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" تخلو من خساره ؛ والله تعالى يجمع كلمة ~~المسلمين على يد سلطاننا ، ولا يخلينا منه ومن بنيه حلى زماننا ، وشنوف ~~إيماننا ، ويسعدنا من أكابرهم بتيجان رؤوسنا ، ومن أصاغرهم بخواتم أيماننا ~~؛ ولو تفرغت العزمة الفلانية لهذا الكلب العدو فترجم كلبه ، وتكف غربه ؛ ~~وتذيقه وبال أمره ، وتطفئ شرار شره ، وتتعجل له عاقبة خسره ؛ فقد غاظ ~~المسلمين وعضهم ، وفل جموعهم وفضتهم ؛ وما وجد من يكفى فيه ويكفه ، ويشفى ~~الغليل منه بما يشفه ؛ ولو جعل السلطان - عز نصره - غزو هذا الطاغية مغزاه ~~، وبلاده مستقر عسكره ومثواه ، لأخذ الله الكافر بطغواه ؛ ولأبقى ذكرا ، ~~وأجرى في الصحيفة أجرا ؛ ولأطفأ الحقد الواقد ، بالحديد البارد ، وغنم ~~المغنم البارد ، وسدد الله ذلك العزم الصادر والسهم الصادر ؛ فلا بد أن ~~يجري سيدنا هذا الذكر ، ولو لما أحتسبه أنا من الأجر ؛ وما أورده المجلس عن ~~فلان من صفو شربه ، وأمن سربه ؛ واستقراره تحت الظل الظليل السلطاني - جعله ~~الله ساكنا ، وأحله منه حرما آمنا - ومن معافاته في نفسه وولده وجماعته ، ~~وأهل ولائه وولايته ، فقد شكت له هذه البشرى ، وفرحت بما يسر الله ذلك ~~المولى له من اليسرى ؛ غير أني أريد أن أسمع أخباره منه لا عنه وبمباشرته ~~لا باستنابته ، فلا عرفت مودته من المودات الكسالى ، ولا أقلامه إلا بلبس ~~السواد - على أنها مسرورة سارة لا ثكالى ؛ وإذا قنع صديقه منه بفريضة حجية ~~، لا تؤدى إلا في ساعة حوليه ، فإن يبخل بها ذلك الكريم فقد انتحل الاسم ~~الآخر - أعاذه الله منه ، وصرف عنه لفظه كما صرف معناه عنه ؛ وللمودة عين ~~لا يكحلها إذا رمدت إلا إثمد مداد الصديق ، وما ms1598 في الصبر وسع لصحبة أيام ~~العقوق بعد صحبة أيام العقيق ، وقد بلغني أن ولد المذكور نزع وترعرع ، ونفع ~~وأينع ؛ وخدم في المجلس السلطاني ، فسررت بأن تجمع في خدمته الأعقاب ~~والذراري ؛ والله تعالى يحفظ علينا تلك الخدمة جميعا ، ولا يعدمنا من يدها ~~سحابا ولا من جنابها ربيعا ؛ وقد فتح سيدنا بابا من الأنس ونهجه ، وأوثر ~~PageV08P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" ألا يرتجه ؛ بمكاتباته التي يده فيها بيضاء ، ~~ويد الأيام عندي خضراء ؛ بحيث لا يستوفى على الحساب ، في كل جواب ؛ وأنا في ~~هذه الأحوال أوثر العزلة وأبدأ فيها بلساني وقلمي ، وأتوخى أن أشبه حالة ~~وجودي بعدمي ؛ فإني أرى من تحتها أروح ممن فوقها ، ومن خرج منها أحظى ممن ~~أقام بها ؛ وللمودات مقر ؟ ما هو إلا الألسنة ، والقلوب قضاة لا تحتاج إلى ~~بينه . وكتب جوابا أيضا إلى آخر وهو : وقفت على كتاب الحضرة - يسر الله ~~مطالبها وجمل عواقبها ، وصفى من الأكدار مشاربها ، وحاط من غير الأيام ~~جوانبها ، ووسع في الخيرات سبلها ومذاهبها ؛ ووقاها ووقى ولدها ، وأسعدها ~~واسعد يومها وغدها ؛ وجمع الشمل بها قريبا ، وأحدث لها في كل حادثة صنعا ~~غريبا - من يد الحضرة الفلانية - لا عدمت يدها ومدها ، وأدام الله سعدها - ~~وشكرت الله على ما دل عليه هذا الكتاب من سلامة حوزتها ، ودوام نعمتها ؛ ~~وسبوغ كفايتها ؛ وسألته سبحانه أن يصح جسمها ، ويميط همي وهمها ؛ فهما همان ~~لا يتعلقان إلا بخدمة المخدوم - أجازنا الله فيه من كل هم ، وأجرى بتخصيصه ~~السعد الأعتم ، واللطف الأتم - وعرفت ما أنعمت بذكره من المتجددات بحضرته ، ~~ومن الأمور الدالة على سعادته وقوته ؛ وللأمور أوائل وأواخر ، وموارد ~~ومصادر ؛ فنسأل الله سبحانه أن يجعل العواقب لكم ، والمصادر إليكم ، ~~والنعمة عندكم ، والنصرة خاصة بسلطانكم ، والكفاية مكتنفة بجماعتكم ؛ وقد ~~قاربت الأمور بمشيئة الله أن تسفر وجوهها ، والخواطر أن يستروح مشدوهها ، " ~~إن الله لذو فضل على الناس " وفي كل أقدار الله الخيرة ، وفي حكمته أنه جعل ~~الخيرة محجوبة تحت أستار الأقدار ؛ وقد علم الله تقسم فكري لما هي عليه من ~~المشقات المحمولة بالقلب والجسد ، والأمور الحاضرة ms1599 في اليوم والمستقبلة في ~~غد ؛ وهي في جانب الخير ، والخير يعم الوكيل لصاحبه ، ومن أصلح جانبه مع ~~الله كان الله جديرا بإصلاح جانبه . PageV08P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" ومنه : وعليه السلام الطيب الذي لو مر بالبهم ~~لأشرق ، أو بالهشيم لأورق ؛ وكتبها الكريمة إن تأخرت فمأموله ، وإن وصلت ~~فمقبوله ؛ وإن أنبأت بسار ؟ فمشهوره وإن أبأت بشر ؟ فمستوره ؛ وخادمها فلان ~~يخدم مجلسها خدمة الخادم لمخدومه ، ويكرر التسليم على وجهه الكريم المحفوف ~~من كل قلب بحبه ، ومن كل سلام بتسليمه . وكتب أيضا : وصل كتاب الحضرة - وصل ~~الله أيامها بحميد العواقب ، وبلوغ المآرب ، وصحبت الدهر على خير ما صحبه ~~صاحب ، وأنهضنا بواجب طاعته ، فإنه بالحقيقة الواجب - وكل واجب غيره غير ~~واجب - من يد فلان ، فرجوت أن يكون طليعة للاقتراب ، ومبشرا بالإياب ، ~~ومخبرا بعودها الذي هو كعود الشباب لو يعود الشباب ؛ وأعلمني من سلامة ~~جسمها ، وقلبها من همها ؛ ما شكرت الله عليه ، واستدمت العادة الجميلة منه ~~، وسألته أن يوزعها شكر النعمة فيه ، وعرفت الأحوال جملة من كتابها ، وكلها ~~تشهد بتوفيق سلطاننا ، وبأيامه التي تعود بمشيئة الله بإصلاح شانه وشاننا ؛ ~~والذي مده ظلا ، يمده فضلا ؛ فالفضل الذي في يديه ، في خلق الله الذي ~~أحالهم في الرزق عليه ؛ فكيفما دعونا له دعونا لأنفسنا ، وكيفما كانت أسنة ~~رماحه فهي نجوم حرسنا ، فلا عدمت أيامه التي هي أيام أعيادنا ، ولا لياليه ~~التي هي ليالي أعراسنا . ومن أجوبته : ورد على الخادم - أدام الله أيام ~~المجلس وصفاها من الأكدار ، وأبقى بها من تأثيراته أحسن الآثار ، وأسمع منه ~~وعنه أطيب الأخبار وجعل التوفيق مقيما حيث أقام ، وسائرا أينما سار - كتابه ~~الكريم ، الصادر عن القلب السليم ، والطبع الكريم ، والباطن الذي هو ~~كالظاهر كلاهما المستقيم ؛ ولا تزال الأخبار عنا محجمه ، والأحاديث مستعجمه ~~؛ والظنون مترجحة ، والأقوال مسقمة ومصححه ؛ إلى أن يرد كتابه فيحق الحق ~~ويبطل الباطل ، ويتضح الحالي ويفتضح العاطل ؛ ويعرف الفرق ما بين تحرير ~~قائل ، وتحوير ناقل ؛ فتدعو له الألسنة والقلوب وتستغفر بحسناته الأيام من ~~الذنوب ؛ والشجاعة شجاعتان : شجاعة في القلب وشجاعة في اللسان ؛ وكلتاهما ~~PageV08P0007 # """""" صفحة ms1600 رقم 8 """""" لديه مجموع ، ومنه وعنه مروى ؟ ومسموع ؛ وذخائر ~~الملوك هم الرجال ، وآراء الحزماء هي النصال ، ومودات القلوب هي الأموال ، ~~ومجالس آرائهم هي المعركة الأولى التي هي ربما أغنت عن معارك القتال ؛ ~~والله تعالى يمد المسلمين به حال تجمعهم على جهاد الكفار ، ويلهمهم أن ~~يبذلوا في سبيله النفس والسيف والدرهم والدينار ؛ ويزيل ما في طريق المصالح ~~من الموانع ، ويفطم السيوف عن الدماء الإسلامية ويحرم عليها المراضع ؛ ~~ويجعل للمجلس في ذلك اليد العليا ، والطريقة المثلى ، ويجمع له بين خيري ~~الآخرة والأولى ؛ والأحوال هاهنا بمصر مع بعد سلطانها وتمادي غيبته عن ~~مباشرة شانها ؛ على ما لم يشهد مثله في أوقات السكون فكيف في أوقات القلق ، ~~على من يحفظ الله به في البلاد من الجموع ومن في الطرقات من الرفق ؛ ~~والأمير الولد صحيح في جسمه وعزمه ، متصرف في مصالحه على عادته ورسمه ؛ ~~جعله الله نعم الخلف المسعود ، وأمتعه بظل المجلس الممدود ، في العمر ~~المدود ؛ وعرف الخادم أن المجلس ناب عنه مرة بعد مرة بمجلس فلان يشكر على ~~ما سلف من ذلك المناب ، ويستزيد ما يستأنفه من الخطاب ؛ والبيت الكريم أنا ~~في ولائه وخدمته كما قيل : إن قلبي لكم لكالكبد الحرى وقلبي لغيركم كالقلوب ~~يسرني أن يمد الله ظلهم ، وأن يجمع الله شملهم ؛ كما يسوءني أن تختلف ~~آرائهم ولا تنتظم أهواؤهم ؛ وهذا المولى يبلغني أنه سد وساد ، وجد وجاد ، ~~وخلف من سلف من كرام هذا البيت من الآباء والأجداد ؛ واشتهرت حسن رعايته ~~لمن جعله الله من الرعايا وديعه ، وحسن عنايته بمن جعله الله له من الأجناد ~~شيعه ؛ وإذ بلغني ذلك سررت له ولابنه ولجده ، وعلمت أنه لم يمت من خلفه ~~لإحياء مجده ؛ ومن استعمله بحسن فقد أراد الله به حسنا ، ومن أحسن إلى خلق ~~الله كان الله له محسنا ؛ إن الله أكرم الأكرمين ، وأعدل العادلين ؛ وكتب ~~المجلس السامي ينعم بها متى خف أمرها ، وتيسر حملها ، وتفرغ وقته لها ؛ ~~والثقة حاصلة بالحاصل من قلبه ، وعاذرة وشاكرة في المبطئ والمسرع من كتبه ؛ ~~ورأيه الموفق إن شاء ms1601 الله تعالى . PageV08P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" وكتب : ورد كتاب الحضرة السامية - أحسن الله ~~لها المعونه ، ويسر لها العواقب المأمونه ، وأنجدها على حرب الفئة الكافرة ~~الملعونه - بخبر خروج الخارج من قلعة كذا ، وما صرح به من الخوف الذي ملأ ~~الصدور ، والاستحثاث في مسير العسكر المنصور ؛ وكل ضيقة وردت على القلوب ~~ففزعت فيها إلى ربها فرجت فرجه وأذكى لها اليقين سرجه ؛ ولم تشرك معه غيره ~~مستعانا ، ولم تدع معه من خلقه إنسانا ؛ فما الضيقة وإن كانت منذورة إلا ~~مبشره ، والخطة وإن كانت وعرة إلا ميسره ؛ لا جرم أن هذا الكتاب أعقبه وصول ~~خبر نهضة فلان - نصر الله نهضاته ، وأدى عنه مفترضاته - فاستنهض العساكر ، ~~وقوتل العدو الكافر ؛ فنفس ذلك الخناق ، وتماسكت الأرماق ؛ وما أحسب أن ~~الأمر يتمادى مع القوم ، بل أقول : لا كرب على الإسلام بعد اليوم ؛ تتوافى ~~بمشيئة الله ولاة الأطراف ، ويزول من نفس العدو وسمعه ما استشعره بين ~~المسلمين من الخلاف ؛ ويجتمعون إن شاء الله على عدوهم ، ويذهب الله بأهل ~~دينه ما كان من فساد أعدائه في أرضه وعلوهم ؛ وقد شمعنا رائحة الهدنة بطلب ~~الرسول ، وبخبر هلاك ملك الألمان الذي هو بسيف الله مقتول ، والموت سيف ~~الله على الرقاب مسلول . ومنها : فأما ما أشار إليه من القلاع التي شحنها ، ~~والحصون التي حصنها ؛ والأسلحة التي نقلها إليها ، والأقوات التي ملأ بها ~~عيون مقاتليها وأيديها ؛ فإن الله يمن عليه بأن يسره لهذه الطاعه ، ورزقه ~~لها الاستطاعه ؛ فكم رزق الله عبدا رزقا حرمه منه وفتح عليه بابا من الخير ~~وصرفه عنه ؛ لا جرم أنه وفى قوما أجرهم بغير حساب ، ووقف قوما بموقف مناقشة ~~الحساب ، الذي المصرف عنه إلى ما بعده من العذاب ؛ الآن والله ملك الملك ~~العادل ماله الذي أنفقه ، وأودعه لخير مستودع من الذي رزقه ؛ وشتان بين ~~الهمم : همة ملك ذخر ماله في رؤوس القلاع لتحصين الأموال ، وهمة ملك أودع ~~ماله في أيدي المقاتلة لتحصين القلاع يبني الرجال وغيره يبني القرى . . . ~~شتان بين مزارع ورجال PageV08P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" والحمد لله الذي جعل ماله له ms1602 مسره ، يوم يرى ~~الذين يكتنزون الذهب والفضة المال عليهم حسره ؛ ما أحسب أحدا من هذه الأمة ~~إن كان عند الله من أهل الشهادات بين يديه ، وإن كان كريم الوفادة لديه ؛ ~~إلا تلقاه شاكرا لهذا السلطان شاهدا بما يولى هذه الأمة من الإحسان ، " وفي ~~ذلك فليتنافس المتنافسون " سيحصد الزارعون ما زرعوا ، والله يزيده توفيقا ~~إلى توفيقه ، ويلهم كل مسلم القيام بمفترض بره ويعيذه من محذور عقوقه ؛ ~~وأنا أعلم أن الحضرة تفرد لي شطرا من زمانها المهم ، لكتاب تلقيه إلي ، ~~وخبر سار ؟ تورده علي ؛ وأنا أفرد شطرا من زماني لشكرها ، وأسر والله لها ~~بتوفيق الله في جميع أمرها ، فإن الذاكر لها بالخير كثير ، فزاد الله طيب ~~ذكراها ؛ ورأيه الموفق في أن يجريني على كنف العادة ، ولا يقطع عني هذه ~~المادة ؛ إن شاء الله تعالى . وكتب : ورد كتاب المجلس السامي - نصر الله ~~عزائمه ، وأمضى في رؤوس الأعداء صوارمه ، وشد به بنيان الإسلام ودعائمه ، ~~واسترد به حقوق الإسلام من الكفر ومظالمه ، وأخلف نفقاته في سبيل الله ~~ومغارمه ، وجعلها مغانمه - وكان العهد به قد تطاول ، والقلب في المطالبة ما ~~تساهل ، ولمحت أشغاله بالطاعة التي هو فيها وما كل من تشاغل تشاغل ؛ فهنأه ~~الله بما رزقه ، وتقبل في سبيل الله ما أنفقته وعافى الجسم الذي أنضاه في ~~جهاد عدوه وأخلقه ، وقد وفق من أتعب نفسا في طاعة من خلقها ، وجسما في طاعة ~~من خلقه ؛ فهذه الأوقات التي أنتم فيها أعراس الأعمار ، وهذه النفقات التي ~~تجري على أيديكم مهور الحور في دار القرار ؛ قال الله سبحانه في كتابه ~~الكريم : " وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين " وأما فلان وما ~~يسره الله له ، وهونه عليه ، من بذل نفسه وماله ، وصبره على المشقات ~~واحتماله ، وإقدامه في موقف الحقائق قبل رجاله ؛ فتلك نعمة الله عليه ، ~~وتوفيقه الذي ما كل من طلبه وصل إليه ؛ وسواد العجاج في تلك المواقف ، بياض ~~ما سودته الذنوب من الصحائف " يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما " فما ~~أسعد تلك الوقفات ، وما PageV08P0010 # """""" صفحة رقم ms1603 11 """""" أعود بالطمأنينة تلك المرجفات ؛ وقد علم الله ~~سبحانه وتعالى مني ما علم من غيري من المسلمين من الدعاء الصالح في الليل ~~إذا يغشى ، ومن الذكر الجميل لكم في النهار إذا تجلى ؛ والله تعالى يؤيد ~~بكم إيمانكم ، وينصركم وينصر سلطانكم ، ويصلحكم ويصلح بكم زمانكم ، ويشكر ~~هجرتكم التي لم تؤثروا عليها أهليكم ولا أموالكم ولا أوطانكم ؛ ويعيدكم ~~إليها سالمين سالبين ، غانمين غالبين ؛ إنه على كل شيء قدير . وكتب : وصل ~~كتاب الحضرة السامية - أيد الله عزمها ، وسدد سهمها وجعل في الله همها ، ~~ووفر في الخيرات قسمها - مبشرا بالحركة الميمونة السلطانية إلى العدو خذله ~~الله ، ومسير المسلمين - نصرهم الله - تحت أعلامه أعلاها الله ؛ ومباشرة ~~العدو واستبشار المسلمين بما أسعدهم الله من الجرأة عليه ، ومن إضمار العود ~~إليه ؛ وهذه مقدمة لها ما بعدها ، وهي وإن كانت نصرة من الله فما نقنع بها ~~وحدها فالهمة العالية للحرب التي تسلب الأجسام رؤوسها ، والسيوف حدها ؛ فإن ~~الجنة غالية الثمن ، والخطاب بالجهاد متوجه إلى الملك العادل دون ملوك ~~الأرض وإلا فمن ؟ فهذه تشترى بالمشقات ، كما أن الأخرى - أعاذنا الله منها ~~- رخيصة الثمن وتشترى بالشهوات ؛ والحضرة السامية نعم القرين ونعم المعين ، ~~وفرض ذي اللهجة المبين ، أن يستجيش ذا القوة المتين ، وكلمة واحدة في سبيل ~~الله أنمى من ألوف المقاتلة والمئين ؛ والله تعالى يوسع إلى الخيرات طرقها ~~، ويطلق بها منطلقها ، ويمتع الإخوان بخلقها الكريم فما منهم إلا من يشكر ~~خلقها ؛ ورأيها الموفق في إجرائي على العادة المشكورة من كتبها ، وإمطاري ~~من خواطرها ، لا عدمت صوب سحبها . ومن كتاب كتبه إلى القاضي محيي الدين بن ~~الزكي : بعد أن أصدرت هذه الخدمة إلى المجلس - لا عدمت عواطفه وعوارفه ، ~~ولطائفه ومعارفه ؛ وأمتع الله الأمة عموما بفضائله وفواضله ، ونفعهم بحاضره ~~كما نفعهم بسلفه الصالح وأوائله ، وعادى الله عدوه ودل سهامه على مقاتله - ~~ورد كتاب منه في كذا وما بقيت أذكر PageV08P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" الإغباب ، فإن سيدنا يقابله بمثله ، ولا ~~العتاب فإن سيدنا يساجله بأفيض من سجله ؛ ولا ألقى عليه من قولي قولا ثقيلا ~~، ولا ms1604 أقابل به من قوله قولا جليا جليلا ؛ فقد شب عمرو عن الطوق ، وشرف ~~البراق عن السوق ؛ وذلك العمرو ما برح محتنكا والطوق للصبي ، وذلك البراق ~~حمى لا يقدم إلا للنبي ، ومع هذا فلا تقلص عني هذه الوظيفة ، واعتقدها من ~~قرب الصحيفه ؛ فإنك تسكن بها قلبا أنت ساكنه وتسر بها وجها أنت على النوى ~~معاينه . وكتب إلى العماد : كانت كتب المجلس - لا غير الله ما به من نعمه ~~ولا قطع عنه مواد فضله وكرمه ، ولا عدمت الدنيا خط قلمه وخطو قدمه ؛ ~~وأعاذنا الله بنعمة وجوده من شقوة عدمه - تأخرت وشق على تأخرها ، وتغيرت ~~على عوائدها والله يعيذها مما يغيرها ؛ ثم جاءت ببيت ابن حجاج : غاب ما غاب ~~ووافا . . . ني على ما كنت أعهد وأجبته ببيت الرضي : ومتى تدن النوى بهم . ~~. . يجدوا قلبي كما عهدوا PageV08P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" كتابة لا ينبغي ملكها إلا لخاطرة السليماني ، ~~وفيض لا يسند إلا عن نوح قلمه الطوفاني ، أوجبت على كل بليغ أن يتلو ، " ~~ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني " وبالجملة فالواجب على كل عاقل أن ~~لا يتعاطى ما لم يعطه ، وأن يدخل باب مجلس سيدنا ويقول حطه ؛ فأما ما أفاض ~~فيه من سكون الأحوال بتلك البلاغة فقد كدت أسكر لما استخرجته من تلك ~~المحاسن التي لو أن الزمان الأصم يسمع لأسمعته ، ولو أن الحظ الأشم يخضع ~~لأخضعته ؛ وبالجملة فإنه لا يشنأ زمن أبقى من سيدنا نعمة البقية التي مهما ~~وجدت فالخير كله موجود ، والمجد بحفيظته مشهود ؛ وكما تيسرت راحة جسمه ، ~~فينبغي أن يقتدى به قلبه في راحة من همه ؛ وأعراض الدنيا متاع المتاعب ، ~~وقد رفع الله قدره ، وإلا فهذه الدنيا وهدة إليها مصاب المصائب ؛ والحال ~~التي هو الآن عليها عاكف إلا من علم يدرسه ، وأدب يقتبسه ، وحريم عقائل يذب ~~عنه ويحرسه ؛ هي خير الأحوال ، فالواجب الشكر لواهبها ، والمسرة بالإفضاء ~~إلى عواقبها ؛ وما ينقص شيء من المقسوم ، وإن زاد عند المجلس فليس من حظه ، ~~ولكن من حظ السائل والمحروم ؛ فلا يسمح المجلس بكتاب من كتبه على ms1605 يد من ~~الأيدي التي لا تؤدى ، ولا يؤمن أن تكون أناملها حروف التعدي ، وهي إحدى ما ~~تعلقت به الشهوات من اللذات ، وهو ينعم بها على عادته في كف ضراوة القلب ~~ودفع عاديته ؛ موفقا إن شاء الله تعالى . وكتب إلى القاضي محيي الدين بن ~~الزكي أيضا : كان كتابي تقدم إلى المجلس السامي - أدام الله نفاذ أمره ، ~~وعلو قدره ، وراحة سره ونعمة يسره ؛ وأجراه على أفضل ما عوده ، وأسعد جده ~~وأصعده ، وأحضر أمثال العالم المقبل وأشهده ؛ ولا زال يلبس الأيام ويخلعها ~~، ويستقبل الأهلة ويودعها وهو محروس في دنياه ودينه ، مستلئم من نوب الدهر ~~بدرع يقينه ، كاشف لليل الخطب بنور جبينه ، وليوم الجدب بفيض يمينه ؛ ~~وأعماله مقبوله ، ودعواته على ظهر الغمام محموله ؛ والدنيا ترعاه وهي تأتي ~~برغمها ، والآخرة تدخر له وهو يسعى لها سعيها - من أيدي عدة من المسافرين ، ~~ولثقتي بهم ما قدرت أسماءهم ، ولضيق صدري بتأخير كتب المجلس ما حفظتها . ~~PageV08P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" وجاء منها : وما كأنا إلا أن دعونا الله ~~سبحانه دعوة الأولين أن يباعد بين أسفارنا ، وأردنا أن يقطع بيننا وبين ~~أخبارنا ؛ فأجيبت الدعوه ، ولا أقول لسابق الشقوه ، ولكن للاحق الحظوه ؛ ~~فإن مكابدة الأشواق إلى الأبرار ، تسوق إلى الجنة ولا تسوق إلى النار ، ~~وأقسم أنني بالاجتماع به في تلك الدار ، أبهج مني بالاجتماع به لو أتيح في ~~هذه الدار ؛ فعليه وعي من العمل ما يجمع هنالك سلك الشمل ويصل جديد الحبل ؛ ~~فثم لا يلقى العصا إلا من ألقى هنا العصيان ، وهنالك لا تقر العين إلا ممن ~~سهرت منه هاهنا العينان ؛ فلا وجه لجمع اسمي مع اسمه في هذه الوصية مع علمي ~~بسوء تقصيري ، وخوفي من سوء مصيري ، ولكن ليزيد سيدنا من وظائفه وعوارفه ، ~~- فكل فعله تفضل من فضله - ما يخلصني بإخلاصه فإنني أستحق شفاعته لشفعة ~~جوار قلبي لقلبه ، وهذا معنى ما بعث على شغل الكتاب به ، مع علمي باستقرار ~~نفسه النفيسة ، إلا أنه - أبقاه الله - قد ابعد عهدي من كتبه بما يقع ~~التفاوض فيه ، والمراجعة عنه ؛ والخواطر في هذا الوقت ms1606 منقبضه ، والشواغل ~~لها معترضه ، وأيام العمر في غير ما يفرض من الدنيا للآخرة منقرضه ؛ ومتجدد ~~نوبة بيروت قد غمت كل قلب ، وهاجت المسلمين أشواقا إلى الملك الناصر ، ~~وذكرى بما ينفعه الله به من كل ذاكر ، وأخذ الناس في الترحم على أول هذا ~~البيت والدعاء للحاضر والآخر - وليس إن شاء الله بآخر ؛ فما ادخر المولى ~~لهذه الحرب مجهودا ، ولا فللت عسكرا مجرورا ولا مالا ممدودا فإن كان ذلبى ~~أن أحسن مطلبي . . . إساة ففي سوء القضاء لي العذر ومنه : وسيدنا يستوصي ~~بالدار بدمشق فقد خلت ، وإنما الناس نفوس الديار ؛ وأنا أعلم أن سيدنا في ~~هذا الوقت مشدوه الخاطر عن الوصايا ، ومشغول اللسان بتنفيذ ما ينفذه مما هو ~~منتصب له من القضايا ؛ فما في وقته فضلة ولكن فضل ، وسيدنا يحسن في كل قضية ~~من بعد كما أحسن من قبل ؛ فهو الذي جعل بيني وبين الشام نسبا وأنشأني فيه ~~إلى أن ادخرت عقارا ونشبا فعليه أن يرعى ما أقناه ، وينفي PageV08P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" الشوك عن طريق اليد إلى جناه ؛ والجار إلى هذا ~~التاريخ ما اندفع جوره ، ولا أدرك غوره ؛ يعد لسانه ما تخلف يده ، ويدعى ~~يومه ما يكذبه فيه غده ؛ وأنا على انتظار عواقب الجائرين ، وقد عرف الغيظ ~~مني ألفاظا مجهولة ما كنت أسمح بأن أعرفها ، وكشف مستورا من أسباب الحرج ما ~~يسرني أن أكشفها " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم : وأسوأ ~~خلقا من السيئ الخلق من أحوجه إلى سوء الخلق ؛ وما ذكرت هذا ليذكر ، ولا ~~طويت الكتاب عليه لينشر ، والسر عند سيدنا ميت وهو يقضي حقه بأن يقبر . ~~وكتب : أدام الله أيام المجلس وخصه من لطفه بأوفر نصيب ، ومنحه من السعادة ~~كل عجيب وغريب ، وأراه ما يكون عنه بعيدا مما يؤمله أقرب من كل قريب - ~~الخادم يخدم وينهى وصول كتاب كريم تفجرت فيه ينابيع البلاغه ، وتبرعت له ~~بالحكم أيدي البراعه ؛ وجاد منه بسماء مزينة بزينة الكواكب ، وهطل منها ~~لأوليائه كل صوب ولأعدائه كل شهاب واصب ، وتجلى فما الغيد الكواعب ms1607 ؛ وما ~~العقود في الترائب ، وتفرق منه جيش الهم فانظر ما تفعل الكتب من الكتائب ؛ ~~وما ورد إلا والقلب إلى مورده شديد الظما ، وما كحل به إلا ناظره الذي عشى ~~عن الهدى وقرب من العمى ؛ وما نار إبراهيم بأعظم من نوره ، ولا سروره - ( ~~صلى الله عليه وسلم ) - حين نجا أعظم يوم وصوله من سروره ؛ فحيا الله هذه ~~اليد الكريمة التي تنهل بالأنوار وتجزل سوابغ النعماء ؛ وتعطي أفضل عطاء ~~يسرها في القيامه ، وتحوز به أفضل أنواع الكرامه ؛ فأما شوقه لعبده فالمولى ~~- أبقاه الله - قد أوتي فصاحة لسان ، وسحب ذيل العي على سحبان ؛ ولو أن ~~للخادم لسانا موات ، وقلبا يقال له هي هات ؛ لقال ما عنده ، وأذكر عهده ~~ووده ؛ وباح بأشواقه ، وذم الزمن على PageV08P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" اعتياقه ؛ وأما تفضله بكذا فالخادم ما يقوم ~~بشكره ، ولا يقدره حق قدره ؛ وقد أحال مكافأة المجلس على ملىء قادر ، ومسرة ~~خاطرة عليه يوم تبلى السرائر ؛ والله تعالى يصله برزق سني ؟ يملأ إناه ، ~~ويوضح هداه ؛ ولا يخلي المجلس من جميل عوائده ، ويمنحه أفضل وأجزل فوائده ~~إن شاء الله تعالى . ومن مكاتباته يتشوق إلى إخوانه وأدوائه ، ومحبيه ~~وأوليائه - كتب إلى بعضهم : أأحبابنا هل تسمعون على النوى . . . تحية عان ~~أو شكية عاتب ولو حملت ريح الشمال إليكم . . . كلاما طلبنا مثله في الجنائب ~~أصدر العبد هذه الخدمة وعنده شوق يغور به وينجد ، ويستغيث من ناره بماء ~~الدمع فيجيب وينجد ؛ ويتعلل بالنسيم فيغري ناره بالإحراق ، ويرفع النواظر ~~إلى السلوان فيعيدها الوجد في قبضة الإطراق ؛ أسفا على زمن تصرم ، ولم يبق ~~إلا وجدا تضرم ، وقلبا في يد البين المشت يتظلم ليالى نحن في غفلات عيش . . ~~. كأن الدهر عنا في وثاق فلا تنفس خادمه نفسا إلا وصله بذكره ، ولا أجرى ~~كلاما إلا قيده بشكره ، ولا سار في قفر إلا شبهه برحيب صدره ، ولا أطل على ~~جبل إلا احتقره بعلي قدره ، ولا مر بروضة إلا خالها تفتحت أزهارها عن كريم ~~خلقه ونسيم عطره ، ولا أوقد المصطلحون نارا إلا ظنهم اقتبسوها من جمره ، ~~ولا نزل ms1608 على نهر إلا كاثر دمعه ببحره سقى الله تلك الدار عودة أهلها . . . ~~فذلك أجدى من سحاب وقطره لئن جمع الشمل المشتت شمله . . . فما بعدها ذنب ~~يعد لدهره فكيف ترى أشواقه بعد عامه . . . إذا كان هذا شوقه بعد شهره ~~PageV08P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" بعيد قريب منكم بضميره . . . يراكم إذا ما لم ~~تروه بفكره ترحل عنكم جسمه دون قلبه . . . وفارقكم في جهره دون سره إذا ما ~~خلت منكم مجالس وده . . . فقد عمرت منكم مجالس شكره فيل ليل لا تجلب عليهم ~~بظلمة . . . وطلعة بدر الدين طلعة بدره ونسأل الله تعالى أن يمن بقربه ~~ورحاب الآمال فسائح ، وركاب الهموم طلائح والزمن المناظر بالقرب مسامح ؛ ~~هنالك تطلق أعنة الآمال الحوابس ، ويهتز مخضرا من السعود عود يابس وما أنا ~~من أن يجمع الله شملنا . . . بأحسن ما كنا عليه بآيس وقد كان الواجب تقديم ~~عتبه ، على تأخير كتبه ؛ ولكنه خاف أن يجنى ذنبا عظيما ويؤلم قلبا كريما ~~ولست براض من خليل بنائل . . . قليل ولا راض له بقليل وحاشى جلاله من ~~الإخلال بعهود الوفاء ، ومن انحلال عقود الصفاء ، وما عهدت عزمه القوى في ~~حلبة الشوق إلا من الضعفاء ، وحاشية خلقه إلا أرق من مدامع غرماء الجفاء من ~~لم يبيت والبين يصدع قلبه . . . لم يدر كيف تقلقل الأحشاء وكتب أيضا في مثل ~~ذلك : كتب مملوك المولى الأجل عن شوق قدح الدمع من الجفون شرارا ، وأجرى من ~~سيل الماء نارا ، واستطال واستطار فما توارى أوارا ، ووجد على تذكر الأيام ~~التي عذبت قصارا ، والليالي التي طابت فكأنما خلقت جميعها أسحارا وبي غمرة ~~للشوق من بعد غمرة . . . أخوض بها ماء الجفون غمارا PageV08P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" وما هي إلا سكرة بعد سكرة . . . إذا هي زالت ~~لا تزال خمارا رحلتم وصبري والشباب وموطني . . . لقد رحلت أحبابنا تتبارى ~~ومن لم تصافح عينه نور شمسه . . . فليس يرى حتى يراه نهارا سقى الله أرض ~~الغوطتين مدامعي . . . وحسبك سحبا قد بعثت غزارا وما خدعتني مصر عن طيب ~~دارها . . . ولا عوضتني بعد جاري جارا أدار الصبا لا مثل ربعك مربع ms1609 . . . ~~أرى غيرك الربع الأنيس قفارا فما اعتضت أهلا بعد أهلك جيرة . . . ولا خلت ~~دار الملك بعدك دارا وما ضر اليد الكريمة التي أياديها بيض في ظلمات الأيام ~~، وأفعالها لا يقوم بمدحها إلا ألسنة الأسنة والأقلام ؛ لو قامت للمودة ~~بشرطها ، ومحت خط الأسى بخطها ؛ وكتبت ولو شطر سطر ففرغت قلبا من الهم ~~مشحونا ، وأطلقت صبرا في يد الكمد مسجونا ؛ ونزهت ناظر المملوك في رياض ~~منثورة الحلى ، وحلت عهوده بمكارم مأثورة العلا وما كنت أرضى من علاك بذا ~~الجفا . . . ولكنه من غاب غاب نصيبه ولو غيركم يرمي الفؤاد بسهمه . . . لما ~~كان ممن قد أصاب يصيبه وما لي فيمن فرق الدهر أسوة . . . كأن محبا ما نآه ~~حبيبه والمملوك مذ حطت مصر أثقاله ، وجهز الشام رحاله ؛ وألقت النوى عصاها ~~وحلت الأوبة عراها ؛ يكتب فلا يجاب ، ويستكشف الهم بالجواب فلا ينجاب يا ~~غائبا بلقائه وكتابه . . . هل يرتجى من غيبتيك إياب PageV08P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" ومتى يصفى الله ورد الحياة من التكدير ، ~~ويتحقق بلقائه أحسن التقدير " وهو على جمعهم إذا يشاء قدير " . وزمان مضى ~~فما عرف الأ . . . ول إلا بما جناه الأخير أين أيامنا بظلك والشم . . . ل ~~جميع والعيش غض ؟ نضير وحوشى المولى أن يكون عونا على قلبه ، وأن يرحل إثره ~~الري على سربه ، وان ينسيه بإغباب الكتب ساعات قربه ، وأن يحوجه إلى إطلاق ~~لسانه بما يصون السمع الكريم عنه من عتبه ؛ الأخ فلان مخصوص بسلام كما ~~تفتحت عن الورد كمائمه ، وكما توضحت عن القطر غمائمه إذا سار في ترب تعرف ~~تربها . . . برياه والتفت عليها لطائمه وقد تبع الخلق الكريم في الإغباب ~~والجفوه ، وأعدت عزائمه قلبه فاستويا في الغلظة والقسوه إن كنت أنت مفارقي ~~. . . من أين لي في الناس أسوه وهب أن المولى اشتغل - لا زال شغله بمساره ، ~~وزمنه مقصورا على أوطاره - فما الذي شغله عن خليله ، وأغفله عن تدارك غليله ~~؟ هذا وعلائقه قد تقطعت وعوائقه قد ارتفعت ؛ وروضة هواه قد صارت بعد ~~الغضارة هشيما ، وعهوده قد عادت بعد الغضاضة رميما إن عهدا لو تعلمان ذميما ~~. . . أن ms1610 تناما عن مقلتي أو تنيما وما أولى المولى أن يواصل بكتبه عبده ، ~~ويجعل ذكره عقده ، ولا ينساه ويألف بعده ، ويستبدل غيره بعده . ~~PageV08P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" وكتب أيضا : أكذا كل غائب . . . غاب عمن يحبه ~~غاب عنه بشخصه . . . وسلا عنه قلبه ولو أن لي يدا تكتب ، أو لسانا يسهب ، ~~أو خاطرا يستهل ، أو فؤادا يستدل ؛ لوصفت إليه شوقا إن استمسك بالجفون نثر ~~عقدها ، أو نزل بالجوانح أسعر وقدها ؛ أو تنفس مشتاق أعان على نفسه ، وظنه ~~استعاره من قبسه ؛ أو ذكر محب ؟ حبيبا خاله خطر في خلده ، وتفادى من أن ~~يخطر به ذكر جلده حتى كأن حبيبا قبل فرقته . . . لا عن أحبته ينأى ولا بلده ~~بالله لا ترحموا قلبي وإن بلغت . . . به الهموم فهذا ما جنى بيده ولولا ~~رجاؤه أن أوقات الفراق سحابة صيف تقشعها الرياح ، وزيارة طيف يخلعها الصباح ~~؛ لاستطار فؤاده كمدا ، ولم يجد ليوم مسرته أمدا ؛ ولكنه يتعلل بميعاد ~~لقياه ، ويدافع سما أعله بلعله أو عساه غنى في يد الأحلام لا أستفيده . . . ~~ودين على الأيام لا أتقاضاه ومن غرائب هذه الفرقه ، وعوارض هذه الشقه ؛ أن ~~مولاي قد بخل بكتابه وهو الذي يداوي به أخوه غليل اكتئابه ، ويستعديه على ~~طارق الهم إذا لج في انتيابه كمثل يعقوب ضل يوسفه . . . فاعتاض عنه بشم ~~أثوابه وهب أن فلانا عاقه عن الكتب عائق ، واختدع ناظره كمن هو في ناضر عيش ~~رائق ؛ فما الذي عض لمولانا حتى صار جوهر وده عرضا ، وجعل قلبي لسهام ~~إعراضه غرضا ؟ بي منه ما لو بدا للشمس ما طلعت . . . من المكاره أو للبرق ~~ما ومضا PageV08P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" وما عهدته - أدام الله سعادته - إلا وقد ~~استراحت عواذله ، وعرى به أفراس الصبا ورواحله ؛ إلا أن يكون قد عاد إلى ~~تلك اللجج ، ومرض قلبه فما على المريض حرج ؛ وأيا ما كان ففي فؤادي إليه ~~سريرة شوق لا أذيعها ولا أضيعها ، ونفسي أسيرة غلة لا أطيقها بل أطيعها ~~وإني لمشتاق إليك وعاتب . . . عليك ولكن عتبة لا أذيعها والأخ النظام - ~~أدام الله انتظام السعد ببقائه ms1611 ، وأعداني على الوجد بلقائه - مخصوص بالتحية ~~إثر التحيه ، ووالهفى على تلك السجية السخيه ؛ وردت منها البابلى معتقا ، ~~وظلت من أسر الهموم بلقائها معتقا خلائق إما ماء مزن بشهدة . . . أغادي بها ~~أو ماء كرم مصفقا وقد اجتمعت آراء الجماعة على هجراني ، ونسوا كل عهد غير ~~عهد نسياني وما كنتم تعرفون الجفا . . . فبالله ممن تعلمتم . وكتب أيضا : ~~إن أخذ العبد - أطال الله بقاء المجلس وثبت رفعته وبسط بسطته ، ومكن قدرته ~~، وكبت حسدته - في وصف أشواقه إلى الأيام التي كانت قصارا وأعادت الأيام ~~بعدها طوالا ، والليالي التي جمعت من أنوار وجهه شموسا ومن رغد العيش في ~~داره ظلالا وجدت اصطباري بعدهن سفاهة . . . وأبصرت رشدي بعدهن ضلالا ~~PageV08P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" وإن أخذ في ذكر ما ينطق به لسانه من ولاء صريح ~~، ويعتقده جنانه من ثناء فصيح تعاطى منالا لا ينال بعزمه . . . وكل اعتزام ~~عن مداه طليح ولكنه يعدل عن هذين إلى الدعاء بأن يبقيه الله للإسلام صدرا ، ~~وفي سماء الملة بدرا ، وفي ظلمات الحوادث فجرا ؛ وأن يجمع الشمل بمجلسه ~~وعراص الآمال مطلوله وسهام القرب على نحور البعد مدلوله ، وعقود النوى بيد ~~اللقاء محلوله ؛ " وما ذلك على الله بعزيز " . فقد يجمع الله الشتيتين بعد ~~ما . . . يظنان كل الظن أن لا تلاقيا وما رمت به النوى مراميها ، ولا سلكت ~~به الغربة مواميها ؛ إلا استنجد شوقه من الجفون هاميا ، واستدعى من الزفرة ~~ما يعيد مسلكه من الجوانح داميا ، وصدر عن منهل الماء العذب النمير ظاميا ، ~~وتعلل بالأماني في الاجتماع " وآخر ما يبقى الإياس الأمانيا " والسلوة أن ~~الطريق بحمد الله أسفرت عن فضل اجتهاده ، وفضيلة جهاده ؛ ونصرة الإسلام ، ~~وإعلاء الأعلام ؛ وخدمة المجلس الفلاني - أعز الله نصره ، وأسعد بها جده ، ~~وبلغ بها قصده ، وأمضى في الكفر حده ؛ وأورى بها للإسلام قدحا ، وشرفت ~~حديثا وشرحا ، وأجهدت الأعداء إثخانا PageV08P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" وجرحا وأبقى بها في جبهة الدهر أسطر . . . إذا ~~ما انمحى خط الكواكب لا تمحى إذا جاء نصر الله فالفتح بعده . . . وقد جاء ~~نصر الله فليرقب الفتحا فأما الخادم فيود ms1612 ألا يزال لشرف محصلا ، ولتلك اليد ~~الكريمة مقبلا ، وللغرة المتهللة كالصباح مستقبلا محيا إذا حياك منه بنظرة ~~. . . فتحت به بابا من اللطف مقفلا ويرى أن خير أوقاته ما كان فيه بالحاشية ~~الفلانية مكاثرا ، وتحت ظلال ألويتها سائرا فثم ترى معنى السعادة ظاهرا . . ~~. وثم ترى حزب الهداية ظاهرا والخادم يؤثر من المجلس المواصلة بالمراسم ~~التي يعد أيامها من المواسم ، ويقابل بها أوجه المسار طلقة المباسم ؛ ~~ويرتقبها ارتقاب الصوام للأهله ، والرواد لمواقع السحائب المنهله . وكتب عن ~~الملك الناصر صلاح الدين إلى تقي الدين بن عبد الملك : سقى الله أرض ~~الغوطتين وأهلها . . . فلي بجنوب الغوطتين جنون وما ذكرتها النفس إلا ~~استفزني . . . إلى طيب ماء النيربين حنين وقد كان شكى في الفراق مروعىفكيف ~~أكون اليوم وهو يقين كم جهد ما تتسلى القلوب ، وتسرى الكروب ؛ لا سيما إذا ~~كان الذي فارقته أعلق بالأكباد من خلبها ، وأقرب إلى القلوب من حجبها ؛ وهل ~~يستروح إلا أن يفض ختام الدمع ، ويخترق حجاب السمع ، ويستغيث بسماء العيون ~~ذات الرجع ، PageV08P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" لتجود أرض الخواطر ذات الصدع ؛ وهنالك أوفى ما ~~يكون الشوق جندا ، وأورى ما يورى الوجد زندا إلى زفرة أو عبرة مستباحة . . ~~. لهذي مراح عنده ولذى مغدى وقد علم الله أني مذ فارقته ما دعاني الذكر إلا ~~لبيته بجواب من ماء الغليل غير قليل ولا ذكرت خلقه الجميل إلا ورأيت الصبر ~~الجميل غير جميل وغير كثير وجد كثير . . . ولوعة قيس والتياح جميل أهيم ~~برسم فيك للمجد واضح . . . وهاموا برسم للغرام محيل وقد كتبت إليه حتى كاد ~~يشيب له المداد ، لو لم يخلع عليه الناظر حلة السواد وحبة الفؤاد ، فما رد ~~، وجار عن خلقه الكريم فإنه قط ما ود وصد ؛ وأوثر منه ألا يحكم الفراق علي ~~فيشتط ، ولا يمكن اللوعة من مهجتي فتخبط فجد لي بدر ؟ من بحارك إنني . . . ~~من الدمع في بحر وليس له شط بكف ؟ بها للحرب والسلم آية . . . فيحي لديها ~~الخط أو يقتل الخط ونسأل الله الرغبة في اجتماع لا يكدر ورده ، ولا ينثر ~~عقده ، ولا ms1613 يعزب عن آفاق الوفاق سعده وما كان حكمى أن أفارق أرضكم . . . ~~ولكن حكم الله لسنا نرده PageV08P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" وكتب عنه أيضا إلى عز الدين فروخ شاه : ~~أحبابنا لو رزقت الصبر بعدكم . . . لما رضيت به عن قربكم عوضا إني لأعجب ~~أني بعد فرقتكم . . . ما صح جسمي إلا زادني مرضا أنبيكم عن يقين أن قلبي لو ~~. . . أضحى مكان جناحي طائر نهضا هذا ولو أنه بالعهد فيك وفى . . . لكان ~~حين قضى الله الفراق قضى كتبت - أطال الله بقاء المولى الولد - عن قريحة ~~قريحه ، وإنسان مقلة جريح في جريحه ، ولوعة صريحه ، وذكرة إذا ذكر الصبر ~~كانت طريحه وليل بطئ طلوع الصبا . . . ح شوقا إلى القسمات الصبيحه أبحت ~~فؤادي وأنت المباح . . . وما كان من حقه أن تبيحه وما أصبحت في قتال العذول ~~. . . أعنة قلب عليهم جموحه معنى بريح شمال الشآم . . . لقد عذب الله ~~بالريح روحه فلا روح الله من قربكم . . . فؤادي بخطرة يأس مريحه ولولا ~~التعلل بأبنية المنى الخادعه ، والنزول بأفنية الاسا الواسعه ؛ لتصدعت ~~أكباد وتفطرت ، وتجدلت أفراس دموع وتقطرت يا صاحبى إن الدموع تنفست . . . ~~فدع الدموع تبيح ما قد أضمرت PageV08P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" قد كنت أكتم عن وشاتي سرها . . . ولقد جرى طرف ~~الحديث كما جرت لله ليلات قرن بخومها . . . بل بدرها بوجوه عيش أقمرت أغلت ~~على السلوان شوقكم فما . . . باعت كما أمر الغرام من اشترت ومذ فارقت تلك ~~الغرة البدريه ، والطلعة العزيزة العزيه ؛ ما ظفرت بشخصه نوما ولا بكتابه ~~يوما فواعجبا حتى ولا الطيف طارقا وأعجب له في الحرب نثر كتائب . . . بكف ؟ ~~أبت في السلم نظم كتاب يحاسبني في لفظة بعد لفظة . . . ومعروفه يأتي بغير ~~حساب ولو رضيت - وكلا - بأن أحمل من هذا الجفاء كلا ؛ لما رضي به لخلقه ~~الرضي ، ولأخذ بقول الرضي : هبوني أرضي في الإياس بهجركم . . . أترضى لمن ~~يرجوك ما دون وصله والرغبة مصروفة العنان إلى الله أن يبيح من اللقاء منيعا ~~، وينتج من اللطف صنيعا لو تأخذون بساعة . . . من وصلكم عمرى جميعا لرغبت ~~في أن تشترى . . . إن كنت ترضى أن ms1614 تبيعا ومفارقين مع الصبا . . . عزما فهل ~~أرجو الطلوعا أقسمت لو رجعوا لأع . . . قبني الصبا معهم رجوعا PageV08P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" هبكم منعتم قربكم . . . ولبستم بعدا منوعا ~~أفتمنعون بكم ضلو . . . عا قد شفين بكم ولوعا ما غايتي إلا الدمو . . . ع ~~وأستقل لك الدموعا وكتب أيضا رحمه الله تعالى يتشوق : فيا رب إن البين أنحت ~~صروفه . . . علي وما لي من معين فكن معي على قرب عدالى وبعد أحبتي . . . ~~وأمواه أجفاني ونيران أضلعي هذه تحية القلب المعذب ، وسريرة الصبر المذبذب ~~، وظلامه عزم السلو المكذب ؛ أصدرتها إلى المجلس وقد وفدت في الحشى نارها ، ~~الزفير أوارها ، والدموع شرارها ، والشوق أثارها وفي الفؤاد ثارها : لو ~~زارني منكم خيال هاجر . . . لهدته في ظلماته أنوارها أسفا على أيام ~~الاجتماع التي كانت مواسم لسرور الأسرار ، ومباسم لثغور الأوطار ؛ وتذكرا ~~لأوقات عذب مذاقها ، وعذب فراقها ؛ وروحت بكرها ، وروعت ذكرها والله ما ~~نسيت نفسي حلاوتها . . . فكيف أذكر أني اليوم أذكرها ومذ فارقت الجناب ~~النوري - لا زال جنى جنابه نضيرا ، وسنا سنائه مستطيرا ؛ وملكه في الخافقين ~~خافق الأعلام ، وعزه على الجديدين جديد الأيام ؛ لم أقف منه على كتاب يخلف ~~سواد سطوره ما غسل الدمع من سواد ناظري ، ويقدم ببياض منظومه ومنثوره ما ~~وزعه البين من سواد خاطري ولم يبق في الأحشاء إلا صبابة . . . من الصبر ~~تجري في الدموع البوادر PageV08P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" وأسأله المناب بشريف الجناب ، وأداء فرض ، ~~تقبيل الأرض ؛ حيث تلتقي وفود الدنيا والآخره ، وتغمر البيوت العامرة المنن ~~الغامره ؛ يظل الظل غير منسوخ بهجيره ، وينشر المجد بشخص لا تسمح الدنيا ~~بنظيره تظاهر في الدنيا بأشرف ظاهر . . . فلم ير أنقى منه غير ضميره كفاني ~~عزا أن أسمى بعبده . . . وحسبي هديا أن أسير بنوره فأي أمير ليس يشرف قدره ~~. . . إذا ما دعاه صادقا بأميره وإنني في السؤال بكتبه أن يوصلها ليوصل بها ~~لدى تهانئ تملأ يدي ، ويودع به عندي مسرة تقتدح في الشكر زندي عهدتك ذا عهد ~~هو الورد نضرة . . . وما هو مثل الورد في قصر العهد وأنا أرتقب كتابه ~~ارتقاب الهلال لتفطر عين ms1615 عن الكرى صائمه ، وترد نفس على موارد الماء حائمه ~~. وكتب أيضا يتشوق : لا عتب أخشاه لقطع كتابكم . . . واسمع فعذري بعده لا ~~يعتب مهما وجدتك في الضمير ممثلا . . . أبدا تناجيني إلى من أكتب كتب عبد ~~حضرة مولاه - حرس الله سموه ، وأدام مزيد علائه ونموه ، وقرن بالمسار رواحه ~~وغدوه ، وكبت حاسده وأهلك عدوه - عن سلمة ما استثنى فيها الدهر إلا ألم ~~فراقه ، وعافية موصولة بمرض قلب لا أرجو موعد إفراقه لو لم يكن إنسان عيني ~~سابحا . . . لخشيت حين بكيت من إغراقه وعندي إليه وجد يكلم الضلوع ، ويتكلم ~~بألسنة الدموع ؛ والنفس قريبة استعبار ، لذكر أوقات السرور القصار ، ~~وأنوارها التي يكاد سنا برقها يخطف PageV08P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" الأبصار . شهور ينقضين وما شعرنا . . . بأنصاف ~~لهن ولا سرار إذا العيش غض ؟ وريق ، والمهج لم يتقسمها التفريق ، ولا سار ~~منها إلى بلد فريق وبقي في بلد فريق ، ولا سقاها كؤوس وجد للجفون المترعة ~~تريق ثملت منها وما لي . . . سوى الغرام رحيق وإلى الله الشكوى من شوق في ~~الصميم ، وصبر راحل وغرام لا يريم ، كأنه غريم زعموا أن من تباعد يسلو . . ~~. لا ومحي العظام وهي رميم ولقد استغرب وصول الرفاق وقد صفرت من كتابه ~~الكريم عيابهم ، ولو زاره لعده تحفة الخصيص بالتخصيص ، وأدرك به بغية ~~الحريص ، ورأى للدهر المذنب مزية التمحيص ، وصال به على نوائب الأيام ~~المنتابة صولة لا يجد عنها من محيص وحسبتني لوصوله . . . يعقوب بشر بالقميص ~~هنالك يرتع في تلك الرياض التي غصونها أسطارها ، وشكلها أطيارها ، وألفاظها ~~نوارها ، ومعانيها ثمارها ، وبلاغتها أنهارها ، وجزالتها تيارها إذا أظلمت ~~للنفس فيها ليلة . . . قمر المعاني عندنا سمسارها PageV08P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" ويتلقاه قبل يده بقلبه ، ويكاد يسبق ضميره إلى ~~أكله وشربه ويظنه والطرف معقود به . . . شخص الرقيب بدا لعين محبه وإذا ضن ~~مولاه بمأثوره ، جاد عليه بميسوره ؛ . . . فكأنني أهديت للشمس السنا . . . ~~وطرحت ما بين المصاحف دفترا وعلى كل حال فيسأله أن يواصله من مراسمه بما ~~ينتظره ناظره ليجد نورا ، وقلبه ليستشعر به سرورا ، وخاطره ليجعله بينه ~~وبين الهم سورا ؛ وألا يخلى ms1616 رفقة من كتاب ولو بالقلائد القلائل من درر ~~أقلامه ، ودراري كلامه . وكتب : لو استعار الخادم - أدام الله نعمة المجلس ~~- أنفاس البشر كلاما ، وأغصان الشجر أقلاما ؛ وبياض النهار أطراسا ، وسواد ~~الليل أنقاسا ؛ ما عبر عن الوجد الذي عبرت عنه عبراته ، ولا عن الشوق الذي ~~لا يستثيره مثله معبدا إذا هزجت في الثقيل الأول نبراته ؛ أسفا على ما عدمه ~~في هذه الطريق ، من ذلك المحيا الطليق ، والخلق الذي هو بكل مكرمة خليق ، ~~والصفات التي يحسن بها كل حسن ويليق ، ويعذر كل جفن يسفح ذخيرته شوقا إليها ~~ويريق قفا أو خذا في العذل أي طريق . . . فما أنا من سكر الهوى بمفيق أما ~~والهوى إن الهوى لألية . . . يعظمها في الحب كل مشوق لو أن الهوى مما تصح ~~هباته . . . لقاسمت منه قلب كل صديق وما زار ناظر خادمه الكرى إلا تمثل له ~~مولاه طيفا يهم أن يتعلق بأذياله ، وقبل تمويه ناظره على قلبه في وصاله وود ~~أن سواد الليل مد له . . . وزاد فيه سواد القلب والبصر PageV08P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" ولقد وجد طعم الحياة لبعده مرا ، وقال بعده ~~للذتي العين والقلب مرا وها هو يرجو في غذ وعد يومه . . . لعل غدا يأبى ~~لمنتظر عذرا وإلى الله سبحانه وتعالى يرغب أن يجعله بالسلامة مكنوفا ، وصرف ~~الحدثان عن ساحته مكفوفا ، وعنان الصروف عن فنائه مصروفا ، ووفود الرجاء ~~على أرجائه عكوفا ؛ وأن يمتع الوجه بوصفه الذي هو أشرف من كل وجه موصوفا من ~~كان يشرك في علاك فإنني . . . وجهت وجهي نحوهن حنيفا وقد كان ينتظر كتابا ~~يشرفه و يشنفه ، ويستخدمه على الأوامر ويصرفه ؛ ويجتني ثمر السرور غض ~~المكاسر ويقتطفه ؛ فتأخر ولم يحدث له التأخير ظنا ، ولا صرفه عن أن يعتقد ~~أن مولاه لا تحدث له الأيام بخلا بفضله ولا ضنا لو تصرف السحب الغزاز عن ~~الثرى . . . لما انصرفت عن طبعك الشيم الحسنى وهو ينتظر من الأمر والنهي ما ~~يكون عمله بحسبه ، ويثبت له عهد الخدام بنسبه ومن عجب أني أحن إليهم . . . ~~وأسأل عنهم من أرى وهم معي وتطلبهم عيني ms1617 وهم في سوادها . . . ويشتاقهم قلبي ~~وهم بين أضلعي . وكتب أيضا : كتبت والعبرات تمحو السطور ، ويوقد ماؤها نار ~~الصدور ويهتك وجدا كان تحت الستور ، ويرسل من بين أضلعي نفس الموتور قد ~~ذكرنا عهودكم بعد ما طا . . . لت ليال من بعدها وشهور عجبا للقلوب كيف ~~أطاقت . . . بعدكم ما القلوب إلا صخور PageV08P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" وما وردت الماء إلا وجدت له على كبدي وقدا لا ~~بردا ، ولا تعرضت لنفحات النسيم إلا أهدى إلي جهدا ، ولا زارني طيف الخيال ~~إلا وجدني قد قطعت طريقه سهدا ، ولا خطف لي البارق الشامي إلا باراه قلبي ~~خفوقا ووقدا وأيسر ما نال مني الغلي . . . ل ألا أحس من الماء بردا فسقى ~~الله داره ما شربت من الغمام ، وأيامنا بها وبدور ليالي تلك الأيام تمام ذم ~~الليالي بعد منزلة اللوى . . . والعيش بعد أولئك الأقوام وكان قد وصل منه ~~كتاب كالطيف أو أقصر زورا ، وكالحب أو أظهر جورا ، والربيع أو أبهر نورا ، ~~والنجم أو أعلى طورا ، والماء الزلال أو أبعد غورا ؛ فنثرت عليه قبلى ، ~~وجعلت سطوره قبلي بل قبلى ، ووردت منه موردا أهلا به وعلى الإظماء أنشده . ~~. . لو بل من غللى أبللت من عللى إلا أنه - أبقاه الله - ما عززه بثان ، ~~ولا آنس غريبه ، وإني وإياه غريبان وكم ظل أو كم بات عندي كتابه . . . سمير ~~ضمير أو جنان جنان PageV08P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" وأرغب إليه - لا زالت الرغبات إليه - ، وأسأله ~~- لا خيم السؤال إلا لديه - ؛ أن يلاطف بكتابه قلبي ، ويمثل لي بمثاله أيام ~~قربي والله لولا أنني . . . أرجو اللقا لقضيت نحبي هذا وما فارقتكم . . . ~~لكنني فارقت قلبي . وكتب جواب كتاب ورد عليه : شكرت لدهري جمعه الدار مرة . ~~. . وتلك يد عندي له لا أضيعها وطلعة مولانا يطالع عبده . . . وكل ربوع كان ~~فيها ربوعها فؤاد سقاه لا يعود غليله . . . وعين رأته لا تفيض دموعها ورد ~~على الخادم كتاب المجلس - أعلى الله سلطانه وأثبته ، وأرغم أنف عدوه وكبته ~~، وأصماه بسهام أسقامه وأصمته ؛ ولا أخلى الدنيا من وجوده ، كما لم يخل ~~أهلها من جوده ، ولا ms1618 عطل سماء المجد من صعوده ، كما لم يعطل أرضها من سعوده ~~- وهو كتاب ثان يثني إليه عنان الثناء ، ويصف لي حسن العهد على التناء ، ~~ويستنهض الأدعية الصالحة في الأطراف والآناء ، ويبشر الخادم بأنه وإن كان ~~بعيد الدار فإنه بمثابة المقيم في ذلك الفناء ، وأن هذه الخدمة التي أنعم ~~الله عليه بها وثيقة الأساس على الدهر شامخة البناء ؛ فقام له قائما على ~~قدمه ، وسجد في الطرس ممثلا سجود قلمه ، واسترعى الله العهد على أنه تعالى ~~قد رعى ما أودعه في ذمة كرمه ؛ وصارت له نجران علاقة خير صرف إليها وجهه ~~فكأنها قبله ، ودعا بنى الآمال إلى اعتقاد فضل مالكها فكأنما يدعوهم إلى ~~مله ؛ والله يوزعه شكر هذا الافتقاد على البعاد ، ولا يخله من هذا الرأي ~~الجميل الذي هو ملجأ الاستناد ؛ وعقد الإعتقاد ؛ والخادم لا ينفك متطلعا ~~لأخبار المولى فترده مفضلة ومجمله ، ومفصلة ومجمله ؛ ويعرف منها ما يعرف به ~~موقع اللطف بالمولى في أحواله ، PageV08P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" ومكان النجح في آماله ؛ وأنه بحمد الله في ~~نعمة منه - لا غير الله ما به منها ، ولا صرفها عنه ولا صرفها عنها - فيجدد ~~لله الشكر والحمد ، ويبلغه ما يبلغه منها المراد والقصد ؛ ونسأل الله ألا ~~يخلى الدولة الناصرية منه ناصرا لسلطانها ، وعينا لأعيانها ؛ وسيفا في يد ~~الإسلام يناضل عن حقه ، وفرعا شريفا يشهد مرآه بشرف عرقه ؛ والرأي أعلى في ~~إجرائه على ما عود من هذا الإنعام ، وزيادته شرفا بالاستنهاض - إن صلح له - ~~والاستخدام . ومن جواب آخر : ورد كتاب المجلس - أدام الله واردات الإقبال ~~على آماله ، ولا سلبت الأيام نعمتي جميله وإجماله ، ولا انحط قدر بدره عن ~~درجتي تمامه وكماله ، وأحسن جزاءه عن ميثاق الفضل الذي نهض باحتماله - ~~ووقفت منه على ما لا يجد الشكر عنه محيدا ، وآنست به القلب الذي كان وحيدا ~~، وعددت يوم وصوله السعيد عيدا ، ووردت منه بئرا معطلة وحللت قصرا مشيدا ؛ ~~ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، وتلك الغاية ليست في وسعي ، ولا تعلم نفس ~~إلا ما طرق سمعها ، وتلك المحاسن ما ms1619 طرق مثلها سمعى ، ولا تتناول يد إلا ما ~~وسعه ذرعها ، وهذه الأوابد الأباعد ما طالها ذراعي ولا استقل بها ذرعي . ~~ومن آخر : خلد الله أيام المجلس ، عضد الملة الحنيفية منه بحاميها ، ~~والأركان الإسلامية من سيفه بشائدها وبانيها ، وأمتع الدولة المحمدية ~~بعزمته التي حسنت الكفاية بها ، فلا غرو أن تحسن الكفاية فيها ؛ ولا عدمت ~~الدنيا نضرة بأيامه النضيره ، والدين نصرة بأعلامه النصيره ؛ المملوك يقبل ~~التراب الذي يوما يستقر بحوافر سيله ، ويوما يستقر بحوافر خيله - فلا زال ~~في يوم السلم جوده سحابا صائبا ، ويوم الحرب شهابا ثاقبا - وينهى أنه وردت ~~عليه المكاتبة التي استيقظت بها آماله من وسنها ، وأفادته معنى من الجنة ~~فإنها أذهبت ما بالنفوس من حزنها ، وتلقى المملوك قبلها بالسجود والتقبيل ، ~~وتحلى بعقود سطورها فهيهات بعد هذا PageV08P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" شكوى التعطيل ؛ واكتحل من داء السهد بإثمدها ، ~~وأدار على الأيام كأس مرقدها ، وأسمعته نغم النعم التي هي أعجب إلى النفس ~~من نغمات معبدها ، وأطالت الوقوف عليها ركاب طرفه فما وقوف ركابه طرفة ~~ببرقة ثهمدها ؛ وضرع إلى من يشفع وسائل المتضرعين ، ويملأ مواقع آمال ~~المتوقعين ؛ أن يغل عنه كل يد للخطوب بسيطه ، ويفك به كل ربقة للأيام ~~بأعناق بنيها محيطه . ومن آخر : رفع الله عماد الإسلام ببقاء المجلس ، وبسط ~~ظله على الخلق ، وملك يده الكريمة قصب السبق ، وجمع بتدبيره بين ناصيتي ~~الغرب والشرق ؛ وألف لقدرته طاعتي الجهر والسر ، وصرف بعزمته زمامي النهي ~~والأمر ، وأحرز لجده مسرتي الأجر والنصر ، وقط بفتكته شوكتي النفاق والكفر ~~- وردت على المملوك مكاتبة كريمة رفعها حيث ترفع العمائم ، ومد اليد إليها ~~كما تمد إلى الغمائم ؛ وفضها ، بعد أن قضى باللثم فرضها ، واستمطرت نفسه ~~سماءها فأرضت أرضها ؛ وكاد المملوك يتأملها لولا أن دمع الناظر إلى العين ~~سبقه ، على أنه دمع قد تلون بتلون الأيام في فراقه ، فلو فاض لعصفر الكتاب ~~وخلقه ؛ فلا أعدمه الله المولى حاضرا وغائبا ، ومشارفها ومكاتبا ، وأحله في ~~جانب السعادة ويعز على المملوك أن يحل من مولاه جانبا . PageV08P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" ومن آخر : ورد كتابه ms1620 ووقفت على ما أودعه من ~~فضل خط ؟ وفصل خطاب ، وعقائل عقول ما كنا لها من الأكفاء وإن كنا من الخطاب ~~، وآثار أقلام تناضل عن الملة نضال النصال ، وكأنها فضل سبق لما تحوزه من ~~حق السبق وخصل الخصال ؛ فأعيذ الإسلام من عدمه ، ولا عدم بسطة قلمه ، وثبوت ~~قدمه ؛ فإنه الآن عين الآثار ، وأثر الأعيان ، وخاطر الحفظ إلا أن الخطوب ~~تصحب فيه خواطر النسيان ؛ ولين اهتصر الدهر سطوا ، واختصر خطوا ؛ وإنه سيف ~~يمان إن قدم عهدا ، فقد حسن فرندا ، وخشن حدا ؛ وأجرى نهرا ، وأورى شررا ؛ ~~واخضر خميله ، وقطع الأيام جميله ؛ وضارب الأيام فأجفلت عن مضاربه ضرائبها ~~، وشردت عن عزمه غرائبها ؛ ولبسها حتى أنهجت بواليا ، ثم اختار منها أياما ~~وأبى أن يلبسها لياليا ؛ لا جرم أن صحيفته البيضاء شعار شعره ، وروضة علمه ~~الغناء قد لت أنوار نوره ، وزواهر زهره ؛ فالزمان لا يعدو عليه بزمانة تعدو ~~، ولا يتجاوز أوقاته إلا موسوعة بمحاسنه ولا يعدو ؛ حتى يمت إليه عدو ؟ ~~يلتفت أمس ، ويروى اليوم أن قرابته من فضله أمس ؛ والله يعلم أنني لأرى له ~~ولا أرى فيه ، وأسد عنه كل خرق تعجز عنه يد رافيه ؛ ضنا بالصدور أن تخلو من ~~صدر كقلبها ، ومحاماة عن حقوق تقدمته التي أوجبها أن تعارض بسلبها . ومن ~~آخر : وصل كتاب الحضرة فجعل مستقره النعمة في الصدور ، وأخرجتني ظلمات خطه ~~إلى نور السرور ؛ ووقفت وكأني واقف على طلل من الأحبة قد بكى عليه السحاب ~~بطله ، وابتسم له الروض عن أخبار أهله وآثار منهله ؛ فلم أزل PageV08P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" أرشف مسك سطوره ولماها ، وأنزه العين والقلب ~~بين حسنها وجناها ؛ وأطلق عنان شوق جعلت الأقلام له لجما ، وحسبت النقس ~~ليلا ، والكتاب طيفا ، والوقوف عليه حلما ؛ إلى أن قضت النفوس وطرا ، وحملت ~~الخواطر خطرا ، وقرنت بما ظنه سحابا ما ظنه مطرا ؛ هذا على أنه قريب العهد ~~بيد النعماء ، فإن هرب فمن ماء إلى ماء . ومن آخر : فلما وقف على الكتاب ~~جدد العهد بلثمه ما لم يصل إلى اليد التي بعثته ، وشفى القلب بضمه عوضا عن ms1621 ~~الجوانح التي نفثته وأين المطامع من وصله . . . ولكن أعلل قلبا عليلا . ومن ~~آخر : وصل كتابه ، وكان من لقائه طيقا إلا أنه أنس بالضحى ، وأنار حرب ~~الشوق وكان قطب الرحى تخطى إلى الهول والقفر دونه . . . وأخطاره لا أصغر ~~الله ممشاه . ومن كلامه رحمه الله يصف بلاغة كتاب ، قال : كتاب إلى نحرى ~~ضممته ، وذكرت به الزمن الذي ما ذممته ، وأكبرت قدره فحين تسلمته استلمته ~~والتقطت زهره فحين لمحته استلمحته ، وامتزج بأجزاء نفسي فحين لحظته حفظته ؛ ~~وجمعت بينه وبين مستقره من صدري ، واستطلت به مع قصره على حادثات دهري ، ~~وجعلت سحره بين سحري ونحري ، واستضأت به ورشفته فهو نهاري وهو نهري ؛ فإن ~~أردت العطر بلا أثر أمسكت مسكه بيدي ، وإن أردت السكر بلا إثم أدرت كأسه في ~~خلدي ؛ فلله أنامل رقمته ، ما أشرف آثارها وخواطر أملته ، ما أشرف أنوارها ~~ولم أزل متنقلا منه بين روضة فيها غدير ، وليلة فيها سمير ؛ وإمارة لها ~~سرير ، ومسرة أنا لها طليق أسير ، ونعمة أنا لها عبد بل بها أمير ؛ حتى ~~أدبرت عني جيوش الأسى مفلوله ، وقصرت عني يد الهم مغلوله ؛ وملئت مني مسامع ~~المكارم حمدا ، PageV08P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" وخواطر الصنائع ودا ؛ وحط الأمل بربعي رحله ، ~~وأنبت الربيع بفنائي بقله ؛ ولبست من الإقبال أشرف خلعه ، ووردت من القبول ~~أغزر شرعه ، وانتجعت من رياض الرجاء أرجى نجعه . وقال أيضا من آخر : هذا من ~~عفو الخواطر ، فكيف إذا استدعى المجلس خطية خطه فجاءت تعسل ، وحشد حشود ~~بلاغته فأتت من كل حدب تنسل . ومن آخر : ورتع في رياض بلاغته التي لم ~~يقتطفهن من قبله غارس ولا جان ، واجتلى الحور المقصورات في الطروس التي لم ~~يطمثهن إنس قبله ولا جان ؛ وغني بتلك المحاسن غنى خيرا من المال ، واعتقد ~~فيها كنوزا إذا شاء أنفق منها الجمل ، وإذا شاء أمسك منها الجمال . وقال ~~أيضا : كتاب اشتمل على بديع المعاني وباهرها ، وزخرت بحار الفضل إلا أنني ~~ما تعبت في استخراج جواهرها ؛ بل سبحت حتى تناولتها ، وجنحت إلي فما ~~حاولتها ؛ واقتيست من محاسن أوصافه ، وبدائع أصنافه ms1622 ؛ نكتا استقلت أجسادها ~~بالأرواح ، وزهيت جيادها بما فيها من الغرر والأوضاح ؛ فيا لله من بدائع ~~وروائع ، ولطائف وطرائف فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، وما يقرط ~~الأسماع ويقرط الألسن ؛ فكأنه طرف طرف صوبه مدرار ، وعلم علم منصوب في رأسه ~~نار ؛ صحح السحر وإن كان ظنا ، وفضح الدر إذ كان أبرع معنى ، وأسنى حسنا ، ~~PageV08P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" وأدنى مجنى ، وأغنى مغنى ؛ فما ضره تأخير ~~زمانه ، مع تقدم بيانه ؛ ولا من سبقه في عصره ، مع أنه قد سبق في شعره . ~~ومن آخر : ولله هو من كتاب لما وقفت عليه الغلة شفاها ، ورأت وردها كل ماء ~~غيره سفاها ، ووطأ مضاجع أنسها بعد أن كان الشوق يقلب الجنوب على سفاها ؛ ~~فلا عدم ودها الذي به عن كل مودة سلوة ، ولا برحت كفاية الله تحلها في ~~الذرا وتعلى قدرها في الذروه ، ولا فقد مما ينعم به أي نعمه ، ولا مما ~~ينشيه أي نشوه . ومن آخر : كتاب كريم تبسم إلي ضاحكا ، وظن مداده أنه قد ~~جلا سطره علي حالكا ؛ فما هو إلا سواد الحدقة منه انبعثت الأنوار ، وما هو ~~إلا سويداء ليلة الوصل اشتملت على دجى تحته نهار ، فلله هو من كتاب استغفر ~~الدهر ذنب المشيب بسواده ، واستدرك الزمان غلطه بسداده . ومن آخر : كتاب ~~تقارعت الجوارح عليه فكادت تتساهم ، فقالت اليد : أنا أولى به ، شددت على ~~مولاه ومولاي عقد خنصري ، ورفعت اسمه فوق منبري ؛ وقبضت عليه قبضتي ، وبسطت ~~في بسط راحته وقت الدعاء راحتي ؛ وقالت العين : أنا أولى به ، أنا وعاء ~~شخصه ، وإلي يرجع القلب تمثيله ونصه ؛ وأنا سهرت بعد رحيله وحشة ، وأنا إذا ~~ذكر هجير القلب عللته رشة بعد رشة ؛ فقال القلب : طمعتما في حقي لأني غائب ~~، وهل أنت لي يا يد إلا خادم ؟ وهل أنت لي يا عين إلا صاحب ؟ أنا مستقره ~~ومستودعه ، ومرتعه ومشرعه ، وأنا أذكره وبه أذكركما ، وأحضره ولخدمته ~~أحضركما ؛ فاليد أستخدمها مرة في الكتابة إليه ، ومرة في شد الخنصر عليه ؛ ~~ومرة في الإشارة إلى فضله ، ومرة في الدعاء بكل صالح هو ms1623 من أهله ؛ والعين ~~استخدمتها في ملاحظة وجهه آئبا ، وفي توقع لقائه غائبا ؛ وفي السهد شوقا ~~إلى قربه ، والمطالعة لما يخرج أمري بكتبه من كتبه ، فهنالك سلمتا واستجرتا ~~، وألقتا PageV08P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" واستأخرتا ؛ وكدت أرشف نفسه لأنقله إلى سويداه ~~، لولا أن سواد العين قال : أنا أحوج إلى الاستمداد من هداه . ومن كلامه ~~رحمه الله تعالى ما ركب نصف قرائنه على نصف بيت نحو قوله : وصل كتاب مولاي ~~بعد ما . . . أصات المنادى للصلاة فأعتما فلما استقر لدي ، " تجلى الذي من ~~جانب البدر أظلما " فقرأته ، " بعين إذا استمطرتها أمطرت دما " وسألته ، " ~~فساءلت مصروفا عن النطق أعجما " ولم يرد جوابا ، " وماذا عليه لو أجاب ~~المتيما " ورددته قراءة ، " فعوجلت دون الحلم أن أتحلما " وحفظته ، " كما ~~يحفظ الحر الحديث المكتما " وكررته ، " فمن حيثما واجهته قد تبسما " وقبلته ~~، " فقبلت درا في العقود منظما " وقمت له ، " فكنت بمفروض المحبة قيما " ~~وأخلصت لكاتبه ، " وليس على حكم الحوادث محكما " ولم أصدفه ، " ولكنه قد ~~خالط اللحم والدما " وأزخت وصوله ، " فكان لأيام المواسم موسما " وداويت ~~عليل " حشا ضر ما فيه من النار ضرما " وشفيت غليل " فؤاد أمنيه وقد بلغ ~~الظما " فأما تلك الأيام التي " حماها من اللوم المقام على الحمى " ~~والليالي العذاب التي " ملأن نحور الليل بيضا وأنجما " فإني لأذكرها ، " ~~بصبر كما قد صرمت قد تصرما " وأرسل الزفره " فلو صافحت رضوى لرض وهدما " ~~وأرسل العبره ، " كما أنشأ الأفق السحاب مديما " وأخطب السلوه ، " فأسأل ~~PageV08P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" معدوما وأقفل معدما " فأما الشكر فإنما " أفض ~~به مسكا عليك مختما " وأقوم منه بفرض " أراني به دون البرية أقوما " وأوفى ~~واجب قرض ، " وكيف توفى الأرض قرضا من السما " . وقال أيضا : وصل كتاب ~~الحضرة بعد أن عددت الليالي لطلوع صديعه " وقد عشت دهرا لا أعد اللياليا " ~~، وبعد أن انتظرت القيظ والشتاء لفصل ربيعه " فما للنوى ترمى بليلى ~~المراميا " واستروحت إلى نسيم سحره ، " إذا الصيف ألقى في الديار المراسيا ~~" ومددت يدي لاقتطاف ثمره ، " فلله ما أحلى وأحمى المجانيا " ووقفت على ~~شكواه من زمانه ، " فبت لشكواه من الدهر شاكيا ms1624 " وعجبت لعمى الحظ عن مكانه ~~" وقد جمع الرحمن فيه المعانيا " وتوقعت له دولة يعلو بها الفضل " إذا هز ~~من تلك اليراع عواليا " ورتبة يرتقى صهوتها بحكم العدل " فرب مراق يعتدون ~~مهاويا " وإلى الله أرغب في إطلاع سعوده ، " زواهر في أفق المعالي زواهيا " ~~وفي إنهاض عثرات جدوده ، " فقد أعثرت بعد النهوض المعاليا " . وقال أيضا : ~~وصل من الحضرة كتاب به ماء الحياة ونقعة ال . . . حيا فكأني إذ ظفرت به ~~الخضر وقفت عبدها منه على عقود هي الدر الذي أنت بحره . . . وذلك ما لا ~~يدعى مثله البحر PageV08P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" ورتعت منه في رياض يد تجنى وعين وخاطر . . . ~~تسابق فيها النور والزهر والثمر وكرعت منه في حياض تسر مجانيها إذا ما جنى ~~الظما . . . وتروي مجاريها إذا بخل القطر وما زلت منه أنشد كأني سار قي ~~سريرة ليلة . . . فلما بدا كبرت إذ طلع الفجر ووافى على ما كنت أعهد فخلت ~~بأن العين من سحب كفه . . . فمن ذى ومن ذى فيه ينتثر الدر وأسترجع فائت ~~الدنيا من مورده وما كان عندي بعد ذنب فراقه . . . بأني أرى يوما به يعد ~~الدهر ونفس عن النفس بأبيض ثماده ، وعن العين بأسود إثمده به لهما سبح طويل ~~فهذه . . . على خاطر برد وفي خطر بدر وجدد إليه أشواقا جديدها يمر به ثوب ~~الجديدين دائما . . . فيبلى ولا تبلى وإن بلى الدهر وذكر أياما لا يزال ~~يستعيدها وهيهات أن يأتي من الدهر فائت . . . فدع عنك هذا الأمر قد قضي ~~الأمر . وكلام القاضي الفاضل - رحمه الله - كثير ، بأيدي الناس منه عدة ~~مجلدات ، أخبرني من أثق بقوله من القضاة الحكام الأعيان أنه يزيد على خمسين ~~PageV08P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" مجلدا قد جمعت ، أما ما لم يجمعه الناس فكثير ~~جدا ؛ وقد نقل بعض من أرخ ، أنه وجد للقاضي الفاضل مسودات كتب صدرت عنه ~~وأجوبة تزيد إذا جمعت على مائة مجلد ، ولا يحتمل الحال أن نورد له أكثر مما ~~أوردناه ، ورسائله المختارة كثيرة قد يكون فيها أجود مما اخترناه ونحوه ، ~~وإنما أوردنا له ما حضر في هذا ms1625 الوقت ، إذ لم يمكن البحث عن كلامه ~~والاستقصاء ، وإن كان كل رسائله مختارة رحمه الله . ذكر شيء من رسائل الشيخ ~~الإمام الفاضل ضياء الدين أبي العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العابد القدوة ~~أبي عبد الله محمد بن عمر بن يوسف بن عمر بن عبد المنعم الأنصاري القرطبي ~~رحمه الله ، - وكانت وفاته بقنا من أعمال قوص في سنة اثنتين وسبعين وستمائة ~~- كتب إلى شيخنا الإمام العلامة تقي الدين محمد ابن الشيخ الإمام الحبر مجد ~~الدين أبي الحسن علي بن وهب بن مطيع القشيري المعروف بابن دقيق العيد رحمهم ~~الله تعالى : تخدم المجلس العالي صفات يقف الفضل عندها ، ويقفو الشرف مجدها ~~، وتلتزم المعالي حمدها ؛ وسمات يبتسم ثغر الرياسة منها ، وتروى أحاديث ~~السيادة عنها ؛ الصدري الرئيسي المفيدي ؛ معان استحقها بالتمييز ، ~~واستوجبها بالتبريز ، وسبكته الإمامة لها فألفته خالص الإبريز ؛ ومعال ~~أقرته في سويدائها ، وأطلعته في سمائها ، وألبسته أفضل صفاتها وأشرف ~~أسمائها ؛ العلامى الفاضل التقوى ؛ نسب اختص به اختصاص التشريف ، لا تعريفا ~~له فالشمس تستغنى عن التعريف ؛ لا زالت إمامته كافلة بصون الشرائع ، واردة ~~من دين الله وكفالة أمة رسول الله PageV08P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" أشرف الموارد وأعذب الشرائع آخذة بآفاق سماء ~~الشرف فلها قمراها والنجوم الطوالع ، قاطعة أطماع الآمال عن إدراك فضله وما ~~زالت تقطع أعناق الرجال المطامع ، صارفة عن جلاله مكاره الأيام صرفا لا ~~تعتوره القواطع ، ولا تعترضه الموانع ؛ وينهى ورود عذرائه التي " لها الشمس ~~خدن والنجوم ولائد " وحسنائه التي " لها الدر لفظ والدراري قلائد " ومشرفته ~~التي " لها من براهين البيان شواهد " وكريمته التي " لها الفضل ورد ~~والمعالي موائد " ووديعته التي " لها بين أحشائي وقلبي معاهد " وآيته ~~الكبرى التي دل فضلها . . . على أن من لم يشهد الفضل جاحد وأنك سيف سله ~~الله للهدى . . . وليس لسيف سله الله غامد فلمثلها يحسن صوغ السوار ، ~~ولفضلها يقال : " أناة أيها الفلك المدار " وإنها في العلم أصل فرع نابت ، ~~والأصل علة النشأة والقرار ، وفرع أصل ثابت ، والفرع فيه الورق والثمار ؛ ~~هذه التي وقفت قرائح الفضلاء على استحسانها ، وأوقفتني على ms1626 قدم التعبد ~~لإحسانها ، وأيقنت أن مفترق الفضائل مجتمع في إنسانها ، وكنت أعلم علمها ~~بالحكام الشرعية فإذا هي في النثر ابن مقفعها ، وفي القصائد أخو حسانها ؛ ~~هذه وأبيك أم الرسائل المبتكره ، وبنت الأفكار التي هذبتها الآداب فهي في ~~سهل الإيجاز البرزة وفي صون الإعجاز المخدره ، والمليئة ببدائع البدائه ، ~~فمتى تقاضاها متقاض لم تقل : " فنظرة إلى ميسرة " ؛ والبديعة التي لم توجه ~~إليها الآمال فكرها لاستحالة غير مسبوق بالشعور ، ولم تسم إليها مقل ~~الخواطر لعدم الإحاطة بغيب الصدور قبل PageV08P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" الصدور ، والبديهة التي فصل البيان كلماتها ~~تفصيل الدرر بالشذور ؛ إن كلمها ليميس في صدورها وأعجازها ، ويختال في ~~سطورها وإعجازها ، وتنثال عليها أغراض المعاني بين إسهابها وإيجازها ؛ فهي ~~فرائد ائتلفت من أفكار الوائلى والإيادي ، وقلائد انتظمت انتظام الدراري ، ~~ولطائم فضت عن العنبر الشحري والمسك الداري ؛ لا جرم أن غواصي الفضائل ظلوا ~~في غمراتها خائضين ، وفرسان الكلام أضحوا في حلباتها راكضين ، وأبناء ~~البيان تليت عليهم آياتها " فظلت أعناقهم لها خاضعين " . ما إن لها في ~~الفضل مثل كائن . . . وبيانها أحلى البيان وأمثل فالعجز عنها معجز متيقن . ~~. . ونبيها بالفضل فينا مرسل ما ذاك إلا أن ما يأتي به . . . وحى الكلام ~~على اليراعة ينزل بزغت شمسا لا ترضى غير صدره فلكا ، وانقادت معانيها طاعة ~~لا تختار سواه ملكا ، وانتبذت بالعراء فلا تخشى إدراك الإنكار ولا تخاف ~~دركا ، وندت شواردها فلا تقتنصها الخواطر ولو نصبت هدب الجفون شركا ~~فللأصائل في عليائها سمر . . . إن الحديث عن العلياء أسمار وللبصائر هاد من ~~فضائلها . . . يهدى أولي الفضل إن ضلوا وإن جاروا PageV08P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" بادي الإبانة لا يخفى على أحد . . . كأنه علم ~~في رأسه نار أعجب بها من كلم جاءت كغمام الظلال على سماء الأنهار وسرت ~~كعليل النسيم عن أندية الأسحار ، وجليت محاسنها كلؤلؤ الطل على خدود ~~الأزهار ، وتجلت كوجنة الحسناء في فلك الأزرار ، وأهدت نفحة الروض متأود ~~الغصن بليل الإزار ، فأحيتنا بذلك النفس المعطار ، وحيتنا بأحسن من كأسي ~~لمى وعقار ، وآسى ريحان وعذار ؛ ولؤلؤي حبيب وثغر ، وعقيقى شفة وخمر ms1627 ، ~~وربيعي زهر ونهر ، وبديعي نظم ونثر ؛ ولم أدر ما هي أثغور ولائد ؟ أم شذوذ ~~قلائد ؛ أم توريد خدود ، أم هيف قدود ؛ أم نهور صدور ، أم عقود نحور ؛ أم ~~بدور ائتلفت في أضوائها ، أم شموس أشرقت في سمائها ؟ جمعن شتيت الحسن من كل ~~وجهة . . . فحيرن أفكاري وشيبن مفرقي وغازلها قلبي بود ؟ محقق . . . ~~وواصلها ذكرى بحمد مصدق وما كنت عشاقا لذات محاسن . . . ولكن من يبصر جفونك ~~يعشق ولم أدر والألفاظ منها شريفة . . . إلى البدر تسمو أم إلى الشمس ترتقي ~~إنما هي جملة إحسان يلقي الله الروح من أمره على قلبها ، أو روضة بيان " ~~تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها " ؛ أو ذات فضل اشتملت على ذوات الفضائل ، ~~وجنت ثمر العلوم فأجنتها بالضحى والأصائل ؛ أو نفس زكت في صنيعها ، ونفث ~~روح القدس في روعها ؛ فسلكت سبل البيان ذللا ، وعدمت مماثلا فأضحت في أبناء ~~المعالي مثلا ؛ وسرت إلى حوز الأماني والأنام نيام ، فوهب لها واهب النعم ~~أشرف الأقسام ؛ فجادت في الإنفاق ، ولم تمسك خشية إملاق ، وقيدت نفسها في ~~طلق الطاعة PageV08P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" فجاءها توقيع التفضيل على الإطلاق أبن لي ~~معزاها أخا الفهم إنها . . . إلى الفضل تعزى أم إلى المجد تنسب هي الشمس ~~إلا أن فكرك مشرق . . . لإبدائها عندي وصدري مغرب وقد أبدعت في فضلها ~~وبديعها . . . فجاءت إلينا وهي عنقاء مغرب فأعرب عن كل المعاني فصيحها . . ~~. بما عجزت عنه نزار ويعرب ومذ أشرقت قبل التناهي بأوجها . . . عفا في ~~سناها بدر تم ؟ كوكب تناهت علاء والشباب رداؤها . . . فما ظنكم بالفضل ~~والرأس أشيب لئن كان ثغري بالفصاحة باسما . . . فثغرك بسام الفصاحة أشنب ~~وإن ناسبتني بالمجاز بلاغة . . . فأنت إليها بالحقيقة أنسب ومذ وردت سمعي ~~وقلبي فإنها . . . لتؤكل حسنا بالضمير وتشرب وإني لأشدو في الورى بثنائها . ~~. . كما ناح في الغصن الحمام المطرب وتشهد أبناء البيان إذا انتدوا . . . ~~بأني من قس الإيادي أخطب وإني لتدنيني إلى المجد عصبة . . . كرام حوتهم أول ~~الدهر يثرب وإني إذا خان الزمان وفاءه . . . وفي ؟ على الضراء حر ؟ مجرب ~~إباء أبت نفسي سواه وشيمة . . . قضى لي ms1628 بها في المجد أصل مهذب ونفس أبت إلا ~~اهتزازا إلى العلا . . . كما اهتز يوم الروع رمح ومقضب ولي نسب في الأكرمين ~~تعرفت . . . إليه المعالي فهو ريان مخصب نمته أصول في العلاء أصيلة . . . ~~لها المجد خدن والسيادة مركب تلاقى عليه المطعمون تكرما . . . إذا احمر أفق ~~بالمجرة مجدب PageV08P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" من اليمنيين الذين سما بهم . . . إلى العز بيت ~~في المعالي مطنب قروا تبعا بيض المواضى ضحاءه . . . وكوم عشار بالعشيات ~~تضهب فرحله الجود العميم ومنصل . . . له الغمد شرق والذوائب مغرب وهم نصروا ~~والدين عز نصيره . . . وآووا وقد كادت يد الدين تقضب وخاضوا غمار الموت في ~~حومة الوغى . . . فعاد نهارا بالهدى وهو غيهب أولئك قومي حسبي الله مثيا . ~~. . عليهم وآي الله تتلي وتكتب هذه اليتيمة أيدك الله ملحتها الإحماض ، ~~وتحليتها الألفاظ في أبعاض الاعتراض لتسرح مقل الخواطر في مختلفات الأنواع ~~، ويتنوع الوارد على القلوب والأسماع ، وإلا فلا تماثل في الأدوات ، وإن ~~وقع التماثل في الذوات ، كالجمع بين النورية في السراج والشمس ، واشتمال ~~الإنسانية على القلامة والنفس ، والتوارد الإدراكي بين كلى ؟ بالعقل ، ~~وجزئي ؟ بالحس ؛ وكالعناصر في افتقار الذوات إليها ، وإن تميزت الحرارة ~~عليها ؛ وكالمشاركة الحيوانية في البضعة اللسانية ، واختصاص الناطقية ~~بالذات الإنسانية ؛ فسيدنا ثمر الروض ونسيمه ، وسواه ثراه وهشيمه ، وزهره ~~وأنداؤه ، وغيره شوكه وغثاؤه ؛ والبدر وإشراقه ، وسواه هلاليته ومحاقه ؛ ~~اشتراك في الأشخاص ، وامتياز في الخواص ؛ ومشابهة في الأنواع والأجناس ، ~~ومغايرة في العقول PageV08P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" والحواس ؛ كالورد والشقيق ، والقهرمان والعقيق ~~؛ تماثلا في الجواهر والأعراض ، وتغايرا في تمييز الأغراض ؛ فسيدنا من كل ~~جنس رئيسه ، ومن كل جوهر نفيسه ؛ وأما حسناء المملوك على مذهبهم في تسمية ~~القبيح بالحسن ، والحسن بالقبيح ، والضرير بالبصير والأخرس بالفصيح ؛ فما ~~صدت ولا صدت يمنى كاسها . ولا شذت في مذهب ولائه عن اطراد قياسها ، ولا زوت ~~عن وجه جلالته وجه إيناسها ، ولا جهلت أنه في العلوم الشرعية ابن أنسها ، ~~وفي المعاني الأدبية أبو نواسها ؛ ولا خفي عنها أن سيدنا مجرى اليمين ، وفي ~~وجه السيادة إنسان المقلة وغرة الجبين ، والدرة في تاج الجلالة ms1629 والشذرة في ~~العقد الثمين ؛ وأنه الصدر الذي يأرز العلم إلى صدره ، وتقترح عقائل ~~المعاني من فكره ، وتأتم الهداة ببدره ، وتنتمي الهداية إلى سره ، وإنها في ~~الإيمان بمحمديته أم عمارة لا أم عمره ؛ وإنه غاية فخارها ؛ ونهاية إيثارها ~~، وآية نهارها ومستوطن إفادتها بين شموس فضائله وأقمارها ؛ فكيف تصد وفيه ~~كلية أعراضها ، ومنه علية جملتها وأبعاضها ، وفي محله قامت حقائق جواهرها ~~وأعراضها ؛ لكنها توارت بالحجاب ، ولاذت بالاحتجاب ؛ وقرب بالمجلس الكمالي ~~ليكمل ما بها من نقص كمال وكمال عيب ، وتجمع بين حقيقتي إيمان الشهادة ~~والغيب ، وتعرض على الرأي التقوى سليمة الصدر نقية الجيب ، وأشهد أنها جاءت ~~تمشي على استحياء وليست كبنت شعيب ؛ هذا ولم تشاهد وجه حسنائه ، ولا ~~PageV08P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" عاينت سكينة حسينه وهند أسمائه ، ولا قابلت ~~نير فضله وبدر سمائه ؛ أقسم لقد كان يصرفها الوجل ، ويقيدها الخجل ؛ عالمة ~~أن البحر لا يساجل ، والشمس لا تماثل ؛ والسيف لا يخاشن ، والبدر لا يحاسن ~~؛ والأسد لا يكعم ، والطود لا يزحم ؛ والسحاب لا يبارى ، والسيل لا يجارى ؛ ~~وأني تبلغ الفلك هامة المتطاول ، وأين الثريا من يد المتناول ؛ تلك عوارف ~~استولت على المعالي استيلاءها على المعالم ، وشهدت لها الفضائل بالسيادة ~~شهادة النبوة بسيادة قيس بن عاصم ؛ ولا خفاء بواضح هذا الصواب ، عند مقابلة ~~البداية بالجواب ؛ فالشمس أوضح من ضياء الأنجم . . . ما البين الأعلى كداج ~~مظلم يا مثريا من كل علم نافع . . . أيقاس مثر في العلوم بمعدم أو كفت فضلك ~~في زذاذ غمائمي . . . ما للرذاذ يد بنوء المرزم وانصب بحرك في ربيع خواطري ~~. . . ما الربيع وفيض بحر أعظم وسللت سيف العلم أبيض مخذما . . . كالبرق ~~يلمع في غمام مثجم فللت حدى معضد في راحتي . . . ما للكهام وحد أبيض مخذم ~~يا سابقا جهدي مصلى عفوه . . . ما للسكيت يد بعفو مطهم بذ السوابق في ~~العلوم وحازها . . . بالكسب منه والتراث الأعظم PageV08P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" العلم علم محمد وكفى به . . . وعلي ؟ الباب ~~المبلغ فاعلم ما كنت أول محجم عن مورد . . . عذبت موارده لقرن محجم سابقت ~~سباقا شأوت بيانهم . . . ببديع نثر أو بليغ ms1630 منظم وسقيت بالكأس الكبيرة ~~منهما . . . لما سقوا بالأصغر المتثلم حتى إذا سابقته وهو ابن بح . . . ر ~~أو أبو بحر إليه ينتمي طارت فضائله إلى عليائها . . . بجناح فتخاء ونسر ~~قشعم وسما به العلم الأجل محله . . . حتى توقل في المحل الأعظم ومشى حضارا ~~فانثنيت مقصرا . . . أتجول خيلى في مقر الهيثم لا عار إن عضلت بدائه فكرتي ~~. . . بابن المقفع أو بنجل الأهتم يا أعلم الفضلاء لست مقاولا . . . فصحى ~~بناتك باللسان الأعجم لو حاولت فكري مساواة لها . . . يوما لجاءت بالغراب ~~الأعصم أقتصر فللبيان سفي بحر فضائله سبح طويل ، وللسعي في غاياته معرس ~~ومقيل ، وللمحامد ببثينة محاسنه صبابة جميل ، وإني وإن كنت كثير عزة وده ، ~~إلا أني في حلبة الفضل لست من فرسان ذلك الرعيل ؛ لا سيما وقد وردت مشرع ~~ألفاظه التي راقت معانيها ، ورقت حواشيها ، وأدنت ثمرات الفضل من يمين ~~جانيها ؛ فجاءت PageV08P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" كالنسيم العليل ، والشذا من نفحة الأصيل ، ~~والشراب البارد والظل الظليل طبع تدفق رقة وسلاسة . . . كالماء عن متن ~~الصفاة يسيل كالمقلة الحسناء زان جفونها . . . كحل وأخرى زانها التكحيل ~~والروضة الغناء يحسن عرفها . . . وتزاد حسنا والنسيم عليل والخاطر التقوى ~~كمل ذاته . . . علما وليس لكامل تكميل والله تعالى يبقيه جامعا للعلوم جمع ~~الراحة بنانها ، رافعا له رفع القناة سنانها ، حافظا له حفظ العقائد ~~أديانها ، والقلوب إيمانها ليضحى نديما للمعالي كأنه . . . نديما صفاء مالك ~~وعقيل ويصبح ظل الفضل من فيء ظله . . . على كنف الإسلام وهو ظليل وينشأ ~~أبناء العلوم وكلهم . . . بحسنائه في العاشقين جميل دلالته في الفضل من ذات ~~نفسه . . . وليس على شمس النهار دليل وكتب - رحمه الله تعالى - رسالة إلى ~~الصاحب شرف الدين الفائزي عندما ورد عليه كتاب يذكر أن رسول الخليفة وصل ~~يلتمس إجابة لملك المعز أو لملوك الترك إلى صلح الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف - وقد كان الناس يذكرون أن الملك الناصر يريد أن يهجم بعساكره على ~~الديار المصرية ، وأنه لا يجيب إلى PageV08P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" الصلح ، فلما جاء الرسول بذلك ظهر للناس خلاف ~~ما ظنوه - : لأمرك أمر الله بالنجح ms1631 عاضد . . . فصل آمرا فالدهر سيف ساعد ~~وقل ما اقتضت علياك فالعز قائم . . . بأمرك والمجد المؤثل قاعد ونم وادعا ~~فالجد يقظان حارس . . . لمجدك والعادي لبأسك راقد فما تبرم الأيام ما الله ~~ناقض . . . ولا تنقض الأيام ما الله عاقد وقد برزت بكر المكارم والعلا . . ~~. وفي جيدها من راحتيك قلائد فحفت بها الأملاك وهي مواهب . . . وسارت بها ~~الركبان وهي محامد وزفت لها النعماء وهي مصادر . . . رفعنا لها الأمداح وهي ~~موارد فنثرها الإحسان وهي لآلىء . . . ونظمها الإفضال وهي فرائد فلا زلت ~~محروس العلا يا ابن صاعد . . . وجدك في أفق السيادة صاعد تسر بك الدنيا ~~ويبتهج الورى . . . وتستوكف النعمى وتحوى المقاصد ورد كتاب كريم ، ونبأ ~~عظيم ؛ لم تجر ينبوعه جياد الأقلام ، ولم تجد بنوئه عهاد الأيام ، ولم تظفر ~~بمثله أعياد الإسلام ؛ فتلي على عذبات المنابر ، وجلي على آماق الأبصار ~~وأحداق البصائر ؛ وكانت بشراه البكر العوان ، لما ابتدأت به من البشارة ~~ولما تلده من البشائر ، وطليعة المسار التي واجهت الآمال ووجه السعد سافر ، ~~ومقدمة الأمن التي لا يسر بها إلا مؤمن ولا يساء بها إلا كافر ؛ وتحية الله ~~التي أحيت قلوب العباد ، ومنة الله التي سكنت لها السيوف في الأغماد ، ~~ونعمة الله التي عمت كل حاضر وباد ؛ ورحمة الله التي رحم بها هذه الأمة وما ~~زال بالمؤمنين رحيما ، وفضل الله على هذه الملة وكان فضل الله عليها عظيما ~~؛ وسعادة سارت بها الأيام إلى المقام المعزى بين الخبب والتقريب ، ومركب عز ~~؟ قدمته عناية الله تقدمة الجنيب ، وكتابا عنايته هذا عطاء الله ، وعنوانه ~~" نصر من الله وفتح قريب " ، وسلم جلل وجه الإسلام PageV08P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" برد لباسه القشيب ، وسلامة جنت يمين الإيمان ~~ثمر غصنها الرطيب ، وعز ؟ ألبس الملك خلع شبابه بعد ما خلع غبار الوقائع ~~عليه رداء المشيب ، وشمس سعادة منذ طلعت في أفقها لم تجنح للمغيب ، ولطف ~~خفى قعد له كل حمد وقام به كل خطيب ، ومملكة تسمعها الأيام : قفا نضحك ~~بمسار الإنعام لا قفا نبك من ذكرى حبيب ، وغنيمة باردة حازتها يد الملك ~~ولسان السنان غير ms1632 ناطق وكف السيف غير خضيب بتسديد رأى لو رأته أمية . . . ~~لما احتفلت يوما بقتل شبيب إلى غير ذلك من فكرة صاحبية شرفية سكن الملك تحت ~~ظلالها ونام ، وقعد بأمرها وقام ؛ وتحركت لها العزائم ، وسكنت لها الصوارم ~~، واستنزلت العصم وذعرت العواصم ، وهمم إذا سمت سامت السماء وإذا همت أهمت ~~الغمائم ، وعز ؟ تحت ظل ظلاله الشرف مقيم وفي خدمته المجد قائم ، وعزم ~~استيقظ له جفن النصر والسيف في جفنه نائم ، وسيف حزم على عاتق الملك منه ~~نجاد وفي يد جبار السموات منه قائم ؛ وآراء استفتح عقائلها فأنجبت ، ورمى ~~غرض إصابتها فأكثبت ، أي أصابت وأعمل رائدها فاستيقظت له الهمم والأنام ~~نيام ، وجلس في صدور رياستها والعالمون قيام ، وتدبير أحكم بإبرام النقض ~~ونقض الإبرام ، وذعر به رابض الأسد وآنس به نافر الآرام ؛ وأجال به خيله في ~~مساري الأرقم ، ومقر الهيثم ، وأمضاه في مضايق خطبه فأغناه عن سن السنان ~~وشفة اللهذم ؛ هذا PageV08P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" ولما صدقت عزائم المملكة التي نظم الله قلادة ~~ملكها فليس لها انتثار ، ولمعت كواكب اسلها في ليل الرهج وسماء الغبار ، ~~وبنت حوافر خيلها سورا من متراكم النقع المثار ، وحصنتها يد الله بما ~~أظهرته من كامن الغيب وأخفته من طلائع الأقدار ، وحضنتها رعاية الله وله من ~~القدر أعوان ومن الملائكة أنصار فعمت عموم الليل والليل مظلم . . . وجاءت ~~مجيء الصبح والصبح مشرق ومدت غماما من سنابك خيلها . . . بسل المواضي ~~المشرفيات يبرق في كتائب إذا سارت سوابقها ملأت عرض الغبراء ، وإذا نشرت ~~خوافقها سترت وجه الخضراء ؛ وكادت تذعر الآساد بمواضي حتوفها ، وتسكن ~~المنايا تحت ظلال سيوفها ؛ لا سيما إذا أنجمت أنجم عواليها ، ولمعت بروق ~~مواضيها ؛ وجاءت خيلها كالصخر الأصم والطود الأشم أعجازها وهواديها ؛ من كل ~~كميت حلو في الإزار ، بين الشقرة والاحمرار ، كأنه وردية العقار يحس وقع ~~الرزايا وهي نازلة . . . فينهب الجري نفس الحادث المكر وكل أشقر كأنما قد ~~أديمه من لهب النار ، معار رداء الحسن ، وأحق الخيل بالركض المعار ، لا ~~تعلق به المذاكي يوم رهان ولا تشق له الحوادث وجه PageV08P0055 # """""" صفحة رقم ms1633 56 """""" غبار كأنما لبس ثوبا من خالص النضار عتاق لو ~~جرت والريح شأوا . . . لفاتته وأوثقه إسار غدت ولها حجول من لجين . . . ~~وراحت وهي من علق نضار وكل أدهم كريم النجار ، غذي اللبان الغزار ، كأنما ~~فصلت ثيابه من سواد الليل وصيغت حجوله من بياض النهار بأغر يبتسم الصباح ~~بوجهه . . . حسنا ويسفر عن محيا مسفر خلع الظلام عليه فضل ردائه . . . وثنى ~~من التحجيل ثوب مقصر وكل أشهب أفرغ في قالب الكمال ، وجيهي الأب أعوجى ~~الخال ، إن مشى ضاق بزهوه فسيح المجال ، وإن سعى رأيت البرق ملجما بالثريا ~~مسرجا بالهلال ، كأنما انتعل خد الجنوب واشتمل بثوب الشمال من الجياد التي ~~لم تبد في رهج . . . إلا أرتك بياض الصبح في غسق ولا جرين مع النكباء في ~~طلق . . . إلا احتقرت التماع البرق في الأفق وكل مطهم إن ركض قلق السماط ~~لركضه ، وخلت بعضه منفصلا عن بعضه وإن مشى رأيت الطود في سمائه والرياح في ~~أرضه ؛ وإن خطا ظننته يرتع في روض المجرة ويكرع في حوض الغمام ، وخلته ~~الأشم من ابنى شمام ، همه جهة الأمام PageV08P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" وصوته حركة اللجام ، كأنه قطعة من سماء أو ظلة ~~من غمام جرى والريح في طلقى رهان . . . فقامت دونه ومضى أماما ومد من ~~السنابك ثوب غيم . . . ولم أر قبلها ثوبا غماما عليها كل كمى ؟ لابس الحرب ~~ولابسته ، ومارسها ومارسته ؛ وكتبت عليه المواضي في صدره كتابا أعجمته ~~أطراف الأسل ، وجنى ثمر الحديد أحلى عنده من العسل وسار إلى مهج الأبطال ~~كسيف القضاء وحث الأجل ؛ له حنكة الأشيب ونجدة الغلام ، وصنعة الضرب الفذ ~~والطعن التؤام ، والفتكات التي تطلع صبح الصوارم في ليل القتام ، والفعلات ~~التي لها فتكات الأورقفي النقد وصولات الأسد في السوام يمشي إلى الموت عالي ~~الكعب معتقلا . . . أظمى الكعوب كمشي الكاعب الفضل يحسن في بحار الدروع سبح ~~الفوارس ، بين بدور اليلب ونجوم القوانس ؛ من كل سابغة لا تصل إليها ألسنة ~~الحداد ، كأنها أثواب الأراقم خيطت بأعين الجراد ؛ كفيلة بحماية الأنفس ~~وصيانة المهج ، تنير مسالك لابسها في PageV08P0057 # """""" صفحة رقم 58 ms1634 """""" دياجي الرهج ، إنما هي البحر ولا حرج إذا ما ~~مشوا في السابغات حسبتهم . . . سيولا وقد سالت بهن الأباطح وكل أبيض هندي ؟ ~~ألفت من الملح أبعاضه ، البرد جسمه والبرق إباضه ؛ المفارق مغاربه والأجفان ~~مطالعه ، والأنفس موارده والمنايا منابعه ؛ لو أثمر لأنبت رؤوسا ولو تفجر ~~لسال نفوسا ، ولو تكشف صافى حديده لرأيت فيه عبوسا سليل النار دق ورق حتى . ~~. . كأن أباه أورثه السلالا ودبت فوقه حمر المنايا . . . ولكن بعد ما مسخت ~~نمالا وكل أسمر إذا انتحى فهو صاح وإذا انثنى فهو نشوان ، وإذا ورد دم ~~القلب فهو ظمآن القناة ريان السنان ؛ إذا خطب النواصي وخط ، وإذا كتبت ~~المواضي نقط ؛ وإذا قصرت يد القرن طال ، وإذا صليت نار الحرب العوالي صال ~~توهم كل سابغة غديرا . . . فرنق يشرب الحلق الدخالا وكل صفراء رقشاء الأديم ~~، كأنها أرقم الصريم ؛ لها فلك بالرزية دائر ، وسهم بالمنية طائر ، إن ركب ~~فهو مقيم وإن نزل فهو سائر ؛ مع عزائم بنت على الدولة سورا ، وجعلت بينها ~~وبين الذين لا يؤمنون بالدولة المعزية حجابا مستورا ؛ على أنها غنيمة لم ~~تحتج إلى الإيحاف والإيضاع ، وطلبة ألفاها على طرف PageV08P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" الثمام وحبل الذراع ؛ وعناية جاءت على اختيار ~~المراد ومراد الاختيار ، ونعمة كرت هي والتوفيق في قرن وجرت والسعادة في ~~مضمار ، ومنحة ركضت بها إلى المقام المعزى سوابق الأقدار ومعنى خفي ؟ من ~~نعم الله لم تلجه عقائل الأفكار ؛ وإذا سبقت عناية الله فليس لأمر حتمه ~~الله رافع ، وإذا لحظت السعادة امرأ وقفت دونه آمال المطالب وتقطعت خلفه ~~أعناق المطامع ، واستولت يمينه على آفاق سماء الشرف فلها قمرها والنجوم ~~الطوالع ، وهذه مواهب لا تدركها دقائق الأسطرلاب ولا درج الشمس ولا رصد ~~الطوالع لعمرك ما تدري الضوارب بالحصا . . . ولا زاجرات الطير ما الله صانع ~~. وينهي أن حاملها من عقدت عليه الملوك خناصرها ، واختص منها بالصحبة ~~ناصرها ؛ وله فضل لا يذاد عن منهل العلم سوامه ، ولا تجهل في مسالك الشرف ~~أعلامه ؛ وله نفس سمت حتى أخذت سماء السيادة بيمينها ، وهمة إذا رأيت ذاتها ~~الكريمة توسمت ms1635 الرياسة في جبينها ، وأبوة لا تتجر من المعالي إلا في ثمنها ~~؛ وقد أكلته السنة بل السنوات ، وترادفت عليه الملمات بل المؤلمات ؛ وقد ~~صير الجناب الزيني لما يحاوله ذريعه ، وورد المنهل الرحب وإنه لعذب الشريعه ~~، وقد أصاب به مولانا طريق المصنع فألبسه ثياب الصنيعه ؛ ومولانا أولى من ~~أولاه شرف جلاله ونظر إليه بعين كريمة يقابل بها ما يقابله من كرم خلاله ؛ ~~فالإبريز قد يشتبه إلا على نقاده ، والغيث قد يخلف إلا على رواده ، والماء ~~قد يأجن إلا على وراده ؛ وسيدنا PageV08P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" مصعبي الهمم وهذا ابن قيس رقياته ، ومهلبي ~~الشيم وهذا حبيب أبنائه ، وواثقي الإحسان وهذا في الجلالة ابن أبي دواده ~~وفي الأدب ابن زياته ؛ فليضعه PageV08P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" حيث وضعته السيادة صدرا ، وليطلعه كما أطلعته ~~الفضائل بدرا ؛ وليصرف إليه عناية تعلق بها الحمد علاقة غيلان بميه ، ~~والحكم بأميه ؛ وهو يعلم - أدام الله أيامه - أن المناصب عرائس ، والصنائع ~~قلائدها ، والولايات مآدب ، والمكارم موائدها ، والليالي - كما علمت - ~~حبالى ، والسيئات والحسنات ولائدها ؛ وخير من لبس ثوب نعمة كاهل هذا الإمام ~~، وإن الحسنة إليه لأشرف مواهب الأيام ، فاغتنمها فإنها غاية الاغتنام ؛ ~~وأعيذ مولانا بالله أن يجعل نظره إليه لمحا ، أو يضرب عنه الذكر صفحا ، أو ~~يكون مولانا روضة ثم لا يجد هذا الصدر منها نفحا ، ومطلع آفاق الشرف ثم لا ~~يستوضح هذا الملتمس من أفقها صبحا . ومثل صدر هذه الرسالة لبعض الكتاب ~~المتقدمين : الحمد لله مقلب القلوب ، وعالم الغيوب ؛ الجاعل بعد عسر يسرا ، ~~وبعد عداوة ودا ، وبعد تحارب اجتماعا ، وبعد تباين اقترابا ؛ رأفة منه ~~بعباده ولطفا ، وتحننا عليهم وعطفا ؛ لئلا يستتمهم التتابع ، في التدابر ~~والتقاطع ؛ وليكونوا بررة إخوانا ، وعلى الحق أعوانا ؛ لا يتنكبون منهجا ، ~~ولا يركبون من الشبهة ثبجا ، بغير دليل يهديهم قصد المسالك ، ولا مرشد ~~يذودهم عن درك المهالك ؛ أحمده على نعمه التي لا يحصى الواصفون إحصاءها ، ~~ومننه التي لا تحمل الخلق أعباءها ؛ حمدا يتجدد على ممر الأزمان والدهور ، ~~ويزيد على فناء الأحقاب والعصور ؛ وإن أحق ما استعمله العاملون ولحق به ~~التالون ms1636 ، وآثره المؤمنون ، وتعاطى بينهم المسلمون ؛ فيما ساء وسر ، ونفع ~~وضر ؛ ما أصبح به الشمل ملتئما ، والأمر منتظما ؛ والفتق مرتتقا ؛ والسيف ~~مغمودا ورواق الأمن ممدودا ؛ فحقنت به الدماء ، وسكنت معه الدهماء ، وانقمع ~~به الأعداء ؛ واتصل به السرور ، وأمنت معه الشرور ؛ وليس بذلك أولى ، وإلى ~~إحراز الثواب به أدنى من الصلح الذي أمر الله تبارك وتعالى به ، وخص وعم ~~ورغب . PageV08P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" ولنعد إلى كلام الشيخ ضياء الدين بن القرطبي ~~فم ذلك ما كتب به أيضا إلى الصاحب شرف الدين الفائزي جوابا عن كتاب شفاعة ~~يوصى على أخيه نجم الدين ، فأجابه الشيخ : يخدم الجناب الشرفي - رفع الله ~~قدره بين أوليائه ، وأطاب ذكره في مقام عليائه ؛ وأطال عمره مقترنا بعزه ، ~~وأره في كنف سلامته وكهف حرزه - وردت الأوامر المطاعة ، المقابلة بالسمع ~~والطاعه ؛ في حق أخي المملوك مولانا نجم الدين ، فتلقى راية طاعتها بيمينه ~~، وأقرها من تعظيمه في أسرة جبينه ، وأحلها من شرف الامتثال في مستودع دينه ~~؛ وقابل حاملها بأوفر ترحيبه ، وأقرب تقريبه ؛ وواجهه بإجلال الأخوة ، ~~وخلال البنوه ؛ وأحله كنف قلبه ، وأودعه بين شغاف القلب وخلبه ، وأعاده إلى ~~معهود ولائه وحسبه ؛ وقرر له في كل شهر عشرة دنانير وهي نهاية قدرته ، ~~وأعلمه أنها أعود نفعا من ولايته وأقرب عونا من إمرته ؛ وعاهد الله ألا ~~يتعرض لجندية أبدا ، ولا يمد لطلب ولاية يدا ؛ ولا يقف بين يدي الأمراء ~~بعدها ، ولا يتجاوز بجلالة أبويه حدها ، ولا يهمل شرف نسبته التي لم تصاعر ~~لها الأيام خدها ؛ وأخذ عليه عهود الله والمملوك في الوفاء مهما عهدها ؛ ~~وقد توجه إلى المشارع الصاحبية التي استعذب وردها والمكارم الشرفية التي ~~ألف حمدها ، والصنائع الإحسانية التي وجد في مرارة الفقر حلوها وفي حرارة ~~الغربة بردها ؛ وعاود عش الفضل الذي منه درج ، وبيت الكرم الذي إليه دخل ~~ومنه خرج ، وسماء الإحسان التي أطلعت نجم إمامته فعرج عليها وإليها عرج ، ~~وبحر المعروف الذي إذا أطنب لسان ثنائه قالت شواهد بيانه : حدث عن البحر ~~ولا حرج ؛ ومولانا يضعه تحت كنفه ، ويرفعه الله ولسلفه ، ويقابله ms1637 الجناب ~~الشرفي بما عرفه من شرفه ؛ ويعينه على جاريه الذي هو مادة رفقه ، وأول ما ~~أجراه الله على يد مولانا من رزقه ؛ بكتاب يجزل له العزمات وينميها ، ويسكن ~~روح الحياة في جسد فاقته ويبقيها ؛ فهو ذو ضراء لا تسدها إلا القناعه ، وذو ~~فاقة لا ترفعها إلا السعة التي تمد باعه ؛ والله يجعل مولانا وقاية لمن لجأ ~~إليه ، وإعانة لمن اعتمد عليه ؛ إن شاء الله تعالى . PageV08P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" وكتب إليه أيضا شفاعة في بعض الأعيان فقال : ~~وينهي أن الله تعالى متولى سرائر عباده ، ومجازيهم على مخالفة أمره وإن كان ~~على وفق مراده ؛ أعد داري ثوابه وعقابه ، وحذر أولى العقوبة من أليم عذابه ~~؛ ثم عمت رحمته فشفع في العصاه ، وعفا عن الجناه ؛ فقال : " وهو الذي يقبل ~~التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات " ثم بذلت عوارف الإحسان ، وعواطف الحنان ~~؛ حتى شفع إلى خلقه ، في العفو عن حقهم وحقه ؛ صفة كرم رحمانيه ، وصلة عفو ~~إحسانيه ، وصنائع ألطاف ربانيه ، فشفع إلى الصديق في مسطح ، فقال : " ولا ~~يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين ~~في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا " فقدم موجبات العطف بما قدم من القرابة ~~والمسكنة والمهاجرة ، ثم تلقاها من أجر الآخرة بكرم المجازاة وريح المعاملة ~~، وحسن جزاء المنعم ، تعريفا بمواقع الإحسان ، وتكريما لنوع الإنسان ؛ ~~ومملوك مولانا فلان الذي أنزل حاجته بعبدك ، وقصده قبل قصدك ؛ وأسكن حريمه ~~مجاورا لحريمه وتشفع به إلى صدر الزمن وكريمه ، واستوهبه الذنب وإن كان ~~معترفا بعظيمه ؛ والصنع الجميل ثمرة الأيام ، والفضل أثبتته ألسن الأقلام ؛ ~~ولله لحظات تلحظ عباده ويرحم الراحمين ، ويجزى المتصدقين ، ولا يضيع أجر ~~المحسنين ؛ وإن مولانا عقال الشرف وذو الفضل الأنف ، والعارف في صنائع ~~الإحسان كيف تؤكل الكتف ؛ وقد أحلته على ملاءة أياديك ، وألبسته ملاءة ~~معاليك ، وأحللته بضمان الله كنف ناديك ؛ وأنت الكريم أخلاقا ونسبا ، ~~والطيب أعراقا وأبا ، والصدر الذي إذا سامته الأيام خطة ضيم أبى ، وإذا ~~أوطأته مهانة وخسفا نبا ؛ وأحق من قبل هذه الشفاعة كرمك وأولى من رعاها ~~شيمك ، والمعالي جنود ms1638 الشرف وأحق علم رفع عليها علمك ؛ والله تعالى يبقيه ~~للأنام ملاذا ، وللأمل معاذا ، ويهب عزمه مضاء وقلمه نفاذا ؛ إن شاء الله ~~تعالى . PageV08P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" وكتب إلى قاضي القضاة تاج الدين بن خلف : يخدم ~~الجناب التاجي - أدام الله شرف الملة ببقائه ، وأعلى كلمة الأمة بعلائه ~~وأجرى ألسنة الأقلام بثنائه ، ورفع ألوية أوليائه بولائه - وينهي ورود ~~مشرفته التي تجلت في سماء السيادة حسنا ، وسهلت لفظا وجزلت معنى ، وغدا ~~لسان الإحسان عليها يثنى ، وعنان الفضائل إليها يثنى ؛ وقد أخذت برقاب ~~المعاني ، وأطربت إطراب المثاني ، وبعثت روح الحياة إلى روح الأماني ، وثنت ~~إلى فضلها الأول عنان الثاني فحى هلا بالمكرمات وبالعلا . . . وحى هلا ~~بالفضل والسؤدد المحض لا جرم أن المملوك سجد لله ثم لجلالة ذلك الاستغفار ، ~~وقبول كلمات الاعتذار ؛ وعلم أن مولانا لبس حلة التواضع لتمام شرف الاصطناع ~~، وليجوز أقسام السيادة بالصدر الرحب والخلق الوساع سجية نفس شرف الله ~~مجدها . . . بما شاء من فضل لديها ومن حلم وسؤدد آباء وكسب سيادة . . . تضم ~~إلى عز العلا شرف العلم هذا مع إساءتنا التي تسود وجوه الأمل ، ويقضي كفرها ~~- لولا إيمان مولانا بإحباط العمل ، على أنها ملازمة المعلولات للعلل وما ~~كنت جاني فتنة غير أنها . . . إذا وقعت أردت مسيئا ومحسنا ولو رشقتني ~~مصميات سهامها . . . لألفت لها حكما من الله بينا وإن جلال الله يشهد أنني ~~. . . بذلت من الوسع الذي كان ممكنا وحذرت حتى لم أجد متحرزا . . . وأسمعت ~~لكن لم أجد ثم أذنا وكانت صعاب تقتضيها مشيئة . . . وهل لقضاء الله رد ؟ ~~إذا دنا PageV08P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" وأما إشارة مولانا إلى الحاجب الذي هو لمولانا ~~أشرف من حاجب بن زراره بما أودعه أثناء تلك الكلم من لطيف الإشارة وشريف ~~العباره ؛ فجزاء مولانا على الله في جبره لقلب المملوك المنصدع ، وصلة أمله ~~المنقطع . وكتب إلى الصاحب قاضي القضاة بدر الدين السنجاري - وهو يوم ذلك ~~متولى الحكم والوزارة بالديار المصرية : لا زال الإسلام يستضيء ببدره ، ~~والإيمان يأرز إلى صدره ، والشرف يتضاءل عند قدر جلالته وجلالة قدره ، ~~والآمال والآجال مصرفة بين ms1639 بسطة نعمته وسطوة قهره ، هذه على ذكره وهذه على ~~شكره ، والمكارم والمحامد تتعلق وتتألق هذه بنشره وهذه ببشره ، والعزم ~~والرأي إذا فل أو فال استغاث واستضاء هذا بنصره وهذا بفكره ولا غرو أن تثني ~~الوزارة جيدها . . . إلى ناظم في جيدها عقد فخره إلى أحوذي الرأي إن ناب ~~معضل . . . أراك جلى الأمر إيحاء سره إذا استغزر الذهن الذكي تضاءلت . . . ~~له فكرتا قيس الذكاء وعمره فيطلع رأيا واضحا من سداده . . . كما انشق برد ~~الليل عن ضوء فجره إلى سؤدد أجرت معاليه خيله . . . سوابق غرا في بهيمات ~~دهره وكم سابق أجرى إلى غاية العلا . . . ولكن طوى سبقا ملاءة حضره ~~PageV08P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" بحلم تجلى في أسرة وجهه . . . وجود تجلى من ~~طلاقة بشره يمينا لقد أضحت جلالة قدرها . . . على شرف المقدار من دون قدره ~~سطرها المملوك بعد ما لبست الوزارة حلة فخرها ، وسحبت ذيل افتخارها ، وبدا ~~معصم شرفها في حلية سوارها ، وتجلت معانيها بين شموس فضلها وأقمارها ، ~~وجنينا الغض من زهرها ، والطيب من ثمرها ، وحمدنا جميل تأثيرها وحميد ~~آثارها وحيت على بعد المدى نفثاتها . . . بأطيب من رند الربا وعرارها ~~واجتلى المملوك حسناء إحسانها فما ضارعتها البدور مذ فارقت سرارها ، ولا ~~الأنجم ولو نظم الفلك أنوارها ، ولا الروضة وقد عقدت الغمائم إزراها ، ولا ~~أطلال مية وقد دبجت يد الأنواء أزهارها ، ولا أردان عزة وقد أوقدت بالمندل ~~الرطب نارها ؛ صلة جاءت كبرد الشباب ، وبرد الشراب ؛ اقتضابا قبل السؤال ، ~~وابتداء الآمال ؛ والمملوك يحضر عقيبها ليجتلى وجه المنعم قريبا ، ويجتنى ~~غصن النعم رطيبا ومتى لم أقم بشكرك للنا . . . س خطيبا فلا وقيت الخطوبا ~~وكتب إلى الصاحب تاج الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين علي بن محمد المعروف ~~بابن حناء : PageV08P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" رفع الله قدر الجناب الصاحبي التاجي في شرف ~~الأقدار ، وأجرى بإرادته وسعادته سوابق الأقدار ، وألبسه حلية الشرف التي ~~هي على رأس رياسته تاج وفي معصم سيادته سوار ، وأمضى عزائم آرائه التي إذا ~~سطت يوم البأس نفذت نفوذ السهم ومضت مضاء الغرار ، وإذا سرت في ليل الخطب ms1640 ~~هدت هداية النجم ووضحت وضوح النهار ، وأرضى همته التي إذا همت أغنت عن ~~الأبيض المرهف والأسمر الخطار ، وإذا أمت شأت ناصية الحنفاء وبذت قاصية ~~الخطار ؛ وأرهف أقلامه التي إذا أجراها أثبتت خال النقس ، في وجنة الطرس ، ~~وطرزت بالظلماء أردية الشمس ؛ وإذا هزها أنست هز العوامل ، وأصابت من الأمر ~~الكلى والمفاصل ، وإذا أمضاها لنعمة أو لنقمة فللجاني لعاب الأفاعي القواتل ~~، وللعافي أرى الجنى اشتارته أيد عواسل ؛ ولا زال ربعه مربعا للجلال ومصيفا ~~، ومرتعا لسوام الآمال وخريفا ، ومشرعا وارد الظلال وريفا ؛ وحرما آمنا ~~تجبى إليه ثمرات الحمد وتجنى منه ثمرات الرفد ، وتقف المعالي عليه وقوف ~~مطايا الشوق بالعلم الفرد ؛ فإنه الربع الذي وقفت به الآمال وقوف غيلان ~~بدارميه ، وعكفت عليه المحامد عكوف توبة على حب الأخيلية ؛ والجناب الذي ~~فاءت ظلاله وفاضت مواهبه PageV08P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" ومارت مذانبه ، وجادت سحائبه ، وجلت شيمه ~~وتجلت غياهبه ؛ في روض المعالي الذي فاحت نسائمه ، وناحت حمائمه ، ومنشإ ~~المجد حيث شاب فأرخيت ذوائبه وشب فقطعت تمائمه ، وبيت الرياسة الذي إذا ~~دنوت حباك بإكرامه وإذا نأيت حيتك مكارمه ، وصدر السيادة الذي خضعت له ~~الأعناق هيبة لأبلج لا تيجان إلا عمائمه ولا زال بدرا في سماء سيادة . . . ~~يشار إليه في الورى بالأنامل بسيط مساعي المجد يركب نجده . . . من الشرف ~~الأعلى وبذل الفواضل إذا سيل أغنى السامعين جوابه . . . وإن قال لم يترك ~~مقالا لقائل محدد أيام الحياة فكلها . . . لطالب علم أو لقاصد نائل وينهى ~~ولاء مخبوءا بسويداء قلبه ، موضوعا بين شغافه وخلبه ؛ وثناء مسموعا في ~~محافل الأنام ، معلنا في صحائف الحمد بألسنة الأقلام ، جديدا على ذهاب ~~الليالي واختلاف الأيام ؛ ودعاء سابق أراعيل الرياح ، ووضحت أنوار إجابته ~~وضوح الصباح ، وطار إلى ملإ القبول بقادمة كقادمة الجناح ؛ وتحية إذا واجهت ~~وجه الجهام أمطر ، وإذا هزت أعطاف الكهام أثر ؛ أرق من النسيم السحري ، ~~وأعطر من العنبر الشحري ؛ وأصفى من ماء المناقع ، وأحلى من جنى النحل ~~ممزوجا بماء الوقائع يرى ذلك في شرع المروءة واضحا واجبا . . . ؛ تحية من ~~أولى النعمة فشكرها وعرف العارفة وما أنكرها ms1641 ، وآمن بيده البيضاء من غير ~~سوء ومذ آمن بها ما كفرها ؛ كيف لا وقد امتزج بحبها لحمه ودمه ، وسبح ~~بحمدها قلمه وفمه ، وجرت شيم حمده على أعرق جيادها والخير من سبقت به إلى ~~شكر المنعم شيمه ؛ لا سيما PageV08P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" وقد جنى الطيب من ثمارها ، وورد العذب من ~~أنهارها ؛ فلا أعدم الله مولانا صنائع الإحسان الذي انعقدت عليه كلمة ~~الإجماع ، وأنشده لسان المحامد عن شرف الاصطناع فلو صورت نفسك لم تزدها . . ~~. على ما فيك من كرم الطباع ولا زال اللطف صدى صوته إذا دعا ، والنجح قرين ~~مساعيه أنى سعى ، وحاكم الفضل يصدق دعواه حوز كل فضيلة كيف ادعى ؛ حضر ~~المملوك مهنئا نفسه بهنائه ، وساعيا في خدمته سعى الأجدل في هوائه ، والنجم ~~في سمائه ؛ من ملازمة وجهه الذي ألقى الله عليه محبة منه فاستنار ، واكتسى ~~حلة الحياء فألبسته حلة الوقار ؛ واجتلته المقل فرأت رونق الخفر عليه باديا ~~، وائتمت به الهداة فألفته نجما في سماء السيادة هاديا ؛ وقالت الأماني في ~~ظله فأنشأ جوده قائلا : نزلت على آل المهلب شاتيا ورأيته والناس مومئون من ~~ليث عليه مهابة فكانوا الكروان أبصرن بازيا ؛ أبهة الجلاله ، وجلالة ~~الأصاله ؛ وأصالة الشرف ، وشرف الفضل الأنف ، ورياسة ورثها خير سلف لخير ~~خلف ، وشيم علمته في المعالي كيف تؤكل الكتف ؛ فصادف ركابه العالي قد استقل ~~، وحل من دارة العز حيث حل ؛ فأقام رجاء أن يعاين أسرة جبينه ، ويقبله ~~كتقبيل الندى في يمينه ؛ وحين جنحت الشمس إلى مستقر الأنوار وطوى الفلك بيد ~~القدرة رداء النهار ؛ وأشرف اليوم من خشية طيه على شفا جرف PageV08P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" هار ؛ وثوب داعى العصر وحيعل ، وعاين نير ~~الفلك في وجه السماء كعين الأقبل ؛ ثنى عنانه إلى مثوى قراره ، وانثنى ~~يسابق أدهم ليله بأشهب نهاره ؛ على الرغم أخفق مسعاه ، ولم يقل قلبه الشوق ~~الذي دعاه ؛ لكن سار وأقام خالص ولائه وعاد بعد ما أودع الحفظة مرفوع دعائه ~~؛ لكن سار وأقام خالص ولائه وعاد بعد ما أودع الحفظة مرفوع دعائه ؛ فعرف ~~الله مولانا بركات هذا الشهر ms1642 الذي سارت به إلى إحسانه مطايا أيامه ، وجعله ~~مثبتا لحسناته ممحيا لآثامه ، وحلاه بالمقبول من صيامه والمشهور من قيامه ؛ ~~وأراه صدر بره أثلج ، ووجه بدره أبلج ، وثغر ابتسامه عن رضوان القبول أفلج ~~؛ ورقاه درج تضاعف حسناته ، ولقاه من كرم الله مذخور إحسانه وموعود هباته ؛ ~~وأراه الأمل في بنيه ؛ وأرانا فيهم ما رأينا فيه ؛ فهو غاب العلم وهم ~~أغصانه وشجره ، ومطهم السابقين وهم حجوله وغرره ؛ وإني لألمح من مخايل ~~شرفهم وشرف مخايلهم ، وشمائل شيمهم وشيم شمائلهم ؛ نجابة تضعهم من الرياسة ~~في أنفها ، ومن السيادة بمكان شنفها ؛ فهم جذوة فضل مبرقه ، ودوحة علم ~~مورقه ونبعة سيادة معرقه ، وشموس معال في أفق كل شرف مشرقه ؛ سمت بهم أصالة ~~النسب ، وفضيلة الأدب المكتسب ، وجمعوا بين شرف العمومة والخؤولة في كرم ~~المنتسب ؛ فللعلا ألسن تثنى محامدها على الحميد من فعلهم وشيمهم ، وللندى ~~مواهب عزيت مذاهبها إلى العليين من كرمهم وهممهم ؛ لا زالت محاسنهم قلائد ~~الأجياد وأيامهم مواسم الأعياد ، وحرمهم المخصب بالمكارم سواء العاكف فيه ~~والباد ؛ إن شاء الله تعالى . وكتب إلى القاضي شمس الدين الأصبهاني الحاكم ~~- وكان بالأعمال القوصية - رحمهما الله تعالى - : PageV08P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" أوضح الله صنائع المجلس في بهيم الآمال غررا ، ~~ونظم أياديه في أجياد الأيام دررا ، وصفى مشارع أمانيه إن كان مشرع الأماني ~~كدرا ، ولا زال الإسلام يشدو بحمده مفتخرا ، والأيام تتلو مجده سورا ، ~~والشرع المحمدي يكون بمضائه في ذات الله منتصرا فقد نشرت يمناك أردية العلا ~~. . . تحلى بلاد الله بالدين والعلم وأمضيت أمر الله في شرع أحمد . . . ~~وقيدت شكر الله في مطلق الحكم وترضى كلا الخصمين في السخط والرضا . . . ~~كأنك تعطي الخصم ما كان للخصم إلى غير ذلك من محاسن وضحت وضوح النجم في ~~الليل البهيم ، وسرت إلى الحمد سرى المجد إلى الشرف الصميم ، وحدثت عن ~~مساعيه فجاءت بالنثر البديع والدر النظيم ، وأثنت عليه ثناء وارف الروض على ~~واكف الوبل بألسنة النسيم وهزت جناحي فضله وجلاله . . . إلى درك العلياء من ~~غاية المجد وقالت معاليه لي المجد كله . . . فما ابنة ذي البردين ms1643 والفرس ~~والورد PageV08P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" فلا عدمه الإسلام إماما فاضلا ، وحكما فاصلا ، ~~وساعيا إلى غايات الفضائل واصلا ، وفاعل حسنات صير الحاصل من ثنائه باقيا ~~والباقي من عمله الصالح حاصلا ؛ المجلس - أدام الله أيامه - يعلم أن الأيام ~~مستنى بحد شباتها ، ورمتني عن قوس أذاتها ، وجنتني الحنظل من شجراتها ، ~~والمر من ثمراتها ، وأضرمت من نار ألمى ما لم تطفئه مقلتي بفيض عبراتها ~~كأني لم اطلع بأفق سمائها . . . ولم أتقلب في ثياب سماتها ولم أك منها في ~~سويداء قلبها . . . مخايل من هذى العلا وهداتها - أستغفر الله - فإنها ~~استرجعت ما لم يكن مستحقا ، وأبقت إن شاء الله لمجلسه السامي ما كان حقا ، ~~وأسكنته - أدام الله نعمته - وفلك السعادة شرقا ومطلع الشمس أفقا ، وأحلته ~~من كنف السيادة قلبا ومن رأس الرياسة فرقا وتطلعه الآمال خير غمامة . . . ~~فتلمعه برقا وتوكفه ودقا وتبقيه للدين الحنيفي عصمة . . . وللهدي والإضلال ~~إن أبهما فرقا وتبرزه في صدر كل فضيلة . . . كما بذ شأو الفاضلين بها سبقا ~~حضر مملوك مولانا الولد وقد رفع من المحامد الشمسية لواء ، والتزم العبودية ~~والإخلاص ولاء ، وعمر الأفنية ودادا والأندية ثناء ؛ وقال : أحسن مولانا ~~حين أساءت الأيام ، وأولى نعمة حاتمية وإنها أشرف الإنعام وما لي لا أثني ~~عليه بصالح . . . وأشكره والشكر بعض حقوقه وأملأ من حسن الثنا كل مسمع . . ~~. وإني لأخشى بعد إثم عقوقه PageV08P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" ثم سار وقلبي يتبعه ، ودمعه يشيعه ، ولساني ~~يستحفظه الله ويستودعه ؛ وعليه من الديون ما أحاط به إحاطة الجفون بمقلها ، ~~والأغماد بمنصلها ؛ لتوالي هذه المغارم التي طم جداها ، والمظالم التي عم ~~رداها ، والمحنة التي ملكتني يداها ؛ من خراج طمى بحر ظلمه ، وزاد على حد ~~الجور رسمه وخصصت من بين هذا العالم بوسمه ؛ للزوم قام بوصفي فتبعه لازمه ~~ومعنى وجب لذاتي فاستحال عدمه ؛ وقد كان المملوك وولده فيما سلف يجودان بما ~~يجدان لقانع ومعتر ، وغني ؟ ومضطر ؛ صيانة للأعراض من أعراض اللوم ، ورغبة ~~في صلة حمد الأمس بفائد اليوم ؛ وسجية نفس تأنف من علاقة الذم ؛ وإن كان ~~هذا فيما لا يجب فالقياس فيما ms1644 يجب انبعاث النفس إليه من حتم المروءة أمضى ، ~~والدين بأداء الواجب أقضى ؛ لأنه مؤيد بإبرام الشرع ، وقد صح هذا القياس ~~بجامعية الأصل والفرع ؛ لكن ضاقت يد القدرة عن نفاذها ، واعتاضت من وابل ~~الثروة برذاذها ؛ وإذا توافرت القرائن أفادت فوق ما تفيد غلبات الظنون من ~~مدار الشرعيات عليها ، وانتهاء غالب الأحكام إليها ؛ وقد كان المملوك حرك ~~عزائم سيدنا قاضي القضاة - شرف الله قدره ، وأدام على الإسلام أمره - إلى ~~تحريها العلوم الكريمة بما هي عالمه ، وحكمها بما هي حاكمه ؛ ليكون له ~~مستند يدفع أقوال المتعرضين ، ويصرف اعتراض المعترضين ؛ ولئلا يقف له واقف ~~فيجري قلمه الشريف بأمر جازم يجب الوقوف على مثاله ، والمسارعة إلى امتثاله ~~؛ فيعز استدراك الأمر بعد إحكامه ، ويكون السعي في معارضته كالنقض لأحكامه ~~؛ فكتب بما يقف عنده ، ولا يتجاوز حده ؛ غير ذاكر عن مولانا منعا ينفر عنه ~~الرواه ، ولا مشنع بكتاب سيدنا قاضي القضاه ؛ بل يكون كالشافع ، إذا صمم ~~الخصم اعتذر بما هو لهذه المصالح PageV08P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" كالجامع ؛ ليكون المملك في إرضائه بحسب ~~الإمكان ويرى الخصم ما أخذه بعد اليأس نوعا من الإحسان ؛ فالنفوس إذا منعت ~~كل المنع طلبت كل المطلب ، وتعلقت في درك أغراضها بكل سبب ؛ وإذا أخذت ~~بالكلام البين ، وعوملت بالسهل اللين ؛ بعد درء سورتها بالمنع ، ودفع ~~شهوتها بالدفع ؛ اتسق حكم الأشياء وانتظم ، وانشعب صدع هذا الجرح والتأم ؛ ~~وجرى الأمر على سداد بحفظ النظام وحفظ الحرمة والحفظ للشارع ، ولذلك قال : ~~" أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم " لا سيما مع شهادات ضروراتهم ؛ بسط الله ~~يمين سيدنا في المعالي كما بسط لسانه في المعالم ، وقيد عليه لسان المحامد ~~كما أطلق يده بالمكارم ؛ وعليه تحية الله التي توالي عليه نفحاتها ، وتهدي ~~إلى آماله العالي من مقترحاتها . وكتب إلى شهاب الدين محمود متولى سمهود من ~~علم قوص - وكان بينهما مودة ، فاستدعاه للسلام عليه - فكتب : إلينا فإنا قد ~~حللنا بأرضكم . . . على فرط شوق لابن عثمان دائم وزرناك محمودا كما زار ~~أحنف . . . لنيل الأماني ربع قيس بن عاصم ولسنا بغاة للندى والتماسه . . . ~~وإن كنت معروف ms1645 الندى والمكارم ولكن وفاء بالإخاء لمن وفى . . . وقد خان حتى ~~حد سيفي وقائمي وجدتك ذخري والزمان محاربي . . . كما كنت عوني والزمان ~~مسالمي فلا غرو أن أثني إليك أعنتي . . . كما قد ثنت يمناي خنصر خاتمي يهدى ~~إلى المجلس السامي الشرفي تحية الله التي تحملها أنفاس النسيم معطرة بعرف ~~الرياض ، مكللة بأندية الكرم الفياض ؛ تغاديه في السحر والمقيل ، وتراوحه ~~في PageV08P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" الطفل والأصيل ، وتشاهد محاسنه المقل أحسن من ~~محاسن بثينة في وجه جميل ؛ وأثنيته التي تنتظم في الأجياد انتظام القلائد ، ~~وترد على الأسماع ورود الهيم على عذاب الموارد ؛ ويوليه من حبه مزية ~~الاختصاص ، ومن موالاته السوانح التي لا تمتد إليها يد الاقتناص ؛ فهو نسيم ~~الأنس ، ومسرة النفس ، وذخر اليوم والأمس ؛ مصعبي الهمم ، مهلبي الشيم ، ~~حاتمي الكرم ؛ فاق أخلاقا ، وراق أعراقا ؛ وسما نفسا ، وطلع في سماء الشرف ~~شمسا وألفيته في نفسه وولائه . . . وحسن معانيه كما انتظم الدر وضاع شذا ~~أنفاسه فانتشقته . . . على النأى منه مثلما ابتسم الزهر ولاحت معاليه بآفاق ~~مجده . . . كما لاح في ليل التمام لنا بدر لا رحم إتياني إليه ، وإيثار ~~تسليمي عليه ؛ مع أني كنت أعهد له خلوة حلوة مع اله ووقفة على بابه ، ~~والتجاءه في جنح الليل إلى جنابه ، ودمعة يرسلها إذا استرسل في محرابه ؛ ~~وضراعة يتابعها خشوعه ، وزفرة يشتمل عليها قلبه وتفرق عنها ضلوعه فيا ليت ~~شعري هل أقامت بثينة . . . على عهدها أم قد ثنتها الشواغل وهل ذلك الود ~~الذي كان بيننا . . . بوادي الخزامى مثل ما كان أول وكتب إليه - رحمه الله ~~- يستدعى منه ثلاثة أسهم ومليات - وقد أوردنا بعض هذه الرسالة في الفن ~~الأول في السواقي ، ونوردها في هذا الموضع بجملتها PageV08P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" لتكون متتابعة يتلو بعضها بعضا - : والسيف ~~يندب في الوغى فيهزه . . . ندب الكمى إلى مضاء غراره والحر أولى بانتداب ~~خلاله . . . لمؤمل فيه قضا أوطاره فلذلك حركت العزائم العالية المولوية ~~الشرفية - أدام الله علاها ، ورفع لواها وأودع أسماع الأنام ثناها ؛ ولا ~~زالت مرفهة السرائر ، منورة الضمائر ، سائرة في قطب المعالي سير الفلك ~~الدائر ms1646 ، آخذة بحظها من شرف المفاخر ، جامعة بين درك إحسان الله في اليوم ~~الأول واليوم الآخر - تحريك الطسمية عزائم الأسود بن عفار وبعثتها إلى ~~إنالة الأمل انبعاث الهمم العربية يوم ذي قار ، واستجشت عزائمها استجاشة ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عزائم الأنصار ، واستنجدتها العثمانية ~~بالهاشمية يوم الدار ، واستحثثتها سرعة الإجابة استحثاث أدهم الليل أشهب ~~النهار ؛ فإنها للتي ثنيت عليها خنصر الاعتماد ، وصرفت إليها عقيدة ~~الاعتداد ، وجعلتها من القلب في سويدائه ومن المقلة في السواد ، واعتمدت ~~عليها اعتماد بكر على الحارث بن عباد ؛ لا PageV08P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" جرم أنها والحمد لله تعالى ساعية لآمالي متى ~~استسعيتها ، وصدى صوتي متى دعوتها وفاتحة كتاب المحامد متى تلوتها ؛ ~~وأعيذها بالله أن تنكب عن قضائها ، أو تقف دون غاية انقضائها ؛ وإنها لأورق ~~فرعا من أفنان السلمه ، وأعرق أصلا في الوفاء من أصل السلمه ، وأرشق سهما ~~في كنانة سلمه ، وأوثق في حفاظ المودة من ابن شبرمه ؛ يقين أحطت بأنبائه ، ~~إحاطة رسول ابن داود يوم إنبائه ؛ فلا شك في شرف نفسها وسمو نجمها ووضوح ~~شمسها ، وزيادة يومها في الوفاء على أمسها ، كما لا تشك الإيادية في فصاحة ~~قسها ، ولا العامرية في علاقة قيسها ؛ وقد توجه إليه حاملها لحمل السهام ~~التي أسهمت له من الموالاة أوفر أقسامها ، ونشرت رداء ذكره على أفئدة ~~قلوبها وألسنة أقلامها ؛ عند اشتداد الحاجة إليها ، وجر ثقل السواقي عليها ~~؛ وحركة الحر التي حلت شمسه برج حملها ، وتوالت جيوش جنوده بين صدور ظباها ~~وأطراف أسلها ؛ تجفف أنداء الثرى ، وتعيد عنبر الأرض عثيرا ، وتشيب مفارق ~~نباتها ، وتذيق الممات أكباد حباتها ؛ فاستنصر العزائم العالية المولوية ~~الشرفية في إطفاء لهبه ، واقتضينا إعانته قبل انتضاء قضبه ، وبعثنا لمحل ~~الهمة الشرفية قبل سطوته على قضبه وقصبه ؛ لتجري على صفحة الثرى مستفيضه ، ~~وتجنى ثمرات رياضها من أنداء همته أريضه ؛ وتغازل مقل النفوس لحظات أزهارها ~~، وتفتن أفنان PageV08P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" فنونها بنوح بلبلها هزارها ، ويبوح شذا الروض ~~عن سرها وآثارها ؛ هذا مع أنها خطبت حسن إحسانه ، وتقلدت جميل بره وجزيل ~~امتنانه ؛ والربيع ms1647 منمنم العذار ، موشى الإزار ؛ قد لبس رداء شبابه ، وماس ~~في خضر ترابه وخضل ربابه ؛ يهز أعطاف سنائه ، ويخطر في برد هوائه وبرد مائه ~~، فكلل وجنات نوره ببرد أندائه ؛ والثرى عنبري الأديم ، سحري النسيم ، رندي ~~الشميم ؛ موشح بقلائد غدرانه ، مغازل بعيون نرجسه بسام بثغر أقحونه ؛ لا ~~يغرد ذبابه ولا يطرب ، ولا يصر بسحراته الجندب ؛ تطلع شمسه محتجبة في ~~ضبابها ، مقنعة من سحابها ؛ جارية في أثناء حبكها ، جائلة في أدنى فلكها ؛ ~~تسعى فتسرع ، وتكاد أن تغرب حين تطلع ؛ والجو معقود الأزرار ، فاختي الإزار ~~؛ غيمه منسكب ، ونوره منسحب ؛ وليله يضم أطراف نهاره ، ويلف وجهه في حاشية ~~إزاره ؛ ينفي القذاة عن مائه ، ويجمع الحواس على جلوائه ، ويعشى المقل من ~~ضوء سنائه فلو أن ليلى زارني طيف أنسها . . . وماء شبابي قاطر في ذوائبي ~~ضممت عليها البرد ضمة آلف . . . وألصقت أحشائي بها وترائبي ولكن أتتني بعد ~~ما شاب مفرقي . . . وودعت أحبابي له وحبائبي والحاجة داعية إلى ثلاثة أسهم ~~، كأنها هقعة الأنجم ؛ ممتدة امتداد الرمح ، مقومة تقويم القدح ؛ غير مشعثة ~~الأطراف ، ولا معقدة الأعطاف ، ولا مسوسة الأجواف ؛ تحاسن الغصون بقوامها ، ~~والقدود بتمامها ؛ وتخالف هيفها بامتلاء خصورها ، وتساوى بين هواديها ~~وصدورها ؛ معتدلة القدود ، ناعمة الخدود ؛ مع مليات أخذت النار فيها مأخذها ~~فاسودت ، وتطاولت عليها مدة الجفاف فاشتدت ؛ PageV08P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" وترامت بها مدة القدم ، كأنها في حيز العدم ؛ ~~صلاب المكاسر ، غلاظ المآزر ؛ تشبه أخلاقه في هيجاء السلم ، وتحكي صلابة ~~آرائه في نفاذ الرأي ومضاء العزم ؛ تكظم على الماء بقبضها ، فتجود على ~~الأرض بفيضها ؛ تمد يد أيدها في اقتضاء إرادتها ، وتطلع طلوع الأنجم في فلك ~~إرادتها ؛ وتعانق أخواتها معانقة التشييع ؛ فآخر التسليم أول التوديع ؛ على ~~أنها تؤذن بحقائق الاعتبار ، وتجري جري الفلك المدار في فناء الأعمار تمر ~~كأنفاس الفتى في حياته . . . وتسعى كسعي المرء أثناء عمره يفارق خل ؟ خله ~~وهو سائر . . . على مثل حال الخل في إثر سيره ويعلمه التداور لو يعقل الفتى ~~. . . بأن مرور العمر فيه كمره فمن أدركت أفكاره سر أمرها . . . فقد أدركت ~~أفكاره سر أمره ومن ms1648 فاته الإدراك أدركه الردى . . . إذا جرعت أنفاسه كأس ~~مره هذه آخر خطوات القلم ، ومنتهى خطرات الكلم ؛ فقم في سرعة وصولها وتعجيل ~~رسولها بعزم غدا ينسى لمروان عزمه . . . براهط إذ جاشت عليه القبائل غير ~~معتمد عليه ، ولا مفوض أمرا إليه ؛ فلم أعتمد عليه اعتماد الصوفه ، وإنما ~~هو العماد عند أهل الكوفة ؛ وإنما هو حمار سير ، وذنب طير ؛ يحمل ورقة ~~مطوية عن علمه ، مزوية عن فهمه ؛ كما يحمل الزند الشرار إلى العظم والله ~~تعالى يحله من السعادة أشرف آفاقها ، ويحرسه في طفل الشمس وإشراقها ~~PageV08P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" ويجريه من ألطافه نحو غاية . . . تبلغه ~~الألطاف حلو مذاقها ويلبسه فخر السيادة والعلا . . . كما لبست أسماء فخر ~~نطاقها إن شاء الله تعالى . ذكر شيء من إنشاء المولى القاضي الفاضل البارع ~~الأصيل الأجل محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى كان رحمه ~~الله من أجل كتاب العصر ، وفضلاء المصر ؛ وأكابر أعيان الدول والذي افتخر ~~بوجوده أبناء عصره على الأول ؛ له من النظم الفائق ما راق صناعة وحسنا ، ~~ومن النثر الرائق ما فاق بلاغة ومعنى ؛ فقصائده مدونة مشهوره ، ورسائله ~~بأيدي الفضلاء ودفاترهم مسطوره ؛ وكلامه كاد يكون لأهل هذه الصناعة وعليهم ~~حجه ، وطريقه في البلاغة أسهل طريق وفي الفصاحة أوضح محجه ؛ وهو رحمه الله ~~ممن عاصرته ولسوء الحظ لم أشاهد محياه الوسيم ، ولم أفز بالنظر إلى طلاقة ~~وجهه الكريم ؛ والذي أورده من كلامه هو مما نقلته من خطه ، وتلقيته ممن ~~سمعه من لفظه ؛ فمن كلامه - رحمة الله عليه - ما كتبه عن السلطان الملك ~~الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي - رحمه الله - إلى ملك الغرب ، كتب : تحيات ~~الله التي تتابع وفودها وتتوالى ، وتشرف نجومها وتتلالا ، وتنفق إسرافا ولا ~~تخاف من ذي العرش إقلالا ؛ تخص الحضرة السنية السريه ، العالمية العادلية ~~المستنصريه ؛ ذخيرة أمير المؤمنين ، وعصمة الدنيا والدين ، وعدة الموحدين ؛ ~~لا زالت سماؤها بالعدل مغدقة الأنواء مشرقة الأنوار ، ورياضها بالفضل مورقة ~~الأغصان مونقة الثمار ؛ ولا برحت ضوال الأماني في أبوابها تنشد ، وقصائد ~~PageV08P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" القصود في اتصافها تنشد ms1649 ؛ وسرى الآمال عند ~~صباح أمرها يحمد ، وأحاديث الكرم عن جودها ترسل وإلى وجودها تسند ؛ وسلامه ~~الذي يكاثر نسيم الروض الأنيق ، ويفاخر جديده عتيق المسك وأين الجديد من ~~العتيق ؛ يغاديان تلك الأنداء المباركة مغاداة الغوادي من وابل المطر ، ~~ويراوحانها مراوحة الرقة للأصل والبكر ؛ حيث العزة القعساء يمتد رواقها ، ~~والنعمة الغراء تخصف أوراقها ، والديمة الوطفاء يتوالى إغداقها ، ويتتالى ~~إغراقها ؛ وحيث العدل منشور الجناح ، والحق مشهور السلاح ، والإنصاف مبرور ~~الأقسام لطالبه باق لا يزاح ؛ سجية تتوارث توارث الفخار ، ومزية تستأثر ~~بالهداية استئثار النجوم بالأنوار ، وشيم تستصحب استصحاب الأهلة للإبدار ؛ ~~فلذلك يتلفت الأمل إليها تلفت الساري إلى تبلج الصباح ، ويرتاح إلى تلقي ~~إحسانها ارتياح الظامئ إلى ارتشاف الماء القراح ؛ ويحتمى بها في المطالب ~~احتماء الليث بالغابه ، ويستمد إسعافها استمداد الحديقة من السحابه ؛ ويهز ~~عدلها كما هز الكمى المرهف ، وينبه فضلها تنبيه النسيم جفن الزهر الأوطف ؛ ~~فيناجي بالجؤور ، ويلتمس لها حسن الصنع الذي لا يزال مبتسم الثغور ؛ فمما ~~قص عليه من مناجاته ، وطوى عليه طوية مفاوضاته ؛ أن القاضي زين الدين بن ~~حباسة من بيت أسلف سلفه جميلا ، وغدا هو على مكارمه دليلا ؛ وكان له غلام ~~قد سير معه جملة . . . والاحتفال الحفي مسئول في تقدم يجيب النجاح داعيه ، ~~ويغدو الفلاح مراوحه ومغاديه ؛ واعتناء يستخلص حقه ممن عليه اعتدى ، ويرى ~~من قبسه نورا يجد به هدى ؛ فببارقة يضيء لديه PageV08P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" الحالك ، وبلمحة يهتدي بحيث اهتدت أم النجوم ~~الشوابك ؛ وما هو إلا رسم يرسم به وقد قرب البعيد ، وآب الشريد ؛ وخاف ~~الخائف ، وكف الجانف ؛ وجمعت الضوال ، وضاق على المختزل واسع المجال ؛ ~~سمهابة قد سكنت القلوب ، وسياسة قوي الطالب بها وضعف المطلوب ، وعزة لا ~~يزال الرجاء ينيب إليها فيما ينوب ؛ وأي مطلب تناجى فيه الآلاء المباركة ~~فلا يصحب قياده ، ويستسقى له مزن ولا تعاهد عهاده ؛ وأي ذاهب لا يسترجع به ~~ولو أنه عشيات الحمى ، وأي فائت لا يرد ولو نه زمن الشبيبة المعسول اللمى ؛ ~~وحسب العاني أن يحط برحابها رحاله ، أو أن يوفد إلى أبوابها آماله ؛ وقد ms1650 ~~تبادرت إليه المناحج متسابقه ، وانتظمت لديه المصالح متناسقه ؛ فحينئذ يفعم ~~إناء تأميله ، ويستوعب الإحسان لجملة قصده وتفصيله ؛ ويناديه السعد من تلك ~~البقعة المباركه ، فيوافيه التوفيق بصحائف القبول تحملها الملائكة ؛ أمتع ~~الله ببركاتها التي امتد رواقها ، وأنار الحالك إشراقها ؛ ولا زالت يراوحها ~~تسليم عطر النفحه ، وتصافحها تحيات جميلة الصفحه ؛ بمنه وكرمه . وكتب رسالة ~~صيدية عن السلطان الملك الظاهر إلى الأمير عز الدين الحلى نائب السلطنة ~~بالقلعة : هذه المكاتبة إلى المجلس لا توارت شموس أنسه ، ولا أذبلت ثمار ~~غرسه ولا برح غده في السعد مربيا على يومه ويومه على أمسه ؛ تتضمن إعلامه ~~بأنا خرجنا إلى PageV08P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" الصيد المبارك بجنود تملا السهل والجبل ، ~~وتستحي الشمس منها فتستتر في سحابها من كثرة الخجل ؛ تسير على الأرض منها ~~جبال ، وتأوي الرمال منها إلى أورف ظلال ؛ وتوجهنا إلى جهة الطرانة وإذا ~~بحشود الوحوش قد توافدت ، وعلى مناهل المناهج قد تواردت ؛ والأجل يسوقهم ، ~~والبيد تعقهم ، والمنايا تعوقهم ؛ ولم تزل أيدي الخيل تجمعهم في صعيد ، ~~وتطوى بهم سطورا في طروس البيد ؛ حتى أحاطت بهم إحاطة الفلك بالنجوم ~~الزواهر ، والأجفان بالعيون النواظر ؛ وجردت السيوف فظنتها غدرا ، ورميت ~~النبال فحسبتها شررا ؛ وعزلت الرماح بالسهام وحيتها السلام بالسلام ، وسكنت ~~نهارا من العجاج في ظلام ؛ وضاقت عليها الأرض بما رحبت ، وأدركت المنية ~~منها ما طلبت ؛ وراسلتها المنايا ، وأهدت إليها رياحين تحايا ، فمن صريع ~~وصديع وطريح وطريد ، وجريح ومقبل وشريد ، وقائم وحصيد ؛ ولم تسلم في هذا ~~اليوم غير غزالة السماء فإنها استترت بالغيوم ، وخافت أن يكون الهلال قد ~~نصب فخا لصيدها وصيد غيرها من النجوم ؛ والموت أسر كل مهاة مهابه ، ونال ~~الحتف من كل طلا طلابه ؛ وفتكت الظبا بالظبى ، وقالت السهام لأجيادها : ~~مرحبا ؛ وثنينا الأعنة والشفار قد أنهلت ، والظهور قد أثقلت ؛ والكنس خاوية ~~على عروشها ، والبيد قد أوحشت من وحوشها ؛ وما نشتمل عليه من محبة المجلس ~~وإيثاره ، ونجده من الوحشة له مع دنو داره ؛ وسروره بما عساه لنا يتجدد ، ~~وحبوره بما يرد من جهتنا وهذا لا نشك فيه ولا نتردد ؛ أوجب ms1651 أن نخصه به ~~ونتحفه ، ونصفه له على جليته إذ كنا بالتخصيص به لن ننصفه ؛ وقد بعثنا إليه ~~منه قسما ، ولم ننس عند ذكرنا أنفسنا له اسما . PageV08P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" وكتب عن السلطان الملك المنصور سيف الدين ~~قلاوون إلى صاحب اليمن جواب كتاب عزى فيه السلطان عن ولده الملك الصالح ~~علاء الدين علي - وكان الكتاب الذي ورد في ورق أزرق ، وسيره في كيس أطلس ~~أزرق ، والعادة أن يكون في كيس أطلس أصفر - : أعز الله نصرته وأحسن بتسليته ~~الصبر على كل فادح ، والأجر على كل مصاب قرح القرائح ، وجرح الجوارح ، ~~وأوفد من تعازيه كل مسكن طاحت به من تلقاء صنعاء اليمن الطوائح ، وكتب له ~~جزاء المصير عن جار من دمع طافح ، على جار لسويداء القلب صالح ؛ المملوك ~~يخدم خدمة لا يذود المواصلة بها حادث ، ولا يؤخرها عن وقتها أمر كارث ، ولا ~~تنقصها عن تحسينها وترتيبها بواعث الاختلاف ولا اختلاف البواعث ؛ ويطلع ~~العلم الكريم على ورود مثال كريم لولا زرقة طرسه ؛ وزرقة لبسه ، لقال : " ~~وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم " ؛ يتضمن ما كان حدث من رزء تلافاه الله ~~بناسيه ، وتوافى هو والصبر فتولى التسليم تبيين عاسيه وتمرين قاسيه ؛ ~~فشكرنا الله على ما أعطى وحمدناه على ما أخذ ، وما قلنا : هذا جزع قد انتبه ~~إلا وقلنا : هذا تثبت قد انتبذ ، ولا توهمنا أن فلذة كبد قد اختطفت إلا ~~وشاهدنا حولنا من ذريتنا - والحمد لله - فلذ ؛ وأحسنا الاحتساب ، ودخلت ~~الملائكة علينا من كل باب ، ووفانا الله أجر الصابرين بغير حساب ؛ ولنا - ~~والشكر لله - صبر جميل لا ناسف معه على فائت ولا نأسى على مفقود ، وإذا علم ~~الله حسن الاستنامة إلى قضائه والاستكانة إلى عطائه عوض كل يوم ما يقول ~~PageV08P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" المبشر به : هذا مولى مولود ؛ وليست الإبل ~~بأغلظ أكبادا ممن له قلب لا يبالي بالصدمات كثرت أو قلت ، ولا بالتباريح ~~حقرت أو جلت ، ولا بالأزمات إن هي توالت أو تولت ، ولا بالجفون إن ألقت ما ~~فيها من الدموع والهجوع وتخلت ؛ ويخاف من الدهر ms1652 من لم يحلب أشطره ، ويأسف ~~على الفائت من لا تنتابه الخطوب الخطره ؛ على أن الفادح بموت الولد الملك ~~الصالح - رضي الله عنه - وإن كان منكيا والنائح بشجوه وإن كان مبكيا ، ~~والنائج بذلك الأسف وإن كان لنار الأسى مذكيا ؛ فإن وراء ذلك من تثبيت الله ~~ما ينسفه نسفا ، ومن إلهامه الصبر ما يجدد لتمزيق القلوب أحسن ما به يرفا ؛ ~~وبكتاب الله وبسنة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) عندنا حسن اقتداء نضرب به ~~عن كل رئاء صفحا ، وما كنا مع الله - والمنة لله - نعطي لمن يؤنب ويؤبن ~~أذنا ولا نعيرها لمن يلحى ؛ إذ الولد الذاهب مر في رضوان الله تعالى سالكا ~~طريقا لا عوج فيها ولا أمتا ، وانتقل سارا بارا صالحا وما هكذا كل الموتى ~~نعيا ولا نعتا ؛ وإن كان نفعنا في الدنيا فها نحن بالصدقات والترحم عليه ~~ننفعه ، وإن كان الولد عمل أبيه - وقد رفع الله روح ولدنا في أعلى عليين ~~تحقق أنه العمل الصالح " والعمل الصالح يرفعه " ؛ وفيما نحن بصدده من ~~اشتغال بالحروب ، ما يهون ما يهول من الكروب ؛ وفيما نحن عاكفون عليه من ~~مكافحات الأعداء ما بين المرء وبين قلبه يحول ، ومله عن تخيل أسف في الخاطر ~~يجول إذا اعتاد الفتى خوض المنايا . . . فأهون ما يمر به الوحول ولنا بحمد ~~الله ذرية دريه ، وعقود والشكر لله كلها دريه إذا سيد منهم خلا قام سيد . . ~~. قؤول لما قال الكرام فعول PageV08P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" ما منهم إلا من نظر سعده ومن سعده ينتظر ، ومن ~~يحسن أن يكون المبتدا وأن تسد حاله بكفالته وكفايته مسد الخبر والشمس طالعة ~~إن غيب القمر لا سيما من الدين به إذ هو صلاحه أعرف ، ومن إذا قيل لبناء ~~ملك هذا عليه قد وهى قيل : هذا خير منه من أعلى بناء سعد أشرف ؛ وعلى كل ~~حال لا عدم إحسان المولى الذي يتنوع في بره ، ويعاجل قضاء الحقوق فتساعف ~~مرسومه في توصيله طاعة بحره وبره ؛ وله الشكر على مساهمة المولى في الفرح ~~والترح ، ومشاركته في الهناء إذا سنح ms1653 ، وفي الدمع إذا سفح ؛ وما مثل مكارم ~~المولى من يعزب مثل ذلك عن علمها ، ولا يعزى إلى غير حكمها وحلمها ؛ وهو - ~~أعزه الله - ذو التجارب التي مخضت له من هذه وهذه الزبده ، وعرضت عليه ~~منهما الهضبة والوهده ؛ والرغبة إلى الله تعالى في أن يجعل تلك المصيبة ~~للرزايا خاتمه وكما لم يجعلها للظهور قاصمة فلا يجعلها لعرا الشكر فاصمه ، ~~وإن يجعلها بعد حمل هذا الهم وفصاله على عليه فاطمه ؛ وأن يحبب إلينا كل ما ~~يلهي عن الأموال والأولاد من غزو وجهاد ، وأن يجعلنا ليس يحد لدينا على ~~مفقود تأدبا مع الله غير السيوف فإنها تعرف بالحداد ، وألا تقصف رماحنا إلا ~~في فود أو في فؤاد ، ولا تحول سروج خيلنا من ظهر جواد في السرايا إلا إلى ~~ظهر جواد ، وألا تشق لدينا إلا أكباد أكناد ، ولا تجز غير شعور ملوك التتار ~~تتوج بها رؤوس الرماح ويصعد بها على قمم الصعاد ؛ والله يشكر للمولى سعي ~~مراثيه التي لولا لطف الله بما صبرنا به لأقامت الجنائز ، واستخفت النحائز ~~، ولهوت بالنفوس في استعمال الجائز من الأسف وغير الجائز ، ولا شغل الله لب ~~المولى PageV08P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" بفادحه ، ولا خاطره بسانحة من الحزن ولا بارحه ~~ولا أسمعه بغير المسرات من هواتف الإبهاج صادحه ؛ بمنه وكرمه . ومن إنشائه ~~رحمه الله تقليد السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل بولاية عهد السلطنة ~~من أبيه السلطان الملك المنصور - سقى الله عهدهما صوب الرحمة - وهو : الحمد ~~لله الذي لم يزل له السمع والطاعة فيما أمر ، والرضا والشكر فيما هدم من ~~الأعمار وما عمر ، والتفويض إن غابت الشمس وبقى القمر نحمده على أن جعل ~~سلطاننا ثابت الأركان ، نابت الأغصان ، كل رياضة من رياضه ذات أفنان ؛ لا ~~تزعزعه ريح عقيم ، ولا يخرجه رزء عظيم عن الرضا والتسليم ، ولا يعتبط من ~~جملته كريم إلا ويغتبط من أسرته بكريم ؛ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له شهادة تزيد قائلها لله تفويضا ، وتجزل له تعويضا وتحسن له على ~~الصبر الجميل في كل خطب ms1654 جليل تحريضا ؛ ونشهد أن محمدا عبده الذي أنزل في ~~التسلية به : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " والنبي الذي أوضح ~~الله به المناهج وبين السبل ؛ صلى الله عليه وعلى آله ما تجاوبت المحابر ~~والمنابر في البكر والأصل ؛ وما بددت عقود ونظمت ، ونسخت آيات وأحكمت ونقضت ~~أمور وأبرمت ، وما عزمت آراء فتوكلت وتوكلت فعزمت ؛ ورضي الله عن أصحابه ~~الذين منهم من كان للخليقة نعم الخليفة ، ومنهم من لم يدرك أحد في تسويد ~~النفس الحصيفة ولا في تبييض الصحيفة سمده ولا نصيفه ، ومنهم من يسره الله ~~لتجهيز جيش العسرة فعرف الله ورسوله معروفه ، ومنهم من عمل صالحا أرضى ربه ~~فأصلح في ذريته الشريفه ؛ وبعد ، فإن من ألطاف الله بعباده ، PageV08P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" واكتناف عواطفه ببلاده ؛ أن جعلنا كلما وهي ~~للملك ركن شديد شيدنا ركنا عوضه ، وكلما اعترضت للمقادير جملة بدلنا آية ~~مكان آية وتناسيا تجلدا تلك الجملة المعترضه ؛ فلم نحوج اليوم لأمسه وإن ~~كان حميدا ، ولا الغارس لغرسه وإن كان ثمره يانعا وظله مديدا ؛ فأطلعنا في ~~أفق السلطنة كوكب سعد كان لحسن الاستخلاف معدا ، ومن لقبيل المسلمين خير ~~ثواب وخير مردا ، ومن يبشر الله به الأولياء المتقين وينذر به من الأعداء ~~قوما لدا ، ومن لم يبق إلا به أنسنا بعد ذهاب الذين نحبهم وبقي كالسيف فردا ~~، والذي ما أمضى حده في ضريبة إلا قد البيض والأبدان قدا ، ولا جهز راية ~~كتيبة إلا أغنى غناء الذاهبين وعد للأعداء عدا ولا بعثه جزع فقال : كم من ~~أخ لي صالح إلا لقيه ورع فقال : وخلقت يوم خلقت جلدا ؛ وهو الذي بقواعد ~~السلطنة الأدري وقوانينها الأعرف ، وعلى الأولياء الأعطف وبالرعايا الأرأف ~~، والذي ما قيل لبناء ملك : هذا عليه قد وهى إلا وقيل : هذا بناء مثله منه ~~أسمى ملكا وأشرف ، والذي ما برح النصر يتنسم من مهاب تأميله والفلاح ، ~~ويتبسم ثغره فتتوسم الثغور من تبسمه النجاح ، وينقسم نوره على البسيطة فلا ~~مصر من الأمصار إلا وهو يشرئب إلى ملاحظة جبين عهده الوضاح ويتفق اشتقاق ms1655 ~~النعوت فيقول التسلي للتملي سواء الصالح والصلاح ؛ والذي ما برح لشعار ~~السلطنة PageV08P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" إلى توقله وتنقله أتم حنين ، وكأنما كوشفت ~~الإمامة العباسية بشرف مسماه فيما تقدم من زمن من سلف من حين ، فسمت ووسمت ~~باسمه أكابر الملوك وأخاير السلاطين فخوطب كل ؟ منهم مجازا لا كهذه الحقيقة ~~بخليل أمير المؤمنين ؛ والذي كم جلا بهاء جبينه من بهيم ، وكم غدا الملك ~~بحسن رأيه ويمن آرائه يهيم وكم أبرأ مورده العذب هيم عطاش ولا ينكر الخليل ~~إذا قيل عنه : إنه إبراهيم ؛ ومن تشخص الأبصار لكماله يوم ركوبه حسيره ، ~~وتلقي البنان سلاحها ذهلا وهي لا تدري لكثرة الإيماء إلى جلاله إذا يبدو ~~مسيره ؛ والذي ألهم الله الأمة بجوده ووجوده صبرا جميلا ، وآتاهم من نفاسة ~~كرمه وحراسة سيفه وقلمه تأمينا وتأميلا ، وعظم في القلوب والعيون ، بما من ~~بره سيكون ، فسمته الأبوة الشريفة ولدا وسماه الله : خليلا ؛ ولما تحتم من ~~تفويض أمر الملك إليه ما كان إلى وقته المعلوم قد تأخر ، وتحين حينه فكمل ~~بزيادة كزيادة الهلال حين بادر تمامه فأبدر ؛ اقتضى حسن المناسبة لنصائح ~~الجمهور ، والمراقبة لمصالح الأمور ، والمصاقبة لمناجح البلاد والثغور ، ~~والمقاربة سمن فواتح كل أمر ميسور ؛ أن نفوض إليه ولاية العهد الشريف ~~بالسلطنة الشريفة المعظمه ، المكرمة المفخمة المنظمه ؛ وأن تبسط يده ~~المنيفة لمصافحتها بالعهود ، وتحكيمها في العساكر والجنود ، وفي البحور ~~والثغور وفي التهائم والنجود ؛ وأن يعقد بسيفها وقلمها كل قطع ووصل ، وكل ~~فرع وأصل وكل نصر ونصل ؛ وكل ما يحمى سرحا ، ويهمى منحا ، وفي المثيرات في ~~الإعداء على الأعداء نقعا وفي المغيرات صبحا ؛ وفي المنع والإطلاق ، وفي ~~الإرفاد والإرفاق PageV08P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" وفي الخميس إذا ساق ، وفي الخمس إذا انساق ، ~~وفي السيوف " إذا بلغت التراقي وقيل : من راق " ، وفي الرماح إذا التفت ~~الساق منها بالساق ؛ وفي المعاهدات والهدن وفي الفداء بما عرض من عرض ~~وبالبدن للبدن ، وفيما ظهر من أمور الملك وما بطن ، وفي جميع ما تستدعيه ~~بواعثه في السر والعلن ، وتسترعيه نوافثه من كبت وكتب متفرقين أو في قرن ؛ ~~عهدا ms1656 مباركة عوذه وتمائمه ، وفواتحه وخواتمه ، ومناسمه ومواسمه ، وشروطه ~~ولوازمه على عاتق الملك الأغر نجاده . . . وفي يد جبار السموات قائمه لا ~~راد لحكمه ، ولا ناقض لبرمه ، ولا داحض لما أثبتته الأقلام من مكنون علمه . ~~ويزيده مر الليالي جدة . . . وتقادم الأيام حسن شباب وتلزم السنون والأحقاب ~~، استيداعه حتى الذراري والأعقاب ؛ فلا سلطان ذا قدر وقدره ، وذا أمر وإمره ~~؛ ولا نائب في مملكة قربت أو بعدت ، ولا مقدم جيوش أتهمت أو أنجدت ؛ ولا ~~راعي ولا رعيه ، ولا ذا حكم في الأمور الشرعيه ؛ ولا قلم PageV08P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" إنشاء ولا قلم حساب ، ولا ذوي أنساب ولا ذوي ~~أسباب ؛ إلا وكل ؟ داخل في قبول عقد هذا العهد الميمون ، ومتمسك بمحكم آيات ~~كتابه المكنون والتسليم لنصه الذي شهدته من الملائكة الكرام الكاتبون ؛ ~~وأمست بيعته بالرضوان محفوفه ، والأعداء يدعونها تضرعا وخيفه ، فليشكروا ~~الصنع الذي بعد أن كانت الخلفاء تسلطن الملوك قد صار سلطانهم يقيم لهم من ~~ولاة العهد خليفة بعد خليفه ؛ وأما الوصايا فأنت يا ولدنا الملك الأشرف - ~~أعزك الله - بها الدرب ولسماع شدوها وحدوها الطرب ، الذي للغو لا يضطرب ؛ ~~فعليك بتقوى الله فإنها ملاك سدادك ، وهلاك أضدادك ؛ وبها يراش جناح نجاحك ~~، ويحسن اقتداء اقتداحك ؛ فاجعلها دفين جوانح تأملك ووعيك ، ونصب عيني أمرك ~~ونهيك ، والشرع الشريف فهو قانون الحق المتبع ، وناموس الأمر المستمع ؛ ~~وعليه مدار إيعاء كل إيعاز ، وبه يتمسك من أشار وامتاز ، وهو جنة والباطل ~~نار " فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز " ؛ فلا تخرج في كل حال عن ~~لوازمه وشروطه ولا تنكب عن معلقه ومنوطه ؛ والعدل ، فهو مثمر غروس الأموال ~~، ومعمر بيوت الرجاء والرجال ، وبه تزكو الأعمار والأعمال ؛ فاجعله جامع ~~أطراف مراسمك ، وأفضل أيام مواسمك ؛ وسم به فعلك ، وسم به فرضك ونفلك ؛ ولا ~~تفرد به فلانا دون فلان ولا مكانا دون مكان ، واقرنه بالفضل ، " إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان " ؛ وأحسن التخويل ، وأجمل التنويل ، وكثر لمن حولك ~~التموين والتمويل ؛ وضاعف الخير في كل مضاف لمقامك ، ومستضيف بإنعامك ، حتى ~~لا يعدم في كل مكان وكل زمان ms1657 من النعماء ضيافة الخليل ؛ والثغور ، فهي ~~للممالك مباسمها فاجعل نواجذها تفتر عن أحسن ثنايا الصون ، ومراشفها شنبة ~~الشفاه بحسن العون ؛ ومنها PageV08P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" بما يحى السرح منها ، وأعنها بما يدفع المكاره ~~عنها ؛ فإنها للنصر مقاعد ، وبها حفظ البلاد من كل مار ؟ من الأعداء مارد ؛ ~~وأمراء الجيوش ، فهم السور الواقي بين يدي كل سور ، وما منهم إلا بطل ~~بالنصر مشهور كما سيفه مشهور ؛ وهم ذخائر الملوك وجواهر السلوك ، وأخاير ~~الأكابر الذين خلصوا من الشكوك ؛ وما منهم إلا من له حرمات سلفت ، وحقوق ~~عرفت ، وموات على استلزام الرعاية للعهود وقفت ؛ فكن لجنودهم متحببا ، ~~ولمرابعهم مخصبا ، ولمصالحهم مرتبا ، ولآرائهم مستصوبا وللاعتضاد بهم ~~مستصبحا ، وفي حمدهم مطنبا ، وفي شكرهم مسهبا ؛ والأولياء المنصوريين الذين ~~هم كالأولاد ، ولهم سوابق أمت من سوابق الإيجاد ؛ وهم من علمت استكانة من ~~قربنا ، ومكانة من قلبنا ، وهم المساهمون فيما ناب ، وما برحوا للدولة ~~الظفر والناب ؛ فأسهم لكل ؟ منهم من احترامك نصيبا ، وأدم لهم ارتياحك ، ~~وألن جماحك وقو بهم سلاحك ، تجد منهم ضروبا ، وتر لكلا ؟ منهم في أعدائك ~~ضروبا ؛ وكما أنا نوصيك بجيوش الإسلام ، كذلك نوصيك بالجيش الذي له المنشآت ~~في البحر كالأعلام ؛ فهو جيش الأمواه والأمواج ، المضاف إلى الأفواج من جيش ~~الفجاج ؛ وهو الجيش السليماني في إسراع السير ، وما سميت شوانيه غربانا إلا ~~ليجمع بها لنا ما اجتمع لسليمان ( صلى الله عليه وسلم ) من تسخير الريح ~~والطير ؛ وهي من الديار المصرية على ثبج البحر الأسوار ، فإن قذفت قذفت ~~الرعب في قلوب الأعداء وإن أقلعت قلعت منهم الآثار ؛ فلا تخله من تجهيز ~~جيشه ، وسكن طيش البحر بطيشه ؛ فيصبح لك جيشان كل ؟ منهما ذو كر ؟ وفر ، ~~هذا في بر ؟ بحر وهذا ببحر بر ؛ وبيوت العبادات فهي التي إلى مصلى سميك ~~خليل الله تنتهي محاريبها ، وبها لنا PageV08P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" ولك وللمسلمين سرى الدعوات وتأويبها ؛ فوفها ~~نصيبها المفروض غير منقوص ، ومر برفعها وذكر اسم الله فيها حسب الأمر ~~المنصوص ؛ وأخواتها من بيوت الأموال الواجدات الواجبات من حيث أنها كلها ~~بيوت لله هذه ms1658 للصلاة وهذه للصلات ، وهذه كهذه في رفع المنار ، وجمع المبار ~~، وإذا كانت تلك مما أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، فهذه ترفع ويذكر ~~فيها اسمه حتى على الدرهم والدينار ؛ فاصرف إليها اجتهادك فيما يعود عليها ~~بالتثمير ، كما يعود على تلك بالتنوير ؛ وعلى هذه بإشحانها بأنواع الصروف ، ~~كإشحان تلك باستواء الصفوف ؛ فإنها إذا أصبحت مصونه ، احتملت بحمد الله ~~المعونه وكفلت بالمؤونة وبالزيادة على المؤونه ، فتكمل هذه لكل ولي ؟ دنياه ~~كما كملت تلك لكل ولي ؟ دينه ؛ وحدود الله ، فلا يتعداها أحد ، ولا يرأف ~~فيها ولد بوالد ولا والد بولد ؛ فأقمها وقم في أمرها حتى تنضبط أتم الضبط ، ~~ولا تجعل يد القتل مغلولة إلى عنقها ولا تبسطها كل البسط ، فلكل ؟ من ~~الجنايات والقصاص شرط شرطه الله وحد ؟ حده فلا يتجاوز أحد ذلك الحد ولا ~~يخرج عن ذلك الشرط ؛ والجهاد فهو الديدن المألوف من حين نشأتنا ونشأتك في ~~بطون الأرض وعلى ظهور الخيل فمل على الأعداء كل الميل ، وصبحهم من فتكاتك ~~بالويل بعد الويل ، وارمهم بكل شمري ؟ قد شمر من يده عن الساعد ومن رمحه عن ~~الساق ومن جواده الذيل ؛ واذهب بهم في ذلك كل مذهب ، وأبن بنجوم الخرصان كل ~~غي ؟ وغيهب وتكثر في غزوهم من الليل بكل أدهم ومن الشفق بكل أحمر وأشقر ومن ~~الأصيل بكل أصفر ومن الصبح بكل أشهب ، وانتهب أعمارهم واجعلها آخر ما يسلب ~~وأول ما ينهب ؛ ونرجوا أن يكون الله قد خبأ لك من الفتوحات ما PageV08P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" يستنجزها لك صادق وعده ، وأن ينصر بك جيوش ~~الإسلام في كل إنجاد وإتهام وما النصر إلا من عنده ؛ وبيت الله المحجوج من ~~كل فج ، المقصود من كل نهج ؛ يسر سبيله ، ووسع الخير وأحسن تسبيله ، وأوصل ~~من برك لكل ؟ من الحرمين ما هو له ، لتصبح ربوعه بذلك مأهوله ؛ واحمه ممن ~~يرد فيه بإلحاد بظلم ، وطهره من كل مكس وغرم ؛ ليعود نفعك على البادي ~~والعاكف ، ويصبح واديه وناديه مستغنين بذلك عن السحاب الواكف ؛ والرعايا ، ~~فهم للعدل زروع ، وللاستثمار فروع ، ولاسلتزام العمارة ms1659 شروع ؛ فمتى جادهم ~~غيث أعجب الزراع نباتهم ، ونمت بالصلاح أقواتهم ، وصلحت بالنماء أوقاتهم ، ~~وكثرت للجنود مستغلاتهم ، وتوافرت زكواتهم ، وتنورت مشكاتهم " والله يضاعف ~~لمن يشاء " ؛ هذا عهدنا للسيد الأجل الولد الملك الأشرف صلاح الدنيا والدين ~~، فخر الملوك والسلاطين ، خليل أمير المؤمنين - أعزنا الله ببقائه - فليكن ~~بعروته متمسكا ، وبنفحته متمسكا ؛ وليتقلد سيف هذا التقليد ، ويفتح مغلق كل ~~فتح منه بخير إقليد ، وها نحن قد كثرنا لديه جواهره فدونه ما يشاء تحليته : ~~من تتويج مفرق وتخنيم أنامل وتسوير زند وتطويق جيد ، ففي كل ذلك تبجيل ~~وتمجيد ؛ والله تعالى يجعل استخلافه للمتقين إمام ، وللدين قواما ، ~~وللمجاهدين اعتصاما ، وللمعتدين انفصاما ، ويطفئ بمياه سيوفه نار كل خطب ~~حتى تصبح كما أصبحت نار سميه ( صلى الله عليه وسلم ) بردا وسلاما ؛ إن شاء ~~الله تعالى . لت بالمؤونة وبالزيادة على المؤونه ، فتكمل هذه لكل ولي ؟ ~~دنياه كما كملت تلك لكل ولي ؟ دينه ؛ وحدود الله ، فلا يتعداها أحد ، ولا ~~يرأف فيها ولد بوالد ولا والد بولد ؛ فأقمها وقم في أمرها حتى تنضبط أتم ~~الضبط ، ولا تجعل يد القتل مغلولة إلى عنقها ولا تبسطها كل البسط ، فلكل ؟ ~~من الجنايات والقصاص شرط شرطه الله وحد ؟ حده فلا يتجاوز أحد ذلك الحد ولا ~~يخرج عن ذلك الشرط ؛ والجهاد فهو الديدن المألوف من حين نشأتنا ونشأتك في ~~بطون الأرض وعلى ظهور الخيل فمل على الأعداء كل الميل ، وصبحهم من فتكاتك ~~بالويل بعد الويل ، وارمهم بكل شمري ؟ قد شمر من يده عن الساعد ومن رمحه عن ~~الساق ومن جواده الذيل ؛ واذهب بهم في ذلك كل مذهب ، وأبن بنجوم الخرصان كل ~~غي ؟ وغيهب وتكثر في غزوهم من الليل بكل أدهم ومن الشفق بكل أحمر وأشقر ومن ~~الأصيل بكل أصفر ومن الصبح بكل أشهب ، وانتهب أعمارهم واجعلها آخر ما يسلب ~~وأول ما ينهب ؛ ونرجوا أن يكون الله قد خبأ لك من الفتوحات ما يستنجزها لك ~~صادق وعده ، وأن ينصر بك جيوش الإسلام في كل إنجاد وإتهام وما النصر إلا من ~~عنده ؛ وبيت الله المحجوج من كل فج ms1660 ، المقصود من كل نهج ؛ يسر سبيله ، ووسع ~~الخير وأحسن تسبيله ، وأوصل من برك لكل ؟ من الحرمين ما هو له ، لتصبح ~~ربوعه بذلك مأهوله ؛ واحمه ممن يرد فيه بإلحاد بظلم ، وطهره من كل مكس وغرم ~~؛ ليعود نفعك على البادي والعاكف ، ويصبح واديه وناديه مستغنين بذلك عن ~~السحاب الواكف ؛ والرعايا ، فهم للعدل زروع ، وللاستثمار فروع ، ولاسلتزام ~~العمارة شروع ؛ فمتى جادهم غيث أعجب الزراع نباتهم ، ونمت بالصلاح أقواتهم ~~، وصلحت بالنماء أوقاتهم ، وكثرت للجنود مستغلاتهم ، وتوافرت زكواتهم ، ~~وتنورت مشكاتهم " والله يضاعف لمن يشاء " ؛ هذا عهدنا للسيد الأجل الولد ~~الملك الأشرف صلاح الدنيا والدين ، فخر الملوك والسلاطين ، خليل أمير ~~المؤمنين - أعزنا الله ببقائه - فليكن بعروته متمسكا ، وبنفحته متمسكا ؛ ~~وليتقلد سيف هذا التقليد ، ويفتح مغلق كل فتح منه بخير إقليد ، وها نحن قد ~~كثرنا لديه جواهره فدونه ما يشاء تحليته : من تتويج مفرق وتخنيم أنامل ~~وتسوير زند وتطويق جيد ، ففي كل ذلك تبجيل وتمجيد ؛ والله تعالى يجعل ~~استخلافه للمتقين إمام ، وللدين قواما ، وللمجاهدين اعتصاما ، وللمعتدين ~~انفصاما ، ويطفئ بمياه سيوفه نار كل خطب حتى تصبح كما أصبحت نار سميه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بردا وسلاما ؛ إن شاء الله تعالى . وكلامه رحمه الله كثير ~~ورسائله مشهورة ، وبيد الناس من إنشائه ما لو استقصيناه لطال وانبسط ، وقد ~~قدمنا في كتابنا هذا من كلامه في باب التهاني بالفتوح ما تجده في موضعه ~~PageV08P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" ونختم كلامه بشيء من أدعية الملوك ، وهي : ~~ومكن الله له في الأرض ، وجعل طاعته واجبة وجوب الفرض ، وأيد آراءه ~~بالملائكة في الحل والعقد والإبرام والنقض . آخر : وأنجز له من النصر صادق ~~وعده ، وجعل الملوك من عبيده والملائكة من جنده ، ومتعه بما وهبه من الملك ~~الذي لا ينبغي لأحد من بعده . آخر : وحفظه بمعقبات من أمره ، وحمى حمى ~~الدين بقصار بيضه وطوال سمره ، وجعل قدر مملكته في الدهر كليالي قدره ، ~~وألبس أولياءه من طاعته ما يجرون أذيال فخره . آخر : ولا زالت الدنيا بعدله ~~مخضرة الوهاد والربا ، والامال بفضله قائلا لها النجح : مرحبا ، والأقدار ~~لنصره مسددة السهام ms1661 مرهفة الظبا ، والأيام لا تعدم من جميل أثره وجليل ~~تأثيره فعلا مطربا ، ووصفا مطيبا . وجعلت ملكه موصولا بحبل لا يحل عقده ، ~~وحرمه محروسا بسيف التوفيق لا يفل حده . ولا زالت راياته ألسنة تنذر أعداءه ~~بالفرار ، وتبشر أولياءه بالقرار ، وآراؤه أعلاما عالية المنار واضحة ~~الأنوار . وأنجز له عداته في عداته ، وجعل النصر والتوفيق مصاحبين لآرائه ~~وراياته . وأناله النصر الذي يغنيه عن الحيلة والحول ، وعقد السعد بعرا ما ~~يمضيه من الفعل والقول ، وبوأ النصر أولياءه جنة من النصر ما فيها غائلة ~~وجنة من العز ما فيها غول . وقصم بمهابته كل جبار عنيد ، وعصم كل من يأوي ~~من رجائه إلى ركن شديد . وآتاه من التأييد سلطانا نصيرا ، وجعل جيشه أكثر ~~قوى وأقوى نفيرا . ولا زالت الآمال بسحابه مخضرة الربا والوهاد ، والتأييد ~~بتمكينه مناديا في كل ناد ، والدنيا بملكه مسرورة الأسرار حالية الأجياد ، ~~والأقدار لأمره متكلفة بالنفاد . وطرز بأيامه ملابس السير ، وأحل أمره أعلى ~~هضبات النصر والظفر ، وحلى أجياد الممالك من عدله وبذله بأشرف PageV08P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" الدرر ، ولا برح القدر يوافق قصوده فيقول ~~للقدر : " لقد جئت على قدر " . وأتم نعمته عليه كما أتمها ، وعمر بعدله ~~الآفاق وعمها ، وأوضح مناهج كرمه لمن قصدها وأمها ، وأنجز عداته في عداته ~~فأصماها وأصمها . وأتم نعمته عليه كما أتمها على أبويه من قبله ، وحمى حمى ~~الدين بنصره وفضله ، وكسا الدنيا بملكه حلة فخار معلمة بإحسانه وعدله ، ~~وجعل أقاليم الأرض معمورة بسلطانه مغمورة بعطائه وبذله . ذكر شيء من إنشاء ~~المولى الماجد السالك من طريقي الفضل والفضائل أوضح الطرق وأنهج المسالك ، ~~المفصح بلسان براعته والموضح بأنوار بلاغته ما أبهم واستبهم من ليل العي ~~الحالك ، المتصرف بقلمه وكلمه لوثوق ملوك الإسلام بديانته وأمانته وأصالته ~~ونزاهته في الأقاليم والثغور والحصون والممالك ، العامر بفضله وفضائله ~~والغامر بجوده ونائله باطن وظاهر من أمله وأم له من زائر وقاطن ومار ؟ ~~وسالك ؛ فينفصل هذا بابه وهو بجوده مغمور ، وهذا عن مجلسه وقلبه بولائه لما ~~أولاه من إحسانه معمور ؛ وهذا وهو ينفق الجمل من ماله ، وذاك وهو ms1662 يجود على ~~المعدم من فضل نواله ؛ والآخر وقد امتلأ صدره سرورا ، وأشرق وجهه بهجة ~~ونورا ؛ وانطلق لسانه من عقاله بعد تقييده ، وانبسط أمله لطلب الفضائل لما ~~ظفر بمعدنها بعد تعقيده ؛ فتجده وقد اعتلق منه جملا واعتنق جمالا ، وأنفق ~~الدرر بعد ضنه بالأصداف فهو لا يخشى عدما ولا يخاف إقلالا ؛ والمولى المعنى ~~بهذه المعالي التي ابتسمت ثغورها ، وتحلت نحورها ؛ والمكارم التي جادت ~~سحائبها وامتدت مذانبها ، وترادفت مواهبها ، واتسعت مذاهبها ؛ والفضائل ~~التي لجنابه الكريم تعزى ولفضله العميم تنتسب ، والسيادة التي شادها لنفسه ~~لاستغنائه عما مهدته له آباؤه النجب ، والمراد PageV08P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" بهذه الأوصاف التي خليت والحسن تأخذه . . . ~~تنتقي منه وتنتخب هو لسان الدولة ويمينها ، وسفير المملكة وأمينها ؛ وجامع ~~أشتات الفضائل ، وناظم أخبار الأواخر وسير الأوائل ؛ وسيد الرؤساء وجليس ~~الملوك ، ومؤلف كتاب نظم السلوك ؛ المولى المالك علاء الدين علي ابن المولى ~~المرحوم فتح الدين محمد ابن المولى المرحوم محيي الدين عبد الله بن عبد ~~الظاهر ، ذو الفضائل والمآثر ، والنسب العريق والأصل الطاهر ، والسبب ~~الوثيق والفضل الباهر ؛ فهذه نبذة من أوصافه أثبتناها ، ولمعة من محاسنه ~~أوردناها ، أسام لم تزده معرفة وإنما لذة ذكرناها ؛ وله - أعزه الله وأوفر ~~نعمه لديه ، وأتم نعمته عليه كما أتمها على أبويه ؛ وأرانا في نجله الكريم ~~ما رأيناه في سلفه وفيه ، وأنطق الواصف لمحاسنهم بملء فيه - من الرسائل ~~البليغه ، والتقاليد البديعه ؛ والعهود التي عاهدتها البلاغة ألا تتعداها ~~فوفت بعهدها ، وأقسمت معانيها أنها لم تقصد سواه من قبل لعلمها أن غيره لا ~~يوفيها حق قصدها ؛ وسنورد إن شاء الله من كلامه ما هو بالنسبة إلى مجموعة ~~نبذة يسيره ، ونرصع في كتابنا هذا من فضائله لمعة خطيره ؛ ونرفع بما نضعه ~~فيه من كلامه قدر هذا التصنيف ، ونطرز به أردان هذا التأليف ، ولا نحتاج ~~إلى التعريف بماكنه وتمكنه من هذه الصناعة فالشمس تستغني عن التعريف ؛ ونح ~~الآن نعتذر من التقصير في الانتهاء إلى وصف محاسنه ، ونعترف بالعجز عن ~~إدراك كنه مناقبه الشريفة وميامنه ؛ ونأخذ في ذكر كلامه لنمحو ذنب التقصير ~~بحسن الإخبار ms1663 ، ونسأل الصفح عن اختصارنا واجب حقه ونرجوا قبول كلمات ~~الاعتذار فم إنشائه ما كتبه عن الخليفة المستكفي بالله أبي الربيع سليمان - ~~جمل الله به الدين ، وأيد ببقائه الإسلام والمسلمين - للسلطان الملك المظفر ~~ركن الدين بيبرس المنصوري في شوال سنة ثمان وسبعمائة ، ابتدأه بأن قال : ~~هذا عقود شريف انتظمت به عقود مصالح الممالك ، وابتسمت ثغور الثغور ببيعته ~~التي شهدت بصحتها الكرام الملائك ؛ وتمسكت النفوس بمحكم عقده النضيد ~~PageV08P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" ومبرم عهده النظيم ، ووثقت الآمال ببركة ~~ميثاقه فتقرأه الألسنة مستفتحة فيه بقول الله الكريم : " إنه من سليمان ~~وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " الحمد لله الذي جعل الملة الإسلامية تأوي من ~~سلطانها إلى ركن شديد ، وتحوي من مبايعة مظفرها كل ما كانت ترومه من تأبيد ~~التأييد ، وتروي أحاديث النصر عن ملك لا يمل من نصرة الدين الحنيفي وإن مل ~~الحديد من الحديد ؛ مؤتى ملكه من يشاء من عباده وملقي مقاليده للمولى الملي ~~بقمع أهل عناده ؛ ومانحه من لم يزل بعزائمه ومكارمه مرهوبا مرغوبا ، وموليه ~~من غدا محبوا من الأنام بواجب الطاعة محبوبا وباسط أيدي الرغبات لمن حكم له ~~كمال وصفه ووصف كماله بأن يكون مسئولا مخطوبا ومفوض أمره ونهيه إلى من ~~طالما صرف خطيه عن حمى الدين أخطارا وخطوبا ؛ والحمد لله مجري الأقدار برفع ~~الأقدار ، ومظهر سر الملك فيمن أضحى عند الإمامة العباسية بحسن الاختيار من ~~المصطفين الأخيار ، جامع أشتات الفخار ، ورافع لواء الاستظهار ، ودافع ~~لاواء الأضرار ، بجميل الالتجاء إلى ركن أمسى بقوة الله تعالى عالي المنار ~~وافي المبار ، بادي الآثار الجميلة في الإيثار ؛ والحمد لله على أن قلد ~~أمور السلطنة الشريفة لكافلها وكافيها ، وأسند عقدها وحلها لمن يدرك بكريم ~~فطنته وسليم فطرته عواقب الأمور من مباديها ، وأيد الكتائب الإيمانية بمن ~~لم تزل عواليه تبلغها من ذرا الأماني معاليها ؛ يحمده أمير المؤمنين على ~~إعلاء كلمة الإيمان بأعيان أعوانها ، وإعزاز نصرها بأركان تشييدها وتشييد ~~أركانها ؛ ويشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا تبرح الألسن ~~ترويها ، والقلوب تنويها ، والمواهب ms1664 تجزل لقائلها تنويلا وتنويها ؛ يشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله أكمل نبي ؟ وأفضل مبعوث ، وأشرف مورث لأجل موروث ؛ صلى ~~الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة تنمو بركاتها وتنم ، وتخص حسناتها وتعم ؛ ~~ورضي الله عن عمه العباس بن عبد المطلب جد أمير المؤمنين ، وعن أبنائه ~~الأئمة المهديين ؛ الذين ورثوا الخلافة كابرا عن كابر ، وسمت ووسمت ~~بأسمائهم ونعوتهم ذرا المنابر ؛ أما بعد ، فإن الله تعالى لما عدق لمولانا ~~أمير المؤمنين مصالح الجمهور وعقد له البيعة في أعناق PageV08P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" أهل الإيمان فزادتهم نورا على نور ؛ وأورثه عن ~~أسلافه الطاهرين إمامة خير أمه ، وكشف بمصابرته من بأس العدا غمام كل غمه ؛ ~~وأنزل عليه السكينة في مواطن النصر والفتح المبين ، وثبته عند تزلزل ~~الأقدام وثبت به قلوب المؤمنين ؛ وأفاض عليه من مهابة الخلافة ومواهبها ما ~~هو من أهله ، وأتم نعمته عليه كما أتمها على أبويه من قبله ؛ بايع الله ~~تعالى على أن يختار للتمليك على البرايا ، والتحكيم في الممالك والرعايا ؛ ~~من أسس بنيانه على التقوى ، وتمسك من خشية الله سبحانه بالسبب الأقوى ؛ ~~ووقف عند أوامر الشرع الشريف في قضائه وحكمه ، ونهض لأداء فرض الجهاد ~~بمعالي عزمه وحزمه ؛ وكان المقام الأشرف العالي المولوي السلطاني الملكي ~~المظفري الركني ، سلطان الإسلام والمسلمين ، سيد الملوك والسلاطين ؛ ناصر ~~الملة المحمدية ، محيي الدولة العباسية أبو الفتح بيبرس قسيم أمير المؤمنين ~~- أعز الله تعالى ببقائه حمى الخلافة وقد فعل ، وبلغ دوام دولته الأمل - هو ~~الملك الذي انعقد الإجماع على تفضيله ، وشهدت مناقبه الطاهرة باستحقاقه ~~لتحويل الملك إليه وتخويله ؛ وحكم التوفيق والاتفاق بترقيه إلى كرسي ~~السلطنة وصعوده ، وقضت الأقدار بأن يلقي إليه أمير المؤمنين أزمة عهوده ؛ ~~والذي كم خفقت قلوب الأعادي عند رؤية رايات نصره ، ونطقت ألسنة الأقدار بأن ~~سيكون مليك عصره وعزيز مصره ؛ واهتزت أعطاف المنابر شوقا للافتخار باسمه ، ~~واعتزت الممالك بمن زاده الله بسطة في علمه وجسمه ؛ وهو الذي ما برح مذ نشأ ~~يجاهد في الله حق جهاده ، ويساعد في كل معركة بمرهفات سيوفه ومتلفات صعاده ~~، ويبدي في الهيجاء صفحته ms1665 للصفاح فيقيه الله ويبقيه ليجعله ظله في الأرض ~~على عباده وبلاده ، فيردى الأعداء في مواقف تأييده فكم عفر من خد ؟ لملوك ~~الكفر تحت سنابك جياده ؛ ويشفي بصدور سيوفه صدور قوم مؤمنين ، ويسقي ظماء ~~أسنته فيرويها من مورد ورود المشركين ؛ ويطلع في سماء الملك في غرر رأيه ~~نيرات لا تأفل ولا تغور ويظهر من مواهبه ومهابته ما تحسن به الممالك وتحصن ~~به الثغور ؛ فما من حصن أغلقه الكفر إلا وسيفه PageV08P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" مفتاحه ، ولا ليل خطب دجا إلا وغرته الميمونة ~~صباحه ، ولا عز أمل لأهل الإسلام إلا وكان في رأيه المسدد نجاحه ، ولا حصل ~~خلل في قطر من الممالك إلا وكان بمشيئة الله وبسداد تدبيره صلاحه ؛ ولا ~~اتفق مشهد غزو إلا والملائكة بمضافرته فيه أعدل شهود ، ولا تجدد فتوح ~~للإسلام إلا جاد فيه بنفسه وأجاده ، والجود بالنفس أقصى غاية الجود كم أسلف ~~في غزو الأعداء من يوم أغر محجل ، وأنفق ماله ابتغاء مرضات الله فحاز النصر ~~المعجل والأجر المؤجل ؛ وأحيا من معالم العلوم ودوارس المدارس كل داثر ، ~~وحثه إيمانه على عمارة بيوت الله تعالى الجامعة لكل تال وذاكر ، " إنما ~~يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر " ؛ وهو الذي ما زالت الأولياء ~~تتخيل مخايل السلطنة في أعطافه معنى وصوره ، والأعداء يرومون إطفاء ما ~~أفاضه الله عليه من أشعة أنواره " ويأبى الله إلا أن يتم نوره " ؛ طالما ~~تطاولت إليه أعناق الممالك فأعرض عنها جانبا ، وتطفلت عليه فغدا لها رعاية ~~لذمة الوفاء مجانيا ؛ حتى أذن الله سبحانه لكلمة سلطانه أن ترفع وحكم له ~~بالصعود في درج الملك إلى المحل الأعلى والمكان الأرفع ، وأدى له من ~~المواهب ما هو على اسمه في ذخائر الغيوب مستودع ؛ فعند ذلك استخار الله ~~تعالى سيدنا ومولانا أمير المؤمنين المستكفي بالله - جعل الله الخلافة كلمة ~~باقية في عقبه ، وأمتع الإسلام والمسلمين بشريفي حسبه ونسبه - وعهد إلى ~~المقام العالي السلطاني بكل ما وراء سرير خلافته ، وقلده جميع ما هو متقلده ~~من أحكام إمامته ؛ وبسط يده في السلطنة المعظمه ، وجعل ms1666 أوامره هي النافذة ~~وأحكامه هي المحكمه ؛ وذلك بالديار المصرية والممالك الشامية ، والفراتية ~~والحلبية والساحليه ، والقلاع والثغور المحروسة والبلاد الحجازية واليمانيه ~~؛ وكل ما هو من الممالك الإسلامية إلى خلافة أمير المؤمنين منسوب ، وفي ~~أقطار إمامته محسوب ؛ وألقى إلى أوامره أزمة البسط والقبض والإبرام والنقض ~~، والرفع والخفض ، وما جعله الله في يده من حكم الأرض ، ومن إقامة سنة وفرض ~~؛ وفي كل هبة وتمليك ، وتصرف في ولاية أمير المؤمنين من غير شريك ؛ وفي ~~تولية القضاة والحكام ، وفصل القضايا والأحكام ؛ وفي القضايا والأحكام ؛ ~~وفي سائر التحكم PageV08P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" في الوجود ، وعقد الألوية والبنود ، وتجنيد ~~الكتائب والجنود ، وتجهيز الجيوش الإسلامية في التأييد لكل مقام محمود ؛ ~~وفي قهر الأعداء الذين نرجوا بقوة الله تعالى أن يمكنه من نواصيهم ، ويحكم ~~قواضبه في استنزالهم من صياصيهم ، واستئصال شأفة عاصيهم ؛ حتى يمحو الله ~~بمصابيح سيوفه سواد خطوب الشرك المدلهمه ، وتغدو سراياه في اقتلاع قلاع ~~الكفر مستهمه ؛ وترهبهم خيل بعوثه وخيالها في اليقظة والمنام ، ويدخل في ~~أيامه أهل الإسلام مدينة السلام بسلام ؛ تفويضا تاما عاما منضدا منظما ، ~~محكما محكما ؛ أقامه مولانا أمير المؤمنين في ذلك مقام نفسه الشريفه ، ~~واستشهد الكرام الكاتبين في ثبوت هذه البيعة المنيفه ؛ فليتقلد المقام ~~الأشرف السلطاني - أعز الله نصره - عقد هذا العهد الذي لا تطمح لثله الآمال ~~، وليستمسك منه بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ولا انفصام ؛ فقد عول ~~أمير المؤمنين على يمن أرائك التي ما برحت الأمة بها في المعضلات تستشفي ، ~~واستكفى بكفايتك وكفالتك في حياطة الملك فأضحى وهو بذلك المستكفي ؛ وهو يقص ~~عليك من أنباء الوصايا أحسن القصص ، وينص لديك ما أنت آخذ منه بالعزائم إذا ~~أخذ غيرك فيه بالرخص ؛ فإن نبهت على التقوى فطالما تمسكت منها بأوثق عروه ، ~~وإن هديت إلى سبيل الرشاد فما زلت ترقى منه أشرف ذروه ؛ وإن استرهفنا عزمك ~~الماضي الغرار ، واستدعينا حزمك الذي أضاء به دهرك وأنار واستنار ؛ في ~~إقامة منار الشرع الشريف ، والوقوف عند أمره ونهيه في كل حكم وتصريف ؛ فما ~~زلت - خلد الله سلطانك - قائما بسننه ms1667 وفرضه ، دائبا في رضى الله تعالى ~~بإصلاح عقائد عباده في أرضه ؛ وما برح سيفك المظفر للأحكام الشرعية خادما ، ~~ولمواد الباطل حاسما ، ولأنوف ذوى الزيغ والبدع مرغما ؛ وكل ما نوصيك به من ~~الخير فقد جبلت عليه طباعك ، ولم يزل مشتدا فيه ساعدك ممتدا إليه باعك ؛ ~~غير أننا نورد لمعة اقتضاها أمر الله تعالى في الافتداء بالتذكرة في كتابه ~~المبين ، وأوجبها نص قوله تعالى : " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين " ، ~~PageV08P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" ويندرج تحت أصولها فروع يستغني بدقيق ذهنه ~~الشريف عن نصها ، وبفكره الثاقب عن قصها ؛ فأعظمها للملة نفعا ، وأكثرها ~~للباطل دفعا ؛ الشرع الشريف ، فليكن - أعز الله نصره - عاملا على تشييد ~~قواعد أحكامه ، وتنفيذ أوامر حكامه ؛ فالسعيد من قرن أمره بأمره ، ورضى فيه ~~بحلو الحق ومره ؛ والعدل ، فلينشر لواءه حتى يأوي إليه الخائف وينكف بردعه ~~حيف كل حائف ؛ ويتساوى في ظله الغني والفقير ، والمأمور والأمير ؛ ويمسي ~~الظلم في أيامك وقد خمدت ناره ، وعفت آثاره ؛ وأهم ما احتفلت به العزائم ، ~~واشتملت عليه همم الملوك العظائم ، وأشرعت له الأسنة وأرهفت من أجله ~~الصوارم ؛ أمر الجهاد الذي جعله الله سبحانه حصنا للإسلام وجنه ، واشترى ~~فيه من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ؛ فجند له الجنود وجمع له ~~الكتائب واقض في مواقفه على الأعداء من باسك بالقواضي القواضب ؛ واغزهم في ~~عقر الدار ، وأرهف سيفك البتار ، لتأخذ منهم للمسلمين بالثار ؛ والثغور ~~والحصون ، فهي سر الملك المصون ، وهي معاقل النفوس إذا دارت رحى الحرب ~~الزبون ؛ فلتقلد أمرها لكفاتها ، وتحصن حماها بحماتها ، وتضاعف لمن بها ~~أسباب قوتها ومادة أقواتها ؛ وأمراء الإسلام ، وجنود الإيمان ، فهم أولياء ~~نصرك ، وحفظة شامك ومصرك ؛ وحزبك الغالب ، وفريقك الذي تفرق منه قلوب العدو ~~في المشارق والمغارب ؛ فليكن المقام العالي السلطاني - نصره الله تعالى - ~~لأحوالهم متفقدا ويبسط وجهه لهمم متوددا ؛ حتى تتأكد لمقامه العالي طاعتهم ~~، وتتجدد لسلطانه العزيز ضراعتهم ؛ وأما غير ذلك من المصالح فما برح تدبيره ~~الجميل لها ينفذ ورأيه الأصيل بها يشير ، ولا يحتاج مع علمه بغوامضها إلى ~~إيضاحها " ولا ينبئك مثل خبير " والله ms1668 تعالى يخص دولته من العدل والإحسان ~~بأوفر نصيب ، ويمنح سلطانه ما يرجوه من النصر المعجل والفتح القريب ؛ بمنه ~~وكرمه . الذكرى تنفع المؤمنين " ، ويندرج تحت أصولها فروع يستغني بدقيق ~~ذهنه الشريف عن نصها ، وبفكره الثاقب عن قصها ؛ فأعظمها للملة نفعا ، ~~وأكثرها للباطل دفعا ؛ الشرع الشريف ، فليكن - أعز الله نصره - عاملا على ~~تشييد قواعد أحكامه ، وتنفيذ أوامر حكامه ؛ فالسعيد من قرن أمره بأمره ، ~~ورضى فيه بحلو الحق ومره ؛ والعدل ، فلينشر لواءه حتى يأوي إليه الخائف ~~وينكف بردعه حيف كل حائف ؛ ويتساوى في ظله الغني والفقير ، والمأمور ~~والأمير ؛ ويمسي الظلم في أيامك وقد خمدت ناره ، وعفت آثاره ؛ وأهم ما ~~احتفلت به العزائم ، واشتملت عليه همم الملوك العظائم ، وأشرعت له الأسنة ~~وأرهفت من أجله الصوارم ؛ أمر الجهاد الذي جعله الله سبحانه حصنا للإسلام ~~وجنه ، واشترى فيه من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ؛ فجند له ~~الجنود وجمع له الكتائب واقض في مواقفه على الأعداء من باسك بالقواضي ~~القواضب ؛ واغزهم في عقر الدار ، وأرهف سيفك البتار ، لتأخذ منهم للمسلمين ~~بالثار ؛ والثغور والحصون ، فهي سر الملك المصون ، وهي معاقل النفوس إذا ~~دارت رحى الحرب الزبون ؛ فلتقلد أمرها لكفاتها ، وتحصن حماها بحماتها ، ~~وتضاعف لمن بها أسباب قوتها ومادة أقواتها ؛ وأمراء الإسلام ، وجنود ~~الإيمان ، فهم أولياء نصرك ، وحفظة شامك ومصرك ؛ وحزبك الغالب ، وفريقك ~~الذي تفرق منه قلوب العدو في المشارق والمغارب ؛ فليكن المقام العالي ~~السلطاني - نصره الله تعالى - لأحوالهم متفقدا ويبسط وجهه لهمم متوددا ؛ ~~حتى تتأكد لمقامه العالي طاعتهم ، وتتجدد لسلطانه العزيز ضراعتهم ؛ وأما ~~غير ذلك من المصالح فما برح تدبيره الجميل لها ينفذ ورأيه الأصيل بها يشير ~~، ولا يحتاج مع علمه بغوامضها إلى إيضاحها " ولا ينبئك مثل خبير " والله ~~تعالى يخص دولته من العدل والإحسان بأوفر نصيب ، ويمنح سلطانه ما يرجوه من ~~النصر المعجل والفتح القريب ؛ بمنه وكرمه . وكتب تقليدا مظفريا للأمير سيف ~~الدين سلار المنصوري بنبابة السلطنة الشريفة في سنة ثمان وسبعمائة ، وهو : ~~PageV08P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" الحمد لله الذي شيد ركن الإسلام بسيفه ~~المنتضى ، وجدد للملك ms1669 مزيد التأييد بكافله الذي ما برح وفاؤه للملوك ~~الأواخر والأوائل مرتضى ، وأنجز من وعوده الاتفاق والتوفيق ما كان من ذمة ~~الدهر مقتضى ، جامع شمل الأوامر والنواهي بتفويضها إلى من تبيت العدا من ~~مهابته على جمر الغضى ، ومنيل المنى بمواهبه التي تحوز مواد الاختيار وتجوز ~~أمد الرضا ، وملقي مقاليد التدبير إلى من أضحى جميل التأثير إذا تصرف في ~~الرفع والخفض حكم القضا ، ومصرف أزمة الأمور في يد من غدا ثابت العزمات في ~~الأزمات ، فما أظلم خطب إلا انجلى بمصابيح آرائه وأضا ؛ نحمده على أن عضد ~~دولتنا بالكافل الكافي الذي اختاره الله لنا على علم ، ومنح أيامنا مولاة ~~الولي الذي جمعت فيه خلتان يحبهما الله ورسوله : وهما الأناة والحلم ، ~~ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مشرقة الأنوار ، مغدقة ~~سحبها بأنواء المنن الغزار ؛ ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بعثه الله ~~لإقامة شعائر الإيمان ، وخص ملته في الدنيا والآخرة باليمن والأمان ؛ صلى ~~الله عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من أضحى بفضل السبق للإيمان به صديقه ~~وصديقه ، وأمسى لفرط الألفة أنيسه في الغار ورفيقه ؛ ومنهم من ضافره في ~~إظهار النبوة ووازره ، وظاهره على إقامة منارها بإطفاء كل ثائرة وإخماد كل ~~نائره ؛ ومنهم من ساعد وساعف في تجهيز جيش العسره ، وأحسن وحسن مع إخوانه ~~المؤمنين الصحبة والعشره ؛ ومنهم من كان سيفه الماضي الحد ، ومهنده الذي كم ~~فل بين يديه الجموع فما اعترض إلا قط ولا اعتلى إلا قد ؛ وسلم تسليما كثيرا ~~؛ أما بعد ، فإن الله تعالى لما هنأ لنا مواهب الظفر ، وهيأ لنا من الملك ~~مواد إدراك المنى وبلوغ الوطر ، وأيدنا من أنصارنا بكل ذي فعل أبر ووجه أغر ~~؛ وشد أزرنا بمضافرة سيف يزهى الملك بتقليده ، وأمدنا بمؤازر تتصرف المنى ~~والمنون بين وعده ووعيده ؛ وجب علينا أن نحوط دولتنا بمن لم تزل حقوق مودته ~~بحسن الثناء حقيقه ، وعهود محبته في ذمام الوفاء متمكنة وثيقه ، وطريقته ~~المثلى PageV08P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" في المحاسن والإحسان مشهورة ولا نرى مثلا ~~لتلك الطريقه ؛ ونقلد ms1670 كفالة ممالكنا للولي الذي ما برح يتلقى أمورنا بفسيح ~~صدره ، ويتوقى حدوث كل ما نكرهه فينهض في دفعه بصائب رأيه وثاقب فكره ؛ ~~وكان الجناب الكريم العالي الأميري الكبيري العالمي العادلي الكافلي ~~المؤيدي الزعيمي الغياثي المسندي الممهدي المثاغري المظفري المنصوري السيفي ~~، معز الإسلام والمسلمين ، سيد أمراء العالمين ؛ سند الممالك ، مدبر الدول ~~، مقدم العساكر ، أمير الجيوش ، كهف الله ، حصن الأمة ، نصرة الملوك ~~والسلاطين ، سلار المنصوري نائب السلطنة المعظمة ، وكافل الممالك الإسلامية ~~، - أعز الله نصره - هو واسطة عقد الأولياء ، وسيف الدولة الفاتك بالأعداء ~~، والذي أسلف في نصرة الإسلام حقوقا غدت مرقومة في صحف الفخار ، واستأنف في ~~مصالح الأمة المحمدية تدبيرات أظهر بها أسباب التأييد على الأعداء ~~والاستظهار ؛ كم أصلح بيمن سياسته ذات البين ، وكم أبهج ببركة تأتيه وتأنيه ~~كل قلب وأقر كل عين ؛ وكم ساس من ملك فأضحى ثابت الأساس ، وجعل شعاره دفعا ~~للباس ونفعا للناس ؛ ما عوهد إلا وأوفى ، ولا عوند إلا وعف وعفا ، ولا ~~استشفى في طب معضلة إلا وشفى ، ولا استدرك تدبيره فارط أمر كان على شفا ؛ ~~فما يومه في الفضل بواحد ، ولا أحد لمثل محاسنه الجميلة بواجد ؛ لعزماته في ~~مواقف الجهاد السوابق الغر المحجله ، ولتدبيراته في مصالح العباد والبلاد ~~المنافع المعجلة والمؤجله ؛ وهو الذي خافت مهابته الكتائب ، وأملت مواهبه ~~الرغائب ، ولعبت سطواته للعدا خيالا في المراقد وخيلا في المراقب ، وامتطى ~~من الشهامة كاهلها فأحجم عنه لما أقدم كل محارب ، وصدق من نعته بالسيف ، ~~فلو لم ينعت به لقيل : هذا سيف يفتك PageV08P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" بالضريبة ولا تفل له مضارب ؛ وكم لقي بصدره ~~الألوف من التتار - خذلهم الله - والمنايا قد بلغت من النفوس المنى ، وأمضى ~~سيفه سفي الحروب وما شكا الضنى ؛ وحمل حملة فرق بها كل شمل للكفار اجتمع ، ~~وقطع أعناق العدافى رضى الله تعالى ولا ينكر السيف إذا قطع ؛ ووصل من ~~العلياء إلى غاية تزاحم الكواكب بالمناكب ، وتفرد بأمر الجيوش فأضحى بدر ~~الكتائب وصدر المواكب ؛ إذا جاش الجيش ثبت عند مشتجر الرماح ، وإذا أظلم ~~ليل النقع وضحت أسارير جبينه ms1671 وضوح الصباح ، وإذا قدم في كتيبة رأيت البر ~~بحرا من سلاح وإذا رفعت راياته يوم الوغى كبرت بالظفر على ألسنة الرماح ، ~~وإذا كان في جحفل كانت عزائمه للقلب قلبا وصوارمه جناحا للجناح ، وغذا قدر ~~في السلم عفا لكنه في الحرب قليل الصفح بين الصفاح ؛ وهو الذي ما برحت أيدي ~~انتقامه تهدم من أهل الشرك العمائر والأعمار ، وبروق سيوفه تذهب بالنفوس لا ~~بالأبصار ، ويمن يمينه وصبح جبينه هذا يستهل بالأنواء وذا بالأنوار ؛ اقتضى ~~حسن الرأي الشريف أن نوفي حقوق مودته التي أسلفها لنا في كل نعمى وبوسى ، ~~وأن نضاعف علو مكانه من أخوتنا ليكون منا كهارون من موسى ؛ فلذلك رسم ~~بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي المظفري الركني - لا برح ~~يوفي بعهود الأولياء ويفي ، ويمنح من أخلص النية في ولائه البر الخفي ~~والفضل الحفي - أن تكون كلمة الجناب الكريم العالي الأميري السيفي المشار ~~إليه - أعز الله نصره - نافذة في كفالة الممالك الإسلامية ، متحكمة في ~~نيابة السلطنة المعظمة ، وأوامره المطاعة في إمرة الجيوش وحياطة الثغور ~~التي غدت بدوام كفالته متبسمة ؛ على أجمل عوائده ، وأكمل قواعده ؛ نيابة ~~ثابتة الأساس ، نامية الغراس ؛ لا يضاهى فيها ولا يشارك ، ولا يخرج شيء من ~~أحوالها عن رأيه المبارك ؛ فليبسط نهيه وأمره في التدبير والإحكام ، وليضبط ~~الممالك حتى لا تسامى ولا تسام ؛ وليطلع من آرائه في سماء الملك نجوما بها ~~في المصالح يهتدى ، وليرفع من قواعده ما يخفض به قدر العدا ؛ وليضاعف ما ~~ألفته الأمة من عدله ، وليجر على أكرم عاداته من نشر إنصافه وشمول فضله ، ~~وليعضد جانب الشرع المطهر في عقده وحله ، وتحريمه وحله ؛ ولينفذ كلمته على ~~ما هو من ديانته PageV08P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" مألوف ، وليستكثر من الاقتداء بأحكامه في ~~النهي عن المنكر والأمر بالمعروف ؛ وأمراء الإسلام وجنوده ، فهم ودائع سره ~~، وصنائع شكره ، وطلائع نصره ، وما منهم إلا من غذي بلبان دره ، وغدا من ~~ثناء عصره متقلدا لعقود دره ؛ فليستدم حنوه عليهم وإشفاقه ، وليوال إليهم ~~بره وإرفاده وإرفاقه ؛ والوصايا كثيرة لكنها منه تستملى ، والتنبيهات على ~~المصالح منه ms1672 تستفاد نقلا وعقلا ، وما زلنا نستضيء في المهمات بيمن آرائه ~~التي جمعت للمصالح شملا ؛ فمثله لا يدل على صواب وهو المتفرد بالسداد ، ~~والخبير بتفريج كرب الخطوب والسيوف غامضة الجفون في الأغماد ؛ والله تعالى ~~يمتعنا من بركة كفالته بالخل الموافي والأخ المواسي ، ويشد أزر سلطاننا من ~~مضافرته بمن أمسى جبل الحلوم الرواسي ؛ إن شاء الله تعالى . لاح وإذا رفعت ~~راياته يوم الوغى كبرت بالظفر على ألسنة الرماح ، وإذا كان في جحفل كانت ~~عزائمه للقلب قلبا وصوارمه جناحا للجناح ، وغذا قدر في السلم عفا لكنه في ~~الحرب قليل الصفح بين الصفاح ؛ وهو الذي ما برحت أيدي انتقامه تهدم من أهل ~~الشرك العمائر والأعمار ، وبروق سيوفه تذهب بالنفوس لا بالأبصار ، ويمن ~~يمينه وصبح جبينه هذا يستهل بالأنواء وذا بالأنوار ؛ اقتضى حسن الرأي ~~الشريف أن نوفي حقوق مودته التي أسلفها لنا في كل نعمى وبوسى ، وأن نضاعف ~~علو مكانه من أخوتنا ليكون منا كهارون من موسى ؛ فلذلك رسم بالأمر الشريف ~~العالي المولوي السلطاني الملكي المظفري الركني - لا برح يوفي بعهود ~~الأولياء ويفي ، ويمنح من أخلص النية في ولائه البر الخفي والفضل الحفي - ~~أن تكون كلمة الجناب الكريم العالي الأميري السيفي المشار إليه - أعز الله ~~نصره - نافذة في كفالة الممالك الإسلامية ، متحكمة في نيابة السلطنة ~~المعظمة ، وأوامره المطاعة في إمرة الجيوش وحياطة الثغور التي غدت بدوام ~~كفالته متبسمة ؛ على أجمل عوائده ، وأكمل قواعده ؛ نيابة ثابتة الأساس ، ~~نامية الغراس ؛ لا يضاهى فيها ولا يشارك ، ولا يخرج شيء من أحوالها عن رأيه ~~المبارك ؛ فليبسط نهيه وأمره في التدبير والإحكام ، وليضبط الممالك حتى لا ~~تسامى ولا تسام ؛ وليطلع من آرائه في سماء الملك نجوما بها في المصالح ~~يهتدى ، وليرفع من قواعده ما يخفض به قدر العدا ؛ وليضاعف ما ألفته الأمة ~~من عدله ، وليجر على أكرم عاداته من نشر إنصافه وشمول فضله ، وليعضد جانب ~~الشرع المطهر في عقده وحله ، وتحريمه وحله ؛ ولينفذ كلمته على ما هو من ~~ديانته مألوف ، وليستكثر من الاقتداء بأحكامه في النهي عن المنكر والأمر ~~بالمعروف ms1673 ؛ وأمراء الإسلام وجنوده ، فهم ودائع سره ، وصنائع شكره ، وطلائع ~~نصره ، وما منهم إلا من غذي بلبان دره ، وغدا من ثناء عصره متقلدا لعقود ~~دره ؛ فليستدم حنوه عليهم وإشفاقه ، وليوال إليهم بره وإرفاده وإرفاقه ؛ ~~والوصايا كثيرة لكنها منه تستملى ، والتنبيهات على المصالح منه تستفاد نقلا ~~وعقلا ، وما زلنا نستضيء في المهمات بيمن آرائه التي جمعت للمصالح شملا ؛ ~~فمثله لا يدل على صواب وهو المتفرد بالسداد ، والخبير بتفريج كرب الخطوب ~~والسيوف غامضة الجفون في الأغماد ؛ والله تعالى يمتعنا من بركة كفالته ~~بالخل الموافي والأخ المواسي ، ويشد أزر سلطاننا من مضافرته بمن أمسى جبل ~~الحلوم الرواسي ؛ إن شاء الله تعالى . ومن إنشائه أيضا اعزه الله تعالى ~~مقامة عملها في سنة اثنتين وسبعمائة ، على لسان من التمسها منه ، فقال : ~~حكى أليف الغرام ، وحليف السقام ؛ وقتيل العيون ، وصريع الجفون ؛ وفريسة ~~الأسود ، والمصاب بنبال الحدق السود ؛ عن قصته في هواه ، وقضيته التي كان ~~في أولها غناه ، وفي آخرها عناه ؛ قال : لم أزل في مدة العمر أترقب حبيبا ~~أتلذذ بحبه ، وأتنعم بقربه ؛ وأحيا بانعطافه ، وأسكر من ريقه بسلافه ؛ ~~وأستعذب العذاب فيه ، وارشف خمر الرضاب من فيه ، وأقتطف ورد السرور من ~~وجنتيه وأجتنبه ؛ وأكتسي به لطفا ، وأكتسب بمصاحبته ظرفا ؛ حتى ظفرت يداي ~~بمن رق وراق ، ولطفت حدائق معانيه حتى كادت تخفى عن الأحداق لطفت معانيه ~~فهب مع الصبا . . . ورقيبه بهبوبه لا يعرف قد جمع أوصاف المحاسن والمعاني ، ~~وفاق كل مليح فليس له في الحسن ثاني ؛ أما قوامه ، فقد ملك الفؤاد فأضحى ~~ملكا عادلا ، واستباح النفوس من اعتداله PageV08P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" فلا غرو إن أضحى لها قاتلا عجبا لقدك ما ترنح ~~مائلا . . . إلا وقد سلب الغصون شمائلا وأما لحاظه فقد غنيت عن الكحل ~~بالكحل ، وأذابت حبات القلوب في حب تلك المقل وإذا رأيت الطرف يعمل في ~~الحشا . . . عمل الأسنة فالقوام مثقف إلى غير ذلك من وجه كالبدر في تمامه ، ~~يعلوه من شعره ما يصبر به كالبدر تحت غمامه قمر تبلج وجهه في حندس . . . من ~~شعره فأضاء منه الحندس ومقبل ms1674 أشهى من الراح ، وأعطر من زهر الربا تفتحت ~~أكمامه عند الصباح ومقبل عذب كأ . . . ن رضابه برد وراح وخد ؟ أمسى شقيق ~~الشقيق ، ومبسم يرشف من شفاهه العقيق الرحيق شفة كمحمر العقي . . . ومبسم ~~مثل الأقاح وصدغ سال على خده القاني ، وامتد كدمع محبه الأسير العاني صب له ~~دمع كصدغك سائل . . . فعساك يا مثري الجمال تواسي وخصر لطف ودق ، وعلاه ~~كثيب ردف فأثقله حتى ضني ورق يا ردفه رفقا على خصره . . . بينكما حرمة ~~جيران PageV08P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" إلى غير ذلك من أنواع حسن قصر عن وصفها قلمي ~~، وعجز عن حصرها كلمي ؛ وأشفقت من شرحها خوفا أن أنم عليه ، أو أذكر ما ~~تفرد به من الحسن فأكون قد أشرت إليه ؛ وأنا قد تدرعت ثوب الكتمان ، وتسترت ~~حتى غاض منى الدمع وأغضى الطرف وسكت اللسان يقولون من هذا الذي مت في الهوى ~~. . . به كلفا يا رب لا علموا الذي غير أني قد متعت بذكر ملاحته فؤادي ، ~~ولا بد أن أوردها مجملة لأكمد بلفظها المعادي حكاه من الغصن الرطيب وريقه . ~~. . وما الخمر إلا وجنتاه وريقه هلال ولكن أفق قلبي محله . . . غزال ولكن ~~سفح عيني عقيقه بديع التثني راح قلبي أسيره . . . على أن دمعي في الغرام ~~طليقه أقر له من كل حسن جليله . . . ووافقه من كل معنى دقيقه من الترك لا ~~يصيبه وجد إلى الحمى . . . ولا ذكر بانات الغوير يشوقه ولا حل في حي ؟ تلوح ~~قبابه . . . ولا ساق في ركب يساق وسيقه ولا بات صبا للفريق وأهله . . . ~~ولكن إلى خاقان يعزى فريقه يهدد منه الطرف من ليس خصمه . . . ويسكر منه ~~الريق من لا يذوقه على خده جمر من الحسن مضرم . . . يشب ولكن في فؤادي ~~حريقه له مبسم ينسى المدام بريقه . . . ويخجل نوار الأقاحي بريقه ~~PageV08P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" قال الراوي : فأعلمته ما خامر قلبي من هواه ، ~~وبذلت نفسي ابتغاء لرضاه بثثت له سرى ونحن بروضة . . . فمالت لتصغي للحديث ~~غصون فتلقى ضراعتي بالرحب والإقبال ، وسفر عن وجه الرضا فبشرت نفسي ببلوغ ~~الآمال ؛ وقلت : تذللت في الشكوى إليه فرق ms1675 لي . . . حنوا لدمعي في الهوى ~~وتذللي غزال لبست السقم خلعة جفنه . . . على أنني فيه خلعت تجملي تعلل ~~بالأعذار حتى خدعته . . . بسحر الرقى أفديه من متعلل فراقب إغفاء الرقيب ~~وهجعة الس . . . مير وراعى حين غفلة عذلى ووافى أخا الأشواق حلف صبابة . . ~~. أسير هوى من وجده في تململ فلم أر روضا كان أحسن بهجة لعمر الهوى من وجهه ~~المتهلل فأعظمت مسراه وقبلت خاضعا . . . ثرى خطوه شكرا لفضل التطول وانعطف ~~على انعطاف الغصن الرطيب ، وتمازجت قلوبنا حتى أشكل علي أينا الحبيب ؛ وفزت ~~منه ببديع جمال تلذ به النفوس ، ورشفت من رضابه أحلى ما ترشفه الأفواه من ~~شفاه الكؤوس تعلقته صائدا للقلوب . . . بألحاظه سالبا للنهى بديع الجمال ~~إذا ما بدا . . . ترى فيه للعين مستنزها فكم فيه للعين من روضة . . . وكم ~~فيه للنفس من مشتهى يا حسنه لما أتى بوعده وعلى غير وعد ، ويا لذاذة قربه ~~ويا حرارة ما ذقناه بعدها من هجر وصد ؛ فلم نزل على ذلك مدة أغفى الدهر عنا ~~فيها ، أقضى حياة طابت تلذذا وترفيها رعى الله محبوبا نعمت بوصله . . . وقد ~~بعدت عنا الغداة عيون PageV08P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" حتى شعر بنا الدهر الخؤون ، ورماني بسهم فرقة ~~أبعدت المنى وجلبت المنون ؛ وعلم بما كتمناه الرقيب ، وعجز عن داء قلبي ~~الطبيب لو كان للعشاق حظ ؟ في الهوى . . . ما كان يخلق في الزمان فراق ~~فتجرعت بعد الشهد علقما ، ولم استطع أفتح من الحزن فما ؛ وهمت في ساحة ~~الشوق والالتياح ، وفضحتني الأدمع التي طال بها على المحبين الافتضاح لا ~~جزى الله دمع عيني خيرا . . . وجزى الله كل خير لساني نم دمعي فليس يكتم ~~شيئا . . . ووجدت السان ذا كتمان كنت مثل الكتاب أخفاه طي ؟ . . . فاستدلوا ~~عليه بالعنوان فإذا هو مر المذاق ، وأمنع الدمع فيقول : وهل خبأتني لأعظم ~~من يوم الفراق أبى الوجد أن يخفيه قلب متيم . . . يكابده والدمع يبديه ~~والضنى وكم ذاب القلب حسره ، وتفتت الكبد في تلك الفتره ؛ على خلوة أبث ~~فيها حزني ، وأفسح فيها المجال الذي ضاق به عطنى ؛ فلم أظفر بخلوة في لمحة ~~بصر ms1676 ، ولا فزت بذكر كلمة أفرج بها ما عرض من حصر تعرضت من شوق إليه فأعرضا ~~. . . ولولا الهوى لم أمنح الحب مبغضا وبحت إليه أن عندي رياضة . . . عليه ~~وما تلك الرياضة عن رضا قضى حبه أني إذا عز في الهوى . . . أذل وإني قد ~~رضيت بما قضى لقلبي من عينيه سقم وصحة . . . فكم مرة في الحب داوى وأمرضا ~~مضى لي به عيش بكيت لفقده . . . وهيهات أن يرتد عيش إذا مضى PageV08P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" وبليت برقيب قد سلب الله من قلبه الإيمان ، ~~وسلطه علي بغلظ الطباع وفظاظة اللسان ؛ كأنه شيطان لا بل هو بعينه ، لكنه ~~أربى عليه بهتانه ومينه ؛ يحاق على الكلمة الواحده ، ولا يسمح بأن طرفي ~~يمتد إلى تلك المحاسن التي غدت القلوب بها واجده ؛ يود لو غطى على بصري ، ~~ويبدلني مغيبي من محضري ؛ لا يفتر عن اللوم والعذل ، ولا يرى أن يقضي ~~ساعاته إلا في بذل الحيل ؛ يرغب في شتات شملي ، وانقطاع وصلي ؛ وليس لي في ~~دفعه حيله ، ولا في الانتقام منه وسيله ؛ وما زال حتى أحال الحبيب عن وداده ~~، وكدر ما صفا من حسن ظنه واعتقاده ؛ وأنا أروض نفسا كادت تذوب ، وأتسلى ~~بأيام وصاله وأقول : لعلها ترجع وتؤوب لئن ذقت مر الصبر أو ملح أدمعي . . . ~~لقد أعذبت تلك المذاقات منهلي فلم يقنع الدهر لي بذلك ، ولا رضي بالصد ~~والعذل والهجر الذي هو أعظم المهالك ؛ حتى قضى بالفرقة والبعاد ، ورمتني ~~النوى بسهم لم يخطئ الفؤاد ؛ وكنت أتعلل بالنظر ، وأقول : مشاهدة هذا الوجه ~~القمري عندي أكبر وطر ؛ حتى منعت الوصال والمشاهده ، وندبت قلبي القريح ~~بأدمع عيني الجامده أحباب قلبي لقد قاسيت بعدكم . . . نوائبا صيرتني في ~~الهوى مثلا وقد تعجبت أني بعد فرقتكم . . . أحيا وأيسر ما لاقيت ما قتلا ~~وانقطعت عني الرسائل ، وذهبت لذاذة ما اعتدته من تلك الوسائل هل مخبر عنكم ~~يعيش بقربه . . . ميت الرجا والصبر بعد إياس أحبابنا قسما بساعة وصلنا . . ~~. لم أكتحل من بعدكم بنعاس غبتم فعندي بالفراق مآتم . . . فمتى تعود بعودكم ~~أعراسى PageV08P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" وذوى غصن السرور بعد ms1677 أن كان رطيبا ، و فقدت ~~لنداء مجيبا ؛ وأغلقت باب الدعه ، و أسبلت هواطل أدمعي قائلا للأجفان : لا ~~تخشى فأنت منفقة من سعه ؛ ولولا التعلل بالذكرى ، والتأمل في حسنه الذي ~~تشكل في مرآة القلب فسر سرا ؛ لقلت : كأنك قد ختمت على ضميري . . . فغيرك ~~لا يمر على لساني ولي عين تراك وأنت تنآى . . . كما ترنو إليك وأنت داني ~~وأقرب ما يكون هواك مني . . . إذا ما غاب شخصك عن عياني شغلت عن الورى بصري ~~وسمعي . . . كأنهما بحبك مفردان فهأنا لا أعاين ما بدا لي . . . سواك ولا ~~أصيخ لمن دعاني ثم إني فارقت الحياه ، وبذلتها راغبا في هواه ؛ ولم أزل ~~كذلك إلى أن ظهرت آثار قربه ، وسرى النسيم عطرا فعلمت قرب ركبه وأذكرني ذاك ~~الصبا زمن الصبا . . . وما الشوق إلا ما تجدد بالذكر فكاد قلبي يطير للقائه ~~، ولولا تستره بحجب الفؤاد لخرج من قوة برحائه ؛ وتذكرت كيف يكون اللقاء ~~والاجتماع ، والرقباء قد أزمعوا على المنع والدفاع ، وقلت : فارقني على غير ~~رضا ، وجفاني من غير ذنب ، ونآى عني من غير وداع ؛ وهأنا في غيابه وحضوره ، ~~وسخطه وسروره ؛ لا أحول عن وده ، ولا أرى إلا الوفاء بعهده هيهات ما وجدي ~~عليك بزائل . . . فإلام يطنب في الملامة عاذلي ناشدتك العهد القديم ويومنا ~~. . . بلوى الصريم وبانه المتمايل هل تعلمن سوى هواك وسيلة . . . تدنى رضاك ~~وقد جهلت وسائلي أدنيتني حتى إذا تيمتني . . . بمحاسن ومعاطف وشمائل ~~PageV08P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" وبحسن وجه لو تجلى في الدجى . . . سجد الصباح ~~لضوئه المتكامل ونواظر سحارة لجفونها . . . فضل الصناعة لا لساكن بابل ~~ووقعت من قلبي بود ؟ قد جرى . . . مجرى دمي بجوانحي ومفاصلي قاطعتني وسمعت ~~قول حواسدي . . . وصرمت من بعد الوصال حبائلي ولرب ليل بت فيه مسهدا . . . ~~فردا أسامر لوعتي وبلابلي أطوى على حر الغرام أضالعا . . . يطوين فيه على ~~قداح النابل وهأنا أترقب وصله ، وأتوقع عدله . أتراه من جور الصبابة ينصف . ~~. . ويرق للعاني عليه ويعطف صب ؟ يرى السلوان عنه محرما . . . فله إليه ~~توله وتلهف يا أهل كاظمة وحق هواكم . . . قسما بكم وبغيركم لا يحلف مشتاقكم ~~ألف ms1678 الصبابة فيكم . . . فكأنه لسواكم لا يعرف فعدوه منكم بالوصال تعلة . . ~~. ولكم بأن تعدوا الوصال ولا تفوا وحياتكم يرعاكم في بعدكم . . . ولقربكم ~~في بعدكم يتشوف PageV08P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" وليس لي ما أمت به إلا صدق الغرام ، والإقدام ~~في حبه على ارتكاب الحمام جدد عهود تواصل وتلاق . . . واستبق لي رمقا فليس ~~بباق واشفع إلى مارق من ترف الصبا . . . من وجنتيك برقة الأخلاق ما حق ذي ~~قلب صفا لك وده . . . تقطيعه بقطيعة وفراق مع ذا وذا كيف استهنت فكن أنا ال ~~. . . موثوق بي مولاي في الميثاق قال الراوي : فسمع شكواي وما أشكى ، وقابل ~~رقتي بجفوة بها القلب أنكى والطرف أبكى ؛ ولفق أعذارا ، وأقسمت عليه أن ~~يزور فلم ير لقسمي إبرارا هذا ما اتفق إيراده من كلامه - أدام الله علوه - ~~في هذا الموضع ، وسنورد إن شاء الله من كلامه أيضا ما تقف عليه في آخر فن ~~الحيوان في السفر الذي يليه إن شاء الله تعالى . ذكر شيء من إنشاء المولى ~~الفاضل الصدر الكبير الكامل ؛ البارع الأصيل ، الأوحد النبيل ؛ تاج الدين ~~عبد الباقي تاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني هو الذي أتقن صناعة ~~الأدب في غرة شبابه ، وبرز على من اكتهل في طلبها وشاب في الترقي إلى رتبها ~~، فما ظنك بأترابه ؛ وجارى ذوي الفضل في الأقطار اليمنية فطلع مجلى الحلبة ~~، وبارى نجباء الأفاضل بالمملكة التعزية وكان المؤمل منهم بالنسبة إليه ~~أرفعهم رتبه ؛ وسما إلى سماء البلاغة فكان نجمها الزاهر ، وارتقى ~~PageV08P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" إلى أفلاك البراعة فكان نيرها الباهر ، ورام ~~من سواه الارتقاء إلى محله والمناوأة لفضله فغدا وهو في ذيول حيرته عاثر ؛ ~~فعند ذلك علموا عجزهم عن إدراك غاياته ، واعترفوا بالتقصير عن مجاراته ~~ومباراته ؛ وحين لم يجد لفضله مجاريا ، ولا عاين لفضائله مباريا ؛ صار بها ~~كالغريب وإن كان في أهله ووطنه ، والفريد مع كثرة أبنائه وإخوان زمنه ؛ ~~فسمت به نفسه إلى ظلب العلوم من مظانها ، والاحتواء عليها في إبانها ؛ ~~واللحاق بأعيان أهلها ، والاختلاط بمن ارتدى بأردية فضلها ؛ ورؤية من توشح ~~بقلائدها ، وترشح ms1679 لبذل فوائدها ونظم فرائدها ؛ ففارق الأقطار اليمنية وهي ~~تسأله التأني ، وتبذل لرضاه الرغبة والتمني ؛ وهو لا يجيب مناديها ولا يعرج ~~على ناديها ، ولا يميل إلى حاضرها ولا ينظر إلى باديها ؛ وصرف وجهه عنها ، ~~ونفض يده منها ؛ والتحق بالديار المصريه ، وانبت في طلب العلوم بأجمل سريرة ~~وأحسن سيرة وأخلص نيه ؛ فبلغ فيها مناه ، وأدرك بها ما تمناه ؛ وغدا وثغر ~~فصاحته بالعلوم أشنب ، وبرد بلاغته بالآداب مذهب تناهى علاء والشباب رداؤه ~~. . . فما ظنكم بالفضل والرأس أشيب ولما عاينه أعيان أهل هذا الوادي ، ~~وشاهدوه يبكر في طلب العلوم ويغادى ؛ تلقوه بالإكرام والترحيب ، وقابلوه ~~بالتبجيل والتقريب ، وأنزلوه بالمحل الأرفع والفناء الخصيب ؛ وعاملوه بمحض ~~الوداد ، وساواه شبابهم بالإخوة ومشايخهم بالأولاد ؛ وخلطوه بالنفس والمال ~~، وظهر له في ابتداء أمره بقرائن الأحوال حسن المآل ؛ فأصبح من عدول المصر ~~، وأمسى وهو من أعيان العصر ؛ فشكر عاقبة مسيره وحمد صباح سراه ، وأجابه ~~لسان الفضائل بالتلبية لما دعاه ؛ ثم ارتحل إلى الشأم فجعل دمشق مقر وطنه ، ~~وموطن سكنه ؛ ومحل استفادته وإفادته ، ونهاية رحلته وغاية إرادته ؛ فعامله ~~أهلها بفوق ما في نفسه ، فحمد يومه بها على أمسه ؛ وغدا لأهل المصرين شاكرا ~~، PageV08P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" ولمناقبهم تاليا ولمحاسنهم ذاكرا ؛ وله من ~~النظم ما رقت حواشيه ، وراقت معانيه ؛ ومن النثر ما عذب وصفا ، وكمل بلاغة ~~ولطفا ؛ وحسن إعجازا ، وتناسب صدورا وأعجازا ؛ وقد قدمنا من كلامه في هذا ~~الكتاب ما باسمه ترجمناه ، ولفضائله نسبناه ؛ مما تقف عليه في مواضعه ، ~~وتغتذى بلبان مراضعه ؛ فلنورد له في هذا الباب غير ما تقدم إيراده وما تأخر ~~، ونأخذ لتصنيفنا من بلاغته بالنصيب الأوفى والحظ الأوفر . فمن إنشائه كتاب ~~عن الخليفة المستكفي بالله أمير المؤمنين أبي الربيع سليمان لملك اليمن - ~~عمله تجربة لخاطره عند ما رسم بمكاتبته ، ابتدأه بأن قال : إما بعد حمد ه ~~مانح القلوب السليمة هداها ، ومرشد العقول إلى أمر معادها ومبتداها ؛ وموفق ~~من اختاره إلى محجة صواب لا يضل سالكها ، ولا تظلم عند اختلاف الأمور ~~العظام مسالكها ؛ وملهم من اصطفاه اقتفاء آثار السنن النبويه ، والعمل ~~بموجب ms1680 القواعد الشرعيه ؛ والانتظام في سلك من طوقته الخلافة عقودها ، ~~وأفاضت على سدته الجليلة برودها ؛ وملكته أقاصي البلاد ، وناطت بأحكامه ~~السديدة أمور العباد ؛ وسارت تحت خوافق أعلامه أعلام الملوك الأكاسره ، ~~وسرت بأحكامه النيرة مناحج الدنيا ومصالح الآخرة ؛ وتبختر كل منبر من ذكره ~~في ثوب من السيادة معلم ، وتهللت من ألقابه الشريفة أسارير كل دينار ودرهم ~~؛ يحمده أمير المؤمنين على أن جعل أمور الخلافة ببني العباس منوطه ، وجعلها ~~كلمة باقية في عقبه إلى يوم القيامة محوطه ؛ ويصلى على ابن عمه محمد الذي ~~أخمد الله بمبعثه ما ثار من الفتن ، وأطفأ برسالته ما اضطرم من نار الإحن ؛ ~~صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين حموا حمى الخلافة فذادوا عن مواردها ~~، وتجهزوا لتشييد المعالم الدينية فأقاموها على قواعدها ؛ صلاة دائمة الغدو ~~والرواح ، متصلا أولها بطرة الليل وآخرها بجبين PageV08P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" الصباح ؛ هذا وإن الدين الذي فرض الله على ~~الكافة الانضمام إلى شعبه ، وأطلع فيه شموس هداية تشرق من مشرقه ولا تغرب ~~في غربه ؛ جعل الله حكمه بأمرنا منوطا ، وفي سلك أحكامنا مخروطا ؛ وقلدنا ~~من أمر الخلافة سيفا طال نجاده ، وكثر أعوانه وأنجاده ؛ وفوض إلينا أمر ~~الممالك الإسلامية فإلى حرمنا تجبى ثمراتها ، ويرفع إلى ديواننا العزيز ~~نفيها وإثباتها ؛ يخلف الأسد إن مضى في غابه شبله ، ويلفى في الخبر والخبر ~~مثله ؛ ولما أفاض الله علينا حلة الخلافة ، وجعل حرمنا الشريف محل الرحمة ~~والرأفه ؛ وأقعدنا على سدة خلافة طالما أشرقت بالخلائف من آبائنا ، وابتهجت ~~بالسادة الغطاريف من أسلافنا ؛ وألبسنا خلعة هي من سواد السؤدد مصبوغه ، ~~ومن سواد العيون وسويداوات القلوب مصوغه ؛ وأمضينا على سدتنا أمور الخاص ~~والعام ، وقلدنا أرباب الكفاية كل إقليم من عملنا ممن تصلح سياسته على ~~الدوام ؛ واستكفينا بالكفاة من عمالنا على أعمالنا ، واتخذ مصر دار مقامنا ~~، وبها سدة مقامنا لما كانت في هذا العصر قبة الإسلام ، وفيئة الإمام ، ~~وثانية دار السلام ؛ تعين علينا أن نتصفح جرائد عمالنا ، ونتأمل نظام ~~أعمالنا ؛ مكانا فمكانا ، وزمانا فزمانا ؛ فتصفحناها فوجدنا قطر اليمن ؛ ~~عرفنا هذا الأمر من اتخذناه ms1681 للملوك الإسلامية عينا وقلبا ، وصدرا ولبا ؛ ~~وفوضنا إليه أمر الممالك الإسلامية فقام فيها قياما أقعد الأضداد ، وأحسن ~~في ترتيب ممالكنا نهاية الإصدار وغاية الإيراد ؛ وهو السلطان الأجل السيد ~~الملك الناصر ، لا زالت أسباب المصالح على يديه جاريه ، وسحائب الإحسان من ~~أفق راحته ساريه ؛ فلم يعد جوابا لما رسمناه ، ولا عذرا عما ذكرناه ؛ إلا ~~تجهيز شرذمة من جحافله المنصوره ، وتعيين أناس من فوارسه المذكوره ؛ يقتحون ~~الأحوال ، ولا يعبأون بتغيرات الأحوال ؛ يرون الموت مغنما إن صادفوه ، وشبا ~~المرهف مكسبا إن صافحوه ؛ لا يشربون سوى الدماء مدامه ، ولا يلبسون غير ~~الترائك عمامه ؛ ولا PageV08P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" يعرفون طربا إلا ما أصدره صليلي الحسام من ~~غنا ، ولا ينزلون قفرا إلا وأنبت ساعة نزولهم عن صهوات خيلهم قنا ؛ ولما ~~وثقنا منه بإنفاذهم راجعنا رأينا الشريف النبوي أن نكاتب من قعد على تخت ~~مملكتها ، وتصرف في جميع أمور دولتها ؛ فطولع بأنه ولد السلطان الملك ~~المظفر يوسف بن عمر الذي له شبهة تمسك بأذيال المواقف المستعصمية ، وهو ~~مستصحب الحال على زعمه ، أو ما علم الفرق بين الأحياء والأموات ؟ أو ما ~~تحقق الحال بين النفي والإثبات ؟ أصدرناها إلى الرحاب التعزيه ، والمعالم ~~اليمنيه ؛ تشعر من تولى فيها فاستبد ، وتولى كبره فلم يعرج على أحد ؛ أن ~~أمر اليمن ما برحت حكامنا ونوابنا تحكم فيه بالولاية الصحيحه ، والتفويضات ~~التي هي غير جريحه ؛ وما زالت تحمل إلي بيت المال المعمور ما تمشى به ~~الجمال وئيدا ، وتقذفه بطون الجواري إلى ظهور اليعملات وليدا ؛ وتطالعنا ~~بأمر مصالحه ومفاسده ، وبحال معاهده ومقاصده ؛ ولك أسوة بوالدك السلطان ~~الملك المظفر ، هلا اقتفيت ما سنه من آثاره ، ونقلت ما دونته أيدي الزمن من ~~أخباره ؛ واتصل بمواقفنا الشريفة أمور صدرت منك : منها - وهي العظمى التي ~~ترتب عليها ما ترتب - قطع الميرة عن البيت الحرام ، وقد علمت أنه واد غير ~~ذي زرع ، ولا يحل لأحد أن يتطرق إليه بمنع ؛ وكفتك الآية دليلا على ما صنعت ~~، وبرهانا على ما فعلت ؛ ومنها انصبابك على تفريغ مال بيت المال في شراء ~~لهو الحديث ms1682 ، ونقض العهود القديمة PageV08P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" بما تبديه من حديث ؛ ومنها تعطيل أجياد ~~المنابر من عقود اسمنا ، وخلو تلك الأماكن من أمر عقدنا وحلنا ؛ ولو أوضحنا ~~لك ما اتصل بنا من أمرك لطال ، ولا اتسعت فيه دائرة المقال ؛ رسمنا بها ~~والسيف يود لو سبق القلم حده ، والعلم المنصور يحب لو فات القلم واهتز بتلك ~~الروابي قده ؛ والكتائب المنصورة تختار لو بدرت عنوان الكتاب وأهل العزم ~~والحزم يودون إليك إعمال الركاب ؛ والجواري المنشآت قد تكونت من ليل ونهار ~~، وبرزت كصور الفيلة لكنها على وجه الماء كالأطيار ، وما عمدنا إلى مكاتبتك ~~إلى للإنذار ، وما جنحنا لمخاطبتك إلا للإعذار ؛ فأقلع عما أنت بصدده من ~~الخيلاء والإعجاب ، وانتظم في سلك من استخلفناه على أعمالنا فأخذ بيمينه ما ~~أعطي من كتاب ؛ وصن بالطاعة نفوس من زعمت أنهم مقيمون تحت لواء علمك ، ~~ومنتظمون في سلك أوامر كلمك ، وداخلون تحت طاعة قلمك ؛ فلسنا نشن الغارات ~~على من نطق بالشهادتين لسانه وقلبه ، وامتثل أوامر الله المطاعة عقله ولبه ~~؛ ودان الله بما يجب من الديانه ، وتقلد عقود الصلاح والتحف بمطارف الأمانه ~~؛ ولسنا ممن يأمر بتجريد سيف إلا على من علمنا أنه خرج عن طاعتنا ، ورفض ~~كتاب الله ونزع عن مبايعتنا ؛ فأصدرنا مرسومنا هذا إليه يقص عليه من أنباء ~~حلمنا ما أطال مدة دولته ، وشيد قواعد صولته ؛ ويستدعى منه رسولا إلى ~~مواقفنا الشريفه ، ورحاب ممالكنا المنيفه ؛ لينوب عنه في قبول الولاية مناب ~~نفسه ، وليجني بعد ذلك ثمار شفقاتنا إن غرس شجر طاعتنا ومن سعادة المرء أن ~~يجني ثمار غراسه ؛ بعد أن يصحبه من ذخائر الأموال ما كثر قيمة وخف حملا ، ~~وتغالى في القيمة رتبة وحسن مثلا ؛ واشرط PageV08P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" على نفسك في كل سنة قطيعة ترفعها إلى بيت ~~المال ، وإياك ثم إياك أن تكون عن هذا الأمر ممن مال ؛ ورتب جيشا مقيما تحت ~~لواء علم السلطان الأجل الملك الناصر للقاء العدو المخذول التتار ، ألحق ~~الله أولهم بالهلاك وآخرهم بالبوار ؛ وقد علمت تفاصيل أحوالهم المشهوره ، ~~وتواريخ سيرهم المذكوره ؛ واحترص على ms1683 أن يخصك من هذا المشرب السائغ أو في ~~نصيب ، وأن تكون ممن جهز جيشا في سبيل الله فرمى بسهم فله أجر كان مصيبا أو ~~غير مصيب ؛ ليعود رسولك من دار الخلافة بتقاليدها وتشاريفها حملا أهلة ~~أعلامنا المنصوره ، شاكرا بر مواقفنا المبروره ؛ وإني أبى حالك إلا أن ~~استمررت على غيك ، واستمرأت مرعى بغيك ؛ فقد منعناك التصرف في البلاد ، ~~والنظر في أحكام العباد ؛ حتى تطأ خيلنا العتاق مشمخرات حصونك ، وتعجل ~~حينئذ ساعة منونك ؛ وتمسي لهوادي قلاعك عقودا ، ولعرائس حصونك نهودا ؛ وما ~~علمناك غير ما علمه قلبك ، ولا فهمناك غير ما حدسه لبك ؛ فلا تكن كالصغير ~~تزيده كثرة التحريك نوما ، ولا ممن غره الإمهال يوما فيوما ؛ وقد أعلمناك ~~ذلك فاعمل بمقتضاه ، موفقا إن شاء الله تعالى ؛ والحمد لله وحده . البيت ~~الحرام ، وقد علمت أنه واد غير ذي زرع ، ولا يحل لأحد أن يتطرق إليه بمنع ؛ ~~وكفتك الآية دليلا على ما صنعت ، وبرهانا على ما فعلت ؛ ومنها انصبابك على ~~تفريغ مال بيت المال في شراء لهو الحديث ، ونقض العهود القديمة بما تبديه ~~من حديث ؛ ومنها تعطيل أجياد المنابر من عقود اسمنا ، وخلو تلك الأماكن من ~~أمر عقدنا وحلنا ؛ ولو أوضحنا لك ما اتصل بنا من أمرك لطال ، ولا اتسعت فيه ~~دائرة المقال ؛ رسمنا بها والسيف يود لو سبق القلم حده ، والعلم المنصور ~~يحب لو فات القلم واهتز بتلك الروابي قده ؛ والكتائب المنصورة تختار لو ~~بدرت عنوان الكتاب وأهل العزم والحزم يودون إليك إعمال الركاب ؛ والجواري ~~المنشآت قد تكونت من ليل ونهار ، وبرزت كصور الفيلة لكنها على وجه الماء ~~كالأطيار ، وما عمدنا إلى مكاتبتك إلى للإنذار ، وما جنحنا لمخاطبتك إلا ~~للإعذار ؛ فأقلع عما أنت بصدده من الخيلاء والإعجاب ، وانتظم في سلك من ~~استخلفناه على أعمالنا فأخذ بيمينه ما أعطي من كتاب ؛ وصن بالطاعة نفوس من ~~زعمت أنهم مقيمون تحت لواء علمك ، ومنتظمون في سلك أوامر كلمك ، وداخلون ~~تحت طاعة قلمك ؛ فلسنا نشن الغارات على من نطق بالشهادتين لسانه وقلبه ، ~~وامتثل أوامر الله المطاعة عقله ولبه ms1684 ؛ ودان الله بما يجب من الديانه ، ~~وتقلد عقود الصلاح والتحف بمطارف الأمانه ؛ ولسنا ممن يأمر بتجريد سيف إلا ~~على من علمنا أنه خرج عن طاعتنا ، ورفض كتاب الله ونزع عن مبايعتنا ؛ ~~فأصدرنا مرسومنا هذا إليه يقص عليه من أنباء حلمنا ما أطال مدة دولته ، ~~وشيد قواعد صولته ؛ ويستدعى منه رسولا إلى مواقفنا الشريفه ، ورحاب ممالكنا ~~المنيفه ؛ لينوب عنه في قبول الولاية مناب نفسه ، وليجني بعد ذلك ثمار ~~شفقاتنا إن غرس شجر طاعتنا ومن سعادة المرء أن يجني ثمار غراسه ؛ بعد أن ~~يصحبه من ذخائر الأموال ما كثر قيمة وخف حملا ، وتغالى في القيمة رتبة وحسن ~~مثلا ؛ واشرط على نفسك في كل سنة قطيعة ترفعها إلى بيت المال ، وإياك ثم ~~إياك أن تكون عن هذا الأمر ممن مال ؛ ورتب جيشا مقيما تحت لواء علم السلطان ~~الأجل الملك الناصر للقاء العدو المخذول التتار ، ألحق الله أولهم بالهلاك ~~وآخرهم بالبوار ؛ وقد علمت تفاصيل أحوالهم المشهوره ، وتواريخ سيرهم ~~المذكوره ؛ واحترص على أن يخصك من هذا المشرب السائغ أو في نصيب ، وأن تكون ~~ممن جهز جيشا في سبيل الله فرمى بسهم فله أجر كان مصيبا أو غير مصيب ؛ ~~ليعود رسولك من دار الخلافة بتقاليدها وتشاريفها حملا أهلة أعلامنا ~~المنصوره ، شاكرا بر مواقفنا المبروره ؛ وإني أبى حالك إلا أن استمررت على ~~غيك ، واستمرأت مرعى بغيك ؛ فقد منعناك التصرف في البلاد ، والنظر في أحكام ~~العباد ؛ حتى تطأ خيلنا العتاق مشمخرات حصونك ، وتعجل حينئذ ساعة منونك ؛ ~~وتمسي لهوادي قلاعك عقودا ، ولعرائس حصونك نهودا ؛ وما علمناك غير ما علمه ~~قلبك ، ولا فهمناك غير ما حدسه لبك ؛ فلا تكن كالصغير تزيده كثرة التحريك ~~نوما ، ولا ممن غره الإمهال يوما فيوما ؛ وقد أعلمناك ذلك فاعمل بمقتضاه ، ~~موفقا إن شاء الله تعالى ؛ والحمد لله وحده . ومن إنشائه تقليد السلطان ~~الملك الناصر لما ترك الديار المصرية وأقام بالكرك - وكتب له بذلك من ديوان ~~الإنشاء عن الملك المظفر ركن الدين ، فلم يمكن الكاتب الإطناب ، ولا وسعه ~~غير الاختصار ، فلم يرضه الكتاب ، وعمل جماعة منهم ms1685 في ذلك تجربة لخواطرهم ~~ولم يكتب بشيء منها فعمل هو - : الحمد لله مدبر الأمر على ما يشاء في عباده ~~، ومنقل الحال على حكم اختياره ووفق مراده ، وجري أسباب الممالك على يد من ~~اختاره من عباده لإصدار الأمر PageV08P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" وإيراده ، ومجيب من أصبح قاصدا بابه الشريف ~~والزهادة فيما حوله من اعتقاده ، ومعز من أضحى له من حقونا ركن استند إليه ~~الدهر في استناده ، يلبي دعوة مرامه حيث كان من بلاده ؛ ويجيب داعي نداه ~~وإن بعد فيكون أقرب من سره إلى فؤاده ؛ يذب عن حوزة نسائه يبيض مرهفاته ~~وسمر صعاده ، ويحمى بيضة جاهه بالغلب من أشياعه والجرد من جياده ؛ نحمده ~~على أن جعل موالاتنا لهذا البيت الشريف المنصوري تستديم عهوده ، وتلتحف من ~~المحافظة على مراضيه الشريفة في كل حال بروده ؛ وترد من القيام بواجب حقه ~~أعذب منهل شرعه الصفاء وسنه ، وأكد موالاته الوفاء وحسن الوفاء من شعار أهل ~~السنة ؛ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ترفع أعلام الهدى ~~بكلمها ، وتخمد نار الشرك بنور هداية علمها وعلمها ، وتطهر أديم البسيطة من ~~أرجاس الكفرة بالحدين من غربي صمصامها وقلمها ، وتروي كل قطر أصبح ماحلا من ~~قطري عدلها ونعمها ؛ ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الني كانت الزهادة ملاك ~~أمره والملوك تحت وطأة أقدامه ، والملائكة يحفونه من حوله ومن أمامه ، ~~ومعادن الذهب تعرض عليه فيساوى لديه لزهادته بين نضاره ورغامه ؛ صلى الله ~~عليه وعلى آله وصحبه صلاة تحاكي أرج الصبا وقد سرى عن خزامه ، وتضاهي فتيق ~~المسك وقد تنفس عن ختامه ، مشفوعة إلى يوم القيامة برضوانه وسلامه ؛ وبعد ، ~~فإنه لما كان المقام العالي الملكي الفلاني هو الذي ربته الممالك في حجرها ~~وليدا ، وخولته السلطنة الشريفة من نفائس ذخائرها طارفا وتليدا ؛ وبوأته من ~~مراتب PageV08P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" العز أقصى غاية لا ترام ، وأبادت بمرهفه ~~البتار جمع التتار الطغام ؛ واستخدمت لطاعته جيشين : جيش نهار بكر فيه ~~مواليه على أعدائه بسابق خيله ومرهف حسامه ، وجيش ليل تبسط أولياء دولته ~~أكفهم للدعاء ببقائه ms1686 في جنح ظلامه ؛ طالما هزت المنابر أعطافها طربا عند ~~ذكر اسمه ، وازدادت وسامة الدينار حسنا لما شرفها بحسن وسمه ورسمه ؛ وتلت ~~أوصاف بأسه ألسنة خرصانه ، ورجعت سوابق الهمم عن التطاول للمطاولة في ~~ميدانه ، وقالت فوارس الحروب لما رأت كره : هذا سباق لسنا من رهانه ؛ كم ~~فرق بجيشه اللهام جيشا أرمد جفن الشمس بقتامه ، ونصر الأحزاب يوم الكريهة ~~بالعاديات من خيله والمرسلات من سهامه ، فالدهر يشكر مواقف إقدامه ، والعدل ~~ينشر منشور فضله وسديد أحكامه ؛ والممالك تثني على عليائه بالسداد ، ~~والمسالك تهدي لسالكها ما خصها به من أمنها المعتاد ؛ والناس في ظل عدل ~~لياليه خلقت كما شاءوا أسحارا ، والوحش والغنم كل ؟ منهما قد جعل صاحبه ~~جارا ؛ ومواطن العلوم أمست تطرز بمحاسن أوصافه ، وحكام الشرع الجليل أضحت ~~تميس في حلل عدله وإنصافه ؛ والأماكن التي تشد لها الرحال يفتر ثغرها عن ~~عدله ، والمشاعر المعظمة قد حمى حوزتها بالسهم من نصله والشهم من رجله ؛ ~~تنقل في مراتب الملك صغيرا إلى أن اشتد بالعزم القوى كاهله ، واستوطن ربع ~~العز مذ كان يجتلى بدوره وتجتليه عقائله ؛ فلم تبق له مأربة إلا قضاها ، ~~ولا حالة إلا ابتلاها ، ولا غمة إلا جلاها ، ولا آية شكر إلا تلاها ؛ إلى ~~أن قمع بحد سيفه كل مجترى ، وقال للسحابة كما قيل : امطري ؛ رأى أن الموارد ~~الدنيوية لا بد لها من مصادر ، وأن أوائل الأمور تستدعي الأواخر ، وأن ~~للزهادة في الدنيا وإن عظم قدرها الشأن الكبير ، وأن الانقطاع إلى الله ~~تعالى منهل PageV08P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" صفو لا يقبل شوائب التكدير ؛ وقوى عزمه في ~~الرحلة عن مقر ملكه إلى أعز حصونه المنيعه ، بل إلى أجل معاقله الشامخة ~~الرفيعه ؛ قاصدا بها الانفراد ، عالما بأن الله يطلع على خفيات الفؤاد ؛ ~~فرحل ركابه العلي ونظام المملكة من حسن الهيئة قائم على ساق ، وقلوب كفال ~~الممالك الشريفة متفقة على الاتفاق ؛ واثقا بأن للملك من أولياء بيته ~~الشريف كل ولي عهد لا تخفر لديه الذمم ، وكل سلطان أفق تضؤل دون عزمه الهمم ~~؛ يحمى بيضة خدره من كل متطاول إليها ms1687 ، ويقصر أسباب الحرص من كل شان ؟ ~~عليها ؛ واختار الانفراد ، وتيقن أنا لا نعدل عما أراد ؛ ونصب عمد خيامه ~~الشريفة على سفح روض الكرك النضر ، وحل منه رأس شاهقة نبتها خضر ؛ ورغب في ~~الزهادة وشعارها ، واستوت عنده الدنيا في حالتي إقبالها وإدبارها ؛ فاقتضى ~~اعتناؤنا الشريف أن نبلغه من مآربه الشريفة أقصى المرام ، وأن نساعده في كل ~~أمر يعرف منه المرافقة منا على الدوام ؛ وأن ننظم الأمر في سلك الإرادة على ~~مراده ، وأن نبادر إلى راحة سره الشريف وفؤاده ؛ ولسوف نعامل مقامه العالي ~~بكل احترام يصل إليه تفصيلا وإجمالا ، ونراعي معه أدب أسلافه الكرام حالا ~~فحالا ، وإنا لا نخليه من تجهيز مثال يتضمن من محاسنه سيرا وأمثالا ، ولولا ~~عرف السلطنة ونظام المملكة يقتضيان ذلك ما جهزنا إلى بابه الشريف مثالا ، ~~فلذلك خرج الأمر الشريف بكذا وكذا . ريفة أقصى المرام ، وأن نساعده في كل ~~أمر يعرف منه المرافقة منا على الدوام ؛ وأن ننظم الأمر في سلك الإرادة على ~~مراده ، وأن نبادر إلى راحة سره الشريف وفؤاده ؛ ولسوف نعامل مقامه العالي ~~بكل احترام يصل إليه تفصيلا وإجمالا ، ونراعي معه أدب أسلافه الكرام حالا ~~فحالا ، وإنا لا نخليه من تجهيز مثال يتضمن من محاسنه سيرا وأمثالا ، ولولا ~~عرف السلطنة ونظام المملكة يقتضيان ذلك ما جهزنا إلى بابه الشريف مثالا ، ~~فلذلك خرج الأمر الشريف بكذا وكذا . هذا ما اتفق إيراده في هذا الفصل من ~~رسائل الكتاب ، وكتاب العصر - أعزهم الله تعالى - كثير ، وكلامهم مشهور ، ~~ومدون بأيدي الناس ومحفوظ في صدورهم ، ولم نشترط أن نورد لجميعهم فنلتزم ~~الشرط ، ولو فعلنا ذلك لطال الكتاب وخرج عن شرطه ، وإنما خصصنا هؤلاء ~~بالذكر لتعلقنا بهم ، واتصال سببنا في الوداد بسببهم . PageV08P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" ذكر شيء من الأبيات الداخلة في هذا الباب فمن ~~ذلك قول بعض الشعراء : إني لعظم تشوقي . . . وشديد وجدي واكتئابي أصبحت ~~أحسد من يفو . . . ز بقربكم حتى كتابي وقال آخر : وما تأخر كتبي عنك من ملل ~~. . . طوبى لودك يا بن السادة النجب لكن حسدت كتابي أن يراك وما ms1688 . . . أراك ~~فاخترت إمساكي عن الكتب وقال آخر : عفت الرسائل طامعا أن نلتقي . . . فأبى ~~الزمان يتيح لي ما أطلب وتأخرت كتبي فقلت أعاتب . . . في ذاك أنت علي أم ~~متعتب فإذا وجدتك في الضمير ممثلا . . . أبدا تناجيني إلى من أكتب وقال آخر ~~: الكتب تكتب للبعي . . . د وأنت من قلبي قريب فإذا وجدتك في الفؤا . . . د ~~فمن أكاتب أو أجيب وقال آخر : لو أن كتبي بقدر الشوق واصلة . . . كانت إليك ~~مع الأنفاس تتصل لكنني والذي يبقيك لي أبدا . . . على جميل اعتقادي فيك ~~أتكل وقال آخر : وفي الكتب نجوى من يعز لقاؤه . . . وتقريب من لم يدن منه ~~مزار فلم تخلني منها وتعلم أنها . . . لعيني وقلبي قرة وقرار PageV08P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" وقال آخر : سألتك عوذني بكتبك إن لي . . . ~~شياطين شوق لا تفارق مضجعي إذا استرقت أسرار فكري تمردا . . . بعثت إليها ~~في الدجى شهب أدمعي وقال آخر : أتبخل بالقرطاس والخط عن أخ . . . وكفاك ~~أندى بالعطايا من المزن لعمري لقد قوى جفاؤك ظنتي . . . وأوهن تأميلي وما ~~كان ذا وهن وقال آخر : أظن القراطيس في مصركم . . . تخونها ريب دهر خؤون ~~فلو أنها صفحات الخدو . . . د يكتب فيها بماء الجفون لما أعوزتك ولكن جفوت ~~. . . فألقيت شأني خلال الشؤون وقال المتنبي في جواب كتاب ورد عليه : بكتب ~~الأنام كتاب ورد . . . فدت يد كاتبه كل يد يعبر عما له عندنا . . . ويذكر ~~من شوقه ما نجد وقال أبو الفتح البستي : لما أتاني كتاب منك مبتسم . . . عن ~~كل فضل وبر ؟ غير محدود حكت معانيه في أثناء أسطره . . . أثارك البيض في ~~أحوالي السود وقال آخر : طلع الفجر من كتابك عندي . . . فمتى باللقاء يبدو ~~الصباح PageV08P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" وقال آخر : ولما أتاني بعد هجر كتابكم . . . ~~وفيه شفاء الواله الدنف المضنى سررت به حتى توهمت أنه . . . كتابي وقد ~~أعطيته بيدي اليمنى وقال آخر : نفسي الفداء لغائب عن ناظري . . . ومحله في ~~القلب دون حجابه لولا تمتع مقلتي بلقائه . . . لوهبتها لمبشري بكتابه وقال ~~آخر : ورد الكتاب مبشرا . . . نفسي بأوقات السرور وفضضته فوجدته . . . ليلا ~~على صفحات نور مثل السوالف ms1689 والخدو . . . د البيض زينت بالشعور أنزلته منى ~~بمن . . . زلة القلوب من الصدور وقال آخر في كتاب عدم فلم يصل إليه : نبئت ~~أن كتابا . . . أرسلته مع رسول ملأته منك طيبا . . . فضاع قبل الوصول ومما ~~يتصل بهذا الباب ويلتحق به ، ويحتاج الكاتب إلى معرفته والاطلاع عليه الحجة ~~البالغة والأجوبة الدامغة . فمن ذلك في التنزيل قوله عز وجل : " وضرب لنا ~~مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم " . وقوله تعالى : " أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك ~~نطفة من مني ؟ يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ~~أليس ذلك بقادر على أن يحي الموتى " . PageV08P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم : " وكيف أخاف ~~ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي ~~الفريقين أحق بالأمن " . وقوله تعالى : " قل لو كان معه آلهة كما يقولون ~~إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا " . وقوله تعالى : " وما اتخذ الله من ولد ~~وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان ~~الله عما يصفون " . وقوله تعالى : " إن الذين يدعون من دون الله لن يخلقوا ~~ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب ~~والمطلوب " . وقوله تعالى : " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا ~~بسورة من مثله " . وقال تعالى في الدلالة على إثبات نبوة رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ~~أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون " ، فإنه ( صلى الله عليه وسلم ) كان ~~يعرف في قريش بالصادق الأمين وقوله تعالى : " قل لو شاء الله ما تلوته ~~عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون " ولما بعث ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " يا معشر قريش لو قلت لكم إن خيلا ~~تطلع عليكم من هذا الجبل كنتم تصدقوني ؟ قالوا : نعم ؛ قال ms1690 : فإني نذير لكم ~~بين يدي عذاب شديد " فلما أقروا بصدقه خاطبهم بالإنذار ، ودعاهم إلا ~~الإسلام . فهذه حجج من الكتاب والسنة لا جواب عنها . ولما انتهى إلى علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه يوم السقيفة أن الأنصار قالت : منا أمير ومنكم أمير ~~؛ قال علي : فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أوصى ~~بأن يحسن إلى محسنهم ، ويتجاوز عن مسيئهم ؛ قالوا : وما في هذا من الحجة ~~عليهم ؟ قال : لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم . PageV08P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" ولما قال الحباب بن المنذر في يوم السقيفة ~~أيضا : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، إن شئتم كررناها جذعة ، منا ~~أمير ومنكم أمير ، فإن عمل المهاجري شيئا في الأنصاري رده عليه الأنصاري ، ~~وإن عمل الأنصاري شيئا في المهاجري سرده عليه المهاجري ؛ أراد عمر الكلام ، ~~فقال أبو بكر رضي الله عنه : على رسلك ، نحن المهاجرين أول الناس إسلاما ، ~~وأوسطهم دارا ، وأكرم الناس حسبا ، وأحسنهم وجوها ، وأكثر الناس ولادة في ~~العرب ، وأمسهم رحما بالرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، أسلمنا قبلكم ، ~~وقدمنا في القرآن عليكم ، وأنتم إخواننا في الدين ، وشركاؤنا في الفيء ، ~~وأنصارنا على العدو ، آويتم وواسيتم ، فجزاكم الله خيرا ، نحن الأمراء ~~وأنتم الوزراء ، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش . قالوا : قد رضينا ~~وسلمنا . قال بعض اليهود لعلي ؟ رضي الله عنه : ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم ~~؛ فقال : إنما اختلفنا عليه لا فيه ، ولكنكم ما جفت أرجلكم من البحر حتى ~~قلتم لنبيكم : " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون " . وقال ~~حاطب بن أبي بلتعة : لما بعثني النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المقوقس ~~ملك الإسكندرية بكتابه ، أتيته وأبلغته الرسالة ، فضحك ثم قال : كتب إلي ~~صاحبك يسألني أن أتبعه على دينه ، فما يمنعه إن كان نبيا أن يدعو الله ~~فيسلط علي البحر فيغرقني فيكتفي مؤنتي ، ويأخذ ملكي ؟ قلت : ما منع عيسى ~~عليه السلام إذ أخذته اليهود فربطوه في حبل ، وحلقوا وسط رأسه ، وجعلوا ~~عليه إكليلا من شوك ، وحملوا خشبته PageV08P0128 # """""" صفحة ms1691 رقم 129 """""" التي صلبوه عليها على عاتقه ، ثم أخرجوه وهو ~~يبكي حتى نصبوه على الخشبة ثم طعنوه حيا بحربة حتى مات - على زعمكم - فما ~~منعه أن يدعو الله فينجيه ويهلكهم ، ويكفي مؤنتهم ، ويظهر هو وأصحابه عليهم ~~؟ وما منع يحيى بن زكريا حين سألت امرأة الملك أن يقتله فقتله وبعث برأسه ~~إليها حتى وضع بين يديها أن يسأل الله أن يحميه ويهلكهم ؟ فأقبل على جلسائه ~~وقال : والله إنه لحكيم ، وما تخرج الحكم إلا من عند الحكماء . وخطب معاوية ~~بن أبي سفيان ذات يوم وقال : إن الله تعالى يقول : " وإن من شيء إلا عندنا ~~خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم " فما نلام نحن ؛ فقام إليه الأحنف بن قيس ~~فقال له : يا معاوية ، إنا والله ما نلومك على ما في خزائن الله ، وإنما ~~نلومك على ما آثرك الله به علينا من خزائنه فأغلقت بابك دونه . وقال معاوية ~~لرجل من اليمن : ما كان أحمق قومك حين ملكوا عليهم امرأة قال : قومك أشد ~~حماقة إذ قالوا : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء أو ائتنا بعذاب أليم " أفلا قالوا : اهدنا له . وقيل : مرت امرأة من ~~العرب بمجلس من مجالس بني نمير ، فرماها جماعة منهم بأبصارهم ، فوقفت ثم ~~قالت : يا بني نمير ، لا أمر الله تعالى أطعتم ، ولا قول الشاعر سمعتم ، ~~قال الله تعالى : " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " وقال الشاعر : فغض ~~الطرف إنك من نمير . . . فلا كعبا بلغت ولا كلابا فما اجتمع منهم بعد ذلك ~~اثنان في مجلس . PageV08P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" وقيل : استعمل عتبة بن أبي سفيان رجلا من ~~أهله على الطائف ، فظلم رجلا من أزد شنوءة ، فأتى الأزدي عتبة فقال : أمرت ~~من كان مظلوما ليأتيكم . . . فقد أتاكم غريب الدار مظلوم ثم ذكر ظلامته ، ~~فقال عتبة : إني أرى أعرابيا جافيا ، والله ما أحسبك تدري كم تصلي في اليوم ~~والليلة ؛ فقال : إن أنبأتك ذلك تجعل لي عليك مسألة ؟ قال : نعم ؛ فقال ~~الأعرابي : إن الصلاة أربع وأربع . . . ثم ثلاث بعدهن أربع ms1692 ثم صلاة الفجر ~~لا تضيع قال : صدقت فاسأل ؛ فقال : كم فقار ظهرك ؟ فقال : لا أدري ؛ قال : ~~أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك ؟ فأمر برد ظلامته عليه . وقال ~~الحجاج بن يوسف ليحيى بن سعيد بن العاصي : بلغني أنك تشبه إبليس في قبح ~~وجهك ؛ قال : وما ينكر الأمير من أن يكون سيد الإنس يشبه سيد الجن ؟ . وقال ~~لسعيد بن جبير : اختر لنفسك أي قتلة شئت ؛ قال : اختر أنت فإن القصاص أمامك ~~. وحكى أبو حويطب بن عبد العزى بلغ عشرين ومائة سنة ، ستين في الجاهلية ~~وستين في الإسلام ، فلما ولى مروان بن الحكم المدينة دخل عليه حويطب ، فقال ~~له مروان : لقد تأخر إسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الأحداث ؛ PageV08P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" فقال : والله لقد هممت بالإسلام غير مرة كل ~~ذلك يعوقني أبوك عنه وينهاني ، ويقول : أتدع دين آبائك لدين محدث ؟ أما ~~أخبرك عثمان ما كان قد لقي من أبيك حين أسلم . وقيل : لما ظفر الحجاج بابن ~~الأشعث وأصحابه أمر بضرب أعناقهم ، حتى أتى على رجل من تميم ، فقال التميمي ~~: أيها الأمير ، والله لئن أسأنا في الذنب ما أحسنت في العقوبة ؛ فقال ~~الحجاج : وكيف ذاك ؟ قال : لأن الله تعالى يقول : " فإذا لقيتم الذين كفروا ~~فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء " ~~فوالله ما مننت ولا فاديت ؛ فقال الحجاج : أف ؟ لهذه الجيف ، أما كان منهم ~~من يحسن مثل هذا ؟ وأمر بإطلاق من بقي وعفا عنهم . وحكى أن الرشيد سأل موسى ~~بن جعفر فقال : لم قلتم إنا ذرية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وجوزتم للناس أن ينسبوكم إليه ويقولوا : يا بني نبي الله وأنتم بنو علي ، ~~وإنما ينسب الرجل إلى أبيه دون جده ؛ فقرأ : " ومن ذريته داود وسليمان ~~وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى والياس " ~~وليس لعيسى أب ، وإنما لحق بذرية الأنبياء من قلب أمه ؛ وكذلك ألحقنا بذرية ~~الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) من قبل أمنا فاطمة - عليها السلام - وأزيدك ~~يا أمير المؤمنين ، قال ms1693 الله تعالى : " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من ~~العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم ~~نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " ولم يدع ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~مباهلة النصارى غير فاطمة والحسن والحسين ، وهما الأبناء . PageV08P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" قيل : لما ولي يحيى بن أكثم قضاء البصرة ~~استصغر الناس سنه ، فقال له رجل : كم سن القاضي - أعزه الله - ؟ فقال : سن ~~عتاب بن أسيد حين ولاه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قضاء مكة . فجعل ~~جوابه احتجاجا . قال يزيد بن عروة : لما مات كثير لم تتخلف بالمدينة امرأة ~~ولا رجل عن جنازته ، وغلب النساء عليها ، وجعلن يبكينه ويذكرن عزة في ندبهن ~~له ؛ فقال أبو جعفر محمد بن علي الباقر : أفرجوا لي عن جنازة كثير لأرفعها ~~، فجعلنا ندفع النساء عنها ومحمد بن علي يقول : تنحين يا صويحبات يوسف ؛ ~~فانتدبت له امرأة منهن فقالت : يا ن رسول الله ، لقد صدقت ، إنا لصويحباته ~~، ولقد كنا له خيرا منكم له ؛ فقال أبو جعفر لبعض مواليه : احتفظ بها حتى ~~تجيئني بها إذا انصرفت ؛ قال : فلما انصرف أتي بها وكأنها شررة النار ؛ ~~فقال لها محمد بن علي : إيه ، أنت القائلة : إنكن ليوسف خير منا ؟ قالت : ~~نعم ، تؤمنني غضبك يا بن رسول الله ؟ فقال : أنت آمنة من غضبي فأنبئيني ؛ ~~فقالت : نحن دعوناه إلى اللدات من المطعم والمشرب والتمتع والتنعم ، وأنتم ~~معاشر الرجال ألقيتموه في الجب وبعتموه بأبخس الأثمان ، وحبستموه في السجن ~~؛ فأينا كان عليه أحنى ، وبه أرأف ؟ فقال محمد : لله درك لن تغالب امرأة ~~إذا غلبت ؛ ثم قال لها : ألك بعل ؟ فقالت : لي من الرجال من أنا بعله ؛ ~~فقال أبو جعفر : ما أصدقك مثلك من تملك الرجل ولا يملكها ؛ فلما انصرفت قال ~~رجل من القوم : هذه فلانة بنت معقب . PageV08P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" وقال المأمون ليحيى بن أكثم : من الذي يقول : ~~قاض يرى الحد في الزناء ولا . . . يرى على من يلوط من ياس فقال : يا أمير ~~المؤمنين ، هو الذي يقول : شاهدنا يرتشى وحاكمنا ms1694 . . . يلوط والراس شر ما ~~راس لا أحسب الجور ينقضي وعلى ال . . . أمة وال من آل عباس قال : ومن هو ؟ ~~قال : أحمد بن أبي نعيم ؛ فأمر بنفيه إلى السند . وحكي أن أهل الكوفة ~~تظلموا إلى المأمون من عامل ولاه عليهم ؛ فقال : ما علمت في عدد عمالي أعدل ~~ولا أقوم بأمر الرعية ولا أعود بالرفق عليهم منه ؛ فقام رجل من القوم فقال ~~: يا أمير المؤمنين ، ما أحد أولى بالعدل والإنصاف منك ، فإذا كان الأمر ~~على هذه الصفة فينبغي أن تعدل في ولايته بين أهل البلدان ، وتسوى بنا أهل ~~الأمصار ، حتى يلحق أهل كل بلد من عدله وإنصافه مثل الذي لحقنا ، فإذا فعل ~~أمير المؤمنين ذلك فلا يخصنا منه أكثر من ثلاث سنين ؛ فضحك المأمون وعزل ~~العامل عنهم . ولنصل هذا الفصل بذكر هفوات الأمجاد وكبوات الجياد - وقد ~~رأيت بعض أهل الأدب ممن يستحق الأدب تعرض في هذا الفصل إلى ذكر قصص ~~الأنبياء - صلوات الله عليهم - كآدم ويوسف وداود وسليمان فكرهت ذلك منه ، ~~ونزهت كتابي عنه - قال الله تعالى : " إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله ~~غفور حليم " فكانت هذه هفوة من المسلمين غفرها الله وعفا عنها . ~~PageV08P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" وقال الأحنف بن قيس : الشريف من عدت سقطاته . ~~وقال النابغة : ولست بمستبق أخا لا تلمه . . . على شعث أي الرجال المهذب ~~وقالوا : كل صارم ينبو ، وكل جواد يكبو . وكان الأحنف بن قيس حليما سيدا ~~يضرب به المثل ، وقد عدت له سقطات فمن ذلك أنه نظر إلى خيل لبني مازن فقال ~~: هذه خيل ما أدركتبالثار ، ولا نقصت الأوتار ؛ فقال له سعيد بن القاسم ~~المازني : أما يوم قتلت أباك فقد أدركت بثارها ؛ فقال الأحنف : لشيء ما قيل ~~: : دع الكلام حذر الجواب " - وكانت بنو مازن قتلت أبا الأحنف في الجاهلية ~~. ومنها أنه لما خرج مع مصعب بن الزبير أرسل إليه مائة ألف درهم ، ولم يرسل ~~إلى زبراء جاريته بشيء ، فجاءت حتى وقفت بين يدي الأحنف ، ثم ms1695 أرسلت عينيها ~~؛ فقال لها : ما يبكيك ؟ فقالت : ما لي لا أبكي عليك إذ لم تبك على نفسك ، ~~أقعدتها وتذر مرو الروذ تجمع بين غارين من المسلمين ؛ فقال : نصحتني والله ~~في ديني إذ لم أتنبه لذلك ؛ ثم أمر بفسطاطه فقوض ، فبلغ ذلك مصعبا فقال : ~~ويحكم ، من دهاني في الأحنف ؟ فقيل : زبراء ، فبعث إليها بثلاثين ألف درهم ~~، فجاءت حتى أرخت عينيها بين يديه ؛ فقال : مالك يا زبراء ؟ قالت : عجبت ~~لأحوالك في أهل البصرة ، تزفهم كما تزف العروس ، حتى إذا ضربت بهم في نحور ~~أعدائهم أردت أن تفت في أعضادهم ؛ قال : صدقت والله ، يا غلام دع الفساطيط ~~؛ فاضطرب العسكر بمجيء زبراء مرتين . PageV08P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" ومن سقطاته التي عدت عليه أن عمرو بن الأهتم ~~دس إليه رجلا ليسفهه ، فقال له : يا أبا بحر ، من كان أبوك في قومه ؟ قال : ~~كان من أوسطهم ، لم يسدهم ولم يتخلف عنهم ؛ فرجع إليه ثانية ، ففطن الأحنف ~~إلى أنه من قبل عمرو ، فقال : ما كان مال أبيك ؟ قال : كانت له صرمة يمنح ~~منها ويقرى ، ولم يكن أهتم سلاحا . وقيل : إن الحسن سئل عن قوله تعالى : " ~~قد جعل ربك تحتك سريا ؟ " فقال : إن كان لسريا ، وإن كان لكريما ؛ فقيل له ~~: من هو ؟ قال : المسيح ؛ فقال له حميد بن عبد الرحمن : أعد نظرا ، إنما ~~السري : الجدول ؛ فأنعم له ، وقال : يا حميد ، غلبنا عليك الأمراء . ومات ~~ولد طفل لسليمان بن علي ، فأتاه الناس بالبصرة يعزونه وفيهم شبيب بن شيبة ~~وبكر بن حبيب السهمي ؛ فقال شبيب : أليس يقال : إن الطفل لا يزال محبنظئا ~~بباب الجنة حتى يدخل أبواه ؟ فجاء بظاء معجمة ؛ فقال له بكر بن حبيب : ~~محبنطئا ، بطاء مهملة ؛ فقال شبيب : إلا أن من بين لابتيها يعلم أن القول ~~كما أقول ؛ فقال بكر : وخطأ ثان ، ما للبصرة لابتان ، أذهبت إليه بالمدينة ~~؟ . من بين لابتيها : أي حرتيها . PageV08P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" قيل : جلس محمد بن عبد الملك يوما للمظالم ، ~~وحضر في جملة الناس رجل زيه زي الكتاب ، فجلس بإزاء محمد ، ومحمد ينقد ~~الأمور وهو ms1696 لا يتكلم ، ومحمد يتأمله ؛ فلما خف المجلس قال له : ما حاجتك ؟ ~~قال : جئتك - أصلحك الله - متظلما ؛ قال : ممن ؟ قال : منك ، ضيعة لي في يد ~~وكيلك يحمل إليك غلتها ، ويحول بيني وبينها ؛ قال : فما تريد ؟ قال : تكتب ~~بتسليمها إلي ؛ قال : هذا يحتاج فيه إلى شهود وبينة وأشياء كثيرة ؛ فقال له ~~الرجل : الشهود هم البينة ، وأشياء كثيرة عي ؟ منك ؛ فخجل محمد وهاب الرجل ~~، وكتب له بما أراد . ووصف ذو الرمة لعبد الملك بن مروان بالذكاء وحسن ~~الشعر ، فأمر بإحضاره ، فلما دخل عليه أنشده قصيدة افتتحها بقوله : " ما ~~بال عينك منها الماء ينسكب " وكانت عينا عبد الملك تدمعان دائما ، فظن أنه ~~عرض سبه ، فغضب وقال : مالك ولهذا السؤال يا بن اللخناء ؟ وقطع إنشاده ، ~~وأمر بإخراجه . ودخل أبو النجم على هشام بن عبد الملك وأنشده أرجوزته التي ~~أولها : " الحمد لله الوهوب المجزل " حتى انتهى إلى قوله يصف الشمس عند ~~الغروب : " وهي على الأفق كعين الأحول " ، واستدرك سقطة لسانه ، وقطع ~~إنشاده ، وعلم أنها زلة ، لأن هشاما كان أحول ، فقال له هشام : كمل إنشادك ~~ويلك وأتمم البيت ، وأمر بوجء عنقه وإخراجه من الرصافة . PageV08P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" قال المدائني : كان رجل من ولد عبد الرحمن بن ~~سمرة أراد الوثوب بالشام في زمن المهدي ، فأخذ وحمل إليه ، فلما مثل بين ~~يديه اعتذر ، فرأى منه المهدي نبلا وفضلا ، فعفا عنه وخلطه بجلسائه ؛ ثم ~~قال له يوما : أنشدني شيئا من شعر زهير ، فأنشده قصيدته التي أولها : " لمن ~~الديار بقنة الحجر " حتى أتى على آخرها ؛ فقال المهدي : مضى من يقول مثل ~~هذا ؛ فقال السمري : وذهب والله من يقال فيه مثله ؛ فاستشاط المهدي غضبا ، ~~وأمر أن يجر برجله ، وألا يؤذن له بعدها . ولنختم ما ذكرناه من أمر كتابة ~~الإنشاء بشيء من الحكم . ذكر شيء من الحكم قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " الحكمة ضالة المؤمن " . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ~~لكل جواد كبوه ، ولكل حكيم هفوه ؛ ولكل نفس ملة ، فاطلبوا لها طرائف الحكمة ~~. ومن الحديث النبوي - صلوات الله ms1697 تعالى عليه وسلامه على قائله - مما يدخل ~~في هذا الفصل قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " كرم الرجل دينه ، ومروءته ~~عقله ، وحسبه عمله " . " خير الأمور أوسطها " . " كل ؟ ميسر لما خلق له " . ~~" زر غبا تزدد حبا " . " الوحدة خير من قرين السوء " . " البركة في الحركة ~~" . " صلوا أرحامكم ولو بالسلام " . " من كثر سواد قوم فهو منهم " . " ما ~~قل وكفى خير مما كثر وألهى " . " ليس الغني عن كثرة العرص ، إنما الغني غني ~~النفس " . PageV08P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" وقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - : ~~صنائع المعروف تقي مصارع السوء . وقال علي بن أبي طالب : استغن عمن شئت ~~فأنت نظيره ، واحتج إلى من شئت فأنت أسيره ، وأفضل على من شئت فأنت أميره . ~~قال بعض الشعراء : وإذا ما الرجاء أسقط بين الن . . . اس فالناس كلهم أكفاء ~~وقال لقمان لابنه : ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواضع : لا يعرف الحليم ~~إلا وقت الغضب ، ولا الشجاع إلا في الحرب إذا لاقى الأقران ، ولا أخوك إلا ~~عند حاجتك . وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : أحبكم إلينا قبل أن ~~نختبركم أحسنكم صمتا ، فإذا تكلم فأبينكم منطقا ، فإذا اختبرناكم فأحسنكم ~~فعلا . وفي رواية : أحبكم إلينا أحسنكم اسما ، فإذا رأيناكم فأجملكم منظرا ~~، فإذا اختبرناكم فأحسنكم مخبرا . وخطب علي رضي الله عنه يوما فقال في ~~خطبته : وأعجب ما في الإنسان قلبه ، له أمداد من الحكمة ، وأضداد من خلافها ~~، فإذا سنح له الرجاء هاج به الطمع ، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ، وإن ~~ملكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ ، وإن أسعد بالرضا ~~نسي التحفظ ، وإن ناله الخوف شغله الحزن ، وإن أصابته مصيبة قضمه الجزع ، ~~وإن أفاد مالا أطغاه الغنى ، وإن عضته فاقة شغله البلاء ، وإن جهده الجوع ~~أقعده الضعف ، فكل تقصير به مضر ، وكل إفراط له مفسد . ومن كلامه - رضي ~~الله عنه - : فرض الله تعالى الإيمان تطهيرا من الشرك ، والصلاة تنزيها عن ~~الكبر ، والزكاة سببا للرزق ، والصيام ابتلاه لإخلاص الخلق ، والحج تقوية ~~للبدن ، والجهاد عزا ؟ للإسلام ، والأمر بالمعروف ومصلحة ms1698 للعوام ، ~~PageV08P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" والنهي عن المنكر ردعا للسفهاء ، وصلة الرحم ~~منماة للعدد ، والقصاص حقنا للدماء ، وإقامة الحدود إعظاما للمحارم ، وترك ~~شرب الخمر تحصينا للعقل ، ومجانبة السرقة إيجادا للعفة ، وترك الزنى تصحيحا ~~للنسب ، وترك اللواط تكثيرا للنسل ، والشهادات استظهارا على المجاحدات ، ~~وترك الكذب تشريفا للصدق ، والسلام أمانا من المخاوف ، والإمامة نظاما ~~للأمة ، والطاعة تعظيما للإمامة . وقال فرفوريوس : لو تميزت الأشياء ~~بأشكالها لكان الكذب مع الجبن ، والصدق مع الشجاعة ، والراحة مع اليأس ، ~~والتعب مع الطمع ، والحرمان مع الحرص ، والعز مع القناعة ، والأمن مع ~~العفاف ، والسلامة مع الوحدة . وقال آخر : الشكر محتاج إلى القبول ، والحسب ~~محتاج إلى الأدب ، والسرور محتاج إلى الأمن ، والقرابة محتاجة إلى المودة ، ~~والمعرفة محتاجة إلى التجارب ، والشرف محتاج إلى التواضع ، والنجدة محتاجة ~~إلى الجد . وقال حكيم يوناني : السعادات كلها في سبعة أشياء : حسن الصورة ، ~~وصحة الجسم ، وطول العمر ، وكثرة العلم ، وسعة ذات اليد ، وطيب الذكر ، ~~والتمكن من الصديق والعدو . وقال بعض الأدباء : - وقد سئل عن العيش - فقال ~~: في الغنى فإني رأيت الفقير لا يلتذ بعيش أبدا ؛ فقال له السائل : زدني ، ~~قال : في الصحة ، فإني رأيت المريض لا يلتذ بعيش أبدا ؛ فقال له : زدني ، ~~قال : في الأمن ، فإني رأيت الخائف لا يلتذ بعيش أبدا ؛ قال : زدني ؛ قال : ~~لا أجد مزيدا . وهذا الكلام مأخوذ من قول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " من أصبح آمنا في سربه ، معافى في بدنه ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت ~~له الدنيا بحذافيرها " . وقال فيلسوف : كثير من الأمور لا تصلح إلا ~~بقرنائها : لا ينفع العلم بغير ورع ، ولا الحفظ بغير عقل ، ولا الجمال بغير ~~حلاوة ، ولا PageV08P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" الحسب بغير أدب ، ولا السرور بغير أمن ، ولا ~~الغني بغير كفاية ، ولا الاجتهاد بغير توفيق . وقالوا : المنظر يحتاج إلى ~~القبول ، والحسب إلى الأدب ، والسرور إلى الأمن ، والقربى إلى المودة ، ~~والمعرفة إلى التجارب ، والشرف إلى التواضع ، والنجدة إلى الجد . وقال علي ~~رضي الله عنه : يغلب المقدار على التقدير ، حتى تكون الآفة في التدبير . ~~أخذه ابن الرومي فقال ms1699 : غلط الطبيب علي غلطة مورد . . . عجزت موارده عن ~~الإصدار والناس يلحون الطبيب وإنما . . . غلط الطبيب إصابة المقدار وقال : ~~إذا انقضت المده ، كان الهلاك في العده . وقال القدماء : لا خير في القول ~~إلا مع الفعل ، ولا في المنظر إلا مع المخبر ، ولا في المال إلا مع الجود ، ~~ولا في الصديق إلا مع الوفاء ، ولا في الفقه إلا مع الورع ، ولا في الصدقة ~~إلا مع حسن النية ، ولا في الحياة إلا مع الصحة ، ولا في السرور إلا مع ~~الأمن . قال بعض بني تميم : حضرت مجلس الأحنف بن قيس وعنده قوم مجتمعون ، ~~فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الكرم ، منع الحرم ؛ ما أقرب النقمة من ~~أهل البغي لا خير في لذة تعقب ندما ؛ لن يهلك من قصد ، ولن يفتقر من زهد ؛ ~~رب هزل قد عاد جدا ؛ من أمن الزمان خانه ، ومن تعظم عليه أهانه ؛ دعوا ~~المزاح فإنه يؤرث الضغائن ؛ وخير القول ما صدقه الفعل ؛ احتملوا من أدل ~~عليكم ، واقبلوا عذر من اعتذر إليكم ؛ أطع أخاك وإن عصاك ، وصله وإن جفاك ؛ ~~أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك ؛ وإياكم ومشاورة النساء ؛ واعلم أن كفر ~~النعمة لؤم ، وصحبة PageV08P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" الجاهل شؤم ؛ ومن الكرم ، الوفاء بالذمم ؛ ما ~~أقبح القطيعة بعد الصلة ؛ والجفاء بعد اللطف ، والعداوة بعد الود لا تكونن ~~على الإساءة أقوى منك على الإحسان ، ولا إلى البخل أسرع منك إلى البذل ؛ ~~واعلم أن لك من دنياك ، ما أصلحت به مثواك ، فأنفق في حق ؟ ولا تكونن خازنا ~~لغيرك ؛ وإذا كان الغدر موجودا في الناس فالثقة بكل أحد عجز ؛ اعرف الحق ~~لمن عرفه لك ؛ واعلم أن قطيعة الجاهل ، تعدل صلة العاقل . قال : فما رأيت ~~كلاما أبلغ منه ، فقمت وقد حفظته . والله سبحانه وتعالى اعلم بالصواب . ومن ~~كلام علي ؟ رضي اللهعنه : من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره ؛ ومن سل سيف ~~البغي قتل به ؛ ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها ؛ ومن هتك حجاب أخيه انتهكت ~~عورات بيته ؛ ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره ، ومن ms1700 تكبر على الناس زل ؛ ~~ومن سفه على الناس شتم ؛ ومن خالط العلماء وقر ، ومن خالط الأنذال حقر ؛ ~~ومن أكثر من شيء عرف به ؛ والسعيد من وعظ بغيره ؛ وليس مع قطيعة الرحم تقى ~~، ولا مع الفجور غنى ؛ رأس العلم الرفق ، وآفته الخرق ؛ كثرة الزيارة تورث ~~الملالة . وقال موسى بن جعفر : ما تساب اثنان إلا انحط الأعلى إلى رتبة ~~الأسفل . وقال آخر : ما تساب اثنان إلا غلب ألأمهما . وقال الحسن بن علي بن ~~موسى الرضي : اعلم أن للحباء مقدارا فإن زاد عليه فهو سرف ، وللحزم مقدارا ~~فإن زاد عليه فهو جبن ، وللاقتصاد مقدارا فإن زاد عليه فهو بخل . قال مهدي ~~بن أبان : قلت لولادة العبدية - وكانت من أعقل النساء - : إني أريد الحج ~~فأوصيني ، قالت : أوجز فأبلغ ، أم أطيل فأحكم ؟ فقلت : ما شئت ؛ فقالت : جد ~~تسد ، واصبر تفز ؛ قلت : أيضا ؛ قالت : لا يبعد غضبك حلمك ، ولا هواك علمك ~~؛ وق دينك بدنياك ، وق عرضك بعرضك ؛ وتفضل تخدم ، واحلم تقدم ؛ قلت : فبمن ~~PageV08P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" أستعين ؟ قالت : بالله ؛ قلت : من الناس ؛ ~~قالت : الجلد النشيط ، والصالح الأمين ؛ قلت : فمن أستشير ؟ قالت : المجرب ~~الكيس ، أو الأديب الأريب ؛ قلت : فمن أستصحب ؟ قالت : الصديق المسلم ، أو ~~المؤاخي المتكرم ؛ ثم قالت : يا بناه ، إنك تفد إلى ملك الملوك فانظر كيف ~~يكون مقامك بين يديه . وقال حكيم : من الذي بلغ جسيما فلم يبطر ، واتبع ~~الهوى فلم يعطب ؛ وجاور النساء فلم يفتتن ، وطلب إلى اللئام فلم يهن ، ~~وواصل الأشرار فلم يندم ، وصحب السلطان فدامت سلامته . وقال : الاعتبار ~~يفيدك الرشاد ، وكفاك أدبا لنفسك ما كرهت من غيرك . وكان يقال : عليكم ~~بالأدب فإنه صاحب في السفر ، ومؤنس في لوحدة ، وجمال في المحفل ، وسبب إلى ~~طلب الحاجة . وقال بعضهم : احذر كل الحذر من أن يخدعك الشيطان فيمثل لك ~~التواني في صورة التوكل ، ويورثك الهوينى بالإحالة على القذر ، فإن الله ~~تعالى أمر بالتوكل عند انقطاع الحيل ، بالتسليم للقضاء بعد الإعذار ، فقال ~~تعالى : " خذوا حذركم " " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " . وقال آخر : لا ~~تجاهد الطلب جهاد الغالب ms1701 ، ولا تتكل على القدر اتكال المستسلم ، فإن ابتغاء ~~الفضل من السنة ، والإجمال في الطلب من العفة ، وليست العفة بدافعة رزقا ، ~~ولا الحرص بجالب فضلا . وقالوا : عشر خصال في عشر أصناف أقبح منها في غيرهم ~~: الضيق في الملوك ، والغدر في الأشراف ، والكذب في القضاة ، والخديعة في ~~العلماء ، والغضب في الأبرار ، والحرص في الأغنياء ، والسفه في الشيوخ ، ~~والمرض في الأطباء ، والزهو في الفقراء ، والفجور في القراء . وقالوا : ~~ثمانية إذا أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم : الآتي طعاما لم يدع إليه ، ~~والمتأمر على رب البيت في بيته ، وطالب المعروف من غير أهله ، وراج ~~PageV08P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" منن الفضل من اللئام ، والداخل بين اثنين لم ~~يدخلاه ، والمستخف بالسلطان ، والجالس مجلس ليس له بأهل ، والمقبل بحديثه ~~على من لا يسمعه . ومن الأبيات المناسبة لهذا الفصل قول الأضبط بن قريع : ~~لكل ضيق من الهموم سعه . . . والمسى والصبح لا بقاء معه فصل حبال البعيد إن ~~وصل ال . . . حبل وأقص القريب إن قطعه وخذ من الدهر ما أتاك به . . . من قر ~~عينا بعيشه نفعه لا تحقرن الفقير علك أن . . . تركع يوما والدهر قد رفعه قد ~~يجمع المال غير آكله . . . ويأكل المال غير من جمعه وقال أحيحة : فما يدري ~~الفقير متى غناه . . . ولا يدري الغني متى يعيل ولا تدري إذا أزمعت أمرا . ~~. . بأي الأرض يأتيك المقيل وقال الصلتان العبدي : أشاب الصغير وأفنى الكبي ~~. . . ر كر الغداة ومر العشى إذا ليلة هرمت يومها . . . أتى بعد ذلك يوم ~~فتى PageV08P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" نروح ونغدو لحاجاتنا . . . وحاجة من عاش لا ~~تنقضي تموت مع المرء حاجاته . . . وتبقى له حاجة ما بقي وقال المتنبي : ذكر ~~الفتى عمره الثاني وحاجته . . . ما قاته وفضول العيش أشغال وقد جمع من شعر ~~أبي الطيب في ذلك ما وافق كلام أرسطوطاليس في الحكمة ؛ فمن ذلك قول ~~أرسطوطاليس : إذا كانت الشهوة فوق القدرة كان هلاك الجسم دون بلوغ الشهوة . ~~قال المتنبي : وإذا كانت النفوس كبارا . . . تعبت في مرادها الأجسام وقال ~~أرسطوطاليس : قد يفسد العضو لصلاح أعضاء ، كالكي والفصد اللذين يفسدان ~~الأعضاء ms1702 لصلاح غيرها . نقله المتنبي إلى شعره فقال : لعل عتبك محمود عواقبه ~~. . . فربما صحت الأجساد بالعلل وقال أرسطوطاليس : الظلم من طبع النفوس ، ~~وإنما يصدها عن ذلك إحدى علتين : إما علة دينية خوف معاد ، أو علة سياسية ~~خوف سيف قال المتنبي : والظلم من شيم النفوس فإن تجد . . . ذا عفة فلعلة لا ~~يظلم هذا ما اتفق إيراده في هذا الباب من أمر كتابة الإنشاء ، وكلام ~~الصحابة والخلفاء ، وذوى الفصاحة من الأمراء ، وبلاغات الخطباء والفصحاء ، ~~ورسائل الفضلاء والبلغاء ، وفقر الكتاب والأدباء ، وحكم أوائل الحكماء ؛ ~~وهو مما يضطر الكاتب إليه ، ويعتمد في الاطلاع على ما خفى من أمر هذه ~~الصناعة عليه ؛ وهي إشارات إلى مجموعها ، ورشفات من ينبوعها ؛ وباب يتوصل ~~منه إلى رحابها ، وسلم يرتقى عليه إلى هضباتها ، ومسيل عذب يتصل بعبابها ؛ ~~فقد وضح لك أيها الطالب السبيل ، وظهر لك أيها الراغب قيام الدليل ؛ وفيما ~~أوردناه كفاية لمن تمسك بهذه الصناعة PageV08P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" ورغب فيها ، وغنية لمن تأمل مقاصدها وتدبر ~~معانيها ؛ فلنذكر كتابة الديوان والتصرف . ذكر كتابة الديوان وقلم التصرف ~~وما يتصل بذلك قد ذكرنا في أول هذا الباب في السفر السابع من هذا الكتاب ~~اشتقاق الكتابة ، ولم سميت بذلك ، وذكرنا أيضا أصلها وشرفها وفؤادها ، فلا ~~حاجة إلى إعادته في هذا الموضع ، فلنذكر الآن ما يتعلق بقلم الديوان ~~والتصرف والحساب ؛ وإن كنا قدمنا ذكر كتاب الإنشاء لما هم بصدده من الصدارة ~~والوجاهه ، والنبالة والنباهه ؛ والفصاحة والصباحه ، والنزاهة والسماحه ؛ ~~والأمانة والديانه ، والسيادة والصيانه ؛ ولما تصدوا له من كتم أسرار الدول ~~، وتردوا به من محاسن الأواخر ومآثر الأول ، والتحفوا به من مطارف الفضائل ~~والمكارم ، وتحلوا به من صفات الأفاضل والأكارم ؛ إلى غير ذلك من مناقبهم ~~الجمه ، وأياديهم التي وضحت غررا في ليالي الخطوب المدلهمه ؛ فكتاب الحساب ~~أكثر تحقيقا ، وأقرب إلى ضبط الأموال طريقا ، وأدل برهانا ، وأوضح بيانا ، ~~قال الله تعالى في كتابه العزيز : " لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد ~~السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا " وذهب بعض المفسرين لكتاب الله ~~تعالى في قوله تعالى إخبارا عن ms1703 يوسف عليه السلام : " قال اجعلني على خزائن ~~الأرض إني حفيظ عليم " ، أي كاتب حاسب . وروى البخاري عن أبي حميد الساعدي ~~قال : " استعمل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رجلا من الأسد على صدقات ~~بني سليم يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه " فقد صح أن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) حاسب ؛ وبكتاب الحساب تحفظ الأموال وتضبط الغلال ؛ وتحد ~~قوانين البلاد ؛ وتميز الطوارف من التلاد ؛ لم يفخر كتاب الإنشاء بمنقبة ~~إلا فخروا بمناقب ، ولا سموا إلى مرتبة إلا وقد رقوا إلى مراتب ؛ ولا ~~تميزوا برسالة إلا ولهؤلاء PageV08P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" فيها القدح المعلى ، ولا نسبوا إلى نباهة إلا ~~ومحلهم فيها المحل الأرفع ومقامهم المقام الأعلى ؛ ولا اتصفوا بكتمان سر ~~إلا اتصف هؤلاء بمثله ، ولا شهروا ببذل بر ؟ إلا وهؤلاء هم أعيان أهله ؛ ثم ~~اختص كتاب التصرف بأمور منع أولئك منها ، وأطلقت أقلامهم في أقلام حبست ~~أقلام أولئك عنها ؛ وارتفعوا إلى قلل مراتب كبت جيادهم عن إدراك غايتها ، ~~وتنموا ذرا مناصب لا تمتد الآمال إلى أكثر من نهايتها ؛ ولسنا نقيمهم في ~~محل المناظره ، ولا نوقفهم في موقف المكاثرة والمفاخره ؛ بل لكل طائفة فضل ~~لا ينكر ، وفضائل هي أشهر من أن تملى وتسطر ؛ ولما انتهيت في كتابي هذا إلى ~~باب الكتابة ، أردت أن أضرب عن ذكر كتابة التصرف صفحا ، ولا أعيرها من ~~النظر لمحا ، وأقتصر على كتابة الإنشاء جريا على عادة من صنف ، وقاعدة من ~~ألف ؛ فسألني بعض إخواني أن أضع في ذلك ملخصا يعلم منه المباشر كيف ~~المباشره ، ويستضيء به فيما يسترفعه أو يرفعه من ضريبة وموافره ؛ فأوردت ~~هذه النبذة إزالة لسؤاله ، وتحقيقا لآماله ؛ وذكرت من صناعة الكتابة ما هو ~~بالنسبة إلى مجموعها قطرة من بحرها ، وشذرة من عقود درها ؛ مما لا بد ~~للمبتدى من الإحاطة بعلمه ، والوقوف عند رسمه ؛ وحين وضعت ما وضعت من هذه ~~الصناعة لم أقف قبل ذلك على كتاب في فنها مصنف ، ولا انتهيت إلى فصل مترجم ~~بها أو مؤلف ؛ ولا لمحت في ذلك إشاره ، ولا سمعت من ms1704 لخص فيها عباره ؛ ولا ~~من تفوه فيها ببنت شفة ولسان ، ولا من صرف ببنان بلاغته في ميادينها العنان ~~؛ حتى أقتدي بمثاله ، وأنسج على منواله ؛ وأسلك طريقه في الإجاده ، وأحذو ~~حذوه في الإفاده ؛ بل وجدتها مقفلة الباب ، مسبلة الحجاب ؛ قد اكتفى كل ~~كاتب فيها بعلمه ، واقتصر على حسب فهمه ؛ فراجعت فيها الفكره ، وعطفت ~~بالكرة بعد الفره ؛ ثم قرعت بابها ففتح بعد غلقه ، ورفعت حجابها ففتق بعد ~~رتقه ؛ وامتطيت صهوتها فلانت بعد جماحها ، وارتقيت ذروتها فظهر للفكرة طريق ~~نجاحها ؛ فشرعت عند ذلك في تأليف ما وضعته ، PageV08P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" وترصيف ما صنفته ؛ وبدأت باشتقاق تسمية ~~الديوان ، ولم سمي ديوانا ، ثم ذكرت ما تفرع من كتابة الديوان من أنواع ~~الكتابات ، وأول ديوان وضع في الإسلام ، وسبب وضعه ، ثم ذكرت ما يحتاج إليه ~~كل مباشر من كيفية المباشرة وأوضاعها ، وما استقرت عليه القواعد العرفية ، ~~والقوانين الإصطلاحية ، وما يرفعه كل مباشر ويسترفعه ، والأوضاع الحسابية ، ~~على ما ستقف إن شاء الله تعالى عليه ، وترجع فيما أشكل من أمورها إليه . ~~ذكر اشتقاق تسمية الديوان ولم سمي ديوانا ومن سماه بذلك قد اختلف في تسمية ~~الديوان ديوانا على وجهين : أحدهما أن كسرى اطلع ذات يوم على كتاب ديوانه ، ~~فرآهم يحسبون مع أنفسهم ، فقال : ديوانه : أي مجانين ؛ فسمى موضعهم بهذا ~~الاسم ، ثم حذفت الهاء لكثرة الاستعمال تخفيفا للاسم ، فقيل : ديوان . ~~والثاني أن الديوان بالفارسية اسم للشياطين ، فسمي الكتاب باسمهم لحذقهم ~~بالأمور ، ووقوفهم على الجلي والخفي ، وجميعهم لما شذ وتفرق ، واطلاعهم على ~~ما قرب وبعد ، ثم سمى مكان جلوسهم باسمهم ، فقيل : ديوان . هذا ما قيل في ~~تسميته على ما حكاه الماوردي في الأحكام السلطانية ؛ والله أعلم . ذكر ما ~~تفرع عن كتابة الديوان من أنواع الكتابات هذه الكتابة تنقسم إلى أقسام ~~ووظائف : أصول وفروع ، وهي : مباشرة الجيوش ، ومباشرة الخزانة ، وبيت المال ~~، وأهراء الغلال ، ومباشرة البيوت ، PageV08P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" ومباشرة الهلالى ، ومباشرة الجوالي ، ومباشرة ~~الخراجى ، ومباشرة الأقصاب والمعاصر ومطابخ السكر ؛ ويحتاج مباشر كل وظيفة ~~من هذه الوظائف إلى معرفة قواعد يأتي ذكرها ms1705 إن شاء الله تعالى ؛ ولنبدأ ~~بذكر مباشرة الجيوش . ذكر مباشرة ديوان الجيش وسبب وضع الدواوين وأول من ~~وضعها في الإسلام وديوان الجيش هو أول ديوان وضع في الإسلام ، وضعه عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - في خلافته ؛ وقيل : بل وضع في عهد النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، ويدل على ذلك أن البخاري - رحمه الله - ترجم على هذا ~~بقوله : باب كتابة الإمام الناس ، قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا ~~سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة : قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس ، فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل " ~~وقد روى البخاري أيضا بسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : " جاء ~~رجل إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا رسول الله ، إني اكتتبت في ~~غزوة كذا وكذا ، وامرأتي حاجة ؛ قال : ارجع فاحجج مع امرأتك " واختلف الناس ~~في سبب وضعه في أيام عمر ، قال قوم : سببه أن أبا هريرة - رضي الله عنه - ~~قدم بمال من البحرين ، فقال له عمر رضي الله عنه : ماذا جئت به ؟ قال : ~~خمسمائة ألف درهم ، فاستكثره عمر وقال : أتدري ما تقول ؟ قال : نعم ، مائة ~~ألف خمس مرات ؛ فقال عمر : أطيب هو ؟ فقال : لا أدري ؛ فصعد عمر رضي الله ~~عنه المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، قد جاءنا مال ~~كثير ، فإن شئتم كلنا لكم كيلا ، وإن شئتم عددنا لكم عدا ؛ فقام إليه رجل ~~PageV08P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" فقال : يا أمير المؤمنين ، قد رأيت الأعاجم ~~يدونون ديوانا لهم ، فدون أنت لنا ديوانا . وقال آخرون : بل سببه أن عمر - ~~رضي الله عنه - بعث بعثا وعنده الهرمزان ، فقال لعمر : هذا بعث قد أعطيت ~~أهله الأموال ، فإن تخلف رجل منهم وأخل بمكانه فمن أين يعلم صاحبك ؟ فأثبت ~~لهم ديوانا ؛ فسأله عن الديوان حتى فسره له . وروى عابد بن يحيى عن الحارث ~~بن نفيل أن عمر رضي الله عنه استشار المسلمين في تدوين الدواوين ، فقال علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه : تقسم ms1706 في كل سنة ما اجتمع إليك من المال ولا ~~تمسك منه شيئا ؛ وقال عثمان بن عفان - رضي الله عنه - : أرى مالا كثيرا يسع ~~الناس ، وإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر ؛ ~~فقال خالد بن الوليد : قد كنت بالشأم فرأيت ملوكها دونوا ديوانا ، وجندوا ~~جنودا ، فدون ديوانا ، وجند جنودا فأخذ بقوله ، ودعا عقيل بن أبي طالب ~~ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم - وكانوا من كتاب قريش - فقال : اكتبوا الناس ~~على منازلهم ، فبدءوا ببني هاشم فكتبوهم ، ثم أتبعوهم قوم أبي بكر ، ثم عمر ~~وقومه ، وكتبوا القبائل ووضعوها على الخلافة ، ثم رفعوا ذلك إلى عمر رضي ~~الله عنه ، فلما نظر فيه قال : لا ، ما وددت أنه كان هكذا ، ولكن ابدءوا ~~بقرابة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الأقرب فالأقرب ، حتى تضعوا عمر ~~حيث وضعه الله ؛ فشكره العباس رضي الله عنه على ذلك ؛ وكان ذلك في المحرم ~~سنة عشرين من الهجرة ، وقيل في PageV08P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" سنة خمس عشرة للهجرة - والله أعلم - ؛ فلما ~~استقر ترتيب الناس في الدواوين على قدر النسب المتصل برسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فضل بينهم في العطاء على قدر السابقة إلى الإسلام . وسنذكر إن ~~شاء الله في خلافة عمر رضي الله عنه ما فرضه من العطاء لكل طائفة على ما ~~ستقف عليه - إن شاء الله تعالى - في موضعه من فن التاريخ ؛ وهو في السفر ~~السابع عشر من كتابنا هذا ؛ فهذا كان سبب وضع ديوان الجيش . وأما دواوين ~~الأموال - فإنها كانت بعد ظهور الإسلام بالشأم والعراق على ما كانت عليه ~~قبل الإسلام ، فكان ديوان الشام بالرومية لأنه كان من ممالك الروم ؛ وكان ~~ديوان العراق بالفارسية لأنه كان من ممالك الفرس ؛ فلم يزل أمرهما جاريا ~~على ذلك إلى زمن عبد الملك بن مروان ، فنقل ديوان الشأم إلى العربية في سنة ~~إحدى وثمانين من الهجرة ؛ وكان سبب نقله - على ما حكاه المدائني - أن بعض ~~كتاب الروم في ديوانه أراد ماء لدواته ، فبال في الدواة ، فبلغه ms1707 ذلك فأدبه ~~، وأمر سليمان بن سعد أن ينقل الديوان إلى العربية ، فسأله أن يعينه بخراج ~~الأردن سنة ، ففعل وولاه الأردن ، وكان خراجه مائة ألف وثمانين ألف دينار ، ~~فلم تنقض السنة حتى فرغ من الديوان ونقله ، وأتى به عبد الملك فدعى سرجون ~~كاتبه فعرضه عليه فغمه وخرج كئيبا ، فلقيه قوم من كتاب الروم ، فقال لهم : ~~اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة فقد قطعها الله عنكم . وأما ديوان ~~العراق - فكان سبب نقله إلى العربية أن كاتب الحجاج بن يوسف كان زاذان فروخ ~~، وكان معه صالح بن عبد الرحمن يكتب بين يديه بالعربية والفارسية ، فأوصله ~~زاذان فروخ إلى الحجاج ، فخف على قلبه ، فقال صالح لزاذان فروخ إن الحجاج ~~قد قربني ولا آمن أن يقدمني عليك ؛ فقال : لا تظن ذلك فهو إلى أحوج مني ~~إليه ، لأنه لا يجد من يكفيه حسابه غيري ؛ فقال له صالح : والله لو شئت أن ~~أحول الحساب إلى العربية لفعلت ؛ فقال : فحول منه ورقة أو سطرا حتى أرى ، ~~ففعل ؛ ثم قتل زاذان فروخ في حرب عبد الرحمن بن الأشعث ، فاستخلف الحجاج ~~PageV08P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" صالحا مكانه ، فذكر له ما جرى بينه وبين ~~زاذان فروخ فأمره أن ينقله ، فأجابه إلى ذلك وأجله فيه أجلا حتى نقله إلى ~~العربية ، فلما عرف مردانشاه بن زاذان فروخ ذلك بذل له مائة ألف درهم ليظهر ~~للحجاج العجز عنه ، فلم يفعل ؛ فقال له : قطع الله أصلك من الدنيا كما قطعت ~~أصل الفارسية . وكان عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان يقول : لله در صالح ما ~~أعظم منته على الكتاب . هذا ما حكي في ابتداء نقل الدواوين ، فلنرجع إلى ~~الجيش وما يحتاج إليه مباشره . ذكر ما يحتاج إليه كاتب الجيش على ما استقر ~~في زماننا هذا من المصطلح يحتاج كاتب الجيش إلى أن يرصع أسماء أرباب ~~الإقطاعات والنقود والمكيلات من الأمراء على اختلاف طبقاتهم ، والمماليك ~~السلطانية ، وأجناد الحلقة ، وأمراء التركمان والعربان ؛ ويضع لذلك جريدة ~~مقفاة على حروف المعجم يثبت فيها أسماءهم ، ويذكر الاسم وابتداء إمرته أو ~~جنديته في ms1708 أي سنة كانت من السنين الهلالية لاستقبال ما يكتب من مغل السنة ~~الخراجية ، وعمن انتقل إليه الإقطاع ؛ ويرمز قبالة كل اسم إلى عبرة إقطاعه ~~رمزا لا تصريحا ، ويشير في جندي الحلقة إلى مقدمه ، ويعين في اسم التركماني ~~أو البدوي ما قدمه إلى الإصطبلات السلطانية والمناخات من الخيل والجمال ، ~~وفي عربان مصر المقرر عليهم في مقابلة الإقطاعات من التقادم ، وإقامة خيل ~~البريد في المراكز ، وغير ذلك من نقل الغلال ، وما هو مقرر عليهم في ابتداء ~~أمرهم عند خروج الإقطاعات بأسمائهم ، وغير ذلك على جاري العادة ، فإن انتقل ~~أحد منهم من إقطاع إلى غيره في ذلك العمل بعينه وضع تحت إقطاعه الأول ما ~~صورته : ثم انتقل إلى غيره بمقتضى منشور تاريخه كذا عن فلان المنتقل إلى ~~غيره ، أو PageV08P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" المتوفى ، أو المفارق ، أو غير ذلك ؛ فإن كان ~~على سياقته في إقطاعه الأول قال : على سياقته ؛ وضبط تاريخ الأول ، وإن كان ~~لاستقبال مغل ؟ أو شيء من مغل ؟ ميزه ، واحتاج إلى محاسبة رب الإقطاع على ~~إقطاعه الأول ؛ والمحاسبات غالبا إنما تقع بعد وفاة الأمير أو الجندي ، أو ~~انفصاله بوجه من وجوه الانفصالات ، وأما ما دام في الخدمة فهي يتلو بعضها ~~بعضا ؛ وصورة المحاسبة أن يقيم تاريخ منشوره إلى تاريخ انفصاله أو نقلته ، ~~ويعقد على ذلك جملة ، ويوجب له عن نظير خدمته استحقاقا ، وينظر إلى ما قبضه ~~من المغلات فيجمعها ، فإن كان قبضه نظير خدمته فلا شيء له ولا عليه ، وإن ~~زاد قبضه على مدة خدمته استعاد منه ما زاد بنسبته ، وإن كانت خدمته أكثر من ~~قبضه أفرج له عن نظير ما فضل له ؛ ومن العادة في غالب الأوقات أن يسقط من ~~استحقاق أرباب الإقطاعات في كل سنة أحد عشر يوما وربع يوم ، وهي التفاوت ~~بين السنة الشمسية والقمرية ، ويبرز له ما بقي ويعطيه المثل من نسبة البارز ~~، وقد سومح بذلك في بعض الأوقات دون بعض ؛ وهذه الجريدة تسمى الجريدة ~~الجيشية . ويحتاج إلى بسط جريدة إقطاع صورتها : أنه يرصع الأعمال كل عمل ~~وبلاده ms1709 وضياعه وكفوره وقراه وجزائره وجروفه وجهات الهلالى والجوالى ، وغير ~~ذلك من معالمه وحدوده والجهات المستظهر بها والبذول ، وسائر ما هو متعلق ~~بذلك المكان ؛ ويذكر عبرة البلد الجيشية ، وما استقر عليه حال متحصلها ~~أخيرا ، وإن كان بالشأم ذكر العبرة الجيشية ومتحصل البلد لثلاث سنين : ~~مبقلة ومتوسطة ومجدبة ، ثم يشطب قبالة كل جهة أسماء مقطعيها ، وما هو باسم ~~كل واحد منهم ، ليتحرر له بذلك هل استوعب الإقطاع جملة النواحي والجهات ، ~~ويتميز بشطبه لوقته في موضعه لئلا يدخل عليه الوهم والاختلاف . ~~PageV08P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" ويحتاج إلى أن يتعاهد مباشري المعاملات ~~والبرور بطلب الكشوف الجيشية في كل ثلاث سنين ويشطبها على ما عنده لتتحرر ~~عنده العبر ، ويتميز له ما تعين من الزيادة والنقص . ويحتاج أيضا إلى بسط ~~جريدة ثالثة بأسماء أرباب النقود والمكيلات خاصة ، لأنه يحتاج أن يفرج لكل ~~؟ منهم في كل سنة عن نقده ومكيله بمقتضى ما شهد به منشوره ، وعادة قبضه ~~وجهته ، أو مما تعين بقلم الاستيفاء إن كان ، فإذا أفرج لكل ؟ منهم شطب ~~تاريخ إفراجه قبالة اسمه لتنضبط له بذلك تواريخ قبوضهم ويأمن من التكرار ~~والغلط ؛ وهذه الجريدة هي فرع من الجريدة الجيشية ، فإنه يبسطها منها . ~~ويحتاج في أجناد الحلقة السلطانية إلى أن يضيف كل جماعة منهم إلى مقدم ~~مشهور من أعيانهم ممن هو متميز الإقطاع ، ويقيم عليها نقيبا يعرف مساكنهم ~~ومظانهم ، فإذا طلبوا جمعهم ، أو طلب أحد منهم أحضره ، ويسمى هذا المقدم : ~~مقدم الحلقة ؛ ويضيف كل جماعة من أمراء الطبلخاناه وأمراء العشرات ، ومقدمي ~~الحلقة ، ومضافيهم إلى مقدم كبير من أمراء المائة ، ويسمى هذا الأمير : ~~مقدم الألف ؛ ويحتاج إلى أن يضع لهاتين الطائفتين جريدة عدة ، يضع فيها اسم ~~مقدم الألف وعدته من غير تفصيل لأسمائهم وقبالة اسمه عبرة إقطاعه ، ما هو ~~لخاصه ، وما هو لأصحابه ؛ ثم أمراء الطبلخاناه كل أمير وعدته ، وعبرة ~~إقطاعه ، على ما تقدم في مقدم الألف ، ويرتبهم في التقديم والتأخير على ~~مراتبهم ؛ ثم أمراء العشرات كذلك ؛ ثم يذكر مقدمي الحلقة فيعين اسم المقدم ~~ونسبته وأتباعه إن كان له ms1710 أتباع ، وعبرة إقطاعه ، ثم يذكر مضافيه من الحلقة ~~على هذا الحكم ، ويرتبهم بحسب مراتبهم ، يبدأ في كل تقدمة باسم المقدم ، ~~ويختم باسم النقيب ، ليسهل عليه طلب كل جندي ؟ من مقدمه ، ويطلبه مقدمه من ~~نقيبه ؛ وإن انتقل أمير أو جندي ؟ من مقدم ألف أو مقدم حلقة وانضاف إلى ~~مقدم آخر نقله لوقته لئلا يضطرب عليه حالهم ، ويلتبس أمرهم ؛ وكذلك أيضا ~~يفعل في الممالك السلطانية من إضافة كل جماعة منهم إلى مقدم من أعيانهم ، ~~ويميز أرباب PageV08P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" الوظائف منهم : من السلاحدارية والحربدارية ~~والرمحدارية والجمفدارية والزردكشية والبندقدارية ومن السقاة والجمدارية ~~والخزندارية والحراس والبشمقدارية وغيرهم ؛ ويضيف كل جماعة من كل طائفة ~~منهم إلى متعين من جملتهم ، ويجمع عدة كل طائفة ويقدم عليهم أمثلهم ؛ وأما ~~المماليك الكتابية أرباب الجامكيات فينسب كل جماعة منهم إلى طبقة مقدمها من ~~الطواشية ، وينسب الممالك البرجية إلى مساكنهم ومقدمهم ، والبحرية إلى ~~مراكزهم ومقدمهم ، والأوشاقية الذين إقامتهم بالإسطبل إلى المقدم عليهم من ~~الطواشية ، ويرجع سائر المماليك السلطانية إلى مقدمهم الكبير ، ولا يكون في ~~الغالب إلا من الطواشية الأمراء . ويحتاج أيضا إلى أوراق أخر تتضمن أسماء ~~أمراء الميمنة وأمراء الميسرة ، والجالس - وهو المقدم - أمام قلب الجيش ، ~~وهذه الأوراق تكون جملية يستغنى فيها بذكر مقدمي الألوف دون مضافيهم . ~~ويتلو هذه الأوراق أوراق أخر - تتضمن أسماء الأمراء الذين جرت عادتهم بصحبة ~~ركاب السلطان في الصيد والركوب للمنتزهات وفي الميادين للعب بالكرة ، وفي ~~غير ذلك ؛ هذا ما يحتاج إليه في الأمراء والمماليك السلطانية ورجال الحلقة ~~. PageV08P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" وأما أجناد الأمراء فإن مباشر الجيش يسترفع ~~من دواوينهم أوراقا بعدة أجناد كل أمير منهم ، يصدرها كاتب عدة الأمير على ~~عدة نسخ بحسب المباشرين للجيش ، ويقول في صدرها ما مثاله : عرض رفعه ~~المملوك فلان الفلاني على ما استقر عليه الحال إلى آخر كذا ، والعدة خاصته ~~، وكذا كذا طواشيا ؛ ويشرح أسماء الجند ، وما أقطع باسم كل ؟ منهم من إقطاع ~~ونقد ومكيل ، مبتدئا برأس المدرج ومن يليه في الجند ، ثم مماليك الأمير ~~وألزامه ، ويختمهم بالنقيب ، ثم يعين ms1711 في آخر المدرج ما بقي لخاص الأمير من ~~النواحي والجهات ، وما عليه منه لأصحابه من نقد ومكيل إن كان ؛ ويلزمه عمل ~~مسير على نواحي الإقطاع يشطب كل جهة بأسماء من أقطعت لهم ، وما بقي منها ~~للخاص إن كان ؛ فإن كان منشور الأمير قد عين فيه ما هو لخاصه وما هو ~~لأصحابه فليس له أن يقتطع من المعين لجنده ما يضيفه لخاصه ، ولا يمنع أن ~~يقطع من خاصه زيادة لأصحابه ؛ وهذه القاعدة لاحقة بقواعد الفقه ، فإن له ~~التصرف في ماله دون مال غيره ، وله أن يميز بعضهم على بعض بحسب أحوالهم ~~ومراتبهم ؛ فإذا رفعت إليه هذه الأوراق عرض جند كل أمير في مجلس ولي الأمر ~~بمشهد من الأمراء وغيرهم ، فمن أجاز ولي الأمر عرضه حلاه قبالة اسمه ، ~~ويعين في حلاه سنه ولونه وقامته ، ثم يذكر حلية وجهه ، ويصف ما يتميز به عن ~~غيره من أثر في وجهه أو غير ذلك ؛ ومن رده ولي الأمر من العرض طولب الأمير ~~بإقامة غيره ، فإذا أقامه وعرضه وأجاز ولي الأمر وعرضه حلاه عند ذلك ، وعين ~~تاريخ عرضه إن كان عرضه بعد يوم العرض الشامل ؛ ويرقم المباشر بقلمه على ~~رأس أوراق العرض تاريخ عرض الجند ؛ وتستحق هؤلاء الجند الإقطاعات والنقود ~~والهلالي من تاريخ عرضهم وتدوينهم في الديوان ، والأمير من تاريخ منشوره ؛ ~~فإن مات جندي ؟ منهم أو فارق الخدمة أقام الأمير عوضه ، وعرضه على ولي ~~الأمر ، وأثبت اسمه بالديوان ؛ وإن قطعه الأمير فلا يخلو قطعه : إما أن ~~يكون لسبب كالعجز ونحوه فله ذلك ، وإما أن يكون بغير سبب فلا يخلو : إما أن ~~يكون قطعه له في قرب زمن إدراك المغل فلولي الأمر منعه من ذلك ، أو في غير ~~وقت المغل ، فإن عرض من هو أكفى منه وأقدر على الجندية أجيز ، وإن عرض من ~~هو دونه منع أميره من ذلك ، وألزم باستمرار الكافي أو إقامة من يماثله في ~~الكفاية والقدرة ؛ وإذا عرض الأمير أصحابه في السنة الثانية جدد كاتبه ~~أوراقا بالعرض نظير PageV08P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" الأولى ، وشطب كاتب ms1712 الجيش حلى الجند من العرض ~~الأول ، ثم يقابلها بالصورة الجديدة في وقت العرض الثاني ، فإن وافقت ~~وطابقت أجازه ، وإن اختلفت الحلى وتباينت رده وطالع ولي الأمر به ليقع ~~الإنكار على من تجاسر على فعل ذلك لما فيه من التلبيس ؛ فهذه هي القواعد ~~التي استقرت في زماننا والله أعلم . ويحتاج الكاتب إلى تحرير شواهده وحفظها ~~، فإن كان بين يدي السلطان ورسم له بإقطاع أمير أو جندي ؟ كتب مثالا ~~بالإقطاع ، وكتب السلطان أو نائبه بقلمه أعلى المثال ما مثاله : يكتب ؛ ~~وعين ناظر الجيش بقلمه تحت خط السلطان أو نائبه ما مثاله : رسم أن يكتب ~~باسم فلان لاستقبال مغل سنة كذا ، ولاستقبال كذا من مغل سنة كذا ؛ وخلد ~~الكاتب هذا الشاهد عنده ، وكتب مثالا ثانيا مربعا بما مثاله : رسم بالأمر ~~الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الفلاني - ويدعو للسلطان - أن يقطع ~~ويقرر باسم فلان الفلاني - وينعته بما يستحق - ما رسم له به الآن من ~~الإقطاع والنقد والمكيل إن كان فيه نقد أو مكيل في السنة ، خارجا عن ~~الجوالي والمواريث الحشرية والرزق الإحباسية ، إن كان الإقطاع بالديار ~~المصرية ؛ وإن كان بالشام قال : خارجا عن الملك والوقف ، ثم يقول : خبز ~~فلان الفلاني ، إن كان عن أحد ؛ وإن كان من الخاص أو مستجدا أو مستظهرا به ~~عينه ، ويذكر خاصته وعدته وأتباعه ، أو بمفرده ، ثم يعين جهات إقطاعه ، ~~ويثبت هذا المثال الثاني في الديوان ، وتشمله علامة السلطان ونائبه ، ثم ~~يخلد بديوان الإنشاء ، وهو شاهد الموقع ، ويكتب منشوره بمقتضى ذلك المثال ، ~~وتشمله علامة السلطان وخط نائبه ووزيره بالامتثال ، ويثبت بديوان الجيش ثم ~~بالدواوين ؛ وإن كان الكاتب في جهة خارجة عن باب الملك من الممالك الشامية ~~وأمره النائب بإقطاع أحد كتب مثالا بالإقطاع ، وكتب النائب بأعلاه : يكتب ، ~~ثم يكتب عليه الناظر نحو ما تقدم ، وهو شاهد الكاتب ، ثم يكتب المثال ~~الثاني في ورقة مربعة بما مثاله : رسم بالأمر الشريف العالي المولوي ~~السلطاني PageV08P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" الملكي الفلاني أن يقطع ويقرر باسم فلان ما ~~رسم له به الآن من الإقطاع ، ويعين ms1713 خبز من كان وسبب حله عنه ، إما بوفاة ، ~~أو بمفارقة ، أو بانتقال إلى غيره ، أو غير ذلك من الأسباب الموجبة لإخراج ~~الإقطاع عنه ، ويكتب نائب السلطنة عليه بالترجمة ، ويترجم عليه الناظر ~~بقلمه تحت خط النائب بما مثاله : المملوك فلان يقبل الأرض وينهى أن هذا ~~مثال كريم باسم فلان المرسوم إثباته في جملة الأمراء والمماليك السلطانية ، ~~أو البحرية ، أو رجال الحلقة المنصورة ، أو رجال التركمان ، أو العربان ، ~~أو الجبلية بالمملكة الفلانية ، أو بالجهة الفلانية بما رسم له به الآن من ~~الإقطاع عن فان ، والعدة خاصته ، وكذا كذا طواشيا ، أو بحسب ما يكون ~~لاستقبال ما عين فيه على ما شرح باطنه ، والأمر في ذلك معذوق بإمضائه أو ~~بما يؤمر به من الأبواب . ثم يثبت بديوان الجيش ، ويجهز إلى باب السلطان ، ~~فإذا وصل إلى الباب كتب عليه الناظر ومن معه من الرفاق بالمقابلة ، وقوبل ~~به ، ثم تشمله علامة السلطان أو نائبه بالكتابة ، ويخلده كاتب الجيش بالباب ~~عنده ، ويكتب مثالا من جهته على ما تقدم ، فإذا خرج المنشور الشريف ووصل ~~إلى تلك المملكة شمل خط نائبها بالامتثال ، وكتب عليه ناظر الجيش ورفقته ~~بالثبوت تحت خط ناظر الجيش بالباب ورفاقه ، ثم يثبت بالدواوين ، ويفرج لرب ~~الإقطاع على حكمه ، ويثبت إفراجه ، ويسلم إليه إقطاعه ؛ فهذه شواهد ~~المناشير والأمثلة . وأما غيرها من شواهد الكشوف فعلى حسب الوقائع ؛ والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بالصواب . ويحتاج إلى ضبط أسماء من توجه بدستور إلى جهة ~~من الجهات ، ويراعى انقضاء مدة الدستور ، ثم يكشف عنه ، ويطالب مقدمه به ، ~~وكذلك من توجه إلى الحجاز وغيره ، وكذلك من تخلف عن العود مع الجيش المجرد ~~في المهمات ، فيراعى ذلك حسب الطاقة والإمكان ، وإن تعذرت عليه معرفة من ~~تأخر بعينه يستعلم أخبارهم مجملة من مقدميهم ونقبائهم . ويحتاج إلى أنه ~~مهما انحل من الإقطاعات ، أو تعين من تفاوت المدد عمن درج وفارق وانتقل ، ~~أو ما تعين في خلال المدد بين منفصل ومتصل يحرر PageV08P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" ذلك ، ويكتب به حوطة جيشية يضمنها اسم رب ~~الإقطاع المتصل ونواحي ms1714 إقطاعه ونقده ومكيله إن كان ، ويعين استقبال الحوطة ~~، ويميز ما استحقه الديوان من المغل ، وتصدر إلى ديوان التصرف بعد شمولها ~~بالعلامة وثبوتها ، ويطالب المستوفي بكتابة رجعة بوصول ذلك إليه ليتبرأ من ~~عهدته ، ويلزم المثبتون التعريف بذلك وإضافة ما يتحصل منه ، فإن أخر كاتب ~~الجيش إصدار الحوطات إلى ديوان التصرف حتى يفوت الزمن الذي مكن فيه تحصيل ~~ما فيها ، كان تحت دركه وتبعته ؛ والله أعلم . ويحتاج مباشر الجيش إلى ~~مراجعة جرائده : الجيشية والإقطاعية وأوراق العدة في كل وقت من غير احتياج ~~إلى كشف ، لتكون على خاطره أسماء الجند ونواحي إقطاعهم ، فإنه بصدد أن يسأل ~~عن شيء من ذلك بين يدي ملك أو نائب ، فإن أخر الجواب بالجملة إلى أن يكشف ~~عنه ربما ينسب إلى عجز فيتعين أن يكون على خاطره من جليات الأحوال ما يجيب ~~به في المجلس على الفور ، ولا يتأتى له ذلك إلا بمراجعة حسابه ومداومة ~~النظر فيه ، والناظر إلى ذلك أحوج من غيره من المباشرين ، لأنه المسؤول ~~والمخاطب في غالب الأوقات ؛ والله أعلم بالصواب . ويحتاج أيضا إلى معرفة ~~الحلى واختلافها على ما نذكره في فصل الوراقة ، ولا بد له من معرفة الأوضاع ~~التي اصطلح عليها كتاب الجيوش في كتابة الحلى من الاختصار ؛ فهذه أمور كلية ~~لا بد لمباشر الجيش من معرفتها وإتقانها . ويتجنب مباشر الجيش أن يرقم ~~بقلمه عدة جيش تصريحا ، لما يتعين من إخفاء عدته وذكر تكثيره ، فإنه إن وضع ~~ذلك بقلمه لا يأمن من الاطلاع عليه فيشيع ويذيع ، وقد يتصل بالعدو والمعاند ~~والمناوئ فيترتب عليه من الفساد ما يترتب وهذا باب PageV08P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" يجب على كاتب الجيش الاحتفال به ، والاحتراز ~~من الوقوع فيه ، وكتمانه عن سائر الناس ؛ وإن دعته الضرورة إلى تسطير ذلك ~~خشية أن يسأله ولي الأمر عن شيء منه ، فليكن وضعه لذلك رمزا خفيا يصطلح ~~عليه مع نفسه لا يعرفه إلا هو ، أو من له دربة بمباشرة الجيش . ويتجنب أن ~~يكشف عبرة إقطاع أو متحصله ، أو يذكر ذلك لأحد إلا بمرسوم ولي الأمر ms1715 ، ثم ~~يذكره باللفظ دون الخط ، ووجوه الاحتراز كثيرة ، وهي بحسب الوقائع ، فيتعين ~~على مباشر الجيش ملاحظة ذلك والاحتراز من الوقوع فيما ينتقد عليه ، أو يصل ~~سبب ضرر منه إليه ؛ هذا ما أمكن إيراده مما يحتاج مباشر الجيش إلى اعتماده ~~؛ والله أعلم . وأما مباشرة الخزانة - فالعمدة فيها على العدالة والأمانة ، ~~لأن خزائن الملوك في هذا العصر لسعتها ، وكثرة حواصلها ، وعظم ذخائرها لا ~~تنضبط بسياقة ، فإنه لو طولب كاتب الخزانة بعمل سياقة لحواصلها عن سنة ~~احتاج إلى أن ينتصب لكتابتها سنة كاملة لا يشتغل فيها بغيرها ، فإذا تحررت ~~سياقة السنة في آخر السنة الثانية وكشفها مباشر الأصل وحررها في مدة أخرى ~~من السنة الثالثة فاتت المصلحة المستقبلة ، وتعطل على المباشر ما بعد تلك ~~السنة ، لاشتغاله بنظر تلك السياقة ، فإذا تقرر عجز الكاتب عن عمل السياقة ~~بهذه المقدمة فقد تعين أن العمدة في مباشرتها على الأمانة والعدالة ؛ ومع ~~ذلك فيحتاج كاتبها إلى أمور : منها ضبط ما يصل إليه من حمول الأموال ~~والأصناف ، ويقابل ما يصل منها على رسائله ، ويحرره بالوزن والذرع والعدد ~~والأحمال على اختلاف أجناسه وأنواعه وأوصافه ، ويميز ما يصل إليه من ~~الأقاليم والثغور والأعمال والممالك ، وما يصل من الهدايا والتقادم على ~~اختلافها ، فيضيف كل نوع إلى نوعه ، وصنف إلى صنفه ؛ وكذلك يحرر ما يبتاعه ~~من الأصناف التي تدعو الضرورة إليها وجرت العادة بابتياعها . PageV08P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" ومنها معرفة عوائد أرباب الصلات والإنعام ، ~~ومصاريف أرباب المناصب عند ولايتهم ، وما جرت عليه عوائدهم من الإنعام في ~~خلال مباشراتهم بالأسباب الموجبة لذلك وغير الأسباب ، وعوائد أرباب التقادم ~~والصناع وغيرهم . ومنها ضبط ما يصل إلى الخزانة من تقادم الملوك والنواب ، ~~ويقابل ما يصل منها في الوقت الحاضر على ما تقدم ، ويحرر زيادته من نقصه ، ~~ويكون ذلك على خاطره ، فإن سأله ولي الأمر عنه أجابه ، وإلا فلا يبدؤه ؛ ~~ويضبط عادات مهاداة الملوك وما جهز إلى كل ؟ منهم في السنين الخالية ، وما ~~كان قد وصل من هداياهم ، وما جرت عليه عادات رسلهم وقصادهم من التشاريف ~~والإنعام . ومنها ms1716 ضبط ما جرت به العادة من كسا أرباب العوائد المقررة في كل ~~سنة على اختلاف طبقاتهم من أرباب الرتب والمناصب والمماليك السلطانية ~~وغيرهم ، وتواريخ صرف الكسوة إليهم . ومنها تجهيز ما جرت العادة بأن يجهز ~~في خزائن الصحبة عند استقلال ركاب السلطان من مقر ملكه ، إما إلى الصيد ~~والنزهة ، وإما لكشف ممالكه عند انتقاله من مملكة إلى أخرى ، أو في حروبه ~~عند ملاقاة الأعداء ، فيجهز ما جرت به العادة في ذلك ، ولا يزيد عليه إلا ~~بمرسوم ولي الأمر ، ولا يستكثر من استصحاب صنف من الأصناف عند توجهه إلى ~~معدن ذلك الصنف ومظنته ، ولا إلى الخزانة منه بحمله ، بل يستصحب منه ما ~~يكون معه ذخيرة واحتياطا ، إذ لو طلب الملك ذلك الصنف في مسيره قبل وصوله ~~إلى معدن ذلك الصنف كان معه منه ما يسد به الضرورة ، ولا يعتذر بأنه ما ~~استصحبه معه بحكم توجهه إلى معدنه ، وأنه فعل ذلك للمصلحة الظاهرة ، فإن ~~الملوك لا تحتمل مثل ذلك ، ولا تصبر على أن يفقد من ذخائرها ما تطلبه ؛ ~~ويستكثر من استصحاب الصنف المعدوم في ذلك الوجه الذي يتوجه إليه ، ويحمل ~~أنه يكفيه في مسيره وعوده ؛ والله أعلم . PageV08P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" ومنها ضبط ما يتسلمه الصناع من مزركش وخياط ~~وفراء ونجاد وسراج وخردفوشي وغيرهم بالوزن والذرع والعدد ، ويحرزه عند ~~استعادته من صانعه . ومنها تحرير ما يصل إليه من الأقمشة من دار الأعمال ~~وما جرت به العادة أن يحمل منها في كل مدة ليطالب به إن تأخر عن وقته ؛ وإن ~~قل صنف من الأصناف عنده يبادر بمطالعة وزير المملكة أو مدبرها بذلك ليخلص ~~من عهدته ، وعلى وزير المملكة ومدبرها طلب ذلك الصنف من مظانه وحمله إلى ~~الخزانة . وأما ملبوس الملك المختص بنفسه وعادته في التفصيل والحبس والطول ~~والسعة فهو أمر متعلق برأس نوبة الجمدارية ، وهو المقدم عليهم ، فعليه أن ~~يحضر إلى الخزانة ويختار من الأقمشة ما يعلم أنه ملائم لخاطر السلطان ~~وموافق لغرضه ، فيفصل منه ما يراه على ما يراه من أنواع التفصيل ، وعلى ~~معلم ms1717 الخياطين الدرك في طوله وسعته وهندامه ، ولا يستغني المباشر عن معرفة ~~ذلك ، ولا يستغنى أيضا عن معرفة قيم الأشياء على اختلافها وعادة التفصيل ~~والترفئة والجندرة والحشو ليشارك رب كل صنعة في صناعته بنظره ولسانه ، ولا ~~يكون في ذلك مقلدا جملة ، بل يشاركهم فيما هم فيه ، وعليهم الدرك دونه فيما ~~لعله يعرض في ذلك من خلل إن وقع ، لأن هذه الصناعات زائدة على وظيفته ~~ولازمة لأولئك ؛ فأيما رجل اجتمعت فيه هذه الأوصاف تعين على ولي الأمر ندبه ~~لمباشرة الخزانة ، وقرر له كفايته ، وألزمه إن امتنع . وأما مباشر بيت ~~المال - فعمدته على ضبط ما يدخل إليه وما يخرج منه ، ويحتاج في ضبط ما يصل ~~إليه من الأموال إلى أن يقيم لكل عمل من الأعمال وجهة من الجهات أوراقا ~~مترجمة باسم العمل أو الجهة ، ووجوه أموالها ، فإذا وصل إليه المال وضع ~~الرسالة الواصلة قريبة من ذلك العمل ، ثم شطبها بما يصح عنده من ~~PageV08P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" الواصل إليه ، وذلك بعد وضعه في تعليق ~~المياومة ، فإن صح الواصل صحبة الرسالة كتب لمباشر ذلك العمل رجعة بصحته ، ~~وإن نقص ضمن رجعته : من جملة كذا ؛ واستثنى بالعجز والرد ، وبرز بما صح ، ~~وأعاد الرد على مباشر ذلك العمل وأثبت في بيت المال ما صح فيه ، فإن كان ~~العجز عن اختلاف الصنج عينه في رجعته ولا شيء على مباشر العمل ، وإن كان مع ~~اتفاقها فلا يعتد لمباشر العمل أو الجهة إلا بما صح في بيت المال . ويحتاج ~~كاتب بيت المال إذا عمل جامعة لسنة إلى أن يضم كل مال وصل إليه إلى ما هو ~~مثله ، من الخراج والجوالي والأخماس وغير ذلك بحسب ما يصل إليه ، ويفصل ~~جملة كل مال بنواحيه التي وصل منها ، ويستشهد فيه برسائل الحمول ، ويضيف ~~إلى جملة ما انعقد عليه صدر الجامعة من الأموال ما انساق عنده من الحاصل ~~إلى آخر السنة التي قبلها ، ويفذلك بعد ذلك ؛ ويعرف ما لعله صرفه من نقد ~~بنقد في تواريخه ، ويستقر بالجملة بعد ذلك ؛ ثم يشرع في الخصم ، فيبدأ ms1718 منه ~~بما حمله إلى المقام على يد من حمل على يده وتسلمه ، من الخزندارية ~~والجمدارية وغيرهم إن كان ، ثم يذكر ما نقله إلى الخزانة ويستشهد فيه ~~برجعاته ، وما نقله إلى الحوائج خاناه والبيوت والعمائر وغيرها بمقتضى ~~استدعاءات هذه الجهات ووصولات مباشريها ، وفي أرباب الجامكيات والرواتب ~~والصلات بمقتضى الاستئمارات والتواقيع السلطانية ؛ فإذا تكامل الحمل ~~والمصروف عقد عليهما جملة وساق ما بقي إلى الحاصل ؛ والله أعلم . وطريق ~~مباشر بيت المال في ضبط المصروف أن يبسط جريدة على ما يصل إليه من ~~الاستدعاءات والوصولات من الجهات ، وأسماء أرباب الاستقاقات والجامكيات ~~والرواتب والصلات ؛ وما هو مقرر لكل ؟ منهم في كل شهر بمقتضى تواقيعهم أو ~~ما شهدت به الاستئمارات القديمة المخلدة في بيت المال ، ويشطب PageV08P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" قبالة كل اسم ما صرفه له على مقتضى عادته إما ~~نقدا من بيت المال ، أو حوالة تفرع على جهة تكون مقررة له في توقيعه ، ~~ويوصل إلى تلك الجهة ما فرعه عليها ، وكذلك إذا أحال رب استحقاق غير ثمن ~~مبيع أو غيره على جهة عادتها تحمل إلى بيت المال سوغ ذلك المال في بيت ~~المال ، وأوصله إلى تلك الجهة ، والتسويغ في بيت المال هو نظير المجرى ؛ ~~وإذا وصل إليه استدعاء من جهة من الجهات أو وصول وضعه في جريدته ، وخصمه ~~بما يقبضه لربه ، ويشهد عليه بما يقبضه ، ويورد جميع ذلك في تعليق المياومة ~~. وأما مباشر أهراء الغلال - فمبني ؟ أمره أيضا على ضبط ما يصل إليه ، وما ~~يصرف من حاصله ؛ ويحتاج في مبدإ مباشرته إلى تحرير ما انساق من حواصل ~~الغلال بأصنافها ، وإن أمكنه تمييز ذلك بينه ، ويكون أتقن لعمله ؛ ثم يبسط ~~جريدة يرصع فيها أسماء نواحي الخاص السلطاني التي تصل الغلال منها إلى ~~الأهراء فإذا جاءته رسالة من جهة من تلك الجهات وضعها تحت اسم الجهة وعبر ~~ما وصل قرينها ، فإن صح صحتها كتب لتلك الجهة رجعة بالصحة ، وإن نقص فلا ~~يخلو : إما أن يكون المركب أو الظهر الذي حمل ذلك الصنف قد سفر من ديوان ~~الأصل أو ms1719 سفره مباشر العمل من جهته ، فإذا كان قد سفر من ديوان التسفيرات ~~طالب مباشر الأهراء مقدم رجال المركب والأمين المسفر عليه بالعجز ، ~~وألزمهما بحمله ، فإن كان قد سفر من الأعمال كان درك ذلك على من سفره ، ~~ومباشر الأهراء بالخيار بين أن يطالب محضر الغلة بالعجز ، أو يرجع على ~~مباشر العمل به ، ويكون مباشر العمل هو المطالب لمن سفره ، والأولى طلب ~~محضر الغلة ، فإنه إذا أطلقه ورجع إلى المباشر الذي سفره فقد يعود إلى ~~العمل وقد لا يعود ، فإن لم يعد كان مباشر الأهراء قد أضر بمباشر العمل ، ~~لأنه ألزمه الغرم مع قدرته وتمكنه من استرجاعه ممن عدا عليه ، ويكون هو ~~أيضا ممن شارك في التفريط ؛ وإن وصلت إليه الغلة متغيرة تغيرا ظهر له منها ~~أنها خلطت بغيرها ، إما بوصول عين تلك الغلة إليه ، أو بقرينة الحال التي ~~يعلم PageV08P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" منها أن تلك الغلة لا يوجد مثلها من فلاح ، ~~ولا يعتد بها من خراج السلطنة لظهور غلثها ، أو وصلت إليه الغلة مبلولة ~~بللا ظاهرا لتزيد عند الكيل وتتميز نظير ما أخذ منها ، فله أن يعمل لذلك ~~معدلا ، وهو أن يكيل منها جزءا معلوما ويغربله حتى يصير مثل العين التي ~~عنده ، أو بتجفيف ذلك حتى يعود إلى حالته الأولى ، ويحرر العجز على هذا ~~الحكم ، ويطالب به محضر الغلة ؛ وينبغي له أن يبدأ بصرف ما وصل إليه من ~~الغلال المبلولة ولا يخلطها بغيرها ، فإنها بعد بللها لا تحمل طول البقاء ؛ ~~هذا ما يعتمده في القبض . وأما في المصروف ، فإن كان لصاحب جراية أو صلة أو ~~إنعام أو تقا لفلاح صرف ذلك من عرض حاصله ، ويراعى في صرف التقاوي أن تكون ~~من أطيب الغلال وأفضلها ، لأنه يجنى ثمرة ذلك عند استيفاء الخراج ؛ وإن كان ~~ما يصرفه مما ينقله إلى الطواحين برسم المخابز ، أو للإسطبلات والمناخات ~~برسم العليق غربله ، وحرر نقصه ، وأورده في جامعته من الفذلكة واستقرار ~~الجملة ؛ ومباشرة الأهراء مناسبة في أوضاعها لمباشرة بيت المال . ذكر ~~مباشرة البيوت السلطانية وهي الحوائج خاناه ms1720 ، والشراب خاناه ، والطشت خاناه ~~، والفراش خاناه ، والسلاح خاناه ؛ وأمر البيوت معذوق بأستاذ الدار . ~~فيحتاج مباشر الحوائج خاناه إلى أمور : منها ما يحتاج إليه من راتب السماط ~~العام والطارئ - وهو الطعام الثاني الذي يمد بعد قيام السلطان من المجلس ~~العام ، ويأكله خواص الملك ومن يحضره بين يدي السلطان ، وهو أخص من السماط ~~الأول - وطارئ الطارئ وهو الطعام الثالث الذي يمد بعد رفع الطارئ ، ومنه ~~يأكل الملك وخواصه ، وقد يأكل السلطان من الطارئ الذي قبله ؛ فيحرر ما ~~يحتاج إليه من لحوم PageV08P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" وتوابل وخضراوات وأبازير وتحال وقلوب وطيب ~~وبخور وأحطاب وغير ذلك ؛ ولذلك عندهم معدل قد عرفوه فلا يتجاوزه ، فإنه إن ~~صرف زيادة عنه بغير سبب ظاهر خرج عنه وكان تحت دركه . ومنها معرفة مقادير ~~الأسمطة في أوقات المهمات والأعياد ليجري الأمر فيها على العادة ، ولا ~~يتجاوزها إلا بمرسوم . ومنها تعاهد أسماء الحوائج خاناه ، فيستدعى ما يراه ~~قد قل عنده منها قبل نفاده بوقت يمكن فيه تحصيله ، فإن أخر طلب ذلك إلى أن ~~ينفد ، أو طلبه في وقت ولم يبق عنده منه ما يكفيه إلى أن يأتيه ذلك الصنف ~~من بلد آخر كان المباشر تحت درك إهماله ، ومتى طلب ذلك في وقته وطالع ولي ~~الأمر به فقد خلص من عهدته . ويحتاج إلى بسط أسماء من يعامل بالحوائج خاناه ~~من قصاب وحيواني ؟ وطيوري ؟ وغيرهم ، ويحصر لكل ؟ منهم ما أحضره في كل يوم ~~، فإذا اجتمع له من ذلك ما يقتضى محاسبته جرد له محاسبة ضم فيها كل صنف إلى ~~صنفه وثمنه ، إما بتعريف الحسبة ، أو بعادة استقرت له ، وأحاله بمبلغ ما ~~وجب له على بيت المال ، أو استدعى من بيت المال ما ينفق منه وأشهد عليه ~~بقبض ذلك . ويحتاج أيضا إلى بسط أسماء أرباب الرواتب السلطانية وأرباب ~~الصلات ، وما لكل ؟ منهم في كل يوم ، وخصمه بقبوضهم مياومة أو مشاهرة ، ~~صنفا أو حوالة ؛ ويراعى حال من مرض من المماليك السلطانية ونقل من اللحم ~~إلى المزاوير أو المساليق فيقطع مرتبه من اللحم في مدة ms1721 مرضه ، ونظير ذلك من ~~التوابل في مدة مرضه . PageV08P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" ويحتاج إلى معرفة عادات الرسل الواردين ، ~~والأضياف المترددين ، ومرتب الصدقة في شهر رمضان ، وعادات الأضاحي والصلات ~~في عيد النحر ، فيجري الأمر على حكم العادة ؛ وبضبط جميع ما يصل إليه من ~~ديوان المتجر ومطابخ السكر وغيرها ، ويكتب لهم بما يحملونه إليه من الأصناف ~~؛ ويضبط أيضا ما استقر في كل ليلة من الوقود من شمع وزيت ، ويصرف على ما ~~استقر عنده ، وإذا سلم شمع الوقود إلى الطشتدارية وزنه عليهم ، وعبره عند ~~إعادته في بكرة النهار ليتميز له النقص ؛ ويضبط غير ذلك مما يصل إليه وينزل ~~عنده من عادات من قنع وتبتل ، وغير ذلك من جميع ما يرد وما يرتب ويزاد ~~ويقطع . وأما الشراب خاناه - وهي بيت يشتمل على أنواع المشروب من المياه ~~على اختلافها ، والسكر والأشربة والدرياقات والسفوفات والمعاجين والأقراص ~~والأقسما والفقاع والبلح والأبقال والحلويات والجوارشات والفواكه ، وما ~~يجري هذا المجرى ؛ وأمر هذا البيت الخاص معذوق بأمير مجلس ، والعام بأستاذ ~~الدار ؛ فيحتاج مباشر هذه الوظيفة إلى ضبط ما يصل إليه من جميع هذه الأصناف ~~، وما يستعمله من ذلك في عقد الأشربة والحلويات ، وما يعقد للمشروب وما ~~يصرفه من ذلك ، ومعرفة عادات الأسمطة والطوارئ والرواتب المقررة في كل يوم ~~، فيجري الأمر فيها على العادة المستقرة ، وما يستدعيه السلطان على حسب ~~الاتفاق ، وما يصرف للمرضى من المماليك السلطانية من أنواع الأشربة ~~والمعاجين وغيرها بمقتضى أوراق الأطباء ؛ هذا ما يعتمده عليه مباشرها والله ~~أعلم . PageV08P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وأما الطشت خاناه - فهي بيت تكون فيه آلة ~~الغسل والوضوء ، وقماش السلطان البياض الذي لا بد له من الغسل ، وآلة ~~الحمام ، وآلات الوقود ؛ فيكون في هذا البيت من الآلات : الطشوت والأباريق ~~والسخانات والطاسات والكراسي والستائر واللبابيد المختصة بالحمامات ~~والسجادات والنمرقات والمناشف وفوط الخدمة ومقاعد الجلوس من الجوخ والبسط ، ~~وغير ذلك ، والمباخر وأنواع البخورات والطيب والغوالي وماء الورد والممسك ، ~~وغير ذلك من الأصناف التي تلائم هذا البيت ؛ ويستدعى ما يحتاج إليه برسم ~~هذا البيت من الحوائج خاناه والخزانة ms1722 ؛ والله أعلم . وأما الفراش خاناه - ~~فيكون فيها أنواع الفرش والخيام والخركاهات والتخوت وقصور الخشب التي تنصب ~~في الدهاليز ، وحمامات الخشب التي تنقل على الظهر في الأسفار ، وما يتعلق ~~بذلك من اللبابيد وشلائت النوم وغير ذلك ؛ وهو بيت متسع فيه حواصل كثيرة ~~لها قيم جليلة تحتاج إلى استصحابه في أسفار السلطان لخاصته ولمماليكه على ~~اختلاف طبقاتهم ووظائفهم ، وما ينصب برسم آدر السلطان ومن يتبعها من الخدام ~~وما ينصب برسم البيوت السلطانية الخزائن فما دونها ، وما ينصب لأرباب ~~الوظائف من المباشرين الذين يكونون في صحبة الركاب السلطاني ، ومن غير ~~المباشرين حتى الكلاب السلطانية والكلابزية والجواري ؛ ويميز بين خيام ~~الصيد والنزه والأسفار والحروب ، وغير ذلك من الحركات التي تحتاج فيها إلى ~~استصحاب الخيام ولكل حركة منها ما جرت به العادة من خيام المقام والسفر ؛ ~~ويعرض ما يسلمه للفراشين عليهم ، ويضبط صفاته عند السفر ، ويستعيده منهم ~~عند العود بعرض ثان ، وكذلك ما PageV08P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" يسلمه لأرباب الوظائف ؛ ويضبط أيضا ما يتسلمه ~~الصناع الذين يفصلون الخام الجديد وغيره من آلات الفراش خاناه : من قماش ~~بياض ومصبوغ وغزل وجلود ومشمعات وشعر وأخشاب ، وغير ذلك ، ويعرف عوائدهم في ~~الأجر ، ويحاسبهم على ما يستحقونه من الأجر بحسب أعمالهم فيحيلهم بمبلغه . ~~وأما السلاح خاناه - فهي من أعظم البيوت وأهمها ، وأمرها راجع إلى أمير ~~سلاح ؛ وعلى المباشر فيها حفظ ما يدخل إليها ، وضبط ما يخرج منها مما ~~يتسلمه السلاح دراية والزردكشية والحرب دارية والرمح دارية من أنواع السلاح ~~وأصنافه إذا ركب السلطان أو جلس في المجلس العام ، واستعادته منهم ، ~~وإعادته لهم ، والاعتداد لهم بما أنعم به السلطان وذهبه مما كان بأيديهم ؛ ~~ويوصل ما يصل إلى السلاح خاناه من خزائن السلاح وغيرها ، وما يصل إليه من ~~سيوف الأمراء الذين يرسم باعتقالهم ، وما يحمل إليه من سلاح من توفي من ~~الأمراء على جاري العادة . ويميز ذلك من غيره وعليه أن ينبه أمير سلاح على ~~ما عنده من العدد التي يخشى عليها التلف بتطاول المدة ليأمر بكشفها ~~وإصلاحها : من مسح وصقل وجلاء ms1723 وشحذ وتثقيف وخرز ، وغير ذلك . وجميع ما ~~قدمنا ذكره من البيوت ليس بشيء من صناعة الكتابة العلمية ، بل العملية خاصة ~~، فإن علوم الكتابة إنما تظهر في نظم الحسبانات ، ولا نظم فيما قدمناه ؛ ~~والعمدة في صناعة الكتابة على مباشرة الهلالى والخراجي على ما يأتي بيان ~~ذلك إن شاء الله تعالى . ذكر جهات أموال الهلالى ووجوهها وما يحتاج إليه ~~مباشرها والهلالي عبارة عما تستأدى أجوره مشاهرة ، كأجر الأملاك المسقفة من ~~الآدر والحوانيت والحمامات والأفران وأرحية الطواحين الدائرة PageV08P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" بالعوامل ، والراكبة على المياه المستمرة ~~الجريان ، لا الطواحين التي تدور بالمياه الشتوية في بعض نواحي الشام ، ~~فإنها تجري مجرى الخراجي ، وسنذكر ذلك إن شاء الله في موضعه ؛ ومما نورد في ~~أبواب الهلالي عداد الأغنام والمواشي ، ومن الهوائي الجهات الهلالية ~~المضمونة والمحلولة ؛ والذي يعتمد عليه مباشره أن يتخير لكل جهة من ~~يستأجرها بقيمتها ، وما لعله يتعين من الحيطة ، ويلزم المستأجر بكتابة ~~إجارة شرعية لمدة معلومة بأجرة معينة ؛ ويخلدها في ديوانه ؛ وغن كانت الجهة ~~هوائية ألزم ضامنها بكتابة حجة بمبلغ الضمان ، وطالبه بمن يكفله من الضمان ~~الأملئاء القادرين بالمال في الذمة ، فإن تعذر فبالوجه ؛ فإذا خلدت الحجة ~~عنده كتب له من ديوانه تقريرا عين له فيه استقبال مدة ضمانه ، ومبلغ الضمان ~~وأقساطه مبسوطة أو منجمة ، ويذكر فيه ما يستأديه من رسوم تلك الجهة علة ما ~~تشهد به الضرائب المخلدة في الديوان ، وسلم إليه ؛ فإذا تكاملت عنده إجارات ~~الأملاك وحجج الضمان بسط على ذلك جريدة يشرح فيها الجهة ، واسم مستأجرها أو ~~ضامنها ، واستقبال مدة إيجاره أو ضمانه ، ومبلغ الأجرة أو الضمان في السنة ~~والشهر واليوم ؛ وإنما ذكرنا اليوم لما يتحصل من أقساط أيام سلوخ الشهور ~~الناقصة ، ولما كانت العادة جارية به من استخراج قسط يوم التعديل من سائر ~~ضمان الجهات الهوائية ، وهو قسط يوم واحد في سلخ ثلاث سنين يؤخذ من الضمان ~~خالصا للديوان زيادة على الأقساط ، وهذا يستأدى في بعض أقاليم الشأم ؛ ~~وإنما أوردناه خشية الإخلال به ؛ ويكون بسطه لذلك في يمنة القائمة إلى ms1724 ~~الشطر المكسور المعتاد الذي يتخلله خيط الجريدة ؛ فإن اتفق في جهة زيادة في ~~أثناء السنة قررها في تعليق المياومة ، ووضعها في الجريدة بما صورته : ثم ~~استقرت باسم فلان لاستقبال التاريخ الفلاني بكذا وكذا ، العبرة كذا ، ~~والزيادة كذا ؛ ويحاسب المستأجر أو الضامن المنفصل عما استحق عليه إلى حين ~~PageV08P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" انفصاله ، ويلزمه بالقيام به ، وذلك بعد أن ~~يعرض على الضامن المستقر ما زاد عليه ، فإن اختار قبول الزيادة على نفسه ~~قبل ذلك منه ، وكان ذلك له ، فإن زيدت عليه في الوقت زيادة ثانية لم يكن له ~~الاستمرار في الجهة إلا بزيادة على تلك الزيادة الثانية ؛ وإذا انقضت مدة ~~مستأجر أو ضامن وأراد الخروج من تلك الجهة ، فإن كان قد غلق ما عليه من ~~الأجرة أو الضمان لم يكن للمباشر إلزامه بالاستمرار بها ، وإن انطرد عليه ~~باق كثيرا كان أو قليلا لزمه استئناف عقد جديد نظير العقد الأول ؛ هذا ~~اصطلاحهم في الديوان ، ولهم اصطلاحات أيضا نحن نذكر ما تيسر منها ، إذ لا ~~تمكن الإحاطة بجميعها لاختلاف أحوال المباشرات ، ول استقصينا ذلك لطال ؛ ~~فمن اصطلاحاتهم أن المباشر يسلم للمستأجر الطاحون عند أذان المغرب من اليوم ~~الذي حصل فيه الإيجاز أو الزيادة لاستقبال اليوم الثاني ، ويسلم الحمام من ~~وقت التسبيح ، ويسلم بقية الجهات لاستقبال غرة النهار ؛ وإذا دخل ضامن نيلة ~~قوم للمنفصل ماله بالخوابي من مياه الأصباغ المختلفة بالقيمة العادلة ، ولا ~~يمكن من أخذ ذلك من المصبغة لما فيه من الإضرار بهما ، أما ضرر المنفصل ~~فلفساد المياه ، وأما ضرر المتصل فلأنه يتعطل مدة إلى أن تختمر له مياه ~~غيرها ، ولا يمكن ضامن المصبغة المنفصل من أخذ خابية وإن كانت ملكه ، بل ~~القيمة عنها ؛ هذا اصطلاحهم ؛ وليحترز مباشر الجهات الهلالية من قبول زيادة ~~بسطا في جهة منجمة قد مضت أقساطها الخفيفة وبقيت الأقساط الكبار ، لما يحصل ~~في ذلك من التفاوت والنقص على الديوان مع وجود الزيادة الظاهرة ، مثال ذلك ~~أن تكون جهة مضمونة في كل سنة بأربعة آلاف درهم منجمة ، قسط ستة شهور ألف ms1725 ~~درهم ، وقسط الستة شهور الثانية ثلاثة آلاف ، فانقضت الستة الأول ، وحصلت ~~زيادة في الجهة في أول الستة الثانية مبلغ خمسمائة درهم في السنة على أن ~~تكون قسطين ، فيصير بمقتضى البسط قسط الستة شهور الثانية ألفين ومائتين ~~وخمسين درهما ، وهي على الضامن المنفصل بثلاثة PageV08P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" آلاف ، فتكون هذه الزيادة على هذا الحكم نقصا ~~؛ فيراعى المباشر ذلك ، فإنه متى وقع فيه خرج عليه وكان مخرجا لازما ؛ ~~ومهما استخرجه المباشر من مستأجر أو ضامن أو أجراه بوصول لرب استحقاق أو ~~ثمن صنف ، أو غير ذلك من وجوه المصارف أورده في تعليق المياومة ، وصورة ~~وضعه لذلك أن يرصع المحضر أو المجرى عن يمنة القائمة ، ويخصم عن يسرتها ~~قبالة المجرى ، فيقول في يمنتها : من جهة فلان كذا ، وفي مقابلته : ينصرف ~~في كذا ؛ ثم يشطب المحضر والمجرى من تلك الجهة في يسرة قائمة الجريدة التي ~~بسطها قبالة كل اسم استخرج منه أو أجرى عليه ، يفعل ذلك في مدة السنة ، ~~ويرمز على تعليقه إشارة الخدمة على الجريدة ، وصورته له ؛ وكذلك إذا كتب ~~وصولا رمز عليه إشارة الكتابة ، وصورته له ؛ فإذا انقضت السنة عمل محاسبة ~~كل جهة بما استخرجه من مستأجرها أو ضامنها وأجراه عليه ، وعقد على ذلك جملة ~~، فإن كان المستخرج والمجري نظير الأجرة أو الضمان فقد تغلقت تلك الجهة عن ~~تلك السنة ، وإن زاد المستخرج على الأجرة أورده في حسابه مضافا ، ويسميه : ~~زائد مستخرج ، على ما يأتي بيانه في كيفية الأوضاع الحسابية ، واعتد له ~~بذلك في السنة المستقبلية ؛ وإن تعين للضامن أو المستأجر اعتداد بما يجب ~~الاعتداد به كبطالة الحمامات من انقطاع المياه وانكسار الأحجار أو السهام ~~أو العدد ، أو حصول جائحة أرضية أو سمائية كانقطاع الأجلاب عن الجهات ~~الهوائية بسبب مداومة الأمطار ، أو سقوط الثلوج ، أو طروق عدو ؟ للبلاد ، ~~أو حادثة عطلت تلك الجهة بسببها اعتد له بقسط تلك المدة محسوبا هذا إذا شرط ~~ذلك في تقريره على ما يأتي شرح ذلك ؛ هذا ما يعتمد عليه المباشر للجهات ~~الهلالية في أصولها . لرب استحقاق ms1726 أو ثمن صنف ، أو غير ذلك من وجوه المصارف ~~أورده في تعليق المياومة ، وصورة وضعه لذلك أن يرصع المحضر أو المجرى عن ~~يمنة القائمة ، ويخصم عن يسرتها قبالة المجرى ، فيقول في يمنتها : من جهة ~~فلان كذا ، وفي مقابلته : ينصرف في كذا ؛ ثم يشطب المحضر والمجرى من تلك ~~الجهة في يسرة قائمة الجريدة التي بسطها قبالة كل اسم استخرج منه أو أجرى ~~عليه ، يفعل ذلك في مدة السنة ، ويرمز على تعليقه إشارة الخدمة على الجريدة ~~، وصورته له ؛ وكذلك إذا كتب وصولا رمز عليه إشارة الكتابة ، وصورته له ؛ ~~فإذا انقضت السنة عمل محاسبة كل جهة بما استخرجه من مستأجرها أو ضامنها ~~وأجراه عليه ، وعقد على ذلك جملة ، فإن كان المستخرج والمجري نظير الأجرة ~~أو الضمان فقد تغلقت تلك الجهة عن تلك السنة ، وإن زاد المستخرج على الأجرة ~~أورده في حسابه مضافا ، ويسميه : زائد مستخرج ، على ما يأتي بيانه في كيفية ~~الأوضاع الحسابية ، واعتد له بذلك في السنة المستقبلية ؛ وإن تعين للضامن ~~أو المستأجر اعتداد بما يجب الاعتداد به كبطالة الحمامات من انقطاع المياه ~~وانكسار الأحجار أو السهام أو العدد ، أو حصول جائحة أرضية أو سمائية ~~كانقطاع الأجلاب عن الجهات الهوائية بسبب مداومة الأمطار ، أو سقوط الثلوج ~~، أو طروق عدو ؟ للبلاد ، أو حادثة عطلت تلك الجهة بسببها اعتد له بقسط تلك ~~المدة محسوبا هذا إذا شرط ذلك في تقريره على ما يأتي شرح ذلك ؛ هذا ما ~~يعتمد عليه المباشر للجهات الهلالية في أصولها . PageV08P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" وأما مضافاتها فلا فرق بينها وبين سائر ~~الأموال ، وسيرد الكلام إن شاء الله على ذلك مفصلا ؛ وقد اصطلح بعض مباشري ~~الجهات على إيراد أحكار البيوت والحوانيت ، وريع البساتين التي تستخرج ~~أجورها مشاهرة ، ومصايد السمك ، ومعاصر الشيرج والزيت في مال الهلالي ؛ ~~ومنهم من يوردها في أبواب الخراجي ، وهو الأليق ، وإنما نبهنا عليه لبيان ~~الاختلاف فيه ، ولا أرى في إيراد ريع البساتين في مال الهلالي وجها ، بل ~~يتعين ألا يرد إلا في أبواب الخراجي ؛ وإن قال قائل منهم : قد ms1727 يكون في ارض ~~البستان مسكن يستحق أجرة ، قلنا : إن أمكن إفراد ذلك المسكن بأجرة معينة ~~تقيد أمواله في أموال الهلالي دون البستان ، وإن تعذر إفراده وأوجر بعقد ~~واحد فالمسكن هنا فرع البستان ، والفرع يتبع الأصل ولا ينعكس ، هذا ما ~~لخصناه من حال مال الهلالي ، فلنذكر الجوالي . ذكر الجزية الواجبة على أهل ~~الذمة وما ورد فيها من الأحكام الشرعية وأول من ضربها وقررها على الرؤوس ~~وما اصطلح عليه كتاب التصرف في زماننا من استخراجها وموضع إيرادها في ~~الحساب ونسبتها في الإقطاعات الجيشية وما يلزم مباشرها من الأعمال وما ~~يحتاج إليه والله أعلم أما الأحكام الشرعية فالأصل في وجوبها قوله تعالى : ~~" قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون " وقد ورد في هذه الآية تأويلات ذكرها أقضى القضاة أبو الحسن ~~علي بن محمد بن حبيب الماوردي - رحمه الله - في الأحكام السلطانية ، نحن ~~نذكرها على ما أورده ، قال : أما قوله : " الذين لا يؤمنون بالله " فأهل ~~الكتاب وإن كانوا معترفين بأن PageV08P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" الله سبحانه واحد ، فيحتمل نفى هذا الإيمان ~~بالله تأويلين ، أحدهما : لا يؤمنون بكتاب الله سبحانه وتعالى وه القرآن ، ~~والثاني : لا يؤمنون برسوله محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، لأن تصديق الرسل ~~إيمان بالمرسل ؛ وقوله : " ولا باليوم الآخر " يحتمل تأويلين ، أحدهما : لا ~~يخافون وعيد اليوم الآخر وإن كانوا معترفين بالثواب والعقاب ، والثاني : لا ~~يصدقون بما وصفه الله تعالى من أنواع العذاب ؛ وقوله تعالى : " ولا يحرمون ~~ما حرم الله ورسوله " يحتمل تأويلين ، أحدهما : ما أمر الله سبحانه بنسخه ~~من شرائعهم ، والثاني : ما أحله لهم وحرمه عليهم ؛ " ولا يدينون دين الحق " ~~فيه تأويلان ، أحدهما : ما في التوراة والإنجيل من اتباع الرسول - وهو قول ~~الكلبي - ، والثاني : الدخول في دين الإسلام - وهو قول الجمهور - ، وقوله : ~~" من الذين أوتوا الكتاب " فيه تأويلان ، أحدهما : من أتباع الذين أوتوا ~~الكتاب ، والثاني : من الذين ملتهم الكتاب ، لأنهم في اتباعه ms1728 كإيتائه ؛ ~~وقوله : " حتى يعطوا الجزية فيه تأويلان ، أحدهما : حتى يدفعوا الجزية ، ~~والثاني حتى يضمنوها ، لأنه بضمانها يجب الكف عنهم ؛ وفي الجزية تأويلان ، ~~أحدهما : أنها من الأسماء المجملة التي لا يعرف منها ما أريد بها إلا ما ~~خصصه دليل ؛ واسمها مشتق ؟ من الجزاء ، وهو إما جزاء على كفرهم ، أو جزاء ~~على أماننا لهم ؛ وفي قوله : " عن يد " تأويلان ، أحدهما : عن غنى وقدرة ، ~~والثاني : أن يعتقدوا أن لنا في أخذنا منهم يدا وقدرة عليهم ؛ وفي قوله : " ~~وهم صاغرون تأويلان ، أحدهما : أذلاء مساكين ، والثاني : أن تجرى عليهم ~~أحكام الإسلام . وقال غيره : الصغار أن يضرب على فك الذمى برؤوس الأنامل ~~عند قيامه بالجزية ضربا لطيفا غير مؤلم . وقال الماوردي : فيجب على ولي ~~الأمر أن يضرب الجزية على رقاب من دخل في الذمة من أهل الكتاب ليقروا بها ~~في دار الإسلام ؛ ويلتزم لهم ببذلها حقين : أحدهما الكف عنهم ، والثاني ~~الحماية لهم ، ليكونوا بالكف آمنين ، PageV08P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" وبالحماية محروسين ؛ روى نافع عن ابن عمر رضي ~~الله عنهم قال : آخر ما تكلم به النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " احفظوني ~~في ذمتي " قال الماوردي : ولا تؤخذ من مرتد ولا دهري ؟ ولا عابد وثن ، ~~وأخذها أبو حنيفة من عبدة الأوثان من العجم ، ولم يأخذها منهم إذا كانوا ~~عربا ؛ وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى ، وكتابهم التوراة والإنجيل ، وتجرى ~~المجوس مجراهم في أخذ الجزية منهم ؛ وتؤخذ من الصابئين والسامرة إذا وافقوا ~~اليهود والنصارى في أصل معتقدهم وإن خالفوهم في فروعه ، ولا تؤخذ منهم إن ~~خالفوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم ؛ ومن جهلت حاله أخذت جزيته ، ولا ~~تؤكل ذبيحته ؛ والجزية تجب على الرجال الأحرار العقلاء ، ولا تجب على صبي ؟ ~~ولا امرأة ولا مجنون ولا عبد ، لأنهم أتباع وذراري ؛ ولو تفردت امرأة منهم ~~عن أن تكون تبعا لزوج أو نسيب لم تؤخذ منها الجزية ، لأنها تبع لرجال قومها ~~وإن كانوا أجانب منها ؛ ولو تفردت امرأة في دار الحرب فبذلت الجزية للمقام ~~في دار الإسلام لم يلزمها ما بذلته ، وكان ذلك منها كالهبة ms1729 لا يؤخذ منها إن ~~امتنعت ؛ ولا تؤخذ الجزية من خنثى مشكل ، فإن زال إشكاله وبان رجلا أخذت ~~منه في مستقبل أمره وماضيه ؛ واختلف الفقهاء في قدر الجزية ، فذهب أبو ~~حنيفة إلى تصنيفهم ثلاثة أصناف : أغنياء يؤخذ منهم ثمانية وأربعون درهما ، ~~وأوساط يؤخذ منهم أربعة وعشرون درهما وضرب يؤخذ منه اثنا عشر درهما ، ~~فجعلها مقدرة الأقل والأكثر ومنع من اجتهاد الولاة فيها . PageV08P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" وقال مالك : لا يقدر أقلها ولا أكثرها ، وهي ~~موكولة إلى اجتهاد الإمام في الطرفين . وذهب الشافعي إلى أنها مقدرة الأقل ~~بدينار لا يجوز الاقتصار على أقل منه ، وعنده أنها غير مقدرة الأكثر ، يرجع ~~فيه إلى اجتهاد الولاة ، ويجتهد رأيه في التسوية بين جميعهم ، أو التفضيل ~~بحسب أحوالهم ، فإذا اجتهد رأيه في عقد الجزية معهم على مرضاة أولي الأمر ~~منهم صارت لازمة لجميعهم ولأعقابهم قرنا بعد قرن ، ولا يجوز لوال بعده أن ~~يغيره إلى زيادة عليه أو نقصان منه . ويشترط عليهم في عقد الجزية شرطان : ~~مستحق ؟ ومستحب ، أما المستحق فستة أشياء : أحدها ألا يذكروا كتاب الله ~~تعالى بطعن فيه لا تحريف له ، والثاني ألا يذكروا رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بتكذيب له ولا ازدراء به ، والثالث ألا يذكروا دين الإسلام بذم ~~؟ له ولا قدح فيه ، والرابع ألا يصيبوا مسلمة بزنى ولا باسم نكاح ، والخامس ~~ألا يفتنوا مسلما عن دينه ولا يتعرضوا لماله ولا دمه ، والسادس ألا يعينوا ~~أهل الحرب ولا يؤووا أغنياءهم ؛ فهذه الستة حقوق ملتزمة بغير شرط ، وإنما ~~تشترط إشعارا لهم ، وتأكيدا لتغليظ العهد عليهم ، فيكون انتهاكها بعد الشرط ~~نقضا لعهدهم . وأما المستحب فستة أشياء : أحدها تغيير هيآتهم بلبس الغيار ~~وشد الزنار ، والثاني ألا يعلوا على المسلمين في الأبنية ، ويكونوا إن لم ~~ينقصوا مساوين لهم ، والثالث ألا يسمعوهم أصوات نواقيسهم ، ولا تلاوة كتبهم ~~، ولا قولهم في عزير والمسيح ، والرابع ألا يجاهروهم بشرب خمورهم ، ولا ~~بإظهار صلبانهم وخنازيرهم ، والخامس أن يخفوا دفن موتاهم ولا يجهروا بندب ~~عليهم ولا نياحة ، والسادس PageV08P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" أن يمنعوا من ms1730 ركوب الخيل عتاقا وهجنا ، ولا ~~يمنعوا من ركوب البغال والحمير ؛ قال : فهذه الستة المستحبة لا تلزم بعقد ~~الذمة حتى تشترط فتصير بالشرط ملتزمة ، ولا يكون ارتكابها بعد الشرط نقضا ~~للعهد ، لكن يؤخذون بها إجبارا ، ويؤدبون إن لم يشترط ذلك عليهم ، ويحتاط ~~به . وتجب الجزية عليهم في كل سنة مرة واحدة بعد انقضائها بالشهور الهلالية ~~، ومن مات منهم في أثناء السنة أخذ من تركته بقدر ما مضى منها ، ومن أسلم ~~كان ما لزم من جزيته دينا في ذمته يؤخذ منه ؛ وأسقطها أبو حنيفة بإسلامه ~~وموته ؛ ومن بلغ من صغارهم ، أو أفاق من مجانينهم استقبل به حول ثم أخذ ~~بالجزية ويؤخذ الفقير بها إذا أيسر ، وينتظر بها إذا لأعسر ؛ ولا تسقط عن ~~شيخ ولا زمن ، وقيل : تسقط عنهما وعن الفقير ؛ ولأهل العهد إذا دخلوا دار ~~الإسلام الأمان على نفوسهم وأموالهم ، ولهم أن يقيموا فيها أربعة أشهر بغير ~~جزية ، ولا يقيموا سنة إلا بجزية ، وفيما بين الزمانين خلاف ؛ ويلزم الكف ~~عنهم كأهل الذمة ، ولا يلزم الدفع عنهم ؛ وإذا أمن بالغ عاقل من المسلمين ~~حربيا لزم أمانه كافة المسلمين ، والمرأة في بذل الأمان كالرجل ، والعبد ~~فيه كالحر ؛ وقال أبو حنيفة : لا يصح أمان العبد إلا أن يكون مأذونا له في ~~القتال ؛ وإذا تظاهر أهل الذمة والعهد بقتال المسلمين كانوا حربا لوقتهم ، ~~يقتل مقاتلهم ، ويعتبر حال من عدا المقاتلة منهم بالرضا بفعلهم والإنكار له ~~؛ وإذا امتنع أهل الذمة عهدهم لم يستبح بذلك قتلهم ، ولا غنم أموالهم ، ولا ~~سبى ذراريهم ما لم يقاتلوا ، ووجب إخراجهم من بلاد المسلمين آمنين حتى ~~يلحقوا مأمنهم من أدنى بلاد الشرك ، فإن لم يخرجوا طوعا أخرجوا كرها ؛ فهذه ~~هي الأحكام الشرعية في أمر الجزية . PageV08P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" وأول ما ضربت الجزية وجعلت على الرؤوس في ~~خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكانت قبل ذلك تحمل قطائع ؛ واختلف : ~~هل استأداها سلفا أو عند انقضاء الحول . وأما ما اصطلح عليه كتاب التصرف في ~~زماننا هذا من استخرجها وموضع إيرادها في حسباناتهم ، فهم ms1731 يستخرجونها سلفا ~~وتعجيلا في غرة السنة ، وفي بعض الأقاليم تستخرج قبل دخول السنة بشهر أو ~~شهرين ؛ وتورد في الحسبانات قلما مستقلا بذاته ، بعد الهلالي وقبل الخراجي ~~، وسبب تأخيرها عن الهلالي أنها تستأدى مسانهة ، وسبب تقدمها على الخراجي ~~ما ورد من وجوبها مشاهرة على الأشهر من أقوال الفقهاء ؛ وقد تقدم ذكر الحكم ~~فيمن أسلم أو مات في أثناء الحول ، وأنه لا يلزمه منها إلا بقدر ما مضى من ~~السنة قبل إسلامه أو وفاته ، فلذلك وردت بين الهلالي والخراجي . وأما ~~نسبتها في الإقطاعات الجيشية عند خروج إقطاع ودخول آخر فإنها تجري مجرى ~~المال الهلالي ، لأنها تستخرج على حكم شهور السنة الهلالية دون الشمسية ؛ ~~فإن تعجلها مقطع في غرة السنة على العادة وخرج الإقطاع عنه في أثنائها ~~بوفاة أو نقلة إلى غيره استحق منها نظير ما مضى من شهور السنة إلى حين ~~انتقاله ، لا على حكم ما استحق من المغل ؛ ويستحق المتصل من استقبال تاريخ ~~منشوره كعادة النقود ؛ وإن تخلل بين المنفصل والمتصل مدة كان قسطها للديوان ~~، يرد في جملة المحلولات من الإقطاعات . وأما ما يلزم مباشر الجوالي وما ~~يحتاج إلى عمله ، فالذي يلزمه أن يبسط جريدة على أسماء الذمة بمقتضى ~~الضريبة المرفوعة إليه ، أو الكشف الذي كشفه إن كان العمل مفتوحا أو مستجدا ~~، يبدأ فيها بذكر أسماء اليهود ، ويثنى بالسامرة لأنهم PageV08P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" شعب منهم ، ويثلث بالنصارى ، وإن كان في عمله ~~طائفة من الصابئة والمجوس ذكرهم بعد النصارى ؛ وفي بعض بلاد الشأم تؤخذ ~~الجزية من طائفة تعرف بالشمسية ، يوحدون الله تعالى وينكرون نبوة النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، ومنهم من يقول بنبوة عيسى عليه السلام وأن لا نبي ~~بعده ؛ ويكون بسط الكاتب لهذه الجريدة على التقفية إذا كانت الأسماء كثيرة ~~، ليسهل عليه بذلك الكشف والشطب ، وإذا استخرج جالية أوردها في تعليق ~~المياومة ؛ وكتب له بها وصولا ، وشطبها عن اسم من استخرجت منه في جريدته ، ~~ويرمز في تعليقه إشارة الكتابة والخدمة على ما تقدم بيانه في الهلالي . ~~ويحتاج مباشر الجوالي في كل ms1732 سنة إلى إلزام رئيس اليهود ورئيس السامرة وقسيس ~~النصارى أو أسقفهم بكتابة أوراق يسمونها : الرقاع بمن عند كل منهم من ~~الرواتب ، وما لعله استجد من الطوارئ والنوابت ، ويعين في آخر الرقاع من ~~اهتدى بالإسلام ، ومن هلك بالموت ، ومن تسحب من العمل ، وإلى أي جهة توجه ، ~~ويجعل تلك الرقاع شاهدا عنده بعد الإشهاد فيها على الصادرة عنه بأنه لم يخل ~~بشيء من الأسماء ، ويلزمه بكتب مشاريح بمن ضمن رقاعه أنه اهتدى أو هلك أو ~~تسحب كل اسم بمشروح ، ويخلد المشاريح عنده ويشطبها على جريدته ؛ والكتاب في ~~إيراد من اهتدى ونزح وهلك مختلفون : فمنهم من يوصل العدة المستقرة عنده عن ~~يمنة العمل ، ويستثنى بالتعدية عمن اهتدى وهلك وتسحب ، كل اسم بمقتضى ~~مشروحه المشهود فيه ، ويبرز بما تحرر بعد ذلك ؛ ومنهم من يوصل الجميع على ~~ما استقرت عليه الحال إلى آخر السنة الماضية ، ويستخرج ممن استخرج منه ، ~~ويعتد بما يجب على المهتدى والهالك والمتسحب محسوبا في باب المحسوب ~~PageV08P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" قبل فذلكة الواصل في الرقاع - على ما نبينه ~~إن شاء الله في الأوضاع الحسابية - ويكون ما على النازحين موقوفا إلى أن ~~يتحرى أمرهم ؛ فإن عاد أحد منهم إلى ذلك الإقليم ولم يكن قد قام بالجزية في ~~بلد آخر استخرجت منه ، ووردت في باب المضاف في حساب السنة ، وإن كان قد قام ~~بالجزية في بلد آخر وأحضر وصول مباشر تلك الجهة بما اعتد له به عن تلك ~~السنة ، نقل مبلغ الوصول على تلك الجهة التي حضر وصولها قربت أو بعدت ، ~~واستشهد في حسابه بمقتضى الوصول ؛ وكلتا الطريقتين سائغة عند الكتاب ؛ وأما ~~النوابت والطوارئ فإنها ترد في باب المضاف باتفاق الكتاب في أول سنة ، ~~وتستقر أصلا في السنة التي تليها وما بعدها ؛ ويحتاج المباشر إلى تفقد ~~أحوال النوابت في كل مدة لاحتمال بلوغ صبي ؟ في أثناء الحول ، واختبار ذلك ~~بأمور شرعية واصطلاحية : أما الشرعية فبإنبات الشعر الخشن ، أو بكمال خمس ~~عشرة سنة ؛ وأما الاصطلاحية فبانفراق راس الأنف ، وغلظ الصوت ، وبظهور شيء ~~على حلمة الثدي ms1733 من باطنة كالترمسة ، وبأن يدار خيط على عنق الصبي مرتين ~~تحريرا ، ثم يوضع طرف الخيط بين أسنانه وتدخل أنشوطة في رأسه ، فإن دخلت دل ~~ذلك على بلوغه ، وإلا فلا ؛ واصطلح بعض مباشري الجوالي في بعض الأقاليم على ~~إلزام عرفاء الذمة بالمطالعة بكل صبي ؟ يولد لوقته ، وبمن هلك منهم ، ويرصع ~~أسماءهم في جريدة مفردة بهم ، فمن بلغ عمره ثلاث عشرة سنة استخرج منه ~~الجزية سواء ظهرت أمارات بلوغه أم لا ، ويلازم المباشر الكشف والتنقيب عمن ~~لعله أخفي من الرواتب ، أو استجد من الطوارئ والنوابت ولم يرد الدفع ، فمن ~~ظهر له أمره استخرج الجالية منه لاستقبال وجوبها عليه ، ويقابل من أخفاه ~~بالإهانة والنكال ؛ والمباشرة تظهر ما لا تحيط به الكتب ؛ هذا ما يتعلق ~~بالجوالي ، فلنذكر الخراجي - إن شاء الله تعالى - . PageV08P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" ذكر جهات الخراجي وأنواعه وما يحتاج إليه ~~مباشره والخراجي عبارة عما يستأدى مسانهة مما هو مقرر على الأراضي المرصدة ~~للزراعة والنخل والبساتين والكروم والطواحين السنوية التي تدور أحجارها ~~بمياه السيول في الجهات الشامية ، وما يستأدى من خدم الفلاحين ، ويسمى ذلك ~~بمصر : الضيافة ، وبالشأم : رسم الأعياد والخميس ، وهو أغنام ودجاج وكشك ~~وبيض - على ما استقر على كل جهة - وهو إنما يكون على النواحي الإقطاعية ~~غالبا ، وأما في نواحي الخاص فلا يستأدى ، لما هو مقرر على الأراضي بمصر من ~~الحقوق التي تستخرج دراهم ، وبالشأم من التضييف المقرر عليهم في أيام الفتح ~~عن مدة ثلاثة أيام ؛ ومن أبواب الخراجي ما يستأدى بالشأم في خدمة رؤساء ~~الضياع في مقابلة ما لهم من المطلق والولاة والوكلاء والنقباء والصيارفة ~~والكيالين والضوئية في مقابلة ما يستأديه من الرسم ، وذلك يرد في أبواب ~~المضاف ؛ والخراجي تختلف أحكامه وقواعده بمصر والشام ؛ والله سبحانه وتعالى ~~اعلم بالصواب . أما الديار المصرية وأوضاعها وقوانينها وما جرت عليه ~~قواعدها على استقر في زماننا هذا وتداوله الكتاب ، فقانون الديار المصرية ~~مبني ؟ على ما يشمله الري من أراضيها ويعلوه النيل ؛ وقد ذكرنا في باب ~~الأنهار في الفن الأول من كتابنا هذا نيل مصر ، ومبدأه ms1734 ، والاختلاف فيع ، ~~وما يمر عليه من البلاد ، وكيفية الانتفاع به من حفر الترع ، وضبط الجسور ، ~~وتصريف المياه عن الأراضي بعد ريها ؛ ونيل مصر هو من أعاجيب الدنيا ، وقد ~~روى عن ذي القرنين أنه كتب كتابا عما شاهده من عجائب الوجود فذكر فيه كل ~~عجيبة ، ثم قال في آخره : وذلك ليس بعجب ، ولكن العجب نيل مصر ، ولولا ما ~~جعل الله تعالى فيه من حكمة هذه الزيادة في زمن الصيف على التدريج حتى ~~يتكامل ري البلاد ، وهبوط الماء عنها عند بدء وقت الزراعة لفسد أمر هذا ~~الإقليم ، وتعذرت سكناه ، إذ ليس به أمطار كافية ولا عيون سارحة تعم ~~PageV08P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" أراضيه ، وليس ذلك إلا في بعض إقليم الفيوم ؛ ~~فسبحان من بيده الخلق والأمر القادر على كل شيء ، والمدبر لكل شيء ، سبحانه ~~وتعالى لا إله إلا هو . والذي يحتاج إليه مباشر الخراج بمصر ويعتمد عليه في ~~مباشرته أنه إذا شمل الري أرض الجهة التي يباشرها أن يبدأ بإلزام خولة ~~البلاد برفع قوانين الري ، وصورتها أن يكتب في صدر القانون ما مثاله : ~~قانون رفعه كل واحد من فلان وفلان الخولة والمشايخ بالناحية الفلانية ، بما ~~شمله الري وعلاه النيل المبارك من أراضي الناحية لسنة كذا وكذا الخراجية ، ~~وهو من الفدن ؛ ويذكرون جملة قانون البلد ، ويفصلونه بالري والشراقي ، ~~فالري : ما شمله النيل . والشراقي : ما لم يشمله ؛ وللري تفصيل : منه ما هو ~~نقاء ، ومنه ما هو مزروع ، وخرس ، وغالب ، ومستبحر ؛ ويفصل بقبائله ، ويشرح ~~في كل قبالة هذا التفصيل ؛ والنقاء : هو الطين السواد الذي يصلح للزراعة ~~وينبت فيه إذا لم يزرع الكلأ الصالح للرعي ، ويسمى نباته بصعيد مصر : ~~الكتيح ، وهو نبات تستغني به الخيل والدواب والماشية عن البرسيم . وأما ~~المزروع : فهو ما عادته أن يزرع في كل سنة . وأما الخرس : فهو الأرض التي ~~تنبت فيها الحلفاء ، فلا تزرع إلا بعد قلعها منها وتنظيفها ، وقطيعته دون ~~قطيعة النقاء . وأما الغالب : فهو ما غلبت على أرضه الحلفاء وتكاثفت فلا ~~تقلع إلا بكلفة ، وقطيعته دون قطيعة الخرس ، وقلما يزرع ، وأكثر ms1735 ما يكون ~~الخرس والغالب ببلاد الصعيد الأعلى لسعتها ، وكثرة أرضها ، وتعطيلها من ~~PageV08P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" الزراعة سنة بعد أخرى . وأما المستبحر : فهو ~~أراضي الخلجان المشتغلة التي تستمر المياه فيها إلى أن يفوت زمن الزراعة ، ~~فمناه ما يبور ، ومنها ما يزرع مقاثئ ، وقطيعته متوسطة ، وتكون غالبا ~~بالدراهم دون الغلة . وعندهم أيضا الترطيب : وهو الذي تخللت المياه باطن ~~أرضه شبه النز ولم تعلها ، ولا تصلح لغير المقاثئ ، فإذا رفع إلى المباشر ~~قانون الري أشهد فيه على رافعيه بأن الأمر على ما تضمنه ؛ ثم ينظر المباشر ~~إلى سنة يكون نيلها نظير نيل تلك السنة ، ويبرز الكشوف ، ويحضر البلد على ~~الفلاحين القرارية نظير ما حضروه في السنة الموافق نيلها لنيل تلك السنة ~~الحاضرة ، ويشهد على كل مزارع بما يسجله من أراضي كل قبالة وقطيعتها ~~المستقرة ، ويعين منها ما هو بحقوق وما هو بغير حقوق ، والحقوق : دراهم ~~يقوم بها المزارع عن كل فدان غير الغلة ، وتكون من أربعة دراهم إلى درهمين ~~، والغلة بحسب قطيعة الأرض وعادتها ، وأكثر ما عرف من الخراج عن كل فدان - ~~وهو أربعمائة قصبة بالقصبة الحاكمية ، والقصبة ستة أذرع وثلثا ذراع بذراع ~~القماش - ثلاثة أرادب ، وهذه الأرض جزيرة بالأقصر من أعمال قوص ، وأقل ما ~~علمناه من القطيعة عن كل فدان سدس إردب ، وهي في الأراضي التي غلبت عليها ~~الأخراس وقل الانتفاع بها ، فهي تسجل بهذه القطيعة عليها ، وتنصلح في ~~المستقبل ؛ وأما الأراضي التي تسجل بالدراهم فأكثر ما علمناه بأراضي ~~الجيزية قبالة فسطاط مصر عن كل فدان مائتان وخمسون درهما ، وهو كثير في ~~أراضيها وسجل في بعض السنين ثلاثة أفدنة بألف درهم ، ولم تستقر هذه القطيعة ~~، وهذه الأراضي تزرع غالبا كتانا ؛ فإذا تكامل تحضير البلد على ~~PageV08P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" المزارعين القرارية والطوارئ نظم المباشر ~~أوراقا بجملة ما اشتمل عليه التحضير مفصلة بالأسماء والقبائل والجزائر ~~والجروف ، وتكتب عليها الشهود الذين حضر البلد بحضورهم ، ثم يصرف لكل مزارع ~~ما جرت العادة به من التقاوي بحسب ما يسجله ، ويكون ما يصرفه من التقاوي من ~~أطيب الغلال ms1736 وأفضلها وأنصعها ، ثم يبسط جريدة على أوراق السجلات يشرح فيها ~~اسم كل فلاح وما يسجله من الفدن ، ويفصل ذلك بقبائله وجهاته وقطائعه ؛ فإذا ~~نبت الزرع واستوى على سوقه ندب عند ذلك من يباشر مساحة الأراضي : من شاد ؟ ~~وعدول ذوي خبرة بعلم المساحة ، وكاتب عارف خبير أمين ، وقصابين : وهم الذين ~~يقيسون الأراضي بالأحكام الحاكمية المحررة ؛ فيمسحون الأراضي المزروعة ~~بأسماء أربابها وقبائلها ، ويعينون أصناف المزروعات بها ، ويكون مباشرو ~~المساحة قد بسطوا أيضا سجلات التحضير ، فإذا تكاملت المساحة نظم مباشروها ~~أوراقا يسمونها : المكلفة ، يترجم صدرها بما مثاله مكلفة تأريج فنداق مساحة ~~الأراضي بالناحية الفلانية لمغل سنة كذا وكذا الخراجية . والتأريج : هو ~~الأوراق التي يبسطها مباشر المساحة بما في السجلات ويختمها بما انتهت إليه ~~المساحة . والفنداق : هو عبارة عن التعليق ، وهو الذي تكتب فيه المساحات ~~حال قياسها . فإذا انتهت ترجمة صدر المكلفة عقد جملة فدنها في صدرها وفصلها ~~بأصناف المزروعات وأسماء المزارعين ، فإن طابقت المساحة السجلات من غير ~~زيادة ولا نقص قال : وذلك بمقتضى السجلات ، وإن تميزت قال : ما تضمنته ~~السجلات كذا ، زائد المساحة كذا ، وإن نقصت ذكر ما صح بمقتضى مساحته ، ~~وكمله بالقلم تتمة ؛ وإن نقص مزارع عن سجله في قبالة وزاد على سجله في ~~قبالة أخرى كمل عليه ما نقص بمقتضى سجله ، وأورد ما زاد في القبالة الأخرى ~~زيادة ، ولا ينقل الزائد إلى الناقص ، ويلزمه المباشر بالقيام بخراج ما نقص ~~من تلك القبالة وما زاد في الأخرى ؛ هذا مصطلحهم ، وليس هو منافيا للشرع ، ~~إلا أنني أرى في هذا النقص تفصيلا هو PageV08P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" طريق العدل والحق ، وهو إن كان النقص مع وجود ~~أرض بائرة بتلك القبالة لزمه القيام بخراج النقص ، لأنه عطلها مع قدرته على ~~الانتفاع بها وزراعتها ؛ ويسلم إليه من الأراضي البائرة التي شملها الري ~~بتلك القبالة نظير ما نقص عنده لينتفع بما لعله نبت في تلك الأرض من الكلإ ~~؛ وإن كان النقص مع تغليق أرض تلك القبالة بالزراعة فلاشيء عليه لأنه لم ~~يتسلم ما بسجله ، ويعتد له بما لعله ms1737 زاد على تسجيل غيره بتلك القبالة ، ~~فإنه يعلم بالضرورة القطيعة أن الذي زرع بها أكثر مما بسجله أخذ من جملة ~~سجل غيره ؛ وإن صحت تلك القبالة في جميع المزارعين بمقتضى سجلاتهم بغير ~~زيادة ، ونقص عند واحد بعينه جميع ما اشتملت عليه المساحة بها ، فإن وافق ~~جملة قانونها تعين أن الخلل إنما جاء من قبل المباشر ، لأنه سجل في قبالة ~~أكثر من قانونها ، فلا يلزم المزارع بالنقص ؛ هذا هو العدل والإنصاف ، فمن ~~خرج عنه فقد ظلم وحاف ؛ فإذا تكملت تكملة المساحة وضع المباشر زائد مساحة ~~كل اسم تحت اسمه ، وضمه إلى سجله ، ورفع الجملة بالعين والغلة ، وأضاف إلى ~~كل اسم ما لعله قد تسلمه من تقاو وقروض ، وما عليه من عشر ووفر ورسوم ، وما ~~لعله انساق من الباقي إلى آخر السنة الماضية إن كان ؛ وهم يضيفون عشر ~~التقاوي ، وهو حرام لا شبهة في أخذه ، وهو الربا بعينه ، فإنه يقرض الرجل ~~عشرة فيأخذها أحد عشر ؛ ويضيفون أيضا في بعض البلاد عشر العشر فيقبض كل ~~مائة إردب مائة إردب ؟ وأحد عشر إردبا ؛ وإنما اشتدت هذه المظالم وأحدثت من ~~قبل أرباب البذول الذين يقترفون المظالم ولا يجدون من يردهم عنها فتستمر ، ~~وهى من السنن السيئة التي وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة . صلها ~~بأصناف المزروعات وأسماء المزارعين ، فإن طابقت المساحة السجلات من غير ~~زيادة ولا نقص قال : وذلك بمقتضى السجلات ، وإن تميزت قال : ما تضمنته ~~السجلات كذا ، زائد المساحة كذا ، وإن نقصت ذكر ما صح بمقتضى مساحته ، ~~وكمله بالقلم تتمة ؛ وإن نقص مزارع عن سجله في قبالة وزاد على سجله في ~~قبالة أخرى كمل عليه ما نقص بمقتضى سجله ، وأورد ما زاد في القبالة الأخرى ~~زيادة ، ولا ينقل الزائد إلى الناقص ، ويلزمه المباشر بالقيام بخراج ما نقص ~~من تلك القبالة وما زاد في الأخرى ؛ هذا مصطلحهم ، وليس هو منافيا للشرع ، ~~إلا أنني أرى أرض بائرة بتلك القبالة لزمه القيام بخراج النقص ، لأنه عطلها ~~مع قدرته على الانتفاع بها وزراعتها ؛ ويسلم إليه من ms1738 الأراضي البائرة التي ~~شملها الري بتلك القبالة نظير ما نقص عنده لينتفع بما لعله نبت في تلك ~~الأرض من الكلإ ؛ وإن كان النقص مع تغليق أرض تلك القبالة بالزراعة فلاشيء ~~عليه لأنه لم يتسلم ما بسجله ، ويعتد له بما لعله زاد على تسجيل غيره بتلك ~~القبالة ، فإنه يعلم بالضرورة القطيعة أن الذي زرع بها أكثر مما بسجله أخذ ~~من جملة سجل غيره ؛ وإن صحت تلك القبالة في جميع المزارعين بمقتضى سجلاتهم ~~بغير زيادة ، ونقص عند واحد بعينه جميع ما اشتملت عليه المساحة بها ، فإن ~~وافق جملة قانونها تعين أن الخلل إنما جاء من قبل المباشر ، لأنه سجل في ~~قبالة أكثر من قانونها ، فلا يلزم المزارع بالنقص ؛ هذا هو العدل والإنصاف ~~، فمن خرج عنه فقد ظلم وحاف ؛ فإذا تكملت تكملة المساحة وضع المباشر زائد ~~مساحة كل اسم تحت اسمه ، وضمه إلى سجله ، ورفع الجملة بالعين والغلة ، ~~وأضاف إلى كل اسم ما لعله قد تسلمه من تقاو وقروض ، وما عليه من عشر ووفر ~~ورسوم ، وما لعله انساق من الباقي إلى آخر السنة الماضية إن كان ؛ وهم ~~يضيفون عشر التقاوي ، وهو حرام لا شبهة في أخذه ، وهو الربا بعينه ، فإنه ~~يقرض الرجل عشرة فيأخذها أحد عشر ؛ ويضيفون أيضا في بعض البلاد عشر العشر ~~فيقبض كل مائة إردب مائة إردب ؟ وأحد عشر إردبا ؛ وإنما اشتدت هذه المظالم ~~وأحدثت من قبل أرباب البذول الذين يقترفون المظالم ولا يجدون من يردهم عنها ~~فتستمر ، وهى من السنن السيئة التي وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ~~. ثم يعقد المباشر على جميع ذلك جملة ويشطبها بما يستخرجه منه ويحصله ، ~~والذي تنعقد عليه الجملة هو ما تعين عليه للديوان أنجب زرعه أو لم ينجب ؛ ~~ومهما استخرجه منه وحصله وأحال به كتب به وصولا ؛ فإذا غلق كل اسم ما عليه ~~أجاز عليه PageV08P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" إشارة التغليق ، وإن بقي عليه شيء مما تعين ~~عليه طرده للباقي ؛ هذا حكم الأرض التي تسجل بالغلة ؛ وأما ما يسجل بالنقد ~~فإنه تتساوى عليه ms1739 ثلاثة أقساط أو قسطان : قسط من ثمن البرسيم الأخضر عند ~~إدراكه وبيعه لربيع الخيل ، وقسط من الكتان عند قلعه إن كان ، وقسط عند ~~إدراك المغل والمقاثئ ، ومنهم من يسجل بالنقد الحاضر جملة واحدة في وقت ~~السجل ؛ هذا حكم خراج الزراعة . وأما الخراج الراتب ، فهو لا يكون إلا ~~بالنقد عينا أو فضة ؛ وهو خراج السواقي والبساتين والنخيل ؛ وذلك أن أربابه ~~يقاطعون الديوان على فدن معينة بمبلغ معين عن كل فدان في كل سنة يقومون به ~~في أوقات معلومة ، رويت الأرض أو شرقت ؛ وهم يحفرون في تلك الأراضي آبارا ~~بقدر ما يعلمون أن المياه التي تطلع منها تروى تلك الأراضي ، ويركبون على ~~أفواه الآبار السواقي المتخذة من أخشاب السنط وما ناسبه ، المشهورة بالخرير ~~التي تعين على رفع الماء ويسمونها بديار مصر : المحال ، وبحماة : النواعير ~~، إلا أن النواعير تدور بالماء ، وهذه تدور بالأبقار ، ويزرعون عليها بتلك ~~الأراضي ما أحبوه واختاروه من أصناف المزروعات والغروس لا يطالبون عليها ~~بغير الخراج المقرر ، إلا أن ينصبوا القصب فلا يقتصر منهم عند ذلك على ~~الخراج ، بل للديوان على الأقصاب مقرر يستأديه عن كل فدان ؛ ويستأدى خراج ~~الراتب على أقساط في زمن الثمار والأعناب والفواكه وعند ضرب الوسمة - وهي ~~النيل الذي يصبغ به اللون الأزرق - وخراج الراتب يستأدى ممن هو ~~PageV08P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" عليه ، زرع أرضه أوعطلها ، وهو لا يبطل بوفاة ~~المقاطع على الأرض ، بل ينتقل على ورثته ، ويطالبون به أبدا ما تعاقبوا ~~وتناسلوا ، ولا يوضع عنهم إلا أن ابتلع البحر الأرض المقاطع عليها بعد أن ~~يعلموا بذلك مشاريح تثبت عند حاكم البلد أن البحر ابتلع تلك الأراضي ~~بكاملها أو بعضها ، ولا ينهض مباشر الناحية أو ناظر العمل بوضعه مع وجود ~~المحضر الثابت ، بل يحضر المقاطع على الأرض أو من انتقلت إليه بالإرث أو ~~الابتياع إلى باب السلطان ، ويرفع قصة إلى الوزير بصورة الحال ، ويوقع ~~عليها بقلمه أن يوضع عنه من خراج الراتب بقدر ما ابتلعه البحر بمقتضى ~~المحضر ، ويستمر حكم ما بقي ، ويكتب على ظهر قصته : توقيع ms1740 شريف سلطاني ؛ ~~ويثبت بدواوين الباب السلطاني ، ثم يثبت بديوان العمل الجامع ، ثم ينزل في ~~ديوان البلد التي بها تلك الأرض ، ويوضع عند ذلك من الضريبة الديوانية ؛ ~~هذا حكم الخراج بالديار المصرية وقاعدته والعادة فيه . وأما جهات الخراجي ~~بالشام وكيفيتها وما يعتمد عليه مباشروها - فإن قانون البلاد الشامية مبني ~~؟ على نزول الغيث ، ووقوع الأمطار في إبانها وأوقات الاحتياج إليها ، فمن ~~ذلك المطر المسمى : الوسمى ، وهو الذي يقع في فصل الخريف ، وعند وقوع هذا ~~المطر يخد شق الأراضي المكروبة بالسكك ، ثم يبذر الحب فيها ، ويعاد شق ~~الأرض عليه ليخفي عن الطير خشية التقاطه ، فإذا نزل عليه المطر الثاني بعد ~~ذلك نبت وبرز إلى وجه الأرض ، وهو عند ذلك يسمى : الأحوى ، ثم لا تزال ~~الأمطار تسقيه والأنواء تغذيه حتى يصير غثاء ، ثم يقع عليه بعد ذلك المطر ~~المسمى بالمطر الفاطم ، وهو غالبا يكون في شهر نيسان ، ثم يعقد في الحب بعد ~~ذلك ، وينتهى على عادة الزرع ؛ هذا حكم ما يزرع على الوسمى . PageV08P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" ومن أراضي الشأم نواح يغبها الوسمى فيزرع ~~سكانها الحب عفيرا ، ومعنى ذلك أنهم يزرعون في الأرض الحب قبل إبان الزرع ~~وينتظرون وقوع الأمطار عليه ؛ ومن غريب ما اتفق في بعض السنين أنهم أودعوا ~~الحب الأرض على عادتهم فلم يسقط عليه الأمطار في تلك السنة ، فاستمر في ~~الأرض إلى العام القابل ، وأيس أهل البلاد منه ، وزرعوا في السنة الثانية ~~شطر الأراضي التي كانت كرابا غير مزروعة - فإن عادتهم بسائر بلاد الشأم أن ~~كل فلاح يقسم الأراضي التي بيده شطرين ، فيزرع شطرا ، ويريح شطرا ، ~~ويتعاهده بالحرث لتقرع الشمس باطن الأرض ، ثم يزرعه في القابل ويريح الشطر ~~الذي كان به الزرع ؛ هذا دأبهم ، خلافا لأراضي الديار المصرية ، فإنها تزرع ~~في كل سنة - فلما وقعت المطار نبت الشطران معا ، وأقبلت الزراعات في تلك ~~السنة ، فتضاعف المغل ، وهذا غريب نادر الوقوع . ومن أراضي الشأم ما يسقى ~~بالمياه السارحة من الأنهار والعيون ، وتكون مقاسمة أرضه أو فر من مقاسمة ~~ما يسقى بالأمطار ، وقيمة الأملاك ms1741 بها أرفع وأغلى من تلك ، ويكون غالبا في ~~الأراضي المستقلة ؛ والله تعالى أعلم . والذي يعتمده مباشر الخراج ببلاد ~~الشأم أنه يبدأ بإلزام رؤساء البلاد بتغليق أراضيها بالزراعة والكراب ؛ ~~ومصطلحهم في ذلك أن يقولوا : أحمر وأخضر ، يعنون بالأحمر : الكراب ، ~~وبالأخضر : الزرع شتويا أو صيفيا ، ويعنون بالشتوي : القمح والشعير ~~والشوفان والفول والحمص والعدس والكرسنة والجلبان PageV08P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" والبستيلية وهي التي تسمى بمصر : البسلى ، ~~وبالساحل الطرابلسي : الحالبة ؛ ويعنون بالصيفي : الذرة والدخن والسمسم ~~والأرز والحبة السوداء والكسبرة والمقاثئ والوسمة والقرطم والقطن والقنب ؛ ~~ويكتب عليهم بذلك مشاريح أنهم لا يبورون شيئا من الأراضي ومن بور شيئا منه ~~كان عليه القيام بريع الغامر من نسبة العامر ؛ فإذا زرعت الأراضي وبدا صلاح ~~الزرع ، وأخذ الفول في العقد خرج الوكلاء على الزراعة إلى النواحي يحفظون ~~الزراعة من التطرق إلى شيء منها ، ويلازمونها إلى أن تحصد وتنقل إلى ~~البيادر ؛ فعند ذلك يخرج الأمر بحفظ ما يصل إلى البيادر ، ويأخذون في ~~الدراس ؛ فإذا تكامل وطابت البيادر ولم يبق إلا التذرية أخرج مذريا - ~~ووظيفة المذرى أنه يلزمهم بتخليص الغلال من الأقصال وتنظيفها ؛ فإذا فعلوا ~~ذلك وخلصت الغلال من الأتبان والأقصال وصارت بيادر صافية خرج وإلى العمل ~~ومباشروه إلى تلك الجهة ، وتقدموا بتوزيع بيادرها على ضريبة الناحية ~~وعادتها في المقاسمة ، مناصفة - وذلك في أراضي السقى - ، ومثالثة ومرابعة - ~~وهو في غالب البلاد - ، ومخامسة ومسادسة - وذلك في المزارع والنواحي ~~الخالية من السكان التي يزرعها المستكرون - ، ومسابعة ومثامنة - وذلك في ~~النواحي المجاورة لسواحل البحر والمتاخمة لأطراف بلاد العدو ؛ فإذا فرغ ~~توزيعها أخذ المباشرون ما يخص الديوان من التوازيع ، ثم يحزر ما لعله تأخر ~~من الغلال في عرصات البيادر PageV08P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" والأقصال وأعقاب التبانات والعفائر ، ويؤخذ ~~منه ما يخص الديوان من نسبة المقاسمة ، ويكمل على الفلاح على حكم ضريبة ذلك ~~العمل ؛ وفي بعض النواحي يكون من المواسطة ، فتفرد لها توزيعة بمفردها ، ثم ~~يؤخذ من حاصل الفلاح بعد الرسوم عشر ما بقي له ؛ وهذا غير مطرد في جميع ~~البلاد ، فإن في جهات الأوقاف والبر وما ms1742 يناسبها لا يؤخذ العشر إلا من ~~النصاب الشرعي ؛ وفي نواحي الخواص والإقطاعات يؤخذ مما بقي للفلاح من كل ~~عشرة أجزاء جزءا مما قل أو كثر بحسابه ؛ وفي بعض الأقاليم لا يؤخذ العشر من ~~المزارعين الذمية ؛ وأما النواحي الإقطاعية والأملاك التي أعشارها ديوانية ~~فمنها ما عليه ضريبة مقررة تؤخذ في كل سنة زاد المغل أو نقص ، ومنها ما ~~يندب له من يقف على النواحي ويحزر ما بها من الغلال ويقدر العشر عنها ، ~~ويكون هذا الحزر والزرع قائم أو حصيد قبل درسه ، ثم يتعاد بعد ذلك من ~~الفلاحين ما لعله عليهم من التقاوى والقروض ، وتكون بمفردها مرصدة لتقاوى ~~السنة الآتية ؛ ثم يعتبر ما يتحصل من الغلال على اختلاف أصنافها بالكيل ~~المتعامل به في ذلك الإقليم ، وتعمل بذلك مخازيم على العادة مفصلة بالأسماء ~~وأصل المقاسمة والرسوم والعشر وما لعله استعيد من التقاوى والقروض ؛ وعند ~~تكامل قسم نواحي كل عمل سينظم على المخازيم عمل بالمتحصل عل ما نشرحه إن ~~شاء الله تعالى سفي الأوضاع الحسابية ؛ هذا ما يعتمده في الغلال . وأما ~~الخروب والزيتون والقطن والسماق والفستق والجوز واللوز والأرز فإن الوكلاء ~~تستمر على حفظ ذلك إلى أن يصير في بيادره ، ويقسم على حكم الضريبة ويحصل ~~ويورد على المتحصل ؛ وفي بعض الأعمال الشامية نواح مفصولة ومضمنة على ~~أربابها بشيء معلوم يؤخذ منهم عند إدراك المغل من غير توكيل ولا مقاسمة ، ~~وهي نظير المتأجرات PageV08P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" بالديار المصرية ؛ ولفظ الفصل بالشأم كله ~~كلمة فرنجية ، واستمر استعمالها في البلاد الساحلية التي ارتجعت من أيدي ~~الفرنج جريا على عادتهم . وأما خراج العين فهو مقرر على البساتين والشجريات ~~والكروم والمقاثئ ويستخرج على حكم الضريبة عند إدراك كل صنف . ومن أبواب ~~الخراجي الخدم التي تقدم ذكرها ، ومقرر القصب والبريد والبسط ، وعشر العرق ~~، وغير ذلك مما يطول شرحه ، إلا أن جميع ما يستخرج من الأراضي منسوب إلى ~~الخراج . ومن أبواب الخراجي الأحكار على ما فيها من الاختلاف ؛ ومهما ~~استخرجه المباشر وحصله من ذلك يعتمد في إيراده نحو ما شرحناه في ms1743 الهلالي : ~~من إيراده في تعليق المياومة ، وشطبه على الجريدة المبسوطة على أبوابه ؛ ~~هذا حكم الهلالي والجوالي والخراجي ؛ والله سبحانه وتعالى أعلم . وأما ما ~~يشترك فيه الهلالي والخراجي ويختلف باختلاف أحواله فجهات ، وهي المراعي ~~والمصايد والأحكار ؛ أما المراعي - فالذي يرد منها في أبواب الهلالي ما ~~استقر حكمه بجهة ، وتقرر في كل سنة ، وصار ضريبة مقررة ؛ فمن المباشرين من ~~يقبضه على شهور السنة ، ويستخرجه أقساطا ، ويورده في جملة أبواب الهلالي ؛ ~~والذي يرد منه في أبواب الخراجي هو ما يستخرج من أرباب المواشي في كل سنة ~~عند هبوط نيل مصر ونبات الكلإ ، في مقابلة ما رعته مواشيهم من نبات الأرض ، ~~وهو يزيد وينقص بحسب كثرة المواشي وقلتها ؛ وعادتهم فيه أن يندب لمباشرة ~~ذلك مشد ؟ وشهود وكاتب ، ويعدوا الأغنام وغيرها ، ويستخرجوا من أربابها عن ~~كل رأس شيئا معلوما بحسب ضريبة تلك PageV08P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" الجهة وعادتها ؛ وهو على هذا الوجه لا ينبغي ~~إيراده إلا في أبواب الخراجي ؛ ومن الكتاب من يورده في أبواب الهلالي ، وهو ~~غلط . وأما المصايد - فمنها أيضا ما يورد في أبواب الهلالي كالنواحي التي ~~تصاد بها الأسماك على الدوام ، مثل ثغر دمياط والبرلس وجنادل ثغر أسوان ~~وأشباه ذلك بالديار المصرية ، وبالشأم مثل نهر العاصي وبحيرة طبرية ، ~~وغيرهما من الأنهار والبرك ؛ ومنها ما يرد في أبواب الخراجي ، وهو ما يصاد ~~من الأسماك عند هبوط نيل مصر ورجوع الماء من المزارع إلى بحر النيل ؛ ~~والعادة في ذلك إذا انتهت زيادة النيل وشرع الماء في مبادئ النقص سكروا ~~أفواه الترع ، وسدوا أبواب القناطر التي عليها حتى يرجع الماء ويتكاثف مما ~~يلي المزارع ثم ينصبون الشباك ، ويصرفون المياه ، فيأتي السمك وقد اندفع مع ~~الماء الجاري ، فيجد الشباك تحول بينه وبين الانحدار مع الماء ، فيجتمع ~~فيها ، ثم يخرج منها إلى البر ، فيوضع على نخاخ ويملح ويودع في الأمطار ، ~~وأكثر ما يكون ذلك قفي طول الإصبع ونحوه ؛ وله أسماء : منها البلطي والراي ~~والبني وغير ذلك ، وما يؤكل منه طريا بعد قليه يسمونه الإبسارية ؛ ومنها ما ~~يكون بقدر ms1744 الفتر ، ويسمى الشال ، وهو يملح أيضا ؛ فهذا الذي يتعين إيراده ~~في أقلام الخراجي ، ومنهم من يورده في الهلالي ، ومن الكتاب من يورد ~~المصايد والمراعي قلما مستقلا بعد الجوالي وقبل الخراجي . وأما الأحكار - ~~فقد تقدم الكلام عليها عند ذكرنا للهلالي . PageV08P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" وهذه الاختلافات بين الكتاب هي بحسب آرائهم ~~وعادات النواحي وما استقرت عليه قواعدها ؛ وإنما أوردنا ذلك على سبيل ~~التنبيه عليه ، وذكر مصطلح الكتاب فيه . وأما أقصاب السكر ومعاصرها - فهي ~~تختلف بحسب الأماكن والبقاع والنواحي والديار المصرية والشأم ، وتختلف أيضا ~~في الديار المصرية بحسب الأعمال والنواحي والأراضي ؛ وقاعدتها الكلية التي ~~لا تكاد تختلف في الديار المصرية أن تختار لها الأراضي الجيدة الدمثة التي ~~شملها الري وعلاها النيل ، ويقلع ما بها من الحلفاء وتنظف ؛ ثم تبرش ~~بالمقلقلات - وهي محاريث كبار - ستة وجوه ، وتجرف حتى تمهد ، ثم تبرش ستة ~~وجوه أخرى وتجرف - ومعنى البرش الحرث - ؛ فإذا صلحت وطابت ونعمت وصارت ~~ترابا ناعما وتساوت بالتجريف تشق عند ذلك بالمقلقلات ، ويرمى القصب فيها ~~قطعتين : قطعة مثناة ، وقطعة مفردة ؛ وذلك بعد أن تجعل أحواضا وتفرز لها ~~جداول يصل الماء منها إلى تلك الأحواض ، ويكون طول كل قطعة منها ثلاثة ~~أنابيب كوامل وبعض أنبوبة من أعلى القطعة وبعض أخرى من أسفلها ؛ ويختار ~~برسم النصب من الأقصاب ما قصرت أنابيبها ، وكثرت عيونها ؛ فإذا تكامل النصب ~~أعيد التراب عليه ؛ وصورة النصب أن تكون القطعة ملقاة لا قائمة ؛ ثم يسقى ~~من حال نصبه في أول فصل الربيع في كل أسبوع مرة ؛ فإذا نبت القصب وصار ~~أوراقا ظاهرة على وجه الأرض نبتت معه الحلفاء والبقلة الحمقاء ، فعند ذلك ~~تعزق أرضه - ومعنى العزق أن تنكش الأرض وينظف ما نبت مع القصب - ويتعاهد ~~بذلك مرة بعد أخرى إلى أن يغزر القصب ويقوى ويتكاثف ، فلا يتمكن العزاق من ~~الأرض ، فيقال فيه عند ذلك : طرد القصب عزاقه ، وذلك عند بروز الأنبوب منه ~~؛ ومجموع ما يسقى بالقادوس ثمانية وعشرون ماء . PageV08P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" والعادة أن الذي ينصب من الأقصاب على كل مجال ~~بحراني ؟ - أي ms1745 مجاور للبحر - إذا كان مزاح العلة بالأبقار الجياد مع قرب ~~أرشية الآبار ثمانية أفدنة ؛ ويحتاج إلى ثمانية أرؤس بقرا ؛ فإذا كانت ~~الآبار بعيدة عن مجرى النيل لا يقوم المحال بأكثر من ستة أفدنة إلى أربعة ~~أفدنة ؛ فإذا طلع النيل وارتفع سقي القصب عند ذلك ماء الراحة ؛ وصفة ذلك ~~أنه يقطع عليه من جانب جسر يكون قد أدير عليه ليقيه من الغرق عند ارتفاع ~~الماء بالزيادة ، فيدخل الماء من تلك الثلمة التي فرضت من الجسر ، ويعلو ~~على وجه أرضه نحوا من شبر ، فتسد عند ذلك ، ويمنع الماء من الوصول إليه ، ~~ويترك ذلك الماء عليه مقدار ساعتين أو ثلاث إلى أن يسخن ، ثم يصرف عنه من ~~جانب آخر إلى أن ينضب ، ثم يجدد عليه الماء مرة أخرى ؛ يتعاهد بذلك مرارا ~~في أيام متفرقة بقدر معلوم ، ثم يفطم بعد ذلك ؛ فما نقص من ذلك كان المباشر ~~قد أخل به إلا النصب على الري وسقى ماء الراحة فإنه أمر رباني ؟ لا قدره ~~للمباشر على استجلابه . ولا غنية للقصب عن القطران قبل أن يحلو ، فإنه يمنع ~~السوس من الوصول إليه ؛ وصفة ذلك أنهم يجعلون القطران في قادوس مبخوش من ~~أسفله ، ويسد ذلك البخش بشيء من الحلفاء ، ويعلق القادوس على جدول الماء ، ~~ويمزج القطران بالماء فيقطر من خلال ذلك البخش المسدود ، ويمتزج قطره ~~بالماء الذي يصل إلى القصب ، ويحصل به المقصود . وإن خشي المباشر على القصب ~~من فساد الفأر أدار حوله حيطانا رقيقة مقلوبة الرأس إلى خارج أرض القصب ~~تسمى حيطان الفأر ، وتصنع من الطين المخلوط بالتبن PageV08P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" فتمنع الفأر من الوصول إلى القصب ، فإنه إذا ~~تسلق في الحائط وانتهى إلى آخرها منعته تلك الحافة المقلوبة وأصابت رأسه ~~فيسقط إلى الأرض . هذا ما يلزم المباشر الاحتفال به واعتماده في أمر القصب ~~. فإذا كان في أول كيهك من شهور القبط كسرت الأقصاب وقشرت ، ونقلت إلى ~~المعاصر ؛ وإذا كان في أوان نصب القصب من السنة الثانية حرقت آثار الأقصاب ~~وسقيت وعزقت كما تقدم ، فتنبت أرضها القصب ms1746 ؛ ويسمونه بمصر : الخلفة ، ~~ويسمون الأول : الرأس ؛ وقنود الخلفة في الغالب أجود من قنود الرأس . ذكر ~~كيفية الاعتصار والطبخ وتقدير المحتصل الذي جرت عليه العادة بالديار ~~المصرية أن الأقصاب إذا نقلت من المكسر إلى المعصرة على ظهور الجمال أو ~~الحمير وضعت في مكان برسمها يسمى دار القصب ، بها وترات وحطب ورجال مرصدون ~~لإصلاح القصب بالسكاكين الكبار التي مقدار حديدها ثلثا ذراع ، في عرض سدس ~~ذراع في سمك إبهام ، فينظفون عيدان القصب ، ويقطعون من أعلاه ما ليس فيه ~~حلاوة ، ويسمونه اللكوك ، وينظفون أسفل العود مما لعله به من عروق وطين ؛ ~~ويسمى هذا الإصلاح التطهير ؛ ثم ينقل من تلك الوترات إلى وترات أخر مؤبدة ~~بأعلى حائط عريض مرتفع عن الأرض ، أحد جانبي الحائط مما يلي دار القصب ، ~~والوجه الآخر إلى بيت آخر يسمى بيت النوب ؛ وعلى ذلك الحائط رجال جالسون في ~~مقاعد أعدت لهم ، وبأيديهم السكاكين التي ينظف بها القصب ، والوترات ~~المؤبدة أمامهم ، فيجمع الرجل منهم عدة عيدان من القصب ، ويضعها على الوترة ~~، ويقطعها قطعا صغارا فتسقط في بيت النوب ؛ ثم تنقل من بيت النوب إلى الحجر ~~في أفراد تسمى العيارات متساوية المقادير ؛ فيوضع ذلك القصب المقطع تحت ~~الحجر ؛ ويدور PageV08P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" الحجر عليه الأبقار الجياد فيعصره ؛ وينزل ما ~~يخرج منه من الماء في أبخاش في القاعدة التي تحت الحجر إلى مكان ضنك معد ؟ ~~له ؛ فإذا انتهى ذلك القصب من العصر تحت الحجر نقل إلى مكان آخر ، ثم يجعل ~~في قفاف متخذة من الحلفاء مشبكة الأسافل والجوانب ، ويلقى تحت دولاب التخت ~~، ويدور الدولاب عليه بالأعواد حتى يأخذ حده ، ويخرج ما بقي فيه من الماء ؛ ~~ويجتمع ما تحصل من ماء القصب من الحجر والتخت في مكان واحد ؛ ثم ينقل ذلك ~~الماء فيصفى من منخل موضوع في قفص معد ؟ له ، وينزل ما يخرج إلى مكان متصل ~~يسمونه البهو ، له عيار معلوم محرر ؛ فإذا امتلأ من ذلك الماء المصفى نقل ~~إلى المطبخ ، وصفى تصفية ثانية في قدر كبيرة يسمونها الخابية يصب فيها بعد ~~التصفية جميع ms1747 ما كان في البهو ، وهو ستون مطرا من ماء القصب ضريبة كل مطر ~~نصف قنطار بالليثي على التحرير - والرطل الليثي مائتا درهم - فيكون ما في ~~الخابية ثلاثة آلاف رطل وهو ما كان في البهو ؛ ثم يوقد عليها من خارج ~~المعصرة إلى أن يغلى الماء غليانا كثيرا ، وينقص نقصا معلوما ، فعند ذلك ~~يبطل الوقيد عنها ؛ فإذا سكن غليانها نقل ما فيها من الماء المسلوق في ~~يقاطين كبار ، في كل قرعة منها خشبة منجورة طويلة كالساعد نافذة في جانبي ~~القرعة ، ويصب في أكسية من الصوف تحتها دنان كبار فيصفى الماء منها تصفية ~~ثالثة ، ويستقر في تلك الدنان ؛ ثم ينقل من الدنان في دسوت إلى القدور ، ~~فيطبخ فيها إلى أن يأخذ حده من الطبخ ؛ ويحتاج كل حجر إلى خابية وثماني ~~قدور لطبخ ما يعتصر تحت الحجر والتخت ؛ ثم ينقل بعد طبخه PageV08P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" في دسوت من النحاس ، لكل دست منها قبضتان من ~~الخشب مسمورتان في أعلاه يقبض الرجل عليهما ليقياه حرارة الدست ؛ ويصب ذلك ~~المطبوخ - ويسمى إذ ذاك المحلب - يف أباليج من الفخار ضيقة الأسافل ، متسعة ~~الأعالي ، مبخوش في أسفل كل أبلوجة منها ثلاثة أبخاش مسدودة بقش القصب ، ~~وهذه الأباليج موضوعة في مكان يسمى بيت الصب ، فيه مصاطب مبنية مستطيلة ~~تشبه المذاود ، ويجعل تحت كل أبلوجة من تلك الأباليج قادوس يقطر فيه ما ~~يتخلص من رقيق ذلك المحلب - وهو العسل القطر - ثم يخدمها الرجال بالكرانيب ~~مرة بعد أخرى حتى تمتلئ تلك الأباليج ، وهي تختلف ، فمنها ما يسع أكثر من ~~قنطار ، وأقل منه ؛ فإذا امتلأت وتكاملت خدمتها وأخذت في الجفاف نقلت من ~~بيت الصب إلى بيت الدفن ؛ فتعلق فيه على قواديس يقطر فيها ما بقي من ~~أعسالها . وأما أوساخ الأقصاب التي تنظف منها في دار القصب فإنها تعتصر على ~~انفرادها ، وتطبخ بمفردها ، وتسمى الخابية ، وهي أردأ من عسل القصب . ولما ~~يتحصل من الاعتصار أسماء وعبر : منها الضريبة ، ومنها الوضعة ، ومنها اليد ~~؛ فالضريبة عبارة عن ثماني أياد ؛ واليد ملء خابية ؛ والخابية ثلاثة آلاف ~~رطل ms1748 من عصير القصب بالرطل الليثي كما تقدم ؛ فتكون الضريبة أربعة وعشرين ~~ألف رطل من الماء ، يجمد منها مع جودة القصب وصلاحه من القند خمسة وعشرون ~~قنطارا إلى خمسة عشر قنطارا ، ومن الأعسال اثنا عشر قنطارا إلى ثمانية ~~قناطير ؛ ونهاية ما يتحصل من الفدان القصب ثلاثة ضرائب : منها قند وقطر ~~ضريبتان ونصف وعسل خابية نصف ضريبة مقدارها أربعة وعشرون قنطارا بالمصري ؛ ~~ومن الأقصاب ما يفسد فلا يجمد طبيخ مائه ولا يصير قندا ، فيطبخ عسلا ، ~~ويسمونه المرسل ؛ PageV08P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" وهذا الذي ذكرناه من الوضع والمتحصل والتسمية ~~اصطلاح بلاد قوص من الصعيد الأعلى بالديار المصرية ، وهو وإن اختلف في ~~غيرها من البلاد فلا يبعد من هذا الترتيب . وأما أقصاب الشأم - فهي تختلف ~~أوضاعها بحسب البقاع والنواحي والأعمال ، فمنها ما هو بالسواحل الطرابلسية ~~والبيروتية والعكاوية ؛ ولهم اصطلاح في نصب الأقصاب واعتصارها : فمنها ما ~~يعتصر بحجارة الماء ، ومنها ما يعتصر بالأبقار ، ومنها ما يعتصر بالسهام ؛ ~~وليس ذكرها وبسط القول فيها من المهمات التي تقتضي الانصباب إليها ؛ والذي ~~قدمنا ذكره أيضا من أمر أقصاب مصر هو على الحقيقة فلاحة ودولبة ، وليس هو ~~كتابة ، وهو للمباشر زيادة على صناعته ، على أنه لا يستغنى عن معرفته ~~والاطلاع عليه . وعمدة المباشر في الاعتصار ضبط ما يتحصل ، وحراسته من ~~السارق والخائن والمفرط ؛ ويلزم مباشر الاعتصار أن ينظم في كل يوم وليلة ~~مخزومة بما اعتصر وبما تحصل ؛ فإذا اتنهى الاعتصار نظم عملا شاملا لجميعه ~~على ما نشرحه في الأوضاع الحسابية . والقند إذا جف وأخذ حده من البياض نقل ~~إلى مطابخ السكر ، فيحل بالماء وشيء من اللبن الحليب ، ويطبخ فيصير منه ~~السكر البياض والقطارة ؛ ويتحصل من كل قنطار من القند ربعه وسدسه سكرا ، ~~وثلثه وربعه قطارة ؛ ومنه ما يكرر ثانيا فيصير في غاية البياض والنقاء ، ~~وقطارته تقارب قطر النبات ؛ ومنه أيضا ما يطبخ نباتا ؛ وهذه أمور جملية ~~يستدل منها على المقاصد ، والمباشر تشمل ما لا يمكن إيراده في كتاب ، وتظهر ~~ما لا يكاد ينحصر بخطاب ، فلنذكر الأوضاع الحسابية . PageV08P0197 # """""" صفحة رقم 198 ms1749 """""" ذكر أوضاع الحساب وما يسلكه المباشر ويعتمده ~~فيها أول ما يحتاج إليه كل مباشر أن يضع له تعليقا ليوميته ، يذكر فيه ~~تاريخ اليوم والشهر من السنة الهلالية ، ويذكر فيه جميع ما يتجدد ويقع في ~~ذلك اليوم في ديوانه : من محضر ومستخرج ومجرى ومبتاع ومباع ومبيع ومصروف ، ~~وما يتجدد من زيادات في الأجر والضمانات ، وعطل ، وتقرير أجائر ، وترتيب ~~أرباب استحقاقات على جهات ، وتنزيل من يستخدمه ، وصرف من يصرفه من أرباب ~~الخدم ، وغير ذلك بحيث لا يخل بشيء مما وقع له في مباشرته قل أو جل ؛ وهذا ~~التعليق هو أصل المباشرة ، فمن ضبط اليوم انضبط ما بعده ؛ وكل المباشرين في ~~وضعه سواء ، يضع الشاهد فيه ما يضعه العامل ، فإذا كان في آخر النهار قوبل ~~على مجموعه بين المباشرين ، ويساق ما يحتاج إلى سياقته من العين والغلة ~~والأصناف . ثم يكتب العامل مخزومة يورد فيها المستخرج والمحضر والمجرى ~~والمصروف ، ويرفعها على عدة نسخ بحسب المسترفعين ؛ وإن شاحه المسترفع لزمه ~~أن يوردها فيما أورده في ميامته من سائر المتجددات والأحوال ، فيصير بها ~~المسترفع الغائب كالمباشر الحاضر ، وتشمل المخزومة خط من هو مباشر : من ~~ناظر مباشرة فمن دونه ؛ وقد قدمنا ذكر بسط الجرائد على الأموال والغلال ، ~~وكيفية خدمتها في الأصول ؛ ونظير ذلك أن يبسط أسماء أرباب الاستحقاقات ~~وأرباب المصارف تلو أصول الأموال ومضافاتها ، ويضع لكل اسم ما يستحقه ~~مشاهرة ومسانهة عينا وغلة ، أو ثمن صنف أو غير ذلك ؛ ثم يشطب قبالة كل اسم ~~ما قبضه مفصلا بتواريخه من جهة قبضه ، لتسهل عليه بذلك محاسبة كل نفر عند ~~الاحتياج إلى محاسبته كما PageV08P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" شرحناه في الأصول ؛ ولا بد لكل مباشر من ~~جريدة على هذه الصفة تشتمل على الأصل والخصم ؛ والله سبحانه وتعالى أعلم ~~بالصواب . ذكر ما ينتج عن التعليق من الحسبانات بعد المخازيم وهي الختم ~~والتوالي والأعمال والسياقات التي تلك كلها شواهد الارتفاع : فأما الختم - ~~فتختص بجهات العين من سائر الأموال ؛ وكيفيتها أنه إذا مضت على المباشر مدة ~~لا تتجاوز أحد عشر شهرا فما دون ms1750 الشهر إلى عشر أيام - وما دون الشهر لا يقع ~~إلا عند انفصال كاتب في أثناء الشهر أو اقتراح مقترح - نظم حسابا سماه ~~الكتاب في مصالحهم : الختمة ، يشرح في صدرها ما مثاله بعد البسملة : ختمة ~~بمبلغ المستخرج والمجرى من أموال الجهات ، أو المعاملة الفلانية لاستقبال ~~كذا ، وإلى آخر كذا ؛ ويذكر أسماء المباشرين فيقول : بولاية فلان ، ونظر ~~فلان ، ومشارفة فلان ، وكتابة فلان ؛ و يعقد في صدرها جملة على ما استخرجه ~~في تلك المدة وأجراه من أصول الأموال ، يفصل ذلك بسنيه ، ويشرحه بجهاته ~~وأسماء أربابه وتواريخ محضره ومجراه ، إلى نهاية ذلك ؛ ثم يقول : وأضيف إلى ~~ذلك ما وجبت إضافته ؛ يبدأ بالحاصل المساق إلى آخر المدة التي قبلها ، ثم ~~يذكر ما لعله استخرجه من الجهات التي ترد في باب المضاف ، وما ورد من أثمان ~~المبيعات والمصالحات والخدم ، وما لعله اقترضه ، وما لعله حصل من المواريث ~~الحشرية والمجتذبات والتأديبات ، وما لعله اعتد به لمعاملة أخرى ونقل عليه ~~، إلى غير ذلك من أبواب المضاف على اختلافها . مما يطول شرحه لو استقصى ؛ ~~ثم يفذلك على الأصل والإضافة ؛ وإن صرف نقدا بنقد ذكره بعد الفذلكة ، ~~واستقر بالجملة بعده وإلا فالفذلكة بمفردها ؛ ثم يخصم تلك الجملة بما لعله ~~حمله أو نقله على معاملة أخرى أو صرفه ، ويذكر الحمل بتواريخه ورسائله ، ~~واسم من حمل على يده ، والمنقول كذلك والمصروف بأسماء أربابه وتواريخه ، ثم ~~يسوق إلى التحصيل إن انطرد له حاصل وإلا فيقول في أخرها : ولم يبق حاصل ~~فنذكره . PageV08P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" وقد اقترح في بعض الممالك الشامية في بعض ~~السنين على المباشرين أن يضمنوا ختمهم ما يوردونه في الأصل من جهات الأصول ~~- كل جهة من المستخرج والمجرى - الأصل مختوما والخصم مفصلا بجهاته ؛ مثال ~~ذلك أن يقول في الأصل : الجهة الفلانية في التاريخ الفلاني كذا وكذا درهما ~~؛ ويذكر تحت ذلك التاريخ خصم تلك الجملة ؛ وفي الخصم إذا ذكر اسم رب ~~استحقاق وما وصل إليه في كل تاريخ يقول : التاريخ الفلاني ؛ ويعين جهاته ؛ ~~ويشطب المسترفع الأصل على الخصم ؛ وفي ذلك تضييق كثير ms1751 على المباشر ، ولم ~~يستقر ذلك ، وعادت الأوضاع على ما بيناه ؛ هذا مصطلحهم في الختم ؛ والله ~~أعلم . وأما التوالي - فهي إذا أطلقت أريد بها توالي الغلال ؛ وكيفيتها أنه ~~إذا مضت مدة على ما قدمناه في شرح الختم نظم كاتب الجهة حسابا للغلة اسمه ~~التالي يشرح في صدره بعد البسملة : تال بما انساق حاصلا من الغلال بالجهة ~~الفلانية إلى آخر المدة الفلانية ، مضافا مخصوما إلى آخر كذا ؛ ويذكر أسماء ~~المباشرين على ما تقدم ، ثم يوصل في صدره ما انساق إلى آخر المدة التي ~~قبلها من الغلال على اختلافها ، ويفسر الغلال بسينها ، ويضيف إليه ما لعله ~~انضاف من متحصل ومبتاع وقرض وغير ذلك ؛ ثم يفذلك عليه ، ويذكر بعد الفذلكة ~~ما لعله وقع من تبديل صنف بصنف لوجود ذلك الصنف وعدم غيره ، إما فيما قبضه ~~أو فيما صرفه ، وما لعله أبيع وثمن ، وما لعله ينقلمن كيل إلى كيل ؛ ويستقر ~~بالجملة بعد ذلك على ثمن ما أبيع وما استقر من الغلال بعد التبديل والتنقيل ~~، ويستخرج ثمن البيع بمقتضى ختمة تلك المدة ، وهي شاهده ؛ ويخصم بالمحمول ~~والمنقول والمصروف على اختلافه ؛ ويفصل ذلك بتواريخه على ما شرحناه في ~~الختمة ، ويسوق الحاصل من الغلة إن كان ؛ هذا مصطلحهم في توالي الغلال . ~~ولهم أيضا توال يسمونها توالي الارتفاع - تشتمل على العين والغلة والأصناف ~~، ولا تعمل إلا عند اقتراحها ؛ وصورتها أن يوصل في صدر تالي الارتفاع ما ~~انساق آخر الارتفاع الذي قبله من الحاصل والباقي عينا وغلة ؛ ويفصله بسنيه ~~؛ ثم يضيف إليه ما استحق في تلك السنة أصلا ومضافا ، ويخصم بالخصم السائغ ~~المقبول ، ويطرده بعد ذلك إلى حاصل وباق . PageV08P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" ولهم أيضا توالي الاعتصار - وصورتها أن يوصل ~~ما انساق حاصلا آخر المدة على الاعتصار أو تاليه ، ويضيف ما لعله تحصل من ~~قطر وغيره ، ويفذلك عليه ، ويكرر منه ويبيع ، ويستقر بالجملة ، ويخصم ، ~~ويسوق إلى الحاصل . وأما الأعمال - وهي تختلف - : فمنها أعمال متحصل الغلال ~~والتقاوى ، وأعمال الاعتصار ، وأعمال المبيع ، وأعمال المبتاع ، وأعمال ~~الجوالي ، وأعمال الخدم والتأديبات والجنايات . فأما أعمال الغلال ms1752 والتقاوى ~~- فكيفيتها أن يشرح في صدر العمل بعد البسملة ما مثاله : عمل بما تحصل من ~~الغلال بالناحية الفلانية لمغل سنة كذا وكذا الخراجية ، المدرك في شهور سنة ~~كذا وكذا الهلالية ، مضافا إلى ذلك ما وجبت إضافته ، ويوصل في صدره ما تحصل ~~من الغلال على اختلافها وأكيالها مفصلا بأسماء الفلاحين ؛ ويضيف إليه ما ~~لعله استعاده من التقاوى والقروض أو حصله من رسوم أو غير ذلك ؛ ويفذلك عليه ~~؛ فمن الكتاب من يسوقه بجملته حاصلا ، ويخصم بمقتضى التالي ؛ ومنهم من يخصم ~~بما حمله وصرفه في مدة تحصيله للمغل ، ويسوق ما بقي إلى الحاصل ، ويستغنى ~~بذلك عن تال لتلك المدة . وأما عمل الاعتصار - فصورته أن يترجم في صدره بعد ~~البسملة بما مثاله : عمل بما تحصل من اعتصار الأقصاب بالجهة الفلانية ~~لاعتصار أقصاب سنة كذا وكذا الخراجية ؛ ويقول في يمنة العمل : عن كذا وكذا ~~فدانا أو منظرة إن كان بالأغوار ، أو قسما إن كان بالسواحل ؛ ويفصل الفدن ~~بما فيها رأسا وما فيها خلفة إن كان بمصر ، ومقنطرا أو قائما إن كان بالشأم ~~، ويبرز عن يسرته بكمية ما تحصل فيقول : من أصناف الحلو كذا وكذا قنطارا ، ~~ويفصل ذلك بالقند والأعسال على اختلافها : من المرسل والقطر والحر ~~والأسطروس والمردودة ؛ والمرسل هو من PageV08P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" القصب الذي لا يجمد ولا يصير قندا . والقطر ~~هو ما يتحصل من قطر أباليج القند . والحر هو ما يتحصل من أطراف الأقصاب ، ~~وهذه الأطراف يسمونها بالشأم : العيكون ، ولا يعتصرونها ألبتة ، بل ترصد ~~للنصب ، فإنهم يستغنون بها عن العيدان ، ومنهم من يسمى الحر المردودة . ~~وأما الأسطروش : فهو ما يعمل من جرادة وجوه الأباليج حال الطبخ ، وما يتأحر ~~على البواري عند خلعه بالشأم . وأما الخابية فهي ما يتحصل من الأوساخ ~~والريم . والمرسل والحرو الخابية لا تعرف بالشأم ألبتة ، وإنما يعرفون ~~القطر والأسطروش ؛ ثم يذكر بعد ذلك تفصيل المتحصل بجهاته إن كان بمصر - ~~يفصل كل ساقية وفدنها وما يحصل منها من الضرائب - وتفصيل الأقصاب الرأس ~~والخلفة ، ويذكر اسم الطباخ ؛ ثم يبيع من عرض ذلك ويثمن ms1753 ، ويستقر بالجملة ، ~~ويحمل ويصرف ويسوق إلى الحاصل . وأما عمل المبيع - فصورته أن يقول في صدره ~~بعد البسملة : عمل بما بيع من الغلال والأصناف بالجهة الفلانية لمدة كذا ~~وكذا ؛ ويعقد على الثمن جملة ، ثم يفصلها بأصنافها ، يذكر عن يمنة القائمة ~~الصنف ، وفي الوسط السعر إن كان سعرا واحدا ، وإلا فيقول مكانه : بأسعار ~~تذكر ، وفي اليسرة الثمن ، ثم يفصله بأسماء مبتاعيه ؛ فإذا كمل ذلك أضاف ما ~~انساق له آخر العمل الذي قبله من أثمان المبيعات ؛ ويفصل ذلك بأسماء من ~~تأخر عليه منها شيء إن كان ؛ ثم يفذلك على الجملة ، ويستخرج من عرضه بمقتضى ~~ختم المدة ، ويسوق إلى الباقي دون الحاصل . وأما عمل المبتاع - فيقول في ~~صدره : عمل بالمبتاع بالجهة الفلانية من الأصناف التي تذكر لمدة كذا وكذا ؛ ~~ويعقد على ثمن المبتاع جملة يجعلها عن يمنة نصف القائمة ، ويبرز بالأصناف ~~المبتاعة إن أمكن ، وإلا فيقول : ما يذكر ؛ ويشرح ما ابتاعه صنفا صنفا ~~بتواريخه ، وأسماء من ابتاع منهم ، وأسعاره ، ويضيف إلى جملة الثمن ما ~~PageV08P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" لعله تأخر عليه من ثمن ما ابتاعه في العمل ~~الذي قبله ، ويفصله بأسماء أربابه ؛ ويفذلك على ذلك ، ويخصم بما صرفه من ~~عرضه بمقتضى ختم المدة ، ويسوق إلى متأخر أو فائض إن كان قد سلف عليه شيء . ~~وأما عمل الجوالي - فيقول في صدره ما مثاله بعد البسملة : عمل بما وجب من ~~مال الجوالي بالمعاملة الفلانية لسنة كذا وكذا الهلالية مخصوما مساقا إلى ~~آخر المدة ؛ ويوصل ما كان قد استقر من الأنفار على ما تقدم ؛ ويضيف النوابت ~~والطوارئ بأسمائها ومللها ، وما لعله انساق باقيا إن كان ، وقلما يكون ، ~~ويفذلك على ذلك ؛ ثم يذكر بعد الفذلكة من اهتدى بالإسلام ، أو هلك بالموت ، ~~أو تسحب إلى عمل آخر على ما قدمناه من الاختلاف في إيراد ذلك في هذا الموضع ~~، والاستثناء به في الصدر بالتعدية أو إيراده في باب المحسوب ؛ وكل ذلك ~~سائغ في الوضع ؛ ثم يستقر بالجملة بعد ذلك ، ويستخرج بمقتضى الختم ، ويسوق ~~ما لعله انساق إلى الباقي ؛ وإن عاد إليه ms1754 متسحب أو نازح وبيده وصول من ~~مباشر عمل آخر اعتد له به ، وأورده في باب المحسوب ، وفذلكه على الجملة . ~~وأما عمل الخدم والجنايات والتأديبات - فصورته أن يوصل في صدر العمل بعد ~~الترجمة عليه ما تعين من أموال الخدم أو ما تقرر من الجنايات والتأديبات ، ~~يذكر فيه الأسماء والجرائم ؛ ويضيف إلى ذلك ما لعله انساق قبل تقرير هذا ~~المال آخر العمل الذي قبله ؛ ويفذلك عليه ؛ ويستخرج من عرضه بمقتضى ختم ~~المدة ، ويعتد بما لعله رسم بالمسامحة به مما كان قرر ، ويسوق ما ينطرد بعد ~~ذلك إلى الباقي ؛ فهذه هي الأعمال . PageV08P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" وأما السياقات - فهي مختلفة : فمنها سياقة ~~الأسرى والمعتقلين ، وسياقة الكراع ، وسياقة العلوفات ، وسياقة الأصناف ~~والعدد . فأما سياقة الأسرى والمعتقلين - فصورتها أن يوصل في صدرها عدة من ~~انساق عنده إلى آخر المدة التي قبلها ، ويفصلها بالمعتقلين وأسمائهم ~~وجرائمهم ، والأسرى ومللهم وأجناسهم ؛ ويضيف إليها ما لعله تجدد عنده من ~~معتقل أو أسير ، ويفذلك عليها ، ثم يذكر من أفرج عنه : إما بمقتضى المراسيم ~~" فيذكر تواريخها وأسماء من حضرت على يده ، ومن تسلم المعتقل وإما بالهداية ~~إلى دين الإسلام من الأسرى فيذكر اسم المهتدى وجنسه ، ومن أي الملل كان ، ~~وتاريخ إسلامه والإفراج عنه ، أو من فودي به ، أو من تسحب ، أو من هلك ~~بالموت بعد اعتبار ما يجب اعتباره في الهالك ؛ ويستقر بالجملة بعد ذلك ؛ ~~واستقرار الجملة هو الحاصل . وأما سياقة الكراع - فهي سياقة تشتمل على ~~الخيل والجمال والدواب والأبقار والأغنام ؛ وصورتها أن يوصل الكاتب ما ~~انساق عنده حاصلا آخر السياقة التي قبلها ؛ ويضيف إلى ذلك ما لعله ابتاعه ~~بتواريخه وأسماء من ابتيع منهم ، وما لعله نتج ، وما لعله اجتذب ؛ ويفذلك ~~على ذلك ؛ ثم يذكر بعد ذلك ما باعه من عرض الجملة وما نفق وتنبل وذكي ؛ ~~ويستقر بالجملة على ما استقر من حيوان وجلود وثمن ، ويصرف وينقل ما لعله ~~صرفه أو نقله ، ويسوق إلى الحاصل . ويحتاج المباشر لذلك إلى ملاحظة أحوال ~~الأغنام ، ومعرفة أوقات نتاجها وما يكون منها توأما ، واستقبال النتاج ~~لينضبط ms1755 له نتاج النتاج . وأما سياقة العلوفات - فصورتها أن يوصل في صدرها ~~ما صرفه على الكراع في المدة التي نظم لها السياقة ، ثم يفصل ذلك كل صنف من ~~الكراع وعدده في الزيادة والنقص ، وما صرفه على ذلك النوع في كل مدة ، في ~~اليوم كذا في المدة كذا ، والزيادة والنقص على حسب الاتفاق ، ويراعى في ذلك ~~ما تضمنته سياقة PageV08P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" الكراع ؛ وإن صرف علوفة لطارئ لا يستقر عنده ~~ميزه في التفصيل من المستقر فيقول : المستقر كذا ، والطارئ كذا إضافة إلى ~~هذه السياقة ؛ ولا فذلكة ، ويتجنب أن يصرف علوفة عن أيام نقص الشهور ~~الهلالية ، وهي ستة أيام في السنة فإن ذلك من المخرج اللازم ، وكذلك أيام ~~الربيع . وأما سياقات الأصناف والزردخاناه والعدد والآلات والخزائن ~~والبيمارستانات - فإنه لا يمكن استيعابها لمؤلف كتاب ، وقلما عملت فيما كثر ~~، وإنما تعمل فيما قل من الأصناف ؛ وصفتها إذا أمكن عملها أن يوصل ما عنده ~~من الأصناف مفصلة ، ويضيف إليها ما ابتاعه أو ما وصل إليه ، ويفذلك على ذلك ~~ثم يذكر بين الفذلكة واستقرار الجملة ما يرد من الأبواب : من المنتقل ~~والمستهلك وغير ذلك على كثرته ؛ وإذا استقصى ما يرد بين الفذلكة واستقرار ~~الجملة زاد على مائة باب لا يعرفها إلا أفاضل الكتاب ومن له حذق بهذه ~~الصناعة ، واختلفت مباشراته وتكررت ؛ فإذا ذكر ما وقع عنده استقر حينئذ ~~بالجملة على ما قام عليه ميزان عمله ؛ ثم يخصم بما يسوغ الخصم به ، ويسوق ~~إلى حاصله . فهذه هي الختم والتوالي والأعمال والسياقات ، وهي شواهد ~~الارتفاع . وأما الارتفاع - فهو العمل الجامع الشامل لكل عمل ؛ وصورة وضعه ~~أن يشرح الكاتب في صدره بعد البسملة ما مثاله : عمل بما اشتمل عليه ارتفاع ~~المعاملة الفلانية لمدة سنة كاملة ، أولها المحرم سنة كذا وكذا ، وآخرها ~~سلخ ذي الحجة منها ، مما اعتمد في إيراد ذلك الهلالي والجوالي للسنة ~~المذكورة ، والخراجي والأقصاب لسنة كذا وكذا الخراجية ، مضافا إلى ذلك ما ~~وجبت إضافته ، مفذلكا عليه ، وما استقرت عليه الجملة ، مخصوما مساقا إلى ~~حاصل ، وما اعتد به محسوبا ms1756 إن كان ، وما اشتملت عليه فذلكة الواصل ، وما ~~انساق إلى الباقي والموقوف في المدة ؛ ويذكر أسماء المباشرين كما قدمناه في ~~الختمة ؛ وإن انفصل أحد من المباشرين في أثناء تلك السنة وباشر آخر بعده ~~قال : بمباشرة فلان إلى آخر المدة الفلانية وفلان بعده إلى PageV08P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" آخر المدة ؛ ويقول في صدره عن يسرة نصف ~~القائمة : ما مبلغه من الذهب كذا ، ومن الدراهم كذا ، ومن الغلات كذا ، ومن ~~الأقصاب كذا ، ومن الأصناف كذا ، ومن الكراع كذا ؛ يفصل ذلك بسنيه ، ثم ~~يأخذ في تفصيل كل مال بجهاته ، فيبدأ بمال الهلالي ، يذكر كل جهة ، واسم ~~مستأجرها أو ضامنها ، واستقبال عقد إجارته أو تقريره ، ويوجب عليه في الشهر ~~وفي السنة ، إلى أن يستوعب أبواب الهلالي ، ويشطب في مسودته التي ينظمها ~~لنفسه قبالة كل جهة ما استخرجه بمقتضى ختمات المستخرج ليقوم له ميزان كل ~~جهة في الباقي والفائض ؛ ولا يلزمه هذا العمل في الحساب المرفوع منه ؛ فإذا ~~انتهت أبواب الهلالى ذكر الجوالى واعتمد فيها كذلك ، ثم يذكر الخراجى ، ~~ويفصله بأقلامه وجهاته مستقصى واضحا جليا ، ويعتمد من الشطب قبالة كل جهة ~~ما تقدم شرحه ؛ فإذا تحررت له جهات الأصول قال : وأضيف إلى ذلك ما وجبت ~~إضافته ؛ ويعقد على المضاف جملة ، ويذكر أبوابه يبدأ فيها بالحاصل والباقي ~~المساقين آخر العمل الذي قبله ، ويعقد عليهما جملة ، ثم يقول : الحاصل كذا ~~، والباقي كذا ؛ ويفصل ما أمكن تفصيله من الحاصل بسنيه ويفصل الباقي بجهاته ~~وأسماء أربابه وسنيه وأسماء مباشريه إن أمكن ، ويشطب في مسودته قبالة كل ~~اسم ما لعله استخرجه من عرض ما هو عليه كما تقدم ؛ ثم يذكر جهات مضاف السنة ~~الحاضرة ، يبدأ بما هو مستقر من الأموال التي ترد في جهات المضاف ، ويشطب ~~قبالة كل اسم ما تقدم بيانه ؛ ثم يذكر بعد ذلك ما لعله وصل إليه أو اعتد به ~~: من الأموال والغلال على اختلافها ، وأثمان المبيعات والمواريث الحشرية ~~والمجتذبات والجنايات والتأديبات والقروض والأصناف المبتاعة ، يستقصى أبواب ~~المضاف على حسب ما ورد عنده منها في طول السنة بمقتضى ms1757 ما ورد في الشواهد ~~التي ذكرناها بحيث لا يخل بها بشيء . ومن أبواب المضاف ما يضاف بالقلم - ~~ولا أصل له ، بل يكمله الكاتب على نفسه في حسابه لينطرد نظيره إلى الباقي ، ~~ويقوم به الميزان ، وهو نظير التقاوى والقروض ؛ وكتاب الشأم يفعلون ذلك دون ~~كتاب الديار المصرية ، وهم على الصواب في إيراده ، لأن الكاتب إذا أورد ~~نظير التقاوى والقروض انطرد له إلى الباقي نظير ذلك ، وصح ميزان العمل ، ~~فإنه لا يمكن أن ينطرد إلى الباقي إلا بإضافة نظيره ، فإذا PageV08P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" انطرد إلى الباقي وجب إيراده في المضاف في ~~السنة الثانية وما بعدها إلى أن يستخرج ويحصل ؛ وكتاب مصر يقتصرون في ذلك ~~على أعمال التقاوى والقروض ؛ والتحرير ما يورد كتاب الشأم في ذلك . ومن ~~وجوه المضاف الغربية : المستعاد نظير المعاد ، مثال ذلك أن يكون المباشر ~~أحال رب استحقاق على ضامن جهة بمبلغ بمقتضى وصول أجراه واعتد به لضامن تلك ~~الجهة ، واعتد على رب الاستحقاق بمبلغه ، وقطع الباقي والمتأخر بعده ، وصدر ~~حسابه بذلك ، فأعيد عليه وصوله في أثناء السنة الثانية فمثل هذا تجب إضافته ~~وإضافة نظيره ، فيكون خصم إضافته الأولى المعاد على الضامن ، وخصم الثانية ~~الباقي المساق ، ويكمل لرب الاستحقاق نظير ذلك المبلغ في محاسبته - على ما ~~يأتي بيانه في المحاسات ؛ فإذا استوعب ما ورد عنده من أبواب المضاف فذلك ~~على ذلك فيقول : فذلك الأصل وما أضيف إليه ؛ ويعقد على الفذلكة جملة ، ~~ومعناها أن يضم ما عقد عليه الجملة في صدر الارتفاع إلى ما عقد عليه جملة ~~المصاريف ، فتشتمل الفذلكة على الجملتين ، ويفصل ذلك عينا وغلة وأصنافا ~~وكراعا على ما تقدم ، ويفصل ما هو متميز بسنة ؛ ويشرحه ؛ ثم يذكر الأبواب ~~التي ترد بين الفذلكة واستقرار الجملة على اختلافها بحسب ما وقع عنده منها ~~، يبدأ بالصرف من نقد إلى نقد ، والمبدل من صنف إلى صنف ، والتنقل من سنة ~~إلى سنة ، ومن كيل إلى كيل ومن وزن إلى وزن ، ومن عدد إلى وزن ، ومن وزن ~~إلى عدد ، ومن صفة إلى صفة وما وقع ms1758 من مبيع ومثمن ونافق ومستهلك ، وغير ذلك ~~؛ وقد جمع بعض فضلاء الكتاب جميع ذلك واختصره في لفظتين فقال : هو عبارة عن ~~منقول ومعدوم ؛ وإذا نظرت إلى حقيقة هاتين اللفظتين وجدت جميع هذه الأبواب ~~وإن كثرت مندرجة فيها ، كما أن جميع الكلام لا يتعدى أن يكون اسما أو فعلا ~~أو حرفا ؛ فإذا انتهت هذه الأبواب قال : واستقرت الجملة بعد ذلك على . . . ~~ويذكر ما استقرت عليه الجملة بمقتضى قيام ميزانه ، ويفصله بسنيه ، ثم يقول ~~: استخرج من ذلك وتحصل . . . ويذكر المستخرج بمقتضى الختم ، فيشرح ما ~~استقرت عليه جملة الختمة الأولى ، وما اشتملت عليه فذلكتها بعد وضع الحاصل ~~من الجهة الثانية وما بعدها لئلا يتكرر عليه ؛ ويحصل بمقتضى الأعمال ~~والتوالي PageV08P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" والسياقات على هذا الحكم ؛ ويفصل المستخرج ~~والمتحصل بسنيه ، ثم يخصم ما استخرجه وحصله ، فيبدأ في الخصم بالحمل من ~~الأموال ، والحمول من الغلال والأصناف ، والمساق من الكراع ؛ ويتلوه ما ~~لعله نقله على معاملة أخرى مفصلا بأبوابه ومعقود الجملة على كل باب فيها ؛ ~~فإذا تكامل له الخصم في العين والغلة والمواشي والأصناف ساق ما تأخر من ~~جملة ما استخرجه وحصله إلى حاصل ، ويفصله بالعين والغلة والصنف وغيره ، ~~فيكون ما حمله ونقله وصرفه وساقه إلى الحاصل خصم ما استخرجه وحصله ؛ ثم ~~يذكر بعد سياقة الحاصل ما لعله ورد عنده من المحسوب على اختلافه : من عطلة ~~، ويذكر أسبابها ، وما لعله ثبت من الحوائج الأرضية والسمائية بمقتضى ~~المحاضر الشرعية إذا برزت المراسيم بالحمل على حكمها ؛ فيذكر كل جهة واسم ~~مستأجرها أو ضامنها ، وتاريخ محضر الجائحة ، وتاريخ المرسوم بجمل الأمر على ~~حكمه ، وجملة المبلغ المتروك بسبب ذلك ، وما لعله سومح به من البواقي ~~المساقة ، وغير ذلك مما هو داخل في باب المحسوب ؛ وسائر المسامحات ترد بعد ~~سياقة الحاصل ، وترد في أماكن نذكرها بعد إن شاء الله تعالى ؛ فإذا استوعب ~~الكاتب جملة ما عنده من المحسوب في بابه قال بعد ذلك : فتلك جملة المستخرج ~~والمتحصل والمحسوب ؛ ويعقد عليه جملة يفصلها بسنيها وأقلامها ؛ ويسمون هذه ~~الفذلكة فذلكة الواصل ؛ وما ms1759 بقي بعد ذلك مما استقرت عليه الجملة بعد هذه ~~الفذلكة تعينت سياقته إلى الباقي والموقوف ، فيطرده باقيا وموقوفا ، أو ~~باقيا بغير موقوف ، معقود الجملة ، مفصلا بالسنين والجهات والأسماء ~~والمباشرات ، ويميز ما يرجى استخلاصه وتحصيله منه وما لا يرجى ؛ وما انعقد ~~عليه الباقي والموقوف واشتملت عليه فذلكة الواصل هو خصم ما استقرت عليه ~~جملة الارتفاع . وأما الحواصل المعدومة المساقة بالأقلام - ولا حقيقة ~~لوجودها ، وإنما يوردها الكتاب حفظا لذكرها ، كالحواصل المسروقة والمنهوبة ~~- فإنه إذا رسم بالمسامحة بها فقد اختلفت آراء الكتاب في إيرادها على وجوه ~~كثيرة : منها ما يسوغ ، ومنها ما لا يجوز فعله ، ونحن نذكر أقوالهم وطرقهم ~~في ذلك ، ونوضح ما يجوز منها وما لا يجوز ، ونذكر ما ينبغي أن يسلك فيها : ~~فمن الكتاب من يرى أن ينقل هذا الحاصل بين الفذلكة واستقرار الجملة من ~~الحاصل إلى الباقي ، ولا يورده في باب المستخرج ، ويطرده إلى الباقي ، ~~ويورده في باب المسموح بعد سياقته الحاصل ؛ وهذا لا يجوز ، وفي إيراده على ~~هذا الوجه غلط وسوء صناعة ، لأن الحاصل لا يجوز نقله إلى PageV08P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" الباقي ، والباقي أيضا ، فلا بد أن يكون باسم ~~إنسان أو أناس ، فإن ساقه باقيا باسم مباشره فقد أتى بغير الواقع ، وعرض ~~المباشر إلى الغرامة ، ولا يفيده ، إذ مرسوم المسامحة يتضمن المسامحة بحاصل ~~معدوم ، وقد انتقل هذا من تسمية الحاصل إلى الباقي . ومن الكتاب من يرى ~~استثناءه من جملة المستخرج ، ثم يورده أيضا في باب المسموح ؛ وفي هذا أيضا ~~ما فيه من نقله من الحاصل إلى غيره تسمية ، فإنه لا عبرة عند ذلك بتسميته ~~ولا بنسبته إلى الباقي والموقوف ؛ وإن نقل فلا يجوز ، لأن الحواصل لا يجوز ~~نقلها إلى تسمية أخرى ألبتة ؛ فهذه الوجوه لا تجوز في صناعة الكتابة . وأما ~~الذي يجوز في هذه فوجوه : منها أن يكمله الكاتب في باب المستخرج من ذلك ، ~~ويخصم إلى نهاية المصروف ، ويقول قبل سياقة الحاصل : ما نقل رسم بالمسامحة ~~به عن الحاصل المعدوم المساق بالقلم حفظا لذكره ، بمقتضى مرسوم تاريخه كذا ~~؛ ويشرح ms1760 مقاصد المرسوم ، وسبب عدم الحاصل ، وجملته ؛ ويكتفى بذلك عن إيراده ~~في باب المسموح ؛ ويعقد جملة الخصم على الحمل والمصروف والمسموح به . ومنها ~~أنه إذا ساق الحاصل بعد الحمل والمصروف يقول : من جملة كذا بعد مأمنه ما ~~سومح به عن الحاصل المعدوم والمساق بالقلم ؛ ويشرح ما تقدم ، ويبرز بالحاصل ~~بعد ذلك . ومنها أن يستثنيه عند ذكر المضاف ، فيقول عند إضافة الحاصل ما ~~صورته الحاصل المساق إلى آخر السنة الحالية من جملة كذا بعد مأمنه ما عدم ~~في تاريخ كذا وورد في سياقات الحاصل حفظا لذكره ، ورسم بالمسامحة به بمقتضى ~~مرسوم شريف تاريخه كذا ؛ ويعين جملة المسموح به ، وهي جملة المعدوم ، ويبرز ~~بما بقي ، ويستثنيه أيضا من المستخرج عندما يستشهد بالختم والتوالي ~~والأعمال . فهذه صورة نظم الارتفاع وشواهده التي قدمناها قبله ؛ والارتفاع ~~هو جل العمل ، وقاعدة الكتابة ، والجامع لسائر ما يرد في المعاملة . ~~PageV08P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" وإن انفصل الكاتب أثناء السنة لزمه أن ينظم ~~لما مضى من السنة في مباشرته حسابا يسمونه بالشأم الملخص ، وبمصر التالي ، ~~وهو نظير الارتفاع في نظمه ، إلا أنه يكون لما دون السنة ، والملخص عند ~~المصريين هو الارتفاع ، ويلزم الكاتب المباشر بعده عمل ملخص أو تال يتلوه ~~لما بقي من المدة ، ثم يعمل جامعة على المخلصين أو التاليين ، وهما شاهداها ~~؛ ويستغنى الكاتب في إيراد المستخرج والمتحصل والمصروف عن الاستشهاد بالختم ~~والتوالي والأعمال ، ويستشهد بهذين الملخصين فيقول : ما تضمنه ملخص مدة كذا ~~وكذا كذا وما تضمنه ملخص مدة كذا وكذا كذا ؛ وقد تكون الملخصات أكثر من ~~اثنين بحسب الاستبدال بالأعمال . ومما يلزم الكاتب رفعه المحاسبات - وتختلف ~~: فمنها محاسبة أرباب النقود الجيشية والمكيلات والجامكيات والجرايات ، ~~وأرباب الوظائف والرواتب والصلات عما هو مستقر مشاهرة أو مسانهة ؛ وهذه ~~المحاسبة تنظم من الجريدة المبسوطة على أسمائهم ، المشتملة على كمية ~~استحقاقهم ، المشطوبة بقبوضهم ؛ وصورة عملها أن يقول الكاتب : محاسبة ~~لأرباب النقد والمكيل والقرارات والجامكيات والرواتب والصلات بالمعاملة ~~الفلانية لاستقبال مدة كذا ، وإلى آخر كذا ؛ ويعقد جملة صدرها على ما يستحق ~~لهم في تلك المدة ms1761 المعينة من عين وغلة وأصناف ، ويضيف إلى تلك الجملة ما ~~تأخر لهم إلى آخر المدة التي قبلها ، ويفذلك على ذلك ، ويقبضهم ما صرفه لهم ~~بمقتضى ختم المدة وأعمالها وتواليها ، ويعتد عليهم بما لعله انساق فائضا ~~على من قبض منهم زيادة على استحقاقه في المدة التي قبلها ، ثم يطرد ما ~~انساق لهم إلى متأخر ، وما انساق عليهم إلى فائض ، ثم يفصل ذلك بالأسماء ، ~~فيضع الاسم ويذكره واستحقاقه في الشهر وعن المدة ، ويضيف إليه ما لعله تأخر ~~له إن كان ، ويفذلك عليه ، ويخصم بقبضه ، ويسوق إلى متأخر إن بقي له ، أو ~~فائض إن زاد قبضه على استحقاقه ؛ استحق له ما وجب له في المدة ، واعتد ~~PageV08P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" عليه بما انساق فائضا ؛ وما لعله صرفه له في ~~تلك المدة يسوقه إلى متأخر أو فائض ، يفعل ذلك في جميع الأسماء . وهذه ~~المحاسبة إذا كان الكاتب مستمر المباشرة عملها لسنة ، وإن انفصل قبل ~~استكمال السنة أو اقتراحها مقترح عليه لزمه عملها ؛ والله أعلم . ومنها ~~محاسبات أرباب الأجر والاستعمالات ، ويعتمد الكاتب فيها نظير تلك ، إلا أنه ~~لا يستحق لكل نفر إلا بمقدار عمله ، ويضيف إليه ما لعله تأخر له ويفذلك ~~عليه ، ويخصمه بالقبض والاعتداد بالمسلف إن كان ؛ وهذه المحاسبة على منوال ~~تلك ، إلا أنها تعمل بمفردها . ومما يلزم الكاتب رفعه ضريبة أصول الأموال ~~ومضافاتها عن كل سنة كاملة ، يذكر فيها كل جهة من جهات الهلالي ، واسم ~~مستأجرها أو ضامنها ، ومبلغ إجارتها أو تقرير ضمانها مشاهرة ومسانهة ، ~~واستقبال العقد ، وتاريخ الحجة المكتتبة به ، ويشطب قبالتها أسماء كفلاء ~~ضامن الجهة ؛ ويذكر الجوالي ويفصلها بالأسماء والملل ، ويفصل الخراجي ~~بجهاته وأقلامه ، والأحكار بأسماء أربابها ؛ وإن كان بتلك المعاملة شيء من ~~نواحي الخاص ذكر كل ناحية ، واسم رئيسها ، وحدودها وعدة فدنها الرومية ~~والكادية والعاطلة ، وأسماء من بها من الفلاحين القرارية ، وما يبذره كل ~~فدان من الشتوي والصيفي ، وريعه في الثلاث سنين المقبلة والمتوسطة والمجدبة ~~، وشروط المقاسمة ، وما على كل فدان من الحقوق والرسوم ، وما بها من المطلق ~~، وما فيها من ms1762 جهات العين وما عليها من الخدم والضيافات ، وغير ذلك من ~~معالمها بحيث لا يخل بشيء من جميع أحوال القرية ، بل يوضحها إيضاحا شافيا ~~كافيا حتى يعلم الغائب عنها جلية أمرها كالحاضر فيها . PageV08P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" فإذا تكامل ذكر جهات الأصل في هذه الضريبة ~~ذكر جهات المضاف الراتبة كالخدم وما يناسبها ، وذكر في آخرها ما تتعين ~~إضافته من المتوفر من العين والغلة على اختلاف ضرائبه ؛ وهذه القواعد تكون ~~في ضياع الشأم . ويلزمه رفع المؤامرات - وتسمى ضرائب المستقر إطلاقه - وهي ~~تشتمل على أسماء من هو مرتب على تلك المعاملة : من رب نقد ومكيل ومقرر ~~وصدقة ، يذكر اسم كل واحد واستحقاقه مشاهرة ومسانهة ، ويعقد على ذلك جملة ~~في صدر المؤامرة مشاهرة ومسانهة ؛ فإن كان في حصن ذكر في صدر الأوراق عدة ~~أرباب الاستحقاقات ، ثم يفصلهم بوظائفهم وأسمائهم من الخرجية والأقجية ~~وغيرهم . ويلزمه رفع ضريبة ما يستأدى من الحقوق ، يذكر فيها ما يستأديه ~~ضامن كل جهة من رسومها وحقوقها ، وما لعله يستأدى بالدروب من الخفر ، وغير ~~ذلك من سائر ما يستأدى من حقوق تلك المعاملة ، وما لعله يقتطع من أرباب ~~النقود والمكيلات وغيرهم من الوفر والمقتطع على اختلاف الضرائب ، بحيث لا ~~يخل بشيء منها ، لتعلم بذلك أحوال تلك الجهة ، فلا يمكن للضمان أن يستأدوا ~~زيادة على ذلك ، لما فيه من تجديد الحوادث على الرعية . ومما يلزمه رفعه في ~~كل سنة تقدير الارتفاع - وهو الارتفاع بعينه إلا أنه لا يضيف فيه حاصلا ولا ~~باقيا ، ولا يفصل فيه الجوالي بالأسماء ، بل يعقد الجملة في صدره على ما ~~يستحق بتلك المعاملة من جهات الأصول والمضاف ، ويخصم بالمرتب عليها عن سنة ~~كاملة ، ويسوقه إلى خالص أو فائض ، ليظهر بذلك ميزان تلك الجهة . هذا ما ~~يلزم المباشر رفعه مشاهرة ومسانهة . ويلزمه في كل ثلاث سنين رفع الكشوف ~~الجيشية ، يذكر فيها أسماء النواحي العامرة والغامرة ، والفدن الكادية ~~والعاطلة وما تقدم شرحه في الضريبة : من ذكر PageV08P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" البذار والربع والشروط والمطلق وغيره ؛ ثم ~~يذكر المتحصل منها في ثلاث سنين ms1763 لثلاث مغلات ، يعقد على ذلك جملة ، ويفصله ~~بسنيه وأقلامه ، ولا يخل بشيء مما بكل ناحية من الحقوق الديوانية ~~والإقطاعية ، ويعقد في صدر الكشف جملة على عدة النواحي وعدة الفدن ، وجملة ~~جهات العين والغلة ، مفصلا بالمعاملات ؛ هذه هي الحسابات اللازمة . وأما ~~المقترحات - فلا يمكن ضبطها ، إلا أنه مهما اقترح مما يكون سائغ الاقتراح ~~ممكن العمل لزم الكاتب عمله . وحيث انتهينا إلى هذه الغاية فلنذكر أرباب ~~الوظائف . ذكر أرباب الوظائف وما يلزم كلا منهم مع حضور رفقته ومع غيبتهم ~~وما يسترفعه كل مباشر عند مباشرته وما يلزمه عمله أما المشد أو المتولي - ~~فالذي يحتاج إلى استرفاعه عند مباشرته ضرائب أصول الأموال والمرتب عليها ~~ليعلم حال المعاملة ، وما بها من الخالص ، أو عليها من الفائض ؛ ويسترفع ~~أوراقا بالحاصل والباقي والفائض والمتأخر ، ليعلم أحوال الناس ومحاسباتهم ، ~~ويعلم ممن يطلب وإلى من يصرف ؛ والذي يلزمه عمارة البلاد ، واستجلاب من نزح ~~منها ، وإقامة السطوة ، وإظهار المهابة والحرمة ، وتسهيل السبل ، وإقامة ~~الخفراء عليها ، وتشييد منار الشرع الشريف ، والتسوية بين القوي والضعيف ؛ ~~ويلزمه استخراج الأموال من سائر جهاتها ووجوهها المستحقة في مباشرته ، ~~والبواقي التي رفعت إليه بعد تحقيقها بحيث لا ينطرد إلى الباقي الدرهم ~~الفرد ؛ ومتى انساق في مباشرته شيء لزمه ؛ ويلزمه تقرير الجنايات ~~والتأديبات على أرباب الجرائم لتنحسم بذلك مواد المفسدين . PageV08P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" وأما الناظر على ذلك - فيحتاج عند مباشرته ~~إلى استرفاع ضرائب أصول الأموال ومضافاتها ، والمستأدى من الحقوق ، وضرائب ~~بما استقر إطلاقه ، وأوراق الحاصل والباقي ، وأوراق الفائض والمتأخر ، ~~وتقدير الارتفاع ، والكشوف الجيشية ، ويطالب بمخازيم المياومة لاستقبال ~~مباشرته ، والختم والتوالي عند مضي المدة ، والأعمال وسائر الحسبانات ~~المتقدم ذكرها في أوقاتها ، وما لعله يقترحه مما يسوغ اقتراحه ويمكن عمله ؛ ~~والذي يلزمه الاجتهاد في عمارة نواحي الخاص ، وتمييز الجهات ونموها ، ~~والنظر في أحوال المعاملات ، وإزاحة أعذارها ، وتقدير قواعدها ، واختبار من ~~بها من المباشرين ، والكشف عن أحوالهم ، وكتب كل واحد منهم بما يلزمه ~~مباشرة وعملا ، ويتصفح ما يرد عليه من الحسبانات الصادرة عنهم ؛ وينظر فيما ~~يتجدد من أحوال المعاملات ms1764 وما يطرأ من الحوادث على اختلافها مما لا يحصره ~~ضبط ، بل هو بحسب ما يقع ؛ وإنما جعلنا هذه الإشارات أنموذجا يستدل بها على ~~ما بعدها ؛ ويقيد بخطه الاستدعاءات والإفراجات والمراسيم والتواقيع وغير ~~ذلك مما جرت به العادة : من الكتابة بالمقابلة والثبوت والتمحية والاعتماد ~~وغير ذلك . وأما صاحب الديوان - فإنه يسترفع ما يسترفعه الناظر من المعالم ~~خاصة ، وليس له أن يسترفع الارتفاعات ولا شواهدها ؛ فإن استرفعها لزمه من ~~دركها ما يلزم المستوفي ؛ وهو يكتب على ما يكتب عليه الناظر ، وله زيادة ~~على ذلك : وهي الترجمة على التذاكر والاستدعاءات ، والكتابة على تواقيع ~~المباشرين بأخذ خطوطهم عند استخدامهم ، والكتابة على محرراتهم بالتخليد ، ~~والكتابة على تذاكر المخرج والمردود الصادرة عن مستوفي العمل بأن يجيب ~~المباشرون عنها بما يسوغ PageV08P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" قبوله ، والكتابة بقبول الجواب عند عوده إن ~~كان سائغا ، والكتابة على الحساب الصادر عن المباشرين بتخليده في ديوان ~~الاستيفاء بعد أن يتصفحه وتظهر له سياقة أوضاعه ؛ وكل عمل لا يكون له صاحب ~~ديوان قام الناظر بهذه الوظيفة إلا الكتابة بقبول الحساب . وأما مقابل ~~الاستيفاء - وهو بمنزلة الشاهد في ديوان الأصل - فله أن يسترفع المعالم ~~لنفسه في كل سنة ، ويسترفع نتيجة الحسبانات اللازمة التي تصدر إلى الديوان ~~العالي بالباب الشريف ، ويضبط مياومة المجلس ، ويكتب على ما يكتب عليه ~~المستوفي ، ويكتب على الحسبانات الواصلة من جهة المباشرين بتاريخ حضورها ~~إلى الديوان قبل تخليدها في ديوان الاستيفاء ، ويسد بقلمه تواريخ التذاكر ~~والمراسيم ، ويتصفح ما يصدر عن المستوفي من المخرج والمردود ويطالب بحمل ما ~~ثبت منه ، ويطالب أرباب الخطوط والبذول بما يستحق عليهم وينيب شاد الدواوين ~~عنه ، ويكتب في كل يوم بما يطالب به ؛ وإذا لم يكن للديوان مقابل قام ~~المستوفي بوظيفته . وأما المستوفي - فله أن يسترفع سائر الحسبانات اللازمة ~~، وما تدعو إليه حاجته من المقترحات في المدد الماضية والحاضرة مما يمكن ~~عمله ، فإذا صار الحساب إليه مشمولا بخط صاحب الديوان بتخليده ومؤرخا حضوره ~~بخط المقابل تصفحه واستوفى تفاصيله على جمله أصلا وخصما ، وشطب ما يحتاج ~~إلى ms1765 شطبه - كل عمل على شواهده - وخرج ورد ما يتعين تخريجه ورده ، وكتب بذلك ~~مطالعة تعرض على PageV08P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" المقابل ، فإذا وافقه عليها عرضت على صاحب ~~الديوان وكتب بالإجابة عنها ، ثم يطالب المباشر بالإجابة عما تجب الإجابة ~~سعنه ، وإضافة ما تجب إضافته إلى حساب المدة التالية لتلك المدة ، وحمل ما ~~يجب حمله ؛ وتكون إضافته في الحساب منسوبة إلى قلم مستدركه ؛ فإن أخر ~~استيفاء الحسبانات وشطبها وتخريج ما يلوح فيها ومضت عليها مدة يمكن فيها ~~العمل ، كان ما يتعين فيها لازما له إذا عنت ، إعادة ما تناوله من الجامكية ~~عن تلك المدة ، ويطالب من صدر عنه الحساب بما يلزمه ؛ ويتعين على المستوفي ~~أنه إذا رفع إليه حساب معاملة تأمل خطوط المباشرين على عاداتهم ، ونظر فيه ~~بعد ذلك ، فإن تغيرت عن العادة ، فإن كان بزيادة تأكيد فلا بأس ، وإن كان ~~بإخلال مثل أن يكتب الشاهد على الحساب بالمقابلة ، وعادته أن يكتب : الأمر ~~على ما شرح يلزمه الكشف عن موجب ذلك ؛ ويلزم المستوفي ضبط مياومة المجلس ، ~~وكتابة الكشوف بخطه والتذاكر ونسخ المحررات ، وتعيين الجهات لأربابها بعد ~~كاتبة الناظر بتعيين الجهة ، وعليه نظم جوامع التقدير بعد عمل موازينها ~~وتحريرها وشطبها على التقادير الصادرة عن المباشرين وجوامع الحواصل : من ~~العين والغلال والكراع والأصناف المعدودة والموزونة والمذروعة والسلاح ~~خاناه والعدد والآلات وغير ذلك ، يسد على ما أمكن سده جملة ، وما لا يمكن ~~نثره أقلاما يستشهد فيها بما رفع إليه من جهة المباشرين ؛ وكذلك يعتمد في ~~جملة البواقي ، يعقد عليها جملة ، ويفصلها بمعاملاتها وجهاتها PageV08P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" وسنيها وأسماء مباشريها ، وما يرجى بمقتضى ~~أوراق المباشرين ؛ وكذلك يعتمد في جامعة الفائض والمتأخر وغير ذلك من ~~الجوامع ؛ وعليه عمل ما يطلب من الأبواب من المقترحات والمطاولات ؛ ويلزمه ~~علم المقايسات وفوائد المتأخر ، وغير ذلك من لوازم قلم الاستيفاء ؛ ويلزمه ~~محاسبات أرباب النقدوالكيل المرتبين على ما تعين بقلم الاستيفاء ، فيحاسبهم ~~على استحقاقهم ، ويعتد عليهم بما ثبت مما عينه لهم بقلمه ؛ ويلزمه التنبيه ~~على خوالص المعاملات وطلبها : حملا إلى بيت المال ، أو ms1766 حوالة على ما يعينه ~~بقلمه ؛ ويلزمه تخريج تفاوت المدد والمحلولات وغير ذلك ؛ ويلزمه التفريع ~~بما يصل إليه من الحوطات الجيشية لوقته على ما جرت به العادة . ووظيفة ~~الاستيفاء كبيرة ، كثيرة الأعمال ، لا تنحصر لوازمها في كتاب ، وإنما هي ~~بحسب الوقائع . فإذا انفصل المستوفي من المباشرة فليس له أن يأخذ ورقة من ~~حسابه الذي استرفعه أو وضعه بقلمه ، ويتلقاه المباشر بعده . وأما المشارف - ~~فله أن يسترفع عند مباشرته معالم الجهة ليستعين بها على PageV08P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" المباشرة : من ضرائب وتقادير وحاصل وباق ~~وفائض ومتأخر وغير ذلك ؛ وهو مطلوب بتحقيق الحواصل ، وله الختم عليها ؛ وهو ~~مطلوب بنظم سائر الحسبانات اللازمة والمقترحة إن تسحب العامل أو مات ، ومع ~~وجود العامل إن كان قد التزم عند مباشرته العمل ؛ وتلزمه المقابلة مع ~~العامل على الحساب الصادر عنهما ، وسياقة التعليق معه ، والكتابة على ~~الوصولات والحسبانات ؛ وهو مطلوب بجميع ما يطلب به العامل من المخرج وغيره ~~. وأما الشاهد - فيلزمه ضبط تعليق المياومة ، والكتابة على الوصولات ~~والحسبانات ؛ ومتى فقد العامل والمشارف لزمه رفع الحساب اللازم دون ~~المقترحات ؛ ولا بد له من جريدة مبسوطة على الأصل والخصم . وأما العامل - ~~فقد قدمنا ذكر ما يحتاج إليه كل مباشر من ضبط تعليق المياومة وبسط الجريدة ~~وخدمتها في الأصل والخصم أولا فأولا ، والتيقظ لذلك وأن من أهمله فقد قصر ~~في مباشرته وأخل بوظيفته ؛ والعامل أحرى بجميع ذلك ممن سواه من سائر ~~المستخدمين ، لما هو مطلوب به من نظم الحسبانات وموقعه من عمل المقترحات ~~والأجوبة عن المخرج والمردود ، وأنه هو الملتزم لذلك دون غيره وأنه لا يلزم ~~من سواه شيء من الأعمال مع وجوده . وقد ذكرنا تلخيص قواعد هذه الكتابة ~~والمباشرين وأوضاعهم ولوازمهم والأوضاع الحسابية وغير ذلك من معالم ~~المباشرات ، مجملا غير مفصل ، وبعضا من كل ، وقليلا من كثير ، إذ لو ~~استقصينا ذلك لطال ولتعذر لاختلاف المباشرات والوقائع والأوضاع والآراء ؛ ~~ولقد حصل الاجتماع لجماعة من مشايخ أهل هذه الصناعة ممن اتخذها حرفة من ~~مبادئ عمره إلى أن طعن في سنه ، وما منهم إلا ms1767 من يخبر أنه يستجد له في وقت ~~من أحوال المباشرات ما لم يسمع به قبل ، ولا طرأ له فيما PageV08P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" سلف من عمره ، فكيف يمكن حصر ما هو بهذا ~~السبيل ؟ وفيما نبهنا عليه مقنع لطالب هذه الصناعة ، والعمدة فيها على ~~الدربة والمباشرة ، وقد قيل : ولا بد من شيخ يريك شخوصها . . . وإلا فنص ~~العلم عندك ضائع كمل الجزء الثامن من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ~~للنويري - رحمه الله تعالى - ويليه الجزء التاسع وأوله : ذكر كتابة الحكم ~~والشروط PageV08P0219 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء التاسع PageV09P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ### | AUT ذكر كتابة الحكم والشروط وما يتصف به الكاتب ويحتاج إليه # ينبغي أن يكون كاتب الحكم والشروط عدلا ، دينا ، أمينا ، طلق العبارة ~~فصيح اللسان ، حسن الخط ، ويحتاج مع ذلك إلى معرفة علوم وقواعد تعينه على ~~هذه الصناعة ، لا بد له منها ، ولا غنية له عنها : وهي أن يكون عارفا ~~العربية والفقه متقنا علم الحساب ، محررا القسم والفرائض ، دربا بالوقائع ، ~~خبيرا بما يصدر عنه من المكاتبات الشرعية ، والإسجالات الحكمية على اختلاف ~~أوضاعها ، وأن يكون قد أتقن صناعة الوراقة وعلم قواعدها ، وعرف كيفية ما ~~يكتب في كل واقعة وحادثة : من الديون على اختلافها ، والحوالات ، والشركات ~~، والقراض ، والعارية ، والهبة والنحلة ، الصدقة والرجوع ، والتمليك ، ~~والبيوع ، والرد بالعيب والفسخ ، والشفعة والسلم ، والمقايلة ، والقسمة ~~والمناصفة ، والأجائر على اختلافها ، والمسافاة ، والوصايا والشهادة على ~~الكوافل بالقبوض ، والعتق ، والتدبير ، وتعليق العتق ، والكتابة ، والنكاح ~~وما يتعلق به ، وإقرار الزوجين بالزوجية عند PageV09P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" عدم كتاب الصداق ، واعتراف الزوج بمبلغ الصداق ~~، والطلاق ، وتعليق الطلاق ، وفسخ النكاح ، ونفي ولد الجارية والإقرار ~~باستيلاد الأمة ، والوكالات ، والمحاضر ، والإسجالات ، والكتب الحكيمة ~~والتقاليد ، والأوقاف ، وغير ذلك ، على ما نوضحه ونبينه إن شاء الله تعالى ~~. فنقول وبالله التوفيق : أما اشتراط العدالة والديانة والأمانة - فلأنه ~~يتصرف بشهادته في الأموال والدماء والفروج ، فإذا لم يكن فيه من الديانة ~~والعدالة والأمانة ما يستمسك به ، ويقف عند أوامر الشرع الشريف نواهيه ~~بسببه ، تولاه - والعياذ بالله تعالى - الشيطان بالغرور ، وأوقعه في محظور ~~يتوقع في ms1768 الدار الآخرة منه وقوع المحذور ، وربما انكشفت في الدنيا عورته ، ~~وبدت سريرته ، وإذن هو المعنى والمشار إليه بقولهم : " شاهد الزور قتل ~~ثلاثة : نفسه والمشهود له والمشهود عليه فلم يفز مما ارتكبه بطائل ، بل جمع ~~لنفسه بين نكال عاجل وعقاب آجل ، " خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران ~~المبين . وأما طلاقة العبارة وذلاقة اللسان - فلأنه يجلس بين يدي الحاكم في ~~مجلسه العام ، ويحضره من يحضره : من العلماء والفقهاء ، وذوي المناصب ، ~~وأصحاب الضرورات ، وخصوم المحاكمات على اختلاف طبقاتهم وأديانهم ، وهو ~~المتصدي لقراءة ما يحضر في المجلس : من إسجالات حكمية ، ومكاتيب شرعية ، ~~وكتب مبايعات ، ووثائق إقرارات ، وقصص وفتاوي ، وغير ذلك مما يتفق في ~~المجلس ، فمتى لم يكن الكاتب طلق العبارة فصيح اللسان ، جيد القراءة حسن ~~البيان ، تعذرت قراءة ذلك عليه ولكن في المجلس ، فرمقته العيون شزرا ، ~~وتلمظت به الألسن سرا ، ونظر بعض القوم بسببه بعضا ، وكان عندهم في الرتبة ~~سماء فغدا أرضا ، ثم تتعدى هذه المفسدة إلى إفساد المكتوب ، والتباس المعنى ~~المراد والأمر المطلوب ، وذلك PageV09P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" لأنه إذا توقف في القراءة أحتاج إلى إعادة ~~اللفظة وتكريرها ، وترديد الكلمة وتدويرها ، فتشكل قراءته على سامعه ~~ومستكتبه ، ويكون قد أخل برتبته ومنصبه . وأما حسن الخط - فلأنه مندوب إليه ~~في مثل ذلك ، وله من الفوائد ما لا يحصى ، ولأن المكتوب إذا كان حسن الخط ~~قبلته النفوس ، وانشرحت له ومالت إليه ، وإذا كان على خلاف ذلك كرهته وملته ~~وسئمته ، وقد ذكرنا ما قيل في حسن الخط وما وصفت به الكتابة عند ذكرنا ~~لكتابة الإنشاء ، فلا فائدة في إعادته هنا . وأما معرفة العربية - فلأنه ~~إنما يكتب عن حاكم المسلمين في الأمور الشرعية ، فلا يجوز أن يصدر عنه لحن ~~بلفظه ، فكيف إذا سطره بقلمه ؟ فإن وقع ذلك كان من أقبح العيوب وأشنعها ، ~~وربما أخل بالمقصود ، وحرف المعنى المراد وأخرجه عن وضعه ، ونقله إلى غير ~~ما أريد به ، سيما في شروط الأوقاف . وأما معرفة الفقه - فلأنه يجلس بين ~~يدي حاكم عالم ، لا يكاد يخلو مجلسه غالبا من الفقهاء والعلماء ، فيوردون ms1769 ~~المسائل أو تورد عليهم ، فيحصل البحث فيها فيتكلم كل من القوم بما علمه ~~بقدر اشتغاله ونقله ، فإذا كان الكاتب عاريا من الفقه والمدارسة ومطالعة ~~الشرعية اقتضى ذلك عدم مشاركته لهم فيما هم فيه فيصير بمثابة الأجنبي من ~~المجلس ، وهو في ذلك بين أمرين : إما أن يسكت ، فلا فرق بينه وبين جماد ~~شغلت به تلك البقعة التي جلس فيها ، أو يتكلم بما لا يعلم ، فيرد عليه قوله ~~، فيحصل له الخجل في ذلك المجلس الحفل ، ويستزريه القوم ، هذا PageV09P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" من هذا الوجه ، ثم هو فيما يكتبه عن الحاكم أو ~~في أصل المكتوب بين أمرين : إما أن يجيد ويبرز المكتوب وهو محرر على مقتضى ~~قواعد الفقه ، فلا بد له فيه من الاستعانة بالغير وتقليده ، بحيث إنه لو ~~سئل عن معنى أجاد فيه وأحسن لعجز عن الجواب ، وإما أن يستقل بنفسه فيكتب ~~غير الواجب ، فيكون قد أفسد المكتوب على أهله ولزمه غرم ما أفسد من ~~القراطيس والرقوق ، وكلتاهما خطة خسف ما فيهما حظ لمختار ، وربما اغتر جاهل ~~ممن تلبس بالكتابة لوثوقه من نفسه بمعرفة مصطلح الوراقة دون الفقه ، فيظن ~~أنه استغنى بذلك عنه ، وهذا غلط وجهل ، لأنه قد يقع له من الوقائع ما لم ~~يعلمه ، فلا يخلصه منه إلا تصريفه على القواعد الشرعية ، ولا يعتمد الكاتب ~~على اطراد قاعدة الأشباه والنظائر ، فيقبس الشيء على ما يظن أنه شبهه أو ~~نظيره ، وقد لا يكون كذلك ، فإن الفقه أمر نقلي لا عقلي ، فلا بد للكاتب من ~~معرفته ، والله أعلم . وأما علم الحساب والفرائض - فلأنه لو وقع في المجلس ~~قسمة شرعية بين ورثة أو شركة ، ولم تكن له معرفة بهذا العلم ، كان ذلك عجزا ~~منه وتقصيرا ونقصا في صناعته ، ويقبح به أن يعتمد على غيره فيه ويقلده ، ~~ويرجع إليه في المجلس PageV09P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" الذي هو ممن يشار إليه فيه ، فيصير في ذلك ~~المجلس تابعا بعد أن كان متبوعا ، ومقلدا لغيره ، ومسطرا بقلمه ما لم يعرفه ~~وما هو أجنبي عنه ، هذا إن أتفق أن يحضر ms1770 المجلس من له معرفة بهذا العلم ، ~~فأما إن خلا المجلس ممن يعلم ذلك جملة كان أشد لتوقيف الأمر وتعطيله ، ~~ودفعه من وقت إلى آخر ، وفي هذا من النقص والتقصير والإخلال برتبته ، وعدم ~~الإنصاف بالكمال في صناعته ، ما لا يخفى على متأمل . وأما معرفة صناعة ~~الوراقة في الأمور التي ذكرناها - فلذلك من الفوائد ما لا يخفى على ذي لب ، ~~لأن الكاتب إذا أخرج المكتوب من يده بعد إتقانه وتحرير ألفاظه على ما استقر ~~عليه الاصطلاح : من التقديم والتأخير ومتابعة الكلام وسياقته ، وترصيعه ~~وترصيفه ، حسن موقعه ، وعذبت ألفاظه ، وأشرأبت له النفوس ، ولو بلغ الكاتب ~~في الفقه والعربية واللغة ما عساه أن يبلغ ولم يدر المصطلح ، وخرج الكتاب ~~من يده وقد حرره على قواعد الفقه والعربية من غير أن يسلك فيه طريق الكتاب ~~واصطلاحهم ، مجته الأسماع ، ولم تقبله النفوس كل القبول ، وثقل على قارئه ~~وسامعه ، والله أعلم . ذكر صورة ما اصطلح عليه الكتاب من أوضاع الوراقة ~~فهذه لمعة كافية من فوائد ما قدمناه مما يحتاج الكاتب الشروطي إلى معرفته ، ~~فلنذكر الآن صورة ما اصطلح عليه الكاتب من أوضاع الوراقة في الأمور التي ~~قدمنا ذكرها على ما استقر عليه الحال في زماننا هذا ، مما يضطر إليه ~~المبتدئ ، ولا يكاد يستغني عنه المنتهى ، فنقول : أول ما ينبغي أن يبدأ به ~~الكاتب فيما يصدر عنه من جميع المكاتيب الشرعية حين ابتدائه بكتابه شيء ~~منها أن يكتب : PageV09P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم يصلي على النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم يكتب لقب المشهود عليه وكنيته واسمه ، ولقب ~~أبيه وجده وكنيتيهما واسميهما ، إن كانوا ممن يلقبون ويكنون ، وإلا ~~فأسماؤهم كافية ، وينسب المشهود عليه إلى قبيلته ، أو صناعته وحرفته أو ~~مجموع ذلك ، وذلك بحسب ما تقتضيه رتبته وحاله في علو القدر والرفعة ، فإن ~~كان من ذوي الأقدار المشهورين ذكر ألقابه وكناه ، ونسبة إلى قبيلته وحرفته ~~، إن كانت مما تزيده رفعة وتعريفا ، وإن كان غير مشهور أو منصبه لكنه ممن ~~يعرفه الشهود بالحلية والنسب قال : وشهود هذا ms1771 المكتوب به عارفون واستغنى ~~بذلك عن وصف حليته ، وإن كان ممن عرفه بعضهم ولم يعرفه البعض قال : وبعض ~~شهوده به عارفون وذكر حليته ، وإن كان ممن لا يعرفه الشهود جملة ذكر حلاه ~~وضبطها على ما نشرحه عند ذكرنا للحلى ، ثم يذكر المشهود له ويسلك في ألقابه ~~ونعوته وكناه وتعريفه نحو ما تقدم في المشهود عليه بحسب ما تقتضيه حاله ~~أيضا ويذكر بعد ذلك ما اتفقا عليه ، فإذا انتهى إلى آخر الكلام فيه أرخ ~~المكتوب باليوم من الشهر ، وبما مضى من سنين الهجرة النبوية ، ولا بأس أن ~~يؤرخه بالساعة من اليوم ، الاحتمال تعارض مكتوب آخر في ذلك اليوم يناقض هذا ~~المكتوب ، مثال ذلك أن امرأة طلقت في يوم قبل دخول الزوج المطلق بها ، ~~فتزوجت في يومها ، وتمادى الأمر على ذلك ، ثم ادعى مدع أنها تزوجت قبل وقوع ~~الطلاق ولم يكن في الكتاب ما يمنع دعواه ، فإنه يحتاج في مثل هذا ونحوه إلى ~~تحديد الطلاق والزواج بالساعات ، فإن فيه إزالة للشك ، وحسما لمادة ~~الالتباس ، فإذا كملت كتابه المكتوب استوعبه الكاتب قراءة ، فإن كان على ~~السداد والتحرير أشهد في ذيله عليهما بما اتفقا عليه ، أو على المقر بما ~~أقر به ، وذلك بحسب ما تقتضيه الحال . PageV09P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" وإن احتاج المكتوب إلى إصلاح : من كشط أو ضرب ~~أو إلحاق حرره ، واعتذر في ذيل المكتوب تلو التاريخ قبل وضع رسم الشهادة ~~عما أصلحه فيقول فيه مصلح على كشط كذا وكذا ، وفيه ضرب ما بين كلمة كذا إلى ~~كلمة كذا إن كان الضرب قد أخفى ما كان تحته ، وإن كانت الأحرف المضروب ~~عليها ظاهرة قال : فيه ضرب على كذا وكذا ، وفيه ملحق بين سطوره أو بهامشه ~~كذا وكذا ويشرح ذلك ، ثم يقول : وهو صحيح في موضعه ، معمول به ، معتذر عنه ~~بخط كاتبه . وإن كان المكتوب في درج موصون بالإلصاق ، أو رق مخروز الأوصال ~~أشار على فواصل الأوصال بقلمه إشارة له يعرفها وتعرف عنه : إما علامته أو ~~اسمه ، ويكتب في آخر أسطره عدد أوصال المكتوب ، وعدة ms1772 أسطره ، وقد أهمل ~~الكتاب ذلك في غالب مكاتيبهم ، وهو زيادة حسنة في التحرير ، والله أعلم . ~~وإن كان المكتوب نسخا متعددة ككتب الأوقاف كتب عند رسم شهادته في كل نسخة ~~عدد النسخ ، والقاعدة عندهم في هذه الصناعة أن الكاتب كلما زادها عرفانا ~~زادته بيانا ، فيكون هذا دأبه في كل ما يكتبه أو غالبه ، والله أعلم ~~بالصواب . ولنذكر كيفية ما يصنعه الكاتب في كل واقعة على معنى ما أورده أبو ~~عبد الله محمد بن عبد الرحمن المخزومي ، المعروف بابن الصيرفي في مختصره ~~الذي PageV09P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" ترجمه بمختصر المكاتبات البديعة فيما يكتب من ~~أمور الشريعة الذي قال فيه إنه اختصره من كتابه المترجم بجامع العقود في ~~علم المواثيق والعهود . أما الإقرارات وما يتصل بها من الرهن والضمان - ~~فسبيل الكاتب فيها أنه إذا أقر رجل لرجل بدين كتب : أقر فلان عند شهوده ~~طوعا إقرارا صحيحا شرعيا بأن في ذمته بحق صحيح شرعي لفلان من الذهب المسكوك ~~، أو من الدراهم النقرة المتعامل بها يومئذ كذا وكذا ، إن كان نقدا . وإن ~~كان غلة أو صنفا من الأصناف الموزونة أو المعدودة أو غير ذلك قال : من ~~الغلال الطيبة النقية السالمة من العيوب والغلث ، ويعين الغلة ، وينسبها ~~إلى جهتها فيقول إن كان بالديار المصرية : الصعيدية ، أو البحرية ، أو ~~الفيومية ، وإن كان بالشأم أو بغيره نسبها إلى جهتها فيقولك البلقاوية ، أو ~~الحورانية أو السوادية أو الجبلية أو المرجية ، أو غير ذلك من النواحي ، ~~يعينها بناحيتها وبأصنافها ، وبأكيالها ، ويذكر الجملة وينصفها فيقول : ~~النصف من ذلك تحقيقا لأصله PageV09P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" وتصحيحا لجملته كذا وكذا ، ثم يقول : يقوم له ~~بذلك على حكم المحلول وسبيله ، أو التنجيم ، أو يقول : على ما يأتي ذكره ~~وبيانه ، فمن ذلك ما يقوم به على حكم الحلول كذا ، وما يقوم به في التاريخ ~~الفلاني كذا على حسب ما يقع عليه الاتفاق ، ثم يقول : وأقر المقر المذكور ~~بأنه ملئ بالدين المعين ، قادر عليه وأنه قبض العوض عنه ، فإن كان ذلك على ~~حكم الحلول اكتفى فيه بالشهادة على ms1773 المقر دون المقر له ، وإن كان لأجل فلا ~~غنية عن الشهادة على المقر له بأنه صدقه على ذلك فإنه لو أدعى الحلول فيما ~~وقعت الشهادة فيه على المقر بمفرده بأنه إلى أجل ، كان القول قوله مع يمينه ~~، وكذلك في الشهادة بالغلة أو الصنف ، هل ذلك محمول إلى منزل المقر له ، أو ~~هو موضوع بمكان آخر ، فإن في الشهادة عليهما معا قطعا للنزاع والاختلاف ، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم . ولا يجوز أن يشهد في الإقرار إلا على حر بالغ ~~عاقل ، أو مريض مع حضور حسه وفهمه ، ويجوز أن يكتب على العبد البالغ وتتبع ~~به ذمته بعد عتقه . وإن كان الدين المقر به ثمن مبيع كتب في آخر المكتوب : ~~وهذا الدين هو ثمن ما ابتاعه القمر من المقر له ، وتسلمه ، وهو جميع الشيء ~~الفلاني ، أو جميع الحصة التي مبلغها كذا وكذا ، الجاري ذلك في يد البائع ~~وملكه وتصرفه على ما ذكرا - ويذكر المبيع ويصفه - وذلك بعد النظر والمعرفة ~~، والمعاقدة الشرعية ، والتفرق بالأبدان عن تراض ، وضمان الدرك في صحة ~~البيع حيث يجب شرعا . ويؤرخ المكتوب ، ويشهد عليهما معا . PageV09P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" وإن كان الدين لرجل واحد أو اثنين أو جماعة ~~على اثنين أو على جماعة قال : أقر كل واحد من فلان وفلان وفلان إقرارا ~~صحيحا شرعيا بأن في ذمتهم بحق صحيح شرعي السوية بينهم أو على مقتضى ما وجب ~~عليهم ، لكل واحد من فلان وفلان ، ويعين المقر به نقدا كان أو صنفا على ~~حكمه في الحلول والأجل والمدد ، ويعين لكل واحد من المقرب لهم ما يخصه ، إن ~~كان بينهم تفاوت ، أو بالسوية بينهم ، ويشهد على من أقر بالملاءة وقبض ~~للعوض على ما تقدم . وإن تضامنوا وتكافلوا قال : وكل واحد منهم ضامن في ~~ذمته ما في ذمة الآخر من ذلك للمقر لهم بإذن كل واحد منهم للآخر في الضمان ~~والأداء والرجوع ، وأقروا بأنه مليئون بما ضمنوه ، ويؤرخ . وإن كان كل واحد ~~من المقرين يقوم بما عليه من الدين من غير ضمان ولا كفالة لغيره فلا ms1774 بأس ~~بأن يبرهن الكاتب على ذلك بأن يقول : من غير ضمان ولا كفالة . فصل وإن حضر ~~من يضمن في الذمة كتب بعد تمام الإقرار : وحضر بحضور المقر المذكور فلان ، ~~وأشهد عليه طوعا منه أنه ضمن ما في ذمة المقر المذكور من الدين المعين ~~للمقر له على حكمه . وإن كان الدين على حكم الحلول فحضر من يضمنه في ذمته ~~إلى أجل ، عينه في حق الضامن إلى الأجل ، وأشهد عليه بالملاءة ، بما ضمنه ، ~~فإن كان بإذن المضمون قال : " بإذنه له في الضمان والأداء والرجوع عليه ، ~~وإن تبرع الضامن بالضمان صح PageV09P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" ضمانه ، ويقول الكاتب : إنه ضمن الدين المعين ~~تبرعا واختيارا ، من غير إذن صادر من المضمون ، وليس للضامن إن يرجع على ~~ذمة المضمون بما يقوم به عنه . وإن حضر من يضمن الوجه والبدن دون المال فلا ~~يجوز إلا بإذن المضمون ، ومثال ما يكتب في ذلك أن يقول : وحضر بحضوره فلان ~~، وضمن وكفل إحضار وجه وبدن المقر المذكور للمقر له المذكور ، متى التمس ~~إحضاره منه في ليل أو نهار ، أو في مدة معلومة أحضره له ، وذلك بإذنه له في ~~ذلك . وينحل هذا الضمان عن الضامن بموت المضمون دون سفره وغيبته ، والله ~~أعلم . وإن رهن المقر عند المقر له رهنا على دينه كتب ما مثاله : وبعد تمام ~~ذلك ولزومه رهن المقر المذكور عند المقر له توثقة على الدين المذكور ، وعلى ~~كل جزء منه ما ذكر أنه في يده وملكه وتصرفه ، وهو جميع الشيء الفلاني - ~~ويوصف ويحدد إن كان له حدود - رهنا صحيحا ، شرعيا ، مقبوضا ، مسلما ليد ~~المقر له من المقر الراهن بإذنه له في ذلك ، بعد النظر والمعرفة ، ~~والمعاقدة الشرعية ، والإيجاب والقبول الشرعيين ، والتسلم والتسليم . فإذا ~~استعار الرهن بعد ذلك كتب ما مثاله : ثم بعد ذلك استعار الراهن من المرتهن ~~المذكور الرهن المذكور لينتفع به ، مع بقاء حكم الرهن ، استعارة شرعية ، من ~~غير فسخ شيء من أحكامه ، وصار بذلك بيد الراهن المذكور وقبضه وحوزه . فإن ~~استقر الرهن تحت يد المرتهن كتب : واعترف ms1775 المرتهن بأن الرهن المذكور باق ~~تحت يده وحوزه ، وعليه إحضاره عند وفاء الدين ، ويؤرخ . فصل وإن حضر من ~~أعار المقر شيئا ليرهنه على ما في ذمته كتب في ذيل المسطور : وحضر بحضور ~~المقر المذكور فلان ، وأشهد عليه طائعا مختارا أنه أعار المقر المذكور جميع ~~الشيء الفلاني - ويوصف ويحدد إن كان له حدود - ليرهن ذلك عند المقر له على ~~ما في ذمته له من الدين المعين أعلاه ، وبعيده بسؤاله في ذلك ، عارية صحيحة ~~PageV09P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" شرعية مسلمة مقبوضة ، وذلك بعد النظر ، ~~والمعاقدة الشرعية ، والإيجاب والقبول ، وأذن المعير للمستعير أن يرهن ذلك ~~عند المقر له على الدين المذكور ، ويسلمه له التسليم الشرعي ، ثم يستعيد ~~ذلك منه ليعيده إلى المعير المالك لينتفه به ، مع بقاء عينه علت حكم الرهن ~~. وإن كان المستعير الراهن ينتفع بالرهن كتب : وأن يستعيد الرهن لينتفع به ~~دون المعير ، مع بقائه على حكم الرهن . وإن كان الرهن تحت يد المرتهن كتب : ~~وهذا الرهن المذكور تحت يد المرتهن حفظا لماله ، وصيانة لدينه ، وعليه أن ~~يعيده عند وفاء الدين للمستعير ليسلمه للمعير . فإن وكل الراهن وكيلا في ~~بيع الرهن عند استحقاق الدين ووفاء ما عليه كتب : ثم بعد تمام ذلك ولزومه ~~وكل المقر المذكور فلان بن فلان في قبض الرهن المذكور ممن هو تحت يده برضا ~~المرتهن ، وبيعه ممن يرغب في ابتياعه بما يراه من الأثمان وقبض الثمن ، ~~وتسليم المبيع لمبتاعه ، وكتب ما يجب اكتتابه ، وقضاء ما عليه من الدين ~~المعين فيه للمقر له وأخذ الحجة منه ، والإشهاد على المقر له بقبض الدين ~~المذكور منه على المقر ، وكالة صحيحة شرعية ، قبلها منه قبولا سائغا ، ~~أقامه في ذلك مقام نفسه ، ورضيه واختاره . وإن أراد المرتهن أن ينزل عن ~~الرهن كتب خلف المسطور : أقر فلان وهو المقر له بالدين باطنه ، إقرارا ~~صحيحا شرعيا بأنه نزل عن رهنية العين المعينة باطنه ، المرتهنة عنده على ~~دينه المعين باطنه ، نزولا صحيحا شرعيا ، وأبطل حقه في وثيقة الرهن المذكور ~~، وسلم الرهن للراهن المذكور وهو على صفته ms1776 الأولى فتسلمه منه بغير حادث ~~غيره عن صفته ، وذلك بعد النظر والمعرفة ، والإحاطة بذلك علما وخبرة . ~~PageV09P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" فصل أن أقر ربالدين أن الدين المقر به كان من ~~مال غيره كتب : أقر فلان وهو المقر له باطنه ، عند شهوده طوعا إقرارا صحيحا ~~شرعيا بأنه لما داين فلانا المقتر المذكور باطنه بالدين المعين باطنه - وهو ~~كذا وكذا - كان ذلك من مال فلان دون ماله ، وأن اسم المقر له باطنه كان على ~~سبيل النيابة والوكالة ، وأنه كان أذن له في معاملة المقر المذكور باطنه ~~بالدين المذكور على حكمه ، ومداينته ، وصدقه المقر له على ذلك تصديقا شرعيا ~~، وبمقتضى ذلك وجبت له مطالبة المقر باطنه بالدين المعين فيه واستخلاص حقه ~~، قبضه على الوجه الشرعي . فصل فإن أقر المقر له بأن الدين أو ما بقي منه ~~صار لغيره كتب على ظهر المكتوب : أقر فلان - وهو المقر له باطنه - إقرارا ~~صحيحا شرعيا بأن الدين المعين باطنه ، أو أن الذي بقي من الدين المعين ~~باطنه - وهو كذا وكذا - صار ووجب من وجه صحيح شرعي لا شبهة فيه لفلان ، ~~وصدقه على ذلك ، وقبل منه هذا الإقرار لنفسه قبولا سائغا وبحكم ذلك وجبت له ~~مطالبة المقر باطنه بالدين المعين على الوجه الشرعي . وأما الحوالة - فسبيل ~~الكاتب فيما يكتب فيها أنه إذا كان لرجل دين على آخر وأحال به كتب على ظهر ~~مسطور الدين ما مثاله : أقر فلان - وهو المقر له باطنه - عند شهوده إقرارا ~~صحيحا شرعيا بأنه أحال فلانا على ذمة فلان المقر المذكور باطنه بما له في ~~ذمته من الدين المعين باطنه ، وهو كذا وكذا ، على الحكم المشروح باطنه ، ~~وذلك نظير ما لفلان المحال في ذمة فلان المحيل من الدين الذي اعترف به عند ~~شهوده ، وهو نظير ما لفلان المحال في ذمة فلان المحيل من الدين الذي اعترف ~~به عند شهوده ، وهو نظير المبلغ الحال به في القدر والجنس والصفة ~~والاستحقاق حوالة صحيحة شرعية ، قبلها منه قبولا سائغا ، ورضى ذمة الحال ~~عليه ، تعاقدا على ذلك معاقدة صحيحة ms1777 شرعية ، وافترقا عن تراض ، وبحكم ذلك ~~برئت ذمة المحيل المبدأ بذكره من الدين الذي كان في ذمته ، براءة صحيحة ~~شرعية ، وقبل كل منهما ذلك من الآخر لنفسه قبولا شرعيا ، وبه شهد عليهما ، ~~ويؤرخ . PageV09P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" فصل وأما الشركة فهي تصح في الذهب والفضة ، ~~وسبيل الكاتب فيها أنه إذا أتفق اثنان على الشركة ، فأخرج كل واحد منهما ~~مالا وخلطاه ، وأراد المكاتبة بينهما كتب ما مثاله : أقر كل واحد من فلان ~~وفلان عند شهوده إقرار صحيحا شرعيا بأنهما اشتركا على تقوى الله تعالى ، ~~وإيثار طاعته ، وخوفه ومراقبته ، والنصيحة من كل منهما لصاحبه ، والعمل بما ~~يرضي الله تعالى في الأخذ والعطاء ، وهو أن كلا منهما أخرج من ماله كذا ~~وكذا ، خلطا ذلك حتى صار شيئا واحدا ، لا يتميز بعضه من بعض وجملته كذا ~~وكذا ، ووضعا أيديهما عليه ، وتراضيا على أنهما يبتاعان به من المكان ~~الفلاني أو المدينة الفلانية ما أحبا واختارا من أصناف البضائع وأنواع ~~المتاجر ويجلسان به في حانوت بالبلد الفلاني ، إن كان اتفاقهما على ذلك ، ~~وإن كانا يسافران به كتب : وسافران به إلى البلاد الفلانية وفي البر والبحر ~~العذب والملح أو أحدهما دون الآخر على حسب اتفاقهما ، ويتوليان معا ذلك ~~بأنفسهما ومن يختاره من وكلائهما ونوابهما ، على ما يريان في ذلك من الحظ ~~والمصلحة ويبيعان ذلك بالنقد دون النسيئة ، ويسلمان المبيع ، ويتعوضان ~~بالثمن ما أحبا واختارا ، ويديران هذا المال في أيديهما على ذلك حالا بعد ~~حال ، وفعلا بعد فعل ، ومهما فتح الله من ذلك من ربح وفائدة بعد إخراج رأس ~~المال والمؤن والكلف وحق الله تعالى إن وجب ، كان الربح بينهما مقسوما ~~نصفين بالسوية ، تعاقدا على ذلك معاقدة صحيحة شرعية شفاها بالإيجاب والقبول ~~، وأذن كل واحد منهما لصاحبه في البيع والشراء ، والأخذ والعطاء ، في غيبة ~~صاحبه وحضوره ، إذنا شرعيا ، وعلى كل منهما أداء الأمانة ، وتجنب الخيانة ، ~~وتقوى الله في السر والعلانية والنصيحة لصاحبه ، ومعاملة شريكه بالمعروف ~~والإنصاف . PageV09P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" وإن تسلم أحدهما المال دون الآخر كتب بعد ذكر ~~جملته ms1778 : تسلمه جميعه فلان ، وصار بيده وقبضه وحوزه ليبتاع به ما أراد من ~~البلاد الفلانية من أصناف البضائع ، وأنواع المتاجر ، ويجلس به في حانوت أو ~~يسافر به ، ويكمله على ما تقدم . وأما القراض - فإذا دفع رجل لرجل مالا ~~يعمل فيه ، أو لجماعة من الناس كتب ما مثاله : أقر ف لان عند شهوده إقرارا ~~صحيحا شرعيا بأنه قبض وتسلم من فلان من الذهب العين كذا وكذا ، أو من ~~الدراهم الجيدة المتعامل بها كذا وكذا - ولا يجوز في الدراهم المغشوشة - ~~وصار ذلك نقده وقبضه وحوزه ، على سبيل القراض الشرعي الجائز بين المسلمين ، ~~وأذن رب المال له أن يشتري بذلك المال ما أحبه واختاره من المدينة الفلانية ~~من أصناف البضائع ، وأنواع المتاجر على اختلافها ، وتباين أجناسها وسافر به ~~أين شاء من بلاد المسلمين في الطرق المأمونة ، أو في البحر العذب والملح ~~ويبيع ذلك بالنقد دون النسيئة ، ويتعوض بقيمته ما أراد من أنواع المتاجر ، ~~ويعود به إلى البلد الفلاني ، ويبيعه بالنقد دون النسيئة ، ويدير هذا المال ~~في يده على ذلك حالا بعد حال ، وفعلا بعد فعل ، ومهما أطلعه الله في ذلك من ~~ربح وفائدة بعد إخراج رأس المال والوزن والكلف وحق الله تعالى إن وجب ، كان ~~الربح مقسوما بينهما نصفين ، أو أثلاثا : لرب المال الثلثان ، وللعامل بحق ~~عمله الثلث ، تعاقدا على ذلك معاقدة صحيحة شرعية بالإيجاب والقبول ، ~~والتفرق بالأبدان عن تراض وقبل كل منهما ذلك لنفسه قبولا شرعيا ، وعلى هذا ~~العامل المذكور الأمانة وتجنب الخيانة ، وتقوى الله في السر والعلانية في ~~بيعه وابتياعه وجميع أفعاله ، وحفظه هذا المال على عادة مثله ، وإيصاله عند ~~وجوب رده ، ويؤرخ . وإن كان القراض بيد جماعة فلا يصح أن يتكافلوا في الذمة ~~، ويصح ضمان الوجه . PageV09P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" وأما العارية - فإن الرجل إذا أعار لابنته ~~شورة تتجمل بها ، أو أعار لرجل دارا أو عبدا أو غير ذلك كتب الكاتب ما ~~مثاله : أقر فلان بأنه أعار لانتبه لصلبه فلانة البكر البالغ ، التي اعترف ~~برشدها عند شهوده ، ما ذكر أنه له وفي ms1779 ملكه ويده وتصرفه ، وصدقته على ذلك ، ~~وهو جميع الشورة الآتي ذكرها فيه ، وهي كذا وكذا - وتوصف وتذكر الأوزان ~~والقيم ، وإن كان المعار دارا حدها ووصفها - عارية صحيحة شرعية مسلمة ~~مقبوضة بيد المستعيرة من المعير ، بإذنه لها في ذلك بعد النظر والمعروفة ~~والمعاقدة الشرعية ، وعلى هذه المستعيرة حفظ ذلك والانتفاع به في منزلها ~~بالموضع الفلاني والتجمل به ، وألا تخرج ذلك من يدها إلى أن تعيده إلى ~~المعير على الصفة المذكورة ، وعلمت مقدار العارية وما يلزم فيها ، ويؤرخ . ~~وأما الهبة والنحلة - فإن الرجل إذا وهب لأجنبي دارا أو غير ذلك أو وهب ~~لولده لصلبه فلان الرجل الرشيد مالا أو غيره كتب الكاتب : أقر فلان بأنه ~~وهب لولده لصلبه فلان الرجل الرشيد ، الذي اعترف بأنه لا حجر له عليه ما ~~ذكر أنه له وفي ملكه ويده وتصرفه ، وهو جميع الدار التي بالموضع الفلاني - ~~وتوصف وتحدد - هبة صحيحة شرعية جائزة ماضية ، بغير عوض عنها ولا قيمة قبلها ~~منه قبولا شرعيا ، وتسلم الموهوب له من الواهب ما وهب له فيه التسلم الشرعي ~~، وصار بيده وقبضه وحوزه ، فبحكم ذلك وجب له التصرف فيها تصرف الملاك في ~~أملاكهم ، وذوي الحقوق في حقوقهم ، وأقر بأنهما عارفان بذلك المعرفة ~~الشرعية النافذة . فإن وهب الرجل دارا لولده الطفل أو لولده البالغ الذي هو ~~تحت حجره كتب موضع القبول ما مثاله : قبل الواهب ذلك من نفسه لولده المذكور ~~، بحكم أنه تحت PageV09P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" حجره وولاية نظره قبولا صحيحا شرعيا ، وتسلم ~~من نفسه لولده المذكور ما وهب فيه التسلم الشرعي ، ورفع عنه يد ملكيته ، ~~ووضع عليه يد نظره وولايته ، أقر بأنه عارف بذلك المعرفة الشرعية . فإن نحل ~~الرجل ولده الطفل مالا أو غير ذلك كتب ما مثاله : أقر فلان بأنه نحل أي دفع ~~لولده لصلبه فلان الطفل ، أو المراهق ، الذي تحت حجره وولاية نظره ما ذكر ~~أنه له وفي يده وملكه وتصرفه ، وهو جميع لاشيء الفلاني - ويوصف بما يليق به ~~- نحلة صحيحة شرعية ، جائزة مرضية ، قبلها له من نفسه ، وصار ذلك ms1780 بيده ملكا ~~لولده المذكور ، وأقر بأنه عارف بما نحله . وإن نحل ولده البالغ أو الأجنبي ~~كتب نحو ما تقدم إلا القبول والتسلم فإنه يقول : قبل ذلك لنفسه قبولا صحيحا ~~شرعيا ، وتسلم منه ما نحله إياه فيه بإذنه وصار بيده قبضه وحوزه ، ومالا من ~~جملة أمواله ، وأقر بأنهما عارفان بذلك المعرفة الصحيحة الشرعية اليافية ~~لجهالة . وأما الصدقة والرجوع - فإن الرجل إذا تدق على ولده الطفل أو ~~البالغ أو على أجنبي ، كتب ما مثاله : أقر فلان بأنه تصدق على ولده الطفل ~~الذي تحت حجره وولاية نظره فلان ، وإن كان بالغا كتب : البالغ الرشيد ~~باعتراف والده برا به ، وحنوا عليه ، وابتغاء بذلك وجه الله الكريم ، وطلبا ~~لثوابه الجسيم بما ذكر أنه له وفي يده وتصرفه ، وهو جميع الدار الفلانية ~~التي بالموضع الفلاني - وتوصف وتحدد - صدقة صحيحة شرعية جائزة ماضية نافذة ~~، قبلها من نفسه لولده ، أو قبلها الولد البالغ الراشد لنفسه ، على نحو ما ~~تقدم في الهبة والنحلة من القبول والتسلم . وإذا رأى الأب والجد و إن علا ، ~~والأم والجدة وإن علت الرجوع عن الصدقة والهبة والتمليك إذا كان بغير عوض ، ~~كتب الكاتب على ظهر المكتوب ما مثاله : أشهد PageV09P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" فلان على نفسه طائعا مختارا أنه رجع في الدار ~~المذكورة الموصوفة المحدودة باطنه ، التي كان تصدق بها على ولده المذكور ~~باطنه فلان ، رجوعا صحيحا شرعيا ، وأعاده إلى ملكه ويده وتصرفه ، وأبطل ~~حكمها ، ونقض شرطها ، وتسلمها تسلم مثله لمثلها ، وأقر بأنه عارف بها ~~المعرفة الشرعية ، ويؤرخ . وأما التمليك - فمنه ما هو بعوض ، وما هو بغير ~~عوض ، فأما ما كان بعوض فيكتب فيه ما مثاله : ملك فلان لفلان جميع الدار ~~الفلانية الجارية في يده وملكه وتصرفه التي بالموضع الفلاني - وتوصف وتحدد ~~- تمليكا صحيحا شرعيا ، بثمن مبلغه كذا وكذا ، قبض الفقير المملك ذلك من ~~المملك له بإذنه ، وصار بيده وحوزه ومالا من جملة أمواله ، عوضا عما ملكه ~~فيه فتسلمه منه ، وصار بيده وقبضه PageV09P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" وحوزه ، وذلك بعد النظر والمعرفة ، والمعاقدة ~~الشرعية ، والتفرق بالأبدان ms1781 عن تراض ، وضمان الدرك في ذلك . وأما ما كان ~~بغير عوض ، فيكتب فيه : ملك فلان لفلان ، جميع الدار - وتوصف وتحدد نحو ما ~~تقدم - تمليكا صحيحا شرعيا ، جائزا نافذا مرضيا ، بغير عوض عن ذلك ولا قيمة ~~، قبلها منه قبولا صحيحا شرعيا ، وسلم هذا المملك لفلان أملك ما ملكه إياه ~~، فتسلمه منه ، وصار بيده وحوزه ، ملكا من جملة أملاكه ، وأقرا بأنهما ~~عارفان بها المعرفة الشرعية النافية للجهالة ، وأنهما نظراها وأحاطا بها ~~علما وخبرة ، تعاقدا على ذلك معاقدة شرعية بالإيجاب والقبول ، ثم تفرقا ~~بالأبدان عن تراض ، ويؤرخ . وإذا أقر رجل بأن داره ملك لغيره كتب : أقر ~~فلان عند شهوده طوعا إقرار صحيحا شرعيا بأن جميع الدار التي بيده وتصرفه - ~~وتوصف وتحدد - ملك فلان ملكا صحيحا شرعيا دونه ودون كل أحد بسببه ، وأن ~~ملكه لهذه الدار سابق على هذا الإقرار ومقدم عليه ، وصدقه المقر له على ذلك ~~تصديقا شرعيا وقيل منه هذا الإقرار لنفسه قبولا شرعيا ، وأقر بأنهما عرافان ~~بذلك المعرفة الشرعية النافية للجهالة ، وسلم المقر المذكور للمقر له جميع ~~الدار المذكورة ، فتسلمها منه وصارت بيده وقبضه وحوزه ، وأقر المقر المذكور ~~بأنه لا حق له في هذه الدار ولا طلب بسبب ولا ملك ولا استحقاق منفعة بوجه ~~من الوجوه الشرعية كلها على اختلافها وتصادقا على ذلك . وأما البيوع - فإنه ~~إذا ابتاع رجل دارا أو حصة من دار أو غير ذلك كتب الكاتب ما مثاله : هذا ما ~~اشترى فلان بماله لنفسه من فلان جميع الدار الكاملة أرضا و بناء ، الآتي ~~ذكرها ووصفها وتحديدها فيه ، التي ذكر البائع أنها له وفي ملكه ويده وتصرفه ~~، وإن كان عمرها كتب : ومعروفة بإنشائه وعمارته . وإن كان المبيع حصة من ~~دار كتب : جميع الحصة التي مبلغها كذا وكذا سهما من أربعة وعشرين سهما ~~شائعا غير مقسوم من جميع الدار التي ذكر البائع أن هذه الحصة المذكورة وفي ~~يده وملكه وتصرفه بجميع حقوقها ومرافقها وما يعرف بها وينسب إليها . فإن ~~استثنى البائع مكانا منها غير داخل في البيع كتب بعد ذلك ms1782 : خلا الموضع ~~الفلاني ، فإنه خراج عن هذا العقد ، غير داخل في هذا البيع ، وعلم به ~~المشتري ورضى به . ثم يقول : شراء صحيحا قاطعا ماضيا جائزا نافذا بثمن ~~مبلغه كذا وكذا ، تقابضا وتفرقا بالأبدان عن تراض ، بعد النظر والمعرفة ~~والمعاقدة الشرعية ، وضمان الدرك في المبيع حيث يجب شرعا . وإن أراد الكاتب ~~تحسني ألفاظه وتنميقها وتكثيرها فيما لا يضر بالعقد ولا يفسد البيع كتب بعد ~~تنصيف الثمن : دفعه المشتري المذكور للبائع المذكور من خالص ماله وصلب حاله ~~، تاما وافيا ، وأقبضه له بعد وزنه ونقده ، فقبضه البائع المذكور منه ~~وتسلمه بتمامه وكماله موزونا منتقدا ، وصار بيده وقبضه وحوزه مالا من جملة ~~أمواله ، وبحكم ذلك برئت ذمة المشتري المقبوض منه من الثمن المذكور براءة ~~صحيحة شرعية براءة قبض واستيفاء ، وسلم البائع المذكور للمشتري المذكور ما ~~باعه إياه ، فتسلمه منه خاليا لا شاغل له ، ولا مانع له منه ، ولا دافع له ~~عنه ، وصار بيده وقبضه وحوزه ، ملكا من أملاكه ، يتصرف فيه تصرف الملاك في ~~أملاكه ، وذوي الحقوق في حقوقهم من غير مانع ولا معترض ، ولا رافع ليد بوجه ~~ولا سبب ، وذلك بعد نظرهما لجميع ذلك ، ومعرفتها إياه ، وإحاطتهما به علما ~~وخبرة نافيين للجهالة ، PageV09P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" وتعاقدهما على ذلك كله المعاقدة الصحيحة ~~الشرعية المعتبرة شفاها بالإيجاب والقبول ، ثم تفرقا بالأبدان من مجلس ~~العقد التفرق الشرعي عن تراض منهما ، وضمان الدرك في صحة البيع حيث يوجبه ~~الشرع الشريف ويقتضيه أحكامه . وإن اشترط أحدهما الخيار لنفسه ثلاثة أيام ~~كتب بعد قوله : عن تراض : وانقضاء مدة الخيار الشرعي الذي اشترطه البائع ~~لنفسه خاصة ، أو المشتري ، أو الذي اشترطاه لأنفسهما ، وهو ثلاثة أيام من ~~تاريخ العقد . وإن كان لم يتفرقا من مجلس العقد كتب عوض التفريق بعد ~~الإيجاب والقبول : واختار كل من المتعاقدين المذكورين إمضاء البيع المذكور ~~بينهما في المبيع المعين وإلزامه وإبرامه وتمام إحكامه ونفوذه على الوجه ~~الشرعي ، والقانون المرضى ، وضمان الدرك على ما تقدم . وإن أحضر البائع من ~~يده كتاب يشهد له بصحة ملكه للمبيع كتب : وأحضر ms1783 هذا البائع من يده كتابا ~~يتضمن ابتياعه الدار المذكورة ، وأصولا له ، وسطر عليها فصولا بهذه ~~المبايعة ، وتسلم المشتري ذلك توثقه له ، وحجة لليوم ولما بعده . وإن كان ~~البائع قد استعاد الحكم على ما بقي على ملكه منها أو من غيرها كتب عوض ~~وتسلم المشتري ذلك : ثم بعد ذلك استعادها البائع بحكم ما بقي على ملكه منها ~~أو من غيرها . وإن كان في ملك المشتري حصة متقدمة ثم ابتاع حصة أخرى كتب : ~~وقد كمل للمشتري المذكور بما في ملكه متقدما وبهذه المبايعة ملك جميع كذا ~~وكذا سهما أو ملك جميع الدار المذكورة ، وصدقة البائع على ذلك . وإن كان في ~~المبيع عيب واشترطه البائع كتب بعد تمام العقد ولزومه : أعلم البائع ~~المشتري أن الدار المبيعة واقعة الجدران ، مختلة البنيان ، سبخة الأرض ~~PageV09P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" والحيطان مائلة الجدر والزروب ، مكسورة ~~القوائم والأعراق ، مسوسة الأخشاب ، إلى غير ذلك مما لعله يكون فيها من عيب ~~، ورضى المشتري بذلك . وإن كان وكيلا في الشراء كتب : وعلم المشتري أن ~~الدار المذكورة معيبة - أو على ما يصفها به من العيوب - وقال : إنه أعلم ~~موكله بذلك ورضى به . وإن كان البيع بناء دون الأرض كتب : جميع البناء ~~القائم على الأرض المحتكرة دارا أو طاحونة أو غير ذلك ، الجاري هذا البناء ~~في يد البائع وملكه وتصرفه على ما ذكر ، ويكمل المبايعة على ما تقدم شرحه ~~وبيانه ، ويكتب ، ويكتب في آخرها : وعلم المشتري المذكور أن الأرض الحالة ~~لهذا البناء المذكور محتكرة ، ومبلغ الحكر عنها في كل سنة أو في كل شهر كذا ~~وكذا ، ورضى بذلك . وإن كان المشتري وكيلا كتب : وقال : إنه أعلم موكله ~~بذلك ، ورضي به . وإن كان المبيع أرضا دون البناء أو أرضا كشفا كتب : جميع ~~قطعة الأرض الحاملة لبناء البائع ، أو جميع الساحة الكشف التي لا بناء ~~عليها ، الجارية في يد البائع وملكه وتصرفه ، ويذرع ويحدد ، ويكمل المبايعة ~~على ما تقدم . فصل إن كان المبيع بئرا كتب : جميع بناء البئر المعينة ~~ومكانها من الأرض ، المبنية بالطوب الآجر والطين ms1784 والجير . وإن كانت نقرا ~~كتب : جميع البئر المنقورة للماء المعين . PageV09P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" وإن كان صهريجا كتب : جميع الصهريج المبنى ~~بالطوب الآجر والطين والجير المتلص المبيض بالخافقي الذي برسم خزن الماء ~~العذب . وإن كان بئرا همالية كتب : جميع بناء الهمالية ومكانها من الأرض ، ~~المبنية بالطوب الآجر والطين والجير ، الجاري ذلك في يد البائع وملكه ~~وتصرفه ، وهي في الموضع الفلاني ، ويذرع ويحدد ذلك ، إن أمكن ذلك . وإن كان ~~المبيع نخلا دون الأرض كتب : جميع النخل القائم في الأرض الوقف على الشيء ~~الفلاني ، الخارجة عن هذا البيع ، ومكان كل نخلة من الأرض ، الجاري النخل ~~المذكور في يد البائع وملكه وتصرفه على ما ذكر ، الذي ذلك في الموضع ~~الفلاني ، ويذكر عددها . وإن كانت الأرض مملوكة للبائع وأراد أن يبيع النخل ~~بمغارسها كتب : جميع النخل النابت في الأرض الآتي ذكرها فيه ، وجميع ~~أماكنها من الأرض ، الجاري النخل والأرض بكمالهما في يد البائع المذكور ~~وملكه وتصرفه على ما ذكر ، باع من ذلك النخل المذكور ومواضع مغارسها ، ~~وتبقى على ملكه بقية الأرض فإنها غير داخلة في هذا البيع ، وهذه الأرض ~~بالموضع الفلاني ، وعدة النخل كذا وكذا ، ويحدد الأرض ، ويكمل المبايعة ، ~~ويكتب في آخر المكتوب : ولهذا المشتري العبور في الأرض المذكورة والاستطراق ~~فيها إلى النخل المذكور بحق شرعي . وإن كان المبيع ثمرا ونخلا كتب : جميع ~~ثمر النخل الجاري ذلك في ملكه ويده وتصرفه على ما ذكر ، الذي بالموضع ~~الفلاني ، وعدتها كذا وكذا نخلة ، إن PageV09P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" أمكن ، ويحدد الأرض ، ثم يقول : التي بدا ~~صلاحها ، وطاب أكلها ، واحمرت واصفرت ، وجاز بيعها بشرط القطع ، وإن شرط ~~التبقية كتب : بشرط التبقية إلى أوان الجذاذ ، شراء صحيحا شرعيا ، ويكمل ~~المبايعة . فصل إن كان المبيع مركبا كتب : جميع المركب العشاري أو الخضاري ~~، أو الدرمونة ، أو النارية ، أو الشختور ، أو الحراقة أو الشلودة ، أو ~~الدلاج ، أو الكبكة ، أو غير ذلك ، وجميع عدتها المتخذة برسمها ، الآتي ذكر ~~ذلك ووصفه ، الجاري ذلك في يد البائع وملكه وتصرفه على ما ذكر ، وصفة ~~المركب أنها طول ms1785 كذا كذا ذراعا بالذراع النجاري ، ومحملها كذا وكذا إردبا ~~بالكيل المصري ، وصفة العدة أنها صار قطعة واحدة ، وبرأسه جامور ، ~~PageV09P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" وقرية ثلاث قطع وقوسان ، وقلع مزوى من قماش ~~القطن ، أو الملحم ، أو غيره ، عدته كذا وكذا بيلمانا أو قلع ستارة مكملة ~~حبال القنب أو القطن ، ورجل طويلة قطعة أو قطعتان ، وفراش ، وكذا وكذا ~~مجذافا ، وإسقالة بئر أو أكثر من ذلك ومذراة أو أكثر ، وعروس ، وقلوس ، ~~وقرايا ، وغير ذلك من آلات المركب وعدده ، فما زاد عن ذلك ذكره ، وما نقص ~~وصفه ، ثم يقال : وهذا المركب مدسور السفل والعلو ، مسدود الشوبين ، مغطى ~~الحنين ، وإن كان له مرساة من حديد وصفها وذكر زنتها ، ويكمل المبايعة . ~~PageV09P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" وإن كان المبيع بالغا عبدا أو أمة أو كانا غير ~~بالغين كتب : جميع العبد ، أو الغلام ، أو الوصيف ، أو المملوك ، أو ~~الجارية ، أو الأمة ، أو الوصيفة ، الجاري ، أو الجارية في يد البائع وملكه ~~، المقر له بالرق والعبودية ، المدعو فلانا ، ويذكر جنسه ودينه ، ثم يقول : ~~وحليته : . . . . . . . ويذكرها . وإن كان دون البلوغ كتب : جميع الغلام ~~الذي بيده وملكه وتصرفه على ما ذكر ، المراهق ، أو المعصر ، إن كانت جارية ~~، ويعين البكارة إن كانت ، ثم يقول : " شراء صحيحا شرعيا بثمن مبلغه كذا ~~وكذا ، ويكمل المبايعة . وإن كان بالمبيع عيب ذكره ، فيكتب : وعلم المشتري ~~أن به أو بها المرض الفلاني وعينه ، ويعدد الأمراض والعيوب وآثار الكي وغير ~~ذلك إن كان - ورضى به ، ودخل عليه . وإن كان المبيع عبدا بجارية أو العكس ~~كتب : جميع العبد الذي بيد البائع - على نحو ما تقدم - بجميع الجارية ~~الفلانية الجنس ، المسلمة ، تقابضا وتفرقا بالأبدان ، بعد النظر والمعرفة ، ~~والمعاقدة الشرعية ، وضمان الدرك في ذلك حيث يجب شرعا ، وإن كان في أحدهما ~~عيب ذكره . فصل وإن كانت الدار المبيعة في بلد والمتبايعان في بلد آخر كتب ~~التخلية عوض التسليم ، فيقول : وخلى البائع المذكور بين المشتري وبين ما ~~باعه إياه فيه تخلية شرعية ، ووجب له بذلك قبض المبيع وتسلمه بمقتضى هذا ~~الابتياع الشرعي ، وأقرا PageV09P0027 # """""" صفحة رقم ms1786 28 """""" أنهما عارفان بذلك المعرفة الشرعية قبل تاريخه ~~، ونظراه النظر الشرعي ، تعاقدا هذه المبايعة بينهما معاقدة شرعية مشافهة ~~بالإيجاب والقبول . وإذا دفع المشتري للبائع من الثمن جوهرة ، أو سيفا ، أو ~~خاتما بفص ثمين ، أو غير ذلك مما تجهل قيمته ، كتب : شراء صحيحا شرعيا ، ~~بثمن مبلغه من الذهب ، أو من الدراهم كذا وكذا ، وبجوهرة نفيسة ، أو لؤلؤة ~~نقية ، مجهولة القيمة ، مرئية حال العقد ، تقابضا وافترقا ، ويكمل المبايعة ~~. وإن حضر من يضمن درك البائع فيما باعه وقبض ثمنه كتب : وحضر بحضور البائع ~~المذكور فلان ، وضمن في ذمته درك البائع فيما باعه وقبض الثمن بسببه ، ~~ضمانا شرعيا في ماله ، بإذنه له في ذلك ، وأقر أنه ملئ بما في ضمانه . فصل ~~وإن أبرأ البائع ذمة المشتري من الثمن كتب : بثمن مبلغه كذا وكذا ، أبرأ ~~البائع المذكور ذمة المشتري منه براءة صحيحة شرعية ، براءة إسقاط ، قبلها ~~منه قبولا شرعيا ، ولم تبق للبائع المذكور قبل المشتري المذكور مطالبة بسبب ~~الثمن ولا عن شيء منه ، ولا عوض عنه ولا عن شيء منه ، وسلم البائع المذكور ~~للمشتري المذكور ما باعه ، إياه ، فتسلمه بعد النظر والرضا والمعرفة ~~والمعاقدة الشرعية . وإن كان البيع بثمن مؤجل أو منجم كتب : بثمن مبلغه كذا ~~وكذا يقوم له بذلك جملة واحدة في التاريخ الفلاني ، أو في كل شهر يمضي كذا ~~وكذا ، على حسب ما يقع عليه الاتفاق . فصل اشترى رجل من رجل دارا بما له في ~~ذمته من الدين كتب ما مثاله : شراء صحيحا شرعيا ، بما للمشتري في ذمة ~~البائع من الدين الحال الذي اعترف به البائع PageV09P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" عند شهوده ، وهو كذا وكذا ، وصدقه المشتري على ~~ذلك ، وسلم البائع للمشتري ما باعه إياه ، فتسلمه منه ، وصار بيده وقبضه ~~وحوزه ، وذلك بعد النظر والرضا والمعرفة والمعاقدة الشرعية ، والتفرق ~~بالأبدان عن تراض ، وضمان الدرك في ذلك وبحكم ذلك برئت ذمة البائع من الدين ~~الذي كان قبله للمشتري ، ولم تبق للمشتري عنده مطالبة بسبب ذلك ، وتصادقا ~~على ذلك . فصل وإن كان لرجل على رجل دين ms1787 فباعه دارا بثمن معلوم ، ثم قاصه ~~بما له في ذمته من الدين ، أو امرأة اشترت من زوجها دار بثمن حال وقاصته ~~بصداقها ، كتب ما مثاله : اشترى فلان بن فلان من فلان جميع الدار الفلانية ~~- كما تقدم شرحه - شراء صحيحا شرعيا ، بثمن مبلغه كذا وكذا حال ، وسلم ~~البائع للمشتري ما باعه إياه فتسلمه منه ، وصار بيده وقبضه وحوزه ، ومالا ~~من جملة أمواله ، وذلك بعد النظر والمعرفة ، والمعاقدة الشرعية ، والتفرق ~~بالأبدان عن تراض ، وضمان الدرك في ذلك ثم بعد تمام ذلك ولزومه قاص المشتري ~~المذكور البائع المذكور الثمن المذكور بما له في ذمة البائع من الدين الذي ~~اعترف به عند شهوده ، وهو نظير الثمن المذكور في القدر والجنس والصفة ~~والاستحقاق ، مقاصة شرعية ، قبل كل منهما ذلك لنفسه قبلوا شرعيا ، ولم تبق ~~لكل منهما مطالبة قبل الآخر بسبب ثمن ، ولا مثمن ولا دين ، ولا غيره ، ولا ~~حجة ، ولا مسطور ، ولا ذهب ، ولا فضة ، ولا حق من الحقوق الشرعية على ~~اختلافها لما مضى من الزمان وإلى يوم تاريخه ، وتصادقا على ذلك . وإذا ~~اشترى جماعة من جماعة دارا ورثوها كتب ما مثاله : هذا ما اشترى فلان وفلان ~~وفلان بما لهم لأنفسهم بالسوية بنيهم أثلاثا ، وإن كانوا متفاوتين في ~~الابتياع كتب : فمن ذلك ما اشتراه فلان المبدأ بذكره بماله لنفسه كذا ، ~~PageV09P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" وإن كان منهم من اشترى حصة لموكله قال : وما ~~اشتراه فلان لموكله بإذنه وأمره وتوكيله وما له كذا حسب ما وكله في ابتياع ~~ما يذكر فيه ، وفي التسليم والتسلم اللذين يشرحان فيه ، على ما يشهد به من ~~يعينه في رسم شهادته آخره ، أو على ما ذكر الوكيل المشتري من فلان وفلان ~~الإخوة الأشقاء ، أو الأب ، أولاد فلان بن فلان الفلاني ، جميع الدار ~~الكاملة الجارية في أيدي البائعين وملكهم وتصرفهم بالسوية بينهم أثلاثا ، ~~المنتقلة إليهم بالإرث الشرعي عن والدهم فلان المذكور ، بحكم أنه توفي إلى ~~رحمة الله تعالى قبل تاريخه ، وخلف من الورثة المستحقين لميراثه المستوعبين ~~جميعه شرعا أولاده لصلبه الإخوة الأشقاء ، وهم ms1788 البائعون المذكورون أعلاه ~~الذين رزقهم من زوجته التي كانت في عصمته وعقد نكاحه فلانة ، بغير شريك لهم ~~في مراثه ، ولا حاجب يحجبهم عن استكماله بوجه ولا سبب ، وترك من جملة ما ~~خلفه هذه الدار المذكورة ، قسمت بينهم بالفريضة الشرعية أثلاثا بالسوية ~~بينهم وإن كانت وفاة والدهم ثابتة عند حاكم ذكرها ، ثم يقول : وهذه الدار ~~بالبلد الفلاني ، بالحارة الفلانية ، بالخط الفلاني - وتوصف وتحدد - شراء ~~صحيحا شرعيا بثمن مبلغه من الذهب أو من الدراهم كذا وكذا بين البائعين ~~بالسوية ، من مال المشترين المذكورين على قدر ما ابتاعه كل منهم فيه ، ~~تقابضوا ، وتفرقوا بالأبدان ، بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية ، ~~وضمان الدرك في ذلك . وإن ضمن كل من البائعين درك الآخر كتب : وكل واحد من ~~البائعين ضامن من ماله وذمته درك الآخرين المذكورين فيما باعاه وقبضا الثمن ~~بسببه ضمانا شرعيا في ماله وذمته ، بإذن كل منهم للآخرين في الضمان والأداء ~~والرجوع ، وأقر كل واحد منهم ملئ بما ضمنه ، وقادر عليه . وإن صدق كل منهم ~~الآخر على صحة ملكه لما باعه كتب : وصدق كل واحد منهم الآخر على صحة ملكه ~~لما باعه فيه وقبض الثمن بسببه تصديقا شرعيا . وإن حضر من يضمن في الذمة ~~كتب : وحضر بحضورهم فلان ، أو كل واحد من فلان وفلان ، وضمن كل منهم وكفل ~~في ذمته درك البائعين المذكورين فيما باعوه PageV09P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" وقبضوا الثمن بسببه ، ضمانا شرعيا ، بإذن كل ~~منهم للآخر في ذلك ، وأقر كل منهم أنه ملئ بما ضمنه ، قادر عليه . وإذا ~~ابتاع رجل لموكله حجر طاحون أو غيرها كتب ما مثاله : هذا ما اشتراه فلان ~~لموكله فلان بما له وإذنه وتوكيله إياه في ابتياع ما يذكر فيه ، وفي ~~التسليم والتسلم اللذين يشرحان فيه ، بشهادة من يعينه في رسم شهادته آخره ، ~~أو يقول : على ما ذكر ، وإن كان بيده وكالة كتب : حسب ما تشهد به الوكالة ~~التي بيده ، الثابتة بمجلس الحكم العزيز بالمكان الفلاني ، من فلان جميع ~~حجر الطاحون الفارسي وعدتها ، الداخل ذلك في عقد هذا البيع ، الجراي ms1789 ذلك في ~~يد البائع المذكور وملكه وتصرفه على ما ذكر ، وهي بالمكان الفلاني ، ويصف ~~الطاحون والعدة التي بها ، وهي التوابيت والحجارة النجدية وقواعد الصوان ، ~~ويصف جميع العدة ، ويحدد الطاحون ، ويذكر الثمن ، ويكتب : دفعه المشتري ~~المذكور من مال موكله للبائع المذكور ، فتسلمه منه ، وصار بيده وقبضه وحوزه ~~، وبحكم ذلك برئت ذمة المشتري المذكور والمشتري له فيه من الثمن المذكور ~~ومن وزنه ونقده ، براءة صحيحة شرعية براءة قبض واستيفاء ، وسلم البائع ~~للمشتري ما باعه إياه ، فتسلمه منه لموكله المذكور ، وصار بيده وقبضه وحوزه ~~ملكا لموكله ، وذلك بعد النظر والمعرفة الشرعية والمعاقدة والتفرق بالأبدان ~~عن تراض ، وضمان الدرك حيث يوجبه الشرع الشريف . فصل إذا باع الوكيل حماما ~~كتب : هذا ما اشترى فلان بما له لنفسه من فلان القائم في بيع ما يذكر فيه ~~بثمن الذي تعين فيه ، وقبض الثمن ، وتسلم المبيع لمبتاعه ، عن موكله فلان ، ~~حسب ما يشهد على موكله بذلك من يعينه في رسم شهادته آخره ، وإن كان بيده ~~وكالة كتب : حسب ما يشهد بذلك كتاب الوكالة الذي PageV09P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" بيده ، الثابت حكمه بمجلس الحكم العزيز ~~بالمكان الفلاني ، ويشرح مقاصد الثبوت ، ثم يكتب : جميع الحمام المعروفة ~~بدخول الرجال والنساء ، وقدروا الرصاص الأربع ، وميزايبها النحاس والرصاص ، ~~ومستوقدها ، وبيت نارها ، الآتي ذكر جميع ذلك فيه ، الجاري جميع ذلك في ~~البائع ملكا لموكله المبيع عنه ، على ما ذكر الوكيل البائع ، وذلك بالبلد ~~الفلاني ، بالموضع الفلاني - ويوصف ويحدد شراء صحيحا شرعيا ، بثمن مبلغه ~~كذا كذا ، ودفع المشتري الثمن من ماله للبائع المذكور ، فتسلمه منه لموكله ~~المذكور وصار بيده وقبضه وحوزه ، وسلم البائع المذكور للمشتري ما باعه إياه ~~عن موكله فتسلمه منه ، وصار بيده وملكه وحوزه ، وذلك بعد النظر . . . ، ~~ويكمل على ما تقدم . وإذا ابتاع الأخرس الأصم دارا ، كتب : اشترى فلان ~~الأخرس اللسان ، الأصم الأذنين ، الصحيح البصر والعقل والبدن ، العارف بما ~~يلزمه شرعا الخبير بالبيع والشراء والأخذ والعطاء ، كل ذلك بالإشارة ~~المفهومة عنه ، المعلومة عند البائع وعند شهود هذا المكتوب ، القائمة مقام ~~النطق ، التي لا تجهل ms1790 ولا تنكر من فلان الفلاني جميع الدار الفلانية . . . ~~، ويكمل نحو ما تقدم . وإذا ابتاع رجل من آخر دارا بثمن معين مقبوض وكتب ~~بينهما مكتوب على ما تقدم ، ثم حضر المشتري وادعى أنه كان ابتاع الدار ~~لموكله كتب على ظهر المكتوب : أقر فلان - وهو المشتري المذكور باطنه - أنه ~~لما ابتاع الدار الموصوفة الحدود في باطنه في التاريخ الفلاني من فلان ~~بالثمن المعين وهو كذا وكذا ، كان وكيلا في ابتياعها عن فلان بإذنه وأمره ~~وتوكيله إياه في ذلك وأن اسمه على سبيل النيابة والوكالة ، وأن الثمن ~~المعين باطنه من مال هذا المقر له فيه وصلب حاله ، وصدقه على ذلك تصديقا ~~شرعيا ، وقبل منه هذا الإقرار لنفسه وسلم له الدار المذكورة ، فتسلمها منه ~~، وصارت بيده وقبضه وحوزه ، ملكا له وأقر المقر له أنه كان قد أذن له في ~~PageV09P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" ذلك ووكله في ابتياعها الوكالة الشرعية ، ~~وصدقه المقر ، وأقر أنهما عارفان بالدار المذكورة المعرفة الشرعية النافية ~~للجهالة ، وبحكم هذا الإقرار صارت هذه الدار المذكورة ملكا للمقر له دون ~~المقر ، ودون كل أحد بسببه ولم يبق للمقر فيها حق ولا طلب ، تصادقا على ذلك ~~تصادقا شرعيا ، ويؤرخ . وإذا ابتاع رجل من آخر دارا ، ومات البائع ولم يكن ~~بينهما مكاتبة فأراد ورثته مكاتبة ببراءة ذمة مورثهم والإشهاد له بذلك ، ~~كتب ما مثاله : أقر كل واحد من فلان وفلان وفلان الإخوة الأشقاء ، أو غير ~~الأشقاء ، أولاد فلان عند شهوده طوعا إقرار شرعيا أن والدهم المذكور توفي ~~إلى رحمة الله تعالى في التاريخ الفلاني ، وأنه كان قبل تاريخ وفاته في ~~تاريخ كذا وكذا باع لفلان جميع الدار الفلانية ، الجارية في يده وملكه ~~وتصرفه - وتوصف وتحدد - بما مبلغه كذا وكذا ، بيعا صحيحا شرعيا قاطعا ماضيا ~~جائزا نافذا ، وأن المشتري المذكور دفع إليه جميع الثمن من ماله ، وصلب ~~حاله ، بتمامه وكماله ، وسلم والدهم البائع هذا المشتري المذكور الدار ~~المذكورة ، فتسلمها منه ، وصارت بيده وقبضه وحوزه وذلك بعد النظر والمعرفة ~~، والمعاقدة الشرعية ، والتفرق بالأبدان عن تراض وصدقهم المشتري المقر ms1791 له ~~على ذلك ، واعترف كل من المقرين والمشتري أنه عارفون بالدار المذكورة ~~المعرفة الشرعية النافية للجهالة ، وأقروا أن البائع المذكور كان عارفا بها ~~، وتصادقوا على ذلك ، واعترف المشتري المذكور أن الدار المذكورة بيده ~~وتصرفه ، جارية في ملكه ، وأنه سأل الورثة المذكورين الإشهاد على أنفسهم ~~بذلك ، فأجابوا سؤاله ، وأشهدوا على أنفسهم براءة لذمة أبيهم ، ومراعاة ~~لحقه عليهم وأقر المقترون أنهم لا يستحقون في هذه الدار ملكا ، ولا يدا ، ~~ولا إرثا ، ولا موروثا ولا حقا من الحقوق الشرعية ، وأن المشتري المذكور ~~المقر له مالك لهذه الدار دونهم ودون كل أحد بسببهم ، وتصادقوا على ذلك ، ~~وقبل منهم المشتري هذا الإقرار قبولا شرعيا ، ويؤرخ . إذا ابتاع رجل من ~~بائع قد ثبت رشده بعد الحجر عليه كتب ما مثاله : هذا ما اشترى فلا من فلان ~~البالغ الرشيد ، الثابت رشده في مجلس الحكم العزيز بالبلد الفلاني ، عند ~~القاضي فلان . . . . . PageV09P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" . . . . . من نفق ومؤونة وكسوة ولوازم شرعية ، ~~ولكونه ليس له موجود غير ما يذكر فيه ، وأن والده لا تلزمه نفقة يحكم ماله ~~من هذا الموجود ، اشترى من نفسه بقضية ذلك وحكمه جميع الحصة التي مبلغها ~~كذا وكذا سهما من أربعة وعشرين سهما شائعا في جميع الدار الفلانية التي ~~بالمكان الفلاني ، أو الدار الكاملة - وتوصف وتحدد - شراء صحيحا شرعيا ، ~~بثمن مبلغه كذا وكذا ، وقبضه المشتري من نفسه لولده المذكور المبيع عليه ، ~~من مال أخيه فلان الطفل المشتري له فيه ، الذي تحت يده وحوطه ، وصار ذلك في ~~حوزه لولده فلان المبيع عليه وتسلم من نفسه الدار المذكورة لولده المشترى ~~له ، وذلك بعد مشاهدته لها ونظره إياها ، ومعرفته الشرعية ، كل ذلك ~~بالمعاقدة الشرعية الجائزة باع على ولده فلان المثنى باسمه المذكور ، ~~واشترى لولده فلان المبتدئ باسمه فيه من نفسه على ما شرح أعلاه ، واعترف أن ~~الثمن المذكور هو ثمن المثل يومئذ لا حيف فيه ولا شطط ، ولا غبينة ولا فرط ~~ولا بخس ولا وكس ، ولا تفاوت فيه بوجه ولا سبب ، وقبل ذلك من نفسه لولده ~~المشترى له فيه ms1792 قبولا صحيحا شرعيا وضمن الدرك حيث يوجبه الشرع الشريف . إذا ~~ابتاع رجل دارا من نفسه لنفسه - وهو أن يكون له ولد تحت حجره ، ولولده دار ~~، فأراد أن يشتريها لنفسه من ولده - كتب ما مثاله : اشترى فلان من ماله ~~لنفسه من نفسه جميع الدار الكاملة ، الجارية في يده ملكا لولده لصلبه فلان ~~الطفل الذي تحت حجره وكفالته وولاية نظره ، لما رأى له في ذلك من الحظ ~~والمصلحة والغبطة الزائدة على ثمن المثل ، أو لمصلحة اقتضت ذلك ، وهذه ~~الدار بالبلد PageV09P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" الفلاني ، بالخط الفلاني - وتوصف وتحدد - شراء ~~صحيحا شرعيا بثمن مبلغه كذا وكذا ، قبض الثمن من نفسه لولده عن داره التي ~~ابتاعها منه لنفسه وصار بيده وقبضه وحوزه ، ويصرفه في مصالح ولده المذكور ، ~~وتسلم من نفسه لنفسه الدار المذكورة ، وصارت بيده ملكا له ، ورفع عنه يد ~~نظره وولايته ، ووضع عليها يد ملكه وحيازته ، وأقر أنه عارف بالدار ~~المذكورة ، وأنه نظرها النظر الشرعي وأحاط بها علما وخبرة نافية للجهالة ، ~~ويؤرخ . إذا أراد أمين الحكم - وهو الناظر على الأيتام من قبل الحاكم - أن ~~يبيع دارا على يتيم محجور عليه كتب محضرا بالقيمة ، وأثبته عند الحاكم ~~بشهادة شهود القيمة والمهندسين ، وأشهر الدار بحضرة عدلين ، وصفه المحضر في ~~فصل المحاضر ، فإذا ثبت المحضر وأراد البيع وكتب كتاب المبايعة ، فسبيل ~~الكاتب إن يكتب : هذا ما اشترى فلان من القاضي فلان أمين الحكم العزيز ~~بالبلد الفلاني ، القائم في بيع ما يذكر فيه على فلان بن فلان المحجور عليه ~~من قبل الحكم العزيز ، لما دعت حاجته إليه : من نفقة ومؤونة وكسوة ولوازم ~~شرعية ، وذلك بإذن سيدنا قاضي القضاة فلان الحاكم المشار إليه في بيع الدار ~~التي تذكر فيه ، بالثمن الذي تعين فيه وقبضه ، وفي تسليم الدار لمبتاعها ، ~~الإذن الشرعي ، يشهد عليه بذلك من يعينه في رسم شهادته آخر هذا المكتوب ، ~~اشترى منه يقضيه ذلك وحكمه جميع الدار الفلانية الجارية في يده ملكا لفلان ~~المحجور عليه - وتعين فيه - وله بيعها ، وقبض ثمنها وتسليمها لمبتاعها ~~بطريق شرعي ، وإن صدقة ms1793 المشتري قال : وصدقه المشتري على ذلك تصديقا شرعيا ~~وهي الدار التي بالبلد الفلاني ، بالخط الفلاني - وتوصف وتحدد - شراء صحيحا ~~شرعيا ، بثمن مبلغه كذا وكذا ، دفعه المشتري من ماله لأمين الحكم العزيز ، ~~فتسلمه منه وصار بيده وقبضه لفلان المذكور المحجور عليه ، وسلم أمين الحكم ~~العزيز المذكور للمشتري ما باعه إياه ، فتسلمه منه ، وصارت بيده وقبضه ~~وملكه وحوزه وتصرفه ، وذلك بعد النظر والرضا والمعرفة والمعاقدة الشرعية ~~والتفرق بالأبدان عن تراض . PageV09P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" وإن شرط أمين الحكم الخيار كتب : وانقضاء مدة ~~الخيار الشرعي الذي اشترطه أمين الحكم البائع لنفسه ثلاثة أيام ، والسبب في ~~هذه المبايعة احتياج المبيع عليه على نفقه ومؤونة وكسوة ولوازم شرعية ، ~~وثبوت ذلك عند الحاكم المذكور وثبت عنده أيضا - أيد الله أحكامه - أن قيمة ~~الدار المذكورة كذا وكذا وهو الثمن المعين أعلاه ، ثبوتا صحيحا شرعيا ، ~~بشهادة ذوي عدل : هما فلان وفلان ومهندسين : هما فلان وفلان ، فحينئذ تقدم ~~إذن الحاكم المذكور بالنداء على الدار المذكورة ، وإشهارها بصقعها وغيره في ~~مظان الرغبة فيها مدة ثلاثة أيام ، آخرها اليوم الفلاني ، فلم يسمعها من ~~بذل زيادة على ذلك ، وقد أقام كل من شاهدي القيمة والمهندسين وشاهدي النداء ~~شهادته بما يشهد به فيه عند الحاكم المذكور ، وأعلم تحت رسم شهادتهم علامة ~~الأداء على الرسم المعهود حسب ما تضمنه الحضر الشرعي المؤرخ بكذا وكذا ، ~~وبأعلاه علامة الثبوت ، ومثالها كذا وكذا ، فلما تكامل ذلك عند الحاكم ~~المذكور وسأله من جازت مسأته ، وسوغت الشريعة المطهرة إجابته الإذن لأمين ~~الحكم المذكور في بيع الدار المذكورة بالثمن المذكور ، والإشهاد عليه بما ~~ثبت عنده فأجاب الحاكم المذكور سؤاله ، وأشهد عليه بثبوت ذلك عنده على ~~الوجه الشرعي وأذن لأمين الحكم في بيع ذلك على ما شرح أعلاه ، فشهد على ~~الحاكم المذكور بذلك من يعينه في رسم شهادته آخره ، فامتثل أمين الحكم ذلك ~~، وعاقد المشتري المذكور على ذلك كذلك على ما شرح أعلاه ، وبمضمونه شهد على ~~المتعاقدين بتاريخ كذا وكذا . إذا مات رجل وترك دارا وفي ذمته لزوجته صداق ~~وأثبته ، واشترت الدار ms1794 من أمين الحكم بمبلغ صداقها ، فالذي يفعل في ذلك أن ~~الزوجة تحضر عدلين يشهدان بشخصه وهو ميت ، ويكتبان لها في ذيل صداقها أنهما ~~عايناه ميتا ، وإن كانا شاهدي الصداق كان ذلك أجود ، وإن لم يكونا عايناه ~~شهدا بالاستفاضة ، ثم يؤدي شهود العقد والتشخيص عند الحاكم ، ثم تحلف ~~الزوجة ، ويكتب الحلف ، وصورة ما يكتب : أحلفت الشهود لها أعلاه أو باطنه ، ~~فلانة المرأة الكاملة ابنة فلان بالله الذي لا إله إلا هو ، يمينا شرعية ، ~~مؤكدة مستوفاة جامعة لمعاني الحلف ، إنها مستحقة في تركة المصدق المسمى ~~باطنه فلان مبلغ صداقها عليه وإن الشاهدين بذلك صادقان فيما شهدا لها به من ~~ذلك ، وإن ذمته لم تبرأ من الصداق المذكور ولا من شيء منه ، وإنها ~~PageV09P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" ما قبضته ولا شيئا منه ولا تعوضت عنه ولا ~~أبرأته منه ولا من شيء منه ، ولا أحالت به ولا بشيء منه ، ولا اختلعت به ~~ولا بشيء منه ، ولا برئ إليها منه ، ولا من شيء منه بقول ولا فعل ، وإنها ~~تستحق قبض ذلك من تركته حال حلفها ، وإن من يشهد لها به صادق فيما يشهد لها ~~به من ذلك ، فحلفت كما أحلفت بالتماسها لذلك وحضور من يعتبر حضوره على ~~الأوضاع الشرعية ، بعد تقدم الدعوى المسموعة وما ترتب عليها بتاريخ كذا ~~وكذا . ويشهد شهود الحلف في آخره بما صورته : حضرت المحلف المذكور وشهدت به ~~. وإن كان صداقها لم يثبت إلا بشهادة عدل واحد أحلفت على ذلك ، ويكتب حلفها ~~، وهو : أحلفت الزوجة المشهود لها فيه ، فلانة المشخصة لمستحلفها بالله ~~الذي لا إله إلا هو يمينين شرعيتين مؤكدتين مستوفاتين جامعتين لمعاني الحلف ~~معتبرتين شرعا : إحداهما أنها محقة فيما ادعت به على زوجها المصدق المذكور ~~فلان ، وهو مبلغ صداقها عليه ، الشاهد به كتابها ، وهو كذا وكذا ، وأن ~~شاهدها بذلك صادق فيما شهد بها من ذلك واليمين الثانية أنها تستحق قبض ~~المبلغ المذكور من تركته ، وأنها ما قبضت ذلك ولا شيئا منه ، كما تقدم ذكره ~~في الحلف الأول إلى التاريخ ، ثم يكتب بعد ms1795 ذلك إسجال الحاكم ، ومثاله : هذا ~~ما أشهد عليه سيدنا ومولانا العبد الفقير إلى الله تعالى قاضي القضاة ، أو ~~أقضى القضاة فلان ، الحاكم بالمكان الفلاني ، من حضر مجلس حكمه ومحل قضائه ~~وولايته ، في اليوم الفلاني من الشهر الفلاني ، من السنة الفلانية . . . ~~بعد صدور دعوى محررة ، مقابلة بالإنكار . على الوجه المعتبر الشرعي ، ~~بشهادة العدول الذين أعلم تحت رسم شهادتهم بالأداء PageV09P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" في باطنه ، ويمين المشهود لها فيه فلانة على ~~استحقاقها في ذمة المصدق المسمى باطنه فلان مبلغ صداقها عليه ، وهو كذا ~~وكذا ، على ما تضمنه الصداق باطنه ، أو على ما تضمنه فصل الاسترجاع المسطر ~~باطنه ، المؤرخ بكذا ، وقال كل منهم : إنه عارف بالمصدق والزوجة المذكورين ~~، وما علم مغيرا لشهادته إلى أن أقامها عنده بشروط الأداء المعتبرة شرعا ، ~~وشخص له الشهود المشهود لها تشخيصا معتبرا ، وقبل ذلك مهم القبول السائغ ~~فيه ، وسطر ما جرت العادة به من علامة الأداء والتشخيص على الرسم المعهود ~~في مثله ، وذلك بعد ثبوت وفاة المصدق المذكور الثبوت الشرعي وأحلفت الزوجة ~~المشهود لها المذكورة على استحقاقها ذلك بالله العظيم الذي لا إله إلا هو ، ~~اليمين الثابتة الشرعية المسطرة في فصل الحلف باطنه على ما نص وشرح فيه ، ~~فحلفت بالتماسها لذلك وحضور من يعتبر حضوره على الأوضاع الشرعية في تاريخ ~~الحلف المذكور ، ولما تكامل ذلك كله عنده وصح لديه - أحسن الله إليه - سأله ~~من جاز سؤاله الإشهاد على نفسه بثبوت ذلك عنده ، فأجابه إلى سؤاله ، وتقدم ~~بكتابة هذا الإسجال ، فكتب عن إذنه الكريم ، وأشهد على نفسه بثبوت ذلك لديه ~~، وأبقى كل ذي حجة معتبرة على حجته إن كانت ، وهو في ذلك نافذ القضاء ~~والحكم ماضيهما ، بعد تقدم الدعوى الموصوفة وما ترتب عليها ، وحضر سماع ~~الدعوى وإقامة البنية القاضي فلان أيمن الحكم العزيز ، واعترف بأنه لا مطعن ~~له في ذلك ، فحينئذ أذن الحاكم في إيصال الحق لمستحقه شرعا ، ووقع الإشهاد ~~فيه بتاريخ كذا وكذا . ثم يكتب ابتياعها من أمين الحكم في ذيل الإسجال . . ~~. : هذا ما اشترت فلانة المرأة الكاملة ms1796 ابنة فلان - وهي المشهود لها باطنه ~~المستحلفة فيه لنفسها من القاضي فلان أيمن الحكم العزيز بالجهة الفلانية ، ~~القائم في بيع ما يذكر فيه على PageV09P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" المصدق المسمى المحلى باطنه فلان ، فيما ثبت ~~عليه من صداق زوجته المشترية المذكورة بمجلس الحكم العزيز بالجهة الفلانية ~~، وهو كذا وكذا ، وفي المقاصة الشرعية على الأوضاع المعتبرة ، بإذن صحيح ~~شرعي من يد قاضي القضاة فلان الحاكم بالجهة الفلانية لأمين الحكم المذكور ~~في ذلك ، اشترت منه بقضية ذلك وحكمه جميع الدار الكاملة الجارية في يده ~~وتصرفه منسوبة لملك فلان المتوفى إلى رحمة الله تعالى ، وهي بالمكان ~~الفلاني - وتوصف وتحدد - شراء صحيحا شرعيا بثمن مبلغه كذا وكذا حال ، وسلم ~~البائع أمين الحكم المذكور للمشترية المذكورة ما ابتاعته منه فيه ، فتسلمته ~~منه ، وصار بيدها وقبضها وملكها وحوزها ، ومالا من جملة أموالها ، وذلك بعد ~~النظر والرضا والمعرفة والتفرق بالأبدان عن تراض وأقرت المشترية المذكورة ~~أن الدار المذكورة جارية في ملك زوجها المذكور ، ثم بعد ذلك ولزومه قاص ~~القاضي فلان أمين الحكم العزيز البائع المذكور المشترية بما في ذمتها من ~~الثمن المذكور ما ثبت لها على المبيع عليه من الصداق المذكور ، وهو كذا ~~وكذا ، وهو قدر الثمن المذكور وصفته وجنسه وحلوله ، مقاصة شرعية برأت ما في ~~ذمة المبيع عليه من الصداق ، وبرأت ما في ذمته المشترية من الثمن براءة ~~صحيحة شرعية ، براءة إسقاط ، وذلك بعد أن ثبت عند سيدنا قاضي القضاة فلان ~~بشهادة من يضع خطه آخره ، من العدول والمهندسين المندوبين لتقويم الأملاك ~~أهل الخبرة بذلك ، أن قيمة الدار المذكورة جميع الثمن المذكور ، وأنه قيمة ~~المثل يومئذ ، لا حيف فيه ولا شطط ، ولا غبينة ولا فرط ، وأن الحظ والمصلحة ~~في البيع بذلك ، ويؤرخ . ثم يكتب شهود القيمة والمهندسين خطوطهم أن الثمن ~~المذكور هو ثمن المثل يومئذ ، ويؤدون عند الحاكم ، ويعلم PageV09P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" تحت رسم شهادتهم ، ثم يكتب شهود المعاقدة ~~الشهادة عليهما بالابتياع وأنه قد تم ذلك . وإن كانت الزوجة لم تشتر بل ~~اشترى غيرها لنفسه كتب ما ms1797 مثاله : هذا ما اشترى فلان من القاضي فلان أمين ~~الحكم العزيز ، القائم في بيع ما يذكر فيه على فلان المصدق فيما ثبت عليه ~~من صداق زوجته فلانة بمجلس الحكم العزيز - وهو كذا وكذا - وفي وفاء الصداق ~~المذكور للزوجة المذكورة ، وذلك بإذن صحيح شرعي من سيدنا العبد الفقير إلى ~~الله تعالى قاضي القضاة فلان الحاكم بالجهة الفلانية وشهد عليه بذلك من ~~يعينه في رسم شهادته آخره ، اشترى منه بقضية ذلك وحكمه جميع الدار الكاملة ~~الجارية في يده وتصرفه ملكا لفلان المتوفى المبيع عليه ، وتوصف وتحدد ، ~~ويذكر الثمن ، ويقال : قبضه أمين الحكم من المشتري المذكور ، وصار بيده ~~وحوزه ، وسلم البائع للمشتري المذكور ما باعه إياه ، فتسلمه منه ، وصار ~~بيده وقبضه ومالا من جملة أمواله ، بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية ، ~~والتفرق بالأبدان عن تراض ، والسبب في هذه المبايعة أن فلانة زوجة فلان ~~المتوفى المذكور أثبتت صداقها في مجلس الحكم العزيز عند الحاكم المذكور على ~~زوجها المذكور ، بشهادة العدول المشار إليها في الإسجال المذكور ، الذي ~~أعلم تحت رسم شهادتهم علامة الأداء آخره ، وقال كل منهم : إنه عارف بالمصدق ~~والزوجة المذكورين ، وما علم مغيرا لشهادته إلى أن أقامها عنده بشروط ~~الأداء . وشخص الزوجة المذكورة ، وقبله في ذلك ، وأعلم تحت رسم شهادته ~~علامة الأداء والتعريف بالتشخيص على الرسم المعهود في مثله وأحلف الزوجة ~~المذكورة بالله الذي لا إله إلا هو اليمينين الشرعيتين ، الجامعتين لمعاني ~~الحلف ، المشروحتين في مسطور الحلف بكذا وكذا ، وذلك بحضور من يعتبر حضوره ~~، فلما تكامل ذلك عند الحاكم المذكور سألت PageV09P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" الزوجة الحاكم المذكور إيصالها إلى مبلغ ~~صداقها المشهود لها به من موجود زوجها المذكور ، فأذن الحاكم لأمين الحكم ~~العزيز في بيع ذلك ، وقبض ثمنه ، وإيصال الزوجة المذكورة إلى ما ثبت لها في ~~ذمة زوجها من الصداق المذكور ، والإشهاد عليها بقبض ذلك ، إذنا شرعيا ، ~~فشهد عليه بذلك من يضع خطه آخره ، وذلك بعد أن ثبت عند الحاكم المذكور أن ~~هذه القيمة المبيع بها قيمة المثل يومئذ ، وأن الحظ والمصلحة في البيع ms1798 بذلك ~~، يشهد به بالمحضر المؤرخ بكذا وكذا ، وفيه خط جماعة من العدول والمهندسين ~~أرباب الخبرة بالعقار وتقويمه وذلك بعد أ شهد أمين الحكم المذكور أن الدار ~~المذكورة أقامت بيد الدلالين على العقار ليشهروها في الشوارع والأسواق ~~الجارية بها العادة أياما متوالية بحضرة عدلين : هما فلان وفلان ، فكان ~~الذي انتهى إليه البذل فيها من هذا المشترى كذا وكذا ، وهو الثمن المذكور ، ~~فما تكامل ذلك كله وقع الإشهاد على الحاكم المذكور وأمين الحكم والمشتري ~~بما نسب إلى كل منهم فيه بتاريخ كذا وكذا . ثم يكتب خلف الصداق قبض الزوجة ~~، ومثال ذلك : أقرت فلانة المرأة الكاملة عند شهوده طوعا أنها قبضت وتسلمت ~~من القاضي فلان أمين الحكم العزيز جميع مبلغ صداقها الذي في ذمة زوجها فلان ~~المتوفى المذكور ، وهو كذا وكذا ، وصار بيدها وقبضها وحوزها ، وهو ثمن ~~الدار التي باعها أمين الحكم العزيز على زوجها فلان لأجل وفاء صداقها ~~المذكور ، فبحكم ذلك برئت ذمة المصدق من الصداق المذكور براءة صحيحة شرعية ~~، براءة قبض واستيفاء ، ويؤرخ . إذا باع الوصي دار بالغبطة الزائدة على ثمن ~~المثل بغير حاجة لمن هو تحت الحجر فالطريق في ذلك أني كتب محضرا بالقيمة ~~يشهد فيه شهود القيمة والمهندسون وينادي عليه بحضرة عدلين ، ويثبت ذلك عند ~~الحاكم ، وصورة المحضر في باب المحضر ، ثم يكتب المبايعة ، وصورة ما يكتب : ~~هذا ما اشترى فلان لنفسه من فلان القائم في بيع ما يذكر فيه على فلان بن ~~فلان الذي هو تحت ولاية نظره بمقتضى الوصية المفوضة إليه من والده ، ~~الثابتة بمجلس الحكم العزيز PageV09P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" وعدالته ونسختها . . . وأرخها . . . وأسماء ~~شهودها . . . والحاكم الذي ثبتت عنده . . . وصورة علامته . . . وإن اختصر ~~ولم يذكر نسختها فذلك كاف - لما رأى له في ذلك من الحظ والمصلحة ، وحسن ~~النظر ، والغبطة الزائدة على ثمن المثل ، حسب ما يشهد بذلك محضر القيمة ~~والغبطة المشروح آخره ، الثابت بمجلس الحكم العزيز الثبوت الشرعي يشهد على ~~الحاكم بذلك من يعينه في رسم شهادته آخر ، اشترى منه بقضية ذلك وحكمه جميع ~~الدار الفلانية - وتوصف ms1799 وتحدد - شراء صحيحا شرعيا بثمن مبلغه كذا وكذا ، ~~تقابضا وتفرقا بالأبدان عن تراض ، بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية ، ~~والسبب في هذه المبايعة أن الوصي البائع المذكور نجز محضرا يتضمن مسير ~~أرباب الخبرة بالعقار وتقويمه والعدول والمهندسين والمندوبين من مجلس الحكم ~~العزيز لذلك - وهم فلان وفلان شاهدا القيمة ، وفلان وفلان المهندسان - إلى ~~الدار المذكورة وشاهدوها ، وأحاطوا بها علما وخبرة ، وذكروا أن القيمة عنها ~~كذا وكذا ، وأنها قيمة المثل يومئذ ، لا حيف فيها ولا شطط ، ولا غبينة ولا ~~فرط ، وأن الحظ والمصلحة في بيع الدار المذكورة بزيادة كذا وكذا لتتمة كذا ~~وكذا ، وهو الثمن المعاقد عليه ، وأقام كل منهم شهادته عند القاضي فلان ~~بذلك ، وأعلم تحت شهادتهم ما جرت العادة به من علامة الأداء والقبول ، ثم ~~أشهرت الدار المذكورة بحضرة عدلين : هما فلان وفلان ، وفي صقعها وغيره من ~~الأصقاع ومظان الرغبة مدة ثلاثة أيام فلم يحضر من بذل زيادة على ذلك ، وقد ~~أقام كل من شاهدي النداء شهادته عند الحاكم المذكور بذلك ، وأعلم تحت رسم ~~شهادته علامة الأداء حسب ما تضمنه المحضر المذكور المؤرخ بكذا وكذا ، الذي ~~بأعلاه علامة الثبوت ، ومثلاها كذا وكذا وشهد على الحاكم بثبوت ذلك عنده من ~~يعينه في رسم شهادته آخر هذا المكتوب ، فلما تكامل ذلك كله وقع الإشهاد على ~~الوصي البائع والمشتري بما نسب إلى كل منهما بعاليه بتاريخ كذا وكذا . ~~PageV09P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" وإن كان الوصي باع بإذن الحاكم كتب ذلك كما ~~تقدم في حق أمين الحكم ، ويجوز أن يبيع الوصي بغير محضر ، وإنما المحضر ~~أقطع للتنازع ، وأدفع للطاعن . وإذا باع الوصي دارا على يتيم للحاجة من غير ~~أن يثبت الحاجة ولا القيمة فذلك جائز ، وإنما يخاف من التنازع ، فإذا أراد ~~ذلك كتب ما مثاله : هذا ما اشترى فلان بما له لنفسه من فلان وصى فلان بن ~~فلان على ولده لصلبه فلان الطفل الذي هو تحت حجره وولاية نظره ، متصرفا ~~فيما له وعليه بمقتضى الوصية التي بيده ، PageV09P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" الثابتة في مجلس الحكم العزيز بالجهة ms1800 الفلانية ~~، القائم في بيع ما يذكر فيه على فلان الطفل الذي تحت حجره وولايته نظره ، ~~لما دعت إليه الحاجة من نفقته وكسوته ولوازمه الشرعية ، وأنه ليس له موجود ~~غير هذه الدار المذكورة ، وليس منها أجرة تكفيه ، ولما رأى له في ذلك من ~~الحظ والمصلحة وحسن النظر ، اشترى منه بقضية ذلك وحكمه جميع الدار الفلانية ~~، الجارية في يده وتصرفه ملكا لفلان المبيع عليه - وتوصف وتحدد - شراء ~~صحيحا شرعيا ، بثمن مبلغه كذا وكذا ، دفعه المشتري المذكور من ماله للبائع ~~المذكور ، فقبضه منه وتسلمه ، وصار بيد ه وقبضه وحوزه لفلان المبيع عليه ، ~~وسلم الوصي البائع المذكور ما باعه إياه ، فتسلمه وصار بيده وملكه وحوزه ، ~~ومالا من أمواله ، وذلك بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية ، والتفرق ~~بالأبدان عن تراض ، وضمان الدرك في صحة البيع ، وبعد أن اعترف الوصي البائع ~~أن الثمن المذكور هو قيمة المثل يومئذ ، لا حيف فيه ولا شطط ولا غبينة فيه ~~ولا فرط ، وصدقه المشتري على ذلك ، ويؤرخ . إذا ابتاع الوصي دار ليتيم على ~~يده كتب ما مثاله : هذا ما اشترى فلان لفلان بن فلان الطفل الذي في حجره ~~وكفالته وولاية نظره ، بما له الذي تحت يده ، المنتقل إليه بالإرث عن والده ~~المذكور ، الذي كان في حال حياته وصاه عليه ، وجعله ناظرا في مصلحته ، وذلك ~~بمقتضى الوصية التي بيده ، الثابتة بمجلس الحكم الشريف وعدالته ، لما رأى ~~له في ذلك من الحظ والمصلحة وحسن النظر ، اشترى له بقضية ذلك وحكمه من فلان ~~جميع الدار الفلانية - وتوصف وتحدد ، ويكمل المبايعة على ما تقدم - وذلك ~~بعد أن اعترف الوصي بأن الثمن المذكور هو ثمن المثل ، لا حيف فيه ولا شطط ، ~~وصدقه البائع على ذلك ويؤرخ . إذا عوض الرجل ابنته الطفلة دارا بدار لها ~~كتب ما مثاله : حضر إلى شهوده في يوم تاريخه فلان ، وأشهد على نفسه طوعا ~~أنه عوض ابنته لصلبه فلانة الطفلة ، التي تحت حجره وكفالته وولاية نظره - ~~لما رأى لها في ذلك من الحظ والمصلحة وحسن النظر - جميع الدار التي بيده ~~وملكه وتصرفه ms1801 - على ما ذكر - بجميع الدار التي بيده وتصرفه ملكا لأبنته ~~المذكورة - وتوصف وتحدد - لما رأى لها في ذلك من الحظ والمصلحة والغبطة ، ~~ولعلمه أن الدار التي عوض ابنته بها - وهي المبتدأ بذكرها - أجود من الدار ~~التي تعوضت منها وأعمر ، وأكثر أجرة وقيمة ، معاوضة صحيحة جائزة ، قبلها من ~~نفسه لأبنته ، وسلمها من نفسه لنفسه لأبنته المذكورة ، ورفع عنها يد ملكه ، ~~ووضع عليها يد ولايته ونظره ، وأخرج الدار الفلانية المثنى بذكرها من ملك ~~ابنته المذكورة إلى ملكه ، وسلمها من نفسه لنفسه وصارت بيده وقبضه وحوزه ، ~~ومالا من جملة أمواله ، ورفع عنها يد نظره وولايته ووضع عليها يد ملكه ، كل ~~ذلك بحق هذا التعويض ، وبحكم ذلك صارت الدار المبتدئ بذكرها ملكا لأبنته ~~المذكورة دونه ودون كل أحد بسببه ، وصارت الدار المثنى بذكرها ملكا له دون ~~ابنته المذكورة ودون كل أحد بسببها ، وأقر بأنه عارف بذلك المعرفة الشرعية ~~النافية للجهالة ، وأنه رآها الرؤية المعتبرة ، وأحاط بها علما وخبرة ، ~~ويؤرخ . إذا اعترف رجل بأنه كان من مدة باع لرجل دارا كتب ما مثاله : أقر ~~فلان بأنه كان بتاريخ كذا وكذا وباع لفلان جميع الدار الكاملة ، التي كانت ~~يوم تعاقدهما عليها في يده وملكه وتصرفه ، على ما ذكر - وتوصف وتحدد - بيعا ~~صحيحا شرعيا ، بثمن مبلغه كذا وكذا ، وأنه قبض الثمن منه لنفسه ، وتسلمه ~~وصار بيده وقبضه وحوزه ، وأنه من التاريخ المذكور اشتراها منه بالثمن ~~المعين أعلاه وتسلمه له ، وتسلم منه الدار المذكورة أعلاه ، وصارت بيده ~~وقبضه وحوزه ، مالا من جملة أمواله ، وأقرا PageV09P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" بأنهما كانا تعاقدا على ذلك كذلك من التاريخ ~~المذكور معاقدة صحيحة شرعية شفاها بينهما بالإيجاب والقبول ، ثم تفرقا عن ~~تراض ، وأقر بأنهما عارفان بها ، وأنهما نظراها قبل ذلك ، وأحاطا بها علما ~~وخبرة نافية للجهالة ، وضمن البائع المذكور درك ما باعه فيه وقبض ثمنه ~~بسببه ضمانا شرعيا ، ولم تبق لكل منهما مطالبة قبل الآخر بسبب من الأسباب ، ~~ولا حق من الحقوق الشرعية ، وأن الدار صارت وجبت بطريق الابتياع المذكور ~~ملكا لفلان المقر ms1802 له ملكا صحيحا شرعيا دون البائع ودون كل أحد بسببه ، ~~ويؤرخ . إذا كان البائع هو السلطان كتب ما مثاله : هذا كتاب مبايعة شرعية ، ~~جائزة مرضية ، أمر بكتبه وتسطيره ، وإنشائه وتحريره ، واستيفاء مقاصده ، ~~واستكمال معانيه وفوائده ، المولى السيد الأجل السلطان المالك الملك ~~الفلاني أبو فلان - وتذكر ألقابه ونعوته الملوكية وسلطنته على العادة ، ~~ويدعى له بما يدعي للملوك من النصر والاقتدار وغير ذلك - وأشهد على نفسه ~~الشريفة من حضر مقامه الشريف من العدول الواضعي خطوطهم آخره أنه باع لفلان ~~جميع كذا ، ويكمل المبايعة . إذا اشترى للسلطان وكيه قدم اسم السلطان ، وهو ~~أن يكتب : هذا ما اشترى للمولى السيد الأجل السلطان المالك الملك الفلاني ، ~~وكيله فلان ، بماله المبارك النامي ، وتوكيله إياه في ابتياع ما يذكر فيه ~~بالثمن الذي تعين فيه ، والتسليم والتسلم اللذين يشرحان فيه ، يشهد عليه - ~~خلد الله ملكه - بذلك من يعينه في رسم شهادته آخره ، من فلان جميع الشيء ~~الفلاني ، ويكمل . وإن كان البائع وكيل بيت المال كتب مشروح على العادة ~~بالشهادة على بعض المهندسين ، مثلاه : مشروح رفعه كل واحد من فلان وفلان ~~المهندسين على العقار بالبلد الفلاني ، بقضية حال الدار الكاملة ، الجارية ~~في ديوان المواريث الحشرية التي PageV09P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" بالمكان الفلاني - وتوصف وتحدد - شاهد الدار ~~المذكورة على الصفة المشروحة أعلاه ، وأحاطا بها علما وخبرة ، وكتب هذا ~~المشروح ليثبت علمه بالديوان المعمور ، ويؤرخ . وتكتب على ظهره حجة على ~~سماسرة العقار ، صورتها : يقول كل واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار ~~بالبلد الفلاني : إنهما سارا صحبة فلان وكيل بيت المال المعمور إلى حيث ~~الدار الآتي ذكرها ووصفها وتحديدها فيه ، الجارية في ديوان المواريث ~~الحشرية ، وهي بالمكان الفلاني - وتوصف وتحدد - وأحاطا بها علما وخبرة ، ~~وقوماها بما مبلغه كذا وكذا ، وقالا : إن ذلك قيمة المثل التي لا حيف فيها ~~ولا شطط ، ولا غبينة ولا فرط ، وأن الحظ المصلحة في البيع بذلك ، ويؤرخ . ~~وتكتب على ظهره حجة على سماسرة العقار ، صورتها : يقول كل واحد من فلان ~~وفلان المناديين على العقار : إنهما أشهرا ما ذكر ms1803 باطنه في مظان الرغبات ، ~~ومواطن الطلبات ، في صقعها وغيره من الأصقاع دفعات متفرقة ، وأوقات متعددة ~~، فلم يسمعا من بذل زيادة على ما قوم باطنه ، ويؤرخ ، ويشهد عليهما فيه ، ~~ثم تكتب قصة باسم المشتري للمقام الشريف السلطاني ، ويكتب عليها صاحب ~~الديوان ويجاوب وكيل بيت المال المعمور ، ويخرج الحال على ظهرها ، ثم يوقع ~~صاحب الديوان بحمل المبلغ إلى بيت المال المعمور ، فإذا حمل وقع صاحب ~~الديوان وتلصق الحجة على القصة ، فإذا كمل ذلك عاقد وكيل بيت المال ، وصورة ~~المكاتبة : وهذا ما اشترى فلان بماله لنفسه من القاضي فلان ، وكيل بيت ~~المال المعمور والقائم في بيع ما يذكر فيه بأحكام الوكالة التي بيده ، ~~المفوضة إليه من المقام الشريف السلطاني الملكي الفلاني الذي جعل له فيه ~~بيع ما هو جار في أملاك بيت المال المعمور ، وغير ذلك على ما نص وشرح فيها ~~، وما ماله إلى بيت المال المعمور بالقضايا الشرعية ، الثابتة وكالته في ~~مجلس الحكم العزيز الثبوت الشرعي ، المتوجة بالعلامة PageV09P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" الشريفة ، ومثالها كذا وكذا ، اشترى منه بقضية ~~ذلك وحكمه جميع الدار الفلانية ، الجارية في رباع المواريث الحشرية ، ~~الموروثة عن فلان المتوفى إلى رحمة الله تعالى ، أو التي أظهرها الكشف - ~~وتوصف وتحدد - شراء صحيحا شرعيا بثمن مبلغه كذا وكذا دينارا أو درهما حالة ~~، وذلك محمول إلى بيت المال PageV09P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" المعمور على ما شهد به وصول بيت المال المعمور ~~المشروح في آخره ، وتسلم المشتري المذكور ما ابتاعه بعد النظر والمعرفة ~~والمعاقدة الشرعية ، والتفرق بالأبدان عن تراض ، وانقضاء أمد الخيار الشرعي ~~الذي اشترطه البائع على المشتري المذكور ، وهو ثلاثة أيام ، وأقر المشتري ~~المذكور أن ذلك صائر في أملاك بيت المال المعمور ، والسبب في هذه المبايعة ~~أن المشتري المذكور رفع قصة باسمه أنهى فيها : - وتنقل إلى آخرها - فوقع ~~على ظهرها من جهة متولي الديوان المعمور ما مثاله : ليذكر ما بذل عليه ~~للديوان المعمور ، ومثاله - وينقل إلى عند الصفات المحدودة ، ويكتب تاريخه ~~- ثم تلاه توقيع كريم ، ومثاله : ليتقدم المجلس - وينقل جميع ما فيه - ثم ms1804 ~~تلاه جواب متولي الوكالة الشريفة بما مثاله : المملوك فلان الوكيل . . - ~~وينقل - ثم نجز المشتري المذكور وصولا من بيت المال المعمور شاهدا له بحمل ~~الثمن المذكور ، ونسخته بعد البسملة . . . - وينقل ما فيه - ثم تلاه توقيع ~~كريم ، إذا كان - وينقل جميع ما فيه - وذلك كله بعد أن أخذت الحجة الملصقة ~~بأعلى التوقيع الديواني ، المتضمنة الإشهاد على كل واحد من فلان وفلان ~~المهندسين على العقار أن القيمة المعينة فيها - وهي كذا وكذا - قيمة المثل ~~يومئذ - وتشرح إلى آخر التاريخ - بشهادة فلان وفلان سماسرة العقار ، بأنهما ~~أشهرا ذلك على ما تضمنته ، فلما تكامل ذلك كله وقع الإشهاد على القاضي فلان ~~وكيل بيت المال المعمور والمشتري بما نسب إلى كل منهما ، ويؤرخ . وإن باع ~~وكيل بيت المال بغير توكيل بيع بل بحجة قيمة كتب : هذا ما اشترى فلان من ~~فلان وكيل بيت المال المعمور - كما تقدم - جميع قطعة الأرض الحاملة لبناء ~~المشتري ، الآتي ذكرها وذرعها وتحديدها فيه ، الجارية في أملاك بيت المال ~~المعمور ، مضافة إلى ديوان المواريث الحشرية ، أو ديوان الأحكار ، وهي ~~بالمكان الفلاني - وتذرع وتحدد - شراء صحيحا شرعيا ، بثمن مبلغه كذا وكذا ~~الجميع حال محمول إلى بيت المال المعمور ، على ما شهد به وصول بيت المال ~~المعمور المشروح في آخره ، وتسلم المشتري المذكور ما ابتاعه بعد النظر ~~والرضا والمعرفة والمعاقدة الشرعية ، والتفرق بالأبدان عن تراض ، وانقضاء ~~أمد الخيار الذي اشترطه البائع على المشتري ، وهو ثلاثة أيام ، وأقر ~~المشتري المذكور أن الأرض المذكورة جارية في ديوان المواريث ، وذلك بعد ~~اكتتاب حجة تتضمن الإشهاد على كل واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار ~~- وتشرح كما تقدم - والشهادة على السماسرة ، فحينئذ استظهر القاضي فلان ~~البائع على المشتري بكذا وكذا ، فتكون جملة ما تقرر من القيمة والاستظهار ~~ورسم الوكالة جميع الثمن المذكور أعلاه ، ثم بعد ذلك حضر وصول من بيت المال ~~المعمور شاهد له بحمل الثمن المذكور ، نسخته كذا وكذا ، وعلى ظهره توقيع ~~كريم ، مثاله كذا وكذا . . . ، فلما تكامل ذلك كله وقع الإشهاد ، ويؤرخ . ~~وإن كان المشتري أجرى ms1805 باسمه الثمن من بيت المال وأنعم عليه به كتب ما مثاله ~~: هذا ما اشترى فلان بن فلان ، ويذكر الثمن ، ويقول : " وهو مجرى من بيت ~~المال المعمور ، ويكمل المبايعة نحو ما تقدم ، ويكتب : " ثم أحضر المشتري ~~توقيعا شريفا سلطانيا بالإنعام عليه بالثمن ، وينقل إلى آخره ، والله أعلم ~~بالصواب . إذا اشترت امرأة من وكيل بيت المال دارا جارية في رباع المواريث ~~الحشرية بما لها في ذمته ، ثم قاصت بما لها في رباع ديوان المواريث ، يكتب ~~: هذا ما اشترت فلانة من وكيل بيت المال - كما تقدم - جميع الدار الكاملة ~~الجارية في ديوان المواريث الحشرية - على ما ذكرت المشترية - المقبوضة عن ~~فلان المتوفى إلى رحمة الله تعالى ، وهي بالمكان الفلاني - وتوصف وتحدد - ~~شراء صحيحا شرعيا بثمن مبلغه من الدراهم كذا وكذا ، الجميع حال ، وتسلمت ~~المشترية ما ابتاعته بعد النظر والرضا والمعرفة والمعاقدة - نحو ما تقدم - ~~ثم بعد ذلك قاص القاضي فلان المشترية المذكورة بالذي توجه على الديوان ~~المعمور إيفاؤه من تركة زوج PageV09P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" المشترية المذكورة فلان وهو مبلغ صداقها عليه ~~، الثابت لها بمجلس الحكم العزيز ، ومبلغه كذا وكذا ، وهو نظير الثمن ~~المذكور في قدره وجنسه وحلوله ، مقاصة صحيحة شرعية ، برئت بها ذمة المشترية ~~من الثمن ، وذمة زوجها من نظير ذلك الصداق ، والسبب في هذه المبايعة ~~والمقاصة أن المشترية المذكورة أثبتت صداقها على زوجها فلان في مجلس الحكم ~~العزيز ، ومبلغه كذا وكذا ، المؤرخ الصداق بكذا وكذا ، وأسجل لها الحاكم ~~على نفسه - وهو القاضي فلان - بثبوت ذلك عنده ، والحكم به ، وأشهد لها على ~~نفسه بذلك ، وذلك بعد استحلافها اليمين الشرعية ، المؤرخ الحلف بكذا وكذا ، ~~ثم بعد ذلك رفعت المشترية قصة مترجمة باسمها ، مثالها : المملوكة . . . ، ~~ويشرح ما فيها وما تضمنه التوقيع كما تقدم ، ويشرح مسطور القيمة نحو ما ~~تقدم . هذا ما اتفق إيراده في البيوع على اختلاف الوقائع ، الله أعلم . ~~وأما الرد بالعيب والفسخ - فإنه إذا اشترى رجل من آخر دارا أو عبدا أو أمة ~~أو دابة ، وأطلع على عيب يوجب الرد بالعيب ، وأراد الإشهاد ms1806 بذلك ، كتب ما ~~مثاله : حضر إلى شهوده في يوم تاريخه فلان ، وأشهد عليه أن ابتاع قبل ~~تاريخه من فلان جميع الشيء الفلاني ، وأنه اطلع في يوم تاريخ على أن به ~~عيبا قديما مزمنا يوجب الرد ، وهو الشيء الفلاني - ويذكر العيب - وأنه حين ~~إطلاعه على العيب حضر إلى شهوده على الفور ، واختار فسخ البيع ورد المبيع ~~على بائعه بالعيب المذكور ، وأنه باق على طلب الرد ، واستعادة الثمن الذي ~~أقبضه له ، ورفع يده عن التصرف في الشيء الفلاني رفعا تاما ، ويؤرخ . في ~~مقايلة تكتب على ظهر المبايعة ، ومثالها : أقر كل واحد من فلان - وهو ~~المشتري باطنه - وفلان - وهو البائع باطنه - بأنهما تقابلا أحكام المبايعة ~~المشروحة باطنه ، وهي في جميع الدار الموصوفة المحدودة ، التي كان فلان ~~المبدأ باسمه ابتاعها من فلان المثنى باسمه بالمثنى المعين في باطنه ، وهو ~~كذا وكذا مقابلة صحيحة شرعية ، ودفع البائع المذكور للمشتري المذكور جميع ~~الثمن بتمامه وكماله فقبضه منه ، وتسلمه ، وصار بيده وقبضه وحوزه ، ورفع ~~المشتري يده عن الدار المذكورة ، وسلمها للبائع على صفتها الأولى ، فتسلمها ~~منه ، وذلك بعد النظر والمعرفة والتفرق بالأبدان عن تراض . PageV09P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" وأما الشفعة - فالذي يكتب فيها أنه إذا اشترى ~~رجل حصة من دار وحضر مالك بقية الدار فطلب الحصة بالشفعة ، وصدقه المشتري ~~على ذلك ، كتب ما مثاله : حضر إلى شهوده في يوم تاريخه كل واحد من فلان بن ~~فلان ، وفلان بن فلان - وهو المشتري المذكور باطنه - وأعلم فلان المبتدأ ~~بذكره فلانا المشتري باطنه - أن في ملكه من الدار الموصوفة المحدودة باطنه ~~كذا وكذا سهما من أربعة وعشرين سهما شائعا في جميع الدار المذكورة ، وأنه ~~يستحق أخذ الحصة التي ابتاعها منها بالشفعة الشرعية ، وأنه قام على الفور ~~عند سماعه بابتياع الحصة المذكورة باطنه من غير إمهال ، واجتمع بالمشتري ~~المذكور ، وأعلمه بما ذكر ، فحينئذ صدقه المشتري على صحة ذلك جميعه تصديقا ~~شرعيا ، والتمس منه القيام له بنظير الثمن الذي دفعه المشتري المذكور باطنه ~~عن الحصة المذكورة باطنه ، فأحضره إليه بكماله ، وهو كذا وكذا ms1807 ، وأقبضه له ~~، فقبضه منه ، وتسلمه ، وصار بيده وقبضه وحوزه ، وسلم المشتري المذكور ~~باطنه لفلان المبتدئ بذكره المستشفع المذكور الحصة المذكورة ، ومبلغها كذا ~~وكذا سهما من أربعة وعشرين سهما شائعا في جميع الدار الموصوفة المحدودة ~~باطنه ، فتسلمها منه ، وصارت بيده وقبضه وحوزه عن هذه الشفعة ، وأقر بأنهما ~~عارفان بها المعرفة الشرعية ، وبحكم ذلك كمل لفلان المستشفع بما في ملكه ~~متقدما وبهذه الحصة ملك جميع الدار المذكورة بالشفعة المذكورة ، ولم يبق ~~لفلان المشتري المذكور باطنه في الدار المذكورة حق ولا طلب بسبب ملك ، ولا ~~يد ، ولا ابتياع ، ولا حق من الحقوق الشرعية ، وبمضمونه شهد ، ويؤرخ . إذا ~~ادعى رجل على رجل أن الحصة التي ابتاعها من شريكه يستحقها بالشفعة ولم ~~يصدقه على ذلك ، وكلفه إثبات الملك وقبول القسمة - فالذي يفعل في ذلك ~~PageV09P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" أن يثبت المدعي ابتياعه عند الحاكم ثم يثبت ~~محضرا بقبول القسمة ، فإن لم يكن معه كتاب ابتياع كتب محضرا بأنه مالك ~~لحصته من الدار ، وصيغة المحضر : شهد الشهود الواضعون خطوطهم آخره - وهم من ~~أهل الخبرة الباطنة فيما شهدوا به فيه - أنهم يعرفون فلانا معرفة صحيحة ~~شرعية ، ويشهدون أنه مالك لجميع الحصة التي مبلغها كذا وكذا سهما من أربعة ~~وعشرين سهما شائعا غير مقسوم من جميع الدار الفلانية ، التي بالمكان ~~الفلاني - وتوصف وتحدد - ملكا صحيحا شرعيا ، من وجه صحيح شرعي ، وأنه متصرف ~~في الحصة المذكورة بالسكن والإسكان والإجارة والعمارة ، وأنها باقية في ~~ملكه ويده وتصرفه إلى الآن ، ولم تخرج عنه بتمليك ، ولا بيع ، ولا هبة ، ~~ولا إقرار ، ولا صدقة ، ولا غيرها ولا بوجه من وجوه الانتقالات كلها ، وهم ~~بالدار في مكانها عارفون ، ابتاعها فلان بن فلان من فلان بن فلان شريك فلان ~~متنجز هذا المحضر ، وأن متنجزه قام في طلب الحصة المبيعة وأخذها من المشتري ~~المذكور بالشفعة الشرعية بحكم أنه مالك للحصة المشهود بها ملكا شرعيا ~~متقدما على ابتياع المشتري المدعي عليه وأنه قام على الفور في طلب الحصة ~~المبيعة من المشتري من غير تأخير ولا عاقة ، يعلمون ذلك ms1808 ويشهدون به بسؤال ~~من جازت مسألته ، وسوغت الشريعة المطهرة إجابته ، ويؤرخ ، ثم يشهد فيه ~~الشهود عند الحاكم . ثم يكتب تحته محضران بأن الدار المذكورة قابلة للقسمة ~~، وصيغته : شهد الشهود الواضعون خطوطهم آخره - وهم من أهل الخبرة بالعقار ~~وتقويمه وقسمته - أنهم ساروا بإذن صحيح شرعي من القاضي فلان الحاكم بالجهة ~~الفلانية إلى حيث الدار الآتي ذكرها فيه ، الجارية منها حصة مبلغها كذا ~~وكذا سهما في ملك فلان متنجز المحضر الأول المستشفع فيه ، وحصة ~~PageV09P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" مبلغها كذا وكذا سهما في ملك المشتري المدعي ~~عليه الشفيع المذكور ، منتقلة إليه بالابتياع الشرعي من شريك المستشفع ~~المذكور ، لكشف حالها ، ومعرفة جملتها وتفصيلها ، وسبب طلب الشفعة من متنجز ~~هذا المحضر فيها ، بحكم ابتياع المشتري الشفيع لحصته فيها ودخوله على ~~المستشفع ، وأنها هل تتهيأ فيها قسمة التعديل بالأجزاء المقتضية لخير ~~الشريك ؟ فألفوها في البلد الفلاني - وتوصف وتحدد - وتأملوها وأحاطوا بها ~~علما وخبرة ، فوجدوها قابلة لقسمة التعديل الموجبة لخير الشريك وشهدوا أنها ~~تمكن قسمتها جزأين ، أو تمكن قسمتها ثلاثة أجزاء ، ومهما كان ، على قدر ملك ~~كل واحد من الشركاء ، كل جزء مساو للجزء الآخر في القيمة والانتفاع به ، ~~شهدوا بذلك بسؤال من جاز سؤاله ، وسوغت الشريعة المطهرة إجابته ، ويؤرخ ~~ويشهد فيه عند الحاكم . ثم يكتب إسجال الحاكم ، وصورته : هذا ما أشهد على ~~نفسه سيدنا ومولانا قاضي القضاة فلان من حضر مجلس حكمه ومحل ولايته - وهو ~~يومئذ نافذ القضايا والأحكام ، ماض النقض والإبرام - أنه ثبت عنده وصح لديه ~~بمحضر من متكلم جائز كلامه ، مسموعة دعواه على الوجه الشرعي ، مضمون ~~المحضرين المسطرين باطنه : أحدهما - وهو الأول - مضمونه : أن فلان بن فلان ~~المستشفع المدعي مالك لجميع الحصة التي مبلغها كذا وكذا سهما شائعا غير ~~مقسوم في جميع الدار الموصوفة المحدودة ملكا صحيحا شرعيا ، من وجه صحيح ~~شرعي ، وأنه متصرف في الحصة المذكورة بالسكن والإسكان والإجارة والعمارة ، ~~وأنها باقية على ملكه وفي يده وتصرفه إلى الآن ، لم تخرج عنه بتمليك ، ولا ~~بيع ، ولا هبة ، ولا إقرار ، ولا صدقة ولا بوجه ms1809 من وجوه الانتقالات كلها ، ~~وأن الشهود الواضعي رسم شهادتهم آخر المحضر المذكور بالدار المذكورة عارفون ~~في صقعها ومكانها ، وأن ملكه للحصة PageV09P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" سابق على ابتياع فلان المدعي عليه الشراء ~~المذكور للحصة التي ابتاعها من شريك فلان المستشفع المشروح في المحضر الأول ~~، وأن متنجز المحضر قام في طلب الحصة المبيعة وأخذها من المشتري بالشفعة ~~على الفور ، بحكم أنه مالك للحصة المشهود له بها ، وأن ملكه متقدم على ~~ابتياع الشفيع المشتري ، وقد أقام كل من الشهود شهادته بذلك عند الحاكم ~~المذكور ، على ما تضمنه المحضر الأول المؤرخ بكذا وكذا ، وقبل ذلك منه ~~القبول السائغ ، وأعلم تحت رسم شهادته علامة الأداء والقبول على الرسم ~~المعهود ، والمحضر الثاني يتضمن أن الدار المذكورة قابلة للقسمة الموجبة ~~لخير الشريك وأن القسمة تتهيأ فيها على ما شرح في المحضر الثاني ، وأقام كل ~~من الشهود شهادته بذلك عند الحاكم المذكور ، على ما تضمنه المحضر الثاني ~~المؤرخ بكذا وكذا ، وقبل ذلك منه القبول السائغ الشرعي ، وسطر ما جرت ~~العادة به تحت رسم شهادته علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود ، ~~والمحضر الثاني يتضمن أن الدار المذكور قابلة للقسمة الموجبة لخير الشريك ~~وأن القسمة تتهيأ فيها على ما شرح في المحضر الثاني ، وأقام كل من الشهود ~~شهادته بذلك عند الحاكم المذكور ، على ما تضمنه المحضر الثاني المؤرخ بكذا ~~وكذا ، وقبل ذلك منه القبول السائغ الشرعي ، وسطر ما جرت العادة به تحت رسم ~~شهادته من علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود في مثله ، فلما تكامل ~~ذلك عنده وصح لديه - أحسن الله إليه - أشهد عليه بثبوت المحضرين المذكورين ~~لديه على الوجه الشرعي ، وحينئذ سأل فلان متنجز المحضرين المدعي الحاكم ~~المذكور الحكم بمقتضى ما ثبت عنده ، فأجابه إلى سؤاله ، وأوجب الشفعة ~~المذكورة ، وألزم الحاكم المشار إليه المدعي بالقيام للمشتري المدعي عليه ~~بالثمن الذي ابتاع به الحصة من شريك المدعي المذكور ، وهو كذا وكذا ، وحكم ~~على فلان المشتري المدعي عليه بتسليم الحصة التي ابتاعها من شريك المستشفع ~~- وهي كذا وكذا سهما - لفلان المدعي ms1810 متنجز المحضرين المذكورين ، بحكم ~~ثبوتهما عنده ، فحينئذ أشهد فلان المشتري الشفيع عليه أنه قبض من المستشفع ~~نظير الثمن الذي قام للبائع - وهو كذا وكذا - عن الحصة التي ابتاعها ، ~~وصارت بيده وقبضه وحوزه ، وسلم للمدعي المستشفع المذكور الحصة الثابتة ~~أخذها منه بالشفعة - وهي كذا وكذا سهما - فتسلمها منه ، وصارت بيده وملكه ~~وحوزه ، ملكا من جملة أملاكه ، ومالا من جملة أمواله ، وأضافها إلى ما ~~يملكه من الدار المذكورة من الحصة المشهود له بها ، وفقد كمل له جميع الدار ~~المذكورة ، وأقر بأنهما عارفان بها المعرفة الشرعية ، فلما تكامل ذلك كله ~~سأله من جاز سؤاله الإشهاد على نفسه بذلك . . . وأبقى كل ذي حجة على حجته ، ~~وهو في ذلك كله نافذ القضاء والحكم ماضيهما ، بعد تقدم الدعوى المسموعة وما ~~PageV09P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" ترتب عليهما ، وتقدم - أدام الله أيامه - ~~بكتابة هذا الإسجال ، فكتب عن إذنه متضمنا لذلك ، وذلك بعد قراءة ما تضمنه ~~باطنا وظاهرا ، وأشهد الشفيع والمستشفع عليهما بما نسب إلى كل منهما فيه ، ~~وذلك بتاريخ كذا وكذا . وإن كان بعض الثمن عروضا ، والمشتري يعترف بأن ~~المستشفع له حصة في الدار ، وأن الدار قابلة للقسمة ، ولم يعترف بقيمة ~~العروض ، وطلب منه الثمن وتحليفه على ذلك ، فرد عليه الثمن وأخذ الحصة ~~بالشفعة بعد الترافع إلى الحاكم - فسبيل الكاتب أن يكتب ما مثاله : حضر إلى ~~شهوده في يوم تاريخه من ذكر أنه حضر إلى مجلس الحكم العزيز بالجهة الفلانية ~~عند سيدنا القاضي فلان الحاكم بها ، كل واحد من فلان ابن فلان ، وفلان بن ~~فلان ، وهو المشتري باطنه ، وذكر فلان المبتدأ بذكره أنه يستحق أخذ الحصة ~~المبيعة بما طلب باطنه - ومبلغها كذا وكذا سهما من أربعة وعشرين سهما شائعا ~~في جميع الدار الموصوفة المحدودة باطنه ، التي ابتاعها المثنى بذكره من ~~شريك المبتدئ بذكره فلان البائع باطنه - بحكم ما يجري في ملكه من الدار ~~المذكورة ، وأنه حين علم بابتياع المشتري للحصة المعينة قام على الفور في ~~طلب الشفعة ، وأحضر المشتري المذكور للحاكم المذكور ، وأدعى عليه هذه ~~الدعوى وأن الدار قابلة ms1811 للقسمة ، وأن قيمة العروض التي أخذها البائع باطنه ~~كذا وكذا درهما وأنه لم يكتم قيمتها إلا تحيلا منه في إقصاء حقه عن الشفعة ~~، وسأل سؤاله عن ذلك ، فسأله الحاكم عن ذلك ، فصدق المدعي في صحة ما ادعاه ~~، وفي كل العروض التي سلمها للبائع المذكور باطنه ، وأنه ما يعلم قيمتها ، ~~فطلب يمينه على ذلك ، فأبى أن يحلف ، ورد عليه اليمين ، فأحلف الحاكم ~~المدعي على قيمة العروض ، فحلف أن قيمتها كذا وكذا درهما ، اليمين الشرعية ~~المستوفاة ، بمحضر من خصمه المذكور ، وسأل المدعي الحاكم المذكور الحاكم له ~~على خصمه بما يوجبه الشرع الشريف ، فأجابه إلى سؤاله وحكم له بوجوب الشفعة ~~على خصمه حكما صحيحا شرعيا ، PageV09P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" وأوجب عليه القيام بنظير الثمن ، وهو كذا وكذا ~~، وقيمة العروض ، وهي كذا وكذا ، وأوجب على المشتري تسليم الحصة ، فحينئذ ~~أشهد على المشتري المذكور على نفسه أنه تسلم نظير الثمن ، وهو كذا وكذا . . ~~. وصار بيده وقبضه وحوزه ، وأشهد المدعي المستشفع أنه تسلم من المشتري ~~الشفيع جميع الحصة المعينة باطنه تسلما شرعيا ، وصارت بيده وقبضه وحوزه ~~وملكه ، وذلك بعد النظر والمعرفة ، فقد كمل للمدعي المستشفع بما في ملكه ~~متقدما وبهذه الحصة ملك جميع الدار المذكورة ، ويؤرخ . في استشفاع الأب ~~لابنه المأجور عليه ، وكذلك الوصي وأمين الحكم ، مع تصديق المشتري له على ~~دعواه ، يكتب ما مثاله : أقر كل واحد من فلان - وهو كافل ولده فلان المراهق ~~، أو الطفل الذي تحت حجره وكفالته وولاية نظره - ، وفلان - وهو المشتري ~~المذكور باطنه - عند شهوده طوعا بأن فلان المبتدأ بذكره كافل ولده المذكور ~~اجتمع بفلان المثنى بذكره ، وأعلمه بأن في ملك ولده لصلبه فلان المذكور ~~جميع الحصة التي مبلغها كذا وكذا سهما من أربعة وعشرين سهما شائعا في جميع ~~الدار المذكورة . . . . بحكم تقدم ملك ولده للحصة المذكورة التي في يد ~~والده المذكور ، وبحكم أن الدار قابلة للقسمة وأن الثمن الذي قام به ~~المشتري المذكور للبائع المذكور هو ثمن المثل يومئذ ، وقيمة العدل ، وأنه ~~قام في طلبها على الفور ، لما رأى لولده في ms1812 ذلك من الحظ والمصلحة وأن ~~المشتري صدقه على جميع ذلك تصديقا شرعيا ، والتمس منه القيام بنظير ما كان ~~دفعه ثمنا عن الحصة ، وهو كذا وكذا ، وأنه أجابه إلى ذلك ، وسلم له من مال ~~ولده فلان نظير الثمن المذكور ، وهو كذا وكذا ، فقبض ذلك منه ، وتسلمه ، ~~وسلم المشتري المذكور له الحصة المذكورة بحق الاستشفاع ، فتسلمها منه ، ~~وصارت بيده وقبضه وحوزه ، ملكا لولده فلان ، وأضافها إلى ما في يده من ~~الحصة الجارية في ملك ولده ، وبحكم ذلك كمل لولده المذكور جميع الدار ~~المذكورة باطنه ، وأقر بأنهما عارفان بها المعرفة الشرعية ، يؤرخ . ~~PageV09P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" وأما السلم والمقايلة فيه - فإذا أسلم رجل ~~لرجل ثمنا في قمح أو حبوب أو غير ذلك كتب ما مثاله : أقر فلان عند شهوده ~~بأنه أسلم إلى فلان من الدراهم كذا وكذا ، وسلمها ، فتسلمها منه في مجلس ~~العقد ، وصارت بيده وقبضه وحوزه على حكم السلم الشرعي في كذا وكذا - ويعين ~~ذلك ويصفه - يقوم له بذلك في التاريخ الفاني ، محمولا إلى المكان الفلاني ، ~~أو موضوعا بالمكان الفلاني ، تعاقدا أحكام هذا السلم بينهما معاقدة صحيحة ~~شرعية بالإيجاب والقبول ، ثم تفرقا من مجلس العقد بالأبدان عن تراض ، ويؤرخ ~~. فإن تقايلا في السلم كتب ما مثاله : أقر كل واحد من فلان المسلم وفلان ~~المسلم إليه بأنهما تقايلا أحكام السلم الذي كانا تعاقدا عليه بينهما باطنه ~~مقايلة صحيحة شرعية ، وفسخا أحكامه فسخا شرعيا ، وسلم فلان المسلم إليه ~~لفلان المسلم المبلغ المذكور باطنه ، وهو كذا وكذا ، فتسلمه ، منه وصار ~~بيده وقبضه وحوزه ، ولم يبق لكل منهما قبل الآخر حق من الحقوق الشرعية بسبب ~~السلم المذكور ، ولا بسبب شيء منه ، وتصادقا على ذلك ، ويؤرخ . أما القسمة ~~والمناصفة - فإذا كان بين شريكين دار ، وحصل الاتفاق بينهما على قسمتها ، ~~فالذي يكتب في ذلك : أقر كل واحد من فلان وفلان بأن لهما وفي ملكهما ~~وتصرفهما بالسوية بينهما - لا مزية لأحدهما على الآخر - جميع الدار ~~الفلانية - وتوصف وتحدد - ملكا صحيحا شرعيا ، وأن ملكهما لذلك سابق لهذا ~~الإقرار ومتقدم عليه ، وأنهما ms1813 عارفان بها المعرفة الشرعية ، وأن يديهما ~~فيها متصرفتان تصرف الملاك في أملاكهم ، وذوي الحقوق في حقوقهم ، من غير ~~مانع ولا معترض ، لا رافع ليد بسبب من الأسباب ، وتصادقا على ذلك كله ~~تصادقا شرعيا ، وأنهما ي يوم تاريخ اتفقا وتراضيا على قسمة ذلك جزأين : ~~قبليا ، وبحريا ، صفة القبلى كذا - ويحدد - وصفة البحري كذا - ويحدد - ، ثم ~~بعد تمام ذلك اشترى فلان من شريكه فلان جميع PageV09P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" النصف الشائع في جميع القبلي ، وكمل لفلان ~~جميع الجزء البحري ، وتصادقا على ذلك تصادقا شرعيا ، ويؤرخ . وإن كانا ~~أحضرا رجلين من المهندسين كتب في ذيل المكاتبة : وذلك كله بعد أن أحضرا ~~رجلين من أهل الهندسة والخبرة بمساحة الأراضي وذرعها وقسمتها ، والآدر ~~وقيمتها - وهما فلان وفلان - إلى الموضع المذكور وشاهداه ، وأحاطا به علما ~~وخبرة ، وقسماه بنيهما جزأين ، لا مزية لأحدهما على الآخر ، وأنهما اتفقا ~~وتراضيا على ذلك ، ورضيا قولهما ، وأمضيا فعلهما . وإن كان بينهما قرعة كتب ~~ما مثاله : وذلك كله بعد قرعة شرعية رضيا بها وحصل الاتفاق على ما ذكر ~~أعلاه . وإن كان بينهما حوانيت واقتسماها بالتعديل على القرعة كتب ما مثاله ~~: أقر كل واحد من فلان وفلان بأن لهما بالسوية بينهما جميع الحوانيت - ~~ويذكر عددها وصفتها وتحديدها نحو ما تقدم - وأنهما في يوم تاريخه رغبا في ~~قسمتها بينهما بالتعديل والقرعة الشرعية ، وأحضرا رجلين من أهل الهندسة ~~والخبرة بالأراضي وذرعها وقيمة العقار وقسمته - وهما فلان وفلان - إلى ~~الحوانيت المذكورة ، وشاهداها ، أحاطا بها علما وخبرة ، فسماها بينهما قسمة ~~عادلة شرعية بالذرع والقيمة والمنفعة ، وأقرعا بينهما في ذلك قرعة شرعية ، ~~جائزة مرضية ، فكان الذي حصل لفلان المبتدئ بذكره جميع الحوانيت - وتعد ~~وتوصف وتحدد - التي قيمتها كذا وكذا ، الجميع حقه وحصته من جملة الحوانيت ~~المذكورة ، والذي حصل لفلان المثنى بذكره جميع الحوانيت - ويذكر فيها ما ~~تقدم - ، وسلم كل واحد منهما للآخر ما وجب عليه تسليمه ، وصار بيده وقبضه ~~وجوزه ، واقر بأنهما عارفان بذلك المعرفة الشرعية ، تعاقدا أحكام هذه ~~القسمة بينهما معاقدة صحيحة شرعية شفاها بالإيجاب والقبول ، ثم تفرقا ms1814 ~~بالأبدان عن تراض ، وأقر كل واحد منهما بأنه لا حق له ولا طلب فيما صار ~~لصاحبه مما ذكر أعلاه بوجه من الوجوه الشرعية على اختلافها ، وتصادقا على ~~ذلك ، ورضي كل منهما PageV09P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" بهذه القسمة واعترفا بأن الذي قوم به كل موضع ~~قيمة المثل يومئذ لا حيف فيها ولا شطط . في صفة ميراث - يكتب ما مثاله : ~~أقر كل واحد من فلان وفلان وفلان الإخوة أولاد فلان بأن والدهم المذكور ~~توفي ولم يخلف من الورثة سواهم ، وأنهم مستحقون لميراثه ، مستوعبون لجميعه ~~، يغير شريك لهم في ميراثه ، لا حاجب يحجبهم عنه بوجه ولا سبب ، وترك لهم ~~موروثا عنه جميع الدار الفلانية - وتوصف وتحدد - ، فلما كان في يوم تاريخ ~~تداعوا إلى قسمة ذلك ، فقسم بينهم على الوجه الشرعي ، فتميز لكل واحد منهم ~~الثلث شائعا فيها ، ووضع كل واحد منهم يده ما تميز له منها بهذا الإرث وضعا ~~تاما ، وعرفه وعرف مقداره ، وصار بيده وتصرفه وملكه وحوزه بالإرث الشرعي ~~المشروح أعلاه ، ويتصرف كل منهم فيما صار إليه تصرف الملاك في أملاكهم ، ~~وذوي الحقوق في حقوقهم ، من غير مانع ، ولا دافع ، ولا رافع ليد ، ولا ~~معترض بوجه ولا سبب ، وأقروا بأنهم عارفون بالدار المذكورة المعرفة الشرعية ~~، ونظروها ، وأحاطوا بها علما وخبرة ، وتصادقوا على ذلك كله ، وقبل كل منهم ~~هذا الإقرار لنفسه من الآخر قبولا شرعيا ، الله مع المتقين . وأما الأجائر ~~- فإذا أستأجر رجل من رجل دارا كتب ما مثاله : استأجر فلان من فلان جميع ~~الدار الجارية في يده وملكه وتصرفه ، على ما ذكر وصدقه المستأجر على ذلك ، ~~إن صدقه . وإن كانت الدار وقفا عليه كتب : الجارية في يده وتصرفه وقفا على ~~تناهت منافعها إليه . وإن كانت في عقد إجارته نبه على ذلك ، فيكتب : ~~الجارية في يده وتصرفه وعقد إجارته بالإيجار الشرعي من فلان . وإن كان يؤجر ~~عن موكله كتب : الجارية في يده وتصفه ملكا لموكله فلان ، وله إيجارها وقبض ~~أجرته عنه بطريق الوكالة الشرعية التي بيده . وإن كانت حصة من دار كتب : ~~جميع الحصة ms1815 التي مبلغها كذا وكذا من جميع الدار وهي بالمكان الفلاني - ~~وتوصف وتحدد - لينتفع بها في السكن والإسكان ، PageV09P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" ووقود النيران - إن أذن له في ذلك - لمدة كذا ~~وكذا ، أول ذلك يوم تاريخه ، أو اليوم الفلاني من الأشهر الماضية ، بأجرة ~~مبلغها في كل شهر من شهورها كذا وكذا قسط كل شهر في سلخه ، أو مستهله ، ~~وتسلم ما استأجره بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية ، والتفرق بالأبدان ~~عن تراض ، ويؤرخ . وإن استأجر مدة كل يوم بعض النهار بأجرة حالة مقبوضة أو ~~أبرأه منها كتب ما مثاله : استأجر فلان من فلان جميع الحانوت - ويوصف ويحدد ~~كما تقدم - لمدة سنة كاملة ، أو أقل أو أكثر ، لينتفع بذلك من السكن ~~والإسكان طول المدة في كل يوم من أول النهار إلى الوقت الفلاني منه ، خلا ~~بقية النهار والليل ، فإن منفعته باقية في يد الآجر وتصرفه ، وينتفع بذلك ~~كيف شاء ، بأجرة مبلغها عن جميع هذه المدة كذا وكذا حالة ، قبضها الآجر من ~~المستأجر ، وتسلمها . وإن كان أبرأه منها كتب : حالة ، أبرأه الآجر منها ~~براءة صحيحة شرعية ، براءة إسقاط ، قبلها منه ، وتسلم ما استأجره بعد النظر ~~والرضا والمعرفة والمعاقدة الشرعية . أن استأجر من رجل بما له في ذمته من ~~الدين كتب : . . . . . لمدة سنة كاملة ، أولها يوم تاريخه ، بما للمستأجر ~~في ذمة الآجر من الدين الحال الذي اعترف به عند شهوده ، وهو كذا وكذا ، ~~وتسلم ما استأجره ، ويكمل . فصل إن استأجر دارا لمدة ثم استأجر مدة ثانية ~~قبل انقضاء المدة الأولى كتب : . . . . لمدة سنة كاملة مستأنفة على مدته ~~الأولى ، أولها اليوم الفلاني من الشهر الفلاني ، بحكم أن الدار مستأجرة ~~معه على مدة معلومة آخرها اليوم الفلاني ، وقد استؤنفت هذه المدة الثانية ~~زيادة على تلك المدة الأولى إجارة صحيحة شرعية ، بأجرة مبلغها كذا وكذا ، ~~تعاقدا على ذلك معاقدة شرعية شفاها بالإيجاب والقبول ، واعترف المستأجر بأن ~~الدار المذكورة في يده وتصرفه وأنه عارف بها المعرفة الشرعية . ~~PageV09P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" فصل إن استأجر بأجرة حالة ثم قاصه المستأجر ~~بما له في ms1816 ذمته كتب : . . . . بأجرة مبلغها عن جميع المدة كذا وكذا وحالة - ~~ويكمل الإجارة - ، ثم بعد ذلك قاص المستأجر المذكور الآجر بما له في ذمته ~~من الدين الذي اعترف به عند شهوده - وهو نظير الأجرة المذكورة في القدر ~~والجنس والصفة والحلول مقاصة شرعية ، قبل كل منهما ذلك لنفسه قبولا شرعيا ، ~~ولم تبق لكل منهما مطالبة قبل الآخر بسبب دين ولا أجرة ولا حق من الحقوق ~~الشرعية كلها . وإن استأجر جماعة من رجل أرضا لبناء وغيره كتب ما مثاله : ~~استأجر فلان وفلان وفلان من فلان جميع قطعة الأرض الطين السواد ، الجارية ~~في يد المؤجر وملكه ، وهي بالمكان الفلاني ، ومساحتها كذا وكذا قصبة ~~بالقصبة الحاكمية ، وذراعها كذا وكذا ذراعا بذراع العمل ، ليبنوا عليها ما ~~أرادوا بناءه ، ويحفروا فيها ما أرادوا حفره : من الآبار المعينة وآبار ~~السراب والقنى والمجاري ، ويعلوا ما أرادوا تعليته ، ويزرعوا ويغرسوا ما ~~أحبوا زراعته وغرسه ، وينتفعوا بها كيف شاءوا على الوجه الشريعي ، لمدة ~~ثلاثين سنة كوامل ، أولها يوم تاريخه ، ويكمل . وإن كان كل منهم يقوم بما ~~عليه برهن على ذلك ، وكذلك إن تضامنوا . وإن استأجر وكيل دارا لموكله من ~~جماعة كتب : استأجر فلان لموكله فلان بإذنه وتوكيله إياه في استئجار ما ~~يذكر فيه بالأجرة التي تعين فيه للمدة التي تذكر فيه ، وفي تسلم ما استأجره ~~له ، التوكيل الشرعي ، على ما ذكر ، أو على ما تشهد به الوكالة التي بيده ، ~~من فلان وفلان وفلان جميع الدار الكاملة ، الجارية في ملكهم ويدهم ~~PageV09P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" وتصرفهم بالسوية ، أو بقدر حصصهم - وتوصف ~~وتحدد وتذكر المدة والأجرة - ما هو لفلان عن أجرة حصته كذا ، وما هو لفلان ~~كذا ، وما هو لفلان كذا ، وتسلم ما استأجره لموكله بعد النظر والمعرفة ~~والمعاقدة الشرعية . وإن آجر رجل دارا عن موكله كتب : استأجر فلان من فلان ~~القائم في إجار ما يذكر فيه عن موكله فلان ، بالأجرة التي تعين فيه ، للمدة ~~التي تذكر فيه ، وفي تسلم ما يؤجر لمستأجره ، حسب ما تشهد به الوكالة التي ~~بيده ، استأجر منه بقضية ذلك ms1817 وحكمه جميع . . . ويكمل ، والله أعلم بالصواب ~~. فصل في معاقدة حمولة عاقد فلان بن فلان السير وإن فلانا على حمله وحمل ~~محارمه وزاده - وهو كذا وكذا رطلا - والبلد الفلاني إلى البلد الفلاني ، ~~على ظهر جماله التي بيده وتصرفه ، بما مبلغه كذا وكذا ، قبضه منه ، تعاقدا ~~معاقدة شرعية بعد النظر والمعرفة والإحاطة بذلك علما وخبرة ، وعليه الشروع ~~في ذلك من يوم كذا وكذا . فصل وإن استأجر دارا بدار كتب : استأجر فلان من ~~فلان جميع الدار الفلانية الجارية في يد الآجر ، لمدة كذا وكذا ، بجميع ~~الدار الجارية في يد المستأجر - ويحدد كلا منهما - وتسلم كل منهما ما وجب ~~له تسلمه من الآخر تسلما شرعيا وصار بيده ، وذلك بعد النظر والمعرفة ~~والمعاقدة الشرعية ، ويؤرخ . فصل وإن استأجر مركبا طولها ومحملها وعدتها . ~~. . لينتفع بها في حمل الغلا والركبان ، في البحر الفلاني ، وإن كان في بحر ~~النيل قال : مصعدا ومنحدرا ، ويكمل كما تقدم . PageV09P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" فصل وإن استأجر بغلا أو حمارا كتب : . . . ~~جميع الحمار ، لينتفع به في حمله وحمل قماشه في المكان الفلاني إلى المكان ~~الفلاني ، أو في حمل ما يختاره من القماش والأثاث ، ونقل الحواصل على ظهره ~~على قدر طاقته ، لمدة كذا وكذا ، ويكمل . فصل إذا أجر رجل عبده أو ولده كتب ~~: أجر فلان ولده لصلبه فلانا المراهق الذي تحت حجره وولاية نظره ، لفلان ، ~~ليعمل عنده في صناعة كذا وحانوته بالمكان الفلاني ، لمدة كذا ، بأجرة ~~مبلغها في كل يوم كذا من استقبال تاريخه ، تعاقدا على ذلك معاقدة شرعية ~~بالإيجاب والقبول والتسليم الشرعي . وإن أجر نفسه كتب : أجر فلان نفسه ~~لفلان ، ليعمل عنده في صناعة كذا ، ويكمل . فصل وإن أجرت امرأة نفسها ~~لمطلقها كتب : أجرت فلانة نفسها لمطلقها الطلقة الأولى - أو مهما كان من ~~عدد الطلاق - فلان ، وفي رضاع ابنها منه وحضانته وغسل خرقه ، وتسريح رأسه ، ~~والقيام بمصالحه في منزلها بالمكان الفلاني لمدة كذا ، ويكمل ، والله أعلم ~~بالصواب . وإذا أجر رجل دارا على ولده الطفل أو أجر الوصي أو أمين الحكم ~~كتب : استأجر فلان من ms1818 فلان القائم في إيجار ما يذكر فيه على ولده لصلبه ~~فلان الطفل الذي هو تحت حجره وكفالته ، لما رأى له في ذلك من الحظ والمصلحة ~~. PageV09P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" وإن كان الأجر الوصي كتب : القائم في إيجار ~~ذلك على فلان المحجور عليه بطريق الوصية الشرعية التي بيده ، وقبض الأجرة ، ~~وتسلم ما يأجره لمستأجره . وإن كان أمين الحكم هو الآجر كتب : القائم في ~~إيجار ما يذكر فيه على فلان المحجور عليه من قبل الحكم العزيز ، فإن كان ~~الحاكم أذن كتب : وذلك بإذن من سيدنا القاضي فلان الدين له في ذلك ، جميع ~~الدار ، ويكمل . وإن شهد بقيمة الأجرة شرحه في ذلك الإجارة . فصل وإن ~~استأجر رجل لولده دارا أو الوصي أو أمين الحكم كتب ما مثاله : استأجر فلان ~~لولده الذي تحت حجره وولاية نظره ، لما رأى له في ذلك من الحظ والمصلحة . ~~وإن كان الوصي فكما تقدم ، أو أمين الحكم فنحوه ، ويذكر إذن الحاكم ، والله ~~أعلم . إذا استأجر الوصي من يحج عن الميت كتب ما مثاله : أقر فلان ابن فلان ~~بأنه أجر نفسه لفلان وصي فلان المتوفى إلى رحمة الله تعالى ، القائم في ~~معاقدته بالوصية الشرعية التي بيده ، الثابتة بمجلس الحكم العزيز ، لأن يحج ~~بنفسه عن فلان الموصى المذكور حجة الإسلام الواجبة عليه ، وإن كانت غير ~~واجبة كتب : لأن يحج عنه حجة تطوع على أن يتوجه من المكان الفلاني في عام ~~تاريخ قاصدا لأداء حجة الإسلام وعمرته في البحرين العذب والملح ، أو في ~~البحر الملح ، أو في البر ، ويحرم من الميقات الذي يجب PageV09P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" على مثله ، فينوي حجة مفردة كاملة ، أو يدخل ~~إلى الحرم الشريف بمكة - شرفها الله تعالى - فينوي عنه الحجة المذكورة ~~كاملة بأركانها وواجباتها وشروطها وسننها ثم يعتمر عنه عمرة من ميقاتها ~~مكملة فروضها على الأوضاع الشرعية ، وهو بالخيار إن شاء أفرد ، وإن شاء ~~أقرن ، وينوي في جميع أفعاله وقوع ذلك عن المتوفى الموصى المذكور ، وأجر ~~ثوابه له ، ومتى وقع منه إخلال يلزمه فيه فداء ، أو وجب عليه دم ms1819 كان ذلك ~~متعلقا به وبما له ، دون مال الموصى المتوفى ، المشروح جميع ذلك في كتاب ~~الوصية المذكورة ، عاقده على ذلك معاقدة صحيحة شرعية بالأجرة المعينة أعلاه ~~وهي كذا وكذا ، قبضها منه وتسلمها ، وصارت بيده وقبضه وحوزه ، من مال ~~الموصي المذكور الذي فرضه في ذلك ، وأذن في تسليمه ، وذلك بعد أن تبين أن ~~الآجر المذكور عن نفسه الحجة الواجبة عليه ، ويؤرخ . إذا استأجر رجل من ~~وكيل بيت المال أرضا ليبني عليها أو جدرا يعمد عليها أو سطحا أو غير ذلك ، ~~كتب مشروحا ، وأخذ فيه خط شهود القيمة والمهندسين ، ثم يكتب الإجارة ، ~~ويشرح في ذيلها المشروح ، وإن كانت بتوقيع مثل توقيع المبايعة كتب في آخر ~~الإجارة مثل ما يكتب في المبايعة وهو أن يقول : والسبب في هذه الإجارة أن ~~المستأجر المذكور رفع قصة . . . وتشرح . وصيغة المشروح : مشروح رفعه كل ~~واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار بقضية حال قطعة الأرض الآتي ذكرها ~~وذرعها وتحديدها فيه ، الجارية في ديوان المواريث الحشرية - وتذرع وتحدد - ~~تأملاها بالنظر ، وأحاطا بها علما وخبرة ، وقالا : إن الأجرة عنها لمن يرغب ~~في استئجارها لينتفع بها كيف شاء وأحب واختار على الوجه الشرعي ، ويبني ~~عليها ما أحب بناءه ، ويعلى ما أراد تعليته ويحفر الآبار المعينة وآبار ~~السراب والقنى ، ويشق الأساسات ، ويخرج الرواشن . PageV09P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" وإن كان المؤجر سطوحا أو جدرا أو عقودا كتب ~~زنة ما يبنيه ، وهو أن يقول : فتكون زنة ما يبنيه ويعليه عليها كذا وكذا ~~قنطارا لمدة ثلاثين سنة كوامل ما مبلغه كذا وكذا ، الحال من ذلك كذا ، ~~وباقي ذلك - وهو كذا - يقوم به منجما في سلخ كل سنة تمضي من تاريخه كذا ، ~~وقالا : إن ذلك أجره المثل يومئذ ، لا حيف فيها ولا شطط ، ولا غبينة ولا ~~فرط ، إن الحظ والمصلحة في إيجار ذلك بهذه الأجرة ويؤرخ . ومن الكتاب من ~~يكتب أول المشروح ما صورته : لما رسم بعمل مشروح بقضية حال الموضع الآتي ~~ذكره فيه ، الجاري في ديوان المواريث الحشرية ، امتثل المرسوم كل واحد من ~~فلان وفلان ms1820 المهندسين على العقار ، وسارا إلى الموضع المذكور ، فألفياه ~~بالمكان الفلاني ، ويوصف ويحدد ، ويكمل المشروح نحو ما تقدم . ثم يكتب ~~الإجارة ، وصيغتها : استأجر فلان من القاضي فلان وكيل بيت المال المعمور ، ~~القائم في إيجار ما يذكر فيه بأحكام الوكالة التي بيده ، المفوضة إليه من ~~المقام الشريف ، التي جعل له فيها إيجار ما هو جار في أملاك بيت المال ~~المعمور وغير ذلك ، على ما نص وشرح فيها ، وما مآله إلى بيت المال المعمور ~~بالقضايا الشرعية ، الثابتة وكالته بمجلس الحكم ، المتوجة وكالته بالعلامة ~~الشريفة ، ومثالها كذا وكذا ، استأجر منه بقضية ذلك وحكمه جميع قطعة الأرض ~~التي لا بناء بها ، أو الحاملة لبناء المستأجر ، الآتي ذكرها وذرعها ~~وتحديدها فيه ، الجارية في ديوان المواريث الحشرية ، أو جميع السطح ، أو ~~الجدر ، ليبني على ذلك ما أحب وأراد بالطوب والطين والجير والجبس وآلة ~~العمارة ما زنته كذا وكذا قنطارا - هذا يكون في السطح أو في الجدار ، وأما ~~الأرض فلا - لمدة كذا وكذا سنة ، أولها يوم تاريخه ، بأجرة مبلغها عن جميع ~~هذه المدة كذا وكذا ، الحال من ذلك كذا وكذا بما فيه من المستظهر به وباقي ~~ذلك - وهو كذا وكذا - يقوم به منجما ، في سلخ كل سنة من استقبال تاريخه كذا ~~وكذا ، وتسلم ما استأجره بعد النظر والمعرفة والمعاقدة PageV09P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" الشرعية ، وأقر المستأجر بأن الأرض جارية في ~~ديوان المواريث الحشرية ، وذلك بعد أن تنجز المستأجر المذكور مشروحا يتضمن ~~الإشهاد على كل واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار بأنهما سارا إلى ~~ما ذكر أعلاه ، وذكرا من الذرع ولا تحديد ما وافق أعلاه ، وقالا : إن ~~الأجرة في ذلك عن كل سنة كذا وكذا ، ويذكر ما تضمنه المشروح ، ورسم شهادة ~~العدل فلان والعدل فلان بأن الأجرة المعينة فيه أجرة يومئذ ، ثم بعد تمام ~~ذلك أحضر المستأجر من يده وصولات بيت المال شاهدة له بحمل المال المذكور ~~ونسخها كذا وكذا ، فلما تكامل ذلك كله وقع الإشهاد على القاضي فلان الآجر ~~والمستأجر بما نسب إلى كل واحد منهما فيه ، ويؤرخ ms1821 . وإن أجر نائب وكيل بيت ~~المال المعمور أرضا في ديوان الأحباس كتب ما مثاله : استأجر فلان من القاضي ~~فلان النائب عن القاضي فلان وكيل بيت المال المعمور ، القائم في إيجار ما ~~يذكر فيه من مستنيبه المذكور بأحكام الوكالة التي بيد مستنيبه ، المفوضة ~~إليه من المقام الشريف ، التي لمستنيبه فيها إيجار ما هو جار في أملاك بيت ~~المال المعمور وأوقاف الأحباس المعمورة ، وغير ذلك ، على ما نص وشرح فيها ، ~~وما مآله إلى بيت المال المعمور بالقضايا الشرعية ، وأن يستنيب عنه في ذلك ~~من يراه ، الثابتة وكالته في مجلس الحكم العزيز الثبوت الصحيح الشرعي ، ~~ويشهد على وكيل بيت المال المعمور بالأذن لنائبه المذكور في ذلك من يعينه ~~في رسم شهادته آخره ، استأجر منه بقضية ذلك وحكمه جميع بقعة الأرض الآتي ~~ذكرها وذرعها وتحديدها فيه ، الجارية في ديوان الأحباس المعمور ، الذي صاحب ~~الديوان به يومئذ فلان ، ومشارف الأحكار به فلان ، الأذن كل منهما للآجر في ~~الإيجار المذكور ، يشهد عليهما بذلك شهوده ، وهي بالمكان الفلاني ، وتوصف ~~وتحدد ويكمل الإجارة كما تقدم . PageV09P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" إن كان بستانا فأجر الأرض وساقي على الأنشاب ~~كتب ما مثاله : استأجر فلان من فلان جميع قطعة الأرض السواد ، المتخللة ~~بالأنشاب الآتي ذكرها فيه ، ومساحتها كذا وكذا فدانا بالقصبة الحاكمية ، ~~الجارية الأرض المذكورة في يده وعقد إجارته ، أو في ملكه ، وجميع بناء ~~البئر المعينة والساقية المركبة على فوهتها ، المكملة العدة والآلة ، الذي ~~ذلك بالموضع الفلاني ، وصفة الأنشاب أنها النخل والكرم والتين والزيتون ~~والرمان ، وغير ذلك ، بحدود ذلك وحقوقه ، خلال الأنشاب ومواضع مغارسها ، ~~فإنها خارجة عن عقد هذه الإجارة ، لمدة . . . ، ويكمل ما تقدم . وأما ~~المساقاة - فإنه إن كتبها في ذيل الإجارة كتب ما مثاله : ثم بعد ذلك ساقي ~~الآجر المستأجر . . . ويكمل . وإن لم يكتبها في ذيلها كتب ما مثاله : ساق ~~فلان مالك الأنشاب الآتي ذكرها فيه فلان بن فلان على الأنشاب القائمة في ~~الأرض الآتي ذكرها فيه ، الجاري ذلك في يد فلان المبتدئ بذكره ، وهي الأرض ~~التي بالموضع الفلاني ، ومساحتها كذا ms1822 وكذا فدانا بالقصبة الحاكمية ، وصفة ~~الأنشاب المساقي عليها أنها النخل والكرم وكذا وكذا ، بحسب ما يكون ، ويحيط ~~بذلك حدود أربعة - وتذكر - مساقاة صحيحة شرعية جائزة نافذة ، لمدة سنة ~~كاملة ، أولها يوم تاريخه ، على أن يتولى سقي ذلك وتنظيفه وتأبيره وغرسه ~~وإصلاحه بنفسه ، وبمن يستعين به ، ومهما أطلعه الله تعالى من ثمر كان ~~مقسوما بينهما على ألف جزء ، جزء واحد لفلان المبتدأ بذكره مالك الأنشاب ، ~~وباقي الأجزاء لفلان المثنى بذكره المساقي ، وذلك بعد إخراج المؤن والكلف ~~وحق الله تعالى إن وجب ، تعاقدا على ذلك معاقدة شرعية ، وسلم فلان المالك ~~لفلان المساقي جميع الأنشاب المذكورة ، فتسلمها منه للعمل عليها ، وصارت ~~بيده وحوزه ، وذلك بعد النظر والمعرفة ، والإحاطة بجميع ذلك علما وخبرة . ~~PageV09P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" وفي المساقاة على الليف والسعف والكرناف خلاف ~~: فإن كان يعد من الثمرة جاز ، وإن لم يعد منها لم يجز . وأما الوصايا ~~والشهادة على الكوافل بالقبوض وما يلتحق بذلك - فإذا أوصى رجل رجلا كتب ما ~~مثاله : هذا كتاب وصية اكتتبه فلان ، حذرا من هجوم الموت عليه ، وعملا ~~بالسنة النبوية وامتثالا لأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في الندب ~~إلى الوصية ، وأشهد على نفسه في حال عقله ، وتوعك جسمه ، وحضور حسه ، وثبوت ~~فهمه ، وجواز أمره ، وهو عالم بأركان الإسلام ، عارف بالحلال والحرام ، ~~متمسك بكتاب الله وسنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، عالم بالموت ~~وحقيقته والقبر ومسألته ، متيقن بالبعث والنشور ، والصراط والعبور ، والجنة ~~والنار ، والخلود والاستقرار ، غير محتاج إلى تعليم ولا تكرار ، أن الذين ~~له في الورثة المستحقين لميراثه المستوعبين لجميعه : زوجته فلانة بنت فلان ~~، التي لم تزل في عصمته وعقد نكاحه إلى الآن ، وأولاده منها ، وهم فلان ~~وفلان وفلان ، بغير شريك لهم في ميراثه ولا حاجب يحجبهم عن استكماله ، ~~وأشهد على نفسه أن الذي عليه لزوجته كذا وكذا ولفلان كذا وكذا ، وأن ذلك ~~باق في ذمته إلى الآن ، وأن الذي له من الدين على فلان كذا وكذا ، وعلى ~~فلان كذا وكذا ، وأن ذلك باق في ذمتهما إلى الآن ms1823 ، وأن الجاري في ملكه كذا ~~وكذا - ويعين ماله إن كان - ، وأشهد على نفسه أنه دبر مملوكه فلانا تدبيرا ~~صحيحا شرعيا ، وقال له : أنت حر بعد موتي ، تخرج من ثلث مالي المفسوح في ~~إخراجه ، وأشهد على نفسه أن أوصى فلان بن فلان ، وجعل له أنه إذا نزل به ~~حادث الموت الذي كتبه الله على خلقه ، وساوى فيه بني بريته ، يحتاط على ~~جميع موجوده ، ويقبضه ويحرزه PageV09P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" تحت يده ، ثم يبدأ من ثلث ماله بتجهيزه ~~وتغسيله وتكفينه ومواراته في قبره بمن يراه أهلا لذلك على الأوضاع الشرعية ~~، والسنة النبوية ، ثم يسارع إلى قضاء ديونه الواجبة عليه ، وإبراء ذمته ، ~~ثم يفرز من ثلث ماله كذا وكذا ، ليستأجر به رجلا مشهورا بالخير والصلاح ، ~~عارفا بأداء الحج ، ممن حج عن نفسه ، ليحج عنه ، على أن ينشئ السفر من ~~البلد الفلاني في البر والبحر على ما يراه ، بنية الحج في هذا الموصي ~~المذكور ، فيحرم من الميقات الواجب عليه في طريقه ، ويؤدي عنه حجة الإسلام ~~وعمرته الواجبتين عليه شرعا ، مكملتين بأركانهما وشروطهما وواجباتهما ~~وسنتهما على الأوضاع الشرعية ، والسنن المرضية ، وينوى في جميع أفعاله وقوع ~~ذلك عن الموصى المذكور ، وللموصى الناظر أن يسلم إليه المبلغ المذكور في ~~ابتداء سفره ، ليكون عونا له على هذه العبادة ، وعلى المؤجر أن يشهد على ~~نفسه بأداء ذلك عن الموصى ليثبت علمه عند الوصي المذكور ، كل ذلك من رأس ~~ماله ، ثم يبيع ما يرى بيعه ، ويقبض ثمنه ، ويستخلص ما له من دين على ~~أربابه ، ويحرر جميع ذلك ، ثم يعود فيفرق من ثلث ما له المفسوح له في ~~إخراجه ، فيقوم العبد المذكور ويخرج فيمته من ثلث ماله ويثبت عتقه ، وإن ~~تصدق بشيء يذكره في هذا الموضع ، وهو أن يقول : ثم يخرج لفلان كذا ، ولفلان ~~كذا ، ويقف عنه الموضع الفلاني - كل ذلك ما يعينه - ، ثم يقسم ثلثي المال ~~وما يفضل من الثلث المفسوح له في إخراجه تعلى ورثته بالفريضة الشرعية ، ~~فيسلم البالغ الرشيد حصته ، ويبقى تحت يده للمحجور عليهم ما يتعين لهم من ms1824 ~~نقد وعروض وعقار وغير ذلك ، فيصرف لهم وعليهم على النظر والاحتياط إلى حين ~~بلوغهم وإيناس رشدهم ، وينفق عليهم بالمعروف ، ويصرف عليهم ما تدعوه الحاجة ~~إلى صرفه ، فمن بلغ منهم أشده ، وآنس الناظر عليه منه صلاحه ورشده ، سلم ~~إليه ما عساه يبقى له تحت يده من ذلك ، ويشهد عليه بقبضه ، أوصى بجميع ذلك ~~وصية صحيحة شرعية ثابتة في حياته ، معمولا بها بعد وفاته ، أقامه فيها مقام ~~نفسه ، لعلمه بدينه وعدالته وأمانته ، وله أن يستنيب عنه في ذلك من يراه ، ~~PageV09P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" فإن تعذر تصرف فلان الوصي كان الوصي في ذلك ~~فلانا ، فإن تعذر كان لحاكم المسلمين بالمكان الفلاني . إذا عزل الموصي ~~وصيه بغيره كتب : هذا ما أشهد عليه فلان أنه عزل وصيه فلانا عن وصيته التي ~~كان وصاه بها عزلا شرعيا ، ورجع عنها ، وأشهد عليه أنه أسند وصيته إلى فلان ~~، وجعله وصيا ، وأقامه مقام نفسه ، ويؤرخ . فصل إذا كلف الحاكم الوصي ~~بإثبات أهليته كتب على ظهر الوصية ما مثاله : شهد الشهود الواضع و خطوطهم ~~آخر هذا المحضر - وهم من أهل الخبرة الباطنة بما شهدوا به - أنهم يعرفون ~~فلانا الوصي المذكور باطنه معرفة صحيحة شرعية ، ويشهدون أنه أهل لما فوضه ~~إليه فلان الموصي باطنه المتوفى إلى رحمة الله تعالى من الوصية المشروحة ~~باطنه ، وأنه كاف للتصرف ، عدل لهم وعليهم ، يعلمون ذلك ويشهدون به بسؤال ~~من جاز سؤاله . فصل في إسجال الوصية ومحضر الوصي يكتب على ظهر الوصية : هذا ~~ما أشهد عليه سيدنا القاضي فلان الحاكم بالعمل الفلاني على نفسه الكريمة من ~~حضر مجلس حكمه وقضائه أنه ثبت عنده وصح لديه بعد صدور دعوى محررة ، مقابلة ~~بالإنكار على الوضع الشرعي ، بشهادة من أعلم تحت رسم شهادته علامة الأداء ، ~~مضمون الوصية - ويذكر تاريخا - وبآخرها رسم شهادة العدلين المذكورين ، وقال ~~كل واحد من هذين العدلين : إنه شهد على الموصى والوصي بما نسب إلى كل منهما ~~فيه ، وهو بهما عارف ، وإن الموصي توفي إلى رحمة الله تعالى في اليوم ~~الفلاني ، وما علم مغيرا لشهادته إلى ms1825 أن أقامها عند الحاكم بشروط الأداء ~~المعتبرة ، وأعلم تحت رسم شهادة كل منهما علامة الأداء والتعريف على الرسم ~~المعهود بما رأى معه قبول شهادتهما ، وأشهد عليه أيضا أنه ثبت عنده وصح ~~لديه ، بعد صدور دعوى محررة ، مقابلة بالإنكار على الوضع المعتبر الشرعي ~~بشهادة عدلين ، هما فلان وفلان - عرفهما فقبل شهادتهما بما رأى ~~PageV09P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" معه قبولها - جميع ما تضمنه المحضر المكتتب في ~~ذلك هذه الوصية - ويذكر مضمونه وتاريخه - وبآخره رسم شهادة الشاهدين ~~المذكورين ، وقال كل منهما : إنه بما شهد عالم وبفلان الوصي المذكور عارف ، ~~وما علم مغيرا لشهادته إلى أن أقامها بشروط الأداء ، وأعلم تحت رسم شهادة ~~كل منهما علامة الأداء والتعريف على الرسم المعهود في مثله ، فلما تكامل ~~ذلك كله سأله من جازت مسألته ، وسوغت الشريعة إجابته الإشهاد على نفسه ~~الكريمة بثبوت ذلك لديه ، والحكم به ، فأجابه إلى سؤاله ، وأشهد عليه بثبوت ~~ذلك عنده على الوجه الشرعي ، وأطلق يد الوصية في تنفيذ الوصية المذكورة ~~باطنه على الوجه المشروح فيها ، وحكم بذلك وأمضاه ، ونفذه وارتضاه وهو في ~~ذلك كله نافذ القضاء والحكم ماضيهما ، وأبقى كل ذي حجة معتبرة فيه على حجته ~~، وذلك بعد تقدم الدعوى المسموعة وما ترتب عليها بتاريخ كذا وكذا . فصل إذا ~~قبضت الكافلة نفقة ولدها كتب : أقرت فلانة المرأة الكاملة ابنة فلان ، ~~كافلة ولدها فلان بن فلان الطفل ، عند شهوده ، بأنها قبضت وتسلمت من فلان ~~وصي زوجها فلان المذكور والد ولدها كذا وكذا ، وذلك عوضا عن نفقة ولدها ~~لبطنها المذكور ، لمدة كذا وكذا شهرا ، وآخرها يوم تاريخه ، وصار ذلك بيدها ~~وقبضها وحوزها ، من مال الموصي المذكور ، ويؤرخ . فصل إذا خلف الموصي زوجة ~~مشتملة على حمل ، فوضعت وأراد الوصي إثبات ذلك كتب : شهد من أثبت اسمه آخره ~~من الرجال الأحرار المسلمين ، شهدوا شهادة لا يشكون فيها ولا يرتابون ، أن ~~فلانة وضعت الحمل الذي كانت مشتملة عليه من زوجها فلان المتوفى إلى رحمة ~~الله تعالى ولدا ذكرا - واسمه فلان - في اليوم الفلاني ، وهو في قيد الحياة ~~إلى الآن ms1826 ، وهم بها وبولدها عارفون ، ولما سألهم من جاز سؤاله أجابوا سؤاله ~~. PageV09P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" وأما العتق والتدبير وتعليق العتق - فإذا أعتق ~~السيد عبده كتب : هذا ما أشهد عليه فلان أنه أعتق في يوم تاريخه أو قبل ~~تاريخه مملوكه فلانا المقر له بالرق والعبودية ، المدعو فلانا ، الفلاني ~~الجنس ، المسلم ، وإن كان دون البلوغ كتب : مملوكه المراهق ، الماسك بيده ~~عند شهوده المدعو فلانا - ويذكر حلاه - عتقا صحيحا شرعيا منجزا ، لوجه الله ~~الكريم وطلب ثوابه العميم ، يوم يجزى الله المتصدقين ، ولا يضيع أجر ~~المحسنين ، ولقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " من أعتق رقبة مؤمنة ~~أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه حتى الفرج بالفرج صار " صار به فلان حرا ~~من أحرار المسلمين ، لا سبيل لأحد عليه إلا سبيل الولاء الشرعي ، فإنه ~~لمعتقه ، ولمن يستحقه من بعده . فإن أعتق نصف عبد وهو موسر كتب : أعتق جميع ~~النصف من جميع العبد المقر له بالرق والعبودية ، ويكمل العتق ، ثم يكتب : ~~وأقر المعتق بأنه في يوم تاريخه موسر بقيمة النصف الثاني ، ويؤرخ . ثم يكتب ~~خلف العتق قويم حصة الشريك وتكملة العتق ، ومثال ما يكتب : أقر فلان بأن ~~شريكه فلانا أعتق ما يملكه من العبد المذكور باطنه ، وهو النصف وهو موسر ، ~~وأنهما احضرا رجلين خبيرين بقيمة الرقيق ، وهما فلان وفلان ، وقوما النصف ~~من العبد المذكور يوم العتق بكذا وكذا ، وأنهما رضيا قولهما ، وعلما أنها ~~قيمة المثل يوم ذاك ، وأن فلانا المعتق دفع ذلك لشريكه ، فقبضه منه وتسلمه ~~، وبحكم ذلك عتق النصف الثاني من العبد على فلان عتقا شرعيا ، وصار العبد ~~بكماله حرا من أحرار المسلمين ، لا سبيل لأحد عليه إلا سبيل الولاء الشرعي ~~. فصل إذا علق رجل عتق عبده على موته ليخرج من رأس ماله كتب : أقر فلان ~~بأنه علق عبده فلان على موته في آخر يوم من أيام حياته المتقدم على وفاته ، ~~لاستكمال عتق عبده المذكور من رأس ماله ؛ تلفظ بذلك بتاريخ كذا . ~~PageV09P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" فصل إذا دبر رجل عبده كتب ما مثاله : دبر فلان ~~مملوكه ms1827 فلانا ، الفلاني الجنس ، المقر له بالرق والعبودية ، تدبيرا صحيحا ~~شرعيا ، وقال له : " متى مت فأنت حر بعد موتي ، تخرج من ثلث مالي المفسوح ~~لي في إخراجه " ؛ فبحكم ذلك صار حكمه حكم المدبر ؛ ويؤرخ . فإن أقر الورثة ~~بخروج المدبر من ثلث المال الموروث ، أو أقر الوصي بذلك كتب ما مثاله : أقر ~~فلان وفلان وفلان أولاد فلان بأن العبد المسمى باطنه الذي كان والدهم دبره ~~تدبيرا شرعيا ، قومه أهل الخبرة والمعرفة بقيمة الرقيق ، فكانت قيمته كذا ~~وكذا ، وأنها قيمة عادلة يكمل خروجها من ثلث مال متوفاهم ؛ وبحكم ذلك صار ~~العبد حرا من أحرار المسلمين ، لا سبيل لأحد عليه إلا سبيل الولاء الشرعي ؛ ~~ويؤرخ . وأما الكتابة - فإذا كاتب رجل عبده كتب ما مثاله : كاتب فلان ~~مملوكه الذي بيده وملكه ، المقر له بالرق ، المدعو فلانا ، الفلاني الجنس ، ~~المسلم لما علم فيه من الخير والديانة ، والعفة والأمانة ، ولقوله تعالى : ~~" فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " ، على مال جمالته كذا وكذا ، ويقوم به ~~منجما ، في سلخ كل شهر كذا وكذا من استقبال تاريخه ، وأسقط عنه السيد من ~~ذلك قسط النجم الأخير ، وهو كذا وكذا وأبرأه منه ، وأسقط عنه السيد من ذلك ~~قسط النجم الأخير ، وهو كذا وكذا وأبرأه منه ، لقول الله عز وجل : " وآتوهم ~~من مال الله الذي أتاكم " ، مكاتبة صحيحة شرعية ، وأذن له سيده في التكسب ~~والبيع والشراء ، فمتى أوفى ذلك كان حرا من أحرار المسلمين ، له مالهم ، ~~وعليه ما عليهم ، ولا سبيل لأحد عليه إلا سبيل الولاء الشرعي ، ومتى ما عجز ~~ولو عن الدرهم الفرد كان باقيا على حكم العبودية ، لقوله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " المكاتب قن ما بقي عليه درهم " ، وبمضمونه شهد بتاريخ كذا وكذا ~~. PageV09P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" فإن وفي العبد مال الكتابة كتب ما مثاله : أقر ~~فلان بأنه قبض وتسلم من مملوكه فلان المسمى باطنه جميع المبلغ المعين باطنه ~~، وهو كذا وكذا ، على حكم التنجيم باطنه ، وصار ذلك بيده وقبضه وحوزه ، ~~فبحكم ذلك صار فلان حرا من أحرار المسلمين ، على ما تقدم ويؤرخ ms1828 . فصل وإن ~~عجز المكاتب من أداء ما كوتب عليه كتب ما مثاله : حضر إلى شهوده في يوم ~~تاريخه فلان ، وأشهدهم على نفسه أنه كان كاتب عبده المذكور باطنه المكاتبة ~~المشروحة باطنه إلى المدة المعينة باطنه ، وزادت مدة ثانية ، واستحق عليه ~~كذا وكذا عن قسط كذا وكذا شهرا ، لم يقم له بها ، وصدقه العبد على ذلك ~~واعترف بأنه عاجز عن القيام بما حصل عليه ، وأنه سأله بعد الاستحقاق الصبر ~~عليه إلى يوم تاريخه ليسعى في تحصيل ما بقي عليه . . . لقوله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " المكاتب قن ما بقي عليه درهم " ، وتصادقا على ذلك ، ويؤرخ ~~. وإن كانا تحاكما عند حاكم كتب ما مثاله : حضر إلى شهوده في يوم تاريخه من ~~ذكر أنه حضر إلى مجلس الحكم المذكور عند سيدنا الفقير إلى الله تعالى فلان ~~الحاكم بالعمل الفلاني ، كل واحد من فلان بن فلان ومملوكه ، وادعى فلان ~~المبتدأ باسمه على مملوكه عند الحاكم المذكور أنه كاتبه على مال جملته كذا ~~وكذا ، فمتى أوفى ذلك كان حرا من أحرار المسلمين ، ومتى عجز عن أدائه ~~ووفائه ولو عن درهم واحد كان قنا باقيا على العبودية ، وأن المدة المذكورة ~~انقضت ، فاستحق عليه كذا وكذا درهما ، ولم يقم له بها ، وأنه صبر عليه مدة ~~ثانية ، آخرها يوم تاريخه ، ولم يقم له بشيء منها ، فسأل الحاكم المملوك عن ~~ذلك ، فصدق سيده في دعواه ، واعترف بأنه عاجز عن الوفاء ، وأنه لم يقدر على ~~تحصيل ما بقي ، فحينئذ سألا الحاكم المذكور الحكم لهما بما يوجبه الشرع ~~الشريف ، فأذن له الحاكم المذكور في فسخ المكاتبة PageV09P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" المذكورة ، لقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " المكاتب قن ما بقي عليه درهم " ، فحينئذ فسخ السيد المكاتبة المذكورة ~~فسخا شرعيا ، وأبطل حكمها ، وأشهد عليهما بذلك بتاريخ كذا وكذا . وأما ~~النكاح وما يتعلق به - فإذا زوج الوالد ابنته بإذنها أو زوجها وهي غير بالغ ~~كتب ما مثاله : هذا ما أصدق فلان فلانة البكر البالغ ابنة فلان ، صداقا ~~تزوجها به ، على بركة الله تعالى وعونه ms1829 ، وحسن توفيقه ومنه ملك به عصمتها ، ~~واستدام به - إن شاء الله - صحبتها ، مبلغه كذا وكذا ، الحال في ذلك كذا ~~وكذا ، قبضته الزوجة وتسلمته ، أو قبضه والد الزوجة لها بإذنها - وإن كانت ~~تحت حجره كتب : قبضه للزوجة والدها ، ليصرفه في مصالحها - وباقي ذلك - وهو ~~كذا وكذا - يقوم به منجما ، في سلخ كل سنة من استقبال تاريخه كذا وكذا - ~~وإن كان الصداق بكماله على حكم الحلول كتب : عجل لها الزوج من ذلك كذا وكذا ~~، وباقي ذلك في ذمته على حكم الحلول - وولي تزويجها إياه بذلك والدها ~~المذكور - ويحلى في هذا الموضع إن كان ممن لا يعرف - بحق ولايته عليها شرعا ~~، وبإذنها له في ذلك ورضاها ، بشهادة من يعينه في رسم شهادته ، أو على ما ~~ذكر - وإن كانت دون البلوغ كتب : بحق ولايته عليها شرعا ، لما رأى لها في ~~ذلك من الحظ والمصلحة وحسن النظر - بعد أن وضح للقاضي فلان عاقد الأنكحة ~~بالمكان الفلاني بالتولية الشرعية عن القاضي فلان أن الزوجة المذكورة بكر ~~بالغ ، خالية من موانع النكاح الشرعية ، وأنها ممن يجوز العقد عليها شرعا ، ~~وأن أباها المذكور مستحق الولاية عليها شرعا بشهادة جماعة من المسلمين وهم ~~فلان وفلان ، فتقدم حينئذ بكتابته ، وزوجها والدها المذكور من الزوج ~~المذكور على الصداق المعين ، وقبله الزوج لنفسه ورضيه ، والله تعالى مع ~~المتقين ، ويؤرخ . وإن اعترف الأب برشدها كتب : واعترف والد الزوجة ~~المذكورة بأن ابنته رشيدة ، جائزة التصرف ، لا حجر عليها PageV09P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" وإن كان العقد لم يحضره كاشف حاكم كتب إلى عند ~~" وبإذنها له في ذلك ورضاها وباشر والدها المذكور عقد النكاح بنفسه ، ويؤرخ ~~. وإن زوجها العاقد بإذنها وإذن أبيها ، أو بإذنها خاصة إذا لم يكن لها ولي ~~كتب : وولى تزويجها إياه بذلك القاضي فلان عاقد الأنكحة الشرعية بالتولية ~~الشرعية عن فلان ، بإذنها وإذن والدها له في ذلك ورضاهما ، بعد أن وضح عند ~~فلان العاقد أنها بكر بالغ ، كما تقدم . وإن كان الزوج ممن مسه الرق وعتق ~~كتب : وعلمت الزوجة المذكورة ووالدها أن الزوج المذكور ms1830 مسه الرق وعتق ، ~~ورضيا بذلك . وإن كانت الزوجة بكرا وزوجها من له الولاية عليها شرعا ، ~~كالأب أو الجد الأعلى ، أو الأخ ، أو ابن الأخ ، أو العم ، أو ابن العم ، ~~أو المعتق ، أو ابنه أو وليه ، كتب : وولي تزويجها بذلك فلان - ويذكر نسبته ~~منها - بحق ولايته عليها شرعا ، وبإذنها له في ذلك ورضاها . وإن كانوا ~~جماعة إخوة كتب اسم أمثلهم ، بإذنها له ، وإذن بقية إخوتها الأشقاء - وهم ~~فلان وفلان - له ، وإذنها لإخوتها في هذا الإذن . وإن زوجها الحاكم بإذنها ~~وإذن أوليائها أو أحدهم ذكر ، بشهادة من يعينه في رسم شهادته آخره . وإن ~~كانت الزوجة ثيبا كتب كما تقدم ، ويكتب : بعد أن حضر إلى العاقد المذكور من ~~عرفها عنده ، وهما فلان وفلان ، شهدا أنهما يعرفان هذه الزوجة معرفة شرعية ~~، وأنها خالية من جميع موانع النكاح الشرعية ، ومنذ طلقها زوجها فلان الذي ~~PageV09P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" دخل بها وأصابها ، الطلقة الأولى الخلع ، أو ~~الثانية ، أو الثلاث ، أو الرجعية التي انقضت عدتها ولم يراجعها ، المسطرة ~~على ظهر صداقها أو حاشيته ، المؤرخة بكذا وكذا ، لم تتصل بزوج غيره إلى يوم ~~تاريخه . وإن طلقها قبل الدخول والإصابة كتب ونبه عليه . وإن كان زوجها ~~توفي عنها كتب : ومنذ توفي عنها زوجها فلان من مدة تزيد على أربعة أشهر ~~وعشرة أيام لم تتصل بعده بزوج إلى الآن . وإن طلقها ومات عنها وهي حامل ~~ووضعت كتب : وإن زوجها طلقها ، و توفي عنها ، وهي مشتملة منه على حمل ، ~~ووضعته ، وانقضت عدتها بحكم وضعها . وإن كان عن فسخ كتب : ومنذ فسخ الحاكم ~~فلان نكاحها من زوجها فلان في التاريخ الفلاني وانقضت عدتها ، لم تتصل بزوج ~~إلى يوم تاريخه . وإن راجع رجل امرأته من طلقة أو طلقتين كتب : هذا ما أصدق ~~فلان مطلقته الطلقة الأولى الخلع ، أو الثانية ، المؤرخة قرينته أو باطنه ، ~~أو المكتتبة في براءة محررة تاريخها كذا وكذا . وإن زوجها الحاكم عند غيبة ~~وليها نبه عليها بأن يكتب : وولى تزويجها إياه فلان ، بعد أن وضح عنده ~~بشهادة فلان وفلان خلوها من ms1831 الموانع الشرعية ، وأنه لا ولي لها حاضر سوى ~~الحاكم العزيز ، بحكم غيبة وليها فلان - ويعين نسبته منها - في مسافة تقصر ~~فيها الصلاة ، وأن هذا الزوج كفء لها الكفاءة الشرعية في الدين والنسب ~~والحرية ، فحينئذ زوجها الحاكم المذكور من الزوج المذكور على الصداق المعين ~~، وقبله الزوج لنفسه ورضيه ، ويؤرخ . وإن زوج الحاكم امرأة عضلها وليها وقد ~~دعيت إلى كفء كتب : وولى تزويجها إياه بذلك القاضي فلان ، بإذنها له في ذلك ~~ورضاها وبحكم أن والدها PageV09P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" المذكور حضر إلى القاضي فلان ، وسألته ابنته ~~المذكورة أن يزوجها من الزوج المذكور لما ثبتت كفاءته عند الحاكم ، فامتنع ~~، فوعظه القاضي فلان وأعلمه بماله من الأجر في تزويجها ، وما عليه من الإثم ~~في المنع ، فلم يرجع إلى عظته وأصر على الامتناع ، وعضلها العضل الشرعي ، ~~وقال بمحضر من شهوده : عضلتها فلا أزوجها ، وبعد أن حضر إلى الحاكم المذكور ~~كل واحد من فلان وفلان وشهدا عنده أن الزوجة المذكورة خالية من جميع موانع ~~النكاح الشرعية ، وأن أباها المذكور عضلها العضل الشرعي ، وأن هذا الكفء ~~لها الكفاءة الشرعية في النسب والدين الصناعة والحرية ، فلما وضح له ذلك من ~~أمرها أذن بكتبه فكتب وزوجها من الزوج المذكور على الصداق المعين ، وقبله ~~الزوج لنفسه ورضيه . فصل إذا زوج الصغير أو المراهق للصغيرة أو المعصرة كتب ~~ما مثاله : هذا ما أصدق فلان عن ولده لصلبه فلان - ويذكر سنه - الذي تحت ~~حجره وكفالته وولاية نظره ، لما رأى له في ذلك من الحظ والمصلحة في دينه ~~ودنياه فلانة البكر - ويعين سنها - ابنة فلان التي تحت حجر ولدها المذكور ~~وكفالته وولاية نظره ، لما رأى لها في ذلك من الحظ والمصلحة ، صداقا مبلغه ~~كذا وكذا عجل لها من ذلك من ماله عن ولده المذكور كذا وكذا ، قبضه منه ~~والدها لأنبته المذكورة ليصرفه في مصالحها - وإن كان من مال ولده كتب : من ~~مال ولده المذكور الذي تحت يده وحوطه - وباقي ذلك - وهو كذا وكذا - يقوم به ~~الولي من ماله عن ولده وفي سلخ كل سنة ms1832 من استقبال العقد بينهما كذا وكذا ، ~~أو من مال ولده المذكور الذي تحت يده وحوزه ، وولى تزويجها إياه بذلك ~~والدها المذكور ، بحق ولايته عليها شرعا ، بعد أن وضح للقاضي فلان أنها بكر ~~معصر لم يعقد عليها عقد إلى يوم تاريخه ، أو يكتب : خالية من جميع موانع ~~النكاح الشرعية ، وأن أباها مستحق الولاية عليها شرعا ، بشهادة فلان وفلان ~~، فلما وضح ذلك عنده أذن بكتبه فكتب ، وزوجها والدها من الزوج المذكور على ~~الصداق المعين ، وقبله والد الزوج لولده قبولا شرعيا . PageV09P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" وإن كان من مال الصغير كتب في آخر الكتاب : ~~وشهدت البينة أن المهر المذكور مهر مثلها على مثله ، لا حيف في ذلك ولا شطط ~~ويؤرخ . فصل في صداق المحجور عليه من قبل الحاكم يكتب ما مثاله : هذا ما ~~أصدق فلان المحجور عليه من قبل الحكم العزيز عندما دعت حاجته إلى النكاح ، ~~وتاقت نفسه إليه ، وذكر ذلك للقاضي فلان أمين الحكم بمحضر من شهوده ، وسأله ~~الإذن له في ذلك ، فأذن له فيه بالصداق الآتي ذكره الإذن الصحيح الشرعي ، ~~فلانة ابنة فلان ، وتزوجها به ، أصدقها على بركة الله تعالى صداقا مبلغه ~~كذا وكذا ، الحال من ذلك كذا وكذا ، قبضته الزوجة المذكورة من القاضي فلان ~~أمين الحكم العزيز ، من مال هذا الزوج الذي له تحت يده وصار بيدها وقبضها ~~وحوزها ، وباقي الصداق - وهو كذا وكذا - مقسط في سلخ كل سنة كذا وكذا ، ~~وولي تزويجها إياه بذلك . . . . ويكمل ، ويكتب في آخره : وشهدت البنية أن ~~الصداق المذكور مهر مثلها على مثله . وإن تزوج رجل امرأة محجورا عليها كتب ~~في القبض : بيد الوصي أو أمين الحكم ، ليصرفه في مصالحها . ويكتب في آخره : ~~وشهدت البنية أن هذا المهر مهر المثل . فصل إذا أصدق رجل عن موكله كتب ما ~~مثاله : هذا ما أصدق فلان عن موكله فلان بإذنه له في ذلك وتوكيله - ويشرح ~~الوكالة إن كانت مفوضة أو مقيدة على الزوجة بعينها - يشهد بذلك على الموكل ~~من يعينه في رسم شهادته من شهود هذا العقد ، فلانة البكر ms1833 البالغ ، أو ~~المرأة الكاملة ، ويكمل . ويكتب في القبول : وقبل هذا الوكيل المذكور عقد ~~هذا النكاح لموكلة فلان على الصداق المعين قبولا شرعيا ويؤرخ . ~~PageV09P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" فصل إذا تزوج الحر أمه كتب : هذا ما أصدق فلان ~~فلانة مملوكة فلان المقرة لسيدها بالرق والعبودية ، عندما خشي على نفسه ~~العنت ، وخاف الوقوع في المحظور لعدم الطول ، وأنه ليس في عصمته زوجة ، ولا ~~يقدر على صداق حرة على ما شهد له به من يعينه في رسم شهادته ، صداقا تزوجها ~~به ، مبلغه كذا وكذا وولي تزويجها إياه بذلك سيدها المذكور بحق ولايته ~~عليها شرعا - ولا يفتقر إلى إذنها - ويكمل الصداق ، ويكتب : وشهدت البينة ~~أن الزوج المذكور فقير ليس له موجود ظاهر ، ولا مال باطن ، ولا له قدرة على ~~نكاح حرة ، ولا في عصمته زوجة ، وأنه عادم للطول . وأن تزوج العبد حرة كتب ~~: هذا ما أصدق فلان مملوك فلان ، المقر لسيده بالرق والعبودية ، بسؤال منه ~~لسيده ، وإذن سيده له في ذلك الإذن الصحيح الشرعي ، وشهد عليه بذلك شهود ~~هذا الكتاب ، فلانة ابنة فلان ، صداقا تزوجها به ، جملته كذا وكذا ، الحال ~~من ذلك كذا وكذا ، قبضته الزوجة من مال سيده الذي بيده بإذن سيده له في ذلك ~~، وباقي ذلك - وهو كذا وكذا - يقوم به سيده لها عن عبده من ماله ، في سلخ ~~كل سنة تمضي من تاريخ العقد كذا وكذا - وإن كان من مال العبد من كسبه ذكره ~~- وأذن له سيده في السعي والكسب والبيع والشراء ، والأخذ والعطاء ، وولي ~~تزويجها . . . . ويكمل . ويكتب في آخر : وعلمت الزوجة المذكورة أن الزوج ~~مملوك ، ورضيت بذلك . وإن كان لهما أولياء كتب رضاهم . PageV09P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" فصل إن زوج جاريته لعبده كتب ما مثاله : هذا ~~كتاب تزويج اكتتبه فلان لعبده فلان من أمته فلانة ، المقر له منهما بالرق ~~والعبودية ، وأنه أشهد على نفسه أنه زوج عبده المذكور لأمته المذكورة ~~تزويجا صحيحا شرعيا بسؤال كل منهما لسيده المذكور في ذلك ، وقبل الزوج ~~المذكور من سيده عقد هذا النكاح لنفسه قبولا شرعيا . ولا ms1834 يعين الصداق ، ولا ~~اعتبار بإذنها ، وإن كشفه عاقد كتب كما تقدم . فصل وإن تزوج رجل أخرس ~~بامرأة ناطقة كتب : هذا ما أصدق فلان الأخرس اللسان ، الأصم الأذان ، ~~العاقل ، الذي يفهم ما يجب عليه شرعا ، كل ذلك بالإشارة المفهومة عنه ، ~~يعلمها منه شهوده ، ولا ينكرها منه من يعلمها عنه فلانة ابنة فلان ، ويكمل ~~على ما تقدم . ويكتب عند القبول : وقبل الزوج لنفسه هذا العقد بالإشارة ~~المفهومة عنه . وإن كانا أخرسين كتب : هذا ما أصدق فلان فلانة ، وكل منهما ~~أخرس لا ينطق بلسانه ، أصم لا يسمع بآذانه ، صحيح العقل والبصر ، عالم بما ~~يجب عليه شرعا ، كل ذلك بالإشارة المفهومة عنه ، يفهمها من كل منهما شهود ~~هذا العقد صداقا تزوجها به ، ويكمل كما تقدم . وإن كان الزوج مجبوبا كتب في ~~آخر الكتاب : وعلمت الزوجة أن الزوج مجبوب ، لا قدرة له على النكاح ، ورضيت ~~به . وأما إقرار الزوجين بالزوجية واعتراف الزوج بمبلغ الصداق وما يتصل ~~بذلك من فرض الزوجة والإشهاد عليها بقبض الكسوة فيحتاج في إقرار الزوجين ~~بالزوجية إلى تسطير محضر بأنهما زوجان متناكحان ويشهد فيه جماعة من ~~المسلمين الذين PageV09P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" يعلمون ذلك ، ثم يكتب كتاب الإقرار وصورته : ~~أقر فلان وفلانة بأنهما زوجان متناكحان بنكاح صحيح شرعي ، وأن الزوج منهما ~~دخل بالزوجة وأصابها ، وأولدها على فراشه ولدا ذكرا يسمى فلانا - إن كان - ~~وأن الزوجة المذكورة لم تبن من الزوج المذكور بطلاق بائن ولا رجعي ولا فسخ ~~ولا غيره ، ومنذ تزوجها إلى الآن أحكام الزوجية قائمة بينهما ، وتصادقا على ~~ذلك ، واعترف الزوج بأن في ذمته مبلغ صداقها عليه الذي عدم ، وهو كذا وكذا ~~. وإن كشفه عاقد كتب : وذلك بعد أن وضح للعاقد فلان بشهادة فلان وفلان ~~مضمون ما أقرا به فيه ، فحينئذ أذن في كتبه ، ويؤرخ . فصل في فرض زوجة إن ~~فرض الرجل على نفسه كتب : فرض قرره على نفسه فلان لزوجته فلانة التي دخل ~~بها وأصابها ، واستولدها على فراشه - إن كان ذلك - لما تحتاج إليه من طعام ~~وإدام وماء وزيت وصابون حمام ms1835 ، في غرة كل يوم كذا وكذا حسب ما اتفقا على ~~ذلك وتراضيا عليه ، وذلك خارج عما يوجبه الشرع الشريف لها . وإن قرره حاكم ~~كتب : هذا ما أشهد على نفسه القاضي فلان أنه فرض على فلان لزوجته فلانة لما ~~تحتاج إليه من نفقة ومؤونة وماء وزيت وصابون حمام في كل يوم كذا وكذا ، ~~وذلك خارج عما يلزمه لها من اللوازم الشرعية غير ذلك ، قرر ذلك الحاكم عليه ~~، وأوجبه في ماله ، ورضيت الزوجة به . فصل وإن قبضت المرأة كسوتها كتب : ~~أقرت فلانة بأنها قبضت وتسلمت من زوجها فلان كسوتها الواجبة عليه شرعا ، ~~وهي ثوب وسراويل ومقنعة ، وذلك عن فصل واحد ، أوله يوم تاريخه ، وصار ذلك ~~بيدها وقبضها وحوزها . وكذلك إن قبضت كسوة ولدها الطفل . وأما الطلاق وما ~~يتصل به من الفروض الواجبة - فإذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول كتب : طلق ~~الزوج المسمى باطنه فلان زوجته المسماة باطنه فلانة قبل الدخول ~~PageV09P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" بها والإصابة ، طلقة واحدة بانت منه بذلك ، ~~بحكم أنه لم يدخل بها ولم يصبها ، وبحكم ذلك تشطر الصداق المعقود عليه ~~باطنه نصفين سقط عنه النصف ، وبقي النصف الثاني . فإن طلق الزوج الزوجة قبل ~~الدخول بها على ما يتشطر لها من الصداق كتب ما مثاله : سألت الزوجة ~~المساماة باطنه فلانة زوجها فلانا الذي لم يدخل بها ولم يصبها - وتصادقا ~~على ذلك - أن يخلعها من عصمته وعقد نكاحه على ما يتشطر من الصداق باطنه ، ~~أو على ما يتفقان عليه ، فأجابها إلى سؤالها وقبل منها العوض المذكور ، ~~وطلقها عليه الطلقة المسئولة ، بانت منه بذلك وملكت نفسها عليه ، وبحكم ذلك ~~تشطر الصداق المعقود عليه باطنه نصفين سقط عنه النصف ، وبرئت ذمته من النصف ~~الثاني بحكم هذا . وإن سأل الأب أو غيره الزوج أن يطلق زوجته على نظير ما ~~بذله له في ذمته ، ثم أحال المطلق مطلقته بذلك كتب : سأل فلان فلانا - وهو ~~الزوج المسمى باطنه - أن يخلع زوجته فلانة المسماة باطنه التي لم يدخل بها ~~ولم يصبها ، أو التي يدخل بها وأصابتها ، وبطلقة ms1836 واحدة : أولى أو ثانية ، ~~أو ثالثة ، على ما بذله في ذمته ، وهو كذا وكذا ، من ذلك ما هو حال كذا ~~وكذا ، وما هو مؤجل كذا وكذا ، فأجابه إلى سؤاله ، وقبل منه العوض المذكور ~~وطلق زوجته الطلقة واحدة أولى خلعا بانت بها منه ، وملكت نفسها عليه ، ~~وبحكم هذا الطلاق تشطر الصداق المذكور نصفين ، سقط عنه النصف ، وبقي في ~~ذمته النصف الثاني ، وأقر المطلق بأنه قبض من السائل مبلغ الحال الذي اختلع ~~له به واعترف أيضا بأنه قبض نصف المعجل باطنه ، وصار بيده وقبضه وحوزه ، ثم ~~بعد تمام ذلك ولزومه أحال المطلق المذكور مطلقته المذكورة على أبيها ~~بالمبلغ المؤجل وهو نظير نصف مؤخر الصداق المعين باطنه في قدره وجنسه وصفته ~~واستحقاقه حوالة شرعية ، قبلها منه لها والدها ، بحكم أنها تحت حجره وولاية ~~نظره ، قبولا شرعيا ، وبحكم ذلك وجبت لها مطالبة أبيها . PageV09P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" فإن طلق طلقة رجعية بعد الدخول كتب : طلق ~~الزوج المسمى باطنه فلان زوجته المسماة باطنه فلانة ، التي دخل بها وأصابها ~~، طلقة واحدة أو ثانية رجعية ، يملك بها رجعتها ما لم تنقض عدتها ، فإذا ~~انقضت فلا سبيل له عليها ولا رجعة إلا بأمرها ورضاها وعقد جديد لها عليه ، ~~على ما يوجبه الشرع الشريف . وإن استرجعها منها كتب : ثم بعد ذلك استرجع ~~المطلق المذكور مطلقته ، أو أقر بأنه استرجع مطلقته من الطلقة الأولى ، أو ~~الثانية ، استرجاعا شرعيا ، وردها وأمسكها ، وصار حكمها حكم الزوجات ، ~~ويؤرخ . فإن طلقها ثلاثا كتب : طلق فلان زوجته فلانة التي دخل بها وأصابها ~~طلاقا ثلاثا ، حرمت عليه بذلك ، " فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " ~~. فإن اختلعت المرأة من زوجها على أن يطلقها كتب : سألت فلانة زوجها فلانا ~~الذي دخل بها وأصابها أن يخلعها من عصمته وعقد نكاحه على مؤخر صداقها عليه ~~، الشاهد به كتابه المتعذر حضوره ، وهو كذا وكذا ، فأجابها إلى سؤالها ، ~~وقبل منها العوض المذكور ، وطلقها عليه طلقة واحدة أولى خلعا ، أو ثانية ~~خلعا ، أو ثالثة ، بانت منه بذلك ، وملكت نفسها عليه ، وأقرت ms1837 بأنها لا ~~تستحق عليه صداقا ، ولا بقية من صداق ، ولا نفقة ولا كسوة ولا حقا من حقوق ~~الزوجية كلها . والعبد لا يملك إلا طلقتين . وإذا طلق المحبوب لا يكتب في ~~طلاقه إصابة . وإن وكل رجلا أن يطلق عنه كتب : سألت فلانة فلان بن فلان ~~الوكيل عن زوجها فلان ، القائم عنه في طلاقها بالوكالة التي جعل له فيها أن ~~يطلق عنه زوجته المذكورة طلقة واحدة أولى خلعا على مؤخر صداقها عليه ، وهو ~~كذا وكذا ، المشروح ذلك في الوكالة المؤرخة بكذا وكذا ، أن يطلقها عن موكله ~~فلان المذكور بطلقة واحدة أولى خلعا على جميع مؤخر صداقها ، وهو كذا وكذا ، ~~فأجابها إلى سؤالها ، وقبل منها العوض المذكور ، وطلقها عن موكله طلقة ~~واحدة أولى خلعا ، PageV09P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" بانت منه بها ، وملكت نفسها عليه ، فلا تحل له ~~إلا بعد عقد جديد وأقرت بأنها لا تستحق عليه صداقا ، كما تقدم . فصل في فرض ~~امرأ مطلقة ظهرت حاملا يكتب ما مثاله : فرض قرره على نفسه فلان لمطلقته ~~الطلقة الأولى أو الثانية ، أو الثلاث ، فلانة المرأة الكاملة ، المشتملة ~~منه على حمل ، وتصادقا على ذلك ، عوضا عما تحتاج إليه من طعام وإدام وماء ، ~~في كل يوم من الأيام كذا وكذا قسط كل يوم في أوله من استقبال تاريخه ، حسب ~~ما اتفقا على ذلك وتراضيا عليه وذلك خارج عما يوجبه الشرع الشريف لها ، ~~وأذن لها أن تقترض على ذمته بقدر ما قرر لها عند تعذر وصول ذلك إليها ، ~~وتنفقه عليها ، وترجع به عليه ، إذنا شرعيا قبلته منه . فإن قرر على نفسه ~~لولده كتب : فرض قرره على نفسه فلان لولده الطفل ، الذي في كفالة والدته ~~مطلقته فلانة ، لما يحتاج إليه من طعام وادام وماء وزيت وصابون حمام ، في ~~كل يوم من الأيام كذا وكذا من استقبال تاريخه ، حسب ما اتفقا وتراضيا عليه ~~، وذلك خارج عما يوجبه الشرع الشريف ، وأذن لها أن تقترض على ذمته ، وتنفق ~~على ولدها ، وترجع به عليه ، إذنا شرعيا . فإن قرر لوالده أو والدته كتب ما ~~مثاله ms1838 : فرض قرره على نفسه فلان لوالدته فلانة ، بحكم عجزها وفقرها وحاجتها ~~، لما تحتاج إليه من الطعام وإدام وزيت وصابون ، في كل يوم كذا وكذا ، ~~ويكمل . فصل إذا قرر القاضي للمحجور عليه من ماله له ولزوجته كتب : هذا ما ~~أشهد على نفسه القاضي فلان الفارض أنه قرر لفلان المحجور عليه بيد الحكم ~~العزيز ولزوجته فيما له من أجرة العقار المنسوب إليه ، الذي تحت نظر الحكم ~~العزيز ، لما يحتاجان إليه من طعام وإدام وماء وزيت ، في كل يوم كذا وكذا ~~من استقبال تاريخه ، قسط كل PageV09P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" يوم في أوله ، وقرر له ولزوجته وللخادم عوضا ~~عن كسوتهم لفصل الصيف كذا وكذا ولفصل الشتاء كذا وكذا ، وبذلك شهد عليه ، ~~ويؤرخ . وأما تعليق الطلاق وفسخ النكاح - فإذا علق الزوج طلاق زوجته على ~~سفره ، أو أنه يسافر بها ، كتب على ظهر كتابه ما مثاله : قال الزوج المسمى ~~باطنه فلان لزوجته فلانة ، التي دخل بها وأصابها : متى سافرت عنك من البلد ~~الفلاني ، واستمرت غيبتي عنك شهرا واحدا ابتداؤه من حين سفر ، أو متى سفرتك ~~إلى بلد من البلاد بنفسي أو وكيلي ، أو متى تسريت عليك بأمة فأنت طالق ~~ثلاثا ، تلفظ بذلك عند شهوده ، ويؤرخ . فصل إذا سافر الزوج عن زوجته وتركها ~~بغير نفقة ولا كسوة ، وأرادت فسخ نكاحها منه ، كتب محضر بالغيبة ، مثاله : ~~شهد الشهود الواضعون خطوطهم آخر هذا المحضر - وهم من أهل الخبرة الباطنة ~~فيما شهدوا به فيه - أنهم يعرفون كل واحد من فلان وفلانة معرفة صحيحة شرعية ~~، ويشهدون أنهما زوجان متناكحان بنكاح صحيح شرعي دخل الزوج منهما بالزوجة ، ~~وأولدها على فراشه ولدا ذكرا ، أو أولادا - إن كان ذلك ، وإن كان لم يدخل ~~بها كتب : وإن الزوج لم يدخل بها ، ولم يصبها ، وأنها عرضت نفسها عليه ~~ليدخل بها فامتنع من ذلك ، وأخره إلى وقت آخر - وأنه سافر عنها بعد ذلك من ~~البلد الفلاني ، وتوجه إلى البلد الفلانية ، من مدة تزيد على أشهر سنة ~~تتقدم على تاريخه ، وهي مطاوعة له ، وأنه تركها معوزة عاجزة عن ms1839 الوصول إلى ~~ما يجب لها عليه ، من النفقة والكسوة واللوازم الشرعية ، بحكم أنه ليس له ~~موجود حاضر ، ولا مال متعين ، وقد تضررت بسبب غيبته عنها ، وتعذر وصول ما ~~يجب لها عليه شرعا من جهته ومن جهة أحد بسببه ، وأنها لم تجد من يقرضها على ~~ذمته ، ولا من يتبرع بالإنفاق غليها عنه ، وأنه مستمر الغيبة عنها إلى الآن ~~، وأنها مستمرة على الطاعة له ، يعلمون ذلك ويشهدون به بسؤال من جازت ~~مسألته ، وسوغت الشريعة المطهرة إجابته ، ويؤرخ . PageV09P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" فإذا وضع الشهود رسم شهادتهم ، وأدوا عند ~~الحاكم ، كتب على ظهره الحلف بعد حلفها ، وصورته : أحلفت المشهود لها باطنه ~~فلانة بالله العظيم الذي لا إله إلا هو ، اليمين الشرعية المستوفاة ، ~~الجامعة لمعاني الحلف ، المعتبرة شرعا ، أن الزوج المذكور معها باطنة فلانا ~~سافر عنها من البلد الفلاني ، متوجها إلى البلد الفلاني من مدة تزيد على ~~سنة كاملة تتقدم على تاريخه ، وهي مطاوعة له ، أنه تركها معوزة عاجزة عن ~~الوصول إلى ما يجب لها عليه ، من النفقة والكسوة واللوازم الشرعية ، بحكم ~~أنه ليس له موجود - ويصف كل ما في المحضر إلى عند وأنها متسمرة على الطاعة ~~له - وأن من شهد لها باطنه صادق فيما شهد لها به ، فحلفت كما أحلفت ، ~~بالتماسها لذلك على الأوضاع الشرعية ، وبحضور من يعتبر حضوره شرعا ، بعد ~~تقدم الدعوى وما ترتب عليها ، ويؤرخ . ثم يكتب الإسجال قرين الحلف أو تحته ~~، وهو : هذا ما أشهد على نفسه الكريمة سيدنا العبد الفقير إلى الله تعالى ~~فلان الحاكم ، من حضر مجلسه من العدول الواضعي خطوطهم آخره ، أنه ثبت عنده ~~وصح لديه في اليوم الفلاني ، بعد دعوى محررة مقابلة بالإنكار على الوجه ~~الشرعي ، بشهادة من أعلم تحت رسم شهادته باطنه وزكي لديه التزكية الشرعية ~~على الوجه المعتبر الشرعي ، مضمون المحضر المسطر باطنه على ما نص وشرح فيه ~~بكذا وكذا ثبوتا صحيحا شرعيا ، وقد أقام كل من الشهود به شهادته عنده بذلك ~~، وأعلم تحت رسم شهادة كل منهم ما جرت به العادة ، وأحلفت الزوجة المذكورة ms1840 ~~الحلف المشروح فيه ، فلما تكامل ذلك عنده وصح لديه وعظها ، وأعلمها بما له ~~من الأجر في الصبر على البقاء في عصمة زوجها المذكور ، فأبت الصبر ، وذكرت ~~أن ضرورتها تمنعها من ذلك ، وسألت الحاكم المذكور الإذن لها في فسخ نكاحها ~~من زوجها المذكور ، فحين زالت الأعذار من PageV09P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" إجابتها أذن لها الحاكم المذكور في فسخ نكاحها ~~من زوجها المذكور ، وأشهدت على نفسها شهود هذا الإسجال أنها فسخت نكاحها من ~~زوجها المذكور ، واختارت فراقه - وإن كان الحاكم هو الفاسخ كتب : فحينئذ ~~سألت بر الحاكم فسخ نكاحها من زوجها المذكور ، وأصرت على ذلك ، فحين زالت ~~الأعذار من إجابتها قدم خيرة الله تعالى ، وأجابها إلى ما التمسته ، وفسخ ~~نكاحها من زوجها المذكور الفسخ الصحيح الشرعي ، وفرق بينهما - فلما تكامل ~~ذلك كله سأله من جازت مسألته وسوغت الشريعة المطهرة إجابته ، التقدم بكتابة ~~هذا الإسجال ، والإشهاد عليه بذلك ، فأجابه إلى سؤاله ، وتقدم بكتابته ، ~~فكتب عن إذنه ، وأشهد على نفسه بذلك في مجلس حكمه وقضائه - وهو في ذلك كله ~~نافذ القضاء والحكم ماضيهما - وأبقى كل ذي حجة معتبرة فيه على حجته إن كانت ~~، وذلك بعد تقدم الدعوى الموصوفة وما ترتب عليها . ويشهد على الزوجة أيضا ~~بما نسب إليها . وأما نفي ولد الجارية والإقرار باستيلاد الأمة - فإنه إذا ~~أراد السيد نفي ولد جاريته بعد الوطء والاستبراء على قول من قال به كتب ما ~~مثاله : أقر فلان بأنه كان قبل تاريخه وطئ مملوكته فلانة - ويذكر جنسها - ~~المسلمة المقترة له بالرق والعبودية ، ثم استبرأها بعد الوطء استبراء صحيحا ~~شرعيا ، وأنه لم يطأها بعد الاستبراء ، وأنها بعد ذلك أتت بولد ، وسمته ~~فلانا ، وأنه الآن في قيد الحياة ، وأن هذا الولد ليس منه ولا من صلبه ، ~~ولا نسب بينه وبينه ، وحلف على ذلك بالله العظيم اليمين الشرعية ، وأشهد ~~عليه بحضورها بتاريخ كذا وكذا . وأن أقر بأنه استولد جاريته كتب : أقر فلان ~~بأنه كان قبل تاريخ وطئ مملوكته التي بيده وملكه ، المقرة له بالرق ~~والعبودية ، المدعوة فلانة ، الفلانة الجنس ، الوطء الصحيح ms1841 الشرعي ، في حال ~~مملكته لها على فراشه ، واستولدها عليه ولد PageV09P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" ذكرا يسمى فلانا ، الطفل يومئذ ، وهو الآن في ~~قيد الحياة ، وأنه من صلبه ونسله ، ونسبه لا حق بنسبه ، وصدقته على ذلك . ~~وأما الوكالات - فإذا وكل رجل رجلا وكالة مطلقة كتب : وكل فلان فلانا في ~~المطالبة بحقوقه كلها ، وديونه بأسرها ، من غرمائه وخصومه قبل من كانت وحيث ~~تكون ، والمحاكمة بسببها عند القضاة والحاكم وخلفائهم وولاة أمور الإسلام ، ~~والدعوى على غرمائه وخصومه ، واستماع الدعوى عليه ورد الأجوبة عنها بما ~~يسوغ شرعا ، والحبس والإطلاق والترسم والملازمة والإفراج ، وأخذ الكفلاء ~~والضمناء بالوجه والمال ، وقبول الحوالات على الأملئاء وإثبات حججه ~~ومساطيره ، وإقامة بيناته ، وقبض كل حق متوجه له قبضه بكل طريق شرعي ، ~~والإشهاد على الحكام والقضاة بما يثبت له شرعا ، وطلب الحكم من الحكام ، ~~وفي إيجار ما يجري في ملكه من العقار الكامل والمشاع لمن يرغب في استئجاره ~~بما يراه من الأجر : حالها ومنجمها ومؤجلها ومعجلها ، لما يراه من المدد : ~~قليلها وكثيرها ، وقبض الأجرة ، واكتتاب ما يجب اكتتابه في ذلك ، وتسليم ما ~~يؤجره - ومهما وكله فيه كتبه وعينه بما يليق تعيينه - ، وكله في ذلك كله ~~وكالة شرعية قبلها منه قبولا شرعيا ، وأذن له أن يوكل عنه في ذلك كله وفيما ~~شاء منه من شاء ، ويعزله متى شاء ، ويعيده متى أراد . فإن وكله وأراد ألا ~~يعزله كتب في ذيل الوكالة : ثم بعد تمام ذلك ولزومه قال الموكل لوكيله : ~~متى عزلتك فأنت وكيل متصرف لا منصرف . فإذا أراد عزله كتب على ظهر الوكالة ~~: قال الموكل لوكيله : متى عدت وكيلي فأنت معزول ، بحكم ذلك العزل بطل ~~تصرفه في الوكالة المشروحة باطنه ، ويؤرخ . PageV09P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" وإذا وكل ذمي مسلما قدم اسم الوكيل ، فيكتب : ~~هذا كتاب وكالة اكتتبه لفلان فلان الذمي ، وأشهد على نفسه أنه وكله في كيت ~~وكيت ، ويكمل كما تقدم . وأما المحاضر على اختلافها فسنذكرها ، إذا أراد ~~أمين الحكم أن يبيع على يتيم للحاجة كتب محضرا بالقيمة ، مثاله : شهد ~~الشهود الواضعون خطوطهم آخره - وهم ms1842 من أهل الخبرة بالعقار وتقويمه - أنهم ~~ساروا بإذن شرعي إلى حيث الدار الكاملة الآتي ذكرها ووصفها وتحديدها فيه ، ~~المقومة بكمالها ، أو المقوم منها حصة مبلغها كذا وكذا سهما ، ملك فلان ~~المحجور عليه ، لتباع عليه في نفقته ومؤونته ولوازمه الشرعية ، وهي بالمكان ~~الفلاني - وتوصف وتحدد - وتأملوا ذلك بالنظر ، وأحاطوا به علما وخبرة ، ~~وقوموا الحصة المذكورة بما مبلغه كذا وكذا وقالوا : إن ذلك قيمة المثل ~~يومئذ ، لا حيف فيها ولا شطط ، ولا غبينة ولا فرط وإن الحظ والمصلحة في ~~البيع بذلك . فإن كان بالغبطة على القيمة كتب كما تقدم إلى قوله : لتباع ~~عليه لما له في ذلك من الحظ والمصلحة والغبطة الزائدة على قيمة المثل ، هي ~~الدار التي بالموضع الفلاني - وتوصف وتحدد - وتأملوا ذلك بالنظر ، وأحاطوا ~~به علما وخبرة ، وقوموا الحصة بكذا وكذا درهما ، وقالوا : إن ذلك قيمة ~~المثل - نحو ما تقدم - وإن الحظ والمصلحة والغبطة في بيع الحصة المذكورة ~~بزيادة كذا وكذا ، وبذلك وضعوا خطوطهم ، ويؤرخ . فإن قومت لتباع فيما ثبت ~~على المتوفى من صداق زوجته ، أو من دين ، كتب أول المحضر كما تقدم ، وقيل : ~~المنسوبة لفلان المتوفى إلى رحمة الله تعالى ، لتباع لعيه فيما ثبت في ذمته ~~من صداق زوجته فلانة ، الثبوت الصحيح الشرعي ، أو فيما يثبت عليه من دين ~~شرعي لفلان ، حسب ما يشهد بذلك مسطوره الذي بيده ، الذي ثبت بمجلس الحكم ~~العزيز ، ويكمل كما تقدم . PageV09P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" فصل في محضر وفاة وحصر ورثة يكتب : شهد الشهود ~~الواضعون خطوطهم آخر هذا المحضر - وهم من أهل الخبرة الباطنة فيما شهدوا به ~~- أنهم يعرفون فلان بن فلان ، وورثته الآتي ذكرهم فيه ، معرفة صحيحة شرعية ~~، ويشهدون أنه توفي إلى رحمة الله تعالى بالبلد الفلاني من مدة كذا وكذا ، ~~وخلف من الورثة المستحقين لميراثه المستوعبين لجميعه زوجته فلانة التي لم ~~تزل في عصمته وعقد نكاحه إلى حين وفاته ، وأولاده منها أو من غيرها - ويذكر ~~أبويه إن كانا أو أحدهما - بغير شريك لهم في ميراثه ، ولا حاجب يحجبهم عنه ~~بوجه ولا سبب ، ويعلمون ms1843 ذلك ويشهدون به بسؤال من جازت مسألته وسوغت الشريعة ~~المطهرة إجابته ، ويؤرخ . فصل إذا مات رجل وخلف أبوين وأخوين كتب ما مثاله ~~: شهد الشهود أنهم يعرفون فلانا ووالديه الآتي ذكرهما فيه ، ويشهدون ~~بالخبرة الباطنة أنه خلف وارثيه : والده فلانا ، ووالدته فلانة ، بغير شريك ~~لهما في ميراثه ، ولا حاجب يحجبهما حجب حرمان عن استكماله ، ويشهدون أن ~~المتوفى له أخوان ، وهما فلان وفلان ، وبحكم ذلك يكون للأب من ميراثه النصف ~~والثلث ، وللأم السدس ، بحكم أن الأخوين حجباها عن الثلث إلى السدس حجب ~~تنقيص للفريضة الشرعية ، لا حجب حرمان ، يعلمون ذلك ويشهدون به . وإن مات ~~رجل في بلد بعيدة واستفاض موته وشهد به بالاستفاضة كتب كما تقدم ، و : أنهم ~~يعرفون فلانا ، ويشهدون بالاستفاضة الشرعية بالشائع الذائع ، والنقل الصحيح ~~المتواتر ، أنه مات إلى رحمة الله تعالى من مدة كذا وكذا بالمدينة الفلانية ~~، ويشهدون أنه خلف من الورثة . . . ويكمل . PageV09P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" فصل إذا مات قوم بعد قوم يكتب : . . . . . ~~أنهم يعرفون فلان بن فلان وورثته الآتي ذكرهم ، ومن توفي منهم على الترتيب ~~الآتي ذكرهم ، ومن توفي منهم على الترتيب الآتي ذكره فيه ، معرفة صحيحة ~~شرعية ، ويشهدون أن فلانا المبتدأ بذكره توفي إلى رحمة الله تعالى بالبلد ~~الفلاني ، وخلف من الورثة المستحقين لميراثه المستوعبين لجميعه زوجته فلانة ~~التي لم تزل في عصمته وعقد نكاحه إلى حين وفاته ، وأولاده منها ، وهم فلان ~~وفلان ، ثم توفيت الزوجة بعده في تاريخ كذا وكذا ، وخلفت من الورثة ~~المستحقين لميراثه أولاده لصلبه ، وهو - ويسميهم - يعملون ذلك ويشهدون به ، ~~ويكمل ، ويؤرخ . وهذا مثال فقس عليه . فصل إذا مات العبد وخلف سيده كتب : ~~شهد من أثبتوا أسماءهم أخره - وهم من أهل الخبرة الباطنة فيما شهدوا به - ~~أنهم يعرفون كل واحد من فلان ومملوكه فلان ، الفلاني الجنس ، المسلم ، ~~ويشهدون أن فلانا المثنى باسمه توفي إلى رحمة الله تعالى ، وخلف سيده ~~المذكور ، الذي لم يزل في ملكه إلى حين موته ، وأنه مستحق لجميع ما يخلفه ~~بغير شريك له في ميراثه ، ولا حاجب يحجبه عنه . وإن ms1844 كان قد أعتقه ومات كتب ~~كما تقدم ، و : أنهم يعرفون فلان ابن فلان ، وعتيقه فلان بن فلان ، معرفة ~~صحيحة شرعية ، ويشهدون أنه مات إلى رحمة الله تعالى ، وأنه كان مملوكا ~~لفلان ، وأنه أعتقه عتقا منجزا قبل موته ، ولم يخلف من الورثة سواه ، بغير ~~شريك له في ميراثه ، ويكمل . PageV09P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" فصل إذا أراد إثبات ملكه لدار كتب ما مثاله : ~~. . . . أنهم يعرفون فلان بن فلان ، ويشهدون أنه مالك لجميع الدار الفلانية ~~- وتوصف وتحدد - ملكا صحيحا شرعيا ، وأنه متصرف فيها بالسكن والإسكان ~~والإجارة والعمارة وقبض الأجرة ، وأنها باقية في يده وملكه وتصرفه إلى الآن ~~، لم تخرج عنه بتمليك ولا بيع ولا إقرار ولا صدقة ، ولا بوجه من الوجوه ~~الشرعية كلها على اختلافها ، وأنها باقية على ملكه وتصرفه وحيازته إلى يوم ~~تاريخه ، وهم بالدار المذكورة في مكانها عارفون ، يعلمون ذلك ويشهدون به . ~~فصل إذا أثبت رجل أنه باع بالإجبار والإكراه كتب : . . . . أنهم يعرفون كل ~~واحد من فلان وفلان ، ويشهدون أن فلان المبتدأ باسمه جبر فلانا المسمى ~~باسمه وخوفه واعتقله وضربه وأوجعه ، وطلب منه بيع داره التي بالموضع ~~الفلاني - وتوصف وتحدد - بغير ثمن ، وأن يشهد عليه بالبيع وقبض الثمن ، ~~وأنه امتنع من ذلك ، فأعاد عليه الضرب ، وهدده بالقتل ، وسجنه ، ولم يزل ~~على ذلك حتى جبره وأكرهه ، وابتاعها منه بكذا وكذا ، واعترف بقبضها ، وأنه ~~وضع يده عليها ، وتسلمها من مدة كذا وكذا ، وهم بالدار عارفون ، يعلمون ذلك ~~ويشهدون به . وإن كان جبره حتى باعه القيمة كتب صدر المحضر كما تقدم ، وطلب ~~منه بيع الدار بكذا وكذا ، وأن قيمتها أزيد من ذلك ، وأنه امتنع من ذلك ، ~~فضربه وسجنه ، وأعاد عليه العقوبة ، وأكرهه وجبره إلى أن باعه الدار ~~المذكورة بالثمن المذكور ، وقبضه منه ، وأنه دون قيمتها ، وأن قيمتها أضعاف ~~ذلك ، وأنه وضع يده عليها ، وتسلمها من مدة كذا وكذا ، يعلمون ذلك . . . ~~فصل فيما يكتب بعيب في جارية شهد الشهود المسمون أخره - وهم من أهل الخبرة ~~الباطنة بالرقيق وعيبه - أنهم نظروا الجارية المدعوة فلانة ، الفلانية ~~الجنس ، التي ms1845 بيد فلان متنجز هذا PageV09P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" المحضر ، الذي ذكر أنه ابتاعها من فلان ، نظر ~~مثلهم لمثلها ، بمحضر من الخصمين المذكورين ، فوجدوا بها من العيوب المرض ~~الفلاني ، وأن ذلك مرض مزمن متقدم على تاريخ العهدة التي أظهرها المشتري من ~~يده ، المؤرخة بكذا وكذا ، وأن ذلك عيب منقص للثمن ، يعلمون ذلك ويشهدون به ~~. فصل إن شهد لإنسان أنه من أهل الخبرة كتب : . . . . . . ويشهدون أنه من ~~أهل الخير والصلاح ، والعفة والفلاح ، والصيانة والأمانة ، والثقة والديانة ~~، محافظ على صلاته ، أهل لأن يجلس بين أطهر المسلمين ، وأنه محق في جميع ~~أفعاله ، صادق في جميع أقواله ، يعلمون ذلك . . . . . فصل إذا شهد برشد ~~إنسان كتب : . . . . . . ويشهدون أنه رشيد ، صالح في دينه ، مصلح لماله ، ~~مستحق لفك الحجر عنه ، غير مبذر ولا مفرط ، حسن التصرف ، يعلمون ذلك . . . ~~. فصل في نسب رجل شريف . . . . . . ويشهدون بالاستفاضة الشرعية ، بالشائع ~~الذائع ، والنقل الصحيح المتواتر ، أنه شريف النسب ، صحيح الحسب ، من ذرية ~~الحسين بن علي - رضي الله عنهما - من أولاد الصلب ، أبا عن أب ، إلى أن ~~يرجع نسبه إليه ، ويدلي بأصله إلى أصل الحسين ، يعلمون ذلك ويشهدون به . ~~PageV09P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" فصل في عدالة رجل . . . . . . ويشهدون شهادة ~~علموا صحتها ، وتيقنوا معرفتها ، لا يشكون فيها ولا يرتابون ، أنه من أهل ~~الصدق والوفاء ، والعفة والصفاء ، صادق في أقواله ، محق في أفعاله ، حسن ~~السيرة ، طاهر السريرة ، متيقظ في أموره ، سالك شروط العدالة وأفعالها ، ~~صالح لأن يكون من العدول المبررين ، والأعيان المعتبرين ، مستحق أن يضع خطة ~~في مساطير المسلمين ، عدل رضي لهم وعليهم ، يعلمون ذلك ويشهدون به . فصل في ~~إعسار رجل . . . . . . ويشهدون أنه فقير لا مال له ، معسر لا حال له ، عاجز ~~عن وفاء ما عليه من الديون ، أو عن شيء منها ، يعلمون ذلك . . . . فصل في ~~إسلام ذمي يكتب : حضر إلى شهود في يوم تاريخه من ذكر أنه حضر إلى مجلس فلان ~~- أدام الله أيامه - فلان بن فلان الفلاني ، وأشهدهم على نفسه أن تلفظ ~~بالشهادتين المعظمتين ، وهما شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ms1846 ، ~~وأن محمدا عبده ورسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، أرسله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، وأن عيسى عبد الله ونبيه ، ومريم ~~أمة الله ، وأن محمد ( صلى الله عليه وسلم ) خاتم النبيين ، وأفضل المرسلين ~~، وأن شريعته أفضل الشرائع وملته أفضل الملل ، وأن ما جاء به عن الله حق ، ~~وقال : أنا برئت من كل دين يخالف دين الإسلام ، ، ودخل في ذلك طالبا مختارا ~~، وأشهد عليه بذلك ، وتلفظ به بتاريخ كذا وكذا . فإن أسلم يهودي كتب موضع ~~عيسى : وأن موسى عبد الله ونبيه ، وأن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) أفضل ~~الأنبياء ، وشريعته أفضل الشرائع ، وأن شريعة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ~~نسخت شريعة موسى وجميع الشرائع ، قال : أنا مسلم برئت من كل دين يخالف دين ~~الإسلام ، ومن كل ملة تخالف ملة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأشهد على ~~نفسه بتاريخ . . . . PageV09P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" وأما الإسجالات - فهي بحسب الوقائع ، وقد ~~ذكرنا منها في أثناء ما قدمناه ما هو وارد في مواضعه ، فلنذكر ما لم نورده ~~هناك ، فمن ذلك إسجال بثبوت العدالة . وقد استقرت القاعدة بين الناس في ~~إسجالات العدالة أن يبتدئ الكاتب بخطبة يذكر فيها شرف العدالة وعلوها ، ~~وارتفاع رتبتها وسموها ، ويصف المعدل بأوصاف تليق به بحسب حاله ورتبته ، ~~وأصالته وأبوته ، ولا حجر على الكاتب فيما يأتى به من القرائن والفقر ~~والكلام المسجوع ما لم يتعد به حق المنعوت ، أو يخرج به عن طوره ورتبته ، ~~ويراعي مع ذلك قيود الشرع وضوابطه ، والكاتب فيها بحسب قدرته وتصرفه في ~~أساليب الكلام وبراعة الاستهلال واختيار المعاني ، فإذا انتهى إلى آخر ~~الخطبة وذكر أوصاف المعدل قال : فلذلك استخار الله تعالى سيدنا ومولانا ~~العبد الفقير إلى الله تعالى قاضي القضاة ، حاكم الحكام ، وينعته بنعوته ، ~~ويذكر مذهبه وولايته للدولة القاهرة السلطانية الملكية الفلانية ، بالولاية ~~الصحيحة الشرعية ، المتصلة بالمواقف الشريفة النبوية ، الإمامية العباسية ، ~~المستكفي أمير المؤمنين - أعز الله به الدين ، وأمتع ببقائه الإسلام ~~والمسلمين - وأشهد على نفسه من حضر مجلس حكمه وقضائه ، وهو يومئذ نافذ ~~القضايا والأحكام ms1847 ماضي النقض والإبرام ، وذلك في اليوم المبارك ، ويكتب ~~الحاكم التاريخ بخطه ، ثم يكتب الكاتب : أنه ثبت عنده وصح لديه بالبينة ~~العادلة المرضية ، التي ثبتت بمثلها الحقوق الشرعية ، عدالة فلان - وينعته ~~بما يستحقه - ثبوتا ماضيا شرعيا معتبرا تاما مرضيا ، وحكم بعدالته ، وقبول ~~قوله في شهادته ، وأجاز ذلك وأمضاه واختاره وارتضاه ، وألزم ما اقتضاه ~~مقتضاه ، وأذن سيدنا قاضي القضاة فلان لفلان المحكوم بعدالته في تحمل ~~الشهادات وأدائها ، لتحفظ الحقوق على أربابها وأوليائها ، وسمع شهادته ~~فقبلها وأجازها ، وأمره أن يرقم على حلل الطروس طرازها ، وبسط قلمه بسطا ~~كليا ، ونصبه بين الناس عدلا مبررا مرضيا ، وأجراه مجرى أمثاله من العدول ~~المبررين ، وسلك به مسلك الشهداء المتميزين ، وتقدم - أدام الله تعالى ~~أيامه بكتابه هذا الإسجال ، فكتب عن إذنه الكريم في التاريخ المقدم ذكره ~~أعلاه المكتتب بخطه الكريم ، شرفه الله تعالى . والكاتب في ذلك بحسب ما ~~توصله إليه عباراته . PageV09P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" فصل في ثبوت إقرار متبايعين يكتب : هذا ما ~~أشهد على نفسه الكريمة سيدنا ومولانا العبد الفقير إلى الله تعالى قاضي ~~القضاة ، حاكم الحكام فلان - وتستوفى ألقابه ونعوته وولايته ، ويدعى له - ~~من حضر مجلس حكمه وقضائه ، وهو نافذ القضاء والحكم ماضيهما ، أنه ثبت عنده ~~وصح لديه - أحسن الله إليه - في المجلس المذكور ، بمحضر من متكلم جائز ~~كلامه ، مسموعة دعواه على الوجه المعتبر الشرعي ، بشهادة العدول الثلاثة - ~~أو بحسب ما يكونون - الذين أعلم تحت رسم شهادتهم بالأداء في باطنه ، إقرار ~~فلان وفلان بما نسب إلى كل منهما في كتاب الإقرار باطنه على ما شرح فيه ، ~~وهو مؤرخ بكذا وكذا ، وبآخره رسم شهادتهم ، وقد أرخ شاهدان منهم شهادتهما ~~بتاريخ الكتاب ، والثالث أرخ شهادته بكذا وكذا وجميع ما تضمنه كتاب ~~الابتياع المشروح باطنه - ويذكر جميع ما فيه - وقد أقاموها بذلك عند سيدنا ~~قاضي القضاة فلان الحاكم المذكور بشروط الأداء المعتبرة فيما عينه كل منهم ~~في خطه باطنه في التاريخ المذكور ، وقبل ذلك منهم القبول السائغ فيه ، ~~وأعلم تحت رسم شهادتهم في باطنه علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود ms1848 في ~~مثله ، وثبت ذلك عنده ثبوتا شرعيا ، فلما تكامل ذلك عند سيدنا قاضي القضاة ~~فلان الحاكم المذكور سأله من جازت مسألته ، وسوغت الشريعة المطهرة إجابته ، ~~الإشهاد على نفسه بثبوت ذلك عنده ، الحكم بموجبه على الوجه المشروح فيه ، . ~~. . . . . وأبقى كل ذي حجة على حجته ، وهو في ذلك كله نافذ القضاء والحكم ~~ماضيهما ، بعد تقدم الدعوى المسموعة وما ترتب عليها ، وتقدم - أدام الله ~~أيامه ، وأعز أحكامه - بكتابة هذا الإسجال ، فكتب عن إذنه متضمنا لذلك وذلك ~~بعد قراءة ما يحتاج إلى قراءته في كتاب الإقرار ، ووقع الإشهاد بذلك بتاريخ ~~كذا وكذا . PageV09P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" مثال إسجال بثبوت مبايعة بشهود الأصل وشهود ~~الفرع على نائب الحكم هذا ما أشهد على نفسه العبد الفقير إلى الله تعالى ~~أقضى القضاة فلان ، خليفة الحكم العزيز بالمكان الفلاني عن سيدنا العبد ~~الفقير إلى الله تعالى قاضي القضاة فلان ، من حضره من العدول ، أنه ثبت ~~عنده في مجلس حكمه ومحل نيابته في اليوم الفلاني ، بعد صدور دعوى محررة ~~مقابلة بالإنكار على الوضع الشرعي بشهادة عدول الأصل والثلاثة ، وهم - ~~ويسميهم - وشاهدي الفرع ، وهما فلان وفلان ، وهم الذين أعلم الحاكم المذكور ~~تحت رسم شهادتهم بالأداء آخر الابتياع المذكور باطنه ، إقرار المتبايعين ~~المسميين باطنه بما نسب إليهما فيه ، على ما نص وشرح فيه ، المؤرخ بكذا ~~وكذا ، وبآخره رسم شهادة العدول الثلاثة المشار إليهم ، وقد أقام شهود ~~الأصل شهادتهم بذلك عند الحاكم المذكور بشروط الأداء وقبل ذلك منهم القبول ~~السائغ فيه ، وقد أقام شاهدا الفرع المذكور أن شهادتهما على أصلهما العدل ~~فلان بما تحملاه عنه ، وهو أنه شهد على المتعاقدين المذكورين باطنه بما نسب ~~إلى كل منهما فيه ، وأنه ذكر لهما ذلك ، وأشهدهما على شهادته به ، على ما ~~تضمنه رسم شهادتهما آخر الابتياع باطنه ، في حال سوغ سماع شهادة الفرع على ~~أصله ، عند سيدنا القاضي فلان الحاكم المذكور ، وقبلها منهما القبول السائغ ~~فيه وسطر تحت رسم شهادة كل منهما ما جرت العادة به من علامة الأداء والقبول ~~على الرسم المعهود PageV09P0098 # """""" صفحة رقم 99 ms1849 """""" في مثله ، وأنه ثبت عنده - أعز الله أحكامه - ~~في المجلس المذكور على الوضع الشرعي ، بشهادة عدلين من العدول الثلاثة ~~الأصول ، هما فلان وفلان أن البائع المذكور لم تزل يده متصرفة فيما باعه ~~إلى حين انتقاله من يده إلى يد هذا المشتري المسمى باطنه ، وقد أقام كل ~~منهما شهادته بذلك عنده ، وقبلها منه القبول السائغ فيه ، وسطر ما جرت ~~العادة به من علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود في مثله - وإن كانت ~~المبايعة بعدلين وشهد أن البائع مالك لما باعه كتب : أنه ثبت عنده في ~~المجلس المذكور بمحضر من متكلم جائز كلامه ، مسموعة دعواه على الوضع الشرعي ~~المعتبر ، بشهادة عدلين ، هما فلان وفلان ، إقرار المتبايعين باطنه ، وهو ~~أن فلانا اشترى من فلان جميع كذا وكذا - ويشرح ما في المبايعة - وبآخرها ~~رسم شهادتهما ، وقد أقاماها عند الحاكم على المشتري والبائع بما نسب إلى كل ~~منهما باطنه وأن البائع المذكور مالك لما باعه فيه ، وشخصاه له ، فقبل ذلك ~~منهما القبول السائغ فيه ، وسطر ما جرت العادة به من علامة الأداء والتشخيص ~~على الرسم المعهود فلما تكامل ذلك عنده وصح لديه سأله من جاز سؤاله التقدم ~~بكتابة هذا الفصل وتضمينه الإشهاد عليه بثبوت ذلك لديه ، الحكم على ~~المتبايعين المذكورين بما نسب إليهما بأعاليه ، وتضمينه ملك البائع المذكور ~~لما باعه فيه ، فأعذر - أعز الله أحكامه - إلى البائع المذكور : هل له مطعن ~~فيما شهد به عليه فيه ، أو في من شهد ؟ فأقر في المجلس المذكور بأنه لا ~~مطعن له في ذلك ولا في شيء منه ، فعند ذلك أجاب السائل إلى سؤاله ، فكتب عن ~~إذنه ، وحكم على المتبايعين المذكورين بما نسب إليها بأعاليه ، وبصحة ملك ~~البائع المذكور لما باعه بعد قراءة ما تضمنه باطنه على شهود هذا الإسجال ، ~~وأبقى كل ذي حجة معتبرة فيه على حجته ، وهو في ذلك كله نافذة القضاء والحكم ~~ماضيهما ، وذلك بعد تقدم الدعوى المحررة وما ترتب عليها ، ووقع الإشهاد ~~بذلك بتاريخ كذا وكذا . فصل في ثبوت إسجال حاكم على حاكم هذا ما ms1850 أشهد عليه ~~سيدنا العبد الفقير إلى الله تعالى قاضي القضاة فلان من حضره من العدول ، ~~أنه ثبت عنده وصح لديه في مجلس حكمه ومحل ولايته ، بعد صدور دعوى محررة ~~مقابلة بالإنكار على الوضع الشرعي ، بشهادة العدول الذين أعلم تحت رسم ~~شهادة كل منهم بالأداء في باطنه ، إشهاد قاضي القضاة فلان الحاكم بالعمل ~~الفلاني بما نسب إليه في إسجاله المسطر أعلاه ، على ما نص وشرح فيه ، وهو ~~مؤرخ بكذا وكذا ، وقد أقام كل من الشهود شهادته بذلك عند القاضي فلان ~~الحاكم المبتدئ باسمه بشروط الأداء على الرسم المعهود عنده في مثله ، فلما ~~تكامل PageV09P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" ذلك عنده وصح لديه - أحسن الله إليه - سأله ~~من جاز بسؤاله الإشهاد على نفسه بثبوت ذلك لديه ، وتنفيذه وإمضاءه والحكم ~~به ، فأجابه إلى سؤاله ، وتقدم بكتابته فكتب عن إذنه الكريم ، وأشهد على ~~نفسه بثبوت ذلك لديه ، وتنفيذه وإمضائه وأنه حكم به وارتضاه ، وأبقى كل ذي ~~حجة معتبرة فيه على حجته ، وهو في ذلك نافذ الحكم والقضاء ماضيهما ، بعد ~~تقدم الدعوى المسموعة وما ترتب عليها - وإن حضر من أشهد عليه أنه لا مطعن ~~له في ذلك كتب : وحضر إقامة البينة فلان ، واعترف بأنه لا مطعن له في ذلك ~~ولا في من شهد به - ووقع الإشهاد به بتاريخ . . . . . فهذه أمثلة ذكرناها ، ~~والكاتب المجيد المتصرف يكتب بقدر الوقائع ، ويتصرف في الألفاظ ، ما لم يخل ~~بالمقاصد ، ولا يدخل عليها من الألفاظ ما يفسدها . وأما الكتب الحكمية - ~~فإذا ثبت عند حاكم من الحكام أمر وسأله المحكوم له كتابا حكميا لجميع ~~القضاة كتب ما مثاله بعد البسملة : هذه المكاتبة الحكمية إلى كل من تصل ~~إليه من قضاة المسلمين وحكامهم - ويدعو لهم - من مجلس الحكم العزيز بالعمل ~~الفلاني عن سيدنا قاضي القضاة فلان ، الحاكم بالعمل الفلاني - ويدعي له - ~~أنه ثبت عنده وصح لديه في مجلس حكمه وقضائه بمحضر من متكلم جائز كلامه ، ~~مسموعة دعواه على الوضع الشرعي ، بشهادة عدلين ، وهما فلان وفلان ، جميع ما ~~تضمنه مسطور الدين المتصل أوله بآخر كتابي هذا ms1851 ، الذي مضمونه - وينقل إلى ~~آخره - وبآخره رسم شهادة العدلين المشار إليهما ، وقد أقام كل منهما شهادته ~~عنده أنه بالمقر المذكور عارف ، وقبل ذلك منهما القبول السائغ ، وسطر تحت ~~رسم شهادتهما ما جرت العادة به من علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود ~~في مثله ، وذلك بعد أن ثبتت عنده على الوضع الشرعي بشهادة عدلين - هما فلان ~~وفلان الواضع رسم شهادتهما في مسطور الدين المذكور - الغيبة الشرعية وأقام ~~كل منهما شهادته عنده بغية المقر المذكور ، وقالا : إنهما به عارفان ، وقبل ~~ذلك منهما القبول الشرعي ، وسطر تحت رسم شهادتهما ما جرت العادة به من ~~علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود في مثله ، وأحلف المقر له بالله ~~العظيم ، اليمين الشرعية المتوجهة عليه ، المؤرخة في مسطور الحلف المكتتب ~~على ظهر المسطور أو الملصق بذيل مسطور الدين بالتماسه PageV09P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" لذلك على الأوضاع الشرعية ، ثبوتا شرعيا ~~معتبرا ، وأنه حكم بذلك وأمضاه ، وألزم بمقتضاه ، على الوجه الشرعي ، مع ~~إبقاء كل ذي حجة معتبرة على حجته ، وهو في ذلك كله نافذ القضاء والحكم ~~ماضيهما بعد تقدم الدعوى المسموعة وما ترتب عليها ، ولما تكامل ذلك كله ~~عنده وصح لديه - أحسن الله إليه - سأله من جازت مسألته وسوغت الشريعة ~~المطهرة أجابته ، المكاتبة عنه بذلك ، فأجابه إلى سؤاله ، وتقدم بكتابة هذا ~~الكتاب الحكمي فكتب عن إذنه ، فمن وقف عليه من قضاة المسلمين وحكامهم ~~واعتمد تنفيذه وإمضاءه حاز الأجر والثواب ، والرضا وحسن المآب ، وفقه الله ~~وإيانا لما يحبه ويرضاه ، وكتب عن مجلس الحكم العزيز بالعمل الفلاني في ~~اليوم الفلاني - ويؤرخ - مثال العلامة بعد البسملة كذا وكذا ، وعدد أوصاله ~~كذا وكذا ، ويختم الكتاب . ثم يكتب عنوانه ، ومثال ما يكتب : من فلان بن ~~فلان الحاكم بالعمل الفلاني ويشهد عليه بثبوت ذلك عنده . ويكتب أيضا في مثل ~~ذلك - وهو أبلغ - ما صورته : هذا كتاب حكمي محرر مرضي ، تقدم بكتابته ~~وتسطيره ، وتنجيزه وتحريره ، العبد الفقير إلى الله تعالى قاضي القضاة فلان ~~- ويدعى له - الحاكم بالديار المصرية ، أو غيرها ، للدولة الفلانية ، ~~بالولاية المتصلة بالمواقف الشريفة - نحو ms1852 ما تقدم في إسجال العدالة - إلى ~~كل من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم ونوابهم وخلفائهم - ويدعو لهم - ~~متضمنا أنه ثبت عنده وصح لديه ، ويكمل كما تقدم . فصل إذا ورد مثل هذا ~~الكتاب من قاض إلى قاض - مثاله من قاضي القضاة بدمشق إلى قاضي القضاة بمصر ~~- كتب على ظهره ما مثاله : هذا ما أشهد على نفسه سيدنا ومولانا قاضي القضاة ~~فلان ، الحاكم بالقاهرة ومصر المحروستين وسائر الديار المصرية - ويدعى له - ~~أنه ورد عليه الكتاب الحكمي الصادر عن مصدره قاضي القضاة فلان الحاكم بدمشق ~~- وهو الكتاب المشروح باطنه - ورودا صحيحا شرعيا ، موثوقا به ، مسكونا إليه ~~، وشهد بوروده عن مصدر قاضي القضاة فلان الحاكم بدمشق المحروسة ~~PageV09P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" كل واحد من العدول المستورين ، أو المزكين ~~وهم - ويسميهم - عند سيدنا قاضي القضاة فلان ، وقالا : إن الحاكم المذكور ~~أشهدهما على نفسه بما تضمنه الكتاب الحكمي المسطر باطنه ، بعد قراءته على ~~مصدره بحضرتهما وحضور من يعتبر حضوره وإن قاضي القضاة فلانا سمع شهادتهما ~~فقبلها القبول السائغ ، ولما تكامل ذلك كله سأله من جازت مسألته ، وسوغت ~~الشريعة المطهرة إجابته ، الإشهاد على نفسه بثبوت ذلك لديه ، وأنه قبله ~~قبول أمثاله من الكتب الحكمية قبولا شرعيا ، وحكم به وأمضاه ، ، ألزم ~~بمقتضاه ، فأجاب السائل إلى سؤاله ، وأشهد على نفسه بذلك ، وذلك كله بعد ~~تقدم الدعوى المسموعة في ذلك وما ترتب عليها ، وأبقى كل ذي حجة معتبرة فيه ~~على حجته ، وهو في ذلك كله نافذ القضاء والحكم ماضيهما ، وذلك بتاريخ . . . ~~وأما التقاليد الحكمية - فيبتدئ الكاتب في صدرها بعد البسملة بخطبة يورد ~~فيها ما تؤديه إليه عبارته ، وتبلغه إياه فصاحته وبلاغته ، ثم يكتب : ولما ~~كنت أيها القاضي فلان - وينعته بما يستحقه - ممن اتصف بكذا وكذا واشتغل ~~بكذا وكذا ، واستحق كذا وكذا ، استخرت الله تعالى ، واستنبتك عني في القضاء ~~والحكم في العلم الفلاني ، في جميع أعماله وبلاده وسائر أقطاره ، فتول ما ~~وليتك ، وباشر ما عذقته بك ، وصن أموال الناس عن الضياع ، وزوج من لأولى له ~~عند الشروط المعتبرة الأوضاع ، واضبط الأحكام ms1853 بشهادة الثقاة العدول وميز ~~بني المردود منهم والمقبول ، وراع أحوال النواب في البلاد ، وأرهم يقظة ~~تردع بها المفسد عن الفساد - ويذكر غير ذلك من الوصايا ، ويوصيه في آخرها ~~بتقوى الله تعالى - وكتب عن مجلس الحكم العزيز بالعمل الفلاني ، ويؤرخ . ~~وأما تقاليد قضاة القضاة فتتعلق بكتاب الإنشاء ، وهذا مثال ، والكاتب يتصرف ~~بحسب نباغته ومعرفته وعلمه . PageV09P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" وأما الأوقاف والتحبيسات - فهي بحسب آراء ~~أربابها فيما يوقفونه ويحبسونه على أبواب القرابات ، وأنواع الأجر ~~والمثوبات ، وسنذكر منها قواعد يقاس عليها - إن شاء الله تعالى - . فمن ذلك ~~ما إذا كان لرجل دار وأراد أن يوقفها عليه وعلى أولاده من بعده ونسلهم ~~وعقبهم ، فسبيله في ذلك أن يملك الدار لغيره ، ويكتب التمليك على ما تقدم ، ~~ثم يقول : وبعد تمام ذلك ولزومه أشهد عليه فلان المقر له فيه شهود هذا ~~المكتوب وطوعا منه واختيارا ، أنه وقف وحبس وسبل وحرم وأبد ، وتصدق بما هو ~~له وفي يده وملكه وتصرفه ، ورآه عرفه ، وأحاط به علما وخبرة ، وهو جميع ~~الدار الموصوفة المحدودة أعلاه ، علا فلان بن فلان المقر المملك المذكور ~~أعلاه أيام حياته ، ثم من بعده على أولاده ، وأولاد أولاده ، وأولاد أولاد ~~أولاده أبدا ما تناسلوا دائما ، وما تعاقبوا ، للذكر مثل حظ الأنثيين ، ~~يتناقلونه بينهم كذلك إلى حين انقراضهم ، يحجب الآباء منهم والأمهات ~~أولادهم وأولاد أولادهم وإن سفلوا ، فإن لم يكن له ولد ولا ولد ولد ولا ~~أسفل من ذلك ، كان نصيبه لإخوته الموجودين حين موته ، للذكر مثل حظ ~~الأنثيين ، يحجب الآباء منهم والأمهات أولادهم وأولاد أولادهم ، فإن لم ~~يوجد من أولاد الموقوف عليه وأولاد أولاده أحد كان ذلك وقفا مصروفا ريعه ~~على مصالح المسجد الذي بالموضع الفلاني - ويوصف ويحدد - برسم عمارته ومرمته ~~وفرشه ووقود مصابيحه وشراء ما يحتاج إليه من الزجاج والنحاس والحديد ، ومن ~~يقوم بخدمته والأذان فيه ، ومن يؤم فيه بالمسلمين في الصلوات الخمس ~~المكتوبة المفروضة على سائر المسلمين ، على ما يراه الناظر في ذلك ، فإن ~~تعذر الصرف عليه بوجه من الوجوه كان ذلك وقفا على ms1854 الفقراء والمساكين أينما ~~كانوا وحيثما وجدوا من الديار المصرية أو الشأم ، أو عمل من الأعمال ، أو ~~بلد من البلاد ، على ما يراه الناظر في ذلك من مساواة وتفضيل ، وإعطاء ~~وحرمان ، ومتى أمكن PageV09P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" الصرف إلى ما ذكر من مصالح المسجد كان الوقف ~~عليها والصرف إليها ، يجري الحال في ذلك كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن ~~عليها وهو خير الوارثين ، على أن للناظر في هذا الوقف والمتولى عليه أن ~~يؤجره لمن شاء ما شاء من المدد : طوالها وقصارها ، بما يراه من الأجر : ~~المعجلة أو المؤجلة أو المنجمة ، أو يكتب : " وعلى الناظر في هذا الوقف أن ~~يؤجره لسنة كاملة فما دونها ، بأجرة المثل فما فوقها ولا يتعجل أجرة ، ولا ~~يدخل عقدا على عقد إلا أن يجد في مخالفة ذلك مصلحة ظاهرة ، أو غبطة ظاهرة ، ~~فيؤجره لمدة كذا وكذا ولمن شاء ، ويستغل أجره بوجوه الاستغلال الشرعية ، ~~فما حصل من ربعه بدأ منه بعمارته ومرمته وإصلاحه وما فيه بقاء عينه ودوام ~~منفعته ، ثم ما فضل بعد صرفه لمستحقه على ما شرح أعلاه ، وجعل الوقف النظر ~~في هذا الوقف والولاية عليه لفلان الموقوف عليه أولا ، ثم من بعده لأولاده ~~وأولاد أولاده ، ينظر كل منهم على حصته في حال استحقاقه وعلى حصة من تعذر ~~نظره من المستحقين لصغير أو سفه أو عيبة أو عدم أهلية ، أو سبب من الأسباب ~~، إلى حين تمكنه من النظر ، فيعود حكمه حكم باقي المستحقين في النظر على ~~حصته وحصة غيره ، فإن تعذر النظر من أحدهم أو من جميعهم بسبب من الأسباب ، ~~أو انقرضوا ولم يوجد منهم أحد ، كان النظر في ذلك لحاكم المسلمين ، وإن عاد ~~إمكان النظر إلى مستحقي الوقف أو إلى أحد منهم قدم في النظر على غيره ، ومن ~~عدمت منهم أهليته وكان له من ولي ينظر في ماله كان النظر له على حصته في ~~هذا الوقف دون غيره من المستحقين ومن الحاكم ، يجرى الحال في ذلك كذلك وجود ~~وعدما ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ms1855 وهو خير الوارثين ، ولكل ناظر في ~~هذا الوقف أن يستنيب عنه في ذلك من هو أهل له ، وعلى كل ناظر في هذا الوقف ~~أن يتعهد إثباته عند الحاكم بحفظه بتواتر الشهادات واتصال الأحكام ، وله أن ~~يصرف في كلفة إثباته ما جرت العادة به من ريع هذا الوقف ، وقف فلان المبتدأ ~~باسمه جميع ذلك على الجهات المعينة ، بالشروط المبينة ، على ما شرح أعلاه ، ~~وقفا صحيحا شرعيا مؤبدا ، وحبسا دائما سرمدا ، وصدقة موقوفة ، لا تباع ولا ~~توهب ، ولا تملك ، ولا ترهن ، ولا تتلف بوجه تلف ، قائمة على أصولها محفوظة ~~على شروطها ، PageV09P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير ~~الوارثين ، وقبل هذا الموقوف عليه ذلك لنفسه قبولا شرعيا ، وتسلم الموقوف ~~عليه الدار المذكورة وصارت بيده وقبضه وحوزه ، وذلك بعد النظر والمعرفة ، ~~والإحاطة به علما وخبرة ، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر إخراجه عن ~~أهله ، وحرام على من غيره أو بدله " فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على ~~الذين يبدلونه إن الله سميع عليم " . من بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على ~~الذين يبدلونه إن الله سميع عليم " . فصل : إذا وقف رجل دارا على أولاده ~~وعلى من يحدثه الله من الأولاد ، ثم على المسجونين ثم على فك الأسرى ، ثم ~~على الفقراء والمساكين ، كتب ما مثاله : هذا كتاب وقف صحيح شرعي ، وحبس ~~صحيح مرضي ، تقرب به واقفه إلى الله تعالى رغبة فيما لديه وذخيرة له يوم ~~العرض عليه ، يوم يجزى الله المتصدقين ، ولا يضيع أجر المحسنين ، اكتتبه ~~فلان ، وأشهد على نفسه أن وقف وحبس وسبل وحرم وأبد وتصدق بما هو له وفي يده ~~وملكه وتصرفه ، وعرفه ورآه ، وأحاط به علما وخبرة . عقار بالعين والقاف ~~والراء : عقار بن المغيرة بن شعبة ، وغيره ، وغفار ، هو أبو غفار ، عن أبي ~~تميمة ، وأبو غفار غالب التمار . وعبيس وعنبس عبيس ، هو ابن ميمون أبو ~~عبيدة ، وأم عبيس ، امرأة كانت تعذب في الله أعتقها أبو بكر الصديق - رضي ~~الله عنه - وعنبس ، هو ابن عقبة ms1856 ، وعنبس ابن إسماعيل القزاز ، وغيرهما . ~~PageV09P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" وعباد وعباد وعياذ وعباد فأما عباد ، فكثير ، ~~وعباد بضم العين ، وهو قيس بن عباد ، تابعي كبير ، وعياذ بكسر العين وياء ~~مثناة وذال معجمة ، هو عياذ بن عمرو ، له صحبة ، وأهبان بن عياذ مكلم الذئب ~~، وعياذ بن أبي العيذ ، وعياذ بن مقراء ، وعباد بكسر العين وباء موحدة : ~~ربيعة بن عباد ، له صحبة ، وعباد العبدي . وعمارة وعمارة عمارة بالضم ، ~~كثير ، وبكسر العين : واحد ، هو أبي بن عمارة ، له صحبة . وعابس وعائش عابس ~~كثير ، وعائش ، هو ابن أنس ، وعبد الرحمن بن عائش الحضرمي . وعدثان وعدنان ~~أما عدثان ، فهو نسب غافق بن العتيك بن عك بن عدنان ، وعدنان ، هو عدنان بن ~~أحمد بن طولون . وعلي وعلي . . . . . . علي بضم العين وتشديد الياء ، هو ~~علي بن رباح ، والأصبغ بن علقة بن علي . وعيشون وعيسون وعبسون PageV09P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" أما عيشون ، فهو عبد الله بن عيشون الحراني ، ~~ومحمد بن عيشون ، وأما عيسون فهو عبد الحميد بن أحمد بن عيسى ، هذا يعرف ~~بعيسون ، ومحمد بن عيسون الأنماطي ، وأما عبسون ، فهو محمد بن أحمد بن ~~عبسون البغدادي . وعتيق وعتيق الأول بالفتح ، كثير ، وعتيق بالضم ، هو عتيق ~~بن محمد . وعتبة وعنبة وغنية وعبية أما عتبة بضم العين ، فكثير ، وأما عنبة ~~بكسر العين وبعدها نون ، فهو أبو عنبة الخولاني ، أدرك الجاهلية والإسلام ، ~~والحارث بن عنبة الكوفي ، وأما غنية بالغين المعجمة ونون وياء ، فعبد الملك ~~بن حميد بن أبي غنية والد يحيى ، وأما عبية ، فاسم مشهور . وعباس وعياش ~~وعياس وعناس فأما عباس ، فكثير ، وأما عياش ، فجماعة منهم عياش بن أبي ~~ربيعة ، وأما عياس بالياء المثناة من تحت والسين ، فهو أبو العياس ، يروي ~~عن سعيد بن المسيب ، وأما عناس بالنون والسين المهملة ، فهو عناس بن خليفة ~~. وعبدان وعيدان وعيدان فعبدان ، اسم مشهور ، وعيدان بفتح العين ، هو ربيعة ~~بن عيدان ، وأما عيدان بكسر العين ، فهو واحد من المحدثين . وعقيل وعقيل ~~اسمان مشهوران وعتاب وغياث كذلك . وعليم وعلثم أما عليم ، فهو الذي يروي عن ~~سلمان الفارسي ، وأما ms1857 علثم ، فهو والد عمار ابن علثم . PageV09P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" وعيسى وعبسى أما الأول فاسم مشهور معروف ، ~~والثاني بفتح العين وتسكين الباء الموحدة وكسر السين ، فهو عبسي بن قاش ، ~~اجتمع بأحمد بن حنبل . وعثيم وغنيم الأول : اسم جماعة منهم عثيم بن نسطاس ، ~~روي عن سعيد المقبري ، وغنيم بالغين المعجمة والنون : غنيم بن قيس ، أبو ~~العنبر ، أدرك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ورآه . وعتيبة عيينة الأول : ~~الحكم بن عتيبة ، وعتيبة عن بريد بن أصرم عن علي ، وأما عيينة ، فكثير . ~~وعديس وعدبس عبد الرحمن بن عديس ، له صحبة ، وعدبس بالباء الموحدة ، هو جد ~~عبد الله ابن أحمد بن وهيب بن عدبس ، وأبو العدبس منيع بن سليمان . وعفير ~~وغفير الأول بالعين المهملة : جماعة ، والثاني بالإعجام ، هو الحسن بن غفير ~~. وعدي وعدي الأول بالفتح كثير ، والثاني بالضم ، هو زياد بن عدي وعائذ ~~وعابد الأول بالياء المثناة من تحت والذال المعجمة ، كثر ، والثاني بالباء ~~الموحدة والدال المهملة : حبيس بن عابد ، وعابد بن عمر بن مخزوم . وغزوان ~~وعزوان PageV09P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" الأول بالإعجام ، كثير ، والثاني بالعين ~~المهملة ، هو غزوان بن زيد الرقاشي روي عن الحسن البصري . وغنام وعثام ~~الأول : غنام ، بدري ، وتسمى به غيره ، والثاني : عثام بن علي . وغرير ~~وعزيز وعزيز وعزير الأول بالغين معجمة وراء مهملة مكررة ، هو غرير بن حميد ~~بن عبد الرحمن ابن عوف ، والثاني عزيز بالعين المهملة مضمومة وزاي مكررة ~~معجمة ، هو محمد بن عزيز الأيلي ، ومحمد بن عزيز السجستاني صاحب غريب ~~القرآن ، والثالث عزيز بفتح العين المهملة وكسر الزاي الأولى المعجمة ، هو ~~والد خيثمة ، قال خيثمة بن عبد الرحمن : " كان اسم أبي في الجاهلية عزيزا ، ~~فسماه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عبد الرحمن . والرباع عزيز بالزاي ~~والياء مثناة تحت : أحمد بن عبيد الله حمار العزير . وغرون عزون الأول : من ~~شيوخ الموصل ، والثاني : بالعين المهملة ، هو جد علي بن الحسين ابن عزون . ~~وغني وعتي الأول : عطية بن غني ، والثاني : عتي بن ضمرة ، عن أبي بن كعب . ~~وفضيل وفصيل الأول كثير ، والثاني بالفاء والصاد ms1858 المهملة مكسورة : الحكم بن ~~فصيل يروي عن خالد الحذاء ، عن نافع ، عن ابن عمر . وفريس وقريش ~~PageV09P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" الأول بفاء مفتوحة وسين مهملة ، هو فريس بن ~~صعصعة ، والثاني ، كثير . وفرج وفرح وفرخ الأول بالجيم : جماعة ، والثاني ~~بالحاء المهملة : قليل ، منهم فرح بن رواحة ، والثالث بالخاء المعجمة ~~والراء الساكنة ، هو جد عبد الله بن محمد بن فرخ الواسطي . وفتح وفنج الأول ~~اسم مشهور ، والثاني بالفاء والنون والجيم : واحد ، روي عبد الله بن وهب بن ~~منبه عن أبيه قال : " حدثني فنج " . . . . . . وقهم وفهم الأول بالقاف ، هو ~~النهاس بن القهم ، والثاني بالفاء ، هو فهم بن عبد الرحمن ، وغيره . وكثير ~~وكنيز وكثير وكبير وكنيز الأول بالفتح والثاء المثلثة : اسم مشهور ، الثاني ~~بالفتح والنون والزاي معجمة ، هو بحر بن كنيز السقاء ، والثالث كثير بضم ~~الكاف وتشديد الياء ، هو كثير بن عبد الرحمن ، والرابع كبير بالفتح والباء ~~الموحدة والياء السكنة ، هو أبو أمية كبير والد جنادة الأزدي ، والخامس ~~كنيز بضم الكاف وفتح النون ، هو كنيز الخادم كان يحدث بمصر . وكبشة وكيسة ~~الأول ، كثير ، والثاني بالياء والسين ، و أبو كيسة البراء بن قيس ، وكيسة ~~بنت أبي بكرة الثقفي . PageV09P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" ومسلم ومسلم . . . . . . ومخلد ومخلد الأول ~~بتسكين الخاء ، كثير ، والثاني بضم الميم وفتح الخاء وتشديد اللام : مسلمة ~~ابن مخلد ، له صحبة ، والحارث بن مخلد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه . ~~ومعاوية ومغوية الأول ، معروف ، والثاني بالغين المعجمة ، هو أبو راشد ~~الأزدي ، وفد على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال له : ما اسمك ؟ فقال ~~: عبد العزى ، قال : أبو من ؟ قال : أبو مغوية ، قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " كلا ولكنك عبد الرحمن أبو راشد ومبشر وميسر الأول ، اسم ~~مشهور ، والثاني ، هو ميسر بن عرمان بن عمير ، مولى عبد الله بن مسعود ، ~~علي بن ميسر ، كوفي . ومعمر ومعمر اسمان مشهوران ومعبد ومعيد الأول ، كثير ~~، والثاني ، هو أبو معيد حفص بن غيلان . ومسور ومسور الأول بكسر الميم ~~وتسكين السين المهملة ، كثير ، والثاني ، هو بضم الميم وفتح السين وتشديد ms1859 ~~الواو ، وهو مسور بن يزيد المالكي الكاهلي ، له صحبة . مرثد ومزيد ومريد ~~ومزبد الأول بفتح الميم وسكون الراء المهملة والثاء المثلثة ، كثير ، ~~والثاني مزيد بالزاي والياء ، هو الوليد بن مزيد صاحب الأوزاعي ، ومزيد بن ~~هلال ، ووالد يزيد ابن مزيد ، ومزيد بن عبد الله " ، والثالث مريد بضم ~~الميم والراء المهملة والياء المثناة من تحت ، PageV09P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" هو مريد ، روي عن أيوب السختياني ، والرابع ~~مزبد ، هو صاحب النوادر ، بالزاي والباء المعجمة بواحدة . ومحرز ومحرر ~~ومجزز الأول محرز بن زهير ، له صحبة ، والثاني محرر بالحاء والرائين ~~المهملتين هو محرر بن أبي هريرة ، ومحرر بن قعنب ، والثالث مجزز بالجيم ~~وزايين معجمتين هو مجزز المدلجي القائف ، وهو في الصحافة . ومغيث ومعتب ~~ومعتب الأول : مغيث بن بديل ، ومغيث بن أبي بردة ، ومغيث زوج بريرة ، له ~~صحبة وغيرهم ، والثاني معتب ، هو ابن قشير ، ومعتب بن أبي معتب ، وغيرهما ، ~~الثالث معتب ، تسمى به جماعة . وزاحم ومراجم الأول ، مشهور ، والثاني مراجم ~~بالراء المهملة والجيم : عوام بن مراجم ومسهر ومشهر الأول ، فيه جماعة ، ~~والثاني وبربن مشهر ، له صحبة . ومشكان ومسكان . . . . . . ومشرح ومسرح . . ~~. . . . PageV09P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" ومسبح ومسيح ومسيح ومشنج الأول ، هو مسبح بن ~~حاتم العكلي ، وغيره ، والثاني مسيح بفتح السين المهملة وسكون الياء ، هو ~~تميم بن مسيح ، وبكسر السين المهملة ، هو عبد الله العزيز بن مسيح ، ~~والرابع مشنج بالشين المعجمة والنون والجيم ، هو سمعان بن مشنج ، روي عن ~~سمرة ابن جندب . ومثنى وميثاء الأول ، مشهور كثير ، والثاني ميثاء بالياء ~~المثناة من تحت الثاء المثلثة ، هو أبو الميثاء المستظل بن حصين ، وأبو ~~الميثاء أيوب بن قسطنطين ، مصري وأبو الميثاء ، عن أبي ذر . ومنبه ومنية ~~الأول ، كثير ، والثاني ، قليل ، منهم يعلى بن منية ، هو ابن أمية ومنيه ~~بنت عبيد بن أبي برزة ونافع ويافع الأول بالنون ، كثير ، والثاني بالياء ، ~~هو يافع بن عامر . ونصر ونضر اسمان معروفان . ونميل وثميل الأول بالنون : ~~إسماعيل بن نميل ، والثاني بالثاء المثلثة : ثميل الأشعري ، عن أبي الدرداء ~~. ونعيم ويغنم الأول بالنون ، كثير ، والثاني بالياء وغين معجمة ms1860 ، هو يغنم ~~بن سالم بن قنبر ضعيف جدا . ونزار وبراز الأول بالنون ، جماعة والثاني ~~بالباء ، هو أشعث بن براز ، من أهل البصرة ، له مناكير . ونصير ونضير ونضير ~~وبصير PageV09P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" الأول : نصير بن الفرج ، وغيره ، والثاني : ~~نضير بنون مضمومة وضاد معجمة هو نضير بن زياد ، والثالث نضير بنون مفتوحة ~~وضاد معجمة مكسورة ، هو نضير ابن قيس ، والرابع : أبو بصير ، روي عنه أبو ~~إسحاق السبيعي ، وأبو بصير عتبة بن أسيد . والنجار والنحاز الأول بالجيم ~~والراء : أيوب بن النجار ، والنجار جد الأنصار ، والثاني النحاز بالحاء ~~والزاي ، هو النحاز بن جدي . ونجبة وتحية الأول بالنون والجيم والباء ، هو ~~الجبة بن صبيغ ، عن أبي هريرة ، والمسيب ابن نجبة ، والثاني تحية بالتاء ~~والحاء والياء ، هو الحكم بن أبي تحية . ونائل ونابل وناتل الأول بالياء : ~~نائل بن نجيح ، ونائل بن مطرف ، والثاني بالباء الموحدة هو نابل صاحب ~~العباء ، عن ابن عمر ، وأيمن بن نابل ، والثالث ناتل بالتاء المثناة هو ~~ناتل الشامي ، هو ناتل بن قيس ، عن أبي هريرة . ونجيب وبخيت الأول بالنون ~~والجيم ، هو أبو النجيب ، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - واسمه ظليم ~~، النجيب بن السري ، والثاني بخيت ، وهو أبو بكر بن بخيت البغدادي الدقاق . ~~وواقد ووافد الأول بالقاف ، كثير ، والثاني وافد بالفاء ، قليل ، منهم وافد ~~بن سلامة ، ووافد ابن موسى . ووقاء ووفاء فأما وقاء بالقاف ، فهو وقاء بن ~~إياس ، وأما وفاء بالفاء ، فهو ابن شريح ، ووفاء بن سهيل . وهدبة وهدية ~~PageV09P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" هدبة بالباء الموحدة ، هو ابن المهال ، وهدبة ~~بن خالد أخو أمية ، وأما هدية بالياء المثناة ، فهو هدية بن عبد الوهاب ، ~~ومحمد بن هدية الصدفي ، ويقال : ابن هدية ، ويزيد بن هدية ويسرة وبسرة ~~الأول : يسرة بن صفوان ، والثاني بسرة بالباء الموحدة ، هو أبو بسرة ، عن ~~البراء وبسرة بنت صفوان ، لها صحبة . وياسر وباشر وناشر الأول ياسر كثير ، ~~وباشر ، هو أبو حازم ، وناشر بالنون ، هو والد أبي ثعلبة الخشني جرثوم ، ~~وقيل فيه : " ناشب " . هذا ما اتفق إيراده من مؤتلف الأسماء ومختلفها ms1861 على ~~سبيل الاختصار مما ألفه الشيخ عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن ~~مروان الأزدي ، الحافظ المصري - رحمه الله تعالى - ، وقد ألف أيضا كتابا ~~آخر في المنسوب من رجال الحديث إلى قبيلة أو بلدة أو صنعة ، مما يأتلف في ~~صورة الخط ويختلف في المعنى ، لا بأس أو نورد منه نبذة . فمن ذلك الأبلى : ~~نسبة إلى الأبلة ، وإليها ينسب نهر الأبلة الذي هو أحد متنزهات الدنيا ~~الأربعة . والأيلي : نسبة إلى أيلة وأيلة على شاطئ البحر ، يمر عليها الحاج ~~المصري في مسيره إلى مكة وعوده ، وإليها تنسب العقبة ، وهو على عشر مراحل ~~من القاهرة . ولهم أيضا الأبلى : نسبة إلى أبلة بالأندلس . PageV09P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" ومنه الأسيدي والأسيدي فالأولى بالفتح : نسبة ~~إلى آل أسيد بن أبي العيص ، والأسيدي بالضم وتشديد الياء : نسبة إلى بطن من ~~تميم ، منهم حنظلة بن الربيع ، وأخوه رياح ، لهما صحبة . ومنه البصري ~~والنصري والبكري والنكري فالبكري : نسبة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، ~~وإلى بكر ، والنكري بالنون ، يقال : إنهم من عبد القيس ، منهم عمرو بن مالك ~~. والبحراني والنجراني . . . . . . والبشيري والتستري . . . . . . والبستي ~~والبشتي الأول : نسبة إلى بست ، من سجستان ، والثاني : إلى بشت ، قرية من ~~قرى نيسابور . والبلخي والثلجي البخلي : نسبة إلى بلخ ، الثلجي : محمد بن ~~شجاع الثلجي . والبزاز والبزار PageV09P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" والتيمي والتيمي فالتيم بتسكين الياء : نسبة ~~إلى تيم بن مرة بن كتعب ، وتيم الرباب ، وأما التيمي بتحريك الياء ، فهم ~~بطن من بني غافق والثاتي والباني والبابي أما الثاتي ، فهو إبراهيم بن يزيد ~~أبو خزيمة الثاتي قاضي مصر ، وثات : قبيلة من حمير ، وأما الباني ، فهو ~~محمد بن إسحاق ، وأما الباني ، فمنهم زهير بن نعيم الباني وغيره ، ولعلها ~~نسبة إلى الباب : قرية من قرى حلب . والثوري والتوزي والبوري والنوري ~~فالثوري : نسبة إلى ثور بن عبد مناة بن أد بن طانجة ، وأما التوزي بالزاي ~~بعد تاء معجمة من فوقها بنقطتين ، فأبو يعلى محمد بن الصلت التوزي ، وأما ~~البوري بالباء المعجمة بواحدة ، فمحمد بن عمر بن حفص ms1862 البوري البصري العنزي ~~، كان بمصر . . . ، وأما النوري ، فأبو الحسن النوري الصوفي البغدادي . ~~والجريري والحريري والجريرى والحزيزى أما الجريري بالجيم مضمومة ، فجماعة ، ~~منهم سعيد بن إياس ، وأبان بن تغلب وعباس بن فروخ ، وأما الحريري بالحاء ~~المهملة ، فكثير ، وأما الجريرى بالجيم المفتوحة ، فجماعة ينسبون إلى جرير ~~بن عبد الله البجلي ، وأما الحزيزي بالحاء المهملة وزايين ، فنسبة إلى قرية ~~اسمها حزيز . والجندعي والخبذعي PageV09P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" فالجندعي : نسبة إلى جندع ، من ليث ، وليث من ~~مضر بن نزار ، وأما الخبذعي فهم بطن من همدان . والجبيري والحبتري والخيبري ~~فالجبيري جماعة ، منهم سعيد بن عبد الله بن زياد بن جبير ، وغيره ، وأما ~~الحبتري ، فنسبة إلى حبتر ، وحبتر من كعب ، ثم من خزاعة ، وأما الخيبري ، ~~فأظنها نسبة إلى خيبر . والحناط والخياط والخباط جماعة من المحدثين والحبري ~~والحيري والجيزي والخبري والحتري فأما الحبري ، فهو الحسين بن الحكم الحبري ~~، وأما الحيري ، فنسبة إلى الحيرة محلة بنيسابور ، وأما الجيزي ، فنسبة إلى ~~جيزة فسطاط مصر ، وأما الخبري ، فنسبة إلى قرية من قرى شيراز ، منها الفضل ~~بن حماد الخبري ، وأما الحتري ، فهو أبو عبيد الله الحتري . والحراني ~~والحرابي فالحراني : نسبة إلى حران ، من مدن الجزيرة ، والحرابي ، هو أحمد ~~بن محمد شيخ البغداديين . والحنائي والجبائي والجبإي الجنابي أما الحنائي ~~بالحاء المهملة والنون ، فإبراهيم بن علي الحنائي ، وأما الجبإي بالجيم ~~والباء ، فهو شعيب الجبإي ، منسوب إلى جبل باليمن ، وأما الجبائي بالجيم ~~المضمومة والباء الموحدة ، فهو أبو علي الجبائي PageV09P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" المتكلم ، وأما الجنابي بالجيم والنون والباء ~~الموحدة فهو محمد بن علي بن عمران الجنابي . والخزاز والخراز والجرار ~~والجزار أما الخزاز بالخاء والزايين المعجمات ، فعدد كثير ، منهم النضر بن ~~عبد الرحمن وأحمد بن علي ، وغيرهما ، وأما الخراز بالخاء والراء والزاي ، ~~فجماعة ، منهم عبد الله ابن عون الخراز ، وغيره ، وأما الجرار بالجيم ~~والراء المكررة المهملة ، فعبد الأعلى بن أبي المساور الجرار ، وعيسى بن ~~يونس الرملي الجرار ، وهو الفاخوري ، وأما الجزار فنسبة إلى صنعة الجزارة . ~~والخضرمي والحضرمي فأما الخضرمي بالخاء المعجمة المجرورة ، فهو عدة يسكنون ~~بأرض ms1863 الجزيرة ، وأما الحضرمي بالحاء ، فخلق كثير ، يرجعون إلى حضرموت . ~~والحمصي والحمصي فالحمصي : منسوب إلى حمص ، والحمصي قليل ، وهو إبراهيم بن ~~الحجاج بن منير الحمصي ، الحمصي كان يقلي الحمص . والخضري والحصري والخضري ~~فأما الخضري بالخاء والضاد ، فأبو شيبة الخضري ، وأما الحصري فسعيد بن محمد ~~الحصري ، وغيره ، وأما الخضري ، فهو فقيه أهل مرو أبو عبد الله محمد بن ~~أحمد . PageV09P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" والخوزي والجوري والجوزي والحسني والخشني ~~والحبشي والخيشي . . . . . . والختلي والجبلي والحبلي والختلي والجبلي فأما ~~الختلي بضم الخاء وتشديد التاء المثناة ، فنسبة إلى ختل من بلاد الديلم ~~وإليها تنسب الدولة الديملمية الختلية ، وأما الجبلي بالجيم المفتوحة ~~والباء الموحدة المشددة ، فنسبة إلى جبل : قرية بين بغداد وواسط ، وأما ~~الحبلى بالحاء المهملة والباء الموحدة ، فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن ~~يزيد الحلي ، صاحب عبد الله ابن عمرو ، رضي الله عنهما ، وأما الختلى بضم ~~الخاء وضم التاء المثناة وتشديد اللام فنسبة إلى ختل ، وأما الجبلي ، فنسبة ~~إلى جبلة الشأم . والخصيبي والحصيني . . . . . . والخرقي والحرقي . . . . . ~~. الثاني : نسبة إلى الحرفة بنت النعمان . والدهني والذهبي الدهني بضم ~~الدال المهملة وكسر النون : نسبة إلى حي من بجيلة . . . . . . والرهاوي ~~والرهاوي PageV09P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" بالفتح : منسوب إلى قبيلة ، منهم مالك بن ~~مرارة الرهاوي ، له صحبة ، وبالضم : نسبة إلى بلد الرها ، من أرض الجزيرة . ~~والرياحي والرباحي فالرياحي بكسر الراء المهملة وفتح الياء المثناة من تحت ~~: إلى بطن من تميم بن مرة ، والرباحي بفتح الراء والباء الموحدة : منسوب ~~إلى قعلة رباح بالأندلس . والربذي والزيدي فالربذي بالراء المهملة والباء ~~الموحدة المفتوحة والذال المعجمة : نسبة إلى الزبذة ، والزيدي بالزاي ~~المعجمة : نسبة إلى زيد العلوي ، وإلى مذهبه . والرفاعي والرقاعي والزماني ~~والرماني فالزماني بكسر الزاي المعجمة : عبد الله بن معبد ، والرماني ~~بالراء المهملة : جماعة منهم على بن عيسى النحوي المتكلم ، وغيره . ~~والزينبي والزبيبي . . . . . . والزبيدي والزبيدي بالضم : نسبة إلى قبيلة ، ~~منهم عمرو بن معد يكرب ، وبالفتح : نسبة إلى زبيد ، من أرض اليمن . ~~والزبادي والزيادي PageV09P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" فالزبادي بفتح الزاي المعجمة ، جماعة منهم ~~خالد بن عامر الزبادي والزيادي ms1864 بكسر الزاي المعجمة : نسبة إلى زياد . ~~والسلمي والسلمي بضم السين المهملة وفتحها . . . . . . والسذابي والشذاتي ~~فالسذابي بالسين المهملة ، هو عمر بن محمد السذابي ، وبالشين المعجمة ~~والياء المثناة من تحت ، هو أبو الطيب الشذائي الكاتب ، واسمه محمد بن أحمد ~~والسبإي والشنإي والسنائي فإما السبإي بالسين المهملة والباء الموحدة ، ~~فنسبة ترجع إلى سبإ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان ، وأما الشنإي بالشين ~~المعجمة والنون ، فنسبة إلى أزد شنوءه ، وأما السنائي ، فرجل نعرفه ، كان ~~يلقب عز الدين السنائي ، وقد أورد في هذا الموضع النسائي بتقديم النون على ~~السين ، نسبة إلى نسا من خرسان ، والأفصح فيها النسوى . والسامري والسامري ~~الأول نسبة إلى سامرا ، والثاني : نسبة معروفة إلى السامري وفي المحدثين ~~إبراهيم بن أبي العباس السامري . والسبيي والشيبي والسيني والسبني والسيني ~~والسبتي أما السبيي بالسين المهملة والباء الموحدة والياء بآثنتين من تحتها ~~، فهو أبو طالب السبيي ، ينسب إلى قرية من قرى الرملة ، تسمى سيبة ؛ وأما ~~الشيبي ، فنسبة إلى PageV09P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" شيبة بن عثمان ، من بني عبد الدار بن قصي ، ~~من سدنة الكعبة ؛ وأما السيبي بالسين مهملة ، تليها باء مثناة من تحتها ، ~~بعدها ياء موحدة ، فهو صباح بن هارون أبو مروان ؛ وأما السبني ، بالسين ~~المهملة والنون بعد الياء الموحدة فهو أحمد بن إسماعيل السبني ؛ وأما ~~السبني ، فقبيل من الأكراد يعرفون بالسينية ؛ وأما السبتي ، فشيخ صالح ~~متأخر ، مدفون بقرافة مصر ؛ والسيني والسبتي لم يذكرهما عبد الغني . ~~والشامي والسامي فالشامي بالشين المعجمة : نسبة إلى الشأم ؛ والسامي بالسين ~~المهملة : قوم ينسبون إلى سامة بن لؤي بن غالب ، منهم إبراهيم بن الحجاج ~~صاحب الحمادين : حماد بن سلمة وحماد بن زيد ؛ وعلي بن الحسن السامي ، وعمر ~~بن موسى السامي ومحمد بن عبد الرحمن السامي الهروي ، ويحيى بن حجر ، وبشر ~~بن حجر . والسجزي والسحري والشجري فأما السجزي بفتح السين المهملة ، ~~وبالجيم والزاي المعجمة ، فعدد كبير ينسبون إلى سجستان ؛ وأما السحري بكسر ~~السين ، وبالحاء والراء المهملات ، فهو عبد الله بن محمد السحري ؛ وأما ~~الشجري بالشين المعجمة والجيم والراء المهملة فإبراهيم بن يحيى الشجري ms1865 . ~~والشيباني والسيباني والسيناني أما الشيباني ، فنسب معروف ؛ وأما السيباني ~~بالسين المهملة ، تليها ياء مثناة من تحتها وباء موحدة ، فهو يحيى بن أبي ~~عمرو السيباني ، وأيوب بن سويد الرملي ؛ PageV09P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" وأما السيناني بكسر السين المهملة ، تليها ~~ياء مثناة من تحتها ونون ، فهو الفضل بن موسى السيناني ، ينسب إلى قرية من ~~قرى مرو . والسبخي والسنجي والسبحي والشيخي أما السبخي بالياء الموحدة ~~والخاء المعجمة ، فهو فرقد بن يعقوب السبخي العابد ؛ وأما السنجي بالنون ~~والجيم ، فهو أبو داود سليمان بن معبد السنجي ، خراساني ؛ وأما السبحي بضم ~~السين المهملة ، وبالحاء المهملة ، قبلها باء موحدة ، فهو أبو بكر السبحي ؛ ~~وأما الشيخي ، فجماعة نعرفهم من الأمراء يقال لهم : الشيخية ؛ ويصلح أن ~~يضاف إلى هذه الترجمة السبحي والشيحي . والشعبي والشعبي والشغبي فالشعبي ~~بفتح الشين المعجمة ، هو عامر بن شراحيل الشعبي ؛ وأما الشعبي بضمها ، فهو ~~معاوية بن حفص الشعبي ؛ وأما الشغبي ؛ بالشين والعين المعجمة فهو زكريا بن ~~عيسى الشغبي ، منسوب إلى شغب : منهل بين طريق مصر والشأم . والشعيثي ~~والشعيبي فالشعيثي : نسبة إلى شعيث بلعنبر من بني تميم ؛ وأما الشعيبي ، ~~فنسبة إلى من اسمه شعيب . والشني والشبي والسني والبسي فأما الشني بالشين ~~المعجمة والنون ، فعدة ، منهم عقبة بن خالد الشني البصري ، عن الحسن البصري ~~، روى عنه مسلم بن إبراهيم ؛ والعباس بن جعفر بن زيد طلق PageV09P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" العبدي الشني ؛ وأما الشبي ، فهو محمد بن ~~هلال بن بلال الشبي ؛ وأما السني بالنون ، فهو الحافظ ابن السني الدينوري ؛ ~~وأما البسي ، فهو أبو محجن توبة بن نمر قاضي مصر ، بطن من حمير يقال لهم : ~~" البسيون " . والضبي والضني فالضبي : نسبة إلى ضبة ؛ وأما الضني بالنون ~~وكسر الضاد ، فهو أبو يزيد الضني ، يروي عن ميمونة مولاة النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . والصراري والضراري والصراري فأما الصراري ، فهو محمد بن عبد ~~الله الصراري ، يروي عن عطاء بن أبي رباح ؛ وأما الضراري بكسر الضاد ~~المعجمة ، فهو محمد بن إسماعيل الضراري ؛ وأما الصراري بفتح الصاد المهملة ~~والراء المهملة المشددة ، فأبو القاسم بكر بن الفضل بن ms1866 موسى النعالي ~~الصراري : نسبة إلى صنعة النعال الصرارة . والصائغ والضائع فالصائغ : نسبة ~~إلى صنعة الصياغة ؛ والضائع ، هو عثمان بن بلج الضائع . والصعدي والصغدي ~~فالصعدي ، هو محمد بن إبراهيم بن مسلم الصعدي ؛ وأما الصغدي بضم الصاد ~~المهملة وتسكين الغين المعجمة ، فهو أيوب بن سليمان الصغدي ، وإسحاق بن ~~إبراهيم بن منصور الصغدي ؛ أراها نسبة إلى الصغد بسمرقند ، وهو أحد متنزهات ~~الدنيا الأربعة . PageV09P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" والصباحي والصباحي فالصباحي بضم الصاد ، هو ~~أبو خيرة الصباحي ، له صحبة ؛ وأما الصباحي بفتح الصاد وتشديد الباء ~~الموحدة ، فهو يزيد بن سعيد الصباحي ، يروى عن مالك بن أنس حديثين . ~~والطيبي والطيني والطبني والطيبي فالطيبي بالطاء والياء المعجمة باثنتين من ~~تحتها وباء موحدة ، هو أحمد بن إسحاق بن نيخاب الطيبي ، وأما الطيني بالياء ~~المثناة من أسفل النون ، فهو عبد الله بن الهيثم الطيني ؛ وأما الطبني ~~الموحدة بالباء والنون ، فنسبة إلى مدينة بالمغرب منها علي بن منصور الطبني ~~، وغيره الطبني ، وغيره ؛ وأما الطيبي ، فنسبة إلى الطيبي : بلد بإقليم ~~الغربية بمصر ، وبلد بالشرقية ، وقرية بالسوداء من الشأم تسمى طيبة الاسم ~~وهذه النسبة إلى الطيبة لم يذكرها عبد الغني . والعابدي والعائدي والعائذي ~~فالعابدي بالباء الموحدة والدال المهملة : نسبة إلى عابد بن عمر بن مخزوم ~~منهم عبد الله بن المسيب القرشي العابدي ، وعبد الله بن عمران العابدي صاحب ~~سفيان بن عيينة ؛ " وأما العائدي ، فهم من ولد عائد بن عمرو بن مخزوم ، فقد ~~اجتمع في مخزوم عابد وعائد " ؛ وأما العائذيون بالذال المعجمة ، فهم من ولد ~~عمران بن مخزوم أيضا . والقيني والقتبي فأما القيني بالياء المثناة من ~~تحتها والنون ، فجماعة ، منهم عبد الله نعيم القيني وغيره ؛ وأما القتبي ~~بضم القاف وفتح التاء المثناة من فوقها وبالباء الموحدة ، PageV09P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" فهلال ابن العلاء ، وعبد الله بن مسلم بن ~~قتيبة ؛ وأضاف عبد الغني إلى هذه الترجمة العتبي ، وهو محمد بن عبيد الله ~~العتبي الأخباري . والعوقي والعوفي أما بالقاف ، فهو أبو نضرة منذر بن مالك ~~العوفي صاحب أبي سعيد الخدري ، ومحمد بن سنان العوقي ، وأما العوفي ms1867 بالفاء ~~، فهو عطية العوفي ، وأحمد بن إبراهيم العوفي . والعتقي والغيفي فالعتقي ~~بضم العين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبالقاف ، هو الحارث بن ~~سعيد العتقي ، وأبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله العتقي المقرئ ، له تاريخ ~~في المغاربة ؛ وأما الغيفي بالغين المعجمة والياء المثناة من تحتها والفاء ~~، فالنسبة فيها إلى غيفة : قرية من قرى مصر بقرب بلبيس مدينة الشرقية ، ~~منها الحسين بن إدريس بن عبد الكبير الغيفي . والعودي والعوذي . . . . . . ~~والعمري والعمري والغمري . . . . . . والعبادي والعبادي والعبادي . . . . . ~~. والعبدي والعيذي والعبسي والعنسي والعيشي فأما العبسي ، فنسبة إلى عبس ، ~~منهم جماعة من الصحابة ؛ وأما العنسي بالنون فجماعة ، منهم عمار بن ياسر ؛ ~~وأما العيشي ، فجماعة كثيرة ، منهم أمية بن بسطام وحماد بن عيسى . ~~PageV09P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" والقيسي والفيشي فالقيسي : نسبة إلى قيس ؛ ~~والفيشي بالفاء والشين : نسبة إلى قرية من قرى مصر يقال لها : فيشة . ~~والعرفي والعرقي والعرقي فالعرفي ، هو أبو عبد الله العرفي الحجازي ؛ ~~والعرقي ، هو عروة بن مروان الرقي العرقي " والعرقي : نسبة إلى عرقة ، من ~~عمل طرابلس الشأم ، لم يذكرها عبد الغني " . والغبري والعنزي والعتري ~~والعنزي فأما الغبري بالغين المعجمة المضمومة والباء المفتوحة بواحدة ~~والراء المهملة فهم كثير ، من بني غبر ، منهم عباد بن شرحبيل ، وعباد بن ~~قبيصة ؛ وأما العنزي بالعين المهملة والنون والزاي ، فنسبة إلى عنزة : حي ~~من ربيعة ؛ وأما العتري فجماعة ، منهم بكار بن سلام العتري ؛ وأما العنزي ~~بفتح العين وسكون النون وكسر الزاي ، فمنهم عامر بن ربيعة العنزي ؛ وعنز من ~~ربيعة بن نزار . والفزاري والقراري فالفزاري : نسبة إلى بني فزارة ؛ ~~والقراري بالقاف والراء المهملة المكررة ، قليل منهم أبو الأسد سهل القراري ~~؛ وقرار قبيلة . والفلاس والقلاس فالفلاس بالفاء ، هو أبو حفص عمرو بن علي ~~الصيرفي الفلاس ؛ والقلاس بالقاف والسين المهملة ، هو أبو بكر محمد بن ~~هارون القلاس . PageV09P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" والقتباني والفتياني فالقتباني بالقاف : ~~جماعة ، منهم عياش بن عباس القتباني ، وأبو معاوية المفضل بن فضالة بن عبيد ~~قاضي مصر ؛ وأما الفتياني بالفاء ، فبطن من بجيلة الكوفة ، منهم رفاعة بن ~~عاصم . والقبائي والقنائي ms1868 والقياني والقباني والقناني والقباني فالقبائي ~~بضم القاف : نسبة لمن سكن قباء ؛ وأما القنائي بضم القاف أيضا وبالنون ، ~~فهو أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن علي القنائي الكاتب ؛ وأما القياني بكسر ~~القاف وبالياء المثناة من تحتها والنون ، فهو عبدوس بن المعلى القياني ~~والقيانة ، بطن من غافق ؛ وأما القباني بفتح القاف وبالباء الموحدة والنون ~~، فهو علي بن الحسين القباني ؛ وأما القنائي ، فنسبة لمن يكون من قنى من ~~أعمال الديار المصرية ، على مرحلة من مدينة قوص ؛ وأما القباني ، فنسبة لمن ~~يزن بالقبان والقنائي والقباني لم يذكرهما عبد الغني رحمه الله . والفريابي ~~والقرناني فأما الفريابي ، فنسبة إلى فرياب من خراسان ؛ وأما القرناني ~~بالقاف والنونين فهو شريك بن سويد التجيبي ثم القرناني ، من بني القرنان . ~~والقرني والقربي فأما القرني ، فنسبة إلى بطن من مراد ، منهم أويس القرني ؛ ~~وأما القربي فالحكم بن سنان . PageV09P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" والغزي والغري فالغزي : نسبة إلى مدينة غزة ~~بالشأم ؛ والغري : طائفة من الأكراد يسمون الغرية " ، لم يذكرهم عبد الغني ~~. والقروي والفروي فالقروي بالقاف : نسبة إلى القيروان من المغرب ؛ والفروي ~~بالفاء : هم رهط أبي علقمة عبد الله بن محمد الفروي . والقباب والقتات ~~فالقباب بباءين موحدتين ، هو عبد الله بن محمد بن محمد بن فورك القباب ~~الأصبهاني ، وقيل فيه : " القتات " ؛ والقتات بتاءين مثناتين من فوقهما ، ~~هو أبو يحيى زادان ، روى عن مجاهد ، وأبو عمرو محمد بن جعفر القتات . ~~والقطري والفطري فالقطري بالقاف ، هو محمد بن عبد الحكم ؛ والفطري بالفاء ، ~~هو محمد بن موسى ، روى عن سعيد المقبري . والقوصي والقوصي فالقوصي بضم ~~القاف وتسكين الواو : نسبة لمن يكون من أهل مدينة قوص من الديار المصرية ؛ ~~والقوصي بفتح القاف والواو : نسبة لمن يكون من قرية القوصة من إقليم مصر ، ~~من مرج بني هميم ، لم يذكرهما عبد الغني رحمه الله . والكسائي والكشاني ~~الأول بكسر الكاف وفتح السين المهملة ، هو علي بن حمزة الكسائي النحوي أحد ~~القراء السبعة ؛ وأما الكشاني بضم الكاف وبالشين المعجمة والنون ، فهو محمد ~~بن حاتم الكشاني النحوي . PageV09P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" والكليبي والكليني الأول ms1869 : نسبة معروفة إلى ~~كليب ؛ والكليني بالنون ، هو محمد بن يعقوب الكليني ؛ من الشيعة . والكناني ~~والكتاني فالأول : نسبة إلى كنانة ؛ والثاني بالتاء المشددة ، هو محمد بن ~~الحسين الكتاني وأحمد بن عبد الواحد الكتابي ، وغيرهما . والكرجي والكرخي ~~والكرجي فالكرجي : نسبة إلى الكرج ؛ والكرخي : نسبة إلى الكرخ محلة ببغداد ~~؛ والكرجي : إلى الكرج طائفة من الأكراد أتراك . واللهبي واللهبي فاللهبي ~~بفتح اللام : نسبة إلى أبي لهب ؛ وأما اللهبي بكسر اللام وسكون الهاء فنسبة ~~إلى قبيلة من الأزد . والمازني والمأربي فالمازني : نسبة إلى مازن أخي سليم ~~بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر ، وغيره ؛ وأما المأربي ~~بالراء المهملة والباء الموحدة ، فهم جماعة من مأرب باليمن ، إليها ينسب سد ~~مأرب الذي كان بني بسبب سيل العرم ، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى . ~~والنجاري والبخاري فالنجاري : نسبة إلى بني النجار من الأنصار ؛ والبخاري : ~~نسبة إلى مدينة بخاري بما وراء النهر . PageV09P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" والناجي والباجي والتاجي فالناجي بالنون : ~~نسبة إلى بني ناجية من سامة بن لؤي ؛ وأما الباجي بالباء الموحدة ، فنسبة ~~إلى باجه من مدن المغرب ؛ وأما التاجي ، فجماعة من الأتراك ينسبون إلى ~~مواليهم ممن لقبه تاج الدين . والنحاس والنخاس فالنحاس بالحاء : الذي يصنه ~~أواني النحاس ، والنخاس بالخاء ، هو دلال الرقيق . والبجلي والبجلي والنخلي ~~فالبجلي بالجيم المفتوحة : من بجيلة ؛ وأما البجلي بسكون الجيم ، فهم رهط ~~من سليم بن منصور ، يقال لهم : بنو بجلة ، نسبوا إلى أمهم بجلة بنت هنأة بن ~~مالك بن فهم الأزدي ؛ وأما النخلي بالخاء المعجمة والنون قبلها ، فعمران ~~النخلي روى عنه شريك بن عبد الله القاضي ، وإبراهيم بن محمد أبو عبد الله ~~النخلي صاحب التاريخ . والهمداني والهمذاني فالأول : منسوب إلى همدان ، ~~قبيلة مشهورة من اليمن ؛ والثاني : نسبة إلى مدينة همذان . واليزني والبرتي ~~فأما اليزني ، فنسبة إلى سيف بن ذي يزن الحميري ؛ وأما البرتي بالباء ~~الموحدة والراء المهملة والتاء المثناة من فوقها ، فمنهم أحمد بن محمد بن ~~عيسى البرتي . وذكر عبد الغني في هذا الموضع البزي والبري والبري فقال : ~~أما البزي ms1870 بالباء المعجمة بواحدة والزاي المعجمة ، فهو أحمد بن محمد بن عبد ~~الله بن القاسم بن أبي PageV09P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" بزة ، صاحب القراءة ، يروى عن ابن كثير ؛ ~~وأما البري بالباء المضمومة الموحدة والراء المهملة ، فمنهم عثمان بن مقسم ~~البري أبو سلمة ؛ وأما البري بباء مفتوحة موحدة فهو علي بن بحر بري . هذا ~~مختصر ما ألفه عبد الغني - رحمة الله تعالى - وفيه زيادة في مواضع نبهنا ~~عليها ؛ ولم يكن الغرض بإيراد ما أوردناه من المؤتلف والمختلف استيعابه ~~وحصره وإنما كان الغرض التنبيه على ذلك ، وأن الناسخ يحتاج إلى ضبط ما يرد ~~عليه من هذه الأسماء وأمثالها ، وتقييدها والإشارة عليها ؛ وقد أخذ هذا ~~الفصل حقه ، فلنذكر غير ذلك من شروط الناسخ وما يحتاج إلى معرفته . وأما من ~~ينسخ العلوم ؛ كالفقه واللغة العربية والأصول وغير ذلك ، فالأولى له ~~والأشبه به إلا يتقدم إلى كتابة شيء منها إلا بعد اطلاعه على ذلك الفن ~~وقراءته وتكراره ، ليسلم من الغلط والتحريف ، والتبديل والتصحيف ؛ ويعلم ~~مكان الانتقال من باب إلى بابن ومن سؤال إلى جواب ؛ ومن فصل إلى فصل ، وأصل ~~إلى فرع أو فرع إلى أصل ؛ ومن تنبيه إلى فائدة ، واستطراد لم يجز الأمر فيه ~~على قاعدة ؛ ومن قول قائل ، وسؤال سائل ؛ ومعارضة معارض ، ومناقضة مناقض ؛ ~~فيعلم آخر كلامه ، ومنتهى مرامه ؛ فيفصل بين كل كلام وكلام بفاصلة تدل على ~~إنجازه ، ويبرز قول الآخر بإشارة يستدل بها على إبرازه ؛ وإلا فهو حاطب ليل ~~لا يدري أين يفجأه الصباح ، وراكب سيل لا يعرف الغدو من الرواح . وأما من ~~ينسخ التاريخ - فإنه يحتاج إلى معرفة أسماء الملوك وألقابهم ونعوتهم وكناهم ~~، خصوصا ملوك العجم والترك والخوارزمية والتتار فإن غالب أسمائهم أعجمية لا ~~تفهم إلا بالنقل ، ويحتاج الناسخ إذا كتبها إلى تقييدها بضوابط وإشارات ~~وتنبيهات تدل عليها ؛ وكذلك أسماء المدن والبلاد والقرى والقلاع والرساتيق ~~والكور والأقاليم ، فينبه على ما تشابه منها خطا واختلف لفظا وما تشابه خطا ~~ولفظا واختلف نسبة ، نحو مرو ومرو ؛ إحداهما مرو الروذ ، والأخرى مرو ~~PageV09P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" الشاهجان ؛ والقاهرة ms1871 ، والقاهرة ؛ إحداهما ~~القاهرة المعزية ، والأخرى القلعة القاهرة التي هي بزوزن التي أنشأها مؤيد ~~الملك صاحب كرمان ، فإن الناسخ متى أطلق اسم القاهرة ولم يميز هذه بمكانها ~~ونسبتها تبادر ذهن السامع إلى القاهرة المعزية لشهرتها دون غيرها ، وأما في ~~أسماء الرجال ، فمثل عبيد الله بن زياد ، وعبيد الله بن زياد ، فالأول عبيد ~~الله بن زياد بن أبيه ، وزياد هذا ، هو ابن سمية الذي ألحقه معاوية بن أبي ~~سفيان بأبيه ، واعترف بأخوته ، وكان عبيد الله هذا يتولى أمر العراق بعد ~~أبيه إلى أيام مروان بن الحكم ؛ والثاني عبيد الله بن زياد بن ظبيان ؛ ~~وخبرهما يشبه مسائل الدور ، فإن عبيد الله بن زياد بن أبيه قتله المختار بن ~~أبي عبيد الثقفي والمختار بن أبي عبيد قتله مصعب بن الزبير ، ومصعب بن ~~الزبير قتله عبيد الله بن زياد بن ظبيان ؛ فإذا لم يميز كل واحد منهما بجده ~~ونسبه أشكل ذلك على السامع وأنكره ما لم تكن له معرفة بالوقائع ، واطلاع ~~على الأخبار ؛ فأمثال ذلك وما شاكله يتعين على الناسخ تبيينه ، وكذلك أسماء ~~أيام العرب ، نحو أيام الكلاب بضم الكاف ، وأيام الفجار بكسر الفاء وبالجيم ~~، وغير ذلك ، فينبه على ذلك كله ، ويشير إليه بما يدل عليه . وأما من ينسخ ~~الشعر - فإنه لا يستغني عن معرفة أوزانه ، فإن ذلك يعينه على وضعه على أصله ~~الذي وضع عليه ؛ ويحتاج إلى معرفة العربية والعروض ليقيم وزن البيت إذا ~~أشكل عليه بالتفعيل ، فعلم هل هو على أصله وصفته أو حصل فيه PageV09P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" زحاف من نقص به أو زيادة ، فيثبته بعد تحريره ~~، ويضع الضبط في مواضعه ، فإن تغييره يخل بالمعنى ويفسده ، ويحيله عن صفته ~~المقصودة ؛ فإذا عرف الناسخ هذه الفوائد وأتقنها ، وحرر هذه القواعد وفننها ~~، وأوضح هذه الأسماء وبينها ، وسلسل هذه النساب وعنعنها ؛ . . . . . . ~~والمرغوب في علمه وكتابته ، فليبسط قلمه عند ذلك في العلوم ، ويضع بن ~~المنتور والمنظوم ؛ ولنذكر كتابة التعليم . ذكر كتابة التعليم وما يحتاج من ~~تصدي لها إلى معرفته وكتابة التعليم تنقسم إلى قسمين : تعليم ابتداء ، ~~وتعليم ms1872 انتهاء فأما تعليم الابتداء - فهو ما يعلمه الصبيان في ابتداء أمرهم ~~؛ وأول ما يبدأ به المؤدب من تعليم الصبي أن يكتبه حروف المعجم المفردات ؛ ~~فإذا علمها الصبي وعرف كيف يضعها ، وميز بين المعجم والمهمل منها امتحنه ~~المؤدب بتقطيعها وسؤاله عنها على غير وضعها ، مثل أن يسأله عن النون ، ثم ~~الجيم ، والضاد ونحو ذلك ؛ فإذا أجابه عما فرقه وعكسه عليه من ذلك أنه أتقن ~~هذه الحروف فيهنجيه الحروف بعد ذلك حرفا حرفا ، كل حرف وهجاءه في المنصوب ~~والمجرور والمرفوع والمجروم ، فإذا عرف هجاء هذه الحروف وأتقنه ، وامتحنه ~~نحو ما تقدم جمع له بعد ذلك كل حرف إلى آخر كتابه ، من الباء والجيم والدال ~~والراء والسين والصاد والطاء والعين والفاء والكاف واللام والميم ، يبدأ ~~بالباء مع الألف وما بعدها ثم يكتبه البسملة ، ويأخذ في تدرجه في الكتابة ، ~~وتدريبه في استخراج الحروف بالهجاء وما يتولد منها إذا اجتمعت ، إلى أن ~~يقوى فيها لسانه ويده ، ويقرأ ما يكتب له ، ويكتب ما يقترح عليه من غير ~~منبه له ولا مساعد ؛ فهذه كتابة الابتداء ؛ ولا ينبغي أن يتصدى لها إلا من ~~اشتهرت ديانته وحسن اعتقاده والتزامه طريق السنة ، ومن كان بخلاف ذلك ، أو ~~ممن طعن فيه بوجه من وجوه المطاعن وجب على ناظر الحسبة منعه . PageV09P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" وأما تعليم الانتهاء - فهو كتابة التجويد ، ~~وهي أصل جميع ما قدمناه من الكتابات ، ويحتاج من تصدى لها إلى إتقان أقلام ~~الكتابة ، ومعرفة أوضاعها على ما وضعه الوزير أبو علي بن مقلة حين عرب الخط ~~ونقله من الكوفية إلى التوليد ، ثم عمدته على طريق علي بن هلال الكاتب ~~المعروف بابن التواب وما وضعه من أقلام الكتابة ، ومعرفة الأقلام الأصول ~~الخمسة ، وهي قلم المحقق ، وقلم النسخ وقلم الرقاع ، وقلم التواقيع ، وقلم ~~الثلث ؛ فهذه الأقلام الخمسة هي الأصول ؛ ثم لتفرع عنها أفلام أخر نذكرها ~~بعد إن شاء الله تعالى ؛ وقد ذكر لهذه التسمية أسباب واشتقاقات ، فقالوا : ~~إن قلم المحقق إنما سمي بذلك لأنه أصل الكتابة ، وهو يحتاج إلى التحقيق في ~~وضع ms1873 الحروف وتركيبها ؛ وقلم النسخ ؛ لأنه تنسخ به الكتب ولذلك وضع بحيث أن ~~الكتب لا تحسن كتابتها بغيره ، لاعتدال أسطره ، ودقة حروفه والتئام أجزائه ~~؛ وقلم الرقاع لأنه وضع لكتابة الرقاع المرفوعة في الحوائج ؛ ألا ترى ما ~~على الرقاع به من البهجة ؟ ولو كتبت بغيره ما حسن موقعها من النفوس ؛ وقلم ~~التواقيع لأنه وضع لتكتب به التواقيع الصادرة عن الخلفاء والملوك ؛ وقلم ~~الثلث لكتابة المناشير التي تكتب في قطع الثلث ؛ هذا ما قيل في سبب تسمية ~~هذه الأقلام بهذه الأسماء . وأما ما يتفرع عن هذه الأقلام الخمسة التي ~~ذكرناها - فلكل قلم منها غليظ وخفيف ومتوسط ، فقلم المحقق يتفرع عنه خفيفه ~~، ويتفرع عنه أيضا قلم الريحان ؛ وقلم النسخ يتفرع عنه قلم المتن ، وهو ~~غليظه ، وقلم الحواشي وهو خفيفه ، وقلم PageV09P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" المنثور ، وهو الذي يفصل بين كل كلمة وكلمة ~~ببياض ؛ وقلم الرقاع يتفرع عنه قلم الغبار ، وهو خفيفه ، وينزل منه بمنزلة ~~الحواشي من النسخ ، وهو الذي تكتب به الملطفات والبطائق ، ويتفرع عنه أيضا ~~قلم المقترن ، وهو ما يكتب سطرين مزدوجين ، وقد يكتب بغير قلم الرقاع ، لكن ~~لم تجر عليه هذه التسمية ، وفي الرقاع مسلسل ؛ وقلم التواقيع منه ما هو ~~مسلسل ، وهو ما يتصل بعض حروفه ببعض بتشعيرات رقيقة تلتف على الحروف ؛ وقلم ~~الثلث يتفرع عنه وعن المحقق جميعا قلم يسمى قلم الأشعار ؛ ولهم أيضا قلم ~~الذهب ، وهو قد يكون تارة ثلثا وتارة تواقيع إلا أنه يكون خاليا من التشعير ~~بسبب ترميكه باللون المغاير للون الذهب ، والترميك هو أن يحبس الحرف بلون ~~غير لونه بقلم رقيق جدا ؛ ولهم أيضا قلم الطومار ومنه كامل وغير كامل ، ~~فالكامل : الذي إذا جمعت الأقلام كلها كانت في غلظه وهو الذي يكتب به على ~~رؤوس الدروج ؛ وغير الكامل ، هو الطومار المعتاد ؛ فهذه هي الأصول وما ~~يتفرع عنها . ولهم أيضا أسماء أخر ، منها قلم الطور وقلم المنهج ، وقلم ~~الطمغاوات ، وأسماء غير هذه اصطلح عليها الكتاب ؛ فإذا أتقن الكاتب ما ~~ذكرناه من هذه الأقلام وحررها ، وعرف أوضاعها وقواعدها ، وكيفية وضع ms1874 الحروف ~~وموضع ترقيقها وتغليظها ، والمكان الذي تكتب فيه بسن القلم وبصدره ، وأين ~~يضع الحرف الآخر منه ، إلى غير ذلك من شروطها وقواعدها ، واتصف بما قدمناه ~~في المؤدب من الديانة والخير والعفة وحسن الطريقة وصحة الإعتقاد والتزام ~~السنة ، فقد استحق أن يتصدى للتعليم والإفادة ، ويتعين على الطالب والرجوع ~~إليه ، والاقتداء بطريقته ، والكتابة على خطه والتزام توقيفه . ~~PageV09P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" فارغة . PageV09P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" الفن الثالث في الحيوان الصامت قد جمعت في ~~هذا الفن - أعزك الله تعالى - من أجناس الحيوان بين الكاسر والكاشر ، ~~والنافر والطائر ؛ والصائد والصائل ، والناهق والصاهل ؛ والحامل والحالب ، ~~واللاذع واللاسب ؛ والكانس والسانح ، والراسخ والسائح ؛ فمن أسد انفرد عظما ~~بنفسه ، وترفع عن الإلمام بما سواه من جنسه ؛ إن وطئ أرضا مالت الوحوش عن ~~آثاره ، أو قصد جهة نفرت من جواره ؛ وإن فغر فاه أبرز المدى وإن مد خطاه ~~قرب المدى ؛ ونمر حديد الناب ، موشى الإهاب ؛ وفهد سريع الوثوب والاختطاف ، ~~وكلب إن طفئت النيران فهو الجالب للأضياف ؛ وضبع إن رأت قتيلا طافت به ~~ومالت إليه ، وذئب ما رأى بصاحبه دما إلا أغار عليه ؛ إلى غير ذلك من أنواع ~~الوحوش والآرام ، والخيل والبغال والأنعام ؛ وذوات السموم القواتل منها ~~وغير القواتل ، وأصناف الطير التي تكون تارة محمولة وتارة حوامل ؛ وآونة ~~تختطف من PageV09P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" الهواء ، وحالة تقتنص الوحش من البيداء ؛ وما ~~شاكل منها الكلب والبهيمة ، وما حبس لسماع صوته فعلت قيمته كل قيمه ؛ وما ~~ينوح وما يغرد ، وما يتلو ويردد ؛ وميزت كل حيوان منها بمحاسنه ومناقبه ، ~~ونبذته بمعايبه ومثالبه ؛ ولولا خشية الإطالة ، لوصفت كل حيوان منها برساله ~~؛ لكني استغنيت بما ألفه من منقولي ، عما أصنفه من مقولي ؛ وعلمت أنني أقصر ~~عن حق هذه الرتبة فأحجمت وأقف دون بلوغ هذه الحلبة فأمسكت ؛ وقد تقدمني من ~~بالغ في هذا وأطنب ووجد المقال فبسط القول وأسهب ، وحاز المعاني فما ترك ~~لسواه مذهب ؛ فاختصرت عند ذلك المقال ، واقتصرت عل هذه النبذة التي أشبهت ~~طيف الخيال ؛ ووضعته على أحسن ترتيب ، ورتبته على أجمل تقسيم وتبويب ؛ وهو ~~يشتمل ms1875 على خمسة أقسام . PageV09P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" ؟ القسم الأول من هذا الفن في السباع وما ~~يتصل بها من جنسها وفيه ثلاثة أبواب الباب الأول في الأسد والبير والنمر ~~ولنبدأ بذكر أسماء الأسد ، ثم نذكر ما قيل في أصناف الآساد وأجناسها ~~وعاداتها في افتراسها ، وما فيها من الجراءة والجبن ، وما وصف به الأسد ~~نظما ونثرا ثم نذكر ما سواه ، فنقول - وبالله التوفيق - : أما أسماء الأسد ~~- فقد بسط الناس فيها القول وزادوا ، فمنهم من عدله ألف اسم فما دون ذلك ، ~~وقد اقتصرنا منها على أشهرها . فمن أسمائه : الأسد ، والأنثى أسدة ولبؤة ؛ ~~والشبل والحفص : جروه ؛ والشبلة والحفصة : الأنثى ؛ وكناه : أبو الأشبال ، ~~وأبو الحارث ؛ ومن أسمائه الأعلام : بيهس ، وأسامة ، وهرثمة ، وكهمس ؛ ومن ~~صفاته : الصم ، والصمة ، والمصدر والصمصامة ، والهزبر ، والقسورة ، ~~والدلهمس ، والضيغم ، والغضنفر ، والهمام والدوكس ، والدوسك ، والعلندس ، ~~والعنابس ، والسيد ، والدرباس ، والفرافر والقصاقص ، والقضاقض ، والرئبال ، ~~والضيثم ؛ والخنابس ، وعثمثم ، والخنابش : اللبؤة إذا استبان حملها ، وكذلك ~~الآفل ؛ والهرس : الشديد المراس . PageV09P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" وأما لأصناف الآساد وأجناسها - فالذي يعرفها ~~الناس منها صفتان : أحدهما مستدير الجثة ، والآخر طويلها ، كثير الشعر ؛ ~~وعد أرسطو من هذا النوع ضروبا كثيرة ، حكى عن بعض من تكلم في طبائع الحيوان ~~قبله أن في أرض الهند سبعا - سماه باليونانية - في عظم الأسد وخلقته ، ما ~~خلا وجهه فإنه شبيه بوجه الإنسان ولونه شديد الحمرة ، وذنبه شبيه بذنب ~~العقرب ، وفي طرفه حمة ، وله صوت يشبه صوت الزمارة وهو قوي ، ويأكل الناس ؛ ~~وذكر أن من السباع ما يكون في عظم الثور وفي خلقته ، له قرون سود ، طويلها ~~، في قدر الشبر ، إلا أنه يحرك الفك الأعلى كما يحركه الثور ، ولرجليه ~~أظلاف مشقوقة ، وهو قصير الذنب بالنسبة إلى نوعه ، ويحفر الأرض بخرطومه ، ~~ويستف التراب ، وإذا خرج هرب ، فإن طلب رمح برجليه ، ورمى برجيعه على بعد . ~~وأما عاداتها في حملها ووضعها وحضانتها - فقد قال صاحب كتاب مباهج الفكر ~~ومناهج العبر : إن أصحاب الكلام في طبائع الحيوان يقولون : إن اللبؤة لا ~~تضع إلا جروا واحدا ، وتضعه بضعة لحم ليس فيها حس ولا حركة ms1876 فتحرسه من غير ~~حضانة ثلاثة أيام ، ثم يأتي أبوه بعد ذلك فينفخ في تلك البضعة المرة بعد ~~المرة حتى تتحرك وتتنفس وتنفرج الأعضاء وتتشكل الصورة ، ثم تأتيه أمه ~~فترضعه ولا يفتح عينيه إلا بعد سبعة أيام من تخليقه ؛ واللبؤة ما دامت ترضع ~~لا يقربها الذكر البتة ؛ فإذا مضى على الجرو ستة أشهر كلف الاكتساب ~~بالتعليم والتدريج وطارد الذكر الأنثى ، فإن كانت صافرا أمكنته من نفسها ، ~~وإن لم تكن كذلك منعته ودفعته عن نفسها ، وبقيت مع جروها بقية الحول وستة ~~أشهر من الثاني ، وحينئذ تألف الذكر وتمكنه من نفسها ؛ والله أعلم . وأما ~~عادتها في وثباتها وأفعالها وصبرها وسرعة مشيها وأكلها - فإن للأسد من بعد ~~الوثبة ، واللصوق بالأرض ، والإسراع في الحضر إذا هرب ، والصبر على الجوع ، ~~وقلة الحاجة إلى الماء ، ليس لغيره من السباع ؛ قالوا : وربما سار في طلب ~~القوت ثلاثين فرسخا ، ولا يأكل فريسة غيره من السباع ، وإذا شبع من فريسته ~~تركها ، ولم PageV09P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" يعد إليها ولو جهده الجوع ، وإذا أكل أكلة ~~يقيم يومين وليلتين بلا طعام لكثرة امتلائه ، ويلقيه بعد ذلك شيئا يابسا ~~مثل جعر الكلب ، وإذا بال رفع إحدى رجليه كالكلب ، وإذا فقد أكله صعب خلقه ~~. وإذا امتلأ بالطعام فهو وادع ، وأكل الجيف أحب إليه من أكل اللحم الغريض ~~الغض ، وهو لا يفترس الإنسان للعداوة ولكن للطعم فإنه لو مر به وهو شبعان ~~لم يتعرض له ، وهو ينهس ولا يمضغ ، ويوصف بالبخر ، ولحم الكلب أحب اللحمان ~~إليه ، ويقال : إن ذلك لحنقه عليه ، فإنه إذا أراد التطواف في جنبات القرى ~~ألح الكلب في النباح عليه والإنذار به ، فينهض الناس ويتحرزون منه ، فيرجع ~~بالخيبة ، فهو إذا أراد ذلك بدأ بالكلب ليأمن إنذاره ؛ ومن شأنه أنه إذا ~~أكثر من أكل اللحم وحسو الدم وحلت نفسه منهما ، طلب الملح ولو كان بينه ~~وبين عريسته خمسون ميلا . وأما ما في الآساد من الجراءة والجبن - فجرائته ~~معروفة مشهورة ، غير منكوره ، فمنها أنه يقبل على الجمع الكثير من غير فزع ~~ولا اكتراث بأحد ولا ms1877 مهابة له ، وقد شاهدت أنا ذلك عيانا ، وهو أنني ركبت ~~ليلة في شوال سنة اثنتين وسبعمائة من بيسان الغور إلى قراوي في نحو خمسة ~~عشر فارسا وجماعة من الرجال بالقسي والتراكيش - وكانت ليلة مقمرة - فعارضنا ~~أسد ، ثم بارانا وسايرنا على يمنة طريقنا عن غير بعد ، بل أقرب من رشقة حجر ~~، لا أقول : من كف قوي فكان كذلك مقدار ربع ليلة ، فلما أيس من الظفر بأحد ~~منا لتيقظنا قصر عنا ، ثم تركنا إلى جهة أخرى . قالوا : والأسد الأسود أكثر ~~جراءة وجهالة وكلبا على الناس ؛ قالوا : وإن أجئ الأسد إلى الهرب أو أحس ~~بالصيادين تولى وهو يمشي مشيا رفيقا ، وهو مع ذلك متلفت يظهر عدم الاكتراث ~~، فإن تمكن منه الخوف هرب عجلا حتى يبلغ مكانا يأمن فيه ، فإذا علم أنه أمن ~~مشى متئدا ، وإن كان في سهل وألجئ إلى الهرب جرى جريا شديدا كالكلب ، وإن ~~رماه أحد ولم يصبه شد عليه ، فإن أخذه لم يضره ، وإنما PageV09P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" يخدشه ثم يخليه ، كأنه من عليه بعد الظفر به ~~وهو إذا شم أثر الصيادين عفا أثره بذنبه . وأما جبنه - فمنه أنه يذعر من ~~صوت الديك ، ومن نقر الطست وحس الطنبور ، ويفزع من رؤية الحبل الأسود ~~والديك الأبيض والسنور والفأرة ، ويدهش لضوء النار ، ويعتريه ما يعتري ~~الظباء والوحوش من الحيرة عند رؤيتها وإدمان النظر إليها والتعجب منها ، ~~حتى يشغله ذلك عن التحفظ والتيقظ . قالوا : والأسد لا يألف شيئا من السباع ~~، لأنه لا يرى له فيها كفؤا فيصحبه ، ولا يطأ شيء منها على أثر مشيه ، ومتى ~~وضع جلد الأسد مع سائر جلودها تساقطت شعورها ؛ والأسد لا يدنو من المرأة ~~الطامث ، وهو إذا مس بقوائمه شجر البلوط خدر ولم يتحرك من مكانه ، وإذا ~~غمره الماء ضعف وبطلت قواه ، فربما ركب الصبي على ظهره وقبض على أذنيه ولا ~~يستطيع عن نفسه دفاعا ؛ وأخبرني بعض من سكن غور الشأم أن بعض الغسوارنة رأى ~~أسدا في بعض الأيام وهو رابض على حافة نهر الأردن ، وظهره إلى الماء وذنبه ~~فيه ms1878 ، وهو يرش على ظهره وجنبيه بذنبه وكان الغوري من جانب الشريعة الآخر ~~فبادر بعبور الماء ، وعدى إلى جهة الأسد برفق وسكون حتى صار وراءه ، ثم قبض ~~الغوري على مرقي فخذي الأسد وجذبه إلى الماء ، فهم الأسد بالوثوب وضرب ~~الأرض بيديه ، فانسحل الرمل من تحتمهما ، ولم يستطع إثباتهما عليه ، فانحدر ~~إلى الماء ، وركبه الغوري ، وقبض على أذنيه ، وضربه بسكين معه فقتله ؛ ~~والغورانة تتحيل على قتل السباع بأمور كثيرة مواجهة ، والذي وقع لهذا الرجل ~~نادر الوقوع لم أسمع أنه وقع لغيره ، وهو أمر مستفاض عند الغورانة . ~~PageV09P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" قالوا : والأسد لا تفارق الحمى ، ولذلك ~~الأطباء يسمونها داء الأسد ، وعظامه عاسية جدا ، وإن دلك بعضها ببعض خرجت ~~منها النار كما تخرج من الحجارة وكذلك في جلده من القوة والصلابة ما لا ~~يعمل فيه السلاح إلا من مراق بطنه ؛ والأسد طويل العمر ؛ وقال الشيخ الرئيس ~~أبو علي بن سينا : إن شحم الأسد يحلل الأورام الصلبة . ذكر شيء مما وصف به ~~الأسد نثرا ونظما قال أبو زبيد الطائي يصفه لعثمان بن عفان - رضي الله عنه ~~- وكان قد لقيه : أقبل يتضالع من بغيه ، ولصدره تحيط ، ولبلاعيمه غطيط ؛ ~~ولطرفه وميض ولأرساغه نقيض ؛ كأنما يخبط هشيما ، أو يطأ صريما ؛ وإذا هامة ~~كالمجن ، وخد كالمسن ؛ وعينان سجراوان ، كأنهما سراجان ؛ وقصرة ربله ، ~~ولهزمة رهله ؛ وساعد مجدول وعضد مفتول ؛ وكف شثنة البراثن ، ومخالب ~~كالمحاجن ؛ وفم أشدق كالغار الأخرق ؛ يفتر عن معاول مصقوله ، غير مفلوله ؛ ~~فهجهجنا به ففرفر وبربر ، ثم زأر فجرجر ؛ ثم لحظ فخلت البرق يتطاير من ~~جفونه ، عن شماله ويمينه ؛ فأرعشت الأيدي ، واصطكت الأرجل ؛ وجحظت العيون ، ~~وساءت الظنون ، ولحقت الظهور بالبطون . PageV09P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" ووصفه بعض الأعراب فقال : له عينان حمراوان ~~مثل وهج الشرر ، كأنما نقرتا بالمناقير في عرض حجر ؛ لونه ورد ، وزئيره رعد ~~؛ هامته عظيمه ، وجبهته شتيمه ؛ نابه شديد ؛ وشره عتيد ؛ إذا استقبلته قلت ~~: وإذا استدبرته قلت : أفرع ؛ لا يهاب إذا الليل عسعس ، ولا يجبن إذا الصبح ~~تنفس ؛ ثم أنشد : عبوس شموس مصلخد مكابر . . . جريء على الأقران للقرن ms1879 قاهر ~~براثنه شثن وعيناه في الدجى . . . كجمر الغضى في وجهه الشر طائر يدل بأنياب ~~حداد كأنها . . . إذا قلص الأشداق عنها خناجر ومن التهويل في وصف الأسد قول ~~الشاعر إياك لا تستوش ليثا مخدرا . . . للهول في غشق الدجى دواسا مرسا ~~كأمراس القليب جدوله . . . لا يستطيع له الأنام مراسا شثن البراثن كالمحاجن ~~عطفت . . . اظفاره فتخالها أقواسا لان الحديد لجلده فإهابه . . . يكفيه من ~~دون الحديد لباسا مصطكة أرساغه بعظامه . . . فكأن بين فصولها أجراسا وإذا ~~نظرت إلى وميض جفونه . . . أبصرت بين شفورها مقباسا وقال آخر : توق وقاك رب ~~الناس ليثاحديد الناب والأظفار وردا PageV09P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" كأن بملتقى اللحيين منه . . . مذربة الأسنة ~~أو أحدا وتحسب لمح عينيه هدوءا . . . ورجع زئيره برقا ورعدا تهاب الأسد حين ~~تراه منه . . . إذا لاقينه في الغاب فردا تصد عن الفرائس حين يبدو . . . ~~وكانت قبل تأنف أن تصدا وقال أبو الطيب المتنبي - رحمه الله - : ورد إذا ~~ورد البحيرة واردا . . . ورد الفرات زئيره والنيلا متخصب بدم الفوارس لابس ~~. . . في غيله من لبديته غيلا في وحده الرهبان إلا أنه . . . لا يعرف ~~التحريم والتحليلا وقعت على الردن منه بلية . . . نظمت بها هام الرفاق ~~تلولا يطأ البري مترفقا من تيهه . . . فكأنه أس يجس عليلا ويرد غفرته إلى ~~يافوخه . . . حتى تصير لرأسه إكليلا فصرت مخافته الخطا فكأنما . . . ركب ~~الكمي جواده مشكولا وقال عبد الجبار بن حمديس : وليث مقيم في غياض منيعة . ~~. . أمير على الوحش المقيمة في القفر يوسد شبليه لحوم فوارس . . . ويقطع ~~كاللص السبيل على السفر هزبرله في فيه نار وشفرة . . . فما يشتوي لحم ~~القتيل على الجمر سراجاه عيناه إذا أظلم الدجى . . . فإن بات يسري باتت ~~الوحش لا تسري PageV09P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" له جبهة مثل المجن ومعطس . . . كأن على ~~أرجائه صبغة الحبر يصلصل رعد من عظيم زئيره . . . ويلمع برق من حماليقه ~~الحمر له ذنب مستنبط منه سوطه . . . ترى الأرض منه وهي مضروبة الظهر ويضرب ~~جنبيه به فكأنما . . . له فيهما طبل يحض على الكر ويضحك في التعبيس فكيه عن ~~مدي . . . نيوب صلاب ليس تهتم بالفهر يصول ms1880 بكف عرض شبرين عرضها . . . ~~خناجرها أمضى من القضب البتر يجرد منها كل ظفر كأنه . . . هلال بدا للعين ~~في أول الشهر وقال بشر بن عوانة الفقعسي يصف ملاقاته الأسد وما كان بينهما ~~: أفاطم لو شهدت ببطن خبت . . . وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا إذا لرأيت ليثا ~~رام ليثا . . . هزبرا أغلبا لاقى هزبرا تبنهس إذ تقاعس عنه مهرى . . . ~~محاذرة فقلت : عقرت مهرا أنل قدمي ظهر الأرض إني . . . وجدت الأرض أثبت ~~منك ظهرا وقلت له وقد أبدى نصالا . . . مذربة ووجها مكفهرا يدل بمخطب وبحد ~~ناب . . . وباللحظات تحسبهن جمرا وفي يمناي ماضي الحد أبقى . . . بمضربه ~~قراع الموت أثرا ألم يبلغك ما فعلت ظباه . . . بكاظمة غداة لقيت عمرا وقلبي ~~مثل قلبك لست أخشى . . . مصاولة ولست أخاف ذعر PageV09P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" ا وأنت تروم للأشبال قوتا . . . واطلب لابنة ~~الأعمام مهرا ففيم تروم مثلي أن يولى . . . ويترك في يديك النفس قسرا ؟ ~~نصحتك فالتمس يا ليث غيري . . . طعاما إن لحمي كان مرا ولما ظن أن الغش ~~نصحي . . . وخالفني كأني قلت هجرا دنا ودنوت من أسدين راما . . . مراما كان ~~إذ طلباه وعرا يكفكف غيلة إحدى يديه . . . ويبسط للوثوب علي أخرى هززت له ~~الحسام فخلت أني . . . شققت به من الظلماء فجرا حساما لو رميت به المنايا . ~~. . لجاءت نحوه تعطيه عذرا وجدت له بجائفة رآها . . . بمن كذبته ما منته ~~غدرا بضربة فيصل تركته شفعا . . . زكان كأنه الجلمود وترا فخر مضرجا بدم ~~كأني . . . هدمت به بناء مشمخرا وقلت له : يعز علي أني . . . قتلت مناسبي ~~جلدا وقهرا ولكن رمت شيئا لم يرمه . . . سواك فلم أطق يا ليث صبرا تحاول أن ~~تعلمني فرارا . . . لعمري أبيك قد حاولت نكرا فلا تبعد لقد لاقاك حر . . . ~~يحاذر أن يعاب فمت حرا وأما اليير وما قيل فيه - فهو شبع هندي ، ويقال : ~~حبشي ؛ وهو في صورة أسد كبير ، أزب ملمع بصفرة وسواد ، ويقال : إنه متولد ~~بين الزبرقان واللبؤة ؛ وفي طبعه أنه يسالم النمر وغيره من السباع ما لم ~~يستكلب ، فإذا استكلب خافه كل شيء كان يسالمه ، وهو والأسد متوادان أبدا ms1881 ، ~~ومودته معه كمودة الخنافس والعقارب والحيات والوزغ ؛ ويقال : إن الأنثى منه ~~تلقح بالريح ، ولهذا يقال : إن عدوه يشبه الريح سرعة ، ولا يقدر أحد على ~~صيده ؛ وإنما تسرق جراؤه فتحمل في مثل القوارير PageV09P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" من زجاج ، ويركض بها على الخيول السوابق ، ~~فإن أدركهم أبوها رمي إليه بقارورة منها ، فيشتغل بالنظر إليها والفكرة في ~~إخراج جروه منها ، فيفوته الآخذ لها ؛ وزعم قوم أنه إذا استكلب ورآه الأسد ~~رقد له حتى يبول في أذنه خوفا منه ورهبة له ؛ هكذا نقل صاحب مباهج الفكر ~~ومناهج العبر ، ولم أقف على شعر في وصف الببر ولا رسالة فأوردها . ذكر ما ~~قيل في النمر والنمر له أسماء ، منها السبندي والسبنتي ، والطرح : ولده ، ~~وجمعه طروح ؛ والتلوة والختعة : الأنثى . وزعم أهل البحث عن طبائع الحيوان ~~والاطلاع على أسراره أن النمرة لا تضع ولدها إلا وهو مطوق بأفعى ، وهي تعيث ~~وتهش إلا أنها لا تقتل ؛ وفي طبع النمر وعادته أنه يشبع لثلاثة أيام ، ~~ويقطعها بالنوم ، ثم يخرج في اليوم الرابع ، ومتى لم يصد لم يأكل ، ولا ~~يأكل من صيد غيره كالأسد ، وينزه نفسه عن أكل الجيف ولو مات جوعا ؛ وهو لا ~~يأكل لحوم البشر إلا للتداوي من داء يصيبه ؛ وفيه زغارة خلق ، وحدة نفس ، ~~وتجهم وجه ، وشدة غيظ ، ولهذا يقال في الرجل إذا اشتد غضبه وكثر غيظه على ~~عدوه : " ليس له جلد النمر " ، أي تخلق بأخلاقه ، والنمر بعيد الوثبة ، ~~وربما وثب أربعين ذراعا صعودا إلى مجثمه الذي يأوي إليه ، وقد شوهد وهو يثب ~~في الليل فيصير في داخل زريبة الغنم فيأخذ الشاة فيحذفها إلى خارج الزريبة ~~، ثم يثب فيسبقها إلى الأرض ، ويتناولها من الهواء قبل أن تسقط على الأرض ؛ ~~ومن خصائصه الغريبة أن المعضوض منه يطلبه الفأر حيث كان ، ويقصده ليبول ~~عليه ، فإن ظفر به وبال عليه مات ؛ والناس يحترزون على من يجرحه النمر غاية ~~الاحتراز ، والفأر يطلب المجروح كل الطلب ، ومن أعجب ما سمعت أن إنسانا ~~جرحه النمر فاحترز على نفسه من الفأر ، فركب في مركب ، ووقف ms1882 به في الماء ~~وقد وثق بذلك ، وظن أن الفأر لا يصل إليه ، فاتفق لنفوذ القضاء المقدر الذي ~~لا حيلة في دفعه أن حدأة اختطفت فأرا من الأرض ، وطارت فحاذت المجروح فلما ~~سامته الفأر بال عليه فمات . وقد وجد PageV09P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" في بعض الكتب القديمة : أن النمر إذا عض ~~إنسانا أخذ زهر السماق وذلك به الجرح ، فإن الفأر لا يقاربه ، ويكون في ذلك ~~شفاؤه ؛ وأخبرني من عاين ذلك عند التجربة ؛ والنمر يحب شرب الخمر ، وبها ~~يصاد ، فإنه إذا سكر نام ؛ وزعموا أنه يتولد بينه وبين اللبؤة سبع يسمى ~~الذراع على قدر الذئب العظيم ، كثير الجراءة ، لا يأوي معه شيء من السباع ~~والوحوش . ووصف كشاجم النمر من طرديه فقال : وكالح المغضب المهيج . . . ~~جهنم المحيا ظاهر النشيج يكشر عن مثل مدي العلوج . . . أو كشبا أسنة الوشج ~~مدبج الجلد بلا تدبيج . . . كأنه من نمط منسوج تريك فيه لمع التدريج . . . ~~كواكبا لم تك في بروج ولم أقف في وصف النمر إلى غير ذلك فأذكره . الباب ~~الثاني من القسم الأول من الفن الثالث فيما قيل في الفهد والكلب والذئب ~~والضبع والنمس ذكر ما قيل في الفهد يقال للذكر : الفهد ، وللأنثى : فهدة " ~~وهما البنة ، ولذلك يكنى أبا بنة " ، وجروه الهوبر ، والأنثى هبيرة ؛ قال ~~أرسطو : إن الفهد متولد بين أسد ونمرة ، أو PageV09P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" لبؤة ونمر ؛ ويقال : إن الفهدة إذا حملت وثقل ~~حملها حنا عليها كل ذكر يراها من الفهود ، ويواسيها من صيده ، فإذا أرادت ~~الولادة هربت إلى موضع قد أعدته لنفسها ، حتى إذا علمت أولادها الصيد ~~تركتها ؛ وبالفهد يضرب المثل في شدة النوم ؛ قال بعض الشعراء : رقدت مقلتي ~~وقلبي يقظا . . . ن يحس الأمور حسا شديدا يحمد النوم في الجواد كمالا . . . ~~يمنع الفهد نومه أن يصيدا وقال الجاحظ : قال صاحب المنطق : والفهد إذا ~~اعتراه الداء الذي يقال له : خانقة الفهود أكل العذرة فبرأ منه ؛ قال : ~~والسباع تشتهي رائحة الفهود ، والفهد يتغيب عنها ، وربما قرب بعضها من بعض ~~فيطمع الفهد في نفسه ، فإذا أراده الفهد وثب عليه ms1883 السبع فأكله ؛ قالوا : ~~وليس شيء في الحيوان في جرم الفهد إلا والفهد أثقل منه وأحطم لظهر الدابة ؛ ~~والإناث أصعب خلقا وأكثر جراءة وإقداما من الذكور ؛ ومن خلق الفهد الحياء ، ~~وذلك أن الرجل يمر بيده على سائر جسده فيسكن لذلك ، فإذا وصلت يده إلى مكان ~~الثفر قلق حينئذ وغضب ؛ ويقال : أول من صاد بالفهد كليب وائل ، وقيل : همام ~~بن مرة ، وكان صاحب لهو وطرب ؛ وأول من حمله على الخيل يزيد بن معاوية بن ~~أبي سفيان ، وأكثر من اشتهر باللعب بها أبو مسلم الخراساني صاحب الدعوة ~~العباسية ، وأول من استسن حلقة الصيد المعتضد بالله ؛ والمواضع التي توجد ~~فيها الفهود ما يلي بلاد الحجاز إلى اليمن ، وما يلي الحجاز إلى العراق ، ~~وما يلي بلاد الهند إلى تبت ، وتوجد أيضا في برية عيذاب من أعمال قوص من ~~الديار المصرية . وقد ولع الشعراء والفضلاء بوصف الفهود نظما ونثرا ؛ فمن ~~ذلك قول أبي إسحاق الصابي في رسالة طردية جاء منها : ومعنا فهود أخطف من ~~البروق ، وأسرع PageV09P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" من السهم حين المروق ؛ وأثقف من الليوث ، ~~وأجرى من الغيوث ؛ وأمكر من الثعالب وأدب من العقارب ؛ خمص الخصور قب ~~البطون ، رقش المتون ؛ حمر الأماق خزر الأحداق ، هرت الأشداق ؛ عراض الجباه ~~علف الرقاب ، كاشرة عن أنياب كالحراب ؛ تلحظ الظباء من أبعد غاياتها ، ~~وتعرف حسها من أقصى نهاياتها ؛ تتبع مرابضها وآثارها ، وتشم روائحها ~~وأبشارها . ومن رسالة طردية لضياء الدين نصر الله بن الأثير الجزري يصف ~~فهذا بعد أن ذكر ظبيا ، قال : فأرسلنا عليه فهذه سلس الضريبه ، ميمون ~~النقيبه ، منتسبا إلى نجيب من الفهود ونجيبه ؛ كأنما ينظر من جمره ، ويسمع ~~من صخره ، ويطأ من كل برتن على شفره ؛ وله إهاب قد جبل من ضدين : بياض ~~وسواد ، وصور على أشكال العيون فتطلعت إلى انتزاع الأرواح من الأجساد ؛ وهو ~~يبلغ المدى الأقصى في أدنى وثباته ، ويسبق الفريسة ولا يقبضها إلا عند ~~التفاته . وقال أحمد بن زياد بن أبي كريمة يصفها بعد أن وصف الكاتب من ~~أبيات : بذلك أبغي الصيد طورا وتارة . . . بمخطفة ms1884 الأكفال رحب الترائب ~~مرققة الأذناب نمر ظهورها . . . مخططة الأذان غلب الغوارب مدنرة ورق كأن ~~عيونها . . . حواجل تستوعي متون الرواكب PageV09P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" إذا قلبتها في الحجاج حسبتها . . . سنا ضرم ~~في ظلمة الليل ثاقب مولعة فطس الأنوف عوابس . . . تخال على أشداقها خط كاتب ~~نواصب للآذان حتى كأنها . . . مداهن ، للإجراس من كل جانب ذوات أشاف ركبت ~~في أكفها . . . نوافذ في صم الصخور نواشب ذراب بلا ترهيف قين كانها . . . ~~تعقرب أصداغ الملاح الكواعب فوارس ما لم تلق حربا ، ورجلة . . . إذا آنست ~~بالبيد شهب الكتائب ترو وتسكين يكون دريئة . . . لهن بذي الأسراب في كل ~~لاحب تضاءل حتى ما تكاد تبينها . . . عيون لدى الضبرات غير كواذب حراص يفوت ~~البرق أمكث جريها . . . ضراء مبلات بطول التجارب توسد أجياد الفرائس أذرعا ~~. . . مرملة تحكي عناق الحبائب وقال ابن المعتز : ولا صيد إلا بوثابة . . . ~~تطير على أربع كالعذب PageV09P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" ملمعة من نتاج الرياح . . . تريك على الأرض ~~شيئا عجب تضم الطريد إلى نحرها . . . كضم المحبة من لا يحب إذا ما رآى ~~عدوها خلفه . . . تناجت ضمائره بالعطب لها مجلس في مكان الرديف . . . ~~كتركية قد سبتها العرب ومقلتها سائل كحلها . . . وقد حليت سبحا من ذهب متى ~~أطلقت من قلاداتها . . . وطار الغبار وجد الطلب غدت وهي واثقة أنها . . . ~~تقوم بزاد الخميس اللجب وقال محمد بن أحمد السراج يصفه : وأهرت الشدق في ~~فيه وفي يده . . . ما في الصوارم والخطية الذبل تساهم الليل فيه والنهار ~~معا . . . فقمصا بجلباب من المقل والشمس مذ لقبوها بالغزالة لم . . . تطلع ~~لناظره إلا على وجل وقال آخر : وأهرت الشدق بادي السخط مطرح ال . . . حياء ~~جهم المحيا سيئ الخلق والشمس مذ لقبوها بالغزالة أع . . . طته الرشاء جدا ~~من ثوبها اليقق ونقطته حباء كي يسالمها . . . على المنايا نعاج الرمل ~~بالحدق وقال آخر : تغاير الليل فيه والنهار معا . . . فحلياه بجلباب من ~~الحدق والشمس مذ لقبوها بالغزالة لم . . . تطلع على وجهه من شدة الحنق ذكر ~~ما قيل في الكلاب يقال : إن بين الكلب والضبع عداوة شديدة ، وذلك انه إذا ~~كان في مكان ms1885 مرتفع ووطئت الضبعة ظله في القمر رمى نفسه إليها مخذولا فأكلته ~~؛ ويقال : إن PageV09P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" الإنسان متى حمل على لسان ضبع لم ينبح عليه ~~كلب ؛ ومتى دهن كلب بشحمها جن ؛ وفي طبع الكلب أنه يحمي ربه ، ويحمي حريمه ~~شاهدا وغائبا ، ونائما ويقظان ؛ والكلب أيقظ الحيوان عبنا في وقت حاجته إلى ~~النوم ، وأنومها نهارا عند استغنائهم عن حراسته ؛ ومن عجيب أمره أنه يكرم ~~الجلة من الناس وأهل الوجاهة ؛ فلا ينبح على أحد منهم ، وربما حاد عن ~~طريقهم وينبح على الأسود والوسخ الثوب والزري الحال والصغير . وأما ما في ~~الكلب من المنافع - فقد قال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا : إن بول الكلب ~~يستعمل على الثآليل ، ودم الكلب لنهوشه ولسم السهاك الأرمنية ؛ وقال ~~إبراهيم بن هرمة - رحمة الله تعالى عليه - : أوصيك خيرا به فإن له . . . ~~سجية لا أزال أحمدها يدل ضيفي علي في غس . . . ق الليل إذا النار نام ~~موقدها وقال أيضا : يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا . . . يكلمه من حبه وهو ~~أعجم فصل قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب الحيوان : وزعموا أن ~~ولد الذئب من الكلبة يقال له : الديسم ، وروي لبشار بن برد في ديسم العنزي ~~أنه قال : أديسم يا ابن الذئب من نسل زارع . . . أتروي هجائي سادرا غير ~~مقصر قال : وزارع ، اسم الكلب يقال للكلاب : أولاد زارع ؛ قال : وزعم صاحب ~~المنطق أن أصنافا أخر من السباع المتزاوجات المتلاقحات مع اختلاف الجنس ~~PageV09P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" والصورة معروفة النتاج مثل الذئاب التي تسفد ~~الكلاب في أرض رومية ؛ قال : وتتولد أيضا كلاب سلوقية بين ثعالب وكلاب ؛ ~~قال : وبين الحيوان الذي يسمى باليونانية طاغريس والكلب تحدث هذه الكلاب ~~الهندية ؛ قال : وليس يكون ذلك من الولادة الأولى ؛ هذا ما حكاه الجاحظ عن ~~صاحب المنطق . وحكى الجاحظ عن بعض البصريين عن بعض أصحابه ، قال : وزعموا ~~أن النتاج الأول يخرج صعبا وحشيا لا يلقن ولا يؤلف ؛ وزعم لي بعضهم عن رجل ~~من أهل الكوفة من بني تميم أن الكلبة تعرض لهذا السبع حتى ms1886 تلقح ، ثم تعرض ~~لمثله مرارا حتى يكون جرو البطن الثالث قليل الصعوبة يقبل التلقين ، وأنهم ~~يأخذون إناث الكلاب ويربطونها في تلك البراري ، فتجيء هذه السباع فتسفدها ، ~~قال : وليس في الأرض أنثى يجتمع على حب سفادها ، ولا ذكر يجتمع له من ~~النزاع إلى سفاد الأجناس المختلفة أكثر في ذلك من الكلب والكلبة ؛ وقال : ~~إذا ربطوا هذه الكلاب الإناث في تلك البراري ، فإن كانت هذه السباع هائجة ~~سفدتها ، وإن لم تكن السباع هائجة فالكلبة مأكولة ؛ قال الجاحظ : ولو تم ~~للكلب معنى السبع وطباعه ما ألف الإنسان واستوحش من السبع ، وكره الغياض ، ~~وألف الدور ، واستوحش من البراري وجانب القفار ، وألف المجالس والديار ؛ ~~ولو تم له معنى البهيمة في الطبع والخلق والغذاء ما أكل الحيوان ، وكلب على ~~الناس ، نعم حتى ربما وثب على صاحبه ؛ وذكر من معايب الكلب وذمه ، فقال : ~~إنه حارس محترس منه ، ومؤنس شديد الإيحاش من نفسه ، وأليف كثير الجناية على ~~إلفه ، وإنما قبلوه حين قبلوه على أن ينذرهم بموضع السارق ، وتركوا طرده ~~لينبههم على مكان المبيت ، وهو أسرق من كل سارق ، وأدوم جناية من ذلك ~~المبيت ، فهو سراق وصاحب بيات ، وأكال للحوم الناس إلا أنه يجمع سرقة الليل ~~مع سرقة النهار ، ثم لا تجده أبدا يمشي في خزانة أو مطبخ أو في عرصة دار أو ~~في طريق أو براري ، أو على ظهر جبل أو في بطن واد إلا وخطمه أبدا في الأرض ~~يتشمم PageV09P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" ويستروح ؛ وإن كانت الأرض بيضاء حصاء ، أو ~~دوية ملساء ، أو صخرة خلقاء ، حرصا وجشعا ، وشرها وطمعا ، نعم حتى تجده ~~أيضا لا يرى كلبا إلا شم آسته ، ولا يشم غيرها منه ، ولا تراه يرمى بحجر ~~أبدا إلا رجع إليه فعض عليه ، لأنه لما كان لا يكاد يأكل إلا شيئا رموا به ~~إليه صار ينسى لفرط شرهه وغلبة الجشع على طبعه أن الرامي إنما أراد عقره أو ~~قتله ، فيظن لذلك أنه إنما أراد إطعامه والإحسان إليه ، كذلك يخيل إليه فرط ~~النهم ، وتوهمه غلبة الشره ، ولكنه رمى بنفسه ms1887 على الناس عجزا ولؤما ، ~~وفسولة ونقصا ، وخاف السباع واستوحش من الصحاري ؛ وسمعوا بعض المفسرين يقول ~~في قوله عز وجل : " والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم " : إن ~~المحروم هو الكلب ؛ وسمعوا في المثل : " اصنع المعروف ولو إلى كلب " ، ~~فلذلك عطفوا عليه ، واتخذوه في الدور ، على أن ذلك لا يكون إلا من سفلتهم ~~وأغبيائهم ، ومن قل تقزوه ، وكثر جهله ، ورد الآثار أما جهلا وإما معاندة ؛ ~~ووصف في ذمه ومعايبه ما ذكره صاحب الديك من ذم الكلاب ، وتعداد أصناف ~~معايبها ومثالبها ، من لؤمها وخبثها وضعفها وشرهها وغدرها وبذائها وجهلها ~~وتسرعها ونتنها وقذرها ، وما جاء في الآثار من النهي عن اتخاذها وإمساكها ، ~~ومن الأمر بقتلها وإطرادها ، ومن كثرة جناياتها وقلة ودها ، وضرب المثل ~~بلؤمها ونذالتها وقبحها وسماجة نباحها وكثرة أذاها وتقدر المسلمين من دنوها ~~، وأنها تأكل لحوم الناس ، وأنها مطايا الجن ، ونوع من المسخ ، وأنها تنبش ~~القبور ، وتأكل الموتى ، وأنها يعتريها الكلب من أكل لحوم الناس ، إلى غير ~~ذلك من مساويها ، ثم ذكر قول من عدد محاسنها وصنف منقبها وأخذ في ذكر ~~أسمائها وأنسابها وأعراقها وتفدية الرجال لها ، وذكر كسبها وحراستها ~~ووفائها وإلفها وجميع منافعها ، والمرافق التي فيها ، وما أودعت من المعرفة ~~الصحيحة والفطنة العجيبة ، والحس اللطيف ، والأدب المحمود ، وصدق الاسترواح ~~، وجودة الشم ، وذكر حفظها PageV09P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" وإتقانها واهتدائها ، وإثباتها لصور أربابها ~~وجيرانها ، ومعرفتها بحقوق الكرام ، وإهانتها اللئام ، وصبرها على الجفاء ، ~~واحتمالها للجوع ، وشدة منتها وكثرة يقظتها ، وعدم غفلتها ، وبعد أصواتها ، ~~وكثرة نسلها ، وسرعة قبولها ولقاحها مع اختلاف طبائع ذكورتها والذكورة من ~~غير جنسها ، وكثرة أعمامها وأخوالها وترددها في أصناف السباع ، وسلامتها من ~~أعراق البهائم ، وغير ذلك من محاسنها ؛ وأورد ذلك بألفاظ طويلة ، وأدلة ~~كثيرة ، واستطرادات يطول الشرح في ذكرها فأضربنا عن ذلك رغبة في الاختصار ؛ ~~فلنذكر ما يحتاج الكاتب إلى الاطلاع عليه ويدور في ألفاظ الكتاب من وصف ~~كلاب الصيد ، التي لا بد للكاتب من معرفة جيدها وأفعالها ، ليضمنه ما يصدر ~~عنه من الرسائل الطردية ، فنقول : دلائل النجابة والفراهة فيها تعرف ms1888 من ~~خلقتها وألوانها ومولدها . ، وشدة منتها وكثرة يقظتها ، وعدم غفلتها ، وبعد ~~أصواتها ، وكثرة نسلها ، وسرعة قبولها ولقاحها مع اختلاف طبائع ذكورتها ~~والذكورة من غير جنسها ، وكثرة أعمامها وأخوالها وترددها في أصناف السباع ، ~~وسلامتها من أعراق البهائم ، وغير ذلك من محاسنها ؛ وأورد ذلك بألفاظ طويلة ~~، وأدلة كثيرة ، واستطرادات يطول الشرح في ذكرها فأضربنا عن ذلك رغبة في ~~الاختصار ؛ فلنذكر ما يحتاج الكاتب إلى الاطلاع عليه ويدور في ألفاظ الكتاب ~~من وصف كلاب الصيد ، التي لا بد للكاتب من معرفة جيدها وأفعالها ، ليضمنه ~~ما يصدر عنه من الرسائل الطردية ، فنقول : دلائل النجابة والفراهة فيها ~~تعرف من خلقتها وألوانها ومولدها . أما في الخلقة - فقد قالوا : طول ما بين ~~اليدين والرجلين ، وقصر الظهر وصغر الرأس ، وطول العنق ، وغضف الأذنين ، ~~وبعد ما بينهما ، وزرقة العينين ونتوء الجبهة وعرضها ، وقصر اليدين . وأما ~~في الألوان ، فإنه يقال : السود أقل صبرا على الحر والبرد ، والبيض أفره ~~إذا كن سود العيون ؛ وقد قال قوم : إن السود أصبر على البرد وأقوى . وأما ~~في ولادتها - فإنه يقال : إذا ولدت الكلبة جروا واحدا كان أفره من أبويه ، ~~وإن ولدت ذكرا وأنثى كان الذكر أفره ، وإن ولدت ثلاثة فيها أنثى شبه الأم ~~كانت أفره الثلاثة ، وإن كان في الثلاثة ذكر واحد فهو أفره . ذكر شيء مما ~~وصفت به كلاب الصيد نثرا ونظما قال أبو إسحاق الصابي يصفها من رسالة طردية ~~: ومعنا كل كلب عريق المناسب ، نجيح المكاسب ؛ حلو الشمائل ، نجيب المخايل ~~؛ حديد الناظرين ، أغضف PageV09P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" الأذنين ، أسيل الخدين ، مخطف الجنبين ؛ عريض ~~الزور ، متين الظهر ؛ أبي النفس ، ملهب الشد ؛ لا يمس الأرض إلا تحليلا ~~وإيماء ، ولا يطؤها إلا إشارة وإيحاء . وقال بعض الشعراء : أبعث كلبا يكسر ~~اليحمورا . . . مجربا مدربا صبورا يأنف أن يشاكل الصفورا . . . منفردا ~~بصيده مغيرا ذا شية تحسبها حريرا . . . قد حبرت نقوشها تحبيرا إذا جرى ~~حسبته المقدورا . . . يكاد للسرعة أن يطيرا حتفا لما عن له مبيرا . . . ~~أعجز أن أرى له نظيرا وقال أبو نواس : هجنا بكلب طالما هجنا به . . . ينتسف ms1889 ~~المقود من جذابه كأن متينه لدى انسلابه . . . متنا شجاع لج في انسيابه ~~كأنما الأظفور في قنابه . . . موسى صناع رد في نصابه تراه في الحضر إذت ها ~~هي به . . . يكاد أن يخرج من إهابة ترى سوام الوحش إذ تحوى به . . . يرحن ~~أسرى ظفره ونابه وقال أيضا : كأن لحييه لدى افتراره . . . شك مسامير على ~~طواره PageV09P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" سمع إذا استروح لم تثماره . . . إلا بأن يطلق ~~من عذاره فانصاع كالكوكب في انحداره . . . لفت المشير موهنا بناره شد إذا ~~أخصف في إحضاره . . . خرق أذنيه شبا أظفاره وقال بعض الأندلسيين : وأغضف ~~تلقى أنفه فكأنما . . . يقود به نور من الصبح أنور إذا ألهبته شهوة الصيد ~~طامعا . . . رأيت عقيم الريح عنه تقصر وقال أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة : ~~ومورس السربال يخلع قده . . . عن نجم رجم في سماء غبار يستن في سنن الطريق ~~وقد عفا . . . قدما فيقرأ أحرف الآثار عطف الضمور سراته فكأنه . . . والنقع ~~يحجبه هلال سرار يفتر عن مثل المصال وإنما . . . يمشي على مثل القنا الخطار ~~وقال آخر : ومودب الآساد يمسك صيده . . . متوقفا عن أكله كالصائم صب إذا ما ~~صاد عانق صيده . . . طرب المقيم إلى لقاء القادم PageV09P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" وقال آخر : وما الظبي منه في حشاشة نفسه . . ~~. ولكنه كالطفل في حجر أمه يلازمه دون اخترام كأنما . . . تعلق خصم عند قاض ~~بخصمه وقال ابن المرغري النصراني الأندلسي منشدا : لم أر ملهى لذي اقتناص . ~~. . ومكسبا مقنع الحريص كمثل خطلاء ذات جيد . . . أتلع مصفرة القميص كالقوس ~~في شكلها ولكن . . . تنفذ كالسهم للقتيص لو أنها تستثير برقا . . . لم يجد ~~البرق من محيص محبولة الظهر لم يخنه . . . لحوق بطن به خميص اتخذت أنفها ~~دليلا . . . قاد إلى الكانس العويص وكلبة تاهت على الكلاب . . . بجلدة ~~صفراء كالزرياب تنساب مثل الحية المنساب . . . كأنها تنظر من شهاب وقال ~~أحمد بن زياد بن أبي كريمة يصف كلب صيد من قصيدة طويلة ، أولها : وغب غمان ~~مزقت عن سمائه . . . شأمية حصاء جون السحائب PageV09P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" مواجه طلق لم يردد جهامه . . . تذاؤب أرواح ~~الصبا والجنائب بعثت وأثواب ms1890 الدجى قد تقلصت . . . بعزة مشهور من الصبح ثاقب ~~وقد لاح ناعي الليل حتى كأنه . . . لساري الدجى في الفجر قنديل راهب بها ~~ليل لا يثنيهم عن عزيمة . . . وإن كان جم الرشد لوم الأقارب لتجتنب غضف ~~كالقداح لطيفة . . . مشرطة آذانها بالمخالب تخال سياطا في صلاها منوطة . . ~~. طوال الهوادي كالقداح الشوازب إذا افترشت خبتا أثارت بمتنه . . . عجاجا ~~وبالكذان نار الحباحب تفوت خطاها الطرف سبقا كأنها . . . سهام مغال أو رجوم ~~الكواكب PageV09P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" طراد الهوادي لاحها كل شتوة . . . بطامسه ~~الأرجاء مرت المسارب تكاد من الأحراج تنسل كلما . . . رأت شبحا لولا اعتراض ~~المناكب تسوف وتوفي كل نشز وفدفد . . . مرابض أبناء النفاق الأرانب كأن بها ~~ذعرا يطير قلوبها . . . أنين المكاكي أو صرير الجنادب تدير عيونا ركبت في ~~براطل . . . كجمر الغضى خرزا ، ذراب الأنايب إذا ما استحثت لم يجن طريدها . ~~. . لهن ضراء أو مجاري المذانب وإن باصها صلتا مدى الطرق أمسكت . . . عليه ~~بدون الجهد سبل المذاهب PageV09P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" تكاد تفري الأهب عنها إذا انتحت . . . لنبأة ~~شخت الجرم عاري الرواجب كأن غصون الخيزران متونها . . . إذا هي جالت في ~~طراد الثغالب كواشر عن أنيابهن كوالح . . . مذلقة الآذان شوس الحواجب كأن ~~بنات القفر حين تفرقت . . . غدون عليها بالمنايا الشواعب ذكر ما قيل في ~~الذئب والذئب له أسماء نطقت بها العرب ، ذكره ذئب ، والأنثى ذئبة وسلقة ~~وسيدانة ، ويكنى أبا جعدة ، ومن أسمائه : نهشل ، وأويس ، وذؤالة ، وأشبة ، ~~ونسبة ، وكساب ، وكسيب ، والعسعاس ، والعساس ، والخيعل ، والعملس ، والطمل ~~، والشييذمان ، والشيمذان ، والخيتعور ، والقليب ، والعلوش ، ورئبال ، ~~والسرحان ومصدر ، والعسول ، والنسول ، والخاطف ، والأزل ، والأرسح : القليل ~~لحم الوركين ، والعمرد . ويقال لولد الذئب : جرموز ، والأنثى : جعدة . ~~ويقال : إن الذئب إذا لم يجد ما يأكله استعان بإدخال النسيم في فيه ، ~~فيقتات به ؛ وجوفه يذيب العظم ، ولا يذيب نوى التمر ؛ وقال بعض من اعتنى ~~بسر طبائع الحيوان : إنه لا يلتحم عند السفاد إلا الذئب والكلب ، وهو يسفد ~~مضطجعا على PageV09P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" الأرض ، وذكره عظم ؛ والذئب موصوف بالانفراد ~~والوحدة وشدة التوحش ؛ وإذا خفي عليه موضع الغنم عوى ليؤذنهم بمكانه ، ~~ويعلمهم ms1891 بقربه ، فإذا حضرت الكلاب إلى الناحية التي هو فيها راغ عنها إلى ~~جهة الغنم التي ليس فيها كلب ؛ وهو لا يعود إلى فريسة بعد أن يشبع منها ؛ ~~وهو ينام بإحدى عينيه ويفتح الأخرى ، فإذا اكتفت النائمة وأخذت حقها من ~~النوم فتحها ونام بالأخرى ؛ فهذا أبدا دأبه في نومه ؛ وهو قوي حاسة الشم ، ~~قيل : إنه يشتم من فرسخ ؛ وأكثر ما يعترض الغنم وقت الصبح عند توقعه فترة ~~الكلاب ونومها ؛ ومن عادة الذئاب أنه إذا افترس ذئبان شاة قسماها على شطرين ~~بينهما بالسوية ؛ والذئب إذا وطئ ورق العنصل مات لوقته ؛ وبينه وبين الغنم ~~معاداة عظيمة ، فمنها أنه إذا جمع بين وتر عمل من أمعاء ذئب وبين أوتار ~~عملت من أمعاء الغنم وضرب بها لا يسمع لها صوت ؛ وإذا اجتمع جلد شاة مع جلد ~~ذئب تمعط جلد الشاة ؛ والذئب إذا كده الجوع عوى ، فتجتمع له الذئاب ، ويقف ~~بعضها إلى بعض ، فمن ولى منها وثب الباقون عليه فأكلوه ، وهو إذا تعرض ~~لإنسان وخاف العجز عنه عوى ، فيسمعه غيره من الذئاب ، فتقبل على الإنسان ، ~~فإذا أدمى الإنسان منها واحدا وثب الباقون على المدمى فمزقوه وتركوا ~~الإنسان ، ولذلك قال بعض الشعراء يعاتب صديقا له أعان في مصيبة نزلت به : ~~وكنت كذئب السوء لما رأى دما . . . بصاحبه يوما أهان على الدم والذئب لا ~~يواجه الإنسان ، وإنما يأتيه من ورائه ، فإن وجد الإنسان ما يسند ظهره إليه ~~عجز الذئب عن افتراسه . وقد وصف الشعراء الذئب بما ذكرناه من عادته وطبعه ، ~~فقال حميد بن ثور : ونمت كنوم الذئب عن ذي حفيظة . . . أكلت طعاما دونه وهو ~~جائع ترى طرفيه يعسلان كليهما . . . كما اهتر عود النبعة المتتابع ينام ~~بإحدى مقلتيه ويتقي . . . بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع PageV09P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وقال إبراهيم بن خفاجة : ولرب رواغ هنالك ~~أنبط . . . ذلق المسامع أطلس الأطمار يجري على حذر فيجمع بسطه . . . يهوي ~~فيتعطف انعطاف سوار والعرب تقول في أمثالها : " أحمق من جهيزة " قالوا : ~~وجهيزة عرس الذئب ، لأنها تدع ولدها وترضع ولد الضبع ، وهو معنى قول ابن ms1892 ~~جدل الطعان : كمرضعة أولاد أخرى وضيعت . . . بنيها ولم ترقع بذلك مرقعا ~~وقول الآخر : كانوا كتاركة بنيها جانبا . . . سفها وغيرهم ترب وترضع ~~ويقولون : إن الضبع إذا قتلت أو صيدت فإن الذئب يأتي أولادها باللحم ~~وأنشدوا قول الكميت : كما خامرت في حضنها أم عامر . . . لدى الحبل حتى عال ~~أوس عيالها وأوس ، هو الذئب كما تقدم في أسمائه . ذكر ما قيل في الضبع يقال ~~: إن الضبع كالأرنب ، تكون مرة ذكرا ومرة أنثى ، وهم يسمون الذكر والأنثى : ~~الضبع والذيخ ، ومن أسمائها : حضاجر ، وجيأل ، وجعار ، وقثام ، ~~PageV09P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" ونقاث ، والعرفاء ، لطول عرفها ، والعثواء ~~لنفول شعرها ، والعرجاء ، والخامعة ، وأم عامر وأم هنبر ، وأم خنور ؛ ~~وولدها الفرعل ؛ وحجرها الوجار . والضبعة مولعة بنبش القبور ، وإنما ذلك ~~لشهوتها في لحوم الناس ؛ ومن عاداتها إذا كان القتيل بالعراء وورم وانتفخ ~~ذكره تأتيه فتركبه وتقضي حاجتها منه ، ثم تأكله ؛ وهي متى رأت أنسانا نائما ~~حفرت تحت رأسه ، فإذا مال رأسه وظهر حلقه ذبحته بأسنانها ، وشربت دمه ؛ وهي ~~فاسقة ، لا يمر بها حيوان من نوعها إلا تعرضت له حتى يعلوها ؛ والعرب تضرب ~~المثل بها في الفساد ، فإنها إذا وقعت في الغنم عاثت ، ولم تكتف بما يكتفي ~~به الذئب ؛ وإذا اجتمع الذئب والضبع في الغنم سلمت ، فإن كل واحد منهما ~~يمنع صاحبه ، ولذلك تقول العرب في دعائها للغنم : " اللهم ضبعا وذئبا " ؛ ~~والضبع إذا وطئت ظل الكلب في القمر وهو على سطح وقع فتأكله ؛ وإذا دخل ~~الرجل وجارها ولم يسد منافذ الضوء ، ثم صار إليها من الضياء ولو بقدر سم ~~الخياط ، وثبت إليه فقتلته ؛ وإن أخذ معه حنظلا أمن سطوتها ؛ وتوصف بالحمق ~~والموق ، وذلك لأن من يريدون صيدها يقفون على باب وجارها ويقولون : " أطرقي ~~أم طريق ، خامري أم عامر " فإذا سمعت كلامهم انقبضت ، فيقولون : " أبشري ~~بكمر الرجال ، أبشري بشاء هزلي وجراد عظلي " وهم مع ذلك يشدون يديها ~~ورجليها وهي ساكنة لا تتحرك ، ولو شاءت لأجهزت عليهم وقتلتهم وخلصت نفسها ؛ ~~وهذا القول فيما أظن من خرافات العرب ؛ والضبع تلد من الذئب جروا يسمى ~~العسبار ms1893 ، ويكون منفردا بنفسه ، لا يألف السباع ، ويثب على الناس والدواب ؛ ~~وهي توصف بالعرج ، وفيها يقول PageV09P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" بعض الأعراب : من العثو لا يدري أرجل شمالها ~~. . . بها الظلع لما هرولت أم يمينها ذكر ما قيل في النمس والعرب تسمي ~~النمس الظربان ، وسماه أبو عبيد الظرباء ؛ وهو على قدر الهر ، وفي قدر ~~الكلب القلطي ؛ وهو منتن الريح ظاهرا وباطنا ، ولونه إلى الشهبة ، طويل ~~الخطم جدا ، وليس له أذنان إلا صماخان ، قصير اليدين ، وفيهما براثن حداد ، ~~طويل الذنب ، ليس لظهره فقار ، ولا فيه مفصل ، بل عظم واحد من مفصل الرأس ~~إلى مفصل الذنب ، وربما ضربه من ظفر به من الناس بالسيف فلا يعمل فيه حتى ~~يصيب طرف أنفه ، لأن جلده في قوته كالقد ؛ ولفسوه ريح كريهة حتى إنه يصيب ~~الثوب فلا تذهب رائحته منه حتى يبلى ، وهو يفسو في الهجمة من الإبل فتتفرق ~~ولا تجتمع لراعيها إلا بعد تعب ؛ والعرب تضرب المثل في تفريق الجماعات به ، ~~فيقولون : " فسا بينهم الظربان " ؛ وهو لأهل مصر كالقنافذ لأهل سجستان في ~~قتله الثعابين ؛ قالوا : ولولاه لأكلتهم ؛ ومن عادته أنه إذا رأى الثعبان ~~دنا منه ووثب عليه ، فإذا أخذه تضاءل في الطول حتى يبقى شبيها بقطعة حبل ، ~~فينطوي الثعبان عليه ، فإذا انطوى نفخ الظربان بطنه ثم زفر زفرة فيتقطع ~~الثعبان قطعا ؛ قال الجاحظ : وفسو الظربان أحد أسلحته ، لأنه يدخل على الضب ~~في جحره وفيه حسوله وبيضه ، فيأتي أضيق موضع في الجحر فيسده بيده ، ويحول ~~دبره فلا يفسو ثلاث فسوات حتى يخر الضب سكران مغشيا عليه ، فيأكله ؛ وله ~~جراءة على تسلق الحيطان في طلب الطير ، فإن هو سقط نفخ بطنه حتى يمتلئ جلده ~~، فلا يضره السقوط ؛ قالوا : وهو يشبه السمور ، وذهب بعضهم إلى أنه هو ، ~~وإنما البقعة التي هو فيها غيرت وبره . PageV09P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" الباب الثالث من القسم الأول من الفن الثالث ~~فيما قيل في السنجاب والثعلب والدب والهر والخنزير فأما السنجاب - فهو ~~حيوان معروف ، حسن الوبر ، ظهره أزرق اللون ، وبطنه أبيض ، ومنه ما يكون ~~ظهره أحمر ms1894 ، وهو رديء الجنس ؛ مبخوس الثمن ؛ وهذا الحيوان سريع الحركة ، ~~فإذا أبصر الإنسان صعد الشجرة العالية ، وهي مأواه ؛ وهو كثير ببلاد ~~الصقالبة والخزر ، ومزاجه بارد رطب وقيل : حار رطب لسرعة حركته ؛ قال أبو ~~جعفر الببغاء : قد بلونا الذكاء في كل ناب . . . فوجدناه صنعة السنجاب ~~حركات تأبى السكون وألحا . . . ظ حداد كالنار في الالتهاب خف جدا على ~~النفوس فلو شا . . . ء ترامى مجاورا للتصابي واشتهت قربه العيون إلى أن . . ~~. خلته عندها أخا للشباب لابس جلدة إذا لاح خلن . . . ه بها في مزرة من ~~سحاب لو غدا كل ذي ذكاء تطوقا . . . رد في ساعة الخطاب جوابي ذكر ما قيل في ~~الثعلب هو ذو مكر وخديعة وتحيل في طلب الرزق ، فمن تحيله أنه يتماوت وينفخ ~~بطنه ويرفع قوائمه ، حتى يظن به أنه قد مات ، فإذا قرب منه حيوان وثب عليه ~~فصاده ؛ ومنه أنه إذا دخل برج الحمام وكان شبعان قتلها ورمى بها ، فإذا جاع ~~عاد إليها فأكلها ، وكذلك يفعل مع الدجاج ؛ وهو أيضا من الحيوان الذي سلاحه ~~سلاحه ، وهو PageV09P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" أنتن من سلاح الحباري ، فإذا تعرض للقنفذ ~~لقيه القنفذ بشوكه واستدار كالكرة ، فيسلح الثعلب عليه ، فلا يتمالك القنفذ ~~أن ينسدخ ، فيقبض الثعلب على مراق بطنه ؛ ومن ظريف ما يحكى عنه أن البراغيث ~~إذا كثرت في فروته تناول صوفة بفمه ؛ ثم يدخل النهر برفق وتدريج ، ~~والبراغيث تصعد إذا قاربها الماء حتى تجتمع في تلك الصوفة التي في فيه ، ~~فعند ذلك يلقيها في الماء ويخرج منه ؛ والذئب يطلب أولاد الثعلب ، فإذا ولد ~~له وضع ورق العنصل على باب وجاره فلا يصل الذئب إليه ، لأنه متى وطئ العنصل ~~مات لوقته ؛ ويقال : إن قضيب الثعلب في خلقة الأنبوب ، وأحد شطريه عظم ، ~~والآخر عصب ولحم ؛ وربما يسفد الثعلب الكلبة فتأتي منه بولد في خلقة ~~السلوقي الذي لا يقدر على مثله ؛ وفرو الثعلب من أجود الأوبار وأفضلها ، ~~ومنه الأسود والأبيض والخلنجي وأدونه الأعرابي لقلة وبره ، وما كان منه ~~ببلاد الترك يسمى البرطاسي لكثافة وبره وحسن لونه ، ووبره أنواع ms1895 ، منها ~~السارسيتا والبرطاسي والغيب والنيفق ؛ قال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا : ~~والثعلب فيه تحليل ، وفراؤه أسخن الفراء ، تنفع المرطوبين لتحليلها آلات ~~المفاصل ؛ قال : وإذا طبخ الثعلب في الماء وطليت به المفاصل الوجعة نفع ~~نفعا جيدا ، وكذلك الزيت الذي يطبخ فيه حيا أو مذبوحا فإنه يحلل ما في ~~المفاصل ، وشحمه يسكن وجع الأذن إذا قطر فيها ؛ ورئته المجففة نافعة لصاحب ~~الربو جدا ، والشربة منها وزن درهمين والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع ~~والمآب . PageV09P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" قال أبو الفرج الببغاء يصفه : وأعفر المسك ~~تلقاه فتحسبه . . . من أدكن الحز مخبوء بخيفان كأن أذنيه في حسن انتصابهما ~~. . . إذا هما انتصبا للحس زجان يسري وينبعه من خلفه ذنب . . . كأنه حين ~~يبدو ثعلب ثاني فلا يشك الذي بالبعد يبصره . . . فردا بأنهما في الخلقة ~~اثنان وقال آخر : جاؤوا بصيد عجب من العجب . . . أزيرق العينين طوال الذنب ~~تبرق عيناه إلى ضوء الشهب ذكر ما قيل في الدب والدب مختلف الطبائع ، يأكل ~~ما تأكله السباع ، ويرعى ما ترعاه الدواب ، ويتناول ما يأكله الناس ؛ وفي ~~طبعه أنه إذا كان أوان السفاد خلا ذكر بأنثاه ، والذكر يسفد أنثاه مضطجعة ~~على الأرض ، وهي تضع جروها فدرة لحم غير مميز الجوارح ، فتهرب به من موضع ~~إلى آخر خوفا عليه من النمل ، وهي مع ذلك تلحسه حتى تنفرج أعضاؤه ويتنفس ، ~~وفي ولادتها صعوبة ، فزعم بعض من فحص عن طبائع الحيوان أن الدبة تلد من ~~فيها ، وأنها إنما تلده ناقص الخلق شوقا إلى الذكر وحرصا على السفاد ، وهي ~~لشدة شهوتها تدعو الآدمي إلى وطئها ؛ وفيما حكي لي أن إنسانا كان سائرا في ~~بعض الغياض لمقصده ، فصادف دبة ، فأخذته وأومأت إليه بالإشارة أن يواقعها ، ~~ففهم عنها وفعل ، فلما فرغ عمدت إلى أقدامه فلحست مواطئها حتى نعمت ، ولم ~~تزل تكرر لحسها وتمر بلسانها عليها حتى بقي الرجل يعجز عن الوطء بها على ~~الأرض ، فعند ذلك أمنت هربه وتركته ، فكانت تغدو وتتكسب وترجع إليه بما ~~يأكله وهو يواقعها ، PageV09P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" وهي تتعاهد لحس رجليه ، فلم يزل ms1896 كذلك حتى مر ~~عليه جماعة من السفر ، فناداهم ، فأتوه وحملوه على دوابهم وساروا به . ~~قالوا : والأنثى إذا هربت من الصيادين جعلت جراءها بين يديها ، فإذا اشتد ~~خوفها عليهم بأن أدركها من يطلبها صعدت بأولادها إلى الأشجار ؛ وفي الدب من ~~القوة والشدة ما يقطع العود الضخم من الشجرة العادية التي لا تقطعها الفأس ~~إلا بعد تعب ، ثم يأخذه بيديه ، ويقف على قدميه كالإنسان ، ويشد به على ~~الفارس ، فلا يصيب شيئا إلا أهلكه ؛ وفي طبع هذا الحيوان من الفطنة العجيبة ~~لقبول التأديب والتعليم ما هو مشاهد لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه ، هذا مع ~~عظم جثته ، وثقل جسمه ، لكن لا يطيع معلمه إلا بعنف وضرب شديد وتعمية ~~لذكوره ؛ وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن شينا : إن دم الدب ينضج الأورام ~~الحارة سريعا ؛ والله أعلم بالصواب . ذكر ما قيل في الهر والهر ضربان : ~~وحشي وأهلي ، وهو يشبه الأسد في الصورة والأعضاء والوثوب والافتراس والعدو ~~، إلا أنه أقل جراءة من الأسد وأكثرها من سائر الحيوان ؛ وهو يناسب الإنسان ~~في أحوال ، منها : أنه يعطس ويتثاءب ويتمطى ، ويتناول الشيء بيده ، ويغسل ~~وجهه وعينيه بلعابه ؛ وفيه أن الأنثى تحدث لها قوة وشجاعة عند السفاد ، ~~ولهذا فإن الذكر يهرب منها عند فراغه ، وتكون هذه الشجاعة في الذكر قبل ~~السفاد ، فإذا سفد انتقلت إلى الأنثى ، والذكر إذا هاج صرخ صراخا منكرا ~~يؤذي به من يسمعه لبشاعته ؛ والأنثى تحمل في السنة مرتين ، ومدة حملها ~~خمسون يوما ، وفي أخلاق بعضها أنها إذا ولدت تأكل أولادها ، ويقال : إنها ~~إنما تأكلهم لفرط حبها لهم ؛ وقيل : بل من جنون يعرض لها عند الولادة وجوع ~~؛ والله اعلم ؛ وفي هذا الحيوان من الأخلاق الحميدة أنه يرعى حق التربية ~~والإحسان إليه ، ويقبل التأديب ، وربما ربي في حانوت السمان والجزار وفي ~~الدور بين الدجاج والحمام وغير ذلك من المطاعم التي يحبها الهر ويأكلها فلا ~~يتعرض لها بفساد ، ولا يأكل منها ما لم يطعمه ، وربما حفظها من غيره ، ~~وقاتل دونها ، مع ما فيه من الافتراس والاختلاس ؛ وفي طبع الهر ms1897 وعادته أنه ~~إذا أطعم شيئا أكله في موضعه ولم يهرب ، وإذا خطفه أو سرقه هرب به ، ولا ~~يقف إلا أن يأمن على نفسه ؛ وفي بعضها من الجراءة ما يقتل الثعبان والعقرب ~~؛ وإذا PageV09P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" أرادت الهرة ما يريد صاحب الغائط أتت موضع ~~تراب في زاوية من زوايا الدار ، فتبحث حتى تجعل لها حفرة ، ثم تدفن فيها ما ~~تلقيه ، وتغطيه من ذلك التراب ، ثم تشم أعلى التراب ، فإن وجدت رائحة زادت ~~عليه ترابا حتى تعلم أنها أخفت المرئي والمشموم ، فإذا لم تجد ترابا خمشت ~~الأرض ، وزعم بعض الأطباء أن ستر الهرة لذلك لحدة رائحته ، فإن الفأرة إذا ~~شمته نفرت منه إلى منقطع تلك الرائحة ؛ وهو يقبل التعليم ويؤدب حتى يألف ~~الفأر مع ما بينهما من شدة العداوة ، فيحصل بينهما من المؤالفة الظاهرة ~~والملاءمة ما إن الفأر يصعد على ظهر الهر ، وربما عض أذنه ، فيصرخ الهر ولا ~~يأكله ، ولا يخدشه لخوفه من مؤدبه ، فإذا أشار إليه مؤدبه بأكله وثب عليه ~~على عادته وأكله ، وهذا أمر مشاهد غير منكور بفعله الطرقية ويفرجون الناس ~~عليه ؛ وفي طبع الهر أنه لا يأكل السخن ولا الحامض ، ومتى دهن أنفه بدهن ~~الورد مات سريعا ؛ وهو إذا قاتل الثعبان يضع يده على انفه ، ويقاتل بيده ~~الأخرى ، وإنما بفعل ذلك حذرا على نفسه ، فإن الثعبان متى ضربه في أنفه مات ~~، ويضربه في سائر جسده فلا يضره ذلك ، بل يلحس مكان نهش الثعبان بلسانه وهو ~~يقاتله . وقد وصفه الشعراء والأدباء برسائل وأبيات . فمن ذلك رسالة أنشأها ~~أبو جعفر غمر الأوسي الأندلسي المعروف بابن صاحب الصلاة - ونسبت هذه ~~الرسالة لأبي نصر الفتح بن خاقان صاحب قلائد العقبان - يخاطب بها بعض ~~إخوانه ويوصيه على كتبه ، وهي : وفي علمك - أعزك الله - ما استودعته ديانتك ~~، واستحفظته أمانتك ؛ من كتبي التي هي أنفس ذخائري وأسراها ، وأحقها ~~بالصيانة وأحراها ؛ وما كنت أرتضي فيها بالتغريب ، لولا الترجي لمعاودة ~~الطلب عن قريب ؛ ولا شك أنها منك ببال ، وبمكان تهمم واهتبال ؛ لكن ربما ~~PageV09P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" طرقها من ms1898 مردة الفئرة طارق ، وعاث فيها كما ~~يعيث الفاسق المارق ؛ فينزل فيها قرضا ، ويفسدها طولا وعرضا ؛ إلا أن يطوف ~~عليها هر نبيل ، ينتمي من القطاط إلى أنجب قبيل ؛ له رأس كجمع الكف ، ~~وأذنان قد قامتا على صف ؛ ذواتا لطافة ودقه ، وسباطة ورقه ؛ يقيمهما عند ~~التشوف ، ويضجعهما عند التخوف ؛ ومقلة مقتطعة من الزجاج المجزع ، وكأن ~~ناظرها من العيون البابلية منتزع ؛ قد استطال الشعر حول أشداقه ، وفوق ~~أماقه ؛ كابر مغروزة على العيون ، كما أحكمت برد أطرافها القيون ؛ له ناب ~~كحد المطرد ، ولسان كظهر المبرد ؛ وأنف أخنس وعنق أوقص ، وخلق سوي غير ~~منتقص ، أهرت الشدقين ، موشى الساعدين والساقين ململم اليدين والرجلين ؛ ~~يرجل بها وبره ترجيل ذوي الهمم ، لما شعث من اللمم ؛ فينفض ما لصق به من ~~الغبار ، وعلق من الأوبار ، ثم يجلوه بلسانه جلاء الصقيل للحسام ، والحمام ~~للأجسام ؛ فينفي قذاه ، ويواري أذاه ؛ ويقعي إقعاء الأسد إذا جلس ، ويثب ~~وثبة النمر إذا اختلس ؛ له ظهر شديد ، وذنب مديد ؛ يهزه هز السمهري المثقف ~~، وتارة يلونه لي الصولج المعقف ؛ يجول في الخشب والأرائك ، كما تجول في ~~الكسايد حائك ؛ يكب على الماء حين يلغه ، ويدني منه فاه ولا يبلغه ؛ ويتخذ ~~من لسانه رشاء ودلوا ، ويعلم به إن كان الماء ملحا أو حلوا ؛ فتسمع للماء ~~خضخضة من قرعه ، وترى للسان نضنضة من حرعه ؛ يحمي داره حماية النقيب ، ~~ويحترسها حراسة الرقيب ؛ فإن رأى فيها كلبا ، صار عليه إلبا ؛ وصعر خده ~~وعظم قده حتى يصير نده ؛ أنفة من جنانه أن يطرق ، وغيرة على حجابه أن يخرق ~~؛ وإن رأى فيها هرا ، وجف إليه مكفهرا ؛ فدافعه بالساعد الأشد ، ونازعه ~~منازعة الخصم الألد ؛ فإذا أطال مفاوضته ، وأدام مراوضته ؛ أبرز برثنه ~~لمبادرته ، وجوشنه لمصادرته ؛ ثم تسلل إليه لواذا ، واستحوذ عليه استحواذا ~~؛ وشد عليه شده ، وضمه من غير موده ؛ PageV09P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" فأنسل وبره إنسالا ، وأرسل دمه إرسالا ؛ ~~بأنياب عصل ، أمضى من نصل ، ومخلب كمنقار الصخر ، درب بالاقتناص والعقر ؛ ~~فيصير قرنه ممزق الإهاب ، مستبصرا في الذهاب ، قد أفلت من بين أظفار وأنياب ~~، ورضي من الغنيمة بالإياب ms1899 ؛ هذا وهو يخاتله دون جنه ، ويقاتله بلا سيوف ~~ولا أسنة ؛ وإنما جنته ، منته ؛ وشفاره ، أظفاره ؛ وسنانه ، أسنانه ؛ إذا ~~سمعت الفئرة منه مغاء ، لم تستطع له إصغاء ؛ وتصدعت قلوبها من الحدر ، ~~وتفرقت جموعها شذر مذر ؛ تهجع العيون وهو ساهر ، وتستر الشخوص وهو ظاهر ؛ ~~يسري من عينيه بنيرين وضاحين ، تخالهما في الظلام مصباحين ؛ يسوف الأركان ، ~~ويطوف بكل مكان ؛ ويحكي في ضجعته تحنيا ، وقضيب الخيزران تثنيا ؛ ثم يغط ~~إذا نام ، ويتمطى إذا قام ؛ ولا يكون بالنار مستدفئا ، ولا للقدر مكفئا ؛ ~~ولا في الرماد مضطجعا ، ولا للجار منتجعا ؛ بل يدبر بكيده ، وينتصر على ~~صيده ؛ قد تمرن على قتل الخشاش ، وافترس الطير في المسارح والأعشاش ؛ ~~يستقبل الرياح بشمه ، ويجعل الاستدلال أكبر همه ؛ ثم يكمن للفأر حيث يسمع ~~لها خبيثا ، أو يلمح من شيطانها دبيبا ؛ فيلصق بالأرض ، وينطوي بعضه في بعض ~~، حتى يستوى منه الطول والعرض ؛ فإذا تشوفت الفأرة من جحرها ، وأشرفت ~~بصدرها ونحرها ؛ دب إليها دبيب الصل وامتد إليها امتداد الظل ؛ ثم وثب في ~~الحين عليها وجلب الحين إليها ؛ فأثخنها جراحا ، ولم يعطها براحا ؛ فصاحت ~~من شدة أسره ، وقوة كسره ؛ وكلما كانت صيحتها أمد ، كانت قبضته عليها أشد ، ~~حتى يستأصل أوداجها فريا ، وعظامها بريا ، ثم يدعها مخرجة الدماء ، مضرجة ~~بالدماء ؛ وإن كان جرذا مسنا ، لم يضع عليه سنا ؛ وإن كان درصا صغيرا فغر ~~عليه فاه ، وقبض مترفقا على قفاه ؛ ليزداد منه تشهيا وبه تلهيا ؛ ثم تلاعب ~~به تلاعب الفرسان بالأعنة ، والأبطال بالأسنة ؛ فإذا أوجعه عضا ، وأوعبه ~~رضا ؛ أجهز في الفور عليه ، وعمد بالأكل إليه ؛ فازدرد منه أطيب ~~PageV09P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" طعمه ، واعتده أهنأ نعمه ؛ ثم أظهر بالالتعاق ~~شكره ، وأعمل في غيره فكره ؛ فرجع إلى حيث أثاره ؛ ويتبع فيه آثاره راجيا ~~أن يجد في رباعه ، ثانيا من أتباعه ، فيلحقه بصاحبه في الردى ، حتى يفنى ~~جميع العدي ؛ وربما انحرف عن هذه العوائد ، والتقط فتات الموائد ، بلاغا في ~~الاحتماء ، وبرا بالنعماء ، فماله على خصاله ثمن ، ولا جاء بمثاله زمن ؛ ~~وقد أوردت - أعزك الله - من وصفه فصلا مغربا ، وهزلا ms1900 مطربا ؛ إخلاصا من ~~الطوية واسترسالا ، وتسريحا للسجية وإرسالا ، على أني لو استعرت في وصفه ~~لسان أبي عبيد ، وأظهرت في نعته بيان أبي زبيد ؛ ما انتهيت في النطق إلى ~~خطابك ، ولا احتويت في السبق على أقصابك ؛ والله يبقيك لثمر النبل جانيا ، ~~ولدرج الفضل بانيا . أعنة ، والأبطال بالأسنة ؛ فإذا أوجعه عضا ، وأوعبه ~~رضا ؛ أجهز في الفور عليه ، وعمد بالأكل إليه ؛ فازدرد منه أطيب طعمه ، ~~واعتده أهنأ نعمه ؛ ثم أظهر بالالتعاق شكره ، وأعمل في غيره فكره ؛ فرجع ~~إلى حيث أثاره ؛ ويتبع فيه آثاره راجيا أن يجد في رباعه ، ثانيا من أتباعه ~~، فيلحقه بصاحبه في الردى ، حتى يفنى جميع العدي ؛ وربما انحرف عن هذه ~~العوائد ، والتقط فتات الموائد ، بلاغا في الاحتماء ، وبرا بالنعماء ، ~~فماله على خصاله ثمن ، ولا جاء بمثاله زمن ؛ وقد أوردت - أعزك الله - من ~~وصفه فصلا مغربا ، وهزلا مطربا ؛ إخلاصا من الطوية واسترسالا ، وتسريحا ~~للسجية وإرسالا ، على أني لو استعرت في وصفه لسان أبي عبيد ، وأظهرت في ~~نعته بيان أبي زبيد ؛ ما انتهيت في النطق إلى خطابك ، ولا احتويت في السبق ~~على أقصابك ؛ والله يبقيك لثمر النبل جانيا ، ولدرج الفضل بانيا . وقال ابن ~~طباطبا يصف هرة بلقاء : فتنتني بظلمة وضياء . . . إذ تبدت بالعاج والآبنوس ~~تتلقى الظلام من مقلتيها . . . بشعاع يحكي شعاع الشموس ذات دل قصيرة كلما ~~قا . . . مت تهادت ، طويلة في الجلوس لم تزل تسبغ الوضوء وتنفي . . . كل ~~عضو لها من التنحيس دأبها ساعة الطهارة دفن ال . . . عنبر الرطب في الحنوط ~~اليبيس وقال أبو بكر الصنوبري من أبيات - وذكر الجرذان - PageV09P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" : زاد همي بهن أورق ترك . . . ي السبالين ~~أنمر الجلباب ليث غاب خلقا وخلقل فمن عا . . . ينه قال : إنه ليث غاب قنفذ ~~في ازبراره وهو ذئب . . . في اغترار وحية في انسياب ناصب طرقه إزاء الزوايا ~~. . . وإزاء السقوف والأبواب ينتصي الظفر حين يظفر في الحر . . . ب وإلا ~~فظفره في قراب يسحب الصيد في أقل من اللم . . . ح ولو كان صيده في السحاب ~~ومنها : قرطوه وقلدوه وعالو . . . ه أخيرا وأولا بالخضاب فهو ms1901 طورا يبدو ~~بنحر عروس . . . وهو طورا يمشي على عناب حبذا ذاك صاحبا فهو في الصح . . . ~~بة أو في سائر الأحباب وقال أبو بكر بن العلاف يرثي هرا - ، وقد قيل : إنما ~~رثى بها ابنه ، لأنه تعرض إلى حريم بعض الأكابر فاغتالوه ، وقتلوه ؛ وقيل : ~~بل رثى بها عبد الله بن المعتز ، وورى بهر خوفا من المقتدر بالله ، فقال : ~~يا هر فارقتنا ولم تعد . . . وكنت منا بمنزل الولد وكيف ننفك عن هواك وقد . ~~. . كنت لنا عدة من العدد تمنع عنا الأذى وتحرسنا . . . بالغيب من خنفس ومن ~~جرد وتخرج الفأر من مكامنها . . . ما بين مفتوحها إلى السدد PageV09P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" يلقاك في البيت منهم عدد . . . وأنت تلقاهم ~~بلا عدد وكان يجري ولا سداد لهمأمرك في بيتنا على سدد حتى اعتقدت الأذى ~~لجيرتنا . . . ولم تكن للأذى بمعتقد وحمت حول الردى بظلمهم . . . ومن يحم ~~حول حوضه يرد وكان قلبي عليك مرتعدا . . . وأنت تنساب غير مرتعد تدخل برج ~~الحمام متئدا . . . وتخرج الفرخ غبر متئد وتطرح الريش في الطريق لهم . . . ~~وتبلع اللحم بلع مزدرد أطعمك الغي لحمها فرأى . . . فتلك أربابها من الرشد ~~كادوك دهرا فما وقعت وكم . . . أفلت من كيدهم ولم تكد حتى إذا خاتلوك ~~واجتهدوا . . . وساعد النفس كيد مجتهد صادوك غيظا عليك وانتقموا . . . منك ~~وزادوا ومن يصد يصد ثم شفوا بالحديد أنفسهم . . . منك ولم يربعوا على أحد ~~لم يرحموا صوتك الضعيف كما . . . لم ترث منها لصوتها الغرد فحين كاشفت ~~وانتهكت وجا . . . هرت وأسرفت غير مقتصد أذاقك الموت من أذاق كما . . . ~~أذقت أطياره يدا بيد كأنهم يقتلون طاغية . . . كان لطاغوته من العبد فلو ~~أكبوا على القرامط أو . . . مالوا على زكرويه لم يزد يا من لذيذ الفراخ ~~أوقعه . . . ويحك هلا قنعت بالقدد ما كان أغناك عن تسورك ال . . . برج ولو ~~كان جنة الخلد لا بارك الله في الطعام إذا . . . كان هلاك النفوس في المعد ~~كم أكلة داخلت حشا شره . . . فأخرجت روحه من الجسد PageV09P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" أردت أن تأكل الفراخ ولا . . . يأكلك الدهر ~~أكل مضطهد هذا بعيد من القياس ms1902 وما . . . أعزه في الدنو والبعد ولم تكن لي ~~بمن دهاك يد . . . تقوى على دفعه يد الأبد ولا تبين حشو جلدك عن . . . د ~~الذبح من طاقة ومن جلد كأن حبلا حوى بحوزته جيداك للذبح كان من مسد كأن ~~عيني تراك مضطربا . . . فيه وفي فيك رغوة الزبد وقد طلبت الخلاص منه فلم . ~~. . تقدر على حيلة ولم تجد فجدت بالنفس والبخيل بها . . . كنت ومن لم يجد ~~بها يجد عشت حريصا يقوده طمع . . . ومت ذا قاتل بلا قود فما سمعنا بمثل ~~موتك إذ . . . مت ولا مثل عيشك النكد عشنا بخير وكنت تكلؤنا . . . ومات ~~جيراننا من الحسد ثم تقلبت في فراخهم . . . وانقلب الحاسدون بالكمد قد ~~انفردنا بمأتم ولهم . . . بعدك بالعرس أي منفرد قد كنت في نعمة وفي سعة . . ~~. من المليك المهيمن الصمد تأكل من فأر بيتنا رغدا . . . وأين بالشاكرين ~~للرغد قد كنت بددت شملهم زمنأ . . . فاجتمعوا بعد ذلك البدد وفتتوا الخبز ~~في السلال فكم . . . تفتتت للعيال من كبد فلو يبقوا لنا على سبد . . . في ~~جوف أبياتنا ولا لبد وفرغوا قعرها وما تركوا . . . ما علقته يد على وتد ~~ومزقوا من ثيابنا جددا . . . فكلنا في مصائب جدد فاذهب من البيت خير مفتقد ~~. . . واذهب من البرج شر مفتقد ألم تخف وثبة الزمان وقد . . . وثبت في ~~البرج وثبة الأسد ؟ أخنى على الدار فيه بالأمس . . . ومن قبلها على لبد ~~PageV09P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" ولم يدع في عراضها أحدا . . . ما بين علياشها ~~إلى السند عاقبة البغي لا تنام وإن . . . تأخرت مدة من المدد من لم يمت ~~يومه غده . . . أو لا يمت في غد فبعد غد والحمد لله لا شريك له . . . فكل ~~شيء يرى إلى أمد وفيه أيضا : يا هر بعث الحق بالباطل . . . وصرت لا تصغي ~~إلى عاذل إذا أتيت البرج من خارج . . . طارت قلوب الطير من داخل علما بما ~~تصنع في برجها . . . فهي على خوف من الفاعل قد كنت لا تغفل عن أكلها . . . ~~ولم يكن ربك بالغافل فانظر إلى ما صنعت بعد ذا . . . عقوبة المأكول بالآكل ~~ما زلت يا مسكين مستقتلا . . . حتى ms1903 لقد منيت للقاتل قد كنت للرحمة مستأهلا ~~. . . إذ لم أكن منك بمستأهل وقال أيضا : يا رب بيت ربه . . . فيه تضايق ~~مستقره لما تكاثر فأره . . . وجفاه بعد الوصل هره وسعى إلى برج امرئ . . . ~~فيه الفراخ كما يسره ظن المنافع أكلها . . . فإذا منافعها تضره ذكر ما قيل ~~في الخنزير والخنزير مشترك بين السبعية والبهيمية ، فالذي فيه من السبعية ~~الناب ، وأكل الجيف ؛ والذي فيه من البهيمية الظلف ، وأكله العشب والعلف ؛ ~~والخنزير موصوف بالشبق وكثر السفاد ، حتى إن الأنثى يركبها الذكر وهي ترجع ~~، فربما قطعت أميالا وهو على ظهرها ، ويرى الرائي أثر ستة أرجل ممن لا يعرف ~~ذلك ، فيظن أن في الدواب ما له ستة أرجل ؛ والخنزيرة تضع عشرين خنوصا ، ~~وتحمل من ماء واحد ، PageV09P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" وتضع لمضي ستة أشهر من حملها ؛ وقال الجاحظ : ~~إنها تضع في أربعة أشهر ؛ والخنزير إذا تمت له ثمانية أشهر ، والخنزيرة إذا ~~تمت لها ستة أشهر اشتهت السفاد ، ولكن لا يجيء أولادها كما يريدون ؛ وأجود ~~النزو أن يكون ذلك منه وهو ابن عشرة أشهر إلى ثلاث سنين ؛ وإذا كانت ~~الخنزيرة بكرا ولدت جراء ضعافا وكذلك البكر من كل شيء ، وإذا بلغت الخنزيرة ~~خمسة عشرة سنة لا تلد بعدها ، وهي أنسل الحيوان ، والذكر أقوى الفحول على ~~السفاد ، وأطولها مكثا فيه ؛ ويقال : إنه ليس شيء من ذوات الأنياب ما ~~للخنزير من القوة في نابه ، وربما طال ناباه حتى يلتقيا ، فيموت عند ذلك ~~جوعا ، لأنهما يمنعانه من الكل ، وهو متى عض كلبا سقط شعر الكلب ، وإذا ~~أراد محاربة الأسد جرب نفسه قبل الإقدام عليه بأن يضرب شجرة بنابه ، فإن ~~قطعها حارب الأسد ، وإلا هرب منه ولم يقاتله ؛ وأخبرني من رآه وقد جرب نفسه ~~في شجرة وضربها بأنيابه ، فتمكنت أنيابه منها وثبتت فيها ، فأراد الخلاص ~~فعجز ، فجاء الأسد إليه وهو على تلك الحالة فافترسه ؛ قالوا : ويعتري ذكوره ~~داء الحلاق واللواط ، فربما يرى الخنزير وقد ألجأه أكثر من عشرين خنزيرا ~~إلى مضيق ، ثم ينزو عليه الأمثل ، إلى أن يبلغ آخرهم ؛ والخنزير إذا قلعت ms1904 ~~إحدى عينيه هلك عاجلا ؛ ويقول الأطباء : إنه متى فسد من عظام الإنسان عظم ~~ووضع في مكانه عظم من عظام الخنزير قبلته الطبيعة ونبت عليه اللحم ؛ وحكى ~~أرسطو أن عمر الخنزير من خمسة عشر سنة إلى عشرين سنة ؛ وقلما ذكر الفضلاء ~~والشعراء الخنزير في رسائلهم وأشعارهم ، وسأثبت في هذا الموضع ما وقفت عليه ~~في هذا المعنى . فمن ذلك ما كتب به عطاء بن يعقوب الغزنوي يعرض فيها بقاض ، ~~قال منها : وما مثل فلان في استنابته إلا كمثل رجل رأى في المنام أنه يضاجع ~~خنزيرا ، فبكر إلى المعبر ليعبر منامه تعبيرا ؛ فقال المعبر : يا برذعة ~~الحمير ، ما غرك بالخنزير ؟ ألين ملمسه ، أم حسن معطسه ؛ أم شكله الرشيق ، ~~أم طرفه العشيق ؛ أو لقاؤه البهج ، أم قباعه الغنج ؛ أم شعره الرجل ، أم ~~ثغره الرتل ؟ . PageV09P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" وقال القاضي محي الدين بن عبد الظاهر في ~~الخنزير : وخنزير له ناب تراه . . . إذا عن افتراس نابي كمثل الكلب لا بل ~~منه أجرا . . . ويحقر أن يشبه بالكلاب فذاك لنخوة يعزى وهذا . . . يقال ~~نخوة الرجل المهاب بنص للكتاب غدا حراما . . . وحلل أكله أهل الكتاب ~~PageV09P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" القسم الثاني من الفن الثالث في الوحوش ~~والظباء وما يتصل بها من جنسها وفيه ثلاثة أبواب الباب الأول من هذا القسم ~~فيما قيل في الفيل والكركدن والزرافة والمها والأيل ذكر ما قيل في الفيل ~~يقال : إن الفيل مولد بين الجاموس والخنزير ، ولذلك يزعم بعض من بحث عن ~~طبائع الحيوان أن الفيلة مائية الطباع بالجاموسية والخنزيرية اللتين فيها ، ~~وبعضها يسكن الماء ، وبعضها لا يسكنه ؛ ويقال : إن الفيلة صنفان : فيل ، ~~وزندبيل ، وهما كالبخت والعراب ، والبقر والجاموس ، والخيل والبراذين ، ~~والفأر والجرذان ، والنمل والذر ؛ وبعضهم يقول : إن الفيل الذكر ، ~~والزندبيل الأنثى ؛ وقال بعضهم : إن الزندبيل هو عظيم الفيلة والمقدم عليها ~~في الحرب ، وفيه يقول بعض الشعراء : ذاك الذي مشفرة طويل . . . وهو من ~~الأفيال زندبيل وقال آخر : وفيله كالطود زندبيل وقال آخر : من بين أفيال ~~زندبيل وخرطوم الفيل أنفه ، وبه يوصل طعامه والشراب إلى فيه ، وبه ms1905 يقاتل ~~وبه يصيح ، وليس صوت الفيل على مقدار جثته ؛ ولسانه مقلوب ، طرفه إلى داخل ~~فيه ، وأصله خارج ، وهو على العكس من سائر الحيوانات ؛ والهند أنه لولا ذلك ~~PageV09P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" لتكلم ، وهم يعظمون الفيلة ويشرفونها على ~~سائر الحيوانات ؛ والفيل يتولد في أرض الهند والسند والزنج ، وبجزيرة ~~سرنديب ؛ وهو أعظمها خلقا ، وينتهي في عظم الخلق إلى أن يبلغ في الارتفاع ~~عشرة أذرع ؛ وفي ألوانها الأسود والأبيض والأبلق والأزرق ؛ وهو إذا اغتلم ~~أشبه الجمل في ترك الماء والعلف حتى ينضم إبطاه ، ويتورم رأسه ، وربما ~~استوحش لذلك بعد استئناسه ، والفيل ينزو إذا مضى له من العمر خمس سنين ، ~~والأنثى تحمل سنتين ، وإذا حملت لا يقربها الذكر ، ولا ينزو عليها إذا وضعت ~~إلا بعد ثلاث سنين ، ولا ينزو إلا على فيلة واحدة ، وله عليها غيرة شديدة ؛ ~~وإذا أرادت الفيلة أن تضع دخلت النهر فتضع ولدها في الماء ، لأنها تلد ~~قائمة ؛ والذكر يحرسها ويحرس ولدها من الحيات ، وذلك لعداوة بينهما ؛ قالوا ~~: وأثنيا الفيل داخل بدنه قريبا من كليتيه ، ولذلك هو يسفد سريعا كالطير ، ~~لأنهما قريبتان من القلب فتنضحان المني بسرعة ؛ ويقال : إن الفيل يحقد ~~كالجمل ؛ والهند يجعلون نابي الفيل قرنيه ، وفيها الأعقف والمستقيم ؛ قال ~~المسعودي في مروج الذهب : وربما بلغ الناب الواحد منها خمسين ومائة من ؛ ~~ورأيت أنا من أنياب الفيلة ما طوله يزيد على أربعة أذرع ونصف ، وهو معقف ، ~~شاهدت ذلك بمدينة قوص في سنة سبع وتسعين وستمائة ، ورأيت فيها نابين أظنهما ~~أخوين بهذه الصفة ، وهما معقفان ، وغلظهما مناسب لطولهما ؛ والفيل يحمل ~~بنابيه على الجدار الوثيق فيهدمه ؛ ولم تزل ملوك غزنة إلى سبكتكين ومن ~~بعدهم من الملوك الغزنوية تفتتح بالفيلة المدن ، وتهدم بصدماتها الحصون ، ~~وأشهرهم بذلك يمين الدولة محمود بن سبكتكين ، على ما ستقف - إن شاء الله ~~تعالى - عليه في تاريخ الدولة الغزنزية ؛ والفيل سريع الاستئناس بالناس ؛ ~~وفي طبعه أنه إذا سمع صوت الخنزير ارتاع ونفر واعتراه الفزع ؛ وقال ~~المسعودي : إنه لا يثبت للهر ، وإذا رآه فر منه ؛ وقال : إن رجلا كان ~~بالمولتان من ms1906 أرض الهند يدعى هارون بن موسى مولى الأزد ، وكان شاعرا شجاعا ~~ذا رياسة في قومه ومنعة بأرض السند مما يلي بلاد المولتان وكان في حصن له ~~هناك ، فالتقى مع بعض ملوك الهند ، وقد قدمت الهند أمامها الفيلة ، فبرز ~~هارون أمام الصف وقصد PageV09P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" عظيم الفيلة ، وقد خبأ سنورا تحت ثيابه ؛ ~~فلما دنا في حملته من الفيل أبرز الهر له ، فانهزم الفيل وولى عند مشاهدته ~~للهر ، فانهزم الجيش وقتل الملك الهندي ، ولهارون بن موسى قصيدة في ذلك ~~نذكرها - إن شاء الله تعالى - عند ذكر وصف الفيل ؛ والفيل إذا ورد الماء ~~الصافي كدره قبل أن يشربه كعادة الخيل ، وهو قليل الاحتمال للبرد ، وإذا ~~عام في الماء استتر كله إلا خرطومه ؛ ويقال : إنه يصاد باللهو والطرب ~~والزينة وروائح الطيب ؛ والزنوج تصيده بحيلة غير ذلك ، وهو أنهم يعمدون إلى ~~نوع من الأشجار ، فيأخذون ورقه ولحاءه ويجعلونه في الماء الذي تشربه الفيلة ~~، فإذا وردته وشربت منه سكرت ، فتسقط إلى الأرض ، ولا تستطيع القيام ، ~~فتقتلها الزنوج بالحراب ، ويأخذون أنيابها ويحملونها إلى بلاد عمان ، وتنقل ~~منها إلى البلاد ؛ وأما أهل النوبة فإنهم إذا أرادوا صيدها للبقاء عمدوا ~~إلى طرقها التي ترد الماء منها ، فيحفرون هناك أخاديد ويسقفونها بالخشب ~~الضعيف ، ويسترونها بالنبات والتراب ، فإذا مر الفيل عليها انكسرت به تلك ~~الأخشاب الضعيفة ، فيسقط في الأخدود ، فعند ذلك يتبادر إليه جماعة من ~~الرجال بأيديهم العصي الرقاق ، فيضربونه الضرب الوجيع ، فإذا بلغ به الألم ~~خرج إليهم رجل منهم مغاير للباسهم ، فيضربهم ، ويصرفهم عنه ، فينصرفون ، ~~ويقف هو بالقرب من الفيل ساعة ، ثم ينصرف ، فإذا أبعد وغاب عن الفيل رجع ~~أولئك القوم وعاودوا ضربه حتى يؤلموه ، فيعود ذلك الرجل فيريه أنه ضربهم ، ~~فيتفرقوا عنه ، يفعلون ذلك به أياما والرجل يؤانس الفيل ، ويأتيه بالمأكل ~~والماء حتى يألفه ويقرب منه ، فيقال : إنه ينام بالقرب منه ، ويخرج أولئك ، ~~فإذا رآهم الفيل قد أقبلوا أيقظه بخرطومه برفق ، وأشار إليه أن يردهم عنه ، ~~فيفعل على عادته ، فإذا علم أن الفيل استأنس وزال استيحاشه وألف ذلك ms1907 الرجل ~~، حفروا أمامه بتدريج وتوطئة ، فيطلع وقد سلس قياده ، وزال عناده ، ثم ~~يحملونه إلى المركب إلى الديار المصرية في جملة التقادم الموظفة عليهم ؛ ~~وبأرض الهند فيلة غير وحشية تستأنس إلى الناس ، وتتنايج بينهم ، ويقاتلون ~~عليها في حروبهم ، فيجتمع للملك الواحد من ملوك الهند منها عدة كثيرة ، ~~وأكثرها يأوي المروج والغياض كالبقر والجاموس في بلادنا ؛ قال المسعودي : ~~وهي تهرب من المكان الذي فيه الكركدن ، فلا ترعى في موضع تشم فيه رائحته ؛ ~~وللفيلة بأرض الهند PageV09P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" آفة عظيمة من الحيوان ، وهو الذي يعرف ~~بالزبرق أصغر من الفهد ، أحمر اللون براق العينين ، سريع الوثبة ، يبلغ في ~~وثبته إلى خمسين ذراعا وأكثر ، فإذا أشرف على الفيلة رش عليها ببوله ، ~~فيحرقها ، وربما لحق الإنسان فمات ؛ وهذا الوحش إذا أشرف على أحد من أهل ~~الهند التجأ إلى أكبر شجر الساج ، وارتقى إلى أعلاها ، فيأتي هذا الوحش ~~إليها ويثب ، فإن أدركه رش عليه ببوله ، فأحرقه وإن عجز عنه وضع رأسه ~~بالأرض وصاح صياحا عجيبا ، فتخرج من فمه بأسفل الفتحة بوله عليه ؛ قالوا : ~~وللهند طيب يجمعونه من جباه الفيلة ورؤوسها ، فإنها إذا اغتلمت عرفت هذه ~~الأماكن منها عرفا كالمسك ، فهم يستعملونه لظهور الشبق في الرجال والنساء ، ~~وهو يقوي النفس ، ويشجع القلب ؛ قالوا : والفيل يشب إلى تمام ستين سنة ، ~~ويعمر مائتي سنة ؛ وأكثر ؛ وحكى أرسطو أن فيلا ظهر عمره أربعمائة سنة ؛ ~~وحكى بعض المؤرخين أن فيلا سجد لأبرويز ، ثم سجد للمعتضد ، وبينهما الزمان ~~الذي ذكره أرسطو واعتبر ذلك بالوسم ؛ ووقفت على حكاية تناسب ما نحن فيه ، ~~أحببت أن أثبتها في هذا الباب ، وهي : حكى الإمام الحافظ أبو نعيم أحمد بن ~~عبد الله الأصفهاني في كتابه الموسوم بحلية الأولياء ، قال : حدثنا محمد بن ~~الحسن ، قال : حدثنا عبد الوارث بن بكير : أن أبا عبد الله القلانسي ركب ~~البحر ، فعصفت عليهم الريح في مركبهم ، فدعا أهل المركب وتضرعوا ، وندروا ~~النذور ، فقالوا : أي عبد الله ؛ كلنا قد عاهد الله ونذر نذرا إن أنجانا ~~الله ، فانذر أنت نذرا ، وعاهده عهدا ؛ فقلت : أنا ms1908 مجرد من الدنيا ، ما لي ~~وللنذر ؛ فألحوا علي فيه ؛ فقلت : لله علي إن خلصني مما أنا فيه لا آكل لحم ~~الفيل ؛ فقالوا : ما هذا النذر ؟ وهل يأكل لحم الفيل أحد ؟ فقلت : كذا وقع ~~في سري ، وأجراه الله على لساني ؛ فانكسرت السفينة ، ووقعت في جماعة من ~~أهلها إلى الساحل ، فبقينا أياما لم نذق ذواقا ، فبينا نحن قعود إذا نحن ~~بولد فيل ؛ فأخذوه فذبحوه وأكلوا من لحمه ، وعرضوا علي أكله ، فقلت : أنا ~~نذرت وعاهدت الله أن لا آكل لحم الفيل ، فاعتلوا علي بأني مضطر ، ولي فسخ ~~العهد لاضطراري ، فأبيت عليهم ، وثبت على العهد ، فأكلوا وامتلأوا وناموا ، ~~فبينما هم نيام إذ جاءت الفيلة تطلب ولدها ، وتتبع أثره ، فلم تزل تشم ~~الرائحة حتى انتهت إلى عظام ولدها ، فشمتها ، ثم جاءت وأنا أنظر إليها ، ~~فلم تزل تشم واحدا واحدا ، فكلما شمت من واحد رائحة اللحم داسته برجلها أو ~~بيدها فقتلته ، قطع من الدم ويموت من ساعته ويحترف من الشجرة ما يقع حتى ~~قتلتهم كلهم ، ثم أقبلت إلي ، فلم تزل تشمني فلم تجد مني رائحة اللحم ، ~~فأدارت مؤخرها وأومأت إلي بخرطومها أن أركب ؛ فلم أقف على ما أومأت ~~PageV09P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" به ، فرفعت ذنبها ورجلها ، فعلمت أنها تريد ~~مني ركوبها ، فركبتها واستويت عليها ، وأومأت إلي أن أستو ، فاستويت على ~~شيء وطئ ، فسارت سيرا عنيفا إلى أن جاءت بي في ليلتي إلى موضع زرع وسواد ، ~~فأومأت إلي أن أنزل ، وبركت برجلها حتى نزلت عنها ، فسارت سيرا أشد من ~~سيرها بي ، فلما أصبحت رأيت زرعا وسوادا وناسا ، فحملوني إلى ملكهم ، ~~وسألني ترجمانه ، فأخبرته بالقصة وبما جرى على القوم ، فقال لي : أتدري كم ~~المسير الذي سارت بك الليلة ؟ فقلت : لا ، فقال : مسيرة ثمانية أيام سارت ~~بك في ليلة ، فليثبت عندهم إلى أن حملت ورجعت ؛ والله أعلم بالصواب . ذكر ~~شيء مما وصف به الفيل نظما من ذلك ما قاله الأرجاني من أيبات وصف فيها مجلس ~~ممدوحه ، فقال : والفيل في ذيل السماط له . . . زجل يهال له الفتى ذعرا في ~~موقف الحجاب ms1909 يؤمر أو . . . ينهى فيمضي النهي والأمرا أذنان كالترسين تحتهما ~~. . . نابان كالرمحين إن كرا يعلو له فياله ظهرا . . . فيظل مثل من اعتلى ~~قصرا وقال عبد الكريم النهشلي يصفه : وأضخم هندي النجار تعده . . . ملوك ~~بني ساسان إن نابها دهر يجيء كطود جائل فوق أربع . . . مضبرة لمت كما لمت ~~الصخر له فخذان كالكثيبين لبدا . . . وصدر كما أوفى من الهضبة الصدر ووجه ~~به أنف كراووق خمرة . . . ينال به ما تدرك الأنمل العشر وجبان لا يروي ~~القليب صداهما . . . ولو أنه بالقاع منهرت حفر PageV09P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" وأذن كنصف البرد تسمعه الندا . . . خفيا وطرف ~~ينفض العيب مزور ونابان شقا لا يريد سواهما . . . قناتين سمراوين طعنهما ~~بتر له لون ما بين الصباح وليله . . . إذا نطق العصفور أو صوت الصقر وله ~~ابن طباطبا : أعجب بفيل آنس وحشي . . . بهيمة في فطنة الإنسي يفهم عن سائسه ~~الهندي . . . غيب معاني رمزه الخفي مثل السدى الموثق المبني . . . منزه في ~~خلقه السوي عن لين مشي ركب المطي . . . ذي ذنب مطول ثوري في مثل ردف الجمل ~~البختي . . . منخفض الصوت طويل العي يطوف كالمزدجر المنهي . . . يرنو بطرف ~~منه شادني في قبح وجه منه خنزيري . . . خرطومه كجعبة التركي حكى فما من سمك ~~بحري . . . تبصره في فيه ذا هوي كالدلو إذ تهوى إلى القري . . . يصب في ~~مصهرج مطوي ناباه في هولهما المخشي . . . كمثل قرني ناطح طوري أذناه في ~~صبغهما الفضي . . . كطيلساني ولدي ذمي سائسه عليه ذو رقي . . . منتصب منه ~~على كرسي يطيعه في أمره المأبي . . . كطاعة القرقور للنوتي وقال آخر منشدا ~~: من يركب الفيل فهذا الفيل . . . إن الذي يحمله محمول على تهاويل لها ~~تهويل . . . كالطود إلا أنه يجول وقال ابن الرومي : يقلب جثمانا عظيما ~~موثقا . . . يهد بركنيه الجبال إذا زحم PageV09P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" ويسطو بخرطوم يطاوع أمره . . . ومشتبهات ما ~~أصاب بها غنم ولست ترى بأسا يقوم لبأسه . . . إذا أعمل النابين في البأس أو ~~صدم وقال هارون بن موسى مولى الأزد يصفه ويذكر خوفه من الهر : أليس عجيبا ~~بأن خلقة . . . لها فطن الإنس في حرم فيل وأظرف من ms1910 مشيه زوله . . . بحلم ~~يجل عن الخنشليل وأوقص مختلف خلقه . . . طويل النيوب قصير النصيل ويلقى ~~العدو بناب عظيم . . . وجوف رحيب وصوت ضئيل وأشبه شيء إذا قسته . . . ~~بخنزير بر وجاموس غيل ينازعه كل ذي أربع . . . فما في الأنام له من عديل ~~ويعصف بالببر بعد النمور . . . كما تعصف الريح بالعندبيل وشخص ترى يده أنفه ~~. . . فإن وصفوه فسيف صقيل وأقبل كالطود هادي الخميس . . . بهول شديد أمام ~~الرعيل ومر يسيل كسيل الآتي . . . بوطء خفيف وجسم ثقيل فإن شمته زاد في ~~هوله . . . بشاعة أذنين في رأس غول وقد كنت أعددت هرا له . . . قليل التهيب ~~للزندبيل فلما أحس به في العجاج . . . أتانا الإله بفتح جليل فسبحان خالقه ~~وحده . . . إله الأنام ورب الفيول PageV09P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" وقال أبو الحسن الجوهري يضف الفيل من قصيدته ~~التي أولها : قل للوزير وقد تبدى . . . يستعرض الكرم المعدا أفنيت أسباب ~~العلا . . . حتى أبت أن تستجدا لو مس راحتك السحا . . . ب لأمطرت كرما ~~ومجدا لم ترض بالخيل التي . . . شدت إلى العلياء شدا وصرائم الرأي التي . . ~~. كانت على الأعداء جندا حتى دعوت إلى العدى . . . ما لا يلام إذا تعدى ~~متقمصا تيه العلو . . . ج وفطنة أعيت معدا متعسفا طرق العوا . . . لي حين ~~لا يستاق قصدا فيلا كرضوى حين يل . . . بس من رقاق الغيم بردا مثل الغمامة ~~ملئت . . . أكنافها برقا ورعدا رأس كقلة شاهق . . . كسيت من الخيلاء جلدا ~~فتراه من فرط الدلا . . . ل مصعرا في الناس خدا يزهى بخرطوم كمث . . . ل ~~الصولجان يرد ردا متمدد كالأفعوا . . . ن تمده الرمضاء مدا أو كم راقصة تش ~~. . . ربه إلى الندمان وجدا أو كالمصلب شد جن . . . باه إلى جذعين شدا ~~وكأنه بوق يحر . . . كه لينفخ فيه جدا يسطو بساريتي لجي . . . ن يحطمان ~~الصخر هدا أذناه مروحتان أسند . . . تا إلى الفودين عقدا عيناه غائرتان ضي ~~. . . قتا لجمع الضوء عمدا فك كفوهة الخلي . . . ج يلوك طول الدهر حقدا ~~PageV09P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" تلقاه من بعد فتح . . . سبه غماما قد تبدى ~~متنا كبنيان الخور . . . نق ما يلاقي الدهر كدا ردفا كدكة عنبر . . . ~~متمايل الأوراك نهدا ms1911 ذنبا كمثل السوط يض . . . رب حوله ساقا وزندا يخطو على ~~أمثال أع . . . مدة الخباء إذا تصدى أو مثل أميال نضد . . . ن من الصخور ~~الصم نضدا متورد حوض المن . . . ية حين لا يشتاق وردا متملق فكأنه . . . ~~متطلب ما لن يودا متلفع بالكبريا . . . ء كأنه ملك مفدى أدنى إلى الشيء ~~البعي . . . د يراد من وهم وأهدى أذكى من الإنسان حتى ل . . . و رأى خللا ~~لسدا لو أنه ذو لهجة . . . وفى كتاب الله سردا عقته أرض الهند حت . . . ى ~~حل من زهو هرندا قل للوزير : عبدت حت . . . ى قد أتاك الفيل عبدا سبحان من ~~جمع المحا . . . سن عنده قربا وبعدا ذكر ما قيل في الكركدن والكركدن من ~~الحيوان الشديد القوة ، القليل العدد ، وهو شبيه بالجاموس إلا أنه أغلظ ~~وأعتى وأنبل منه ، وله قرن غليظ غير طويل في جبهته ، وقرن أخر ألطف منه ؛ ~~وقد ذكره صاحب المنطق في كتاب الحيوان وسماه الحمار الهندي ؛ وقال الجاحظ ~~في كتاب الحيوان : وإنما قل عدد هذا الجنس لأن الأنثى منه منها ما تكون ~~نزورا ، وأيام حملها ليست أقل من أيام حمل الفيلة ؛ وهذا الحيوان يكون بأرض ~~الهند وبلاد الحبشة ؛ وتزعم الهند أنه إذا كان يرع شيء من الحيوان شيئا في ~~أكناف تلك البلاد هيبة له وخضوعا وهربا منه ، وليس هو ببلاد الحبشة كذلك ، ~~بل PageV09P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" يختلط به غيره من الحيوان ؛ قال الجاحظ : وقد ~~قالوا في ولدها وهو في بطنها لولا أنه ظاهر على ألسنة الهند لكان أكثر ~~الناس بل كثير من العلماء يدخلونه في الخرافة ، وذلك أنهم يزعمون أن أيام ~~حملها إذا كادت أن تتم ونضجت وسخنت وجاء وقت الولادة فربما أخرج الولد رأسه ~~من ظبيتها فأكل من أطراف الشجر ، فإذا شبع أدخل رأسه ، حتى إذا تمت أيامه ، ~~وضاق به مكانه ، وأنكرته الرحم ، وضعته مطيقا قويا على الكسب والحضر ، لا ~~يعرض له شيء من السباع ؛ وهذا القول أيضا ذكره المسعودي ؛ قال : وإذا اغتلم ~~الفيل في بلاد الهند لا يقوم له شيء من الوحوش إلا الكركدن ، فإنه ms1912 يقتحم ~~عليه ، فيحجم عنه ويذهب عنه سكر الاغتلام ؛ وقيل : إنه يطعن الفيل بقرنه ~~فيموتا جميعا ، فمنهم من يقول : إنه يثقل عليه فلا يستطيع أن يخرج قرنه من ~~جوفه ، فيكون ذلك سبب حتفهما ؛ ومنهم من يقول : إن قرنه من السموم التي ~~تقتل الفيل ، ودم الفيل من السموم التي إذا وقعت على قرن الكركدن مات ؛ ~~وحكي لي من يرجع إلى قوله ، ويعتمد على نقله من الحبوش أن الكركدن ببلاد ~~الحبشة إذا رأى الرجل قصده ليقتله ، فيعمد الرجل إلى شجرة فيتعلق بها ، ~~فيحاوله الكركدن ، فربما كسر تلك الشجرة وأهلكه ، فإن بال الرجل على أذن ~~الكركدن هرب وأسرع الحضر فلا يقف ولا يعود إليه ، فيسلم منه ؛ والله أعلم ~~بالصواب . ذكر ما قيل في الزرافة والزرافة في كلام العرب : الجماعة ، وإنما ~~سميت الزرافة زرافة لاجتماع صفات عدة من الحيوان فيها ، وهي عنق الجمل ، ~~وجلد النمر ، وقرن الظبي ، وأسنان البقر ، ورأس الأيل ؛ وزعم بعض من تكلم ~~في طبائع الحيوان أنها متولدة من حيوانات ، ويقال : إن السبب في ذلك اجتماع ~~الوحوش والدواب في القيظ في شرائع المياه ، فتتسافد ، فيلقح منها ما يلقح ، ~~ويمتنع ما يمتنع ، فربما يسفد الأنثى من الحيوان ذكور كثيرة ، فتختلط ~~مياهها ، فيجيء خلق مختلف الصور والألوان والأشكال ؛ والفرس تسمى الزرافة ~~اشتركا ويلنك وتفسير اشتر : بعير ؛ وتفسير كاو : بقرة ؛ وتفسير ~~PageV09P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" يلنك : الضبع ؛ وهذا موافق لما ذهبت إليه ~~العرب من كونها مركبة الخلق من حيوانات شتى ؛ والجاحظ ينكر هذا القول ، ~~ويقول : هو جهل شديد ، لا يصدر عمن لديه تحصيل ، لأن الله عز وجل يخلق ما ~~يشاء على ما يشاء ، وهو نوع من الحيوان قائم بنفسه كقيام الخيل والحمر ، ~~وما يحقق ذلك أنه يلد مثله ؛ وهذا غير منكور ، فإنا نحن رأينا زرافة ~~بالقاهرة ولدت زرافة أخرى شبهها ، وعاشت إلى الآن ؛ وصفة الزرافة أنها ~~طويلة اليدين والعنق جدا ، منها ما يزيد طوله على عشرة أذرع ، قصيرة ~~الرجلين جدا ، وليس لرجليها ركب ، وإنما الركب ليديها كسائر البهائم ؛ وهي ~~تجتر وتبعر ، وفي طبع هذا الحيوان التودد للناس ms1913 والتآلف بهم . ذكر ما وصفت ~~به الزرافة وقد وصفها الشعراء وشبهوها في أشعارهم ، فمن ذلك ما قاله عبد ~~الجبار بن حمديس الصقلي : ونوبية في الخلق فيها خلائق . . . متى ما ترق ~~العين فيها تسفل إذا ما اسمها ألقاه في السمع ذاكر . . . رأى الطرف منها ما ~~عناه بمقول لها فخذا وأظلاف فرهب . . . وناظرتا رثم وهامة إيل كأن الخطوط ~~البيض والصفرا أشبهت . . . على جسمها ترصيع عاج بصندل ودائمة الإقعاء في ~~أصل خلقها . . . إذا قابلت أدبارها مقبل تلفت أحيانا بعين كحيلة . . . وجيد ~~على طول اللواء المظلل وتنفض رأسا في الزمام كأنما . . . تريك له في الجو ~~نفضة أجدل إذا طلع النطح استجادت نطاحه . . . رأس له هاد على السحب معتلي ~~وعرف رقيق الشعر تحسب نبته . . . إذا الريح هزته ذوائب سنبل وتحسبها من ~~مشيها إن تبخترت . . . توف إلى بعل عروسا وتنجلي فكم منشد قول القيس عندها ~~. . . أفاطم مهلا بعض التدلل PageV09P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" وقال عمارة اليمني - وقد وصف تصاوير دار منها ~~زرافة - : وبها زرافات كأن رقابها . . . في الطول ألوية تؤم العسكرا نوبية ~~المنشا تريك من المها . . . روقا ومن بزل المهاري مشفرا جبلت على الإقعاء ~~من إعجابها . . . فتخالها للتيه تمشي القهقرى وقال أبو علي بن رشيق منشدا : ~~ومجنونة أبدا لم تكن . . . مذللة الظهر للراكب قد اتصل الجيد من ظهرها . . ~~. بمثل السنام بلا غارب ملمعة مثلما لمعت . . . بحناء وشى يد الكاعب كأن ~~الجواري كنفنها . . . تخلج من كل ما جانب وقال أيضا : وأتتك من كسب الملوك ~~زرافة . . . شتى الصفات للونها أثناء جمعت محاسن ما حكت فتناسبت . . . في ~~خلقها وتنافت الأعضاء تحتثها بين الخوافق مشية . . . باد عليها الكبر ~~والخيلاء وتمد جيدا في الهواء يزينها . . . فكأنه تحت اللواء لواء حطت ~~كآخرها وأشرف صدرها . . . حتى كأن وقوفها أقعاء وكأن فهر الطيب ما رجمت به ~~. . . وجه الثرى لو لمت الأجزاء وتخيرت دون الملابس حلة . . . عيت بصنعة ~~مثلها صنعاء لونا كلون الذبل إلا أنه . . . حلى وجزع بعضه الجلاء أو ~~كالسحاب المكفهرة خططت . . . فيها البروق وميضها إيماء PageV09P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" أو مثلما صدئت صفائح جوشن . . . وجرى ms1914 على ~~حافاتهن جلاء نعم التجافيف التي قد درعت . . . من جلدها لو كان فيه وقاء ~~وقال محمد بن شرف القيرواني : غريبة أشكال غريبة دار . . . لها لون فضة ~~ونضار فلون لها لون البياض وصفرة . . . كما مزجت بالماء كأس عقار وآخر ما ~~بين اسوداد وحمرة . . . كما احمر مسود الدخان بنار أعيرت شخوصا وهي في شخص ~~واحد . . . يحير في نشز لها وقفار تقوم على ما بين ظلف وحافر . . . له جسم ~~جلمود وصبغة قار وأربعة تحكي سبائك عسجد . . . تطير بها في الأرض كل مطار ~~لها عنق قد خالط الجو تحته . . . طوال لها تخطو أمام قصار وذات قرى وعر ~~الركوب وإنما . . . أجلت بذا عن ذلة وصغار لها عجبة التياه عجبا بنفسها . . ~~. ولكن ذاك العجب تحت وقار ذكر ما قيل في البقر الوحشية - وهي المها - ~~والإيل ولنبدأ بذكر ترتيب سنها ، ثم نذكر ما قيل فيها ؛ أما سنها - فقد ~~قالت العرب : ولد البقرة الوحشية ما دام يرضع فهو فز وفرقد وفرير ؛ فإذا ~~ارتفع عن ذلك فهو يعفور وجؤذر ، وبحزج ؛ فإذا شب فهو مهاة فإذا أسن فهو ~~قرهب ؛ هذا ما قيل في سنها . وأما ما قيل في المها - فذكر من بحث عن طبائع ~~الحيوان أن من طباعها الشبق والشهوة ؛ وأن الأنثى إذا حملت هربت من الذكر ~~خوفا من عبثه بها في الحمل ؛ PageV09P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" والذكر لفرط شهوته يركب الذكر ؛ وإذا ركب ~~واحد منها شم الباقي روائح الماء منه ، فيثبن عليه ، ولا يمنع ما يثب عليه ~~بعد ذلك ؛ ولم أقف من أحواله على غير هذا الذي أوردته ، فلنذكر ما وصف به . ~~وصف المها فمن ذلك ما قاله كاتب أندلسي من رسالة طردية ، جاء منها : وعن ~~لنا سرب نعاج يمشين وهوا كمشي العذارى ، ويتثنين زهوا تثني السكارى ؛ كأنما ~~تجلل بالكافور جلودها ، وتضمخ بالمسك قوائمها وخدودها ؛ وكأنما لبسن الدمقس ~~سربالا ، واتخذن السندس سروالا . من كل مهضمة الحشا وحشية . . . تحمي ~~مداريها دماء جلودها وكأنما أقلام حبر كتبت . . . بمداد عينيها طروس خدودها ~~فأرسلنا أولي الخيل على أخراها ، وخليناها وإياها ؛ فمضت مضي السهام ، وهوت ms1915 ~~هوي السمام ؛ فجالت في أسرابها يمينا وشمالا ؛ فكأنما أهدت لآجالها آجالا ؛ ~~فمن متق بروقه ، وكاب أتاه حتفه من فوقه . وقال الأخطل يصف ثورا : فما به ~~غير موشي أكارعه . . . إذا أحس بشخص ماثل مثلا كأن عطارة باتت تطيف به . . ~~. حتى تسربل ماء الورس وانتعلا كأنه ساجد من نضج ديمته . . . مقدس قام تحت ~~الليل فابتهلا ينفي التراب بروقيه وكلكله . . . كما استماز رئيس المقنب ~~النفلا PageV09P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" وقال عدي بن الرقاع يصف ثورين يعدوان : ~~يتعاوران من الغبار ملاءة . . . بيضاء محكمة هما نسجاها تطوى إذا وردا ~~مكانا جاسيا . . . وإذا السنابك أسهلت نشراها وقال الطرماح يصف عدوه بسرعة ~~: يبدو وتضمره البلاد كأنه . . . سيف على شرف يسل ويغمد وأما ما قيل في ~~الإيل - فهو من أصناف البقر الوحشية ، وهذا الحيوان يسمن كثيرا ، وإذا سمن ~~اختفى خوفا أن يصاد لسمنه ؛ وهو مولع بأكل الحيات ، يطلبها في كل موضع ، ~~فإن انجحرت أخذ الماء بفمه ، ونفخه في الحجر ، فتخرج له ذنبها فيأكلها ، ~~حتى إذا انتهى إلى رأسها تركه خوفا من السم ، وربما لسعته فتسيل دموعه إلى ~~نقرتين تحت محاجر عينيه تدخل في كل واحدة منهما الإصبع ، فتجمد تلك الدموع ~~فتصير كالشمع ، تتخذ درياقا لسم الحيات ، وهو البازهر الحيواني ؛ قالوا : ~~وإذا لسعته الحيات أكل السراطين فيبرأ ويبرئه أكل التفاح أيضا وورق شجره ؛ ~~وهو لا تنبت له قرون إلا بعد أن تمضي له سنتان من عمره ، فإذا نبت قرناه ~~نبتا مستقيمين كالوتدين ، وفي الثالثة يتشعبان ، ولا يزال التشعب في زيادة ~~إلى تمام ست سنين ، وحينئذ يكونان كالشجرتين على رأسه ، ثم بعد ذلك يلقي ~~قرونه في كل سنة ، ثم تنبت ، وإذا نبتا عرضهما للشمس حتى يصابا ؛ وهما إذا ~~كبرا على رأسه منعاه من الجري ؛ ولا يكاد يفلت إذا طلبته الخبل ؛ وإذا ألقى ~~قرونه علم أنه ألقى سلاحه ، فهو لا يظهر ؛ قال الجاحظ : قال صاحب المنطق : ~~إن أنثى الإيل إذا وضعت ولدا أكلت مشيمتها فتظن أنه شيء تتداوى به من علة ~~النفاس ؛ وزعم أرسطو أن هذا النوع يصاد بالصفير والغناء ، وهو لا ms1916 ينام ما ~~دام يسمع ذلك ، ومن أراد صيده من الصيادين شغله بعضهم بالتطريب ، ويأتيه ~~البعض من خلفه ، فإذا رأوه مسترخيا أذناه وثبوا عليه ؛ وإذا PageV09P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" اشتد عليه العطش من أكل الحيات أتى غدير ~~الماء واشتمه ، ثم انصرف عنه ، يفعل ذلك أربعة أيام ، ثم يشرب اليوم الخامس ~~، وإنما يمتنع من شرب الماء خوفا على نفسه من سريان السم في جسده مع الماء ~~؛ والله أعلم . قال بعض الشعراء : هجرتك لا قلى مني ولكن . . . رأيت بقاء ~~ودك في الصدود كهجر الظامئات الماء لما . . . تيقن المنايا في الورود تذوب ~~نفوسها ظمأ وتخشى . . . هلاكا فهي تنظر من بعيد وقال أخر في مثل ذلك : وما ~~ظامئات طال في القيظ ظمئها . . . فجاءت وفي الأحشاء غلي المراجل فلما رأين ~~الماء عذبا وقد أتت . . . إليه رأين الموت دون المناهل فولت ولم تشفي صداها ~~وقد طوت . . . حشاها على وخز الأفاعي القواتل بأعظم من شوقي إليك وحسرتي . ~~. . عليك ولم ألتذ منك بطائل الباب الثاني من القسم الثاني من الفن الثالث ~~فيما قيل في الحمر الوحشية والوعل واللمط ذكر ما قيل في الحمر الوحشية ~~والحمار الوحشي يسمى العير والفرأ ؛ وبه ضرب رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) المثل ، فقال : " كل الصيد في جوف الفرإ " ؛ ويقال : إنه ينزو إذا ~~بلغ ثلاثين شهرا من عمره ؛ وهو يوصف بشدة الغيرة ؛ ويقال : إن الأنثى إذا ~~ولدت جحشا كدم الذكر قضيبه ، فالإناث تعمل الحيلة في إبقائه ، فتهرب به من ~~أبيه ، وتكسر رجله ليستقر بذلك المكان ، وهي تتعهده وترضعه ، فإذا انجبرت ~~رجله وقويت وصحت ، وأمكنه المشي عليها ، يكون قد حصل فيه من القوة والجري ~~ما يدفع به عن نفسه ، ويهرب إذا أبوه أو من هو أقوى منه أراد خصاءه ؛ ويقال ~~: إن الحمار الوحشي يعمر مائتي سنة وأكثر PageV09P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" من ذلك ، وكلما بلغ مائة سنة صارت له مبولة ~~ثانية ؛ قالوا : وشوهد منها ما له ثلاث مباول وأربع ؛ ومعادنه بلاد النوبة ~~وزغاوة ، ويوجد منه ما تكون شيته معمدة ببياض وسواد في الطول من أعضائه ~~المستطيلة ، ومستديرة ms1917 فيما استدار منها بأصح قسمة ؛ ومنها صنف يسمى الأخدري ~~وهو أطولها أعمارا . وقد وصفها أبو الفرج الببغاء من رسالة ذكر فيها أتانا ~~معمدة ببياض وسواد كانت قد أهديت لعز الدولة بختيار بن بويه من جهة صاحب ~~اليمن ، قال : وأما الأتان ، الناطقة في كمال الصنعة بأفصح لسان ؛ فإن ~~الزمان لاطف مولانا - أيده الله - منها بأنفس مذخور ، وأحسن منظور ؛ وأعجب ~~مرئي ، وأغرب موشي ؛ وأفخر مركوب ، وأشرف مجنوب ؛ وأعز موجود ، وأبهى مخدود ~~؛ كأنما وسمها الكمال بنهايته ، أو لحظها الفلك بعنايته ؛ فصاغها من ليله ~~ونهاره ، وحلاها بنجومه وأقماره ، ونقشها ببدائع آثاره ؛ ورمقها بنواظر ~~سعوده ، وجعلها أحد جدوده ؛ ذات إهاب مسير ، وقرب محبر ، وذنب وشوى مسور ؛ ~~ووجه مزجج ، ورأس متوج ؛ تكنفه أذنان ، كأنهما زجان ؛ سبجية الأنصاف ، ~~بلورية الأطراف ، جامعة شيتها بالترتيب ، بين زمني الشبيبة والمشيب ؛ فهي ~~قيد الأبصار ، وأمد الأفكار ، ونهاية الاعتبار ؛ غني عن الحلي عطلها ، ~~مزرية بالزهر حللها ؛ واحدة جنسها ، وعالم نفسها صنعة المنشئ الحكيم ، ~~وتقدير العزيز العليم . وقال ابن المعتز : شغلته لواقح ملأته . . . غيرة ~~فهو خلقهن كمي قابض جمعها إليه كما يج . . . مع أيتامه إليه الوصي ~~PageV09P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" كلما شم لاقحا شم منها . . . رأس فحل برجلها ~~مفلي خارج من ظلال نقع كما فر . . . ق جلبابه الخليع الغوي قد طواها ~~التسويق والشد حتى . . . هي قب كأنهن القسي هربت من رؤوسهن عيون . . . ~~غائرات كأنهن الركي ذكر ما قيل في الوعل الوعل ، هو التيس الجبلي ، والأنثى ~~تسمى أروية ؛ وهي شاه الوحش ؛ وفي طباع هذا الحيوان أنه يأوي الأماكن ~~الوعرة والخشنة من الجبال ؛ ولا يزال مجتمعا ، فإذا كان في وقت الولادة ~~تفرق ؛ وإذا اجتمع في ضرع الأنثى لبن امتصته ؛ والذكر إذا ضعف عن النزو أكل ~~البلوط فتقوى شهوته ، ومتى فقد الأنثى انتزع منيه بفيه بالامتصاص ، وذلك ~~لشدة الشبق ؛ وهو إذا جرح عمد إلى الخضرة التي تكون على الحجارة ، فيمضغها ~~ويجعلها على الجرح فيبرأ ؛ وإذا أحس بقناص وهو في مكانه المرتفع استلقى على ~~ظهره ، ثم يزج بنفسه فينحدر من أعلى الجبل إلى أسفله ، وقرناه يقيانه ألم ~~الحجارة ms1918 ، ويسرعان هبوطه لملاستهما فإنهما من رأسه إلى عجزه ؛ وفي طبع هذا ~~الحيوان الحنو على ولده والبر بوالديه ؛ أما حنوه على ولده فإنه إذا صيد ~~منها شيء تبعته أمه واختارت أن تكون معه في الشرك ؛ وأما بره بوالديه ، ~~فإنهما إذا عجزا عن الكسب لأنفسهما أتاهما بما يأكلانه ، وواساهما من كسبه ~~، فإن عجزا عن الأكل مضغ لهما وأطعمهما ؛ ويقال : إن في قرنيه ثقبين يتنفس ~~منهما ، فمتى سدا جميعا هلك . ذكر ما وصف به الوعل وقد وصفه الشعراء ، فمن ~~ذلك ما قاله الصاحب بن عباد : وأعين كالذرى في سفلاته . . . سواد وأعلى ~~ظاهر اللون واضح موقف أنصاف اليدين كأنه . . . إذا راح يجري بالصريمة رامح ~~PageV09P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" وقال أبو الطيب المتنبي : وأوفت الفدر من ~~الوعال . . . مرتديات بقسي الضال نواخس الطراف للكفال . . . يكدن ينفذن من ~~الطال لها لحى سود بلا سبال . . . يصلحن ضحاك الإجلال كل أثيث نبته متفال . ~~. . لم يغذ بالمسك ولا الغوالي يرضى من الأدهان بالأبوال ذكر ما قيل في ~~اللمط واللمط حيوان وحشي يكون ببلاد الغرب الجواني ، قي قدر المهر اللطيف ، ~~له قرون غير متشعبة ، ولا مفاصل لركبه ، فهو لا يستطيع النوم إلا مستندا ~~إلى شجرة أو جدار ، فإذا أريد صيده عمد من يريد ذلك إلى تلك الشجرة التي هي ~~في محل مظان نومه ، فينشر أكثرها ، ويترك منها يسيرا إلا يحمله ، فإذا ~~استند إليها سقطت وسقط بسقوطها ، فيؤخذ ويذبح وتتخذ من جلده درق تباع ~~بالأثمان الغالية ، ترد طعنة الرمح ورشقة السهم ، ومهما أصابها من الحديد ~~انطوى ، فإن تمكن منها ونزع وبقي أثره والتحم في اليوم الثاني وخفي أثره ؛ ~~أخبرني بذلك من أثق بقوله . PageV09P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" الباب الثالث من القسم الثاني من الفن الثالث ~~في الظبي والأرنب والقرد والنعام ذكر ما قيل في الظبي للظباء أسماء نطقت ~~بها العرب ، واحدها ظبي ، والأنثى ظبية ، وولدها طلا وغزال ؛ فإذا تحرك ~~ومشي فهو رشأ ؛ فإذا ثبت قرناه فهو شادن وخشف ؛ فإذا قوي فهو شصر ، والأنثى ~~شصرة ، ثم هو جذع ، ثم ثني ، ولا يزال ثنيا حتى يموت ms1919 . والظباء أنواع تختلف ~~بحسب مواضعها ؛ فصنف منها يسمى الآرام ، وهي الخالصة البياض ، ومساكنها ~~الرمل ، وهي أشدها حضرا ؛ وصنف يسمى العفر ، وألوانها بيض تعلوها حمرة ؛ ~~وصنف يسمى الأدم ، وألوانها أيضا كذلك ، ومساكنها الجبال ؛ ومن طبع هذا ~~الحيوان أنه إذا فقد الماء استنشق النسيم فاعتاض به عنه ؛ وهو إذا طلب لم ~~يجهد نفسه في الحضر لأول وهلة ، ولكنه يرفق بنفسه ، فإذا رأى طالبه قد قرب ~~منه زاد في حضره حتى يفوت الطالب ؛ وهو يخضم الحنظل حتى يرى ماؤه يسيل من ~~شدقيه ؛ ويرد الماء الملح الأجاج فيغمس لحيته فيه كما تفعل الشاة في الماء ~~العذب ، يطلب النوى المنقع فيه ؛ وهو لا يدخل كناسه إلا مستدبرا ، يستقبل ~~بعينيه ما يخافه على نفسه ، وله نومتان في مكنسين : مكنس الضحى ، ومكنس ~~العشي ، وهو يصاد بالنار ، فإنه إذا رآها ذهل لها ودهش ، سيما إذا أضيف إلى ~~إشعال النار تحريك الجرس ، فإنه ينخذل ولا يبقى به حراك البتة ؛ وبين الظبي ~~والحجل ألفة ومحبة ؛ وهو يوصف بحدة النظر . فصل ومما يلتحق بهذا النوع غزال ~~المسك ولونه أسود ، وله نابان خفيفان أبيضان خارجان من فيه في فكه الأسفل ، ~~قائمان في وجهه كنابي الخنزير ، كل واحد منهما دون الفتر ، على هيئة ناب ~~الفيل ؛ ويكون هذا الغزال ببلاد التبت وبالهند ؛ ويقال إنه PageV09P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" يسافر من التبت إلى الهند بعد أن يرعى من ~~حشيش التبت - وهو غير طيب - فيلقي ذلك المسك بالهند ، فيكون رديئا لأنه ~~يحصل عن ذلك المرعى ، ثم يرعى حشيش الهند الطيب ويعقد منه مسكا ، ويأتي ~~بلاد التبت فيلقيه فيها ، فيكون أجود مما يلقيه في بلاد الهند ؛ وسنذكر إن ~~شاء الله تعالى خبر المسك في بابه في آخر فن النبات في القسم المذيل به ~~مستوفى ، فلا فائدة في تكراره ؛ فلنذكرها ما وصف به الغزال من الشعر . قال ~~ذو الرمة - وذكر محبوبته - : ذكرتك أن مرت بنا أم شادن . . . أمام المطايا ~~تشرئب وتسنح من المؤلفات الرمل أدماء حرة . . . شعاع الضحى في متنها يتوضح ~~هي الشبه أعطافا وجيدا ومقلة . . . ومية أبهى بعد ms1920 منها وأملح وقال آخر : ~~وحالية بالحسن والجيد عاطل . . . ومكحولة العينين لم تكتحل قط على رأسها من ~~قرنها الجعد وفرة . . . وفي خدها من صدغها شاهد سبط وقد أدمجت بالشحم حتى ~~كأنما . . . ملاءتها من فرط ما اندمجت قمط ذكر ما قيل في الأرنب قال أصحاب ~~الكلام في طبائع الحيوان : إن قضيب الأرنب كذكر الثعلب ، أحد شطريه عظم ، ~~والآخر عصب ؛ وربما ركبت الأنثى الذكر حين الفساد لما فيها من الشبق ، ~~وتسفد وهي حبلى ؛ وهي قليلة الإدرار على ولدها ؛ ويزعمون أنه يكون شهرين ~~ذكرا ، وشهرين أنثى ؛ وحكى ابن الأثير في تاريخه الكامل في حوادث ستة ثلاث ~~وعشرين وستمائة ، قال : وفيها اصطاد صديق لنا أرنبا ، فرآها لها أنثيان ~~وذكر وفر ج أنثى ، فلما شقوا بطنها رأوا فيه خريقين . والأرنب تنام مفتوحة ~~العينين ، PageV09P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" وسبب ذلك أن حجاحي عينيها لا يلتقيان ؛ ويقال ~~: إن الأرنب إذا رأت البحر ماتت ، ولذلك لا توجد بالسواحل ؛ وتزعم العرب أن ~~الجن تهرب منها إذا حاضت ، ويقال : إنها تحيض كالمرأة ، وتأكل اللحم وغيره ~~، وتجتر وتبعر ، وفي باطن أشداقها شعر ، وكذلك تحت رجليها ، وليس شيء قصير ~~اليدين أسرع منها حضرا ، ولقصرهما يخف عليهما الصعود ؛ وهي تطأ الأرض على ~~مؤخر قوائمها تعمية لأثرها حتى لا يعرفه الطالب لها ، وإذا قربت من المكان ~~الذي تريد أن تجثم فيه وثبت إليه . وفي الأرنب منافع طيبة ذكرها الشيخ ~~الرئيس أبو علي بن سينا ، قال : إن انفحة الأرنب حارة يابسة نارية ، تحلل ~~كل جامد من دم ولبن متجبن وخلط غليظ ، وتجمد كل ذائب ، وتمنع كل سيلان ونزف ~~من النساء ؛ قال : ولا شك أنها مع ذلك مجففة ، وإذا شربت منعت من الصرع ، ~~وكذلك سائر الأنافح ، وهي رديئة للمعدة وإذا حملت بعد الطهر ثلاثة أيام ~~بالخل منعت الحبل ونفت الرطوبة السائلة من الرحم ، وتنفع من اختناق الرحم ؛ ~~قال : ودم الأرنب ينفي الكلف ؛ ورماد رأسه جيد لداء الثعلب ؛ وإذا الأخذ ~~بطن الأرنب كما هو بأحشائه والإحراق قليا على مقلى كان دواء منبتا للشعر ~~إذا سحق واستعمل بدهن الورد ؛ ودماغه ms1921 مشويا ينفع من الرعشة الحادثة عقيب ~~المرض ؛ وإذا حل دماغ الأرنب بسمن أو زبد أو عسل أسرع إنبات الأسنان ، وسهل ~~بغير وجع ؛ ودم الأرنب مقلوا ينفع من السحج وورم الأمعاء والإسهال المزمن ، ~~وينفع من السهام الأرمنية ؛ هذا ما قاله الشيخ الرئيس في الأرنب . وقد وصف ~~بعض كتاب الأندلس عدة من الأرانب ، فقال : أفراد إخوان كأنهن أولاد غزلان ؛ ~~بين رواغ ينعطف انعطاف البره ، ووثاب يجتمع اجتماع الكره ؛ حاك القصب إزاره ~~، وصاغ التبر طوقه وسواره ؛ قد غلل بالعنبر بطنه ، وجلل بالكافور متنه ؛ ~~كأنما تضمخ بعبير ، وتلفع في حرير ؛ ينام بعيني ساهر ، ويفوت بجناحي طائر ؛ ~~قصير اليدين ، طويل الساقين ؛ هاتان في الصعود تنجدانه ، وتانك عند الوثوب ~~تؤيدانه ؛ والله أعلم . PageV09P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" ذكر ما قيل في القرد القرد عند المتكلمين في ~~الطبائع مركب من إنسان وبهيمة ؛ وهو إذا سقط في الماء غرق مثل الإنسان الذي ~~لا يحسن السباحة ؛ وهو يأخذ نفسه بالزواج والغيرة على الأنثى ؛ وهو يقمل ، ~~وإذا قمل تقلى ، ويأكل ما ينتزعه من بدنه من القمل ؛ وهو كثير الشبق ، وإذا ~~اشتد به الشبق استمنى بفيه ؛ والأنثى تلد عدة نحو العشرة وأكثر ، كما تلد ~~الخنزيرة ؛ وهي تحمل بعض أولادها كما تحمل المرأة ؛ ويقال : إن الطائفة من ~~القرود إذا أرادت النوم ينام الواحد في جنب الآخر حتى يكونوا سطرا واحدا ، ~~فإذا تمكن النوم منها نهض أولها من الطرف الأيمن ، فيمشي وراء ظهورها حتى ~~يقعد من وراء الأقصى من الطرف الأيسر ، فإذا قعد صاح ؛ فينهض الذي يليه ، ~~ويفعل مثل فعله ، فهذا دأبهم طول الليل ؛ فهم يبيتون في أرض ويصبحون في ~~أخرى ؛ وفي القرد من قبول التأديب والتعليم ما لا خفاء به عن أحد حتى إنه ~~درب قرد ليزيد بن معاوية على ركوب الحمير والمسابقة عليها ؛ وحكى المسعودي ~~في كتابه المترجم بمروج الذهب : أن القرود في أماكن كثيرة من المعمور ، ~~منها وادي نخلة بين الجند وبلاد زبيد ، وهو بين جبلين ، وفي كل جبل منهما ~~طائفة من القرود يسوقها هزر ، وهو القرد العظيم المقدم فيها ؛ قال : ولها ms1922 ~~مجالس يجتمع فيها خلق كثير منها ؛ فيسمع لها حديث والإناث بمعزل عن الذكور ~~، والرئيس متميز على المرؤوس ؛ وباليمن قرود كثيرة في نواح متعددة ؛ منها ~~في ذمار من بلاد صنعاء في براري وجبال كأنها السحب ؛ وتكون القرود أيضا ~~بأرض النوبة وأعلى بلاد الحبشة ، وهذا الصنف من القرود حسن الصورة ، خفيف ~~الروح ، مدور الوجه ، مستطيل الذنب ، سريع الفهم ، ويسمونه النسناس ؛ ومنها ~~أيضا بخلجان الرانج في بحر الصين وبلاد المهراج وفي ناحية الشمال نحو أرض ~~الصقالبة ضرب من القرود منتصب القامات مستدير الوجوه ، والأغلب عليهم صور ~~الناس وأشكالهم ، ولهم شعور ، وربما صيد منها القرد PageV09P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" في النادر بالحيلة ، فيكون في نهاية الفهم ~~والدراية ، إلا أنه لا لسان له يعبر به عما في نفسه ، لكنه يفهم كل ما ~~يخاطب به بالإشارة ؛ ومن النواحي التي بها القرود جبل موسى ، وهو الجبل ~~المطل على مدينة سبتة من بلاد المغرب ، والقرود التي فيها قباح الصور جدا ، ~~وعظام الجثث ، تشبه وجوهها وجوه الكلاب ، لها خرطوم ، وليس لها أذناب ، ~~وأخلاقها صعبة لا يكاد ينطبع فيها تعليم إلا بعد جهد ؛ وحكى لي بعض ~~المغاربة أنهم إذا أرادوا صيد هذه القرود يتحيلون عليها بأن يصنعوا لها ~~زرابين بقدر أرجلها ، ويلطخوا نعالها بالصابون ، ويأتوا إلى مكان هذه ~~القرود فيقعدوا حيث تراهم ، ويلبسوا زرابيبهم ويمشوا بها ، ويتركوا تلك ~~الزرابين الصغار ، فتأتي القرود وتلبس الزرابين ، فتخرج عليها الرجال ، ~~فتعدو القرود بتلك الزرابين ، فلا تثبت أرجلها على الأرض وتزلق ، فتدركها ~~الرجال ويأخذوها . ولم أقف على شعر يتعلق بوصف القرد فأثبته ؛ والله أعلم . ~~ذكر ما قيل في النعام والنعامة تسمى بالفارسية : أشترمرغ ، ومعنى أشتر : ~~جمل ، ومرغ : طائر ، فكأنهم قالوا : جمل طائر ؛ ومن أعاجيبها أنها تضع ~~بيضها عند الحضان ، وتعطى كل بيضة منها تصيبها من الحضن ، لأن بدناه لا ~~يشمل جميع ما تحضنه ، فإنها تحضن أربعين بيضة أو ثلاثين ، وتخرج لطلب الطعم ~~، فتمر بطريقها ببيض نعامة أخرى فتحضنه وتنسى بيضها ؛ قال ابن هرمة : وإني ~~وتركي ندى الأكرمين . . . وقدحي بكفي زندا شحاحا كتاركة بيضها بالعراء . . ~~. وملبسة ms1923 بيض أخرى جناحا ويقال : إنها تقسم بيضها أثلاثا ، منه ما تحضنه ، ~~ومنه ما تجعل صفارة غذاء ، ومنه ما نفتحه وتتركه في الهواء حتى يعفن ، ~~وتتولد من عفونته دواب ، PageV09P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" فتغذى بها فراخها إذا خرجت ؛ وكل ذي رجلين ~~إذا انكسرت إحداهما استعان في نهوضه وحركته بالثانية إلا النعامة ، فإنها ~~تبقى في مكانها جاثمة حتى تهلك جوعا ؛ قال الشاعر : إذا انكسرت رجل النعامة ~~لم تجد . . . على أختها نهضا ولا باستها حبوا والعرب تزعم أن الظليم أصلم ، ~~وأنه عوض عن السمع بالشم ، فهو يعرف بأنفه ما لا يحتاج معه إلى سمع ، ~~والعرب تقول في أمثالها : " أحمق من نعامة " ، قالوا : لأنها إذا أدركها ~~القانص أدخلت رأسها في كثيب رمل وتقدر في نفسها أنها قد استخفت منه ؛ ~~والنعام قوي الصبر على العطش ، شديد العدو ، وأشد ما يكون عدوه إذا استقبل ~~الريح ، وهو في عدوه يضع عنقه على ظهره ، ثم يخترق الريح ؛ والنعامة تبتلع ~~العظم والحجر والحديد فيصير في جوفها كالماء ، وتبتلع الجمر ؛ وهو يصاد ~~بالنار كسائر الوحش ، فإنه إذا رأى النار دهش ووقف فيتمكن منه الصائد . ما ~~وصفت به النعامة وقد وصفها إبراهيم بن خفاجة الأندلسي فقال : ولرب طيار ~~خفيف قد جرى . . . فشلا بجار خلفه طيار من كل فاجرة الخطا مختالة . . . مشي ~~القناة تجر فضل إزار مخضوبة المنقار تحسب أنها . . . كرعت على ظمأ بكأس ~~عقار لا تستقر بها الأداحي خشية . . . من ليل ويل أو نهار بوار وقال ~~الحماني : قد ألبس الليل حتى يتثنى خلقا . . . وأركب الهول بالغر الغرانيق ~~وأنتحي لنعام الدو ملهبة . . . كأنها بعض أحجار المجانيق تسدي الرياح بها ~~ثوبا وتلحمه . . . كما تلبس من نسج الخداريق PageV09P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" كأنما ريشها والريح تقرفه . . . أسمال راهبة ~~شيبت بتشقيق كأنها حين مدت رؤوسها فرقا . . . سود الرجل تعادى بالمزاريق ~~كأن أعناقها وهنا إذا خفقت . . . بها البلاقع أدقال الزواريق فما استلذ ~~بلحظ العين ناظرها . . . حتى تغصص أعلاهن بالريق PageV09P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" القسم الثالث من الفن الثالث في الدواب ~~والأنعام وفيه ثلاثة أبواب الباب الأول من هذا القسم ms1924 في الخيل وابتداء ~~خلقها ، وأول من ذللها وركبها ، وما ورد في فضلها وبركتها من الآثار ~~الصحيحة ، والأحاديث النبوية الثابتة الصريحة ، وما ورد في فضل الإنفاق ~~عليها ، وما جاء في التماس نسلها ، والنهي عن خصائها والرخصة فيه ؛ وما قيل ~~في أكل لحومها من الكراهة ، وما ورد من النهي عن عسب الفرس وبيع ماء الفحل ~~، وما ندب إليه من إكرام الخيل ومنع إذالتها ، والأمر بارتباطها ، وما ~~يستحب من ألوانها وشياتها وذكورها وإناثها ، وما ورد في شؤم الرفس ، وما ~~يذم من عصمه ورجله ، وما جاء في سباق الخيل ، وما يحل منه وما يحرم ، ~~وكيفية التضمير عند السباق ، وأسماء السوابق في الحلبة ، وما يقسم لصاحب ~~الفرس من سهام الغنيمة ، والفرق في ذلك بين العراب والهجن والبراذين ، ~~والعفو عن سقوط الزكاة في الخيل ، وما وصفت العرب به الخيل من ترتيبها في ~~السن ، وتسمية أعضائها وأبعاضها وألوانها وشياتها ، والمحمود من صفاتها ~~ومحاسنها ، وعد عيوبها التي تكون في خلقتها وجريها ، والعيوب التي تطرأ ~~عليها وتحدث فيها ، وذكر خيل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعدتها ~~وأسمائها ، PageV09P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" وكرام الخيل المشهورة عند العرب ، وما وصفت ~~به الخيل في أشعار الشعراء ورسائل الفضلاء التي تتضمن مدح جيدها وذم رديئها ~~، وغير ذلك على ما نوضحه - إن شاء الله تعالى - ونبينه ، ونأتي به على ~~الترتيب والتحقيق ، فنقول وبالله التوفيق ، وإليه المآب . ذكر ما ورد في ~~ابتداء خلق الخيل وأول من ذللها وركبها قال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ~~إبراهيم النيسابوري المعروف بالثعلبي في تفسيره : أخبرنا أبو محمد عبد الله ~~بن محمد بن أحمد بن عقيل الأنصاري ، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ~~، قالا : أخبرنا أبو منصور محمد بن القاسم العتكي ، قال : حدثنا محمد بن ~~الأشرس ، قال : حدثنا أبو جعفر المديني ، قال : حدثنا القاسم بن الحسن بن ~~زيد ، عن أبيه ، عن الحسين بن علي رضي الله عنهما ، عن أبيه ، قال : قال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لما أراد الله أن يخلق الخيل قال ~~للريح الجنوب : إني ms1925 خالق منك خلقا فأجعله عزا لأوليائي ، ومذلة على أعدائي ~~، وجمالا لأهل طاعتي ؛ فقالت الريح : اخلق ، فقبض منها قبضة فخلق فرسا ، ~~فقال له : خلقتك عربيا وجعلت الخير معقودا بناصيتك ، والغنائم مجموعة على ~~ظهرك ، وعطفت عليك صاحبك ، وجعلتك تطير بلا جناح ، فأنت للطلب ، وأنت للهرب ~~، وسأجعل على ظهرك رجالا يسبحوني ويحمدوني ويهللوني ، تسبحن إذا سبحوا ، ~~وتهلان إذا هللوا ، وتكبرن إذا كبروا ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " ما من تسبيحة وتحميدة وتكبيرة يكبرها صاحبها فتسمعه إلا فتجيبه ~~بمثلها ، ثم قال : لما سمعت الملائكة صفة الفرس وعاينت خلقها ، قالت : رب ، ~~نحن ملائكتك نسبحك ونحمدك ، فماذا لنا ؟ فخلق الله لها خيلا بلقا ، أعناقها ~~كأعناق اليخت ، فلما أرسل الله الفرس إلى الأرض ، واستوت قدماه على الأرض ~~صهل ، فقيل : بوركت من دابة ، أذل بصهيلك المشركين ، أذل به أعناقهم ، ~~وأملأ به آذانهم ، وأرعب به قلوبهم ؛ فلما عرض الله على آدم من كل شيء قال ~~له : PageV09P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" اختر من خلقي ما شئت ، فاختار الفرس ، فقال ~~له : اخترت عزك وعز ولدك خالدا ما خلدوا ، وباقيا ما بقوا ، بركتي عليك ~~وعليهم ، ما خلقت خلقا أحب إلي منك ومنهم " . وروى المسعودي في كتابه ~~المترجم بمروج الذهب بسنده إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - ، قال : قال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن الله لما أراد أن يخلق الخيل أوحى ~~إلى الريح الجنوب أني خالق منك خلقا فاجتمعي ، فاجتمعت ، فأمر جبريل عليه ~~السلام فأخذ منها قبضة ، قال : ثم خلق الله تعالى منها فرسا كميتا ، ثم قال ~~الله تعالى : خلقتك فرسا ، وجعلتك عربيا ، وفضلتك على سائر ما خلقت من ~~البهائم بسعة الرزق ، والغنائم تقاد على ظهرك ، والخير معقود بناصيتك ؛ ثم ~~أرسله فصهل ، فقال له : باركت فيك ، فصهيلك أرعب به المشركين وأملأ مسامعهم ~~، وأزلزل أقدامهم ؛ ثم وسمه بغرة وتحجيل ، فلما خلق الله تعالى أدم ، قال : ~~يا آدم ، أخبرني أي الدابتين أحببت ؟ - يعني الفرس والبراق ، قال : وصورة ~~البراق على صورة البغل لا ذكر ولا أنثى - فقال آدم : يا رب اخترت أحسنها ~~وجها ms1926 ، فاختار الفرس ، فقال له الله : يا آدم ، اخترت أحسنهما ، اخترت عزك ~~وعز ولدك باقيا ما بقوا ، وخالدا ما خلدوا " . هذا ما ورد في ابتداء خلق ~~الفرس ؛ والله أعلم بالصواب ؛ وإليه المرجع والمآب . وأما أول من ذلل الخيل ~~وركبها - فإسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ، ودليل ذلك ما رواه الزبير بن ~~بكار في أول كتابه في أناب قريش من حديث داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : كانت الخيل وحوشا لا تركب فأول من ركبها ~~إسماعيل ، فلذلك سميت العراب . وما رواه أحمد بن سليمان النجاد في بعض ~~فوائده من حديث ابن جريج ، عن ابن عكرمة أبي مليكة ، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما - قال : كانت الخيل وحشا كسائر الوحوش ، فلما أذن الله عز وجل ~~لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام برفع القواعد من البيت ، قال الله عز وجل ~~: إني معطيكما كنزا ذخرته لكما ؛ ثم أوحى الله تعالى إلى إسماعيل أن ~~PageV09P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" اخرج فادع بذلك الكنز ، فخرج إسماعيل إلى ~~أجياد - وكان موطنا له - وما يدري ما الدعاء ولا الكنز ، فألهمه الله عز ~~وجل الدعاء ، فلم تبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا أجابته ، فأمكنته ~~نواصيها ، وذللها له ؛ فاركبوها واعتقدوها ، فإنها ميامين ، وإنها ميراث عن ~~أبيكم إسماعيل عليه السلام والله أعلم . ذكر ما ورد في فضل الخيل وبركتها ~~وفضل الإنفاق عليها قال الله عز جل : " الذين ينفقون أموالهم بالليل ~~والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " ~~قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : " نزلت في علف الدواب " . وروي عن أبي ~~أمامة الباهلي أنه قال : " هي النفقة على الخيل في سبيل الله " ، قال ~~الواحدي : " هذا قول أبي الدرداء ومكحول والأوزاعي " ؛ ومن فضل الخيل ~~وشرفها أن الله أقسم بها في كتابه العزيز ، فقال : " والعاديات ضبحا ~~والموريات قدحا فالمغيرات صبحا فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا إن الإنسان ~~لربه لكنود " ؛ وسماها الله تعالى الخير في قوله عز وجل إخبارا عن سليمان ~~عليه السلام : " إذا عرض عليه ms1927 بالعشي الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب ~~الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب " ؛ وفي الحديث الصحيح عن مالك بن أنس ~~، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - عن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أنه قال : " الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة " رواه ~~البخاري ؛ وفي لفظ آخر : " معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة " ؛ ومن ~~طريق آخر عن الشعبي ، عن عروة - هو ابن أبي الجعد الأردي البارفي - قيل يا ~~رسول الله : وما ذلك الخير ؟ قال : " الأجر والغنيمة " رواه مسلم . وعن ~~عروة رضي الله عنه ، قال : رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أتى فرسا ~~أشقر في سوق المدينة مع أعرابي ، فلوى ناصيتها بإصبعه وقال : " الخيل معقود ~~في نواصيها الخير إلى يوم القيامة " . PageV09P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" وعن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه ، - قال ~~: رأيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يلوي ناصية فرسه بإصبعه ويقول : " ~~الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة " ؛ رواه مسلم والنسائي ؛ وفي ~~لفظ النسائي : " يفتل ناصية فرس بين إصبعيه " ؛ وفي حديث آخر موضع " معقود ~~" : " معقوص " ، وهو بمعناه ، أي ملوي بها ومضفور فيها ، والعقصة : الضفيرة ~~. وفي حديث أخر عن نعيم بن زياد ، عن أبي كبشة - رضي الله عنه - قال : قال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى ~~يوم القيامة ، وأهلها معانون عليها ، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة " ~~؛ وفي لفظ آخر : " فامسحوا نواصيها ، وادعوا لها بالبركة " . وعن أسماء بنت ~~يزيد - رضي الله عنها - أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " الخيل ~~في نواصيها الخير معقود أبدا إلى يوم القيامة ، فمن ربطها عدة في سبيل الله ~~فإن شبعها وجوعها وريها وظمأها وأرواثها وأبوالها فلاح في موازينه يوم ~~القيامة " رواه الإمام أحمد في مسنده . وعن جابر - رضي الله عنه - عن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم ~~القيامة وأهلها معانون عليها ، فخذوا بنواصيها ، وادعوا بالبركة ، وقلدوها ~~ولا تقلدوها الأوتار " ، وفي لفظ : " وفي نواصيها الخير ms1928 والنيل " ، وكانوا ~~يقلدون الخيل أوتار القسي لئلا تصيبها العين ، فنهاهم ( صلى الله عليه وسلم ~~) عن ذلك ، وأعلمهم أن الأوتار لا ترد قضاء الله تعالى شيئا ، وقيل : نهاهم ~~عن ذلك خوفا على الخيل من الاختناق بها ، وقيل : المراد بالأوتار الذحول ~~التي وترتم بها في الجاهلية ، وقد اختلف الناس في تقليد الدواب والإنسان ~~أيضا ما ليس بتعاويذ قرآينة مخافة العين ، فمنهم من نهى عنه ومنعه قبل ~~الحاجة إليه ، وأجازه بعد الحاجة إليه ، لدفع ما أصابه من ضرر العين وشبهه ~~، ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها ، كما يجوز الاستظهار بالتداوي قبل ~~حلول المرض ، وقصر بعضهم النهي على الوتر خاصة ، وأجازه بغير الوتر ، وقال ~~بعضهم فمن قلد فرسه شيئا ملونا فيه خرز : إن كان للجمال فلا بأس به . وعن ~~أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ~~الخيل لثلاثة : لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر ، فأما الذي هي له أجر ~~فرجل ربطها في سبيل PageV09P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" الله فأطال لها في مرج أو روضة ، فما أصابت ~~في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات ، ولو أنها قطعت طيلها ~~فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ، ولو أنها مرت بنهر ~~فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له ، فهي لذلك أجر ، ورجل ربطها ~~تغنيا وتعففا ، ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها ، فهي لذلك ستر ، ~~ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام ، فهي على ذلك وزر " . وفي حديث ~~آخر : " الخيل لثلاثة ، هي لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر ، فأما ~~الذي هن له أجر فالذي يتخذها في سبيل الله ويعدها له ، فال تغيب شيئا في ~~بطونها إلى كتب له به أجر ، ولو رعاها في مرج فما أكلت شيئا إلا كتب له به ~~أجر ، ولو سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها - حتى ذكر الأجر ~~في أبوالها وأرواثها - ولو استنت شرفا أو شرفين كتب له بكل خطوة تخطوها أجر ms1929 ~~، وأما الذي هي له ستر فالذي يتخذها تعففا وتكرما وتجملا ، ولم ينس حق ~~ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها ، وأما الذي هي عليه وزر يتخذها أشرا وبطرا ~~وبذخا ورثاء الناس ، فذلك الذي هي عليه وزر " . شرح غريب هذين الحديثين ~~الطول والطيل بالواو والياء : الحبلى ، وكذلك الطويلة . وقوله : استنت ، أي ~~عدت لمرحها ونشاطها ولا راكب عليها . والشرف : ما يعلو من الأرض ، وقيل : ~~الطلق ، فكأنه ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : جرت طلقا أو طلقين ، بمعنى ~~شوط أو شوطني . والأشر والبطر : شدة المرح . والبذخ بفتح الذال وبالخاء ~~المعجمتين : الكبر . ونواء لأهل الإسلام معاداة لهم ، من ناوأه نواء ~~ومناوأة ، وأصله من ناء إليك ونؤت إليه ، أي نهضت . PageV09P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" وعن زياد بن مسلم الغفاري - رضي الله عنه - ~~أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يقول : " الخيل ثلاثة ، فمن ~~ارتبطها في سبيل الله وجهاد عدوه كان شبعها وجوعها وريها وعطشها وجريها ~~وعرقها وأرواثها وأبوالها أجر في ميزانه يوم القيامة ، ومن ارتبطها للجمال ~~فليس له إلا ذاك ، ومن ارتبطها فخرا ورياء كان مثل ما قص في الأول وزرا في ~~ميزانه يوم القيامة " . وعن حباب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " الخيل ثلاثة : فرس للرحمن ، وفرس للإنسان ، وفرس ~~للشيطان ، فأما فرس الرحمن فما أعد في سبيل الله ، وقوتل عليه أعداء الله ، ~~وأما فرس الإنسان فما استبطن وتجمل عليه ، وأما فرس الشيطان فما قومر عليه ~~، رواه الأجري في النصيحة . والقمار في السباق : أن يكون الرهان بني فرسين ~~لا محلل معهما . والاستبطان : طلب ما البطن والنتاج . وعن عبد الله بن ~~مسعود - رضي الله عنهما - عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : " الخيل ~~ثلاثة ، ففرس للرحمن ، وفرس للإنسان ، وفرس للشيطان ، فأما فرس الرحمن ~~فالذي يرتبط في سبيل الله ، فعلفه وروثه وبوله - وذكر ما شاء الله - ، وأما ~~فرس الشيطان فالذي يقامر ويراهن عليه ، وأما فرس الإنسان فالفرس يرتبطها ~~الإنسان يلتمس بطنها ، فهي ستر من فقر " رواه الإمام أحمد في مسنده . وروي ~~ابن أبي شيبة في ms1930 مسنده أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " الخيل ~~ثلاثة : فرس يرتبطه الرجل في سبيل الله ، فثمنه أجر ، وركوبه أجر ، ورعايته ~~أجر ، وعلفه أجر ، وفرس يغالق عليه الرجل ويراهن عليه ، فثمنه وزر ، وعلفه ~~وركوبه وزر ، وفرس للبطنة فعسى أن يكون سدادا من فقر إن شاء الله . وعن أنس ~~بن مالك - رضي الله عه - قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~البركة في نواصي الخيل " رواه البخاري ومسلم والنسائي . والناصية : الشعر ~~المسترسل على الجبهة ، وقد يكنى بها عن النفس ، نحو قولهم : " فلان مبارك ~~الناصية " أي النفس ، قال شيخنا الشيخ الإمام المحدث النسابة القدوة شرف ~~الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتاب الخيل ، قال أبو الفضل ~~: وإذا كان الخير والبركة في نواصيها PageV09P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" فبعيد أن يكون فيها شؤم على ما جاء في الحديث ~~، وقد تأول العلماء ذلك أن معناه على اعتقاد الناس في ذلك ، لا أنه خبر من ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن إثبات الشؤم . وعن مكحول ، قال : قيل ~~لعائشة - رضي الله عنها - : إن أبا هريرة يقول : قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " الشؤم في ثلاثة : في الدار والمرأة والفرس " فقالت : لم ~~يحفظ أبو هريرة ، لأنه دخل ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " ~~قاتل الله اليهود ، يقولون : الشؤم في ثلاثة : في الدار والمرأة والفرس " ، ~~فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله . وسنذكر الحديث والكلام عليه - إن شاء الله ~~تعالى - في موضعه . وعن أنس - رضي الله عنه - قال : لم يكن شيء أحب إلى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد النساء من الخيل . وعن معقل بن يسار ~~- رضي الله عنه - قال : ما كان شيء أحب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) من الخيل ، ثم قال : اللهم غفرا إلا النساء . وعن زيد بن ثابت - رضي الله ~~عنه قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " من حبس فرسا في ~~سبيل الله كان ستره من النار " . وعن محمد بن عقبة ، عن أبيه ، عن جده ، ~~قال ms1931 : أتينا تميما الداري وهو يعالج عليق فرسه بيده ، فقلنا له : يا أبا ~~رقية ، أما لك من يكفيك ؟ قال : بلى ، ولكنني سمعت رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يقول : " من ارتبط فرسا في سبيل الله فعالج عليقه بيده كان له ~~بكل حبة حسنة . وروى أن روح بن زنباع الجذامي زار تميما الداري فوجده ينقى ~~لفرسه شعيرا ، ثم يلعفه عليه وحوله أهله ، فقال له روح : أما كان لك من ~~هؤلاء من يكفيك ؟ قال تميم : بلى ، ولكنني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يقول : ما من امرئ مسلم ينقى لفرسه شعيرا ثم يعلفه عليه إلا كتب ~~الله له بكل حبة حسنة رواه الإمام أحمد في مسنده . وروى أن معاوية بن أبي ~~سفيان قال لأبن الحنظلية : حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : من ارتبط ~~فرسا في سبيل الله PageV09P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" كانت النفقة عليه كالماد يده بصدقة لا يقطعها ~~، وفي حديث آخر عنه : لا يقبضها . ذكر ما جاء في فضل الطرق روي عن أبي عامر ~~الهوزني ، عن أبي كبشة الأنماري ، أنه أتى رجلا فقال : أطرقني من فرسك ، ~~فإني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : من أطرق مسلما فرسا ~~فأعقب له الفرس كتب الله له أجر سبعين فرسا يحمل عليها في سبيل الله ، وإن ~~لم يعقب كان له كأجر فرس حمل عليه في سبيل الله عز وجل رواه الطبراني في ~~المعجم الكبير . وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : ما تعاطى الناس ~~بينهم شيئا قط أفضل من الطرق ، ويطرق الرجل فحله فيجرى له أجرة ويطرق كبشه ~~فيجرى له أجره . والله الموفق للصواب ، وإليه المراجع المآب ، حسبنا الله ~~وكفى . ذكر ما جاء من دعاء الفرس الفرس لصاحبه حكي الأبيوردي في رسالته ، ~~قال : حكى عبد الرحمن بن زياد أنه لما نزل المسلمون مصر كانت لهم مراغة ~~للخيل ، فمر حديج بن صومي بأبي ذر - رضي الله عنه - وهو يمرغ فرسه الأجدل ، ~~فقال ms1932 : ما هذا الفرس يا أبا ذر ؟ قال : هذا فرس لي ، لا أراه إلى مستجابا ، ~~قال : وهل تدعو الخيل فتجاب ؟ قال : نعم ، ما من ليلة لا والفرس يدعو فيها ~~ربه يقول : اللهم إنك سخرتني لأبن آدم ، وجعلت رزقي بيده ، فاجعلي أحب إليه ~~من أهله وماله ، اللهم أرزقه مني ، وأرزقني على يده . وروي أن هذا الخبر عن ~~معاوية بن حديح ، عن أبي ذر ، وكلاهما روى عن عبد الله بن عمر ، ومعاوية ~~هذا يعد من الصحابة الذين سكنوا مصر ، وفي حديثه عن أبي ذر " أحب إليه من ~~أهله وولده " الحديث ، وزاد فيه : فمنها المستجاب ، ومنها غير المستجاب ، ~~ولا أرى فرسي هذا إلا مستجابا . ورواه النسائي في كتاب الخيل من سننه ، ~~ولفظه : قال PageV09P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ما من ~~فرس عربي إلى يؤذن له عند كل سحر - وفي رواية : عند كل فجر - بدعوتين : ~~الله خولتني من خولتني من بين آدم ، وجعلتني له ، فاجعلني أحب أهله وماله ، ~~أو من أحب أهله وماله إليه ، والله أعلم . الشيطان والفرس ذكر ما ورد من أن ~~الشيطان لا يخبل من في داره فرس عتيق ، ولا يدخل دارا فيها فرس عتيق عن عبد ~~الله بن عريب المليكي ، عن أبيه - رضي الله عنهما - أن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال : لن يخبل الشيطان أحدا في داره فرس عتيق . وفي لفظ آخر : ~~الجن لا تخبل أحدا في بيته عتيق من الخيل . ورواه ابن قانع أيضا في معجمه ~~من حديث عريب المليكي ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله تعالى : " ~~وآخرين من دونهم لا تعلمونهم " قال : الجن ، ثم قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " إن الشيطان لا يخبل أحدا في دار فيها فرس عتيق " وقيل : ~~المراد أن الشيطان لا يدخل دارا فيها فرس عتيق . وروي أن رجلا أتى النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : يا رسول الله ، إني أرجم بالليل ، فقال ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " ارتبط فرسا عتيقا " قال : فلم يرجم بعد ~~ذلك ، ورواه محمد ms1933 بن يعقوب الخيلي في كتاب الفروسية وعلاجات الدواب . ذكر ~~ما جاء في التماس نسل الخيل والنهي عن خصائها والرخصة فيه والنهي عن هلبها ~~وجز أعرافها ونواصيها روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - ~~قال : أصاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فرسا من جدس ، حي باليمن ، ~~فأعطاه رجلا من الأنصار ، وقال : إذا نزلت فانزل قريبا مني فإني أتسار إلى ~~صهيله ففقده ليلة ، فسأل عنه ، فقال يا رسول الله : إنا خصيناه ، فقال : ~~مثلت به يقو لها ثلاثا ، الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ، ~~أعرافها أدفاؤها ، وأذنابها مذابها ، التمسوا نسلها ، وباهوا بصهيلها ~~المشركين . PageV09P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" وعن مكحول - رضي الله عنه - قال نهى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن جز أذناب الخيل وأعرافها ونواصيها ، وقال : ~~" أما أذنابها فمذابها ، وأما أعرافها فأدفاؤها ، وأما نواصيها ففيها الخير ~~" . وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، قال : " لا تهلبوا أذناب الخيل ، ولا تجزوا أعرافها ونواصيها ، فإن ~~البركة في نواصيها ودفاؤها في أعرافها ، وأذنابها مذابها " . وعن عائشة أم ~~المؤمنين - رضي الله عنها - قالت : نهى رسول الله صلى الله عيه وسلم عن ~~خصاء الخيل . عن عبد الله بن عمر - ، قال : نهى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) عن خصاء الخيل والإبل والغنم ، قال ابن عمر - رضي الله عنهما - : " ~~فيها نشأة الخلق ، ولا تصلح الإناث إلا بالذكور " . وروي عكرمة عن ابن عباس ~~- رضي الله عنهم - أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " لا خصاء في ~~الإسلام ولا بنيان كنيسة " . وكتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى سعد ~~بن أبي وقاص - رضي الله عنه - ينهي عن حذف أذناب الخيل وأعرافها وخصائها . ~~ومن العلماء من رأى الخصاء ، وذكر أن عروة بن الزبير خصى بغلا له ، وأن عمر ~~بن عبد العزيز خصى بغلا له في زمن خلافته ، وان الحسن سئل عن الخصاء فقال : ~~لا بأس به ، وان ابن سيرين قال : لا بأس بخصاء الخيل ، لو تركت ms1934 الفحول لأكل ~~بعضها بعضا ، وأن عطاء قال : " ما خيف عضاضه وسوء خلقه فلا بأس " . قال ~~البيهقي : ومتابعة قول ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - مع ما فيه من ~~السنة المروية أولى . ويحتمل جواز ذلك إذا اتصل به غرض صحيح . PageV09P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" ذكر ما قيل في أكل لحوم الخيل من الإباحة ~~والكراهة قد أباح أكلها جماعة ، منهم شريح والحسن وعطاء وسعيد بن جبير ~~وحماد بن أبي سليمان والثوري وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن المبارك ~~والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور في جماعة من السلف ، ودليلهم على ذلك ما ~~اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق وجابر بن عبد ~~الله - رضي الله عنهم - ، فأما حديث أسماء فقالت : نحرنا فرسا على عهد رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأكلناه . وأما حديث جابر - رضي الله عنه - ~~فقال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسمل يوم خيبر من لحوم الحمر ، ورخص - ~~و أذن - في لحوم الخيل . وذهب مالك وأبو حنيفة والأوزاعي إلى أنها مكروهة ، ~~إلى أن كراهيتها عند مالك كراهية تنزيه ، لا تحريم في إحدى الروايتين عنه ، ~~ودليلهم ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث بقية بن الوليد ~~الحمصي ، عن ثور بن يزيد ، عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب ، عن ~~أبيه ، عن جده ، عن خالد بن الوليد - رضي الله عنه - أن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير . وما تضمنته ~~الآية من قوله تعالى : " والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة " . قال ~~صاحب الهداية الحنفي : خرجت - أي الآية مخرج الامتنان ، والأكل من أعلى ~~منافعها ، والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى لنعم ويمتن بأدناها ، ولأنها آلة ~~إرهاب العدو ، فيكره أكله احتراما له ، ولهذا يضرب له بسهم في الغنيمة ، ~~ولا ، في إباحته تقليل آلة الجهاد ، وحديث جابر معاوض بحديث خالد ابن ~~الوليد ، والترجيح المحرم ، ثم قيل : الكراهية عنده كراهية تحريم ، وقيل : ~~كراهية تنزيه ، والأول أصح ، وأما لنبه - فقد قيل : لا باس به ، إذ ms1935 ليس في ~~شربه تقليل آلة الجهاد ، انتهى كلام صاحب الهداية . وقد عورض في أدلته ~~بأقوال ، أما الآية ، فقد قيل : الغالب في الانتفاع بهذه الدواب ما أشار ~~الله تعالى إليه فيها الركوب والزينة ، فأما أكلها فنادر ، فخرجت ~~PageV09P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" الآية مخرج الغالب ، وقالوا : ألا ترى أن ~~الأنعام لما كانت متقاربة الحال عند العرب في الانتفاع بها أكلا وتجملا ~~وركوبا وتحميلا ، من الله عليهم بتفصيل أحوالها المألوفة والمعتادة عندهم ~~المعروفة في الآية قبلها ، فقال تعالى : " والأنعام خلقها لكم فيها دفئ ~~ومنافع ومنها تأكلون ولكن فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم ~~إلى بلد . لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم " وقوله ~~تعالى : " أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون ~~وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ومشارب أفلا ~~يشكرون " ، وأما حديث خالد فإنه وإن كان أحوط من حديث جابر وأسماه فإن حديث ~~جابر وأسماء أسند وأصح ، وحديث خالد لا يعرف إلا من رواية بقية ابن الوليد ~~الحمصي ، وفيه مقال ، حتى إن بعضهم قال : إن أحاديث بقية غير نفيه ، فكن ~~منها على تقيه ، وصالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب الكندي الحمصي ، قال ~~البخاري : فيه نظر ، وقال موسى بن هارون : لا يعرف صالح ولا أبوه إلى بجده ~~، وقال أبو داود في سننه : وحديث خالد هذا منسوخ ، قد أكله جماعة من أصحاب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهذا الاعتراض على الحنقية أو رده ~~شيخنا الشيخ شرف الدين الدمياطي عليهم في كتاب الخيل له ، هذا ما قيل في ~~أكل لحومها . ذكر ما جاء في النهي عن عسب الفحل وبيع مائه روي عن عبد الله ~~بن عمر - رضي الله عنهما - قال : " نهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~عن عسب الفحل " . وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رجلا من كلاب سأل ~~النبي صلى الله لعيه وسلم عن عسب الفحل ، فنهاه ، فقال يا رسول الله ، إنا ~~نطرق الفحل فنكرم ، فرخص ms1936 له في الكرامة ، رواه الترمذي ، وقال : حسن غريب . ~~والعسب : الضراب ، والنهي عنه ، أي عن كرائه ، وقيل : العسب ، ماء الفحل . ~~PageV09P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" ذكر ما جاء في إكرام الخيل ومنع إذالتها روى ~~أبو داود في المراسيل ، عن نعيم بن أبي هند - رضي الله عنه - أن النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أتى بفرس ، فقال إليه يمسح وجهه وعينيه ومنخريه بكم ~~قميصه ، فقيل : يا رسول الله ، تمسح بكم قميصك ؟ فقال : " إن جبريل عاتبني ~~في الخيل " ، وفي حديث آخر : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مسح بطرف ~~ردائه وجه فرسه ، وقال : " إني عوتبت الليلة في إذالة الخيل " . وعن الوضين ~~بن عطاء - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~لا تقودوا الخيل بنواصيها فتذلوها . وعن مكحول - رضي الله عنه - قال : قال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أكرموا الخيل وجللوها . وعن مجاهد - ~~رضي الله عنه - قال : أبصر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إنسانا ضرب ~~وجه فرسه ولعنه ، فقال : " هذه مع تلك " لتمسنك النار إلى أن تقاتل عليه في ~~سبيل الله ، فجعل الرجل يقاتل عليه إلى أن كبر وضعف ، وجعل يقول : اشهدوا ~~اشهدوا . وعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قضى في عين الفرس ربع ثمنه . وعن رعوة البارقي قال : كانت لي أفراس ~~فيها فحل شراؤه عشرون ألف درهم ، ففقأ عينه دهقان ، فأتيت عمر - رضي الله ~~عنه - فكتب إلى سعد بن أبي وقاص أن خير الدهقان بني أن يعطيه عشرين ألفا ~~ويأخذ الفرس ، وبين أن يغرم ربع الثمن ، فقال الدهقان : مال أصنع بالفرس ؟ ~~فغرم ربع الثمن . وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : ما من ليلة إلا ~~ينزل ملك من السماء يحس عن دواب العزاة الكلال إلا دابة في عنقها جرس . ذكر ~~ما ورد من الأمر بارتباط الخيل وما يستحب في الخيل من ألوانها وشياتها ~~وذكورها وإناثها قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ~~ورابطوا " ، قال الزمخشري في تفسيره : اصبروا على ms1937 الدين وتكاليفه ، وصابروا ~~أعداء PageV09P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" الله في الجهاد ، أي غالبوهم في الصبر على ~~شدائد الحب ولا تكونوا أقل صبرا منهم وثباتا ، ورابطوا : أقيموا في الثغور ~~رابطين خيلكم مترصدين مستعدين للغزو . وقال تعالى : " وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم " . وعن قيس بن ~~باباه ، قال : سمعت سلمان - رضي الله عنه - يقول : سمعت رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يقول : " ما من رجل مسلم إلا حق عليه أن يرتبط فرسا إذا ~~أطاق ذلك " . وعن أبي وهب الجشمي - وكانت له صحبة ، رضي الله عنه - قال : ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " تسموا بأسماء الأنبياء ، وأحب ~~الأسماء إلى الله عز وجل وجل عبد الله وعبد الرحمن ، وارتبطوا الخيل ، ~~وامسحوا نواصيها وأكفالها وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار ، وعليكم بكل كميت ~~أغر محجل ، أو أشقر أغر محجل ، أو أدهم أغر محجل " . هكذا ساقه السنائي في ~~سننه . وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله ~~عيه وسلم : " إذا أردت أن تغزر فاشتر فرسا أدهم محجلا مطلق اليمنى فإنك ~~تغنم وتسلم رواه الدمياطي بسنده في كتاب الخيل له . وعن ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : يمن الخيل في شقرها ~~. واليمن : البركة . رواه أبو داود الترمذي ، ولفظ الترمذي : يمن الخيل في ~~الشقر . وروى الواقدي ، عن سعيد بن خالد ، عن داود بن علي بن عبد الله بن ~~عباس عن أبيه ، عن جده - رضي الله عنهم - عن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قال " خير الخيل الشقر " وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله ~~عنهما - قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " خير الخيل الشقر ~~وإلا فأدهم أغر محجل ثلاث ، مطلق اليمنى " . PageV09P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" وذكر سليمان بن بنين النحوي المصري في كتاب ~~آلات الجهاد ، وأدوات الصافنات الجياد ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بطريق تبوك ، وقد قل الماء ، ~~فبعث ms1938 الخيل في كل وجه يطلبون الماء ، فكان أول من طلع بالماء صاحب فرس أشقر ~~، والثاني صاحب أشقر ، وكذلك الثالث ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~اللهم بارك للشقر " . وعن عمرو بن الحارث الأنصاري ، عن أشياخ أهل مصر ، ~~قالوا : قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " لو أن خيل العرب جمعت في ~~صعيد واحد ما سبقها إلى أشقر " . وكان ( صلى الله عليه وسلم ) يحب الشقر . ~~وعن أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه - عن البني ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، قال : " خير الخيل الأدهم والأقرح الأرثم ، ثم الأقرح المحجل طلق اليمين ~~، فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشية " هكذا ساقه الترمذي ، ورواه أيضا ~~ابن ماجة ، ولفظه : " خير الخيل الأدم الأقرح الأرثم المحجل طلق اليد ~~اليمنى ، فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشية " . وفي بعض ألفاظه عن يزيد ~~بن أبي حبيب ، قال : قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " الخير في الأدهم ~~الأقرج الأرثم محجل ثلاث ، طلق اليمين ثم أغربهيم - وفي لفظ : الأدهم ~~البهيم ، أو أغر بهيم - ويسلم إن شاء الله ، فإن لم يكن أدهم فكميت في هذه ~~الشيه وروى أبو عبيدة من حديث ابن شبرمه ، قال حدثني الشعبي في حديث رفعه ، ~~أنه قال : التمسوا الحوائج على الفرس الكميت الأدهم المحجل الثلاث ، المطلق ~~اليد اليمنى . وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " إذا أردت أن تغزو فاشتر فرسا أغر محجلا مطلق ~~اليمنى ، فإنك تسلم وتغنم " . وعن موسى بن علي بن رباح عن أبيه - رضي الله ~~عنهما - قال : جاء رجل إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : إني ~~أريد أن أبتاع فرسا ، أو أفند PageV09P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" فرسا ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " عليك به كميتا أو أدهم أقرح أرثم محجل ثلاث ، طلق اليمنى . وعن ~~عطاء - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " وإن ~~خير الخيل الحو " . الحو : جمع أحوى ، وسيأتي شرح لونه في ذكر الألوان ~~والشيات . وعن نافع بن ms1939 جبير ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ~~اليمن في الخيل في كل أحوى أحم " . ذكر ترجيح إناث الخيل على فحولها وترجيح ~~فحولهاعلى إناثها وما جاء في ذلك عن يحيى بن كثير - رضي الله عنه - قال : ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " عليكم بإناث الخيل ، فإن ظهورها ~~عز ، وبطونها كنز " . وفي لفظ ظهورها حرز . وروي أن خالد بن الوليد - رضي ~~الله عنه - كان لا يقاتل إلا على أنثى لأنها تدفع البول وهي تجري ، والفحل ~~يحبس البول في جوفه حتى ينفتق ، ولأن الأنثى أقل صهيلا . وروى عن عبادة بن ~~نسي ، أو ابن محيريز أنهم كانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات ~~ولما خفي من أمور الحرب ، وكان يستحبون فحول الخيل في الصفوف والحصون ~~والسير والعسكر ولما ظهر من أمور الحرب ، وكانوا يستحبون خصيان الخيل في ~~الكمين والطلائع ، لأنها أصبر وأبقى في الجهد . وعن أنس بن مالك - رضي الله ~~عنه - قال : كان السلف يستحبون الفحولة من الخيل ، ويقولون : هي أجسر وأجرأ ~~. وحكاه البخاري في جامعة عن راشد بن سعد قال : كان السلف يستحبون الفحول ~~من الخيل ، لأنها أجرأ وأجسر . PageV09P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" ذكر ما ورد جاء في شؤم الفرس وما يذم من ~~عصمها ورجلها روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قال : " الشؤم في الدار والمرأة والفرس " . وفي لفظ ~~عنه ( صلى الله عليه وسلم ) : " الشؤم في ثلاثة : في الفرس والمرأة والدر " ~~. وقد قيل في هذا الحديث : إن المراد بالشؤم : شؤم المرأة إذا كانت غير ~~ولود ، وشؤم الفرس إذا لم يغز عليها وشؤم الدار جار السوء ، قال معمر . وقد ~~صح عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " البركة في ثلاث : في الفرس ~~والمرأة والدار " . وسئل سالم بن عبد الله - وهو راوي هذا الحديث عن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) - ما معناه ؟ فقال : قال النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " إذا كان الفرس ضروبا فهو مشئوم ، وإذا كانت المرأة قد عرفت ~~زوجا ms1940 قبل زوجها فحنت إلى الزوج الأول فهي مشئومة ، وإذا كانت الدار بعيدة ~~من المسجد لا يسمع منها الأذان والإقامة فيه مشئومة ، وإذا كن بغير هذا ~~الوصف فهن مباركات " . وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : كان النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) يكره الشكال من الخيل . والشكال : أن يكون الفرس في ~~رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى ، أو في يده اليمنى وفي رجله اليسرى ، قال ~~أبو داود : أي مخالف ، رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة ، ورواه الترمذي ~~والنسائي ، ولفظهما : أنه كان يكره الشكال في الخيل ، وزاد النسائي : ~~والشكال من الخيل : أن تكون ثلاث قوائم محجلة وواحدة مطلقة ، أو تكون ~~الثلاث مطلقة وواحدة محجلة . وقال شيخنا شرف ا لدين الدمياطي - رحمه الله - ~~: وليس يكون الشكال إلا في الرجل ، ولا يكون في اليد . وهذا الذي زاده ~~النسائي هو قول أبي عبيدة . وقال ابن دريد : الشكال : أن يكون الحجل في يد ~~ورجل من شق واحد ، فإن كان مخالفا قيل : شكال مخالف . وقال أبو عمر المطرز ~~: وقيل ، PageV09P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" الشكال : بياض الرجل اليمنى واليد اليمنى ، ~~وقيل : بياض اليد اليسرى والرجل اليسرى ، وقيل : بياض الرجلين ويد واحدة . ~~قال الشيخ : والصحيح من صفة الشكال ما ذكره أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره ~~: أنه البياض الذي يكون بيد ورجل من خلاف قل أو كثر ، وهو الذي ورد في صحيح ~~مسلم وسنن أبي داود ، قال الشيخ : وكرامته تحتمل وجهين : إما تفاؤلا ، ~~لشبهه المشكول المقيد الذي لا نهوض فيه ، وإما لجواز أن يكون هذا النوع قد ~~جرب فلم توجد فيه نجابة ، وقيل : إذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة لزوال ~~شبهه الشكال . والرجل : إذا كان البياض بإحدى رجليه فهو أرجل ، ويكره إلا ~~أن يكون به وضح غيره ، وقيل : لا يكره إلا إذا كان البياض في رجله اليسرى ~~خاصة ، وقيل : الأرجل ، وهو الذي لا يكون فيه بياض سوى قطعة في رجله غير ~~دائرة حوالي الإكليل ، يقال : رجل الفرس ، إذا ابيضت إحدى رجليه ، وسيأتي ~~بيان التحجيل والعصم ويغرهما عند ذكرنا للشيات ms1941 ، والله أعلم . ذكر ما جاء ~~في سباق الخيل وما يحل منه وما يحرم وكيفية التضمير عند السباق ، وأسماء ~~السوابق في الحلبة روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) : " لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل " رواه أبو ~~داود والترمذي والنسائي . وفي رواية أخرى للنسائي : " لا يحل سبق إلا على ~~خف أو حافر " ، وسئل ابن عمر - رضي الله عنهما - أكنتم تراهنون على عهد ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ فقال : لقد راهن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) على فرس له . PageV09P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" وعنه - رضي الله عنه - أن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) سابق بين الخيل التي قد ضمرت من الحفياء ، وكان أمدها ~~ثنية الوداع ، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق ، ~~وأن ابن عمر كان ممن سابق بها . قال سفيان الثوري : بين الحفياء إلى ثنية ~~الوداع خمسة أميال أو ستة ، ومن الثنية إلى مسجد بني زريق ميل . وقال موسى ~~بن عقبة : بين الحفياء وثنية الوداع ستة أميال أو سبعة ، وبين الثنية ~~والمسجد ميل أو نحوه ، رواه البخاري ويغره . وفي لفظ آخر عن ابن عمر - رضي ~~الله عنهما - أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سبق بين الخيل ، فجعل ~~غاية المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع ، وما لم يضمر من ثنية الوداع إلى ~~مسجد بني زريق ، قال ابن عمر : فجئت سابقا فطفر بي الفرس المسجد . وذكر بأن ~~بنين في كتابه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سابق بين الخيل على حلل ~~أتته من اليمن ، فأعطى السابق ثلاث حلل ، والمصلى حلتين ، والثالث حلة ، ~~والرابع دينارا ، والخامس درهما ، والسادس قصبة ، وقال : " بارك الله فيك ~~وفي كلكم وفي السابق والفسكل " . وروي البلاذري عن ابن سعد عن الواقدي ، عن ~~سليمان بن الحارث ، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده ، ~~قال : أجرى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الخيل ، فسبقت على فرس ms1942 رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) الظرب فكساني بردا يمانيا . وعن الواقدي ، عن ~~سليمان بن الحارث ، عن الزبير بن المنذر بن أبي أسيد ، قال : سبق أو أسيد ~~الساعدي على فرس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لزاز ، فأعطاه حلة ~~يمانية . PageV09P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" وعن مكحول - رضي الله عنه - قال : طلعت الخيل ~~وقد تقدمها فرس النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فبرك على ركبتيه ، وأطلع ~~رأسه من الصف ، وقال : كأنه بحر . وفي لفظ عن مكحول : فجاء فرس له أدهم ~~سابقا ، وأشرف على الناس ، فقالوا : الأدهم الأدهم ، وجثا رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) على ركبتيه ومر به وقد انتشر ذنبه وكان معقودا ، فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " البحر " . وأول مسابقة كانت في ~~الإسلام سنة ست من الهجرة ، سابق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بين ~~الخيل ، فسبق فرس لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فأخذ السبق . والمسابقة ~~مما كان في الجاهلية فأقره الإسلام ، وليس هو من باب تعذيب البهائم ، بل من ~~تدريبها بالجري وإعدادها لحاجتها للطلب والكر ، وأختلف فيه ، هل من باب ~~المباح ، أو من باب المرغب فيه والسنن . وعن سعيد بن المسيب أنه قال : ليس ~~برهان الخيل بأس إذا أدخلوا فيها محللا ليس دونها ، إن سبق أخذ السبق ، وإن ~~سبق لم يكن عليه شيء . وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، قال : " من أدخل فرسا بين فرسين - يعني وهو لا يؤمن أن يسبق ~~- فليس بقمار ، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار " ، رواه ~~أبو داود في الجهاد في باب المحلل ، ورواه ابن ماجة . قال الشيخ شرف الدين ~~الدمياطي - رحمة الله تعالى - وقوله : من أدخل فرسا ، هو فرس المحلل إذا ~~كان كفؤا يخافان أن يسبقهما فيحرز السبق ، فهو جائز ، وإن كان بليدا مأمونا ~~أن يسبق فيحرز السبق لم يحصل به معنى التحليل ، وصار إدخاله بينما لغوا لا ~~معنى له ، وحصل الأمر على رهان من فرسين لا محلل بينهما ، وهو عين القمار ms1943 . ~~وقال القاضي أبو الفضل : لا خلاف في جواز المراهنة فيها - يعني المسابقة - ~~وأنها خارجة من باب القمار ، لكن لذلك صور : إحداها متفق على جوازها ، ~~والثانية متفق على منعها ، وفي الوجوه الأخر خلاف ، فأما المتفق على جوازه ~~فأن يخرج PageV09P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" الوالي سبقا يجعله للسابق من المتسابقين ولا ~~فرس له في الحلبة ، فمن سبق فهو له ، وكذلك لو أخرج أسباقا أحدها للسابق ، ~~والثاني للمصلي ، والثالث للثالث ، وهكذا ، فهو جائز ، ويأخذونه على شروطهم ~~، وكذلك لو فعل متطوعا رجل من الناس ممن لا فرس له في الحلبة ، لأن هذا قد ~~خرج من معنى القمار إلى باب المكارمة والتفضل على السابق ، وقد أخرجه عن ~~يده بكل حال ، وأما المتفق على منعه فإن يخرج كل واحد من المتسابقين سبقا ، ~~فمن سبق منهما أخذ سبق صاحبه وأمسك متاعه ، فهذا قمار عند مالك والشافعي ~~وجميع العلماء ما لم يكن بينما محلل فإن كان بينهما محلل فجعلا له السبق إن ~~سبق ولا شيء عليه إن سبق فأجازه ابن المسيب ، وقاله مالك مرة ، والمشهور ~~عنه أنه لا يجوز ، وقال الشافعي مثل قول ابن المسيب ، فإن سبق أحد ~~المتسابقين أحرز سبقه وسبق صاحبه ، وإن تساويا كان لكل واحد منهما ما أخرج ~~، وإن سبق المحلل لتحليه السبق بدخوله ، لأنه علم أن المقصد بدخوله السبق ~~لا المال ، وإن لم يكن بينهما محلل فمقصدهما المال والمخاطرة فيه ، وقال ~~محمد بن الحسن نحوه والأوزاعي وأحمد وإسحاق ، ومن الوجوه المختلف فيها أن ~~يكون الوالي أو غيره ممن أخرج السبق له فرس في الحلبة ، فيخرج سبقا على أنه ~~إن سبق هو حبس سبقه ، وإن سبق أخذه السابق ، فأكثر العلماء يجيزون هذا ~~الشرط ، وهو أحد أقوال مالك وبعض أصحابه ، وهو قول الشافعي والليث والثوري ~~وأبي حنيفة قالوا : الأسباق على مالك أربابها ، وهم فيها على شروطه ، وأبي ~~ذلك مالك في الرواية الأخرى وبعض أصحابه وربيعة والأوزاعي ، وقالوا : لا ~~يرجع إليه سبقه ، قال مالك : وإنما يأكله من حضر إن سبق مخرجه إن لم يكن مع ~~المتسابقين ثالث ، فإن ms1944 كان معهما ثالث فللذي يلي مخرجه إن سبق ، فإن سبق ~~غيره فهو له بغير خلاف ، فخرج هذا عندهم عن معنى القمار جملة ، ولحق بالأول ~~، لأن صاحبه قد أخرجه عن ملكه جملة ، وتفضل بدفعه ، وفي الوجوه الأخر معنى ~~من القمار والخطر ، لأنها مرة ترجع الأسباق لمخرج أحدها ، ومرة تخرج عنه ~~إلى غيره . PageV09P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" ومن شرط وضع الرهان في المسابقة أن تكون ~~الخيل متقاربة الحال في سبق بعضها بعضا ، فمتى تحقق حال أحدها في السبق كان ~~الرهان في ذلك قمارا لا يجوز ، وإدخال المحلل لغوا لا معنى له ، وكذلك إن ~~كانت متقاربة الحال مما يقطع غالبا بسبق جنسها ، كالمضمرة مع غير المضمرة ، ~~والعراب مع غيرها ، فلا تجوز المراهنة في مثل هذا ، وقد ميز النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ما ضمر في السباق ، وأفرده عن ما لم يضمر ، وتجوز فيها ~~المسابقة بغير رهان ، وإنما يدخل التحليل والتحريم مع الرهان . ومن شرطها ~~أيضا الأمد لسباقها ، وحكى عبد الله بن المبارك عن سفيان قال : إذا سبق ~~الفرس بأذنه فهو سباق إذا تساوت أعناق الخيل في الطول فإن اختلفت أعناقها ~~بالطول والقصر كان السبق بالكاهل . وأما أسماء السوابق في الحلبة - ~~فالسوابق عند أبي عبيدة عشرة : أولها السابق ، ثم المصلي ، ثم الثالث ~~والرابع كذلك إلى التاسع ، والعاشر السكيت ، ويقال بالتشديد . وقال ابن ~~قتيبة : فما جاء بعد ذلك لم يعتد به ، والفسكل : الذي يجيء في الحبة آخر ~~الخيل . وأما الأصمعي فإنه يقول : أولها المجلي ، وهو القمصب ، أي محرز قصب ~~السبق ، ثم المصلى ثم المسلي ، ثم التالن ، ثم المؤمل ، ثم المرتاح ، ثم ~~العاطف ، ثم الحظي ، ثم اللطيم ، ثم السكيت . وقال ابن الأنباري في الزاهر ~~: الأولى المجلي ، الثاني المصلي ، الثالث المسلي ، الرابع التالي ، الخامس ~~المرتاح ، السادس العاطف ، السابع الحظي ، الثامن المؤمل ، التاسع اللطيم ، ~~العاشر السكيت ، والكاف منه تخفف وتشدد ، قال الشاعر : جاء المجلى والمصلى ~~بعده . . . ثم المسلى بعده والتالي نسقا وقاد حظيها مرتاحها . . . من قبل ~~عاطفها بال إشكال وقال أبو الغوث : أولها المحلي ، وهو السابق ، ثم المصلى ~~، ثم ms1945 المسلي ، ثم التالي ، ثم العاطف ، ثم المرتاح ، ثم المؤمل ، ثم الحظي ~~، ثم اللطيم ، ثم السكيت ، وأنشد بعضهم في العشرة : أتانا المجلي والمصلي ~~بعده . . . مسل وتال بعده عاطف يجري مرتاحها ثم الحظي ومؤمل . . . وجاء ~~اللطين والسكيت له يبري PageV09P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" وقال الجاحظ : كانت العرب تعد السوابق ثمانية ~~، ولا تجعل لما جاوزها حظا ، فأولها السابق ، ثم المصلى ، ثم المقفى ، ثم ~~التالن ، ثم العاطف ، ثم المذمر ، ثم البارع ، ثم اللطيم ، وكانت العرب ~~تلطم وجه الآخر وإن كان له حظ . وقال ابن الأجدابي : المحفوظ عن العرب ~~السابق والمصلي والسكيت الذي هو العاشر ، وأما باقي الأسماء فأراها محدثة ، ~~والفسكل : الذي يأتي آخر الخيل في الحلبة . وقال غيره : وما يجيء بعد هذه - ~~يعني العشرة - فهو المقردح ، وانشد على ذلك : قد سبق الخيل الهجان الأقداح ~~. . . وأقبلت من بعده تقردح والفسكل : الذي يجيء في آخريات الخيل ، والذي ~~يجيء بعده القاشور ، وما جاء بعد ذلك لاحظ له ولا اعتداد به ، وقيل : ~~السكيت والفسكل والقاشور بمعنى واحد . ومما يتصل بهذا الفصل ترتيب عدو ~~الفرس - وأوله الخبب ، ثم التقريب ، ثم الإمجاج ، ثم الإحضار ، ثم الإرخاء ~~، ثم الأهداب ، ثم الإهماج . كيفية تضمير الخيل قد حكي ابن بنين أن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يأمر بإضمار خيله بالحشيش اليابس شيئا بعد ~~شيء ، وطيا بعد طي ، ويقول : " أرووها من الماء ، واسقوها غدوة وغشيا ، ~~وألزموها الحلال . . . فتصفو ألوانها ، وتتسع جلودها " . وأمر ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أن يقودوها في كل يوم مرتين ، ويؤخذ منها من الجري الشوط ~~والشوطان ، ولا تركض حتى تنطوى . قال الشيخ - رحمة الله - : والتضمير : ~~تقليل علفها مدة ، وإدخالها بيتا كنينا ، وتجليلها PageV09P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" فيه لتعرق ويجف عرقها ، فيصلب لحمها ويخف ، ~~وتقوى على الجري ، يقال : ضمرت الفرس وأضمرته . ذكر ما يقسم لصاحب الفرس من ~~سهام الغنيمة والفرق في ذلك بين العراب والهجن والبرازين عن عبد الله بن ~~عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جعل للفرس ~~سهمين ، ولصاحبه سهما . وفي لفظ : قسم رسول الله ( صلى الله ms1946 عليه وسلم ) ~~يوم خبير الفرس سهمين ، وللرجل سهما ، رواه البخاري ومسلم وأبو داود ~~والترمذي وابن ماجة . وفي لفظ أبي داود : أن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم : سهما له ، وسهمين لفرسه ، ولفظ ابن ~~ماجة : أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم : ~~للفرس سهمان ، وللرجل سهم . وعن مكحول - رضي الله عنه - أن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) هجن الهجين يوم خيبر ، وعرب العرب ، للعربي سهمان ، ~~وللهجين سهم . وعن خالد ابن معدان - رضي الله عنه - قال : أسهم رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) للعربي سهمين ، وللهجين سهما . وعن أبي موسى أن كتب ~~إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - إنا وجدنا بالعراق خيلا عراضا دكا ، ~~فما يرى أمير المؤمنين في سهامها ؟ فكتب : تلك البرازين ، فما قارب العتاق ~~فاجعل له سهما واحدا ، وألغ ما سوى ذلك . وعن أبي الأقمر قال : أغارت الخيل ~~على الشأم ، فأدركت العراب من يومها ، وأدركت الكوادن ضحى الغد ، وعلى ~~الخيل رجل من همدان يقال له المنذر بن أبي حمضة ، فقال : لا أجعل التي ~~أدركت من يومها مثل التي لم تدرك ، ففضل الخيل ، فكتب في ذلك إلى عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - فقال : " هبلت الوادعي أمه ، لقد أذكرني أمرا كنت ~~أنسيته ، أمضوها على ما قال . والكوادن : جمع كودن ، وهو البرذون ، ومذهب ~~مالك والشافعي وأبي حنيفة التسوية بين العربي وغيره ، إلا أنهم ~~PageV09P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" جعلوا لكل واحد منهما سهما واحدا ، قال مالك ~~: ولا أرى البراذين والهجن إلا من الخيل لأن الله تعالى قال في كتابه : " ~~والخيل والبغال والحمير لتركبوها " ، وقال : " وأعدو لهم ما استطعتم من قوة ~~ومن رباط الخيل " قال : فأنا أرى البراذين والهجن من الخيل إذا أجازها ~~الوالي . قال ابن حبيب : الراذين هي العظام ، يريد الجافية الخلقة ، ~~العظمية الأعضاء ، وليست العراب كذلك ، فإنها أضمر وأرق أعضاء وأعلى خلقة ، ~~وأما الهجن فهي التي أبوها عربي وأمها من البراذين . قال شيخ - رحمه الله ~~تعالى - : ومذهب جمهور العلماء أنه يقسم ms1947 للفرسان سهمان ، ولصاحبه سهم على ~~ما فرضه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، لأن مؤونة الفرس أكثر من مؤونة ~~فارسه ، وغناءه أكثر من غناء الفارس ، فاستحق الزيادة في القسم من أجل ذلك ~~، قال : وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقسم للفرس كما يقسم للرجل ، وقال : لا ~~يكون أعظم منه حرمة ، ولم يتابعه أحد على ذلك إلى شيء يروي عن علي وأبي ~~موسى ، وذهب مالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي إلى أنه لا يقسم إلا ~~لفرس واحد ، ودليلهم ما رواه ابن سعد في طبقاته : أن النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أمر زيد بن ثابت يوم حنين بإحصاء الناس والغنائم فكان السبي ستة ~~آلاف رأس ، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير ، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة ~~، وأربعة آلاف أوقية فضة ، فأخذ من ذلك الخمس ، ثم فض الباقي على الناس ، ~~فكانت سهامهم لكل رجل أربع من الإبل وأربعون شاة ، وإن كان فارسا أخذ اثني ~~عشر من الإبل وعشرين ومائة شاة ، وإن كان معه أكثر من فرس لم يسهم له . ~~وذهب الأوزاعي والثوري والليث بن سعد وأبو يوسف وأحمد ابن حنبل - رحمهم ~~الله - إلى أنه يسهم لفرسين ، وروي مثله عن مكحول ويحيى ابن سعيد ~~PageV09P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" وابن وهب ومحمد بن الجهم من المالكية ، وحكاه ~~محمد بن جرير الطبير في تاريخه ، فقال : ولم يكن يسهم للخيل إذا كانت مع ~~الرجل إلا لفرسين ودليلهم ما ذكره ابن مندة في ترجمة البراء بن أوس بن خالد ~~أنه قاد مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فرسين ، فضرب له الني ( صلى الله ~~عليه وسلم ) خمسة أسهم ، ولم يقل أحد إنه يسهم لأكثر من فرسين إلا شيئا ~~يروى عن سليمان بن موسى أنه يسهم لمن غزا بأفراس لكل فرس سهمان ، واختلفوا ~~في الإسهام للفرس المريض الذي يرجى برؤه على قولين ، أحدهما : يسهم له نظرا ~~إلى الجنس ، والثاني : لا يسهم له ، لأنه لا غناء فيه كالبغل والحمار ، ~~والله الموفق للصواب . سقوط الزكاة في الخيل روي عن أبي هريرة - رضي الله ~~عنه ms1948 - عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ليس على المرء ~~المسلم في فرسه ولا مملوكه صدقة " متفق عليه . وفي لفظ عنه : " ليس على ~~المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة " . وفي لفظ : " ليس في الخيل والرقيق ~~زكاة إلا زكاة الفطر في الرقيق " . وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن الله وضع الصدقات فليس على الخيل ~~صدقة ، وليس على الحمر صدقة ، وليس على البغال صدقة ، وليس على الإبل التي ~~يسقى عليها الماء للنواضح صدقة " . وعن أبي عمرو عبد الله بني يزيد الحراني ~~، قال : حدثني سليمان بن أرقم ، عن الحسن ، عن عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) قال : " لا صدقة في الكسعة والجبه والنخة " ، فسره ~~أبو عمرو ، الكسعة : الحمير . والجبهة : الخيل . PageV09P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" والنخة : العبيد . ويقال : النخة ، البقر ~~العوامل ، قال ثعلب : هذا هو الصواب ، لأنه من النخ ، وهو السوق الشديد ، ~~وقال الكسائي : إنما هو النخة بالضم ، قال : وهو البقر العوامل ، وقال ~~الفراء : النخة بالفتح ، أن يأخذ المصدق دينارا لنفسه بعد فراغه من أخذ ~~الصدقة ، وأنشد : عمى الذي منع الدينار صاحبه . . . دينار نخة كلب وهو ~~مشهود وعن علي - رضي الله عنه - قال : قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" عفوت لكم عن الخيل والرقيق " . وعنه - رضي الله عنه - قال : قال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " قد عفوت لكم عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة ~~الرقة من كل أربعين درهما درهما ، وليس فيه في تسعين ومائة شيء ، فإذا بلغت ~~مائتين ففيها خمسة دراهم " . وفي لفظ أخر عنه ، عن النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قال : " فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ، ففيها خمسة ~~دراهم ، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارا وحال ~~عليها الحول ، ففيها نصف دينار ، فما زاد فبحساب ذلك " . قال الجوهري : ~~الورق ، الدراهم المضروبة ، وكذلك الرقة ، والهاء عضو من الواو ، وفي الورق ~~ثلاث لغات حكاهن الفراء : ورق ، وورق ، وورق . وعن جابر بن عبد الله ms1949 - رضي ~~الله عنه - قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن الله عز وجل ~~تجوز لكم عن صدقة الخيل والرقيق " . وعن عبد الله بن دينار قال : سألت سعيد ~~بن المسيب ، فقلت : أفي البراذين صدقة ؟ فقال : في الخيل صدقة ؟ . وعن ~~حارثة بن مضرب قال : جاء ناس من أهل الشام إلى عمر فقالوا : إنا قد أصبنا ~~أموالا خيلا ورقيقا نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور ، فقال : ما فعله ~~صاحباي فأفعله ، فاستشار أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وفيهم علي - ~~رضي الله عنه - فقال علي : " هو من إن لم تكن جزية يؤخذون بها بعدك " . وعن ~~مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن سليمان بن يسار أن أهل الشأم قالوا لأبي ~~عبيدة : خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة ، فأبى ، ثم كتب إلى عمر بن PageV09P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" الخطاب ، فأبى ، فكلموه أيضا ، فكتب إلى عمر ~~، فكتب إليه أيضا عمر : إن أحبوا فخذها منهم وأرددها ، يعني في فقرائهم . ~~فدلت هذه الأحاديث والأخبار على أن لا صدقة في الخيل السائمة ولا في الرقيق ~~إذا كانوا للخدمة ، إلا أن يكونوا للتجارة ، فإن كانوا للتجارة ففي أثمانهم ~~أو قيمهم الزكاة إذا حال عليها الحول ، وعلى هذا مذهب الجمهور ، وذهب أبو ~~حنيفة - رحمة الله - دون صاحبيه إلى وجوب الزكاة في الخيل السائمة إذا كانت ~~إناثا ، أو إناثا وذكورا ، وقال : هو مخير بين أن تقوم وتؤخذ الزكاة من ~~القيمة ، وبين أن يخرج عن كل فرس دينارا ، واحتجوا له بقوله عليه السلام " ~~ثم لم ينس حق الله في رقابهم وظهورها " ، قال المخالف لهم : وليس فيه دليل ~~من وجهين : أحدهما أنه ( صلى الله عليه وسلم ) لما ذكر الإبل السائمة وقال ~~: فيها حق سئل عن ذلك الحق ما هو ؟ فقال : إطراق فحلها وإعارة دلوها ، ~~ومنحة لبنها أو سمنها ، وحلبها على الماء ، وحمل عليها في سبيل الله ، فلما ~~كانت الإبل فيها حق سوى الزكاة احتمل أن يكون في الخيل أيضا حق سوى الزكاة ~~وقد روي الترمذي وابن ماجة حديث فاطمة بنت قيس ، قال : قال ms1950 رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " إن في المال حقا سوى الزكاة " وتلا هذه الآية " ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب " الخ الآية ، فيجوز أن يحمل الحق ~~في رقابهم وظهورها على هذا الوجه . الثاني أن يحمل الحق فيها على التأكيد ~~لا على الوجوب ، كقوله ( صلى الله عليه وسلم ) في حديث معاذ : " وحق العباد ~~على الله عز وجل أن لا يعذبهم إذا فعلوا ذلك " ، فهذا محمل قوله عليه ~~السلام : " ثم لم ينس حق الله في رقابهم " وتأويله . قال شيخنا شرف الدين ~~عبد المؤمن بن خلف الدمياطي - رحمه الله - : ولنا أن نقول فيه أيضا : هو ~~مجمل ، والأحاديث المتقدمة مفسرة تقضي عليه ، وظواهرها حجج متضافرة على ترك ~~الزكاة في الخيل ، قال : فهذا وجهه من طريق السنة والأثر ، وأما وجهه من ~~طريق النظر فمن وجهين : أحدهما أن السؤم في الخيل نادر عند العرب فلا زكاة ~~فيها كالبغال والحمير ، الثاني أن الزكاة لو وجبت في الخيل لتعدى ذلك إلى ~~ذكورها قياسا على المواشي من الإبل والبقر والغنم . وقال الطبري ~~PageV09P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" والطحاوي : والنظر أن الخيل في معنى البغال ~~والحمير التي قد أجمع الجميع على أن لا صدقة فيها ، ورد المختلف فيه إلى ~~المتفق عليه إذا اتفقا في المعنى أولى . وقال أبو عبيد : وكان بعض الكوفيين ~~يرى من الخيل صدقة إذا كانت سائمة يبتغي منها النسل ، فقال : إن شاء أدى عن ~~كل فرس دينارا ، وإن شاء قومها ثم زكاها ، قال : وإن كانت للتجارة كانت ~~كسائر أموال التجارة يزكيها ، قال أبو عبيد : أما قوله في التجارة فعلى ما ~~قال ، وأما إيجابه الصدقة في السائمة فليس هذا على اتباع السنة ، ولا على ~~طريق النظر ، لأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد عفا عن صدقتها ، ولم ~~يستثن سائمة ولا غيرها ، وأما في النظر ، فكان يلزمه إذا رأى فيها صدقة أن ~~يجعلها كالماشية تشبيها بها ، لأنها سائمة مثلها ، فلم يصر إلى واحد من ~~الأمرين ، وقد جاء عن غير واحد من التابعين إسقاط الزكاة من سائمتها ، فروي ms1951 ~~عن الحسن أنه قال : ليس في الخيل السائمة صدقة ، وعن عمر بن عبد العزيز قال ~~: ليس في الخيل السائمة زكاة ، وقال أبو عبيد : وقد قال مع هذا بعض من يقول ~~بالحديث ويذهب إليه : إنه لا صدقة في سائمتها ولا فيما كان منها للتجارة ~~أيضا ، يذهب إلى أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " قد عفونا لكم ~~عن صدقة الخيل والرقيق " ، فجعله عاما ، فلا زكاة في شيء منها ، قال أبو ~~عبيد : فأوجب ذلك الأول الصدقة عليها في الحالين جميعا وأسقطها هذا فهما ~~كلتيهما وأحد القولين فأوجب القولين عندي غلو ، والآخر تقصير ، والقصد فيما ~~بينهما هو أن تجب الصدقة فيما بينهما هو أن تجب الصدقة فيما كان منها ~~للتجارة ، وتسقط من السائمة ، على هذا وجدنا مذهب العلماء ، وهم أعلم ~~بتأويل حديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهو قول سفيان بن سعيد ~~ومالك وأهل العراق وأهل الحجاز والشأم ، لا أعلم بينهم في هذا اختلافا ، ~~والله أعلم بالصواب . PageV09P0239 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء العاشر PageV10P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ### | AUT ذكر ما وصفت به العرب الخيل # من ترتيبها في السن ، وتسمية أعضائها ، وأبعاضها ، وألوانها ، وشياتها ، ~~وغررها ، وحجولها ، وعصمها ، ودوائرها ، وما قيل في طبائعها وعاداتها ، ~~والمحمود من صفاتها ومحاسنها ، والعلامات الدالة على جودتها ونجابتها ، وعد ~~عيوبها التي تكون في خلقها وجريها ، والعيوب التي تطرأ عليها وتحدث فيها ~~ترتيبها في السن فالعرب تقول : سن الفرس إذا وضعته أمه فهو مهر . ثم هو فلو ~~. فإذا استكمل سنة فهو حولي . ثم هو في الثانية جذع . ثم في الثالثة ثني . ~~ثم في الرابعة رباع . ثم في الخامسة قارح . ثم هو إلى نهاية عمره مذك . ~~تسميتها وتسمية أعضائها وأبعاضها فقد قالوا : الخيل مؤنثة ، ولا واحد لها ~~من جنسها ، وجمعها خيول . ويقال في صفاتها : أذن مؤللة ومرهفة ، أي محددة ~~الطرف . قال عدي بن الرقاع : تخوض في فرجات النقع دامية . . . كأن آذانها ~~أطراف أقلام وحشرة : صغيرة مستديرة . ومقدودة : مدورة . وأذن غضنفرة أي ~~غليظة . وزبعراة أي غليظة شعراء . وخذاوية أي خفيفة السمع . قال عدي ms1952 بن زيد ~~: له أذنان خذاويتان . . . والعين تبصر ما في الظلم ثم الناصية وهي الشعر ~~السائل على الجبهة ، يقال : واردة وهي الطويلة ، وجثلة وهي الكثيرة الملتفة ~~. والفاشغة والغماء وهي الكثيرة المنتشرة . والسفواء وهي القليلة . ~~وعصفورها : أصل منبت شعرها . وقونسها : العظم الناتئ بين الأذنين . ~~PageV10P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" الوجه وما فيه مما لم يذكر في خلق الإنسان ~~النواهق وهما عظمان شاخصان في وجهه من الجبهة إلى المنخرين . واللهزمتان : ~~وما اجتمع من اللحم في معظم الجبين . وعين مغربة أي بيضاء الحماليق وما ~~حولها . وخيفاء : إذا كانت إحداهما سوداء والأخرى زرقاء . والمحملقة : التي ~~حول مقلتيها بياض لم يخالف السواد . وأنف مصفح أي معتدل القصبة . والسم : ~~ثقبه ، قال : ومنخرا واسعة سمومه وقال مزاحم بن طفيل الغنوي ، وقيل : ~~العباس بن مرداس السلمي ، : ملء الحزامين وملء العين . . . ينفش عند الربو ~~منخرين كنفش كيرين بكفي قين والحجفلة : الشفة . والفيد : الشعر النابت ~~عليها . والشدقان : مشق الفم إلى حد اللجام : العنق وما فيه فالمعرفة : ~~موضع العرف . والعرف : شعر أعلى العنق . والعذوة : ما على المنسج يقبض عليه ~~الفارس إذا ركب . والعرشان : اللحمان من جانبي العرف . والجران : جلد أسفل ~~العنق . والدسيع : مركب العنق في الكاهل . قال سلامة بن جندل : يرقى الدسيع ~~إلى هاد له بتع . . . في جؤجؤ كمداك الطيب مخضوب واللبان : ما جرى عليه ~~اللبب . ويقال : عنق قوداء أي طويلة . وسطعاء أي طويلة منتصبة غليظة . ~~وتلعاء : منتصبة غليظة الأصل مجدولة الأعلى . ودناء أي PageV10P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" مطمئنة من أصلها ، هنعاء : مطمئنة من وسطها . ~~ووقصاء : قصيرة . ومرهفة : رقيقة . الظهر وما اتصل به من الوركين فمنه : ~~المتنان وهما لحمان يكتنفان الظهر من مركب العنق إلى علوة ظهر الذنب . ~~والحارك : عظم مشرف من بين فرعي الكتفين . والقردودة : حد الفقار . والفقار ~~: المنتظمة في الصلب . والصهوة : مقعد الفارس . والقطاة : مقعد الردف خلفه ~~. والمعدان : موضع السرج من جنبيه . قال شاعر : فإما زال سرجي عن معد . . . ~~وأجدر بالحوادث أن تكونا والصرد : بياض على الظهر . والغرابان : ملتقى ~~أعالي الوركين في ناحية الصلب . والصلوان : ما أسهل من جانبي الوركين . ~~والعجب : ما ارتفع ms1953 من أصل الذنب . والعلوة : أصله . والعسيب : عظم الذنب . ~~والأعوج العسيب : أعزل . الصدر وما اتصل به من البطن فمنه : الكلكل : ما مس ~~الأرض من فهدتيه . والفهدتان : اللحمتان الناتئتان في الصدر . والمحزم : ما ~~شد عليه الحزام . والناحران : عرقان يودج منهما . الذراعان وما دونهما ~~المرفقان : مآخير رءوس الذراع . والخصيلة : لحمة الذراع مع العصب . والصافن ~~: عرق الذراع . والحبال : عصبها . والرقمتان : لحمتان في باطنهما لا تنبتان ~~شعرا . والركبة : موصل ما بين الذراع والظيف . والوظيفان : العظمان تحت ~~الركبتين والعرقوبين . والرضفتان : عظمان مستديران على الركبة ، والسنبك : ~~طرف مقدم الحافر . والنسر : ما يتطاير من أسفله كالنوى . والمنقل : مجتمع ~~الحافر من باطنه . وألية الحافر : مؤخره . ويقال : حافر أرح : منبطح ~~السنابك . وفرشاح أي منبطح . ووأب : مقعب . ومصرور : مضموم صغير . ومكنب أي ~~كثيف . والله أعلم بالصواب . ألوانها وشياتها وغررها وحجولها وعصمها وما ~~فيها من الدوائر من ألوانها : البهيم والمصمت : كل ذي لون واحد لا شية فيه ~~، إلا الأشهب فإنه لا يقال له بهيم . يقال : فرس مصمت ، والأنثى مصمتة ، ~~والجمع مصامت . وكذلك يقال في PageV10P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" قوائم الفرس إذا لم يكن بهن تحجيل . قال أبو ~~حاتم : مبهمة مصمتة القوائم ومن ألوان الخيل : الدهم ، وهي ستة : أدهم غيهب ~~وهو أشدها سوادا ، والأنثى غيهبة . والغيهب : الظلمة ، والجمع غياهب . ~~وكذلك الغربيب . والحالك . وأدهم دجوجي : صافي السواد ؛ وقيل : هو مأخوذ من ~~الدجة ، وهي شدة السواد والظلمة . وأدهم يحموم وأدهم أحم وهو الذي أشربت ~~سراته وحجزته حمرة . قال أبو تمام : أو أدهم فيه كمتة أمم . . . كأنه قطعة ~~من الغلس ثم أدهم أكهب وهو إلى الكدرة . ثم أحوى والجمع حو ؛ وهو أهون ~~سوادا من الجون ، ومناخره محمرة ، وشاكلته مصفرة . والأحوى أربعة ألوان : ~~أحوى أحتم وهو المشاكل للدهمة والخضرة ؛ ولا فرق بينه وبين الأخضر الأحمر ~~إلا باحمرار مناخره واصفرار شاكلته . وأحوى أصبح وهو الي تقل حمرة مناخره ~~فتصير إلى السواد ويكون البياض فيه غالبا على أطراف المنخرين . وأحوى أطحل ~~وهو الذي تعتريه صفرة وخضرة مخالطتان لكدرة . وأحوى أكهب . والكهب : قلة ~~ماء اللون وكدرته في موضع المنخرين في حمرتهما ms1954 وفي سواد السراة في بياض ~~الأقراب . ومنها الخضر ، وهي أربعة : أخضر أحم وهو أدناها إلى الدهمة . قال ~~الشاعر : خضراء حماء كلون العوهق وهو اللازورد . وأخضر أدغم وهو الأخطب لون ~~وجهه وأذنيه ومناخره . PageV10P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" وهذا اللون يسمى بالفارسية ديزجا . وأخضر أطحل ~~وهوالذي تعلو خضرته صفرة . وأخضر أورق هو الذي كلون الرماد . ومنها الكميت ~~، والجمع كمت ، والذكر والأنثى فيه كميت ، وهي تسعة . قالوا : وكميت من ~~الأسماء المصغرة المزحمة التي لا تكبير لها ، ومن أكمت بمنزلة حميد من أحمد ~~، غير أن أكمت لم يستعمل . والكميت بين الأحوى والأصدأ ، وهو أقرب من الشقر ~~والوارد إلى السواد وأشد منها حمرة . والفرق ما بين الكميت والأشقر بالعرف ~~والذنب ، فإن كانا أحمرين فهو أشقر ، وإن كانا أسودين فهو كميت ؛ والورد ~~بينهما . والكميت أحب الألوان إلى العرب . ومن ألوانه : كميت أحم وهو الذي ~~يشاكل الأحوى ، غير أنه تفصل بينهما حمرة أقرابه ومراقه مربطائه . ~~والمريطاء : الجلدة التي بين العانة والسرة . والأقراب : من الشاكلة التي ~~هي الخاصرة إلى مراق البطن ، واحدها : قرب وقرب . قال الأصمعي : أشد الخيل ~~جلودا وحوافر الكمت والحم . وكميت أصحم وهو الأسود الذي يضرب إلى الصفرة . ~~وكميت أطخم والطخمة : سواد مقدم الأنف . وكميت مدمى وهو الشديد الحمرة ~~وكلما انحدر إلى مراق البطن يزداد صفاء . وكميت أحمر وهو أشد حمرة من ~~المدمى ، وهو أحسن الكمت . وكميت مذهب وهو الذي تعلو حمرته صفرة . وكميت ~~محلف وهو أدنى الكمت إلى الشقرة وظاهر شعر ذنبه وعرفه كلون جسده وباطنه ~~أسود ، والأنثى محلفة . وأنشدوا : كميت غير محلفة ولكن . . . كلون الصرف عل ~~به الأديم قال أبو خيرة : المحلف بين الأصهب والأحمر ، وهو من الإبل الأصحر ~~. وكميت أكلف وهو الذي لم تصف حمرته ويرى في أطارف شعره سواد . وكميت أصدأ ~~وهو الذي فيه صدأة أي كدرة بصفرة قليلة ، شبهت بلون صدأ الحديد . ومنها ~~الوارد ، وهي جمع ورد وهي ثلاثة ، والورد هو الذي تعلوه حمرة إلى الشقرة ~~الخلوقية وجلده وأصول شعره سود . وقيل : الوردة : حمرة تضرب إلى الصفرة . ~~وتحقيقه أنه بين الكميت الأحمر ms1955 وبين الأشقر ، منها : ورد خالص وورد مصامص ~~وهو الخالص أيضا ، والأنثى مصامصة . وورد أغبس تدعوه العجم السمند وهو الذي ~~لونه كلون الرماد . PageV10P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" ومنها الشقر ، وهي تسعة ، والأشقر : أشد حمرة ~~من الورد ، يقال : أشقر أدبس وهو الذي لونه بين السواد والحمرة . وأشقر ~~خلوقي . وأشقر أصبح وهو قريب من الأصهب . والصهبة : الشقرة في شعر الرأس . ~~وأشقر سلغد وهو الذي خلصت شقرته ، والأنثى سلغدة ، والجمع سلغدات . قال ~~شاعر : أشقر سلغد وأحوى أدعج . . . وأصك أظمى وحيفس أفلج وأشقر قرف والأنثى ~~قرفة ، والجمع قروف وقراف وأقراف وهو كالسلغد . وأشقر مدمى وهو الشديد ~~الحمرة . وأشقر أقهب . والقهبة : غبرة إلى سواد . وقال ابن الأعرابي : ~~الأقهب : الذي فيه حمرة فيها غبرة . وأشقر أمغر ، وهو الذي تعلو شقرته مغرة ~~، أي كدرة . وأشقر أفضح : بين الفضحة ، وهي البياض ليس بالشديد . ومنها ~~الصفر ، وهي أربعة : أصفر فاقع . وأصفر أعفر وهو بياض تعلوه حمرة . وأصفر ~~ناصع . وأصفر ذهبي وهو الذي يضرب إلى البياض ، وهو السوسني . ومنها الشهب ، ~~وهي خمسة . الأشهب : كل فرس تكون شعرته على لونين ثم تفترق شعراته فلا تجمع ~~واحدا من اللونين شعرات تخلص بلون كقدر النكتة فما فوقها . وقيل : الأشهب ~~الأبيض الشعرة ليس بالبياض الصافي القرطاسي وجلده أسود يقال له أشهب أبيض . ~~والشهبة في الألوان : البياض الذي يغلب على السواد . ويقال للأشهب أيضا : ~~أضحى ، والأنثى ضحياء . وأسماء ألوانه : أشهب ناصع . وأشهب أحم وهو أسود ~~تنفذه شعرات بيض . وأشهب زرزوري وهو الذي اعتدل فيه السواد والبياض . وأشهب ~~مفلس وهو الذي خالط بياضه سواد أو حمرة . وأشهب سامري وهو الذي شبهته بسواد ~~أورق . ومنها الجون ، وهو اختلاط بياض بحمرة الأشقر أو الكميت . ومنها ~~الصنابي ، وهو دهمة فيها شهبة ، أو كمتة فيها شهبة أقل من بياض الأشهب . ~~نسب إلى الصناب وهو الخردل بالزبيب . PageV10P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" ومنها الأغبر ، وهو أشقر شملت شقرته شهبة . ~~ومنها الأبرش ، وهو الذي فيه لمع بياض كالرقط ، وقيل : هو الذي يكون في ~~شعره نكت صغار تخالف سائر لونه ، وإنما يكون ذلك في الدهم والشقر خاصة ms1956 ، ~~وربما أصابها ذلك من شدة العطش . فإذا عظمت النكت فهو مدنر . وإذا كان في ~~جسده بقع متفرقة مخالفة للونه فهو ملمع وأبقع وأشيم . وقيل : الأشيم : أن ~~تكون فيه شامة بيضاء ؛ وقيل : قد تكون الشامة غير بيضاء . وإذا كان في ~~الشامة استطالة فهو مولع . وقال ابن بنين : إذا كان في الدابة عدة ألوان من ~~غير بلق فذلك التوليع ، يقال : برذون مولع . وإذا كانت الشامة في مؤخره أو ~~شقه الأيمن كرهت . ومنها العرسي وهو الذي يشبه لون ابن عرس . ومنها الأنمر ~~، وهو الذي يكون فيه بقعة بيضاء وبعقة أخرى من أي لون كان . ومنها الأبلق ، ~~وهو ما يكون نصف لونه أو ما قارب النصف أبيض ، والنصف الآخر أسود أو أحمر . ~~ومنها الأغشى بالغين المعجمة ، وهو ما ابيض رأسه دون جسده مثل الأرخم . ~~ومنها الأبيض ، وهو الذي ابيض شعره بياضا مثل بياض الأوضاح أشد ما يكون من ~~البياض وأصفاه لا يخالطه شيء من الألوان فيقال ، فيه : أبيض قرطاسي . وربما ~~كان أزرق العين أو أسود أو أكحل . ويدعى بما في عينيه من زرقة وسواد وكحل ؛ ~~ولا يكون أكحل حتى تسود أشفار عينيه وجفونه . قال الشيخ رحمه الله تعالى في ~~كتابه فضل الخيل : وألوان الخيل أدهم ، وأخضر ، وأحوى ، وكميت ، وأشقر ، ~~وأصفر ، وأشهب ، وأبرش ، وملمع ، ومولع ، وأشيم . هذا قول أبي عبيدة . وقال ~~الأبيوردي في رسالته : الدهمة ، ثم الحوة ، PageV10P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" ثم الصدأة ، ثم الخضرة ، ثم الكمتة ، ثم ~~الوردة ، ثم الشقرة ، ثم الصفرة ، ثم العفرة ، ثم الشهبة . هذا ما وقفنا ~~عليه من ألوانها . والله أعلم . وأما الشية وجمعها شيات فقالوا : كل لون ~~يخالف معظم لون الفرس فهو شية . فإذا لم يكن فيه شية فهو أصم بهيم من أي ~~الألوان كان ، والأنثى أيضا بهيم . وكذلك فرس مصمت بمنزلة البهيم من أي لون ~~كان ، والأنثى مصمتة ، والجمع مصامت . وقد تقدم ذكر ذلك ، فلنذكر الشيات . ~~من الشية ، : الغرة ، والقرحة ، والرثمة ، والتحجيل ، والسعف ، والنبط ، ~~والصبغ ، والشغل ، واللمظ ، واليعسوب ، والتعميم ، والبلق . فالغرة ، : ~~البياض في الوجه ؛ وهي أنواع : لطيم ، وشادخة ، وسائلة ، وشمراخ ms1957 ، ومتقطعة ~~، وشهباء . فاللطيم : الذي يصيب البياض عينيه أو إحداهما أو خديه أو أحدهما ~~، والأنثى أيضا لطيم . فإذا فشت في الوجه ولم تصب العين فهي شادخة . فإذا ~~اعتدلت على قصبة الأنف وإن عرضت في الجبهة فهي سائلة . وإذا دقدت وسالت في ~~الجبهة وعلى قصبة الأنف ولم تبلغ الحجفلة فيه شمراخ . وكل بياض في جبهة ~~الفرس فشا أو قل ينحدر حتى يبلغ المرسن ثم ينقطع فهي غرة متقطعة . وإذا كان ~~البياض في منخريه ثم ارتفع مصعدا حتى يبلغ بين عينيه ما لم يبلغ جبهته فهي ~~أيضا غرة متقطعة . وإذا كان في الغرة شعر يخالف البياض فهي غرة شهباء . ~~وقال ابن قتيبة : إن سالت غرته ودقت فلم تجاوز العينين فهي العصفور . وإن ~~أخذت جميع وجهه غير أنه ينظر في سواد فهي المبرقعة . فإن فشت حتى تأخذ ~~العينين فتبيض أشفاهرما فهو مغرب . فإن كانت إحدى عينيه زرقاء والأخرى ~~كحلاء فهو أخيف . وأما القرحة ، وهي دون الغرة ؛ فقال ابن قتيبة : الغرة : ~~ما فوق الدرهم ، والقرحة : قدر الدرهم فما دونه . قالوا : والقرح : كل بياض ~~كان في جبهة الفرس ثم انقطع قبل أن يبلغ المرسن . وتنسب القرحة إلى خلفتها ~~في الاستدارة والتثليث والتربيع والاستطالة والقلة ؛ فإذا قلت قيل : خفية . ~~وإذا كان في القرحة شعر يخالف البياض فهي قرحة شهباء . PageV10P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" وأما الرثمة بالثاء المثلثة ، فكل بياض أصاب ~~الحجفلة العليا قل أو كثر فهو رثم إلى أن يبلغ المرسن . وتنسب الرثمة إذا ~~هي فشت إلى الشدوخ . وإذا لم تجاوز المنخرين نسبت إلى الاعتدال . وإذا قلت ~~واشتد بياضها نسبت إلى الاستنارة . وإذا لم يظهر للناظر حتى يدنو نسبت إلى ~~الخفية . واللمظة ، كل بياض أصاب الحجفلة السفلى قل أو كثر فهو لمظ والفرس ~~ألمظ . واليعسوب ، : كل بياض يكون على قصبة الأنف قل أو كثر ما لم يبلغ ~~العينين . وإذا شاب الناصية بياض فهو أسعف . فإذا خلص البياض في الناصية ~~فهو أصبغ . فإذا انحدر البياض إلى منبت الناصية فهو المعمم . وإذا كان في ~~عرض الذنب بياض فهو أشعل . والعرب ms1958 تكره شعلة الذنب . وإذا كان في قمعة ~~الذنب ، وهي طرفه ، بياض فهو أصبغ . وإذا ارتفع البياض حتى يبلغ البطن فهو ~~أنبط . وإذا ظهر البياض وزاد فهو أبلق . وقال ابن قتيبة وابن الأجدابي : ~~إذا كان الفرس أبيض الظهر فهو أرحل ، وإن كان أبيض البطن فهو أنبط . وقال ~~غيرهما : الأدرع من الخيل والشاء : الذي اسود رأسه ولو سائره أبيض ، ~~والأنثى درعاء ، من الدرعة . والأخصف من الخيل والغنم : الأبيض الخاصرتين ~~الذي ارتفع البلق من بطنه إلى جنبيه ، ولونه كلون الرماد فيه سواد وبياض . ~~وقيل : كل ذي لونين مجتمعين فهو خصيف وأخصف ؛ وأكثر ذلك السواد والبياض . ~~ويقال : فرس آزر إذا كان أبيض العجز . ومن الشية التحجيل ، وهو البياض في ~~قوائم الفرس الأربع ، أو في ثلاث منها ، أو في رجليه قل أو كثر إذا استدار ~~حتى يطيف بها . وأصل الحجلة من الحجل بفتح الحاء وكسرها وهو القيد والخلخال ~~. قال ابن الأجدابي : فإن كانت قوائمه الأربع بيضاء لا يبلغ البياض منها ~~الركبتين فهو محجل . وطليق اليد وطلق اليد بفتح الطاء وإسكان اللام وبضمهما ~~أيضا : إذا كانت على لون البدن ولم يكن بها بياض . فإذا أصاب البياض ~~القوائم كلها فهو محجل أربع . وإن كان في ثلاث قوائم فهو محجل ثلاث مطلق يد ~~أو رجل يمنى أو يسرى . وكل قائمة بها بياض فهي ممسكة . وكل قائمة ليس بها ~~وضح فهي مطلقة . فإن كان البياض في الرجلين جميعا فهو محجل PageV10P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" الرجلين . وإن كان في إحداهما فهو الأرجل ؛ ~~وقد ذكرناه . ولا يكون التحجيل واقعا بيد ما لم يكن معها رجل أو رجلان . ~~ولا بيدين ما لم يكن معهما رجل أو رجلان أو وضح بالوجه . فإن كان التحجيل ~~في يد ورجل من شق واحد فهو ممسك الأيامن مطلق الأياسر ، أو ممسك الأياسر ~~مطلق الأيامن ، ويقال : الأيمنين والأيسرين . وإن كان من خلاف قل أو كثر ~~فهو مشكول ؛ وهو مكروه في الحديث . وقد تقدم ذكره . ومنها العصم ، وهو إذا ~~كان البياض بإحدى يديه قل أو كثر فهو أعصم اليمنى أو ms1959 اليسرى . واسم العصمة ~~مأخوذ من المعصم وهو موضع السوار من الساعد . فإن كان البياض في يده اليسرى ~~قيل : منكوس ؛ وهو مكروه . وإن كان البياض بيديه جميعا فهو أعصم اليدين ، ~~وإلا أن يكون بوجهه وضح فهو محجل ذهب عنه العصم . فإن كان بوجهه وضح وبإحدى ~~يديه بياض فهو أعصم ، لا يوقع عله وضح الوجه اسم التحجيل إذا كان البياض ~~بيد واحدة . ووضح القوائم : الخاتم ، والإنعال ، والتخديم ، والصبغ ، ~~والتجبيب ، والمسرول ، والأخرج ، والتسريح . فأقل وضح القوائم الخاتم وهو ~~شعرات بيض . فإذا جاوز ذلك حتى يكون البياض واضحا فهو إنعال ما دام في مؤخر ~~رسغه مما يلي الحافر . فإذ جاوز الأرساغ فهو تخديم . وإذا ابيضت الثنة كلها ~~ولم يتصل بياضها ببياض التحجيل فهو أصبغ . وإذا ارتفع البياض في القوائم ~~إلى الجبب فما فوق ذلك ما لم يبلغ الركبتين والعرقوبين فهو التجبيب . فإذا ~~بلغ التجبيب الركبتين والعرقوبين فهو مسرول حتى يخرج من الذراعين والساقين ~~. فإذا خرج من الذراعين والساقين فهو أخرج . وكل بياض في التحجيل مستطيل ~~فهو تسريح . والله أعلم . ما في الفرس من الدوائر فمنها : دائرة المحيا وهو ~~اللاصقة بأسفل الناصية . ودائرة اللطمة في وسط الجبهة ، فإن كانت دائرتان ~~في الجبهة قيل : فرس نطيح . ودائرة اللاهز : التي تكون في اللهزمة . ودائرة ~~العمود وتسمى المعوذ أيضا وهي في موضع القلادة . ودائرة السمامة في وسط ~~العنق . ودائرتان البنيقين وهما اللتان في نحر الفرس . ودائرة الناحر : ~~التي في الجران إلى أسفل من PageV10P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" ذلك . ودائرة القالع : التي تكون تحت اللبد . ~~ودائرة الهقعة في الشقين ، وتدعى النافذة أيضا ، وقيل : هي التي تكون في ~~عرض زوره . ودائرة النافذة وهي دائرة الحزام . ودائرتا الصقرين في الحجبتين ~~والقصريين ، والحجبة : رأس الورك . والقصرى : الضلع التي تلي الشاكلة ، ~~ودائرة الخرب تكون تحت الصقرين . ودائرة الناخس تكون تحت الجعرتين إلى ~~الفائلين . وهما عرقان في الفخذ . والجاعرتان : حرفا الوركين المشرفان على ~~الفخذين ، وهما مضرب الفرس بذنبه على فخذيه ، وهما موضع الرقمتين من است ~~الحمار . وكانت العرب تستحب من هذه الدوائر : المعوذ ، والسمامة ، والهقعة ms1960 ~~. وقيل : استحبوا الهقعة ثم كرهوها . يقال : إن المهقوع لا يسبق أبدا . ~~وكانوا يكرهون النطيح ، واللاهز ، والقالع ، وقيل : الناخس أيضا . وما سوى ~~هذه الدوائر فغير مكروه . وقال ابن قتيبة : والدوائر ثماني عشرة دائرة . ~~تكره منها الهقعة وهي التي تكون في عرض زوره ، وقال : إن أبقى الخيل ~~المهقوع . ودائرة القالع هي التي تكون تحت اللبد . ودائرة الناخس هي التي ~~تكون تحت الجاعرتين إلى الفائلين . ودائرة اللطاة في وسط الجبهة ، وليست ~~تكره إذا كانت واحدة ؛ فإذا كانت هناك دائرتان قالوا : فرس نطيح ؛ وذلك ~~مكروه . وما سوى هذه الدوائر غير مكروهة . ومن الدوائر التي ذكرتها الهند ~~في البركة والشؤم ، قالوا : إذا كان في موضع حكمته دائرة أو على جحفلته ~~العليا دائرة كان مما يرتبط . وما كان منها ليس في وجهه ولا في صدره دارة ~~فمكروه ارتباطه . وما كان في صدره دارة إلى التربيع ، أو كان في رأسه ~~دارتان ، أو على خاصرته أو على مذبحه دارة ، أو في عنقه أو على خطمه أو على ~~أذنه شعر نابت كزهرة النبات ، كان ذلك مما يرتبط وتقضى عليه الحوائج ، ~~ويكون صاحبه مظفرا في الحروب ولا يرى في أموره إلا خيرا . وذكروا أيضا : ~~أنه لا ينبغي أن يرتبط من الدواب ما كان منها في مقدم يده دارة ، وما كان ~~أسفل من عينيه دارة ، أو في أصل أذنيه من الجانبين دارتان ، أو على مأبضه ~~دارة ، أو على محجره دارة ، أو في خده أن في جحفلته السفلى أو على ملتقى ~~لحييه PageV10P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" دارة ، أو في بطنه شعر منتشر ، أو على سرته ~~دارة ، أو كانت أسنانه طالعة على جحفلته ، أو له سنان ناتئان بمنزلة أنياب ~~الخنزير ، أو في لسانه خطط سود لا خضر ، وما كان منها أدبس أو أبيض أو أصفر ~~أو أشهب تعلوه حمرة وداخل جحافله ولهواته وخارج لححيته سواد ، وما كان منها ~~أدهم وداخل جحافله أبيض ، أو في لهواته وداخل شدقه نقط سود وجحفلته خارجها ~~منقط كحب السمسم ، أو على منسجه دارتان ، أو على خصييه وبر أسود مخالف ms1961 ~~للونه ، أو كان في جبهته شعرات مخالفة للونه ، أو ما كان منها حين ينتج يرى ~~خصياه ظاهرين ، فهذه العلامات زعم حنة الهندي أنه لا ينبغي لأحد أن يرتبط ~~دابة بها شيء منها . وزعم أنه يستحب أن يربط ما كان في صدره أربع نقط في ~~أربعة مواضع ، أو شعر ملتف عرضا وطولا ، أو شعر ملتو . وأما ما قيل طبائعها ~~وعاداتها ، والمحمود من صفاتها ، ومحاسنها ، والعلامات الدالة على جودة ~~الفرس ونجابته : قالت العرب : والخيل نوعان : عتيق وهو المسمى فرسا ، وهجين ~~وهو المسمى برذونا . والفرق بينهما أن عظم البرذون أغلظ من عظم الفرس ؛ ~~وعظم الفرس أصلب وأثقل من عظم البرذون ؛ والبرذون أحمل من الفرس ، والفرس ~~أسرع من البرذون ؛ والعتيق بمنزلة الغزال ، والبرذون بمنزلة الشاة . وفي ~~طبع الفرس : الزهو ، والخيلاء ، والعجب ، والسرور بنفسه ، والمحبة لصاحبه . ~~وفي طبعه : أنه لا يشرب الماء إلا كدرا ، حتى إنه يرد الماء وهو صاف فيضرب ~~بيده فيه حتى يكدره ويعكره . وربما ورد الماء الصافي وهو عطشان فيرى خياله ~~فيه فيتحاماه ويأباه ، وذلك لفزعه من الخيال الذي يراه في الماء . وهو يوصف ~~بحدة البصر . وفي طبعه : أنه متى وطئ أثر الذئب خدرت قوائمه حتى لا يكاد ~~يتحرك ، ويخرج الدخان من جلده ؛ وإذا وطئته الأنثى وهي حامل أزلقت . ~~والأنثى من الخيل تحمل سنة كاملة ؛ هذا هو المعروف من عادتها . وأخبرني بعض ~~من أثق إلى قوله أنه كان يملك حجرا تحمل ثلاثة عشر شهرا . وسمعت أن عند ~~التتر جنسا من خيلها تحمل الفرس منها تسعة أشهر وتضع . وقال لي الناقل : إن ~~هذا أمر مشهور عندهم معروف مألوف لا ينكرونه ولا يتعجبون . PageV10P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" فصل ، والعلامات الجامعة لنجابة الفرس الدالة ~~على جودته ، ما ذكره أيوب ابن القرية وقد سأله الحجاج عن صفة الجواد من ~~الخيل فقال : القصير الثلاث ، الطويل الثلاث ، الرحب الثلاث ، الصافي ~~الثلاث . فقال : صفهن ؛ فقال : أما الثلاث الطوال فالأذن والعنق والذارع . ~~وأما الثلاث القصار فالظهر والساق والعسيب . وأما الثلاث الرحبة فالجبهة ~~والمنخر والجوف . وأما الثلاث الصافية فالأديم والعينان والحافر . وقد ms1962 جمع ~~بعض الشعراء ذلك في بيت واحد فقال : وقد أغتدي قبل ضوء الصباح . . . وورد ~~القطا في الغطاط الحثاث بصافي الثلاث عريض الثلاث . . . قصير الثلاث طويل ~~الثلاث وهذه الحكاية أيضا نقلت عن صعصعة بن صوحان وقد سأله معاوية : أي ~~الخيل أفضل ؟ فقال : الطويل الثلاث ، والعريض الثلاث ، القصير الثلاث ، ~~الصافي الثلاث . قال معاوية فسر لنا ؛ قال : أما الطويل الثلاث فالأذن ~~والعنق والحزام . وأما القصير الثلاث فالصلب والعسيب والقضيب . وأما العريض ~~الثلاث فالجبهة والمنخر والورك . وأما الصافي الثلاث فالأديم والعين ~~والحافر . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن معد يكرب : كيف معرفتك ~~بعراب الخيل ؟ قال : معرفة الإنسان بنفسه وأهله وولده ؛ فأمر بأفراس فعرضت ~~عليه ؛ فقال : قدموا إليها الماء في التراس ، فمن شرب ولم يكتف فهو من ~~العراب ، وما ثنى سنبكه فليس منها . وقيل : أهدى عمرو بن العاص لمعاوية بن ~~أبي سفيان ثلاثين فرسا من خيل مصر ؛ فعرضت عليه وعنده عتبة بن سفيان بن ~~يزيد الحارثي ؛ فقال له معاوية : كيف ترى هذه يا أبا سفيان ؟ فإن عمرا قد ~~أطنب في وصفها ؛ فقال : أراها يا أمير المؤمنين كما وصف ؛ وإنها لسامية ~~العيون ، لاحقة البطون ؛ مصغية الآذان ، قباء الأسنان ؛ ضحام الركبات ، ~~مشرفات الحجبات ؛ رحاب المناخر ، صلاب الحوافر ؛ وضعها تحليل ، ورفعها ~~تقليل ؛ فهي إن طلبت سبقت ، وإن طلبت لحقت . فقال معاوية : PageV10P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" اصرفها إلى دارك ، فإن بنا عنها غنى ، ~~وبفتيانك إليها حاجة . وقال أبو عبيدة : يستدل على عتق الفرس برقة جحافله ~~وأرنبته ، وسعة منخريه ، وعرى نواهقه ، ودقة حقويه وما ظهر من أعالي أذنيه ~~، ورقة سالفتيه وأديمه ، ولين شعره ؛ وأبين من ذلك كله لين شكير ناصيته ~~وعرفه . وكانوا يقولون : إذا اشتد نفسه ، ورحب متنفسه ، وطال عنقه ، واشتد ~~حقوه ، وانهرت شدقه ، وعظمت فخذاه ، وانشنجت أنساؤه ، وعظمت فصوصه ، وصلبت ~~حوافره ووقحت ، لحق بجياد الخيل ، والله أعلم . ما يستحب من أوصافها في ~~الخلق الأذن المؤللة ، والناصية المعتدلة التي ليست بسفواء ولا غماء . ~~والجبهة الواسعة ، والعين الطامحة السامية ، والخد الأسيل ، ورحب المنخرين ~~، وهرت الشدقين ، قال الشاعر : هريت قصيرعذار ms1963 اللجام . . . أسل طويل عذار ~~الرسن قوله : قصير عذار اللجام : لم يرد به قصر خده ، وإنما أراد طول شق ~~الفم . ويدل على ذلك قوله في البيت : أسيل طويل عذار الرسن يريد طول خده ، ~~وقود العنق لينها حتى لا تكون جاسئة ، ورقة الجحفلتين ، وارتفاع الكتفين ~~والحارك والكاهل . قالوا : ويستحب أن يشتد مركب عنقه في كاهله لأنه يتساند ~~إليه إذا أحضر ، وعرض الصدر ، وضيق الزور ، وارتفاع اللسان ، وأن يشتد حقوه ~~لأنه معلق وركيه ورجليه في صلبه ، وعظم جوفه وجنبيه ، وانطواء كشحه ، ~~وإشراف القطاة ، وقصر العسيب ، وطول الذنب ، وشنج النسا ، واستواء الكفل ~~حتى لا يكون أقرن ، وملاسة PageV10P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" الكفل ، وقصر الساقين وطول الفخذين ، وتوتير ~~الرجلين حتى لا يكون أقسط ، وتأنيف العرقوبين حتى لا يكون أقمع ، وغلظ ~~الرسغ ، وأن تكون الحوافر صلابا سودا أو خضرا . وحكي أن هارون الرشيد ركب ~~في سنة خمس وثمانين ومائة إلى الميدان لشهود الحلبة ، قال الأصمعي : فدخلت ~~الميدان لشهودها ، فجاء فرس أدهم لهارون الرشيد سابقا يقال له الربد ؛ فسر ~~به الرشيد وابتهج وقال : علي بالأصمعي ، فنوديت من كل جانب ، فأقبلت سريعا ~~حتى مثلت بين يديه ؛ فقال : يا أصمعي ، خذ بناصية الربد ثم صفه من قونسه ~~إلى سنبكه ، فإنه يقال : إن فه عشرين اسما من أسماءالطير ؛ فقلت : نعم يا ~~أمير المؤمنين ، وأنشدك شعرا جامعا لها من قول أبي حزرة ؛ قال : فأنشدنا ~~لله أبوك ؛ فأنشدته : وأقب كالسرحان تم له . . . ما بين هامته إلى النسر ~~الهامة : أعلى الرأس . والنسر : ما ارتفع من بطن الحافر من أعلاه . وهما من ~~أسماء الطير . رحبت نعامته ووفر فرخه . . . وتمكن الصردان في النحر النعامة ~~: جلدة الرأس التي تغطي الدماغ . والفرخ : الدماغ . والصردان : عرقان في ~~أصل اللسان ، ويقال : إنهما عرقان يكتنفان باطن اللسان . وفي الظهر أيضا ~~صرد يكون في موضع السرج من أثر الدبر . والنعامة والفرخ والصردان من أسماء ~~الطير . وأناف بالعصفور في سعف . . . هام أشم موثق الجذر العصفور : أصل ~~منبت شعر الناصية ، وهو أيضا عظم ناتئ في كل جبين ، وهو أيضا من الغرر . ~~والسعف : يقال : فرس ms1964 أسعف إذا سالت ناصيته . وهام أي سائل . والشمم : ~~ارتفاع قصبة الأنف . وموثق الجذر أي شديد . والجذر : الأصل من كل شيء . ~~وازدان بالديكين صلصله . . . ونبت دجاجته عن الصدر الديكان : واحدهما ديك ~~وهو العظم الناتئ خلف الأذن ، وهو الذي يقال له PageV10P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" الخشاء والخششاء . والصلصل : بياض في طرف ~~الناصية ، ويقال : هو أصل الناصية . والدجاجة : اللحم الذي على زوره بين ~~يديه . والديك والصلصل والدجاجة من الطير . والناهضان أمر جلزهما . . . ~~فكأنما عثما على كسر الناهضان : واحدهما ناهض ، وهو لحم المنكبين ، ويقال : ~~هو اللحم الذي بلى العضدين من أعلاهما . والناهض : فرخ العقاب . وقوله أمر ~~جلزهما أي فتل وأحكم ، يقال : أمررت الحبل أي فتلته . والجلز : الشد . ~~وقوله : فكأنما عثما على كسر أي كأنهما كسرا ثم جبرا . والعثم : الجبر على ~~عقدة وعوج . مسحنفر الجبين ملتئم . . . ما بين شيمته إلى الغر قوله : ~~مسحنفر الجبين أين منتفخهما . ملتئم أي معتدل . والشيمة : من قولك : فرس ~~أشيم : بين الشامة . والغر في الطير الأغلب الذي يسمى الرخمة . وهي من ~~الفرس عضلة الساق . وصفت سماناه وحافره . . . وأديمه ومنابت الشعر السماني ~~: طائر وهو موضع من الفرس ربما أراد به السمامة ، وهي دائرة تكون في سالفة ~~الفرس . والسمامة أيضا من الطير . وأديمه : جلده . وسما الغراب لموقعيه معا ~~. . . فأبين بينهما على قدر الغراب : رأس الورك ، ويقال للصلوين الغرابان ، ~~وهما مكتنفا عجم الذنب ، ويقال : هما ملتقى أعلى الوركين . والموقعان : ما ~~في أعالي الخاصرتين . وقوله : فأبين بينهما على قدر أي فرق بينهما على ~~استواء واعتدال . واكتن دون قبيحه خطافه . . . ونأت سمامته على الصقر قوله ~~: واكتن أي استتر . والقبيح : ملتقى الساقين ، ويقال : إنه مركب الذراعين ~~في العضدين . والخطاف : هو حيث أدركت عقب الفارس إذا حرك رجليه ؛ ويقال ~~لهذين الموضعين من الفرس المركلان . ونأت أي بعدت . والسمامة : دائرة تكون ~~في عنق الفرس . والصقر : دائرة في الرأس . والخطاف والسمامة والصقر من ~~أسماء الطير . PageV10P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" وتقدمت عنه القطاة له . . . فنأت بموقعها عن ~~الحر القطاة : مقعد الردف . والحر : سواد في ظاهر أذني الفرس . وهما من ~~الطير . يقال : إن الحر ms1965 ذكر الحمام . وسما على نقويه دون حداته . . . خربان ~~بينهما مدى الشبر النقوان : واحدهما نقو والجمع أنقاء ، وهو عظم ذو مخ . ~~وعنى هاهنا عظام الوركين ، لأن الخراب هو الذي تراه مثل المدهن في ورك ~~الفرس . وهو من الطير ذكر الحباري . والحدأة : سالفة الفرس . وهي من الطير ~~. يدع الرضيم إذا جرى فلقا . . . بتوائم كمواسم سمر الرضيم : الحجارة ، ~~يفلقها بتوائم أي بحوافره . والمواسم : جمع ميسم الحديد ؛ أي أنها كمواسم ~~الحديد في صلابتها . وقوله : سمر أي لون الحافر . والحافر الأسمر هو الصلب ~~. ركبن في محض الشوى سبط . . . كفت الوثوب مشدد الأسر الشوى هاهنا : ~~القوائم ، يقال : فرس محض الشوى إذا كانت قوائمه معصوبة . سبط : سهل . كفت ~~الوثوب أي مجتمع . مشدد الأسر أي الخلق . قال الأصمعي : فأمر لي بعشرة آلاف ~~درهم . فهذه جمل من أوصاف محاسنها . وسنذكر إن شاء الله تعالى ما وصفها به ~~الشعراء في أشعارها والفضلاء في رسائلها ، على ما تقف على ذلك في موضعه . ~~فلنذكر عيوب الخيل : عيوبها التي تكون في خلقتها ، وفي جريها ، والتي تطرأ ~~عليها وتحدث فيها ، فهي مائة نذكرها : فأما التي في خلقتها فهي أن يكون ~~الفرس أخذى وهو المسترخي أصول الأذنين . وأمعر وهو الذي ذهب شعر ناصيته . ~~وأسفى وهو الخفيف الناصية ، وهو محمود في البغال . وأغم وهو الذي غطت ~~ناصيته عينيه . وأسعف وهو الذي في ناصيته بياض . وأحول وهو الذي ابيض مؤخر ~~عينه وغار السواد من قبل مآقيه . وأزرق وهو الذي في إحدى عينيه بياض أو ~~زرقة . وأقنى وهو الذي في أنفه احديداب . ومغربا وهو الذي أشفار عينيه بيض ~~مع زرقتها . وأدن وهو الذي اطمأن عنقه من أصله . وأهنع وهو الذي اطمأنت ~~عنقه من وسطها . وأوقص وهو الذي في PageV10P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" عنقه قصر ويبس معطف . وأكتف وهو الذي في أعالي ~~كتفيه انفراج . وأزور وهو الذي تدخل إحدى فهدتي صدره وتخرج الأخرى . وأقعص ~~وهو المطمئن الصلب من الصهوة المرتفع القطاة . ومخطفا وهو الذي الحق ما خلف ~~محزمه من بطنه . وأهضم وهو المستقيم الضلوع الذي دخلت أعاليه . وصقلا وهو ~~الطويل ms1966 الصقلة . وأثجل وهو الذي خرجت خاصرته ورق صفاقه . وأفرق وهو الذي قد ~~أشرفت إحدى وركيه على الأخرى . وأرسح وهو قليل لحم الصلا . وأعزل وهو ~~الملتوي عسيب الذنب حتى يبرز بعض باطنه . وأكشف وهو الذي التوى عسيب ذنبه . ~~وأصبغ وهو المبيض الذنب . وأشعل وهو الذي في عرض ذنبه بياض . وأشرج وهو ~~الذي ببيضة واحدة . وأفحج وهو الذي تباعد كعباه . وأبد وهو الذي تباعدت ~~يداه ، وأصك وهو الذي تصك كعباه إذا مشى . وأحل وهو متمسح النسا رخو الكعب ~~. وأقفد وهو المنتصب الرسغ المقبل على الحافر ويكون في الرجل خاصة . وأصدف ~~وهو الذي تدانى ذراعاه وتباعد حافراه . وموجها وهو الذي به صدف يسير . ~~وأقسط وهو الذي رجلاه منتصبتان غير منحنيتين . وأمدش وهو المصطك بواطن ~~الرسغين . وأحنف وهو الملتوي الحافرين يقبل كل منهما على صاحبه . ومتلقفا ~~وهو الذي يخبط بيده . وأرجز وهو المضطرب الرجل والكفل فإذا قام اضطربت فخذه ~~. وشختا وهو القليل اللحم الحميش العظام . ورطلا وهو الضعيف الخفيف . ~~مكبونا وهو القصير الدوارج القريب من الأرض الرحيب الجوف . وعشا وهو الضاحي ~~العظام لقلة لحمه . وسغلا وهو الصغير الجرم . قال الواساني رحمه الله : ليس ~~بأسفي ولا أحق ولا . . . أهضم طاوي الحشا ولا سغل PageV10P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" وجأبا وهو القصير الغليظ . وملواحا وهو السريع ~~العطش . وصلودا وهو البطيء العرق . وضاويا وهو الذي أضواه أبواه . ومقرفا ~~وهو الذي أمه عتيقه وأبوه غير عتيق . وهجينا وهو الذي أبوه عتيق وأمه ~~برذونة . ومحمقا وهو الذي لا ينتج منه إلا أحمق . وكوسيا وهو الذي إذا جرى ~~نكس كالحمار . وجاسئا وهو الذي ترى معاقده وفقار ظهره وعنقه جاسئة غير لينة ~~. والله أعلم . وأما العيوب التي في جريها فمنها : الطموح وهو السامي ببصره ~~صعدا . والمنكس وهو الذي يطأطئ رأسه إذا جرى . والمعتزم وهو الذي يجمح ~~أحيانا . والجموح : الصلب الرأس . والغرب : المداد المرامي . والشموس : ~~الذي يمنع السرج والمس . والحرون : الذي إذا أدر جريه قام لا عن كلال . ~~والبالح إذا قطع جريه ضعفا . والضغن هو الذي يتلكأ في الحضر ويقصر عن ~~الحران . والحفاش هو ms1967 الذي يشب حضرا ثم يرجع القهقرى . والرواغ هو الذي يحيد ~~في حضره يمينا وشمالا . والفيوش هو الذي يظن يه الجري وليس عنده شيء منه . ~~والحيوص وهو الذي يعدل يمينا وشمالا في استقامة حضره . والمشتق هو الذي يدع ~~طريقه ويعدل ثم يمضى على عدوله لا يروغ . والشبوب : الذي يقوم على رجليه ~~ويرفع يديه . والعاجر والمعاجر : الذي يعجر برجليه كقماص الحمار . والعدوم ~~والعضوض : الذي يعض ما سايره . والشادخ : يعدل عن طريقه ولا يبالي ما ركب . ~~والجرور : البطئ . والمنعثل : الذي يفرق بين قوائمه فإذا رفعها فكأنما ~~ينزعها من وحل يخفق برأسه ولا تتبعه رجلاه . والمجربذ : الذي يقارب الخطو ~~يقرب سنابكه من الأرض ولا يرفعها رفعا شديدا . والمساعر : الذي يطيح قوائمه ~~جميعا متفرقة ولا ضبر له . والمتراد : الذي ينقص حضره من ابتداء جريه . ~~والفاتر إذا فتر في حضره ولم تساعده قوائمه على ما تطالبه نفسه . والمواكل ~~: الذي لا يسير إلا بسير غيره . والخروط : الذي يخرط رسنه عن رأسه . ~~والرموح : الذي يرمح بإحدى رجليه . والضروح : الذي يرمح بكلتيهما . قال : ~~وهذه الزيادة على الأربعة PageV10P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" والعشرين إنما هي من سوء العادة وفساد الرياضة ~~. وأما العيوب التي تطرأ عليها وتحدث فيها فمنها : الانتشار وهو انتفاخ ~~العصب . والشظى : تحرك العظم اللاصق بالركبة . والفتوق : انفتاق من العصب ~~على الأرضفة . والدخس : ورم في أطرة الحافر . والزوائد : أطراف عصب تفرق ~~عند العجاية وتنقطع عندها وتلصق بها . والعرن : جسوء في رسغ الرجل خاصة ~~لشقاق أو مشقة . والشقاق : يصيبه في أرساغه وربما ارتفع إلى أوظفته ، وهو ~~تشقق يصيبها ، وتسمى الحلامة . والجرد ، ما حدث في عرض عرقوبيه ظاهرا ~~وباطنا من تزيد وانتفاخ عصب ويكون مع المفصل طولا كالموزة . والملح : ~~انفتاق من العصب أسفل العرقوب لمادة تنصب إليه كالبلوطة . والقمع : هو عظم ~~قمعة العرقوب . والمشش : كل ما شخص في الوظيف وله حجم وليست له صلابة العظم ~~. والارتهاش : أن يصك بعرض حافره عرض عجايته من اليد الأخرى . والرهصة : ما ~~يصير في الحافر . والوجا : ما يصيب الحافر من الخشونة . والرقق : ضعف ورقة ~~في الحافر . والنملة ms1968 : شق في الحافر من الأشعر إلى طرف السنبك . والسرطان : ~~داء يأخذ في الرسغ فيبس عروقه حتى يقلب حافره . والعزل : أن يعزل ذنبه في ~~شق عادة . والخقاق : صوت من ظبية الأنثى . والبجر : أن تكون الرهابة غير ~~ملتئمة فيعظم ما والاها من جلد السرة . وحيث ذكرنا العيوب فلنذكر الخيل ~~النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام . ذكر أسماء خيل الرسول ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أول فرس ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرس ابتاعه ~~بالمدينة من رجل من بني فزارة بعشر أواق ، وكان اسمه عند الأعرابي الضرس ~~فسماه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) السكب . فكان أول ما غزا عليه أحدا ، ~~ليس مع المسلمين فرس غيره وفرس لأبي بردة بن نيار يقال له PageV10P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" ملاوح . وكان السكب كميتا أغر محجلا مطلق ~~اليمنى ، وقيل : إنه أدهم . رواه الطبراني في المعجم الكبير . وعن عمارة بن ~~خزيمة الأنصاري أن عمه حدثه ، وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، : ~~أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ابتاع فرسا من أعرابي ، فاستتبعه النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ليقبضه ثمن فرسه ، فأسرع النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) المشي وأبطأ الأعرابي ؛ فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ولا ~~يشعرون أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ابتاعه ، حتى زاد بعضهم الأعرابي ~~في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه به النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فنادى ~~الأعرابي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : إن كنت مبتاعا هذا الفرس ~~فابتعه وإلا بعته ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بلى قد ابتعته " ؛ ~~فطفق الناس يلوذون بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وبالأعرابي وهما يتراجعان ~~، وطفق الأعرابي يقول : هلم شهيدا يشهد أني قد بايعتك فمن جاء من الناس قال ~~للأعرابي ويلك إن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يكن ليقول إلا حقا حتى ~~جاء خزيمة بن ثابت فأسمع لمراجعة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ومراجعة ~~الأعرابي ؛ فطفق الأعرابي يقول : هلم شهيدا يشهد أني قد بايعتك ؛ فقال ~~خزيمة بن ثابت : أنا أشهد أنك قد بايعته ms1969 . فأقبل النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) على خزيمة فقال : " بم تشهد ؟ " فقال : بتصديقك يا رسول الله ؛ فجعل ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " شهادة خزيمة بن ثابت بشهادة رجلين " ~~. وفي لفظ : فقال خزيمة بن ثابت : أنا أشهد أنه قد باعك الفرس يا رسول الله ~~؛ فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " وهل حضرتنا يا خزيمة ؟ " فقال : ~~لا ؛ فقال : " فكيف شهدت بذلك " ؛ فقال خزيمة : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ~~، أصدقك على أخبار السماء وما يكون في غد ولا أصدقك في ابتياعك هذا الفرس . ~~فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " إنك لذو الشهادتين يا خزيمة " . وقد ~~اختلف في اسم هذا الفرس ، فقال محمد بن يحيى ين سهل بن أبي حثمة : هو ~~المرتجز ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه المرتجز . قال ابن الأثير : ~~وكان أبيض . وقال ابن قتيبة في المعارف : المرتجز ، وفي أخرى : الطرف ، وفي ~~أخرى : النجيب . ومنها البحر ، وهو الذي سبق الخيل لما سابق به رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ؛ فسماه البحر PageV10P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" في ذلك اليوم . وكان النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قد اشتراه من تجر قدموا من اليمن ، فسبق عليه مرات . قال ابن الأثير ~~: وكان كميتا ، وقيل : كان أدهم . ومنها سبحة ، ذكرها ابن بنين فقال : ~~وكانت فرسا شقراء ابتاعها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من أعرابي من جهينة ~~بعشر من الإبل ، وسابق عليها يوم خميس ومد الحبل بيده ثم خلى عنها وسبح ~~عليها ؛ فأقبلت الشقراء حتى أخذ صاحبها العلم وهي تنبر في وجوه الخيل ؛ ~~فسميت سبحة . وسبحة من قولهم : فرس سابح إذا كان حسن مد اليدين في الجري . ~~وسبح الفرس : جريه . ومنها ذو اللمة ، ذكره ابن حبيب في أفراس النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . ومنها ذو العقال ، قال بعض العلماء : كان للنبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فرس يقال له ذو العقال . وكان له صلى الله عليه وسلم فرس ~~يقال له اللحيف وقيل : اللخيف بالخاء ، وقيل فيه : النحيف . أهداه له فروة ~~بن عمرو من أرض البلقاء ، وقيل : أهداه ms1970 له ابن أبي البراء ، وكان ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يركبه في مذاهبه . وسمي اللحيف لطول ذنبه . وروى ابن منده ~~من حديث عبد المهيمن بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده قال : كان لرسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ثلاثة أفراس يسميهن : اللزاز واللحيف والظرب . فأما ~~لزاز فأهداه له المقوقس . وأما اللحيف فأهداه له ربيعة بن أبي البراء ، ~~فأثابه عليه فرائض من نعم بني كلب . وأما الظرب فأهداه له فروى بن عمرو بن ~~النافرة الجذامي . الظرب واحد الظرب وهو الروابي الصغار . وسمي به لكبره ~~وسمنه ، وقيل : لقوته وصلابة حافره . وأهدى تميم الداري لرسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فرسا يقال له الورد ؛ فأعطاه عمر ؛ فحمل عليه عمر رضي ~~الله عنه في سبيل الله . وذكر علي بن محمد بن حنين بن عبدوس الكوفي في ~~أسماء خيل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : وكانت له أربعة أفراس : ~~أحدها يقال له السكب والمرتجز والسجل والبحر . وقال ابن الأثير : وكان له ~~أفراس : المرتجز وذو العقال والسكب واللحيف واللزاز والظرب وسبحة والبحر ~~والشحاء بالشين المعجمة والحاء المهملة . PageV10P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" وحكى ابن بنين عن ابن خالويه قال : كان للنبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) من الخيل : سبحة واللحيف ولزاز والظرب والسكب وذو ~~اللمة والسرحان والمرتجل والأدهم والمرتجز . وذكر في موضع آخر : وملاوح ~~والورد واليعسوب . وذكر قاسم بن ثابت في كتاب الدلائل : ا ليعسوب واليعبوب ~~فرسين لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وذكر ابن سعد في وفادات العرب ~~عن محمد بن عمر قال : حدثني أسامة بن زيد عن زيد بن طلحة التيمي قال : قدم ~~خمسة عشر رجلا من الرهاويين وهو حي من مذحج على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فنزلوا دار رملة بنت الحارث ؛ فأتاهم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فتحدث عندهم طويلا ؛ فأهدوا لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~هدايا ، منها فرس يقال له المراوح ؛ فأمر به فشور بين يديه فأعجبه ؛ ~~فأسلموا وتعلموا القرآن والفرائض ؛ وأجازهم كما يجيز الوفد : أرفعهم ثنتي ~~عشرة أوقية ونشا ms1971 وأخفضهم خمس أواق . فقد ظهر من مجموع هذه الروايات أن خيل ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كانت تسعة عشر فرسا ، وهي : السكب ~~والمرتجز والبحر وسبحة وذو اللمة وذو العقال واللحيف ، وقيل فيه بالخاء ~~المعجمة ، وقيل : النحيف بالنون ، واللزاز والظرب والورد والسجل والشحاء ~~والسرحان والمرتجل والأدهم وملاوح واليعسوب واليعبوب والمراوح . وقد يكون ~~الأدهم هو السكب أو البحر ، فتكون ثمانية عشر فرسا . والله عز وجل أعلم . ~~ذكر أسماء كرام الخيل المشهورة عند العرب من أقدم خيل العرب زاد الراكب ؛ ~~وكان من خيل سليمان بن داود عليهما السلام . وحكى محمد بن السائب الكلبي : ~~أن الصافنات الجياد المعروضة على PageV10P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" سليمان ابن داود صلى الله عليهما وسلم كانت ~~ألف فرس ورثها عن أبيه ؛ فلما عرضت عليه ألهته عن صلاة العصر حتى توارت ~~الشمس بالحجاب ، فردها وعرقبها إلا أفراسا لم تعرض عليه ؛ فوفد عليه قوم من ~~الأزد ، وكانوا أصهاره ، فلما فرغوا من حوائجهم قالوا : يا نبي الله ، إن ~~أرضنا شاسعة فزودنا زادا يبلغنا ؛ فأعطاهم فرسا من تلك الخيل وقال : إذا ~~نزلتم منزلا فاحملوا عليه غلاما واحتطبوا ، فإنكم لا تورون ناركم حتى ~~يأتيكم بطعام ؛ فساروا بالفرس ، فكانوا لا ينزلون منزلا إلا ركبه أحدهم ~~للقنص ، فلا يفلت شيء تقع عينه عليه من ظبي أو بقرة أو حمار ، إلى أن قدموا ~~بلادهم ؛ فقالوا : ما لفرسنا هذا اسم غلا زاد الراكب فسموه به . فأصل فحول ~~العرب من نتاجه . ويقال : إن أعوج منها . قال امرؤ القيس : إذا ما ركبنا ~~قال ولدان أهلنا . . . تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب وقال عمارة : وأرى ~~الوحش عن يميني إذا ما . . . كان يوما عنانه في شمالي ومن خيل العرب ~~المشهورة ما حكاه أبو علي الحسن بن رشيق الأزدي في كتابه المترجم بالعمدة ~~عن ابن حبيب عن أبي عبيدة قال : الغراب والوجيه ولاحق والمذهب ومكتوم كانت ~~كلها لغني . وقال أحمد بن سعد الكاتب : كان أعوج أولا لكندة ، ثم أخذته ~~سليم ، وصار لبني عامر ثم لبني هلال . قال ابن حبيب : ركب رطبا فأعوجت ~~قوائمه ms1972 ، وكان من أجود خيل العرب . وأمه سبل لغني . وأم سبل سوادة . وأم ~~سوادة القسامة ، وكانت لجعدة . وحكى أحمد بن محمد بن عبد ربه صاحب العقد في ~~كتابه : أنه لما أنتجته أمه ببعض بيوت الحي نظروا إلى طرف يضع جحفلته على ~~كاذتها على الفخذ مما يلي الحياء ؛ فقالوا : أدركوا ذلك الفرس لا ينزو ~~فرسكم ؛ لعظم أعوج وطول قوائمه ؛ فقاموا إليه فإذا هم بالمهر ؛ فسموه أعوج ~~. ولهم أيضا الفياض . قال ابن سعد : الوجيه ولاحق لبني أسد ، وقيد وحلاب ~~لبني تغلب ، والصريح لبني نهشل ، وزعم غيره أنه كان لآل المنذر ، وجلوى ~~لبني ثعلبة بن PageV10P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" يربوع ، وذو العقال لبني رياح بن يربوع ، وهو ~~أبو داحس . وكان داحس والغبراء لبني زهير . والغبراء خالة داحس وأخته من ~~أبيه . وذو العقال وقرزل والخطار والحنفاء لحذيفة بن بدر . والحنفاء هي أخت ~~داحس من أبيه وأمه . وقرزل آخر للطفيل بن مالك . وحذفة لخالد بن جعفر بن ~~كلاب . وحذفة أيضا لصخر بن عمرو بن الشريد . والشقراء لزهير بن جذيمة ~~العبسي . والزعفران لبساطم بن قيس . والوريعة ونصاب وذو الخمار لمالك بن ~~نويرة . والشقراء أخرى لأسيد بن حناءة . والشيط لأنيف بن جبلة الضبي . ~~والوحيف لعامر بن الطفيل . والكلب والمزنوق والورد له أيضا . وخنثى لعمرو ~~بن عمرو بن عدس . والهداج فرس الريب ابن شريق السعدي وجزة فرس يزيد بن سنان ~~المري فارس غطفان . والنعامة للحارث بن عباد . وابن النعامة لعنترة . ~~والنحام فرس للسليك ابن السلكة السعدي . والعصا فرس جذيمة بن مالك الأزدي . ~~والهراوة لعبد القيس بن أفصى . واليحموم فرس النعمان بن المنذر . وكامل فرس ~~زيد الخيل . والزبد فرس الحوفزان وهو أبو الزعفران فرس PageV10P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" بسطام . والحمالة فرس الكلحبة اليربوعي . هذا ~~ما أورده أحمد بن سعد . وقال ابن دريد : القطيب والبطين فرسان كانا للعرب . ~~واللعاب والعباية فرسا حري بن ضمرة . والمدعاس فرس النواس بن عامر المجاشعي ~~. وصهبى فرس النمر بن تولب . وحافل فرس مشهور . والعسجدي لبني أسد . ~~والشموس فرس يزيد بن خذاق العبدي . الضيف لبني تغلب . وهراوة العزاب فرس ms1973 ~~الريان بن حويص العبدي ، يقال إنها جاءت سابقة طول أربع عشرة سنة ، فتصدق ~~بها على العزاب يتكسبون عليها في السباق والغارات . والحرون فرس تنسب إليه ~~الخيل ، وكان لمسلم بن عمرو بن أسد الباهلي . والزائد فرس مشهور وهو من نسل ~~الحرون . ومناهب فرس تنسب إليه الخيل أيضا ، قال الشمردل : تلقى الجياد ~~المقربات فينا . . . لأفحل ثلاثة ينمينا مناهبا والضيف والحرونا والعلهان ~~فرس أبي مليل عبد الله بن الحارث اليربوعي . هذا ما اتفق إيراده من أسماء ~~كرام الخيل ومشهورها . فلنذكر ما ورد في أوصافها وتشبيهها . ذكر ما قيل في ~~أوصاف الخيل وتشبيهها نظما ونثرا أول من شبه الفرس بالظبي والسرحان ~~والنعامة ، ثم اتبعه الشعراء وحذوا مثاله واقتدوا به ، هو امرؤ القيس بن ~~حجر حيث قال : له أيطلا ظبي وساقا نعامة . . . وإرخاء سرحان وتقريب تتفل ~~PageV10P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" كأن على المتنين منه إذا انتحى . . . مداك ~~عروس أو صراية حنظل مكر مفر مقبل مدبر معا . . . كجلمود صخر حطه السيل من ~~عل درير كخذروف الوليد أمره . . . تقلب كفيه بخيط موصل كميت يزل اللبد عن ~~حال متنه . . . كما زلت الصفواء بالمتنزل وقال أيضا : وأركب في الروع ~~خيفانة . . . كسا وجهها سعف منتشر لها حافر مثل قعب الولد . . . ركب فيه ~~وظيف عجر لها عجز كصفاة المسي . . . ل أبرز عنها حجاف مضر لها ذنب مثل ذيل ~~العرو . . . س تسد به فرجها من دبر لها جبة كسراة المجن . . . حذفه الصانع ~~المقتدر إذا أقبلت قلت دباءة . . . من الخضر مغموسة في الغدر وإن أغرضت قلت ~~سرعوفة . . . لها ذنب خلفها مسبطر وإن أدبرت قلت أثفية . . . ململمة ليس ~~فيها أثر وقال أبو داود الإيادي يصف فرسا : PageV10P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" له ساقا ظليم خا . . . ضب فوجئ بالرعب حديد ~~الطرف والمنك . . . ب والعرقوب والقلب وقال آخر : له صدر طاوس وفخذ نعامة . ~~. . ووثبة نمر والتفات غزال وأعجب من ذا كلما حط حافرا . . . يخط هلالا من ~~وراء هلال وقال البحتري وكان وصافا للخيل : وأغر في الزمن البهيم محجل . . ~~. قد رحت منه على أغر محجل كالهيكل المبني إلا أنه . . . في ms1974 الحسن جاء ~~كصورة في هيكل ذنب كما سحب الرداء يذب عن . . . عرف ، وعرف كالقناع المسبل ~~جذلان ينفض عذرة في غرة . . . يقق تسيل حجولها في جندل كالرائح النشوان ~~أكثر مشيه . . . عرضا على السنن البعيد الأطول تتوهم الجوزاء في أرساغه . . ~~. والبدر غرة وجهه المتهلل صافي الأديم كأنما عنيت به . . . لصفاء نقبته ~~مداوس صيقل وكأنما نفضت عليه صبغها . . . صهباء للبردان أو قطربل وتخاله ~~كسي الخدود نواعما . . . مهما تواصلها بلحظ تخجل وتراه يسطع في الغبار ~~لهيبه . . . لونا وشدا كالحريق المشعل هزج الصهيل كأن في نغماته . . . ~~نبرات معبد في الثقيل الأول ملك العيون فإن بدا أعطينه . . . نظر المحب إلى ~~الحبيب المقبل وكتب إلى محمد بن حميد بن عبد الحميد الطوسي يستهديه فرسا ، ~~ووصف له أنواعا من الخيل ، فقال من أبيات : PageV10P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" فأعن على غزو العد بمنطو . . . أحشاؤه طي ~~الرداء المدرج إما بأشقر ساطع أغشى الوغى . . . منه بمثل الكوكب المتأجج ~~متسربل شية طلت أعطافه . . . بدم فما تلقاه غير مضرج أو أدهم صافي الأديم ~~كأنه . . . تحت الكمى مظهر بيرندج خفت مواقع وطئه فلو أنه . . . يجري برملة ~~عالج لم يرهج أو أشهب يقق يضيء وراءه . . . متن كمتن اللجة المترجرج تخفى ~~الحجول ولو بلغن لبانه . . . في أبيض متألق كالدملج أوفى بعرف أسود متفرد . ~~. . فيما يليه وحافر فيروزجي أو أبلق ملأ العيون إذا بدا . . . من كل لون ~~معجب بنموذج جذلان تحسده الجياد إذا مشى . . . عنقا بأحسن حلة لم تنسج ~~وعريض أعلى المتن لو عليته . . . بالزئبق المنهال لم يتدحرج خاضت قوائمه ~~الوثيق بناؤها . . . أمواج تحنيب بهن مدرج ولأنت أبعد في السماحة همة . . . ~~من أن تضن بملجم أو مسرج وقال أيضا يصف فرسا أدهم : بأدهم كالظلام أغر يجلو ~~. . . بغرته دياجير الظلام ترى أحجاله يصعدن فيه . . . صعود البرق في جون ~~الغمام PageV10P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" وقال أيضا في أدهم : ضرم يهيج السوط من شؤبوبه ~~. . . هيج الجنائب من حريق العرفج أما الجواد فقد بلونا يومه . . . وكفى ~~بيوم مخبرا عن عامه جارى الجياد فطار عن أوهامها . . . سبقا وكاد يطير عن ~~أوهامه جذلان تلطمه جوانب ms1975 غرة . . . جاءت مجيء البدر عند تمامه واسود ثم ~~صفت لعيني ناظر . . . جنباته فأضاء في إظلامه مالت نواحي عرفه فكأنها . . . ~~عذبات أثل مال تحت حمامه ومقدم الأذنين تحسب أنه . . . بهما يرى الشخص الذي ~~لأمامه وكأن فارسه وراء قذاله . . . ردف فلست تراه من قدامه لانت معاطفه ~~فخيل أنه . . . للخيزران مناسب لعظامه في شعلة كالشيب مر بمفرقي . . . غزل ~~لها عن شيبه بغرامه وكأن صهلته إذا استعلى بها . . . رعد يقعقع في ازدحام ~~غمامه مثل الغراب غدا يباري صحبه . . . بسواد صبغته وحسن قوامه والطرف أجلب ~~زائر لمؤونة . . . ما لم تزره بسرجه ولجامه وقال علي بن الجهم : فوق طرف ~~كالطرف في سرعة الطر . . . ف وكالقلب قلبه في الذكاء لا تراه العيون إلا ؟ ~~خيالا . . . وهو مثل الخيال في الانطواء وقال العباس بن مرداس : جاء كلمع ~~البرق سمام ناظره . . . تسبح أولاه ويطفو آخره PageV10P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" فما يمس الأرض منه حافره وقال أبو الطيب ~~المتنبي : وجردا مددنا بين آذانها القنا . . . فبتن خفافا يتبعن العواليا ~~تماشي بأبد كلما وافت الصفا . . . نقشن به صدر البزاة حوافيا وينظرن من سود ~~صوادق في الدجى . . . يرين بعيدات الشخوص كما هيا وتنصب للجرس الخفي سوامعا ~~. . . يخلن مناجاة الضمير تناديا تجاذب فرسان الصباح أعنة . . . كأن على ~~الأعناق منها أفاعيا وقال أيضا : وجياد يدخلن في الحرب أعرا . . . ء ويخرجن ~~من دم في جلال واستعار الحديد لونا وألقى . . . لونه في ذوائب الأطفال وقال ~~أبو الطيب أيضا : ويوم كليل العاشقين كمنته . . . أراقب فيه الشمس أيان ~~تغرب وعيني على أذني أغر كأنه . . . من الليل باق بين عينيه كوكب له فضلة ~~عن جسمه في إهابه . . . تجيء على صدر رحيب وتذهب شققت به الظلماء أدني ~~عنانه . . . فيطغى وأرخيه مرارا فيلعب وأصرع أي الوحش قفيته به . . . وأنزل ~~عنه مثله حين أركب وقال أيضا يصف فرسا : PageV10P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" إن أدبرت قلت لا تليل لها . . . وأقبلت قلت ما ~~لها كفل وقال أبو الفرج الببغاء : إن لاح قلت أدمية أم هيكل . . . أو عن ~~قلت أسابح أم أجدل تتخاذل الألحاظ في إدراكه . . . ويحار فيه الناظر ms1976 ~~المتأمل فكأنه في اللطف فهم ثاقب . . . وكأنه في الحسن حظ مقبل وقال أيضا ~~من أبيات : رماهم بألحاظ الجياد ولم تكن . . . لينأى عليها المنزل المتباعد ~~من اللاء يهجرن المياه لدى السرى . . . ويعتضن شم الجو والجو راكد مرن على ~~لذع القنا فكأنما . . . عليهن من صبغ الدماء مجاسد نسجن ملاء النقع ثم ~~خرقنه . . . بكر لها منه إلى النصر قائد عليهن من نسج الغبار غلائل . . . ~~رقاق ومن نضح الدماء قلائد وقال أبو الفتح كشاجم : ماء تدفق طاعة وسلاسة . ~~. . فإذا استدر الحضر منه فنار وإذا عطفت به على ناورده . . . لتديره فكأنه ~~بركار قصرت قلادة نحره وعذاره . . . والرسغ ، وهي من العتيق قصار يرد ~~الضحاضح غير ثان سنبكا . . . ويرود طرفك خلفه فيحار لو لم تكن للخيل نسبة ~~خلقه . . . خالته من أشكالها الأطيار PageV10P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" وقال آخر : وأقب تحمله رياح أربع . . . لولا ~~اللجام لطار في الميدان من جملة العقبان إلا أنه . . . من حسنه في طلعة ~~الغزلان يمشي إلى ميدانه متبخترا . . . من تيهه كتبختر النشوان وقال ابن ~~المعتز : وخيل طواها القود حتى كأنها . . . أنابيب سمر من قنا الخط ذبل ~~صببنا عليها ظالمين سياطنا . . . فطارت بها أيد سراع وأرجل وقال أبو بكر ~~الصنوبري : طرف نأت سماؤه عن أرضه . . . وما نأى كاهله عن الكفل ذو أربع من ~~أربع من القبو . . . ل والدبور والجنوب والشمل وهو إذا أعملها ألفى لها . . ~~. فوق الذي يطلبه من العمل كالبرق إن أومض أو كالرعد إن . . . أجلب أو صوب ~~الحيا إذا احتمل وقال آخر : يجري فيبعد من مدى متقارب . . . أبدا ويدنو من ~~مدى متباعد إن سار فهو غدير ماء مائج . . . أو قام فهو غدير ماء جامد وقال ~~أبو الفضل الميكالي : خير ما استطرف الفوارس طرف . . . كل طرف بحسنه مبهوت ~~هو فوق الجبال وعل وفي السه . . . ل نعام وفي المعابر حوت PageV10P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" وقال آخر : وطرف إذا ما جرى خلته . . . عقابا ~~من الوكر يبغي المزارا ترى في الجبين له سوسنا . . . وتلمح في لونه ~~الجلنارا ويمشي على الماء من خفة . . . ويقدح في الجلمد الصخر نارا فلو كان ms1977 ~~يبغي به راكب . . . إلى مطلع الشمس سيرا لطارا وقال عبد الجبار بن حمديس : ~~ومجرر في الأرض ذيل عسيبه . . . حمل الزبرجد منه جسم عقيق يجري ولمع البرق ~~في آثاره . . . من كثرة الكبوات غير مفيق ويكاد يخرج سرعة من ظله . . . لو ~~كان يرغب في فراق رفيق وقال ابن طباطبا : عجبا لشمس أشرقت في وجهه . . . لم ~~تمح منه دجى الظلام المطبق وإذا تمطر في الرهان رأيته . . . يجري أمام ~~الريح مثل مطرق وقال تاج الملوك بن أيوب : وخيل كأمثال السعالي شوازب . . . ~~تكاد بنا قبل المجال تجول سوابق تكبو الريح قبل محاقها . . . لها مرح من ~~تحتنا وصهيل وقال إبراهيم بن خفاجة يصف فرسا أشهب : PageV10P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" رب طرف كالطرف ساعة عدو . . . ليس يسري سراه ~~طيف الخيال إن سرى في الدجى فبعض الدراري . . . أو سعى في الفلا فإحدى ~~السعالي لست أدري إن قيد ليلة أسرى . . . أو تمطيته غداة قتال أجنوب تقتاد ~~لي أم جنيب . . . أم شمال عنانها بشمالي أشهب اللون أثقلته حلي . . . خب ~~فيهن وهو ملقى الجلال فبدا الصبح ملجما بالثريا . . . وجرى البرق مسرجا ~~بالهلال وقال أيضا في أشهب : وظلام ليل لا شهاب بأفقه . . . إلا لنصل مهند ~~أو لهذم لاطمت لجته بموجة أشهب . . . يرمى بها بحر الظلام فيرتمى قد سال في ~~وجه الدجنة غرة . . . فالليل في شبه الأغر الأدهم أطلعت منه ومن سنان أزرق ~~. . . ومهند عضب ثلاثة أنجم وقال أبو الصلت يصف فرسا أشهب : وأشهب كالشهاب ~~أضحى . . . يجول في مذهب الجلال قال حسودي وقد رآه . . . يجنب خلفي إلى ~~القتال من ألجم الصبح بالثريا . . . وأسرج البرق بالهلال وقال ابن خفاجة ~~وقد أهدى مهرا بهيما : تقبل المهر من أخي ثقة . . . أرسل ريحا به إلى المطر ~~مشتملا بالظلام من شية . . . لم يشتمل ليلها على سحر منتسبا لونه وغرته . . ~~. إلى سواد الفؤاد والبصر تحسبه من علاك مسترقا . . . بهجة مرأى وحسن مختبر ~~حن إلى راحة تفيض ندى . . . فمال ظل به على نهر ترى به والنشاط يحفزه . . . ~~ما شئت من فحمة ومن شرر PageV10P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" لو حمل الليل حسن دهمته ms1978 . . . أمتع طرف المحب ~~بالسهر أحمى من النجم يوم معركة . . . ظهرا وأجرى به من القدر اسود ، وابيض ~~فعله كرما . . . فالتفت الحسن فيه عن حور فازدد سنا بهجة بدهمته . . . ~~فالليل أذكى لغرة القمر ومثل شكري على تقبله . . . يجمع بين النسيم والزهر ~~وقال في فرس أشقر : ومطهم شرق الأديم كأنما . . . ألفت معاطفه النجيع خضابا ~~طرب إذا غنى الحسام ، ممزق . . . ثوب العجاجة جيئة وذهابا قدحت يد الهيجاء ~~منه بارقا . . . متلهبا يزجي القتام سحابا ورمى الحفاظ به شياطين العدا . . ~~. فانقض في ليل الغبار شهابا بسام ثغر الحلى تحسب أنه . . . كأس أثار بها ~~المزاج حبابا وقال في أدهم أغر محجل : وكأنما لطم الصباح جبينه . . . فاقتص ~~منه فخاض في أحشائه وقال ابن نباتة السعدي في أدهم : وأدهم يستمد الليل منه ~~. . . وتطلع بين عينيه الثريا سرى خلف الصباح يطير مشيا . . . ويطوى خلفه ~~الأفلاك طيا فلما خاف وشك الفوت منه . . . تعلق بالقوائم والمحيا وقال في ~~فرس أدهم أغر محجل أهدي له : قد جاءنا الطرف الذي أهديته . . . هاديه يعقد ~~أرضه بسمائه أولاية وليتنا فبعثته . . . رمحا سبيب العرف عقد لوائه تختال ~~منه على أغر محجل . . . ماء الدياجي قطرة من مائه PageV10P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" وكأنما لطم الصباح جبينه . . . فاقتص منه فخاض ~~في أحشائه متمهلا والبرق من أسمائه . . . متبرقعا والحسن من أكفائه ما كانت ~~النيران يكمن حرها . . . لو أن للنيران بعض ذكائه لا تعلق الألحاظ في ~~أعطافه . . . إلا إذا كفكفت من غلوائه وقال محمد بن الحسين الفارسي النحوي ~~أحد شعراء اليتيمة في فرس أدهم أغر : ومطهم ما كنت أحسب قبله . . . أن ~~السروج على البوارق توضع وكأنما الجوزاء حين تصوبت . . . لبب عليه والثريا ~~برقع طرائف في ذم الخيل بالهزال والعجز عن الحركة كتب بعضهم إلى صديق له : ~~ما فعلت حجرك تلك التي . . . أفضل من فارسها الراجل عهدي بها تبكي وتشكو ~~الضنى . . . لما احتشاه البدن الناحل وهي تغنيني غنا صبة . . . غايتها ~~وجدان ما تأكل : يارب لا أقوى على كل ذا . . . موت وإلا فرج عاجل وقال آخر ~~: يا نصر حجرك أبلى الجوع جدتها . . . وأصبحت شبحا تشكو ms1979 تجافيكا إذا رأت ~~تبنة قالت مجاهرة . . . يا تبن لي حسرة ما تنقضي فيكا ترجوه طورا وتبكي منه ~~آيسة . . . حتى إذا عرضت باتت تغنيكا : هذي ، فديتك ، حالي عد علمت بها . . ~~. فلم يكون الجفا أفديك أفديكا وقال آخر : أعطيتني شهباء مهلوبة . . . تذكر ~~نمروذ بن كنعان PageV10P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" سفينة الحشر إلى عدوها . . . أسبق من أشقر ~~مروان كأنني منها على زورق . . . بلا مجاديف وسكان فانظر إلى حجري ترى شهرة ~~. . . أخبارها جامع سفيان وقال آخر : حملتني فوق مقرف زمن . . . ليس لذي ~~رحلة بنفاع جلد على أعظم محللة . . . فليس يمشي إلا بدفاع كأنني إذ علوت ~~صهوته . . . ركبت منه سرير فقاع وكتب زهير بن محمد الكاتب : وفرس على المسا ~~. . . وي كلها محتويه راكبها في حجلة . . . كأنه في مخزيه مستقبحا ركوبها . ~~. . مثل ركوب المعصيه فما مساويها لمن . . . عددها مستويه يا قبحها مقبلة . ~~. . وقبحها موليه وقال برهان الدين ابن الفقيه نصر : لصاحب الديوان برذونة ~~. . . بعيدة العهد من القرط إذا رأت خيلا على مربط . . . تقول سبحانك يا ~~معطي تمشي إلى خلف إذا ما مشت . . . كأنها تكتب بالقبطي هذا ما اتفق إيراده ~~مما قيل في أوصاف الخيل من النظم . فلنذكر ما وصفت به في الرسائل المنثورة ~~، والفقر المسجوعة ، والألفاظ المزدوجة ؛ مع ما يتصل بذلك من الأبيات في ~~ضمنها . فمن ذلك ما حكي أن المهدي سأل مطر بن دراج عن أي الخيل أفضل ؛ فقال ~~: PageV10P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" الذي إذا استقبلته قلت نافر ، وإذا استدبرته ~~قلت زاخر ، وإذا استعرضته قلت زافر . قال : فأي هذه أفضل ؟ قال : الذي طرفه ~~إمامه ، وسوطه عنانه . ومن هذا أخذ المتنبي وعلي بن جبلة والعسكري . فقال ~~المتنبي : إن أدبرت قلت لا تليل لها وقد تقدم . وقال علي بن جبلة : تحسبه ~~أقعد في استقباله . . . حتى إذا استدبرته قلت أكب وقال أبو هلال العسكري : ~~طرف إذا استقبلته قلت حبا . . . حتى إذا استدبرته قلت كبا ووصف أعربي فرسا ~~أجري في حلبة فقال لما أرسلت الخيل : جاءوا بشيطان ، في أشطان ؛ فأرسلوه ~~فلمع لمع البرق ، واستهل استهلال الودق ؛ فكان أقرب الخيل إليه ، تقع ms1980 عينه ~~من بعد عليه . ووصف محمد بن الحسين بن الحرون فرسا فقال : هو حسن القميص ، ~~جيد الفصوص ؛ وثيق القصب ، نقي العصب ؛ يبصر بأذنيه ، ويتبوع بيديه ، ~~ويداخل رجليه . ووصف أخر فرسا فقال : الريح أسيرة يديه ، والظليم فريسة ~~رجليه ؛ إن حر ؟ استعر في التهابه ، وإن جد مرق من إهابه . وكتب عبد الله ~~بن طاهر إلى المأمون مع فرس أهداه إليه : قد بعثت إلى أمير المؤمنين فرسا ~~يلحق الأرنب في الصعداء ، ويجاوز الظباء في الاستواء ، ويسبق في الحدور جري ~~الماء ؛ إن عطف حار ، وإن أرسل طار ؛ وإن حبس صفن ، وإن PageV10P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" استوقف فطن ؛ فهو كما قال تأبط شرا : ويسبق ~~وفد الريح من حيث ينتحى . . . بمنخرق من شده المتتابع ووصف آخر فرسا فقال : ~~كأنه إذا علا دعاء ، وإذا هبط قضاء . كأنه محلول من قول الشاعر في صفة فرس ~~: مثل دعاء مستجاب إن علا . . . أو كقضاء نازل إذا هبط ووصف أيوب بن القرية ~~فرسا فقال : أسيل الخد ، حسن القد ؛ يسبق الطرف ، ويستغرق الوصف . وقال ~~محمد بن عبد الملك لصديق له : ابغ لي فرسا برذونا ، وثيق اليدين ، قائم ~~الأذنين ، ذكر العينين ، يأنف من تحريك الرجلين . ومن الكلام الجيد في وصف ~~الخيل ما أنشأه الشيخ ضياء الدين بن القرطبي من رسالته التي كتبها إلى ~~الصاحب الوزير شرف الدين الفائزي ، وقد تقدم ذكرها في باب الكتاب في ~~الرسائل ، فلا فائدة في إعادتها ؛ وإنما أوردنا ذكر الخيل هناك لأن الرسالة ~~تشتمل على أوصاف الخيل والعساكر والسلاح وغير ذلك ، فأردنا بإيرادها ~~بجملتها ثم أن يكون الكلام فيها سياقه يتلو بعضه بعضا . وهذه الرسالة في ~~السفر السابع من هذه النسخة . ومن إنشاء المولى الفاضل العالم الأديب ~~البليغ شهاب الدين أبي الثناء محمود ابن سليمان الحلبي الكاتب رسالة في ~~الخيل عملها تجربة ورياضة لخاطره ، ولم يكتب بها ؛ وسمعتها من لفظه ، ~~ونقلتها من خطه ؛ وهي : أدام الله إحسان الجناب الفلاني ، ولا زالت الآمال ~~في أمواله محكمه ، والأماني كالمحامد في أبوابه مخيمه ، والمعالي كالعوالي ~~إليه دون غيره مسلمه ، والمكارم تغريه في الندى ms1981 حتى يبذل ما حبب إليه من ~~الخيل المسومه . المملوك يقبل اليد التي ما زالت بسطتها في الكرم عليه ، ~~وقبضتها بتصريف أعنة الزمن مليه ؛ ومواهبها تتنوع في الندى ، ومذاهبها في ~~الكرم تهب الأولياء ما تهابه العدا . وينهى وصول ما أنعم به من الخيل التي ~~وجد الخير في نواصيها ، وادخرت صهواتها حصونا يعتصم في الوغى بصياصيها : ~~PageV10P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" فمن أشهب غطاه النهار بحلته ، وأوطأه الليل ~~على أهلته ؛ كأن أذنه جلفة قلم ، أو شقة جلم ؛ يدرك بها الوهم ، ويحقق في ~~الليل البهيم مواقع السهم ؛ يتموج أديمه ريا ؛ ويتأرج ريا ، ويقول من ~~استقبله في حلى لجامه : هذا الفجر قد طلع بالثريا ؛ إن التفت المضايق انساب ~~انسياب الأيم ، وإن انفرجت المسالك مر مرور الغيم ؛ كم أبصر فارسه يوما ~~أبيض بطلعته ، وكم عاين طرف السنان مقاتل العدا في ظلام النقع بنور أشعته ؛ ~~لا يستن داحس في مضماره ، ولا تطمع الغبراء في شق غباره ، ولا يظفر لاحق من ~~لحاقه بسوي آثاره ؛ تسابق يداه مرامي طرفه ، ويدرك شوارد البوق ثانيا من ~~عطفه . ومن أدهم حالي الشكيم ، حالك الأديم ، له مقلة غانية وسالفة ريم ؛ ~~قد ألبسه الليل برده ، وأطلع بين عينيه سعده ؛ يظن من نظر إلى سواد طرته ، ~~وبياض حجوله وغرته ؛ أنه توهم النهار نهرا فخاضه ، وألقى بين عينيه نقطة من ~~رشاش تلك المخاضه ؛ لين الأعطاف ، سريع الأنعطاف ؛ يقبل كالليل ، ويكر ~~كجلمود صخر حطه السيل ؛ يكاد يسبق ظله ، وإذا جارى السهم إلى غرض بلغه قبله ~~. ومن أشقر غشاه البرق بلهبه ، ووشاه الأصيل بذهبه ؛ يتوجس ما لديه ~~برقيقتين ، وينفض وفرتيه عن عقيقتين ، وينزل عذار لجامه من سالفتيه على ~~شقيقتين ؛ له من الراح لونها ، ومن الرياح لينها ؛ إن جرى فبرق خفق ، وإن ~~أسرع فهلال على شفق ؛ لو أدرك أوائل حرب ابني وائل لم يكن للنعامة نباهه ، ~~ولا للوجيه وجاهه ، ولكان ترك إعارة سكاب لؤما وتحريم بيعها سفاهه ؛ يركض ~~ما وجد أرضا ، ولو اعترض به راكبه بحرا وثبه عرضا . ومن كميت نهد ، كأن ~~راكبه في مهد ؛ عندمي الإهاب ، شمالي الذهاب ؛ يزل ms1982 الغلام الخف عن صهواته ، ~~وكأن نغم الغريض ومعبد في لهواته ؛ قصير المطا ، PageV10P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" فسيح الخطا ؛ إن ركب لصيد قيد الأوابد ، وأعجل ~~عن الوثوب الوحش اللوابد ؛ وإن جنب إلى حرب لم يزور من وقع القنا بلبانه ، ~~ولم يشك لو علم الكلام بلسانه ، ولم ير دون بلوغ الغاية ، وهي ظفر راكبه ، ~~ثانيا من عنانه ؛ وإن سار في سهل اختال براكبه كالثمل ، وإن أصعد في جبل ~~طار في عقابه كالعقاب وانحط في مجاريه كالوعل ؛ متى ما ترق العين فيه تسهل ~~، ومتى أراد البرق مجاراته قال له الوقوف عند قدره : ما أنت هناك فتمهل . ~~ومن حبشي أصفر يروق العين ، ويشوق القلب بمشابهته العين ؛ كأن الشمس ألقت ~~عليه من أشعتها جلالا ، وكأنه نفر من الدجى فاعتنق منه عرفا واعتلق أحجالا ~~؛ ذي كفل يزين سرجه ، وذيل يسد إذا استدبرته منه فرجه ؛ قد أطلعته الرياضة ~~على مراد فارسه ، وأغناه نضار لونه ونضارته عن ترصيع قلائده وتوشيع ملابسه ~~؛ له من البرق خفة وطئه وخطفه ؛ ومن النسيم لين طروقه ولطفه ، ومن الريح ~~هزيزها إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ؛ يطير بالغمز ، ويدرك بالرياضة مواقع ~~الرمز ، ويغدو كألف الوصل في استغنائه مثلها عن الهمز . ومن أخضر له من ~~الروض تفويفه ، ومن الوشي تقسيمه وتأليفه ؛ قد كساه الليل والنهار حلتي ~~وقار وسنا ، واجتمع فيه من البياض والسواد ضدان لما استجمعا حسنا ؛ ومنحه ~~البازي حلة وشيه ، وأعطته نفوح الرياح ونسماتها قوة ركضه وخفة مشيه ، يعطيك ~~أفانين الجري قبل سؤاله ، ولما لم يسابقه شيء من الخيل أغراه حب الظفر ~~بمسابقة خياله ، كأنه تفاريق شيب في سواد عذار ، أو طلائع فجر خالط بياضه ~~الدجى ، فما سجى ، ومازج ظلامه النهار ، فما أنار ؛ يختال لمشاركة اسم ~~الجري بينه وبين الماء في شدة السير كالسيل ، ويدل بسبقه على المعنى ~~المشترك بين البروق اللوامع وبين البرقية من الخيل ، ويكذب المانوية لتولد ~~اليمن فيه بين إضاءة النهار وظلمة الليل . ومن أبلق ظهره حرم ، وجريه ضرم ؛ ~~إن قصد غاية فوجود الفضاء بينه وبينها PageV10P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" عدم ، وإن ms1983 صرف في حرب فعمله ما يشاء البنان ~~والعنان وفعله ما تريد الكف والقدم ؛ قد طابق الحسن البديع بين ضدي لونه ، ~~ودلت على اجتماع النقيضين علة كونه ؛ وأشبه زمن الربيع باعتدال الليل فيه ~~والنهار ، وأخذ وصف حلتي الدجى في حالتي الإبدار والسرار ؛ لا تكل مناكبه ، ~~ولا يضل في حجرات الجيوش راكبه ، ولا يحتاج ليله المشرق بمجاورة نهاره إلى ~~أن تسترشد فيه كواكبه ؛ ولا يجاريه الخيال فضلا عن الخيل ، ولا يمل السرى ~~إلا إذا مل مشبهاه : النهار والليل ، ولا تتمسك البروق اللوامع من لحاقه ~~بسوى الأثر فإن جهدت فبالذيل ؛ فهو الأبلق الفرد ، والجواد الذي لمجاريه ~~العكس وله الطرد ، قد أغنته شهرة نوعه في جنسه عن الأوصاف ، وعدل بالرياح ~~عن مباراته سلوكها له في الاعتراف جادة الإنصاف . فترقى المملوك إلى رتب ~~العز من ظهورها ، وأعدها لخطبة الجنان إذ الجهاد على مثلها من أنفس مهورها ~~؛ وكلف بركوبها فكلما أكمله عاد ، وكلما أقله شره إليه فلو أنه زيد الخيل ~~لما زاد ؛ ورأى من آدابها ما دل على أنها من أكرم الأصائل ، وعلم أنها ~~ليومي سلمه وحربه حنية الصائد وجنة الصائل ؛ وقابل إحسان مهديها بثنائه ~~ودعائه ، وأعدها في الجهاد لمقارعة أعداء الله تعالى عليها وأعدائه ؛ والله ~~تعالى يشكر بره الذي أفرده في الندى بمذاهبه ، وجعل الصافنات الجياد من بعض ~~مواهبه . والله أعلم بالصواب . ومن إنشاء المولى الفاضل تاج الدين عبد ~~الباقي بن عبد المجيد اليماني رسالة في مثل ذلك أنشأها في سنة ست أو خمس ~~وسبعمائة . وسمعتها من لفظه ، ونقلتها من إملائه ؛ وهي : يقبل اليد العالية ~~الفلانية ، لا زالت ترسل إلى الأولياء سحائب كرمها ، وتقلد الأوداء قلائد ~~نعمها ، ولا برح المرهفان طرازي حاشيتها وخدمها ، حتى ينوب القلم عن صليل ~~مرهفها والصمصام عن صرير قلمها ، لتتساوى في الإنفاذ مواقع كلمها ومراسم ~~كلمها ؛ ولا فتئ ظاهرها قبلة القبل وغاية الآمال ، وباطنها مورد الكرم ~~ومصدر الأموال . PageV10P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" ينهى أنه لما كانت العزائم الفلانية طامحة إلى ~~أسنى المعالي ، مطلعة من مناقبها أهلة تخجل بدور الليالي ؛ متيمة باكتساب ~~المفاخر ms1984 ، عميدة بتشييد المآثر ؛ ماثلة إلى ما يزين المقانب ، ويطرز ~~الكتائب ؛ مصغية إلى ما يرد جنابتها من جنايتها لا غير ، وكيف لا تكون كذلك ~~وحب الخيل من الخير ؛ ناظرة إلى ما يصل من كرائمها ، مهتدية بنجوم غررها ~~مشغوفة بتحجيل قوائمها ؛ عاشقة لاتساع صدورها ، ورقة نحورها . خدم المملوك ~~الركاب العالي بإنفاذ خيل اتحدت في الصفات ، وتباينت في الشيات ؛ وصدرت ~~كروضة تفتحت أزهارها ، وزها نوارها ، وأشرقت أنوارها ؛ بل كعرائس تختال في ~~برودها ، أو كجواهر تنافست في عقودها ؛ ملكتها يمين المملوك فكانت كعدد ~~أصابعها ، وأحرزتها همته فنزعت في الحزم إلى منازعها ؛ لها من الظباء ~~أعناقها ، ومن النعام أسواقها ؛ ومن البأس قوة جنانها ، ومن الظفر مثنى ~~عنانها ؛ ومن الإقبال غرر نواصيها ، ومن إدراك الغرض جل أمانيها ؛ ذوات ضبح ~~، وموريات قدح ؛ تكبو الريح في غاياتها ، ويقر البرق بمعجزاتها ؛ مداخلة ~~الخلق رحبة اللبان ، مستغنية عن الهمز بتحريك العنان ؛ تقارب ما بين قطاها ~~ومطاها ، وتباعد ما بين قذالها وصلاها ؛ سما عنقها وأطرق جبينها ، وتنزهت ~~عن المعايب فلا صكك يشينها ؛ يا حبذا أشهبها وقد تجللت بالشهب ذاته ، ~~وادرعت أشهب الصبح شياته ؛ زبرجدي الحافر لؤلؤي الأديم ، له أيطلا ظبي ~~وساقا ظليم ؛ كغمامة بارقها قدح سنابكه ، أو كسيل طم مفعمه واسع مسالكه ؛ ~~استغنى بجوهر شياته عن كل مذهب ، فما لمذهب في الانتساب عنه مذهب ؛ إن ~~امتطى الفارس قطاته طار بنسر حافره ، وإن أشار إلى غرض أدركه بمجرد الوهم ~~لا بالنظر غلى ناظره ؛ أميال البيداء كميل بين عينيه ، وترادف رمالها كذرور ~~بين جفنيه ؛ استولى على السبق وأحرز خصله ، وكيف لا وقد حاز اثنتي عشرة ~~خصله . يتلوها أشقرها وقد نجد عقيقا ، أو التحف شقيقا ؛ أو كوجنة قد احمرت ~~من PageV10P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" الخجل ، أو كوردة ناظرت بخفرها نرجس المقل ؛ ~~تناسبت أجزاؤه في الملاحه ، وتساوت مراتبه في الصباحه ؛ وجاهة الوجيه ناطقة ~~من المحيا ، ومسيل غرته كتصويب الثريا ؛ حجل بالجوزاء وأسرج بالهلال ، ~~وألجم بالمجرة فما لابن ذكاء في الإشراق عليه مجال ؛ إن أطلق والريح في سنن ~~ميدان ، رأيت الريح ككميت خلفته الجياد يوم الرهان ؛ تنهب ms1985 الفلاة حوافره ، ~~وتحرز قصب السبق بوادره . يتبعه كميت كقطعة جمر ، أو ككأس خمر ؛ اسود ذنبه ~~وعرفه ، واختال كالنشوان فكأنما أسكره وصفه ؛ حكت أذناه قادمتي حمامه ، أو ~~المحرف من أقلام قدامه ؛ قصرت عن سعيه الخيول فسابق الظلال ، ونشأ مع ~~النعام فلا يألف غير الرئال ؛ كأن الصبا ألقت إليه عنانها قسرا ، فتخب ~~بسرجه مرة وتناقل أخرى . مقرونا بأصفر كالدينار ، قد أفرغت عليه حلة نور لا ~~نار طال منه الذيل واتسع اللبان فكأنما هو نار على يفاع شبت للضيفان ؛ ~~جللته الشمس بأنوارها ، وأهدت إليه الرياض اصفرار أزهارها ؛ تشهدك عند ~~رؤيته يوم العرض ، فروج قوائمه سماء على أرض ؛ إن هملج لاذت الريح بالشجر ، ~~وإن عدا قصر عن إدراكه رؤية البصر ؛ نجاشي النجار ، وحليف الوجار ؛ كأنما ~~خلق من الحزم شطره ، ومن العز ظهره ؛ ومن الإقبال غرته ، ومن كنوز المفاخر ~~سرته ؛ يقر أعوج بني هلال بفضله ، ويقفو حرون مسلم أثر ظله . مختوما بأدهم ~~كصخرة سيل ، أو كقطعة ليل ؛ خاض في أحشاء الصباح فلطم جبينه ، وسابق الفلك ~~فقيد بالجوزاء رجليه ويساره وأطلق يمينه ؛ عريض الكفل والمنخرين ، دقيق ~~القوائم والساقين ؛ كأنما أشرب لونه سواد القلب والبصر ، وكأنما النصر قيس ~~وهو ليلى يحضره حيث حضر ؛ لو كتب اسمه على راية لم تزل تقدم فتوحا ، أو ~~لمعت بوارق سنابكه رأيت زنجيا جريحا ؛ طابقت أخباره لمخبره ، وسبقت رجلاه ~~في العدو مواقع نظره ؛ لا يعلق غراب بغباره ، ولا تستن النعامة في مضماره . ~~PageV10P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" ولنختم هذا الباب بذكر فائدة ، وهي دواء للخلد ~~: يؤخذ خمسون طائرا من الدراريج تسحق بحجر ولا تمس باليد ، وتجعل في قدر ~~صغيرة جديدة ، ويصب عليها من الماء والزيت ما يغمره ، ويغلى عليه حتى ينعقد ~~، ويضاف إليه يسير من القطران الأسود ، ويوضع على النار ؛ فإذا فتر فتلف ~~مشاقة على عود ويدهن به أم الخلد قبل قطعه بالنار ، ثم يدهن بعد ثلاثة أيام ~~بالشيرج والصيلقون وماء الورد ؛ فإنه مجرب . الباب الثاني من القسم الثالث ~~من الفن الثالث في البغال والحمير ذكر ما قيل في البغال قال أصحاب الكلام ~~في ms1986 طبائع الحيوان : إن البغل لا يعيش له ولد ، وليس بعقيم ؛ ولا يبقى ~~للبغلة ولد ، وليست بعاقر . وهو أطول عمرا من أبويه وأصبر . ويقال : إن أول ~~من نتج البغال قارون ، وقيل : أفريدون أحد ملوك الفرس الأول . والبغل يوصف ~~برداءة الأخلاق والتلون . ومن أخلاق البغال الإلف لكل دابة . ويقال : إن ~~أبوال الإناث تنقية لأجسادها . والإناث أجمل من الذكور . قال بعض الشعراء : ~~عليك بالبغلة دون البغل . . . فإنها جامعة للشمل مركب قاض وإمام عدل . . . ~~وعالم وسيد وكهل تصلح للرحل وغير الرحل والبغال من مراكب الرؤساء ، والسادة ~~النجباء ، والقضاة والعلماء . وهم يرجحون إناثها على ذكورها ؛ حتى إن ~~المغاربة لا يركبون البغال الذكور البتة وإنما يجعلونها برسم حمل الزبل . ~~أخبرني قاضي القضاة جمال الدين أبو محمد بن سليمان بذلك ، قال : وإذا طلب ~~ولي الأمر البغل لأحد كان ذلك دلالة على إشهاره وتجريسه عليه . قال : فلا ~~يركب البغل الذكر عندنا إلا زبال أو مجرس . وأعظم ما تفضل به إناث ~~PageV10P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" البغال على ذكورها أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ركبها وملكها ؛ وما ورد أنه ملك بغلا ولا ركبه . ولنذكر بغلات ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تفضيلا لهذا الحيوان وتشريفا ، تنويها ~~بذكره وتعريفا ؛ والله أعلم . ذكر بغلات الرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) كان لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بغلة شهباء يقال لها دلدل ، ~~أهداها له المقوقس . ذكر ذلك ابن قتيبة وابن سعد ؛ فقال ابن سعد ما هذا نصه ~~: وبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حاطب بن أبي بلتعة اللخمي ، وهو ~~أحد الستة ، إلى المقوقس صاحب الإسكندرية عظيم القبط يدعوه إلى الإسلام ، ~~وكتب معه كتابا ؛ فأوصل إليه كتاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فقرأه وقال له خيرا ؛ وأخذ الكتاب فجعله في حق من عاج وختم عليه ودفعه إلى ~~جاريته ؛ وكتب إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : قد علمت أن نبيا قد بقي ~~، وكنت أظن أنه يخرج بالشام ، وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما ~~مكان في القبط عظيم ، وقد أهديت إليك ms1987 كسوة وبغلة تركبها . ولم يزد على هذا ~~ولم يسلم . فقبل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هديته ، وأخذ الجاريتين ~~: مارية أم إبراهيم ابن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأختها سيرين . ~~وبغلة بيضاء لم يكن في العرب يومئذ غيرها وهي دلدل . وقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " ضن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه " . وذكر ابن سعد ~~أيضا قال : كانت دلدل بغلة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أول بغلة رئيت ~~في الإسلام ، أهداها له المقوقس وأهدى معها حمارا يقال له عفير ؛ فكانت ~~البغلة قد بقيت حتى كان زمن معاوية . وفي لفظ : وكانت شهباء ، وكانت بينبع ~~حتى ماتت ثم . وفي لفظ : وكانت قد كبرت حتى زالت أسنانها ، وكان يجش لها ~~الشعير . وروى ابن سعد أيضا عن محمد بن عمر الأسلمي قال : حدثنا أبو بكر بن ~~عبد الله ابن أبي سبرة عن زامل بن عمرو قال : أهدى فروة بن عمرو إلى النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) بغلة يقال لها فضة فوهبها لأبي بكر . وكذلك قال ~~البلاذري . وقد يقال : إن دلدل من هدية فروة ، وإن فضة من هدية المقوقس . ~~PageV10P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أهذي للنبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) بغلة أهدها له كسرى ؛ فركبها بجل من شعر ثم أردفني ~~خلفه . رواه الثعالبي في تفسيره في قوله تعالى : " وإن يمسسك الله بضر فلا ~~كاشف له إلا هو " . قال الشيخ شرف الدين عبد المؤمن الدمياطي رحمه الله : ~~قوله أهداها له كسرى بعيد ؛ لأنه مزق كتاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وأمر عامله باليمن بقتله وبعث رأسه إليه ؛ فأهلكه الله بكفره وطغيانه . ~~وروى مسلم بن الحجاج رحمه الله من حديث أبي حميد الساعدي قال : غزونا مع ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تبوك ؛ فذكر الحديث ؛ وقال فيه : وجاء ~~رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بكتاب ~~وأهدى له بغلة بيضاء ؛ فكتب إليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأهدى ~~له بردا . رواه البخاري في ms1988 كتاب الجزية والموادعة بعد الجهاد ؛ ورواه أبو ~~نعيم في المستخرج . ولفظهما : وأهدى ملك أيلة إلى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بغلة بيضاء فكساه بردا ؛ وقال أبو نعيم : بردة . وقال ابن سعد ~~: وبعث صاحب دومة الجندل لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ببغلة وجبة من ~~سندس . وروى إبراهيم الحربي في كتاب الهدايا عن علي رضي الله عنه قال : ~~وأهدى يحنة بن روبة إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بغلته البيضاء . ~~وروى يوسف بن صهيب عن ابن بريدة عن أبيه قال : انكشف الناس عن النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يوم حنين ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على بغلته ~~الشهباء التي أهداها له النجاشي وزيد آخذ بركاب بغلته . وذكر علي بن محمد ~~بن حنين بن عبدوس الكوفي في أسماء خيله وسلاحه وأثاثه : وكان اسم بغلته ~~دلدل أهداها إليه المقوقس صاحب الإسكندرية وكانت شهباء ؛ وهي التي قال لها ~~يوم حنين : " اربضي " فربضت . ويقال : إن عليا ركبها بعد النبي صلى الله ~~عليه وسم ثم ركبها الحسن ثم ركبها الحسين ثم ركبها محمد بن الحنفية رضي ~~الله عنهم ؛ ثم كبرت وعميت ، فوقعت في مبطخة لبعض بني مدلج فخبطت ~~PageV10P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" فيها ، فرماها بسهم فقتلها . وكانت له بغلة ~~يقال لها الأيلية ؛ أهداها إليه ملك أيلة ، وكانت طويلة مخندفة كأنما تقوم ~~على رمال حسنة السير ؛ فأعجبته ووقعت منه . وهي التي قال له فيها علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه حين خرج عليها : كأن هذه البغلة قد أعجبتك يا رسول ~~الله ؟ قال : " نعم " قال : لو شئنا لكان لك مثلها ؛ قال : " وكيف " ؛ قال ~~: هذه أمها فرس عربية وأبوها حمار ، ولو أنزينا حمارا على فرس لجاءت بمثل ~~هذه ؛ فقال : " إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون " . وعن دحية بن خليفة ~~الكلبي رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ، ألا أحمل لك حمارا على فرس ~~فتنتج لك بغلة ؟ فقال : " إنما يفعل ذلك الذين لا يعقلون " . رواه ابن منده ~~في كتاب الصحابة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما ms1989 قال : كان رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) عبدا مأمورا ، ما اختصنا دون الناس بشيء إلا بثلاث : ~~أمرنا أن نسبغ الوضوء ، وألا نأكل الصدقة ، وألا ننزي حمارا على فرس . رواه ~~الترمذي في الجهاد . وفي لفظ آخر عنه رضي الله عنه : كان عبدا مأمورا بلغ ~~ما أرسل به ، وما اختصنا دون الناس بشيء إلا بثلاث خصال : أمرنا أن نسبغ ~~الوضوء ، وألا نأكل الصدقة ، وألا ننزي الحمار على الفرس . وهذا على هذين ~~الحديثين يختص بآل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) دون غيرهم . والذي يظهر من ~~مجموع هذه الأحاديث المروية التي أوردناها أن بغلات رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) كانت سبعا ، وهي : الدلدل التي أهداها له المقوقس ، وفضة التي ~~أهداها له فروة بن عمرو ، وبغلة أهداها له كسرى ، وبغلته الأيلية التي ~~أهداها له ابن العلماء صاحب أيلة ، وبغلة بعثها له صاحب دومة الجندل ، ~~وبغلة أهداها له يحنة ابن روبة ، وبغلة أهداها له النجاسي صاحب الحبشة . ~~والله تعالى أعلم بالصواب . ذكر شيء مما وصفت البغال قد ألف الجاحظ كتابا ~~في البغال مفردا عن كتاب الحيوان ، قال فيه ما نصه : نبدأ إن شاء الله بما ~~وصف الأشراف من شأن البغلة في حسن سيرتها ، وتمام خلقتها ، والأمور الدالة ~~على السر في جوهرها ، وعلى وجوه الارتفاق بها ، وعلى تصرفها في ~~PageV10P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" منافعها ، وعلى خفة مؤونتها في التنقل في ~~أمكنتها وأزمنتها ، ولم كلف الأشراف بارتباطها مع كثر ما يزعمون من عيوبها ~~، ولم آثروها على ما هو أدوم طهارة خلق منها ، وكيف ظهر فضلها مع النقص ~~الذي هو فيها ، وكيف اغتفروا مكروه ما فيها لما وجدوا من خصال المحبوب فيها ~~. وقال : ولقد كلف بارتباطها لأشراف حتى لقب بعضهم من أجل اشتهاره بها ~~برواض البغال ؛ ولقبوا آخر بعاشق البغل . فبسط القول في الترجمة ثم لم يأت ~~من أخبار البغال بطائل ، بل اقتصرت على حكايات واستطرد منها إلى غيرها ، ~~على عادته في مصنفاته . فكان مما حكاه من ذلك : قال مسلمة بن عبد الملك : ~~ما ركب الناس مثل بغلة ms1990 طويلة العنان ، قصيرة العذار ، صفواء العرف ، حصاء ~~الذنب . قال : وكتب روح بن عبد الملك إلى وكيل له : ابغني بغلة حصاء الذنب ~~، عظيمة المحزم ، طويلة العنق ، سوطها عنانها ، وهواها إمامها . قال : ~~وعاتب صفوان بن عبد الله بن الأهتم عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة ابن الحارث ~~بن عبد المطلب في ركوب البغال ، وكان ركابا للبغلة ، فقال له : مالك ولهذا ~~المركب الذي لا يدرك عليه الثار ، ولا ينجيك يوم الفرار ؟ فقال : إنها نزلت ~~عن خيلاء الخيل ، وارتفعت عن ذلة العير ، وخير الأمور أوساطها . فقال صفوان ~~: إنا نعلمكم ، فإذا علمتم تعلمنا منكم . وهو الذي يلقب رواض البغال ، ~~لحذقه بركوبها ، ولشغفه بها ، وحسن قيامه عليها . وكان يقول : أريدها واسعة ~~الجفرة ، مندحة السرة ، شديدة الغلوة ، بعيدة الخطوة ، لينة الظهر ، ملوية ~~الرسغ ، سفواء جرداء عنقاء ، طويلة الأنقاء . قال : وقال ابن كتامة : سمعت ~~رجلا يقول : إذا اشتريت بغلة ، فاشترها طويلة العنق ، تجده في نجائها ؛ ~~مشرفة الهادي ، تجده في طباعها ؛ ضخمة الجوف ، تجده في صبرها . قال : ولما ~~خرج قطري بن الفجاءة أحب أن يجمع إلى رأيه رأي غيره ؛ فدس PageV10P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" إلى الأحنف بن قيس رجلا يجري ذكره في مجلسه ~~ويحفظ عنه ما يقول ؛ فلما قعد قال الأحنف : أما إنهم إن جنبوا بنات الصهال ~~، وركبوا بنات النهاق ، وأمسوا بأرض وأصبحوا بأرض ، طال أمرهم . قال الجاحظ ~~: فلا ترى صاحب الحرب يستغني عن البغال ، كما لا ترى صاحب السلم يستغني ~~عنها ، وترى صاحب السفر كصاحب الحضر . انتهى كلام الجاحظ . وحكي أن عبد ~~الحميد ساير مروان بن محمد الجعدي على بغلة ؛ فقال : لقد طالت صحبة هذه ~~الدابة لك ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ، من بركة الدابة طول صحبتها . فقال : ~~صفها ؛ فقال : همها إمامها ، وما ضربت قط إلا ظلما . وقال بعض الكتاب من ~~رسالة : قد اخترت لسيدي بغلة وثيقة الخلق ، لطيفة الخرط ، رشيقة القد ، ~~موصوفة السير ، ميمونة الطير ، مشرفة العنق ، كريمة النجار ، حميدة الآثار ~~. إن أدبرت قلت لا تليل لها . . . أو أقبلت قلت ما لها كفل قد جمعت إلى حسن ~~القميص ، سلامة ms1991 الفصوص ؛ فسميت قيد الأوابد ، وقرة عين الساهد ؛ تزري في ~~انطلاقها ، بالبروق في ائتلاقها . قال البحتري يصف بغلا : وأقب نهد للصواهل ~~شطره . . . يوم الفخار وشطره للشحج خرق يتيه على أبيه ويدعي . . . عصبية ~~لبني الضبيب وأعوج مثل المذرع جاء بين عمومة . . . في غافق وخؤولة للخزرج ~~PageV10P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" وقال أبو الفرج الوأواء من قصيدة يشكر بعض ~~أصحابه وقد أهدى له بغلة : قد جاءت البغلة السفواء يجنبها . . . للبرق غيث ~~بدا ينهل ماطره عريقة ناسبت أخوالها فلها . . . بالعتق من أكرم الجنسين ~~فاخره ملء الحزام وملء العين مسفرة . . . يريك غائبها في الحسن حاضره أهدى ~~لها الروض من أوصافه شية . . . خضراء ناضرة إن زال ناضره ليست بأول حملان ~~شريت به . . . حمدي ولا هي ياذا الجود آخره كم قد تقدمها من سابح بيدي . . ~~. عنانه وعلى الجوزا حوافره وقال أبو المكارم بن عبد السلام : كأنها النار ~~في الحلفاء إن ركضت . . . كأنها السيل إن وافتك من جبل كأنها الأرض إن قامت ~~لمعتلف . . . كأنها الريح إن مرت على القلل ما يعرف الفكر منها منتهى حضر . ~~. . ما صور الوهم فيها وصمة الكسل إذا اقتعدت مطاها وهي ماشية . . . ثهلان ~~تبصره في زي منتقل هذا ما اتفق إيراده من صفات البغال التي تقتضي المدح . ~~فأما ما جاء في ذمها فالمثل المضروب في بغلة أبي دلامة . وقال أبو دلامة في ~~بغلته : أبعد الخيل أركبها ورادا . . . وشقرا في الرعيل إلى القتال رزقت ~~بغيلة فيها وكال . . . وخير خصالها فرط الوكال رأيت عيوبها كثرت وعالت . . ~~. ولو أفنيت مجتهدا مقالي تقوم فما تريم إذا استحثت . . . وترمح باليمين ~~وبالشمال رياضة جاهل وعليج سوء . . . من الأكراد أحبن ذي سعال PageV10P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" شتيم الوجه هلباج هدان . . . نعوس يوم حل ~~وارتحال فأدبها بأخلاق سماج . . . جزاه الله شرا عن عيالي فلما هدني ونفى ~~رقادي . . . وطال لذاك همي واشتغالي أتيت بها الكناسة مستغيثا . . . أفكر ~~دائبا كيف احتيالي بعدة سلعة ردت قديما . . . أطم بها على الداء العضال ~~فبينما فكرتي في القوم تسدي . . . إذا ما سمت أرخص أم أغالي أتاني خائب حمق ~~شقي . . . قديم في ms1992 الخسارة والضلال وراوغني لخلو بي خداعا . . . ولا يدري ~~الشقي بمن يخالي فقلت بأربعين فقال أحسن . . . فإن البيع مرتخص وغالي فلما ~~ابتاعها مني وبتت . . . له في البيع غير المستقال أخذت بثوبه وبرئت مما . . ~~. أعد عليك من شنيع الخصال برئت إليك من مشش قديم . . . ومن جرد وتخريق ~~الجلال ومن فرط الحران ومن جماح . . . ومن ضعف الأسافل والأعالي ومن عقر ~~اللسان ومن بياض . . . بناظرها ومن حل الحبال وعقال يلازمها شديد . . . ومن ~~هدم المعالف والركال تقطع جلدها جربا وحكا . . . إذا هزلت وفي غير الهزال ~~ومن شد العضاض ومن شباب . . . إذا ما هم صحبك بالرقال وأقطف من دبيب الذر ~~مشيا . . . وتنحط من متابعة السعال PageV10P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" وتكسر سرجها أبدا شماسا . . . وتسقط في الوحول ~~وفي الرمال ويهزلها الجمام إذا خصبنا . . . ويدبر ظهرها مس الجلال تظل ~~لركبة منها وقيدا . . . يخاف عليك من ورم الطحال وتضرط أربعين إذا وقفنا . ~~. . على أهل المجالس للسؤال فتخرس منطقي وتحول بيني . . . وبين كلامهم مما ~~توالي وقد أعيت سياستها المكاري . . . وبيطارا يعقل بالشكال حرون حين ~~تركبها لحضر . . . جموح حين تعزم للنزال وذئب حين تدنيها لسرج . . . وليث ~~عند خشخشة المخالي وفيل إن أردت بها بكورا . . . خذول عند حاجات الرجال ~~وألف عصا وسوط أصبحي . . . ألذ لها من الشرب الزلال وتصعق من صياح الديك ~~شهرا . . . وتذعر للصفير وللخيال إذا استعجلتها راثت وبالت . . . وقامت ~~ساعة عند المبال ومثفار تقدم كل سرج . . . تصير دفتيه على القذال وتحفى في ~~الوقوف إذا أقمنا . . . كما تحفى البغال من الكلال ولو جمعت من هنا وهنا . ~~. . من الأتبان أمثال الجبال فإنك لست عالفها ثلاثا . . . وعندك منه عود ~~للخلال وكانت قارحا أيام كسرى . . . وتذكر تبعا قبل الفصال وقد قرحت ولقمان ~~فطيم . . . وذو الأكتاف في الحجج الخوالي وقد أبلى بها قرن وقرن . . . وآخر ~~يومها لهلاك مالي فأبدلني بها يا رب بغلا . . . يزين جمال مركبه جمالي ~~PageV10P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" كريم حين ينسب والداه . . . إلى كرم المناسب ~~في البغال وقال اقاضي بهاء الدين زهير الكاتب : لك يا صديقي بغلة . . . ~~ليست تساوي خردله مقدار خطوتها الطوي . . . لة ms1993 حين تسرع أنمله وتخال مدبرة ~~إذا . . . ما أقبلت مستعجله تمشي فتحسبها العيو . . . ن على الطريق مشكله ~~تهتز وهي مكانها . . . فكأنما هي زلزله ذكر ما قيل في الحمر الأهلية قال ~~المتكلمون في طبائع الحيوان : إن الحمار لا يولد له قبل أن تتم له ثلاث ~~سنين ونصف . قالوا : والحمار إذا شم رائحة الأسد رمى بنفسه عليه لشدة خوفه ~~منه . ولذلك قال أبو تمام يخاطب عبد الصمد بن المعذل وقد هجاه : أقدمت ويلك ~~من هجوي على خطر . . . والعير يقدم من خوف على الأسد والحمار يوصف بحدة ~~حاسة المسع . وهو إذا نهق أضر بالكلب ؛ قالوا : حتى إنه يحدث له مغسا ؛ ~~فلذلك يطول نباحه . والبرد يضر الحمار ويؤذيه ؛ ولهذا لا يوجد في بلاد ~~الصقالبة . وقال الجاحظ : وحلف أحمد بن العزيز أن الحمار ما ينام . فقيل له ~~: ولم ذلك ؟ قال : لأني أجد صياحه ليس بصياح من نام وانتبه في تلك الساعة ، ~~ولا هو صياح من يريد أن ينام بعد انقضاء صياحه . وأجود الحمير المصرية . ~~وأهل مصر يعتنون بتربيتها ، ويحتفلون بأمرها ويسابقون عليها ، ويسمون مكان ~~سباقها الطابق . والجيد منها يباع بالثمن الكثير . نقل صاحب كتاب مباهج ~~الفكر ومناهج العبر في كتابه قال : لقد بيع منها حمار بمائة دينار وعشرة ~~دنانير . وأما الذي رأيناه نحن منها فأبيع بألف درهم ، وربما زاد بعضها على ~~الألف . وكثير من أهل مصر يركبونها ويتركون الخيل والبغال . فمن ركبها من ~~الأعيان مع وجود PageV10P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" القدرة والإمكان على ركوب الخيل والبغال ، ~~يقصد بذلك التواضع وعدم الكبرياء . ومن ركبها من ذوي الأموال وترك الخيل ~~والبغال ربما يفعل ذلك توفيرا لماله وضنة به . ومن ركبها من الشباب والسوقة ~~يقصد بذلك التنزه عليها لفراهتها وسرعة مشيتها . وقد كان لرسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) حمار من حمير مصر اسمه يعفور وقيل : عفير ؛ أهداه له ~~المقوقس صاحب الإسكندرية مع ما أهدى . وقد ورد أيضا في الحديث أنه كان ~~لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حماران : يعفور وعفير . فأما عفير ~~فأهداه له المقوقس . وأما يعفور فأهداه له ms1994 فروة ابن عمرو الجذامي . ويقال : ~~إن حمار المقوقس يعفور وحمار فروة عفير . قال الواقدي : مات يعفور عند ~~منصرف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من حجة الوداع . وذكر السهيلي : أن ~~يعفورا طرح نفسه في بئر يوم مات النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فمات . وذكر ~~ابن فورك في كتاب الفصول أنه كان في مغانم خيبر ، وأنه كلم النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وقال : يا رسول الله ، أنا زياد بن شهاب ، وقد كان في ~~آبائي ستون حمارا كلهم ركبهم نبي ، فاركبني أنت . وزاد الجويني في كتاب ~~الشامل : أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان إذا أراد أحدا من أصحابه ~~أرسل هذا الحمار إليه ؛ فيذهب حتى يضرب برأسه ؛ فيخرج ذلك الرجل ، فيعلم ~~أنه أرسل إليه ، فيأتي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . وفي الحمار منافع ~~طبية ذكرها الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا ، قال : رماد كبد الحمار بالزيت ~~ينفع من الخنازير ؛ قال : ويبرئ من الجذام . وهذا دواء رخيص إن صح . قال : ~~وكبده مشوية على الريق تنفع من علة الصرع . قال : والمكزوز من اليبوسة يجلس ~~في مرقة لحمه . وقيل : إن بوله نافع من وجع الكلى . قال : وبول الحمار ~~الوحشي يفتت الحصاة في المثانة . PageV10P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" ذكر ما يتمثل به في ذكر الحمار تقول العرب : " ~~العير أوقى لدمه " . وقالوا : " نجى عيرا سمنه " . وقالوا : " الجحش إذا ~~فاتك الأعيار " . وقالوا : " أصح من عير أبي سيارة " ؛ لأنه كان دفع بأهل ~~الموسم على ذلك العير أربعين عاما . وقالوا : " إن ذهب عير فعير في الرباط ~~" . وقالوا : " العير يضرط والمكواة في النار " . وقالوا : " حمار يحمل ~~سفرا " . ومن أنصاف الأبيات : وقد حيل بين العير والنزوان ذكر شيء مما وصفت ~~به الحمير على طريقي المدح والذم في وصفها قال أبو العيناء لبعض سماسرة ~~الحمير : اشتر لي حمارا لا بالطويل اللاحق ، ولا بالقصير اللاصق ؛ إن خلا ~~الطريق تدفق ، وإن كثر الزحام ترفق ؛ لا يصادم بي السواري ، ولا يدخل تحت ~~البواري ؛ إن كثرت علفه شكر ، وإن قللته صبر ؛ وإن ركبته هام ، وإن ركبه ~~غيري قام . فقال ms1995 به السمسار : إن مسخ الله بعض قضاتنا حمارا أصبت حاجتك ، ~~وإلا فليست موجودة . قيل للفضل الرقاشي : إنك لتؤثر الحمير على جميع الدواب ~~؛ قال : لأنها أرفق وأوفق ؛ قيل : ولم ذاك ؟ قال : لأنها لا تستبدل بالمكان ~~، على طول الزمان ؛ ثم قال : هي أقل داء ، وأيسر دواء ، وأخفض مهوى ، وأسلم ~~صرعا ؛ وأقل جماحا ، وأشهر فرها ، وأقل بطرا ؛ يزهى راكبه وقد بواضع بركوبه ~~؛ ويعد مقتصدا وقد أسرف في ثمنه . PageV10P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" وقال أحمد بن طاهر يصف حمارا : شية كأن الشمس ~~فيها أشرقت . . . وأضاء فيها البدر عند تمامه وكأنه من تحت راكبه إذا . . . ~~ما لاح ، برق لاح تحت غمامه ظهر كجري الماء لين ركوبه . . . في حالتي ~~إتعابه وجمامه سفهت يداه على الثرى فتلاعبت . . . في جريه بسهوله وإكامه عن ~~حافر كالصخر إلا أنه . . . أقوى وأصلب منه في استحكامه ما الخيزران إذا ~~انثنت أعطافه . . . في لين معطفه ولين عظامه عنق يطول بها فضول عنانه . . . ~~ومحزم يغتال فضل حزامه وكأنه بالريح منتعل ، وما . . . جري الرياح كجريه ~~ودوامه أخذ المحاسن آمنا من عيبه . . . وحوى الكمال مبرأ من ذامه وقال آخر ~~: لا تنظرن إلى هزال حماري . . . وانظر إلى مجراه في الأخطار متوقد جعل ~~الذكاء إمامه . . . فكأنما هو شعلة من نار عادت عليه الريح عند هبوبها . . ~~. فكأنه ريح الدبور يباري هذا ما ورد في مدحها . وأما ما جاء فيها على سبيل ~~الذم ، فمن ذلك قولهم : " أضل من حمار أهله " . وقولهم : " أخزى الله ~~الحمار مالا ، لا يزكي ولا يذكي " . ومنه قول جرير بن عبد الله : لا تركب ~~حمارا ، فإنه إن كان حديدا أتعب يديك ، وإن كان بليدا أتعب رجليك . والمثل ~~مضروب في الحمير المهزولة بحمار طياب ، كما يضرب المثل ببغلة أبي دلامة . ~~قال شاعر : وحمار بكت عليه الحمير . . . دق حتى به الرياح تطير ~~PageV10P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" كان فيما مضى يسير بضعف . . . وهو اليوم واقف ~~لا يسير كيف يمشي وليس شيء يراه . . . وهو شيخ من الحمير كبير لمح القت مرة ~~فتغني . . . بحنين وفي الفؤاد زفير : ليس لي منك يا ظلوم نصيب . . . أنا ms1996 ~~عبد الهوى وأنت أمير وقال خالد الكاتب : وقائل إن حماري غدا . . . يمشي إذا ~~صوب أو أصعدا فقلت لكن حماري إذا . . . أحثثته لا يلحق المقعدا يستعذب ~~الضرب فإن زدته . . . كاد من اللذة أن يرقدا وقال أبو الحسين الجزار : هذا ~~حماري في الحمير حمار . . . في كل خطو كبوة وعثار قنطار تبن في حشاه شعيرة ~~. . . وشعيرة في ظهره قنطار ولما مات حمار هذا الشاعر داعبه شعراء عصره ~~بمراث وهزليات ؛ فقال بعضهم : مات حمار الأديب قلت قضى . . . وفات من أمره ~~الذي فاتا مات وقد خلف الأديب ومن . . . خلف مثل الأديب ما ماتا ونحو هذين ~~البيتين قول الآخر : قال حمار الحكيم توما . . . لو أنصفوني لكنت أركب ~~لأنني جاهل بسيط . . . وصاحبي جاهل مركب وكتب أبو الحسن بن نصر الكاتب إلى ~~صديق له اشترى حمارا ، يداعبه . قال من رسالة : قد عرفت ، أبقاك الله ، حين ~~وجدت من سكرة الأيام إفاقه ، وآنست من وجهها العبوس طلاقه ؛ كيف أجبت داعي ~~همتك ، وأطعت أمر مروءتك ؛ فسررت بكمون هذه المنقبة التي أضمرها الإعدام ، ~~ونم على كريم سرها الإمكان ؛ واستدللت منها على خبايا فضل ، وتنبهت منها ~~على مزايا نبل ؛ كانت مأسورة في قبضة الإعسار ، وكاسفة PageV10P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" عن سدفة الإقتار ؛ وقلت : أي قدم أحق بولوج ~~الركب من قدميه ، وحاذ أولى ببطون القب من حاذيه ؛ وأي أنامل أبهى من ~~أنامله إذا تصرفت في الأعنة يسراها ، وتحتمت بالمخاصر يمناها ؛ وكيف يكون ~~ذلك الخلق العظيم ، والوجه الوسيم ؛ وقد بهر جالسا ، وإذا طلع فارسا . ثم ~~اتهمت آمالي بالغلو فيك ، واستبعدت مناقضة الزمان بإنصاف معاليك ؛ فقبضت ما ~~انبس من عنانها ، وأخمدت ما اشتعل من نيرانها ؛ حتى وقفت على صحيحة الشك . ~~أرجو علو همتك بحسن اختيارك ، وأخشى منافسة الأيام في درك أوطارك ؛ فإنها ~~كالظانة في ولدها ، والمجاذبة بالسوء في واحدها ؛ يدني الأمل مسارها ، ~~ويرجئ القلق حذارها ؛ حتى أتتنا الأنباء تنعى رأيك القائل ، وتفل عزمك ~~الآفل ؛ بوقوع اختيارك على فاضح صاحبه ، ومسلم راكبه ؛ الجامد في حلبة ~~الجياد ، والحذق بالحران والكياد ؛ السوم دينه ودأبه ، والبلادة طبيعته ~~وشأنه ؛ لا يصلحه التأديب ms1997 ، ولا تقرع له الظنابيب ؛ إن لحظ عيرا نهق ، أو ~~لمح أتانا شبق ، أو وجد روثا شم وانتشق ؛ فكم هشم سنا لصاحبه ، وكم سعط أنف ~~راكبه ؛ وكم استرده خائفا فلم يردده ، وكم رامه خاطبا فلم يسعده ؛ يعجل إن ~~أحب الأناة والإبطاء ، ويرسخ إن حاول الحث والنجاء ؛ مطبوع على الكيد ~~والخلاف ، موضوع للضعة والاستخفاف ؛ عزيز حتى تهينه السياط ، كسول ولو ~~أبطره النشاط ؛ ما عرف في النجابة أبا ، ولا أفاد من الوعي أدبا ؛ الطالب ~~به محصور ، والهارب عليه مأسور ؛ والممتطي له راجل ، والمستعلي بذروته نازل ~~؛ له من الأخلاق أسوؤها ، ومن الأسماء أشنؤها ، ومن الأذهان أصدؤها ، ومن ~~القدود أحقرها ؛ تجحده المراكب ، وتجهله المواكب ؛ وتعرفه ظهور السوابك ، ~~وتألفه سباطات المبارك . والله الموفق . PageV10P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الثالث ~~في الإبل والبقر والغنم ذكر ما قيل في الإبل الإبل جمع لا واحد لها من ~~لفظها . والذكر منها جمل ، والأنثى ناقة . والبعير يقع عليهما . ودليل ذلك ~~قول بعض الشعراء : لا نشتهي لبن البعير وعندنا . . . عرق الزجاجة واكف ~~المعصار والإبل من منن الله الجسيمة على خلقه ، ومما منحهم به من إرفاقه ~~ورزقه . قال الله تعالى : " والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها ~~تأكلون . ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون . وتحمل أثقالكم إلى بلد ~~لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم " . وقال تعالى : " ~~أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون . وذللناها ~~لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون . ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون " . ~~ولنذكر ما جاء من لغة العرب في الإبل من تسميتها من حين تولد إلى أن تتناهى ~~سنها ، وأسماء ما يركب منها ويحمل عليه ، وما اختصت به النوق من الأسماء ~~والصفات ؛ ونذكر ألوان الإبل وما قالوه في ترتيب سيرها ، وفي المسير عليها ~~والنزول ؛ ثم نذكر بعد ذلك أصناف الإبل وما قيل في عاداتها وطبائعها . فإذا ~~أوردنا ذلك ، ذكرنا ما ملكه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منها ، وما ~~جاء في أوصاف الإبل من الشعر ms1998 ؛ فنقول وبالله التوفيق . تسميتها من حين تولد ~~إلى أن تتناهى سنها فقد قالت العرب : ولدها حين يسل من أمه سليل ثم سقب ~~وحوار إلى سنة ، وجمعه أحورة وحيران . وهو فصيل إذا فصل عن أمه . وهو في ~~السنة الثانية ابن مخاض ، لأن أمه تلقح فتلحق بالمخاض وهي الحوامل ، ~~وواحدتها من غير لفظها خلفة ، والأنثى بنت مخاض . فإذا دخل في الثالثة فهو ~~ابن لبون ، والأنثى بنت لبون ؛ لأن أمه صارت ذات لبن . وهو في الرابعة حق ؛ ~~لأنه استحق أن يحمل عليه . وهو في السنة الخامسة جذع . وفي السادسة ثني ~~لأنه يلقى ثنيته ؛ والأنثى نثية . وهو في السابعة رباع . وفي PageV10P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" السنة الثامنة سديس وسدس للذكر والأنثى . وهو ~~في التاسعة بازل إذا فطر نابه ، أي طلع . قال الشاعر : وابن اللبون إذا ما ~~لز في قرن . . . لم يستطع صولة البزل القناعيس ثم هو بعدها بسنة مخلف عام ~~وبازل عام ثم مخلف عامين وبازل عامين ؛ ثم يعود ، أي يصير عودا وهرما وماجا ~~. قالوا : والقلوص منها كالجارية من الناس ، والقعود كالغلام ، والجمع ~~قلائص وقعدان . والبكر : الفتي ، والبكارة جمع ، والأنثى بكرة . ويقال : ~~جمل راش وناقة راشة إذا كثر الشعر في آذانهما . أسماء ما يركب منها ويحمل ~~عليه فقد قالوا : المطية اسم جامع لكل ما يمتطى من الإبل . فإذا اختارها ~~الرجل لمركبه لتمام خلقتها ونجابتها فهي راحلة . وفي الحديث النبوي صلوات ~~الله تاعلى وسلامه على قائله : " الناس كإبل مائة لا يكاد يوجد فيها راحلة ~~" . فإذا استظهر صاحبها بها وحمل عليها فهي زاملة ، والناس يقولون في الرجل ~~العاقل الثابت في أموره : رجل زاملة ، يريدون بذلك مدحه . ووصف ابن بشير ~~رجل فقال : ليس ذلك من الرواحل إنما هو من الزوامل ، فإذا وجهها مع قوم ~~ليمتاروا عليها فهي عليقة . ما اختصت به النوق من الأسماء والصفات فإنهم ~~يقولون فيها : كهاة وجلالة وهي العظيمة ، وعطموس ودعبلة وهي الحسنة الخلقة ~~التامة الجسم ، وكوماء وهي الطويلة السنام ، ووجناء وهي الشديدة القوية ~~اللحم . واشتقاقه من الوجهين ، وهي الحجارة . فإن اردادت شدتها فهي عرمس ms1999 ~~وعيرانة . فإذا كانت شديدة كثيرة اللحم فهي عنتريس وعرندس متلاحكة . فإذا ~~كانت ضخمة شديدة فهي دوسرة وعذافرة . فإذا كانت حسنة جميلة فهي شمردلة . ~~فإذا كانت عظيمة الجوف فهي مجفرة . فإذا كانت قليلة اللحم فهي حرجوج وحرف ~~ورهب . أوصافها في السير إذا كانت لينة اليدين في سيرها فهي خنوف . فإذا ~~كان PageV10P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" بها هوج من سرعتها فهي هوجاء وهوجل . فإذا ~~كانت تقارب الخطو فهي حاتكة . فإذا كانت تمشي وكأنها مقيدة الرجل وهي تضرب ~~بيديها فهي راتكة . فإذا كانت سريعة فهي عصوف ومشمعلة وعيهل وشملال ويعملة ~~وهمرجلة وشمذر وشملة وشمردلة . فإذا كانت تجر رجليها في المشي فهي مزحاف ~~وزحوف . فإذا كانت لا تقصد في سيرها من نشاطها فهي عجرفية . قال الأعشى : ~~وفيها إذا ما هجرت عجرفية . . . إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا ألوان الإبل ~~فإنهم قالوا : إذا لم يخالط حمرة البعير شيء فهو أحمر . فإن خالطها السواد ~~فهو أرمك . فإذا كان أسود يخالط سواده بياض كدخان الرمث فهو أورق . فإذا ~~اشتد سواده فهو جون . فإن كان ابيض فهو آدم . فإن خالط بياضه حمرة فهو أصهب ~~. فإن خالطته شقرة فهو أعيس . فإن خالطت خضرته صفرة وسواد فهو أحوى . فإذا ~~كان أحمر يخالط حمرته سواد فهو أكلف . ترتيب سيرها فالعنق وهو السير ~~المسبطر . فإذا ارتفع عنه قليلا فهو التزيد . فإذا ارتفع عن ذلك فهو الذميل ~~. فإذا ارتفع فهو الرسيم . فإذا دارك المشي وفيه قرمطة فهو الحفد . فإذا ~~ارتفع عن ذلك وضرب بقوائمه كلها فذاك الارتباع والالتباط . فإذا لم يدع ~~جهدا فذاك الادرنفاق . المسير عليها والنزول للراحة والإراحة فقد قالا : ~~إذا سار القوم نهارا ونزلوا ليلا فذاك التأويب . فإذا ساروا ليلا ونهارا ~~فذاك الإسآد . فإذا ساروا من أول الليل فهو الإدلاج . فإذا ساروا من آخر ~~الليل فهو الادلاج . فإذا ساروا مع الصبح فهو التغليس . فإذا نزلوا ~~للاستراحة في نصف النهار فهو التغوير . فإذا نزلوا في نصف الليل فهو ~~التعريس . ذكر أصناف الإبل وعاداتها وما قيل في طبائعها والإبل ثلاثة أصناف ~~: يماني ، وعرابي ، وبختي . فاليماني ms2000 هو النجيب ، وينزل PageV10P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" بمنزلة العتيق من الخيل . والعرابي كالبرذون . ~~والبختي كالبغل . ويقال : البخت ضأن الإبل . وهي متولدة عن فساد مني العراب ~~. وحكى الجاحظ أن منهم من يزعم أن في الإبل ما هو وحشي وأنها تسكن أرض وبار ~~، وهي غير مسكونة بالناس . وقالوا : ربما ند الجمل منها في الهياج فيحمله ~~ما يعرض له منها على أن يأتي أرض عمان ، فيضرب في أدنى هجمة من الإبل ؛ ~~فالإبل المهرية من ذلك النتاج . وتسمى الإبل الوحشية الحوش . ويقولون : ~~إنها بقايا إبل عاد وثمود ومن أهلكه الله من العرب . والمهرية منسوبة إلى ~~مهرة قبيلة باليمن ؛ وهي سريعة العدو . ويعلفونها من قديد سمك يصاد من بحر ~~عمان . وأما البخت ، فمنها ما يرهوك مثل البراذين ؛ ومنها ما يجمز جمزاص ~~ويرقل إرقالا . وفي البخت ماله سنامان في طول ظهره كالسرج ، ولبعضها سنامان ~~في العرض عن اليمين وعن الشمال ، وتسمى الخراسانية . قالوا : والجمل لا ~~ينزو إلا مرة واحدة يقيم فها النهار أجمع ونزل فيها مرارا كثيرة ، فيجيء ~~منها ولد واحد . وهو يخلو في البراري حالة النزو ، ولا يدنو منه أحد من ~~الناس إلا راعيه الملازم له . وذكره صلب جدا ؛ لأنه من عصب . والأنثى تحمل ~~سنة كاملة ؛ وتلقح لمضي ثلاث سنين ، وكذلك الذكر ينزو في هذه المدة ، ولا ~~ينزو عليها إلا بعد سنة من يوم وضعها . وفيه من كرم الطباع أنه لا ينزو على ~~أمهاته ولا أخواته . ومتى حمل على أن يفعل حقد على من ألزمه ؛ وربما قتله . ~~وليس في الحيوان من يحقد حقده . وقد قالوا : إن العرب إنما اكتسبت الأحقاد ~~لأكلها لحوم الجمال ومداومتها . وفي طبع الجمل الاهتداء بالنجم ، ومعرفة ~~الطرق ، والغيرة ، والصولة ، والصبر على الحمل الثقيل وعلى العطش . والإبل ~~تميل إلى شرب الماء الكدرة الغليظة ؛ وهي إذا وردت ماء الأنهار حركته ~~بأرجلها حتى يتكدر . وهي من عشاق الشمس . وهي تتعرف النبات المسموم بالشم ~~من مرة واحدة فتجنبه عند رعيه ولا تغلط إلا في اليبيس خاصة . وزعم أرسطو : ~~أنها تعيش ثلاثين سنة في الغالب . وقال صاحب ms2001 PageV10P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر ينقل عن غيره : ~~وقد رئي منها ما عاش مائة سنة . وكانت للعرب عوائد في إبلها أنها إذا أصاب ~~إبلهم العر كووا السليم لذهب العر عن السقيم . وكانوا إذا كثرت إبلهم فبلغت ~~الألف فقئوا عين الفحل ؛ فإن زادت على الألف فقئوا عينه الأخرى . وقد ذكرنا ~~في أوابد العرب ، وهو في الباب الثاني من الفن الثاني من هذا الكتاب في ~~السفر الثالث من هذه النسخة . والله أعلم بالصواب . ذكر ما ملكه رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) من الإبل كانت ناقة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) يقال لها القصواء . ذكر ابن سعد عن محمد بن عمر قال حدثني موسى بن محمد ~~بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال : كانت القصواء من نعم بني الحريش ، ابتاعها ~~أبو بكر رضي الله عنه وأخرى معها بثمانمائة درهم فأخذها رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) منه بأربعمائة ؛ فكانت عنده حتى نفقت . وهي التي هاجر ~~عليها ( صلى الله عليه وسلم ) . وكانت حين قدم المدينة رباعية ، وكان اسمها ~~القصواء والجدعاء والعصباء ، وكان في طرف أذنها جدع ، وكانت لا تسبق كلما ~~دفعت في سباق . فلما كان في سنة ست من الهجرة سابق رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بين الرواحل ، فسبق قعود لأعرابي القصواء ، ولم تكن تسبق قبلها ~~؛ فشق ذلك على المسلمين ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " حق ~~على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه " . وعن قدامة بن عبد الله قال ~~: رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في حجته يرمي على ناقة صهباء . ~~وعن سلمة بن نبيط عن أبيه قال : رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~حجته بعرفة على جمل أحمر . وذكر أبو إسحاق أحمد ابن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي في تفسيره : أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعث يوم الحديبية ~~خراش بن أمية الخزاعي قبل عثمان إلى قريش بمكة ، وحمله على جمل له يقال له ~~الثعلب ؛ ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له ؛ فعقروا ms2002 جمل رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وأرادوا قتله ؛ فمنعته الأحابيش ، فخلوا سبيله . وكان للنبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) عشرون لقحة بالغابة وهي على بردي من المدينة من طريق ~~الشام وكان فيه أبو ذر ، وكان فيها لقائح غزر : الحناء والسمراء والعريس ~~والسعدية والبغوم واليسيرة والريا . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فرقها على نسائه ؛ فكانت السمراء لقحة PageV10P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" غزيرة لعائشة ؛ وكانت العريس لأم سلمة ؛ فأغار ~~عليها عيينة بن حصن في أربعين فارسا فاستاقوها وقتلوا ابن أبي ذر ؛ ثم ركب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه حتى انتهوا إلى ذي قرد فاستنقذوا ~~منها عشرا وأفلت القوم بما بقي ؛ وقيل : بل استنقذها كلها منهم سلمة بن ~~الأكوع حين يقول : ما خلق الله شيئا من ظهر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إلا خلفته وراء ظهري واستنقذته منهم ؛ وذلك في شهر ربيع الأول سنة ست . ~~وكانت لقاحه ( صلى الله عليه وسلم ) ، التي كان يرعاها يسار مولاه بذي ~~الجدر ناحية قباء قريبا من عير على ستة أميال من المدينة ، خمس عشرة لقحة ~~غزارا استاقها العرنيون وقتلوا يسارا وقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في ~~لسانه وعينيه حتى مات . فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في إثرهم ~~كرز بن جابر الفهري في عشرين فارسا ؛ فأدركوهم وربطوهم وأردفوهم على الخيل ~~حتى قدموا بهم المدينة ، فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم وصلبوا . وفيهم ~~نزل : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله " الآية ؛ وذلك في شوال سنة ~~ست . وفقد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) منها لقحة تدعى الحناء ؛ فسأل عنها ~~فقيل : نحروها . وقيل : كانت لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سبع لقائح ~~تكون بذي الجدر ؛ وتكون بالجماء : لقحة تدعى مهرة وكانت غزيرة ، أرسل بها ~~سعد بن عبادة من نعم بني عقيل ، ولقحة تدعى بردة تحلب كما تحلب لقحتان ~~غزيرتان ، أهادها له الضحاك بن سفيان الكلابي ، والشقراء والريا والسمراء ~~والعريس واليسيرة والحناء يحلبن ويراح إليه بلبنهن كل ليلة . وفي غزاة بدر ~~غنم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ms2003 ) جمل أبي جهل وكن مهريا يغزو عليه ~~ويضرب في لقاحه . ذكره الطبري . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أهدى عام الحديبية في هداياه جملا لأبي جهل في ~~رأسه برة من فضة ؛ ليغيط بذلك المشركين . ذكره ابن إسحاق . PageV10P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" وقيل : كانت للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~لقحة اسمها مروة . وقال ابن الكلبي : إن عياض بن حماد أهدى لرسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) نجيبة ، وكان صديقا له إذا قدم عليه مكة لا يطوف إلا ~~في ثيابه ؛ فقال له : أسلمت ؟ قال : لا ؛ قال : إن الله نهاني عن زبد ~~المشركين . فأسلم ؛ فقبلها . ذكر شيء مما وصفت به الإبل نظما ونثرا قال بعض ~~من عظم شأن الإبل : إن الله تعالى لم يخلق نعما خيرا من الإبل ؛ إن حملت ~~أثقلت ، وإن سارت أبعدت ، وإن حلبت أروت ، وإن نحرت أشبعت . وقال بشامة يصف ~~ناقة : كأن يديها إذا أرقلت . . . وقد حرن ثم اهتدين السبيلا يدا سابح خر ~~في غمرة . . . وقد شارف الموت إلا قليلا إذا أقبلت قلت مشحونة . . . أطاعت ~~لها الريح قلعا جفولا وإن أدبرت قلت مذعورة . . . من الربد تتبع هيقا ذمولا ~~وقال أبو تمام : وبدلها السري بالجهل حلما . . . وقد أديمها قد الأديم بدت ~~كالبدر في ليل بهيم . . . وآبت مثل عرجون قديم وقال الخطيم الخزرجي : وقد ~~ضمرت حتى كأن وضينها . . . وشاح عروس جال منها على خصر وقال ابن دريد : خوص ~~كأشباح الحنايا ضمر . . . يرعفن بالأمشاج من جذب البرى PageV10P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" يرسبن في بحر الدجى ، وفي الضحى . . . يطفون ~~في الآل إذا الآل طفا وقال عبد الجبار بن حمديس : ومن سفن البر سباحة . . . ~~من الآل بحرا إذا ما اعترض لها شرة لا تبالي بها . . . أطال بها سبسب أم ~~عرض إذا خفق البرد بي خلتني . . . على كورها طائرا ينتفض وإن يعرض البعض من ~~سيرها . . . ترى العيس من خلفها تنقرض هي القوس إني لسهم لها . . . أصيب ~~بكر فلاة غرض وقال الشريف البياضي : نوق تراها كالسفي . . . ن إذا رأيت ~~الآل بحرا كتب ms2004 الوجا بدمائها . . . في مهرق البيداء سطرا لا تستكين من ~~اللغو . . . ب إذا ولا يعرفن زجرا وكأن أرجلهن تط . . . لب عند أيديهن وترا ~~وقال أبو عبادة البحتري : وخدانالقلاص حولا إذا قا . . . بلن حولا من أنجم ~~الأسحار يترقرقن كالسراب وقد خض . . . ن غمارا من السراب الجاري كالقسي ~~المعطفات بل الأس . . . هم مبرية بل الأوتار وقال ذو الرمة يصف ناقة : ~~PageV10P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" رجيعة أسفار كأن زمامها . . . شجاع على يسرى ~~الذراعين مطرق ومنه أخذ المتنبي فقال : كأن على الأعناق منها الأفاعيا وقال ~~أبو نواس يصفها بالسرعة : وتجشمت بي هول كل تنوفة . . . هوجاء فيها جرأة ~~إقدام تذر المطي وراءها وكأنها . . . صف تقدمهن وهي إمام وقال الفرزدق ~~منشدا : تنفي يداها الحصى في كل هاحرة . . . نفي الدراهيم تنقاد الصياريف ~~وقال آخر : تطير مناسمها بالحصى . . . كما نقد الدرهم الصيرف وقال الغطمش : ~~كأن يديها حين جد نجاؤها . . . يدا سابح في غمرة يتبوع وقال آخر في نوق : ~~خوص نواج إذا حث الحداة بها . . . حسبت أرجلها قدام أيديها وقال القطامي : ~~يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة . . . ولا الصدور على الأعجاز تتكل فهن ~~معترضات والحصى رمض . . . والريح ساكنة والظل معتدل وقال أبو نواس : ولقد ~~تجوب بي الفلاة إذا . . . صام النهار وقالت العفر PageV10P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" شدنية رعت الحمى فأتت . . . مثل الجبال كأنها ~~قصر وقال الأحمر : حمراء من نسل المهاري نسلها . . . إذا ترامت يدها ورجلها ~~حسبتها غيري استفز عقلها . . . أتى التي كانت تخاف بعلها ذكر ما قيل في ~~البقر الأهلية عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قال : " بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت إنا لم نخلق لهذا إنما ~~خلقنا للحرث " ؛ فقال الناس : سبحان الله بقرة تكلم قال : " فإني أومن بهذا ~~أنا وأبو بكر وعمر " وما هما ثم . وقال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان : إن ~~الفحل من البقر ينزو إذا تمت له سنة من عمره ؛ وقد ينزو لعشرة أشهر . ~~والبقرة إذا ولدت تحدر لبنها من يومها ، ولا يوجد لها لبن قبل أن تضع . وهي ~~تحمل تسعة ms2005 أشهر وتضع في العاشر ؛ فإن وضعت قبل ذلك لا يعيش ولدها . وربما ~~وضعت اثنين ، وهو نادر . وهم يتشاءمون بها إذا وضعت اثنين . وإذا مات ولدها ~~أو ذبح لا يسكن خوارها ولا يدر لبنها ؛ ولذلك الرعاء يسلخون جلد ولدها ~~ويحشونه لتدر له وتسكن ، ويسمونه البو . والبقر يحب الماء الصافي ، بضد ~~الخيل والجمال . وقال المسعودي في كتابه المترجم بمروج الذهب : رأيت بالري ~~نوعا من البقر تبرك كما تبرك الإبل وتحمل فتثور بحملها ، والغالب عليها ~~حمرة الحدق . وحكى أسامة بن منقذ في كتابه أن في بعض البلدان بقرا لها ~~أعراف كالخيل . ولعلها الأبقار التي توجد فيها البراجم . والبراجم في أطراف ~~أذنابها وفي أكتافها . ويقال : إن أبقار البراجم تخرج من بحر الصين وهي تلد ~~وترضع ؛ ولذلك يقال البراجم البحرية . وبأرض مصر بناحيتي دمياط وتنيس بقر ~~بسمى بقر الخيس ، ضخام حسان الصور والشيات ، ولها قرون كالأهلة ، وفيها ~~نفور وتوحش ، لا ينتفع بها في العمل وإنما ينتفع بألبانها . وهي لا تعلف ~~الحب ، ومأواها حيث يكون العشب والماء الدائم ؛ ولها أسماء يدعونها بها إذا ~~أرادوا حلها ، فتتقدم إليهم . وقد وصف الشعراء البقر في أشعارها ؛ فمن ذلك ~~قول أحمد بن علويه PageV10P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" الأصبهاني : يا حبذا محضها ورائبها . . . ~~وحبذا في الرجال صاحبها عجولة سمحة مباركة . . . ميمونة طفح محالبها تقبل ~~للحلب كلما دعيت . . . ورامها للحلال حالبها فتية سنها ، مهذبة . . . معنف ~~في الندى عائبها كأنها لعبة مزينة . . . يطير عجبا بها ملاعبها كأن ألبانها ~~جني عسل . . . يلذها في الإناء شاربها عروس باقورة إذا برزت . . . من بين ~~أحبالها ترائبها كأنها هضبة إذا انتسبت . . . أو بكرة قد أناف غاربها تزهى ~~بروقين كاللجين إذا . . . مسهما بالبنان طالبها لو أنها مهرة لما عدمت . . ~~. من أن يضم السرور راكبها وأنشدني شمس الدين بن دانيال لنفسه : لله عجلة ~~خيس . . . صفراء ذات دلال تريك عيني مهاة . . . من تحت قرني غزال قد سربلت ~~بأصيل . . . وتوجت بهلال وقال شاعر يصف صوت الحلب : كأن صوت شخبها المرفض . ~~. . كشيش أفعى أجمعت لعض وهي تحك بعضها ببعض وقال : كأن صوت شخبها غديه ms2006 . . ~~. هفيف ريح أو كشيش حيه PageV10P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" ذكر ما قيل في الجاموس قال أبو عثمان عمرو بن ~~بحر الجاحظ : والجواميس هي ضأن البقر . والجاموس أجزع الحيوان من البعوض ~~وأشدها هربا منه إلى الماء ؛ وهو يمشي إلى الأسد رخي البال ، رابط الجأش ، ~~ثابت الجنان . وقد حكي عن المعتصم بالله العباسي أنه أبرز للأسد جاموستين ~~فغلبتاه ، ثم أبرز له جاموسة ومعها ولدها فغلبته وحمت ولدها ، ثم أبرز له ~~جاموسا مفردا فواثبه ثم أدبر عنه . هذا على ما في الأسد من القوة في فمه ~~وكفه والجرأة العظيمة والوثبة وشدة البطش والصبر والحضر والطلب والهرب ؛ ~~وليس في الجاموس ، ولا يستطيل بغير قرنه ، وليس في قرنه حدة قرن بقر الوحش ~~؛ فإذا قوي الجاموس مع ذلك حتى يقاوم الأسد دل على قوة عظيمة . ولذلك قدم ~~الجاحظ الجاموس على الأسد ، وعلل تقديمه عليه بهذه العلة . وليس ما حكي عن ~~المعتصم في أمر الجاموس وغلبته للأسد بعجيب ؛ فإن الجواميس بالأغوار تقاتل ~~الأسد وتمانعه وتدفعه فلا يقدر على قهرها . وأصحاب الجواميس هناك منهم من ~~يغلف قرونها بالنجاس ويحددون أطرافه ، ويقصدون بذلك إعانته على حرب الأسد ~~وقتاله . والجاموس عندنا بالديار المصرية يقاتل التمساح الذي هو أسد البحر ~~ويتمكن منه ويقهره في الماء ؛ فهو قد جمع بين قتال أسد البر وأسد البحر . ~~وله قدرة عظيمة على طول المكث في قعر البحر . والتماسيح لا تكاد تأوي موارد ~~الجواميس من بحر النيل وتتجنب أماكنها . والجواميس في أرض الشأم من الأغوار ~~والسواحل والأماكن الحارة الكثيرة المياه ينتفع بها في الحرث والحمولة وجر ~~العجل وحلب ألبانها . وأما في الديار المصرية فلا يستعملونها البتة ولا ~~ينتفعون بها إلا بما يتحصل من ألبانها ونتاجها . وفحول الجواميس يكون بينها ~~قتال شديد ومحاربة ؛ فأيما فحل غلب وقهره خصمه ، لا يأوي ذلك المراح ، بل ~~ينفرد بنفسه في الجزائر الكثيرة العشب شهورا وهو يأكل من تلك الأعشاب ويشرب ~~من ماء النيل ، وينفرد خصمه بالإناث ؛ فإذا علم الهارب من نفسه القوة ~~والجلد ، رجع إلى المراح وقد توحش واستطال ، ويكون خصمه قد ms2007 ضعفت قواه فلا ~~يقوم بمحاربته ؛ ولكنه لا يولي عنه إلا بعد محاربته . فإذا قهره ترك الآخر ~~المراح وتوجه إلى جزيرة وفعل كما فعل الأول وعاد إلى خصمه . ولبن الجاموس ~~من ألذ الألبان وأدسمها . والرعاء يسمون كل جاموسة باسم تعرفه إذا دعيت به ~~إلى الحلب ، فتجيب وتأتيه وتقف حتى يحلبها . PageV10P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" ذكر ما قيل في الغنم الضأن والمعز روي عن أنس ~~بن مالك وعطاء رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ~~الغنم بركة موضوعة " . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع ~~بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن " . وعن أبي هريرة رضي ~~الله عنه : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " رأس الكفر نحو ~~المشرق والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر والسكينة ~~في أهل الغنم " . ومن فضل الغنم ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه : أن النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) قال : " ما بعث الله نبيا إلا ورعي الغنم " . فقال ~~له أصحابه : وأنت يا رسول الله ؟ قال : " نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل ~~مكة " . وكان لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من الغنم مائة شاة لا يريد ~~أن تزيد كلما ولد الراعي بهمة ذبح مكانها شاة . وقال ابن الأثير في تاريخه ~~: وكان له شاة تسمى غوثة ، وقيل غيثة ، وعنز تسمى اليمن . وذكر بعض ~~المتأخرين من أهل الحديث أن مكحولا سئل عن جلد الميتة ، فقال : كانت لرسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) شاة تسمى قمر ؛ ففقدها فقال : " ما فعلت قمر ؟ ~~" فقالوا : ماتت يا رسول الله ؛ قال : " ما فعلتم بإهابها ؟ " قالوا : ميتة ~~؛ قال : " دباغها طهورها " . قال الشيخ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف ~~الدمياطي رحمه الله تعالى في كتاب فضل الخيل : وكانت منائح رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من الغنم سبعا : عجرة وزمزم وسقيا وبركة وورشة وأطلال ~~وأطراف . وعن ابن عباس رضي الله عنهما ms2008 قال : كانت لرسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) سبع أعنز منائح ترعاهن أم أيمن . قال : والمنيحة : الناقة ~~والشاة تعطيها غيرك فيحلبها ثم يردها عليك . قال أبو عبيد : للعرب أربعة ~~أسماء تضعها مواضع العارية ، وهي : المنيحة ، والعرية ، والإفقار ، ~~والإخبال . ذكر ترتيب سن الغنم ولد الشاة حين تضعه ذكرا كان أو أنثى سخلة ~~وبهمة . فإذا فصل عن أمه فهو PageV10P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" حمل وخروف . فإذا أكل واجتر فهو بذج وفرفور . ~~فإذا بلغ النزو فهو عمروس . وكل أولاد الضأن والمعز في السنة الثانية جذع ؛ ~~وفي الثالثة ثني ؛ وفي الرابعة رباع ؛ وفي الخامسة سديس ؛ وفي السادسة سالغ ~~. وليس له بعد هذا اسم . ويقال لولد المعز : جفر ثم عريض وعتود وعناق . ~~والغنم ، الضأن والمعز ، تضع حملها في خمسة أشهر . وتلد النعجة رأسا إلى ~~ثلاثة ، والعنز من الرأس إلى أربعة . وينزو الذكر بعد مضي ستة شهور من ~~ميلاده . وتحمل الأنثى بعد مضي خمسة أشهر من يوم ولدت . ويجز صوف الضأن ~~عنها في كل سنة . ولحوم الضأن من أطيب اللحمان ؛ وكذلك ألبانها . وقد أطنب ~~الجاحظ في المفاخرة بين الضأن والمعز وأطال وأتى بالغث والسمين . وكتب أبو ~~الخطاب الصابي إلى الحسين بن صبرة جوابا عن رقعة أرسلها بلغ النزو فهو ~~عمروس . وكل أولاد الضأن والمعز في السنة الثانية جذع ؛ وفي الثالثة ثني ؛ ~~وفي الرابعة رباع ؛ وفي الخامسة سديس ؛ وفي السادسة سالغ . وليس له بعد هذا ~~اسم . ويقال لولد المعز : جفر ثم عريض وعتود وعناق . والغنم ، الضأن والمعز ~~، تضع حملها في خمسة أشهر . وتلد النعجة رأسا إلى ثلاثة ، والعنز من الرأس ~~إلى أربعة . وينزو الذكر بعد مضي ستة شهور من ميلاده . وتحمل الأنثى بعد ~~مضي خمسة أشهر من يوم ولدت . ويجز صوف الضأن عنها في كل سنة . ولحوم الضأن ~~من أطيب اللحمان ؛ وكذلك ألبانها . وقد أطنب الجاحظ في المفاخرة بين الضأن ~~والمعز وأطال وأتى بالغث والسمين . وكتب أبو الخطاب الصابي إلى الحسين بن ~~صبرة جوابا عن رقعة أرسلها إليه في وصف حمل أهداه إليه ، جاء منها : وصلت ~~رقعتك ؛ ففضضتها ms2009 عن خط مشرق ، ولفظ مؤنق ؛ وعبارة مصيبة ، ومعان غريبة ؛ ~~واتساع في البلاغة يعجز عنه عبد الحميد في كتابته ، وسبحان في خطابته . ~~وذكرت فيها حملا ، جعلته بصفتك جملا ؛ وكان كالمعيدي أسمع به ولا أراه . ~~وحضر ، فرأيت كبشا متقادم الميلاد ، من نتاج قوم عاد ؛ قد أفنته الدهور ، ~~وتعاقبت عليه العصور ؛ فظننته أحد الزوجين اللذين حملهما نوح في سفينته ، ~~وحفظ بهما جنس الغنم لذريته . صغر عن الكبر ، ولطف في القدر ؛ فبانت دمامته ~~، وتقاصرت قامته ؛ وعاد نحيفا ضئيلا ، باليا هزيلا ؛ بادي السقام ، عاري ~~العظام ؛ جامعا للمعايب ، مشتملا على المثالب ؛ يعجب العاقل من حلول الروح ~~فيه ؛ لأنه عظم مجلد ، وصوف ملبد ؛ لا تجد فوق عظامه سلبا ، ولا تلقى اليد ~~منه إلا خشبا ؛ لو ألقي للسبع لأباه ، أو طرح للذئب لعافه وقلاه ؛ وقد طال ~~للكلأ فقده ، وبعد بالمرعى عهده ؛ لم ير القت إلا نائما ، ولا الشعير إلا ~~حالما . وقد خيرتني بين أن أقتنيه فيكون فيه غنى الدهر ، أو أذبحه فيكون ~~فيه خصب الشهر ؛ فملت إلى استبقائه ؛ لما تعلمه من محبتي في التوفير ، ~~ورغبتي في التثمير ؛ وجمعي للولد ، وادخاري لغد ؛ فلم أجد فيه مستمتعا ~~للبقاء ، ولا مدفعا للفناء ؛ لأنه ليس بأنثى فيحمل ، ولا بفتي فينسل ، ولا ~~بصحيح فيرعى ، ولا بسليم فيبقى ؛ فملت إلى الثاني من رأييك ، وعملت بالأخر ~~من قوليك ؛ وقلت : أذبحه فيكون وظيفة للعيال ، وأقيمه رطبا مقام قديد ~~الغزال ؛ فأنشدني وقد أضرمت النار ، وحددت الشفار ، وشمر الجزار : ~~PageV10P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" أعيذها نظرات منك صادقة . . . أن تحسب الشحم ~~فيمنشحمه ورم وما الفائدة لك في ذبحي وإنما أنا كما قيل : لم يبق إلا نفس ~~خافت . . . ومقلة إنسانها باهت ليس لي لحم يصلح للأكل ، فإن الدهر أكل لحمي ~~؛ ولا جلد يصلح للدبغ ، فإن الأيام مزقت أديمي ؛ ولا صوف يصلح للغزل ، فإن ~~الحوادث حصت وبري . وإن أردتني للوقود فكف بعر أدفأ من ناري ، ولم تف حرارة ~~جمري برائحة قتاري . ولم يبق إلا أن تطالبني بذحل أو بيني وبينك دم . ~~فوجدته صادقا في مقالته ، ناصحا في مشورته . ولم أعلم من أي ms2010 أموره أعجب : ~~أمن مماطلته الدهر على البقاء ، أم من صبره على الضر والبلاء ، أم من قدرتك ~~عليه مع عوز مثله ، أم من إتحافك الصديق به على خساسة قدره . ويا ليت شعري ~~إذا كنت والي سوق الأغنام ، وأمرك ينفذ في المعز والضأن ؛ وكل حمل سمين ، ~~وكبش بطين ؛ مجلوب إليك ، وموقوف عليك ، تقول فيه فلا ترد . وتريد فلا تصد ~~؛ وكانت هديتك هذا الذي كأنه انشر من القبور ، أو أقيم عند النفخ في الصور ~~؛ فما كنت مهديا لو انك رجل من عرض الكتاب ، كأبي علي وأبي الخطاب ما تهدي ~~إلا كلبا أجرب ، أو قردا أحدب . وقال شاعر في هذا المعنى : ليت شعري عن ~~الخروف الهزيل . . . ألك الذنب فيه أم للوكيل لم أجد فيه غير جلد وعظم . . ~~. وذنيب له دقيق طويل ما أراني أراه يصلح إذ أص . . . بح رسما على رسوم ~~الطلول لا لشي ولا لطبخ ولا بي . . . ع ولا بر صاحب وخليل أعجف لو مطفل نال ~~منه . . . لغدا تائبا عن التطفيل وقال شرف الدين بن عين وقد أهدى له بعض ~~أصدقائه خروفا بعد ما مطله به : أتاني خروف ما تشككت أنه . . . حليف جوى قد ~~شفه الهجر والمطل PageV10P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" إذا قام في شمس الظهرة خلته . . . خيالا سرى ~~في ظلمة ما له ظل فناشدته : ما تشتهي ؟ قال : قتة . . . وقاسمته : ما شفه ؟ ~~قال لي : الأكل فأحضرتها خضراء مجاجة الثرى . . . منعمة ما خص أطرافها فتل ~~وظل يراعيها بعين ضعيفة . . . وينشدها والدمع في الخد منهل : أتت وحياض ~~الموت بيني وبينها . . . وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل وقال الحمدوني في ~~المعزى : أبا سعيد لنا في شاتك العبر . . . جاءت وما إن بها بول ولا بعر ~~وكيف تبعر شاة عندكم مكثت . . . طعامها الأبيضان : الشمس والقمر لو أنها ~~أبصرت في نومها علفا . . . غنت له ودموع العين تنحدر : يا مانعي لذة الدنيا ~~بما رحبت . . . إني ليقنعني من وجهك النظر وقال أيضا : ما أرى إن ذبحت شاة ~~سعيد . . . حاصلا في يدي غير الإهاب ليس إلا عظامها ، ولو تراها . . . قلت ~~هذي أرزان في ms2011 جراب وقال فيها : لسعيد شويهة . . . سلها الضر والعجف قد تغنت ~~وأبصرت . . . رجلا حاملا علف : بأبي من بكفه . . . برء دائي من الدنف ~~فأتاها مطمعا . . . فأتته لتعتلف فتولى وأقبلت . . . تتغنى من الأسف : ليته ~~لم يكن وقف . . . عذب القلب وانصرف PageV10P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" القسم الرابع من الفن الثالث في ذوات السموم ~~وفيه بابان الباب الأول من هذا القسم في ذوات السموم القواتل . ويشتمل هذا ~~الباب على ما قيل في الحيات والعقارب ذكر ما قيل في الحيات الحيات مختلفات ~~الجهات جدا . وهي من الأمم التي يكثر اختلاف أجناسها في الصور والشيم ، ~~والصغر والعظم ، وفي التعرض للناس وفي الهرب منهم . فمنها ما لا يؤذي إلا ~~أن تطأها . ومنها ما يؤذي إذا وطئت في حماها . ومنها ما لا يؤذي في تلك ~~الحال إلا أن تكون على بيضها أو فراخها . ومنها ما لا يؤذي إلا أن يكون ~~الناس قد آذوها مرة . فأما الأسود فإنه يحقد ويطالب ويكمن في المتاع حتى ~~يدرك ؛ وله زمان يقتل فيه كل شيء نهشه . وأما الأفعى فليس ذلك عندها ، ~~ولكنها تظهر في الصيف مع أوائل الليل إذا سكن وهج الرمل أو ظاهر الأرض ، ~~فتأتي قارعة الطريق حتى تستدير كالرحى وتشخص رأسها ؛ فمن وطئ عليها أو مسها ~~نهشته . وهي من الحيات التي ترصد ؛ وهي تقتل في كل زمان وعلى كل حال . ~~والشجاع يواثب ويقوم على ذنبه . والحيات أصناف كثيرة سنذكر ما أمكن ذكره ~~منها إن شاء الله . والعرب تضر المثل في الظلم بالحية فيقولون : " أظلم من ~~حية " ، لأنها لا تتخذ لنفسها بيتا ، وكل بيت قصدت نحوه هرب أهله منه ~~وأخلوه لها . PageV10P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" والحية مشقوقة اللسان ، ولسانها أسود . وزعم ~~بعض المفسرين لكتاب الله عز وجل أن الله تعالى عاقب الحية ، حين أدخلت ~~إبليس في فمها حتى خاطب آدم وحواء وخدعهما ، بعشرة أشياء : منها شق لسانها ~~؛ فلذلك ترى الحية إذا ضربت لتقتل كيف تخرج لسانها لتري الضارب لها عقوبة ~~الله تعالى ، كأنها تسترحم . ويقال : إن من خصائص الحية أن عينها إذا قلعت ~~عادت ، وكذلك ms2012 نابها إذا قلع أو قطع بالكاز عاد بعد ثلاث ليال ؛ وكذلك ذنبها ~~إذا قطع عاد . وفي طباعها أنها تهرب من الرجل العريان ، وتفرح بالنار ~~وتطلبها وتعجب بها ، وباللبن والبطيخ واللفاح والخردل . وهي لا تضبط نفسها ~~عن الشراب إذا شمته ؛ وإذا وجدته شربت منه حتى تسكر ؛ فربما كان السكر سبب ~~حتفها ؛ لأنها إذا سكرت خدرت . وتكره الحية ريح السذاب ولا تملك نفسها معه ~~، وربما اصطيدت به ؛ وتكره ريح الشيح . والحية تذبح حتى تفرى أوداجها فتبقى ~~أياما لا تموت . ومتى ضربت بالقصب الفارسي ماتت ، وإن ضربت بسوط قد مسه عرق ~~الخيل ماتت . ويقال : إنها لا تموت حتف أنفها إلا أن تقتل . ومن أعجب ما ~~شاهدته أنا من الأفاعي أنها قطعت بحضوري بالبيمارستان المنصوري بالقاهرة ~~المعزية في شهور سنة ست وسبعمائة بسبب عمل الدرياق الفاروق ؛ وقطع من رأسها ~~وذنبها ما جرت العادة بقطعه ، وسلخت وشق بطنها نظفت وهي تختلج ، ثم سلقت ~~وجرد لحمها عن العظم ، فنظرت إليه فإذا هو يختلج ؛ فعجبت لذلك ؛ وذكرته ~~لرئيس الأطباء علم الدين المعروف بابن أبي حليقة وهو حاضر في المجلس ، فقال ~~: ليس هذا بأعجب مما تراه الآن ، وقال لي : استدع أقراص الأفاعي التي عملت ~~من أكثر من سنة ؛ فاستدعيتها ، فأحضرها الخازن وهي في العسل وقد دق ~~PageV10P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" لحم الأفاعي بعد سلقه وعجن بالسميذ وجع أقراصا ~~ووضع في العسل من أكثر من سنة ؛ فقال لي : تأمل الأقراص ؛ فتأملتها فإذا هي ~~تضطرب اضطرابا خفيفا . وقال الجاحظ : وزعم صاحب المنطق أن الحيات تنسلخ عن ~~جلودها في كل عام في أول فصل الربيع أو الخريف ؛ وتبتدئ بالسلخ من عيونها ~~ويتم سلخها في يوم وليلة ، ويصير داخل الجلد هو الخارج . وإذا هرمت وعجزت ~~عن السلخ وارتخى جسمها أدخلت جسمها بين عودين أو في صدع ضيق حتى تنسلخ ، ثم ~~تأتي إلى عين ماء فتنغمس فيها فيشتد لحمها يعود إلى قوته وشدته . قال ~~الجاحظ : وليس في الأرض مثل جسم الحية إلا والحية أقوى بدنا منه أضعافا . ~~ومن قوتها أنها إذا أدخلت صدرها في ms2013 جحر أو صدع لم يستطع أقوى الناس وقد قبض ~~على ذنبها بكلتا يديه أن يخرجها ، لشدة اعتمادها وتعاون أجزائها ؛ وربما ~~انقطعت في يد الجاذب لها . فإذا أراد أن يخرجها أرسلها بعض إرسال ثم يجذبها ~~كالمختطف لها . قال : ومن أصناف الحيات ما هو أزعر ، وما هو أزب ذو شعر ، ~~ومنها ذوات قرون . ومنها ما يسمى الأسود وهو ما إذا كان مع الأفاعي في جونة ~~وجاع ابتلعها من قبل رءوسها ، ومتى رام ذلك من غير جهة الرأس عضته فقتلته . ~~ومن أصنافها ما يسمى الأصلة ، وهو ثعبان عظيم جدا ، وله وجه كوجه الإنسان ؛ ~~ويقال : إنه يصير كذلك إذا مرت عليه ألوف من السنين . وهو يقتل بالنظر ~~وبالنفخ . ومنهم من يسمي هذا النوع الصل ، ويقول : إن أصل خلقته على هذه ~~الصفة . وقال : وفي البادية حية يقال لها الحفاث تأكل الفأر وأشباهه . وهي ~~عظيمة ، ولها وعيد منكر ونفخ وإظهار للصولة ، وليس وراء ذلك شيء ؛ والجاهل ~~ربما مات من الفزع منها . قالوا : والثعبان والأفعى فإنه يقتل بما يحدثه من ~~الفزع ؛ لأن الرجل إذا فزع تفتحت مسامه ومنافسه ، فيتوغل السم في موضع ~~الصميم وأعماق البدن . فإن نهشت النائم والمغمى عليه والمجنون والطفل ~~الصغير لم تقتله البتة . وزعم صاحب المنطق أن بالحبشة حيات لها أجنحة . ~~وأخبرني المولى شرف الدين أحمد بن البزدي قال : كنت بمدينة الرملة في شهور ~~سنة اثنتين وسبعمائة صحبة الصاحب شرف الدين بن الخليل ومعه القاضي الحاكم ~~وجماعة كثيرة من الناس وفيهم عدولي وغيرهم ؛ فنظرنا نحو PageV10P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" السماء فإذا نحن بحيتين عظيمتين طائرتين في ~~الهواء قاصدتين صوب البحر ، كل منهما في غلظ الثنيانة ، وإن إحداهما ~~مستقيمة في طيرانها والأخرى تتعوج من قبل رأسها ووسطها وذنبها ، وكانتا من ~~الأرض بحيث لا يبلغهما السهم ، قال : فسطرنا بذلك محضرا على عدة نسخ . وحكى ~~بعض المؤرخين : أنه وجد في خزائن المستنصر بالله العبيدي أحد خلفاء مصر ~~بيضة محلاة بالذهب ظنوا أنها بيضة نعامة ؛ فجعل الناس يتعجبون من تحليتها ~~بالذهب ؛ فذكروا ذلك للمستكفي ، فقال : إنها بيضة حية كان ms2014 بعض الملوك ~~أهداها لجدي القائم بأمر الله . ومن كتاب نشوار المحاضرة قال حدثنا أبو ~~إسحاق إبراهيم بن الوراق قال حدثني عمي أبو الحسين : أن الحصيني حدثه عن ~~أبي العباس بن الفرات قال حدثني أبي قال : قال لي جعفر الخياط : أمرني ~~المأمون ونحن بالروم أن أقتص الطريق لئلا يكون به جواسيس للعدو ؛ فأخذت معي ~~جماعة من أصحابي فرسانا ورجالة وسلكت الطريق ، فعن لي شعب فقصدته لئلا يكون ~~فيه كمين من الجواسيس ، وتقدمني الرجالة فرأيتهم قد وقفوا ؛ فأسرعت إليهم ~~وسألتهم عن خبرهم ، فقالوا : انظر ؛ فنظرت فإذا رجل من الرجالة قد قعد ~~لقضاء حاجته ، ومشى أصحابه ، فقصدته حية من وراء ظهره فابتلعته من رجليه ~~إلى صدره وهو يستغيث ويصيح ، فلم يكن لنا فيه حيلة وخفت أن آخر الرجالة ~~برمي الحية بالنشاب فيصيب الرجل فأكون أنا قتلته . فبسط الرجل يديه وانتهى ~~بلع الحية إلى إبطيه ، فرأيتها وقد انضمت على ما ابتلعته منه ضمة سمعنا ~~تكسير عظامه في جوفها ، فمات وسقطت يداه فابتلعته حينئذ بأسره . فقلت : ~~الآن أقصدوها بالنشاب ؛ فرشقناها جميعا فأثبتناها في موضعها حتى قتلناها ؛ ~~فأمرت بشق بطنها لأعاين جسم الرجل ، فلم نجد في بطنها من جلد ولا عظم ولا ~~غيرهما إلا شيئا كالخيط الأسود ، فإذا هي قد أحرقته في لحظة واحدة . ويقال ~~: إن بجزائر الصين حيات تبتلع الإبل والبقر وشبهها . قال الجاحظ : حدثني ~~أبو جعفر المكفوف النحوي العنبري وأخوه روح الكاتب PageV10P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" ورجال من بني العنبر : أن عندهم في رمال ~~بلعنبر حية تصيد العصافير وصغار الطير بأعجب حيلة ؛ وزعموا أنها إذا انتصف ~~النهار واشتد الحر في رمال بلعنبر وامتنعت الأرض على الحافي والمنتعل ، ~~غمست هذه الحية ذنبها في الأرض ثم انتصبت كأنها عود مركوز أو عود ثابت ، ~~فيجيء الطائر الصغير والجرادة ، فإذا رأى عودا قائما وكره الوقوع على الرمل ~~لشدة حره وقع على رأس الحية على أنها عود ، فإذا وقع على رأسها قبضت عليه . ~~فإن كان جرادة أو جعلا أو بعض ما لا يشبعها ابتلعته وبقيت على انتصابها ؛ ~~وإن كان طائرا ms2015 يشبعها أكلته وانصرفت ؛ وإن ذلك دأبها ما منع الرمل جانبه في ~~الصيف والقيظ . قال : وزعم لي رجال من الصقالبة خصيان وفحول أن الحية في ~~بلادهم تأتي البقرة المحفلة فتنطوي على فخذيها وركبتيها إلى عراقيبها ثم ~~تشخص صدرها نحو أخلاف ضرعها حتى تلتقم الخلف ، فلا تستطيع البقر مع قوتها ~~أن تترمرم ؛ فلا تزال الحية تمص اللبن ، ولكما مصت استرخت ؛ فإذا كادت لتلف ~~أرساتها . وزعموا أن تلك البقرة إما أن تتلف ، وإما أن يصيبها داء في ضرعها ~~وفساد شديد يعسر دواؤه . وهذا الباب طويل ؛ وقد أوردنا منه ما فيه غنية . ~~فلنذكر ما قيل في أصناف الحيات وأوصافها . أسماء الحيات وأوصافها يقال : ~~الجان والشيطان هي الحية الخبيثة . والحنش : ما يصاد من الحيات . والحيوت : ~~الذكر منها . والحفاث والحضب : الضخم منها . والأسود : العظيم وفيه سواد ؛ ~~ويقال : الأسود هو الداهية ؛ وله خصيتان كخصيتي الجدي ، وشعر أسود ، وعرف ~~طويل ، وصنان كصنان التيس . والشجاع : أسود أملس يضرب إلى البياض ، خبيث ؛ ~~ويقال : إنه دقيق لطيف . والأعيرج : حية صماء لا تقبل الرقي وتطفر كما تطفر ~~الأفعى . ويقال : الأعيرج : حية أريقط نحو من ذراع ، وهو أخبث من الأسود . ~~وقال ابن الأعرابي : الأعيرج أخبث الحيات ، يقفز على الفارس حتى يصير معه ~~في سرجه . وقال الليث عن الخليل : PageV10P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" الأفعى التي لا تنفع معها رقية ولا درياق ، ~~وهي دقيقة العنق عريضة الرأس . وقال غيره : هي التي إذا ماشت منثنية جرشت ~~بعض أسنانها ببعض . وقال غيره : هي التي لها رأس عريض ولها قرنان . ~~والأفعوان : الذكر من الأفاعي . والعربد والعسود حية تنفخ ولا تؤذي . ~~والأرقم : الذي فيه سواد وبياض ، والأرقش نحوه . وذو الطفيتين : الذي له ~~خطان أسودان . والأبتر : القصير الذنب . والخشخاش : الحية الخفيفة . ~~والثعبان : العظيم منها ، وكذلك الأيم والأين . وابن قترة : حية شبيهة ~~بالقضيب من الفضة في قدر الشبر والفتر ، وهي أخبث الحيات ، فإذا قرب من ~~الإنسان تراءى في الهواء فوقع عليه من أعلاه . وابن طبق : حية صفراء ؛ ومن ~~طبعها أن تنام ستة أيام ثم تنتبه في اليوم السابع . ولا تنفخ شيئا إلا ms2016 ~~أهلكته قبل أن يتحرك . وربما مر بها الرجل وهي نائمةفيأخذها كأنها سوار من ~~ذهب ، فإن استيقظت في كفه خر ميتا . ومن أمثال العرب " أصابته إحدى بنات ~~طبق " . قال الليث : السف : الحية التي تطير في الهواء . وأنشد : وحتى لو ~~أن السف ذا الريش عضني . . . لما ضرني من فيه ناب ولا ثعر والنضناض : الذي ~~لا يسكن في مكان . ومن أسمائها القزة والهلال والرعاصة . ذكر ما في لحوم ~~الحيات من المنافع والأدوية قال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا : والحية ~~يستعمل مطبوخها بالماء والملح والشبث ، وقد يزاد عليها الزيت . قال : وأجود ~~لحمه لحم الأنثى ؛ وأجود سلخه سلخ الذكر . وطبع الحية إلى التجفيف في لحمها ~~قوي ؛ وأما التسخين فليس بشديد ؛ وسلخه شديد التجفيف أيضا . وخاصية لحمه ~~أنه ينفذ الفضول إلى الجلد ، سيما إذا كان الإنسان غير نقي . قال : ولحمه ~~إذا استعمل : أطال العمر ، وقوى القوة ، وحفظ الحواس والشباب ، وأما قوله : ~~أطال العمر فيرد هذا القول ما ورد في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أنه قال : " فرغ ربك من أربع خلق وخلق ورزق وأجل " . وأما ~~ما عدا ذلك فغير مردود عليه ، . قال : وأكله ينفع من الجذام نفعا عظيما ؛ ~~وإذا استعمل على داء الثعلب نفع نفعا عظيما . ولحمها ومرقها بعد إسقاط ~~طرفها PageV10P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" يمنع تزيد الخنازير ، وكذلك سلخها . ومرقتها ~~إذا تحسيت وأكل لحمها نفع من أوجاع العصب ، وكذلك سلخها . قال : وسلخها إذا ~~طبخ في شراب وقطر منه في الأذن سكن وجعها ؛ ويتمضمض بخل طبخ فيه السلخ لوجع ~~السن . قال : وزعم جالينوس أنه إذا أخذت خيوط كثيرة ، وخصوصا المصبوغة ~~بالأرجوان ، وخنق بها أفعى ولف واحد منها على عنق صاحب أورام اللهاة والحلق ~~ظهر نفع عجيب . ومرقته ولحمه يقويان البصر . قال : واتفقوا على أن شحم ~~الأفعى يمنع نزول الماء إلى العين ، ولكن الإنسان لا يجسر على ذلك . وإذا ~~شقت الحية ووضعت على نهش الأفاعي سكن الوجع . ذكر شيء مما وصفت به الأفاعي ~~قال بعض الشعراء يصف حية : ر ينبت العشب في واد ms2017 تكون به . . . ولا يجاورها ~~وحش ولا شجر جرداء شابكة الأنياب ذابلة . . . ينبو من اليبس عن يافوخها ~~الحجر لو شرحت بالمدي ما مسها بلل . . . ولو تكنفها الحاوون ما قدروا قد ~~جاهدوها فما قام الرقاة لها . . . وخاتلوها فما نالوا ولا ظفروا يكبو لها ~~الورل العادي إذا نفخت . . . جبنا ويهرب منها الحية الذكر وقال خلف الأحمر ~~: وكأنما لبست بأعلى جسمها . . . بردا من الأثواب أنهجه البلى في عينها قبل ~~وفي خيشومها . . . فطس وفي أنيابها مثل المدى وقال آخر : أرقم كالدرع فيه ~~وشم . . . منمنم الظهر واللبان PageV10P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" يزحف كالسيل من تلاع . . . كأن عينيه كوكبان ~~يهشم ما مش من نبات . . . ويجذب النفس بالعنان وقال ابن المعتز : أنعت ~~رقشاء لا تحيا لديغتها . . . لو قدها السيف لم يعلق به بلل تلقى إذا انسلخت ~~في الأرض جلدتها . . . كأنها كم درع قده بطل وقال الظاهر البصري شاعر ~~اليتيمة : سرت وصحبي وسط قاع صفصف . . . إذا أشرفت من فوق طود مشرف رقشاء ~~ترنو من قليب أجوف . . . تومي برأس مثل رأس المجرف وذنب مندمج معقف . . . ~~حتى إذا أبصرتها لا تنكفي علوتها بحد سيف مرهف . . . فظل يجري دمها كالقرقف ~~أتلفتها لم أرادت تلفي وقال خلف الأحمر : له عنق مخضرة مد ظهره . . . وشوم ~~كتحبير اليماني المرقم إلى هامة مثل الرحى مستديرة . . . بها نقط سود ~~وعينان كالدم وقال آخر : وحنش كحلقة السوار . . . غايته شبر من الأشبار ~~كأنه قضيب ماء جاري . . . يفتر عن مثل تلظي النار وقال خلف الأحمر : صل صفا ~~لا تنطوي من القصر . . . طويلة الإطراف من غير حسر داهية قد صغرت من الكبر ~~. . . مهروتة الشدقين حولاء النظر تفتر عن عوج حداد كالإبر PageV10P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" وقال أبو هلال العسكري : وخفيفة الحركات تفترع ~~الربى . . . كالبرق يلمع في الغمام الرائح منقوطة تحكي صدور صحائف . . . ~~إبان تبدو من بطون صفائح ترضى من الدنيا بظل صخيرة . . . ومن المعيشة ~~باشتمام روائح وقال ابن المعتز : كأنني ساورتني يوم بينهم . . . رقشاء ~~مجدولة في لونها برق كأنها حين تبدو من مكامنها . . . غصن تفتح فيه النور ~~والورق ينسل منها لسان تستغيث به ms2018 . . . كما تعوذ بالسبابة الفرق وقال ~~الهذلي في مزاحف الحيات : كأن مزاحف الحيات وهنا . . . قبيل الصبح آثار ~~السياط وقال آخر : كأن مزاحفه أنسع . . . جررن فرادى ومنها ثني ذكر ما قيل ~~في العقارب قال الجاحظ : والعقارب أصناف : منها الجرارة ، والطيارة ، وماله ~~ذنب كالحربة ، وماله ذنب معقف ؛ وفيه السود ، والخضر ، والصفر . وهي من ~~ذوات الذرو . ويقال : إن الأنثى من هذا النوع إذا حملت يكون حتفها في ~~ولادتها ؛ لأن أولادها إذا استوى خلقها أكلت بطون الأمهات حتى تنقبها ، ~~وتكون الولادة من ذلك النقب ، فتخرج والأمهات ميتة . وفي ذلك يقول الشاعر : ~~وحاملة لا تحمل الدهر حملها . . . تموت ويحيا حملها حين تعطب وقال أيضا : ~~إنها تلد من فيها مرتين ، وتحمل أولادها على ظهرها وهي في قدر القمل ~~PageV10P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" كثيرة العدد . قال : والعقرب شر ما تكون إذا ~~كانت حبلى ؛ ولها ثمان أرجل لها أظلا مثل أظلاف الثور ، وعيناها في ظهرها . ~~ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب الميت ولا المغشي عليه ولا النائم ، إلا أن ~~يتحرك شيء من بدنه ؛ فإنها عند ذلك تضربه ؛ وضربها له إنما هو من خوفها منه ~~. وهي تأوي إلى الخنافس وتسالمها ، وتصادق من الحيات كل أسود سالخ . وبما ~~لسعت الأفعى فتموت . وفيها ما يلسع بعضه بعضا فيموت الملسوع . ويقال : إنها ~~تستخرج من بيوتها بالجراد ؛ لأنها تحرص على أكله . ومتى أدخل الكراث في ~~جحرها وأخرج تبعته وما معها من نوعها . وهي إذ أخرجت من جحرها تضرب كل ما ~~لقيته من حيوان أو نبات أو جماد . وقيل لبعض الأطباء : إن فلانا يقول : ~~إنما أن مثل العقرب أضر ولا أنفع ؛ فقال : ما أقل علمه بها إنها تنفع إذا ~~شق بطنها ووضعت على مكان اللسعة . وقد تجعل في جوف فخار مسدود الرأس مطين ~~الجوانب ، ثم توضع الفخارة في تنور ؛ فإذا صارت العقرب رمادا سقي من ذلك ~~الرماد من به حصاة نصف دانق فتفتتها من غير أن تضر شيئا من الأعضاء . وقد ~~تلسع من به حمى عتيقة فتقلع عنه . وقد تلسع المفلوج فيذهب عنه الفالج . وقد ~~تلقى ms2019 العقرب في الدهن تترك فيه حتى يأخذ منها ويجتذب قواها ، فيكون ذلك ~~الدهن مصرفا للأورام الغليظة . وقال الشيخ الرئيس : زيت العقارب نافع من ~~أوجاع الأذن . فهذه منافعها . وقال الجاحظ : ومن أعاجيب العقرب أنها لا ~~تسبح ولا تتحرك إذا ألقيت في الماء ، كان الماء جاريا أو ساكنا . قال : وهي ~~تطلب الإنسان وتقصده ؛ فإذا قصدها فرت منه . وهي إذا ضربت الإنسان هربت هرب ~~من قد أساء . قال : ومن أعاجيب ما في العقرب أنا وجدنا عقارب القاطول يموت ~~بعضها من لسع بعض ، ثم لا يموت عن لسعتها شيء غير العقارب ، ونجد العقرب ~~تلسع إنسانا فيموت وتلسع آخر فتموت هي ؛ فدل ذلك على أنها كما تعطي تأخذ . ~~ويقال : إن الذي تموت هي إذا لسعته تكون أمه قد لسعت وهي حامل به . قال : ~~ومن أعاجيبها أنها تضرب الطست والقمقم النحاس فتخرقه ، وربما ضربته فثبتت ~~إبرتها فيه . قال : والعقارب القاتلة تكون في موضعين : بشهر زور من ~~PageV10P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" بلاد الجبل ، وعسكر مكرم من بلاد الأهواز ، ~~وهي جرارات ؛ وإذا لسعت قتلت ؛ وربما تناثر لحم من لسعته أو تعفن ويسترخي ~~حتى لا يدنو منه أحد إلا وهو يمسك أنفه مخافة إعدائه . وهي في غاية الصغر ؛ ~~فإن أكبر ما يوجد منها تكون زنته دانقا واحدا ؛ والذي يوجد منها كبيرا تكون ~~زنته ثلاث حبات أرز ؛ فإن وزنت بشعيرة رجحت الشعيرة عنها . وهي منع نزارتها ~~تقتل الفيل والبعير بلسعتها . قال : وبنصيبين عقارب قتالة يقال : إن أصلها ~~من شهر زور ، وإن بعض الملوك حاصر نصيبين فأتى بالعقارب من شهر زور ورمى ~~بها في كيزان بالمجانيق إلى البلد ، فأعطى القوم بأيديهم . وقد وصف الشعراء ~~العقرب وشبهوها في أشعارهم ؛ فمن ذلك قول السري الرفاء : سارية في الظلام ~~مهدية . . . إلى النفوس الردى بلا حرج شائلة ، في ذنبها حمة . . . كأنها ~~سبجة من السبج وقال آخر : ونضوة تعرف باسم ولقب . . . ما بين عينيها هلال ~~منتصب موجودة معدومة عند الطلب . . . تطعن من لاقته من غير سبب بخنجر تسله ~~عند الغضب . . . كأنه شعلة نار تلتهب وقال آخر : تحمل ms2020 رمحا ذا كعوب مشتهر . ~~. . فيه سنان بالحريق مستعر أنف بأنيفا على حين قدر . . . تأنيف أنف القوس ~~شدت بالوتر PageV10P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" وقال عبد الصمد بن المعذل : يدعو بها على عدو ~~له . يا رب ذي إفك كثير خدعه . . . مستجهل الحلم خبيث مرتعه يسري إلى عرض ~~الصديق قذعه . . . صبت عليه حين جمت بدعه ذات ذنابي متلف من يلسعه . . . ~~تخفضه طورا وطورا ترفعه أسود كالسبجة فهي مبضعه . . . ينطف منه سمه وسلمعه ~~تسرع فيه الحتف حين تشرعه . . . يبرز كالقرنين حين تطلعه في مثل صدر السبت ~~حين تقطعه . . . لا تصنع الرقشاء ما قد تصنعه وقال ابن حمديس : ومشرعة ~~بالموت للطعن صعدة . . . فلا قرن إن نادته يوما يجيبها تذيقك حر السم من ~~وخز إبرة . . . إذا لسبت ماذا يلاقي لسيبها إذا لم يكن لون البهارة لونها . ~~. . فمن يرقان دب فيها شحوبها لها سورة خصت بمنكر صورة . . . ترى العين ~~فيها كل شيء يريبها لها طعنة لا تستبين لناظر . . . ولا يرسل المسبار فيها ~~طبيبها نسيت بها قيسا وذكرى طعينه . . . وقد دق معناها وجل ندوبها تجيء كأم ~~الشبل غضبى توقدت . . . وقد توج اليأفوخ منها عسيبها عدو مع الإنسان يعمر ~~بيته . . . فكيف يوالي رقدة يستطيبها ولولا دفاع الله عنا بلطفه . . . لصبت ~~من الدنيا علينا خطوبها PageV10P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" الباب الثاني من القسم الرابع من الفن الثالث ~~فيما هو ليس قاتلا بفعله من دواب السموم ويشتمل هذا الباب على ما قيل في ~~الخنافس ، والوزغ ، والضب ، وابن عرس ، والحرباء ، والقنافذ ، والفيران ، ~~والقراد ، والنمل ، والذر ، والقمل ، والصؤاب . الخنافس قالوا : والخنافس ~~تتولد من عفونة الأرض . وهي أصناف ، منها الخنفس المعروف ؛ ومنها العجل ~~ويسمى الكبرتل . وهو يتولد من أخثاء البقر ، وهو يموت إذا شم رائحة الطيب ، ~~وإذا دفن في الورد مات ، وإذا أخرج منه ودفن في الروث عاش . والغالب أنه لا ~~يموت حقيقة وإنما يخدر وتبطل حركته ؛ فإذا عولج بما نشأ منه قوي . والله ~~أعلم . وله ست أرجل ، وسنام مرتفع . وهو لا يصير كبرتلا حتى يصير له جناحان ~~. وجناحاه يظهران إذا أراد الطيران ويخفيان إذا مشى ms2021 . ومن عادة الجعل أن ~~يحرس النيام ؛ فمن قام منهم لقضاء الحاجة تبعه طمعا أنهم إنما يريد الغائط ~~؛ والغائط قوت الجعل . وقال أبو عثمان عمرو بن بحر : وزعم الأعراب أن بين ~~ذكور الخنافس وإناث الجعلان تسافدا ، وأنهما ينتجان خلقا ينزع إليهما جميعا ~~. قال : وأنشد سيبويه لبعض الأعراب يهجو عدوا له : عاديتنا يا خنفسا أم ~~الجعل . . . عداوة الأوعال حيات الجبل ويقال : إن الجعل يظل دهرا لا جناح ~~له ، ثم ينبت له جناحان . والعرب تقول في أمثالها : " ألج من خنفساء " و " ~~أفحش من فاسية " وهي الخنفساء . وفي لجاجة الخنفساء يقول الأحمر : لنا صاحب ~~مولع بالخلاف . . . كثير الخطاء قليل الصواب ألج لجاجا من الخنفساء . . . ~~وأزهى إذا ما مشى من غراب ومن أصناف الخنافس صنف يقال له حمار قبان . وهو ~~يتولد في الأماكن الندية على ظهره شبه المجن . ومنها صنف يسمى بنات وردان . ~~وهي أيضا تتولد PageV10P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" في الأماكن الندية ، وأكثر ما تكون في ~~الحمامات والسقايات . وفيها من الألوان الأسود ، والأصهب ، والأبيض . قال ~~بعض الشعراء يصف بنات وردان : بنات وردان جنس ليس ينعته . . . خلق كنعتي في ~~وصفي وتشبيهي كمثل أنصاف بسر أحمر تركت . . . من بعد تشقيقه أقماعه فيه ~~ومنها الصراصر والجنادب . ولها صوت لا يفتر بالليل ، فإذا طلع الفجر فقد . ~~وفيه من الألوان الأسود وهو جندب الجبال والآكام السد ؛ والأبرق وهو جندب ~~الطلح والسمر والغضا ؛ والأبيض وهو جندب الصحاري . قال السري الرفاء يصف ~~جندبة : وجندبة تمشي بساق كأنها . . . على فخذ كالعود منشار عرعر ممسكة ~~تجلو الجناح كأنها . . . عروس تجلت في عطاف معنبر الوزغ والوزغ يسمى سام ~~أبرص . وزعموا أنه أصم ، وأن السبب في صممه وبرصه أن الدواب كلها حين ألقي ~~إبراهيم عليه السلام في نار النمرود كانت تطفئ عنه ، وأن هذا كان ينفخ عليه ~~، فصم وبرص . وروي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت : دخل علي ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وفي يدي عكاز فيه زج ، فقال : " يا عائشة ~~ما تصنعين بهذا ؟ " قلت : أقتل به الوزغ في بيتي ؛ قال : " إن ms2022 تفعلي فإن ~~الدواب كلها حين ألقي إبراهيم في النار كانت تطفئ عنه وإن هذا كان ينفخ ~~عليه فصم وبرص " . وفي حديث آخر عنها رضي الله عنها : أن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال للوزغ الفويسق . قالوا : وفي طبع الوزغ أنه لا يدخل ~~إلى بيت في زعفران . والحيات تألف الوزغ ، كما تألف العقارب الخنافس . وهو ~~يطاعم الحيات ويزاقها . وهو يقبل اللقاح بفيه ، ويبيض كما تبيض الحية . ~~وقيل : إن نصيبه من السم نصيب متوسط ، لا يكمل أن يقتل ، ومتى دبر جاء منه ~~سم قاتل . ومتى قتل ووضع على جحر حية هربت منه . وهو يقيم في جحره أربعة ~~أشهر الشتاء . PageV10P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" وقال الشيخ الرئيس : إذا ضمد به على الشوك ~~والسلاء جذبه ، وعلى الثآليل يقلعها . قال : وقيل : إن المجفف منه إذا خلط ~~بالزيت أنبت الشعر على القرع . وبوله ودمه عجيب النفع من فتق الصبيان إذا ~~جلسوا في طبيخه . وقد يجعل في بوله أو دمه شيء من المسك ويجعل في إحليل ~~الصبي فيكون بالغ النفع في الفتق . وقيل : إن كبده تسكن وجع الضرس ، وتشق ~~وتوضع على لسع العقرب فيسكن . الضب قال الجاحظ في كتاب الحيوان : إن من ~~أعاجيب الضب أن له أيرين وللضبة حرين ؛ قال : وهذا شيء لا يعرف إلا لهما . ~~هذا قول الأعراب في تخصيصهما بذلك . وقالت الحكماء : إن السقنقور له أيران ~~، والحرذول كذلك . قال : وقال جالينوس : الضب الذي له لسانان يصلح لحمه ~~لكذا وكذا . ومما يستدل به على أن للضب أيرين قول الفزاري : سبحل له نزكان ~~كانا فضيلة . . . على كل حاف في البلاد وناعل واسم أير الضب : النزك . وسئل ~~أبو حية النميري عن ذلك ، فزعم أن أير الضب كلسان الحية ، الأصل واحد الفرع ~~اثنان . وللأنثى مدخلان . وعلى ذلك أنشد الكسائي رحمه الله تعالى : تفرقتم ~~لا زلتم قرن واحد . . . تفرق أير الضب والأصل واحد ويقال : إن الضبة إذا ~~أرادت أن تبيض حفرت في الأرض حفرة ثم رمت بالبيض فيها وطمته بالتراب ، ~~وتتعاهده كل يوم حتى يخرج ، وذلك في أربعين يوما . وهي ms2023 تبيض سبعين بيضة ~~وأكثر . وبيضها يشبه بيض الحمام . ويخرج الحسل وهو مطيق للكسب . قالوا : ~~والضب يخرج من جحره كليل البصر ، فيجلوه بالتحدق في الشمس . وهو يغتذي ~~بالنسيم ، ويعيش ببرد الهواء ، وذلك عند الهرم . قال الجاحظ : وزعم عمرو بن ~~مسافر : أن الضبة بيض ستين بيضة وتسد عليهن PageV10P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" باب الجحر ثم تدعهن أربعين يوما ، فيتفقص ~~البيض ويظهر ما فيه ، فتحفر عنهن عند ذلك . فإذا كشفت عنهم أحضرن وأحضرت في ~~أثرهن ، فتأكل ما أدركت منهن . ويحفر المنفلت منها لنفسه جحرا ، ويرعى من ~~البقل . فلذلك توصف بالعقوق . ويضرب به المثل في أكل حسوله . وفي ذلك يقول ~~الشاعر : أكلت بنيك أكل الضب حتى . . . تركت بنيك ليس لهم عديد قالوا : وفي ~~ذنب الضب من القوة ما يضرب به الحية فربما قطعها . والضب طويل العمر . وفي ~~طبعه أنه يرجع في قيئه . وهو شديد الإعجاب بالتمر . ويقال : إنه يمكث ليلة ~~بعد الذبح ثم يقرب إلى النار فيتحرك . قال الجاحظ : وزعمت العرب إن الضب ~~يعد العقرب في جحره ؛ فإذا سمع صوت الحرش استثفرها فألزقها بأصل عجب ذنبه ~~وضمه عليها ، فإذا أدخل الحارش يده ليقبض على أصل ذنبه لسعته . وقيل : بل ~~العقارب تألف الضباب وتسالمها وتأوي إليها . قال التميمي : أتأنس بي ونجرك ~~غير نجري . . . كما أنس العقارب والضباب والضب من الحيوان المأكول ؛ غلا أن ~~العرب تعير بني تميم بأكل لحم الضب . والدليل على إباحته ما جاء في الحديث ~~الصحيح : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان في بيت ميمونة رضي الله ~~عنها ، فقدمت له مائدة وعليها ضب مشوي ، فأهوى بيده ليأكل منه ؛ فقيل له : ~~يا رسول الله ، إنه ضب ؛ فرفع يده . فقال له خالد بن الوليد : يا رسول الله ~~، أحرام هو ؟ قال : " لا ولكنه ليس في بلاد قومي فأنا لا آكله " ؛ فأكله ~~خالد بن الوليد بحضرة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فلم ينهه ؛ ولو كان ~~حراما لنهاه ( صلى الله عليه وسلم ) عن أكله ولأخبر بتحريمه لما سئل عنه . ~~وقال أبو نواس يعير بأكل الضب : إذا ms2024 ما تميمي أتاك مفاخرا . . . فقل عد عن ~~ذا كيف أكلك للضب PageV10P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" وقال عمرو بن الأهتم من أبيات : ورددناهم إلى ~~حرتيهم . . . حيث لا يأكلون غير الضباب وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا ~~: زبل الضب نافع لبياض العين ، وينفع من نزول الماء . وقد وصفه الحماني ~~فقال وذكر أرضا : ترى ضبها مطلعا رأسه . . . كما مد ساعده الأقطع له ظاهر ~~مثل برد موشى . . . وبطن كما حسر الأصلع هو الضب ما مد سكانه . . . وإن ضمه ~~فهو الضفدع الحرباء والحرباء لها أصابع ، وأظنها لنبش التراب . ولونها أسود ~~وأصفر ومختلط الألوان كالفهد . وهذه التسمية تقع على ذكورها وإناثها . ~~والحرباء إذا كان في الشمس كان كثير التلون ، فإذا انتقل إلى الظل كان أقل ~~تلونا . وإذا قارب الموت أو مات اصفر . وهو أبدا يطلب الشمس ، فإذا طلعت ~~وجه وجهه نحوها . فمتى غاب عنه جرمها فلا يراها أصابه نوع من الجنون . وإذا ~~غابت الشمس ذهب ليطلب معاشه ليله كله حتى يصبح . ولسانه طويل جدا ، يقال : ~~إنه مقدار ذراع ، فهو يبلغ به ما بعد عنه من الذباب . والأنثى منه تكنى أم ~~حبين . وهو يوصف بالحزم لنه حيث ينظر إلى الشمس يقبض بيده على خوط ، فإذا ~~تقلب نحو الشمس حيث ما مالت لا يرسل ذلك الخوط من يده حتى يقبض بيده الأخرى ~~خوطا آخر . وفيه يقول الشاعر : أنى أتيح له حرباء تنضبة . . . لا يرسل ~~الساق إلا ممسكا ساقا وكتب بعض الفضلاء إلى بعض أصدقائه يلومه على مقامه ~~بوطنه حين نبا به ؛ فقال من رسالة : أعجزت في الإباء ، عن خلق الحرباء ؛ ~~أدلى لسانا كالرشاء ، يبلغ به ما يشاء ؛ PageV10P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" وناط همته بالشمس ، مع بعدها عن اللمس ؛ وأنف ~~من ضيق الوجاء ، ففرخ في الأشجار ؛ وسئم العيش المسخوط ، فاستبدل خوطا بخوط ~~؛ فهو كالخطيب ، على الغصن الرطيب . وإن صواب الرأي والحزم لامرئ . . . إذا ~~بلغته الشمس أن يتحولا وقال ذو الرمة : كأن يدي حربائها متشمسا . . . يدا ~~مذنب يستغفر الله تائب وقال فيه أيضا : وقد جعل الحرباء يصفر لونه . . . ~~وتخضر من لفح ms2025 الهجير غباغبه ويشبح بالكفين شبحا كأنه . . . أخو فجرة عالي ~~به الجذع صالبه وقال فيه أيضا : يصلي بها الحرباء للشمس ماثلا . . . على ~~الجذع إلا أنه لا يكبر إذا حول الظل العشي رأيته . . . حنيفا وفي وقت الضحى ~~يتنصر ابن عرس وابن عرس من حيوان البيوت ، وهو حديد النفس شجيع فطن . وأكثر ~~ما يكون بمصر في المنازل . وله صوت قوي يدل على شجاعته . وقيل : إنه ~~الحيوان المسمى بالدلق ، وإنما يختلف وبره ولونه بحسب البلاد . وفي طبعه ~~أنه يسرق ما يظفر به من الذهب والفضة ، وأنه متى وجد حبوبا متفرقة خلطها . ~~وهو عدو الفأر يصيده ويقتله ، والفأر يخافه . وقال الجاحظ : وابن عرس يقاتل ~~الحية ؛ وإذا قاتلها بدأ بأكل السذاب ؛ لأن الحية تؤلمها رائحة السذاب ؛ ~~كما قدمنا . وابن عرس يفعل في الطير ما يفعل الذئب في الغنم من الذبح . وهو ~~إذا عجز عن الوصول إليها استدار بعجزه وفسا إلى جهتها ، فربما قبل الفراريج ~~رائحة فسائه . ومن ذكائه وفطنته ما حكي : أن رجلا صاد فرخا منها فجعله في ~~قفص ؛ فرأته أمه فذهبت وعادت بدينار في فمها فألقته بين يدي الرجل كأنها ~~تريد فداء ولدها منه به ، فتركه ولم يتناوله ، فذهبت وأتت بدينار آخر فلم ~~يأخذه ، فلم تزل تذهب تعود في كل PageV10P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" مرة بدينار إلى خمسة دنانير وهو لا يمسك الذهب ~~، فذهبت وعادت بصر فارغة ألقتها بين يديه كأنها تقول : إنه لم يبق شيء ؛ ~~فلم يطلق ولدها ولا ضم الدنانير . فلما رأته على ذلك عمدت إلى دينار منها ~~فأخذته وعادت به إلى جحرها ؛ فخشي أن تفعل ذلك ببقية الدنانير ، فأخذها ~~وأطلق فرخها ؛ فأعادت إليه الدينار . وقالت الحكماء : لحم ابن عرس نافع من ~~الصرع . والله أعلم . القنافذ وواحدها قنفذ . وهي صنفان : قنفذ ودلدل . ~~فالقنفذ يكون بأرض مصر في قدر الفأر . والدلدل يكون بالشأم والعراق وخراسان ~~في قدر الكلب القلطي . ويقال : إنه يسفد قائما وبطن الأنثى لاصق ببطن الذكر ~~. والأنثى تبيض خمس بيضات ؛ وليس هو كالبيض الذي له قشر يابس بل هو شبيه ~~باللحم . وتصرف القنافذ ms2026 بالليل أكثر من تصرفها بالنهار . قال أيمن بن خريم ~~: كقنفد الرمل لا تخفى مدارجه . . . حتى إذا نام عنه الناس لم ينم والقنفذ ~~يستأنس في البيوت ، ويختفي أياما ثم يظهر . وهو إذا جاع صعد إلى الكروم ~~وقطع العناقيد ورمى بها ثم ينزل فيأكل منها ما أطاق ؛ فإن كان له فراخ تمرغ ~~عل ما بقي فيشتبك في شوكه ، وذلك بعد تفريطه من عمشوشه ، ويذهب به إلى ~~فراخه . وهو مولع بأكل الأفاعي ، ولا يبالي قبض على رأسها أو غيره من بدنها ~~، فإنه إن قبض على رأسها أكلها بغير كلفة عليه ولا مشقة ؛ وإن قبض على ~~وسطها أو ذنبها استدار وتجمع ونفخ بدنه ، فمتى ضربته أصابها شوكه ، فهي ~~تهرب منه ؛ وطلبه لها بقدر هربها منه . والدلدل إذا رأى ما يكرهه انقبض ~~فيخرج منه شوك كالمداري في طول الشبر ، فيجرح ما يصبه من الحيوان . ويقال : ~~إن شوكه شعر ، وإنما لما غلظ غلب عليه اليبس صار شوكا . وقال ابن سينا : في ~~رماد القنفذ جلاء وتحليل . وملحه ينفع من داء الفيل . ولحمه ينفع من الجذام ~~؛ لشدة تحليله وتجفيفه . ولحمه المملح ينفع من الفالج والتشنج وأمراض العصب ~~كلها وداء الفيل ، وينفع من السل ومن سوء المزاج . ومملوحه مع PageV10P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" السكبينج جيد للاستسقاء ووجع الكلى ، وينفع من ~~يبول من الصبيان في الفراش ؛ حتى إن إدمان أكله ربما عسر البول . ولحمه ~~ينفع من الحميات المزمنة ومن نهش الهوام . والله أعلم . وقد وصفه البلغاء ~~والشعراء في رسائلها وأشعارها ، فمن ذلك ما قاله الأمير شمس المعالي من ~~رسالة كتبها إلى بعض أصدقائه وقد أهدي له دلدلا : قد أتحفتك يا سيدي بعلق ~~نفيس ، وتحفة رئيس ؛ يتعجب المتأمل من أحواله ، ويحار الناعت في أوصافه ~~وأعماله ؛ ويتبلد المعتبر في آياته ، ويكل الناظر في معجزاته ؛ فما يدري ~~ببديهة النظر والفؤاد ، أمن الحيوان هو أم من الجماد ؛ حتى إذا أعطى متدبره ~~النظر أوفى حقوقه ، والفحص أكمل شروطه ، علم انه كمي سلاحه في حضنه ، ورام ~~سهامه في ضمنه ؛ ومقاتل رماحه على ظهره ، ومخاتل سره خلاف جهره ms2027 ، ومحارب ~~حصنه من نفسه ؛ يلقاك بأخشن من حد السيف ، ويستتر بألين من وبر الخيف . متى ~~جمع أطرافه ، وضم إليه أصوافه ؛ حسبته رابية ناتيه ، أو تلعة باديه . وهو ~~أمضى من الأجل ، وأرمى من بني ثعل . إن رأته الأراقم رأت حتف نفسها ، أو ~~عاينته الأساود أيقنت بفناء جنسها ؛ صعلوك ليل لا يحجم عن دامسه ، وفارس ~~ظلام لا يخاف من حنادسه ؛ فيه من الضب مثل ، ومن الفأر شكل ؛ ومن الورل نسب ~~، ومن الدلدل سبب . ومن أوابده أنه يسود إذا هرم وشاب ، ويصير كأكبر ما ~~يكون من الكلاب . وقال أبو محمد اليزيدي يذكر قنفذا رآه ، فأطعمه وسقاه : ~~وطارق ليل جاءنا بعد هجعة . . . من الليل إلا ما تحدث سامر قريناه صفو ~~الزاد حين رأيته . . . وقد جاء خفاق الحشى وهو سادر جميل المحيا في الرضا ~~فإذا أبى . . . حمته من الضيم الرماح الشواجر PageV10P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" ولست تراه واضعا لسلاحه . . . مدى الدهر ~~موتورا ولا هو واتر وقال آخر من أبيات يرثيه فيها ويصفه : عجبت له من شيهم ~~متحصن . . . بنبل من السرد المضاعف تبرق وأنى اهتدى سهم المنية نحوه . . . ~~وفي كل عضو منه سهم مفوق ولو كان كف الدهر تستخشن الردى . . . لكان بكف ~~الدهر لا يتعلق وقال أبو بكر الخوارزمي يصفه : ومدجج وسلاحه من نفسه . . . ~~شاكي الدوابر أعزل الأقبال يمسي ويصبح لم يفارق بيته . . . ولقد سرى عددا ~~من الأميال وتراه يكمن بعضه في بعضه . . . فتطيش عنه أسهم الأهوال عيناه ~~مثل النقطتين وخطمه . . . يحكي ثدي رضاعة الأطفال وكأن أقلاما غرزن بظهره . ~~. . مس المداد رءوسها ببلال تتهارب الحيات حين يرينه . . . هرب اللصوص رأت ~~سواد الوالي وكأنه الخنزير إلا جلده . . . وصياحه وتقارب الأوصال الفئران ~~قد سماها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الفويسقة . والفأر ضروب تقع على ~~جميعها هذه التسمية وهي الجرذ والفأر معروفان ، وهم كالجواميس والبقر ، ~~والزباب والخلد واليربوع وفأرة البيش وفأرة المسك وفأرة الإبل . الجرذ ~~والفأر وهم من حيوان البيوت والبر . قال المتكلمون في طبائع الحيوان : إن ~~الفأر مما جمع له بين حاسة السمع والبصر . وليس في الحيوان أفسد ms2028 منه . ومن ~~فساده أنه يجد قارورة الدهن وهي ضيقة الفم فيدخل ذنبه فيها ويمتصه . فإن ~~قصر ذنبه عن بلوغ الدهن عمد إلى النوى والأحجار الصغار فيلقيهما فيها ، ~~فيطفو ما فيها فيمتصه بذنبه ، ولا يزال يتعاهد ذلك حتى ينفذ جميع ما فيها . ~~وهو إذا سرق البيض يعجز عن كسره بسنه ، فيدحرج البيضة إلى أن تسقط من مكان ~~مرتفع إلى مستفل PageV10P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" فتنكسر ؛ فإن عجزه ذلك استعان بفأر آخر ~~فيعشقها أحدهما بيديه ورجله وينقلب على قفاه ؛ ويقبض الآخر على ذنبه ويتسلق ~~به في حائط ؛ فإذا ارتفع به عن الأرض ألقاها الحامل لها فتنكسر فيأكلانها ~~جميعا . أخبرني بذلك من شاهده . والمثل المضروب به في الفساد والسرقة ~~والنسيان والحذر . وفي طبع الجرذ البري وعادته أنه لا يحفر بيته على قارعة ~~الطريق خوفا من الحافر أن يهدم عليه بيته . ويقال : إنه يخلق من الطين ، ~~وإنه يتولد بأرض مصر إذا نضب ماء النيل عنها . وقال صاحب كتاب مباهج الفكر ~~: إنه رأى ذلك عيانا في سفط ميدوم من جيزة مصر . وقال الجاحظ : لعمري إن ~~جرذان أنطاكية لتساجل السنانير في الحرب ، ولا تقوم لها ولا تقوى عليها إلا ~~الواحد بعد الواحد . قال : وهي بخراسان قوية جدا ، وربما قطعت أذن النائم . ~~قال : ومن الفأر ما إذا عض قتل . قال : ومن الأعاجيب في قرض الفأر أن قوما ~~من أهل الفراسة ينظرون إلى قرضه ويتفرسون منه أحوالا . ويزعمون أن أبا جعفر ~~المنصور نزل في بعض القرى فقرض الفأر مسحا له كان يجلس عليه ، فبعث به ~~ليرفأ ؛ فقال لهم الرفاء : إن هاهنا أهل بيت يعرفون بقرض الفأر ما ينال ~~صاحب المتاع من خير وشر ، فما عليكم أن تعرضوه عليه قبل إصلاحه ؟ فبعث ~~المنصور إلى شيخهم ؛ فلما نظر إلى موضع القرض وثب قائما ثم قال : من صاحب ~~هذا المسح ؟ فقال المنصور : أنا ؛ فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ~~ورحمة الله وبركاته ؛ والله لتلين الخلافة أو أكون جاهلا أو كذابا . وفي ~~الفأر منافع ذكره الشيخ الرئيس ابن سينا ، فقال : دم الفأر يقلع ms2029 الثآليل ، ~~وزبله نافع على داء الثعلب وخصوصا لطخا بالعسل ، وخصوصا المحرق . قال : ~~وإذا شوي الفأر وجفف وأطعم الصبي انقطع سيلان اللعاب من فمه . قال : واتفق ~~الناس أن الفأر إذا شق ووضع على لدغ العقرب نفع . والله أعلم . وقد وصف ~~الشعراء الفأر وشبهوه في أشعارهم وذكروا سوء فعله . فمن ذلك قول أعرابي وقد ~~دخل البصرة فاشترى خبزا فأكله الفأر : عجل رب الناس بالعقاب . . . لعامرات ~~البيت بالخراب PageV10P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" حتى يعجلن إلى التباب . . . كحل العيون وقص ~~الرقاب مجررات فضل الأذناب . . . مثل مداري الطفلة الكعاب كيف لها بأنمر ~~وثاب . . . منهزت الشدق حديد الناب كأنما يكشر عن حراب . . . يفرسها كالأسد ~~الوثاب وقال أبو بكر الصنوبري : يا لحدب الظهور قعس الرقاب . . . لدقاق ~~الخرطوم والأذناب للطاف آذانها والخراطي . . . م حداد الأظفار والأنياب ~~خلقت للفساد مذ خلق الخل . . . ق وللعيث والأذى والخراب ناقبات في الأرض ~~والسقف والحا . . . ئط نقبا أعيا على النقاب آكلات كل المآكل لا تس . . . ~~أمها شاربات كل الشراب آلفات قرض الثياب وقد يع . . . دل قرض القلوب قرض ~~الثياب وقال في فأرة بيضاء : وفأرة بيضاء لم تبتذل . . . يوما لإطعام ~~السنانير إذ فأرة المسك سمعنا بها . . . وهذه فأرة الكافور الزباب فإنه فأر ~~أصم ، يكون في الرمل . والعرب تضرب به المثل في السرقة . يقولون : " أسرق ~~من زبابة " . الخلد فهو أعمى لا يدرك شيئا إلا بالشم ، إلا أن عينيه ~~كاملتان ، لكن الجفن ملتحم على الناظر لا ينشق . وهو ترابي مستقر في باطن ~~الأرض ؛ وهي له كالماء للسمك . وليس له على ظهر الأرض قوة ولا نشاط ؛ بل ~~يبقى مطروحا كالميت فتخطفه الجوارح أو يموت . وهو حديد حاسة الشم . ومتى شم ~~رائحة طيبة هرب . وهو يحب رائحة الكراث والبصل ؛ وربما صيد بهما . ومن دأبه ~~طول الكد ودوام الحفر . وفي تركيبه أنه لا يفرط في الطلب ولا يقصر عنه . ~~وله وقت يظهر فيه لا يخطئه ولا يغلط في المقدار . ويضرب به المثل في حدة ~~السمع ؛ فيقال : " أسمع من خلد " . اليربوع فهو حيوان طويل الرجلين ، قصير ~~اليدين جدا . وله ذنب كذنب ms2030 PageV10P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" الجرذ ، يرفعه صعدا ، في طرفه شبه النوارة . ~~ولونه لون الغزال . ويقال لولده درص ، والجمع أدراص . قال أصحاب الكلام في ~~طبائع الحيوان : كل دابة حشاها الله خبثا فهي قصيرة اليدين . وهو يسكن بطن ~~الأرض لتقوم رطوبتها له مقام الماء . وهو يؤثر النسيم ويكره البخار . وهو ~~يتخذ جحره على نشز من الأرض ويحفره ، ويفتح له أبوابا على مهب الرياح وتسمى ~~النافقاء والقاصعاء والداماء والراهطاء . فإذا طلب من أحد هذه الأبواب خرج ~~من الآخر . وهو يجتر ويبعر . وله كرش وأسنان وأضراس . وهو من الحيوان الذي ~~ينقاد إلى رئيس منه . والرئيس منها إذا كان فيها يرتفع عنها فيكون في مكان ~~مشرف أو على صخرة ينظر منه إلى الطريق . فإن رأى ما يخاف عليها صر بأسنانه ~~وصوت ، فتسمعه فتنصرف إلى جحرتها ؛ وإن أغفل ذلك ورأت ما تخافه قبل أن يراه ~~قتلته ، لتضييعه الحزم وغفلته ، ونصبت غيره لرياستها . وإن أرادت اليرابيع ~~الخروج من جحرتها لطلب المعاش خرج الرئيس قبلها وأشرف ؛ فإذا لم ير ما ~~يخافه عليها صر لها وصوت فتخرج . قالوا : ويتولد من اليربوع والفأرة ولد ~~يسمى القرنب . فارة المسك فقال الجاحظ : إنها دويبة تكون في بلاد تبت تصاد ~~لنوافجها وسررها . فإذا اصطيدت عصبت سرتها بعصاب وهي مدلاة فيجتمع فيها ~~دمها ؛ فإذا اجتمع ذبحت ، ثم تقور السرة المعصوبة وتدفن في الشعير حينا ~~فيستحيل ذلك الدم المختنق الجامد مسكا ذكيا بعد أن كان منتنا . يقال : إن ~~هذه الفأرة توجد في بلاد الزابج وتحمل إلى السند ، وإن المسك يخرج من خصيتي ~~ذكورها بالعصر ، ومن ضروع إناثها بالحلب . ويقال : إن الفأر الفارسي أطيب ~~ريحا من كل طيب ، وربما ضاهى ريح المسك . وهو أجرد أشقر ، شعره إلى الصفرة ~~، شديد كحل العين ، طويل الأذنين ، قصير الذنب . فارة الإبل فليست بحيوان ، ~~وإنما هي رائحة تسطع من الإبل عند صدورها من الورد ينتجها طيب الرعي . قال ~~الشاعر : لها فأرة ذفراء كل عشية . . . كما فتق الكافور بالمسك فاتقه ~~PageV10P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" القراد فقد قالوا : أول ما يكون قمقامة وهو ~~الذي لا ms2031 يكاد يرى من صغره ، ثم يصير حمنانة ثم يصير قرادا ثم يصير حلما . ~~ويقال للقراد : العل والطلح والقتين والبرام والقرشام . والقراد يخلق من ~~عرق البعير ومن الوسخ والتلطخ بالثلط والأبوال ؛ كما يخلق القمل من عرق ~~الإنسان . وفي طبع القراد أنه يسمع رغاء الإبل من فراسخ فيقصدها ؛ حتى إن ~~أصحاب الإبل يبعثون إلى الماء من يصلح لإبلهم الأرشية وآلات السقي ، فتبيت ~~الرجال عند البئر تنتظر مجيء الإبل ، فيعرفون قربها من القراد بانبعاثه في ~~جوف الليل وسرعة حركته ومروره ، فإذا رأوا ذلك منه تهيئوا للعمل . ويقول من ~~اعتنى بالحيوان وتكلم في طبائعه : إن لكل حيوان قرادا يناسب مزاجه . وهم ~~يضربون المثل بالقراد في أشياء ، فيقولون : " أسمع من قراد " ، و " ألزق من ~~قراد " ، وما هو إلا قراد ثفر . وأنشد الجاحظ لبعض الشعراء في القراد : ألا ~~يا عباد الله هل لقبيلة . . . إذا ظهرت في الأرض شد مغيرها لا الدين ينهاها ~~ولا هي تنتهي . . . ولا ذو سلاح من معد يضيرها النمل والذر قال الله عز وجل ~~: " وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون . حتى إذا أتوا ~~على وادي النمل قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان ~~وجنوده وهم لا يشعرون " . وجاء في الحديث أن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) نزل منزلا فانطلق لحاجة فجاء من حاجته وقد أوقد رجل على قرية نمل ~~إما في شجرة وإما في الأرض ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من ~~فعل هذا أطفئها أطفئها أطفئها " . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : " نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فعضته نملة فقام إلى ~~نمل كثير تحت الشجرة فقتلهن فقيل له : أفلا نملة واحدة " . وعنه رضي الله ~~عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " نزل نبي من الأنبياء ~~تحت شجرة فقرصته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر بقرية النمل ~~فأحرقت فأوحى الله غليه أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم يسبحن الله فهلا ~~نملة واحدة ms2032 " . وجاء في الأثر : أن سليمان بن داود عليهما السلام خرج ~~يستسقي ، فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول : ~~اللهم إنا خلق من خلقك ، PageV10P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" ليس لنا غنى عن سقيك ؛ فإما أن تسقينا ~~وترزقنا ، وإما أن تميتنا وتهلكنا . فقال للناس : " ارجعوا ، فقد سقيتم ~~بدعاء غيركم " . وقال الجاحظ : وكان ثمامة يزعم أن النمل ضأن الذر . قال : ~~والذي عندي أن النمل والذر مثل الفأر والجرذ ، والبقر والجواميس . قال : ~~والذر أجود فهما وأصغر جثة . وزعم ابن أبي الأشعث أن النمل لا يتزاوج ولا ~~يتوالد ولا يتلاقح ، وإنما يسقط منه شيء حقير في الأرض فينمو حتى يصير بيظا ~~فيتكون منه . والنمل من الحيوان المحتال في طلب المعاش يفرق لذلك ؛ فإذا ~~وجد شيئا أنذر الباقين فيأتين إليه ويأخذن منه . وكل واحد مجتهد في إصلاح ~~شأن العامة غير مختلس لشيء من الرزق دون صحبه . ويقال : إنما يفعل ذلك منها ~~رؤساؤها ومن تحيله في طلب الرزق أنه ربما وضع بينه وبين ما يخاف عليه منه ~~ما يمنعه من الوصول إليه من ماء أو شعر ، فيتسلق في الحائط ويمشي على جذع ~~من السقف حتى يسامت ما حفظ منه ثم يلقي نفسه عليه . وفي طبعه وعادته أن ~~يحتكر في زمن الصيف لزمن الشتاء . وهو إذا خاف على ما يدخره من الحبوب من ~~العفن والسوس أو التندي من مجاورة بطن الأرض ، أخرجها إلى ظاهر الأرض حتى ~~تيبس ثم يعيدها . وإن خاف على الحب أن ينبت من نداوة الأرض نقر في موضع ~~القطمير من وسط الحبة وهو الموضع الذي يبتدئ منه النبات ؛ ويفلق جميع الحب ~~أنصافا ؛ فإن كان من حب الكزبرة فلقه أرباعا ، لن أنصاف حب الكزبرة تنبت . ~~فالنمل من هذا الوجه في غاية الحزم . فسبحان الملهم لا إله غيره . وليس شيء ~~من الحيوان يقوى على حمل ما يكون ضعف وزنه مرارا غير النملة . والنمل يشم ~~ما ليس له ريح مما لو وضعه الإنسان عند أنفه لما وجد له ريحا . ومن أسباب ~~هلاك النملة نبات الأجنحة ms2033 لها ؛ فإذا صار النمل كذلك صادته العصافير وأكلته ~~. وفي ذلك يقول أبو العتاهية : وإذا استوت للنمل أجنحة . . . حتى يطير فقد ~~دنا عطبه PageV10P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" ومن أصناف النمل صنف يسمى نمل الأسد ؛ سمي ~~بذلك لأن مقدم النملة يشبه وجه الأسد ومؤخرها كالنمل . وزعم بعض من تكلم في ~~طبائع الحيوان أنه متولد ، وأن أباه أكل لحما ، وأمه أكلت نباتا ، فينتج ~~بينهما على هذه الصفة . وقد وصفه الشعراء ؛ فمن ذلك قول شاعر : غزاة يولي ~~الليث عنهن هاربا . . . وليست لها نبل حداد ولا عمد قصار الخطا حمش القوائم ~~ضمر . . . مشمرة لا تشتكي الأين والحرد وتعدو على الأقران في حومة الوغى . ~~. . نشاطا كما يعدو على صيده الأسد إذا ذكرت طيب الهياج تنفست . . . تنفس ~~ثكلى قد أصيب لها ولد كأكراد زنجان تريد قضاضة . . . وتلك الصعاليك الغرائب ~~في البلد وفيهن أجناس تشابهن صورة . . . وباين في الهمات واللون والجسد ~~فمنهن كمت كالعناكيب أرجلا . . . وساع الخطا قد زان أجيادها الغيد إذا ~~انتهزت طارت وإن هي خلدت . . . رأت ورد أحواض المنايا من الرشد وسود خفاف ~~الجسم لو عضت الصفا . . . رأيت الصفا من وقع أسنانها قدد يفدن علينا مفسدات ~~جفاننا . . . وأزوادنا أبغض إلينا بما وفد وقال أبو هلال العسكري : وحي ~~أناخوا في المنازل باللوى . . . فصاروا به بعد القطين قطينا إذا اختلفوا في ~~الدار ظلت كأنها . . . تبدد فيها الريح بزر قطونا إذا طرقوا قدري مع الليل ~~أصبحت . . . بواطنها مثل الظواهر جونا لهم نظرة يسرى ويمنى إذا مشوا . . . ~~كما مر مرعوب يخاف كمينا ومشون صفا في الديار كأنما . . . يجرون خيطا في ~~التراب منينا وفي كل بيت من بيوتي قرية . . . تضم صنوفا منهم وفنونا ~~PageV10P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" فيا من رأى بيتا يضيق بخمسة . . . وفيه قريات ~~يسعن مئينا القمل والصؤاب قال الجاحظ : ذكروا عن إياس بن معاوية أنه يزعم ~~أن الصئبان ذكورة القمل ، وأن القمل من الشكل الذي تكون إناثه أعظم من ~~ذكورته . قال الجاحظ : والقمل يعتري من العرق والنسخ إذا علاهما ثوب أو ريش ~~أو شعر ، حتى يكون لذلك المكان عفن وخموم . والقملة ms2034 يكون لونها بحسب لون ~~الشعر في السواد والبياض والشمط وفي لون الخضاب ، وينصل إذا نصل . قال : ~~والقمل يعرض لثياب كل إنسان إذا عرض لها الوسخ أو العرق أو الخموم ، إلا ~~ثياب المجذمين فإنهم لا يقملون . وإذا قمل إنسان وأفرط عليه القمل زابق ~~رأسه فيتناثر القمل . قال : وربما كان الإنسان قمل الطباع وإن تنظف و تعطر ~~وبدل أثوابه ؛ كما عرض لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله ~~عنهما ، حتى استأذنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في لباس الحرير ؛ ~~فأذن لهما فيه لهذه الضرورة ولدفع هذا الضرر . وقد وصف الشعراء القمل في ~~أشعارهم ؛ فمن ذلك قول بعض العقيليين وقد مر بأبي العلاء العقيلي وهو يتفلى ~~، فقال : وإذا مررت به مررت بقانص . . . متصيد في شرقة مقرور للقمل حول أبي ~~العلاء مصارع . . . ما بين مقتول وبين عقير فكأنهن إذا علون قميصه . . . فذ ~~وتوءم سمسم مقشور ضرج الأنامل من دماء قتيلها . . . حنق على أخرى بعدو مغير ~~وقال الحسن بن هانئ في رجل اسمه أيوب : من ينأ عنه مصاده . . . فمصاد أيوب ~~ثيابه يكفيه منها نظرة . . . فتعل من علق حرابه يا رب محترز بجي . . . ب ~~الردن تكنفه صؤابه فاشي النكاية غير مع . . . لوم إذا دب انسيابه ~~PageV10P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" أو طامري واثب . . . لم ينجه عنه وثابه أهوى ~~له بمزلق ال . . . عرنين إصبعه نصابه لله درك من أخي . . . قنص أصابعه ~~كلابه PageV10P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" القسم الخامس من الفن الثالث في أجناس الطير ~~وأنواع السمك وفيه سبعة أبواب : ستة منها في الطير ، وباب في السمك . وذيلت ~~عليه بباب ثامن أوردت فيه ذكر شيء مما قيل في آلات صيد البر والبحر . قال ~~الجاحظ في كتاب الحيوان : إن الحيوان على أربعة أقسام : شيء يطير ، وشيء ~~يعوم ، وشيء ينساح ، وشيء يمشي ؛ إلا أن كل طائر يمشي ، وليس كل شيء يمشي ~~طائرا . قال : واسم طائر يقع على ثلاثة أشياء : صورة ، وطبيعة ، وجناح ؛ ~~وليس بالريش والقوادم والأباهر والخوافي يسمى طائرا ولا بعدمه يسقط ذلك عنه ~~. ألا ترى أن الخفاش والوطواط من ms2035 الطير وإن كانا أمرطين ليس لهما ريش ولا ~~زغب ولا شكير . قال : والطير كله سبع وبهيمة وهمج . والسباع من الطير على ~~ضربين : فمنها العتاق ، والأحرار ، والجوارح . ومنها البغاث ، وهو كل ما ~~عظم من الطير سبعا كان أو بهيمة إذا لم يكن من ذوات السلاح والمخالب ~~المعقفة كالنسور والرخم والغربان وما أشبهها من لئام السباع . ثم الخشاش ~~وهو ما لطف جرمه وصغر شخصه وكان عديم السلاح . وقال : إذا باض الطائر بيضا ~~لم تخرج البيضة من حد التحديد والتلطيف بل يكون الجانب الذي يبدأ بالخروج ~~الجانب الأعظم . وما كان من البيض مستطيلا محدد الأطراف فهو للإناث ، وما ~~كان مستديرا عريض الأطراف فهو للذكور . والبيضة عند خروجها تكون لينة القشر ~~غير جاسئة ولا يابسة ولا جامدة . قال : والبيض الذي PageV10P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" يتولد من الريح والتراب أصغر وألطف ، وهو في ~~الطيب دون الآخر . ويكون بيض الريح من الدجاج والقبج والحمام والطاوس ~~والإوز . قال : وحضن الطائر وجثومه على البيض يكون صلاحا لبدن الطائر كما ~~يكون صلاحا لبدن البيض . قال : وزعم ناس أن بيض الريح إنما يكون عن سفاد ~~متقدم . وذلك خطأ من وجهين : أما أحدهما ، فإن ذلك قد عرف من فراريج لم تر ~~ديكا قط . والآخر أن بيض الريح لم يكن منه فروخ قط . وبيض الصيف المحضون ~~أسرع خروجا منه في الشتاء . فهذه جمل من أحوال الطير فرقها الجاحظ في كتابه ~~في عدة مواضع جمعناها وألفنا بعضها إلى بعض . فلنذكر كل جنس من الطير ، ~~ونشرح ما يخصه من الكلام وما قيل فيه . وغير الجاحظ قسم الطير إلى أقسام ، ~~فجعل منها سباعا ، وكلابا ، وبهائم ، وبغاثا ، وليليا ، وهمجا ؛ وعلى ذلك ~~بوبنا هذا القسم ؛ على ما تقف عليه إن شاء الله تعالى . الباب الأول من ~~القسم الخامس من الفن الثالث في سباع الطير ويشتمل هذا الباب على ما قيل في ~~العقاب والبزاة والصقور والشواهين ، وأصناف ذلك ، وما يتصف به كل طير منها ~~وما فه من الطبائع والعادة ، وما يصيد ، وما فيه من الأمارات الدالة على ~~نجابته وفراهته ms2036 ، وغير ذلك مما تقف عليه إن شاء الله تعالى . ذكر ما قيل في ~~العقاب يقال : إن العقاب جميعه أنثى وليس فيه ذكر . ويسمى عند أهل اللغة ~~العنقاء . وهي عقاب وزمج . فأما العقاب فيقال : إن ذكورها من طير آخر لطيف ~~الجرم . وهي تبيض في الغالب ثلاث بيضات فيخرج لها فرخان . قال الجاحظ : ثم ~~اختلفوا ، فقال بعضهم : لأنها لا تحضن إلا بيضتين ؛ وقال آخرون : قد تحضن ~~ويخرج لها ثلاثة أفراخ ولكنها ترمي بالواحد استثقالا للتكليف على ثلاثة ؛ ~~وقال آخرون : ليس ذلك إلا لما يعتريها من الضعف عند الصيد ، كما يعتري ~~النفساء من الوهن والضعف . وهي PageV10P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" تحضن ثلاثين يوما . وما عداها من الجوارح ~~تبيض بيضتين في كل سنة وتحضن عشرين يوما . قالوا : وفي طبع الذكر انه يمتحن ~~أنثاه هل هي محافظة له أو مؤاتية لغيره من غير جنسه ، بأن يصوب نظر فرخيه ~~إلى شعاع الشمس ، فإن ثبت عليه تحقق أنها فراخه وأمسكها ، وإن نبا بصره عن ~~شعاع الشمس ضرب الأنثى كما يضرب الرجل المرأة الزانية وطردها من ووكره ورمى ~~الفرخين . والعقاب خفيفة الجناح ، سرية الطيران ، فهي إن شاءت ارتفعت على ~~كل شيء وإن شاءت كانت بقربه . يقال : إنها تتغذى بالعراق وتتعشى باليمن . ~~وربما صادت حمر الوحش ، وذلك أنها إذا نظرت الحمار رمت نفسها في الماء حتى ~~يبتل جناحاها ، ثم تتمرغ في التراب وتطير حتى تقع على هامة الحمار ، ثم ~~تصفق على عينيه بجناحيها فتملؤهما ترابا ، فلا يرى الحمار أين يذهب فيؤخذ . ~~وهي مولعة بصيد الحيات . وفي طبعها قبل أن تتدرب أنها لا تراوغ صيدا ولا ~~تعنى فيطلبه ، ولا تزال موفية على شرف عال ؛ فإذا رأت سباع الطير قد صادت ~~شيئا انقضت عليه ، فتتركه لها وتنجو بنفسها . ومتى جاعت لم يمتنع عليها ~~الذئب . وهي شديدة الخوف من الإنسان . ويقال : إنها إذا هرمت وثقل جناحها ~~وأظلم بصرها التمست غديرا ؛ فإذا وجدته حلقت طائرة في الهواء ثم تقع من ~~حالق في ذلك الغدير فتنغمس فيه مرارا ، فيصح جسمها ويقوى بصرها ويعود ريشها ~~ناشئا ms2037 إلى حالته الأولى . وهي متى ثقلت عن النهوض أو عميت حملتها الفراخ ~~على ظهورها ونقلتها من مكان إلى آخر لطلب الصيد وتعولها إلى أن تموت . ومن ~~عجيب ما ألهمت أنها إذا اشتكت كبدها رفعت الأرانب والثعالب في الهواء وأكلت ~~أكبادها فتبرأ . وهي تأكل الحيات إلا رءوسها ، والطير إلا قلوبها . قال ~~امرؤ القيس : كأن قلوب الطير رطبا ويابسا . . . لدى وكرها العناب والحشف ~~البالي ومنسرها الأعلى يعظم ويتعقف حتى يكون ذلك سبب هلاكها ؛ لأنها لا ~~تنال به الطعم إذا كان كذلك . وأول من صاد بها أهل المغرب . وحكي أن قيصر ~~أهدى إلى كسرى عقابا ، وكتب إليه : علمها فإنها تعمل عملا أكثر من الصقور ~~التي أعجبتك . فأمر PageV10P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" بها فأرسلت على ظبي عرض لها فقدته ، فأعجبه ~~ما رأى منها ؛ ثم جوعها ليصيد بها ، فوثبت على صبي من حاشيته فقتلته ؛ فقال ~~كسرى : غزانا قيصر في بلادنا بغير جيش . ثم أهدى له نمرا وكتب إليه : قد ~~بعثت إليك بما تقتل به الظباء وما قرب منها من الوحش ؛ وكتم عنه ما صنعت ~~العقاب . فأعجب به قيصر . فغفل عنه يوما فافترس بعض فتيانه ؛ فقال : صادنا ~~كسرى ؛ فإن كنا صدناه فلا بأس . فلما اتصل ذلك بكسرى قال : أنا أبو ساسان . ~~وأجود العقاب ما جلب من سرت وبلاد المغرب . وقد وصفها الشعراء فمن ذلك ما ~~قاله أبو الفرج الببغاء : ما كل ذات مخلب وناب . . . من سائر الجارح ~~والكلاب بمدرك في الجد والطلاب . . . أيسر ما يدرك العقاب شريفة الصبغة ~~والأنساب . . . تطير من جناحها في غاب وتستر الأرض عن السحاب . . . وتحجب ~~الشمس بلا حجاب يظل منها الجو في اغتراب . . . مستوحشا للطير كالمرتاب ذكية ~~تنظر من شهاب . . . ذات جران واسع الجلباب ومنكب ضخم أثيث رابي . . . ومنسر ~~موثق النصاب وراحتي ليث شرى غلاب . . . نيطت إلى براثن صلاب مرهفة أمضى من ~~الحراب . . . وكل ما حلق في الضباب لملكها خاضعة الرقاب الزمج فهو الصنف ~~الثاني من العقاب ، ويعد من خفاف الجوارح . وهو سريع الحركة شديد الوثبة . ~~ويوصف بالغدر . ومن عادته أنه يتلقف الطائر ms2038 كما يتلقفه البازي ، ويصيد على ~~وجه الأرض كما تصيد العقاب . ويحمد من خلقه أن يكون أحمر اللون ، ولا يحمد ~~ما قرنص منه وحشيا . PageV10P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" وقد وصفه أبو الفرج الببغاء فقال : يا رب سرب ~~آمن لم يزعج . . . غاديته قبل الصباح الأبلج بزمج أدلق حوش أهوج . . . مضبر ~~المنكب صلب المنسج ذي قصب عبل أصم مدمج . . . وجؤجؤ كالجوشن المدرج وعنق ~~سام طويل أعوج . . . ومنسر أقنى فسيح مسرج منخرق المدخل رحب المخرج . . . ~~ومقلة تشف عن فيروزج ناظرة من لهب مؤجج . . . وهامة كالحجر المدملج ومخلب ~~كالمعول المعوج ذكر ما قيل في البازي قالوا : والبازي خمسة أصناف ، وهي ~~البازي ، والزرق ، والباشق ، والعفصي ، والبيدق . فأما البازي فهو الثاني ~~من الجوارح ، وهو أحر هذه الأصناف الخمسة مزاجا ، لأنه قليل الصبر على ~~العطش . ومأواه مساقط الشجر العادية الملتفة والظل الظليل ومطرد المياه . ~~وهو لا يتخذ وكرا إلا في شجرة لها شوك . وإذا أراد أن يفرخ بنى لنفسه بيتا ~~وسقفه تسقيفا جيدا يقيه من المطر ويدفع عنه وهج الحر . وسبيله في البرد أن ~~يدفأ بالنار ويجعل تحت كفيه وبر الثعالب واللبود ؛ وفي الصيف أن يجعل في ~~بيت كنين بارد النسم ويفرش له الريحان والخلاف . وهو خفيف الجناح ، سريع ~~الطيران ، يلف طيرانه كالتفاف الفواخت ؛ ويسهل عليه أن يزج بنفسه صاعدا ~~وهابطا وينقلب على ظهره حتى يلتقف فريسته . والإناث منه أجرأ على عظام ~~الطير من الذكور . ويقال : إن الإناث إذا كان وقت سفادها يغشاها جميع أنواع ~~الضواري : الزرق والشاهين والصقر ، PageV10P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" وإنها تبيض من كل طائر يغشاها ؛ ولهذا تجيء ~~مختلفة الأخلاق . والبازي يصيد ما بين العصفور والكركي . ومن عادته أنه إذا ~~أخطأ صيده وفاته وكان في برية لا شجر فيها ولى ممعنا حتى يجد كهفا أو جدارا ~~يأوي إليه ؛ ولهذا علق عليه الجرس ليدل على مكانه إذا خفي . وصفة الجيد منه ~~المحمود في فعله أن يكون قليل الريش ، أحمر العينين حادهما ، وأن تكونا ~~مقبلتين على منسره وحجاجاهما مطلين عليهما ، ولا يكون وضعهما في جنبي رأسه ~~كوضع عيني الحمام ms2039 . والأزرق منه دون الأحمر العين ؛ والأصفر دونهما . وسعة ~~أشداقه تدل على قوة الافتراس . ومن صفاته المحمودة أن يكون طويل العنق عريض ~~الصدر ، بعيد ما بين المنكبين ، شديد الانخراط إلى ذنبه ، وأن تكون فخذاه ~~طويلتين مسرولتين بريش ، وذراعاه قصيرتين غليظتين ، وأشاجع كفيه عارية ، ~~وأصابعه متفرقة ولا تكون مجتمعة ككف الغراب ، ومخلبه أسود ، ويكون طويل ~~المنسر دقيقه . وأفخر ألوانه الأبيض ثم الأشهب ، وهما لونان يدلان على ~~الفراهة والكرم . وأما الأسود الظهر المنقش الصدر بالبياض والسواد فهو يدل ~~على الشدة والصلابة . وإن اتفق أن يكون هذا أحمر العين كان نهاية . وهذا ~~اللون في البزاة كالكميت في الخيل . والأحمر في البزاة أخبثها . وبعض الناس ~~يقول : أشرف البزاة الطغرل ، ثم البازي التام وهو الذي وصفناه آنفا . ~~والطغرل : طائر غزيز نادر الوقوع لا يعرفه غير الترك ، لأنه يكون في بلاد ~~الخزر وما والاها وما بين خوارزم إلى إرمينية ، وهو يجمع صيد البازي ~~والشاهين . وقيل : إنه لا يعقر شيئا بمخلبه إلا سمه . وأول من صاد البازي ~~لذريق أحد ملوك الروم الأول ؛ وذلك أنه رأى بازيا إذا علا كتف ، وإذا سفل ~~خفق ، وإذا أراد أن يسمو درق ؛ فاتبعه حتى اقتحم شجرة ملتفة كثيرة الدغل ؛ ~~فأعجبته صورته ، فقال : هذا طائر له سلاح تتزين بمثله الملوك ؛ فأمر بجمع ~~عدة من البزاة فجمعت وجعلت في مجلسه . فعرض لبعضها أيم فوثب عليه ؛ فقال : ~~ملك يغضب كما تغضب الملوك . ثم أمر به فنصب على كندرة بين PageV10P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" يديه ؛ وكان هناك ثعلب فمر به مجتازا ، فوثب ~~عليه فما أفلت منه إلا جريحا ؛ فقال لذريق : هذا جبار يمنع حماه . ثم أمر ~~به فضري على الصيد ؛ واتخذه الملوك من بعده . وقد وصفته الشعراء والأدباء ؛ ~~فمن ذلك قول الناشي : لما تعرى الليل عن أنساجه . . . وارتاح ضوء الصبح ~~لانبلاجه غدوت أبغي الصيد من منهاجه . . . بأقمر أبدع في نتاجه ألبسه ~~الخالق من ديباجه . . . ثوبا كفى الصانع من نساجه حال من الساق إلى أوداجه ~~. . . وشيا يحار الطرف في اندراجه في نسق منه وفي انعراجه . . . وزان فوديه ~~إلى حجاجه ms2040 بزينة كفته عز تاجه . . . منسره يثنى على خلاجه وظفره يخبر عن ~~علاجه . . . لو استضاء المرء في إدلاجه بعينه كفته عن سراجه وقال ابن ~~المعتز يصف عين البازي : ومقلة تصدقه إذا رمق . . . كأنها نرجسة بلا ورق ~~وقال أيضا فيه : وفتيان غدوا والليل داج . . . وضوء الصبح متهم الطلوع كأن ~~بزاتهم أمراء جيش . . . على أكتافها صدأ الدروع وقال أيضا : ومنسر عضب ~~الشباة دامي . . . كعقدك الخمسين بالإبهام وخافق للصيد ذي اصطلام . . . ~~ينشره للنهض والإقدام كنشرك البرد على المستهام ووصفه أبو إسحاق إبراهيم بن ~~خفاجة الأندلسي فقال من رسالة : طائر يستدل بظاهر صفاته ، على كرم ذاته ؛ ~~طورا ينظر نظر الخيلاء في عطفه كأنما يزهى جبار ، وتارة يرمي نحو السماء ~~بطرفه كأنما له هناك اعتبار . وأخلق به أن PageV10P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" ينقض على قنيصه شهابا ، ويلوي به ذهابا ، ~~ويحرقه توقدا والتهابا . وقد أقيم له سابغ الذنابي والجناح ، كفيلين في ~~مطالبه بالنجاح . جيد العين والأثر ، حديد السمع والبصر . يكاد يحس بما ~~يجري ببال ، ويسري من خيال . قد جمع بين عزة مليك ، وطاعة مملوك . فهو بما ~~يشتمل عليه من علو الهمه ، ويرجع إليه بمقتضى الخدمه ؛ مؤهل لإحراز ما ~~تقتضيه شمائله ، وإنجاز ما تعد به مخايله . وخليق بمحكم تأديبه ، وجودة ~~تركيبه ؛ أن لو مثل له النجم قنصا ، وأو جرى بذكره البرق قصصا ؛ لاختطفه ~~أسرع من لحظه ، وأطوع من لفظه ؛ وانتسفه أمضى من سهم ، وأجرى من وهم . وقد ~~أقسم بشرف جوهره ، وكريم عنصره ؛ لا يوجه مسفرا ، إلا غادر قنيصه معفرا ، ~~وآب إلى يد من أرسله مظفرا ؛ مورد المخلب والمنقار ، كأنما اختضب بحناء أو ~~كرع في عقار . وله من أبيات يمدح بها : طرد القنيص بكل قيد طريدة . . . زجل ~~الجناح مورد الأظفار ملتفة أعطافه بحبيرة . . . مكحولة أجفانه بنضار يرمي ~~به الأمد البعيد فينثني . . . مخضوب راء الظفر والمنقار الزرق وهو الصنف ~~الثاني من البازي . وهو باز لطيف ، إلا أن مزاجه أحر وأيبس ، وهو لذلك أشد ~~جناحا وأسرع طيرانا وأقوى إقداما . وفيه ختل وخبث ؛ وذلك أنه إذا أرسل على ~~طائر طار في غير مطاره ms2041 ثم عطف عليه وأظهر الشدة بعد اللين . وخير ألوانه ~~الأسود الظهر الأبيض الصدر الأحمر العين . ووصفه المحمود منه أن يكون ~~أعدلها خلقا ، وأقلها ريشا ، وأنقلها محملا ، وأملأها فخذا ، وأرحبها شدقا ~~، وأوسعها عينا ، وأصغرها رأسا ، وأصفاها حدقة ، وأطولها عنقا ، وأقصرها ~~خافية ، وأشدها لحما ، وأن يكون أخضر الرجلين ، وسيع المخالب ، متعريا من ~~اللحم . والله أعلم . الباشق وهو الصنف الثالث من البازي . وهو أحر وأيبس ~~من الزرق ، وهو هلع قلق ذعر ، يأنس وقتا ويستوحش وقتا . ونفسه قوية جافية . ~~فإذا أنس منه الصغير بلغ منه كل المراد . وأجود الباشق ما أخذ فرخا لم يلق ~~من قوادمه ريشة . وهو متى تم PageV10P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" تأنيسه وجد منه باز خفيف المحمل ظريف الشمائل ~~. ومن صفاته المحمودة أن يكون صغير المنظر ، ثقيل المحمل ، طويل الساقين ~~والفخذين ، عظيم السلاح بالنسبة إلى جسمه . وقال بعض الشعراء يصفه : إذا ~~بارك الله في طائر . . . فحص من الطير إسبهرقي له هامة كللت باللجين . . . ~~فسال اللجين على المفرق يقلب عينين في رأسه . . . كأنهما نقطتا زئبق واشرب ~~لونا له مذهبا . . . كلون الغزالة في المشرق حمام الحمام وحتف القطا . . . ~~وصاعقة القبج والعقعق وأحنى عليك إلى أن يعود . . . إليك من الوالد المشفق ~~فأكرم به وبكف الأمير . . . وبالدستبان إذا يلتقي وقال أبو الفتح كشاجم : ~~يسمو فيخفى في الهواء وينكفي . . . عجلا فينقض انقضاض الطارق وكأن جؤجؤه ~~وريش جناحه . . . خضبا بنقش يد الفتاة العاتق وكأنما سكن الهوى أعضاءه . . ~~. فأعارهن نحول جسم العاشق ذا مقلة ذهبية في هامة . . . محفوفة من ريشها ~~بحدائق ومخالب مثل الأهلة طالما . . . أدمين كف البازيار الحاذق وإذا انبرى ~~نحو الطريدة خلته . . . كالريح في الأسماع أو كالبارق وإذا دعاه البازيار ~~رأيته . . . أدنى وأطوع من محب وامق وإذا القطاة تخلفت من خوفه . . . لم ~~يعد أن يهوى بها من حالق ومن رسالة لبعض فضلاء الأندلس ، جاء منها : كأنما ~~اكتحل بلهب ، أو انتعل بذهب . ملتف في سبره ، وملتحف بحبره . من سيوفه ~~منقاره ، ومن رماحه أظفاره . ومن اللواتي تتنافس الملوك فيها ، تمسكها عجبا ~~بها PageV10P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" وتيها . فهي على أيديها ms2042 آية باديه ، ونعمة من ~~الله ناميه . تبذل لك الجهد صراحا ، وتعيرك في نيل بغيتك جناحا . وتتفق معك ~~في طلب الأرزاق ، وتأتلف بك على اختلاف الخلق والأخلاق . ثم تلوذ بك لياذ ~~من يرجوك ، وتفي لك وفاء لا يلتزمه لك ابنك ولا أخوك . ثم ذكر حمامة صادها ~~، فقال : اختطفها أسرع من اللحظ ، ولا محيد لها عنه ، وانحدر بها أعجل من ~~اللفظ ، وكأنها هي منه ؛ ثم جعل يتناولها بعقد السبعين ، ويدخلها في أضيق ~~من التسعين . وكان لها موتا عاجلا ، وكانت له قوتا حاصلا . والله الهادي ~~للصواب . العفصي وهو الصنف الرابع من البازي . وهو من الباشق كالزرق من ~~البازي ، إلا أنه أصغر الجوارح نفسا ، وأضعفها حيلة ، وأشدها ذعرا ، ~~وأيبسها مزاجا . وربما صاد العصفور وتركه لخوفه وحذره . ومن عادته أنه يرصد ~~الطير أيام حضانه ، فإذا طار عن وكره خلفه فيه وكسر بيضه ورماه وباض مكانه ~~وطار عنه فيحضنه صاحب الوكر ؛ فهو أبدا لا يحضن ولا يربي . البيدق وهو ~~الصنف الخامس من البازي ، وهو لا يصيد غير العصافير . وقد وصفه كشاجم فقال ~~: حسبي من البزاة والزرارق . . . ببيدق يصيد صيد الباشق مؤدب مدرب الخلائق ~~. . . أصيد من معشوقة لعاشق يسبق في السرعة كل سابق . . . ليس له عن صيده ~~من عائق ربيته وكنت عين الواثق . . . أن الفرازين من البيادق ذكر ما قيل في ~~الصقر والصقر ثلاثة أصناف ، وهي صقر ، وكونج ، ويؤيؤ . فأما الصقر فهو ~~النوع الثالث من الجوارح . والعرب تسمي كل طائر يصيد صقرا ، ما خلا النسر ~~والعقاب ، وتسميه الأكدر والأجدل . وهو من الجوارح بمنزلة البغال من الدواب ~~، لأنه أصبر على الشدة وأشد إقداما على جلة الطير كالكراكي والحبارج . ~~وقالوا : ومزاجه أبرد من سائر ما تقدم ذكره من الجوارح وأرطب . وهو يضري ~~على الغزال والأرنب ولا يضري على الطير لأنها تفوته . وفعله في صيده ~~PageV10P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" الانقضاض والصدم . وهو غير صاف بجناحه ولا ~~خافق به . ومتى خفق بجناحه كانت حركته بطيئة بخلاف البازي . ويقال : إنه ~~أهدأ نفسا من البازي ، وأسرع أنسا بالناس ، وأكثر رضا وقناعة . وهو يغتذي ~~بلحوم ms2043 ذوات الأربع . وهو يعاف المياه ولا يقربها ، وذلك لبرد مزاجه . وفي ~~طبعه أنه لا يركب الأشجار ولا الشوامخ من الجبال ، ولا يأوي إلا المقابر ~~والكهوف وصدوع الجبال . وهو ينقى بالتمعك في الرمل والتراب . ومن صفاته ~~المحمودة الدالة على نجابته وفراهته : أن يكون أحمر اللون ، عظيم الهامة ، ~~واسع العينين ، تام المنسر ، طويل العنق والجناحين ، رحب الصدر ، ممتلئ ~~الزور ، عريض الوسط ، جليل الفخذين ، قصير الساقين والذنب ، قريب القفدة من ~~القفار ، سبط الكف ، غليظ الأصابع فيروزجها ، أسود اللسان . والله الموفق . ~~وأول من صاد بالصقر وضراه الحارث بن معاوية بن ثور بن كندة . وسبب ذلك أنه ~~وقف في بعض الأيام على صياد قد نصب شبكة للعصافير ؛ فانقض أكدر على عصفور ~~قد علق في الشبكة فجعل يأكله وقد علق الأكدر واندق جناحاه ، والحارث ينظر ~~إليه ويعجب من فعله ؛ فأمر به فحمل فرمي به في كسر بيت ووكل به من يطعمه ؛ ~~وأنس الصقر بالموكل به ، حتى صار إذا جاءه باللحم ودعاه أجاب ؛ ثم صار ~~يطعمه على يده وصار يحمله . فبينما هو يوما حامله إذ رأى حمامة ، فطار عن ~~يده إليها فأخذها وأكلها . فأمر الحارث عند ذلك باتخاذها وتدريبها والتصيد ~~بها . فبينا هو يسير يوما إذ لاحت أرنب فطار الصقر إليها وأخذها ؛ فلما رآه ~~يصيد الطير ازداد به إعجابا واغتباطا . واتخذته العرب بعده . ووصفه الشعراء ~~؛ فمن ذلك ما قاله كشاجم يصفه : غدونا وطرف النجم وسنان غائر . . . وقد نزل ~~الإصباح والليل سائر بأجدل من حمر الصقور مؤدب . . . وأكرم ما قربت منها ~~الأحامر جريء على قتل الظباء وإنني . . . ليعجبني أن يكسر الوحش طائر قصير ~~الذنابي والقدامي كأنها . . . قوادم نسر أو سيوف بواتر PageV10P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" ورقش منه جؤجؤ فكأنه . . . أعارته إعجام ~~الحروف الدفاتر فما زلت بالإضمار حتى صنعته . . . وليس يحوز السبق إلا ~~الضوامر وتحمله منا أكف كريمة . . . كما زهيت بالخاطبين المنابر وعن لنا من ~~جانب السفح ربرب . . . على سنن تستن منه الجآذر فجلى وحلت عقدة السير ~~فانتحى . . . لأولها إذ أمكنته الأواخر يحث جناحيه على حر وجهها . . . كما ~~فصلت فوق ms2044 الخدود المعاجر وما تم رجع الطرف حتى رأيتها . . . مصرعة تهوي ~~إليها الخناجر وقال عبد الله بن المعتز : وأجدل يفهم نطق الناطق . . . ~~ململم الهامة فخم العاتق أقنى المخاليب طلوب مارق . . . كأنها نونات كف ~~ماشق ذي جؤجؤ لابس وشي رائق . . . كمبتدا اللامات في المهارق أو كامتداد ~~الكحل في الحمالق . . . ونجمت باللحظ عين الرامق عشرا من الإوز في غلافق . ~~. . فمر كالريح بعزم صادق حتى دنا منهن مثل السارق . . . ثم علاها بجناح ~~خافق فطفقت من هالك أو فائق وقال أيضا : وأجدل لم يخل من تأديب . . . يرى ~~بعيد الشيء كالقريب يهوي هوي الدلو في القليب . . . بناظر مستعجم مقلوب ~~كناظر الأقبل ذي التقطيب . . . رأى إوزا في ثرى رطيب فطار كالمستوهل ~~المرعوب . . . ينفذ في الشمال والجنوب PageV10P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" الكونج وهو الصنف الثاني من الصقر . ويسمى ~~بمصر والشأم السقاوية . ونسبته من الصقر كنسبة الزرق من البازي ، إلا أنه ~~أحر منه ؛ ولذلك هو أخف منه جناحا . وهو يصيد الأرنب ، ويعجز عن الغزال ~~لصغره ؛ ويصيد أشياء من طير الماء . وشدة نفسه أقل من شدة بدنه ؛ ولأجل ذلك ~~هو أطول في البيوت لبثا ، وأصبر على مقاساة الشقاء من الصقر . وفي وصفه يقل ~~بعض الشعراء : إن لم يكن صقر فعندي كونج . . . كأن نقش ريشه المدرج برد من ~~الموشى أو مدبج . . . فكم به للطير قلب مزعج ممزق بدمه مضرج . . . بمثله ~~عنا الهموم تفرج اليؤيؤ وهو الصنف الثالث من الصقر . ويسميه أهل مصر والشأم ~~الجلم لخفة جناحيه وسرعتهما . وهو طائر قصير الذنب . ومزاجه بالإضافة إلى ~~الباشق بارد رطب ، ولأنه أصبر منه نفسا وأثقل حركة . ويشرب الماء شربا ~~ضروريا كما يشربه الباشق . ومزاجه بالنسبة إلى الصقر حر يابس ، ولذلك هو ~~أشجع منه ، لأنه يتعلق بما يفترسه ، ويصيد ما هو أجل منه كالدراج . ويقال : ~~إن أول من صاد به واتخذه للعب بهرام جور ؛ وذلك أنه شاهد يؤيؤا يطارد قبرة ~~ويراوغها ، ويرتفع معها إلى أن صادها ؛ فأعجبه واتخذه وصاد به . وقال عبد ~~الله الناشي يصفه : ويؤيؤ مهذب رشيق . . . كأن عينيه على التحقيق فصان ~~مخروطان من عقيق ms2045 وقال أبو نواس : قد أغتدي والصبح في دجاه . . . كطرة البرد ~~على مثناه بيؤيؤ يعجب من رآه . . . ما في اليآي يؤيؤ شرواه أزرق لا تكذبه ~~عيناه . . . فلو يرى القانص ما يراه فداه بالأم وقد فداه وقال أبو إسحاق ~~الصابي يصفه من رسالة : PageV10P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" وكم من قبر أطلقنا عليه يؤيؤا لنا فعرج إلى ~~السماء عروجان ولجج في أثره تلجيجا ؛ فكان ذلك يعتصم منه بالخلاق ، وهذا ~~يستطعمه من الرزاق ؛ حتى غابا عن النظار ، واحتجبا عن الأبصار ؛ وصارا ~~كالغيب المرجم ، والظن المتوهم ؛ ثم خطفه ووقع به وهما كهيئة الطائر الواحد ~~؛ فأعجبنا أمرهما ، وأطربنا منظرهما . ذكر ما قيل في الشاهين والشاهين ~~ثلاثة أصناف ، وهي شاهين ، وأنيقي ، وقطامي . فأما الشاهين واسمع بالفارسية ~~شوذانه ، فعربته العرب على ألفاظ شتى منها : شوذانق وشوذق وشوذنيق وشيذنوق ~~. ويقال : إنه من جنس الصقر إلا أنه أبرد منه وأيبس ؛ ولذلك تكون حركته من ~~العلو إلى السفل شديدة . وليس يحلق في طلب الصيد على خط مستقيم إنما يحوم ~~لثقل جناحه ، حتى إذا سامت الفريسة انقض عليها هاويا من علو فضربها وفارقها ~~صاعدا ؛ فإن سقطت على الأرض أخذها ، وإن لم تسقط أعاد ضربها لتسقط ؛ وذلك ~~دليل على جبنه وفتور نفسه وبرد مزاج قلبه . ومع ذلك كله فهو أسرع الجوارح ~~وأخفها وأشدها ضراوة على الصيد . إلا أنهم عابوه بالإباق وبما يعتريه من ~~الحرص ؛ حتى إنه ربما ضرب بنفسه الأرض فمات . ويزعمون أن عظامه أصلب من ~~عظام سائر الجوارح ؛ ولذلك هو يضرب بصدره ويعلق بكفه . وقال بعض من تكلم في ~~هذا النوع : الشاهين كاسمه . يريد شاهين الميزان ؛ لأنه لا يحتمل أدنى حال ~~من الشبع ولا أيسر حال من الجوع . والمحمود من صفاته : أن يكون عظيم الهامة ~~، واسع العينين حادهما ، تام المنسر ، طويل العنق ، رحب الصدر ، ممتلئ ~~الزور ، عريض الوسط ، جليل الفخذين ، قصير الساقين ، قريب القفدة من الظهر ~~، قليل الريش لينه ، تام الخوافي ، دقيق الذنب ، إذا صلب عليه جناحيه لم ~~يفضل عنهما شيء منه . فإذا كان كذلك فهو يقتل الكركي ولا يفوته . وزعم ~~بعضهم أن ms2046 السود من الشواهين هي المحمودة ؛ وأن السواد أصل لونها ، وإنما ~~أحالته التربة . ويكون في الشواهين الملمع . والله أعلم . وأول من صاد ~~بالشواهين قسطنطين ملك عمورية . حكي أنه خرج يوما يتصيد ، حتى إذا أتى إلى ~~مرج فسيح نظر إلى شاهين ينكفئ على طير الماء ؛ فأعجبه ما PageV10P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" رأى من سرعته وضراوته وإلحاحه على صيده ، ~~فأخذه وضراه ؛ ثم ريضت له الشواهين بعد ذلك وعلمت أن تحوم على رأسه إذا ركب ~~فتظله من الشمس ؛ فكانت تنحدر مرة وترتفع أخرى ، فإذا نزل وقعت حوله . وقد ~~وصف الشعراء الشواهين وشبهوها ؛ فمن ذلك قول الناشي : هل لك يا قناص في ~~شاهين . . . شوذانق مؤدب أمين جاء به السائس من رزين . . . ضراه بالتخشين ~~والتليين حتى لأغناه عن التلقين . . . يكاد للتثقيف والتمرين يعرف معنا ~~الوحي بالجفون . . . يظل من جناحيه المزين في قرطق من خزه الثمين . . . ~~يشبه من طرازه المصون برد أنوشروان أو شيرين . . . أحوى مجاري الدمع ~~والشؤون ذي منسر مؤلل مسنون . . . واف كشطر الحاجب المقرون منعطف مثل ~~انعطاف النون . . . يبدي اسمه معناه للعيون وقال أبو الفتح كشاجم وبدأ ~~بالكركي : يا رب أسراب من الكراكي . . . مطمعة السكون في الحراك بعيدة ~~المنال والإدراك . . . كدر وبيض اللون كالأفناك تقصر عنها أسهم الأتراك . . ~~. ذعرن قبل لغط المكاكي وقبل تغريد الحمام الباكي . . . بفاتك يربى على ~~الفتاك مؤدب الإطلاق والإمساك . . . ململم الهامة كالمداك مثل الكمي في ~~السلاح الشاكي . . . ذي منسر ضخم له شكاك ومخلب بحده بتاك . . . للحجب عن ~~قلوبها هتاك حتى إذا قلت له دراك . . . وحلقت تسمو إلى الأفلاك ~~PageV10P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" ممتدة الأعناق والأوراك . . . موقنة بعاجل ~~الهلاك غادرها تهوي على الدكاك . . . أسى بكفيه بلا فكاك يا غدوات الصيد ما ~~أحلاك . . . ومنة الشاهين ما أقواك لم تكذبي فراسة الأملاك . . . إياك أعني ~~مادحا إياك الأنيقي وهو الصنف الثاني من الشاهين . وتسميه أهل العراق الكرك ~~. وهو دون الشاهين في القوة ، إلا أن فيه سرعة . وهو يصيد العصافير . وفيه ~~يقول الشاعر : غنيت عن الجوارح بالأنيقي . . . بمثل الريح أو لمع البروق ~~أصب به على العصفور حتفا . . . فأرميه ms2047 بصخرة منجنيق القطامي وهو الصنف ~~الثالث من الشاهين ، وتسميه أهل العراق البهرجة . يقال : إنه في طبع ~~الشاهين ، والعرب تخالف ذلك ، وتسمى بعض الصقور القطامي ؛ والمعتنون ~~بالجوارح يخالفونهم في ذلك . فصل مما ناسب الجوارح في الافتراس وأكل اللحم ~~الحي الصرد ، ويسمى الشقراق والأخطب والأخيل . وقيل : إن من أسمائه الواق ~~وبعضهم يسميه بازي العصافير . وهو طائر مولع بسواد وبياض ، ضخم المنقار . ~~وفي طبعه شره وشراسة وسرقة لفراخ غيره ونفور من الناس . وهو يصيد الحيات ~~ويغتذي باللحم ، ويأوي الأشجار ذوات الشوك وفي رءوس التلاع ، حذرا على نفسه ~~ممن يصيده . وهو يتحيل في صيد ما دونه من الطير كالعصفور . هذا ما ظفرت به ~~في أثناء المطالعة من سباع الطير مما تكلم عليه أرباب هذا الفن . وقد ~~أهملوا أصنافا ، منها ما هو أجل من جميع ما ذكرناه ، وهو السنقر . والسنقر ~~، طائر شريف ، حسن الشكل ، أبيض اللون بنقط سود . والملوك تتغالى فيه ~~وتشتريه بالثمن الكثير . وكان فيما مضى من السنين القريبة يشترى من التجار ~~بألف دينار ؛ ثم تناقص ثمنه حتى استقر الآن بخمسة آلاف درهم . ولهم عادة : ~~أن التجار إذا حملوه وأتوا به من بلاد الفرنج فمات منهم في الطريق قبل ~~وصولهم أحضروا ريشه إلى أتوا بالملوك ، فيعطون نصف ثمنه إذا أتوا به حيا ؛ ~~كل ذلك ترغيبا لهم في حملها PageV10P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" ونقلها إلى الديار المصرية . وهذا الطير لا ~~يشتريه غير السلطان ولا يلعب به غير من الأمراء إلا من أنعم السلطان عليه ~~به . والله أعلم . ومما أهملوا الكلام فيه الكوهية والصيفية والزغزغي ، وهو ~~يعد من أصناف الصقر . ولم أجد من أثق بنقله وعلمه بهذه الأصناف فأنقل عنه ~~أخلاقها وطبائعها وعاداتها . وقال أبو إسحاق الصابي في وصف الجوارح من ~~رسالة طردية جاء منها : وعلى أيدينا جوارح مؤللة المخالب والمناسر ، ومذربة ~~النصال والخناجر ، طامحة الألحاظ والمناظر ؛ بعيدة المرامي والمطارح ؛ ذكية ~~القلوب والنفوس ، قليلة القطوب والعبوس ؛ سابغة الأذناب ، كريمة الأنساب ؛ ~~صلبة الأعواد ، قوية الأوصال ؛ تزيد إذا ألحمت شرها وقرما ، وتتضاعف إذا ~~أشبعت كلبا ونهما . ثم خرج إلى ms2048 وصف الحمام فقال : فلما أوفينا عليها ، ~~أرسلنا الجوارح إليها ؛ كأنها رسل المنايا ، أو سهام القضايا ؛ فلم نسمع ~~إلا مسميا ، ولم نر إلا مذكيا . الباب الثاني من القسم الخامس من الفن ~~الثالث في كلاب الطير ويشتمل هذا الباب على ما قيل في النسر ، والرخم ، ~~والحدأة ، والغراب . وإنما سميت هذه الأصناف بالكلاب لأنها تأكل الميتة ~~والجيف وتقصدها وتقع عليها ، فهي في ذلك شبيهة بالكلاب . النسر والنسر ذو ~~منسر وليس بذي مخلب ، وإنما له أظفار حداد كالمخالب . وهو يسفد كما يسفد ~~الديك . وزعم من تكلم في طبائع الحيوان أن الأنثى من هذا النوع تبيض من نظر ~~الذكر إليها ، وأنها لا تحضن بيضها وإنما تبيض في الأماكن العالية التي ~~يقرعها حر الشمس وهجيرها ، فيقوم ذلك للبيض مقام الحضن . PageV10P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" والنسر يوصف بحدة حاسة البصر ؛ حتى إنه يقال ~~: إنه يرى الجيفة عن مسافة أربعمائة فرسخ . وكذلك حاسة الشم ؛ إلا أنه إذا ~~شم الطيب مات . وهو أشد الطير طيرانا وأقواها جناحا ؛ حتى زعموا أنه يطير ~~ما بين المشرق والمغرب في يوم واحد . وهذا القول أراه من التغالي فيه . ~~وسائر الجوارح تخافه . وهو شره نهم رغيب ؛ إذا سقط على الجيفة وامتلأ منها ~~لم يستطع عند ذلك الطيران حتى يثب عدة وثبات يرفع فيها نفسه في الهواء طبقة ~~بعد طبقة حتى تدخل تحته الريح . ومن أصابه بعد امتلائه وأعجله عن الوثوب ~~أمكنه ضربه إن شاء بعصا وإن شاء بغيرها . قالوا : والأنثى تخاف على بيضتها ~~وفراخها من الخفاش فتفرش في وكرها ورق الدلب ليفر منه . والنسر أشد الطير ~~حزنا على فراق إلفه ؛ يقال : إن الأنثى إذا فقدت الذكر امتنعت عن الطعم ~~أياما ولزمت الوكر ؛ وربما قتلها الحزن . وهو طويل العمر ؛ يقال : إنه يعمر ~~ألف سنة . وفيه ألوان : منها الأسود البهيم ، والأربد وهو لون الرماد ، ~~والأكدر مثله . وهو يتبع الجيوش طمعا في الوقوع على جيف القتلى والدواب . ~~ذكر ما قيل في الرخم يقال : إن لئام الطير ثلاثة : الغربان ، والبوم ، ~~والرخم . والرخمة تلتمس لبيضها المواضع البعيدة والأماكن الوحشية والجبال ms2049 ~~الشامخة وصدوع الصخر ؛ ولذلك يضرب المثل ببيض الأنوق . قال الشاعر : طب ~~الأبلق العقوق فلما . . . لم ينله أراد بيض الأنوق والرخم من أحب الحيوان ~~في العذرة ، لا شيء يحبها كحبه إلا الجعل . وقال المفضل لمحمد بن سهل : إنا ~~لا نعرف طائرا ألأم لؤما ولا أقذر طعمة ولا أظهر موقا من الرخمة . فقال ~~محمد بن سهل : وما حمقها وهي تحضن بيضها ، وتحمي فراخها ، وتحب ولدها ، ولا ~~تمكن إلا زوجها ، وتقطع في أول القواطع ، وترجع في أول الرواجع ، ولا تطير ~~في التحسير ، ولا تغتر بالشكير ، ولا ترب بالوكور ، ولا تسقط على الجفير . ~~PageV10P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" قال الجاحظ : أما قوله : تقطع في أول القواطع ~~وترجع في أول الرواجع ، فإن الرماة وأصحاب الحبائل والقناص إنما يطلبون ~~الطير بعد أن يعلموا أن القواطع قد قطعت ، فبقطع الرخمة يستدلون ، فلا بد ~~للرخمة من أن تنجو سالمة إذ كانت أول طالع عليهم . وأما قوله : ولا تطير في ~~التحسير ولا تغتر بالشكير ؛ فإنها تدع الطيران أيام التحسير ، فإذا نبت ~~الشكير وهو أول ما ينبت من الريش فإنها لا تنهض حتى يصير الشكير قصبا . ~~وأما وقوله : ولا ترب بالوكور ، فإن الوكور لا تكون إلا في عرض الجبل ، وهي ~~لا ترضى إلا بأعالي الهضاب ثم بمواضع الصدوع وخلال الصخور حيث يمتنع على ~~جميع الخلق المصير إلى أفراخها ؛ ولذل قال الكميت : ولا تجعلوني في رجائي ~~ودكم . . . كراج على بيض الأنوق احتبالها وأما قوله : ولا تسقط على الجفير ~~، فإنما يعني جعبة السهام . يقول : إذا رأته علمت أن هناك سهاما فلا تسقط ~~في موضع تخافي فيه وقع السهام . قال : والرخم من الطير التي تتبع الجيوش ~~والحجاج لما يسقط من كسرى الدواب . وإذا فقدت الميتة عمدت إلى العظم فحملته ~~وارتفعت به في الهواء ثم تلقيه فيقع على الصخور فينكسر فتأكل ما فيه . ~~والله أعلم بالصواب . ذكر ما قيل في الحدأة قالوا : والحدأة تبيض بيضتين ، ~~وربما باضت ثلاثا وخرج منها ثلاثة أفرخ . وهي تحضن عشرين يوما . ومن ~~ألوانها الأسود والأربد . ويقال : إنها لا تصيد وإنما تخطف ms2050 . وهي تقف في ~~الطيران ، وليس ذلك لغيرها من الكواسر . وزعم ابن وحشية : أن العقاب ~~والحدأة يتبدلان ، فتصير الحدأة عقابا والعقاب حدأة . وهذا أراه من ~~الخرافات . ويقال : إن الحدأة من جوارح سليمان عليه السلام وإنها امتنعت من ~~أن تؤلف أو تملك لغيره ، لأنها من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده . وهي ~~لا تختطف إلا من يمين من تختطف منه دون شماله . وليس فيها لحم ، وإنما عظام ~~وعصب وجلد وريش . ولم أقف على شعر فيها فأضعه . PageV10P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" ذكر ما قيل في الغراب قالوا : والغراب أصناف ~~، وهي الغداف والزاغ الأكحل والزاغ الأورق . والغراب يحكي جميع ما يسمعه ، ~~وهو في ذلك أعجب من الببغاء . ويقال : إن متولي ثغر الإسكندرية أهدى إلى ~~السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس غرابا أبيض ؛ وهو غريب نادر الوقوع . ~~ويقال في صوت الغراب : نغق ينغق نغيقا ، ونعب ينعب نعيبا . فإذا مرت عليه ~~السنون الكثيرة وغلظ صوته قيل فيه : شحج يشحج شحيجا . وفي طبعه الاستتار ~~عند السفاد وهو يسفد مواجهة ، ولا يعود إلى الأنثى إذا سفدها أبدا ، وذلك ~~لقلة وفائه . قال الجاحظ : وإذا خرج الفرخ حضنته الأنثى دون الذكر ، ~~ويأتيها الذكر بالطعم . قال : والغراب من لئام الطير وليس من كرامها ، ومن ~~بغائها وليس من أحرارها ، ومن ذوات المخالب المعقفة والأظفار الجارحة ، ومن ~~ذوات المناقير وليس من ذوات المناسر ؛ وهو مع ذلك قوي البدن ، لا يتعاطى ~~الصيد ، وربما راوغ العصفور . ولا يصيد الجرادة إلا أن يلقاها في سد من ~~جراد . وهو إن أصاب جيفة نال منها وإلا مات هزالا . ويتقمم كما تتقمم بهائم ~~الطير وضعافها . وليس ببهيمة لمكان أكله الجيف ؛ وليس بسبع لعجزه عن الصيد ~~. قال : وهو إما أن يكون حالك السواد شديد الاحتراق ، ويكون مثله من الناس ~~الزنج لأنهم شرار الناس وأردأ الخلق تركيبا ومزاجا ، فلا تكون له معرفة ولا ~~جمال ؛ وإما أن يكون أبقع فيكون اختلاف تركيبه وتضاد أعضائه دليلا على فساد ~~أمره . والبقع ألأم من السود وأضعف . قال : ومن الغربان غراب الليل ، وهو ~~الذي ترك أخلاق ms2051 الغربان وتشبه بأخلاق البوم . وقد رأيت أنا ببلنياس ، وهي ~~على ساحل البحر الرومي ، غربانا كثيرة جدا ، فإذا كان وقت الفجر صاحت كلها ~~صياحا عظيما مزعجا ؛ فهم يعرفون طلوع الفجر بصياحها . قال : ومنها غراب ~~البين ؛ وهو نوعان : أحدهما غربان صغار معروفة بالضعف واللؤم . والآخر إنما ~~لازمه هذا الاسم لأن الغراب إذا بان أهل الدار للنجعة وقع في PageV10P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" مواضع بيوتهم يتلمس ويتقمم ، فتشاؤموا به ~~وتطيروا منه ، إذ كان لا يلم بمنازلهم إلا إذا بانوا منها ؛ فسموه غراب ~~البين . ثم كرهوا إطلاق ذلك الاسم مخافة الزجر والطيرة ، وعلموا أنه نافذ ~~البصر صافي العين ، فسموه الأعور ؛ من أسماء الأضداد . قال : والغدفان جنس ~~من الغربان ؛ وهي لئام جدا . ومن أجل تشاؤمهم بالغراب استقوا من اسمه ~~الغربة والاغتراب والغريب . والعرب يتعايرون بأكل لحوم الغربان . وفي ذلك ~~يقول وعلة الجرمي : فما بالعار ما عيرتمونا . . . شواء الناهضات مع الخبيص ~~فما لحم الغراب لنا بزاد . . . ولا سرطان أنهار البريص والغربان من الأجناس ~~التي تقتل في الحل والحرم ، وسميت بالفسق . قال الجاحظ : وبالبصرة من شأن ~~الغربان ضروب من العجب ، لو كان ذلك بمصر أو ببعض الشامات كان عندهم من ~~أجود الطلسمات ؛ وذلك أن الغربان تقطع إلينا في الخريف فترى النخيل وبعضها ~~مصروم وعلى كل نخلة عدد كثير من الغربان ؛ وليس فيها شيء يقرب نخلة واحدة ~~من النخيل التي لم تصرم ولو لم يبق عليها إلا عذق واحد . قال : فلو أن الله ~~تعالى أذن للغراب أن يسقط على النخلة وعليها التمر لذهب جميعه . فإذا صرموا ~~ما على النخلة تسابق الغربان إلى ما سقط من التمر في جوف القلب وأصول الكرب ~~تستخرجه وتأكله . ومما يتمثل به في الغراب : يقولون : " أحذر من غراب " . و ~~" أصح من غراب " . و " أصفى نظرا من غراب " . و " أسود من غراب " . ومما ~~وصفت به الغربان ، فمن ذلك قول عنترة : حرق الجناح كأن لحي رأسه . . . ~~جلمان بالأخبار هش مولع وقال الطرماح بن حكيم : PageV10P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" وجرى ببينهم غداة تحملوا . . . من ذي الأثارب ~~شاحج يتعبد شنج ms2052 النسا أدفى الجناح كأنه . . . في الدار إثر الظاعنين مقيد ~~وقال أبو يوسف بن هارون الزيادي الأندلسي : أبا حاتم ما أنت حاتم طيء . . . ~~وما أنت إلا حاتم الحدثان خطبت ففرقت الجميع بلكنة . . . فما الظن لو تعطي ~~بيان لسان كأنهم من سرعة البين أودعوا . . . جناحيك واستحثثت للطيران وقال ~~أحمد بن فرج الجبائي : أما الغراب فمؤذن بتغرب . . . وشكا فصدق بالنوى أو ~~كذب داجي القناع كأن في إظلامه . . . إظلام يوم تفرق وتغرب الباب الثالث من ~~القسم الخامس من الفن الثالث في بهائم الطير ويشتمل هذا الباب على ما قيل ~~في الدراج والحباري والطاوس والديك والدجاج والحجل والكركي والإوز والبط ~~والنحام والأنيس والقاوند والخطاف والقيق والزرزور والسماني والهدهد ~~والعقعق والعصافير . قال الجاحظ : والبهيمة من الطير ما أكل الحب خالصا . ~~الدرأج قال الجاحظ : إنه يبيض بين العشب ولا سيما فيما طال منه والتوى . ~~وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا : لحم الدراج أفضل من الفواخت وأعدل ~~PageV10P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" وألطف وأيبس . قال : وهو يزيد في الدماغ ~~الفهم ، ويزيد في المني . وقال أبو طالب المأموني : قد بعثنا بذات حسن بديع ~~. . . كنبات الربيع بل هو أحسن في رداء من جلنار وآس . . . وقميص من ياسمين ~~وسوسن وقال آخر : صدور من الدراج نمق وشيها . . . وصلن بأطراف اللجين ~~السواذج وأحداق تبر في خدود شقائق . . . تلألأ حسنا كاشتعال المسارج وأذناب ~~طلع في ظهور ملاعق . . . مجزعة الأعطاف صهب الدمالج فإن فخر الطاوس يوما ~~بحسنه . . . فلا حسن إلا دون حسن الدارج الحباري وتسميه أهل مصر الحبرج . ~~قال الجاحظ : والحباري أشد الطير طيرانا وأبعدها سقطا وأطولها شوطا وأقلها ~~عرجة ؛ وذلك أنه يصاد بالبصرة فيشق عن حوصلته بعد الذبح فتوجد فيها الحبة ~~الخضراء لم تتغير ولم تفسد ؛ والحبة الخضراء من شجر البطم ومنابتها جبال ~~الثغور الشامية . والحباري له خزانة بين دبره وأمعائه ، لا يزال فيها سلح ~~رقيق لزج ؛ فمتى ألح عليه جارح ذرق عليه فتمعط ريشه . ولذلك يقال : الحباري ~~سلاحه سلاحه . قال الشاعر : وهم تركوك أسلح من حباري . . . رأى صقرا وأشرد ~~من نعام وهو يغتذي بسلحه ms2053 إذا جاع . ويقال : الحباري دجاجة البر تأكل كل ما ~~دب حتى الخنافس ؛ فلذلك يعاف أكله . ووصف أبو نواس الحباريات فقال : ~~PageV10P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" يخطرن في برانس قشوب . . . من حبر ظوهرن ~~بالتذهيب فهن أمثال النصارى الشيب الطاوس فهو ألوان منها الأخضر ، والأرقط ~~، والأبيض ؛ ويوجد في كلها الخيلاء . ولا تعرف هذه الألوان إلا في بلاد ~~الزابج . وفي طبع الطاوس الخيلاء والإعجاب بريشه . والأنثى تبيض بعد أن ~~يمضي من عمرها ثلاث سنين . ولا يحصل التلون في ريش الذكر إلا بعد مضي هذه ~~المدة . وتبيض الأنثى مرتين في السنة ، في كل مرة اثنتي عشرة بيضة . وقال ~~الجاحظ : أول ما تبيض ثماني بيضات ، وتبيض أيضا بيض الريح . ويسفد الذكر في ~~أوان الربيع . ويلقي ريشه في فصل الخريف ، كما يلقي الشجر ورقه فيه ؛ فإذا ~~بدأت الأشجار تكتسي الأوراق بدأ الطاوس فاكتسى ريشا . والذكر كثير العبث ~~بالأنثى . والفرخ يخرج من البيضة كاسيا كاسبا . وزعم أرسطو أن الطاوس يعمر ~~خمسا وعشرين سنة . وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي يصفه : أبدى ~~لنا الطوس عن منظر . . . لم تر عيني مثله منظرا متوج المفرق إلا يكن . . . ~~كسرى بن ساسان يكن قيصرا في كل عضو ذهب مفرغ . . . في سندس من ريشه أخضرا ~~نزهة من أبصر ، في طيها . . . عبرة من فكر واستبصرا تبارك الخالق في كل ما ~~. . . أبدعه منه وما صورا وقال فيه أيضا : أهلا به لما بدا في مشيه . . . ~~يختال في حلل من الخيلاء كالروضة الغناء أشرف فوقه . . . ذنب له كالدوحة ~~الغناء ناديته لو كان يفهم منطقي . . . أو يستطيع إجابة لندائي يا رافعا ~~قوس السماء ولابسا . . . للحسن روض الحزن غب سماء أيقنت أنك في الطيور مملك ~~. . . لما رأيتك منه تحت لواء وقال أبو الفتح كشاجم من قصيدة ذكر فيها ~~طاوسا : وأي عذر لمقالة بعد الطاوس عنها إن لم تفض بدم PageV10P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" رزئته روضة تروق لوم . . . أسمع بروض سعى على ~~قدم متوجا خلعة حباه بها . . . ذو الفطر المعجزات والحكم كأنه يزدجرد ~~منتصبا . . . يبني فيعلي مآثر العجم يطبق أجفانه ويحسر ms2054 عن . . . فصين ~~يستصحبان في الظلم أدل بالحسن فاستذال له . . . ذيلا من الكبر غير محتشم ثم ~~مشى مشية العروس فمن . . . مستظرف معجب ومبتسم الديك والدجاج قالوا : ~~والدجاج ثلاثة أصناف : نبطي وهو ما يتخذ في لقرى والبيوت ، وهندي وهو عظيم ~~الخلق يتخذ لحسن شكله ، وحبشي وهو نوع بديع الحسن أرقط : نقطة سوداء ونقطة ~~بيضاء ، وله قرطان أخضران . قالوا : والدجاجة تجمع البيض بعد السفاد في أحد ~~عشر يوما ؛ وهي تبيض في السنة كلها ما خلا شهرين شتويين . والذي عرفناه نحن ~~بديار مصر أن البيض لا ينقطع أبدا في الفصول الأربعة ، فيدل على أنها تبيض ~~دائما . ومن الدجاج ما يبيض في اليوم مرتين . والبيضة تكون عند خروجها لينة ~~القشر جدا ؛ فإذا أصابها الهواء يبست . وربما وجد في البيضة محان . وقال ~~أرسطو : باضت دجاجة فيما مضى ثماني عشرة بيضة لكل بيضة محان ، ثم حضنت ~~البيض فخرج من كل بيضة فرخان ، أحدهما أظم جثة من الآخر . والدجاجة تحضن ~~عشرين يوما . وخلق الفروج يتبين إذا مضت عليه ثلاثة أيام . ويعرف الذكر من ~~الأنثى بأن يعلق الفروج برأسه فإن تحرك فذكر ، وإن سكن فأنثى . قال الجاحظ ~~: والفرخ يخلق من البياض ويغتذي بالصفرة ويتم خلقه لعشرة أيام ؛ والرأس ~~وحده يكون أكبر من سائر جسده . والدجاجة إذا هرمت لم يكن لبيضها مح ، وإذا ~~لم يكن له مح لا يخلق منه فروج . والدجاجة تخشى ابن آورى دون سائر السباع ؛ ~~وذلك أنه يمر عليها في القرى ما يمر من السباع وغيرها فلا تخشاه ؛ فإذا مر ~~عليها ابن آوى وهي على سطح نالها من الفزع منه ما تلقي به نفسها إليه . وهي ~~إذا قابلت الديك تشهته ورامت السفاد . والدجاجة توصف بقلة النوم . والفروج ~~يخرج من البيضة كاسيا كاسبا ، سريع الحركة ، يدعى فيجيب ويتبع من يطعمه ؛ ~~ثم هو كلما كبر ماق وحمق وزال كيسه . وهو مشترك PageV10P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" الطبيعة : يأكل اللحم ، ويحسو الدم ، ويصيد ~~الذباب ، وذلك من طباع الجوارح ؛ ويلقط الحبوب ، ويأكل البقول ، وذلك من ~~طباع بهائم الطير . والله أعلم بالصواب . ذكر ما ms2055 جاء في الديكة في الأحاديث ~~وما عد من فضائلها وعاداتها ومنافعها جاء في الحديث عن عبيد الله بن عتبة : ~~أن ديكا صرخ عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فسبه بعض أصحابه ، فقال : ~~" لا تسبه فإنه يدعو إلى الصلاة " . وعن زيد بن خالد الجعفي : أن النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) نهى عن سب الديك وقال : " إنه يؤذن للصلاة " . وعن ~~سالم بن أبي الجعد يرفعه : أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " إن مما ~~خلق الله لديكا عرفه تحت العرش وبراثنه في الأرض السفلى وجناحاه في الهواء ~~فإذا ذهب ثلثا الليل وبقي ثلث ضرب بجناحيه ثم قال سبحوا الملك القدوس سبوح ~~قدوس لا شريك له فعند ذلك تضرب الطير بأجنحتها وتصيح الديكة " . وعن كعب : ~~" إن لله ديكا عنقه تحت العرش وبراثنه في أسفل الأرض فإذا صاح صاحت الديكة ~~يقول سبحان القدوس الملك الرحمن لا إله غيره " . وروي عن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أنه قال : " إن الديك الأبيض صديقي وعدو عدو الله يحرس دار ~~صاحبه وسبع دور " . وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يبيته معه في البيت ~~. وروي أن أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كانوا يسافرون بالديكة . قال ~~الجاحظ : وزعم أصحاب التجربة أن كثيرا ما يرون الرجل إذا ذبح الديك الأبيض ~~الأفرق إنه لا يزال ينكب في أهله وماله . وقال في كتاب الحيوان في المناظرة ~~بين الديك والكلب : وفي الديك الشجاعة والصبر والجولان والثقافة والتسديد ؛ ~~وذلك أنه يقدر إيقاع صيصيته بعين الديك الآخر أو مذبحه فلا يخطئ . قال : ثم ~~معرفته بالليل وساعاته وارتفاق بني آدم بمعرفته وصوته ، يتعرف آناء الليل ~~وعدد الساعات ومقادير الأوقات ثم يقسط أصواته على ذلك تقسيطا موزونا لا ~~يغادر منه شيئا . فليعلم الحكماء انه فوق الإسطرلاب وفوق مقدار الجزر والمد ~~على منازل القمر ، حتى كأن طبعه فلك على حدته . زمن عجيب أحوال الديكة أنها ~~إذا كانت في مكان ثم دخل عليها ديك غريب سفدته جميعا . والديك يضرب به ~~المثل في السخاء ، وذلك أنه ينقر الحب ويحمله بطرفي ms2056 منقاره إلى الدجاج ، ~~فإذا ظفر بشيء من الحب والدجاج غيب دعاهن إليه وقنع PageV10P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" منه بدون حاجته توفيرا عليهن . قالوا : ~~والديكة تعظم بدبيل السند حتى تكون مثل النعام . وقال الشيخ الرئيس أبو علي ~~بن سينا : إن مرقة الديوك العتق لها خاصيات ، سنذكرها . قال : والوجه الذي ~~ذكره جالينوس في طبخها أن تذبح بعد علفها وبعد إعدائها إلى أن تنبت فتسقط ~~فتذبح ، ثم يخرج ما في بطنها ويملأ بطنها ملحا ويخاط ويطبخ بعشرين قسطا ماء ~~حتى ينتهي إلى الثلث ويشرب . قال : ثم يزاد في ذلك ما نذكره . قال : وأجود ~~الديكة ما لم يصقع بعد . وأجود الدجاج ما لم يكن يبض ، والعتيق رديء . قال ~~: ولحم الفراريج أحر من لحم الدجاج الكبير . وخصي الديوك محمود سريع الهضم ~~. ومرقة الديوك المذكورة توافق الرعشة ووجع المفاصل . ولحم الدجاج الفتي ~~يزيد في العقل ، ودماغها يمنع النزف الرعافي العراض من حجب الدماغ . ومرقة ~~الديوك المكور نافعة من الربو . ولحم الدجاج يصفي الصوت . ومرقة الديك ~~الهرم المعمولة بالقرطم والشبث تنفع من جميع ذلك . ومرقة الديوك نافعة لوجع ~~المعدة من الريح ، وتنفع القولنج جدا . ولحم الدجاج الفتي يزيد في المني ؛ ~~والمرقة المذكورة مع البسفايج تسهل السوداء ، ومع القرطم تسهل البلغم . وقد ~~تطبخ بالأدوية القابضة للسحج ، وباللبن لقروح المثانة . والمرقة نافعة من ~~الحميات المزمنة . قال : والدجاج المشقوق عن قلبه أو الديك يوضع على نهش ~~الهوام ويبدل كل ساعة فيمنع من فشو السم . وفي السموم المشوبة يتحسى طبيخه ~~بالشبث والملح ويتقيأ . ومن الحكايات التي تعد من خرافات العرب ما حكاه ~~بعضهم عن الرياشي قال : كنا عند الأصمعي ، فوقف عليه أعرابي فقال : أنت ~~الأصمعي ؟ قال : نعم ؛ قال : أنت أعلم أهل الحضر بكلام العرب ؟ قال : ~~يزعمون ؛ قال : ما معنى قول أمية بن أبي الصلت : PageV10P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" وما ذاك إلا الديك شارب خمرة . . . نديم غراب ~~لا يمل الحوانيا فلما استقل الصبح نادى بصوته . . . ألا يا غراب هل رددت ~~ردائيا فقال الأصمعي : إن العرب كانت تزعم أن الديك كان ذا جناح يطير به ms2057 في ~~الجو وأن الغراب كان ذا جناح كجناح الديك لا يطير به وأنهما تنادما ليلة في ~~حانة يشربان فنفذ شرابهما ، فطار ولم يرجع إليه ؛ فزعموا أن الديك إنما ~~يصيح عند الفجر استدعاء لجناحه من الغراب ؛ فضحك الأعرابي وقال : وما أنت ~~إلا شيطان . وهذه الحاكية ذكره الجاحظ في كتاب الحيوان بنحو ما حكي عن ~~الأصمعي ، وساق أبيات أمية بن أبي الصلت ، وهي : ولا غرو إلا الديك مدمن ~~خمرة . . . نديم غراب لا يمل الحوانيا ومرهنه عند الغراب جبينه . . . ~~فأوفيت مرهونا وخان مسابيا أدل علي الديك أني كما ترى . . . فأقبل على شأني ~~وهاك ردائيا أمنتك لا تلبث من الدهر ساعة . . . ولا نصفها حتى تؤوب مآبيا ~~ولا تدركنك الشمس عند طلوعها . . . فأغلق فيهم أو يطول ثوائيا فرد الغراب ~~والرداء يحوزه . . . إلى الديك وعدا كاذبا وأمانيا بأية ذنب أو بأية حجة . ~~. . أدعك فلا تدعو علي ولا ليا فإني نذرت حجة لن أعوقها . . . فر تدعوني ~~دعوة من ورائيا تطيرت منها والدعاء يعوقني . . . وأزمعت حجا أن أطير أماميا ~~فلا تيأسن إني مع الصبح باكرا . . . أوافي غدا نحو الحجيج الغواديا كحب ~~امرئ فاكهته قبل حجتي . . . وآثرت عمدا شأنه قبل شأنيا هنالك ظن الديك أن ~~زال زوله . . . وطال عليه الليل أن لا مفاديا فلما أضاء الصبح طرب صرخة . . ~~. ألا يا غراب هل سمعت ندائيا على وده لو كان ثم يجيبه . . . وكان له ندمان ~~صدق مواتيا وأمسى الغراب يضرب الأرض كلها . . . عتيقا وأضحى الديك في القد ~~عانيا PageV10P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" فذلك مما أسهت الخمر لبه . . . ونادم ندمانا ~~من الطير عاديا ومن الحكايات التي لا بأس بإيرادها في هذا الموضع ما حكاه ~~الجاحظ قال : قال أبو الحسن : حدثني أعرابي كان نزل البصرة قال : قدم علي ~~أعرابي من البادية فأنزلته ، وكان عندي دجاج كثير ولي امرأة وابنان وابنتان ~~منها ؛ فقلت لامرأتي : بادري واشوي لنا دجاجة وقدميها غلينا نتغذها . فلما ~~حضر الغداء جلسنا جميعا أنا وامرأتي وابناي وابنتاي والأعرابي . قال : ~~فدفعنا إليه الدجاجة فقلنا له : اقسمها بيننا ، نريد بذلك أن نضحك منه ؛ ~~فقال ms2058 : لا أحسن القسمة ، فإن رضيتم بقسمتي قسمتها بينكم ؛ قلنا : فإنا نرضى ~~. فأخذ رأس الدجاجة فقطعه وناولنيه وقال : الرأس للرئيس ، وقطع الجناحين ~~وقال : الجناحان للابنين ، ثم قطع الساقين وقال : الساقان للابنتين ، ثم ~~قطع الزمكي وقال : العجز للعجوز ، وقال : الزور للزائر ؛ قال : فأخذ ~~الدجاجة بأسرها وسخر بنا . قال : فلما كان من الغد قلت لامرأتي : اشوي لنا ~~خمس دجاجات فلما حضر الغداء قلنا له : اقسم بيننا ؛ فقال : إني أظن أنكم ~~وجدتم في أنفسكم ؛ قلنا : لم نجد فاقسم بيننا ؛ قال : أقسم شفعا أو وترا ؟ ~~قلنا : اقسم وترا ؛ قال : أنت وامرأتك ودجاجة ثلاثة ، ثم رمى إلينا بدجاجة ~~؛ ثم قال : وابناك ودجاجة ثلاثة ، ورمى إليهما بدجاجة ؛ ثم قال : وابنتاك ~~ودجاجة ثلاثة ، ورمى إليهما بدجاجة ؛ ثم قال : وأنا ودجاجتان ثلاثة وأخذ ~~دجاجتين وسخر بنا . فرآنا ننظر إلى دجاجتيه فقال : ما تنظرون لعلكم كرهتم ~~قسمتي الوتر لا يجيء إلا ؟ هكذا ، فهل لكم في قسم الشفع ؟ قلنا نعم ؛ ~~فضمهن إليه ثم قال : وأنت وابناك ودجاجة أربعة ، ورمى إلينا بدجاجة ؛ ثم ~~قال : والعجوز وابنتاها ودجاجة أربعة ، ورمى إليهن بدجاجة ؛ ثم قال : وأنا ~~وثلاث دجاجات أربعة وضم إليه الثلاث ، ورفع يديه إلى السماء فقال : اللهم ~~لك الحمد ، أنت فهمتنيها . هكذا ساقها أبو عمرو بن بحر الجاحظ . وحكى غيره ~~هذه الحكاية عن الأصمعي وفيها زيادة ، قال : حكى الأصمعي : بينا أنا في ~~البادية إذا أنا بأعرابي على ناقة وهي ترقص به في الآل ؛ فلما دنا مني سلم ~~علي ، فسلمت عليه وقلت : يا أخا العرب قوم بخفان عهدناهم . . . سقاهم الله ~~من النو ما النو ؟ فقال : PageV10P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" نوء السماكين ورياهما . . . نور تلالا بعد ~~إيماضه ضو فقلت : ما الضو يا أخا العرب ؟ فقال : ضوء تلالا في دجى سائر ~~راكب . . . مقمرة مسفرة لو فقلت : لو إيش يا أخا العرب ؟ فقال : لو مر فيها ~~سائر راكب . . . على نجيب الأرض منطو فقلت : منطو إيش يا أخا العرب ؟ فقال ~~: منطوي الكشح هضيم الحشى . . . كالباز ينقض من الجو فقلت : ما الجو يا أخا ~~العرب ؟ فقال : جو السما والريح تعلو ms2059 به . . . فاشتم ريح الأرض فاعلو فقلت ~~: فاعلو إيش يا أخا العرب ؟ فقال : فاعلو لما قد فات من صيده . . . لا بد ~~أن تلقى ويلقوا فقالت : ماذا يلقوا يا أخا العرب ؟ فقال : يلقوا بأسياف ~~يمانية . . . وعن قليل سوف يفنوا فقلت : ما يفنوا يا أخا العرب ؟ فقال : إن ~~كنت تنكر ما قلته . . . فأنت عندي رجل بو فقلت : وما البو يا أخا العرب ؟ ~~فقال : البو من يفقد عن أمه . . . يا أحمق الناس فرح أو فقلت : أو إيش ؟ ~~فقال : تندفع الكف بصفع القفا . . . تسمع ما بينهما قو فقلت : يا أخا العرب ~~، هل لك في الضيافة ؟ فقال : لا يأبى الكرام إلا لئيم ؛ فأتيت به منزل . ثم ~~ساق الحكاية بنحو ما تقدم ، إلا أنه قال : فأتيته في اليوم الثاني بثلاث ~~دجاجات ، وقلت نحن كما علمت ، اقسمها بيننا أزواجا ؛ فقال : أنت وابناك ~~ودجاجة زوج ، وامرأتك وابنتاها ودجاجة زوج ، وأنا ودجاجة زوج . وساق خبر ~~الخمسة في اليوم الثالث كما تقدم . ذكر شيء مما وصفت به الشعراء البيضة ~~والدجاجة والديك فمن ذلك ما وصفوا به البيضة . قال أبو الفرج الأصبهاني من ~~أبيات : PageV10P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" فيها بدائع صنعة ولطائف . . . ألفن بالتقدير ~~والتلفيق خلطان مائيان ما اختلطا على . . . شكر ومختلف المزاج رقيق فبياضها ~~ورق وزئبق محها . . . في حق عاج بطنت بدبيقي وقال شاعر : وصفراء في بيضاء ~~رقت غلالة . . . لها وصفا ما فوقها من ثيابها جماد ولكن بعد عشرين ليلة . . ~~. ترى نفسها معمورة من خرابها وقال كشاجم من أبيات يذكر فيها جونة أهديت ~~إليه وفيها بيض مسلوق مصبوغ أحمر : وجاءنا فهيا ببيض أحمر . . . كأنه ~~العقيق ما لم يقشر حتى إذا قدمه مقشرا . . . أبز من تحت عقيق دررا يخال أن ~~الشطر منه من لمح . . . أعاره تلوينه قوس قزح ومما قيل في الدجاجة والديك ~~قال الشاعر : غدوت بشربة من ذات عرق . . . أبا الدهناء من حلب العصير وأخرى ~~بالعقنقل ثم رحنا . . . نرى العصفور أعظم من بعير كأن الديك ديك بني نمير . ~~. . أمير المؤمنين على السرير كأن دجاجهم في الدار رقطا . . . وفود الروم ~~في قمص الحرير ms2060 فبت أرى الكواكب دانيات . . . ينلن أنامل الرجل القصير ~~أدافعهن بالكفين عني . . . وأمسح جانب القمر المنير وقال أبو بكر الصنوبري ~~من أبيات يصف ديكا : مغرد الليل ما يألوك تغريدا . . . مل الكرى فهو يدعو ~~الصبح مجهودا لما تطرب هز العطف من طرب . . . ومد للصوت لما مده الجيدا كلا ~~بس مطرفا مرخ جوانبه . . . تضاحك البيض من أطرافه السودا PageV10P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" حالي المقلد لو قيست قلادته . . . بالورد قصر ~~عنها الورد توريدا ران بفصي عقيق يدركان له . . . من حدة فيهما ما ليس ~~محدودا تقول هذا عقيد الملك منتسبا . . . في آل كسرى عليه التاج معقودا أو ~~فارس شد مهمازيه حين رأى . . . لواء قائده للحرب معقودا قال أبو هلال ~~العسكري : متوج بعقيق . . . مقرط بلجين عليه قرطق وشي . . . مشمر الكمين قد ~~زين النحر منه . . . ثنتان كالوردتين حتى إذا الصبح يبدو . . . مطرز ~~الطرتين دعا فأسمع منا . . . من كان ذا أذنين يزهى بطوق وتاج . . . كأنه ذو ~~رعين وقال الأسعد بن بليطة : وقام لنا ينعى الدجى ذو شقيقة . . . يدير لنا ~~من بين أجفانه سقطا إذا صاح أصغى سمعه لندائه . . . وبادر ضربا من قوادمه ~~الإبطا ومهما اطمانت نفسه قام صارخا . . . على خيزران نيط من ظفره خرطا كأن ~~أنو شروان أعلاه تاجه . . . وناطت عليه كف مارية القرطا سبى حلة الطاوس حسن ~~لباسها . . . ولم يكفه حتى سبى المسية البطا وقال أبو عبد الله المالكي : ~~رعى الله ذا صوت أنسنا بصوته . . . وقد بان في وجه الظلام شحوب دعا من بعيد ~~صاحبا فأجابه . . . يخبرنا أن الصباح قريب وقال ابن المعتز : PageV10P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" بشر بالصبح هاتف هتفا . . . صاح من الليل بعد ~~ما انتصفا مذكر بالصبوح صاح لنا . . . كأنه فوق منبر وقفا صفق إما ارتياحة ~~لسنا ال . . . فجر وإما على الدجى أسفا وقال أيضا فيه : وقام فوق الجدار ~~مشترف . . . كمثل طرف علاه أسوار رافع رأس طورا وخافضه . . . كأنما العرف ~~منه منشار وقال السري الرفاء : كشف الصباح قناعه فتألقا . . . وسطا على ~~الليل البهيم وأبرقا وعلا فلاح على الجدار وشح . . . بالوشي توج بالعقيق ~~وطوقا مرخ فضول التاج من ms2061 لباته . . . ومشمر وشيا عليه منمقا وقال أبو الفرج ~~علي بن الحسين الأصفهاني يرثي ديكا ويصفه : ابني منزلنا ونشو محلنا . . . ~~وغذى أيدينا نداء مشوق لهفي عليك أبا النذير لو أنه . . . دفع المنايا عنك ~~لهف شقيق وعلى شمائلك اللواتي ما نمت . . . حتى ذوت من بعد حسن سموق لما ~~بقعت وصرت علق مضنة . . . ونشأت نشو المقبل الموموق وتكاملت جمل الجمال ~~بأسرها . . . لك من جليل خالص ودقيق وكسيت كالطاوس ريشا لامعا . . . ~~متلألئا ذا رونق وبريق من صفرة مع خضرة في حمرة . . . تخييلها يخفى على ~~التحقيق عرض يجل عن القياس وجوهر . . . لطفت معانيه عن التدقيق وكأن ~~سالفتيك تبر سائل . . . وعلى المفارق منك تاج عقيق وكأن مجرى الصوت منك ، ~~إذا نبت . . . وجفت عن الأسماع بح حلوق ، ناي رقيق ناعم قرنت به . . . نغم ~~مؤلفة من الموسيقي PageV10P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" تزقو وتصفق بالجناح كمنتش . . . وصلت يداه ~~الصوت بالتصفيق وخطرت ملتحفا بمرط حبرت . . . فيه بديع الوشي كف أنيق ~~كالجلنارة أو ضياء عقيقة . . . أو لمع نار أو وميض بروق وكأنما الجادي جاد ~~بصبغه . . . لك أو غدوت مضمخا بخلوق وقال شاعر أندلسي : وكأن نفي النوم من ~~عين فان . . . بديع الملاحة حلو المعاني بأجفان عينيه ياقوتتان . . . كأن ~~وميضهما جمرتان على رأسه التاج مستشرفا . . . كتاج ابن هرمز في الهرجان ~~وقرطان من جوهر أحمر . . . يزينانه زين قرط الحصان له عنق حولها رونق . . . ~~كما حوت الخمر إحدى القناني ودار برائله حولها . . . لها ثوب شعر من ~~الزعفران ودارت بجؤجئه حلة . . . تروق كما راقك الخسرواني وقام له ذنب معجب ~~. . . كباقة زهر بدت من بنان وقاس جناحا على ساقه . . . كما قيس ستر على ~~خيرزان وصفق تصفيق مستهتر . . . بمحمرة من بنات الدنان وغرد تغريد ذي لوعة ~~. . . يبوح بأشواقه للغواني وقال أبو علي بن رشيق حيث مزق عنه جلباب ~~الممادح ، وتركه من شمل الذم في الرأي الفاضح : قام بلا عقل ولا دين . . . ~~يخلط تصفيقا بتأذين PageV10P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" فنبه الأحباب من نومهم . . . ليخرجوا من غير ~~ما حين بصرخة تبعث موتى الكرى . . . قد أذكرت نفخ سرافين كأنها في حلقه غصة ~~. . . أغصه ms2062 الله بسكين الحجل والحجل طائر يسمى : دجاج البر وهو صنفان : ~~نجدي ، وتهامي . فالنجدي أخضر أحمر الرجلين . والتهامي فيه بياض وخضرة . ~~وسمي الذكر يعقوب والفرخ الذكر السلك ، والأنثى السلكة . وهو من الطير الذي ~~يخرج فرخه كاسيا كاسبا . ويقال : إن الحجلة إذا لم تلقح تمرغت في التراب ~~ورشته على أصول ريشها فتلقح . ويقال : إنها تبيض بسماع صوت الذكر وبريح تهب ~~من ناحيته . قال أبو عثمان الجاحظ : وإذا باضت الحجلة ميز الذكر الذكور ~~منها فيحضنها ، وميزت الأنثى الإناث فتحضنها ، وكذلك هما في التربية . قال ~~: وكل واحد منهما يعيش خمسا وعشرين سنة . ولا تلقح الأنثى بالبيض ، ولا ~~يلقح الذكر إلا بعد مضي ثلاث سنين . والذكر شديد الغيرة على الأنثى . فإذا ~~اجتمع ذكران اقتتلا ، فأيهما يغلب ذل له الآخر ؛ وذهبت الأنثى مع الغالب . ~~والأنثى إذا أصيب بيضها قصدت عش أخرى وغلبتها على بيضها . وقد وصف أبو علي ~~بن رشيق القيرواني الحجل فقال : ما أغربت في زيها . . . إلا يعاقيب الحجل ~~جاءتك مثقلة الترا . . . ئب بالحلي وبالحلل صفر الجفون كأنما . . . باتت ~~بتبر تكتحل مشقوقة شق الزجا . . . ج لمن أمل أو عقل وصلت مذابحها الرءو . . ~~. س بحمرة فيها شعل لولا اختلاف الجنس والتركيب جاءت في المثل كلحى ~~الثمانين التي . . . خضبت ومنها ما نصل أو كاللثام أزاله . . . فرط التلفت ~~والعجل وتخالهن جواريا . . . لا يزدرين من العطل PageV10P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" رمت الثياب إلا ورا . . . ء عن المناكب تنجدل ~~وبدت سراويلاتها . . . يسبحن وشيا من قبل حمر من الركبات في . . . لون ~~الشقائق أو أجل عقدنها فوق الصدو . . . ر مخالسات للقبل وشددن بالأعضاد من ~~. . . حذر عليها أن تحل وكأنما باتت أصا . . . بعها بحناء تعل من يستحل ~~لصيدها . . . فأنا امرؤ لا أستحل الكركي ويقال : إنه الغرنيق ؛ ويقال : إن ~~الغرنيق صنف منه . وهو طائر أخضر طوي المنقار والرجلين . وسفاده في السرعة ~~كالعصفور . وله مشات ومصايف . وفي طبعه التناصر ؛ ولهذا أنه لا يطير متقطعا ~~ولا متباعدا بل صفا واحدا ، يقدمها واحد منها كالرئيس لها المقدم عليها وهي ~~تتبعه ، يكون كذلك حينا ، ثم يخلفه آخر منها . وفي ms2063 طبع الكركي وعادته أن ~~أبويه إذا كبرا عالهما . وقال أرسطو : إن الغرانيق من الطير القواطع وليست ~~من الأوابد ، وإنها إذا أحست بتغير الزمان اعتزمت على الرجوع إلى بلادها . ~~وكل منها ينام على إحدى رجليه قائما . ويقال : إن الكراكي إذا كبرت اسود ~~ريشها وهو في شيبتها رمادي . وقدظهر بالديار المصرية في شهور سنة خمس عشر ~~وسبعمائة صنف من الكراكي أبيض اللون ناصع البياض حسن الصورة ، وهو أكبر جثة ~~من الكركي المعتاد . وقال الناشي في وصف الكراكي : ومورد يجذل قلب الوامق . ~~. . منظم بالغر والغرانق وكل طير صافر أو ناعق . . . مكتهل وبالغ ولاحق ~~موشية الصدور والعوتق . . . بكل وشي فاخر وفائق تختال في اجنحة خوافق . . . ~~كأنما تختال في قراطق يرفلن في قمص وفي يلامق . . . كأنهن زهر الحدائق ~~PageV10P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" حمر الحداق كحل الحمالق . . . كأنما يجلن في ~~مخانق الإوز والإوز ثلاثة أصناف : بطائحي وهو الطويل الأسود بزرقة ، وتركي ~~وهو المدور المائل إلى البياض ، وخبي وهو الضخم الكبير منها . ويقال : إن ~~الإوز إذا فرغ من السفاد وسبح في الماء فإنما يفعل ذلك لتمام اللذة . ~~والأنثى تحضن بيضها ثلاثين يوما . والذكور تحنو على الفراخ . ولكل منها ~~قضيب يسفد به كالبط . والإوز البطائحي ، وهو المعروف بمصر بالعراقي ، يخالف ~~الحبي في الصياح ؛ لأن الخبي تصيح ذكورها ولا تصيح إناثها ، والبطائحي ~~بخلاف ذلك . والخبي من الطير الأوابد التي لا تبرح من الأماكن التي تربى ~~فيها لثقل أجسامها ، وإذا نهضت فلا ترتفع من الأرض إلا يسيرا . والعراقيات ~~من الطير القواطع التي تنتقل من مكان إلى آخر ، وترى في وقت دون وقت . وقال ~~ابن رشيق يصف فحل إوز : نظرت إلى فحل الإوز فخلته . . . من الثقل في وحل ~~وما هو في وحل ينقل رحليه على حين فترة . . . كمنتعل لا يحسن المشي في ~~النعل له عنق كالصولجان ومخطم . . . حكى طرف العرجون من يانع النخل يداخله ~~زهو فيحلظ من عل . . . جوانبه ألحاظ متهم العقل يضم جناحيه إليه كما ارتدى ~~. . . رداء جديدا من بني البدو ذو جهل البط وهو أصناف : منها الوحشي ، ~~والأهلي . ومن الوحشي ms2064 اللقلق ؛ ومن الأهلي الصيني . وفراخه تخرج كاسية ~~كاسبة . وقيل : إن بالزابج بطا بيضا وحمرا ورقطا طوال الأعناق قصر الأرجل . ~~والبط يطير على وجه الماء ، وليس من طير الماء ، لأنه لا يأويه دائما ولا ~~يغتذي بالسمك . وهو يأكل النبات والبذور ؛ وله قضيب يخرج من دبره كذكر ~~الكلب عظيم جدا بالنسبة إليه ؛ في رأسه زر كالفلكة ؛ فإذا سفد لم يخرجه حتى ~~ينقلب لجنبه ؛ ويحصل له عند السفاد من الالتحام ما يحصل للكلب . وقال أبو ~~علي بن سينا : وطبع البط حار أسخن من جميع الطيور الأهلية . قال : ~~PageV10P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" قال بعضهم : وهو يسخن المبرود ويورث المحرور ~~حمى . قال : وشحمه عظيم في تسكين الوجع وتسكين اللذع من عمق البدن ؛ وهو ~~أفضل شحوم الطير . ولحمه يكثر الرياح ، وقانصته كثير الغذاء ، ولحمه يسمن ، ~~وهو بطيء في المعدة ثقيل ، وإذا انهضم كان أغذى من جميع لحوم الطير ؛ وهو ~~يزيد في الباه ويكثر المني . النحام قالوا : والنحام يكون أفرادا وأزواجا . ~~وإذا أراد المبيت اجتمع رفوفا فنام ذكوره ولا تنام إناثه . وتعد لها مباتات ~~، إذا ذعرت في واحد منها طارت إلى آخر . ويقال : إنه لا يسفد ولا يخرج ~~فراخه بالحضن وإنما تبيض الأنثى من زق الذكر . وإذا باضت تغربت وبقي الذكر ~~عند البيض يذرق عليه ليس إلا ، فيقوم مقام الحضن . فإذا تمت مدة ذلك خرجت ~~الفراخ لا حراك بها ؛ فتجيء الأنثى فتنفخ في مناقيره حتى يجري ذلك النفخ ~~فيها روحا ، ثم يتعاون الذكر والأنثى جميعا على التربية . وإذا قويت الفراخ ~~على الطعم وأمكنها التكسب لنفسها طردها الذكر . الأنيس فقال أرسطو : إنه ~~حاد البصر ، وصوته يشبه صوت الجمل ويحاكيه . ومأواه في قرب الأنهار وفي ~~الأماكن الكثيرة المياه الملتفة الشجر . وله لون حسن وتدبير في معاشه . ~~والناس يتغالون به إذا وقع لهم ويجعلونه في بيوتهم . وأما القاوند وما قيل ~~فيه ، قال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر في كتابه : كنت أسمع بشحم ~~القاوند ولم أدر ما هو : حيوان هوائي أم مائي أم أرضي ، حتى وقفت على كتاب ~~موضوع في طبائع ms2065 الحيوان وخواصه ليس عليه اسم المصنف ، فرأيته قد قال : ~~القاوند طائر يتخذ وكره على ساحل البحر ويحضن بيضه سبعة أيام ، وفي اليوم ~~السابع يخرج فراخه ثم يزقها سبة أيام . والمسافرون في البحر يتيمنون بهذه ~~الأيام ويوقنون بطيب الريح وحلول أيام السفر . الخطاف والخطاف يسمى زوار ~~الهند . وهو من الطيور القواطع التي تقطع البلاد البعيدة إلى الناس رغبة في ~~القرب منهم والإلف بهم ، وهو مع ذلك لا يبني بيته إلا في أبعد المواضع حيث ~~لا تناله أيديهم . ومن عجيب حاله أن عينه تقلع فترجع ؛ وهو لا يرى أبدا يقف ~~على شيء يأكله ، ولا يرى يسافد ولا يجتمع بأنثاه . والأنثى تبيض مرة واحدة ~~في السنة ، وقيل : مرتين ؛ وكلاهما قاله الجاحظ . PageV10P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" والخفاش عدو الخطاف ؛ فهو إذا فرخ وضع في ~~أعشاشه قضبان الكرفس ، فلا يؤذي فراخه إذا شم رائحة الكرافس . وهو لا يفرخ ~~في عش عتيق حتى يطينه بطين جديد . وهو يبني عشه بالطين والتبن . فإذا لم ~~يجد طينا مهيأ ألقى نفسه في الماء ثم تمرغ في التراب حتى يمتلئ جناحاه ثم ~~يجمعه بمنقاره . وهو يسوي في الطعم بين فراخه . ولا يترك في عشه زبلا بل ~~يلقيه خارجا . وأصحاب اليرقان يلطخون فراخ الخطاف بالزعفران ؛ فإذا رآها ~~صفرا ظن أن اليرقان أصابها من شدة الحر ، فيذهب ويأتيها بحجر اليرقان ~~فيطرحه على الفراخ ، وهو حجر أصفر ، فيأخذه المحتال فيعلقه على نفسه أو ~~يحكه ويشرب من مائه يسيرا فيبرأ . والخطاف متى سمع صوت الرعد مات . وقال ~~الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا : قال ديسفوريدس : إن أول بطن للخطاف إذا شق ~~وجد فيه حصاتان ، إحداهما ذات لون واحد والأخرى ذات ألوان كثيرة ، إذا ~~جعلتا في جلد عجل قبل أن يصيبه تراب وربط على عضد المصروع ورقبته انتفع به ~~، قال : وقد جربت ذلك وأبرأ المصروع . قال : وأكل الخطاف يحد البصر ، وقد ~~يجفف ويسقى . والشربة منه مثقال . وقيل : إن دماغه بعسل نافع من ابتداء ~~الماء ، وكذلك دماغ الخفاش . قال : وإن ملح الخطاف وجفف وشرب منه درهمان ~~نفع ms2066 من الخناق . قال بعض الأطباء : المشهور عند الأطباء أن عش الخطاف إذا ~~حل في ما ء وصفي وشرب سهل الولادة . وقد ألم الشعراء في أشعارهم يوصف ~~الخطاف ؛ فمن ذلك ما قاله أبو إسحاق الصابي : وهندية الأوطان زنجية الخلق . ~~. . مسودة الأثواب محمرة الحدق كأن بها جزنا وقد لبسن له . . . حدادا وأذرت ~~من مدامعها العلق إذا صرصرت صرت بآخر صوتها . . . كما صر العود بالوتر ~~الحزق تصيف لدينا ثم تشتو بأرضها . . . ففي كل عام نلتقي ثم نفترق وقال ~~السري الرفاء يصفها من أبيات ويذكر غرفة : وغرفتنا بين السحائب نلتقي . . . ~~لهن عليها كلة ورواق تقسم زوار من الهند سقفها . . . خفاف على قلب النديم ~~رشاق PageV10P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" أعاجم تلتد الخصام كأنها . . . كواعب زنج ~~راعهن طلاق أنسن بنا أنس الإماء تحببت . . . وشيمتها غدر بنا وإباق مواصلة ~~والورد في شجراته . . . مفارقة إن حان منه فراق وقال أيضا : وغرفتنا ~~الحسناء قد زاد حسنها . . . بزائرة في كل عام تزورها مبيضة الأحشاء حمر ~~بطونها . . . مزبرجة الأذناب سود ظهورها لهن لغات معجمات كأنها . . . صرير ~~نعال السبت عال صريرها وقال أبو هلال العسكري : وزائرة في كل عام تزورنا . ~~. . فيخبر عن طيب الزمان مزارها تخبر أن الجو رق قميصه . . . وأن رياضا قد ~~توشى إزارها وأن وجوه الغدر راق بياضها . . . وأن متون الأرض راع اخضرارها ~~تحن إلينا وهي من غير شكلنا . . . فتدنو على بعد من الشكر دارها ويعجبنا ~~وسط العراص وقوعها . . . ويؤنسنا بين الديار مطارها أغار على ضوء الصباح ~~قميصها . . . وفاز بألوان الأليالي خمارها تصيح كما صرت نعال عرائس . . . ~~تمشت إلينا هندها ونوارها وقال آخر : أهلا بخطاف أتانا زائرا . . . غردا ~~يذكر بالزمان الباسم لبست سرابيل الصباح بطونه . . . وظهوره ثوب الظلام ~~العاتم وقال أبو نواس : كأن أصواتها في الجو طائرة . . . صوت الجلام إذا ما ~~قصت الشعرا القيق والزرزور والقيق : طائر قدر الحمام اللطيف ؛ وأهل الشأم ~~يسمونه أبا زريق . وفي طبعه كثرة الإلف بالناس ، وقبول التعليم ، وسرعة ~~الإدراك لما يلقن من الكلام مبينا حتى لا يشك سامعه إذا لم يره أنه إنسان ؛ ~~وربما زاد على ms2067 الببغاء . وله حكايات وأخبار في الذكاء والفطنة يطول شرحها ، ~~وهو طائر مشهور بذلك . PageV10P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" وأما الزرزور فيقال : إنه ضرب من الغراب يسمى ~~الغداف ؛ ويقال : إنه الزاغ . وهو يقبل التعليم ، ولا يرى إلا في أيام ~~الربيع . ولونه أرقط لكن السواد أغلب . وقد يوجد في لونه الأبيض ، وهو قليل ~~جدا . وقال بعض شعراء الأندلس : يا رب أعجم صامت لقنته . . . طرف الحديث ~~فصار أفصح ناطق جون الإهاب أعير قوة صفرة . . . كالليل طرزه وميض البارق ~~حكم من التدبير أعجزت الورى . . . ورأى بها المخلوق لطف الخالق وقال آخر : ~~أمنبر ذاك أم قضيب . . . يقرعه مصقع خطيب يختال في بردتي شباب . . . لم ~~يتوضح بها مشيب أخرس لكنه فصيح . . . أبله لكنه لبيب وقال الوزير أبو ~~القاسم بن الجد الأندلسي من رسالة كتبها إلى الوزير أبي الحسن ابن سراج ~~جوابا عن رقعة وصلت منه إليه ، يشفع لرجل يعرف بالزريزير ؛ ابتدأها بأن قال ~~: حسنت لك أبا الحسن ضرائب الأيام ، وتشوفت نحوك غرائب الكلام ، واهتزت ~~لمكاتبتك أعطاف الأقلام ، وجادت على محلك ألطاف الغمام ، وأشادت بفضلك ~~ونبلك أصناف الأنام . فإن كان روض العهد أعزك الله لم يصبه من تعهدنا طل ~~ولا وابل ، ولا سجعت على أيكه ورق ولا بلابل ؛ فإن أزهاره على شرب الصفاء ~~نابته ، وأشجاره في ترب الوفاء راسخة ثابته . وقد آن الآن لعقم شجره أن ~~تطلع من الثمر ألوانا ، ولعجم طيره أن تسجع من النغم ألحانا ؛ بما سقط لدي ~~ووقع علي من طائر شهي الصفير ، مبني الاسم على التصغير ؛ فإنه رجع باسمك ~~حينا ، وابتدع في نوبة شكرك تلحينا ، وحرك من شوقي إليك سكونا ، ودمث في ~~قلبي لودك وكونا . ثم أسمعني أثناء ترنمه كلاما وصف به نفسه ، ولو تغنت به ~~الورقاء ، لأذنت له العنقاء ؛ أو ناح بمثله الحمام ، لبكى لشجوه الغمام ؛ ~~أو سمعه قيس ابن عاصم في ناديه ، وبين PageV10P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" أغاديه ، لحل الزمع حباه ، واسترد الطرب صباه ~~: كلاما لو أن البق يزهى بمثله . . . زها البقل واخضر الغضا بمصيف فتلقيت ~~فضل صاحبه بالتسليم ، واعترفت بسبقه اعتراف الخبير العليم ms2068 . وبعد ، فإني ~~أعود إلى ذكر ذلك الحيوان الغريد ، والشيطان المريد ؛ فأقول : لئن سمي ~~بالزريزير ، لقد صغر للتكبير ؛ كما قيل : حريقيص وسقطه يحرق الحرج ، ~~ودويهية وهي تلتهم الأرواح والمهج . ومعلوم أن هذا الطائر الصافر يفوق جميع ~~الطيور في فهم التلقين ، وحسن اليقين . فإذا علم الكلام لهج بالتسبيح ، ولم ~~ينطق لسانه بالقبيح ، وتراه يقوم كالنصيح ، ويدعو للخير بلسان فصيح . فمن ~~أحب الأتعاظ ، لقى منه قس إياد بعكاظ ؛ أو مال إلى سماع البسيط والنشيد ، ~~وجد عنده نخب الموصلي للرشيد . فطورا يبكيك بأشجى من مراثي أربد ، وحينا ~~يسليك بأحلى من أغاني معبد . فسبحان من جعله هاديا خطيبا ، وشاديا مطربا ~~مطيبا . ولما طار ببلاد الغرب ووقع ، ورقي في أكنافها وصقع ؛ وعاين ما اتفق ~~فيها في هذا العام من عدم الزيتون ، في تلك البطون والمتون ؛ أزمع عنها ~~فرارا ، ولم يجد بها قرارا ؛ لأن هذا الثمر بهذا الأفق هو قوام معاشه ، ~~وملاك انتعاشه ؛ إليه يقطع ، وعليه يقع ؛ كما يقع على العسل الذباب ، وتقطع ~~إلى العراد الضباب ؛ فاستخفه هائج التذكار ، نحو تلك الأوكار ؛ حيث يكتسي ~~ريشه حريرا ، ويحتشي جوفه بريرا ، ويحتسي قراحا نميرا . ويغتدي على رهطه ~~أميرا . فخذه إليك ، نازلا لديك ، ماثلا بين يديك ؛ يترنم بالثناء ، ترنم ~~الذباب في الروضة الغناء ؛ وقد هز قوادم الجناح ، لعادة الاستمناح ؛ حبر من ~~لمع الأسجاع ، وما يصلح للانتجاع ؛ واثقا بأن ذلك القطر الناضر ستنفحه ~~حدائقه ، ولا تلفحه ودائقه ؛ لا سيما وفضلك دليله إلى ترع رياضه ، وفرض ~~حياضه ؛ مع أنه لا يعدم في جانبك حبا نثيرا ، وخصبا كثيرا ، وعشا وثيرا . ~~فإذا ما أراد كنت رشاء . . . وإذا ما أراد كنت قليبا والله تعالى يكفيه ~~فيما ينو به شر الجوارح ، ويقيه شؤم السانح والبارح ؛ بمنه وكرمه . السماني ~~يقال : إن السماني هو السلوى . وهو من الطيور PageV10P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" القواطع التي لا يعلم من أين تأتي . ويقال : ~~إنه يخرج من البحر المالح ؛ فإنه يرى وهو يطير عليه أوان ظهوره وأحد جناحيه ~~منغمس في الماء والآخر منتشر كالقلع . وأكثر من يعتني بتربيته أهل مصر ~~ويتغالون في ثمنه ms2069 ويحتفلون بأمره ، حتى ينتهي ثمن جيده إلى ألف درهم بعد أن ~~يباع كل عشرة منها بدرهم وأرخص . وهو صنفان : ربيعي وطرماهي ؛ فالربيعي ~~القادم الراحل . والطرماهي القاطن في الأرض والبلاد الخصيبة ، ويبيض ويفرخ ~~فيها كالحجل . وسبب مغالاتهم في أثمانها لأجل كثرة صياحها وعدد أصواتها . ~~وقد وجد فيها ما صاح في الليلة الواحدة إلى الثانية من النهار أربعة آلاف ~~وستمائة صوت . والصوت عندهم أن يفصل بينه وبين الصوت الثاني بسكتة . وهم في ~~تربيت ه يبدءون بإطعامه دقاق القمح وهو القمح الصغير الذي لا يمسكه الغربال ~~لصغره مدة شهر ؛ وتكون ذلك الوقت مجتمعة في قفص كبير يسمونه المرح ؛ ثم ~~يفرد بعد ذلك كل سماني بمفرده في قفص ويطعم الدخن والشادانق . ويصيح في ~~مبتدأ أمره مقدار شهر ثم يسكت مدة شهرين . وينقل إلى أقفاص أخر يعتنون ~~بجودتها ويرفعونها على البراريد والبراريد عصي تعلق عليها الأقفاص فيصيح ~~بعد تلك السكتة أربعة أشهر . فإذا دخل فصل الخريف وهبط الماء سكت مدة شهرين ~~وتقرنص ، ثم يصيح أحيانا ويسكت أحيانا . وهو لا يطول عمره أكثر من سنة ونصف ~~. وأول ما يصيح قبل أن يتفصح بالوعوعة ، وحكاية صوته : وع وع ؛ ثم يصيح بعد ~~ذلك : شقشلق . وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في كتاب الأدوية المفردة ~~: إنه يخاف من أكل لحوم السماني من التمدد والتشنج . الهدهد والهدهد طائر ~~معروف . وقال الجاحظ فيه : والعرب كانوا يزعمون أن القنزعة التي على رأسه ~~ثوب من الله عز وجل على ما كان من بره لأمه ، لما ماتت جعل قبرها في رأسه ؛ ~~فهذه القنزعة عوض عن تلك الوهدة . وهو طائر منتن البدن من جوهره وذاته . ~~والأعراب يجعلون ذلك النتن شيئا خامره بسبب تلك الجيفة التي كانت على رأسه ~~. ويستدلون على ذلك بقول أمية بن أبي الصلت حين يقول من أبيات : ~~PageV10P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" غيم وظلماء وغيث سحابة . . . أزمان كفن ~~واستراد الهدهد يبغي القرار لأمه ليجنها . . . فبنى عليها في قفاه يمهد ~~مهدا وطيئا فاستقل بحمله . . . في الطير يحملها ولا يتأود من أمه فجزي ~~بصالح حملها ms2070 . . . ولدا وكلف ظهره ما يعقد فتراه يدلج ماشيا بجنازة . . . ~~بقفاه ما اختلف الجديد المسند وزعم صاحب الفراسة : أن سبب نتنه أنه يطلب ~~الزبل ؛ فإذا وجده نقل منه وابتنى بيتا منه ؛ فإذا طال مكثه في البيت ، وفي ~~مثله ولد ، اختلط ريشه وبدنه بتلك الرائحة فورث ابنه النتن ، كما ورثه هو ~~من أبيه ، وكما ورثه أبوه من جده . قال شاعر . وأنتن من هدهد ميت . . . ~~أصيب فكفن في جورب ويقال عنه : إنه يرى الماء في باطن الأرض كما يراه ~~الإنسان في باطن الزجاج . وزعموا : أنه كان دليل سليمان عليه السلام على ~~الماء ولذلك تفقده ، على أحد أقوال المفسرين لكتاب الله تعالى . وقال ~~الجاحظ فيه : إنه وفي حفوظ ؛ وذلك أن الذكر إذا غابت عنه أنثاه لم يأكل ولم ~~يشرب ، ولا يزال يصيح حتى تعود إليه ، فإن لم تعد لا يسفد بعدها أنثى أبدا ~~، ولا يزال يصيح عليها ما عاش ، ولم ينل بعدها من طعم بل ينال منه ما يمسك ~~رمقه . ووصفه أبو الشيص فقال : لا تأمنن على سري وسركم . . . غيري وغيرك ~~أوطى القراطيس أو طائر سأجليه وأنعته . . . ما زال صاحب تنقير وتدسيس سود ~~براثنه ميل ذوائبه . . . صفر حمالقه في الحسن مغموس قد كان هم سليمان ~~ليذبحه . . . لولا سعايته في ملك بلقيس وقال آخر من أبيات : كأنه إذ أتاه ~~من قرى سبإ . . . مبشرا قد كساه تاج بلقيس يبدو له فوق ظهر الأرض باطنها . ~~. . كما تبدت لنا الأقذاء في الكوس العقعق ويسمى العقعق أيضا كندشا . وهو ~~طائر لا يأوي PageV10P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" تحت سقف ولا يستظل به ، بل يهيء وكره في ~~المواضع المشرفة الفسيحة . وفي طبعه الزنا والخيانة والسرقة والخبث ؛ ~~والعرب تضرب به المثل في ذلك كله . وإذا باضت الأنثى أخفت بيضها بورق الدلب ~~خوفا عليه من الخفاش ، فإنه متى قرب منه مذر وفسد وتغير في ساعته . وتقول ~~العرب في أمثالها : " أموق من عقعق " . وهو شديد الاستلاب والاختطاف لما ~~يراه من الحلي الثمين . قال إبراهيم الموصلي فيه : إذا بارك الله في طائر . ~~. . فلا بارك الله في ms2071 العقعق قصير الذنابي طول الجناح . . . متى ما يجد ~~غفلة يسرق يقلب عينين في رأسه . . . كأنهما قطرتا زئبق وكان سبب قوله لهذا ~~الشعر فيه ما حكاه إسحاق بن إبراهيم قال : كان لي عقعق وأنا صبي قد ربيته ، ~~وكان يتكلم بكل شيء يسمعه ؛ فسرق خاتم ياقوت كان أبي قد نزعه من إصبعه ودخل ~~الخلاء ثم خرج فلم يجده ، فضرب الغلام الذي كان واقفا ، فلم يقف له على خبر ~~. فبينا أنا ذات يوم في دارنا إذ أبصرت العقعق قد نبش ترابا وأخرج الخاتم ~~منه ، فلعب به طويلا ثم دفنه ؛ فأخذته وجئت به إلى أبي ، فسر به وقال هذا ~~الشعر . العصافير والعصافير ضروب كثيرة : منها العصفور البيوتي وعصفور ~~الشوك وعصفور النوفر . ومن ضروبها القبرة وحسون والبلبل . فأما العصفور ~~البيوتي ففي طباعه اختلاف : ففيه من طبائع سباع الطير أنه يلقم فراخه ولا ~~يزقها ، ويصيد أجناسا من الحيوان كالنمل إذا طار والجراد ، ويأكل اللحم . ~~والذي فيه من طباع بهائم الطير أنه ليس بذي مخلب ولا منسر ؛ وهو إذا سقط ~~على عود قدم أصابعه الثلاث وأخر الدابرة ؛ وسباع الطير تقدم إصبعين وتؤخر ~~إصبعين ؛ ويأكل الحب والبقول . ويتميز الذكر منها من الأنثى بلحية سوداء . ~~وهو لا يعرف المشي وإنما يرفع رجليه ويثب . وهو كثير السفاد ، وربما سفد في ~~الساعة الواحدة خمسين مرة ، ولذلك عمره قصير فإنه لا يعمر غالبا أكثر من ~~سنة ؛ وإناثها تعمر أكثر من ذكورها . والمثل يضرب في التحقير والتصغير ~~بأحلام العصافير . قال دريد بن الصمة : يا آل سفيان ما بالي وبالكم . . . ~~أنتم كبير وفي الأحلام عصفور PageV10P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" وقال حسان بن ثابت : لا بأس بالقوم من طول ~~ومن عظم . . . جسم البغال وأحلام العصافير وأما عصفور الشوك فزعم أرسطو أن ~~بينه وبين الحمار عداوة ، لأن الحمار إذا كان به دبر حكه بالشوك الذي يأوي ~~إليه هذا العصفور فيقتله ؛ وربما نهق الحمار فتسقط فراخه أو بيضه خوفا منه ~~؛ فلذلك هذا العصفور إذا رأى الحمار رفرف فوق رأسه وعلى عنقه وآذاه ونقره ~~في عقره أنى كان . وأما ms2072 عصفور النيلوفر وهو لا يوجد غالبا إلا بثغر دمياط ، ~~وشأنه غريب ، وذلك أنه عصفور صغير جدا ، فإذا كان قبل غروب الشمس جاء إلى ~~برك النوفر فيجد النوفرة وهي طافحة على وجه الماء مفتوحة فيقعد في وسطها ، ~~فإذا حصل فيها انطبقت عليه وانغمست في الماء طول الليل ؛ فإذا طلعت الشمس ~~طفت النوفرة على وجه الماء وانفتحت ، فيخرج منها ويطير إلى غروب الشمس ، ~~فيأتي ويفعل كفعله . القبرة فقد عدوها من أنواع العصافير . وهي غبراء كبيرة ~~المنقار على رأسها قبرة . وهذا الضرب قاسي القلب . وفي طبعه أنه لا يهوله ~~صوت صائح به ، وربما رمي بالحجر فاستخف بالرامي ولطئ إلى الأرض حتى يتجاوزه ~~الحجر . وهوي ضع وكره على الجادة رغبة في الأنس بالناس . حسون وتسميه أهل ~~الأندلس أم الحسن والمصريون السقاية لأنه إذا كان في القفص استقى الماء من ~~إناء بآلة لطيفة يوضع له فيها خيط ، فتراه يرفع الخيط بإحدى رجليه ويضعه ~~تحت رجله الأخرى حتى يصل إليه ذلك الإناء اللطيف فيشرب منه . وهو ذو ألوان ~~حنة التركيب والتأليف من الحمرة والصفرة والسواد والبياض والخضرة والزرقة . ~~وله صوت حسن مطرب . ووصفه أبو هلال العسكري فقال : ومفتنة الأوان بيض ~~وجوهها . . . ونمر تراقيها وصفر جنوبها كأن دراريعا عليها قصيرة . . . ~~مرقعة أعطافها وجيوبها وأما البلبل وهو العندليب ، وتسميه أهل المدينة ~~النغر . وهو طائر أغبر الرأس لطيف القد ، مأواه الشجر . قال الجاحظ : ~~البلبل موصوف بحسن الصوت والحنجرة . ومن شأنه إذا كان غير PageV10P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" حاذق أن يطارحه إنسان بشكل صوته ، فيتدرب ~~ويتعلم ويحسن صوته . وقد وصف أبو هلال العسكري البلابل فقال : مررت بدكن ~~القمص سود العمائم . . . تغني على أطراف غيد نواعم زهين بأصداغ تروق كأنها ~~. . . نجوم على أعضاد أسود فاحم ترى ذهبا منهن تحت مآخر . . . لها ولجينا ~~نطنه بالقوادم وقال آخر : كيف ألحي وقد خلعت على الله . . . و وعذاري وقد ~~هتكت قناعي وتعشقت بلبلا أنا منه . . . في انزعاج إلى الصبا والتياع أنا من ~~ريشه المدبج في زه . . . ر ومن شجو صوته في سماع ومن رسالة ذكره العماد ms2073 ~~الأصفهاني الكتب في الخريدة ، وهي لبعض فضلاء أصبهان ، ذكر فيها وصف الرياض ~~ومفاخرة الرياحين ، وفضل فيها الورد ، وانتهى بعد ذكر الورد إلى وصف ~~البلابل ، فقال : فلما ارتفع صدر النهار ، وانقطع جدال الأزهار ؛ سمع من ~~خلل الحديقة زقزقة عندليب ، قد اتخذ وكرا على حاشية قليب ؛ كان يستتر به عن ~~الجمع ، ويجعله دريئة لاستراق السمع . وحين أتقن ما وعاه ، وأودعه سمعه ~~وأرعاه ؛ انتحى غصنا رطيبا ، فأوفى عليه خطيبا ؛ ثم قال : يا فتنة الخليقه ~~، لقد جئت بالشنعاء الفليقه ؛ ورب بسم استحال احتداما ، ولن تعدم الحسناء ~~ذاما . إلام ترفل في دلال زهوك ، وتغفل عن رذائل سهوك وحتام تتيه على ~~الأكفاء والأقران ، كأنك أنت صاحب القرآن ألست من عجبك بنفسك ، واسترابتك ~~بأبناء جنسك ؛ لا تزال مشتملا شوك الغصون ، معتصما منها بأشباه المعاقل ~~والحصون . لكنك متى انقضى مهب الشمال ، وعدل عن اليمين إلى الشمال ؛ خيف ~~عليك نفح الإحراق ، وتعريت من حلل الأوراق ؛ وأصبحت للأرض فراشا ، وتلعب بك ~~الهواء فعدت فراشا . ثم ما قدر جورتك حتى تجور وهل ينتج حضوره إلا الفجور . ~~هذا إذا كنتم على الأصل الثابت ، وعرفتم في PageV10P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" أكرم المغارس والمنابت ، فكيف وأنتم بين رملي ~~وجبلي ، ونهبوري أو تيهوري . وهب أنك ورهطك تفردتم بممايلة القدود ، ~~وتوحدتم بمشابهة الخدود ؛ وصرتم درر البحور ، وعلقتم على الجباه والنحور ؛ ~~وتحولتم جمانا ومرجانا ، وحليتم مناطق وتيجانا ؛ أقدرتم على مباراة ~~الشحارير ، ومجاراة القماري النحارير أم ملكتم تهييج البلابل ، قبل أصوات ~~البلابل أم وجدتم سبيلا إلى ولوج القلوب والأسماع ، واتخاذ الطرب والسماع ؟ ~~هيهات هيهات ، بعد عنكم ما فات بل نحن ذوات الأطواق ، وبنات الغصون ~~والأوراق ؛ إنما يكمل صيتكم بنغمات أصواتنا ، ويزهو غناؤكم بصحة غنائنا ؛ ~~ويحسن تمايل دوحكم بترنمنا ونوحنا ، ويروق غديركم بهديرنا ، ويشوق تهديلكم ~~بهديلنا . لم تزالوا حملة أثقالنا ، ومهود أطفالنا ؛ وجياد شجعاننا ، ~~ومنابر خطبائنا . فروعكم محط أرحلنا ، ورءوسكم مساقط أرجلنا . إذا أوفى ~~مطربنا على عوده ، وعبث بملوي عوده ؛ وشد المثالث والمثاني ، وشد الثقيلين ~~الأول والثاني ؛ فقد أحيا باللحن الأيكي ، وبذ يحيى المكي ؛ وأعاد إبراهيم ~~، كحاطب الليل البهيم ؛ وخرق ms2074 له أثواب مخارق طربا وحسدا ، ولم يسلم منه ~~سليم غيظا وكمدا ؛ وأخذ قلب ابن جامع بمجامعه ، وطوقه من الإقرار غلا ~~بمجامعه ؛ حتى كأنه بصحة ضربه وإتقان أوتاره ، يطلب عندهم قديم أحقاده ~~وأوتاره . فهي تصبي الأبصار لونا قريبا . . . وتسر الأسماع ضربا بعيدا خضب ~~الكف من دم القلب وابتتتز سويداءه فطوق جيدا أعجمي اللسان مستعرب اللح . . ~~. ن يعيد الخلي صبا عميدا كل وقت تراه من فرط شجو . . . مظهرا في الغناء ~~لحنا جديدا تارة يجعل النشيد بسيطا . . . ويعيد البسيط طورا نشيدا ~~PageV10P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" معبد لو رآه أصبح عبدا . . . ولبيد أمسى لديه ~~بليدا ضل عن إلفه وأقلقه الوج . . . د فأمسى بكاؤه تغريدا لو عارض الخليل ~~في عروضه لبكته ، أو ناظر ابن السكيت في إصلاحه لسكته ؛ أو جادل الفارسي ~~لفرسه وجذله ، أو نازل الكوفي لأكفأه عن رتبته وأنزله . الباب الرابع من ~~القسم الخامس من الفن الثالث في بغاث الطير ويشتمل هذا الباب على ما قيل في ~~القمري ، والدبسي ، والورشان ، والفواخت والشفنين ، واليعتبط ، والنواح ، ~~والقطا ، واليمام وأصنافه ، والببغاء . وهذه الأصناف قد عده أبو عثمان عمرو ~~بن بحر الجاحظ أو أكثرها في الحمام ، فقال : الحمام وحشي ، وأهلي ، وبيوتي ~~، وطوراني . وكل طائر يعرف بالنواح وحسن الصوت والدعاء والترجيع فهو حمام ~~وإن خالف بعضه بعضا في الصورة واللون وفي بعض النوح ولحن الهديل . قال : ~~وزعم أفليمون صاحب الفراسة أن الحمام يتخذ لضروب ، منها ما يتخذ للأنس ~~والنساء والبيوت . ومنها ما يتخذ للفراخ ، ومنها ما يتخذ للزجال والسباق . ~~ولازجال : إرسال الحمام الهوادي . ثم ذكر من أوصاف الحمام وما فيه من ضروب ~~المعرفة والمنافع ما نورده عند ذكرنا للحمام المشتهر بهذه التسمية ، وهو ~~الذي أشار الجاحظ إليه . فلنذكر تفصيل ما قدمناه من هذه الأصناف ، فنقول ~~وبالله التوفيق : القمري فقد قالوا : إنما سمي القمري بهذه التسمية لبياضه ~~، والأقمر : الأبيض . وحكاية صوته تشبه ضحك الإنسان . وهو شديد المودة ~~والرحمة . أما مودته فإنه يفرخ على فنن من أفنان شجرة عليها أعشاش لأبناء ~~جنسه ، فيصابحها PageV10P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" في كل يوم . وأما رحمته فإنه ms2075 يربي ولده ويعف ~~عن أنثاه ما دام ولده صغيرا . ومن عادته أنه يعمل عشه في طرف فنن دائم ~~الاهتزاز ، احترازا على فراخه لئلا يسعى إليه من الحيوان الماشي ما يقتله . ~~وقال أبو الفتح كشاجم يصفه من أبيات رثاه بها أولها : ومطوق من حسن صنعة ~~ربه . . . طوقيه خلتهما من النوار ومنها : لهفي على القمري لهفا دائما . . ~~. يكوي الحشا بجوى كلذع النار لون الغمام لونه ومناسب . . . في خلقه ~~الأقلام بالمنقار الدبسي وإنما سمي الدبسي بذلك للونه ، لأن الدبسة حمرة في ~~سواد . قالوا : والدبسي أصناف ، منها المصري ، والحجازي ، والعراقي . وأفخر ~~هذه الأصناف المصري ولونه الدكنة . وهو لا يرى ساقطا على وجه الأرض ، بل له ~~في الشتاء مشتى ، وفي الصيف مصيف . ولا يعرف له وكر . الورشان وما قيل فيه ~~، والورشان أصناف منها النوبي وهو ورشان أسود ؛ ومنها الحجازي . والنوبي ~~أشجاها صوتا . وهذا الطائر يوصف بالحنو على أولاده ، حتى إنه ربما قتل نفسه ~~إذا رآها في يد القانص . وقال أبو بكر الصنوبري فيه : أنا في نزهتين من ~~بستاني . . . حين أخلو به ومن ورشان طائر قلب من يغنيه أولى . . . منه عند ~~الغناء بالطيران مسمع يودع المسامع ما شا . . . ئت وما لم تشأ من الألحان ~~في رداء من سوسن وقميص . . . زررته عليه تشرينان قد تغشى لون اسماء قراه . ~~. . وتراءى في جيده الفرقدان الفواخت والفواخت عراقية ليست حجازية . وفيها ~~فصاحة وحسن صوت . وفي طبعها أنها تأنس بالناس ، وتعشش في الدور . والعرب ~~تضرب بها في الكذب المثل ، فيقولون : " أكذب من فاختة " ؛ فإن حكاية صوتها ~~عندهم : " هذا أوان الرطب " . قال شاعر : أكذب من فاختة . . . تقول وسط ~~الكرب PageV10P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" والطلع لم يبد لنا . . . هذا أوان الرطب وهو ~~يعمر . وحكى أرسطو أن منه ما عاش أربعين سنة . وقال أبو هلال العسكري : ~~مررت بمطراب الغداة كأنها . . . تعل من الإشراق راحا مفلفلا منمرة كدراء ~~تحسب أنها . . . تجلل من جلد السحاب مفصلا بدت تجتلي للعين طوقا ممسكا . . ~~. وطرفا كما ترنو الغزالة أكحلا لها ذنب وافى الجوانب مثلما . . . تقشر ~~طلعا أو تجرد منصلا إذا ms2076 حلقت في الجو خلت جناحها . . . يرد صفيرا أو يحرك ~~جلجلا الشفنين والشفنين من الطير التي تترنم ؛ وصوته في ترنمه يشبه صوت ~~الرباب . وفي طبعه أنه إذا فقد أنثاه لم يزل أعزب ، يأوي إلى بعض فراخه حتى ~~يموت ؛ وكذلك الأنثى إذا فقدت الذكر . وهو متى سمن سقط ريشه وامتنع من ~~السفاد ؛ فهو لذلك لا يشبع . وهو طائر يؤثر العزلة . اليعتبط وإنما سمي ~~اليعتبط بهذه التسمية لصوته ، وهو شريف في طيور الحجاز . وحاله حال القمري ~~، ولكنه أحر منه مزاجا وأعلى صوتا . قال كشاجم : وناطق لم يخش في النطق غلط ~~. . . ما قال شيئا قط إلا يعتبط النواح والنواح : طائر كالقمري ، وحاله ~~كحاله ؛ إلا أنه أحر منه مزاجا وأرطب وأدمث وأشرف . قالوا : يكاد النواح ~~يكون للأطيار الدمثة ملكا ، وهو يهيجها إلى التصويت لأنه أشجاها صوتا ؛ ~~وجميعها تهوى استماع صوته . وهو أيضا يسره استماع صوت نفسه . والله أعلم ~~بالصواب . القطا والقطا نوعان : كدري وجوني . والدرية غبر الألوان . ~~والجونية سود بطون الأجنحة والقوادم بيض اللبان وفيه طوقان أسود ~~PageV10P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" وأصفر ؛ وظهورها غبر رقط تعلوها صفرة . وتسمى ~~الجونية غتما ؛ لأنها لا تفصح بصوتها إذا صوتت إنما تغرغر بصوت في حلقها . ~~والكدرية فصيحة تنادي باسمها تقول : قطا قطا ؛ ولهذا يضرب بها المثل في ~~الصدق . وتوصف القطا بحسن المشي لتقارب خطاها . والعرب تشبه مشي النساء ~~الخفرات بمشيها إذا أرادوا مدحهن . قال شاعر يصف القطاة ، واختلف في الشاعر ~~من هو ، فقيل : هو أوس بن غلفاء الهجيمي ، وقيل : مزاحم العقيلي ، وقيل : ~~العباس بن يزيد بن الأسود الكندي ، وقيل : العجير السلولي ، وقيل : عمرو بن ~~عقيل بن الحجاج الهجيمي ؛ قال أبو الفرج الأصفهاني : وهو أصح الأقوال ، : ~~أما القطاة فإني سوف أنعتها . . . نعتا يوافق نعتي بعض ما فيها سكاء مخطوبة ~~في ريشها طرق . . . سود قوادمها صهب خوافيها منقارها كنواة القسب قلمها . . ~~. بمبرد حاذق الكفين باريها تمشي كمشي فتاة الحي مسرعة . . . حذار قوم إلى ~~ستر يواريها تسقي الفراخ بأفواه مرققة . . . مثل القوارير سدت من أعاليها ~~كأن هيدبة من فوق جؤجئها . . . أو جرو حنظلة ms2077 لم يعد راميها وقال إبراهيم بن ~~خفاجة الأندلسي : ولرب طيار خفيف قد جرى . . . فشلا بجار خلفه طيار من كل ~~قاصرة الخطا مختالة . . . مشي الفتاة تجر فضل إزار مخضوبة المنقار تحسب ~~أنها . . . كرعت على ظمإ بكأس عقار لا تستقر بها الأيادي خشية . . . من ليل ~~ويل أو نهار بوار وقال امرار أو العكب التغلبي ، وهي أجود قصيدة قيلت في ~~القطا ، : بلاد مروارة يحار بها القطا . . . ترى الفرخ في حافاتها يتحرق ~~يظل بها فرخ القطاة كأنه . . . يتيم جفا عنه مواليه مطرق PageV10P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" بديمومة قدبات فيها وعينه . . . على مره تغضي ~~مرارا وترمق شبيه بلا شيء هنالك شخصه . . . يواريه قيض حوله متفلق له محجر ~~ناب وعين مريضة . . . وشدق بمثل الزعفران مخلق تعاجيه كحلاء المدامع حرة . ~~. . لها ذنب ساج وجيد مطوق سماكية كدرية عرعرية . . . سكاكية عفراء سمراء ~~عسلق إذا غادرته تبتغي ما يعيشه . . . كفاها رذاياها الرقيع الهبنق غدت ~~تستقي من منهل ليس دونه . . . مسيرة شهر للقطا متعلق لأزغب مطروح بجوز ~~تنوفة . . . تلظى سموما قيظه فهو أورق تراه إذا أمسى وقد كاد جلده . . . من ~~الحر عن أوصاله يتمزق غدت فاستقلت ثم ولت مغيرة . . . بها حين يزهاها ~~الجناحان أولق تيمم ضحضاحا من الماء قد بدت . . . دعاميصه فالماء أطحل أطرق ~~فلما أتته مقدحرا تغوثت . . . تغوث مخنوق فتطفو وتغرق تجر وتلقي في سقاء ~~كأنه . . . من الحنظل العامي جرو معلق فلما ارتوت من مائها لم يكن لها . . ~~. أناة وقد كادت من الري تبصق طمت طموة صعدا ومدت جرانها . . . وطارت كما ~~طار الشاب المحلق PageV10P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" ذكر شيء من الأوصاف والتشبيهات الشعرية ~~الجامعة لمجموع هذا النوع الذي ذكرناه من ذلك قول بعض الشعراء : وقبلي أبكى ~~كل من كان ذا هوى . . . هتوف البواكي والديار البلاقع وهن على الأفلاق من ~~كل جانب . . . نوائح ما تخضل منها المدامع مزبرجة الأعناق نمر ظهورها . . . ~~مخطمة بالدر خضر روائع ترى طررا بين الخوافي كأنها . . . حواشي برود زينتها ~~الوشائع ومن قطع الياقوت صيغت عيونها . . . خواضب بالحناء منها الأصابع ~~وقال أبو الأسود الدؤلي من أبيات : وساجع في ms2078 فروع الأيك هيجني . . . لم أدر ~~لم ناح مما بي ولم سجعا أباكيا إلفه من بعد فرقته . . . أم جازعا للنوى من ~~قبل أن تقعا يدعو حمامته والطير هاجعة . . . فما هجعت له ليلا ولا هجعا ~~موشح سندسا خضر مناكبه . . . ترى من المسك في أذياله لمعا له من الآس طوق ~~فوق لبته . . . من البنفسج والخيري قد جمعا كأنما عب في مسود غالية . . . ~~وحل من تحته الكافور فانتقعا كأن عينيه من حسن اصفرارهما . . . فصان من حجر ~~الياقوت قد قطعا كأن رجليه من حسن احمرارهما . . . ما رق في شعب المرجان ~~فاتسعا شكا النوى فبكى خوف الأسى فرمى . . . بين الجوانح من أوجاعه وجعا ~~والريح تخفضه طورا وترفعه . . . طورا فمنخفضا يدعو ومرتفعا كأنه راهب في ~~رأس صومعة . . . يتلو الزبور ونجم الصبح قد طلعا وقال ابن اللبانة الأندلسي ~~: وعلى فروع الأيك شاد يحتوي . . . طرفي لآخر تحتويه الأضلع PageV10P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" يندى له رطب الهواء فيغتدي . . . ويظله ورق ~~الغصون فيهجع تخذ الأراك أريكة لمنامه . . . فله إلى الأسحار فيها موضع حتى ~~إذا ما هزه نفس الصبا . . . والصبح ، هزك منه شدو مبدع فكأنما تلك الأراكة ~~منبر . . . وكأنه فيها خطيب مصقع وقال بعض الأعراب يصف مطوقة : دعت فوق ساق ~~دعوة لو تناولت . . . بها الصخر من أعلى أبان تحدرا تبكى بعين ليس تذري ~~دموعها . . . ولكنها تذري الدموع تذكرا محلاة طوق ليس تخشى انفصامه . . . ~~إذا هم أن يبلى تجدد آخرا لها وشح دون التراقي وفوقها . . . وصدر كمقطوع ~~البنفسج أخضرا تنازعها الألوان شتى صقالها . . . بدا لتلالي الشمس فيه ~~تحيرا وقال شاعر أندلسي : وما شاقني إلا ابن ورقاء هاتف . . . على فنن بين ~~الجزيرة والجسر مفتق طوق لا زوردي كلكل . . . موشى الطلى أحوى القوادم ~~والظهر أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ . . . وصاغ على الأجفان طوقا من التبر ~~حديد شبا المنقار داج كأنه . . . شبا قلم من فضة مد من حبر توسد من فرع ~~الأراك أريكة . . . ومال على طي الجناح مع النحر ولما رأى دمعي مراقا أرابه ~~. . . بكائي فاستولى على الغصن النضر وحث جناحيه وصفق طائرا . . . فطار ~~بقلبي حيث طار ms2079 وما يدري وقال آخر : كأن بنحرها والجيد منها . . . إذا ما ~~أمكنت للناظرينا مخطا كان من قلم لطيف . . . فخط بجيدها والنحر نونا وقال ~~ابن الرومي : مطوقة تبكي ولم أر باكيا . . . بدا ما بدا من شجوها لم يسلب ~~PageV10P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" وقد أوردنا في باب الغزل والنسيب من هذا ~~المعنى فيما قيل على لسان الورقاء ما يستغنى عن تكراره . اليمام وأصنافه ~~وما وصف به وما قيل فيه فالعرب تقول : إن هذه التسمية واقعة على النوع الذي ~~تسميه عامة الناس الحمام ؛ وهو أصناف مختلفة الأشكال والألوان والأفعال ، ~~منها الرواعب والمراعيش والعداد والميساق والشداد والقلاب والشقاق والمنسوب ~~. الرواعب وهو ألوان كثيرة . وزعم الجاحظ أنه تولد بين ورشان ذكر وحمام ~~أنثى ، فأخذ من الأب الجثة ومن الأم الصوت ، وفاته سرعة الطيران فلم ~~يشبههما فيه ؛ وله من عظم البدن وكثرة الفراخ والهديل والقرقرة ما ليس ~~لأبويه ، حتى صار ذلك سببا للزيادة في ثمنه والحرص على اتخاذه . المراعيش ~~وهي تطير مرتفعة حتى تغيب عن النظر فترى في الجو كالنجم . العداد فهو طير ~~ضخم ، قليل الطيران كثير الفراخ . الميساق وهو أضخم من العداد وأنبل ، ثقيل ~~الجسم لا يستطيع الطيران إلا قليلا . الشداد فهو لا يلزم الطيران في الجو ، ~~وله قوة في جناحه حتى يقال إنه ربما يكسر الجوز به ، ولا يأتي من الغاية ~~لبله فيه . وأصحاب الرغبات في تربية هذا الصنف يلقونه على البصريات فيخرج ~~من بينهما حمام يسمى المضرب يجتمع فيه هداية البصري وشدة الشداد . والشداد ~~يطير صعدا حتى يرى كالنجم . وفي ذنبه إحدى وثلاثون ريشة . القلاب فتسميه ~~العراقيون الملاح ؛ وسمي بذلك لتقلبه في طيرانه . والشقاق ، وطيرانه تحويم ~~. المنسوب ويسميه العراقيون الهوادي ، والمصريون يسمونه البصاري يعنون ~~البصرية ، وهو بالنسبة إلى ما تقدم ذكره كالعتاق من الخيل ، وما عداه فيها ~~كالبراذين . وفيها العلوي وهو ألطف جرما وأسرع طيرانا ؛ وهو يطلب وكره ولو ~~أرسل من مسافة ألف فرسخ ، ويحمل البطائق ويأتي بها من المسافة البعيدة في ~~المدة القريبة . قالوا : وفيه ما يقطع ثلاثة آلاف فرسخ في يوم واحد . وسباع ms2080 ~~الطير تطلبه أشد طلب . وخوفه من الشاهين أشد من خوفه من غيره . وهو أطير ~~منه ومن سباع الطير PageV10P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" كلها ؛ لكنه يذعر فيجهل باب المخلص . المحمود ~~منه ما وصفه الجاحظ عن أفليمون صاحب الفراسة أنه قال : جميع الفراسة لا ~~تخرج عن أربعة أوجه : أولها التقطيع ، والثاني المجسة ، والثالث الشمائل ، ~~والرابع الحركة . فأما التقطيع ، فانتصاب العنق والخلقة ، واستدارة الرأس ~~من غير عظم ولا صغر ، وعظم القرطمتين ونقاؤهما ، واتساع المنخرين ، وانهرات ~~الشدقين ، وسعة الجوف ، ثم حسن خلقة العينين مع توقدهما ، وقصر المنقار في ~~غير دقة ، ثم اتساع الصدر ، وامتلاء الجؤجؤ ، وطول العنق ، وإشراف المنكبين ~~، وانكماش الجناحين ، وطول القوادم في غير إفراط ، ولحوق بعض الخوافي ببعض ~~، وصلابة القصب في غير انتفاخ ولا يبس ، واجتماع الخلق في غير الجعودة ~~والكزازة ، وعظم الفخذين ، وقصر الساقين والوظيفين ، وافتراق الأصابع ، ~~وقصر الذنب وخفته من غير تفنين وتفريق ، ثم توقد الحدقتين وصفاء اللون . ~~فهذه علامة الفراسة في التقطيع . وأما علامة المجسة ، فوثاقة الخلق ، وشدة ~~اللحم ، ومتانة العصب ، وصلابة القصب ، ولين الريش في غير رقة ، وصلابة ~~المنقار في غير دقة . وأما علامة الشمائل ، فقلة الاختيال ، وصفاء البصر ، ~~وثبات النظر ، وشدة الحذر ، وحسن التلفت ، وقلة الرعدة عند الفزع ، وخفة ~~النهوض إذا طار ، وترك المباردة إذا لقط . وأما علامة الحركة ، فالطيران في ~~علو ، ومد العنق في سمو ، وقلة الاضطراب في جو السماء ، وضم الجناحين في ~~الهواء ، وتتابع الركض في غير اختلاط ، وحسن القصد في غير دوران ، وشدة ~~المدة في الطيران . فإذا أصبته جامعا لهذه الصفات فهو الطائر الكامل . وقد ~~وصف الجاحظ الحمام في كتاب الحيوان وبسط فيه القول ووسع المجال . ونحن الآن ~~نورد ملخص ما قاله فيه ، قال : ومن مناقب الحمام جبه للناس وأنس الناس به ، ~~وهو من الطير الميامين . وهو إذا علم الذكر منه أنه قد أودع رحم الأنثى ما ~~يكون منه الولد ، تقدما في إعداد العش ، PageV10P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" ونقل القصب وشقق الخوص ، وأشباه ذلك من ~~العيدان الخوارة الدقاق ، حتى يعملا أفحوصة وينسجاها نسجا متداخلا في ~~الموضع ms2081 الذي اتخذاه واصطنعاه عشا بقدر جثمان الحمامة ؛ ثم أشخصا لتلك ~~الأفحوصة حروفا غير مرتفعة لتحفظ البيض وتمنه من التدحرج ، لتلزم كتفي ~~الجؤجؤ ، ولتكون رفدا لصاحب الحضن ، وسندا للبيض ؛ ثم يتعاوران ذلك المكان ~~ويتعاقبان تلك الأفحوصة يسخنانها ويدفئانها ويطيبانها وينفيان عنها طباعها ~~الأول ويحدثان لها طبيعة أخرى مشتقة من طبائعهما ومستخرجة من رائحة ~~أبدانهما وقواهما ، لكي تقع البيضة إذا وقعت في موضع يكون أشبه المواضع ~~طباعا بأرحام الحمام مع الحضانة والوثارة ، كي لا تنكسر البيضة بيبس الموضع ~~، ولئلا تنكر طباعها طباع المكان ، وليكون على مقدار من البرد والسخونة ~~والرخاوة والصلابة . ثم إن ضربها المخاض وطرقت ببيضها ، بدرت إلى الموضع ~~الذي قد أعدته وتحاملت إليه ، إلا أن يقرعها رعد قاصف أو ريح عاصف فإنها ~~ربما رمت بها دون الأفحوصة . والرعد ربما أفسد البيض . فإذا وضعت البيض في ~~ذلك المكان الذي أعداه لا يزالان يتعاقبان الحضن ويتعاورانه حتى تنتهي ~~أيامه ويتم ميقاته ؛ فعند ذلك ينصدع البيض عن الفرخ ، فيخرج عاري الجلد ~~صغير الجناح مستد الحلقوم ؛ فيعلمان أنه لا يتسع حلقه وحوصلته للغذاء ، فلا ~~يكون لهما هم إلا أن ينفخا في حلق الفرخ الريح لتتسع الحوصلة بعد التحامها ~~. ثم يعلمان انه وإن اتسعت الحوصلة لا يحمل في أول اغتذائه أن يزق بالطعم ، ~~فيزق باللعاب المختلط بقواهما وقوى الطعم . ثم يعلمان أن الحوصلة تضعف عن ~~استمراء الغذاء وهضم الطعم فيأكلان من شروج أصول الحيطان ، وهو شيء من ~~الملح المحض والتراب الخالص ، وهذا هو السبخ ، فيزقانه به . حتى إذا علما ~~أنه قد اندبغ واشتد زقاه بالحب الذي قد غب في حواصلهما ؛ ثم يزقانه بعد ذلك ~~بالحب والماء . حتى إذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع ليحتاج إلى ~~اللقط فيتعوده . فإذا علما أن إرادته قد تمت وأنه قد قوي على اللقط وبلغ ~~بنفسه منتهى حاجته ، ضرباه إذا سألهما الكفاية ، ونفياه متى رجع إليهما ~~وتنتزع تلك الرحمة العجيبة منهما وينسيان ذلك التعطف . ثم يبتدئان العمل ~~ثانيا على ذلك النظام وتلك المقدمات . فسبحان الهادي الملهم . قال : ثم ms2082 ~~يبتدئ الذكر بالدعاء والطراد ؛ وتبتدئ الأنثى بالتأتي والاستدعاء ، ثم ~~PageV10P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" تزيف وتشكل ، وتمكن وتمنع ، وتجيب وتصدف ~~بوجهها ؛ ثم يتعاشقان ويتطاوعان ويكون بينهما قبل وارتشاف وإدخال فمها في ~~فمه ؛ وذلك هو التطاعم والمطاعمة . قال الشاعر : لم أعطها بيدي إذ بت ~~أرشفها . . . إلا تطاول غصن الجيد بالجيد كما تطاعم في خضراء ناعمة . . . ~~مطوقان أصاخا بعد تغريد قال أبو عثمان : ومما أشبه فيه الحمام الناس أن ~~ساعات الحضن على البيض أكثرها على الأنثى ، وإنما يحضن الذكر حضنا يسيرا . ~~والأنثى كالمرأة في كفالة الصبي ، حتى إذا ذهب الحضن وصار البيض فراخا ~~كالأطفال في البيت يحتاجون إلى الطعام والشراب صار أكثر ساعات الزق على ~~الذكر . وقال : قال مثنى بن زهير ، وهو إمام الناس في البصرة بالحمام ، : ~~لم أر شيئا قط في رجل ولا امرأة وقد رأيت مثله في الذكر والأنثى من الحمام ~~. رأيت حمامة لا تريد إلا ذكرها ، كالمرأة لا تريد إلا زوجها أو سيدها . ~~ورأيت حمامة لا تمنع شيئا من الذكورة ؛ ورأيت امرأة لا تمنع يد لامس . ~~ورأيت حمامة لا تزيف إلا بعد طراد شديد وشدة طلب ، ورأيتها تزيف لأول ذكر ~~يريدها ، ورأيت من النساء كذلك . ورأيت حمامة لها زوج وهي تمكن ذكرا آخر لا ~~تعدوه ، ورأيت مثل ذلك في النساء . ورأيتها تزيف لغير ذكرها وذكرها يراها ، ~~ورأيتها لا تفعل ذلك إلا وذكرها يطير أو يحضن . ورأيت الحمامة تقمط الحمامة ~~، ورأيت الحمام الذكر يقمط الذكر . ورأيت الأنثى كانت لا تقمط إلا الإناث ، ~~ورأيت أخرى تقمط الإناث فقط ولا تدع أنثى تقمطها ، ورأيت ذكرا يقمطها ~~ويدعها حتى تقمطه . ورأيت ذكرا يقمط الذكور وتقمطه ؛ ورأيت ذكرا يقمط ~~الذكور ولا يدعها تقمطه ؛ ورأيت الأنثى تزيف للذكور ولا تدع شيئا منها ~~يقمطها ؛ ورأيت هذه الأصناف كلها في السحاقات واللاطة . قال : وامتنعت علي ~~خصلة فوالله لقد رأيتها ؛ لأني رأيت من النساء من تزني أبدا وتساحق أبدا ~~ولا تتزوج ؛ ومن الرجال من يلوط أبدا ويزني أبدا ولا يتزوج ، ورأيت حماما ~~ذكرا يقمط ما لقي ولا يزاوج ، ورأيت حمامة ms2083 تمكن كل حمام أرادها من ذكر أو ~~أنثى وتقمط الذكورة والإناث ولا تزاوج ، ورأيتها تزاوج ولا تبيض ، وتبيض ~~فيفسد بيضها ، كالمرأة . قال : ورأيت ذكرا له أنثيان PageV10P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وقد باضتا منه ، وهو يحضن مع هذه ومع تلك ~~ويزق مع هذه ومع تلك ، ورأيت أنثى تبيض بيضة ، ورأيت أنثى تبيض في أكثر ~~حالاتها ثلاث بيضات . قال : ورأيت حمامة تزاوج هذا الحمام ثم لتحول منه إلى ~~آخر ، ورأيت ذكرا فعل مثل ذلك في الإناث ، ورأيت الذكر كثير النسل قويا على ~~القمط . قال الجاحظ : والحمام يبيض عشرة أشهر من السنة ؛ فإذا صانوه وحفظوه ~~وأقاموا له الكفاية وأحسنوا تعهده باض في جميع السنة . والفواخت والأطرغلات ~~والحمام البري تبيض مرتين في السنة . قال : ويتم خلق الحمام في أقل ن عشرة ~~أيام . والحمامة في أكثرها أمرها يكون أحد فرخيها ذكرا والآخر أنثى ؛ وهي ~~تبيض أولا البيضة التي فيها الذكر ثم تقيم يوما وليلة وتبيض الأخرى . وتحضن ~~ما بين السبعة عشر يوما إلى العشرين . والأنثى أبر بالبيض ، والذكر أبر ~~بالفراخ . ولقد أطنب أبو عثمان الجاحظ وأوغل وبسط القول في ذكر الحمام ~~وأوصافه ومناقبه والمغالاة في ثمنه والحرص على اقتنائه ، حتى إنه قال : ~~وللحمام من الفضيلة والفخر أن الحمام الواحد يباع بخمسمائة دينار ؛ ولم ~~يبلغ ذلك باز ولا شاهين ولا عقاب . قال : وأنت إذا أردت أن تتعرف مبلغ ثمن ~~الحمام الذي جاء من الغاية ثم دخلت بغداد والبصرة ، وجدت ذلك بلا معاناة . ~~وهذا يدل على أن قوله فيه كان مشهورا عندهم في وقته . ثم قال : والحمام إذا ~~جاء من الغاية بيع الذكر من فراخه بعشرين دينارا وأكثر ، وبيعت الأنثى ~~بعشرة دنانير وأكثر وبيعت البيضة بخمسة دنانير ؛ فيقوم الزوج منها من الغلة ~~مقام ضيعة ، حتى ينهض بمؤونة العيال وبقضاء الدين ، وتبني من غلاته وأثمان ~~رقابه الدور والجنان وتبتاع الحوانيت . ثم وصف حجر الحمام ومقاصيرها ~~المبنية في ذلك الزمان وما يعانيه أهلها من حديثها والاحتفال بها في ~~المسابقة وغيرها . وأطال في ذلك . وقال : وللحمام من حسن الاهتداء ، وجودة ~~الاستدلال ms2084 ، وثبات الحفظ والذكر ، وقوة النزاع إلى أربابه ، والإلف لوطنه ، ~~أن يكون طائرا من بهائم الطير يجيء من مسافة كذا إلى مسافة كذا . قال : ولن ~~ترى جماعة طير أكثر طيرانا إذا كثرن من الحمام ؛ فإنهن كلما التففن وضاق ~~موضعهن كان أشد لطيرانهن . قال النابغة : واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت . . ~~. إلى حمام شراع وارد الثمد PageV10P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" يحفه جانبا نيق وتتبعه . . . مثل الزجاجة لم ~~تكحل من الرمد قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا . . . إلى حمامتنا ونصفه فقد ~~فحسبوه فألفوه كما حسبت . . . تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد فأكملت مائة ~~فيها حمامتها . . . وأسرعت حسبة في ذلك العدد قال الأصمعي : لما أراد أن ~~يمدح الحاسب وسرعة إصابته شدد الأمر وضيقه عليه ليكون أحمد له إذا أصاب ؛ ~~فجعله حرز طيرا والطير أخف من غيره ؛ ثم جعله حماما والحمام أسرع الطير ~~وأكثر اجتهادا في السرعة إذا كثر عددهن ، وذلك أنه يشتد طيرانه عند ~~المسابقة والمنافسة . وقال : يحفه جانبا نيق وتتبعه ، فأراد أن الحمام إذا ~~كان في مضيق من الهواء كان أسرع من أن يتسع عليه الفضاء . والله أعلم ~~بالصواب . ؟ ذكر ما قيل في طوق الحمامة يقال : إن نوحا صلى الله عليه وسلم ~~لما كان في السفينة بعث الغراب ليكشف له هل ظهر من الأرض موضع ، فوقع على ~~جيفة فلم يرجع إليه ؛ فبعث بالحمامة ، فاستعجلت على نوح الطوق الذي في ~~عنقها فجعل لها ذلك جعلا . وفي ذلك يقول أمية بن أبي الصلت : وأرسلت ~~الحمامة بعد سبع . . . تدل على المهالك لا تهاب تلمس هل ترى الأرض عينا . . ~~. وعاينه من الماء العباب فجاءت بعد ما ركضت بقطف . . . عليه الثأط والطين ~~الكباب فلما فرسوا الآيات صاغوا . . . لها طوقا كما عقد السخاب إذا ماتت ~~تورثه بنيها . . . وإن تقتل فليس لها استلاب وقال أيضا فيها : سمع الله ~~لابن آدم نوح . . . ربنا ذو الجلال والإفضال حين أوفى بذي الحمامة والنا . ~~. . س جميعا في فلكه كالعيال حابسا خوفه عليه رسولا . . . من خفاف الحمام ~~كالتمثال PageV10P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" فرشاها على الرسالة طوقا . . . وخضابا ms2085 علامة ~~غير بال فأتته بالصدق لما رشاها . . . وبقطف لما بدا عثكال قوله : فرشاها ~~أي جعل لها جعلا . وقال فيها : وما كان أصحاب الحمامة خيفة . . . غداة غدت ~~منهم تضم الخوافيا رسولا لهم والله يحكم أمره . . . يبين لهم هل برنس الترب ~~باديا فجاءت بقطف آية مستبينة . . . فأصبح منها موضع الطين جاديا على خطمها ~~واستوهبت ثم طوقها . . . وقالت ألا لا تجعل الطوق حاليا ولا ذهبا إني أخاف ~~نبالهم . . . يخالونه مالي وليس بماليا وزدني على طوقي من الحلي زينة . . . ~~تصيب إذا أتبعت طوقي خضابيا يكون لأولادي جمالا وزينة . . . وعنواني زيني ~~زينة من ترابيا ذكر شيء مما وصف به هذا النوع نظما ونثرا قال عبد الواحد بن ~~فتوح الأندلسي يصف حماما بسرعة الطيارن والسبق : يجتاب أودية السحاب بخافق ~~. . . كالبرق أومض في السحاب فابرقا لو سابق الريح الجنوب لغاية . . . يوما ~~لجاءك مثلها أو أسبقا يستقرب الأرض البسيطة مذهبا . . . والأفق ذا السقف ~~الرفيعة مرتقى ويظل يسترقي السماء بخافق . . . في الجو تحسبه الشهاب ~~المحرقا يبدو فيعجب من رأه لحسنه . . . وتكاد آية عنقه أن تنطفا مترقرقا من ~~حيث درت كأنما . . . لبس الزجاجة أو تجلبب زئبقا وقال أبو هلال العسكري في ~~حمام أبلق : PageV10P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" ومتفقات الشكل مختلفاته . . . لبسن ظلاما ~~بالصباح مرقعا أخذن من الكافور أنفا ومنسرا . . . وخضبن بالحناء كفا وإصبعا ~~وترنو بأبصار إذا ما أدرنها . . . جلون عقيقا للعيون مرصعا تطير بأمثال ~~الجلام كأنها . . . جنادل تدحوها ثلاثا وأربعا تبوع بها في الجو من غير ~~فترة . . . كأن مجاديفا تبوع بها معا إذا هي عبت في الغدير حسبتها . . . ~~تزق فراخا في المغاور جوعا وقال القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني من ~~رسالة يصف طائرا جاء من غاية : وكان هذا الطائر أحد الرسل المسيرة بل ~~المبشره ، والجنود المجردة بالمسخره ؛ فإنها لا تزال أجنحتها تحمل من ~~البطائق أجنحه ، وتجهز من جيوش المقاصد والأقلام أسلحه ؛ وتحمل من الأخبار ~~ما تحمل الضمائر ، وتطوي الأرض إذا نشرت جناح الطائر ؛ وتزوي لها حتى ترى ~~ما سيبلغه ملك هذه الأمه ، وتقرب بها السماء حتى ترى ما لا يبلغه وهم ms2086 ولا ~~همه ؛ وتكون مراكب للأغراض لما كانت الأجنحة قلوعا ، وتركب الجو بحرا يصفق ~~فيه هبوب الرياح موجا مرفوعا ؛ وتعلق الحاجات على أعجازها ، فلا تعرف ~~الإرادات غير إنجازها . ومن بلاغات البطائق استعارت ما هي به مشهورة من ~~السجع ، ومن رياض كتبها ألفت الرياض فهي إليها دائمة الرجع . وقد سكنت ~~البروج فهي أنجم ، وأعدت في كنائنها فهي للحاجات أسهم . وقد كادت تكون ~~ملائكة فإذا نيطت بالرقاع ، صارت أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع . وقد باعد ~~الله بين أسفارها وقربها ، وجعلها طيف اليقظة الذي صدق العين وما كذبها . ~~وقد أخذت عهود الأمانة فهي في أعناقها أطواقا ، فأدتها من أذنابها أوراقا ؛ ~~فصارت خوافي وراء الخوافي ، وغطت سرها المودع بكتمان سحبت عليه ذيول ريشها ~~الضوافي ؛ ترغم النوى بتقريب العهود ، وتكاد العيون تلاحظها تلاحظ أنجم ~~السعود ؛ فهي أنبياء الطير لكثرة ما تأتي به من الأنباء ، وخطباؤها لأنها ~~تقوم على منابر الأغصان مقام الخطباء . والله أعلم بالصواب . الببغاء وما ~~قيل فيها ، والببغاء طائر هندي ، وحبشي . حسن الخلق ، دمث الخلق ، ثاقب ~~الفهم ، له قوة على حكاية الأصوات بالتلقين والتعليم ، تتخذه الملوك ~~PageV10P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" وأكابر الناس في منازلهم . وفي لونه الأخضر ~~والأغبر والأسود والأحمر والأصفر والأبيض . وهذه الألوان كلها قليلة ونادرة ~~الوجود إلا الأخضر والأغبر . وقد شاهدت أنا بالقاهرة المعزية درة بيضاء ، ~~سوداء المنقار والرجلين ، وعلى رأسها ذؤابة فستقية . وهذا الطائر يتناول ~~الطعم برجله . وله منقار معقف قصير يكسر به ما صلب وينقب به ما تعسر نقبه . ~~وهو في مأكله ومشربه كالإنسان الترف الظريف . والناس يحتالون على تلقنيه ~~بأن ينصبوا تجاهه مرآة يرى خياله فيه ويتكلم الإنسان من ورائها ، فيتوهم ~~الطائر أن خياله في المرآة هو المتكلم فيأخذ نفسه بحكاية ما يسمعه من ذلك ~~الصوت . وقال المولى تاج الدين عبد الباقي اليماني رحمه الله فيها ملغزا : ~~يا سيدا أبدع في المقال . . . ويا رئيسا فاق في المعالي ما حيوان مشبه ~~الإنسان . . . مرتل الآيات في القرآن ذو مبسم صيغ من النضار . . . ومقلة قد ~~ركبت من قار ومخلب يكسر الصليبا . . . ومنطق يفاخر ms2087 الخطيبا ذو حلة بندية ~~البرود . . . منسوجة من أخضر البنود كروضة قد أينعت أزهارها . . . وأدهشتنا ~~بالغنا أطيارها قد جمعت في ذاته ألوان . . . كأنه في خلقه بستان فذاته من ~~ناصع الزبرجد . . . ونوره مركب من عسجد وتارة يبصر من أقاحي . . . خلقته في ~~سائر النواحي وعرفه من خالص المداد . . . ونطقه مستحكم الإيراد يأكل بالكف ~~خلاف الطير . . . ويغتدي وهو قدير السير إن لقط الحب لدى تفريقه . . . رأيت ~~درا جال في عقيقه يحفظ بيت المرء في المغيب . . . ويغتدي كالحارس المرهوب ~~سميه في أسفل البحر . . . مستودع في آخر التيار PageV10P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" إليه يعزي الشاعر المجيد . . . والكاتب ~~النحرير والمجيد فاكشف معمى ما لغزت يا إمام . . . واسلم على مر الدهور في ~~الدوام ؟ الباب الخامس من القسم من الفن الثالث في الطير الليلي ويشتمل ~~هذا الباب على ذكر ما قيل في الخفاش ، والكروان ، والبوم ، والصدى . الخفاش ~~فالخفاش ليس من الطير في شيء ؛ فإنه ذو أذنين ظاهرتين وأسنان وخطم وخصيتين ~~بارزتين ، ويبول كما تبول ذوات الأربع ، ويحيض ، ويلد ، ويرضع ، ولا ريش له ~~. قال بعض المفسرين لكتاب الله عز وجل : إن الخفاش هو الطائر الذي خلقه ~~عيسى بن مريم عليه السلام بإذن الله تعالى ؛ ولذلك هو مباين لصنعة الخالق ؛ ~~ولهذا سائر الطير تقهره وتبغضه ؛ فما كان منها يأكل اللحم أكله ، وما لا ~~يأكل اللحم قتله ؛ فلذلك لا يطير إلا ليلا . وطعامه البعوض والفراش يصيدهما ~~وقت طيرانه ، ولا يبلغ ذلك إلا بما فيه من سرعة الاختطاف وشدة الطيران ولين ~~الأعطاف . وهو مع ذلك ليس بذي ريش وإنما هو لحم مغشى بجلد صلب كأنه جلد ~~ضفدع ، وهو يطير بغير ريش ؛ وهذا من العجب . وهو لا يطير في ضوء ولا ظلمة . ~~وسبب ذلك أه ضعيف حاسة البصر ، قليل شعاع العين ؛ فالشمس تضعف بصره عن ~~التحديق في شعاعها ، والظلمة تغمر ضياء بصره ؛ فهو يجعل طيرانه لطلب قوته ~~وقت غروب الشمس وظهور الشفق . وذلك وقت هيج البعوض وانتشاره . ومنازله تكون ~~في الجبال وصدوع الصخور وبسيط الفيافي وجزائر البحر والأماكن الخربة ~~المهجورة . وهو يطلب قرب الناس ؛ فإذا ms2088 كان في بيوتهم قصد أرفع مكان وأحصنه ~~فيكون فيه . ويذكر بطول العمر ، ويكبر حتى يكون في قدر الحدأة وأكبر . وهو ~~يلد ما بين الثلاثة إلى التسعة . ويسفد غالبا وهو طائر في الهواء . وهو ~~يحمل ولده تحت جناحه ، وربما قبض عليه بفيه لإشفاقه عليه . وربما أرضعت ~~الأنثى ولدها وهي طائرة . أخبرني من شاهد ذلك ممن يعتمد على نقله . وهو متى ~~أصابه شجر الدلب خدر . قال الجاحظ : والخفاش يأتي الرمانة وهي على شجرتها ~~فينقب عنها ويأكل جميع ما فيها حتى لا يدع إلا القشر وحده . قال : ولحوم ~~الخفافيش موافقة للشواهين PageV10P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" والصقور والبوازي ولكثير من جوارح الطير ، ~~وهي تسمن عنها وتصح أبدانها عليها ، ولها في ذلك عمل محمود ناجع عظيم النفع ~~بين الأثر . وقال بعض الشعراء في الخفاش ملغزا : وطائر جناحه في رجله . . . ~~أبعد شيء فصه من وصله لم يوصف الله بخلق مثله . . . وهو على تآلف في شكله ~~لو بيع في سوق له لم أغله وقال آخر : أبى علماء الناس أن يخبرونني . . . ~~وقد ذهبوا في العلم في كل مذهب بجلدة إنسان وصورة طائر . . . وأظفار يربوع ~~وأنياب ثعلب الكروان والكروان طائر من طبعه وعادته الطيران فيا لليل ، ~~والإدلاج والصياح بالأسحار ، والإشراف على مواضع العساكر . ويوصف بالحمق ؛ ~~ومن حمقه أنه يقال له : أطرق كرا ، فيلصق بالأرض حتى يرمى . وتقول العرب : ~~" أطرق كرا أطرق كرا إن النعامة في القرى " . البوم ويقال : إنه الصدى ، ~~ويقال : بل الصدى ذكر البوم ، وللبوم ذكر له منه . ويقال : إنه خمسة أصناف ~~: منه ما يصيد الأرنب . ومنه صنف له لونان يأوي الآكام والبرية . ومنه ~~المدبج بالصفرة ، وله حواجب وقرون من ريش ، ويسكن الجدران . ومنه الهام ~~ويسمى الغبشية . ومنه القن وهو يصيح كالهام لكن صوته أدق . وكل هذه الأصناف ~~تحب الخلوة بنفسها . وهي تبغض الغربان ، وسائر أصناف الطير تبغضها ؛ فإن ~~الطيور إذا رأينها يطرن حولها وينتفن ريشها ؛ فلذلك صيادو الطيور يجعلونها ~~في مصايدهم ؛ لأن الطيور إذا رأوها اجتمعوا عليها ، فتصاد عند ذلك . الصدى ~~فالعرب تزعم أن الإنسان إذا مات أو ms2089 قتل تتصور نفسه في صورة طائر تصرخ على ~~قبره مستوحشة لجسدها . وفي ذلك يقول توبة : ولو أن ليلى الأخيلية سلمت . . ~~. علي ودوني جندل وصفائح لسلمت تسليم البشاشة أو زقا . . . إليها صدى من ~~جانب القبر صائح ويحكون على ذلك حكاية . وتقول العرب : إن هذا الطائر يكون ~~صغيرا ثم يكبر PageV10P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" حتى يصير في قدر البوم ، ويسمونه الهام ، ~~واحده هامة . وهو يتوحش ويصيح ويوجد في الديار المعطلة والنواويس وحيث ~~مصارع القتلى وأجداث الأموات . ويقولون : إنه لا يزال عند ولد الميت ~~ومخلفيه ليعلم ما يكون بعده فيخبره . وهذا كله أراه من خرافات العرب ~~وأكاذيبها . وما زالوا على ذلك حتى جاء الإسلام فنهى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) عنه فقال : " لا عدوى ولا طيرة ولا هامة " الحديث . والله أعلم ~~. الباب السادس من القسم الخامس من الفن الثالث في الهمج وقد قال أبو عثمان ~~عمرو بن بحر الجاحظ فيه : إنه ليس من الطير ، ولكنه مما يطير كالحشرات مما ~~يمشي . والذي أطلق عليه اسم الهمج هو مما يشتمل عليه هذا الباب ، وهو النحل ~~، والزنبور ، والعنكبوت ، والجراد ، ودود القز ، والذباب ، والبعوض ، ~~والبراغيث ، والحرقوص . النحل قال الله عز وجل : " وأوحى ربك إلى النحل أن ~~اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون . ثم كلي من كل الثمرات ~~فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن ~~في ذلك لآية لقوم يتفكرون " . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رجلا ~~أتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : إن أخي يشتكي بطنه يا رسول الله ؛ ~~فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " اسقه عسلا " . ثم أتاه فقال : قد ~~فعلت ؛ فقال : " اسقه عسلا " . ثم أتاه فقال : قد فعلت ؛ فقال : " اسقه ~~عسلا " . ثم أتاه في الرابعة ؛ فقال : " صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلا ~~" ؛ فسقاه فبرئ الرجل . وقال أرسطو : النحل تسعة أصناف : ستة منها يأوي ~~بعضها إلى بعض ، وذكر أسماءها باليونانية . وغذاء النحل من الفضول الحلوة ~~والرطوبات . والنحل لا تقعد على أزهار مختلفة بل ms2090 على زهر واحد ؛ وإن قعدت ~~على زهر آخر فإنما تقعد عليه بعد أن تنصرف إلى الخلية . وبيوتها من أعجب ~~المباني ؛ لأنها مبنية على الشكل الذي لا ينتهك ولا ينخرق ، كأنه حرر بآلة ~~وقياس هندسي . وإذا هلك شيء من النحل في باطن الخلايا أخرجته الأحياء إلى ~~خارجها . وهو يعمل في فصل الربيع والخريف . والربيعي PageV10P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" أجود من الخريفي . والصغير منه أعمل من ~~الكبير . وهو يشرب من الماء النقي العذب الصافي ، ويطلبه حيث كان . وهو ~~يسلخ جلده كالحيات . وتوافقه الأصوات المطربة . ويجتمع للتصفيق بالأيدي ~~والرقص . والسوس يضره . ودواؤه أن يطرح في كل خلية كف من الملح ، وأن تفتح ~~في كل شهر مرة وتدخن بأخثاء البقر . وقد وصف الشعراء الشهد والعسل في ~~أشعارها ؛ فمن ذلك قول إبراهيم بن خفاجة الأندلسي يصف شهدة بعث بها إليه ~~بعض أصدقائه : لله ريقة نحل . . . رعى الربى والشعابا وجاب أرضا فأرضا . . ~~. يغشى مصابا مصابا حتى ارتوى من شفاء . . . يمج منه رضابا إن شئت كان ~~طعاما . . . أوشئت كان شرابا وكتب مع هذه الأبيات رسالة ، جاء منها : وكفى ~~النحلة فضيلة ذات ، وجلالة صفات ؛ أنها أوحي إليها ، وأثني في الكتاب عليها ~~؛ تعلم مساقط الأنداء ، وراء البيداء ؛ فتقع هناك على نوارة عبقه ، وبهارة ~~أنقه ؛ ثم تصدر عنها بما تطبعه شمعه ، وتبدعه صنعه ؛ وترتشف منها ما تحفظه ~~رضابا ، وتلفظه شرابا ؛ وتتجافى بعد منه عن أكرم مجتنى ، وأحكم مبتنى . ~~الزنبور والزنبور يسمى الدبر . وهو جبلي وسهلي . فالجبلي يأوي الجبال ~~والأماكن الخشنة ، وقد يعشش على الشجر ، ولونه إلى السواد . والسهلي أحمر ~~اللون ويتخذ عشه تحت الأرض ويخرج التراب منه كما يفعل النمل ، وهو يختفي في ~~الشتاء فلا يظهر ، وأكثره يهلك . ومن السهلي صنف مختلف الألوان مستطيل ؛ ~~وفي طبعه الشره يطلب المطابخ ويأكل اللحم ، ويطير مفردا ويسكن بطن الأرض . ~~وصنف الزنبور جميعه مقسوم في وسطه ؛ وهو لذلك لا يتنفس من جوفه البتة . ~~ومتى غمس في الدهن سكنت حركاته وذلك لضيق منافذه . وقد وصفه الشعراء . فمن ~~ذلك قول السلامي : PageV10P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" ولابس لون واحد ms2091 وهوطائر . . . ملونة أبراده ~~وهو واقع أغر تردى طيلسانا مدبجا . . . وسود المنايا في حشاه ودائع إذا حك ~~أعلى رأسه فكأنما . . . بسالفتيه من يديه جوامع يخاف إذا ولى ويؤمن مقبلا . ~~. . ويخفى عن الأقران ما هو صانع بدا فارسي الزي يعقد خصره . . . عليه قباء ~~زينته الوشائع فمعجره الوردي أحمر ناصغ . . . ومئزره التبري أصفر فاقع يرجع ~~ألحان الغريض ومعبد . . . ويسقي كؤوسا ملؤها السم ناقع وقال السري الرفاء ~~يصفه : ومخطف الخصر برده حبر . . . نحذره وهو خائف حذر مجنح طار في مجنحة . ~~. . تصعد طورا به وتنحدر كأنها والرياح تنثرها . . . غرائب الزهر حين تنتثر ~~لها حمات كأنها شعر . . . تظهر مسودة وتستتر قد أذهبت في الجبين غرته . . . ~~إذ فضضت في جيادنا الغرر سلاحه الدهر في مؤخره . . . يطعن طورا به وينتصر ~~كأن شطر الذي يجرده . . . من بين فكيه حية ذكر العنكبوت قد ضرب الله عز وجل ~~المثل في الوهن بالعنكبوت ؛ فقال تعالى : " مثل الذين اتخذوا من دون الله ~~أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا ~~يعلمون " . والعنكبوت أصناف : منها صنف يسمى الرتيلا من ذوات السموم ~~القواتل ، وهو عنكبوت صغير . ومنه صنف طويل الأرجل . ومنه صنف يسمى الليث ~~يصيد الذباب ، وله ست عيون وثماني أرجل . وقال الجاحظ : ولد العنكبوت يقوى ~~على النسج ساعة يولد ، وذلك من غير تلقين ولا تعليم . وأول ما يولد دودا ~~صغارا ، ثم يتغير ويصير PageV10P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" عنكبوتا . وهو يطاول في السفاد . ومنه ما هو ~~كبير ونسجه رديء ، ومنه ما هو دقيق . وهو في نسجه يمد السدى ثم يعمل اللحمة ~~، ويبتدئ من الوسط ؛ ويهيء موضعا لما يصيده يكون له كالخزانة . والأنثى منه ~~هي التي تنسج ، والذكر يحل وينقض . والتي تنسجه لا تخرجه من جوفها بل من ~~خارج جسدها . وفم العنكبوت مشقوق بالطول . وهو إذا صاد الذباب يثب عليه ~~وثوب الفهد . وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا : إن نسج العنكبوت يقطع ~~نزف الدم إذا جعل على الجراحة ، وإذا وضع نسجه على القروح منعها أن ترم ~~وعلى الجراحات . وإذا طبخ العنكبوت الذي ms2092 هو غليظ النسج أبيضه بدهن الورد ~~وقطر في الأذن سكن وجعها . قال : وقال بعضهم : إن نسج العنكبوت إذا خلط ~~ببعض المراهم ووضع على الجبهة والصدغين أبرأ حمى الغب . قال : وزعم بعضهم ~~أن نسج الصنف الذي يكون نسجه كثيفا أبيض إذا شد في خيط وعلق على العنق ~~والعضد أبرأ حمى الغب . وقال ابن الرومي يصف فهد العنكبوت : أعجب مستفاد . ~~. . أفادني زماني من الفهود فهد . . . في الاسم والعيان تلك ذوات أربع . . ~~. وذاك ذو ثمان كأنما أرجله . . . مخالب النغران سيفاه سيفا بطل . . . ~~والدرع درع جان مستأنس ما إن بنى . . . والإنس في مكان وصائد وهو من ال . . ~~. مصيد في أمان ذبابه في كفه الط . . . ائر مثل العان وليس يبغي بدلا . . . ~~بطائر الخوان إذا دنا فلم يكن . . . بينهما عقدان عانقه أسرع من . . . ~~تعانق الأجفان PageV10P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" بخفة الوثوب بل . . . بجرأة الجنان فهو عزيز ~~عزة . . . في غاية الهوان وقال خلف الأحمر في الرتيلاء : ابعث له يا رب ذات ~~أرجل . . . في فمها أحجن مثل المنجل دهماء مثل العنكبوت المحول . . . تأخذه ~~من تحته ومن عل الجراد فالجراد أحد جند الله الذي عذب الله به قوم فرعون ؛ ~~قال الله تعالى : " فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع " . ~~والعرب تقول : سرأت الجرادة إذا باضت . فإذا خرج من بيضه فهو دبي ، ويخرج ~~دودا أصهب إلى البياض . فإذا تلونت فيه خطوط صفر وسود وبيض فهو المسيح . ~~فإذا ضم جناحيه فذاك الكتفان ؛ لأنه حينئذ يكتف في المشي . فإذا ظهرت ~~أجنحته وصار أحمر إلى الغبرة فهو الغوغاء والواحدة غوغاءة ؛ وذلك حين يستقل ~~فيخرج بعضه في بعض ولا يتوجه إلى جهة . فإذا بدت في لونه الحمرة والصفرة ~~واختلف في ألوانه فهو الخيفان . اصفرت الذكور واسودت الإناث سمي حينئذ ~~جرادا . وهو إذا أراد أن يبيض التمس لبيضه المواضع الصلدة والصخور الصلبة ~~التي لا تعمل فيها المعاول فيضربها بذنبه فتنفرج له ، ثم يلقي بيضه في ذلك ~~الصدع فيكون له كالأفحوص ويكون حاضنا له ومربيا . والجرادة لها ست أرجل : ~~يدان في صدرها ، وقائمتان في وسطها ، ورجلان في مؤخر ms2093 جسدها . وطرفا رجليها ~~منشاران . والجراد من الحيوان الذي ينقاد إلى رئيس يجتمع إليه كالعسكر ، إن ~~ظعن أوله تتابع كله ظاعنا ؛ وإذا نزل أوله نزل جميعه . ولعابه سم على ~~الأشجار ، لا يقع على شيء منها إلا أهلكه . والجرادة فيها شبه من عشرة من ~~جبابرة الحيوان ، وهي : وجه فرس ، وعينا فيل ، وعنق ثور ، وقرنا إيل ، وصدر ~~أسد ، وبطن عقرب ، وجناحا نسر ، وفخذا جمل ورجلا نعامة ، وذنب حية . قال ~~شاعر : لها فخذا بكر وساقا نعامة . . . وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم حبتها أفاعي ~~الرمل بطنا وأنعمت . . . عليها جياد الخيل بالرأس والفم PageV10P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" وقال أبو علي بن سينا : أجود الجراد السمين ~~الذي لا جناح له ؛ وأرجل الجراد تقلع الثآليل فيما يقال . قال : يؤخذ من ~~مستديراتها اثنتا عشرة وتنزع رءوسها وأطرافها ويجعل معها قليل آس يابس ~~للاستسقاء كما هي . قال : والجراد نافع لتقطير البول ؛ وإذا تبخر به نفع ~~عسره وخصوصا في النساء . ويتبخر به من البواسير . والذي لا أجنحة له يشوى ~~ويؤكل للسع العقرب . وقال بعض الأعراب وذكر فساده : باكرنا وسمى ، ثم خلفه ~~ولى ؛ حتى كأن الأرض وشي منشور ، عليه لؤلؤ منثور ؛ ثم أتتنا غيوم جراد ، ~~بمناجل حداد ، فأخربت البلاد ، وأهلكت العباد . فسبحان من يهلك القوي ~~الأكول ، بالضعيف المأكول . وقال العسكري يصف جرادة : أجنحة كأنها . . . ~~أردية من قصب لكنها منقوطة . . . مثل صدور الكتب بأرجل كأنها . . . مناشر ~~من ذهب وقال أيضا : وأعرابية ترتاد زادا . . . فتمرق من بلاد في بلاد غدت ~~تمشي بمنشار كليل . . . تبوع به قرارة كل واد وتنشر في الهواء رداء شري . . ~~. على أطرافه نقط المداد وقال يعلى بن إبراهيم الأندلسي : وخيفانة صفراء ~~مسودة القرا . . . أتتك بلون أسود فوق أصفر وأجنحة قد ألحقتها لرؤية . . . ~~تقاصر عن أثناء برد محبر وقال آخر : جرادة حنت القلوب لها . . . حين أشارت ~~بناظري ربرب PageV10P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" صفراء جسم يشوبها رقط . . . في نقط من عبيرها ~~الأشهب كأنها والجناح حلتها . . . راقصة في ممسك مذهب ووقفت على حكاية ~~عجيبة في أمر الجراد ، نقلها ابن حلب راغب في تاريخه في حوادث سنة اثنتين ms2094 ~~وتسعين وخمسمائة ، قال : قال القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني : حدثنا ~~القاضي بهاء الدين بن شداد قاضي حلب في يوم الثلاثاء من عشر شهر ربيع الأول ~~سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة ، وقدم علينا في صفر منها ، قال : كان الجراد ~~بالشأم قد زاد أمره وعظم خطبه وأمحلت السنة بعد السنة ولم يسلم من الزرع ~~إلا أقله ؛ فأعلم الملك الظاهر غازي صاحب حلب عن طائر يسمى السمندل ، إذا ~~ظهر الجراد ببلاد أحضر إليها ماء من مكان مخصوص فتبعه ذلك الطائر ووقع على ~~الجراد فأتلفه واستخرج بيضه من التراب ونظف البلاد منه . قال : فندب ثلاثة ~~نفر من العجم ذوي قوة في أبدانهم وصبر على مشقة المشي في أسفارهم ، وأزاح ~~علتهم بنفقة وسعها عليهم ، وساروا على خوزستان ، واستدلوا على الضيعة التي ~~هي من عملها وفيها هذا الماء ، فوصلوا إليها وحملوا من الماء ، ووجدوا هذه ~~العين على وجه الأرض لا تبلغ إلى أن تفيض فتسيح ولا إلى أن تغيض فتستقى . ~~ومن تدبير هذا الماء إلى أن يتم به المراد أن يحمله الماشي ولا يركب ، وإذا ~~نزل بمنزلة علقه ولا يضعه على الأرض ؛ وكان الملك الظاهر قد سير معهم دواب ~~يركبها من لم يحمل الماء بالنوبة ويمشي من يحمله ؛ ومن عادة من يحمله ألا ~~ينفرد بنفسه وألا يسير إلا في قافلة وأن يعلم أهلها بما معه ويشهدهم أنه ما ~~ركب ظهر دابة في حال حمله ، وأنه مشي والماء في إنائه في يده ؛ وكلما وصلت ~~قافلة إلى بلد أدى شهود القافلة ما شهدوا به عند الحاكم ؛ ويتنجز حامل ~~الماء كتبا حكمية من قضاة البلاد في أمرالماء بصحة نسبه وكيفية حمله . قال ~~: ولم يزالوا على ذلك إلى أن وصلوا إلى حلب ، فعلق ذلك الماء ووصل ذلك ~~الطائر في جمع كجمع الجراد وأكثر ، وهو يشبه السماني في قدره ولونه ، ووقع ~~على الجراد فأتلفه واستأصله . قيل : إنه كان يأكل الجرادة والثنتين والثلاث ~~والأربع في دفعة ويرميها في الحال من بطنه ، وإنه يتتبع مكان بيضه في الأرض ~~فيبحث عنه بمناقيره وأخرجه ، حتى صارت ms2095 الأرض كالغربال من أثر نقره ، وإن ~~الجراد ارتفع من الشأم وكشفت به البلوى . قال : وأمر هذا الماء مشهور ~~ومعلوم مستفيض . PageV10P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" دود القز ودود القز وإن لم يكن من الهمج الذي ~~له جناح ، فمآل أمره أن يصير له جناح ؛ ولذلك أوردناه في هذا الباب ~~وألحقناه بهذا النوع . ودود القز أول ما يكون بزرا في قدر حب التين ، وهو ~~البيض الذي يتكون في الدود . ويكون خروجه منه في أول فصل الربيع . ويخرج ~~أصغر من الذر ، وفي لونه . وإذا تأخر خروجه وضعه النساء تحت ثديهن في صرر . ~~فإذا خرج غذي بورق التوت . ويأخذ في النمو إلى أن تصير الدودة منه في قدر ~~الإصبع وينتقل من السواد إلى البياض أولا فأولا ، وذلك في مدة ستين يوما ~~فما دونها . وله في غضون هذه المدة نومات لا يأكل فيها شيئا البتة ، كل ~~نومة يومان ؛ فإذا استيقظ أكل أضعاف ما كان يأكل قبل النوم . فإذا أكمل ~~المدة امتلأ حريرا فلا يبقى فيه مساغ لمأكل ، فيقطع الأكل عند ذلك ويهيج ~~للنسج ؛ فأي شيء تعلق به نسج عليه . وهو ينسج على نفسه بما يخرجه من فيه ~~إلى أن يخرج ما في جوفه ، وهو أرق من العنكبوت ، ويكمل عليه ما يبنيه ، ~~فيكون كهيئة اللوزة . ويبقى محبوسا في غزله قريبا من عشرين يوما ، ثم ينقب ~~عن نفسه ويخرج فراشا أبيض ذا جناحين لا يسكنان عن الاضطراب وقرنين وعينين . ~~وهو إذا نقب عن نفسه وخرج لا ينتفع من نسجه بحرير لأنه يقطع طاقاته . وعند ~~خروجه يهيج للسفاد فيلصق الذكر ذنبه بذنب الأنثى ويلتحمان ساعة زمانية ثم ~~يفترقان ، وتنثر الأنثى البزر على الصفة التي ذكرناها على خرق بيض تكون قد ~~فرشت له . فإذا نفذ ما فيهما من السفاد والبزر ماتا . هذا إذا أريد من ~~الدود البزر . وإذا أريد منه الحرير ترك ذلك النسج في الشمس بعض يوم فيموت ~~. وقد جعله بعض الشعراء مثلا للحريص على جمع المال ، فقال : يفني الحريص ~~لجمع المال مدته . . . وللحوادث والوراث ما يدع كدودة القز ما ms2096 تبنيه يهلكها ~~. . . وغيرها بالذي تبنيه ينتفع وهو كثير العوارض . وأكثر ما يعرض له ~~الفساد إذا أطعم ورق التوت الحامض . ويهلك من صوت الرعد وضرب الطست والهاون ~~، ومن رائحة الخل والدخان . وكثر الحر تهلكه وتذيبه ؛ وكذلك البرد الشديد ~~فإنه يبطئ به . ويؤذيه مس الجنب والحائض ، ويخشى عليه من الفأر والعصفور ~~والنمل والوزغ . الذباب فقد ضرب الله عز وجل به المثل فقال تعالى : " يأيها ~~الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " ~~. PageV10P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" فهذا مثل ضربه الله تعالى لضعف الناس وعجزهم ~~عن الإتيان بمخلوق . وجاء في الحديث : " إذا سقط الذباب في طعام أحدكم أو ~~شرابه فليغمسه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء " . ويقال : إنه يغمس ~~جناح الداء ويرفع جناح الشفاء ، فلهذا ندب إلى غمسه . والعرب تجعل النحل ~~والفراش والدبر من الذباب . قال الجاحظ : والذباب ضروب سوى ما ذكروا من ~~الفراش والنحل والزنابير ؛ فمنها الشعراء . قال الراجز : ذباب شعراء ونبت ~~مائل وللكلاب ذباب على حدة يتخلق منها فلا يريد سواها . ومنها ذباب الكلأ ~~والرياض ؛ وكل نوع منها يألف ما خلق منه . ومنها الذباب الذي يقتل الإبل ~~وهو أزرق . والذباب الذي يسقط على الدواب وهو أصفر . ويقال : إن الذباب ~~يكثر إذا هاجت ريح الجنوب وإنه يخلق في تلك الساعة ؛ وإذا هبت ريح الشمال ~~خف وتلاشى . وهو من ذوات الخراطيم ، وكذلك البعوض . ويقال : إن الذباب لا ~~يعمر أكثر من أربعين يوما . قال الجاحظ : وليس بعد أرض الهند أكثر ذبابا من ~~واسط ، وربما رأيت الحائط وكأن عليه مسحا شديد السواد من كثرة ما عليه من ~~الذباب . ويقال : إن اللبن إذا ضرب بالكندس ونضح به بيت لم يدخله ذباب . ~~ومن عجيب أمر الذباب أنه يلقي رجيعه على الشيء الأبيض أسود وعلى الأسود ~~أبيض . ويقال : إنه لا يظهر إلا في مواضع العفونات والقاذورات ، ومبتدأ ~~خلقه منها ، ثم يكون من السفاد . قال الجاحظ : ويقال : إن الذباب ms2097 لا يقرب ~~قدرا فيه كمأة . والذباب بطيء في سفاده ، وربما بقي الذكر على ظهر الأنثى ~~عامة النهار ؛ فهو يتجاوز في ذلك البعير والخنزير . وهو من الحيوان الشمسي ~~لأنه يخفى في الشتاء ويظهر في الصيف . وللذباب يدان زائدتان في مقدم يديه ~~يتقي بهما الأذى عن عينيه فإنهما بغير أجفان . والعرب تضرب به المثل في ~~الزهو فتقول : " أزهى من ذباب " . قالوا : لأنه يسقط PageV10P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" على أنف الملك الجبار وعلى موق عينيه ويطرده ~~فلا ينطرد . ويضرب به المثل في القذر واستطابة النتن . فإذا عجز الذباب عن ~~شم شيء فلا شيء أنتن منه . وقال ابن عبدل في محمد بن حسان بن سعد ورماه ~~بالبخر : وما يدنو إلى فيه ذباب . . . ولو طليت مشافره بقند يرين حلاوة ~~ويخفن موتا . . . ذعافا إن هممن له بورد ويقال لكل أبخر : أبو ذبان ؛ وكانت ~~من كنى عبد الملك بن مروان . وقد وصف الشعراء الذباب ؛ فمن ذلك قول عنترة : ~~جادت عليها كل عين ثرة . . . فتركن كل حديقة كالدرهم فترى الذباب بها يغني ~~وحده . . . هزجا كفعل الشارب المترنم غردا يحك ذراعه بذراعه . . . فعل ~~المكب على الزناد الأجذم وقال العسكري وجمع بين البراغيث والبعوض والذباب : ~~وبدا فغناني البعوض تطربا . . . فهرقت كأس النوم إذ غناني ثم انبرى البرغوث ~~ينقط أضلعي . . . نقط المعلم مشكل القرآن حتى إذا كشف الصباح قناعه . . . ~~قرأت لي الذبان بالألحان البعوض والبعوض صنفان : صنف يشبه القراد ، لن ~~أرجله خفية ورطوبته ظاهرة ، يسمى بالعراق والشأم الجرجس والفسافس ، وبمصر ~~البق . ويشم رائحة الإنسان ويتعلق به . وله لسع شديد . ولدمه إذا قتل رائحة ~~كريهة . ويقال : إنه يتولد من النفس الحار ولشدة رغبته في الإنسان لا ~~يتمالك إذا شم رائحته ، فإذا كان في السقف رمى بنفسه عليه فلا يخطئه . وهذا ~~الصنف ليس من الطير . والصنف الثاني طائر ويسميه أهل العراق البق والبعوض . ~~ويسميه أهل مصر الناموس . وهو يتولد من الماء الراكد ، فإذا صار الماء ~~رقراقا استحال دعاميص ، ثم يستحيل الدعاميص فراشا . والبعوض في خلقة الفيل ~~إلا أنه أكثر منه أعضاء ، فإن للفيل أربع ms2098 أرجل وخرطوما وذنبا ، وله مع هذه ~~الأعضاء يدان زائدتان وأربعة أجنحة . وخرطوم البعوض أجوف نافذ الخرق ؛ فإذا ~~طعن به جلد الإنسان استقى به الدم وقذف به إلى جوفه . وفيه من الشره أن ~~يمتص من دم الإنسان إلى أن ينشق ويموت ، أو يمتص إلى أ ، يعجز عن الطيران . ~~ومن عجيب أمره أنه ربما قتل البعير وغيره من ذوات الأربع ، فيبقى طريحا ~~PageV10P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" في الصحراء فيجتمع حوله السباع والطير التي ~~تأكل الجيف ، فمن أكل منها منه مات لوقته في موضعه . ويقال : إن جبابرة ~~الولاة بالعراق كان يقتل بالبعوض ، فيأمر بمن يريد قتله أن يجرد من ثيابه ~~ويربط ويخرج إلى بعض الآجام التي بالبطائح فيوجد في أسرع وقت عظاما عارية ~~من جلد ولحم . وقال الجاحظ : بعوض البطائح كجرارات الأهواز وعقارب شهر زور ~~. ربما ظفر بالسكران النائم فلا يبقى فيه إلا العظام العارية . وقد أكثر ~~الشعراء في وصف البعوض ؛ فمن ذلك قول فرج بن خلف الأندلسي : بعوض جعلن دمي ~~قهوة . . . وغنينني بصنوف الأغان كأن عروق ي أوتارهن . . . وجسمي الرباب ~~وهن القيان وقال آخر : إذا البعوض زجلت أصواتها . . . وأخذ اللحن مغنياتها ~~لم تطرب السامع خافضاتها . . . وأرق العينين رافعاتها صغيرة كبيرة أذاتها . ~~. . تنفض عن بغيتها بغاتها ولا يصيب أبدا رماتها . . . رامحة خرطومها ~~قناتها وقال أبو هلال العسكري : غناء يسخن العين . . . وينفي فرح القلب ولا ~~يأتي على الزمر . . . ولا يجري مع الضرب غناء البق بالليل . . . ينافي طرب ~~الشرب إذا ما طرق المرء . . . جرى في طلق الكرب إذا ما نقب الجلد . . . ة ~~أخفى أثر النقب سوى حمر خفيات . . . تحاكي نقط الكتب البراغيث والبرغوث ~~أسود أحدب . وهو من الحيوان الذي لا يمشي ؛ وإنما أوردناه مع ذي الجناح ~~لأنه ذو وثب لا يقصر عن الطيران ؛ ومنه أيضا ما يمشي ولا يثب . وقالوا : ~~إنه يطيل السفاد ، ويبيض ويفرخ . وأصله متولد من التراب في المواضع المظلمة ~~. وهو يكثر ويستطيل ويؤذي في أواخر الشتاء وفصل الربيع . وإذا PageV10P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" اشتد عليه الحر هلك . ومن جناس الكلام فيه ~~قولهم : أذى البراغيث ms2099 إذا البرى غيث . يعنون بالبرى التراب إذا نزل عليه ~~المطر . والبرغوث يكمن بالنهار ويظهر بالليل . ويشتد أذان للإنسان إذا أخذ ~~مضجعه . وهو يطول لبثه بمصر ؛ ولا يوجد في البلاد الحارة مثل صعيد مصر ولا ~~في البلاد الشديدة البرد . وقد أكثر الشعراء في وصف البراغيث وأفعالها ؛ ~~فمن ذلك قول أبي الرماح الأسدي وكان قد سكن مصر : تطاول بالفسطاط ليلي ولم ~~أكن . . . بحنو الغضى ليلي علي يطول يؤرقني حدب صغار أذلة . . . وإن الذي ~~يوقظنه لذليل إذا ما قتلناهن أضعفن كثرة . . . علينا ولا ينعى لهن قتيل ألا ~~ليت شعري هل أبيتن ليلة . . . وليس لبرغوث إلي سبيل وقال العسكري من أبيات ~~: ومن براغيث تنفى النوم عن بصري . . . كأن جفني عن عيني قصيران يطلبن مني ~~ثأرا لست أعرفه . . . إلا عداوة سودان لبيضان وقال أبو الحسن أحمد بن أيوب ~~البصري المعروف بالناهي : لا أعذل الليل في تطاوله . . . لو كان يدري ما ~~نحن فيه نقص لي في البراغيث والبعوض إذا . . . يلحفنا حندس الظلام قصص إذا ~~تغنى بعوضه طربا . . . ساعد برغوثه الغنا فرقص وقال عبد المؤمن بن هبة الله ~~الأصبهاني : بات البراغيث في الفراش معي . . . تقسمني قسمة المواريث أكلنني ~~بعد ما شربن دمي . . . فمن مغيثي من البراغيث وقال أيضا فيها : إن البراغيث ~~إذا ساورت . . . من كنها ترقص أو تقرص وكلما غنت بعوض لها . . . فهي على ~~شرب دمي أحرص PageV10P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" تقفز من ثم إلى هاهنا . . . كأنها زنجية ترقص ~~وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدينوري : وحمش القوائم حدب الظهور . . . ~~طرقن فراشي على غرة وينقطنني بخراطيمهن . . . كنقط المصاحف بالحمرة وقال ~~ابن المعتز : وبراغيث إن ظفرن بجسمي . . . خلت في كل موضع منه خالا الحرقوص ~~فقد ذكره الجاحظ في كتاب الحيوان فقال : وزعموا أنه دويبة أكبر من البرغوث ~~؛ وأكثر ما ينبت لها جناحان بعد حين . وعضة الحرقوص أشد من عضة البرغوث . ~~قالوا : والحرقوص يسمى النهيك . وأكثر ما يعض أحرار النساء وخصى الرجال . ~~قال أعرابي وقد عض الحرقوص خصيتيه : لقد منع الحراقيص القرارا . . . فلا ~~ليلا نقر ولا نهارا يغالبن الرجال على ms2100 خصاهم . . . وفي الأحراح دسا ~~وانجحارا وقالت امرأة تشير إلى زوجها : يغار من الحرقوص إن عض عضة . . . ~~بفخذي منها ما يجز غيور لقد وقع الحرقوص مني موقعا . . . أرى لذة الدنيا ~~إليه تصير الباب السابع من القسم الخامس من الفن الثالث في أنواع الأسماك ~~قال ابن أبي الأشعث : السمك يستنشق الماء بأصداغه فيقوم له مقام الهواء ~~للإنسان . والسمك كله شره كثير الأكل ، وحاسة السمع والشم فيه أقوى منها في ~~الإنسان . واستدل على ذلك بأدلة يطول شرحها . وحاسة البصر فيه ليست كالسمع ~~والشم وإنما أضعف . ولسانه غليظ قصير شبيه باللسان وليس لسانا . وله أضراس ~~ليست للمضغ عليها وإنما لقتل ما يفترسه من حيوان الماء ، ويفرغ فيه سما ~~يكون سببا لقتله . وصغار السمك تحترز من كباره بأن تطلب الماء القليل الذي ~~لا يحمل الكبار . واختلف الناس في سفاد السمك ، فالأكثر على أنه يسفد مثل ~~الحية . وقال PageV10P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" الجاحظ : وفي السمك القواطع والأوابد كالطير ~~. ومن أصناف السمك ما هو في شكل الحيات . قال : وهي إما أن تكون برية أو ~~جبلية فاكتسحتها السيول وألقتها في الماء الدائم فتوالدت فيه ؛ وإما أن ~~تكون أمهاتها وآباؤها من دواب الماء . وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا ~~في الأدوية المفردة : أفضل السمك في جثته ما كان ليس بكبير جدا ولا صلب ~~اللحم ولا يابسه ، ولا دسومة فيه كأنه يتفتت ، والذي لا مخاطية ولا سهوكة ~~فيه وطعمه لذيذ ، فإن اللذيذ مناسب ، وما هو دسم دسومة غير مفرطة ولا غليظة ~~ولا شحمية ولا حريفة ، والذي لا يسرع إليه النتن إذا فصل عن الماء . ويختار ~~من السمك الصلب اللحم ما هو أصغر ، ومن الرخص اللحم ما هو أكبر إلى حد ما . ~~وصلب اللحم مملوحا خير من طريا . وأما في الأجناس فالشبابيط أفضلها ، ثم ~~البني ، والبياح البحري لا بأس به . وأما في مأواه فالذي يأوي الأماكن ~~الصخرية ثم الرملية والمياه العذبة الجارية التي لا قذر فيها ولا حمأة ~~وليست بطيحية ولا نزية ولا من البحيرات الصغار التي لا تسقيها الأنهار ولا ms2101 ~~فيها عيون . قال : والسمك البحري محمود لطيف ؛ وأفضل أصنافه الذي لا يكون ~~إلا في البحر واللجة . والذي يأوي ماء مكشوفا ترفرف الرياح عليه أجود من ~~الذي بخلافه . والذي يأوي ماء كثير الاضطراب والتموج أجود من الذي يأوي ~~الماء الراكد . والسمك البحري لطيف اللحم لا سيما إذا كان مأواه في الشطوط ~~صخرا أو رملا ؛ والذي يصير من البحر إلى أنهار عذبة جرية الماء بالطبع لطيف ~~كثر الرياضة . وأما غذاؤه ، فالذي يغتذي بالحشيش وأصول النبات خير من الذي ~~يغتذي الأقذار التي تطرح من البلاد إلى المستنقعات . وأفضل ما يؤكل السمك ~~اسفيدباجا ثم المشوي على الطابق . وأما المقلي فيصلح لأصحاب المعد القوية ~~ومعه الأبازير . والمشوي أغذى وأبطأ نزولا ، والمطبوخ بالضد . وأفضل طبيخه ~~أن يطبخ بالماء حتى يغلي ثم يلقى فيه . وأما المالح ، فخيره ما كان طريا ~~قريب العهد بالتمليح . وأحمده الممقور بالخل والتوابل . وأما طبعه ، فجميع ~~السمك بارد رطب ، لكن بعضه أسخن بالقياس إلى مزاج PageV10P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" السمك مثل الكوسج والمارماهيج . وأما أفعاله ~~وخواصه ، فالطري منه يولد البلغم المائي مرخ للأعصاب ، غير موافق إلا ~~للمعدة الحارة جدا . قال : وجلد السمك المعروف بسيفيانوس في ناحية بيت ~~المقدس إن ذر رماد جلده في عيون المواشي أذهب بياضها . والمالح من أصناف ~~السمك يخرج السلاء من المناشب . قال : ورأس سماريس محرقا يقلع اللحم الزائد ~~في القروح ويمنع سعتها ويقلع الثآليل واليوث . وماء السمك المالح ينفع من ~~القروح العفنة ويغسلها . قال : وإذا احتقن بسلاقة المالح مرارا نفع من وجع ~~الورك . والسمك الصغار الذي تسميه أهل الشام ومصر الصير إذا تمضمض صاحب ~~القلاع الخبيث بالمري الذي يتخذ منه نفعه . والرعاد الحي إذا قرب من رأس ~~المصدوع أخدره عن الحس بالصداع . قال : وجلد سيفيانوس تحك به الأجفان ~~الجربة فينفع ، وجلده المحرق أيضا يدخل في أدوية العين ؛ ويذهب الاكتحال به ~~مع الملح الظفرة ، وأكله مقليا يورث غشاوة العين بل جميع السمك ؛ ورءوس ~~السمكات المملوحة المجففة تنفع اللهاة الوارمة ، وعلاج جيد من شقاق المقعدة ~~. وغراء السمك يلقى في الأحساء فينفع نفث ms2102 الدم . قال : وحوصلة سيفيانوس ~~تلين البطن مع صعوبة انهضامها . قال : ورأس المالح من سماريس محرقا يجعل ~~على عضة الكلب ولسعة العقرب فينفع ذلك ، وكذلك كل سمكة . ومرقة كل سمك تنفع ~~من السموم المشروبة والنهوش . قال : والسمك ينفع من عسر النفس والربو ~~واليرقان ويسهل البلغم وينفع من خناق الرحم . وقد وصف الشعراء السمك في ~~أشعارها ؛ فمن ذلك قول ابن الرومي يخاطب رئيسا ويستدعي منه سمكا : عسرت ~~علينا دعوة السمك . . . أنى وجودك ضامن الدرك اعلم وقيت الجهل أنك في . . . ~~قصر تلته مطارح الشبك PageV10P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" وبنات دجلة في فنائكم . . . مأسورة في كل ~~معترك بيض كأمثال ا لسبائك بل . . . مشحونة بالشحم كالعكك حسنت مناظرها ~~وساعدها . . . طعم كحل معاقد التكك فليصطد الصياد حاجتنا . . . يصطد مودتنا ~~بلا شرك وقال أبو الفتح كشاجم : ومحجوبة بالماء عن كل ناظر . . . ولكنها في ~~حجبها تتخطف أخذنا عليهن السبيل بأعين . . . رواصد إلا أنها ليس تطرف فجئنا ~~بها بيض المتون كأنها . . . خناجر في أيماننا تتعطف وقال أبو عبادة البحتري ~~وذكر بركة : لا يبلغ السمك المقصور غايتها . . . لبعد ما بين قاصيها ~~ودانيها يعمن فيها بأوساط مجنحة . . . كالطير تنفض في جو خوافيها وقال أبو ~~طالب المأموني في المقلي منه : ماوية فضية لحمها . . . ألذ ما يأكله الآكل ~~يضمها من جلدها جوشن . . . مذيل فهو لها شامل لونت من فضتها عسجدا . . . ~~بالقلي لما ضافني نازل وقال أيضا : مائية في النار مصلية . . . يصبغ من ~~فضتها عسجد كأنما جلدتها جوشن . . . مزرفن الصنعة أو مبرد وقال عطاء بن ~~يعقوب يصف سمكة من رسالة يستدعي بها صديقا ، جاء منها : قد أهدى لنا صديق ~~سمكه ، قد لبست من جلدها شبكه ؛ تشبه حملا شكلا وقدا ، أو جرابا قد امتلأ ~~زبدا ؛ كأنها أرادت أن تحارب نجم السماك ، أو حوت الأفلاك ؛ فلبست من جلدها ~~جوشنا مزردا . وسلت من ذنبها سيفا مجردا . PageV10P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" وقال خالد بن صفوان ليزيد بن المهلب يصف سمكا ~~: أتيت ببنات بيض البطون ، زرق العيون ، سود المتون ، حدب الظهور ، معقفات ~~الأذناب ، صغار الرءوس ، غلاظ القصر ، عراض السرر . هذا ما ms2103 اتفق إيراده في ~~السمك المطلق . فلنذكر أصنافا من أنواع الأسماك . ذكر شئ من أنواع الأسماك ~~وأنواع الأسماك كثيرة جدا ، ومنها ما يعرفه الناس ، ومنها ما لم يعرفوه ، ~~ومنها ما يكون في أماكن من البحار دون غيرها . وقد ذهب بعضهم أن كل حيوان ~~في البر يكون مثله في البحر . فلنورد في هذا الفصل ما أمكن إيراده ، وهو ~~الدلفين ، والرعاد ، والتمساح ، والسقنقور ، والسلحفاة ، واللجأة ، والفرس ~~النهري ، والجندبيدستر والقندس ، والقاقم والضفادع ، والسرطان ، وشيء من ~~عجائب الحيوان المائي ، على حكم الاختصار حيث تعذر الاستيعاب . الدلفين هو ~~كالزق المنفوخ ، وله رأس صغير جدا . وهو يوجد في بحر النيل يقذفه البحر ~~الملح إليه . ويقال : ليس في دواب البحر ماله رئة غيره ؛ فلذلك يسمع له ~~التنفس والنفخ ، وهو إذا ظفر بالغريق كان أقوى الأسباب في نجاته ؛ فإنه لا ~~يزال يدفعه إلى البر حتى ينجيه . وهو من أقوى الدواب المائية . ولا يؤذي و ~~يأكل غير السمك . وربما ظهر على وجه الماء وهو نائم كالميت . وهو يلد ويرضع ~~. وأولاده تتبعه حيث ذهب ؛ ولا يلد إلا في الصيف . وفي طبعه الأنس بالناس ~~وخصوصا الصبيان . وإذا صيد جاءت الدلافين لقتال صائده ، فإذا أطلقه لها ~~انصرفت . وأهل المراكب في البحر الفارسي إذا رأوه استبشروا به وأيقنوا ~~ببلوغ الأرب سيما الغزاة . الرعاد ويكون في نيل مصر ، ولم أسمع به في غيره ~~. وفيه من الخاصية أنه لا يستطيع أحد من الناس أن يمسه . ومتى وضع الإنسان ~~يده عليه نزعها بحركته وصاح صيحة منكرة ربما دهش الإنسان لها ؛ ويجد الرجل ~~في فؤاده خفقانا من ذلك . وهو متى وقع في شبكة الصياد ارتعدت يداه عند ~~إخراج الشبكة من الماء أو جذب الحبل ، فيعلم أنه قد وقع له السمك الرعاد . ~~التمساح وهو أيضا لا يكون إلا في نيل مصر ؛ وزعم قوم أنه يوجد في مهران في ~~السند ، لزعمهم أنه من النيل . وهو شديد البطش في الماء . وهو يعظم إلى أن ~~PageV10P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" ينتهي في الطول إلى عشرين ذراعا في عرض ~~ذراعين . ويفترس الفرس والإنسان . ولا يقوى ms2104 على قتاله من الحيوان إلا ~~الجاموس . وله يدان ورجلان وذنب طويل يضرب به ويلف . وهو لا يصاد إلا أن ~~يضرب في إبطيه ، ومنهما مقتله . ويقال : إنه أراد السفاد خرج هو والأنثى ~~إلى البر فيقلبها على ظهرها ويستبطنها ؛ فإذا فرغ قلبها لأنها لا تتمكن من ~~الانقلاب لقصر يديها ورجليها ويبس ظهرها . وهي تبيض في البر ، فما وقع في ~~الماء صار تمساحا وما بقي في البر صار سقنقورا . والتمساح يحرك فكه الأعلى ~~دون الأسفل ، ولسانه معلق به . ويقال : إنه ليس له مخرج ، وإن جوفه إذا ~~امتلأ خرج إلى البر وفتح فمه فيجيء طائر صغير أرقط فينقر بمنقاره ما في ~~جوفه ويخرجه ، وذلك غذاء الطائر وراحة للتمساح . وفي رأس هذا الطائر شوكة ~~فإذا أغلق التمساح فمه عليه نخسه بها فيفتحه . ويقال : إن للتمساح ستين سنا ~~وستين عرقا ، ويسفد ستين مرة ، ويبيض ستين بيضة . ويوجد في جلده مما يلي ~~بطنه سلعة كالبيضة فيها رطوبة لها رائحة كالمسك ، وتنقطع رائحتها بعد أشهر ~~. ووصفه شاعر فقال : وذي هامة كالترس يفغر عن فم . . . يضم على مثل الحسام ~~المثلم ويفتر عن مثل المناشير ركبت . . . على مشفر مثل القليب المهدم مشى ~~في شواة من فقارة غيلم . . . وسقف لحيا عن مناكب شيهم السقنقور ويسمى ~~الحرذون البحري . ويقال : إنه ورل مائي . ومنه ما هو مصري ، وما هو هندي ، ~~وما يتولد في بحر القلزم وببلاد الحبشة . وهو يغتذي في الماء بالسمك وفي ~~البر بالقطا . وأنثاه تبيض عشرين بيضة وتدفنها في الرمل ، فيكون ذلك حضنها ~~. وجلده خشن مدبج بالسواد والصفرة وهو إذا عض إنسانا وسبقه الإنسان إلى ~~الماء فاغتسل منه مات السقنقور ؛ وإن سبق السقنقور الإنسان إلى الماء مات ~~الإنسان . وبين السقنقور وبين الحية عداوة عظيمة ، متى ظفر أحدهما بصاحبه ~~قتله . وقال الشيخ الرئيس : أجود السقنقور ما صيد في الربيع وقت هيجانه . ~~وأجود أعضائه السرة . وهو ينفع من العلل الباردة في العصب . وملحه يهيج ~~الباه فكيف لحمه ، وخصوصا لحم سرته وما يلي كليتيه وخصوصا شحمها . السلحفاة ~~واللجأة يقال : إن اللجأة تبيض في البر ms2105 ، فما أقام به سمي PageV10P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" سلحفاة ، وما وقع في البحر سمي لجأة . فأما ~~ما يبقى في البر فإنه يعظم حتى لا يكاد الرجل الشديد يحمله . وقد رأيت في ~~سنة سبع وسبعمائة بالقاهرة المعزية سلحفاة تحمل الرجل وتمشي به وهو قائم ~~على ظهرها . وما ينزل البحر يعظم حتى لا يكاد الحمار يحمله ؛ وربما وجد ~~منها ما زنته أربعمائة رطل . وتبيض أنثاه أربعمائة بيضة . وهي تحضن بيضها ~~بالنظر إليه والرصد له لا غير . وللذكر نزكان وللأنثى فرجان . والذكر يطيل ~~المكث في السفاد . والعرب تكنيها أم طبق . ويزعمون أنها تبيض تسعا وتسعين ~~بيضة ، وتبيض تمام المائة بيضة يخرج منها أسود أي ثعبان . وهو مولع بأكل ~~الحيات ؛ وإذا أكل الأفعى أكل صعترا جبليا ؛ فإذا أكثر من أكل الحيات ~~والصعتر هلك . وله تحيل فيما يصيده من الطائر ، وهو أنه يصعد من الماء ~~ويتمرغ في التراب ويأتي موضعا قد سقط الطير عليه ليشرب ، فيخفى على الطير ~~بكدرة لونه التي اكتسبها من الماء والتراب ، فيصيد منها ما يكون له قوتا ~~ويدخل به الماء فيموت الطائر فيأكله . ووصفها الشاعر فقال : وسلحفاة يمج . ~~. . سكونها والحركه شبهتها بديلمي . . . ساقط في معركه مستتر بترسه . . . ~~عمن عسى أن يهلكه وقال أبو بكر الخوارزمي يصف لجأة : بنت ماء بدت لنا من ~~بعيد . . . مثل ما قد طوى البحاري سفره رأسها رأس حية وقراها . . . ظهر ترس ~~وجلدها جلد صخره مثل فهر العطار دق به العط . . . ر فخلت طرائق الطيب ظهره ~~يقطع الخوف رأسها فإذا ما . . . أمنته فرأسها مستقره وقال آخر : لحى الله ~~ذات فم أخرس . . . تطيل من العي وسواسها تكب على ظهرها ترسها . . . وتظهر ~~من جلها فاسها إذا الحذر أقلق أحشاءها . . . وضيق بالخوف أنفاسها تضم إلى ~~نحرها كفها . . . وتدخل في جوفها رأسها PageV10P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" أما الفرس النهري وهو عظيم الجثة ، وخلقه خلق ~~الفرس ؛ إلا أن وجهه أوسع ؛ وله أظلاف كالبقرة ؛ وذنبه مثل ذنب الخنزير ؛ ~~وصوته يشبه صوت الفرس . وهو لا يوجد إلا في نيل مصر . وهو يخرج من الماء ~~إلى البر ، ويرعى ms2106 الزرع . وإذا قصد الزرع لا يبتدئ من أوله ، ولكنه يجوز ~~منه قطعة بقدر ما يأكل ويبتدئ منها بحيث يكون وجهه إلى البحر . وهو يقتل ~~التمساح ويقهره . وأهل الديار المصرية إذا رأوا أثر حافره في البر تباشروا ~~بزيادة النيل وكثر الخصب . وفي سنة اثنتين وسبعمائة طلع الفرس النهري إلى ~~البر بالجيزة وأبعد عن البحر ، فتحيل عليه وقتل . وأهل النوبة يصيدونه ~~كثيرا ، ويتخذون من جلده سياطا يسوقون بها الإبل . الجندبيدستر وهو السمور ~~، ويسمى كلب الماء . ولا يوجد إلا ببلاد القفجاق وما يليها . وهو على هيئة ~~الثعلب ، أحمر اللون ، لا يدان له ، وله رجلان وذنب طويل ، ورأسه كرأس ~~الإنسان . ووجهه مستدير . وهو يمشي متكئا على صدره كأنه يمشي على أربع ، ~~وله أربع خصى : ثنتان ظاهرتان وثنتان باطنتان . وهو إذا أراد الصيادين ~~يجدون في طلبه لأجل الجندبيدستر ، وهو خصيتاه الظاهرتان ، قطعهما بفيه ورمى ~~بهما إليهم ؛ إذ لا حاجة لهم إلا بهما . فإن لم يرهما الصيادون وداموا في ~~الجد في طلبه استلقى على ظهره ليريهم الدم ، فيعلمون أنه قطعهما فينصرفون ~~عنه . وهو إذا قطع الظاهرتين ظهر الباطنتان وعوض عنهما غيرهما . وفي داخل ~~الخصية شبه الدم أو العسل زهم الرائحة سريع التفرك إذا جف . ويقال : إنه ~~يوكر على الأرض ويولد عليها ويرعى فيها ، ويهرب إلى الماء يعتصم به ؛ ~~ويمكنه أن يلبث في قعره حابسا لنفسه زمانا ثم يخرج إلى الهواء . حيوان ~~القندس والقاقم فالقندس يغتذي بالسمك والنبات . ويقال : إن فيه سادة وعبيدا ~~؛ وإنه يتخذ مساكن مرتبة على ترتيب مساكن الناس . والسادة يتخذون في بيوتهم ~~صففا مرتفعة يكونون عليها ، وفي أسفلها مواضع للعبيد ، ولبيوتهم أنفاقا إلى ~~البر وأبوابا إلى النهر . وبعض هذا الحيوان يغير على بعض . والسادة لا ~~تتكسب ، وإنما يتكسب لها العبيد . ويعرف جلد السيد من جلد العبد بحسن لونه ~~وبصيصه . وأهل تلك البلاد يسلخون خراطيم القندس والسمور ويتعاملون بها كما ~~يتعامل بالدنانير PageV10P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" والدراهم بحيث يكون عليها ختم الملك . وجلد ~~هذا الحيوان هو الذي يعمل شرابيش الأمراء وأطواق التشاريف ودوائرها . ~~والقاتم : حيوان يشبه ms2107 السنجاب إلا أنه أبرد منه وأرطب ولهذا هو أبيض يقف ~~وهو يجلب عن بحر الجرز وجلده يشبه جلد الفنك الضفادع وهو أصناف كثيرة ، ~~تكون من سفاد وغير سفاد . وهي تبيض في البر وتعيش في الماء . والذي من غير ~~سفاد يتولد من المياه الضعيفة ، ومن العفونات ، وغب الأمطار الغزيرة ، حتى ~~يتوهم المتوهم أنه يسقط من السحاب لكثرة ما يرى منه على الأسطحة عقيب المطر ~~. ويقال : إنه يخلق في تلك الساعة . والضفدع من الحيوان الذي لا عظم له . ~~وفيه ما ينق وما ليس ينق . وليس صوت ما ينق من فيه ولكنه من جلود رقاق تكون ~~إلى جانب أذنيه ؛ فإذا أراد النقيق انفتحت فيخرج الصوت منها . وهي تنطبق في ~~زمن الشتاء فلا تنفتح حتى يعتدل الجو . قال الجاحظ : والضفدع لا يصيح ولا ~~يمكنه الصياح حتى يدخل حنكه الأسفل الماء ، فإذا صار في فيه بعض الماء صاح ~~؛ ولذلك لا تسمع للضفادع نقيقا إذا كن خارجات من الماء . قال : والضفادع ~~تنق ، فإذا أبصرت النار أمسكت . وتوصف بحدة السمع إذا كانت خارج الماء . ~~ويضرب بها المثل في السمع والحذر ، فيقال : " أحذر من ضفدع " و " أسمع من ~~ضفدع " . وقال شاعر يصف الضفادع : ومقعدات زانهن أرجل . . . كقعدة الناكح ~~حين ينزل يكسين وشيا وعيون تكحل وقال آخر : دعتك في فاضة مدنرة . . . ليس ~~لها طرة ولا هدب قد نسجت من زبرجد فجرى . . . بين تضاعيف نسجها الذهب يظل ~~صمتا نهاره فإذا . . . أدركه الليل بات يصطخب هو وإن لم يغط مقلته . . . ~~جفن ولا امتد خلفه ذنب يعجبني ما أراه منه ففي . . . خلقته واختلافها عجب ~~السرطان وهو ذو فكين ومخالب وأظفار حداد ، كثير الأسنان ، PageV10P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" صلب الظهر ، سريع العدو ، وعيناه على كتفيه ، ~~وفمه في صدره ، وفكاه مشقوقان من جانبين . وله ثماني أرجل . وهو يمشي على ~~جانب واحد ؛ ويستنشق الماء والهواء معا . وهو يسلخ جلده في السنة ست مرات . ~~وتخذ بجحره بابين ، أحدهما إلى الماء والثاني إلى البر . فإذا سلخ جلده سد ~~عليه ما يلي الماء خوفا من السمك وترك ما يلي ms2108 البر مفتوحا ؛ فإذ جفت رطوبته ~~واشتد ، فتح ما يلي الماء وطلب معاشه . قال شعر يصفه : في سرطان الماء ~~أعجوبة . . . ظاهرة للخلق لا تخفى مستضعف المنة لكنه . . . أبطش من حاربته ~~كفا يسفر للناظر عن جملة . . . متى مشى قدرها نصفا وقال أبو عبيد البكري في ~~كتابه المترجم بالمسالك والممالك : إن ببحر الصين سرطانات تخرج كالذراع ~~والشبر ، فإذا صارت إلى البر عادت حجارة وانقلبت عن الحيوانية ؛ والأطباء ~~يتخذون منها كحلا يجلو البياض . ذكر شيء من عجائب الحيوان المائي وعجائب ~~البحر كثيرة جدا لا يستغرب ما نذكر منها ؛ ولذلك قيل : " حدث عن البحر ولا ~~حرج " . وقد حكى صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر في كتابه ، قال : رأيت ~~في بعض المجاميع المجهولة أن في بعض البحار شاة شعراء تكون في البر مع ~~البهائم حين الرعي ؛ فإذا فرغت من رعيها عادت إلى الماء ، وتأكل السمك . ~~قال : وذكر لها خواص . قال : وذكر بعضهم دابة سماها خز الماء ولم يسم ~~المكان الذي تكون فيه ، وقال : إنها مثال ابن عرس أو أكبر قليلا ، سباحتها ~~في الماء كجريها في البر ، لها وبر ناعم تعمل منه ثياب الخز ، وهذا الوبر ~~موجود تأتي به التجار من البحر الرومي يباع بالقاهرة ، ويسمونه صوف السمك ؛ ~~وهو أخضر اللون ؛ ويقال : إنه إن طلع من البحر يكون أبيض يققا ، فإذا صار ~~إلى البر وأصابه النسيم انقلب إلى الخضرة . وهو يغزلونه ويلحمون به الثياب ~~المسداة بالحرير ، وقيمته لا تقصر عن قيمة الحرير وربما يزيد عليه . وأرخص ~~ما ابتعته أنا حسابا عن وزن كل مائة درهم أربعين درهما . وبه تخنق الأفاعي ~~بمصر ، تفتل منه خيوط تسمى إذا خنق بها الأفاعي حبال الخناق ، لها نفع في ~~تحليل مرض الخناق . PageV10P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" ويقال : إن ببحر الروم ، وربما بغيره أيضا ، ~~حيوانا يسمونه بنات الماء يشبهن النساء ، لهن شعور سباط ، ألوانهن إلى ~~السمرة ، ذوات فروج عظام وثدي ، ولهن قهقهة وضحك وكلام لا يفهم ؛ وربما ~~يقعن لأصحاب المراكب وغيرهم فينكحونهن فيجدون لنكاحهن لذة عظيمة ثم ~~يعيدونهن إلى البحر . وفي البحر أيضا أمثال ms2109 الرجال ، ويقال : إنهم يظهرون ~~بالإسكندرية وبالبرلس ورشيد في صورة الإنسان بجلود لزجة ، لهم بكاء وعويل ~~إذا وقعوا في أيدي الناس ؛ وذلك أنهم ربما برزوا عن البحر إلى البر يتشمسون ~~فيقع بهم الصيادون ؛ فإذا سمع الناس بكاءهم أطلقوهم رحمة لهم . الباب ~~الثامن وهو ذيل على القسم الخامس من الفن الثالث ويشتمل هذا الباب على ذكر ~~شيء مما وصفت به آلات الصيد في البر والبحر ووصف رماة البندق ، وما يجري ~~هذا المجرى . آلات الصيد رماة البندق ومما وصفت به الجلاهق وهو قسي البندق ~~. من ذلك ما كتب به أبو إسحاق الصابي من رسالة إلى أبي الفرج محمد بن ~~العباس بن فسابخش ، جاء منها : أقبلت رفقة الرماة قد برزت قبل الذرور ~~والشروق ، وشمرت عن الأذرع والسوق ؛ مقلد بن خرائط شاكلت السيوف بحمائلها ~~ونياطاتها ، وناسبتها في آثارها ونكاياتها ؛ تحمل من البندق الملموم ، ما ~~هو في الصحة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم ؛ كأنما خرط بالجهر ، فجاء كبنات ~~الفهر ؛ قد اختير طينه ، وملك عجينه ؛ فهو كالكافور المصاعد في اللمس ~~والمنظر ، وكالعنبر الأذفر في الشم والمخبر ؛ مأخوذ من خير مواطنه ، مجلوب ~~من أطيب معادنه ؛ كافل PageV10P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" بمطاعم حامليه ، محقق لآمال آمليه ؛ ضامن ~~لحمام الحمام ، متناول لها من أبعد مرام ؛ يعرج إليها وهو سم ناقع ، ويهبط ~~بها وهي رزق نافع . ومنها في وصف القسي : وبأيديهم قسي مكسوة بأغشية السندس ~~، مشتملة منها بأحسن ملبس ؛ مثل الكماة في جواشنها ودروعها ، والجياد في ~~جلالها وقطوعها ؛ حتى إذا جردت من تلك المطارف ، وانتضيت من تلك الملاحف ؛ ~~رأيت منها قدودا مخطفة رشيقه ، وألوانا معجبة أنيقه ؛ صلبة المكاسر ~~والمعاجم ، نجيبة المنابت والمناجم ؛ خطية الأسماء والمناسب ، سمهرية ~~الأعراق والمناصب ؛ ركبت من شظايا الرماح الداعسه ، وقرون الأوعال الناخسه ~~؛ فحازت الشرف من طرفيها ، واستولت عليه بكلتا يديها ؛ قد انحنت المشيخة ~~النساك ، وصالت صيال الفتية الفتاك ؛ واستبدلت من قديمها في عزذ الفوارس ، ~~بحديثها من نفيس الملابس ؛ وانتقلت من جدها في طراد المغارات ، إلى هزلها ~~في طرد المسهرات ؛ ظواهرها صفر وارسه ، ودواخلها سود دامسه ؛ كأن شمس أصيل ~~طلعت على ms2110 متونها ، أو جنح ليل اعتكر في بطونها ؛ أو زعفرانا جرى فوق ~~مناكبها ، أو غالية جمدت على ترائبها ؛ أو قضبان فضة أذهب شطرها وأحرق شطر ~~، أو حبات رمل اعتنق السود منها صفر . وجاء منها في وصف الوتر : فلما ~~توسطوا تلك الروضه ، وانتشروا في أكناف تلك الغيضه ؛ وثبتت للرمي أقدامهم ، ~~وشخصت للطير أبصارهم ؛ وتروها بكل وتر فوق سهمه منه ، وهو مفارق للسهم ~~وخارج عنه ؛ مضاعف عليها من وترين ، كأنه شخص ذو جسدين ، أو عناق ضم ضجيعين ~~؛ في وسطه عين كشرجة كيس مختوم ، أو سرة بطن خميص مهضوم ؛ تروع قلب الطير ~~بالإنباض ، وتصيب منها مواقع الأغراض . PageV10P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" وقال ضياء الدين بن الأثير الجزري من رسالة ~~في وصف القسي . وذكر الرماة ، جاء منها : وإذا تناولوها بأيديهم قلت : أهلة ~~طالعة في أكف أقمار ، وإذا مثل غناؤها وغناؤهم قلت : منايا مسوقة في أيدي ~~أقدار ؛ وتلك قسي وضعت للعب لا للنضال ، ولردى الطير لا لردى الرجال . فإذا ~~نعتها ناعت قال : إنها جمعت بين وصف اللين والصلابه ، وصيغت من نوعين ~~غريبين فحازت معنى الغرابه ؛ فهي مركبة من حيوان ونبات ، مؤلفة منها على ~~بعد الشتات ؛ هذا من سكان البحر وسواحله ، وهذا من سكان البر ومجاهله . ومن ~~صفاتها أنها لا تتمكن من البطش إلا حين تشد ، ولا تنطلق في شأنها إلا حين ~~تعطف وترد . ولها بنات أحكم تصويرها ، وصحح تدويرها ؛ فهي في لونها صندلية ~~الإهاب ، وكأنها صيغت لقوتها من حجر لا من تراب ؛ فإذا حذفها نحو الأطيار ~~أحد ، قيل : وتصعد من الأرض من جبال فيها من برد ، فلا ترى حينئذ إلا قتيلا ~~بالمقتل الذي لا يجب في مثله من قود ؛ فهي كافلة من تلك الأطيار بقبض ~~نفوسها ، ومنزلة لها من السماء على أم رءوسها . ومن إنشاء المولى الفاضل ~~شهاب الدين محمود بن سليمان الحلبي الكاتب ، أمتع الله ببقائه ، وزاد في ~~علوه وارتقائه ، رسالة في رمي البندق ، وصف فيها الرماة ، ومواضع الرمي ~~ووقته ، والقسي ، وأفعال الرماة ، وجميع طير الواجب ، لم أقف فيما طالعته ~~لمتقدم ولا متأخر على أجمع لهذا ms2111 الفن منها ؛ وهي مما يستعين بها الكاتب على ~~إنشاء ما يقصده من قدم البندق في أي نوع أراد من طير الواجب . وقد أوردتها ~~بجملتها ؛ لحسن التئامها ، واتساق نظامها ؛ وجودة ترتيبها ، وبديع تهذيبها ~~. وهي : الرياضة ، أطال الله بقاء الجناب الفلاني ، وجعل حبه كقلب عدوه ~~واجبا ، وسعده كوصف عبده للمسار جالبا وللمضار حاجبا ، تبعث النفس على ~~مجانبة الدعة والسكون ، وتصونها عن مشابهة الحمائم في الركون إلى الوكون ؛ ~~وتحضها على أخذ حظها من كل فن حسن ، وتحثها على إضافة الأدوات الكاملة إلى ~~فصاحة اللسن ؛ وتأخذ بها طورا في الجد وطورا في اللعب ، وتصرفها في ملاذ ~~السمو في المشاق التي يستروح إليها التعب ؛ فتارة تحمل الأكابر والعظماء في ~~طلب الصيد على مواصلة PageV10P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" السرى ، ومقاطعة الكرى ؛ ومهاجرة الأوطار ، ~~ومهاجمة الأخطار ؛ ومكابدة الهواجر ، ومبادرة الأوابد التي لا تدرك حتى ~~تبلغ القلوب الحناجر ؛ وذلك من محاسن أوصافهم التي يذم المعرض عنها ، وإذا ~~كان المقصود من مثلهم جد الحرب فهذه صورة لعب يخرج إليها منها ؛ وتارة ~~تدعوهم إلى البروز إلى الملق ، وتحدوهم في سلوك طريقها مع من هو دونهم علا ~~ملازمة الصدق ومجانبة الملق ؛ فيعتسفون إليها الدجى ، إذا سجى ؛ ويقتحمون ~~في بلوغها حرق النهار ، إذا انهار ؛ ويتنعمون بوعثاء السفر ، في بلوغ الظفر ~~؛ ويستصغرون ركوب الخطر ، في إدراك الوطر ؛ ويؤثرون السهر على النوم ، ~~والليلة على اليوم ؛ والبندق على السهام ، والوحدة على الالتئام . ولما ~~عدنا من الصيد الذي اتصل بعلمه حديثه ، وشرح له قديم أمره وحديثه ؛ تقنا ~~إلى أن نشفع صيد السوانح برمي الصوادح ، وأن نفعل في الطير الجوانح بأهلة ~~القسي ما تفعل الجوارح ؛ تفضيلا لملازمة الاتحال ، على الإقامة في الرحال ؛ ~~وأخذا بقولهم : لا يصلح النفس إذ كانت مدبرة . . . إلا التنقل من حال إلى ~~حال فبرزنا وشمس الأصيل تجود بنفسها ، وتسير من الأفق الغربي إلى جانب ~~رمسها ؛ وتغازل عيون النوار بمقلة أرمد ، وتنظر إلى صفحات الورد نظر المريض ~~إلى وجوه العود ؛ فكأنها كئيب أضحى من الفراق على فرق ، أو علل يقضي بين ~~صحبه بقايا مدة الرمق ؛ وقد ms2112 اخضلت عيون النور لوداعها ، وهم الروض بخلع ~~حلته المموهة بذهب شعاعها . والطل في أعين النوار تحسبه . . . دمعا تحير لم ~~يرقأ ولم يكف كلؤلؤ ظل عطف الغصن متشحا . . . بعقده وتبدى منه في شنف يضم ~~من سندس الأوراق في صرر . . . خضر ويخبا من الأزهار في صدف والشمس في طفل ~~الإمساء تنظر من . . . طرف غدا وهو من خوف الفراق خفي PageV10P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" كعاشق سار عن أحبابه وهفا . . . به الهوى ~~فتراءاهم على شرف إلى أن نضا المغرب عن الأفق ذهب قلائدها ، وعوضه عنها من ~~النجوم بخدمها وولائدها ؛ فلبثنا بعد أداء الفرض لبث الأهله ، ومنعنا ~~جفوننا أن ترد النوم إلا تحله ؛ ونهضنا وبرد الليل موشع ، وعقده مرصع ؛ ~~وإكليله مجوهر ، وأديمه معنبر ؛ وبدره في خرد سراره مستكن ، وفجره في حشى ~~مطالعه مستجن ؛ كأن امتزاج لونه بشفق الكواكب خليطا مسك وصندل ، وكأن ثرياه ~~لامتداده معلقة بأمراس كتان إلى صم جندل . ولاحت نجوم الليل زهرا كأنها . . ~~. عقود على خود من الزنج تنظم محلقة في الجو تحسب أنها . . . طيور على نهر ~~المجرة حوم إذا لاح بازي الصبح ولت يؤمها . . . إلى الغرب خوفا منه نسر ~~ومرزم إلى حدائق ملتفه ، وجداول محتفه ؛ إذا جمش النسيم غصونها اعتنقت ~~اعتناق الأحباب ، وإذا فرك من المياه متونها انسابت في الجداول انسياب ~~الحباب ، ورقصت في المناهل رقص الحباب ؛ وإن لثم ثغور نورها حيته بأنفاس ~~المعشوق ، وإن أيقظ نواعس ورقها غنته بألحان المشوق ؛ فنسيمها وان ، ~~وشميمها لعرف الجنان عنوان ، ووردها من سهر نرجسها غيران ، وطلها في خدود ~~الورد منبث وفي طرر الريحان حيران ؛ وطائرها غرد ، وماؤها مطرد ؛ وغصنها ~~تارة يعطفه النسيم إليه فينعطف ، وتارة يعتدل تحت ورقائه فتحسب أنها همزة ~~على ألف ؛ مع ما في تلك الرياض من توافق المحاسن وتباين الترتيب ؛ إذ كلما ~~اعتل النسيم صح الأرج وكلما خر الماء شمخ القضيب . فكأنما تلك الغصون إذا ~~ثنت . . . أعطافها رسل الصبا أحباب فلها إذا افترقت من استعطافها . . . صلح ~~ومن سجع الحمام عتاب وكأنها حول العيون موائسا . . . شرب وهاتيك المياه ~~شراب فغديرها كأس وعذب نطافها . . . راح ms2113 وأضواء النجوم حباب تحيط بملق ~~نطافها صاف ، وظلال دوحها ضاف ، وحصاها لصفاء مائها في نفس PageV10P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" الأمر راكد وفي رأى العين طاف ؛ إذا دغدغها ~~النسيم حسبت ماءها بتمايل الظلال فيه يتبرج ويميل ؛ وإذا اطردت عليه أنفاس ~~الصبا ظننت أفياء تلك الغصون فيه تارة تتموج وتارة تسيل ؛ لكأنه محب هام ~~بالغصون هوى فمثلها في قلبه ، وكأن النسيم كلف بها غار من دنوها إليه ~~فميلها عن قربه . والسرو مثل عرائس . . . لفت عليهن الملاء شمرن فضل الأزر ~~عن . . . سوق خلاخلهن ماء والنهر كالمرآة تبصر وجهها فيه السماء وكأن صواف ~~الطير المبيضة بتلك الملق خيام ، أو ظباء بأعلى الرقمتين قيام ، أو بأباريق ~~فضة رءوسها لها فدام ، ومناقيرها المحمرة أوائل ما انسكب من المدام ؛ وكأن ~~رقابها رماح أسنتها من ذهب ، أو شموع أسود رءوسها ما انطفأ وأحمره ما التهب ~~. وكنا كالطير الجليل عده ، وكطراز العمر الأول جده . من كل أبلج كالنسيم ~~لطافة . . . عف الضمير مهذب الأخلاق مثل البدور ملاحة وكعمرها . . . عددا ~~ومثل الشمس في الإشراق ومعهم قسي كالغصون في لطافتها ولينها ، والأهلة في ~~نحافتها وتكوينها ، والأزاهر في ترافتها وتلوينها ؛ بطونها مدبجه ، ومتونها ~~مدرجه : كأنها الشولة في انعطافها ، أو أوراق الظباء في التفافها ؛ ~~لأوتارها عند القوادم أوتار ، ولبنادقها في الحواصل أوكار ؛ إذا انتصبت ~~لطير ذهب من الحياة نصيبه ، وإن انبضت لرمي بدا لها أنها أحق به ممن يصيبه ~~. ولعل ذاك الصوت زجر لبندقها أن يبطئ في سيره ، أو يتخطى الغرض إلى غيره ؛ ~~أو وحشة لمفارقة أفلاذ كبدها ، أو أسف على خروج بنيها عن يدها ؛ على أنها ~~طالما نبذت بنيها بالعراء ، وشفعت لخصمها التحذير بالإغراء . مثل العقارب ~~أذنابا معقدة . . . لمن تأملها أو حقق النظرا إن مدها قمر منهم وعاينه . . ~~. مسافر الطير فيها أو نوى سفرا PageV10P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" فهو المسيء اختيارا إذ نوى سفرا . . . وقد ~~رأى طالعا في العقرب القمرا ومن البنادق كرات متفقة السرد ، متحدة العكس ~~والطرد ؛ كأنما خرطت من المندل الرطب أو عجنت من العنبر الورد ؛ تسري ~~كالشهب في الظلام ، وتسبق إلى مقاتل ms2114 الطير مسددات السهام . مثل النجوم إذا ~~ما سرن في أفق . . . عن الأهلة لكن نونها راء ما فاتها من نجوم الليل إن ~~رمقت . . . إلا ثبات يرى فيها وأضواء تسري ولا يشعر الليل البهيم بها . . . ~~كأنها في جفون الليل إغفاء وتسمع الطير إذ تهفو قوادمه . . . خوافقا في ~~الدياجي وهي صماء تصونها جراوة كأنها جرج درر ، أو درج غرر ، أو كمامة ثمر ~~؛ أو كنانة نبل ، أو غمامة وبل ؛ حالكة الأديم ، كأنما رقمت بالشفق حلة ~~ليلها البهيم . كأنها في وصفها مشرق . . . تنبث منه في الدجى الأنجم أو ~~ديمة قد أطلعت قوسها . . . ملونا وانبثقت تسجم فاتخذ كل له مركزا ، وتقاضى ~~من الإصابة وعدا منجزا ، وضمن له السعد أن يصبح لمراده محرزا . كأنهم في ~~يمن أفعالهم . . . في نظر المنصف والجاحد قد ولدو في طالع واحد . . . ~~وأشرقوا في مطلع واحد فسرت علينا من الطير عصابه ، أظلتنا من أجنحتها سحابه ~~؛ من كل طائر أقلع يرتاد مرتعا ، فوجد ولكن مصرعا ، وأسف يبغي ماء جماما ~~فورد ولكن السم منقعا ، وحلق في الفضاء يبتغي ملعبا فبات وهو وأشياعه سجدا ~~للقسي وركعا ؛ فتبركنا بذلك الوجه الجميل ، وتداركنا أوائل ذلك القبيل . ~~فاستقبل أولنا تما تم بدره ، وعظم في نوعه قدره ؛ كأنه برق كرع في غسق ؛ ~~PageV10P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" أو صبح عطف على بقية الدجى عطف النسق ؛ تحسبه ~~في أسداف المنى غرة نجح ، وتخاله تحت أذيال الدجى طرة صبح ؛ عليه من البياض ~~حلة وقار ، وله كرة من عنبر فوق منقار من قار . له عنق ظليم ، والتفاتة ريم ~~، وسرى غيم يصرفه نسيم . كلون المشيب وعصر الشباب . . . ووقت الوصال ويوم ~~الظفر كأن الدجى غار من لونه . . . فأمسك منقاره ثم فر فأرسل إليه عن ~~الهلال نجما ، فسقط منه ما كبر بما صغر حجما ؛ فاستبشر بنجاحه ، وكبر عند ~~صياحه ، وحصله من وسط الماء بجناحه . وتلاه كي نقي اللباس ، مشتعل شيب ~~الراس ، كأنه في عرانين شبيه لا وبله كبير أناس ؛ إن أسف في طيرانه فغمام ، ~~وإن خفق بجناحه فقلع له بيد النسيم زمام ؛ ذو غببة كالجراب ومنقار كالحراب ~~، ولون ms2115 يغر في الدجى كالنجم ويخدع في الضحى كالسراب ؛ ظاهر الهرم ، كأنما ~~يخبر عن عاد ويحدث عن إرم . إن عام في زرق الغدير حسبته . . . مبيض غيم في ~~أديم سماء أو طار في أفق السماء ظننته . . . في الجو شيخا عائما في ماء ~~متناقض الأوصاف فيه خفة ال . . . جهال تحت رزانة العلماء فثنى الثاني إليه ~~عنان بندقه ، وتوخاه فيما بين رأسه وعنقه ، فخر كمارد انقض عليه نجم من ~~أفقه ؛ فتلقاه الكبير بالتكبير ، واختطفه قبل مصافحته الماء من وجه الغدير ~~. وقارنته إوزة حلتها دكناء ، وحليتها حسناء ؛ لها في الفضاء بحال ، وعلى ~~طيرانها خفة ذوات التبرج وخفر ربات الحجال ؛ كأنما عبت في ذهب ، أو خاضت في ~~لهب ؛ تختال في مشيتها كالكاعب ، وتتأنى في خطوها كاللاعب ؛ وتعطو بجيدها ~~كالظبي الغرير ، وتتدافع في سيرها مشي القطاة إلى الغدير . إذا أقبلت تمشي ~~فخطرة كاعب . . . رداح وإن صاحت فصولة حازم وإن أقلعت قالت لها الريح ليت ~~لي . . . خفا ذي الخوافي أو قوى ذي القوادم PageV10P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" فأنعم بها في البعد زاد مسافر . . . وأحسن ~~بها في القرب تحفة قادم فلوى الثالث جيده إليها ، وعطف بوجه قوسه عليها ؛ ~~فلجت في ترفعها ممعنه ، ثم نزلت على حكمه مذعنه ؛ فأعجلها عن استكمال ~~الهبوط ، واستولى عليها بعد استمرار القنوط . وحاذتها لغلغة تحكي لون وشيها ~~، وتصف حسن مشيها ؛ وتربى عليها بغرتها ، وتنافسها في المحاسن كضرتها ؛ ~~كأنها مدامة قطبت بمائها ، أو غمامة شفت عن بعض نجوم سمائها . بغرة بيضاء ~~ميمونة . . . تشرق في الليل كبدر التمام وإن تبدت في الضحى خلتها . . . في ~~الحلة الدكناء برق الغمام فنهض الرابع لاستقبالها ، ورماها عن فلك سعده ~~بنجم وبالها ؛ فجدت ف العلو مغذه ، وتطاردت أمام بندقه ولولا طراد الصيد لم ~~تك لذه ؛ وانقض عليها من يده شهاب حتفها ، وأدركها الأجل لخفة طيرانها من ~~خلفها ؛ فوقعت من الأفق في كفه ، ونفر ما في بقايا صفها عن صفه . وأتت في ~~أثرها أنيسة آنسه ، كأنها العذراء العانسه ، أو الأدماء الكانسه ؛ عليها ~~خفر الأبكار ، وخفة ذوات الأوكار وحلاوة المعاني التي تجلى على الأفكار ؛ ~~ولها ms2116 أنس الربيب ، وإدلال الحبيب ، وتلفت الزائر المريب ، من خوف الرقيب ؛ ~~ذات عنق كالإبريق ، أو الغصن الوريق ، قد جمع صفرة البهار إلى حمرة الشقيق ~~؛ وصدر بهي الملبوس ، شهي إلى النفوس ، كأنما رقم فيه النهار بالليل أو نقش ~~فيه العاج بالآبنوس ؛ وجناح ينجيها من العطب ، يحكي لونه المندل الرطب إلا ~~أنه حطب . مدبجة الصدر تفويفه . . . أضاف إلى الليل ضوء النهار لها عنق ~~خاله من رآه . . . شقائق قد سيجت بالبهار فوثب الخامس منها إلى الغنيمه ، ~~نظم في سلك رميه تلك الدرة اليتيمه ؛ وحصل بتحصيلها بين الرماة على الرتبة ~~الجسيمه . PageV10P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" وأتى على صوتها حبرج تسبق همته جناحه ، ويغلب ~~خفق قوادمه صياحه ؛ مدبج المطا ، كأنما خلع حلة منكبيه على القطا ؛ ينظر من ~~لهب ، ويخطو على رجلين من ذهب . يزور الرياض ويجفو الحياض . . . ويشبه في ~~اللون كدر القطا ويهوى الزروع ويلهو بها . . . ولا يرد الماء إلا خطا فبدره ~~السادس قبل ارتفاعه ، وأعان قوسه بامتداد باعه ؛ فخر على الألاءة كبسطام بن ~~قيس ، وانقض عليه راميه فخصله بحذق وحمله بكيس . وتذر على السابع مرامه ، ~~ونبا به عن بلوغ الأرب مقامه ؛ فصعد هو ترب له إلى جبل ، وثبت في موقفه من ~~لم يكن له بمرافقتهما قبل . فعن له نسر ذو قوادم شداد ، ومناسر حداد ، كأنه ~~من نسور لقمان بن عاد ؛ تحسبه في السماء ثالث أخويه ، وتخاله في الفضاء ~~قبته المنسوبة إليه ؛ قد حلق كالفقراء راسه ، وجعل مما قصر من الدلوق الدكن ~~لباسه ؛ واشتمل من الرياش العسلي إزارا ، واختار العزلة فلا يجد له إلا في ~~قنن الجبال الشواهق مزارا ؛ قد شابت نواصي الليالي وهو لم يشب ، ومضت ~~الدهور وهو من الحوادث في معقل أشب . مليك طيور الأرض شرقا ومغربا . . . ~~وفي الأفق الأعلى له أخوان له حال فتاك وحلية ناسك . . . وإسراع مقدام ~~وفترة وان فدنا من مطاره ، وتوخى ببندقه عنقه وفوقع في منقاره ؛ فكأنما هد ~~منه صخرا ، أو هدم بناء مشمخرا ؛ ونظر إلى رفيقه ، مبشرا له بما امتاز به ~~عن فريقه . وإذا به قد أظلته عقاب كاسر ، كأنما ms2117 أضلت صيدا أفلت من المناسر ~~؛ إن حطت فسحاب انكشف ، وإن قامت فكأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها ~~العناب والحشف ؛ بعيدة ما بين المناكب ، وإذا أقلعت لجت في علو كأنما تحاول ~~ثأرا عند بعض الكواكب . ترى الطير والوحش في كفها . . . ومنقارها ذا عظام ~~مزاله فلو أمكن الشمس من خوفها . . . إذا طلعت ما تسمت غزاله فوثب إليها ~~الثامن وثبة ليث قد وثق من حركاته بنجاحها ، ورماها بأول بندقة فما ~~PageV10P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" أخطأ قادمة جناحها ؛ فأهوت كعود صرع ، أو طود ~~صدع ؛ قد ذهب باسها ، وتذهب بدمها لباسها ؛ وكذلك القدر يخادع الجو عن ~~عقابه ، ويستنزل الأعصم من عقابه ؛ فحملها بجناحها المهيض ، ورفعها بعد ~~الترفع في أوج جوها من الحضيض ؛ ونزلا إلى الرفقه ، جذلين بربح الصفقه . ~~فوجدا التاسع قد مر به كركي طويل السفار ، سريع النفار ؛ شهي الفراق ، كثير ~~الاغتراب يشتو بمصر ويصيف بالعراق ؛ لقوادمه في الجو هفيف ، ولأديمه لون ~~سماء طرأ عليها غيم خفيف ؛ تحن إلى صوته الجوارح ، وتعجب من قوته الرياح ~~البوارح ؛ له أثر حمرة في رأسه كوميض جمر تحت رماد ، أو بقية جرح تحت ضماد ~~؛ أو فص عقيق شفت عنه بقايا ثماد ؛ ذو منقار كسنان ، وعنق كعنان ؛ كأنما ~~ينوس ، على عودين من آبنوس . إذا بدا في أفق مقلعا . . . والجو كالماء ~~تفاويفه حسبته في لجة مركبا . . . رجلاه في الأفق مجاذيفه فصبر له حتى جازه ~~مجليا ، وعطف عليه مصليا ؛ فخر مضرجا بدمه ، وسقط مشرفا على عدمه . وطالما ~~أفلت لدى الكواسر من أظفار المنون ، وأصابه القدر بحبة من حمأ مسنون ؛ فكثر ~~التكبير من أجله ، وحمله راميه من على وجه الأرض برجله . وحاذاه غرنوق حكاه ~~في زيه وقدره ، وامتاز عنه بسواد رأسه وصدره ؛ له ريشتان ممدودتان من رأسه ~~إلى خلفه ، معقودتان من أذنيه مكان شنفه . له من الكركي أوصافه . . . سوى ~~سواد الصدر والراس إن شال رجلا وانبرى قائما . . . ألفيته هيئة برجاس فأصغى ~~العاشر له منصتا ، ورماه ملتفتا ؛ فخر كأنه صريع الألحان ، أو نزيف بنت ~~الحان ؛ فأهوى إلى رجله بيده وأيده ، وانقض عليه انقضاض الكاسر ms2118 على صيده . ~~PageV10P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" وتبعه في المطار صوغ ، كأنه من النضار مصوغ ؛ ~~تحسبه عاشقا قد مد صفحته ، أو بارقا قد بث لفحته . طويلة رجلاه مسودة . . . ~~كأنما منقاره خنجر مثل عجوز رأسها أشمط . . . جاءت وفي قمتها معجر فاستقبله ~~الحادي عشر ووثب ، ورماه حين حاذاه من كثب ؛ فسقط كفارس تقطر عن جواده ، أو ~~وامق أصيبت حبة فؤاده ؛ فحمله بساقه ، وعدل به إلى رفاقه . واقترن به مرزم ~~له في السماء سمي معروف ، ذو منقار كصدغ معطوف ؛ كأن رياشه فلق اتصل به شفق ~~، أو ماء صاف علق بأطرافه علق . له جسم من الثلج . . . على رجلين من نار ~~إذا أقلع ليلا قل . . . ت برق في الدجى ساري فانتحاه الثاين عشر ميمما ، ~~ورماه مصمما ؛ فأصابه في زوره ، وحصله من فوره ، وحصل له من السرور ما خرج ~~به عن طوره . والتحق به شبيطر كأنه مدية مبيطر ؛ ينحط كالسيل ويكر على ~~الكواسر كالخيل ؛ ويجمع من لونه بين ضدين يقبل منهما بالنهار ويدبر بالليل ~~؛ يتلوى في منقاره الأيم ، تلوي التنين في الغيم . تراه في الجو ممتدا وفي ~~فمه . . . من الأفاعي شجاع أرقم ذكر كأنه قوس رام عنقه يدها . . . ورأسه ~~رأسها والحية الوتر فصوب الثالث عشر إليه ببندقه ، فقطع لحيه وعنقه ؛ فوقع ~~كالصرح الممرد ، أو الطراف الممدد . واتبعه عناز أصبح في اللون ضده ، وفي ~~الشكل نده ؛ كأنه ليل ضم الصبح PageV10P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" إلى صدره ، أو انطوى على هالة بدره . تراه في ~~الجو عند الصبح حين بدا . . . مسود أجنحة مبيض حيزوم كأسود حبشي عام في نهر ~~. . . وضم في صدره طفلا من الروم فنهض تمام القوم إلى التتمه ، وأسفرت عن ~~نجح الجماعة تلك الليلة المدلهمه ؛ وغدا ذلك الطير الواجب واجبا ، كمل ~~العدد به قبل أن تطلع الشمس عينا أو تبرز حاجبا ؛ فيالها ليلة حصرنا بها ~~الصوادح في الفضاء المتسع ، ولقيت فيها الطير ما طارت به من قبل على كل شمل ~~مجتمع ؛ وأضحت أشلاؤها على وجه الأرض كفرائد خانها النظام ، أو شرب كأن ~~رقابهم من اللين لم يخلق لهن عظام ؛ وأصبحنا ms2119 مثنين على مقامنا ، منثنين ~~بالظفر إلى مستقرنا ومقامنا ؛ داعين للمولى جهدنا ، مذعنين له قبلنا أو ~~ردنا ؛ حاملين ما صرعنا إلى بين يديه ، عاملين على التشرف بخدمته والانتماء ~~إليه . فأنت الذي لم يلف من لا يوده . . . ويدعو له في السر أو يدعى له فإن ~~كان رمي أنت توضح طرقه . . . وإن كان جيش أنت تحمي رعيله والله تعالى يجعل ~~الآمال منوطة به وقد فعل ، ويجعله كهفا للأولياء وقد جعل . ومن إنشاء ~~المولى علاء الدين علي بن عبد الظاهر في قدمة بندق . ابتدأها بأن قال : ~~الحمد لله مهيء أسباب الارتياح ، ومهنئ أوقات الانشراح ، ومطلق الأيدي في ~~الاقتناص فليس عليها في صيد ذوات الجناح جناح ؛ ومزين السماء بمصابيح ~~أنوارها ، وموشي الأرض بروضها ونوارها ؛ ومنور الأيام شموسها والليالي ~~بأقمارها ، ومطرز مطارف الآفاق بمطار أطيارها . والصلاة والسلام على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه الذين أنجدهم الله من ملائكته بأولى أجنحه ، وأهوى ~~بصرائعهم وأوهى قوى ممانعهم بعزائمهم المنجحه . وبعد ، فإن القنص شغفت به ~~قلوب ذوي العزائم ؛ وصيرته عنوانا للحرب إذ حمام الحمام فيه على الفرائس ~~حوائم ؛ تلتذ نفوسهم بالمطاردة فيه وترتاح ، وتهواه فلو تمكنت لركبت إليه ~~أعناق الرياح ؛ ترد منه مورد الظفر ، وتتمتع فيه بنزه تقسم الحسن فيهن بين ~~السمع والبصر ، وتتملى عند السرور إليه برياض دبجها صوب من المطر لا ~~PageV10P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" صوب من الفكر ، ويطوي من الأرض ما نشرت أيدي ~~السماء به برودا أبهى من الحبر ؛ فتارة تستنزل من العواصم الظباء العواصي ، ~~وآونة تقتنص الطير وقد تحصنت من بروج السحب في الصياصي ببعوثها الدانية من ~~كل قاصي . وأحسن أنواعه الذي جمع لمعاينه بين روضة ورياضه ، وغدر مفاضه ؛ ~~ومغازلة عيون النور وهي تدمع حين طرفها بذيله نسيم الصباح ، ومباكرة اللذات ~~من قبل أن ترشف شمس الضحى ريق الغوادي من ثغور الأقاح ؛ ورمي البندق الذي ~~هو عقلة المستوفز ، وانتهاز غفلة الطائر المتحرز ؛ ونزهة القلوب التي إن ~~طالت لا تمل ؛ وإن اجتاز المتنزه بموطنها لم يؤجر . أحلى من صيد الظباء ، ~~وأشهى من لمح ملح الحسناء ؛ لا يحتاج إلى ms2120 ركض جواد ، ولا يجتاح فيه خفض ~~العيش جواد ، ولا يهاجر متعاطيه إلى الهواجر ، ولا يحجر على نفسه في ~~الإفضاء إلى المحاجر ؛ أربابه يرتاضون في الروضة الغناء ، ويسمعون من نغمات ~~الأوتار وشدو الأطيار مختلف الألحان والغناء ؛ ويمتطون الليل طرفا ، ~~ويستنيرون من النجوم شموعا لا تقط ولا تطفا ؛ قد اتخذ كل منهم مقاما أكرم ~~به من مقام ، وهام باللذة فترك كرائم كراه وكذا عادة المستهام ؛ وسبح في ~~لجج الليالي وكرع في نهر النهار ، وتجلى في حلل الصدق وتخلى عن خلل العار . ~~يهوون لذة القنص في الليل إذا عسعس ، والصبح إذا تنفس ، ويرسلون رسل ~~المنايا إلى صرائعهم فما تتنفس . إذا برزوا عند الغروب توارت شمس الأصيل ~~حياء ، وذهبت في حلتها الذهبية حين بهروها سنا وسناء ؛ تراهم كالزهر أو ~~الأزهار ، أو عقد نظم باللجين والزمرد والنضاء ؛ أوجههم في أفلاك قسيهم ~~أقمار ، كولدان جنان ، وأعطاف أغصان ؛ قد طاف بهم سياج المسرة وأحدق ، ~~وحلوا بثياب سندس خضر وإستبرق ؛ كأن الأرض ضاهت بهم السماء ، وفصيرت قسيهم ~~أفلاكها ، وغررهم نجومها ، وعزائمهم صواعقها وبنادقهم رجومها ؛ يخفق منهم ~~قلب كل خافقه ، وتقدم بعوثهم على ذوات القوادم فبينا هي مترافقة إذا بها ~~متفارقه ، وكأن صواف الطير لديهم في جو السماء ، سطور في صفيحة زرقاء ؛ أو ~~كأنها في التئامها ، عقود در في نظامها ؛ يفرطون سلكها ، ويقربون هلكها ، ~~ويغدرون بها في الغدر ، ويجسرون عليها في الجسور ، وتقايض بنادقهم صرائعهم ~~فيصير وكر الطير الجراوة وجراوة البنادق حواصل الطيور . وإذا أسفروا وجه ~~صباح ، PageV10P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" سمعت للطير صياحا والطرب كله في ذلك الصياح ؛ ~~وإن عشوا مقاماتهم وجه عشاء رأيت الطير وهي لدى محاريب قسيهم وهي سجود وركع ~~، طرائح من بيض وسود كأن أديم الأرض منهن أبقع . وإن تعلقوا بأذيال الليل ~~وسجفه ، وباتوا في عطفه ؛ احتمى منهم بشهبه ، وتستر في حجبه ؛ وتوارى عنهم ~~البدر بذيل الغمام ، وهال هالته أن تبدو لقسيهم الموترة بالحمام . إلى غير ~~ذلك مما التزموه من محاسن أوصاف وأوصاف محاسن ، ووردوه من مناهل مصافاة ~~ماؤها غير آسن ، ووجدوه من طيب عيش ما ms2121 لانوا معه ولا استكانوا إلى المساكن ~~؛ وحفظوه من صناعهم من شروط وأوضاع ، ووقفوا في مقاماتهم من مطيع ومطاع ؛ ~~يرعون قدر كبيرهم ، ولا يراع بينهم قلب صغيرهم ؛ ويتناصفون في أحكامهم ، ~~فالحكم واحد على آمرهم ومأمورهم . إن تفرقوا فهم على قلب رجل واحد ، وإن ~~اختلفت منهم المقاعد فقد اتفقت منهم المقاصد . ما خلا جوهم من واجب الطاعه ~~، ولا علا بينهم كبير إلا بذلوا في خدمته جهد الاستطاعه ؛ وأضحوا وأمرهم ~~عليهم محتوم ، وأمسوا وما فيهم إلا من له مقام معلوم ؛ بأيديهم قسي قاسيه ، ~~قضبانها قاضيه ؛ منعطفة جافيه ، بعوثها في الخوافي خافيه ؛ تمثلها الأفكار ~~في ساحة الفضاء ، كزوارق مبثوثة في لجة الماء . وكيف لا وهي تحمل المنايا ~~إلى الطير ، وإن لم تكن سائرة فلها بعوث سريعة السير ؛ كأن صانعها قصد ~~وضعها كالأهلة واقترح ، أو حكى مدبج أثوابها قوس قزح ؛ وكأن ظهرها وقد ~~تنوعت به من الغروز مدارجه ، مدر سحيق ورس دب عليه من النمل دارجه ؛ إذا ~~حطت عنها أوتارها كانت عصا لربها فيها مآرب ومغانم ، يوجس الطير في نفسه ~~منها خيفة وكيف لا وهي في شكل الأراقم ؛ متضادة تجفو وتلين ، موتورة وغيرها ~~حزين ؛ تضمها أنامل من يسراهم هي أيمن من يمين عرابة بن أوس ، ويطلع كل ~~منهم في فلكها والطالع القمر في القوس ؛ لا تعتصم منها الطرائد بالخباء في ~~وكر الدجنه ، ولا يخفيها اتخاذها الظلماء جنه ؛ ولا يوقيها نزقها ، ولا ~~ينقيها ملقها ولا تنجح بخفق الجناح ، ولا تستروح بمساعدة الرياح ؛ لها ~~بنادق كأنها حبات القلوب لونا ، وأشكال العقود كونا ؛ كأنما صبغت من ليل ~~وصيغت من شهب ، أو صنعت من أديم للسحب ؛ تفرد من الطير التؤام ، وتجمع بين ~~روحها والحمام ؛ قد تحاماها النسران فاتخذا السماء وكرا ، واتفقا أن يصبحا ~~شفعا ويمسيا وترا ؛ تقبض منها الأيدي عند إطلاقها رائحة رابحه ، جارحة ~~PageV10P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" من الطير كل جارحه ، لا ترى صادحة إلا صيرتها ~~صائحه . قلب كل طير منها طائر ، وكيف لا وهي للسهام ضرائر ؛ تضرم النار ~~لإشواء الطريدة قبل مفارقتها للأوتار ، وتقتنص من الجوارح كل مستخف ms2122 بالليل ~~وسارب بالنهار ؛ تهيج كامن الغنيمة وتستثير ، وتبدو كأنما عجنت من صندل ~~وعبير . نفسه منها خيفة وكيف لا وهي في شكل الأراقم ؛ متضادة تجفو وتلين ، ~~موتورة وغيرها حزين ؛ تضمها أنامل من يسراهم هي أيمن من يمين عرابة بن أوس ~~، ويطلع كل منهم في فلكها والطالع القمر في القوس ؛ لا تعتصم منها الطرائد ~~بالخباء في وكر الدجنه ، ولا يخفيها اتخاذها الظلماء جنه ؛ ولا يوقيها ~~نزقها ، ولا ينقيها ملقها ولا تنجح بخفق الجناح ، ولا تستروح بمساعدة ~~الرياح ؛ لها بنادق كأنها حبات القلوب لونا ، وأشكال العقود كونا ؛ كأنما ~~صبغت من ليل وصيغت من شهب ، أو صنعت من أديم للسحب ؛ تفرد من الطير التؤام ~~، وتجمع بين روحها والحمام ؛ قد تحاماها النسران فاتخذا السماء وكرا ، ~~واتفقا أن يصبحا شفعا ويمسيا وترا ؛ تقبض منها الأيدي عند إطلاقها رائحة ~~رابحه ، جارحة من الطير كل جارحه ، لا ترى صادحة إلا صيرتها صائحه . قلب كل ~~طير منها طائر ، وكيف لا وهي للسهام ضرائر ؛ تضرم النار لإشواء الطريدة قبل ~~مفارقتها للأوتار ، وتقتنص من الجوارح كل مستخف بالليل وسارب بالنهار ؛ ~~تهيج كامن الغنيمة وتستثير ، وتبدو كأنما عجنت من صندل وعبير . ولما كان من ~~هو واسطة عقد هذه الأوصاف ، والرافل في برودها الموشية للأطراف ؛ والمبدع ~~في فنه ، والجامع بين فضيلة الرمي وحسنه ؛ والمستنطق لسان قومه بالإحسان ، ~~والحافظ شروطه في طهارة العرض وصدق اللسان ؛ والرامي الذي بلغ بهمته غاية ~~المرام ، وضاهى ببندقه السهام ؛ وكان يوم كذا وكذا خرج إلى برزته المباركة ~~وصرع طيرين في وجه واحد ، وأبان عن حسن الرمي وسداد الساعد ؛ وأضحى بينهما ~~كثيرا بين قومه ، وجعلهما لهم وليمة في يومه ؛ وهما تم كأنما صيغ من فضه ، ~~أو تدرع من النهار حلة مبيضه ؛ أو غاير بياضه الليل فلطم وجهه بيد ظلمائه ، ~~فاقتص منه وخاض في أحشائه ؛ لجناحه هفيف في المطار ، تسمع منه نغمة الأوتار ~~. ولغلغة كأنها كونت من شقيق وغمام ، أو مزج لونها بماء ومدام ؛ لها غرة لو ~~بدت في الليل خلتها بدرا ، وإن أسفرت عند الصباح حسبتها فجرا ؛ وحملها فلان ~~وفلان ms2123 ، وقطع شبقه فلان وادعى لفلان ؛ وعاد الرامي قرير العين ، مملوء ~~اليدين ؛ إذا فخر غيره بواحدة فخر باثنتين ؛ معظما بين أترابه ، مكرما لدى ~~أحبابه ؛ ألبسه الله من السرور أزهى أثوابه . بمنه وكرمه . ومما ورد في وصف ~~الجلاهق نظما ، قال أبو الفرج الببغاء يصفها : ومرنان معبسة ضحوك . . . ~~مهذبة الطبائع والكيان مغالبة وليس بها حراك . . . وباطشة وليس لها يدان ~~لها في الجارح النسب المعلي . . . وإن هي خالفته في المعاين تطير مع البزاة ~~بلا جناح . . . فتسبقها إلى قصب الرهان وتدرك ما تشاء بغير رجل . . . ولا ~~باع يطول ولا بنان وتلحظ ما يكل الطرف عنه . . . بلا نظر يصح ولا عيان لها ~~غضوان من عصب ولحم . . . وسائر جسمها من خيزران يخاطب في الهواء الطير منها ~~. . . بلفظ ليس يصدر عن لسان PageV10P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" فإن لم تصغ أردتها بطعن . . . ينوب الطين فيه ~~عن السنان مقرطقة ممنطقة خلوب . . . مهفهفة مخففة الجران مذكرة مؤنثة تهادى ~~. . . من الأصباغ في حلل القيان معمرة تزايد كل يوم . . . شبيبتها على مر ~~الزمان كأن الله ضمنها فبانت . . . لنا في الرزق عن أوفى ضمان أعز على ~~العيون من المآقي . . . وأحلى في النفوس من الأماني إذا ما استوطنت يوما ~~مكانا . . . تولى الجدب عن ذاك المكان وقال أبو الفتح كشاجم : وثيقة مدمجة ~~الأوصال . . . محنية عوجاء كالهلال تعود إن شئت إلى اعتدال . . . باطنها ~~لعاقل الأوعال والظهر منها لقنا الأبطال . . . يجمعها أسمر ذو انفتال في ~~وسطه من صنعة المحتال . . . مثال عين غير ذي احولال تقذى بصدفات من الصلصال ~~. . . أمضى من السهام والنبال قدى يقر أعين الآمال . . . فاقعة الصفرة ~~كالجريال رخيصة تغنم كل غال . . . تؤمن منها ونية الكلال تعول في الجدب وفي ~~الإمحال . . . وقد يكون الصقر كالعيال مطيها عواتق الرجال . . . في غلف ~~ممدودة طوال كم أفضلت على ذوي إفضال . . . وكم أنالت من أخي نوال وقربت ~~للطير من آجال وقال أيضا فيها من أبيات : وفي يساري من الخطي محكمة . . . ~~متى طلبت بها أدركت مطلوبي للوعل باطن شطريها ومعظمها . . . من عود شجراء ~~ظمياء الأنابيب تأنق القين في تزيينها فغدت . . . تومي بأحسن تفضيض ms2124 وتذهيب ~~PageV10P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" في وسطها مقلة منها تبين ما . . . يرمي فما ~~مقتل عنها بمحجوب فقمت والطير قد حم الحمام لها . . . على سبيلي في عادي ~~وتجويبي حتى إذا اكتحلت بالطين مقلتها . . . صبت عليهن حتفا جد مصبوب فرحت ~~جذلان لم تكدر مشارب لذاتي ولم تلق آمالي بتخييب ذكر شيء مما قيل في سبطانة ~~قال أبو الفرج الببغاء : وجوفاء حاملة تهتدي . . . إلى كل قلب مقروحه مقومة ~~القد ممشوقة . . . مهفهفة الجسم ممسوحه مثقفة فمها عينها . . . تبشر قلبي ~~بتصحيحه فإن هي والجارح استنهضا . . . إلى الصيد عاقته عن ريحه إذا المرء ~~أودعها سره . . . لتخفيه باحت بتصريحه موات تعيش إذا ما أعاد . . . لها ~~النافخ الروح من روحه هي السبطانة في شكلها . . . ففي القلب جد تباريحه تحط ~~أبا الفرخ عن وكره . . . وتستنزل الطير من لوحه وقال أبو طالب المأموني : ~~مثقفة جوفاء تحسب زانة . . . ولكنها لازج فيها ولا نصل تسدد نحو الطير وهو ~~محلق . . . فينفذ عنها للردى نحوه الرسل يطير إلى الطير الردى في ضميرها . ~~. . فيجري كما يجري ويعلو كما يعلو فيعقل ما تنجو به فكأنما . . . يمد إليه ~~من بنادقها حبل ذكر شيء مما قيل في عيدان الدبق قال عبد الله بن المعتز ~~فيها ملغزا : PageV10P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" وما رماح غير جارحات . . . ولسن في الدماء ~~والغات ولسن للطراد والغارات . . . يخضبن لا من علق الكماة بريق حتف منجز ~~العدات . . . مكتمن ليس بذي إفلات ينشب في الصدور واللبات . . . فعل إسار ~~فلق السيات على عواليها مركبات . . . أسنة لسن موقعات من قصب الريش مجردات ~~. . . يحسبن في الهواء شائلات أذناب جرذان منكسات وقال أبو الفتح كشاجم : ~~وآسرات مثل مأسورات . . . ممكنات غير ممكنات مؤملات غير مكذبات . . . صوادق ~~التعجيل للعدات نواظر الأشكال ذاهبات . . . كواسر ولسن ضاريات ولا بما يصدن ~~عالمات . . . بمثل ريق النحل مطليات أقتل من سمائم الحيات . . . لو صلحت ~~شيئا من الآلات ووصلت بالزج والشباة . . . كانت مكان النبل للرماة حوامل ~~للطير ممسكات . . . تعلق الأحباب بالحبات كأنها في النعت والصفات . . . ~~أذناب ما دق من الحيات أغدر بالورق المغردات . . . فيها من الفتيان ~~بالقينات فهن من قتلى ms2125 ومن عناة . . . بلا فكاك وبلا ديات ذكر شيء مما قيل ~~في الشباك قال السري الرفاء يصف شبكة : وجدول بين حديقتين . . . مطرد مثل ~~حسام القين كسوته واسعة القطرين . . . تنظر في الماء بألف عين راصدة كل ~~قريب الحين . . . تبرزه مجنح الجنبين PageV10P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" كمدية مصقولة المتنين . . . كأنما صيغ من ~~اللجين وقال أبو الفرج الببغاء يصف شبكة العصافير : رقراقة في السراب ~~تحسبها . . . على الثرى حلة من الزرد كالدرع لكنها معوضة . . . عن المسامير ~~كثرة العقد سائرها أعين مفتحة . . . لا ترتضي نسبة إلى جسد الشص ، وهو ~~الصنانير ، قال كاتب أندلسي يصفه من رسالة : صنانير كأظفار السنانير ؛ قد ~~عطفها القين كالراء ، وصيرها الصقل كالماء ؛ فجاءت أحد من الإبر ، وأرق من ~~الشعر ؛ كأنها مخلب صرد ، أو نصف حلقة من زرد . وقال أبو الفتح كشاجم : من ~~كان يحوي صيده الفضاء . . . وللبزاة عنده ثواء وطال بالكلب له العناء . . . ~~فإن صيدي ما حواه الماء بمخلب ساعده رشاء . . . يظل والماء له غطاء كما طوت ~~هلالها السماء . . . كأنه من الحروف راء فهو ونصف خاتم سواء . . . يحمل سما ~~اسمه غذاء وعطبا فيه لنا إحياء . . . تدمى به القلوب والأحشاء عاد إذا ~~ساعده القضاء . . . أمتعنا القريس والشواء وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه وسلم PageV10P0215 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الحادى عشر PageV11P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ### | AUT الفن الرابع في النبات # وهذا الفن وإن جل مقداره ، وحسنت آثاره ، وأشرقت أنواره ، وزها نواره ، ~~وتفيأت خامات زروعه ، ونبت أصوله تحت فروعه ، وتدبجت خمائله ، وتأرجت بكره ~~وطابت أصائله ، وابتهج إغريضه ، واتسق نضيده ، وتسلسلت غدران مائه وزهت ~~أرضه على سمائه ، وتعددت منافعه ، وعذبت منابعه ، وكان منه ما هو للنفس ~~قوتا ، وما حكت ألوانه زمردا وياقوتا ، وما أشبه اللجين والعقيان ، وما ~~غازل بعيونه مقل PageV11P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" الحسان ، وما نسبت إليه الوجنات في احمرارها ، ~~وألوان العشاق في اصفرارها ، وأشبهته القدود عند تمامها ، والثغور في ~~انتظامها ، والنهود في بروزها وارتفاعها والخصور في هيفها والسرور في ~~اتساعها ، وما اختلفت ألوانه وطعوم ثماره وإن ائتلفت أراضى مغارسه ومجارى ~~أنهاره ، وما تضوع عرفه وفاح نشره ms2126 ، وحسن وصفه ولاح بشره ، وبقيت أثاره بعد ~~ذبوله أحسن منها يوم زفافه ، وحصل الانتفاع به في حالتى غضاضته وجفافه ، ~~ووصف الطيب في دوائه وعلاجه ، ونص عليه الحكيم في أقراباذينه ومناهجه ، ~~وكان هذا الفن أحد شطرى النامى ، وقسيم النوع الحيواني ، فإنا لم نقصد ~~بإيراده استيعاب نوعه ، واستكمال جنسه ، واستيفاء منافعه ولإحاطة بمجموعه ، ~~ولا تصدينا لذلك ، ولا تعرضنا لخوض هذه الجج وطروق هذه المهالك ، لأمور : ~~منها تعذر الإمكان ، وضيق الزمان ، ولأن هذا الفن عجز عن حصره فلاسفة ~~الحكماء ، ومشاهير الأطباء ، وسكان البوادي ، ومن جمعتهم الرحاب وضمتهم ~~النوادي ، ومن لازموا النبات من حين استهلت عليه الأنواء وباكرته الغوادي ، ~~فأطلع كل منهم على ما لم يطلع الآخر عليه ، وشاهد مالم تنته فكرة غيره إليه ~~، وعلم التركماني منه PageV11P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" مالم يعلمه البدوي ، وعرف الحبلى مالم يعرفه ~~النبطى ، وصنف فيه الحكماء الكتب المطوله ، وأظهروا من منافعه ومضاره كل ~~فائدة خفية وخاصية مهمله ، وتعددت فيه تصانيفهم ، وتواردت واشتهرت تآليفهم ~~، ومع ذلك فما قدروا على حصره ، ولعلهم لم يقفوا إلا على جزء يسير من شطره ~~، بل قصدنا بإيراده أن نذكر منه ما عليه وصف للشعراء ، ورسائل للبلغاء ~~والفضلاء ، لأن ذلك مما لا يستغني عنه المحاضر ، ويضطر إليه الجليس ~~والمسامر ، وينتفع به الكاتب في كتابته ، ويتسع به على المنشئ مجال بلاغته ~~، فأوردنا منه ما هو بهذه السبيل ، استقصينا ما هو من هذا القبيل ، وإن ~~كانا زدنا في بعضه على هذا الشرط ، وخرجنا من هذا الخط ، وتعدينا من وصفه ~~إلى ذكر منافعه ومضاره ، وانتهينا إلى إيراد بارده وحاره ، ورطبه ومعتدله ~~ومحرقه وقابضه وملينه ومطلقه ، ونبهنا على توليده وأصله ، وخساسته وفضله ، ~~فهذه الزيادة إنما وردت على سبيل الاستطراد ، لا على حكم الالتزام ~~والاستعداد ، وهي مما تزيد هذا الفن إلى حسنه حسنا ، وتبدو بها فضائله ~~فرادى ومثنى ، ووصلنا فن النبات بالمصوغ والأمنان ، لأنهما من توابعه ~~وفروعه ، وحلبنا ألبان التكملة له بهما من ضروعه ، وألحقنا ذلك بقسم يشتمل ~~على أصناف الطيب والبخورات ، والغوالي والمستقطرات ، فختمنا الفن منه بمسك ~~، ونظمناه معه في ms2127 سلك ، وحصرنا هذا الفن وما يتعلق به في خمسة أقسام تندرج ~~تحتها أبواب ، ولخصناه من أكرم أصول وأعرق أنساب وأوثق أسباب . ~~PageV11P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" فارغة . PageV11P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" القسم الأول : من هذا الفن في أصل النبات وما ~~تختص به أرض دون أرض وتتصل به الأقوات والخضراوات والبقولات ، وفيه ثلاثة ~~أبواب الباب الأول من هذا القسم من هذا الفن في أصل النبات وتربيته قال ~~المسعودي في كتابه المترجم " بمروج الذهب ومعادن الجوهر : إن آدم عليه ~~السلام لما أهبطه الله تعالى إلى الأرض خرج من الجنة ومعه ثلاثون قضيبا ~~مودعة أصناف الثمرة ، منها عشرة لها قشر ، وهي الجوز واللوز والجلوز ~~والفستق والبلوط والشاهبلوط والنارنج والرمان والخشخاش . ومنها عشرة ~~لثمارها نوى ، وهي الزيتون والرطب والمشمش والخوخ والإجاص والغبيراء والنبق ~~والعناب والمخيط والزعرور ، ومنها عشرة PageV11P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" ليس لها قشر ولا نوى وهي التفاح والسفرجل ~~والكمثرى والعنب والتين والأترج والخرنوب والتوت والقثاء والبطيخ ، وقال ~~أبو عبيد البكري في كتابه المسالك والممالك : إن إسحاق بن العباس بن محمد ~~الهاشمي حكى عن أبيه أنه تصيد يوما بناحية صنعاء فأصابته السماء فمال على ~~أحوية أعراب فمكث عندهم يوما وليلة والغيث منسجم ، لا ينسجم ، فلما أصبح ~~قال : لقد أنزل الله الليل خير كثير ، فقام رب البيت إلى كساء كان قد نصبه ~~بين أربع أخشاب يصيبه المطر ، فلمسه بيده ، فقال ، ما أنزل الله الليلة ~~خيرا ، ثم ليلة أخرى كذلك ، وليلة أخرى ، فلما كان في اليوم الثالث قال : ~~نعم قد أنزل الله خيرا في هذه الليلة ، فسأله العباس بن محمد عن ذلك ، ~~فأتاه بكف من البزور وتناولها من جوف ذلك الكساء ، وقال : إن حب البقل ~~والعشب والكلإ إنما ينزل من السماء . هذا ما ورد في أصل النبات . وأما ~~ترتيبه من ابتدائه إلى انتهائه - فقد حكى الثعلبي في " فقه اللغة " قال : ~~أول ما يبدأ النبت فهو بارض ، فإذا تحرك قليلا فهو جحيم ، فإذا عم الأرض ~~فهو عميم فإذا اهتز وأمكن أن يقبض عليه قيل : " اجثأل " فإذا اصفر ويبس فهو ~~هائج ms2128 ، فإذا كان الرطب تحت اليابس فهو غميم ، فإذا كان بعضه هائجا وبعضه ~~أخضر فهو شميط ، فإذا تهشم وتحطم فهو هشيم حطيم ، فإذا أسود من القدم فهو ~~الدندن فإذا يبس ثم أصابه المطر فأخضر فذاك النشر . وقيل في مثله : إذا طلع ~~أول النبت قيل : " أوشم ، وطر " ، فإذا زاد قليلا قيل : " طفر " فإذا غطى ~~الأرض قيل : " استحلس " ، وإذا صار بعضه أطول من بعض قيل : PageV11P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" " تناتل " ، فإذا تهيأ لليبس قيل : " اقطار " ~~فإذا يبس وأنشق قيل : " تصوح " ، فإذا تم يبسه قيل : هاجت الأرض هياجا ، ~~والله أعلم بالصواب . فصل في ترتيب أحوال الزرع هو ما دام في البزر فهو ~~الحب ، فإذا أنشق الحب عن الورقة فهو الفرخ والشطء ، فإذا طلع رأسه فهو ~~الحقل ، فإذا صار أربع ورقات أو خمسا قيل : كوث تكويثا ، فإذا طال وغلظ قيل ~~" استأسد " ، فإذا ظهرت قصبته قيل " قصب " ، فإذا ظهرت فيه السنبلة قيل : " ~~سنبل " ثم اكتهل . وأحسن من جميع ذلك وأبلغ قوله عز وجل : " كزرع أخرج شطئه ~~فآزره فأستغلظ فاستوى على سوقه " ، قال الزجاج : " ازرع الصغار للكبار حتى ~~استوى بعضه ببعض " . وقال غيره : " فساوي الفراخ الطوال فاستوى طولهما " ~~وقال ابن الأعرابي : أشطأ الزرع ، إذا فرخ وأخرج شطئه فراخه ، فآزره ، أي ~~أعانه ، والله أعلم . الباب الثاني من القسم الأول من الفن الرابع فيما ~~تختص به أرض دون أرض وما يستأصل شأفة النبات الشاغل للأرض عن الزراعة : أما ~~ما تختص به أرض دون أرض - فقد حكى أبو بكر بن وحشية أنواعا من النبات توجد ~~في أرض ولا توجد في غيرها ، فقال : إن في بلاد سجلماسة شجرة PageV11P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" ترتفع نصف قامة أو أرجح ، ورقها كورق الغار ، ~~إذا عمل منها إكليل ولبسه الرجل على رأسه ومشى أو عدا أو عمل لم ينم ما دام ~~ذلك الإكليل على رأسه ، ولا يناله من ضرر السهر وضعف القوة ما ينال من سهر ~~وعمل ، وقال وفي بلاد الإفرنجة شجرة إذا قعد إنسان تحتها نصف ساعة من ~~النهار مات ، وإن مسها ماس أو قطع منها ms2129 غصنا أو ورقة أو هزها مات ، وفي ~~جزيرة من جزائر الصقالبة نبات في قدر البقل ، ورقه يشبه ورق السذاب ، إذا ~~ألقى الأصل منه بورقه وأغصانه بعد غسله من التراب الذي فيه ، وجعل في الماء ~~البارد ، وترك فيه ساعة من نهار ، سخن ذلك الماء كسخونته إذا أوقدت تحته ~~النار ، وكلما دام فيه اشتدت حرارته حتى لا يمكن أن يمس ، وإذا خرج من ~~الماء برد الماء لوقته ، وقال في بلاد رومية شجرة لطيفة تنبت على شاطئ نهر ~~هناك ورقها كورق الحمص طولها ذراعان ، إذا جمع شيء من ورقها وأغصانها ودق ~~واعتصر ماؤه ، وجففت العصارة ، فإن شرب منها رجل مقدار دانق ونصف بخمر أنعظ ~~إنعاظا شديدا ويجامع ما شاء من غير كلال ولا ضعف ، فإذا أحب أن يزول ذلك ~~الإنعاظ عنه قام في ماء بارد إلى نصف صدره ساعة ، فإن ذلك يزول عنه ، ويرجع ~~إلى حالته الأولى ، قال : وفي بلد من بلاد الروم يقال له : سفانطس نبات ~~يرتفع عن الأرض نحو الذراع له ورق كورق السلق ، والورق نحو ذراع ، وليس له ~~ساق يقوم عليها ، إذا أخذ أصل هذا النبات - وهو أصل كبير مستدير إلى الطول ~~- وقشر وطبخ ، وأكله الذي يحم زالت عنه الحمى بعد أكله أو أكلتين أي حمى ~~كانت ، وكذلك أن بخور بورقه بعد PageV11P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" تجفيفه مرة أو مرتين ، قال : وببلاد الهند ~~نبات لا تحرقه النار ، وفيها شجرة إذا قطع شيء من أغصانها وألقى على الأرض ~~تحرك ، وربما سعى كما تسعى الحيات ودب ، وفيما يلي مهب الشمال شجرة تسمع ~~منها في فصل الربيع والخريف همهمة إنسان يريد أن يتكلم وربما نطقت بلغة ~~الهند كلمة بعد كلمة ، وتسمى هذه الشجرة شجرة الشمس ، وصورتها على صورة ~~الإنسان ، وفي بلاد التاكيان شجرة تضيء بالليل كالسراج ، بحيث أن الناس إذا ~~سلكوا بقربها بالليل استغنوا بضوئها عن مصباح ، ويسمونها شجرة القمر ومن ~~الشجر والنبات المشهور الذي لا يوجد إلا ببقاع مخصوصة : البلسان ، وهو في ~~أرض مطرية على ساعة من القاهرة المعزية ، في بقعة مخصوصة معروفة ms2130 ، تسمى من ~~بئر مخصوص هناك ، والفلفل ، يقال : أنه لا ينبت إلا بالمنيبارات في بلاد ~~الهند والمراد بالنبات هنا : كماله وتحصيل مغلة ، وإلا فقد رأيته أنا وقد ~~زرع ببستان بأرض أشموم طناح من الديار المصرية في سنة أربع وتسعين وستمائة ~~، ونبت وصار نباته بقدر الذراع ، وكاد يعقد الحب ، وأخبرني من أختبره في ~~غير هذه السنة المذكورة أنه لا يتم عقد حبه ولا يتكون ، وأنهم يستعملون ~~فروعه في الطعام فتقوم مقام الفلفل ، وشجر الكافور لا ينبت إلا في بقاع ~~مخصوصة يأتي ذكرها إن شاء الله في موضعها من هذا الكتاب في هذا الجزء ، ~~وكذلك اليبرح الصنمي لا يوجد إلا في بلد بعينه ، والباب في هذا متسع ، وليس ~~في استقصائه فائدة توجب البحث عنه أو إيراده . ومما يناسب هذا الفصل ما حكى ~~عن أبي بكر بن وحشيه أيضا أنه إذا خلط بزره الكرنب ببزر السلجم - والسلجم ، ~~هو اللفت - وتركا ثلاثة أشهر ثم زرعا خرج البزر كله سلجما ، فإذا اخذ من ~~بزر هذا السلجم وزرع خرج كرنبا . PageV11P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" وحكى عنه أيضا أنه إذا احرق النعنع والجرجير ~~في موضع ند بقرب شجرة أو زرع ، وخلط الرماد بالتراب ، وأضيف إليهما قشر بيض ~~الحمام ، ودفن ذلك في الأرض على مقدار دون الشبر ، وصب عليه الماء أربعه ~~أيام ، ثم يسقى على عاده النعع والجرجير ، أخرج شجر الدلب ، فإذا نبت ~~فليحول ويغرس في موضع آخر ، فانه يثبت ، وزعم أن ذلك لا يتم إلا أن يكون في ~~نيسان إذا قارب القمر الشمس في برج الحمل أو الثور ، والله أعلم . وأما ما ~~يستأصل النبات الشاغل للأرض عن الغراسه والزراعة - فقد ذكر أبو بكر بن ~~وحشيه من ذلك أشياء كثيره ، ثم قال : وأوجد ذلك أن يزرع البنج في الأرض ~~التي تنبت فيها هذه الحشائش ، ويسقى الماء ، فإذا كبر وأزهر يقلع ، ويؤخذ ~~الترمس وورق الخلاف فيلقيان على النبج وهو رطب ، ويدق الجميع جمله حتى ~~يختلط ، وينثر منه في تلك الأرض ، فإنه يحرق الثيل والشوك وجميع الحشائش ~~التي هي أعداء الزرع ، قال ms2131 : أو يسحق الترمس وثمر الطرفاء وورق الخلاف مع ~~أغصانه سحقا ناعما ، يعتصر ماء البنج الرطب وماء ورق الآس ويخلط الماءان ، ~~ويبل بهما المسحوق يوما وليله ، ثم يصب على الثيل وعلى أصول الشوك وغير ذلك ~~من الحشائش الدغله ، فانه يأكلها ويجففها ، قال : أو يعمل معول من نحاس ، ~~ويحمى بالنار حتى يصير كالجمر ، ثم يغمس في دم تيس كما يسقى الحديد ، يصنع ~~به PageV11P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" ذلك مرار ، ثم يقطع به الثيل والشوك والعوسج ~~والقصب وغير ذلك من الحشائش للكبار الغلاظ المضرة بالزرع ، فإن كل نبات قطع ~~به لا ينبت بعد ذلك أبدا ، لكنه متى أصاب المعول شيئا من كرم أو نبات فإنه ~~يؤذيه ، قال : أو تقلع أصول النبات المضرة بالزراعة والغراسة ، ويؤخذ الماء ~~العذب فيغلى في قدر نحاس غلينا جيدا مرارا ، يوقد عليه بخشب الصنوبر ، ويدق ~~الحلتيت والخردل والخربق دقا ناعما ، وتضاف إلى الماء ، ويصب منه وهو حار ~~في الأصول التي قلعت ، فإنها نباتها لا يعود أبدا ، أو يلقى الزفت والخمر ~~في ما عذب ، ويغلى في قدر نحاس حتى يذوب الزفت ، ويصب وهو حار في تلك ~~الأصول المقلوعة ، ومقدار ما يصب منه في كل أصل ربع رطل ، قال : وأما ما ~~يقلع الحلفاء فهو أن يزرع الترمس والخربق في الأرض التي تظهر فيها ، فإذا ~~انتهيا في بلوغ غايتهما يقلعان بأصولهما ، ويلقيان على الأرض ، ويضربان ~~بالخشب حتى يتهرأ ، ويجرى عليهما الماء ، ويتركان حتى يعفنا ، فإنهما ~~يأكلان أصول الحلفاء وما عداها من الحشاش المضرة ، قال : ومن أراد قلع شجرة ~~عظيمة لا يمكن الأكراة قلعها ، فليحفر حول أصلها ، فإذا انكشف صب فيه خلا ~~قد أغلى فيه الزفت ، ثم يمطر بالتراب فإنه يهترىء ذلك الأصل ويفتته وييبسه ~~، وإن كان يابسا سقط بنفسه ، والله أعلم . جمله حتى يختلط ، وينثر منه في ~~تلك الأرض ، فإنه يحرق الثيل والشوك وجميع الحشائش التي هي أعداء الزرع ، ~~قال : أو يسحق الترمس وثمر الطرفاء وورق الخلاف مع أغصانه سحقا ناعما ، ~~يعتصر ماء البنج الرطب وماء ورق الآس ويخلط الماءان ، ويبل بهما المسحوق ms2132 ~~يوما وليله ، ثم يصب على الثيل وعلى أصول الشوك وغير ذلك من الحشائش الدغله ~~، فانه يأكلها ويجففها ، قال : أو يعمل معول من نحاس ، ويحمى بالنار حتى ~~يصير كالجمر ، ثم يغمس في دم تيس كما يسقى الحديد ، يصنع به ذلك مرار ، ثم ~~يقطع به الثيل والشوك والعوسج والقصب وغير ذلك من الحشائش للكبار الغلاظ ~~المضرة بالزرع ، فإن كل نبات قطع به لا ينبت بعد ذلك أبدا ، لكنه متى أصاب ~~المعول شيئا من كرم أو نبات فإنه يؤذيه ، قال : أو تقلع أصول النبات المضرة ~~بالزراعة والغراسة ، ويؤخذ الماء العذب فيغلى في قدر نحاس غلينا جيدا مرارا ~~، يوقد عليه بخشب الصنوبر ، ويدق الحلتيت والخردل والخربق دقا ناعما ، ~~وتضاف إلى الماء ، ويصب منه وهو حار في الأصول التي قلعت ، فإنها نباتها لا ~~يعود أبدا ، أو يلقى الزفت والخمر في ما عذب ، ويغلى في قدر نحاس حتى يذوب ~~الزفت ، ويصب وهو حار في تلك الأصول المقلوعة ، ومقدار ما يصب منه في كل ~~أصل ربع رطل ، قال : وأما ما يقلع الحلفاء فهو أن يزرع الترمس والخربق في ~~الأرض التي تظهر فيها ، فإذا انتهيا في بلوغ غايتهما يقلعان بأصولهما ، ~~ويلقيان على الأرض ، ويضربان بالخشب حتى يتهرأ ، ويجرى عليهما الماء ، ~~ويتركان حتى يعفنا ، فإنهما يأكلان أصول الحلفاء وما عداها من الحشاش ~~المضرة ، قال : ومن أراد قلع شجرة عظيمة لا يمكن الأكراة قلعها ، فليحفر ~~حول أصلها ، فإذا انكشف صب فيه خلا قد أغلى فيه الزفت ، ثم يمطر بالتراب ~~فإنه يهترىء ذلك الأصل ويفتته وييبسه ، وإن كان يابسا سقط بنفسه ، والله ~~أعلم . الباب الثالث من القسم الأول من الفن الرابع في الأقوات والخضراوات ~~ويشتمل هذا الباب على الحنطة والشعير والحمص والباقلى والأرز ، وما قيل ~~PageV11P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" في الخشخاش والكتان والشهدانج والبطيخ والقثاء ~~والخيار والقرع والباذنجان والسلق والقنبيط والكرنب والسلجم والفجل والجزر ~~والبصل والثوم والكرات والريباس والهليون والهندبا والنعنع والجرجير ~~والسذاب والطرخون والإسفاناخ والبقله الحمقاء والحماض والرازيانج والكرفس . ~~فإما الحنطة وما قيل فيها - فقد حكى الشيخ أبو الحسن الكسائي - رحمه ms2133 الله - ~~في بدء الدنيا ، أن الحبة أول ما خرجت من الجنة كانت قدر بيض النعام ، ألين ~~من الزبد ، وأحلى من العسل ، ولم تزل زاكية زمن آدم وشيت - عليهما السلام - ~~إلى زمن إدريس - عليه السلام - فلما كثر الناس نقص الحب عن مقداره إلى أصغر ~~منه ، ثم كان كذلك أيام فرعون ، فنقص مقداره إلى أيام إلياس - عليه السلام ~~- ، ثم نقص في زمنه حتى صار مثل بيض الحمام ، إلى أن قتل يحيى بن زكريا - ~~عليهما السلام - فصار قدر البندق ، فكان كذلك إلى أيام PageV11P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" عزير ، فلما قالت اليهود : عزير ابن الله نقص ~~إلى ما ترى ، وقيل بل صار قدر الحمص ، ثم صار إلى هذه الغاية . وقال وهب بن ~~منبه : وكان الزرع في زمان آدم - عليه السلام - على طول النخل . وقال الشيخ ~~الرئيس أبو علي بن سينا : أجود الحنطة المتوسطة في الصلابة العظيمة السمينة ~~الملساء ، التي بين الحمراء والبيضاء ، والحنطة السوداء رديئة الغذاء ، ~~وطبع الحنطة حار معتدل الرطوبة واليبوسة ، وسويقها إلى اليبس ، وهو بطيء ~~الانحدار ، كثير النفخ ، لا بد من حلاوة تحدره بسرعة ، وغسل بالماء الحار ~~حتى يزيل نفخه ، وقال في الأفعال والخواص : الحنطة الكبيرة الحمراء أكثر ~~غذاء ، والحنطة المسلوقة بطيئة الهضم نفاخة ، لكن غذاءها إذا استمرئت كثير ~~، والحواري قريب من النشا ، لكنه أسخن ، والنشا بارد ورطب ولزج ، قال : ~~والحنطة تنقي الوجه ، ودقيقها والنشا خاصة بالزعفران دواء للكلف ، قال : ~~والحنطة النيئة والمطبوخة المسلوقة من غير طحن ولا تهرئة كالهريسة ، ~~والهريسة إن أوكلت ولدت الدود ، قال : والحنطة المدقوقة مذرورة على عضة ~~الكلب الكلب نافعة . الشعير - فقد قال الشيخ الرئيس : طبع الشعير بارد يابس ~~في الأولى وهو جلاء ، وغذاؤه أقل من غذاء الحنطة ، وما الشعير أغذى من ~~سويقه ، وكلاهما يكسر حدة الأخلاط ، وهو نافخ ، قال : وإذا طبخ بخل ثقيف ~~ووضع ضمادا على PageV11P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" الجرب المتقرح أبرأه ، ويضمد به مع السفرجل ~~والخل على النقرس ، ويمنع سيلان الفضول إلى المفاصل ، قال : وماءه ينفع من ~~أمراض الصدر ، وإذا شرب ببزر الرازيانج أغزر اللبن ، ويضمد بدقيقه ms2134 يمسك ~~بالبطن ، وماؤه مبرد يرطب الحميات : أما للحارة فساذجا ، وأما للباردة فمع ~~الكرفس والرازيانج ، والله أعلم . وأما ما وصف به الشعراء الزرع وشبهوه به ~~- فمنه قول القاضي عياض : أنظر إلى الزرع وخاماته . . . تحكي وقد مالت أمام ~~الرياح كتائبا تجفل مهزومة . . . شقائق النعمان فيها جراح وقال ظافر الحداد ~~الإسكندري : كأن سنابل حب حصيد . . . وقد شارفت وقت إيبانها مكانس مضفورة ~~ربعت . . . وأرخى فاضل خيطانها وقال ابن رافع : أنظر إلى سنبل الزروع وقد . ~~. . مرت عليه الجنوب والشمل كأنه البحر في تموجه . . . يعلو مرارا به و ~~يستفل PageV11P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" وقال آخر : يا حبذا سنبلة . . . تبدو لعين ~~المبصر كأنها سلسلة . . . مضفورة من عنبر الحمص - فقال الشيخ الرئيس أبو ~~علي بن سينا في " كتاب الأدوية المفردة " : الحمص أبيض وأحمر وأسود وكرسني ~~، ومن الأصناف بستاني وبري والبري أحد وأمر وأشد تسخينا ، ويفعل أفعال ~~البستاني في القوة ، ولكن غذاء البستاني أجود من غذاء البري ، وقال في طبعه ~~: الأبيض حار يابس في الأولى ، والأسود أقوى ، وقال في خواصه : كلاهما مفتح ~~ملين ، وفيه تقطيع ، ولا شيء في أشكاله أغذى منه للرئة ، ورطبه أكثر توليدا ~~للفضول من يابسه ، قال : والحمص يجلو النمش ، ويحسن اللون طلاء وأكلا ، ~~وينفع من الأورام الحارة والصلبة وسائر الأورام ما كان منها في الغدد ، ~~ودهنه ينفع من القوباء ، ودقيقه للقروح الخبيثة والسرطانية والحكة ، قال : ~~وينفع من وجع الظهر ، ومن البثور الرطبة في الرأس ، ونقيعه ينفع من وجع ~~الضرس وأورام الحارة والصلبة ، والأورام التي تحت الأذنين ، قال : وهو يصفي ~~الصوت ، قال : وطبيخه نافع للاستسقاء واليرقان ويفتح سدد الكبد والطحال ، ~~خصوصا الكرسني الأسود ، قال : ويجب ألا يأكل الحمص في أول الطعام ولا في ~~أخره ، بل في وسطه ، قال : وطبيخ الأسود يفتت الحصاة في المثانة والكلى ~~بدهن اللوز والفجل والكرفس ، وجميع أصناف الحمص تخرج الجنين ، وهو ردىء ~~لقروح المثانة ، ويزيد في الباه جدا ، ونقيعه إذا شرب PageV11P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" على الريق أنعظ بقوة ، وكله ملين للبطن ، وقال ~~بعضهم : إنه إن نقع في الخل وأكل منه على الريق ، وصبر عليه ms2135 نصف يوم قتل ~~الدود . الباقلى - فقد قال فيه الشيخ الرئيس : منه مصري ، ومنه نبطي ~~والنبطي أشد قبضا ، والمصري أقل غذاء ، والرطب أكثر فضولا ، قال ولولا بطء ~~هضمه وكثرة نفخه ما قصر في التغذية عن كشك الشعير ، بل دمه أغلظ وأقوى ، ~~قال : وأجوده السمين الأبيض السالم من السوس ، وأردأه الطري ، وإصلاحه ~~إطالة نقعه وإجادة طبخه وأكله بالفلفل والملح والحتليت والصعتر وطبع قريب ~~من الاعتدال ، وميله إلى البرد واليبس أكثر ، وفيه رطوبة فضلية خصوصا في ~~الرطب منه ، قال والفوم الذين يجعلون برد الباقلى في الدرجة الثانية يفرطون ~~. وأما أفعاله وخواصه - فإنه يجلو قليلا ، وينفخ ، والمقلي منه قليل النفخ ~~، ولكنه أبطأ انهضاما ، والمطبوخ في القشرة كثير النفخ ، والنبطي أشد قبضا ~~ولا يجلو ، قال : والباقلى يولد أخلاطا غليظة ، وقد قضى إبقراط بجودة غذائه ~~وإذا قشر وشق نصفين ووضع على نزف قطعه ، ومن خواصه أنه يقطع بيض الدجاج إذا ~~علفت منه ، وأنه يري أحلاما مشوشة ، وأنه يحدث الحكة ، خصوصا طرية ، ومن ~~خواصه أنه إذا ضمدت به عانة الصبي منع نبات الشعر ، وكذلك إذا كرر على ~~الموضع المحلوق ، ويجلو البهق من الوجه والكلف والنمش ، ويحسن اللون لا ~~سيما مع قشوره ، وإذا ضمد به بالشراب على الخصية نفع ورمها ، وينفع من تشنج ~~المفصل ، ويضمد بمطبوخه النقرس مع شحم الخنزير ، وإن خلط مع العسل ودقيق ~~الحلبة نفع من أورام الحلق ، وضماده جيد لورم الثدي وتجبن اللبن فيه ، ~~والمطبوخ منه بخل وماء ينفع من الإسهال المزمن ، وخصوصا إذا كان بقشره ~~وينفع من السحج ، ولا سيما النبطي ، وسويقه أيضا ينفع من ذلك حسوا وضمادا ~~هذا ما قاله فيه PageV11P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" وأما ما وصفه به الشعراء وشبهوه به - فمن ذلك ~~قول الصنوبري : فصوص زمرد في غلف در . . . بأقماع حكت تقليم ظفر وقد خاط ~~الربيع لها ثيابا . . . بديع اللون من خضر وصفر وقال أيضا فيه : ونبات ~~باقلاء يشبه نورها . . . بلق الحمام مشيلة أذنابها وقال العسكري : ويزهى ~~ورد باقلى . . . كأطواق الشفانين وقال أبو الفتح كشاجم : وباقلاء حسن ~~المجرد . . . مسك الثرى شهد الجني ms2136 غض ندى كالعقد إلا أنه لم يعقد . . . أو ~~الفصوص في أكف الخرد أو كبنات اللؤلؤ المنضد . . . في طي أصداف من الزبرجد ~~PageV11P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" وقال فيه أيضا : وكأن ورد الباقلاء دراهم . . ~~. قد ضمخت أوساطها بالعنبر وكأنه من فوق متن غصونه . . . يرنو بمقلة أقبل ~~أو أحور وقال أيضا : ولاح ورد الباقلاء ناظرا . . . عن مقلة تفتح جفنا عن ~~حور وقال أبو طالب المأموني : وباقلاء أزهر . . . مثل سموط الجوهر تضمه ~~أوعية . . . مثل الحرير الأخضر أوساطه مخطفة . . . مثل خصور ضمر أطرافه ~~مذروبة . . . مسروقة من أنسر فطرف كمخلب . . . وطرف كمنسر وقال ابن وكيع ~~التنيسي : كأن ورد الباقلاء إذ بدا . . . لنظاريه أعين فيها حور كمثل ألحاظ ~~اليعافير إذا . . . روعها من قانص فرط الحذر كأنه مداهن من فضة . . . ~~أوسطها بها من المسك أثر PageV11P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" وقال أيضا فيه : كأن أوراق ورد . . . للباقلاء ~~بهية خواتم من لجين . . . فصوصها حبشية وقال آخر : لي نحو ورد الباقلا . . ~~. إدمان لهو ولهج كأنما مبيضة . . . يلوح من ذاك الدعج خواتم من فضة . . . ~~فيها فصوص من سبج الأرز فقال الشيخ : هو حار يابس ، ويبسه أظهر من حره ، ~~وقالوا : إنه أحر من الحنطة ، وهو يغدو غذاء صالحا ، وإذا طبخ باللبن ودهن ~~اللوز كان غذاؤه أكثر وأجود ، وسقط تجفيفه وعقله ، وخصوصا إذا نقع ليلة في ~~ماء النخالة ، قال : وفيه جلاء ، ومطبوخه بالماء يعقل ، والمطبوخ باللبن ~~يزيد في الباه ولا يعقل ، ولم أقف على شيء من الشعر فيه فأورده . الخشخاش ~~وما ينتج عنه من عصارته : فقال الشيخ الرئيس : وعصارة الخشخاش المصري ~~الأسود الأفيون ، قال : والمختار منه الرزين الحاد الرائحة الهش السهل ~~الانحلال في الماء ، لا ينعقد في الذوب وينحل في الشمس والأصفر منه الصافي ~~اللون الضعيف الرائحة مغشوش ، وغشه بالماميثا ، وهو يغش بلبن الخس البري ، ~~ويغش بالصمغ فيكون براقا صافيا جدا ، وطبعه بارد يابس في الرابعة ، وأفعاله ~~وخواصه ، هو مخدر مسكن لكل وجع سواء شرب أم طلي به والشربة منه مقدار عدسة ~~كبيرة ، ولا تزاد شربته على دانقين ، ويمنع الأورام الحارة ، وفيه تجفيف ~~للقروح ، " وإذا طلي ms2137 به اللبن سكن وجع النقرس " ، قال : وأما أفعاله في ~~الرأس ، فهو منوم ، وإذا أذيب بدهن الورد وقطر منه في الأذن سكن وجعها إذا ~~أضيف إليه المر والزعفران ، ويسكن PageV11P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" الصداع المزمن ، ويسكن السعال المبرح ، وهو ~~يحبس الإسهال ، وينفع من السحج وقروح الأمعاء ، وإذا عدم كان بدله ثلاثة ~~أضعافه من بزر البنج وضعفه من بزر اللقاح . وأما ما وصف به الشعر - فمن ذلك ~~الشمشاطي : وخضراء قد نيطت على حسن حالها . . . بإكليلها لما استطالت ~~قناتها مضمنة حبات در كأنها . . . لهم خير ما لم وهن بناتها وقال الحصكفي : ~~وغادة زاد فيها اللحظ تكريرا . . . قد يضيف إلى التأنيث تذكيرا لها على ~~الرأس إكليل يحيط به . . . أو جمة قص أعلاها شوابيرا كأنها قبة من فوقها ~~شرف . . . جوفاء قسمها الباني مقاصيرا حبلى بعدة أولاد وما أفترعت . . . ~~عذراء تحكي لنا العذراء تطهيرا PageV11P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" تضم شمل أطيفال إذا درجوا . . . رأيت شملهم ~~المنظوم منثورا عهدي بها فوق ساق ترجحن بها . . . زمرذا ثم عادت بعد كافورا ~~قال ابن وكيع : وخشخاش كأنا منه نفري . . . قميص زبرجد عن جسم دور كأقداح ~~من البلور صينت . . . بأغشية من الديباج خضر الكتان وما قيل في بزره ~~وتشبيهه : فقال الشيخ الرئيس : بزر الكتان حار في الأولى ، معتدل في ~~الرطوبة واليبوسة ، وإنه مع النطرون والتين ضماد للكلف والبثور اللبنية ، ~~وينفع من تشنج الأظفار وتشققها وتقشرها إذا خلط بشمع وعسل ، ودخانه ينفع من ~~الزكام ، وكذلك دخان الكتان ، وينفع من السعال البلغمي ، وخصوصا المحمص منه ~~، وهو رديء للمعدة ، عسر الهضم ، ومقلية يعقل البطن ، وإذا طبخ وجلس فيه ~~نفع من لذع يكون في الرحم وأورام ، وكذلك الأمعاء ، وينفع من قروح المثانة ~~والكلية ، قال : وطبيخ بزر الكتان إذا حقن به مع دهن الورد عظمت منفعته في ~~قروح الأمعاء . " ونبات الكتان في غاية ما يكون من البهجة والنضارة وحسن ~~الألوان " . وقد وصفه الشعراء بأوصاف وشبهوه بأشياء ، فمن ذلك قول ابن ~~الرومي : وحلس من الكتان أخضر ناصر . . . يباكره داني الرباب مطير إذا درجت ~~فيه الرياح تتابعت . . . ذوائبه حتى يقال ms2138 غدير PageV11P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" وقال أبو الفتح كشاجم : كأنما الكتان فيه إذ ~~عقد . . . ونشر الأوراق زرقا في المدد آثار قرص من محب في جسد وقال ابن ~~وكيع : ذوائب كتان تمايل في الضحى . . . على خضر أغصان من الري ميد كأن ~~اصفرار الزهر فوق اخضرارها . . . مداهن تبر ركبت في زبرجد وقال آخر في ~~الأزرق . كأنه حين يبدو . . . مداهن اللازورد إذا السماء رأته . . . تقول ~~هذا فرندي وأما الشهدانج - ويقال فيه : الشاهدانق - فورقة الحشيش ، وهو بزر ~~شجرة القنب ، قال الشيخ الرئيس : ومن الشهدانج بستاني معروف ، ومنه بريء ، ~~قال حنين : إن البري شجرة تخرج في القفار على قدر ذراع ، ورقها يغلب عليه ~~البياض ، وثمرها كالفلفل ، ويشبه حبها حب السمنة ، وهو حب ينعصر منه الدهن ~~، قال : وطبعه حار يابس في الثالثة ، وهو يطرد الرياح ، ويجفف . وهو عسر ~~الانهضام ، رديء الخلط ، قوي الإسخان ، ومقلوه أقل ضررا ، قال : وإذا طبخت ~~أصول القنب البري وضمدت بها الأورام الحازة في المواضع الصلبة التي فيها ~~كيموسات PageV11P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" لا حجة سكنت الحازة وحللت الصلبة ، وهو مصدع ~~بحرارته ، وعصارته تقطر لوجع الأذن السددي ، ولرطوبة الأذن وكذلك ورقه ~~ودهنه قلاع للحزاز في الرأس وهو يظلم البصر ، ويضعف المعدة ، ويجفف المنى ، ~~ولبن الشهدانج البري يسهل برفق ، ونصف رطل من عصيره يحل الاعتقال ، ويطلق ~~البلغم والصفراء ، ويذهب مذهب القرطم ، هذا ما قاله فيه . وقال بعض الشعراء ~~في ورقه : عاطيت من أهوى وقد زارني . . . كالبدر وافى ليلة البدر والنهر قد ~~مد على متنه . . . شعاعه جسرا من التبر خضراء كافورية رنحت . . . أعطافه من ~~شدة السكر يفعل منها درهم فوق ما . . . تفعل أرطال من الخمر فراح نشوان بها ~~غافلا . . . لا يعرف الحلو من المر قال وقد لان بها أمره . . . فبات مردودا ~~إلى أمري قتلتني ، قلت : نعم سيدي . . . قتلين بالسكر وبالنجر وقال آخر : ~~يا ساقي القوم أدر بينهم . . . خضراء تغنيهم عن الخمر حشيشة تجعل كل امرئ . ~~. . منهم حشيشا ولا يدري وقال آخر : رب ليل قطعته ونديمي . . . شاهدي وهو ~~مسمعي وسميري PageV11P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" مجلسي مسجد وشربي من خض ms2139 . . . راء تزهي حسنا ~~بلون نضير قال لي صاحبي وقد لاح منها . . . نشرها مزريا بنشر العبير أمن ~~المسك ؟ قلت : ليست من المس . . . ك ولكنها من الكفور البطيخ وما قيل فيه : ~~فقال الثعالبي في فقه اللغة : أول ما يخرج البطيخ يكون قعسرا ، ثم خضفا ، ~~وهو أكبر من ذلك ، ثم يكون قحا ، ثم يكون بطيخا ، وهو نوعان : بري وبستاني ~~، فالبري ، هو الحنظل ، ومنه ذكر ومنه أنثى ، فالذكر ليفي ، والأنثى رخو ~~أبيض سلس ، والمختار منه الأبيض الشديد البياض اللين ، فإن الأسود منه رديء ~~، والصلب رديء ، وذكر فيه الشيخ الرئيس خواص ومنافع يطول شرحها ، قال : ~~وطبعه حار في الثالثة ، زعم الكندي أنه بارد رطب ، قال : وقد بعد عن الحق ~~بعدا شديدا . وأما البستاني - فهو ثلاثة أصناف : هندي وصيني وخرساني ، ~~فالهندي هو الذي يسمى بمصر : الأخضر ، بالمغرب : الدلاع ، وبالحجاز : ~~الحبحب ، وبالشام : الزبش ، والصيني هو الذي بمصر والشأم : الأصفر ، والجيد ~~منه الثقيل الخشن الأصفر ، وفيه يقول بعض الشعراء : ثلاث هن في البطيخ زين ~~. . . وفي الإنسان منقصة وذله خشونة جسمه والثقل فيه . . . وصفرة لونه من ~~غير عله إذا شققته يوما تراه . . . بدورا أشرقت منها أهله الخرساني هو الذي ~~رقبه مستطيلة معوجة ، ويسمى بمصر : العبدلي نسبة إلى عبد الله بن طاهر ، ~~فإنه الذي نقله من خرسان إليها ، وقد عد بعض الأطباء في البطيخ صنفا آخر ، ~~وهو لطيف الشكل ، عطر الرائحة ، منقوش بالحمرة والصفرة والسواد ، منه ما ~~يكون بقدر الكف ، وأكبر من ذلك ، ومنه المستطيل ، PageV11P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" ويسمى بالعراق : الدستنبوي ، واحدته دستنبويه ~~، وفي الشأم : الشمام ، واحدته شمامة ، وفي الصعيد الأعلى يسمونه : اللفاح ~~، وهو خطأ ، لأن اللفاح صنف آخر ، ولهم في بعض بلاد الصعيد الأعلى من ~~الديار المصرية صنف آخر من أصناف البطيخ الأصفر يسمونه : الشتوي ، وهو ~~مستطيل الشكل ، غير جاف ، يشبه القثاء ، رقيق الجلد جدا ، وهم غالبا لا ~~يقطعونه بالسكين ، وإنما يمتصون البطيخة فيخرج ما فيها ، ويبقى جلدها شبه ~~الظرف ، وأكثر ما رأيت هذا الصنف بإسنى من عمل مدينة قوص . قال الشيخ ~~الرئيس أبو علي بن سينا في البطيخ ms2140 - ولم يميزه بأصنافه ، بل أطلق أسم ~~البطيخ ، فقال : طبعه بارد في أول الثانية ، رطب في آخرها ، وإذا جفف بزره ~~لم يكن مطبا ، بل يجفف في الأولى ، وأصله مجفف ، وقال في أفعاله وخواصه : ~~النضيج منه لطيف ، و النيء الكثيف ، وغير النضيج في طبع القثاء ، وفيه ~~تفتيح كيفما كان ، قال : والنضيج منه وغير النضيج جاليان ، وبزره أقوى جلاء ~~، ويستحيل إلى أي خلط وافق في المعدة ، وهو إلى البلغم أشد ميلا منه إلى ~~الصفراء ، فكيف إلى السواد وهو ينقي الجلد ، وينفع من الكلف والبهق والحزاز ~~، وخصوصا إذا عجن جوفه كما هو بدقيق الحنطة وجفف في الشمس ، وإذا ألصق قشره ~~بالجبهة منع من النوازل إلى العين ، قال : وإذا أكل وجب أن يتبع طعاما آخر ~~، فإنه إذا لم يتبع شيئا آخر غثي وقيأ ، وليشرب عليه المحرر سكنجبينا ، ~~والمرطوب كندرا أو زنجبيلا : مربى أو شرابا ، قال : وهو يدر البول نضيجه ~~ونيئه ، وينفع من الحصاة في الكلية ، قال : وإذا فسد البطيخ في المعدة ~~استحال إلى طبيعة سمية ، فيجب إخراجه بسرعة إذا ثقل ، هذا ما قاله الشيخ . ~~PageV11P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" وأما ما جاء في وصفه وتشبيه - فقد وصفه ~~الشعراء وشبهوه ، فمن ذلك ما قيل في الأخضر منه ، قال أبو الطيب المأموني : ~~ومبيضة فيها طرائق خضرة . . . كما اخضر مجرى السيل من صيب المزن كحقة عاج ~~ضبيت بزبرجد . . . حوت قطع الياقوت في عطب القطن وقال آخر : رأيتها في كف ~~جلابها . . . وقد بدت في غاية الحسن كسلة خضراء مختومة . . . على الفصوص ~~الحمر في القطن وقال محمد بن شرف القيرواني : ما أطفأت جمر الوق . . . يد ~~لمشتك وقدا ووهجا كإداوة أكرية . . . مملوءة ماء وثلجا رتقاء لم يسلك بها . ~~. . غرز الأشافي قط نهجا تزهو بلوني خضرة . . . هذا انتهى وأخوه لجا كزمرد ~~وزبرجد . . . رصعن للكافور درجا أو وجه ذي خجل تبر . . . قع بالمصبغ أو ~~تسجى وقال آخر : ومال إلى بطيخة ثم شقها . . . وفرقها ما بين كل صديق صفائح ~~بلور بدت في زبرجد . . . مرصعة فيها فصوص عقيق PageV11P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" ومنه ما قيل في الأصفر ، قال ms2141 أبو طالب ~~المأموني : وبطيخة مسكية عسلية . . . لها ثوب ديباج وعرف مدام محققة ملء ~~الأكف كأنها . . . من الجزع كبرى لم ترض بنظام لها حلة من جلنار وسوسن . . ~~. معمدة بالآس غب غمام تمازج فيها لون حب وعاشق . . . كساه الهوى والبين ~~لون سقام وأبدى لنا التحزيز تخضيب كاعب . . . غلامية ذات اعتدال قوام إذا ~~فصلت للأكل كانت أهلة . . . وإن لم تفصل فهي بدر تمام وقال آخر : أتانا ~~الغلام ببطيخة . . . وسكينة جملوها صقالا فقطع بالبرق شمس الضحى . . . ~~وناول كل هلال هلالا PageV11P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" وقال آخر : خلناه لما حزز البطيخ في . . . ~~أطباقه بصقيلة الصفحات بدرا يقد من الشموس أهلة . . . بالبرق بين الشهب في ~~هالات وقال قاضي القضاة نجم الدين بن البارزي : يقطع بالسكين بطيخة ضحى . . ~~. على طبق في مجلس لأن صاحبه كشمس ببرق قد بدرا أهلة . . . لدى هالة في ~~الأفق شتى كواكبه وقد تقدم إيرادهما في تشبيه سبعة أشياء . وقال أبو هلال ~~العسكري : وجامعة لأصناف المعاني . . . صلحن لوقت إكثار وقله فإحداهن تبرز ~~في عباء . . . وأخراهن في حبر وحله ومنها ما تشبه بدورا . . . فإن قطعتها ~~رجعت أهله وقال أيضا : ولون واحد يلقى . . . فيأتينا بألوان بسمران وسودان ~~. . . وحمران وصفران كوشي في يدي واش . . . وشهد في يدي جاني فمن أدم ومن ~~قبل . . . وريحان وأشنان PageV11P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" وقال آخر : بطيخة تعطيك من لونها . . . حظين ~~من ريح ومن طعم كأنها في ذوقها شهدة . . . أو جونة العطار في الشم وقال أبو ~~الفتح كشاجم : وزائر زار وقد تعطرا . . . أستر شهدا وأذاع عنبرا وأودعت منه ~~اللهاة سكرا . . . ينفث في الأنوف مسكا أذفرا ملتحفا للحر ثوبا أصفرا . . . ~~معمدا من الحرير أخضرا يظنه الناظر إن تصورا . . . دب الدبي بمتنه فأثرا ~~وقال أيضا فيه : يا جاني البطيخ من غرسه . . . جنيت منه ثمر الحمد لم يأتنا ~~حتى أتينا له . . . روائح أذكى من الند بظاهر أخشن من قنفذ . . . وباطن ~~أنعم من زبد كأنما تكشف منه المدى . . . عن الزعفران شيب بالشهد ومنه ما ~~قيل في الدستنبويه ، فمن ذلك ما قاله مؤيد الدين الطغرائي : كرات دستنبوية ~~نضدت . . . مختلفات الشكل ms2142 والمنظر فمستدير الشكل ذو سمرة . . . كأنه جمجمة ~~العنبر PageV11P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" ولا بس للنور ذو نمرة . . . والحسن كل الحسن ~~في الأنمر وعسجدي اللون ذو صفرة . . . ضم إلى ترب له أحمر كأنه المريخ في ~~لونه . . . قارنه في برجه المشتري وقال آخر : يا حبذا تحية . . . رحت بها ~~مسرورا مخزنة من ذهب . . . قد ملئت كافورا وقال السري : وأغن كالرشإ الربي ~~. . . ب نشا خلال الربرب في خده ورد حما . . . ه من القطاف بعقرب حيا ~~بدستنبوية . . . مثل السنان المذهب وقال فيها : صفراء ما عنت لعيني ناظر . ~~. . إلا توهمها سنانا مذهبا القثاء والخيار وما قيل فيهما : فقد قال الشيخ ~~الرئيس : طبع القثاء بارد رطب في الثانية ، وهو يسكن الحرارة والصفراء ، ~~ولكن كيموسه رديء مستعد للعفونة ، ومهيج لحميات صعبة ، وبزره خير من بزر ~~الخيار ، قال : وإذا وضع ورقه مع العسل على الشري البلغمي نفع منه ، وإذا ~~شمه صاحب الغشي الحار انتفع به وانتعش ، PageV11P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" وهو مسكن للعطش ، جيد للمعدة ، وفيه إدرار ~~وتليين ، وينفع من أوجاع المذاكير ، وهو يوافق للمثانة ، قال : ورقه ينفع ~~من عضة الكلب الكلب . وصفهما وتشبيههما وفي ذلك ما قيل في القثاء ، قال عبد ~~الرحيم بن رافع القيرواني : أحبب بقثاء أتا . . . نا فوق أطباق منضد كمضارب ~~قد حددت . . . أجرامهن من الزبرجد ثم الدواء إذا الهوا . . . من الهواجر قد ~~توقد وقال السري الرفاء : وعقفاء مثل هلال السماء . . . ولكنها لبست سندسا ~~عراقية لم يذب جسمها . . . هزالا ولم تجس فيما جسا زبرجدة حسنت منظرا . . . ~~وكافورة بردت ملمسا على رأسها زهرة غضة . . . كنجم الظلام إذا عسعسا حبانا ~~بها مغرس طيب . . . من الأرض أكرم به مغرسا لها أخوات لطاف القدود . . . ~~إذا تبرجن خضر الكسا محجبة عن شموس النهار . . . وبارزة لنسيم المسا تقوس ~~في حين ميلادها . . . ولم أر ذا صغر قوسا يطول اللسان بإطرائها . . . ويصبح ~~عن ذمها أخرسا وقال أبو بكر الخوارزمي : يا رب القثاء قريب المورد . . . در ~~الحشا زمرد المجرد PageV11P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" شخت الرءوس أصور المقلد . . . مثل ذنابي ريش ~~ديك أعقد قد التوى فوق الثرى الرطب الندى ms2143 . . . كما يلوذ أسود بأسود ذي زغب ~~وفيه لين الأجرد . . . كالخد بين الملتحى والأمرد كأنه في اللون والتأود . ~~. . صوالج ركبن من زبرجد يكاد اللين وللتقصد . . . تجنيه ألحاظ الفتى قبل ~~اليد لما حصدناه قريب المحصد . . . هشا وجدنا منه ما لم يوجد ماء كطعم ~~السكر الطبرزد . . . وذوب شهد سائلا في جمد وقال الشاعر في الخيار : أنظر ~~إلى عرف الخيار ولونه . . . كروائح الريحان للمخمور فكأن ظاهره زبرجد أخضر ~~. . . وكأن باطنه من البلور وقال آخر : خيار حين تلبسه خيار . . . وريحان ~~السرور به اخضرار كأن نسيمه أنفاس حب . . . فليس لمغرم عنه اصطبار قال أبو ~~هلال العسكري : زبرجدة فيها قراضة فضة . . . فإن رجعت تبرا فقد خس أمرها ~~تلم بنا طورين في كل حجة . . . فيكثر فينا خيرها ثم شرها فعند المصيف ليس ~~فقد نفعها . . . وعند الخريف ليس يعدم ضرها القرع وما قيل فيه : فقال الشيخ ~~الرئيس : القرع بارد رطب في ثانية ، والمسلوق منه يغذو غذاء يسيرا ، وهو ~~سريع الانحدار ، وإن لم يفسد قبل الهضم PageV11P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" بسبب لم يتولد منه خلط ردىء ، ويفسد في المعدة ~~بمخالطة خلط رديء أو إبطاء مقام كسائر الفواكه ، والخلط الذي يتولد منه تفه ~~إلا أن يغلب عليه شيء يخالطه ، وإن خلط بالسفرجل كان خلطه محمودا ~~للصفراويين ، وكذلك ماء الحصرم وماء الرمان ، لكن ضرره بالقولون يتضاعف ، ~~قال : ومن خاصته أنه يتولد منه غذاء مجانس لما يصحبه ، فإذا أكل بالخردل ~~تولد منه خلط حريف ، أو بالملح تولد منه خلط مالح ، أو مع القابض تولد منه ~~خلط بالقابض ، وهو بالجملة ضار لأصحاب السوادء والبلغم ، جيد للصفرويين ، ~~قال : والمربى منه لا يدخل في الأدوية ، ولا يؤثر شيئا من تبريد ولا تسخين ~~، ولاكن يستعمل للذة ، وعصارته تسكن وجع الأذن الحار ، وخصوصا مع دهن الورد ~~، وينفع الأورام الدماغية والسرسام ، وهو نافع لوجع الحلق ، قال : وسويق ~~القرع مانع من السعال ووجع الصدر الكائنين من الحرارة ، وطبيخه ينفع من ~~الفضول الحارة في المعدة ويزلقها ، وكذلك شراب صب تجويفه ثم استعمل ، ويسعط ~~بعصارته لوجع الأسنان ، وهو مما يولد بلة المعدة جدا ms2144 ، ويقطع العطش ، ~~والنيء منه ضار بالمعدة جدا حتى للصبيان والفتيان ، وإذا طبخ ماءه بالعسل ~~وجعل فيه نطرون لين البطن ، فهو ينفع من الحميات . ولم أقف فيه على شيء من ~~الشعر فأورده . الباذنجان وما قيل فيه : فقد قال ابن وحشية في كتاب " أسرار ~~القمر " في توليده : وإن أردتم الباذنجان فخذوا خصيتي التيس وعروقا من عروق ~~الباذنجان فألقوها على الخصيتين بعد أن تجعلوا الخصيتين في الأرض ، وخذوا ~~إحدى كليتيه واجعلوها فوق العروق ، واطمروا ذلك في الأرض ، وخذوا إحدى ~~كليتيه واجعلوها فوق العروق ، واطمروا ذلك في الأرض ، فإنه بعد أربعة ~~أسابيع تنبت منه شجرة الباذنجان ، فإذا نبتت فحولوها إلى موضع آخر فإنها ~~تنمو ، هذا ما قيل في توليده ، والله أعلم بالصواب . PageV11P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" وقال الشيخ الرئيس : إن العتيق منه رديء ، ~~والحديث أسلم . كأنه أراد بالعتيق : الذي طال مكثه في الأرض ، والحديث : ~~الذي قرب عهده بالغراسة . وقال في طبعه : الصحيح أن قوته الغالبة عليه ~~الحرارة واليبوسة . ورد بهذا القول على من زعم أنه بارد ، وقال في أفعاله ~~وخواصه : إنه يولد السوداء ، ويولد السدد ، وإنه يفسد اللون ويصفره ، ويسود ~~البشرة ، ويورث الكلف ، ويولد السرطانات والصلابات والجذام والصداع في ~~الرأس ، وينتن الفم ، ويولد سدد الكبد والطحال ، إلا المطبوخ منه بالخل ~~فإنه ربما فتح سدد الكبد ، قال والباذنجان يولد البواسير ، لكن سحيق أقماعه ~~المجففة في الظل طلاء نافع للبواسير ، قال : وليس للباذنجان نسبة إلى عقل ~~أو إطلاق ، ولكنها إذا طبخت في الدهن أطلقت ، أو في الخل حبست ، هذا ما ~~قاله الشيخ فيه . وأما ما وصف به من الشعر ، فقال بعض الشعراء يصف المدور ~~منه : أهدت لنا الأرض من عجائبها . . . ما سوف يزهو بمثله وقتي إذا أجاد ~~الذي يشبهه . . . وأحكم الوصف منه في النعت قال : كرات الأديم قد حشيت . . ~~. بسمسم قمعت بكيمخت وقال آخر : وابذنج بستان أنيق رأيته . . . على طبق ~~يحكي لمقلة رامق قلوب ظباء أفردت عن جسومها . . . على كل قلب منهم كف باشق ~~وقال آخر : ومستحسن عند الطعام مدحرج . . . غذاه نمير الماء في كل بستان ~~تطلع ms2145 من أقماعه فكأنه . . . قلوب نعاج في مخالب عقبان PageV11P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" وقال آخر : كأنما الابذنج سود حمائم . . . ~~أوكارها روض الربيع المبكر لقطت مناقرها الزبرجد سمسما . . . فاستودعته ~~حواصلا من عنبر السلق فقال أبو بكر بن وحشية في توليده : وإن أردتم السلق ~~فخذوا من ورق الخس وورق الخطمي فدقوها حتى يختلطا ، وليكونا رطبين ، ثم ~~خذوا عروقا من عروق التيس فألبسوها ذلك المخلوط ، ثم اطمروها في الأرض ، ~~فإنه يخرج من ذلك السلق . قال الشيخ الرئيس : والسلق صنفان : أسود لشدة ~~الخضرة ، وهو معروف وأبيض ، وطبعه عند بعضهم حار يابس في الأولى ، وفي ~~الحقيقة أنه مركب القوة ، وعند بعضهم هو بارد ، قال : ولا شك أن في أصله ~~رطوبة ، قال : وفيه بورقية ملطفة ، وفيه تحليل وتجفيف وتليين ، وفي الأسود ~~قبض ، وخاصة مع العدس ، قال : وجميع السلق رديء الكيموس ، وجميعه قليل ~~الغذاء كسائر البقول ، وعصارته وطبيخ ورقه ينفعان من شقاق البرد ، ومن داء ~~الثعلب ، ومن الكلف إذا استعمل ورقه ضمادا بعد غسل الموضع بنطرون ، ويقلع ~~الثآليل ، وعصيره يقتل القمل ، تضمد به الأورام مسلوقا فيحللها وينضجها ، ~~وينفع من التوث ضمادا يحللها ، وورقه جيد مطبوخا لحرق النار ، وينفع من ~~القوابي طلاء بالعسل ، ويسعط ماؤه مع مرارة الكركي فيذهب اللقوة ، وينفع من ~~قروح الأنف ، وماؤه فاترا يقطر في الأذن فيسكن الوجع ، ويغسل بمائه الرأس ~~فيذهب النخالة ، وأصله رديء للمعدة ، مغيث ، وأكثر ذلك لبورقيته ، قال : ~~وتفتيحه لسدد الكبد أشد من تفتيح الملوخيا ، خاصة مع الخردل والحل ، وكذلك ~~الطحال ، ويجب أن يأكل بالمري والتوابل ، قال : وجميعه PageV11P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" يولد النفخ والقراقر ويمغص ، وهو جيد للقولنج ~~إذا أخذ بالتوابل والمري . ولم أقف على شيء من الشعر فيه فأورده . القنبيط ~~والكرنب فقال ابن وحشية : وإن أردتم توليد القنبيط فخذوا منه رأسا بعد موته ~~، فاغمسوه في عكر الخل غمستين بينهما ساعة ، ثم أتركوه في الأرض ، ودقوا ~~كفا من جبن عتيق ، واجعلوه فوقه ، واطمروه بالتراب ، فإنه بعد أربعة أسابيع ~~يخرج القنبيط . ومن خصائص هذا النبات أنه إذا وقع عليه خل العنب قبل طبخه ~~لم ينضج ms2146 ، وكذلك إذا سلق وعمل عليه الخل فإنه يصلب ، ومتى زرع تحت كرم فسد ~~الكرم ، ويقال : إن بزره إذا قدم على أربع سنين وزرع بعد ذلك تحول سلجما ، ~~فإن الزرع ذلك السلجم تحول كرنبا . وقال في توليد الكرنب : وإن أردتم ~~الكرنب فخذوا أظلاف التيس الأربعة فانقعوها في السمن ثلاثا ، ثم اجعلوها في ~~الأرض ، وغطوها بشعر لحية التيس ثم اطمروا ذلك في رمل ، واطرحوا فوقه ~~التراب ، فإنه ينبت منه الكرنب . وقال الشيخ الرئيس في طبع الكرنب : الأصل ~~أرطب من الورق ، والبري أسخن وأيبس ، وجملته حار في الأولى ، يابس في ~~الثانية ، قال : والكرنب منه بستاني ومنه بحري ومنه بري ، ومنه كرنب الماء ~~، البري أمر وأحد وأبعد من أن يكون غذاء ، وطبيخ أصل الكرنب بماء الرمان ~~طيب ، والقنبيط غليظ الغذاء ، مغلظ للدم إذا لم ينحل رسخ إلى نواحي الثندؤة ~~والجنب وأوجع ، ولا يكون منتقلا كالريحي ، قال وأما أفعاله وخواصه ، فهو ~~منضج ملين مخفف ، خصوصا إذا طبخ وصب عنه الماء الأول ، ورماد قضبانه قوي ~~التجفيف ، وله خاصية في تسكين الأوجاع ، وغذاءه يسير ، ودمه رديء ، وإذا ~~طبخ بلحم سمين أو دجاج جاد قليلا ، قال : والبري والبحري والبستاني ينضج ~~الفلغمونيات ، وهو يدمل ، ويمنع سعى الخبيثة ويجعل ببياض على الحرق ، قال : ~~وهو ينفع من الرعشة ، ومع الحلبة قد يجعل على النقرس ، قال : طبيخه وبزره ~~يبطيء بالسكر ، وإذا استطعت عصارته نقي الرأس ، ومن خواصه تجفيف اللسان ، ~~وهو منوم ، وهو مظلم للبصر مع أنه يقع في الأكحال ، قال : PageV11P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" ويتغرغر بعصيره أو طبيخه مع دمن الخل من ~~الخوانق ، وأكله يصفي الصوت ، وهو رديء للمعدة ، وعصيره بالنبيذ نافع من ~~الطحال واليرقان ، وبيضه بطيء الهضم ، وهو يدر البول والطمث : " وإذا احتمل ~~هو أو عصارته مع دقيق الشيلم " أو زهره قتل الجنين ، وإذا احتمل بزره بعد ~~الجماع أفسد المنى ، قال : ورماد أصله يفتت الحصاة ، وعصارته مع الشراب ~~للنهوش ، وهو نافع من عضة الكلب الكلب . ولم أقف على شعر فيهما فأذكره ، ~~والله الموفق . السلجم وهو اللفت فقال ابن وحشية في توليده : وإن ms2147 أردتم ~~السلجم فخذوا عرق الشوك المعقد فخزوا من عقده ثلاثا كبار ، ثم أخذوا رأس ~~عنز بعد موتها فأدخلوا الثلاث عقد فيه ، ثم اطمروه بالأرض ، واجعلوا فوقه ~~كيله من الماء ، فإنه بعد أربعين يوما ينبت الورق ظاهرا ، ويعمل الأصل بعد ~~ذلك وأكثروا من سقيه الماء فإنه ينمي ، وقال الشاعر يصفه : كأنما السلجم ~~لما بدا . . . في حسنه الرائق من غير مين قطائع الكافور ملمومة . . . ~~لمبصريها أو كرات اللجين وقال آخر : يا حبذا السلجم من مأكل . . . بنفعه ~~فاق جميع البقول كم فيه من منفعة جمة . . . إحصاؤها من غير مين يطول الفجل ~~فقال ابن وحشية في توليده : وإن أردتم الفجل فخذوا من قرون المعز قرنين ~~فانقعوهما في بول الناس سبعة أيام ، اغرسوهما في الأرض ، PageV11P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" وذروا عليهما شيئا يسيرا من حلتيت ، واسقوهما ~~ماء المطر يوما بعد يوم فإن ذلك ينبت لكم الفجل بعد أحد وعشرين يوما . وقال ~~الشيخ الرئيس : أقوى ما في الفجل بزره ، ثم قشره ، ثم ورقه ، ثم لحمه ، ~~ودهنه في قوة دهن الخروع ، إلا أنه أشد حرارة منه . وقال في طبعه : الرطب ~~منه حار في الأولى ، وبزره حار في ثالثة ، وهو يولد الرياح ، لكن بزره ~~يحللها ، وفيه تلطيف ، وغذاؤه بلغمي ، وهو قليل مع ذلك ، وفيه جوهر سريع ~~إلى التعفن ، قال وإن خلط معه دقيق الشيلم أنبت الشعر في داء الثعلب ، وإذا ~~ضمد به مع عسل قلع الآثار العارضة تحت العين والقروح الخبيثة واللبنية ، ~~وبزره مع الخل يقلع قرحة غنفرانا قلعا تاما ، وكذلك على القوباء ، وبزره ~~ينفع من النمش الكائن في الأعضاء وسائر الألوان الغريبة وآثار الضرب والكلف ~~، وهو مع الكندس بخل طلاء يذهب البهق الأسود ، وخصوصا في الحمام ، وهو يكثر ~~القمل في الجسد ، قال : وبزره يدفع الضربان الذي في المفاصل ، وهو جيد لوجع ~~المفاصل جدا ، ، وهو يضر الرأس والأسنان والحنك ، وعصارته ودهنه نافعان من ~~الريح في الأذن جدا ، وهو ضار بالعين ، إلا أنه يجلو إذا قطر ماؤه فيها ، ~~ويذهب الآثار التي تحت المأق ، وقال ابن ماسويه : إن ورقه يحد البصر ms2148 ، قال ~~: والمطبوخ منه صالح للسعال العتيق والكيموس الغليظ المتولد في الصدر ، قال ~~: وإن طبخ بسكنجبين وتغرغر به نفع من الخناق ، وفيه مع ذلك مضرة بالحلق ، ~~قال : وهو رديء للمعدة مجشيء ، وبعد الطعام ملين للبطن ، منفذ للغذاء ، ~~وقبل الطعام يطفي الطعام ولا يدعه يستقر ، وهو يسهل القيء ، وخصوصا قشره ~~بالسكنجبين ، ويوافق الجنب والطحال ضمادا ، وبزره بالخل يقيء PageV11P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" جدا ، ويحلل ورم الطحال ، قال ابن ماسويه : ~~وإن أكل بعد الطعام هضم ، وخاصة ورقه ، وماء ورقه يفتح سدد الكبد ، ويزيل ~~اليرقان ، وقال بعضهم : ورقه يهضم ، وبزره وجرمه محللان للنفخ في البطن ، ~~ويسهلان خروج الطعام ، ويشهيان ، ويذهبان وجع الكبد ، وماؤه جيد للأستسقاء ~~، قال : وهو ينفع من نهش الأفاعي ، وبالشراب من لسع العقرب ، وبزره ينفع من ~~السموم والهوام ، وإن وضعت شدخة منه على العقرب ماتت ، وجرب ماؤه في ذلك ~~فكان أقوى ، وإن لدغت العقرب من أكل فجلا لم تضره ، هذا ما ورد من منافعه ~~ومضاره . وقال بعض الشعراء يصفه : احبب بفجل قد أتتني به . . . عند مسائي ~~ذات أوقار كأنه في يدها إذ بدا . . . مقشرا في وقت إفطاري قضبان بلور وإلا ~~فما . . . يجمد من قطر الندى الجاري وقال آخر : احبب بفجل قد أتانى به . . ~~. طباخنا من بعد تقشير منضد في طبق خلته . . . من حسنه قضبان بلور الجزر - ~~فقال ابن وحشية في توليده : إن أخذتم نابي الخنزير فدهنتموهما بالزيت ، ~~وجعلتم في كل جانب من جانبي النابين الحادين بعرة جمل ، وطمرتموهما في ~~الأرض خرج عن ذلك الجزر الحلو الجيد ، وإن طمرتم قرنين من كبشين من كل واحد ~~قرنا مدهونا بالزيت خرج من ذلك الجزر . وقال أيضا : وأن أردتم الجزر فخذوا ~~أصل السلجم فشقوه نصفين ، واجعلوا في جوفه من البصل في كل رأس بصلتين ، ~~واحدة في أعلاه ، وأخرى في أسفله ، وليكونا أصلين ، ثم ادهنوهما بالزيت ، ~~واطمروهما بالتراب ، فإن ذلك يعمل أصلا هو الجزر ، ويظهر ورقه على وجه ~~الأرض . PageV11P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" وقال الشيخ الرئيس : قال ديسقوريدوس : من ~~الجزر صنف ورقه أصغر من ورق الرازبانج وفي صورته ، وساقه ms2149 إلى شبر ، وفقاحه ~~أصفر ، وله كصومعة الكزبرة والشبث ، وله ثمر أبيض حاد طيب الرائحة والمضغ ، ~~والثاني يشبه الكرفس الرومي حريف محرق طيب الرائحة ، والثالث ورقه كورق ~~الكزبرة ، أبيض الفقاح ، شبثي الصومعة والثمرة ، وله كأقماع الجوز محشوة ~~بزرا كمونيا في هيئته وحدته ، قال : وطبع الجزر حار في آخر الثانية ، رطب ~~في الأولى ، وينفع بزره ، وورقه إذا دق وجعل على القروح المتأكلة نفع منها ~~، والجزر ينفع من ذات الجنب ، ومن السعال المزمن ، وهو عسر الهضم ، والمربى ~~أسهل هضما ، وينفع من الاستسقاء ، ويسكن المغص ، ويدر ، خصوصا البرى ، ~~وخصوصا بزره ، وكذلك ورقه ، ويهيج الباه ، وخاصة البستاني ، فإنه أشد نفخا ~~، وليس يفعل ذلك بزر البري . الشقاقل وهو الجزر البري إن عد في الجزر - فهو ~~أهيج للباء من البستاني ، ويدر الطمث والبول ، ورأيت على حاشية " كتاب ~~الأدوية المفردة " للشيخ الرئيس في النسخة التي نقلت منها بخط من لعله ~~استدرك على الشيخ ما صورته : الجزر نوعان : بستاني وبري ، والمحلى عند ~~ديسقوريدوس ها هنا هو دوقو ، وله ثلاثة أصناف ، وليس هو من الجزر ، ولما ~~خلط الشيخ في الماهية خلط في المنافع . ودوقو ، وهو جزر البري ، هذا ما ~~رأيته في الجزر . وقال الشاعر يصفه ويشبهه : أنظر إلى الجزر الذي . . . ~~يحكي لنا لهب الحريق كمدية من سندس . . . فيها نصاب من عقيق PageV11P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" قال ابن رافع : أنظر إلى الجزر البديع كأنه . ~~. . في حسنه قصب من المرجان أوراقه كزبرجد في لونها . . . وقلوبه صيغت من ~~العقبان البصل وما قيل فيه : فقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا : إنه حار ~~في الثالثة ، وفيه رطوبة فضلية ، وأما أفعاله ، فهو ملطف مقطع ، وفيه مع ~~قبضه جلاء وتفتيح قوي ، وفيه نفخ وجذب للدم إلى خارج ، ولا يتولد من غير ~~المطبوخ منه غذاء يعتد به ، وغذاء الذي طبخ أيضا خلط غليظ ، قال : وللبصل ~~المأكول خاصية ، ينفع من ضرر المياه ، وهو يحمر الوجه ، وبزره يذهب البهق ~~ويدلك به حول موضع داء الثعلب فينفع جدا ، وهو بالملح يقلع الثآليل ، وماؤه ~~ينفع القروح الوسخة ، وينفع مع شحم الدجاج لسحج ms2150 الخف ، وإذا سعط ماؤه نقي ~~الرأس ، ويفطر في الأذن لثقل الرأس والطنين والقيح في الأذنين ، والإكثار ~~منه يسبت ، وهو مما يضر العقل لتوليده الخلط الرديء ، وهو يكثر اللعاب ، ~~وعصارته تنفع من الماء النازل في العين ، وتجلو البصر ، ويكتحل ببزره ~~بالعسل لبياض العين ، وماءه مع العسل ينفع من الخناق ، قال : والبصل يفتح ~~أفواه البواسير ، وجميع أنواع البصل تهيج الباه ، وماؤه مدر للبول وملين ~~للطبيعة ، وينفع من عضة الكلب الكلب إذا نطل عليها ماؤه بملح وسذاب ، قال : ~~والبصل المأكول يدفع ضرر السموم ، قال بعضهم : لأنه يولد في المعدة خلطا ~~رطبا كثير يكسر عادية السموم قال الشاعر يصفه : يكثرن من لبس الثياب تسترا ~~. . . كتم الحسود ليطمئن الحارس فإذا نظرت إلى ثياب وجدتها . . . أثواب زور ~~ليس فيها لابس PageV11P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" وقال ابن وكيع يصفه من أرجوزة : فاعمد إلى ~~مدور من البصل . . . فإنه أكثر أعوان العمل يحكي لعينيك احمرار قشره . . . ~~إذا رماه ناظر بفكره غلائلا حمرا على جسوم . . . بيض رطاب من جسوم الروم ~~الثوم وما قيل فيه : فقال الشيخ : منه البستاني المعروف ، ومنه الثوم البري ~~، وفي البري مرارة وقبض ، وهو المسمى ثوم الحية ، والكراثي مركب القوة من ~~الثوم والكراث ، مسخن ومجفف في الثالثة إلى الرابعة ، والبري أكثر من ذلك ، ~~والثوم ملين يحل النفخ جدا ، مقرح للجلد ، ينفع من تغير البلاد ، وإذا شرب ~~بطبيخ الفوتنج الحبلى قتل القمل والصئبان ، ورماده إذا طلى بالعسل على ~~البهق نفع ، وينفع من داء الثعلب الكائن من المواد العفنة ، والثوم البري ~~يلصق الجراحات الخبيثة إذا وضع عليها طريا ، وإذا احتقن بالثوم نفع من عرق ~~النسا ، لأنه يسهل دما وأخلاطا ، قال : والثوم مصدع للرأس ، وطبيخه ومشويه ~~يسكن وجع الأسنان ، وكذلك المضمضة بطبيخه ، وخصوصا إذا خلط بالكندر ، قال : ~~والثوم مضعف للبصر ، ويجلب بثور في العين ، ويصفي الحلق مطبوخا ، وينفع من ~~السعال المزمن ، ومن أوجاع الصدر من البرد ، ويخرج العلق من الحلق ، وإذا ~~جلس في طبيخ ورق الثوم وساقه أدر البول والطمث وأخرج المشيمة ، وكذلك إذا ~~احتمل أو شرب ، وإذا دق منه مقدار ms2151 درهمين مع ماء العسل أخرج البلغم ، وهو ~~يخرج الدود ، وفيه إطلاق للطبع ، وأما فعله في الباه فإنه لشدة تجفيفه ~~وتحليله قد يضر ، فإن طبخ في الماء حتى انحلت فيه حدته لم يبعد أن يكون ما ~~يبقى منه في مسلوقه قليل الحرارة لا يجفف ، وتتولد منه مادة المنى ، قال : ~~والثوم نافع للسع الهوام ونهش الحيات إذا سقي بشراب ، قال : وقد جربنا ذلك ~~، وكذلك من عضة الكلب الكلب ، وإذا ضمد بالثوم وبورق التين وبالكمون على ~~عضة موغالي نفع ، هذا ما أورده الشيخ فيه . PageV11P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" وقال الشاعر يصفه : يا حبذا ثومة في كف طاهية ~~. . . بديعة الحسن تسبى كل من نظرا أبصرتها وهي من عجب تقلبها . . . كصرة ~~من دبيقي حوت دررا وقال آخر : الثوم مثل اللوز إن قشرته . . . لولا روائحه ~~وطعم مذاقه كالندل غرك منظرا فإذا ادعى . . . لفضيلة ينمى إلى أعراقه ~~الكراث وما قيل فيه : فمنه الشامي والنبطي ، ولكل منها توليد ذكره أبو بكر ~~بن وحشية في كتاب " أسرار القمر " فقال : وإن أردتم الكراث الشامي فخذوا ~~مقلة واحدة فاغمسوها في سكبينج محلول ببول أي بول اتفق ، ثم اطمروها في ~~التراب ، واسقوها الماء ، فإنها تنبت بعد ثلاثين يوما ، وتعمل أصولا جيادا ~~. وإن أردت الكراث النبطي فخذوا قشر الجوز فألقوه على قير مغلي ، واتركوه ~~قليلا بقدر ما يعلق به من القير شيء يسير على أطرافه وجوانبه ، وما لم يعلق ~~به شيء فردوه إلى أن يعلق ، ثم اجمعوا ذلك القشر وادفنوه في التراب ، ~~وألقوا عليه قبل التراب شيئا من خردل مسحوق ، ثم اسقوه بالماء ، فإنه ينبت ~~في أحد وعشرين يوما كراثا نبطيا . قال الشيخ الرئيس : الكراث منه الشامي ، ~~ومنه نبطي ، ومنه الذي يقال له كراث بري ، وهو بين الكراث والثوم ، وهو ~~أشبه بالدواء منه بالطعام ، والنبطي أدخل في المعالجات من الشامي ، وطبع ~~النبطي حار في ثالثة ، يابس في ثانية ، والبري أحر وأيبس ، ولذلك هو أراد ، ~~والشامي مع السماق للثآليل ، ويذهب الشرى ومع الملح للقروح الخبيثة ، ~~والبري لقروح الثدي ، قال : وهو يقطع الرعاف . وقال غيره : ماء ms2152 الكراث ~~النبطي يقطع الرعاف وسيلان الدم إذا خلط به شيء من كندر مسحوق . ~~PageV11P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" قال الشيخ : ويبخر ببزره من القطران للسن التي ~~فيها دود ، وأكله مصدع ، يخيل أحلاما رديئة ، ورماده مع دهن ورد وخل خمر ~~لوجع الأذن وطنينها ، وهو مما يفسد اللثة والأسنان ، وخصوصا الشامي ، وهو ~~يضر البصر ، وهو مع ماء الشعير للربو الكائن من مادة غليظة ، وخصوصا النبطي ~~، وخصوصا مع العسل ، وينفع من أورام الرئة وينضجها ، ويعطي من بزره ودرهمان ~~مع مثله حب الآس لنفث الدم ، والبري منه رديء للمعدة ، أردأ من الشامي ، ~~والكراث كله نفاخ ، وقال روفس : إنه يقطع الجشاء الحامض ، قال الشيخ : وهو ~~بالجملة بطيء الهضم ، وهو يدر البول والطمث ، لا سيما النبطي والبري ، ~~ويضران المثانة والكلية ، ومسلوقه ينفع البواسير مأكولا وضمادا ، ويحرك ~~الباه ، وكذلك بزره ملقوا ، قال : وبزره مقلوا مع الحب الآس للزحير ودم ~~المعقدة ، ويجلس في طبيخ ورقه بماء ، وهو نافع من انضمام الرحم والصلابة ~~فيها ، وطبيخ أصوله إسفيدباجة بدهن القرطم أو دهن اللوز أو شيرج نافع ~~للقولنج ، ولم أقف فيه على شعر فأورده . الريباس وما قيل فيه : فقال الشيخ ~~: الريباس له قوة حماض الأترج والحصرم ، وهو بارد يابس في الثانية ، وهو ~~مطفيء ، قاطع للدم ، يسكن الحرارة ، وينفع في الطاعون ، ويحد البصر إذا ~~اكتحل بعصارته ، وينفع من الإسهال الصفراوي ، وينفع من الحصبة والجدري ~~والوباء . قال أبو بكر الخوارزمي يصفه : ولعبة عاج في قميص مورد . . . ~~أسافله خضر وأزراره حمر كأن يديها والأنامل خضبت . . . وشدت على أطرافها ~~خرق خضر PageV11P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" وقال آخر : ونبات لم يكتس الورق الخض . . . ر ~~ولم يغذه نسيم الهواء لا ولا كان في الثرى فتغذي . . . ه بتسكابها يد ~~الأنواء جاء مثل السياط أو كالمساوي . . . ك وبعض يحكي عصى الرعاء لذ طعام ~~وعم نفعا فأي الن . . . قل منه نلقي وأي الدواء قوله : " لا ولا كان في ~~الثرى " ، يشير إلى أنه لا ينبت إلا في الثلج . وقال آخر : ومكنونة في بنات ~~الثرى . . . تجمع بالباب خطابها تمد يدا أبرزت كفها . . . يجر الزمرد ~~عنابها ms2153 الهليون وما قيل فيه : فقال ابن وحشية في توليده : متى دفنت أطراف ~~قرون الكباش مع ورق السلق ، وسقيا بالماء ، نبت من ذلك الهليون ، قال : وإن ~~أخذ من الهليون قضيب واحد وطلي بالعسل ، ومرغ في رماد البلوط وألبس طينا ، ~~وطمر في الأرض ، خرجت منه عدة عيدان كثيرة القضبان ، بيض في غاية البياض ، ~~وربما كان في بعضها حمرة حولها صفرة ، وربما خالطها خضرة وتوريد . وقال ~~الشيخ الرئيس فيه : طبعه معتدل عند جالينوس ، قال : إنه ليس فيه إسخان ولا ~~تبريد إلا الصخري ، قال الشيخ : أقول : لا يبعد عن الحرارة ، وكلما أخذ ~~يصلب أشتد حره ، وقال في أفعاله وخواصه : قوته جالية ، تفتح سدد الأحشاء ~~كلها ، PageV11P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" خصوصا للكبد والكلية ، وفيه تحليل ، خصوصا ~~الصخري ، قال : ويشرب طبيخه لوجع الظهر وعرق النسا ، وإذا طبخ أصله بالخل ~~وكذلك بزره فهو جيد لوجع الضرس ، وينفع من اليرقان ، قال : والأغلب يقولون ~~فيه : إنه ينفع من القولنج البلغمي ، وطبيخ أصوله يدر البول وينفع عسره ، ~~ويزيد في الباه ، وبزره إذا احتمل أرد الطمث ، وبفتح سدد الكلى ، قال : ~~وإذا طبخ بالشراب نفع من نهشة الرتيلاء ، وطبيخه يقتل - فيما يقال - الكلاب ~~. وقال الشاعر يصفه : وباقة هليون أتت وهي غضة . . . فشبهتها تشبيه ذي اللب ~~والفضل برشق نبال جمعت من زبرجد . . . مشنفة الأعلى مفضضة الأصل وقال أبو ~~الفتح كشاجم : لنا رماح في أعاليها أود . . . مثقفات الحسم فتل كالمسد ~~منتصبات في انفراج كالعمد . . . مكسوة من صبغة الفرد الصمد ثوبان من السندس ~~من فوق جسد . . . قد أشربت حمرة لون لتقد الهندبا وما قيل فيها : فقال ابن ~~وحشية : إن أردتم الهندبا فخذوا من أصول الأشنان فدقوه واخلطوا به ورق ~~الهندبا مدقوقا ، وصبوا عليه اليسير من الزيت ، وخمروه في إناء ثلاثة أيام ~~، ثم اجعلوه في الأرض ، وطمروه بالتراب فإنه يخرج بعد أربعة عشر يوما هندبا ~~، قال : وإن أردتموه أيضا فخذوا رجل ديك فانقعوها في خل ممزوج بماء يوما ~~وليلة ، ثم انقعوها في بول البقر ثلاثة أيام ، ثم طمروها في الأرض ، فإنه ~~يخرج من ذلك نوع آخر من ms2154 هندبا ، والذي ينبت من أصول الأشنان أشد مرارة ~~وأغلظ ورقا ، لكنه أنفع للكبد . PageV11P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" قال الشيخ الرئيس : الهندبا منه بري ومنه ~~بستاني ، وهو صنفان : عريض الورق ، ودقيقه ، وأنفعه للكبد أمره ، وقال في ~~طبعه : إنه بارد في آخر الأولى و يابسه يابس في الأولى ، ورطبه رطب في آخر ~~الأولى ، والبستاني أبرد وأرطب ، قال : وتشتد مرارته في الصيف فيميل إلى ~~حراراة لا تؤثر ، والبري أقل رطوبة وهو الطرخشقوق ، وقال في أفعاله وخواصه ~~: انه يفتح سدد الأحشاء والعروق ، وفيه قبض صالح وليس بشديد ، وماؤه مع ~~الإسفيداج والخل عجيب في تبريد ما يراد تبريده طلاء ، قال : ويضمد به ~~النقرس ، وينفع من الرمد الحار ، ولبن الهندبا البري يجلو بياض العين ، ~~ويضمد به مع دقيق الشعير للخفقان ، ويقوي القلب ، وإذا حل خيار شنبر في ~~مائه وتغرغر به نفع من أورام الحلق ، وهو يسكن الغثى ، ويقوي المعدة وهو ~~خير الأدوية لمعدة بها مزاج حار ، والبري أجود للمعدة من البستاني ، وقيل : ~~أنه موافق لمزاج الكبد كيف كان ، أما الحار فشديد الموافقة له ، وليس يضر ~~البارد ضرر سائر أصناف البقول الباردة ، وإذا أكل مع الخل عقل البطن ، وهو ~~نافع لحمى الربع والحميات الباردة ، وإذا جعل ضمادا مع أصوله للسع العقرب ~~والهوام والزنابير والحية وسام أبرص نفع ، وكذلك مع السويق . النعنع وما ~~قيل فيه : فقال ابن وحشية : هو أحد منابت أنواع تحت جنس واحد يسمى الفودنج ~~، والفودنج خمسة ضروب : جبلي وصخري ، وبري ، ونهري ، وبستاني ، فالجبلي ~~والصخري والبري واحد ، وأما النهري فالنمام ، والبستاني : النعنع ، وكلاهما ~~نوع واحد ، وذلك ان النمام لما نقل من شطوط الأنهار إلى البساتين صار نعناع ~~، ونقص ريحه ، وكبر ورقه وطال لكثرة ريه وشربه . وقال في توليده : وإن ~~أردتم فودنجا بستانيا فخذوا رجلي دجاجة وادهنوهما بعكر الزيت ، وادفنوهما ~~في التراب ثلاثة أيام ، ثم أغرسوهما في الأرض واجعلوا الأصابع إلى فوق ، ثم ~~اجعلوا فوقها عود سذاب عرضا ، ثم نقطوا عليه زيتا ، ثم ألقوا عليه التراب ، ~~واتركوه ثلاثا ، ثم صبوا عليه الزيتا في اليوم الرابع مقدار ما ~~PageV11P0049 # """""" صفحة ms2155 رقم 50 """""" تعلمون أن شيئا من الزيت قد وصل إليه ، فإنه ~~يخرج بعد أحد وعشرين يوما نعنعا ذكي الرائحة . وفيها الشيخ الرئيس في ~~النمام : النمام ، وهو السيسنبر ، وطبعه حار في الثالثة يابس إليها ، وهو ~~يقاوم العفونات ، ويقتل القمل ، وينفع من الأورام الباردة ، وإذا طبخ بالخل ~~وخلط بدهن الورد ولطخ به الرأس نفع من النسيان ومن اختلاط الذهن ، ويتضمد ~~بورق البري منه على الجبهة للصداع ، وهو نافع للفواق إذا شرب بشراب ، وبزره ~~أقوى ، وينفع من أورام الكبد الباردة ، ويخرج الجنين الميت ، والبري منه ~~إذا شرب بشراب منع من تقطير البول ، وأخرج الحصاة وينفع من المغص ، ويضمد ~~به لسع الزنانير ، ويشرب للسعها منه وزن درهمين في سكنجبين . وقال في ~~النعناع : هو حار يابس في الثانية ، وفيه رطوبة فضلية ، وقوة مسخنة قابضة ، ~~وهو ألطف البقول المأكولة جوهرا ، وإذا تركت طاقات منه في اللبن لم يتجبن ، ~~وإذا شربت عصارته بالخل قطعت سيلان الدم من الباطن ، وهو مع السوبق ضماد ~~للدبيلات ، وتضمد به الجبهة للصداع ، وخصوصا مع سويق الشعير ، وتدلك به ~~خشونة اللسان فتزول ، ويمنع قذف الدم ونزفه ، ويعقد اللبن في الثدي ضمادا ، ~~ويسكن ورمه ، وهو يقوي المعدة ويسخنها ، ويسكن الفواق ويهضم ، ويمنع القيء ~~البلغمي والدموي ، وينفع من اليرقان ، وخصوصا شرابه ، وهو يعين على الباه ~~لنفخ فيه ، ويقتل الديدان ، وإذا احتمل قبل الجماع منع الحبل ، وهو نافع ~~لعضة الكلب الكلب . قال أبو إسحاق الحضرمي في النمام : أرى النمام بالصوت ~~الفصيح . . . ينادي الشرب حي على الصبوح بدا لك في مطارفه وأبدي . . . ~~روائح تستقل بكل ريح فقم واعص النصيح وكن مطيعا . . . لنا فالعيش عصيان ~~النصيح PageV11P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" وقال آخر : حييتها بتحية في مجلس . . . بقضيب ~~نمام من الريحان فتطيرت منه وقالت : ألقه . . . لا تقربن مضيع الكتمان وقال ~~آخر : لا بارك الله في النمام إن له . . . اسما قبيحا من الأسماء مهجورا لو ~~لم ينم على العشاق سرهم . . . ما كان فيهم بهذا الاسم مشهورا وقال ابن رشيق ~~- وخالف الأول فيه : لم كره النمام أهل الهوى . . . أساء إخواني وما أحسنوا ms2156 ~~إن كان نماما فتنكسيه . . . من غير تكذيب لهم مأمن الجرجير وما قيل فيه : ~~فقال ابن وحشية : وأن أردتم جرجيرا فخذوا خنفساء كبيرة ، ومن ورق ~~الباذرنويه ثلاثة قصبان ، واسحقوه مع الخنفساء ، ثم خذوا سبع حبات حمص أسود ~~، واقلوها ، وألبسوها الذي سحقتم ، واطمروه في الأرض ، ولا تسقوه بالماء ، ~~ولتكن أرضا ندية بالقرب من نبات يسقي دائما فإنه يخرج من ذلك الجرجير . ~~وقال الشيخ الرئيس : الجرجير منه بري ومنه بستاني ، وبزر الجرجير هو الذي ~~يستعمل في الطبيخ بدل الخردل ، وهو حار في الثالثة ، يابس في الأولى ، وفي ~~رطبه رطوبة في الأولى ، وهو ملين منفخ ، وماؤه بمرارة البقر ينفع لآثار ~~القروح ، وهو مصدع ، خصوصا إذا أكل وحده ، والخس يمنع هذا الضرر منه ، ~~وكذلك الهندبا والرجلة ، وهو مدر للبن ، وفيه هضم للغذاء ، والبري منه مدر ~~للبول محرك اللباه والإنعاظ ، PageV11P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" خصوصا بزره ، وإذا أكل وشرب عليه الريحاني فهو ~~درياق لعضة ابن عرس . السذاب وما قيل فيه : فقال ابن وحشية : إن أردتم ~~سذابا فخذوا رجلي ديك فانقعوهما في عصارة الفودنج البري أربعة أيام ، ثم ~~اغمسوهما في الزيت واغرزوهما في الأرض ، وجعلوا فوق أصابع كل رجل حجرين من ~~الكندر أكبر ما تقدرون عليه ، ثم طاقة من سذاب يابس عرضا ، واطمروه في ~~التراب ، فإنه بعد أحد وعشرين يوما يخرج منه السذاب ، فحولوه من منبته إلى ~~بقعة أخرى ، فإنه يشتد ويقوي ، ومن خاصية السذاب أن الحائض إذا مسته بيدها ~~جف ، وهو إذا زرع في أصل شجرة التين نقصت حرارته وحرافته لما بينهما من ~~الموافقة . وقال الشيخ الرئيس : أوفق السذاب البستاني ما ينبت عند شجرة ~~التين ، وطبع السذاب الرطب منه حار يابس في الثانية ، واليابس حار يابس في ~~الثالثة : واليابس البري حار يابس في الرابعة ، وهو مقطع محلل مفش جدا ، ~~منق للعروق مقرح قابض ، وهو مع النطرون على البهق الأبيض وعلى الثآليل ~~والتوث نافع ويذهب رائحة الثوم والبصل ، وينفع من داء الثعلب ، وإذا دق ~~وضمد به مع الملح عضو أحدث عليه ورما حارا ، وإذا جعل على خنازير الحلق ms2157 ~~والإبط حللها والصمغ أقوى في جميع ذلك ، وإذا جعل مع السمن والعسل على ~~القوابي ومع الخل والإسفيداج على النملة والحمرة نفع وينفع من الفالج وعرق ~~النسا وأوجاع المفاصل شربا وضمادا بالعسل ، ويضمد به مع السويق للصداع ~~المزمن ، وعصارته المسخنة في قشور الرمان تقطر في الأذن فتنفعها ، وتسكن ~~الوجع والطنين والدوي ، وتقتل الدود ، وتطلي بها قروح الرأس ، وهو يحد ~~البصر ، وخصوصا عصارته مع عصارة الرازبانج والعسل كحلا وأكلا ، وقد يضمد به ~~مع السويق على ضربان العين ، وطبيخ الرطب منه الشبث اليابس نافع لوجع الصدر ~~وعسر النفس على ما شهد به روفس ويضمد به مع التين الأستقساء اللحمي ، ويسقى ~~شراب طبخ فيه السذاب ، PageV11P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" وإذا شرب من بزره من درهم إلى درهمين للفواق ~~البلغمي سكنه ، وهو يمريء ويشهي ويقوي المعدة ، وينفع من الطحال ، وهو مجفف ~~المنى ويقطعه ، ويسقط شهوة الباه ويحقن به مع الزيت لأوجاع القولنج ، ويوضع ~~بالعسل على القروح المعقدة ، ويغلي في الزيت ويشرب للديدان ، قال : ~~والنوعان يستفرغان فضول البدن بالإدرار ، ويضمد به وبورق الغار على ~~الأنثيين لأورامهما ، وأكله ينفع من الحمى النافض والتمريخ بدهنه ، وهو ~~يقاوم السموم ، والإكثار من أكل البري قاتل . ولم أقف على وصف فيه فأورده . ~~الطرخون فهو صنفان : بابلي ، وهو طويل الورق ، ورومي ، وهو مدور ، قال ابن ~~وحشية في توليده : وأن أردتم الطرخون فخذوا من عروق العشر وورقه فدقوا ذلك ~~دقا يسيرا بلاسحق ، ثم صروه في صرة واحدة أو صرر في ورق الفجل الكبار ، ~~واطمروه في الأرض ، فإنه يخرج لكم منه الطرخون . وقال الشيخ الرئيس : قالوا ~~: إن العاقر قرحا هو أصل الطرخون الجبلي ، قال : وطبعه الظاهر أنه حار يابس ~~إلى الثانية ، وإن كانت فيه قوة مخدرة ، قال : وقال بعض من لا يعتمد عليه : ~~إنه بارد يابس . قال الشيخ : وهو مجفف للرطوبات ، وفيه تبريد ما ، وإذا مضغ ~~وأمسك في الفم نفع القلاع ، وهو يحدث وجع الحلق ، وهو عسر الهضم ، وهو يقطع ~~شهوة الباه . الإسفاناخ وما قيل فيه : أما توليده فقال ابن وحشية فيه : ~~خذوا عروق الخطمي ms2158 ولفوا عليها من ورق الخس الرطب ، وانقعوها في الشيرج يوما ~~ثم اطمروها في التراب ، فإنها تنبت بعد سبعة أيام إسفاناخا . PageV11P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" وأما طبعه وأفعاله - فقال الشيخ : هو بارد رطب ~~في آخر الأولى ، وهو ملين ، وفيه قوة جالية غسالة ، ويقع الصفراء ، وينفع ~~من أوجاع الظهر الدموية ونافع من وجع الصدر والرئة . البقلة الحمقاء وهي ~~اليرسا ، وتسمى الرجلة والفرفحين : أما توليدها - فقد قال : وإن أردتم يرسا ~~- وهي البقلة الحمقاء - فخذوا عروق القطن وورقه رطبين فدقوها دقا يسيرا ~~وغرقوهما باللبن الذي قد أنبذ فيه الحمص ، ثم اطمروه في الأرض ، فإنه بعد ~~أسبوع تثبت منه هذه البقلة والذي نعرفه نحن من أمرها أنها تنبت في أرض قصب ~~السكر من غير معالجة . وأما طبعها وفعلها - فقال الشيخ والرئيس : إن طبعها ~~بارد في الثانية رطب في آخرها ، وإن فيها قبضا يمنع النزف والسيلانات ~~المزمنة ، وغذاؤها قليل غير مذموم ، وهي قامعة للصفراء جدا ، قال : ومن ~~خاصيتها أنها تحك بها الثآليل فتقلها ، وهي ضماد للأورام الحارة التي يتخوف ~~عليها الفساد ، وللحمرة ، وتنفع البثور في الرأس غسلا بها ، وتسكن الصداع ~~الحار الضرباني ، وتنفع من الرمد ، وتدخل في الأكحال والإكثار منها يحدث ~~الغشاوة ، وتنفع التهاب المعدة شربا وضمادا ، وتنفع الكبد الملتهبة ، وتمنع ~~القيء ، وتنفع من أوجاع الكلى والمثانة وقروحهما ، وتقطع شهوة الباه ، وزعم ~~ما سرجويه أنها تزيد في الباه . قال الشيخ : ويشبه أن يكون ذلك في الأمزجة ~~الحارة اليابسة ، وهي تحبس نزف الدم من الحيض ، وينفع ماؤها من البواسير ~~الدامية ، ومن الحميات الحارة ، قال : وإن شويت وأكلت قطعت الإسهال . ~~الحماض وما قيل فيه : فقال ابن وحشية : وإن أردتم الحماض فخذوا من اليرسا ~~ثلاثا أو أربعا فانقعوها في ماء وخل ثلاثة أيام ، ثم خذوا عرقا من عروقها ~~أو عرقين فاجعلوهما في الأرض ، واجعلوا الطاقات المنقوعة فوقهما ثم صبوا ~~عليها ذلك الخل الممزوج ، واطمروها ، فإنها تنبت لكم الحماض . PageV11P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" وقال الشيخ الرئيس : الحماض منه البستاني ومنه ~~بريء " يقال له : السلق البري ، وليس في البري ، وليس في البري كله ms2159 كما ~~يقال حموضة ، بل لعل في بعضه حموضة ، والبري أقوى في كل شيء ، وطبعه بارد ~~يابس في الثانية ، وبزره بارد في الأولى ، يابس في الثانية ، وفيه قبض ، ~~وفي التفه منه التحليل يسير ، والحامض أقبض ، والذي ليس شديد الحموضة أغذى ~~، وهذا هو الشبيه بالهندبا ، وكله يقمع الصفراء ، وخلطه محمود ، وأصله ~~بالخل ينفع لتقشير الأظفار ، وإذا طبخ بالشراب نفع ضماده من البرص والقوباء ~~، وقيل : إن أصله إذا علق في عنق صاحب الخنازير انتفع به ، وأصله بالخل ~~للجرب المتقرح والقوابي ، وطبيخه بالماء الحار ينفع من الحكة ، وكذلك هو ~~نفسه في الحمام ، وإذا تمضمض بعصارته نفع من وجع السن ، وكذلك بمطبوخه في ~~الشراب ، وينفع الأورام التي تحت الأذن ، وينفع من اليرقان الأسود بالشراب ~~، ويؤكل لشهوة الطين ، وبزره يعقل البطن ، وقد قيل : إن ورقه تليينا ما ، ~~وفي بزره عقل مطلق ، وقال بعضهم : إن بزر الحماض غير مقلو فيه إزلاق وتليين ~~، وأصله مدقوقا لسيلان الرحم وتفيت حصاة الكلية إذا شرب في شراب ، واللزوجة ~~التي فيه تنفع من السحج العارض من يبس الثفل ، وهو ينفع من لسع العقرب ، ~~وخصوصا البري ، وإن استعمل بزره قبل لسع العقرب لم يضر لسعها . الرازيانج ~~وما قيل فيه : فقال ابن وحشية : إن أخذتم أخثاء الخنزير فخلطتموها بدمه ، ~~ولفقتموها في شيء من جلده ، ثم طمرتموها بالتراب الذي له نزوفيه رطوبة ، ~~خرج عن ذلك الرازيانج . قال الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا : " والرازيانج ~~نبطي ورومي فأما النبطي : فمنه بري ، ومنه بستاني ، والبري أشد حرارة ويبسا ~~، وأولى بالثالثة ، وأما البستاني فتكون حرارته في الثانية ، قال : ~~الرازيانج يفتح السدد ويحد البصر ، خصوصا صمغة ، وينفع من ابتداء الماء ، ~~وزعم إبقراطيس أن PageV11P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" الهوام ترعى بزر الرازيانج الطري ليقوي بصرها ~~، والأفاعي والحيات تحك أعيانها عليه إذا خرجت من مآويها بعد الشتاء ~~استضاءة للعين ، ورطبه يغزر اللبن ، وخصوصا البستاني ، ويدر البول والطمث ، ~~والبري خاصة يفتت الحصاة ، وفيهما منفعة للكلية والمثانة ، والبري ينفع من ~~تقطير البول ، وينقي النفساء ، وإذا أكل بزره مع أصله عقل ، وينفع من ~~الحميات المزمنة ms2160 ، وطبيخه بالشراب ينفع من نهش الهوام ، ويدق أصله ويجعل ~~طلاء من عضة الكلب الكلب . " وأما الرومي : وهو الذي بزره الأنيسون " فقال ~~جالينوس : هو حار في الثانية ، يابس في الثالثة . وقال الشيخ : وهو مفتح مع ~~قبض يسير ، وهو مسكن للأوجاع ، محلل للرياح ، وخصوصا إن قلي ، وفيه حدة ~~يقارب بها الأدوية المحرقة وينفع من التهيج في الوجه ، وورم هو مفتح مع قبض ~~يسير ، وهو مسكن للأوجاع ، محلل للرياح ، وخصوصا إن قلي ، وفيه حدة يقارب ~~بها الأدوية المحرقة وينفع من التهيج في الوجه ، وورم الأطراف ، وإذا بخر ~~به واستنشق برائحته سكن الصداع ، وإن سحق وخلط به دهن الورد وقطر في الأذن ~~أبرأ مما يعرض في باطنها من صدع عن صدمة أو ضربة ، وينفع من السبل المزمن ، ~~ويسهل النفس ويدر اللبن ، ويقطع العطش الكائن عن الرطوبات البورقية ، وينفع ~~من سدد الكبد والطحال ، ومن الرطوبات ، ويدر البول والطمث الأبيض ، وينقي ~~الرحم من سيلان الرطوبات البيض ، ويحرك الباه ، وربما عقل البطن ، وهو يفتح ~~سدد الكلي ويدفع ضرر السموم والهوام ، والله أعلم . وقال ابن وكيع في ~~الرازيانج : أخذت من كف الغزال الأحور . . . غصنا من البسباس ممطورا طري ~~كأنه في عين كل مبصر . . . مذبة من الحرير الأخضر الكرفس وما قيل فيه : ~~فقال الشيخ الرئيس : الكرفس منه جبلي ومنه بري ، ومنه بستاني ، ومنه ما ~~ينبت في الماء وبقربه ، وهو أعظم من البستاني وقوته كقوته " ومنه نوع يسمى ~~سمرنيون " أعظم من البستاني أجوف الساق إلى البياض ، وقد يختلف بالبلاد ، ~~فمنه رومي ، ومنه غيره ، قال : وأقواه الرومي ثم الجبلي ، وطبعه في أولى ~~PageV11P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" الحرارة ، وثانيه اليبوسة . وقال روفس : ~~البستاني رطب إلا أصله ، فهو يابس اتفاقا ، قال : وهو محلل للنفخ ، مفتح ~~للسدد ، مسكن للأوجاع ، ومرمر باه أوفق للمحور ، والبري ينفع لداء الثعلب ، ~~ولتشقيق الأظفار والثآليل وشقاق البرد ، والبستاني مطيب للنكهة جدا ، ~~والبري مقرح إذا ضمد به ولذلك ينفع من الجرب والقوباء ، ومن الجراحات إلى ~~أن تنختم ، خصوصا سمرنيون و سمرنيون يوافق جميع أجزائه عرق النسا ، والكرفس ~~البستاني يدخل في أضمدة ms2161 أوجاع العين ، وينفع السعال ، وخصوصا سمرنيون ، ~~وكذلك ضيق النفس وعسره ، وهو من أدوية أورام الثدي الحارة ، وينفع الكبد ~~والطحال ، ويحرك الجشاء لتحليه ، وليس سريع الأنهضام والأنحدار ، وفي بزر ~~الكرفس تغثية وتقيء إلا أن يقلي ، قال : وقال بعضهم : إن جميع أصله نافع ~~المعدة . ويقول روفس : لا ، بل قد يجلب إليها رطوبات رديئة حادة ، وقال ~~جالينوس : إنه مما يصلح أن يؤكل مع الخس ، فإنه يعدل برد الخس ، وبزره ينفع ~~من الأستقساء ، وينقي الكبد ويسخنها ، وهو يدر البول والطمث ، وهو رديء ~~للحوامل ، وهو ينقي الكلية والمثانة والرحم ، وينفع من عسر البول ، ويخرج ~~المشيمة ، خصوصا سمرنيون ويملاء الرحم رطوبة حريفة إذا أدمن أكله . قال : ~~وقال بعضهم : الكرفس يهيج الباه ، حتى قال : يجب أن تمنع المرضعة من تناوله ~~لئلا يفسد لبنها لهيجان شهوة الباه ، والرومي جيد لقولون والمثانة والكلية ~~، وطبيخه مع العدس يتقيأ به بعد شرب السم ، وإذا لسعت العقرب من أكله اشتد ~~به الأمر . انتهى القسم الأول . PageV11P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" القسم الثاني من الفن الرابع في الأشجار وفيه ~~ثلاثة أبواب الباب الأول من هذا القسم من هذا الفن فيما لثمره قشر لا يؤكل ~~ويشتمل هذا الباب على اللوز والجوز والجلوز والفستق والشاه بلوط والصنوبر ~~والرمان والموز والنارنج والليمون اللوز فقال الشيخ الرئيس في طبيعته : ~~الحلو معتدل إلى رطوبة والمر حار يابس في الثانية ، وقال في أفعاله وخواصه ~~: في جميع أصناف اللوز جلاء وتنقية وتفتيح ، لكن الحلو أضعف من المر في ~~تفتيحه ، لأنه ملطف ودهنه أخف من حرمه ، والمر ينفع من الكلف والنمش والأثر ~~، ويبسط تشنج الوجه ، وأصل المر إذا طبخ وجعل على الكلف كان دواء قويا ، ~~وأكل اللوز الحلو يسمن ، والمربى بالشراب جيد للشرى ، ويطلى به بالعسل ~~الساعية والنملة ويطلى به بالخل أو بالشراب على القوابي ، والمر أبلغ في ~~ذلك ، وهو جيد لوجع الأذن والدوي فيها ، وخصوصا المر دهنا ومسحوقا بحالة ~~ومسموحا ، وإذا غسل الرأس به وبالشراب نقى الرطوبة والحزاز ونوم ، وإذا شرب ~~المر قبل الشراب منع السكر ، وخصوصا خمسين عددا ، وشجر اللوز المر ms2162 إذا دق ~~ناعما وخلط بالخل ودهن الورد وضمد به الجبين نفع الصداع ، وكذلك دهن اللوز ~~المر ينفع منه ، وهو يقوي البصر ، واللوز المر مع النشا الحنطة جيد لنفث ~~الدم ، وينفع من السعال المزمن والربو وذات الجنب ، وخصوصا دهن الحلو ، ~~وسويق اللوز نافع من السعال ونفث الدم ، وهو يفتح سدد PageV11P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" الكبد والطحال ، وخصوصا المر ، فإنه يفتح ~~السدد العارضة في أطراف العروق ، وإذا أكل الطري بقشره نقي بلة المعدة ، ~~وهو عسر الهضم ، جيد الخلط ، قليل الغذاء ، وإذا كان بالسكر انحدر سريعا ، ~~ودهن المر ينقي الكلية والمثانة ويفتت الحصاة ، وخصوصا مع الإيرساء شربا ، ~~وربما نفع ضمادا معه ومع دهن الورد ، وينفع الأوجاع الرحم وأورامها الحارة ~~وصلابتها وعسر البول ووجع الكلى ، ويحتمل فيدر الطمث ، والحلو نافع من ~~القولنج لجلائه ، والمر أنفع ، ودهنه أخف من جرمه . قال وينفع من عضة الكلب ~~والكلب . وأما ما وصفه به الشعراء وشبهوه - فمن ذلك قول ابن المعتز : ثلاثة ~~أثواب على جسد رطب . . . مخالفة الأشكال من صنعة الرب تقيه الردى في ليله ~~ونهاره . . . وإن كان كالمسجون فيها بلا ذنب وقال آخر : أما ترى اللوز حين ~~ترجله . . . عن الأفانين كف مقتطف وقشره قد جلا القلوب لنا . . . كأنها ~~الدر داخل الصدف وقال آخر : جاء بلوز أخضر . . . أصغره ملء اليد كأنما ~~زئبره . . . نبت عذار الأمرد كأنما قلوبه . . . من توأم ومفرد جواهر لكنما ~~. . . الأصداف من زبرجد PageV11P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" وقال أبو طالب المأموني : ومستجن عن الجانين ~~ممتنع . . . بخلة لم تحكها كف نساج در تكون من عاج تضمنه . . . في البر لا ~~البحر أصداف من الساج وقال آخر في لوزة بقلبين : ومهد إلينا قد تضمنت . . . ~~لمبصرها قلبين فيها تلاصقا كأنهما حبان فازا بخلوة . . . على رقبة في مجلس ~~فتعانقا الجوز فقال الشيخ : هو حار ، ودرياقه للمحرورين السكنجبين ، ~~ولضعفاء المعدة المربى بالخل ، وهو حار في الثانية يابس في أولها ويبسه أقل ~~من حره ، وفيه رطوبة غليظة تذهب إذا عتق . وأما أفعاله وخواصه - ففي مقلوه ~~قبض ، وورقه وقشره كله قابض للنزف ، وقشره المحرق مجفف بلا لذع ms2163 ، ودهن ~~العتيق منه كالزيت العتيق ، وجلاء العتيق قوى ، ولبه الممضوغ يجعل على ~~الورم السوداوي المتقرح فينفع ، وصمغه نافع للقروح الحارة منثورا عليها وفي ~~المراهم ، وهو مع عسل وسذاب ينفع التواء العصب ، وعصارة ورقه تفتر وتقطر في ~~الأذن فتنفع من المدة . وقيل : إنه مثقل للسان مبثر للفم ، وعصارة قشره ~~وربه يمنع الخناق ، ويضر بالسعال ، وهو عسر الهضم رديء للمعدة ، والمربي ~~والرطب أجود للمعدة وأفل ضررا ، والمربى بالعسل نافع للمعدة الباردة ، ~~وقشره يحبس نزف الطمث ، والمربى نافع للكلية الباردة ، ورماد قشره يمنع ~~الطمث شربا بالشراب وحملا ، والجوز مع التين والسذاب دواء لجميع السموم ومع ~~البصل والملح ضماد على عضة الكلب الكلب وغيره . وأما ما وصفه به الشعراء ~~وشبهوه - فمن ذلك قول شاعر : جاء بجواز أخضر . . . مكسر مقشر كأنما أرباعه ~~. . . مضغة علك الكندر PageV11P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" وقال آخر : والجوز مقشور يروق كأنه . . . لونا ~~وشكلا مصطكى ممضوغ وقال أبو طالب المأموني : ومحقق التدوير يبعد نفعه . . . ~~من كف من يجنيه مالم يكسر در يسوغ لآكليه يضمه . . . صدف تكون جسمه من عرعر ~~متدرع في السلم فوق غلالة . . . درعا مظاهرة بثوب أخضر الجلوز وما قيل فيه ~~: فالجلوز ، هو البندق ، وقد سمي أبن سينا الصنوبر بالجلوز ، وقال في ~~البندق : هو إلى حرارة ما ويبوسة قليلة ، وفيه من القبض أكثر مما في الجوز ~~، وفيه نفخ ، ويولد الرياح في البطن ، وإذا قلي وأكل مع فلفل قليل أنضج ~~الزكام ، وقال إبراقط : البندق يزيد في الدماغ ، وإذا أكل بماء العسل نفع ~~من السعال المزمن ، وهو بطيء الهضم ، ويهيج القيء ، وينفع من النهوش وخصوصا ~~مع التين والسذاب للدغ العقرب . وأما ما وصفه به الشعراء وشبهوه ، فمن ذلك ~~قول شاعر : ولقد شربت مع الغزال مدامة . . . صفراء صافية بغير مزاج فتفضل ~~الظبي الغزير ببندق . . . شبهته ببنادق من ساج وكسرته فرأيت صوفا أحمرا . . ~~. قد لف فيه بنادق من عاج وقال ابن رافع : جلوزة من كف طبي غزال . . . رمى ~~بها نحوي كمثل جلجل أو كرة قد ثلثت من صندل . . . تكسر عن حريرة لم تغزل ~~محمرة فوق بياض ms2164 يعتلي . . . من حسنها المستظرف المستكمل في مطعم الشهد وعرف ~~المندل PageV11P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" الفستق وما قيل فيه : فقال ابن وحشية في ~~توليده : وإن أردتم فستقا فخذوا كبد الماعز فشقوها ، وادفنوا فيها عظم صلب ~~الطاووس ، وأهرقوا فوقها عصارة الشاهترج ، واطمروها في الأرض ، فإنه بعد ~~سبعة وعشرين يوما تخرج من شجرة الفستق . وقال الشيخ الرئيس : طبعه أشد ~~حرارة من الجوز ، وهو حار يابس في آخر الثانية ، وفيه رطوبة ، وزعم بعضهم ~~أنه بارد ، وقد أخطأ وهو يفتح سدد الكبد لمرارته وعطريته ، وفيه عفوصة ، ~~وغذاؤه يسير جدا ، وهو جيد للمعدة ، خصوصا الشامي الشبيه بحب الصنوبر ، وهو ~~يفتح منافذ الغذاء ، ودهنه ينفع من وجع الكبد الحادث من الرطوبة والغلظ . ~~قال فإن قال قائل : " لم أجد له في المعدة كبير مضرة ولا منفعة " أقول : بل ~~يمنع الغثيان ، وتقلب المعدة ، ويقوي فمها ، وهو ينفع من نهش الهوام ، ~~خصوصا إذا طبخ بالشراب . وأما ما وصفه به الشعراء وشبهوه : فمن ذلك ما قاله ~~أبو إسحاق الصابي : والنقل من فستق حديث . . . رطب تبدي به الجفاف لي فيه ~~تشبيه فيلسوف . . . ألفاظه عذبة خفاف زمرد صانه حرير . . . في حق عاج له ~~غلاف وقال آخر : زمردة ملفوفة في حرير . . . لها حق عاج في غلاف أديم وقال ~~أبو بكر الصنوبري : وحظى من نقل إذا ما نعته . . . نعت لعمري منه أحسن ~~منعوت PageV11P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" من الفستق الشامي كل مصونة . . . تصان عن ~~الأحداق من بطن تابوت زبرجدة ملفوفة في حريرة . . . مضمنة درا مغشي بياقوت ~~وقال آخر : وفستق مستلذ . . . من بعد شرب الرحيق كأنه حين ترنو . . . إليه ~~عين الرموق حق من عاج يحوي . . . زبرجدا في عقيق وقال آخر يصف الضاحك : ~~ومهد إلينا فستقا غير مطبق . . . به من كمين في حشاه مضمن ظماء من الأطيار ~~حامت ففتحت . . . مناقيرها ثم استعانت بألسن وقال آخر : انظر إلى الفستق ~~المجلوب حين أتى . . . مشققا في لطيفات الطوامير والقلب ما بين قشريه يلوح ~~لنا . . . كألسن الطير من بين المناقير وقال آخر : كأنما الفستق المملوح ~~حين بدا . . . مفتح القشر موضوعا على طبق وقد ms2165 بدا لبه للعين ، ألسنة . . . ~~للطير عطشى بها شيء من الرمق وقال آخر : وضاحك أجفانه . . . لم تكتحل ~~بالوسن لم أدر عن أفئدة . . . تبسم أم عن ألسن كعاشق كلفه ال . . . غرام ما ~~كلفني إذا أخذت قلبه . . . لم ينتفع بالبدن PageV11P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" وقال أبو بكر بن القرطبية : صدف أبيض نقي . . ~~. ذو بهاء ورونق مسفر عن جوهرة . . . أخضر فيه مطبق كل صبغ يعزي إلى . . . ~~لونه قيل فستقي الشاه بلوط وما قيل فيه : فالشاه بلوط هو القسطل ، قال ابن ~~وحشية : وإن أردتم الشاه بلوط فخذوا كليتي الخنزير وقرني غزال ، فاغرزوا في ~~طرفي القرنين الكليتين ، وادفنوا ذلك في الأرض ، واسقوه من الماء بقدر ~~وصوله إليه ، فإنه ينبت في أربعة وعشرين يوما شجرة تحمل الشاه بلوط . . . . ~~. . قال شاعر يصفه : يا حبذا القسطل المجرد عن . . . قشريه بعد الجفاف في ~~الشجر كأنه أوجه الصقالبة ال . . . بيض وفيها تكرمش الكبر شجر الصنوبر وما ~~قيل فيه : فشجر الصنوبر صنفان ، ذكر وأنثى ، فالذكر هو الأرز ، وهو لا يثمر ~~، ومنه القطران ، والأنثى صنفان ، صنف كبير الحب ، وصنف صغيرة ، يسمى قريش ~~. وقال أبو بكر بن وحشية في توليده : خذوا من شجرة الخرنوب الشامي من ~~عروقها الطوال ، فلقوها على قرني ثور ، وانقعوها في الزيت سبعة أيام ، ثم ~~جعلوها في الأرض ، وسحقوا الكندر وذروه عليها إذا غرست ، فإنها تنبت شجرة ~~الصنوبر . وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا فيه : وسماه الجلوز وقال : هو ~~حب الصنوبر الكبار ، وهو أفضل غذاء من الجوز ، لكنه أبطأ انهضاما ، وهو ~~مركب من جوهر مائي وأرضي ، والهوائية فيه قليلة ، وفي لحاء شجره قبض كثير ، ~~والدود الذي فيه قوة الذراريح ، ولحاؤه ينفع من إحراق الماء الحار ، " ~~ويلصق PageV11P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" الجراحات ذرورا " ومن الحروق الحرقية ، وفيه ~~قوة مدملة ، وفي لحائه من القبض ما يبلغ أن يشفي السحج إذا وضع عليه ضمادا ~~أو ذرورا ، ويصلح لمواقع الضربة ويدمل ، وورقه أصلح لذلك لأنه أرطب ، ~~والغرغرة بطبيخ قشرة تجلب بلغما كثيرا ، وإذا سلق لحاؤه بالخل وتمضمض به ~~نفع وجع الأسنان ، ودخانه نافع من انتثار الأشفار ms2166 . قال : ويغذو غذاء قويا ~~غليظا غير رديء ، ويصلح للرطوبات الفاسدة في الأمعاء ، وهو بطيء الهضم ، ~~ويصلح هضمه : أما للمبرودين فالعسل وللمحرورين فالطبرزذ ، ويزداد بذلك جودة ~~غذاء ، والمنقوع منه في الماء تذهب حدته وحرافته ولذعه ، ويبريء من أوجاع ~~العصب والظهر وعرق النسا ، وهو نافع للأسترخاء ، وينقي الرئة ويخرج ما فيها ~~من القيح والخلط الغليظ ، ويهيج الباه ، وخصوصا المربى منه ، وينفع من ~~القيح والحصاة في المثانة ، وهو التمر والتين ينفع من لدغ العقرب . وقال في ~~قضم قريش : إنه جيد لقروح الكلى والمثانة . وأما ما وصف به الصنوبر وشبه به ~~من الشعر : فمن ذلك قول بعض الشعراء : صنوبر أطيب موجود . . . نلت به غاية ~~مقصودي كأنه حين حباني به . . . من خص بالإنعام والجود حب لآل مشرق لونه . ~~. . في جوف أدراج من العود ونحوه قول الشاعر : صنوبر ظلت به مولعا . . . ~~لأنه أطيب موجود كأنه الكافور في لونه . . . تحويه أدراج من العود وقال أبو ~~بكر الصنوبري - وذكر انتسابه إليه - : وإذ عزينا إلى الصنوبر لم . . . نعز ~~إلى خامل من الخشب PageV11P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" لا بل إلى باسق الفروع علا . . . مناسبا في ~~أرومة الحسب مثل خيام الحرير تحملها . . . أعمدة تحتها من الذهب كأن ما في ~~ذراه من ثمر . . . طير وقوع على ذرا القضب باق على الصيف والشتاء إذا . . . ~~شابت رءوس النبات لم يشب محصن الحب في جواشن قد . . . أمن في لبسها من ~~الحرب حب حكى الحب صين في قرب ال . . . أصداف حتى بدا من القرب ذو نثة ما ~~ينال من عنب . . . ما نيل من طيبها ولا رطب يا شجرا حبه حداني أن . . . ~~أفدي بأمي محبة وأبى فالحمد لله إن ذا لقب . . . يزيد في حسنه على النسب ~~وقال ابن رافع القيرواني : يا حسنه في اللعين من صنوبر . . . يحكي لنا ~~جماجما من عنبر يفلق عن حب إذا لم يكسر . . . مصندل إن شئت أو معصفر كمثل ~~أصداف نفيس الجوهر الرمان والجلنار فقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا : ~~الرمان الحلو منه بارد إلى الأولى رطب فيها ، والحامض يابس في الثانية ، ~~والحامض ms2167 يقع الصفراء ، ويمنع سيلان الفضول إلى الأحشاء ، وخصوصا شرابه ، ~~وهو جلاء مع القبض ، وحب الرمان مع العسل طلاء للداحس والقروح الخبيثة ، ~~وأقماعه للجراحات ، ولا سيما المحروقة . قال : والحلو ملين ، وجميعه قليل ~~الغذاء جيده ، والمز منه ربما كان أنفع للمعدة من التفاح والسفرجل ، لكن ~~حبه رديء ، وأقبض أجزائه الأقماع . قال : وحب الرمان بالعسل ينفع من وجع ~~الأذن ، وهو طلاء لباطن الأنف ، وينفع حبه مسحوقا مخلوطا بالعسل من القلاع ~~طلاء ، وإن PageV11P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" طبخت الرمانة الحلوة بالشراب ثم دقت كما هي ~~وضمدت بها الأذن نفع من ورمها منفعة جيدة ، وشراب الرمان وربه نافعان من ~~الحمار ، وعصارة الحامض تنفع من الظفرة ، وهو يخشن الصدر والحلق ، والحلو ~~يلينهما ويقوي الصدر ، وإذا سقي حب الرمان في ماء المطر منع نفث الدم ، ~~وجميعه ينفع من الخفقان ، ويجلو الفؤاد ، والمز ينفع من التهاب المعدة ، ~~والحلو يوافق المعدة ، والحامض يضرها ، ومع ذلك فحب الرمان يضر المعدة ، ~~وسويقه مصلح لشهوة الحبالى ، وكذلك ربه ، خصوصا الحامض ، ويمصه المحموم بعد ~~غذائه فإنه يمنع صعود البخار ، قال : والحامض أكثر إدرارا للبول من الحلو ، ~~وكلاهما مدر ، وسويق الرمان ينفع من الإسهال الصفراوي ، وقشور أصل الرمان ~~بالنبيذ تخرج الديدان . قال : والحلو يضر أصحاب الحميات الحارة . وقال في ~~الجلنار : وهو زهر رمان بري ، فارسي أو مصري ، قد يكون أحمر وقد يكون أبيض ~~، وقد يكون موردا ، وعصارته في طبعها كعصارة لحية التيس ، قوته قوة شحم ~~الرمان ، وطبع بارد في آخر الأولى ، ويابس في الثانية ، وأفعاله وخواصه ، ~~هو مغر ، حابس لكل سيلان ، ويولد السوداء ، وهو جيد للثة الدامية ويدمل ~~الجراحات والقروح والعقور والشجوج ذروورا ، وهو يقوي الأسنان المتحركة ، ~~وهو يعقل ، وينفع من قروح الأمعاء وسيلان الرحم ونزفها . وأما ما قيل فيهما ~~من الشعر - فمن ذلك ما وصف به الرمان وشبه به ، قال أبو هلال العسكري ، حكى ~~الرمان أول ما تبدى . . . حقاق زبرجد يحشون درا فجاء الصيف يحشوه عقيقا . . ~~. ويكسوه مرور القيظ تبرا ويحكي في الغضون ثدي حور . . . شققن غلائلا عنهن ~~خضرا PageV11P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" وقال آخر ms2168 : خذوا صفة الرمان عني فإن لي . . . ~~بيانا عن الأوصاف غير قصير حقاق كأمثال الكراة تضمنت . . . فصوص بلخش في ~~عشاء حرير وقال آخر : لله رمانة من فوق دوحتها . . . مثالها ببديع الحسن ~~منعوت فالقشر حق نضار ضم داخله . . . والشحم قطن له والحب ياقوت وقال آخر : ~~رمانة صبغ الزمان أديمها . . . فتبسمت في خضرة الأغصان فكأنما هي حقة من ~~صندل . . . قد أوعدت خرزا من المرجان وقال ابن قسيم الحموي : ومحمرة من ~~بنات الغصو . . . ن يمنعها ثقلها أن تميدا منكسة التاج في دستها . . . تفوق ~~الخدود وتحكي النهودا تفض فتفتر عن مبسم . . . كأن به من عقيق عقودا كأن ~~المقابل من حسنها . . . ثغور تقبل منها خدودا وقال آخر : رمانة مثل نهد ~~الكاعب الريم . . . تزهى بشكل ولون غير مذموم كأنها حقة من عسجد ملئت . . . ~~من اليواقيت نثرا غير منظوم وقال محمد بن عمر المقريء الكاتب : ورمان رقيق ~~القشر يحكي . . . ثدي الغيد في أثواب لاذ إذا قشرته طلعت علينا . . . فصوص ~~من عقيق أو بجاذي PageV11P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" وقال آخر : ولاح رماننا فأبهجنا . . . بين ~~صحيح وبين مفتوت من كل مصفرة مزعفرة . . . تفوق في الحسن كل منعوت كأنها ~~حقة فإن فتحت . . . فضرة من فصوص يا قوت وقال آخر : ولابسة صدفا أصفرا . . ~~. أتتك وقد ملئت جوهرا حبوبا كمثل لثات الحبيب . . . رضابا إذا شئت أو ~~منظرا وقال آخر : طعم الوصال يصونه طعم النوى . . . سبحان خالق ذا وذا من ~~عود فكأنها والخضر من أوراقها . . . خضر الثياب على النهود الغيد وأنشدني ~~الشيخ شهاب الدين أحمد بن الجباس الدمياطي لنفسه في ذي الحجة سنة ثلاث عشرة ~~وسبعمائة في رمانة مشقوقة يتساقط منها الحب : كتمت هوى قد لج في أشجانها . ~~. . وحشت حشاها من لظى نيرانها فتشققت من حبها عن حبها . . . وجدا وقد بدت ~~خفا كتمانها رمانة ترمي بها أيدي النوى . . . من بعد ما رمت على أغصانها ~~فاعجب وقد بكت الدموع عقائقا . . . لا من مآقيها ولا أجفانها ومنه ما وصف ~~به الجلنار ، قال أبو فراس الحمداني : و جلنار مشرق . . . على أعالي الشجرة ~~PageV11P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" كأن في أغصانه ms2169 . . . أحمره وأصفره قراضة من ~~ذهب . . . في خرقة معصفره وقال ابن وكيع : وجلنار بهي . . . ضرامه يتوقد ~~بدا لنا في غصون . . . خضر من الري ميد يحكي فصوص عقيق . . . في قبة من ~~زبرجد وقال آخر : كأنما الجلنار لما . . . أظهره العرض للعيون أنامل كلها ~~خضيب . . . تنشر لذا على الغصون قال أبو الحسن الشمشاطي : وبدا الجلنار مثل ~~خدود . . . قد كساها الحياء لون عقار صبغه الله كالعقيق تراه . . . أحمرا ~~ناصعا لدى الأخضرار الموز وما قيل فيه : فقال أبو بكر بن وحشية في توليده : ~~وإن خلطتم باليبروح مثل وزنه من التمر ، وعجنتموهما عجنا جيدا ، ثم ~~زرعتموهما وتعاهدتم ذلك بالسقي الكثير ، خرج منه شجر الموز ، وكذلك إن عجن ~~القلقاس بالتمر خرج منها الموز ، إلا أن ما ينبت عن اليبروح أكبر موزا ، ~~وأشد حلاوة . وقال الشيخ الرئيس : الموز ملين ، والإكثار منه يورث السدد ، ~~ويزيد في الصفراء والبلغم بحسب المزاج ، وهو نافع للحلق والصدر ، وهو ثقيل ~~على المعدة ، ويجب تناول المحرور بعده سكنجبينا بزوريا ، والمبرد عسلا . ~~قال وهو يزيد في المني ، ويوافق الكلى ، ويدر البول . PageV11P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" وأما ما وصف به وشبه من الشعر : فمن ذلك قول ~~أبن الرومي : إنما الموز إذ تمكن منه . . . كاسمه مبدلا من الميم فاءا وكذا ~~فقده العزيز علينا . . . كاسمه مبدلا من الزاي تاءا فهو الفوز مثلما فقده ~~المو . . . ت لقد عم فضله الأحياءا ولهذا التأويل سماه موزا . . . من أفاد ~~المعاني الأسماءا نكهة عذبة وطعم لذيذ . . . فنعيم متابع نعماءا لو تكون ~~القلوب مأوى طعام . . . نازعته قلوبنا الأحشاءا وقال فيه أيضا : للموز ~~إحسان بلا ذنوب . . . ليس بمعدود ولا محسوب يكاد من موقعه المحبوب . . . ~~يسلمه البلع إلى القلوب وقال الصاحب جمال الدين علي بن ظافر : كأنما الموز ~~إذا . . . ما جاءنا بالمعجب أنياب أفيال صغا . . . ر طليت بالذهب ونحوه قول ~~الآخر - وكأنه مأخوذ منه - : موز حلا فكأنه . . . عسل ولكن غير جاري ذو ~~باطن مثل الأقا . . . ح وظاهر مثل النضار يحكي إذا قشرته . . . أنياب أفيال ~~صغار وحكى صاحب " بدائع البدائه " أن الحسن بن رشيق ومحمد بن شرف القيرواني ~~اجتمعا ms2170 في مجلس المعز بن باديس وبين يديه موز ، فاقترح على كل واحد منهما ~~أن يعمل فيه شيئا ، فقال ابن شرف : يا حبذا الموز وإسعاده . . . من قبل أن ~~يمضغه الماضغ PageV11P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" لأن إلى أن لا محس له . . . فالفم ملآن به ~~فارغ سيان قلنا مأكل طيب . . . فيه وإلا مشرب سائغ إن قيل فيما قد حلا طيب ~~. . . فالموز حلو طيب بالغ أحلى مذاقا من دماء العدا . . . أمكن منها أسد ~~والغ وقال ابن رشيق - تواردا في المعنى والقافية - : موز سريع سوغه . . . ~~من قبل مضغ الماضغ مأكله لا كل . . . ومشرب لسائغ فافم من لين به . . . ~~ملآن مثل فارغ يخال وهو بالغ . . . للحلق غير بالغ ثم سألهما في مثل ذلك ، ~~فقال محمد بن شرف : هل لك في موز إذا . . . ذقناه قلنا حبذا فيه شراب وغذا ~~. . . يزيل كالماء القذى لو مات من تلذذا . . . به لقلنا : ذا بذا وقال ابن ~~رشيق : لله موز لذيذ . . . يعيده المستعذ فواكه وشراب . . . به يفيق الوقيد ~~ترى القذى العين فيه . . . كما يريها النبيذ فأنظر إلى هذا التوارد العجيب ~~المرة بعد المرة : وقال نجم الدين بن إسرائيل يصفه : أنعت لي موزا شهى ~~المنظر . . . مستحكم النضيج لذيذ المخبر كأنه في جلده المعصفر . . . لفات ~~زبد عجنت بسكر PageV11P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" وأنشدني الشيخ الفاضل شهاب الدين أحمد بن ~~منصور الدمياطي - عرف بابن الجباس - في ذي الحجة سنة ثلاث عشرة وسبعمائة ~~لنفسه وأجاد : كأنما الموز في عراجنه . . . وقد بدا يانعا على شجره فروع ~~شعر برأس غانية . . . عقص من بعد ضم منتشره كأن ضمه وعقصه . . . أرسل شرابه ~~على أثره كأن أمشاطه مكاحل من . . . زمرد نظمت على قدره كأنما زهره الأنيق ~~وقد . . . شقق عنه كمام مستتره نظام ثغر يزينه شنب . . . ممتزج شهده بمعتصر ~~كأن قامات سوقه عمد . . . حنت أواوينها على جدره كأن أشجاره وقد نشرت . . . ~~ظلال أوراقها على ثمره حاملة طفلها على يدها . . . تقيه حر الهجير في خمره ~~كأنما ساقه الصقيل وقد . . . بدت عليه رقوم معتبره ساق عروس أميط مئزرها . ~~. . فبان وشي الخضاب في حبره تصاغ من جوهر ms2171 خلاخلها . . . فتنجلي والنثار من ~~زهره حدائق خفقت سناجقها . . . كأنها الجيش أم في زمره وكل آياته فباهرة . ~~. . تبين في ورده وفي صدره كأنما عمره القصير حكى . . . زمان وصل الحبيب في ~~قصره كأن عرجونه المشيب أتى . . . يخبر أن حانه انقضا عمره كأنه البدر في ~~الكمال وقد . . . أصيب بالخسف في سنا قمره كأنه بعد قطعه وقد اصفر . . . ~~لما نال من أذى حجره PageV11P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" متيم قد أذابه كمد . . . يبيت من وجده على ~~خطره معلق بالرجاء ، ظاهره . . . يخبر عما أجن من خبره يطيب ريحا ويستلذ ~~جني . . . على أذى زاد فوق مصطبره كأنه الحر حال محنته . . . يزيد صبرا على ~~أذى ضرره وأما ما وصف به وشبه النارنج ، فمن ذلك قول شاعر : لله أنجم نارنج ~~توقدها . . . يكاد ينجاب عن لألائه الغسق تبدو لعينيك في لألائها ولها . . ~~. من الغصون بروج دوحها الأفق تجني به اليد جمرا ليس يطفئه . . . غيث ولا ~~اليد إذ تجنيه تحترق كأنه مستعار الشبه من سفن . . . مذهب أو حباه لونه ~~الشفق وقال آخر : تأملها كرات من عقيق . . . تروقك في ذرا دوح وريق صوالج ~~من غصون ناعمات . . . غذتها درة العيش الأسبق تخال غصونها فيها نشاوي . . . ~~بأيديهم كئوس من رحيق عجبت لها شربن الماء ريا . . . وفي لباتها لهب الحريق ~~وقال آخر يصف نارنجة : يا رب نارنجة يلهو النديم بها . . . كأنها كرة من ~~أحمر الذهب أو جذوة حملتها كف قابسها . . . لكنها جذوة معدومة اللهب ~~PageV11P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" وقال آخر : ومورقة في صيفها وشتائها . . . ~~يحار النهى في أرضها وسمائها إذا ما زهى الكانون يوما بجمره . . . نظرت ~~إليه تحت فضل ردائها أرى الماء يطفي كل نار ونارها . . . تزيد حياة ما تغذت ~~بمائها كرات عقيق أم خدود كواعب . . . بدت وهي حمر من صباغ حياتها وقال آخر ~~: انظر إلى منظر يلهيك منظره . . . بمثله في البرايا يضرب المثل نار تلوح ~~على الأغصان في شجر . . . لا الماء يطفي ولا النيران تشتعل وقال آخر يصف ~~نارنجة نصفها أحمر ونصفها أخضر : وبنت أيك دنا من لمسها قزح . . . فلاح ~~منها على أرجائها أثر يبدو لعينيك ms2172 منها منظر عجب . . . زبرجد ونضار صاغه ~~المطر كأن موسى كليم الله أقبسها . . . نارا وجر عليها كفه الخضر وقال ~~الصاحب بن عباد : بعثنا من النارنج ما طاب عرفه . . . ونمت على الأغصان منه ~~نوافج كرات من العقبان أحكم خرطها . . . وأيدي الندامى حولهن صوالج ~~PageV11P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" وقال أبو الحسن الصقلي : تنعم بنارنجك المجني ~~. . . فقد حضر السعد لما حضر فيا مرحبا بقدود الغصون . . . ويا مرحبا بخدود ~~الشجر كأن السماء همت بالنضار . . . فصاغت لها الأرض منه أكر وقال ابن ~~المعتز : كأنما النارنج لما بدت . . . صفرته في حمرة كاللهيب وجنة معشوق ~~رأى عاشقا . . . فاصفر ثم احمر خوف الرقيب وقال السري الرفاء : وبديعة أضحى ~~الجمال شعارها . . . صبغ الحيا صبغ الحياء إزارها حلت عقال نسيمها وتوشحت . ~~. . بالأرجوان وشددت أزرارها فالعين تحسر إن رأت إشراقها . . . والنفس تنعم ~~إن رأت أخبارها فكأنها في الكف وجنة عاشق . . . عبث الحياء بها فأضرم نارها ~~محمولة حملت عجاجة عنبر . . . فإذا سرى ركب النسيم أثارها أمنت على أسرارها ~~ريح الصبا . . . وهنا فضيعت الصبا أسرارها وكأنما صافحت منها جمرة . . . ~~أمنت يمينك حرها وشرارها ما أحسب النارنج إلا فتنة . . . هتك الزمان لناظر ~~أستارها عشقت محاسنه العيون فلو رنت . . . أبدا ليه ما قضت أوطارها وقال ~~آخر : سقيا لأيامنا ونحن على . . . رءوسنا نعقد الأكاليلا في جنة ذللت ~~لقاطفها . . . قطوفها الدانيات تذليلا PageV11P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" كأن نارنجها يلوح على . . . أغصانها حاملا ~~ومحمولا سلاسل من زبرجد حملت . . . من ذهب أحمر قناديلا وقال آخر : وأشجار ~~نارنج كأن ثمارها . . . حقاق عقيق قد ملئن من الدر تطالعنا بين الغصون ~~كأنها . . . خدود غوان في ملاحقها الخضر أنت كل مشتاق بربا حبيبه . . . ~~فهاجت له الأحزان من حيث لا يدري وقال آخر : حدائق أشجار كإقبال دولة . . . ~~عليك أو البشرى أتت لقعيد أنارت بنارنج لرياه في الحشا . . . مواقع وصل من ~~فؤاد عميد إذا ما حتى أغصانه فكأنه . . . صوالجة الأصداغ فوق خدود وقال آخر ~~: وأغصان مقومة حسان . . . ومنها ما يرى كالصولجان كأن بها ثديا ناهدات . . ~~. غلائها صبغن بزعفران وقال أخر يصف نارنجا مختلق الألوان : رياض من ~~النارنج كالأمن ms2173 والمنى . . . جمعن ومثل النوم بعد التسهد تجلى العشا عن ~~ناظري كل ناظر . . . وتجلو الصدى عن قلب ذي اللوعة الصدى فمن أخضر غص ~~النبات كأنه . . . مشارب مينا أو حقاق زمرد PageV11P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" ومن أحمر كالأرجوان إذا بدا . . . وكالراح ~~صرفا أو كخد مورد ومن أصفر كالصب ، يبدو كأنه . . . كرات أديرت من خلاصة ~~عسجد إذا لاح في أشجاره فكأنه . . . شموس عقيق في قباب زبرجد وقال آخر : ~~أهدى لنا النارنج عند قطافه . . . أكرا تروق بمنظر وبمخبر ببواطن من ياسمين ~~أبيض . . . وظواهر من جلنار أحمر وقال آخر : كانت هديته لنا نارنجة . . . ~~كالفهر لفت في حرير أصفر صفراء تحسب أنها قد جدرت . . . فترى ببهجتها ~~انتثار مجدر فسألتها عما يغير لونها . . . قالت سألت فخذ جواب محبر كنا ~~حبائب فوق غصن ناعم . . . أوراقه مثل الفرند الأخضر فرمى الزمان وصالنا ~~بتفرق . . . فلذاك صفرة وجنى وتغيري وقال ابن وكيع التنيسي : انظر إلى ~~النارنج في بهجاته . . . يلوح قي أفنان هاتيك الشجر مثل دبابيس نضار أحمر . ~~. . أو كعقيق خرطت منه أكر وقال أبو الحسن الصقلي : ونارنجة بين الرياض ~~نظرتها . . . على غصن رطب كقامة أغيد إذا ميلتها الريح مالت كأكرة . . . ~~بدت ذهبا في صولجان زمرد PageV11P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" وأما ما وصف وشبه به الليمون فمن ذلك قول ~~الشاعر : انظر إلى الليمون في شكله . . . وحسنه لما بدا للعيان كأنه بيض ~~دجاج وقد . . . لطخه العابث بالزعفران وقال السري الرفاء : واصطبحناها على ~~نه . . . ر بصفو الماء يجري ظللته شجرات . . . عطرها أطيب عطر فلك أنجمه ~~اللي . . . مون فمن بيض وصفر أكر من فضة قد . . . شابها تلويح تبر وقال آخر ~~: يا رب ليمونة حيا بها قمر . . . حلو المقبل ألمي بارد الشنب كأنها كرة من ~~فضة خرطت . . . فاستودعوها غلافا صيغ من ذهب الباب الثاني من القسم الثاني ~~من الفن الرابع فيما لثمره نوى لا يؤكل ويشتمل هذا الباب على عشرة أصناف ، ~~وهي النخل وما يشبهه ، وهو النارجيل ، والفوفل والكاذي ، والخزم ، ثم ~~الزيتون والخرنوب والإجاص والقراسيا والزعرور والخوخ والمشمش والعناب ~~والنبق . النخل فقال الله تعالى " والنخل باسقات لها طلع ms2174 نضيد رزقا للعباد ~~" ، وقال عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما : قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها ، وإنها مثل المسلم ، ~~فحدثوني ما هي " ؟ فوقع الناس في شجر البوادي ، قال عبد الله : ووقع في ~~نفسي أنها النخلة ، فآستحييت ، ثم قالوا : حدثنا ما هي يا رسول الله ؟ قال ~~" هي النخلة " ، قال عبد الله : فحدثني أبي بما وقع في نفسي ، فقال : لأن ~~تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا . PageV11P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" وفي لفظ عنه ، قال : كنا عند النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فأتى بجمار ، فقال : " إن من شجرة مثلها كمثل المسلم " الحديث ~~. وفي لفظ عنه رضي الله عنه - أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " إن ~~من الشجر لما بركته كبركة المسلم " وساق الحديث . وللنخلة أسماء نطقت بها ~~العرب من حين تبدو صغيرة إلى أن تكبر ، وكذلك الرطب من حين يكون طلعا إلى ~~أن يصير رطبا ، تقول العرب لصغار النخل : الجثيث والهراء والودي والفسيل ~~والأشاء . وقال الثعالبي في " فقه اللغة " : إذا كانت النخلة صغيرة فهي ~~الفسيلة والودية . فإذا كانت قصيرة تناولها اليد فهي القاعد ، وفي " غريب ~~المصنف " : العضيد ، والجمع : عضدان " . فإذا صار لها جذع لا يتناول منه ~~المتناول فهي جبارة . فإذا ارتفعت عن ذلك فهي الرقلة والعيدانة . فإذا زادت ~~فهي باسقة . فإذا تناهت في الطول مع انجراد فهي سحوق . فصل في نعوتها إذا ~~كانت النخلة على الماء فهي كارعة ومكرعة . فإذا حملت في صغرها فهي مهتجنة . ~~فإذا كانت تدرك في أول النخل فهي بكور . فإذا كانت تحمل سنة وسنة لا تحمل ~~فهي سنهاء . فإذا كان بسرها ينثر وهو أخضر فهي خضيرة . فإذا دقت من أسفلها ~~وانجرد كربها فهي صنبور . فإذا مالت فبني تحتها دكان تعتمد عليه فهي رجبية ~~. فإذا كانت منفردة عن أخواتها فهي عوانة . ويقال للطلع : الكافور ، والضحك ~~، والإغريض . فإذا انعقد سمته السياب . فإذا اخضر قبل أن يشتد سمته الجدال ~~. فإذا عظم فهو البسر . فإذا صارت فيه طرائق فهو المخطم . فإذا تغيرت ~~البسرة ms2175 إلى الحمرة فهي شقحة . فإذا ظهرت الحمرة فهو الزهو ، وقد أزهى . ~~فإذا بدت فيه نقط من الإرطاب نصفها فهي المجزع . فإذا بلغ ثلثيها فهي ~~حلقانة . فإذا جرى الإرطاب فيها فهي منسبتة . PageV11P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" وللشعراء في النخل أوصاف ، فمن ذلك ما أنشده ~~الأصمعي : غدت سلمى تعاتبني وقالت . . . رأيتك لا تريغ لنا معاشا فقلت لها ~~: أما يكفيك دهم . . . إذا أمحلت كن لنا رياشا بوارك ما يبالين اليالي . . ~~. ضربن لنا وللأيام جاشا إذا ما الغاديات ظلمن مدت . . . بأسباب ننال بها ~~انتعاشا ترى أمطاءها بالبسر هدلا . . . من الألوان ترتعش ارتعاشا وعن ~~الشعبي قال : كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إن رسلي أخبروني ~~أن بأرضك شجرة كالرجل القائم عن مثل آذان الحمر ، ثم يصير مثل اللؤلؤ ، ثم ~~يعود كالزمرد الأخضر ، ثم يصير كالياقوت الأحمر والأصفر ثم يرطب فيكون ~~كأطيب فالوذ اتخذ ، ثم يجف فيكون عصمة للمقيم ، وزادا للمسافر فإن كان رسلي ~~صدقوني فهي الشجرة التي نبتت على مريم بنت عمران . فكتب إليه عمر - رضي ~~الله عنه - : إن رسلك صدقوك ، وهي الشجرة التي نبتت على مريم ، فاتق الله ، ~~ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله . أخذ عبد الصمد بن المعدل هذه التشبيهات ، ~~فقال يصف النخل في أرجوزة أولها : حدائق ملتفة الجنان . . . رست بشاطي ترع ~~ريان PageV11P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" تمتار بالأعجاز للأذقان . . . لا ترهب المحل ~~من الأزمان إن هي أبدت زينة المردان . . . لاحت بكافور على إدهان يطلع منها ~~كيد الإنسان . . . إذا بدت ملمومة البنان علت بورس أو بزعفران . . . حتى ~~إذا شبه بالآذان من حمر الوحش لدى العيان . . . شققه علجان ماهران عن لؤلؤ ~~صيغ على قضبان . . . مصوغة من ذهب خلصان ثم يرى للسبع والثماني . . . قد ~~حال مثل الشذر في الجمان يضحك عن مشتبه الأقران . . . كأنه في ناضر الأغصان ~~زمرد لاح على تيجان . . . حتى إذا تم له شهران وانسدلت عثا كل القنوان . . ~~. كأنها قضب من القيقان فصلن بالياقوت والمرجان . . . رأيته مخلتف الألوان ~~من قانيء أحمر أرجواني . . . وفاقع أصفر كالنيران مثل الأكاليل على الغواني ~~ونحوه قول ms2176 أبي هلال العسكري : ونخيل وقفن في معطف الرم . . . ل وقوف ~~الحبشان في التيجان شربت بالأعجاز حتى تروت . . . وتراءت بزينة الرحمن طلع ~~الطلع في الجماجم منها . . . كأكف خرجن من أردان فتراها كأنها كمت الخي . . ~~. ل توافت مصرة الآذان أهو الطلع أم سلاسل عاج . . . حملت في سفائن العيقان ~~PageV11P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" ثم عادت شبائها تتباهى . . . بأعال شبائة ~~أقران خرزات من الزبرجد خضر . . . وهبها السلوك للقضبان ثم حال النجار ~~واختلف . . . الشكل فلاح بجوهر ألوان بين صفر فواقع تتباهى . . . في ~~شماريخها وحمر قواني وقال النمر بن تولب : ضربن العرق في ينبوع عين . . . ~~طلبن معينه حتى روينا بنات الدهر لا يخشين محلا . . . إذا لم يبق سائمة ~~بقينا كأن فروعهن بكل ريح . . . عذارى بالذوائب ينتضينا وقال النابغة : ~~صغار النوى مكنوزة ليس قشرها . . . إذا طار قشر التمر عنها بطائر من ~~الواردات الماء بالقاع تستقي . . . بأعجازها قبل وقال السري الرفاء : وكأن ~~ظل النخل حول قبابها . . . ظل الغمام إذا الهجير وتوقدا من كل خضراء ~~الذوائب زينت . . . بثمارها جيدا لها ومقلدا خرقت أسافلهن أعماق الثري . . ~~. حتى اتخذن البحر فيه موردا شجر إذا ما الصبح أسفر لم ينح . . . للأمن ~~طائره ولكن غردا PageV11P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" وقال شهاب الدين الشطنوفي : كأن النخيل ~~الباسقات وقد بدت . . . لناظرها حسنا قباب زبرجد وقد علقت من حولها زينة ~~لها . . . قناديل ياقوت بأمراس عسجد الجمار فالجمار ، هو رأس النخل ، وإذا ~~قطعت الجمارة لا تعيش النخلة بعدها أبدا . وقال الشيخ الرئيس : طبعه بارد ~~في ثانية ، يابس في الأولى ، وهو قابض ، وينفع في خشونة الحلق ، ويقبض ~~الإسهال والنزف ، وينفع من لسع الزنبور ضمادا وقال شاعر يصفه : جمارة ~~كالماء تبدو لنا . . . ما بين أطمار من الليف جسم رطيب اللمس لكنه . . . قد ~~لف في ثوب من الصوف وأما ما وصف به الطلع ، فمن ذلك قول كشاجم : أفدى الذي ~~أهدى إلينا طلعة . . . أهدت إلى قلب المشوق بلابلا فكأنما هي زورق من صندل ~~. . . قد أودعوه من اللجين سلاسلا وقال ابن وكيع : طلع هتكنا عنه أستاره . ~~. . من بعد ما قد كان مستورا كأنه لما ms2177 بدا ضاحكا . . . في العين تشبيها ~~وتقديرا درج من الصندل قد أودعت . . . فيه يد العطار كافورا وقال محمد بن ~~القاسم العلوي : وطلع هتكنا عنه جيب قميصه . . . فيا حسنه في لونه حين هتكا ~~حكى صدر خود من بني الروم هزها . . . سماع فشقت عنه ثوبا ممسكا وقال كشاجم ~~: ولا بس ثوبا من الحرير . . . مضمخ الظاهر بالعبير PageV11P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" مضمن الباطن ثوب نور . . . يفتر عن مكنونه ~~الثغور كأنما فت من الكافور وقال أيضا : قد أتانا الذي بعثت إلينا . . . ~~وهو شيء في وقتنا معدوم طلعة غضة أتتنا تحاكي . . . سفطا فيه لؤلؤ منظوم ~~وقال الربيع بن أبي الحقيق اليهودي يرثي كعب بن الأشرف : ذو نخيل في تلاع ~~جمة . . . تخرج الطلع كأمثال الأكف البلح والبسر والتمر فروى عن عامر بن ~~سعيد عن أبيه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من تصبح كل ~~يوم سبع تمرات - يعني عجوة - لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر " خرجه ~~البخاري في صحيحه . وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا : إن طبعهما بارد ~~يابس في ثانية ، والبسر أقبض من القسب ، وإذا أكل وشرب الماء على أثره نفخ ~~، وإن كان أول ما يحلو قرقر أكثر ، ويحدثان السدد في الأحشاء ، وطبيخ البسر ~~يسكن اللهب مع حفظ الحرارة الغريزية ، والإكثار منهما يولد في البدن أخلاطا ~~غليظة ، والبسر يصدع ، وكثيره يسكر ، وهما رديئان للصدر والرئة ، ويحدثان ~~السدد في الكبد ، وهضمهما بطيء ، والهش أقل هضما ، وغذائهما يسير ، وكل ~~واحد منهما يعقل البطن . قال : والبلح يغزر البول ، وإذا شرب بخل عفص منع ~~السيلان الرحم ونزف البواسير ، وكثرة استعمالهما توقيع في القشعريرة . وقد ~~وصف الشعراء البلح والبسر في أشعارهم - فمن ذلك ما قاله ابن وكيع التيسي في ~~البلح : أما ترى النخل طارحا بلحا . . . جاء بشيرا بدولة الرطب ~~PageV11P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" كأنه والعيون تنظره . . . إذا بدا زهره على ~~القضب وقال عبد الصمد : كأنه في ناضر الأغصان . . . زمرد لاح على التيجان ~~وقال كمال الدين بن بشائر الإخميمي - وهو عصري - : حيث بها رائحة . . . ~~كالمسك للمستنشق وقال شبهها لنا ms2178 . . . فقلت غير مطرق مكحلة مخروطة . . . من ~~دهنج موثق سدادها من ذهب . . . وميلها من ورق وقال شاعر يصف البسر الأحمر : ~~أما ترى النخل حاملات . . . بسرا حكى لونه الشقيقا كأنما خوصه عليه . . . ~~زمرد مثمر عقيقا وقال ابن المعتز : كقطيع الياقوت يانعات . . . بخالص التبر ~~مقمعات وقال في الأصفر : أما ترى البسر الذي . . . قد حاز كل العجب كيف غدا ~~في لونه . . . كعاشق مكتئب مكاحل من فضة . . . قد طليت بالذهب ووصفوا الرطب ~~والتمر ، فمن ذلك ما قاله محمد بن شرف القيرواني : ومطبوخ بغير عقد نار . . ~~. عزمت على جناه بابتكار PageV11P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" توابيت تبدت من عقيق . . . مقمعة بمسبوك ~~النضار ترى لصفاء جوهرها نواها . . . كألسنة العصافير الصغار وقال ابن ~~الرومي : بعثت ببرني جني كأنه . . . مخازن تبر قد ملئن من الشهد مختمة ~~الأطراف تنقد قمصها . . . عن العسل الماذي والعنبر الهندي فكم لبثت في شاهق ~~لا ترى به . . . ولا تجتني باللحظ إلا من البعد تنقل من خضر الثياب وصفرها ~~. . . إلى حمرها ما بين وشي إلى برد ألذ من السلوى وأحلى من المني . . . ~~وأعذب من وصل الحبيب على الصد وقال محمد بن شرف القيرواني في التمر : أما ~~ترى التمر يحكي . . . في الحسن للنظار مخازنا من عقيق . . . قد قمعت بنضار ~~كأنما زعفران . . . فيه مع الشهد جاري يشف مثل كئوس . . . مملوءة من عقار ~~وحيث انتهينا من وصف النخل وثمرته على اختلافها إلى ما وصفناه فلنذكر ~~أعجوبة نقلها محمد بن علي بن يوسف بن جلب راغب في تاريخ مصر في حوادث سنة ~~اثنتين وثلاثمائة فقال : اتفق يوم النوروز في هذه السنة لسبع خلون من شهر ~~ربيع الأول ، فأكل الناس الرطب قبل النوروز ، ولم يبق في النخل شيء من ~~الرطب ، ثم حمل النخل حملا ثانيا ، فأكل الناس البلح والبسر PageV11P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" مرة ثانية ، ولم يتفق مثل هذا في سنة من ~~السنين ، ولا سمع في تاريخ إلى وقتنا هذا . ولنصل ذكر النخل بما يشبهه ، ~~وهو النارجيل والفوفل والكاذي والخزم . النارجيل ويسمى الرانج وسماه ابن ~~سينا الجوز الهندي ، وهو المشهور من أسمائه على ألسنة ms2179 العوام - فهي نخلة ~~طويلة تميل بمرتقيها حتى تدينه من الأرض للينها ، ولها أفناء ، يكون في ~~القنو الكريم ثلاثون نارجيلة ، ولها لبن يسمى الأطواق ، يشرب ، حلو ، يسكر ~~سكرا معتدلا ، وأهل الهند يصنعون من النارجيل الرطب سكرا ، إلا أنه لاييبس ~~ويكون كالرمل . وقال الشيخ أبو علي بن سينا فيه : جيده الطري الشديد البياض ~~، ويجب أن يؤخذ عنه قشر لبه . قال : وطبعه حار في أول الثانية ، يابس في ~~الأولى ، وفيه رطوبة فضلية ، والرطب منه رطب في الأولى . وقال في أفعاله ~~وخواصه : هو ثقيل ، غير رديء الغذاء ، وقشر لبه لا ينهضم . قال : ويجب ألا ~~يتناول عليه الطعام إلا بعد ساعة ، ودهنه الطري أفضل كيموسا من السمن ، ولا ~~يلزج المعدة ، ودهنه للبواسير ، وخصوصا دهن العتيق منه ، لاسيما مع دهن ~~المشمش مشروبا من كل واحد مثقال . وقال كشاجم يصفه : وذات قشر أسود حشوها . ~~. . كافورة موموقة المنظر قد نشرت في رأسها وفرة . . . تسترها عن ناظر ~~المبصر كأنها جمجمة ألبست . . . ذوائبا من خالص العنبر لفوفل - فقال أبو ~~حنيفة : هي نخلة مثل نخلة النارجيل ، تحمل كبائس فيها الفوفل مثلا التمر ، ~~فمنه أسود ، منه أحمر . وقال الشيخ الرئيس : قوة الفوفل قريبة من قوة ~~الصندل ، وهو مبرد بقوة ، قابض ، وهو جيد للأورام الحارة الغليظة ، وموافق ~~لمن به التهاب في عينه . PageV11P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" الكاذي فقال : هي نخلة ، إلا أنها لا تطول طول ~~النخل ، فإذا أطلعت الطلعة قطعت قبل أن تنشق ، ثم تلقي في الدهن ، وتترك ~~حتى يأخذ الدهن رائحتها ، فيتطيب به ، فإن تركت الطلعة حتى تنشق صار بلحا ، ~~ويتناثر ولم توجد له رائحة . الخزم فقال : هو شجرة كالدوم ، له أقناء وبسر ~~أسود إذا أينع إلا أنه مر عفص لا يأكله الناس ، وتتخذ من خوصه وعسبه الحبال ~~، فلا يكون شيء أقوى منها . الزيتون وما قيل فيه - فقال الشيخ الرئيس : ~~الزيتون يغذو قليلا ، وورق البري جيد للداحس ، ويمنع العرق مسحا ، وصمغ ~~البري ينفع من الجرب المتقرح والقوابي ، وينفع الغشاوة والبياض ، ويجلو ~~العين ووسخ قروحها ويخرج الجنين . وأما الزيتون المملح يحقن به لعرق النسا ms2180 ~~، وورقه يطبخ بماء الحصرم حتى يصير كالعسل ، وتطلى به الأسنان المتأكلة ~~فينفعها ، وعصارة ورقه للجحوظ . قال : الزيتون الأسود مع النواه من جملة ~~البخورات للربو وأمراض الرئة ، والزيتون الغليظ المملح يثير الشهوة ، ويقوي ~~المعدة ، ويولد كيموسا قابضا ، والمخلل أقبل الجميع للهضم وأسرعه . وقال ~~ابن وكيع : أنظر إلى زيتوننا . . . فيه شفاء المهج بدا لنا كأعين . . . شهل ~~وذات دعج محضر زبرجد . . . مسودة من سبج PageV11P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" الخرنوب وما قيل فيه - : فقال الشيخ الرئيس : ~~أصلحه الخرنوب الشامي المجفف ، وهو قابض ، والرطب منه مطلق . قال : وإذا ~~دلكت الثآليل بالخرنوب النبطي الفج دلكا شديدا أذهبها البتة ، والمضمضة ~~بطبيخه جيدة لوجع الأسنان ، والرطب من الشامي رديء للمعدة ، لا ينهضم ، ~~واليابس أبطأ انهضاما . وقال : والجلوس في طبيخه يقوي المعدة ، وفيه إدرار ~~، والنبطي نافع من سيلان الطمث المفرط أكلا واحتمالا . وقال جالينوس : ليت ~~هذه الشجرة لم تجلب إلى بلاد أخرى . وحكي أن سليمان عليه السلام كان من ~~عادته أن يعتكف في البيت المقدس المدد الطوال ، وكانت تخرج له في كل يوم من ~~محرابه شجرة ، فيسألها عن اسمها فتخبره ، فخرجت له شجرة الخرنوب ، فسألها ~~عن اسمها ، فأخبرته ، فبكى ، وقال نعيت إلى نفسي ، فقيل له ذلك ، فقال : ~~الخرنوب خراب ، ومات بعد ذلك بقليل ، وقال الشاعر فيه : لما أتى الخرنوب في ~~طبق . . . حنت إليه النفوس والمهخ كأنه في كمال حالته . . . حب عقيق ~~أصدافها سبج الأجاص فقال أبو بكر بن وحشية في توليده : إن خلطتم اليبروح ~~بورق العناب ومثل نصف وزن اليبروح كندسا ، وزرعتموه في أي بلاد ، خرج عن ~~ذلك شجر الإجاص الحامض ، وإن أردتموه حلوا فاخلطوا مع اليبروح خمير دقيق ~~الشعير والحنطة مختلطين ، وقد طال اختمارهما حتى حمضا ، فإنه يخرج عنه شجر ~~الإجاص الحلو ، وذلك بعد أن يخلط بما تقدم ، ومن الخمر الحديث برطل . وقال ~~الشيخ الرئيس في الإجاص : البستي منه أقوى من الأسود ، والأصفر أقوى من ~~الأحمر ، والأبيض الكبير ثقيل قليل الإسهال ، والأرمني أحلى الجميع وأشده ~~إسهالا ، وأجوده الكبار السمينة ، وطبعه بارد في أول الثانية رطب في آخرها ~~. وقال في ms2181 أفعاله وخواصه : صمغه ملطف قطاع مغر ، وفي الدمشقي عقل وقبض عند ~~ديسقوريدس ، وقال جالينوس : والذي لم ينضج فيه قبض وغذاؤه قليل ، وليؤكل ~~قبل الطعام ، ويشرب المرطوب بعده ماء العسل والنبيذ وصمغه ملحم للقروح ، ~~وبالخل PageV11P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" يقلع القوباء . وخاصة إن كان معه عسل أو سكر ~~وخصوصا في الصبيان ، وورقه إذا تمضمض بمائه منع من النوازل إلى اللوزتين ~~واللهاة ، وإذا اكتحل بصمغه قوي البصر ، والمز منه يسكن التهاب القلب ، وهو ~~أشد قمعا للصفراء ، والحلو منه يرخي المعدة بترطيبه وتبريدها ، وبالجملة لا ~~يلائمها ، والحلو منه أشد إسهالا للصفراء ، والرطب أشد إسهالا من اليابس ، ~~والدمشقي يعقل البطن عند بعضهم ، والبري ما دام لم ينضج جدا ففيه قبض ~~إجماعا . وقال جالينوس : إن ديسقوريدس أخطأ في قوله : إن الدمشقي يقبض ، بل ~~هو مسهل وصمغه يفتت الحصاة ، وماؤه يدر الطمث ، وكلما صغر كان أقل إسهالا . ~~وقال سليمان بن بطال الأندلسي يصفه : بعثت ما يندر لكنه . . . في وصفه ~~الناعت لم يبرر جيشا من الزنج ولكنه . . . جيش متى يلقى العدا يقهر ينفي لك ~~الصفراء مهزومة . . . والزنج أعداء بني الأصفر وقال آخر : كأنما الإجاص في ~~صبغه . . . مسترق في اللون صبغ المهج لم يخلط في لون وفي منظر . . . مستحسن ~~الوصف وعرف أرج قطائع العنبر ملمومة . . . أو خرزات خرطت من سبخ ومما وصف ~~به القراسيا - قال شاعر : وحبوب كأنها حدق الأع . . . ين سود دموعهن دماء ~~مائلات مثل النجوم علينا . . . في بروج لها الغصون سماء وإذا ما نثرتها ~~ففصوص . . . صبغتها بمائها الظلماء من يذقها يذق رضاب غزال . . . فهي ~~والخمر في المذاق سواء الزعرور وما قيل فيه : فقال الشيخ الرئيس : الزعرور ~~يسمى مثلث العجم ، ومنه نوع تسميه اليونانيون هيقيليمون ، وربما سموه ~~التفاح البري ، وشجره يشبه شجر PageV11P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" التفاح حتى في ورقه ، إلا أنه أصغر منه ، عفص ~~الطعم ، وهو قابض ، ويقمع الصفراء ، ويحبس السيلانات أكثر من كل ثمرة . وفي ~~وصفه يقول أبن رافع : كأنما الزعرور لما بدا . . . في حسن تقدير ومرأي أنيق ~~جلاجل مخضوبة عندما . . . أو خرزات خرطت من عقيق يضوع ms2182 من يراه إما هفا . . ~~. به نسيم الريح مسك فتيق وقال أيضا فيه : أنظر إلى زعرورنا المنعوت . . . ~~نكهته كالعنبر المفتوت كأنه في وصف النعوت . . . بنادق من أحمر الياقوت ~~الخوخ وما قيل فيه : فالشاميون يسمونه الدراقن ، قال الشيخ الرئيس : طبع ~~الخوخ بارد في أول ثانية ، رطب في الأولى دون آخرها ، ورطوبته سريعة ~~العفونة ، وهو ملين ، وفيه قابض ما ، وأقبضه المقدد ، وفيه منع للسيلان ، ~~والفج منه قابض أيضا ، وإذا قطر ماء ورقه في الأذن قتل الديدان ، ودهنه ~~ينفع من الشقيقة وأوجاع الأذن الحارة الباردة ، والنضيج منه جيد للمعدة ، ~~وفيه تشهية للطعام ، ويجب ألا يؤكل على غيره فيفسد عليه ويفسده ، بل يقدم ~~على الطعام ، وقديده بطيء الهضم ليس يجيد الغذاء . وقال : وإذا ضمدت بورقه ~~السرة قتل ديدان البطن ، وكذلك إن شربت عصارة فقاحه وورقه ، والنضيج منه ~~يلين البطن ، والفج العاقل . قال : وقد قال بعضهم : إنه يزيد في الباه ، ~~ويشبه أن يكون ذلك للأبدان الحارة . وأما ما وصفه به الشعراء - فمن ذلك قول ~~شاعر : في الخوخ أعوجوبة لناظره . . . ما مثلها جاء في الأحاديث كأنه وجنة ~~الحبيب وقد . . . أثر فيها قرص البراغيث PageV11P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" وقال أبو بكر الصنوبري : أهدي إلينا الزمان ~~خوخا . . . منظره منظر أنيق من كل مخصوصة بحسن . . . معناه في مثلها دقيق ~~صفراء حمراء مستفيد . . . بهجتها التبر والعقيق ذات أديمين ذابهار . . . ~~المجتنيه ، وذا شقيق كوجنة ألبست خلوقا . . . فزال عن بعضها الخلوق وقال ~~أبو بكر بن القرطبية : وطيب الريق عذب آب في آب . . . وزار مشتملا في زي ~~أعراب في مخمل الثوب لم تحمل رآسته . . . بين الفواكه من نقص ولا عاب ~~خالسته نظري فاحمر من خجل . . . ثم انثنى معرضا عني كمرتاب من اسمه فيه ~~مقلوبا ومبتدأ . . . أربى على اللوز في تطريز جلباب وقال أيضا : وبنت الندى ~~مخططة الأعالي . . . بمجمر كلون الأرجوان كوجنة غادة خافت رقيبا . . . ~~فغطتها بمحمر البيان وقال أبو هلال العسكري : وخوخة ملء يد الجانيه . . . ~~تملك لحظ الأعين الرانيه مصفرة الوجنة محمرة . . . كأنها عاشقة ساليه ~~المشمش وما قيل فيه : فقال الشيخ الرئيس : أجود المشمش الأرمني ms2183 ، فإنه لا ~~يسرع إليه الفساد ولا الحموضة ، وإذا أكل المشمش فيجب أن يؤخذ من المصطكا ~~والأنيسون بالسوية وزن درهم أو درهمين في خمر صرف أو نبيذ زبيب أو نبيذ عسل ~~. PageV11P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" وقال : طبعه بارد رطب في الثانية ، ودهن نواه ~~حار يابس في الثانية ، وخلطه سريع العفونة ، وهو يسكن العطش ، ودهن نواه ~~ينفع من البواسير ، وهو يولد الحميات لسرعة تعفنه ، ونقيع المقدد منه ينفع ~~من الحميات الحارة . وقد وصفه الشعراء وشبهوه : فمن ذلك قول بعض الشعراء : ~~أفدى حبيبا جاءني متحفا . . . بمشمش أحلى من السكر فخلفته حين تأملته . . . ~~بنادقا من ذهب أحمر وقال ابن وكيع : بدا مشمش الأشجار يذكو شهابه . . . على ~~خضر أغصان من الري ميد حكى وحكت أشجاره في اخضرارها . . . جلاجل تبر في ~~قباب زبرجد وقال ابن رشيق : كأنما المشمش لما بدت . . . أشجاره وهو بها ~~يلتهب خضر قباب الملك حفت بها . . . جلاجل مصقولة من ذهب وقال ابن معتز : ~~ومشمش بان منه أعجب العجب . . . يدعو النفوس إلى اللذات والطرب كأن في غصون ~~الدوح حين بدا . . . بنادق خرطت من خالص الذهب وقال ابن الرومي قشر من ~~الذهب المصفى حشوه . . . شهد لذيذ طعمه للجاني ظلنا لديه ندير في كاساتنا . ~~. . خمرا تشعشع كالعقيق القاني وكأنما الأفلاك من طرب بنا . . . نثرت ~~كواكبها على الأغصان وقال أيضا يذمه : إذا ما رأيت الدهر بستان مشمش . . . ~~فأيقن يقينا أنه لطبيب يغل له ما لا يفعل لربه . . . يغل مريضا حمل كل قضيب ~~PageV11P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" العناب وما قيل فيه : فقال أبو بكر بن وحشية ~~في توليده : وإن أردتم العناب الكبار فخذوا بطيخة فقوروا رأسها من جهة ~~الرأس ، واحشوا اليبروح فيها ، وأعيدوا القوارة في موضعها ، وصبوا اللبن ~~الحامض بزبده عليها وازرعوها في الأرض ، وعمقوا لها الحفر قليلا ، واسقوها ~~في أول زرعها ، فإنها تخرج شجرة تحمل عنابا كبارا كأمثال الإجاص اللطيف . ~~وقال الشيخ : أجود العناب أعظمه ، وطبعه بارد إلى الأولى معتدل في اليبوسة ~~والرطوبة ، وهو إلى قليل الرطوبة ، وينفع حدة الدم الحار . قال : أظن ذلك ~~لتغليظه الدم ، وتلزيجه إياه . قال ms2184 : والذي يظن من أنه يصفي الدم ويغسله ظن ~~لست أميل إليه ، وغذاؤه يسير ، وهضمه عسير . وقال : والقول الجيد فيه ما ~~قاله جالينوس : " ما وجدت للعناب في حفظ الصحة ولا إزالة المرض أثرا ، لكن ~~وجدته عسير الهضم ، قليل الغذاء " قال الشيخ : والعناب ينفع الصدر والرئة ، ~~وهو رديء للمعدة . وقيل : إنه نافع لوجع الكلية والمثانة ، وقد وصفه ~~الشعراء وشبهوه - فمن ذلك قول أبن قرطبية : أما ترى شجر العناب موقرة . . . ~~بكل أحمر لماع من الخرز وقد تدلت به الأغصان مائلة . . . مثل العثا كيل من ~~صدر إلى عجز وقال أبو طالب المأموني : يروقني العناب . . . فبي إليه انصباب ~~إذ لاح منه أطرا . . . ف من أحب الرطاب يحكي فرائد در . . . لها العقيق ~~إهاب وقال ابن رافع : أحب بعناب بدا أنيق . . . كمثل لون وجنه المعشوق أو ~~خرز لمت من العقيق . . . أو كقلوب الطير في التحقيق جاءت بها شغواء رأس نيق ~~. . . كأنما اشتق من الشقيق PageV11P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" أو كان يسقى بجنى الرحيق . . . أحلى من السكر ~~في الحلوق في نكهة العنبر والخلوق . وقال أيضا فيه : كأنما العناب لما بدا ~~. . . يلوح في أعطاف غصن أنيق تطريف من تطريفها من دمى . . . أو خرزات خرطت ~~من عقيق أو كلوب الطير جاءت بها . . . أفراخها شغواء في رأس نيق وقال فيه ~~أيضا : كأنما العناب في دوحه . . . لمل تناهى حسنه واستتم أفراط ياقوت تبدت ~~لنا . . . أو انمل قد طرفت بالغم النبق وما قيل فيه : فقال الشيخ الرئيس : ~~الرطب من النبق واليابس فيهما تخفيف وتلطيف ، ودخان السدر شديد القبض ، ~~والنبق قابض وخصوصا سويقه ، ويمنع تساقط الشعر ، ويطوله ، ويقويه ، ويلينه ~~، ورق السدر يلين الورم الحار ويحلله ، وينفع من الربو وأمراض الرئة ، وهو ~~مقو للمعدة عاقل للطبيعة ، وينفع من نزف الحيض والطمث ، ومن قروح الأمعاء ، ~~وخصوصا سويقه ، وينفع من الإسهال الكائن بسبب ضعف المعدة . قال : والسدر ~~يحتقن بطبيخه ، ويشرب لهذه العلل ، والسيلان الرحم . وقد وصفه الشعراء ~~وشبهوه - فمن ذلك قول الشاعر : وأشجار النبق قد تكامل حسنها . . . أتت ~~بغريب في الثمار بديع فمن أحمر قان وأصفر فاقع . . . ويانع ms2185 مخضر كزهر ربيع ~~وقال آخر : وسدرة كل يوم . . . من حسنها في فنون PageV11P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" كأنما النبق فيها . . . وقد بدا للعيون جلاجل ~~من نضار . . . قد علقت في الغصون وقال كشاجم من أبيات : في ظل سدر مثمر ~~داني العذب . . . فيه لأنواع من الطير صخب إذا الرياح زعزعت تلك الشعب . . ~~. أهدى لنا بنادقا من الذهب وقال عبد الله بن المعتز : أنظر إلى النبق الذي ~~. . . فيه الشفاء لكل ذائق فكأنه في دوحه . . . والليل ممدود السراديق ذهب ~~تبهرجه الصيا . . . رف صار حبا للمخانق وقال أبو الفرج الببغاء : أنظر إلى ~~النبق البديع المنظر . . . الطيب الريح اللذيذ المخبر أحلى مذاقا من مذاق ~~السكر . . . كخرز من كهرباء أصفر الباب الثالث من القسم الثاني من الفن ~~الرابع فيما ليس لثمره قشر ولا نوى ويشتمل هذا الباب على ثمانية أصناف : ~~وهي العنب والتين والتوت والتفاح والسفرجل والكمثرى واللفاح والأترج العنب ~~وما قيل فيه : فشجرة العنب : الكرمه ، والجمع كرم وكروم . والجفنة : الكرمة ~~، ويقال فيها : الجفنة بفتحتين . ويقال للقضيب منها : الحبلة وقيل : الحبلة ~~، أصل الكرمة : والقضيب : السرغ بغين معجمة ، والجمع سروغ ، رواه أبو عمرو ~~عن ثعلب ، وقال أبو بكر : السرع بعين غير معجمة ، قضيب من قضبان الكرم . ~~PageV11P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" وفي القضيب الأبنة ، والجمع أبن ، وهي العقد ~~التي تكون فيه . فإذا أخرج القضيب ورقه قيل : قد أطلع . فإذا ظهر حمله قيل ~~: قد أحثر وحثر . فإذا صار حصرما قيل : حصرم ، ويقال للحصرم : الكحب ، ~~والواحدة كحبة ، ولما تساقط من العنب : الهرور . فإذا اسود نصف حبه قيل : ~~شطر تشطيرا . فإذا اسودت الحبة إلا دون نصفها قيل : قد حلقم يحلقم . فإذا ~~اسود بعض حبه قيل : قد أوشم إشاما ، ولا يقال للعنب الأبيض : أوشم . فإذا ~~فشا فيه الإيشام قيل : قد أطعم . فإذا أدرك غاية الإدراك قيل : ينع وأينع ~~وطاب . والعنقود معروف ما دام عليه حبه . فإذا أكل فهو شمراخ . ويقال لمعلق ~~الحب من الشمراخ : القمع ، ويقال إذا جني : قد قطف قطافا . فإذا يبس ، فهو ~~الزبيب والعنجد . والقطف : العنقود ، وفي التنزيل : " قطوفها دانية " . قال ~~الشيخ الرئيس أبو ms2186 علي بن سينا : الأبيض أحمد من الأسود إذا تساويا في سائر ~~الصفات من المائية والرقة والحلاوة وغير ذلك ، والمتروك بعد القطف يومين أو ~~ثلاثة خير من المقطوف في يومه . وأما طبعه : فإن قشره بارد يابس بطيء الهضم ~~، وحشوه حار رطب ، وحبه بارد يابس ، والمقطوف منه في الوقت ينفخ ، والمعلق ~~حتى يضمر قشره جيد الغذاء ، مقو للبدن ، وغذاؤه شبيه بغذاء التين في قلة ~~الرداءة وكثرة الغذاء ، وإن كان أقل من غذاء التين ، والنضيج أقل ضررا من ~~غير النضيج ، وإذا لم ينهضم العنب كان غذاؤه فجا نيئا ، وغذاء العنب بحاله ~~أكثر من غذاء عصيره ، ولكن عصيره أسرع نفوذا وانحدارا . قال : والزبيب صديق ~~الكبد والمعدة ، والعنب والزبيب بعجمهما جيد لأوجاع المعي ، والزبيب ينفع ~~الكلى والمثانة ، والعنب المقطوف في الوقت يحرك البطن وينفخ ، وكل عنب فإنه ~~مضر للمثانة ، والله أعلم . وأما وصفت به الكروم والأعناب نظما ونثرا - فمن ~~ذلك ما قاله مؤيد الدين الطغرائي : وكرمة أعرقها في الثرى . . . بعيدة ~~المنزع والمضرب PageV11P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" كريمة تلفت أغصانها ال . . . غضة بالأقرب ~~فالأقرب تمتاح من قعر الثرى ريها . . . أشطانها عفوا ولم تجذب ألقحها الريح ~~وصوب الحيا . . . والشمس في المشرق والمغرب فأعقبت حائلها بعد ما . . . ~~عاشت زمانا وهي لم تعقب ووضعتها نخبا تنتمي . . . إلى أب أكرم به من أب ~~وألحفتها خضر أوراقها . . . مغذوة بالحلب الأعذب وأسلمتها الشمس من صبغة . ~~. . التلويح للأغرب فالأغرب فمهرت فيها وجاءت بما . . . يبهر من مستحسن ~~معجب وبدلت خضر عناقيدها . . . بالأدهم اليحموم والأشهب واستسلفت ماء وجاءت ~~به . . . مدامة كالقبس الملهب ولم تزل بالرفق حتى اكتسى . . . لجينها من ~~صبغها المذهب فالأشقر المنتوج من نسلها . . . سليل ذاك الأشهب المنجب ترى ~~الثريا من عناقيدها . . . تلوح في أخضر كالغيهب ألقابها شتى وألوانها . . . ~~متفقات النجر والمنصب كم درة فيها وكم جزعة . . . صحيحة التدوير لم تثقب ~~كأنما الحالك منها لدى . . . أبيضها الامع كالكواكب جيلان من زنج وروم غدت ~~. . . في جنن خضر لها تختبي PageV11P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" كأنما تحمل حباتها . . . أكارع النغران ~~بالمخلب أطيب بها حلا ومحظورة . . . في كرمها أو كأسها ms2187 أطيب وقال آخر : ~~رحنا إلى حديقة . . . بكل حسن محدقه كأنما عنقودها . . . زنج جنوا في سرقه ~~فأصبحت رءوسهم . . . على الذرا معلقه وقال ابن المعتز : ظلت عناقيدها يخرجن ~~من ورق . . . كما احتبي الزنج في خضر من الأزر وقال الناجم : معرش للكروم ~~منتشر . . . أوراقه الخضر دون مرأها فكل كرم هو السماء دجي . . . وكل ~~عنقوده ثرياها وقال الرفاه : يحملن أوعية المدام كأنما . . . يحملنها ~~بأكارع النغران وقال الصاحب بن عباد : وحبة من عنب قطفتها . . . تحسدها ~~العقود في الترائب كأنها من بعد تمييزي لها . . . لؤلؤة قد ثقبت من جانب ~~وقال ابن المعتز : وحبة من عنب . . . من المنى متخذه كأنها لؤلؤة . . . في ~~بطنها زمرده PageV11P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" وقال البادني : وعناقيد تراها . . . إذ ~~تمايلن مميلا ركبت فيها لآل . . . لم تثقب فتزولا وقال عبد المحسن الصوري ~~يصف عنبا أهدي إليه وهو مغطى بورقه : جاءنا منك تحفة أنا منها . . . أبدا ~~في تضاعف السراء عنب أسود كان عليه . . . حللا من حنادس الظلماء خلته في ~~خلال أوراقه الخض . . . ر ولون اسوداده والصفاء كقموع على أنامل خود . . . ~~لحن من كم لاذة خضراء وقال ابن الرومي يصف العنب الرازقي : كأن الرازقي وقد ~~تباهى . . . وتاهت بالعناقيد الكروم قوارير بماء الورد ملآي . . . تشف ~~ولؤلؤ فيها يعوم وتحسبه من العسل المصفى . . . إذا اختلفت عليك به الطعوم ~~فكل مجمع منه ثريا . . . وكل مفرق منه نجوم وقال فيه أيضا ورازقي مخطف ~~الخصور . . . كأنه مخازن البلور وقد ضمنت مسكا إلى الشطور . . . وفي ~~الأعالي ماء ورد جوري لم يبق منه وهج الحرور . . . إلا ضياء في ظروف نور له ~~مذاق العسل المشهور . . . ورقة الماء على الصدور PageV11P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" ونفخة المسك مع الكافور . . . لو أنه يبقى ~~على الدهور فرط آذان الحسان الحور . . . بلا فريد وبلا شذور وقال أبو ~~الوليد بن زيدون وقد أهداه : قد بعثناه ينفع الأعضاء . . . حين يجلو بلطفه ~~السخناء جاء يزهى بمستشف رقيق . . . خدع العين رقة وصفاء تنفذ العين منه في ~~ظرف نور . . . ملأتة أيدي الشموس ضياء اكسبته الأيام برد هواء . . . فهو ~~جسم قد صيغ نارا وماء منظر يبهج القلوب ms2188 وطعم . . . يسكر النفس شهده استمراء ~~فضل السابق المقدم في السنخ فأزري بطعمه إزراء غير أني بعثت هذا غذاء . . . ~~يشتهيه الفتى وذاك دواء ملطف يبرد المزاج إذا جا . . . ش بحر ويقمع الصفراء ~~ومعين لواصل الصوم يسري . . . برده في الحشا ويروي الظلماء فأقبل النزر ~~شافعا لأياديك التي بعضها يفوت الثناء وقال أبو طالب المأموني يصف الزبيب ~~الطائفي : وطائفي من الزبيب به . . . ينتقل الشرب حين ينتقل كأنه في الإناء ~~أوعية . . . من النواجيد ملؤها عسل التين وما قيل فيه : فقال ابن وحشية في ~~توليده : وإن خلطتم من اليبروح الرطب أصلا وفرعا ، ومثل وزنه من العسل ~~والشمع ، وزرعتموه في الأرض كما تزرعون سائر الأشياء ، وصببتم عليه وقت ~~زرعه من الماء ما تعلمون أنه قد وصل إليه ، ثم تركتموه ولم تزيده ، خرج من ~~ذلك التين الأصفر الشديد الحلاوة ، وإن خلطتم باليبروح أربع ثومات وبصلة ~~وسحقتم الجميع ، وزرعتموه خرج عن ذلك PageV11P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" التين الأسود المتوسط بين السواد الشديد ، ~~والأحمر ، وهو الذي ينفط الفم . وأخبرني من يرجع إلى قوله ويوثق بنقله من ~~حكام المسلمين أن بثغر الإسكندرية صنفا من التين أسود يسمى الغرابي ، إذا ~~نضج يكتب بالبياض فربما وجد في بعضه مكتوبا أسم الله تعالى ، وأخبرني أيضا ~~أنه رأى ذلك كثيرا ، وأخبرني أنه أخبر من ثقات أنه فيه ما يوجد مكتوبا عليه ~~: " لا إله إلى الله محمد رسول الله " ، وسألته : هل يتحيل على ذلك بشيء ؟ ~~فقال : لا ، وأنه خلقة من الله تعالى ، فسبحان القادر على كل شيء . وأما ~~المختار من التين وما قيل في طبعه وخواصه : فقد قال الشيخ الرئيس : أجود ~~التين الأبيض ثم الأحمر ثم الأسود ، والشديد النضج منه خيره ، وقريب من ألا ~~يضر ، واليابس محمود في أفعاله ، إلا أن الدم المتولد منه غير جيد إلا أن ~~يكون مع الجوز فيجود كيموسه ، وبعد الجوز واللوز ، وأخف الجميع الأبيض . ~~وطبعه : الرطب منه حار قليلا ، ورطبه كثير المائية ، قليل الدوائية ، والفج ~~منه جلاء إلى البرد ما هو إلا لبنه ، واليابس منه حار في الأولى في آخرها ~~لطيف ms2189 . قال : واليابس منه قوي الجلاء ، منضج محلل ، واللحيم أكثر إنضاجا ، ~~وفيه تغرية وتقطيع وتلطيف . قال : والتين أغذى من سائر الفواكه ، وعصارة ~~ورقه قوية التسخين والجلاء ، وفيه تليين نافع يدفع العفونات إلى الجلد . ~~قال : وفي تناوله تسكين للحرارة ، ولبنه يجمد الذوائب من الدماء والألبان ، ~~ويذيب الجامد ، والرطب منه سريع الغور والنفوذ في المعدة وفي البدن . قال : ~~وشراب التين لطيف رديء الخلط . قال : ولقضبان التين من اللطافة ما يهريء ~~اللحم إذا طبخ بها ، وفي الجميز قوة جاذية من عميق البدن وتحليل لما جذب . ~~قال : الفج منه يطلي به ، ويضمد به على الحيلان والثاليل وأصنافها والبهق ، ~~وكذلك ورقه ، وتناوله يصلح اللون الفاسد ، وينضج الدماميل . قال : ولبن ~~الجميز عصارة ورقه يقلعان أثار الوشم وبقيروطي على شقاق البرد . قال : ~~وتضمد به الأورام الصلبة ، والجميز مطبوخا مع دقيق الشعير ، والفج منه على ~~البهق ، وينضج الدماميل ، ويجذب رطبه الحصف ، وطبيخه ينفع لأورام الحلق ~~وأورام أصول PageV11P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" الأذنين غرغرة كذلك مع قشور الرمان ، وللداحس ~~مع الفانيذ ، ويضر اليابس أورام الكبد والطحال بحلاوته ، وأما إذا كان ~~الورم صلبا لم يضر ولم ينفع ، إلا أن يخلط بالملطفات المحللات فينفع جدا ، ~~والجميز شديد التحليل للأورام العسرة . قال : وطبيخ التين برغوة الخردل ~~يطلي به على الحكة : وورقه ينفع من القوباء ، وان ستعمل مع قشور الرمان ~~أبرأ الداحس ، ومع القلفند لقروح الساقين الخبيثة ، ولبن الجميز ملزق ~~للجروحات . قال ورطب التين ويابسه ينفع الصرع ، ويقطر طبيخه مع رغوة الخردل ~~في الأذن التي بها طنين ، وينفع لبنه أو عصارة قضبانه قبل أن تورق إذا جعل ~~في السن التأكله ، وينفع استعماله على الأورام ما تحت الأذن ضمادا ، والفج ~~منه يبريء قروح الرأس ذرورا ، ولبنه مع العسل ينفع الغشاوة الرطبة في العين ~~وابتداء الماء وغلظ الطبقات ، وتدلك بورقه خشونة الأجفان وجربها ، والرطب ~~اليابس ينفعان من خشونة الحلق ويوافقان الصدر وقصبة الرئة ، وشراب التين ~~يدر اللبن ، وينفع من السعال المزمن وأوجاع الصدر ، وينفع من أورام القصبة ~~والرئة . قال : والتين يفتح سدد الكبد والطحال . وقال جالينوس : رطبه ms2190 رديء ~~للمعدة ، ويابسه ليس برديء ، فإن أكل بالمري نقي فضول المعدة ، وهو مما ~~يقطع العطش الذي يكون من بلغم مالح ، ويابسه يهيج العطش ، وينفع من ~~الأستقساء ، خصوصا بالأفسنتين ، ورب شرابه يضر بالكبد والطحال الورمين ~~بجلائه فقط ، فإن كان الورم صلبا لم يضر ولم ينفع . قال : ولاستعماله على ~~الريق منفعة عجيبة في تفتيحه مجاري الغذاء ، وخصوصا مع الجوز واللوز . قال ~~: وجميع أصناف التين غير موافق لسيلان المواد إلى المعدة ، ورطبه ويابسه ~~ينفع الكلى والمثانة ، وعصارة ورقه تفتح أفواه عروق المقعدة ، ورطبه يلين ~~ويسهل قليلا ، خصوصا إذا أكل منه بلوز مدقوق ، وكذلك لصلابة الرحم ، وكذلك ~~إن خلط بالنطرون والقرطم وأخذ قبل الطعام ، ويحتمل لبنه بصفرة البيض فينقي ~~الرحم ويدر الطمث ، ويتخذ في الضماد الأرحام مع الحلبة ، وفي حقن المغص مع ~~السذاب ، ويسقى من ماء رماد خشبه المكرر لمن به إسهال ودوسنطاريا أوقية ~~ونصف . قال : ولبنه ينفع من لسعة PageV11P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" العقرب مروخا ، وكذلك الريتلاء ، ويجعل الفج ~~منه أو الورق الطري على عضة الكلب الكلب فينفع ، ويضمد به مع الكرسنة على ~~عضة ابن عرس فينفع ، هذا ملخص ما أورده الشيخ في أفعاله وخواصه ، والله ~~أعلم بالصواب . وأما ما وصفه به الشعراء وشبهه : فمن ذلك قول أسامة بن ~~المرشد ابن المنقذ : أما ترى التين في الغصون بدا . . . ممزق الجلد مائل ~~العنق كأنه رب نعمة سلبت . . . أصبح بعد الحديد في خلق أو كأخي شرة أغلظ ~~وقد . . . مزق جلبابه من الحنق مثل النهود الأبكار صورته . . . لو لم يناد ~~عليه في الطرق قد عقدته يد السموم لنا . . . فالوذج الدوح غير محترق فالشهد ~~والزعفران مع عرق ال . . . ورد وحب الخشخاش في نسق فقم بنا نحوه نباكره . . ~~. قبل جفاف الندى عن الورق ولا تمل بي إلى سواه فلا . . . أميل عنه ما دمت ~~ذا رمق وقال إبراهيم بن خفاجة : وسود الوجوه كلون الصدود . . . تبسمن تحت ~~عبوس الغبش إذا ما تجلى بياض الضحى . . . تطلعن في وجهه كالنمش كأني أقطف ~~منها ضحى . . . ثدي صغار بنات الحبش وقال أبو الفتح كشاجم يصف ms2191 تينا أصفر ~~وأسود : أهلا بتين جاءنا . . . منضدا على طبق PageV11P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" يحكى الصباح بعضه . . . وبعضه يحكى الغسق ~~كسفرة مضمومة . . . قد جمعت بلا حلق وقال أيضا في تين أصفر : قم قد أتى ضوء ~~الصباح المسفر . . . يا صاح نغتنم الحياة وبكر نلمم بتين لذ طعما واكتسى . ~~. . حسنا وقارب منظرا من مخبر لطفت معانيه لطافة عاشق . . . في لون مشتاق ~~حليف تفكر كالثلج بردا في صفاء التبر في . . . ريح العبير وفوق طعم السكر ~~يحكى لنا ما صف في أطباقه . . . خيما تلوح من الحرير الأخضر وقال أخر : ما ~~التين إلا سيد الثمار . . . بلا امتراء وبلا مماري كأنه إذا لاح في الأشجار ~~. . . أطراف أنداء من الجواري أو أكرم صيغت من النضار وأما ما وصف به على ~~سبيل الذم - فمنه قول محمد بن شرف القيرواني : لا مرحبا بالتين لما أتى . . ~~. يسحب كالليل عليه وشاح ممزق الجلباب يحكى لنا . . . هامة زنجى عليها جراح ~~وقال أخر : لا أشتهى ما عشت تينا فما . . . أقبحه مذ كنت في عيني لأنه بين ~~ومن ذا الذي . . . يحب أن يسمع بالبين التوت وما قيل فيه - فقال الشيخ ~~الرئيس أبو على بن سينا : التوت صنفان : أحدهما هو الفرصاد الحلو ، وهو ~~يجرى مجرى التين في الإنضاج إلا أنه " أردأ غذاء " وأفسد دما ، وأقل ، وله ~~سائر أحوال التين ولكنه دونه ، PageV11P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" وأما المز الذي يعرف بالتوت الشامي فليكن ~~أكثر كلا منا فيه ، وطبعه الحلو حار رطب ، والحامض الشامي هو إلى البرد ~~والرطوبة ، وفي التوت قبض وتبريد ، وعصارته قابضة ، خصوصا إذا طبخت في إناء ~~نحاس ، ويمنع سيلان المواد إلى الأعضاء ، وخصوصا الفج منه . قال : وإذا طبخ ~~ورقه وورق الكرم وورق التين الأسود بماء المطر سود الشعر ، والحامض يحبس ~~أورام الفم والحلق وورقه ينفع للذبحة والخوانق ، والحامض ينفع القروح ~~الخبيثة مجففه وعصارته ، ورب الحامض نافع لبثور الفم ، والتمضمض بعصارة ورق ~~الحامض جيد للسن الوجعة ، والتوت رديء للمعدة يفسد فيها ، وخصوصا الفرصاد ، ~~وإذا لم يفسد الفرصاد في المعدة بسرعة لم يضر ، ويجب أن تؤكل جميع أصنافه ~~قبل ms2192 الطعام وعلى معدة لا فساد فيها ، وأما الشامي فلا يضر معدة صفراوية ، ~~وليس فيه من رداءة الموافقة للمعدة ما في الفرصاد ، وهو يشهي الطعام ويزلقه ~~، ويخرجه بسرعة ، والعفص المجفف المملح من التوت يحبس البول شديدا ، وينفع ~~من الدوسنطاريا ، ودمعة التوت تسهل ، وفي لحائه تنقية وإسهال ، وفي الحلو ~~سرعة انحدار ، وفي جميع أصناف التوت إدرار للبول ، وإذا شرب من عصارة ورقه ~~أوقية ونصف نفع من لسع الرتيلاء ، ولين الطبيعة . وأما ما وصفه به الشعراء ~~- فمن ذلك قول محمد بن شرف القيرواني : انظر إلى توت الجنان الذي . . . ~~وافى به الناطور في خام يحكى جراحا دمها سائل . . . لدى جسوم من بني حام ~~وقال بعض الأندلسيين وقد أهداه : تفاءلت بالتوت التأني لزورة . . . وذلك ~~فأل ما علمت صدوق فأهديته غضا حكى حدق المها . . . له منظر بالحسن منه يروق ~~فذا سيج لما يرى باسوداده . . . وذا لاحمرار اللون منه عقيق PageV11P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" وقال ابن الرومي : ومختضبات من نجيع دمائها . ~~. . إذا جنيت في بكرة الغدوات تكاد بأن تفطا إذا ما لمستها . . . فأرحمها ~~من سائر الثمرات وأما التفاح وما قيل فيه - فقال الشيخ : أعدل التفاح ~~الشامي ، والتفه منه رديء قليل المنافع ، وكذلك الفج ، وطبعه ، العفص ~~والقابض والحامض بارد غليظ ، والحلو مائي أميل إلى الحرارة من غيره ، وإن ~~كان الغالب البرد ، فهي مختلفة ، وكذلك أوراقها وأشجارها مختلفة ، وبالجملة ~~فإن الغالب في جوهره رطوبة فضلية باردة . قال : وفيه منع للفضول ، وخصوصا ~~في ورقه ، وفي التفاح نفخ فيما ليس بحلو ، والحامض والفج مولد للعفونات ~~والحميات لخامية خلطهما وفجاجهما ، وخلط الحامض ألطف من القابض ، وشراب ~~التفاح عتيقه خير من طريه ، لتحليل البخارات الرديئة ، وورقه ولحاؤه يدملان ~~، وكذلك عصارة القابض منه ، وإدمان أكل التفاح يحدث وجع العصب ، والتفاح ~~يقوي القلب ، خصوصا العطر الشامي ، والمشوي في العجين نافع لقلة الشهوة ، ~~وينفع من الدود ومن الدوسنطاريا وأوفقه للدوسنطاريا العفص ، وسويق التفاح ~~يقوي المعدة ، ويمنع القيء ، والحلو والحامض إذا صادف في المعدة خلطا غليظا ~~ربما حدره في البراز ، وإن كانت خالية حبس ، والتفاح نافع من السموم ms2193 ، ~~وكذلك عصارة ورقه . وأما ما وصفه به الشعراء - فمن ذلك قول ابن المعتز : ~~وتفاحة حمراء خضراء غضة . . . مضمخة بالطيب من كل جانب تكامل فيها الحسن ~~حتى كأنها . . . تورد خد فوق خضرة شارب وقال العسكري : وتفاحة صفراء حمراء ~~غضة . . . كخد محب فوق خد حبيب أحيا بها طورا وأشرب مثلها . . . من الراح ~~من كفى أغن ربيب PageV11P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" وقال الرقي : وتفاحة غضة . . . عقيقية الجوهر ~~تندت بماء الربي . . . ع في روضها الأخضر فجاءت كمثل العرو . . . س في ~~لاذها الأحمر ذكرت بها الجلنا . . . ر في خدك الأزهر فملت سرورا بها . . . ~~إلى القدح الأكبر وأنت لنا حاضر . . . وإن كنت لم تحضر وقال آخر : تفاحة ~~تذكر صفو الود . . . وتبعث النفس لحفظ العهد كأنها مقطوفة من خد . . . ~~نسيمها يحكي نسيم الورد وقال أبو بكر بن دريد : وتفاحة من سوسن صيغ نصفها . ~~. . ومن جلنار نصفها وشقائق كأن النوى قد ضم من بعد فرقة . . . بها خد ~~معشوق إلى خد عاشق وقال أبو الوليد بن زيدون وقد أهدى تفاحا : أتتك بلون ~~الحبيب الخجل . . . تخالط لون المحب الوجل ثمار تضمن إدراكها . . . هواء ~~أحاط بها معتدل تأتي لتدريج تلطيفها . . . فمن حر شمس إلى برد ظل إلى أن ~~تناهت شفاء العليل . . . وأنس الخليل ولهو الغزل فلو يجمد الراح لم يعدها . ~~. . وإن هي ذابت فراح يحل قبولكها نعمة غضة . . . وفضل بما جئته متصل ~~PageV11P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" وقال أبو نواس - ومنه أخذ ابن زيدون - : ~~الخمر تفاح جرى ذائبا . . . كذلك التفاح خمر جمد فاشرب على جامدها ذوبها . ~~. . ولا تدع لذة يوم لغد وقال ابن المعتز : تفاحة معضوضة . . . كانت رسول ~~القبل كأن فيها وجنة . . . تنقبت بالخجل تناولت كفى بها . . . ناحية من ~~أملي لست أرجي غير ذا . . . يا ليت هذا دام لي وقال آخر : فديت من حيا ~~بتفاحة . . . في خلع التوريد من وجنته نسيمها يخبرني أنها . . . تسترق ~~الأنفاس من ريقته لما حكت نوعين من حسنه . . . قبلتها شوقا إلى نكهته وقال ~~الصنوبري : فتناولت منه صادقة الري . . . ح تسمى صديقة الأرواح وشحتها يداه ~~من خالص التب . . . ر يجول جول ms2194 الوشاح كسيت صبغة الملاحة لما . . . صبغت ~~صبغة الخدود الملاح وقال آخر : تخال تفاحتها . . . في لونها وقدها تناولها ~~كفها . . . من صدرها وخدها وقال ابن رشيق : وتفاحة من كف ظبي أخذتها . . . ~~جناها من الغصن الذي مثل قده حكت لمس نهديه وطيب نسيمه . . . وطعم ثناياه ~~وحمرة خده PageV11P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" وقال ابن عباد : ولما بدا التفاح أحمر مشرقا ~~. . . دعوت بكأسي وهي ملآى من الشفق وقلت لساقينا أدرها فإنها . . . خدود ~~عذارى قد جمعن علىطبق وقال محمد بن سعيد : بديعة اللون من نور السرور بها . ~~. . في كل حسن وطيب يضرب المثل جاءتك في حلة بيضاء مشرقة . . . في حمرة ~~كاتقاد النار تشتعل أو قهوة مزجت أو نصف لؤلؤة . . . بنصف يا قوتة حمراء ~~تتصل وقال آخر : قال جالينوس في حكمته . . . لك في التفاح فكر وعجب هو روح ~~النفس ، من جوهرها . . . وبها شوق إليه وطرب ومزاج القلب ينفي همه . . . ~~ويجلى الحزن عنه والكرب وقال ابن الرومي - وهو مما يكتب على تفاحة - : ~~أرسلني عاشق بحاجته . . . فجئت بين الرجاء والوجل لا تخجلني بالرد حسبك ما ~~. . . ترى بخدي من حمرة الخجل وقال أبو الفتح البسني : فتى جمع العلياء ~~علما وعفة . . . وبأسا وجودا لا يفيق فواقا كما جمع التفاح حسنا ونضرة . . ~~. ورائحة محبوبة ومذاقا وقال آخر : أكلت تفاحة فعاتبني . . . خل رآها كخد ~~معشوقة وقال خد الحبيب تأكله . . . فقلت لا ، بل أمص من ريقه PageV11P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" وقال آخر : لا آكل التفاح دهري ولو . . . ~~جنته كفي من جنان الخلود تا لله لا أتركه عن قلى . . . لكنني أتركه للخدود ~~وأما السفرجل وما قيل فيه - فقال الشيخ الرئيس : السفرجل إذا غسل برماد ~~أغصانه وورقه كان كالتوتياء ، والمشوي منه أخف وأنفع ، وصورة شيه أن يقور ~~ويخرج حبه ويجعل فيه العسل ، ويطين خرمه ، ويدع الرماد ، قال : وطبع ~~السفرجل بارد في آخر الأولى ، يابس في أول الثانية ، وهو قابض مقو ، وزهره ~~قابض ، وكذلك دهنه ، والحلو أقل قبضا ، وحبه ملين بلا قبض ، وهو يمنع سيلان ~~الفضول إلى الأحشاء ، ويحبس العرق ، ودهنه ينفع من شقاق البرد ، ومن النملة ~~والقروح الجربة ms2195 . قال : وكثرة أكله تولد وجع العصب ، ومشويه يوضع على أورام ~~العين الحارة ، وعصارته نافعة من انتصاب النفس والربو ، وتمنع نفث الدم ، ~~وحبه ينفع من خشونة الحلق ، ويلين قصبة الرئة ، ولعابه أيضا يرطب يبس ~~القصبة ، والسفرجل ينفع من القيء والخمار ، ويسكن العطش ، ويقوي المعدة ~~القابلة للفضول شرابه ونقيعه ومطبوخه ، وشرابه مقو للشهوة الساقطة جدا ، ~~ونيئه يقوي المعدة ، ويمنع القيء ، البلغمي ، والسفرجل مدر ، والمطبوخ ~~بالعسل أشد إدرارا ، وربما أطلق ولم يعقل ، ويولد القولنج والمغس ، وينفع ~~من الدوسنطاريا ، ويحبس نزف الطمث ، وينفع من حرقة البول إذا قطرت عصارته ~~ودهنه في الإحليل ، ودهنه ينفع الكلى والمثانة ، وإذا أكل من السفرجل على ~~الطعام أطلق ، حتى إنه إذا استكثر منه أخرج الطعام قبل الآنهضام ، ويحقن ~~بطبيخه لنتوء المقعدة والرحم ، هذا ما قاله الشيخ في السفرجل . وأما ما وصف ~~به نظما ونثرا ، فمن ذلك ما قاله السري الرفاء : لك في السفرجل منظر تحظى ~~به . . . وتفوز منه بشمه ومذاقه هو كالحبيب سعدت منه بحسنه . . . متأملا ~~وبلثمه وعناقه PageV11P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" يحكي لك الذهب المصفى لونه . . . وتزيد بهجته ~~على إشراقه فالشكل من أعلاه يحكي شكله . . . ثدي الكعاب إلى مدار نطاقه ~~والشكل من سفلاه يحكي سرة . . . من شادن يزهي على عشاقه وقال آخر : سفرجلات ~~خرطها . . . مثل الثدي النهد زهر حكت بلونها . . . صبغة ماء العسجد وقال ~~أبو محمد الداودي : غصون السفرجل ملتفة . . . فمعتدل القد أو منثني وقد لاح ~~في زئير شامل . . . كصفراء في معجر أدكن وقال مؤيد الدين الطغرائي : وسفرجل ~~عني المصيف بحفظه . . . فكساه قبل البرد خزا أغبرا صوغ من الذهب المصفى ، ~~نشره . . . مسك إذا حضر الندى تعطرا يحكى نهود الغانيات وتحتها . . . سرر ~~لهن حشين مسكا أذفرا يزهي بملمسه وطيب مذاقه . . . ومشمه ويروق عينك منظرا ~~وقال شاعر أندلسي : سفرجلة جمعت أربعا . . . نظمن لها كل معنى عجيب صفاء ~~النضار وطعم العقار . . . ولون المحب وريح الحبيب وقال آخر : ومصفرة تختال ~~في ثوب سندس . . . وتعبق عن مسك ذكي التنفس لها ريح محبوب وقسوة قلبه . . . ~~ولون محب حلة السقم قد كسي PageV11P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" وقال ms2196 آخر : متحفي بالسفرجل . . . لا أحب ~~السفرجلا اسمه لو عقلته . . . سفرجل واعتلى وقال آخر : أتحفتا بهدية . . . ~~نقضت وصالك أولا أرأيت من يهدي إلى . . . من يصطفيه سفرجلا أو ما علمت بأنه ~~. . . سفر وآخره جلا ومن رسالة لأبي عبد الله محمد بن أبي الخصال الأندلسي ~~، جاء في السفرجل : وقد بعثت منه ما يقوم مقام الشاهد ، وينوب عن ثدي ~~الناهد ، فدونكها مخلفة البدر ، محلقة الصدر ، قد لبست الحسن باطنا وظاهرا ~~، واستوفت الطيب أولا وآخرا ، كأنها من طباعك طبعت ، أومن فضائلك ألفت ~~وجمعت ، كلا إنها يذكرك غذيت ، وعلى غاياتك حذيت . ومنها : من كل ساهرة ~~الشذا ، نائمة عن الأذى ، دوحها لدن ، وفوحها عدن ، من وسائط السلوك ، ~~وندامي الملوك ، لو ألفاها جذيمة لاستغني عن مالك وعقيل ، أو ظفر بها بلال ~~لسلاعن شامة وطفيل ، ولم يعبأ بإذخر وجليل ، أما إنها لوحت نديا ، وتمثلت ~~بشرا سويا ، لنطقت بالصواب ، وأتت بالحكمة وفصل الخطاب ، ونثرت في طب دقائق ~~، ووضعت في الزهد رقائق ، ولم لا وهي تهدي الإيمان ، وتدل على الجنان ، ~~وتحكي طوبى طيبا ، وحسبك بها أولى ما سمت بها النفس ، وواحدة ميز بها الجنس ~~، وهاكها قد تعرضت لقبولك ، وانفردت كما انفردت بتأميلك . والله أعلم . ~~PageV11P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" الكمثرى وما قيل فيها : فقال الشيخ الرئيس : ~~وفي بلادنا نوع يقال له : شاه أمرود كثير اللحم ، شديد الاستدارة ، رقيق ~~القشرة ، حسن اللون ، كأنه ماء سكر معقود ، طيب الرائحة جدا ، إذا سقط من ~~شجرته إلى الأرض اضمحل ، وهذا لا مضرة فيه من أصناف الكمثرى . وقال في طبعه ~~: الكمثرى معروف بالصيني بارد في الأولى ، يابس في الثانية ، والشاه أمرود ~~معتدل رطب ، وقال في أفعاله وخواصه : جميع أصنافه قابض يدخل في ضمادات حبس ~~المواد ، وقد يجلو يسيرا ، وأما المعروف بشاه أمرود في بلاد خراسان دون ~~غيرها فهو ملين للطبيعة ، حسن الكيموس جدا . قال : وهو يدمل الجراحات ، ~~خصوصا البري المجفف ، وهو يدبغ المعدة ، والصيني خاصة يقوي المعدة ، ويقطع ~~العطش ، ويسكن الصفراء . قال : وهو يعقل البطن ، خصوصا المجفف منه ، قال : ~~وفي الكمثرى خاصية إحداث القولنج ، فيجب أن يشرب بعده ms2197 ماء العسل بالأفاويه ~~. وأما ما وصفه به الشعراء - فمن ذلك قول ظافر الحداد الإسكندري : لله وافد ~~كمثرى ذكرت به . . . ما كنت أعهد في أيامي الأول لم أدنه من فمي إلا وأحسبه ~~. . . من النهود لذيذ العض والقبل قذفت من طعمه ما كاد يبلغ بي . . . ما ~~ذقت من رشف محبوب على عجل أكرم بزورته لو أنها اتصلت . . . أو أنه كان فيها ~~غير منفصل لو كنت املك حكم الأرض ما حملت . . . نبتا سواه على سهل ولا جبل ~~وقال أبو الفتح كشاجم : أحضرنا الناطور من بستانه . . . في طبق ينطق عن ~~إحسانه لونا من الرائع في أوانه . . . أهدي له الجوهر من ألوانه ما احمر أو ~~ما اصفر من مرجانه . . . مثل تروك الجيش في ميدانه PageV11P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" مذهبة في الهمام من فرسانه . . . شيب بريق ~~الشهد في أغصانه أنور في الناظر من إنسانه وقال آخر - وقد أهداه - : بعثت ~~بها ولا آلوك حمدا . . . تحية ذي اصطناع واعتلاق خدود أحبة راءين صبا . . . ~~وعدن على ارتماض واحتراق فحمر بعضها خجل التلاقي . . . وصفر بعضها وجل ~~الفراق اللقاح وما قيل فيه : فاللقاح هو ثمر نبات يسمى اليبروح الصنمي ، ~~وليس هو اللقاح المعدود في صنف البطيخ الذي يقال له الدستنبو ، ويقال : ~~إنها شجرة سليمان بن داود - عليهما السلام - التي كان منها تحت قص خاتمه ، ~~ومنبت قضبها وورقها الظاهر وسط رأس الصنم ، وتكون منابتها في الجبال ~~والكروم ، وقال التميمي : اليباريح سبعة ، وسيدها الصنمي . وقال الشيخ ~~الرئيس أبو علي بن سينا في كتاب الأدوية المفردة من القانون في اليبروح : ~~هو أصل اللقاح البري ، وهو أصل كل لقاح ، " كبير " شبيه بصورة الناس ، ~~فلهذا سمي باليبروح ، فإن اليبروح اسم الصنم الطبيعي . قال : وطبعه بارد في ~~الثانية يابس إليها ، وفيه قليل حرارة على ما ظن بعضهم . قال : وأما الأصل ~~فقوي مجفف ، وقشر الأصل ضعيف ، والورق يستعمل مجففا ورطبا فينفع الفالج . ~~وقال في خواصه : هو مخدر ، وله دمعة وعصارته أقوى من دمعته ، ومن أراد أن ~~يقطع له عضو سقى ثلاثة أو بولوسات في شراب فيسبت . وقيل : إن الأصل ms2198 منه إذا ~~طبخ به العاج ست ساعات لينه وأسلس قياده . قال : و إذا دلك بورقه البرش ~~أسبوعا ذهب من غير تقريح ، وخصوصا إن وجد رطبا ، ولبن اللفاح يقلع النمش ~~والكلف بلا لذع ، قال : ويستعمل على الأورام الصلبة والخنازير فينفع ، وإذا ~~دق الأصل ناعما وجعل بالخل على الحمرة أبرأها ، وأصله بالسويق ضماد لأوجاع ~~المفاصل ، والإكثار من شم اللفاح يورث السكتة ، وخصوصا الأبيض الورق ، وقد ~~يتخذ منه شراب يزيل PageV11P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" السهر ، وهو أن يجعل من قشور أصله ثلاثة ~~أمناء في مطر يطوس شراب حلو ، ويسقي منه ثلاثة قواثوسات ، وقد تطبخ القشور ~~أيضا في الشراب طبخا يأخذ الشراب قواها ، ويستعمل للإسبات منه شيء كثير ، ~~وللإنامة أقل ، وقوم من الأطباء يجلسون صاحبه في الماء الشديد البرد حتى ~~يفيق . قال : ودمعته من أدوية العين ، تسكن الوجع المفرط ، ويضمد بورقه ~~أيضا ، وإذا احتمل نصف أو بولوس من دمعته أخرج الجنين ، وبزره ينقي الرحم ~~إذا شرب ، وإذا احتملته المرأة قطع نزف الرحم ، ولبن اللفاح يسهل البلغم ~~والمرة ، وإذا تناول الصبي الطفل اللفاح بالغلط حصل له قيء وإسهال . وأما ~~ما وصفه به الشعراء ، فمن ذلك قول بعض الشعراء : أتانا المصيف بلفاحه . . . ~~فطاب ولو فاته لم يطب نجوم بلا فلك دائر . . . ولكن أوراقه كالقطب روائحه ~~من شذا مسكة . . . وأجسامه أكر من ذهب وقال أبو الهلال العسكري : أنظر إلى ~~اللفاح تنظر معجبا . . . يجلو عليك مفضضا في مذهب تعلو مفارقه قلانس أجفيت ~~. . . من تحتهن دراهم لم تضرب وقال آخر : للعين والعرنين في يبروحة . . . ~~لون المحب وعقبة المعشوق صفراء طيبة النسيم كأنها . . . بلورة محشوة بخلوق ~~الأترج وما قيل فيه : فقال أبو بكر بن وحشية في كتاب " أسرار القمر " : وإن ~~خلطتم بأصل اليبروح وفروعه أصل الجزر وورقه أجزاء سواء وطمرتموه في الأرض ، ~~خرج عن ذلك شجر الأترج ، وإن أضفتم إليهما البطيخ الفج خرجت عنه الشجرة ~~الحاملة للأترج الكبير الطيب الرائحة ، وإن أردتم أترجا PageV11P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" إلى البياض شديد الريح فاخلطوا باليبروح ~~والجزر أصلا وورقا عرق شجرة التين الأصفر . وقال الشيخ ms2199 الرئيس في طبع ~~الأترج : قشره حار في الأولى ، يابس في آخر الثانية ، ولحمه حار في الأولى ~~، رطب فيها ، وقال قوم : بل هو بارد رطب في الأولى ، وبرده أكثر ، وهو ~~الأصح ، وحماضه بارد يابس في الثالثة ، وبزره حار في الأولى ، مجفف في ~~الثالثة . وأما أفعاله وخواصه - فإن لحمه ينفخ ، وورقه يسكن النفخ ، وفقاحه ~~ألطف ، وحماضه قابض كاسر للصفراء ، وبزره وقشره محلل ، وإذا جعل قشره في ~~الثياب منع السوس ، ورائحته تصلح فساد الهواء والوباء ، وحماضه يجلو اللون ~~ويذهب الكلف ، وحراقة قشره طلاء جيدة للبرص ، وطبيخه يطيب النكهة ، وهو ~~مسمن ، وقشره يطيب النكهة أيضا إمساكا في الفم ، وحماضه نافع من القوباء ~~طلاء ، ودهنه نافع من استرخاء العصب والفالج . وحماضه رديء للعصب ، وإذا ~~اكتحل بحماضه أزال يرقان العين ، وحماضه يسكن الخفقان الحار ، والمربي جيد ~~للحلق والرئة ، لكن حماضه رديء للصدر ، ولب الأترج إذا طبخ بالخل وسقي منه ~~نصف أسكرجة قتل العلقة المبلوعة وأخرجها ، ولحمه رديء للمعدة ، ينفخ ، بطيء ~~الهضم ، لكن ورقه مقو للمعدة والأحشاء ، وقشره إذا جعل في الأطعمة ~~كالأبازير أعان على الهضم ، ونفس قشره لا ينهضم لصلابته ، وطبيخه يسكن ~~القيء ، وربه - وهو رب الحماض - نافع للمعدة ، قال : ويجب أن يؤكل الأترج ~~مفردا لا يخلط بطعام لا قبله ولا بعده ، ولحمه يورث القولنج ، وحماضه يحبس ~~البطن ، ويمنع من الإسهال الصفراوي ، وبزره ينفع من البواسير ، وفي بزره ~~قوة مسهلة ، وعصارة حماضه تسكن غلمة النساء ، ووزن درهمين من بزره بالشراب ~~والطلاء والماء الحار مقاوم للسموم كلها ، وخصوصا سم العقرب شربا وطلاء ، ~~وقشره قريب من ذلك ، وعصارة قشره تنفع من نهش الأفاعي شربا ، وقشره ضمادا . ~~PageV11P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" وأما ما وصفه به الشعراء - فمن ذلك قول ابن ~~الرومي : كل الخلال التي فيكم محاسنكم . . . تشابهت منكم الأخلاق والخلق ~~كأنكم شجر الأترج طاب معا . . . حملا ونورا وطاب الأصل والورق وقال حجظة : ~~أترجة كالمسك في طيبه . . . والتبر في بهجة إشراقه كأنها في كف أستاذنا . . ~~. مخلوقة من طيب أخلاقه وقال علي بن سعيد الأندلسي : مصفرة اللون لا من هوى ~~. . . تكابد منه ms2200 علاقات هم ولكن كساها سموم الهجير . . . جلابيب تبر بتضريج ~~دم وأكسبها طيب نشر العبير . . . وريح الحبيب إذا ما يشم عروس تزف إلى ~~شاهها . . . على كف أغيد مثل الصنم وقال ابن رشيق في المعز بن باديس : ~~أترجة سبطة الأطراف ناعمة . . . تلقي النفوس بحظ غير منحوس كأنها بسطت كفا ~~لخالقها . . . تدعو بطول بقاء لأبن باديس وقال آخر : كأنما الأترج في لونه ~~. . . وشكله المستطرف المنظر أبارق تسقط عنها العرا . . . مسبوكة من ذهب ~~أحمر وقال آخر : يا حبذا أترجة . . . تحدث في النفس الطرب كأنها كافورة . . ~~. لها غشاء من ذهب PageV11P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" وقال السري الرفاء : وقريبة من كل قلب إن بدت ~~. . . للمرء أدناها إليه وقربا أروى القلوب نسيمها وتلهبت . . . حسنا فأذكت ~~في القلوب تلهبا فكأنها ذهب حوى كافورة . . . فغدا برياها وراح مطيبا صفراء ~~ما عنت لعيني ناظر . . . إلا توهمها سنانا مذهبا وقال فيه : يا حبذا أترجة ~~. . . رحت بها مسرورا إذ جاءني يحملها . . . ظبي يباهي الحورا شبهتها في ~~كفه . . . وقد كساها النورا مخزنة من ذهب . . . قد ملئت كافورا وقال الزاهي ~~: وذات جسم من الكافور في ذهب . . . دارت عليه حواشيه بمقدار كأنها وهي ~~قدامى ممثلة . . . في رأس دوحتها تاج من النار وقال ابن دريد : جسم لجين ~~قميصه ذهب . . . زر على لعبة من الطيب فيه لمن شمه وأبصره . . . لون محب ~~وريح محبوب وقال أبو الفتح كشاجم : يا حبذا يومنا ونحن على . . . رءوسنا ~~نعقد الأكاليلا في جنة ذللت لقاطفها . . . قطوفها الدانيات تذليلا كأن ~~أترجها تميس به . . . أغصانها حاملا ومحمولا سلاسل من زبرجد حملت . . . من ~~ذهب أصفر قناديلا PageV11P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" وقال أبو بكر بن القرطبية : جسم من النور في ~~ثوب من النار . . . كأنه ذهب من فوق بلار وأبيض باطنه واصفر ظاهره . . . ~~كأنه درهم من تحت دينار وقالت علية بنت المهدي متطيرة به : أترجة قد أتتك ~~لطفا . . . لا تقبلنها وإن سررت لا تهو أترجة فإني . . . رأيت مقلوبها هجرت ~~وقال العباس بن الأحنف : أهدى له أحبابه أترجة . . . فبكى وأشفق من عيافة ~~زاجر خاف التلون إذ أتته لأنها . . . لونان باطنها خلاف ms2201 الظاهر وقال آخر : ~~أمات إذ حيا بأترجة . . . فهمت منها كنة تأويله لما تطيرت بمنكوسها . . . ~~ضم بنانا لي بتقليله ومن الأترج صنف صغير مخطط بخضرة وصفرة . وفيه طول ، ~~يسمى شمام الأترج ، وفيه يقول ابن طباطبا : ومخطفات كأن الحب أخطفها . . . ~~هف الخصور ثقيلات المآخير صفر الثياب كأن الدهر ألبسها . . . بناصر النبت ~~ألوان الدنانير PageV11P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" القسم الثالث من الفن الرابع في الفواكه ~~المشمومة وفيه بابان الباب الأول من هذا القسم من هذا الفن فيما يشم رطبا ~~ويستقطر : ويشتمل هذا الباب على أربعة أنواع ، وهي الورد والنسرين والخلاف ~~والنيلوفر . ما يشم رطبا ويستقطر الورد فالورد ألوان ، وأشهرها الأحمر ~~والأبيض ، وقال صاحب كتاب " نشوار المحاضرة " : إنه رأى وردا أصفر ، ووردا ~~أسود حالك السواد ، له رائحة ذكية ، ورأى بالبصرة وردة نصفها أحمر قانيء ، ~~ونصفها أبيض ناصع ، وكأنها مقسومة بقلم ، وفيه ماله وجهان : أحمر وأبيض ، ~~ويقال : إنه ربما وجد ورد أحد وجهي الورقة منه أحمر قاني ، والآخر أصفر ، ~~ومن ألوان الورد الأزرق ، وهذا اللون يقال إنه يتحيل فيه ، بأن تسقى شجرة ~~الورد الأبيض الماء المخلوط بالنيل ، فيصير الورد أزرق ، وقد يتحيل على ~~الأسود بمثل ذلك ، والله تعالى أعلم . ومما يدل على وجود هذه الألوان وأنها ~~غير منكورة أن الشعراء وصفوها في أشعارهم فذكروا الأصفر والأزرق والأسود ~~على ما نورده إن شاء الله تعالى بعد ذكر منافع الورد وخواصه . قال الشيخ ~~الرئيس أبو علي بن سينا : والورد المركب من جوهر مائي وأرضي وفيه حرارة ~~وقبض ، ومرارة مع القبض ، وقليل حلاوة ، وفي مائيته انكسار حرافة بسبب ~~PageV11P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" الشيء الذي لأجله حلا ومر ، وفيه لطافة تنفذ ~~قبضه ، فكثيرا ما يحدث الزكام . قال : والقوة المرة تثبت فيه ما دام طريا ، ~~فإذا يبس قلت مرارته ، ورطبه يسهل إذا شرب منه وزن عشرة دراهم ، والمسمى ~~منه بالورد المنتن حار ، وأصله كالعاقر قرحا محرق ، وقال في طبعه : ذكر ~~جالينوس أن الورد ليس بشديد البرد بالقياس إلينا ، ويقول : يجب أن يكون ~~باردا في الأولى ، قال الشيخ ، أقول : ويبسه في أول الثانية ms2202 ، لا سيما في ~~الجاف ، وقال في أفعاله وخواصه : تجفيفه أقوى من قبضه ، لأن مرارته أقوى من ~~قبض طعمه ، وهو مفتح جلاء ، ويسكن حركة الصفراء ، وبزره أقوى ما فيه قبضا ، ~~وكذلك الزغب الذي في وسطه ، وفي جميعه تقوية للأعضاء الباطنة ، ولا يجاوز ~~قبضه منع التحليل ، واليابس أقبض وأبرد . قال : وإذا استعمل الورد في ~~الحمام أصلح نتن العرق ، ويتخذ منه غسول على هذه الصفة ، وهي أن يؤخذ من ~~الورد الذي لم تصبه نداوة - ويترك حتى يضمر - أربعون مثقالا ، ومن سنبل ~~الطيب خمسة مثاقيل ، ومن المر ستة مثاقيل ، تعمل أقراصا صغارا . قال : ~~وربما زادوا فيها من القسط والسوسن درهمين درهمين ، فربما جعلها النساء في ~~المخانق علاجا من ذفر العرق . قال قوم : إنه يقطع الثآليل كلها إذا استعمل ~~مسحوقا ، وهو ينفع من القروح ، ولا سيما السحج بين الأفخاذ وفي المغابن ، ~~وينبت اللحم في القروح العميقة وادعى قوم أنه يخرج السلاء والشوك مسحوقا ، ~~وهو مسكن للصداع رطبه وطبيخ مائه ، ودهنه معطس بل شمه نفسه ، وقال قوم : ~~تعطيسه لحبسه البخار ، ولعل ذلك لتضاد قوتيه : الجالية والمانعة في الأدمغة ~~الرقيقة الفضول ، وشمه نفسه معطس لمن هو حار الدماغ ، وبزره يشد اللثة ، ~~وهو يسكن وجع العين من الحرارة ، وكذلك طبيخ يابسه صالح لغلظ الجفون إذا ~~اكتحل به ، وكذلك دهنه وعصارته ، قال : وإنما ينفع من الرمد إذا قطعت منه ~~زوائده PageV11P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" البيض . قال : وإذا تجرع ماء الورد نفع من ~~الغشي ، قال : والورد جيد للكبد والمعدة ، ومرباه بالعسل يقوي المعدة ، وهو ~~الجلنجبين ، ويعين على الهضم ، ودهن الورد يطفئ التهاب المعدة ، وكذلك طلاء ~~المعدة بالورد نفسه ، وشرابه نافع لمن في معدته استرخاء ، قال : وهو يسكن ~~وجع المقعدة طليا عليها بريشة ، ووجع الرحم من الحرارة ، وكذلك طبيخ يابسه ~~، وهو نافع لأوجاع المعي ، ويحتقن بطبيخه لقروح المعي ، وشرابه يشرب لذلك ، ~~قال : والنوم على المفروش منه يقطع الشهوة ، هذا ما قاله الشيخ في الورد ، ~~والذي جربته أنا منه أن زهر الورد الأصفر يجفف ويسحق بالملح فيكون دواء ~~جيدا للجراح يلحمها بسرعة . وأما ms2203 ما جاء في وصف الورد نظما ونثرا - فقال ~~أبو العلاء صاعد الأندلسي : ودونك يا سيدي وردة . . . يذكرك المسك أنفاسها ~~كعذراء أبصرها مبصر . . . فغطت بأكمامها رأسها وقال أبو عبادة البحتري : ~~أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا . . . من الحسن حتى كاد أن يتكلما وقد نبه ~~النوروز في غسق الدجى . . . أوائل ورد كن بالأمس نوما يفتحه برد الندى ~~فكأنما . . . يبث حديثا بينهن مكتما وقال محمد بن عبد الله بن طاهر - ويروي ~~لعلي بن الجهم - : أما ترى شجرات الورد مظهرة . . . لنا بدائع قد ركبن في ~~قضب كأنهن يواقيت يطيف بها . . . زبرجد وسطه شذر من الذهب PageV11P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" وقال الناشي : قضب الزبرجد قد حملن شقائقا . ~~. . أثمارهن قراضة العيقان وكأن قطر الطل في أهدابه . . . دمع مرته فواتر ~~الأجفان وقال ابن طاهر - ويروي لأبن بسام : أما ترى الورد يدعو للورود إلى ~~. . . خمر معتقة في لونها صهب مداهن من يواقيت مركبة . . . على الزبرجد في ~~أجوافها ذهب كأنه حين يبدو من مطالعه . . . صب يقبل حبا وهو يرتقب خاف ~~الملال إذا طالت إقامته . . . فظل يظهر أحيانا ويحتجب وقال العماد ~~الأصفهاني : قلت للورد ما لشوكك يدمي . . . كل ما قد أسوته من جراح قال لي ~~هذه الرياحين جند . . . أنا سلطانها وشوكي سلاحي وقال آخر : الورد أحسن ~~منظر . . . تستمتع الألحاظ منه فإذا انقضت أيامه . . . أتت الخدود تنوب عنه ~~وقال أبو طالب الرقي : ووردة في بنان معطار . . . حيت بها بديع أسرار كأنها ~~وجنة الحبيب وقد . . . نقطها عاشق بدينار PageV11P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" وقال أبو هلال العسكري : مر بنا يهتز في خطوه ~~. . . كالغصن غب العارض الساري شممت في وجنته وردة . . . جاءت من المسك ~~بأخبار تلوح في حمرتها صفرة . . . كالخد منقوطا بدينار وقال آخر : كأنما ~~الوردة لما بدت . . . في كف من أهوى ويهواني حمرة خديه وفي وسطها . . . ~~صفرة لوني حين يلقاني وقال آخر : جمع الورد خصالا . . . لم تكن في نظرائه ~~حسن لون جعل الزه . . . رة من تحت لوائه ونسيما عطر المج . . . لس من فرط ~~ذكائه فإذا غاب وولى . . . عوض الناس بمائه وقال آخر : وذي لونين لون المسك ms2204 ~~فيه . . . يروق بحمرة فوق اصفرار كمعشوقين ضمهما اعتناق . . . على حدثان ~~عهد بالمزار وقال الطغرائي : ألم تر أن جند الورد وافي . . . بصفر في ~~مطارده وحمر أتى مستلئما بالشوك فيه . . . نصال زمرد وتراس تبر فجلي ~~بالسرور هموم قلبي . . . وطارد بالنشاط بنات صدري فما عذري إذا أنا لم ~~أقابل . . . أياديه بسكر أو بشكر PageV11P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" ومما قيل في ذم الورد ومدحه ، قال ابن الرومي ~~: يا مادح الورد لا تنفك عن غلط . . . ألست تنظره في كف ملتقطه كأنه سرم ~~بغل حين يخرجه . . . عند البراز وباقي الروث في وسطه وقال ابن المعتز في ~~الرد عليه : يا هاجي الورد لا حييت من رجل . . . غلطت والمرء قد يؤتي على ~~غلطه هل تنبت الأرض شيئا من أزاهرها . . . إذا تحلت يحاكي الوشي في نمطه ~~أحلى وأشهر من ورد له أرج . . . كأنما المسك مذرور على وسطه كأنه خد حبي ~~حين ملكني . . . حل السراويل بعد الطول من سخطه وقال العسكري : أفضل الورد ~~على النرجس . . . لا أجعل الأنجم كالأشمس ليس الذي يقعد في مجلس . . . مثل ~~الذي يمثل في المجلس وكتب أبو دلف إلى عبد الله ابن طاهر : أرى ودكم كالورد ~~ليس بدائم . . . ولا خير فيمن لا يدوم له عهد وحبي لكم كالآس حسنا ونضرة . ~~. . له زهرة تبقى إذا فني الورد فأجابه ابن طاهر يقول وشبهت ودي الورد وهو ~~شبيهه . . . وهل زهرة إلا وسيدها الورد وودك كالآس المرير مذاقه . . . وليس ~~له في الطيب قبل ولا بعد ومما وصف به الورد الأبيض قول محمد بن قيس : جاءت ~~بورد أبيض . . . شبهته عند العيان بمداهن من فضة . . . فيها بقايا زعفران ~~PageV11P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" وقال السري الرفاء : وروض كساه الغيث إذ جاد ~~دمعه . . . مجاسد وشي من بهار ومنثور بدا أبيض الور الجني كأنما . . . تنسم ~~للناشي بمسك وكافور كأن اصفرارا منه تحت ابيضاضه . . . برادة تبر في مداهن ~~بلور وقال ابن المعتز : أتاك الورد مبيضا مصونا . . . كمعشوق تكنفه صدود ~~كأن وجوهه لما توافت . . . بدور في مطالعها سعود بياض في جوانبه احمرار . . ~~. كما احمرت من الخجل الخدود ومما وصف ms2205 به الأصفر قول شاعر : رعى الله وردا ~~غدا أصفرا . . . بهيا نضيرا يحاكي النضارا وسقى غصونا به أثمرت . . . وحملن ~~منه شموسا صغارا وقال الطغرائي : شجرات ورد أصفر بعثت . . . في قلب كل متيم ~~طربا سبكت يد الغيم اللجين لها . . . وكسته صبغا مونقا عجبا من ذا رأى من ~~قبلها شجرا . . . سقي اللجين فأثمر الذهبا خرطت نهود زبرجد حملت . . . ~~أجوافها من عسجد لعبا فإذا الصبا فتقت كمائمها . . . سحرا وماد الغصن ~~وانتصبا شبهتها بخريدة طرحت . . . في الخضر من أثوابها لهبا ومما وصف به ~~الورد الأزرق - قال بعض الشعراء وقد وصف بستانا : وبه وارد من الورد قد أي ~~. . . نع في رقة الهواء اللطيف PageV11P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" شبهوه بدمعة العاشق الآ . . . ليف نالته جفوة ~~من أليف فهو يحكيه رقة ومثال ال . . . قرص لونا في خد ظبي تريف ورق أزرق ~~كزرق يوافي . . . ت تطلعن من لجين مشوف ومما قيل في الورد الأسود قول مؤيد ~~الدين الطغرائي : لله أسود ورد ظل يلحظنا . . . من الرياض بأحداق اليعافير ~~كأنها وجنات الزنج نقطها . . . كف الإمام بأنصاف الدنانير وقال آخر فيه : ~~وورد أسود خلناه لما . . . تنشق نشره ملك الزمان مداهن عنبر غض وفيها . . . ~~بقايا من سحيق الزعفران وأما ما جاء فيه نثرا - فقال أبو حفص عمر بن برد ~~الأصغر رسالة قدم فيها الورد على سائر الرياحين ، وهي رقعة خاطب بها ابن ~~جهور : أما بعد يا سيدي ومن أنا أفديه ، فإنه ذكر بعض أهل الأدب المتقدمين ~~فيه ، وذوي الظرف المعتنين بملح معانيه ، أن صنوفا من الرياحين ، وأجناسا ~~من نوار البساتين ، جمعها في بعض الأزمنة خاطر خطر بنفوسها ، وهاجس هجس في ~~ضمائرها ، لم يكن لها بد من التفاوض فيه والتحاور ، والحاكم من أجله ~~والتناصف ، وأجمعت على أن ما ثبت في ذلك من العهد ، ونفذ من الحلف ، ماض ~~على من غاب شخصه ، ولم يئن منها وقته ، فقام قائمها فقال : يا معشر الشجر ، ~~وعامة الزهر ، إن اللطيف الخبير الذي خلق المخلوقات ، وذرأ البريات ، باين ~~بين أشكالها وصفاتها ، وباعد بين منحها وأعطياتها ، فجعل عبدا وملكا ، وخلق ~~قبيحا وحسنا ms2206 ، فضل على بعض بعضا حتى اعتدل بعدله الكل ، ولسق على لطف قدرته ~~الجميع ، إن لكل واحد منها جمالا PageV11P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" في صورته ، ورقة في محاسنه ، واعتدلا في قده ~~، وعبقا في نسيمه ، ومائية في ديباجته ، قد عطفت علينا الأعين ، وثنيت ~~إلينا الأنفس ، وزهت بمحاضرتنا المجالس ، حتى سفرنا بين الأحبة ، ووصلنا ~~أسباب القلوب ، وتحملنا لطائف الرسائل ، وصيغ فينا القريض ، وركبت في ~~محاسننا الأعاريض ، فطمح بنا العجب ، وازدهانا الكبر ، وحملنا تفضيل من ~~فضلنا ، وإيثار من آثرنا ، على أن نسينا الفكر في أمرنا ، والتمهيد ~~لعواقبنا ، والتطييب لأخبارنا ، وادعينا الفضل بأسره ، والكمال بأجمعه ، ~~ولم نعلم أن فينا من له المزية علينا ، ومن هو أولى بالرآسة منا ، وهو ~~الورد الذي إن بذلنا الإنصاف من أنفسنا ، ولم نسبح في بحر عمانا ، ولم نمل ~~مع هوانا ، دنا له ، ودعونا اليه ، فمن لقيه منا حياه بالملك ، ومن لم يدرك ~~زمن سلطانه ، ودولة أوانه ، اعتقد ما عقد عليه ، ولبى إلى ما دعي إليه ، ~~فهو الأكرم حسبا ، والأشرف زمنا ، إن فقد عينه لم يفقد أثره ، أو غاب شخصه ~~لم يغب عرفه ، وهو أحمر والحمرة لون الدم ، والدم صديق الروح ، وهو ~~كالياقوت المنضد ، في أطباق الزبرجد ، عليها فريد العسجد ، وأما الأشعار ~~فبمحاسنه حسنت ، وباعتدال زمانه وزنت . وفي فصل منها : وكان ممن حضر هذا ~~المجلس من رؤساء النوار والأزهار ، النرجس الأصفر والبنفسج والبهار ، ~~والخيري - وهو النمام - فقال النرجس الأصفر : والذي مهد لي في حجر الثرى ، ~~وأرضعنى ثدي الحيا ، لقد جئت بها أوضح من لبة الصباح ، وأسطع من لسان ~~المصباح ، ولقد كنت أستر من التعبد له ، والشغف به ، والأسف على تعاقب ~~الموت دون لقائه ، ما أنحل جسمي ومكن سقمي ، وإذ قد أمكن البوح بالشكوى ، ~~فقد خف ثقل البلوى ، ثم قام البنفسج فقال : على الخبير والله سقطت ، أنا ~~والله المتعبد له ، والداعي إليه والمشغوف به ، وكفى ما بوجهي من ندب ، ~~ولكن في التأسي بك أنس ، ثم قام البهار فقال : لاتنظرن إلى غضارة نبتي ، ~~ونضارة ورقي ، وانظر إلى وقد صرت حدقة باهتة تشير إليه ، وعينا ms2207 شاخصة تندى ~~PageV11P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" بكاء عليه . ولولا كثرة الباكين حولي . . . ~~على إخوانهم لقتلت نفسي ثم قام الخيري فقال : والذي أعطاه الفضل دوني ، ومد ~~له بالبيعة يميني ، ما اجترأت قط إجلالا له ، واستحياء منه ، على أن أتنفس ~~نهارا ، أو أساعد في لذة صديقا أو جارا ، فلذلك جعلت الليل سترا ، واتخذت ~~جوانحه كنا . فلما استوت آراؤها قالت : إن لنا أصحابا ، وأشكالا وأترابا ، ~~لا نلتقي بها في زمن ، ولا نجاورها في وطن ، فهلم فلنكتب بذلك عقدا ينفذ ~~على الأقاصي والأداني ، فكتبوا رقعة نسختها : هذا ما تخالف عليه أصناف ~~الشجر ، وضروب الزهر ، وسميها وشتويها وربعيها وقيظيها ، حيث ما نجمت من ~~تلعة أو ربوة ، وتفتحت في قرارة أو حديقة ، عند ما راجعت من بصائرها ، ~~وألهمت من رشادها ، واعترفت بما أسلفت من هفواتها ، وأعطت للورد قيادها . ~~وملكته أمرها ، وعرفت أنه أميرها المقدم بخصاله فيها ، والمؤمر بسوابقه ~~عليها ، واعتقدت له السمع والطاعة ، والتزمت له الرق والعبودية ، وبرئت من ~~كل زهر نازعته نفسه المباهاة له ، والانتراء عليه ، في كل وطن ، ومع كل ~~زمان ، فأية زهرة قص عليها لسان الأيام هذا الحلف ، فلتتعرف إرشادها منه ، ~~وقوام أمرها به ، والله أعلم . ومن رسالة لبض فضلاء أصبهان ممن ذكرهم ~~العماد الأصبهاني في الخريدة وصف فيها الرياض والرياحين ، وفضل الورد على ~~جميعها ، وهي رسالة مطولة في هذا النوع وغيره ، جاء منها : في يوم استعار ~~نضارته من عصر الصبا ، واكتسى صحنه من عليل الصبا ، ونجمت فيه نجوم الربيع ~~، خالية من المقابلة والتربيع ، وتقابل إشراق زهره ونهاره ، فراق يجري ~~جداوله وأنهاره ، وأقبل فيه جيشه بفوارسه وجياده ، وعساكره وأجناده ، بين ~~رافع لواء زبرجدي ، PageV11P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" وحامل مطرد عسجدي ، وصاحب رداء لازوردي ، ~~ومعلم قد أطلق عنانه ، ورامح قد خضب سنانه ، وأخذت الأرض زينتها وزخارفها ، ~~ولبست حليتها ومطارفها ، ومادت كثبانها بخمائلها ، وماست قضبانها في ~~غلائلها ، فبرزت بين جبين متوج ، وخد مضرج ، وصدغ محلق ، وخضر ممنطق ، ~~ونادت الشمس بلسان الجذل : يا بعد ما بين برج الجدي والحمل وفصل فصل الربيع ~~الرياض . . . عقودا ورصع منها حليا وفاخر ms2208 بالأرض أفق السماء . . . فحلى ~~الثرى بنجوم الثريا ونثر منثوره ياقوتا ودرا وزمرذا ، وجمع بين ضدين من برد ~~برد وتوقد جذا ، فشمخ بالمناكب ، على الكواكب ، وتاه بالضوج ، على ، الأوج ~~، وطاول بالاكام علا الركام ، فهنالك برز النرجس من بين الرياحين ، وقال : ~~الصمت لا يحمد في كل حين ، ومن لم يفصح بتعريف نفسه ، وتفضيل يومه على أمسه ~~، فهو مغبون في جنسه ، أنا حدق الحدائق ، ونزهة الرامق ، أخطر بين جسد ~~زبرجدي ، وفرع PageV11P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" كافوري وعسجدي ، إلى ينسب حسن العيون ، وعندي ~~يوجد ضعف الجفون : تنافس في نفوس الكرام . . . إذا ما أدبرت كئوس المدام ~~فأسبي الجليس إذا ما حضرت . . . بلحظ الفتاة وقد الغلام فأيقظ لمباهلته ~~الأقحوان ، و قال : الآن آن ظهوري وحان ، ما هذه العجرفة والتباهي لقد نطقت ~~بعجائب النواهي ، و تالله ماصدقت سن بكرك ، ولا امتاز عرفك من نكرك ، فبم ~~تتيه على أقرانك ، وتتكبر على سجرائك وأخدانك ؟ أنسيت تنكيس رأسك بين ~~الندماء ، وإمساك رمقك ببلة من الماء ، وأنك لا تبيت إلا موثقا محبوسا ، ~~ولا تشم إلا صاغرا منكوسا ، ولا تستخدم إلا قائما ، ويا سوء يومك إذا أصبحت ~~نائما ؟ ألا عطفت على جيد الالتفات ، وأشرت إلى بأحسن الصفات ، فقلت : لله ~~درك من زهر كملت محاسنه ، وصفا من غديره آسنه ، وتبسم عن مؤشر الثغور ، ~~وجمع فرعه بين لوني التبر والكافور ، فتوج بالتيجان المشرقة المرصعة بخلاصة ~~النضار والرقة ، ألم تعلم أني فوز المغاني ، ونزهة الراني ، ومباسم الغواني ~~؟ لا يحكم لشاعر بالإحسان ، أو ينسب إلى حسن ثغور الحسان . أنا زهر الربا ~~ونور الرياض . . . وعيون ترنو بغير اغتماض لن تراني إلا بشاطي غدير . . . ~~باسما أو مضاحكا لحياض فشق الشقيق عن زفير ووجيب ، ولدغه بحمة لسان مجيب ، ~~وقال : لقد تجاوزت بنفسك مدى الحد ، وضربت في افتخارك بكهام قليل الحد ، ~~أليس ندى الطل يزينك ، وإغبابه يشينك ؟ ومتى نضب غديرك ، بدا تغييرك ، ما ~~أراك بغير PageV11P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" مضاهاة الثغور تفتخر ، فهل هي على الحقيقة ~~إلا عظم نخر ؟ بل أنا نزهة الناظر ، وبغية الحاضر ، جسدي من قضبان الياقوت ~~، وفرعي من المسك ms2209 المفتوت . أفوق إذا مست بين الريا . . . ض زهوا على ~~مائسات القدود وأفضل ولونا وحسنا إذا . . . حضرت على حسن لون الخدود فمالت ~~إليه الخزامي وكادت تميل به جذابا والتزاما ، و قالت : " أسمع جعجعة ولا ~~أرى طحنا " وقعقعة ولا انظر إلا شنا ، لقد ارتكبت جللا ، واستغزرت غللا ، ~~ما أقبح عاقبة العجل ، وأقرب الواثق من الحجل حتام تنبض ولا ترمي ، وإلام ~~تومض ولا تهمي ؟ أبكمته لونك تفتخر ، وبعظم كونك تشمخر ، ألست الخشن الجلده ~~، الدموي البرده ، البعيد عن محل التقريب والشم ، الطريد عن رتبه التقبيل ~~والضم ؟ لكن أنا الملبس المشار إليه ، والعطر المنصوص عليه ، مدحت بالطيب ~~واللون ، وتحيرت للتسربل والصون ، وجمعت مني الحلل ، وتوجت مني الكلل . ~~فضلت على زهر الربيع برتبة . . . بها صدق الراوون للشعر إذ قالوا كأن ~~الخزامي جمعت لك حلة . . . عليك بها في الطيب واللون سربال فأنهضت ~~لمعارضتها البنفسج ، وألجم جواد مناضلتها وأسرج ، وقال : يا ساكنة الشهباء ~~، لقد جئت بالداهية الدهياء ، أضبح الثعالب ، وإرسال الأرانب ، وما يغني ~~عنك وصف الشعراء ، وأنت منبوذة بالعراء ، بعدت عن محاسن أخلاق البرية ، ~~PageV11P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" وقربت من مراتع البهائم البرية ، وحرمت برد ~~نسيم العراق ، وضعفت ساقك عن حمل ساق ، وإنما أنا نزهة الأمصار ، ومسرة ~~الأبصار ، وطيب النفوس ، وربيب الكئوس ، المحمول على الرءوس ، المحبوب إلى ~~الرئيس والمرءوس ، ذو العرق الذكي والعرف المسكي : رئيس الرياحين المضيف ~~بلونه . . . جمالا إلى ورد الخدود المضرج إذا ما جنان الأرض بالنور زحفت . ~~. . فتعريفها من طيب زهر البنفسج فغضب لذالك جوري الورد ، ووئب لو استطاع ~~وثبة الورد ، ثم قال : أركزا كأحاديث الضبع . وزمجرة كزمجرة السبع . ذهب بك ~~الشتاء وبرده . وشغل عنك التربيع وورده . أطعت هوى النفس الأمارة ، ونطقت ~~بحضرة الإمارة ، وأنت لا تنقضي ساعتك حتى تربد ، ولا ينصرم يومك حتى تذبل ~~وتسود ، ثم تستحيل أوراقك ، ويفارقك وراقك . وتشعث قمتك . وتنزر قيمتك . ~~أتراك لو قرص الخدود ، هل كنت في الألوان بمعدود ؟ . أما علمت أني مدعو ~~بالأمير المقدم والميمون المقدام . أنا الزائر في كل عام ، القادم بمسرة ~~الخاص والعام . لا تشرف الأيام إلا باسمي ، ولا ms2210 تفخر الأجسام إلا بمشابهة ~~جسمي ، في يفتن النظر ، وأنا السيد المنتظر . وإذا أنقضت مدتي ، وقضيت عدتي ~~. أقصدتني حنية الفرقة بسهام الفرق ، واستولى على والي الحرق . فولد تلهي ~~رشحا من العرق ، قام لهم مقامي . وساوى عندهم بين رحلتي ومقامي ، يعترض كل ~~وقت بذكري ، ويعرف لديهم نكري ، ويحدد عندهم شكري . أخلف نفسي عندهم بعد ~~رحلتي . . . فسيان قربي إن تأملت والبعد وقد فضل الكندي بي عند قوله . . . ~~فإنك ماء الورد إن ذهب الورد PageV11P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" ومن إنشاء المولى الفاضل تاج الدين عبد ~~الباقي بن عبد المجيد اليماني في شهور سنة ست وسبعمائة ، رسالة ترجمها ~~بأنوار السعد ، ونوار المجد ، في المفاخرة بين النرجس ، قال : الحمد لله ~~الذي أضحك ثغور الأزهار ، ببكاء عيون الأمطار ، وأنطق خطباء الأطيار ، على ~~منابر الأشجار ، وعقد عليها من النوار إكليلا ، وأمر الغزالة أن تسل عليها ~~عند بروزها من الإبريز سيفا صقيلا ، حمى حدائقها بأحداق نرجسها ، فنم لسان ~~النسيم بطيب نفسها ، أبدع في تركيب حلها وعقدها ، فثغور الأقحوان تقبل خدود ~~وردها ، خلخلت سوقها فضلات الجداول ، واطردت أنهارها كالأيم وقد حث بأطراف ~~العوامل ، فحكت المبارد متونا ، والحيات بطونا ، أحمده على نعمه التي تأرج ~~نشرها ، وبدا على جبين الدهر بشرها ، حمدا تخضل من ترادف سيبها أغصانه ، ~~وتثمر بأنواع السعادة أفنانه ، وأصلى على سيدنا محمد الذي عطر الكون مسكي ~~رسالته ، ووطد القواعد الشرعية مرهف بسالته ، صلى الله عليه وعلى آله ~~وأصحابه ما توجت الغمائم رءوس الربا ، وسحب ذيل الصبا على أزهار روضها مهب ~~الصبا ، وبعد ، فإن أولى ما وقعت المفاخرة بين غصنين نشآ في جنه ، وبارقتين ~~تألقتا في دجنه ، وزهرتين تفتحتا في كمامه ، وقطرتين صدرنا من غمامه ، ولما ~~كان النرجس والورد قريعي هذه الصفات ، وقارعي هذه الصفاة ، تطاول كل منهما ~~إلى أنه النديم ، والخل الذي لا يمله الحميم ، طالما عطر بنشره الأكوان ، ~~وغازل بعيونه الغزلان ، وأنارت شموس سعوده ، وقبلت حمرة خدوده ، أحببت أن ~~أقيمهما في موقف المناضلة ، وأشخصهما في معرض المفاضله ، ليبرهن كل منهما ~~على ما ادعى أنه في وطابه ، ويبدي شعائر ما ms2211 تقلده وتحلى به ، فبالامتحان ~~يظهر الزيف ، ولا يقبل الحيف ، فعندها حدق النرجس بأحداقه ، وقام على قصبة ~~ساقه ، وتهيأ لمناضلة PageV11P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" خصمه ، وشرع يبدي شرائع حكمه ، وقال : أشبهت ~~العيون وأشبهت الخدود فلا فرق ، ولقد علمت ما بينهما مثل ما بين القدم ~~والفرق ، فأنا حارس مجلس الشراب والنديم المعول عليه بين الأحباب ، تسميت ~~بأحسن الأسامي ، فلست لي بمسامي ، تسمت بي الحسان ، ومست في حلل مصبغات ~~الألوان ، ولو اعتبرت بحمرة خجلك ، وتشقيق جيوب حللك ، ما قمت في موقف ~~المفاخر ، ولا فهت ببنت شفة في معرض المفاخر ، فتضرج خد الورد حمره ، وأوقد ~~من الغيظ لمناضلته جمره ، وقال : مت بداء الحسد فقد علاك اصفراره ، وأين ~~منك الطرف كما ادعيت ولم يبد عليك احوراره ، صدقت ، ولكن أنت أشبه بالعين ~~المخصوصة باليرقان والصفرة المنوطة بالأيهقان ، فلقد عشت عيونك السقيمة من ~~أشعة شموسي ووقفت على قصب ساقك حيث استقر كرسي جلوسي ، فأنا دائرة الجمال ، ~~المشتعلة على قطب الكمال ، ربتني الدراري بدرها ، وقلدتني تقيس درها ، ~~فنشرت أعلامي العقيانية على زهرتها ، وأشبهت شكلها وحسن زهرتها ، فهز ~~النرجس رماحه الزبرجديه ، فتلقاها الورد بحجفته الذهبيه ، وقال : اردد هذه ~~العقود النفيسة إلى هواديها ، فقد علم كذبك حاضرها وباديها ، والطم خدودك ~~حزنا على فوات مقامي وقصورك عن بلوغ مرامي ، من أين لك مداهن در حشوهن عسجد ~~، لست أبالي بنفسك تصوب أم تصعد ، أما تراني قد نشرت على رماح من زبرجد ~~طالما حرست حمى الرياض ، ولبست أحسن اللباس وهو البياض ، وقمت خطيبا على ~~منبر الصين وقلدت إمرة الرياحين ؟ فأنا ناظر هذا الفضل ، وناظر هذا الفصل ، ~~سبقتك إلى الوجود مكانا أعدم مكانك ، ولم يرض زماني يجاور زمانك ، لبثك على ~~وجه البسيطة قليل ، وحالك - كما علمت - ليس بالجليل ، تتلون كما يتلون ~~الغول ، من أحمرك وأصفرك وأبيضك المملول ، فلقد رماك ابن الرومي بسهام ~~هجائه ، PageV11P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" وجعلك عرضة لنوائب الدهر ولأوائه ، حيث قال : ~~كأنه سرم بغل حين يخرجه . . . إلى البراز وباقي الروث في وسطه وحيث مدحني ~~وقال : أين العيون من الخدود نفاسة . . . ورآسة لولا القياس ms2212 الفاسد فمثل ~~هذه المسبة لا يضمحل أثرها ، ولا ينقطع خبرها ، ولله در القائل : النرجس ~~الغض له رتبة . . . أشبه شيء بالعيون المراض قام على قضبانه مبديا . . . ~~فخاره المشهود بين الرياض ولو لم أغمض عن مساويك عيني ، وأترك للصلح موضعا ~~بينك وبيني ، لكنت أبديت أضعاف مساويك ، لأنني في رتبة غير مساويك ، فعندها ~~اشتعل الورد من كلامه ، وظهر على جسده أثر كلامه ، وقال : لقد تعديت طورك ~~وستعرف جورك وكورك ، لكن قحة العيون مخصوصة بالأنذال ، والتجري على الملوك ~~من شعائر الجهال ، فأنا سلطان الرياحين ، وبذلك وقع لي في سائر الدوواين ، ~~كأنني وجنة حب وقد نقطت بدينار ، أو أنامل خود عندمية ضمت على قراضة نضار ، ~~أشبهت الشموس شكلا ، وفقت البدور مثلا ، أنظم كما تنظم العقود ، وأصل كما ~~يصل الحبيب بعد الصدود ، وأما افتخارك بالحراسة فهي محل الأسقاط ، والوظيفة ~~المنوطة بالأنباط ، وأما كونك سبقتني فهو على حكم الحجبه ، والمبشر بوصولي ~~وإن كان أضمر بغضه لا حبه ، فلما علم أوان حط رحالي حث رحاله ، وأشاع في ~~أصحابه ارتحاله ، وقال : قد أظلنا وصول ملك لا يجاري ، ورئيس لا يباري ، ~~وأين زمانك من زماني ، ومكانك من مكاني ؟ لا أظهر إلا والثري قد اكتسي ~~سندسي أديمه وفاح مسكي نسيمه ، وخطبت أطياره ، واخضلت أزهاره ، وصدحت ~~بلابله ، وتأرجت PageV11P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" خمائله ، واطردت أنهاره ، وتعانقت أغصانه ~~وأشجاره ، بزغت شموسي في فلك غياضه ، وتكلل خدي عرقا من أنداء رياضه ، فأنا ~~بينها الطراز المذهب ، والملك المعظم المهذب ، إذا برزت في لياليك المعتمه ~~، وظهرت في أراضيك المقتمه ، وسهرت عيونك في ليل شتائك ، وقاسيت برد مائك ~~وطول عنائك ، ولكم بين الشتاء والربيع ، كما بين الرئيس والوضيع ، يا جبلي ~~الطباع ، ولقد صرتك رياحي ، وصفرت عينك حمرة خمرة ارتياحي ، وأما ثلبك بقصر ~~مدتي ، وسرعة بلى جدتي ، فدليل على عدم عقلك ، وسقوط معقولك ونقلك ، أما ~~علمت أن المكثر للزيارة مملول ، وعقد وده محلول ، لو بقيت الشمس على الدوام ~~، لملتها أنفس الأنام ، ولك بذلك عبره ، وأنت في هذا الموطن من أهل الخبرة ~~، لما أقمت ملك الناشق ، ولم يعرج عليك العاشق ms2213 ، ولقد عجبت من رقاعة عصبت ~~رأسك بالحماقة ، وادعيت شبه العيون وأنت أشبه شيء بصفرة بيض على رقاقه ، إن ~~ذهبت عيني فأثرى على أردان الأمجاد يفوح ، وعلى ممر الأعصر يغدو ويروح ، ~~فأنا أثر بعد عين ، فدع عنك التحلي بالمين ، ولله در القائل : يا حبذا ~~الورد مذ حيا بطلعته . . . وعطر الأفق منه نشره العبق كالشمس شكلا ونشر ~~المسك رائحة . . . واللؤلؤ الرطب في تضريحه عرق فعميت عيون النرجس من بزوغ ~~أنواره ، ونكست أعلامه الزبرجديه لنضارة نواره ، فعندها قال الورد : هذه ~~الشقراء والميدان ، أن كانت لك خبرة بمبارزة الأقران ، فلما أورده لظى ~~الحرب ، ولم يكن من رجال الطعن والضرب ، وألزمه الحجة ، وعرفه المحجه ، ~~وبان بهرجه من إبريزه ، وتحقيق مواد تبريزه ، دمعت عينه أسفا ، على ما ~~أبداه من الجفا ، ثم قال : ما أنا أول من بحث بظلفه عن حتفه وجدع مارن أنفه ~~بكفه ، لقد قيل : عادات السادت ، سادات العادات ، وعادة PageV11P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" الملك - أدام الله انهمار السحب على خمائله ~~الذهبيه ، وأطلع في الفلك الاعتلاء أنواره الشمسية - الصفح عمن كثر ندمه ، ~~وزلت قدمه ، ومن نشر أعلام الاستغفار ، خليق أن يقبل منه ما يبديه من ~~الاعتذار ، وما أنا أول من هفا ولا أنت أول من عفا ، ليت شعري ، أين حياؤه ~~من وقاحتي ، وأين رشاقته من كثافتي ، الخفارة لائحة عليه ، وأمور الرياحين ~~تساق إليه ، فعندها قال الورد : من شأننا الصفح عما أتيته ، فقد جنيت ثمار ~~الندم ، بما جانيته ، فكن قرير العين ، ولا تعد لمثلها فالمؤمن لا يلدغ من ~~حجر مرتين ، وأحذر أن تطاول من هو أعلى منك محله وأبهج في ارتداء السيادة ~~حله ، والآن فقد تولد من بياضك وحمرتي اجتماع ، والتأم شعث أمرنا بعد أن ~~طار شعاع ، وأما علمت أن الامتحان ، يظهر رتبة الإسنان ، ومن سعادة جدك ، ~~وقوفك عند حدك ، فكن لما قلته بالمرصاد ، وإن عدت لمثلها فتقرب أول النحل ~~وآخر صاد ، ونسأل الله تعالى أن يهدينا إلى الرشد ، وأن يذهب عنا ضغائن ~~الحسد ، بمنه وكرمه ، أنه على ما يشاء قدير ، وبالإجابة جدير . النسرين وما ~~قيل فيه ms2214 : فقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا : طبع النسرين حار يابس في ~~الثالثة ، وهو منق ملطف ، وزهره أخص بذلك ، وينفع من برد العصب ، ويقتل ~~الديدان في الأذن ، وينفع من طنين والدوي ، ينفع من وجع الأسنان ، والبري ~~تلطخ به الجبهة فيسكن الصداع ، وهو يفتح سدد المنخرين ، وإذا شرب مع أربع ~~درخميات سكن القيء ، ويسكن الفؤاق وخصوصا البري منه ، والله أعلم . وأما ما ~~جاء في وصفه - فقال شاعر منشدا : أكرم بنسرين تذيع الصبا . . . من نشره ~~مسكا وكافورا ما إن رأينا قط من قبله . . . زبرجدا يثمر بلورا وقال آخر : ~~انظر لنسرين يلو . . . ح على قضيب أملد PageV11P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" كمداهن من فضة . . . فيها برادة عسجد حيتك من ~~أيدي الغصو . . . ن بها أكف زبرجد وقال عبد الرحمن بن علي النحوي : زان ~~الحدائق النسرين . . . فالحجا في رياضه مفتون قد جرى فوقه اللجين وإلا . . ~~. فهو من ماء فضة مدهون أشبهته طلي الحسان بياضا . . . وحوته شبه القدود ~~غصون وقال آخر فيه ملغزا : ومشموم له عرف ذكي . . . وفي تصفيحه بعض الشهور ~~إذا أسقطت خمسيه تراه . . . عيانا في السماء وفي الطيور وأوله وآخره سواء . ~~. . وباقيه يشح به ضميري البان وما قيل فيه : فقال أبو علي بن سينا في ~~ماهية البان : حبه أكبر من الحمص ، إلى البياض ، وله لب لين دهني ، وطبعه ~~حار في الثالثة ، يابس في الثانية . وقال : إنه منق ، خصوصا لبه ، يقطع ~~الأخلاط الغليظة ، ويفتح مع الخل والماء سدد الأحشاء . قال : وقشر قابض ، ~~ولا يخلو دهنه من قبض وفي جمعه جلاء وتقطيع ، وحبه ينفع من البرش والنمش ~~والكلف والبهق وآثار القروح وكذلك دهنه . قال : وينفع من الأورام الصلبة ~~كلها إذا وقع في المراهم ، ومن الثآليل ، وهو بالخل ينفع من التقشر والجرب ~~المتقرح والبثور اللبنية ، وهو يسخن العصب ، ويلين التشنج وصلابات العصب ، ~~وخصوصا دهنه . قال : وينفع من الرعاف لقبضه ، ودهنه يوافق وجع الأذن والدوي ~~فيها ، خصوصا من شحم البط ، وطبيخ أصله ينفع من وجع الأسنان مضمضة ، وهو ~~ينفع من صلابة الطحال والكبد إذا شرب ممزوج وزن PageV11P0141 # """""" صفحة رقم 142 ms2215 """""" درهمين منه ، والمثقال من حبه يسهل بلغما ~~خاما إذا شرب بالعسل ، وكذلك دهنه إذا احتملت فتيلة مغموسة فيه . باكورة ~~الخلاف - قال شاعر : أول ثغر الربيع مبتسما . . . نور خلاف در مضاحكه ~~قبضانه الفانئات في لمع . . . من لؤلؤ وضح مسالكه بشير صدق جاء الربيع به . ~~. . يخبر أن زينت ممالكه قال آخر : عود خلاف أتى وفاقا . . . من الملاهي ~~بلا خلاف مرصع قشره بنور . . . ألف من لؤلؤ ولاف وقال أبو عبادة البحتري : ~~هذا الربيع كأنما أنوره . . . أولاد فارس في الثياب الروم وترى الخلاف ~~كشارب من قهوة . . . ثمل إلى شرب المدامة يومي بسط البسيطة سندسا وتبرقعت . ~~. . فلل المياه بلؤلؤ منظوم وقال مؤيد الدين الطغرائي : غضون الخلاف اكتست ~~فانبرت . . . لها الطير دارسة شدوها مقدمة لورود الربي . . . ع تشخص ~~أبصارنا نحوها أحست برحلة فصل الشتا . . . فجاءت وقد قلبت فروها وقال آخر ، ~~وهو شهاب الدين أحمد ، عرف بأبي جلنك الحلبي : لله بستان حللنا دوحه . . . ~~في لذة قد فتحت أبوابها والبان تحسبه سنانير رأت . . . بعض الطلاب فنفشت ~~أذنابها PageV11P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" وكتب الصاحب بن عباد - وقد أهدى باكورة خلاف ~~- قد نورت لتنوير الخلاف فضائل لا تحصى ، ومحاسن يطول أن تستقصي ، منها أنه ~~أول ثغر يتبسم عند الربيع ويضحك ، ودر يعقد على القضبان ويسلك ، ولتمايله ~~ادكار لقدود الأحباب ، وتهييج لسواكن الاضطراب ، وحمل إلى قضيب منه ذاته ~~متعادلة ، ولذاته متقابلة ، فأنفذته مع رقعتي هذه إليك ، وسألت الله أن ~~يعيده ألف حول عليك . قال ، وقلت : وقضيب من الخلاف بديع . . . مستخص بأحسن ~~الترصيع قد نعي شرة الشتاء إلينا . . . وسعي في جلاء وجه الربيع وحكي من ~~أحب عرفا وظرفا . . . واهتزازا يثير نار الضلوع النيلوفر فقال ابن التلميذ ~~: النيلوفر اسم فارسي معناه النيلي الأجنحة ، والنيلي الأرياش . وربما سمي ~~بالفارسية اسماه معناه كرنب الماء ، وسماه جالينوس : كرنب الماء ، وحبه ~~يسمى حب العروس ، وفيه حلاوة . وقال أبو بكر الوحشية في توليده : إن أخذتم ~~ظلفي الغزال من يديه ، وقرنيه جميعا ، وطمرتم ذلك في التراب الندي ، خرج من ~~ذلك النبات الذي يسمي شاكريا ، وهو النيلوفر ، وقال أيضا : وإن أخذتم ms2216 عيني ~~الغزال وقرنيه وظلفا واحدا ظلفيه من يديه ، وطمرتم ذلك في التراب ، خرج منه ~~شاكريا الأزرق ، فإن طمرتم ظلفيه من رجليه وقرنه الأيسر مع كف من بعره ، ~~خرج منه الشاكريا الأحمر ، فإن نقصتم من هذا أحد ظلفي رجليه ، خرج الشاكريا ~~بالأصفر . وقال : والهند تسميه نينوفر ، والنبط تسميه نيلوفريا ، والعرب ~~تسميه نيلوفه ، والفرس تسميه نيلوفر . وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا : ~~والنيلوفر الهندي في حكم اليبروح ، وأقواه الأبيض الأصل ، وبزره أقوى من ~~حبه . وقال : وطبعه بارد رطب في الثانية ، وشرابه شديد التطفئة ، ملطف جدا ~~، وأصله بالماء على البهق نافع خصوصا الأسود ، وأصله مع الزفت على داء ~~الثعلب ، وخصوصا الأسود ، وشرابه جيد للسعال والشوصة . قال : وأصله ينفع ~~الأورام الحارة ، وأصله وبزره للقروح ، وأصله ينفع أورام الطحال شربا ~~وضمادا ، وينفع الاحتلام ، ويكسر شهوة الباه إذا شرب منه PageV11P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" درهم بشراب الخشخاش ، وهو يجمد المني بخاصية ~~فيه ، وخصوصا أصله ، ينفع وهو منوم ، مسكن للصداع الحار الصفراوي ، لكنه ~~يضعف ، وأصله ينفع من الإسهال المزمن وقروح المعي وأوجاع المثانة ضمادا ، ~~وبزره أقوى من كل شيء ، حتى إنه يمنع نزف الحيض ، وأصل الأصفر منه وبزره ~~إذا شربا نفعا سيلان الرطوبة المزمنة من الرحم ، وشرابه ملين للبطن ، نافع ~~من الحميات الحارة ، شديد التطفئة ، والله المستعان . وأما ما جاء في وصفه ~~- فقال أبو بكر الزبيدي الأندلسي : وبركة أحيا بها ماؤها . . . من زهرها كل ~~نبات عجيب كأن نيلوفرها عاشق . . . نهاره يرقب وجه الحبيب حتى إذا الليل ~~بدا نجمه . . . وانصرف المحبوب خوف الرقيب أطبق جفنيه عسى في الكرى . . . ~~يبصر من فارقه عن قريب وقال آخر : يا حبذا بركة نيلوفر . . . قد جمعت من كل ~~فن عجيب أزرق في أحمر في أبيض . . . كقرصة في صحن خد الحبيب كأنه يعشق شمس ~~الضحى . . . فانظره في الصبح وعند المغيب إذا تجلت يثجلي لها . . . حتى إذا ~~غاب سناها يغيب يرنو إليها مبصرا يومه . . . ولا يحاشي نظرات الرقيب لا ~~يبتغي وجها سوى وجهها . . . فعل محب مخلص في حبيب وقال التنوخي : فكأنه في ~~الماء صاحب مذهب ms2217 . . . أغراه وسواس بأن لم يطهر وقال آخر : كلنا باسط اليد ~~. . . نحو نيلوفر ندى كدبابيس عسجد . . . نصبها من زبرجد PageV11P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" وقال آخر : اشرب على بركة نيلوفر . . . محمرة ~~الأوراق خضراء كأنما أزهارها أخرجت . . . ألسنة النار من الماء وقال آخر : ~~ونيلوفر صافحته الرياح . . . وعانقه الماء صفوا ورنقا تخيل أوراقه في الغدي ~~. . . ر ألسنة النار حمرا وزرقا وقال آخر : صفر الدراري تضمها شرف . . . ~~مفتضح عند نشرها العطر تحملها خيزرانة ذبلت . . . ذبول صب أذابه الهجر وقال ~~ابن الرومي : يرتاح للنيلوفر القلب الذي . . . لا يستفيق من الغرام وجهده ~~والورد أصبح في الروائح عبده . . . والنرجس المسكي خادم عبده يا حسنه في ~~بركة قد أصبحت . . . محشوة مسكا يشاب بنده وكأنه فيها وقد لحظ الصبا . . . ~~ورمى المنام ببعده وبصده محجور حب ظل يرفع رأسه . . . كالمستجير بربه من ~~ضده وكأنه إذ غاب عند مسائه . . . في الماء فانحجبت نضارة قده صب يهدده ~~الحبيب بهجره . . . ظلما فغرق نفسه من وجده وقال مؤيد الدين الطغرائي : ~~ونيلوفر أعناقه أبدا صفر . . . كان به سكرا وليس به سكر إذا انفتحت أوراقه ~~فكأنها . . . وقد ظهرت ألوانها البيض والصفر أنامل صباغ صبغن بنيله . . . ~~وراحتها بيضاء في وسطها تبر PageV11P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" وقال السري الرفاء : وبركة حفت بنيلوفر . . . ~~ألوانه بالحسن منعوته نهاره ينظر عن مقلة . . . ساجية الألحاظ مبهوته وإن ~~بدا الليل فأجفانه . . . في لجة البركة مسبوته كأنما كل قضيب له . . . يحمل ~~في أعلاه ياقوته وقال آخر : وبركة تزهو بنيلوفر . . . نسيمه يشبه نشر ~~الحبيب مفتح الأجفان في يومه . . . حتى إذا الشمس دنت للمغيب أطبق جفنيه ~~على حبه . . . وغاص في البركة خوف الرقيب وقال آخر : تحب الشمس لا تبغي ~~سواها . . . وتلحظها بمقلة مستهام إذا غابت تكنفها اشتياق . . . فنامت كي ~~تراها في المنام وقال الرفاء : يا حسن نيلوفر شغفت به . . . يمنحه الماء ~~صفو مشروبه كأنه عاشق به ظمأ . . . توهم الماء ريق محبوبه وقال آخر : وشاخص ~~نحو عين الشمس يرمقها . . . حتى إذا غربت أغضى بتنكيس تراه من قطع المرجان ~~في قضب . . . زرق الشوابير أمثال الدبابيس كأنه ودروع الماء تشمله . . . ~~تحت الشعاع ms2218 أكاليل الطواويس وقال آخر : ونيلوفر قد لاح في زي فاقد . . . ~~حبيبا فمنه يستعير لباسه PageV11P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" يظل نهارا شاخص الطرف لاحظا . . . ويغمس جنح ~~الليل في الماء رأسه كأن عليه للظلام مراقبا . . . فيهرب منه أو يخاف ~~اختلاسه وقال مؤيد الدين الطغرائي : نيلوفر يسبح في لجة . . . عليه ألوان ~~من اللبس مظاهر ثوب حداد على . . . ثوب بياض عل بالورس فالشطر من أعلاه في ~~مأتم . . . وشطره الأسفل في عرس مغمض طول الدجى ناعس . . . جفونه تفتح في ~~الشمس الباب الثاني من القسم الثالث من الفن الرابع فيما يشم رطبا ولا ~~يستقطر ويشتمل هذا الباب على ما قيل في البنفسج والنرجس والياسمين والآس ~~والزعفران والحبق : فأما البنفسج وما قيل فيه فقال الشيخ الرئيس أبو علي بن ~~سينا : طبع البنفسج بارد رطب في الأولى . وقال قوم : أنه حار في الأولى . ~~قال : ولا شك في برودته . وأما أفعاله وخواصه ، فقيل : أنه يولد دما معتدلا ~~، وهو يسكن الأورام الحارة ضمادا مع سويق الشعير ، وكذلك ورقه . قال : ودهن ~~البنفسج طلاء جيد للجرب ، وهو يسكن الصداع الدموي شما وطلاء . قال : وينفع ~~من الرمد الحار من السعال الحار ، ويلين الصدر ، خصوصا المربى منه بالسكر ، ~~وشرابه نافع من ذات الجنب والرئة والتهاب المعدة ، وشرابه بنفع من وجع ~~الكلى ، ويابسه يسهل الصفراء ، وشرابه أيضا يلين الطبيعة برفق . ~~PageV11P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" وأما ما جاء في وصفه - فقال أبو القاسم بن ~~هذيل الأندلسي - ويروى لأبن المعتز - بنفسج جمعت أوراقه فحكت . . . كحلا ~~تشرب دمعا يوم تشتيت أو لازوردية أوفت بزرقها . . . وسط الرياض على زرق ~~اليواقيت كأنه وضعاف القضب تحمله . . . أوائل النار في أطراف كبريت وقال ~~آخر في معناه : بنفسج بذكي الريح مخصوص . . . ما في زمانك إذ وافاك تنغيص ~~كأنما شعل الكبريت منظره . . . أو خذ أغيد بالتخميش مقروص وقال أبو الحسن ~~العقيلي : اشرب على زهر البنفسج قهوة . . . تنفي الأسى عن كل قلب مكمد ~~فكأنه قرص نجد خريدة . . . أو أعين زرق كحلن بإثمد وقال آخر : ماس البنفسج ~~في أغصانه فحكى . . . زرق الفصوص على بيض القراطيس كأنه وهبوب الريح ms2219 يعطفه ~~. . . بين الحدائق أعراف الطواويس وقال آخر : أهدت إلى بنفسجا . . . أحب ~~بمهدية البنفسج فكأنه هي في اللطا . . . فة والذكاء إذا تأرج PageV11P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" أوراقه اللهب المط . . . ل على الذبالة حين ~~تسرج أو إثر قرص مؤلم . . . في وجنة الخد المضرج وقال آخر في الأبيض منه - ~~وذكر ممدوحا - : كأن البنفسج فيما حكى . . . من الطيب أخلاقك المونقه يلوح ~~فتحسب طاقاته . . . فصوصا من الفضة المحرقه وقال أبو الحسن الشاطبي - ويروي ~~لأبن الرومي - : اشرب على زهر البنف . . . سج قبل تأنيب الحسود فكأنما ~~أوراقه . . . آثار قرض في الخدود وقال آخر : وكأن البنفسج الغض يحكي . . . ~~أثر اللطم في خدود الغيد وقال أبو هلال العسكري : وبحافاتها البنفسج يحكي . ~~. . أثر القرص في خدود العذارى وقال الميكالي فيه متفائلا به : يا مهديا لي ~~بنفسجا أرجا . . . يرتاح قلبي له وينشرح بشرني عاجلا مصحفه . . . بأن ضيق ~~الأمور ينفسح وتطير آخر به فقال : يا مهديا لي بنفسجا سمجا . . . أود لو أن ~~أرضه سبخ أنذرني عاجلا مصحفه . . . بأن عقد الحبيب ينفسخ وقال صالح بن يونس ~~: بنفسج جاء في حداد . . . ووردنا في معصفرات فاشرب على مأتم وعرس . . . ~~جلا جميعا عن الصفات PageV11P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" ومن رسالة لأبي العلا عطاء بن يوسف السندي ~~يصف طاقة بنفسج ، قال : سماوية اللباس ، مسكية الأنفاس ، واضعة رأسها على ~~ركبتها كعاشق مهجور ينطوي على قلب مسجور ، كبقايا النقش في بنان الكاعب ، ~~أو النقس في أصابع الكاتب ، أو الكحل في ألحاظ الملاح ، والمراض الصحاح ، ~~الفاترات الفاتنات ، المحييات القاتلات ، لا زوردية أوفت زرقتها على زرق ~~اليواقيت ، كأوائل النار في أطراف كبريت ، أو كأثر القرص في خدود العذارى ، ~~أو عذار خلعت فيه العذارا . وأما النرجس وما قيل فيه - فقال أبو بكر بن ~~وحشية في توليده : إن أردتم النرجس فخذوا قرنى الغزال ، فاقطعوا كل قرن ~~نصفين ، وأنقعوهما في بول البقر سبعة أيام ، ثم اقلعوا عيني الغزال ، ~~واجعلوهما فوق رءوس القرون ، واطمروهما في الأرض في أول ساعة من يوم الجمعة ~~، فإنه بعد خمسة عشر يوما ينعقد نرجسا مفتحا . وإن أردتموه مضعفا فخذوا ~~الثوم ، ثم شقوا ms2220 البصل ، واجعلوا الثومة في وسطها ، ولتكن سنا واحدة ، ثم ~~ضموا على الثومة نصفي بصلة النرجس ، واغرسوها في الأرض ، فإنه ينبت النرجس ~~المضاعف ، وإن أردتم المضاعف الذي بعض ورقه أخضر وبغضه أصفر ، فخذوا سنا من ~~الثوم ، وخذوا عصارة ورق بصل النرجس ، وانقعوا السن في العصارة ثلاثة أيام ~~، ثم أدخلوها في البصلة ، واغرسوها في الأرض ، فإنها تنبت بعد أيام قلائل . ~~وقال أبو علي بن سينا : إن أصل النرجس يخرج الشوك والسلاء ، وخصوصا مع دقيق ~~الشيلم والعسل . قال : والنرجس يجلو الكلف والبهق ، وخصوصا أصله بالخل ، ~~وينفع أصله من داء الثعلب ، ويعجن أصله مع العسل والكرسنة فيفجر الدماميل ~~العسرة النضج ، ويضمد بأصله على أورام العصب . قال : والنرجس يجفف الجراحات ~~، ويلزقها إلزاقا شديدا ، PageV11P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" ودهنه ينفع للعصب . قال : وينفع من الصداع ~~الرطب السوداوي وكذلك دهنه ، وهو أوفق ، ويصدع الرءوس الحارة ، وإذا أكل ~~أصله هيج القيء ، وإذا شرب منه أربعة دراهم بماء العسل أسقط الأجنة الأحياء ~~والأموات ، ودهنه يفتح انضمام الرحم ، وينفع من أوجاعها . وأما ما جاء في ~~وصفه - فقال أبو نواس الحسن بن هانئ : لدى نرجس غض القطاف كأنه . . . إذا ~~ما منحناه العيون عيون مخالفة في شكلهن بصفرة . . . مكان سواد والبياض جفون ~~وقال أبو الفتح محمود كشاجم : كأنما نرجسنا . . . وقد تبدى من كثب أنامل من ~~فضة . . . يحملن كأسا من ذهب وقال أبو بكر الصنوبري : أضعف قلبي النرجس ~~المضعف . . . ولا عجيب إن صبا مدنف كأنه بين رياحيننا . . . أعشار آي ضمها ~~مصحف وقال آخر : ونرجس إلى حدا . . . ئق الرياض محدق كأنما صفرته . . . على ~~بياض يقق أعشار جزء ذهبت . . . من ورق في ورق وقال أبو بكر بن حازم : ونرجس ~~ككئوس التبر لائحة . . . من الزبرجد قد قامت بها ساق كأنها عيون هدبها ورق ~~. . . لهن من خالص العقيان أحداق PageV11P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" وقال الصنوبري : ونرجس مضعف تضاعف من . . . ه ~~الحسن في أبيض وفي أصفر الدر والتبر فيه قد خلطا . . . للعين والمسك فيه ~~والعنبر وقال أيضا يصفه في منابته : أرأيت أحسن من عيون النرجس . . . أو من ~~تلاحظهن وسط المجلس ms2221 در تشقق عن يواقيت على . . . قضب الزبرجد فوق بسط ~~السندس أجفان كافور حشين بأعين . . . من زعفران ناعمات الملمس مغرورقات في ~~ترقرق طلها . . . ترنو بعين الناظر المتفرس فإذا تنشقها تنفس ناشق . . . عن ~~مثل ريح المسك أي تتنفس وحكي تداني بعضها من بعضها . . . يوما تداني مؤنس ~~من مؤنس وإذا نعست من المدام رأيتها . . . ترنو إليك بأعين لم تنعس وقال ~~أبن الرومي : ونرجس كالثغور مبتسم . . . له دموع المحدق الشاكي أبكاه قطر ~~الندى وأضحكه . . . فهو من القطر ضاحك باكي وقال آخر : قد عكفنا على عيون ~~من النر . . . جس بيض مصفرة الأحداق ذابلات الأجفان كالعاشق الوا . . . قف ~~يشكو الهوى على فرد ساق وقال الشاعر أندلسي : أنظر إلى نرجس في روضة أنف . ~~. . غناء قد جمعت شتى من الزهر كأنه ياقوتة صفراء قد طبعت . . . في غصنه ~~حولها ست من الدرر PageV11P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" وقال آخر : أبصرت باقة نرجس . . . في كف من ~~أهواه غضه فكأنها قضب الزبر . . . جد قمعت ذهبا وفضه وقال ابن عباد : عمري ~~لقد راق طرفي حسن زاهرة . . . تميس في سندسيات من الورق أبدت لنا عجبا منها ~~حديقتها . . . عينا من التبر في جفن من الورق وقال أبو فضل الميكالي : أهلا ~~بنرجس روض . . . يزهى بحسن وطيب برنو بعيني غزال . . . على قضيب رطيب وفيه ~~معنى خفي . . . يزينه في القلوب تصحيفه إن نسقت ال . . . حروف بر حبيب وقال ~~آخر : لما أطلنا عنه تغمضا . . . أهدى لنا النرجس تعريضا فدلنا ذاك على أنه ~~. . . قد اقتضانا الصفر والبيضا وقال أبو هلال العسكري : ونرجس مثل أكف خرد ~~. . . درن علينا بكئوس الذهب ناولنيه مثله في حسنه . . . فحل من قلبي عقد ~~الكرب مبتسم عنه وناظر به . . . هذا لعمري عجب في عجب وقال أيضا فيه : ~~ونرجس قام فوق منبره . . . مثل عروس وتشتهر نام الندى في عيونه سحرا . . . ~~فاعتاده في منامه سهر PageV11P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" لم يغتمض والظلام حل به . . . كأنما في جفونه ~~قصر تحير الطل في مدامعه . . . فليس يرقا وليس ينحدر كدمعة الصب كاد يسكبها ~~. . . فردها في جفونه الحذر وقال أبن المعتز : وعجنا إلى الروض الذي ms2222 طله ~~الندى . . . وللصبح في ثوب الظلام حريق كأن عيون النرجس الغض بينه . . . ~~مداهن در حشوهن عقيق إذا بلهن القطر خلت دموعها . . . بكاء جفون كحلهن خلوق ~~وقال ابن الرومي يفضله على الورد : خجلت خدود الورد من تفضيله . . . خجلا ~~توردها عليه شاهد لم يخجل الورد المورد لونه . . . إلا وناحله الفضيلة عاند ~~للنرجس الفضل المبين وإن أبى . . . آب وحاد عن الطريقة حائد فضل القضية أن ~~هذا قائد . . . زهر الربيع وأن هذا طارد شتان بين اثنين هذا موعد . . . ~~بتسلب الدنيا وهذا واعد وإذا احتفظت به فأمتع صاحب . . . بحياته لو أن حيا ~~خالد يحكي مصابيح السماء وتارة . . . يحكي مصابيح الوجوه تراصد ينهي النديم ~~عن القبيح بلحظه . . . وعلى المدامة والسماع يساعد إن كانت تطلب في الملاح ~~سميه . . . يوما فإنك لا محالة واجد والورد إن فتشت فرد في اسمه . . . ما ~~في الملاح له سمي واحد هذي النجوم هي التي ربينها . . . بحيا السحاب كما ~~يربي الوالد فانظر إلى الولدين من أوفاهما . . . شبها بوالده فذاك الماجد ~~أين العيون من الخدود نفاسة . . . وراسة لولا القياس الفاسد وقال أيضا فيه ~~: وأحسن ما في الوجوه العيون . . . وأشبه شيء بها النرجس PageV11P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" وقال أيضا : وزعفرانية في اللون تحسبها . . . ~~إذا تأملتها في ثوب كافور كأن حب سقيط الطل بينهما . . . دمع تحير في أجفان ~~مهجور وقال عبد الله بن المعتز : عيون إذا عاينتها فكأنما . . . مدامعها من ~~فوق أجفانها در محاجرها بيض وأحداقها صفر . . . وأجسامها خضر وأنفاسها عطر ~~وقال محمد بن يزيد المبرد : نرجسة لا حظني طرفها . . . تشبه دينارا على ~~درهم وقال عبيد الله بن عبد الله : ترنو بأحداقها إليك كما . . . ترنو إذا ~~خافت اليعافير مثل اليواقيت قد نظمن على . . . زبرجد بينهن كافور كأنها ~~والعيون ترمقها . . . دراهم وسطها دنانير الياسمين فالياسمين والياسمون اسم ~~فارسي ، وهو نوعان : بري ، ويسمى بهرامج ، وتسميه العرب الظيان ، وبستاني ، ~~وهو أصفر وأبيض ، والأبيض أطيب رائحة . قال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا : ~~طبع الأبيض أسخن من الأصفر ، والأصفر من الأرجواني ، وهو بجملة حار يابس في ~~الثانية . قال : وهو يلطف الرطوبات ms2223 ، ودهنه ينفع المشايخ . قال وهو يذهب ~~الكلف رطبه ويابسه ، وكثرة شمه تورث الصفار ، ودهنه نافع للأمراض الباردة ~~في العصب ، ورائحته مصدعة ، لكنها مع ذلك تحل الصداع الكائن عن البلغم ~~اللزج إذا شمت ، والخالص من دهنه يرعف المحرور إذا شمه لوقته . ~~PageV11P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" وأما ما جاء في وصفه - فقال أبو إسحاق ~~الحضرمي يصفه قبل تفتحه : خليلي هبا وانفضا عنكما الكرى . . . وقوما إلى ~~روض وكأس رحيق فقد لاح رأس الياسمين منورا . . . كأقراط در قمعت بعقيق يميل ~~على ضعفي الغصون كأنما . . . له حالتا ذي غشية ومفيق إذا الريح أدته إلى ~~الأنف خلته . . . نسيم جنوب ضمخت بخلوق وقال آخر : وروضة نورها يرف . . . ~~مثل عروس إذا تزف كأنما الياسمين فيها . . . أنامل مالها أكف وقال آخر : ~~كأن الياسمين الغض لما . . . أدرت عليه وسط الروض عيني سماء للزبرجد قد ~~تبدت . . . لنا فيها نجوم من لجين وقال آخر : وياسمين عبق النشر . . . يزري ~~بريح العنبر الشحري يلوح من بين غصون له . . . كمثل أقراط من الدر وقال ~~المعتمد بن عباد : كأنما ياسميننا الغض . . . كواكب في السماء تبيض والطرق ~~الحمر في بواطنه . . . كخد عذراء مسه عض PageV11P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" وقال الشمشاطي في دوحة جمعت بين الأبيض ~~والأصفر : ويا سمين قد بدا لونين . . . قراضة من ورق وعين ركب في زبرجد ~~نوعين . . . فالبيض في عيان العين مثل ثغور البيض غير مين . . . والصفر لون ~~عاشق ذي بين وقال أحمد بن عبد الرحمن القرطبي : ولفاء خلناها سماء زبرجد . ~~. . لها أنجم زهر من الزهر الغض تناولها الجاني من الأرض قاعدا . . . ولم ~~أرمن يجني النجوم من الأرض وقال شاعر يتطير به : أصبحت أذكر بالريحان رائحة ~~. . . منكم وللنفس بالريحان إيناس وأهجر الياسمين الغض من حذر ال . . . ياس ~~إذ قيل في شطر اسمه ياس وقال آخر : لا مرحبا بالياسمين وإن غدا للروض زينا ~~صحفته فوجدته . . . متقابلا ياسا ومينا ونظيره قول الآخر : ويا سمين إن ~~تأملته . . . حقيقة أبصرته شينا لأنه ياس ومين ومن . . . أحب قط الياس ~~والمين وقال ابن الحداد في عكس ذلك : بعثت بالياسمين الغض مبتسما . . . ~~وحسنه فاتن ms2224 للنفس والعين بعثته منبئا عن صدق معتقدي . . . فانظر تجد لفظه ~~ياسا من المين الآس فالآس نوعان : بري وبستاني ، فالبري هو الذي يسمى بدمشق ~~: قف انظر ، سمي بذلك لحسنه ، وورقه يشبه ورق البستاني ، إلا أنه أعرض منه ~~، وطرفه محدد ، يشبه سنان الرمح ، واليونان تسمي الآس : مرسيني ، وتسميه ~~PageV11P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" العامة : مرسينا . وقال ابن وحشية في توليده ~~: وإن خلطتم بأصل اليبروح عيدان الشبث وورق الجرجير وسحقتم ذلك سحقا جيدا ~~وزرعتموه في الأرض ، وهو كهيئة الكبة ، وصببتم فوق الكبة الماء ، وطمرتوه ~~في التراب ، خرجت عن ذلك شجرة الآس الطويل الورق . وإن أردتم المدور الورق ~~فاخلطوا مع أصل اليبروح ورق الآس الطويل ، ونصف وزن أصل اليبروح من ورق ~~النبق ، فإنه يخرج الآس المدور الورق . قال : وإن أردتم الآس الأزرق اللون ~~، فاخلطوا بأصل اليبروح ورق النيل ، واعجنوا معها من أصل الزيتون وعروقه ، ~~واطمروه فإن يخرج عنه الآس الأزرق . وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في ~~الآس : أفواه الذي يضرب إلى السواد ، لا سيما الخسرواني المستدير الورق ، ~~لا سيما الجبلي ، وأجود زهره الأبيض ، وعصارة ثمرته أجود . وأما طبعه ففيه ~~حرارة لطيفة ، والغالب عليه البرد ، ويشبه أن يكون برده في الأولى ، ويبسه ~~في حدود الثانية . وأما أفعاله وخواصه ، فإنه يحبس الإسهال والعرق وكل نزف ~~وكل سيلان إلى عضو ، وإذا تدلك به في الحمام قوي البدن ، ونشف الرطوبات ~~التي تحت الجلد ، وهو ينفع من كل نزف لطخوا وضمادا ومشروبا ، وكذلك ربه ورب ~~ثمرته ، وقبضه أقوى من تبريده ، وهو يسرع جبر العظام ، وليس في الأشربة ما ~~يعقل وينفع أوجاع الرئة والسعال غير شرابه ، ودهنه وعصارته وطبيخه تقوي ~~أصول الشعر ، وورقه اليابس يمنع صنان الآباط ، ورماده ينقي الكلف ، ويجلوا ~~البهق . قال : والآس يسكن الأورام والحمرة والنملة والبثور والقروح والشرى ~~وحرق النار ، وورقه يضمد به بعد تخبيصه بزيت وخمر ، ويابسه إذا ذر على ~~الداحس نفعه ، وإذا طبخت ثمرته بالشراب واتخذت ضمادا أبرأت القروح التي في ~~الكفين والقدمين وحرق النار وتمنعه عن التنفط ، ومن استرخاء المفاصل . قال ~~: والآس يحبس الرعاف ms2225 ويجلو الجزاز ، ويجفف قروح الرأس ، وقروح الأذن ، ~~وينفع شرابه من استرخاء اللثة ، وورقه إذا طبخ PageV11P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" بالشراب وضمد به سكن الصداع الشديد ، وإذا ~~شرب شرابه قبل الشراب منع الخمار ، والآس يسكن الرمد والجحوظ ، وإذا طبخ مع ~~سويق الشعير أبرأ أورام العين ، والآس يقوي القلب ، ويذهب الخفقان ، وثمرته ~~تنفع من السعال ، وهو ويقوي المعدة ، خصوصا ربه ، وحبه يمنع سيلان الفضول ~~إلى المعدة ، وهو جيد في منع درور الحيض ، وماءه يعقل الطبيعة ، ويحبس ~~الإسهال ، وطبيخ ثمرته ينفع في سيلان رطوبات الرحم ، وينفع تضميده للبواسير ~~، وينفع من ورم الخصية ، وطبيخه ينفع من خروج المعقدة والرحم ، وهو ينفع من ~~عض الرتيلاء ، وكذلك ثمرته إذا شربت بشراب ، وكذلك من العقرب . وأما ما جاء ~~في وصفه - فقال الأخيطل الأهوازي : للآس فضل بقائه ووفائه . . . ودوام ~~نضرته على الأوقات الجو أغبر وهو أخضر والثري . . . يبس وناضر الورقات قامت ~~على قضبانه ورقاته . . . كنصال نبل جد مؤتلقات وقال آخر : وغادة أهدت إلى ~~إلفها . . . قضيب آس زاد في ظرفها كأنما خضرة أوراقه . . . بقية الحنا على ~~كفها وقال آخر في باقة آس : ومشمومة مخضرة اللون غضة . . . حوت منظرا ~~للناظرين أنيقا إذا شمها المعشوق خلت اخضرارها . . . ووجنته فيروزجا وعقيقا ~~وقال أبن وكيع : خليلي ما للآس يعبق نشره . . . إذا هب أنفاس الرياح ~~العواطر PageV11P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" حكى لونه أصداغ ريم معذر . . . وصورته آذان ~~خيل نوافر الزعفران فالزعفران يسمى الجادي بالدالين المهملة والمعجمة ، ~~والجساد ، والريهقان ، والكركم . وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا : ~~وجيده وطري ، والحسن اللون ، الذكي الرائحة ، على شعره قليل بياض غير كثير ~~، ممتليء صحيح سريع الصبغ ، غير متكرج ولا متفتت ، وطبعه حار في الثانية ، ~~يابس في الأولى . وقال في أفعاله وخواصه : هو قابض محلل منضج مفتح . قال : ~~وقال الخوزي : إنه لا يغير خلطا ألبتة بل يحفظها على السوية ، ويصلح ~~العفونة ، ويقوي الأحشاء ، وشربه يحسن اللون ، وهو محلل للأورام ، وتطلى به ~~الحمرة . قال : وهو مصدع ، يضر الرأس ، وهو منوم ، وإذا سقي في الشراب أسكر ~~، وينفع من الورم الحار في الأذن ، وهو ms2226 يجلو البصر ، ويمنع النوازل إليه ، ~~وينفع من الغشاوة ، ويكتحل به للزرقة المكتسبة من الأمراض ، وهو مقو للقلب ~~، مفرح يشمه المبرسم وصاحب الشوصة للتنويم ، وخصوصا دهنه ، ويسهل النفس ، ~~ويقوي النفس . قال : وهو مغيث يسقط الشهوة بمضادته الحموضة التي في المعدة ~~وبها الشهوة ، ولكنه يقوي المعدة لما فيها من الحرارة والدبغ والقبض . وقال ~~قوم : الزعفران جيد للطحال . قال : وهو يهيج الباه ، ويدر البول ، وينفع في ~~صلابة الرحم وانضمامها والقروح الخبيثة فيها إذا استعمل بموم أو مح مع ضعفه ~~زيتا . وزعم بعضهم أنه سقاه للطلق المتطاول فولدت للساعة . قال : وثلاثة ~~مثاقيل منه تقتل بالتفريح ، وإذا عدم فبدله وزنه قسط ، وربع وزنه قشور ~~السليخة . PageV11P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" وأما ما جاء في وصفه - فقال مؤيد الدين ~~الطغرائي : وحديقة للزعفران تأرجت . . . وتبرجت في نسج وشي مونق شكت الحيال ~~فألقحتها نطفة . . . من صوب غادية الغمام المغدق حتى إذا ما حان وقت ولادها ~~. . . فتق الصبا منها الذي لم يفتق عذراء حبلى قمطت أولادها . . . حمرا ~~وصفرا في الحرير الأزرق وكأنما اقتتلوا فأصفر خائف . . . بحذاء قان بالدماء ~~مغرق وقال آخر : وكأن ورد الزعفران مضاحك . . . قد جمعت لعس المقبل واللمي ~~أو أنصل فوق التراب سديدة . . . قد فارقت بعد الرماية أسمها وقال آخر : ~~للزعفران إذا ما قاسه فطن . . . فضل على كل ورد زاهر أنق كأنه ألسن الحيات ~~قد شدخت . . . رءوسها فاكتست من حمرة العلق من لابس حمرة من وجه ذي خجل . . ~~. ولا بس صفرة من وجه ذي فرق PageV11P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" لاشيء أعجب من لونيهما وهما . . . نشوان ~~تربان في مهد وفي خرق فرعان مختلف معناهما وهما . . . نتيجتا جوهر في الأصل ~~متفق وقال آخر : طلع الزعفران مثل زجاج . . . قد تنضلن من سهام غلاء وتراءى ~~كأنه شغل الكب . . . ريت ليلا ضياؤها في غطاء ورق فيه زرقة تجلب الله . . . ~~و ويسي عيانه كل رائي يتفرى عن قانئات حسان . . . مثل هدب معصفر من رداء ~~قائمات كأنها ألفات . . . خططت في الطراز ذات استواء يتنقبن للرجال غداوا . ~~. . ثم يسفرن ضحوة للنساء يتبرجن في الثياب الثكالى . . . ويعيرن منه بعد ms2227 ~~اكتساء زي عرس ومأتم ذا لدي خ . . . ير عشاء وذا لشر عشاء مثل غم قد انجلى ~~عن سرور . . . ونعيم قد انتضى عن بلاء وقال أبو بكر الخوارزمي : أما ترى ~~الزعفران الغض تحسبه . . . جمرا بدا في رماد الفحم مضطرما كأنه بين أطراف ~~تحف به . . . طرائق الدم في خدين قد لطما دم عيانا ومسك نشر رائحة . . . في ~~طيبه وكذاك المسك كان دما وقال آخر : شبهت روض الزعفران بشاطر . . . سلب ~~النصارى واليهود شعارها كصحيفة من سندس عنيت بها . . . كف صناع قومت ~~أسطارها PageV11P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" وكأنما ألفتها قد توخت . . . بمجامر تذكي ~~النسائم نارها من كل فاقعة تلفع دائما . . . بدخان كبريت تجر إزارها ~~مقتنعات في الدجى فإذا بدا . . . للصبح إسفار سفرن خمارها والشمس طالعة على ~~أخواتها . . . وإذا توارت أسبلت أستارها الحبق فالحبق أنواع ، تطلق عليها ~~العامة الريحان ، ومن أسمائه الباذروج ، وهو الحماحم . ويسمى الباذرنجبويه ~~، والباذرنبويه ، واسمه بالفارسية : المرماحوز ، ومنه ما سمي الفرنجمشك ~~بالفاء والباء ، ورائحته كرائحة القرنفل ، ويقال فيه فلنجمشك ، وأفلنجمشك ، ~~وكلها فارسية . ومنه ما يسمى بالفارسية : الشاهسفرم ، ومعناه ملك الرياحين ~~، والعرب تسميه : الضيمران والضومران ، ومنه حبق الفتى : المرزجوش ~~والمرزنجوش والمردقوش والعبقر . ومنه ما يسمى المرو والزغبر والزبغر ، وهو ~~المرو الدقيق الورق . والصعتري ، وريحان الكافور ، ويسمى بالفارسية سوسن ~~واناه ، وشكله شكل المنثور ، ورائحته رائحة الكافور الرياحي . وقال الشيخ ~~الرئيس أبو علي بن سينا في طبائع الرياحين : الباذروج طبعه حار في الأولى ~~إلى الثانية ، يابس في أول الأولى ، وفيه رطوبة فضلية . قال : وفيه قبض ~~وإسهال ، فإنه يقبض ، إلا أن يصادف فضلا مستعدا ، فإذا صادف خلطا أسهله ، ~~وفيه تحليل وإنضاج ونفخ ، ويسرع إلى التعفن ، ويولد خلطا رديئا سوداويا ، ~~وبزره ينفع من تتولد فيه السوداء ، وإذا طلي بالخل ودهن الورد على الأورام ~~والحارة نفع ، وعصارته قطورا تنفع الرعاف ، لا سيما بخل خمر وكافور ، وهو ~~مما يسكن العطاس من مزاج ، ويحركه من مزاج ، وهو ينفع من ضربان العين ضمادا ~~: ويحدث ظلمة البصر مأكولا لتخليط رطوبته تبخيرها ، وعصارته تقوي البصر ~~كحلا ، وهو يقوي القلب جدا ، ويجفف الرئة والصدر ، وسكرجة ms2228 من مائه تنفع من ~~سوء التنفس ، وماؤه يدر اللبن ، وبزره ينفع من عسر البول ، وإذا وضع على ~~لسع الزنابير والعقارب سكنه . PageV11P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" المرماحوز فهو حار في الثالثة ، يابس في ~~الثانية ، وهو لطيف محلل مسكن للرياح ، مفتح للسدد البلغمية حيث كانت ، ~~والإكباب على نطوله يحلل البخار والصداع البارد ، وهو يقوي المعدة وينشف ~~رطوبتها ، ويقوي الأمعاء . المرزنجوش فهو حار يابس في الثالثة ، وهو لطيف ~~محلل مفتح ، وهو طلاء جيد على الأورام البلغمية ، ودهنه ضماد للفالج المميل ~~العنق إلى خلف ولغيره من الفالج ، ويفتح سدد الدماغ ، وينفع من الشقيقة ~~والصداع والرطوبة والرياح الغليظة ، ومن وجع الأذن نطولا وقطورا ، وتجعل ~~فيها قطنة مغموسة في المرزنجوش فتنفع من انسدادها ، وطبيخه ينفع من ~~الاستقساء ، ومن عسر البول ، والمغص ، ودهنه ينفع من انضمام الرحم المؤدي ~~إلى احتقانها ، وهو مع الخل ضماد للسع العقرب . الفلنجمشك فهو أعدل من ~~المرزنجوش والنمام ، وأقل يبسا ، ويفتح السدد العارضة في الدماغ والمنخرين ~~شما وطلاء وأكلا ، وينفع الخفقان العارض من البلغم والسوداء في القلب ، وهو ~~جيد للبواسير . وأما ما وصفت به الرياحين - فقال السري الرفاء : وبساط ~~ريحان كماء زبرجد . . . عبثت بصفحته الجنوب فأرعدا يشتاقه الشرب الكرام ~~وكلما . . . مرض النسيم سروا إليه عودا وقال أبو الفضل الميكالي : أعددت ~~محتفلا ليوم فراغي . . . روضا غدا إنسان عين الباغ روضا يروض هموم قلبي ~~حسنه . . . فيه لكأس اللهو أي مساغ فإذا انثنت قضبان ريحان به . . . حيث ~~بمثل سلاسل الأصداغ PageV11P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" وقال أبو هلال العسكري : وخضر تجمع الأعجاز ~~منها . . . مناطق مثل أطواق الحمام لها حسن العوارض حين تبدو . . . وفيها ~~لين أعطاف الغلام وقال مؤيد الطغرائي : مراضيع من الريحان تسقى . . . سقيط ~~الطل أو در العهاد ملابسهن خضر مشبعات . . . تشير بزيهن إلى السواد إذا ذرت ~~عليها المسك ريح . . . وجاد بفيضهن يد الغوادي تخللها الرياح فسرحتها . . . ~~صنيع المشط في اللمم الجعاد جرت وهنا بها وسرت عليها . . . فطاب نسيمها في ~~كل وادي وقال ابن أفلح الأندلسي : وحماحم كأسنة . . . في كل معتدل قويم أو ~~أنجم نزعت لتح . . . رق كل شيطان ms2229 رجيم أو مثل أعراف الديو . . . ك لدى ~~مبارزة الخصوم أو كالشقيق تحرشت . . . بفروعه أيدي النسيم أو ثاكل صبغت بنا ~~. . . نا من دم الخد اللطيم وقال آخر : وريحان تميس به غصون . . . يطيب ~~بشمه شرب الكئوس كسودان لبس ثياب خز . . . وقد تركوا مكاشيف الرءوس ~~PageV11P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" وقال آخر : أما ترى الريحان أهدى لنا . . . ~~حماحما منه فأحيانا تحسبه في طله والندى . . . زمردا يحمل مرجانا وقال آخر ~~في الشاهسفرم : وقامة ريحان أنيق نباتها . . . غذاها نمير الماء سقيا على ~~قدر تكلل أعلاها بنظم محبر . . . وضاق عليها الزي بالورق الخضر وفاحت بنشر ~~طيب الشم عاطر . . . له نشوات المسك في سائر العطر فأصبح شاها للرياحين ~~كلها . . . فليس لها دام شي من الأمر وقال أبو سعيد الأصفهاني : وشمامة ~~مخضرة اللون غضة . . . حوت منظرا للناظرين أنيقا إذا شمها المعشوق خلت ~~اخضرارها . . . ووجنته فيروزجا وعقيقا وقال ابن وكيع في الصعتري : صعتري ~~أدق من أرجل النم . . . ل وأذكى من نفحة الزعفران كسطور كسين نقطا وشكلا . ~~. . من يدي كاتب ظريف البنان وقال أبو بكر الخوارزمي : وصفت ريحانا إذا ما ~~وصفه . . . واصفه قيل له : زد في الصفه دققه صانعه ولطفه . . . كأنه وشم يد ~~مطرفه أو خط وراق أدق أحرفه . . . أو زغبات طائر مصففه أو حلة مخضرة مفوفه ~~PageV11P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وقال صاعد الأندلسي في الأترنجاني : لم أدر ~~قبل ترنجان مررت به . . . أن الزمرد أغصان وأوراق من طيبه سرق الأترج نكهته ~~. . . يا قوم حتى من الأشجار سراق وقال آخر وأجاد : ذكى العرف مشكور ~~الأيادي . . . كريم عرقه يسلي الحزينا أغار على الترنج وقد حكاه . . . وزاد ~~على اسمه ألفا ونونا PageV11P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" القسم الرابع من الفن الرابع في الرياض ~~والأزهار ويتصل به الصموغ والأمنان والعصائر ، وفيه أربعة أبواب الباب ~~الأول من هذا القسم من هذا الفن في الرياض وما وصفت به نظما ونثرا اتفق ~~جوابو الأقطار أن مستنزهات الدنيا أربعة مواضع ، وهي صغد سمرقند ، وشعب ~~بوان ، ونهر الأبلة ، وغوطة دمشق ، وقد رأيت أن أصف هذه المستنزهات بصفاتها ~~التي شاهدتها ونقلت إلي ، وأخبارها التي عاينتها ms2230 وقصت أنباؤها علي ، فقلت ~~في ذلك : ألذ ما تمنعت بحسنه النواظر ، وأبهى ما ارتاحت النفوس إلى أزهاره ~~النواضر ، وصف رياض تاهت الأرض على السماء بأزهارها ، وباهت أنوار الكواكب ~~بنورها ونوارها . فمنها صغد سمرقند - الذي تحف به بساتين كست زهرتها من ~~الأرض عاريها ، وأصبح للسماء بكاء في جوانبها وللروض ابتسام في نواحيها ، ~~تتخللها PageV11P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" قصور يتضاءل سنا النجم في آفاقها ، وتحتجب ~~الغزالة عند طاوعها حياء من بهجتها وإشراقها . شعب بوان الذي غدت مغانيه ~~مغاني للزمان ، وقصرت الألسن عن وصف محاسنه وطالت إلى اقتطاف ثمره البنان ، ~~تكاد شمسه تغرب عند الإشراق ، ولا تتخلل أشجاره إلا والحياء يعيدها في قبضة ~~الإطراق ، يستغني بغدرانه عن صوب الصيب ، ولقد أبدع في وصفه أبو الطيب : ~~مغاني الشعب طيبا في المغاني . . . بمنزلة الربيع من الزمان ولكن الفتى ~~العربي فيها . . . غريب الوجه واليد واللسان ملاعب جنة لو سار فيها . . . ~~سليمان لسار بترجمان طبت فرساننا والخيل حتى . . . خشيت وإن كرمن من الحران ~~غدونا تنفض الأغصان فيه . . . على أعرافها مثل الجمان فسرت وقد حجبن الشمس ~~عني . . . وجئن من الضياء بما كفاني وألقى الشرق منها في ثيابي . . . ~~دنانير تفر من البنان لها ثمر تشير إليك منه . . . بأشربة وقفن بلا أواني ~~وأمواه يصل بها حصاها . . . صليل الحلي في أيدي الغواني PageV11P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" إذا غنى الحمام الورق فيها . . . أجابتها ~~أغاني القيان ومن بالشعب أحوج من حمام . . . إذا غنى وناح إلى بيان وقد ~~يتقارب الوصفان جدا . . . وموصوفاهما متباعدان يقول بشعب بوان حصاني . . . ~~أعن هذا تسير إلى الطعان أبوكم آدم سن المعاصي . . . وعلمكم مفارقة الجنان ~~وأجاد السلامي حيث قال : اشرب على الشعب واحلل روضة أنفا . . . قد زاد في ~~حسنه فازدد به شغفا إذ ألبس الهيف من أغصانه حللا . . . ولقن العجم من ~~أطياره نتفا ونمرت حسنه الأغصان مثمرة . . . من نازع قرطا أو لابس شنقا ~~والماء يثني على أعطافها أزرا . . . والريح تعقد من أطرافها شرفا والشمس ~~تخرق من أشجارها طرفا . . . بنورها فترينا تحتها طرفا من قائل نسجت درعا ~~مفضضة . . . أو قائل ذهبت أو فضضت ms2231 صحفا PageV11P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" ظلت تزف إلى الدنيا محاسنها . . . وتستعيد ~~لها الألطاف والتحفا من عارض وكفا أو بارق خطفا . . . أو طائر هتفا أو سائر ~~وقفا ولست أحصي حصى الياقوت فيه ولا . . . درا أصادفه في مائه صدفا يظن من ~~وقفت فيه الشجون به . . . أن الصبابة شابت والهوى خرفا تعسف الشوق فيه كل ~~ذي شجن . . . والشوق ألطفه ما كان معتسفا فاحلل عرا الهم واشربها معتقة . . ~~. رق النسيم مباراة لها وصفا ومنها نهر الأبلة - الذي طوله أربع فراسخ ، ~~ورءوس نخله على وجه الأرض شوارف وأصولها في الثرى رواسخ ، بجانبيه بساتين ~~إن هب النسيم بأغصانها تعانقت وتمايلت ، وإن لعب بأفنانها تناظرت وتماثلت ، ~~كأنما غرست في يوم واحد شجراته ، وقامت على خط الاستواء نخلاته ، وفيه يقول ~~التنوخي شاعر اليتيمة : وإذا نظرت إلى الأبلة خلتها . . . من جنة الفردوس ~~حين تخيل PageV11P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" كم منزل في نهرها آلى السرو . . . ر بأنه في ~~غيره لا ينزل فكأنما تلك القصور عرائس . . . والزهر وشي فهي فيه ترفل غنت ~~قيان الطير في أرجائه . . . هزجا يقل له الثقيل الأول وتعانقت تلك الغصون ~~فأذكرت . . . يوم الوداع وعيرهم تترحل ربع الربيع بها فحاكت كفه . . . حللا ~~بها عقد الهموم تحلل فمدبج وموشح ومدنر . . . ومعمد ومخبر ومهلل فتخال ذا ~~عينا وذا ثغرا وذا . . . خدا يعضض تارة ويقبل غوطة دمشق التي هي شرك العقول ~~وقيد الخواطر ، وعقال النفوس ونزهة النواظر ، خلخلت الأنهار أسواق أشجارها ~~، وجاست المياه خلال ديارها ، وصافحت أيدي النسيم أكف غدرانها ، ومثلت في ~~باطنها موائس أغصانها ، يخال سالكها أن الشمس قد نثرت على أثوابه دنانير لا ~~يستطيع أن يقبضها ببنان ، ويتوهم المتأمل لثمراتها أنها أشربة قد وقفت بغير ~~أوان في كل أوان ، فيالها من رياض من لم يطف بزهرها من قبل أن يحلق فقد قصر ~~، ومن غياض من لم يشاهدها في إبانها فقد من عمره الأكثر . وهذه الأربعة ~~الأماكن أجمع جوابو الأقطار على تفضيلها على ما عداها ، وتمييزها على ما ~~سواها . وللناس في وصف الرياض محاسن سنذكر منها النزر اليسير ، ونقتصر على ~~لمعة ليس ms2232 لنضارتها نظير . فمن ذلك قول الثعالبي في " سحر البلاغة وسر ~~البراعة " : روضة رقت حواشيها وتأنق واشيها ، أشجارها كالعرائس في حللها ~~وزخارفها ، والقيان في وشيها PageV11P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" ومطارفها ، باسطة زرابيها وأنماطها ، ناشرة ~~حبرها ورياطها ، كأنما احتفلت لوفد ، أو هي من حبيب على وعد . ومن كلامه ~~أيضا : روضة قد تضوعت بالأرج الطيب أرجاؤها ، وتبرجت في ظلل الغمام صحراؤها ~~، وتنافحت بنوافج المسك أنوارها ، وتفاوضت بغرائب المنطق أطيارها ، بها ~~أشجار كأن الخرد أعارتها قدودها ، وكستها برودها ، وحلتها عقودها . ومن ~~كلام الفتح بن خاقان في " قلائد العيقان " : حتى استقروا بالروض فحلوا منه ~~ذرا أيك ربيع مفوفة بالأزهار ، ومطرزة بالجداول والأنهار ، والغضون تختال ~~في أدواحها ، وتنثني في أكف أرواحها . ومن كلامه أيضا : روض مفتر المباسم ، ~~معطر الرياح النواسم ، قد صقل الربيع حوذانه ، وأنطلق بلبله وورشانه ، ~~وألحف غصونه برودا مخضره ، وجعل إشراقه للشمس ضره ، وأزاهيره تنير على ~~الكواكب ، وتختال في خلع الغمائم السواكب . ومن كلامه : روضة لم يجل في ~~مثلها ناظر ، ولم تدع حسنها الخدود النواضر ، غصون تثنيها الرياح ، ومياه ~~لها انسياح ، وحدائق تهدى الأرج والعرف ، وتبهج النفس وتمتع الطرف . ~~PageV11P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" ومن كلامه : روضة تأرجت نفحاتها ، وتدبجت ~~ساحاتها ، وتفتحت كمائمها ، وأفصحت حمائمها ، وتجردت جداولها كالبواتر ، ~~ورمقت أزهارها بعيون الجآذر . وقد أكثر الشعراء في وصف الرياض والغصون - ~~فمن ذلك قول ابن الرومي : حيتك عنا شمال طاف طائفها . . . في جنة قد حوت ~~روحا وريحانا هبت سحيرا فناجى الغصن صاحبه . . . سرا بها وتداعى الطير ~~إعلانا ورق تغنى على خضر مهدلة . . . تسمو بها وتشم الأرض أحيانا تخال ~~طائرها نشوان من طرب . . . والغصن من هزه عطفيه نشوانا وقال أبو إسحاق ~~إبراهيم بن خفاجة : سقيا لها من بطاح أنس . . . ودوح حسن بها مطل فما ترى ~~غير وجه شمس . . . أطل فيه عذار ظل وقال أيضا من أبيات : والروض محنى ~~المعاطف خلته . . . نشوان تعطفه الصبا فيميل ريان فضضه الندى ثم انجلى . . ~~. عنه فذهب صفحيته أصيل وقال الأخيطل الأهوازي منشدا : الروض ينشر رفرفا ~~وحريرا . . . ومطارفا من سندس وحبيرا حل الربيع نقاب كل خميلة ms2233 . . . فأراك ~~من صور النبات سفورا PageV11P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" غيد القوام إذا النسيم أمالها . . . ألقين ~~عند صدورهن نحورا ينحل عنهن الندى فتخال ما . . . ينحل عنها لؤلؤا منثورا ~~كسل النعيم يدب في حركتها . . . فيريك في أعطافهن فتورا وقال أبو عبادة ~~البحتري : هذي الرياض بدا لطرفك نورها . . . فأرتك أحسن من رياط السندس ~~ينشرن وشيا مذهبا ومدبجا . . . ومطارفا نسجت لغير الملبس وأرتك كافورا ~~وتبرا مشرقا . . . في قائم مثل الزمرد أملس متمايل الأعطاف في حركته . . . ~~كسل النعيم وفترة المتنفس متلحيا من كل حسن منق . . . متنفسا بالمسك أي ~~تنفس وقال التنوخي : أما ترى الروض قد وافاك مبتسما . . . ومد نحو الندامي ~~للسلام يدا فأخضر ناضر في أبيض يقق . . . وأصفر فاقع في أحمر نضدا مثل ~~الرقيب بدا للعاشقين ضحى . . . فاحمر ذا خجلا واصفر ذا كمدا وقال أبو بكر ~~الصنوبري : تشبه الروض بالحبائب قد . . . زاد المحبين في محبتها كم من قدود ~~هناك من قضب . . . تميل من لينها ونعمتها كم وجنة خالها يلوح لنا . . . ~~سواده في صفاء حمرتها وكم ثنايا تسبي بنكهتها . . . وكم عيون تصبى بلحظتها ~~تسارق الغمز غمز خائفة . . . رقيبها من خفاء نظرتها PageV11P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" وقال أبو طاهر بن الخبزارزي : وروضة راضها ~~الندى فغدا . . . لها من الزهر أنجم زهر تنشر فيها أيدي الربيع لنا . . . ~~ثوبا من الوشى حاكه الفطر وقال منصور بن الحاكم : روضة غضة علاها ضباب . . ~~. قد تجلت خلالها الأنوار فهي تحكي مجامرا مذكيات . . . قد علاها من البخور ~~بخار وقال سعيد بن حميد مقسما : لا وزهر الرياض تجري عليها . . . باكيات ~~ضواحك النوار صافحتها الرياح فاعتنق الرو . . . ض ومالت طواله للقصار لائذا ~~بعضه ببعض كقوم . . . في عتاب مكرر واعتذار ما خلفناك بالقبيح ولا الذ . . ~~. م على البعد واقتراب المزار وقال أبو هلال العسكري : وروضة حالية الصدور ~~. . . كاسية البطون والظهور محمودة المخبور والمنظور . . . مونقة المطوى ~~والمنشور معجبة الظاهر والمستور . . . ضاحكة كالوافد المحبور باكية كالعاشق ~~المهجور . . . شذرها الغيث بلا شذور شقائق كناظر المخمور . . . وأقحوان ~~كثغور الحور ونرجس كأنجم الديجور . . . والطل منثور على المنثور يرصع ~~الياقوت بالبلور PageV11P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" وقال ms2234 أيضا : لبس الماء والهواء صفاء . . . ~~واكتسى الروض بهجة وبهاء فكأن النهاء صرن رياضا . . . وكأن الرياض عدن نهاء ~~وكأن الهواء صار رحيقا . . . وكأن الرحيق صار هواء وتخال السماء بالليل ~~أرضا . . . وترى الأرض بالنهار سماء جللتها الأنوار زهرا وصفرا . . . يوم ~~ظلت تنادم الأنواء فترها ما بين نور ونوء . . . تتكافا تبسما وبكاء وتظل ~~الأشجار تتخذ الحسن . . . قميصا أو الجمال رداء وترى السرو كالمنابر تزهى . ~~. . وترى الطير فوقها خطباء وقال كشاجم : أرتك يد الغيث آثارها . . . ~~وأعلنت الأرض أسرارها وكانت أكنت لكونها . . . خبيثا فأعطته آذارها فما تقع ~~العين إلا على . . . رياض تصنف أنوارها يفتح فيها نسيم الصبا . . . خباها ~~ويهتك أستارها ويسفح فيها دماء الشقيق ندى ظل يفتض أبكارها ويدني إلى بعضها ~~بعضها . . . كضم الأحبة زوارها كأن تفتحها بالضحى . . . عذارى تحلل أزرارها ~~تغض لنرجسها أعينا . . . وطورا تحدق أبصارها إذا مزنة سكبت ماءها . . . على ~~بقعة أشعلت نارها PageV11P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" وقال البسامي : أما ترى الأرض قد أعطتك ~~زهرتها . . . مخضرة واكتسى بالنور عاريها فللسماء بكاء في جوانبها . . . ~~وللربيع ابتسام في نواحيها وقال آخر : قهقه زهر الربيع فاستبشر . . . ~~وأكتست الأرض مطرفا أخضر ترى ربيعا نواره ذهب . . . ماء لجين حصباؤه جوهر ~~عطل صباغه الخدود بما . . . ورد من صبغها وما عصفر لابس قمص من العقيق على ~~. . . غلائل من زبرجد أخضر وقال المعوج : حقاق من النوار مزرورة العرا . . ~~. على قطع الياقوت واللؤلؤ الغض فهن على الأغصان أحقاق فضة . . . وبالأمس ~~كانت مطبقات على الغمض وقال ابن الساعاتي : لله ما شق من جيب الرياض بها . ~~. . وحبذا من ذيول السحب ما سحبا يا ضاحك الومض والأنواء باكية . . . أشبهت ~~لمياء إلا الظلم والشنبا وقال أيضا : يا حبذا زمن الربيع ودوحه . . . قيد ~~النواظر بل عقال الأنفس وأفاك يبسم والغمام معبس . . . فاعجب لطلعة باسم ~~ومعبس PageV11P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" جليت عرائسه فهم قلوبنا . . . واللهو بين ~~مقوض ومعرس أنفاسه من عنبر وسماؤه . . . من لؤلؤ وبساطه من سندس وقال أبو ~~عبادة البحتري : ولا زال مخضر من الروض يانع . . . عليه بمحمر من النور ~~جاسد يذكرني ريا الأحبة كلما . . . تنفس في جنح من ms2235 الليل بارد وقال السروي ~~: غدونا على الروض الذي طله الندى . . . سحيرا وأوداج الأباريق تسفك فلم أر ~~شيئا كان أحسن منظرا . . . من النور يجري دمعه وهو يضحك وقال آخر : حظ عين ~~وحظ سمع ربيعا . . . ن وتغريد بلبل وهزار في جلاء من الزمان ووجه . . . ~~الأرض يكسى وشائع النوار بابيضاض محدق باخضرار . . . واصفرار مبطن باحمرار ~~كلما أشرقت شموس الأقاحي . . . خلت إحدى الشموس شمس النهار وقال كشاجم : ~~وروض عن صنيع الغيث راض . . . كما رضى الصديق عن الصديق إذا ما القطر أسعده ~~صبوحا . . . أتم له الصنيعة في الغبوق يعير الريح بالنفحات ريحا . . . كأن ~~ثراه من مسك سحيق كأن الطل منتثرا عليه . . . بقايا الدمع في خد المشوق ~~PageV11P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" كأن غصونه سقيت رحيقا . . . فماست ميس شراب ~~الرحيق كأن شقائق النعمان فيه . . . محضرة كئوسا من عقيق كأن النرجس البري ~~فيه . . . مداهن من لجين للخلوق يذكرني بنفسجه بقايا . . . صنيع اللطم في ~~الخد الرقيق وقال ابن سكرة الهاشمي : أما ترى الروضة قد نورت . . . وظاهر ~~الروضة قد أعشبا كأنما الأرض سماء لنا . . . نقطف منها كوكبا كوكبا وقال ~~علي بن عطية البلنسي : أديراها على الزهر المندي . . . فحكم الصبح في ~~الظلماء ماضي وكأس الراح تنظر عن حباب . . . وينوب لنا عن الحدق المراض وما ~~غربت نجوم الليل لكن . . . نقلن من السماء إلى الرياض وقال شاعر أندلسي : ~~وفتيان صدق عرسوا تحت دوحة . . . وما لهم غير النبات فراش كأنهم والنور ~~يسقط فوقهم . . . مصابيح تهوي نحوهن فراش وقال أبو محمد الحسن بن علي بن ~~وكيع التنيسي : أسفر عن بهجته الدهر الأغر . . . وابتسم الروض لنا عن الزهر ~~أبدي لنا فصل الربيع منظرا . . . بمثله تفتن ألباب البشر وشيا ولكن حاكه ~~صانعه . . . لا لابتذال اللبس لكن للنظر عاينه طرف السماء فانثنت . . . ~~عشقا له تبكي بأجفان المطر PageV11P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" فالأرض في زي عروس فوقها . . . من أدمع القطر ~~نثار من درر وشي طواه في الثرى صيانة . . . حتى إذا مل من الطي نشر وقال ~~أبو الطاهر بن أبي الربيع : وكأن مولى الرياض ضرائر . . . تزهى بخضرتها على ~~الخضراء قد أبرزت زهراتها ms2236 وازينت . . . وتعطرت وتبرجت للرائي والنور منحسر ~~القناع كما بدت . . . للناظرين محاسن العذراء والنبت ريان المهزة مائل . . ~~. شرق محاجر زهره بالماء الباب الثاني من القسم الرابع من الفن الرابع في ~~الأزهار ويشتمل هذا الباب على ما قيل في الخيري - وهو المنثور - والسوسن ، ~~والآذريون والخرم ، والشقيق ، والبهار ، والأقحوان : الخيري فالخيري هو ~~المنثور وهو مما أولع الشعراء بوصفه . فمن ذلك قول أبن وكيع التنيسي : أنظر ~~إلى المنثور في ميدانه . . . يرنو إلى الناظر من حيث نظر كجوهر مختلف ~~ألوانه . . . أسلمه سلك نظام فانتثر وقال آخر : انظر إلى المنثور ما بيننا ~~. . . وقد كساه الطل قمصانا كأنما صاغته أيدي الحيا . . . من أحمر الياقوت ~~قضبانا PageV11P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" وقال أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة يذكر كونه ~~لا تظهر رائحته إلا ليلا : وخيرة بين النسيم وبينها . . . حديث إذا جن ~~الظلام يطيب يدب مع الإمساء حتى كأنما . . . له خلف أستار الظلام حبيب وقال ~~أبو هلال العسكري : ألوان منثور يريك حسنها . . . ألوان ياقوت زها في عقده ~~يا حسنها في كف من يشبهها . . . فانظر إلى الند بكف نده من أشهل كعينه ~~وأبيض . . . كثغره وأحمر كخده وأصفر مثل صريع حبه . . . إذا تغشته غواشي ~~صده وقال آخر : عجبت من الخيري أمتع في الدجى . . . وأصبح رياه مع الصبح ~~تحجب فخلت الريا طبعا له مثل ناسك . . . يرائي نهارا وهو بالليل يشرب وقال ~~آخر : ما أكرم الخيري في فعله . . . يسهر إذ نور الربا ناعس كأنما خاف عليه ~~العدا . . . فهو له في ليله حارس وقال ابن الحداد : عاف النهار مخافة ~~الرقباء . . . فسرى يضمخ حلة الظلماء يطوي شذاه عن الأنوف نهاره . . . ~~ويجود في الظلماء بالإفشاء متهتك في طبعه متستر . . . وكذا تكون شمائل ~~الظرفاء PageV11P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" لما رأى حب الأنوف لعرفه . . . لبس الغياهب ~~خفية الرقباء كالطيف لا يصل الجفون لسهدها . . . ويهب فيها ساعة الإعفاء ~~وقال أبو العلاء السروي : أهدى إلى فنون الشوق والأرق . . . نسيم رائحة ~~الخيري في طبق كأنه عاشق يطوي صبابته . . . صبحا وينشرها في ظلمة الغسق وكل ~~ذي لوعة فالليل رائحته . . . والليل أخفى لويل الواله القلق وقال ms2237 آخر : ينم ~~مع الإظلام طيب نسيمه . . . ويخفى مع الإصباح كالمتستر كعاطرة ليلا لوعد ~~محبها . . . وكاتمة صبحا نسيم التعطر وقال ابن الرومي : خيري ورد أتاك في ~~طبقه . . . قد ملأ الخافقين من عبقه قد خلع العاشقون ما صنع . . . الهجير ~~بألوانهم على ورقه السوسن فقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في طبع السوسن ~~: الأبيض البستاني منه حار يابس في الثانية ، والإيرساء أشد تسخينا وتجفيفا ~~، والإيرساء هو أصل السوسن الاسمانجوني . قال وأصله جلاء ، مجفف باعتدال ، ~~ودهنه ألطف وأشد تحليلا وتليينا مطيبا كان أم غير مطيب ، والإيرساء أقوى في ~~جميع ذلك ، وهو قابض ، وفيه شفاء للأوجاع والعفونات ، وينفع من الكلف ~~والنمش ، وخصوصا أصله ، وينقي الوجه غسلا به ويصقله ، ويزيل تشنجه ، وإن دق ~~بزره وورقه ناعما وعمل منه ضماد بالشراب على الحمرة نفعها ، وكذلك على ~~الأورام البلغمية الفجة " والجرب المتقرح والخشكريشات " " وأصله ينفع من ~~حرق الماء الحار ، لأنه يجفف مع جلاء وباعتدال ، وكذلك ورقه مطبوخا ، ~~والأحسن أن يكون استعماله بدهن الورد وعصارة الإيرساء ، وغيره يطبخ في الخل ~~والعسل في إناء من نحاس للقروح PageV11P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" المزمنة والجراحات . والبستاني أفضل الأدوية ~~لحرق الماء الحار ، وهو جيد لانقطاع العصب ، وتتخذ من أصل البري مضمضة لوجع ~~الأسنان ، ويوافق دهنه قروح الرأس والنخالة ، وإذا قطر في الأذن سكن الدوي ~~، وهو رديء للمعدة ، وخصوصا دهنه ، ودهنه محلل ملين لصلابة الرحم شربا ~~وتمريخا ، وكذلك إذا طبخ أصله بدهن الورد ، ولا نظير له في أمراض الرحم ، ~~وكذلك دهن الإيرساء ، ويخرج الجنين ، وينفع من المغص ، وإذا طبخ أصله وحده ~~بالخل أو مع بزر البنج ودقيق الحنطة سكن الأورام الحارة العارضة للأنثيين ، ~~وإذا شرب من الإيرساء يفتح أفواه البواسير ، وكذلك أصل السوسن كيف كان ، ~~وهو ينفع من لسع الهوام ، خصوصا العقرب هو عصارته وشرابه وبزره شربا ، ~~ودهنه درياق للبنج . وأما ما جاء في وصفه - فقال الأخيطل الأهوازي : سقيا ~~لأرض إذا ما نمت أرقني . . . بعد الهدوء بها قرع النواقيس كأن سوسنها في كل ~~شارفة . . . على الميادين أذناب الطواويس وقال أيضا فيه : وكأن سوسنها ~~سبائك ms2238 فضة . . . غض النبات فأزرق أو أحمر حملت سقيط الطل في ورقاته . . . ~~فكأنه متبسم مستعبر وقال الصنوبري - ويروي للرفاء - : أنظر إلى السوسن في ~~منبته . . . فانه نبت عجيب المنظر كأنه ملاعق من ذهب . . . قد خط فيها نقط ~~من عنبر PageV11P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" وقال آخر : أنظر إلى السوسن في . . . جماله ~~المنعوت مثل كئوس خرطت . . . من أزرق الياقوت وقال آخر : يا رب سوسنة ~~قبلتها شغفا . . . وما لها غير نشر المسك من ريق مصفرة الوجه مبيض جوانبها ~~. . . كأنها عاشق في حجر معشوق وقال آخر : إن كان وجه الربيع مبتسما . . . ~~فالسوسن المجتني ثناياه يا حسنه ضاحكا له عبق . . . كطيب ريح الحبيب رياه ~~وقال شاعر أندلسي : سوسنة بيضاء أوراقها . . . فيها خطوط من سواد خفي كأنه ~~دارس خط بدت . . . أشكاله في الرق من مصحف وقال شاعر متطيرا بإهدائه : يا ~~ذا الذي أهدى لنا السوسنا . . . ما كنت في إهدائه محسنا أوله سوء فقد ساءني ~~. . . يا ليت أني لم أر السوسنا وقال آخر : سوسنة أعطيتنيها فما . . . كنت ~~بإعطائي لها محسنه أولها سوء فإن جئت بالآخر . . . منها فهو سوء سنه ~~الآذريون فالآذريون ورد أصفر لا ريح له ألبتة ، وهو صنف من الأقحوان ، ومنه ~~ما نواره أحمر . وقال أبن البيطار في جامعه : أنه نوار ذهبي ، في وسطه رأس ~~صغير أسود ، واسمه بالفارسية : آذركون ، ومعناه لون النار . PageV11P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" وقال أبو علي بن سينا : طبعه حار يابس في ~~الثالثة ، وأنه ينفع من داء الثعلب مسحوقا بخل ، ورماده بالخل لعرق النسا . ~~وقال ديسقوريدوس : إن الحبلى إذا مسته أو تحملت منه أسقطت من ساعتها ، وهو ~~ينفع من السمومات كلها وخصوصا اللدوغ . وأما ما جاء في وصفه - فقال شاعر ~~يصفه : تاه الربيع بآذريونه وزها . . . لما بدا منه في جنح الدجى أرج كأن ~~أغصانه فيروزج بهج . . . من فوقه ذهب في وسطه سبج وقال التنوخي : وآذريون ~~مثل خد متيم . . . لأحشائه خوف الفراق وجيب شموس لها من حين تطلع شمسها . . ~~. طلوع وفي وقت الغروب غروب تفتح إن لاحت سرورا بضوئها . . . كما سر بالرأي ~~المصيب مصيب وتنضم إن جاء ms2239 الظلام كأنه . . . رقيب عليها والضياء حبيب وقال ~~ابن وكيع : قم فاسقني صافية . . . تسلب قلبي فكره في روضة كأنها . . . ~~خريدة في حبره كأن آذريونها . . . أسوده وأحمره سحيق مسك مودع . . . في خرق ~~معصفره وقال عبد الله بن المعتز : كأن آذريونها . . . تحت سماء هاميه مداهن ~~من ذهب . . . فيها بقايا غاليه PageV11P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" وقال آخر : أظرف بآذريونة أبصرتها . . . في ~~الروض تلمع كاتقاد الكوكب وكأنها لما تكامل حسنها . . . مسك تفتت في إناء ~~مذهب وكأنما تشريفها من فوقها . . . حبب يفرج عن رحيق أكهب وقال السري ~~الرفاء : وروضة آذريون ذر بوسطها . . . نوافج مسك هيجت قلب مهتاج تراها ~~عيونا بالنهار روانيا . . . وعند غروب الشمس أزرار ديباج وقال الطغرائي : ~~وكأن آذريون روضتنا . . . كانون فحم حوله لهب أو جام جزع وسطه سبج . . . أو ~~سؤر مسك جامه ذهب الخرم فالخرم هو الخزامي ، وهو عند المغاربة السوسن ~~الأزرق . قال ابن الرومي يصفه : وخرم في صبغة الطيالسه . . . يحكي الطواويس ~~غدت مطاوسه كأنما تلك الفروع المائسه . . . تغمسها في اللازورد غامسه وقال ~~الشمشاطي يصفه : وخرم مثل لون اللازورد جرى . . . منها على فضة بيضاء ~~جاريها كأنهن خدود اللاطمات ضحى . . . أو الطواويس حلتها خوافيها ما غمضت ~~لعيون الشمس أعينها . . . إلا على لمع من نورها فيها PageV11P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" وقال شاعر أندلسي : عاف لون البياض ثوب أخيه ~~. . . وتبدى في حلة زرقاء لتراه العيون في حلة يحكي . . . سنا نورها أديم ~~السماء لو حواها الطاووس أصبح لا شك مهنا بملك طير الهواء عزة في طباعه ~~وعلو . . . قد أنافا به على العلياء الشقيق فالشقيق يسمى الشقائق والشقر . ~~قال أبو الخير العشاب : في ألوانه الأبيض والأسود والأحمر والوردي والرمادي ~~والأصفر ، وفيه بستاني وبري ، فالبستاني ، هو الخشخاش الأبيض . قال : ومن ~~أنواعه شقاثق النعمان ، ومن الشقائق نوع يسمى الماميثا ، ولونه أصفر فاقع . ~~وقال أبو على بن سينا : هو حار في الثانية ، رطب ، وهو جلاء محلل . قال : ~~يسود الشعر إذا خلط بقشر الجوز ، وإذا استعمل ورقه وقضبانه كما هو أو ~~مطبوخا حسن الشعر . قال : ويابسه ينفع من القروح الوسخة ، وعصارته سعوط ~~لتنقية الرأس والدماغ ms2240 ، وأصله يمضغ لجذب الرطوبات من الرأس ، وعصارته نافعة ~~من ظلمة البصر وبياضه وآثار قروح العين ، وإذا طبخ بالطلاء وتضمد به أبرأ ~~الأورام الصلبة ، وإذا طبخ ورقه بقضبانه بحشيش السعتر وأكل أدر اللبن ، وهو ~~يدر الطمث ، والله أعلم . وأما ما جاء في وصفه - فقال ابن الرومي : تصوغ ~~لنا كف الربيع حدائقا . . . كعقد عقيق بين سمط لآلي وفيهن نوار الشقائق قد ~~حكى . . . خدود غوان نقطت بغوالي وقال أبو الفتح كشاجم : فرج القلب غاية ~~التفريج . . . ابتهاجي ما بين روض بهيج فكأن الشقيق فيه أكالي . . . ل عقيق ~~على رءوس زنوج PageV11P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" وقال آخر : طرب الشقائق للحمام وقد شجا . . . ~~شجو القيان فشق فضل ردائه وتحيرت ما بين إثمد مأقه . . . في الخد دمعته ~~وبين حيائه فكأنه الحبشي يصبغ جسمه . . . فثيابه مخضلة بدمائه وقال القاضي ~~عياض : أنظر إلى الزرع وخاماته . . . تحكي وقد مالت أمام الرياح كتيبة ~~خضراء مهزومة . . . شقائق النعمان فيها جراح وقال الصنوبري : كم خدود مصونة ~~من شقيق . . . لم تبذل للثم أو للعضاض اعترض ناظر الشقيق ففيه . . . طرف ما ~~يملها ذو اعتراض جمم سرحت بلا مشط أو . . . طرر قصصت بلا مقراض حمرة فوق ~~خضرة وسواد . . . بين هذين معلم ببياض وقال أيضا فيه : وجوه شقائق تبدو ~~وتخفي . . . على قضب تميد بهن ضعفا تراها كالعذارى مسبلات . . . عليها من ~~عميم النبت سجفا تنازعت الخدود الحمر حسنا . . . فما إن أخطأت منهن حرفا ~~إذا طلعت أرتك السرج تذكي . . . وإن غربت أرتك السرج تطفا PageV11P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" تخال إذا هي اعتدلت قواما . . . زجاجات ملئن ~~الخمر صرفا يزيد بهن روض الحزن حسنا . . . إذا ما زهرهن بهن حفا وقال أيضا ~~من أبيات : وكأن محمر الشقي . . . ق إذا تصوب أو تصعد أعلام ياقوت نشر . . ~~. ن على رماح من زبرجد وقال آخر : شقيقة شق على الورد ما . . . قد لبست من ~~كثرة الصبغ كأنها في حسنها وجنة . . . يلوح فيها طرف الصدغ وقال الأخيطل ~~الأهوازي : هذى الشقائق قد أبصرت حمرتها . . . فوق السواد على أعناقها ~~الذلل كأنه دمعة قد غسلت كحلا . . . جالت بها وقفة في وجنتي خجل ms2241 وقال كشاجم ~~من أبيات : فانظر بعينك أغصان الشقائق في . . . فروعها زهر في الحسن أمثال ~~من كل مشرفة الأوراق ناضرة . . . لها على الغصن إيقاد وإشعال حمراء من صبغة ~~الباري بقدرته . . . مصقولة لم ينلها قط صقال كأنما وجنات أربع جمعت . . . ~~فكل واحدة في صحنها خال وقال مؤيد الدين الطغرائي : وترى شقائقه خلال ~~رياضها . . . أوفت مطاردها على أزهارها فكأنها والريح تصقل خدها . . . ~~والسحب تملؤها بصوب قطارها PageV11P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" أقداح ياقوت لطاف أترعت . . . راحا فبات ~~المسك سؤر قرارها وكأنها وجنات غيد أحدقت . . . بخدودها حمرا خطوط عذارها ~~وأما ما وصف بها البهار فمن ذلك قول الصنوبري : وروضة لا يزال يبتسم . . . ~~النوار فيها ابتسام مسرور كأنما أوجه البهار بها . . . وقد بدت أوجه ~~الدنانير وقال أحمد بن برد الأندلسي : تأمل فقد شق البهار مقلصا . . . ~~كمائمه عن نوره الخصل الندي مداهن تبر في أنامل فضة . . . على أذرع مخرطة ~~من زبرجد وقال أبن دراج القسطلي من أبيات : بهار يروق بمسك ذكي . . . وصيغ ~~بديع وخلق عجب غصون الزبرجد قد أورقت . . . لنا فضة موهت بالذهب وقال آخر : ~~بهر البهار عيوننا فقلوبنا . . . مسحورة بجماله السحار كسواعد من سندس ~~وأكفها . . . من فضة حملت كئوس نضار الأقحوان فقال أبو الخير العشاب : ~~الأقحوان هو البابونج ، وهو نوعان : نوع ينبت في الجبال الباردة جدا ، ونوع ~~يزرع في البساتين ، فما كان جبليا فهو البابونج ، وما كان مزروعا فهو ~~أقحوان ، ومنه ما زهره أصفر كله ، ومنه ما هو زهره أبيض ، وفي وسطه لمعة ~~صفراء ، ومنه الحوذان ، وورقه يشبه ورق الخيري الأصفر ، وهو مشرف تشرف ~~المنشار ، ويعرف برأس الذهب ، ويسمى بمصر : PageV11P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" الكركاش ، وأهل مصر يعتنون بأمره في وقت نزول ~~الشمس برج الحمل ، ويختلفون به ، فيخرج كثير من عوامهم وبعض الجند وغيرهم ~~إلى البر ويقطعونه في الساعة التي تحل الشمس فيها الحمل بمناجل من الذهب ~~يصوغونها برسمه ، أو بدنانير ، ومنهم من يتكلم بكلام شبه الرقية ، لا ينطق ~~بغيره ما دام يحصده ، ويجمعون ما يقطعونه من ذلك بالذهب ، ويدخرونه في ~~صناديقهم ، ويزعمون أن من قطعه على وضعه ms2242 ملك في تلك السنة بعدد ما يقطعه ~~منه دنانير إن قطعه بالذهب ، ودراهم إن قطعه بالفضة . وقال الشيخ الرئيس ~~أبو علي بن سينا : طبع الأقحوان حار في الثالثة ، يابس في الثانية . قال : ~~وهو مسخن منضج ، مفتح للسدد ، وفي الأحمر منه قبض ومنع لأنواع السيلان ، مع ~~ما فيه من التحليل ، وهو يدر العرق ، وكذلك دهنه مسوحا ، ويفتح أفواه ~~العروق ، محلل ، ملطف للأورام والبثور ، محلل للورم الحار في المعدة والدم ~~الجامد فيها ، وينفع جميع الأورام الباردة ، وينفع من النواصير ، ويقشر ~~الخشكريشات والقروح النضيجة ، وينفع من الجراحات العصب ، ومن التواء العصب ~~إذا بلت صوفة بطبيخه ووضعت عليه ، وهو مسبت ، وإذا شم رطبه نوم ، ودهنه ~~نافع من أوجاع الأذن ، وهو ينفع من الربو إذا شرب يابسه كما يشرب الإفتيمون ~~. قال : وهو رديء لفم المعدة ، إلا أنه يحلل يابسا ، ويجفف ما يتحلب إليها ~~، ويحلل الدم الجامد فيها . وقال : وهو يدر بقوة ، ويحلل الدم الجامد في ~~المثانة بماء العسل ، ويفتت الحصاة ، وإذا شرب مع زهره وفقاحه في الشراب ~~أدر الطمث ، وكذلك احتمال دهنه فإنه يدر بقوة ، واحتمال دهنه يحلل صلابة ~~الرحم ، ويفتح الرحم ، ويشرب يابسا بالسكنجبين كما يشرب الإفتيمون فيسهل ~~سوداء وبلغما ، وينفع من أورام المقعدة PageV11P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" الحارة ، ويفتح البواسير هو ودهنه ، وينفع من ~~ادرة الماء بعد أن تشق ، وينفع من القولنج ووجع المثانة ، وصلابة الطحال ، ~~هذه منافعه الطبية . وأما ما وصفه به الشعراء - فقد أكثر الشعراء من تشبيهه ~~بالثغور وتشبيه الثغور به ، وتشبيه الثغور به أكثر في أشعارهم من تشبيهه ~~بالثغور ، وقد أجاد ظافر الحداد الإسكندري في وصفه حيث قال : والأقحونة ~~تحكي ثغر غانية . . . تبسمت عنه من عجب ومن عجب في القد والبرد والريق ~~الشهي وطي . . . ب الريح واللون والتفليج والشنب كشمسة من لجين في زبرجدة . ~~. . قد شرفت حول مسمار من الذهب وقال آخر : والأقحوانة تجلي وهو ضاحكة . . ~~. عن واضح غير ذي ظلم ولا شنب كأنها شمسة من فضة حرست . . . خوف الوقوع ~~بمسمار من الذهب وهذا والذي قبله من بديع التشبيه ، وهو أجود ms2243 من تشبيهها ~~بالثغور وأصنع فإنها لا تشبه بالثغر حقيقة إلا من وجه واحد ، وهذا وقد ~~شبهها ووصفها بجميع صفاتها وهيئتها . PageV11P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" وقال أبن عباد : ومن لؤلؤ في الأقحوان منظم . ~~. . على نكت مصفرة كالفرائد يذكرنا ريا الأحبة كلما . . . تنفس في جنح من ~~الليل بارد وقال آخر : كل يوم بأقحوان جديد . . . تضحك الأرض من بكاء ~~السماء وسطها جمة من الشذر حفت . . . بثغور من فضة بيضاء وقال جمال الدين ~~علي بن أبي منصور المصري : أنظر فقد أبدى الأقاح مباسما . . . ضحكت بدر في ~~قدود زبرجد كفصوص در لطفت أجرامها . . . قد نظمت من حول شمسة عسجد وقال آخر ~~: ظفرت يدي الأقحوان بزهرة . . . باهت بها في الروضة الأزهار أبدت ذراع ~~زبرجد وأناملا . . . من فضة في كفها دينار وقال آخر : كأن نور الأقاحي . . ~~. إذ لاح غب القطر أنامل من لجين . . . أكفها من تبر وقال آخر : لدى ~~أقحوانات يطفن بناضر . . . من الورد محمر الثياب نضيد إذا الريح هزتها ~~توهمت أنها . . . ثغور هوت قصد العض خدود PageV11P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" الباب الثالث من القسم الرابع من الفن ~~الرابع في الصموغ ويشتمل هذا الباب من الصموغ على ثمانية وعشرين صنفا . وهي ~~الكافور والكهربا ، وعلك الأنباط ، وعلك الروم - وهو المصطكا - وعلك البطم ~~وصمغ الينبوت ، وصمغ قوفي ، والكثيراء ، والكندر ، والفربيون ، والصبر ، ~~والمر والكمكام ، والضجاج ، والأشق ، وتراب القيء ، والقنة ، والحلتيت ، ~~والأنزروت والسكبينج ، والسادروان ، ودم الأخوين ، والميعة ، وصمغ قبعرين ، ~~والمقل الأزرق والصمغ العربي ، والقطران ، والزفت . الكافور فهو أشرف ~~الصموغ قدرا ، وأحقها بالتقديم وأحرى ، لفضله في التركيب ، ودخوله في أصناف ~~الأدوية والطيب ، ويقال فيه : القافور بالقاف بدل الكاف ، ويقال : إنه صمغ ~~شجرة سفحية بحرية عظيمة تظل مائة رجل ، تكون بأطراف الهند . وتزعم التجار ~~أنه يوجد في الشجرة الواحدة أصناف من الكافور ، فيميزون كل صنف على حدته ، ~~وله مظان : منها فنصور وهي جزيرة محيطها سبعمائة فرسخ ، وتعرف أرضها بأرض ~~الذهب ، والكافور المنسوب إليها أفضل مما عاده ، ومن مظانه موضع يعرف ~~بأربشير ، ومنها الزابج ، والمنسوب إليها أدنى أصنافه . قالوا وكيفية جمعه ~~أن تقصد شجرته في وقت ms2244 معلوم من السنة فتحفر حولها حفرة ، ويجعل في الحفرة ~~إناء كبير ، ثم يقبل الرجل وبيده فأس عظيمة ، وهو ملثم ، مسدود الأنف ، ~~ويمكن الإناء من أصل الشجرة ، ثم يضربها بالفأس ضربة ، ويطرح الفأس من يده ~~، ويهرب خشية أن يفور في وجهه ما يخرج من الشجرة من الكافور ، فإنه متى ~~أصاب وجهه قتله ، ويجمع ما يخرج من الشجرة عقيب تلك الضربة في ذلك الإناء ~~الموضوع في أصلها ، فإذا برد في الإناء جعلوه في أوعية وقطعوا تلك الشجرة ، ~~وتركوها حتى تجف ، ثم نقطع أجزاء صغارا أو كبارا ، وذهب آخرون إلى أنه بين ~~اللحاء والعود مثل الصمغ قطعا صغارا وكبارا . وقال آخرون : بل يشقون الخشب ~~فيجدون الكافور في قلب العود منظما مثل الملح ، فيعلقونه منه ، وهذا هو ~~الأصح عندهم وقد زعم آخرون أن الكافور يلتقط من شجر في غياض PageV11P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" ملتفة في سفوح جبال ، وبين تلك الغياض والبحر ~~مسيرة أيام وأن البور تألف تلك الغياض ، ولا يصل أحد إلى التقاطه خوفا منها ~~إلا في وقت معلومة من السنة ، وهو زمن هياج هذا الحيوان ، لأنه إذا هاج مرض ~~، فتخرج إناثه وذكوره إلى البحر فتستشفى بمائه نحوا من شهر ، فيلتقط في ذلك ~~الوقت . قالوا : ولولا ذلك لكان الكافور كثيرا جدا . والكافور أصناف : ~~أفضلها الرباحي ، وأجود الرباحي الفنصوري . قالوا : ولا يوجد هذا الصنف إلا ~~في رءوس الشجر وفروعها ، ولونه أحمر ملمع ، ثم يصعد هناك فيكون منه الكافور ~~الأبيض ، وإنما سمي بالكافور رباحيا ، لأن أول من وقع عليه ملك يقال له : ~~رباح ، فنسب إليه ، ومن الرباحي صنف يسمى المهنشان وهو حب أبيض براق ، ناعم ~~الفرك ، ذكي الرائحة ، ومنه صنف يعرف بالبرتك ناعم الفرك ، ذكي الرائحة ، ~~وليس له صفاء المهنشان ، وبعده صنف يعرف بالسرحان وهو أكبر حبا من المهنشان ~~، إلا أنه كثير الخشب ، ولونه يضرب إلى السواد ناعم الفرك ، ومنه صنف يسمى ~~موطيان ، ناعم الفرك ، يضرب إلى الحمرة ، منه صنف يسمى المهاي لبصيصه ، وهو ~~حب أحمر الظاهر أبيض في الفرك ، جاف الجوهر ، ومنه صنف يعرف بالرقرق ، وصنف ms2245 ~~يعرف بالإسفرك ، وهو غثاء الكافور ، وبعده صنف يسمى الكندج ، يشبه لونه ~~نشارة الساج ، إلا أن فيه لينا ودهانه ، وفي حبه كبر ، إذا كسر وجد داخله ~~أسود ، فإذا فرك وجد أبيض ، وكل هذه الأصناف لا تدخل إلا في الأدوية ، إلا ~~الرباحي المجلوب من أرض فنصور فإنه لا ينبغي أن يستعمل إلا في الطيب لجودته ~~وحسنه ، وقد ذكر محمد بن أحمد ابن سعيد التميمي المقدسي في كتابه المترجم ~~بجيب العروس من الكافور أصنافا كثيرة ، منها الذي أوردناه . وقال أبو علي ~~بن سينا : طبع الكافور بارد يابس في الثالثة ، واستعماله يسرع الشيب ، ~~ويمنع الأورام الحارة ، وإذا خلط بالخل أو مع عصير البسر أو مع ماء الآس ~~PageV11P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" أو ماء الباذروج منع الرعاف ، ونفع الصداع ~~الحار ، وهو يقوي حواس المحرور ، وهو يقطع الباه ، ويولد حصى الكلية ~~والمثانة . الكهربا فالكهربا يسمى مصباح الروم . وقال عبد الله بن البيطار ~~في مفرداته : من زعم أن الكهربا صمغ الحور الرومي فليس قوله بصحيح . ~~والكهربا صنفان : منها ما يجلب من بلاد الروم والمشرق ، ومنها ما يوجد ~~بالأندلس في غربيها عند السواحل البحر تحت الأرض ، ويوجد في واحات مصر . ~~ويقال : إنه رطوبة تقطر من الدوم من ورقه ، شبيهة بالعسل ، يكون منها ~~الكهربا ، وقد يوجد في داخلها الذباب والتبن والحجارة . وأما من زعم أنه ~~صمغ الحور الرومي المعروف بالتوز ، فيقول : إن صمغته ذهبية ، تسيل في النهر ~~الذي يسمى أمريدانوس ، فتجمد فيه ، فيكون منه الكهربا ، ولهذا الشجر ثمرة ~~تسمي السدد والكهربا يجذب التبن إلى نفسه ، ولذلك يسمى كاه ربا ، أي سالب ~~التبن ، وأجوده الشمعي اللون . وقال ابن سينا : طبع الكهربا حار قليلا ، ~~يابس في الثالثة ، وهو قابض وخصوصا للدم من أي موضع كان . قال ، وقال بعضهم ~~: إنه يعلق على الأورام الحارة فينفع منها ، وهو يحبس الرعاف ، وإذا شرب ~~منه نصف مثقال بماء بارد نفع من الخفقان ، ويمنع من نفث الدم جدا ، وهو ~~يحبس القيء ، ويمنع المواد الرديئة عن المعدة ، ومع المصطكا يقوي المعدة ~~وهو يحبس نزف الرحم والمعقدة ، وينفع من ms2246 الزحير . علك الأنباط فهو صمغ شجرة ~~الفستق ، يستخرج منها كسائر الصموغ ، وذلك أنهم يعقرون الشجرة في مواضع ~~كثيرة ، فيسيل من تلك العقور فيجمع ويجفف في الشمس ، ولونه أبيض كمد ، وفي ~~طمعه شيء من مرارة . PageV11P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" علك الروم فهو المصطكا - ويسمى مصطيجا - ~~وأجوده ما كان له بريق ، وكان أحمر مشربا ، وأبيض ، والأصفر دونهما . وقال ~~أبو علي بن سينا فيه : الطبع حار يابس في الثالثة ، وهو قابض محلل ، ودهن ~~شجرته ينفع من الجرب ، حتى جرب الماشي والكلاب ، ويصب طبيخ ورقه وعصارته ~~على القروح فتنبت اللحم ، وكذلك على العظام المكسورة فتجبر ، ومضغه يحلب ~~البلغم من الرأس وينقيه ، وكذلك المضمضة به تشد اللثة ، وهو يقوي المعدة ~~والكبد ، ويفتق الشهوة ، يطيب المعدة ، ويحرك الجشاء ، ويذيب البلغم ، ~~وينفع من أورام المعدة والكبد في الوقت ، ويقوي الكبد والأمعاء وينفع من ~~أورامها ، وطبيخ أصله وقشره ينفع من دوسنطاريا والسحج ، وكذلك نفس ورقه ، ~~وينفع من نزف الدم من الرحم وجميع أوجاع الأرحام وسيلان رطوباتها الرديئة ، ~~ومن نتوء الرحم والمقعدة ، وكذلك دهن شجرته . قال : ويدر . علك البطم فهو ~~صمغ شجرة الحبة الخضراء . ويؤتي به من بلاد المغرب وبلاد فلسطين وسورية وما ~~جاورها . وقال ابن البيطار : العلك أنواع : أفضلها علك الروم ، وبعده علك ~~البطم ، وبعده صمغ الينبوت ، وهو صمغ شجر قضم قريش ، وهو الصنوبر الصغير ، ~~وبعده صمغ القوفي ، وهو الأرز . وقالوا : الينبوت هو الخرنوب النبطي . ~~الكثيراء فقال أبو حنيفة الدينوري : الكثيراء ممدود ، وهكذا نطقت به العرب ~~، وهو صمغ القتاد . وهي شجرة شوكة تكون بأرض خراسان ، وهي أيضا توجد في ~~الجبال المطلة على طرابلس الشأم ، ورأيتها أنا تنبت بجبل الثلج ، وهي جمم ، ~~لا ترتفع عن الأرض أكثر من نصف ذراع ، يكون فيها الكثيراء . وقال ابن سينا ~~: طبع الكثيراء بارد إلى يبس ، وفيه تجفيف . الكندر فهو اللبان . والكندر ~~كلمة فارسية . وهو لا يكون إلا بالشحر من اليمن ، وشجرته لا ترتفع أكثر من ~~ذراعين ، ومنابتها الجبال ، وورقها مثل ورق PageV11P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" الآس ، وثمرتها مثل ثمرته ، لها مرارة في ~~الفم ، وعلكها يظهر ms2247 في أماكن تقص بالفئوس . وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن ~~سينا : أجود الكندر الأبيض المدحرج ، الدبقي الباطن ، الذهبي المكسر ، ~~وطبعه حار في الثانية ، مجفف في الأولى ، وقشره مجفف في حدود الثالثة . قال ~~: وهو حابس للدم ، والاستكثار منه يحرق الدم ، ودخانه أشد تجفيفا وقبضا ، ~~وإذا خلط الكندر في العسل ووضع على الداحس أذهبه ، وقشوره جيدة لآثار ~~القروح ، وينفع بالخل والزيت لطوخا من الوجع المسمى مرميقيا ، وهو وجع يعرض ~~منه في البدن كالثآليل ، مع شيء كدبيب النمل ، وإذا خلط بالخل والزفت ولطخ ~~به في ابتداء حدوث الثآليل التي تسمي النملة ازالها ، ويدخل في الضمادات ~~المحللة لأورام الأحشاء ، وهو مدمل جدا ، وخصوصا للجراحات الطرية ، ويمنع ~~الخبيثة من الأنتشار ، ويصلح للقروح الكائنة من الحرق ، ويقطع نزف الدم ~~الرعافي إذا خلط بزفت أو زيت أو بلبن ، ويدمل القروح العين ، وينضج الورم ~~المزمن فيها ، ودخانه ينفع من الورم الحار ، ويقطع سيلان رطوبات العين ، ~~ويدمل القروح الريئة ، وينفع من السرطان في العين ، وإذا خلط بقيموليا ودهن ~~الورد نفع الأورام الحارة التي تعرض في ثدي النفساء ، ويدخل في أدوية قصبة ~~الرئة ، وهو يحبس القيء ، وينفع الهضم ، ويحبس نزف الدم من الرحم والمعقدة ~~، وينفع من دوسنطاريا ، ويمنع من انتشار القروح الخبيثة إذا اتخذت منه ~~فتيلة ، وينفع من الحميات البلغمية . الفربيون ويسمى اللبانة المغربية - ~~فشجرته تشبه شجرة القنا في شكلها ، وصمغها المفرط في الحدة ، يحذره من ~~يستخرجه لإفراط حدته ، فيعمدون إلى كروش الغنم فيغسلونها ويشدونها على ساق ~~الشجرة ، ثم يطعنونها بعد ذلك بمزاريق ، فينصب منها الكرش صمغ كثير ، كأنه ~~ينصب من إناء ، ويخرج من شجره صنفان : منه ما هو صاف يشبه الأنزروت ، ومنه ~~ما يشبه السكر ، وأكثر ما يوجد شجرة ببلاد PageV11P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" البربر ، خصوصا بجبل درن ، وهو عساليج عريض ~~كالألواح ، مثل عساليج الخس ، بيض ، لها شعب ، وهي مملوءة لبنا ، ولا ينبت ~~حول شجره نبات آخر . ومنه صنف آخر ينبت ببلاد السودان ، وشجرته شوكة كثيرة ~~الأغصان ، تنبسط على الأرض . ويقال إن ببلاد إفريقية شجرة صمغها الفربيون ، ~~وإن الصمغ يسيل ms2248 منها فيجمد ، وبعض أهل البلد يشرط الشجرة ، ويعلق على موضع ~~الشرط ما تسيل فيه تلك الرطوبة ، ولا يسمون الشجرة بأيديهم ، ولا تلك ~~الرطوبة ، لأنها سم قاتل مشيط ، يحرق كل ما لامسه أو باشره من أبدان الناس ~~. وقال الشيخ الرئيس : إن قوة الفربيون لتغير بعد ثلاث أو أربع سنين ، ~~والعتيق منه يضرب إلى الشقرة والصفرة ، ولا يداف في الزيت إلا بصعوبة ، ~~والحديث خلاف ذلك . قال بعضهم : إنه إذا جعل في إناء مع الباقلي المقشر ~~انخفظت قوته . قال : وجيده الحديث الصافي الأصفر إلى الشقرة ، الحاد ~~الرائحة ، الشديد الحرافة ، وغير هذا فهو مغشوش بالعنزروت والصمغ ، وهو جال ~~، وله قوة لطيفة محرقة جلاءه ، والحديث منه أشد إسخانا من الحلتيت ، على ~~أنه لا صمغ كالحلتيت في إسخانه ، ويخلط ببعض الأشربة المعمولة بالأفاويه ~~فينفع من عرق النسا ، ويمرخ فيه الفالج ، والخدر ينفع جدا ، وإذا اكتحل به ~~كان جاليا ، ولكن يدوم لذعه النهار كله ، فلذلك يخلط بالعسل . قال : وينفع ~~من برد الكلى ، وينفع أصحاب القولنج ، والشربة منه مع بعض البزور وماء ~~العسل ثلاثة أو بولوسات . وقال بعضهم : إنه يضم فم الرحم ضما شديدا حتى ~~يمنع الأدوية المسقطة أن تسقط الجنين ، ويسهل البلغم اللزج الناشب في ~~الوركين والظهر والأمعاء فيما قالوا . قال ، وقال بعضهم : إن من نهشه شيء ~~من الهوام فشق جلد رأسه وما يليه حتى يظهر القحف ، ويجعل فيه من هذا الصمغ ~~مسحوقا ، ثم يخطيه ، لم يصبه مكروه . قال : وثلاثة دراهم منه تقتل في ثلاثة ~~أيام تقريحا للمعدة والمعي . PageV11P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" الصبر فهو من الصموغ ، ووصفة شجرته فيما قيل ~~: أن ورقها يشبه ورق الإسقيل ، عليه رطوبة تلصق باليد ، وفي حرفي كل ورقة ~~شبه الشوك ، قصير متفرق ، وعرقها واحد ، وهذه الشجرة تنبت ببلاد الهند ~~كثيرا ، وفي بلاد المغرب . ويقال : إنها ثلاثة أصناف : الأسقطري ، والعربي ~~، والسمنجاني ، ويقال أيضا : إن نباته كنبات الراسن الأخضر ، غير أن ورق ~~الصبر أطول وأعرض وأغلظ ، وهو كثير الماء جدا ، ويلقي في المعاصر ، ثم يدق ~~بالخشب ، ويداس بالأقدام حتى يسيل عصيره ، ويترك حتى يثخن ms2249 ، ثم يجعل في ~~الجرب ، ويشمس حتى يجف ، وأجوده الأسقطري ، وأسقطري جزيرة قريبة من ساحل ~~اليمن . وقال إسحاق أبن عمران : الصبر ثلاثة أصناف ، فمنه الأحمر الأسقطري ~~، ومنه الأسود الفارسي ومنه الأحمر الملمع بصفرة ، ويؤتي به من اليمن . ~~وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا : أجود الصبر الأسقطري ، وماءه كماء ~~الزعفران ، ورائحته كالمر ، بصاص ، منفرك ، نقي من الحصى ، والعربي دونه في ~~الصفرة والرزانة والبصيص ، والسمنجاني رديء ، منين الرائحة ، قليل الصفرة ، ~~لا بصيص له ، وإذا عتق الصبر أسود . قال : وطبعه حار في الثانية يابس فيها ~~، وقيل حار يابس في الثالثة ، وليس كذلك . وقوته قابضة مجفف منومة ، ~~والهندي كثير المنافع ، مجفف بلا لذع ، وفيه قبض يسير ، وهو بالعسل يدمل ~~الداحس والمتقرح ، وبالشراب إذا جعل على الشعر المتساقط منع تساقطه ، وهو ~~ينفع أورام الدبر والمذاكير ، وخاصة أورام العضل التي على جانبي اللسان إذا ~~كان بالشراب أو العسل ، وهو صالح للقروح العسرة والاندمال ، وخصوصا في ~~الدبر والمذاكير والأنف والفم ، وينفع من أوجاع المفاصل ، وينقي الفضول ~~الصفراوية التي في الرأس ، وإذا طلي به على الجبهة والأصداغ نفع من الصداع ~~، وهو من الأدوية النافعة من مرض PageV11P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" الأذن . قال : وفي الطب القديم أن الصبر يسهل ~~السوداء ، وينفع من الماليخوليا ، والصبر الفارسي يذكي العقل ، ويحد الفؤاد ~~. قال : والصبر ينفع من قروح العين وجربها وأوجاعها ومن حكة المآقي ، ويجفف ~~رطوبتها ، وينقي الفضول الصفراوية والبلغمية التي في المعدة إذا شرب منه ~~ملعقتان بماء بارد أو فاتر ، ويصلح الحرقة والالتهاب الكائنين في اللهاة ، ~~وربما نفع أوجاع المعدة في يوم واحد ، ويفتح سدد الكبد ، لكنه يضر بالكبد ، ~~وهو يزيل اليرقان بإسهاله . قال : ودرخمي ونصف منه بماء حار يسهل ، وثلاث ~~درخميات تنقي تنقية كاملة ، والمعتدل درخميان بماء العسل يسهل بلغماء ~~وصفراء ، وهو أصلح مسهل للمعدة ، والمعسول أضعف إسهالا لكنه أنفع للمعدة ، ~~وخلطه بالعسل ينقص قوته حتى يكاد لا يسهل . قال : وإذا شرب العرب منه كرب ~~وأمغص وأسهل ، ونقبت قوته إلى صفاقات المعدة إلى يوم أو يومين ، وسقي الصبر ~~أيام البرد خطر ، وربما ms2250 أسهل دما ، وقد جعل بالشراب الحلو على البواسير ~~النابته وشقاق المعقدة ، ويقطع الدم السائل منها . قال : وبدله مثلاه حضض . ~~المر فهو صمغ شجرة تكون ببلاد المغرب شبية بالشجرة التي تسمى باليونانية : ~~الشوكة المصرية ، تشرط فتخرج منها هذه الصمغة ، فتسيل على حصر وبواري قد ~~أعدت لذلك ، ومنه ما يوجد على ساق الشجرة . وقال أبو علي بن سينا : أجود ~~المر ما هو إلى البياض والحمرة ، غير مختلط بخشب شجرته ، طيب الرائحة ، ~~وطبعه : حار يابس في الثانية ، وهو مفتح محلل للرياح ، وفيه قبض وإلزاق ~~وتليين ، ودخانه يصلح لما يصلح هو ، ولكنه أشد تجفيفا ، وهو يمنع التعفن ، ~~حتى أنه يمسك الميت ويحفظه من التغير والنتن ، ويجفف الفضول ، وإذا خلط ~~بدهن الآس واللاذن أعان على تقوية الشعر PageV11P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" وتكثيفه ، ويجلوا أثار القروح وطيب نكهة الفم ~~إذا أمسك فيه ، ويزيل البخر ، ويلطخ بالشراب والشب على الآباط فيزيل صنينها ~~، ويلطخ بالعسل والسليخة على الثآليل ، وهو نافع من الأورام البلغمية ، ~~ويدمل الجروح والقروح ، ويكسو العظام العارية ، ويستعمل بالخل على القوابي ~~، ويبريء الجراحات المتعفنه ، ورائحته مصدعة للرأس ، وإذا تمضمض به بشراب ~~وزيت شد الأسنان جدا وقواها ، ومنع من تأكلها ، ويشد اللثة ، ويذهب رطوبتها ~~، ويجفف قروح الرأس ، ويلطخ به المنخران للنوازل المزمنة فيحبسها ، وقد ~~يسقط بوزن دانق منه فينقي الدماغ ، وهو يجلو آثار القروح في العين ، ويجلو ~~البياض ، وينفع من خشونة الأجفان ، ويحلل المدة في العين بغير لذع ، وربما ~~حلل الماء في ابتداء نزوله إذا كان رقيقا ، وهو جيد للسعال المزمن الرطب ، ~~ومن الربو وأوجاع الجنب ، ويصفي الصوت ، ويجعل تحت اللسان ويبلع ماءه ~~لخشونة الحلق ، وينفع من استرخاء المعدة والنفخة فيها ، ويدر الحيض ، ~~وخصوصا الاحتقان به بماء السذاب أو ماء الأفسنتين أو ماء الترمس ، ويخرج ~~الأجنة والديدان ، ويلين انضمام فم الرحم ، ويسقي بالشراب لسع العقرب . ~~الكمكام فهو صمغ شجرة الضرو ، ويقال : أنه ورقها ، وقيل : لحاؤها ، وهو ~~يسيل لزجا أسود مثل القار ، وشجرته تشبه شجرة البطم . وقيل : إنها تشبه ~~شجرة البلوط العظيمة ، إلا أنها ألين وأنعم ، وتثمر عناقيد مثل ms2251 عناقيد ~~البطم إلا أنها أكبر . PageV11P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" الضجاج فقال أبو حنيفة الدينوري : الضجاج ، ~~مثل شجرة اللبان يكون في جبل يقال له : " قهوان " من أرض عمان ، وهو صمغ ~~أبيض تغسل به الثياب فينقيها مثل الصابون ، ولهذه الشجرة حب مثل الآس ، ~~أسود ، يلذع اللسان . الأشق يقال فيه وشق وأشج - ولصاق الذهب ، والكلخ ، ~~وهو صمغ الطرثوث ، وهو نابت ينبت تحت أصول الحميض ، وهو صنفان : حلو يؤكل ~~ولونه أحمر ، ومر ، ولونه أبيض . وقال الخليل : هو نبات مستطيل دقيق يضرب ~~إلى الحمرة . وقيل أنه صمغ نبات يشبه القنا في شوكه ، ينبت في بلاد نينوى ~~على مزاعم ديسقوريدوس . وقال أبو علي بن سينا : هو حار في آخر الثانية ، ~~يابس في الأولى ، وتجفيفه وتحليله قوي ، وفيه تليين وجذب للأورام والفضول ، ~~وإذا طلي به أو ضمد نفع من الخنازير والصلابات والسلع ، وهو نافع للجراحات ~~الرديئة ، يأكل اللحم الخبيث ، وينبت الجيد ، وإذا سقي بالعسل أو بماء ~~الشعير نفع أوجاع المفاصل ، وإذا ضمد به بالعسل والزفت حلل تحجر المفاصل ، ~~وهو يلين خشونة الأجفان والجرب ، ويجلو البياض ، وينفع رطوبات العين ، ~~وينفع من الربو وعسر التنفس إذا لعق بعسل أو بماء الشعير ، وينفع من ~~الخوانق التي من البلغم والمرة السوداء ، وإذا طلي به نفع من الاستقساء ، ~~وهو يدر البول حتى يبول الدم ، ويقتل الدود ويخرج الجنين حيا أو ميتا ، ~~وإذا لطخ به الأنثيان بخل لين صلابتهما . تراب القيء ويسمى الكنكرزد - فهو ~~صمغ الحرشف والحرشف يسمى خس الكلب ، وهو ينبت على شطوط الأنهار وسواقي ~~المياه وعليه شوك متفشج . PageV11P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" القنة فهو بالفارسية البارزد ، وشجره صنفان : ~~صنف زبدي ضعيف الورق أبيض ، والآخر كثيف ثقيل ، وهو ثلاثة أنواع بري وعربي ~~، وجبلي وأجوده العسلي الصافي اللون . وقال ديقوريدوس وهو صمغ نبات يشبه ~~القنا في شكله ينبت في بلاد سورية ، وأجوده ما كان شبيها بالكندر ، وكان ~~متقطعا ، نقيا يدبق باليد ، وهو يغش بالأشق ودقيق الباقلاء . وقال أبو علي ~~بن سينا : طبعه حار في الثانية ، مجفف في الثالثة ، وقوته ملينة محلله ، ~~وهو مما يفسد اللحم ms2252 ، وفيه تسخين وإلهاب وجذب ، ويقلع العدسيات ، وينفع من ~~الخنازير ويطلي به على القروح اللبنية بالخل ، وينفع من تشنج العضل ، ومن ~~الصداع ، وإذا شمه المصروع انتعش ، وينفع من وجع الضرس والسن المتأكلة في ~~الحال ، وينفع من الأوجاع الباردة في الأذن ، ويحلل أورامها وأوجاعها بغير ~~أذى إذا حل في دهن السوسن وفتر وقطر ، وينفع من الربو والسعال المزمن ، ~~ويدر الطمث بقوة ، ويسقط الأجنة ، وينفع من اختناق الرحم سقيا بالشراب ، ~~ويزيل عسر البول ، وهو ترياق للسم الذي تسقاه السهام إذا سقي بشراب ، ~~ولسموم الحيات والعقارب ، ودخانه يطرد الهوام ، وبدله السكبينج . الحلتيت - ~~فهو صمغ شجرة الأنجذان ، وهو نوعان : أحدهما أبيض وهو المأكول ، والآخر ~~أسود ، منتن الرائحة . وقال أبو حنيفة الدينوري : نبأته الرمل الذي بين بست ~~وبلاد القيقان ، والحلتيت صمغ يخرج من أصل ورقه بان يشرط أصله وساقه . وقال ~~أبو علي بن سينا : طبعه حار في أول الرابعة ، يابس في الثانية ، وهو يكثر ~~الرياح ويطردها بتحليله ، وهو مع ذلك نفاخ مقطع ، ويحلل الدم الجامد في ~~الجوف ، وينفع من داء الثعلب لطوخا بالخل والفلفل ، وإذا استعمل في ~~المأكولات حسن اللون ، ويقلع التآليل المسمارية ، وإذا جعل على الأورام ~~الخبيثة PageV11P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" نفعها ، وإذا شرب بماء الرمان نفع من شدخ ~~العضل ، وينفع من أوجاع العصب مثل التمدد والفالج بأن يؤخذ منه ، أو بولوس ~~ويخلط بالشمع ، ويبلع أو يشرب بالشراب مع فلفل وسذاب ، وإذا تغرغر به قلع ~~العلق من الحلق وهو جيد لابتداء الماء في العين كحلا بعسل ، وإذا أديف في ~~الماء وتجرع صفى الصوت ، ونفع من خشونة الحلق المزمنة ، وإن تحسى بالبيض ~~نفع من السعال المزمن والشوصة الباردة ، وإن استعمل بالتين اليابس نفع من ~~اليرقان ، وهو مما يضر بالمعدة والكبد ، وينفع من البواسير ، ويقوي الباه ، ~~ويدر البول ، وينفع من المغص ، ومن قروح الأمعاء ، ومن حمى الربع ، وإذا ~~جعل على عضة الكلب الكلب والهوام خصوصا العقرب والرتيلاء فإنه ينفع من جميع ~~ذلك شربا وطلاء بالزيت ، ويدفع ضرر السهام المسمومة وأما الأنزروت فهو صمغ ~~شجرة شائكة ، وفيه مرارة ، ومنه ms2253 أبيض وأحمر ، ويكون بجبال فارس ، وأجوده ~~الشبيه باللبان . وقال ابن سينا : قال بعضهم : هو حار في الثانية ، يابس في ~~الأولى ، وهو يسكن الأورام كلها ضمادا ، ويأكل اللحم الميت ، وينفع من ~~الرمد والرمص ، وهو يسهل البلغم الغليظ . وأما السكبينج : فقال ديسقوريدوس ~~: هو صمغ نبات يشبه القنا في شكله ، ينبت في البلاد التي يقال لها : ماه ~~ويسميه اليونان : سكافتيون . وقال ابن سينا : هو صمغ شجرة لا منفعة فيها ، ~~بل في صمغها . قال : وأجود نوعيه الأكثف الأصفى ، الذي يضرب داخله إلى ~~الحمرة ، وخارجه إلى البياض ، وينحل في الماء سريعا ، وخيره الأصفهاني . ~~قال : وطبعه حار في الثالثة ، يابس في الثانية ، وهو محلل ملطف ، مفش مسخن ~~، جال ، وينفع من الفالج ، ويسهل المادة التي في الوركين حقنة وشربا ، ~~وكذلك أوجاع المفاصل الباردة ، ويحلل الصداع PageV11P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" البارد والريحي ، وينفع من الصرع ، ومن ظلمة ~~العين كحلا ، ومن غلظ الأجفان ومن الآثار في العين ، وهو أفضل الأدوية ~~للماء النازل فيها ، وإن سحق بالخل وجعل على الشعيرة أذهبها ، وهو نافع من ~~وجع الصدر والجنب ، ومن السعال المزمن ، يسقى بماء السذاب المعصور ثلاثة ~~أرباع درهم لسوء النفس ، وهو ينفي الصدر ، ويخرج الأخلاط النيئة ، وهو نافع ~~من الأستسقاء ، ويخرج الماء الأصفر ، وينفع من القولنج حقنة وشربا ومن ~~المغص ، ويخرج الحصاة ، ويزيد في الباه ، وينفع من أوجاع الأرحام ، وإذا ~~شرب أدر الطمث ، وقتل الجنين ، ويخرج الخلط للزج والماء الأصفر ، وهو ينفع ~~من الحميات الدائرة ، وإذا سقى في الشراب أفاد لسع الهوام ، ومن جميع ~~السموم القاتلة . وأما السادوران - فهو شيء أسود شبيه بالصمغ مثل حصى السبج ~~يتكون في التجويفات الكائنة في أصول أشجار الجوز الكبار العتيقة إذا تجوفت ~~أصولها ، فإذا قطعت الشجرة وجد في وسطها ، ولونه محلولا إلى الصفرة ، وله ~~بصيص إذا كسر . دم الأخوين ويسمى القاطر - فقال أبو حنيفة الدينوري : هو ~~صمغ أحمر يؤتى به من جزيرة سقطرى ، ويسمى الأيداع ، ودم التنين ، ودم ~~الثعبان . ويقال : إنه دموع شجرة كبيرة ببلاد الهند ، معروفة هناك . الميعة ~~فهي صنفان : سائلة ، ويابسة ، وكلاهما دسم مر ms2254 ، ومنها صنف هو صمغ شجرة تشبه ~~شجرة السفرجل ، أجوده ما كان لونه أشقر دسما يميل إلى البياض ، ومن هذا ~~الصنف ما هو أسود هش كالنخالة ، وهو رومي . وقال إسحاق بن عمران : شجرة ~~الميعة شجرة جليلة كشجرة التفاح ، ولها ثمرة بيضاء أكبر من الجوز تشبه عيون ~~البقر الأبيض ، يؤكل الظاهر منها ، وفيه مرارة وثمرته التي داخل النوى دسمة ~~، يعتصر منها دهن هو الميعة اليابسة ، ومنه تستخرج الميعة السائلة . ~~PageV11P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" وقال أبن جريج : الميعة تسيل من شجرة تكون في ~~بلاد الروم تتحلب منها ، ثم تؤخذ فتطبخ ، وتعتصر أيضا من لحاء تلك الشجرة ، ~~فما عصر فهو الميعة السائلة وما طبخ فهو الميعة اليابسة . وقال الشيخ ~~الرئيس أبو علي بن سينا في الميعة - وسماها لبني - قال : ويقال للسائلة : ~~عسل اللبني والأصطرك ، وهو دمعة شجرة كالسفرجل . قال : وأجود أصناف الميعة ~~السائل بنفسه ، الشهدي ، الصمغي ، الطيب الرائحة الضارب إلى الصفرة . قال : ~~وطبع الميعة حار في الأولى يابس في الثانية ، وله قوة منضجة ، ملينة جدا ، ~~مسخنة محللة ، ودخانه شبيه بدخان الكندور ، وفيه تخدير بالطبع ، ودهنه الذي ~~يتخذ بالشأم ملين تليينا قويا ، وينفع الصلابات في اللحم ، ويطلى به على ~~البثور الرطبة واليابسة مع الأدهان ، ويطلى به على الجرب الرطب واليابس ، ~~وهو طلاء جيد عليه ، وهو يقوي الأعضاء وينفع تشبك المفاصل جدا شربا وطلاء ، ~~ورطبه ويابسه يحبس النزلة تبخيرا ، وهو غاية للزكام ، وفيه قوة مسبته ، ولا ~~سيما في دهنه ، وينفع من السعال المزمن والبلغم ووجع الحلق ويصفي صوت الأبح ~~مع تليين شديد ، وهو يهضم ، ويلين الطبيعة ، ويدر البول والطمث إدرارا ~~صالحا شربا واحتمالا ، ويلين صلابة الرحم ، واليابسة تعقل البطن ، قال : ~~وإذا شرب من الميعة السائلة مثقال مع مثله من صمغ اللوز أسهل بلغما من غير ~~أذى . وبدل الميعة جندبادستر ، ومثلاه من دهن الياسمين . صمغ قبعرين فقال ~~ديسقوريدوس : هو صمغ شجرة تكون ببلاد العرب ، وفيه شبه يسير من المر إلا ~~أنه كريه المطعم زهم . وزعم قوم أنه السندروس . وقال آخرون : هو اللك . قال ~~ابن البيطار : وليس كما زعموا ms2255 . المقل الأزرق فيسمى كورا ، ويعرف بالمقل ~~المكي ، وبمقل اليهود ، والمقل الهندي ، وإن كان لا يوجد إلا بأرض العرب ، ~~ومنه صقلي ، ومنه عربي ، وهو صمغ يشبه الكندور ، طيب الرائحة ، وشجرته ~~كشجرة اللبان ، وأكثر نباته بأرض اليمن PageV11P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" فيما بين الشحر وعمان بجبل هناك ، ولشجره ثمر ~~يسمى ديميس إذا كان رطبا ، فإذا يبس فهو الوقل ، والذي يؤكل منه يسمى الحتي ~~، وقال أبو الخير العشاب : المقل المكي هو صمغ الدوم ، لأن الدوم هناك يدرك ~~ويصمغ ، وليس في سائر البلاد إلا بمكة لا غير . الصمغ العربي فهو صمغ القرظ ~~، وهو الذي يستعمل في المركب ولا يصلح بغيره ، فإنه ينحل في الماء بسرعة من ~~غير تعقيد ، وما عداه من الصموغ التي تجمع من أشجار الفواكه متى جعل في ~~المركب أفسده . ولهم أيضا صمغ السماق وصمغ السذاب ، وصمغ الخطمي ، ومن ~~الصموغ التي جرت عليها التسمية بالعربي صمغ الإجاص ، وصمغ الداميثا ، وهو ~~شجر ببلاد فارس ، وصمغ اللوز ، وصمغ الزيتون البري والبستان ، والبري يشبه ~~السقمونيا في لونه ، ومنه ما هو أحمر ، وصمغ السرو ، ومن صموغ الراتينج وهو ~~القلفونيا ، ومنه ما هو أبيض ، ومنه ما هو أسود وهو صمغ الصنوبر الذكر . ~~القطران فهو معدود من الصموغ ، وشجرته تسمى شربين ، وهي شجرة عظيمة ، لها ~~ثمر يشبه ثمر السرو ، غير أنه أصغر منه ، والقطران دهن يخرج منه ، فأجوده ~~ما كان صافيا ، كريه الرائحة . وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى : " ~~سرابيلهم من قطران " ، هو ما يحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ ، فتدهن به ~~الإبل الجرب لحدته وحره ، وهو أسود اللون ، منتن الرائحة . وقال أبو علي بن ~~سينا : القطران حار يابس في الرابعة ، وهو يقتل القمل والصئبان ، وهو يقوي ~~اللحم الرخو ، وخصوصا دهنه من الجرب ، حتى جرب الحيوان من ذوات الأربع ، ~~وينفع من شدخ العضل واجتماع الدم والقيح فيها ، وهو دواء لداء الفيل لعوقا ~~ولطوخا . قال : وهو أعظم شيء في تسكين الصداع PageV11P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" البارد طلاء للرأس ويقطر في الأذن فيقتل ~~دودها ، ويقطر فيها بماء الزوفا للطنين والدوي ، وينفع الأسنان ms2256 المتأكلة ، ~~وهو يحد البصر ، ويجلو آثار القروح في العين ، ولعق أوقية ونصف منه ينفع ~~لقروح الرئة ، وينفع من السعال العتيق ، ويقتل الدود في الأمعاء وخصوصا ~~الاحتقان به ، ويدر الطمث ، ويقتل الجنين ، ويفسد المني إذا لظخ به ، وإذا ~~لطخ به الذكر قبل االخماع منع الحبل وينفع من تقطير البول وضمد به على نهش ~~الحيه ذات القرن ، وإذا أذيب في شحم الأيل ومسحت به الأعضاء لا تقربها ~~الهوام . الزفت فيكون من شجر التنوب وغيره من ضروب الصنوبر ، وهو قريب من ~~دهن القطران . الباب الرابع من القسم الرابع من الفن الرابع في الأمنان ~~ويشتمل هذا الباب على العسل والشمع واللك والقرمز والآذن والأفتيمون ~~والقنبيل والورس والترنجبين والشيرخشك والمن والكشوث وسكر العشر العسل ~~والشمع فقد قال التميمي في المرشد : إن العسل من يسقط من الهواء بكل بلد ~~وبكل إقليم من الأمصار المسكونة ، وسقوطه على أنواع كثيرة من الأزهار ~~والنوار والأوراق يلتقطه النحل الذي قد ألهمه الله جمعه وإلقاءه إياه في ~~كواثره التي هو ساكنها ، وهي أقرصة شهده ، ويدخره لقوته عند حلول الشتاء ~~عليه وانقطاعه من الطيران وعند حصار الأمطار والثلوج له . ويدخره لقوته عند ~~حلول الشتاء عليه وانقطاعه عن الطيران وعند حصار الأمطار والثلوج له . وزعم ~~كثير من الفلاسفة والأطباء أن الشمع الذي تتخذ منه النحل مساكنها ، وتربي ~~فيه فراخها ، وتوعي فيه أعسالها ، نوع من المن الساقط من الهواء ، والله ~~تعالى أعلم . PageV11P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" اللك فيقال إنه يسقط على قضبان الكروم في ~~بلاد الهند فينعقد عليها . وزعم قوم أنه صمغ يلقط من قضبان الكروم ، والله ~~أعلم . وقال ابن سينا : إنه ينفع من الخفقان ، ويقوي الكبد ، وينفع من ~~اليرقان والاستقساء . القرمز فقد قال أبو الخير في كتاب النبات : القرمز طل ~~يقع في العام الكثير الرطوبات والأنداء على شجر البلوط والتنوب فينعقد على ~~خشبه حب أبيض اللون مثل حب الكرسنة ، فإذا انتهى ونضج وكان في قدر الحمص ~~صار لونه أحمر قانئا براقا ، فيجمع في شهر إبريل ومايه ، فيجفف ويحزن لتصبغ ~~به الثياب ، ومن خاصيته أنه ms2257 لا يصبغ به إلا ما كان من حيوان ، كالحرير ، ~~والصوف ، وإن هو لم يجمع خرج منه دود صغار ، ويصنع على نفسه نسجا مثل نسج ~~العنكبوت ، ويموت فيه . اللاذن فهو من يسقط بجزيرة قبرس على شجره ترعاه ~~الأغنام فإذا باكرت الرعي من الأشجار علق اللآذن بلحي التيوس وخراطيمها ~~وأظلافها ، فيجمع منها بأمشاط معدة له . وأما ما يجمع من الشجر فإنه يكون ~~في خزائن الملوك لطيب رائحته . وقال ابن سينا : أجوده الدسم الرزين القبرسي ~~الطيب الرائحة ، الذي هو إلى الصفرة ولا رملية فيه ، وينحل كله في الدهن ~~فلا يبقى منه ثفل ، والاسود القاري غير جيد ، وطبعه حار في آخر كله من ~~الدهن فلا يبقى منه ثفل ، والاسود القاري غير جيد ، وطبعه حار في آخر ~~الأولى ، يابس في الثانية ، والذي يكون في البلاد الجنوبية أسخن . قال : ~~وقال الخوزي : إنه بارد قابض ، وليس كذلك . قال : وهو لطيف جدا ، فيه يسير ~~قبض ، منضج للرطوبات الغليظة اللزجة يحللها باعتدال فيه ، وفيه قوة حادة ~~مسخنة مفتحة لأفواه العروق ، ويدخل في تسكين الأوجاع ، وهو ينبت الشعر ~~ويكثفه ويكثره ويحفظه ، خصوصا مع دهن الآس ومع الشراب ، ويقطر منه مع دهن ~~الورد في الأذن الوجعة ، ويدخل في علاج الصداع والضربان وينفع من السعال ، ~~ويحلل أورام الرحم محتملا ، ويخرج الجنين الميت والمشيمة تدخينا به ، وإذا ~~شرب بشراب عتيق عقل البطن وأدر البول . PageV11P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" الإفتيمون فهو من يسقط من الهواء على صنف من ~~الصعاتر برياض جزيرة اقريطش وبرقة وفي جبال بيت المقدس . القنبيل فهو شبيه ~~بالورس ، ويسقط في اليمن مثل الرمل الأحمر وتمازج حمرته صفرة ظاهرة فيه . ~~ويقال : إنه يوجد أيضا بخراسان على وجه الأرض غب المطر فيجمع . الورس فهو ~~من يسقط بأرض الصين والهند والحبشة وأرض اليمن على ورق شجر يشاكل الباذروج ~~، فتجمع الشجرة بما عليها منه ، وتلقي في الشمس حتى تنشف ، ثم تنقض على ~~أنطاع الأدم فيسقط ورقها وعليه الورس متعلقا به ، ولونه أحمر ، فإذا طحن ~~صار أصفر ، وأجوده الهندي ، ثم الحبشي ، ثم اليماني . الترنجبين فمعناه عسل ~~الندي ms2258 ، وهو يسقط ببلاد خراسان وما وراء النهر على العاقول ، ويسمي الحاج ، ~~وقد يقع على سعف النخل ببلاد قسطيلية ، وعلى ورق الأثل . وورق الطرفاء . ~~وقال ابن سينا : أجوده الطري الأبيض ، وطبعه معتدل إلى الحرارة ، وهو ملين ~~، صالح الجلاء ، وينفع من السعال ، ويلين الصدر ، ويسكن العطش ، ويسهل ~~الصفراء برفق ، وإسهاله بخاصية فيه ، والشربة عشرة مثاقيل إلى عشرين مثقالا ~~. PageV11P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" الشيرخشك فقال ابن البيطار ، قال علماؤنا ~~الشيرخشك طل يقع من السماء بهراة من بلاد خراسان على شجر الخلاف ، حلو إلى ~~الاعتدال . وقال التميمي : أما كيفيته فإنه حب أبيض مثل حب الترنجبين . بل ~~هو أكبر ، وهو قريب من مزاج الكافور وطعمه ورائحته ، وإذا بقي في اليد انحل ~~ودبق باليد . المن فهو يسقط على ورق البلوط والسدر والخوخ والمشمش مثل ~~العسل ، فما تخلص منه كان أبيض ، وما لم يتخلص وجمع بورقه كان أخضر وسقوطه ~~يكون بجبال ربيعة ومصر وجبال الشأم إلى نحو دمشق والساحل . الكشوث فقال ~~التميمي : الكشوث يسقط بأرض العراق على شجر يشاكل الباذروج ، وهو مركب من ~~قوى مختلفة من مرارة وعفوصة : وقال ابن سينا : طبعه حار قليلا في أول ~~الأولى يابس في آخر الثانية ، وهو منق يخرج الفضول اللطيفة من العروق ~~وينقيها ، وهو يقوي المعدة ، وخصوصا المقلي منه ، وإذا شرب بالخل سكن ~~الفؤاق ، وهو يفتح سدد الكبد والمعدة ويقويهما ، وماؤه عجيب لليرقان ، وهو ~~ينقي الأوساخ عن بطن الجنين ، ويدر البول والطمث ، وينقي سيلان الرحم ، ~~وبزره وماؤه ينفع من الحميات العتيقة جدا PageV11P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" وأما سكر العشر فقال التميمي : هو طل يسقط ~~على شجر العشر بأرض اليمن والحجاز ، فإن أصابه الهواء جمد . وقال أبو حنيفة ~~الدينوري : العشر ضرب من العضاه ، ينبت صعدا ، عريض الورق ، وله سكر يخرج ~~من فصوص شعبه ، والله أعلم بالصواب . PageV11P0214 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الثانى عشر PageV12P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ### | AUT القسم الخامس من الفن الرابع أصناف الطيب والبخورات والغوالي والندود والمستقطرات والأدهان والنضوحات وأدوية الباه والخواص # وفيه أحد عشر بابا الباب الأول من هذا القسم من هذا الفن ms2259 في المسك ~~وأنواعه قال محمد بن أحمد بن الخليل بن سعيد التميمي المقدسي في كتابه ~~المترجم " بجيب العروس وريحان النفوس " : المسك أصناف كثيرة ، وأجناس ~~مختلفة ؛ فأرفعها وأفضلهاالتبتي ، ويؤتى به من موضع يقال له : " ذو سمت " ، ~~بينه وبين " التبت " مسيرة شهرين ، فيصار به إلى " التبت " ، ثم يحمل إلى ~~PageV12P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" خراسان . قال : وأصل المسك من بهيمة ذات أربع ، ~~أشبه شيء بالظبي الصغير . وقد ذكرنا غزال المسك في " الباب الثالث من القسم ~~الثاني من الفن الثالث " ، وهو في السفر التاسع من هذه النسخة فلا فائدة في ~~إعادته . وقد ذكروا في صفة تحصيل المسك من هذا الحيوان أقوالا نحن نذكرها ؛ ~~فزعم قوم أن الغزلان تذبح وتؤخذ سررها بما عليها من الشعر ويكون فيها دم ~~عبيط ، وربما كانت السرة كثيرة الدم ، وربما كانت كبيرة واسعة قليلة الدم ، ~~فيجمع فيها دم عدة سرر ، ويصب فيها الرصاص وهو ذائب وتخيط بالخوص ، وتعلق ~~في حلق مستراح مدة أربعين يوما ، ثم تخرج وتعلق في موضع آخر حتى يتكامل ~~جفافها ، وتشيد رائحتها ، ثم تصير النوافج في مزاود صغار ، وتخيط ، وتحمل ~~من التبت إلى خراسان . قال : وقال أحمد بن أبي يعقوب مولى بني العباس : ذكر ~~لي جماعة من العلماء بمعدن المسك أن معادنه بأرض " التبت " وغيرها معروفة ، ~~قد ابتنى الجلابون فيها بناء يشبه المنار في طول عظم الذراع ، فتأتى هذه ~~البهيمة التي من سررها يتكون المسك فتحك سررها بتلك المنار ، فتسقط السرر ~~هنالك ، فيأتي إليه الجلابون في وقت من السنة قد عرفوه ، فيلتقطون ذلك ~~مباحا لهم ، فإذا وردوا به إلى " التبت " عشر عليهم وقال قوم : إن هذه ~~الدابة خلقها الله تعالى معدنا للمسك ، فهي تثمره في كل سنة وهو فضل دموي ~~يجتمع من جسمها إلى سررها في كل عام في وقت معلوم ، بمنزلة المواد التي ~~تنصب إلى الأعضاء ، فإذا حصل في سررها ورم وعظم ، مرضت له وتألمت حتى ~~يتكامل ، فإذا بلغ وتناهى حكته بأظلافها ، فيسقط في تلك المفاوز والبراري ، ~~فيخرج اليه الجلابون PageV12P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" فيأخذونه . قال : وهذا أصح ms2260 ما قيل في باب المسك ~~. قال : ويشهد بصحة ذلك ويوافقه ما حكاه محمد بن العباس المسكي في كتابه : ~~أن تجار المسك من أهل الصغد يذكرون أن المسك سرة دابة في صورة ضخامة الظبي ~~، لها قرن واحد في وسط رأسها . قال : ومن قرنها وعظم جبهتها تتخذ النصت ~~المعروفة بنصب " الختو " . قال : وذكروا أنها تهيج في وقت معلوم من السنة ، ~~فترم مواضع سررها ، ويجتمع إليها دم غليظ أسود يفيض إليها من سائر أجسادها ~~، وأنه يشتد وجعها ، فتأتي مواضع فيها تراب لين كهيئة المراغة في تلك ~~البراري ، بين المراغة منها وبين الأخرى مسافة ليست بالقريبة وتلك الظبي لا ~~ننزع سررها في غير تلك المراغات ، قد ألفت المعك فيها ، والتمرغ في تربها ، ~~واعتادته على ممر السنين ، فإذا نالها ذلك أمسكت عن الرعي وعن ورود المياه ~~، ولاتزال تتقلب فيه حتى تسقط تلك السررعنها ، وهي دم عبيط . قال : وربما ~~سقطت قرونها أيضا كما يفصل الإيل قرنه في كل سنة . قال : وربما اجتمع في ~~المراغة الواحدة مائتان من تلك الظباء ، فإذا ألفت تلك السرر خرج شباب أهل ~~الصغد وأهل التبت في وقت الإمكان إلى تلك المفاوز التي فيها تلك المراغات ~~فيتفرقون في طلب النوافج ، فربما وجدوا في المراغة ألوفا من تلك السرر : من ~~بين رطب وجامد ويابس . قال : وإذا سقطت السرة عن الظبي كان في ذلك إفاقته ~~وصحته فيثبت حينئذ في الرعي وورود الماء . وقال محمد بن العباس : أجود ~~المسك الصغدي ، وهو ما استراه تجار خراسان من التبت وحملوه على الظهر إلى ~~خراسان ثم يحمل من خراسان إلى الآفاق ؛ ثم يتلوه في الجودة المسك الهندي ، ~~وهو ما وقع من التبت إلى أرض الهند ، ثم حمل إلى الديبل ، ثم حمل في البحر ~~إلى PageV12P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" سيراف وعدن وعمان ، وغيرها من النواحي ، وهو ~~دون الصغعدي ، ويتلو الهندي المسك الصيني وهو دونه ، لطول مكثه في البحر ، ~~وما يلحقه من عفونة هوائه ، ولعلة أخرى وهي اختلاف المرعى في الأصل . قال : ~~وأفضل المسك ما كان مرعى غزلانه حشيشا يقال له : الكد ms2261 همس ، ينبت بالتبت ~~وقشمير ، أو بأحداهما . وذكر أحمد بن أبي يعقوب أن اسم هذه الحشيشة ~~الكندهسة ، قال : وأفضل ما يرعى هذا الحيوان بعد هذه الحشيشة السنبل الهندي ~~، يريد سنبل الطيب ، فإنه ينبت بأرض الهند وبأرض التبت كثيرا ، وما كان ~~يرعى السنبل فإن المسك المتكون منه يكون وسطا دون الصنف الأول . قال : ~~وأدنى المسك ما كان مرعى حيوانه حشيشة يسمى أصلها : المرو ؛ ورائحه تلك ~~الحشيشة كرائحة المسك ، إلا أن المسك أقوى وأذكى رائحة ، قال محمد بن أحمد ~~بن العباس المسكى : وقد ذكر بعض العرب أن دابة المسك ترعى شجر الكافور ، ~~واستدل على ذلك بقول الشاعر العكلي : ه تلك الحشيشة كرائحة المسك ، إلا أن ~~المسك أقوى وأذكى رائحة ، قال محمد بن أحمد بن العباس المسكى : وقد ذكر بعض ~~العرب أن دابة المسك ترعى شجر الكافور ، واستدل على ذلك بقول الشاعر العكلي ~~: PageV12P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" تكسو المفارق واللبات ذا أرج . . . من قصب ~~معتلف الكافور دراج والقصب : المعى ؛ ومنه قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) : " رأيت عمرو بن لحى يجر قصبه في النار " . وقال محمد بن أحمد : هذا رأي ~~بدوي وليس برأي عالم يعتمد على نقله . وفال الحسين بن يزيد السيرافي - وهو ~~من أهل الخبرة ببر الصين وبحرها ، وماسلكها وممالكها : إن الأرض التي بها ~~ظباء امسك الصيني والتبتي أرض واحدة لا فرق بينهما ، وأهل الصين بجمعون من ~~المسك قرب منهم وكذلك أهل التبت . قال : وإنما فضل المسك التبتي على المسك ~~على المسك الصيني لأمرين : أحدهما أن ظباء المسك التي في حدود التبت ترعى ~~سنبل الطيب ، وما يلي منها أرض الصين ترتعي سائر الحشائش ؛ والثاني أن أهل ~~التبت يتركون النوافج بحالها ؛ وأهل الصين ربما يغشون فيها ، ولسلوكهم بها ~~في البحر وما يلحقها من الأنداء ؛ فأما إذا ترك أهل الصين المسك في نوافجه ~~من غير غش ، وأحرز في البراني ، وحمل إلى أرض العرب ، فلا فرق بينه وبين ~~التبتي في الجودة . قال وأجود المسك كله ما حكته الظباء على أحجار الجبال ، ~~وذلك أن المادة الغليظة الدموية إذا ms2262 انصبت إلى سرر الظباء اجتمعت فيها ~~كاجتماع الدم فيما يعرض من الدماميل ، فإذا أدرك وأضجر الظباء ، حكت ~~السرربالحجارة بحدة وحرقة فيسيل ما في السرر على أطراف الحجارة ؛ فإذا خرج ~~عنها جفت السرر واندملت و عادت المادة فآجتمعت فيها ، فيخرج أهل التبت في ~~طلب هذا الدم السائل ولهم به معرفة ، فيلتقطونه و يجعلونه في النوافج ، ~~ويحملونه إلى ملوك خراسان ، وهو نهاية المسك جودة وفضلا ، إذ هو مما أدرك ~~على حيوانه ، فصار فصله على غيره من المسك كفضل مايدرك من الثمار على ~~أشجاره على ما يقطف قبل بلوغه وإدراكه . قال : وغير هذا من المسك فإنما ~~تصاد ظباؤه بتلسرك وبالسهام ، وربما PageV12P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" قطعت النوافج عن الظباء قبل إدراك المسك فيها ، ~~قال : على أن إذا قطع عن ظبائه كان كريه الرائحة مدة طويلة إلى أن يجف على ~~طول الأيام ، فيستحيل مسكا . قال : وظباء المسك كسائر الظباء المعروفة في ~~القدر واللون ودقة القوائم ، وافتراق الأظلاف ، وانتصاب القرون وانعطافها ، ~~نور غير أن لكل واحد منها نابين رقيقين أبيضين ، خارجين من فيه في فكه ~~الأسفل ، قائمين في وجه الظبي كنابي الخنزير ، في طول الفتر أو دونه ، على ~~هيئة ناب الفيل . وقال أحمد بن أبي يعقوب : أفضل المسك التبتي ، ثم بعده ~~المسك الصغدي ، وبعد الصغدي المسك الصيني ، وأفضل الصيني ما يؤتى به من ~~خانقو ، وهي المدينة العظمى التي هي مرفأ الصين التي ترسى بها مراكب تجار ~~المسلمين ، ثم يحمل في البحر إلى الزقاق ، فإذا قرب من بلد الأبلة ارتفعت ~~رائحته ، فلا يمكن التجار أن يستروه من العشارين ، فإذا خرج من المركب جادت ~~رائحته ، وذهبت عنه رائحة البحر " ثم المسك الهندي ، وهو ما يقع من التبت ~~إلى الهند ، ثم يحمل إلى الديبل ، ثم يجهز في البحر " ، وهو دون الأول ؛ ~~وبعد الهندي من المسك القنبارى ، وهو مسك جيد ، إلا انه دون التبتى في ~~القيمة والجوهر واللون والرائحة ، يؤتى به من بلد يقال له : قنبار بين ~~الصين والتبت وربما غالطوا به فنسبوه إلى التبت ، قال : ويتلوه في الجودة ~~المسك ms2263 الطغزغزى ، وهو مسك رزين يضرب إلى السواد ، يؤتى به من أرض الترك ~~الطغزغز تجلبه التجار PageV12P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" فيغالطون به ، إلا أنه ليس له جوهر ولا لون ، ~~وهو بطىء السحق لايسلم من الخشونة ، ويتلوه في الجودة المسك القصارى ، يؤتى ~~به من بلد يقال لها قصار ، بين الهند والصين ، قال : وقد يلحق بالصيني ، ~~إلا أنه دونه في القيمة قال : والمسك الجرجيري ، وهو مسك يشاكل التبتي ~~ويشبه وهو أصفر حسن ، زعر الرائحة . وبعده المسك العصماري ، وهو أضعف أنواع ~~المسك كلها ، وأدناها قيمة ، يخرج من النافجة التي زنتها أوقية زنة درهم ~~واحد من المسك . ثم المسك الجبلي ، وهو مايؤتى به من ناحية أرض السند من ~~أرض المولتان ، وهو كبير النوافج ، حسن اللون ، إلا أنه ضعيف الرائحة ، ~~وقال : أجود المسك في الرائحة والمنظر ماكان تفاحيا ، تشبه رائحته رائحة ~~التفاح اللبناني ، وكان لونه تغلب عليه الصفرة وكان بين الجلال والدقاق ~~وسطا ، ثم الذي يليه وهو أشد سوادا منه ، إلا أنه يقاربه في الرائحة ~~والمنظر ، وليس مثله ، ثم الذي هو أشد سوادا ، وهو أدناه قدرا وقيمة ، وقال ~~: بلغني أن العلماء بالمسك من تجار أهل الهند يذكرون أن المسك ثلاثة أنواع ~~، لايخرجونه عن ذلك ، فالنوع الأول - وهو أفضله وأجوده - المسك الأصلي ~~الخلقة المعروف ، ونوعان آخران متخذان : أحدهما يتخذ من أخلاط يابسة تكون ~~عندهم من نبات أرضهم ، وليس فيه من المسك الأصلي شيء ، وهم يأمرون ~~باستعماله وابتياعه من مواضع أصوله ، ومايليها من البلاد ومن الذين يعرفونه ~~، وهو أهل التبت ، والآخر يتخذونه وينهون عنه وعن ابتياعه والمتجر فيه ، ~~وذلك أنه يتغير ويفسد إذا اقام قال : ونوع آخر ، وهو مسك يجلب من قشمير ~~الداخلة وماحولها ، وليس بجيد ، وهو يقارب المسك المصنوع المنهى عنه ، ~~ويكون هو أيضا متخذا وغير متخذة وهو على نصف القيمة من المسك الجيد ، قال : ~~والمسك في PageV12P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" طبعه حاد لطيف غواص ، جيد لوجع الفؤادة مقو ~~للقلب ، قاطع للدم إذا ضمد به الجرح ، ويدخل في أكحال العين وفي كثير من ~~المعاجين الكبار ، وإذا جعل بدلا من ms2264 الجندبيرستر فإنه أقرب الأشياء إليه في ~~طبعه وفعله ، وقال محمد بن أحمد : فأما المسك المنسوب إلى دارين ، فهو من ~~نوع المسك الهندي ، تجلبه التجار إلى دارين : جزيرى بالبحرين ترفأ إليها ~~سفن تجار الهند ، ويحمل منها إلى المواضع ، وليست دارين بمعدن للمسك . ~~الباب الثاني من القسم الخامس من الفن الرابع في العنبر وأنواعه ومعادنه ~~قال محمد بن أحمد التميمي : حدثني أبي عن أبيه عن أحمد بن أبي يعقوب أنه ~~قال : العنبر أنواع كثيرة ، واصناف مختلفة ، ومعادنه متباينة ، وهو يتفاضل ~~بمعادنه وبجوهره ، فأجواد أنواعه وأرفعه وأفضله وأحسنه لونا وأصفاه جوهرا ~~وأعلاه قيمة ، العنبر الشحري ، وهو ماقذفه بحر الهند إلى ساحل الشحر من أرض ~~اليمن ، وزعموا أنه يخرج من البحر في خلقة البعير أو الصحرة الكبيرة . قال ~~التميمي : والأصل الصحيح فيه أنه ينبع من صخور في قرار الأرض ومن عيون ، ~~ويجتمع في قرار البحر ، فإذا تكاث وثقل جذبته طبيعة الدهانة ، التي فيه ، ~~واضطرته إلى الانقطاع من المواضع التي يتعلق بها عند خروجه من الأرض ، ~~وطلعت إلى وجه الماء ، فطفا PageV12P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" على وجه الماء وهو جار ذائب ؛ ومنه . ما تقطعه ~~الأمواج فتخرجه إلى السواحل قطعا كبارا وصغارا . قال : وحدثني أبي عن أبيه ~~عن أحمد بن أبي يعقوب قال : تقطعه الريح وشدة الموج فترمي به إلى السواحل ~~وهو يفوره لايدنو منه شيء لشدة حره وفورانه فإذا أقام أياما وضربه الهواء ~~جمد ، فيجمعه الناس من السواحل المتصلة بمعادنه ، قال : وربما أتت السمكة ~~العظيمة التي يقال لها : . " البال " فابتلعت من ذلك العنبر الصافي وهو ~~يفور ، فلايستقر في جوفها حتى تموت وتطفو ، ويطرحها البحر إلى الساحل ، ~~فيشق جوفها ، ويستخرج مافيه من العنبر ، وهو العنبر السمكي ويسمى أيضا : ~~المبلوع ، قال : وربما طرح البحر قطعة العنبر فيبصرها طير أسود شبيه ~~بالخطاف ، فيأتي اليها ويرفرف بجناحيه ، فإذا دنا منها وسقط عليها تعلقت ~~مخاليبه ومنقاره فيها فيموت ويبلى ، ويبقى منقاره ومخاليبه في العنبر ، وهو ~~العنبر المناقيري . قال التميمي : وزعم الحسين بن يزيد السيرافي أن الذي ~~يقع من العنبر إلى سواحل ms2265 الشحر شيء تقذفه الأمواج إليها من بحر الهند ، وأن ~~أجوده وأفضله مايقع إلى بحر البربر وحدود بلاد الزنج وما والاها ، وهو ~~الأبيض المدور ، والأزرق النادر . قال : ولأهل هذه النواحي نجب يركبونها ~~مؤدبة يركبون عليها في ليالي القمر على سواحلهم ، وهذه النجب تعرف العنبر ، ~~وربما نام الراكب عليها أو غفل ، فإذا رأى النجيب العنبر على الساحل برك ~~بصاحبه ، فينزل ويأخذه . قال : ومنه مايوجد فوق البحر طافيا في عظم الثور ، ~~قال : وبعد العنبر الشحري العنبر الزنجي ، وهو الذي يؤتى به من بلاد الزنج ~~إلى عدن ، وهو عنبر أبيض ، وبعده العنبر الشلاهطين وهو PageV12P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" يتفاضلن وأجود الشلاهطى الازرق الدسم الكثير ~~الدهن ، وهو الذي يستعمل في الغوالي ، وبعد الشلاهطي العنبر القاقلين وهو ~~أشهب جيد الريح ، حسن المنظر ، خفيف ، وفيه يبس يسير ، وهو دون الشلاهطي ~~لايصلح للغوالي ولا للتغليى والتطهير إلا عن ضرورة ، وهو صالح للذرائر ~~والمكلسات ، ويؤتى بهذا العنبر من بحر قاقلة إلى عدن ، وبعد القاقلي العنبر ~~الهندي ، يؤتى به من سواحل الهند الداخلة ، فيحمل إلى البصرة وغيرها ، وبعد ~~الزنجي ، يؤتى به من ساحل الزنج ، وهو شبيه بالهندي ويقاربه ، هكذا ذكر ~~التميمي في " جيب العروس " ، فإنه يجعل الزنجي بعد الشحري وذكر الزنجي أيضا ~~بعد الهندي ، قال : وعنبر يؤتى به من الهند يسمى الكرك بالوس وينسب إلى قوم ~~من الهند يجلبونه ، يعرفون بالكرك بالوس ، يأتون به إلى قرب عمان ، يشتريه ~~منهم أصحاب المراكب ، قال : وأما العنبر المغربي ، فإنه دون هذه الأنواع ~~كلها ، يؤتى به من بحر الاندلس ، فتحمله التجار إلى مصر ، وهو شبيه في لونه ~~بالعنبر الشحري ، وقد يغالط به فيه ، قال التميمي : وأفضل العنبر وأجوده ~~ماجمع قوى رائحة وذكاء بغير زعارة . وقال أحمد بن أبي يعقوب : قال لي جماعة ~~من أهل العلم بالعنبر : إنه بجبال ثابتة في قرار البحر ، مختلفة الألوان ، ~~تقتلعه الرياح وشدة اضطراب البحر في الاشتية الشديدة ، فلذلك لايكاد يخرج ~~في الصيف . قال : وألوان العنبر مختلفة ، منها الابيض ، وهو الأشهب ، ومنها ~~الأزرق ، PageV12P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" والرمادي ، والجراري ، وهو الأبراش ؛ والصفائح ms2266 ~~، وهو الأصفر والأحمر ، وهما أدنى العنبر قدرا ؛ " والله أعلم " . ومن ~~العنبر صنف يسمى المند ، ويوجد على سواحل من البحر ، قال التميمي : أخبرني ~~جماعة من أهل المعرفة بالعطر وأصنافه وأنسابه أن دابة تخرج من البحر فترمى ~~به من دبرها ، وأن تلك الدابة في صورة البقر الوحشي ، فيؤخذ وهو لين يمتد ، ~~فما كان منه عذب الرائحة حسن الجوهر ، فهو أفضله وأجوده . والمند أصنافه ، ~~أجودها الشحرى وهو أسود ، فيه صفرة تخضب اليد إذا لمس ؛ ورائحتة كرائحة ~~العنبر اليابس ، إلا أنه لا بقاء له على النار ؛ ويستعمل في الغوالي إذا عز ~~العنبر الشلاهطي ؛ ومن المند الزنجي ، وهو نظير الشحري في المنظر ، ودونه ~~في الرائحة ؛ وهو أسود بغير صفرة ؛ ومنه الخمري ، وهو يخضب اليد وأصول ~~الشعر خضابا جيدا ، ولا ينفع في الطيب ؛ ومنه السمكي ، وهو المبلوغ كما ~~قدمنا ذكره وهو في لونه شبيه بالقارة وهو ردئ في الطيب ، للسهوكة التي ~~يكتسبها من السمك . وقال التميمي : طبع العنبر حار ، وفيه شئ من يبس ؛ وهو ~~مقو للقلب ، مذك للحواس محلل للرطوبات ، نافع للشيوخ ؛ وقد تضمد به المفاصل ~~النصب اليها الرطوبات فتنتفع به نفعا جيدا ، ويقويها ؛ ويستعمل في ~~الجوارشنات وكبار المعاجين وفي المعاجين القوية للمعدة والقلب ؛ ويسعط به ~~فيحلل علل الدماغ . قال : وفد تصطنع منه شمامات فيشمها من بهم اللقوة و ~~الفالج ، فينتفعون بروائحها . PageV12P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الرابع ~~في العود وأنواعه ومعادنه وأصنافه قال محمد بن أحمد التميمي : أخبرني أبي ~~عن أبيه من جماعة من أهل العلم والمعرفة بالعود أنه شجر عظام بمواضع من أرض ~~الهند ؛ وهي معادن له ، وأن منه ما يجلب من أرض قشمير الداخلة ، ومن أرض ~~سرنديب ومن قمار وما اتصل بتلك النواحي ؛ وذكرواأنه لا تصير له رائحة إلا ~~بعد أن يعتق وينجر ويقشر ، فإذا نفى عنه قشره وجفف حمل إلى كل ناحية . قال ~~وأخبرني بعض العلماء به أنه يكون من قلب الشجر ، وأنه ليس كل ما في الشجرة ~~عودا ، وأنه بمنزلة قلب شجرة الآبنوس والعناب والزيتون والأنواع ms2267 التي ~~داخلها من جوهر الخشب فيه دهانة ، وما في خارجها خشب أبيض لا دهانة فيه ، ~~وربما كان فية كمثل الطرائق والشامات في الشجرة فيقطع ، ويقشر البياض منه ، ~~ويدفن في التراب ، فيقيم سنين حتى يأكل التراب ما عليه وما في داخله من ~~الخشب ، ويبقى العود ، ولا يعمل التراب فيه . وإلى نحو هذا القول ذهب محمد ~~بن العباس . وقال محمد بن العباس أيضا : وأخبرهي جماعة من أهل الأبلة أن ~~العود المعروف بالهندي يكون في أودية بين جبال شواهق متوعرة ، لا وصول لأحد ~~اليها لصعوبة المسلك ، وأن العود يكون في PageV12P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" غياض بتلك الأودية ، فيتكسر بعض ذلك الشجر على ~~طول الأيام ، وتتعفن منه أصول بعض الشجر من الأمطار والسيول ، فيأكمل ~~التراب والماء والهواء من فيه من الخشب ، ويبقى صميم العود وخلاصه وجوهره ، ~~فإذا كثرت الأمطار وجرت السيول أخرجته من تلك الأودية إلى البحر ، فتقذفه ~~الأمواج إلى الساحل فيجمعه الناس ويلتقطونه وينقلونه إلى الجهات . وقد حكى ~~بعض من تردد إلى بلاد الهند من التجار قال : لم أر شجر العود ، ولا رأيت من ~~رآ ه ؛ قيل له : وكيف لم تره وقد ترددت إلى بلاد الهند ، ومنها يجلب ؟ قال ~~: لأن التجار الذين يجلبونه إلى الهند اذا قدموا بمراكبهم إلى المواني ~~بالهند يقفون بالمراسي بحيث يرى من المواني مراكبهم ، ولايرون من فيها ، ~~فإذا شاهدوهاأخلوا الفرضة والمينا من عشية ، ولا يظهر منهم أحد بها ، فيأتي ~~أصحاب تلك المراكب إلى المينا وينقلون جميع ما معهم إلى الفرضة ، ويفرد كل ~~تاجر منهم بضاعته ، ويتركونها ويخرجون فيقفون على مراسيهم ويصبح أهل ~~المدينة فيأتون إلى تلك البضائع ، ويجعلون إلى جانب كل بضاعة بضاعة نظيرها ~~، ويتركونها ، ويخلون الفرضة ، فيعود التجار وينظرون إلى ما جعل لهم بدل ~~بضائعهم ، فمن رضى بالعوض أخذه وترك بضاعته من لم يرض به تركهما جميعا ؛ ~~ويصبح أهل المدينة فيأتون إلى تلك البضائع فما وجدوه منها قد أخذ عوضه ~~علموا أن صاحبه رضي بالبيع ، وما وجدوه باق هو وعوضه علموا أن صاحب البضاعة ~~لم يرض بالعوض ، فيزاد حتى ms2268 يرضى ؛ فهذا دأبهم مع الذين يجلبون العود ، وليس ~~فيهم من رآ هم ، وحكى الحاكي ، أنه حكى أن بعض أهل المدينة كمن لهم في مكان ~~يراهم منه ولا يرونه ، فرأى وجوههم وجوه كلاب ، وبقية أجسامهم أجسام ~~الآدميين . وأما أنواع العود ومعادنه وأصنافه - فهو أنواع كثيرة ، وأصناف ~~متباينة ؛ فأفضلة وأجله وأنفسه المندلي ، وهو الهندي ؛ وإنما سمي المندلى ~~نسبة إلى معدنه . " والمندلى هو الهندي " . قالوا : وهو يجلب من ثلاثة ~~مواضع من أرض الهند ، فأفضل ذلك القامروني ، وهو ما جلب من القامرون ؛ ~~والقامرون : مكان مرتفع من الهند . PageV12P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" وقيل : بل هو منسوب إلى نوع من شجر العود يسمى ~~القامرون وهو أغلى الغود ثمنا ، وأرفعه قدرا ، قال : وهو قليل لا يكاد أن ~~يجلب إلا في بعض الحين ؛ وهو عود رطب جدا ، شديد سواد اللون ، رزين ، كثير ~~الماء . وقال الحسين بن يزيد السيرافي في " أخبار الهند " : إن الصنم ~~المعروف بالمولتان - وهو بقرب المنصورة - يقصده الرجل من مسيرة ثلاثة أشهر ~~يحمل على ظهره أفخر العود الهندي والقامروني . قال : وقامرون : بلد يكون ~~فيه فاخر العود ، ويتجشم الهندي المشقة في حمله حتى يأتى به إلى هذا الصنم ~~فيدفعه إلى السدنة ليبخروا به الصنم ، وإ ن هذا العود القامروني فيه ما ~~قيمة المن منه مائتا ويثار ؛ وإنه ربما ختم عليه فانطبع وقبل الختم للينه . ~~قال : والتجار يبتاعونه من هؤلاء السدنة ؛ ولما غلب المسلمون على المولتان ~~قلعوا هذا الصنم وكسروه ، فأصابوا تحته من هذا العود ، فأخذوه . والصنف ~~الثاني من الهندي ، السمندوري ، ويجلب من بلاد سمندور ، وهي بلد سفالة ~~الهند ؛ والسمندوري يتفاضل ، فأجوده الأزرق ، الكثير الماء ، الصلب الرزين ~~، الذي يصبرعلى النار ؛ ومن الناس من يفضل الأسود على الأزرق ، ومنهم من ~~يفضل الأزرق على الأسود ؛ وتكون القطعة الضخمة منه منا واحدا ، ويسمى لطيت ~~رائحته ريحان العود ؛ وأفضل العود بعد السمندوري " العود " القماري ويؤتى ~~به من قمار ، وهي أرض سفالة الهند ؛ وهو أيضا يتفاضل ؛ وأجوده الأسود ~~والأزرق ، الكثير PageV12P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" الماء ، الرزين الصلب ، الذي لا بياض فيه ، ~~ويبقى على النار ويكون ms2269 في القطعة منه نصف رطل إلى ما دون ذلك . قال أحمد بن ~~أبي يعقوب : وله سن نضيج جيد ، كثير الماء . قال : ولا يجتمع في صنف من ~~أصناف العود ما يجتمع في العود الهندي من الحلاوة والمرارة والخمرة والبقاء ~~والصبر على النار وحكى محمد بن العباس المسكى في كتابه في سبب تفضيل العود ~~الهندي وتقديمه على غيره ، واستعمال الخلفاء له ، فقال : العود الهندي أرفع ~~أجناس العود وأفضلها وأجودها ، وأبقاها على النار ، وأعبقها بالثياب . قال ~~: ولم تكن التجار تجلبه في الجاهلية ولا ما بعدها ، إلى آخر أيام بني أمية ~~، ولا ترغب في حمله ، لأجل المرارة التي في رائحته ؛ وإنما كانت الأكاسرة ~~تتبخر بالمندلي والقماري والسمندوري والصنفي بشدة حلاوة روائحها . وزعم أن ~~تلك الحلاوة تولد القمل في الثياب . قال : ولم يكن الهندي يعرف في هذه ~~الأمصار ، ولا كانت التجار تجلبه مع معرفتها بفضله فلما كان في آخر أيام ~~الدولة الأموية عند ما كثر الاختلاف بينهم ، وقلت الأموال في أيديهم ، ~~شرعوا في مصادرات الرعايا ، وأخذوا الأموال من عير وجوهها وتعرضوا إلى ~~أموال الأوقاف والأيتام ، فتعرض ولاة خراسان لبرمك ولولده وطالبوهما ~~بالأموال ، وكان تحت يد برمك أوقاف جليلة ، فهرب هو وولده من أعمال خراسان ~~إلى بلاد الهند ، فأقاموا بها إلى أن ظهرت الدولة العباسية ، فرأى الحسين ~~بن برمك طيبة العود الهندي وزهد التجار فيه ، فاستجاده ، واشترى منه ~~واستكثر ؛ ثم قدم خالد بن برمك وأخوه الحسين وأهلهما على المنصور أبي جعفر ~~لما أفضت الخلافة اليه ، فاصطنعهم وأدناهم وقربهم ؛ فدخل الحسين يوما على ~~المنصور وهو يتبخر بالعود القماري ، فأعلمه أن عندهما هو أطيب منه رائحة ~~وأنه حمله معه من الهند ؛ فأمره المنصور بحمل ماعنده منه ، فحمله إليه ، ~~فاستجاده المنصور ، وأمر أن يكتب إلى الهند في حمل الكثير منه ، ~~PageV12P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" ولم تكره تلك المرارة والزعارة التي في رائحته ~~، لأنها تقتل القمل ، وتمنع من تكونه في الثياب ؛ وله عبق بالثياب وبقاء ~~فيها . قال : فلما اختارت الخلفاء والملوك العود الهندي وآثرت البخور به ، ~~سقط قدر ما عداه من ms2270 أصناف العود وغر العود الهندي قال محمد بن أحمد وبعد ~~العود القماري في الفضل والجودة العود القاقلي ، ويجلب من جزائر في بحر ~~قاقلة ، وهو عود دسم له بقاء في الثياب ، وفي ريحانية خمرة ؛ وهو حسن اللون ~~شديد الصلابة ، إلا أن قتادة ربما تتغير على النار فينبغي أنك إذا ستعمل ~~وبخربة لا يستقصى إلا أن تنتهي النار إلى القتار . قال ابن أبي يعقوب : ~~وبعد العود القاقلي العود الصنفي ، ويجلب من بلد يقال له الصنف بناحية ~~الصين ؛ وبين الصنف والصين جبل لا يسلك ، وهو أجل الأعواد وأبقاها في ~~الثياب ؛ ومنهم من يفضله على القاقلي ، ويرى أنه أطيب وأعبق وآمن من القتار ~~؛ ومنهم أيضا من قدمه على القماري . قالوا : وأجود الصنفي الأسود ، الكثير ~~الماء ، ويكون في القطعة منه المن والأكثر والأقل . قالوا وشجر العود ~~الصنفي أعظم من شجر الهندي والقماري . وبعد الصنفي العود الصندفوري . ويجلب ~~من بلد الصندفور . ويقال : إنه صنف من الصنفي ، إلا أنه ليس بالقطع الكبار ~~؛ وهو حلو الرائحة حسن اللون ، رزين صلب ، لاحق بقيمة الجيد من الصنفي . ~~وبعد الصندفوري العود الصيني ، وهو عود حسن اللون ، أول رائحته يشا كل ~~رائحة الهندي ، إلا أن قتاره غير محمود ، وأفضله نوع منه يسمى القطعي ، وهو ~~رطب حلو ، طيب الرائحة ؛ ويؤتى به من الصين ؛ وتكون القطعة منه نصف رطل ~~وأكثر وأقل . قال أحمد بن أبي يعقوب : PageV12P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" ومن العود أيضا صنف يسمى القثور ، رطب أزرق ؛ ~~وهو أعذب رائحة من القطعي ، ودونه في القيمة . قال : ومن الصيني أيضا أصناف ~~أخر ، وهي دون كل هذه الأصناف : منها المنطائي ، وهو المانطائي قطعه كبار ~~ملس سود ، لا عقد فيها ، ليست روائحها بمحمودة ، تصلح للأدوية والسفوفات ~~والجوارشنات . ومنه صنف يعرف بالجلابي ؛ وصنف يعرف باللواقي وهو اللوقيني ؛ ~~وهي أعواد متقاربة في القيمة . تصلح للأدوية والسفوفات والجوارشنات . ومنه ~~صنف يعرف بالجلابي ؛ وصنف يعرف باللواقي وهو اللوقيني ؛ وهي أعواد متقاربة ~~في القيمة . قال التميمي : ومن الناس من رتب العود الصيني غير ترتيب أحمد ~~بن أبي يعقوب فقالوا : إن أفضل العود ms2271 الصيني العود القطعي ، وبعده العود ~~الكلهي ، وهو عود رطب يمضغ ، وفيه زعارة وشدة مرارة ، للدهانة التي فيه ، ~~وهو من أعبق الأعواد في الثياب وأبقاها . وبعد الكلهي العود العولاتي ، وهو ~~عود يجلب من " جزيرة العولات " بناحة قمار من أرض الهند . وبعده اللوقيني ، ~~ولوقين : طرف من أطراف الهند ، وهو دون هذه الأعواد في الرائحة والقيمة ؛ ~~وله خمرة في الثياب . وبعد اللوقيني المانطائي ، وهو من شجر بجزيرة تسمى ~~مالطاء ؛ وقيمته مثل قيمة اللوقيني ؛ وهو خفيف ، ليس بالحسن اللون . وبعد ~~المانطائي العود الريطائي ، وهو من جزيرة تسمى ريطاء ، وهو دون المانطائي ~~في الرائحة والقيمة ، يدخل في أعمال المثلثات والبرمكيات . وبعد العود ~~الريطائي العود القندغلي ، ويؤتى به من ناحية كله وهو ساحل الزنج ، وهو ~~يشبه القماري ، إلا أنه لاطيب لرائحته . وبعده العود السمولي ، وهو عود حسن ~~المنظر فيه حمرة ، وله بقاء في الثياب وعلى النار ؛ وقتاره غير محمود ، وهو ~~سريع القتار . وبعد السمولي العود الرانجي ، وهو عود يشبه PageV12P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" قرون الثور ، لا ذكاء له ولا بقاء ؛ وهو ساقط ~~القيمة ، وهو أردأ أنواعه وأدناها . وبعده صنف يقال له : المحرم ، سمى بذلك ~~لأنه كان قد وقع إلى البصرة ، فشك الناس فيه ، فحرمه السلطان ، فسمى المحرم ~~، وهو من أدنى أصناف العود . وقال محمد بن العباس المسكي في كتابه : أفضل ~~العود كله وأجوده المندلي ، وبعده العود السمندوري ، وأجود السمندوري ~~الأزرق ، الكثير الماء الرزين ، الصلب ، الغليظ ، الذي لا بياض فيه ، ~~الباقي على النار ، الكثير الغليان وقوم يفضلون الأسود منه ، وآخرون يفضلون ~~الأزرق ؛ ويكون في القطعة الضخمة منه من . ثم العود القماري ، وأجود ~~القماري الأسود ، النقي من البياض ، الرزين الباقي على النار . قال : وربما ~~كان فيه شهبة يسيرة ؛ وبعد القماري الصنفي الغليظ الكثير الماء وقد يوازي ~~القماري في بعض الحالات ، وربما فضل عليه ، وهما عودان يتقاربان في الصفة ، ~~وتكون القطعة من الصنفي رطلين وأقل . وبعد الصنفي القاقلي ، وهو عود أسود ، ~~فيه بعض شهبة ، أشبه شيء بالعود القماري في منظره ؛ وهو عود حلو ، طيب ~~الرائحة . وبعد القاقلي العود الريركي وهو ms2272 عود صلب ، خفيف ، قليل الصبر على ~~النار ، حسن المنظر واللون ، ويشبه القاقلي ، ويؤتى به من بلاد سفالة الهند ~~. وبعده العود العطكي ، يؤتى به من الصين وهو عود رطب حلو طيب ، دون الصنفي ~~، وفوق القاقلي . ثم صنف من العود يسمى : القشور ، وهو عود طيب الرائحة ، ~~رطب ، أزرق ، عذب ، رائحته مثل رائحة القطعى ، وهو دونه في القيمة ، وبعده ~~المانطائي ، وهو جنس من العود الصيني ، هو قطع كبار ملس لا عقد فيها ، ~~وليست رائحته طيبة ، وهو يصلح للأدوية والجوارشنات . قال : وكذلك الجلابي ، ~~واللواقي ، والبربطائي ، البوطاجي هذه الأصناف لا خير فيها ، ولا طيب ~~لروائحها ؛ وهذه الأجناس يسمونها : الأشباه . قال : وأما العود المسمى : ~~الإفليق ، فإنه يجلب من أرض الصين ، ويكون في العظم مثل الخشب الريحي ~~الغليظ ، يباع المن منه بدينار وأقل وأكثر ، والعود من قشوره ؛ أما داخله ~~وقلبه فخشب أبيض خفيف مثل الخلاف ؛ زإذا وضع على الجمر وجد له في أوله ~~رائحة حلوة طيبة ، فإذا أخذت النار منه ظهرت له رائحة جزازية رديئة كرائحة ~~PageV12P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" الشعر . هذا ما أمكن إيراده من أصناف العود ~~وأجناسه ومعادئه ، وهو معنى ماأورده التميمي في " جيب العروس " . " ذكر ~~تطرية العود الأبيض وإظهار دهانته وإكسابه سوادا قال التميمي فيما نقله عن ~~أبي بكر بن محمد بن أحمد المرندج المعروف بابن البواب : يؤخذ من العود ما ~~كان أبيض الظاهر ، إلا أن فيه رزانة تدل على دهانة كامنة فيه فيبري برية ~~يسيرة ، ويعمد إلى قعر قدر برام فيثقب حتى يصير كهيئة المنخل ، ويعمد إلى ~~قدرمن نحاس أوغير نحاس يكون رأسها بمقدار قعر القدر المبخش ، بحيث إنها متى ~~انطبقت عليها لا يخرج من البخار شيء ، ويصب في القدر ماء ، ويجعل ذلك ~~المثقب على فم القدر ، ويطين ويجعل العود فيها ، وتغطى بغطاء محكم ، ويوقد ~~تحت القدر السفلى وقيدا جيدا حتى يصعد بخار الماء إلى العود من تلك الأبخاش ~~ويفتقده بعد مضي ساعة ، ثم يكشفه ويقلبه تقليبا جيدا ، ثم يغطيه ، ويتعاهده ~~ساعة بعد ساعة إلى أن يظهر له أن دهن العود قد ظهر ، ويمتحن ms2273 ذلك بأن يمسح ~~القطعة منه في خرقة ، فإذا أثرت الدهانة فيها فليخرج وينشر في طست حتى يبرد ~~ويرفعه . الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الرابع في الصندل وأصنافه ~~ومعادنه والصندل أصناف : أفضلها الأصفر الدسم ، الرزين العود ، الذي كأنه ~~قد مسح PageV12P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" بالزعفران ، الذكي الرائحة ؛ ويسمى المقاصيري ~~، واختلف في سمم تسميته بهذا الاسم ونسبته إليه ، فقال قوم : هي نسبة إلى ~~بلد تسمى " مقاصير " . وقال قوم : إن بعض الخلفاء من بني العباس أمر بأن ~~تصنع منه مقاصير لأمهات أولاده وخواص سراريه ، فسمى بذلك ؛ والأول أصح . ~~وقيل : إنة يجلب من بلدين من أطراف الهند ، إحداهما مقاصير ، الأخرى بسمى ~~الجور ؛ فما جلب من مقاصير فهو المقاصيري ، وما جلب من الجور فهو الجوري . ~~قالوا : وهو شجر عظام ؛ وإنه يقطع وهو رطب ، ويقشر ؛ وله من فوق قلبه ~~الأصفر خشب ليس بالذكي الريح إلا أنه صندل يضرب إلى البياض ، وهو الصندل ~~الأبيض ؛ وفي روائحه ضعف عن رائحة القلب الدسم . وأجوده ما اصفر وذكت ~~رائحته ولم يكن فيه زعارةز ويلي الصندل الأصفر الصندل الأبيض ، الطيب الريح ~~، الذي هو من جنس المقاصيري ، لايخالفه إلا بالبياض ؛ وبعده الصندل الأبيض ~~الذي يضرب لونه إلى السمرة ، وهو الجوري السبط ، الصلب العود ، الذي يجلب ~~من الجور ، وهو صندل صلب سبط ، ضعيف الرائحة ، وله رائحة طيبة ، إلا أنها ~~دون رائحة ما قبله ، ويلي الجوري صنفان : أحدهما أصفر فيه زعارة وطيب ؛ ~~والاخر يضرب في لونه إلى الحمرة ، وفيه أيضا زعارة ريح وحدة ، وما لونه ~~منهما إلى الصفرة فإنه يسمى " الساوس " ؛ وقيل : " الكاوس " ، وقد تفتق ~~بهما الذرائر ؛ ويدهلان في المثلثات والبخورات . وفعدهما صندل PageV12P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" جعد الشعرة ، لا سباطة له ، اذا شقق كان جعدا ~~كتجعيد خسب الزيتون ؛ وهو أذكى أصناف الصندل ، ولا يستعمل في شيء سوى ~~البخورات والمثلثات ؛ وبعده الصندل الأحمر الشديد الحمرة ، ويستعمل لتبريد ~~الأورام الحارة ؛ وهو حسن اللون ، ثقيل الوزن ، لا رائحة له ولا خاصية غير ~~تحليل الأورام الحارة ، وتتخذ منه المنجورات والمخروطات ، كالدوي ، ~~والعتائد وأدوات الشطرند ومهارك النرد وأشباه ms2274 ذلك ؛ ويتخذ ذلك من الأبيض ~~فيما يحتاج إلى لونين . والصندل الأحمر أيضا يحك على الحجارة الخشنة بالماء ~~، ويطلى به على الأورام الحارة كم ذكرنا ، وعلى الماشرا ، وعلى كل موضع من ~~الجسد تظهر فيه حمرة دموية ، وعلى النقرس الحاد المتولد من فساد الدم في ~~بدء العلة ، ليقوى العضو ويمنع من إنصباب المادة إليه . قال التميمي : وبعد ~~الصندل الأحمر صنف يعرف بالنجاري ، وهو خشب صلب لا رائحة له ، ولا يدخل في ~~شيء من الطيب ، وإنما تتخذ منه المنجورات والمخروطات التي ذكرناها ، وذلك ، ~~وذلك لصلابته ورزانته . قال : وجميع أنواع الصندل التي ذكرناها ، يؤتى بها ~~من سفالة الهند . فالأصفر الطيب الرائحة المقاصيري يدخل في طيب النساء ~~الرطب واليابس وفي البرمكيات والمثلثات والذرائر ؛ وتتخذ منه قلائد ؛ ويدخل ~~في الأدوية وفي ضمادات الكبد والمعدة ؛ وهو بارد منشف محلل للأورام . ~~PageV12P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" الباب الخامس من القسم الخامس من الفن الرابع ~~في السنبل الهندي وأصنافه والقرنفل وجوهره فأما السنبل الهندي - فقد قال ~~أحمد بن أبي يعقوب : السنبل أصناف ، وأجوده العصافير الحمر الألوان ، ~~المسلل ، والمسلل هو الذي قد نقى من زغبه ومسح منه ، وبقى عصافير مجردة ، ~~وإذا أمسكه الإنسان بكفه ساعة ثم اشتمه كانت رائحته التفاح أو نحوها ؛ ثم ~~الذي يليه ، وهو نوع من العصافير أصفر كثير البياض والشمط ، طيب الرائحة ، ~~قريب من الأول ، ثم أدناه ، وهو دقاق من السنبل وجلال ، ليس مما يدخل في ~~جيد العطر . وأما أصله - فهو حشيشة تنبت بأرض الهند ، وببلد التبت أيضا . ~~وقيل : إنها تنبت في أودية بالهند كما ينبت الزرع ، ثم تجف فيأي قوم ~~فيحصدونه ويجمعونه ، وقيل : إن الأودية التي ينبت فيها هذا السنبل كثيرة ~~الأفاعي وليس يأتيها أحد إلا وفي رجله خف طويل غليظ منعل بالخشب أو الحديد ~~. قالوا : وتلك الأفاعي ذوات قرون فيها السم القاتل الذي يقال له : " البيش ~~" ؛ فيقال : إنه من قرون الأفاعي . وقال قوم من أهل العلم : إنه نبات ينبت ~~بتلك الأودية ؛ وهو ضربان : ضرب خلنجي ، يضرب في لونه إلى الصفرة ، وهو ~~أفضله ؛ وضرب آ خر يضرب إلى ms2275 السواد ، وهم يعرفونه فيتوقونه ؛ وربما جهله ~~بعضهم فمات عند مسه ، سيما إن كانت يده قد عرقت ، أو هي رطبة . وقد كان بعض ~~الخلفاء يأمر بأن يوكل بالمراكب التي من بلد الهند PageV12P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" إلى الأبلة وغيرها من الفرض من يكشف السنبل ~~ويعتبره ، فيخرج منه البيش ، فيؤخذ بكلبتين من حديد وليس يمسه أحد إلا مات ~~لوقته ، فكان يجم ذلا في وعاء ويلقي في البحر . وأما القرنفل وجوهره - فقال ~~أحمد بن أبي يعقوب : القرنفل كله جنس واحد ، وأفضله وأجوده الزهر ، القوي ~~اليابس الجاف الذكي ، الحريف الطعم الحلو الرائحة ؛ ومنه الزهر ، ومنه ~~الثمر ؛ والزهر منه هو ما صغر وكان مشاكلا لعيدان فروع الخربق الأسود في ~~المنظر . والثمر منه ما غلظ وشاكل نوى التمر ، أو عجم الزيتون . وقيل : هو ~~ثمر شجر عظام يشبه شجر السدر . وقال آخرون : يشبه شجر الأترج . وقال آخرون ~~: هو ثمر شجر ورقة الساذج الهندي ، واستدلوا على ذلك بما في طعم الساذج من ~~القرنفلية . قال : ويجلب من بلاد سفالة الهند وأقاصيها ؛ وله بالمواضع التي ~~هن بها روائح ذكية ساطعة الطيب جدا ، حتى إنهم يسمون أماكن القرنفل : " ريح ~~الجنة " ، لذكاء رائحته . هنو حار يابس . لطيف غواص . مقو للقلب نافع لبعض ~~الأكباد التي فيها عفونة ، قاطع للغثيان المولد من الرطوبة والقيء الكائن ~~من التخمة والهيضة ؛ وإذا دق مع التفاح الشامي واعتصر ماؤه مع PageV12P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" شيء من قلوب النعناع وأعطى الوصب نفعه ؛ وقطع ~~عنه الغثيان والقيء ؛ وهو يطيب النكهة ؛ والذكر منه - وهو الزهر - أقوى من ~~فعل الأنثى . قال : وقد يصعد منه ماء يفوق في الطيب ماء الورد ، ويدخل في ~~كثير من مكلسات الطيب والذرائر ، وفي كثير من المعاجين الكبار والأدوية ، ~~وفي عامة طيب النساء ، وفي اللخالخ والمخمرات كلها . وقال مجمد بن العباس ~~المسكي : رأيت قوما ببغداد يدورون على الصيارفة يشترون منهم الدنانير ~~المروانية التي أمر بضربها عبد الملك بن مروان ، وعلى سكتها : " الله أحد " ~~؛ فسألتهم عن ذلك ، فذكروا أنها تحمل في البحر في أكياس قد كتب على كل كيس ~~منها اسم ms2276 صاحبه ووزنه ، فإذا صاروا بالقرب من جزيرة عظيمة بناحية سفالة ~~الهند وضعوا الأناجر ، وشدوا المراكب ناحية ، وركبوا قوارب ومعهم تلك ~~الأكياس وأنطاع قد كتب على كل نطع منها اسم صاحبه أيضا ؛ فيخرجون إلى موضع ~~من تلك الجزيرة ، فيبسط كل واحد منهم نطعه ، ويحمل كيسه فوق النطع مغطى ~~ببعض النطع ، حتى اذا فعل ذلك جماعتهم ، وعادوا إلى القوارب ، ورجعوا إلى ~~المراكب آ خر النهار ، باتوا ليلتهم تلك في مراكبهم ، ثم غدوا في القوارب ~~إلى الجزيرة ، فيجدون فوق كل نطع من أنطاعهم من القرنفل بحسب ماله من المال ~~، ولا يجدون الأكياس ؛ فإن رضى القوم بما وجدوا من القرنفل على أنطاعهم ~~أخذوه ، ومن لم يرض منهم تركه وعاد إلى مركبه ، ثم يعود في اليوم الثاني ~~فيجد كيسه بحاله ، PageV12P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" ولا يرى للقرنفل أثرا ، ولا تقع عين أحد من ~~التجار على أحد ممن هو في تلك الجزيرة ، ولا يقفون على موضع القرنفل ولا ~~على شجره . وهذه الحكاية شبيهة بما ذكرناه في أمر العود . قال التميمي : ~~وقد كان وقع إلى ذكر هذا بعينه ؛ وزعم الذي أخبرني : أنهم قديما كانوايجدون ~~أكياسهم مع القرنفل على الأنطاع بحالها ، فكان الرجل إن اختار القرنفل حمله ~~وترك الكيس ، وإن اختار المال أخذه وترك القرنفل ، إلى أن غدر التجار بهم ~~في بعض السنين ، فحملوا المال والقرنفل ، وانقطع جلب القرنفل سنين كثيرة ، ~~وغلا حتى لم يقدر عليه ، ثم عادوا ولزموا العدل مع أهل الجزيرة ، فصاروا ~~عند ذلك لا يجدون فوق الأنطاع غير القرنفل فإن رضوا به حملوه ، وإن سخطوا ~~تركوه ليلتهم ، ثم عادوا في اليوم الثاني فوجدوا أموالهم . وهذه الحكاية ~~نحو ما قدمناه في العود . الباب السادس من القسم الخامس من الفن الرابع في ~~القسط وأصنافه ويقال فيه : الكست بالكاف والتاء ، بدل القاف والطاء ؛ وقد ~~تكررت الأحاديث الصحيحة النبوية - على قائلها أفضل الصلاة والسلام - ~~بمنافعه وما فيه من الأشفية ؛ فمنها ما رواه البخاري بسنده عن أم قيس بنت ~~محصن أخت عكاشة ، - وكانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن رسول الله ( صلى ms2277 ~~الله عليه وسلم ) - أنها قالت : أتيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بابن لي ~~قد علقت عليه من العذرة فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " اتقوا الله ~~، على PageV12P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" ما تدغرون أولادكم بهذه الأعلاق ، عليكم بهذا ~~العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية ، منها ذات الجنب " يريد الكست ، يعني ~~القسط . وللقسط أصناف ذكرها محمد بن أحمد التميمي قي جيب العروس فقال : منه ~~ما يجلب من بلاد الحبشة ؛ ومنه البحري الذي يسمى الجلود ؛ وأجوده الأبيض ~~الرقيق القشرة الذي هو كأمثال الأصابع وأكبر ، والمشقق اليابس . ويقال : ~~إنهم يأكلونه في بلادهم رطبا . وقال محمد بن العباس المسكي : أخبرني بعض ~~البحريين أنه يكون في جبال الماهات ، ينبت في شقوق الصخور وأعالي الجبال ؛ ~~ويقال له " الكلى " ويؤكل ، غير أنه رديء الجوهر ، اذا جف لا تكون له صلابة ~~، ويشبه أصله أصل الكرفس الجبلي ، وكذلك ورقه يشبه ورق الكرفس الجبلي أيضا ~~. قال المسكي : فلما صرت إلى الجبل جربت ذلك فوجدته كما قال ، ورأيته كثيرا ~~في جبال أبهر وزنجان . قال التميمي : ومن القسط الحلو أيضا صنف آخر غليظ ~~الرائحة يسمى القرنفلي ، ليس بطائل ، ويدخل في الدخن . اما القسط المر - ~~وهو الهندي - فيجلب من أرض الهند ؛ وأجوده ما ابيض ورزن ؛ ومن الهندي صنف ~~يضرب إلى السواد لا خير فيه . قال : ومن المر نوع يسمى القرنفل . ليس بطائل ~~. هذا النوع من القسط والذي يضرب إلى السواد أدناه وأسقطه ثمنا وقيمة . ~~والقسط المر الأبيض يدخل في كثير من الأدوية والمعاجين الكبار ؛ ومنه ~~PageV12P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" يعمل دهن القسط ؛ ويشرب فينتفع به من أوجاع ~~الجنبين والخواصر ويدر البول ويفتح سدد الكبد ؛ وهو حار يابس قوي الحرارة ~~واليبس . الباب السابع من القسم الخامس من الفن الرابع في عمل الغوالي ~~والندود أما عمل الغوالي - فقد قال الزهراوي في كتابه : والغالية ينقسم ~~عملها إلى ثلاثة أقسام : الأول في الوقت الذي تعمل فيه ؛ والثاني الآلة ~~التي تصلح أن تعمل فيها ؛ والثالث كيفية عملها . فأما الوقت الذي يصلح أن ~~تعمل فيه - فوجه السحر قبل طلوع الشمس ، لاعتدال ms2278 الهواء فيه ، وإن وافق أن ~~يكون فصل الربيع فهو أفضل ويتوقى أن يكون حالة وقت هبوب الريح ، بل في وقت ~~سكونه . وأما الآلات التي تصلح لعملها وسحق أجزائها فيها - فأفضل ما سحق ~~المسك في هاون ذهب خالص ، أو صلاية زجاج ، بفهر زجاج ؛ وأن يذاب العنبر في ~~محارة من حجر ، أو في مدهن من حجر أسود ، أو زجاج ؛ أو في مدهن ذهب ، أو ~~فضة مموهةبالذهب ، ويرفع في إناء من ذهب أو زجاج . وأما كيفية عملها وأخذ ~~أجزائها - فهو أن يأخذ من المسك الجيد أوقية فيسحقة برفق لئلا يحترق من شدة ~~السحق ، ثم ينخله بمنخل شعر صفيق وإن أمكن نخله PageV12P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" من غير سحق فهو أجود ، ثم يأخذ من العنبر ~~الطيب نصف أوقية فيذوبه في مدهن على ألطف ما يكون من النار ، فاذا كاد يذوب ~~قطر عليه شيئا من دهن البان المطيب ، ثم ينزله بعد أن يذوب ، ويعتبره ~~بأنامله ، فأن كان فيه رمل أخرجه ، ثم يلقيه على المسك في الصلابة ؛ ويحذر ~~أن يكون العنبر حارا فإن حرارته تفسد المسك ؛ ثم يسحق الجميع في الصلاية ~~برفق حتى يمتزج العنبربالمسك ، ويجردهما بصفيحة ذهب لطيفة ، ولا يجردهما ~~بنحاس ولا بحديد فإنهما يفسدانهما ، ثم يرفع الغالية بالبان على حسب ما يحب ~~من رقتها أو ثخنها ؛ وليس للبان حد يوقف عنده . وإن أراد أن يجعل المسك مثل ~~العنبر أو دونه فعل . هذا ما ذكره الزهراوي في الغالية . وقد ذكر محمد بن ~~أحمد التميمي في كتابه المترجم " بجيب العروس " في باب الغوالي كثيرا منها ~~، نذكر من ذلك ما كان يعمل للخلفاء والملوك والأكابر . فمن ذلك غالية من ~~غوالي الخلفاء عن أحمد بن أبي يعقوب : يؤخذ من المسك التبتي النادر مائة ~~مثقال ، يسحق بعد تنقيته من أكراشه وشعره ، وينخل بعد السحق بالحرير الصيني ~~الصفيق ، ويعاد سحقه ونخله ، ويكرر حنى يصير كالغبار ؛ ثم يؤخذ تور مكي أو ~~زبدية صيني ، فيجعل في أيهما حضر من البان الجيد النادر قدر الكفاية ، ~~ويقطع فيه من العنبر الشحري الأزرق الدسم خمسون مثقالا ms2279 وترفع الزبدية بما ~~فيها من البان والعنبر على نار فحم لينة لا دخان لها ولا رائحة فتفسده ، ~~ويحرك بملعقة من ذهب أو فضة حتى يذوب العنبر ، ثم ينزله عن النار ، فإذا ~~فتر طرح المسك فيه ، ويضرب باليد ضربا جيدا حتى يصير جزأ واحدا ، ثم يرفع ~~ذلك في إناء من الذهب أوالفضة ، وليكن ضيق الرأس ليمكن تصميمه ، أو في ~~برنية زجاج نظيفة ، ويسد رأسها بصمامة حرير صيني محشوة بالقطن ، لئلا ~~يتصاعد ريحها . قال : فهذه أجود الغوالي كلها ، وإن جعل العنبر نظير المسك ~~فلا بأس . وهذه الغالية المتساوي فيها المسك والعنبر كانت تعمل لحميد ~~الطوسي ؛ وكانت تعجب المأمون جدا PageV12P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" وكانت هذه الغالية تعمل لأم جعفر ، إلا أنهم ~~كانوا يضيفون إلى البان نظير ربعه من دهن الزنبق الرصافي النيسابوري ؛ ~~وكانوا يصنعون هذه الغالية لمحمد بن سليمان ، إلا أنهم كانوا يجعلون مع ~~البان والزنبق شيئا من دهن البلسان الخالص ؛ وكانوا أيضا يصنعون لأم جعفر ~~غالية يسمونها غالية العنبر ، وذلك أنهم يجعلون لكل ثلاثة أجزاء من المسك ~~عشرة أجزاء من العنبر ، وترتيت عملها كما تقدم . غالية حجاجية تسمى ~~الساهرية يؤخذ من المسك التبتي عشرة مثاقيل ، ومن العنبر عشرة مثاقيل ، ومن ~~العود الهندي المسحوق مثقال واحد ، ومن الزعفران مثقال واحد ؛ فيحل العنبر ~~بدهن البان الكوفي الجيد ودهن الزنبق النيسابوري ، فإذا ذاب العنبر ينزل عن ~~النار ويترك حتى PageV12P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" يفتر ؛ ثم يلقى المسك المسحوق المنخول والعود ~~والزعفران عليه ويضرب ضربا جيدا محكما ، وربما فتق بشيء من الكافور ، ويرفع ~~في ظرف ويسد رأسه كما تقدم ؛ والله أعلم بالصواب . غالية هشام بن عبد الملك ~~وهي غالية صفراء يؤخذ من السنبل العصافير وزن أربعة دراهم ، ومن الصنل ~~المقاصيري ثلاثة دراهم ، ومن العود الهندي الجيد أوقيتان ؛ وتدق هذه ~~الأصناف ، وتنخل بحريرة ، وينعم سحقها بعد النخل ، وتلقى عليها من الزعفران ~~القمى المطحون أوقية مخولة بحريرة ، ويخلط جميع ذلك ، ثم يؤخذ الزبيب ~~الطائفي والمرزنجوش الرطب والنمام الرطب ، فتنقع الثلاثة ليلة في ماء وتمرس ~~وتصفى وتعجن بها الأخلاط أو ms2280 تعجن بطلاء عتيق عجنا جيدا ، وتلصق في باطية ، ~~وتبخر بالند ثلاثة PageV12P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" أيام وتقلب كل سبع تبخيرات مرة ؛ ثم يؤخذ ~~لهامن السك المثلث أو المنصف خمسة عشر مثقالا فتسحق سحقاجيدا ، وتنخل ~~بحريرة ، ويؤخذ نصف السك وتعجن به وهو رطب ثم يقرص ويترك ثلاثة أيام في ~~الظل ، ولا يدنيه من الشمس ، فإذا جف يسحق في صلاية ، وينخل بحريرة ؛ ثم ~~يذاب له من العنبر الأزوق أوقية ببان الغالية المرتفع الجيد ، وتلقى عليه ~~بقية السك وتلك الأخلاط ، ويضرب ؛ ثم تلقى عليه أوقية ونصف من المسك التبتي ~~المسحوق المنخول بالحريرة ، ويضرب فيه بالأصابع حتى يختلط ، ثم يوعى ، ~~ويحكم سده كما تقدم . صفة غالية أخرى من كتاب محمد بن العباس يؤخد من العود ~~الهندي الجيد المطحون المنخول عشرة دراهم ، فيجعل في قدح ويصب عليه ماء ورد ~~، ويسحق به ، ويسقى ماء الورد ثلاث مرات ، ثم يؤخذ من سك المسك خمسة عشر ~~درهما ، فتسحق وتنخل وتلقى على العود المحلول بماء الورد ، ويسحقان جميعا ~~حتى يجف ماء الورد ، ويسقيانه ، ويسحقان ، ثم يسقيان ثلاث مرات حتى يصيرا ~~كالهباء ، ثم يحل العنبر بدهن البان ، ويلقى عليه العود والمسك بعد أن ينزل ~~عن النار ، ويحرك بعود ، ولايحرك بجريدة ولاظفر ، فإذا اختلط رد إلى ~~الصلاية وسق حتى يصير كالعلك ، ثم يذر عليه من المسك المسحوق بحسب ما يريده ~~صاحبه . غالية متوسطة نسبها التميمي إلى كتات أبي الحسن المصري يؤخذ من ~~المسك ثلاثة مثاقيل ومن العنبر الأزرق مثقال ، ومن سك المسك المرتفع ~~مثقالان ، ومن بان الغالية ثلاث أواقي ؛ يحل PageV12P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" العنبر في البان بنار لينة ، وينعم سحق العود ~~والمسك والسك ، وتخلط ، وتلقى على العنبر المحلول وهو فاتر ، وتضرب ضربا ~~جيدا حتى تستوي . غالية الساهرية ختم بها التميمي باب الغوالي وقال فيها : ~~من أحب أن يحلها بالبان فيي غالية لا بعدها ؛ ومن تطيب بها يابسة بماء ~~الورد فهي أطيب ما يكون من المسوحات . وصفة عملها ، أن يؤخذ من المسك ~~التبتي مثقال ، ومن السك المثلث مثقالان ومن العود الهندي ثلاثة مثاقيل ms2281 ، ~~ومن العنبر الشحري مثقال ؛ يسحق كل واحد منها بمفرده سحقا ناعما ، وينخل ~~بحريرة ، إلا العنبر فإنه يقرض ، ويحل في تور من حجارة ، أو في زبدية صيني ~~؛ ثم يلقي عليه العود والسك ، ويخلطان به خلطا جيدا ويجعل ذلك على الصلاية ~~؛ فإذا برد وجمد يسحق وينخل بحريرة ، ويضاف إليه المسك المسحوق ، ويسحق ذلك ~~جميعا ، ويرفع ؛ فمن أراد أن يستعمل ذلك غالية يحل المثقال منه في مثقال من ~~دهن البان المفتر ، ومن أراد أن يستعمله مسوحا يحله بماء الورد . وأما عمل ~~الندود - فقد ذكر التميمي منها أنواعا كثيرة ؛ فمنها الند المستعيني كان ~~يصنع للمستعين بالله العباسي . قال : يؤخذ من العود الهندي خمسون مثقالا ~~ومثله من المسك التبتي ، ومن العنبر الشحري الأزرق الدسم خمسون ومائة مثقال ~~ومن الكافور الرياحي ثلاثة مثاقيل ؛ يسحق العود والمسك والكافور سحقا ناعما ~~كل واحد منها بمفرده ، وينخل المسك بالحريرة ، ويحل العنبر PageV12P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" في عباسية صيني أو في برام ، ويلقي المسحوق ~~عليه بعد أن ينزل عن النار ، ويعجن به عجنا جيدا ثم يمد على الرخامة ، ~~ويقطع شوابير ، ويصف على منخل حتى يجف ويرفع ، قال : وأما الند الذي أجمع ~~الناس عليه ، فهو أن يؤخد من العود الجيد خمسون مثقالا ، ومثله من المسك ~~التبتي ، ويحل لذلك من العنبر الهندن أو الشحري مائة مثقال وثلاثة مثاقيل ، ~~ويعجن بالمسك ، ويمد شوابير ، ويجفف ، ويرفع . صنعة ند أخر قال التميمي ، ~~تركيبه لأبي سعيد يانس الفارسي ، فجاء غاية في الجودة ؛ يؤحذ من العود ~~الهندي القامروني أو العود القماري عشرة مثاقيل ، ومن المسك التبتي المنقى ~~من أكراشه وشعره عشرون مثقالا ، يسحق كل واحد منهمابمفرده ، وينخل بحريرة ~~صينية ثم يجمعان على الصلاية ، ويضاف إليهما من الكافور الفنصوري مثقال ~~واحد ، ويحل لذلك من العنبر الشحري الأزرق ثلاثون مثفالا في تور حجر أو في ~~عباسية صيني حلا لطيفا بنار لينة ، بعد أن يقرض العنبر ليسرع انحلاله ، ~~وسبيل التور أن يحمل على النار قبل أن يلقى فيه العنبر ، ليقل مكث العنبر ~~على النار ، فإذا إنحل العنبر أنزل عن النار وألقي ms2282 فيه المسك والعود ~~والكافور بعد إنعام سحقها ، ويضرب ذلك مع العنبر في التور بملعقة من فضة أو ~~حديد ضربا جيدا حتى يصير جميعه جزءا واحدا ؛ ثم تبل سكين ويمسح بها ما تعلق ~~على الملعقة ، ويوضع على قطعة من الرخام ملساء قد مسح وجهها بالماء ، وتبل ~~اليد ، ويؤخذ بها من المعجون ، ويفتل على الرخامة فتلا متساويا ويقطع ~~شوابير بسكين مبلولة بالماء ، على ما يراه من المقادير ؛ وإن خشيت أن يبرد ~~المعجون فيجمد ، جعلت التور الذي فيه المعجون على رماد حار . PageV12P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" صفة ند كانت بنان العطارة تصنعه للواثق بالله ~~يؤخذ من العود الجيد الهندي مائة مثقال ، ومن سك المسك خمسون مثقالا ومن ~~المسك التبتي ثلاثون مثقالا ، ومن الكافور الرياحي تسعة مثاقيل ؛ يسحق كل ~~واحد منها على انفراده سحقا ناعما ، ثم تجمع كلها على الصلاية ، وتسحق حتى ~~تختلط وتلتئم ؛ ثم يؤخذ لها مائتا مثقال من العنبر الهندي أو الشحري فيحل ~~في تور برام أو غضارة صيني ؛ فإذا ذاب ينزل عن النار ، وتلقى عليه ~~المسحوقات ، وتخلط به وتعجن عجنا جيدا ، ثم تعمل منه أقراص أو شوابير ، وزن ~~كل قطعة منها مثقال ، وتجفف . صفة ند آخر كانت تصنعه لجعفر المتوكل على ~~الله يؤخذ من العود الهندي القامروني عشرون مثقالا ، ومن السك المثلث خمسة ~~عشر مثقالا ، ومن الكافور الرياحي مثقالان ، ومن المسك التبتي ستة مثاقيل ، ~~ومن السك الأصفر الطوامير مثقال واحد ، ومن الزعفران الروذراوري المسحوق ~~مثقال ؛ يسحق كل واحد بمفرده ، ثم تجمع على الصلاية ، وتسحق ؛ ويؤخذ من ~~العنبر الهندي خمسون مثقالا ، فيقرض ، ويذاب في تور مكي ، وتخلط فيه ~~الأصناف نحو ما تقدم ، ويقطع شوابير . PageV12P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" صفة الند الذي كانت أم الخليفة المقتدر بالله ~~تصنعه وتبخر به الكعبة وصخرة بيت المقدس في كل جمعة يؤخذ من المسك التبتي ~~المنقى من الأكراش مائة مثقال ، يسحق ، وينخل ويحل له من العنبر الشحري ، ~~وينزل عن النار ، فإذا فتر ألقى عليه المسك بمفرده من غير عود ولاغيره ، ~~ويضرب ضربا جيدا ، ثم يمد على الرخامة ، ويقطع شوابير ms2283 ويبخر به . قال ~~التميمي : كان رئيس الخدم ببيت المقدس يهدي إلى والدي من هذا الند فيحله ~~والدي بالبان ، فتجيء منه غالية لاشيء أطيب منها . صفة ند آخر عن أم أبيها ~~بنت جعفر بن سليمان " وهو الذي يسمى اللفيف الشريف " قال التميمي : ولاشيء ~~في الند أرفع منه - يؤخذ من العود الهندي القامروني أوقية ، فيدق وينخل ، ~~ويسحق على الصلاية ، ويؤخذ له من السك المثلث نصف أوقية ، ومن المسك التبتي ~~المنقى من أكراشه ، المسحوق المنخول نصف أوقية ويجمع الجميع ، ويسحق على ~~الصلاية ؛ ويؤخذ من العنبر الهندي الأزرق الدسم أوقيتان ، ويقرض ويذاب في ~~تور على نار لينة نحو ما تقدم ، ثم يلقى عليه العود واسك والمسك ، ويعجن ~~ذلك ، ويمد على صلاية ، ويقطع شوابير ، ويجفف ويرفع . قال التميمي : أجمع ~~العلماء بأمر العطر وأعمال الطيب أن السك إذا كان مثلثا فله في الند معنى ~~جيد وخمرة ، والبخور الذي يدخل فيه يكون له عبق في الثياب ، سيما في بلد ~~مصر والبلاد المعروفة بالعفن . فال : وملاك البخور كله جودة العنبر والمسك ~~والعود والكافور والنار التي يبخر بها ، وألا يكون في الفحم PageV12P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" شيء من الزهومة ، فإن ذلك يفسد البخور ، ويقطع ~~رائحته . وبسط التميمي القول في الندود ، وقد أوردنا منها ما فيه كفاية ؛ ~~وهذه الندود كلها التي ذكرناها كانوا يصعونها للبخور خاصة . وأما الذي يصنع ~~في عصرنا هذا بالديار المصرية - فهو نادر اذا عني به يصلح للحمل والادخار ~~والبخور على النار ، وتعمل منه عنابر مختلفة الأشكال والمقادير ، من الأكر ~~والوردات والشوابير ، وغير ذلك ، وتنظم قلائد ومعاضد ووشاحات وسبحا ، وغير ~~ذلك ، ويجعلها الناس بين ثيابهم اذا لبسوها ويمشون بها ، ويجلسون ويرقدون ~~وهي لا تتغير ولا تتكسر ، ويكسر بعض الأكرة منها أو الوردة أو الخرزة ~~فتستعمل في البخور وغيره ، وتبقى بقيتها في جملة العنبر المنظوم ، ولا ~~يضرها الكسر ، ولا يتفتت منها شيء البتة إلا إن قرض بالسن أو قطع بالشفرة ~~أو المدية ؛ وإذا طال مكثه صلح وجاد وصلب ، وعبق ريحه على النار ، إلا أنه ~~متى اختلط بالياسمين ضعف ريحه ms2284 ؛ وإذا تمادت عليه المدد وكثر استعماله ~~وأفسده العرق الرديء كسر وأضيف اليه شيء من العنبر الخام الشحري وجن به ، ~~ثم بالمسك المسحوق ، وأعيد كما كان ، أو على أي صفة أرادها صاحبه فيجيء ~~غاية في الجودة ، وربما كان أجود وأنفع من الأول ؛ وها نحن نذكر كيفية عمله ~~ومفرداته ومقاديره ؛ والله أعلم . ذكر كيفية عمل الند في وقتنا هذا ~~ومفرداته ومقاديره والند في وقتنا هذا يسمى العنبر ، فإذا أطلق عندهم اسم ~~العنبر كان هو المراد ، ويميز العنبر الأصلي إذا أريد بأن يقال فيه : ~~العنبر الخام ؛ وهذا الند الذن يتداوله الناس في وقتنا هذا ثلاثة أنواع : ~~فالنوع الأول المثلث ، وهو أجودها وأعطرها ؛ وصفة تركيبه ومقادير أجزائه أن ~~يؤخذ له من العنبر الجيد الشحري الرزين الدسم جزء ، PageV12P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" ونظيره من العود الهندي الجيد ، ونظيره أيضا ~~من المسك التبتي ، ويجعل العود براية أجزاء صغارا ، ثم يقلى على نار لينة ، ~~ويطحن بعد ذلك طحنا ناعما ويسحق المسك بعد تنقينه مما لعله فيه من شعر أو ~~غيره ، ثم يقرض العنبر صغارا ويوضع في قدر برام لطيفة شبه رأس الخوذة على ~~نار فحم لينة ، حتى يحمر ، ويلقى ذلك العنبر الخام في القدر ، ويحرك بملعقة ~~من النحاس مدورة الرأس ، ثقيلة ، لها ساعد فاذا ذاب العنبر يلقى عليه العود ~~المطحون شيئا بعد شيء ، ويحركان حتى يختلطا ويصيرا جزأ واحدا ، ويجعل ~~العنبر والعود فتائل ، ويقسم المسك على نسبة تلك الفتائل ، وتعجن به عجنا ~~جيدا على حجر يمني معد لذلك حتى تختلط به ؛ ثم يقطع ويجعل أكرا بحسب ما ~~يريد ، ويرفع . هذا أجود من يصنع من أنواع الند في وقتنا هذا ، إلا أنه ~~يكون لينا لا يكاد يستعمل للباس ، بل يحمل في الجيوب ويبخر به ، ويشم ، ~~ويوضع بين الثياب ، ونحو ذلك . أما النوع الثاني - وهو المعتدل - فأجزاؤه ~~أن يؤخذ من العنبر الخام الجيد عشرة مثاقيل ، ومن الندد العتيق الجيد عشرة ~~مثاقيل ، ومن العود الجيد المطحون عشرون مثقالا ؛ ويؤخذ لذلك من المسك ~~الجيد ما أحب المستعمل ويركب على ما نذكره . أما ms2285 النوع الثالث - وهو السقي ~~- فأجزاؤه أن يؤخذ لكل عشرة مثاقيل من العنبر الخام عشرة مثاقيل من العنبر ~~العتيق ، وثلاثون مثقالا من العود المطحون ومن المسك . ذكر صفة خلط أجزاء ~~الند وتركيبه أول ذلك أن يضع القدر البرام المعدة لذلك على نار فحم لينة ، ~~ويكون وضعه للقدر على جنبها ، ثم يكسر العنبر العتيق ويضعه في القدر ، فإذا ~~سخن هرسه بالملعقة النحاس المعدة لذلك ، ويكسرالعنبر الخام قطعا صغارا ، ~~ويوضع في القدر على أثر السخونة PageV12P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" ويحرك بالملعقة حتى يذوب ؛ ثم توضع القدر على ~~النار ، ويلقي على العنبر من العود المطحون شيء بعد شيء إلى أن يختلط بعضه ~~ببعض ويصير جزءا واحدا ، ثم يلقي عليه العنبر العتيق ، ويخلط بالملعقة حتى ~~يختلط بهما ثم يصب على ذلك ماء ورد بقدر واعتدال ، ويجس بالإبهام والسبابه ~~، فإن قبل الفتل أخذ منه شيئا بعد شيء وفتله فتائل على الحجر اليمني المعد ~~لذلك فإذا صار جميعه فنائل وهو الفتل الأول ؛ ووضع القدر على النار ، ووضع ~~بعض الفتائل فيها ويصب عليها ماء ورد بقدر ، ويعجنها عجنا جيدا ، ثم يعيدها ~~على الحجر ، ويعجنها بالمسك حتى يختلط بها ، بحيث لا يضع المسك على النار ~~اللينة ، فإذا اختلط المسك بها فتلها فتائل ، ثم يقطعها اجزاء متساوية على ~~ما يريد ، ويضمه بأصابعه الثلاث : الإبهام والسبابة والوسطى حنى يدخل بعضه ~~في بعض ، ثم يدوره تدويرا جيدا في كفه حتى يندمج ويصطحب ، ثم ينخسه بمسلة ~~برفق ، وينقشه بعد ذلك بالمشطاب المعدلة ، وان كان ساذجا دورعلى الرخامة . ~~هذه كيفية عمله وأجزاؤه ؛ فإن نقص عن ذلك منع من بيعه . الباب الثامن من ~~القسم الخامس من الفن الرابع في عمل الرامك والسك من الرامك والأدهان فأما ~~عمل الرامك والسك - فالرامك هو أصل السك الذي لا يمكن عمله إلا منه ، وصفة ~~عمل الرامك على PageV12P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" ما أورده محمد بن أحمد بن سعيد التميمي ~~المقدسي في كتابه المترجم " بجيب العروس وريحان النفوس " ، وقال : إنه ~~استنبطه وديره برأيه - يشير إلى هذه الصفة التي نذكرها الآن ، وإلا فالرامك ms2286 ~~قديم ، نقله هو عن غيره ممن كان قبله - ؛ فقال التميمي في هذه النسخة : ~~يعمد إلى العفص النقي الأبيض الجيد ، فيدق وينخل ، ويعتق بعد طحنه سنة . ~~قال : ومن الناس من يطبخه بالماء حتى ينشف الماء : فيستغني بطبخه عن تعتيقه ~~، وإنما يراد تعتيقه ليسلس وتذهب منه زعارة العفصية وطعمها ، وطبيخه يفعل ~~ذلك . قال : وتعتيقه أجود . قال : ثم يؤخذ لكل عشرة أرطال من العفص المنخول ~~المعتق خمسة أرطال من الزبيب العينوني اللحم المنقي من عيدانه ، ويؤخذ من ~~البلح الحديث ما قد لقط من تحت نخله بعد نضجه ، ويجفف ، ويحكم تجفيفه ، ~~وينزع نواه ، خمسة أرطال ، فينقع الزبيب والبلح في الشراب الريحاني يوما ~~وليلة ، ومن لم ينقعهما في الشراب فلينقعهما في الميسوس الطيب ، أو في ~~الماء القراح ، ثم يرفعان على النار ، فيغليان غليانا جيدا حتى ينضجا ، ولا ~~تبقى فيهما قوة ، ويعتصر ماؤهما ، فتعجن به العشرة أرطال العفص المطحون ~~المخول عجنا جيدا حتى يصير مثل الحساء أو أرق منه ثم يرفع في طنجير نحاس ~~غليظ على نار لينة ، فيطبخ وهو يحرك بإسطام حديد ، ولايفتر تحريكه ، ويحترز ~~المتولي لطبخه ، بأن يتلثم ، ويلف على يديه ورجليه ما يصونهما أن يقع ~~عليهما من ذلك ، حتى إذا غلظ وصار أشقر أنزله عن النار . قال : ومن الناس ~~من يضيف اليه وقت طبخه من عقيد العنب على كل PageV12P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" عشرة أرطال رطلا واحدا مع ماء الزبيب وماء ~~البلح ؛ ومنهم من يقتصر على مائهما فقط ، فإذا انتهى أنزله عن النار ، وصبه ~~على بواري قصب ، بعد أن يبرد ، ويبسط عليها بسطا رقيقا مستويا بشيء قد دهن ~~بدهن خيري ؛ ثم يعلق البواري بعد جفافه عليها في سقف بيت كنين من الغبار ~~سنة كاملة ، بحيث يصل اليها مهب ريح الشمال ؛ فهذا عمل الرامك الذي هو أصل ~~السك . فإذا أحببت أن تصنع منه سكا فاقلع الرامك عن البواري ، ودقه ، ~~واطحنه طحنا ناعما ، واسقه أمراق الأفاوية التي يطبخ بها البان ، وسنذكرها ~~في فصل الأدهان - إن شاء الله تعالى - ؛ واذا أردت ذلك تجمع أمراق الأفاويه ~~بعد تصفية ms2287 البان عنها ، وغسلها من دهنية البان ، وسلقها وتصفيها ، فيعجن ~~بها عجنا جيدا كما عجن أولا بماء الزبيب والبلح ، وترفعه على النار وأنت ~~تحركه دائما بالإسطام تحريكا جيدا ، وقد تحرزت مما يتطاير منه كما تقدم ، ~~حتى إذا شرب تلك الأمراق وقوي ، بردته في سطول ، وصببته على البواري كما ~~فعلت أول مرة ، فتعقته أربعة أشهر حتى يجف ، ثم تدقه وتطحنه وتنخله ، وتأخذ ~~لكل من منه من الهرنوة وزن ثلاثة دراهم ، ومن الصندل المقاصيري نصف أوقية ~~ومن العود القماري الدق الجيد نصف أوقية ، ومن الزعفران المسحوق وزن درهمين ~~، ومثقالا واحدا أو مثقالين - إن أحببت - من نافجة مسك طرية الفتاق قد نتف ~~ما عليها من الشعر وحلق ، وقرضت تقريضا صغيرا ، ودقت دقا ناعما ومن دهن ~~الخيري الكوفي الخالص نصف أوقية ، PageV12P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" ومن العسل الماذي نصف أوقية ؛ يعجن جميع ذلك ~~بالسك عجنا جيدا ، ويترك ثلاثة أشهر أوأربعة حتى يجف ويتكامل جفافه ؛ ثم ~~يدق ويطحن ، ويعجن بميسوس ، ويطرح في كل من منه من المسك ثلاثة مثاقيل ، ~~يعجن بها عجنا جيدا ، ويقرص أقراصا صغارا ويترك حتى يجف . قال : فهذا أذكى ~~أبواب السك وأصلحه . فإن أردت أن تصنع منه سكا مثلثا أومنصفا أومثلث أو دون ~~ذلك ، فاعمد إلى كل عشرة مثاقيل من السك الأصلي الذي قدمناه ذكره ، فأنعم ~~دقها وسحقها ، وأضف إلى العشرة مثاقيل - ان أردته مثلثا - من المسك خمسة ~~مثاقيل ؛ وإن أردته منصفا فأضف إلى العشرة مثاقيل مثلها من المسك ؛ وان ~~أردته دون المثلث فأضف إلى العشرة مثاقيل ثلاثة مثاقيل ، وأنعم عجنه به ، ~~وقرصه ، واختمه ، وجففه ؛ فهذه صفة السك المنصف والمثلث وما دونه ، وهو ~~أفضل أنواع السك وأشرفها . صنعة سك آخر يؤخذ من الرامك بعد تجفيفه على ~~البواري كما تقدم رطلان ، يدق وينخل ويسقى من أمراق الأفاويه نحو ما ذكرناه ~~؛ ثم يؤخذ لذلك من العود السن القماري المسحوق أوقية ونصف ، ومن الصندل ~~المقاصيري الأصفر الدسم ثلاث أواقي ومن السنبل العصافير أوقية ، ومن ~~الهرنوة أوقية ، ومن القرنقل الزهر أوقية ، ومن الهال نصف أوقية ، ومن ~~الزعفران المائي ms2288 أوقيتان ؛ يدق ذلك ، ويطحن وينخل ، ويلقى على السك في ~~الطنجير وهو على نار لينة ، ويصب عليه من دهن PageV12P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" الخيري الكوفي الخالص أوقيتان ، ومن العسل ~~الماذي الابيض أوقيتان ، ويحرك ساعة ، ثم يوضع عن النار ، ويبسط على بارية ~~بعد أن يبرد ، ويعتق سنة ، ثم يقلع فيدق دقا ناعما ويعجن بميسوس أو بماء ~~قراح ، ويلقي على كل من منه من المسك ربع مثقال بعد سحقه ، ومن العسل خمسة ~~دراهم ، ويقرص ويختم . قال التميمي : هذه الأفاويه - فيما أرى - كثيرة ~~لرطلين عفصا ؛ وأنا أرى أن يكون العفص سبعة أرطال بالبغدادي ، فإنه يحتمل ~~ذلك . صنعة رامك وسك آخر ذكر التميمي عن أحمد بن أبي يعقوب أنه عمله ، وأنه ~~أجود ما يكون من السك . قال ابن أبي يعقوب : صفة عمل الرامك أن يؤخذ من ~~العفص البالغ الجيد ، فيرض ، ويصير في قدر كبيرة ، ويصب عليه من الماء ما ~~يغمره ، ثم يطبخ أياما ، ويزاد في مائه كلما نشف حتى ينضج ، ثم يخرج العفص ~~فيجعل في شمس حارة حتى يجف ، ويرفع ذلك الماء الذي طبخ فيه ، ويؤخذ ما جلس ~~فيه من العفص فيجفف ، ويضاف إلى العفص ، ويدق ، وينخل بمنخل شعر ، ثم يرد ~~إلى القدر ؛ ويصب عليه ماء كثير ، ويطبخ به يومين أو ثلاثة حتى تذهب ~~العفصية منه ، ثم يسحق على صلاية حتى يجف ، ويصنع منه أمثال العلك ؛ فهذا ~~عمل الرامك ، ولم يذكر فيه البلح ولا الزبيب . قال : فإذا أردت أن تصنع من ~~هذا الرامك سكا فخذ منه ستة أجزاء ، ومن نوافج المسك جزءا واحدا ، فتنزع ~~الشعر عن النوافج ، وتقرضها ، وتدقها دقا شديدا وتطحنها ، ثم اخلطها بالستة ~~أجزاء ، واسحق الجميع على الصلاية بالماء أوبالشراب أو بالنضوج حتى يستوي ، ~~ثم يقرص ، فإذا جف فخذ منه ستة أجزاء ، ومن المسك التبتي جزءا واحدا ، ~~واسحق المسك ، وحل السك بماء ورد ، وأضفه اليه بالعجن الجيد ، وقرصه يأتك ~~سكا طيبا . PageV12P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" فإذا أردت أن تعمل منه منصفا أوغير ذلك ، ~~فاسحقه ، وألق على كل مثقال منه نصف مثقال من المسك ، أو ثلث ms2289 مثقال ، أودون ~~ذلك ، واعجنه به وقرصه . قال : فهذا أفضل ما يعمل من السك . وأما الأدهان ~~وما قيل فيها - فهي كثيرة ، نقتصر منها على ما يدخل في أصناف الطيب ~~والغوالي ، مثل دهن البان ، ودهن الزنبق ، ودهن الحماحم ودهن الخيري ، ودهن ~~التفاح ، والأدهان المركبة العطرة ، وأدهان تصلح الشعور . ولنبدأ بذكر دهن ~~البان وحبه ومعادنه وكيفية طبخه - قال محمد بن أحمد التميمي : شجر البان ~~شجر عظيم ، يحمل حبا ألطف من البندق في مقدار حب النبق ، مستديرا ، ذا ~~ثلاثة حدود كحدود أزجة النشاب ، يكسر فيخرج من جوفه حب أبيض دهني ، تعتريه ~~مرارة يسيرة ؛ ومنابته بينبع من أرض الحجاز ، وبأرض عمان ، وباليمن . قال : ~~ومنه شيء ينبت بأرض مصر ، وشيء يجلب من أرض الشراة وناحية البلقاء ، وشيء ~~ينبت على شاطئ البحيرة المنتنة ما بين زغر PageV12P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" وأريحا ؛ وأجوده اليمني والحجازي ؛ وأجود حبه ~~ما كان قشره يضرب إلى السواد ؛ وأما الأبيض القشر فإنه رديء ، يعرض له ~~الفوارن عند طبخه . وأما كيفية إخراج دهنه - فإنه يؤخذ هذا الحب فيطحن في ~~أرحية معدة له ، ثم ثجعل في قدر نحاس كبيرة تسع عشر كيالج وأكثر بالكيلجة ~~الشامية ، ومقدار كل كيلجة ثمن إردب بالكيل المصري ، ويكون الحب المطحون قد ~~ملأ ثلثي القدر ويصب علنه من الماء ما يغمره ، وزيادة أربع أصابع مفتوحة ، ~~ويوقد تحته بالحطب الجزل حتى يغلي ، فيطبخ نصف يوم ، وكلما نقص الماء يزاد ~~، حتى إذا انتصف النهار يقطع عنه الوقود ، ويترك حتى يبرد ، ثم يلقط ما طلع ~~فوقه من الدهن ويجمع في آنية حتى لا يبقى من الدهن شيء ؛ فهذا استخراج حب ~~البان . وأما كيفية طبخه بالأفاويه حتى يصير بانا مرتفعا - فمنه كوفي ومنه ~~مدني . أما الكوفي - فقال أحمد بن أبي يعقوب مولى ولد العباس فيه : يؤخذ ~~الدهن المستخرج من حب البان ، فيجعل في قدر برام كبيرة ، ويطبخ بمثله من ~~الماء الصافي ، ولا يزال يطبخ أياما ، وكلما نشف الماء نقل إلى قدر أخرى ، ~~ويصب علنه من الماء الصافي نظير الدهن ، ويطبخ حتى ينشف الماء ويبقى الدهن ~~؛ يفعل ms2290 ذلك به ثلاث مرات ؛ ثم يطبخ بالماء الصافي والورد الذي لم يتفتح ~~ثلاثة أيام ؛ ثم يطبخ بالماء والصندل الأصفر الماصيري المخروط أياما ثلاثة ~~حتى تذهب عنه رائحة الدهن ؛ ثم يطبخ بالعود الهندي السن والماء الصافي ~~يومين أو ثلاثة ثم يطبخ المسك المنصف المسحوق بماء الورد يوما ، وهذا الطبخ ~~الذي بالسك وماء الورد يسمى : النش ، ويسمى بانه : البان المنشوش . ~~PageV12P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" قال : ثم ينزل ويصفي ، ثم ينش بعد طبخه بالسك ~~وماء الورد بالمسك التبتي المسحوق المحلول بماء الورد الجوري نشا جيدا حتى ~~ينشف عنه ماء الورد ، ويأخذ البان قوة المسك . وأما البان المدني - فإن أهل ~~المدينة يطبخونه بالأفاويه الطيبة مثل السليخة والسنبل والقرنفل والكبابة ~~والهرنوة والصندل الأصفر المخروط ، وسن العود الأسود ، يطبخونه بكل واحد من ~~هذه الأصناف أياما مع الماء الصافي ؛ ثم يبرد ويطبخ بالصنف الآخر حتى ينتهي ~~- على ما نصفه إن شاء الله تعالى - إلا ان هذه الدهن لا يصلح للغوالي ، ~~لأنه يتغلب على روائح العنبر والمسك بروائح الأفاويه وحدتها ، فلا تستعمله ~~الملوك إلا أن تدهن به أيديها في الشتاء ، وتستعمله النساء في أطيابهن ~~وخمرهن . صنعة بان آخر - قال التميمي فيه : هذا بان ركبته أنا ، واخترعته ~~رأيا من ذات نفسي ، فجاء غاية في الطيب ؛ وهو أن ينقى من حب البان البالغ ~~في شجره ما كان قشره يضرب إلى السواد ، فتنقى منه مقدار ما يخرج لك من ~~الدهن زيادة على ثلاثين منا ، وذلك يخرج من مائة من الحب البالغ إذا طحن ~~وطبخ وأحكم طبخه - على ما قاله أبو عمران موسى اليهودي المعروف بالبني . ~~وقال أبو سعيد اليهودي العطار - وكان عالما PageV12P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" بعمل البان وعلاجه وطبخه - : إن الكيلجة ~~الفلسطينية تخرج منا من الدهن ، وكل كيلجة وربع نصف ويبة بالكيل المصري ~~والويبة سدس إردب ، فتجعل من الثلاثين منا عشرين منا أولا ، وعشرة أمناء ~~ثانيا . وقال : فاذا حصلت من حب البان ما يخرج لك ذلك ، وطحنته ، وجمعت ~~دهنه كنا تقدم ، تعمد الىقدر برام لم يدخلها شيءمن الدنس ، تسع أربعين منا ~~- فتصب ms2291 فيها من دهن البان عشرين منا بعد أن يجلس ، وتصفيه ؛ ثم تعمد إلى ~~منوين من السليخة الحمراء تكون قضبانا دقاقا ، فتغلى لها من الماء فوق ~~غمرها ، وتصبه عليها في إناء غضار أو صفر ، وتكمر الإناء ليرجع بخار الماء ~~إليها وتتركها منقوعة يوما وليلة ، أو يومين . ورأى أبو سعيد أن تغلى على ~~النار بعد نقعها ثم يصفى ماء السليخة على دهن البان ، وتعاود بماء ثان ~~فتغلى به أيضا حتى تخرج قوتها ، وتصفيه على دهن البان أيضا ، وتطبخه حتى ~~ينشف الماء ويبقى الدهن فترفعه في قراريب بعد ترويقه ؛ ثم تعمد إلى السليخة ~~فتغمرها بماء ثالث ، وتطبخها طبخة خفيفة لتستخرج قوتها ، ثم تصفيها ، وتطبخ ~~بالماء الذي يخرج منها العشرة أمناء البان الثانية ، وتعزلها في قراريب ~~مفردة ؛ فإن كانت السليخة قد ضعفت بعد استخراجك منها الماء الأول فقوها ~~بنصف من آخر لتطيب به العشرة أمنان الثانية ؛ وكذلك تفعل في كل نوع من ~~الأنواع التي نذكرها إذا استخرجت مائه الأول ورأيته يضعف عن أن يطيب البان ~~الثاني فقوه بشيء منه طري ، ثم تنقع من السليخة الحمراء التفاحية المنسوفة ~~منا ونصف من في ماء حار يوما وليلة ، ثم تغليه وتصفيه على PageV12P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" العشرين من بان المطبوخة بالسليخة في القدر ، ~~ثم صل عليه من الماء ما تكمله به حتى يصير الماء نظير الدهن ، واطبخه على ~~الرسم حتى ينشف الماء ويبقى الدهن فأعده في قراريبه ، ثم انقع السليخة أيضا ~~في ماء ثان ، وقوها إن ضعفت ، واطبخ بها العشرة أمناء الدهن الثانية كما ~~تقدم ؛ ثم برده ، وأعده في قراريبه ؛ ثم خذ من قرنة القرنقل الحارة الذكية ~~منوين قدقهما تهشيما ، ثم اغل لهما عشرين منا من الماء وصبه عليهما ، ~~وأكمره بالغطاء يومين وليلتين ، ثم أغله بهما غلية واحدة ، وصفه على البان ~~الأول ، واطبخه نصف يوم حتى ينشف الماء ويبقى الدهن ، فبرده ، وأوعه وأحكم ~~سده ، وانقع القرفة أيضا بماء حار ، وقوها بربع من ، ودعها يوما وليلة ثم ~~اغلها ، وصف ماءها على البان الثاني حتى ينشف الماء ويبقى الدهن ، فبرده ms2292 ~~وأعده إلى ظروفه ، وأحكم سدها . قال : فإن أحببت أن ترفعه بالقرنفل - وهو ~~أفضل - ، فخذ من القرنفل الجيد الحب المنسوف نصف من ، فهشمه ، واغل له من ~~الماء عشريب منا ، وصبه عليه وهو حار ، وغطه يومين وليلتين ، ثم صفه على ~~البان الأول في القدر ، واطبخه به وافعل في طبخه نحو ما تقدم ؛ وانقع ~~القرنفل المسلوق في سبعة أمناء من الماء الحار ثم اغله ، واطبخ به البان ~~الثاني كما تقدم ؛ ثم خذ من البسباسة الحمراء نصف من فانقعها في عشرة أمنان ~~من الماء الحار يوما وليلة وصف الماء على البان ، واطبخه به كما تقدم ، ثم ~~يطبخ بماء الورد بعد البسباسة ؛ ثم خذ من الورد الفارسي الأحمر المنقى من ~~أقماعه منوين ، وأغل لهما من الماء PageV12P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" الصافي عشرين منا ، وصبها عليهما ، واكمره بما ~~يرد بخاره فيه ، ودعه فيه يومين ثم صفه على البان الأول من غير أن تغليه ، ~~واطبخه به على الرسم ، وصب على الورد عشرة أمناء من الماء الحار ، وقوه ~~بنصف من الورد الطري ، وصفه على البان الثاني ، واطبخه به كما تقدم ؛ ثم خذ ~~من السنبل العصافير الجيد منا واحدا ، واغل له من الماء عشرين منا ، وصبه ~~عليه ، واكمره بما يرد بخاره فيه يومين ؛ ثم اسلقه سلقة خفيفة ، وصفه على ~~البان الأول ، واطبخه على الرسم ، وقو السنبل بثمن من وانقعه يوما وليلة في ~~ثمانية أمنان من الماء ؛ واغله على النار ، وصفه على البان الثاني ، واطبخه ~~به تقدم ؛ ثم خذ من الهرنوة منا وربع من فهشمه ، واغل له من الماء عشرين ~~منا ، وصبه عليها ، واكمره حتى ينعكس بخاره اليها ، واتركه يومين وصفه على ~~البان الأول ، واطبخه به ؛ ثم قو الهرنوة بثمن من منه ، وانقعها في عشرة ~~أمناء من الماء الحار ؛ وصفه على البان الثاني ؛ واطبخه به كنا تقدم ؛ ثم ~~خذ من الصندل الأصفر المقاصيري الدسم منا وأوقيتين ، واخرطه خرطا رفيعا على ~~نطع واجعله في سفن ، واغل له عشرين منا ماء ، وصبه عليه ، واكمره يومين ~~وليلتين ، ثم اغله به ، وصفه على البان الأول ms2293 في القدر ، واطبخه به حتى ~~ينشف الماء ، وبرده ، وأعده إلى ظروفه ؛ ثم قو الصندل بأوقيتين ، وانقعه ~~يوما وليلة واغله ؛ ثم صفه على البان الثاني ، واطبخه به كما نحو ما تقدم ؛ ~~ثم خذ من العود الأسود السن نصف من أو ثلثي من إن أحببت فانقعه في الماء ~~الحار ، واتركه فيه ثلاث أيام وثلاث ليال ، ثم اغله على النار ، وصفه على ~~البان الاول ، وثن العود وثلثه بالماء الحار والغليان ، واجمع ماءه الثاني ~~والثالث ، وصبهما على البان الأول واطبخه بالمياه الثلاثة حتى ينشف الماء ~~ويبقى الدهن ، ثم برده وأعده إلى ظروفه ثم اغل العود بخمسة أمناء ماء ~~غليانا جيدا ، واطبخ به البان الثاني حتى ينشف الماء ويبقى الدهن ، فبرده ~~وأودعه في ظروفه . قال : فهذا البان الأول الذي لا بعده ، والثاني دونه ، ~~ولم يبق إلا نشه بالمسك وسك المسك ، على ما نصف إن شاء الله تعالى . ~~PageV12P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" قال التميمي : ورأيت أبا سعيد العطار يؤثر أن ~~يشم القرفة والقرنفل والهرنوة ، ويجمع ذلك مع السنبل في إناء كبير ، ويصب ~~عليه من الماء الحار ثلاثين منا ، وينقعه فيه يومين وليلتين ، ثم يصفى ~~ويعزل ، ويصب على الأفواه ماء حارا عشرين منا ، ويصفى على الماء الأول في ~~سفن ؛ ثم يطبخ به البان الأول في ثلاث سقيات وهو علىالنار ، كلما نشف ثلي ~~الماء صب عليه الثلث الآخر فإذا انتهى يبرد ويوعى في ظروفه حتى تثنى ~~الأفواه بماء ثان للبان الثاني ، ويطبخ به على الرسم . وقال : هذا أروح ~~وأخف مؤونة من تكرارالطبخ بكل نوع على حدته إلا الصندل والعود ، فإنه لا بد ~~من طبخهما بماء ، كل منهما على الانفراد . قال : ورأى سعيد بن عمار الباني ~~وأبو عمران بن الحارث الباني أن يطبخ البان بالماء والأفاوية جميعا بعد ~~نقعها ، ولا يصفى الماء عنها . وقالا : طبيخه بالأفاويه مع الماء أقوى له ، ~~لأن البان ينمحق في الأفاويه . وقال سعيد بن عمار : تسلق الأفاويه بعد ~~إخراجها من البان ، كل صنف منها على انفراده ، ويؤخذ ماء كل صنف منها على ~~حدته ، ويترك بما بقي ms2294 فيه من البان ويعجن به السك كما ذكرناه قبل . قال ~~التميمي : وأنا أرى عجن السك بأفواه قوية منقوعة خيرا وأفضل ، وقال : عرضت ~~؟ ؟ هذه النسخة التي اخترعتها - وهي التي تقدم ذكرها - على أبي عمران موسى ~~بن الحران الباني فعجب من ذلك ، وقال : والله إن هذه الطريق لطريقي في عمل ~~البان وطريق كل حاذق ، ما عدوت منها شيئا ، وما كنت أظن أحدا يصل إلى علم ~~مثل هذا من عند نفسه من غير أن يأخذه عن صانع ؛ والله أعلم . صفة نش البان ~~على رأي أ بي عمران الباني قال أبو عمران : إذا اردت نش البان فاسحق ~~للعشرين منا منه بعد أن يبرد PageV12P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" ويجلس من المسك التبتي مثقالين ، ومن سك المسك ~~المرتفع أربعة مثاقيل وانخلهما بحريرة ، واعجنهما بماء ورد ، ثم حلهما بماء ~~الورد بعد عجنهما حتى يصيرا مثل الحساء ، وصبهما على البان الذي تريد نشه ~~في قدر جديدة معدة للنش واجعله على الكانون الذي يسمونه " نافخ نفسه " ، أو ~~غيره ، وأوقد تحته بنار فحم ، وحركه بقصبة فارسية دائما وهو يغلي حتى ينشف ~~ماء الورد ، وعلامة ذلك أن يعلق المسك والسك برأس القصبة مثل الشمع أو مثل ~~الغالية ، فأنزله عند ذلك عن النار واتركه حتى يبرد ، وارفعه . نشه على ما ~~ورد في كتاب العطر المؤلف للمعتصم بالله فهو أن تأخذ من البان الاصلي الأول ~~الجيد رطلين ، فتجعلهما في طنجير برام جديد لم يدخله شيء غير البان ، ثم خذ ~~لهما من المسك المثلث المرتفع أوقية ، ومن العود الهندي أوقية ، واسحق كل ~~واحد منهما ، وانخله بحريرة ، ثم اعجنهما بماء الورد حتى يصيرا أرق من ~~الحساء المصنوع من الدقيق ، وصبهما على البان في الطنجير وارفعه على نار ~~لينة حتى يغلي غليانا رفيقا وأنت تحركه دائما بانبوبة قصب فارسي حتى ينشف ~~ماء الورد ، ويعلق السك والعود برأس الأنبوبة ، فأنزله حينئذ عن النار ، ~~ودعه حتى يبرد ، وصفه في إنائه ، ثم انزع ما في أسفل الطنجير من السك و ~~العود برأس سكين ، أو بملعقة من حديد ، واعزله لعمل الغالية ms2295 ؛ ثم اغسل ~~الطنجير غسلا جيدا ، وجففه ، وأعد اليه البان الذي نششته بالسك والعود ، ~~واسحق للرطلين من المسك أوقية ، ومن العنبر الشحري أوقية ، وانخل المسك ~~بحريرة صفيقة ، والعنبر بخامة ، ثم اجمعهما علىالصلاية ، واسحقهما جميعا ، ~~ثم حلهما بماء الورد مثلما حللت السك والعود ، وصبهما في الطنجير على البان ~~، وارفعه على نار لينة ، وأدم تحريكه بأنبوبة القصب ، ولا تغفل عن تحريكه ، ~~وتكون ناره الآن ألين من النار الأولى التي نششت بها السك والعود ، فاذا ~~نشف ماء الورد وتعلق المسك برأس القصبة ، فأنزله عن النار ، وبرده ، وارفعه ~~. PageV12P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" قال : ونش على اثره بما بقي في الطنجير من ثفل ~~المسك والعنبر بانا ثانيا يكون دون الاول . وأما دهن الزنبق وما قيل فيه - ~~فمنه اصلي خالص ، ومنه مولد ؛ فأما الخالص فمعروف ، ولم أقف على كيفية عمله ~~فأذكرها . أما المولد - فقد ذكره التميمي ، ونقله عن الكتاب المؤلف للمعتصم ~~فقال : تأخذ من الشيرج الرائق منا ، فتصبه في طنجير برام ، ثم تأخذ من ورود ~~النسرين أوقية ، ومن بزر الشاهسفرم غير المفروك وورقه من كل واحد منهما ~~أوقية ، ومن بزر النسرين نصف أوقية ، ومن زهر الياسمين الأبيض الطري الغض ~~لقاط يومه نصف رطل ، ومن بزر الورد الأحمر الطري نصف أوقية ، ومن قضبان ~~قلوب شجر البلسان الطرية خمسة قضبان أو ستة ، وإن تعذرت الطرية فخذ من ~~لحائه الجاف أوقية ونصف أوقية ، ومن الصندل الأصفر نصف أوقية ؛ واقسم هذه ~~الأصناف وانقعها في ماء ورد ونضوح وماء ريحان مصعد من كل واحد نصف رطل ، ~~واتركها يوما وليلة منقوعة ، ثم ألق ذلك على الدهن مع الياسمين الطري ~~الأبيض ، ثم ارفعه على نار لينة ، وحركه بشقة قنا حتى تنشف المياه التي ~~نقعت فيها الأصناف ، فأنزل الطنجير عن النار ، وأحكم تغطيته لوقته ، واتركه ~~إلى الغد ، ثم صف الدهن عن PageV12P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" الثفل ، فاذا برد فألق على كل من هذا الدهن ~~رطلا من الزنبق المصري الجيد ثم بعه على أنه زنبق خالص . قال : وإن شئت فخذ ~~من دهن الشيرج الرائق العتيق ، واجعله في دستجة ms2296 ، وألق على كل رطل منه في ~~بكرة النهار الأول من زهر الياسمين الطري الأبيض الذي لا نداوة فيه أوقية ، ~~وسد رأسه ، واجعله طول النهار في شمس حارة ، ثم افتحه من الغد ، وألق عليه ~~من الياسمين نصف أوقية ، ودرجه في كل يوم بنقصه درهما حتى يبقى وزن درهم ، ~~فألقه فيه في كل يوم إلى تمام أربعة عشر يوما ، ثم اقطع عنه الياسمين ، ~~ودعه أربعة عشر يوما في الشمس حتى ينطبخ ؛ فإذا انضم الزهر الذي ألقيته في ~~الدهن ، فألق عليه في كل يوم وزن درهم أو درهمين من زهر الياسمين سبعة أيام ~~، ثم دعه سبعة أيام ، وألق عليه سبعة أيام ، ثم اقطع الإلقاء عنه ودعه في ~~الشمس تمام ستين يوما حتى يجف الزهر ؛ ثم صفه على شقة غربال وخذ من صفا منه ~~فأودعه القوارير ، وأحكم سدها ؛ فهذا زنبق غاية لا بعده . وأما دهن الحماحم ~~وما قيل فيه - فقال محمد بن العباس : يؤخذ من رؤس الحماحم السود أول ما ~~تظهر قبل أن تبرز ، ومن ورقة الصغير الأخضر الذي يجني منهن فيعزل ، ويؤخذ ~~تور حجارة ، أو برمة جديدة ، تغسل غسلا جيدا ويصب فيها قدر رطل ماء ورد ~~جوري ، ويطرح فيه الحماحم والورق مع عشرين حبة من حب القرنفل الزهر ، ويصب ~~على ذلك من دهن الخيري الكوفي الفائق والزنبق السابوري لكل عشرة رؤس من ~~الحماحم PageV12P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" الضخمة رطل من الخيري والزنبق ثم اغله بنار ~~فحم لينة حتى ينضج الحماحم ؛ ثم خذ مثقال عود هندي مسحوق ومثله من السك ~~المرتفع ، ونصف مثقال من الكافور ، ووزن دانق من المسك يعجن ذلك بزنبق ، ~~ويبخرن ويقلب بعده كل ثلاث بندات ، ثم يصفى الدهن من فوق الحماحم ؛ وتعصر ~~حتى لا يبقى فيها شيء من الدهن ، ثم صب الدهن على الأفاوية المبخرة ، ويحرك ~~في باطية ، ويترك أربعة أيام حتى يصفو ؛ ثم تبخر قارورة نظيفة بسك وكافور ~~وعود ؛ ثم صب فيها الدهن ، وحل فيه من المسك ثلث مثقال أو أكثر فإذا أردت ~~استعمال شيء من الدهن فحرك القارورة . ومن أحب ms2297 أن يزيده دهنا مبخرا ويفتقه ~~بشيء من كافور فعل . وأما دهن الخيري - فمنه أصلي ، ومنه مولد : فأما ~~الأصلي الخالص فلم أقف على كيفية عمله . أما المولد - فقد ذكره التميمي عن ~~الكتاب المؤلف للمعتصم ، فقال : تأخذ من الشيرج الصافي منا فتصبه في طنجير ~~برام ، وتأحذ له من بزر الحماحم وزن ثلاثة دراهم ، ومن بزر الأفرنجمشك خمسة ~~دراهم ، ومن ورقه عشرة دراهم ، ومن ورق الحماحم وقلوبه ستة عشر درهما رطبا ~~كان أو يابسا ، ومن بزر PageV12P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" الخيري الخمري والأسمانجوني الطري النقي من ~~خضرته من كل واحد خمسة دراهم ، ومن بزر الخيري الأصفر أربعة دراهم ، ومن ~~ورق الورد الأبيض ربع أوقية ، ومن قلوب الأترج الورق الرطب وورده المفتح ~~وورد النارنج الطري وقشره من كل واحد نصف اوقية ، ومن قلوب النمام الطري ~~أوقية ، ومن الصندل الأصفر ربع أوقية ؛ يرض الصندل مع ما كان من الأوراق ~~اليابسة والبزور ، وينقع بماء الورد وبماء زهر الخيري المصعد يومين ، وتلقى ~~الازهار والاوراق وماء الورد والخيري المنقوع فيه على الدهن ، ويوقد تحته ~~بنار لينة ، وأنت تحركه تحريكا مستمرا بشقاقنا ، حتى إذا علمت ان الدهن قد ~~قبل روائح ما استودعته ، أنزلت الطنجير وغطيته ليلة ثم تصفي الدهن في ~~القوارير ، وإن شئت خلطته بدهن خيري فجعلت على المن منه من هذا الدهن رطلا ~~، أو على الرطل منه منا ، فإنه يأتي غاية في الطيب ؛ وقد يباع هذا الدهن ~~مفردا بسعر الخيري الخالص ، قال : وإن أردت أن تجعل منه غير مطيب ، فخذ ~~الشيرج واجعله في قارورة ، وألق على كل رطل من الشيرج أوقية ونصفا من زهر ~~الخيري الخمري والأسمانجوني الطري الذي لقط عند غروب الشمس ، وتلقيه فيه من ~~أول الليل ، ثم تعلق القارورة في بئر ماء عشرة أيام ، ثم تجعلها في الشمس ~~عشرة أيام ، وتضع فيه في كل عشية من زهر الخيري الاسمانجوني والخمري لقاط ~~وقته في كل يوم وزن ثلاثة دراهم ، ثم يعاد إلى البئر عشرة أيام ؛ ثم يخرج ~~ويعلق في الشمس ، ويجدد له زهر كرة ثالثة ، ويترك في الشمس ms2298 حتى يجف ورقه ، ~~ويصفى بمنخل فيأتي دهن خيري يضرب المثل بطيبه ؛ والله أعلم بالصواب . وأم ~~دهن التفاح وما قيل فيه - فأجوده ما ألفه التميمي فقال : تأخذ من دهن ~~الخيري ودهن الورد من كل واحد نصف من ، فتخلطهما في ظرف وتأخذ من ورق ~~PageV12P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" الآس الغض ما أحببت ، فتدقه بشيء من الماء ~~القراح ، وتستقطره في قابلة ، وتأخذ مما قطر منه زنة مائة درهم ، ومن ماء ~~الزعفران المصعد خمسين درهما ، وتخلطها في برنية ، وتصب عليهما من ماء ~~الورد ثلاث أواقي ، وتدق من الحلب المقشر مائة درهم ، وتعجنه بنصف أوقية ~~ميعة حمراء سائلة عجنا شديدا وتعزله ، ثم تاخذ من قشور التفاح الشامي ~~البالغ الطري رطلا فتلقيه في المياه وتغليها عليه ، ثم تمرسه مرسا جيدا ، ~~وأنزله عن النار ، ثم ألق فيه أوقية من فاغية الحناء وجرزه من ورق النمام ~~الطري ، وتلقي المحلب المعجون بالميعة في الدهن وتضربه به ضربا جيدا ، ~~وتسحق له من القرنفل مثقالين ، ومن السنبل مثقالين وتنخل ذلك ، وتضيف اليه ~~أوقية ذريرة ممسكة مفتوقة ، وتعجن الجميع بنضوح عتيق ، وتخمره يومين في ~~باطية بالعود والكافور ، وألقه في الدهن الذي حللت فيه المحلب ، واضربه به ~~، ثم اقلبه على المياه التي فيها قشور التفاح والفاغية والنمام وأحكم سد ~~رأس الإناء ، وضعه في شمس حارة سبعة أيام ، وحركه في كل يوم ثم ارفعه بعد ~~الاسبوع في طنجير على نار لينة ، واطبخه حتى ينشف الماء ، ثم برده واقطف ~~الدهن في ظرف مبخر ، وافتقه بمسك وكافور من كل واحد سدس مثقال ؛ فهذا دهن ~~التفاح الفاخر . PageV12P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" وأما الأدهان المركبة العطرة - فقد ذكر منها ~~التميمي وغيره كثيرا ؛ وقد اقتصرنا على أطيبها وأجودها وأعطرها . فمنها دهن ~~ألفة التميمي فجاء غاية ، وسماه : الدهن الفيح ، تعمل منه غالية رفيعة . ~~قال : وهذا الدهن يفوق البان طيبا ، وتدهن منه في الشتاء الأطراف والوجه ~~فيفوق كل دهن طيب ؛ تأخذ من دهن الورد الفارسي الطري ثلاث أواقي ، ومن ~~الزنبق السابوري الرصافي أو المصري أوقيتين ، ومن دهن البنفسج أوقيتين ، ~~ومن دهن الخيري أوقيتين ms2299 ، ومن البان المنشوش بالمسك أوقيتين ، ومن دهن ~~النرجس أوقية ؛ تجمع هذه الأدهان في خماسية ، ثم تأخذ من العود الجيد ~~الفائق وزن درهم ونصف ، ومن الصندل الأصفر المحلول بماء الورد المخمر ~~بالزهر والنمام وزن درهم ، ومن السك المرتفع وزن درهم ، ومن زهر القرنقل ~~الذكي نصف مثقال ، ومن الهرنوة مثل ذلك ومن السليخة التفاحية وزن درهم ، ~~فتدق ذلك وتسحقه ، وتنخله بحريرة ، ثم تضيف إلى هذه الأصناف من الزعفران ~~القمي المسحوق وزن دانقين ، ومن الكافورالرياحي نصف مثقال ، ومن المسك ربع ~~مثقال ، ومن الند مثقالا ، تسحق المسك والند وتضيف اليهما الكافور بعد سحقه ~~على الانفراد والزعفران ؛ ثم تعجن الجميع بشيء من الدهن ، وتقطر فيه من دهن ~~البلسان زنة PageV12P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" دانق ، ومن دهن الأترج زنة دانقين وتضربه ضربا ~~جيدا ، ثم تخلطه بالدهن ، وتضربه به حتى يختمر ، وتقيم سبعة أيام تضربه كل ~~يوم ، وتبخره في السبعة أيام إحدى وعشرين بندة برمكية رفيعة ، وبمثلها من ~~العود الصرف ، وبمثلها من العود والكافور ، وتضربه بالبحور والثفل الذي فيه ~~ضربا جيدا في كل مرة تبخره ، فإنه يأتي عجبا في الطيب والذكاء ، فإن أحببت ~~رفعه فحل له نصف مثقال من العنبر الأزرق بشيء منه ، وألق فيه ربع مثقال من ~~المسك المسحوق ؛ واضربه به حتى يصير مثل الغالية ؛ ثم صبه عليه ، وأنعم ~~ضربه ، فإنه يرفعه ويطيبه . صنعة دهن آخر من الكتاب المصنف للمعتصم بالله ~~تأخذ من العود الهندي أوقية ، ومن السنبل مثقالا ، ومن الصندل الأصفر ~~مثقالا ، ونصف مثقال من الورد ؛ يدق ذلك ، ويخمر بمثقال من سك مسك محلول ~~بماء الورد ، مرفوع على النار ، فتخمره به ليلة ، ثم يسحق حتى يجف بالسحق ~~وينخل بحريرة ، ويعجن بزنبق سابوري مرتفع ، ويدخن بمثلثة ، ثم تهضمه بعود ~~وكافور ، ثم يفتق بما أحب صاحبه من مسك وعنبر ، ويؤخذ له من دهن الخيري ~~العراقي نصف رطل ، ومن دهن الزعفران نصف رطل ، ومن البان نصف رطل منشوش ؛ ~~تجمع هذه الأدهان في إناء ، وتبخرها بالعود والكافور ، ثم اخلطها بالمعجون ~~المبخر ، واضربها به اضربها به ضربا جيدا ، واستودعه القوارير ، وافتقه ms2300 بما ~~أحببت من مسك وعنبر . صنعة دهن آخر يسمى دهن السيدة تأخذ من الزنبق الرصافي ~~المرتفع ثلاث أواقي ، ومن دهن الورد الفارسي أوقية ونصفا ، ومن دهن الخيري ~~الخالص أوقية ، تجمع هذه الأدهان الثلاثة في إناء واحد ، ثم تأخذ لها من ~~الهرنوة وزن درهمين ونصف ، ومن القرنفل الزهر مثل PageV12P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" ذلك ، ومن الكبابة درهمين ، ومن جوزبوا مثل ~~وبسباسة درهما ، وزعفرانا درهما ، ومن الكافور ثلث مثقال ، تسحق الأفواه ~~سحقا جيدا ، وتعجن بقليل من الدهن ، وتلطخ في باطن برنية ، ويبخر الدهن ~~بالعود والكافور ، ثم تصبه في البرنية على الفتاق المبخر ، وتضربه به ضربا ~~جيدا ، وتطرح ثلاثة قلوب من قلوب الأترج ، وإن قطرت فيه وزن نصف درهم من ~~دهن الاترج ، أغناك عن قلوب الأترج وجاء أطيب ، فإذا برد وجلس فصف الدهن ~~واستعمله على انفراد ، ويؤخذ ثفله فيعمل في غمر الحمام ، فإنه يكون عطرا ~~طيبا . صنعة دهن آخر صنع للمأمون من كتاب يوحنا بن ماسويه تأخذ من الزنبق ~~السابوري خمسين درهما ، ومن دهن الورد الفارسي الرفيع مثل ذلك ، ومن دهن ~~الخيري الرفيع مثله ؛ تجمع الأدهان الثلاثة في باطية أو PageV12P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" قدح زجاج أو برنية رحبة الفم ، ثم يؤخذ من ~~الورد خمسة مثاقيل ، ومن الصندل المقاصيري الأصفر خمسة مثاقيل ، ومن ~~القاقلة مثقال ، ومن الكبابة مثقال ، ومن القرنفل مثقال ؛ يدق ذلك وينخل ، ~~ويعجن بزنبق سابوري عجنا يابسا ، ويبسط في باطية أو قدح زجاج أو برنية بسطا ~~رقيقا ، وتبخره بعود صنفي وكافور رياحي وسك مسك فائق ثلاثة أيام في كل يوم ~~ثلاث بندات بالغداة ، وثلاث بندات بالعشي ، فإذا أردت أن تصب عليه الدهن ~~فبخره أيضا بنصف مثقال عود هندي ، ونصف مثقال كافور رياحي ، ونصف مثقال ~~عنبر ؛ تجمع ذلك جميعا ، وتقطع عليه من الزعفران الشعر زنة دانق ؛ ثم تبخر ~~بجميعها الأفاويه التي عجينتها في برنية رحبة ضيقة الفم ثلاث تبخيرات ، ثم ~~تبخر الدهن على انفراده سبع بندات بالعود والكافور ، وتصبه على إثر تبخيرك ~~للفتاق الممسك في البرنية ، وتسد رأسها ، وتضرب الدهن فيها بالفتاق حتى ~~ينحل ms2301 به ويمتزج ، وتسد راس البرنية على الدهن والثفل سدا جيدا حتى يبرد ؛ ~~ثم أفرغ الدهن في قدح ، وبخر البرنية ، وأعد الدهن اليها ، تفعل ذلك حتى ~~ينفد ما أعددته للتبخير من العود والعنبر والكافور والزعفران ، فاذا فرغ ~~ذلك فحل الأفاويه المبخرة فيه ، وحركها به حتى تختلط به ، ودعه يومين ~~وليلتين ، ثم صفه عن الأفاويه ، وارفعه في قارورة ضيقة الفم ، وأحكم سدهه ، ~~ثم صب على الثفل الذي صفيت عنه الدهن من الزنبق السابوري ثلاثين درهما ، ~~ومن دهن الورد الفارسي مثل ذلك ، ومن دهن الخيري الكوفي حتى تشبع ؛ ثم ~~تصبها إذا برد بخورها على الثفل ، وتضربها به ضربا جيدا ، وتحركه تحريكا ~~جيدا سبعة أيام ، في كل يوم ثلاث مرات ؛ فإذا أردت رفعه ألقيت فيه زنة درهم ~~من الزعفران المطحون ، وزنة دانق ونصف من الكافور الرياحي المسحوق ، وزنة ~~دانق من المسك المسحوق ، وزنة درهم من العنبر المحلول على النار بشيء منه ~~وتضربه بذلك ضربا جيدا ، ثم تصفى الدهن الثاني عن الثفل في قوارير ، وتحكم ~~سد رؤسها ، ويؤخذ الثفل ويستعمل في لخالخ الحمام ، فإنه نهاية ؛ والله أعلم ~~. PageV12P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" صنعة دهن برمكي مبخر من كتاب يوحنا بن ماسويه ~~تأخذ من البان الرفيع ثلاثين درهما ، ومن الزنبق السابوري مثله ، ومن دهن ~~الورد الفارسي مثله ، وتأخذ من العود الهندي أوقية ، ومن الصندل الأصفر ~~أوقية ومن جوزبوا أوقية ، ومن القرنفل الزهر أوقية ، ومن الهرنوة أوقية ، ~~ومن البسباسة نصف أوقية ، ومن السك المرتفع الأول أوقية ، ومن المسك ثلاثة ~~مثاقيل ، ومن العنبر مثقالين ؛ تدق جميع الأفواه كل واحد على حدته ، وتنخل ~~بحريرة ، ويحل العنبر ببان الغالية ، ويعجن به الجميع بعد أن يحل بزنبق ~~سابوري عجنا يابسا ، ويصير في برنية رحبة الجوف واسعة الفم ، ويبسط فيها ~~بسطا رقيقا ، ويبخر يوما بالقسط الحلو ويوما بالعود النيء ، ويوما بالصندل ~~الأصفر ، ويوما بالزعفران ، ويوما بالسك الرفيع ، ويوما بالعود ، ويوما ~~بالعود والكافور والعنبر ؛ ثم يؤخذ من كل واحد منها نصف مثقال ، ويقطع ~~ويبخر ؛ فإذا انتهى تبخيره فصب الدهن عليه ، وحركه فيه تحريكا جيدا ، ~~واتركه ms2302 يوما وليلة ، ثم صف الدهن عن الأثفال في برنية قد بخرتها بمثقال مسك ~~ومثقال عنبر ، ونصف مثقال كافور رياحي ، وسد رأسها سدا جيدا ؛ فهذا الدهن ~~البرمكي الرفيع الذي اتخذه جعفر بن يحيى لهارون الرشيد ؛ ثم تأخذ بعد ذلك ~~من الزنبق السابوري ودهن الخيري الكوفي الرفيع ودهن الورد الفارسي من كل ~~واحد خمسين درهما ، فتصب ذلك على الأثفال ، وتضربها به بعد أن تبخرها ~~بالعود والكافور سبع مرات ، وتضرب الأثفال بها في قارورة PageV12P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" نظيفة ، وصفه عنها ويكون ذلك للخالخ ولشعور ~~النساء . والدهن الثاني يلتحق بالأول . قال التميمي : وهذا الدهن البرمكي ~~يقوم مقام الغالية . صنعة دهن آخر كان يعمل للعباس بن محمد يؤخذ من السنبل ~~ثلاثة مثاقيل ، ومثقال من القرنفل ، وثلاثة مثاقيل من براية العود الهندي ، ~~ووزن نصف درهم بسباسة ، ووزن دانقين قاقلة ، ومثلها من المحلب المقشر ؛ تدق ~~هذه الأصناف ، وتنخل بمنخل صفيق ، وتعجن بماء الورد الطيب والزنبق الخالص ، ~~وتبخر بعود مطري سبع بندات ، ثم يترك حتى يبرد فاذا برد فاقلبه ، ودخنه سبع ~~مرات ، ثم صب عليه رطلا من الزنبق السابوري الخالص بعد تبخيره مفردا بالعود ~~والكافور ، وحركه به ، فاذا اختلط فدعه يوما وليلة حتى يجلس ؛ ثم صفه في ~~قارورة جديدة مبخرة ، وادهن منه متى أحببت . صنعة دهن العنبر من كتاب ابن ~~العباس يؤخذ قارورة ضيقة الرأس ، فيدهن باطنها بدهن ، وتبخر بعنبر قوي ~~الرائحة حتى تكمد وتسود من دخان العنبر ؛ فإذا اسودت فصب فيها قدر ثلثيها ~~من دهن الخيري المفتوق بالمسك ، واضرب الدهن في القارورة ضربا جيدا حتى ~~يختلط به ذلك السواد الذي اكتسبته القارورة من دخان العنبر ؛ ثم يستعمل ، ~~فمن أحب تقويته حل مثقالا من العنبر بشيء يسير منه ، ثم يضربه به ضربا جيدا ~~. PageV12P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" وأما الأدهان التي تصلح الشعور وتكثرها ~~وتبسطها وتسودها وتذهب ما بها من الحاصة وتطولها وتقوي أصولها - فمنها دهن ~~متخذ من حب القطن يكثر الشعور ويسودها ويذهب بالحاصة ويصفى اللون . يؤخذ من ~~لب حب القطن منوان ، فيدق حتى يصير مثل المح وتستخرج دهنه ms2303 كما تستخرج دهن ~~اللوز ؛ فإذا استخرجت من دهنه منا فصيره في طنجير برام وخذ له من السنبل ~~أوقية ، ومن القرنفل نصف أوقية ، ومن المرزنجوش المجفف نصف أوقية ، ومن ~~الصندل الأصفر نصف أوقية ، ومن القاقلة أوقية ، ومن الورد الفارسي الأحمر ~~أوقية ، ومن بزر الشاهسفرم نصف أوقية ، ومن بزر الافرنجمشك نصف أوقية ، ومن ~~الزعفران نصف أوقية ، ومن الإذخر أوقية ، ومن السعد الكوفي المقشوروورد ~~النارنج ولب حب الأترج المقشر وبزر النمام وحب الآس الرطب من كل واحد أوقية ~~، ومن البلح الأحمر المنزوع النوى إن كان رطبا فأربع أواقي ، وإن كان يابسا ~~فأوقية ، ومن الشير أملج الأسود بعد دقة ونخله ثلاث أواقي ؛ تجمع هذه ~~الأصناف ، وتلقى في قدر ، وتصب عليها من الماء غمرها وزيادة أربع أصابع ، ~~وتصب عليها أيضا من ماء الآس الأخضر رطلا ، ومن النضوح المعتق منا ، وتنقع ~~في ذلك يومين وليلتين ، ثم يصب دهن حب القطن عليها ، وترفع على نار لينة ، ~~ويوقد تحتها برفق حتى ينشف الماء ، وتدخل روائح الأفاويه في الدهن ؛ فإذا ~~انتهى إلى هذا PageV12P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" الحد فخذ من اللاذن الرطب نصف أوقية وحله على ~~نار لينة بزنبق رصافي حتى يصير مثل الغالية ، وألق من الكافور سدس مثقال ~~بعد سحقه ، ومن المسك المسحوق قيراطين ، وإن أحببت فسدس مثقال واضربهما ~~جميعا في اللاذن المحلول بالزنبق ضربا جيدا ، ثم أنزل الطنجير عن النار ~~وغطه بطبق ينطبق على رأسه ، وإن كان طبخه في قدر نحاس فهو أجود وأمكن ~~للتغطية ، وألق فوق الطبق خشبة ، ودعه بقية يومه وليلته حتى يبرد الدهن ~~ويصفو ثم اقطعه عن الثفل ، واجعله في إناء واسع ، واضرب فيه اللاذن المحلول ~~والكافور والمسك ضربا جيدا حتى تختلط به ؛ وان كان فاترا فهو أجود ؛ ثم ~~ارفعه في قوارير مبخرة ، وأحكم سدها ، ودعه حتى يختمر ، ثم استعمله ، فإنه ~~غاية في الطيب والنفع . صنعة دهن يصنع من دهن نوى المشمش يجود الشعر ويكثره ~~ويذهب بالحاصة ، وينفع شعر الرأس واللحية منقول من كتاب المعتصم . تعصر من ~~دهن نوى المشمش منا ، وتدعه حتى يروق ويصفو ms2304 ، ثم تأخذ له من المحلب الأبيض ~~المقشور والقرنفل وسك المسك والبنك والورد اليابس الأحمر والقاقلة والمرو ~~الأبيض والمرزنجوش المجفف والأفرنجمشك PageV12P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" المجفف والشاهسفرم المجفف والصندل الأصفر وورق ~~الأترج المجفف وورد الياسمين المجفف والسنبل العصافير والهرنوة ، من كل ~~واحد أوقية ؛ تدق هذه الأصناف ، وتنخل نخلا جريشا وتعجن بماء ورد ونضوح ~~عتيق في توربرام ، وتصب عليها من ماء الورد غمرها وزيادة إصبعين ؛ فإن كان ~~الثلثان ماء ورد والثلث نضوجا كان أطيب ، وتترك فيه يوما وليلة ؛ فإذا ~~أصبحت فألقه في طنجير برام ، وصب عليه أيضا من ماء الورد والنضوح ، وأوقد ~~تحته ، حتى إذا استحق صببت الدهن عليه وأوقدت تحت الطنجير وأنت تحركه دائما ~~تحريكا شديدا حتى ينشف ماء الورد والنضوح ويبقى الدهن وحده ؛ فأنزل الطنجير ~~عن النار ، وصب عليه من ماء الآس الرطب الذي قد رششت عليه الماء ودققته ~~وعصرته وروقته بخرقة رطلا ونصفا ؛ ثم أعده إلى النار ، وأوقد تحته حتى ينشف ~~ماء الآس ؛ ثم أنزله ، وألق فيه قيراطين من المسك المسحوق ، وثلاثة قراريط ~~من الكافور المسحوق ، وحركه تحريكا جيدا ؛ ثم غطه وغمه بخشبة ، واتركه بقية ~~يومه وليلته حتى يبرد ويصفو ؛ ثم صفه في القوارير ، وارفعه . قال التميمي : ~~وإن حللت فيه وهو حار نصف أوقية من اللاذن الرطب وفتقته به زاد طيبا ونفعا ~~للشعر . وهذا الدهن صنعته أنا بالقاهرة في سنة خمس عشرة وسبعمائة فجاء غاية ~~في الطيب والنفع . صنعة دهن آخر يجود الشعر ويطوله ويكثفه ويقوى أصوله ~~ويذهب بالحاصة ، ألفته منه يؤخذ من الإهليلج الأسود والبليلج وشير أملج ~~ونيلوفر أصفر وأحمر PageV12P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" مجففا وخبث الحديد ، من كل واحد نصف أوقية ؛ ~~يدق ذلك وينخل ، ويسحق بماء الآس الأخضر ، ويربب حتى يصير عليه من ماء الآس ~~نحو رطل ؛ ثم يؤخذ من دهن الحل الصافي الجيد رطلان ، ومن ماء البئر ستة ~~أرطال ، ومن ماء ورق الآس رطل آخر ؛ فيجمع ذلك في قدر أو طنجير ، وتوقد ~~تحته وقيدا لينا وأنت تحركه دائما باسطام حديد صغير حتى تعلم أن الماء قد ~~نشف أو ms2305 قارب أن ينشف ، ثم تحل لذلك من اللاذن الرطب أوقية بأوقية دهن رازقي ~~رصافي على نار لينة ، فإذا انحل فصبه في القدر على النار ، واغله غلية حتى ~~تعلم أنه قد بلغ ونشف ماؤه ، ثم برده وصف الدهن بخرقة حرير ، واجعله في ~~قارورة وتدهن منه في كل مرة بوزن درهمين ، فإنه نافع لما وصف . صنعة دهن ~~فاغية الحناء يصلح لشعور النساء قال التميمي : " هذا مما ألفته " ، وهو أن ~~تأخذ من دهن الحل الطري المخلوع السمسم غير المملوح ، ومعنى المخلوع أن ~~يسلق سمسمه بعد قشره وغسله وتجفيفه PageV12P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" سلقة لينة ، ويجفف على مسح في الشمس ، ولا ~~يقلى ، فإن المقلو لا يقبل روائح الأزهار ، ولا يملح في سلقه بملح ، فإن ~~الملح يقطع روائح الطيب ؛ فإذا أخذت الدهن فصيره في طنجير أو قدر حجارة ، ~~وألق فيه من فاغية الحناء في أول يوم منا ، وفي اليوم الثاني نصف من ، ~~ودرجه حتى تتم الفاغية ثلاثة أمنان ، ويسخن الدهن في كل يوم حتى يحمي حين ~~تلقي عليه الفاغية ، فاذا كملت فيه ثلاثة أمنان فاصبب عليه من ماء الآس ~~المصعد من ، ومن ماء الزعفران نصف من ، ومن ماء الورد نصف من ؛ ثم ارفعه ~~على نار لينة حتى تنشف المياه عنه ويبقى الدهن ؛ فإذا نشف الماء فأنزله ، ~~وغمه بالغطاء ، واتركه حتى يبرد ، واستخرج ما فيه من فاغية بمصفاة ؛ ثم ~~اعصرها حتى يخرج ما فيها من الدهن بحريرة ، وأودعه القوارير . ولم يذكر ~~التميمي مقدار الدهن . وقال يوحنا بن ماسويه في صنعة دهن الفاغية : تأخذ من ~~دهن الحل الطري غير المملوح ثلاثة أرطال ، فاجعلها في طنجير أو قدر حجارة ؛ ~~وخذ لذلك من فاغية الحناء وقلوبه زنة منوين فألقه فيه مفروكا ، وإن كان ~~يابس فدقه جريشا وأصبب عليه من الماء ثلاثة أرطال ، وارفع الطنجير على نار ~~لينة حتى يذهب الماء ويبقى الدهن ، فارفعه في قوارير . قال : وهو جيد لشعور ~~النساء ، مصلح لها ، جيد للتمريخ ، يستعمله الرجال والنساء ؛ والله أعلم . ~~PageV12P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" الباب التاسع من القسم الخامس من الفن الرابع ms2306 ~~في عمل النضوحات والمياه المستقطرة وغير المستقطرة مثل ماء الجورين ، وماء ~~الصندل ، وماء الخلوق ، وماء الميسوس ، وماء التفاح ، وماء العنب ، وتصعيد ~~المياه . فأما النضوحات - فليس المراد بها في هذا الباب النضوحات التي تصنع ~~للشرب ، بل المراد بها النضوحات التي تدخل في أصناف الطيب . وقد ذكر ~~التميمي منها كثيرا ، وهي غير متباعدة في الأعمال ، ولا متنافية في ~~المقادير ؛ ثم اختار منها نضوجا ، قال : إنه ألفه فجاء جيدا ، وهو : يؤخذ ~~من التمر المنقى من أقماعه ، المنزوع النوي عشرون رطلا ، فتنقع في الماء ~~يوما وليلة ، ثم تطبخ في قدر نحاس مؤنكة فإذا نضج التمر فصف عنه ماءه من ~~غير أن يمرس أو يمس ؛ ثم يؤخذ من الآس الغض الطري المخروط من عيدانه رطلان ~~، فيدق دقا جريشا ، ويعجن بشيء من ماء التمر ، ويبخر بقسط مر وبراية عود ~~وصندل وأظفار خمسة أيام ، في كل يوم ثلاث بالغداة ، وثلالثا بالعشى ، ~~وتقلبه حتى يأخذ روائح البخور ؛ ثم دقة بشيء من ماء التمر ، وألقه عليه ، ~~وارفعه على النار حتى يذهب من الماء النصف ، ثم صفه براووق ، واتركه حتى ~~يغلي ، فإذا إلى وهدأ غليانه فخذ له من السنبل والأفلنجة والقرنفل ~~PageV12P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" والقرفة والهال بوا والكبابة والقاقلة ، من كل ~~واحد ثلاثة دراهم ؛ ودق هذه الأصناف دقا جريشا ، ونضاف اليها من الزعفران ~~نصف درهم ، وتعجن بشيء من النضوج ، وابسطها في باطية أو قدح ، وبخرها ~~بالقسط الطيب والعود والكافور ، ثم اضربها به ضربا جيدا وطين رأس الظرف ، ~~ولا تفتحه إلا بعد ثلاثة أشهر . صفة عمل نضوح نقلته من كتاب الزهراوي يدخل ~~في أصناف الطيب ، ويستعمل للشرب ، وهو : يؤخذ من عصير العنب مائة رطل فيغلى ~~عليه حتى يظهر ريمه ، ويقطف عنه ؛ فإذا صفا فخذ له من ورق الآسي ثلاثة ~~أرطال ، ومن التفاح الشامي عشرين حبة ومن السفرجل الممسوح من زغبه عشرين ~~حبة ، ومن قشور الأترج الأخضر ثلاثة أرطال ؛ والق ذلك على العصير ، واطبخه ~~على النار حتى يبقى منه النصف واتركه حتى يبرد ، ثم أوعه في آنية الزجاج ، ~~ودق الأفاويه الحارة الوافرة ms2307 ، اعجنها بشيء منه ، وبخرها بالقسط الطيب ~~والعود والكافور ، واضربها به ، واضرب به أيضا شيئا من الكادي ، ومثقالا من ~~دهن الأترج ، وطيبه ، ويستعمل بعد تعتيقه . PageV12P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" قال الزهراوي في كتابه : إنه ينقص النصف ؛ ولم ~~يزد على ذلك . فمن أراده للطيب فهو كاف ؛ وأما من أراده للشرب فلابد أن ~~يغلبه حتى يبقى منه الثلث ؛ ولا يجوز استعماله بأقل من ذلك . وأما المياه ~~المستقطرة وغير المستقطرة - فمنها ماء الجورين ، وهو الذي كان يصنع للخلفاء ~~؛ يؤخذ من ماء الورد الجوري خمسة أرطال ، تجعل في زجاجة ويطرح عليها من ~~العود الطيب الهندي أوقية بعد دقة جرشا ؛ ثم يغطى فم الزجاجة ويلف بملحفة ~~نظيفة ، ويترك خمسة أيام ؛ ثم تصفيه بعد ذلك في قرعة التقطير ويقطر الماء ~~برفق وحكمة ، ويرفع في قارورة ؛ ثم يؤخذ رطلان من الماء ، ويطرح فيهما من ~~الزعفران الشعر خمسة دراهم وجوزبوا درهمان ، ويجمع الجميع في قرعة التقطير ~~وتترك القرعة مسدودة الفم يوما وليلة ، ثم تجعل في فرن التقطير ، ويوقد ~~تحتها وقودا معتدلا بنار حطب لا الدخان لها ؛ فإذا رأيت الماء قد بدأ يقطر ~~فاقطع النار ساعة وتكون قد أعددت قيراط مسك وقيراط عنبر ، وحبتين من ~~الكافور كل ذلك مسحوقا ، وألقه في القرعة ، ثم سد رأسها ، وأعدها إلى النار ~~؛ فإذا بدأ الماء أن يقطر فأغلق باب الفرن فإن الماء يقطر أبيض ؛ فإذا تغير ~~إلى الصفرة فارفع الأول في قارورة ، وسد رأسها بشمع ، واجمع الماء الأصفر ~~في قارورة ثانية ؛ فإذا تغير إلى الحمرة فارفع القارورة الثانية ، واجعل ~~قارورة ثالثة ، فإنه يقطر أحمر ، فإذا فتر التقطير فارفع الماء الثالث ، ~~واجعل كل ماء على حدة ؛ فهذا ماء الجورين . وأما ماء الصندل - فقال ~~الزهراوي : يؤخذ من الصندل المقاصيري الأصفر أوقيتان ، تنقعان في رطل ونصف ~~من الماء المشروب يوما وليلة ؛ ثم يصعد مثل ماء الجورين ؛ وإن عملته من ماء ~~الورد فهو أبلغ ؛ وكذلك تصعيد العود ، ويكونان قد طحنا قبل نقعهما . ~~PageV12P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" صفة تصعيد ماء القرنفل يؤخذ من زهر القرنفل ~~الذكي الحريف أوقية ، تدق وتنخل ، ويضاف ms2308 إليها زنة دانق من الكافور المسحوق ~~، ويحل بمن ونصف من ماء الورد ، ويضرب به ويترك يوما وليلة ؛ ثم يصعد كما ~~تقدم . صفة تصعيد ماء السنبل يؤخذ من السنبل العصافير الأحمر أوقيتان ، يدق ~~ويعجن بماء الورد وماء النمام ، ويترك ليلة مخمرا ؛ ثم يضاف إليه من الغد ~~من ماء الورد منا ، ويضرب به ضربا جيدا ؛ ثم يصعد بنار لينة كما تقدم . صفة ~~تصعيد ماء الكافور يؤخذ من الكافور الرياحي مثالان ، يسحق سحقا جيدا ، ثم ~~تصب عليه من ماء الورد ، رطلا ، أو رطلين إن أحببت الكثرة ؛ واضربه به ضربا ~~جيدا شديدا حتى يصير أبيض ؛ ثم طين له قرعة بطين الحكمة ، وتفقدها ثلاثة ~~أيام حتى لا يبقى في طينها شق ؛ ثم تنصب على الأنون ، ويصب فيها الماء الذي ~~ضرب به الكافور ويركب عليها الأنبيق ، ويوقد تحتها بنار فحم لينة حتى يصعد ~~، فإنه يصعد منه ماء كافور يفوق كل طيب ؛ ثم اثنه بماء ورد بغير كافور ، ~~فيأتي ماء كافور دون الأول . PageV12P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" تصعيد ماء الزعفران عن ابن ماسويه يؤخذ رطل ~~زعفران مسحوق ، ويصب عليه من الماء رطلان ، ويترك يوما وليلة ؛ ثم يضرب ~~بالغداة ، ويحرك باليد ، ويدلك دلكا جيدا ، ثم يصفى بخرق رقيقة ، ويجعل ~~الماء في قرعة ، ويصعد ؛ ومن أحب ألا يصفيه يصعده بثفله . تصعيد آخر ~~استنبطه التميمي قال : يؤخذ من الزعفران الشعر أوقيتان ، فيجعل في برنية ~~زجاج ، ويصب عليه من ماء الورد من ، ويسد رأسها ، ويترك يوما وليلة ، ثم ~~يسحق له من القرنفل الزهر مثقال ، ومن الكافور مثقال ، ويضربان به ضربا ~~جيدا ؛ ثم يصعد بالقرعة والأنبيق على الماء ، فإنه يخرج منه ماء عجيب في ~~الطيب ؛ ثم يثنى بالماء القراح فيخرج منه ماء ثان دون الأول . صفة تصعيد ~~ماء الورد الطيب الذي يسمى الغنج يؤخذ من ورق الورد الطري الأحمر ، ويسحق ~~لكل رطل منه نصف درهم جوزبوا ، ونصف درهم من القرنفل الزهر ، ومن المسك ~~قيراط ، ومن الكافور نصف قيراط ، وتذر على ورق الورد بعد أن يرش عليه ماء ~~ورد جوري ، ويجعل في فرع التقطير ms2309 في كل قرعة رطلان ؛ ويركب عليها الأنبيق ، ~~ويستقطر بخار الماء ؛ فإذا قطر من الرطلين ربع رطل عزل ذلك الماء الأول ؛ ~~ثم تركب على القرعة قابلة أخرى ، ويستقطر فيها ما بقي في الورق من الماء ، ~~وهو نحو ربع رطل أو أكثر وارفعه على نوعين : أول وثان ، وأحكم سد رؤس ~~القوارير ؛ وإن أردت أن تأمن عليه التعطن وأن يصفو ، فاسحق لكل من ماء ~~الورد قدر حبتين PageV12P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" نوشادرا معدنيا وألقه فيه قبل سد رأس القارورة ~~، فإنه يصفيه ؛ وإن جمعت الماء الأول في إناء وألقيت النوشادر فيه ، وتركته ~~ثم أوعيته في القوارير كان أجود ، وتصنع بالثاني مثل ذلك . تصعيد ماء ورد ~~آخر ألفه التميمي يستخرج من الورد اليابس يؤخذ من الورد الأحمر الفارسي ~~الجيد فينقى من أقماعه ، وينقع منه رطل واحد في منوين ماء ورد جوري يومين ~~وليلتين ، في براني مسدودة الرؤوس ؛ ثم يصب عليه من الماء العذب أربعة ~~أمثال وزنه ، ويسحق له من الكافور مثقال ، ومن القرنفل ثلاثة دراهم ، ومن ~~المسك قيراطان ، ويضرب ذلك به ، ثم يقسم في قرعتين أو ثلاثة ؛ تفعل ذلك قبل ~~إلقائك الكافور والقرنفل ، ثم تلقي في كل قرعة من الفتاق حقها ، وتضرب ما ~~فيها من الورد والماء ضربا جيدا ، ويركب عليها الأنبيق ويستقطر ماؤه ، فإنه ~~يأتى منه ماء ورد لا بعده في الطيب ؛ ثم تصب على الثفل ماء ثانيا نحو ثلاثة ~~أرطال ، وتستقطره ، فإنه يخرج منه مناء ورد ثان لاحق بالأول . تصعيد ماء ~~ورد ملوكي مرتفع عن ابن العباس يؤخذ من حب السمسم المربى بالمسك ، فيسحق مع ~~شيء من الكافور على صلاية ، ويجعل لكل عشرة مثاقيل من حب السمسم زنة دانق ~~من الكافور ويجعل منه في كل قرعة مثقالان مخلوطان بورق الورد الأحمر العربي ~~؛ ثم يستقطر فإنه يقطر منه ماء ورد أذكى من كل طيب ؛ وإن سحقت لكل قرعة زنة ~~دانقين من زهر القرنفل ، أو نصف درهم ، خرج ماء عجيبا حسن الرائحةعبقا . ~~PageV12P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" تصعيد ماء المسك وماء الورد قال التميمي : ~~تأخذ من المسك دانقا ms2310 ؛ ومن ماء الورد الجوري رطلا بالبغدادي فتسحق المسك ، ~~واضربه بماء الورد ، وابركه فيه ساعة ؛ ثم اجعله في القرعة وركب على رأسها ~~الأنبيق ، وصعده على هباء الماء ، فإنه يطلع منه ماء مسك لابعده ؛ ومن أحب ~~الزيادة في المسك أو النقصان فعل ؛ ويصعد على أثره ماء ورد بغير مسك ، فإنه ~~يأتي ماء مسك دون الماء الأول . وأما تصعيد ماء الخلوق من كتاب الزهراوي ~~قال : يؤخذ جوزبوا وبسباسة وسك ، من كل واحد أوقية ؛ كافور نصف أوقية ؛ ~~قرنفل أوقية ، سنبل وقاقلة وكبابة ، من كل واحد نصف أوقية ، زعفران أوقية ؛ ~~تدق هذه الأصناف ، وتحل بماء الورد ، وتبخر بالعود والكافور في يوم وليلة ~~خمس عشرة مرة ، ويكون العود والكافور سواء في التجزئة ، ثم تلقي على ذلك من ~~ماء الورد عشرة أرطال ، ويجعل في قرعة التقطير ، فإن أردت أن تزيده ماء آخر ~~على الثفل وتصعده ثانيا فافعل ، وارفع كل ماء على حدة ؛ والله أعلم . ~~PageV12P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" تصعيد ماء خلوق آخر من كتاب أبي الحسن المصري ~~يؤخذ من القرنفل والسنبل والهرنوة والصندل والزعفران ، من كل واحد جزء ، ~~ومن الورد الأحمر المنزوع الأقماع جزءان ؛ يدق الجميع ، وينخل ، ويعجن ~~بزنبق ، ويبخر بقسط مر وحلو وظفر ولاذن ثلاثة أيام ، ويقلب بين كل ثلاث ~~مندات ؛ ثم يبخر بعود وكافور ثلاثة أيام ؛ ثم يفتق بجوزبوا وبسباسة وسك مسك ~~وعود لكل رطلين منه نصف اوقية من جميع الفتاق ، ودرهمان من الكافور الرياحي ~~ومثقال من دهن البلسان ، ويحل بماء ورد حتى يصير كالحساء ، ويجعل في قرعة ~~التقطير ، ويستقطر ، ثم يخرج وفيه نداوة بعد أن يثني بماء ورد آخر ، ويجعل ~~ثفله في اللخالخ . تصعيد ماء خلوق من كتابه أيضا يؤخذ من الزعفران عشرة ~~دراهم ، ومن القاقلة والصندل وحب العروس والقرنقل والمحلب ، من كل واحد وزن ~~درهمين ، وسنبل وقرفة قرنفل ومصطكاء وجوزبوا من كل واحد وزن درهم ، ومثل ~~الزعفران وسائر هذه الأفاويه من الورد الفارسي الأحمر ؛ يدق الجميع ، وينخل ~~، ويعجن بعسل نحل صاف منزوع الرغوة ، مضروب بالنضوح المعتق ، ويبخر بقسط ~~وظفر حتى يشبع ، ثم بعود وكافور ms2311 ثلاثة أيام ثم بزعفران وكافور ثلاثة أيام ؛ ~~ثم يؤخذ من الريحان الغض الأخضر أربعة وعشرون درهما ، فتدق وتعجن بصفو ~~النضوح ، ويبخر الريحان بقسط وظفر ، ويخمر ليلة ثم يخلط بالخلوق ، ويضرب به ~~ضربا جيدا ، وتقطر عليه قطران من دهن البلسان أو دهن الكادي ؛ ويسحق من ~~الكافور الرياحي مثقال فيعجن به ، ويضرب به ضربا جيدا ، PageV12P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" ويحل جميع ذلك بمنوين من ماء الورد ، ومنوين ~~من ماء النمام المصعد ؛ ثم يصعد على ما تقدم ، فإنه يأتي غاية في الطيب ~~والذكاء . قال : وهذا أطيب ما يستخرج من ماء الخلوق . وأما ماء الميسوس - ~~فهو ممايدخل في النضوحات ، وتنقع به الأفاويه وتخمر به اللخالخ ، وغير ذلك ~~من أصناف الطيب ؛ وعمله على طرق كثيرة ، نذكر أقربها وأجودها إن شاء الله ~~تعالى . صنعة ميسوس نادر أخذ عن بختيشوع الطبيب من كتاب العطر المؤلف ~~للخليفة المعتصم بالله قال : يؤخذ من القسط المر وقصب الذريرة والساذج ~~الهندي والقرنفل الزهر وقشور عيدان السليخة الحمراء والبسباسة الذكية ~~والأشنة الهندية واليمانية بعيدانها من كل واحد ست أواقي ، ومن السنبل ~~العصافير أوقيتان ، ومن الميعة السائلة PageV12P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" الحمراء أو البيضاء ست أواقي ، ومن دهن ~~البلسان ست أواقي ، ومن الزعفران القمي المسحوق خمس أواقي ، ومن المسك خمسة ~~مثاقيل ؛ تدق الاصناف اليابسة وتطحن ، ويسحق المسك والزعفران سحقا ناعما ، ~~ويدافان بالطلاء الريحاني الذكي وتحل الميعة بدهن البلسان ، ويصب على ~~الجميع من عسل النحل ست أواقي ويضرب بالأصناف ضربا جيدا وهو حار ، ويداف ~~ذلك بالطلاء ، وتعجن به الأفواه عجنا جيدا ، ثم يؤخذ من ورد السوسن الأبيض ~~الطري ثمانمائة وردة عددا فتقطع أصول ورقها بالأظفار ، ويمسح من الصفرة ~~التي تكون في داخله بخرقة ناعمة كتان جديدة ، ثم تفرش الورق في إناء ، راقا ~~من الورق ، وراقا من الأدوية حتى تأتي على السوسن والأدوية ، ثم تصب على ~~ذلك من الطلاء الذكي خمسة وعشرين رطلا بالبغدادي ، وتغطى الإناء بغطاء ~~ينطبق عليه ، وتستوثق منه ويطين بطين حر مخلوط بشعر العنز المدقوق المنخول ~~؛ ويرفع في بيت كنين ، في ظل مما يواجه ms2312 ريح الشمال ، ويترك ستة أشهر ، ثم ~~يفتح ويصفى في القوارير . قال : فإنه ينفع - بإذن الله - من الإغماء الشديد ~~، وفرط الغثيان والقيء والاستطلاق والهزال وضعف الطبائع ، ومن الغم الشديد ~~، وضعف المعدة والكبد ؛ وقد ينفع في الضمادات ، وتعصب به المفاصل ، ويوضع ~~منه على قرطاس وتضمد به المعدة . صنعة نوع آخر من الميسوس عن بختيشوع أيضا ~~من الكتاب المذكور يؤخذ من السوسن الأبيض أربعمائة سوسنة ، فيقطع ورقها ، ~~وتمسح الصفرة التي داخله ، ويبسط على ثوب كتان جديد ، وينثر عليه من الملح ~~PageV12P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" الأندراني ويجفف في الظل ؛ ثم خذ له من القسط ~~المر والساذج الهندي والحمامي الحمراء وقشور عيدان السليخة الحمراء ~~والقرنفل وقصب الذريرة الطيبة من كل واحد أوقيتين ومن المصطكاء وسنبل الطيب ~~والعود الهندي ، من كل واحد أربع أواقي ومن المسك أربعة مثاقيل ؛ تدق هذه ~~الأصناف جريشا ، وتنعم سحق المسك والزعفران ، ويجمعان بالميعة السائلة ودهن ~~البلسان ، وتصب على ذلك أربع أواقي من عسل النحل ، ويعجن به " يعني ~~الزعفران والمسك " عجنا جيدا ؛ ثم يحل بالطلاء ويعرك وتأخذ برنية من زجاج ~~واسعة الرأس ، كبيرة ، فتبسط فيها راقا من ورق السوسن وراقا من الأخلاط حتى ~~ينتهي ذلك ؛ ثم صب عليه من الطلاء الجيد العتيق الذكي الرائحة الذي لم يوضع ~~في الشمس عشرين رطلا ، وتصب عليه بعد ذلك الزعفران والمسك المدافين بدهن ~~البلسان والميعة والعسل المحلول بالطلاء فوق رأس البرنية ، وليكن للبرنية ~~غطاء ينطبق عليها ، وتجعل تحت الغطاء خرقة كتان جديدة ، وتشد فوق الخرقة ~~بقرطاس مصري ، ثم بالغطاء ، ثم تطين البرنية بالطين الحر والشعر وتبن ~~الكتان ، وتجعل البرنية في طاق يلي ريح الشمال ، ولا تقابل بها الريح ~~استقبالا ، بل اجعلها منحرفة عنها أدنى انحراف ، واتركها ستة أشهر ثم ~~استعمله . PageV12P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" قال : وبعض الحكماء الأطباء يزيد فيه كبابة ~~وفلنجة وزرنبادا من كل واحد أوقيتين . وأما ماء التفاح ونضوحه الذي يصنع ~~منه - فقال التميمي عن أحمد ابن أبي يعقوب في صنعة ماء التفاح الشامي الطيب ~~: ثؤخذ من التفاح الشامي الجيد السالم من العفن والتشنج خمسائة حبة ms2313 ، فتمسح ~~، ثم تشقق كل تفاحة أربعة ويلقى ما فيها من الحب وما يجاوره ، ثم تقطع ~~صغارا في مراكن خضر ، ثم تدق دقا جيدا في هاون حجارة ثم تعتصر في كرباسة ~~نظيفة طيبة الريح مبخرة ، ثم تدق مرة ثانية ، وتعتصر حتى لا يبقى فيها شيء ~~من الماء ، ثم يروق ، ويصب في تور حجارة ، أو طنجير حجارة ، ويطبخ بنار فحم ~~لينة من فحم كرم جزل ، فإذا ذهب من الماء اقل من الثلث فاطرح فيه قرنفلا ~~صحيحا وقطعا من صندل أصفر دقاقا واغله بهما حتى ينقص الثلث وزيادة يسيرة ، ~~ثم ارفق بالنار حتى يبلغ نقصه النصف ثم أنزله عن النار ، ودعه حتى يبرد ، ~~ثم صفه ، وأعده إلى الطنجير واخرج الصندل والقرنفل منه ، وأوقد تحته برفق ، ~~فإذا غلي ثانية فاطرح فيه عودا مرضوضا مثل رض الخشخاش ، أو أجل منه قليلا ، ~~واغله به حتى يذهب ثلث ما بقي وزيادة فيكون نقصه عن أصله قد زاد عن ثلثيه ، ~~ثم اطرح فيه من السك المرتفع سك الغالية ، ولا تكثر تحته النار إلا بقدر ما ~~يغلى غليانا رفيقا ، فإذا رأيته قد انعقد وصار مثل الخلوق - وهو إلى الرقة ~~ليس لخائر - فأنزله عن النار ، واتركه في الإناء يوما وليلة ، ثم خذ قارورة ~~ليست بالواسعة الرأس ولا بالضيقة قدر ما تدخلها اليد ، فبخرها بسبع قطع عود ~~مخمر وند PageV12P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" وقطع عنبر ، ثم صف ذلك الماء وصبه فيها ، وسد ~~رأسها ما استطعت بخرقة ، وطينه ، ثم اتركه ثلاثة أيام ، حتى إذا كان في ~~اليوم الثالث فاسحق له لكل رطل من الماء مثقالا من مسك ، ومثقالا من عنبر ~~شحري مداف ، واضرب ذلك بالماء ضربا جيدا ، وحرك القارورة سبعة أيام ، ~~واتركها شهرا ، ثم استعمله بعد ذلك . صنعة عقيد ماء التفاح من كتاب أبي ~~الحسن المصري قال : يعتصر ماء التفاح على ما تقدم ، ثم يجعل في طنجير برام ~~أو برمة بعد ترويقه وتصفيته ، ويطبخ على النار حتى يذهب منه النصف والربع ، ~~ثم ينزل عن النار ويبرد ، ويسحق لكل رطل منه وزن نصف درهم ms2314 من القرنفل الزهر ~~وحبتي مسك ، وحبتي كافور سحقا جيدا ، وتضرب به ، ويجعل في آنية زجاج ويحكم ~~سد رأسها ، ويرفع إلى وقت الحاجة إليه . صفة نضوح ماء التفاح مما ألفه ~~التميمي وركبه فجاء غاية في الطيب قال : تأخذ من التفاح الشامي البالغ ~~النضيج خمسمائة حبة ، فتعصر ماءها على ما تقدم ، وترفعه على النار في قدر ~~نحاس مؤنكة ، وتوقد تحته حتى تنشق عنه رغوته ، فإذا تشققت فالقطها عنه حتى ~~يصفو وينصقل وجهه ، ثم خذ له من العود الجيد والسنبل العصافير والقرنفل ~~الزهر والقافلة والهال بوا والهرنوة والقرفة والجوزة ، من كل واحد وزن درهم ~~، يدق ذلك دقا جريشا ، وينخل بمنخل شعر واسع ، ويشد في خرقة شرب فيها عنه ~~فضل ، وتدلى بخيط في قدر ماء التفاح ويغلى عليها ، وتمرس الخرقة ساعة بعد ~~ساعة حتى تخرج قوة الأفواه في PageV12P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" ماء التفاح ولا تزال توقد تحته وقيدا لينا حتى ~~يذهب نصف الماء وربعه ، فإذا بقي منه الربع فأنزله عن النار ، واعتصر ~~الخرقة فيه ، ثم أخرجها وجفف ما فيها من أثفال الأفواه فإنها تصلح للضمادات ~~التي تصلح المعدة ، فإذا فتر ماء التفاح فاسحق له من المسك مثقالا ، ومن ~~الكافور نصف مثقال ، ومن سك المسك مثقالا ، ومن الزعفران المطحون نصف مثقال ~~، واجمع ذلك في زبدية ، وصب عليه من مطبوخ ماء التفاح ما تعجنه به ، ثم ~~أذبه حتىيصير مثل الخلوق ، ثم صبه فيه ، واضربه به ضربا جيد ، واجعله في ~~ظروف ، وأحكم سدها ، فإنه يأتي عجيبا في الطيب . وأما ماء العنب المطيب ~~والعقيد المصنوع منه - وقد سماه التميمي بهذه التسمية ، ونقله من كتاب ~~العباس بن خالد وغيره - فقال في عمل ماء العنب المطيب : تأخذ من عصير العنب ~~الأسود زقين أو ثلاثة ، فتصبه في إناء ، وتتركه يومين ، ثم تروقه في إناء ~~آخر حتى يصفو ، واجعله في طنجير برام ، وأوقد تحته بنار لينة ، وانزع رغوته ~~، فإذا صفا فخذ له من الزرنب والفلنجة من كل واحد أوقية واجعلهما في خرقة ~~شرب خفيفة ، وتشد وتعلق في الطنجير ، ويطبخ وهي فيه وتمرس ms2315 ساعة بعد ساعة ~~حتى يذهب من ماء العنب النصف ، ثم أنزله عن النار وبرده يوما وليلة ، ثم ~~روقه ، وخذ له من المسك مثقالين ، ومن الكافور الرياحي مثقالا ونصف مثقال ، ~~ومن الزعفران نصف أوقية ، ومن العود المسحوق المنخول نصف أوقية ، ثم اجمع ~~ذلك في زبدية ، وحله بشيء من العصير المطبوخ ، ثم صبه فيه ، واضربه ضربا ~~جيدا ، واجعله في قوارير ، وسد رؤسها ، ويكون أقل من ملوها ، فإنه يغلي ~~ويفور ، وينبغي أن يحرك في كل يوم تحريكا شديدا إلى أن يسكن غليانه ويستعمل ~~بعد شهور . PageV12P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" صنعة أخرى لماء العنب المطيب من كتاب محمد بن ~~العباس يؤخذ من العنب الأبيض الكثير الماء فيعصر في إناء نظيف ، ويجعل ~~الماء في طنجير ، ويوقد تحته وقود لين حتى تنزع رغوته ويصفو ، ثم خذ له ~~قرفة قرنفل وسنبل ، فيدق ذلك دقا ناعما ، ويلقى فيه وهو على النار بعد أن ~~ينقص نصفه ثم يغلي عليه ساعة ، وينزل ، ويترك حتى يبرد يوما وليلة ، ثم ~~يصفى براووق ويجعل في إناء غضار ، ويفتق بمسك وكافور رياحي وعود مطحون ، ~~فإن كان في زمن الجر فأخرجه بالليل إلى صحن الدار مغطى ، ويرد بالنهار إلى ~~موضع بارد كنين ولا يترك في مكان ند ، ثم يجعل بعد إحكام سده وتطيينه في ~~موضع كنين إلى أن يدرك ، ويستعمل في وقت الحاجة اليه . ووصف التميمي أعمالا ~~لماء العنب ، إلا أنها لا تبعد عن هذه النسخ التي أوردناها ولا كنافيها إلا ~~بكثرة الأفاويه وقلتها ، ولم يقل في شيء منها : إنه ينقص أكثر من النصف ؛ ~~وفيه على هذه الصفة مافيه ، وبعيد أن تفارقه النشاة مطلقا اذا لم يزد عن ~~النصف ؛ فأما من أراد استعماله على الوجه المباح عند أكثرهم فإنه يغليه حتى ~~لا يبقى منه إلا دون الثلث . PageV12P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" الباب العاشر من القسم الخامس من الفن الرابع ~~في الأدوية التي تزيد في الباه وتلذذ الجماع وما يتصل بذلك من أدوية الذكر ~~والأدوية المعينة على الحبل والمانعة منه وغير ذلك إعلم - وفقنا الله وإياك ~~- أن علاج ms2316 الباه يحتاج إلى أدوية لإصلاح باطن البدن وظاهره . أما باطنه ~~فإصلاحه بالأدوية المستعملة ، من الأطعمة والأدوية المركبة والجوارشنات ~~والمربيات والسفوفات والحقن والحمولات . وأما ظاهره فإصلاحه بالمسوحات ~~والضمادات والأدوية الملذذة بالجماع . ذكر الأطعمة النافعة لذلك - من ذلك ~~صفة عجة تزيد في الباه : يؤخذ حمص وباقلاء وبيض وبصل أبيض ، يطبخ ذلك بلبن ~~حليب حتى يتهرأ ويصفى عنه اللبن ؛ ثم يطرح في مهراس ويدق ناعما حتى يختلط . ~~. . . ؛ وتؤخذ صفرة عشر بيضات فتطرح علنه ، ويجعل جميع ذلك في مقلي ، ويقلى ~~بزيت ، وتعمل عليه الأبازير ، ولا يترك حتى يحترق ، بل يؤكل قبل نضجه . ~~PageV12P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" صفة عجة أخرى يؤخذ هليون رخص ولوبياء وبصل ~~أبيض وحمص ؛ يسلق جميع ذلك حتى يتهرأ ، ويؤخذ من صفرة البيض ما يححتاج اليه ~~، ويجعل على المسلوق بعد دقه ويطرح عليه شيء من شحم الإوز ، ويغلى بزيت ~~مغسول ، ويؤكل قبل نضجه ، فإنه غاية في زيادة الباه . صفة لون يزيد في ~~الباه تؤخذ فراريج مسمنة قد علفت الحمص والباقلاء واللوبياء تذبح وتغسل ~~ويؤخذ حمص يسلق ببصل كثير ، وينشف ، ويرض بشحم ثلاثة فراريج ، ويحشى به ~~فروج من المسمنة ، ويطبخ إسفيدباجة رطبة ، ويكون ملحها ملح السقنقور ويدر ~~عليه دار صيني وزنجبيل وابازير ؛ ثم يجعل الفروج بعد نضجه على رغيف سميد ~~قليل الملح والخمير ، ويترك الرغيف في المرق حتى يتشربه ، ثم يؤكلان ، فإن ~~ذلك نهاية . صفة هريسة يؤخذ من الحنطة النقية المقشورة ، ثم تجعل في قدر ، ~~ويجعل معها مثل خمسها من الحمص والباقلاء واللوبياء ، ثم يجاد طبخها ، ثم ~~يؤخذ من عصارتها جزءان ، ومن PageV12P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" اللبن الحليب البقري جزء ، ومن النارجيل مثل ~~ربع اللبن ، ويلقى فيه من شحم الإوز والبط ، ويسلق بلحم الهريسة ، ويخلط ~~جميع ذلك بالأول ؛ ويصرب حتى يصير هريسة ، ويكون ملحها ملح السقنقور ، ~~وتؤكل ، فإنها تزيد في الباه . صفة لون آخر يؤخذ لحم حمل سمين ، يطبخ ~~إسفيدباجا ، ويطرح معه حمص وبصل كثير وخولنجان وصفرة البيض ، ويطيب ~~بالأبازير وملح السقنقور ويؤكل فإنه غاية . قال صاحب كتاب الإيضاح : إن ~~الأطعمة التي تزيد في الباه ms2317 هي الطباهجات والاسفيدباجات واللوبياء والهرائس ~~والمطجنات والأمخاخ وما يجري مجرى ذلك . وأما الأشربة المركبة التي تزيد في ~~الباه - فقد وصف منها محمد ابن زكريا الرازي وغيره أصنافا ، فقال : يؤخذ من ~~لبن البقر الحليب رطلان من بقرة فتية صفراء ، يجعل فيه ترنجبين أبيض ، ~~ويطبخ بوقود PageV12P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" شديد حتى يغلظ ويصير مثل العسل ، وتؤخذ منه في ~~كل يوم أوقية على الريق ، وأكثر من ذلك . وقال : هذا لأصحاب الأمزجة الحارة ~~اليابسة . آخر يصلح لأصحاب الأمزجة الباردة اليابسة يؤخذ من اللبن الحليب ~~رطل ، وتسحق عشرة دراهم دارصيني سحقا ناعما حتى تصير مثل الكحل ، وتلقى على ~~اللبن ، ويترك ساعة ، ثم يشرب قدحا بعد قدح ويخضخض لئلا يرسب الدارصيني فيه ~~، وليشرب قبل الطعام وبعده قليلا قليلا بدل الماء عند العطش حتى يأتي على ~~اللبن والدارصيني بكماله ، ويكون الغذاء طباهجا بلحم ضأن فتي ، ويشرب عليه ~~نبيذا صرفا ، يفعل ذلك أسبوعا ، ولايجامع فيه ، فإنه يولد منيا كثيرا ، ~~ويهيج تهييجا عظيما . قال : وينبغي أنه اذا هاجت منه حدة وحرارة أن يقطع ، ~~فإن لم تسكن الحدة والحرارة فصد وأسهل وسقى ماء الشعير ويترك اللحم والشراب ~~أياما ، ويقلل الغذاء . قال الرازي : إلا أن هذا التدبير يجمع امتلاء كثيرا ~~؛ ولا يقرب هذا الدواء من بدنه غير نقي ، فإنه يحم لا محالة . فأما النقي ~~البدن ، القليل الدم ، الساكن الحدة ، فنعم الدواء هو له ، وهو دواء قوي في ~~فعله . صفة شراب آخر يؤخذ من حليب البقر . يؤجذ من حليب البقر رطلان ؛ وقيل ~~رطل ، ويلقي عليه من الترنجبين الأبيض الخراساني زنة عشرين درهما ، ويطبخ ~~برفق حتى يصير في قوام العسل ثم تؤخذ منه في كل غداة أوقية على الريق ، ~~فإنه نهاية في زياده الباه . صفة شراب آخر يؤخذ ماء البصل وماء الهليون ~~وسمن البقر ولبنها ، من كل واحد جزء ، ومن بزر الجرجير وبزر اللفت من كل ~~واحد كف ؛ يدقان ويلقيان في المياه PageV12P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" واللبن ، ويغلى ذلك إلى النار ، ويصفى ؛ وتشرب ~~منه أوقية وهو حار ، فإنه جيد . ذكر الأدوية المركبة النافعة لزيادة ms2318 الباه ~~وتغزير المنى يؤخذ بزر راز يانج وبزر جرجير ، من كل واحد خمسة مثاقيل ؛ ~~يسحقان ويعجنان بلبن البقر ، ويحبب كالباقلاء ، ويؤخذ منه مثقال ، ويدخل ~~بعده الحمام ، ويمرخ البدن في الحمام بزيت وخل وعصارة عنب الثعلب ، فإنه ~~نافع . صفة دواء آخر يؤخذ من ماء البصل الأبيض جزء ، ومن العسل جزءان ؛ ~~يطبخ ذلك على نار لينة حتى يذهب ماء البصل ، ويؤخذ من العسل عند النوم ~~ملعقتان ، فإنه نافع جيد لأصحاب الأمزجة الباردة . دواء آخر يؤخذ عاقر قرحي ~~وبزر الرشاد وبزر الأترج وفلفل ، من كل واحد مثقال ؛ دار صيني وشقاقل وبزر ~~الجزر وزنجبيل ، من كل واحد مثقالان . " حلتيت نصف مثقال ؛ تجمع هذه ~~الأدوية بعد دقها ، وتعجن بعسل منزوع الرغوة ، وترفع ؛ الشرية منه مثقالان ~~" . PageV12P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" ذكر دواء آخر عجيب الفعل في زيادة الباه يؤخذ ~~حسك يابس ، يدق ويسحق سحقا ناعما ، ويعتصر من ماء الحسك الرطب ، ويسقي به ~~المسحوق في الشمس حتى يشرب ثلاثة أمثال وزن المسحوق ثم يؤخذ منه خمسة ~~مثاقيل ؛ عاقر قرحى خمسة مثاقيل ، وزنجبيل مثقال ، وسكر طبرزذ خمسة مثاقيل ~~؛ يدق جميع ذلك وينخل ، ويعجن بعسل قد ربي فيه الزنجبيل ويرفع ؛ الشربة منه ~~مثقالان بماء فاتر ، أو بلبن حليب ، فإنه لا مثال له في معناه . دواء آخر ~~يؤخذ من الحمص اليابس ، ينقع في ماء الجرجير حتى يربو ؛ ثم يجفف ، ويقلى ~~سمن بقر على نار لينة ؛ وتؤخذ منه خمسة مثاقيل ، تسحق وتنخل وتعجن بعسل ~~منزوع الرغوة ؛ ويلقي على العسل وهو حار دار صيني وقرفة وقرنفل ومصطكاء ، ~~من كل واحد مثقال ، ويخلط ذلك خلطا جيدا ، ويرفع ؛ والسربة منه مثقالان ~~بماء حار أو بلبن البقر . صفة دواء آخر يزيد في الباه ويصفي اللون وينفع ~~الكبد والمعدة يؤخذ إهليلج كابلي وهندي منزوع النوى وبليلج وأملج وفلفل ~~ودار PageV12P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" فلفل وزنجبيل وسعد وشيطرج وقشور الأترج المجفف ~~وبرادة الإبروتو بال الحديد وسمسم مقشور ، من كل واحد مثقال ؛ تجمع هذه ~~الأدوية مسحوقة منخولة وتلت سمن البقر ، وتعجن بعسل منزوع الرغوة ، وترفع ؛ ~~والشربة منه درهم في أول ms2319 يوم ، ثم درهمان في اليوم الثاني ، وثلاثة دراهم ~~في اليوم الثالث ، هكذا إلى سبعة أيام ، يزيد في كل يوم زنة درهم ، ويكون ~~استعماله لذلك عند النوم . دواء آخر يهيج شهوة الجماع ويصلح لمن انقطعت ~~شهوته فإنه يقويها ، ويزيد فيها يؤخذ الحندقوق وشقاقل وبزر اللفت وبزر ~~الزراوند وبزر البصل الأبيض وجب الخشخاش وبزرالجرجير وبزر الأنجرة وبزر خصي ~~الثعلب ، من كل PageV12P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" واحد مثقالان ونصف مثقال ومن كلى السقنقور ~~وعلك الأنباط وقسط وبصل الفإر المشوي من كل واحد مثقال واحد ونصف ؛ فلفل ~~أبيض وسمسم مقشور ودار فلفل وزنجبيل وزعفران ، من كل واحد مثقال ؛ أدمغة ~~الديوك الصغر ، وأدمغة العصافير من كل واحد " ثلاثة مثاقيل ، خصي الديوك ~~ثلاثة مثاقيل ؛ أدمغة الحملان الرضع خمسة مثاقيل ؛ بيض الشبوط اللجأة ولحمه ~~من كل واحد " خمسة مثاقيل ؛ قنة مثقال واحد ونصف ؛ تدق البزور اليابسة ؛ ~~وتذاب القنة مع العلك بخمسة مثاقيل عسل ؛ وتنقى الأدمغة والخصي من العروق ؛ ~~ويطرح ذلك في صلاية ؛ ويخلط بالسحق ؛ فإن احتاج إلى عسل فزده إلى أن يترطب ~~؛ ثم يجعل في إناء ؛ ويختم رأسه ويرفع مدة أربعين يوما ، ويستعمل ؛ الشربة ~~منه مثقال بأوقية من ماء الجرجير ، ويؤكل عليه اسفيدباج بحمص وبصل وسمن بقر ~~، فإنه نهاية فيما ذكرناه . PageV12P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" دواء آخر يؤخذ جزر بري وبزر اللفت وجار فلفل ~~وقاقلة وبزر جرجير وقرنفل وخولنجان وزر ورد وبزر كراث وزنجبيل وبسباسة ، من ~~كل واحد أربعة مثاقيل ؛ تجمع هذه الحوائج مسحوقة منخولة ، وتعجن بقدر ما ~~تحتاج اليه من العسل المنزوع الرغوة وترفع ؛ الشربة منه مثقالان بلبن البقر ~~الحليب ، أو بشراب حلو . صفة دواء آخر عجيب الفعل يؤخذ عود هندي وكافور ~~وزعفران وجوزبوا وقرفة وقرنفل وصندلان : أحمر وأبيض ، وسعد ودار صيني ~~وشيطرج ونارمشك وساذج هندي ، وبصل العنصل ، ولحاء الغار ، ولحاء أصل الكبر ~~، وخربق أسوج ، وسندروس ، وكندر من كل واحد أربعة دراهم ؛ يدق كل واحج منها ~~على PageV12P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" حدة ، وتخلط جميع الأصناف بالسحق ، ويعجن بعسل ~~منزوع الرغوة ، ويرفع في إناء ، ويترك ستة أشهر ، ثم يستعمل بعد ms2320 ذلك ، ~~الشربة منه مثقال بماء العسل . صفة لبانة تمضغ تزيد في الباه ، وتنعظ ~~إنعاظا شديدا وتهيج فلا يسكن حتى تنزع من فم الماضغ قال شهاب الدين عبد ~~الرحمن بن نصر الشيرازي صاحب كتاب " الإيضاح " : هذه اللبانة كلن يستعملها ~~بعض ملوك مصر . قال : وله فيها قصة طويلة لم نذكرها رغبة في الاختصار . قال ~~: وهذا من الأسرار الخفية فاعرفه . يؤخذ من قشر البلاذر الخارج أوقية ، ~~تقرض بالمقراض صغارا ، ويجعل في برمة فخار ، ويصب عليه من دهن البطم مقدار ~~ما يغمره ، ثم يؤخذ لبان ذكر عشرون درهما ، يسحق ناعما ، ويلقي عليه في ~~البرمة ، ويوقد تحته بنار لينة حتى ينعقد ، ثم يلقي عليه من المحمودة ~~الصفراء على كل أوقية من الدواء نصف دانق ، فإذا انعقد جميعه فارفعه عن ~~النار ، واجعله في إناء زجاج ؛ فإذا أردت استعماله فخذ من وزن درهم وامضغه ~~، فإنه ينعظ للوقت إنعاظا قويا فإذا أردت الإنعاظ يسكن فأخرجها من فيك ؛ ~~والقطعة الواحدة منه تستعمل ثلاث مرات ثم يرمى بها . قال : وربما قطع ما ~~هاج من الإنعاظ باستعمال هذه اللبانة ، وهي : يؤخذ من الشيرج الطري جزء ، ~~ومن السكر جزء ، ومن اللبان الأبيض ثلث جزء ويطرح فيه PageV12P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" لكل أوقية من الدواء زنة دانق من الكافور ، ~~ويعقد الجميع على نار لينة ثم ينزل ويرفع ، ويستعمل منه عند الحاجة زنة ~~درهم يمضغ ، فإنه يسكن ماهاج . ذكر الجوارشنات التي تزيد في الباه وتغزر ~~المنى صفة جوارش يغزر المنى يؤخذ سنبل وقرنفل ودار صيني وقاقلة ، من كل ~~واحد مثقال ؛ شلجم مثقال ونصف ، كمون منقوع في خل خمر يوما وليلة مقلو ~~أربعة مثاقيل ، ومصطكاء مثقالان ونصف ، مسك سدس مثقال ، سكر طبرزذ خمسة ~~مثقاقيل ؛ تجمع هذه الحوائج بعد سحقها ونخلها ، وتعجن بعسل منزوع الرغوة ، ~~وتبسط على رخام ، وتقطع وتستعمل . صفة جوارش يقوي الباه ويزيد في الشهوة ~~يؤخذ قرنقل وجوزبوا وبسباسة وألسنة العصافير وأصل الإذخر وزنجبيل ودارصيني ~~ومصطكاء وعود هندي وزعفران ، من كل واحد مثقالان ؛ قاقلة ولبان ذكر ~~PageV12P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" من كل واحد مثقال ، أشنة ثلاثة ms2321 مثاقيل ، مسك ~~ربع مثقال ، سكر عشرة مثاقيل ؛ بحل السكر بماء الورد على النار ، ويلقي ~~عليه عسل نحل منزوع الرغوة ، ويعقد بالأدوية بعد سحقها ، ويبسط على رخام ، ~~ويقطع ويستعمل فإنه غاية . صفة جوارش التفاح يقوي المعدة ويزيد في الباه ~~يؤخذ تفاح شامي مقشر الخارج ، منقى الداخل ، تطبخ من خمسة أرطال بخمسة عشر ~~رطلا من الماء حتى ينشف الماء ؛ ثم يؤخذ رطل عسل نحل ، ورطل سكر ورطل ماء ~~ورد ، ويلقى جميع ذلك على التفاح حتى ينعقد على النار ؛ ثم يلقى عليه ~~زعفران وسنبل وقرنفل ودار صيني وزنجبيل ومصطكاء ، من كل واحد مثقال ، لسان ~~ثور شامي مثقالان ، عود هندي ثلاثة مثاقيل ، تدق هذه الأصناف ، وتنخل قبل ~~إلقائها عليه ؛ ثم تبسط على رخام ، وتقطع ، وتستعمل . ذكر المربيات المقوية ~~للشهوة والمعدة والباه قال صاحب " كتاب الإيضاح " : لا بد لسائر المربيات ~~من هذه الأفاوية وهي : زنجبيل ، ودار صيني ، وقرفة ، وقرنفل ، وهال ، ~~وجوزبوا ، ومصطكاء ، وعود هندي ، من كل واحد أوقية ، زعفران نصف أوقية ؛ سك ~~مثقالان ، مسك نصف مثقال ؛ تدق هذه الأصناف دقا جريشا ، وتجعل في خرقة كتان ~~، وتشد شدا متحلحلا ويعلق منها في كل مربي لكل رطل أوقية . PageV12P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" صفة عمل الراسن المربي ، وهو مسخن للكلى ~~والظهر محرك لشهوة الباه تؤخذ عشرة أرطال راسن يقطع بقدر الإصبع ، وينقع في ~~ماء وملح مدة عشرين يوما ، ويغير عليه الماء والملح في كل خمسة أيام أو ~~ثلاثة ؛ ثم يصير في قدر ويصب عليه من الماء الحلو ما يغمره ، ومن العسل ~~ثلاثة أرطال ، ويغلى حتى يلين ؛ وتلقى عليه الأفاويه مصرورة في خرقة كما ~~وصفنا ، ثم يرفع ويستعمل . صفة عمل الشقاقل المربي يقوي المعدة والشهوة ~~ويزيد في الباه يؤخذ شقاقل كبار خمسة أرطال ، ينقع في ماء عشرة أيام ، ثم ~~يلقى في قدر حجارة ، ويغلى عليه غلية خفيفة ، ثم يخرج ويقشر ، ويرد إلى ~~القدر ؛ ويصب عليه من العسل ما يغمره ، ويغلى عليه ، وتلقى عليه الأفاويه ~~معلقة كما وصفنا ويجعل في برنية مدهونة ، ويغسل ظاهر البرنية بالماء في كل ~~خمسة أيام حتى ms2322 يبرد لئلا يحمض ويفسد ، ويستعمل عند الحاجة . صفة عمل الجزر ~~المربى الذي يزيد في الباه يؤخذ من نحاتة أجواف الجزر عشرة أرطال ، فيجعل ~~في قدر حجارة ، ويلقى عليه من الماء ما يغمره ، ثم يلقى عليه ثلاثة أرطال ~~من عسل النحل ، ويطبخ بنار لينة حتى يتهرأ ، ثم يخرج من الماء والعسل ، ~~وينشف ويبرد ؛ ثم يلقى عليه من العسل ما يغمره ؛ ويرد إلى القدر ، ويغلى ~~عليه غلية يسيرة ، ويبرد ويجعل في إناء ويتعاهد PageV12P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" غسل ظاهر الإناء حتى يبرد ولا يحمض ، ويكون قد ~~طرح فيه الأفاويه على الرسم " والله أعلم " صفة عمل الإهليلج الكابلي ~~المربي يؤخذ من الإهليلج الكابلي الغليظ " ما أحب الأخذ " فيحعل في إناء ، ~~ويصب عليه من الماء ما يغمره ، ويلقى فيه من رماد البلوط ما يكفيه ، ويترك ~~ثلاثة أيام ويغير عليه الماء والرماد ؛ يفعل به ذلك أربع مرات " إلى تماتم ~~اثني عشر يوما " ؛ ثم يغسل بالماء العذب ثلاث مرات ، ثم يطبخ بماء الشعير ~~طبخا لينا ، ويخرج منه ويمسح مسحا رفيقا لئلا ينسلخ ، ثم تثقب كل إهليلجة ~~بالإبرة في عشرة مواضع ثم يجعل في برنية خضراء ، ويلقى عليه من عسل النحل ~~ما يغمره بعد أن تنزع رغوته ويغسل ظاهر الإناء مرارا على ما تقدم ، وذلك ~~بعد أن تلقى عليه الأفاويه في خرقة على الرسم . صفة عمل التفاح المربي يؤخذ ~~من التفاح الجيد الذي لا عيب فيه قدر خمسين حبة ، يقشر ، وينقى ما في باطنه ~~من الحب وما يجاوره ، ويصير في قدر ، ويلقى عليه من عسل النحل ما يغمره ، ~~ويغلي عليه يسيرا ؛ وتعلق فيها الأفاويه ، ويجعل بعد ذلك في برنية من ~~الزجاج ، ويتعاهد غسل ظاهرها بالماء في كل ثلاثة أيام حتى يبرد ، ويستعمل ~~فإنه يقوي المعدة ، ويشد القلب ، ويزيد في الباه . صفة عمل الجوز وهو مما ~~يزيد في الباه يؤخذ من الجوز الطري الأخضر الذي لم يصلب قشره ، فيسلب عنه ~~قشره الخارج ، وإن كان داخله قشر قد صلب يقشر عنه أيضا ، ويصير في قدر ~~حجارة ويصب عليه من عسل ms2323 النحل ما يغمره ، ويغلي عليه غليانا خفيفا ، ويصير ~~في برنية زجاج ، وتعلق فيه الأفاويه ، ويتعاهد غسل الإناء كما تقدم . ~~PageV12P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" ذكر السفوفات التي تزيد في الباه فمن ذلك صفة ~~سفوف يؤخذ تزيد في الباه فمن ذلك صفة سفوف يؤخذ إشقيل مشوي وفانيذ وبوزيدان ~~وبزرسذاب ، وحب الشهدانج وألسنة العصافير من كل واحد ثلاثة مثاقيل ونصف ، ~~خشخاش وبزر البصل ، وبزر الجرجير من كل واحد مثقالان ؛ تجمع هذه الأصناف ~~بعد دقها ونخلها ، ويستف منها مثقال ونصف بشراب حلو ممزوج ، فإنه غاية . ~~سفوف آخر يزيد في الباه تؤخذ ألسنة العصافير وبزر الجرجير وبزر اللفت ، من ~~كل واحد مثقالان ؛ يدق ذلك ، ويستف منه مثقال بشراب حلو ، أو بعقيد العنب ، ~~فإنه جيد نافع إن شاء الله تعالى . ذكر الحقن والحمولات المهيجة للباه ~~والمغزرة للمني والمسمنة للكلى هذه الحقن والحمولات إنما لمن عجز عن تناول ~~ما قدمناه من الأدوية إما لكثرة حرارتها ، أو كراهية لمذاقها ، أو لإحراقها ~~مزاج المستعمل لها ، فالحقن والحمولات تنوبان منابها ، وتقومان مقامها في ~~الفعل ، إلا أن هذه الحقن لا بد أن تتقدمها حقنة تغسل الأمعاء ، ثم يحقن ~~بها بعد ذلك فتكون أسرع فعلا وأنجح نفعا . PageV12P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" فمن ذلك صفة حقنة تغسل الأمعاء وتنقيها يؤخذ ~~بابونج وبزر كتان وحلبة وشبث ، من كل واحد سبعة مثاقيل ، وبطم وحسك أربعة ~~عشر مثقالا ، يطبخ جميع ذلك بخمسة أرطال من الماء ، ويغلى حتى يبقى منه رطل ~~، ويصفى ، ويؤخذ من هذا الماء نصف رطل ، ويضاف إليه من الشيرج خمسة عشر ~~مثقالا ، وسكر أحمر سبعة مثاقيل ثم يحقن به . صفة حقنة أخرى تغسل الأمعاء ~~يؤخذ لعاب بزر قطونا ، ولعاب بزر كتان ، ولعاب الحلبة ، وماء السلق ~~المعتصرولعاب الحطمى من كل واحد خمسة مثاقيل ، ثم يجعل في ذلك من البورق ~~والسكر الاحمر من كل واحد خمسة مثاقيل ومن الشيرج عشرة مثاقيل ، ثم يحقن به ~~، فانه نافع لما ذكرناه ان شاء الله ، فهذه الحقن التي تتقدم أولا . ~~PageV12P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" صفة حقنة تسمن الكلى وتزيد في الباه يؤخذ من ms2324 ~~دهن الجوز نصف رطل ، يلقى فيه من الحسك نصف رطل ، ومن لبن البقر رطل ونصف ~~وفانيذ وزنجبيل وبزر هليون ، من كل واحد أوقية ، يغلى على النار ويصفى ماؤه ~~، ويؤخذ منه أربعة عشر مثقالا ، ومن دهن الزنبق أربعة مثاقيل ، ومن دهن ~~البان أربعة مثاقيل ، ثم يحقن به ، فانه نافع لذلك . صفة حقنة أخرى تسمن ~~الكلى وتزيد في الباه يؤخذ رأس كبش وأكارعه ونصف أليته ، ويرض الجميع ، ~~ويوضع في قدر ، ثم يوضع عليه ربع رطل حمص ، ومثل ذلك حنطة ولوبياء حمراء ، ~~ومن الشبث والبابونج وبزر اللفت ومرزنجوشن من كل واحد سبعة مثاقيل ، حسك ~~خمسة عشر مثقالا ، تطبخ بعشرة أرطال ماء حتى يتهرأ الجميع ، ويصفى ، ويؤخذ ~~من ذلك الماء والدسم رطل ، ويلقى عليه من سمن البقر أوقية ، ومن اللبن ~~الحليب أوقيتان ومن دهن البان نصف أوقية ، ثم يحقن به ثلاث ليال متوالية ~~عقيب تلك الحقنة التي تغسل الأمعاء ، فإنه عجيب الفعل . صفة حقنة أخرى تنفع ~~من انقطاع الجماع وتقوي الشهوة وتسخن الكلى ، وتزيد في الباه زيادة حسنة ~~يؤخذ بزر كتان وبزر نرجس وبزر فجل وبابونج من كل واحد أوقية ، حلبة ثلاث ~~أواقي ، أنجرة أوقية ، حنطة أربع أواقي ، سمن ثلاث أواقي ، تمر عشرون عددا ~~لب القراطم البري والبستاني من كل واحد أوقيتان ، مرزنجوش ثلاث أواقي ~~PageV12P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" يطبخ جميع ذلك بعشرة أرطال ماء حتى يبقى منه ~~الثلث ، ويمرس ، ويصفى ويؤخذ دهن سوسن ودهن زنبق خيري وعسل نحل من كل واحد ~~أوقية ، يخلط الجميع بالماء الأول ، ويؤخذ منه نصف رطل ويحقن به فإنه نافع ~~. صفة حقنة أخرى يؤخذ لبن ضأن وأذنا الخروف وحنطة وشعير وحلبة وشحم دجاج ، ~~وشحم بط وفراخ حمام وبابونج وخطمي وحسك وشبث وتين وعناب وسيسبان وبزر كتان ~~، من كل واحد جزء ؛ ويطبخ جميع ذلك بماء حتى يتهرأ ، ويصفى ، ويخلط معه ~~شيرج ودهن بنفسج ودهن خيري ودهن بطم ، ودهن جوز ، وسمن بقر ، ثم يحقن به ~~على ما تقدم فإنه غاية في النفع . صفة حقنة أخرى من كتاب الرازي تهيج الباه ~~يؤخذ رطل ms2325 من دهن الجوز ، ويلقى فيه رطل حسك ، وثلاثة أرطال من حليب البقر ، ~~وأوقية زنجبيل وأوقية فانيذ ، ويطبخ حتى يغلى مرارا ؛ ثم يصفى ويؤخذ منه ~~أوقيتان ، وزنبق نصف أوقية ، ودهن بان نصف أوقية ، ويحتقن به ولا يجامع عشر ~~ليال ، فإنه عجيب هذه الحقن . وأما الحمولات التي تحدث الإنعاظ الشديد - ~~يؤخذ بزر جزر وبزر جرجير ، ولعبة ، ولب حب القطن ، أجزاء متساوية ، ~~PageV12P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" يعجن بماء الراسن أو بماء الجرجير ، وتعمل من ~~ذلك فتيلة ، ويتحمل بها ، فإنها تنعظ إنعاظا عجيبا . صفة أخرى يؤخذ من شحم ~~كلى السقنقور فيذاب بدهن السوسن ، ويذر عليه من لب حب القطن وعاقر قرحى ~~وزنجبيل بعد سحق ذلك ونخله ، وتعمل منه فتيلة ويتحمل بها . ؟ صفة أخرى يؤخذ ~~من شحم كلى السقنقور وشحم البقر ، والشمع ، يسلأ ذلك ، وتلقى عليه أدمغة ~~العصافير الدورية ، وتعمل منه فتيلة ، ويتحمل بها . صفة أخرى يؤخذ قنطريون ~~مسحوق ، وزفت ، وشمع ، يذاب بدهن سوسن ، وتعمل منه فتيلة ، ويتحمل بها ، ~~فإنها تنعظ إنعاظا عجيبا . صفة أخرى تؤخذ قطعة حلتيه فتجعل في ثقب الذكر ~~بقدر ما تلدع ، ثم تسال منه ، فإنه ينعظ إنعاظا قويا ، وإذا حصل اللذع يقطر ~~في ثقب الذكر دهن بنفسج . PageV12P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" هذا ما يعالج به الباطن ؛ فلنذكر الأدوية ~~النافعة للظاهر من المسوحات والضمادات والأدوية الملذذة للجماع . ذكر ~~المسوحات والضمادات التي تزيد في الباه ، المقوية للذكر صفة مسوح يمرخ به ~~القضيب فيهيج شهوة الجماع ويزيد في الباه يؤخذ عاقر قرحى ، وبسباسة ، ودار ~~فلفل ، من كل واحد مثقالان ؛ قنة وأفربيون من كل واحد مثقال ؛ جندبا دستر ~~وبزر الجرجير ، من كل واحد نصف مثقال ؛ دهن النرجس عشرة مثاقيل ؛ شمع أبيض ~~أربعة مثاقيل ؛ تسحق الأدوية اليابسة ويذوب الشمع والقنة مع الدهن على ~~النار ؛ ثم تلقى عليها الأدوية المسحوقة ، ثم يرفع ، ويمرخ به القضيب ~~والعانة ، فإنه جيد مفيد لما ذكر . صفة مسوح آخر يمرخ به الذكر والعانة ~~يزيد في الإنعاظ ويسخن الكلى والمثانة تؤخذ عصارة حشيشة الكلب - وهي ~~الفراسيون - تدق وتحل بالدهن ويمرخ بها . PageV12P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" مسوح ms2326 آخر يمرخ به الذكر يزيد في الإنعاظ تؤخذ ~~مرارة ثور فحل ، وعسل نحل منزوع الرغوة ، وقليل عاقر قرحى ؛ يخلط الجميع ، ~~ويمسح به . مسوح آخر ملوكي يؤخذ أفربيون وزنجبيل وعاقر قرحى ، من كل واحد ~~مثقال ، ومسك نصف مثقال ؛ تجمع بدهن البلسان ، ويمرخ بها القضيب وما يليه ، ~~فإنها نهاية . مسوح آخر ينعظ ويزيد في الباه ، ويعين على الجماع إذا مرخ به ~~القضيب والعانة يؤخذ السقنقور وقضيب الايل المجفف ، والحشيشة المسماة حصي ~~الثعلب من كل واحد مثقال ، ومن بزر العاقر قرحي وبزر الجرجير ، من كل واحد ~~أربعة مثاقيل فربيون مثقالان ، بيض العصافير الدورية ثلاث بيضات ، تجعل في ~~إناء زجاج ويصب عليها شيء من قطرات ودهن سوسن مقدار ما يغمرها ويطفو عليها ~~؛ ويسد رأس الإناء ، ويدفن في الزبل مدة أربعين يوما ، يبدل عليه الزبل في ~~كل سبعة أيام ، ثم يخرجه بعد ذلك ، ويصفى عنها الدهن ؛ ويلقى في الدهن سبعة ~~مثاقيل من علك البطم ؛ وتسحق الأدوية اليابسة ، ويخلط الجميع بالعجن الجيد ~~؛ ويصب عليه من دهن السوسن حتى يصير في قوام المرهم الرطب ، ثم يرفع لوقت ~~الحاجة ؛ فاذا أراد العمل به مرخ به القضيب وما قرب منه ، فإنه يفعل فعلا ~~عجيبا . PageV12P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" مسوح آخر يؤخذ دهن خيري ودهن نرجس ، من كل ~~واحد نصف رطل ؛ يجعل ذلك في طنجير ، ويلقى عليه دار فلفل وعاقر قرحي ~~وزنجبيل ودار صيني من كل واحد أوقية ؛ جند بيدستر نصف أوقية ؛ يغلى ذلك على ~~النار غليانا جيدا ، ويتمرس ويصفى ، ويرفع في إناء زجاج ، ثم يدهن به ~~القضيب وما حوله ، فإنه يفعل في الإنعاظ فعلا جيدا قويا . مسوح آخر تؤخذ ~~مرارة التيس ويطلى بها الذكر وما حوله والحقوان ، فإن ذلك يقوي على الباه . ~~. . . . أمرا عجيبا . مسوح آخر يلطخ به الذكرالمرخى القليل القيام يؤخذ ~~بورق وورس ، ويعجنان بعسل منزوع الرغوة ، ثم يلطخ به الذكر وما حوله ، ~~ويدمن ذلك أبام ، فإنه عجبب الفغل . مسوح آخر يؤخذ من شحم الضب ولحمه ~~فيطبخان ، ويؤخذ دهنه ويخلط بزنبق ، ويدهن به الذكر ، فإنه يزيد في الإنعاط ~~، ويقوي ms2327 الباه . . . . أمرا عظيما . PageV12P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" مسوح آخر تؤخذ العصافير وقت هيجانها فتذبح ~~على دقيق العدس ، ويلت بدمها ، ويبندق ويجفف ، فإذا أراد الجماع فليأخذ ~~بندقة ويحلها بزيت ، ثم يطلي بها أسفل القدمين ؛ ولا يطأ على الأرض ، بل ~~يكون على الفراش ، فإنه ينعظ إنعاظا قويا ، وإن وطئ على الأرض بطل فعل ~~الدواء . مسوح آخر تؤخذ مرائر العصافير الدورية الذكور وتخلط بدهن زنبق ~~خالص ، ثم يؤخذ باذروج وشهدانج فيدقان جميعا دقا ناعما ، ثم يخلطان ~~بالمرائر والدهن ، ويرفع ذلك في قارورة ، فإذا أراد الجماع يمسح منه تحت ~~القدمين وعلى القضيب والأثنيين ولا يطأ على الأرض ، فإنه يرى من قوة الباه ~~أمرا عجيبا . مسوح آخر يؤخذ قضيب الإيل فيحرق ، ويعجن رماده بشراب عتيق ، ~~ثم يطلى به القضيب ويمرخ به ، ويطلى ما حوله ، فإنه ينعظ إنعاظا شديدا جدا ~~؛ فهذه المسوحات . وأما الضمادات التي تزيد في الباه وتعين على الجماع ~~فيؤخذ رماد قضيب الإيل وعاقر فرحى وفربيون وفلفل أبيض ، من كل واحد جزء ؛ ~~تسحق وتجمع ، وتعجن بشراك عتيق ، ويضمد الذكر بها والانثيان ، فإنها تزيد ~~في الباه . صفة ضماد يجعل على الظهر ، يزيد في الباه ويقوي الإنعاظ ، على ~~الظهر يؤخذ فلفل وعاقر قرحى وفربيو ، من كل واحد مثقالان ونصف ؛ حلتيت ~~مثقال وربع ؛ دهن بلسان ودهن بلسان ودهن قسط ، من كل واحد خمسة مثاقيل ؛ ~~دار فلفل PageV12P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" وجوزبوا ، من كل واحد مثقالان ؛ تسحق الأدوية ~~اليابسة سحقا ناعما جدا ؛ وتحل بالأدهان ؛ وتمد على خرقة ، وتوضع على الظهر ~~، فإنه يرى العجب . صفة ضماد يجعل على الإبهام من الرجل اليمنى ، يزيد في ~~الباه ويقوي الجماع يؤخذ من عود اليسر خمسة عشر مثقالا ، ومن صمغ البطم ~~وصمغ عربي وفلفل من كل واحد عشرة مثاقيل ؛ خرء الفأر والحشيشة المسماة خصية ~~الثعلب ، من كل واحد خمسة مثاقيل ، ومقل أزرق وعاقر قرحي وزنجبيل وفربيون ~~وسكبينج وجوزبوا من كل واحد أربعة مثاقيل ، ويؤخذ سام أبرص فينقع في الخل ~~الحامض أربعين يوما ، ويخرج ويجفف ؛ ويؤخذ شحم ودك الكلى وقنة وشمع أبيض ، ~~من كل واحد عشرة ms2328 مثاقيل ؛ تجمع الصموغ والأصناف ، ويذوب ما يذوب منها ، ~~وتخلط به وتوضع على إبهام الرجل اليمنى ، فإنه يرى منه أمرا عجيبا ذكر ~~الأدوية الملذذة للجماع منها صفة دواء يطلى به الإحليل عند الجماع يزيد في ~~الباه واللذة ؛ يؤخذ جوزبوا وفلفل ودار فلفل وعاقر قرحى وزنجبيل وسنبل ~~وخولنجان وسكر ، من كل واحد مثقالان ؛ فيسحق كل صنف منه على انفراده ثم ~~تجمع بالسحق ، وتنخل ، PageV12P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" وتعجن بالعسل الذي قد ربى فيه الزنجبيل ~~والشقاقل ويمسح بها الذكر ، فإنه يرى منه عند الجماع لذة عظيمة . صفة دواء ~~آخر يؤخذ عاقر قرحي وزنجبيل ودار صيني وسكر ، من كل واحد مثقالان ونصف ؛ ~~تجمع هذه الأصناف بعد سحقها ونخلها ، وتعجن بماء الرازيانج الرطب ، وتحبب ~~مثل حب الفلفل ، وتجفف في الظل ؛ ثم تسحق ثانيا ، وتطرح في دهن رازقي ويطلى ~~بها الذكر ، فإنه جيد . صفة دواء آخر يزيد في اللذة عند الجماع يؤخذ سكر ~~طبرزذ وكبابة وعاقر قرحي ، من كل واحد مثقالان ؛ تجمع بعد سحقها ونخلها ، ~~وتعجن بماء الرازيانج الرطب وتحبب مثل الفلفل ، وتجفف في الظل ؛ فإذا احتاج ~~اليها طرح منها في الفم حبة ، واستعمل ما انحل منها ؛ أو تحل في دهن ويمسح ~~بها الذكر ، ويجامع ، فإنه يرى منه لذة عظيمة . صفة دواء آخر يحدث من اللذة ~~ما لا يوصف يؤخذ رازيانج يابس محمص ، وفلفل ، وزنجبيل ، وعاقر قرحي ودار ~~صيني ، وجوزبوا وقردمانا وسكر طبرزذ ، من كل واحد مثقالان ؛ تجمع مسحوقة ~~منخولة ، وتحل بماء الرازيانج الرطب أو بماء الباذروج الرطب حتى ~~PageV12P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" تصير في قوام الطلاء ؛ ثم ترفع في إناء زجاج ~~، ويسد رأسه عشرة أيام ، ويخضخض في كل يوم ثلاث مرات ، ثم يمسح منه الذكر ~~بعد ذلك ، ويترك حتى يجف ثم يجامع بعد جفافه ؛ ويحرص أن ينخل وهو يجامع ؛ ~~ولا يترك رأس الإناء مفتوحا فإن الهواء يذهب بقوة الدواء . قال : فمن ~~استعمل هذا الدواء لم تصبر المرأة عنه . صفة دواء آخر يزيد في اللذة تؤخذ ~~مرارة ذئب ، وعسل نحل ، وماء الرازيانج الرطب ، من كل واحد خمسة مثاقيل ms2329 ؛ ~~فلفل ودار فلفل ودار صيني وزنجبيل وعاقر قرحي ، من كل واحد مثقال ؛ تسحق ~~الأدوية اليابسة ، وتنخل ، وتلقى في المرارة والماء والعسل ، وتخضخض في ~~إناء زجاج ويغطى فمه حتى لا يصل إليه الهواء ؛ ويمسح منه على الذكر وقت ~~الجماع ، فإن المرأة تجد لذلك لذة عظيمة . صفة دواء آخر تؤخذ مرارة دجاجة ~~سوداء ، ويضاف إليها شيء يسير من الزنجبيل المسحوق ويطلى بهما الذكر ، فإن ~~المرأة تلتذ به . وحيث ذكرنا من أدوية الباه ما ذكرنا ، فلنذكر ما قيل في ~~الأدوية التي تعظم الذكر وتصلبه ، والأدوية التي تضيق فروج النساء وتجفف ~~رطوبتها . ذكر الأدوية التي تعظم الذكر وتصلبه قد أجمع جالينوس ومن تابعه ~~من الحكماء على أن الدلك الدائم والتمريخ بالأدهان والأشياء الملينة ~~والتنطيل بالماء الحار والدلك بالزيت والزفت ، تعظم PageV12P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" كل عضو في الجسد ؛ ولاخلاف عندهم أن هذا ~~العضو اذا فعل به ذلك عظم ونما وزاد عن حالته التي هو عليها ، فإذا اجتمع ~~مع ذلك هذه الأدوية التي نذكرها - وهي مما اتفق اللأطباء على جودتها وصحتها ~~- فإن ذلك أبلغ وأسرع . فمن ذلك صفة دواء يعظم الذكر ويصلبه ويعين على ~~الجماع يؤخذ بورق أرمني وسنبل ، من كل واحد مثقالان ، علق طوال عشر عددا ، ~~يجفف العلق ، ويسحق مع البورق والسنبل حتى يصير جميع ذلك كالهباء ؛ ثم يصب ~~عليه لبن حليل وعسل أجزاء متساوية ، من كل واحد منهما عشرة مثاقيل ، ويمرس ~~باليد حتى يختلط ، ثم يطلى به الذكر ليلة ؛ ثم يغسل بالماءالحار من الغد ، ~~ويدلك بالخطمي دلكافويا حتى يحمر ، ثم يغسل ، ثم يعاد عليه الدواء والدلك ~~قبل الدواء وبعده ، فإنه جيد . صفة دواء آخر يعظم الذكر ويحسن منظره يؤخذ ~~من شمع أحمر ، وزفت ، وعلك بطم ، وزيت فلسطيني ، من كل واحد خمسة مثاقيل ، ~~أنزروت وبورق أرمني مذوبان بلبن الأتان أربعة مثاقيل - وهو أن تأخذ ~~الأنزروت والبورق فتسقيهما لبن الأتان ثم تجففهما وتسحقهما ، وتسقيهما ثم ~~تجففهما حتى يشربا ثلاثة مثاقيل لبن ويؤخذ من العلق الطوال المجفف ثلاثة ~~مثاقيل ، ويسحق الجميع ، ويذوب الشمع والزفت والعلك والزيت ، وتلقى ms2330 عليها ~~PageV12P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" الأدوية المسحوقة ، وتخلط خلطا جيدا ، ويمد ~~منها على حرقه ، وتوضع الحرقة على الذكر بعد دلكه إلى أن تخمر ، وتبيت عليه ~~ليلة ، ويغسل باكر النهار بالماء الحلو الحار ، ويدلك أيضا ، ويعاد عليه ~~الدواء إلى أن يبلغ في العظم ما تريد فاتركه . صفة دواء آخر لذلك يؤخذ ~~إشقيل مشوى وفربيون وعاقر قرحى ودار فلفل ، من كل واحد جزء ، يسحق ذلك سحقا ~~ناعما ، ويعجن بالعسل ، ويطلى منه القضيب ، ويترك ليلة ، ثم يغسل باكر ~~النهار بالماء الحار ، ويدهن بدهن زنبق ، فإنه يعظم جدا . دواء آخر يؤخذ ~~باذروج أخضر ، يمضغ حتى ينعم مضغه ، ويدلك به الذكر دلكا جيدا فإنه يعظمه . ~~صفة دواء آخر يؤخذ علق طوال طرية ، تجفف وتسحق ، ثم تربب بدهن حتى تصير ~~كالمرهم ثم يطلى بها الذكر ، فإنها تعظمه جدا . صفة دواء آخر يطبخ الزفت ~~بالزيت ، ثم يمد على حرقه ، ويوضع على الذكر ، ثم يقلع بعد ساعة ويغسل ~~بالماء الحار ، ثم تعيد الدواء عليه حتى يبلغ من العظم ما تريد . وإن تقرح ~~الذكر من بعض الأدوية التي تقدم ذكرها ، فامسحه بدهن زنبق ودهن بنفسج وشمع ~~أبيض . قال : إن دلك الذكر بللبن الحليب من ضرع الشاة ثلاثة أيام فإنه يعظم ~~، والله أعلم بالصواب . PageV12P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" ذكر الأدوية التي تضيق فروج النساء وتسخنها ~~وتجفف رطوبتها قال عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله الشيرازي : اعلم أن كمال ~~لذة الوطء لاتحصل للرجل حتى تجتمع في الفرج ثلاثة أوصاف ، وهي الضيقة ~~والسخونة والجفاف من الرطوبة ، فإذا نقص منها وصف واحد أو وصفان فقد نقص من ~~اللذة التي تحصل للرجل عند الجماع بمقدار ذلك ، وإن عدمت هذه الأوصاف ~~الثلاثة من الفرج ، لم يحصل بوطئه لذة البتة . ثم قال : واعلم أن الولادة ~~وكثرة الجماع يوسعان الفرج ، ويذهبان لذته ، فينبغي أن يتدارك من هذه ~~الأدوية بما يصلحه ليرجع إلى حالته الأولى . فمن ذلك صفة دواء يضيق الفرج ~~يؤخذ جلد ابن آوى محرقا ، وأظلاف المعز محرقة ، وحافر حمار محرق ، وجوز ~~ماثل محرق ، وسرطان بحري محرق ، وبسفايج ms2331 محرق ، وسعتر فارسي ، من كل واحد ~~وزن درهم ؛ يسحق الجميع ناعما ، ويعجن بدهن البان ، ويرفع ؛ ثم تتحمل منه ~~المرأة بزنة دانق في كل شهر ثلاث مرات كل عشرة أيام مرة ، ولا يكون في وقت ~~الحيض ويكون حرق الأدوية بمقدار ما تسحق من غير مبالغة في الإحراق ، فإنه ~~يضيق القبل حتى تصير المرأة كالبكر . PageV12P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" صفة دواء آخر يؤخذ أفسنتين وحمامي وعصفر وصمغ ~~البطم وجلنار وقيصوم ودار شيشعان ، من كل واحد زنة درهمين ؛ تدق وتعجن بزيت ~~، وتتحمل منه المرأة بصوفة تسعة أيام متوالية ، فإنه مجرب لذلك . صفة دواء ~~آخر فيه منافع يؤخذ بسباسة ومرزنجوش وسعتر بري وقشور الكندر وإذخر وخيري ~~وورد أحمر ، وقشور الرمان وقشور الكبر والترمس من كل واحد مثقال ، يسحق ذلك ~~، ويعجن بدهن البان ، وتتحمل منه المرأة نهارا ، وتخرجه ليلا . ~~PageV12P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" صفة دواء آخر يضيق القبل يؤخذ سك مسك وزعفران ~~، ويصب عليهما شراب ريحاني ، ويغلى غليانا جيدا ، ثم تشرب منه خرقة كتان ، ~~وترفع لوقت الحاجة ؛ فإذا أرادت المرأة استعمالها قطعت قطعة ، وتحملت بها ~~قبل الجماع بيوم وليلة ، فإنه يضيق المحل ، ويطيب رائحته . دواء آخر يؤخذ ~~رامك وأقاقيا وسنبل وسعد ؛ يسحق الجميع ، ويعجن بشراب ، وتتحمل منه المرأة ~~بصوفة . دواء آخر يؤخذ شب وعفص وقلقند ، من كل واحد جزء ؛ يدق الجميع ، ~~ويعجن بشراب ويصير مثل النوى ، وتتحمل منه المرأة . دواء آخر يؤخذ زاج وشب ~~، من كل واحد جزء ، يستحقان ، ثم يعجنان بماء الحصرم ويصيران شبه النوى ، ~~وتتحمل المرأة بواحدة منه قبل الجماع ، وتمكث ساعة حتى تنحل في فرجها ، ~~فهذه أدوية تضيق الفرج . PageV12P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" وأما الأدوية التي تسخن القبل فيؤخذ شحم ~~الدجاج ، وشحم البط ، وزبل الغنم ودهن ناردين ، وصمغ اللوز ، من كل واحد ~~جزء ، زعفران ومر ، من كل واحد ربع جزء ، تذاب الشحوم بالدهن وتذر عليها ~~الأدوية اليابسة بعد سحقها ، وتتحمل منه المرأة بصوفة وهو فاتر ، فإنه جيد ~~مجرب . دواء آخر مثله يؤخذ مرزنجوش ، وقشور الكندر ، وصعتر بري ، وبسباسه ، ~~من كل واحد جزء ، يسحق الجميع ، ويعجن ms2332 بدهن ناردين أو دهن بان ، ثم تتحمل ~~منه المرأة فإنه بليغ جيد الفعل . صفة دواء آخر يؤخذ أفسنتين رومس وسنبل ~~ودارصيني ومرارة ثور يابسة وسعتر ؛ يسحق الجميع ، ويعجن بشراب صرف ، ~~وتستعمله المرأة مرارا فإنه جيد . وأما الأدوية التي تجفف رطوبة الفرج - ~~فقال الحكماء : إذا كثرت رطوبة فرج المرأة كان أنفع علاجها الإسهال ~~بالإيارجات والحبوب واستعمال هذه الأدوية . فمنها صفة دواء يجفف الرطوبة ~~يؤخذ شب وإثمد ، من كل واحد جزء ؛ يسحقان ، وتتحما المرأة منهما ذرورا ، ~~فإنه جيد . PageV12P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" صفة دواء آخر مثله يؤخذ صنوبر وسعد ، من كل ~~واحد جزء ، يدق ذلك ناعما ، ويطبخ بشراب وتشرب منه خرقة كتان ، وتتحمل منه ~~المرأة ، فإنه نافع . صفة دواء آخر يؤخذ عفص وجفت البلوط وجلنار ، من كل ~~واحد ملء كف ؛ يطبخ ذلك بالماء طبخا جيدا ، ويرفع في إناء ، وتستنجي منه ~~المرأة قبل الجماع ، فإنه غاية . دواء آخر يؤخذ تمر برني وسمن وعسل وأنيسون ~~ولبنن من كل واحد جزء ، ويجعل ذلك في قدر نظيفة ، ويغمر بالماء أربع أصابع ~~، ثم يطبخ طبخا جيدا حتى يغلظ وتتحمل منه المرأة . قال حنين بن إسحاق : ~~ينبغي ألا يستعمل يه ماء البتة ، بل يطبخ بالعسل والسمن حتى يغلظ ويرفع ، ~~ويستعمل ، فإنه يقطع الرطوبة من الفرج ، ويسكن الضربان ، ويصلح للنفساء ؛ ~~والله أعلم بالصواب . ذكر الأدوية التي تطيب رائحة البدن وتعطره فمنها صفة ~~طلاء يطيب رائحة البدن يؤخذ نمام ونعنع ومرزنجوش وورق التفاح ، من كل واحد ~~جزء ، ثم يجعل PageV12P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" عليه من الماء ما يغمره وزيادة أربع أصابع ؛ ~~ويطبخ حتى ينقص الثلث ، ويصفى ويطلى به البدن ، فإنه يطيبه ويقطع سهوكته . ~~دواء آخر يؤخذ آس ومرزنجوش وسعد وقشور الأترج وورقه وأشنة وصندل ، من كل ~~واحد جزء ؛ يسحق جميع ذلك ، ويرفع ؛ فإذا أراد استعماله حل منه قليلا بدهن ~~آس أو دهن ورد ، أو بماء فاتر ويمرخ به البدن ، فإنه جيد . دواء آخر مثله ~~يؤخذ مرداسنج وتوتياء ورماد ورق السوسن ومر وصبروورد ، من كل واحد جزء ، ~~يدق ذلك ، ويسحق ؛ ويستعمل مثل الأول ms2333 لطوخا أو ذرورا . صفة قرص حاد يقطع ~~الصنان يؤخذ صندل وسليخة وسك مسك وسنلل وشب ومر وورد أحمر ، من كل واحد جزء ~~، ومن التوتياء والمرداسنج ، من كل واحد ثلاثة أجزاء ، ومن الكافور نصف جزء ~~؛ تجمع هذه الأصناف بعد سحقهان وتعجن بماء الوردن وتقرص وتستعمل بعد ~~التجفيف . دواء آخر يقطع رائحة العرق يؤخذ ورد وسك وسنبل وسعد وشب ومر ، من ~~كل واحد جزء ؛ تدق هذه الأصناف دقا ناعما ، وتحل بماء الورد ، وتستعمل ~~لطوخا فإنه جيد لما ذكرنا . PageV12P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" صفة دواء آخر يذهب رائحة الإبط ، ولا يحتاج ~~بعده إلى دواء آخر يؤخذ راسن مجفف محرق وزراوند طويل محرق ، وورق رند محرق ~~، ونوى زعرور محرق ، ونوى الزيتون الأخضر محرقا ، وقرطاس محرقن وزجاج ~~فرعوني محرقن وزعفران ، من كل واحد جزء ، تسحق سحقا ناعما حتى تصير مثل ~~الكحل وتعجن بالماء المعتصر من الآس ، وتحبب ، وتجفف في الظل ، ثم يشرط تحت ~~الإبط شرطان يسيران ، ويسحق ذلك الحب ، ويدلك به ذلك الموضع والدم يجري ، ~~ويترك عليه يوما وليلة ثم يغسل فلا تعود تظهر رائحته أبدا . صفة دواء آخر ~~يطيب البدن وينفع أصحاب الأمزجة الحارة يؤخذ سعد ، وساذج ، وفقاح الإذخر ، ~~وميعة سائلة ، من كل واحد عشرة مثاقيل ، ورد يابس ، وأطراف الآس ، من كل ~~واحد مثقالان ، يبل السعد وفقاح الإذخر والساذج بشراب ريحاني ، ثم تسحق ، ~~وتعجن بالشراب وتقرص ، وتجفف ، ثم تسحق ، ويطرح عليها الورد وأطراف الآس ~~مسحوقين ويذاب زعفران PageV12P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" بماء الورد ، ويخلط مع الأدوية ، ويجفف ذلك ~~كله في الظل ثم يسحق بعد جفافه ، ويجعل ذرورا ؛ فإذا أراد استعماله دخل ~~الحمام ، وتنظف من كل درن ، ثم خرج وتنشف من العرق ، ثم نثر على بدنه من ~~هذا الدواء ، فإنه نهاية في قطع العرق . صفة دواء آخر يقطع العرق ، وينفع ~~أصحاب الأمزجة الحارة يؤخذ دار صيني وسنبل هندي ، وأظفار وقسط ، من كل واحد ~~جزء ؛ ومن طين البحر وإسفيداج مغسول ، من كل واحد نصف جزء ، شيح وشقاقل من ~~كل واحد ثلاثة أجزاء ، زعفران وورد يابس ، من كل واحد ms2334 ثلث جزء ؛ تسحق ~~الأدوية اليابسة بماء الزعفران والآس بعد أن تحل بشراب ريحاني ويستعمل ، ~~فإنه جيد . ذكر الأدوية التي تجلو الأسنان من الصفرة والسواد وتطيب رائحة ~~الفم والنكهة فأما السنونات التي تجلو الأسنان - فمنها ، يؤخذ قرن ايل محرق ~~، وملح أندراني ، وزبد البحر ، من كل واحد جزء ؛ ورق أثل محرق ، وأصول ~~القصب PageV12P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" المحرق جزءان ؛ شاذنج ربع جزء ، خزف صيني جزء ~~؛ يدق الجميع ، ويخلط ويسن به . سنون آخر يؤخذ من قشور الرمان جزءان ، ومن ~~عروق الجنار والشب والعقيق ، من كل واحد جزء ، يدق وينخل ، ويستن به ، فإنه ~~غاية . صفة سنون آخر يقوي الأسنان ويجلوها يؤخذ ملح أندراني ، يسحق ، ويشد ~~في قرطاس ، ويلقى على الجمر ، فإذا احمر أخذ وأطفئ في قطران ، ثم يؤخذ منه ~~جزء ، ومن زبد البحر ودار صيني ومر وسعد ورماد الشنج ، من كل واحد جزء ؛ ~~ومن السكر ثلاثة أجزاء ، ومن الكافور عشرة أجزاء ؛ يسحق ويستن به ، فإنه ~~جيد . وأما الأدوية التي تطيب رائحة الفم والنكهة - فمنها دواء يؤخذ ورد ~~أحمر منزوع الأقماع ، وصندل أبيض ، وسعد ، من كل واحد عشرة دراهم ؛ سليخة ~~وسنبل وقرفة وقرنفل وجوزبوا ، من كل واحد أربعة دراهم ؛ قشور الأترج ~~المجففة وورقة ، وإذخر وأشنة ، من كل واحد خمسة دراهم PageV12P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" سكر وعود هندي ومصطكاء وبسباسة وسك ، من كل ~~واحد درهمان ، كافور نصف درهم ؛ مسك نصف دانق ؛ تدق الأصناف دقا ناعما ، ~~وتعجن بماء ورد ، أو بماء ورق الأترج ، وتحبب بقدر الحمص ، وتمسك في الفم ، ~~فإنه جيد مجرب . صفة حب آخر يزيل البخر يؤخذ صبر صمغ ثلاثة دراهم ، وفلفل ~~وقرنفل وخولنجان وعاقر قرحى ، من كل واحد درهم ؛ مسك وكافور من كل واحد ~~دانق ؛ تدق هذه الأصناف دقا ناعما وتعجن بشراب ريحاني ، وتحبب ، وتستعمل ~~كما تقدم . صفة حب آخر ينفع من البخر يؤخذ هال وقاقلة وجوزبوا ودارصيني ~~وخولنجان ، من كل واحد ثلاثة دراهم ورد أحمر وصندل أبيض من كل واحد خمسة ~~دراهم كافور نصف درهم ، مسك زنة دانق ؛ الجميع دقا ناعما ، ويعجن بماء ورد ~~، ويحبب مثل ms2335 الحمص وتمسك في الفم منه حبة واحدة . صفة دواء آخر تؤخذ سليخة ~~، ودارصينين ورامك ، وهال ، وفقاح الإدخر ، وأصول السوسن وكبابة وأشنة ؛ ~~تسحق هذه الأدوية ، وتعجن بماء ورد ، وتحبب مثل الحمص وتجعل في الفم منها ~~تحت اللسان في كل يوم واحدة ، فإنه جيد . PageV12P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" صفة حب آخر ملوكي ذكره التميمي في كتابه ، ~~وقال : إنه أخذه عن أحمد بن أبي يعقوب ؛ وهو : يؤخذ من العود الهندي سبعة ~~دراهم ، ومن القرنفل والبسباسة من كل واحد منهما أربعة درهم ، ومن الكبابة ~~والقاقلة من كل واحد ثلاثة دراهم ، ومن السعد الكوفي الأبيض والصندل ~~المقاصيري من كل واحد خمسة دراهمن ومن سك المسك مثقال ، ومن الكافور نصف ~~مثقال ؛ تسحق هذه الأصناف ، وتعجن بماء الورد وتحبب بقدر الحمص أو أكبر ، ~~وتجفف في الظل ، ويأخذ منه حبة بالغداة فيديرها في فمه حتى تذوب ، ويفعل ~~مثل ذلك عند النوم . وقال : هذا الحب إن شئت استعملته على هذه الصفة . وإن ~~شئت تبخرت منه . وإن شئت سحقت منه حبة وأذبتها بماء ورد ، وتطيبت بها وإن ~~شئت سحقتها مثل الذريرة وتطيبت بها يابسة . وإن حللت منه بالبان المنشوش ~~كان مسوحا طيبا شبيها بالغاية . وإن حللت منه ثلاث حبات أو أربعا بماء ورد ~~ومسحت به على جسدك في الحمامن كلن طيبا لا بعده . صفة حب آخر مثله يطيب ~~النكهة ، ويستعمل كما تقدم أيضا يؤخذ عنبر ومسك وسك مسك وعود هندي ، من كل ~~واحد خزء ؛ كافور رياحي ربع جزء ، زعفران وقرنفل من كل واحد نصف جزء ؛ تسحق ~~هذه الأصناف ، وتجمع ، ويكون سحق العنبر مع العود ، ثم يعجن جميع ذلك بماء ~~الورد PageV12P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" ويحبب كما تقدم ، ويستعمل حبة بالغداة وأخرى ~~عند النوم ، فإنه ينفع لما ذكرناه وينفع الخفقان وعلل القلب . وقد أخذ هذا ~~الفصل حقه ، فلنرجع إلى أدوية الباه . ذكر الأدوية تعين على الحبل والأدوية ~~التي تمنعه أما الأدوية التي تعين عليه - فمنها صفة دواء : يؤخذ حب البلسان ~~ومقل أزرق وجاوشير وباذاورد ، من كل واحد مثقال ؛ تدق أفرادا ، وتجمع ~~بالسحق ، وتحل ms2336 بشراب ، ويطلي بها الذكر ، ويجامع بعد جفافه ، ويحرص على أن ~~ينحل الدواء في الفرج قبل الإنزال ، فإنه نافع مجرب . صفة دواء آخر يؤخذ ~~أفربيون وعاقر قرحي وجند بيدستر وسنبل وقسط وميعة سائلة ، من كل واحد ~~مثقالان ؛ يسحق وينخل ، ثم يجمع ، ويحل بالميعة ، ويرطب بشراب ريحاني ، ~~ويطلي الذكر منه ، وتجامع المرأة بعد جفافه ، فأنه نافع لذلك لا يخرم سيما ~~اذا كاي عقيب طهر المرأة . PageV12P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" دواء آخر يؤخذ ورق الغبيراء ، يجفف ، ويسحق ~~سحقا ناعما ، ويعجن بمرارة البقر ، ويطلي به الذكر ، ويجامع ، فإنه يزيد في ~~الباه ويعين على الحبل . دواء آخر يؤخذ بول الفيل ، وتسقي منه المرأة وهي ~~لا تعلم ، ثم يجامعها ، فإنها تحبل لوقتها بإذن الله تعالى . صفة دواء آخر ~~وهو من الأسرار يطلي الذكر بلبن حليب ، ويترك حتى يجف ، ثم يجامع عقيب طهر ~~المرأة فإنه غاية لذلك . قال صاحب كتاب " الإيضاح " : ينبغي لمن استعمل ~~دواء من هذه الأدوية أن يقصد الجماع في الوقت الذي تطهر فيه المرأة من ~~طمثها . قال : وينبغي أن يرفع وركيها عند الإنزال ، ويكون رأسها منكسا إلى ~~أسفل فإن ذلك مما يعين على الحبل . قال : وينبغي أنه إذا أحس بالإنزال أن ~~يميل على جنبه الأيمنن وكذلك إذا نزع فإن الولد نكون ذكرا إن شاء الله ~~تعالى . وأما الأدوية التي تمنع الحبل - فيحتاج الرجل مع الأدوية أن يكون ~~اعتماده في الجماع بضد ما تقدم ، وذلك أن يجعل إنزاله فيل إنزالها ، وأن ~~ينهض عنها بسرعة ، ولا يجامعها عقيب الطهر . وأما الأدوية - فمنها صفة دواء ~~يمنع من الحبل ويسقط الجنين : PageV12P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" يؤخذ سذاب مجفف ونطرون ، من كل واحد جزء ؛ ~~يسحقان وينخلان ويحلان بماء السذاب الرطب ، ويطلي بذلك الإحليل ، ويجامع . ~~دواء آخر مثله تؤخذ قنة ، تسحق بعصارة السذاب وماء الكسبرة الخضراء حتى ~~تترطب ويطلي بها الذكر ، ويجامع ، فإنه يمنع الحبل ويسقط الجنين . صفة دواء ~~آخر يفعل فعل ما تقدم يؤخذ أبهل مثقالان ؛ ورق سذاب مجفف ، وفودنج يابس ، ~~من كل واحد نصف مثقال ؛ فوة وسقمونيا ونطرون ، من كل ms2337 واحد مثقال ؛ يدق ذلك ~~وينخل ويسحق ، ثم يجمع ، ويحل بماء السذاب الرطب ، أو بماء طفئ فيه الحديد ~~ويجامع به فإنه شديد في منع الحبل وإسقاط الأجنة . ؟ ؟ ؟ ؟ وحيث ذكرنا ما ~~قدمناه من الأدوية التي تزيد في الباه وتغزر المنى ، وأشباه ذلك ، وما ~~وصلناه به ، فلنذكر الأدوية التي تنقص الباه ، وتسكن الشهوة ، فإنه قد ~~يحتاج إلى ذلك في بعض الأوقات . PageV12P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" ذكر الأدوية التي تنقص الباه وتمنع من الجماع ~~وتسكن الشهوة وهذه الأدوية منها مفردة ومنها مركبة أما المفردة - فمنها ~~البقلة الحمقاء ، وهي الرجلة ، وتسمى الفرفحين أيضا ، ومنها الخس ، والقرع ~~والشهدابح ، والعدس ، والجمار ، والشعير ، والأشياء الحامضة كالحصرم والتوت ~~، والرمان الحامض ، وحماض الأترج ، والخل ، وعنب الثعلب ، ومنها البطيخ ~~والخيار والقثاء والسفرجل والمشمش وأشباه ذلك ، ومنها الفودنج والمرماحوز ~~والمرزنجوش والحرمل والكمون وبزر قطونا والكافور والبنج والورد والخلاف ~~والإسفاناخ وكل دواء بارد يابس ، فهذه المفردات . وأما المركبات - فمنها ~~أغذية وأدوية . أما الأغذية - فمنها السماقيات ، والحصرميات ، والليمونيات ~~، والسكباج والمصوص ، والمضيرة والعدس ، والتمرية ، والزبيبية ، وما أشبه ~~ذلك مما فيه خل أو حموضة . PageV12P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" وأما الأدوية - فمنها صفة دواء يقطع الشهوة ، ~~ويجمد المني . تؤخذ كسبرة يابسة محمصة ، وبزرقثاء ، وبزر نرجس ، وبزر كتان ~~، وجلنار وتحمص البزور كلها . ويؤخذ سماق ، وحرمل وبنج أبيض ، وقلقطار ~~وقلقند ، وصندل أبيض من كل واحد جزء ، تجمع هذه الأدوية بعد سحقها ونخلها ، ~~وتعجن بالماء المعتصر من الورد والرجلة ، وتحبب مثل الحمص ، وتجفف في الظل ~~، وترفع في إناء زجاج ويسد رأسه من الهواء ، فإذا احتيج اليه اذيبت منه ~~واحدة بلعاب بزر قطونا ، ويطلى به الإحليل في كل أسبوع ثلاث مرات . وإن ~~طليت به فقار الظهر وتكرر ذلك أياما متواليات قطع النسل وأمات شهوة الجماع ~~. صفة دواء آخر يقطع شهوة الجماع البتة ، وهو من الخواص تؤخذ خصية السقنقور ~~اليمنى ، تجفف ، وتسحق ، وتذاب بماء السذاب الرطب ، فمن شرب منه زنة قيراط ~~قطع شهوته ونسله . صفة دواء آخر يضعف الإحليل ويكسر حدته ولايدعه ينتشر ~~البتة ، وهو الذي يستعمله كثيرا من الرهبان . يؤخذ توبال النحاس ، وتوبال ms2338 ~~الحديد ، وتوتياء هندي ، وشعر دب ، وشعر ثعلب محرقان ، وجلنار محرق ، وجفت ~~البلوط ، وكافور ، وجوز السرو محرقا ، PageV12P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" وصندل أبيض من كل واحد جزء ، تجمع بعد سحقها ~~ونخلها ، وتعجن بالماء المعتصر من السلق وتحبب مثل الحمص ، وتجفف في الظل ، ~~وترفع في إناء من الزجاج ، ويسد رأسه فإذا احتيج اليه تؤخذ منه حبه تحل ~~بماء الكسبرة الخضراء ، ويطلى بها الذكر ويرش منها أيضا في السراويل . ~~الباب الحادي عشر من القسم الخامس من الفن الرابع فيما يفعل بالخاصية إعلم ~~- وفقنا الله وإياك - أن الخواص كثيرة لا تكاد تنحصر ، ولاتتعلل أفعالها ~~فأحببنا أن نذكر منها طرفا نخيم به هذا الفن . ولنبدأ بما هو متعلق بالنكاح ~~، ليكون القول فيه يتلو بعضه بعضا . ذكر الخواص المختصة بالنساء والنكاح ~~التي استقرئت بالتجربة خاصية من خواص الهنود وهي ، تأخذ رأس غراب أسود ~~فأفرغ دماغه ، واجعل موضع الدماغ شيئا من تراب الموضع الذي تجلس فيه المرأة ~~التي تريد ، وشيئا يسيرا من زبل الحمام ، واجعل في ذلك سبع شعيرات ، وادفنه ~~في الأرض في موضع ند ، فاذا نبت الشعير وصار طول أربع أصابع ، فخذ منه ، ثم ~~ادلك به يدك ، وامسح به على وجهك وذراعيك ثم استقبل به تلك المرأة ولا ~~تكلمها ، فإنها تسعى في أثرك ، ولاتطيق الصبر عنك . قال : وهو من الأسرار ~~الخفية ، فاعرفه . PageV12P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" سر آخر قال صاحب الخواص : خذ أظفار الهدهد ~~وأظفار نفسك ، فأحرقهما جميعا واسحقهما حتى يصيرا ذرورا ، ثم اجعل ذلك في ~~قدح طلاء ، واسقه أي امرأة أردت وهي لاتعلم ، فإنها تميل اليك ، وتحب القرب ~~منك جدا . سر آخر لجعفر الطوسي قال : إذا أخذت لسان ضفدعة خضراء ، ووضعته ~~على قلب امرأة نائمة أخبرتك بجميع ما عملت في ذلك اليوم . قال : وإن بخرت ~~فراش امرأة بشيء من ضفدعة خضراء وهي لاتعلم ثم نامت عليه ، فإنها تتكلم في ~~نومها بجميع ما عملته . قال : وكذلك اذا أخذت عين الرخمة أو عين كلب ميت ~~وأصل الخس ثم ربطت ذلك في حرقة كتان ، ووضعته على سرة امرأة نائمة ، أخبرتك ms2339 ~~بجميع ما عملته . وقال حنين بن إسحاق : اذا أردت أن تعلم أن المرأة بكر أو ~~ثيب ، فمرها أن تأخذ ثومة مقشورة وتنخسها في عدة مواضع ، ثم تحملها في ~~فرجها ليلة ، فاذا أصبحت فاستنكهها ، فإن وجدت رائحة الثوم في فيها فهي ثيب ~~، وإن لم تجد فيه رائحة فهي بكر . وبذلك أيضا تعرف حملها ، فإن وجدت للثوم ~~رائحة فهي غير حامل وإن لم تجدها فهي حامل . قال : وإذا أردت أن تخبر حال ~~امرأة ، وهل بقيت تحمل أم لا فمرها أن تأخذ زراوندا مدحرجا ، وتسحقه بمرارة ~~البقر ، ثم تحمله بعد طهرها ليلة ، فإذا أصبحت ، فإن وجدت طعمة في فيها فهي ~~تحمل ، وإلا فهي عاقر . وقال صاحب كتاب فردوس الحكمة : إذا تبخرت المرأة ~~بحافر فرس أو حافر بغل أو حمار أسقطت الولد والمشيمة ؛ وإذا تحملت به بعد ~~الجماع لم تحبل . PageV12P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" قال : ومن طلى ذكره بمرارة دجاجة سوداء ثم ~~جامع امرأة لم تحمل بعد ذلك أبدا . وقال جابر بن حيان : إذا أخذت المرأة ~~حبة خروع وغمضت عينيها وابتلعتها لم تحبل سنة . قال : وإن ابتلعت حبتين لم ~~تحمل سنتين ؛ وإن ابتلعت ثلاثا فثلاث ، وكذلك كلما زادت كانت كل حبة بسنة . ~~وقال : وإذا أخذ رأس خشاف ووضع تحت رأس امرأة عند الجماع ، لم تحبل من ذلك ~~الوطء . قال : وإن أخذ شوكران وسحق وعجن بلبن رمكة وجعل في صرة ، وربط في ~~عضد المرأة الأيسر ، لم تحبل أبدا ما دام عليها . قال : وإن شربت المرأة ~~بول كبش لم تحبل أبدا . وكذلك إن شربت من رغا الجمل الهائج لم تحبل أبدا . ~~وقال شرك الهندي : إذا أردت ذهاب غيرة المرأة فلا تغار من ضرتها ولا من وطء ~~جارية ، فاسقيها دماغ أرنب بشراب وهي لاتعلم . قال : إن سقيت مرارة ذئب ~~بعسل وهي لاتعلم ذهبت غيرتها . ومما يذهب غيرة المرأة أن تسقى غبار دقيق ~~الشعير من الرحى الدائرة بماء المطر فإنه جيد في ذهاب الغيرة . قالوا : ~~وإذا شدت في مقنعة امرأة دودة حمراء وهي لا تعلم هاجت شهوتها واغتلمت أمرا ms2340 ~~عظيما . PageV12P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" وإذا أخذ من الزنجار جزء ، ومن النشادر نصف ~~جزء ، وجعلا في الماء الذي تستنجى به المرأة ؛ اغتلمت وطلبت الجماع . وكذلك ~~إذا أخذ من الأقحوان والأبهل والأشنان الأحمر من كل واحد جزء ودق ذلك ، ~~وسحق ، وعجن بدهن البان ، وحملته المرأة ، ثارت بها شهوة الجماع . وإذا أخذ ~~قضيب الثور الأحمر وجفف في الظل ، وسحق ، وشربت منه المرأة وزن مثقال بنبيذ ~~صرف ، قطع عنها شهوة الجماع . وإذا أخذت قضيب الذئب قبل طلوع الشمس أو بعد ~~غروبها بحيث لا براه الشمي ، وقطعته ، ثم جففته في الظل ، وسحقته ، وأسقيته ~~امرأة ، فإنها تبغض الرجال ، وتذهب عنها شهوة الباه . وإذا أخذت شجرة مريم ~~وسحقتها وعجنتها بماء النعناع ، وحببتها كل حبة زنة نصف دانق ، وسقيت منها ~~امرأة حبة ، انقطعت شهوتها سنة . وكذلك مهما زدت كانت كل حبة بسنة . ~~PageV12P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" ذكر شيء من الخواص غير ما تقدم ذكره من ذلك ~~طلسم يجعل على المائدة فلا يقربها ذباب يؤخذ كندس وزرنيخ أصفر ، وكمأة ~~يابسة ، أجزاء متساوية ؛ يسحق جميع ذلك ، ويعجن بماء العنصل ، ويجعل منه ~~مثال ، ويدهن بالزيت فإن الذباب لا يقرب من المكان الذي يوضع فيه . سام ~~أبرص إذا جعل في قصبة فارسية أحد رأسيها مسدود ، ثم يسد الآخر بشمعة ، ~~وتعلق القصبة بما فيها على من به عرق النساء على وركه من الجانب الذي به ~~الوجع ، فإن وجعه يتناقص بقدر ما يضعف سام أبرص ، فإذا مات في القصبة زال ~~الوجع كله . الأفسنتين الرومي يمنع السوس عن الثياب ؛ وفساد الهوام ؛ ويمنع ~~الحبر والمداد أن يتغيرا ، والكاغد أن يعث أو يقرض . قشر الأترج إذا جعل في ~~الثياب حماها من السوس . الساذج الهندي إذا نثر في الثياب حفظها من السوس . ~~PageV12P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" الخربق إذا جعل مع الثياب التي ترفع لم يقر ~~بها السوس . عود الريح وورق النعناع مثل ذلك . يكتب على بيضتين بعد سلقهما ~~وقشرهما ، على الأولى : والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ؛ وعلى الثانية ~~: والأرض فرشناها فنعم الماهدون ، ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ؛ ~~ويكتب ms2341 بعد ذلك على كل منهما قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن ~~الله لا يصلح عمل المفسدين وتعطى الأولى للمرأة ، والثانية للرجل ؛ ويعطى ~~كل منهما لصاحبه البيضة التي أعطيها يأكلها ، فإن ذلك يحل المعقود . مرارة ~~الخطاف إن شربت وشرب في عقبها اللبن الحليب ، سودت شعر اللحية والرأس . إذا ~~غرز في طرف القرع قطع من حديد وهو متصل بأصله ، ولم ينفذ إلى الجانب الآخر ~~، وطلي عليه بالطين الأصفر ، وترك في أصله إلى أن يدرك ويجف ويؤخذ ما في ~~جوفه ، وهو كالحبر ، ويحل بعسل نحل من غير نار ، ويستعمل منه في كل غداة ~~قدر البندقية - وإن حل برب العنب فهو أجود ، وهو الميبختج - فإنه يسود ~~الشعر إن داوم عليه . ذكر نبذة من خواص الحروف والأسماء خواص الحروف ~~والأسماء كثيرة ، قد ذكرها البوني ؛ فمنها ما عرفوا تأثيراته بطوالع ، ~~وقيدوه بأوقات ؛ ومنها ما ليس له وقت مخصوص ، وهو الذي أورد منه في هذا ~~الموضع ما تقف عليه إنشاء الله تعالى . PageV12P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" قال الشيخ جمال الدين أبو العباس أحمد بن أبي ~~الحسن القرشي البوني - رحمه الله تعالى - في كتابه المترجم بلطائف الإشارات ~~في أسرار الحروف العلويات : من نقش حرف الحاء في فص خاتم ثماني مرات ، ونقش ~~معه " ياحي يا حليم يا حنان يا حكيم " ، أمن من الحميات كلها . وإن هو جعله ~~في ماء وسقى منه المحمومين خفف ما بهم . وإن داموا على الشرب ذلك الماء ~~والابتراد به ذهبت الحميات كلها . وكذلك ينفع المحرورين من أهل الصفراء . ~~قال : ولا يكثر من لبسه كبير السن . قال : ومن خاصيته تعطيل حركة النكاح . ~~قال : وإن حمله الشاب فهو أوفق للختم به ، ولا يحمله في يوم السبت ولافي ~~يوم الاثنين ، ويحمله فيما عداهما من الأيام . وفيه لمن أمسكه ذهاب العطش ~~وكثرة شرب الماء . وإن علق في بستان نمى ثمره ، وكثرت نضارته . قال : ومن ~~قال عند طلوع الشمس : " ياحي يا حليم يا حنان يا حكيم " ومن الأسماء ~~المقدسة ما أوله حاء في زمن القيظ ، يذكر ذلك ms2342 حتى تنقلب الشمس في رأي عينه ~~خضراء وهو ناظر إليها ، لم يحس في يومه ذلك ألم الحر . قال : ومن كتب اسمه ~~" الجبار وذا الجلال " في بطاقة أي وقت شاء وهو على طهارة ، وجعلها في ~~خاتمه أو بين عينه وقت جلوسه بين الناس ، رزقه الله الهيبة والتعظيم . ومن ~~كتب اسم الله " الجميل والجواد " في بطاقة أي وقت شاء ، وتختم بها أو حملها ~~وقت دخوله بين أحبابه أو منزله ، حسنة الله تعالى ، وجمل ظاهره وباطنه . ~~PageV12P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" قال : ومن كتب " محمد رسول الله " خمسة ~~وثلاثين مرة ، " أحمد رسول الله " خمسة وثلاثين مرة في يوم جمعة بعد صلاة ~~الجمعة وحملها معه . رزقه الله تعالى قوة في الطاعة ، وتقوية على البركله ، ~~وكفاه الله تعالى همرات الشياطين . وإن هو أدام النظر إلى تلك البطاقة كل ~~عند طلوع الشمس وهو يصلي على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، كثرت رؤياه ~~للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ويسر الله تعالى عليه في يومه ذلك أسباب ~~السعادة ، وذلك بحسن القبول وعقد النية وصفاء الباطن . قال : ومن نقش اسم ~~الله الخبير على فص مهما يكن يوم الجمعة أو يوم الإثنين أول ساعة من النهار ~~، واحتمل هذا الفص في فمه ، لم ينله وصب العطش . وإن هو جعله في كوز ماء ~~وشرب منه ، أسرع له الري ، ولم يطلب الماء بعده . ومن كتب : إن الله عزيز ~~ذو انتقام أربع مرات ، وعلقها عليه ، لم يقر به شيطان ، ولم يصبه ، ولا ~~يقرب البيت الذي يكون فيه . قال : ومن كتب الصاد ستين مرة في بطاقة وحملها ~~غلب خصمه . ومن علقها عليه وهو صائم ، أمن من الجوع بإذن الله تعالى . قال ~~: ومن كتب الصاد ستين مرة في عصابة ، وعصب بها من يشتكي الصداع ، بريء إن ~~شاء الله تعالى . وقال : إذا نقش حرف الطاء في لوح من مشمش والشمس في ~~السعود تسع طاءات ، وخمس هاءات وحملها إنسان ، قهر الله عنه قلوب الجبارين ~~من الشياطين والإنس ، وربما أنه كثيرا ما يرى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~. ومن استدام إمساكه ms2343 على طهارة ، أورثه ذلك حمى الدق . قال : ولا يحب أعمال ~~البر كلها ، ولا يقدر أن يبقى ساعة بغير طهارة . وإن علق على من يشتكي ألم ~~الرأس ، هون الله تعالى عليه ذلك . PageV12P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" وإن ألقاه في كوز الماء وشرب من ذلك الماء ، ~~رأى بركة في ذاته من محبة الخير ، وانشراح الباطن ، واتساع الصدر . قال : ~~ومن كتبها في تسع من الشهر ، أو ثمانية عشر ، أو في سبعة وعشرين عددها ، ~~وخمس هاءات معها ، وعلقها على نفسه ، أمن من الهوام . قال : ومن نقش حرف ~~العين سبعين مرة يوم الجمعة وقت الأذان ، في خرقة حرير بيضاء ، وركبها على ~~خاتم قلعي أو قمر ، وتختم به ، نطق بالحكمة ، ويسر الله عليه الفهم الثاقب ~~؛ ويكون تعليقه بإزاء قلبه ، ولا يعلقه عليه عند نومه ، فإنه يرى خيالات ~~كثيرة . قال : ومن أكثر من ذكر اسمه العزيز ، نال عزة في دينه إن يكن من ~~أهل الديانات ، وعزة في دنياه إن يكن من أهل الدنيا . قال : ومن كتب حرف ~~القاف في الهلال مائة مرة ومحاه بماء وشربه أمن من الرطوبات العارضة ، وجاد ~~فهمه ، وقوي حفطه ؛ ولا يداوم ذلك لئلا يفرط به اليبس . ومن كتبه في ورقة ~~رند مائة مرة ، وغلاها في زيت زيتون ، ودهن به المفلوجين وأهل النزلات ~~الهوائية ، نفعهم . قال : ومن ذكر من أسماء الله تعالى ما فيه كاسمه القادر ~~والقيوم والقوي ، وما أشبه ذلك ، فمن استعمل ذلك الذكر ممن يشتكي الضعف ~~والفزع واستدام عليه بعقد نية وجمع همة ، رزقه الله تعالى القوة ، ويسر له ~~أسباب الخروج من الجزع . قال : ومن نقش حرف الكاف في خاتم عشرين مرة ، أو ~~كتبه في خرقة حرير ، وطواها ، وجعلها تحت فص خاتم ، فإن لابسه لا يرد كلامه ~~إلا بخير ؛ وينفع لملاقاة الجبارين ودفع ضررهم . PageV12P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" قال : ومن نقش حرف النون بالعربي في فص خاتم ~~خمس نونات ، وعلقه على من يشتكي معدته أو خفقان قلبه على موضع الألم ، سكن ~~بإذن الله تعالى . قال : ومن كتب حرف الواو ست مرات في ورقة وعلقها ms2344 عليه ، ~~أمن من الصداع العارض من اليبوسة ، وحسبه . ومن نقشه في فص مها أو فضة ~~وجعله في فيه ، وكان به بلغم يجفف الفم ، فإنه يكون برأه إن شاء الله تعالى ~~. ومن علقه عليه أمن من حمى الربع . والخواص كثيرة ؛ وفيما أوردناه منها ~~كفاية . كمل الجزء الثاني عشر من كتاب " نهاية الأرب في فنون الأدب " ~~للنويري رحمه الله تعالى ويليه الجزء الثالث عشر وأوله : ( الفن الخامس في ~~التاريخ ) والحمد لله رب العالمين PageV12P0137 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الثالث عشر PageV13P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ### | AUT الفن الخامس في التاريخ # ويشتمل على خمسة أقسام قال الله تعالى : " أولم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم ~~من القرون ويمشون في مساكنهم إن لفي ذلك لآيات أفلا يسمعون " وقال تعالى : ~~" أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر ~~منهم وأشد قوة آثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون " إلى غير ذلك ~~من الآي . والتاريخ مما يحتاج إليه الملك والوزير ، والقائد والأمير ، ~~والكاتب والمشير والغني والفقير ، والبادي والحاضر ، والمقيم والمسافر . ~~فالملك يعتبر بما مضى من الدول ومن سلف من الأمم ، والوزير يقتدي بأفعال من ~~تقدمه ممن حاز فضيلتي السيف والقلم ؛ وقائد الجيش يطلع منه على مكايد الحرب ~~، ومواقف الطعن والضرب ؛ والمشير يتدبر الرأي فلا يصدره إلا عن رويه ويتأمل ~~الأمر فكأنه أعطى درجة PageV13P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" المعية وحاز فضيلة الألمعيه ؛ والكاتب يستشهد ~~به في رسائله وكتبه ، ويتوسع به إذا ضاق عليه المجال في سربه ، والغنى يحمد ~~الله تعالى على ما أولاه من نعمه ورزقه من نواله ، وينفق مما آتاه الله إذا ~~علم أنه لابد من زواله وانتقاله ؛ والفقير يرغب في الزهد لعلمه أن الدنيا ~~لا تدوم ، وليتقنه أن سعتها بضيقها لا تقوم . ومن عدا هؤلاء يسمعه على سبيل ~~المسامره ، ووجه المحاضرة والمذاكره ؛ والرغبة في الأطلاع على أخبار الأمم ~~، ومعرفة أيام العرب وحروب العجم . فقد تبين بهذه المقدمة تعويل الأمر عليه ~~، وميل المرء إليه . وسأورد إن شاء الله في هذا الفن جملا من تواريخ ms2345 الأمم ~~السافلة والعصور الخاليه ، وأطرزه من القصص والسير بما تصبح به صفحات ~~الطروس حاليه . ولما رأيت غالب من أرخ في الملة الإسلامية وضع التاريخ على ~~حكم السنين ومساقها ، لا الدول وآتساقها ؛ علمت أن ذلك ربما قطع على ~~المطالع لذة واقعة أستحلاها ، وقضية أستجلاها ؛ فآنقضت أخبار السنة ولا ~~أستوعب تكملة فصولها ولا انتهى إلى جملتها وتفصيلها ؛ وأنتقل المؤرخ بدخول ~~السنة التي تليها من تلك الوقائع وأخبارها ، والممالك وآثارها ، والدولة ~~وسيرها ، والحالة وخبرها ؛ فتنقل من الشرق إلى الغرب ، وعدل عن السلم إلى ~~الحرب ؛ وعطف من الجنوب إلى الشمال وتحول من البكر إلى الآصال ؛ وقد تجول ~~به خيل الأستطراد فيبعد ، وتحول بينه وبين مقصده السنون PageV13P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" فيغور تارة وتارة ينجد ، فلا يرجع المطالع إلى ~~ما كان قد أهمه إلا بعد مشقة ، وقد يعدل عنه إذا طالت المسافة وبعدت عليه ~~الشقة . فاخترت أن أقيم التاريخ دولا ، ولا أبغى عن دولة إذا شرعت فيها ~~حولا ؛ حتى أسردها من أوائلها إلى أواخرها ، وأذكر جملا من وقائعها ومآثرها ~~؛ وسياقة أخبار ملوكها ، ونظم عقود سلوكها ؛ ومقر ممالكه ، وتشعب مسالكها . ~~فإذا انقضت دمتها ، وانقرضت عدتها ؛ وانتقلت من العين إلى الأثر ، ومن ~~العيان إلى الخبر ؛ رجعت إلى غيرها فقفوت أثرها ، وشرحت خبرها ، وبينت ~~خبرها ؛ وذكرت أسبابها ، وسردت أنسابها ؛ وبدأت بأصلها ، وتفوهت بأخبار من ~~نبغ من أهلها ؛ واستقصيتها دولة بعد دوله ، وجالت بي خيول المطالعة جولة ~~ناهيك بها منجوله ؛ ورغبت مع ذلك في الأختصار دون الأقتصار ، وأوردت ما ~~يحتاج إلى إيراده من غير تكرار أو إكثار . فإن عرضت واقعة كانت بين ملكين ~~كان وقتهما واحدا ، مكان الدهر لأحدهما على الأخر مساعدا ؛ شرحتها بجملته ~~في أخبار الظافر منهما ؛ وأحلت في أخبار المغلوب عليها ، وأكتفيت بإيرادها ~~في أحد الموضعين ولم أعرج في الآخر إلا بإشارة إليها . PageV13P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" وجريت في تقسيم هذا الفن على القاعدة التي ~~تقدمت فيما قبله من الفنون ليكن أبسط للنفوس وأنشط للخواطر وأقر للعيون ؛ ~~وجعلته خمسة أقسام ، ووضعته على أحسن أتساق وأكمل أنتظام . القسم الأول ~~مبدأ ms2346 خلق آدم وحواء وأخبارهما ومن كان بعد آدم إلى نهاية خبر أصحاب الرس ، ~~وفيه ثمانية أبواب : الباب الأول - في مبدأ خلق آدم وحواء - عليهما السلام ~~- وما كان من أخبارهما إلى حين وفاتهما . الباب الثاني - في خبر شيث بن آدم ~~- عليه السلام - وأولاده . الباب الثالث - في أخبار إدريس النبي عليه ~~السلام . الباب الرابع - في قصة نوح - عليه السلام - وخبر الطوفان . الباب ~~الخامس - في قصة هود - عليه السلام - مع عاد وهلاكهم بالريح العقيم . الباب ~~السادس - في قصة صالح - عليه السلام - مع ثمود وعقرهم الناقة وهلاكهم . ~~الباب السابع - في أخبار أصحاب البئر المعطلة والقصر المشيد وهلاكهم . ~~الباب الثامن - في خبر أصحاب الرس ، وما كان من أمرهم . ؟ ؟ القسم الثاني ~~في قصة إبراهيم الخليل - عليه الصلاة والسلام - وخبره مع النمروذ " لعنه ~~الله " وقصة لوط PageV13P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" وخبر إسحاق ويعقوب ، وتقصة يوسف وأيوب وذي ~~الكفل وشعيب - عليهم السلام - وفيه سبعة أبواب : الباب الأوال - في قصة ~~إبراهيم الخليل - عليه السلام - وأخبار نمروذ بن كنعان . الباب الثاني - في ~~خبر لوط مع قومه وقلب المدائن . الباب الثالث - في خبر إسحاق ويعقوب عليهما ~~السلام . الباب الرابع - في قصة يوسف بن يعقوب عليهما السلام . الباب ~~الخامس - في قصة أيوب - عليه السلام - وابتلائه وعافيته . الباب السادس - ~~في خبر ذي الكفل بن أيوب عليهما السلام . الباب السابع - في خبر شعيب - ~~عليه السلام - وقصته مع مدين . القسم الثالث يشتمل على قصة موسى بن عمران - ~~عليه السلام - وخبره مع فرعون وخبر يوشع ومن بعده وخبر حزقيل وإلياس واليسع ~~وغيلا وأشمويل وطالوت وجالوت ودلود وسليمان وسعيا وإرمياء وخبر بختنصر ~~وخراب بيت المقدس وعمارته وما يتصل بذلك من خبر عزيز وقصة يونس بن متى وخبر ~~بلوقيا وخبر زكريا ويحيى وعمران ومريم وعيسى - عليهم السلام - وخبر ~~الحواريين وما كان من أمرهم وخبر جرجيس ، وفيه ستة أبواب : PageV13P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" وذيلت هذا القسم ذيلا يشتمل على أبواب أربعة ، ~~ذكرت ما فيها ما قيل عن الحوادث التي تظهر قبل نزول عيسى - عليه السلام - ~~إلى الأرض ، وأخبار المهدي والدجال ، ونزول ms2347 عيسى - عليه السلام - ومدة ~~إقامته في الأرض ووفاته وما يكون بعده ، وشيئا من أخبار الحشر والمعاد . ~~وإنما ذكرت هذا الذيل في هذا الموضع - وإن كان غير داخل في فن التاريخ - ~~لأن النفوس لما كانت مائلة إلى الاطلاع على أخبار ما مضى من الزمان ومن سلف ~~الأمم ، فميلها إلى الاطلاع على ما يظهر في مستقبل الزمان أكثر وتشوقها ~~إليه أوفر ، فأوردت ما أذكره لهذا السبب ، ولأن كتابنا هذا ليس مبناه على ~~مجرد التاريخ بل هو كتاب أدب ، لا تخرجه هذه الزيادة عن شرطه . الباب الأول ~~- في قصة موسى بن عمران وهرون عليهما السلام وغرق فرعون ، وأخبار بني ~~إسرائيل وخبر قارون وحروب مو سى وخبر الجبارين وبلعم وغير ذلك . الباب ~~الثاني - فيما كان بعد موسى بن عمران - عليه السلام - وهو أخبار يوشع وخبر ~~حزقيل وإلياس ويسع وغيلا وأشمويل وطالوت وجالوت وداود وسليمان - عليهم ~~السلام - ومن بعدهم . الباب الثالث - في أخبار سعيا وارمياء وخبر بختنصر ~~وخراب بيت المقدس وعمارته ، وما يتصل بذلك من خبر عزير . الباب الرابع - في ~~قصة ذي النون يونس بن متى - عليه السلام - وخبر بلوقيا . الباب الخامس - في ~~خبر زكريا ويحيى وعمران ومريم ابنته وعيسى ابن مريم عليهم السلام . ~~PageV13P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" الباب السادس - في أخبار الحواريين الذين ~~أرسلهم عيسى وما كان من أمرهم وخبر جرجيس . ؟ التذييل على هذا القسم ، وفيه ~~أربعة أبواب الباب الأول - في ذكر الحوادث التي تظهر قبل نزول عيسى بن مريم ~~عليه السلام . الباب الثاني - في خبر نزول عيسى إلى الأرض وقتل الدجال ~~وخروج يأجوج ومأجوج وإفسادهم وهلاكهم ، ووفاة عيسى عليه السلام . الباب ~~الثالث - في ذكر ما يكون بعد وفاة عيسى بن مريم إلى النفخة الأولى . الباب ~~الرابع - في أخبار يوم القيامة والحشر والمعاد والنفخة الثانية في الصور . ~~القسم الرابع في أخبار ملوك الأصقاع ، وملوك الأمم والطوائف ، وخبر سيل ~~العرم ، ووقائع العرب في الجاهلية ، وفيه خمسة أبواب الباب الأول - في ~~أخبار ذي القرنين المذكور في كتاب الله عز وجل . الباب الثاني - في أخبار ~~ملوك الأصقاع ، وهم ms2348 ملوك مصر والهند والصين والترك وجبل الفتح . الباب ~~الثالث - في أخبار ملوك الأمم من الأعاجم ، وهم ملوك الفرس الأول ، وملوك ~~الطوائف من الفرس ، والملوك الساسانية منهم ، وملوك اليونان والسريان ~~والكلدانيين والروم والصقالبة ، والنوبرد والفرنجة والجلالقة وطوائف ~~السودان . PageV13P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" الباب الرابع - في أخبار ملوك العرب ، وما ~~يتصل بها من خبر سيل العرم . الباب الخامس - في أيام العرب ووقائعها في ~~الجاهلية . القسم الخامس في أخبار الملة الإسلامية وذكر شيء من سيرة نبينا ~~محمد - ( صلى الله عليه وسلم ) - وأيام الخلفاء من بعده - رضي الله عنهم - ~~والدولة الأموية والعباسية والعلوية ودول ملوك الإسلام وأخبارهم ، وما فتح ~~الله عليهم ، وفيه اثنا عشر بابا . الباب الأول - في سيرة سيدنا رسول الله ~~- ( صلى الله عليه وسلم ) - . الباب الثاني - في أخبار الخلفاء من بعده : ~~أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وابنه الحسن - رضي الله عنهم . الباب الثالث - ~~في أخبار الدولة الأموية بالشام وغيره . الباب الرابع - في أخبار الدولة ~~العباسية بالعراق ومصر . الباب الخامس - في أخبار الدولة الأموية بالأندلس ~~، وأخبار الأندلس بعد انقراض دولتهم . الباب السادس - في أخبار إفريقية ~~وبلاد المغرب ومن وليها من العمال ، ومن استقل بالملك . الباب السابع - في ~~أخبار من نهض في طلب الخلافة من الطالبين في الدولتين : الأموية والعباسية ~~فقتل دونها بعد مقتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما . الباب الثامن - في ~~أخبار صاحب الزنج والقرامطة والخوارج ببلاد الموصل . PageV13P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" الباب التاسع - في أخبار من استقل بالملك ~~والممالك في البلاد الشرقية والشمالية في خلال الدولة العباسية ، وهم ملوك ~~خراسان وما وراء النهر والجبال وطبرستان وغزنة والغور وبلاد السند والهند ، ~~كالدولة السامانية ، والدولة الصفارية ، والدولة الغزنوية ، والدولة ~~الغورية ، والدولة الديلمية الختلية . الباب العاشر - في أخبار ملوك العراق ~~وما والاه ، وملوك الموصل والديار الجزيرية والديار اليكرية والبلاد ~~الشامية والحلبية ، كالدولة الحمدانية ، والدولة الديلمية البويهية ، ~~والدولة السلجقية ، والدولة الأتابكية . الباب الحادي عشر - في أخبار ~~الدولة الخوارزمية والدولة الجنكزخانية وهي دولتا التتار " جنكزخان وأولاده ~~" وما تفرع منها . الباب الثاني عشر - في أخبار ملوك الديار المصرية الذين ms2349 ~~ملكوا في خلال الدولة العباسية نيابة عن خلفائها ، وهم الملوك الطولونية ~~والملوك الإخشيدية ، ومن استقل بملكها وانتزعها وأخرجها من يد نواب خلفاء ~~الدولة العباسية ، وهم الملوك العبيديون الذين انتسبوا إلى العلويين ، وما ~~كان من أمرهم ابتدائه إلى انتهائه وما ملكوه من بلاد المغرب ، وكيف استولوا ~~على الديار المصرية والبلاد الشامية والثغور الساحلية ، وانقراض دولتهم ، ~~وقيام الدولة الأيوبية وأخبار ملوكها بمصر والشام إلى حين انقراضها ، وقيام ~~دولة الترك ومن ملك منهم وما حازوه من الأقاليم وما فتحوه من الممالك ~~واستنقذوه من أيدي الإفرنج والأرمن والتتار وغيرهم وما استقر في ملك هذه ~~الدولة من الممالك إلى حين وضعنا لهذا التأليف في سنة . . . وسبعمائة في ~~أيام مولانا السلطان السيد الأجل PageV13P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" المالك " الملك الناصر " ناصر الدنيا والدين ، ~~محمد ابن السلطان الشهيد المالك ، الملك المنصور سيف الدنيا والدين " ~~قلاوون " الصالحي ، خلد الله تعالى ملكه على ممر الزمان ، وسقى عهد والده ~~صوب الرحمة والرضوان . هذا جملة ما اشتمل عليه هذا الفن من الأقسام ~~والأبواب ، والله تعالى المرشد والهادي والموفق إلى الصواب ، بمنه وكرمه ، ~~إنه على ما يشاء قدير ، وبالإجابة جدير . PageV13P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" القسم الأول من الفن الخامس في مبدأ خلق آدم ~~وحواء عليهما السلام ودخولهما الجنة ، وما كان بينهما وبين إبليس - لعنه ~~الله - وهبوطهما إلى الأرض واجتماعهما بعد الفرقة ، وخبر حرثه وزرعه ، وحمل ~~حواء ووضعها ، وخبر ابني آدم هابيل وقابيل ، ونبوة آدم - عليه السلام - ~~ووفاته ، وخبر شيث وأولاده ، وقصة إدريس ونوح وهود وصالح - عليهم السلام - ~~وخبر أصحاب البئر المعطلة والقصر المشيد ، وخبر أصحاب الرس ، وفيه ثمانية ~~أبواب . الباب الأول - من هذا القسم في مبدأ خلق آدم وحواء - عليهما السلام ~~- وما كان من أخبارهما إلى حين وفاتهما . ذكر خلق آدم عليه السلام خلق الله ~~تبارك وتعالى آدم - عليه السلام - من تراب ، بدليل قوله عز وجل " ولقد ~~خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون " قوقله تعالى " إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل آدم خلقه من تراب " وقوله تعالى إخبار عن إبليس : " قال أنا خير ms2350 منه ~~خلقتني من نار وخلقته من طين " وهذا أمر بين واضح لا خلاف فيه ، ولا يحتاج ~~إلى زيادة في إقامة دليل وإيضاح . وقيل : إنما سمي آدم لأن الله تعالى خلقه ~~من أديم الأرض . PageV13P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" وعن وهب بن منبه أن رأسه من الأرض الأولى ، ~~وعنقه من الثانية ، وصدره من الثالثة ، ويديه من الرابعة ، وبطنه وظهره من ~~الخامسة ، وفخذه ومذاكيره وعجزه من السادسة ، وساقيه وقدميه من السابعة . ~~وعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أن الله تعالى خلقه من الأقاليم ~~السبعة . وقيل : إن عز رائيل أخذ من تراب الأرض كلها أبيضها وأحمرها ~~وأسودها وعذبها ومالحها ، فهو مخلووق من ذلك الترابز قال : ولما خلقه الله ~~- عز وجل - صوصره على هذه الصورة الآدمية ، أمر الملائكة أن يحملوه ويضعوه ~~على باب الجنة عند ممر الملائكة ، وكام جسدا لا روح فيه ، فكانت الملائكة ~~يعجبون من خلقته وصورته ، لأنهم لم يكونوا رأوا مثله قط ، وكان إبليس يطيل ~~النظر إليه ويقول : ما خلق الله تعالى هذا إلا لأمر ، وربما دخل فيه ، فإذا ~~خرج قال : إنه خلق ضعيف ، خلق من طين أجوف ، والأجوف لا بد له من مطعم ~~ومشرب . ويقال : إنه قال للملائكة : ما تعملون إذا فضل هذا المخلوق عليكم ؟ ~~فقالوا : نطيع أمر ربنا ولا نعصيه ، فقال إبليس : إن فضله علي لأعصينه ، ~~وإن فضلني عليه لأهلكنه . ذكر دخول الروح فيه قال : ولما أراد الله تعالى ~~نفخ الروح فيه أمر بروحه فغمست في جميع الأنوار وليست كأرواح الملائكة ولا ~~غيرها من المخلوقات . قال الله تعالى " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي " ~~الآية . وقال تعالى : " ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " الآية . ~~قال : فأمرها الله تعالى أن تدخل في جسد آدم بالتأني دون استعجال فرأت ~~مدخلا ضيقا حرجا ، فقالت : يا رب ، كيف أدخل ؟ فنوديت " ادخلي كرها واخرجي ~~PageV13P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" كرها " فدخلت من يافوخه إلى عينيه ، ففتحهما ~~آدم ونظر إلى نفسه طينا ، ثم صارت إلى أذنيه ، فسمع تسبيح الملائكة ، وجعلت ~~الروح يمر في رأسه والملائكة ينظرون ms2351 إليه ، ثم صارت إلى الخياشيم ، فعطس ، ~~فانفتحت المجاري المسدودة ، وصارت إلى اللسان ؛ فقال آدم " الحمد لله الذي ~~لم يزل ولا يزول " وهي أول كلمة قالها ، فناداه الرب : " يرحمك ربك يا آدم ~~، لهذا خلقتك ، وهذا لك ولذريتك " ، وسارت الروح في جسده حتى بلغت الساقين ~~، فصار آدم لحما ودما وعظما وعروقا ، غير أن رجليه من طين ؛ فذهب ليقوم فلم ~~يقدر وهو قوله تعالى " وكان الإنسان عجولا " . فلما صارت إلى الساقين ~~والقدمين استوى قائما على قدميه يوم الجمعة . فقيل : إن الروح استوت في ~~جسده في خمسمائة عام عند نزول الشمس . ذكر سجود الملائكة لآدم قال : فلما ~~استوى قائما أمر الله الملائكة بالسجود له ؛ فسجدوا كلهم إلا إبليس ، كما ~~أخبر الله تعالى عنه ؛ قال الله تعالى : " فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا ~~إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين " الآيات . قال : وكان السجود لآدم يوم الجمعة عند الزوال ، فبقيت ~~الملائكة في سجودها إلى العصر . قال وعلم الله تعالى آدم الأسماء كلها ~~واللغات بأجمعها . قال ابن عباس - رضي الله عنهما - علمه حتى لغة الحيتان ~~والضفادع وجميع ما في البر والبحر ، ثم أمر الملائكة أن يحملوه على أكتافهم ~~، ويطوفون به في طرائق السموات ؛ ففعلوا ذلك . ثم أمر جبريل أن ينادي في ~~صفوف الملائكة أن يجتمعوا ؛ فاجتمعوا واصطفوا عشرين ألف صف ، ووضع لآدم ~~منبر الكرامةة ، وعليه ثياب السندس PageV13P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" الأخضر وله ضفيرتان محشوتان بالمسك والعنبر ~~بطوله ، وعلى رأسه تاج من ذهب مرصع بالدر والجوهر ، فانتصب على المنبر ، ~~وسلم على الملائكة ، فأحابته برد السلام وخطب فحمد الله ، ثم ذكر علم ~~السموات والأرضين وما فيهما ، وذلك قوله تعالى : " وعلم آدم الأسماء كلها ~~ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا ~~سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العلنيم الحكيم قال يا آدم أنبئهم ~~بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ms2352 ألم أقل لكم أني أعلم غيب السموات ~~والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " . ونزل آدم عن منبره ، فجيء بقطف ~~من عنب أبيض فأكله ، وهو أول شيء أكله من طعام الجنة ، ثم أخذته سنة فنام . ~~ذكر خلق حواء عليها السلام قال : ولما نام آدم خلق الله تعالى حواء من جنبه ~~الأيسر ، من ضلعه مما يلي الشرسوف ، وهو ضلع أعوج ، قال الله تعالى : " يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها " فكانت ~~على طول آدم وحسنه وجماله ، إلا أنها أرق جلدا منه ، وأحسن صوتا ، ولها ~~ضفائر مرصعة محشوة بالمسك تسمع لذوائبها خشخشة ، فجلست عند رأسه ، فانتبه ~~فرآها ، فتمكن حبها من قلبه ، فقال : يا رب ، من هذه ؟ قال : أمتي حواء . ~~فقال : يا رب لمن خلقتها ؟ قال : لمن أخذها بالأمانة ، وأصدقها الشكر . قال ~~: يا رب ، أنا أقبلها على هذا فزوجنيها . فزوجها إياه قبل دخول الجنة على ~~الطاعة والتقوى والعمل الصالح ، ونثرت عليهما الملائكة من ثنار الجنة ، ~~وأوحى الله إلى آدم ، أن اذكر نعمتي عليك ، فإني خلقتك ببديع فطرتي ، ~~وسويتك بشرا على مشيئتي ، ونفخت فيك من روحي ، وأسجدت لم ملائكتي ، وحملتك ~~على أكتافهم ، وجعلتك خطيبهم ، وأطلقت على لسانك جميع اللغات ، وجعلت ذلك ~~كله فخرا وشرفا لك ، وهذا إبليس قد أبلسته ولعنته حين أبى أن PageV13P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" يسجد لك ، وقد ختمت كرامتي لك بأمتي حواء ، ~~وقد بنيت لكما دار الحيوان من قبل أن أخلقكما بألفي عام ، على أن تدخلاها ~~بعهدي وأمانتي . ذكر عرض الأمانة على آدم عليه السلام قال الله تعالى : " ~~إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " . قال : وهي أن يكافأوا على ~~الإحسان ، ويعذبوا على الإساءة ، فأبوا ؛ فعرضت على آدم ، فقيل له : إن ~~أطعت كافأتك بالإحسان ، وخلدتك في الجنان ، وإن تركت عهدي أخرجتك من داري ، ~~وعذبتك بناري . فقبل آدم الأمانة ، فعجب الملائكة من ذلك ، ثم مثل له ~~ولحواء إبليس ، وقيل له : " هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما ms2353 من الجنة فتشقى ~~" . ثم ناداهما الرب : إن من عهدي إليكما وأمانتي أن تدخلا الجنة " فكلا ~~منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " فقبلا هذه ~~العهود كلها . ثم أمر الله تعالى بإدخالهما الحنة ، فحمل آدم على الفرس ~~الميمون ، وحواء وراءه على الناقة ، والملائكة عن اليمين والشمال وأمامهما ~~وخلفهما حتى بلغوا باب الجنة ودخلا واستقرا بجنة عدن في وسط الجنة بعد أن ~~طافا بالجنان ، فقدم إليهما من فواكه الجنة فأكلا ، فكانا في الجنة خمسمائة ~~عام من أعوام الدنيا في أتم سرور وأنعم الأحوال . ذكر خبر إبليس والطاوس ~~والحية قال : ولما سمع إبليس أن الله تعالى أباح لآدم أن يأكل من ثمار ~~الجنة إلا شجرة واحدة ، فرح بذلك ، وقال : لأخرجنهما من الجنة . ثم مر ~~مستخفيا في طرقات السموات حتى وقف على باب الجنة ، فإذا الطاوس قد خرج من ~~الجنة وله جناحان إذا نشرهما غطى سدرة بهما المنتهى ، وله ذنب من الياقوت ~~الأحمر ، وهو أطيب طيور PageV13P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" الجنة صوتا وتغريدا ، وكان يخرج ويمر في ~~السموات يخطر في مشيته ويرجع إلى الجنة . فلما رآه إبليس كلمه بكلام لين ، ~~وقال : أيها الطائر العجيب الخلق الطيب الصوت ، من تكون من طيور الجنة ؟ ~~فقال : أنا الطاوس ، فمالك أيها الشخص كأنك مرعوب تخاف من طالب يطلبك ؟ قال ~~إبليس : أنا من ملائكة الصفيح الأعلى من زمرة الكروبيين ، وقد أحببت أن ~~أنظر إلى الجنة وإلى ما أعد الله فيها لأهلها فهل لك أن تدخلني الجنة وأنا ~~أعلمك ثلاث كلمات من قالها لا يهرم ولا يسقم ولا يموت ؟ فقال له : وأهل ~~الجنة يموتون ؟ قال : نعم ويسقمون ويهرمون إلا من كانت عنده هذه الكلمات ، ~~وحلف له على ذلك ، فوثق به الطاوس ولم يظن أحد يحلف بالله كاذبا ، فقال : ~~ما أحوجني إلى هذه الكلمات ، غير أني أخاف أن يستخبرني رضوان عنك ، ولكني ~~أبعث إليك بالحية فإنها سيدة دواب الجنة . قال : وجاء الطاوس إلى الحية وهي ~~يومئذ على صورة الجمل ، ولها زغب كالعقبرى ما بين أبيض وأحمر وأسود وأخضر ms2354 ، ~~ولها عرف من اللؤلؤ ، وذوائب من الياقوت ورائحة كرائحة المسك والعنبر ، ~~وكان مسكنها في جنة المأوى ، وكانت تساير آدم وحواء في الجنة ، وتخبرهما ~~بالإشجار . فلما أخبرها الطاوس بالخبر أسرعت الحية نحو باب الجنة ، فتقدم ~~إبليس إليها وقال لها كقوله للطاوس ، وحلف لها ؛ فقالت : حسبك ، ولكن كيف ~~أدخلك ؟ فقال : إني أرى ما بين نابيك فرجة ، وهي تسعني ، ففتحت الحية فاها ~~، فوثب وقعد بين نابيها ، فصار نابها إلى آخر الدهر سما ، وضمت الحية ~~شفتيها ، ودخلت الجنة ولم يكلمها رضوان للقضاء السابق ، فلما توسطت الجنة ~~قالت : أخرج وعجل ، قال : إن حاجتي من الجنة آدم وحواء ، فإني أريد أن ~~أكلمهما من فيك ، فإن لم تفعلي ذلك فما أعلمك الكلمات ، فجاءت إلى حواء ~~فقال لها إبليس من فيها : يا حواء ، ألست تعلمين PageV13P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" أني معك في الجنة ، وأحدثك بكل ما فيها ، وأنا ~~صادقة في كل ما حدثتك به ؟ قالت حواء : نعم ، قال إبليس : يا حواء ، ~~أخبريني ما الذي أحل لكما ربكما من هذه الجنة وحرم عليكما ؟ فأخبرتته بما ~~نهاهما عنه ؛ فقال إبليس : لماذا نهاكما عن شجرة الخلد ؟ فقالت حواء : لا ~~أعلم ببذلك ، قال : أنا أعلم ، إنما نهاكما لأنه أراد ألا يفعل بكما ما فعل ~~بالعبد الذي مأواه تحت شجرة الخلد . هذا وحواء تظن أن الخطاب لها من الحية ~~؛ فوثبت حواء عن سريرها لتنظر إلى العبد ، فخرج إبليس من فيها كالبرق ، ~~فقعد تحت الشجرة ، فأقلبت حواء فوقفت بالبعد منه ونادته : من أنت أيها ~~الشخص ؟ قال : خلق من خلق الله ، خلقني من نار كما ترينني ، وأنا هنا في ~~الجنة منذ ألفي عام ، خلقني كما خلقكما بيده ، ونفخ في من روحه ، وأسجد لي ~~ملائكته ، وأسكننى جنته ، ونهاني عن أكل هذه الشجرة ، فكنت لا آكل منها ، ~~حتى نصحني بعض الملائكة وقال لي : كل منها ، فإن من أكل منها كان مخلدا في ~~الجنة أبدا ، فأكلت منها ، فأنا في الجنة إلى وقتي هذا ، وقد أمنت الهرم ~~والسقم والموت والخروج من الجنة . ثم قال : والله " ما نهاكما ربكما عن هذه ms2355 ~~الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين " ثم نادى : يا حواء اسبقي ~~وكلي قبل زوجك ، فمن سبق كان له الفضل على صاحبه ، فأقبلت حواء إلى آدم وهي ~~مستبشرة فرحة ، فأخبرته بخبر الحية والشخص ، وأنه قد حلف لها بأنه لهما لمن ~~الناصحين ، فذلك قوله تعالى : " وقاسمهما إني لكما من الناصحين " ؛ وتقدمت ~~حواء إلى الشجرة ولها أغصان لا تحصى ، وعلى الأغصان سنابل ، كل حبة منها ~~مثل قلال هجر ، ولها رائحة كالمسك ، أبيض من اللبن وأحلى من العسل ، فأخذت ~~منها سبع سنابل من سبعة أغصان ، فأكلت واحدة وادخرت واحدة ، وجاءت بخمس إلى ~~آدم . قال ابن عباس - رضي الله عنها - : لم يكن لآدم في ذلك أمر ولا إرادة ~~بل كان في سابق العلم ، لقوله تعالى : " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في ~~الأرض خليفة " . فتناول آدم السنابل من يدها ، وقد نسي العهد الذي أخذ عليه ~~من PageV13P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" أجلها ، فذلك قوله تعالى : " ولقد عهدنا إلى ~~آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما " فذاق من الشجرة كما ذاقت حواء ، قال ~~الله تعالى : " فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما " . قال ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - : والذي نفسي بيده ما ساغ آدم من تلك السنابل سنبلة واحدة حتى ~~طار التاج عن رأسه ، وعري من لباسه ، وانتزعت عنه خوتمه ، وسقط كل ما كان ~~على حواء من لباسها وحليها وزينتها ، وناداهما كل ما طار عنهما : " يا آدم ~~طال حزنك ، وعظمت رزيتك ، وعليك السلام إلى يوم اللقاء " . ولم يبق عليهما ~~من لباسهما شيء ، " وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم ~~أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين " ؛ ونظر كل ~~منهما إلى سوءة صاحبه ؛ وهرب إبليس فسار مستخفيا في طرائق السموات ، وصاح ~~آدم صيحة عظيمة ، ولم يبق فس لبجنة شيء إلا لامه ، وانقبضت عنه الأشجار ، ~~فلما كثرت عليه الملامات فر هاربا على وجهه ، فالتفت عليه شجرة الطلح ~~وأمسكته ونادته : إلى أين تهرب يا عاصي ، واضطربت الملائكة لذلك ، والله ~~الموفق للصواب . ذكر ms2356 خروج آدم وحواء من الجنة قال : وأمر الله جبريل فجاء ~~إلى آدم وقبض على ناصيته ، وخلصه من الشجرة ، فلما صار به إلى باب الجنة ~~وأخرج رجله اليمنى وبقيت اليسرى ، نودي : يا جبريل قف به على باب الجنة حتى ~~يخرج معه أعداؤه الذين حملوه على أكل الشجرة لكي يراهم ويرى ما يفعل بهم . ~~فوقفه هنالك ، فناداه الرب : يا آدم إنما خلقتك لتكون عبدا شكورا ، لا ~~لتكون عبدا كفورا . قال : يا رب أسألك أن تعيدني إلى تربتي التي خلقتني ~~منها لأكون ترابا كما كنت أول مرة . قال : يا آدم ، كيف أعيدك إلى تربتك ~~وقد سبق علمي أن أملأ من ظهرك الجنة والنار . وأخرج آدم حواء وقد استتر ت ~~بورقة من ورق الجنة بإذن الله تعالى ، فلما رأت آدم صاحت وقالت : يالها من ~~حسرة ؟ فوقفت خارج الجنة ، ثم أتي بالطاوس وقد طعنته الملائكة حتى قطعت ~~ريشه ، وجبريل يجره ويقول : اخرج من الجنة خروج الأبد ، PageV13P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" فإنك شؤم أبدا ما بقيت ؛ ثم أتي بالحية وقد ~~جذبتها الملائكة جذبا شديدا ، وهي ممسوخة مبطوحة ، على بطنها لا قوائم لها ~~، وصارت ممدودة مشوهة ، ومنعت النطق فصارت خرساء ، مشقوقة اللسان ، فقالت ~~لها الملائكة : لا رحمك الله ولا رحم من يرحمك . ثم حجبت حواء عن آدم من ~~هناك ، ومر به جبريل في طرائق السموات ، ونظرت إليه الملائكة عريانا ففزعت ~~منه ، وقالت : إلهنا ، هذا آدم بديع فطرتك أقله عثرته . وآدم قد ترك يده ~~اليمنى على رأسه ، واليسرى على سوأته ، ودموعه تجري على خديه ، وكلما مر ~~على ملإ من الكلائكة يوبخونه على نقض عهد الله وميثلقه ، وأكثروا عليه في ~~الملامة والتوبيخ ؛ فقال لهم : يا ملائكة ربي ، ارحموني ولا توبخوني ، ~~فالذي جرى علي بقضاء ربي ، حيث قال : " إني جاعل في الأرض خليفة " الآية . ~~ذكر سؤال إبليس - لعنه الله تعالى - قال : وقال إبليس : يا رب أضللتني ~~وأغويتني وأبلستني ، وكان ذلك في سابق علمك " فانظرني إلى يوم يبعثون ، قال ~~فإنك من المنظرين ، إلى يوم الوقت المعلوم " وهي النفخة الأولى ، " قال ~~فبما أغويتني ms2357 لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن ~~خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين " . قال الله تعالى : ~~" اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين " . قال ~~إبليس : أنظرتني فأين سيكون مسكني ؟ قال : إذا هبطت إلى الأرض فمسكنك ~~المزابل . قال : فما قراءتي ؟ قال : الشعر والغناء . قال : فما مؤذني ؟ قال ~~: المزمار . قال : فما طعامي ؟ قال : ما لم يذكر إسمي عليه . قال : فما ~~شرابي ؟ قال : الخمور . قال : فما بيتي ؟ قال : الحمامات ؛ قال : فما مجلسي ~~؟ قال : الأسواق . قال : فما شعاري ؟ قال : لعنتي . قال : فما دثاري ؟ قال ~~: سخطي قال : فما PageV13P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" مصايدي ؟ قال : النساء . قال : فوعزتك لا ~~أخرجت محبة النساء من قلوب بني آدم حتى يتغرغر بالموت ، قيل له : يا ملعون ~~، فإن ربك لا ينزع التوبة من ولد آدم حتى يتغرغر بالموت ، " فاخرج منها ~~فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين " . ذكر سؤال آدم - عليه السلام - ~~قال : فعند ذلك قال آدم : يا رب هذا إبليس قد أعطيته النظرة ، وقد أقسم ~~بعزتك أنه يغوي أولادي ، فبماذا أحترز من مكايده ؟ فنودي ، يا آدم ، إني قد ~~مننت عليك بثلاث خصال ، واحدة لي ، وهي أن تعبدني لا تشرك بي شيئا ، وواحدة ~~لك ، وهي ما عملت من صغيرة أو كبيرة من الحسنات فلك بالحسنة عشر وإن عملت ~~سيئة فواحدة بواحدة ، وإن استغفرتني غفرتها لك وأنا الغفور الرحيم ، وواحدة ~~بيني وبينك ، وهي أن منك المسألة ومني الإجابة ، فابسط يدك وادعني فإني ~~قريب مجيب . فصاح إبليس حسدا لآدم وقال : كيف أكيد ولد آدم الآن ؟ فنودي : ~~يا ملعون " واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم ~~في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا " . قال إبليس : ~~زدني يا رب ؛ قال لا يولد لآدم ولد إلا يولد لك سبعة : قال : رب زدني ، قال ~~: زدتك أن تجري منهم مجرى الدم في عروقهم ، وتسكن في صدورهم . فقال : يا رب ~~حسبي ؛ ثم قال علام أهبط إلى الأرض ؟ قال : على الإياس من رحمتي . قال ms2358 : ثم ~~نظر آدم إلى الحية وقال : رب هذه اللعينة هي التي أعانت عدوي علي ، فبماذا ~~أتقوى عليها ؟ فقيل له : قد جعلت مسكنها الظلمات ، وطعامها التراب فإذا ~~رأيتها فاشدخ رأسها . وقيل للطاوس : مسكنك أطراف الأنهار ، ورزقك مما تنبته ~~الأرض من حبها ، وألقي عليك المحبة حتى لا تقتل . PageV13P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" ذكر سؤال حواء - عليها السلام - قال : ثم قالت ~~حواء : إلهي خلقتني من ضلع أعوج ، وجعلتني ناقصة العقل والدين والشهادة ~~والميراث ، وضربتني بالنجاسة ، وحرمتني الجمعة والجماعات ، وذكرت مشقة ~~الحمل والولادة ، فأسألك أن تعطيني مثل ما أعطيتهم . فقيل لها : قد وهبت لك ~~الحياء والأنس والرحمة ، وكتبت لك من ثواب الحبل والولادة ما لو رأيته لقرت ~~به عيناك ، فأي امرأة ماتت في ولادتها حشرتها في زمرة الشهداء . قال : حسبي ~~يا رب . قال : ثم أمر الله بعد ذلك أن يهبطوا إلى الأرض ؛ قال الله تعالى : ~~" وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين " . فهبط ~~آدم من باب التوبة ، وحواء من باب الرحمة ، وإبليس من باب اللعنة ، والطاوس ~~من باب الغضب ، والحية من باب السخط ، وكان ذلك وقت العصر . قال السدي : ~~فمن هذه الأبواب تنزل التوبة والرحمة واللعنة والغضب والسخط . قال وهب : ~~خلق الله آدم يوم الجمعة ، وفيه دخل الجنة وأقام فيها نصف يوم مقدار ~~خمسمائة عام ، وأهبط بين الظهر العصر من باب يقال له المبرم وهو حذاء البيت ~~المعمور . قال كعب : أهبط آدم إلى بلاد الهند على جبل من جبالها ليقال له ~~بوذ وهو جبل محيط بأرض الهند ؛ وأهبطت حواء بجدة ، وإبليس بدستميسان ، ~~والحية بأصفهان ، والطاوس بالبحر ، ففرق الله بينهم فلم ير بعضهم بعضا حينا ~~، ولم يكن PageV13P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" على آدم يوم أهبط إلا ورقة من أوراق الجنة ، ~~فذرتها الرياح في بلاد الهند فصارت معدنا للطيب . وأخذ آدم في البكاء مائة ~~عام حتى نبت من دموعه العود والزنجبيل والصندل والكافور وأنواع الطيب ، ~~وامتلأت الأودية بأطيب الأشجار ، وبكت حواء فنبت من دموعها القرنفل ~~والأفاويه ؛ وكانت الريح تحمل كلامه إليها وكلامها إليه ms2359 . ثم أنبت الله - ~~عز وجل - لآدم الشعر واللحية ، وكان قبل ذلك أمرد وجسده كالفضة ، فتألم ~~لذلك ألما شديدا . قال وهب : أول من علم بهبوط آدم من حيوان الأرض النسر ، ~~وكان قد ألف الحوت ، فجاء إليه وقال له : إني رأيت اليوم خلقا عظيما ينقبض ~~وينبسط ، ويقوم ويقعد ، ويجيء ويذهب ، فقال الحوت : إن كان ما تقوله حقا ~~فقد حان إلا يكون لي معه مقترفي البحر ولا لك في البر ، وهذا الوداع بيني ~~وبينك . فجاء النسر إلى آدم وألفه ، وجاءه الوحش والطير وألفوه وبكوا ~~لبكائه دهرا طويلا ، فلما أضجرهم ذلك نفروا عنه ولم يبق عنده إلا النسر ~~وحده وهو لا يفتر عن البكاء . قال وهب : بكى آدم حتى بكت الملائكة لبكائه ~~وقالوا : " إلهنا أقله عثرته " . قال : وبقي من دموعه في الأرض - بعد أن كف ~~عن البكاء - ما شربه الوحش والطير والهوام مائة عام ؛ وكان لدموعه رائحة ~~كالمسك ، ولذلك كثر الطيب في الهند . وقال كعب : بكى آدم ثلاثمائة عام لا ~~يرفع رأسه إلى السماء وهو يقول : " إلهي بأي وجه أنظر إلى السماء " فألهم ~~الله سائر الحيوانات أن تأتي لآدم وتعزيه في مصيبته ، فعزاه جميعها ونهته ~~عن البكاء ، وأمرته بالتسبيح والتقديس . PageV13P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" ذكر توبة آدم عليه السلام قال : فعند ذلك أمر ~~الله تعالى جبريل أن يهبط على آدم ، وقال له : " إن آدم بديع فطرتي وقد ~~أبكى أهل سمواتي وأرضي ، ولا يذكر غيري ، ولم يخف سواي ، وهو أول من حمدني ~~، وأول من دعاني بأسمائي الحسنى ، وأنا الرحمن الذي سبقت رحمتي غضبي ، وهذه ~~الكلمات قد خصصت بها آدم لتكون له توبة ، وتخرجه من الظلمات إلى النور " . ~~فهبط عليه جبريل بالكلمات ولها نور عظيم ، وقال : " السلام عليك يا طويل ~~البكاء والحزن " ؛ فلم يسمعه آدم لغليان صدره ؛ فناداه بصوت رفيع : السلام ~~عليك يا آدم . وأمر جناحه على صدره ووجهه حتى هدأ من بكائه ، وسمع الصوت ~~فقال : أبنداء السخط تنادي ، أم بنداء الإحسان والغفران ؟ قال : بل بنداء ~~الرحمة والغفران ، يا آدم : لقد أبكيت ملائكة السموات والأرض ، فدونك هذه ms2360 ~~الكلمات ، فإنها كلمات الرحمة والتوبة . قال كعب : كانت الكلمات ما قالها ~~يونس في ظلمات ثلاث : " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " . ~~وقال عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - كانت : " ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " . وقال ابن عباس - ~~رضي الله عنهما - : كانت " لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، عملت سوءا وظلمت ~~نفسي فتب علي يا خير التوابين " . قال الله تعالى : " فتلقى آدم من ربه ~~كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم قال : فلما قالها آدم انتشر صوته في ~~الأفاق ، فقالت الأرض والشجر والجبال : " أقر الله عينك يا آدم ، وهناك ~~الله بتوبتك " . وأمره الله أن يبعث بالكلمات إلى حواء ؛ فحملتها الريح ~~إليها ، فقالتها ، فتاب الله عليها . قال : ولما فرغ آدم من الدعاء والسجود ~~قال له جبريل : ارفع رأسك ، فرفعه وإذا قد رفع له حجاب النور ، وفتحت له ~~السموات ، ونودى بالتوبة والرضوان وقيل له : يا آدم ، إن الله قد قبل توبتك ~~. فذهب ليقوم فلم يقدر لأنه كان قد رسب في الأرض PageV13P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" كعروق الشجر ، فاقتلعه جبريل ، فصاح صيحة ~~شديدة للألم الذي أصابه ، وقال : " ماذا تفعل الخطيئة " ؟ ثم ضرب جبريل ~~بجناحه الأرض فانفجرت عين ماء معين برائحة كالمسك فاغتسل آدم منها ، ثم ~~كساه الله حلتين من سندس الجنة ، وبعث الله تعالى ميكائيل إلى حواء ، ~~فبشرها بالتوبة ، وكساها كذلك ؛ وسأل آدم جبريل عنها ؛ فأخبره أن الله قد ~~قبل توبتها ، وأنه يجمع بينهما في أشرف الأعياد وأكرم البقاع . قال : وأمر ~~الله عز وجل الملائكة والحيوانات أن يقربوا من آدم ليهنئوه فأتوه وهنأوه ~~كما كانوا عزوه . ثم أمر الله تعالى جبريل أن يضع يده على رأس آدم ليقصر من ~~طوله ، وكان إذا قام وصل رأسه إلى السماء ، فيسمع تسبيح الملائكة ، فلما ~~قصر اغتم لفقد ذلك ، فقال له جبريل : لا يغمك ذلك فإن الله يفعل ما يريد . ~~وأمره الله ببناء بيت يحاذي البيت المعمور ليطوف به هو وأولاده من بعده كما ~~رأى الملائكة تفعل ms2361 حول البيت المعمور ؛ فبناه . وقد ذكرنا صفة بنائه في ~~الباب الثاني من القسم الخامس من الفن الأول من هذا الكتاب في خصائص البلاد ~~، وهو في السفر الأول ، فلا حاجة إلى إعادته هاهنا . فلنذكر غير ذلك . قال ~~: وسار آدم من موضعه إلى موضع البيت ؛ والله الهادي . ذكر أخذ الميثاق على ~~ذريته - عليه السلام - قال : وأوحى الله تعالى إلى آدم : أني أريد أن آخذ ~~على وديعتي التي في ظهرك الميثاق ، فأحاطت الملائكة بآدم في أحسن صورهم ، ~~فوقعت الرعدة على آدم من الخوف ، فضمه جبريل إلى صدره ، واضطرب الوادي ~~وارتج ، فقال جبريل : اسكن فإنك أول شاهد على الميثاق الذي يأخذه الله على ~~ذرية آدم . فسكن ، ومسح الله تعالى على ظهر آدم كما شاء ، وقال : " انظر يا ~~آدم إلى من يخرج من ظهرك " فأول من بادر وكان أسرع خروجا نبينا محمد ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فأجاب بالتلبية ونادى إلى ذات اليمين وهو يقول : ~~PageV13P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" أنا أول من يشهد لك بالتوحيد ، ويقر لك ~~بالعبودية ، وأشهد أني عبدك ورسولك . فهو ( صلى الله عليه وسلم ) أول ~~الأنبياء في الخلق ، وآخرهم في البعث ، وفي ذلك من الحكمة الإلهية والقدرة ~~الربانية ما لم يخف على ذي لب وفهم ، وليس هذا موضع ذكر ذلك . ثم أجابت ~~الطبقة الثانية من النبيين والمرسلين نبينا بعد نبي في نورهم وبهائهم ، ثم ~~خرجت زمرة من المؤمنين بيض الوجوه ، معلنين بالتوحيد ، فوقفوا دون النبيين ~~. ثم مسح الله مسحة أخرى فخرج قابيل بن آدم مبادرا وقد تبعه أهل الشمال ~~فوقفوا ذات الشمال كلهم سود الوجوه . ثم قيل لآدم : " انظر إلى ولدك هؤلاء ~~لتعرفهم بأسمائهما وأزمانهم " فنظر إلى أهل اليمن فضحك منهم ، وبارك عليهم ~~؛ ونظر إلى أهل الشمال فلعنهم وصرف وجهه عنهم ؛ ثم استنطقهم الله تعالى ~~فقال : " ألست بربكم قالوا بلى شهدنا " وأقررنا . قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : أما أهل اليمن فأجابوا بالسرعة ، وأما أهل الشمال فأجابوا بالتثاقل ~~. قال الله تعالى : " يا ملائكتي اشهدوا على ذرية آدم بأنهم أقروا أني ربهم ~~لا يجحدونني شيئان ms2362 ، وأن آدم قد بارك على أهل يمينه ، ولعن أهل شماله ، ~~فأهل اليمين في جنتي برحمتي ، وأهل الشمال في النار بما جحدوا من حقي " . ~~ثم ردهم الله إلى ظهره كما أخرجهم بقدرته . قال وهب : وإذا كان يوم القيامة ~~وحشر الخلق لفصل القضاء قيل : يا آدم ، " ابعث بعث الجنة إلى الجنة ، وبعث ~~النار إليها " . فيعرفهم بصورهم وأسمائهم ؛ فيقول : " نعم يا رب " ؛ ويراهم ~~كما رآهم في الذرية ، ويقبل عليهم بوجهه ويقول : أنسيتم عهد ربكم وشهادتكم ~~له بأنه الله الواحد الأحد ؟ فيقولون ما أخبرنا الله تعالى به عنهم : " إنا ~~كنا عن هاذ غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم " ~~يعنون قابيل بن آدم ، لأنه أول من عصى ربه ؛ ثم يقولون : " ربنا أرنا ~~اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين " ~~يعنون إبليس وقابيل ؛ فيقبض آدم بشمائله من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ~~إلى النار ، وواحدا بيمنه إلى الجنة ؛ ثم يقول : يا رب هل وفيت ؟ فيقال له ~~: نعم ادخل الجنة برحمتي . PageV13P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" ذكر اجتماع آدم بحواء قال : وأقبل ملك إلى ~~حواء وهي جالسة بجدة على ساحل البحر ، فقال لها : " خذي لباسك وانطلقي إلى ~~الحرم " ؛ ثم رمى لها بقميص وخمار من الجنة ، وتوارى عنها حتى لبست القميص ~~وتخمرت بالخمار ، ومضت إلى مكة فدخلت الحرم من شرقيه يوم الجمعة من شهر ~~المحرم ؛ فأمرها الملك أن تقعد على جبل المروة ؛ وإنما سميت المروة لقعود ~~المرأة عليها . قال وهب : دخل حواء الحرم قبل آدم بسبعة أيام ، ودخل آدم من ~~غربي مكة وحواء من شرقيها ، فصار آدم إلى جبل الصفا ، فناداه : " مرحبا بك ~~يا صفي الله " ، فسمى الصفا لذلك ؛ وناداه الرب : يا آدم ، فقال : " لبيك ~~اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ~~" . فصار ذلك سنة في الحج والعمرة . ثم أوحى الله إليه : " اليوم حرمت مكة ~~وما حولها " . فهي حرام إلى يوم القيامة . فقال آدم : يا رب ، إنك وعدتني ~~أن تجمع بيني وبين ms2363 حواء في هذا المقام . فنودي : إنها أمامك على المروة ، ~~وأنت على الصفا ، فانظر إليها ولا تمسها حتى تقضى المناسك . فهبط آدم إليها ~~، والتقيا ، وفرح كل منهما بصاحبه ، وسعى هو من الصفا ، وسعت هي من المروة ~~، فكانا يجتمعان بالنهار ، فإذا أمسيا رجع إلى الصفا ، ورجعت إلى المروة ، ~~فكانا كذلك حتى دخل ذو القعدة ، فأعاد آدم التلبية وعقد الإزار ، ولم يزل ~~يلبي حتى دخل ذو الحجة ؛ فهبط جبريل وعلمه المناسك وكساه ثوبا أبيض لإحرامه ~~، وطاف يه ، وعرفه المناسك ، وأمره أن يطوف بالبيت سبعا ؛ فلما فعل ذلك قال ~~له جبريل : " حسبك يا آدم قد أحللت " ؛ فانطلق آدم إلى حواء فاجتمع بها في ~~ليلة الجمعة فحملت من ساعتها . قال كعب : ما حملت حواء حتى رأت الحيض ففزعت ~~وأخبرت آدم بذلك فمنعها من الصلاة أيام حيضها حتى ينقطع الدم ؛ ثم جاءها ~~ملك فوقفها على زمزم وقال لأدم : اركض برجلك في هذا الموضع . فركضها ، ~~فانفجرت الأرض PageV13P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" بإذن الله عين ماء معين ؛ فكبر آدم وحواء ، ~~وهمت أن تشرب فمنعها وقال : " حتى يأذن لي ربي " . فاغتسلت حواء ؛ وكان في ~~ذوائبها بقية من مسك الجنة ، ففاحت الدنيا . ذكر أبناء آدم وزرعه وحرثه قال ~~: ثم أوحى الله تعالى إلى آدم : " أنك إن لم تعمر هذه الدنيا لم يعمرها أحد ~~من أولادك ، فاعمرها " . فبنى له مسكنا يأوي إليه هو وحواء ؛ ثم أخذ بعد ~~ذلك في الحرث والزرع وحفر الآبار ؛ وجاءه جبريل بالحبة وهي على قدر بيض ~~النعام ، بيضاء في لون الثلج وأحلى من العسل ؛ وجاءه بثورين من ثيران ~~الفردوس وجاءه بالحديد ، فلما نظر آدم إلى الحب صاح صيحة عظيمة ، وقال : ~~مالي ولهذا الحب الذي أخرجني من الجنة . قال : " هذا رزقك في الدنيا ، لأنك ~~اخترته في الجنة ، فهو غذاء لك ولذريتك " . ثم قال له جبريل : يا آدم ، قم ~~فكن حراثا زراعا ، وأتاه بالنار وقد غمسها في سبعين ماء حتى اعتدلت وكمنت ~~في الحديد والحجر ، وأمره أن يوقد النار ويلين الحديد ، ويتخذ منه مطرقة ~~وسدانا ، ففعل ؛ ثم اتخذ مدية يذبح ms2364 بها ، وفأسا يحفر بها ويكسر ، ومحراثا ~~يحرث به الأرض ، ونيرا ؛ كل ذلك وجبريل يعلمه . قال وهب : أول ما اتخذ آدم ~~من الحديد سندان ومطرقة وكلبتان ؛ ثم اتخذ بعد ذلك آلة التجارة ، وأتاه ~~جبريل بكبش من الجنة ، فنحره آدم ، وأكل هو وحواء من لحمه ، واتخذا مقراضا ~~فجزا به الصوف من الكبش ، وغزلاه ، واتخذا منه جبتين بغير كمين ، وكساءين ، ~~فاكتسى كل واحد منهما جبة وكساء ، فلما مست جلدهما خشونة الصوف بكيا شوقا ~~إلى السندس والإستبرق ؛ فقيل لهما : " هذا لباس أهل الطاعة في الدنيا " . ~~وجيء بالأشجار التي ذكرناها في الفن الرابع من هذا الكتاب ، وهو فن ~~النباتات ؛ وقد قدمنا ذكرها فيما سلف منه . وعن كعب أن الذي جاء بالحب ~~ميكائيل ، لأنه الموكل بالحب والقطر والنبات . PageV13P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" قال : فقام آدم فعقد النير على عنقي الثورين ؛ ~~ثم حرث وبذر ، وكان يقف على الزرع ويقول : متى يدرك ؟ فيسمع هاتفا يقول : " ~~خلق الإنسان من عجل " ؛ وكان الزرع في طول النخل ، والسنبلة في طول مائة ~~ذراع ، بيضاء كالفضة . قال كعب : فلما استحق الزرع كان آدم يحصد ، وحواء ~~تجمع ؛ ثم علم آدم الدراسة والتذرية والطحن والعجن والخبز ؛ ث أكلا وشربا ~~فأصابتهما النفخة والقرقرة في بطونهما ؛ فتجشأ آدم جشاء متغيرا ، وتغير ~~عليه بدنه وثقل ؛ فلما ثقلت عليهما بطونهما أمرهما الملك أن يتبرزا إلى ~~الصحراء لقضاء الحاجة ؛ فلما رأيا ذلك من أنفسهما بكيا بكاء شديدا ، وقالا ~~: " هذا الذي أورثنا ذنبنا " . ثم أمرهما الملك أن يمسحا بالمدر ، ثم ~~يغتسلا بالماء ؛ ثم علمهما الوضوء فتوضأ وضوء الإسلام ؛ ثم أمرهم بالصلاة ، ~~فكان أول صلى صلاها آدم الظهر . وكان آدم ربما اشتغل عن صلاته ولا يعرف ~~الأوقات ، فأعطاه الله ديكا ودجاجة ، فكان الديك أبيض أفرق أصفر الرجلين ، ~~كالثور العظيم ، وكان يضرب بجناحه عند أوقات الصلاة ويقول : سبحان من يسبحه ~~كل شيء سبحان الله وبحمده ، يا آدم : الصلاة يرحمك الله . قال : وأخذ آدم ~~في الغرس حتى غرس كل ما على وجه الأرض من أنواع الثمار والأشجار ، وأخذت ~~الأرض زهرتها ؛ وكان آدم يأكل من بقول ms2365 الأرض ونباتها . قال وهب : أول بقلة ~~زرعها آدم الهندبا ، وأول ما زرع من الرياحين الحناء ، ثم الآس . ذكر حمل ~~حواء - عليها السلام - وولادتها قال : وواقع آدم حواء في ليلة الجمعة ، ~~فحملة بذكر وأنثى ، وأسقطتهما في الشهر الثامن ، فكان أول سقط في الدنيا ؛ ~~ثم حملت ثانيا كذلك ، فأصابهما مثل PageV13P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" الأول ؛ ثم حملت ثالثة . قال الله تعالى : " ~~فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن ~~آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين " . قال : فجاء إبليس إلى حواء وقال : ~~أتحبين أن يعيش في بطنك ؟ قالت : نعم ، قال : سميه عبد الحارث . وقال ابن ~~حبيب عن ابن عباس : أنها لما وضعته جاء إبليس وقال : ألا تسميانه باسمي ؟ ~~قالت له حواء : ما اسمك ؟ فذهب ولم يتسم ، ثم عاد إليهما فقال : كيف تريدان ~~أن تسمياه ؟ قالا : نسميه عبد الله . قال : أفتظنان أن الله يترك عبده ~~عندكما إن سميتماه عبد الله ، لا والله لا يدعه عندكما حتى يقبضه ، ولكن ~~سمياه عبد شمس فإنه يبقى ما بقيت الشمس . فأطاعاه وسمياه عبد شمس ؛ فمات ~~صغيرا . قال الله تعالى : " فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما " ~~. قال وهب : أوحى إليهما " إنكما أطعتما إبليس في هذه التسمية ، فهلا ~~سميتماه عبد الله أو عبد الرحمن أو عبد الرحيم " فجزعا لذلك جزعا شديدا ، ~~وقالا : " لا حاجة لنا في هذا المولود " . فأماته الله . ثم حملت بذكر ~~وأنثى ، فلما وضعتهما سمتهما عبد الله وأمة الله ؛ ثم وضعت بطنا آخر ~~فسمتهما عبد الرحيم وأمة الرحيم ؛ ولم تزل كذلك حتى وضعت مائة بطن ؛ ثم ~~وضعت بعد ذلك هابيل وأخته في بطن ، ثم قابيل وأخته في بطن ، حتى وضعت عشرين ~~ومائة بطن ذكر وأنثى ، فتناسلوا وكثروا . ذكر مبعث آدم - عليه السلام - إلى ~~أولاده قال : ثم بعث الله عز وجل آدم إلى ذريته رسولا ، وذلك في أول ليلة ~~من شهر رمضان ، وخصه بالوحي ، وأنزل عليه إحدى وعشرين صحيفة فيها سور مقطعة ~~الحروف ، لا يتصل حرف بحرف ، وهو أو كتاب أنزل ، وهو بألف لغة ms2366 فيها ~~PageV13P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" الفرائض والسنن والشرائع والوعد والوعيد ~~وأخبار الدنيا ، وبين له فيها أهل كل زمان وصورهم وسيرهم ، وما يحدث في ~~الأرض حتى المأكل والمشرب . ثم أمره الله تعالى أن يكتبها بالقلم ، فأخذ ~~جلود الضأن فدبغها حتى صارت رقا ، وكتب فيها الحروف التسعة والعشرين ، وهي ~~في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن ، أولها أ : معناها ، أنا الله الواحد ~~الأحد الذي لم يزل . ب : بديع السموات والأرض . ت : توحد في ملكه ، وتواضع ~~كل شيء لعظمته . ث : ثابت لم يزل ولا يزال . ج : جميل الفعال ، جواد ، جليل ~~المقال . ح : حليم على من عصاه ، حميد عند من أنشاه . خ : خبير ببواطن ~~الأشياء وظواهرها ، خالق كل شيء . د : ديان يوم الدين ، دان من خلقه . ذ : ~~ذو الفضل العظيم ، والعرش المجيد ، ذو الطول القديم . ر : رب الخلائق رزاق ~~رءوف رحمن رحيم . ز : زراع زرع من غير بذر ، زائد لمن شكر ، زين كل شيء ~~برحمته . س : سريع الحساب ، سميع الدعاء ، سريع الإجابة . ش : شديد العقاب ~~والبطش ، شاهد كل نجوى . ص : صمد صادق الوعد . ض : ضياء السموات والأرض ، ~~ضمن لأوليائه المغفرة . ط : طاب من أخلص له من المطيعين ، طوبى لمن أطاعه . ~~ظ : ظهر أمره ، وظفر أهل محبته بالجنة . ع : عليم عالم علام علا بالربوبية ~~. غ : غياث المستغيثين ، غني لا يفتقر . ف : فعال لما يريد ، فرد ليس له ~~شريك . ق : قيوم ، " قائم على كل نفس بما كسبت " ، قدير قاهر . ك : كريم ~~كان قبل كل شيء ، كائن بعد كل شيء ، كافي كل بلية . ل : " له ما في السموات ~~وما في الأرض " ، وله الخلق والأمر . م : مالك يوم الدين ، متكبر محسن ~~محمود متين معبود منعم من قبل ومن بعد . ن : نور السموات والأرض ناره معدة ~~لأهل عذابه . و : ولي المؤمنين ، ويل لمن عصاه ، " ويل للمطففين " . هاد ~~هدى من الضلالة من قدر له ذلك برحمته ومشيئته ، لا : لا إله إلا الله ~~الواحد القهار ، الذي لا إله إلا هو العزيز الحكيم . ي : يعلم ما في ~~السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى وما ms2367 تخفي الصدور . PageV13P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" قال : فلما نزلت هذه الحروف علمها آدم لولده ، ~~فتوارثها ولده ، إلى أن بعث الله تعالى إدريس ، وأنزل عليه خمسين صحيفة ، ~~وأنزل عليه هذه الحروف . ذكر قتل قابيل هابيل قال : ودعا آدم ابنيه هابيل ~~وقابيل - وكان يحبهما من بين أولاده - فذكر لهما ما كان من أمره ودخوله ~~الجنة ، وسبب خروجه ، وغير ذلك ، ثم أمرهم أن يقربا قربانا ، وكان هابيل ~~صاحب غنم ، وقابيل صاحب زرع ، فأخذ هابيل من غنمه كبشا سمينا لم يكن في ~~غنمه خير منه ، فجعله قربانا ؛ وأخذ قابيل من زرعه أدناه فقربه ؛ فنزلت من ~~السماء نار بيضاء لا حر ولا دخان فيها ، فأحرقت قربان هابيل ، ولم تحرق ~~قربان قابيل ، فداخله الحسد من ذلك ، وقال : إن أولاد هذا تفتخر على أولادي ~~من بعدي ، فوالله لأقتلنه . قال الله تعالى : " واتل عليهم نبأ ابنى آدم ~~بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم تقبل من الآخر قال لأقتلنك قال ~~إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي ~~إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين " . قال : ثم رجعا من منى - وهو ~~موضع القربان - يريدان أباهما وهابيل أمام قابيل ؛ إلى حجر فضرب به رأس ~~أخيه هابيل فقتله ، ثم مر على وجهه هاربا . قال الله تعالى : " فطوعت له ~~نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين " ؛ وإذا هو بغرابين قد اقتتلا ، ~~فقتل أحدهما الآخر ، وجعل يبحث في الأرض برجليه حتى حفر حفرة ودفن فيها ~~المقتول ؛ فقال قابيل في نفسه ما أخبر الله تعالى به عنه : " يا ويلتى ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين " . فلما ~~أبطآ على آدم خرج في طلبهما ، فأصاب هابيل مقتولا ، فساءه ذلك واغتم غما ~~شديدا ، وكانت الأرض لما شربت دمه تغيرت الأشجار عن نضارتها ، فيقال : إن ~~آدم قال : تغيرت البلاد ومن عليها . . . فوجه الأرض مغبر قبيح PageV13P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" تغير كل ذي لون وطعم . . . وقل بشاشة الوجه ~~المليح قتل قابيل هابيلا أخاه . . . فوا أسفي على الوجه ms2368 الصبيح ثم حمل آدم ~~هابيل على عاقته وهو باك ، ثم دفنه ، وبكى عليه هو وحواء أربعين يوما ، ~~فأوحى الله تعالى إليه أن كف عن بكائك ، فإني سأهب لك غلاما زكيا على صورة ~~هابيل يكون أبا النبيين والمرسلين . فسرى عنه ، وجامع حواء فحملت بشيث ~~واسمه هبة الله فلما وضعتنه كان على صفة هابيل وصورته ؛ فلما ترعرع وبلغ ~~بعث الله تعالى له قضيبا من سدرة المنتهى في صفاء الجوهر ، ورزق الله شيثا ~~الأولاد في حياة آدم ؛ والله أعلم . ذكر وفاة آدم - عليه السلام - قال : ~~وكان آدم لما أخرج الله تعالى الذرية من ظهره رأى داود عليه السلام وحسن ~~صورته ، فسأل عنه وعما رزقه الله تعالى من العمر ؛ فقيل له : إنه نبي الله ~~داود ، وإن عمره الذي كتب الله له أربعون سنة . فقال : يا رب زد في عمره . ~~قال : ذلك الذي كتبت له . فقال : يا رب فإني قد وهبته من عمري ستين سنة . ~~فلما انقضى من عمره تسعمائة سنة وأربعون سنة أتاه ملك الموت ، فقال له آدم ~~: قد عجلت علي ، لأن ربي كتب لي ألف سنة . قال : ألم تهب منها لولدك داود ~~ستين سنة ؟ قال : لا . قال : فجحد آدم وجحدت ذريته من بعده ، ونسي فنسيت . ~~وقيل في عمر داود : ستون سنة ، وإن آدم وهبه أربعين سنة ؛ والله أعلم . ~~فلما استكمل عدته أمر الله بقبض روحه ، فعهد إلى ابنه شيث وأوصاه ، وسلم ~~إليه التابوت ، وكان فيه نمط من الجنة أبيض أهداه الله تعالى لآدم ، فيه ~~صور الأنبياء والفراعنة من ذريته ؛ فنشر آدم النمط وأراه لابنه شيث ، فنظر ~~إليه ، ثم أمر بطيه ووضعه في التابوت ؛ وعمد آدم إلى طاقات من شعر لحيته ~~فوضعها في التابوت وقال له : يا بني ، إنك لا تزال مظفرا على أعدائك ما ~~دامت هذه PageV13P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" الشعرات سودا فإذا ابيضت فاعلم أنك ميت ، فأوص ~~إلى خبر أولادك . وأوصاه بقتال أخيه قابيل . ثم قبض الله تعالى نبيه آدم في ~~يوم الجمعة بعد أن استكمل ألف سنة ، وصلت عليه الملائكة صفوفا ، وصلى ms2369 عليه ~~شيث ، ودفن عليه السلام . وقيل : كنت وفاته بالهند ، فلما كان زمن الطوفان ~~حمل نوح معه تابوت آدم في السفينة ، ثم دفنه ببيت المقدس . ذكر وفاة حواء ~~قال : ولما توفي آدم عليه السلام لم تعلم حواء بموته حتى سمعت بكاء الوحش ~~والسباع والطير ، ورأت الشمس منكسفة ؛ فقامت من قبتها فزعة أن يكون حل بشيث ~~ما حل بهابيل ، وصارت إلى قبة آدم فلم تره ، فصاحت صيحة عظيمة ، فأقبل ~~إليها شيث وعزاها وأمرها بالصبر ، فلم تصبر دون أن صرخت ولطمت وجهها ودقت ~~صدرها ، فأورثت ذلك بناتها إلى يوم القيامة ؛ ثم لزمت قبره أربعين يوما لا ~~تطعم ؛ ثم مرضت مرضا شديدا ودام بها حتى بكت الملائكة رحمة لها ؛ ثم قبضت ~~رحمة الله عليها فغسلها بناتها ، وكفنت من أكفان الجنة ودفنت إلى جنب آدم ~~عليهما السلام ورأسها إلى رأسه ، ورجلاها عند رجليه . وقيل : كانت وفاتها ~~بعد مضي سنة من وفاة آدم . الباب الثاني من القسم الأول من الفن الخامس في ~~خبر شيث ابن آدم عليهما السلام وأولاده قال : ولما مات آدم عليه السلام ~~أسند وصيته إلى ابنه شيث ، وكان مما أوصاه به التمسك بالعروة الوثقى ، ~~وشهادة أن لا إله إلا الله ، والإيمان بمحمد رسول الله ؛ وقال له : يا بني ~~؛ إني رأيت اسمه مكتوبا على سرادق العرش وأبواب الجنان PageV13P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" وأطباق السموات وأوراق شجرة طوبى ؛ فهذه وصيتي ~~إليك . ثم نزع خاتمه من إصبعه ودفعه إليه ، وتسلم منه التابوت ، ثم قال له ~~: إنه الله سيعطيك ثوب المجاهدة ، فحارب أخاك قابيل ، فإن الله تعالى ينصرك ~~عليه . وكان شيث حين الوصية إليه ابن أربعمائة سنة ، فأطاعه أولاد أبيه ، ~~وصار إليه الفرس الميمون ، وكان أغر وحجلا إذا صهل أجابته الدواب كلها ~~بالتسبيح . ذكر قتال شيث قابيل قال : ثم أمر الله تعالى شيث بن آدم بقتال ~~قابيل ، وكان قابيل قد اعتزل في ناحية من الأرض ، فعمرها ، وخدع أختا له ~~فأحبها ، ورزق منها أولادا كثيرة فسار إليه شيث بجميع أولاده ، وتقلد سيف ~~أبيه ، وكان بين يديه عمود من الياقوت ms2370 تحمله الملائكة يضيء بالليل والنهار ~~، وسار وقد أحدقت به الملائكة ؛ فتوجه إبليس إلى قابيل وأعلمه خبر أخيه ، ~~فتأهب للقائه وقد داخله الفزع ؛ ثم جاء شيث فقابله ، فاقتتلا ، فانكب قابيل ~~على وجهه ، فأخذه شيث أسيرا ، وأسر جماعة من أولاده . ثم أقبلت الملائكة ~~إلى قابيل فسلكوه في سلسلة من سلاسل جهنم ، وغلوا يد إلى عنقه ، وساقوه بين ~~يدي شيث مهانا وهو يقول : يا شيث احفظ الرحم بيني وبينك . فقال : لا رحم ~~بيننا بعد أن قتلت أخاك ظلما . ثم أمر شيث الملائكة فساقوه مغلولا إلى عين ~~الشمس بالمغرب ، فلم يزل مواجها للشمس حتى مات كافرا ، وصارت ذريته عبيدا ~~وإماء لشيث وأولاده . ثم أخذ شيث بعد ذلك في عمارة المدن حتى بنى نيفا على ~~ألف مدينة في كل مدينة منارة ينادي عليها : " لا إله إلا الله ، آدم صفوة ~~الله ، محمد رسول الله " . وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر هو وأولاده ~~، حتى عمرت الدنيا ، وأنزل الله تعالى على شيث خمسين صحيفة ، فكانوا ~~يقرأونها ويعملون بما فيها من غير عداوة ولا تباغض ولا تحاسد ولا فسق بينهم ~~؛ وكان إبليس يحسد شيثا وأولاده ، فأقبل إبليس إليه في صورة امرأة حسناء ، ~~فقال لها : من أنت ؟ قالت : امرأة أرسلني الله إليك لتتزوج بي ، ولست من ~~بنات آدم . فقال : إن ربي لم يأمرني بذلك ولا أخبرني PageV13P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" عنك ، وما أظنك إلا إبليس . فضحك وقال : إنما ~~أنا امرأة من نساء الجنة ، ولا تعص ربك وتزوج بي ؛ وجعل إبليس يتزين له حتى ~~كاد يفتنه ؛ فنادته الملائكة : يا نبي الله ، إنه عدوك إبليس . فقبض شيث ~~عيه وهم بقتله ؛ فقال : خل عني فإني من المنظرين ، ولكن أعطيك الميثاق أني ~~لا أتعرض إليك بعدها . فأطلقه ولم يعد إليه . وولد لشيث أنوش على طوله ~~وحسنه ؛ فجعله شيث مكانه والخليفة من بعده ، وسلم إليه التابوت ، وأوصاه ~~بقتال أولاد قابيل . ومات شيث وله سبعمائة سنة وعشرون سنة . وقيل : بل عاش ~~بد آدم مائتي سنة ، وعهد إلى ابنه أنوش فقام على أولاده بالطاعة ثلاثمائة ~~عام . وعهد من ms2371 بعده إلى ابنه قينان ، فعمر بعد أبيه مائتين وخمسين سنة . ~~وعهد إلى ابنه مهلائيل ، وكثر في زمانه بنو آدم ، وكان منزلهم الحرم فضاق ~~بهم ، فقسم الأرض بينهم خمسة أقسام ، وأرسل خمسة نفر من صلحاء قومه يقيمون ~~لهم شرائع آدم عليه السلام ويتولون الحكومة بينهم ، وهم ود وسواع ويغوث ~~ويعوق ونسر ، وهؤلاء الذين لما فقدوا بلغ من وجد قومهم عليهم أن جعلوا لهم ~~تماثيل يتسلون بها ؛ وترامى الأمر إلى أن عبدها القرن الذي تلاهم ، فكان ~~ذلك هو السبب لعبادة الأوثان . ثم قام بالأمر بعد مهلائيل ابنه أخنوخ ، وهو ~~إدريس . الباب الثالث من القسم الأول من الفن الخامس في أخبار إدريس عليه ~~السلام واسمه أخنوخ ، وإنما سمي إدريس لكثرة دراسته الكتب ؛ وهو أول من بعث ~~من بني آدم ؛ وهو أول من خط بالقلم بعد شيث ، وأول من كتب في الصحيفة ؛ ~~وكان PageV13P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" مشتغلا بالعبادة ومجالسة الصالحين حتى بلغ ~~فانفرد للعبادة ، فجعله الله تعالى نبينا ، وأنزل عيه ثلاثين صحيفة ، وورثه ~~صحف شيث وتابوت آدم . وكان يعيش من كسب يديه ؛ وكان خياطا ، وهو أول من خاط ~~الثياب ولبسها وكانوا قبل ذلك يلبسون الجلود ، حتى أتت عليه أربعون سنة ، ~~فبعثه الله تعالى إلى أولاد قابيل ، وكانوا جبابرة ، وقد اشتغلوا باللهو ~~والغناء والمزامير والطنابير وغير ذلك ، وعبدوا الأصنام ؛ وكان إدريس ~~يدعوهم ثلاثة أيام ، ويعبد الله أربعة . وحكى عن وهب أنه أول من اتخذ ~~السلاح ، وجاهد في سبيل الله ، ولبس الثياب ، وأظهر الأوزان والأكيال ، ~~وأنار علم النجوم . وكان إدريس شديد الحرص على دخول الجنة ، وكان قد رأى في ~~الكتب أنه لا يدخلها أحد دون الموت ، فبينما هو يسبح في عبادته إذ عرض له ~~ملك الموت في صورة رجل في نهاية الجمال ؛ فقال له إدريس : من أنت ؟ قال : ~~عبد من عبيد الله أعبده كعبادتك . وأصطحبا ، فكان إدريس يأكل من رزق الله ، ~~وهو لا يطعم شيئا ؛ فسأله عن ذلك ؛ فأخبره أنه ملك الموت ؛ فقال له : جئت ~~لقبض روحي ؟ قال : لا ، ولو أمرني الله بذلك ما أمهلتك ، ولكنه ms2372 أمرني أن ~~أصطحبك . فسأله إدريس أن يقبض روحه ؛ فقال له : وما تريد بذلك وللموت كرب ~~عظيم ؟ قال : لعل الله تعالى يحييني فأكون أكثر في عبادته . فأمره الله ~~بقبض روحه فقبضها ، وأحياه الله تعالى لوقته . ثم قال إدريس له بعد حين : ~~هل تستطيع أن تقفني على جهنم ؟ قال : ما حاجتك إلى ذلك ولها من الأهوال ما ~~لا تطيق أن تنظر إليه ، ومالي سبيل إلى ذلك ، ولكني أقفك على طريق مالك ~~خازنها ، والله أعلم بحاجتك . فاحتمله ووقفه على طريق مالك ، فلما رآه كشر ~~في وجهه ، فكادت روحه تخرج ، فأوحى الله عز وجل إلى مالك : وعزتي وجلالي لا ~~رأى عبدي إدريس بعد كشرتك سوءا ، إرجع إليه وقفه على شفير جهنم ليرى ما ~~فيها . فوقفه مالك على شفيرها ونظر إلى ما فيها من الأهوال ، فلولا أن ثبته ~~الله تعالى لصعق ؛ ثم أعاده إلى مكانه ، فاحمله ملك الموت إلى الأرض ، فعبد ~~الله عز وجل حينا ؛ ثم قال لملك الموت . هل لك أن تدخلني الجنة ~~PageV13P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" لأرى ما أعد الله تعالى لأهل طاعته من النعيم ~~؟ فقال : حاجتك إلى الله تعالى ، ولكني أحملك وأقف على طريق رضوان خازن ~~الجنان فسله حاجتك . ففعل ذلك ؛ فلما رآه رضوان قال : من هذا ؟ قال : إدريس ~~نبي الله يريد أن ينظر إلى نعيم الجنان . قال : ذلك إلى ربي . فأوحى الله ~~تعالى إلى رضوان : أني قد علمت ما يريد عبدي إدريس ، وقد أمرت غصنا من ~~أغصان شجرة طوبى أن يتدلى إليه فيلتف به ويدخله الجنة ، فإذا دخل فأقعده في ~~أعلى موضع ؛ فلما دخلها إدريس ورأى ما فيها منن النعيم قال له رضوان : أخرج ~~الآن . قال له إدريس : أيدخل الجنة من يخرج منها ؟ فحاجه في ذلك ، فأرسل ~~الله تعالى له ملك الموت ، فقال له إدريس : ما حاجتك ؟ إنك لن تسلط على قبض ~~روحي مرتين ، فاذهب . فرجع ملك الموت إلى ربه عز وجل وقال : إلهي قد علمت ~~ما قال إدريس . قال الله تعالى : إنه حاجك بكلامي ، فذره في جنتي . فذلك ~~قوله تعالى : " واذكر ms2373 في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا ~~عليا " . هذا ما أورد الكسائي رحمه الله في كتاب المبتدأ . ونقل الشيخ أبو ~~إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي رحمه الله في كتابه المترجم بيواقيت ~~البيان في قصص القرآن وفي تفسيره أيضا في سبب رفع إدريس عليه السلام ، قال ~~: وكان سبب رفعه على ما قال ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر الناس : أنه سار ~~ذات يوم فأصابه وهج الشمس ، فقال : يا رب إني مشيت يوما فتأذيت منها ، فكيف ~~من يحملها خمسمائة عام في يوم واحد ؟ اللهم خفف عنه من ثقلها ، واحمل عنه ~~حرها . فلما أصبح الملك وجد خفة الشمس وخفة حرها ما لا يعرف ؛ فقال : يا رب ~~، خلقتني لحمل الشمس ، فما الذي قضيت في ؟ فقال : أما إن عبدي إدريس سألني ~~أن أخفف عنك ثقلها وحرها ، فأجبته . قال : يا رب اجمع بيني وبينه ، واجعل ~~بيني وبينه خلة . فأذن الله تعالى له ، فأتى إدريس حتى إن إدريس ~~PageV13P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" ليسأله ، فكان مما سأله أن قال : أخبرت أنك ~~أكرم الملائكة عند ملك الموت وأمكنهم عنده ، فاشفع لي إليه أن يؤخر أجلي ~~فأزداد شكرا وعبادة . فقال الملك : لا يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها . قال ~~إدريس : قد علمت ذلك ، ولكنه أطيب لنفسي . قال : نعم أنا مكلمه لك ، فما ~~كان يستطيع أن يفعل لأحد من بني آدم فهو فاعله لك . ثم حمله ملك الشمس على ~~جناحه ، فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس ؛ ثم أتى ملك الموت ، فقال ~~: لي إليك حاجة . قال : أفعل كل شيء أستطيعه . فقال له : صديق لي من بني ~~آدم يتشفع بي إليك أن تؤخر أجله . فقال : ليس ذلك إلي ، ولكن إن أحببت ~~أعلمه أجله من يموت فيتقدم في نفسه . قال : نعم . فنظر في ديوانه ، فأخبره ~~باسمه ، فقال : إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا . ثم قال : إني ~~لأجده يموت عند مطلع الشمس قال : فإني أتيتك وتركته هناك . قال : فانطلق ~~فإنه قد مات ، فوالله ما بقي من أجل إدريس شيء ms2374 . فرجع الملك فوجده ميتا . ~~قال : وقال وهب : كان يرفع له في كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لأهل الأرض ~~في زمانه . فعجبت منه الملائكة ، فاشتاق إليه ملك الموت ، فاستأذن الله ~~تعالى في زيارته ، فأذن له ، فأتاه في صورة غلام ؛ وكان إدريس يصوم الدهر ~~كله فلما كان في وقت إفطاره دعاه إلى الطعام ، فأبى أن يأكل معه ، وفعل ذلك ~~ثلاث ليال ، فقال له إدريس في الليلة الثالثة : إني أريد أن أعلم منن أنت . ~~قال : أنا ملك الموت ، استأذنت ربي أن أزورك وأن أصاحبك ، فأذن لي في ذلك . ~~فقال إدريس : فلي إليك حاجة . قال : وما هي ؟ قال : اقبض روحي ؛ فأوحى الله ~~تعالى فأوحى الله تعالى إليه : " اقبض روحه " . ففعل ، ثم ردها الله تعالى ~~إيه بعد ساعة ، فقال له ملك الموت : فما الفائدة في سؤالك قبض الروح ؟ قال ~~: لأذوق كرب الموت وغمه فأكون له أشد استعدادا . ثم قال : لي إليك حاجة ~~أخرى ، قال : وما هي ؟ قال : ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنة ~~والنار . فأذن الله تعالى له في ذلك ، فلما قرب من النار قال : لي إليك ~~حاجة . قال له : وما تريد ؟ قال : تسال مالكا حتى يفتح لي أبوابها فأردها . ~~ففعل ؛ ثم قال له إدريس : فكما أريتني النار فأرني الحنة . فذهب إلى الجنة ~~فاستفتح ، ففتحت له أبوابها ، فأدخله الجنة ؛ فقال له ملك الموت : اخرج ~~منها لتعود إلى مفرك . فتعلق بشجرة وقال : لا أخرج منها . فبعث الله تعالى ~~ملكا حكما بينهما ؛ فقال له الملك : PageV13P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" مالك لا تخرج ؟ قال : لأن الله تعالى قال : " ~~كل نفس ذائقة الموت " وقد ذقته . وقال : " وإن منكم إلا واردها " وقد ~~وردتها . وقال تعالى : " وما هم منها بمخرجين " فلست أخرج . قال الله تعالى ~~لملك الموت : دعه فإنه بإذني دخل الجنة ، وبأمري يخرج . فهو هناك ، فتارة ~~يعيد الله في السماء الرابعة ، وتارة يتنعم في الجنة . الباب الرابع من ~~القسم الأول من الفن الخامس في قصة نوح - عليه السلام - وخبر الطوفان قال ~~الكسائي رحمه الله تعالى : قال وهب بن ms2375 منبه : لما رفع الله تعالى إدريس ~~عليه السلام ترك إدريس في الأرض ولده متوشلح ، فتزج بامرأة يقال لها : ~~ميشاخا ؛ فولدت له ولدا سماه لمك ، وكان يرجع إلى قوة وبطش وكان يضرب بيده ~~الشجرة العظيمة فيقتلعها من أصلها ، وكان على وجهه نور نبينا محمد ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فخرج في يوم إلى البرية فرأى امرأة في نهاية الجمال ~~وبين يديها غنم ترعاها ، فأعجبته ، فسألها عن نفسها ، فقالت : أنا قينوش ~~بنة براكيل بن محويل من أولاد قابيل بن آدم . فقال : ألك زوج ؟ قالت : لا . ~~قال : فما سنك ؟ قالت : مائة وثمانون . قال : لو كنت بالغة لتزوجتك - وكان ~~البلوغ يومئذ لاستيفاء مائتي سنة - فقالت : كان عندي أنك تريد أن تفضحني ، ~~فأما إذا أردت الزواج فقد أتى علي مائتا سنة وعشر سنين . فخطبها من أبيها ، ~~وأرغبه بالمال ؛ فزوجه بها فحملت منه بنوح عليه السلام فلما كان وقت ~~الولادة ولدته في غار خوفا على نفسها وولدها من الملك لكونها تزوجت بمن ليس ~~منهم ؛ فلما وضعته هناك وأرادت الانصراف قالت : وا نوحاه . وانصرفت ، فبقي ~~في الغار أربعين يوما ؛ ثم توفي أبوه لمك ؛ فاحتملته الملائكة ووضعته بين ~~يدي أمه مزينا مكحولا ، ففرحت به وربته حتى بلغ . وكان ذا عقل وعلم ولسان ~~وصوت حسن ، واسع الجبهة ، أسيل الخد ، وكان يرعى الغنم لقومه مدة ، وربما ~~عالج التجارة ؛ ثم كره مجاورة قومه لعبادتهم الأصنام . PageV13P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" وكان لهم ملك يقال له درمشيل ؛ وكان جبارا ~~عاتيا قويا ، وهو أول من شرب الخمر واتخذ القمار وقعد على الأسرة واتخذ ~~الثياب المنسوجة بالذهب وأمر بصنعة الحديد والنحاس والرصاص ؛ وكان هو وقومه ~~يعبدون الأصنام الخمسة : ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا ؛ ثم اتخذ ألف صنم ~~وسبعمائة صنم على صور شتى ، واتخذ لها كراسي من الذهب والفضة ، وأقام لها ~~الخدم يخدمونها ؛ فاعتزلهم نوح إلى البراري ولم يخالطهم حتى بعثه الله ~~تعالى نبيا ؛ والله أعلم بالصواب . ذكر مبعث نوح عليه السلام قال : فأمر ~~الله تعالى جبريل عليه السلام أن يهبط إلى نوح ويبشره بالنبوة والرسالة ؛ ~~فهبط جبريل ms2376 عليه ، وجاءه بوحي الله أن يسير إلى درمشيل الملك وقومه ويدعوهم ~~إلى عبادة الله تعالى ؛ فأقبل نوح إلى قومه من يومه وكان يومن عيدهم وقد ~~نصبوا أصنامهم على أسرتها وكراسيها ، وهم يقربون القرابين لها ، وكانوا إذا ~~فعلوا ذلك يخرون لها سجدا ويشربون الخمر ، ويضربون بالصنج ، ويأتون النساء ~~كالبهائم من غير تستر فجاءهم وهم يزيدون على تسعين زمرة ، كل زمرة لا يحصون ~~كثرة ، فاخترق الصفوف حتى صار في وسط القوم ، وسأل الله تعالى أن ينصره ~~عليهم ؛ فلما أرادوا السجود للأصنام نادى : أيها القوم ، إني قد جئتكم ~~بالنصيحة من عند ربكم أدعوكم إلى عبادته وطاعته ، وأنهاكم عن عبادة هذه ~~الأصنام " فاتقوا الله وأطيعون " . فخرقت دعوته الأسماع ، وهوت الأصنام عن ~~كراسيها ، وسقط الملك عن سريره مغشيا عليه ، فلما أفاق قال : يا أولاد ~~قابيل ، ما هذا الصوت الذي لم أسمع مثله ؟ قالوا : أيها الملك ، هذا صوت ~~رجل منا اسمه نوح بن لمك كان يجانبنا قبل ذلك بجنونه ، والآن قد اشتد عليه ~~فقال ما قال . فغضب الملك واستدعاه ، فأتوه به بعد أن ضربوه الضرب الشديد ؛ ~~فقال له : من أنت ، فقد ذكرت آلهتنا بسوء ؟ قال : أنا نوح بن لمك رسول رب ~~العالمين ، جئتكم بالنصيحة من عند ربكم لتؤمنوا به وبرسوله ، وتهجروا هذه ~~الأصنام والقبائح . فقال درمشيل ؛ إنك قد جئتنا بما لا نعرفه ، ولا نعتقد ~~أنك عاقل ، فإن كان بك جنة فنداويك أو فقر PageV13P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" فنواسيك . قال : يا قوم ، ما بي جنون ولا حاجة ~~إلى ما في أيديكم ، ولكني أريد أن تقولوا : لا إله إلا الله وإني نوح رسول ~~الله . فغضب درمشيل وقال : لولا أنه يوم عيد لقتلناك . فأول من آمن به ~~امرأة من قومه يقال لها : عمرة فتزوجها فأولدها ساما وحاما ويافث وثلاث ~~بنات ؛ ثم آمنت به امرأة أخرى من قومه يقال لها : والعة فتزوجها فأولدها ~~كنعان ؛ ثم نافقت وعادت إلى دينها . وكان نوح يخرج في كل يوم في أندية ~~لقومه يدعوهم إلى عبادة الله تعالى فيضربونه حتى يغشى عليه ، ويجرون برجله ~~فيلقونه على ms2377 المزابل ، فإذا أفاق عاد إليهم بمثل ذلك ، ويعاملونه بمثله ؛ ~~حتى أتى عليه ثلاثمائة سنة وهو على هذه الحال ؛ ثم مات ملكهم درمشيل ، وملك ~~بعده ابنه بولين ، وكان أعتى وأطغى من أبيه وكان نوح يدعوهم في القرن ~~الرابع على عادته ، فيضربونه ويشتمونه ، وربما سفوا عليه التراب ويقولون : ~~إليك عنا يا ساحر يا كذاب . ويضعون أصابعهم في آذانهم ؛ فينصرف عنهم ويعد ~~إليهم ، وإذا خلا بالرجل منهم دعاه ، وهم لا يزدادون إلا عتوا وتمردا ~~واستكبارا ، وذلك قوله تعالى : " قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم ~~يزدهم دعائي إلا فرارا وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم ~~واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا " الآيات . ثم دعاهم حتى استكمل ~~ستة قرون ؛ فلما دخل القرن السابع مات ملكهم بولين واستخلف عليهم ابنه ~~طفردوس - وكان على عتو أبيه - وكان نوح يأتي أصنامهم بالليل وينادي بأعلى ~~صوته : يا قوم ، قولوا " لا إله إلا الله وإني نوح رسول الله " . فتنكس ~~الأصنام ؛ وكانوا يضربون نوحا ضربا شديدا ، ويدوسون بطنه حتى يخرج الدم من ~~أنفه وأذنيه . وكان الرجل منهم عند وفاته يوصي أولاده ويأخذ عليهم العهد ~~ألا يؤمنوا به ، ويأتي الرجل بابنه إلى نوح ويقل : يا بني انظر إلى هذا فإن ~~أبي حملني إليه وحذرني منه ، فاحذره أن يزيلك عما أنت عليه فإنه ساحر كذاب ~~. وهو بعد ذلك يدعوهم ؛ فضجت الأرض إلى ربها وقالت : ما حلمك على هؤلاء ؟ ~~وضح كل شيء إلى ربه من عتوهم ، ونوح يدعوهم ويذكرهم بآيات الله ؛ فلما كان ~~في بعض PageV13P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" الأيام إذا هو برجل من كبار قومه قد أقبل ~~بولده يحذره منه ؛ فضرب الغلام بيده إلى كف تراب وضرب به وجه نوح ، فعند ~~ذلك قال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا . فأمنت الملائكة على دعوته ، فمنع الله ~~عنهم القطر والنبات ؛ فعلم نوح أن الله مهلك قومه ؛ فأحب أن يؤمن بعضهم إن ~~لم يؤمنوا كلهم ؛ فأوحى الله تعالى إليه : " أنه ms2378 لن يؤمن من قومك إلا من قد ~~آمن فلا تتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا إنهم مغرقون " . ذكر عمل السفينة قال : وأوحى الله تعالى إليه ~~أن يتخذها في ديار قومه ، وأن يجعلها ألف ذراع طولا وخمسمائة عرضا ~~وثلاثمائة ارتفاعا ، فأعد آلات النجارة ، وشرع في عملها وأعانه أولاده ومن ~~آمن من قومه ، والناس يسخرون منه ويقولون : بعد النبوة صرت نجارا ، ونحن ~~نشكو القحط ، وأنت تبني للغرق . قال الله تعالى : " ويصنع الفلك وكلما مر ~~عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ~~فسوف تعلمون " ؛ وكانوا يأتون السفينة بالليل فيشعلون فيها النار ولا تحترق ~~، فيقولون : هذا من سحرك يا نوح . وجعل نوح رأس السفينة كرأس الطاوس ، ~~وعنقها كعنق النسر ، وجؤجؤها كجؤجؤ الحمامة ، وكوثلها كذنب الديك ، ~~ومنقارها كمنقار البازي ، وأجنحتها كأجنحة العقاب ؛ ثم غشاها بالزفت ، ~~وجعلها سبع طبقات لكل طبقة باب ؛ فلما فرغ من بنائها نطقت بإذن الله وقالت ~~: لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين ، أنا السفينة ، من ركبني نجا ، ~~ومن تخلف عني غرق ، ولا يدخلني إلا أهل الإخلاص . فقال نوح لقومه : أتؤمنون ~~؟ قالوا : هذا قليل من سحرك . ثم استأذن ربه في الحج ، فأذن له ؛ فلما خرج ~~هم القوم بإحراقها ، فأمر الله الملائكة فاحتملوها إلى الهواء ، فكانت ~~معلقة حتى عاد من حجه . ولما قضى مناسكه رأى تابوت آدم عن يمين الكعبة ، ~~فسأل ربه في ذلك التابوت فأمر الملائكة فحملوه إلى دار نوح - وكانت يومئذ ~~في مسجد الكوفة - فلما رجع من حجة نزلت السفينة من الهواء ، ثم أوحى الله ~~إليه : أن قد دنا هلاك PageV13P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" قومك " فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها ~~من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم " . ثم أمره الله ~~تعالى أن ينادي في الوحش والسباع والطير والهوام والأنعام ؛ فوقف على سطح ~~منزله ، ونادى : " هلموا إلى السفينة المنجية " . فمرت دعوته إلى الشرق ~~والغرب والبعد والقرب ، فأقبلت إليه أفواجا . فقال : إنما أمرت ms2379 أن أحمل من ~~كل زوجين اثنين ، فأقرع بينهم ، فأصابت القرعة من أذن الله في حمله ، وكان ~~معه من بني آدم ثمانون إنسانا بني رجل وامرأة ؛ فلما كان في مستهل شهر رجب ~~نودي من التنور وقت الظهر : قم يا نوح فاحمل في سفينتك من كل زوجي اثنين من ~~الذكر زوجا ومن الأنثى زوجا ، فحملها . وكان معه جسد آدم وحواء ؛ وتباطأ ~~عليهم الحمار في صعوده ، لأن إبليس تعلق بذنبه ؛ فقال نوح بالنبطية : على ~~سيطان ، يعني ادخل يا شيطان ؛ فدخل ومعه إبليس فرآه نوح فقال : يا ملعون ، ~~من أدخلك ؟ قال : أنت حيث قلت : على سيطان : فعاهده ألا يغوي أهل السفينة ~~ما داموا فيها ؛ ثم أوحى الله إلى جبريل أن يأمر خزنة الماء أن يرسلوه بغير ~~كيل ولا مقدار وأن تضرب المياه بجناح الغضب . ففعل ذلك ، ونبعت العيون ، ~~وهطلت السماء " فالتقى الماء على أمر قد قدر " وكان ماء السماء أخضر ، وماء ~~الأرض أصفر ؛ وأمر الله الملائكة أن يحملوا البيت إلى سماء الدنيا ؛ وكان ~~الحجر يومئذ أشد بياضا من الثلج ، فيقال إنه أسود من خوف الطوفان ، وقال ~~نوح عند ركوبه السفينة ما أخبرنا الله عنه في كتابه العزيز : " وقال اركبوا ~~فيها باسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم وهي تجري بهم في موج ~~كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ~~قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من ~~رحم وحال بنيهما الموج فكان من المعرقين " . قال : كان ابنه هذا كنعان . ~~قال : وكانوا لا يعرفون الليل من النهار إلا بخرزة كانت مركبة في صدر ~~السفينة بيضاء ، فإذا نقص ضوءها علموا أنه النهار ، وإذا ازداد علموا أنه ~~الليل ؛ وكان الديك يصيح عند أوقات الصلاة ؛ وعلا الماء على الجبال أربعين ~~ذراعا ؛ وسارت PageV13P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" السفينة حتى بلغت موضع الكعبة ، فطافت سبعا ، ~~ونطقت بالتلبية ؛ وكانت لا تقف في موقف إلا وتناديه : يا نوح هذه بقعة كذا ~~، وهذا جبل كذا ؛ حتى طافت ms2380 به الشرق والغرب ورجعت إلى ديار قومه ، فقالت : ~~يا نبي الله ، ألا تسمع صلصلة السلاسل في أعناق قومك ؟ قال الله تعالى : " ~~مما خطيئاتهم أغرقوا فادخلوا نارا " ؛ ولم تزل السفينة كذلك ستة أشهر آخرها ~~ذو الحجة . وقيل : كان ركوب نوح ومن معه السفينة لعشر خلون من شهر رجب وذلك ~~لتتمة ألفي سنة ومائتي سنة وخمسين سنة من لدن أهبط الله تعالى آدم عليه ~~السلام وخرجوا منها في العاشر من المحرم بعد مضي ستة أشهر ؛ ثم استقرت على ~~جبل الجودي ، قال الله تعالى : " وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ~~وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ، ونادى ~~نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ، قال ~~يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح " . قال : ثم فتح نوح باب السفينة ~~، فنظر إلى الأرض بيضاء من عظام قومه ؛ وبعث الغراب لينظر ما بقي على وجه ~~الأرض من الماء ، فأبطأ ، فبعث الحمامة فانطلقت شرقا وغربا وعادت مسرعة ، ~~فقالت : يا نبي الله ، هلكت الأرض ومن عيها ، وأما الماء فإني لا أراه إلا ~~ببلاد الهند ، ولم تبق على وجه الأرض شجرة إلا الزيتون ، فإنها على حالها . ~~فأوحى الله تعالى إلى نوح : " اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ~~" فخرج من السفينة وأخرج من فيها ، وأعاد الله الليل والنهار والشمس والقمر ~~والنجوم والأشجار والنبات كما كانت ، وتفرق الوحش والسباع والطيور وغيرها ~~في الأرض ، وأمر نوح فبنيت قرية في أسفل جبل الجودي وسميت قرية ثمانين على ~~عددهم . قيل : هي الجزيرة ، وهي أول قرية بنيت على وجه الأرض بعد الطوفان ~~ثم قسم نوح الأرض بين أولاده الثلاثة : سام وحام ويافث ، فأعطى سام الحجاز ~~واليمن والشام ، فهو أبو العرب ، وأعطى حام بلاد المغرب فهو أبو السودان ~~وأعطى يافث بلاد المشرق ، فهو أبو الترك . PageV13P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" ثم أوحى الله عز وجل إلى نوح أن يرد التابوت ~~إلى المكان الذي أخذ منه ، فرده . ذكر خبر ms2381 دعوة نوح على ابنه حام ودعوته ~~لابنه سام قال : ولما استقر الأمر قال نوح لبنيه : إني أحب أن أنام ، فإنني ~~لم أتهنأ بالنوم منذ ركبت الفلك . فوضع رأسه في حجر ابنه حام ، فهبت الريح ~~فكشفت عن سوءتهن فضحك حام ، وغطاه سام ؛ فانتبه فقال : ما هذا الضحك ؟ ~~فأخبره سام ، فغضب وقال لحام : أتضحك من سوءة أبيك ؟ غير الله خلقتك ، وسود ~~وجهك . فاسود وجهه لوقته . وقال لسام : سترت عورة أبيك ، ستر الله عيك في ~~هذه الدنيا ، وغفر لك في الآخرة . وجعل من نسلك الأنبياء والأشراف ، وجعل ~~من نسل حام الإماء والعبيد ، وجعل من نسل يافث الجبابرة والأكاسرة والملوك ~~العاتية . ذكر وصية نوح ووفاته قال كعب : بعث الله عز وجل نوحا إلى قومه ~~وله مائتان وخمسون سنة ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، وعاش بعد ~~الطوفان مائتي سنة ؛ فلما حضرته الوفاة دعا ابنه سام وقال له : أوصيك يا ~~بني باثنين ، وأنهاك عن اثنين : أوصيك " بشهادة أن لا إله إلا الله " فإنها ~~تخرق السموات السبع ، لا يحجبها شيء ، والثانية أن تكثر من قولك : " سبحان ~~الله وبحمده " ، فإنها جامعة الثواب ، وأنهاك عن الشرك بالله ، والاتكال ~~على غير الله . فلما فرغ من ذلك أتاه ملك الموت ، فسلم عليه فقال : من أنت ~~؟ فقد ارتاع قلبي من سلامك . قال : أنا ملك الموت ، جئت لقبض روحك . فتغير ~~وجهه وجزع ، فقال له : ما هذا الجزع ، ألم تشبع من الدنيا وطول عمرك ؟ قال ~~: ما شبهت ما مضى من عمري في الدنيا إلا بدار لها بابان دخلت من أحدهما ~~وخرحت من الآخر . فناوله ملك الموت كأسا فيها شراب وقال : اشرب هذا حتى ~~يسكن روعك . فلما شربه خر ميتا عليه السلام والله الموفق . ذكر خبر أولاد ~~نوح - عليه السلام - من بعده فأما حام فإنه واقع زوجته فولدت غلاما وجارية ~~سودا ، فأنكرهما حام ؛ فقالت امرأته : " لحقتك دعوة أبيك " . فلم يقربها ~~حينا ؛ ثم واقعها فولدت مثلهما فتركها PageV13P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" حام وهرب على وجهه فلما كبر الولدان الأولان ~~خرجا في طلب أبيهما حتى بلغا ms2382 قرية على شاطئ البحر ، فنزلاها ، وواقع الغلام ~~أخته فحملت منه وولدت غلاما وجارية ؛ وأقاما في ذلك الموضع لا مأكل لهما ~~إلا السمك ؛ فرجع حام في طلب ولديه فلم يجدهما ، فاغتم لذلك ؛ ثم ماتت ~~امرأته ، فخرج الولدان الآخران في طلب أخويهما حتى صارا إلى قرية أخرى على ~~الساحل خربة ، فنزلاها فسمع بهما الأخوان اللذان في البطن الأول ، فلحقا ~~بهما ؛ ونزلوا هناك ، ووطئ كل منهما أخته ؛ فرزقوا أولادا ، وكثر منهم ~~النسل ، وانتشروا في أعلى الأرض على ساحل البحر ، فمنهم النوبة والزنج ~~والبربر والهند والسند وجميع طوائف السودان . وأما يافث بن نوح ، فإنه صار ~~إلى المشرق ، فولد له هناك خمسة أولاد : جومر وتيرس وأشار وسفويل ومياشخ ؛ ~~فمن جومر جميع الصقالبة والروم وأجناسهم ؛ ومن تيرس جميع الترك والخزر ~~وأجناسهم ، ومن مياشخ جميع أصناف العجم ؛ ومن أشار يأجوج ومأجوج ؛ ومن ~~سفويل جميع الأرمن . وأما سام بن نوح فولد خمسة أولاد : أرفخشذ ، وهو أب ~~العرب ، ولاوذ وهو أبو العمالقة ، وأشور ، وهو أبو النسناس ؛ وعيلم ، وهو ~~أبو العادية الأولى ، وإرم ، وهو أبو عاد وثمود ، ورزق غيرهم ممن لم يعقب . ~~الباب الخامس من القسم الأول من الفن الخامس في قصة هود - عليه السلام - مع ~~عاد وهلاكهم بالريح العقيم قال وهب : كان ملك عاد الأكبر اسمه الخلجان بن ~~عاد بن العوص بن إرم ابن سام ؛ وكان قومه يرجعون إلى فصاحة وشعر ، وكان له ~~ثلاثة أصنام : صدا وهبا ، وصمو ؛ وكان ملكهم قد حلى هذه الأصنام بأنواع ~~الحلي ، وطيبها ، وجعل لها عدة من الخدم بعدد أيام السنة ؛ فعتوا في ~~المعاصي ، وانهمكوا على عبادة الأصنام ؛ PageV13P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" وكان فيهم رجل من أشرافهم اسمه الخلود بن معيد ~~بن عاد ، وكان له بسطة في الخلق وقوة في الجسم ، مع الحسن والفصاحة ؛ وكان ~~إذا قيل له : لم لا تتزوج وقد بلغت سن أبيك ؟ يقول : رأيت في المنام كأن ~~سلسلة بيضاء قد خرجت من ظهري ، ولها نور كالشمس ، وقيل لي : إذا رأيت هذه ~~السلسلة قد خرجت من ظهرك ثانية فتزوج بالتي تؤمر بتزوجها ؛ ولم أراها ms2383 بعد ، ~~وقد عزمت على التزوج . وقام ليعبر بيت الأصنام يدعو بالتوفيق في التزوج ، ~~فلما هم بالدخول لم يقدر ، وسمع هاتفا يقول : يا خلود ، ما لمن في ظهرك ~~والأصنام ؟ فلم يعد إليها . ثم رأى بعد ذلك في منامه السلسلة وقد خرجت من ~~ظهره وقائلا يقول : " قم يا خلود فتزوج بابنة عمك " فانتبه وخطبها وتزوجه ، ~~وواقعها فحملت بهود ؛ وأصبح القوم وهم يسمعون من جميع النواحي : هذا هود قد ~~حملت به أمه ، ويلكم ، إن لم تطيعوه هلكتم . ووضعته أمه في ليلة الجمعة ، ~~فوقعت الرعدة على قبائل عاد ، ولم يعلموا ما حالهم ، فعلموا أن قد ولد ~~لخلود ولد ، فقال بعضهم لبعض : ليكونن لهذا الولد شأن فاحذروه . فخرج أحسن ~~الناس وجها ، وأكملهم عقلا ، وسمته أمه عابر ، فرأته أمه ذات يوم يصلي ، ~~فقالت : لمن هذه العبادة يا بني ؟ قال : لله الذي خلقني وخلق الخلق . قالت ~~: أليس هي لأصنامنا ؟ قال : إن أصنامكم لا تضر ولا تنفع وإنما الشيطان قد ~~زين لكم عبادتها . قالت : اعبد إلهك يا بني ، فقد رأيت منك حين كنت حملا ~~وطفلا عجائب كثيرة . ذكر مبعث هود - عليه السلام - قال : ولم يزل هود في ~~ديار قومه يجادلهم في أصنامهم ، حتى أتت عليه أربعون سنة ، فبعثه الله عز ~~وجل إلى قومه رسولا ، وأتاه الوحي ، فانطلق إليهم وهم متفرقون في الأحقاف ، ~~وهي الرمال والتلال وكانت مساكنهم ما بين عمان إلى حضرموت إلى الأحقاف إلى ~~عالجة فأتاهم في يوم عيد PageV13P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" لهم وقد اجتمع الملوك على الأسرة والكراسي ، ~~وملكهم الخلجان على سرير من ذهب وهو منسوج وقد أحدقت به قبائل عاد ، وهم في ~~اللهو والطرب ؛ فلم يشعروا إلا وهود " قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره إن أنتم إلا مفترون " وهذه الأصنام التي تعبدونها هي التي أغرقت ~~قوم نوح ، ولستم أكرم على ربكم منهم ، فاستغفروا ربكم من عبادة هذه الأصنام ~~. والأصنام تربح ؛ فقال له ملكهم : ويحك يا هود ، أقبل إلي . فتقدم إليه ، ~~فلما صار بين يدي الملك صاح صيحة أجابه الوحش والسباع : أبلغ ms2384 ولا تخف . ~~فامتلأت قلوب الناس خوفا ، فقام إليه رجل منهم وقال : يا هود ، صف لنا إلهك ~~. فوصف عظمة الله ، وأنه " ليس كمثله شيء " - وكان الذي سأله عمرو بن الحلى ~~- فلما فرغ من كلامه قال له الملك : يا هود ، أتظن أن إلهك يقدر علينا وهذه ~~كثرة جموعنا وشدة قوتنا ؟ قال الله تعالى : " أولم يروا أن الله الذي خلقهم ~~هو أشد منهم قوة " . فأول من آمن بهود رجل من قومه يقال له جنادة بن الأصم ~~وأربعون من بني عمه ؛ ث انصرف إلى منزله . فلما كان من الغد أقبل جنادة ~~وبنو عمه حتى وقفوا على جماعة من سادات قومه ، فقال : يا قوم لا تمنعكم ~~مرارة الحق أن تقبلوه ، ولا حلاوة الباطل أن تتركوه ؛ وهذا ابن عمكم هود قد ~~عرفتم صدقه ، وقد أتاكم من عند الله ورسولا وواعظا فاتقوا الله وأطيعوه . ~~وحذرهم ، فحصبوه وشتموه ، فرجع إلى هود . فلما كان من الغد خرج هود فوقف ~~عليهم وقال : يا قوم لا تبدلوا نعمة الله كفرا . وأخذ يعظهم ؛ فكذبوه ~~وواجهوه بالقبائح ؛ فبقي على ذلك دهرا طويلا يلاطفهم وهم على كفرهم وعتوهم ~~، فأعقم الله أرحام نسائهم ، فلم تحمل امرأة منهم ؛ فشكوا ذلك إلى الملك ، ~~فأمرهم أن يخرجوا أصنامهم ويقربوا القرابين إليها ، ففعلوا ذلك ؛ فأتاهم ~~هود وقال : يا قوم ألا تفزعون إلى الله الذي خلقكم وأعطاكم هذه النعمة ~~والقوة ، فإنه يجيبكم إذا سألتموه ، ويزيدكم ملكا إلى ملككم وقوة إلى قوتكم ~~. وهو أن تقولوا معي : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإني هود عبده ~~ورسوله " وإن لم تفعلوا ذلك ضربكم اله بالذل والنقمة ، وهبت عليكم الريح ~~العقيم حتى تذركم في PageV13P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" دياركم هشيما . فلما سمعوا ذلك منه ضربوه حتى ~~سال الدم على وجهه وهو يقول : " إلهي قد أبلغت وأنذرت " . وأقبل إلى هود ~~بعد انصرافه رجل من قومه يعرف بمرثد بن عاد ، وقال : يا هود ، إني قد جئتك ~~في أمر ، فإن أخبرتني به فأنت رسول الله . قال له هود : يا مرثد ، كنت ~~البارحة نائما مع زوجتك فواقعتها ms2385 ، فقالت لك : أتظن أني قد حملت ؟ فقلت لها ~~: إني صائر غدا إلى هود ، فإن أخبرني بهذا الكلام آمنت به . فقال مرثد : ~~أشهد أنك رسول الله حقا ؛ ولكن أخبرني هل حملت ؟ قال : نعم حملت بولدين ~~ذكرين يكونان من أمتي ، سيخرجان من بطنها سليمين مؤمنين ، وستلد لك عشرة ~~أبطن في كل بطن ذكران ، ويكونان من أمتي . فوثب مرثد وقبل راس هود وكان من ~~خيار أصحابه ، وجعل مرثد يقول : من كان يصدق يوما في مقالته . . . فإن هودا ~~رسول صادق القيل نبي صدق أتى بالحق من حكم . . . وقد أتانا ببرهان وتنزيل ~~فالحمد لله حمدا دائما أبدا . . . مضاعفا شكره في كل تفصيل ثم انصرف مرثد ~~إلى امرأته وأخبرها ، فآمنت ؛ وكان مرثد يكتم إيمانه ويجالس قومه ، فإذا ~~سمعهم يذكرون هودا بسوء يقول : مهلا يا بني عم فإنه كأحدكم وابن عمكم . قال ~~: ثم اجتمعوا في متنزه لهم وملكهم ونصبوا أصنامهم ، فأقبل هود عليهم وقال : ~~يا قوم اعبدوا الله فإن هذه الأصنام لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع . ~~فقال الرؤساء من قومه : " إنا لنراك في سفاهة وإنا لظنك من الكاذبين قال يا ~~قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ~~ناصح أمين أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذا ~~جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة " . فنادوه من كل ناحية : ~~يا هود " أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا ~~إن كنت من الصادقين ، قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب " . PageV13P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" وكان القوم يشتمونه ويضربونه ويدوسونه تحت ~~أرجلهم حتى يظنوا أنه قد مات ، ثم يولون عنه ضاحكين ؛ فيقوم غير مكترث ~~بفعلهم ، فلما أكثر عليهم " قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي ~~آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال ~~إني أشهد الله وأشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا ~~تنظرون ms2386 إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ~~ربي على صراط مستقيم فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي ~~قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ " فآمن به من ذلك اليوم ~~رجل يقال له نهيل . قال : ولم يزل هود فيهم يحذرهم وينذرهم العذاب سبعين ~~عاما ؛ فلما رأى أنهم لا يؤمنون دعا الله تعالى أن يبتليهم بالقحط ، فإن ~~آمنوا وإلا يهلكهم بعذاب لم يهلك به أحد قبلهم ولا بعدهم ؛ فاستجاب الله ~~تعالى دعوته ، وأمره باعتزالهم بمن معه من المؤمنين ، فاعتزلهم فأمسك الله ~~عنهم المطر ، وأجدبت الأرض ولم تنبت ومات عامة المواشي ؛ فصبروا على ذلك ~~أربع سنين حتى يئسوا من أنفسهم ، وهموا أن يؤمنوا ؛ فنهاهم الملك عن ذلك ~~وصبرهم ؛ فأجمعوا رأيهم أن يبعثوا رجالا منهم إلى الحرم يستسقون لهم ؛ ~~والله الفعال . ذكر وفد عاد إلى الحرم يستسقون لهم قال وهب : فجمعوا ~~الهدايا ، واختاروا سبعين رجلا من أشرافهم ، وجعلوا لكل عشرة منهم رئيسا ، ~~من جملتهم مرثد المؤمن ؛ فسار وهو يدعو عليهم ؛ فلما أشرفوا على الحرم إذا ~~بهاتف يقول : قبح الله قوم عاد وذلوا . . . إن عادا أشر أهل الجحيم سيروا ~~الوفد كي يسقوا غياثا . . . فسيسقون من شراب الحميم فدخلوا الحرم والملك ~~يومئذ معاوية بن بكر ، وكانوا أخواله ، فسألهم عما جاء بهم فأخبروه بخبر ~~هود وبما حل بعاد ، وأنهم قد لجأوا إلى الحرم للاستسقاء ؛ فأنزلهم معاوية ~~في منزل الضيافة ، وأطعمهم وسقاهم شهرا ؛ فشغلهم اللهو عن PageV13P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" الاستسقاء ؛ فبلغ الملك الخلجان ذلك ، فبعث ~~إلى معاوية يسأله أن يأمرهم بالاستسقاء ، فكره مواجهتهم بذلك فيقولون : " ~~قد تبرم بضيافتنا " فدعا بالجرادتين - وهما قينتان لمعاوية - فقال لهما : ~~إذا شرب القوم ودب فيهم الشراب فغنياهم بهذه الأبيات ، وهي : بأبي من خلق ~~الخل . . . ق بني سام وحام سادة سادوا جميع ال . . . خلق في الخلق التمام ~~نصب الدهر عليهم . . . حربه دون الأنام فسقى الله بني عا . . . د من الصوب ~~الغمام فأجابهما رجل من الوفد يقال له الجعد بن ms2387 القيل : عللينا زانك الل . ~~. . ه بأكواب المدام وبماء فامزجيها . . . تستريحي من ملام فلما لم يكترثوا ~~بالصوت الأول قالت : أفلا يا قيل ويحك قم فهينم . . . لعل الله يمنحكم غمام ~~غماما صوبها هطل مغيث . . . يروى السهل طرا والإكاما من العطش الشديد فليس ~~نرجو . . . بها الشيخ الكبير ولا الغلام وقد كانت نساؤهم بخير . . . فقد ~~أمست نساؤهم عياما وأن الوحش تأتيهم جهارا . . . ولا تخشى لعادى سهاما ~~وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم . . . نهاركم وليلكم التماما فقبح وفدكم من وفد ~~قوم . . . ولا لقوا التحية والسلاما أفيقوا أيها الوفد السكارى . . . ~~لقومكم فقد أضحوا هياما فقد طال المقام على سرور . . . ألا يا قيل ويك ذر ~~المداما PageV13P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" قال : فانتبه الناس وقاموا فاغتسلوا ولبسوا ~~ثيابا جددا ، وكسوا البيت بالكسوة التي حملوها له ؛ فجعل ينفضها ؛ فقال ~~مرثد : يا قوم ، إن رب هذا البيت لا يقبل الهدية إلا من مؤمن ، فهل لكم أن ~~تؤمنوا بهود ؟ فقالوا : يا مرثد : إن كلامك يدل على إيمانك به ، ونحن لا ~~نؤمن به أبدا . فأنشأ يقول : أرى عادا تمادى في ضلال . . . وقد عدلوا عن ~~الأمر الرشيد بما كفرت بربهم جهارا . . . وحادوا رغبة عن دين هود فاجتمعوا ~~يستسقون ، فقال واحد منهم : يا رب عاد اسقين عادا . . . إنك حقا ترحم ~~العبادا فاسق البساتين وذي البلادا . . . أجواد غيث تتبع العهادا وجعل كل ~~واحد منهم يتكلم بما حضره من ذلك . ثم تكلم مرثد بن سعد - وهو المؤمن الذي ~~يكتم إيمانه - وقال : اللهم إنا لم نأتك إلى حرمك إلا لأرض تسقيها ، أو أمة ~~تحييها . فأوحى الله إلى ملك السحاب أن ينشر لهم ثلاث غمامات : بيضاء ~~وحمراء وسوداء ؛ وجعل السوداء مشوبة بغضبه ، فارتفعت البيضاء ، وتبعتها ~~الحمراء خلفهما السوداء ، فارتفعت حتى رأى الوفد جميع الغمامات ؛ ففرحوا ~~واستبشروا ثم نودوا : يا قيل ، اختر لقومك من هذه السحائب . فنظر فقال : ~~أما البيضاء فإنها جهام لا ماء فيها ؛ وأما الحمراء فإنها إعصار ريح . ~~فاختار السوداء . فنودي : يا قيل ، اخترت رمادا أرمدا ، لا يبقي من قوم عاد ~~أحدا ، إلا تراهم في الديار همدا . ذكر إرسال العذاب ms2388 على قوم هود قال : ~~وأوحى الله إلى مالك خازن جهنم أن يقبض على سلاسل السوداء وليكن عليها ألف ~~من الزبانية . PageV13P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" قال كعب : إن هذه السلسلة غمست في سبعين واديا ~~من أودية الزمهرير ولولا ذلك لذابت الجبال من حرها . فمدت الزبانية السلاسل ~~، وجعلت السحابة ترمي بشرر كالجبال ، وخرجت عليهم من واد يقال له : وادي ~~الغيث فنظروا إليها فقال بعضهم لبعض : " هذا عارض ممطرنا " قال الله تعالى ~~: " بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها " ~~وأخرج القوم أصنامهم ونصبوها على أسرتهم ؛ فأمر الله تعالى خازن الريح ~~العقيم أن يفتح بعض أطباقها ، فانطلقت ناشرة أجنحتها بعدد قبائل عاد ؛ فما ~~عاينوا الملائكة يطوفون حول السحاب تيقنوا العذاب ، فأدخلوا النساء ~~والولدان في الحصون وخرجوا ونشروا أعلامهم وأوتروا قسيهم ، وأفرغوا السهام ~~بين أيديهم ، والرياح ساكنة تنتظر أمر ربها ، وهود قائم ينذرهم العذاب ، ~~وهم يقولون : ستعلم يا هود من أشد منا قوة وبطشا . حتى إذا كانت صبيحة ~~الأربعاء ، خرجت الريح عليهم في يوم نحس مستمر ، فكانت في اليوم الأول ~~شهباء ، فلم تترك على وجه الأرض شيئا إلا نسفته نسفا ؛ وفي اليوم الثاني ~~صفراء ، فاقتلعت الأشجار ؛ وفي اليوم الثالث حمراء ، فدمرت كل شيء مرت عليه ~~؛ فلم يزل يجري في كل يوم لون والنساء ينظرن إلى فعلها بقومهن ، فجعلن يقلن ~~شعرا : ألا قد ذهب الده . . . ر بعمرو ذي العليات وبالحارث والقمقا . . . م ~~طلاع الثنيات ومن سد مهب الري . . . ح في وقت البليات واستمرت الريح " سبع ~~ليال وثمانية أيام حسوما " ، أي دائمة ، فلما كان في اليوم الثامن اصطفت ~~القوم صفوفا ، كل واحد إلى جنب أخيه ، وهم عشرة صفوف فجعل ملكهم الخلجان ~~يشجعهم ويقول : ما بال عاد اليوم خائفينا ؟ . . . أمن مهب الريح يجزعونا ؟ ~~لقد خشيت أن يكونوا دونا . . . إن البنين تعقب البنينا PageV13P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" هذا والريح تمزقهم ، فكانت تدخل في ثوب الرجل ~~فتحمله في الهواء ، ثم ترميه على رأسه ميتا . قال الله تعالى : " كأنهم ~~أعجاز نخل منقعر " فلم يبق منهم إلا ms2389 الملك أخره الله تعالى ليرى مصارع قومه ~~، وهو يريد الريح بصدره ، فجاءت الريح فدخلت من دبره ، فمات ؛ ثم مرت الريح ~~نحو الوفد ، فحملتهم من الأرض إلى الهواء ، فألقتهم على وجوههم ؛ فماتوا عن ~~آخرهم . قال : وهود في حظية بمن معه من المؤمنين لا يصيبهم منها إلا ما ~~تلين له الجلود . قال الله تعالى : " ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ~~أمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ " . قال : وارتحل هود ومن معه ~~من أرض عاد إلى الشحر من بلاد اليمن ؛ فنزلوا هناك حولين ، ثم مات . ويقال ~~: إنه دفن بأرض حضرموت ؛ والله أعلم . ذكر خبر مرثد ولقمان قال : وخرج من ~~وفد عاد مرثد ، ولقمان بن عاد ، فدخلا مكة منفردين ، فدعوا الله تعالى ~~لأنفسهما ؛ فقيل لهما : قد أعطيتما مناكما ، فاختارا لأنفسكما ، إلا أنه لا ~~سبيل إلى الخلود . فقال مرثد : اللهم أعطني برا وصدقا . فأعطى ذلك . وقال ~~لقمان : يا رب عمرا . فقيل له : اختر لنفسك بقاء سبع بقرات صفر عفر في جبل ~~وعر ، لا يمسهن ذعر ، وإن شئت بقاء سبع نوايات من تمر ، مستودعات في صخر ، ~~لا يمسهن ندى ولا قطر ؛ وإن شئت بقاء سبعة أنسر كلما هلك نسر أعقب من بعده ~~نسر . فاختار الأنسر ، فكان يأخذ الفرخ منها حين يخرج من بيضته ، فإذا مات ~~أخذ غيره ، فكان كل نسر يعيش ثمانين سنة ، حتى انتهى إلى السابع ، فكان ~~آخرها لبد ؛ فلما مات لبد مات معه لقمان ، وهو لقمان النسور . PageV13P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" ولنصل هذا الباب بخبر " إرم ذات العماد " ، ~~وقصة شديد وشداد . ذكر خبر إرم ذات العماد وقصة شديد وشداد بني عاد قد ~~ذكرنا خبر " إرم ذات العماد " فيما تقدم من كتابنا هذا على سبيل الاختصار ~~وذلك في الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الأول في المباني القديمة ~~وهو في السفر الأول من هذه النسخة ؛ ورأينا إيراده في هذا الباب بما هو ~~أبسط من ذلك لتعلقه به . قال الله تعالى : " ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ~~ذات العماد التي لم يخلق مثلها ms2390 في البلاد " . روى أبو إسحاق أحمد بن محمد ~~بن إبراهيم الثعلبي في كتابه المترجم بيواقيت البيانفي قصص القرآن عن منصور ~~عن سفيان عن أبي وائل أن رجلا يقال له : عبد الله بن قلابة خرج في طلب إبل ~~له قد شردت ، فبينما هو في بعض صحارى عدن في تلك الفلوت ، إذا وقف على ~~مدينة عليها حصن ، حول ذلك الحصن قصور كثيرة وأعلام طوال ؛ فلما دنا منها ~~ظن أن فيها من يسأله عن إبله فلم ير داخلا فيها ولا خارجا منها ، فنزل عن ~~ناقته وعقلها ، وسل سيفه ، ودخل من باب الحصن ، فإذا هو ببابين عظيمين لم ~~ير في الدنيا أعظم منهما ولا أطيب رائحة وإذا خشبهما من أطيب عود ، وعليهما ~~نجوم من ياقوت أصفر وياقوت أحمر ضوءها قد ملأ المكان ؛ فلما رأى ذلك عجب ، ~~ففتح أحد البابين ، فإذا هو بمدينة لم ير الراءون مثلها قط ، وإذا هو بقصور ~~تتعلق ، تحتها أعمدة من زبرجد ياقوت وفوق كل قصر منها غرف مبنية بالذهب ~~والفضة واللؤلؤ والياقوت والزبرجد ، وعلى كل باب من أبواب تلك القصور مصراع ~~كمصراع باب المدينة PageV13P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" من عود طيب ، قد نضدت عليه اليواقيت ؛ وقد ~~فرشت تلك القصور باللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران ولم ير هنالك أحدا ، ~~فأفزعه ذلك ، ثم نظر إلى الأزقة فإذا في كل زقاق منها أشجار قد أثمرت ، ~~تحتها أنهار تجري ، فقال : هذه الجنة التي وصفها الله تعالى لعباده في ~~الدنيا الحمد لله الذي أدخلني الجنة . فحمل من لؤلؤها وبنادق المسك ~~والزعفران ولم يستطع أن يقلع من زبرجدها ولا ياقوتها لأنها كانت مشتبكة في ~~أبوابها وجدرانها وكان اللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران منثورة بمنزلة الرمل ~~في تلك القصور والغرف ؛ فأخذ منها ما أراد ، وخرج ؛ ثم سار يقفو أثر ناقته ~~حتى رجع إلى اليمن ، فأظهر ما كان معه ، وأعلم الناس بخبره ، وباع ذلك ~~اللؤلؤ ، وكان قد اصفر وتغير من طول الزمان الذي مر عليه ، ففشا خبره وبلغ ~~معاوية ، فأرسل رسولا إلى صاحب صنعاء ، وكتب بإشخاصه ، فسار حتى قدم على ~~معاوية ms2391 ، فخلا به وسأله عما عاين ؛ فقص عليه أمر المدينة وما رأى فيها ؛ ~~فاستعظم ذلك ، وأنكر ما حدث به ، وقال : ما أظن ما يقول حقا . ثم قال : يا ~~أمير المؤمنين ، معي من متاعها الذي هو مفروش في قصورها وغرفها وبيوتها . ~~قال له : ما هو ؟ قال : اللؤلؤ والبنادق . فشم البنادق فلم يجد لها ريحا ؛ ~~فأمر ببندقة منها فدقت ، فسطع ريحها مسكا وزعفرانا ، فصدقه عند ذلك ، ثم ~~قال معاوية : كيف أصنع حتى أسمع باسم هذه المدينة ولمن هي ومن بناها ؟ ~~والله ما أعطى أحد مثلما أعطى سليمان بن داود وما أظن أنه كان له مثل هذه ~~المدينة . فقال بعض جلسائه : ما تجد خبر هذه المدينة إلا عند كعب الأحبار ~~فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إليه ويأمر بإشخاصه ويغيب عنه هذا الرجل في ~~موضع ويسمع كلامه منه وحديثه ووصف المدينة حتى يتبين أمر هذه المدينة فعل ، ~~فإن كعبا سيخبر أمير المؤمنين بخبرها وأمر هذا الرجل إن كان دخلها ، لأن ~~مثل هذه المدينة على هذه الصفة لا يستطيع هذا الرجل دخولها ، إلا أن يكون ~~سبق في الكتاب دخوله إياها فيعرف ذلك . PageV13P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" فأرسل معاوية إلى كعب الأحبار وأحضره ثم قال ~~له : يا أبا إسحاق إني دعوتك لأمر رجوت أن يكون علمه عندك . فقال له : يا ~~أمير المؤمنين على الخبير سقطت فسلني عما بدا لك . فقال له : أخبرنا يا أبا ~~إسحاق ، هل بلغك أن في الدنيا مدينة مبنية بالذهب والفضة ، عمدها زبرجد ~~وياقوت ، وحصا قصورها وغرفها اللؤلؤ ، وأنهارها في الأزفة تحت الأشجار ؟ ~~قال : والذي نفس كعب بيده لقد ظننت أن سأتوسد يميني قبل أن يسألني أحد عن ~~تلك المدينة وما فيها ولكن أخبرك بها يا أمير المؤمنين ولمن هي ، ومن بناها ~~. أما المدينة فهي حق على ما بلغ أمير المؤمنين وعلى ما وصفت له . وأما ~~صاحبها الذي بناها فشداد بن عاد . وأما المدينة فهي إرم ذات العماد التي لم ~~يخلق مثلها في البلاد . فقال له معاوية : يا أبا إسحاق ، حدثنا بحديثها ~~يرحمك الله ms2392 . فقال كعب : نعم يا أمير المؤمنين ، إن عادا كان له ابنان يسمى ~~أحدهما شديدا والآخر شدادا ، فهلك عاد ، فبقيا وملكا وتجرا ، فقهرا أهل ~~البلاد ، وأخذاها عنوة وقسرا ، حتى دان لهما جميع الناس ، فلم يبق أحد من ~~الناس في زمانهما إلا دخل في طاعتهما ، لا في شرق الأرض ولا في غربها ، ~~وإنهما لما صفا لهما ذلك وقر قرارهما مات شديد بن عاد ، وبقي شداد ، فملك ~~وحده ، ولم ينازعه أحد ودانت له الدنيا كلها ، فكان مولعا بقراءة الكتب ~~القديمة ، وكان كلما مر فيها بذكر الجنة دعته نفسه لتعجل تلك الصفة لنفسه ~~الدنية عتوا على الله وكفرا ، فلما وقر ذلك في نفسه أمر بصنعة تلك المدينة ~~التي هي إرم ذات العماد ، وأمر على صنعتها مائة قهرمان ، مع كل واحد ألف من ~~الأعوان ، ثم قال : انطلقوا إلى أطيب فلاة من الأرض وأوسعها ، واعملوا فيها ~~مدينة من ذهب وفضة وياقوت وزبرجد ولؤلؤ ، تحت تلك المدينة أعمدة من زبرجد ، ~~وعلى المدينة قصور ، وفوق القصور غرف ، ومن فوق الغرف غرف ، واغرسوا تحت ~~القصور غروسا فيها أصناف الثمار كلها ، وأجروا فيها الأنهار حتى تكون تحت ~~تلك الأشجار جارية ، فإني أسمع في الكتب صفة الجنة ، وإني أحب أن أتخذ ~~مثلها في الدنيا ، أتعجل سكناها . فقال له قهارمته : كيف لنا بالقدرة على ~~ما وصفت لنا من PageV13P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة نبني ~~منها مدينة كما وصفت لنا ؟ فقال لهم شداد : ألستم تعلمون أن ملك الدنيا ~~كلها بيدي ؟ فقالوا : بلى . قال : انطلقوا إلى كل موضع فيه معدن من معادن ~~الزبرجد والياقوت والذهب والفضة ، وكلفوا من كل قوم رجلا يخرج لكم ما في كل ~~معدن من تلك الأرض ؛ ثم انظروا إلى ما في أيدي الناس من ذلك فخذوه ، سوى ما ~~يأتيكم به أصحاب المعادن ، فإن معادن الدنيا فيها كثير من ذلك فخذوه ، سوى ~~ما يأتيكم به أصحاب المعادن ، فإن معادن الدنيا فيها كثر من ذلك ، وما فيها ~~مما لا تعلمون أكثر وأعظم مما كلفتكم من صنعة هذه المدينة . قال ms2393 : فخرجوا ~~من عنده ، وكتب معهم إلى كل ملك من ملوك الدنيا يأمره أن يجمع لهم ما في ~~بلده من الجواهر ، ويحفر معادنها ؛ فانطلق القهارمة ، وبعث الكتب إلى ~~الملوك بأخذ كل ما يجدونه في أيدي الناس عشر سنين من الزبرجد والياقوت ~~واللؤلؤ والذهب والفضة ، ويبعثون بذلك إلى فعلة إرم ذات العماد . وخرج ~~الفعلة يطلبون موضعا كما وصفه لهم شداد . فقال معاوية : يا أبا إسحاق ، كم ~~كان عدد أولئك الملوك الذين كانوا تحت يد شداد ؟ قال : كانوا مائتين وستين ~~ملكا . قال : فخرج عند ذلك الفعلة والقهارمة ، فتفرقوا في الصحارى ليجدا ما ~~يوافق غرضه ؛ فوقعوا في صحراء عظيمة نقية من الجبال والتلال . وإذا هم ~~بعيون مطردة ، ؛ فقالوا : هذه صفة الأرض التي أمرنا بها ؛ فأخذوا منها بقدر ~~ما أمرهم به من العرض والطول ، ثم عمدوا إلى موضع الأزفة فأجروا فيها قنوات ~~الأنهار ، ثم وضعوا الأساس من صخور الجزع اليماني ، وعجنوا طين ذلك الأساس ~~من دهن البان والمحلب ، فلما فرغوا من وضع الأساس بعث بالعمد والذهب والفضة ~~من جهة الملوك ؛ فتسلمها الوزراء والقهارمة ، وأقاموا حتى فرغوا من بنائها ~~على ما أراد شداد . فقال معاوية : يا أبا إسحاق ، إني لأحسبهم أقاموا في ~~بنائها زمنا من الدهر . قال : نعم يا أمير المؤمنين . إني لأجد في التوراة ~~مكتوبا أنهم أقاموا في بنائها ثلاثمائة PageV13P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" سنة . فقال معاوية : كم كان عمر شداد ؟ فقال : ~~سبعمائة سنة ، فقال معاوية : لقد أخبرتنا عجبا ، فحدثنا ، فقال : يا أمير ~~المؤمنين ، إنما سماها الله تعالى إرم ذات العماد التي لمن يخلق مثلها في ~~البلاد ، للعمد التي تحتها من الزبرجد والياقوت وليس في الدنيا مدينة من ~~الزبرجد والياقوت غيرها ، فلذلك قال الله تعالى : " لم يخلق مثلها في ~~البلاد " . وقال كعبك : إنهم لما أتوه فأخبروه بفراغهم منها قال : انطلقوا ~~واجعلوا عليها حصنا ، واجعلوا حول الحصن ألف قصر ، عند كل قصر ألف علم ، ~~ويكون في كل قصر وزير من وزرائي ، ويكن كل علم عليه ناطور . فرجعوا فعملوا ~~تلك القصور والأعلام والحصن ، ثم أتوه فأخبروه بالفراغ مما ms2394 أمرهم به . قال ~~: فأمر شداد ألف وزير من خاصته أن يهيئوا أسبابهم ، ويعولوا على النقلة إلى ~~إرم ذات العماد ، وأم رجالا أن يسكنوا تلك الأعلام ويقيموا فيها ليلهم ~~ونهارهم ، وأمر لهم بالعطاء والأرزاق ، وأمر من أراد من نسائه وخدمه ~~بالجهاز إلى إرم ذات العماد ؛ فأقاموا في جهازهم عشر سنين ؛ ثم سار الملك ~~شداد بن عاد بمن أراد ، وتخلف من قومه في عدن من أمره بالمقام بها . قال : ~~فلما استقل وسار إليها ليسكن فيها ، وبلغ منها موضعا بقي بينه وبين دخوله ~~إليها مسيرة يوم وليلة ، بعث الله تعالى عليه وعلى من كان معه صيحة من ~~السماء ، فأهلكتهم جميعا ، ولم يبق منهم أحد ، ولم يدخل شداد ولا من كان ~~معه إرم ذات العماد ، ولم يقدر أحد منهم على الدخول فيها حتى الساعة . فهذه ~~صفة إرم ذات العماد ، وأنه سيدخلها رجل من المسلمين في زمانك ويرى ما فيها ~~، فيحدث بما عاين ، ولا يسمع منه ولا يصدق . فقال معاوية : يا أبا إسحاق ، ~~فهل تصفه لنا ؟ قال : نعم ، هو رجل أحمر أشقر قصير ، على حاجبه خال ، وعلى ~~عقبه خال ، يخرج في طلب إبل له ندت في تلك الصحاري فيقع على إرم ذات العماد ~~، فيدخلها ويحمل مما فيها . والرجل جالس عند معاوية . فالتفت كعب فرأى ~~الرجل ، فقال : هو هذا يا أمير المؤمنين قد دخلها ، فاسأله عما حدثتك به . ~~فقال معاوية : يا أبا إسحاق ، إن هذا من خدمي ، ولم يفارقني . قال كعب : قد ~~دخلها وإلا PageV13P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" سوف يدخلها ، وسيدخلها أهل هذا الدين في آخر ~~الزمان . قال معاوية : يا أبا إسحاق ، لقد فضلك الله على غيرك من العلماء ~~ولقد أعطيت من علم الأولين والآخرين ما لم يعطه أحد . فقال : والذي نفس كعب ~~بيده ، ما خلق الله تعالى في الأرض شيئا إلا وقد فسره في التوراة لعبده ~~موسى تفسيرا ، وإن هذا القرآن أشد وعيدا " وكفى بالله شهيدا " والله الهادي ~~للصواب . قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى وقال الشعبي : أخبرنا دغفل ~~الشيباني عن رجل من أهل حضرموت ms2395 يقال له : بسطام ، أنه وقع على حفيرة شداد ~~بن عاد في جبل من جبال حضرموت مطل على البحر . قال : وكنت أسمع من صباي إلى ~~أن اكتهلت بمغارة في جبل من جبالنا بحضرموت وهيبة الناس لدخولها ، فلم ~~أحتفل بما كنت أسمع من ذلك ، فبينما أنا في نادي قومي إذ تناشدوا حديث تلك ~~المغارة وأطنبوا في ذكرها ووصفوا موضعها ؛ فقلت لقومي : إني غير منته حتى ~~أدخلها ، فهل فيكم من يساعدني ؟ فقال فتى منهم حدث السن : أنا أصاحبك . ~~فقلت : يا بن أخي ، أوتجسر على ذلك ؟ قال : عندي ما عند أشد رجل من رباطة ~~الجأش وشدة القلب ، فهيأنا شمعة وحملنا معنا إداوة عظيمة مملوءة ماء وطعاما ~~مقدار ما قدرنا على حمله ؛ ثم مضينا نحو ذلك الجبل الذي فيه المغارة - وكان ~~مشرفا على المكان الذي يركب أهل حضرموت منه البحر - فلما انتهينا إلى باب ~~المغارة حزمنا علينا ثيابنا ؛ وأشعلنا الشمعة ؛ ثم ذكرنا الله تعالى ، ~~ودخلنا ومعنا تلك الإداوة وذلك الطعام ، فإذا بمغارة عظيمة عرضها عشرون ~~ذراعا ، وطولها إلى درجات عالية عرض الدرجة عشرون ذراعا في سمك عشر أذرع ، ~~فحملنا أنفسنا على نزول تلك الدرجات فقلت لصاحبي : هلم ، إلي يديك . فكنت ~~آخذ بيده حتى ينزل ، فإذا نزل وقام في الدرجة تعلقت بطرف PageV13P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" الدرجة وتسيبت حتى تنال رجلاي منكبيه ؛ فلم ~~نزل كذلك وذلك دأبنا عامة يومنا ، حتى نزلنا ذلك الدرج وكانت مقدار مائة ~~درجة ؛ فأفضينا إلى أزج عظيم محفور في الجبل ، في طول مائة ذراع ، في عرض ~~أربعين ذراعا ، وسمكه في السماء نحو مائة ذراع ، وفي صدره سرير من ذهب مفصص ~~بأصناف الجواهر ، وفوقه رجل عظيم الجسم ، قد أخذ طول هذا الأزج وعرضه وهو ~~مضطجع على ظهره كهيئة النائم ، وعليه سبعون حلة بمقدار طوله وعرضه منسوجة ~~تلك الحال بقضبان الذهب والفضة ، وإذا في ذلك الأزج نقب عرضه ذراعان ، ~~وارتفاعه ثلاث أذرع ، خار إلى فضاء لم ندر ما هو ، وإذا على رأس السرير لوح ~~من ذهب ، فيه كتاب بالمسند - وهو كتاب عاد كانت تكتبه في ms2396 زمانها - محفور ~~ذلك الكتاب في اللوح حفرا ؛ فقلعناه ودنونا من الرجل فمسسنا تلك الحلل ~~فصارت رميما ، وبقيت قضبان الذهب قائمة ، فجمعناها وكانت مقدار مائة رطل ، ~~فحملناها في أزرنا ، وأردنا قلع شيء من تلك الجواهر المفصص بها السرير ، ~~فلم نقدر عليه لوثاقته ، فتركناه ؛ وهجم علينا الليل ، ونحن في ذلك الأزج ~~وعرفنا ذلك بذهاب ذلك الضوء الذي كان يدخل من ذلك النقب ، فبتنا ليلتنا في ~~ذلك الأزج ، وطفئت الشمعة التي كانت معنا ، فلما أصبحنا قلت لصاحبي : ما ~~ترى ؟ قال : أما الرجوع من حيث جئنا فلا سبيل إليه ، لارتفاع الدرج ، وأنا ~~لا نستطيع صعودها ، لا سيما والشمعة قد طفئت ، ولكن هلم لنلزم هذا الضوء ~~الذي نراه في هذا النقب ، فإني أرجو أن يخرج بنا إلى الفضاء إن شاء الله ~~تعالى . فقلت له : لعمري إن هذا لهو الرأي . قال : فانطلقنا بما عنا من تلك ~~القضبان من الذهب ، وحملناها مع ذلك اللوح الذهب الذي كان عند رأس السرير ، ~~ومشينا في ذلك النقب نتبع ذلك الضوء ، فلم نزل نمشي فيه في طريق ضيق مقدار ~~مائة ذراع حتى خرجنا منه إلى كهف في ذلك الجبل كهيئة الحائط ، وقد حف بذلك ~~الكهف البحر ، فجلسنا على باب ذلك النقب ثلاثة أيام نتمون بقية ما كان معنا ~~من الماء والطعام ، فلما كان في اليوم الرابع نظرنا إلى مركب قد أقبل في ~~البحر فلوحنا إلى من فيه ، فأرسلوا إلينا القارب ، فنزلنا من باب ذلك النقب ~~نزولا شاقا حتى وثبنا إلى القارب بما PageV13P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" معنا ، ثم خرجنا من البحر فقسمنا ذلك الذهب ~~بيننا ، وصار ذلك اللوح إلي بقسطي . قال : ثم إن أنفسنا دعتنا إلى العودة ~~إلى ذلك السرب مما يلي النقب من جهة البحر ، فركبنا قاربا وسرنا في البحر ~~نحو المكان الذي كنا فيه ، فنزلنا منه ، فخفى علينا فعلمنا أنا لم نرزق من ~~ذلك المكان إلا ما أخذناه ، فرجعنا . قال : ومكث ذلك اللوح عندي حولا وأنا ~~لا أجد من يقرؤه ، حتى أتانا رجل حميري من أهل صنعاء كان يحسن قراءة ms2397 تلك ~~الكتابة ، فأخرجت إليه اللوح فقرأه ، فإذا فيه مكتوب هذه الأبيات . اعتبر ~~بي أيها المغ . . . رور بالعمر المديد أنا شداد بن عاد . . . صاحب الحصن ~~العتيد وأخو القوة والبأ . . . ساء والملك الشديد وبفضل الملك والعد . . . ~~ة فيه والعديد دان أهل الأرض طرا . . . لي من خوف وعيدي وملكت الشرق والغر ~~. . . ب بسلطان شديد فأتى هود وكنا . . . في ضلال قبل هود فدعانا لو قبلنا ~~. . . إلى الأمر الرشيد فعصيناه ونادي . . . نا ألا هل من محيد فأتتنا صيحة ~~ته . . . وي من الأفق البعيد فتوافينا كزرع . . . وسط بيداء حصيد وقد ساق ~~أبو إسحاق الثعلبي أيضا هذه الأبيات بهذا السند دون القصة في تفسيره الكشف ~~والبيان عن تفسير القرآن وفيها في البيت الرابع بدل قوله . . . . . . . . . ~~. . . . طرا . . . لي من خوف وعيدي دان أهل الأرض لي من . . . خوف وعدي ~~ووعيدي PageV13P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" قال أبو إسحاق رحمه الله : قال دغفل الشيباني ~~: سألت علماء حمير عن شداد بن عاد ، فقلت : إنه أصيب وكان قد دنا من إرم ~~ذات العماد ، فكيف وحد شلوه في تلك المغارة وهي بحضرموت ؟ فقالوا : إنه لما ~~هلك هو ومن معه بالصيحة ، ملك بعده مرثد بن شداد ، وقد كان أبوه خلفه على ~~ملكه بحضرموت فأمر بحمل أبيه إلى حضرموت ، فحمل مطيا بالصبر والكافور ، ~~فأمر أن تحفر له تلك المغارة ، واستودعه فيها على ذلك السرير الذهب ، والله ~~تعالى أعلم هذا ما أورده رحمه الله من خبر إرم ذات العماد وخبر شديد وشداد ~~بني عاد . وقد ذكر في هذه الأبيات هود النبي عليه السلام في قوله : فأتى ~~هود وكنا . . . في ضلال قبل هود الأبيات الخمسة . وقد تقدم في خبر هود ~~وهلاك عاد بالريح العقيم ، أن ملكهم القائم بأمرهم في زمن هود كان اسمه ~~الخلجان بن الوهم بن عاد ، وأنه هلك بالريح العقيم إثر هلاك قومه ، ولم يرد ~~أنه آمن بالله تعالى ؛ وهذه الأبيات تدل على ندم قائلها ، ومقتضى هذا ~~السياق فيه دلالة على أن شداد بن عاد هذا المذكور آنفا ، وابنه مرثد بن ~~شداد وخبر إرم ذات العماد ، كان ms2398 قبل مبعث هود عليه السلام والله تعالى أعلم ~~. ولنرجع إلى قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . الباب السادس من القسم ~~الأول من الفن الخامس في قصة صالح - عليه السلام - مع ثمود وعقرهم الناقة ~~وهلاكهم قال الكسائي : قال كعب : لما أهلك الله عز وجل عادا ، جاءت ثمود ~~وعمرت الأرض ، وكانوا بضع عشرة قبيلة ، في كل قبيلة زيادة عن سبعين ألفا ~~سوى النساء PageV13P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" والذرية ، وكثروا حتى صاروا في عدد عاد وأكثر ~~، وكانوا ذوي بطش وقوة وتجبر وكفر وفساد ، وكانت منازلهم ما بين الحجاز إلى ~~الشام ، وهي ديار الحجر من وادي القرى ، وكان ملكهم جندع بن عمرو بن عاد بن ~~ثمود بن إرم بن سام ابن نوح . وقيل في نسبه : إنه جندع بن عمرد بن عمرو بن ~~الدميل بن عاد بن ثمود ابن عائذ بن إرم بن سام ، وكانت طائفة ممن آمنت بهود ~~يذكرون له كيف أهلك الله قوم عاد بالريح العقيم ، وكيف كانت سيرة هود فيهم ~~؟ فيقول : إنما هلكت عاد لأنها لم تكن تشيد بنيانها : ولا تنصح آلهتها ، ~~وكان بنيانهم على الأحقاف التي هي الرمال ، ونحن أشد قوة وبناء وبلادا ، ~~ونحن نتخذ الجبال بيوتا فننحتها في الصخر لئلا يكون للريح عليها سبيل ، ~~ونحن نعبد آلهتنا حق العبادة . قال كعب : كانت قوة الرجل منهم أن ينحت في ~~الجبل بيتا طوله مائة ذراع في عرض مثل ذلك ، ويضربه بصفائح الحديد ، ويغلق ~~بابا من حديد مصمت لا يفتحه إلا القوي منهم ، وكانت منازلهم أولا بأرض كوش ~~في بلاد عالج ، فانتقلوا إلى هذه البلاد لكثرة جبالها . قال : ثم اجتمع ~~كبراؤهم إلى ملكهم جندع ، وقالوا : نريد أن نتخذ لأنفسنا إلها نعبده ، لم ~~يكن مثله لقوم عاد ولا قوم نوح . فإذن في ذلك ، فنحتوا صنما من جبل يقال له ~~: الكثيب وجعلوا وجهه كوجه الإنسان ، وعنقه وصدره كالبقر ويديه ورجليه ~~كالخيل ، وضربوه بصفائح الذهب والفضة ، وعقدوا على رأسه تاجا ، ورصعوه ~~بالدر والجوهر ؛ فلما كمل خروا له سجدا ، وقربوا القربان ، وأقبلوا إلى ~~الملك فقالوا له : أخرج إلى هذا ms2399 الإله الذي أتعبنا أنفسنا في اتخاذه ، فخرج ~~الملك إليه في زينته وأصحابه ؛ فلما رأوه خروا له سجدا ، ثم أمر الملك أن ~~يتخذ له بيت ، وأن يسقف PageV13P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" بصفائح الذهب والفضة ، ويرصع بالجوهر ، وتفرش ~~أرضه بالديباج ؛ وأمر أن تتخذ لسائر الأصنام بيوت ، وأن يتخذ سرير من العاج ~~والابنوس على عرض البيت ، قوائمه من الفضة ، وأن تعلق قناديل الفضة بسلاسل ~~الذهب وأمر أن يجعل للبيت مصراعان في كل مصرع مائة حلقة من الذهب والفضة ~~ويعلق عليهما ستران ، وسماهما ستور العز ، ووضع الصنم على ذلك السرير ، ~~وسائر الأصنام الصغار على كراسي العاج والآبنوس ؛ وأمر أن يندب لخدمة ~~الأصنام رجل من أشراف قومه وأحسنهم وأنسبهم ؛ فقالوا : ليس في ثمود أشرف ~~نسبا وأجمل وجها من كانوه . فاستدعاه وقربه وتوجه وسوده ، وجعله على خدمة ~~الصنم ، وقد ازدادوا عتوا وتجبرا وكفرا وفسادا ، والله تعالى يزيدهم سعة ~~وخصبا ، وهم يرون أن ذلك كله من بركات أصنامهم . ذكر ميلاد صالح - عليه ~~السلام - قال : فبينما كانوه في بيت الأصنام إذ تحركت نطفة صالح في ظهر ، ~~وصار لها نور على عينيه ، وسمع هاتفا يقول : " جاء الحق وزهق الباطل إن ~~الباطل كان زهوقا " ألا بعدا وسحقا لثمود لكفرهم ، وهذا صالح بن كانوه يصلح ~~الله به الفساد . ففزع من ذلك ، وذهب ليتقدم إلى الصنم الأكبر ، فنطق بإذن ~~الله وقال : مالي ومالك يا كانوه ، مثلك يخدمني وقد استنارت الأرض بنور ~~وجهك للنور الذي في ظهرك ؟ ثم تنكس الصنم عن سريره ، فأعاده كانوه وأعوانه ~~إلى السرير ، وبلغ الملك ذلك ، فاغتم له ، فقال له أصحابه : إن هذا لسوء ~~خدمة كانوه فإنه لا يوفى الآلهة حقها في الخدمة . وهموا بقتله ، فأخفاه ~~الله تعالى عن عيونهم ؛ فلما كان الليل هبط عليه ملك من السماء ، فاحتمله ~~وهو نائم ، وألقاه في واد على أميال من ديار قومه وهو لا يدري في أي موضع ~~هو ، فنظر غارا في جبل هناك ، فدخله ليكنه من حر الشمس ونام ، فضرب الله ~~على أذنه مائة سنة ، وفقده قومه ، ونصبوا لخدمة أصنامهم رجلا منهم ms2400 يقال له ~~: داود بن عمرو ، فبينما هم كذلك وقد خرجوا في يوم عيد لهم إذ PageV13P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" نطقت الأشجار بإذن الله وقالت : يا آل ثمود ، ~~ألا تعبدون سواه . ونطقت المواشي كذلك فعمدوا إلى الأشجار فقطعوها ، وعقروا ~~المواشي ، فنطقت السباع ونادت من رءوس الجبال : ويلكم يا آل ثمود ، لا ~~تقطعوا هذه الأشجار وتذبحوا هذه المواشي وقد نطقت بالحق . فخرجوا إلى ~~السباع بالأسلحة وهي تهرب من بين أيديهم وتستغيث بالله وتقول : اللهم طهر ~~أرضك بنبيك صالح ، وارفع به الفساد . والقوم يسمعون ذلك ويقولون : قد كفر ~~هؤلاء بآلهتنا . قال : وكان لكانوه في ديار قومه امرأة يقال لها : رعوم وهي ~~كثيرة البكاء عليه منذ فقدته ؛ فبينما هي ذات ليلة وإذا بغراب نعق ، فقامت ~~لتنظر إليه ، فرأته على مثال الغراب ، ورأسه أبيض ، وظهره أخضر ، وبطنه ~~أسود وهو أحمر الرجلين والمنقار ، وأخضر الجناحين ؛ فقالت : أيها الطائر ، ~~ما أحسنك فقال : أنا الغراب الذي بعثت إلى قابيل فأريته كيف يواري سوءة ~~أخيه ، وأنا من طيور الجنة ، وإني أراك باكية حزينة . فقالت : إني فقدت ~~زوجي منذ مائة عام . فقال : اتبعيني فإني أرشدك إليه . فتبعته ، وطويت لها ~~الطريق حتى وقفها على باب الغار ، ونادى الطائر : قم يا كانوه ، قم بقدرة ~~الله . فقام ودخلت إليه زوجته ، فواقعها ، فحملت بإذن الله تعالى بصالح . ~~وقبض الله كانوه لوقته ؛ وعادت رعوم والغراب يدلها على منزلها ؛ فلما انقضت ~~مدة حملها ، وضعت في ليلة الجمعة من شهر المحرم ، فوقعت هزة شديدة في بلاد ~~تمود لمولده ، وخرت الوحوش والسباع ساجدة لله تعالى ، وأصبحت الأصنام وقد ~~تنكست ؛ فأقبل داود وأخبر الملك بخبرها ؛ فجاء بأشراف ورفعوها على مراتبها ~~وأسرتها ، وتقدم الملك إلى الصنم الأكبر وقال : ما دهاك ؟ فناداهم إبليس ~~منه : قد ولد فيكم غلام يدعوكم إلى دين هود ليس عليكم منه بأس . فخرج الملك ~~ومن معه مستبشرين . ونشأ صالح ، حتى إذا بلغ سبع سنين أقبل على قومه وهو ~~يقول : يا آل ثمود ، تنكرون حسبي ونسبي ، أنا فلان بن فلان . فيقولون : إنك ~~من أحسبنا وأنسبنا ؟ حتى إذا بلغ عشر ms2401 سنين إذ أقبل عليهم ملك من أولاد سام ~~، كان يغزوهم في كل سبع سنين مرة فيسلب أموالهم ؛ فوثب صالح إلى سيف أبيه ~~وسلاحه وخرج يعدو ، وإذا هو PageV13P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" بالملك جندع وسادات قومه قد اجتمعوا ، وقد ~~انتزع الملك منهم أموالهم ، وهم لا يستطيعون دفعه عنها لكثرة جموعه ؛ فصاح ~~بهم صالح صيحة أزعجتهم ، وهم لا يستطيعون دفعه عنها لكثرة جموعه ؛ فصاح بهم ~~صالح صيحة أزعجتهم ، وألقى الله الرعب في قلوبهم ، واستنقذ منهم جميع ما ~~أخذوه من قومه . فعجب جندع وأصحابه منه ، وأقبلوا يقبلون صالحا ويكرمونه ؛ ~~فخشي الملك على ملكه أن يعزلوه ويولوا صالح بن كانوه ، فهم أن يقتله ، ودس ~~إليه جماعة من خواصه فدخلوا منزله ، فأيبس الله أيديهم عنه ، وأخرس ألسنتهم ~~؛ فعلم الملك أنه معصوم ، فبعث يسأله فيهم ، فدعاهم ، فأطلق الله أيديهم ~~وألسنتهم ، وبقي صالح مكرما معظما في قومه . ذكر مبعثه - عليه السلام - قال ~~: ولما أتى عليه أربعون سنة بعثه الله عز وجل رسولا إلى قومه ، فجاءه جبريل ~~بالوحي عن الله ، وأمره أن يدعوهم إلى قول " لا إله إلا الله " والإقرار ~~بأن صالحا عبده ورسوله ، وترك عبادة الأصنام ، أعمله بما سيظهر على يديه من ~~العجائب . قال : فأقبل صالح إلى قومه في يوم عيد لهم وقد نصبوا أصنامهم ~~واجتمعوا على يمينها وشمالها ، والملك جندع مشرف عليهم ينظر إليهم إلى ~~قربانهم ، فتقدم حتى وقف على الملك وقال : قد علمت نصحي لك أبدا ، وقد جئتك ~~رسولا أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، وأني صالح رسول الله . فقال ~~مالك له : إن قبائل ثمود لا ترضى أن يكون مثلك رسولا إليهم ، غير أني أنظر ~~فيما تقول ، فعد إلي غدا . ثم أصبح الملك ودعا بأشراف قومه ، وأخبرهم بخبر ~~صالح ؛ فقالوا : أحضره حتى نسمع ما يقول . فأحضره فقال : " يا قوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم ~~توبوا إليه إن ربي قريب مجيب " فقال له نفر منهم : " يا صالح قد كنت فينا ~~مرجوا قبل هذا أتنهانا أن ms2402 نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك ما تدعونا إليه ~~مريب ، قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ~~ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير " فقال له الملك : كيف خصك ~~ربك بالرسالة من بيننا ، ورفعك علينا وفي قبائل ثمود من هو أعز منك ؟ فقال ~~: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " ثم قال : يا قم اتقوا الله وأطيعون ، " ~~وما أسألكم عليه PageV13P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" من أجر إن أجري إلا على ربي العالمين ، ~~أتتركون فيما هاهنا آمنين ، في جنات وعيون ، وزروع ونخل طلعها هضيم " ، أي ~~لين " وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين " أي حاذقين " فاتقوا الله وأطيعون ، ~~ولا تطيعوا أمر المسرفين ، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، قالوا إنما ~~أنت من المسحرين ، ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين " . ~~قال : فأقبل الملك عليهم وقال : قد عرفتم صالحا في حسبه ونسبه ، وأنا رجل ~~منكم ، فما تقولون ؟ وما عندكم من الرأي في أمره ؟ قالوا : أيها الملك " ~~ءألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر " قال الله تعالى : " سيعلمون ~~غدا من الكذاب الأشر " . قال : فآمن به منهم جماعة ، وخرج صالح من عند ~~الملك ، فأمره الله تعالى أن يبني مسجدا لنفسه ولمن معه من المؤمنين ، ~~فأعانته الملائكة على بنائه ؛ فلما كمل جاءه جبريل بشجرة فغرسها على باب ~~المسجد ، واتبع الله له عينا من الماء العذب . وكان صالح يخرج في كل يوم ~~إلى قبيلة من قومه يدعوهم إلى عبادة الله تعالى ويعظهم بأيام عاد وما حل ~~بهم فيقول : " الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون ~~أن صالحا مرسل من ربه " فكان المستضعفون يقولون : " إنا بما أرسل به مؤمنون ~~" والمتكبرون يقولون : " إنا بالذي آمنتم به كافرون " . ولم يزل صالح ~~يدعوهم حتى استكمل سبعين عاما ؛ ثم أعقم الله نساءهم وجفت أشجارهم فلم تثمر ~~، ولم تضع لهم بقرة ولا شاة . ثم لم يزل يدعوهم حتى استكمل مائة سنة وهم لا ~~يزدادون إلا كفرا ، فلما ms2403 أيس منهم خرج يريد أن يدعو عليهم بالهلاك ، وقال ~~لقومه : لا تبرحوا حتى أعود إليكم . وقصد جبلا فطاف به حتى أمسى ، فنظر إلى ~~عين ماء ، فتقدم وتوضأ وقام ليصلي ويدعو على قومه ، فرأى في الجبل كهفا ، ~~فدخله فرأى فيه سريرا من الذهب ، عليه فرش الحرير ، وفي وسط الكهف قنديل ؛ ~~فعجب من ذلك ، وصعد على السري ، فضرب الله على أذنه فنام أربعين سنة ؛ وأخذ ~~قومه في العبادة ؛ فكان يموت منهم الواحد بعد الواحد ، فيدفن إلى جانب ~~المسجد ، ويكتب على قبره : " هذا فلان بن فلان " . PageV13P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" قال : ثم بعث الله عز وجل صالحا من نومته ، ~~فخرج من الكهف وتوضأ وصلى ركعتين ، وأراد أن يدعوا على قومه ؛ فقيل له : لا ~~تعجل عليهم ، فإن عجلت غيبتك عن قومك أربعين سنة . فعاد إلى قومه ، وإذا ~~برسوم وآثار لا يعرفها ، وأشرف على مسجده وهو خراب ليس فيه إلا الملائكة ~~يحفظونه من فساق أهل ثمود ؛ فقال : إلهي ما فعل أهل هذا المسجد ؟ فنادته ~~الملائكة : مات بعضهم ورجع الباقون إلى دينهم الأول لما أيسوا منك . ثم ~~أمره الله تعالى أن يأتي قومه ويدعوهم إلى عبادة الله والكف عن عبادة ~~الأصنام ، فأقبل وهم مجتمعون في يوم عيدهم ومعهم ملكهم ، فناداهم : قولوا " ~~لا إله إلا الله وإني صالح رسول الله " يا قوم إني أرسلت إليكم مرة وهذه ~~أخرى . فتحيروا وتساقطت أصنامهم ، ونطقت الدواب : جاء الحق من ربنا . قال ~~له الملك : من أنت ؟ قال : أنا صالح . قال : أليس قد بقي صالح فينا طويلا ~~وغاب عنا منذ مدة طويلة ؟ ما أنت إلا ساحر جئتنا بعده ، وهم بقتله . وكان ~~للملك ابن عم يقال له : هذيل ، فقال : يا صالح ، لا نحتاج إلى نصحك فانصرف ~~عنا ، فقال : يا هذا أما إنك ميت في يومك هذا أنت وأهلك وولدك في وقت كذا و ~~كذا ، وفي غد يموت أبوك وأمك ، فبادر إلى الإيمان ، فإن آمنت أحياك الله ~~وجعلك حجة على قبائلي ثمود . فانصرف الرجل وهم ينظرون إلى الوقت الذي ذكره ~~صالح ؛ فلما جاء الوقت مات ms2404 الرجل وأهله وولده ، وانتشر الخبر في قبائل ثمود ~~، ومات أبوه وأمه من الغد ؛ فعجب الناس وجزعوا ، وخاف الملك . وأقبل صالح ~~فقال : يا آل ثمود ، كيف كان هذا الميت عندكم ؟ قالوا : خير رجل حتى مات . ~~قال : فإن أحياه الله بدعائي ، أتؤمنون بي وبإلهي وتبرأون من أصنامكم ؟ ~~قالوا : نعم . فجاء صالح إلى الميت فدعا ربه ، ثم ناداه باسمه فقال : لبيك ~~يا نبي الله ، وقام وهو يقول : " لا إله إلا الله صالح عبد الله ورسوله " . ~~فلما علين قومه ذلك ازدادوا كفرا ، ودخلوا على صنمهم وشكوا ما يلقونه من ~~صالح ، فنطق إبليس من جوفه وقال : انصرفوا إلى ما أنتم عليه ؛ وإذا رأيتم ~~صالحا فقولوا : ائتنا ببرهان كما أتى به هود ونوح . PageV13P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" فخرجوا مسرورين حتى أتوا صالحا ، فقال لهم : ~~قد رأيتم وسمعتم كلام الوحش والطير وإحياء الموتى وغير ذلك من الآيات ما ~~فيه كفاية ، فأي آية تريدون ؟ قالوا : نخرج نحن وأنت إلى هذا الوادي ، ~~وندعو وتدعو ، وننظر أي الدعوتين تستجاب ؛ وتواعدوا إلى يوم عيدهم . فلما ~~كان في ذلك اليوم اجتمعوا وخرجوا بأصنامهم وزينتهم ؛ وأقبل صالح يخترق ~~صفوفهم ؛ حتى وقف أمام ملكهم ، ودعاهم إلى الإيمان بالله . قالوا : أرنا ~~آية . قال : ما تريدون ؟ قالوا : اخرج لنا ناقة من هذه الصخرة ونؤمن بك ~~ونعلم أنك صادق . قال : إن ذلك هين على ربي ، ولكن صفوها لي . فأقبل القوم ~~يصف كل منهم صفة حتى أكثروا . فقال الملك : إن هؤلاء قد أكثروا وأنا أصفها ~~بما في قلبي : تكون ناقة ذات فرث ودم ولحم وعظم وعصب وعروق وجلد وشعر ~~يخالطه وبر ، وتكون شكلاء شقراء هيفاء ، ولها ضرع كأكبر ما يكون من القلال ~~، يدر من غير أن يستدر ، يشخب لبنا غزيرا صافيا ، ويكون لها فصيل يتبعها ~~على مثالها ، فإذا رغت أجابها بمثل رغائها ، ويكون حنينها الإخلاص لربك ~~بالتوحيد ، والإقرار لك بالنبوة ، فإن أخرجتها على هذه الصفة آمنا . فأوحى ~~الله إليه : أن أعطهم ما سألوا . فقال لقومه : إن الله قد شفعني في حاجتكم ~~، فإن أخرجتها تؤمنون ؟ قالوا : نعم ، على شرط أن ms2405 يكون لبنها ألذ من الخمر ~~وأحلى من العسل . قال : إن أخرجها ربي تؤمنون ؟ قالوا : نعم على شرط أن ~~يكون لبنها في الصيف باردا ، وفي الشتاء حارا ، لا يشربه مريض إلا برئ ، ~~ولا فقير إلا استغنى . قال : إن أخرجها ربي أتؤمنون ؟ قالوا : نعم ، على ~~شرط ألا ترعى من مراعيا ، بل في رءوس الجبال وبطون الأودية ، وتذر ما على ~~الأرض لمواشينا . قال : إن أخرجها ربي أتؤمنون ؟ قالوا : نعم ، على شرط أن ~~يكون الماء لنا يوما ولها يوما ، ولا يفوتنا اللبن ، وتدخل علينا بالعشيات ~~في بيوتنا وتسمى كل واحد منا باسمه ، وتنادي : " ألا من أراد اللبن " ؟ ~~فيخرج ويضع ما يريد تحت ضرعها ، فيمثل لبنا من غير احتلاب ، قال أتؤمنون ~~حقيقة ؟ قالوا : نعم . قال صالح : قد شرطتم شرائط كثيرة ، PageV13P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" وأنا أشترط عليكم : لا يركبها أحد منكم ، ولا ~~يرميها بحجر ولا سهم ، ولا يمنعها من شربها ولا فصيلها . قالوا : هذا لك يا ~~صالح . فأخذ عليهم المواثيق . ذكر خروج الناقة قال : فلما انتهت شروطهم ~~وشروطه ، وأخذ عليهم المواثيق ، قام وصلى ركعتين ، ودعا ، فاضطربت الصخرة ~~وتمخضت ، وتفجر من أصولها الماء ، والقوم ينظرون ، وسمعوا دويا كدوي الرعد ~~، فرفعوا رءوسهم ، فإذا بقبة تنقض من الهواء فانحدرت على الصخرة وحولها ~~الملائكة ؛ ثم تقدم صالح إلى الصخرة فضربها بقضيب كان بيده ، فاضطربت ~~وتشامخت صعدا ، ثم تطامنت إلى موضعا ، ثم خرج رأس ووثبت من جوفها على الصفة ~~كأنها قطعة جبلن فوقفت بين يدي الملك وقومه وهي أحسن مما وصفوا ، وهي تنادي ~~: " لا إله إلا الله صالح رسول الله " . ثم مر جبريل على بطنها بحربة ، ~~فخرج فصيلها على لونها . ثم نادت : " أنا ناقة ربي ، فسبحان من خلقني ~~وجعلني آية من آياته الكبرى " . فلما رأى الملك ذلك قام عن سريره وقبل رأس ~~صالح ، وقال : يا معشر قبائل ثمود ، لا عمى بعد الهدى ، أنا أشهد أن لا إله ~~إلا الله ، وأن صالحا رسول الله . وآمن معه في ذلك اليوم خلق كثير من أهل ~~مملكته وغيرهم ، فلما رأى داود خادم الأصنام ذلك نادى ms2406 بصوت رفيع : يا آل ~~ثمود ، ما أسرع ما صبوتم إلى هذا الساحر ، إن كانت الناقة قد أعجبتكم ~~فهلموا إلى آلهتكم فسلوها حتى تخرج لكم أحسن منها . فوقفوا عن الإيمان . ~~وعمدوا إلى شهاب أخ الملك ، فملكوه عليهم ، ودخل جندع المدينة فكسر الصنم ~~الذي كان يعبده ، وفرق أمواله على المؤمنين ، ولبس الصوف ، وعبد الله حق ~~عبادته ، وكانت الناقة تتبع صالحا كاتباع الفصيل لأمه ، فلما كان بعد ذلك ~~أقبلت ثمود على صالح ، وقالوا : إن لم نمس الناقة بسوء يصرف ربك عنا عذابه ~~؟ قال : نعم ، إلى منتهى آجالكم ، وكانت الناقة تخرج وفصيلها PageV13P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" خلفها ، فتصعد إلى رءوس الجبال ، ولا تمر ~~بشجرة إلا التفت عليها أغصانها فتأكل أطايب أوراقها ؛ ثم تهبط إلى الأودية ~~فترعى هناك ، فإذا أمست تدخل المدينة وتطوف على دور أهلها ، وتنادي بلسان ~~فصيح : ألا من أراد منكم اللبن فليخرج . فيخرجون بآنيتهم ، فيضعونها تحت ~~ضرعها ، واللبن يشخب حتى تمتلئ الآنية ، فإذا اكنفوا عادت إلى المسجد ، ~~وتسبح الله حتى تصبح ، ثم تخرج إلى المرعى وهذا دأبها . قال : وكان للقوم ~~بئر يشربون منها ليس لهم سواها ، فإذا كان يوم الناقة تأتى وتدلى رأسها ~~فتشربه وتقول : " الحمد لله الذي سقاني من فضل مائه ، وجعلني حجة على آل ~~ثمود " . وكانت تمج من فيها إلى فم الفصيل حتى يروى ؛ فإذا كان يوم القوم ~~أتوا البئر ونزحوا ما فيها ؛ وكانت الناقة تقول إذا أصبحت : إلهي كل من شرب ~~من لبني وآمن بك وبرسولك فزده إيمانا ويقينا ، ومن لم يؤمن بك وبرسولك ~~فاجعل ما يشرب من لبني في بطنه داء لا دواء إنك على كل شيء قدير . ذكر خبر ~~عقر الناقة وهلاك ثمود قال : فلما كانت تدعو بذلك صار القوم إذا شربوا ~~لبنها اعترتهم الحكة في أبدانهم ، فاجتمعوا وقالوا : ليس لنا في هذه من خير ~~؛ وأجمعوا على عقرها ، وكانت فيهم امرأة يقال لها : عنيزة بنت غنم بن مجلز ~~، تكنى أم غنم ، وهي من بنات عبيد بن المهل ، وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو ، ~~وهي عجوز مسنة ، ولها أموال ومواش ms2407 ، ولها أربع بنات من أجمل النساء ، ~~وبجوارها امرأة يقال لها : صدوف بنت المحيا بن فهر ، ولها أيضا مواش كثيرة ~~؛ فدعتا قومهما إلى عقر الناقة ، فلم يجيبوهما إلى ذلك ، فبينما صدوف كذلك ~~إذ مر بها رجل يقال له الحباب وكان مولعا بالنساء فعرضت نفسها عليه على أن ~~يعقر الناقة ، فامتنع ، فقالت له : لقد جبن قلبك ، وقصرت يدك ، وتركته ؛ ~~وأقبلت على ابن عم لها يقال له : مصدع فكشفت عن وجهها ، وعرضت نفسها عليه ~~على أن يصدقها عقر الناقة ؛ فأجاب . PageV13P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" وأقبلت صدوف إلى عنيزة فأخبرتها بذلكن ففرحت ~~به . قالت : إلا أنه منفرد ، ولكن قومي إلى عزيز ثمود قدار ، فإنه شاب لم ~~يتزوج ، فاعرضي عليه بناتك لعله يفعل ، ففعلت عنيزة ذلك ، وزينت بناتها ، ~~وأقبلت بهن إلى قدار ، وكان أقبح رجل في ثمود ، وكان في عينيه زرقة ، ~~وكأنهما عدستان ، وأنفه أفطس ولحيته بطوله ، غير أنه كان يمر بالشجرة ~~العظيمة فينطحها برأسه فيكسرها ؛ فلما رأته عنيزة رجعت ببناتها إلى صدوف ، ~~وقالت : من تطيب نفسه أن يزوج مثل هؤلاء من هذا ؟ فلم تزل بها حتى رجعت بهن ~~إليه ، وعرضهن عليه ؛ فاختار منهن الرباب ، وأجاب إلى عقر الناقة ، واجتمع ~~إليه مصدع وأخوه ورعين وداود خادم الأصنام وريان ولبيد والمصرد وهزيل ومفرج ~~فهؤلاء التسعة الذين ذكرهم الله في كتابه ، قال الله تعالى : " وكان في ~~المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون " . فطافوا بأجمعهم على قبائل ~~ثمود وأعلموهم بما أجمعوا عليه من عقر الناقة ، فرضي بذلك كبيرهم وصغيرهم ، ~~واجتمع هؤلاء التسعة بسيوفهم وقسيهم ، وذلك في يوم الأربعاء ، وقعدوا ~~ينتظرون الناقة ، فأقبلت حتى قربت من البئر ؛ فنادت عنيزة : يا قدار ، ~~اليوم يومك ، فأنت السيد في قومك . قال الله : " فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ~~" . قال : فشد قدار قوسه ورماها بسهم فأصاب لبتها ، وهو أول من رماها ، ثم ~~مصدع ، وأقبلوا عليها بالسيوف فقطعوها ، وأنذبت فصيلها ، فهرب إلى رأس جبل ~~، ودعا باللعنة على ثمود ، فاتبعه القوم وعقروه ، وتقاسموا لحمه . وحكى ~~الثعلبي في كتابه المترجم بيواقيت البيان في قصص القرآن : أن الفصيل ms2408 لما ~~عقت الناقة أتى جبلا منيعا يقال له : صور . وقيل : اسمه فاره ؛ وأن صالحا ~~لما بلغه عقر الناقة أقبل إلى قومه ، فخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه ويقولون ~~: إنما عقرها فلان وفلان ، ولا ذنب لنا . PageV13P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" فقال لهم صالح : انظروا ، هل تدركون فصيلها ؟ ~~فعسى أن تدركوه فيرفع عنكم العذاب ، فخرجوا يطلبونه ، فلما رأوه على الجبل ~~ذهبوا ليأخذوه ، فأوحى الله تعالى إلى الجبل أن يتطاول ؛ فتطاول في السماء ~~حتى ما يناله الطير ؛ وجاء صالح ، فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه ؛ ثم ~~دعا ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب . ترجع إلى رواية الكسائي ، قال : وصاح ~~قدار بأصحابه : هلموا . فقدموا فأمرهم أن يقطعوا لحم الناقة ، فقطعوا ~~وطبخوا وقعدوا للأكل والشرب ، وصالح لا يعلم بذلك ، فنادته الوحوش : يا ~~صالح ، هتكت ثمود حرمة ربها ، وتعدوا أمره . فأقبل بالمؤمنين من قومه ، ~~فلما رآها بكى وقال : إلهي أسألك أن تنزل على ثمود عذابا من عندك . فأوحى ~~الله إليه : أن أنذر قومك بالعذاب . فبشرهم بعذاب الله . فقالوا له : افعل ~~ما بدا لك ، فقد عقرناها ، وقد أنذرت بالعذاب منذ بعيد وما نرى له أثرا . ~~فقال لهم : " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب " . وبات القوم ~~ليلتهم ، فلما أصبحوا تفجرت آثار وطء الناقة بعيون الدم ، وظهرت الصفرة في ~~ألوانهم ؛ فقالوا : يا صالح ، ما هذا التغير في ألواننا وبلادنا ؟ قال : ~~غضب ربكم عليكم . فأجمعوا على قتله ، وقالوا : إذا قتلناه امتنع عنا سحره ~~ولا تمكنه الإساءة إلينا . فتقدم التسعة لقتله عند ما أقبل الليل ، فوقف ~~لهم جبريل ورمى كل واحد منهم بحجر فقتله . فلما كان من الغد نظرت ثمود ~~إليهم وقد قتلوا ، فقالوا : هذا من فعل صالح فعزموا على الهجوم عليه وقتله ~~، فأمره الله تعالى بالخروج من المسجد ، فجاءوا ليقتلوه فما رأوه ، وأصبحوا ~~في اليوم الثاني وقد احمرت وجوههم ، وفي اليوم الثالث اسودت ، فأيقنوا ~~بعذاب الله ، وحفروا لأنفسهم حفائر ، ولأهليهم وأولادهم ولبسوا الأنطاع ، ~~وجلسوا في الحفائر ينتظرون العذاب ، وصالح يخوفهم وينذرهم عذاب الله وهم لا ~~يبالون به . PageV13P0076 # """""" صفحة رقم ms2409 77 """""" فلما كان في اليوم الرابع وهو صبيحة الأحد ~~أرسل الله تعالى جبريل فنشر جناح غضبه ، وأتاهم بشرارة من نار لظى ، وجعل ~~يرميهم منها بجمر متوهج كأمثال الجبال ، وثمود باركة في حفائرها . وأخذ ~~جبريل بتخوم الأرض ، فزلزلت بيوتهم وقصورهم ، ثم نشر جناح غضبه على ديار ~~ثمود ، وصاح صيحة ، فكانوا كما قال الله تعالى : " فكانوا كهشيم المحتظر " ~~. ثم أقبلت سحابة سوداء على ديارهم ، فرمتهم بوهج الحريق سبعة أيام حتى ~~صاروا رمادا . فلما كان في اليوم الثامن انجلت السحابة وطلعت الشمس ، وجاء ~~صالح بمن معه من المؤمنين ، فطاف بديارهم ، واحتملوا ما قدروا عليه من ~~أموالهم وارتحل بقومه إلى أرض الشام ، فنزل بأرض فلسطين ، وأقام عليه ~~السلام حتى مات . الباب السابع من القسم الأول من الفن الخامس في أخبار ~~أصحاب البئر المعطلة والقصر المشيد وما كان من أمرهم وهلاكهم قال الكسائي : ~~قال كعب : لما قبض الله تعالى نبيه صالحا عليه السلام بأرض فلسطين ، خرج ~~أصحابه إلى بلاد اليمن فتفرقوا فرقتين : فنزلت إحداهما بأرض عدن ، وهم ~~أصحاب البئر المعطلة ، والثانية صارت إلى حضرموت والقصر المشيد وهو قبل ~~البئر ، والذي بناه رجل يقال له : جند بن عاد ، وذلك لأنه رأى ما نزل بقوم ~~هود من الريح ، فعزم على بناء قصر مشيد ، فبالغ في تشييده ، وانتقل إليه ، ~~وكان له قوة عظيمة ، فكان يقتلع الشجرة ، ويمر بيده في الجبل فيخرقه وكان ~~مولعا بالنساء ، فتزوج زيادة عن سبعمائة امرأة ، ورزق من كل امرأة ذكرا ~~وأنثى ؛ فلما كثر ولده وقومه طغى في الأرض وتجبر ، وكان يقعد في أعلى قصره ~~مع نسائه فلا يمر به أحد إلا أمر بقتله ؛ فلما كثر فساده أهلكه الله بصيحة ~~جبريل جاءته من قبل السماء فأهلكته هو وأولاده وقومه . PageV13P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" قال الكسائي : ولا يجسر أحد أن يدخل إلى القصر ~~مما نزل بسكانه . قال : ويقال : إن فيه حية عظيمة ، وإنه يسمع من داخله ~~أنين كأنين المريض . وأما البئر المعطلة فهي بأرض عدن ، وكان أهلها على دين ~~صالح ، وكان المطر ينقطع عنهم في بعض الأوقات ms2410 حتى يبلغ بهم الجهد ، فيحملون ~~الماء من بلد بعيد ، فأعطاهم الله تعالى هذه البئر على ألا يشركوا به شيئا ~~، ويعبدوه حق عبادته وكانوا معجبين بها ، قد بنوها بألوان الصخور ، وبنوا ~~حولها حياضا بعدد قبائلهم ؛ وكان لهم ملك يسوسهم ، فلما مات حزنوا عليه ~~حزنا عظيما ؛ فأقبل عليهم إبليس وقال : ما بالكم الحزن ؟ قالوا : كيف لا ~~نكون كذلك وقد فقدنا ملكنا مع إحسانه إلينا . قال : إنه لم يمت ، ولكنه ~~احتجب عنكم لغضبه عليكم ، ولكونكم لم تعبدوه . وانطلق إبليس فاتخذ لهم صنما ~~على صورة الملك ، ونصبه على سريره ، وقال : هلموا إلى الملك فاسمعوا كلامه ~~. فأقبلوا حتى وقفوا من وراء الستر ، ووقف إبليس في جوف الصنم شيطانا ~~يكلمهم بلغة لا ينكرون أنها لغة الملك ، ثم قال إبليس : استمعوا . فكلمهم ~~الشيطان من الصنم وقال : يا آل ثمود ، مالي أراكم تبكون ؟ قالوا : لفقدك . ~~قال : قد كذبتم ، لو كنتم تحبوني كما تقولون كنتم عبدتموني ، وقد كنت فيكم ~~أربعمائة سنة ما فيكم من سجد لي سجدة واحدة ، والآن فقد ألبسني ربي ثوب ~~الألوهية ، فصيرني فيكم لا آكل ولا أشرب ولا أنام ، وأخبركم بالغيوب ، ~~فاعبدوني وسموني ربا ، فإني أقربكم إلى ربي زلفى . قالوا : يأيها الملك ، ~~فلو رأينا وجهك . فرفع إبليس الحجاب حتى رأوه فلم ينكروا من صفاته شيئا ، ~~فخروا له سجدا ، واتخذوه ربا ، وكان فيهم رجل من خيار قوم صالح اسمه حنظلة ~~بن صفوان ، ففارقهم ولحق بالحرم ، وعبد الله حينا فرأى في منامه قائلا يقول ~~له : قد أمرك ربك أن تصير إلى قومك وتحذرهم عذابه إن لم يرجعوا عن عبادة ~~الأصنام ، وتذكرهم العهود في البئر ، وإن لم يؤمنوا غار ماء البئر حتى ~~يموتوا عطشا . PageV13P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" فانتبه وخرج من ساعته حتى أتى قومه ، فأنذرهم ~~ووعظهم ، فهموا بقتله فعطل الله تعالى بئرهم حتى لم يجدوا فيها قطرة ، ~~فأتوا إلى صنمهم فلم يكلمهم ، وأنتهم صيحة من السماء فهلكوا عن آخرهم . ~~ويقال : إن سليمان صفد شياطين وحبسهم بهذه البئر ؛ والله أعلم . الباب ~~الثامن من القسم الأول من الفن الخامس في خبر ms2411 أصحاب الرس وما كان من أمرهم ~~قال الكسائي : قال كعب : إن أصحاب الرس كانوا بحضرموت ، وكانوا كثيرا ، ~~فبنوا هناك مدينة كانت أربعين ميلا في مثل ذلك ، فاحتفروا لها القنوات من ~~تحت الأرض ، وسموها رسا ، وكان ذلك أيضا اسم ملكهم ، فأقاموا في بلدهم دهرا ~~طويلا يعبدون الله تعالى حق عبادته ؛ ثم تغيروا عن ذلك وعبدوا الأصنام وكان ~~مما أحدثوه إتيان النساء في أدبارهن والمبادلة بهن ، فكان كل منهم يبعث ~~بامرأته إلى الآخر ، فشق ذلك على النساء ، فأتاهن إبليس في صورة امرأة ~~وعلمهن السحاق ففعلنه ، وهم أول من أتى النساء في أدبارهن وساحق ؛ فاشتهرت ~~هذه القبائح فيهم . فبعث الله إليهم رسولا اسمه حنظلة ، وقيل : خالد بن ~~سنان . وقيل : ابن صفوان . فدعاهم إلى طاعة الله ، ونهاهم عن عبادة الأصنام ~~وفعل القبائح وحذرهم وذكرهم ما حل بمن قبلهم من الأمم ، فكذبوه ، فوعظهم ~~دهرا طويلا وهم لا يرجعون ، فضربهم الله بالقحط ، فقتلوا نبيهم وأحرقوه ~~بالنار ؛ فصاح بهم جبريل صيحة فصاروا حجارة سودا ، وخسفت مدينتهم . وقيل : ~~إن هذه المدينة لم يرها إلا ذو القرنين ، وإنه رآهم حجارة ، ورأى ~~PageV13P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" النساء ملتصقات بعضهن ببعض ، ورأى الملوك على ~~الأسرة وبين أيديهم الجنود قائمة ، بأيديهم الأعمدة والأسلحة ، وقد صاروا ~~كلهم حجارة سودا . هذا ما حكاه الكسائي . وقال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله ~~قال سعيد بن جبير والكلبي والخليل بن أحمد دخل كلام بعضهم في بعض ، وكل قد ~~أخبر بطائفة من حديث أصحاب الرس : أنهم بقية ثمود وقوم صالح ، وهم أصحاب ~~البئر التي ذكرها الله تعالى في كتابه " وبئر معطلة " . قال : وكانوا يفلج ~~اليمامة نزولا على تلك البئر . وكل ركية لم تطو بالحجارة والآجر فهي رس ؛ ~~وكان لهم نبي يقال له : حنظلة ابن صفوان . وكان بأرضهم جبل يقال له : فلج ~~مصعد في السماء ميلا وكانت العنقاء تأتيه ، وهي أعظم ما يكون من الطير ، ~~وفيها من كل لون ، وسموها العنقاء لطول عنقها ، وكانت تكون في ذلك الجبل ~~وتنقض على الطير فتأكلها فجاءت ذات يوم وأعوزها الطير ، فانقضت على صبي ms2412 ~~فذهبت به ، فسميت عنقاء مغرب ، لأنها تغرب ما تأخذه وتذهب به ، ثم انقضت ~~على جارية حين ترعرعت فأخذتها فضمتها إلى جناحين لها صغيرين سوى الجناحين ~~الكبيرين ، فشكوا ذلك إلى نبيهم ؛ فقال : اللهم خذها واقطع نسلها ، وسلط ~~عليها آفة تذهب بها . فأصابتها صاعقة فاحترقت ، فمل ير لها أثر بعد ذلك . ~~قال : ثم إن أصحاب الرس قتلوا نبيهم ، فأهلكهم الله تعالى . PageV13P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" قال الثعلبي : وقال بعض العلماء : بلغني أنه ~~كان رسان : أما أحدهما فكان أهله أهل بذر وعمود ، وأصحاب غنم ومواش ، فبعث ~~الله إليهم نبينا فقتلوه ، ثم بعث الله رسولا آخر وعضده بولي ، فقتلوا ~~الرسول ، وجاهدهم الولي حتى أفحمهم ؛ وكانوا يقولون : إلهنا في البحر . ~~وكان على شفير البحر ؛ وكان يخرج إليهم من البحر شيطان في كل شهر خرجة ~~فيذبحون عنده ، ويتخذون ذلك اليوم عيدا ، فقال لهم الولي : أرأيتم إن خرج ~~إلهكم الذي تدعونه وتعبدونه إلي وأطاعني أتجيبوني إلى ما دعوتكم إليه ؟ ~~قالوا : بلى . وأعطوه على ذاك العهود والمواثيق ، فانتظر حتى خرج ذلك ~~الشيطان على صورة حوت راكبا على أربعة أحوات ، وله عنق منقلب ، وعلى رأسه ~~مثل التاج ؛ فلما نظروا إليه خروا سجدا ، وخرج الولي إليه وقال : ائتني ~~طوعا أو كرها باسم الله الكريم . فنزل عند ذلك عن أخواته ، فقال له الولي : ~~ائتني راكبا لئلا يكون القوم في شك . فأتى الحوت وأتت به الحيتان حتى أفضوا ~~إلى البر يجرونه ويجرهم ، ثم كذبوه بعد ما رأوا ذلك ، ونقضوا العهود ، ~~فأرسل الله تعالى عليهم ريحا تقذفهم في البحر ومواشيهم وما كانوا يملكون من ~~ذهب وفضة وآنية ؛ فأتى الولي الصالح إلى البحر حتى أخذ التبر والفضة ~~والأواني ، فقسمها على أصحابه بالسوية على الصغير والكبير ، وانقطع ذلك ~~النسل . وأما الرس الآخر فهم قوم كان لهم نهر يدعى الرس ، وذلك النهر ~~بمنقطع أذربيجان ، بينهما رس أرمينة ، فإذا قطعنه مدبرا دخلت في حد أرمينية ~~وإذا قطعته مقبلا دخلت في حد أذربيجان ، وكان من حولهم من أهل أرمينية ~~يعبدون الأوثان ، ومن قدامهم من أهل أذربيجان يعبدون النيران ، وكانوا ms2413 هم ~~يعبدون الجواري العذارى ، فإذا تمت لإحداهن ثلاثون سنة قتلوها واستبدلوا ~~غيرها . وكان عرض نهرهم ثلاثة فراسخ ، وكان يرتفع في كل يوم وليلة حتى يبلغ ~~أنصاف الجبال التي حوله ، ولا ينصب في بر ولا بحر ، وإذا خرج من حدهم يقف ~~ويدور ثم يرجع إليهم فبعث الله إليهم ثلاثين نبيا في شهر واحد ، فقتلوهم ~~جميعا فبعث الله إليهم نبيا وأيده بنصره ، وبعث معه وليا ، فجاهدهم في الله ~~حق جهاده . PageV13P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" ثم بعث الله تعالى ميكائيل حين نابذوه - وكان ~~ذلك في أول وقوع الحب في الزرع ، وكانوا إذ ذاك من أحوج ما يكون إلى الماء ~~- فبحر نهرهم في البحر فانصب ما في أسفله ، وأما عيونه من فوق فسدها ، ثم ~~بعث الله تعالى خمسمائة ألف ملك من الملائكة أعوانا له ، ففرغوا ما بقي في ~~نهرهم . ثم أمر الله تعالى جبريل فنزل فلم يدع في أرضهم عينا ولا نهرا إلا ~~أيبسه بإذن الله تعالى . وأمر ملك الموت فانطلق إلى المواشي فأماتها في ~~ربضة واحدة . وأمر الرياح الأربع : الجنوب والشمال والدبور والصبا فضمت ما ~~كان لهم من متاع ، وألقى الله تعالى عليهم السبات . ثم خفقت الرياح الأربع ~~بذلك المتاع أجمع فشتته في رءوس الجبال وبطون الأودية . وأم الله الأرض ~~فابتلعت ما كان لهم من حلي وتبر وآنية ؛ فأصبحوا لا ماشية عندهم ولا بقر ~~ولا مال يرجعون إليه ولا ماء يشربون ولا طعام يأكلون ، فآمن بالله تعلى عند ~~ذلك قليل منهم ، وهداهم الله تعالى إلى غار في الجبل له طريق إلى خلفه ، ~~فنجوا ، وكانوا أحدا وعشرين رجلا وأربع نسوة وصبيين ، وكان عدة الباقين من ~~الرجال والنساء والذراري ستمائة ألف ، فماتوا عطشا وجوعا ، ولم تبق منهم ~~باقية . ثم عاد القوم إلى منازلهم فوجدوها قد صار أعلاها أسفلها ، فدعا ~~القوم عند ذلك مخلصين أن يحييهم الله تعالى بماء وزرع وماشية ، وأن يجعل ~~ذلك قليلا لئلا يطغوا . فأجابهم الله تعالى إلى ذلك ، وأطلق لهم نهرهم ، ~~وزادهم على ما سألوه . فأقام أولئك القوم على طاعة الله تعالى باطنا ms2414 وظاهرا ~~حتى مضوا وانقرضوا ؛ فحدث من بعدهم من نسلهم قوم أطاعوا الله تعالى في ~~الظاهر ، ونافقوا في الباطن ؛ وأملى الله تعالى لهم ، ثم بعث الله عليهم ~~عدوهم ممن قاربهم وخالفهم ، فأسرع فيهم PageV13P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" القتل ، وبقيت منهم شرذمة ، فسلط الله عليها ~~الطاعون ، فلم يبق منهم باقية وبقي نهرهم ومنازلهم مائتي عام لا يسكنها أحد ~~. ثم أتى الله بعد ذلك بقرن فنزلوها وكانوا صالحين سنين ، ثم أحدثوا فاحشة ~~وجعل الرجل منهم يدعو ابنته وأخته وزوجته فيلقى بهن جاره وأخاه وصديقه ~~يلتمس بذلك البر والصلة ، ثم ارتفعوا عن ذلك إلى نوع آخر ترك الرجال النساء ~~حتى شبقن ، واشتغلن عن الرجال ، فجاءت النساء شيطانة في صورة امرأة - وهي ~~الولهانة بنت إبليس - فشبهت للنساء ركوب بعضهن بعضا ؛ وعلمتهن كيف يصنعن ؛ ~~فأصل ركوب النساء النساء منها ؛ فسلط الله تعالى على ذلك القرن صاعقة من ~~أول ليلتهم ، وخسفا في آخر الليل ، وصيحة مع الشمس ، فمل تبق منهم باقية ~~وبادت مساكنهم . قال الثعلبي : ولا أحسب مساكنهم اليوم مسكونة . وقال أبو ~~إسحاق الثعلبي أيضا : وروى علي بن الحسين زين العابدين عن أبيه الحسين بن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أن رجلا من أشراف بني تميم يقال له : عمرو ، ~~أتاه فقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرني عن أصحاب الرس وأي عصر كانوا فيه ؟ ~~وأين كانت منازلهم ؟ ومن كان ملكهم ؟ وهل بعث الله تعالى إليهم رسولا أو لا ~~؟ وبماذا هلكوا ؟ فإني أجد في كتاب الله تعالى ذكرهم ولا أجد خبرهم . فقال ~~له : لقد سألتني عن حديث ما سألني عنه أحد قبلك ، ولا يحدثك به أحد بعدي . ~~كان من قصتهم يا أخا تميم أنهم كانوا يعبدون شجرة صنوبر يقال لها : ساب ~~درحب ، كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين يقال لها : دوسات كانت أنبطت ~~لنوح بعد الطوفان ، وكان لهم اثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر يقال له الرس من ~~بلاد المشرق ، ولم يكن يومئذ في الأرض نهر أغزر ولا أعذب منه ولا قرى أكثر ~~سكانا وعمرانا منها ؛ وذلك ms2415 قبل سليمان بن داود ، وكان من أعظم مدائنهم ~~اسفيدبا ، وهي التي كان ينزلها ملكهم ، وكان يسمى بركون بن عابور بن بلوش ~~بن سارب بن النمروذ بن كنعان ، وفيها العين والصنوبرة ، وقد غرسوا في كل ~~عين حبة من تلك PageV13P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" الصنوبرة ، وقد غرسوا في كل عين حبة من تلك ~~الصنوبرة ، فنبتت الحبة وصارت شجرة عظيمة ، وحرموا ماء تلك العيون والأنهار ~~، لا يشربون منها ولا أنعامهم ، ومن فعل ذلك منهم قتلوه ويقولون : هي مياه ~~آلهتنا ، ولا ينبغي لأحد أن ينقص من حياتها ، ويشربون هم وأنعامهم من نهر ~~الرس الذي عليهم قراهم ؛ وقد جعلوا في كل شهر من السنة في كل قرية عيدا ~~يجتمع أهلها ويضربون على تلك الشجرة مظلة من الحرير ، فيها من أصناف الصور ~~؛ ثم يأتون بشياه وبقر فيذبحونها قربانا للشجرة ، ويشعلون فيها النيران ، ~~فإذا سطع دخان تلك الذبائح وقتارها وبخارها في الهواء ، وحال بينهم وبين ~~النظر إلى السماء ، خروا سجدا ، ويتلون ويتضرعون إليها أن ترضى عنهم . وكان ~~الشيطان يجيء فيحرك أغصانها ويصيح من ساقها صياح الصبي : عبادي قد رضيت ~~عنكم ، فطيبوا نفسا ، وقروا عينا ، فيرفعون عند ذلك رءوسهم ، ويشربون الخمر ~~، ويضربون بالمعازف ؛ فيكونون على ذلك يومهم وليتهم ، ثم ينصرفون ؛ حتى إذا ~~كان عيد قريتهم العظمى ، اجتمع إليهم صغيرهم وكبيرهم ، فضربوا عند الصنوبرة ~~والعين سرادقا من ديباج ، عليه من أنواع الصور ، له اثنا عشربابا ، كل باب ~~لأهل قرية منهم ؛ ويسجدون للصنوبرة خارجا من السرادق ، ويقربون لها الذبائح ~~أضعاف ما يقربون للأشجار التي في قراهم ، فيجيء إبليس عند ذلك فيحرك الشجرة ~~تحريكا شديدا ، ويتكلم من جوفها كلاما جهرا ، ويعدهم ويمنيهم بأكثر مما ~~وعدهم به الشياطين كلهم ؛ فيرفعون رءوسهم من السجود وبهم من الفرح والنشاط ~~ما لا يفيقون ولا يتكلمون معه ؛ فيداومون العزف والشرب ، فيكونون على ذلك ~~اثني عشر يوما بلياليها بعدد أعيادهم في السنة ؛ ثم ينصرفون ؛ فلما طال ~~كفرهم بالله تعالى وعبادتهم غيره ، بعث الله إليهم نبيا من بني إسرائيل من ~~ولد يهوذا بن يعقوب ، فلبث فيهم زمنا طويلا يدعوهم ms2416 إلى الله تعالى ، ~~ويعرفهم ربوبيته ؛ فلا يتبعونه ولا يسمعون مقالته ؛ فلما رأى شدة تماديهم ~~في البغي والضلالة وتركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد والصلاح ، وحضر عيد ~~قريتهم العظمى قال : يا رب إن عبادك أبوا تصديقي ودعوتي لهم ، فما زادوا ~~إلا تكذيبي والكفر بك ، وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضر ، فأيبس شجرهم ~~أجمع ، وأرهم قدرتك وسلطانك . PageV13P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" فأصبح القوم وقد يبس شجرهم كله ، فهالهم ذلك ~~وتضعضعوا ، فصاروا فرقتين : فرقة قالت : سحر هذا الرجل الذي زعم أنه رسول ~~رب السماء ، ألهاكم ليصرف وجوهكم عنها إلى إلهه ، وفرقة قالت : بل غضبت ~~آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها ويقع فيها ، ويدعوكم إلى عبادة غيرها ، ~~فحجبت حسنها وبهاءها لكي تغضبوا لها ، فتنتصروا منه . فأجمعوا رأيهم على ~~قتله ، فاتخذوا مثال بئر ، واتخذوا أنابيب طوالا من رصاص واسعة الأفواه ، ~~ثم أرسلوها إلى قرار العين واحدة فوق الأخرى مثل البرانج ، ونزحوا ماء ~~العين ، ثم حفروا في قرارها بئرا ضيقة المدخل عميقة ، وأرسلوا فيها نبيهم ، ~~وألقوا عليه فيها صخرة عظيمة ؛ ثم أخرجوا الأنابيب من الماء وقالوا : الآن ~~نرجو رضا آلهتنا عنا إذا رأت أنا قد قتلنا من كان يقع فيها ، ويصد عن ~~عبادتها . فبقوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم ، وهو يقول : سيدي ، ترى ضيق ~~مكاني وشدة كربي ، فارحم ضعف ركني وقلة حيلتي ، وعجل قبض روحي ولا تؤخر ~~إجابة دعوتي . حتى مات عليه السلام . فقال الله تعالى لجبريل : انظر عبادي ~~هؤلاء الذين غرهم حلمي ، وأمنوا مكري ، وعبدوا غيري ، وقتلوا رسولي ، وأنا ~~المنتقم ممن عصاني ولم يخش عذابي وإني حلفت بعزتي لأجعلنهم عبرة ونكالا ~~للعالمين . فبينما هم في عيدهم إذ غشيتهم ريح عاصف حمراء ، فتحيروا وذعروا ~~منها وانضم بعضهم إلى بعض ، ثم صارت الأرض من تحتهم حجر كبريت يتوقد ؛ ~~وأظلتهم سحابة سوداء ، فألقت عليهم كالقبة حجرا يلتهب نارا ، فذابت أبدانهم ~~كما يذوب الرصاص في النار ؛ نعوذ بالله من غضبه ودرك نقمته . PageV13P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" القسم الثاني من الفن الخامس في قصة إبراهيم ~~الخليل عليه الصلاة والسلام وخبره ms2417 مع نمروذ ، وقصة لوط ، وخبر إسحاق ويعقوب ~~، وقصة يوسف وأيوب وذي الكفل وشعيب ، وفيه سبعة أبواب الباب الأول منه في ~~قصة إبراهيم الخليل - عليه الصلاة والسلام - وخبر نمروذ بن كنعان . وليبدأ ~~من هذه القصة بخبر نمروذ ؛ ثم نذكر قصة إبراهيم - عليه السلام - لتعلق قصته ~~به ، لأن إبراهيم ولد في زمانه ، وآيته الكبرى معه . ذكر خبر نمروذ بن ~~كنعان هو نمروذ بم كنعان بن كوش ، وهو أحد ملوك الدنيا الأربعة الذين ملكوا ~~شرقها وغربها . وقد ورد أنهم مؤمنان وكافران : فالمؤمنان سليمان بن داود ~~والإسكندر ذو القرنين المذكور في سورة الكهف ؛ والكافران : شداد بن عاد ~~ونمروذ ابن كنعان . وقد قيل : بدل شداد بختنصر . قال الكسائي : قال وهب ، ~~لما أهلك الله تعالى أهل الرس بالمسخ ومن تقدمهم بما ذكرناه ، أنشأ قرونا ~~آخرين ، فكان ممن أنشأ من ولد حام بم نوح بن كوش ابن قرط بن حام ، وكان ~~جبارا شديد القوة عظيم الخلق ، له مخالب كالسباع وهو الذي أنشأ كوثاربا ~~PageV13P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" من أرض العراق ، وولد له بها ولد سماه كنعان ، ~~وكان ولد آخر يقال له : الهاص ؛ فلما مات كوش استقل الهاص بالملك دون كنعان ~~واستقل كنعان بالصيد ، وولع به حتى ألهاه عن طلب الملك ، وكان مع ذلك شديد ~~البطش والقوة ، فبينما هو يتصيد إذ رأى امرأة ترعى بقرات ، فأعجبته فراودها ~~عن نفسها ، فامتنعت واعتذرت بزوجها ؛ فقال : ويلك ، هل على وجه الأرض من ~~يطاولني وأما من ولد كوش ، ونحن ملوك الأرض ؟ فضحكت المرأة كالمستهزئة ، ~~وقالت : لا تذكر الملوك وأنت رجل صياد . ثم أقبل زوجها فقتله كنعان وأخذ ~~المرأة ووطئها ، فحملت بنمروذ ، ونقلها كنعان إلى قصره ، فكانت من أحظى ~~نسائه ، ثم قتل أخاه بعد ذلك ، واستقل بالملك . ثم رأى في منامه كأنه صارع ~~إنسانا فصرعه وقال : أنا مشئوم أهل الأرض ومنزلي الظلمة ، وقد أجلتك حتى ~~أخرج من ظلمتي هذه إلى ضوء الدنيا . فانتبه مرتاعا ، وأحضر أصحاب النجوم ، ~~وقص رؤياه عليهم ، فقالوا : سيولد مولود هو الآن في بطن أمه يكون هلاكك على ~~يديه . وتبين حمل ms2418 الراعية - وكان اسمها شلخاء - وكانت تسمع في بطنها صوتا ~~عجيبا ، فسمعه كنعان فقال : ويحك ، هذا ليس بآدمي ، وإنما هو شيطان ؛ وهم ~~أن يدوس بطنها ليقتل من فيه ؛ فهتف به هاتف : مه يا كنعان ، ليس إلى قتله ~~سبيل . فلما كملت مدة الحمل وضعته أسود أحول أفطس أزرق العين ؛ وخرجت حية ~~من حجر فدخلت في أنفه ، ففزعت شلخاء ؛ وأخبرت كنعان بخبره ؛ فقال : اقتليه ~~فإنه شؤم . فقالت : لا تطيب نفسي بقتله . قال : فاحمليه واطرحيه في البرية ~~. فاحتملته إلى البرية ، فمرت براعي بقرات فعرضته عليه ، فأخذه ، وعادت إلى ~~منزلها ؛ فلما وضعه الراعي بين البقر نفرت وتفرقت وعسر عليه جمعها ؛ وأقبلت ~~امرأته فأخبرها بخبر الغلام ؛ فقالت : اقتله إنه شؤم ، فأبى وقال : اطرحيه ~~في النهر ، فطرحته في نهر عظيم ، فألقاه الماء إلى البر ؛ فقيض له الله له ~~نمرة فأرضعته وانصرفت ؛ فرأته امرأة من PageV13P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" قرية هناك فعجبت وأخبرت أهل القرية ، فخرجوا ~~إليه واحتملوه وربوه وسموه نمروذ ، فلما بلغ جعل يقطع الطريق ويغير على ~~النواحي ، واجتمع له جمع كثير ، فبلغ خبره كنعان ، فجعل يبعث إليه بقائد ~~بعد قائد وهو يهزمنهم ؛ وعظم أمره حتى صار في جيش عظيم ؛ فسار إلى كوثاربا ~~وقاتل كنعان ، فهزم جيوشه وظفر به ، وقتله وهو لا يعلم أنه أبوه ، واحتوى ~~على ملكه ؛ ثم أخذ في غزو الملوك حتى ملك الشرق وسائر ممالك الدنيا ؛ ثم ~~رجع إلى كوثاربا فاستدعى وزراءه وقال : أريد أن أبني بنيانا عظيما لم أسبق ~~إلى مثله . فدلوه على تارح وذكروا أنه عارف بأمر النجارة والبناء ، فأحضره ~~ومكنه من خزانته ، وأمره بإنشاء قصر عظيم ؛ فخرج تارح وشرع في بنائه ، ~~وتأنق فيه ، وأجرى فيه الأنهار ، فلما كمل ورآه نمروذ خلع على تارح وجعله ~~وزيره . وأخذ نمروذ في التكبر حتى ادعى الألوهية . وكان مولعا بعلم النجوم ~~، فأتقنه ؛ فجاء إبليس في صورة شيخ وسجد له وقال : إنك قد أتقنت علم النجوم ~~؛ وعندي علم ما هو أحسن منه ، وهو السحر والكهانة ، فعلمه ذلك ، ثم حسن له ~~عبادة الأصنام ، فدعا بتارح وأمره أن يتخذ له ms2419 صنما على صورته ، ويتخذ لقومه ~~أصناما أخرى ، فاتخذها تارح من الجوهر والذهب والفضة والقوارير والخشب على ~~أقدار الناس ، وكلها على صورة نمروذ حتى اتخذ سبعين صنما وأمر نمروذ قومه ~~أن يتخذوها ؛ ففعلوا ذلك وانهمكوا في عبادتها ، وكلمهم الشياطين من أجوافها ~~؛ فعبدوها حتى لم يعرفوا سواها وطغوا وبغوا ، وأكثروا الفساد في الأرض ، ~~حتى ضجت الأرض والسماء والوحش والطير إلى ربها منهم . ذكر الآيات التي رآها ~~نمروذ قبل مولد إبراهيم - عليه السلام - قال : كان أول ذلك أنه صعد في بعض ~~الأيام إلى سريره ، فانتفض من تحته انتفاضا شديدا ، وسمع هاتفا يقول : تعس ~~من كفر بإله إبراهيم ، فقال لتارح وهو واقف عنده : سمعت ما سمعت ؟ قال : ~~نعم . قال : فمن هو إبراهيم ؟ قال : لا أعرفه . PageV13P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" فأرسل إلى السحرة وسألهم عن إبراهيم ، وأخبرهم ~~بما سمع ؛ فقالوا : لا نعرف إبراهيم ولا إلهه . ثم توالت عليه الهواتف ، ~~ونطقت الوحش والطير والسباع بمثل ذلك ؛ ثم رأى الرؤى في منامه . فكان منها ~~أنه رأى القمر قد طلع من ظهر تارح ، وألقى نوره كالعمود الممدود بين السماء ~~والأرض ؛ وسمع قائلا يقول : " جاء الحق " ونظر إلى الأصنام وهي ترتعد ، ~~فاستيقظ وقص رؤياه على تارح ، فقال : أيها الملك ، إني في الأرض كالقمر ~~لكثرة عبادتي لهذه الأصنام . فقال له نمروذ : صدقت . وانصرف تارح حتى دخل ~~بيت الأصنام ، فإذا هي قد سقطت عن كراسيها منكبة على أوجهها ، فأمر خدمها ~~بإعادتها ، وعجب من ذلك . قال : ثم رأى في منامه كأن نورا ساطعا بين السماء ~~والأرض ، وقوما يسلكون فيه ينزلون إلى الأرض ، ويصعدون إلى السماء ، وإذا ~~برجل من أحسن الناس وجها في ذلك النور ، وأولئك يقولون : نصرك إله السماء ، ~~فبك تحيا الأرض بعد موتها . فانتبه ودعا بالسحرة والكهنة والمنجمين ، وذكر ~~لهم رؤياه ، وأقسم إن كتموه تأويلها عذبهم وجعلهم طعما للسباع ، فطلبوا ~~أمانة ، فأمنهم ، فقالوا : رؤياك تدل على مولود من أقرب الناس إليك ، يرث ~~ملكك ، ويرتفع ذكره إلى السماء والشرق والغرب ويهلكك ، وأنه لا يأتيك ومعه ~~سلاح ولا جند ، فتبسم نمرود وقال : إن كان ms2420 كذلك فأمره هين ، ثم قال لهم : ~~فممن يكون ؟ قالوا : من ظهر أقرب الناس إليك ، ولا نعلم أكثر من هذا . ثم ~~قال : ليس أحد أقرب إلى من ابني كوش ووزيري تارح ؛ ثم أمر بابنه كوش فضرب ~~عنقه ؛ وأمر بقتل الأطفال حتى قتل مائة ألف طفل ؛ ثم دعا بالمنجمين فقال : ~~انظروا هل استرحت ممن كنت أخافه ؟ قالوا : ما حملت به أمه بعد . وأخذ في ~~ذبح الأطفال حتى ضجت الخلائق إلى الله تعالى . ذكر حمل أم إبراهيم - عليه ~~السلام - وطلوع نجمه قال : وعبر تارح يوما إلى الأصنام فاضطربت اضطرابا ~~شديدا ، فسجد لها فأنطقها الله ، فقالت : يا تارح ، " جاء الحق وزهق الباطل ~~" ووافى PageV13P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" نمروذ ما كان يحذره ، فخرج خائفا وجلا حتى دخل ~~على امرأته وذكر لها ذلك ؛ فقالت : وأنا أخبرك بعجب ، كنت قعدت عن الحيض ~~منذ كذا وكذا ، وقد حضت في يومي هذا . فقال : اكتمي أمرك لئلا يبلغ الملك . ~~فلما طهرت هتف به هاتف : يا تارح صر إلى زوجتك ليخرج النور الذي على وجهك ، ~~فلما سمع ذلك مر هاربا على وجهه فإذا هو بملك يقول : أين تريد ؟ ارجع فرد ~~الأمانة التي في ظهرك . فانصرف إلى منزله ولم يجسر أن يقرب امرأته ؛ فأصبح ~~وإذا بنور ساطع على وجهه ؛ وكان هو الذي يقرب إلى الأصنام الطعام والشراب ~~كل ليلة ، وينصرف إلى منزله فتأكله الشياطين ؛ فقرب الطعام إليها ، فأقبلت ~~الشياطين لتأكله ، فرأوا الملائكة هناك فولوا هاربين ، وبقى الطعام على ~~حاله ، فلما أصبح تارح رآه على حاله فظن أن الأصنام ساخطة عليه ، فعكف ~~عليها لترضى عنه ، فأبطأ عن منزله ، فأتته امرأته ؛ فلما خلت به في بيت ~~الأصنام تحركت شهوته ، وهم بمواقعتها ، فقالت : ألا تستحي ، أتفعل هذا بين ~~يدي آلهتك ؟ فواقعها ، فحملت منه إبراهيم - عليه السلام - فنكست الأصنام ، ~~وظهر نجم إبراهيم وله طرفان : أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب ؛ فعجب الناس ~~منه ؛ ورآه نمروذ فتحير ، فلما أصبح سأل المنجمين عنه ؛ فقالوا : هذا نجم ~~جديد طلع يدل على مولود جديد من أولاد الأكابر ، يرتفع شأنه ، ويخشى عليك ~~منه . فهتف ms2421 به هاتف يقول : يا عدو الله ، هذا المولود قد حملت به أمه والله ~~مهلكك على يديه . قال : فلما استكملت أمه تسعة أشهر قالت لأبيه : إني أحب ~~أن أدخل بيت الأصنام فأسألها أن تخفف عني أمر الولادة ، فأذن لها في ذلك ، ~~وتربص بها إلى الليل خوفا أن يعلم الناس بحملها ؛ فلما دخلت بيت الأصنام ~~تنكست عن كراسيها فخرجت فزعة ، فإذا هي بنمروذ في قومه ، وبين أيديهم ~~الشموع والمشاعل ؛ فقال نمروذ : من هذا ؟ قالت : زوجة عبدك تارح ؛ فأراد أن ~~يقول : اقبضوها فقال : خلوها ؛ فأقبلت إلى منزلها مذعورة ، فجاءها الطلق ، ~~فأقبل إليها ملك من عند الله تعالى وقال : لا تخافي وانهضي فضعي ما في بطنك ~~. فتبعته حتى أدخلها الغار ، وهو الذي ولد في إدريس ونوح - عليهما السلام - ~~. PageV13P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" ذكر ميلاد إبراهيم - عليه السلام - قال : ~~ودخلت أمه الغار فوجدت فيه جميع ما تحتاج إليه ، وخفف الله عنها الطلق ، ~~فولدته في ليلة جمعة ، وهي ليلة عاشوراء ؛ فلما سقط إلى الأرض قطع جبريل ~~سرته ، وأذن في أذنه ، وكساه ثوبا أبيض ؛ ثم عاد بها إلى منزلها فرجعت ~~خفيفة كأن لم تلد ، وقال لها الملك : اكتمي أمرك وما قد رأيت . فدخلت ~~منزلها ، وجاء تارح فرآها نشيطة خفيفة ، فقالت : إن الذي كان في بطني لم ~~يكن ولدا ، وإنما كانت ريحا وقد انشقت عني . ففرح بذلك ، وألقى الله تعالى ~~على نمروذ النسيان في أمر إبراهيم ؛ فلما كان اليوم الخامس خرجت أمه إلى ~~الغار فرأت الوحش والسباع على بابه ، فتوهمت أن يكون هلك ؛ فدخلت فرأته على ~~فراش من السندس ، وهو مدهون مكحول ، فتحيرت وعلمت أن له ربا ، ورجعت إلى ~~منزلها وأخبرت تارح الخبر ، فنهاها عن العود إلى الغار ، فكانت تروح إليه ~~سرا في كل ثلاثة أيام تنظر إليه وتعود ، حتى تم له حولان ، فأتاه جبريل ~~بطعام من الجنة ، فأطعمه وسقاه ؛ فلما استكمل أربع سنين جاءه ملك بكسوة من ~~الجنة ، وسقاه شربة التوحيد وقال : اخرج الآن منصورا . ذكر خروج إبراهيم - ~~عليه السلام - من الغار واستدلاله قال : ولما قال له الملك ms2422 ذلك خرج عند ~~غروب الشمس ، فجعل ينظر إلى السموات ، فذلك قوله تعالى : " وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى ~~كوكبا قال هذا ربي - يعني على سبيل الاستفهام ، أي أهذا ربي ؟ - فلما أفل ~~قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم ~~يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي أكبر ~~فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين " وهبط جبريل - عليه السلام - فقال له : ~~انطلق إلى أبيك وأمك ولا تخف فإن الله معك . فخرج إبراهيم وجبريل معه حتى ~~وقفه على الباب وقال : هذا بيت أبيك ، فدونك هو . فاستأذن إبراهيم وقال : ~~أدخل ؟ قال تارح : أدخل . فلما دخل نظر إليه فعجب من حسنه وجماله ، وقامت ~~أمه مسرعة إليه PageV13P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" واعتنقته وقالت : ولدي وعزة نمروذ . فقال لها ~~: لا تحلفي بعزة نمروذ ، فإن العزة لله الذي خلقني في بطنك وأخرجني منك ، ~~وكلأني ورباني وهداني . فارتعد تارح من كلامه وقال لأمه : أخشى أن تزول عني ~~هذه المنزلة بسببه . ونظر إليه وقال : ما أحسنك فلولا ما وقع في قلبي من ~~محبتك لرفعت خبرك إلى نمروذ . ثم بكى تارح خوفا عليه أن يقتل ، فقال له : ~~يا أبت لا تخف علي من القتل فإن الله يعصمني من نمروذ . فقال له : ألك رب ~~غير نمروذ ، وله مملكة الأرض شرقها وغربها ، وله ثلاثمائة صنم ؟ فقال ~~إبراهيم : بل ربي الله الذي لا إله إلا هو خالق السموات والأرض وما بينهما ~~لا شريك له . وبلغ خبر إبراهيم بعض أقارب تارح ، فدخل عليه وقال : ما هذا ~~الغلام الجميل ؟ قال : هو ابني ولد لي على كبر . قال : فما الذي بلغك من ~~قوله عن نمروذ وأصنامنا ؟ قال تارح هو ما بلغكم ، فكلموه حتى يعود إلى ~~ديننا . فحاجه قومه وخوفوه بعذاب نمروذ ، وهو يجادلهم ويحتج عليهم ، ويذكر ~~عظمة ربه حتى عجزوا عنه ms2423 فذلك قوله تعالى : " وحاجه قومه قال أتحاجوني في ~~الله وقد هدان " الآيات إلى قوله : " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ~~" . فانصرفوا عنه وخاف تارح أن يسعوا به وبولده إلى نمروذ ، فقال : يا ~~إبراهيم كف عن هذا الكلام حتى أستخلفك على خزانه الأصنام فقد كبرت . فقال : ~~يا أبت ، إن المعبود هو الله ، والأصنام لا تضر ولا تنفع . فغضب تارح وأقبل ~~على نمروذ ، فسجد له ، وقال : إن المولود الذي كنت تحذره هو ولدي ، ولم ~~يولد في داري ، ولا أعلم به حتى الآن ، وقد جاءني وهو غلام يعقل ويفهم ، ~~ويزعم أن له ربا سواك ، وقد أعلمتك فاصنع ما أنت صانع . فلما سمع نمروذ ذلك ~~داخله الرعب وقال : صفه . فوصفه . قال نمروذ : هو الذي رأيته في منامي . ~~وقال لأعوانه : ائتوني به . فأتوه به ، فردد النظر إليه وقال : احبسوه إلى ~~غد ؛ فلما أصبح أحضره وقد أمر بتزيين قصره بأعظم زينة ، وهول عليه بجنوده ~~وأصناف السلاح ؛ فالتفت إبراهيم إلى الناس يمينا وشمالا وقال : " ما تعبدون ~~" ؟ فذلك قوله تعالى : " واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ~~PageV13P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" ما تعبدون " إلى قوله : " إلا رب العالمين " ~~ثم قال : " الذي خلقني فهو يهدين " إلى قوله : " واجعلني من ورثة جنة ~~النعيم " ثم التفت وقال : " واغفر لأبي إنه كان من الضالين " إلى قوله : " ~~وبرزت الجحيم للغاوين " . فلما فرغ من كلامه قال له نمروذ ، يا إبراهيم ، ~~تقع في ديني وأنا الذي خلقتك ورزقتك ؟ قال : كذبت ، إن خالقي ورازقي وخالق ~~الخلق ورازقهم ، " هو الله الذي لا إله إلا هو " فبهت الناس ، ووقعت في ~~قلوبهم محبته لحسنه وحسن كلامه ؛ فالتفت نمروذ إلى تارح وقال : إن ولدك ~~صغير لا يدري ما يقول ولا يجوز لمثلي في قدرتي وعظم مملكتي أن أعجل عليه ؛ ~~فخذه إليك ، وأحسن إليه وحذره بأسي حتى يرجع عما هو فيه . فأخذه تارح ~~وانصرف إلى منزله ، وقال : يا بني ، إن لي عليك حقا ، وأسألك بحقي عليك أن ~~تلازمني في عملي وبيع هذه الأصنام كما يفعل إخوتك . قال : كيف أبيع ما ~~أبغضه ms2424 ؟ قال : ما عليك أن تبيعها ؟ واخرج له صنمين صغيرا وكبيرا ، وقال : ~~بع هذا بكذا ، وهذا بكذا . قال : يا أبت أنت تعبد هذه الأصنام على أنها ~~ترزقك وهي التي خلقك ؟ قال : نعم . فقال له ما أخبرنا الله به في قوله : " ~~واذكر في الكتاب إبراهيم صديقا نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا ~~يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك ~~فاتبعني أهدك صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن ~~عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا " فغضب ~~تارح من قوله وقال : " أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك ~~واهجرني مليا " قال إبراهيم : " سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ~~" . وقال : وكان إبراهيم يخرج ومعه غلامان ومعهما صنمان ، فيقول : من يشتري ~~ما لا يضر ولا ينفع ولا يدفع الذباب عن نفسه ؛ وكان يغمسهما في الماء ويقول ~~: اشربا . ويشد الحبل في أرجلهما ويجرهما ، والناس يعظمون ذلك ولا يجسرون ~~يكلمونه لمكان أبيه من نمروذ . PageV13P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" ذكر معجزة لإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ~~قال : وبينما إبراهيم قاعدا إذ جاءته امرأة عجوز ، فقالت : بعني أحد هذين ~~الصنمين ، واختر لي أجودهما . فقال : هذا أكثر حطبا من هذا . قالت : لست ~~أريده للوقود ، وإنما أريد أن أعبده ، فقد كان لي إله سرق في جملة ثياب ~~كثيرة لي ، وأنا أريد أن أشتري هذا الصنم فأعبده حتى يرد علي رحلي . قال ~~لها إبراهيم : إن الإله الذي يسرق لو كان إلها لحفظ الثياب وحفظ نفسه ، فكم ~~لك تعبدينه ؟ قالت : كنت أعبده ونمروذ منذ كذا وكذا سنة ، قال : بئس ما ~~صنعت ، هلا عبدت رب السموات والأرض حتى يرد عليك ما سرق منك ، فإن عاد مالك ~~تؤمنين ؟ قالت : نعم . فدعا إبراهيم ربه فإذا بالمسروق بين يديه قد جاء به ~~جبريل ؛ فقال لها إبراهيم : هذا رحلك . فأخذته العجوز وكسرت الصنم ، وقالت ~~تبا لك ولمن يعبدك دون الله ms2425 . وآمنت ، وجعلت تطوف في المدينة وتقول : يا ~~أيها الناس اعبدوا الله الذي خلقكم ورزقكم ، وذروا ما كنتم عليه من عبادة ~~الأصنام . فبلغ خبرها نمروذ ، فأحضرها وأمر بقطع يديها ورجليها وفقء عينيها ~~؛ فاجتمع إبراهيم والناس لينظروا إليها - وهو إذ ذاك لم يبلغ الحلم - فدعا ~~لها بالصبر وقال : إلهي إنك قد هديتها ، أسألك أن تجعلها آية . فرد الله ~~عينيها ويديها ورجليها وارتفعت في الهواء وهي تنادي : ويلك يا نمروذ ، أنا ~~الذي قد فعلت بي ما فعلت هذا أنا أرقى إلى الجنان . وكان لنمروذ خازن يقال ~~له : بهرام ، فقام وقال : آمنت أيتها المرأة بالذي خصك بهذه الكرامة ، وأمن ~~في ذلك اليوم خلق كثير من وجوه القوم ؛ فأمر نمروذ فنشروا بالمناشير وألقوا ~~للأسود فلم تأكلهم ؛ وارتجت المدينة بزلزلة عظيمة وترادفت معجزات إبراهيم - ~~عليه السلام - ذكر مبعث إبراهيم - عليه السلام - قال : فلما تم لإبراهيم ~~أربعون سنة ، جاءه جبريل بالوحي من الله ، وأرسله إلى نمروذ ، فأقبل ~~إبراهيم ووقف على باب نمروذ ونادى بأعلى صوته : يا قوم ، قولوا : ~~PageV13P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" " لا إله إلا الله وإني رسول الله " . فانتشر ~~الصوت على جميعهم ؛ فأحضر نمروذ الوزراء والبطارقة ، وأجلسهم في مجالسهم ، ~~وأقام جنوده ، وأحضر الأسود والفيلة بسلاسلها ، وأقيمت صفوفا عن يمين الدار ~~ويسارها ؛ وأمر بدخول إبراهيم ؛ فدخل وقال : " باسم الله العظيم " فلما ~~توسط الدار قال بصوت رفيع : يا قوم قولوا : " لا إله إلا الله خالق كل شيء ~~" . ثم تقدم إلى نمروذ ؛ فقال له بعض وزرائه : من أنت ؟ قال : أنا إبراهيم ~~بن تارح رسول رب العالمين ، أدعوكم إلى عبادته . قال له : من ربك ؟ قال : ~~الذي خلق الناس جميعا . قال نمروذ : إن ملكي أعظم من ملكه . قال إبراهيم : ~~الملك والسلطان لله رب العالمين . قال : لقد تجرأت علي يا إبراهيم ، وأنت ~~تعلم أني خلقتك ورزقتك . فاضطرب سرير نمروذ ، وقال إبراهيم : كذبت يا نمروذ ~~، إن الله هو الذي خلقك وخلق الناس أجمعين ، ورزقك ورزقهم ، وأنت تكفلا ~~بنعمته وقد رأيت بعض الآيات ؟ قال : هات غير ذلك . فوصف إبراهيم قدرة الله ~~. قال نمروذ : فما الذي ms2426 يفعل من قدرته ؟ " قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت ~~" قال نمروذ : " أنا أحي وأميت " . قال : كيف تفعل ؟ قال : أخرج من الحبس ~~من قد وجب عليه القتل فأطلقه ، وأقتل الذي لم يجب عليه . قال إبراهيم : إن ~~ربي لا يفعل كذلك ، بل الميت يحييه ، والحي يميته من غير قتل ، ولكن يا ~~نمروذ " إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر " ~~. ذكر سؤال إبراهيم - عليه السلام - في إحياء الموتى قال الله تعالى : " ~~وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم " . قال : فأخذ ديكا ~~أبيض وغرابا أسود وحمامة خضراء وطاوسا ، وقطع رءوسها ، وخلط الدم بالدم ~~والريش بالريش ؛ ثم جزأها أجزاء متساوية ، وجعل على كل جبل منهن جزءا ، ~~وجعل رءوسها من بين أصابع إبراهيم ، فصار كل رأس إلى بدنه . PageV13P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" قال : والتفت إبراهيم إلى نمرود وقال : كيف ~~ترى قدرة إلهي ؟ قال : ليس هذا ببديع من سحرك . وأمر به فقيد وغلت يده ، ~~وأدخل المضيق تحت الأرض وفيه الحيات والعقارب فلم يضره ذلك . وجاءه جبريل ~~فبشره عن الله بالنصر ، وألبسه حلة خضراء ، وفرش له فرشا من السندس ، وأتاه ~~بطعام فأكل وقال له : اصبر كما صبر الأنبياء من قبلك . ذكر آية لإبراهيم - ~~عليه السلام - قال : وكان إبراهيم يسلي أهل السجن ، ويذكرهم بالجنة والنار ~~؛ فقام إليه رجل وقال : يا إبراهيم ، أنا من ملوك العرب ، وأنا من ملكهم ، ~~وكنا أربع إخوة فغضب الملك علينا فحبسنى هاهنا ، وحبس الآخر بالمشرق ، ~~والآخر بالمغرب والرابع باليمن ، فهل يقدر ربك أن يجمع بيننا ؟ قال : نعم . ~~ودعا إبراهيم ربه ، فإذا بالأخوين وقد انقضا من المشرق والمغرب . فبلغ ذلك ~~نمروذ ، فأحضرهم وقال : من جمع بينكم ؟ قالوا : إلهنا بدعاء إبراهيم . ~~فأحضر إبراهيم وقال : ائتنا بالأخ الرابع من اليمن . فقال : إنه قد مات ~~ودفن . فقال نمروذ : ادع ربك حتى ms2427 يأتينا بقبره . فدعا إبراهيم ، فأمر الله ~~الملك الموكل بالأرض أن يخترق بالقبر إلى إبراهيم ؛ فخرج القبر من تحت ~~الأرض إلى دار نمروذ ، فقال إبراهيم للثلاثة : هذا قبر أخيكم . فقالوا : ~~أيها الملك ، إن كان حقا ما يقول فليدع ربه ليحييه وينظر إليه ويكلمه . ~~فصلى إبراهيم ركعتين ، وسأل الله أن يحييه ؛ فانشق القبر ، وخرج الرجل منه ~~وهو يشتعل نارا ويقول : هذا جزاء من عبد الأصنام ورغب عن دين الله . فقال ~~بهرام الخازن ونزع ما كان عليه من لباس نمروذ ، وآمن بالله وبإبراهيم . ~~فقال له نمروذ : لقد عمل سحره فيك . وأمر بهم نمروذ فشدت أيديهم وأرجلهم ~~ووضعت عليهم أساطين ، فلم يؤلمهم ثقلها ؛ فبهت نمروذ ثم قال : عودوا لطاعتي ~~فأنا الذي خففت عنكم ثقل هذه . فقال خازنه : قم حتى نضع عليك واحدة منها ~~وخففها عن نفسها . PageV13P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" فغضب نمروذ وأحرقهم بالنار حتى صاروا رمادا ؛ ~~فرد الله عليهم أرواحهم فقاموا على أرجلهم يقرون بعظمة الله ؛ فعجب الناس ، ~~ولم يدر نمروذ ما يفعل ؛ فأمر بهم فألقوا في الحبس بين حيات وعقارب ، فبقوا ~~في أربعين يوما ، ولم يطعموا شيئا ، فجاءت أم إبراهيم إلى نمروذ وسألته في ~~إطلاقه ، فأمر بإخراجه هو ومن آمن به ، وفي ظنه أنهم قد ماتوا ؛ فأخرجهم ~~فإذا هم في أحسن صورة ؛ فعجب وقال : يا إبراهيم ، من أطعمك وسقاك ؟ قال : ~~ربي أطعمني وسقاني ، فآمن به يا نمروذ ، فقد رأيت آياته وعظمته . فغضب ~~نمروذ ثم أقبل على تارح وقال له : قد كنت أتخوف من ابنك ، لأني كنت أظن له ~~شوكة من الجنود ، والآن فليس عنده إلا السحر ، وقد وهبته لك . فأخذه أبوه ~~وأخرج من دار نمروذ ، وقال له : يا بني ، امش حتى أدخلك عبادة هذه الأصنام ~~لعلك تميل إليها . فقال إبراهيم : سوءة لك أيها الشيخ . ثم قال : " أتعبدون ~~ما تنحتون ؟ " ثم قال : يا قوم قولوا : لا إله إلا الله وإني إبراهيم رسول ~~الله تفلحوا . فكذبوه ، فقال له أبوه : يا بني ما تخشى سطوة الملك . فقال : ~~يا أبت إن الله يعصمني من مكايده . قال : ثم ms2428 ابتلاهم الله - عز وجل - ~~بالقحط ، وقلت عندهم الأقوات ؛ وكان بظاهر المدينة كثيب من الرمل ، فتعبد ~~إبراهيم فيه ، ودعا ربه أن يحوله طعاما فحوله الله ، فكان المؤمنون ينالون ~~منه ما يريدون ، والكفار يسجدون لنمروذ ويأخذون منه القوت . وكان قد جمع ~~الأقوات في سراديب عند ، فأطعمهم حتى نفذ أكثرها ولم يبق إلا قوت أهله ~~وعشيرته ؛ فشرع الناس يؤمنون ويزيدون كل يوم ؛ فشق ذلك على نمروذ ، وطلب ~~إبراهيم وقال له : اخرج من بلدي فقد أفسدت قومي بسحرك . فقال إبراهيم : لم ~~أخرج وأنا أحق منك ؟ وخرج من عنده فأحضر نمروذ تارح وقال له : إن ابنك قد ~~آذاني في أهل مملكتي ، ولولا منزلتك عندي لبطشت به . فقال : إنني قد هجرته ~~، ولست راضيا بصنعه ، فافعل به ما بدا لك . ذكر خبر تكسير إبراهيم الأصنام ~~وإلقائه في النار قال كعب : وكان لأهل كوثربا عيد يخرجون إليه في كل سنة ، ~~فيعبدون هناك أياما ؛ وكان بعيدا من البلد ؛ فلما حضر ذلك العيد قال تارح ~~لإبراهيم : اخرج معنا إلى PageV13P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" عيدنا . " فقال إني سقيم " ، يعني لعبادتكم ~~الأصنام " فتولوا عنه مدبرين " إلى عيدهم ، ولم يبق في بلدهم إلا الصغار ~~والهرمون . فقام إبراهيم ودخل بيت الأصنام - وكان القوم قد وضعوا الطعام ~~بين أيديها - " فقال ألا تأكلون ، مالكم لا تنطقون " استهزاء بهم ، وكانت ~~في جانب البيت فأس ، فأخذها وكسر بها هذا الصنم ، وكسر يد هذا الصنم ورجل ~~هذا ورأس هذا . قال الله عز وجل : " فراغ عليهم ضربا باليمين " وترك كبيرهم ~~كما أخبر الله تعالى : " فجعلهم جذاذا إلا كبير لهم " ثم علق الفأس في عنق ~~الصنم الأكبر ورجع إلى منزله . وأقبل القوم بعد فراغهم من عيدهم ، فرأوا ~~أصنامهم على ذلك ؛ فقالوا : " من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين ، قالوا ~~سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم " وبلغ الخبر نمروذ . قال : " فأتوا به ~~على أعين الناس لعلهم يشهدون " يعني عذابه . فلما أتوا به " قالوا ءأنت ~~فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ، قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ~~ينطقون " قال بعضهم لبعض : " إنكم أنتم ms2429 الظالمون ، ثم نكسوا على رؤوسهم لقد ~~علمت ما هؤلاء ينطقون " فصاحوا من كل ناحية : أفتأمرنا بذلك وأنت تعلم أنها ~~لا تسمع ولا تبصر . فقال إبراهيم : " أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم ~~شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون " فقال القوم ~~لنمروذ ما أخبرنا الله تعالى عنهم : " قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم ~~فاعلين " . وكان لنمروذ تنور من حديد يحرق فيه من غضب عليه ، فأمر بالتنور ~~فأسجر فطرح إبراهيم فيه ، فلم تضره النار بقدرة الله ؛ فلما رأى نمروذ ذلك ~~جمع أهل مملكته واستشارهم ، فأشاروا بحبسه ويجمع له الحطب الكثير ، ويضرم ~~فيه النار ، ثم يلقيه فيه إذا صار جمرا . وقالوا : إنه لا يقدر يسحر النار ~~الكبيرة ، ولا يعمل سحره فيها . فعند ذلك حبسه وأمر بجمع الأحطاب ؛ فيقال : ~~إن الدواب امتنعت من حملها إلا البغال ، فأعقمها الله عقوبة لذلك ؛ فجمعوا ~~من الأحطاب ما لا يحصى كثرة ؛ وأمر PageV13P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" أن تحفر حفيرة واسعة ، وبنى حولها حائطا عاليا ~~، وألقى فيها تلك الأحطاب وأضرم فيها النار والنفط ثلاثة أيام ، فكان لهبها ~~يصيب الطائر في الجو فيحرق . قال : وهموا بطرح إبراهيم فيها ، فلم يقدروا ~~يقربوا منها . فيقال : إن إبليس أتاهم في صورة شيخ ، وصنع لهم المنجنيق ، ~~ولم يكونوا يعرفونه قبل ذلك ، ووضعوا إبراهيم في كفة المنجنيق ، ورموا به ~~وهو يدعوا الله أن ينصره عليهم ؛ فعارضه جبريل وهو في الهواء ، وقال له : ~~ألك حاجة يا إبراهيم ؟ قال : أما إليك فلا ، بل حسبي الله ونعم الوكيل . ~~فلما قرب من النار قال الله عز وجل : " يا نار كوني بردا وسلاما على ~~إبراهيم " . قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : لو لم يقل " وسلاما " لمات ~~إبراهيم من شدة البرد . فبرد حرها واخضرت الأشجار التي احترقت ورست بعروقها ~~. فلما أصبح نمروذ جلس في مكان مشرف ينظر إلى ما أصاب إبراهيم من النار ؛ ~~فكشف عن بصره فإذا هو برجل في وسطها على سرير ، عليه ثياب خضر وإلى جنبه ~~رجل آخر ؛ وخلق كثير وقوف من ورائهما ؛ فدعا ms2430 بصاحب المنجنيق وقال له : كم ~~ألقيت في النار ؟ قال : إبراهيم وحده . فعجب وعجبت الناس وقال : اذهبوا ~~وانظروا من القاعد على السرير ومن إلى جنبه وحوله . فأتوا فإذا هم بإبراهيم ~~على أحسن صورة ، فأخبروا نمروذ ، فقال : ائتوني به . فقالوا : لا نستطيع ~~الوصول إليه لحر النار . فنادوه : يا إبراهيم ، اخرج إلينا . فخرج إلى ~~نمروذ وقال له : ما أعجب سحرك يا إبراهيم قال : ليس هذا بسحر ، وإنما هو من ~~قدرة الله تعالى . قال : فمن الذي عن يمينك ؟ قال : ملك جاءني من عند ربي ~~بشرني أن الله اتخذني خليلا . فقال نمروذ : لأصعدن إلى السماء وأقتل إلهك . ~~ذكر خبر صعود نمروذ إلى السماء على زعمه قال : وأمر نمروذ أن يتخذ له تابوت ~~مربع ، ويكون له بابان : باب إلى السماء وباب إلى الأرض ، وجوع أربعة نسور ~~، وسمر أربعة رماح في أركان التابوت ، وعلق PageV13P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" اللحم في أعلاها ، وشد النسور بأوساطها إلى ~~الرماح ، وجلس في التابوت ومعه وزيره ، وحمل معه قوسا ونشابا ، وأطبق ~~البابين ، فرفعت النسور رؤوسها فنظرت إلى اللحم ، فطارت صاعدة ، وارتفعت في ~~الهواء ؛ فقال لوزيره : افتح الباب الذي يلي الأرض وانظر كيف هي ؟ قال : ~~أراها كأنها قرية . قال : فانظر إلى السماء . فقال : هي كما رأيناها ونحن ~~في الأرض . ولم يزل يصعد حتى قال : أما الدنيا فلا أراها إلا سوادا ودخانا ~~، والسماء كما رأيناها . وارتفعت النسور حتى كادت تسقط إلى الأرض ؛ فعارضه ~~ملك وقال : ويلك يا نمروذ ؛ إلى أين ؟ قال : أريد محاربة إله إبراهيم . قال ~~: ويحك ، إن بينك وبين سماء الدنيا خمسمائة عام ، ومن فوق ذلك ما لا يعلمه ~~إلا الله . فخر الوزير ميتا ؛ فأخذ نمروذ القوس ووضع فيه السهم ، وقال : ~~أنا لك يا إله إبراهيم ، ورمى بالسهم إلى الهواء ، فيقال : إن السهم عاد ~~إليه ملطخا بالدم بإذن الله تعالى . وأمر الله جبريل أن يضرب التابوت ~~بجناحه ، فيلقينه في البحر ؛ فضربه فمر يهوي به حتى ألقاه في البحر ؛ وأمر ~~الله الأمواج أن تلقيه على الساحل ؛ فلما وصل إلى البر خرج وقد ابيضت لحيته ~~لما ms2431 عاين من الأهوال ، وتوصل من بلد إلى بلد حتى أتى المدينة ، فدخل منزله ~~ليلا فأنكره الناس لشيبه ، ثم عرفوه ؛ وجاءه إبراهيم فقال : كيف رأيت قدرة ~~ربي ؟ قال : قد قتلت ربك . قال : إن ربي أعظم من ذلك ، واكن هل لك قوة - مع ~~كثرة جنودك - أن تقاتلني ؟ قال : نعم . ذكر خبر إرسال البعوض على نمروذ ~~وقومه قال : وأمر نمروذ جنوده فاجتمعوا لحرب إبراهيم وهم لا يحصون كثرة ؛ ~~وخرج إبراهيم في سبعين من قومه الذين أمنوا في الصحراء ، فأرسل الله عليهم ~~البعوض حتى امتلأت منه الدنيا ، ولدغت جيش نمروذ ؛ فمات من لدغها خلق كثير ~~، والتجأ الباقون إلى الدور ، وأغلقوا الأبواب وأسبلوا الستور ؛ فلم تغن ~~عنهم شيئا ، وانفرد نمروذ عن جيشه ، ودخل منزله وأغلقت الأبواب ، وأرخيت ~~الستور ، واستلقى على سريره ، فجاءت بعوضة فقعدت على لحيته ، فهم بقتلها ، ~~فدخلت منخره وصعدت إلى دماغه ؛ فعذبه الله بها أربعين يوما لا ينام ولا ~~يطعم ؛ ثم شقت رأسه وخرجت في كبر الفرخ ، فمات . PageV13P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" وقيل : إنه اتخذ إزربة من حديد ، فكان صديقه ~~الذي يضرب بها رأسه فانفلق رأسه بضربة فخرجت كالفرخ وهي تقول : هكذا يهلك ~~الله أعداءه ، وينصر أنبياءه ، ويسلط رسله على من يشاء . وأرسل الله ~~الزلازل على المدينة ، فخربت . قال : وجاء لوط وهو ابن أخي إبراهيم ، وآمن ~~به ، وآمنت به سارة ، فتزوج بها إبراهيم . ذكر هجرة إبراهيم - عليه السلام ~~- قال : وجمع إبراهيم أصحابه الذين آمنوا به ، وسار يريد الشام ، فجاء إلى ~~حران فأقام بها مدة من عمره ، وترك بها طائفة من المؤمنين ، وسار حتى أتى ~~الأردن وكان اسم ملكها صادوق ، فمر به وهو في منظرة له ، فنظر إلى سارة مع ~~إبراهيم فأحضرهما ، وقال لإبراهيم : من أنت ؟ قال : أنا خليل الله إبراهيم ~~. وذكر له ما كان من أمر نمروذ . فقال له : من هذه ؟ قال : هي أختي . فقال ~~: زوجنيها . قال : هي أعلم بنفسها مني ، وإنها لا تحل لك . فاغتصبها منه ، ~~وقام إلى مجلس آخر وأمر بحملها إليه . فدعا إبراهيم الله تعالى ، فارتج ~~المجلس بالملك ، ويبست يده فقال ms2432 لسارة : ألا ترين ما أنا فيه ؟ قالت : لأنك ~~أغضبت خليل الله . قال : فتضرع إلى إبراهيم ؛ فسأل الله في رد يده عليه ؛ ~~فأوحى الله إليه : لا أطلقه دون أن أخرجه من ملكه ويسلم ؛ فأسلم وخرج عن ~~الملك ، ووهب سارة هاجر ، وهي أم إسماعيل . قال وارتحل إبراهيم حتى أتى ~~الأرض المقدسة فنزلها . وقد روينا هذه القصة بسندنا إلى البخاري - رحمه ~~الله - . وسنذكر الحديث - إن شاء الله تعالى - في أخبار طرطيس أحد الملوك ~~بمصر ، فقد ورد أنه صاحب القصة ؛ والله أعلم . PageV13P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" ذكر خبر ميلاد إسماعيل - عليه السلام - ~~ومقامه وأمه في البيت المحرم قال : وأقام إبراهيم بالأرض المقدسة ما شاء ~~الله أن يقيم حتى كبرت سارة وأيست من الولد ، فخافت من انقطاع نسا إبراهيم ~~- عليه السلام - فوهبته هاجر فقبلها ، وواقعها ، فحملت بإسماعيل ، ووضعته ~~كالقمر وفي وجهه نور نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فأحبته سارة حتى ~~بلغ من عمره سبع سنين ، فداخلت الغيرة سارة ، ولم تطق أن ترى إبراهيم مع ~~هاجر ، فقالت : يا نبي الله ، إني لا أحب أن تكون هاجر معي في الدار ، ~~فحولها حيث شئت . فأوحى الله إليه أن انقلها إلى الحرم ؛ وجاء جبريل بفرس ~~من الجنة ، فقال له : يا إبراهيم ، احمل هاجر وإسماعيل على هذا الفرس . ~~فأركب إبراهيم هاجر وإسماعيل من ورائها ، وسار بهما حتى بلغ بهما الحرم . ~~فأوحى الله إليه ن انزل بهما هذا هنا ، فأنزلها بالقرب من البيت ، وهو ~~يومئذ أكمة حمراء كالربوة من تخريب الطوفان . ثم قال إبراهيم لهاجر : كوني ~~هذا هنا مع ولدك فإني راجع ، فبذلك أمرني ربي . فلما أراد إبراهيم أن ينصرف ~~قال : " ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم " إلى ~~قوله : " لعلهم يشكرون " . ثم رجع وتركهما هناك ولا ثالث لهما إلا الله ~~تعالى . فلما علا النهار ، واشتد الحر ، ونفد ما معهما من الماء ، قامت ~~هاجر تعدو يمينا وشمالا في طلب الماء فلم تجده ؛ فعادت إلى إسماعيل فرأته ~~يبحث بأصابعه في موضع بئر زمزم وقد نبع الماء ؛ فسجدت ms2433 لله ، وأخذت تجمع ~~الحصا حول العين لئلا ينتشر الماء وهي تقول : زم زم يا مبارك . فناداها ~~جبريل : لا تخافي وأبشري ، فإن الله سيعمر هذا المكان . قال وهب : لولا أن ~~هاجر جمعت الحصا حول الماء لتمت العين نهرا جاريا على وجه الأرض إلى يوم ~~القيامة . PageV13P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" قال : وأقبل ركب من اليمن يريدون الشام ، ~~وطريقهم على الحرم ، فرأوا الطير تهوي إلى الأرض ، فقالوا : إن الطير لا ~~تنقض إلا على الماء والعمارة . وأقبلوا فرأوا هاجر مع إسماعيل والعين ؛ ~~فسألوها ، فقالت : أنا جارية خليل الله إبراهيم وهذا ابنه ، خلفنا وانصرف ~~إلى الشام . فاستأذنوها في الماء ؛ فأذنت لهم ، ثم قالوا : هل أحد ينازعك ~~على هذا الماء ؟ قالت : لا ، فإن الله أخرجه لي ولودي . قالوا : إن أحضرنا ~~بأهالينا وسكنا في جواركم هل تمنعينا من هذا الماء ؟ قالت : لا ، لأنه لله ~~يشربه خلق الله . فرجعوا إلى بلدهم ، واحتملوا أهاليهم وأتوا الحرم بها ~~وبمواشيهم ، فصاروا لهما أنسا . ونشأ إسماعيل حتى بلغ مبلغ الرجال ، فكان ~~يخرج إلى الصيد معهم ويرجع وماتت أمه هاجر ، وتزوج إسماعيل منهم ، وبلغ ~~إبراهيم خبر موت هاجر ، فاشتاق إلى إسماعيل ، فاستأذن سارة في ذلك ، فأذنت ~~له ، فجاءه جبريل بفرس فركبه وسار حتى وقف على بيت ولده إسماعيل بالحرم ، ~~فقال : السلام عليكم يا أهل المنزل . فقالت له المرأة : إن صاحب البيت غائب ~~. فقال إبراهيم : إذا رجع فقولي له : أبدل عتبة دارك ، فإني لا أرضاها لك . ~~وانصرف إلى الشام . فلما عاد إسماعيل أخبرته بالخبر ، فقال : صفيه لي . ~~فوصفته ؛ فقال : الحقي بأهلك . فجاء أهلها وقالوا : ما الذي كرهت منها ؟ ~~قال : لأنها لم تعرف لخليل الله قدرا . ثم تزوج امرأة من جرهم ، فأولدها ~~إسماعيل ستة أبطن ، فاشتاق إبراهيم إلى ولده ، فجاءه جبريل بفرس فركبه وسار ~~إلى الحرم ، وقد عمر ذلك المكان بجرهم ؛ فوقف على باب إسماعيل وقال : ~~السلام عليكم يا أهل المنزل . فبادرت المرأة وسلمت عليه ، وقالت : فدتك ~~نفسي ، إن صاحب البيت غائب ، وإنه يعود عن قريب . قال : هل عندك طعام ؟ ~~قالت : نعم ، عندنا خير كثير . وجاءته ms2434 بطبق عليه لحم PageV13P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" مشوي من الصيد ، وقدح من الماء . قال : فهل ~~غير هذا من حب أو زبيب ؟ قالت : يا عماه ، ما هذا طعام بلدنا ، ولكنه يجلب ~~إلينا ، فانزل بنا وتناول طعامنا . قال : إني صائم ، ولكن علي ذرق الطير ~~فاغسليه . وحول قدمه عن الفرس ، ووضعه على المقام ؛ فغسلته ، فقال : إذا ~~جاء زوجك فسلمي عليه وقولي له : الزم عتبة بابك فقد رضيتها لك . وانصرف . ~~فلما رجع إسماعيل من الصيد أخبرته الخبر فقال : لقد كنت كريمة علي وقد صرت ~~الآن أكرم بإكرامك آبي خليل الله إبراهيم . ثم اشتاق إبراهيم إلى ولده ~~ثالثا ، وذلك بعد ثلاث وعشرين يوما ، فجاء إليه ولقيه ، وأمره الله أن يبني ~~البيت ، فبناه ، وأتاه جبريل فعلمه مناسك الحج . وقد تقدم ذكر ذلك مبينا في ~~الباب الثاني من القسم الخامس من الفن الأول وهو في السفر الأول من كتابنا ~~هذا ، فلا حاجة لنا في إعادته . قال : ورجع إبراهيم إلى البيت المقدس ، ~~وأوحى الله إليه أن يرسل لوطا نبيا إلى سذوم ؛ فأرسله . وكان من أمره ما ~~نذكره في أخباره في الباب الذي يلي هذا الباب - إن شاء الله تعالى - . ذكر ~~خبر بشارة إبراهيم بإسحاق - عليهما السلام - قال : وبعث الله الملائكة إلى ~~إبراهيم حين أرسلهم بالعذاب على قوم لوط وأمرهم أن يبشروه بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب ؛ فأتوه على صورة البشر وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل ودريائيل ~~. قال : فأتوه مفاجأة على خيولهم ، ودخلوا عليه منزله ففزع منهم ، حتى ~~قالوا : سلاما . فسكن خوفه ، وقال : " سلام قوم منكرون " ورحب بهم وأجلسهم ~~وقام إلى زوجته سارة وأمرها بخدمتهم ؛ فقالت : عهدي بك وأنت أغير الناس . ~~قال : هو كما تقولين ، وإنما هؤلاء أضياف أخيار . ثم قام إلى عجل سمين ~~فذبحه وشواه ، وقربه إليهم ، ووقفت سارة لخدمتهم ، فجعل إبراهيم يأكل ~~PageV13P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" ولا ينظر إليهم وهو يظن أنهم يأكلون ؛ فرأت ~~سارة أنهم لا يأكلون ؛ فنبهته على ذلك ، فقال : " ألا تأكلون " ؟ وداخله ~~الخوف من ذلك ، ثم قال : لو علمت أنكم لا تأكلون ما قطعت العجل عن البقرة ms2435 . ~~فمد جبريل يده نحو العجل ، وقال : قم بإذن الله . فاشتد خوف إبراهيم وقال : ~~" إنا منك وجلون قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم ، قال أبشرتموني على ~~أن مسني الكبر فبم تبشرون " إلى قوله : " إلا الضالون " . قال : وكانت سارة ~~واقفة هناك ، فقالت : " أوه " " فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم " قال الله ~~تعالى : " وامرأته قائمة فضحكت " أي حاضت " فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق ~~يعقوب ، قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب ، ~~قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد ~~مجيد " ولم تعلم أنهم ملائكة ؛ فقال لها جبريل : يا سارة ، " كذلك قال ربك ~~إنه هو الحكيم العليم " . قال إبراهيم : " فما خطبكم أيها المرسلون قالوا ~~إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ، لنرسل عليهم حجارة من طين " ثم عاد جبريل إلى ~~صورته ، فعرفه إبراهيم ، وعرفه أنهم يقصدون قوم لوط بالعذاب ؛ فاغتم ~~إبراهيم شفقة على لوط وأهله ، ثم قال : امضوا حيث تؤمرون . وكان من أمر قوم ~~لوط ما نذكره . قال : وحملت سارة بإسحاق في الليلة التي خسف الله فيها بقوم ~~لوط ، ووضعته وعلى وجهه نور أضاء منه ما حولها ؛ فدخل إبراهيم وقال : " ~~الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق " وربته سارة حتى بلغ سبع ~~سنين . ذكر خبر الذبيح وفدائه قال : وكان إسحاق يخرج مع أبيه إلى البيت ~~المقدس ، فبينما إبراهيم في مصلاه إذ غلبته عينه فنام ، فأتاه آت في منامه ~~وقال : إن الله يأمرك أن تقرب قربانا . فلما أصبح عمد إلى ثور فذبحه وفرق ~~لحمه على المساكين ، فلما كان الليل رأى في منامه الذي أتاه وهو يقول : يا ~~إبراهيم ، إن الله يأمرك أن تقرب له قربانا أعظم من الثور . فلما انتبه ذبح ~~جملا وفرق لحمه على المساكين ، ثم رآه في الليلة الثالثة وهو يقول : إن ~~الله يأمرك أن تقرب له قربانا أعظم من الثور والجمل . قالإبراهيم : وما هو ~~؟ فأشار PageV13P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" إلى ولده إسحاق ؛ فانتبه فزعا ، وأقبل على ~~إسحاق وقال له : ألست تطيعني يا ms2436 بني ؟ قال : بلى ، ولو كان في ذبح نفسي . ~~فانصرف إبراهيم إلى منزله ، وأخذ الشفرة والحبل ، فوضعهما في مخلاته وقال : ~~يا إسحاق ، امض بنا إلى الجبل . فلما مضيا أقبل إبليس إلى سارة وقال لها : ~~إن إبراهيم قد عزم على ذبح إسحاق فالحقيه ورديه . قال : ولم يذبحه ؟ قال : ~~إنه زعم أن ربه أمره بذلك . قالت : إن كان الأمر كذلك فإنه صواب إذا أراد ~~رضى ربه . وقالت : اللهم اصرف نزغ الشيطان . فولى عنها هاربا ، وتبع إسحاق ~~فناداه : إن أباك يريد أن يذبحك . فقال إسحاق لأبيه : يا أبت ألا تسمع إلى ~~هذا االهاتف ما يقول ؟ قال : يا بني امض ولا تلتفت إليه ، فسأخبرك . فلما ~~انتهيا إلى رأس الجبل قال إبراهيم : " يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ~~فانظر ما ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين " . ~~فحمد إبراهيم ربه على ذلك ؛ فنودي من السماء : أليس الله قد وصفك بالحلم ~~فكيف لا ترحم هذا الطفل ؟ قال : إن الله قد أمرني بذلك . فقال إسحاق : يا ~~أبت عجل أمر ربك قبل أن ينال منا الشيطان . فنزع إبراهيم قميصه وربطه ~~بالحبل ، وكبه على جبينه وهو يقول : الحمد لله باسم الله الفعال لما يريد ، ~~ووضع الشفرة على حلقه ، فلما هم بذبحه انقلبت الشفرة ، فارتعدت يد إبراهيم ~~، فقال له إسحاق : يا أبت ، حد الشفرة ، واصرف وجهك عني حتى لا ترحمني . ~~قال : أيا بني ، قد فعلت حتى لو قطعت بها المجن لقطعته بحدها . ثم وضع ~~إبراهيم الشفرة على حلقه ثانيا ، وهم بقط أوداجه ؛ فانقلبت ؛ فقال إبراهيم ~~: لا حول ولا قوة إلا بالله . فقال : أصبت في قولك يا أبت لكن حد سفرتك ~~لتذبحني ذبحا ، ولا تجزع . فحد إبراهيم المدية حتى جعلها كالنار ووضعها على ~~حلق إسحاق ، فسمع إبراهيم هدة عظيمة ومناديا يقول : يا إبراهيم خذ هذا ~~PageV13P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" الكبش فاذبحه عن ابنك ، فهو قربان عنه ، وهذا ~~اليوم جعل عيدا لك ولودك من بعدك . فالتفت إبراهيم إلى الجبل ، وإذا هو ~~بكبش أملح أقرن ، قد انحدر ms2437 من الجبل وهو يقول : خذني يا إبراهيم فاذبحني عن ~~ابنك ، فأنا أحق منه بالذبح ، فأنا كبش هابيل بن آدم . فحمد إبراهيم ربه ~~على ذلك ، وذبح الكبش ؛ فأتت نار من السماء بغير دخان فأكلته حتى لم يبق ~~إلا رأسه ؛ وانصرف إبراهيم وإسحاق ورأس الكبش معهما إلى منزل إبراهيم ، ~~وأخبر سارة بما جرى . قال : ثم توفيت سارة بعد ذلك ، وزوج إبراهيم بامرأة ~~من الكنعانيين وأولدها ستة أولاد في ثلاثة أبطن . وإبراهيم أول من صافح ~~وعانق وفرق الشعر بالمشط ونتف الإبط واستاك واكتحل واختتن بالقدوم . ذكر ~~وفاة إبراهيم - عليه السلام - قال : فبينما إبراهيم على باب داره ، وإذا هو ~~بملك الموت وقد وافاه في أحسن صورة ؛ فسلم عليه ؛ فأجابه وقال : من أنت ؟ ~~قال : أنا ملك الموت ، أمرني الله بقبض روحك . فكره إبراهيم الموت ؛ ثم ~~تصور له في صورة شيخ كبير ، ودخل على إبراهيم وقال : هل من طعام ؟ فقدم ~~إليه طعام على طبق ، فجعل ملك الموت يتناول الطعام ، ويخيل إلى إبراهيم أنه ~~يلوث وجهه وعنقه ، وأنه لا يستقر في بطنه . فقال له إبراهيم : أيها الشيخ ، ~~ما بال هذا الطعام لا يستقر في بطنك ؟ قال : يا خليل الله ، إني قد شخت ، ~~ولست أتمكن منه إلا على هذا الوجه ، قال : فكم تعد من السنين ؟ قال : قد ~~جزت مائتي سنة . قال إبراهيم : وأنا في المائتين إلا سنة ، وإذا مضى علي ~~مائتين أصير كذا ؟ قال : نعم . PageV13P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" فدعا إبراهيم ربه أن يقبضه . فجاءه ملك الموت ~~؛ فقال : يا ملك الموت قد اشتقت إليك منذ رأيت ذلك الشيخ على تلك الصورة ، ~~فاقبض روحي . فقبض روحه ( صلى الله عليه وسلم ) . الباب الثاني من القسم ~~الثاني من الفن الخامس الباب الثاني من القسم الثاني من الفن الخامس في قصة ~~لوط - عليه السلام - وقلب المدائن هو لوط بن هاران بن تارح ، وتارح هو آزر ~~أبو إبراهيم - عليه السلام - وكان لوط قد شخص مع عمه إبراهيم - عليهما ~~السلام - من المدائن إلى أرض الشام ، مؤمنا به ، مهاجرا معه ، ومع إبراهيم ~~تارح وسارة بنت ماحور ms2438 ؛ فلما انتهوا إلى حران هلك تارح بها وهو باق على ~~كفره ؛ وسار إبراهيم ولوط وسارة إلى الشام ؛ ثم مضوا إلى مصر وبها فرعون من ~~الفراعنة يقال له : سنان بن علوان ابن عبيد بن عوج بن عملاق بن لاوذ بن سام ~~بن نوح عليه السلام ؛ ورجعوا إلى أرض الشام فنزل إبراهيم فلسطين ، وأنزل ~~لوطا الأردن ، فكان هناك إلى أن بعثه الله نبيا . قال : وأوحى الله - عز ~~وجل - إلى إبراهيم أن يرسل لوطا نبيا إلى سذوم ، وكانت خمس مدائن ؛ وهي : " ~~صامورا وصابورا وسذوم ودومة وعامورا " ، وهي المؤتفكات ، وكان أعظمها سذوم ~~وعلى كل مدينة سور عظيم مبني بالحجارة والرصاص ، وعليهم ملك يقال له : سذوم ~~من بيت نمروذ بن كنعان ، وكان أهل هذه المدائن قد خصوا بحذف الحصا والحبق ~~في المجالس وعبادة الأصنام ، وكانوا حسان الوجوه ، فأصابهم قحط ، فأتاهم ~~إبليس فقال : إنما أصابكم القحط لأنكم منعتم الناس من دوركم ولم تمنعوهم من ~~بساتينكم . فقالوا : كيف PageV13P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" السبيل إلى المنع ؟ قال : اجعلوا السنة بينكم ~~إذا دخل بلدكم غريب سلبتموه ونكحتموه في دبره ، فإذا فعلتم ذلك لم تقحطوا . ~~فخرجوا إلى ظاهر البلد فتصور لهم إبليس في صورة غلام أمرد ، فنكحوه وسلبوه ~~، فطاب لهم ذلك حتى صار فيهم عادة مع الغرباء ، وتعدوا إلى أهل البلد ، ~~وفشا بينهم ؛ فأرسل الله إليهم لوطا ، فبدأ بمدينة سذوم وبها الملك ، فلما ~~بلغ وسط السوق قال : يا قوم اتقوا الله وأطيعون وارجعوا عن هذه المعاصي ~~التي لم تسبقوا إليها ، وانتهوا عن عبادة الأصنام ، فإني رسول الله إليكم . ~~فكان جوابهم أن قالوا : " ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين " . وبلغ ~~الخبر الملك ، فقال : " ائتوني به " فلما وقف بين يديه سأله : من أين أقبل ~~؟ ومن أرسله ؟ ولماذا جاء ؟ فأخبره أن الله أرسله . فوقع في قلبه من الخوف ~~والرعب ، وقال : إنما أنا رجل من القوم ، فادعهم فإن أجابوك فأنا منهم . ~~فدعاهم فقالوا : " لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين " . فقال لهم : " ~~إني لعملكم من القالين ، رب نجني وأهلي مما يعملون " . فلبث فيهم ms2439 عشرين سنة ~~يدعوهم إلى الله وهم لا يجيبونه . ثم توفيت امرأته ، فتزوج بامرأة من قومه ~~كانت قد آمنت به ، فأقام معها أعواما وهو يدعوهم حتى صار له فيهم أربعون ~~سنة وهو يدعوهم بما أخبر الله به ويقول : " أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من ~~أحد من العالمين " الآيات ، وهم لا يزدادون إلا كفرا وإصرارا وتماديا على ~~أفعالهم الذميمة ، فضجت الأرض منهم . ذكر خبر نزول العذاب على قوم لوط وقلب ~~المدائن قد ذكرنا قصة إبراهيم أن الله - عز وجل - أرسل الملائكة إليه ~~وبشروه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ، وأخبروه بما أمرهم الله به من هلاك ~~قوم لوط ، وقال لهم : امضوا حيث تؤمرون . فاستووا على خيلهم ، وساروا إلى ~~المدائن وهم على صفة البشر ، فأتوا المدائن وقت المساء ، فرأتهم ابنة لوط - ~~وهي الكبرى من بناته وهي تستقي الماء PageV13P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" - فتقدمت إليهم وقالت : ما لكم تدخلون على ~~قوم فاسقين ؟ ليس يضيفكم إلا ذلك الشيخ . فعدلت الملائكة إلى لوط ، فلما ~~رآهم اغتم غما شديدا مخافة عليهم من شر قومه ، ثم قال لهم : من أين أقبلتم ~~؟ قالوا : من موضع بعيد ، وقد حللنا بساحتك ، فهل لك أن تضيفنا الليلة ؟ ~~قال : نعم ، ولكن أخاف عليكم من هؤلاء الفاسقين - عليهم لعنة الله - قال ~~جبريل لإسرافيل : هذه واحدة - وكان الله قد أمرهم إلا يدمروا على قومه إلا ~~بعد أربع شهادات من لوط ولعنته عليهم - ثم أقبلوا إليه وقالوا : يا لوط ، ~~قد أقبل علينا الليل ، فاعمل على حسب ذلك . قال : قد أخبرتكم بأن قومي ~~يأتون الرجال من العالمين - عليهم لعنة الله - فقال جبريل لإسرافيل : هذه ~~ثانية . ثم قال لهم لوط : انزلوا عن دوابكم واجلسوا هذا هنا حتى يشتد ~~الظلام ، وتدخلوا ولا يشعر بكم أحد منهم - عليهم لعنة الله - قال جبريل : ~~هذه ثالثة ، وقال لامرأته : إنك قد عصيت الله أربعين سنة وهؤلاء ضيوفي قد ~~ملأوا قلبي خوفا ، فاكتمي علي أمرهم حتى يغفر الله لك ما مضى . قالت : نعم ~~. ثم خرجت وبيدها سراج كأنها تشعل ، فطافت على عدة من القوم ، فأخبرتهم ~~بجمالهم ms2440 وحسنهم ، فعلم لوط بذلك ، فأغلق الباب وأوثقه ؛ فأقبل الفساق ~~وقرعوا الباب ، فناداهم لوط : " هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا ~~تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد ، قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ~~وإنك لتعلم ما نريد " ثم كسروا الباب ، ودخلوا ، فقالوا له : " أولم ننهك ~~عن العالمين " . فوقف لوط على الباب الذي دونه ضيفانه وقال : لا أسلم ~~ضيفاني إليكم دون أن تذهب نفسي . فتقدم بعضهم ولطم وجهه ، وأخذ بلحيته ، ~~ودفعوه عن الباب ، فقال أوه " لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " ثم ~~قال : إلهي خذ لي بحقي من هؤلاء الفسقة والعنهم لعنا كبيرا . فقال جبريل ~~عند ذلك : هذه أربعة . وقام جبريل ففتح الباب وقال للوط : " إنا رسل ربك لن ~~يصلوا إليك " فهجم القوم . ودخلوا وبادروا نحو الملائكة ، فطمس الله أعينهم ~~، واسودت وجوههم . قال الله تعالى : " ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم " ~~فجاءت طائفة أخرى ونادوهم : اخرجوا لندخل ، فنادوا : يا قوم ، هؤلاء قوم ~~سحرة سحروا أعيننا PageV13P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" فأخرجونا . فأخرجوهم ، وقالوا : يا لوط ، حتى ~~نصبح نريك وبناتك . وخرجوا فقال لوط للملائكة : بماذا أرسلتم ؟ فأخبروه ، ~~فقال متى ؟ قالوا : " إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب " . ثم قال له ~~جبريل : " فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه ~~مصيبها ما أصابهم " فجمع لوط أهله وبناته ومواشيه ، وأخرجه جبريل من ~~المدينة ، وقال له : " إن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين " ومضى لوط بمن معه ، ~~وجبريل قد بسط جناح الغضب ، وإسرافيل قد جمع أطراف المدن ودريائيل قد جعل ~~جناحه تحت الأرض ، وملك الموت قد تهيأ لقبض أرواحهم حتى إذا برز عمود الصبح ~~صاح جبريل صيحة : يا بئس صباح قوم كافرين . وقال ميكائيل : يا بئس صباح قوم ~~فاسقين . وقال دريائيل : يا بئس صباح قوم ظالمين . وقال إسرافيل : يا بئس ~~صباح قوم مجرمين . وقال عزرائيل : يا بئس صباح قوم غافلين . فاقتلع جبريل ~~هذه المدن عن آخرها ، ثم رفعها حتى بلغ بها إلى البحر الأخضر وقلبها ، فجعل ~~عاليها سافلها ms2441 . قال الله تعالى : " والمؤتفكة أهوى ، فغشاها ما غشى " يعني ~~رمي الملائكة إياهم بالحجارة من فوقهم . قال : واستيقظ القوم ، وإذا هم ~~بالأرض تهوي بهم ، والنيران من تحتهم والملائكة تقذفهم بالحجارة . قال : ~~ومن كان من القوم بغير مدائنهم ممن كان على دينهم وفعلهم أتاه حجر فقتله . ~~قال : وبقي يخرج من تحت المدائن دخان منتن ، لا يقدر أحد يشمه لنتنه ، ~~وبقيت آثار المدائن . قال الله تعالى : " ولقد تركنا منها آية بينة لقوم ~~يعقلون " . قال : ومضى لوط إلى إبراهيم - عليهما السلام - فذلك قوله عز وجل ~~: " ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث ~~إنهم كانوا قوم سوء فاسقين ، وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين " . ~~PageV13P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" الباب الثالث من القسم الثاني من الفن الخامس ~~في خبر إسحاق ويعقوب - عليهما السلام - قال : ولما قبض الله تعالى إبراهيم ~~الخليل - عليه السلام - سكن إسماعيل الحرم ، وإسحاق الشام ومدين ، وسكن معه ~~سائر أولاد إبراهيم ، وبعثه الله إلى الأرض المقدسة نبيا ورسولا ، فأقام ~~بينهم نحوا من ثمانين سنة ، وكف بره فبينما هو نائم إلى جنب امرأته إذ ~~تحركت شهوته ، فقالت : وفيك بقية يا إسحاق ؟ فواقعها مرة فحملت بذكرين : ~~وهما يعقوب والعيص - على ما ذكرناه في الأنساب - وهو في الباب الرابع من ~~القسم الأول من الفن الثاني ، وهو في الجزء الثاني من هذا الكتاب ، وذكرنا ~~أيضا أولاد العيص . قال : ثم قبض الله تعالى نبيه إسحاق ، فقسم ما كان له ~~من بقر وخيل وغنم وغير ذلك بالسوية ، ومات ؛ فغلب العيص على مال يعقوب ، ~~واغتصبه إياه وقصد قتله ؛ فقالت له أمه : الحق بخالك لابان وإخوته بحران ، ~~فإنهم مؤمنون من آل إبراهيم . فتوجه يعقوب إلى حران ، فأكرمه خاله ، وزوجه ~~ابنته ، وسلم إليه ما بيده من المال ، وكانت ابنته هذه الكبرى ، واسمها ليا ~~فرزق منها روبيل وشمعون ، ثم ذكرين : لاوى ويهوذا ، وتوفيت ؛ فزوجه خاله ~~ابنته الثانية واسمها سرورية ، فولدت له ولدين : دانا ونفتالي ؛ ثم توفيت ، ~~فزوجه الثالثة فأولدها ذكرين يساخر وزبولون ، وماتت ؛ فزوجه ابنته الرابعة ~~، واسمها راحيل - وكانت أحسن بناته ms2442 - وذلك بعد أن استكمل يعقوب من عمره ~~أربعين سنة ، فجاءه الوحي يومئذ وهو بحران وقد ماتت أمه . PageV13P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" ذكر مبعث يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم ~~السلام - قال : ولما أتاه الوحي أقبل على خاله لابان ، وشكره على فعله ، ~~وقال : إن ربي بعثني رسولا إلى أرض كنعان ، فزوده بخيل وغنم وبقر وغير ذلك ~~، وقال : امض لما أمرك به ربك . فخرج يعقوب ومعه أولاده العشرة وامرأته ~~يريد أرض كنعان ، فبلغ خبر نبوئته أخاه العيص ، فغضب لذلك ، وعارضه في ~~طريقه بجموعه ؛ فراسله يعقوب مع ابنه روبيل ، وذكره الأخوة والرحم ، فزبر ~~روبيل ورده ؛ ثم التقيا ، فظفر الله يعقوب بالعيص بقوة النبوة ، فاحتمله ~~وألقاه على الأرض وجلس على صدره ، وقال له : كيف رأيت صنع الله بك يا عيص ؟ ~~ثم رق له وقام عن صدره واعتنقه ، فاعترف العيص بفضله عليه ، وسأله أن يعفو ~~عما سلف منه في حقه ؛ فاستغفر له يعقوب ودعا له ، وانصرف العيص إلى بلده ، ~~وأقبل يعقوب إلى أرض كنعان ، فبنيت له دار متسعة ، سكنها بأهله وأولاده ، ~~وكان بأرض كنعان ملك يقال له : سحيم ، فدعاه يعقوب إلى الإيمان بالله ، فلم ~~يكترث به قال : فإني مجاهدك . قال : بمن تجاهدني وليس معك أحد ؟ قال : ~~أجاهدك بالله وملائكته وهؤلاء أولادي . وأقبل يعقوب بأولاده والملك في حصنه ~~، فقال : يا بني ، جاهدوا في الله حق جهاده . فقال ابنه شمعون : أنا أكفيك ~~هذا الحصن . وأقبل وضرب باب الحصن برجله فتساقطت حيطانه ، وصاح صيحة عظيمة ~~فمات الملك وأكثر من بالحصن ، ودخل يعقوب الحصن ، وغنم ما كان فيه ؛ فكانت ~~هذه معجزة ليعقوب ، وبلغ ذلك أهل كنعان ، فوقع الرعب في قلوبهم ، فآمنوا ~~بيعقوب - عليه السلام - . PageV13P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" الباب الرابع من القسم الثاني من الفن الخامس ~~في قصة يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام وهذه القصة تدخل ~~فيها بقية أخبار يعقوب وما كان من أمره ووفاته وخبر الأسباط أولاده . ذكر ~~خبر ميلاد يوسف عليه السلام قال : ولما رجع يعقوب من غزاته دخل على امرأته ~~راحيل فواقعها فحملت بيوسف ms2443 وببنيامين أخيه ، فوضعتهما ، فجاء يوسف كالقمر ، ~~فربته أمه حتى صار عمره سنتين ، وماتت أمه ؛ فلما بلغ عمره عشر سنين أمر ~~يعقوب بجذعة من غنمه ، فذبحت ، وصنعت طعاما ، وجمع أولاده على الطعام ~~يأكلون ، فأقبل مسكين وسأل وأكثر السؤال ، واشتغل يعقوب عنه ولم يأمرهم ~~بإطعامه ، حتى انصرف السائل . فلما فرغ يعقوب من أكله قال : أعطيتم السائل ~~شيئا ؟ فقالوا : إنك لم تأمرنا بشيء ، فجاءه الوحي : يا يعقوب ، قد جاءك ~~مؤمن فقير مريض شم رائحة طعامك فلم نطعمه ، وأحرقت قلبه ، فلأحرقن قلبك . ~~فاغتم يعقوب . ذكر رؤيا يوسف - عليه السلام - وكيد إخوته له قال : ولما بلغ ~~اثنتي عشرة سنة رأى رؤياه وقصها على أبيه . قال الله تعالى : " إذ قال يوسف ~~لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ، قال ~~يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو ~~مبين ، وكذلك يجتبيك ربك " إلى قوله : " عليم حكيم " . قال : فسمع إخوته ~~الرؤيا : فداخلهم الحسد ، وقالوا ما أخبر الله عنهم به : " إذ قالوا ليوسف ~~وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين ، اقتلوا يوسف ~~أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين ، قال قائل ~~PageV13P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيبت الجب ~~يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين " . قال : فاتفقوا وجاءوا إلى أبيهم ، ~~فقالوا : " يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ، أرسله معنا ~~غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون " . فقال لهم يعقوب : " إني ليحزنني أن ~~تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ، قالوا لئن أكله الذئب ~~ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون " . قال : وأحب يوسف ذلك ، فدعا يعقوب بسلة فيها ~~طعام وكوز ماء ، وقال : إذا جاع فأطعموه من هذا الطعام ، وإذا عطش فاسقوه ؛ ~~وأخذ عليهم العهود برده وشيعهم بنفسه ، وجلس على تل عال ينظر إليهم حتى ~~غابوا عنه ؛ فندم على إرساله ثم رجع إلى منزله ، وجعل إخوة يوسف يمعنون في ~~السير ، وهو يمشي ms2444 وراءهم ولا يلحقهم ، ويناديهم : قفوا لي . فلم يقفوا . ~~ويقول : اسقوني . فلم يسقوه ؛ وكسر شمعون الكوز وقال : قل لأحلامك الكاذبة ~~حتى تسقيك . ورمى لاوي سلة الطعام في الوادي ؛ فعلم يوسف أنهم قد عزموا على ~~أمر ، فناداهم وناشدهم الله والرحم ، وذكرهم بعهود أبيه ، فطمه أحدهم فأكبه ~~؛ وساروا ويوسف يعدو وراءهم حتى بلغوا موضع أغنامهم ، فأرادوا قتله ؛ فقال ~~لهم يهوذا : إن قتلتموه حل بكم ما حل بقابيل حين قتل أخاه . فأجمعوا أن ~~يجعلوه في غيابت الجب وطلبوا له جبا عميقا فوجدوه ، فجروه إليه وهو يبكي ، ~~فقال لهم يهوذا : يا بني يعقوب لقد ذهبت الرحمة من قلوبكم . قالوا : فنرده ~~إلى أبيه فيحدثه بما فعلناه به ؟ قال : فإن طرحتموه في الجب لا يبلغ قعره ~~حتى يموت ، ولكن دلوه بحبل . ولم يكن معهم حبل ، فذبحوا شاة ، وقدوا جلدها ~~كالحبل ، ودلوه به ؛ فلما نزل إلى الجب امتلأ نورا ، وأتاه جبريل وقال له : ~~لا تخف فإن الله معك . وكان في الجب جحر عظيم ، فسطحه جبريل بجناحه فصار ~~كالطبق وأجلسه فيه ، وأتاه بطعام من الجنة فأكل ، وأتاه بقميص فلبسه ، ~~وبفراش من الجنة ، وآنسته الملائكة في الجب . PageV13P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" قال الله تعالى : " فلما ذهبوا به وأجمعوا أن ~~يجعلوه في غيبت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون " . ~~قال : ثم قالوا : ماذا نقول لأبينا ؟ قال بعضهم : إنه كان يخاف عليه من ~~الذئب ، فنقول : إن الذئب أكله . فعمدوا إلى جدي فذبحوه على قميصه . ~~وألصقوا بالدم شيئا من شعر الجدي . ورجعوا إلى أبيهم . ذكر رجوع إخوة يوسف ~~إلى يعقوب قال : ولما قربوا من عريش يعقوب أخذوا في البكاء والعويل ، ~~فرأتهم ابنة يعقوب ، فنزلت إلى أبيها باكية ، وقالت : رأيت إخوتي متفرقين ~~يبكون ، وروبيل يقول : يا يوسف يا يوسف . فصاح يعقوب ، وخر على وجهه ؛ ~~فدخلوا عليه وقالوا : يا أبانا ، حلت المصيبة وعظمت الرزية " إنا ذهبنا ~~نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا ~~صادقين " قال الله تعالى : " وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم ~~أنفسكم ms2445 أمرا فصبر جميل والله المستعان على تصفون " وأخذ يعقوب القميص ، ~~ونظر إليه فلم ير فيه أثر خدش فقال : يا بني ، ما للذئب وأكل أولاد ~~الأنبياء ؟ وأخذ يبكي ؛ ثم قال : اخرجوا في طلب هذا الذئب ، وإلا دعوت ~~عليكم فتهلكوا . فخرجوا فأخذوا ذئبا عظيما وجعلوا يضربونه ويجرونه ، حتى ~~جاءوا به إلى أبيهم ، فقال : كيف عرفتموه ؟ قالوا : لأنه ذئب كبير ، وكان ~~يتعرض لنا في غنمنا . ذكر كلام الذئب بين يدي يعقوب فقال يعقوب : سبحان من ~~لو شاء لأنطقك بحجتك ، فنطق الذئب وقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~، يا نبي الله ، إني ذئب غريب ، فقدت ولدا لي فجئت في طلبه حتى بلغت بلدك ، ~~فأخذني هؤلاء وضربوني وكذبوا علي ؛ والذي لأنطقني ما أكلت ولدك ، وكيف يأكل ~~الذئب أولاد الأنبياء ؟ فأطلقه يعقوب . ذكر خبر خروج يوسف من الجب وبيعه من ~~مالك بن دعر قال : وأقبل قوم من بلاد اليمن يريدون أرض مصر ، فخرج بعضهم في ~~طلب الماء ، فرأى نورا يسطع من البئر ، فأدلى دلوه ، فتعلق به يوسف ، ~~فاجتذبه ، فنظر إليه فرآه ، فقال للذي كان معه : " يا بشرى هذا غلام " . ~~فأخرجوه . PageV13P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" قيل : وذلك في اليوم الرابع من إلقائه في ~~الجب ، وكان إخوته على رأس جبل فنظروا إلى اجتماع القافلة على الجب ، فعدوا ~~إليهم ، وقالوا : هذا عبد لنا أبق منذ أيام ، ونحن في طلبه ، فإن أردتم ~~بعناه منكم . ثم قالوا ليوسف بالعبرانية : إن أنكرت العبودية انتزعناك من ~~أيديهم وقتلناك . فسأله أهل القافلة فقال : إني عبد ، أراد الله . وكان ~~رئيس القافلة مالك بن دعر ، فاشتراه منهم بأقل من عشرين درهما . قيل : تنقص ~~درهما . وقيل : تزيد درهمين . وقيل : اشتراه بأربعين درهما والله أعلم . ~~فاقتسموها بينهم . قال الله تعالى : " وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا ~~فيه من الزاهدين " . ثم قالوا لمالك : هذا عبد آبق سارق ، قيده حتى لا يهرب ~~منك ولا يسرق . فقيده وأركبه ناقة ، وكتب يهوذا كتاب البيع ، وساروا حتى ~~بلغت القافلة قبر أم يوسف ، فلم يتمالك أن رمى بنفسه على القبر وبكى ، ~~فافتقدوه ms2446 فلم يروه ، فبعثوا في طلبه ، فوجدوه وقد اتكأ على القبر ، فلطمه ~~واحد منهم ، وقالوا : هلا كان هذا البكاء قبل اليوم حتى كنا لا نشتريك ؟ ~~وساروا به حتى دخلوا مصر ، فغير مالك لباس يوسف ، وعبر به ، فاجتمع الناس ~~على القافلة ، ورأوا يوسف فعجبوا لحسنه وجماله . ذكر خبر بيع يوسف من عزيز ~~مصر قال : وواعدوا ملكا على بيعه بباب الملك ريان بن الوليد ، فزين يوسف ~~بأحسن زينة ، وأقعده على كرسي ، وأقبل عزيز مصر واسمه قطفير ، واجتمع ~~التجار وقام الدلال ونادى عليه ؛ فبكى يوسف ، وتزايد القوم حتى بلغ يوسف ~~مالا لا يحصى كثرة ؛ واستقر بيعه من قطفير ، وأحضر الأموال . وقد اختلف ~~الرواة في كمية الثمن ، فمنهم من لم يحده ، بل قال : مالا كثيرا . ~~PageV13P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" ومنهم من قال : إن عزيز مصر تلقى القافلة ، ~~واشتراه من مالك بن دعر بعشرين دينارا ، ونعلين ، وثوبين أبيضين . وقد عزي ~~هذا القول إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - . وروي عن وهب بن منبه أنه أقيم ~~في السوق ، وتزايد الناس في ثمنه ، فبلغ ثمنه وزنه مسكا وورقا وحريرا ؛ ~~فابتاعه العزيز بهذا الثمن . نرجع إلى سياق الكسائي : قال : فوقف عليه رجل ~~من بلاد كنعان على ناقة ، فمدت عنقها وجعلت تشم يوسف ، فسأل يوسف صاحب ~~الناقة بالعبرانية : من هو ؟ فأخبره أنه من أرض كنعان ؛ فقال له : أقرئ ~~يعقوب سلامي إذا رجعت ، وصف له صفتي . فلما عاد الكنعاني أخبر يعقوب بذلك ؛ ~~فقال يعقوب : سلني حاجة بهذه البشارة . قال : ادع لي أن يكثر الله ولدي ~~ومالي . فقال : اللهم أكثر ولده وماله وأدخله الجنة . قال : ثم دنا مالك من ~~يوسف فقال له : أنا يوسف بن يعقوب بن إبراهيم الخليل ؛ وأخبره بخبر إخوته . ~~فصاح مالك وقال : واله ما علمت فاستغفر لي فإني من أولاد مدين بن إبراهيم . ~~فبكى يوسف ، وقال له مالك : أسألك أن تدعوا الله يرزقني ولدا . فدعا الله ~~فرزقه الله أربعة وعشرين ولدا ؛ وعاش مالك حتى رأى يوسف وهو عزيز مصر . قال ~~: ودخل قطفير منزله ويوسف معه ، فرأته زليخا - وكانت أحسن نساء ms2447 زمنها - ~~فقال لها زوجها قطفير : قد اشتريت هذا الغلام لنتخذه ولدا فإنا لم نرزق ~~ولدا . قال الله تعالى : " وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه ~~عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا " . ذكر خبر يوسف وزليخا قال : ولما رأته ~~زليخا عجبت لحسنه ، ولاطفته ، وقالت : لا ينبغي لمثلك أن يباع عبدا . ويوسف ~~ساكت ؛ وكان لا يأكل من ذبائحهم ، فقالت له : لم لا تأكل من ذبيحتنا وتقبل ~~كرامتنا ولي هذا البستان أريد أن تحفظه ، فقال يوسف : أفعل ذلك . ~~PageV13P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" فكان يوسف يتعاهده حتى عمر ببركته ، وهو يأكل ~~من نباته ، فوقعت محبته في قلب زليخا ، فكتمت ذلك حتى كاد أن يظهر عليها ، ~~فأتتها دايتها ، وقالت : يا سيدة نساء مصر ، أخبريني بقصتك . فذكرت ما بها ~~من حب يوسف ؛ فأمرتها أن تتزين بأحسن زينتها ، ففعلت ، وجلست على سرير ~~وأحضرت يوسف ، فوقف بين يديها وهو لا يعلم ما يراد منه ؛ وأغلقت الداية ~~أبواب المجلس من خارج ؛ فعلم عند ذلك مراد زليخا - وكان عمره ثمان عشرة سنة ~~- ؛ قال الله تعالى : " وراودته التي في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقال ~~هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون " . قال : ~~فرمت بتاجها وهمت به . قال الله تعالى : " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى ~~برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين " . قالوا ~~: هم بضربها . وقيل : بردعها . وقيل : لما حصل عنده من الهم . ولا تعويل ~~على ما نقله أهل التاريخ : أنه هم بها كما همت به . قالوا : وكان البرهان ~~الذي رآه أنه سمع صوتا من ورائه ، فالتفت ، فرأى صورة يعقوب وهو عاض على ~~يديه يقول : الله الله يا يوسف . وقيل : خرجت كف من الحائط مكتوب عليها : " ~~أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت " ؛ ثم انصرفت الكف وعادت زليخا لمراودته ~~، فخرجت الكف ثانية مكتوب عليها : " وإن علكم لحافظين ، كراما كاتبين ، ~~يعلمون ما تفعلون " ثم عادت فخرجت الكف ثالثة وعليها مكتوب : " واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله " . قال : فلما ms2448 نظر يوسف إلى البرهان ، بادر إلى الباب ~~؛ فعدت زليخا خلفه فلحقته عند الباب ، فجذبت قميصه فقدته من دبر ؛ وإذا ~~قطفير قد أقبل . قال الله تعالى : " واستبقا الباب فقدت قميصه من دبر ~~وألفيا سيدها لدى الباب " . قال : فلما نظرت زليخا إليه لطمت وجهها ، وقالت ~~: أيها العزيز ، هذا يوسف الذي اتخذناه ولدا دخل يراودني عن نفسي . ~~PageV13P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" ثم قالت : " ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا ~~أن يسجن أو عذاب أليم ، قال هي راودتني عن نفسي " فهم قطفير أن يضرب يوسف ~~بسيف ، فأنجاه الله منه ؛ وكان بالمجلس صغير ابن شهرين - وهو ابن داية ~~زليخا - فتكلم بإذن الله وقال : لا تعجل يا قطفير ، أنا سمعت تخريق الثوب . ~~قال الله تعالى : " وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو ~~من الكاذبين ، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين " ثم لم ينطق ~~الصبي بعد ذلك حتى بلغ حد النطق ، وهذا الصبي أحد من تكلم بالمهد . " فلما ~~رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم " ؛ وأقبل على يوسف ~~وقال : " يوسف أعرض عن هذا " الحديث لا يسمعه أحد . وقال لزليخا : " ~~واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين " . وخرج قطفير من منزله ، وعادت زليخا ~~لمراودته ؛ فامتنع عليها . ذكر خبر النسوة اللاتي قطعن أيديهن قال : وفشا ~~في المدينة ، وشاع عند نساء الأكابر خبرها ، فعتبنها عليه ، وهو قوله تعالى ~~: " وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا ~~إنا لنراها في ضلال مبين " فلما بلغها ذلك من قولهن " أرسلت إليهن وأعتدت ~~لهن متكأ " . قال : استدعت امرأة الكاتب والوزير وصاحب الخراج وصاحب ~~الديوان . وقيل : إن النساء اللاتي تكلمن في أمر زليخا امرأة الساقي وامرأة ~~الخباز وامرأة صاحب الديوان وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب ؛ والله أعلم ~~. قيل : إنها أقدمت إليهن صواني الأترج وصحاف العسل : " وأتت كل واحدة منهن ~~سكينا " وزينت يوسف . وقالت : إنك عصيتني فيما مضى ، فإذا دعوتك الآن فاخرج ~~. فأجابها إلى ذلك ؛ قال الله تعالى ms2449 : " فلما سمعت بمكرهن أرسلت ~~PageV13P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن ~~سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاشى لله ما ~~هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم " . قال : كن يأكلن الأترج بالسكاكين فنالهن ~~من الدهش والحيرة ما قطعن أيديهن وتلوثت بالدماء ولم يشعرن ؛ فقالت لهن ~~زليخا ما حكاه الله عنها : " قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن ~~نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين " . وقيل : ~~إن النساء خلون به ليعدلنه لها ، فراودته كل واحدة منهن عن نفسه لنفسها ، ~~ثم انصرفن إلى منازلهن . ثم دعته زليخا وراودته ، وتوعدته بالسجن إن لم ~~يفعل ؛ فقال يوسف ما أخبر الله به عنه : " قال رب السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين " . قال : ~~فلما أيست زليخا منه مضت إلى الملك ريان بن الوليد - وكانت لا ترد عنه - ~~فقالت : إني اشترت عبدا ، وقد استعصى علي ، ولا ينفع فيه الضرب والتوبيخ ، ~~وأريد أن أحبسه مع العصاة . فأمر الملك بحبسه ، وأن يفرج عنه متى اختارت ؛ ~~فأمرت السجان أن يضيق عليه في محبسه ومأكله ومشربه ؛ ففعل ذلك ؛ فأنكره ~~العزيز ، وأمر أن ينفل إلى أجود أماكن السجن ، ويفك قيده ، وقال له : لولا ~~أن زليخا تستوحش من إخراجك لأخرجتك ، ولكن اصبر حتى ترضى عنك ويطيب قلبها . ~~ذكر إلهام يوسف - عليه السلام - التعبير ونزل جبريل - عليه السلام - وبشره ~~أن الله قد ألهمه تعبير الرؤيا فعرفه بإذن الله عز وجل ، وأنبت الله له ~~شجرة في محبسه يخرج منها ما يشتهيه . ذكر خبر الخباز والساقي قال : وغضب ~~الملك ريان بن الوليد على شاقيه شرهيا ، وصاحب مطبخه شرها ، فأمر بحبسهما ، ~~فحبسا في السجن الذي فيه يوسف ، فرأى الساقي رؤيا فسأل PageV13P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" أهل السجن عن تأويلها ، فدلوه على يوسف ؛ ~~فأتاه وقال : قد رأيت رؤيا . فقال له يوسف : قصها . فقال : رأيت كأني في ~~بستان فيه كرمة حسنة ؛ وفيها عناقيد سود ؛ فقطعت منها ثلاث عناقيد ms2450 وعصرتها ~~في كأس الملك ، ورأيت الملك على سريره في بستانه ، فناولته الكأس فشربه ، ~~وانتبهت . فقال صاحب المطبخ : وأنا رأيت مثل هذه الرؤيا ، رأيت كأني أخبز ~~في ثلاثة تنانير : أحمر وأسود وأصفر ، ورأيت كأني أحمل ذلك الخبز في ثلاث ~~سلال إلى دار الملك ، وإذا بطائر على رأسي يقول لي : قف فإني طائر من طيور ~~السماء ، ثم سقط على رأسي فجعل يأكل من ذلك الخبز ، والناس ينظرون إليه ~~وإلي ، وانتبهت فزعا . فقال يوسف : بئسما رأيت . ثم قال للساقي : إنك تقيم ~~في السجن ثلاثة أيام ويخرجك الملك فيسلم إليك خزانته ، وتكون ساقيه وصاحب ~~خزانته . وأنت يا خباز بعد ثلاثة أيام تضرب رقبتك وتصلب وتأكل الطير من ~~رأسك . فقال الخباز : إني لم أر شيئا ، وإنما وضعت رؤياي هذه . فقال : " ~~قضي الأمر الذي فيه تستفتيان " . ثم قال يوسف للساقي : " اذكرني عند ربك " ~~وأعلمه أني محبوس ظلما . فقال له : ما أبقي جهدا . فلما كان بعد ثلاثة أيام ~~كان من أمر الساقي والخباز ما قاله لهما يوسف . ثم هبط جبريل على يوسف وقال ~~: إن الله يقول لك : نسيت نعمائي عليك فقلت للساقي يذكرك عند ربه ، وهما ~~كافران ، فأنزلت حاجتك بمن كفر بنعمتي وعبد الأصنام دوني . قال الله تعالى ~~: " وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه " . ~~قيل : الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو الساقي ، " فلبث في السجن بضع سنين " ~~وهو يبكي ويستغفر ويتضرع إلى الله ؛ فأوحى الله إليه : أني قد غفرت لك ذنبك ~~، وأنه سيخرجك من السجن ، ويجمع بينك وبين أبيك وإخوتك وتصدق رؤياك . فخر ~~ساجدا لله تعالى . PageV13P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" ذكر رؤيا الملك وتعبيرها وما كان من أمر يوسف ~~وولايته قال : وقد الله عز وجل أن الملك - وهو الريان بن الوليد بن ثروان ~~بن أواسة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن نوح عليه السلام - رأى في ~~تلك الليلة رؤيا هالته ؛ فدعا بالمعبرين ، فقالوا : إن هذه " أضغاث أحلام ~~وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين " . فغضب الملك وقطع أرزاقهم ؛ وذكر الله ms2451 ~~الساقي ؛ قال الله تعالى : " وقال الذي نجا منهما واذكر بعد أمة أنا أنبئكم ~~بتأويله فأرسلون " فتقدم إلى الملك وذكر تله خبر يوسف - وكان بين المدتين ~~سبع سنين وسبعة أشهر - فأرسله لملك إليه وقال : أخبره برؤياي وأتني ~~بتأويلها . فأقبل الساقي إلى السجن واجتمع بيوسف ، واعتذر له ، وأخبره ~~برؤيا الملك ، وقال : هل عندك تعبير ذلك ؟ فال : لا أفعل حتى ترجع إلى ~~الملك وتسأله " ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن " ؛ فرجع الساقي إلى ~~الملك وأخبره ، فاستدعى النسوة ، فأتى بمن كان يعيش منهن ، فقال الملك : " ~~ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت ~~امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين " . ~~فلما قلن ذلك قال الملك : " ائتوني به أستخلصه لنفسي " ؛ فلما دخل عليه ~~أجلسه معه على السرير ، وسأله عن اسمه ونسبه ، فانتسب له ، وذكر قصته مع ~~إخوته ؛ فقال له الملك : قد سمعت ما رأيت في منامي . ثم قصها عليه ، فقال : ~~رأيت سبع بقرات سمان في ناهية الحسن ، ولكل بقرة قرون كبيرة ، فحملتني ~~واحدة على قرنيها ، فجعلت أصير من بقرة إلى بقرة حتى طفت على الجميع ؛ ~~فبينما أنا كذلك وإذا بسبع بقرات عجاف مهازيل ، فعمدت فأكلت كل واحدة من ~~المهازيل واحدة من السمان ، وبقيت التي أنا على قرنيها فلما تقدمت المهزولة ~~لأكلها ، رمتني عن قرنيها ، فأكلتها المهزولة ؛ ثم صار للمهازيل أجنحة ، ~~فطارت ثلاث نحو المشرق وثلاث نحو المغرب ، وبقيت هناك واحدة ؛ فبينما أنا ~~كذلك وإذا بسبع سنبلات في نهاية الخضرة خرجن من ذلك الوادي ، ثم لاحت فيهن ~~سبع سنبلات يابسات ، فالتففن على الخضر حتى غلبن على خضرتهن ، وإذا بملك قد ~~أقبل وقال : يا ريان ، خذ هذا الرجل فأقعده على سريرك ، فإنه لا يصلح ما ~~رأيت إلا على يديه ؛ فهذا ما رأيت . PageV13P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" فقال يوسف : فأما السبع بقرات السمان فهي سبع ~~سنين يكون فيها زرع وخصب " فما حصدتم فذروه في سنبله " . وأما البقرات ~~العجاف ، فإنها سبع سنين فيها قحط وضيق ، فتأكل ما ms2452 حصدتم في سنين الخصب " ~~إلا قليلا مما تحصنون " في بيوتكم . وأما السنابل الخضر ، فهي سنو الخصب ، ~~واليابسة سنو الجوع ، والرجل الذي قال لك أقعده على سريرك ، فيكون صلاح ذلك ~~على يديه فأنا هو ؛ وقد أمرك ربي بهذا ؛ فهذا تأويل رؤياك . قال : فقال له ~~ريان : أشر علي الآن بمن أقدمه في هذا الأمر . فقال يوسف : " اجعلني على ~~خزائن الأرض إني حفيظ عليم " . قال : كيف يتهيأ لك وأنت رجل عبراني لا تعرف ~~لغة أهل مصر ؟ فقال : إن الله ألهمني جميع هذه الألسنة يوم دخلت مصر . فنزع ~~الملك خاتمه ، وجعله في إصبع يوسف ، وقال لأصحابه : هذت عزيز مصر وخليفتي ، ~~فاسمعوا له وأطيعوه . قال الثعلبي : قال أهل الكتاب : لما تمت ليوسف في ~~الأرض ثلاثون سنة استوزره فرعون مصر . وكان مرادهم - والله أعلم - أنه لما ~~استكمل ثلاثين سنة من عمره . وحكى الثعلبي أن الملك عزل العزيز وولى يوسف ، ~~ثم هلك العزيز عن قريب وكان يوسف يوم قضائه تضرب له قبة من الديباج يجلس ~~فيها للحكومة بين الناس وبقية الأيام يدور في عمله ويأمر بالزراعة والحرث ~~وعمر البيوت لخزن الحبوب بسنابلها ، حتى ملأها ، وخزن الأتبان حتى انقضت ~~سنو الخصب ودخلت سنو القحط ، فنهى عن الزراعة فيها لعلمه أن الأرض لا تثمر ~~فيها شيئا ؛ فأكلوا ما عندهم حتى نفد ؛ فالتجأوا إلى الملك ، فقال الملك : ~~عليكم بالعزيز فإن في يده خزائن الطعام . فجاءوه ، فباعهم في السنة الأولى ~~بالدنانير والدراهم ، وفي السنة الثانية بالحلي والجواهر ، وفي الثالثة ~~بالأراضي والعقار ، وفي الرابعة بالإماء والعبيد ، وفي الخامسة بأولادهم ، ~~وفي السنة السادسة بأنفسهم ، حتى صاروا ملكا له وعبيدا ، وأطعمهم في السنة ~~السابعة لأنهم صاروا عبيده وإماءه ؛ والله أعلم . PageV13P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" ذكر حاجة زليخا إلى الطعام وزواج يوسف بها ~~يقال : إن زليخا أصابها من الحاجة ما أصاب غيرها ، وابتاعت الطعام بجميع ~~مالها ، وبقيت منفردة ، فلم تجد بدا من التعرض ليوسف ، فقعدت على طريقه ~~وإذا هو قد أقبل في مواكب عظيمة ، فقامت وقالت : يا يوسف ، سبحان من أعز ~~العبيد بالطاعة ، وأذل السادات بالمعصية ms2453 ، أنا أشهد أن لا إله إلا الله ، ~~وأنك من أولاد النبيين . فسألها يوسف . من أنت ؟ فقالت : زليخا ؛ وبكت ~~وذكرت حاجتها إلى الطعام ؛ فصرفها إلى منزلها ، ورد عليها أملاكها وأموالها ~~، وبعث لها بمال جزيل وطعام كثير ؛ ثم استأذن الله تعالى في زواجها ؛ فأذن ~~له ؛ فتزوجها ، ورد الله عليها حسنها وجمالها ؛ فلما دخل عليها وجدها بكرا ~~؛ فعجب من ذلك ؛ فقالت : يا نبي الله " والذي هداني إلى دينك ما مسني ذكر ~~قط ، وما قدر علي العزيز " . فيقال : إنه رزق منها عشرة أولاد في خمسة أبطن ~~. وقد حكى الثعلبي أن العزيز قطفير لما هلك بعد عزله زوج الملك يوسف ~~بامرأته زليخا ، وسماها الثعلبي في كتابه : راعيل . قال : وانتشر القحط حتى ~~بلغ أرض كنعان ؛ فقال يعقوب لبنيه : يا بني ، إنكم ترون ما نحن فيه من الضر ~~، وقد بلغني أن عزيز مصر تقصده الناس فيمتارون منه ويحين إليهم ، وأنه مؤمن ~~بإله إبراهيم ، فاحملوا ما عندكم من البضاعة وتوجهوا إليه . ففعلوا ذلك ~~وساروا . قال : وأقبل مالك بن دعر على يوسف ومعه أولاده ، وهم أربعة وعشرون ~~ولدا ، كلهم ذكور ، فوقف بين يديه وحياه بتحية الملك ، وقال : أيها العزيز ~~أتعرفني ؟ قال : إني أشبهك برجل حملني إلى هذا هنا . قال : أنا هو . فقربه ~~وسأله عن الفتية ، فقال : هم أولادي رزقتهم ببركة دعائك . فكساه وكساهم ، ~~وكفاهم من الطعام ؛ وسأله : هل مر بأرض كنعان ؟ قال : نعم وإنهم لفي جهد ، ~~وقد رأيت الذين باعوك مني مقبلين عليك يريدون أن يمتاروا . ففرح يوسف . ~~PageV13P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" ذكر دخول إخوة يوسف - عليه السلام - في المرة ~~الأولى قال : وأقبل إخوة يوسف فدخلوا مصر ليلا ، وأناخوا رواحلهم بباب قصر ~~أخيهم ؛ فأشرف عليهم وقال : من أنتم ؟ قالوا : نحن أولاد يعقوب النبي ، ~~قدمنا من أرض كنعان لنشتري القوت . فسكت ، وأمر بتزيين قصره ؛ وبات إخوته ~~على الباب . وأصبح يوسف فجلس على السرير ، وتتوج وتطوق وتمنطق ؛ ثم أمر ~~بإخوته ؛ فدخلوا عليه - وهم عشرة ، وتأخر عنهم بنيامين عند أبيه - . قال ~~الله تعالى : " وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون " . ~~فسلموا ms2454 عليه ، وحيوه بتحية الملوك ؛ فرد عليهم وقال لهم : إنكم أولاد يعقوب ~~النبي ، فكيف لي بصدقكم ؟ فقال له روبيل : نحن نأتيك بأخينا الذي عند أبينا ~~يخبرك بمثل ما أخبرناك به . فأمر بأخذ بضاعتهم ، وأن يكال لهم الطعام بقدر ~~كفايتهم . ثم قال لأعوانه : اجعلوا بضاعتهم في رحالهم . قال الله تعالى : " ~~ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل ~~وأنا خير المنزلين ، فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ، قالوا ~~سنراود عنه أبانا وإنا لفاعلون ، وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ~~لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون " . فوضعت في رحل يهوذا ~~؛ ثم سار القوم حتى أتوا إلى أرض كنعان ، فدخلوا على أبيهم ؛ فسألهم عن ~~حالهم وما كان من أمرهم ؛ وفتحوا رحالهم ، فوجدوا بضاعتهم ردت إليهم ؛ ~~فدخلوا على أبيهم وقالوا : يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا . فقال ~~: إن هذا الطعام حرام عليكم إلا أن تؤدوا ثمنه . فقالوا : كيف نرجع إليه ~~وقد ضمنا له أن نأتيه بأخينا بنيامين ؟ PageV13P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" ثم قالوا ما أخبر الله تعالى عنهم : " يا ~~أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكل وإنا له لحافظون ، قال هل آمنكم ~~عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الرامين " . ~~فقال له يهوذا : يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ ~~أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ، قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا ~~من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما أتوه موثقهم قال الله على ما نقول ~~وكيل . ودعا يعقوب بقميص يوسف الذي وردوا عليه بالدم ، فألبسه بنيامين ~~وودعهم وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما ~~أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل ~~المتوكلون ؛ ثم ساروا . ذكر خبر دخولهم عليه في المرة الثانية قال : فلما ~~بلغوا مصر ودخلوا على يوسف قربهم ، ونظر إلى أخيه بنيامين ms2455 وأدناه وأجلسه ~~بين يديه . قال الله تعالى : " ولام دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه " . ثم ~~قال له : أرى كل واحد من هؤلاء مع أخيه ، فما بالك منفردا ؟ فقال : أيها ~~العزيز ، كان لي أخ ، ولا أدري ما أصابه ، غير أنه خرج مع هؤلاء الإخوة إلى ~~الغنم ، فذكروا أن الذئب أكله ، وردوا قميصه هذا الذي علي وهو ملطخ بالدم . ~~فقال لهم يوسف : يا أولاد يعقوب ، إن فيكم من يصيح بالأسد فيخر ميتا ومن ~~يأخذ برجل الذئب فيشقه اثنين ، وفيكم من يقتلع الشجرة من أصلها ، وفيكم من ~~يعدو مع الفرس فيسبقه . قالوا : نعم أيها العزيز . فقال : سوءة لكم ولقوتكم ~~إذ يعدو الذئب على أخيكم فيأكله . فقالوا : إذا جاء القضاء ذهبت القوى . ~~فسكت يوسف ، ثم أمر لهم بخمس موائد ، وأمر كل اثنين منهم أن يجلسا على ~~مائدة ؛ ثم وضعت أخرى بين يدي بنيامين ، فبكى ؛ فقال له : ما يبكيك ؟ قال : ~~أيها PageV13P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" العزيز ، إخوتي يأكلون كل واحد مع أخيه ، ~~وأنا وحدي ، ولو كان أخي يوسف باقيا أكل معي . فقال يوسف : يا فتى ، أنا لك ~~كالأخ . ثم نزل عن السرير وأكل معه . فلما فرغوا من الأكل جعل يوسف يسألهم ~~عن أرض كنعان وهم يخبرونه . ثم خرج صبي من القصر يتثنى ، فنظر إليه بنيامين ~~وبكى ؛ فقال له يوسف : مم بكيت ؟ قال : هذا الصبي يشبه أخي يوسف ، فبكيت ~~لأجله . فقال يوسف : هل فيكم من حزن على يوسف ؟ قالوا : نعم ، كلنا حزنا ~~عليه وبنيامين أشد منا حزنا . ثم قال : فما الذي حملتم من البضاعة ؟ قالوا ~~: لم نحمل شيئا ، لأنه لم يكن لنا شيء ، غير أنا رددنا عليك البضاعة التي ~~وجدناها في رحالنا ، لأنها ثمن الطعام الذي حملناه من عندك . فأمر أن يعطوا ~~من الطعام ما تحمله إبلهم ، وأمر غلمانه أن يجعلوا الصواع في رحل بنيامين ؛ ~~فكانوا يكيلون وإخوة يوسف يخيطون الأعدال ، حتى فرغوا . ورحل إخوة يوسف وهم ~~لا يشعرون بالصواع . وقال الثعلبي : كانت السقاية مشربة يشرب فيها الملك ، ~~وكانت كأسا من ذهب مكللة بالجوهر ، جعلها يوسف مكيالا ms2456 يكال بها . قال الله ~~تعالى : " فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها ~~العير إنكم لسارقون ، قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون ، قالوا نفقد صواع ~~الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم ، قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا ~~لنفسد في الأرض وما كنا سارقين ، قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ، قالوا ~~جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين " . فعند ذلك أمر يوسف ~~أن تفتش رحالهم . قال الله تعالى : " فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم ~~استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا ~~أن يشاء الله " الآية . PageV13P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" قال : فلما نظروا ذلك ضربوا بأيديهم على ~~جباههم ، وقالوا : ثكلتك أمك فضحتنا يا بنيامين . قال : إني لم أفعل ذلك . ~~قالوا : من وضعه في رحلك ؟ قال : الذي جعل البضاعة في رحالكم . فسكتوا ، ثم ~~قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال ~~أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون . قال الثعلبي : واختلف العلماء في ~~السرقة التي وصف بها يوسف ، فقال سعيد وقتادة : سرق يوسف صنما لجده أبي أمه ~~وكان من ذهب ، فكسره وألقاه في الطريق . وقال ابن جريج : أمرته أمه - وكانت ~~مسلمة - أن يسرق صنما لخاله كان يعبده . وقال مجاهد : جاء سائل يوما ، فسرق ~~يوسف بيضة من البيت . وقال ابن عيينة : كان يخبأ الطعام من المائدة للفقراء ~~. وقال الضحاك وغيره : كان أول ما دخل على يوسف من البلاء أن عمته بنت ~~إسحاق كانت أكبر ولد إسحاق ، وكانت لها منطقة إسحاق ، وكانوا يتوارثونها ~~بالكبر ، وكانت راحيل أم يوسف قد ماتت ، فحضنته عمته وأحبته حبا شديدا ~~فكانت لا تصبر عنه ؛ فلما ترعرع وبلغ سنيات وقع حبه في قلب يعقوب ؛ فأتاها ~~وقال : يا أختاه سلمى إلي يوسف ، فوالله ما أصبر عنه ساعة واحدة . فقالت : ~~ما أنا بتاركته . PageV13P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" فلما غلبها يعقوب قالت : فدعه عندي أياما ~~أنظر إليه ، لعل ذلك يسليني ms2457 عنه . ففعل ذلك يعقوب ؛ فلما خرج يعقوب من ~~عندها عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف تحت ثيابه وهو صغير ، ثم قالت ~~: لقد فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها . فالتمست فلم توجد ؛ فقالت : ~~اكشفوا أهل البيت . فكشفوهم ، فوجدوها مع يوسف ؛ فقالت : والله إنه ليسلم ~~لي أصنع به ما شئت - وكان ذلك حكم أهل آل إبراهيم في السارق - فأتاها يعقوب ~~، فأخبرته بذلك ؛ فقال : إن كان فعل ذلك فهو يسلم إليك ، ما أستطيع غير ذلك ~~. فأمسكته بعلة المنطقة ، فما قدر يعقوب عليه حتى ماتت ، فهو الذي قال له ~~إخوته : إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل . قالوا يا أيها العزيز إن له أبا ~~شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين ، قال معاذ الله أن نأخذ ~~إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون ، فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا ~~أي يتناجون قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن ~~قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو ~~خير الحاكمين ، ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا ~~إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين . قال : ثم تشاوروا فقالوا : إن هذا ~~الملك وأهل مصر كفرة يعبدون الأصنام فتعالوا نتظاهر عليهم . قال روبيل : ~~أنا أكفيكم الملك وأعوانه . وقال شمعون : أنا أكفيكم أمر العزيز وأعوانه . ~~وقال يهوذا : أنا أكفيكم الأسواق . فعلم يوسف بذلك ، فأحضرهم وقال : يا بني ~~يعقوب ، ما الذي غركم مني ؟ أحسنت إليكم مرة بعد مرة ، وتفضلت عليكم ، وجنى ~~أخوكم جناية فتشاورتم في هلاك المدينة وأهلها ، أتظنون أن القوة لكم دون ~~غيركم ؟ ثم ضرب برجله السدة التي كان عليها فطحطحها وكسر صفائح رخامها ؛ ثم ~~قال : لولا أنكم من أولاد الأنبياء لصحت بكم صيحة تخرون على أذقانكم . ~~PageV13P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" قال : وكان يهوذا قد عزم على أن يفعل شيئا ، ~~وكان على كتفه شعرة إذا غضب خرجت من جبته فيقطر منها الدم ، ثم يصيح صيحة ~~فلا يسمعها ms2458 أحد إلا سقط مغشيا عليه ؛ وكان لا يسكن غضبه إلا أن يمسه أحد من ~~آل يعقوب ؛ فدعا يوسف بابنه منسا وقال : اذهب إلى ذلك الكهل فمسه بيدك ، ~~وتنح عنه من حيث لا يشعر بك . ففعل ذلك ، فسكن غضبه ؛ فقال يهوذا لإخوته : ~~من الذي مسني منكم فقد سكن غضبي . قالوا : لم يمسك غير ذلك الصبي . فقال : ~~والله لقد مستني يد من آل يعقوب . فلما عسر عليهم ما عزموا عليه ، عزموا ~~على العود إلى أبيهم ، وتركوا روبيل عند بنيامين . قال : فلما انصرفوا دخل ~~يوسف إلى منزله وأحضر بنيامين ، وقال : أتعرفني ؟ قال : نعم ، أنت العزيز ، ~~والله ما سرقت ، فلا تعجل علي ، فإنك موصوف بالإحسان . فضمه يوسف إلى صدره ~~، وقال له : أنا أخوك يوسف . ثم كساه وسأله عن أبيه ، فأخبره بما يقاسيه من ~~أجله . قال : ورجع إخوة يوسف إلى أبيهم فذكروا ما كان من خبر بنيامين ، وأن ~~روبيل أقام عنده . قال : وكيف يسرق ولدي وهو من الذرية الطيبة ؟ فقالوا له ~~: واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون ، قال ~~بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو ~~العليم الحكيم ، وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن ~~فهو كظيم إلى قوله : ما لا تعلمون . قال : وأخذ في البكاء حتى ضجر منه ~~جيرانه ، فأوحى الله إليه : أن كف عن بكائك فإني سأرد عليك بصرك ، وأجمع ~~بينك وبين ولدك . فسكن وهدأ ، ثم قال لبنيه : احملوا كتابي إلى العزيز . ~~ودعا بابنته دينة وقال لها : اكتبي ، باسم إله إبراهيم ، من يعقوب إلى عزيز ~~مصر ، إن الله أكرمني بولد كان أحب أولادي إلي وفقدته وبكيت عليه حتى عميت ~~، وكنت لآنس بأخيه بنيامين الذي حبسته عندك ؛ وعجبت من أمر الصواع ؛ فإن ~~أولاد الأنبياء لا يفعلون ذلك ، وإنه مكذوب عليه ؛ فإذا أتاك كتابي هذا ~~فتفضل علي بولدي ورده علي فإني أدعو الله أن يزيدك فضلا وكرامة . وسلم ~~الكتاب إليهم ، وقال : يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا ms2459 تيئسوا من ~~روح الله الآية . PageV13P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" ذكر خبر دخولهم عليه في الدفعة الثالثة قال : ~~وساروا حتى دخلوا مصر ، فاستقبلهم روبيل ودخل معهم ، فلما دخلوا عليه قالوا ~~يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجة فأوف لنا الكيل وتصدق ~~علينا إن الله يجزي المتصدقين ؛ وناولوه الكتاب ؛ فقبله وقرأه ، ثم قال لهم ~~: لو كنتم حملتم إلي هذا الكتاب قبل اليوم دفعته لكم ، ولكني قد ألقيت ~~حديثه إلى الملك ، وأنا أكلمه فيه . ذكر خبر حديث الصاع قال : ثم أمر يوسف ~~بإحضار الصاع بين يديه وقال : اجتمعوا حتى أسأل هذا الصاع عنكم . فنقر ~~الصاع فطن ، فقال : يا بني يعقوب ، إن هذا الصاع يقول : إنكم تشهدون بالزور ~~؛ وإنكم كذبتم في قولكم : إن الذئب أكل أخاكم . قالوا : ما شهدنا بالزور قط ~~، وما قلنا في يوسف إلا الحق . فنقر الصاع وقال : أتدرون ما يقول ؟ إنه ~~يقول : إنكم حسدتم أخاكم ، وأخرجتموه من عند أبيه وأردتم قتله ، ثم ~~ألقيتموه في الجب المظلم البعيد القعر . ثم نقر ثالثا وقال : إنه يقول ، ما ~~كذبتك فيما أقول ، ولقد أخرجوا أخاهم من الجب فباعوه بعشرين درهما عددا ~~تنقص درهما ، وأوصوا مشتريه أن يقيده حتى يبلغ أرض مصر . فتغيرت وجوه القوم ~~، وقالوا : ما نعرف شيئا من هذا . ثم نقره رابعا وقال : إنه يقول : وكتبوا ~~كتاب البيع بخط يهوذا . فقال : أيها العزيز ، إني لم أكتب شيئا وأنكره . ~~فقال : مكانكم حتى أعود إليكم . ودخل على زليخا وقال : هاتي تلك الصحيفة . ~~فأخرجتها له ؛ فأخرجها إلى يهوذا وقال : أتعرف خطك ؟ قال : نعم . فألقاها ~~إليه فرآها وهي خطه ؛ فقال : هي خطي ، " غير أني لم أكتبه باختياري ، وإنما ~~كتبته على عبد أبق منا " . فغضب يوسف وقال : ألستم تزعمون أنكم من أولاد ~~الأنبياء ، ثم تفعلوا مثل هذا . ثم قال لأعوانه : انصبوا عشرة أشجار على ~~باب المدينة حتى أضرب أعناق هؤلاء وأصلبهم ؛ وأجعلهم حديثا لأهل مصر . ~~فبكوا وقالوا : اقتلنا كيف شئت ولا تصلبنا . PageV13P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" وأقبل بعضهم على بعض وقالوا : هذا جزاؤنا بما ~~عاملنا به أخانا . فلما أقروا ms2460 كلهم بالذنب ، رفع التاج عن رأسه ، وقال : هل ~~علمتم مل فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ، وكان في رأسه شامة مثلها في ~~رأس يعقوب ؛ فلما نظروا إلى الشامة عرفوها وقالوا : ءإنك لأنت يوسف وهذا ~~أخي قد من الله علينا إلى قوله : وهو أرحم الراحمين . فعمد يوسف إلى قميصه ~~، وجعله في قصبة من فضة ؛ ودفعه إلى يهوذا وخلع عليهم وطيبهم ، وقال : ~~اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وائتوني بأهليكم أجمعين . ~~فخرجوا ، وسبقهم يهوذا بالقميص . قال الله تعالى : " ولما فصلت العير قال ~~أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون " . قال : لما فصلت العير من أرض ~~مصر حملت الريح رائحة القميص فشمها يعقوب ، فقال ذلك . ومعنى تفندون أي ~~تكذبون . فقال له أهله : - وقيل بنو بنيه - تالله إنك لفي ضلالك القديم ، ~~معناه في حبك القديم ليوسف . فلما وصل يهوذا بالقميص ودخل على يعقوب ألقاه ~~على وجهه وقال : خذها بشارة . فعاد بصره من ساعته ، وخر ساجدا لله . قال ~~الله تعالى : " فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا " الآية . ~~وجاء بنوه وقالوا : يا نبي الله ، نحن الذين غيبنا يوسف عنك ، ونحن الذين ~~تيناك بخبره وهو عزيز مصر . ثم قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خاطئين ، قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم . قال : وجاءه جبريل ~~بناقة من نوق الجنة ، فاستوى عليها ، وخرج من أرض كنعان يريد مصر ومعه ~~أولاده وأهله ، وهم ثمانية وسبعون إنسانا ، فدعا لعم يعقوب فما دخل أولاده ~~مصر إلا وقد غفر لهم ؛ وخرج يوسف لملتقى أبيه ومعه خلق كثير فلما رآه يوسف ~~ترجل عن فرسه وأبرك يعقوب ناقته ، واعتنقا وبكيا ، وقال يوسف : ادخلوا مصر ~~إن شاء الله آمنين . قال الله تعالى : " ورفع أبويه على العرش وخروا له ~~سجدا " يعني الأب والخال ، " وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ~~ربي حقا وقد أحسن PageV13P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من ~~بعد أن نزع الشيطان بيني ms2461 وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم ~~الحكيم " . قال : وكان بين مفارقته ووقت الاجتماع أربع وثلاثون سنة . وقال ~~الحسن : كان بين خروج يوسف إلى يوم الالتقاء معه ثمانون سنة لم تجف عيناه . ~~وأقام يعقوب بمصر أربعين سنة . وقيل : أربعا وعشرين سنة ؛ ثم أمره الله أن ~~يرتحل إلى أرض كنعان لاقتراب أجله ؛ فارتحل ومات هناك ، ودفن إلى جانب أبيه ~~إسحاق . وحكى الثعلبي - رحمه الله - أن يعقوب مات بمصر ، وأوصى يوسف أن ~~يحمل جسده إلى الأرض المقدسة حتى يدفنه عند أبيه إسحاق وجده إبراهيم ؛ ففعل ~~ذلك ، ونقله في تابوت من ساج إلى البيت لمقدس ، وخرج معه في عسكره وإخوته ~~وعظماء أهل مصر ، ووافق ذلك اليوم وفاة عيصو ، فدفنا في يوم واحد ، وكان ~~عمرهما جميعا مائة سنة وسبعا ولأربعين سنة ، لأنهما ولدا في بطن واحد ، ~~وقبرا في قبر واحد . ذكر دعوة يوسف - عليه السلام - وارتحاله عن بلد الريان ~~قال : ثم إن يوسف - عليه السلام - دعا أهل مصر إلى الإيمان سرا وعلانية ، ~~فآمن به كثير منهم ، وكسروا الأصنام ، وصارت الغلبة للمسلمين ؛ فاستدعاه ~~ريان بن الوليد وقال له : أيها العزيز ، إن أهل مصر يحبونك وقد كرهوك بسبب ~~أديانهم ، فما لك وأديانهم ؟ فقال يوسف : قد بلغني ذلك وأنا راد عليك ما ~~خولتنيه ، ومتحول عنك وعن قومك بأهل ملتي ، فإني لا أحب أن أكون من عبدة ~~الأوثان . وخرج يوسف هو وأولاده وإخوته وقومه الذين آمنوا حتى نزل الموضع ~~الذي استقبل أباه يعقوب عنده ؛ فجاءه جبريل وخرق له نهرا من النيل إلى هناك ~~، وهو نهر الفيوم ، ولحق به كثير من الناس ، وآمنوا ، وابتنى مدينتين ~~وسماهما بالحرمين وكان لا PageV13P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" يدخلهما أحد إلا يلبي يقول : " لبيك يا مفضل ~~إبراهيم بالنبوة لبيك " . ولم يكن بأرض مصر أعمر منهما ، وسار يوسف في قومه ~~سيرة الأنبياء حتى مات . ذكر خبر وفاة يوسف - عليه السلام - قال : ولما ~~أدركته الوفاة أوصى إلى ابنه أفرايم أن يسوس قومه بالواجب وأن يكون معاندا ~~لأهل مصر الذين يعبدون الأوثان ، ويجاهدهم في الله ms2462 حق جهاده ؛ ثم توفي ، ~~وكانت زليخا قد ماتت قبله ، وما تزوج بعدها . قال الثعلبي : قال أهل ~~التاريخ : عاش يوسف بعد يعقوب ثلاثا وعشرين سنة ، ومات وهو ابن مائة وعشرين ~~سنة . قالوا : ودفن في بلده فعمر الجانب الذي يليها وأخصب ، وقحط الجانب ~~الآخر ، فشكا أهله إلى الملك ، فبعث أفرايم أن ينقله فيدفنه في الجانب ~~الآخر وإن لم يفعل قاتله ؛ فدفنه هناك ، فخصب ذلك الجانب ، وقحط الآخر ، ~~فكان يدفن سنة في هذا الجانب ، وسنة في الآخر ؛ ثم اجتمعت الآراء أن يدفن ~~في وسط النهر ؛ ففعلوا ذلك ، فخصب الجانبان ببركته ، ولم يزل في نهر النيل ~~حتى بعث الله موسى - عليه السلام - فأمره الله أن يحمل تابوت يوسف ؛ فأخرجه ~~ونقله إلى بيت المقدس ، فدفنه هناك ، وموضع قبره معروف . الباب الخامس من ~~القسم الثاني من الفن الخامس في قصة أيوب - عليه السلام - وابتلائه وعافيته ~~عن وهب بن منبه أنه لم يكن بعد يوسف نبي إلا أيوب ، وهو أيوب بن أموص ابن ~~عيصو بن إسحاق بن إبراهيم . وكان أموص كثير المال والماشية ، لم يكن في أرض ~~الشام أغنى منه ؛ فلما مات صار ذلك جميعه لأيوب ؛ وكان أيوب يومئذ ابن ~~ثلاثين سنة ، فأحب الزواج فخطب رحمة بنت أفرايم بن يوسف ؛ فتزوجها ، وكانت ~~أشبه الخلق بيوسف وكانت كثيرة العبادة ، فرزقه الله منها اثني عشر بطنا ، ~~في كل بطن ذكر وأنثى ؛ ثم بعثه الله تعالى PageV13P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" إلى قومه رسولا - وهم أهل حوران والبثنية - ~~ورزقه الله حسن الخلق والرفق ، فشرع لقومه الشرائع ، وبنى المساجد ، ووضع ~~موائد للفقراء والأضياف ؛ وأمر وكلائه ألا يمنعوا أحدا من زراعته وثماره ، ~~فكان الطير والوحش وجميع الأنعام تأكل من زرعه وبركة الله تزداد صباحا ~~ومساء ؛ وكانت كل مواشيه تحمل في كل سنة بتوءم . وكان أيوب إذا أقبل الليل ~~جمع من يلوذ به في مسجده ، ويصلون بصلاته ويسبحون بتسبيحه حتى يصبح ، فحسده ~~إبليس ؛ وكان لا يمر بشيء من ماله وماشيته إلا رآه وهو مختوم بخاتم الشكر ؛ ~~وكان إذ ذاك يصعد إلى السموات ويقف في أي ms2463 مكان أحب منها ، حتى رفع الله ~~عيسى بن مريم ، فحجب عن أربع سموات منها ؛ حتى بعث الله نبينا محمدا ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فحجب عن جميعها فصعد إبليس في زمن أيوب - عليه السلام - ~~وقال : يا رب إني طفت الأرض ففتنت من أطاعني إلا عبادك منهم المخلصين . ~~فنودي : يا ملعون ، هل علمت بعبدي أيوب ؟ وهل نلت منه مع طول عبادته ؟ وهل ~~تستطيع أن تغيره عن عبادتي ؟ فقال إبليس : إلهي إنك ذكرته بالخير ، وقد ~~نظرت في أمره فإذا هو عبد عافيته بعافيتك ، ورزقته شكرك ، ولم تختبره ~~بالبلاء ؛ فلو ابتليته بالمصائب لوجدته بخلاف ما هو عليه ، فلو سلطتني على ~~ماله لرأيته كيف ينساك . فسلطه الله على ماله ؛ فانقض وجمع العفاريت ، ~~وأخبرهم أنه سلط على مال أيوب ، وحضهم على زرعه وأشجاره ومواشيه ، فأحرقوا ~~الأشجار ، وصاحوا بالمواشي صيحة فماتت برعاتها . قيل : وكان له ألف فرس ~~وألف رمكة وألف بغل وبغلة ، وثلاثة آلاف بعير ، وألف وخمسمائة ناقة ، وألف ~~ثور ، وألف بقرة ، وعشرة آلاف شاة وخمسمائة فدان ، وثلاثمائة أتان ، مع ما ~~يتبع ذلك من النتاج ؛ فهلك جميع ذلك ؛ ثم أقبل إبليس إلى أيوب في صورة راع ~~من رعاته ، وخيل له أن عليه وهج الحريق وقد اسود وجهه ، وهو ينادي : يا ~~أيوب ، أدركني فأنا الناجي دون غيري ما رأيت قط مثل هذا اليوم ، ~~PageV13P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" رأيت نارا أقبلت من السماء فأحرقت أموالك ، ~~وسمعت نداء من السماء : هذا جزاء من كان مرائيا في عمله يريد به الناس دون ~~الله . وسمعت النار تقول : أنا نار الغضب . فأقبل أيوب على صلاته ، ولم ~~يكترث به حتى فرغ منها ، وقال : يا هذا ، لقد كثرت علي ، ليست الأموال لي ، ~~بل هي لربي يفعل فيها ما يشاء . فقال إبليس : صدقت . وماج الناس بعضهم في ~~بعض ، وقالوا : هلا قبضها قبضا جميلا . فشق ذلك على أيوب من قولهم ، ولم ~~يجبهم ، غير أنه قال : الحمد لله على قضائه وقدره . وانصرف إبليس عنه ، ~~وصعد إلى السماء ، فنودي : يا ملعون كيف وجدت عبدي أيوب وصبره على ذهاب ~~أمواله ؟ فقال ms2464 إبليس : إلهي إنك قد متعته بالأولاد ، فول سلطتني عليهم ~~لوجدته غير صابر . فنودي : يا ملعون اذهب فقد سلطتك عليهم . فانقض إبليس ~~على باب قصر أيوب الذي فيه أولاده فزلزله حتى سقط عليهم ، وشدخهم بالخشب ، ~~ومثل يهم كل مثلة ؛ فأوحى الله إلى الأرض : احفظي أولاد أيوب فإني بالغ في ~~مشيئتي . وأقبل إبليس إلى أيوب وقال له : لو رأيت قصورك كيف تهدمت ، ~~وأولادك وما حل بهم . ولم يزل يعد له ما حل بهم حتى أبكاه ؛ ثم ندم على ~~بكائه ، فاستغفر وخر ساجدا ؛ وأقبل على إبليس وقال : يا ملعون ، انصرف عني ~~خائبا ؛ فإن أولادي كانوا عارية عندي لله . فانصرف وصعد إلى السماء ، ووقف ~~موقفه ، فنودي : يا ملعون ، كيف رأيت عبدي أيوب واستغفاره عند بكائه ؟ فقال ~~: إلهي إنك قد متعته بعافية نفسه ، وفيها عوض عن المال ، فلو سلطتني على ~~بدنه لكان لا يصبر . فنودي : يا ملعون اذهب فقد سلطتك على جسده إلا عينيه ~~ولسانه وقلبه وسمعه . فانقض إبليس عليه وهو في مسجده يتضرع إلى الله ويشكره ~~على جميع بلائه ؛ فلما سمع إبليس ذلك منه اغتاظ ، ولم يتركه يرفع رأسه من ~~السجود حتى نفخ في منخريه كالنار الملتهبة ؛ فاسود وجهه ، ومرت النفخة في ~~سائر جسده ؛ فتمعط منها شعره ، وتقرح جميع بدنه ، PageV13P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" وورم في اليوم الثاني ، وعظم في الثالث ، ~~واسود في الرابع ، وامتلأ قيحا في الخامس ، وسال منه الصديد في اليوم ~~السابع ووقع فيه الحكاك ، فجعل يحكه حتى سقطت أظافيره ؛ فحك بدنه بالخروق ~~والمسح والحجارة ، وكان إذا سقطت دودة من بدنه ردها إلى موضعها ، ويقول : ~~كلي إلى أن يأذن الله بالفرج . فقالت له رحمة : يا أيوب ، ذهب المال والولد ~~، وبدء الضر في الجسد . فقال لها ، يا رحمة ، إن الله ابتلى الأنبياء من ~~قبل فصبروا ، وإن الله وعد الصابرين خيرا ؛ وخر ساجدا لله تعالى ، وقال : ~~إلهي لو جعلت ثوب البلاء سرمدا وحرمتني العافية ، ومزقتني كل ممزق ، ما ~~ازددت إلا شكرا ؛ إلهي لا تشمت بي عدوي إبليس . ثم قال لرحمة : انقليني إلى ~~موضع غير مسجدي ms2465 ، فإني لا أحب أن يتلوث المسجد . فانطلقت إلى قوم كان أيوب ~~يحسن إليهم ؛ فالتمست منهم أن يعينوها على إخراجه من المسجد ؛ فقالوا : إنه ~~قد غضب عليه ربه بما كان فيه من الرياء ، فليت كان بيننا وبينه بعد ~~المشرقين . فرجعت رحمة واحتملته إلى الموضع الذي كان يضع فيه الموائد للناس ~~بالفضاء . ثم قال لها : يا رحمة ، إن الصدقة لا تحل علينا ، فاحتالي في ~~خدمة الناس . وبكى وبكت ، فكانت تخدم أهل البلد في سقي الماء وكنس البيوت ~~وإخراج الكناسات إلى المزابل ، وتتكسب من ذلك ما تنفقه على أيوب ؛ فأقبل ~~إبليس في صورة شيخ ، فوقف على أهل القرية وقال : كيف تطيب نفوسكم بمخالطة ~~امرأة تعالج من زوجها هذا القيح والصديد وتدخل بيوتكم ، وتدخل يدها في ~~طعامكم وشرابكم ؟ فوقع ذلك في قلوبهم ومنعوها أن تدخل بيوتهم . ~~PageV13P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" قال : واشتد بأيوب البلاء ، ونتن حتى لم يقدر ~~أحد من أهل القرية أن يستقر في بيته لشدة رائحته ؛ فاجتمعوا على أن يرسلوا ~~عليه الكلاب لتأكله ؛ فأرسلوها فعدت حتى قربت منه وولت هاربة ولم ترجع إلى ~~القرية . ثم قال لرحمة : إن القوم قد كرهوني ، فاحتالي في نقلي عنهم . ~~فتوجهت واتخذت له عريشا ، واستعانت بمن يحمله ؛ فأعانها الله بأربعة من ~~الملائكة ، فحملوه بأطراف النطع إلى العريش ، وعزوه في مصيبته ودعوا له ~~بالعافية ؛ واتخذت له رحمة في العريش رمادا ، فألقى نفسه عليه ؛ ثم توجهت ~~في طلب القوت ، فردها أهل القرية ، وقالوا : إن أيوب سخط عليه ربه . فعادت ~~إليه باكية ، وقالت : إن أهل القرية غلقوا أبوابهم دوني . فقال : إن الله ~~لا يغلق بابا دوننا . فحملته إلى قرية أخرى ، وصنعت له عريشا ودخلت القرية ~~، فقربوها وأكرموها ، وحملت في ذلك اليوم عشرة أقراص من خمسة بيوت ؛ ثم شم ~~أهل القرية رائحة أيوب بعد ذلك ، فمنعوا رحمة أن تدخل إليهم ، وقالوا : نحن ~~نواسيك من طعامنا بشيء . فرضيت بذلك ؛ فبينما هي تتردد إلى أيوب إذ عرض لها ~~إبليس في صورة طبيب وقال : إني أقبلت من أرض فلسطين لما سمعت خبر زوجك ، ~~وقد جئت ms2466 لأداويه ، وأنا صائر إليه غدا فيجب أن تخبريه ، وقولي له : يحتال ~~في عصفور أو طائر فيذبحه ولا يذكر اسم الله عليه ، ويأكله ويشرب عليه قدحا ~~من خمر ، ففرجه في ذلك . فجاءت رجمة إلى أيوب وأخبرته بذلك ، فتبين الغضب ~~على وجهه ، وأخبرها أنه إبليس وحذرها أن تعود لمثل ذلك ؛ ثم أقبلت بعد ذلك ~~إلى أيوب بشيء من الطعام فعرض لها إبليس في صورة رجل بهي على حمار ، فقال : ~~إني أعرفكم وأنتم أهل غناء ويسار فما الذي غير حالكم ؟ فذكرت ما أصاب أيوب ~~من البلاء في المال والولد والنفس قال : وفي أي شيء أصابتكم هذه المصائب ؟ ~~قالت : لأن الله أراد أن يعظم لنا الأجر على قدر بلائه . قال إبليس : بئس ~~ما قلت ، ولكن للسماء إله وللأرض إله ؛ فأما إله السماء فهو الله ؛ وأما ~~إله الأرض فأنا ، فأردتكم لنفسي فعبدتم إله السماء ولم تعبدوني ~~PageV13P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" ففعلت بكم ما فعلت ، وسلبتكم نعمكم ، وكل ذلك ~~عندي ، فاتبعيني حتى تنظري إلى ذلك ، فإنه عندي في وادي كذا وكذا . فلما ~~سمعت رحمة ذلك منه عجبت ، واتبعته غير بعيد حتى وقفها على ذلك الوادي ، ~~وسحر عينيها حتى رأت ما كانت فقدته من أموالهم . فقال : أنا صادق أم لا ؟ ~~فقالت : لا أدري حتى أرجع إلى أيوب . فرجعت وأخبرته بذلك ، فتألم وأنكر ~~عليها وغضب ؛ فسألته أن يعفو عنها ولا تعود ؛ فقال : قد نهيتك مرة وهذه ~~أخرى ، وأقسم إن عافاه الله ليجلدنها مائة جلدة على كلامها لإبليس . قال : ~~ولبث أيوب في بلائه ثماني عشرة سنة حتى لم يبق إلا عيناه تدوران في رأسه ، ~~ولسانه ينطق به ، وقلبه على حالته ، وأذناه يسمع بهما . قال : وعجزت رحمة ~~في بعض الأيام عن تحصيل القوت ، وطافت القرية حتى أتت إلى امرأة عجوز فشكت ~~لها ذلك ؛ فقالت العجوز : يا رحمة ، قد زوجت ابنتي ، فهل لك أن تعطيني ~~ضفيرتين من ضفائرك لأزين بهما ابنتي ، وأعطيك رغيفين . فأجابتها رحمة إلى ~~ذلك ، وأخذت الرغيفين ، وجاءت بهما إلى أيوب ؛ فأنكرهما أيوب وقال : من أين ~~لك هذين ؟ فأخبرته بالقصة ms2467 ؛ فصاح أيوب وقال ما أخبر الله تعالى : " أني ~~مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " . فأوحى الله إليه : يا أيوب ، قد سمعت ~~كلامك ، وسأجزيك على قدر صبرك ؛ وأما رحمة فلأرضينها بالجنة . ذكر كشف ~~البلاء عن أيوب عليه السلام قال : فلما كان يوم الجمعة عند زوال الشمس ، ~~هبط عليه جبريل فسلم عليه فرد عليه وقال : من أنت ؟ قال : أنا جبريل ؛ ~~وبشره بالشفاء ، وأن الله قد وهب له أهله وماله وولده ومثلهم معهم لتكون ~~آية ، فبكى أيوب من شدة الفرح وقال : الحمد لله الذي لم يشمت بي عدوي إبليس ~~. فقال له جبريل : قم يا أيوب . فلم يستطع ؛ فأخذ بيده وقال : قم بإذن الله ~~. فقام على قدميه ، فقال له جبريل : أركض برجلك هذه الأرض . فركضها ، فنبعت ~~عين من الماء تحت قدميه أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل وأذكى من المسك ~~؛ فشرب منه شربة فسقط ما في بدنه من الدود ، ثم أمره جبريل فاغتسل من تلك ~~العين ، فخرج وجهه كالقمر وعاد إليه حسنه وجماله ؛ ثم PageV13P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" ناوله جبريل خلعتين ، فأتزر بواحدة وارتدى ~~بالأخرى ؛ وناوله نعلين من الذهب شراكهما من الياقوت ؛ وناوله سفرجلة من ~~الجنة ؛ ثم قام إلى الصلاة ، فأقبلت رحمة وقد طردها الناس من كل الأبواب ؛ ~~فلما صارت إلى ذلك المكان رأته وقد تغير ، فظنت أنها قد أخطأت الطريق ؛ ~~فقالت : أيها المصلي كلمني . فلم يكلمها ، وثبت في صلاته ؛ فقال له جبريل : ~~كلمها . فقال : ما حاجتك ؟ قالت : هل عندك علم بأيوب المبتلى فإني خلفته ~~هاهنا ولست أراه . فتبسم أيوب وقال : إن رأيته عرفته ؟ فقالت : والله إنك ~~لأشبه الناس به قبل بلائه . فضحك وقال : أنا أيوب . فبادرت إليه واعتنقته ، ~~وبشرهما جبريل بأولادهما وما فقداه من الأموال وغيرها ومثلهم معهم ، وأمطر ~~الله عليهم جرادا من ذهب ؛ وكان له بيدران ، فأرسل الله سحابتين فأفرغتا في ~~أحدهما ذهبا وفي الآخر فضة حتى فاض أحدهما على الآخر . قيل إنه كان له بعد ~~العافية أربعة آلاف وكيل ، رزق كل واحد في الشهر مائة مثقال من الذهب ، ~~وبين يديه اثنا عشر ms2468 من البنين ، ومثلهم من البنات وملكه الله جميع بلاد ~~الشام ، وأعطاه مثل عمره الذي عمره في الماضي . فلما أدركته الوفاة أوصى ~~أولاده أن يخلفوه في ماله كما كان يفعل مع الفقراء والمساكين والأيتام ~~والأرامل ؛ ثم مات ، وتوفيت امرأته قبله . وقيل : بعده بقليل ؛ فدفن إلى ~~جانب العين التي أذهب الله بلاءه فيها . قال الثعلبي - رحمه الله تعالى - : ~~وكانت مدة ابتلائه ثماني عشرة سنة . الباب السادس من القسم الثاني من الفن ~~الخامس في خبر ( ذي الكفل اختلف العلماء في ذي الكفل من هو ؟ فقال الكسائي ~~: هو ابن أيوب - عليهما السلام - وذكر قصته فقال : PageV13P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" لما قبض الله - عز وجل - أيوب عليه السلام ~~سار ابنه حوميل - وهو أكبر أولاده - في الناس سيرة أبيه ، حتى خرج عليهم ~~ملك من ملوك الشام يقال له : لام بن دعام ، فغلب على بلاد الشام ، وبعث إلى ~~حوميل يقول : إنكم ضيقتم علينا بلاد الشام ، وأريد منكم نصف أموالكم ~~وتزوجوني أختكم حتى أقركم على ما أنتم عليه ، وإلا سرت إليكم بخيلي ورجلي ~~وجعلتكم غنيمة . فأرسل إليه حوميل يقول : إن هذه الأموال التي في أيدينا ~~ليس لأحد فيها حق إلا الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل ؛ وأما أختنا ~~فإنك من غير ديننا ، فلا نزوجها لك ؛ وأما تخويفك لنا بخيلك ورجلك ، فنحن ~~نتوكل على الله ربنا ، وهو حسبنا . فجمع الملك جنوده وقصدهم ، فالتقوا ~~واقتتلوا قتالا شديدا ، فكانت الكسرة على أولاد أيوب ، وأسر بشير بن أيوب ~~وجمعة معه ؛ وانقلب حوميل بنفسه وجمع مالا عظيما ليحمله إلى الملك ويخلص ~~أخاه منه ؛ فبينما هو في ذلك أتاه آت في منامه فقال : لا تحمل هذا المال ، ~~ولا تخف على أخيك ، فإن هذا الملك يؤمن وتكون عاقبة أمره خيرا . فلما أصبح ~~قص رؤياه على إخوته ، ففرحوا ؛ فبلغ الملك توقفه في حمل المال فأرسل إليه ~~يقول : احمل ما تكفل به أخاك من المال وإلا أحرقته بالنار . فبعث إليه : ~~إني قد أمرت ألا أحمل إليك شيئا ، فاصنع ما أنت صانع ، فغضب الملك وأمر أن ~~تجمع الأحطاب ؛ فجمعت وألقى فيها ms2469 النار والنفط ، وأمر ببشير فألقي فيها فلم ~~تحرقه ؛ فعجب الملك من ذلك ، وآمن بالله ، واختلط بعضهم ببعض ، وزوجوه ~~أختهم ، وسمي بشير ذا الكفل ، وأرسله الله إلى الشام ؛ وكان الملك يقاتل ~~بين يديه الكفار ، فلم يزل كذلك حتى مات أولاد أيوب ؛ ثم مات الملك وغلب ~~العمالقة على الشام ، إلى أن بعث الله - عز وجل - شعيبا رسولا . وحكى ~~الثعلبي في تفسيره وقصصه في قصة ذي الكفل غير ما تقدم ، وساق القصة تلو قصة ~~اليسع ، فقال : قال مجاهد : لما كبر اليسع قال : لو أني استخلفت ~~PageV13P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" رجلا على الناس فعمل عليهم في حياتي حتى أنظر ~~كيف يعمل . فجمع الناس وقال : من يتكفل لي بثلاثة أتستخلفه : يصوم النهار ، ~~ويقوم الليل ، ولا يغضب . فقام رجل شاب تزدريه العين قال : أنا . فرده ذلك ~~اليوم ؛ وقال مثل ذلك في اليوم الآخر ؛ فسكت الناس ، وقام ذلك الرجل فقال : ~~أنا . فاستخلفه ؛ فجعل إبليس يقول للشياطين : عليكم بفلان . فأعياهم ؛ فقال ~~: دعوني وإياه . فجاءه في صورة شيخ فقير حين أخذ مضجعه للقائلة ، وكان لا ~~ينام بالليل إلا تلك النومة ؛ فدق الباب ؛ فقال : من هذا ؟ فقال : سيخ ~~مظلوم . ففتح الباب ، فجعل يقص عليه قصته ، فقال : إن بيني وبين قوم خصومة ~~، وإنهم ظلموني وفعلوا وفعلوا وفعلوا ؛ وجعل يطول عليه حتى حضر الرواح ~~وذهبت القائلة ؛ فقال له : إذا رحت فإني قد آخذ بحقك . فانطلق وراح ، فكان ~~في مجلسه ، فجعل ينظر هل يرى الشيخ ؟ فلم يره ؛ فلما رجع وأخذ مضجعه أتاه ~~ودق الباب ، فقال : من هذا ؟ قال : أنا الشيخ المظلوم . فقال : ألم أقل لك ~~: إذا قعدت فأتني . قال : إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا : نحن ~~نطيعك ونعطيك حقك ، وإذا قمت جحدوني . قال : فانطلق ، فإذا رحت فأتني ، ~~ففاتته القائلة ، فراح فجعل ينظر فلا يراه وشق عليه النعاس . فلما كانت تلك ~~الساعة جاء فلم يأذن له الرجل ، فنظر فرأى كوة في البيت ، فتسورها فإذا هو ~~في البيت ، وإذا هو يدق الباب من داخل ؛ فاستيقظ ذو الكفل ، وقال : يا فلان ~~، ألم آمرك ألا تأذن ms2470 لأحد علي ؟ فقال : أما من قبلي فما أتيت ، فانظر من ~~أين أتيت . فقام إلى الباب فإذا هو مغلق والرجل معه في البيت ، فقال له : ~~أتنام والخصوم ببابك ؟ فقال : فعلتها يا عدو الله . قال : نعم ، أعييتني في ~~كل شيء ففعلت ما ترى لأغضبك ، فعصمك الله مني ، فسمي ذا الكفل ، لأنه متكفل ~~بأمر فوفى به . وروى الثعلبي أيضا بسند رفعه إلى ابن عمر - رضي الله عنهما ~~- قال : سمعت رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - يحدث حديثا لو لم أسمعه ~~إلا مرة أو مرتين لم أحدث به ، سمعته منه أكثر من سبع مرات . PageV13P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" قال : كان في بني إسرائيل رجل يقال له : ذو ~~الكفل ، لا ينزع عن ذنب عمله ، فاتبع امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن ~~تعطيه نفسها ؛ فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة أرعدت وبكت ؛ فقال : ما ~~يبكيك ؟ قالت : من هذا العمل ما عملته قط . قال : أكرهته ؟ قالت : لا ، ~~ولكن حملتني عليه الحاجة . قال : اذهبي فهي لك . ثم قال : والله لا أعصي ~~الله أبدا . فمات من ليلته . فقيل : مات ذو الكفل فوجدوا على باب داره ~~مكتوبا : إن الله قد غفر لذي الكفل . وقال أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه ~~- إن ذا الكفل لم يكن نبيا ولكنه كان عبدا صالحا ، تكفل بعمل رجل صالح عند ~~موته ، فكان يصلي لله تعالى في كل يوم مائة صلاة ، فأحسن الله - عز وجل - ~~عليه الثناء . وقيل : كان رجلا عفيفا ، تكفل بشأن رجل وقع في بلاء ، فأنجاه ~~الله تعالى . وقيل : ذو الكفل ، هو إلياس النبي عليه السلام . وقيل : هو ~~زكريا النبي عليه السلام ؛ والله تعالى أعلم . الباب السابع من القسم ~~الثاني من الفن الخامس في خبر شعيب - عليه السلام - هو شعيب بن صنعون بن ~~عفا بن نابت بن مدين بن إبراهيم عليه السلام . قال : وعاش مدين عمرا طويلا ~~، وكان قد تزوج امرأة من العمالقة فولدت له أربعة بنين ، ونسلوا فكثر عددهم ~~في حياة مدين ، فلما رأى كثرة عقبه جمعهم وأشار عليهم أن يبنوا مدينة ~~ويحصنوها ms2471 من العمالقة ؛ ففعلوا ذلك ، وجعلوا أبوابها من الحديد ، وسموها ~~مدين باسم أبيهم ، وجعلوها محال لقبائلهم ، فرغبت العمالقة في مجاورتهم ، ~~وامتلأت المدينة من العمالقة ومن أهلها حتى ضاقت بهم ، فخرجت العمالقة من ~~مدين ونزلوا بالأيكة - وكانت غيضة عن يمين مدين - فبنوا هناك PageV13P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" الدور لأنفسهم ، واختلطوا بأهل مدين ، وكان ~~أهل مدين يعبدون الله ، وأصحاب الأيكة يعبدون الأصنام ، ولا يعدو بعضهم على ~~بعض ؛ وكان صنعون والد شعيب من العباد والعلماء بمدين ، وتحته امرأة من ~~العمالقة ، فولدت له شعيبا في نهاية الجمال ؛ فلما كبر أعطاه الله فهما ~~وعلما ؛ وكان قليل الكلام دائم الفكر ؛ وكان أبوه إذا تأمل ضعفه ونحافته ~~يقول : اللهم إنك كثرت الشعوب والقبائل في أرض مدين ، فبارك لي في شعيبي ~~هذا . يعني ولده . فرأى في منامه أن الله تعالى قد بارك لك في شعيبك هذا ، ~~وقد جعله نبيا إلى أهل مدين . فسمي شعيبا لذلك . وتوفي والده فقام شعيب ~~مقامه ، وبرز بالزهد على أهل زمانه ، واشتهر بالعبادة . قال : وكان ملك ~~الأيكة - واسمه أبو جاد - قد اتخذ لقومه أصناما ، وهي ثلاثون صنما ، عشرة ~~من الذهب جلاها بالجوهر خاصة به وبأولاده ، والبقية من الفضة والنحاس ~~والحجارة والحديد والخشب لبقية الناس . قال كعب في تفسير أبجد : إنها أسماء ~~ملوك مدين . وقيل : بل ملوك الأيكة ، وهم أبو جاد وهوز وحطي وكلمن وسعفص ~~وقرشت . قال : وكان أهل مدين أصحاب تجارات يشترون الحنطة والشعير وغيرهما ~~من الحبوب ، ويجلبون ذلك من سائر البلدان يتربصون بهالغلاء ، وهم أول من ~~تربص ؛ وكان لهم مكيالان : واف يكتالون به لأنفسهم عند الشراء ، وناقص ~~يكيلون به للإعطاء ، وكذلك في وزنهم ؛ فكانوا على ذلك وشعيب بين أظهرهم وهو ~~لا يخالطهم ، وله غنم ورثها من أبيه يأكل من منافعها ، وهو عظيم المحل ~~عندهم . فبينما هو ذات يوم على باب منزله مشتغل بالذكر ، إذ جاءه رجل غريب ~~فقال : إن هؤلاء القوم يظلمون الناس ، وإني اشتريت منهم مائة مكيال بمائة ~~دينار وقبضوا الثمن وزيادة ، والذي كاله منهم نقص عشرين مكيالا . فقال له ~~شعيب : ارجع إليهم فلعلهم ms2472 قد غلطوا عليك . قال : قد راجعهم فضربوني وسبوني ~~، وقالوا : هذه سنتنا في بلدنا . والتمس الرجل من شعيب أن يساعده عليهم ؛ ~~فخرج شعيب معه حتى صار إلى سوقهم ، وسألهم عن قصته فلم ينكروها ، وقالوا : ~~ألم تعلم يا شعيب أن هذه سنة PageV13P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" آبائنا في بلدنا ؟ قال : ليس هذا من السنة . ~~فعذلهم ، فلم يرجعوا إلى قوله وضربوا الرجل حتى أدموه ، وانصرف شعيب إلى ~~منزله . ذكر مبعث شعيب - عليه السلام - قال : فأتاه جبريل في الحال ، ~~وأخبره أن الله تعالى قد بعثه رسولا إلى أهل مدين وأصحاب الأيكة وغيرهم ممن ~~يعبدون الأصنام ، وأمره أن يدعوهم إلى عبادة الله وطاعته ، وألا يبخسوا ~~الناس أشيائهم . قال : وأقبل شعيب إلى أهل مدين وقال لهم ما أخبر الله ~~تعالى به في كتابه : " وإلى مدين أخاهم عيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم ~~عذاب يوم محيط ، ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس ~~أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما ~~أنا عليكم بحفيظ " . فلما سمعوا ذلك منه أجابوه بما أخبر الله به عنهم : " ~~قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ~~ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد ، قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ~~ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد ~~إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ، ويا ~~قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثلما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح ~~وما قوم لوط منكم ببعيد ، واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود " ~~. ثم انصرف عنهم وعاد إليهم من الغد وقد اجتمعوا مع ملكهم أبي جاد ؛ فوقف ~~عليهم ونهاهم عن عبادة الأصنام وبخس المكيال والميزان ؛ فقالوا له : " يا ~~شعيب ما نفقه كثير مما تقول وإنا لنراك ms2473 فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما ~~أنت علينا بعزيز ، قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ~~ظهريا إن ربي بما تعملون محيط " . PageV13P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" فاستهزأ القوم به ، فقال : ويا قوم اعملوا ~~على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا ~~إني معكم رقيب . فكذبه سفهاء قومه ، كما أخبر الله عنهم : " كذب أصحاب ~~الئيكة المرسلين ، إذ قال لهم شعيب إلا تتقون ، إني لكم رسول أمين ، فاتقوا ~~الله وأطيعون ، وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ، ~~وأوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين ، وزنوا بالقسطاس المستقيم ، ولا ~~تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، واتقوا الذي خلقكم ~~والجبلة الأولين ، قالوا إنما أنت من المسحرين ، وما أنت إلا بشر مثلنا وإن ~~نظنك لمن الكاذبين ، فاسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين ، قال ~~ربي أعلم بما تعملون " . ثم قال له الملك : قد بلغت رسالتك بزعمك ، وقد ~~سمعناها وأبينا ، فلا تعد إلينا فترى ما لا طاقة لك به ، فقال : أنا رسول ~~الله إليكم ، وإني أعود أدعوكم حتى ترجعوا إلى طاعة الله . فغضب الملك ، ~~وانصرف عنهم شعيب ؛ وآمن به رجل من وزراء الملك ، واستكتمه إيمانه ، فكتمه ~~شعيب ؛ ثم عاد من الغد وقد خرج الملك ومن معه إلى سوقهم ، وأخرجوا أصنامهم ~~ونصبوها ؛ وأمر الملك في أهل مدين والأيكة : من سجد لأصنامنا فهو منا ، ومن ~~أبى عذبناه عذابا شديدا . فسجد القوم بأجمعهم للأصنام ؛ فنا داهم شعيب : إن ~~هذه الأصنام لا تضر ولا تنفع ، فاتركوا عبادتها . وحذرهم عذاب الله . ~~فقالوا : إنك تدعونا بغير حجة ، فهل لك حجة على دعواك النبوة ؟ قال لهم ~~شعيب : إن نطقت هذه الأصنام بصدق مقالتي أتؤمنون ؟ قالوا : نعم . ورضي ~~الملك بذلك ؛ فتقدم شعيب إلى الأصنام وقال لها : أيتها الأصنام ، من ربك ؟ ~~ومن أنا ؟ تكلمي بإذن الله . فنطقت بإذن الله وقالت : ربنا الله وخالقنا ~~وخالق كل شيء ، وأنت رسول الله ونبيه . وتنكست عن كراسيها ولم يبق منها صنم ~~صحيح ؛ وأرسل الله ms2474 على قوم شعيب ريحا كادت تنسفهم نسفا فأسرع الملك ومن معه ~~إلى منازلهم ، وآمن بشعيب خلق كثير ؛ ثم أصبح الملك ومن معه فخرجوا إلى ~~سوقهم ، ونصبوا ما كان قد بقي عندهم من الأصنام ، وأمرهم بالسجود لها ؛ ~~فأتاهم شعيب ونهاهم وحذرهم فلم يرجعوا إليه ، وأمر الملك أصحابه أن يقعدوا ~~لشعيب ولمن معه كل مرصد ، ويؤذوهم أشد الأذى ؛ ثم قال الملك وقومه " ~~لنخرجنك يا شعيب والذين PageV13P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا " ~~إلى قومه : " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين " . قال ~~: وإذا بريح قد هاجت عليهم فيها من الحر والكرب ما لا طاقة لهم به حتى رموا ~~أنفسهم في الآبار والسراديب ، واشتد الحر ودام عليهم مدة وهم لا يزدادون ~~إلا عتوا وتمردا ، وشعيب يدعوهم ويحذرهم العذاب ؛ فيقولون : لسنا نرى من ~~عذاب ربك إلا هذا الحر ، ونحن نصبر عليه . وأقاموا كذلك أعواما كثيرة وهم ~~لا يؤمنون ؛ فأرسل الله عليهم الذباب الأزرق ، فكان يلدغهم كالعقارب ، ~~وربما قتل أولادهم ؛ ثم تضاعف الحر عليهم فتحولوا من مدين إلى الأيكة ، ~~فتضاعف الحر عليهم ، وتنقلوا من الأودية إلى العياض والحر يشتد عليهم ، حتى ~~اسودت وجوههم ، فأقبل إليهم شعيب ودعاهم إلى الإيمان ؛ فنادوه : يا شعيب ، ~~إن كان ما نلقاه لكفرنا بك وبربك فزدنا منه فإنا لا نؤمن . فأوحى الله إليه ~~أنه مهلكهم ، فتحول عنهم . ذكر خبر الظلة قال الله تعالى : " فكذبوه فأخذهم ~~عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم ، إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين " . قال : ولما كان من غد يوم مقالتهم ما قالوه لشعيب وهو يوم ~~الأربعاء فانطبقت عليهم حتى لم يبصر بعضهم بعضا ؛ واشتد الحر ؛ ثم رمت ~~بوهجها وحرها حتى أنضجت أكبادهم وأحرقتهم وجميع ما كان على وجه الأرض ، ~~وشعيب والمؤمنون ينظرون إلى ما نزل بهم ، ويتأملون مصارعهم ، ولم ينلهم من ~~ذلك مكروه . قال الله تعالى : " ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة " يعني صيحة جبريل " فأصبحوا في ~~ديارهم ms2475 جاثمين ، كأن لم يغنوا فيها إلا بعدا لمدين كما بعدت ثمود " ثم أقبل ~~شعيب والمؤمنون ينظرون إلى مصارع القوم . قال الله تعالى : " فتولى عنهم ~~وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين " ~~PageV13P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" معناها ، كيف أحزن علهم . ثم قسم شعيب أموال ~~الكفار على قومه ، وتزوج بامرأة من أولاد المؤمنين ، ورزقه الله رزقا حسنا ~~، ولم يزل بأرض مدين حتى كف بصره ، وجاء موسى بن عمران من أرض مصر ، وزوجه ~~ابنته - على ما نذكره إن شاء الله تعالى - . PageV13P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" القسم الثالث من الفن الخامس يشتمل على قصة ~~موسى بن عمران عليه السلام وخبره مع فرعون ؛ وخبر يوشع بن نون وإلياس ~~واليسع وغيلا واشمويل وداود وطالوت وجالوت وسليمان بن داود ويونس بن متى ~~وجرجيس وبلوقيا وزكريا وعمران ومريم وعيسى ، عليهم السلام ، وأخبار ~~الحواريين ؛ وفيه ستة أبواب ؛ والله أعلم بالصواب . الباب الأول من القسم ~~الثالث من الفن الخامس في قصة موسى بن عمران وهارون - عليهما السلام - وخبر ~~فرعون وابتداء أمره وغرقه ، وأخبار بني إسرائيل ، وخبر قارون ، وحروب موسى ~~عليه السلام . ولنبدأ بخبر فرعون وابتداء أمره ، وكيف توصل إلى الملك ، ثم ~~نذكر قصة موسى عليه السلام معه ، ليكون الكلام في ذلك على سياقه . فأما ~~فرعون ، فهو الوليد بن مصعب . قال وهب : كان مصعب بن نسيم بمصر يرعى البقر ~~لقومه ، وله امرأة يقال لها : راعونة ، وهما من العمالقة ؛ فأتت عليه مائة ~~وسبعون سنة لم يرزق ولدا ، فبينما هو في برية مصر إذا ببقرة قد ولدت عجلا ؛ ~~فتأوه وحسد البقرة فنادته : يا مصعب لا تعجل ، فسيولد لك ولد مشئوم يكون من ~~أهل جهنم . فرجع وذكر ذلك لامرأته ، وواقعها فحملت بفرعون ، ومات أبوه قبل ~~ولادتها ؛ ثم ولدته أمه وسمته الوليد ، وأخذت في إرضاعه وتربيته حتى كبر ، ~~فأسلمته إلى النجارين ؛ فأتقن صناعة النجارة ؛ PageV13P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" ثم ولع بالقمار ، فعاتبته أمه ؛ فقال : كفي ~~عني فأنا عون نفسي . فلزمه هذا اللقب ، فكان يعرف بعون نفسه ، فقامر في بعض ~~الأيام ، فقمروه ms2476 في قميصه ، وبقي في خلق لا يستره ؛ فاستحيا من الناس أن ~~يروه كذلك ؛ فهرب حتى صار إلى قرية من قرى مصر ؛ فعرض نفسه على بقال ، ~~فخدمه ، وكان يضرب المشترين ويؤذيهم حتى نفروا من البقال ؛ فطردوه فعاد إلى ~~مصر ، وكانوا يقولون : فر عون . قال : ورجع إليها وهو لا يملك إلا درهما ~~واحدا ، فاشترى به بقلا وبطيخا وقعد يبيعه ، فجاءه عريف الطريق وطالبه بحق ~~الطريق ؛ قال : وما هو ؟ قال : درهم . فتلاحيا ؛ فترك فرعون رحله ومضى ، ~~وجعل يسرق وينقب ، فيهرب مرة ويؤخذ أخرى . فاتفق أن رجلا من العمالقة جمح ~~به فرسه فعجز عن ضبطه ، فوثب فرعون إلى الفرس وضبطه بلجامه ؛ فقال له ~~العمليقي : أراك جلدا قويا . فاتخذه سائسا ؛ فجعل يخدمه حتى مات الرجل وليس ~~له وارث ؛ فاحتوى فرعون على جميع ماله وحمله إلى أمه ، وأكل ذلك المال حتى ~~فني ، وضاق به الأمر ، فوقع في قلبه أن يجلس على باب مقابر مصر ويطلب أرباب ~~الجنائز بشيء ، ويظهر أنه بإذن الملك ؛ ففعل ذلك مدة حتى اجتمع له مال عظيم ~~؛ واتخذ له أعوانا وحفدا يعينونه على ذلك ؛ وكان الملك بعد أن أهلك الله ~~الريان بن الوليد تتوارثه الفراعنة ؛ واستقر في سنجاب ابن الوليد ، وكان ~~مكرما لبني إسرائيل ، وكانوا يعبدون الله علانية ويتلون الصحف جهرا . قال : ~~فماتت ابنة الملك ؛ فحملت إلى المقبرة ، فتعلق بها أعوان فرعون على العادة ~~لأخذ القطيعة ؛ فاتصل الخبر بالملك ؛ فأمر بإحضاره وأراد قتله ؛ فقص عليه ~~قصته ، وفدى نفسه بما جمعه من المال ؛ فعظم عند الملك وأقره على عمله ؛ ~~فقرر فرعون عند ذلك على جنائز الملوك ألف درهم ، وعلى جنائز الوزراء ~~سبعمائة والقواد خمسمائة ، ثم إلى المائة ، إلى الخمسين ، إلى عشرة ، إلى ~~ثلاثة ؛ فاجتمع الناس إلى الملك وحرفوا رأيه عن هذه الحالة وقبحوها عليه ؛ ~~فصرفه الملك عنها وأبطلها ؛ PageV13P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" وحمل إليه فرعون أموالا جمة ، وقال له : أيها ~~الملك ، إن جدي كان على حرس أبيك ، فاجعل ذلك إلي . فولاه الحرس وأمره أن ~~يشدد فيه ، ويقتل كل من لقيه بالليل كائنا من كان ؛ وجعل ms2477 الملك معه عدة من ~~الرجال والأعوان ؛ فخرج فرعون واتخذ لنفسه قبة في وسط البلد ، وكان يوجه ~~أعوانه ، فمن أتوه به في الليل أمر بقتله ؛ فتقدم عند الملك بذلك ، لأنه ~~أخاف أعداء الملك ، وأمن الملك جانبهم بسببه ، وخافه الناس ، وجعل لنفسه ~~حاجبا ، ونفذت كلمته . ذكر خبر قتل الملك واستيلاء فرعون على الملك وما كان ~~من أمره قال : واتفق مرض بعض وزراء الملك - وكان الملك يأنس إليه ويقتدي ~~برأيه - فأحب أن يزوره بالليل ؛ فخرج منفردا وليس معه أحد من خدمه ؛ فأخذه ~~أعوان فرعن وأتوه به وهو يقول : ويلكم ، أنا الملك سنجاب ، وهم يظنون أنه ~~يخدعهم بذلك ، حتى أتوا به إلى فرعون ، فأمر بقتله ، فقتل ؛ وبادر فرعون ~~بمن معه - وكان فيهم كثرة - ودخل القصر ، وكان لا يمنع منه ؛ فاستوى على ~~سرير الملك ووضع التاج على رأسه ، وفتح الخزائن ، وأحضر الوزراء وفرق فيهم ~~الأموال فرضوا به ، وصاروا أولياء له . قال : وأتاه إبليس وسجد بين يديه ، ~~وسماه إلها وربا ، ثم سجد له هامان وكان غلاما لسنجاب - وسجد الوزراء ~~والملوك والأعوان وغيرهم ؛ وبعث إلى أسباط بني إسرائيل ، فدعاهم إلى الطاعة ~~والسجود له ؛ فسجدوا وقصدوا بالسجود لله تعالى . ثم أقبل فرعون بعد ذلك على ~~إبليس وقال : أيها الشيخ ، لأنك كنت مباركا وأنت أول من سجد لي ، ثم جرى ~~القوم بعدك على سنتك ، فمن أنت ؟ قال : أنا رجل من أهل مصر أشير على الملوك ~~بمصالحهم . ثم قال لفرعون : اتخذ لقومك أصناما واحملهم على عبادتها ، واتخذ ~~لنفسك صنما انفرد به أنت ، واجعله إلها وربا . فوافقه فرعون على ذلك ، ~~واتخذ له ثورا من ذهب يعبده ، وأمر الناس بعبادة الأصنام ؛ فعبدوها ؛ فكان ~~فرعون يعبد الثور ، والقبط يعبدون الأصنام ، وبنوا إسرائيل يعبدون الله ؛ ~~فبلغه ذلك ، فأحضر عبادهم وقال : قد بلغني أنكم مطيعون لي في الظاهر ، ~~PageV13P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" مخالفون لي في الباطن ، فاسجدوا لي . فأبوا ~~ذلك ، وكان فيهم جماعة من أولاد يوسف ويهوذا ، فقتلهم ، ثم قتل خلقا كثيرا ~~، وتبعه الباقون وأسروا الإيمان ؛ ثم إن فرعون استعبد الناس ووضع عليهم ~~الخراج الكثير ، وشق ms2478 عليهم في الأعمال . هذا ما حكاه الكسائي - رحمه الله - ~~في خبر فرعون وابتداء أمره وسبب ملكه . وحكى أبو إسحاق الثعلبي - رحمه الله ~~- في كتابه المترجم بيواقيت البيان في قصص القرآن : أن فرعون موسى هو أبو ~~العباس الوليد بن مصعب بن الريان ابن أراشة بن ثروان بن عمرو بن فاران بن ~~عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام ، وكناه بهذه الكنية . قال : وملك ~~بعد أخيه قابوس بن مصعب ؛ وذلك أنه لما مات الريان بن الوليد فرعون يوسف - ~~عليه السلام - وذكر أنه قد آمن بيوسف ومات قبل وفاة يوسف - عليه السلام - ~~ملك بعده قابوس بن مصعب صاحب يوسف الثاني ؛ فدعاه يوسف إلى الإسلام ، فأبى ~~، وكان جبارا ، وقبض الله تعالى يوسف في ملكه ، وطالت أيام ملكه ، ثم هلك ؛ ~~وقام بالملك بعده أخوه أبو العباس الوليد ابن مصعب ، ولم يذكر خلاف ذلك . ~~وقد قيل في اسمه ونسبه وسبب ملكه غير ذلك ، وسيرد - إن شاء الله تعالى - في ~~أخبار ملوك مصر الفراعنة ما ستقف عليه هناك - إن شاء الله تعالى - والله ~~أعلم . ذكر خبر آسية ابنة مزاحم وزواج فرعون بها قال : وكانت آسية بنة ~~مزاحم من الصديقات ، وهي مختلف في نبوئتها ولا خلاف أنها صديقة ؛ وكانت ~~بارعة الجمال ؛ فبلغ فرعون خبرها وجمالها ، فأرسل إلى أبيها مزاحم إن ابعث ~~لي بآسية فإنها أمتي . فدخل على فرعون وقال : إن ابنتي صغيرة لا تصلح . ~~فكذبه فرعون وقال : قد عرفت وقت ولادتها . فقال : أيها الملك ، فاجعل لها ~~مهرا . فغضب فرعون وقال : احملها إلي ، فإن رضيتها أكرمتها ، وإلا رددتها ~~إليك . فقال له عمران : أيها الملك لا تفضحني في ابنة أخي ، ولكن أكرمها ~~بخلعة ومهر . فأجابه إلى ذلك ؛ فانصرف مزاحم وأخبر آسية بذلك وقال : إن ~~امتنعت يكون ذلك هلاكي وهلاكك . قال فكيف تكون مؤمنة عند كافر ؟ فلم يزل ~~بها حتى أجابت على كره منها ؛ وحمل إليها فرعون عشرة آلاف أوقية من الذهب ، ~~ومثل ذلك PageV13P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" من الفضة ، وجملة من أنواع الثياب والطرف ؛ ~~وحملت إلى فرعون ، فحماها الله ms2479 منه حتى رضي منها بالنظر . وكان فرعون قد ~~رأى قبل ذلك من الآيات ما دله على أن زوال ملكه يكون على يد فتى من بني ~~إسرائيل ؛ فقال : ائتوني بعمران لأنه كبير فيهم لأصطنع إليه وإليهم معروفا ~~. فأتي به ، فخلع عليه وتوجه ، وجعله سيد وزرائه ، حتى كان هامان وغيره ~~يحسدونه . ذكر شيء من الآيات التي رآها فرعون قبل مولد موسى عليه السلام ~~فمن ذلك أنه هتفت به الهواتف تقول : ويلك يا فرعون ، قد قرب زوال ملكك على ~~يد فتى من بني إسرائيل . ثم رأى الرؤى التي أزعجته وأفزعته ؛ فكان منها أنه ~~رأى شابا وقد دخل عليه وبيده عصا ، فضربه بها على رأسه وقال : ويلك يا ~~فرعون ، ما أقل حياءك من خالق السموات ، كلما رأيت آية ازددت كفرا . ونظر ~~إلى آسية في المنام ولها جناحان تطير بهما بين السماء والأرض حتى دخلت ~~السماء ؛ ورأى الأرض قد انفرجت وأدخلته جوفها ؛ فانتبه فزعا ، وقص رؤياه ~~على أهل العبارة ، فقالوا : إنها تدل على مولود يولد يسلبك ملكك ، ويزعم ~~أنه رسول إله السماء والأرض ويكون هلاكك وقومك على يديه . و كان فرعون قبل ~~ذلك إذا عبر عليهم رؤيا يقولون : هذه أضغاث أحلام ويكتمونه على ما تدل عليه ~~. ذكر خبر قتل الأطفال قال : فاستشار فرعون وزراءه وأهل مملكته ؛ فأشاروا ~~عليه بقتل من يولد من الذكور ؛ فقيل اثنتي عشرة ألف امرأة وسبعين ألف طفل ؛ ~~وكان يعذب الحوامل حتى يسقطن ، حتى ضجت الملائكة إلى ربها ؛ فأوحى الله ~~إليهم بأن له أجلا وبشرهم بموسى ؛ وكان فرعون قد منع وزراءه وكبار أهل ~~مملكته من الاجتماع بأهاليهم PageV13P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" والخلوة بهن ، لأنه كان قد بلغه أن المولود ~~يكون من أقرب الناس إليه ؛ وكان عمران ممن منع ؛ وكان فرعون إذا نام لا ~~يفارقه حتى يستيقظ ؛ فبينما عمران ذات ليلة على كرسيه عند رأس فرعون إذا هو ~~بامرأته وقد حملت إليه على جناح ملك من الملائكة ؛ فلما نظر عمران إليها ~~فزع وقال : ما حاجتك هاهنا ؟ فسكتت ؛ فقال له الملك : إن الله يأمرك يا ms2480 ~~عمران أن تأتي زوجتك على فراش فرعون ليكون ذلك هوانا له . فواقعها فحملت ~~بموسى ؛ ثم اغتسلا في الحوض الذي في دار فرعون ؛ ثم حملها الملك وردها إلى ~~منزلها ؛ وكان على باب فرعون ألف حاجب ، والأبواب مغلقة ، فلم يغن عنه ذلك ~~؛ ولما أصبح فرعون دخل عليه المنجمون وقالوا : إن الذي تخافه قد حملت به ~~أمه وقد طلع نجمه . فأمر فرعون القوابل والحواضن أن يدرن على نساء بني ~~إسرائيل ؛ ففعلن ذلك ، ولم يعبرن بيت عمران لعلمهن بملازمته لفرعون ليلا ~~ونهارا ؛ فلما تمت أيامها جاءها الطلق نصف الليل ، وليس عندها إلا ابنتها ، ~~فوضعته ووجهه يتلألأ نورا . ذكر خبر ميلاد موسى وما كان من أمره وإلقائه في ~~التابوت قال : وأصبحت أم موسى وهي شديدة الفرح به والخوف عليه ؛ وسمع فرعون ~~في تلك الليلة هاتفا يقول : ولد موسى وهلكت يا فرعون وتنكست الأصنام . فشدد ~~فرعون في طلب المولود ، فكانت أمه ترضعه ، وإذا خرجت في حاجة ألقته في ~~التنور بمهده وغطته ؛ ففعلت ذلك في بعض الأيام ، وكانت أخته قد عجنت وأرادت ~~أن تخبز ، فسجرت التنور وهي لا تعلم أن موسى فيه ؛ وجاء هامان والدايات ~~فدخلوا دار عمران فلم يجدوا شيئا ، ونظروا إلى التنور والنار تعلو منه ، ~~فانصرفوا ؛ وجاءت أم موسى فرأت الأعوان والحرس قد خرجوا من منزلها ، فكاد ~~روحها يزهق من الغم ، فدخلت المنزل بسرعة نحو التنور ، فرأت النار فيه ؛ ~~فلطمت وجهها وقالت : ما نفعني الحذر ، أحرقتم ولدي . وانطلقت إلى التنور ~~فرأت موسى ولم تمسه النار ؛ فأخرجته ؛ ولما تم له أربعون يوما فزعت عليه ، ~~فاتخذت له تابوتا ووضعته فيه ، وألقته في اليم ؛ وكان أبوه قد مات قبل ذلك ~~ودفن ، فلذلك اشتد خوف أم موسى . PageV13P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" قال الله تعالى : " وأوحينا إلى أم موسى أن ~~أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم " . قال : فلما أتت به لتلقيه في ~~النيل تصور لها إبليس في صورة حية سوداء وقال : إن ألقيته في اليم ابتلعته ~~. فعلمت أنه إبليس ؛ فسمعت النداء : " ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك ~~وجاعلوه من ms2481 المرسلين " . قال : فطرحته في النيل . فقيل : أنه بقي في الماء ~~أربعين ليلة . وقيل : ثلاثا . وقيل : ليلة واحدة . ذكر دخول التابوت في دار ~~فرعون ورجوع موسى إلى أمه قال : وأصبح فرعون في اليوم الذي دخل فيه التابوت ~~إلى قصره ، فصعد أعلى القصر وأشرف فرأى التابوت والموج يلعب به ؛ وكان ~~لفرعون سبع بنات من غير آسية ، بكل واحدة منهن نوع من البلاء والمرض ؛ وكان ~~الأطباء قالوا له : إن دواءهن أن يغتسلن في النيل . فصنع لهن نهرا من النيل ~~وأجراه في وسط القصر يصب في حوض عظيم ؛ فكانت بناته يغتسلن فيه ؛ فأمر الله ~~الريح أن تلقي التابوت في ذلك النهر وبنات فرعون فيه ؛ فبادرت الكبرى ~~وفتحته فإذا فيه موسى وله شعاع ونور ؛ فلما لمسته أذهب الله ما بها من ~~البلاء والمرض ؛ فلمسنه بنات فرعون واحدة بعد أخرى ، فذهب ما بهن من ~~الأمراض ؛ وأقبلن بالتابوت إلى آسية ؛ فلما رأته قبلته ولم تعلم أنه ابن ~~عمها ؛ ثم أعادته إلى التابوت ؛ وحملته جارية معها ومضت به إلى فرعون ؛ ~~فلما نظر إليه أرعد منه وقال : يا آسية ، إني أخاف أن يكون هذا عدوي ، ولا ~~بد لي من قتله . فقالت له : قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا . وحكى الثعلبي أنها لما قالت : قرة عين لي ولك ، قال فرعون : ~~قرة عين لك ، أما أنا فلا حاجة لي فيه . PageV13P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" قال أبو إسحاق : قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت ~~به لهداه الله تعالى كما هدى به امرأته ولكن الله تعالى حرمه ذلك " . قال ~~الكسائي : ولم تزل تتلطف بفرعون حتى تركه ، وأحضرت له المراضع فلم يرضعهن . ~~قال الله تعالى : " وحرمنا عليه المراضع من قبل " . وأرسلت أم موسى ابنتها ~~كلثم ، قال الله تعالى : " وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ~~" . قال : فدخلت قصر فرعون فرأته في حجر آسية وقد امتنع أن يرضع ؛ فتقدمت ~~إليها ، فقالت هل أدلكم ms2482 على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون . قال : ولم ~~تعلم آسية أنها ابنة عمها لرثاثة ثيابها ، لأنها دخلت في حلبة المراضع ؛ ~~فالتفت إليها فرعون وقال : من هؤلاء القوم الذين يكفلونه ؟ قالت : قوم من ~~آل إبراهيم . قال : اذهبي وائتني بهم . فرجعت إلى أمها وأخبرتها ؛ فدخلت ~~على فرعون وموسى بين يديه ، فعرفتها آسية وقالت : خذي هذا الصبي وأرضعيه . ~~فلما أخذته التقم ثديها ورضع منه ، وفرعون لا يعلم أنها امرأة عمران ؛ ~~فقالت لها آسية : أحب أن تكونين عندي إلى أن يستغني هذا الغلام عن الرضاع . ~~فأقامت عند آسية سنتين حتى فطمته وفارقته مستبشرة فرحة . وحكى الثعلبي أنها ~~لم تقم عد آسية ، بل أخذته وصارت إلى منزلها فأرضعته إلى أن تم رضاعه ، ~~وأعادته إلى آسية ؛ والله أعلم . ذكر شيء من عجائب موسى وآياته قال : فلما ~~صار موسى من أبناء ثلاث سنين ، استدعاه فرعون وأجلسه في حجره وجعل يلاعبه ؛ ~~فقبض على لحية فرعون ؛ فتألم لذلك وقال : لا شك أن هذا عدوي . وهم بقتله ؛ ~~فقالت له آسية : إن الصبيان لهم جراءة ولعب من غير معرفة ولا PageV13P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" عقل ، وأنا أريك أنه لا يعقل ؛ وأمرت بإحضار ~~طست وطرحت فيه درة وجمرة ، وقدمته إلى موسى ، فأراد أن يأخذ الدرة ؛ فصرف ~~جبريل يده عنها إلى الجمرة ، فأخذها ورفعها إلى فيه ، فاحترق لسانه ، ~~فقذفها من فيه وبكى بكاء شديدا ؛ فقالت آسية لفرعون : علمت أنه لا يميز بين ~~الدرة والجمرة ؟ فسكن عند ذلك . قال : فلما تم لموسى سبع سنين ، جلس في بعض ~~الأيام مع فرعون على سريره فقرصه فرعون ، فغضب موسى ونزل عن السرير وضرب ~~قوائمه برجله ، فكسر قائمتين منه ، فسقط فرعون عنه ، وانهشم أنفه وسال الدم ~~على لحيته ؛ فبادر موسى ودخل على آسية وأعلمها بالخبر ، وتبعه فرعون إليها ~~وأراد قتله ؛ فقالت : ألا يسرك أن يكون ولدك بهذه القوة يدفع أعدائك عنك ؟ ~~ولاطفته حتى سكن غضبه . ثم ظهر له من المعجزات والآيات ما لا يظهر إلا ~~للأنبياء وفرعون يكرمه ؛ والله الموفق . ذكر خبر القبطي وخروج موسى من مصر ms2483 ~~قال : ولما كبر موسى صار يركب من مراكب فرعون ويلبس من ملابسه ؛ وكان يدعى ~~: موسى بن فرعون ؛ فامتنع بسببه الظلم عن بني إسرائيل ، ولم يعلم إلا أن ~~ذلك من قبل الرضاعة ؛ واتفق ركوب فرعون ، فركب موسى في أثره والمدينة مغلقة ~~الأسواق ، وليس بها أحد ؛ قال الله تعالى : " ودخل المدينة على حين غفلة من ~~أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه " فكان الذي من ~~شيعته فتى من بني إسرائيل ، والذي من عدوه رجل من القبط ، وهو طباخ لفرعون ~~، وقد أخذ حطبا للطعام ، وهو يريد الإسرائيلي على حمله وقد امتنع ؛ فلما مر ~~بهما استغاثه الإسرائيلي ؛ فقال للطباخ : اتركه . فامتنع من تركه ؛ فوكزه ~~موسى في صدره فمات ؛ فندم موسى على قتله ؛ قال الله تعالى : " فاستغاثه ~~الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل ~~الشيطان إنه عدو مضل مبين " الآيات . قال : فأصبح في المدينة خائفا يترقب . ~~وجاء القبط وشكوا إلى فرعون أن بني إسرائيل قتلوا رجلا منهم ؛ فأمرهم أن ~~يطوفوا على قاتله ؛ وخرج موسى في اليوم الثاني ، فإذا الذي استنصره بالأمس ~~PageV13P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" يستصرخه على قبطي آخر ، والقبطي يقول : هذا ~~الذي قتل ابن عمي بالأمس . فقال الإسرائيلي : أعني يا موسى على هذا ، فإنه ~~يريد أن يحملني إلى دار فرعون قال له موسى إنك لغوي مبين . قال : ثم لم يجد ~~موسى بدا من نصرة الإسرائيلي ، فحسر عن ذراعيه ، ودنا من القبطي ؛ فظن ~~الإسرائيلي أن موسى يريد أن يبطش به ، فقال ما أخبر الله به عنه : " فلما ~~أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا ~~بالأمس إن تريد إلا أن تكون من جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من ~~المصلحين " . فلما سمع القبطي كلام الإسرائيلي لموسى تحقق أن موسى قاتل ابن ~~عمه ؛ فدخل إلى دار فرعون وأخبره أن موسى هو الذي قتل القبطي ؛ قال : ومن ~~أعلمك ؟ فقص عليه القصة ؛ فأذن فرعون لأولياء المقتول في قتل ms2484 موسى حيث ~~وجدوه ؛ فجاء حزقيل - وكان مؤمنا من آل فرعون - وأعلم موسى بالخبر . قال ~~الله تعالى : " وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ ~~يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين ، فخرج منها خائفا يترقب قال ~~رب نجني من القوم الظالمين ، ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني ~~سواء السبيل " . ومضى بغير زاد ولا راحلة ؛ فمر براع في طريقه ، فأعطاه ~~موسى ثيابه ، وأخذ جبة الراعي وكساه ، وسار فوصل إلى مدين في اليوم السابع ~~وقد أجهده الجوع . قال : وكان موسى يسير بالليل ودليله النجم ، فإذا جاء ~~الصبح جاءه أسدان يدلانه على الطريق ؛ فكان هذا دأبه وهما كذلك حتى ورد ~~مدين ؛ والله الهادي . ذكر خبر ورود موسى مدين وما كان بينه وبين شعيب ~~وزواجه ابنته قال الله تعالى : " ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر ~~الرعاء وأبونا شيخ كبير " وكانتا ابنتي شعيب عليه السلام . PageV13P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" قال : وكان الرعاء إذا سقوا غطوا البئر بصخرة ~~لا يرفعها إلا جماعة ؛ فلما انصرفوا تقدم موسى إلى الصخرة فوكزها برجله ، ~~فدحاها أربعين ذراعا على ضعفه من الجوع وسقى غنمهما . قال الله تعالى : " ~~فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " . قال ~~: فتمنى موسى في ذلك الوقت شبعة من خبز الشعير ؛ وانصرفت المرأتان إلى ~~أبيهما وأخبرتاه بالخبر ، فأرسل إحداهما إليه وقال : ائتيني به . قال الله ~~تعالى : " فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ~~ما سقيت لنا " . فقام موسى ، وكانت تمر بين يديه فكشف الريح عن ساقيها ؛ ~~فقال لها : تأخري ورائي ودليني على الطريق . فتأخرت وكانت تقول : عن يمينك ~~تعن شمالك . حتى دخلا مدين ؛ وجاء شعيب - وهو شيخ كبير قد كف بصره - فسلم ~~عليه ؛ فرد عليه ورحب به وسأله عن خبره . قال الله تعالى : " فلما جاءه وقص ~~علليه القصص قال لا تخف نجوت من ms2485 القوم الظالمين " . ثم دعا شعيب بالطعام ~~فأكل ؛ فقالت ابنته : يا أبت استأجره إن خير من استأجرته القوي الأمين ~~أرادت بالقوة رفع الحجر عن رأس البئر واستقاءه بالدلو العظيمة ، وأمانته ~~أنه أخرها إلى خلفه . فرغب فيه وقال : إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ~~على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ~~ستجدني إن شاء الله من الصالحين ، قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت ~~فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل . فتزوج موسى صفورا - وهي الصغرى ~~منهما - وطلب عصا ؛ فقالت له : ادخل بيت أبي الذي يأوي فيه فخذ عصاك . وكان ~~فيه عصي كثيرة - فدخل موسى البيت وأخذ من العصي عصا حمراء ؛ فقال له شعيب : ~~هذه من أشجار الجنة أهداها الله لآدم ، ثم صارت إلى شييث وإدريس ونوح وهود ~~وصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، وكلهم توكأوا عليها ، فلا تخرجنها ~~من يدك . ثم أوصاه وحذره من أهل PageV13P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" مدين ، وقال : إنهم قوم حسدة ، وإذا رأوك قد ~~كفيتني أمر غنمي حسدوني عليك ، فدلوك على وادي كذا وكذا ، وهو كثير المرعى ~~، وإنما فيه حية عظيمة تبتلع الغنم ، فإن دلوك عليه فلا تمر به ، فإني أخاف ~~عليك وعلى غنمي . فخرج موسى بالغنم - وكانت يومئذ أربعين رأسا - وقال في ~~نفسه : إن من أعظم الجهاد قتل هذه الحية . وتوجه بالغنم إلى ذلك الوادي ؛ ~~فلما قاربه أقبلت الحية إلى الغنم ، فقتلها موسى ورعى غنمه إلى آخر النهار ~~، وعاد إلى شعيب وأعلمه الخبر ؛ ففرح بقتلها ، وفرح أهل مدين وعظموا موسى ~~وأجلوه ؛ وقام موسى بغنم شعيب يرعاها ويسقيها ، حتى انقضت المدة التي ~~بينهما ، وبلغت أربعمائة رأس وعزم موسى على المسير . ذكر خبر خروج موسى - ~~عليه السلام - من أرض مدين ومناجاته ومبعثه إلى فرعون قال : ولما أراد موسى ~~الانصراف بكى شعيب وقال : يا موسى ، إني قد كبرت وضعفت ، فلا تضيعني مع كبر ~~سني وكثرة حسادي ، وتترك غنمي شاردة لا راعي لها . قال موسى : إنها لا ~~تحتاج إلى راع ، وقد طالت غيبتي ms2486 عن أمي وخالتي وهارون أخي وأختي . فقال ~~شعيب : إني أكره أن أمنعك . وأوصاه بابنته وأوصاها ألا تخالفه ؛ وسار موسى ~~- عليه السلام - بأهله يريد أرض مصر حتى بلغ جانب وادي طوى في عشية شديدة ~~البرد ؛ وجاء الليل وهبت الرياح وغيمت السماء ؛ فأنزل موسى أهله وضرب خيمته ~~على شفير الوادي ، وأدخل أهله فيها ؛ وهطلت السماء بالمطر ؛ وكانت امرأته ~~حاملا ، فجاءها الطلق ، فجمع حطبا وقدح الزناد فلم يور ، فرماه وخرج من ~~البيت ، فرأى نارا . قال الله تبارك وتعالى : " فلما قضى موسى الأجل وسار ~~بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم ~~منها بخبر أو جذوة من PageV13P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" النار لعلكم تصطلون ، فلما أتاها نودي من ~~شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله ~~رب العالمين " . ولم يكن هناك نار بل نور . قال الثعلبي : واختلفوا في ~~الشجرة ما كانت ، فقيل : العوسجة . وقيل : العناب . قال الكسائي : وأمر ~~موسى بخلع نعليه ؛ قال الله تعالى : " فلما أتاها نودي يا موسى ، إني أنا ~~ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى ، وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى " ~~إلى قوله " وما تلك بيمينك يا موسى ، قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على ~~غنمي ولي فيها مآرب أخرى " . قال : لأنه كان يركزها في الأرض ويعلق عليها ~~كساءه وأدواته ونعليه ، ويقاتل بها السباع ، ويستظل بها من الشمس . قال ~~الله تعالى : " ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى " على مثال الثعبان ~~العظيم . قال : فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب . فلما أمعن ~~في الهرب قال له جبريل : أتهرب من ربك وهو يكلمك ؟ قال : ما فررت إلا من ~~الموت . ورجع وهي بحالها ؛ قال الله تعالى : " خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها ~~الأولى " . فأدخل يده فيها فإذا هي عصا ؛ ثم قال الله له : " واضمم يدك إلى ~~جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى " فذهب الخوف عن موسى ؛ ثم أمره الله ~~تعالى أن يذهب إلى فرعون ، فقال : " اذهب إلى فرعون ms2487 إنه طغى " . قال موسى : ~~رب اشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، واحلل عقدة من لساني ، يفقهوا قولي ، ~~واجعل لي وزيرا من أهلي ، هارون أخي ، اشدد به أزري ، وأشركه في أمري ، كي ~~نسبحك كثيرا ، ونذكرك كثيرا ، إنك كنت بنا بصيرا . قال الله تعالى : " قد ~~أوتيت سؤلك يا موسى " . PageV13P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" قال : ثم تذكر موسى ما كان كنه فقال : رب ~~إنيقتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون . فنودي : يا موسى لا تخف إني لا يخاف ~~لدي المرسلون . ثم ذكره الله مننه عليه فقال : " ولقد مننا عليك مرة أخرى " ~~الآيات ؛ ثم قال الله تعالى : " اذهبا إلى فرعون إنه طغى ، فقولا له قولا ~~لينا لعله يتذكر أو يخشى ، قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ، ~~قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ، فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل ~~معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع ~~الهدى " . قال : وكان الخطاب لموسى وحده ، والرسالة له ولهارون . قال : ~~وأما ابنة شعيب فاشتد بها الطلق ، وسمع سكان الوادي من الجن أنينها ، ~~فأتوها وأوقدوا النار عندها ، وقبلوها ؛ وقيض الله تعالى لها من ردها إلى ~~أبيها ؛ والله المعين . ذكر خبر مسير موسى إلى مصر واجتماعه بأخيه هارون ~~وأمه قال الكسائي : وسار موسى من الطور حتى بلغ العمران ؛ وكان هارون يومئذ ~~وزيرا لفرعون على عادة أبيه لا يفارقه ليلا ولا نهارا ؛ فبينما هو نائم إلى ~~جنب سرير فرعون إذ أتاه آت في منامه ومعه شراب في كأس من الياقوت ، وقال : ~~يا هارون اشرب هذه الشربة فهي بشارة بقدوم أخيك من أرض مدين ، وأنت شريكه ~~في الرسالة إلى فرعون . فانتبه هارون فزعا وظن ذلك من الشيطان ، وعاد إلى ~~النوم ، فعاوده القائل ثلاث مرات ؛ ثم قال له : قم إلى أخيك - وكانت ~~الأبواب مغلقة - فاحتمله الملك إلى قارعة الطريق وقال له : امض واستقبل ~~أخاك . ثم أتاه جبريل بوحي الله وبشره بالرسالة ، وحمله إلى شاطئ النيل ، ~~وموسى إلى الجانب الآخر ؛ فكان يكلمه والريح تحمل كلامه ms2488 إلى هارون ؛ ثم أذن ~~لهما الله أن يلتقيا ؛ فجاء موسى إلى الجانب الآخر ، فالتقيا ؛ وبشره ~~بشركته في الرسالة ؛ ثم أقبلا إلى أمهما وجبريل معهما ، فطرق هارون الباب ~~وأمه في صلاتها ، فقامت من محرابها وقالت : من بالباب ؟ فقال موسى : أنا ~~ولدك موسى وأخي هارون . ففتحت الباب ، ووقعت مغشيا عليها من الفرح ؛ ثم ~~PageV13P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" أفاقت ؛ وذكر لها موسى ما كان من أمره ؛ ~~فسجدت لله تعالى ؛ ثم حمل جبريل هارون وأعاده عند رأس فرعون ؛ وأقام موسى ~~بقية ليلته عند أمه ، وخرج من الغد متنكرا ، فنظر إلى ما أحدثه فرعون في ~~أرض مصر ورجع حتى أقبلت الليلة الثانية ، فخرج وجاء إلى قصر فرعون وبه ~~الحجاب والحرس والجنود ، فقرع الباب بعصاه ، فانفتح ودخل حتى بلغ القبة ~~الأرجوانية ، فانفتحت وعبرها وفرعون نائم بها ، وهارون عند رأسه ؛ فقام ~~إليه هارون وقال : لقد عجلت يا أخي . وأخرجه ؛ فانصرف ، وغلقت الأبواب كما ~~كانت . فلما كان من الغد جاء إلى فرعون فعرفه بعضهم ، وأنكره البعض ، وجاء ~~بعض الوزراء إلى فرعون وأخبره به ، فأرعدت فرائصه ، وأمر هامان أن يخرج ~~إليه ؛ فخرج وسأله عن اسمه ، فأخبره أنه موسى ؛ فعاد هامان إلى فرعون ~~وأعلمه أنه هو ؛ فنظر إلى هارون وقال : أيقدم أخوك ولم تعلمني به ؟ فقال : ~~أردت ذلك وإنما خشي غضبك . ذكر خبر دخول موسى عليه السلام إلى فرعون وما ~~كان من أمره معه قال : وأمر فرعون أن يزين قصره ، وجلس والتاج على رأسه ، ~~ووقف الوزراء عن يمينه وشماله ، وأحضر موسى ؛ فلما رآه عرفه ، ثم قال له : ~~من أنت ؟ قال : أنا عبد الله ورسوله وكليمه . قال : أنت عبد فرعون . قال : ~~إن الله أعز من أن يكون له ند . قال له فرعون : إلى من أرسلت ؟ قال : إليك ~~وإلى جميع أهل مصر . قال : فبماذا ؟ قال : أن يقولوا لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له ، وأني موسى عبده ورسوله . قال فما حجتك ؟ فإن لكل مدع بينة . ~~قال : إن أتيتك ببينة تؤمن ؟ قال : نعم . قال موسى : يا هارون ، انزل عن ~~الكرسي وبلغ فرعون الرسالة ms2489 . فنزل وقال : يا فرعون . إنا رسولا ربك فأرسل ~~معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع ~~الهدى . فقال فرعون : فمن ربكما يا موسى ، قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ~~ثم هدى ، الآيات . PageV13P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" فغضب فرعون على هارون ، وأمر هامان بنزع ما ~~عليه من اللباس ؛ فنزعه حتى بقي بالسراويل ، فألبسه موسى مدرعة الصوف ؛ ~~فاقشعر جلده ؛ فنزل جبريل بقميص كونه الله تعالى فكان وألبسه إياه ؛ فقال ~~فرعون لهامان : احمل موسى وأخاه إلى منزلك ودارهما ، فإن أطاعاني مكنتهما ~~من خزائني ، ولا أقطع أمرا دونهما ففعل ذلك ؛ فقالا له : يا هامان اشتر ~~نفسك من ربك ، فضحك من قولهما ، ثم أحضرهما من الغد إلى فرعون ؛ فأقبل على ~~موسى وقال : " ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين ، وفعلت فعلتك ~~التي فعلت وأنت من الكافرين ، قال فعلتها إذا وأنا من الضالين " أي عن ~~النبوة " ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين ، وتلك ~~نعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل " ثم قال : تذبح أبناءهم وتستحيي ~~نساءهم ، فشكوك إلى رب العالمين . وكان فرعون متكئا ، فاستوى جالسا وقال : ~~" وما رب العالمين ، قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين " . ~~فالتفت فرعون لمن حوله وقال : " ألا تسمعون " . قال موسى : " ربكم ورب ~~آبائكم الأولين ، قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ، قال رب المشرق ~~والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون " . قال فرعون : " لئن اتخذت إلها غيري ~~لأجعلنك من المسجونين ، قال لو جئتك بشيء مبين . قال فأت به إن كنت من ~~الصادقين " . ذكر خبر العصا حين صارت ثعبانا واليد البيضاء قال : وبينما ~~هما في المخاطبة وإذا بالعصا اضطربت في كف موسى ؛ فناداه جبريل : أطلقها يا ~~نبي الله . فألقاها موسى " فإذا هي ثعبان مبين " كأعظم ما يكون ؛ ثم تمثل ~~مثال الجمل البختي و قام على رجليه حتى أشرف برأسه على حيطان القصر وتنفس ~~نارا ودخانا ، وعطف على قبة فرعون فضربها فطحطحها ، وجعلت لا تمر بشيء إلا ~~ابتلعته ، وهاجت ms2490 كالجمل المغتلم ولها صوت كالرعد ؛ وأقبلت إلى قبة فرعون ~~وهو فيها ، فوضعت لحيها الأسفل تحت PageV13P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" القبة ، ولحيها الأعلى فوقها ، ورفعت القبة ~~ثمانين ذراعا في الهواء ، وقالت : يا فرعون ، وعزة ربي لو أذن لي لابتلعتك ~~بقصورك وأموالك . فلما نظر فرعون إلى ذلك وثب عن سريره - وهو أعرج - وجعل ~~يعدو ويقول : يا موسى بحق التربية والرضاع ، وبحق آسية كفها عنا . فناداها ~~فأقبلت ، فأدخل يده في فيها ، وقبض على لسانها فإذا هي عصا كما كانت ؛ فعاد ~~فرعون إلى مكانه وقال : يا موسى ، لقد تعلمت بعدي سحرا عظيما . قال : يا ~~فرعون ، " أسحر هذا ولا يفلح الساحرون " . قال فرعون : هل عندك سحر غير هذا ~~؟ قال : نعم ؛ فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها وعليها نور وشعاع ؛ قال الله ~~تعالى : " فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ، ونزع يده فإذا هي بيضاء ~~للناظرين ، قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم ، يريد أن يخرجكم من أرضكم ~~بسحره فماذا تأمرون ، قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين ، يأتوك ~~بكل سحار عليم " . ذكر خبر السحرة واجتماعهم وما كان من أمرهم وإيمانهم قال ~~: فأمر فرعون بجمع السحرة ؛ فاجتمع إليه سبعون ألف ساحر ؛ فاختار منهم ~~سبعين ساحرا - وهم أحذق الخلق - . وحكى الثعلبي عن عطاء قال : كان رئيسا ~~السحرة بأقصى مدائن الصعيد وكانا أخوين ؛ فلما جاءهما رسول فرعون قلا ~~لأمهما : دلينا على قبر أبينا . فدلتهما عليه ؛ فأتياه فصاحا باسمه ، ~~فأجابهما ؛ فقالا له : إن الملك قد وجه إلينا أن نقدم إليه ، لأنه أتاه ~~رجلان ليس معهما رجال ولا سلاح ، ولهما عز ومنعة ، وقد ضاق الملك ذرعا بهما ~~، ومعهما عصا إذا ألقياها لا يقوم لها شيء حتى تبتلع الحديد والخشب ~~والحجارة . فأجابهما أبوهما : انظرا إذا هما ناما ، فإن قدرتما أن تسلا ~~العصا فسلاها ، فإن الساحر لا يعمل سحره وهو نائم ، فإن عملت العصا وهما ~~نائمان فذلك أمر رب العالمين فلا طاقة لكما به ولا للملك ولا لجميع أهل ~~الدنيا . فأتياهما خفية وهما نائمان ليأخذاها ، فصدتهما . قال الكسائي : ~~وبعث فرعون إلى موسى فأحضره وقال ms2491 ما أخبر الله تعالى به عنه : " قال أجئتنا ~~لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى ، فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا ~~PageV13P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى ~~، قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى " . قال : ويوم الزينة هو أول ~~يوم من السنة ؛ فلما كان في ذلك اليوم اجتمع الناس من أطراف أرض مصر في ~~صعيد واحد ، فأخذ فرعون يقول للسحرة : اجتهدوا أن تغلبوا موسى . قالوا إن ~~لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين . قال فرعون : نعم وإنكم لمن المقربين . ~~وأقبل موسى وهارون وقد أحدقت بهما الملائكة ، فرأى موسى الوادي وقد امتلأ ~~من الحبال والعصي ؛ فقال موسى : ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم ~~بعذاب وقد خاب من افترى . قال : وكان في السحرة ساحران عظيمان - وهما رأس ~~السحرة - فقالا : يا موسى إما أن تلقي أو نكون أول من ألقى . فهم موسى أن ~~يلقي ، فمنعه جبريل ، وأجرى الله على لسانه فقال : بل ألقوا ؛ فألقوا ~~وسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم . قال الله تعالى : " فإذا ~~حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى " . فامتلأ الوادي من الحيات ، ~~وجعلت يركب بعضها بعضا ؛ وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ؛ قال الله ~~تعالى : " فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ، وألق ما ~~في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى " ~~فعندها زال خوفه وقال : ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح ~~عمل المفسدين . ثم ألقى عصاه في وسط الوادي ، فانكشف سحر السحرة ، وبطل ما ~~أظهروه من التخييل ، فإذا هي حبال وعصي ، وصارت عصا موسى ثعبانا له سبعة ~~أرؤس ، وعلى ظهره مثل الأزجة ، فابتلعت الحبال والعصي وجميع ما كان في ~~الوادي من الزينة ؛ فقام فرعون ووزراؤه فوقفوا على تل ينظرون فعل الحية وهم ~~خائفون ، ثم حملت على السبعين رجلا فولوا هاربين على وجوههم ؛ ثم اجتمعوا ~~بأجمعهم وقالوا : ما هذا بسحر . وخروا PageV13P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" سجدا ؛ قال الله تعالى ms2492 : " فألقي السحرة ~~ساجدين ، قالوا آمنا برب العالمين ، رب موسى وهارون " . قال : فاغتم فرعون ~~لذلك وقال للسحرة : " آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم ~~السحر فلسوف تعلمون ، لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين " . ~~وأمر أن يفعل بهم ذلك ؛ فقالوا ما أخبر الله به تعالى عنهم : " لن نؤثرك ~~على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة ~~الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله ~~خير وأبقى " . ثم صلبوا على سبعين جزعا بعدأن قطع فرعون أيديهم وأرجلهم . ~~ذكر خبر حزقيل مؤمن آل فرعون قد قيل : إن خبر مؤمن آل فرعون كان قبل خبر ~~السحرة ، وسياق الآيات يدل على أن خطابه لفرعون كان بعد خبرهم ، وذلك أنه ~~لما كان من أمر السحرة ما ذكرناه ، قال الملأ من قوم فرعون ما أخبر الله ~~تعالى به عنهم ؛ قال الله تعالى : " وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى ~~وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم ~~وإنا فوقهم قاهرون " . وقال الله تعالى إخبارا عن فرعون : " ذروني أقتل ~~موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد " . قال ~~: فلما عزم فرعون على قتل موسى ، أقبل حزقيل على القوم - وكان خازن فرعون ~~وزوج ماشطة بناته - فقال ما أخبر الله تعالى عنه : " وقال رجل مؤمن من آل ~~فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ~~ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله ~~لا يهدي من هو مسرف كذاب ، يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ~~ينصرنا من بأس الله إن جاءنا " . ففزع فرعون من قوله وقال : ما أريكم إلا ~~ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد . PageV13P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" فخوفهم المؤمن وقال ما أخبر الله تعالى به ~~عنه : " وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ، مثل دأب ms2493 ~~قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ، ويا قوم ~~إني أخاف عليكم يوم التناد ، يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن ~~يضلل الله فما له من هاد " . فلما سمع فرعون كلامه غضب وقال : كأنك ممن ~~اتبع موسى ، فارجع عن ذلك وإلا عاقبتك بأنواع العذاب . فقال له حزقيل : يا ~~قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد ، الآيات . ثم قال : ويا قوم أدعوكم للنجاة ~~وتدعونني إلى النار ، تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا ~~أدعوكم إلى العزيز الغفار ، لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في ~~الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار ، ~~فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ؛ ولحق ~~بموسى وهارون ، وفارق فرعون وقومه ؛ قال الله تعالى : " فوقاه الله سيئات ~~ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب " . وحكى الثعلبي أن فرعون قتله مع ~~السحرة صلبا ؛ ثم ذكر بعد ذلك أنه كان مع موسى عليه السلام لما فرق الله له ~~البحر ؛ والله تعالى أعلم . ذكر خبر بناء الصرح وما قيل فيه قال : ولما ~~انقضى أمر السحرة أقبل فرعون على هامان وقال : " يا هامان ابن لي صرحا لعلي ~~أبلغ الأسباب ، أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا " . قال ~~: فجمع هامان خمسين ألف صانع وصنع القرميد - وهو الآجر ، وهامان أول من ~~صنعه - فكانوا يبنون فيه ليلا ونهارا لا يفترون ؛ فلما تكامل الصرح وارتفع ~~ارتفاعا عظيما ، أمر الله عز وجل جبريل فهدمه وجعل عاليه سافله ومات كل من ~~كان فيه على دين فرعون ، والمؤمنون يزيدون ويجتمعون إلى موسى عليه السلام . ~~PageV13P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" وحكى أبو إسحاق الثعلبي - رحمه الله - أن ~~الصرح اجتمع فيه لبنائه خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء ممن يطبخ ~~الآجر والجص وينجر الخشب والأبواب ويضرب المسامير ؛ فلم يزل يبني ذلك الصرح ~~؛ ويسر الله تعالى له أمره استدراجا منه ، فأتى الأمر فيه على ما يريد ، ~~إلى أن فرغ ms2494 في سبع سنين ، فارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ ~~خلق الله السموات والأرض ؛ فشق ذلك على موسى ، فأوحى الله تعالى إليه : أن ~~دعه وما يريد فإني مستدرجه ومبطل كل ما عمله في ساعة واحدة . قال : فلما تم ~~بنيانه بعث الله عز وجل جبريل فضرب بجناحه الصرح ، فقذف به على عسكر فرعون ~~، فقتل منهم ألفي ألف رجل . قالوا : ولم يبق أحد ممن عمل فيه إلا أصابه موت ~~أو حريق أو عاهة . قال : وكان تدمير الله تعالى الصرح فيما بين طلوع الفجر ~~إلى طلوع الشمس . قال : فلما رأى فرعون ذلك من أمر الله ، وعلم أن حيلته لم ~~تغن عنه شيئا عزم على قتال موسى ومن معه ، وأمر أصحابه فنصبوا له الحرب ؛ ~~فلما رأى الله تعالى ذلك من فعل فرعون وقومه ، وأنه حقت عليهم كلمة العذاب ~~، ابتلاهم الله تعالى بالعذاب والآيات . ذكر خبر الآيات التسع قال الكسائي ~~: ثم أخذ الله تعالى قوم فرعون بالآيات التسع ، فكان أول ما جاءهم الطوفان ~~، فدام عليهم ثمانية أيام لا يرون فيها شمسا ، حتى امتلأت الأسواق والدور ، ~~وأخذت في الخراب ؛ فالتجأوا إلى فرعون ، فقال : سأكشف ذلك عنكم . ودعا موسى ~~وسأله أن يدعو برفع الطوفان ليؤمن به ؛ فطمع موسى في ذلك ، فسأل الله تعالى ~~، فرفع ذلك عنهم ، فازدادوا كفرا ، فبعث الله تعالى عليهم الجراد فأكل ~~أشجارهم وزرعهم ، ودام ثمانية أيام ، ففزعوا إلى فرعون ، فوعدهم بصرفه عنهم ~~وضمن لموسى إن صرفه عنهم آمن به ؛ فدعا ربه ، فأرسل الله على الجراد ريحا ~~باردة فقتلته ، فلم يؤمنوا ؛ فبعث الله عليهم القمل فأكل جميع ما في بيوتهم ~~، وقرض ثيابهم وأبدانهم وشعورهم ؛ فضجوا إلى فرعون ، فسأل موسى ووعده ~~الإيمان ؛ فسأل الله PageV13P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" تعالى ، فصرفه عنهم بعد ثمانية أيام وأماته ، ~~فازدادوا كفرا ؛ فأرسل الله تعالى عليهم الضفادع ، فكانت تدخل في طعامهم ~~وشرابهم ، وكانت لها رائحة منتنة فدامت ثمانية أيام ؛ فسأل موسى ؛ فلما ~~كشفها الله عنهم لم يؤمنوا وازدادوا كفرا ؛ فأمر الله تعالى موسى : أن اضرب ~~بعصاك النيل . فضربه فتحول دما ms2495 عبيطا ، فاشتد بهم العطش ، فكان الإسرائيلي ~~والفرعوني يأتيان إلى موضع واحد ، فإذا أخذه الإسرائيلي يكون ماء ، وإذا ~~أخذه الفرعوني كان دما ، فدام ذلك ثمانية أيام حتى أجهدهم العطش وأشرفوا ~~على الهلاك ؛ فلما كشفه الله عنهم بدعوة موسى ازدادوا كفرا . ذكر خبر مسخ ~~قوم فرعون قال : ولما لم يؤمنوا بهذه الآيات ، قال موسى : ربنا إنك آتيت ~~فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس ~~على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ؛ وكان ~~الدعاء من موسى والتأمين لهارون ؛ فأوحى الله إليهما : " قد أجبت دعوتكما ~~فاستقيما " الآية . قال : فطمس الله تعالى على كثير منهم ، حتى أصبح الرجال ~~والنساء والصبيان والأموال كلها حجارة ، فلم يؤمنوا ؛ قال الله تعالى : " ~~ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات " . قال عمر بن عبد العزيز في تفسيره : كان ~~أول الآيات العصا ، واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ~~والطمس والبحر حتى صار يبسا . هذا ملخص ما حكاه الكسائي . وحكى أبو إسحاق ~~الثعلبي في قصصه عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق وغيرهم ~~من أصحاب الأخبار - دخل حديث بعضهم في حديث بعض - قالوا : لما آمنت السحرة ~~وصلبهم فرعون ، وانصرف موسى وهارون إلى عسكر بني إسرائيل ، أمر فرعون أن ~~يكلفوا بني إسرائيل ما لا يطيقونه ، فكان PageV13P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" الرجل من القبط يجيء إلى الرجل من بني ~~إسرائيل فيقول له : انطلق معي فاكنس حشي واعلف دوابي واستق لي وتجيء ~~القبطية إلى الكريمة من بني إسرائيل فتكلفها ما لا تطيق ، ولا يطعمونهم في ~~ذلك كله خبزا ، وإذا انتصف النهار يقولون لهم : اذهبوا فاكسبوا لأنفسكم . ~~فشكوا ذلك إلى موسى ، فقال لهم : استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله ~~يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين . قالوا : يا موسى : أوذينا من ~~قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ، كنا نطعم إذا استعملونا من قبل أن تجيئنا ~~، فلما جئتنا استعملونا ولا يطعموننا . فقال لهم موسى : عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم يعني فرعون والقبط ، ويستخلفكم في ms2496 الأرض فينظر كيف تعملون . قالوا : ~~فلما أبى فرعون وقومه إلا الإقامة على الكفر ، والتمادي في الشر والظلم ، ~~دعا موسى ربه وقال : رب إن عبدك فرعون طغى في الأرض وبغى وعتا وإن قومه ~~نقضوا عهدك وأخلفوا وعدك ، رب فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة ولقومي عظة ، ~~ولمن بعدهم من الأمم عبرة . فتابع الله عليهم الآيات المفصلات بعضها في إثر ~~بعض ، فأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات ، ثم بعث عليهم الطوفان وهو الماء ~~أرسل عليهم السماء حتى كادوا يهلكون ، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشبكة ~~مختلطة بعضها في بعض ، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ~~، فمن جلس منهم غرق ، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة وفاض الماء ~~على وجه أراضيهم كذلك ، فلم يقدروا على أن يحرثوا ولا يعملوا شيئا ؛ ودام ~~ذلك عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت ؛ فقالوا لموسى : ادع لنا ربك يكشف ~~عنا هذا البلاء ونؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل . فدعا موسى ربه فرفع عنهم ~~الطوفان ، فلم يؤمنوا ، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل ، وعادوا أشر مما كانوا ~~عليه . واختلف العلماء في الطوفان ما هو ؛ فقال ابن عباس - رضي الله عنهما ~~- : هو الماء أرسله الله تعالى عليهم . وقال مقاتل : هو الماء طغى فوق ~~حروثهم فأهلكها . وقال الضحاك : هو الغرق . PageV13P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" وقال مجاهد وعطاء : هو الموت الذريع . وقال ~~وهب : هو الطاعون بلغة أهل اليمن ، أرسل الله الطوفان على أبكار آل فرعون ~~فقبضهن في ليلة واحدة ، فلم يبق منهن واحدة ولا دابة . وقال أبو قلابة : ~~الطوفان هو الجدري ، والله تعالى أعلم . قالوا : وأنبت الله تعالى لهم في ~~تلك السنة من الكلإ والزرع ما لم ينبت قبل ذلك ، فأعشبت بلادهم وأخصبت ، ~~فقالوا : هذا ما كنا نتمناه ، وما كان هذا الماء إلا نعمة لنا وخصبا . ~~فأقاموا شهرا في عافية ، ثم بعث عليهم الجراد فأكل زرعهم وثمارهم وأوراق ~~أشجارهم والزهر ، حتى إن كان ليأكل الأبواب والثياب والأمتعة وسقوف البيوت ~~والخشب والمسامير حتى سقطت دورهم ، والجراد لا يدخل بيوت بني إسرائيل ms2497 ولا ~~يصيبهم من ذلك شيء ؛ فعجوا وضجوا ، وقالوا : يا موسى ادع لنا ربك بما عهد ~~عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ؛ فأعطوه عهد ~~الله وميثاقه ؛ فدعا موسى ربه ، فكشف الله تعالى عنهم الجراد بعدما أقام ~~عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت . ويقال : إن موسى برز إلى الفضاء ، ~~فأشار إلى المشرق بالعصا فذهب الجراد من حيث جاء كأن لم يكن قط . قالوا : ~~فأقاموا شهرا في عافية ؛ ثم بعث الله عليهم القمل ، وذلك أن موسى أمر أن ~~يمشي إلى كثيب أغبر بقرية من قرى مصر تدعى : عين شمس فمشى موسى إلى ذلك ~~الكثيب - وكان عظيما - فضربه بعصاه ، فانثال عليهم القمل فتتبع ما بقي من ~~حروثهم وأشجارهم ونباتهم فأكله ولحس الأرض كلها ، وكان يدخل بين ثوب أحدهم ~~وبين جلده فيعضه ، وكان يأكل أحدهم الطعام فيمتلئ قملا ، حتى إن أحدهم ~~ليبني الأسطوانة بالجص فيزلقها حتى لا يرتقي فوقها شيء ، ثم يرفع فوقها ~~طعامه ، فإذا صعد إليه ليأكله وجده ملآن قملا ، فما أصيبوا ببلاء كان أشد ~~عليهم من القمل ؛ وأخذ القمل شعورهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ، ولصق بجلودهم ~~كالجدري ، ومنعهم من النوم والقرار ، ولم يستطيعوا له حيلة . PageV13P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" وقد اختلفوا في القمل ما هو ؟ فروي عن أبي ~~طلحة أنه الذباب لا أجنحة له . وروى معمر عن قتادة قال : القمل أولاد ~~الجراد . وعن عبد الرحمن بن أيلم قال : هو البراغيث . وقال عطاء : هو القمل ~~؛ دليله قراءة الحسن : " والقمل " بفتح القاف وسكون الميم . وقال أبو عبيدة ~~: هو الحمنان ، وهو ضرب من القردان . وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي ~~الله عنهم - : القمل ، هو السوس الذي يخرج من الحنطة والحبوب ، فكان الرجل ~~يخرج عشرة أقفزة فلا يرد منها إلا ثلاثة أقفزة ؛ فلما رأوا ذلك شكوا إلى ~~موسى وصاحوا وقالوا : يا أيها الساحر أي أيها العالم إنا نتوب إلى الله ولا ~~نعود ، فادع لنا ربك يكشف عنا هذا البلاء . فدعا موسى ربه ، فرفع الله ~~تعالى عنهم القمل بعدما أقام عليهم سبعة ms2498 أيام من السبت إلى السبت ، ثم ~~نكثوا العهد ، وعادوا إلى خبث أعمالهم ، وقالوا : ما كنا قط أحق أن نستيقن ~~أن موسى ساحر إلا اليوم ، فيجعل الرمل والرماد دواب ، فعلى ماذا نؤمن به ~~ونرسل معه بني إسرائيل ؟ فقد أهلك زرعنا وحروثنا ، وأذهب أموالنا ، فما عسى ~~أن يفعل أكثر مما فعل ، وعزة فرعون لا نصدقه أبدا ولا نتبعه . فدعا عليهم ~~موسى بعدما أقاموا شهرا في عافية - وقيل أربعين يوما - فأوحى الله تعالى ~~إليه وأمره أن يقوم على ضفة النيل فيغرز عصاه فيه ، ويشير بالعصا إلى أدناه ~~وأقصاه وأعلاه وأسفله ؛ ففعل موسى ذلك ، فتداعت إليه الضفادع بالنقيق من كل ~~جانب حتى أعلم بعضها بعضا ، وأسمع أدناها أقصاها ؛ ثم خرجت من النيل مثل ~~البحر تدب سراعا نحو باب المدينة ، فدخلت عليهم في بيوتهم بغتة ، وامتلأت ~~منها أفنيتهم وأبنيتهم وأطعمتهم ؛ وكان أحدهم لا PageV13P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" يكشف ثوبا ولا إناء ولا طعاما ولا شرابا إلا ~~وجد فيه ضفادع ؛ وكان الرجل يجلس إلى ذقنه الضفادع ، ويهم أن يتكلم فيثب ~~الضفدع في فيه ؛ وكان أحدهم ينام على فراشه وسريره فيستيقظ وقد ركبته ~~الضفادع ذراعا بعضها فوق بعض ، وصارت عليه حتى لا يستطيع أن ينصرف إلى شقه ~~الآخر ؛ وكان أحدهم يفتح فاه لأكلته فتستبق الضفادع إلى فيه ؛ وكانوا لا ~~يعجنون إلا انشدخت فيه ، ولا يطبخون إلا امتلأت القدر بالضفادع ؛ وكانت تثب ~~في نيرانهم فتطفئها ، وفي طعامهم فتفسده ؛ فلقوا منها أذى شديدا . وروي عن ~~عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال : كانت الضفادع برية ، فلما ~~أرسلها الله على فرعون سمعت وأطاعت ، فجعلت تقذف أنفسها في القدر وهي تفور ~~، وفي التنانير وهي مسجورة ، فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء . قال : ~~فضجوا إلى فرعون من أمر الضفادع ، وضاق عليهم أمرهم حتى كادوا يهلكون ، ~~وصارت المدينة وطرقها مملوءة جيفا من كثرة ما يطأونها بأقدامهم ، فلما رأوا ~~ذلك بكوا وشكوا إلى موسى ، وقالوا : اكشف عنا هذا البلاء فإنا نتوب هذه ~~المرة ولا نعود . فأخذ بذلك عهودهم ومواثيقهم ، ثم دعا الله تعالى فكشف ms2499 ~~عنهم الضفادع ، فما كان منها حيا لحق بالنيل ؛ وأرسل الله تعالى ريحا على ~~الميت منها فنفخته عن مدينتهم بعدما قامت عليهم سبعة أيام من السبت إلى ~~السبت فأقاموا شهرا في عافية ؛ وقيل : أربعين يوما . ثم نقضوا العهود ~~وعادوا إلى كفرهم وتكذيبهم ، فدعا عليهم موسى ، فأرسل الله تعالى عيهم الدم ~~، وذلك أن الله تعالى أمر موسى أن يذهب إلى شاطئ النيل ويضربه بعصاه ؛ ففعل ~~ذلك ، فسال النيل عليهم دما ، وصارت مياههم كلها دما عبيطا ، فما يشربون من ~~الأنهار والآبار ألا وجدوا دما أحمر عبيطا ؛ فشكوا ذلك إلى فرعون وقالوا ؛ ~~إنا قد ابتلينا بهذا الدم ، وليس لنا شراب . فقال : إنه قد سحركم . فكان ~~يجمع بين الرجلين على الإناء : القبطي والإسرائيلي فيسقيان من ماء واحد ، ~~فيخرج ماء القبطي دما ، وماء الإسرائيلي عذبا ؛ وكانا يقومان إلى الجرة ~~فيها الماء ، فتخرج للإسرائيلي ماء وللقبطي دما ، حتى أن المرأة من آل ~~فرعون كانت PageV13P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" تأتي المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش ~~فتقول : اسقني من مائك . فتغرف لها من جرتها ، وتصب لها من قربتها ، فيعود ~~في الإناء دما ، حتى إن كانت المرأة تقول لها : اجعليه في فيك ثم مجيه في ~~فمي ، فتأخذ في فيها ماء ، فإذا مجته في فيها صار دما ، والنيل على ذلك ~~يسقي الزرع والشجر ؛ فإذا ذهبوا ليستقوا من بين الزرع عاد الماء دما عبيطا ~~. قالوا : وإن فرعون اعتراه العطش في تلك الأيام ، حتى إنه أضطر إلى مضغ ~~الأشجار الرطبة ، فكان إذا مضغها يصير ماؤها في فيه ملحا أجاجا ومرا زعاقا ~~؛ فمكثوا في ذلك سبعة أيام لا يأكلون ولا يشربون إلى الدم ؛ فقالوا لموسى : ~~ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل . فدعا موسى ~~ربه فكشف عنهم ذلك ، وأمر أن يضرب بعصاه النيل مرة أخرى ؛ ففعل فتحول صافيا ~~كما كان ، فلم يؤمنوا ولم يفوا بما عاهدوا عليه ، وذلك قوله تعالى : " ~~فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات " . وقال ~~نوف البكالي - وهو ابن امرأة كعب الأحبار ms2500 - : مكث موسى في آل فرعون عشرين ~~سنة بعد ما غلب على السحرة يريهم الآيات : الجراد والقمل والضفادع والدم . ~~وقال الضحاك : لما يئس موسى من إيمان فرعون وقومه ، ورأى أنهم لا يزدادون ~~إلا الطغيان والكفر والتمادي ، دعا عليهم موسى وأمن هارون . ربنا إنك آتيت ~~فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا أطمس ~~على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم . فأجابه ~~الله دعاءه ، كما قال تعالى : " قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما " الآية . ~~قال : وكان لفرعون وأصحابه من زهرة الدنيا وزينتها من الذهب والفضة ~~واليواقيت وأنواع الجواهر والحلي مالا يحصيه إلا الله تعالى ؛ وكان أصل ذلك ~~المال مما جمعه يوسف - عليه السلام - في زمانه أيام القحط ، فبقي ذلك في ~~أيدي القبط ، فأوحى الله تعالى إلى موسى : أني مورث بني إسرائيل ما في أيدي ~~آل فرعون من PageV13P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" العروض والحلي ، وجاعله لهم جهازا وعتادا إلى ~~الأرض المقدسة فأجعل لذلك عيدا تعتكف عليه أنت وقومك تشكروني وتذكروني فيه ~~وتعظموني ذلك اليوم ، وتعبدوني فيه لما أريكم من الظفر ونجاة الأولياء ~~وهلاك الأعداء واستعيروا لعيدكم من آل فرعون الحلي وأنواع الزينة ، فإنهم ~~لا يمتنعون عليكم للبلاء الحال بهم في ذلك الوقت ، ولما قذفت لكم في قلوبهم ~~من الرعب . ففعل موسى ذلك كما أمره الله تعالى ، فأمر فرعون بزينة أهله ~~وولده وما كان في خزائنه من أنواع الحلي ، فأعيرت بني إسرائيل لما أراد ~~الله تعالى بذلك أن يفيء على موسى وقومه أفضل أموال أعدائه بغير قتال ولا ~~إيجاف ولا خيل ولا رجل ؛ فلما دعا موسى عليهم مسخ الله تعالى الأموال التي ~~بقيت في أيدهم حجارة حتى النخل والرقيق . وقال محمد بن كعب : سألني عمر بن ~~عبد العزيز عن الآيات التي أراهن الله تعالى فرعون وقومه ؛ فقلت : الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد البيضاء والطمس وفلق البحر . ~~قال عمر : كيف يكون الفقه إلا هكذا . ثم دعا بخريطة فيها أشياء مما كان ~~أصيب لعبد العزيز بن مروان لما ms2501 كان على مصر من بقايا آل فرعون ، فأخرج ~~البيضة مقسومة نصفين كأنها الحجر ، والجوزة مشقوقة نصفين كأنها الحجر ، ~~والحمصة والعدسة . وروى ابن إسحاق عن رجل من أهل الشام كان بمصر قال : ~~ورأيت نخلة مصروعة كأنها الحجر . قال : ورأيت إنسانا وما شككت أنه إنسان ~~وإنه لحجر ؛ وكان المسخ في أرقائهم دون أحرارهم ، إذ العبيد من جملة ~~أموالهم ؛ فلم يبق لهم مال إلا مسخه الله تعالى ما خلا الذي في أيدي بني ~~إسرائيل من الحلي والجواهر وأنواع الزينة . PageV13P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : أول ~~الآيات العصا ، وآخرها الطمس ؛ وبلغنا أن الدنانير والدراهم صارت حجارة ~~منقوشة كهيئتها صحاحا وأنصافا وأثلاثا ، وجعل سكرهم حجارة ، وبعض المسخ من ~~الآدميين باق مشاهد إلى وقتنا هذا ، وقد شاهدت أنا منه شخصا شكل خادم وهو ~~جالس على كرسي بقرب البيت الأخضر ببلاد الجيزية ، وذلك في شهور سنة سبع ~~عشرة وسبعمائة ، ولعله من ذلك المسخ ؛ والله أعلم . ذكر خبر قتل الماشطة ~~قال : وكانت لبنات فرعون ماشطة - وهي امرأة حزقيل المؤمن - فبينما هي تمشط ~~إحدى بناته إذ سقط المشط من يدها ، فقالت : نعس من كفر بالله . فقالت لها ~~ابنة فرعون : إنما تريدين من كفر بأبي . فقالت : إنما عنيت من كفر بإله ~~موسى . فقامت إلى أبيها وأخبرته ؛ فغضب وأحضرها وقال : ما الذي بلغني عنك ؟ ~~قالت : صدقوا ، أنا مؤمنة بإله موسى ، فاقض ما أنت قاض . فشدها إلى أوتاد ~~من حديد ، وأحضر أولادها الثلاثة ، وعرض عليها أن تؤمن به ؛ فأبت ، فذبحهم ~~على صدرها وهي تحمد الله تعالى ؛ ثم طرها في تنور من نحاس وأحرقها فيه ~~وأحرق أولادها . ذكر خبر قتل آسية بنت مزاحم امرأة فرعون قال : لما قتل ~~فرعون الماشطة ، سمعت آسية الملائكة تعدها بالجنة ، فقامت من مجلسها وهي ~~تقول : يا إله موسى ألبسني الصبر وارزقني الشهادة وابن لي عندك بيتا وهي ~~حاسرة عن وجهها ، وقالت له : يا ملعون ، إلى كم تقتل أولياء الله وتأكل رزق ~~الله وتكفر نعمته ولا تشكره ، وترى لآياته ولا تعتبر بها ؟ فقال لوزرائه ؟ ~~قد ms2502 أفسد علي موسى حتى آسية ؛ واستشارهم في أمرها ؛ فأشاروا عليه بقتلها ، ~~فأمر بنزع ما عليها ؛ وشدها إلى أوتاد في الأرض ، وضرب وتدين في صدرها ~~فماتت - رضي الله عنها - . ذكر خبر انقطاع النيل وكيف أجراه الله عز وجل ~~لفرعون قال الكسائي : ثم بعث الله تعالى الظلمة على أهل مصر ثلاثة أيام ، ~~فلم يعرفوا الليل من النهار ، وانقطع عنهم النيل حتى أضر بهم العطش ؛ فشكوا ~~ذلك إلى فرعون PageV13P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" فأمر بجمع الجنود وخرج ليجريه ؛ فلما قرب من ~~مكانه انفرد عن القوم ونزل عن فرسه وقال : إلهي إنك إله السماء والأرض لا ~~إله إلا أنت ، وحلمك الذي يحملني أن أسألك ما ليس لي بحق ، والخلق خلقك ، ~~وقد علمت ما هم فيه من العطش وأنت المتكفل بأرزاقهم ؛ اللهم أجر لهم النيل ~~. فما فرغ من كلامه حتى انصب النيل ، وركب فرسه والنيل يجري معه إن سار سار ~~وأن وقف وقف ، حتى دخل مصر ، فسجد القوم له ، وازدادوا كفرا ؛ وعجب موسى ~~وهارون لذلك . ذكر خبر غرق فرعون وقومه قال الكسائي : ولما رجع فرعون ~~بجنوده وقد أجرى النيل بزعمهم ، دخل عليه جبريل في صورة آدمي حسن الهيئة ، ~~فقال له : من أنت ؟ قال : عبد من عبيد الملك جئتك مستدعيا على عبد من عبيدي ~~مكنته من نعمتي ، وأحسنت إليه كثيرا ، فاستكبر وبغى وجحدني حقي وتسمى باسمي ~~، وادعى في جميع ما أنعمت عليه به أنه له ، وأنه لا منعم عليه به . قال ~~فرعون : بئس ذلك من العبيد . قال جبريل : فما جزاؤه عندك ؟ قال : يغرق في ~~هذا البحر . فقال له جبريل : أسألك أن تكتب لي خطك بذلك . فكتب له فرعون ~~خطا ، وأخذه جبريل وجاء به إلى موسى ، وأمره عن الله عز وجل أن يرتحل بقومه ~~عن مصر ؛ فنادى موسى في بني إسرائيل وأمرهم بالرحيل ؛ فارتحلوا وهم يومئذ ~~ستمائة ألف . قال الثعلبي : ستمائة ألف وعشرون ألفا لا يعد فيهم ابن سبعين ~~سنة ولا ابن عشرين سنة ؛ ولكن هؤلاء المقاتلة سوى الذرية . وأهل التوراة ~~يقولون : إنه لا يعد فيهم ابن خمسين ms2503 سنة ولا ابن عشرين سنة ، لا خلاف عندهم ~~في هذا ويزعمون أنه نص التوراة . قال الكسائي : فلما سمع فرعون بارتحالهم ~~أمر باجتماع جنوده ؛ قال الله تعالى : " فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ، ~~إن هؤلاء لشرذمة قليلون ، وإنهم لنا لغائظون ، وأنا لجميع حاذرون " . ~~فاجتمعوا وهم لا يحصون كثرة . قيل : إن هامان كان على مقدمة فرعون بألف ألف ~~وستمائة ألف . وقال الثعلبي : ألف ألف وسبعمائة ألف رجل على ألف ألف ~~وسبعمائة حصان . PageV13P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" قال : وقال : ابن جريح : أرسل فرعون في أثر ~~موسى وقومه ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور ، مع كل ملك ألف رجل ؛ ثم خرج ~~فرعون خلفهم في الدهم ، وكان في عسكره مائة ألف حصان أدهم سوى سائر الشيات ~~، وذلك حين طلعت الشمس وأشرقت ؛ قال الله تعالى : " فأتبعوهم مشرقين " . ~~قال الكسائي : وساروا حتى قربوا من موسى ومن معه ، فقالوا : يا موسى ، قد ~~لحقنا فرعون بجنوده ، والبحر أمامنا والسيف وراءنا . قال كلا إن معي ربي ~~سيهدين . فأوحى الله تعالى إلى موسى : " أن اضرب بعصاك البحر " فضربه " ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم " . وصار فيه اثنا عشر طريقا للأسباط ~~الاثني عشر فجعلوا يسيرون وموسى أمامهم وهارون وراءهم ، وجعل الله بينهم ~~فتحا ليرى بعضهم يعضا ، وجاء فرعون ومن معه إلى البحر ورأى تلك الطرق فيه ، ~~فقال لهامان : هذه تفرقت من هيبتي . وقصد الاقتحام فلم يطاوعه فرسه - وكان ~~حصانا - ونفر من العبور ؛ فأتاه جبريل على رمكة في صورة آدمي ، فدنا من ~~فرعون وقال : ما يمنعك من العبور ؟ وتقدم إلى جنبه ، فاشتم فرس فرعون رائحة ~~الرمكة فتبعها ودخل فرعون وجنوده وجبريل أمامهم وميكائيل يسوق الناس ، حتى ~~لم يبق من جنود فرعون أحد على الساحل ، فجاءه جبريل بخطه ؛ فلما رآه فرعون ~~علم أنه هالك وانضمت الطرق ، وأغرق الناس ، وفرعون ينظر إليهم ؛ قال الله ~~تعالى : " حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به ينو ~~إسرائيل وأنا من المسلمين " . فقال له جبريل : الآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين . ثم غرق فرعون وجميع ms2504 من معه وبنو إسرائيل ينظرون إليهم ؛ ثم قال ~~بن إسرائيل : إن فرعون لم يغرق . فأمر الله تعالى البحر فألقاه على الساحل ~~. قال الله تعالى : " فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية " . ~~PageV13P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" قال : فلما عبر موسى البحر ببني إسرائيل إلى ~~الطور ، إذا هم في طريقهم بقوم يعبدون الأصنام ، قال الله تعالى : " ~~وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا ~~موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ، إن هؤلاء متبر ما ~~هم فيه باطل ما كانوا يعلمون " . ثم قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم ~~على العالمين ، وذكرهم بنعم الله تعالى عليهم ، وأمرهم بالتوبة والاستغفار ~~؛ ثم ساروا وفي قلوبهم حب الأصنام حتى قربوا من الطور . ذكر خبر ذهاب موسى ~~عليه السلام لميقات ربه وطلبه الرؤية وخبر الصاعقة والإفاقة حكى أبو إسحاق ~~الثعلبي في تفسير قوله تعالى : " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ~~فتم ميقات ربه أربعين فتم ليلة " . قال : كان ذلك في شهر ذي القعدة وعشر من ~~ذي الحجة . قال : وذلك أن موسى - عليه السلام - كان قد وعد بني إسرائيل وهو ~~بمصر إذا خرجوا منها وهلك عدوهم أن يأتيهم بكتاب فيه ما يأتون وما يذرون ؛ ~~فلما أهلك الله تعالى فرعون وقومه واستنقذ بني إسرائيل من أيديهم ، وأمنهم ~~من عدوهم ، ولم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليها ، قالوا : يا موسى ~~ائتنا بالكتاب الذي وعدتنا به . فسأل موسى ربه تعالى ذلك ؛ فأمره أن يصوم ~~ثلاثين ليلة ثم يتطهر ويطهر ثيابه ويأتي طور سيناء ويعطيه الكتاب ؛ فصام ~~ثلاثين يوما ؛ فلما صعد الجبل أنكر خلوف فمه ، فاستاك بعود خرنوب . وقال ~~أبو العالية : أخذ من لحاء الشجر فمصه ؛ فقالت الملائكة : كنا نشم من فمك ~~رائحة المسك فأفسدته بالسواك . فأوحى الله تعالى إليه أن صم عشرة أيام ~~PageV13P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" أخر ، وقال له : أما علمت يا موسى أن خلوف فم ~~الصائم أطيب عندي من ريح المسك ؟ . قال : وكانت فتنة بني إسرائيل في العشر ~~ليالي التي ms2505 زادها الله تعالى ؛ فلما مضت . أربعون ليلة تطهر موسى وطهر ~~ثيابه لميقات ربه ؛ فلما أتى طور سيناء كلمه ربه وناجاه ، وقربه وأدناه ، ~~كما قال تعالى : " وقربناه نجيا " . قال وهب : كان بين الله تعالى وبين ~~موسى سبعون حجابا ، فرفعها كلها إلا حجابا واحدا ، فسمع موسى كلام الله ~~تعالى واشتاق إلى رؤيته وطمع فيها ، فقال ما أخبر الله - عز وجل - به عنه ~~في كتابه ، قال الله تعالى : " ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب ~~أرني أنظر إليك " . فقال الله تعالى له : " لن تراني " وليس يطيق البشر ~~النظر إلي في الدنيا ، من نظر إلي مات . قال : إلهي سمعت كلامك فاشتقت ~~النظر إليك ، ولأن أنظر إليك ثم أموت أحي إلي من أن أعيش ولا أراك . فقال ~~له تعالى : " انظر إلى الجبل " وهو أعظم جبل يقال له : الزبير . قال : وذلك ~~أن الجبال لما علمت أن الله تعالى يريد أن يتجلى لجبل منها تعاظمت وتشامخت ~~رجاء أن يتجلى الله تعالى لها ، وجعل الزبير يتواضع من بينها فلما رأى الله ~~تعالى تواضعه رفعه من بينها ، وخصه بالتجلي ، قال الله تعالى : " ولكن انظر ~~إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني " . فتجلى الله تعالى للجبل . قال : ~~واختلف العلماء في معنى التجلي ؛ قال ابن عباس : ظهر نوره للجبل . وقال ~~الضحاك : أظهر الله تعالى من نور الحجب مثل منخر الثور . وقال عبد الله بن ~~سلام وكعب : ما تجلى من عظمة الله تعالى للجبل إلا مثل سم الخياط حتى صار ~~دكا . PageV13P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" وقال السدى : ما تجلى منه إلا قدر الخنصر . ~~وقال الحسن : أوحى الله تعالى إلى الجبل فقال : هل تطيق رؤيتي ؟ فغار الجبل ~~وساخ في الأرض وموسى ينظر إليه حتى ذهب أجمع . قال أبو إسحاق : قال أبو بكر ~~محمد بن عمر الوراق : حكى لي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من ~~سبعين ألف حجاب نورا قدر درهم ، فجعل الجبل دكا . قال أبو بكر : فعذب إذ ~~ذاك كل ماء ، وأفاق كل مجنون ، وبرأ كل مريض وزال الشوك ms2506 عن الأشجار ، ~~واخضرت الأرض واهتزت ، وخمدت نيران المجوس وخرت الأصنام لوجوهها . وقال ~~السدى : ما تجلى للجبل إلا مقدار جناح بعوضة ، فصار الجبل دكا . قال ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - : ترابا . وقال سفيان : ساخ حتى وقع في البحر . ~~وقال عطية العوفي : صار رملا هائلا . وقال الكلبي : جعله دكا ، أي كسر ~~جبالا صغارا . وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - ( ~~صلى الله عليه وسلم ) - : " فلما تجلى ربه للجبل دكا " قال : " صار بعظمة ~~الله ستة أجبل ، فوقعت ثلاثة بالمدينة : أحد ، ورقان ، ورضوى . ووقعت ثلاثة ~~بمكة : ثور ، وثبير ، وحراء . PageV13P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" " وخر موسى صعقا " . قال ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - : مغشيا عليه . وقال قتادة : ميتا . وقال الكلبي : خر موسى صعقا : ~~يوم الخميس يوم عرفة ، وأعطى التوراة يوم الجمعة يوم النحر . قال الوافدي : ~~لما خر موسى صعقا قالت الملائكة : ما لابن عمران وسؤال الرؤية . قال وهب : ~~لما سأل موسى الرؤية أرسل الله تعالى الضباب والصواعق والظلمة والرعد ~~والبرق فأحاطت بالجبل الذي عليه موسى ، وأمر الله تعالى ملائكة السموات أن ~~يعرضوا على موسى ، أربعة فراسخ من كل ناحية ، فمرت ملائكة سماء الدنيا ~~كثيران البقر ، تتابع أفواههم التقديس والتسبيح بصوت عظيم كصوت الرعد ~~الشديد ، ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الثانية : أن اهبطوا على موسى . ~~فهبطوا عليه مثل أسد لهم نحيب بالتسبيح والتقديس ، ففزع موسى . مما رأى ~~وسمع واقشعر جلده ، ثم قال : ندمت على مسألتي ، فهل ينجيني من مكاني الذي ~~أنا فيه شىء ؟ فقال له حبر الملائكة ورأسهم : يا موسى اصبر لما رأيت ، ~~فقليل من كثير رأيت . ثم هبطت ملائكة السماء الثالثة كأمثال النسور ، لهم ~~قصف ورجف بالتسبيح والتهليل والتقديس كجلب الجيش العظيم وكلهب النار ، ثم ~~هبطت عليه ملائكة السماء الرابعة لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم ، ~~ألوانهم كلهب النار ، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض ، أصواتهم عالية بالتسبيح ~~والتقديس لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به قبلهم ، ثم هبطت عليه ~~ملائكة السماء الخامسة في سبعة ألوان ، فلم يستطع موسى أن ms2507 يتبعهم الطرف ، ~~لم ير مثلهم ولا سمع مثل أصواتهم ، وامتلأ جوف موسى فزعا ، واشتد حزنه وكثر ~~بكاؤه ، ثم قال له حبر الملائكة ورأسهم : يا بن عمران ، مكانك حتى ترى ما ~~لا تصبر عليه ، ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على ~~عبدي الذي أراد أن يراني ، فعرضوا عليه وفي يد كل منهم PageV13P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" حربة مثل النخلة الطويلة ، نارها أشد ضوءا من ~~الشمس ، ولباسهم كلهب النيران ، إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ~~ملائكة السموات ، كلهم يقولون بشدة أصواتهم : سبوح قدوس رب العزة أبدا لا ~~يموت . وفي رأس كل ملك منهم أربعة أوجه ؛ فلما رآهم رفع صوته يسبح معهم ~~ويبكي ويقول : رب اذكرني ولا تنس عبدك ، لا أدري هل أتخلص مما أنا فيه أم ~~لا ، إن خرجت احترقت وإن مكثت مت . فقال له كبير الملائكة ورئيسهم : قد ~~أوشكت يا بن عمران أن يشتد خوفك وينخلع قلبك ، فاصبر للذي سألت . ثم أمر ~~الله تعالى أن يحمل عرشه في ملائكة السماء السابعة ، فقال : أروه إياه . ~~فلما بدا نور العرش انفرج الجبل من عظمة رب العزة ، ورددت ملائكة السموات ~~أصواتهم جميعا ؛ فارتج الجبل ، واندكت كل شجرة كانت فيه ، وخر موسى صعقا ~~ليس معه روحه ؛ فقلب الله تعالى الحجر الذي كان موسى عليه وجعله كهيئة ~~القبة لئلا يحترق موسى ؛ وأرسل عليه روح الحياة برحمته ؛ فقام موسى يسبح ~~الله تعالى ويقول : آمنت أنك ربي وصدقت أنه لا يراك أحد ، فنجني ، ومن نظر ~~إلى ملائكتك انخلع قلبه ، فما أعظمك وأعظم ملائكتك أنت رب الأرباب وإله ~~الآلهة وملك الملوك ، لا يعدلك شيء ، ولا يقوم لك شيء ، تبت إليك ، الحمد ~~لك لا شريك لك رب العالمين . ذكر خبر الألواح ونزول التوراة والعشر كلمات ~~قال الله تعالى : " فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق ~~قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ، قال يا موسى إني اصطفيتك على ~~الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ، وكتبنا له في ~~الألواح من ms2508 كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة " . قال الثعلبي : ثم ~~بعث الله جبريل - عليه السلام - إلى جنة عدن فقطع منها شجرة ، فاتخذ منها ~~تسعة ألواح ، طول كل لوح عشرة أذرع بذراع موسى ، وكذلك عرضه ، وكانت الشجرة ~~من زمرد أخضر ؛ ثم أمر الله تعالى جبريل تأن يأتيه بسبعة أغصان من سدرة ~~المنتهى ؛ فجاء بها ، فصارت جميعها نورا ، وصار النور قلما طاف فيما بين ~~السماء والأرض فكتب التوراة ، وموسى يسمع صرير القلم ؛ فكتب الله تعالى له ~~" في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء " وذلك يوم الجمعة ، فأشرقت ~~الأرض بالنور ؛ ثم أمر الله تعالى موسى أن يأخذها بقوة ويقرئها ~~PageV13P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" قومه ؛ فوضعت الألواح على السماء فلم تطق ~~حملها لثقل العهود والمواثيق ؛ فقالت : يا رب كيف أطيق حمل كتابك الكريم ~~الثقيل المبارك ؟ وهل خلقت خلقا يطيق حمل ذلك ؟ فبعث الله تعالى جبريل ~~وأمره أن يحمل الألواح فيبلغها موسى ، فلم يطق حملها ، فقال : يا رب من ~~يطيق حمل هذه الألواح بما فيها من النور والبيان والعهود ؟ وهل خلقت خلقا ~~يطيق حملها ؟ فأمده الله تعالى بملائكته يحملونها بعدد كل حرف من التوراة ؛ ~~فحملوها حتى بلغوها موسى ؛ فعرضوا له الألواح على الجبل ، فانصدع الجبل ~~وخشع ، وقال : يا رب من يطيق حمل هذه الألواح بما فيها ؟ فلما وضعتها ~~الملائكة على الجبل بين يدي موسى - وذلك عند صلاة العصر - قبض موسى عليها ~~فلم يطق حملها ، فلم يزل يدعو حتى هيأ الله تعالى له حملها ؛ فحملها ، فذلك ~~قوله تعالى : " يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما ~~آتيتك وكن من الشاكرين " . قال : وأما العشر كلمات التي كتبها الله تعالى ~~لنبيه موسى في الألواح - وهي معظم التوراة ، وعليها مدار كل شريعة - فهي : ~~" بسم الله الرحمن الرحيم " ، هذا كتاب من الله الملك الجبار العزيز القهار ~~لعبده ورسوله موسى بن عمران ، سبحني وقدسني ، لا إله إلا أنا فاعبدني ولا ~~تشرك بي شيئا ، واشكر لي ولوالديك إلي المصير ، أحيك حياة طيبة ؛ ولا تقتل ~~النفس التي حرم الله ms2509 عليك فتضيق عليك السماء بأقطارها والأرض برحبها ؛ ولا ~~تحلف باسمي كاذبا فإني لا أطهر ولا أزكي من لم يعظم اسمي ؛ ولا تشهد بما لا ~~يعي سمعك ولا تنظر عينك ولم يقف قلبك عليه فإني أقف أهل الشهادات على ~~شهاداتهم يوم القيامة ، وأسائلهم عنها ؛ ولا تحسد الناس على ما آتيتهم من ~~فضلي ورزقي ، فإن الحاسد عدو لنعمتي ، ساخط لقسمتي ؛ ولا تزن ولا تسرق ~~فأحجب عنك وجهي ، وأغلق دون دعوتك أبواب السموات ؛ ولا تذبح لغيري ، فإنه ~~لا يصعد إلي من قربان الأرض إلا ما ذكر اسمي عليه ؛ ولا تغدرن بحيلة جارك ~~فإنه أكبر مقتا عندي ؛ وأحب للناس ما تحب لنفسك . فهذه العشر كلمات ؛ وقد ~~أنزل الله - عز وجل - على نبينا محمد - ( صلى الله عليه وسلم ) - مثلها في ~~ثماني عشرة آية ، وهي قوله تعالى في سورة بني إسرائيل : PageV13P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين ~~إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ~~وقل لهما قولا كريما ، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ~~ربياني صغيرا ، ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان ~~للأوابين غفورا ، وآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ~~، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ، وإما تعرضن ~~عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ، ولا تجعل يدك مغلولة ~~إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ، إن ربك يبسط الرزق لمن ~~يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ، ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ~~نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا ، ولا تقربوا الزنى إنه كان ~~فاحشة وساء سبيلا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل ~~مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ، ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد ~~كان مسئولا ، وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ms2510 ذلك خير وأحسن ~~تأويلا ، ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسئولا ، ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال ~~طولا ، كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها ، ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ~~ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا " ثم جمعها في آيتين ~~من سورة الأنعام ، وهي قوله تعالى : " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ، ولا تقربوا مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها وإذا قلتم فاعد لوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم ~~به لعلكم تذكرون " . وقد روى أبو إسحاق الثعلبي - رحمه الله - عن ابن عباس ~~- رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : لما أعطي ~~موسى الألواح نظر فيها وقال : يا رب لقد أكرمتني بكرامة لم تكرم بها أحدا ~~قبلي . " قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك ~~" . PageV13P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" وأخرج الحافظ : تموت على حب محمد عليه السلام ~~. قال موسى : يا رب وما محمد ؟ قال : أحمد الذي أثبت اسمه على عرشي من قبل ~~أن أخلق السموات والأرض بألفي عام ، وإنه لنبيي وحبيبي وخيرتي من خلقي ، هو ~~أحب إلي من جميع خلقي ومن جميع ملائكتي . قال : يا رب إن كان محمد أحب ~~الناس إليك من جميع خلقك فهل خلقت أمة أكرم عليك من أمتي ؟ قال الله تعالى ~~: إن فضل أمة محمد - عليه السلام - على سائر الأمم كفضله على سائر الخلق . ~~قال : يا رب ليتني رأيتهم . قال : إنك لن تراهم ، ولو أردت أن تسمع كلامهم ~~لسمعت . قال : يا رب فإني أريد أن أسمع ms2511 كلامهم . قال : يا أمة محمد . ~~فأجبنا كلنا من أصلاب آبائنا وأرحام أمهاتنا : لبيك اللهم لبيك لا شريك لك ~~. قال الله تعالى : يا أمة محمد . إن رحمتي سبقت غضبي ، وعفوي عقابي ، قد ~~أعطيتكم من قبل أن تسألوني ، وقد أجبتكم قبل أن تدعوني ، وقد غفرت لكم من ~~قبل أن تعصوني ، من جاء يوم القيامة يشهد أن لا إله إلا الله وأم محمدا ~~عبدي ورسولي دخل الجنة ولو كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر . وهذا قوله تعالى ~~: " وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين " . ~~وروى الثعلبي أيضا بسند رفعه إلى كعب الأحبار أنه رأى حبرا مت أحبار اليهود ~~يبكي ، فقال له : ما يبكيك ؟ فقال له : ذكرت بعض الأمر . فقال كعب : أنشدك ~~الله إن أخبرتك بما أبكاك أتصدقني ؟ قال : نعم . قال : أنشدك الله هل تجد ~~في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال : إني أجد أمة هي خير أمة ~~أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويؤمنون بالكتاب الأول ~~وبالكتاب الآخر ، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال . فقال ~~موسى : يا رب اجعلهم أمتي . قال : هي أمة محمد يا موسى . فقال له الحبر : ~~نعم . قال كعب : أنشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في ~~التوراة فقال : إني أجد أمة هم الحامدون ، الرعاة الشمس المحكمون ، إذا ~~أرادوا أمرا قالوا : " نفعله إن شاء الله " فاجعلهم أمتي . قال : هي أمة ~~أحمد يا موسى . قال له الحبر : نعم . قال : PageV13P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" أنشدك الله هل تجد في كتاب الله المنزل أن ~~موسى نظر في التوراة فقال : رب إني أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم . قال ~~: " وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار ، غير أن موسى كان يجمع صدقات بني ~~إسرائيل فلا يجد عبدا مملوكا ولا أمة إلا اشتراه ثم أعتقه من تلك الصدقة ~~وما فضل حفر له حفيرة عميقة وألقاه فيها ، ثم دفنه كيلا يرجعوا فيه " وهم ~~المسبحون والمسبح لهم ، وهم الشافعون والمشفع لهم . قال موسى : يا رب ~~اجعلهم ms2512 أمتي . قال : هم أمة أحمد يا موسى . قال الحبر : نعم . قال كعب : ~~أنشدك الله أتجد في التوراة أن موسى نظر في التوراة فقال : إني أجد أمة إذا ~~أشرف أحدهم على شرف كبر الله تعالى ، وإذا هبط واديا حمد الله تعالى ؛ ~~الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيثما كانوا ، يتطهرون من الجنابة ، ~~طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حين لا يجدون الماء ؛ غر محجلون مكن آثار ~~لوضوء ، فاجعلهم أمتي . قال : هي أمة أحمد يا موسى . قال الحبر : نعم . قال ~~كعب : أنشدك الله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال ~~: يا رب إني أجد أمة إذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها تكتب له ، فإن عملها ~~ضوعفت عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب ~~عليه ، وإن عملها تكتب عليه سيئة مثلها . فاجعلهم أمتي . قال : هي أمة أحمد ~~يا موسى . قال الحبر : نعم . قال كعب : أنشدك الله أتجد في كتاب الله ~~المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال : رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون ~~الكتاب الذين اصطفينا " فنمهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ~~" فلا أجد أحدا منهم إلا مرحوما فاجعلهم أمتي . قال : هي أمة أحمد يا موسى ~~. قال الحبر : نعم . قال كعب : أنشدك الله هل تجد في كتاب الله المنزل أن ~~موسى نظر في التوراة فقال : يا رب إني أجد أمة مرحومة ، مصاحفهم في صدورهم ~~، يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة يصفون في صلاتهم صفوفا كصفوف الملائكة ، ~~أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل ، لا يدخل PageV13P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" النار منهم أحد إلا من الحساب مثل ما يرمى ~~الحجر من وراء الشجر . فاجعلهم أمتي . قال : هي أمة أحمد يا موسى . قال ~~الحبر : نعم . قال : فعجب موسى من الخير الذي أعطاه الله محمدا وأمته ، ~~وقال : يا ليتني من أصحاب محمد . فأوحى الله تعالى إليه ثلاث آيات يرضيه ~~بهن " يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي " إلى قوله : " دار ~~الفاسقين " " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه ms2513 يعدلون " . فقال : فرضي ~~موسى كل الرضى . ولنصل هذا الفصل بما ورد في تفسير قوله تعالى : " سأريكم ~~دار الفاسقين " وقوله : " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون " . قال ~~الثعلبي : قال أهل المعاني : هذا كقول القائل لمن يخاطبه : " سأريك غدا إلى ~~ما تصير إليه حال من يخالف أمري " على وجه الوعيد والتهديد . وقال مجاهد : ~~سأريكم دار الفاسقين ، يعني مصيرهم في الآخرة . وقال الحسن : جهنم . وقال ~~قتادة وغيره : سأدخلكم الشام فأريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها من ~~الجبابرة والعمالقة . وقال عطية العوفي : معناه سأريكم دار فرعون وقومه ، ~~وهي مصر . قال أبو العالية : رفعت مصر لموسى حتى نظر إليها . وقال السدي : ~~دار الفاسقين ، يعني ما يصير قرارهم في الأرض . PageV13P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" وقيل : الدار الهلاك ، وجمعه أدوار ؛ وذلك أن ~~الله تعالى لما أغرق فرعون وقومه أمر البحر أن يقذف أجسادهم إلى الساحل ؛ ~~ففعل ، فنظر إليهم بنو إسرائيل ، فأراهم هلاك الفاسقين . وقال يمان : يعني ~~مسكن فرعون . وأما ما ورد في تفسير قوله تعالى : " ومن قوم موسى أمة يهدون ~~بالحق وبه يعدلون " . قوله تعالى : " ومن قوم موسى " ، يعني بني إسرائيل " ~~أمة " جماعة " يهدون بالحق " ، أي يرشدون إلى الحق . وقيل : معناه يهتدون ~~ويستقيمون عليه ويعملون به " وبه يعدلون " أي ينصفون من أنفسهم لا يجورون . ~~قال السدي : هم قوم بينكم وبينهم نهر من شهد . وقال ابن جريج : بلغني أن ~~بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا - وكانوا اثني عشر سبطا - تبرأ سبط ~~منهم ؛ واعتذروا وسألوا الله تعالى أن يفرق بينهم وبينهم ، ففتح الله تعالى ~~لهم نفقا في الأرض ، فساروا فيه سنة ونصفا حتى خرجوا من وراء الصين ؛ فهم ~~هناك حنفاء مسلمون مستقبلون قبلتنا . قال الكلبي وربيع والضحاك وعطاء : هم ~~قوم من المغرب خلف الصين على نهر يحوي الرمل يسمى نهر أوران ، وليس لأحدهم ~~مال دون صاحبه ؛ يمطرون بالليل ، ويصحون بالنهار ويزرعون ، لا يصل إليهم ~~منا أحد ولا منهم إلينا وهم على الحق . قال : وذكر عن النبي - ( صلى الله ~~عليه وسلم ) - إن جبريل ذهب به ليلة أسري به إليهم ms2514 ؛ فكلمهم ؛ فقال لهم ~~جبريل : هل تعرفون من تكلمون ؟ قالوا : لا . قال : هذا محمد النبي الأمي . ~~فآمنوا به وقالوا : يا رسول الله ، إن موسى أوصانا وقال : من أدرك منكم ~~أحمد فليقرأ PageV13P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" مني عليه السلام . فرد رسول الله - ( صلى ~~الله عليه وسلم ) - على موسى وعليهم السلام ؛ ثم أقرأهم عشر سور من القرآن ~~نزلت بمكة ولم تكن نزلت فريضة سوى الصلاة والزكاة ، فأمرهم بالصلاة والزكاة ~~، وأمرهم أن يقيموا مكانهم ، وكانوا يسبتون ، فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا ~~السبت . حكاه أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره . نرجع إلى تتمة أخبار موسى - ~~عليه السلام - . ذكر خبر السامري واتخاذه العجل وافتتان بني إسرائيل به قال ~~الكسائي والثعلبي وغيرهما من أهل السير ما مختصره ومعناه : إن موسى - عليه ~~السلام - لما توجه إلى البقعة المباركة التي كلمه الله تعالى فيها لميقات ~~ربه ، استخلف أخاه هارون على بني إسرائيل ، وكان السامري فيهم . واختلف فيه ~~، فقال قتادة والسدي : كان السامري رجل من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال ~~لها : سامرة ولكنه عدو لله منافق . وقال سعيد : كان السامري من كرمان . ~~وقال غيرهم : كان رجلا صائغا من أهل باجرما ، واسمه ميخا . وقال ابن عباس - ~~رضي الله عنهما - : اسمه موسى بن ظفر ، وكان رجلا منافقا وقد أظهر الإسلام ~~؛ وكان من قوم يعبدون البقر ، فدخل قلبه حب البقر ، فلما ذهب موسى - عليه ~~السلام - لميقات ربه - وكان قد واعد قومه ثلاثين ليلة فأتمها الله بعشر ، ~~كما أخبر الله عز وجل - فعد بنوا إسرائيل ثلاثين ، فلما لم يرجع إليهم موسى ~~افتتنوا وقالوا : إن موسى أخلفنا الوعد ؛ فاغتنمها السامري ففعل ما فعل . ~~وقال قوم : إنهم عدوا الليلة يوما واليوم يوما ، وكان موسى قد واعدهم ~~أربعين ، فلما مضت عشرين يوما افتتنوا ، فأتاهم السامري وقال : إن موسى قد ~~احتبس عنكم ، فينبغي لكم أن تتخذوا إلها ، فإن موسى ليس يرجع إليكم ، وقد ~~تم الميقات . وإنما طمع فيهم السامري لأنهم في اليوم الذي أنجاهم الله من ~~فرعون وطلعوا من البحر ، PageV13P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" كان من أمرهم ما أخبر الله تعالى ms2515 عنهم في ~~قوله : " وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ~~قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون " فطمع ~~السامري فيهم واغتنمها ، فلما تأخر موسى عن الميقات - وكان بنو إسرائيل قد ~~استعاروا حلي آل فرعون كما قدمنا ؛ فلما فصل موسى قال هارون لبني إسرائيل : ~~إن حلي القبط الذي استعرتموه غنيمة ، وإنه لا يحل لكم ؛ فاجمعوه فاحفروا له ~~حفيرة وادفنوه حتى يرجع موسى فيرى فيه رأيه . ففعلوا ذلك ، وجاءهم السامري ~~ومعه القبضة التي قبضها من أثر حافر فرس جبريل - عليه السلام - . قالوا : ~~وكان لجبريل - عليه السلام - فرس أنثى بلقاء يقال لها : فرس الحياة لا تصيب ~~شيئا إلا حيي ؛ فلما رأى السامري جبريل على تلك الفرس عرفه وقال : إن لهذا ~~الفرس لشأنا . وأخذ قبضة من تراب حافرها حين عبر جبريل البحر . قالوا : ~~وإنما عرف السامري خبر الفرس دون غيره من بني إسرائيل ، لأن فرعون لما أمر ~~بذبح أولاد بني إسرائيل جعلت المرأة إذا ولدت الغلام انطلقت به سرا في جوف ~~الليل إلى صحراء أو واد أو غار في جبل فأخفته ؛ فقيض الله تعالى له ملكا من ~~الملائكة يطعمه ويسقيه حتى لا يختلط بالناس ، وكان الذي ولي كفالة السامري ~~جبريل عليه السلام ، فجعل يمص من إحدى إبهاميه سمنا ، ومن الأخرى عسلا ، ~~فمن ثم عرفه ، ومن ثم الصبي إذا جاع يمص إبهامه فيروى من المص . نرجع إلى ~~خبر بني إسرائيل مع السامري . قال : فلما أمرهم هارون بجمع الحلي وجمعوه ، ~~جاء السامري بالقبضة فقال لهارون : يا نبي الله ، أأقذفها فيه ؟ فظن هارون ~~أنه من الحلي ، وأنه يريد بها ما يريد أصحابه ، فقال له : اقذف . فقذفها في ~~الحفرة على الحلي ، فصار عجلا جسدا له خوار . وقال ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - : أوقد هارون نارا وأمرهم أن يقذفوا الحلي فيها ؛ فقذف السامري تلك ~~القبضة فيها وقال : " كن عجلا جسدا له خوار " . فكان كذلك للبلاء والفتنة . ~~PageV13P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" ويقال : إن الذي قال لبني إسرائيل : " إن ~~الغنيمة لا تحل ms2516 لكم " هو السامري ، فصدقوه وجمعوها ، فدفعوها إليه فصاغ ~~منها عجلا في ثلاثة أيام ثم قذف فيه القبضة ، فجثا وخار خورة ثم لم يعد . ~~وقال السدي : كان يخور ويمشي ؛ فلما أخرج السامري العجل وكان من ذهب مرصع ~~بالحجارة كأحسن ما يكون ، قال هذا إلهكم وإله موسى . فشبه السامري على ~~أوغاد بني إسرائيل وجهالهم حتى أضلهم وقال لهم : إن موسى قد أخطأ ربه ~~فأتاكم ربه أراد أن يريكم أنه قادر على أن يدعوكم إلى نفسه بنفسه ، وأنه لم ~~يبعث موسى لحاجة منه إليه ، وأنه قد أظهر لكم العجل ليكلمكم من وسطه كما ~~كلم موسى من الشجرة . قالوا : فلما رأوا العجل وسمعوا قول السامري ، ~~افتتنوا غير اثني عشر ألفا وكان مع هارون ستمائة ألف ، فعكفوا عليه يعبدونه ~~من دون الله تعالى ، وأحبوه حبا ما أحبوا مثله شيئا قط ؛ فقال لهم هارون : ~~يا بني إسرائيل إنما فنتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري ، ~~قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى . فأقام هارون بمن معه من ~~المسلمين ، وأقام من يعبد العجل على عبادته ؛ وخشي هارون إن سار بمن معه من ~~المسلمين إلى المفتتنين الضالين أن يقول له موسى : فرقت بين بني إسرائيل . ~~قال راشد بن سعد : لما واعد الله تعالى موسى أربعين يوما قال الله تعالى : ~~يا موسى ، إن قومك قد افتتنوا من بعدك . قال : يا رب كيف يفتتنون وقد ~~نجيتهم من فرعون ومن البحر ، وأنعمت عليهم ؟ قال : إنهم اتخذوا العجل إلها ~~من دوني وهو عجل جسد له خوار . قال : يا رب من نفخ فيه الروح ؟ قال : أنا . ~~قال : أنت - وعزتك - فتنتهم ، إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من ~~تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين . قال : فلما رجع موسى ~~من الميقات إلى قومه وقرب منهم ، سمع اللغط حول العجل وكانوا يرقصون حوله ، ~~ولم يخبر موسى أصحابه السبعين بما أخبره به ربه PageV13P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" تعالى من حديث العجل ، فقالوا : هذا قتال في ~~المحلة . قال موسى لهم ms2517 : لا ولكنها أصوات الفتنة ، افتتن القوم بعدنا ~~بعبادة غير الله تعالى . ذكر خبر رجوع موسى إلى قومه وما كان من أمرهم قال ~~الله عز وجل : " ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من ~~بعدي أعجلتم أمر بكم " وذلك أنه لما رآهم حول العجل وما يصنعون فيه ألقى ~~الألواح من يده فتكسرت ، فصعد عامة الكلام الذي فيها ، ولم يبق إلا سدسها ، ~~ثم أعيدت له في لوحين . روى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - ~~( صلى الله عليه وسلم ) - قال : ليس المعاين كالمخبر ، قال الله تعالى ~~لموسى : إن القوم قد افتتنوا فلم يلق الألواح ، فلما عاين ألقى الألواح ~~فكسرها . قالوا : فلما رأى موسى ما صنع قومه من بعده من عبادة العجل ، أخذ ~~شعر رأس أخيه هارون بيمينه ، ولحيته بشماله وقال له : يا هارون ما منعك إذ ~~رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري ، هلا قاتلتهم إذ علمت أني لو كنت فيما ~~بينهم لقاتلتهم على كفرهم ؟ فقال هارون : يا بن أم ؛ قال المفسرون : كان ~~هارون أخا موسى لأبيه وأمه ، ولكنه أراد بقوله : يا بن أم تقريبه واستعطافه ~~عليه ، لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت ، إن أقاتلهم أن يصيروا حزبين ~~يقتل بعضهم بعضا ، فتقول : فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ، ولم تحفظ ~~وصيتي حين قلت لك : اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين . وقال : ~~إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع ~~القوم الظالمين . فقال موسى : رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم ~~الراحمين . قال : ثم أقبل موسى على السامري فقال له : ما خطبك يا سامري ، ~~أي ما أمرك وشأنك ؟ فقال السامري : بصرت بما يبصروا فقبضت قبضة من أثر ~~الرسول ، أي أخذت ترابا من أثر فرس جبريل فنبذتها وطرحتها في العجل وكذلك ~~سولت لي نفسي ، أي زينت . قال : فلما علم بنو إسرائيل أنهم قد أخطأوا وضلوا ~~في عبادتهم العجل ، ندموا على ذلك واستغفروا ، كما قال الله تعالى : " ولما ~~سقط في أيديهم ms2518 ورأوا أنهم قد ضلوا PageV13P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن ~~من الخاسرين " ؛ فقال لهم موسى : يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ~~فتوبوا إلى بارئكم . قالوا : كيف نتوب ؟ قال : فاقتلوا أنفسكم ، أي يقتل ~~البريء المجرم ، ذلكم يعني القتل خير لكم عند بارئكم . قال ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - : أبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل إلا بالحال التي كرهوا ~~أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل . وقال قتادة : جعل الله توبة عبدة العجل ~~القتل لأنهم ارتدوا ، والكفر مبيح للدم . وقال الكسائي : لما قال موسى لبني ~~إسرائيل : يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ، سألوه أن يتوب الله ~~تعالى عليهم ؛ فسأل الله تعالى ، فأوحى الله تعالى إليه أنه لا توبة لهم ، ~~لأن في قلوبهم حي العجل ، فاجمع رماد العجل وألقه في الماء وأمرهم أن ~~يشربوا منه فإنه يظهر ما في قلوبهم على وجوههم . ففعل ذلك ؛ فلما شربوا لم ~~يبق أحد مما في قلبه مرض إلا اصفر وجهه ولونه ورم بطنه ، ودام ذلك بهم ، ~~فقالوا : يا موسى ، هل شيء غير التوبة الخالصة وقد أخلصنا في توبتنا حتى لو ~~أمرتنا بقتل أنفسنا فعلنا ؟ فأوحى الله إليه : يا موسى قد رضيت بحكمهم على ~~أنفسهم ، فقل لهم : يقتلوا أنفسهم إن كانوا صادقين في توبتهم . فقال لهم ~~موسى ما أمرهم الله به : " فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم ~~عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم " فقالوا : كيف نقتل أنفسنا ؟ ~~قال : يقوم من لم يعبد العجل إلى من عبده فيقتله . فقاموا بالسيوف والخناجر ~~إلى الذين عبدوه وأرسل الله عليهم ظلمة فلم يبصر بعضهم بعضا ، حتى كان ~~الرجل يأتي إلى أخيه وأبيه وابن عمه وقرابته فيقتله وهو لا يعرفه ، ولم ~~يعمل السلاح فيمن لم يعبد العجل حتى خاضوا في الدماء وصاح النساء والصبيان ~~إلى موسى : " العفو يا نبي الله " فدعا موسى الله بالعفو عنهم ، فلم يعمل ~~السلاح فيهم بعد ذلك ، وقبل الله تعالى توبتهم ، وارتفعت الظلمة عنهم . ~~قالوا : ثم هم موسى بقتل ms2519 السامري ، فأوحى الله تعالى إليه : لا تقتله فإنه ~~سخا ، ولكن أخرجه عن قومك ، فلعنه موسى وقال له ما أخبره الله تعالى به عنه ~~: " قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه " ~~PageV13P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" أي لعذابك في القيامة . " وانظر إلى إلهك ~~الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا " . قال : وأمر موسى ~~بني إسرائيل ألا يخالطوا السامري ولا يقاربوه ، فصار السامري وحشا لا يألف ~~ولا يؤلف ولا يدنو من الناس ولا يمس أحد منهم فمن مسه قرض ذلك الموضع ~~بالمقراض ، فكان ذلك دأبه حتى هلك . ذكر خبر امتناع بني إسرائيل من قبول ~~أحكام التوراة ورفع الجبل عليهم وإيمانهم قال الكسائي : ثم أقبل موسى على ~~بني إسرائيل بالتوراة وقال : هذا كتاب ربكم فيه الحلال والحرام والأحكام ~~والسنن والفرائض ورجم الزاني والزانية المحصنين وقطع يد السارق ، والقصاص ~~في كل ذنب يكون منكم . فضجوا من ذلك وقالوا : لا حاجة لنا في هذه الأحكام ، ~~وما كنا فيه من عبادة العجل كان أرفق بنا من هذا . قال : فلما امتنعوا من ~~قبول أحكام الله عز وجل قال موسى : يا رب قد علمت أنهم ردوا كتابك وكذبوا ~~بآياتك . فأمر الله تعالى جبريل أن يرفع عليهم جبل طور سيناء في الهواء ، ~~قال الله عز وجل : " وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم ~~خذوا ما آتيناكم بقوة " " واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا " ؛ فجعل الجبل يدنوا ~~منهم حتى ظنوا أنه يسقط عليهم ؛ فآمنوا وخروا سجدا على أنصاف وجوههم وهم ~~ينظرون إلى الجبل بالنصف الآخر ؛ فلأجل ذلك سجود اليهود كذلك . ورد الجبل ~~عنهم . ذكر خبر الحجر الذي وضع موسى عليه السلام ثيابه عليه قال : وكانوا ~~إذا اغتسلوا لا يسترون عوراتهم ، وإذا اغتسل موسى يستتر فظنوا أن في بدنه ~~عيبا فتكلموا بذلك ، وكان موسى - عليه السلام - إذا اغتسل وضع ثوبه على حجر ~~وقرعه بعصاه فيتفجر الماء منه ، فيغتسل ثم يلبس ثوبه ؛ ففعل ذلك في بعض ~~الأيام ، فلما أراد أن يلبس ثوبه ms2520 انقلع الحجر من موضعه ومر على وجه الأرض ~~وعليه ثوب موسى ؛ فعدا موسى خلفه وهو يقول : " ثوبي يا حجر ثوبي يا حجر " ~~ولم يزل يعدو حتى وقف على بني إسرائيل ، فنظروا إلى موسى ولا عيب فيه ، ~~فندموا على ما كان منهم ؛ قال الله تعالى : " فبرأه الله مما قالوا وكان ~~عند الله وجيها " . PageV13P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" ذكر خبر طلب بني إسرائيل رؤية الله تعالى ~~وهلاكهم بالصاعقة وكيف أحياهم الله - عز وجل - وبعثهم من بعد موتهم قال ~~الله تعالى : " وإذا قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم ~~الصاعقة وأنتم تنظرون ، ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون " . وذلك أن ~~الله تعالى أمر موسى - عليه السلام - أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل ~~يعتذرون إليه من عبادة العجل ؛ فاختار موسى - عليه السلام - سبعين رجلا من ~~قومه من خيارهم ، وكان قد اختار من كل سبط ستة نفر ، فصاروا اثنين وسبعين ، ~~وقال : إنما أنرت بسبعين فليتخلف منكم رجلان . فتشاحنوا على ذلك ، فقال ~~موسى : إن لمن قعد مثل أجر من خرج . فقعد يوشع بن نون وكالب بن يوقنا ، ~~فقال موسى للسبعين : صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم . ففعلوا ذلك فخرج بهم ~~موسى عليه السلام إلى طور سيناء لميقات ربه ؛ فلما بلغوا ذلك الموضع قالوا ~~لموسى : اطلب لنا نسمع كلام ربنا . فقال : أفعل . فلما دنا موسى من الجبل ~~وقع عمود الغمام عليه وتغشى الجبل كله ، فدخل في الغمام وقال للقوم : ادنوا ~~. وكان موسى عليه السلام إذا كلمه ربه عز وجل - وقع على وجهه نور ساطع لا ~~يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه ؛ فضرب دونه الحجاب ، ودنا القوم حتى ~~دخلوا في الغمام وخروا سجدا ، وسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه ؛ فأسمعهم ~~الله تعالى : إني أنا الله لا إله إلا أنا ذو الملك ، أخرجتكم من أرض مصر ~~فاعبدوني ولا تعبدوا غيري . فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم فقالوا ~~: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، أي لن نصدقك ، فأخذتهم الصاعقة ، وهي نار ~~جاءت من ms2521 السماء فأحرقتهم جميعا . وقال وهب بن منبه : أرسل الله عليهم جند ~~من السماء ، فلما سمعوا حسها ماتوا في يوم وليلة . فلما هلكوا جعل موسى - ~~عليه السلام - يبكي ويتضرع ويقول : يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا ~~أتيتهم وقد أهلكت خيارهم ولو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلك بما فعل ~~السفهاء منا ، فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله - عز وجل - رجلا بعد رجل ~~ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون . حكاه الثعلبي في تفسيره . PageV13P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" وقال الكسائي في هذه القصة : أقبل بنو ~~إسرائيل على موسى وقالوا : أرنا الله جهرة . فأوحى الله تعالى إليه : أكلهم ~~يريد ذلك ؟ - وهو أعلم - فقال الصالحون منهم : إن الله أجل من أن نراه في ~~الدنيا . وقال الباقون : إنما امتنع هؤلاء لضعف قلوبهم . فأوحى الله تعالى ~~إليه : أن اختر منهم سبعين رجلا وسربهم إلى جبل الطور ؛ فسار بهم ، ووقع ~~الغمام على الجبل حتى أظله وأتاه موسى وهم معه ؛ فأمر الله تعالى الملائكة ~~أن تهبط إلى الجبل بزيها وصورها ؛ فلما نظر بنو إسرائيل إليهم أخذتهم ~~الرعدة والخوف ، وندموا على ما كانوا منهم ، ونودوا من قبل السماء : يا بني ~~إسرائيل فصعقوا كلهم وماتوا . وساق نحو ما تقدم . قال : ورجعوا إلى قومهم ~~وخبروهم بما رأوا . ذكر خبر قارون قال المفسرون : إن قارون كان ابن عم موسى ~~، لأنه قارون بن يصهر ابن قاهث . وقال ابن إسحاق : هو عم موسى ، لأن يصهر ~~بن قاهث تزوج شميش بنت ماويب بن بركيا بن يقشان بن إبراهيم ، فولدت له ~~عمران بن يصهر وقارون بن يصهر . فعلى هذا القول يكون عم موسى ؛ وعلى قول ~~الآخرين يكون ابن عمه ، وعليه عامة أصحاب التواريخ ؛ وعليه أهل الكتاب ، لا ~~خلاف عندهم في ذلك قالوا : وكان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون ~~وأفضلهم وأجملهم . قال قتادة : وكان يسمى المبشور لحسن صورته ، ولم يكن في ~~بني إسرائيل أقرأ للتوراة منه ، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري ، ~~فبغى على قومه ، كما قال تعالى : " إن قارون كان من قوم موسى ms2522 فبغى عليهم " ~~. قال الثعلبي : واختلفوا في معنى هذا البغي ما هو ، قال ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - : كان فرعون قد ملك قارون على بني إسرائيل ، وكان يبغي عليهم ~~ويظلمهم . PageV13P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" وقال عطاء الخراساني وشهر بن حوشب : زاد ~~عليهم في الثياب شبرا . وقال شيبان عن قتادة : بغى عليهم بالكبر والبذخ . ~~وقال سعيد عنه : بكثرة المال . وكان أغنى أهل زمانه وأثراهم ، كما قال ~~تعالى : " وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبة " أي تثقل وتميل ~~بهم إذا حملوها لثقلها . واختلف المفسرون في عدد العصبة ، فقال مجاهد : ما ~~بين العشرة إلى الخمسة . وقال قتادة : ما بين العشرة إلى الأربعين . وقال ~~عكرمة : منهم من يقول : سبعين . وقال الضحاك : ما بين الثلاثة إلى العشرة . ~~وقيل : هم ستون . وروى جرير عن منصور عن خيثمة قال : وجدت في الإنجيل ~~مفاتيح خزائن قارون كانت وقر ستين بغلا غرا محجلة ما يزيد منها مفتاح على ~~إصبع لكل مفتاح منها كنز . ويقال : إن قارون كان أينما ذهب يحمل معه مفاتيح ~~كنوزه - وكانت من حديد - فلما ثقلت عليه جعلها من الخشب ، فثقلت عليه ، ~~فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع ، تحمل معه على أربعين بغلا . وقال ~~بعضهم : أراد بالمفاتيح الخزائن . وإليه ذهب أبو صالح . وقال أبو رزين : لو ~~كان مفتاح واحد لأهل الكوفة كان كافيا . PageV13P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" واختلفوا في سبب اجتماع تلك الأموال لقارون ؛ ~~فقيل : كان عنده علم الكيمياء . قال سعيد بن المسيب : كان موسى يعلم ~~الكيمياء ، فعلم يوشع ثلث العلم ، وعلم كالب ثلثه ، وعلم قارون ثلثه ؛ ~~فخدعهما قارون حتى أضافا علمهما إلى علمه . وحكى الكسائي : كان قارون من ~~فقراء بني إسرائيل ، فأوحى الله إلى موسى أن يحلي تابوت التوراة بالذهب ، ~~وعلمه صنعة الكيمياء ؛ فجاء قارون إلى أم كلثم أخت موسى - وقد قيل : إنها ~~كانت زوجته - فسألها : من أين لموسى هذا الذهب ؟ فقالت : إن الله تعالى قد ~~علمه صنعة الكيمياء . وكان موسى قد علمها الصنعة ، فتعلمها قارون منها . ~~قالوا : فكان ذلك سبب أمواله ، فذلك قوله كما أخبر الله ms2523 تعالى عنه : " قال ~~إنما أوتيته على علم عندي " . وقيل : معناه على علم عندي بالتصرف في ~~التجارات والزراعات وسائر أنواع المكاسب والمطالب . وقيل في سبب جمعه تلك ~~الأموال ما رواه الثعلبي بسنده عن ابن سليمان الداراني أنه قال : تبدى ~~إبليس لقارون وكان قارون أقام في جبل أربعين سنة غلب بني إسرائيل في ~~العبادة ، فبعث إبليس إليه شياطينه فلم يقدروا عليه ؛ فأتاه وجعل يتعبد معه ~~، وجعل قارون يتعبد وإبليس يقهره في العبادة ويفوقه ؛ فخضع له قارون ؛ فقال ~~له إبليس : يا قارون ، قد رضينا بهذا الذي نحن فيه ، لا نشهد لبني إسرائيل ~~جماعة ، ولا نعود مريضا ، ولا نشهد جنازة ؟ قال : فأحدره من الجبل إلى ~~البيعة ، فكانا يؤتيان بالطعام ، فقال له إبليس : يا قارون ، قد رضينا أن ~~نكون هكذا كلا على بني إسرائيل ؟ فقال له قارون : فأي رأي عندك ؟ قال : ~~نكسب يوم الجمعة ، ونتعبد بقية الجمعة . قال : فكسبوا يوم الجمعة وتعبدوا ~~بقيتها ؛ فقال إبليس : قد رضينا أن نكون هكذا ؟ قال قارون : فأي رأي عندك ؟ ~~قال : نكسب يوما ونتعبد يوما فنتصدق ونعطي . قال : فلما كسبوا يوما وتعبدوا ~~يوما خنس إبليس وتركه ، ففتحت على قارون أبواب الدنيا ، فيلغ ماله - على ما ~~روى الثعلبي بسنده إلى المسيب بن شريك قال : ما PageV13P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" إن مفاتيحه لتنوء بالعصبة ، وكانت أربعمائة ~~ألف ألف في أربعين جرابا . قال : فبغى وطغى حين استغنى ، فكان أول طغيانه ~~وعصيانه أنه تكبر واستطال على الناس بكثرة الأموال ، وكان يخرج في زينته . ~~قال مجاهد : خرج على براذين بيض عليها سروج الأرجوان وعليه المعصفرات . ~~وقال ابن أسلم : خرج في سبعين ألفا عليهم المعصفرات . قال : وذلك أول يوم ~~ظهرت فيه المعصفرات في الأرض . وقال مقاتل : خرج على بغلة شهباء على سرج من ~~الذهب عليه الأرجوان ومعه ألف فارس عليهم الديباج وعلى دوابهم الأرجوان ؛ ~~ومعه ستمائة جارية بيض عليهن الحلي والثياب الحمر ، وهن على البغال الشهب . ~~وحكى الكسائي أن قارون اتخذ سريرا من الذهب يصعد إليه بمراق ، وعليه أنواع ~~من فرش الديباج ، وعلى رأسه تاج من الذهب ms2524 مرصع بالجوهر . قالوا : فلما خرج ~~في بعض الأيام في زينة عظيمة ، تمنى أهل الجهالة والخسارة مثل الذي أوتيه ، ~~وقالوا ما أخبر الله تعالى به عنهم : " قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ~~ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم " فأنكر عليهم أهل العلم بالله ~~تعالى ، وقالوا لهم : اتقوا الله واعملوا ما أمركم به ، وانتهوا عما نهاكم ~~الله عنه ، فإن ثواب الله خير لمن أمن وعمل صالحا من لذات الدنيا وشهواتها ~~؛ قال الله تعالى : " ولا يلقاها " ، أي لا يوفق لهذه الكلمة " إلا ~~الصابرون " ، أي على طاعة الله وعن زينة الحياة الدنيا . قالوا : ثم أوحى ~~الله تعالى إلى نبيه موسى - عليه السلام - أن يأمر قومه أن يعلقوا في ~~آذانهم خيوطا أربعة ، في كل طرف خيط أخضر كلون السماء فقال موسى : يا رب لم ~~أمرت بني إسرائيل بتعليق هذه الخيوط الخضر في آذانهم ؟ فقال تعالى : إن بني ~~PageV13P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" إسرائيل في غفلة ، وقد أردت أن أجعل لهم علما ~~في ثيابهم ليذكروني به إذا نظروا إلى السماء ، ويعلموا أني منزل منها كلامي ~~. فقال موسى : يا رب أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم خضرا ، فإن بني إسرائيل ~~تحقر هذه الخيوط ؟ فقال له : يا موسى ، إن الصغير من أمري ليس بصغير ، وإن ~~لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير . قال : فدعا موسى ~~بني إسرائيل وأعلمهم بأمر الله تعالى ؛ ففعلوا ذلك واستكبر قارون فلم يطعه ~~، وقال : إنما يفعل هذا الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا من غيرهم . فكان هذا ~~أيضا من بغيه وعصيانه . قالوا : ولما قطع موسى البحر ببني إسرائيل جعلت ~~الحبورة - وهي رئاسة المذبح وبيت القربان - لهارون عليه السلام ؛ وكان بنوا ~~إسرائيل يأتون بهديهم فيدفعونه إلى هارون ، فيضعه على المذبح ، فتنزل نار ~~من السماء فتأكله ، فوجد قارون في نفسه من ذلك ، وأتى موسى وقال له : يا ~~موسى ، لك الرسالة ، ولهارون الحبورة ، وليس لي من ذلك شيء ، وأنا أقرأ ~~للتوراة منكما ، لا صبر لي على هذا . فقال موسى : والله ما أنا جعلتها في ~~هارون ms2525 ، بل الله جعلها له . فقال قارون : والله لا أصدقك في ذلك حتى تريني ~~بينة . قال : فجمع موسى رؤساء بني إسرائيل وقال : هاتوا عصيكم . فجاءوا بها ~~فحزمها وألقاها في قبته التي كان يعبد الله فيها ؛ وجعلوا يحرسون عصيهم حتى ~~أصبحوا ، فأصبحت عصا هارون قد اهتز لها ورق أخضر ، وكان من شجر اللوز فقال ~~موسى : يا قارون ، أترى هذا من فعلي ؟ قال قارون : والله ما هذا بأعجب مما ~~تصنع من السحر . وذهب قارون مغاضبا ، واعتزل موسى بأتباعه ؛ وجعل موسى ~~يداريه للقرابة التي بينهما وهو يؤذيه في كل وقت ، ولا يزداد كل يوم إلا ~~عتوا وتجبرا ومخالفة . ويقال : إنه بنى دارا وجعل بابها من الذهب ، وضرب ~~على جدرانها صفائح الذهب ، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون عليه ويروحون ~~فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضاحكونه . PageV13P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : ثم أنزل ~~الله تعالى الزكاة على موسى ؛ فلما وجبت الزكاة على بني إسرائيل أتى قارون ~~موسى فصالحه عن كل ألف دينار على دينار ، وعن كل ألف درهم على درهم ، وعن ~~كل ألف شاة على شاة ، وعن كل ألف شيء شيئا ، ثم رجع إلى بيته فحسبه فوجده ~~كثيرا ، فلم تسمح لذلك نفسه ، فجمع بني إسرائيل وقال لهم : يا قوم ، إن ~~موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه ، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم . فقالوا ~~له : أنت كبيرنا وسيدنا فمر بما شئت . فقال : آمركم أن تجيئوا بفلانة البغي ~~فنجعل لها جعلا على أن تقذف موسى بنفسها ، فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو ~~إسرائيل ورفضوه فاسترحنا منه . فأتوا بها ، فجعل لها قارون ألف درهم . وقيل ~~: ألف دينار . وقيل : طستا من ذهب . وقيل : حكمها ؛ وقال لها : إني أمولك ~~وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى غدا إذا كان بنو إسرائيل متجمعين . فلما ~~كان الغد جمع قارون بني إسرائيل ، ثم أتى موسى فقال : إن بني إسرائيل قد ~~اجتمعوا ينظرون خروجك لتأمرهم وتنهاهم وتبين لهم أعلام دينهم وأحكامهم ~~وأحكام شرعهم . فخرج إليهم موسى وهم في براح من الأرض ، فقام فيهم ms2526 خطيبا ~~ووعظهم ، وقال فيما قال : يا بني إسرائيل ، من سرق قطعت يده ، ومن افترى ~~جلدناه ثمانين جلدة ، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مائة جلدة ، وإن كانت ~~له امرأة رجمناه حتى يموت . فقال له قارون : وإن كنت أنت ؟ قال : وإن كنت ~~أنا . قال : فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة . قال موسى : أنا ؟ ~~قال : نعم . قال : ادعها فإن قالت فهو كما قالت . فدعيت ؛ فلما جاءت قال ~~لها موسى : يا فلانة ، أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء ؟ وعظم عليها وسألها ~~بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت . فلما ~~ناشدها موسى تداركها الله تعالى بالتوفيق وقالت : لأن أحدث اليوم توبة أفضل ~~من أن أوذي رسول الله . وقالت : لا والله بل كذبوا ، ولكن جعل لي قارون ~~جعلا على أن أقذفك بنفسي . فلما تكلمت بهذا سقط في يد قارون ونكس رأسه ، ~~وسكت الملأ وعرف قارون أن قد وقع في مهلكة ، وخر موسى ساجدا لله تعالى . ~~وقال الكسائي في قصة هذه المرأة : إن قارون بعث إلى امرأة فاسقة كان موسى ~~قد نفاها من عسكره ، فقال لها : إني أريد أن أتزوج بك وأنقذك من هذا الفقر ~~إن PageV13P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" عملت ما أقول . قالت : وما هو ؟ قال : إذا ~~اجتمع بنوا إسرائيل عندي فاحضري وقولي : إن موسى دعاني إلى نفسه فلم أطاوعه ~~، فأخرجني من عسكره فانصرفت ودخلت على قارون من الغد - وقد اجتمع بنوا ~~إسرائيل عنده - فقالت : يا بني إسرائيل ، هذا ما لقي الأخيار من الأشرار ؛ ~~اعلموا أن قارون دعاني بالأمس وقال لي كذا وكذا ، وأمرني أن أكذب على نبي ~~الله موسى ؛ وكذب قارون إنما أخرجني موسى من عسكره لفسادي ، وقد تبت إلى ~~الله تعالى من ذلك . فلما سمع قارون ذلك ندم ، ولامه بنو إسرائيل ، وبلغ ~~موسى الخبر فغضب ودعا قارون . قالوا : وجعل موسى يبكي ويقول : يا رب إن ~~عدوك هذا قد آذاني وأراد فضيحتي ، اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي وسلطني عليه ~~. فأوحى الله تعالى إليه : ارفع رأسك وأمر الأرض بما شئت ms2527 تطعك . فقال موسى ~~: يا بني إسرائيل إن الله قد بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون ، فمن ~~كان معه فليثبت مكانه ومن كان معي فليعتزل عنه . فاعتزل بنو إسرائيل قارون ~~ولم يبق منهم إلا رجلان ثم قال موسى : يا أرض خذيهم . فأختهم إلى كعابهم . ~~ثم قال : يا أرض خذيهم . فأخذتهم إلى ركبهم . ثم قال : يا أرض خذيهم . ~~فأخذتهم إلى حقيهم . ثم قال : يا أرض خذيهم . فأخذتهم إلى أعناقهم وقارون ~~وصاحباه في كل ذلك يتضرعون إلى موسى ويناشدونه ؛ حتى روى بعض الأخبار : أنه ~~ناشده سبعين مرة وموسى في جميع ذلك لا يلتفت إليه ، لشدة غضبه عليه . ثم ~~قال : يا أرض خذيهم . فانطبقت عليهم الأرض ؛ فأوحى الله إلى موسى : ~~استغاثوا بك سبعين مرة فلم ترحمهم ولم تغثهم ، أما وعزتي وجلالي لو إياي ~~دعوا لوجدوني قريبا مجيبا . قال قتادة : ذكر لنا أن الله تعالى يخسف بهم في ~~كل يوم قامة ، وأنه يتخلخل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة . قالوا : ~~فلما خسف الله تعالى بقارون وصاحبيه أصبحت بنو إسرائيل يتناجون فيما بينهم ~~: إن موسى دعا على قارون ليستبد بداره وكنوزه وأمواله . فدعا موسى حتى خسف ~~الله تعالى بدار قارون وأمواله الأرض ؛ وأوحى الله تعالى إلى موسى : أني لا ~~أعبد الأرض لأحد بعدك أبدا ؛ فذلك قوله تعالى : " فخسفنا به وبداره الأرض ~~فما PageV13P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان ~~من المنتصرين " . قال : فلما حلت نقمة الله تعالى بقارون حمد المؤمنون الله ~~تعالى ، وندم الذين كانوا يتمنون ماله وحاله ، كما أخبر الله تعالى عنهم ~~بقوله : " وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق ~~لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا وخسف بنا ويكأنه لا يفلح ~~الكافرون " . والله الفعال . ذكر خبر موسى والخضر - عليهما السلام - وهذا ~~الخبر إنما رجعت فيه واعتمدت على ما ورد في الحديث الصحيح النبوي مما خرجه ~~البخاري - رحمه الله تعالى - في صحيحه ، ورويناه بسندنا عنه بسنده عن ابن ~~عباس عن أبي ms2528 بن كعب - رضي الله عنهم - عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~أن موسى - عليه السلام - قام خطيبا في بني إسرائيل ، فسئل : أي الناس أعلم ~~؟ قال : أنا . فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه ؛ فقال : بلى ، بمجمع ~~البحرين هو أعلم منك . وورد في الحديث الآخر من رواية البخاري : بلى عبدنا ~~خضر . قال : أي رب ومن لي به ؟ قال سفيان من روايته : أي رب وكيف لي به ؟ ~~قال : تأخذ حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم . وربما قال : ~~فهو ثمة . فأخذ حوتا فجعله في كتل ، ثم انطلق هو وفتاه يوشع بن نون حتى إذا ~~أتيا الصخرة وضعا رءوسهما ؛ فرقد موسى عليه السلام ، واضطرب الحوت فخرج ~~فسقط في البحر : " فاتخذ سبيله في البحر سراب " ؛ فأمسك الله عن الحوت حرية ~~الماء فصار مثل الطاق ؛ فانطلقا يمشيان بقية يومهما وليلتهما ، حتى إذا كان ~~من الغد قال لفتاه : " ائتنا عداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا " ؛ ولم ~~يجد موسى النصب حتى جاوز PageV13P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" حيث أمره الله تعالى ؛ قال لفتاه : " أرأيت ~~إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ~~واتخذ سبيله في البحر عجبا " ؛ فكان للحوت سربا ولهما عجبا . قال له موسى : ~~" ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا " . فرجعا يقصان آثارهما حتى ~~انتهيا إلى الصخرة ، فإذا برجل مسجى بثوب ، فسلم موسى ، فرد عليه فقال : ~~وأنى بأرضك السلام . قال : أنا موسى . قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم ~~، أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا . قال : يا موسى إني علة علم من علم الله ~~علمنيه الله لا تعلمه ، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه . " ~~قال هل أتبعك " . " قال إنك لن تستطيع معي صبرا ، وكيف تصبر على ما لم تحط ~~به خبرا " . إلى قوله : " أمرا " ؛ فانطلقا يمشيان على ساحل البحر ، فمرت ~~بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم ؛ فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول ؛ فلما ركبا ~~في السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو ms2529 نقرتين ~~فقال له الخضر : يا موسى ، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص ~~هذا العصفور بمنقاره من البحر . " فأخذ الفأس فنزع لوحا " . قال : فلم يفجأ ~~موسى إلا وقد قلع لوحا بالقدوم . فقال له موسى : ما صنعت ؟ قوم حملونا بغير ~~نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها " لتغرق أهلها لقد جئت شيئا أمرا ، قال ألم ~~أقل لك إنك لن تستطع معي صبرا ، قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من ~~أمري عسرا " . وكانت الأولى من موسى نسيانا . فلما خرجا من البحر مرا بغلام ~~يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه يقلعه بيده هكذا - وأومأ سفيان بأطراف ~~أصابعه كأنه يقطف شيئا - قال له موسى : " أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت ~~شيئا نكرا ، قال ألم أقل لك إنك لن تستطع معي صبرا ، قال إن سألتك عن شيء ~~بعدها لا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ، فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ~~استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض " ~~PageV13P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" مائلا ، " فأقامه " - أومأ بيده هكذا وأشار ~~سفيان كأنه يمسح شيئا إلى فوق - قال : قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا ~~عمدت إلى حائطهم ، " لو شئت لاتخذت عليه أجرا ، قال : هذا فراق بيني وبينك ~~سأنبئك يتأويل ما لم تستطع عليه صبرا " . قال النبي - ( صلى الله عليه وسلم ~~) " وودنا أن موسى كان صبر فقص علينا من خبرهما " . قال سفيان : قال النبي ~~- ( صلى الله عليه وسلم ) - : " يرحم الله موسى لو كان صبر لقص علينا من ~~أمرهما " . وقرأ ابن عباس - رضي الله عنهما - : " أمامهم ملك يأخذ كل سفينة ~~صالحة غصبا ، وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين " . ثم قال لي ~~سفيان : سمعته منه مرتين وحفظته منه . هذا حديث البخاري عن علي ابن عبد ~~الله عن سفيان عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب ~~؛ وقصتهما في كتاب الله تعالى : " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في ~~البحر فأرت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل ms2530 سفينة غصبا ، وأما الغلام ~~فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا " الآيات ، إلى قوله : " ~~وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا " . وحكى أبو إسحاق ~~الثعلبي - رحمه الله - في قصصه أن الخضر - عليه السلام - اسمه بليا بن ~~ملكان بن فالغ بن عابر بن شالح بن أزفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام . وروى ~~حديثا عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء وإذا هي تهتز تحته خضراء ~~. PageV13P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" وروى عن مجاهد قال : إنما سمي الخضر لأنه ~~حيثما صلى اخضر ما حوله . قال الثعلبي : وكان الخضر في أيام أفريدون الملك ~~على قول عامة أهل الكتب الأول . قال : وقيل إنه كان على مقدمة ذي القرنين ~~الأكبر الذي كان في أيام إبراهيم - عليه السلام - وذلك في أيام مسيره في ~~البلاد ، وأنه بلغ مع ذي القرنين نهر الحياة وشرب من ماءه وهو لا يعلم ولا ~~يعلم ذو القرنين ، فخلد ، وهو حي إلى الآن ؛ والله أعلم . وسنذكر - إن شاء ~~الله تعالى - في السفر الذي يلي هذا السفر خبره في ظفره بماء الحياة في ~~أخبار ذي القرنين ذكر خبر البقرة وقتل عاميل قال أبو إسحاق الثعلبي - رحمه ~~الله تعالى - في تفسيره عن السدي وغيره : إن رجلا كان في بني إسرائيل كان ~~بارا بأبيه ، وبلغ من بره به أن رجلا أتاه بلؤلؤة فابتاعها منه بخمسين ألفا ~~وكان فيها فضل وربح ؛ فقال له البائع : أعطني الثمن . فقال : إن أبي نائم ، ~~ومفتاح الصندوق تحت رأسه ، فأمهلني حتى يستيقظ فأعطيك الثمن . فقال له ~~البائع : أيقظ أباك وأعطني المال . قال : ما كنت لأفعل ولكن أزيدك عشرة ~~آلاف وأنظرني حتى ينتبه . فقال الرجل : أنا أعطيك عشرة آلاف إن أيقظت أباك ~~وعجلت النقد . فقال : أنا أزيدك عشرين ألفا إن انتظرت انتباهه . ففعل ولم ~~يوقظ أباه ؛ فلما استيقظ أبوه أخبره بذلك ، فدعا له وجزاه خيرا ، وقال له : ~~أحسنت يا بني ، وهذه البقرة لك بما ms2531 صنعت . وكانت بقية بقر كانت لهم . قال : ~~وقال ابن عباس ووهب وغيرهما : كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل ، ~~وكان له عجلة ، فأتى بها إلى غيضة وقال : اللهم إني استودعتك هذه العجلة ~~PageV13P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" لابني حتى يكبر . ومات الرجل ، فشبت العجلة ~~في الغيضة وصارت عوانا وكانت تهرب من كل من رامها ؛ فلما كبر الابن - وكان ~~برا بوالدته ، وكان يقسم الليل ثلاثة أثلاث : يصلي ثلثا ، وينام ثلثا ، ~~ويجلس عند رأس أمه ثلثا ؛ فإذا أصبح انطلق واحتطب على ظهره ، ويأتي به ~~السوق فيبيعه بما شاء الله ، ثم يتصدق بثلثه ، ويأكل ثلثه ، ويعطي والدته ~~ثلثه . وحكى الكسائي عن وهب قال : كان في بني إسرائيل عبد صالح ، فمات وترك ~~امرأته حاملا ، فولدت غلاما ، فسمته ميشى ، فكبر ، وكان يحتطب من المواضع ~~المباحة ، وينفق على نفسه وأمه ، وكان كثير العبادة ؛ فلم يزل كذلك حتى كبر ~~وضعف وعجز عن الاحتطاب . قالوا : فقالت له أمه إن أباك ورثك عجلة وذهب بها ~~إلى غيضة كذا واستودعها الله - عز وجل - فانطلق إليها وادع إله إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب أن يردها عليك ، وإن من علامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل ~~إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها - وكانت تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها ~~وصفاء لونها - فأتى الفتى إلى الغيضة ، فرآها ترعى ، فصاح بها وقال : أعزم ~~عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب . فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه ~~، فقبض على عنقها وقادها ، فتكلمت بإذن الله - عز وجل - وقالت : أيها الفتى ~~البار بوالدته اركبني فإن ذلك أهون عليك . فقال إن أمي لم تأمرني من ذلك ، ~~ولكن قالت : خذ بعنقها . فقالت البقرة : وإله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت ~~تقدر علي أبدا ، فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ينقطع من أصله وينطلق معك ~~لفعل ، أبرك بوالدتك . فسار الفتى بها ، فاستقبله عدو الله إبليس في صورة ~~راع وقال : أيها الفتى ، إني رجل من رعاة البقر ، اشتقت إلى أهلي فأخذت ~~ثورا من ثيراني ، فحملت عليه زادي ومتاعي ، حتى إذا بلغت شطر الطريق ذهبت ~~لأقضي حاجتي ms2532 ، فعدى الثور وسط الجبل وما قدرت عليه ، وإني أخشى على نفسي ~~الهلكة ، فإن رأيت أن تحملني على بقرتك . فلم يفعل الفتى وقال له : اذهب ~~فتوكل على الله - عز وجل - فلو علم الله منك الصدق لبلغك بلا زاد ولا راحلة ~~. فقال له إبليس : إن شئت فبعنيها بحكمك ، وإن شئت فاحملني عليها وأعطيك ~~عشرا مثلها . فقال الفتى : إن أمي لم تأمرني بذلك . فبينا الفتى كذلك إذ ~~طار طائر من بين يديه ، فنفرت البقرة PageV13P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" هاربة في الفلاة ، وغاب الراعي ، فدعا الفتى ~~باسم إله إبراهيم ، فرجعت إليه وقالت : أيها الفتى البار بوالدته ، ألم تر ~~إلى الطائر الذي طار ، إنه إبليس عدو الله اختلسني ، أما إنه لو ركبني ما ~~قدرت علي أبدا ، فلما دعوت بإله إبراهيم جاء ملك وانتزعني من يد إبليس ~~وردني إليك لبرك بأمك وطاعتك لها . فجاء بها الفتى إلى أمه ، فقالت له أمه ~~: إنك فقير لا مال لك ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل ، فانطلق ~~فبع هذه البقرة وخذ ثمنها . قال : بكم أبيعها ؟ قالت : بثلاثة دنانير ، ولا ~~تبعها بغير رضاي ومشورتي . فكان ثمن البقرة في ذلك الوقت ثلاثة دنانير ، ~~فانطلق بها الفتى إلى السوق فبعث الله - عز وجل - ملكا ليرى في خلقه قدرته ~~، وليخبر الفتى كيف بره بوالدته ، وكان الله تعالى به خبيرا ؛ فقال له ~~الملك : بكم تبيع هذه البقرة ؟ قال : ثلاثة دنانير ، وأشترط عليك رضا ~~والدتي . فقال له الملك : فأنا أعطيك ستة دنانير ولا تستأمر أمك . فقال ~~الفتى : لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا برضا أمي . فردها إلى أمه ، ~~وأخبرها الخبر ، ارجع فبعها بستة دنانير على رضا مني فانطلق بها إلى السوق ~~، وأتى الملك ، فقال : استأمرت والدتك ؟ فقال الفتى : إنها أمرتني ألا ~~أنقصها عن ستة دنانير على أن أستأمرها . فقال الملك : فإني أعطيك اثني عشر ~~دينارا على ألا تستأمرها . فأبى ورجع إلى أمه فأخبرها بذلك ؛ فقالت : إن ~~ذلك الرجل الذي يأتيك هو ملك من الملائكة يأتيك بصورة آدمي ليختبرك ، فإذا ~~أتاك فقل له : أتأمرنا أن نبيع هذه ms2533 البقرة أم لا ؟ ففعل الفتى ذلك ؛ فقال ~~له الملك : اذهب إلى أمك فقل لها : أمسكي هذه البقرة ، فإن موسى بن عمران ~~يشتريها منكم لقتيل يقتل من بني إسرائيل ، فلا تبيعوها إلا بملء مسكها ~~دنانير . فأمسكوا البقرة ، وقدر الله على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة ~~بعينها مكافأة له على بره بأمه ؛ وذلك أنه وجد قتيل في بني إسرائيل اسمه ~~عاميل ولم يدر قاتله . واختلفوا في قاتله والسبب في قتله ؛ فقال عطاء ~~والسدي : كان في بني إسرائيل رجل كثير المال ، وله ابن عم مسكين لا وارث له ~~غيره ، فلما أبطأ عليه موته قتله ليرثه . قال : وقال بعضهم : كان تحت عاميل ~~بنت عم له تضرب مثلا في بني إسرائيل بالحسن والجمال ، فقتله ابن عمها ~~لينكحها . PageV13P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" وقال الكلبي : قتله ابن أخيه لينكح ابنته ، ~~فلما قتله حمله من قريته إلى قرية أخرى وألقاه هناك . وقيل : ألقاه بين ~~قريتين . وقال عكرمة : كان لبني إسرائيل مسجد له اثنا عشر بابا ، لكل سبط ~~منهم باب ، فوجد قتيل على باب السبط ، وجر إلى باب سبط آخر ، فاختصم ~~السبطان فيه . وقال ابن سيرين : قتله القاتل ثم احتمله فوضعه على باب رجل ~~منهم ، ثم أصبح يطلب بثأره ودمه ويدعيه عليه . قالوا : فجاء أولياء القتيل ~~إلى موسى - عليه السلام - وأتوه بأناس وادعوا عليهم القتل ، وسألوه القصاص ~~؛ فسألهم موسى عن ذلك ، فجحدوا ، فاشتبه أمر القتيل على موسى - عليه السلام ~~- ووقع بينهم خلاف . قال الكلبي : وذلك قبل نزول القسامة في التوراة ، ~~فسألوا موسى - عليه السلام - أن يدعو الله ليبين لهم ذلك ؛ فسأل موسى - ~~عليه السلام - ربه عز وجل ؛ فأمرهم بذبح بقرة ؛ فقال لهم موسى ما أخبر الله ~~تعالى به في قوله : " وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ~~قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين " ، أي تستهزئ بنا ~~حين نسألك عن القتيل وتأمرنا بذبح البقرة ؛ وإنما قالوا ذلك لتباعد ما بين ~~الأمرين في الظاهر ، ولم يدروا ما الحكمة فيه . قال موسى : " أعوذ بالله أن ~~أكون ms2534 من الجاهلين " ، أي من المستهزئين ؛ فلما علم القوم أن ذبح البقرة عزم ~~من الله عز وجل ، سألوه الوصف ، فذلك قوله تعالى : " قالوا ادع لنا ربك ~~يبين لنا ما هي " . قال : ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت ~~عنهم ، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ؛ وإنما كان تشديدهم تقديرا ~~من الله - عز وجل - وحكمة . قال : ومعنى " ادع لنا ربك " ، أي سل ؛ وهكذا ~~في مصحف عبد الله : " سل لنا ربك يبين لنا ما هي وما سنها " . قال موسى : ~~إنه - يعني الله عز وجل - يقول : " إنها PageV13P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" بقرة لا فارض ولا بكر " : لا كبيرة ولا صغيرة ~~" عوان بين ذلك " أي نصف بين السنين . وقال الأخفش : العوان التي نتجت ~~مرارا ، وجمعه عون . " فافعلوا ما تؤمرون " : من ذبح البقرة ، ولا تكرروا ~~القول . " قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول بقرة صفراء ~~فاقع لونها تسر الناظرين " . قال ابن عباس : شديدة الصفرة . وقال قتادة ~~وأبو العالية والربيع : صاف . وقال سعيد بن جبير : صفراء القرنين والظلف . ~~وقال الحسن : سوداء . والعرب تسمي الأسود أصفر . وقال العتبي : غلط من قال ~~: الصفراء هاهنا السوداء ، لأن هذا غلط في نعوت البقر ، وإنما هو من نعوت ~~الإبل ، وذلك أن السود من الإبل يشوب سوادها صفرة . وقال آخر : إن لو أراد ~~السواد لما أكده بالفقوع ، أن الفاقع : البالغ في الصفرة ، كما يقال : أبيض ~~يقق ، وأسود حالك ، وأحمر قانئ ، وأخضر ناضر . " تسر الناظرين " إليها ، ~~ويعجبهم حسنها وصفاء لونها ، لأن العين تسر وتولع بالنظر إلى الشيء الحسن . ~~وقال علي - رضي الله عنه - : من لبس نعلا صفراء قل همه ، لأن الله تعالى ~~يقول : " صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ، قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~هي " أسائمة أم عاملة " إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون " ~~أي إلى وصفها . قال رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - : " وأيم الله لو ~~لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد " . " قال إن يقول إنها بقرة لا ذلول " ~~، أي مذللة للعمل . " تثير ms2535 الأرض " ، أي تقلبها للزراعة " ولا تسقي الحرث ~~مسلمة " أي بريئة من العيوب . PageV13P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" وقال الحسن : مسلمة القوائم ، ليس فيها أثر ~~العمل . " لا شية فيها " ، قال عطاء : لا عيب فيها . وقال قتادة : لا بياض ~~فيها أصلا . وقال مجاهد : لا بياض فيها ولا سواد . وقال محمد بن كعب : لا ~~لون فيها يخالف معظم لونها . فلما قال هذا " قالوا الآن جئت بالحق " ، أي ~~بالوصف البين التام ؛ فطلبوها فلم يجدوا كمال وصفها إلا عند الفتى البار ~~بوالدته ؛ فاشتروها منه بملء مسكها ذهبا . وقال السدي : اشتروها بوزنها عشر ~~مرات ذهبا . وقيل : اشتروها بوزنها مرة ؛ قاله أبو عبيد . وقيل : بوزنها ~~مرتين . وقال الكسائي : إنهم أتوا إلى ميشى في بيع البقرة فقال : لا أبيعها ~~إلا بحضرة موسى . فرضوا بذلك ، وأخرج البقرة إلى موسى ، قال : بكم تبيعها ؟ ~~قال : المساومة بيني وبينك لا خير فيها ، لا أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا . ~~فقال موسى لبني إسرائيل : ذلك لتشديدكم على أنفسكم فشدد الله عليكم . ~~فضمنوا له ذلك ، قال الله تعالى : " فذبحوها وما كادوا يفعلون " من غلاء ~~ثمنها . وقال محمد بن كعب : وما كادوا يجدونها باجتماع أوصافها . وقال ~~الكسائي : بوفاء المال ؛ قال الله تعالى : " وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ~~والله مخرج ما كنتم تكتمون " ، يعني عاميل . فادارأتم : اختلفتم ، قاله ابن ~~عباس ومجاهد . وقال الضحاك : اختصمتم . وقال عبد العزيز بن يحيى : شككتم . ~~وقال الربيع بن أنس : تدافعتم . وأصل الدرء : الدفع ، يعني ألقى هذا على ~~هذا على ذاك ، فدافع كل واحد عن نفسه لقوله تعالى : " ويدرءون بالحسنة ~~PageV13P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" السيئة " ، أي يدفعون . قال الله تعالى : " ~~فقلنا اضربوه ببعضها " يعني القتيل ببعض البقرة . واختلفوا في هذا البعض ما ~~هو . فقال ابن عباس : ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف ، وهو المقبل . وقال ~~الضحاك : بلسانها . قال الحسين بن الفضل : وهذا أولى الأقوال ، لأن المراد ~~كان من إحياء القتيل كلامه ، واللسان آلته . وقال سعيد بن جبير : بعجم ~~ذنبها . قال يمان بن زرياب : وهو أولى التأويلات بالصواب ، لأن العصعص أساس ~~البدن الذي ركب عليه الخلق ، وأن أول ms2536 ما يخلق ، وآخر ما يبلى . وقال مجاهدا ~~: بذنبها . وقال عكرمة والكلبي : بفخذها الأيمن . وقال السدي : بالبضعة ~~التي بين كتفيها . وقيل : بأذنها . فقام القتيل - بإذن الله عز وجل - ~~وأوداجه تشخب دما ، وقال : قتلني فلان . ثم مات وسقط مكانه ؛ قال الله ~~تعالى : " كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون " . قال الكلبي ~~: ثم قالوا بعد ذلك : " لم نقتله حن " وأنكروا ، فلم يكونوا قط أقسى قلبا ~~ول أشد تكذيبا منهم لنبيهم عند ذلك ، ولذلك يقول الله تعالى : " ثم قست ~~قلوبكم من بعد فهي كالحجارة أو أشد قسوة " . قال الكلبي : يبست واشتدت . ~~وقال أبو عبيدة : جفت من الشدة فلم تلن . PageV13P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" وقيل : غلظت . وقيل : اشتدت . وقال الزجاج : ~~تأويل القسوة ذهاب اللين والرحمة والخشوع والخضوع . قوله : " من بعد ذلك " ~~، أي من بعد ظهور الدلالات ، فهي في غلظها وشدتها " كالحجارة أو أشد قسوة " ~~، أي بل أشد قسوة . ثم عدد الله تعالى الحجارة وفضلها على القلب القاسي ، ~~وقال تعالى : " وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق ~~فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله " ، أي ينزل من أعلى الجبل ~~إلى أسفله " وما الله بغافل عما تعلمون " . ذكر بناء بيت المقدس وخبر ~~القربان والتابوت والسكينة وصفة النار وهذا البيت ليس هو البيت المقدس ~~الموجود الآن ، وإنما هو الذي تسميه اليهود : " قبة الزمان " ويزعمون أن ~~ذلك نص التوراة ، وكان من خبر هذه القصة ما رواه الثعلبي بإسناده عن وهب بن ~~منبه قال : أوحى الله تعالى إلى موسى - عليه السلام - أن يتخذ مسجدا ~~لجماعتهم ، وبيت قدس للتوراة ، وتابوتا للسكينة وقبابا للقربان ، وأن يجعل ~~لذلك المسجد سرادقات باطنها وظاهرها من الجلود الملبسة عليها ، وأن تكون ~~تلك الجلود من جلود ذبائح القربان ، وحبالها من أصواف تلك الذبائح ؛ وعهد ~~إليه ألا تغزل تلك الحبال حائض ، ولا يدبغ تلك الجلود جنب ؛ وأمره أن ينصب ~~تلك السرادقات على عمد من نحاس ، طول كل عمود منها أربعون ذراعا ، ويجعل ~~فيها اثني عشر قسما مشرجا ، إذا نقضت صارت اثني ms2537 عشر جزءا ، يحمل كل جزء بما ~~فيه من العمد سبط من الأسباط من بني إسرائيل ؛ وأمره أن يجعل سعة ذلك ~~السرادق ستمائة ذراع ، وأن ينصب فيه سبع قباب ، ست قباب منها مشبكة بقضبان ~~الذهب والفضة ، كل واحدة منهن منصوبة على عمود من فضة طول كل عمود منها ~~أربعون ذراعا ، وعليها أربعة دسوت ثياب ، الباطن منها سندس أخضر ، والثاني ~~أرجوان PageV13P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" أحمر ، والثالث ديباج أصفر ، والرابع من جلود ~~القربان وقاية لها من المطر والغبار ، وحبالها التي تمد بها من صوف القربان ~~، وأن يجعل سعتها أربعين ذراعا ، وأن ينصب في جوفها موائد من فضة مربعة ~~مرصعة يوضع عليها القربان ، سعة كل مائدة منها أربع أذرع ، لا ينال الرجل ~~منها إلا قائما ؛ وأمر أن ينصب بيت المقدس على عمود من ذهب ، طوله سبعون ~~ذراعا ، وأن يضعه على سبيكة من ذهب أحمر طولها تسعون ذراعا ، مرصعة بألوان ~~الجواهر ، وأن يجعل أسفله مشبكا بقضبان الذهب والفضة ، وأن يجعل حباله التي ~~يمد بها من صوف القربان مصبوغة بألوان من أحمر وأصفر وأخضر ؛ وأن يلبسه ~~سبعة من الحلل ، الباطن منها سندس أخضر ، والثاني أرجوان أحمر ، والثالث ~~ديباج أصفر ، والرابع من الحرير الأبيض ، وسائرها من الديباج والوشي ؛ ~~والظاهر غاشية له من جلود القربان وقاية له من الأذى والندى ؛ وأمره أن ~~يجعل سعته سبعين ذراعا ، وأن يفرش القباب بالقز الأحمر ؛ وأمره أن ينصب فيه ~~تابوتا من ذهب كتابوت الميثاق ، مرصعا بأنواع الجواهر والياقوت والزمرد ~~الأخضر ، وقوائمه من الذهب ، وأن يجعل سعته سبع أذرع في أربع أذرع ، وعلوم ~~قامة موسى عليه السلام ، وأن يجعل له أربعة أبواب : باب تدخل منه الملائكة ~~، وباب يدخل منه موسى ، وباب يدخل منه هارون ، وباب يدخل منه أولاد هارون ، ~~وهم سدنة ذلك البيت وخزان التابوت ، وأمر الله نبيه موسى أن يأخذ من كل ~~محتلم من بني إسرائيل مثقالا من الذهب فينفقه على هذا البيت ، وأن يجعل ~~باقي المال الذي يحتاج إليه في ذلك من الحلي والحلل التي ورثها موسى ~~وأصحابه من فرعون وأصحابه ms2538 ؛ ففعل موسى ذلك ، فبلغ عدد رجال بني إسرائيل ~~ستمائة ألف وسبعمائة وخمسين رجلا فأخذ منهم ذلك المال . وأوحى الله تعالى ~~إليه أني منزل عليكم من السماء نارا لا دخان لها ولا تحرق شيئا ، ولا تنطفئ ~~أبدا ، لتأكل القرابين المتقبلة ، وتسرج منها القناديل التي في بيت المقدس ~~، وكانت من ذهب معلقة بسلاسل من ذهب ، منظومة باليواقيت واللآلئ وأنواع ~~الجواهر ؛ وأمره أن يضع في وسط البيت صخرة عظيمة من الرخام ، وينقر فيها ~~PageV13P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" نقرة لتكون كانون تلك النار التي ينزل بها من ~~السماء ؛ فدعا موسى أخاه هارون وقال له : إن الله تعالى قد اصطفاني بنار ~~ينزلها من السماء لتأكل القرابين المقبولة ولتسرج منها القناديل ، وأوصاني ~~بها ، وإني قد اصطفيتك لها وأوصيتك بها . فدعا هارون ابنيه وقال لهما : إن ~~الله تعالى قد اصطفى موسى بأمر وأوصاه به ، وإنه قد اصطفاني له وأوصاني به ~~، وإني قد اصطفيتكما به . وكان أولاد هارون هم الذين يلون سدانة بيت المقدس ~~وأمر القربان والنيران ؛ فشربا ذات ليلة وثملا ، ثم دخلا البيت وأسرجا ~~القناديل من هذه النار التي في الدنيا ، فغضب الله عليهما ، وسلط عليهما ~~تلك النار حتى أحرقتهما ، وموسى وهارون يدفعان عنهما النار فلم يغنيا عنهما ~~من الله شيئا ؛ فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام : هكذا أفعل بمن ~~عصاني ممن يعرفني ، فكيف أفعل بمن لا يعرفني ، والله أعلم . ذكر ما أنعم ~~الله تعالى به على بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر قال الله عز وجل : " وإذ ~~قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ~~ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين " . قال أبو إسحاق الثعلبي : ~~اختلفوا في معنى الملوك ؛ فروى عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " كانت بنو إسرائيل إذا كان ~~لأحدهم خادم وامرأة فهو ملك " . وقال أبو عبد الرحمن الحبلي : سمعت عبد ~~الله بن عمرو بن العاص - وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ - ~~فقال له عبد ms2539 الله : ألك امرأة تأوي إليها ؟ قال : نعم . قال : ألك مسكن ~~تسكنه ؟ قال : نعم . قال : فأنت من الأغنياء . قال : وإن لي خادما . قال : ~~فأنت من الملوك . وقال الضحاك : كانت منازلهم واسعة ، فيها مياه جارية ، ~~فمن كان مسكنه واسعا وفيه ماء جار فهو ملك . وقال قتادة : وكانوا أول من ~~ملك الخدم ، وأول من سخر لهم الخدم من بني آدم . PageV13P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" وقال السدي : يعني وجعلكم أحرارا تملكون ~~أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القبط بمنزلة أهل الجزية ، فأخرجكم الله تعالى ~~من ذلك الذل . " وآتاكم ما لم يؤت أحد من العالمين " ، يعني من عالم زمانكم ~~. وقال مجاهد : يعني المن والسلوى والحجر والغمام . قال : ثم أوحى الله ~~تعالى أن يسير ببني إسرائيل إلى الأرض المقدسة ويجاهد الجبارين ؛ فأخرجهم ~~موسى - عليه السلام - لذلك ، فقال : " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي ~~كتب الله لكم " . قال الثعلبي : اختلفوا في الأرض المقدسة ما هي . فقال ~~مجاهد : هي الطور وما حوله . وقال الضحاك : هي إيلياء وبيت المقدس . وقال ~~عكرمة والسدي وابن يزيد : هي أريحا . وقال الكلبي : دمشق وفلسطين وبعض ~~الأردن . وقال قتادة : الشام كله . قال الكسائي : فلما أخبرهم موسى بذلك ~~قالوا : يا موسى إنك قلت لنا حين أخرجتنا من مصر : إن الله تعالى بعثك ~~لتنقذنا من عذاب فرعون ، والآن فإنك تحملنا على ما هو أشق منه ، وبيننا ~~وبين الأرض المقدسة المفاوز والقفار ، وكيف ندخلها ولا زاد معنا ولا ماء ؟ ~~فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى ، قل لهم : إني منزل عليهم المن والسلوى ، ~~وقد أمرت الحجر أن يتفجر لهم بالماء العذب ، وأمرت الغمام أن PageV13P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" يظلهم ويسير معهم حيث ساروا ؛ وألا تنقب ~~خفافهم ونعالهم ؛ وأمرت ثيابهم أن يلبسها صغيرهم وكبيرهم . فلما سمعوا ذلك ~~طابت نفوسهم ، وساروا نحو الأرض المقدسة والغمام يظلهم في مسيرهم ، والسماء ~~تمطر عليهم بالمن ، والريح بالسلوى ، ويجدون كل ما يحتاجون إليه ، ويضيء ~~لهم بالليل عمود من النور ، وتهب الريح على السلوى فتمعط ريشها فيطبخونها ~~دون تعب ؛ ويقرع موسى - عليه السلام - الحجر فتتفجر لهم اثنا عشرة ms2540 عينا ، ~~تجري كل عين إلى سبط من الأسباط ؛ وثيابهم جدد بيض لا تخلق ، وهم في خفض ~~ودعة . وقال أوب إسحاق الثعلبي ، كان ما أنعم الله تعالى به عليهم أنهم ~~قالوا لموسى في التيه : أهلكتنا وأخرجتنا من العمران إلى مفاوز لا ظل فيها ~~. فأنزل الله تعالى عليهم غمامة بيضاء رقيقة ليست بغمام المطر أرق وأطيب ~~وأبرد ، فأظلتهم وكانت تسير معهم إذا ساروا ، وتدور عليهم من فوقهم إذا ~~داروا ؛ وجعل لهم عمودا من نور يضيء لهم الليل إذا لم يكن ضوء القمر ؛ ~~فقالوا : هذا الظل والنور قد حصلا ، فأين الطعام ؟ فأنزل الله عليهم المن . ~~واختلفوا فيه ؛ فقال مجاهد : هو شيء كالصمغ يقع على الأشجار ، وطعمه كالشهد ~~. وقال الضحاك : هو الطرنجبين . وقال وهب : الخبز الرقاق . وقال السدي : ~~عسل كان يقع في السحر من الليل فيأكلون منه . وقال عكرمة : أنزل الله - عز ~~وجل - عليهم مثل الزيت الغليظ . وقيل : هو الزنجبيل . وقال الزجاج : جملة ~~المن : ما يمن الله عز وجل به مما لا تعب فيه ولا نصب . PageV13P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" فكان ينزل عليهم كل ليلة ويقع على أشجارهم ~~مثل الثلج ، لكل إنسان منهم صاع كل ليلة ؛ فقالوا : يا موسى ، قتلنا هذا ~~المن بحلاوته ، فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم . فدعا موسى عليه السلام ، ~~فأنزل الله - عز وجل - عليهم السلوى . قالوا : واختلفوا فيه ؛ فقال ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - وأكثر المفسرين : هو طائر يشبه السماني . وقال أبو ~~العالية ومقاتل : بعث الله - عز وجل - السحابة فمطرت السماني في عرض ميل ~~وقدر طول رمح في السماء بعضه على بعض . وقال عكرمة : طير يكون بالهند أكبر ~~من العصفور . فكان يأخذ كل واحد منهم ما يكفيه يوما وليلة من المن والسلوى ~~، فإذا كان يوم الجمعة أخذوا ما يكفيهم عن يومين ، لأنه لم ينزل عليهم يوم ~~السبت ، فذلك قوله تعالى : " وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم " ولا تدخروا لغد . فجنوا لغد فقطع الله ذلك عنهم ، ودود وفسد ما ~~ادخروا ، فذلك قوله تعالى : " وما ظلمونا " معناه وما ضرونا بالمعصية ms2541 " ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول ~~الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - أنه قال : لولا بنو إسرائيل لم يخثر ~~الطعام ، ولم يخبث اللحم ، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها . ثم قالوا : يا ~~موسى ، من أين لنا الشراب ؟ فاستسقى لهم موسى ؛ فأوحى الله تعالى إليه : أن ~~أضرب بعصاك الحجر . قال الثعلبي : واختلف العلماء في الحجر ؛ فقال وهب : ~~كان موسى - عليه السلام - يقرع لهم أقرب حجر من عرض الحجارة فيتفجر عيونا ، ~~لكل سبط عين ، وكانوا اثني عشر سبطا ، ثن تسيل كل عين في جدول إلى سبط ؛ ~~فقالوا : إن فقد موسى عصاه متنا عطشا . فأوحى الله إليه : لا تقرعن الحجارة ~~بالعصا ولكن كلمها تطعك لعلهم يعتبرون . فكان يفعل ذلك . فقالوا : كيف بنا ~~لو مضينا إلى الرمل وإلى الأرض التي ليس فيها حجارة ؟ فأمر موسى فحمل معه ~~حجرا ، فحيثما نزل ألقاه . PageV13P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" وقال آخرون : كان حجرا مخصوصا بعينه ، ~~والدليل عليه قوله : الحجر فأدخل الألف واللام للتعريف والتخصيص ؛ وأمر أن ~~يحمله ، فكان موسى عليه السلام يضعه في مخلاته ، وإذا احتاجوا للماء أخرجه ~~وضربه بعصاه وسقاهم . وقال أبو روق : كان الحجر من الغضار ، وكلن فيه اثنتا ~~عشر حفرة ينبع من كل حفرة ماء عذب ، فيأخذونه ، فإذا فرغوا وأراد موسى حمله ~~ضربه بعصاه ؛ فيذهب الماء ؛ فكان كل يوم يستقي منه ستمائة ألف . وقال سعيد ~~بن جبير : هو الحجر الذي وضع موسى عليه ثوبه لغسله ففر بثوبه ؛ فلما وقف ~~أتاه جبريل فقال : يا موسى ، إن الله تعالى يقول لك : ارفع هذا الحجر فإن ~~لي فيه قدرة ، ولك فيه معجزة . وقد تقدم ذكر خبر الحجر . وورد أيضا في صحيح ~~البخاري نحو ما تقدم . قال أبو إسحاق الثعلبي : وكان مما أنعم الله تعالى ~~به على بني إسرائيل أنهم قالوا لموسى عليه السلام : من أين لنا اللباس ؟ ~~فخلد الله تعالى ثيابهم الني عليهم حتى إنها لا تزيد على الأيام ومرورها ~~إلا جدة وطراوة ، ولا تخلق ولا تبلى ، وتنمو على صبيانهم كما ينمون . قال ms2542 : ~~ثم سئم بنو إسرائيل المن والسلوى ، فقالوا ما أخبر الله تعالى به عنهم : " ~~وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ~~الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها " . واختلف في الفوم ما هو ؟ ~~فقال ابن عباس : هو الخبز ، تقول العرب : فوموا لنا ، أي اختبزوا . وقال ~~عطاء وأبو مالك : هو الحنطة ، وهي لغة قديمة . وقال العتبي : هو الحبوب ~~كلها . وقال الكلبي والنضر بن شميل والكسائي والمؤرج : هو الثوم . ~~PageV13P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" فقال لهم موسى عند ذلك : " أتستبدلون الذي هو ~~أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم " . قالوا : مصرا من ~~الأمصار ، ولذلك نونه ؛ ولو أراد مصر بعينها لقال : مصر ولم يصرفه ، كقوله ~~تعالى : " ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين " . وقال الضحاك : هي مصر فرعون . ~~واليهود يزعمون أن موسى - عليه السلام - وبني إسرائيل حرم عليهم بنص ~~التوراة الدخول إلى مصر حين خرجوا منها عند اتباع فرعون لهم وغرقه ، وأنهم ~~لم يدخلوها بعد ذلك . والله أعلم . ولنرجع إلى أخبار النقباء وقتال ~~الجبارين . ذكر خبر النقباء ومسيرهم إلى أريحا ، وقصة عوج بن عوق وخبر ~~التيه قال الله عز وجل : " ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم ~~اثني عشر نقيبا " . قال الثعلبي : وذلك أن الله تعالى وعد موسى - عليه ~~السلام - أن يورثه وقومه الأرض المقدسة ، وهي الشام ، وكان يسكنها ~~الكنعانيون الجبارون ووعدهم أن يهلكهم ويجعل أرض الشام مسكن بني إسرائيل ؛ ~~فلما استقرت ببني إسرائيل الدار بمصر أمرهم الله تعالى بالمسير إلى أريحا . ~~" هكذا قال الثعلبي : بمصر " . واليهود تنكر ذلك ، ويقولون : إن نص التوراة ~~عندهم أن الله تعالى لما أغرق فرعون وقومه ونجى موسى وبني إسرائيل ، تنقلوا ~~من مكان إلى آخر . ويذكرون أسماء الأماكن بالعبرانية - وليست تعرف الآن - ~~وكان في خلال مسيرهم خبر التيه ، وكل ما تقدم ذكره من الأخبار يزعمون أنه ~~في التيه ؛ والله أعلم . نعود إلى سياق الثعلبي . PageV13P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" قال : فأمرهم الله تعالى بالمسير إلى أريحا ~~وأرض الشام ، وهي الأرض المقدسة ms2543 وقال : يا موسى ، إني قد كتبتها لكم دارا ~~وقرارا ، فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو ، فإني ناصركم عليهم ، وخذ من ~~قومك اثني عشر نقيبا ، من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء منهم ~~على ما أمروا به . فاختار موسى - عليه السلام - النقباء . قال : " وهذه ~~أسماؤهم ؛ " من سبط روبيل شامل بن زكور . ومن سبط شمعون سافاط بن حري . ومن ~~سبط يهوذا كالب بن يوقنا . ومن سبط أبين حامل بن بكر ابن سورا . ومن سبط ~~افرايم يوشع بن نون . ومن سبط بنيامين قلطم بن رقوق . ومن سبط زبولون خدي ~~بن سوري . ومن سبط يوسف وهو سبط منشي بن يوسف حنا بن وقشي . ومن سبط دان ~~جملائيل بن حمل . ومن سبط لاوي حولي بن مليكا " . قال : فسار موسى ببني ~~إسرائيل حتى إذا دنوا من أرض كنعان - وهي أريحا - بعث هؤلاء النقباء إليها ~~يتجسسون له الأخبار ويعلمون علمها ؛ فلقيهم رجل من الجبارين يقال له : عوج ~~بن عوق ، وكان طوله ثلاثة آلاف وعشرين ألف ذراع وثلاثمائة ذراع وثلاثا ~~وثلاثين ذراعا . قال ابن عمر - رضي الله عنهما - : وكان عوج يحتجز بالسحاب ~~ويشرب منه ، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ، ~~ثم يأكله . ويروى أنه أتى نوحا - عليه السلام - يوم الطوفان فقال له : ~~احملني معك في السفينة . فقال له : اذهب يا عدو الله فإني لم أؤمر بك ؛ ~~وطبق الماء ما على وجه الأرض من سهل وجبل فما جاوز ركبتي عوج . وعاش ثلاثة ~~آلاف سنة حتى أهلكه الله على يد موسى . قال : وكان لموسى عسكر فرسخ في فرسخ ~~، فجاء عوج حتى نظر إليهم ، ثم جاء إلى الجبل وقور منه صخرة على قدر العسكر ~~، ثم حملها ليطبقها على العسكر ، فبعث الله عليه الهدهد ومعه الطيور ، ~~وجعلت تنقر بمناقيرها حتى قورت الصخرة وانثقبت حتى وقعت في عنق عوج ، ~~فطوقته وصرعته ، فأقبل موسى وطوله عشر أذرع PageV13P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" وطول عصاه عشر أذرع ، ونزا في السماء عشر ~~أذرع ، فما أصاب إلا كعبه وهو مصروع بالأرض فقتله ms2544 . قالوا : وأقبلت جماعة ~~كثيرة ومعهم الخناجر حتى حزوا رأسه ؛ فلما قتل وقع على نيل مصر فسكره سنة . ~~قالوا : وكانت أم عوج يقال لها : عناق ، وهي إحدى بنات آدم لصلبه . ويقال : ~~إنها كانت أول من بغت على وجه الأرض ، وكان كل إصبع من أصابعها ثلاث أذرع ~~في ذراعين ، في كل إصبع ظفران حادان مثل المنجلين ، وكان موضع مقعدها جريب ~~من الأرض ، فلما بغت بعث الله تعالى إليها أسودا كالفيلة وذئابا كالإبل ، ~~ونسورا كالحمر ، وسلطها عليها فقتلوها وأكلوها . قالوا : فلما لقي عوج ~~النقباء لقيهم وعلى رأسه حزمة حطب ، فأخذهم وجلهم في حزمته ، وانطلق بهم ~~إلى امرأته ، وقال : انظري إلى هؤلاء الذين يريدون قتالنا . فطرحهم بين ~~يديها وقال : ألا أطحنهم برجلي ؟ قالت امرأته : لا ، بل خل عنهم حتى يخبروا ~~قومهم بما رأوا . ففعل ؛ وجعلوا يتعرفون أحوالهم . وكان لا يحمل عنقود ~~عنبهم إلا خمسة أنفس بينهم في خيشة ، ويدخل في قشر شطر الرمانة إذا نزع ~~حبها خمسة أنفس . قال : فلما خرج النقباء قال بعضهم لبعض : يا قوم إنكم إن ~~أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدوا عن نبي الله ، ولكن اكتموا وأخبروا ~~موسى وهارون فيكونا هما يريان رأيهما . فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ؛ ~~ثم انصرفوا إلى موسى - عليه السلام - وجاءوا بحبة من عنبهم وقر رجل ، ثم ~~إنهم نكثوا العهد ، وجعل كل واحد منهم ينهى سبطه عن قتالهم ، ويخبرهم بما ~~رأى ، إلا يوشع وكالب . قال : فلما سمع القوم ذلك من النقباء رفعوا أصواتهم ~~بالبكاء وقالوا : يا ليتنا متنا في أرض مصر ، وليتنا نموت في هذه البرية ~~ولا يدخلنا الله أرضهم ، فتكون نساؤنا وأولادنا وأموالنا غنيمة لهم . ~~PageV13P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" وجعل الرجل يقول لأصحابه : تعالوا نجعل علينا ~~رأسا وننصرف إلى مصر ؛ فذلك قوله تعالى إخبارا عنهم : " يا موسى إن فيها ~~قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون " ~~. فلما قالوا ذلك وهموا بالانصراف إلى مصر ، خر موسى وهارون - عليهما ~~السلام - سجدا ، وخرق يوشع وكالب ثيابهما ، وهما اللذان أخبر الله تعالى ~~عنهما ms2545 بقوله : " قال رجلان من اللذين يخافون أنعم الله عليهما " ، أي ~~يخافون الله . وقرأ سعيد بن جبير " يخافون " بضم الياء . قال : كانا من ~~الجبارين ، فأسلما واتبعا موسى . : أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب ~~فإذ دخلتموه فإنكم غالبون " ، لأن الله تعالى منجز وعده ، وإنا أتيناهم ~~فكانت أجسامهم عظيمة قوية ، وقلوبهم ضعيفة ، فلا تخشوهم ، وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنت مؤمنين . فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة ، وقالوا ~~: يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها ~~هنا قاعدون . فلما قالوا ذلك غضب موسى وقال : رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ~~فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين . وكانت عجلة عجلها موسى - عليه السلام - ~~فظهر الغمام على قبة الزمان ، وأوحى الله تعالى إلى موسى : إلى متى يعصيني ~~هذا الشعب ، وإلى متى لا يصدقون بالآيات ؟ لأقتلنهم جميعا ، ولأجعلن بدلهم ~~شعبا أشد وأكثر منهم . قال موسى : إلهي لو أنك قتلت هذا الشعب كله كرجل ~~واحد قالت الأمم الذين سمعوا : إنما قتل هذا الشعب من أجل أنه لم يستطع أن ~~يدخلهم الأرض المقدسة ، فقتلهم في البرية ، وإنك طويل صبرك ، كثيرة نعمك ، ~~وأنت تغفر الذنوب ، وتحفظ الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء ، فاغفر لهم ~~ولا توبقهم . قال الله تعالى : قد غفرت لهم بكلمتك ، ولكن بعدما سميتهم ~~فاسقين ودعوت عليهم ، لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب ~~ولآتيهنهم في هذه البرية أربعين سنة ، ولتلقين جيفهم في هذه القفار ؛ وأما ~~بنوهم الذين لم يعملوا الخير والشر فإنهم يدخلون الأرض المقدسة ، فذلك قوله ~~تعالى : " قال فإنها محرمة PageV13P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض " في ستة ~~فراسخ ، يسيرون كل يوم جادين ، حتى إذا سئموا وأمسوا ، فإذا هم في الموضع ~~الذي ارتحلوا منه وكانوا ستمائة ألف مقاتل ، مات النقباء العشرة الذين ~~أفشوا الخبر بغتة ، وكل من دخل التيه ممن جاوز عشرين سنة مات في التيه غير ~~يوشع وكالب ، ولم يدخل أريحا أحد ممن قال : إنا لن ندخلها أبدا . فلما ~~هلكوا وانقضت أربعون سنة ، ونشأت ms2546 النواشئ من ذراريهم ، ساروا إلى حرب ~~الجبارين ، فذلك قوله تعالى : " فلا تأس على القوم الفاسقين " . والله ~~المعين . ذكر مسير موسى - عليه السلام - وبني إسرائيل لحرب الجبارين ~~ودخولهم القرية قال الله تعالى : " وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها ~~حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم من خطاياكم وسنزيد ~~المحسنين " . اختلف المفسرون في القرية : قال ابن عباس : هي أريحا ، وهي ~~قرية الجبارين ، وكان فيها بقية من عاد يقال لهم : العمالقة . وقيل : هي ~~بلقاء . وقال ابن كيسان : هي الشام . وقال الضحاك : الرملة والأردن وفلسطين ~~وتدمر . وقال مجاهد : بيت المقدس . وقال مقاتل : إيلياء . وقوله : رغدا ، ~~أي موسعا عليكم . والباب : باب من أبواب القرية ، وكان لها سبعة أبواب . ~~PageV13P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" وقال مجاهد : هو باب في بيت المقدس ويعرف إلى ~~اليوم بباب حطة . وقيل : هو باب القبة التي كان موسى يصلي إليها . وعن ~~مجاهد أيضا : أنه باب في الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى كالفرضة . ~~وقوله : سجدا ، أي منحنين متواضعين . وقال وهب : قيل لهم : ادخلوا الباب ~~فإذا دخلتموه فاسجدوا شكرا لله عز وجل ، وذلك أن موسى - عليه السلام - لما ~~انقضت مدة التيه سار بالأبناء إلى القرية ودخلها ، ودخل المؤمنون سجدا كما ~~أمرهم الله تعالى . وقوله : " وقولوا حطة " ، قال قتادة : حطت عنا خطايانا ~~، أمروا بالاستغفار . قال ابن عباس : يعني لا إله إلا الله ، لأنها تحط ~~الذنوب . " فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم " . قال مجاهد : طؤطئ ~~لهم الباب ليخفضوا رءوسهم ، فلم يخفضوا ولم يركعوا ولك يسجدوا ، ودخلوا ~~يزحفون على أستاههم ، وقالوا قولا غير الذي قيل لهم ، ذلك أنهم أمروا أن ~~يقولوا : حطة ؛ فقالوا : " هطا سمعاثا " ، يعنون حنطة سمراء استخفافا بأمر ~~الله تعالى ؛ قال الله تعالى : " فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء ~~بما كانوا يفسقون " ، وذلك أن الله تعالى أرسل عليهم ظلمة وطاعونا فهلك ~~منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا . قال الكسائي : وغلب موسى على مدينة أريحا ~~، وهرب من كان بها من الجبارين . وقيل : إنما دخل موسى الآن أرض كنعان ms2547 ، ~~وإن مدينة أريحا فتحها يوشع بن نون بعد وفاة موسى - عليه السلام - على ما ~~نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار يوشع . PageV13P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" ذكر خبر مدينة بلقاء وخبر بلعم بن باعورا وما ~~يتصل بذلك قالوا : ولما دخل موسى ببني إسرائيل أرض كنعان ، سار منها يريد ~~مدينة بلقاء . قال مقاتل : سميت بلقاء لأن ملكها كان يقال له : بالق ، وكان ~~بها بلعم بن باعورا ، وهو الذي أنزل الله تعالى فيه : " واتلوا عليهم نبأ ~~الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين " الآيات . ~~وقيل : نزلت الآيات في غيره - على ما نذكره إن شاء الله تعالى آخر القصة - ~~. واختلف أيضا في اسمه ونسبه . فقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : هو بلعم ~~بن باعورا . وقال ابن مسعد - رضي الله عنه - : بلعم بن ابر . وقال مجاهد : ~~بلعام بن باعر . وقال الثعلبي : قال أكثر المفسرين : هو بلعام بن باعورا بن ~~أيدن بن مأرب ابن لوط ، وكان من الكنعانيين . وقال عطية عن ابن عباس : هو ~~من بني إسرائيل . وقال علي بن أبي طلحة عنه : هو من الكنعانيين من مدينة ~~الجبارين . وقال مقاتل : هو من مدينة بلقاء . قالوا : فلما أقبل موسى ببني ~~إسرائيل إلى مدينة بلقاء ، كان أهلها يعبدون الأصنام ، فلما بلغ الملك مسير ~~موسى - عليه السلام - إليه استشار أكابر دولته ، فقالوا له : إن فرعون لم ~~يطقه مع كثرة جنوده ، فأنت أولى ألا تطيقه ، غير أن ها هنا رجلا يعرف ~~ببلعام مجاب الدعوة ، التمس منه أن يدعو عليهم ليكفيك ربك أمر موسى . فبعث ~~الملك إليه وأحضره وتحدث معه في أمر موسى ؛ فقال : حتى أستأذن ربي . ودخل ~~بلعم مصلاه واستأذن في الخروج ، فأوحى إليه إن هذا العسكر هم بنو إسرائيل ، ~~PageV13P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" وعليهم موسى رسولي ، ولا تخرج إليهم . فقال ~~بلعم لرسل الملك : إن ربي قد منعني من ذلك ، فانصرفوا وعرفوا الملك . وكان ~~لبلعم امرأة ، فأهدى لها الملك هدية نفيسة ، وسألها أن تكلم زوجها في ~~التوجه مع الملك ؛ فسألته ؛ فقال : قد استأذنت ربي فنهاني . فلم ms2548 تزل به حتى ~~استأذن الله ثانيا ؛ فأوحى الله إليه : إني نهيتك عن ذلك ، والآن قد جعلت ~~الأمر إليك . فطابت نفسه بالخروج مع الملك . حكاه الكسائي . وقال الثعلبي ~~في تفسيره ، وعزاه إلى ابن عباس وابن إسحاق والسدي وغيرهم : إن موسى - عليه ~~السلام - لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض كنعان من أرض الشام ، أتى قوم ~~بلعام - وكان عنده اسم الله الأعظم - فقالوا : إن موسى رجل حديد ، ومعه ~~جنود كثيرة ، وإنه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل ، ~~وإن قومك وبنو عمك ، وليس لنا منزل ، وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج وادع الله ~~أن يرد عنا موسى وقومه . فقال : ويلكم هو نبي الله ومعه الملائكة والمؤمنين ~~، كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم ؟ وإني إن فعلت ذلك ذهبت دنياي ~~وآخرتي فراجعوه في ذلك ، فقالوا : حتى أؤامر ربي . - وكان لا يدعو حتى ينظر ~~ما يؤمر به في المنام - فأمر في الدعاء عليهم ، فقيل له في المنام : لا تدع ~~عليهم . فقال لقومه : إني قد نهيت عن الدعاء عليهم فأهدوا إليه هدية فقبلها ~~، ثم راجعوه في الدعاء عليهم ، فقال : حتى أؤامر . فآمر فلم يجر إليه شيء ~~فقال : قد آمرت فلم يجر إلي شيء . فقالوا : لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك ~~كما نهاك في المرة الأولى . فلم يزالوا به يرفقونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه ~~فافتتن ؛ فركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال له ~~: " حبان " ؛ فلما سار عليها غير كثير ربضت ، فنزل عنها فضربها ، حتى إذا ~~آلمها قامت ، فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت ، فنزل عنها وضربها حتى إذ ~~آلمها إذن لها بالكلام ، فتكلمت حجة عليه ، فقالت : ويحك يا بلعم ، أين ~~تذهب ؟ ألا ترى الملائكة أمامي يردونني عن وجهي هذا ؟ تذهب إلى نبي الله ~~والمؤمنين تدعو عليهم ؟ فلم ينزع عنها ؛ فخلى الله سبيلها ؛ فانطلقت حتى ~~إذا أشرفت به على جبل " حبان " جعل يدعوا عليهم ، فلا يدعو بشر إلا صرف به ~~لسانه إلى قومه ؛ ولا يدعو لقومه بخير إلا ms2549 صرف لسانه إلى بني إسرائيل ؛ ~~فقال قومه : يا بلعم أتدري ما تصنع ؟ إنما تدعو لهم PageV13P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" وتدعو علينا . قال : فهذا ما لا أملك . ~~واندلع لسانه فوقع على صدره ، فقال لهم : قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة ~~، ولم يبق إلا المكر والحيلة ، فسأمكر لكم وأحتال ، جملوا النساء وزينوهن ~~وأعطوهن السلع ، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه ، ومروهن فلا تمنع امرأة ~~نفسها من رجل أرادها ؛ فإنهم إن زنى منهم رجل واحد كفيتموهم . ففعلوا ؛ ~~فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كستى بنت صعور برجل ~~من عظماء بني إسرائيل يقال له : زمزي بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام - فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها ~~؛ ثم أقبل حتى وقف على موسى فقال له : إني أظنك ستقول : هذه حرام عليك . ~~قال موسى : أجل ، هي حرام عليك ، لا تقربها . قال : فوالله لا نطيعك في هذا ~~. ثم دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله فأرسل الله تعالى الطاعون على بني ~~إسرائيل في الوقت ؛ وكان فنحاص بن العيزار ابن هارون صاحب أمر موسى رجلا قد ~~أعطى بسطة في الخلق وقوة البطش وكان غائبا حين زمزي بن شلوم ما صنع ، فجاء ~~والطاعون يجوس في بني إسرائيل فأخبر الخبر ، فأخذ حربته ، وكانت كلها من ~~حديد ، ثم دخل عليهما القبة وهما مضطجعان فنظمهما بحربته ، ثم خرج بهما ~~رافعا حربته إلى لحيته - وكان بكر العيزار - وجعل يقول : اللهم هكذا تفعل ~~بمن يعصيك ؛ ورفع الطاعون ، فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون - فيما ~~بين أن أصاب المرأة إلى أن قتله فنحاص - فوجدوه وقد أهلك منهم سبعين ألفا ~~في ساعة واحدة من النهار . قال : فمن هناك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من ~~كل ذبيحة ذبحوها الخاصرة والذراع واللحية ، لاعتماده بالحربة على خاصرته ، ~~وأخذه إياها بذراعه ، وإسناده إياها إلى لحيته ، والبكر من كل أموالهم ~~وأنفسهم ، لأنه كان بكر العيزار بن هارون . PageV13P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" قال الثعلبي أيضا : وقال مقاتل : إن ملك ~~البلقاء ms2550 قال لبلعام : ادع الله على موسى . فقال : إنه من أهل ديني فلا أدعو ~~عليه . فنحت الملك خشبة ليصلبه فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليه ، ~~فلما علين عسكرهم قامت به الأتان وقد وقفت ، فقالت : لم تضربني وأنا مأمورة ~~؟ فلا تظلمني ، وهذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي . فرجع فأخبر الملك ؛ ~~فقال : لتدعون عليه أو لأصلبنك . فدعا على موسى باسم الله الأعظم ألا يدخل ~~المدينة ، فاستجيب له ، ووقع موسى في التيه بدعائه ، فقال موسى : يا رب بأي ~~ذنب وقعنا في التيه . فقال : بدعاء بلعام . قال : رب بما سمعت دعاءه على ~~فاسمع دعائي عليه . فدعا موسى أن ينزع منه الاسم الأعظم والإيمان . فسلخه ~~الله مما كان عليه ، ونزع منه المعرفة ، فخرجت كحمامة بيضاء ، فذلك قوله عز ~~وجل " فانسلخ منها " . وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد المسيب وأبو ~~روق وزيد بن أسلم : نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت ، وكانت قصته أن ~~كان في ابتداء أمره قد قرأ الكتب وعلم أن الله عز وجل مرسل رسولا في ذلك ~~الوقت ، ورجا أن يكون هو ذلك الرسول ، فلما أرسل الله تعالى محمدا - ( صلى ~~الله عليه وسلم ) - حسده وكان قد قصد بعض الملوك ، فلما رجع مر بقتلى بدر ، ~~فسأل عنهم ؛ فقيل : قتلهم محمد . فقال : لو كان نبيا ما قتل أقرباءه . فلما ~~مات أتت أخته فارعة رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - فسألها رسول الله ~~- ( صلى الله عليه وسلم ) - عن وفاة أخيها ؛ فقالت : بينا هو راقد أتاه ~~اثنان فكشفا سقف البيت ونزلا ، فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه ، ~~فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه : أوعي ؟ قال : وعي . قال : أزكا . قال ~~: أبى . قالت : فسألته عن ذلك ؟ فقال : خير أريد بي فصرف عني . ثم عشي عليه ~~، فلما أفاق قال : كل عيش وإن تطاول دهرا . . . صائر أمره إلى أن يزولا ~~ليتني كنت قبل ما قد بدا لي . . . في قلال الجبال أرعى الوعولا ~~PageV13P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" إن يوم الحساب يوم عظيم . . . شاب فيه الصغير ms2551 ~~يوما ثقيلا ثم قال لها رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - أنشديني من ~~شعر أخيك . فأنشدته : لك الحمد والنعماء والفضل ربنا . . . ولا شيء أعلى ~~منك جدا وأمجد مليك على عرش السماء مهيمن . . . لعزته تعنو الوجوه وتسجد ~~وهي قصيدة طويلة ، حتى أتت على آخرها . وأنشدته قصيدته التي يقول فيها : ~~عند ذي العرش تعرضون عليه . . . يعلم الجهر والسرار الخفيا يوم تأتي الرحمن ~~وهو رحيم . . . إنه كان وعده مأتيا يوم آتيه مثل ما قال فرداثم لا أدر ~~راشدا أم غويا أسعيدا إسعاده أنا أرجو . . . أو مهانا بما اكستبت شقيا إن ~~أؤاخذ بما اجترمت فإني . . . سوف ألقى من العذاب فريا رب إن تعف فالمعافاة ~~ظني . . . أو تعاقب فلم تعاقب بريا فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: آمن شعره وكفر قلبه ، وأنزل الله تعالى فيه : " واتل عليهم نبأ الذي ~~آتيناه آياتنا فانسلخ منها " الآيات . ومنهم من قال : إن الآيات نزلت في ~~آلبسوس ، وكان رجلا أعطي ثلاث دعوات مستجابة ، وكانت له امرأة ، وكان له ~~منها ولد ، فقالت : اجعل لي منها دعوة واحدة . فقال : لك فيها دعوة ، فما ~~تريدين ؟ قالت : ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل . فدعا لها ~~، فصارت أجمل امرأة في بني إسرائيل ؛ فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت ~~عنه ، فغضب ودعا عليها ، فصارت كلبة نباحة ، فحاء بنوها وقالوا : ليس لنا ~~على هذا قرار ، قد صارت أمنا كلبة نباحة والناس يعيروننا بها ، فادع الله ~~أن PageV13P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" يردها إلى الحال التي كانت عليها . فدعا الله ~~تعالى ، فعادت كما كانت ، فذهبت فيها الدعوات الثلاث . وقال أبو سعيد : ~~نزلت في أبي عامر بن نعمان بن صيفي الراهب الذي سماه رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : الفاسق ، وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح وقدم المدينة ~~، فقال للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ما هذا الذي جئت به ؟ فقال : جئت ~~بالحنيفية دين إبراهيم . قال : فأنا عليها . فقال له النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : لست عليها ، ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها . ثم خرج إلى ms2552 كفار قريش ~~. وأخباره تذكر - إن شاء الله - في سيرة سيدنا رسول الله - ( صلى الله عليه ~~وسلم ) - . فهذا ما قيل في تفسير هذه الآية . قال الكسائي : ونادى موسى في ~~قومه بعد رفع الطاعون عنهم : " أن احملوا " فحملوا واقتتلوا ، فقتل الملك ~~وبلعم ، وانهزم الباقون ، وغنم بنو إسرائيل من النساء والولدان شيئا كثيرا ~~. والله تعالى أعلم بالصواب . ذكر خبر وفاة هارون عليه السلام قال الكسائي ~~: - وذكر وفاة هارون إثر خبر البقرة وقتل عاميل - قال : لما كان بعد قتل ~~عاميل نظر هارون إلى جبل في التيه بعيد من العسكر ، فقال : يا موسى ، ألا ~~نمضي إلى ذلك الجبل فننظر إلى خضرته ونضارته . فمضيا من الغد ومعهما أولاد ~~هارون ، فأتوه فإذا هو جبل كثير المياه والعشب والكهوف وفيه كهف واسع يسطع ~~نورا ، فدخلوه وإذا هم بسرير من ذهب عليه أنواع من الفرش ، فصعد هارون إليه ~~ونام ، فجاء طوله ، فهم أن ينزل ، فأتاه ملك الموت في صورة شاب حسن ، فقبض ~~روحه ، وغسلته الملائكة ، وصلى موسى عليه ، وسدوا باب الكهف ، وعاد موسى ~~إلى بني إسرائيل ، فسألوه عن هارون ، فأخبرهم بوفاته قالوا : بل قتلته . ~~فقال : ماذا لقيت منكم يا سفهاء بني إسرائيل ، أقتل أخي وشقيقي ؟ ثم دعا ~~ربه أن يريهم إياه على صورته . فأمر الله تعالى الملائكة أن يخرجوا سريره ~~من الكهف ، فأخرجوه وحملوه في الهواء حتى نظرت إليه بنو إسرائيل ، ثم نادت ~~الملائكة : يا بني إسرائيل ، هذا سرير هارون قد قبضه الله تعالى إليه . ~~PageV13P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" وقال أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره في وفاة ~~هارون - عليه السلام - قال السدي : أوحى الله تعالى إلى موسى - عليه السلام ~~- أني متوفي هارون ، فأت به جبل كذا وكذا ، فانطلق موسى وهارون - عليهما ~~السلام - نحو ذلك الجبل فإذا هما بشجرة مثلها ، وإذا بيت مبنى ، وفيه سرير ~~عليه فراش وإذا فيه ريح طيبة ، فلما نظر هارون إلى ذلك أعجبه وقال : يا ~~موسى ، إني أحب أن أنام على هذا السرير . قال : نم عليه . قال : إني أخاف ~~أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي . قال ms2553 موسى : لا ترهب ، أنا أكفيك رب هذا ~~البيت فنم . قال : يا موسى ، بل نم معي ، فإن جاء رب البيت غضب علي وعليك ~~جميعا . فلما ناما أخذ هارون الموت ، فلما وجد حسه قال : يا موسى خدعتني . ~~فلما قبض - عليه السلام - رفع ذلك البيت ، وذهبت تلك الشجرة ، ورفع السرير ~~به إلى السماء ، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون ، قالوا : ~~إن موسى قتل هارون وحسده لحب بني إسرائيل له . فلما أكثروا عليه قام فصلى ~~ركعتين ، ثم دعا الله تعالى ، فنزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء ~~والأرض ؛ فصدقوه . وقال الثعلبي أيضا . وقال عمرو بن ميمون : مات هارون - ~~عليه السلام - في التيه ، ومات قبل موسى ، وكانا خرجا في التيه إلى بعض ~~الكهوف ، فمات هارون ، فدفنه موسى ، وانصرف إلى بني إسرائيل ، فقالوا : ما ~~فعل هارون ؟ قال : مات . قالوا : كذبت ، ولكنك قتلته لحبنا إياه - وكان ~~محببا في بني إسرائيل - فتضرع موسى إلى الله تعالى وشكا ما لقي من بني ~~إسرائيل ؛ فأوحى الله إليه : أن انطلق بهم إلى قبره ، فإني باعثه حتى ~~يخبرهم أنه مات موتا وأنك لم تقتله . فانطلق بهم موسى إلى قبره ، فنادى : ~~يا هارون . فخرج من قبره ينفض رأسه ؛ فقال : أنا قاتلك ؟ قال : لا ، ولكني ~~مت . قال : فعد إلى مضجعك . فعاد - عليه السلام - وانصرفوا . ذكر وفاة موسى ~~بن عمران عليه الصلاة والسلام قال أبو إسحاق الثعلبي - رحمه الله - قال ابن ~~إسحاق : كان موسى - عليه السلام - قد كره الموت وأعظمه ، فأراد الله تعالى ~~أن يجيب له الموت ويكره إليه الحياة ؛ وكان يوشع بن نون يغدو عليه ويروح ، ~~فيقول له موسى : يا نبي الله ما أحدث الله إليك . فيقول له يوشع : يا نبي ~~الله ، ألم أصحبك كذا وكذا سنة ، فهل كنت أسألك عن شيء PageV13P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" مما أحدث الله إليك حتى تكون أنت تبتدئ به ~~وتذكره ؟ ولا يذكر له شيئا . فلما رأى موسى ذلك كره الحياة وأحب الموت . ~~وعن وهب أنه قال - وذكر من كرامة موسى عليه السلام - أنه ضاق ببني إسرائيل ms2554 ~~ذرعا لما كثروا عليه ؛ فأوحى الله تعالى إلى ألف نبي أن يكونوا أعوانا له ؛ ~~فلما مال الناس إليهم وجد موسى في نفسه ، فأماتهم الله تعالى لكرامته في ~~يوم واحد . والذي صح لنا من خبر وفاة موسى - عليه السلام - ما ثبت في صحيح ~~البخاري وهو ما حدثنا به الشيخان المسندان المعمران : شهاب الدين أبو ~~العباس أحمد بن أبي طالب نعمة بن حسن بن علي بن سنان الشحنة الصالحي الحجار ~~، وست الوزراء أم محمد وزيرة ابنة الشيخ الإمام العالم شمس الدين أبي حفص ~~عمر ابن القاضي وجيه الدين أسعد بن المنجا التنوخي الدمشقيان ، قراءة ~~عليهما ، وأنا أسمع بالمدينة المنصورية بخط بين القصرين بالقاهرة المعزية ، ~~وذلك في يوم السبت السابع من جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمائة ، بقراءة ~~الشيخ علاء الدين علي بن المارديني ، قالا : حدثنا الشيخ سراج الدين أبو ~~عبد الله الحسين بن المبارك بم محمد بن يحيى الزبيدي ، قال : أخبرنا الشيخ ~~أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي الصوفي ثم الهروي ، قال : ~~أخبرنا الإمام جمال الدين أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد ~~بن داود الداودي ، قال : أخبرنا الإمام أبو عيد الله محمد بن أحمد بن حمويه ~~التنوخي ، قال : أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد ابن يوسف بن مطر الفهري ، ~~قال : حدثنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن ~~الأحنف الجعفي مولاهم البخاري - رحمه الله - قال : حدثنا محمود ، حدثنا عبد ~~الرزاق قال : أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه أبي هريرة - رضي الله عنه - ~~قال : أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام فلما جاء صكه ، فرجع إلى ربه ~~فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت . فرد الله عليه عينه قال : ارجع فقل ~~له يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة . PageV13P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" قال : أي رب ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت . قال ~~: الآن . فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر . قال : قال ms2555 رسول ~~الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - : فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب ~~الطريق عند الكثيب الأحمر . قال الثعلبي : وكان عمر موسى - عليه السلام - ~~مائة وعشرين سنة ، عشرون منها في ملك أفريدون ، ومائة سنة في ملك منوجهر ، ~~وبعث الله تعالى بعد موسى يوشع عليهما السلام . كمل الجزء الثالث عشر من ~~كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب البكري ~~التيمي القرشي المعروف بالنويري - رحمه الله تعالى - ويليه الجزء الرابع ~~عشر ، وأوله : الباب الثاني من القسم الثالث من الفن الخامس فيما كان بعد ~~موسى بن عمران عليهما السلام ، وهو أخبار يوشع بن نون وحزقيل وإلياس واليسع ~~وغيلا واشمويل وداود وطالوت وجالوت وسليمان بن داود عليهم السلام . والحمد ~~لله رب العالمين . PageV13P0237 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الرابع عشر PageV14P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ### | AUT الباب الثاني من القسم الثالث من الفن الخامس فيما كان بعد موسى بن عمران عليهما السلام وهو أخبار يوشع بن نون وحزقيل وإلياس واليسع وعيلى وأشمول وداود وطالوت وجالوت وسليمان بن داود عليهم السلام # ذكر خبر يوشع بن نون عليه السلام وفتح أريحا وغيرها قال أبو إسحاق ~~الثعلبي رحمه الله تعالى : اختلف العلماء فيمن تولى حرب الجبارن وفيمن كان ~~على يده الفتح ، فقال قوم : إنما فتح أريحا موسى - عليه السلام وكان يوشع ~~على مقدمته فسار إليها بمن بقي من بني إسرائيل ولم يمت في التيه ، ~~PageV14P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" فدخلها يوشع بهم وقتل الجبارين الذين كانوا ~~فيها ، ودخلها موسى ببني إسرائيل ، فأقام فيها ما شاء الله تعالى أن يقيم ، ~~ثم قبضه الله تعالى ، ولم يعلم أحد من الناس أين قبره . قال : وهذا أولى ~~الأقاويل بالصدق . وقال الآخرون : إنما قتل الجبارين يوشع ولم يسر إليهم ~~إلا جد موسى . وقالوا : إنما مات موسى وهارون عليهما السلام في التيه . ~~قالوا : فلما انقضت مدة التيه ومات موسى - ع - بعث الله تعالى يوشع بن نون ~~نبيا ، فأخبرهم أنه نبي الله تعالى وأن الله عز وجل قد أمره بقتال الجبارين ~~، فصدقوه وبايعوه . فتوجه ببني ms2556 إسرائيل إلى أريحا ومعه تابوت الميثاق ، ~~فأحاط بمدينة أريحا ستة أشهر ، فلما كان في الشهر السابع نفخوا في القرون ~~وضج الشعب ضجة واحدة ، فسقط سور المدينة ، فدخلوها وقاتلوا الجبارين ، ~~فهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم ، فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على ~~عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها ، وكان القتال يوم الجمعة ، فبقيت منهم ~~بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت ، فخشي يوشع أن يعجزوه ، فقال : ~~اللهم أردد الشمس علي ، وقال للشمس : إنك في طاعة الله ، وأنا في طاعة الله ~~. فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله قبل غروب ~~الشمس ، فردت عليه الشمس وزيد له في النهار ساعة واحدة حتى قتلهم أجمعين . ~~قالوا : ثم أرسل ملوك الأرمانيين بعضهم إلى بعض ، - وكانوا خمسة - فجمعوا ~~كلمتهم على حرب يوشع وقومه ، فهزمت بنو إسرائيل الملوك حتى أهبطوهم إلى ~~ثنية حوران ، فرماهم الله تعالى بأحجار البرد ، فكان من قتله البرد أكثر ~~ممن قتله بنو إسرائيل بالسيف ، وهربت الملوك الخمسة ، فاختفوا في غار ، ~~فأمر بهم يوشع فأخرجوا ، فقتلهم وصلبهم ، ثم أنزلهم وطرحهم في ذلك الغار ، ~~وتتبع سائر ملوك الشام فاستباح منهم أحدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع ~~أرض الشام ، ، وصار الشام كله لبني إسرائيل ، وفرق عماله في نواحي الشام . ~~PageV14P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" وحكى الكسائي في كتاب المبتدا أن يوشع أخذ في ~~الجهاد بعد وفاة موسى - ع - حتى فتح الله على يديه نيفا وثلاثين مدينة من ~~مدن الكفار بأرض الشام . قال : ثم سار ببني إسرائيل إلى أريحا لقتال ~~الحبارين ، وكانوا قد عادوا إليها بعد أن فتحها موسى ، فقاتلهم يوم الجمعة ~~، وساق نحو ما تقدم من حبس الشمس . قال : وفسد على أهل علم النجوم علوم ~~كثيرة من ذلك اليوم . قال الكسائي : ولما فرغ يوشع بن نون من قتال الجبارين ~~بأريحا سار ببني إسرائيل إلى أرض بني كنعان ، فقاتلهم حتى قتل أكثر من ~~ثلاثين ملكا ، وفتح ثلاثين حصنا . قال الثعلبي في تفسيره : ولما قتل يوشع ~~الملوك واستباح الأموال جمع الغنائم فلم تنزل النار ، فأوحى الله ms2557 تعالى إلى ~~يوشع أن فيها غولا ، فمرهم فليبايعوك فبايعوه ، فالتصقت يد رجل منهم بيده ، ~~فقال : هلم ما عندك . فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجوهر كان قد ~~غله ، فجعله في القربان وجعل الرجل معه ، فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان ~~. قالوا : ثم مات يوشع فدفن في جبل أفرائيم ، وكان عمره مائة وستا وعشرين ~~سنة ، وتدبيره أمر بني إسرائيل بعد وفاة موسى - ع - تسعا وعشرين سنة . وقال ~~الكسائي : أربعين سنة . والله تعالى أعلم . PageV14P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" ولما مات استخلف على بني إسرائيل كالب بن يوقنا ~~، وهو من أولاد يهودا بن يعقوب ، وكان من الزهاد ، فسار فيهم أجمل سيرة حتى ~~قبضه الله تعالى . فاستخلف عليهم ابنه برشاناس وكان نظير يوسف الصديق - ع - ~~في حسنه وجماله ، فافتتن الناس به ، فسأل الله تعالى أن يغير خلقته ، ~~فأصابه الجدري ، فتغيرت خلقته ، فأنكره الناس وأكثروا من سؤاله عن خبره ، ~~فشق ذلك عليه وشغله عن عبادته ، فسأل الله تعالى أن يزيده تشويها ، فاسترخى ~~وجهه ، وظهرت له أسنان طوال ، وقبح حتى كره الناس أن ينظروا إليه ، وعرفوا ~~منه الاجتهاد في عبادة الله تعالى وطاعته ، فاختاروه وسمعوا له وأطاعوا ، ~~ولم يزل بين أظهرهم أربعين سنة ثم قبضه الله تعالى . فقام بأمرهم العيزار ~~بن هارون بن عمران ، وكان قد أسن ولا ولد له ، فجعلوا يقولون : ما حرم ~~الولد إلا لذنب عظيم . فسأل الله الولد ، فرزقه ولدا بعد كبر سنه وإياس ~~زوجته صفورية بنت عمه موسى بن عمران وجدد له قوة ، ولها جمالا وحسنا ، وسمى ~~ولده سباسبا وجاء عالما بالتوراة ، فاستخلفه والده على بني إسرائيل ، فقام ~~بأمرهم ، وتزوج بامرأة يقال لها صفورية ، فأولدها إلياس . هكذا نقل الكسائي ~~. وقال الثعلبي في قصصه في خبر ابن كالب وسماه بوساقوس : وأنه لما افتتن ~~الناس به سأل الله تعالى أن يغير صورته مع سلامة حواسه وجوارحه فأصابه ~~الجدري . وقال : إنه لبث فيهم مائة سنة ، ثم قبضه الله عز وجل ، ولم يذكر ~~العيزار وابنه ، بل ذكر خبر حزقيل . والله تعالى أعلم . PageV14P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" ذكر خبر ms2558 حزقيل عليه السلام - ع قال أبو إسحاق ~~الثعلبي رحمه الله تعالى قالت العلماء لما قبض الله تعالى كالب وابنه ، بعث ~~الله عز وجل حزقيل إلى بني إسرائيل ، وهو حزقيل بن بوذى ، ويلقب بابن ~~العجوز . قال : وإنما لقب بذلك لأن أمه سألت الله تعالى الولد وقد كبرت ~~وعقمت ، فوهبه الله تعالى لها ، وهو الذي أحيا الله تعالى القوم بعد وفاتهم ~~بدعائه ، وهم الذين قال الله تعالى فيهم : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ~~ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم " . قال قال أكثر ~~المفسرين : كانت قوية يقال لها داوردان قبل واسط وقع بها الطاعون ، فخرج ~~منها طائفة هاربين من الطاعون وبقيت طائفة ، فهلك أكثر من بقي في القرية ، ~~وسلم الذين خرجوا ، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين . فقال الذين بقوا : ~~أصحابنا كانوا أحرم منا ، لو صنعنا كما صنعوا لبقينا ، ولئن وقع الطاعون ~~بها ثانية لنخرج إلى الأرض التي لا وباء فيها . فوقع الطاعون من قابل ، ~~فهرب عامة أهلها ، فخرجوا حتى نزلوا واديا أفيح ، فلما نزلوا المكان الذي ~~يبغون فيه الحياة والنجاة ، إذا هم بملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه ~~يناديهم كل واحد منهم أن موتوا فماتوا . وقال الضحاك ومقاتل والكلبي : إنما ~~فر هؤلاء من الجهاد ؛ وذلك أن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا ~~إلى قتال عدوهم ، فخرجوا فعسكروا ثم جبنوا وكرهوا الموت واعتلوا وقالوا ~~لملكهم : إن الأرض التي نأتيها بها الوباء فلا نأتيها حتى ينقطع منها ~~الوباء ؛ فأرسل الله تعالى عليهم الموت ، فلما رأوا أن الموت PageV14P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارا منه . فلما رأى ~~الملك ذلك قال : اللهم رب يعقوب وإله موسى ، قد نرى معصية عبادك فأرهم آية ~~في أنفسهم حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار من حكمك وقضائك . فلما خرجوا ~~قال الله لهم : موتوا ، فماتوا جميعا وماتت دوابهم كموت رجل واحد ، فما أتت ~~عليهم ثلاثة أيام حتى انتفخوا وأروحت أجسادهم ، فخرج إليهم الناس فعجزوا عن ~~دفنهم ، فحظروا عليهم حظيرة دون ms2559 السباع وتركوهم فيها . قال : واختلفوا في ~~مبلغ عددهم ، فقال عطاء الخراساني : كانوا ثلاثة آلاف . وقال ابن عباس ووهب ~~: أربعة آلاف . وقال مقاتل والكلبي : ثمانية آلاف . وقال أبو روق : عشرة ~~آلاف . وقال أبو مالك : ثلاثين ألفا . وقال السدي : بضعة وثلاثين ألفا . ~~وقال ابن جريج : أربعين ألفا . وقال عطاء بن أبي رباح : سبعين ألفا . قالوا ~~: فأتت عليهم مدة وقد بليت أجسادهم ، وعريت عظامهم ، وتقطعت أوصالهم ، فمر ~~بهم حزقيل النبي - ع - فوقف عليهم متفكرا متعجبا ، فأوحى الله تعالى إليه : ~~يا حزقيل ، تريد أن أريك كيف أحي الموتى ؟ قال نعم ، فأحياهم الله جميعا . ~~قال : هذا قول السدي وجماعة من المفسرين . وقال هلال بن يساف وجماعة من ~~العلماء : دعا حزقيل ربه أن يحييهم فقال : يا رب لو شئت أحييت هؤلاء فعمروا ~~بلادك وعبدوك . فقال الله عز وجل أو تحب أن أفعل ؟ قال نعم ، فأحياهم . ~~PageV14P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" وقال عطاء ومقاتل والكلبي : بل كانوا قوم حزقيل ~~، فأحياهم الله عز وجل بعد ثمانية أيام ؛ وذلك أنهم لما أصابهم ذلك خرج ~~حزقيل في طلبهم فوجدهم موتى ، فبكى وقال : يا رب كنت في قوم يحمدونك ~~ويقدسونك ويكبرونك ويهللونك فبقيت وحيدا لا قوم لي . فأوحى الله تعالى إليه ~~: إني قد جعلت حياتهم إليك . فقال حزقيل : احيوا بإذن الله تعلى ، فعاشوا . ~~وقال وهب : أصابهم بلاء وشدة من الزمان ، فشكوا ما أصابهم فقالوا : يا ~~ليتنا متنا فاسترحنا مما نحن فيه . فأوحى الله عز وجل إلى حزقيل : إن قومك ~~قد ضجروا من البلاء ، وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا فاستراحوا ، وأي راحة لهم ~~في الموت أيظنون أني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت فانطلق إلى جبانة كذا ، ~~فإن فيها قوم أمواتا . فأتاهم ، فقال الله عز وجل : قم فنادهم - وكانت ~~أجسامهم وعظامهم قد تفرقت ، فرقتها الطير والريح - فنادى حزقيل : أيتها ~~العظام ، إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم . فاكتست جميعا اللحم ، وبعد اللحم ~~جلدا ودما وعصبا وعروقا ، فكانت أجسادا ، ثم نادى أيتها الأرواح ، إن الله ~~تعالى يأمرك أن تعودي في أجسادك . فقاموا جميعا عليهم ثيابهم التي ms2560 كانوا ~~فيها ، وكبروا تكبيرة واحدة . قال : وزعم منصور بن المعتمر عن مجاهد أنهم ~~قالوا حين أحيوا : سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت ، فرجعوا إلى قومهم ~~بعد ما أحياهم الله عز وجل ، وعاشوا دهرا يعرفون أنهم كانوا أمواتا ، سحنة ~~الموت على وجوههم ، لا يلبسون ثوبا إلا عاد رميما مثل الكفن ، حتى ماتوا ~~لآجالهم التي كتب الله لهم . وقال ابن عباس رضي الله عنهما فإنها لتوجد ~~اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح . PageV14P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" قال قتادة : مقتهم الله عز وجل على فرارهم من ~~الموت فأماتهم عقوبة لهم ، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليستوفوها ، ولو كانت ~~آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم . فلما أحياهم الله عز وجل قال : " ~~وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم " . ثم تلا الثعلبي هذه ~~القصة بقصة إلياس ؛ وذكرها الكسائي تلو قصة العيزار ، والله الموفق للصواب ~~. ذكر خبر إلياس - عليه السلام - قال الله عز وجل : " وإن إلياس لمن ~~المرسلين " . قال الكسائي رحمه الله تعالى قال كعب : لما ولد إلياس - ع - ~~ونسبه أنه إلياس ابن سباسبا بن العيزار بن هارون . قال : وأمه صفورية ، ~~وجدته أم أبيه صفورية بنت موسى بن عمران - ع - ظهر ليلة مولده أنوار أضاءت ~~منها محاريب بني إسرائيل . فلما نظرت ملوك بني إسرائيل ذلك علموا أنه قد ~~حدث حادث ، فتعرفوا الخبر ، فقيل لهم : ولد مولود من ولد هارون ابن عمران . ~~قال : وكان إلياس على صورة موسى وقوته ، ونشأ أحسن نشأة . وبنو إسرائيل ~~يقولون : هذا الذي بشرنا به العيزار ، أن الله يهلك الملوك والجبابرة على ~~يديه . قال : فلما بلغ سبع سنين - وكان يحفظ التواراة - قال : يا بني ~~إسرائيل ، إني أريكم من نفسي عجبا . فصاح بهم صيحة انتشرت فيهم فأرعبت ~~قلوبهم . فلما سكنت روعتهم هموا بقتله ، وقال بعضهم . هو ساحر ، فهرب منهم ~~وصعد إلى جبل وهم يتبعونه . فلما قربوا منه انفرج له الجبل فدخل فيه ، ~~وانصرف القوم . فنمى الخبر إلى بعض ملوكهم فعذبهم ، ثم انفرج الجبل ، وأقام ~~إلياس به يأكل من المباحات ms2561 حتى استكمل أربعين سنة ، والناس قد أخذوا في ~~عبادة الأصنام وخاضوا في المعاصي ، فبعثه الله تعالى نبيا ورسولا ، وجاءه ~~جبريل بالوحي ، وأمره عن الله تعالى أن يتوجه إلى الملوك والجبابرة الذين ~~يعبدون الأصنام ويدعوهم إلى طاعة الله تعالى وعبادته ، PageV14P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" وأن يرسلوا معه بني إسرائيل وأعطاه القوة ، ~~وأمر النار والجبال والوحش بطاعته . فانطلق إلياس إليهم وهم في سبعين قرية ~~، كل قرية منها مدينة ، في كل مدينة جبار يسوسهم ، وكلهم يعبدون صنما يدعى ~~بعلا وهو على صورة امرأة ، فصار إلياس إلى قرية من قراهم ، وكان فيها ملك ~~يقال له آجاب ، فوقف بالقرب من قصره ، وقرأ التوراة بأطيب نغمة ، فسمعه ~~الملك ، فقال لامرأته : ألا تسمعين ؟ ما أطيب هذا الصوت فقامت المرأة إليه ~~وأشرفت عليه من أعلى القصر وسألته عن حاله وخبره ، فأخبرها أنه رسول الله . ~~قالت : وما حجتك على دعواك ؟ فاستدعى النار فجاءت إليه وشهدت بنبوته وصدقته ~~، فأخبرت المرأة زوجها بما رأت منه ، فجاء إليه وآمن به هو وامرأته ، ~~وأوصاه بالصبر والجهاد ، وانصرف إلياس . حتى إذا كان يوم اجتماع القوم وقد ~~خرجوا بزينتهم ونصبوا صنمهم بعلا وقف عليهم ودعاهم إلى الإيمان ، فقال فيما ~~أخبر الله تعلى به عنه : " وإن إلياس لمن المرسلين ، إذ قال لقومه ألا ~~تتقون ، أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين ، الله ربكم ورب آبائكم الأولين ~~" . فقالوا له : من أنت ؟ فقال : أنسيتموني بعد أن كنت فيكم ومعكم أنا ~~إلياس . فحثوا في وجهه التراب ورموه بالحجارة من كل جانب . وكان ملكهم ~~الأكبر يقال له عاميل ، فأمر بزيت فغلى في قدر نحاس وقال لإلياس : إن رجعت ~~وإلا طرحتك فيه . فقال : أنا وحيد في أرضكم ، فريد في جمعكم ، ولكني أريكم ~~آية تدل على صدق دعواي أني رسول الله إليكم . فقال له الملك نعم . فقال ~~إلياس : أيتها النار اخمدي بإذن الله تعالى ، فخمدت وسكن غليان الزيت ، ~~فعجب الناس من ذلك . قال الملك : قد أتيت بحجة ، ولكن أمهلنا يومنا لننظر ~~في أمرك . ففارقهم وأتاهم من الغد ودعاهم ، فجمع الملك ملوك قومه وعلماءهم ~~وقال : ما ms2562 تقولون في هذا الرجل ؟ فقال العلماء : إنا نرى في التوراة صفة ~~هذا الرجل أنه يبعث نبيا تسخر له النار والأسود والجبال ، وأنه لا يسمع أحد ~~صوته إلا ذل وخضع له . PageV14P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" فقال بعض علمائهم : أيها الملك ، كذب هؤلاء ~~فيما ذكروه ، وهذا ساحر ، فلا يهولنك أمره . فبسط العذاب على أولئك النفر ، ~~فاشتد ذلك على إلياس ، وخالفه الملك آجاب الذي كان قد آمن به ، ففارقته ~~زوجته ولحقت بإلياس ؟ وكانت من الصالحات . قال : واتخذ إلياس عريشا بالقرب ~~من قصر الملك عاميل ، فأشرفت امرأة عاميل عليه في بعض الليالي وهو يعبد ~~الله تعالى ، فنظرت إلى عمود من نور من لدن العريش في السماء ، فآمنت ولحقت ~~به ، فأمر زوجها أن تلقى في النار ، فألقيت فيها ، فدعا إلياس - ع - الله ~~تعالى لها ، فلم تعمل النار فيها شيئا ، فأطلقها الملك ، فلحقت بإلياس . ثم ~~مات ولد لعاميل الملك فجزع عليه وتضرع إلى صنمه فلم يغن عنه شيئا ، فغضب ~~وقال لإلياس : إن ابني قد مات وعجز إلهي عن إحيائه ، فهل تقدر أن تحييه ؟ ~~فقال : هذا على ربي هين ، ودعا الله تعالى ، فقام الغلام يشهد أن لا إله ~~إلا الله ، وأن إلياس عبده ورسوله ، فآمن الملك وخرج عن الملك وتبع إلياس ~~ولبس الصوف وعبد الله تعالى حتى مات ، وماتت زوجته وابنه . واستمر القوم في ~~ضلالهم وكفرهم ما شاء الله ، وإلياس يدعوهم فلا يجيبونه ، فأوحى الله تعالى ~~إليه أن ادعهم وأنذرهم ، فإن آمنوا وإلا حبست عنهم الغيث وابتليتهم بالقحط ~~. فدعاهم فقالوا : إنا لا نؤمن بك ولا بربك ، فاصنع ما أنت صانع . فحبس ~~الله عز وجل عنهم المطر ، وغارت العيون وجفت الأشجار ، فأكلوا ما عندهم حتى ~~نفد ، ثم أكلوا المواشي حتى أكلوا الكلاب والسنانير والفيران ، وبلغ بهم ~~الجوع حتى كانوا يأكلون من مات منهم ، وإلياس بينهم وهم لا يرونه ، ويدعونه ~~وهو لا يجيبهم ، وكان الله تعالى قد جعل أمر أرزاقهم إليه ، فأوحى الله ~~إليه أن السماء والأرض ومن عليها قد بكت على هؤلاء ، وقد هلك كثير من خلقي ~~بسببهم ، وكل ms2563 يدعوك ولا ترحمهم ، فانصف خلقي يا إلياس ، فإني أعصى فأرزق ، ~~وأكفر فأحلم . ففزع إلياس وقال : يا رب ما غضبت إلا لك ، وأنت أعلم بمصالح ~~عبادك . فأوحى الله إليه أن سر إليهم وادعهم ، فإن آمنوا وإلا كنت أرأف بهم ~~منك . قال : فانطلق إلياس حتى صار إلى أول قرية من قرى مدينتهم ، فمر بعجوز ~~فقال لها : هل عندك طعام ؟ فقالت : وحق إلهي بعل ما دقت الخبز منذ مدة . ~~قال : فهلا تؤمنين بالله فقالت : إن ابني اليسع على دين إلياس ، ولا أراه ~~ينتفع به وقد أشرف على الموت من الجوع . فقال له إلياس . يا اليسع ، أتحب ~~أن تأكل الخبز ؟ فصاح : كيف لي PageV14P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" بالخبز ومات ؛ فبكت العجوز ولطمت . فقال لها : ~~إن أحياه الله وجاءك بما تأكلين أتؤمنين بالله ؟ قالت نعم . فدعا الله ~~تعالى ، فقام اليسع وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن إلياس رسول الله ، ~~ورزقهم الله تعالى خبزا ولبنا ، فأكلوا ، وآمنت العجوز ، وخرجت تنر قومها ، ~~فخنقوها فماتت ، فاغتم اليسع لذلك . فقال له إلياس : إن الله سيحييها ~~ويجعلكما آية لقوكما . وخرج إلياس إلى قومه وقد اجتمعوا عليها يريدون أكلها ~~؛ فصاح بهم ، فتفرقوا عنها وقالوا : إنك أنت إلياس حقا ، فدعا الله تعالى ~~فأحياها ، فأقبل القوم عليه وقالوا : ألا ترى ما نحن فيه منذ سبع سنين قال ~~: فهلا دعوتم صنمكم بعلا ليكشف عنكم قالوا : قد دعوناه فلم يغن شيئا . قال ~~: فإن أغاثكم الله تعالى أتؤمنون ؟ قالوا نعم . فسأل الله تعالى فأمطرهم ، ~~وجرت أنهارهم وأنبتت أرضهم ، وأحيا الله من مات منهم من الجوع ، فازدادوا ~~كفرا وعتوا ، فحذرهم إلياس وأنذرهم وذكرهم بنعمة الله عليهم . فقالوا : إن ~~القحط قد ارتفع عنا وهيهات أن يعود أبدا ، وإن عاد فلا نبالي ، قد جمعنا في ~~منازلنا ما يكفينا زمنا طويلا . فدعا الله عليهم واعتزلهم ، وقال : قد بلغت ~~الرسالة . وأنك لاحق بالملائكة . فاستخلف اليسع على المؤمنين ؛ فقال اليسع ~~: يا نبي الله ، إني ضعيف بين قوم كافرين . فأوحى الله تعلى إلى اليسع بذلك ~~، وخرج إلياس عن ديار قومه في يوم ms2564 جمعة ، فإذا هو بفرس يلتهب نورا ، وله ~~أجنحة ملونة ، فناداه : أقبل يا نبي الله . فاستوى على ظهره ، وجاءه جبريل ~~فقال : يا إلياس طر مع الملائكة حيث شئت ، فقد كساك الله ريش ، وقطع عنك ~~لذة المطعم والمشرب وجعلك آدميا ملكيا سماويا أرضيا . قال : ونشر الفرس ~~أجنحته فهو يطير مع الملائكة . ثم أرسل الله عز وجل العذاب على قومه ، ~~فأحدقت بهم سحابة من جهنم ، واعتزلهم المؤمنون ، فأحدقت السحابة بالكفرة ، ~~فأمطرت عليهم حجارة من العذاب . قال الله تعلى : " ولقد أتوا على القرية ~~التي أمطرت مطر السوء " . قال : ثم انكشفت عن ديارهم وقد صاروا حمما سودا ؛ ~~قال الله تعالى : " فكذبوه فإنهم لمحضرون ، إلا عباد الله المخلصين " . ~~PageV14P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" قال : وأقام اليسع مع بني إسرائيل حتى قبضه ~~الله تعالى . هذا ما أورده الكسائي في أخبار إلياس واليسع عليهما السلام . ~~وأما ما حكاه الثعلبي رحمه الله في هذه القصة ، فإنه قال : قال ابن إسحاق ~~والعلماء من أصحاب الأخبار : لما قبض الله حزقيل النبي - ع - عظمت الأحداث ~~في بني إسرائيل وظهر فيهم الفساد ، ونسوا عهد الله تعالى إليهم في التوراة ~~حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله عز وجل فبعث الله تعالى إليهم إلياس ~~نبيا . قال الثعلبي : وهو إلياس ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون - ~~ع - . قال : وإنما كانت الأنبياء بعد موسى - ع - يبعثون إليهم بتجديد ما ~~نسوا وضيعوا من أحكام التوراة ، وبنو إسرائيل يومئذ متفرقون في أرض الشام ~~وفيهم ملوك كثيرة . وذلك أن يوشع لما فتح أرض الشام بوأها بني إسرائيل ~~وقسمها بينهم ، فأحل سبطا منهم بعلبك ونواحيها ، وهم سبط إلياس ، فبعثه ~~الله تعالى إليهم نبيا ، وعليهم يومئذ ملك يقال له آجاب قد أضل قومه وجبرهم ~~على عبادة الأصنام ، وكان يعبد هو وقومه صنما يقال له بعل وكان طوله عشرين ~~ذراعا ، وكانت له أربعة وجوه ، فجعل إلياس يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وهم ~~في ذلك لا يسمعون منه شيئا إلا ما كان من أمر الملك الذي كان ببعلبك فإنه ~~صدقه وآمن به ، وكان ms2565 إلياس - ع - يقوم أمره ويسدده ويرشده ، وكان لآجاب ~~الملك هذا امرأة يقال لها أرايل ، و كان يستخلفها على رعيته إذا غاب عنهم ~~في غزاة أو غيرها ، فكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتركب كما يركب ، ~~وتجلس إلى مجلس القضاء فتقضي بين الناس ، وكانت قتالة للأنبياء ، وكان لها ~~كاتب وهو مؤمن حكيم يكتمها إيمانه ، وكان الكاتب قد خلص من يدها ثلثمائة ~~نبي كانت تريد قتل كل واحد منهم إذا بعث ، سوى الذين قتلتهم ممن يكثر عددهم ~~؛ وكانت في نفسها غير محصنة ولم يكن على وجه الأرض أفحش منها ، ~~PageV14P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" وهي مع ذلك قد تزوجت سبعة ملوك من ملوك بني ~~إسرائيل وقتلتهم كلهم بالاغتيال ؛ وكانت معمرة حتى يقال : إنها ولدت سبعين ~~ولدا . وكان لآجاب هذا جار من بني إسرائيل رجل صالح يقال له مزدكى وكانت له ~~جنينة يعيش منها ويقبل على عمارتها ومرمتها ، وكانت الجنينة إلى جانب قصر ~~الملك وامرأته ، فكانا يشرفان على تلك الجنينة ويتنزهان فيها ، ويأكلان ~~ويشربان ويقيلان فيها ، وكان آجاب في ذلك يحسن جوار مزدكى صاحبها ويحسن ~~إليه ، وامرأته أرايل تحسده على ذلك لأجل تلك الجنينة ، وتحتال في أن ~~تغتصبها منه لما تسمع الناس يذكرون الجنينة ، ويتعجبون من حسنها ويقولون : ~~ما أحرى أن تكون هذه الجنينة لأهل هذا القصر ، ويتعجبون من الملك وامرأته ~~كيف لم يغصباها صاحبها . فلم تزل المرأة تحتال على العبد الصالح مزدكى أن ~~تقتله وتأخذ جنينته ، والملك ينهاها عن ذلك . ثم اتفق خروج الملك إلى سفر ~~بعيد وطالت غيبته ، فاغتنمت المرأة غيبة الملك واحتالت على مزدكى صاحب ~~الجنينة ، وهو غافل عما تريد مقبل على عبادة ربه وإصلاح جنينته ، فجمعت ~~أرايل جمعا من الناس وأمرتهم أن يشهدوا على مزدكى أنه سب زوجها الملك آجاب ~~، فأجابوها إلى ملتمسها من الشهادة عليه ، وكان حكمهم في ذلك الزمان على من ~~سب الملك القتل إذا قامت البينة عليه بذلك . فأحضرت مزدكى وقالت : بلغني ~~أنك سببت الملك وعبته ، فأنكر ذلك . فقالت : إن عليك شهودا ، وأحضرت الشهود ~~فشهدوا عليه بحضرة الناس ms2566 ، فأمرت بقتل مزدكى ، فقتل وأخذت جنينته غصبا ، ~~فغضب الله عز وجل عليهم للعبد الصالح . فلما قدم الملك من سفره قال لها : ~~ما وفقت وما أصبت ، ولا أرانا نفلح بعده أبدا ، وإن كنا عن جنينته لأغنياء ~~، قد كنا نتنزه فيها ، وقد جاورنا وتحرم بنا منذ زمان طويل ، فأحسنا جواره ~~، وكففنا عنه الأذى لوجوب حقه علينا ، فختمت أمره بأسوأ حال الجوار . وما ~~حملك على اجترائك عليه إلا سفهك وسوء رأيك وقلة عقلك وقلة تفكرك في العواقب ~~. فقالت : إنما غضبت لك وحكمت بحكمك . قال : أو ما كان يسعه حلمك ويحدوك ~~عظم خطرك على العفو عن رجل واحد فتحفظين له جواره قالت : قد كان ما كان . ~~PageV14P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" فبعث الله تعالى إلياس - ع - إلى آجاب الملك ~~وقومه ، وأمره أن يخبرهم أن الله تعالى قد غضب لوليه حين قتلوه بين أظهرهم ~~ظلما ، وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما ولم يردا الجنينة على ~~ورثة مزدكى أن يهلكهما ، يعني آجاب وامرأته ، في جوف الجنينة أشر ما يكون ~~بسفك دمهما ، ثم يدعهما جيفتين ملقاتين فيها حتى تتعرى عظامهما من لحومهما ~~، ولا يمتعان بها إلا قليلا . قال : فجاء إلياس - ع - إلى الملك وأخبره بما ~~أوحى الله عز وجل إليه في أمره وأمر امرأته والجنينة . فلما سمع الملك ذلك ~~اشتد غضبه عليه ، ثم قال له : يا إلياس ، والله ما أرى ما تدعونا إليه إلا ~~باطلا ، والله ما أرى فلانا وفلانا - سمى ملوكا منهم قد عبدوا الأوثان - ~~إلا على مثل ما نحن عليه ، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين ، ما ينقص من ~~دنياهم أمرهم الذي تزعم أنه باطل ، وما نرى لنا عليهم من فضل . قال : وهم ~~الملك بتعذيب إلياس وقتله . فلما سمع إلياس - ع - ذلك وأحس بالشر ، رفضه ~~وخرج عنه . فلحق بشواهق الجبال ، ودعا الملك الناس إلى عبادة بعل ، وارتقى ~~إلياس - ع - أصعب جبل وأشمخه ، فدخل مغارة فيه . فيقال : إنه بقي فيه سبع ~~سنين شريدا طريدا خائفا ، يأوى الشعاب والكهوف ، ويأكل من نبات الأرض وثمار ~~الشجر وهم في طلبه ms2567 قد وضعوا عليه العيون يتوكفون أخباره ويجتهدون في أخذه ، ~~والله تعالى يستره ويدفع عنه . فلما تمت له سبع سنين أذن الله تعالى في ~~إظهاره عليهم ، وشفا غيظه منهم ، فأمرض الله تعالى ابنا لآجاب الملك وكان ~~أحب ولده إليه وأعزهم عليه وأشبههم به ، فأدنف حتى يئس منه ، فدعا صنمه ~~بعلا ؛ وكانوا قد فتنوا به وعظموه حتى جعلوا له أربعمائة سادن وكلهم به ~~وجعلوهم أنبياءه ، وكان الشيطان يوسوس إليهم بشريعة من الضلالة ، فيبينونها ~~للناس فيعملون بها ، ويسمونهم الأنبياء . فلما اشتد مرض ابن الملك طلب ~~إليهم أن يشفعوا إلى بعل ، ويطلبوا لابنه من قبله الشفاء والعافية ، فدعوه ~~فلم يجبهم ، PageV14P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" ومنع الله تعالى بقدرته الشيطان عن صنمهم فلم ~~يمكنه الولوج في جوفه ، وهم مجتهدون في التضرع إليه ، وهو لا يزداد مع ذلك ~~إلا خمودا . فلما طال عليهم ذلك قالوا لآجاب : إن في ناحية الشام آلهة أخرى ~~، وهي في العظم مثل إلهك ، فابعث إليها أنبياءك فليشفعوا لك إليها ، فلعلها ~~أن تشفع لك إلى إلهك بعل فإنه غضبان عليك ، ولولا غضبه عليك لقد كان أجابك ~~وشفى لك ابنك . قال آجاب : ومن أجل ماذا غضب علي وأنا أطيعه وأطلب رضاه منذ ~~كنت لم أسخطه ساعة قط ؟ قالوا : من أجل أنك لم تقتل إلياس وفرطت فيه حتى ~~نجا سليما وهو يعبد غيره ، فذلك الذي أغضبه عليك . قال آجاب : وكيف لي أن ~~أقتل إلياس يومي هذا وأنا مشغول على طلبه بوجع ابني وليس لإلياس مطلب ، ولا ~~يعرف له موضع فيقصد ، فلو عوفي ابني لتفرغت لطلبه ، ولم يكن لي هم ولا شغل ~~غيره حتى آخذه فأقتله فأريح إلهي منه وأرضيه . قال : ثم اندفعت أنبياؤه ~~الأربعمائة ليشفعوا إلى الأرباب التي بالشام ويسألوها أن تشفع إلى ضم الملك ~~ليشفى ابنه ، فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيال الجبل الذي فيه إلياس أوحى الله ~~عز وجل إلى إلياس أن يهبط من الجبل ويعارضهم ويستوقفهم ويكلمهم ، وقال له : ~~لا تخف فإني سأصرف عنك شرهم ، وألقى الرعب في قلوبهم . فنزل إلياس - ع - من ~~الجبل ms2568 ، فلما لقيهم استوقفهم فوقفوا ، وقال لهم : إن الله عز وجل أرسلني ~~إليكم وإلى من وراءكم ، فاستمعوا أيها القوم رسالة ربكم لتبلغوا صاحبكم ، ~~فارجعوا إليه وقولوا له : إن الله تعالى يقول لك : ألست تعلم يا آجاب أني ~~أنا الله لا إله إلا أنا إله بني إسرائيل الذي خلقهم ورزقهم وأحياهم ~~وأماتهم ، أفجهلك وقلة علمك حملك على أن تشرك بي وتطلب الشفاء لابنك من ~~غيري ممن لا يملكون لأنفسهم شيئا إلا ما شئت . إني حلفت باسمي لأغيظنك في ~~ابنك ولأميتنه في فوره هذا حتى تعلم أن أحدا لا يملك له شيئا دوني . فلما ~~قال لهم إلياس هذا رجعوا وقد ملئوا منه رعبا . فلما صاروا إلى الملك قالوا ~~له ذلك ، وأخبروه أن إلياس انحط عليهم ، وهو رجل نحيف طوال قد قشف وقحل ~~وتمعط شعره وتقشر جلده ، عليه PageV14P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" جبة من شعر وعباءة قد خلها على صدره بخلال ، ~~فاستوقفنا ، فلما صار معنا قذفت في قلوبنا الهيبة والرعب ، وانقطعت ألسنتنا ~~، ونحن في هذا العدد الكثير وهو واحد ، فلم نقدر على أن نكلمه ونراجعه ~~ونملأ أعيننا منه حتى رجعنا إليك ، وقصوا عليه كلام إلياس - ع - . فقال ~~آجاب : لا ننتفع بالحياة ما دام إلياس حيا . ما الذي منعكم أن تبطشوا به ~~حين لقيتموه وتوثقوه وتأتوني به ، وأنتم تعلمون أنه طلبتي وعدوي . قالوا : ~~أخبرناك بالذي منعنا منه ومن كلامه والبطش به . قال آجاب : ما يطلق إذا ~~إلياس إلا بالمكر والخديعة . فقيض له خمسين رجلا من قومه ذوي قوة وبأس ، ~~وعهد إليهم عهده ، وأمرهم بالاحتيال له والاغتيال به وأن يطمعوه في أنهم قد ~~آمنوا به هم ومن وراءهم ، ليستنيم إليهم ويغتر بهم ، فيمكنهم من نفسه ، ~~فيأتوا به الملك . فانطلقوا حتى ارتقوا ذلك الجبل الذي فيه إلياس - ع - ثم ~~تفرقوا فيه وهم ينادونه بأعلى أصواتهم ويقولون : يا نبي الله ، ابرز لنا ~~وأنت آمن على نفسك فإنا قد آمنا بك وصدقناك ، وملكنا آجاب ، وجميع بني ~~إسرائيل يقرءون عليك السلام ويقولون : قد بلغتنا رسالة ربك ، وعرفنا ما قلت ~~، وآمنا بك ms2569 ، و أجبناك على ما دعوتنا ، فهلم إلينا فأنت نبينا ورسول ربنا ، ~~فأقم بين أظهرنا واحكم فينا ؛ فإنا ننقاد لما أمرتنا ، وننتهي عما نهيتنا ، ~~وليس يسعك أن تتخلف عنا مع إيماننا وطاعتنا ، فتداركنا وأرجع إلينا . وكل ~~هذا كان منهم مماكرة وخديعة . فلما سمع إلياس - ع - مقالتهم وقعت بقلبه ~~وطمع في إيمانهم وخاف الله تعالى وأشفق من سخطه إن هو لم يظهر لهم ولم ~~يجبهم بعد الذي سمع منهم . فلما أجمع على أن يبرز لهم رجع إلى نفسه فقال : ~~لو أني دعوت الله عز وجل وسألته أن يعلمني ما في أنفسهم ويطلعني على حقيقة ~~أمرهم . فقال : اللهم إن كانوا صادقين فيما يقولون فأذن لي في البروز إليهم ~~، وإن كانوا كاذبين فاكفنيهم وارمهم بنار تحرقهم . فما استتم قوله حتى ~~حصبوا بالنار من فوقهم ، فاحترقوا أجمعين . قال : وبلغ آجاب الخبر فلم ~~يرتدع ، واحتال ثانيا في أمر إلياس ، وجهز فئة أخرى مثل عدد أولئك أقوى ~~منهم وتمكن في الحيلة والرأي ، فأقبلوا حتى ارتقوا PageV14P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" قلل تلك الجبال متفرقين ، وجعلوا ينادون : يا ~~نبي الله ، إنا نعوذ بالله وبك من غضب الله وسطواته . إنا لسنا كالذين أتوك ~~من قبلنا ، إن أولئك فرقة نافقت وخالفتنا ، فصاروا إليك ليكيدوك من غير ~~رأينا ولا علم منا ، وذلك أنهم حسدونا وحسدوك ، وخرجوا إليك سرا ، ولو ~~علمنا بهم لقتلناهم ولكفيناك مؤنتهم ، والآن فقد كفاك ربك أمرهم وأهلكهم ~~بسوء نياتهم و انتقم لنا ولك منهم . فلما سمع إلياس - ع - مقالتهم دعا الله ~~تعلى بدعوته الأولى ، فأمطر الله عليهم النار ، فاحترقوا عن آخرهم ، كل ذلك ~~وابن الملك في البلاء الشديد من وجعه - كما وعده الله تعالى على لسان نبيه ~~إلياس - لا يقضى عليه فيموت ، ولا يخفف عنه من عذابه . قال : فلما سمع ~~الملك بهلاك أصحابه ثانيا ازداد غضبا إلى غضبه ، وأراد أن يخرج في طلب ~~إلياس بنفسه ، إلا أنه شغله عن ذلك مرض ابنه فلم يمكنه ، فوجه نحو إلياس ~~الكاتب المؤمن الذي هو كاتب امرأته رجاء أن يأنس به إلياس فينزل معه ms2570 ، ~~وأظهر للكاتب أنه لا يريد بإلياس سوءا . وإنما أظهر له ذلك لما اطلع عليه ~~من إيمانه ، وكان الملك مع إطلاعه يغض عنه لما هو عليه من الكفاية والأمانة ~~والحكمة وسداد الرأي ، فوجهه نحوه ، وأرسل معه فئة من أصحابه ، وأوعز إلى ~~الفئة دون الكاتب أن يوثقوا إلياس ويأتوه به إن أراد أن يتخلف منهم ، وإن ~~جاء مع الكاتب واثقا به آنسا بمكانه لم يوحشوه ولم يروعوه ، ثم أظهر آجاب ~~للكاتب الإنابة وقال : إنه قد آن لي أن أتوب وأتعظ ، وقد أصابتنا بلايا من ~~حريق أصحابنا والبلاء الذي فيه ابني ؛ وقد عرفت أن ذلك بدعوة إلياس ، ولست ~~آمن أن يدعو على جميع من بقي منا فنهلك بدعوته . فانطلق إليه وأخبره أنا قد ~~تبنا وأنبنا ، وأنه لا يصلحنا في توبتنا وما نريد من رضا ربنا وخلع أصنامنا ~~إلا أن يكون إلياس بين أظهرنا يأمرنا وينهانا ، ويخبرنا بما يرضى به ربنا . ~~وأمر الملك قومه فاعتزلوا الأصنام ، وقال له : أخبر إلياس بأنا قد خلعنا ~~آلهتنا التي كنا نعبد وأرجأنا أمرها حتى ينزل إلياس إلينا ، فيكون هو الذي ~~يحرقها ويهلكها وكان ذلك مكرا من الملك . فانطلق الكاتب والفئة حتى علوا ~~الجبل PageV14P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" الذي فيه إلياس - ع - ثم ناداه الكاتب ، فعرف ~~إلياس صوته ، فتاقت نفسه إليه وأنس بمكانه وكان مشتاقا إلى لقائه ، فأوحى ~~الله تعالى إلى إلياس أن ابرز إلى أخيك الصالح فالقه وجدد العهد به ، فبرز ~~إليه إلياس وسلم عليه وصالحه ، وقال له : ما الخبر ؟ قال له المؤمن : إنه ~~قد بعثني إليك هذا الجبار الطاغية وقومه ، ثم قص عليه ما قالوا ثم قال وإني ~~خائف إن رجعت إليه ولست معي أن يقتلني ، فمرني بما شئت أن أفعله وأنتهي ~~إليه ، إن شئت انقطعت إليك وكنت معك وتركته ، وإن شئت جاهدته معك ، وإن شئت ~~فأرسلني إليه بما تحب فأبلغه رسالتك ، وإن شئت دعوت ربك أن يجعل لنا من ~~أمرنا فرجا ومخرجا . قال : فأوحى الله عز وجل إلى إلياس - ع - أن كل شيء ~~جاءوك به مكر وخديعة ms2571 ليظفروا بك ، وأن آجاب إن أخبرته رسله أنك قد لقيت هذا ~~الرجل ولم يأت بك إليه اتهمه وعرف أنه قد داهن في أمرك ، فلم يأمن أن يقتله ~~، فانطلق معه فإن في انطلاقك معه عذره وبراءته عند آجاب ، وإني سأشغل عنكما ~~آجاب ، وأضاعف على ابنه البلاء حتى لا يكون له هم غيره ، وأميته على شر حال ~~، فإذا مات فارجع عنه ولا تقم . فانطلق معهم حتى قدموا على آجاب ، فلما ~~قدموا عليه شدد الله تعالى على ابنه الوجع ، وأخذه الموت ، فشغل الله تعالى ~~آجاب وأصحابه بذلك عن إلياس ، فرجع إلياس سالما إلى مكانه . فلما مات ابن ~~آجاب وفرغوا منه وقل جزعه ، انتبه لإلياس وسأل عنه الكاتب الذي جاء به ، ~~فقال : ليس لي به علم ، وذلك أنه شغلني عنه موت ابنك والجزع عليه ، ولم أكن ~~أحسبك إلا قد استوثقت منه . فأضرب عنه آجاب وتركه لما كان فيه من الحزن على ~~ابنه . فلما طال الأمر على إلياس مل الكمون في الجبال والمقام بها واشتاق ~~إلى العمران وإلى الناس فنزل من الجبل ، وانطلق حتى نزل بامرأة من بني ~~إسرائيل ، وهي أم يونس ابن متى ذي النون . فاستخفى عندها ستة أشهر ، ويونس ~~مولود يومئذ يرضع ، وكانت أم يونس تخدمه بنفسها ، وتواسيه بذات يدها ، ولا ~~تدخر عنه كرامة تقدر عليها . ثم إن إلياس سئم ضيق البيوت بعد مقامه بالجبال ~~وسعتها ، فأحب أن يلتحق بالجبال فخرج وعاد إلى مكانه ، فجزعت أم يونس ~~لفراقه وأوحشها فقده ، ثم لم تلبث إلا يسيرا حتى مات ابنها يونس حين فطمته ~~، فعظمت مصيبتها فيه ، فخرجت في PageV14P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" طلب إلياس ، فلم تزل ترقى الجبال وتطوف فيها ~~حتى عثرت عليه ووجدته ، فقالت : إني قد فجعت بموت ابني بعدك ، فعظمت فيه ~~مصيبتي ، واشتد لفقده بلائي ، وليس لي ولد غيره ، فارحمني وادع ربك جل ~~جلاله فيحي لي ابني ، ويجبر مصيبتي ، وإني قد تركته مسجى لم أدفنه ، وإني ~~قد أخفيت مكانه . فقال لها إلياس : ليس هذا مما أمرت به ، وإنما أنا عبد ~~مأمور أعمل بما يأمرني ms2572 به ربي ، ولم يأمرني بهذا . فجزعت المرأة وتضرعت ، ~~فعطف الله سبحانه وتعالى قلب إلياس عليها ، فقال لها : ومتى مات ابنك ؟ ~~قالت : منذ سبعة أيام . فانطلق إلياس معها وسار سبعة أيام أخرى حتى انتهى ~~إلى منزلها فوجد ابنها يونس ميتا منذ أربعة عشر يوما ، فتوضأ وصلى ودعا ~~الله فأحيا الله تعالى يونس بن متى بدعوة إلياس . فلما عاش وجلس وثب إلياس ~~وانصرف وعاد إلى موضعه . والله أعلم . ذكر دعاء إلياس على قومه ، وما حل ~~بهم من القحط وخبر اليسع حين اتبع إلياس قال : ولما طال عصيان قومه ضاق ~~إلياس بذلك درعا وأجهده البلاء ، فأوحى الله تعالى إليه بعد سبع سنين وهو ~~خائف مجهود : يا إلياس ، ما هذا الحزن والجزع الذي أنت فيه ألست أمين على ~~وحيي ، وحجتي في أرضي ، وصفوتي من خلقي فسلني أعطك فإني ذو الرحمة الواسعة ~~والفضل العظيم . قال : تميتني فتلحقني بآبائي ، فإني قد مللت بني إسرائيل ~~وملوني ، وأبغضتهم فيك وأبغضوني . فأوحى الله تعالى إليه : يا إلياس ، ما ~~هذا باليوم الذي أعرى منك الأرض وأهلها ، وإنما قوامها وصلاحها بك وبأشباهك ~~إن كنتم صبرتم قليلا ، ولكن تسألني فأعطيك قال إلياس : فإن لم تمتني يا ~~إلهي فأعطني ثأري من بني إسرائيل . قال الله تعالى وأي شيء تريد أن أعطيك ~~يا إلياس ؟ قال : تمكنني من خزائن السماء سبع سنين ، فلا تنشئ عليهم سحابة ~~إلا بدعوتي ، ولا تمطر عليهم سبع سنين قطرة إلا بشفاعتي ، فإنهم لا يذلهم ~~إلا ذلك . قال الله تعالى : يا إلياس ، أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ~~ظالمين . قال : ست سنين . قال : أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين . ~~قال : فخمس سنين . قال : أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين ، ولكني ~~أعطيك ثلاث سنين PageV14P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" أجعل خزائن المطر بيدك ، فلا تنشأ عليهم سحابة ~~إلا بدعوتك ، ولا تنزل عليهم قطرة إلا بشفاعتك . قال إلياس : فبأي شيء أعيش ~~؟ قال : أسخر جيشا من الطير تنقل إليك طعامك وشرابك من الريف والأرض التي ~~لم تقحط . قال إلياس : قد رضيت ms2573 . قال : فأمسك الله عز وجل عنهم المطر حتى ~~هلكت الماشية والدواب والهوام والشجر وجهد الناس جهدا شديدا وإلياس على ~~حالته مستخف من قومه يوضع له الرزق حيثما كان ، وقد عرفه بذلك قومه ، ~~فكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في بيت قالوا : لقد دخل إلياس هذا البيت وطلبوه ~~، ولقي أهل ذلك المنزل منهم شرا . قال ابن عباس رضي الله عنهما : أصاب بني ~~إسرائيل ثلاث سنين القحط ، فمر إلياس - ع - بعجوز فقال لها : هل عندك طعام ~~؟ قالت : نعم ، شيء من دقيق وزيت قليل . فجاءته بشيء من الدقيق والزيت ، ~~فدعا فيهما بالبركة ومسهما ، فبارك الله في ذلك حتى ملأت جربها دقيقا وملأت ~~خوابيها زيتا . فلما رأوا ذلك عندها قالوا : من أين لك هذا ؟ قالت : مر بي ~~رجل من حاله كذا وكذا ، فوصفت صفته ، فعرفوه وقالوا : ذلك إلياس ؛ فطلبوه ~~فوجدوه فهرب منهم . ثم أوى ليلة إلى بيت امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال ~~له : اليسع ابن أخطوب به ضر ، فآوته وأخفت أمره ، فدعا له فعوفي من الضر ~~الذي كان به ، واتبع اليسع إلياس وآمن به وصدقه ولزمه ، وكان يذهب به حيثما ~~ذهب ، وكان إلياس قد أسن وكبر ، وكان اليسع غلاما شابا . ذكر رفع البلاء عن ~~قوم إلياس بدعوته واستمرارهم على الكفر ورفع إلياس وهلاك آجاب الملك ~~وامرأته ، ونبوة اليسع قال : ثم أوحى الله تعالى إلى إلياس - ع - إنك قد ~~أهلكت كثيرا من الخلق ممن لم يعص سوى بني إسرائيل من البهائم والدواب ~~والطير والهوأم والشجر بحبس المطر عن بني إسرائيل . فيزعمون - والله أعلم - ~~أن إلياس قال : يا رب دعني أكن الذي أدعو لهم وآتيهم بالفرج مما هم فيه من ~~البلاء الذي أصابهم لعلهم أن PageV14P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" يرجعوا وينزعوا عما هم عليه من عبادة غيرك . ~~قيل له : نعم . فجاء إلياس - ع - إلى بني إسرائيل فقال لهم : إنكم قد هلكتم ~~جوعا وجهدا ، وهلكت البهائم والدواب والطير والهوام والشجر بخطاياكم ، ~~وإنكم على باطل وغرور . فإن كنتم تحبون أن تعلموا ذلك فاخرجوا بأصنامكم هذه ~~، فإن استجابت لكم ms2574 فذلك كما تقولون ، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل ~~فنزعتم ، ودعوت الله عز وجل ففرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء . وقالوا : ~~أنصفت . فخرجوا بأوثانهم فدعوها فلم تستجب لهم ، ولم تفرج عنهم ما كانوا ~~فيه من البلاء . ثم قالوا لإلياس يا إلياس ، إن الله قد أهلكنا ، فادع الله ~~لنا . فدعا الله تعالى ومعه اليسع بالفرج مما هم فيه وأن يسقوا ، فخرجت ~~سحابة مثل الترس على ظهر البحر وهم ينظرون ، فأقبلت نحوهم وطبقت الآفاق ، ~~ثم أرسل الله تعالى عليهم المطر فأغاثهم وحييت بلادهم . فلما كشف الله ~~تعالى عنهم الضر نقضوا العهد ولم ينزعوا عن كفرهم . ولم يقلعوا عن ضلالتهم ~~، وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه . فلما رأى إلياس - ع - ذلك دعا الله ~~تعالى أن يريحه منهم ؛ فقيل له - كما يزعمون - : أنظر يوم كذا وكذا فاخرج ~~فيه إلى موضع كذا ، فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه . فخرج إلياس ومعه ~~اليسع بن أخطوب ، حتى إذا كانا بالموضع الذي أمر إلياس به ، أقبل فرس من ~~نار حتى وقف بين يديه ، فوثب عليه إلياس ، فانطلق الفرس به ، فناداه اليسع ~~، يا إلياس : ما تأمرني ؟ فقذف إليه إلياس بكسائه من الجو الأعلى ، وكان ~~ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل ، فكان ذلك آخر العهد به . ورفع ~~الله عز وجل إلياس من بين أظهرهم ، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب ، وكساه ~~الريش ، فكان إنسيا ملكيا أرضيا سماويا ، وسلط الله على آجاب الملك وقومه ~~عدوا لهم فقصدهم من حيث لم يشعروا به حتى رهقهم ، فقتل آجاب وامرأته أرايل ~~في بستان مزدكى ، فلم تزل جيفتاهما ملقاتين في تلك الجنينة حتى بليت ~~لحومهما ورمت عظامهما . PageV14P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" ذكر نبوة اليسع - عليه السلام - قال أبو إسحاق ~~رحمه الله تعالى : ولما رفع الله تعالى إلياس - ع - نبأ اليسع وبعثه رسولا ~~إلى بني إسرائيل ، وأوحى إليه وأيده بما أيد به عبده الياس ؛ فآمنت به بنو ~~إسرائيل ، وكانوا يعظمونه وينتهون إلى أمره ، وحكم الله تعالى قائم فيهم ~~إلى أن فارقهم اليسع - ع ms2575 - . قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله بسند رفعه ~~إلى عبد العزيز بن أبي رواد قال : إلياس والخضر عليهما السلام يصومان شهر ~~رمضان ببيت المقدس ، ويوافيان الموسم في كل عام . وروى بسند رفعه إلى زيد ~~مولى عون الطفاوى عن رجل من أهل عسقلان أنه كان يمشي بالأردن نصف النهار ، ~~فرأى رجلا فقال له : يا عبد الله ، من أنت ؟ قال : فجعل لا يكلمني . فقلت : ~~يا عبد الله ، من أنت ؟ قال : أنا إلياس . قال فوقعت على رعدة ، فقلت : ادع ~~الله يرفع عني ما أحد حتى أفهم حديثك وأعقل عنك . قال : فدعا لي بثمان ~~دعوات : يا بر ، يا رحيم ، يا حنان ، يا منان ، يا حي ، يا قيوم ، ودعوتين ~~بالسريانية لم أفهمهما . قال : فرفع الله عني ما كنت أجد ، فوضع كفه بين ~~كتفي ، فوجدت بردها بين يدي . قال فقلت : يوحى إليك اليوم ؟ قال : منذ بعث ~~الله محمدا رسوله فإنه ليس يوحى إلي . قال قلت له : كم من الأنبياء اليوم ~~أحياء ؟ قال : أربعة ، اثنان في الأرض ، واثنان في السماء ، في السماء عيسى ~~وإدريس ، وفي الأرض إلياس والخضر . قلت : كم الأبدال ؟ قال : ستون رجلا ، ~~خمسون منهم من لدن PageV14P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" عريش مصر إلى شاطئ الفرات ؛ ورجلان بالمصيصة ، ~~ورجلان بعسقلان ، وستة في سائر البلدان ، كلما أذهب الله واحدا جاء بآخر ~~مكانه بهم يدفع الله عن الناس البلاء وبهم يمطرون . قلت : فالخضر أين يكون ~~؟ قال : في جزائر البحر . قلت : فهل تلقاه ؟ قال نعم . قلت : أين ؟ قال : ~~بالموسم . قلت : فما يكون من حديثكما ؟ قال : يأخذ من شعري وآخذ من شعره . ~~قال : وذلك حين كان بين مراون بن الحكم وبين أهل الشام قتال . قال : فقلت : ~~ما تقول في مروان بن الحكم ؟ قال : ما تصنع به رجل جبار عات على الله عز ~~وجل القاتل والمقتول والشاهد في النار . قال قلت : فإني قد شهدت فلم أطعن ~~برمح ولم أرم بسهم ولم أضرب بسيف ، وأنا أستغفر الله عز وجل أن أعود إلى ~~ذلك المقام أو مثله أبدا . قال : أحسنت ، هكذا فكن . قال : فإني ms2576 وإياه ~~قاعدان إذ وضع بين يديه رغيفان أشد بياضا من الثلج ، أكلت أنا وهو رغيفا ~~وبعض آخر ثم رفع ، فما رأيت أحدا وضعه ولا أحد رفعه . قال : وله ناقة ترعى ~~في وادي الأردن ، فرفع رأسه إليها ، فما دعاها حتى جاءت فبركت بين يديه ~~فركبها . قلت : أريد أن أصحبك . قال : إنك لا تقدر على صحبتي . قلت : إني ~~خلو ما لي زوجة ولا عيال . قال : تزوج ، وإياك والنساء الأربع ، إياك ~~والناشز ، والمختلعة ، والملاعنة ، والمبارئة ، وتزوج ما بدا لك من النساء ~~. PageV14P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" قال : قلت : فإني أحب لقاءك . قال : إذا ~~رأيتني فقد رأيتني ، ثم قال : إني أريد أن أعتكف في بيت المقدس في شهر ~~رمضان . قال : ثم حالت بيني وبينه شجرة ، فوالله ما أدري كيف ذهب . فهذا ما ~~أورده في خبر إلياس واليسع عليهم السلام . والله أعلم . ذكر خبر عيلى ~~وأشمويل وما يتصل بذلك قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله قال وهب بن منبه : ~~لما قبض الله تعالى اليسع - ع - اخلفت في بني إسرائيل الخلوف ، وعظمت فيهم ~~الخطايا ، وكان عندهم تابوت يتوارثونه صاغرا عن كابر ، فيه السكينة وبقية ~~مما ترك آل موسى وآل هارون ، وكانوا لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت إلا هزم ~~الله ذلك العدو . وكان الله تبارك وتعالى قد بارك لهم في جبلهم ، لا يدخله ~~عدو ، ولا يحتاجون معه إلى غيره . وكان أحدهم - فيما يذكرون - يضع التراب ~~على الصخرة ثم ينثر فيه الحب فيخرج الله تعالى له ما يأكله سنة هو وعياله . ~~ويكون لأحدهم الزيتونة فيعتصر منها ما يأكله ستة هو وعياله . فلما عظمت ~~أحداثهم وكثرت ذنوبهم وتركوا عهد الله إليهم سلط الله عليهم العمالقة - وهم ~~قوم كانوا يسكنون غزة وعسقلان وساحل بحر الروم ما بين مصر PageV14P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" وفلسطين - وكان جالوت الملك منهم فظهروا على ~~بني إسرائيل ، وغلبوهم على كثير من أرضهم وسبوا كثيرا من ذراريهم وأسروا من ~~أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين غلاما ، فضربوا عليهم الجزية ، وأخذوا ~~توراتهم ، ومكثوا على اضطراب من أمرهم واختلاف من حالهم يتمادون أحيانا في ms2577 ~~غيهم وضلالتهم ، فسلط الله عليهم من ينتقم منهم ليراجعوا التوبة ، حتى بعث ~~الله تعالى فيهم طالوت ملكا . وكانت مدة ما بين وفاة يوشع بن نون إلى نبوة ~~أشمويل أربعمائة سنة وستين سنة ، وكان آخر ملوكهم في هذه المدة رجل يقال له ~~إيلاف وكان يدبر أمرهم في ملكه شيخ يقال له عيلى الكاهن ، وكان حبرهم وصاحب ~~قربانهم ، وكانوا ينتهون إلى رأيه . ذكر ابتداء أمر أشمويل وكيف كانت نبوته ~~قال الثعلبي قال وهب : كان لأبي أشمويل امرأتان ، إحداهما عجوز عاقر لم تلد ~~، وهي أم أشمويل ، والأخرى ولدت عشرة أولاد . وكان لبني إسرائيل عيد من ~~أعيادهم قد قاموا بشرائطه وقربوا فيه القرابين ، فحضر أبو أشمويل وامرأتاه ~~وأولاده العشرة ذلك العيد ، فلما قربوا قربانهم أخذ كل واحد منهم نصيبه ، ~~فكان لأم الأولاد عشرة أنصباء ، وللعجوز نصيب واحد ، فعمل الشيطان بينهما ~~ما يعمل بين الضرائر من الحسد والبغي ، فقالت أم الأولاد للعجوز : الحمد ~~لله الذي كثرني بولدي وقللك ، فوجمت العجوز وجوما شديدا . فلما كان عند ~~السحر عمدت العجوز إلى متعبدها فقالت : اللهم بعلمك وسمعك كانت مقالة ~~صاحبتي واستطالتها علي بنعمتك التي أنعمت عليها وأنت ابتدأتها بالننعمة ~~والإحسان ، فارحم ضعفي وارحمني وارزقني ولدا تقيا رضيا أجعله لك ذخرا في ~~مسجد من مساجدك ، يعبدك ولا يكفرك ، ويطيعك ولا يجحدك . وإذا رحمت ضعفي ~~ومسكنتي وأجبت دعوتي ، فاجعل لها علامة أعرفها بها . فلما أصبحت حاضت وكانت ~~من قبل قد يئست من الحيض ، فألم بها زوجها ، فحملت وكتمت أمرها ، ولقى بنو ~~إسرائيل في ذلك الوقت من عدوهم بلاء وشدة ، ولم يكن في بني إسرائيل من يدبر ~~أمرهم ، فكانوا يسألون الله تعالى أن يبعث لهم نبيا يشير عليهم ويجاهدون ~~عدوهم معه ، وكان سبط النبوة قد هلك ، فلم يبق منهم إلا المرأة الحبلى ؛ ~~فلما علموا بحبلها تعجبوا وقالوا : إنما حبلت بنبي ، لأن الآيسات لا يحبلن ~~إلا بالأنبياء ، فأخذوها وحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدل بها غلاما ~~، لما ترى من رغبة بني إسرائيل PageV14P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" في ولدها ، فجعلت المرأة تدعو ms2578 الله تعالى أن ~~يرزقها غلاما ، فولدت غلاما فسمته أشمويل وقيل فيه شمعون . وتقول : سمع ~~الله دعائي . واختلف في نسبه ، فالذي يقول اسمه شمعون يقول : هو شمعون بن ~~صفية بن علقمة بن أبي ياسف بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب . ~~وقال سائر المفسرين : هو أشمويل ، وهو بالعربية إسماعيل بن بالي ابن علقمة ~~بن حام بن النهر بن بهر بن صوف بن علقمة بن ماحت بن عموصا ابن عزريا . قال ~~مقاتل : هو من نسل هارون - ع - . وقال مجاهد : أشمويل ابن هلقاثا . والله ~~أعلم . قالوا : فلما كبر الغلام أسلمته أمه يتعلم التوراة في بيت المقدس ~~وكفله عيلى ، فلما بلغ أشمويل الوقت الذي يبعثه الله عز وجل نبيا أتاه ~~جبريل وهو نائم إلى جنب عيلى الكاهن ، وعيلى لا يأمن عليه أحدا ، فدعاه ~~بلحن الشيخ : يا أشمويل ، فقال فزعا إلى الشيخ فقال : يا أبتاه ، دعوتني ؟ ~~فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام ؛ فقال : يا بني ارجع . فرجع فنام ، ثم ~~دعاه ثانيا ، فأتاه فقال : أدعوتني ؟ فقال الشيخ : ما شأنك ؟ فقال : أما ~~دعوتني ؟ قال : لا . قال أشمويل : فإني سمعت صوتا في البيت ، وليس فيه ~~غيرنا ، فقال : ارجع فتوضأ وصل ، فإذا دعيت باسمك فأجب وقل . لبيك ، أنا ~~طوعك ، فمرني أفعل ما تأمرني . ففعل الغلام ذلك ، فنودي الثالثة ، فقال : ~~لبيك أنا طوعك ، فمرني أفعل ما تأمرني . فظهر له جبريل وقال : اذهب إلى ~~قومك فبلغهم رسالة ربك ، فإن الله تعالى قد بعثك إليهم نبيا ، وإن الله ~~تعالى ذرأك يوم ذرأك للنبوة ورحم وحدة أمك في ذلك اليوم الذي تاهت عليها ~~ضرتها ، ولا أحد اليوم أشد عضدا ولا أطيب ولادة منك ، فانطلق إلى عيلى فقل ~~له إنك كنت خليفة الله على عباده ، فبقيت زمانا تأمر بأمره ، وحاكما بكتابه ~~، وحافظا لحدوده ؛ فلما امتد سنك ، ودق عظمك ، وذهبت قوتك ، وفني عمرك ، ~~وقرب أجلك ؛ وصرت أفقر ما تكون إلى الله تعالى ، ولم تزل فقيرا إليه ، عطلت ~~الحدود ، وعملت بالرشا ، وأضعت حكومات الخلق ، حتى عز الباطل وأهله ، وذل ~~الحق وحزبه ، وظهر ms2579 PageV14P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" المكر ، وخفي المعروف ، وفشا الكذب ، وقل ~~الصدق ، وما الله عاهدك على هذا ، ولا عليه استخلفك ، فبئس ما ختمت به عملك ~~، والله لا يحب الخائنين . فبلعه هذه الرسالة ، وقم بعده بالخلافة ؛ فلما ~~بلغ أشمويل عيلى هذه الرسالة فزع وجزع . قالوا : وكان السبب فيما عاتب الله ~~تعالى عبده عيلى ووبخه عليه أنه كان له ابنان شابان ، فأحدثا شيئا في ~~القربان لم يكن فيه ، وذلك أنه كان في مسواط القربان الذي يسوطونه به ~~كلابان . فما أخرجا كان للكاهن الذي كان يوسطه ، فجعل ابناه لهما كلاليب ، ~~فأوحى الله تعالى إلى أشمويل : انطلق إلى عيلى فقل له : منعك حب الولد أن ~~تزجر ابنيك أن يحدثا في قرباني وأن يعصياني ، فلأنزعن الكهانة منك ومن ~~ولديك ولأهلكنك وإياهما . فأخبر أشمويل عيلى بذلك ، ففزع فزعا شديدا وسار ~~إليهم عدوهم ، فأمر عيلى ابنيه أن يخرجا بالناس ويقاتلا ذلك العدو ، فخرجا ~~وأخرجا معهما التابوت فجعل عيلى يتوقع الخبر ؛ فجاءه رجل وهو قاعد على ~~كرسيه فأخبره أن الناس قد انهزموا ، وأن ابنيه قتلا . قال : فما فعل ~~بالتابوت ؟ قال : ذهب به العدو . فشهق عيلى ووقع ميتا . فلما بلغ ملكهم ~~إيلاف أن التابوت استلب ، وأن عيلى قد مات كمدا مالت عنقه فمات كمدا . ~~قالوا : فما ماتا وأخذ التابوت مرج أمر بني إسرائيل واجترأ عليهم عدوهم ~~فقالوا لأشمويل ما أخبر الله تعالى به عنهم في قوله تعالى : " ألم تر إلى ~~الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل ~~في سبيل الله " الآيات . وذلك بعد ما دبر أشمويل أمرهم عشر سنين . وإنما ~~كان قوام أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة الملوك أنبياءهم ، ~~وكان الملك هو الذي يسير بالجنود ويقاتل العدو ، والنبي يقيم له أمره ويشير ~~عليه ويرشده ، ويأتيه بالخبر من الله تعالى . قال وهب : بعث الله تعالى ~~أشمويل نبيا ، فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال ، وكان من أمر جالوت الملك ~~والعمالقة ما كان ، فسألوه أن يبعث لهم ملكا ؛ فقال لهم : " هل عسيتم إن ~~كتب عليكم ms2580 القتال ألا تقاتلوا " . فأجابوه بما قص الله تعالى في كتابه : " ~~قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله " الآية . قال : فلما أخذ أشمويل ~~ميثاقهم في الطاعة والجهاد سأل الله تعالى أن يبعث لهم ملكا . والله أعلم ~~بالصواب . PageV14P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" ذكر خبر الملك طالوت وإتيان التابوت وخبر ~~جالوت قالوا : ولما سألوا أشمويل أن يبعث لهم ملكا ، سأل الله تعالى في ذلك ~~، فأتى بعصا وقرن فيه دهن القدس ، وقيل له : إن صاحبكم الذي يكون ملكا طوله ~~طول هذه العصا ؛ وقيل له : أنظر إلى القرن الذي فيه الدهن فإذا دخل عليك ~~رجل فنش الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل ، فادهن به رأسه ، وملكه ~~عليهم ؛ فقاسوا أنفسهم بالعصا فلم يكونوا مثلها ؛ وكان طالوت - واسمه ~~بالسريانية شارك ، وبالعبراينة شاول بن قيس بن أنيال بن ضرار بن أحرب بن ~~أفيح بن آيش بن بنيامين ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - . رجلا دباغا يعمل ~~الأدم . قال وهب وعكرمة والسدي : كان سقاء يسقى على حمار من النيل ، فضل ~~حماره ، فخرج في طلبه . وقال وهب : بل ضلت حمر لأبي طالوت ، فأرسله وغلاما ~~له يطلبانها ، فمرا ببيت أشمويل فقال الغلام لطالوت : لو دخلنا على هذا ~~النبي فسألناه عن أمر حمرنا ليرشدنا ويدعو لنا بخير . فقال نعم . فدخلا ~~عليه ، فبينما هما عنده يذكران شأن الحمر إذ نش الدهن في القرن فقام أشمويل ~~وقاس طالوت بالعصا ، فكانت على طوله ، فقال لطالوت قرب رأسك . فقربه فدهنه ~~بدهن القدس ، ثم قال له : أنت ملك بني إسرائيل ، وقد أمرني الله تعالى أن ~~أملكك عليهم . فقال طالوت : PageV14P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" أنا ؟ قال نعم . قال : أو ما علمت أن سبطى ~~أدنى الأسباط في بني إسرائيل ؟ قال بلى . قال : أفما علمت أ ، بيتي أدنى ~~بيوت بني إسرائيل ؟ قال بلى . قال : فبأي آية أكون ملكا ؟ قال : بآية أنك ~~ترجع وقد وجد أبوك حمره . فكان كذلك . ثم قال لبني إسرائيل : " إن الله قد ~~بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ms2581 " ؛ ~~وإنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل سبطان : سبط نبوة ، وسبط مملكة ؛ ~~فكان سبط النبوة سبط لاوى بن يعقوب ، منهم موسى وهارون عليهما السلام وسبط ~~المملكة سبط يهوذا بن يعقوب ، منهم سليمان بن داود ؛ ولم يكن طالوت من سبط ~~النبوة ولا المملكة ، وإنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب ، وكانوا عملوا ~~ذنبا عظيما ؛ كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق نهارا ، فغضب الله تعالى ~~عليهم ، ونزع النبوة والمملكة منهم ، فأنكر بنو إسرائيل ذلك وقالوا : " أنى ~~يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال " قال ~~أشمويل : " إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة " ، أي فضيلة وسعة " في العلم ~~" وذلك أنه كان أعلم بني إسرائيل في وقته . وقال الكلبي : في العلم بالحرب ~~. " والجسم " يعني بالطول والقوة ؛ وكان يفوق الناس برأسه ومنكبيه ؛ وإنما ~~سمى طالوت لطوله . وقال ابن كيسان : للجمال ، وكان أجمل رجل في بني إسرائيل ~~وأعلمهم " والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم " . قالوا : فما آية ~~ذلك ؟ " قال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ~~وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين " . ذكر قصة التابوت وصفته وما قيل فيه قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه ~~الله : قال أهل التفسير وأصحاب الأخبار . إن الله تعالى أهبط تابوتا على ~~آدم حين أهبط آدم إلى الأرض ، فيه صور الأنبياء من أولاده ، وفيه بيوت بعدد ~~الرسل منهم ، وآخر البيوت بيت محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وهو من ياقوتة ~~حمراء ، وإذا هو قائم يصلي وعن يمينه الكهل المطيع ، مكتوب على جبينه : هذا ~~أول من يتبعه من أمته أبو بكر الصديق وعن يساره الفاروق ، مكتوب على جبينه ~~: PageV14P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" قرن من حديد لا تأخذه في الله لومة لائم ؛ ومن ~~ورائه ذو النورين آخذ بحجزته ، مكتوب على جبينه : بار من البررة . ومن بين ~~يديه علي بن أبي طالب شاهر سيفه على عاتقه ، مكتوب على جبينه : هذا أخوه ~~وابن عمه ms2582 المؤيد بالنصر من عند الله . وحوله عمومته والخلفاء والنقباء ~~والكبكبة الخضراء - وهم أنصار الله وأنصار رسوله - نور حوافر دوابهم يوم ~~القيامة مثل نور الشمس في الدنيا . وكان التابوت نحو ثلاثة أذرع في ذراعين ~~، وكان من عود الشمشار الذي تتخذ منه الأمشاط ، مموها بالذهب ، فكان عند ~~آدم إلى أن مات ، ثم عند شيث ، ثم توارثه أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم - ع ~~- فلما مات كان عند إسماعيل ، ثم كان عند قيذار بن إسماعيل ، فتنازعه ولد ~~إسحاق وقالوا : إن النبوة قد صرفت عنكم ، وليس لكم إلا هذا النور الواحد ، ~~يعني نور محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فأعطنا التابوت . فكان قيذار يمتنع ~~عليهم ويقول : إنه وصية لأبي ، ولا أعطيه أحدا من العالمين . قال : فذهب ~~ذات يوم يفتح التابوت ، فتعسر عليه فتحه ، فناداه مناد من السماء : مهلا يا ~~قيذار ، فليس لك إلى فتح هذا التابوت سبيل ، إنه وصية نبي ، لا يفتحه إلا ~~نبي ، فادفعه لابن عمك يعقوب إسرائيل الله ؛ فحمل قيذار التابوت على عنقه ~~وخرج يريد أرض كنعان وكان بها يعقوب - ع - فلما قرب منه صر التابوت صرة ~~سمعها يعقوب ، فقال لبنيه : أقسم بالله لقد جاءكم قيذار بالتابوت فقوموا ~~نحوه . فقام يعقوب وأولاده جميعا إليه ، فلما نظر يعقوب إلى قيذار استعبر ~~باكيا وقال : يا قيذار ، مالي أراك متغيرا وقوتك ضعيفة ، أرهقك عدو أم أتيت ~~معصية بعد أبيك إسماعيل ؟ قال : ما رهقني عدو ولا أتيت معصية ولكن نقل من ~~ظهري نور محمد ، فلذلك تغير لوني وضعف كني ، قال : أفي بنات إسحاق ؟ قال : ~~لا ، في العربية الجرهمية ، وهي العامرية ، فقال PageV14P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" يعقوب : بخ بخ شرفا لمحمد ، لم يكن الله عز ~~وجل ليجريه إلا في العربيات الطاهرات يا قيذار ، وأنا مبشرك ببشارة . قال : ~~وما هي ؟ قال : اعلم أن العامرية قد ولدت لك البارحة غلاما . قال قيذار : ~~وما علمك يا بن عمي وأنت بأرض الشام وهي بأرض الحرم ؟ قال يعقوب : علمت ذلك ~~لأني رأيت أبواب السماء قد فتحت ، ورأيت نورا كالقمر الممدود بين السماء ~~والأرض ، ورأيت ms2583 الملائكة ينزلون من السماء بالبركات والرحمة ، فعملت أن ذلك ~~من أجل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فسلم قيذار التابوت إلى يعقوب ورجع إلى ~~أهله ، فوجدها قد ولدت غلاما ، فسماه حملا وفيه نور محمد ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . قالوا : وكان التابوت في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى - ع - ~~فكان موسى يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه ، وكان عنده إلى أن مات ، ثم ~~تداوله أنبياء بني إسرائيل إلى وقت أشمويل ، وكان فيه ما ذكر الله تعالى " ~~فيه سكينة من ربكم " . قال الثعلبي : واختلفوا في السكينة ما هي ؟ فقال علي ~~بن أبي طالب : السكينة ريح خجوج هفافة لها رأسان كرأس الهرة ووجه كوجه ~~الإنسان . وقال مجاهد : رأس كراس الهرة ، وذنب كذنب الهرة وجناحان . وقال ~~ابن إسحاق عن وهب عن بعض علماء بني إسرائيل : السكينة ، رأس هرة ميتة كانت ~~إذا صرخت في التابوت بصراخ هر أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح . وقال السدي عن ~~أبي مالك عن ابن عباس : هي طست من ذهب من الجنة كانت تغسل فيه قلوب ~~الأنبياء . وقال بكار بن عبد الله عن وهب : روح من الله تتكلم ، إذا ~~اختلفوا في شيء تخبرهم ببيان ما يريدون . وقال عطاء بن أبي رباح : هي ما ~~يعرفون من الآيات فيسكنون إليها . وقال قتادة والكلبي : فعيلة من السكون أي ~~طمأنينة من ربكم ، وفي أي مكان كان التابوت اطمأنوا " وبقية مما ترك آل ~~موسى وآل هارون " . قالوا : كان فيه عصا موسى ورضاض الألواح ، وذلك أن موسى ~~لما ألقى الألواح تكسرت فوقع بعضها ، وجمع ما بقي فجعله في التابوت . وكان ~~فيه أيضا لوحان PageV14P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" من التوراة ، وقفيز من المن الذي كان ينزل ~~عليهم ، ونعلا موسى ، وعمامة هارون وعصاه . وكان التابوت عند بني إسرائيل ؛ ~~وكانوا إذا اخلتفوا في شيء تكلم وحكم بينهم ، وإذا حضروا القتال قدموه بين ~~أيديهم يستفتحون به على عدوهم ، فلما عصوا وأفسدوا سلط الله عز وجل عليهم ~~العمالقة فاستلبوا التابوت كما تقدم . ذكر إتيان التابوت إلى بني إسرائيل ~~وسبب عوده قال أبو إسحاق ms2584 : لما سلب العمالقة قوم جالوت التابوت كان جالوت ~~صغيرا ، فأتوا بالتابوت قرية من قرى فلسطين يقال لها أشدود ، وجعلوه في بيت ~~صنم لهم ووضعوه تحت الصنم الأعظم ، فأصبحوا من الغد والصنم تحته ، فأخذوه ~~ووضعوه فوقه ، وسمروا قدمي الصنم على التابوت ، فأصبحوا من الغد وقد قطعت ~~يد الصنم ورجلاه ، وأصبح ملقى تحت التابوت وأصبحت أصنامهم كلها منكسة ، ~~فأخرجوه من بيت الصنم ووضعوه في ناحية من مدينتهم ، فأخذ أهل تلك الناحية ~~وجع في أعناقهم حتى هلك أكثرهم ، فقال بعضهم لبعض : أليس قد علمتم أن إله ~~بني إسرائيل لا يقوم له شيء ، فأخرجوه عن مدينتكم ، فأخرجوه إلى قرية أخرى ~~، فبعث الله عز وجل على تلك القرية فأر ، يبيت الرجل صحيحا فيقرضه الفأر ~~فيصبح ميتا قد أكلت ما في جوفه ، فأخرجوه منها إلى الصحراء ودفنوه في مخرأة ~~لهم ، فكان كل من تبرز هناك أخذه الباسور والقولنج ، فتحيروا ، فقالت لهم ~~امرأة كانت عندهم من سبي بني إسرائيل من أولاد الأنبياء : لا تزالون ترون ~~ما تكرهون ما دام هذا التابوت فيكم ، فأخرجوه عنكم ، فأتوا بعجلة بإشارة ~~تلك المرأة فحملوا التابوت عليها ، ثم علقوها على ثورين ، ثم ضربوا جنوبهما ~~، فأقبل الثوران يسيران ، ووكل PageV14P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما ~~، فلم يمر التابوت بشيء من الأرض إلا كان مقدسا ، فأقبلا حتى وقفا على أرض ~~فيها حصاد لبني إسرائيل فكسرا برتهما وقطعا حبالهما ، ووضعا التابوت فيها ~~ورجعا إلى أرضهما ، فلم يرع بني إسرائيل إلا التابوت ، فكبروا وحمدوا الله ~~تعالى . وقال الكسائي : إنهم لما دفنوه إلى جنب الحش وأخذهم الباسور أعادوه ~~إلى الكنيسة . فغزاهم بعض الفراعنة فهزمهم ودخل الكنيسة ، وأخذوا التابوت ~~وهموا بفتحه فلم يقدروا فهموا بكسره فلم يقدروا ، فتركوه ؛ فكان القوم ~~يتشاءمون به لما كان يصيبهم من البلاء ، فحولوه إلى خمس مدائن ، فقال أهل ~~المدينة الخامسة : إن هذا البلاء يصيبكم بسبب هذا التابوت فأخرجوه . وساق ~~نحو ما تقدم . وقوله تعالى : " تحمله الملائكة " أي تسوقه . فعند ذلك أقروا ~~بملك طالوت . وقال ابن عباس رضي الله عنهما ms2585 : جاءت الملائكة بالتابوت تحمله ~~بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعوه في دار طالوت ، فأقروا بملكه ~~. قال الله تعالى : " إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين " . قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما إن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية ، وإنهما يخرجان يوم ~~القيامة . والله أعلم . ذكر مسير طالوت بالجنود وخبر النهر الذي ابتلوا به ~~قالوا : فلما أقروا بملك طالوت سألوه أن يغزو بهم ، وهم يؤمئذ سبعون ألف ~~مقاتل . وقيل : ثمانون ألفا لم يتخلف عنه إلا كبير لهرمه أو مريض لمرضه أو ~~ضرير لضره أو معذور لعذره ؛ وذلك أنهم لما رأوا التابوت قالوا : قد أتانا ~~التابوت وهو PageV14P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" النصر لا شك فيه ؛ فسارعوا إلى الجهاد ، فقال ~~طالوت : لا حاجة لي في كل ما أرى ، لا يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه ، ~~ولا صاحب تجارة مشتغل بها ، ولا رجل عليه دين ، ولا رجل تزوج بامرأة ولم ~~يبن بها ؛ ولا يتبعني إلا الشاب النشيط الفارع . فاجتمع له ثمانون ألفا على ~~شرطه - وكانوا في حر شديد - فشكوا قلة المياه فيما بينهم وبين عدوهم ، ~~وقالوا : إن المياه لا تحملنا ، فادع الله تعالى أن يجرى لنا نهرا . فقال ~~لهم طالوت : " إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني " أي من أهل ديني ~~وطاعتي ؛ " ومن لم يطعمه فإنه مني " ؛ ثم استثنى فقال : " إلا من اغترف ~~غرفة بيده " . قال الكسائي : لما سألوه أن يجري لهم نهرا قال : أفعل - إن ~~شاء الله - وسار بهم حتى إذا كانوا في برية وفقدوا الماء وأجهدهم العطش ، ~~أتوه ، فدعا أن يجري الله تعالى لهم نهرا ؛ فأوحى الله إليه ما أخبر به في ~~كتابه ؛ قال الله تعالى : " فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم ~~بنهر " الآية . قال : وهو نهر الأردن من بلاد فلسطين . وقال الثعلبي : قال ~~ابن عباس والسدي : هو نهر فلسطين . وقال قتادة والربيع : هو نهر بين الأردن ~~وفلسطين ، عذب . قال الكسائي : قالوا : وما تغني عنا الغرفة ثم عرض لهم ~~النهر فانهمكوا في شربه . قال ms2586 الله تعالى : " فشربوا منه إلا قليلا منهم " ~~قال : واختلفوا في القليل الذين لم يشربوا ؛ فقال السدي : كانوا أربعة آلاف ~~. وقال غيره : كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر ، وهو الصحيح ، لقول رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) لأهل بدر " أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا ~~النهر " وكان أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر . قالوا : فلم يزد هؤلاء على ~~الغرفة فكانت كفاية لهم ولدوابهم ؛ فمن اغترف غرفة ، كما أمر الله ، نور ~~الله قلبه وصح إيمانه ، وعبر النهر سالما . والذين شربوا وخالفوا أمر الله ~~عز وجل اسودت شفاههم وغلبهم العطش فلم يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن ~~لقاء العدو ؛ فقال طالوت للذين عصوا ربهم : ارجعوا فلا حاجة لي بكم فرجعوا ~~. قال الله تعالى : " فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا ~~اليوم بجالوت وجنوده " وإنما قال ذلك الذين عصوا وشربوا " قال الذين يظنون ~~أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع ~~الصابرين " . PageV14P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" ذكر خبر داود حين قتل جالوت الملك قال الله ~~تعالى : " ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت ~~أقدامنا وأنصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت " . ~~قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله : قال المفسرون بألفاظ مختلفة ومعان متفقة ~~: عبر النهر مع طالوت إيش أبو داود في ثلاثة عشر ابنا له ، وكان داود ~~أصغرهم ، فأتاه ذات يوم فقال : يا أبتاه ، ما أرمي بقذافتي شيئا إلا صرعته ~~. فقال : أبشر يا بني فإن الله عز وجل جعل رزقك في قذافتك ؛ ثم أتاه مرة ~~أخرى فقال : يا أبتاه ، لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا ، فركبته ~~وأخذت بأذنيه فلم يهجني ، فقال : أبشر يا بني فإن هذا خير يريده الله بك . ~~ثم أتاه يوما آخر فقال : يا أبتاه ، إني لأمشي بين الجبال فأسبح فما يبقى ~~جبل ، إلا سبح معي . فقال : أبشر يا بني فإن هذا خير أعطاكه الله عز وجل . ~~قالوا : فأرسل جالوت إلى طالوت ، أن ابرز إلي أو أبرز ms2587 إلي من يقاتلني ، فإن ~~قتلني فلكم ملكي ، وإن قتلته فلي ملككم . فشق ذلك على طالوت ، فنادى في ~~عسكره : من قتل جالوت زوجته ابنتي وناصفته ملكي . فهاب الناس جالوت فلم ~~يجبه أحد ؛ فسأل طالوت نبيهم - ع - أن يدعو ، فدعا الله عز وجل في ذلك ، ~~فأتى بقرن فيه دهن القدس ، وتنور من حديد ، فقيل له : إن صاحبكم الذي يقتل ~~جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه فيغلى الدهن ثم يدهن به رأسه ولا ~~يسيل على وجهه ، يكون على رأسه كهيئة الإكليل ، ويدخل في هذا التنور فيملأه ~~لا يتقلقل فيه ؛ فدعا طالوت بني إسرائيل ، فجربهم فلم يوافقه منهم أحد ، ~~فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن في ولد إيش من يقتل الله به جالوت ، فدعا ~~طالوت إيش وقال له : اعرض على بنيك . فأخرج له اثني عشر رجلا أمثال السواري ~~، وفيهم رجل فارع عليهم ؛ فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا ، فيقول لذلك ~~الجسيم : ارجع فيردده PageV14P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" على التنور . فأوحى الله عز وجل إليه : إنا لا ~~نأخذ الرجال على صورهم ، ولكنا نأخذهم على صلاح قلوبهم . فقال لإيش هل بقي ~~لك ولد غيرهم ؟ فقال لا . فقال النبي : رب إنه زعم أن لا ولد له غيرهم . ~~فقال كذب . فقال النبي : إن ربي كذبك . قال : صدق الله يا نبي الله ، إن لي ~~ابنا صغيرا يقال له داود استحييت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته ، ~~فخلفته في الغنم يرعاها وهو في شعب كذا . وكان داود - ع - رجلا قصيرا ~~مسقاما مصفارا أزرق أشقر . فدعاه طالوت . ويقال : بل خرج طالوت إليه فوجد ~~الوادي قد حال بينه وبين الزريبة التي كان يريح إليها ، فوجده يحمل شاتين ~~شاتين فيجيزهما السيل ولا يخوض بهما الماء ؛ فلما رآه أشمويل قال : هذا هو ~~لا شك فيه ، هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم . فدعاه ووضع القرن على رأسه ~~ففاض ؛ فقال له طالوت : هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتي وأجري حكمك في ~~ملكي ؟ قال نعم . قال : وهل أنست من نفسك شيئا لتقوى به ms2588 على قتله ؟ قال : ~~نعم ، أنا أرعى فيجئ الأسد أو النمر أو الذئب فيأخذ شاة فأقوم له فأفتح ~~لحييه عنها وأخرقهما إلى قفاه . فرده إلى عسكره ؛ فمر داود - ع - في الطريق ~~بحجر فناداه : يا داود ، احملني فإني حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا ، ~~فحمله في مخلاته . ثم مر بحجر آخر فناداه : يا داود ، احملني فإني حجر موسى ~~- ع - الذي قتل به ملك كذا وكذا ، فحمله في مخلاته . ثم مر بحجر آخر فقال : ~~احملني فإني حجرك الذي تقتل به جالوت ، وقد خبأني الله لك ، فوضعه في ~~مخلاته ، فلما تصافوا للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة ، انتدب له داود ، ~~فأعطاه طالوت فرسا ودرعا وسلاحا ، فلبس السلاح وركب الفرس ، وسار قريبا ، ~~ثم انصرف فرجع إلى الملك ، فقال من حوله : جبن الغلام . فجاء فوقف على ~~الملك فقال : ما شأنك ؟ إن الله عز وجل إن لم ينصرني لم يغن عني هذا السلاح ~~شيئا ، فدعني أقاتل كما أريد . قال نعم . فأخذ داود مخلاته فتقلدها ، وأخذ ~~المقلاع ومضى نحو جالوت ، وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم ؛ وكان يهزم ~~الجيوش وحده ، وكان له بيضة PageV14P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" فيها ثلاثمائة من حديدا ، فلما نظر إلى داود ~~ألقى في قلبه الرعب ، فقال له : أنت تبرز لي ؟ قال نعم - وكان جالوت على ~~فرس أبلق ، عليه السلاح التام - قال : تأتيني بالمقلاع والحجر كما يؤتى ~~الكلب ؟ قال : نعم ، لأنت شر من الكلب . قال : لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع ~~الأرض وطير السماء . فقال داود : باسم الله ويقسم الله لحمك . وقال : بسم ~~إله إبراهيم ، وأخرج حجرا ، ثم أخرج الآخر وقال : باسم إله إسحاق ، ووضعه ~~في مقلاعه ، ثم أخرج الثالث وقال : باسم إله يعقوب ، ، ووضعه في مقلاعه ، ~~فصارت كلها حجرا واحدا ، ودور المقلاع ورماه به ، فسخر الله تعالى له الريح ~~حتى أصاب الحجر أنف البيضة وخالط دماغه فخرج من قفاه ، وقتل من ورائه ~~ثلاثين رجلا ، وهزم الله تعالى الجيش وخر جالوت قتيلا ، فأخذه داود فجره ~~حتى ألقاه بين يدي طالوت . وقال الكسائي في هذه القصة : كان ms2589 مع طالوت سبعة ~~إخوة لداود ، وكان داود عند أبيه وهو صغير ، فقال له أبوه : قد أبطأ على ~~خبر إخوتك مع طالوت ، فاحمل إليهم طعاما وتعرف لي خبرهم . فمضى داود ومعه ~~مخلاة له فيها الطعام ، وقد شد وسطه بمقلاع ؛ فبينا هو يسير إذ ناداه حجر ~~من الأرض : خذني فأنا حجر أبيك إبراهيم . فأخذه ؛ ثم ناداه حجر آخر خذني ~~فأنا حجر أبيك إسحاق . فأخذه ، ثم ناداه حجر آخر : خذني فأنا حجر أبيك ~~يعقوب . فأخذه وسار حتى أتى العسكر ، فنزل على إخوته ، فلما كان من الغد ~~تهيأ الجيشان للمحاربة ، فقال طالوت : أيها الناس ، من كفاني منكم أمر ~~جالوت زوجته ابنتي ، وأشركته في ملكي ، وجعلته خليفتي من بعدي . فلم يجبه ~~أحد إلا داود ؛ فخلع عليه وأركبه وطاف به في معسكره ؛ فلما كان من الغد ~~ركبوا ، وأقبل جالوت بجيوشه وهو على فيل ، وكان طوله ثمانية عشر ذراعا ، ~~وطول داود عشرة أذرع ، فقال المؤمنون : " ربنا أفرغ علينا صبرا " الآية . ~~فبرز جالوت بين الصفين فبرز له داود ، فقال له جالوت : إنك صغير ولا سلاح ~~معك فارجع ، فأبى ذلك ، وأخذ تلك الأحجار فوضعها في مقلاعه ورمى بها ، فوقع ~~أحدها بميمنة جالوت فهزمها ، والثاني في الميسرة فانهزموا ، والثالث وقع ~~على أنف بيضة جالوت فخرج من قفاه ، فسقط جالوت ميتا ، وانهزم أصحابه . ~~PageV14P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" قالوا : ولما قتل داود جالوت ذكر الناس داود ~~وعظم في أنفسهم ، فجاء إلى طالوت وقال له : أنجز لي ما وعدتني ، وأعطني ~~امرأتي . فقال له طالوت : أتريد ابنة الملك بغير صداق ، عجل صداق ابنتي ~~وشأنك بها . فقال له داود : ما شرطت علي صداقا ، وليس لي شيء ، فتحكم في ~~الصداق ما شئت وأقرضني مهرها وعلي الأداء والوفاء لك . فقال طالوت : أصدقها ~~نصيبك من الملك . فقالت بنو إسرائيل : لا تظلمه وأنجز له ما وعدته به . ~~فلما رأى طالوت ميل بني إسرائيل إلى داود وحسن رأيهم فيه قال : لا حاجة ~~لابنتي في المال ، ولا أكلفك إلا ما تطيق ، أنت رجل جريء ، وفي جبالنا ~~أعداء من المشركين غلف فانطلق وجاهدهم ms2590 ، فإذا قتلت منهم مائتي رجل وجئتني ~~برءوسهم زوجتك ابنتي . فأتاهم داود ، وجعل كلما قتل منهم رجل احتز رأسه ~~ونظمه في خيط حتى نظم رءوسهم فجاء بها إلى طالوت ، فألقاها إليه وقال : ~~ادفع إلي امرأتي ، فزوجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه ، فمال الناس إلى داود ~~وأحبوه وأكثروا من ذكره ، فوجد طالوت من ذلك في نفسه وحسده وأراد قتله . ~~قال وهب بن منبه : وكانت الملوك يومئذ يتوكأون على عصى فيغرزون في أطرافها ~~أزجة من حديد ، وكان بيد طالوت منها واحدة ، في رأسها رمانة من ذهب وأسفلها ~~زج من حديد ، وداود جالس قريبا منه في ناحية البيت ، فرماه بها بغته ليقتله ~~بها ، فلما أحس داود بذلك حاد عن طريقها ، وأمال نفسه عنها من غير أن يبرح ~~من موضعه ، فارتكزت في الجدار ، فقال له داود : عمدت إلى قتلي ؟ قال طالوت ~~: لا ، ولكن أردت أن أقف على ثباتك في الطعان وربط جأشك للأقران . قال داود ~~: فألفيته على ما قدرته في ؟ قال : نعم ، ولعلك فزعت . قال : معاذ الله أن ~~أخاف إلا الله تعالى وأرجوا إلا الله ، و لا يدفع الشر إلا الله . فانتزعها ~~من الجدار ثم هزها هزة منكرة وقال له : " ثبت كما ثبت لك فأيقن طالوت ~~بالهلاك ؛ فقال له : أنشدك الله والحرمة التي بيني وبينك إلا ما صفحت ؛ ~~فقال داود : إن الله تعالى كتب في التوراة أن أجر السيئة مثلها ، واحدة ~~بواحدة والبادي أظلم ؛ فقال طالوت : ألا تقول قول PageV14P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" هابيل لأخيه قابيل : " لئن بسطت إلي يدك ~~لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين " . قال ~~داود : قد عفوت عنك لوجه الله تعالى . فلبث طالوت زمنا يريد قتل داود ، ~~فعزم على أن يأتيه ويغتاله في داره ، فأخبر بذلك بنت طالوت رجل يقال له : ~~ذو العينين ، فقالت لداود . إنك مقتول الليلة ؛ قال : ومن يقتلني ؟ قالت : ~~أبي ، وأخبرته الخبر وقالت : لا عليك أن تغيب الليلة حتى تنظر مصداق ذلك . ~~فأخذ داود زق خمر فوضعه في مضجعه على السرير وسجاه ودخل تحت ms2591 السرير ودخل ~~طالوت نصف الليل ، فعمد إليه فضربه ضربة بالسيف فسالت الخمر ، فلما وجد ~~ريحها قال : رحم الله داود ، ما كان أكثر شربه للخمر ، وخرج ، فلما أصبح ~~علم أنه لم يصنع شيئا ، فقال : إن رجلا طلبت منه ما طلبت لخليق ألا يدعني ~~حتى يطلب مني ثأره ؛ فاشتد حجابه وحراسه وأغلق دونه الأبواب ، فأتاه داود ~~ليلة وقد هدأت العيون وأعمى الله الحجاب عنه وفتح له الأبواب ، ودخل عليه ~~وهو نائم على فراشه فوضع سهما عند رأسه وسهما عند رجليه وسهما عن يمينه ~~وسهما عن شماله ثم خرج . فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها ، فقال : ~~رحم الله داود فهو خير مني ، ظفرت به فقصدت قتله ، وظفر بي فكف عني ، لو ~~شاء لوضع هذا السهم في حلقي وما أنا بالذي آمنه . فلما كانت الليلة القابلة ~~أتاه ثانية ، وأعمى الله الحجاب ، فدخل وهو نائم ، فأخذ إبريق طالوت الذي ~~كان يتوضأ به وكوزه الذي يشرب منه ، وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هدب ~~ثيابه ، ثم خرج وهرب وتوارى ؛ فلما أصبح ورأى ذلك نصب على داود العيون ~~وطلبه أشد الطلب فلم يقدر عليه ، ثم ركب طالوت يوما فوجد داود يمشي في ~~البرية فقال : اليوم أقتل داود ، وكان داود إذا فر لم يدرك ، فركض داود حتى ~~دخل غار ، فأمر الله العنكبوت أن تنسج ، فنسجت عليه بيتا ، وجاء طالوت إلى ~~الغار فنظر إلى بيت العنكبوت فقال : لو كان هاهنا لخرق بيت العنكبوت ، ~~فتركه ومضى ، وانطلق داود إلى الجبل ومعه المتعبدون ، فجعل يتعبد فيه . ~~وطعن العلماء والعباد على طالوت في شأن داود ، فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن ~~داود إلا قتله . وأغرى بقتل العلماء ، فلم يكن يقدر في بني إسرائيل على ~~عالم ويطيق قتله إلا قتله ولم يكن طالوت يحارب جيشا إلا هزمه ، حتى أتى ~~بامرأة تعلم اسم الله الأعظم ، فأمر جباره بقتلها ، فرحمها الجبار وقال : ~~لعلنا نحتاج إلى عالم فتركها . PageV14P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" ثم وقع في قلب طالوت التوبة ، وندم على ما فعل ~~، وأقبل على البكاء حتى رحمه ms2592 الناس ، وكان كل ليلة يخرج إلى القبور ويبكي ~~وينادي : أنشد الله عبدا يعلم لي التوبة إلا أخبرني . فلما كثر عليهم بكاؤه ~~ناداه مناد من قبر : يا طالوت ، أما ترضى أنك قتلتنا حتى تؤذينا أمواتا ، ~~فازداد بكاء وحزنا ، فقال له الجبار : مالك أيها الملك ؟ قال : هل تعلم لي ~~في الأرض عالما أسأله ؟ هل لي من توبة ؟ قال الجبار : هل تدري ما مثلك ؟ ~~إنما مثلك مثل ملك نزل قرية عشاء ، فصاح ديك فتطير به ، فقال : لا تتركوا ~~في هذه القرية ديكا إلا ذبحتموه . فلما أراد أن ينام قال لأصحابه : إذا صاح ~~الديك فأيقظونا حتى ندلج . فقالوا له : وهل تركت ديكا يسمع صوته ؟ وأنت هل ~~تركت في الأرض عالما ؟ فازداد طالوت حزنا وبكاء ؛ فلما رأى الجبار ذلك قال ~~له : أرأيتك إن دللتك على عالم لعلك أن تقتله ؟ قال لا . فتوثق منه الجبار ~~وأخبره أن المرأة العالمة عنده ؛ قال : فانطلق بي إليها حتى أسألها هل لي ~~من توبة ؟ - وكان إنما يعلم ذلك أهل بيت لهم علم بالاسم الأعظم - فلما بلغ ~~طالوت الباب قال له الجبار : إنها إن رأتك فزعت ، فخلفه خلفه ، ثم دخل ~~عليها فقال لها : ألست أعظم عليك حرمة ، أنجيتك من القتلى وآويتك عندي ؟ ~~قالت بلى . قال : فإن لي إليك حاجة . قالت : وما هي ؟ قال : هذا طالوت يسأل ~~هل له من توبة ؟ فقالت : لا والله ما لطالوت من توبة ، ولكن هل تعلمون مكان ~~قبر أشمويل ؟ قال نعم . قالت : فانطلقوا بي إلى قبره ، ففعلوا ، فصلت ثم ~~نادت : يا صاحب القبر أخرج . فخرج أشمويل من قبره ينفض رأسه من التراب . ~~فلما نظر إليهم ثلاثتهم . المرأة والجبار وطالوت قال : ما لكم أقامت ~~القيامة ؟ قالت : لا ، ولكن طالوت يسألك هل له من توبة ؟ قال أشمويل : يا ~~طالوت ، ما فعلت بعدي ؟ قال : لم أدع من الشر شيئا إلا فعلته ، وقد جئت ~~أطلب التوبة . قال : كم لك من الولد ؟ قال : عشرة رجال . قال : ما أعلم لك ~~من توبة إلا أن تتخلى عن مالك وتخرج أنت وولدك في سبيل الله ms2593 ، ثم تقدم ولدك ~~حتى يقتلوا بين يديك ، ثم تقاتل أنت حتى تقتل آخرهم . ثم رجع أشمويل إلى ~~القبر وسقط ميتا ، PageV14P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" ورجع طالوت أحزن ما كان ، رهبة ألا يتابعه ~~أولاده ، وقد بكى حتى سقطت أشفار عينيه ، ونحل جسمه . فدخل عليه أولاده ~~فقال لهم : أرأيتم لو دفعت إلى النار هل كنتم تنقذونني ؟ قالوا : بلى ، ~~ننقذك بما قدرنا عليه . قال : فإنها النار إن لم تفعلوا ما أقول . قالوا : ~~فاعرض علينا ، فذكر لهم القصة . قالوا : فإنك لمقتول ؟ قال نعم . قالوا : ~~فلا خير لنا في الحياة بعدك ، قد طابت أنفسنا بالذي سألت . فتجهز للغزو ~~بماله وولده ، فتقدم ولده فقاتلوا بين يديه حتى قتلوا ؛ ثم تقدم فقاتل ~~بعدهم حتى قتل . فجاء قاتله إلى داود يبشره وقال : قد قتلت عدوك . فقال ~~داود : ما أنت بالذي تحيا بعده . فضرب عنقه . وحكى الكسائي : أن طالوت لما ~~حسد داود على ما أوتى من القوة ، وهم بالغدر مرارا فلم يظفر به وظفر به ~~داود فأبقى عليه ، اعتذر له طالوت واتفقا ؛ ثم مات أشمويل ، فانضم بنو ~~إسرائيل إلى داود واختلفوا على طالوت وحاربوه ؛ فاستقل داود بالملك ، وجاهد ~~ببني إسرائيل وقهر الأعداء . والله تعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع ~~والمآب . ذكر خلافة داود عليه السلام ونبوته ومبعثه إلى بني إسرائيل وما ~~خصه الله عز وجل به هو داود بن إيش بن عويل بن باعد بن سلمون بن يحسون بن ~~عمى بن مارب ابن أرم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم الخليل عليهم السلام قال الله تعالى : " يا داود إنا جعلناك خليفة ~~في الأرض " قال الكسائي : لما مات أشمويل تفرق بنو إسرائيل واشتغلوا باللهو ~~، فبعث الله تعالى داود - ع - وأعطاه سبعين سطرا من الزبور ، وأعطاه حسن ~~الصوت ، فكان إذا سبح سبحت الجبال معه والطير والوحش ؛ قال الله تعالى : " ~~إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ، والطير محشورة كل له أواب " ~~أي مطيع . وقال أبو إسحاق الثعلبي : قالت العلماء بأخبار الأنبياء : لما ~~استشهد طالوت أتى بنو إسرائيل ms2594 إلى داود فأعطوه خزانة طالوت وملكوه على ~~أنفسهم ، وذلك بعد قتل جالوت بسبع سنين ، ولم يجتمع بنو إسرائيل بعد يوشع ~~بن نون على ملك واحد إلا على داود - ع - . PageV14P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" قال : وخص الله تعالى نبيه داود بخصائص : منها ~~: أنه أنزل عليه الزبور بالعبرانية خمسين ومائة سورة ، في خمسين منها ما ~~يكون من بختنصر وأهل بابل ؛ وفي خمسين ما يكون من أهل إبرون ، وفي خمسين ~~منها موعظة وحكمة ؛ ولم يكن فيها حلال ولا حرام ، ولا حدود ولا أحكام ؛ ~~وذلك قوله تعالى : " وآتينا داود زبورا " . ومنها : الصوت الطيب ، والنغمة ~~اللذيذة ، والترجيع في الألحان ؛ ولم يعط الله تعالى أحدا من خلقه مثل صوته ~~، فكان يقرأ الزبور بسبعين لحنا بحيث يعرى المحموم ويفيق المغشى عليه . ~~وكان إذا قرأ الزبور برز إلى البرية ، فيقوم ويقرأ ويقوم معه علماء بني ~~إسرائيل خلفه ، ويقوم الناس خلف العلماء ، وتقوم الجن خلف الناس ، وتقوم ~~الشياطين خلف الجن ، وتدنو الوحوش والسباع حتى تؤخذ بأعناقها ، وتظله الطير ~~مصيخة ، ويركد الماء الجاري ويسكن الريح . قال الثعلبي : وما صنعت المزامير ~~والبرابط والصنوج إلا على صوته ، وذلك أن إبليس حسده واشتد عليه أمره ، ~~فقال لعفاريته : ترون ما دهاكم ؟ فقالوا : مرنا بما شئت . قال : فإنه لا ~~يصرف الناس عن داود إلا ما يضاده ويحاده في مثل حاله . فهيأ المزامير ~~والأعواد والأوتار والملاهي على أجناس أصوات داود - ع - فسمعها سفهاء الناس ~~فمالوا إليها واغتروا بها . ومنها : تسبيح الجبال والطير معه ؛ قال الله ~~تعالى : " ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير " . وقوله ~~تعالى : " إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق " . يقال : إن داود ~~كان إذا تخلل الجبال يسبح الله تعالى PageV14P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح . ثم ~~قال في نفسه ليلة من الليالي : لأعبدن الله عبادة لم يعبد مثلها ، فصعد ~~الجبل ، فلما كان في جوف الليل وهو على جبل داخلته وحشة ، فأوحى الله إلى ~~الجبال : أن آنسي داود ، فاصطكت الجبال بالتسبيح والتهليل . فقال داود في ~~نفسه : كيف يسمع ms2595 صوتي مع هذه الأصوات ؟ فهبط عليه ملك وأخذ بعضده حتى انتهى ~~به إلى البحر ، فوكزه برجله فانفرج له البحر ، فانتهى إلى الأرض فوكزها ~~برجله فانفجرت له الأرض ، حتى انتهى إلى الحوت فوكزه برجله ، فانتهى إلى ~~الصخرة ، فوكز الصخرة برجله ، فانفلقت فخرجت منها دودة تنش ، فقال : إن ~~الله تعالى يسمع نشيش هذه الدودة في هذا الموضع . قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : كان داود يفهم تسبيح الحجر والشجر والمدر . ومنها : أن الله تعالى ~~أكرمه بالحكم وفصل الخطاب . قالوا : والحكمة : الإصابة في الأمور . ~~واختلفوا في فصل الخطاب ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : بيان الكلام . ~~وقال ابن مسعود والحسن : المعنى علم الحكم والنظر في القضاء ، كان لا ~~يتتعتع في القضاء بين الناس . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : هو ~~البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه . وقال كعب : الشهود والأيمان . ~~وقال الشعبي : سمعت زيادا يقول : فصل الخطاب الذي أعطى داود : أما بعد . ~~قال الأستاذ : وهو أول من قالها . ومنها : السلسلة التي أعطاه الله إياها ، ~~ليعرف المحق من المبطل في المحاكمة إليه . قال الثعلبي : روى الضحاك عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال : إن الله تعالى أعطى داود سلسلة موصولة بالمجرة ~~والفلك ، ورأسها عند محراب داود حيث يتحاكم إليه ، وكانت قوتها قوة الحديد ~~، ولونها لون النار ، وحلقها مستديرة ، مفصلة PageV14P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" بالجوهر ، مدسرة بقضبان اللؤلؤ الرطب ، فلا ~~يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة ، فيعلم داود ذلك الحدث ؛ ولا يلمسها ~~ذو عاهة إلا برئ ، وكان علامة دخول قومه في الدين أن يمسوها بأيديهم ~~ويمسحوا بأكفهم على صدورهم . وكانوا يتحاكمون إليه ، فمن تعدى على صاحبه أو ~~أنكره حقا أتوا السلسلة ، فمن كان صادقا محقا مد يده إلى السلسة فنالها ، ~~ومن كان كاذبا ظالما لم ينلها ؛ فكانت كذلك إلى أن ظهر فيهم المكر والخديعة ~~. قال : فبلغنا أن بعض ملوكهم أودع رجلا جوهرة ثمينة ، فلما استردها منه ~~أنكره ذلك ، فتحاكما إلى السلسلة ، فعلم الذي كانت عنده الجوهرة أن يده لا ~~تنال السلسلة ، فعمد ms2596 إلى عكازة فنقرها ثم ضمنها الجوهرة واعتمد عليها حتى ~~حضر معه غريمه عند السلسلة ، فقال لصاحبها : ما أعرف لك من وديعة ، إن كنت ~~صادقا فتناول السلسلة ، فتناولها بيده وقال لمنكر : قم أنت أيضا فتناولها ، ~~فقال لصاحب الجوهرة : إلزم عكازتي هذه حتى أتناول السلسلة . فأخذها وقام ~~الرجل وقال : اللهم إن كنت تعلم أن هذه الوديعة التي يدعيها علي قد وصلت ~~إليه فقرب مني السلسلة . فمد يده وتناولها ، فشك القوم وتعجبوا ، فأصبحوا ~~وقد رفع الله تلك السلسلة . وقال الكسائي في خبر السلسلة : أوحى الله تعالى ~~إلى داود أن ينصب السلسلة من حديد ويعلق فيها جرسا ، ففعل ذلك ، وساق في ~~خبرها نحو ما تقدم في أمر المحق والمبطل . قال : وجاء خصمان فادعى أحدهما ~~على الآخر أنه أودعه جوهرا ؛ فاعترف به وقال : أعدته إليه ، فتقام المدعي ~~وتناول السلسلة فدنت منه حتى تناولها ، ثم قال للمدعى عليه : تناولها . ~~وكان قد أخذ الوديعة فجعلها في قناة مجوفة ، فناولها للمدعي وقال : الزم ~~عصاي هذه ، ومد يده إلى السلسلة فدنت منه حتى كاد يتناولها ؛ ثم ارتفعت ~~وتدلت إليه مرارا ، ثم تناولها ، فقال داود للمدعي : لعل هذا قد سلم وديعتك ~~لأهلك . فرجع وسأل أهله ، فقالوا : ما دفع إلينا شيئا . فعاد وأعلم داود ، ~~فأخذ داود القناة وشقها ، فطلعت الوديعة منها ؛ وارتفعت السلسلة من ذلك ~~اليوم . PageV14P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" قال الثعلبي : وكان عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه إذا اشتبه عليه أمر الخصمين قال : ما أحوجكما إلى سلسلة بني إسرائيل ؟ ~~كانت تأخذ بعنق الظالم فتجره إلى الحق جرا . والله أعلم بالصواب . ومنها : ~~القوة في العبادة وشدة الاجتهاد ؛ قال الله تعالى : " واذكر عبدنا داود ذا ~~الأيد " ، أي القوة في العبادة " إنه أواب " أي تواب مطيع مسبح . وكان داود ~~يقوم الليل ، ويصوم يوما ويفطر يوما ، وما مرت ساعة من الليل إلا وفيها من ~~آل داود قائم يصلي ، ولا يوم من الأيام إلا وفيه منهم صائم . ومنها : قوة ~~المملكة . قال الله تعالى : " وشددنا ملكه " أي قويناه ، وقرأ الحسن : ~~وشددنا ملكه بالتشديد . قال ابن عباس ms2597 : كان أشد ملوك الأرض سلطانا ؛ كان ~~يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل . وقال السدي : كان يحرسه في كل ~~يوم وليلة أربعة آلاف . وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا من بني ~~إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم عند داود ؛ فقال المستعدي : إن هذا قد ~~غصبني بقرى . فسأل داود الرجل فجحده ، وسأل الآخر البينة فلم تكن له بينة ، ~~فقال لهما داود : قوما حتى أنظر في أمركما . فقاما من عنده ، فأوحى الله ~~تعالى إلى داود في منامه أن يقتل الذي استعدى عليه ، فقال : هذه رؤيا ولست ~~أعجل حتى أتبين فأوحى الله تعالى إليه مرة ثانية أن يقتله فقال : هذه رؤيا ~~، فأوحى الله تعالى إليه مرة ثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله . ~~فأرسل داود إلى الرجل فقال : إن الله تعالى قد أوحى إلي أن أقتلك . فقال : ~~تقتلني بغير بينة ولا تثبت ؟ . فقال نعم ، والله لأنفذن أمر الله فيك . ~~فلما عرف الرجل أنه قاتله قال : لا تعجل حتى أخبرك . إني والله ما أخذت ~~بهذا الذنب ، ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته . فأمر به داود فقتل ، فاشتد ~~هيبته عند بني إسرائيل واشتد ملكه . PageV14P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" ويقال : كان لداود إذا جلس للحكم عن يمينه ألف ~~رجل من الأنبياء ، وعن يساره ألف رجل من الأحبار . ومنها : شدة البطش . ~~فروى أنه ما فر ولا انحاز من عدو له قط ، ولذلك قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في الحديث الصحيح عن داود - ع - : " كان يصوم يوما ويفطر يوما ~~" . ومنها : إلانة الحديد له . قال الله تعالى : " وألنا له الحديد أن اعمل ~~سابغات وقدر في السرد " . قالوا : وكان سبب ذلك أن داود - ع - لما ملك أمر ~~بني إسرائيل ، كان من عادته أن يخرج للناس متنكرا ، فإذا رأى رجلا لا يعرفه ~~تقدم إليه وسأله ، فيقول له : ما تقول في داود واليكم هذا ؟ أي رجل هو ؟ ~~فيثنون عليه ويقولون خيرا ؛ فبينما هو ذات يوم إذ قيض الله له ملكا في صورة ~~آدمي ، فتقدم داود إليه ms2598 فسأله على عادته ، فقال له : نعم الرجل هو لولا ~~خصلة فيه . فراع داود ذلك ، فقال : ما هي يا عبد الله ؟ قال : إنه يأكل ~~ويطعم عياله من بيت المال ، قال : فتنبه داود لذلك ، وسأله الله تعالى أن ~~يسبب له سببا يستغني به عن بيت المال ، فألان الله له الحديد ، فصار في يده ~~مثل الشمع والعجين والطين المبلول ، فكان يصرفه بيده كيف شاء من غير إدخال ~~نار ولا ضرب بحديد . وعلمه الله تعالى صنعة الدروع فهو أول من اتخذها وكانت ~~قبل ذلك صفائح وقيل : إنه كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف ، فيأكل ويطعم ~~عياله ويتصدق منها على الفقراء والمساكين ، وذلك قوله تعالى : " وعلمناه ~~صنعة لبوس لكم " الآية . وقوله : " وألنا له الحديد أن اعمل سابغات " أي ~~دروعا كوامل واسعات " وقدر في السرد " ، أي لا تجعل المسامير دقاقا فتنفلق ~~، ولا غلاظ فتكسر الحلق ، فكان يفعل ذلك حتى جمع منه مالا . وروى أن لقمان ~~الحكيم رأى داود وهو يعمل الدروع ، فعجب من ذلك ولم PageV14P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" يدر ما هو ؟ فأراد أن يسأله ، فسكت حتى فرغ ~~داود من نسج الدروع ، فقام وصبها على نفسه وقال : نعم القميص هذا للرجل ~~المحارب . فعلم لقمان ما يراد به ، فقال : الصمت حكمة وقليل فاعله . والله ~~أعلم . ذكر خبر داود عليه السلام حين ابتلي بالخطيئة قال الثعلبي رحمه الله ~~: اختلف العلماء في سبب امتحان الله تعالى نبيه داود - ع - فقيل : إنه تمنى ~~يوما من الأيام على ربه تعالى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وسأله ~~أن يمتحنه نحو الذي كان يمتحنهم به ، ويعطيه من الفض نحو الذي أعطاهم . قال ~~: وروى السدي والكلبي ومقاتل عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في حديث بعض ، ~~قالوا : كان داود - ع - قسم الدهر ثلاثة أيام : يوما يقضي فيه بين الناس ، ~~ويوما لعبادة ربه ، ويوما يخلو فيه بنسائه وأولاده وأشغاله ؛ وكان يجد فيما ~~يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام فقال : يا رب إن ~~الخير كله ذهب به آبائي الذين كانوا من قبلي . فأوحى الله ms2599 تعالى إليه : ~~أنهم ابتلوا ببلايا لم تبتل بها فصبروا عليها ؛ ابتلي إبراهيم بالنمرود ~~وبذبح ابنه ، وابتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره ، وابتلي يعقوب بالحزن على ~~يوسف ، وإنك لم تبتل بشيء من ذلك . فقال داود - ع - : رب فابتليني مثل ما ~~ابتليتهم وأعطني ما أعطيتهم . فأوحى الله تعالى إليه : إنك مبتلى في شهر ~~كذا في يوم كذا فاحترس . فلما كان ذلك اليوم الذي وعده الله عز وجل دخل ~~داود محرابه وأغلق بابه ، وجعل يصلي ويقرأ الزبور ، فبينا هو كذلك إذ جاءه ~~الشيطان ، تمثل له في صورة حمامة من ذهب ، فيها من كل لون حسن ؛ فوقعت بين ~~رجليه ، فمد يده ليأخذها . وفي بعض الروايات : ليدفعها إلى ابن له صغير ، ~~فلما أهوى إليها طارت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها ؛ فامتد إليها ~~ليأخذها ، فتنحت ، فتبعها فطارت حتى وقعت في كوة ، فذهب ليأخذها فطارت من ~~الكوة ؛ فنظر داود - ع - أين تقع فيبعث إليها من يصيدها ؛ فأبصر امرأة في ~~بستان على شط بركة لها تغتسل ، هذا قول الكلبي . وقال السدي : PageV14P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" رآها تغتسل على سطح لها . وقال الكسائي : سقط ~~الطائر على شجرة إلى جانب الحوض الذي تغتسل فيه نساء بني إسرائيل . قالوا : ~~فرأى داود امرأة من أجمل النساء خلقا ، فعجب من حسنها ، وحانت منها التفات ~~، فأبصرت ظله ، فنفضت شعرها تغطى بدنها ، فزاده ذلك إعجابا بها ؛ فسأل عنها ~~، فقيل هي بتشابع بنت سالغ ، امرأة أوريا بن حنانا ، وزوجها في غزاة ~~بالبلقاء بعث مع يوآب ابن صروية ابن أخت داود ، فكتب داود إلى ابن أخته : ~~أني ابعث أوريا إلى موضع كذا وكذا ، وقدمه قبل التابوت ؛ وكل من قدم على ~~التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد ، فبعثه ~~أيوب وقدمه ، ففتح له ، فكتب إلى داود بذلك ؛ فكتب إليه أيضا : أن أبعثه ~~إلى عدو كذا وكذا . فبعثه ، ففتح له ؛ فكتب إلى داود بذلك ، فكتب إليه أيضا ~~: أن أبعثه إلى عدو كذا أشد منه بأسا . فبعثه ؛ فقتل في المرة الثالثة . ~~فلما ms2600 انقضت عدة المرأة تزوجها داود - ع - وهي أم سليمان - ع - . وقال آخرون ~~: كان سبب امتحانه أن نفسه حدثته أنه يطيق قطع يوم بغير مقارفة سوء . وقد ~~روى الثعلبي في ذلك بسند سعيد بن مطر عن الحسن قال : إن داود - ع - جزأ ~~الدهر أربعة أجزاء : يوما لنسائه ، ويوما للعبادة ، ويوما للقضاء بين الناس ~~، ويوما لبني إسرائيل يذاكرونه ، ويبكيهم ويبكونه . فلما كان يوم بني ~~إسرائيل ذكروا فقالوا : هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا ؟ فأضمر ~~داود في نفسه أنه سيطيق ذلك . فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه ، وأمر ألا ~~يدخل عليه أحد ، وأكب على قراءة الزبور ؛ فبينما هو يقرأ إذا حمامة من ذهب ~~فيها من كل لون PageV14P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" حسن وقد وقعت بين يديه ، فأهوى إليها ليأخذها ~~، فطارت فوقعت غير بعيد ، ولم تؤيسه من نفسها ، فما زال يتبعها حتى أشرف ~~على امرأة تغتسل ، فأعجبه خلقها ؛ فلما رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها ~~، فزاده ذلك إعجابا بها ؛ وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه ، فكتب إليه : ~~أن سر إلى مكان كذا وكذا - مكان إذا سار إليه قتل ولم يرجع - ففعل ، فأصيب ~~. فخطبها داود وتزوجها . وقال بعضهم في سبب ذلك ما رواه أبو إسحاق بسنده عن ~~قتادة عن الحسن قال : قال داود - ع - لبني إسرائيل حين ملك : والله لأعدلن ~~بينكم . ولم يستثن ؛ فابتلى . وقال أبو بكر الوراق : كان سبب ذلك أن داود - ~~ع - كان كثير العبادة ، فأعجب بعمله وقال : هل في الأرض أحد يعمل عملي ؟ ~~فأتاه جبريل - ع - فقال : إن الله عز وجل يقول : أعجبت بعبادتك والعجب يأكل ~~العبادة ، فإن أعجبت ثانيا وكلتك إلى نفسك . فقال : يا رب كلني إلى نفسي ~~سنة . قال : إنها لكثرة . قال : شهرا . قال : إنه لكثير . قال : فأسبوعا . ~~قال : إنه لكثير . قال : فيوما . قال : إنه لكثير . قال : فساعة . قال : ~~فشأنك بها . فوكل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه ، ~~فبينما هو في نسكه وعبادته إذ وقع الطائر بين يديه ؛ وكان من أمر المرأة ما ms2601 ~~كان . قالوا : فلما دخل داود - ع - بامرأة أوريا لم يلبث إلا يسيرا حتى بعث ~~الله عز وجل ملكين في صورة إنسيين ، يطلبان أن يدخلا عليه ، فوجداه في يوم ~~عبادته ، فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه ؛ فتسورا المحراب عليه ، فما شعر وهو ~~يصلي إلا وهما بين يديه جالسان ، فذلك قول الله تعالى : " وهل أتاك نبؤا ~~الخصم إذ تسوروا المحراب ، إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان ~~بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط " أي تجر " واهدنا إلى سواء ~~الصراط " أي وسط الطريق " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة " ~~كني PageV14P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" بالنعاج عن النساء ؛ والعرب تفعل ذلك . " فقال ~~اكفلنيها " . قال ابن عباس : أعطنيها . وقال ابن جبير عنه تحول لي عنها ~~وقال أبو العالية ضمها إلي حتى أكفها . وقال ابن كيسان : إجعلها كفلي ، أي ~~نصيبي . " وعزني في الخطاب " ، أي غلبني . وقرأ عبيد بن عمير : وعازني ، من ~~المعازاة ، وهي المغالبة . قال داود : " لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ~~وإن كثيرا من الخلطاء " أي الشركاء " ليبغى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وقليل ما هم " . وروى السدي أن أحدهما لما قال : " إن هذا ~~أخي " الآية ، قال داود - ع - للآخر : ما تقول ؟ قال : إن لي تسعا وتسعين ~~نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة ، وأنا أريد أن آخذها منه فأكمل نعاجي مائة وهو ~~كاره . قال داود : وهو كاره ؟ قال نعم . قال : إذا لا ندعك وذلك ، وإن رمت ~~ذلك ضربنا منك هذا وهذا ، يعني طرف الأنف وأصل الجبهة . فقال : يا داود ، ~~أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا ، حيث لك تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا ~~إلا امرأة واحدة ، فلم تزل به تعرضه للقتل حتى قتل وتزوجت امرأته . فنظر ~~داود - ع - فلم ير أحدا ، فعرف ما قد وقع فيه ؛ فذلك قوله تعالى : " وظن ~~داود " أي أيقن " أنما فتناه " أي ابتليناه . قال سعيد بن جبير : إنما كانت ~~فتنة داود النظر . قال الثعلبي : ولم يتعمد النظر إلى المرأة ، ولكنه ms2602 أعاد ~~النظر إليها فصارت عليه . قال : فهذه أقاويل السلف من أهل التفسير في قصة ~~امتحان الله تعالى داود - ع - . وقد روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~قال : " من حديث بحديث داود على ما يرويه القصاص معتقدا صحته جلدته حدين ~~لعظيم ما ارتكب وجليل ما احتقب من الوزر والإثم ، يرمى من قد رفع الله محله ~~وأنابه من خلقه رحمة للعالمين وحجة للمجتهدين " . وقال القائلون بتنزيه ~~المرسلين في هذه القصة : إن ذنب داود - ع - إنما كان أنه تمنى أن تكون له ~~امرأة أورياء حلالا له ، وحدث نفسه بذلك ، فاتفق غزو PageV14P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" أورياء وتقدم في الحرب وهلاكه . فلما بلغه ~~قتله لم يجزع عليه ولم يتوجع له كما كان يجزع على غيره من جنده إذا هلك ، ~~ووافق قتله مراده ، ثم تزوج امرأته فعاتبه الله على ذلك ؛ لأن ذنوب ~~الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند الله تعالى . وقال بعضهم : ذنب داود أن ~~أورياء كان قد خطب تلك المرأة ووطن نفسه عليها ، فلما غاب في غزاته خطبها ~~داود ، فتزوجت منه لحلالته ؛ فاغتم لذلك أورياء غما شديدا ، فعاتبه الله ~~تعالى على ذلك ، حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها الأول ، وقد كانت عنده ~~تسع وتسعون امرأة . قالوا : فلما علم داود أنه ابتلى سجد فمكث أربعين ليلة ~~ساجدا باكيا حتى نبت الزرع من دموعه ، وأكلت الأرض من جبينه ، وهو يقول في ~~سجوده : رب داود زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب ، رب إن لم ترحم ~~ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلوف من بعده . فجاء جبريل - ع - ~~بعد أربعين ليلة فقال : يا داود ، إن الله تعالى قد غفر لك الهم الذي هممت ~~به . فقال داود : عرفت أن الرب قادر على أن يغفر لي ، وقد عرفت أن الله عدل ~~لا يميل ، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال : يا رب ، دمي الذي عند ~~داود ؟ فقال جبريل : ما سألت ربك عن ذلك ، ولئن شئت لأفعلن . قال نعم . ~~فعرج جبريل - ع - وسجد داود فمكث ms2603 ما شاء الله ، ثم نزل جبريل فقال : قد ~~سألت يا داود ربك عن الذي أرسلتني فيه فقال : قل لداود : إن الله يجمعكما ~~يوم القيامة ، فيقول له : هب لي دمك الذي عند داود ؛ فيقول : هو لك يا رب ، ~~فيقول : فإن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضا . وروى الثعلبي بسند رفعه ~~إلى ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه ، قالوا جميعا : إن داود - ع - لما ~~دخل عليه الملكان فقضى على نفسه تحولا عن صورتهما ، فعرجا وهما يقولان : ~~قضى الرجل على نفسه . وعلم داود أنه عني به ، فخر ساجدا أربعين يوما لا ~~يأكل ولا يشرب ولا يرفع رأسه إلا لحاجة أو لوقت صلاة مكتوبة ثم يعود ساجدا ~~، لا يرفع رأسه إلا لحاجة لا بد منها ثم يعود ، فسجد تمام PageV14P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" أربعين يوما لا يأكل ولا يشرب وهو يبكي حتى ~~نبت العشب حول رأسه ، وهو ينادي ربه عز وجل ويسأله التوبة ويدعو بدعاء طويل ~~ذكره الثعلبي ، في آخر كل كلمة منه : سبحان خالق النور . قال : فأتاه نداء ~~: يا داود ، أجائع أنت فتطعم ، أظمأن أنت فتسقى ، أمظلوم أنت فتنصر ، ولم ~~يجبه في ذكر خطيئته بشيء . فصاح صيحة هاج منها ما حوله ؛ ثم نادى : يا رب ~~الذنب الذي أصبته . فنودي : يا داود ، ارفع رأسيك فقد غفرت لك . فلم يرفع ~~رأسه حتى جاء جبريل - ع - فرفعه . قال وهب : إن داود - ع - أتاه نداء : إني ~~قد غفرت لك قال : يا رب ، كيف وأنت لا تظلم أحدا ؟ قال : اذهب إلى قبر ~~أورياء ، فناده وأنا أسمعه نداءك ، فتحلل منه . فانطلق حتى أتى قبره وقد ~~لبس المسوح ، فجلس ثم نادى : يا أورياء . فقال : لبيك ، من هذا الذي قطع ~~علي لذتي وأيقظني ؟ قال : أنا داود . قال : ما جاء بك يا نبي الله ؟ قال : ~~أسألك أن تجعلني في حل مما كان مني إليك . قال : وما كان منك إلي ؟ قال : ~~عرضتك للقتل . قال : عرضتني للجنة ، فأنت في حل . فأوحى الله تعالى إليه : ~~يا داود ، ألم تعلم أني حكم عدل لا ms2604 أقضي بالغيب والتغرير ؟ ألا أعلمته أنك ~~قد تزوجت امرأته . قال : فرجع إليه فناداه ؛ فأجابه فقال : من هذا الذي قطع ~~علي لذتي ؟ قال : أنا داود . قال : يا نبي الله ، أليس قد عفوت عنك . قال : ~~نعم ، ولكن إنما فعلت ذلك لمكان امرأتك فتزوجتها ، فسكت ولم يجبه ، وعاوده ~~فلم يجبه ، فقام عند قبره وحثا التراب على رأسه ثم نادى : الويل لداود ثم ~~الويل لداود إذا نصبت الموازين القسط ليوم القيامة ، سبحان خالق النور . ~~الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يؤخذ بذقنه فيدفع إلى المظلوم ، سبحان ~~خالق النور . الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يسحب على وجهه مع ~~الخاطئين إلى النار ، سبحان خالق النور . الويل لداود ثم الويل الطويل له ~~حين تقربه الزبانية مع الظالمين إلى النار ، سبحان خالق النور . ~~PageV14P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" قال : فأتاه نداء من السماء : يا داود ، قد ~~غفرت لك ذنبك ، ورحمت بكاءك ، واستجبت دعاءك ، وأقلت عثرتك . قال : يا رب ، ~~كيف لي أن تعفو عني وصاحبي لم يعف عني ؟ قال : يا داود ، أعطيه يوم القيامة ~~ما لم تر عيناه ، ولم تسمع أذناه ، فأقول له : رضيت عبدي ؟ فيقول : يا رب ، ~~من أين لي هذا ولم يبلغه عملي ؟ فأقول له : هذا عوض من عبدي داود ، ~~فأستوهبك منه فيهبك لي . قال : يا رب ، الآن قد عرفت أنك قد غفرت لي . فذلك ~~قوله تعالى : " فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ، فغفرنا له ذلك " ، أي ذلك ~~الذنب " وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " أي وإن له بعد المغفرة عندنا يوم ~~القيامة حسن مرجع . قال الثعلبي ورفعه إلى وهب بن منبه قال : إن داود - ع - ~~لما تاب الله تعالى عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة لا ترقأ له دمعة ليلا ~~ونهارا ، وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة ، فقسم الدهر بعد الخطيئة ~~على أربعة أيام ، فجعل يوم للقضاء بين بني إسرائيل ، ويوما لنسائه ، ويوما ~~يسيح في الفيافي والجبال والساحل ، ويوما يخلو في دار له فيها أربعة آلاف ~~محراب ؛ فيجتمع إليه الرهبان ، فينوح معهم على نفسه ، ويساعدونه ms2605 على ذلك . ~~فإذا كان يوم سياحته يخرج في الفيافي ، فيرفع صوته بالمزامير ، فيبكي وتبكي ~~معه الشجر الرمال والطير والوحوش حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار ؛ ثم يجيء ~~إلى الساحل فيبكي وتبكي معه الحيتان ودواب البحر والسباع وطير الماء ، فإذا ~~أمسى رجع ، فإذا كان يوم نوحه نادى مناد : إن اليوم نوح داود على نفسه ~~فليحضر من يساعده . قال : فيدخل الدار التي فيها المحاريب ، فتبسط له فرش ~~من مسوح حشوها ليف فيجلس عليها ، ويجيء الرهبان وهم أربعة آلاف ، عليهم ~~البرانس وفيه أيديهم العصي ، فيجلسون في تلك المحاريب ثم يرفع داود صوته ~~بالنوح والبكاء ، ويرفع الرهبان معه أصواتهم ، فلا يزال يبكي حتى تغرق ~~الفرش من دموعه ، ويقع داود مثل الفرخ يضطرب ، فيجيء ابنه سليمان فيحمله ، ~~فيأخذ داود من تلك الدموع بكفيه ، ثم يمسح بها وجهه ويقول : يا ب اغفر ما ~~ترى . قال : فلو عدل بكاء داود ببكاء أهل الدنيا لعدله . PageV14P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" وقال ثابت : ما شرب داود شربا بعد المغفرة إلا ~~ونصفه ممزوج بدموع عينيه . وعن الأوزاعي قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله ~~عليه قال : " خدت الدموع في وجه داود - ع - خديد الماء في الأرض " . ذكر ~~ميلاد سليمان بن داود عليهما السلام قال الكسائي : كان لداود - ع - عدة من ~~الولد ، فسأل الله تعالى أن يرزقه ولدا يرث ملكه ؛ فرزقه الله تعالى سليمان ~~. فنودي إبليس عند ما حملت به أمه : يا ملعون ، قد حمل في هذه الليلة برجل ~~يكون طول حزنك على يديه ، ويكون أولادك له خداما . ففزع من ذلك وجمع ~~الشياطين وأخبرهم بأمر المولود وما سمعه وقال : إنه لا يكون إلا من داود ، ~~فإنه خير أهل الأرض . قال : فلما وضعته أمه أتت الملائكة إلى داود وقالوا : ~~أقر الله عينك به . فبادر داود إلى منزله فرأى أعلام الملائكة منصوبة ، فخر ~~داود شكرا لله تعالى ، وقرب قربانا عظيما . ثم جاءه إبليس وقال : يا دود ، ~~أقر الله عينك بولدك ، غير أنه يقتلك ويسلبك ملكك ، فاقتله صغيرا وإلا قتلك ~~كبيرا ، فغضب منه ولعنه ، فانصرف وقد ms2606 خاب أمله . قال : ونشأ سليمان ، فكان ~~داود إذا تلا الزبور حفظ ما يتلوه لوقته ، وحفظ التوراة ، وكان يحكم بحضرة ~~أبيه . ذكر خبر أبشالوم بن داود قال الكسائي : كان من خبر أبشالوم أنه لما ~~كان من أمر فتنة داود - ع - ما قدمناه ، تكلم بعض بني إسرائيل في ذلك ~~وجاءوا إلى أبشالوم وهو ابن بنت طالوت ، وقالوا : إن أباك قد كبر وعجز عن ~~سياستنا ، وقد وقع في هذه الخطيئة ، وأنت أكبر أولاده ، والرأي أن ندعو ~~الناس إليك وتقوم مقامه ، فتبع رأيهم وتولى الملك . فخاف داود على نفسه من ~~سفهاء بني إسرائيل ، ففارق منزله واعتزل القوم برجلين من أصحابه . ثم جاء ~~رجل من بني إسرائيل اسمه أحيتوفل إلى PageV14P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" أبشالوم وقال : إنه لا يستقيم أمرك إلا بعد ~~وفاة أبيك ، والرأي أن تعاجله وتقتله ما دام في الخطيئة ، فهم بذلك ثم صرفه ~~الله عنه . فلما غفر الله تعالى لداود ورجع إلى قومه اعتزل ابنه أبشالوم في ~~طائفة من بني إسرائيل . فلما ولد سليمان أرسل داود ابن أخت له يقال له : ~~يوآب إلى ابنه أبشالوم وقال : سر إليه فإنه اعتزلني خوفا على نفسه ، وما ~~كنت بالذي أقتل ولدي وقد تاب الله تعالى علي ورزقني هذا الولد المبارك ، ~~فإن ظفرت به فائتني به مكرما ، وإياك أن تقتله ، فإنك إن قتلته قتلتك به . ~~فسار إليه في نفر من أصحابه ، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم ~~أبشالوم ومن معه . فبينا هو في هزيمته إذ مر بشجرة فعلق برنسه بها ، وخرج ~~الفرس من تحته ، فأدركه يوآب فحمله الحرج على قتله فقتله وتركه معلقا في ~~الشجرة ، ورجع إلى داود فأخبره الخبر ، فغضب وقال : إني قاتلك به لا محالة ~~عاجلا أو آجلا . قال الثعلبي : فلما حضر داود الوفاة أمر سليمان أن يقتله ، ~~فقتله بعد فراغه من دفن أبيه . ذكر خبر الزرع الذي رعته الغنم وما حكم فيه ~~سليمان عليه السلام قال الكسائي : وبينما داود - ع - في يوم قضائه وسليمان ~~بين يديه ، إذ تقدم إليه قوم فقالوا : يا نبي الله ، إنا ms2607 قوم حرثنا أرضا ~~لنا وزرعناها وسقيناها حتى بلغت الحصاد ، فجاء هؤلاء وأرسلوا أغنامهم فيها ~~بالليل ، فرعتها جميعا حتى لم يبق منها شيء . فقال داود لأصحاب الغنم : ما ~~تقولون ؟ قالوا : صدقوا . فقال : لأصحاب الزرع : كم قيمة زرعكم ؟ قالوا : ~~كذا وكذا . وقال لأرباب الغنم : كم قيمة أغنامكم ؟ PageV14P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" فذكروا قيمتها ، فتقاربت القيم ، فقال : ~~ادفعوا أغنامكم إليهم بقيمة زرعهم . فقال سليمان : يا أبت إن أذنت لي تكلمت ~~. قال : يا بني تكلم بما عندك . فقال سليمان لأرباب الغنم : ادفعوا أغنامكم ~~إلى هؤلاء ينتفعوا بأصوافها وألبانها ونتاجها ، وخذوا أنتم أرضهم فاحرثوها ~~وازرعوها واسقوها حتى يقوم الزرع على مسوقه ، فإذا بلغ الحصاد فسلموا إليهم ~~أرضهم بزرعها وخذوا أغنامكم ، فرضوا جميعا بذلك . قال الله تعالى : " ~~ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما " . قال : ولما نظر مشايخ بني ~~إسرائيل إلى جلوس سليمان عن يمين أبيه مع صغر سنه حسدوه على ذلك . فأوحى ~~الله إلى داود أن يقيم سليمان خطيبا ليسمعهم من الحكمة ما ألهمه الله ~~ليعلموا فضله عليهم . فجمع داود الناس حتى العباد والرهبان وأهل السياحة ~~إلى محرابه ، وكانت سن سليمان يومئذ اثنتي عشرة سنة ، فأخرجه داود إليهم ~~وألبسه لباس النبيين من الصوف الأبيض وقال : هذا ابني قد أخرجته إليكم ~~خطيبا ليورد عليكم ما علمه الله تعالى . فجلس على منبر أبيه وحمد الله ~~تعالى ووحده ، ووصف عجائب خلقه وصنعه ؛ فسجدوا شكرا لله ، ونظروا إليه بعد ~~ذلك بالعين الرفيعة وأجلوه ، وأعطى سليمان في حياة أبيه من العلم ما فسر ~~لبني إسرائيل خطبة آدم ووصية شيث ورفع إدريس وغير ذلك . ذكر خبر الذين ~~اعتدوا في السبت قال الله تعالى : " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ~~فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين " . وقال تعالى : " واسألهم عن القرية التي ~~كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت " الآية . قال الكسائي : وكان في زمن ~~داود - ع - قوم من بني إسرائيل من أبناء الذين كانوا مع موسى ؛ وكانوا ~~ينزلون على ساحل البحر بقرية يقال لها : أيلة وكان الله قد حرم على بني ~~إسرائيل أن ms2608 يشتغلوا يوم السبت ، وأوجب عليهم فيه العبادة ؛ لأن موسى - ع - ~~أمرهم بالعبادة يوم الجمعة فأبوا وقالوا : لا ينبغي لنا أن نستغل بعبادة ~~الرب إلا في اليوم الذي فرغ فيه من الخلق ، وهو يوم السبت . فلما اختاروه ~~شدد الله عليهم فيه ؛ قال الله تعالى : " إنما جعل السبت على الذين اختلفوا ~~فيه " . وكان موسى يأمر قومه بتعظيمه ، فكانوا كذلك مدة ، وكان على ~~PageV14P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" ساحل البحر إلى جانب أيلة حجران أبيضان ، ~~وكانت الحيتان تخرج إلى أصلهما ليلة السبت ويوم السبت ، لأنها كانت لا تصاد ~~، فإذا أقبلت ليلة الأحد خرجت منهما إلى البحر ، فيتعذر عليهم صيدها فيه ~~إلا بمشقة ؛ فذلك قوله تعالى : " إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم " . فجعل فساق أهل أيلة يقول بعضهم لبعض : إنما حرم الله ~~تعالى الاصطياد على آبائنا وأجدادنا لا علينا ، ونحن لا ذنب لنا ، وهذه ~~الحيتان تكثر يوم السبت وليلته ، فمن المحال تركها ؛ فاصطادوها وطبخوها ~~وشووا منها ، فشم المؤمنون رائحتها في يوم السبت ، فخرجوا إلى الفساق ~~ووعظوهم وحذروهم ، فلم يكترثوا لذلك ولم ينتهوا عنه ، فاجتمع المؤمنون على ~~أبواب القرية بالسلاح ومنعوهم من دخولها ، فاشتد ذلك على الفساق وشق عليهم ~~أن يمتنعوا من الاصطياد في يوم السبت لكثرة الحيتان فيه دون غيره من الأيام ~~، فقالوا : إن هذه القرية مشتركة بيننا وبينكم ولا يحل لكم أن تمنعونا منها ~~، فإما أن تصبروا على أفعالنا أو تقاسمونا القرية فننفرد عنكم . فتراضوا ~~على ذلك وقاسموهم القرية ، وبنوا بينهم حيطانا عالية وبابا يدخلون منه غير ~~بابهم ، وانفردت كل طائفة ، واشتغل الفساق باللهو واللعب والاصطياد ، ~~وحفروا أنهارا صغارا من البحر إلى أبواب دورهم ، فكانت الحيتان تأتيهم في ~~يوم السبت ، فإذا غربت الشمس همت الحيتان بالرجوع إلى البحر ، فيسدون أفواه ~~تلك الأنهار مما يلي البحر ، ويصيدون تلك الحيتان . هذا والمؤمنون يخوفونهم ~~عذاب الله فلا يرجعون . فلما طال ذلك وتكرر منهم قال بعض المؤمنين لبعض : ~~إلى كم ننصح هؤلاء ولا يزيدون إلا تماديا وعتوا قال الله تعالى : " وإذا ~~قالت أمة منهم ms2609 لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا " الآية . ~~قال : واستغنى الفساق وكثرت أموالهم ، واشتروا الضياع وانهمكوا على الفسق ~~فبلغ ذلك داود - ع - فلعنهم ودعا عليهم . فبينما هم في منازلهم في شر ما هم ~~فيه إذ زلزلت قريتهم زلزلة عظيمة ، ففزع المؤمنون وخرجوا من بيوتهم ؛ قال ~~الله تعالى : " فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا ~~الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون " وقال تعالى : " لعن الذين كفروا ~~من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون " ~~. فالذين لعنوا على لسان داود هم هؤلاء الذين اعتدوا في السبت ، والذين ~~لعنوا على لسان عيسى الذين سألوه نزول المائدة ، فلما نزلت عليهم كفروا . ~~PageV14P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" قال : فمسخ الله هؤلاء الذين اعتدوا في السبت ~~قردة ، ومسخ أصحاب المائدة خنازير - وسنذكر إن شاء الله خبر أصحاب المائدة ~~في موضعه من أخبار عيسى - ع - قال : فكان أحدهم يأتي حميمه من المؤمنين ~~وعيناه تذرفان دمعا فيقول له : أنت فلان ؟ فيشير برأسه ، أي نعم . فيقول ~~لهم المؤمنون : قد أنذرناكم عذاب ربكم وعقوبته فلم تتعظوا ، فنزل بكم ما ~~نزل . قال الثعلبي قال قتادة : صارت الشبان قردة ، والشيوخ خنازير ، فما ~~نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم . قال : ثم برز الممسوخون من المدينة ~~وهاموا على وجوههم متحيرين ، فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ، وكذلك لم يلبث ~~مسخ فوق ثلاثة أيام ، ولم يتوالدوا ولم يتناسلوا . ثم بعث الله تعالى عليه ~~ريحا ومطرا فقذفهم في البحر . فإذا كان يوم القيامة أعادهم الله إلى صورهم ~~الأولى البشرية ، فيدخلهم النار والله أعلم . ذكر استخلاف داود ابنه سليمان ~~عليهما السلام وخبر الصحيفة وابتداء أمر الخاتم قال الكسائي رحمه الله : ~~ولما أتى على سليمان بضع وعشرون سنة نزل جبريل على داود بصحيفة ، وأمره عن ~~الله تعالى أن يجمع أولاده ويقرأ عليهم ما في الصحيفة من المسائل ، فمن ~~أجاب عما فيها فهو الخليفة من بعده ، فأحضر داود أولاده ، وكان سليمان ~~أصغرهم سنا ، وقرأ عليهم ما في الصحيفة ، فأقروا ms2610 بالعجز عن معرفتها ، وذلك ~~بحضور مشيخة بني إسرائيل ، فقال داود - ع - لسليمان - ع - : أجب عن هذه ~~المسائل . فقال : أرجو أن يهديني الله تعالى إلى جوابها فقال : يا سليمان ، ~~ما الشيء ؟ قال : المؤمن . قال : فما بعض الشيء ؟ قال : الفاجر . قال : فما ~~لا شيء ؟ قال : الكافر . قال : فما كل شيء ؟ قال : الماء . قال : فما أكبر ~~شيء ؟ قال : الشرك . قال : فما أقل شيء ؟ قال : اليقين . قال : فما أمر شيء ~~؟ قال : الفقر بعد الغنى . قال : فما أحلى شيء ؟ قال : المال والولد . قال ~~: فما أقبح شيء ؟ قال : الكفر بعد الإيمان . قال : فما أحسن شيء ؟ قال : ~~الروح في الجسد . قال : فما أوحش شيء ؟ قال : الجسد PageV14P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" بلا روح . قال : فما أقرب شيء ؟ قال : الآخرة ~~من الدنيا . قال فما أبعد شيء ؟ قال الدنيا من الآخرة . قال : فما أشر شيء ~~؟ قال : المرأة السوء . قال : فما خير شيء ؟ قال : المرأة الصالحة . قال : ~~وكان داود يصدقه عقب كل مسئلة ، ثم التفت إلى بني إسرائيل فقال : ما أنكرتم ~~من قول ابني ؟ قالوا : ما أخطأ في شيء متعك الله به ، وبارك لنا ولك فيه . ~~قال : أترضون أن يكون خليفتي عليكم ؟ قالوا نعم . هذا ما أورده الكسائي ~~رحمه الله . وقد ذكر الثعلبي في هذه القصة زيادات نذكرها . قال أبو إسحاق ~~الثعلبي رحمه الله تعالى قال أبو هريرة رضي الله عنه : نزل كتاب من السماء ~~مختوم بخاتم من الذهب على داود فيه ثلاث عشرة مسألة ، فأوحى الله تعالى ~~إليه أن اسأل عنها ابنك سليمان ، فإن هو أخرجها فهو الخليفة من بعدك . قال ~~: وإن داود - ع - دعا سبعين قسيسا وسبعين حبرا ، ولم يذكر أولاده . قال : ~~وأجلس سليمان بني أيديهم وقلا له : يا بني ، إن الله أنزل من السماء كتابا ~~فيه مسائل ، وأمرت أن أسألك عنها ، فإن أخرجتها فأنت الخليفة من بعدي . قال ~~سليمان : اسأل يا نبي الله عما بدا لك ، وما توفيقي إلا بالله . قال داود : ~~أخبرني يا بني ، ما أقرب الأشياء ؟ وما أبعد الأشياء ؟ وما آنس الأشياء ؟ ~~وما أكثر الأشياء ؟ وما أوحش ms2611 الأشياء ؟ وما أحسن الأشياء ؟ وما أقبح ~~الأشياء ؟ وما أقل الأشياء ؟ وما أكثر الأشياء ؟ وما القائمان ؟ وما ~~المختلفان ؟ وما المتباغضان ؟ وما الأمر الذي إن ركبه الرجل حمد آخره ؟ وما ~~الأمر الذي ركبه الرجل ذم آخره ؟ . قال سليمان : أما أقرب الأشياء فالآخرة ~~. وأما أبعد الأشياء فما فاتك من الدنيا . وأما آنس الأشياء فجسد فيه روح . ~~وأما أوحش الأشياء فالجسد بلا روح . وأما أحسن الأشياء فالإيمان بعد الكفر ~~. وأما أقبح الأشياء فالكفر بعد الإيمان . وأما أقل الأشياء PageV14P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" فاليقين . وأما أكثر الأشياء فالشكر . وأما ~~القائمان : فالسماء والأرض . وأما المختلفان : فالليل والنهار . وأما ~~المتباغضان : فالموت والحياة . وأما الأمر الذي إذا ركبه الرجل حمد آخره ~~فالحلم . وأما الأمر الذي إذا ركبه الرجل ذم آخره فالحدة عند الغضب . قال : ~~ففكوا الخاتم ، فإذا جواب المسائل سواء على ما نزل من السماء . فقال ~~القسيسون والأخبار : لا نرضى حتى نسأله عن مسألة ، فإن هو أخرجها فهو ~~الخليفة . قال : سلوه . قال سليمان : سلوني وما توفيقي إلا بالله . قالوا : ~~ما الشيء الذي إذا صلح صلح كل شيء من الإنسان ، وإذا فسد فسد كل شيء منه ؟ ~~قال : هو القلب . فقام داود وصعد المنبر وحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال ~~: إن الله أمرني أن أستخلف عليكم سليمان . قال : فضجت بنو إسرائيل وقالوا : ~~غلام حدث يستخلف علينا وفينا من هو أعلم وأفضل منه فبلغ ذلك داود ، فدعا ~~رءوس أسباط بني إسرائيل وقال : إنه بلغتني مقالتكم ، فأروني عصيكم ، فأي ~~عصا أثمرت فإن صاحبها ولي هذا الأمر بعدي ، فقالوا : قد رضينا . فجاءوا ~~بعصيهم ؛ فقال هلم داود : ليكتب كل رجل منكم اسمه على عصاه ؛ فكتبوا . ثم ~~جاء سليمان بعصاه فكتب عليها اسمه ؛ ثم أدخلت بيتا وأغلق عليها الباب وسكر ~~بالأقفال ، وحرسه رءوس أسباط بني إسرائيل . فلما أصبح صلى بهم الغداة ؛ ثم ~~أقبل وفتح الباب وأخرج عصيهم كما هي ، وعصا سليمان قد أثمرت وأورقت . قال : ~~فسلموا ذلك لداود ، فأخذ ابنه سليمان ثم سار به في بني إسرائيل فقال : هذا ~~خليفتي فيكم من بعدي . قال وهب ms2612 بن منبه : لما استخلف داود ابنه وعظه فقال : ~~يا بني ، إياك والهزل ؛ فإن نفعه قليل ويهيج العداوة بين الإخوان . وإياك ~~والغضب ؛ فإن الغضب يستخف صاحبه . وعليك بتقوى الله وطاعته ؛ فإنهما يغلبان ~~كل شيء . وإياك وكثرة الغيرة على أهلك من غير شيء ؛ فإن ذلك يورث سوء الظن ~~بالناس وإن كانوا براء . واقطع طمعك عن الناس ؛ فإنه هو الغنى . وإياك ~~والطمع فهو الفقر الحاضر . وإياك وما يعتذر منه من القول والفعل . وعود ~~نفسك ولسانك الصدق ؛ والزم الإحسان ؛ فإن استطعت أن يكون يومك خيرا من أمسك ~~فافعل . وصل صلاة مودع ، ولا تجالس السفهاء ، ولا ترد على عالم ولا تماره ~~في الدين . وإذا غضبت فالصق نفسك بالأرض وتحول من مكانك . وارج رحمة الله ~~فإنها واسعة وسعت كل شيء . PageV14P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" قالوا : ثم إن سليمان بعد أن استخلف أخفى أمره ~~وتزوج امرأة واستتر عن الناس ، وأقبل على العلم والعبادة . ثم إن امرأته ~~قالت له ذات يوم : أبي أنت وأمي ، ما أكمل خصالك وأطيب ريحك ولا أعلم لك ~~خصلة أكرهها إلا أنك في مئونة أبي ، فلو أنك دخلت السوق فتعرضت لرزق الله ~~لرجوت ألا يخيبك الله . قال سليمان : إني والله ما علمت عملا ولا أحسنه ، ~~ثم دخل السوق صبيحة يومه ذلك فلم يقدر على شيء ، فرجع فأخبرها . فقالت له : ~~يكون غدا إن شاء الله . فلما كان في اليوم الثاني مضى حتى انتهى إلى ساحل ~~البحر وإذا هو بصياد ، فقال له : هل لك أن أعينك وتعطيني شيئا ؟ قال نعم ، ~~فأعانه . فلما فرغ أعطاه الصياد سمكتين ، فأخذهما وحمد الله تعالى ، ثم إنه ~~شق بطن إحداهما فإذا هو بخاتم في بطنها ، فأخذه وصره في ثوبه ، وحمد الله ~~تعالى ، وجاء بالسمكين إلى منزله ، ففرحت امرأته بذلك ، فأخرج الخاتم ولبسه ~~في إصبعه ؛ فعكفت عليه الطير والريح ، ووقع عليه بهاء الملك ، ولم يلبث ~~أبوه أن مات . فلما ملك عمل المرأة وأبويها إلى إصطخر . وقد قيل في أمر ~~الخاتم غير ذلك - على ما أورده الكسائي - وسنذكره إن شاء الله تعالى بعد ~~هذا ms2613 في أخبار سليمان - ع - . وقد قيل في أمر الخاتم غير ذلك - على ما أورده ~~الكسائي - وسنذكره إن شاء الله تعالى بعد هذا في أخبار سليمان - ع - . ذكر ~~وفاة داود - عليه السلام - قال الكسائي : كان داود - ع - شديد الغيرة على ~~النساء ، ويغلق الأبواب عليهن إذا خرج ، ويحمل المفاتيح معه . فقيل : إنه ~~رجع يوما ففتح باب نسائه ، فرأى رجلا في داره ذا مهابة . فقال له داود - ~~وغضب - : من أنت ؟ ومن أدخلك داري ؟ قال : أدخلني الدار من هو أولى بها منك ~~، أنا الذي لا أهاب الملوك ، ولا يمنعني دونهم الحجاب والجنود ، وأفرق بين ~~الجمع ، أنا ملك الموت . فارتعد داود وقال : دعني أدخل إلى أهلي لأودعهم . ~~قال : لا سبيل إلى ذلك يا داود . فبكى وقال : من PageV14P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" لبني إسرائيل من بعدي ؟ قال : ابنك سليمان . ~~قال : الآن طابت نفسي ، لمضى لما أمرت به ، فقبض روحه - ع - وغسله سليمان ~~وإخوته ، وكفنه بأكفان نزلت عليه من الحنة ، وحمله إلى قبره ، ودفن دون غار ~~إبراهيم - ع - قال : وعكفت الطير على قبره أربعين يوما . قال الثعلبي في ~~خبر وفاة داود : إن داود كانت له وصيفة تغلق الأبواب كل ليلة وتأتيه ~~بالمفاتيح ثم تنام ، ويقبل داود على ورده في العبادة . فأغلقت ذات ليلة ~~الأبواب وجاءت بالمفاتيح ثم ذهبت لتنام ، فرأت رجلا قائما في وسط الدار ~~فقالت : ما أدخلك هذه الدار فإن صاحبها رجل غيور ، فخذ حذرك . فقال : أنا ~~الذي أدخل على الملوك بغير إذن . فسمعه داود ، وكان في المحراب يصلي ، ففزع ~~واضطرب وقال : علي به ، فأتاه . فقال : ما أدخلك في هذه الدار في هذا الوقت ~~بغير إذن ؟ فقال : أنا الذي أدخل على الملوك بغير إذن . قال : فأنت ملك ~~الموت ؟ قال نعم . قال : أجئت داعيا أم ناعيا ؟ قال : بل ناعيا . قال : ~~فهلا أرسلت إلي قبل ذلك وآذنتني لأستعد للموت ؟ قال : كم أرسلت إليك يا ~~داود فلم تنتبه . قال : ومن كانت رسلك ؟ قال : يا داود ، أين أبوك إيش ؟ ~~وأين أمك ؟ وأين أخوك ؟ وأين قهر مانك فلان ؟ قال : ماتوا كلهم . قال ms2614 : أما ~~علمت أنهم رسلي ، وأن النوبة تبلغك ثم قبضه . قال أهل التاريخ : كان عمر ~~داود سنة ، ومدة ملكه أربعين سنة . وقد تقدم خبر آدم فيما وهب له من عمره . ~~ذكر نبوة سليمان بن داود عليهما السلام وملكه قال الكسائي رحمه الله ولما ~~قام سليمان - ع - من عزاء أبيه داود وتفرق الطير عن قبره ، دخل محراب أبيه ~~، فهبط عليه جبريل - ع - وقال له : إن الله تعالى يخصك بالسلام ويقول لك : ~~الملك أحب إليك أو العلم ؟ فخر سليمان ساجدا لله تعالى وقال : العلم أحب ~~إلي من الملك ، لأنه أنفع الأشياء . فأوحى الله تعالى إليه : إنك تواضعت ~~واخترت العلم على الملك ، فقد وهبت لك العلم والملك ، وأضفت إلى ذلك كمال ~~العقل وزينة الخلق ، ونزعت عنك العجب ، وسأطوي لك الدنيا بأسرها حتى تطأها ~~بجيشك وتشاهد عجائبها . فخر سليمان ساجدا PageV14P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" لربه ، ورفع رأسه فإذا الرياح الثمانية قد ~~وقفت بين يديه وقالت له : إن الله سخرنا لك ، فاركبنا إذا شئت إلى أي موضع ~~شئت . وأقبلت الوحوش والسباع فوقفت بين يديه وقالت : إن الله أمرنا بالطاعة ~~لك . وأقبلت الطير وقالت : قد أمرنا أن نظلك بأجنحتنا ولا نخالفك في أمر . ~~وفوض الله عز وجل إلى سليمان أمر الدنيا شرقها وغربها . ذكر حشر الطير ~~لسليمان بن داود عليهما السلام وكلامها له قال الكسائي : ولما آتاه الله ~~النبوة والملك أحب أن يستنطق الطير ، فحشرت إليه ، فكان جبريل يحشر طير ~~المشرق والمغرب من البر ، وميكائيل يحشر طير الهواء والجبال . فنظر سليمان ~~إلى عجائب خلقها ، وجعل يسأل كل واحد منها عن مسكنه ومعاشه فيخبره ، وكان ~~بين يديه سبعة ألوية من ألوية الأنبياء ، يمسكها سبعة من الملائكة . قال : ~~ولما حشر الطير جاءته فوجا فوجا ؛ فسلمت عليه الخطافة بثلاث لغات وقالت : ~~يا نبي الله ، أنا ممن اختارني نوح وحملني في السفينة ، ومني تناسل كل ~~خطافة في الدنيا ، ودعا لي آدم وقال : إنك تدركين من أولادي من خلافته مثل ~~خلافتي ، تحشر إليه الوحوش والطيور والمردة ، فإذا رأيته فأقرئيه مني ~~السلام . وقالت له ms2615 : يا نبي الله ، إن معي سورة تعجب الملائكة من نورها ، ~~ما أعطيت لأحد من بني آدم غير أبيك إبراهيم ، فإنها نزلت كرامة له يوم ألقى ~~في النار ، فهل لك أن تسمعها مني ؟ قال نعم . فقرأت سورة الحمد حتى بلغت " ~~ولا الضالين " ومدت صوتها بآمين وسجدت ، وسجد معها سليمان - ع - . ثم تقدم ~~النسر وهو يومئذ في صورة عظيمة فقال : السلام عليك يا ملك الدنيا ، ما رأيت ~~ملكا أعظم من ملكك ، وإني صحبت آدم وساعدته على كثرة حزنه ، وأنا أول من ~~علم بهبوطه إلى الأرض ، وكنت معه إلى أن تاب الله عليه وقال : إنه يكون من ~~ذريتي من يحشر له الطير ، فإذا رأيت فأقرئه مني السلام ؛ وقد أديت إليك ~~PageV14P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" وديعته ، فاصطنعني يا نبي الله ، فإني عليم ~~بمعادن الأرض وجبالها ، ومعي آية عظيمة لا يفتر لساني عنها ، وهي : " الله ~~لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه " . ثم سجد وسجد معه ~~سليمان ؛ فلما رفع رأسه جعله سليمان ملكا على سائر الطيور . ثم تقدمت ~~العقاب فوقفت بين يديه وسلمت عليه وقالت : يا نبي الله ، إن الله حين خلقني ~~كنت أعظم خلقا من هذا ، غير أن حزني على هابيل يوم قتله قابيل صيرني إلى ما ~~ترى ، ولقد توحشت الأرض والجبال يوم قتل . ومعي آية أعطانيها ربي ، وهي : " ~~قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى " . ثم قالت : سلطني على من شئت ، فإني ~~قوية سميعة . ثم تقدمت العنقاء وهي يومئذ شديدة البياض ، وصدرها كالذهب ~~الأحمر ، ووجهها كوجه الإنسان ، ولها ذوائب كذوائب النساء ، ورجلان صقراوان ~~، ولها تحت أجنحتها يدان ، في كل يد ثلاثون إصبعا ، فوقفت بين يديه وسلمت ~~وقالت : إن الله فضلك على كثير من الملوك حين أبرزني إليك في صورتي هذه ، ~~فمرني بما شئت ، فوالله ما نطقت لأحد إلا لصفوة الله آدم ، فإني وقفت بين ~~يديه وتعجب من حسن صورتي ، وقال : ما أشبهك بطيور الجنان فمنذ كم خلقك ربك ~~؟ قلت : منذ ألفي عام . ثم تبخترت بين يديه فقال : أيها الطائر ms2616 ، إنك معجب ~~بخلقك ، والعجب يهلك صاحبه ، لقد فاز المفلحون وخسر المبطلون . وللعنقاء ~~خبر عجيب نذكره إن شاء الله في آخر خبر الطير على ما تقف عله إن شاء الله ~~تعالى . ثم تقدم الغراب فسلم وقال : يا نبي الله ، لقد فضلك الله على كثير ~~من ولد آدم ، وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ، وإني كنت ~~أبيض قبل PageV14P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" ذلك ، فصرت كما ترى ، لما سمعتهم يقولون : ~~اتخذ الرحمن ولدا . وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا . ولقد دعا لي أبوك آدم ~~ونوح بطول العمر ، وسمعت أباك إبراهيم يتلوا آية يخضع لها كل شيء ، وهي : " ~~كل نفس بما كسبت رهينة " . ثم تقدمت الحمامة فسلمت عليه وقالت : يا نبي ~~الله ، أنا الحمامة التي اختارني أبوك آدم لنفسه إلفا وأنيسا ، وكنت آنس به ~~وبتسبيحه ؛ وكان إذا ذكر الجنة يصيح صيحة عظيمة ويقول : أتراني أرجع إليها ~~؟ وإن لم أرجع إليها كنت من الخاسرين . واعلم يا نبي الله أنه قد علمني ~~كلمات حفظتها عنه ، وهي : الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له ، وأن محمدا ~~عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين . وقد أقبلت إليك طائعة لأمرك ، فمرني ~~بما شئت . ثم تقدم الهدهد فسلم عليه وسجد بين يديه وقال : ما أحببت أحدا ~~كما أحببتك ، لأني رأيت الدنيا ضاحكة لك ، وقد أعطاك الله ملكا عظيما ، ~~فاتخذني رسولا آتك بالأخبار ، وأدلك على مواضع الماء . فقال له : أراك أكيس ~~الطيور ، وأرى فخاخ بني إسرائيل تصطادك ، ولا تغني عنك كياستك شيئا . قال ~~الهدهد : يا نبي الله ، الحيلة لا تنفع مع القضاء والقدر ، وإن الله يضيف ~~إلى عقل المخلوق سبعين ضعفا ثم ينفذ فيه حكمه وقضاءه . قال : صدقت . ثم سجد ~~بين يديه مرارا . ثم تقدم إليه الديك وهو آخر من تقدم ، فوقف بين يديه وهو ~~في نهاية الحسن ، وضرب بجناحيه ، وصاح صيحة أسمع الملائكة والطيور وجميع من ~~حضر وقال في صياحه : يا غافلين اذكروا الله . ثم قال : يا نبي الله ، إني ~~كنت مع أبيك آدم وكنت أوقظه أوقات ms2617 الصلوات ، ومع نوح في الفلك ، ومع أبيك ~~إبراهيم وكنت أسمعه يقول : " اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ، وتنزع ~~الملك ممن تشاء ، وتعز من تشاء ، وتذل من تشاء ، بيدك الخير إنك على كل شيء ~~قدير " . واعلم يا نبي الله أني ما صحت صيحة إلا أفزعت بها الجن والشياطين ~~. ففرح سليمان به وأمره أن يكون معه حيثما كان . ووقف كل طير بين يديه ، ~~وفرغ من حشر الطيور وعرفها بأسمائها ومنطقها ، وكانوا يعبدون الله بالليل ~~والنهار ، وكذلك الوحوش والسباع ، حتى عرف كل واحد منهم باسمه وصفته ونعته ~~. PageV14P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" ذكر خبر العنقاء في القضاء والقدر قال أبو ~~إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى بسند رفعه إلى جعفر بن محمد الصادق قال : ~~عاتب سليمان الطير في بعض عتابه فقال لها : إنك تأتين كذا ، وتفعلين كذا ، ~~فقالت له : والله رب السماء والثرى ، إنا لنحرص على الهدى ، ولكن قضاء الله ~~يأتي إلى منتهى علمه وقدره . قال سليمان : صدقت ، لا حيلة في القضاء . ~~فقالت العنقاء : لست أومن بهذا . قال لها سليمان : أفلا أخبرك بأعجب العجب ~~؟ قالت بلى . قال : إنه ولد الليلة غلام في المغرب ، وجارية في المشرق ، ~~هذا ابن ملك وهذه بنت ملك ، يجتمعان في أمنع المواضع وأهولها على سفاح بقدر ~~الله تعالى فيهما . قالت العنقاء : يا نبي الله ، وقد ولدا ؟ قال : نعم ~~الليل . قالت : فهل أخبرت بهم ؟ من هما وما اسمهما واسم أبويهما ؟ قال : ~~بلى ، اسمهما كذا وكذا ، واسم أبويهما كذا وكذا . قالت : يا نبي الله ، ~~فإني أفرق بينهما وأبطل القدر . قال : فإنك لا تقدرين على ذلك . قالت بلى . ~~فأشهد سليمان عليها الطير وكفلتها البومة . ومرت العنقاء وكانت في كبر ~~الجمل عظما ، ووجهها وجه إنسان ، ويداها وأصابعها كذلك ؛ فحلقت في الهواء ~~حتى أشرفت على الدنيا وأبصرت كل دار فيها ، وأبصرت الجارية وطارت ، ومرت ~~حتى انتهت بها إلى جبل شاهق في السماء ، أصله في جوف البحر ، وعليه شجرة ~~عالية في السماء ، لا ينالها طائر إلا بجهد ، لها ألف غصن ، كل غصن كأعظم ~~شجرة في الأرض ، كثيرة ms2618 الورق ، فاتخذت لها فيه وكرا عجيبا واسعا وطيئا ، ~~وأرضعتها واحتضنتها تحت جناحها ، وصارت تأتيها بأنواع الأطعمة والأشربة ، ~~وتكنها من الحر والبرد ، وتؤنسها بالليل ، ولا تخبر أحدا بشأنها ، وتغدو ~~إلى سليمان وتروح إلى وكرها . وعلم سليمان بذلك ولم يبده لها ، وبلغ الغلام ~~مبلغ الرجل ، وكان ملكا من ملوك الدنيا ، وكان يلهو بالصيد ويحبه ويطلبه ~~حتى نال منه عظيما . فقال يوما PageV14P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" لأصحابه : كل صيد البر وفلواته ومفازاته قد ~~تمكنت من صيده ، فلو ركبت البحر لأنال من صيده فإنه كثير الصيد كثير ~~العجائب . فقال وزير من وزرائه : نعم ما رأيت ، وهو أكثر ما خلق الله صيدا ~~. فأمره بجهازه ، وهيأ السفن وجعل يختار من كل شيء يملكه ، وأخذ من الوزراء ~~والندماء والمشيرين والجواري والغلمان والطباخين والخبازين والبزاة والصقور ~~وغير ذلك مما يريده ويشتهيه من الملاهي والشراب ، وركب ومر في البحر يتصيد ~~ويتلذذ لا يعرف شيئا غير ذلك ، حتى سار مسيرة شهر ، فأرسل الله تعالى على ~~سفينته ريحا عاصفا خفيفة ساقتها حتى وصلت بها إلى جبل العنقاء الذي فيه ~~الجارية ، وذلك مسيرة خمسين سنة في خمسين ليلة ، ثم ركدت سفينته بإذن الله ~~تعالى ، وأصبح الغلام فرأى سفينته راكدة ، فأخرج رأسه من السفينة ، فرأى ~~الجبل وهو في لون الزعفران صفرة ، وطوله لا يدرى أين منتهاه ولا عرضه ، ~~ورأى الشجرة فإذا هي كثيرة الأغصان والورق ، ورقها عرض آذان الفيلة ليس لها ~~ثمر ، بيضاء الساق ، فقال : إني أرى عجبا ، أرى جبلا شاهقا لم أر مثله ، ~~وأرى شجرة حسنة قد أعجبني منظرها ، فحرك سفينته نحو الجبل ، فسمعت الجارية ~~التي في عش العنقاء صوت الماء وكلام الناس ، ولم تكن سمعت قبل ذلك شيئا من ~~ذلك ؛ فأخرجت رأسها من العش ، فتطلعت فرأى الملك صورتها في الماء ، ورأى ~~عجبا من جمالها وكثرة شعرها وذوائبها ؛ فرفع رأسه إلى الشجرة فرأى الجارية ~~، فأبصر أمرا عظيما فأخذه القلق ، فناداها : من أنت ؟ فأفهمها الله تعالى ~~لغته وقالت : لا أدري ما تقول ولا من أنت إلا أني أراك يشبه وجهك وجهي ~~وكلامك كلامي وإني ms2619 لا أعرف شيئا غير العنقاء ، وهي أمي التي ربتني وتسميني ~~بنتها . فقال لها الغلام : وأين العنقاء أمك ؟ قالت : في نوبتها . قال : ~~وما نوبتها قالت : تغدو كل يوم إلى ملكها سليمان فتسلم عليه وتقيم عنده إلى ~~الليل ، ثم تروح وتجيئني وتحدثني بما فعل سليمان وبما حكم وقضى ، وإنه لملك ~~عظيم ، على ما تصف أمي العنقاء ، وإنها تخبرني أنه يشبهني إلا أنها تخبر ~~أنه أحسن وجها وأتم مني . PageV14P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" قال : فانذعر الغلام وفزع ، ثم قال : قد عرفته ~~، هو الذي قتل أبي وسبى ذريته ، وإني لمن طلقائه وممن يؤدي إليه الخراج ، ~~ورسله الطير والرياح ، ثم بكى الغلام . فقالت الجارية : وما يبكيك ؟ قال : ~~أبكي على وحدتك في مثل هذا الموضع الذي ليس به أنيس ولا أحد ، وإن مثلك في ~~الدنيا عدد الشجر والمدر ، وكلهم في مقاصير الذهب والفضة والعيش الهنئ ~~واللذة الحسنة مع الأزواج يتعانقون ويتنعمون ، ويتوالدون أولادا مثل خلقتك ~~وخلقتي ، أرأيت إن هاجت الريح وأزعجتك من وكرك من يمسكك أن تقعي في البحر ؛ ~~فإن وقعت في البحر فمن ذا الذي يخرجك . قال : ففزعت من قوله وقالت : وكيف ~~لي أن يكون معي إنسي مثلك يحدثني مثل حديثك ، ويحفظني من خوف ما ذكرت . ~~فقال لها الغلام : أولا تعلمين أن الله الذي اتخذ سليمان نبيا وسخر له ~~الطير والرياح هو الذي رحمك وساقني إليك إلفا وصاحبا وأنيسا ، وأني من ~~أبناء الملوك . قالت الجارية : وكيف تصير إلي وأصير إليك ، وهذه العنقاء ~~تنام وتحضنني إلى صدرها بين جناحيها ؟ قال الغلام : تكثرين جزعك ووحشتك ~~وبكاءك على العنقاء ليلتك هذه إذا انصرفت إليك ، فإذا قالت لك : ما تخشين ~~وما شأنك ، فأخبريها بحديثك ، ثم انظري إلى ما يكون ردها عليك فتخبريني به ~~. فراحت العنقاء فوجدتها حزينة كئيبة . فقالت لها : يا بنية ، ما شأنك ؟ ~~قالت : الوحدة والوحشة ، وإني لجزعة على نفسي لذلك . فقالت لها : يا بنية ~~لا تخافي ولا تحزني ، فإني أستأذن سليمان أن آتيه يوما وأتخلف عنه يوما . ~~فلما أصبحت أخبرت الغلام بجوابها . فقال لها : لا تريدي هذا ، ولكن ms2620 سأنحر ~~من دوابي هذه فرسا وأبقر بطنه وأخرج ما في جوفه وأقيره وأطينه وأدخل أنا في ~~جوفه ، وألقيه على قرقور سفينتي هذه ، فإذا جاءتك العنقاء فقولي لها : إني ~~أرى عجبا ، حلقة ملقاة على هذه السفينة ، فلو اختطفتها وحملتيها إلى وكري ~~هذا ، فأنظر وأستأنس بها ، كان أحب إلي من كينونتك عندي نهارا وإمساكك عني ~~خبر سليمان . فرجعت العنقاء فوجدتها في مثل حالها ، وشغل سليمان عنها ، فلم ~~تصل إليه في استئذانها إياه بالمقام يوما في منزلها . PageV14P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" فقالت لها : إن نبي الله شغل عني اليوم بالحكم ~~بين الآدميين فلم أصل إليه . قالت لها : فإني لا أريد أن تتخلفي عنه نهارا ~~لمكان أخبار سليمان ، وإني أرى في البحر عجبا ، شيئا مرتفعا ما هو ؟ قالت ~~العنقاء : هذه سفينة قوم سيارة ركبوا البحر . قالت : فما هذا الذي أرى ملقى ~~على رأس هذه السفينة ؟ قالت : كأنه ميتة رموها . قالت : فاحمليها إلي ~~لأستأنس بها وأنظر إليها . فانقضت العنقاء فاختطفت الفرس والغلام في بطنها ~~فحملتها إلى عشها . فقالت : يا أماه ، ما أحسن هذا وضحكت ، ففرحت العنقاء ~~بذلك وقالت : يا بنية ، لو علمت لقد كنت آتيك بمثل هذا منذ حين . ثم طارت ~~العنقاء إلى نوبتها إلى سليمان ، وخرج الغلام من جوف الفرس فلاعبها ومسها ~~ولامسها وافتضها فأحبلها ، وفرح كل واحد منهما بصاحبه واستأنس به . وجاء ~~الخبر إلى سليمان باجتماعهما من قبل الريح ، ووافت العنقاء ، وكان مجلس ~~سليمان يومئذ مجلس الطير ؛ فدعا بعرفاء الطير وأمرهم ألا يدعوا طائرا إلا ~~حشروه ، ففعلوا ؛ ثم أمر عرفاء الجن فحشروا الجن من ساكني البحار والجزائر ~~والهواء والفلوات والأمصار ، ففعلوا وحشروهم ، وأحضروا الإنس وكل دابة ، ~~واشتد الخوف وقالوا : نشهد بالله أن لنبي الله أمرا قد أهمه . فأول سهم خرج ~~في تقديم الطير سهم الحدأة ، وكانت الطير لا تتقدم إلا بسهام ، فتقدمت ~~الحدأة واستعدت على زوجها ، وكان قد جحدها ولدها ، فقالت : يا نبي الله ، ~~إنه سفدني ، حتى احتضنت بيضي وأخرجت ولدي جحدني . فأمر سليمان بولدها فأتى ~~به ، فوجد الشبه واحدا ، فألحقه بالذكر وقال لها ms2621 : لا تمكنيه من السفاد ~~أبدا حتى تشهدي على ذلك الطير لكيلا يجحدك بعدها أبدا . فإذا سفدها ذكرها ~~صاحت وقالت : يا طيور سفدني اشهدي ، يا معشر الطير اشهدي . ثم خرج سهم ~~العنقاء فتقدمت ، فقال لها سليمان : ما قولك في القدر ؟ قالت : يا نبي الله ~~، إن لي من القوة الاستطاعة ما أدفع الشر وآتي الخير . قال لها : وأين شرطك ~~الذي بيني وبينك أنك تفرقين بقوتك واستطاعتك بين الجارية والغلام ؟ قالت : ~~قد فعلت . قال سليمان : الله أكبر فأتيني بها الساعة والخلق شهود لأعلم ~~تصديق PageV14P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" ذلك ، وأمر عريف الطير ألا يفارقها حتى يوافي ~~بها . فمرت العنقاء ، وكانت الجارية إذا قربت منها العنقاء تسمع حفيف ~~أجنحتها ، فيبادر الغلام فيدخل جوف فرسه ، فقالت كالفزعة : إن لك لشأنا إذ ~~رجعت نهارا . قالت : لعمري إن لي لشأنا ، إن سليمان قد أمرني بإحضارك ~~الساعة لأمر جرى بين وبينه في أمرك ، فأنا أرجو نصرتي اليوم فيك . قالت : ~~فكيف تحمليني ؟ قالت : على ظهري . قالت : وهل أستقر على ظهرك وأنا أرى ~~أهوال البحر فلا آمن أن أزل وأسقط فأهلك قالت : ففي منقاري . قالت : وهل ~~أصبر في منقارك قالت : فكيف أصنع ؟ لا بد من إحضارك إلى سليمان ، وهذا عريف ~~الطير معي ، وقد دعا بكفيلي البومة . قالت : أدخل جوف هذا الفرس ، ثم ~~تحملين الفرس على ظهرك أو في منقارك ، فلا أرى شيئا ولا أسقط ولا أفزع . ~~قالت : أصبت . فدخلت في جوف الفرس واجتمعت مع الغلام ، وحملت العنقاء الفرس ~~بما فيه في منقارها ، وطارت حتى وقعت بين يدي سليمان ، فقالت : يا نبي الله ~~، هي الآن في جوف الفرس ، فأين الغلام فتبسم سليمان - ع - طويلا وقال لها : ~~أتؤمنين بقدر الله تعالى وقضائه إنه لا حيلة لأحد في دفع قضاء الله تعالى ~~وقدره وعلمه السابق الكائن من خير وشر . قالت العنقاء : أومن بالله وأقول : ~~إن المشيئة للعباد والقوة ، فمن شاء فليعمل خيرا ومن شاء فليعمل شرا . قال ~~سليمان : كذبت ما جعل الله من المشيئة إلى العباد شيئا ، ولكن من شاء الله ~~أن يكون سعيدا ms2622 كان سعيدا ، ومن شاء أن يكون كافرا كان كافرا ، فلا يقدر أحد ~~أن يدفع قضاء الله وقدره بحيلة ولا بفعل ولا بعلم ، وإن الغلام الذي قد ولد ~~بالمغرب والجارية التي ولدت بالمشرق قد اجتمعا الآن في مكان واحد على سفاح ~~، وقد حملت منه الجارية ولدا . قالت العنقاء : لا تقل يا نبي الله هذا ، ~~فإن الجارية معي في جوف فرسي هذا . قال سليمان : الله أكبر أين البومة ~~المتكفلة بالعنقاء ؟ قالت : هأنا . قال سليمان : على مثل قول العنقاء أنت ؟ ~~قالت نعم . قال سليمان : يا قدر الله السابق قبل الخلق أخرجهما على قضاء ~~الله وقدره . قال : فأخرجهما جميعا من جوف الفرس . فأما العنقاء فتاهت ~~وفزعت فطارت في السماء وأخذت نحو المغرب ، واختفت في بحر من بحار المغرب ~~وآمنت بالقدر وحلفت لا ينظر الطير في وجهها أبدا استحياء منها . ~~PageV14P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" وأما البومة فلزمت الآجام والجبال وقالت : أما ~~بالنهار فلا خروج ولا سبيل إلى المعاش . فهي إذا خرجت نهارا وبختها الطير ~~واجتمعت عليها وقالت لها : يا قدرية ، فهي تخضع لهذا . هذا ما كان من شأن ~~العنقاء في القضاء والقدر . فلنرجع إلى أخبار سليمان - ع - . ذكر خبر خاتم ~~سليمان عليه السلام قال الكسائي : وأوحى الله تعالى إلى جبريل - ع - أنه قد ~~سبق في علمي أني أملك سليمان الدنيا ، ليعلم الجن والإنس أني لم أخلق خلقا ~~هو أفضل من ذرية آدم ؛ وأمره أن يأخذ خاتم الخلافة من الجنة ويأتيه به . ~~فجاء جبريل إلى سليمان ومعه الخاتم وهو يضيء كالكوكب الدري ، ورائحته ~~كالمسك ، وعليه كتابة بغير قلم ، وهي : لا إله إلا الله محمد رسول الله . ~~فأعطاه لسليمان وقال له : هنيئا لك يا بن داود بهذه الهدية ، وكان في يوم ~~الجمعة لسبع وعشرين خلت من المحرم . فلما صار الخاتم في كف سليمان لم يتمكن ~~من النظر إليه حتى قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ~~وكذلك كل من كان ينظر إليه . قال وقيل : إن الخاتم أنزل من تحت العرش من ~~نور برهان الله ms2623 ، وقيل لسليمان : لا تنزعه من كفك إلا بأمانة ، وجعل الله ~~عزه فيه ، فتختم سليمان به وصعد على كرسيه واستقبل الناس بوجهه ورفع إليه ~~الخاتم وهو يلمع ، وقال : هذا الخاتم جمع فيه عزي وسلطاني وفضلني به ربي ~~على العالمين ، وسلطني على كل شيطان مريد . ثم سجد شكرا لله تعالى وسجد معه ~~الناس . ثم نزل عليه بعد نزول الخاتم " بسم الله الرحمن الرحيم " فكان لا ~~يقرؤها على شيء إلا خضع وذل ، فتلاها على بني إسرائيل فلم يسمعها أحد إلا ~~امتلأ فرحا . ثم أمر بعد ذلك باتخاذ البيض والسيوف ، فكان عنده اثنان عشر ~~ألف درع من نسج داود . PageV14P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" وقيل : إن داود لم يعمل أكثر من سبع أذرع ، ثم ~~قال سليمان : يا بني إسرائيل ، إني أمرت بمجاهدة أعداء الله ؛ ثم جمع ~~الخيول وشرع في الاستعداد للحرب . ذكر خبر حشر الجن لسليمان بن داود عليهما ~~السلام قال الكسائي : وأمر الله عز و جل جبريل - ع - أن يحشر الجن ، فنشر ~~جناحه الأيمن على شرق الأرض ، والأيسر على غربها ، ونادى : أيتها الجن ~~والشياطين ، أجيبوا سليمان بن داود بإذن الله ، فخرجت من سائر الأماكن وهي ~~تقول : لبيك لبيك يا حجة الله . فحشرها إلى سليمان طائعة ذليلة تسوقها ~~الملائكة ، وهي يومئذ أربعمائة وعشرون فرقة ، كل فرقة تدين بدين غير دين ~~الأخرى ، فوقفت بأجمعها بين يدي سليمان ، فنظر إلى عجائب صورها وسجد لله ~~شكرا ؛ ثم قام على قدميه والخاتم في إصبعه ، فلما نظرت إليه الجن خرت ساجدة ~~ثم رفعت رءوسها وقالت : يا بن داود ، قد حشرنا إليك وأمرنا بالطاعة لك ، ~~فختم على أكتافهم بخاتمه وجندهم وصفد مردتهم بالحديد ولم يتخلف منهم إلا ~~صخر الجني تغيب في جزيرة ، وسنذكر خبره إن شاء الله تعالى . قال : وبقي ~~إبليس بغير أعوان وفرق سليمان الشياطين في الأعمال المختلفة . من الحديد ~~والنحاس وقطع الصخور والأشجار وعمارة القرى والمدن والحصون ، وأمرهم بعمل ~~القدور والجفان ؛ قال الله تعالى : " يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل ~~وجفان كالجواب وقدور راسيات " . قيل : كان يأكل من كل ms2624 جفنة ألف إنسان . ~~وشغل طائفة منهم يغوص البحار واستخراج الأصداف والجواهر منها ، وأمر بعضهم ~~بحفر الآبار وشق الأنهار والقنوات ، وبعضهم بإخراج الكنوز والمعادن ، وغير ~~ذلك من الأعمال . ثم حشر له بعد ذلك الهوام من الحيات والعقارب وغيرها من ~~الحشرات وسخرت له . فسأل كلا منها عن اسمها وضرها ونفعها ومأكلها ومشربها ~~ومسكنها ومقدار أعمارها وعادتها وغير ذلك من أحوالها ، فأخبرته ، ثم صرفهم ~~وأمرهم ونهاهم . والله أعلم . PageV14P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" ذكر خبر مطابخه عليه السلام قال الكسائي : ~~وأمر سليمان أن تصنع الأطعمة للخلق الذين معه ، حتى كان طباخوه ينادون في ~~عسكره : من أراد طعاما فليأت حتى نصنعه له كما يريد ، فإن سليمان نصبنا ~~لذلك . وكانت موائده منصوبة ، كل مائدة طول ميل وأطول ، ومعه عدة من ~~الطباخين ، مع كل طباخ شيطان يعينه ، ورتب في كل مخبز ألف خباز ، وفي كل ~~مطبخ ألف طباخ . قال ويقال : إنه كان يذبح في مطبخه في كل يوم من الإبل ~~والبقر والغنم زيادة على ثلاثين ألف رأس ، ويستعمل في مطابخه كل يوم كذا ~~وكذا كرا من الملح ، وكانت موائده منصوبة لعامة الناس فقيرهم وغنيهم ، وكان ~~يلقى للطير في كل يوم من الحبوب سبعون ألف كر - والكر عشرة أجربة ، والجريب ~~ثلاثون قفيزا - وكانت تظل البلاد بأجنحتها . ذكر خبر الرزق الذي سأل سليمان ~~الله تعالى أن يجريه على يديه قال الكسائي : ولما نظر سليمان - ع - إلى عظم ~~ما آتاه الله عز وجل من الملك ، سأل الله تعالى أن يجعل أرزاق المخلوقات ~~على يديه . فأوحى الله تعالى إليه : إنك لا تطيق ذلك . قال : يا رب فيوما ~~واحدا ؛ فأوحى الله إليه : إنك لا تطيق ذلك . قال : يا رب فساعة واحدة ؛ ~~فأوحى الله إليه : إني قد أعطيتك ذلك ، فاستعد الآن لأرزاق خلقي واجمع لهم ~~. فأخذ في الاستعداد حتى جمع ما ينيف على حمل مائة ألف بغل وبعير ، وسار ~~يريد ساحل البحر ، حتى أتاه ووضع ما جمعه هناك ، ونادى مناديه في سكان ~~البحر أحضروا لقبض أرزاقكم . فاجتمع الحيتان والضفادع ودواب البحر على صور ~~مختلفة ms2625 ، وإذا بحوت قد أخرج رأسه وقال : أشبعني يا بن داود ، وهو على مثل ~~الجبل . فقال سليمان . دونك الطعام ، فأكل جميع ذلك ، ثم قال : زدني يا نبي ~~الله ، والله ما أصابني الجوع منذ خلقني ربي كما أصابني اليوم حين جعل رزقي ~~PageV14P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" على يديك . فعجب سليمان منه وقال : هل في ~~البحر مثلك ؟ فقال : إني لفي زمرة من الحيتان فيها سبعون ألف زمرة ، كل ~~زمرة مثل عدد الرمل ؛ وفي البحر حيتان لو دخلت أنا في جوف أحدها ما كنت إلا ~~كخردلة في أرض فلاة . فبكى سليمان عند ذلك وقال : رب أقلني عثرتي . فأقاله ~~الله تعالى ، ثم أوحى إليه : أن قف يا بن داود حتى ترى جنودي ، فإن ما رأيت ~~قليل . فوقف وإذا بالبحر قد اضطرب اضطرابا عظيما وخرج منه شيء أعظم من ~~الجبل يشق البحر شقا وهو يقول : سبحان من تكفل بأرزاق العباد ، ثم نادى : ~~يا بن داود ، لولا اليد الباسطة عليك لكنت أضعف الخلائق ، وإنك لم تقدر أن ~~تشبع حوتا واحدا ولا نال كل طعمه ، فكيف تقدر أن تتكفل بأرزاق الخلائق . ثم ~~مر ذلك الحوت ، فنظر سليمان إلى خلق عظيم ، وقال : إلهي ، هل خلقت خلقا ~~أكبر من هذا ؟ فأوحى الله تعالى إليه : إن في البحر من يحتاج أن يأكل سبعين ~~ألفا مثل هذا ولا يشبعه ، ولا يشبعه إلا نعمتي ولطفي . فعلم سليمان أن الذي ~~أعطيه ليس بشيء في قدرة الله عز وجل . والله الواسع المتفضل . ذكر خبر بناء ~~بيت المقدس وابتداء أمره قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله في سبب بناء بيت ~~المقدس : إن الله تعالى بارك في نسل إبراهيم - ع - حتى جعلهم في الكثرة ~~غاية لا يحصون . فلما كان زمن داود - ع - لبث فيهم مدة مديدة بأرض فلسطين ~~وهم يزدادون كل يوم كثرة ، فأعجب داود بكثرتهم فأراد أن يعلم عدد بني ~~إسرائيل فأمر بعدهم ، وبعث لذلك عرفاء ونقباء ، وأمرهم أن يرفعوا إليه ما ~~بلغ من عدتهم ، فكانوا يعدون زمانا من الدهر حتى عجزوا وأيسوا أن يحيط ~~علمهم بعدد ms2626 بني إسرائيل . فأوحى الله تعالى إلى داود : إني وعدت أباك ~~إبراهيم يوم أمرته بذبح ابنه فصدقني وأتمر بأمري أن أبارك له في ذريته حتى ~~يصيروا أكثر من عدد نجوم السماء ، حتى لا يحصيهم العادون . وإني قد أقسمت ~~أن أبتليهم ببلية يقل منها عددهم ، ويذهب عنك إعجابك بكثرتهم . وخيره بين ~~أن يبتليهم بالجوع والقحط ثلاث سنين ، وبين أن يسلط عليهم عدوهم ثلاثة أشهر ~~، وبين أن يسلط عليهم الطاعون ثلاثة أيام . فجمع داود بني إسرائيل وأخبرهم ~~بما أوحى الله تعالى إليه وخيره فيه . فقالوا : أنت أعلم بما هو أيسر لنا ، ~~وأنت نبينا PageV14P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" فانظر لنا غير الجوع فلا صبر لنا عليه ، ~~وتسليط العدو أمر فاضح . فإن كان ولا بد فالموت ، لأنه بيده لا بيد غيره . ~~فأمرهم داود أن يتجهزوا للموت ، فاغتسلوا وتحنطوا ولبسوا الأكفان وبرزوا ~~إلى صعيد بيت المقدس قبل بناء المسجد بالذراري والأهلين ، وأمرهم داود أن ~~يضجوا إلى الله تعالى وأن يتضرعوا إليه لعله أن يرحمهم . فأرسل الله عليهم ~~الطاعون فأهلك منهم في يوم وليلة ألوف كثيرة لا يدري عددهم ، ولم يفرغوا من ~~دفنهم إلا بعد مدة شهرين . فلما أصبحوا في اليوم الثاني خر داود ساجدا ~~يبتهل إلى الله تعالى ، فاستجاب الله تعالى منه وكشف عنهم الطاعون ورفع ~~عنهم الموت . ورأى داود الملائكة سالين سيوفهم فأغمدوها وهم يرقون في سلم ~~من ذهب من الصخرة إلى السماء . فقال داود لبني إسرائيل : إن الله قد من ~~عليكم ورحمكم فجددوا له شكرا . قالوا : وكيف تأمرنا ؟ قال : أمركم أن ~~تتخذوا من هذا الصعيد الذي يرحمكم الله فيه مسجدا لا يزال فيه منكم وممن ~~بعدكم ذكر الله تعالى . فأخذ داود في بنائه . فلما أرادوا أن يبتدئوا ~~البناء جاء رجل صالح فقير يختبرهم ليعلم كيف إخلاصهم في بنيانهم ، فقال ~~لبني إسرائيل : إن لي فيه موضعا أنا محتاج إليه ، فلا يحل لكم أن تحجبوني ~~عن حقي . قالوا له : يا هذا ، ما من أحد من بني إسرائيل إلا وله في هذا ~~الصعيد حق مثل حقك ، فلا تكن ms2627 أبخل الناس ولا تضايقنا فيه . فقال : أنا أعرف ~~حقي وأنتم لا تعرفون حقكم . قالوا له : إما أن ترضى وتطيب نفسا وإلا أخذناه ~~كرها . قال لهم : أوتجدون ذلك في حكم الله تعالى وحكم داود ؟ قال : فرفعوا ~~خبره إلى داود فقال : أرضوه . فقالوا : نعم نأخذه منه يا نبي الله بثمنه . ~~قال : خذوه بمائة شاة . فقال الرجل : زدني يا نبي الله ؛ فقال : بمائة بقرة ~~. قال : زدني يا نبي الله ؛ قال فبمائة بعير . قال : زدني يا نبي الله ، ~~فإنما تشتريه لله تعالى . فقال داود : أما إذ قلت هذا فاحتكم أعطك . قال : ~~تشتريه مني بحائط مثله زيتونا ونخلا وعنبا ؟ قال نعم . قال : أنت تشتريه ~~لله تعالى فلا تبخل . قال : سل ما شئت أعطك ، وإن شئت أؤجرك نفسي . قال : ~~أو تفعل ذلك يا نبي الله ؟ قال : نعم إذا شئت . قال : أنت أكرم على الله ~~تعالى من ذلك ، ولكن تبنى PageV14P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" حوله جدارا ثم تملؤه ذهبا وإن شئت ورقا . قال ~~داود : هو هين . فالتفت الرجل إلى بني إسرائيل وقال : هذا هو التائب ~~والمخلص . ثم قال لداود : لأن يغفر الله تعالى لي ذنبا واحدا أحب إلي من كل ~~ما وهبت لي ، ولكن كنت أختبركم . فأخذوا في بناء بيت المقدس ، وذلك فيما ~~قيل لإحدى عشرة سنة مضت من خلافة داود . وكان داود ينقل لهم الحجارة على ~~عاتقه ، وكذلك خيار بني إسرائيل حتى رفعوه قامة . فأوحى الله تعالى إليه : ~~إن هذا بيت مقدس ، وأنت سفاك للدماء ، ولست بانيه ، ولكن ابن لك أملكه بعدك ~~اسمه سليمان أسلمه من سفك الدماء وأقضي إتمامه على يديه ويكون له صيته ~~وذكره . قال : فصلوا فيه زمانا إلى أن توفى الله نبيه داود واستخلف سليمان ~~وأمره بإتمام بناء بيت المقدس . فجمع سليمان الإنس والجن والشياطين وقسم ~~عليهم الأعمال ، فخص كل طائفة منهم بعمل ، فأرسل الجن والشياطين في تحصيل ~~الرخام والمها الأبيض الصافي من معادنه ؛ وأمر ببناء المدينة بالرخام ~~والصفاح ، وجعلها اثنى عشر ربضا ، وأنزل كل ربض منها سبطا من الأسباط . ~~فلما فرغ من المدينة ms2628 ابتدأ في بناء المسجد ، فوجه الشياطين فرقا ، فريقا ~~منهم يستخرجون الذهب والفضة من معادنها ، وفريقا يغوصون في البحر ويستخرجون ~~أنواع الدر ويقلعون الجواهر والحجارة من أماكنها ، وفريقا يأتونه بالمسك ~~والعنبر وسائر أنواع الطيب من أماكنها ؛ فأتى من ذلك بشيء لا يحصيه إلا ~~الله تعالى . ثم أحضر الصناع وأمرهم بنحت تلك الحجارة وتنضيدها ألواحا ، ~~وإصلاح تلك الجواهر وتثقيبها ؛ فكانوا يعالجونها فتصوت صوتا شديدا لصلابتها ~~. فكره سليمان تلك الأصوات ، فدعا الجن فقال لهم : هل لكم حيلة في نحت هذه ~~الجواهر من غير تصويت ؟ فقالوا : يا نبي الله ، ليس في الجن أكثر تجارب ولا ~~أكثر علما من صخر . فاستدعاه . وكان من أمره في حضوره إليه والتلطف في ~~تحصيل حجر السامور ما نذكره - إن شاء الله تعالى - في أخبار صخر . ~~PageV14P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" قالوا : فلما أتى بحجر السامور ، وهو حجر ~~الماس ، استعمله في أدوات الصناع ، فسهل عليهم نحت الحجارة . قالوا : فبنى ~~سليمان المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر ، وعمده بأساطين المها ~~الصافي ، وفصصه بألواح الجواهر الثمينة ، وفصص سقوفه وحيطانه باللآلئ ~~واليواقيت وسائر الجواهر ، وبسط أرضه بألواح الفيروزج ، فلم يكن يومئذ بيت ~~في الأرض أبهى ولا أنور من ذلك المسجد ، وكان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة ~~البدر . قالوا : فلما فرغ من بنائه جمع أحبار بني إسرائيل فأعلمهم أنه بناه ~~لله تعالى ، وأن كل شيء فيه خالص لله تعالى . واتخذ ذلك اليوم عيدا ، فلم ~~يتخذ في الأرض قط أعظم منه ولا من الأطعمة التي عملت فيه . قيل : إنه ذبح ~~من الخراف خمسين ألفا ، ومن البقر خمسة وعشرين ألفا معلوفة ، ومن الغنم ~~أربعمائة ألف شاة . قالوا : ومن أعاجيب ما اتخذ سليمان ببت المقدس أنه بنى ~~بيتا وطين حيطانه بالخضرة وصقله ؛ فكان إذا دخله الورع البار استبان خياله ~~في ذلك الحائط أبيض ؛ وإذا دخله الفاجر استبان خياله في الحائط أسود . ~~فارتدع عند ذلك كثير من الناس عن الفجور والخيانة : ونصب في زاوية من زوايا ~~المسجد عصا آبنوس ، فكان من مسها من أولاد الأنبياء لمن تضره ، ومن مسها من ~~غيرهم ms2629 احترقت يده . قالوا : ولما فرغ من بناء بيت المقدس قرب قربانا على ~~الصخرة ، ثم قال : اللهم أنت وهبت لي هذا الملك منا منك علي ، وجعلتني ~~خليفتك في أرضك ، وأكرمتني به من قبل أن أكون شيئا ، فلك الحمد . اللهم إني ~~أسألك لم دخل هذا المسجد خصالا : ألا يدخله أحد فيصلي فيه ركعتين مخلصا ~~فيهما إلا خرج من ذنوبه كيوم PageV14P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" ولدته أمه ، ولا يدخله مستتيب إلا تبت عليه ، ~~ولا خائف إلا أمنته ، ولا سقيم إلا شفيته ، ولا مجدب إلا أخصبته وأغنيته . ~~وإذا أجبت دعوتي فاجعل علامتها أن تقبل قرباني . قال : فنزلت نار من السماء ~~فسدت ما بين الخافقين ثم امتد منها عنق فاحتمل القربان وصعد به إلى السماء ~~. وقال سعيد بن المسيب : لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس تغلقت أبوابه ، ~~فعالجها سليمان فلم تنفتح حتى قال في دعائه : بصلوات أبي داود إلا ما فتحت ~~الأبواب ، ففتحت . ففرغ له سليمان - ع - عشرة آلاف من قراء بني إسرائيل ، ~~خمسة آلاف بالليل ، وخمسة آلاف بالنهار ، فلا تأتي ساعة من ليل أو نهار إلا ~~والله عز وجل يعبد فيها فيه . وحكى الكسائي في خبر بناء بيت المقدس قال : ~~فأوحى الله تعالى إلى سليمان - ع - أن تبني بيت المقدس وترفع قواعده كما ~~رفع إبراهيم قواعد البيت العتيق ، وأن تبنيه على صخرة المعراج . فأمر ~~سليمان الجان أن تقطع الصخور . وتنقل الرخام والأحجار والعمد وآلات العمارة ~~إليه ؛ ثم أمر بالبناء على الأساس الذي كان داود وضعه . فلما كمل البناء ~~انهار وانهدم ؛ فأمر أن يحفر أساسه حتى يبلغ الماء ، وعقد البناء بالحجارة ~~المنحوتة بعضها على بعض ، فغلب الماء على البناء فما انعقد الأساس . فأمر ~~أن تصنع قلال النحاس والرصاص ، وختمها بخاتمه ، وجعلها تحت الأساس . ثم أمر ~~بالبناء فوقها فبنيت وارتفع البناء ، وعمل فيه عشرة آلاف عمود من الرخام ~~الملون ، يلي كل عمود سارية من الذهب ، وسارية من الفضة ؛ ومحاريب الذهب ~~والفضة ، وكمل البناء والزخرفة في أربعين يوما . قال : وكان يعمل فيه في كل ~~يوم ألف عفريت ms2630 من الجن وألف شيطان وألف من الإنس . وفرغ منه يوم عرفة ، ~~واتخذ له قناديل من الذهب بسلاسل الفضة . PageV14P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" قال الثعلبي : فكان بيت المقدس على ما بناه ~~سليمان إلى أن غزاه بختنصر ، فخرب المدينة وهدمها ، ونقض المسجد ، وأخذ ما ~~كان في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر الجواهر ، فحمل ~~ذلك معه إلى دار مملكته من أرض العراق . قال : ثم لم يزل خرابا إلى أن بني ~~في الإسلام . قال الكسائي : ثم أمر الله سليمان بجهاد العدو ، فرغب في جمع ~~الخيل ، فأهديت إليه من جهة ملوك الأطراف الخيول المسومة ؛ فاجتمع له ما ~~ينيف عن سبعين ألف فرس بسروج الذهب والفضة بأجلة الديباج . وسار صوب بلاد ~~الشام . وكان إذا خرج للغزو لا يستصحب شيطانا ولا جنيا بل العباد من بني ~~إسرائيل . والله المعين . ذكر خبر وادي النمل وما قيل فيه قال : ولما سار ~~سليمان لقصد الغزو مر في طريقه بوادي النمل . قال الثعلبي : إنه مر بوادي ~~السدير واد من الطائف فأتى وادي النمل . قال الكسائي : فنظر إليهم وإذا هم ~~يزيدون على مائة ألف كردوس مثل السحاب ؛ وهم زرق العيون ، ولهم أيد وأرجل . ~~فقال سليمان : إني أرى سحابة في الأرض لا أعلم ما هي . فحملت إليه الريح ~~قول النمل كما أخبر الله تعالى عنها : " حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت ~~نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ، ~~فتبسم ضاحكا من قولها " . قال : ونزل الناس معه ، فقال : أتدرون ما هذا ~~السواد ؟ هذه أمة من الأمم يقال لها النمل ، وأخبرهم بقول النملة تناديهم : ~~الوحا الوحا فقد وافتكم الخيل . فصاح بها سليمان وأراها الخاتم فجاءته ~~خاضعة ، فوقفت بين يديه وهي أكبر من الذئب ، فسجدت بين يديه ثم قالت : يا ~~نبي الله ، ما سجدت قبلك إلا لأبيك إبراهيم ، وهأنا بين يديك مرني بأمرك . ~~فقال : ما الذي PageV14P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" تكلمت به قبل وصولي إليك ؟ قالت : يا نبي الله ~~، إني رأيتك في موكبك وعسكرك ، فناديت النمل أن يدخلوا مساكنهم ms2631 لئلا يحطمهم ~~جندك ، وأنا كمثل غيري من الملوك أريد الإصلاح لقومي . فقال لها : كم عددكم ~~؟ وما تأكلون وما تشربون ؟ قالت : يا نبي الله ، لو أمرت الجن والشياطين أن ~~يحشورنا إليك لعجزوا ، وليس على وجه الأرض واد ولا جبل ولا غابة إلا وفي ~~أكنافها مثل سلطانك كراديس من النمل . ولو تفرق كردوس واحد في الأرض لما ~~وسعته ولقد خلقنا قبل أبيك آدم ، وإنا لنأكل رزق ربنا ونشكره . فأمرها أن ~~تعرض النمل عليه . فنادتهم ، فمروا به زمرة بعد زمرة ، وسلموا عليه بلغاتهم ~~وهو ينظر إليهم . فقالت ملكة النمل : يا نبي الله ، منا ما يأوي الجبال ، ~~ومنا ما يأوي قرب المياه والأشجار والزرع ، وفي الهواء وهي الطيارة ، فإذا ~~نبتت أجنحتها هلكت واختطفتها الطير . والنملة لا تموت حتى يخرج من ظهرها ~~كراديس من النمل . وليس على ظهر الأرض أحرص من النملة ؛ وإنها لتجمع في ~~صيفها ما يملأ بيتها وهي مع ذلك تظن أنها لا تشبع . وتسبيحها تسأل ربها أن ~~يوسع الرزق على خلقه . قال الثعلبي قال الضحاك : اسم النملة التي كلمت ~~سليمان طاحية وقيل حرمى . والله أعلم . ذكر خبر البعوض وما قيل فيه قال ~~الكسائي : ولما نظر سليمان إلى كثرة النمل قال : إلهي هل خلقت أكثر من ~~النمل ؟ فأوحى الله إليه : نعم وسترى ذلك . ثم أمر الله تعالى ملك البعوض ~~أن يحشرها لسليمان ، فحشرها من شرق الأرض وغربها . فأقبلت كراديس البعوض ~~كالسحاب يتبع بعضها بعضا حتى وقف منهم كردوس على سليمان ، وأقبل ملكهم وقال ~~: يا نبي الله ، مالك وللضعفاء من خلق ربك ألهيتهم عن التسبيح ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ . ~~يا بن داود ، إنا في هذه الأرض قبل أبيك آدم بألفي عام ما عرضنا على آدمي ~~غيرك ، نأكل من رزق ربنا ، ولا نفتر عن ذكره صباحا ولا مساء . قال : ~~أخبروني كم أنتم ؟ وأين مأواكم ؟ ومن أين ترزقون ؟ قال ملكهم : يا نبي الله ~~، تحت يدي سبعون سحابة ، كل سحابة تملأ المشرق والمغرب ، لكل زمرة موضع ~~معلوم ، تأكل كل واحدة رزقها ، ولولا خوف المعاد لأكلنا ما في الدنيا . ثم ~~سجدوا وانصرفوا ms2632 . وكان سليمان إذا أراد أن يدرك قوما بعث إليهم البعوض ~~فيأكل جميع ما في مدينتهم . PageV14P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" ذكر خبر الخيل وما قيل فيها قال الله تعالى : ~~" إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد ، فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ~~ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق " . قال أبو ~~الحسن علي بن إبراهيم الحوفي في كتاب البرهان في علوم القرآن في تفسيره هذه ~~الآية : الصافن من الخيل الذي يجمع بين يديه . وقال الفراء : الصافن هو ~~القائم . وقال مجاهد : صفون الفرس إذا رفع رجليه حتى يكون عى طرف الحافر ~~قال ابن زيد : أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر . والصفن أن ~~يقوم الفرس على ثلاث ويرفع رجلا واحدة ، يكون طرف الحافر على الأرض . قال : ~~وكانت لها أجنحة . قال : والجياد السراع . وذكر أنها كانت عشرين فرسا ذوات ~~أجنحة . قال وقوله : " إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب " ~~إنه لها عن الصلاة حتى فاتته . قال قتادة والسدي : الخير : الخيل . وروي عن ~~علي رضي الله عنه أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال : هي العصر ، وهي التي فتن ~~بها سليمان . " حتى توارت بالحجاب " ، يعني الشمس حتى تغيب في مغيبها . ~~وقوله " ردوها علي " أي الخيل التي عرضت علي فشغلتني عن الصلاة . " فطفق ~~مسحا بالسوق والأعناق " ، أي جعل يمسح فهيا السوق وهو جمع ساق . قال بعضهم ~~: عقرها وضرب أعناقها ؛ قاله قتادة والحسن والسدي . وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : جعل يمسح أعرافها وعراقيبها بيده حبا لها . وقيل : كشف عن عراقيبها ~~وضرب أعناقها وقال : لا تشغليني عن عبادة ربي مرة أخرى . قال أبو إسحاق : ~~يجوز أن يكون الله أباح له ذلك لأنه لا يجعل التوبة من الذنب بذنب أعظم منه ~~. والله أعلم . PageV14P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" وقال الثعلبي رحمه الله في قصة الخيل قال ~~الكلبي : غزا سليمان أهل نصيبين ، فأصاب منهم ألف فرس . وقال مقاتل : ورث ~~سليمان من أبيه داود ألف فرس ، كان داود أصابها من العمالقة . قالوا : فصلى ~~سليمان الصلاة الأولى ms2633 وقعد على كرسيه ، فعرض عليه منها تسعمائة فرس ؛ فتنبه ~~لصلاة العصر ، فإذا الشمسي قد غابت وفاتته الصلاة ولم يعلم بذلك ، فاغتم ~~وقال : ردوها علي ، فردت عليه ، فعرقبها بالسيف ، وقربها إلى الله عز وجل ~~وبقي منها مائة فرس . فما في أيدي الناس من الخيل العراب فهي من نسل تلك ~~المائة . وقال كعب : كانت الأفراس أربعة عشر فرسا ، فأمر بضرب أعناقها ~~وسوقها بالسيف وقتلها ؛ فسلبه الله ملكه أربعة عشرة يوما ؛ لأنه ظلم الخيل ~~بقتلها . قال الثعلبي وقال قوم : " فطفق مسحا بالسوق والأعناق " حبسها في ~~سبيل الله وكوى سوقها وأعناقها بميسم الصدقة . وروى عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه أن الله تعالى أمر الملائكة الموكلين بالشمس فردوها ، وصلى سليمان ~~العصر في وقتها . ذكر خبر بساط سليمان - عليه السلام - قال الكسائي : وكان ~~سليمان إذا ركب الريح تقدم أمام بساطه البعوض ثم الزنابير وكل ما يطير في ~~الهواء ، ثم الشياطين . وكان إذا أراد أن يركب الريح دعا الرياح الثمانية : ~~الشمال والجنوب والصبا والدبور والصرصر والعقيم والكرس والراكي ، فيبسط ~~بعضها على بعض ؛ ثم يبسط بساطه على هذه PageV14P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" الرياح ، وان من السندس الأخضر ، أخضر البطن ~~أحمر الظهر . أهداه الله تعالى إليه من الجنة ، لا يعلم طوله وعرضه إلا ~~الله تعالى . وقيل : كان طوله ثلاثمائة وسبعين فرسخا في عرض عشرة آلاف ذراع ~~. وكان سليمان إذا ركبه جعل اللون الأخضر مما يلي الأرض ، فإذا رفع الناس ~~رءوسهم إليه يرونه على لون السماء . وكان يجلس على كرسيه وعن يمينه ويساره ~~القضاة والعلماء والأحبار من بني إسرائيل على كراسي معدة لهم ، وهو جالس في ~~وسط البساط وزمام الريح بيده ، ويتغدى على مسيرة شهر ويتعشى على مسيرة شهر ~~؛ قال الله تعالى : " غدوها شهر ورواحها شهر " . قال : وكان سليمان إذا ركب ~~الرياح على بساط يرى كل شيء عليه من الجن والإنس والشياطين والهوام وغيرهم ~~، والطير تظله ، ولا يقف على مدينة إلا فتحها . ذكر خبر صخر الجني قال : ~~وجمع سليمان - ع - عفاريت الجن والشياطين وأمرهم بإحضار صخر الجني ، فقالوا ms2634 ~~: يا نبي الله ، إن الله قد أعطاه قوة جماعة منا ؛ ويصعب علينا حمله إليك ، ~~وما لنا إلا أمر واحد وهو أنه يأتي في كل شهر إلى عين في جزيرة فيشرب ماءها ~~. والرأي أن ننزفه منها ونملأها خمرا ، فإذا جاء وشربه وسكر ذهبت قوته ~~فنحمله ونأتيك به . ثم خرجوا ففعلوا ذلك ، واختفوا في تلك الجزيرة فجاء صخر ~~ليشرب فاشتم رائحة الخمر وقال : أيتها الخمرة إنك لطيبة غير أنك تسلبين ~~العقل وتجعلين الحليم جاهلا ، وأمرك كله ندامة ، وانصرف ولم يشرب . ثم عاد ~~في اليوم الثاني وقد أجهده العطش فقال : ما من قضاء يأتي من الله إلا كان ~~مبرما ، ثم نزل على العين فشرب حتى امتلأ ، ثم قام ليخرج فسقط ، فتبادرت ~~العفاريت إليه ومعهم طابع خاتم سليمان ، فلما رآه ذلك ذل وخضع ، فحملوه حتى ~~وقفوه بين يدي سليمان وهو يخرج من فيه لهب النيران ، ومن منخريه الدخان . ~~فلما عاين الخاتم ضعفت قوته وخر ساجدا على وجهه ، ثم رفع رأسه وقال : يا ~~نبي الله ، سيزول هذا الملك عنك ولا يبقى إلا ذكره . قال : صدقت . ثم قال ~~له : يا نبي الله ، ما الذي أحوجك إلي وأنا بالبعد منك لا أختلط بالآدميين ~~؟ فقال له سليمان : إن الناس قد اشتكوا من وقع الحديد وصوته على الحجر . ~~فقال : عليك بوكر العقاب وعشه PageV14P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" وبيضه ، فليس شيء من الطيور أبصر منه ، فأتى ~~به . فوضعه في البرية وغطاه بجام من القوارير شديد الصفاء فوضعه على عش ~~العقاب . فجاء العقاب فلم يرعشه ، فطار في الهواء حتى نظر إلى عشه في تلك ~~البرية ، فانقض عليه وضرب الجام برجله ليكسره فلم يقدر على ذلك ، فطار ~~وتعلق في الهواء وغاب يومه وليلته ، ثم أقبل صبيحة اليوم الثاني وفي منقاره ~~قطعة من حجر السامور ، فانقض على الجام بذلك الحجر فضربه به ، فانشق الجام ~~نصفين ولن يسمع له صوت ، وأخذ العقاب عشه وبيضه وترك حجر السامور هناك ، ~~فأخذه صخر وهو في صفاء المرآة وحر النار . فدعا سليمان بالعقاب وسأله عن ~~حجر السامور من أين ms2635 احتمله ، فأخبره أنه من جبل شامخ . فبعث سليمان الجن ~~والشياطين فحملوا منه ما قدروا ، فكان يقطع به الأحجار والصخور والجزع من ~~غير أن يسمع له وقع . قال : ثم قال صخر : يا نبي الله ، أتحب أن أتخذ لك ~~مدينة ؟ قال نعم ؛ فاتخذها . فعجب سليمان من ذلك ، وأمره أن يتخذ له مدينة ~~دون تلك المدينة حتى يحملها معه على بساطه حيثما ذهب . فقال : يا نبي الله ~~، لك كلما أردت السفر مدينة على أي لون شئت . فبنى له مدينة في طول عسكره ~~وعرضه ، وجعل لكل سبط من الأسباط قصرا في طول ألف ذراع وعرضه مثل ذلك ، وفي ~~كل قصر بيوت وغرف ، ثم بنى بعد ذلك مجلسا من القوارير في طول ألف ذراع ، ~~وعرضه مثل ذلك ، يجلس فيه العلماء والقضاة . وبنى لسليمان قصرا عجيبا في ~~طول خمسة آلاف ذراع ، وعرضه مثلها ، وزخرفه بألوان القوارير ورصعه بأنواع ~~الجواهر ، وجعل فيه جميع الصور والتماثيل وأتقن صنعته . وكان مما صنع صخر ~~لسليمان الكرسي . ذكر صفة كرسي سليمان عليه السلام وما انتهى إليه أمره ~~قالوا : وكان مما عمله صخر الجني لسليمان - ع - الكرسي ، وكان سليمان أمره ~~باتخاذه ليجلس عليه للقضاء ، وأمره أن يعمله بديعا مهولا بحيث إنه إذا رآه ~~مبطل أو شاهد زور ارتدع وتهيب . PageV14P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" قال : فعمل له الكرسي وكان من أنياب الفيلة ~~وفصصه بالياقوت واللؤلؤ ، والزبرجد وأنواع الجوهر ، وحفه بأربع نخلات من ~~ذهب ، شماريخها من الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر ، على رأس نخلتين ~~طاووسان من ذهب ، وعلى رأس النخلتين الأخريين نسران من ذهب ، بعضها يقابل ~~بعضا ، وجعل مقابل جنبي الكرسي أسدين من ذهب ، على رأس كل أسد منهما عمود ~~من الزمرد الأخضر ، وعقد على النخلات أشجار كروم من الذهب ، عناقيدها من ~~الياقوت الأحمر . قالوا : وكان سليمان إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة ~~السفلى فيستدير الكرسي كله بما فيه دوران الرحا المسرعة ، وتنشر تلك النسور ~~والطواويس أجنحتها ، ويبسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما ، ~~وكذلك كان يفعل في كل درجة يصعد فيها سليمان . فإذا استوى سليمان ms2636 بأعلاه ~~أخذ النسران اللذان على النخلتين تاج سليمان فوضعاه على رأس سليمان ، ثم ~~يستدير الكرسي بما فيه ويدور معه النسران والطاووسان ، والأسدان ماثلان ~~برءوسهما إلى سليمان ، ينضحن عليه من أجوافها المسك والعنبر ، ثم تناوله ~~حمامة من ذهب جاثمة على عمود من جوهر من أعمدة الكرسي النوارة ، فيفتحها ~~سليمان - ع - ويقرؤها على الناس ويدعوهم إلى فصل القضاء . فإذا دعا ~~بالبينات وتقدمت الشهود لإقامة الشهادات دار الكرسي بما فيه من جميع ما ~~حوله دوران الرحا المسرعة . قال أبو إسحاق الثعلبي قال معاوية لوهب بن منبه ~~: ما الذي كان يدير ذلك الكرسي ؟ قال : بلبلتان من ذهب . قال : فإذا دار ~~الكرسي بسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما ، وينشر النسران ~~والطاووسان أجنحتها فتفزع منها الشهود ويداخلهم الرعب الشديد ، فلا يشهدون ~~إلا بالحق . PageV14P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" قال : فلما توفي الله سليمان - ع - وجاء ~~بختنصر إلى بيت المقدس أخذ الكرسي وحمله إلى أنطاكية ، وأراد أن يصعد عليه ~~ولم يكن له علم بالصعود عليه ولا معرفة بأحواله . فلما وضع قدمه على الدرجة ~~رفع الأسد يده اليمنى فضربه ضربة شديدة دقه ورماه ، فحمل بختنصر ، فلم يزل ~~يعرج منها ويتوجع إلى أن مات . وبقي الكرسي بأنطاكية حتى غزاهم ملك من ملوك ~~الشام يقال له كداس بن سدارس فهزم خليفة بختنصر ورد الكرسي إلى بيت المقدس ~~، فلم يستطع أحد من الملوك الصعود إليه . فوضع تحت الصخرة فغاب فلم يعرف له ~~خبر ولا يدري أين هو . والله أعلم بالصواب . ذكر خبر بلقيس وابتداء أمرها ~~قال الكسائي قال كعب : هي بلقيس بنت ذي شرح ، وهي متولدة من الإنس والجن . ~~وأمها عميرة بنت ملك الجن . وكان لاتصال ذي شرح والد بلقيس بعميرة بنت ملك ~~الجان سبب عجيب نذكره على ما حكاه الكسائي ، قال : أهلك الله تعالى مساكن ~~سبأ بسيل العرم ، على ما نذكر ذلك في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى ، وهو ~~يلي أخبار ملوك قحطان ، وذلك في الباب الثاني من القسم الرابع من الفن ~~الخامس في السفر الثالث عشر من هذه النسخة . قال ms2637 : فلما انقرضوا وأبادهم ~~الفناء PageV14P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" توارثها بعدهم جماعة من الملوك ليس هذا موضع ~~ذكرهم ، حتى انتهى الملك إلى رجل فظ غليظ يقال له شراحي الحميري . وكان من ~~عادته مع قومه أنه افترض على أهل مملكته في كل أسبوع أن يأتوه بجارية من ~~بناتهم فيفتضها ثم يردها إلى أهلها . وكان ذو شرح وزيره وهو من أبناء ملوك ~~حمير من ولد سبأ ، وكان لذي شرح ألف قصر وألف فرس عتيق وألف سيف يمان ، ~~وكان يرجع إلى حسن وجمال وعقل ، وكان مولعا بالصيد ، فكانت الجن تتصور له ~~في صورة الظبي ، فإذا صادهم وهم بذبحهم كلموه وقالوا له : لا تعجل فإنا ~~إنما جئنا لننظر إلى محاسن وجهك . وكانت الجن تؤذي أهل اليمن ، فأقسم ذو ~~شرح أن يقتل ملك الجن ويتزوج بابنته . قال وكان اسم ملك الجن عمير ، وكان ~~حسن الوجه ، وابنته عميرة . فمر ذو شرح ذات يوم في واد من بلاد اليمن كثير ~~الأشجار فنزل به ، حتى جنه الليل ، وكان في جمع قليل من أصحابه ، وكان ~~الوادي الذي نزل به من مساكن الجن . فلما مضى بعض الليل سمع همهمة الجن ، ~~فقام ونادى : يا معشر الجن ، قد نزلت بكم الليلة على أن تضيفوني فإني جار ~~لكم ، فأسمعوني من أشعاركم . قال : فأنشدته الجن من أشعارها ، وجاءته عميرة ~~بنت عمير ملك الجن على أحسن صورة . فلما نظر إليها ذهل عقله من حسنها ، ~~وغابت عن عينه فشغف بحبها فقال : يا معشر الجن ، إن أنتم زوجتموها مني وإلا ~~كنت حربا لكم ما عشت أبدا . فنادوه : يا ذا شرح ، إنك آدمي فكيف تقاتل الجن ~~ومسكنهم الهواء وظلمات الأرض مهلا أيها الآدمي لا تعرض نفسك إلى ما لا تقدر ~~عليه وارجع ، فإن قدر لك أمر فسوف تناله . فلما سمع ذلك أيس من التزويج ~~وأخذ في مستأنف أمره في مؤالفة الجن ، فكان يهاديهم بما يصلح لهم من ~~الهدايا ، فصافاه عمير ملك الجن وأخاه وألفه حتى صار عنده كالأخ . فلما رأى ~~ذلك ذو شرح وأنه قد تمكن من ملك الجن قال ms2638 له : هل لك أن تزوجني ابنتك عميرة ~~ليكون لي في ذلك شرف إلى الممات فرغب فيه عمير ملك الجن لحسنه وجماله وشرفه ~~وماله ؛ فزوجه ابنته بحضرة سادات الجن . وانصرف ذو شرح إلى مدينة سبأ وأهدى ~~هدايا كثيرة إلى ملك الجن وسادات قومه ، ثم زفت إليه فوطئها فحملت منه . ~~PageV14P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" ذكر خبر ميلاد بلقيس وكيف كان وسبب ملكها قال ~~: وولدت عميرة بنت ملك الجن بلقيس بنت ذي شرح على أحسن ما تكون من الصور ، ~~ثم ماتت أمها بعد ذلك بقليل ، فربتها الجن . فلما بلغت مبلغ النساء قالت ~~لأبيها : إني كرهت المقام عند الجن فاحملني إلى بلاد الإنس فإنهم أحب إلي . ~~فقال لها : إن للإنس ملكا ظالما وذكر لها سنته في بلاد قومه ، وأنه يفتض ~~الأبكار ثم يردهن إلى أهلهن . قالت : لا تخش ذلك علي وانقلني ، وسترى ما ~~يكون مني . فبنى لها قصرا خارج مدينة سبأ من أعظم ما يكون من الأبنية ، ~~واتخذ لها عريشا من العاج والأبنوس والذهب والفضة ، ونقلها إلى القصر واتخذ ~~لها أواني الجوهر . فأقامت بلقيس في قصرها زمنا طويلا ، وانتشر خبرها إلى ~~ملك سبأ ، فركب في موكبه حتى وقف على باب القصر ورأى حسن بنائه ، فرجع ~~وأرسل بجارية من جواريه إلى بلقيس ، فدخلت عليها ونظرت إليها وإلى ما في ~~قصرها من التحف العظيمة وما عندها من جواري الإنس والجن ، فعادت إلى الملك ~~وأخبرته بما هي عليه من الجمال وأنها ابنة وزيره . فأحضره وأنكر عليه وقال ~~: كيف اتخذت مثل هذا القصر ولك مثل هذه البنت وأنت وزيري ولم تعلمني ولا ~~استأذنتني في بنائه . فقال : أيها الملك ، أما القصر فإني أنفقت عليه المال ~~الذي ورثته من أبي . وأما البنت فإنها ابنة عميرة بنت ملك الجن ، ورغبت في ~~السكن في بلاد الإنس ، فحملتها إلى هذا المكان ، فهذه قصتها . فقال : صدقت ~~فزوجنيها ولا بد من ذلك . فقال : أحتاج في ذلك إلى إذنها . قال : استأذنها ~~. فجاء إليها وقال : يا بنية ، قد وقعت فيما كنت أخشاه عليك ، وذكر لها ~~مقالة الملك . فقالت ms2639 : زوجني منه ولا تخف ، فإنه لا يصل إلي . فزوجها منه ~~بحضور أكابر أهل المملكة . ولما تم التزويج كتب الملك كتابا إليها يقول : ~~إني قد عشقت اسمك قبل أن أنظر إليك ، فإذا قرأت هذه الرقعة فعجلي بحضورك ~~إلي . فكتبت إليه : إني لمشتاقة إلى وجهك أشوق منك إلي ، غير أن قصري هذا ~~هو من بناء الجن ، وفيه عجائب كثيرة ، وقد جمعت فيه ما لا يصلح إلا لمثلك . ~~فإن رأيت أن تتحول إلى قصري فافعل . فلما ورد جوابها عليه ركب لوقته في ~~حشمه وجنوده وسادات قومه . فبلغ بلقيس فقالت لأبيها : امض إلى الملك وقل له ~~: إن ابنتي من بنات الجن ولم تنظر قط إلى مثل هذه الجنود ، ففرق هؤلاء ~~وادخل إليها منفردا . فقال ذلك للملك ، PageV14P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" ففرق جنوده وأتى إليها بمفرده ، ودخل القصر ~~وله سبعة أبواب . وكانت بلقيس قد جعلت عند كل باب جارية من بنات الجن من ~~أحسن ما تكون من النساء ، وفي أيديهن أطباق الذهب فيها الدنانير والدراهم ~~والطيب ، وأمرتهن أن ينثرن ذلك على الملك . فلما دخل توهم أن كل واحدة منهن ~~امرأته وهم بالنزول عليها ، فتقول : أنا خادمتها وهي أمامك ، حتى انتهى إلى ~~آخر الأبواب ، فتقدمت إليه جارية وأصعدته إلى العرش ، فنظر إلى القصر وما ~~فيه من الآلات والزينة ، فرأى ما لم يخطر بباله . ثم أقبلت بلقيس والجواري ~~بين يديها ينثرن على الملك من أنواع النثار وعلى رأسها تاج ، فصعدت على ~~عرشها . فلما رآها الملك فتن بها وكاد يذهل عقله . وأخذت في مخادعته ~~وملاعبته ، ثم أمرت بالطعام فأحضر بين يديه . فامتنع من الأكل وقال : ما ~~أريد أن أغفل عن وجهك . فأمرت بإحضار الشراب فأتى به في آلات الجوهر النفيس ~~. وأخذا في الشرب ، فلم تزل به حتى أسكرته وغاب عن عقله ووقع على قفاه لا ~~يعقل من أمره شيئا . فذبحته بلقيس ، ثم دعت بأبيها وأعلمته بما فعلت . ففرح ~~وكتب إلى خزان الملك عن الملك : إني قد أحببت النزول بهذا القصر فاجمعوا ما ~~في الخزائن من الأموال وأنفذوه إلى عندي ms2640 . فجمعوا الأموال وأنفذوها إلى ~~القصر . ثم أمرت بعد ذلك باتخاذ الأطعمة فصنعت ودعت سادات ملوك اليمن . ~~فلما جلسوا قدمت إليهم الأطعمة فأكلوا ، ثم قدم إليهم الشراب فشربوا . فلما ~~أخذ منهم أشرفت بلقيس عليهم وقالت : إن الملك يأمركم أن توجهوا إليه ~~بنسائكم وبناتكم . فغضبوا وقالوا : أما يكفيه أنه فضح بنات العرب حتى طمع ~~فينا نحن فقالت لهم : لا تغضبوا حتى أرجع إليه وأعرفه غضبكم . ثم أمرت أن ~~يعاد عليهم الشراب ثانيا فشربوا ساعة ، فعادت إليهم وقالت : قد أخبرت الملك ~~بغضبكم ومقالتكم فقال : لا بد من ذلك . فازداد القوم غضبا وصاحوا . فقالت : ~~على رسلكم حتى أراجعه وأسأله . ومضت وعادت فقالت : إني عدت إلى الملك ~~فوجدته قد نام ، فلما رأيكم في أمر أفعله وأريحكم مما أنتم فيه من شره على ~~أن تملكوني على أنفسكم ؟ قالوا نعم . فحلفتهم على ذلك وأخذت عليهم العهود ~~والمواثيق ، وغابت ساعة وعادت ومعها رأس الملك فألقته إليهم ، ففرحوا بذلك ~~واستبشروا وملكوها عليهم . فملكت بضع عشرة سنة حتى بعث الله سليمان نبيا . ~~PageV14P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" ذكر خبر سليمان وبلقيس وسبب زواجه بها قال : ~~وكان سب اتصال خبرها بسليمان - ع - أنه بينما هو يسير على بساطه ، وكان ~~الهدهد دليله على الماء لأنه يراه من عدة فراسخ ، فارتفع في الهواء لطلب ~~الماء ، فنظر إلى هدهد قد أقبل من ناحية اليمن ، فالتقيا . فقال له الهدهد ~~السليماني : من أين أنت ؟ قال : من اليمن . وسأله الآخر فقال : أنا من ~~الشام من طيور الملك سليمان . قال : ومن سليمان ؟ قال : نبي الله ملك الجن ~~والإنس والطير وجميع المخلوقات . قال : إن هذا ملك عظيم . قال : وهل في ~~اليمن ملك ؟ قال : نعم ، ملكة يقال لها بلقيس تحت يدها عشرة آلاف قائد ، ~~تحت يد كل قائد كذا وكذا ألفا من العساكر . وحكى الثعلبي أنه قال لما أخبره ~~بملك سليمان : إن لصاحبكم ملكا عظيما ، ولكن ليس ملك بلقيس دونه ، فإنها ~~ملكة اليمن وتحت يدها اثنا عشر ألف قيل مع كل قيل مائة ألف مقاتل - والقيل ~~هو القائد بلغة أهل اليمن - فهل ms2641 أنت منطلق معي حتى تراها ؟ قال نعم . ~~فانطلق الهدهدان حتى أتيا بلاد اليمن وصارا إلى قصرها ؛ فنظر إليها الهدهد ~~السليماني وإلى قصرها وملكها . وحضر وقت الصلاة لسليمان فلم يجد الهدهد ، ~~فقال ما أخبر الله به عنه : " وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان ~~من الغائبين ، لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين " أي ~~بحجة بينة . ثم دعا العقاب وقال : أنت عريف الطير ، فتعرف لي خبر الهدهد . ~~فطار في الشرق والغرب ، وإذا هو بالهدهد قد أقبل من جهة اليمن ، فجاء به ~~إلى سليمان فاستخبره عن سبب غيبته فقال : " أحطت بما لم تحط به وجئتك من ~~سبإ بنبأ يقين . إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم " . ~~وذكر صفة عرشها وما فيه من أصناف الجواهر وغيرها ثم قال : " وجدتها وقومها ~~يسجدون للشمس من دون الله " وخر ساجدا لله ، ثم رفع رأسه وقال : " ألا ~~يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض " . قال سليمان : " سننظر ~~أصدقت أم كنت من الكاذبين " . ثم سأله عن الماء فقال : هو تحت قائمة كرسيك ~~. فأمر سليمان بتحويل البساط ، فحول ونقر الهدهد بمنقاره فخرج الماء ، فشرب ~~الناس وصلوا . ثم قال للهدهد : " اذهب بكتابي هذا فألقيه إليهم ثم تول عنهم ~~فانظر ماذا يرجعون " وأقبل سليمان على آصف بن برخيا وقال : أكتب إلى هذه ~~المرأة كتابا لطيفا . فدعا بصحيفة من فضة وكتب : " بسم الله الرحمن الرحيم ~~. إنه من سليمان ، وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي PageV14P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" وأتوني مسلمين " . وختم الكتاب وبعثه مع ~~الهدهد في زمرة من الطير ، فأقبلوا نحو اليمن وانقضوا على قصرها ، ودخل ~~الهدهد إلى قبتها من كوة من كوى القبة وهي نائمة ، وقد وضعت خاتم ملكها على ~~صدرها ، فوضع الكتاب على نحرها وطار . فلما استيقظت أخذت الكتاب وجمعت ~~قومها ثم قالت : " إني ألقي إلي كتاب كريم " وفتحته وقالت : إنه من سليمان ~~، وقرأته عليهم وعلمت أنه من قبل رجل عظيم . وجمعت أكابر قومها وأهل العقل ~~والعلم الذين في ms2642 مملكته و " قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة ~~أمرا حتى تشهدون ، قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ~~ماذا تأمرين " . فعلمت عند ذلك أنهم قد أخطلوا الرأي في عزمهم على الحرب و ~~" قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك ~~يفعلون ، وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون " . قال : وأرادت ~~أن تختبر حال سليمان - ع - فقالت : إن طلب الدنيا أرضيناه بالمال وصرفنا ~~أذاه عنا ، وإن كان من الأنبياء ولم ترغبه الدنيا لم يكن لنا أمر إلا ~~الطاعة له ، فمضوا على رأيها ، فأمرت باتخاذ الهدايا . فعاد الهدهد إلى ~~سليمان وأخبره بما كان من أمرها مع قومها . فأمر سليمان أن يفرش ميدانه ~~بلبن الذهب والفضة ، وأن يبني حول الميدان حائط من الفضة شرفاته من الذهب ، ~~على كل شرفة تاج من الذهب مرصع بالجوهر ، وأمر الجن أن يأتوا بأولادهم من ~~الذكور والإناث ، وأمر بإحضار كل فرس عجيب الخلق . قال الثعلبي : إن سليمان ~~- ع - سأل الجن عن أحسن دواب رأوها في البحر . قالوا : رأينا دواب في بحر ~~كذا وكذا منمرة منقطة مختلفة ألوانها ، لها أجنحة وأعراف ونواص . قال : علي ~~بها الساعة ، فأتوه بها . قال : شدوها عن يمين الميدان ويساره ، ففعلوا . ~~قالوا : وأمر سليمان الشياطين أن يظهروا من التهويلات ما لم يظهروه قبل ذلك ~~اليوم . PageV14P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" قال الكسائي : وكانت بلقيس قد أعدت مائة لبنة ~~من الذهب ، ومائة لبنة من الفضة ، ومائة غلام أمرد ، لكل غلام ضفائر النساء ~~، ومائة وصيفة مضمومات الشعر . قال الثعلبي : واختلفوا في عددهم ، فقال ~~الكلبي : عشرة غلمان وعشر جوار . وقال مقاتل : مائة وصيف ومائة وصيفة . ~~وقال مجاهد : مائتا غلام ومائتا جارية . وقال وهب : خمسمائة غلام وخمسمائة ~~جارية . وألبست الغلمان ثياب الوصائف ، وألبست الوصائف ثياب الغلمان . وقال ~~الثعلبي : قال وهب وغيره من أهل الكتاب : عمدت بلقيس إلى خمسمائة جارية ~~وخمسمائة غلام ، فألبست الجواري لباس الغلمان ، وألبست الغلمان لباس ~~الجواري ، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب ، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب ms2643 ، ~~وفي آذانهم أقراطا وشنوفا من ذهب مرصعات بألوان الجواهر ، وحملت الجواري ~~على خمسمائة رمكة ، والغلمان على خمسمائة برذون ، على كل فرس لجام من ذهب ~~مرصع بالجواهر ، وغواشيها من الديباج الملون ، وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ~~ذهب ، وخمسمائة لبنة من فضة . قالوا : وعمدت إلى تاج من ذهب مرصع بالجواهر ~~، ومائة فرس من جياد خيول اليمن ، عليها براقع الحرير وأجلة الديباج ، ~~وبعثت بحقة من ذهب فيها درة غير مثقوبة ، وجزع يماني مثقوب معوج الثقب ، ~~وقارورة بعثت ذلك مع وزيرها ، وكتبت جواب كتاب سليمان وقالت : قد بعثت إليك ~~بمائتي وصيف ووصيفة على سن واحدة ، وأحب أن تميز ذكورهم من إناثهم من غير ~~أن تكشف عنهم ، ودرة غير مثقوبة تأمر من يثقبها من غير أن تستعين بأحد من ~~الإنس والجن والشياطين ، وجزع مثقوب تدخل فيه خيطا ، وقارورة تملؤها ماء ما ~~نزل من السماء ولا نبع من الأرض . PageV14P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" فلما جاء الرسول ونظر إلى ميدان سليمان ~~وحيطانه وما على شرفتها من التيجان والخيول حول الميدان ، دخل على سليمان ~~بالجواري والغلمان والحقة والقارورة ، ولم يظهر الذهب والفضة والخيل لأنه ~~استحقرها بالنسبة إلى ما رآه . وقال الثعلبي : إنه كان مما بعثته خمسمائة ~~لبنة من ذهب ، وخمسمائة لبنة من فضة . قال : فلما دنا القوم من الميدان ~~ونظروا إلى ملك سليمان ورأوا الدواب تروث على لبن الذهب والفضة رموا ما ~~معهم من الهدايا . قال : وفي بعض الروايات أن سليمان لما أمر بفراش الميدان ~~بلبن الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر اللبنات التي ~~معهم . فلما رأت الرسل موضع اللبنات خاليا وكل الأرض مفروشة خافوا أن ~~يتهموا بذلك ، وطرحوا ما معهم في ذلك المكان . قال : ثم مروا على الشياطين ~~، فلما نظروا إليهم فزعوا . فقيل لهم : جوزوا فلا بأس عليكم . وكانوا يمرون ~~على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي ~~سليمان - ع - . قال الكسائي : فقدم الكتاب إلى سليمان ، فأخبر سليمان ~~الرسول بما فيه قبل فتحه وقراءته ، وميز الوصفاء من الوصائف ، وأمر ms2644 دودة ~~فثقبت الدرة وأدخلت الخيط في الجزع ، وأمر أن تساق الخيل حتى تعرق وتملأ ~~القارورة من عرقها ، وأقبل على وزير بلقيس وقال : ارجع إلى صاحبتك بما جئت ~~به من الهدية وقل هلا : " أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل ~~أنتم بهديتكم فرحون . ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم ~~منها أذلة وهم صاغرون " . قال : فعاد الوزير إليها بما جاء به من الهدية ~~وأختبرها بما كان من أمر سليمان . فقالت لقومها : هل علمتم الآن أن رأيي ~~كان أصوب من رأيكم في ترك المحاربة ؟ ومن أين لنا طاقة بحرب نبي ثم جمعت ~~أموالها وكنوزها واستصحبت ذلك معها إلا عرشها فإنها تركته بقصرها وأغلقت ~~عليه سبعة أبواب وسارت إلى سليمان ومعها ملوك اليمن وأكابرها وساداتها ، ~~فبلغ ذلك سليمان . قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى : شحصت بلقيس إلى ~~سليمان - ع - في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن ، تحت يد كل قيل منهم مائة ~~PageV14P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" ألف . قال ابن عباس رضي الله عنهما : وكان ~~سليمان رجلا مهيبا ، لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه . فخرج يوما ~~فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : بلقيس . ~~قال : وقد نزلت منا بهذا المكان ؟ قالوا نعم . قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~: كما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ . قال : فأقبل حينئذ سليمان على جنوده ~~فقال : " يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين . قال عفريت ~~من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين " قال : ~~أريد أسرع من ذلك . " قال الذي عنده علم من الكتاب - وهو أصف بن برخيا - ~~أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " . قال : وكان عنده اسم الله الأعظم . ~~" فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر ~~فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم " ثم قال سليمان : " نكروا لها ~~عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين ms2645 لا يهتدون " . فأقبل عفريت من الجن ~~وقال : يا نبي الله ، إن رجليها كحافر حمار . قال له سليمان : إن كان ذلك ~~كما قلت وإلا عاقبتك . قال : يا نبي الله ، أريد أن أتخذ لك صرحا من قوارير ~~، وأجري فيه ماء ، وأنزل فيه الحيتان والسمك ، فلا يشك من رآه أنه ماء جار ~~، فاتخذه كذلك . فلما فرغ منه شكره . فقال : يا نبي الله ، أعف عني فإني ~~كذبت على بلقيس في رجليها ، فعفا سليمان عنه . وأقبلت بلقيس فجعلت تنظر إلى ~~الجن والإنس والطير والوحش وغيرهم ، وهم قيام لا يضر بعضهم بعضا . فلما ~~قاربت الصرح الممرد إذا بعرشها ، فتعجبت . فقيل : أهكذا عرشك ؟ قالت : كأنه ~~هو ، وعلمت أنه هو ، وأنه من قدره الأنبياء . قال : فلما أقبلت إلى الصرح ~~حسبته لجة وكشفت عن ساقيها . فناداها سليمان : إنه صرح ممرد من قوارير . ~~فأرسلت ثوبها على ساقيها حياء من سليمان ، ثم " قالت رب إني ظلمت نفسي ~~وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين " ثم أسلم قومها . PageV14P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" قال الثعلبي : اختلف العلماء في أمرها بعد ~~إسلامها ، فقال أكثرهم : لما أسلمت بلقيس أراد سليمان أن يتزوجها . فلما هم ~~بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال : ما أقبح هذا . فسأل الإنس : بم ~~يذهب هذا ؟ فقالوا : بالموس . فقالت المرأة : لم يمسني الحديد قط ، فكرهه ~~سليمان . فسأل الجن ، فقالوا : لا ندري . فسأل الشياطين فمكروا عليه ، فلما ~~ألح عليهم قالوا : نحن نحتال عليه حتى يكون كالفضة البيضاء ، فآتخذوا لها ~~النورة والحمام . قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو أول يوم اتخذت في ~~النورة . وقال الكسائي في سياقة خبره : ثم قالت بلقيس : يا نبي الله ، أرى ~~خاتمك منقوشا ، فما الذي عليه ؟ قال : " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ~~قالت ومن محمد ؟ قال : نبي يخرج في آخر الزمان ، فآمنت بلقيس به . ثم قال ~~لها بعد إيمانها : أتحبين أن ترجعي إلى بلادك وما كنت فيه ؟ قالت : لا ، بل ~~أكون معك من بعض نسائك ، فتزوج بها سليمان - ع - . هذا ما أورده الكسائي . ~~وفيه زيادات نقلها أبو ms2646 إسحاق الثعلبي قد ذكرناها في أثناء القصة ونبهنا ~~عليها ونسبناها إلى قائلها . وحكى الثعلبي أيضا في هذه القصة زيادات قد ~~رأينا إثباتها ؛ فمن ذلك وصف قصرها وعرشها . ذكر صفة القصر الذي بنته بلقيس ~~وصفة عرشها قال أبو إسحاق الثعلبي قال الشعبي : يروى أن بلقيس لما ملكت ~~أمرت فحمل إليها خمسمائة أسطوانة من الرخام ، كل أسطوانة خمسون ذراعا ، ~~وأمرت بها فنصبت على تل قريب من مدينة صنعاء ، وخطت بين كل أسطوانتين عشرة ~~أذرع ، ثم جعلت على ذلك سقفا مبسوطا بألواح الرخام وألحم بعضها إلى بعض ~~بالرصاص حتى صارت كأنها لوح واحد . ثم بنت فوق ذلك قصرا مربعا من آجر وجعلت ~~في كل زاوية من زواياه قبة من ذهب مشرفة في الهواء ، وفيما بين ذلك مجالس ~~حيطانها PageV14P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" من ذهب وفضة مرصعة بأنواع الجواهر الملونة ، ~~فكانت الشمس إذا طلعت على ذلك القصر التهب الذهب والجوهر فيكاد يعش العيون ~~وتحار فيه الأبصار . وجعلت باب ذلك القصر مما يلي المدينة بدرج من الرخام ~~الأبيض والأحمر والأخضر ، وفي جانبه حجرا لحجابها وبوابيها وحرسها وخدمها ~~وحشمها على قدر مراتبهم . قال : وأما صفة عرشها فكان مقدمه من ذهب مفصص ~~بالياقوت الأحمر والزمرد الأخضر ، ومؤخره من فضة مكلل بأنواع الجواهر ، وله ~~أربع قوائم : قائمة من ياقوت أحمر ، وقائمة من ياقوت أصفر ، وقائمة من زمرد ~~أخضر ، وقائمة من در أصفر ، وصفائح السرير من ذهب . وعليه سبعة بيوت ، على ~~كل بيت باب مغلق ، وكان ثمانين ذراعا في ثمانين ذراعا ، وطوله في الهواء ~~ثمانون ذراعا ، فذلك قوله : " ولها عرش عظيم " أي سرير ضخم . ذكر خبر وادي ~~القردة قال الكسائي : وبينما سليمان - ع - مع بلقيس ذات ويوم إذ قال لها : ~~أكل اليمن في طاعتك ؟ قالت : نعم ، إلا واد عن يمين سبأ ، فيه أشجار ومياه ~~غلبت عليه القردة وأزاحوا عنه سكانه ، وهو واد طويل عريض ، وهم في كثرة ، ~~وإنهم على سنن اليهود لا يتبايعون يوم السبت . فبعث سليمان العقاب ليأتيه ~~بخبرهم . فطار إلى الوادي وعاد إليه قبل أن يقوم من مقامه ms2647 ذلك ، وأخبره ~~بكثرتهم . فركب سليمان الريح على بساطه في قبة القوارير ، وسار في نفر من ~~بني إسرائيل حتى نزل على شفير الوادي ، فعلم القردة أنه سليمان ، فبادروا ~~إلى طاعته وأتوه ، وقالوا : يا نبي الله ، إنا من نسل اليهود الذين اعتدوا ~~في السبت ، ونحن على دين موسى نعمل بأحكام التوراة ، وسألوه أن يقرهم في ~~ذلك الوادي ، فأقرهم فيه وكتب لهم سجلا على لوح من نحاس وجعله في عنق ~~كبيرهم يتوارثونه ، ثم انصرف عنهم . هكذا نقل . والصحيح أن الذين اعتدوا في ~~السبت وغيرهم ممن مسخ لم يعقبوا . وفي الصحيح : إن الله لم يجعل لمسيخ نسلا ~~. PageV14P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" ذكر خبر الرجل الذي قبض بأرض الهند قال ~~الكسائي : كان سليمان - ع - قد سأل الله تعالى أن يريه ملك الموت فأراه ~~إياه ، وكان يعوده ويأتيه في كل خميس . فأتاه في بعض الأيام على صورة البشر ~~، وجعل يطيل النظر إلى رجل في مجلس سليمان حتى أرعب ذلك الرجل . فلما فارقه ~~ملك الموت قال : يا نبي الله ، لقد فزعني هذا الرجل الذي كن في مجلسك من ~~نظره إلي ، فمن هو ؟ قال : هو ملك الموت . قال : يا نبي الله أسألك أن تأمر ~~الريح أن تحملني إلى أرض الهند ، فأمرها سليمان فحملته من مجلسه ووضعته ~~بأرض الهند . ثم جاء ملك الموت إلى سليمان ، فقال له : قد كنت اليوم عندي ~~وأنت تنظر إلى ذلك الرجل نظرا شافيا حتى خاف منك . قال : يا نبي الله ، إني ~~كنت قد أمرت بقبض روحه في موضع من أرض الهند في هذا اليوم ، فلما رأيته ~~عندك عجبت متى يصل إلى الهند ، فإذا الريح قد جاءت به ، فألقته في بالبقعة ~~التي أمرت بقبض روحه فيها ، فقبضت روحه هناك . فعجب سليمان - ع - من ذلك . ~~ذكر خبر الفتنة وذهاب خاتم سليمان عليه السلام ورجوعه إليه قال الكسائي : ~~كان سليمان - ع - كلما نزل بمنزل من البراري بنت الجن والشياطين له قصرا ~~بديعا ، فإذا تحول عنه خربوه . وكان له قصر على ساحل البحر من بناء الجن ، ~~فأمرهم أن يتركوه ms2648 على حالته . فجاء سليمان إلى ذلك القصر فنزله ، وكان صخر ~~الجني معه وهو شديد الحرص على أن يسلبه الخاتم ؛ لأنه كان قد علم أن ملكه ~~في خاتمه . وكان لسليمان جارية اسمها الأمينة فكان إذا أراد الدخول إلى ~~الخلوة بنسائه يسلم الخاتم إليها ، فإذا اغتسل أخذ خاتمه منها ، وكذلك إذا ~~أراد الوضوء . فجاء سليمان في بعض الأيام فنزل ذلك القصر وأراد الوضوء ، ~~فدفع الخاتم إلى الجارية ، فجاء صخر وقد ألقى على نفسه صورة سليمان ، فقال ~~للجارية : هات الخاتم ، فناولته إياه وهي لا تعلم . فلما صار الخاتم في يد ~~صخر لم يستقر في يده لأنه شيطان ، فرماه في البحر ، فجاء حوت بإذن الله ~~فابتلعه . ومضى صخر وهو على صورة سليمان فجلس على كرسيه ومعه الناس وهم ~~يظنون أنه سليمان ؛ فذلك قوله تعالى : " ولقد فتنا سليمان وألقينا على ~~كرسيه جسدا ثم أناب " قيل : الجسد هو صخر الجني . قال : وخرج سليمان من ~~الخلاء وقد غير الله صورته إلى صورة صخر ، فطلب الخاتم ، فقالت الجارية : ~~أعوذ بالله منك ، قد دفعت الخاتم إلى سليمان . فعلم أن الله قد ~~PageV14P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" أوقع به البلية ، فخرج يريد القصر ويقول ~~للناس : أنا سليمان ، والناس يهزءون بقوله ويقولون : لست سليمان أنت صخر ~~الجني . فجعل سليمان يدور على جميع الناس وهم على كلمة واحدة في إنكاره ، ~~وجعل يدور في القرى ويقول : أنا سليمان والناس يشتمونه حتى لزق بطنه بظهره ~~من الجوع ، فقال : إلهي إنك ابتليت كثيرا من الأنبياء ولم تحرمهم رزقك . ~~إلهي إني تائب إليك من خطيئتي . فلم يزل سليمان كذلك أربعين يوما لم يطعم ~~شيئا ، ثم وجد قرصة يابسة ملقاة ، فأخذها ولم يقدر على أكلها ليبسها ، ~~فأقبل إلى ساحل البحر وقعد يبل القرصة فاستلبتها الأمواج من يده . فقال : ~~إلهي رزقتني بعد أربعين يوما قرصة يابسة نزلت حتى أبلها فاستلبتها الأمواج ~~من يدي وأنت المتكفل بأرزاق العباد ، وأنا عبدك المذنب ، فارزقني فأنت ~~الرزاق الكريم . ثم جعل يمشي على الساحل وهو يبكي ، فإذا هو بقوم يصطادون ~~السمك ، فسألهم شيئا من الطعام ms2649 فمنعوه وطردوه وقالوا له . انصرف عنا ، فما ~~رأينا أوحش من وجهك . قال : ما عليكم من وجهي إذا أطعمتموني ؟ قالوا : وحق ~~سليمان إن قمنا إليك لنوجعنك ضربا إن لم ترح عنا . قال : يا قوم ، فأنا ~~والله سليمان . فضربه رجل منهم على رأسه وقال : أتكذب على نبي الله فبكى ~~حتى بكت الملائكة لبكائه ورحمه أولئك القوم وناولوه سمكة وأعطوه سكينا ، ~~فشق بطنها ليصلحها ويشويها ويأكلها ، فخرج الخاتم من بطنها فغسله وجعله في ~~إصبعه ، وعاد إليه حسنه وجماله ، فوضع السمكة وسار يريد قصره ، فجعل يمر ~~بتلك القرى ، فكل من كان قد أنكره عرفه وسجد له . فبلغ ذلك صخرا الجني فهرب ~~. وعاد سليمان إلى قصره واجتمع له الإنس والجن والشياطين والسباع والهوام ~~كما كانوا أول مرة . فبعث العفاريت في طلب صخر فأتوه به ، فأمر أن ينقروا ~~له صخرتين وصفده بالحديد وجعله بينهما وأطبقهما عليه وختم عليه بخاتمه ~~وطرحه في بحيرة طبرية . فقال : إنه فيها إلى يوم القيامة . ثم أمر الله ~~الرياح أن تحشر له سائر الشياطين فحشرت له ، فصفد مردتهم بالحديد وحبسهم . ~~هذا ما أورده الكسائي في قصة الفتنة ، وهو أولى ما أورده وأشبه ما نقل . ~~PageV14P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" وحكى الثعلبي رحمه الله في خبر الفتنة قال ~~قال محمد بن إسحاق قال بعض العلماء عن وهب بن منبه قال : سمع سليمان - ع - ~~أن في جزيرة من جزائر البحر رجلا يقال له صيدون ملك عظيم الشأن لم يكن لأحد ~~من الناس عليه سبيل لمكانه في البحر . وقال غيره : إن هذه الجزيرة مسيرة ~~شهر في مثله ، وفيها عجائب كثيرة وأشجار وأنهار ، و في وسطها مجلس على عمد ~~من مرمر ملون ، والمجلس من ذهب مفصل بأنواع الجواهر يشرف على جميع الجزيرة ~~وقيل : إنه كان ساحرا ، فكانت الجن تطيف به وتعمل له العجائب ، فدل سليمان ~~عليها فغزاه . ترجع إلى سياق الثعلبي قال : فخرج سليمان إلى الجزيرة تحمله ~~الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس ، فقتل ملكها وسبى ~~ما فيها ، وأصاب فيما أصاب بنت الملك ms2650 واسمها جرادة لم ير الناس مثلها حسنا ~~وجمالا ، فاصطفاها سليمان لنفسه ، ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها ~~وقلة ثقة ، وأحبها سليمان حبا لم يحبه شيئا من نسائه ، وكانت منزلتها عنده ~~منزلة عظيمة ، وكان لا يذهب حزنها ولا ترقا دمعتها على أبيها . فشق ذلك على ~~سليمان وقال لها : ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب ، والدمع الذي لا يرقأ ~~قالت : إني أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك . قال ~~سليمان : فقد بدلك الله ملكا أعظم من ملكه ، وسلطانا أعظم من سلطانه ، ~~وهداك إلى الإسلام وهو خير من ذلك كله . قالت : إن ذلك كذلك ، ولكن إذا ~~ذكرته أصابني ما ترى من الحزن . ولو أنك أمرت الشياطين فصوروا لي صورته في ~~داري أراها بكرة وعشية لرجوت أن يذهب ذلك ، وأن يسكن عني بعض ما أجد في ~~نفسي . فأمر سليمان الشياطين أن يمثلوا صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر ~~منه شيئا ، فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح فيه . ~~فعمدت إليه حين صنعوه فأزرته وقمصته وعممته بمثل ثيابه التي كان يلبس . ثم ~~كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو على ذلك التمثال هي وولائدها فيسجدن ~~PageV14P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" له كما كانت تصنع ذلك في ملكه ، وتفعل ذلك ~~بكرة وعشية وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين يوما . وبلغ ذلك آصف بن ~~برخيا ، وكان صديقا ، وكان لا يرد من باب سليمان متى أراد دخوله من ليل أو ~~نهار ، فأتاه فقال : يا نبي الله ، كبرت سني ، ودق عظمي ، ونفد عمري ، وقد ~~حان مني الذهاب ، وقد أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه من مضى من ~~أنبياء الله وأثنى عليهم بعلمي ، وأعلم الناس ما يجهلون من كثير من أمورهم ~~، فقال : افعل . فجمع له سليمان الناس فقام فيهم خطيبا ، فذكر من مضى من ~~أنبياء الله وأثنى على كل منهم بما فيه ، وذكر ما فضهلم الله به حتى انتهى ~~إلى سليمان ، فقال : ما كان أحلمك في صغرك ، وأورعك وأفضلك ms2651 في صغرك ، وأحكم ~~أمرك في صغرك ، وأبعدك من كل ما تركه في صغرك ، ثم انصرف . فوجد سليمان في ~~نفسه من ذلك . فلما دخل سليمان داره أرسل إلى آصف بن برخيا فقال : ذكرت من ~~مضى من أنبياء الله ، وأثبت عليهم خيرا في كل زمانهم ، وفي كل حال من ~~أمورهم ؛ فلما ذكرتني جعلت تثني علي بخير في صغري وسكت عما سوى ذلك من أمري ~~في كبري ، فماذا أحادث في آخر أمري ؟ قال : لأن غير الله يعبد في دارك ~~أربعين يوما في هوى امرأة . قال سليمان : في داري قال : نعم في دارك . ~~فاسترجع سليمان ثم دخل داره فكسر ذلك الصنم ، وخافت تلك المرأة . ثم أمر ~~سليمان بثياب الطهر فأتى بها ، وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار ولا تمسها ~~امرأة ذات دم . فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده ، فأمر برماد ففرش به ~~، ثم أقبل تائبا إلى الله حتى جلس على ذلك الرماد تذللا لله تعالى وتضرعا ~~إليه ، يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره ، فلم يزل ذلك دأبه حتى أمسى ، ~~ثم رجع إلى داره . وكان له وليدة يقال لها الأمينة ، فكان إذا دخل لحاجته ~~أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر ، فوضعه يوما من ~~الأيام عندها ثم دخل لقضاء حاجته ، فأتاها صخر الجني على صورة سليمان لا ~~ينكر منه شيء ، فقال لها : يا أمينة ، خاتمي ؛ فناولته إياه ، فجعله في يده ~~ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان وعكفت عليه الجن والإنس والطير . وخرج ~~سليمان فأتى الأمينة وقد تغير عن حليته وهيئته عند كل من يراه . فقال : يا ~~أمينة . قالت : ومن أنت ؟ قال : أنا سليمان بن داود . قالت : كذبت لست ~~سليمان ، وقد جاء سليمان وأخذ خاتمه وهو جالس على سريره في ملكه ، فعرف ~~سليمان أن خطيئته قد أدركته ، فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل ~~PageV14P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" فيقول : أنا سليمان بن داود ، فيحثون عليه ~~التراب ويسبونه ويقولون : انظروا إلى هذا المجنون يزعم أنه سليمان . فلما ~~رأى سليمان ms2652 ذلك عمد إلى البحر ، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر منه إلى ~~السوق فيعطونه كل يوم سمكتين ، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة ويشوي ~~الأخرى فيأكلها ، فمكث كذلك أربعين صباحا عدة ما كان ذلك الوثن في داره . ~~قال : وأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك المدة . ~~فقال آصف : يا معشر بني إسرائيل ، هل رأيتم من اختلاف حكم سليمان بن داود ~~ما رأيت ؟ قالوا نعم . قال : أمهلوني حتى أدخل على نسائه وأسألهن هل أنكرن ~~منه في خاصة أمره ما أنكرناه في عامة أمر الناس . فدخل على نسائه فقال : ~~ويحكن هل أنكرتن من أمر نبي الله سليمان ما أنكرناه ؟ فقلن : أشد وأعظم ، ~~ما يدع امرأة منا في دمها ، ولا يغتسل من جنابة . فقال آصف : إنا لله وإنا ~~إليه راجعون ، إن هذا لهو البلاء المبين . ثم خرج إلى بني إسرائيل فقال : ~~ما في الخاصة أعظم مما في العامة . فلما مضت أربعون صباحا طار الشيطان عن ~~مجلسه ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه ، فابتلعته سمكة وأخذها بعض الصيادين ، ~~وقد عمل له سليمان صدر يومه حتى إذا كان آخر النهار أعطاه سمكتيه ، فأعطى ~~السمكة التي ابتلعت الخاتم ، وحمل سليمان سمكتيه فباع التي ليس فيها الخاتم ~~بالأرغفة ، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها ، فاستقبله الخاتم من ~~جوفها فأخذه ، فجعله في يده ووقع ساجدا لله تعالى ، وعكفت عليه الطير ~~والوحش والجن . وأقبل إليه الناس ورجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه ، ~~وأمر الشياطين بإحضار صخر فأدخله في صخرة عظيمة ، ثم شد عليه أخرى ، ثم ~~أوثقهما بالحديد والرصاص ، ثم أمر به فقذف في البحر ، هذا حديث وهب . وقال ~~السدي في سبب الفتنة : كان لسليمان مائة امرأة وكانت منهن امرأة يقال لها ~~جرادة وهي آثر نسائه وآمنهن عنده ، وكان إذا أجنب أو أتى حاجته نزع خاتمه ~~ولم يأتمن عليه غيرها . فجاءها يوما من الأيام فقالت له : إن أخي بينه وبين ~~فلان خصومة ، وإني أحب أن تقضي له إذا جاءك . قال نعم ، ولم يفعل ؛ فابتلى ~~بقوله ms2653 وأعطاها خاتمه ودخل المذهب ، فخرج الشيطان في صورته فقال لها : هاتي ~~الخاتم ، فأعطته إياه ، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان ، وخرج PageV14P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" سليمان بعده فسألها أن تعطيه الخاتم فقالت : ~~ألم تأخذه ؟ قال : لا وخرج من مكانه . ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين ~~يوما ، فأنكر الناس حكمه ، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم فجاءوا حتى ~~دخلوا على نسائه فقالوا : إنا قد أنكرنا هذا ، فإن كان سليمان فقد ذهب عقله ~~وأنكرنا حكمه ، فأبكى النساء عند ذلك . فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ~~ثم نشروا التوراة فقرءوها ، فطار الشيطان من بين أيديهم حتى وقع على شرفة ~~والخاتم معه حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم في البحر فابتلعه الحوت . فأقبل ~~سليمان في حالته التي كان فيها حتى انتهى إلى صيادين وهو جائع فاستطعمهم من ~~صيدهم وقال : إني سليمان بن داود . فقام إليه بعضهم فضربه بعصاه فشجه . ~~فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر ، فلام الصيادون صاحبه الذي ضربه وقالوا ~~: بئسما صنعت حيث ضربته . فقال : إنه زعم أنه سليمان بن داود فأعطاه سمكتين ~~. فقام إلى ساحل البحر فشق بطونهما وجعل يغسلهما ، فوجد خاتمه في بطن ~~إحداهما ، فأخذه ولبسه ، ورد الله تعالى عليه ملكه وبهاءه ، وجاءت الطير ~~فعكفت عليه ، فعرفه القوم فقاموا يعتذرون إليه مما صنعوا . فقال : ما ~~أؤاخذكم على عدوانكم ولا ألومكم على ما كان منكم ، هذا ما كان لا بد منه . ~~وجاء حتى أتى ملكه ، فأخذ الشيطان فجعله في صندوق من حديد ثم أطبقه وأقفل ~~عليه بقفل وختم بخاتمه ، ثم أمر به فألقى في البحر ، وهو فيه كذلك إلى يوم ~~القيامة . قال : وفي بعض الروايات أن سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده ، ~~فأخذه سليمان فأعاده إلى يده ، فسقط من يده فلما رآه لا يثبت في يده أيقن ~~بالفتنة . وقال آصف لسليمان : إنك مفتون بذنبك والخاتم لا يتماسك أربعة عشر ~~يوما ، ففر إلى الله تعالى تائبا من ذنبك وأنا أقوم مقامك وأسير في عملك ~~وأهل بيوتك بسيرتك حتى يتوب الله عليك ويردك إلى ms2654 ملكك . ففر سليمان هاربا ~~إلى ربه ، وأخذ آصف الخاتم ووضعه في يده فثبت . وإن الجسد الذي قال الله ~~تعالى : " وألقينا على كرسيه جسدا " هو آصف كاتب سليمان ، وكان عنده علم من ~~الكتاب . فأقام آصف في ملك سليمان يسير سيرته ويعمل بعمله أربعة عشر يوما ، ~~إلى أن رجع سليمان إلى منزله تائبا إلى الله تعالى ، ورد الله تعالى عليه ~~ملكه ، وقام آصف من مجلسه وجلس سليمان على كرسيه وأعاد الخاتم في يده فثبت ~~فيها . PageV14P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" قال أبو إسحاق : وقيل في سبب ذلك ما روي عن ~~سعيد بن المسيب أن سليمان احتجب عن الناس ثلاثة أيام ، فأوحى الله تعالى ~~إليه أن يا سليمان احتجت عن عبادي ثلاثة أيام فلم تنظر في أمورهم ولم تنصف ~~مظلوما من ظالم . وذكر حديث الخاتم وأخذ الشيطان إياه كما تقدم ، وقال في ~~آخره : قال علي : فذكرت ذلك للحسن فقال : ما كان الله ليسلطه على نسائه . ~~قال وقال بعض المفسرين : كان سبب فتنة سليمان أنه أمر ألا يتزوج امرأة إلا ~~من بني إسرائيل ، فتزوج من غيرهم فعوقب على ذلك . وقيل : إن سليمان لما ~~أصاب ابنة الملك صيدون أعجب بها ، فعرض عليها الإسلام فأبت وامتنعت ، ~~فخوفها فقالت : إن أكرهتني على الإسلام قتلت نفسي . فخاف سليمان أن تقتل ~~نفسها ، فتزوج بها وهي مشركة أربعين يوما ، وكانت تعبد صنما لها في خفية من ~~سليمان إلى أن أسلمت ، فعوقب سليمان بزوال ملكه أربعين يوما . قال وقال ~~الشعبي في سبب ذلك . إن سليمان ولد له ولد . فاجتمعت الشياطين وقال بعضهم ~~لبعض : إن عاش له ولد لم ننفك مما نحن فيه من البلاء والسخرة ، وما لنا إلا ~~أن نقتل ولده أو نخبله . فعلم سليمان بذلك ، فأمر السحاب أن يأخذ ابنه ، ~~وأمر الريح فحملته ، وغدا ابنه في السحاب خوفا من مضرة الشيطان . فعاقبه ~~الله تعالى بخوفه من الشيطان ، ومات الولد فألقي ميتا على كرسيه فهو الجسد ~~الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز ؛ قال الله تعالى : " ولقد فتنا ~~سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ms2655 ثم أناب " . PageV14P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" ذكر عزم سليمان عليه السلام أن يطوف على ~~نسائه قال الكسائي : كان سليمان - ع - قد أعطى من القوة ما إنه يأتي على ~~خمسمائة حرة وسبعمائة سرية . فقال في يوم : لأطوفن على ألف امرأة وأجامعهن ~~كلهن ، فتحمل كل واحدة منهن بغلامين فارسين يركبون الخيل ويغزون البلاد ، ~~ولم يقل إن شاء الله . وطاف عليهن فلم تحمل منهن غير واحدة ، حملت بنصف ~~إنسان ، قيل : إنه الجسد الذي ألقى على كرسي سليمان . والله أعلم . والذي ~~ثبت من هذه القصة ما رويناه من صحيح البخاري بسندنا المتقدم إليه . قال ~~البخاري حدثنا خالد بن مخلد حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن ~~الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " ~~قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا ~~يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه إن شاء الله فلم يقل ، ولم تحمل شيئا إلا ~~واحدا ساقطا إحدى شقيه فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لو قالها لجاهدوا ~~في سبيل الله . قال شعيب وابن أبي الزناد تسعين وهو أصح " . ذكر وفاة بلقيس ~~زوجة سليمان عليه السلام قال الكسائي : أقامت بلقيس عند سليمان سبع سنين ~~وسبعة أشهر ثم توفيت ، فدفنها بمدينة تدمر من أرض الشام تحت حائط ، ولم ~~يعلم أحد بموضع قبرها إلى أيام الوليد بن عبد الملك بن مروان . ~~PageV14P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" قال موسى بن نصير : بعثت في أيام الوليد إلى ~~مدينة تدمر ومعي العباس بن الوليد بن عبد الملك ، فجاء مطر عظيم فإنهار بعض ~~حائط المدينة ، فانكشفت عن تابوت طوله ستون ذراعا وعرضه أربعون ذراعا متخد ~~حجر كالزعفران مكتوب عليه : " هذا تابوت بلقيس الصالحة أسلمت لثلاث عشرة ~~ستة خلت من ملك سليمان ، وتزوج بها يوم عاشوراء سنة أربع عشرة خلت من ملكه ~~، وتوفيت يوم الاثنين من ربيع الأول سنة إحدى وعشرين مضت من ملكه ، وقد ~~دفنت ليلا في حائط مدينة تدمر ، ولم يطلع على دفنها إنس ولا جن ms2656 ولا شيطان . ~~قال : فرفعنا غطاء التابوت وإذا هي غضة كأنها دفنت ليلتها . فكتبنا بذلك ~~إلى الوليد فأمر بتركه في مكانه ، وأن يبنى عليه بالصخر والمرمر ، ففعلنا ~~ذلك . ذكر خبر وفاة سليمان عليهما السلام قال الكسائي : ملك سليمان شرق ~~الأرض وغربها وطاف أقطارها حتى انتهى إلى السد الذي هو بالقرب من جبل قاف ، ~~فوقف هناك ثم قال للريح : هل جريت هاهنا قط ؟ قالت : لا يا نبي الله ، وإنه ~~آخر الدنيا وليس وراءه إلا علم الله تعالى . ثم أمر الريح فاحتملته حتى نظر ~~إلى التنين المحدق بالعالم ، فسار أياما على طرف من PageV14P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" أطرافه فإذا هو بملك ، فقال : يا بن داود إن ~~هذا التنين محيط بالعالم الذي هو مسيرة خمسمائة عام . ثم ارتفع إلى مستقر ~~الغمام ونظر إلى مجمع القطر ، ونزل من هناك إلى مسكن الليل والنهار فإذا هو ~~بملك يقول : اللهم أعط كل منفق خلقا وكل ممسك تلفا . ثم أمر الريح أن تحط ~~بساطه إلى الأرض المقدسة ، وكانت مدة غيبته مائة وثلاثين يوما . وكان في ~~طول سفرته هذه يرى شخصا بين يديه يسبق كل شيء ، فسأله من هو ؟ فأخبره أنه ~~ملك الموت ، فوقعت عليه الرعدة وتغير لونه وجعل ابنه رحبعم خليفته ، وأوصى ~~الناس بالسمع والطاعة له . وأخذ في الصوم والصلاة طول ليله ، فإذا أصبح خرج ~~من محرابه إلى روضة هناك فيها نبات حسن يتسلى به . فخرج في بعض الأيام فرأى ~~نبتا غريبا لم يكن قد رآه قبل ذلك اليوم . فقال : أيها النبت ما أنت ؟ قال ~~: أنا الخرنوب الذي لا أنبت في موضع إلى خربته . فقال : قد أمرت أن أنبت ~~هاهنا . فعاد سليمان من الغد وهو على حاله وقد زاد نباته . فقال له سليمان ~~: ألم آمرك أن تلحق بموضعك من البراري . قال الخرنوب : يا نبي الله ، إن ~~هذا الموضع سيخرب عن قريب ، فسكت سليمان . فلما ضعف عن العبادة توكأ على ~~عصاه . فبينا هو في محرابه متوكئا قائما يتلو الزبور والتوراة إذ أتاه ملك ~~الموت ، فرفع رأسه إليه فناوله شمة فشمها ms2657 فمات . وبقي سليمان على حالته لم ~~يسقط إلى الأرض ولم يتحرك ولا مال . فهابوه وما جسروا أن يتقدموا إليه . ~~وقالوا : إنه لم يمت ، ولم تزل الإنس والجن والشياطين والوحش والطير في ~~الطاعة والأعمال حتى مضت سنة ، ثم وقعت الأرضة في أسفل العصا ، فذلك قوله ~~تعالى : " فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل ~~منسأته " فخر سليمان عند ذلك كالخشبة اليابسة ، وكانت الجن قبل ذلك تدعي ~~علم الغيب ؛ قال الله تعالى : " فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون ~~الغيب ما لبثوا في العذاب المهين " أي في تلك السنة في نقل الصخور والبنيان ~~وغير ذلك . وحكى أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى في خبر وفاة سليمان - ع ~~- : قال أهل التاريخ : لبث سليمان في ملكه بعد أن رده الله عليه تعمل له ~~الجن ما يشاء PageV14P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور ~~راسيات وغير ذلك ، ويعذب من الشياطين من يشاء ، ويأمرهم بحمل الحجارة ~~الثقيلة ونقلها إلى حيث أحب . فأتاهم إبليس وهم في العمل فقال : كيف أنتم ؟ ~~فقالوا : ما بنا طاقة لما نحن فيه . فقال لهم : تذهبون تحملون الحجارة ~~وترجعون فراغا لا تحملوا شيئا ؟ قالوا نعم . قال : فأنتم في راحة . فأبلغت ~~الريح ذلك سليمان ، فأمرهم أن يحملوا ذاهبين وراجعين . فقال لهم إبليس : ~~تعملون بالليل ؟ قالوا لا . قال : فأنتم في راحة . فأبلغت الريح ذلك سليمان ~~، فأمرهم أن يعملوا بالليل والنهار . فأتاهم إبليس فسألهم فشكوا إليه أنهم ~~يعملون بالليل والنهار . فقال لهم إبليس : وفعلها ؟ قالوا : نعم . قال : ~~فتوقعوا الفرج ، فقد بلغ الأمر منتهاه . فما لبثوا إلا يسيرا حتى مات ~~سليمان . قال ابن عباس وغيره : كان سليمان يتحنث في بيت المقدس السنة ~~والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر ، يدخل ومعه طعامه وشرابه ، ~~فدخله في المرة التي مات فيها . قال : وكان بدء ذلك أنه لم يكن يوما يصبح ~~فيه إلا نبت في بيت المقدس شجرة فيسألها سليمان ما اسمك ؟ فتقول الشجرة : ~~اسمي كذا وكذا . فيقول : لأي شيء تصلحين ؟ فتقول : لكذا ms2658 وكذا ؛ فيأمر بها ~~فتقطع ، فإن كانت تنبت لغرس غرسها ، وإن كانت لدواء كتب عليها لكذا وكذا . ~~فبينا هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه ، فقال لها : ما اسمك ؟ فقالت ~~: الخرنوبة . قال : ولأي شيء نبتي ؟ قالت : لخراب هذا المسجد . فقال سليمان ~~: ما كان الله ليخربه وأنا حي ، أنت الذي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس ~~. فنزعها وغرسها في حائط له ، ثم قال : اللهم عم عن الجن موتي حتى يعلم ~~الإنسان أن الجن لا يعلمون الغيب . وكانت الجن يخبرون الإنس أنهم يعلمون ~~الغيب وأنهم يعلمون ما في غد . قال : ثم دخل سليمان المحراب فقام يصلي ~~متكئا على عصاه ، فمات على تلك الحالة ، ولم يعلم بذلك أحد من الشياطين ، ~~وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم . قال وقال عبد الرحمن بن ~~زيد قال سليمان لملك الموت : إذا أمرت بي فأعلمني . قال : فأتاه فقال : يا ~~سليمان قد أمرت بك وقد بقيت لك سويعة . فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من ~~قوارير ليس له باب ، فقام يصلي واتكأ على عصاه ، فدخل عليه ملك الموت فبقض ~~روحه وهو متكئ على عصاه . PageV14P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" قال وفي رواية أخرى : أن سليمان قال ذات يوم ~~لأصحابه : قد آتاني الله من الملك ما ترون ، وما مر علي يوم في ملكي بحيث ~~صفا لي من الكدر ، وقد أحببت أن يكون لي يوم واحد يصفو لي إلى الليل ولا ~~أغتم فيه ، وليكن ذلك غدا . فلما كان من الغد دخل قصرا له ، وأمر بإغلاق ~~أبوابه ومنع الناس من الدخول عليه ورفع الأخبار إليه لئلا يسمع شيئا يسوءه ~~، ثم أخذ عصاه بيده وصعد فوق قصره واتكأ عليها ينظر في ممالكه ، إذ نظر إلى ~~شاب حسن الوجه ، عليه ثياب بيض قد خرج عليه من جانب قصره فقال : السلام ~~عليك يا سليمان . فقال سليمان . وعليكم السلام ، كيف دخلت هذا القصر وقد ~~منعت من دخوله ؟ أما منعك البواب والحجاب . أما هبتني حين دخلت هذا قصري ~~بغير إذني فقال : أنا الذي لا يحجبني حاجب ms2659 ، ولا يمنعني بواب ، ولا أهاب ~~الملوك ، ولا أقبل الرشا ، وما كنت لأدخل هذا القصر بغير إذن . فقال سليمان ~~: فمن أذن لك في دخوله ؟ قال : ربه . فارتعد سليمان وعلم أنه ملك الموت . ~~فقال له : أنت ملك الموت ؟ قال نعم . قال : فيم جئت ؟ قال : جئت لأقبض روحك ~~. قال : يا ملك الموت ، هذا يوم أردت أن يصفو لي وما أسمع فيه ما يغمني . ~~قال له : يا سليمان ، إنك أردت يوما يصفو لك فيه عيشك حتى لا تغتم فيه ، ~~وذلك اليوم لم يخلق في الدنيا ، فارض بقضاء ربك فإنه لا مرد له . قال : ~~فاقبض كما أمرت ، فقبض ملك الموت روحه وهو متكئ على عصاه . قال الثعلبي ~~قالوا : وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه ومصلاه أينما كان . وكان للمحراب ~~كوى بين يديه ومن خلفه ، فكان الشيطان الذي يريد أن يدخل يقول : ألست جليدا ~~إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب ، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر . فدخل ~~شيطان من أولئك فمر ، ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق ~~، فمر ولم يسمع صوت سليمان ، ثم رجع ولم يسمع ، ثم رجع فوقع في البيت فلم ~~يحترق ، ونظر إلى سليمان - ع - قد سقط ميتا ، فخرج فأخبر الناس أن سليمان ~~قد مات ، ففتحوا عنه وأخرجوه ووجدوا منسأته وهي - العصا بلسان الحبشة - قد ~~أكلتها الأرضة ، فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولا كاملا ، فأيقن الناس أن ~~الجن كانوا يكذبونهم ، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان ، فلم ~~يلبثوا في العذاب سنة يعملون . PageV14P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" قال : ثم إن الشياطين قالوا للأرضة : لو كنت ~~تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب طعام ، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب ~~الشراب ، و لكننا سننقل إليك الماء والطين . قال : فهم ينقلون إليها ذلك ~~حيث كانت . قال : ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو مما تأتيها ~~به الشياطين شكرا لها ؛ فذلك قوله تعالى : " فلما قضينا عليه الموت ما دلهم ~~على موته إلا دابة الأرض " وهي الأرضة ، ويقال لها القادح أيضا ، وهي دويبة ~~تأكل العيدان ms2660 " تأكل منسأته " أي عصاه " فلما خر تبينت الجن . . . " الآية ~~. قال أهل التاريخ : كان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة ، ومدة ملكه أربعين ~~سنة ، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة . وقال الكسائي قال وهب : عاش ~~سليمان ستين سنة ، منها في الملك والنبوة أربعون سنة . قال : وتفرقت الإنس ~~والجن وغيرهم ، فتفرق بنو إسرائيل بعده ثلاث فرق : فرقة كفروا واتبعوا ~~السحرة ، وفرقة اعتزلوا وقالوا : لا نطيع بعده أحدا وفرقة اتبعو ابنه رحبعم ~~. قال الثعلبي : ملك بعد سليمان - ع - ابنه رحبعم ، وكان قد استخلفه فنبأه ~~الله تعالى ولم يكن رسولا ثم قبض ، وكان ملكه سبع عشرة سنة . ثم ملك بعده ~~ابنه أيشا بن رحبعم ، وكان ملكه ثلاثا وستين سنة . ثم ابنه أينا . وقال ~~الكسائي : ملك بعد رحبعم ابنه لايى ، وملك بعد لايى ابنه أيشا بن لايى ، ثم ~~بعث الله تعالى بعد أن قبض أيشا ، شعيا وهو من ولد هارون بن عمران . وقال ~~الثعلبي في سياقه : لما ملك أينا بن أيشا ، وكان رجلا صالحا ، وكان أعرج ، ~~وكان به عرق النسا ، فطمعت الملوك فيه لضعفه ، وافترقت ملوك بني إسرائيل ، ~~فغزاهم ملك من ملوك الهند يقال له زرج الهندي في جمع كثير ، فبعث الله ~~تعالى عليهم ملائكة فهزموهم ، فقصدوا البحر حتى ركبوه جميعا ، فبعث الله ~~تعالى عليهم الريح والأمواج أثقالهم وأموالهم وسلبهم إلى محلة بني إسرائيل ~~، ونودوا أن خذوا ما غنمكم الله وكونوا فيه من الشاكرين . ثم لم يزل يغزوهم ~~الملك بعد الملك من ملوك العراق وغيرهم ، فيهلكهم الله تعالى إلى أن ظهر ~~فيهم الظلم والفساد ، وفشت فيهم المعاصي ، وعبد بعض ملوكهم الأصنام ، فكان ~~من أمرهم ما نذكره إن شاء الله تعالى . PageV14P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الخامس ~~في أخبار شعيا وإرميا عليهما السلام وخبر بختنصر وخراب بيت المقدس وعمارته ~~وما يتصل بذلك من خبر عزير وفتنة اليهود ذكر قصة شعيا عليه السلام قال أبو ~~إسحاق الثعلبي رحمه الله : كان الملك إذا ملك من بني إسرائيل بعث الله معه ~~نبيا يرشده ms2661 ويسدده ويكون فيما بين الناس وبين الله تعالى ، ولا ينزل الله ~~تعالى عليه كتابا إنما يأمر بأحكام التوراة وينهى عن المعصية ، ويدعوا ~~الناس إلى ما تركوا من الطاعة ، وكان ممن ملك منهم صديقة . فلما ملك بعث ~~الله تعالى شعيا بن أمصيا ، فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانا ~~، ثم كثرت في بني إسرائيل الأحداث ، فبعث الله سنحاريب ملك بابل ، معه ~~ستمائة ألف راية ، فأقبل حتى نزل حول بيت المقدس والملك إذ ذاك مريض في ~~ساقه قرحة ، فجاء النبي شعيا - ع - فقال لملك بني إسرائيل : إن سنحاريب ملك ~~بابل قد أقبل ونزل بك في ستمائة ألف راية ، وقد هابهم الناس وفرقوا منهم . ~~فكبر ذلك على الملك وقال : يا نبي الله ، هل أتاك وحي فيما حدث فتخبرنا به ~~كيف يفعل الله تعالى بنا وسنحاريب ؟ قال : لم يأتني وحي . فبينما هم كذلك ~~أوحى الله تعالى إلى شعيا أن ائت ملك بني إسرائيل فمره أن يوصي بوصية ~~ويستخلف على ملكه من يشاء من أهل بيته . فأتاه شعيا فقال : إن ربك عز وجل ~~قد أوحى إلي أن آمرك أن توصي وصيتك وتستخلف من شئت على ملكك من أهل بيتك ~~فإنك ميت . فلما قال له شعيا ذلك أقبل صديقة الملك على القبلة فصلى ودعا ~~وبكى ، فقال وهو يبكي ويتضرع إلى الله عز وجل بقلب مخلص وتوكل وصبر : " ~~اللهم رب الأرباب وإله الآلهة القدوس المقدس ، يا رحمن يا رحيم ، يا رءوف ~~يا من لا تأخذه سنة ولا نوم ، اذكرني بنيتي وفعلي وحسن قضائي في بني ~~إسرائيل ، وذلك كله كان منك وأنت أعلم به مني سري PageV14P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" وعلانيتي لك " ، فاستجاب الله تعالى دعاءه ، ~~وكان عبدا صالحا . فأوحى الله تعالى إلى شعيا أن أخبر صديقة أن الله استجاب ~~له وقبل منه ورحمه وأخر أجله خمس عشرة سنة ، وأنجاه من عدوه سنحاريب وجنوده ~~. فلما رفع رأسه أوحى الله تعالى إلى شعيا أن قل للملك صديقة يأمر عبدا من ~~عبيده فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحة ساقه فيشفي ms2662 ويبرأ ، ففعل ذلك فشفي ~~. وقال الملك لشعيا : سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدونا هذا . ~~فقال الله تعالى لشعيا : قل له إني كفيتك عدوك وأنجيتك منهم ، وإنهم ~~سيصبحون موتى إلا سنحاريب وخمسة نفر من كتابه . فلما أصحوا جاء صارخ فصرخ ~~على باب المدينة : يا ملك بني إسرائيل ، إن الله تعالى قد كفاك أمر عدوك ؛ ~~فإن سنحاريب ومن معه قد هلكوا . فخرج الملك فالتمس سنحاريب فلم يوجد في ~~الموتى . فبعث الملك في طلبه ، فأدركه الطلب في مغارة وخمسة من كتابه ، ~~أحدهم بختنصر ، فجعلوهم في الجوامع ثم أتوا بهم ملك بني إسرائيل ، فلما ~~رآهم خر ساجدا لله تعالى من حين طلعت الشمس إلى العصر ، ثم قال لسنحاريب : ~~كيف ترى فعل ربنا ؟ ألم يقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون ؟ فقال ~~سنحاريب : قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ، ورحمته التي رحمكم بها قبل أن ~~أخرج من بلادي ، فلم أطع مرشدا ولم يلقني في الشقوة إلا قلة عقلي ، ولو ~~سمعت أو عقلت ما غزوتكم ، ولكن الشقوة غلبت علي وعلى من معي . فقال صديقة : ~~الحمد لله رب العزة الذي كفاناكم بما شاء . إن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامة ~~لك عليه ، ولكنه إنما أبقاك ومن معك لتزدادوا شقوة في الدنيا وعذابا في ~~الآخرة ، ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا . ولدمك ودم من معك ~~أهون على الله تعالى من دم قرادة لو قتلت . ثم أمر صديقة أمير جيشه أن يقذف ~~في رقابهم الجوامع ، فطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس وإيليا ، وكان ~~يرزقهم في كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل . فقال سنحاريب لملك بني إسرائيل ~~: القتل خير مما تفعل بنا ، فافعل ما أمرت . فأمر بهم الملك إلى سجن القتل ~~، فأوحى الله تعالى إلى شعيا : أن قل لملك بني إسرائيل : يرسل سنحاريب ومن ~~معه لينذروا من وراءهم ، وأن يكرمهم ويحملهم حتى يبلغوا بلادهم . فبلغ شعيا ~~الملك ذلك ، ففعل ما أمر به ، وخرج سنحاريب ومن معه حتى PageV14P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" قدموا بابل . فلما ms2663 قدموا جمع سنحاريب الناس ~~وأخبرهم كيف فعل الله بجنوده . فقال له كهانه وسحرته : قد كنا نقص عليك خبر ~~ربهم وخبر نبيهم ووحي الله إلى نبيهم ، فلم تطعنا ، وهي أمة لا يستطيعها ~~أحد من ربهم . ولبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين ومات . واستخلف بختنصر ابن ~~ابنه على ما كان عليه جده ، فعمل بعمله وقضى بقضائه ، فلبث سبع عشرة سنة ثم ~~قبض الله تعالى صديقة ملك بني إسرائيل ، فمرج أمر بني إسرائيل وتنافسوا ~~الملك حتى قتل بعضهم بعضا ، ونبيهم شعيا معهم لا يرجعون إليه ولا يقبلون ~~منه . فلما فعلوا ذلك أوحى الله تعالى إلى شعيا : أن ثم في قومك أوح على ~~لسانك . فلما قام أوحى الله تعالى على لسانه وأنطقه بالوحي فقال : يا سماء ~~اسمعي ، ويا أرض أنصتي ؛ فإن الله يريد أن يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم ~~بنعمته ، واصطنعهم لنفسه ، وخصهم بكرامته ، وفضلهم على عباده ، واستقبلهم ~~بالكرامة ، وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها ؛ لآوى شاردها ، وجمع ~~ضالها ، وجبر كسيرها ، وداوى مريضها ، وأسمن مهزولها ، وحفظ سمينها . فلما ~~فعل ذلك بها تناطحت كباشها فقتل بعضها بعضا ، حتى لم يبق منهم عظم صحيح ~~يجبر إليه آخر كسير . فويل لهذه الأمة الخاطئة الذين لا يدرون ما جاءهم من ~~الخير . إن البعير مما يذكر وطنه فيأتيه ، وإن الحمار مما يذكر الآرى الذي ~~يشبع عليه فيراجعه ، وإن الثور مما يذكر المرج الذي يسمن فيه فينتابه ، وإن ~~هؤلاء القوم لا يدرون من أين جاءهم الخير وهم ألو الألباب والعقول ليسوا ~~ببقر ولا حمير ، وإني ضارب لهم مثلا فليسمعوه . افسوا الملك حتى قتل بعضهم ~~بعضا ، ونبيهم شعيا معهم لا يرجعون إليه ولا يقبلون منه . فلما فعلوا ذلك ~~أوحى الله تعالى إلى شعيا : أن ثم في قومك أوح على لسانك . فلما قام أوحى ~~الله تعالى على لسانه وأنطقه بالوحي فقال : يا سماء اسمعي ، ويا أرض أنصتي ~~؛ فإن الله يريد أن يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته ، واصطنعهم ~~لنفسه ، وخصهم بكرامته ، وفضلهم على عباده ، واستقبلهم بالكرامة ، وهم ~~كالغنم الضائعة ms2664 التي لا راعي لها ؛ لآوى شاردها ، وجمع ضالها ، وجبر كسيرها ~~، وداوى مريضها ، وأسمن مهزولها ، وحفظ سمينها . فلما فعل ذلك بها تناطحت ~~كباشها فقتل بعضها بعضا ، حتى لم يبق منهم عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير . ~~فويل لهذه الأمة الخاطئة الذين لا يدرون ما جاءهم من الخير . إن البعير مما ~~يذكر وطنه فيأتيه ، وإن الحمار مما يذكر الآرى الذي يشبع عليه فيراجعه ، ~~وإن الثور مما يذكر المرج الذي يسمن فيه فينتابه ، وإن هؤلاء القوم لا ~~يدرون من أين جاءهم الخير وهم ألو الألباب والعقول ليسوا ببقر ولا حمير ، ~~وإني ضارب لهم مثلا فليسمعوه . قل هلم : كيف ترون في أرض كانت جرزا زمانا ~~خربة مواتا لا عمران فيها ، وكان لها رب حكيم قوي ، فأقبل عليها بالعمارة ~~وكره أن تخرب أرضه ، فأحاط عليها جدارا وشيد فيها قصرا وأنبط فيها نهرا ، ~~وصفف فيها غراسا من الزيتون والرمان والنخيل والأعناب وألوان الثمار كلها ، ~~وولي ذلك واستحفظه ذا رأي وهمة حفيظا قويا PageV14P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" أمينا ، فانتظرها ، فلما أطلعت جاء طلعها ~~خروبا ؟ . قالوا : بئست الأرض هذه ترى أن يهدم جدارها وقصرها ويدمر نهرها ~~ويقبض قيمها ويحرق غرسها حتى تصير كما كانت أول مرة خرابا مواتا لا عمران ~~فيها . قال الله عز وجل لهم : إن الجدار ذمتي ، وإن القصر شريعتي ، وإن ~~النهر كتابي ، وإن القيم نبيي ، وإن الغراس هم ، وإن الخروب الذي أطلع ~~الغراس أعمالهم الخبيثة ، وإني قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم ، فإنه مثل ~~ضربه الله لهم . يتقربون إلي بذبح البقر والغنم ، وليس ينالني اللحم ولا ~~آكله . ويدعون أنهم يتقربون إلي بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها ، ~~فأيديهم مخضوبة منها ، وثيابهم مترملة بدمائها ؛ يشيدون لي البيوت مساجد ~~ويطهرون أجوافها ، وينجسون قلوبهم وأجسادهم ويدنسونها . فأي حاجة لي إلى ~~تشييد البيوت ولست أسكنها وأي حاجة لي إلى تزويق المساجد ولست أدخلها إنما ~~أمرت برفعها لأذكر فيها ولأسبح ، ولتكون مصلى لمن أراد أن يصلي فيها . ~~يقولون : لو كان الله يقدر على أن يجمع ألفتنا لجمعها ، ولو كان الله يقدر ms2665 ~~على أن يفقه قلوبنا لأفقهها ، فاعمد إلى عودين يابسين ثم ائت بهما ناديهم ~~في أجمع ما يكونون ، فقل للعودين : إن الله يأمركما أن تكونا عودا واحدا . ~~فلما قال لهما ذلك اختلطا فصارا واحدا . فقال الله تعالى قل لهم : إني قد ~~قدرت على أن أفقه العودين اليابسين ، وعلي أن أؤلف بينهما ، فكيف لا أقدر ~~على أن أجمع ألفتهم إن شئت أم كيف لا أقدر على أن أفقه قلوبهم وأنا الذي ~~صورتها . يقولون : صمنا فلم يرفع صيامنا ، وصلينا فلم تنور صلاتنا ، ~~وتصدقنا فلم تزك صدقاتنا ، ودعونا بمثل حنين الحمام ، وبكينا بمثل عواء ~~الذئاب ، في كل ذلك لا يسمع ولا يستجاب لنا . قال الله تعالى : فسلهم : ما ~~الذي يمنعني أن أستجيب لهم ألست أسمع السامعين ، وأبصر الناظرين ، وأقرب ~~المجيبين ، وأرحم الراحمين ألأن ذات يدي قلت وكيف ويداي مبسوطتان بالخير ~~أنفق كيف أشاء ، ومفاتيح الخزائن عندي لا يفتحها غيري . أو PageV14P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" لأن رحمتي ضاقت فكيف ورحمتي وسعت كل شيء ، ~~وإنما يتراحم المراحمون بفضلها . أو لأن البخل يعتريني أولست أكرم الأكرمين ~~. والنفاح بالخيرات أجود من أعطى وأكرم من سئل . لو أن هؤلاء القوم نظروا ~~لأنفسهم بالحكمة التي تورث في قلوبهم النور فنبذوها واشتروا بها الدنيا ، ~~إذا لأبصروا من حيث أتوا ، وإذا لأيقنوا عليه بطعمة الحرام وكيف أنور ~~صلاتهم وقلوبهم صاغية إلى من يحاربني وينتهك محارمي أم كيف تزكو عندي ~~صدقاتهم وهم يتصدقون بأموال غيرهم إنما آجر عليها أهلها المغصوبين . أم كيف ~~استجيب لهم دعاءهم ، وإنما هو قول بألسنتهم والفعل من ذلك بعيد . إنما ~~أستجيب للداعي البر ، وإنما أسمع قول المستعف المستكين . وإن من علامة رضاي ~~رضا المساكين . فلو رحموا المساكين ، وقربوا الضعفاء ، وأنصفوا المظلوم ، ~~ونصروا المغصوب ، وعدلوا للغائب ، وأدوا مال اليتيم والأرملة والمسكين وكل ~~ذي حق حقه ، ثم لو كان ينبغي لي أن أكلم البشر إذا لكلمتهم ، وإذا لكنت نور ~~أبصارهم ، وسمع آذانهم ، ومعقول قلوبهم ؛ وإذا لدعمت أركانهم فكنت قوة ~~أيديهم وأرجلهم ؛ وإذا لثبت ألسنتهم وعقولهم . يقولون لما سمعوا كلامي ~~وبلغتهم رسالاتي إنها ms2666 أقاويل منقولة ، وأحاديث متوارثة ، وتآليف مما يؤلف ~~السحرة والكهنة ، وزعموا أنهم لو شاءوا أن يأتوا بحديث مثله فعلوا ، وأن ~~يطلعوا على علم الغيب بما يوحي إليهم الشياطين لأطلعوا ، وكلهم يستخفي ~~بالذي يقول ويسره ، وهم يعلمون أني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما يبدون ~~وما يكتمون . وإني قد قضيت يوم خلقت السماء والأرض قضاء اثبته على نفسي ~~وجعلت دونه أجلا مؤجلا لا بد أنه واقع ، فإن صدقوا فيما ينتحلون من علم ~~الغيب فليخبروك متى أنفذه ، وفي أي زمان يكون . وإن كانوا يقدرون على أن ~~يأتوا بما يشاءون فليأتوا بمثل القدرة التي بها أقضي ؛ فإني مظهره على ~~الدين كله ولو كره المشركون . وإن كانوا يقدرون على أن يؤلفوا ما يشاءون ~~فليؤلفوا مثل الحكمة التي أدبر بها أمر ذلك القضاء إن كانوا صادقين . فإني ~~قضيت يوم خلقت السموات والأرض أن أجعل النبوة في الأجراء ، وأجعل الملك في ~~الرعاء ، والعز في الأذلاء ، والقوة في PageV14P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" الضعفاء ، والغنى في الفقراء ، والثروة في ~~الأفلاء ، والمدائن في الفلوات ، والآجام في المفاوز ، والثرى في الغيطان ، ~~والعلم في الجهلة ، والحكم في الأميين . فسلهم متى هذا ومن القيم به وعلى ~~يدي من أسببه ، ومن أعوان هذا الأمر وأنصاره . وإن كانوا يعلمون فإني باعث ~~لذلك نبيا أميا لا أعمى من العميان ولا ضالا من الضالين ، ليس بفظ ولا غليظ ~~، ولا صاحب في الأسواق ، ولا متزين بالفحش ، ولا قوال للخنا ، أسدده لكل ~~جميل ، وأهب له كل خلق كريم ، ثم أجعل السكينة لباسه ، والبر شعاره ، ~~والتقوى ضميره ، والحكمة معقوله ، والصدق والوفاء طبيعته ، والعفو والمعروف ~~خلقه ، والعدل سيرته ، والحق شريعته ، والهدى إمامه ، والإسلام ملته ، أحمد ~~اسمه ، أهدي به بعد الضلالة ، وأعلم به بعد الجهالة ، وأرفع به بعد الخمالة ~~، وأشهر به بعد النكرة ، وأكثر به بعد القلة ، وأغني به بعد العيلة ، وأجمع ~~به بعد الفرقة ؛ وأؤلف به قلوبا مختلفة ، وأهواء متشتتة ، وأمما متفرقة ، ~~وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ~~إيمانا بي ، وتوحيدا لي ، وإخلاصا بي ، يصلون قياما وقعودا ms2667 ، وركعا وسجودا ~~، ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا ، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء ~~رضواني ألوفا . ألهمهم التكبير والتوحيد ، والتسبيح والتحميد ، في مجالسهم ~~ومسيرهم ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم ؛ يكبرون ويهللون ويقدسون على رءوس ~~الأشراف ، ويطهرون لي الوجوه والأطراف ، ويعقدون الثياب إلى الأنصاف ؛ ~~قربانهم دماؤهم ، وأنا جيلهم صدورهم ؛ رهبان بالليل ، ولبث بالنهار . ذلك ~~فضلي أوتيه من أشاء ، وأنا ذو الفضل العظيم . قال فلما فزع نبيهم شعيا من ~~مقالته عدوا عليه ليقتلوه فهرب منهم فانفلقت له شجرة فدخل فيها ، فأدركه ~~الشيطان فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها ، فوضعوا المنشار في وسطها ~~فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها . PageV14P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" ذكر قصة إرميا عليه السلام قال أبو إسحاق ~~الثعلبي رحمه الله : استخلف الله تعالى على بني إسرائيل بعد قتلهم شعيا - ع ~~- رجلا منهم يقال له ناشية بن آموص ، وبعث لهم الخضر نبيا . قال : واسم ~~الخضر إرميا بن حلقيا ، وكان من سبط هارون ابن عمران . قال : وإنما سمي ~~الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فقام عنها وهي تهتز خضراء . فقال الله عز ~~وجل لإرميا حين بعثه إلى بني إسرائيل : يا إرميا ، من قبل أن خلقتك اخترتك ~~، ومن قبل أن أصورك في بطن أمك قدستك ، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك ~~، ومن قبل أن تبلغ السعي نبأتك ، ولأمر عظيم اجتبيك ؛ فذكر قومك نعمي ، ~~وعرفهم أحداثهم ، وادعهم إلي . وكانت الأحداث قد عظمت في بني إسرائيل ~~فركبوا المعاصي واستحلوا المحارم . فقال إرميا : إني ضعيف إن لم تقوني ، ~~عاجز إن لم تنصرني . فقال الله عز وجل : أنا ألهمك . فقام إرميا فيهم ولم ~~يدر ما يقول ، فألهمه الله عز وجل خطبة طويلة بليغة ، بين لهم فيها ثواب ~~الطاعة وعقاب المعصية ، وقال في آخرها : وإني أحلف بعزتي لأقبض لهم فتنة ~~يتحير فيها الحكيم ، ولأسلطن عليهم جبارا قاسيا قلبه ، ألبسه الهيبة وأنزع ~~من صدره الرحمة ، يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم . ثم أوحى الله تعالى ~~إلى إرميا : إني مهلك بني إسرائيل بيافث ، ويافث أهل بابل ، وهم من ولد ~~يافث بن نوح ms2668 . فلما سمع ذلك إرميا صاح وبكى وشق ثيابه وسد الرماد على رأسه ~~. فلما سمع الله عز وجل تضرعه وبكاءه ناداه : يا إرميا ، أشق عليك ما أوحيت ~~إليك ؟ قال : نعم يا رب ، أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به . ~~فقال الله عز وجل : وعزتي لا أهلك بني إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من ~~قبلك . ففرح بذلك إرميا وطابت نفسه وقال : لا والدي بعث موسى بالحق لا أرضى ~~بهلاك بني إسرائيل . ثم أتى الملك فأخبره بذلك ، وكان ملكا صالحا ، ففرح ~~واستبشر وقال : إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة ، وإن عفا عنا فبرحمته . ثم ~~إنهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزادوا إلا معصية وتماديا في الشر ، ~~وذلك حين اقترب هلاكهم ودعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا ، فسلط الله ~~عليهم بختنصر فخرج في ستمائة ألف راية يريد بيت المقدس . فلما فصل سائر أتى ~~الخبر الملك فقال لإرميا : أين ما زعمت أن الله أوحى إليك ؟ فقال إرميا : ~~إن الله عز وجل لا يخلف الميعاد وأنا به واثق . فلما قرب الأجل وعزم الله ~~عز وجل على PageV14P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" هلاكهم بعث الله تعالى إلى إرميا ملكا فتمثل ~~له رجلا من بني إسرائيل فقال له : يا نبي الله ، أستفتيك في أهل رحمي ، ~~وصلت أرحامهم ولم آت إليهم إلا حسنا ، ولا يزيد إكرامي إياهم إلا إسخاطا لي ~~، فأفتني فيهم . فقال له : أحسن فيما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير . ~~فقام الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فقعد بين يديه ، ~~فقال له إرميا : أو ما ظهرت أخلاقهم لك بعد ؟ فقال : يا نبي الله ، والذي ~~بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمه إلا قدمتها ~~إليهم وأفضل . فقال له إرميا : ارجع إلى أهلك وأحسن إليهم ، واسأل الله ~~تعالى الذي أصلح عباده الصالحين أن يصلحهم . فقام الملك فمكث أياما وقد نزل ~~بختنصر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد ، ففزع منهم بنو إسرائيل وشق ~~عليهم . فقال ملكهم لإرميا ms2669 : يا نبي الله ، أين ما وعدك الله ؟ قال : إني ~~بربي واثق . ثم أقبل الملك إلى إرميا : ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم ~~فيه ؟ فقال الملك : يا نبي الله ، كل شيء يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر ~~عليه ، فاليوم رأيتهم في عمل لا يرضى الله عز وجل . فقال إرميا : على أي ~~عمل رأيتهم ؟ قال : على عمل عظيم من سخط الله ، فغضبت لله ولك وأتيتك ~~لأخبرك . وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق إلا ما دعوت الله عليهم ليهلكهم ~~. قال إرميا : يا ملك السموات والأرض إن كانوا على حق وصواب فأبقهم ، وإن ~~كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم . فلما خرجت الكلمة من فم إرميا أرسل ~~الله عز وجل صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة ~~أبواب من أبوابها . فلما رأى ذلك إرميا وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه ~~وقال : يا ملك السموات والأرض ، أين ميعادك الذي وعدتني فنودي : إنه لم ~~يصبهم الذي أصابهم إلا بفتياك ودعائك . فاستيقن إرميا أنها فتياه ، وأن ذلك ~~السائل كان رسول ربه . فطار إرميا حتى خالط الوحوش . ودخل بختنصر وجنوده ~~بيت المقدس ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس ، ~~فقذفوا فيه التراب حتى ملئوه ؛ ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت ~~المقدس كلهم ، فجمعوا عنده كل صغير PageV14P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" وكبير من بني إسرائيل ، فاختار منهم مائة ألف ~~صبي ، وقيل سبعين ألف صبي . فلما خرجت غنائم جنده لتقسم قال له الملوك ~~الذين كانوا معه : أيها الملك ، لك غنائمها كلها ، فاقسم بيننا هؤلاء ~~الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل ، ففعل ذلك ، فأصبا كل رجل منهم ~~أربعة غلمة . وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا وعزاريا وميشائيل ، ~~وسبعة آلاف من أهل بيت داود - ع - ، وأحد عشر ألفا من سبط يوسف ابن يعقوب ، ~~وأخيه بنيامين - ع - ، وثمانية آلاف من سبط أشرس بن يعقوب ؛ وأربعة عشر ~~ألفا من سبط ريالون بن يعقوب نفتالي بن يعقوب ، وأربعة آلاف من سبط يهوذا ~~بن يعقوب ms2670 ، وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوى ابنى يعقوب ، ومن بقي من بني ~~إسرائيل . قال : وجعل بختنصر من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق ، فثلثا أقر ~~بالشام ، وثلثا سبى ، وثلثا قتل . وذهب بآينة بيت المقدس وسلب حيله حتى ~~أقدم ذلك بابل ، فكان على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة من حلي . فذلك قوله ~~تعالى : " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدون في الأرض مرتين ولتعلن ~~علوا كبيرا ، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد " ~~يعني بختنصر وأصحابه " فجاسوا خلال الديار وكان وعد مفعولا " فهذه الوقعة ~~الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل لاختلافهم وظلمهم . ولنصل هذا الفصل ~~بخبر بختنصر . ذكر خبر بختنصر وابتداء أمره وكيف ملك يقال في اسمه : بختنصر ~~بتشديد الصاد وإسكانها ويقال فيه : بختناصر . وقد اختلف في أمره ، فقال قوم ~~: إنه ملك الدنيا أجمع . وقال آخرون : بل ملك بابل وما افتتحه . وقال قوم : ~~إنما كان مرزبانا للهراسف الفارسي . وقال قوم : كان أصله PageV14P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" من أبناء الملوك ، وقيل : بل كان من الفقراء ~~. وسنذكر إن شاء الله تعالى ما نقف عليه من ذلك . فمن ذلك ما رواه أبو ~~إسحاق الثعلبي في تفسير قوله عز و جل : " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ~~. . . . " الآيات بسند رفعه إلى سعيد بن جبير قال : كان رجل من بني إسرائيل ~~يقرأ التوراة ، حتى إذا بلغ " بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد " بكى ~~وفاضت عيناه ثم أطبق المصحف وقال : أي رب أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك ~~بني إسرائيل على يديه ؛ فأرى في المنام مسكين ببابل يقال له بختنصر ، ~~فانطلق بمال وأعبد له وكان رجلا موسرا . فقيل له : أين تريد ؟ قال : أريد ~~التجارة . فسار حتى نزل بابل ، فنزل دارا فأكتراها ، ليس فيها أحد غيره ، ~~فجعل يدعوا المساكين ويلطف بهم حتى لا يأتيه أحد إلا أعطاه . فقال : هل بقي ~~مسكين غيركم ؟ قالوا : نعم ، مسكين بفج آل فلان مريض يقال له بختنصر . فقال ~~لغلمته : انطلقوا بنا ، فانطلق حتى أتاه فقال له : ما اسمك ؟ قال ms2671 بختنصر . ~~فقال لغلمته : احتملوه ، فنقله إليه فمرضه حتى برئ ، فكساه وأعطاه نفقة ، ~~ثم آذن الإسرائيلي بالرحيل ، فبكى بختنصر . فقال حتى له الإسرائيلي : ما ~~يبكك ؟ قال : أبكي أنك فعلت بي ما فعلت ، ولا أجد شيئا أجزيك به . قال : ~~بلى ، شيئا يسيرا . فقال له : وما هو ؟ قال : إن ملكت أطعتني . فجعل يتبعه ~~ويقول : تستهزئ بي ؟ ولا يمنعه من أن يعطيه ما سأله إلا أنه يرى أنه يستهزئ ~~به . فبكى الإسرائيلي وقال : لقد علمت ما يمنعك ما سألتك إلا أن الله تعالى ~~يريد أن ينفذ ما قد أمضى وكتب في كتابه . قال : وضرب الدهر ضرباته فقال ~~صيحون وهو ملك فارس ببابل : لو أنا بعثنا طليعة إلى الشام ؟ قالوا : وما ~~ضرك لو فعلت ؟ قال : فمن ترون ؟ قالوا : فلان . فبعث رجلا وأعطاه مائة ألف ~~فارس ، وخرج بختنصر في مطبخه لا يخرج إلا ليأكل من مطبخه ويعيش منه . فلما ~~قدم الشام رأى صاحب الطليعة أكثر خلق الله فرسانا ورجالا ، كسر ذلك في ذرعه ~~فلم يسأل . فجعل بختنصر يجلس في مجالس أهل الشام فيقول : ما يمنعكم أن ~~تغزوا بابل فلو غزوتموها فما دون بيت مالها شيء . PageV14P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" قالوا : لا نحسن القتال ولا نقاتل ، حتى ~~انتفذ مجالس أهل الشام . ثم رجع أمير الطليعة فأخبر الملك بما رأى . وجعل ~~بختنصر يقول لفوارسهم الملك : لو دعاني الملك لأخبرته غير ما أخبره فلان . ~~فرفع ذلك إلى الملك فدعاه ، فقال : إن فلانا لما رأى أكثر أرض الله كراعا ~~ورجالا كسر ذلك في ذرعه ولم يسألهم عن شيء ، وإنني لم أدع مجلسا بالشام إلا ~~جالست أهله فقلت لهم كذا وكذا ، فقالوا لي كذا وكذا . فقال صاحب الطليعة ~~لبختنصر : بصحبتي لك مائة ألف دينار وتنزع عما قلت . قال : لو أعطيتني بيت ~~مال بابل ما نزعت . فضرب الدهر ضربانه فقال الملك : لو بعثنا جريدة خيل إلى ~~الشام ، فإن وجدوا مساغا ساغوا وإلا استلبوا ما قدروا عليه . قالوا : ما ~~ضرك لو فعلت ؟ قال : فمن ترون ؟ قالوا : فلان . قال : بل الرجل الذي أخبرني ~~بما أخبرني ms2672 . فدعا بختنصر وأرسله وانتخب معه أربعة آلاف من فرسانهم ، ~~فانطلقوا فجاسوا خلال الديار ، فسبوا ما شاء الله ولم يخربوا ولم يقتلوا . ~~ومات صيحون الملك ، فقالوا : استخلفوا رجلا ، فقالوا : على رسلكم حتى يأتي ~~أصحابكم فإنهم فرسانكم . فأمهلوا وأخروا ذلك حتى جاء بختنصر بالسبي وما معه ~~، فقسم ذلك في الناس . فقالوا : ما رأينا أحدا أحق بذلك من هذا فملكوه . ~~قال : وقال السدي بإسناده : إن رجلا من بني إسرائيل رأى في المنام أن خراب ~~بيت المقدس وهلاك بني إسرائيل على يدي غلام يتيم ابن أرملة من أل بابل يدعى ~~بختنصر ، وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم . فأقبل فسأل عنه حتى نزل على أمه وهو ~~يحتطب . فلما جاء وعلى رأسه الحطب ألق الحزمة ثم قعد في جانب من البيت ، ~~PageV14P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" فكلمه ثم أعطاه ثلاثة دراهم وقال : اشتر بهذه ~~طعاما وشرابا ، فاشترى درهم لحما ، وبدرهم خبزا ، وبدرهم خمرا ؛ فأكلوا ~~وشربوا ، حتى إذا كان اليوم الثاني . . . . . به كذلك ؛ وفي اليوم الثالث ~~كذلك . ثم قال : إني أحب أن تكتب لي أمانا إن أنت ملكت يوما من الدهر . قال ~~: تسخر مني ؟ قال : إني لا أسخر منك ، ولكن ما عليك أن تتخذها عندي يدا ~~فكلمته أمه فقالت : ما عليك إن كان ، وإلا لم ينقصك شيئا ، فكتب له أمانا . ~~فقال له : أرأيت إن جئت والناس حولك قد حالوا بيني وبينك فاجعل لي آية ~~تعرفني بها . قال : ترفع صحيفتك على قصبة فأعرفك بها ، فكساه وأعطاه . ثم ~~إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكريا عليهما السلام ويدني مجلسه ~~ويستشيره في أمره ولا يقطع أمرا دونه ؛ وإنه هوى أن يتزوج بنت امرأته . - ~~قال وقيل : كانت بنت أخيه ، قال الثعلبي : وهو الأصح إن شاء الله - فسأله ~~عن ذلك ، فنهاه عن نكاحها وقال : لن أرضاها لك . فبلغ ذلك أمها فحقدت على ~~يحيى - ع - حين نهاه أن يتزوج بنتها ، فعمدت أم الجارية حين جلس الملك على ~~شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمراء وطيبتها وألبستها من الحلي ، وألبستها . ~~فوق ذلك كساء أسود وأرسلتها إلى الملك ، وأمرتها ms2673 أن تسقيه وأن تتعرض إليه ، ~~فإن أرادها على نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته ، فإذا أعطاها ذلك ~~سألته أن يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طست ، ففعلت . فلما أخذ منه الشراب ~~أرادها على نفسها ، فقالت : لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك . قال : ما تسألين ~~؟ قالت : أسألك أن تبعث إلى يحيى بن زكريا فتؤتى برأسه في طست . فقال : ~~ويحك سليني غير هذا . قالت : ما أريد إلا هذا . فلما أبت عليه بعث إليه ~~فأتى برأسه ، والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول : لا يحل لك . فلما ~~أصبح إذا دمه يغلي ، فأمر بتراب فألقى عليه ، فرقى الدم فوق التراب يغلي ، ~~فألقى عليه أيضا فارتفع الدم فوقه ، فلم يزل يلقى عليه من التراب حتى بلغ ~~سور المدينة وهو في ذلك يغلي . فبلغ صيحون ملك بابل ذلك فنادى في الناس ، ~~وأراد أن يبعث إليهم جيشا ويؤمر عليهم رجلا . فأتاه بختنصر فكلمه وقال : إن ~~الذي كنت أرسلت تلك المرة ضعيف ، وإني قد دخلت المدينة وسمعت كلام أهليها ~~فابعثني فبعثه . فسار بختنصر ، حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في ~~مدائنهم فلم يطلقهم . فلما اشتد عليه المقام وجاع أصحابه فأتى بها إليه . ~~فقالت : إنه بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة . قال : ~~نعم ، قد طال مقامي وجاع PageV14P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" أصحابي ، فلست أستطيع المقام فوق الذي كان ~~مني . فقالت : أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما أسألك ، إذا أصبحت ~~فاقسم جندك أربعة أرباع ، ثم اجعل في كل زاوية ربعا ، ثم ارفعوا أيديكم إلى ~~السماء فنادوا : إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكريا ، فإنها سوف تساقط ~~، ففعلوا ؛ فتساقطت المدينة فدخلوا من جوانبها . فقالت : كف يدك واقتل على ~~هذا الدم حتى يسكن ، وانطلقت به إلى دم يحيى بن زكريا ، وهو على تراب كثير ~~، فقتل عليه حتى سكن ، فقتل سبعين ألفا . فلما سكن الدم قالت له : كف يدك ~~فإن الله تعالى إذا قتل نبي لم يرض حتى يقتل من قتله ومن رضي قتله ms2674 . وأتاه ~~. صاحب الصحيفة بصحيفته فكف عنه وعن أهل بيته ، وخرب بيت المقدس وأمر أن ~~تطرح الجيف فيه ، وقال : من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة . قال : ~~وأعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا . قال : ~~فلما خربه بختنصر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وسراتهم وذهب بدانيال وقوم من ~~أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت الملك ، فلما قدم وجد صيحون ملك بابل ~~قد مات فملك مكانه . ذكر خبر بختنصر مع دانيال قال : ولما سار بختنصر إلى ~~بابل وملك بعد موت الملك كان معه دانيال ، وكان أكرم الناس عليه هو وأصحابه ~~، فحسدهم المجوس على ذلك ، فوشوا بهم إليه وقالوا : إن دانيال وأصحابه لا ~~يعبدون إلهك ولا يأكلون ذبيحتك . فدعاهم فسألهم ، فقالوا : أجل ، إن لنا ~~ربا نعبده ، ولسنا نأكل من ذبيحتكم . فأمر أن يخد لهم أخدود فخد لهم وألقوا ~~فيه وهم ستة ، وألقى معهم سبع ضار ليأكلهم ، ثم قال : اذهبوا بنا لنأكل ~~ونشرب ، فذهبوا فأكلوا وشربوا ، ثم عادوا فوجدوهم سبعة والسبع مفترش ذراعيه ~~بينهم ولم يخدش منهم أحدا . فقالوا : ما بال هذا السابع إنما كانوا ستة ~~فخرج السابع إلى بختنصر ، وكان ملكا من الملائكة ، فلطمه لطمة فصار من ~~الوحش ومسخه الله سبع سنين ، ثم رده الله إلى صورته ورد عليه ملكه . هذا ما ~~حكاه السدي . PageV14P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" وروى الثعلبي بسنده إلى وهب قال : لما سار ~~بختنصر إلى بابل وملك بعد موت ملكها واستتب أمره لبث على ذلك مدة ، ثم رأى ~~رؤيا عجيبة فافزعته وسأل عنها الكهنة والسحرة فعجزوا عن تعبيرها . فبلغ ذلك ~~دانيال وكان في السجن مع أصحابه وقد أحبه صاحب السجن وأعجب به لما رأى من ~~حسن سمته . فقال له دانيال : إنك قد أحسنت إلي ؛ وإن صاحبكم قد رأى رؤيا ، ~~فدل علي لأعبرها له . فجاء السجان فأخبر بختنصر بقصة دانيال ، فاستدعاه ~~فجاء إليه . وكان من عادة من حضر بين يدي الملك أن يسجد له ، فلما أتوا ~~بدانيال قام بين يديه ولم يسجد له . فقال : ما ms2675 الذي منعك من السجود ؟ فقال ~~: إن لي ربا آتاني العلم والحكمة وأمرني ألا أسجد لغيره ، فخشيت إن سجدت ~~لغيره أن ينزع مني الحكمة والعلم ويهلكني . فأعجب به وقال : نعم ما فعلت ~~حيث وفيت بعهده ، وأجللت علمه ؛ ثم قال : هل عندك علم هذه الرؤيا ؟ قال : ~~نعم وأبشر ، فأخبره برؤياه قبل أن يخبره الملك بها ، وغبرها له . قال ~~الثعلبي : وكانت الرؤيا على ما أخبرنا به عبد الله بن حامد في إسناده عن ~~وهب بن منبه قال : بختنصر رأى في آخر زمانه صنما رأسه من ذهب ، وصدره من ~~فضة ، وبطنه من نحاس ، وفخذاه من حديد ، وساقاه من فخار ، ثم رأى حجرا من ~~السماء وقع عليه فدقه ، ثم ربا الحجر حتى ملأ ما بين المشرق والغرب ، ورأى ~~شجرة أصلها في الأرض وفرعها في السماء ، ثم رأى عليها رجلا بيده فأس وسمع ~~مناديا ينادي : اضرب جذعها لتفرق الطير من فروعها ، وتتفرق الدواب والسباع ~~من تحتها ، واترك أصلها قائما . فعبرها دانيال - ع - له فقال : أما الصنم ~~الذي رأيت ، فأنت الرأس وأنت أفضل الملوك . وأما الصدر الذي من فضة فابنك ~~يملك من بعدك . وأما البطن الذي رأيت من نحاس فملك يكون بعد ابنك . وأما ما ~~رأيت من الفخذين من حديد فيتفرق الناس فرقتين في فارس يكون أشد الملوك . ~~وأما الفخار فآخر ملكهم يكون دون الحديد . وأما الحجر الذي رأيته قد ربا ~~حتى ملأ ما بين المشرق والمغرب فنبي يبعثه الله تعالى في آخر الزمان فيفرق ~~ملكهم كله ، ويربو ملكه حتى يملأ ما بين المشرق والمغرب . وأما الشجرة التي ~~رأيت والطير التي عليها والسباع والدواب التي تحتها وما أمر بقطعها ، فيذهب ~~ملكك ويردك الله طائرا تكون PageV14P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" نسرا ملك الطير ، ثم يردك الله ثورا ملك ~~الدواب ، ثم يردك الله أسدا ملك السباع والوحش سبع سنين ، وفي كل ذلك قلبك ~~قلب إنسان ، حتى تعلم أن الله له ملك السموات والأرض ، يقدر على الأرض ومن ~~عليها ، وكما رأيت أصلها قائما فإن ملكك قائم . قال : فمسخ بختنصر نسرا في ms2676 ~~الطيور ، وثورا في الدواب ، وأسدا في السباع ، فكان مسخه كله سبع سنين ، ثم ~~رد الله تعالى إليه ملكه ، فآمن ودعا الناس إلى الله تعالى . قال : وسئل ~~وهب بن منبه : أكان بختنصر مؤمنا ؟ فقال : وجدت أهل الكتاب قد اختلفوا فيه ~~، فمنهم من قال : ما ت مؤمنا ، ومنهم من قال : مات كافرا ؛ لأنه حرق بيت ~~المقدس وكتب الله وقتل الأنبياء ، فغضب الله تعالى عليه ولم يقبل توبته . ~~قالوا : فلا عبر دانيال لبختنصر رؤياه أكرمه وصحبه واستشاره في أموره وقربه ~~منه حتى كان أكرم الناس عليه وأحبهم إليه ، فحسده المجوس على ذلك ووشوا به ~~وبأصحابه إلى بختنصر فقالوا : إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ، ولا ~~يأكلون ذبيحتك . فدعاهم وسألهم فقالوا : إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ~~، ولا يأكلون ذبيحتك . فدعاهم وسألهم فقالوا : إن لنا ربا نعبده ولسنا نأكل ~~من ذبائحكم . فأمر بختنصر بأخدود ، فخد لهم وألقوا فيه ، وهم ستة ، وألقي ~~معهم سبع ضار ليأكلهم ، ثم قالوا : انطلقوا لنأكل كل ونشرب ، فأكلوا وشربوا ~~، ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه بينهم ولم يخدش منهم أحدا ~~ولم ينكأهم بشيء ، ووجدوا معهم رجلا فعدوهم فوجدوهم سبعة ، فقالوا : ما بال ~~هذا السابع وإنما كانوا ستة ، فخرج إليهم السابع ، وكان ملكا من الملائكة ، ~~فلطم بختنصر لطمة فصار في الوحوش ، ومسخه الله تعالى سبع سنين ثم رده الله ~~إلى صورته ورد عليه ملكه . قال السدي : ثم إن بختنصر لما رجع إلى صورته بعد ~~المسخ ورد الله تعالى عليه ملكه ، كان دانيال وأصحابه أكرم الناس عليه ، ~~فحسدته المجوس ووشوا به ثانية فقالوا لبختنصر : إن دانيال إذا شرب الخمر لم ~~يملك نفسه أن يهول ، وكان ذلك فيهم عار . فجعل بختنصر لهم طعاما وشرابا ~~فأكلوا وشربوا وقالوا للبوابين : أنظروا أول من يخرج إليكم ليبول فاضربوه ~~بالطبرزين ، وإن قال لكم أنا بختنصر فقولوا له : PageV14P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" كذبت ، بختنصر أمرنا بهذا . فحبس الله تعالى ~~عن دانيال البول ، وكان أول من قام من القوم يريد البول بختنصر ، فقام مدلا ~~وذلك ليلا ، فخرج يسحب ثيابه ms2677 ، فشد عليه البواب فقال : أنا بختنصر . فقال : ~~كذبت ، بختنصر أمرني أن أقتل أول من يخرج ، فضربه فقتله . وحكى محمد بن ~~إسحاق بن يسار في سبب هلاك بختنصر غير ما حكاه السدي ، وذلك أنه قال ~~بإسناده : لما أراد الله تعالى هلاك بختنصر انبعث فقال لمن كان في يده من ~~بني إسرائيل : أرأيتم هذا البيت الذي خربته ، وهؤلاء الناس الذين قتلتهم من ~~هم ؟ وما هذا البيت ؟ قالوا : هذا بيت الله ومسجد من مساجده ، وهؤلاء أهله ~~، كانوا من ذراري الأنبياء فظلموا وتعدوا وعصوا ، فسلطت عليهم بذنوبهم ، ~~وكان ربهم رب السموات والأرض ورب الخلق كلهم ، يكرمهم ويمنعهم ويعزهم ، ~~فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله تعالى وسلط عليهم غيرهم . قال : فأخبروني ~~ما الذي يطلع بي إلى السماء العليا لعلي أطلع إليها وأقتل من فيها وأتخذها ~~ملكا فإني قد فرغت من الأرض ومن فيها ؟ قالوا : ما يقدر على هذا أحد من ~~الخلائق . قال : لتفعلن أو لأقتلنكم عن أخركم . فبكوا وتضرعوا إلى الله ~~تعالى ، فبعث الله عز وجل عليه بقدرته ليريه ضعفه وهوانه بعوضة فدخلت في ~~منخره ثم ساخت فيه حتى عضت بأم دماغه فما يقر ولا يسكن حتى يوجأ له رأسه ~~على أم دماغه . فلما عرف أنه الموت قال لخاصته من أهل : إذا مت فشقوا رأسي ~~فانظر . ما هذا الذي قتلني . فلما مات شقوا رأسه فوجدوا البعوضة عاضة بأم ~~دماغه ليرى الله تعالى عباده قدرته وسلطانه ، ونجى الله تعالى من بقي في ~~يديه من بني إسرائيل وردهم إلى إيليا والشام ، فبنوا فيه وربوا وكثروا حتى ~~كانوا كأحسن ما كانوا عليه . قال : فيزعمون أن الله تعالى أحيا أولئك ~~الموتى الذين قتلوا ولحقوا بهم . قال : ثم إنهم لما رجعوا إلى الشام وقد ~~أحرف التوراة وليس معهم عهد من الله تعالى جدد الله عز وجل توراتهم وردها ~~عليهم على لسان عزيز ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى . PageV14P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" قال : وكان عمر بختنصر بأيام مسخه نيفا ~~وخمسين سنة وخمسين يوما . فلما مات بختنصر استخلف ابنه بلسطاس . وكانت ms2678 آنية ~~بيت المقدس التي حملها بختنصر إلى بابل باقية ، فنجسها بلحوم الخنازير وأكل ~~وشرب فيها ، و أقصى دانيال ولم يقبل منه ، واعتزله دانيال . فبينما بلسطاس ~~ذات يوم إذ بدت له كف بغير ساعد وكتبت ثلاثة أحرف بمشهده ثم غابت ، فعجب من ~~ذلك ولم يدر ما هي ، فاستدعى دانيال واعتذر إليه وسأله أن يقرأ تلك الكتابة ~~ويخبره بتأويلها . فقرأها دانيال ، فإذا هي : " بسم الله الرحمن الرحيم . ~~وزن فخف ، ووعد فنجز ، وجمع فتفرق " . فقال دانيال : أما قوله وزن فخف ، أي ~~وزن عملك في الميزان فخف . ووعد ملك فنجز اليوم ، وجمع فتفرق ، أي جمع لك ~~ولوالدك من قبلك ملك عظيم فتفرق اليوم فلا يرجع إلى يوم القيامة . فلم يلبث ~~إلا قليلا حتى أهلكهم الله تعالى وضعف ملكهم ، وبقي دانيال بأرض بابل إلى ~~أن مات بالسوس . فهذه الأقاويل التي وردت في بختنصر هي على ما جاء في ~~التفسير المبتدأ . وأما قول من قال إنه كان مرزبانا للهراسف الملك الفارسي ~~فسنذكره إن شاء الله تعالى في أخبار ملوك الفرس ، على ما تقف عليه إن شاء ~~الله تعالى في موضعه وهو في الباب الثالث من القسم الرابع من هذا الفن في ~~السفر الثالث عشر من هذه النسخة من كتابنا هذا . وهذه الأخبار التي قدمنا ~~ذكرها أوردها أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره وفي كتابه المترجم بيواقيت ~~البيان في قصص القرآن . وقال في تفسيره : إلا أن رواية من روى أن بختنصر ~~عزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا عليهما السلام غلط عند أهل السير ~~والأخبار والعلم بأمور الماضين من أهل الكتاب والمسلمين . وذلك أنهم مجمعون ~~على أن بختنصر غزا بني إسرائيل عند قتلهم نبيهم شعيا وفي عهد إرميا بن ~~حلقيا عليهم السلام ، وهي الوقعة الأولى التي قال الله تعالى : " فإذا جاء ~~وعد أولادهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان ~~وعدا مفعولا " يعني بختنصر وجنوده . PageV14P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" قال الثعلبي قالوا : ومن عهد إرميا وتخريب ~~بختنصر البيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكريا ms2679 أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة ~~. والله أعلم . ذكر خبر عمارة بيت المقدس بعد أن خربه بختنصر وخبر الذي مر ~~على قرية قال الله عز وجل : " أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ~~قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه . . . " ~~الآية . قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله : اختلفوا في ذلك المار من كان ، ~~فقال عكرمة وقتادة والربيع بن أنس والضحاك والسدي وناجية بن كعب وسليمان بن ~~بريدة وسلم الخواص : هو عزيز بن شرخيا . وقال وهب بن منبه وعبد الله بن ~~عبيد ابن عمير : هو إرميا بن حلقيا ، وكان من سبط هارون بن عمران ، وقد ~~تقدم ذكره . قال : واختلفوا أيضا في القرية التي مر عليها ، فقال وهب ~~وعكرمة وقتادة والربيع : هي بيت المقدس . وقال الضحاك : هي الأرض المقدسة . ~~وقال ابن زيد : هي الأرض التي أهلك الله تعالى بها الذين خرجوا من ديارهم ~~وهم ألوف حذر الموت . وقال الكلبي : هي دير سابرا باذ . وقال السدي : هي ~~سلما باذ . وقيل : هي دير هزقل . وقيل : هي قرية العنب ، وهي على فرسخين من ~~بيت المقدس . قال فالذي يقول : إن المار إرميا وإن القرية بيت المقدس ، هو ~~ما رواه محمد ابن اسحاق بن يسار عن وهب بن منبه : أنه لما كان من أمر إرميا ~~ما قدمناه ، وأنه طار لما التهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبواب ~~بيت المقدس حتى خالط إرميا الوحش ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس وخرب كما ~~تقدم . فلما رجع PageV14P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" بختنصر عن بيت المقدس أقبل إرميا على حمال له ~~معه عصير عنب في ركوة وسلة تين حتى غشى إيلياء . فلما وقف عليها ورأى ~~خرابها قال : " أنى يحيي هذه الله بعد موتها " . قال : ثم ربط إرميا حماره ~~بحبل جديد ، فألقى الله تعالى عليه النوم ، فلما نام نزع منه الروح مائة ~~عام وأمات حماره ، وعصيره وتينه عنده ، وأعمى الله تعالى عنه العيون فلم ~~يره أحد وذلك ضحى ، ومنع الله السباع والطير لحمه . فلما مضى من ms2680 نومه سبعون ~~سنة أرسل الله عز وجل ملكا إلى ملك عظيم من ملوك فارس يقال له : بوسك فقال ~~له : إن الله عز وجل يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيلياء وأرضها ~~حتى تعود أحسن ما كانت ، فانتدب الملك ألف قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة ~~ألف عامل ، فجعلوا يعمرونها فعمرت ، ونجى الله تعالى من بقي من بني إسرائيل ~~ولم يمت ببابل أحد منهم وردهم الله تعالى إلى بيت المقدس وعمروها ثلاثين ~~سنة حتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه ؛ وذلك بعد أن خربت سبعين سنة . فلما ~~مضت المائة سنة أحيا الله عز وجل منه عينيه وسائر جسده ميت ، ثم أحيا جسده ~~وهو ينظر ، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه متفرقة بيض تلوح ، فسمع صوتا من ~~السماء : أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي ، فاجتمع بعضها إلى ~~بعض واتصل بعضها ببعض ، ثم نودي : إن الله يأمرك أن تكتسي لحما وجلدا فكان ~~كذلك . ثم نودي : إن الله يأمرك أن تحيا ، فقام بإذن الله ونهق . وعمر الله ~~تعالى إرميا ، فهوا الذي يرى في الفلوات ؛ فذلك قوله تعالى : " فأماته الله ~~مائة عام ثم بعثه " أي أحياه " قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوما " ~~وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر ~~النهار قبل غيبوبة الشمس ، فقال : " لبثت يوما " وهو يرى أن الشمس قد غربت ~~، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال : " أو بعض يوم " بمعنى بل بعض يوم " ~~قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك " يعني التين " وشرابك " يعني العصير ~~" لم يتسنه " أي لم يتغير " وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى ~~العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل ~~شيء قدير " . قال وهب : ليس في الجنة كلب ولا حمار إلا كلب أصحاب أهل الكهف ~~وحمار إرميا الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه . هذا قول من قال إنه إرميا ~~بن حلقيا . PageV14P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" وأما ms2681 من قال إنه عزير ، فإنه يقول : إن ~~بختنصر لما خرب بيت المقدس قتل أربعين ألفا من قراء التوراة والعلماء ، ~~وقتل منهم أبا عزير وحده . وكان عزير يومئذ غلاما قد قرأ التوراة وتقدم في ~~العلم ، وأقدمه بختنصر مع بني إسرائيل إلى أرض بابل ، وهو من ولد هارون . ~~فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار حتى نزل على دير هزقل على شط دجلة ، ~~وطاف في القرية فلم ير فيها أحدا ، وعامة شجرها حامل ، فأكل من الفاكهة ~~واعتصر من العنب وشرب منه ، وجعل فضل الفاكهة في سلة وفضل العصير في زق . ~~فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال : " أنى يحيي هذه الله بعد موتها " ~~الآية ، وساق فيه نحو ما تقدم في خبر إرميا . وقال قوم في قوله تعالى : " ~~وانظر إلى حمارك " إن الله تعالى لم يمت حماره فأحياه الله تعالى عينيه ~~ورأسه وسائر جسده ميت فقال له : " أنظر إلى حمارك " فنظر إلى حماره قائما ~~كهيئته يوم ربطه حيا ، ولم يطعم ولم يشرب مائة عام ، ونظر إلى الرمة في ~~عنقه جديدة ؛ وهذا قول الضحاك وقتادة . و قال الآخرون : أراد عظام حماره ~~كما تقدم في قصة إرميا . وقوله تعالى : " ولنجعلك آية للناس " أي عبرة ~~ودلالة على البعث بعد الموت . وقال الضحاك : وهو أنه عاد إلى قريته وأولاده ~~وأولاد أولاده شيوخ وعجائز وهو أسود الرأس واللحية . وعن ابن عباس رضي الله ~~عنها قال : أحيا الله تعالى عزيرا بعد مائة سنة ، فركب حماره حتى جاء محلته ~~، فأنكره الناس وأنكر الناس ومنازله ، فانطلق على وهم حتى أتى منزله ، وإذا ~~هو بعجوز عمياء قد أتى عليها مائة وعشرون سنة ، وكانت أمة لهم ، فخرج عنهم ~~عزير وهي ابنة عشرين سنة ، وكانت قد عرفته وعقلته ؛ فلما أصابها الكبر ~~والزمن قال لها عزيز : يا هذه ، هذا منزل عزير ؟ قالت : نعم هذا منزل عزير ~~وبكت وقالت : ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا وقد نسيه الناس . ~~قال : فإني عزير . قالت : سبحان الله فإن عزيرا قد فقدناه من مائة سنة . ~~قال ms2682 : فإني أنا عزير ، إن الله أماتني مائة سنة ثم بعثني . قالت : فإن ~~عزيرا كان رجلا مجاب الدعوة ، يدعو المريض وصاحب البلاء بالعافية والشفاء ، ~~فادع الله يرد علي بصري PageV14P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" حتى أراك ، فإن كنت عزيرا عرفتك . فدعا ربه ~~تعالى فاستجاب له ومسح بيده على وجهها وعينيها فصحتا ، وأخذ بيدها وقال لها ~~: قومي بإذن الله تعالى ، فأطلق الله رجليها ، فقامت صحيحة كأنما نشطت من ~~عقال ، فنظرت إليه فقالت : أشهد أنك عزير . فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل ~~وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثمانية عشر سنة وبنو ~~ابنه شيوخ في المجالس ، فنادت : هذا عزير قد قدم وجاءكم ، فكذبوها . فقالت ~~: وأنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فرد الله علي عيني وأطلق رجلي ، وزعم أن ~~الله أماته مائة عام ثم بعثه . فنهض الناس وأقبلوا إليه ، فقال ابنه : إنه ~~كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه ، فكشف عن كتفيه وإذا هو عزير . ~~وأما خبر فتنة اليهود به وقوهم عزير ابن الله ، فقد روى عطية العوفي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال : كان عزير من أهل الكتاب ، وكانت التوراة عندهم ، ~~فعملوا بها ما شاء الله تعالى أن يعملوا ، ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق ، ~~وكان التابوت فيهم . فلما رأى الله تعالى أنهم قد أضاعوا التوراة وعملوا ~~بالأهواء رفع عنهم التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدروهم ، وأرسل عليهم ~~عزير . فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا بعد ما نسخت التوراة من صدورهم . ~~فبينما هو يصلي ويبتهل إلى الله تعالى إذ نزل نور من السماء فدخل في جوفه ، ~~فعاد إليه الذي كان ذهب من التوراة ، فأذن في قومه فقال : يا قوم ، قد ~~أتاني الله التوراة وردها إلي ، فطفق يعلمهم ، فمكثوا ما شاء الله وهو ~~يعلمهم . ثم إن التابوت نزل بعد ذلك . فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه ~~على الذي كان يعلمهم عزير فوجدوه مثله ، فقالوا : والله ما أوتي عزير هذا ~~إلا وهو ابن الله . PageV14P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" وقال السدي وابن عباس في ms2683 رواية عمار بن ياسر ~~: إنما قالت اليهود هذا لأن العمالقة ظهرت عليهم فقتلوهم وأخذوا التوراة ~~وهرب علماؤهم الذين بقوا ودفنوا التوراة في الجبال وغيرها ، ولحق عزير ~~بالجبال والوحوش ، وجعل يتعبد في رءوس الجبال ولا يخالط الناس ولا ينزل إلا ~~يوم عيد ، وجعل يبكي ويقول : يا رب تركت بني إسرائيل بغير عالم ، فبكى حتى ~~سقطت أشفار عينيه ، فنزل مرة إلى العيد ، فلما رجع إذا هو بامرأة قد تمثلت ~~له عند قبر من القبور تبكي وتقول : يا مطعماه ، ويا كاسياه . فقال لها عزير ~~: يا هذه اتقي الله واصبري واحتسبي ، أما علمت أن الموت مكتوب على الناس ~~وقال لها : ويحك من كان يطعمك ويكسوك قبل هذا الرجل ؟ يعني زوجها التي كانت ~~تندبه . قالت له : الله تعالى . قال : فإن الله تعالى حي لا يموت . فقالت : ~~يا عزير ، من كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل ؟ قال : الله . قالت : فلم ~~تبكي عليهم وقد علمت أن الموت حق وأن الله حي لم يمت . فلما علم عزير أنه ~~قد خصم ولى مدبرا . فقالت له : يا عزير ، لست بامرأة ولكني الدنيا . أما ~~أنه ستنبع لك في مصلاك عين وتنبت لك شجرة ، فكل من ثمرة تلك الشجرة واشرب ~~من ماء تلك العين واغتسل وصل ركعتين ؛ فإنه سيأتيك شيخ ، فما أعطاك فخذ منه ~~. فلما أصبح نبعت العين في مصلاه ونبتت الشجرة ، ففعل ما أمرته به ، وجاء ~~شيخ وقال له : افتح فاك ، ففتح فاه فألقى فيه شيئا كهيئة الجمرة العظيمة ~~مجتمعا كهيئة القوارير ثلاث مرات ، ثم قال له : ادخل هذه العين فامش فيها ~~حتى تبلغ قومك . قال : فدخلها فجعل لا يرفع قدمه إلا زيد في علمه ، فرجع ~~إليهم وهو أعلم الناس بالتوراة . فقال : يا بني إسرائيل ، قد جئتكم ~~بالتوراة . فقالوا : يا عزير ، ما كنت كذابا . فربط على كل إصبع له قلما ~~وكتب بأصابعه كلها حتى كتب التوراة كلها عن ظهر قلبه ، فأحيا لبني إسرائيل ~~التوراة وأحيا لها السنة . فلما رجع العلماء استخرجوا كتبهم التي كانوا ~~دفنوها ، فعارضوا بها توراة عزير فوجدوها مثلها ms2684 ، فقالوا : ما أعطاه الله ~~تعالى هذا إلا أنه ابنه . وقال الكبي : إن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل ~~وهدم بيت المقدس وقتل مرة قراء التوراة ، كان عزير إذ ذاك غلاما صغيرا ، ~~فاستضعفه فلم يقتله ، ولم يدر PageV14P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" أنه يقرأ التوراة . فلما توفي مائة سنة ورجعت ~~بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس منهم من يقرأ التوراة بعث الله عز وجل ~~عزيرا ليجدد لهم التوراة ويكون لهم آية ، فأتاهم فقال : أنا عزير . فكذبوه ~~وقالوا : إن كنت عزيرا كما تزعم فاتل علينا التوراة . فكتبها وقال : هذه ~~التوراة . ثم إن رجلا قال : إن أبي حدثني عن جدي أن التوراة جعلت في خابية ~~ثم دفنت في كرم . فانطلقوا معه حتى احتفروها وأخرجوا التوراة ، فعارضوها ~~بما كتب عزير فلم يجدوه غادر منها آية ولا حرفا ، فعجبوا وقالوا : إن الله ~~لم يقذف التوراة في قلب رجل واحد منا بعد ما ذهبت من قلوبنا إلا أنه ابنه ؛ ~~فعند ذلك قالت اليهود : عزيرا ابن الله . الباب الرابع من القسم الثالث من ~~الفن الخامس في قصة ذي النون يونس بن متى عليه السلام و خبر بلوقيا ذكر قصة ~~ذي النون يونس بن متى عليه السلام قال الكسائي رحمه الله قال وهب بن منبه : ~~كان متى رجلا صالحا من أهل بيت النبوة ، ولم يرزق الولد إلى آخر عمره بعد ~~أن أسن هو وزوجته ، فسأل الله تعالى الولد ، فنودي : إن الله قد استجاب ~~دعاءك ، فانطلق إلى حضيرة التوبة ، وهو الموضع الذي أمر الله تعالى بني ~~إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم فيه لما عبدوا العجل . فصار إلى هناك وإذا بملك ~~قد هبط من السماء فضرب قبة على باب حضيرة التوبة ، وذلك في ليلة عاشوراء ، ~~وأمرهما أن يدخلاها فدخلا وواقعها ، فحملت بيونس ، ثم انصرفا إلى منزلهما ~~فلما صار لها أربعة أشهر توفي متى وبقيت امرأته أرملة ليس لها إلا قصعة ~~كانت لآل هارون ، فكانت تصيب رزقها في المساء والصباح من عند الله . فلما ~~وضعت يونس لم يكن لها لبن يكفيه ، فكانت أمه تأتي ms2685 إلى الرعاة وتسألهم اللبن ~~فلا يجيبونها ، فكانت تقول : اللهم هذا الولد هبتك فلا تهلكه جوعا ، فكانت ~~المواشي تأتيه تمج عليه بضرعها حتى يشبع ، فإذا شبع يقولك الحمد لله ، فآمن ~~به جماعة PageV14P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" من الرعاة فبقي كذلك حتى فطمته أمه ، وكان ~~يسمى يتيم بني إسرائيل ، حتى أتت عليه سبع سنين ، فأقبل على أمه فقال : يا ~~أماه ، لا ينبغي أن تذهب أيامي بالبطالة ، وأريد أن تلبسيني ثوبا من الصوف ~~حتى ألحق بالعباد وأكون معهم . فقالت : يا بني ، أنت صغير ولم يأن لك أن ~~تسيح . فلم يزل بأمه حتى أجابته إلى ذلك ولحق بالعباد واشتهر ذكره فيهم ~~بكثرة العبادة حتى استكمل من العمر خمسا وعشرين سنة ، فرأى في منامه : إن ~~الله يأمرك أن تمضي إلى مدينة الرملة فإن فيها وليا من أوليائي وله ابنة ~~عفيفة فتزوجها منه . فلما أصبح عزم على المسير ، وصحبه جماعة من بني ~~إسرائيل من أصحابه ، وسار حتى دخل مدينة الرملة ، وسأل عنه فقيل : إنه في ~~السوق يبيع ويشتري . فعجب يونس من ذلك وجاء إلى السوق فرآه وهو يبيع الطيب ~~ويكثر الضحك . فقال يونس ليس هذا من صفات الأولياء والعباد . فنظر إليه ~~زكريا وقام إليه وصافحه وسلم عليه باسمه واسم أبيه . قال : وكيف عرفتني ؟ ~~قال : رأيتك في المنام وأمرت أن أزوج ابنتي منك . وتوجه به إلى منزله وقدم ~~له الطعام فأكلا ، وذكر له رؤياه وأنها سبب مسيره إلى الرملة ، ثم سأله عن ~~مكسبه بالبيع والشراء فقال : أما البيع والشراء فمباح ، والتاجر فاجر إلا ~~من أخذ الحق وأعطاه ، واتقى الله ولم يمدح سلعته . فلما أقبل الليل نزع ~~زكريا ما كان عليه من الثياب ولبس الصوف ودخل محرابه ولم يزل في صلاته ~~ودعائه وتضرعه حتى أصبح ، فنزع الصوف ولبس ما كان عليه بالأمس وبرز إلى ~~السوق ويونس معه ، فكان ذلك دأبه . ثم زوج ابنته من يونس ووهب لهما بعض ~~ماله . وأقام يونس عنده ، ورزق الله يونس من زوجته ولدين ومات زكريا ، ~~فاحتمل يونس زوجته إلى بيت المقدس وأقام هناك يعبد ms2686 الله تعالى . وشعيا ~~يومئذ بيت المقدس وهو نبي في بني إسرائيل إلى أن بعث الله تعالى يونس نبيا ~~. PageV14P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" قال : وكان في بلاد نينوى ملك وكانت جيوشه ~~كثيرة ، قيل : إنها كانت تزيد على عشرة آلاف قائد . وكان إذا غزا تكون معه ~~تماثيل من الأسود والفيلة متخذة من النحاس والحديد ، يخرج من أفواهها لهب ~~النيران ، ومعه رجال يلعبون بالنيران . فغزا هذا الملك بني إسرائيل على هذه ~~الصورة ، فقتل من بني إسرائيل وسبى ، ثم عاد إلى بلاد نينوى ، وغزاهم ثانية ~~وتكررت غزواته فيهم . فأوحى الله تعالى إلى شعيا نبي بني إسرائيل أن يختار ~~من عباد بني إسرائيل أمينا قويا يبعثه إلى بلاد نينوى رسولا إلى من بها من ~~الملوك وغيرهم ؛ فإنهم قد جحدوا حقي وأنكروا معرفتي . فدخل شعيا على حزقيا ~~الملك وأمره أن ينادي في عباد بيت المقدس ، وبها يومئذ عشرة آلف عابد ، ~~لباسهم الشعر والصوف ونعالهم الخوص ، فنادى فيهم بالاجتماع فاجتمعوا ، ~~فاختار منهم ثلاثة واختار من الثلاثة يونس بن متى ، ثم قال له حزقيا : إن ~~الله أوحى إلى نبيه شعيا أن يختار من جملة هؤلاء العباد والزهاد أعبدهم ~~وأتقاهم ، وقد وقع اختياره عليك لتبعث إلى أهل بلاد نينوى . قال يونس : إن ~~في بني إسرائيل من هو أعبد مني وأزهد ، فابعث أيها الملك غيري . قال : لا ~~أبعث سواك ، فانهض ولا تخالفني فإن هذا عن أمر الله . فانصرف يونس إلى أمه ~~وأخبرها الخبر واستشارها ، فقالت : إن الله أنطق الملك في حقك بالرسالة فسر ~~كما أمرت ولا تعص الله ونبينا شعيا وملكنا حزقيا . فعزم على المسير وودع ~~أمه وحمل أهله حتى بلغ شاطئ دجلة ، فنزل هناك وفكر في أمره وضعفه وعياله ~~وقال : كيف لي بمطاولة الجبابرة والفراعنة وأقبل على أهله وقال : قد عزمت ~~على الفرار ، فنهاه أهله عن ذلك . فسكت وقام ليعبر دجلة زاد الماء فغرق ~~ابنه الذي كان معه ، وكان في يده نقرة من الذهب كان قد ورثها من حميه فغرقت ~~، وجاء ذئب إلى ولده الذي عبر به فاحتمله . فصاحت المرأة ms2687 : يا يونس ، إن ~~ابنك أخذه الذئب . فخرج من الماء يعدو خلف الذئب فالتفت إليه وقال : ارجع ~~يا يونس فإني مأمور ، فرجع يونس باكيا على ولديه . فلما بلغ الشط لم ير ~~أهله ، فجلس يبكي . فأوحى الله إليه : إنك شكوت كثرة العيال ، وقد أرحتك ~~منهم ، فاذهب الآن إلى قومك فإني سأرد عليك أهلك وولديك PageV14P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" وأنا على كل شيء قدير . فطابت نفسه وسار حتى ~~بلغ بلاد نينوى فتوسط سوقها ونادى : يا قوم ، قولوا بأجمعكم : لا إله إلا ~~الله وأني يونس عبده ورسوله . فلما سمعوا ذلك أقبلوا على ملكهم وأخبروه به ~~بمقالته . فأحضره الملك وقال له : من أين أنت ؟ قال : رسول الله إليك وإلي ~~أهل مملكتك فآمنوا بي تنجوا من النار . فأمر الملك بحبسه ثم بعث إليه وزيره ~~، وهو من أهل بيت المقدس ، واسمه سنجير ، فقال له : ادخل على هذا الرجل ~~يونس وتعرف أمره . فدخل عليه وسأله عن اسمه واسم أبيه ، ومن أين أقبل وفي ~~ماذا جاء . فذكر له أنه رسول الله إليهم . فقال له الوزير : أرى أن ترفق ~~فإني أحشى عليك من هذا الملك فإنه جبار . وانصرف الوزير إلى الملك وقال له ~~قد عرفت الرجل ، وقد ذكر أنه رسول من إله السماء . فهم الملك بقتله ، ~~فاستوهبه الوزير منه على أن يكون في البلد ولا يقول مثل مقالته . فاستدعى ~~الوزير يونس وذكر له ذلك . فقال له : أما القتل فلا أخشى منه ، والرسالة ~~فلا أتركها حتى يحكم الله بيني وبينه . ثم إن الملك خلى سبيله على أنه ~~مجنون . فلم يزل يونس يدعوهم إلى طاعة الله تعالى في كل يوم عامة نهاره ، ~~حتى إذا جاء المساء أتى شط دجلة فيصلي حتى يصبح ، ثم يعود إليهم والناس ~~يضربونه ويرجمونه ويسبونه حتى ضجر فاستغاث إلى ربه . فأوحى الله تعالى إليه ~~: يا يونس ، إنك دعوت القوم فلا تعجل عليهم وادعهم أربعين يوما ، فإن آمنوا ~~وإلا جاءهم العذاب . فدعاهم حتى استكمل العدة ولم يؤمنوا . فأوحى الله إليه ~~أن اخرج من بين أظهرهم ، فخرج حتى بلغ شاطئ دجلة ms2688 ، فقعد ينظر إلى العذاب ؛ ~~كيف ينزل العذاب فأمر الله تعالى جبريل أن يرسل على قوم يونس سحابة فيها ~~ألوان العذاب ، فانطلق إلى مالك وأمره بذلك ، فأخرج شرارة من الحطمة على ~~مثال سحابة سوداء مظلمة . فجاءت بها الزبانية حتى بلغت بلاد نينوى وانبسطت ~~حتى أظلت عليها ، فظن القوم أنها مطر . فنظر وزير الملك إلى السحابة يخرج ~~من أطرافها شرر النار ، فدخل على الملك وقال : الحذر الحذر فليست هذه سحابة ~~مطر بل هي سحابة عذاب ، وأخشى أن يكون ذلك لتكذيبنا يونس نبي الله . ثم قال ~~: انظروا إلى يونس إن كان معكم في بلدكم فلا تخافوا ، وإن كان قد خرج عنكم ~~فقد هلكتم . فطلبوا يونس فلم يجدوه . وجعلت السحابة تدنو حتى قربت منهم ~~ورمتهم بشرر كالرماد الأحمر لا يقع على شيء إلا PageV14P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" أحرقه . فبينا الناس يقولون : أين نطلب يونس ~~إذا هم بالملك قد خرج عليهم وجميع أصحابه وهم يقولون : أني أنت يا يونس ~~فإنا لا نعود إلى مخالفتك ، فلم يجدوه . فأقبل عليهم سنجير الوزير وقال : ~~أيها الملك ، إن يكن يونس قد غاب عنا فإن إلهه لم يغب ، فتعالوا حتى نتضرع ~~إلى الله لعله يرحمنا . فخرجوا بأجمعهم نسائهم وأطفالهم إلى ظاهر البلد ~~يبكون ويتضرعون ، فقام سنجير فيهم وقال : إلهنا إنك أمرتنا أن نعتق رقاب ~~عبيدنا وإيمائنا ونحن عبيدك وإماؤك فأعتقنا إلهنا إنك أمرتنا أن نعفو عمن ~~ظلمنا فاغفر لنا واعف عنا اللهم أعتقنا من عذابك فإنا قد آمنا بنبيك يونس ~~وبجميع النبيين فاغفر لنا ذنوبنا ، وثم خروا سجدا بأجمعهم . فأوحى الله ~~تعالى إلى ملائكة العذاب أن ارجعوا ، فانصرفت السحابة عنهم ، وسمعوا صوتا : ~~أبشروا يأهل نينوى برحمة من بركم ؛ فرجعوا إلى المدينة وقد آمنوا . وجاء ~~يونس لينظر إلى ما نزل بهم من العذاب ، فلقيه إبليس في صورة شيخ . فقال له ~~يونس : من أين أقبلت أيها الشيخ ؟ قال : من نينوى . قال : فما نزل بهم ~~اليوم ؟ قال : ما نزل بنا إلا سحابة بيضاء أمطرت مطرا جودا ، وكان يونس قد ~~وعدنا بالعذاب فلم يكن وعلمنا ms2689 كذبه . فغضب يونس وقال : لا أعود إلى قوم ~~كذبوني ، وسار . قال الله تعالى : " وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن ~~نقدر عليه " . قال مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي : معناه أن لن نقضي عليه ~~بالعقوبة ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس ؛ ودليل ذلك قراءة عمر بن عبد ~~العزيز والزهري " فظن أن لن نقدر عليه " . بالتشديد . وقال عطاء وكثير من ~~العلماء : معناه نضيق عليه الحبس . تخافوا ، وإن كان قد خرج عنكم فقد هلكتم ~~. فطلبوا يونس فلم يجدوه . وجعلت السحابة تدنو حتى قربت منهم ورمتهم بشرر ~~كالرماد الأحمر لا يقع على شيء إلا أحرقه . فبينا الناس يقولون : أين نطلب ~~يونس إذا هم بالملك قد خرج عليهم وجميع أصحابه وهم يقولون : أني أنت يا ~~يونس فإنا لا نعود إلى مخالفتك ، فلم يجدوه . فأقبل عليهم سنجير الوزير ~~وقال : أيها الملك ، إن يكن يونس قد غاب عنا فإن إلهه لم يغب ، فتعالوا حتى ~~نتضرع إلى الله لعله يرحمنا . فخرجوا بأجمعهم نسائهم وأطفالهم إلى ظاهر ~~البلد يبكون ويتضرعون ، فقام سنجير فيهم وقال : إلهنا إنك أمرتنا أن نعتق ~~رقاب عبيدنا وإيمائنا ونحن عبيدك وإماؤك فأعتقنا إلهنا إنك أمرتنا أن نعفو ~~عمن ظلمنا فاغفر لنا واعف عنا اللهم أعتقنا من عذابك فإنا قد آمنا بنبيك ~~يونس وبجميع النبيين فاغفر لنا ذنوبنا ، وثم خروا سجدا بأجمعهم . فأوحى ~~الله تعالى إلى ملائكة العذاب أن ارجعوا ، فانصرفت السحابة عنهم ، وسمعوا ~~صوتا : أبشروا يأهل نينوى برحمة من بركم ؛ فرجعوا إلى المدينة وقد آمنوا . ~~وجاء يونس لينظر إلى ما نزل بهم من العذاب ، فلقيه إبليس في صورة شيخ . ~~فقال له يونس : من أين أقبلت أيها الشيخ ؟ قال : من نينوى . قال : فما نزل ~~بهم اليوم ؟ قال : ما نزل بنا إلا سحابة بيضاء أمطرت مطرا جودا ، وكان يونس ~~قد وعدنا بالعذاب فلم يكن وعلمنا كذبه . فغضب يونس وقال : لا أعود إلى قوم ~~كذبوني ، وسار . قال الله تعالى : " وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن ~~نقدر عليه " . قال مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي : معناه أن لن نقضي ms2690 عليه ~~بالعقوبة ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس ؛ ودليل ذلك قراءة عمر بن عبد ~~العزيز والزهري " فظن أن لن نقدر عليه " . بالتشديد . وقال عطاء وكثير من ~~العلماء : معناه نضيق عليه الحبس . قال الكسائي : فلم يزل يسير حتى لحق ~~بساحل البحر ، فإذا هو بسفينة مارة فلوح إليهم فدخلوا إليه فقال : احملوني ~~معكم فإني رجل منقطع غريب من بيت المقدس . فحملوه فقعد على كوثل السفينة . ~~فلما توسطوا البحر هبت عليهم رياح PageV14P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" كثيرة من جميع الجوانب وأشرفوا على الغرق ، ~~فأخذوا في الدعاء والتضرع ويونس لا يتكلم ، فأقبل أهل السفينة عليه وقالوا ~~: لم لم تدع أنت معنا ؟ قال : لأني مغموم لذهاب الأهل والولد . فلم يزالوا ~~به حتى دعا ، فازداد البحر هيجانا . قال يونس : اطرحوني في البحر فإن هذا ~~من أجلي . قالوا : ما نفعل . قال : فاقترعوا . فاقترعوا فوقعت القرعة عليه ~~. فقالوا : إن القرعة تخطئ وتصيب ، ولكن تعالوا حتى نتساهم . فجعل كل واحد ~~منهم لنفسه سهما ثم رموا بها في البحر ، فغرقت إلا سهم يونس فإنه بقي على ~~وجه الماء . قال الله عز وجل : " فساهم فكان من المدحضين " . ثم أقبل حوت ~~عظيم من بحر الهند حتى بلغ جانب السفينة ، فقام يوسن ليرمي بنفسه ، فتعلق ~~القوم به وقالوا : ألا ترى هذه الأمواج وهذا الحوت العظيم فأقعدوه والبحر ~~يزيد عليهم بكثرة أمواجه وأهواله ، فصار إلى جانب السفينة ليرمي بنفسه ، ~~فإذا بالحوت قد دار إلى الجانب الذي قصد أن يرمي نفسه منه ، فعلم يونس أنه ~~هو المراد ، فغطى وجهه بكسائه ورمى نفسه في البحر فابتلعه الحوت . قال الله ~~تعالى : " فالتقمه الحوت وهو مليم " معناه يلوم نفسه على ما فعله . وبقي في ~~جوف الحوت وهو يسمع تسبيح الحيتان بلغاتهم ، فلم يزل كذلك حتى بلغ إلى موضع ~~يسمع فيه صريف الأقلام . وهو إذا سجد يكون سجوده على كبد الحوت وهو يقول له ~~: يا يونس ، أسمعني تسبيح المغمومين المحبوسين في حبس لم يحبس فيه أحد من ~~الآدميين ، ويونس يقول : " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " ، ~~وكانت ms2691 الملائكة تقول : إلهنا إنا نسمع تسبيح مكروب كان لك شاكرا ، اللهم ~~ارحمه في غربته . قال الله تعالى : " فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت " ~~الآية . قيل : ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت . قال الله ~~تعالى : " فلولا إنه كان من المسبحين " أي المصلين " للبث في بطنه إلى يوم ~~يبعثون " . واختف في مدة لبثه ، فمنهم من قال : لبث أربعين يوما ، وقيل : ~~ثلاثة أيام . فلما انقضت المدة التي PageV14P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" قدر الله عليه ألهم الله الحوت أن يرجع إلى ~~الموضع الذي ابتلعه فيه . فشق ذلك على الحوت لأنه كان قد أنس به وبتسبيحه ، ~~فناداه الملك أن اقذفه من بطنك فليس هو مطعم لك . فتقدم الحوت إلى الساحل ~~وقذفه . قال الله تعالى : " فنبذناه بالعراء وهو سقيم " . قال : خرج كالفرخ ~~الذي لا ريش له ، وهو لا يقدر على القيام ، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين ~~كان لها ثلاثة أغصان : غصن قبل المشرق ، وغصن قبل المغرب ، والغصن الثالث ~~على رأسه . وجاءه جبريل فقال : يا يونس ، إن الله قد أعطاك من الجنة ما ~~ترضى به ، ثم أمر يده على رأسه وجسمه فأنبت الله شعره ولحيته ، وأمر الله ~~ظبية فوقفت بين يدي يونس وكلمته بإذن الله ، فمص من لبنها فقوي عند شربه ؛ ~~ثم بشرته بإيمان قومه وأخبرته بما كان من أمرهم وسبب إيمانهم وذكرت ~~اشتياقهم إلى رؤيته . وكانت الظبية ترعى حول يونس فإذا جاع أو عطش أرضعته ، ~~فلم يزل كذلك أربعين يوما . فنام في بعض الأيام ثم انتبه فرأى اليقطينة قد ~~جفت والظبية قد غابت ، فاغتم لذلك ، فعلم يونس أن الله ضرب له مثلا بقومه . ~~ثم هبط عليه ملك وقال : قم إلى قومك فإنهم يتمنون رؤيتك ، وأتاه بحلتين ~~فأتزر بواحدة وارتدى بالأخرى ، ثم سار حتى دخل قرية كثيرة الأشجار والخيرات ~~وأهلها يقطعون تلك الأشجار ويلقون ثمارها في الأرض ، فقال : يا قوم ، كيف ~~تفعلون ذلك وتبطلون على أنفسكم ثمارها فأوحى الله تعالى إليه : يا يونس ، ~~إنك أشفقت على قوم لا نعرفهم من قطعهم الأشجار ولم تشفق ms2692 على قومك وهم مائة ~~ألف أو يزيدون فعلم يونس أن هذا مثل ضربه الله تعالى له ، فقال : إلهي ~~PageV14P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" لا أعود إلى ذلك أبدا . ثم سار حتى دخل قرية ~~أخرى وقت المساء ، فتلقاه رجل من أهل القرية وسأله أن ينزل عليه فنزل . ~~فلما أكل وشرب نظر إلى بيت الرجل وفيه فخار كثير يريد أن يوقد عليه . فأوحى ~~الله تعالى إليه : يا يونس ، قل لهذا الفاخراني أن يكسر الفخار الذي قد ~~عمله . فقال يونس ذلك للفاخراني ، فقال : يا هذا أضفتك لما رأيت فيك من أثر ~~الخير وإذا أنت رجل مجنون ، تأمرني أن أكسر فخارا قد أتعبت فيه نفسي لأنتفع ~~بثمنه قم الآن فاخرج من عندي ، وأخرجه . فأوحى الله تعالى إليه : يا يونس ، ~~إنه أشفق على فخاره وسماك مجنونا وأخرجك من منزله حين أمرته بكسره ، وأنت ~~بعثت إلى مائة ألف أو يزيدون فدعوت عليهم ولم تفكر في هلاكهم فترحمهم . قال ~~: إلهي لا أعود إلى ذلك أبدا . فلما أصبح سار فإذا هو برجل يزرع زرعا ، ~~فقال له الرجل : ادع الله عز وجل حتى يبارك لي في زرعي ، فدعا له فأنبته ~~الله تعالى من ساعته وقام على سوقه ، ففرح الرجل وأتى بيونس إلى منزله . ~~فأوحى الله تعالى إليه : يا يونس ، قد حزنت على إرسال الجراد على الزرع ولم ~~تزرعه ، ولم تحزن على إرسال العذاب على مائة ألف أو يزيدون . قال : إلهي ~~تبت إليك من ذنبي لا أعود إليه أبدا . وسار حتى دخل قرية وهناك امرأة معها ~~رجل وهو ينادي : من يحمل هذه المرأة إلى بلاد نينوى ويردها إلى زوجها وله ~~مائة مثقال من الذهب ؟ فنظر إليها يونس فإذا هي امرأته ، فقال : أيها الرجل ~~، ما قصة هذه المرأة ؟ قال : إنها كانت قاعدة على شاطئ دجلة تنظر زوجها ~~يونس ، فمر بها ملك من ملوك هذه القرية فاحتملها وأراد أن يفجر بها ، فأيبس ~~الله يديه ورجليه ، فسألها أن تدعو له بالفرج ولا يعود إلى ذلك ، فدعت له . ~~فلما عافاه الله لوقته دفعها إلي وأعطاني مائة ms2693 مثقال ذهبا على أن أحملها ~~إلى بلاد نيونوى ، وما يمكنني ذلك . قال يونس : أنا أحملها فأعطني الذهب ، ~~فأعطاه إياه وسلم إليه المرأة . فسار وقد فرحا حتى أتيا قرية أخرى ، وإذا ~~برجل يبيع سمكة ، فاشتراها يونس وقعد ليصلحها فشق بطنها فوجد فيها تلك ~~الصرة الذهب التي وقعت منه في دجلة ، فقال : الحمد لله الذي رد علي أهلي ~~ومالي ، اللهم فاردد علي أولادي يا أرحم الراحمين ، ثم سار فإذا هو برجل ~~على دابة ومن ورائه غلام ، فإذا هو ولد يونس الصغير . فتعلق به ، فقال له ~~الرجل : من أنت ؟ قال : أنا يونس . فسلم إليه الغلام وقال : الحمد لله الذي ~~ردالأمانة إلى أهلها وخلص ذمتي . فسأله يونس عن قصة الغلام فقال : أنا رجل ~~صياد وكنت قد ألقيت الشبكة في طرف دجلة فوقع هذا الغلام فيها فأخذته ، وإذا ~~بهاتف يقول : يا صياد ، احفظ هذا الغلام حتى يأتي إليك يونس فإنه أبوه ~~فادفعه إليه . ثم قال له : يا نبي الله ، أدع لي أن يغنيني الله عن صيد ~~السمك ، فدعا له فرزقه الله مالا وولدا . وسار يونس حتى قرب من بلاد نينوى ~~، فإذا هو براع على قارعة الطريق يرعى غنما وهو يقول : اللهم أردد علي ~~والدي ، فرآه يونس فعرفه وهو ولده الأكبر ، فتعانقا وبكيا طويلا ، ثم قال ~~له : يا أبت إن هذه الأغنام لرجل في القرية فسر معي حتى أردها إليه ، فسار ~~إلى القرية وإذا بشيخ على باب داره ، فقال له الغلام : هذا أبي . فقام ~~الشيخ إلى PageV14P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" يونس وسلم عليه . فقال له يونس : هل تعرف قصة ~~هذا الغلام ؟ قال الشيخ : نعم ، كنت أرعى هذه الغنم ، وإذا بهذا الغلام على ~~ظهر ذئب فكلمني الذئب بقدرة الله وقال : إذا جاء إليك يونس فادفع إليه هذا ~~الغلام . ثم قال له : يا نبي اله ، أدع الله أن يغفر لي ذنوبي وأن يميتني ~~في وقتي هذا ، فدعا له فقبضه الله لوقته ، فغسله يونس وكفنه وصلى عليه ~~ودفنه . ثم سار حتى قرب من المدينة ، فإذا هو بغلام يرعى غنما فوقف ms2694 يونس - ~~ع - وقال : يا غلام ، هل من لبن ؟ قال الغلام : يا هذا ، والذي بعث إلينا ~~يونس نبيا ما ذقت اللبن منذ غاب عنا نبينا يونس . قال : فأنا يونس نبي الله ~~. فقبل الغلام رأسه وقال : لو رأيتنا يا نبي الله ونحن نجول تحت العذاب ~~لرحمتنا . قال : يا غلام ، اذهب الآن إلى المدينة وأخبر الناس أنك قد ~~رأيتني . قال : أخش أن يكذبوني . فقال : سر إليهم وهذه الأغنام شهود لك . ~~فمضى حتى توسط سوق المدينة وقال : أيها الناس ، البشرى فقد رجع إلينا يونس ~~نبينا وقد لقيته . فاتصل الخبر بالملك فقام عن سريره وقال : علي بالغلام ، ~~فأتى به ، فسأله فأخبره بمقدم يونس . ففرح وخرج الملك وأهل المدينة والتقوا ~~بيونس وأدخلوه المدينة وأجلسه الملك في موضعه ، ووقف بين يديه ، وفرح به ~~أهل المدينة . فقام يونس فيهم ما شاء الله يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر إلى أن مات الملك وماتت امرأة يونس وولداه جميعا ، فاستخلف يونس ~~الراعي على مدينة نينوى وخرج هو وسبعون رجلا من العباد حتى جاء إلى جبل ~~يقال له صهيون فكانوا هناك يعبدون الله حق عبادته ، حتى مات يونس - ع - ، ~~ومات العباد الذين صحبوه ، فقبروا هناك في جبل صهيون ، رضي الله عنهم ~~ورحمهم . ذكر خبر بلوقيا وما شاهد من العجائب وهذه القصة تشتمل على عجائب ~~كثيرة ووقائع قد ينكرها بعض من يقف عليها لغرابتها وليست بمستنكرة بعد أن ~~ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما عن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن ~~PageV14P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا ~~فليتبوأ مقعده من النار " . ولنأخذ الآن في سرد القصة . قال أبو إسحاق ~~الثعلبي رحمه الله تعالى في كتابه المترجم بيواقيت البيان في قصص القرآن ~~بسند رفعه عن عبد الله بن سلام قال : كان في بني إسرائيل رجل يقال له أوشيا ~~وكان من علمائهم ، وكان كثير المال ، وكان إماما لبني إسرائيل ، وكان قد ~~عرف نعت النبي ms2695 ( صلى الله عليه وسلم ) في التوراة ، فخبأه وكتمه عنهم . ~~وكان له ابن يقال له بلوقيا خليفة أبيه في بني إسرائيل ، وذلك بعد سليمان ~~بن داود عليهما السلام . فلما مات أوشيا بقي ابنه بلوقيا والأمانة في يده ~~والقضاء ، ففتش يوما خزائن أبيه فوجد فيها تابوتا من حديد مقفلا بقفل حديد ~~، فسأل الخزان عن ذلك ، فقالوا : لا ندري . فاحتال على القفل حتى فكه ، ~~فإذا فيه صندوق من خشب الساج ، ففكه وإذا فيه أوراق ، فقرأها فإذا فيها نعت ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأمته وهي مختومة بالمسك ، فقرأ ذلك على بني ~~إسرائيل ثم قال : الويل لك يا أبت من الله فيما كتبت وكتمت من الحق وأهله . ~~فقالت بنو إسرائيل : يا بلوقيا ، لولا أنك إمامنا وكبيرنا لنبشنا قبره ~~وأخرجناه منه وحرقناه بالنار . قال : يا قوم ، لا ضير إنما ترك حظ نفسه ~~وخسر في دينه ودنياه ، فألحقوا نعت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأمته ~~بالتوراة . قال : وكانت أم بلوقيا في الأحياء ، فاستأذنها في الخروج إلى ~~بلاد الشام ، وكانوا يومئذ في بلاد مصر . فقالت : وما تصنع بالشام ؟ قال : ~~أسأل عن محمد وأمته ، فلعل الله تعالى أن يرزقني الدخول في دينه ، فأذنت له ~~. فبرز بلوقيا وقدم بلاد الشام . فبينما هو يسير إذا انتهى إلى جزيرة من ~~جزائر البحر ، فإذا هو بحيات كأمثال الإبل عظما وفي الطول ما شاء الله وهن ~~يقلن : لا إله إلا الله محمد رسول الله . فقلن له : أيها الخلق المخلوق من ~~أنت ؟ وما اسمك ؟ قال : اسمي بلوقيا ، وأنا من بني إسرائيل . فقلن : وما ~~إسرائيل ؟ PageV14P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" قلت : من ولد آدم . فقلن : سمعنا باسم آدم ~~ولم نسمع باسم إسرائيل . فقال بلوقيا : أيتها الحيات من أنتن ؟ فقلن : نحن ~~حيات من حيات جهنم ونحن نعذب الكفار فيها يوم القيامة . قال بلوقيا : وما ~~تصنعن هاهنا ؟ وكيف عرفتن محمدا ؟ فقلن : إن جهنم تفور وتزفر في كل سنة ~~مرتين فتلقينا هاهنا ثم نعود إليها ، فشدة الحر في الصيف من حرها ، وشدة ~~البرد في الشتاء من بردها . وليس في جهنم ms2696 درك من دركاتها ، ولا باب من ~~أبوابها ، ولا سرادق من سرادقاتها إلا وقد كتب عليه : " لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله " . فمن أجل هذا عرفنا محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) . قال ~~بلوقيا : أيتها الحيات ، هل في جهنم مثلكن أو أكبر منكن ؟ فقلن : إن في ~~جهنم حيات تدخل إحدانا في أنف إحداهن وتخرج من فمها ولا تشعر بذلك لعظمها . ~~قال : فسلم بلوقيا عليهن ومضى حتى أتى جزيرة أخرى ، فإذا هو بحيات كأمثال ~~الجذوع والسواري ، وعلى متن إحداهن حية صغرى صفراء كلما مشت اجتمعت الحيات ~~. حولها فإذا نفخت صرن تحت الأرض خوفا منها . فلما رآها ورأته قالت له : ~~أيها الخلق المخلوق من أنت ؟ وما اسمك ؟ قال : اسمي بلوقيا ، وأنا من بني ~~إسرائيل من ولد إبراهيم . فاخبريني أيتها الحية من أنت ؟ قالت : أنا موكلة ~~بالحيات واسمي تمليخا ، ولولا أني موكلة بهن لقتلت الحيات بني آدم كلهم في ~~يوم واحد ، ولكني إذا صفرت صفرة واحدة وسمعن صوتي دخلن في الماء الذي تحت ~~الأرض . ولكن يا بلوقيا إن لقيت محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فأقرئه مني ~~السلام . قال : ومضى بلوقيا إلى بلاد الشام فأتى بيت المقدس ، وكان بها حبر ~~من أحبارهم يسمى عفان الخير ، فأتاه فسلم عليه وقص عليه قصته . فقال له : ~~ليس هذا زمان محمد ولا زمان أمه ، وبينك وبينه بعد سنين وقورن . ثم قال ~~عفان : يا بلوقيا أرني موضع الحية التي اسمها تمليخا ، فإن قدرت أن أصيدها ~~رجوت أن أنال معك ملكا عظيما ونحيا حياة طيبة إلى أن يبعث الله محمدا ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فندخل في دينه . قال : فمن حرص بلوقيا على الدخول في دين ~~محمد ( صلى الله عليه وسلم ) قال : أنا أريك المكان . فقام عفان وأخذ ~~تابوتا من حديد وحمل فيه قدحين من فضة في أحدهما خر وفي الآخر لبن ؛ ~~PageV14P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" ثم سارا جميعا حتى انتهيا إلى موضع الحية ~~ففتحا باب التابوت وتنحيا . وجاءت الحية تبغي الرائحة فدخلت التابوت وشربت ~~من اللبن والخمر حتى سكرت ونامت . فقام عفان ms2697 ودب إلى التابوت دبيبا خفيفا ~~فأغلق بابه واحتضنه وسارا جميعا فم يمرا بشجرة ولا بيت إلا كلمهما بإذن اله ~~تعالى . فمرا بشجرة يقال لها الدواء فقالت : يا عفان ، من يأخذني ويقطعني ~~ويدقني ويعصر مائي ودهني ويطلي به قدميه فإنه يغوص البحار السبعة ولا تبتل ~~قدماه ولا يغرق . فقال عفان : إياك طلبت ، فقطع تلك الشجرة فدقها وعصر ~~دهنها وجعله في كوز ثم خلى عن الحية فطارت بين السماء والأرض وهي تقول : يا ~~بني آدم ما أجرأكم على الله تعالى ، ولن تصلوا إلى ما تريدون ، وذهبت الحية ~~. وسار عفان وبلوقيا إلى اليم فطليا أقدامهما ثم عبرا البحر ومشيا على ~~الماء كما كانا يمشيان على الأرض حتى قطعا البحر الأول ثم الثاني ، فإذا ~~هما بجبل في وسط البحر ليس بعال ولا متدان ترابه كالمسك ، عليه غمام أبيض ، ~~وفيه كهف ، وفي الكهف سرير من الذهب عليه شاب مستلق على قفاه ذو وفرة ، ~~واضع يده اليمنى على صدره واليسرى على بطنه بمنزلة النائم وليس بنائم وهو ~~ميت ، وعلى رأسه تنين وخاتمه في الشمال . قال : وكان ذلك سليمان بن داود ، ~~وملك سليمان في خاتمه ، وكانت حلقته من ذهب وفضة من ياقوت أحمر مربع ، ~~مكتوب عليه أربعة أسطر ، في كل سطر اسم من أسماء الله الأعظم . وكان عند ~~عفان علم من الكتاب ، فقال بلوقيا : من هذا ؟ قال : هذا سليمان بن داود ، ~~نريد أن نأخذ خاتمه فنملك ملكه ونرجو الحياة إلى أن يبعث الله محمد ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . فقال بلوقيا : أليس قد سأل سليمان ربه : " رب هب لي ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي " فأعطاه الله إياه على ما سأل ، ولا ينال ملك ~~سليمان إلى يوم القيامة لدعائه . فقال عفان : يا بلوقيا اسكت إن الله معنا ~~ومعنا اسم الله الأعظم ، ولكن أنت يا بلوقيا فاقرأ التوراة . فتقدم عفان ~~لينزع خاتم سليمان من إصبعه ، فقال التنين : ما أجرأك على الله إن غلبتنا ~~باسم الله فنحن نغلبك بقوة الله . قال : فكلما نفخ التنين ذكر بلوقيا اسم ~~الله ، فلم تعلم ms2698 نفخات التنين فيهما . ودنا عفان من السرير لينزع الخاتم من ~~إصبع سليمان ، فاشتغل بلوقيا بالنظر إلى نزول جبريل من السماء ، فلما نزل ~~صاح بهما صيحة ارتجت الأرض والجبال وتزلزت منها واختلطت مياه البحار وماجت ~~والتطمت حتى صار كل عذب ملحا من شدة PageV14P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" صيحته ، وسقط عفان على وجهه ، ونفخ التنين ~~فخرجت من بطنه شعلة نار كأنها البرق الخاطف ، فاحترق عفان وعادت نفخته في ~~البحر فما مرت البرقة بشيء إلا أحرقته ولا بماء إلا أجاشته وأغلته . وذكر ~~بلوقيا اسم الله الأعظم فلم ينله مكروه ، ثم تراءى له جبريل في صورة رجل ~~فقال له : يا بن آدم ما أجرأك على الله تعالى فقال له بلوقيا : من أنت رحمك ~~الله ؟ قال : أنا جبريل أمين رب العالمين . قال له يا جبريل ، إنما خرجت ~~حبا لمحمد ودينه ولم أقصد الخطأ ولم أتعمده . قال : فبذلك نجوت . ثم صعد ~~جبريل إلى السماء ، و مضى بلوقيا فطلى قدميه بذلك الدهن فأضل الطريق الذي ~~جاء منه وأخذ في طريق آخر ، وسار فقطع ستة أبحر ووقع في السابع فإذا هو ~~بجزيرة من ذهب حشيشها الورس والزعفران وأشجارها النخل والرمان . قال بلوقيا ~~: ما أشبه هذا المكان بالجنة على ما وصفت . ثم دنا من بعض تلك الأشجار ~~فتناول من ثمرها ، فقالت الشجرة : يا خاطئ ابن الخاطئ لا تأخذ مني شيئا . ~~فتعجب ، وإذا بحيال الشجرة قوم يتراكضون ، بأيديهم سيوف مسلولة ، يتناوش ~~بعضهم بعضا بالطعن والضرب . فلما رأوا بلوقيا طافوا به وأحدقوا من ورائه ~~وهموا به سوءا ، فذكر اسم الله فهابوه وعجبوا منه وأغمدوا سيوفهم وقالوا ~~بأجمعهم : لا إله إلا الله محمد رسول الله . ثم قالوا له : من أنت يا عبد ~~الله ؟ قال : أنا من بني آدم اسمي بلوقيا . قالوا : نعرف آدم ولا نعرفك فما ~~أوقعك إلينا ؟ قال : إني خرجت في طلب نبي يسمى محمدا وإنني قد ضللت عن ~~الطريق الذي أردته فرأيت من الأهوال كذا وكذا . قالوا : يا بلوقيا نحن من ~~الجن مؤمنون ، ونحن مع ملائكة الله في السماء ، ثم نزلنا ms2699 إلى الأرض وقاتلنا ~~كفرة الجن ونحن هاهنا مقيمون نغزوهم ونجاهدهم إلى يوم القيامة ، ولسنا نموت ~~إلى يوم القيامة وأنت لا تصبر معنا . فقال بلوقيا لملك الجن : يا صخرة ~~أخبرني عن خلق الجن كيف كان ؟ قال : لما خلق الله جهنم خلق لها سبعة أبواب ~~وسبعة ألسن ، وخلق منها خلقين : خلق في سمائه سماه حيليت ، وخلق في أرضه ~~سماه تمليت . فأما حيليت فإنه خلق على صورة أسد ، وتمليت في صورة ذئب ، ~~وجعل الأسد ذكرا والذئب أنثى ، وجعل طول كل واحد منهما مسيرة خمسمائة ~~PageV14P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" عام ، وجعل ذنب الذئب بمنزلة ذنب العقرب ، ~~وذنب الأسد بمنزلة الحية ، وأمرهما أن ينتفضا في النار انتفاضة ففعلا ، ~~فسقط من ذنب الذئب عقارب ، ومن ذنب الأسد حيات . فعقارب جهنم وحياتها من ~~ذلك . ثم أمرهما أن يتناكحا ففعلا ، فحمل الذئب من الأسد فولد سبعة بنين ~~وسبع بنات . فأوحى الله تعالى إليهم أن يزوج البنات من البنين كما أمر آدم ~~، فستة بنين أطاعوا وواحد لم يطع ولم يتزوج فلعنه أبوه وهو إبليس . وكان ~~اسمه الحارث ، وكنيته أبو مرة ؛ فهذا أول خلق الجن . ثم قال له : يا بلوقيا ~~إن دوابنا لا تثبت مع الإنس ولكن أجلل فرسي وأبرقعه حتى لا يعرف راكبه ، ~~فأركب عليه على اسم الله تعالى ؛ فإذا انتهيت إلى أقصى أعمالي على ساحل بحر ~~كذا وإذا شيخ وشاب ومشايخ معهما فإنك ستلقاهما هناك فادفع الفرس إليهما ~~وامض في حفظ الله راشدا . فجاء بلوقيا على الفرس حتى انتهى إليهم فسلم على ~~الشيخ والشاب ونزل عن الفرس ودفعه إليهما . وكان قد فصل من عند ملك الجن ~~عند صلاة الغداة ووصل إليهما نصف النهار . فقالا لبلوقيا : مذ كم فارقت ~~الملك ؟ قال : فارقته غدوة . فقالا له : ما أسرع ما جئت قد أتعبت فرسنا . ~~فقال بلوقيا : والله ما مددت إليه يدا ولا حركت عليه رجلا ولم أركضه عنفا . ~~قالا : صدقت ولكن فرسنا أحسن بك وبمنزلتك ، فطار ما بين السماء والأرض ~~ليريح نفسه منك ، فكم تراه جاء بك ؟ قال : خمسة فراسخ أو أقل ms2700 أو أكثر . ~~قالا : بل جاء بك مسيرة مائة وعشرين سنة ، وكان يطير بك بين السماء والأرض ~~حول الدنيا دون قاف وأنت لا تعلم . فحولوا عنه السرج واللجام والبرقع وإذا ~~العرق يقطر من كل شعرة منه ، وله جناحان انقضا من كثر الطيران . فقال ~~بلوقيا : هذا والله العجب . فقالوا : يا بلوقيا عجائب الله لا تنقضي . ثم ~~سلم عليهم ومضى فركب اليم . فبينما هو يسير إذ رأى ملكا إحدى يديه بالمشرق ~~والأخرى بالمغرب وهو يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله . فسلم عليه ~~بلوقيا ، فقال له الملك من أنت أيها الخلق المخلوق ؟ فقال : أنا بلوقيا ~~وأنا من PageV14P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" بني إسرائيل من ولد آدم . ثم قال له : أيها ~~الملك ما اسمك ؟ قال : اسمي يوحاييل وأنا موكل بضوء النهار وظلمة الليل . ~~فقال : فما بال يدك مبسوطتين ؟ فقال له : في يدي اليمنى ضوء النهار ، وفي ~~يدي اليسرى ظلمة الليل ، ولو سبق النهار الليل لأضاءت السموات والأرضون . ~~ولم يكن الليل أبدا ، ولو سبقت الظلمة النور لأظلمت السماء والأرض ولم يكن ~~ضوء أبدا . وبين يديه لوح معلق في سطران سطر أبيض وسطر أسود ، فإذا رأيت ~~السواد ينتقص نقصت الظلمة ، وإذا رأيت السواد يزيد زدت الظلمة ، وإذا رأيت ~~السطر الأبيض يزداد زدت في البياض والنور ، وإذا انتقص نقصت ؛ فلذلك الليل ~~في الشتاء أطول و النهار أقصر ؛ وفي الصيف النهار أطول والليل أقصر . ثم ~~سلم بلوقيا ومضى ، فإذا هو بملك قائم يده اليمن في السماء ويده اليسراى في ~~الأرض في الماء تحت الثرى وهو يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله . ~~فسلم عليه بلوقيا ، فقال له : من أنت وما اسمك ؟ قال اسمي بلوقيا وأنا من ~~بني إسرائيل من ولد آدم . قال له بلوقيا : أيها الملك ما اسمك ؟ قال : اسمي ~~ميخائيل . قال : فما لي أراك يمينك في السماء وشمالك في الماء ؟ قال : أحبس ~~الريح بيمني والماء بشمالي ، ولو رفعت شمالي عن الماء لزخرت البحار كلها في ~~ساعة واحدة ولطمت بإذن الله تعالى ، ويدي اليمنى في الهواء أحبس ms2701 الريح عن ~~بني آدم لأن في السماء ريحا يقال لها الهائمة لو أرسلنها لقتلت من في ~~السماء ومن في الأرض من بردها . فسلم عليه بلوقيا ومضى ، وإذا بأربعة من ~~الملائكة ، أحدهم رأسه كرأس الثور ، والآخر رأسه كرأس النسر ، والثالث رأسه ~~كرأس الأسد ؛ والرابع رأسه كرأس الإنسان . فالذي رأسه كرأس الثور يقول : ~~اللهم ارفع العذاب عن البهائم ، وارفع عنهم برد الشتاء وحر الصيف ، واجعل ~~لهم في قلوب بني آدم الرأفة والرحمة كيلا يكرهن ولا يكلفوهن فوق طاقتهن . ~~واجعلني من أهل شفاعة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) يوم القيامة . وأما الذي ~~رأسه كرأس النسر فيقول : اللهم ارحم الطيور ولا تعذبها ، وادفع عنها برد ~~الشتاء وحر الصيف ، واجعلني من أهل شفاعة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) يوم ~~القيامة . وأما الذي رأسه كرأس الأسد فإنه يقول : اللهم ارحم السباع ولا ~~تعذبها وادفع عنها برد الشتاء وحر الصيف ، واجعلني من أهل شفاعة محمد ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يوم القيامة . وأما الذي رأسه كرأس الإنسان فإنه يقول : ~~لا إله إلا الله محمد رسول الله ، اللهم ارحم المسلمين ولا تعذبهم وادفع ~~عنهم حر النار ، واجعلني من أهل شفاعة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) يوم ~~القيامة . فسلم عليهم ومضى حتى أتى على PageV14P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" جبل قاف وإذا هو بملك قائم على قاف ، وهو جبل ~~محيط بالدنيا من ياقوت خضراء . فسلم بلوقيا على الملك ، فقال له : من أنت ؟ ~~فقال : أنا بلوقيا وأنا من بني إسرائيل من ولد آدم فقال الملك : وأين تريد ~~؟ قال : خرجت في طلب من يسمى محمدا ، ولست أرى أمره ولا أدري في أي بلاد ~~أنا . فقال الملك : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، قد أمرنا بالصلاة على ~~محمد . قال بلوقيا : أيها الملك ، ما اسمك ؟ قال : اسمي حزقاييل . قال : ~~وما تصنع هنا ؟ قال : أنا أمين الله على قاف ، وإذا في يده وتر مرة يعقده ~~ومرة يحله ، وعروق الأرض كلها مشدودة عليه والوتر في كف الملك قال : فإذا ~~أراد الله أن يضيق على عباده أمرني أن ms2702 أمد الوتر وأعقده وأرتق عروق الأرض ~~فتضيق الدنيا على العباد والبلاد . وإذا أراد الله أن يوسع عليهم أمرني أن ~~أرخي الوتر وأفتق عروق الأرض فتتسع الدنيا على العباد والبلاد . وإذا أراد ~~أن يخوف قوما أمرني أن أحرك عروق تلك الأرض ، فمن أجل ذلك موضع يهتز وموضع ~~لا يهتز ، وموضع يتزلزل وموضع لا يتزلزل . قال بلوقيا : أيها الملك وما ~~وراء قاف ؟ قال : وراء قاف أربعون دنيا غير الدنيا التي جئت منها ، في كل ~~دنيا أربعمائة ألف باب في كل باب أربعة آلاف ضع مثل الدنيا التي جئت منها ، ~~وليس فيها ظلمة بل كلها نور وأرضها ذهب عليها حجب من نور وسكانها الملائكة ~~لا يعرفون آدم ولا إبليس ولا جهنم وهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله ، لذلك ألهموا وله خلقوا وبه أمروا إلى يوم القيامة . قال بلوقيا : ~~فما وراءهم ؟ قال : حجب ووراء الحجب علم الله وقدرته . قال بلوقيا : أخبرني ~~أيها الملك على أي شيء هذا الجبل موضوعا ؟ قال : على قرني ثور واسمه ~~قرياطية وهو أيبض رأسه بالمشرق ومخره بالمغرب وما بين قرنيه مسيرة ثلاثين ~~ألف سنة وهو ساجد لربه على صخرة بيضاء . قال بلوقيا : أيها الملك ، كم ~~الأرضون ؟ وكم البحار ؟ قال : الأرضون سبع والبحار سبع . قال : فجهنم أين ~~هي ؟ قال : تحت الأرض السابعة . قال : فسلم بلوقيا عليه ومضى حتى انتهى إلى ~~حجاب طرفه في السماء وأسفله في الماء عليه باب مقفل وعليه خاتم من نور وعلى ~~الباب ملكان أحدهما رأسه كرأس الثور والآخر رأسه كرأس الكبش وبدنه كبدن ~~الثور وهما يقولان : لا إله إلا الله محمد رسول الله . قال : فسلم بلوقيا ~~عليهما السلام فردا عليه السلام وقالا : أيها الخلف الضعيف المخلوق من أنت ~~؟ وما اسمك ؟ قال : اسمي بلوقيا وأنا من بني إسرائيل من ولد آدم فقالا : لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله هذه أسامي ما عرفناها . 0 PageV14P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" قال بلوقيا : كيف عرفتم محمدا ولم تعرفوا آدم ~~ومحمد من نسله ؟ فقالا : لهذا خلقنا وبذلك أمرنا ، ولم نسمع ms2703 باسم آدم ولا ~~إسرائيل . فقال بلوقيا : افتحا لي الباب حتى أجوز فقالا : ما نحسن فتحه وإن ~~لله في السماء ملكا اسمه جبريل عسى أن يقدر على فتحه . فدعا بلوقيا ، فأمر ~~الله تعالى جبريل فنزل عليه وفتح الباب ، ثم قال : يا بن آدم ما أجرأك على ~~الله ثم جاز بلوقيا حتى انتهى إلى بحرين : بحر مالح وبحر عذب . فلما وصل ~~إليهما رأى بينهما حاجزا ، وفي البحر المالح جبل من ذهب ، وفي البحر العذب ~~جبل من فضة ، وبينهما ملك على صورة النمل ومعه ملائكة على تلك الصورة . ~~فسلم عليهم فردوا - ع - وقالوا له : من أنت ؟ فأخبرهم بقصته . ثم قال ~~بلوقيا : من أنتم ؟ قالوا : نحن أمناء الله تعالى على هذين البحرين لا ~~يلتقينان ولا يبغيان . فقال لهم بلوقيا : ما هذا الجبل الأحمر ؟ قالوا : ~~هذا كنز الله في الأرض وكل ذهب في الأرض إنما هو من نصاب هذا الجبل ، وكل ~~ما في الدنيا من ماء عذب هو من هذا البحر . وهذا البحر إنما يجيء من تحت ~~العرش من قبل أن خلق الله تعالى الملائكة ؛ وكل ما يجري من ماء مالح فهو من ~~ذلك البحر الملح . وهذا الجبل الأبيض هو من فضة وهو كنز الله تعالى ؛ وكل ~~كنز في الدنيا وكل معدن فضة فهو من عروق هذا الجبل . فسلم بلوقيا عليهم ~~ومضى حتى انتهى إلى بحر عظيم ، فإذا هو بحيتان كثيرة عظيمة وقد اجتمعت ~~وبينها حوت عظيم يقضي بين الحيتان . فلما نظر إلى بلوقيا قال : لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله . فسلم بلوقيا وأخبره بحال النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) وأنه خرج في طلبه ، فرد السلام ثم قال : يا بلوقيا ، إن لقيت محمدا ~~فأقرئه مني السلام . فقال : نعم إن شاء الله . ثم قال : أيتها الحيتان إني ~~جائع عطشان وماء البحر ملح وما أجد ما آكل . فقال الحوت الأعظم : يا بلوقيا ~~سأطعمك طعاما تسير أربعين سنة لا تعيا ولا تجوع ولا تعطش ، قال : فأطعمه ~~ذلك الحوت قرصا أبيض ، فأكله ومضى حتى بلغ العمران . قال : ومن ms2704 قبل أن يبلغ ~~العمران رأى شابا يجري على الماء كأنه البدر . فقال له بلوقيا : من أنت ؟ ~~قال : سل الذي خلفي . فسار بلوقيا يوما وليلة فإذا هو بآخر يمر على الماء ~~ضوءه كضوء النجوم . فقال له بلوقيا : يا فتى ، من أنت ؟ قال : سل الذي خلفي ~~. فسار بلوقيا يوما وليلة ، فإذا هو بشاب كأنه القمر يلوح في آخر الشمس ، ~~فقال بلوقيا : أنشدك الله إلا وقفت . قال : فوقف وقال : لماذا PageV14P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" استحلفتني ؟ قال : خشيت أن تفوتني مثل أصحابك ~~الماضين ، فمن كان الأول ؟ قال : إسرافيل صاحب الصور ، والثاني ميكائيل ~~صاحب المطر ، والثالث جبرائيل أمي رب العالمين . فقال بلوقيا : ماذا تصنعون ~~في اليم ؟ قال جبريل : حية من حيات البحر قد آذت سكانه ، فدعوا الله عليها ~~فاستجاب الله دعاءهم وأمرنا أن نسوقها إلى جهنم ليعذب الله بها الكفار يوم ~~القيامة . قال بلوقيا : كم طولها وكم عرضها ؟ قال : طولها مسيرة ثلاثين سنة ~~، وعرضها مسيرة عشرين سنة . فقال بلوقيا : يا جبريل ، أيكون في جهنم مثل ~~هذه أو أكبر منها ؟ فقال جبريل : إن في جهنم من الحيات ما تدخل هذه في أنف ~~إحداهن ولا تشعر بها من عظم خلقتها ، فسلم بلوقيا عليه ومضى إلى جزيرة أخرى ~~، وإذا هو بغلام أمرد بين قبرين ، فسلم عليه بلوقيا وقال : يا شاب ، من أنت ~~وما اسمك ؟ قال : اسمي صالح . قال : فما هذان القبران ؟ قال : أحدهما أبي ~~والآخر أمي ، كانا سائحين فماتا هاهنا ، وأنا عند قبريهما حتى أموت . فسلم ~~بلوقيا ومضى حتى انتهى إلى جزيرة ، فإذا هو بشجرة عظيمة عليها طائر رأسه من ~~ذهب ، وعيناه من ياقوت ، ومنقاره من لؤلؤ ، وبدنه من زعفران ، وقوائمه من ~~زمرد ، وإذا مائدة موضوعة تحت الشجرة وعليها طعام وحوت مشوي . فسلم عليه ~~بولقيا فرد عليه الطائر السلام . فقال بلوقيا : أيها الطائر من أنت ؟ قال : ~~أنا من طيور الجنة ، وأن الله تعالى بعثني إلى آدم بهذه المائدة لما هبط من ~~الجنة وكنت معه حتى لقي حواء ، وأنا هاهنا من ذلك الوقت ، وكل غريب وعابر ~~سبيل يمر بها ويأكل ms2705 منها ، وأنا أمين الله عليها إلى يوم القيامة . فقال ~~بلوقيا : ولا تتغير ولا تنقص قال : طعام الجنة لا يتغير ولا ينقص . فقال ~~لبلوقيا : كل فأكل حاجته ، ثم قال : أيها الطائر ، هل معك أحد ؟ قال : معي ~~أبو العباس يأتيني أحيانا . قال : ومن أبو العباس ؟ قال : الخضر . فلما ذكر ~~اسمه إذا هو بالخضر - ع - قد أقبل عليه ثياب بيض . قال : فما خطا خطوة إلا ~~نبت الحشيش تحت قدميه . فسلم عليه بلوقيا وسأله عن حاله . قال بلوقيا : قد ~~طالت غيبتي وأريد أن أرجع إلى أمي . قال الخضر : بينك وبينها مسيرة خمسمائة ~~سنة ، أنا أردك في مسيرة خمسمائة شهر . قال الطائر : إن كان بينك وبين أمك ~~مسيرة خمسمائة PageV14P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" سنة أنا أردك مسيرة خمسمائة يوم . قال الخضر ~~: أنا أردك إليها في ساعة ثم قال : غمض عينيك فغمضهما ثم قال له : افتحهما ~~ففتحهما ، وإذا هو عند أمه جالس . فسألها : من جاء بي ؟ فقالت : جئت على ~~متن طائر أبيض يطير بين السماء والأرض فوضعك قدامي . قال : ثم إن بلوقيا ~~حدث بني إسرائيل بما رأى من العجائب والأخبار ، فأثبتوها وكتبوها إلى يومنا ~~هذا . فهذا ما كان من حديث بلوقيا . والله أعلم . الباب الخامس من القسم ~~الثالث من الفن الخامس في أخبار زكريا وابنه يحيى وعمران ومريم وعيسى بن ~~مريم عليهم السلام ذكر نسب زكريا وعمران عليهما السلام وما يتصل بذلك قال ~~أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى : هو زكريا بن برخيا بن آذن بن مسلم ابن ~~صدوق بن نخشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن ناحور بن شلوم ابن ~~نهفاشاط بن أنبا بن لبنا بن رحبعم بن سليمان بن داود عليهم السلام . وعمران ~~بن ماتان . وقال ابن إسحاق : هو عمران بن باسهم بن أمون بن منسى بن حزقيا ~~بن أحزيق بن يوثام بن عزاريا بن أنصيا بن ناوش بن يارم بن يهفاشاط بن أنبا ~~بن لبنا بن رحبعم بن سليمان بن داود . وكان زكريا وعمران متزوجين بأختين ، ~~فامرأة زكريا أسباع ، وقيل بليشفع ms2706 بنت فاقود وهي أم يحيى . وامرأة عمران ~~حنة بنت فاقود وهي أم مريم بنة عمران . قالوا : وكان زكريا نجارا قبل أن ~~يبعث نبيا ، وكان كثير العبادة ، وكان بيت المقدس قد خلا من الأنبياء ، ~~فبينا زكريا في محراب جده داود - ع - وقد انفتل عن صلاه إذ هبط عليه جبريل ~~بوحي الله تعالى ونبوته ، وأعلمه أن الله تعالى بعثه رسولا إلى بني إسرائيل ~~. فخر زكريا ساجدا لله تعالى على ذلك ، وخرج إلى بني إسرائيل ودعاهم ، ~~فكذبه بعضهم وصدقه آخرون . فأقام زكريا في بني إسرائيل PageV14P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر وعمران ~~يعبد الله . وكان زكريا وعمران لم يرزقا الولد . فبينا حنة ذات يوم جالسة ~~إلى جانب عمران إذ رأت حمامة تزق فرخا لها ، فبكت شوقا منها إلى الولد ، ~~وذكرت ذلك لزوجها عمران فقال : قومي ندعوا الله ربنا في ذلك ، فقاما جميعا ~~وصليا ودعوا الله تعالى أن يرزقهما ولدا ، فرأى عمران في منامه إن الله قد ~~استجاب دعاءك . فقام إلى زوجته فواقعها فحملت منه ، وقالت ما أخبر الله ~~تعالى عنها . قال الله تعالى : " إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في ~~بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم " . قال : وكان الناس في ذلك ~~الزمان يتقربون إلى الله عز وجل بتحرير أولادهم ، وكانوا يخدمون بيت المقدس ~~في صغرهم إذا بلغوا ، فمن أحب أن يقيم على الخدمة أقام ، ومن اختار ~~الانصراف انصراف . ذكر ميلاد مريم بنت عمران عليه السلام قال الكسائي : ~~ولما حررتها أمها لله تعالى قال لها زوجها : إنك حررت ما في بطنك ، فإن كان ~~أنثى كيف يكون محررا ؟ فاغتمت لذلك حتى وضعت مريم . قال الله تعالى : " ~~فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر ~~كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم " ثم ~~قالت : رب أن كنت نذرت لك ما في بطني محررا فتقبلها مني . قال الله تعالى : ~~" فتقبلها ربها منها وأنبتها نباتا حسنا " . قال : ثم حملتها حتى دخلت بيت ms2707 ~~المقدس وزكريا هناك في نفر من عباد بني إسرائيل ، فقال لها : ما هذه يا حنة ~~؟ قالت : هذه ابنتي مريم ، قد جعلتها محررة وقد قبلها الله مني فاقبلوها ~~ولا تردوها ، فأقبل بنو إسرائيل على زكريا وقالوا : ما تقول في هذه ؟ قال : ~~لا بد لها من مكفل إلى أن تبلغ مبلغ الخدمة ثم تكون خادمة في المسجد . ~~قالوا : أينا يكفلها ؟ قال زكريا : أنا أولى بها لأني زوج خالتها ، ولكنا ~~نقترع ، فأخذوا أقلامهم وصاروا إلى عين سلوان وقالوا : PageV14P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" نرمي بأقلامنا فيها فأينا وقف قلمه فهو الذي ~~يكفلها ؛ فألقوا فرسيت أقلامهم جميعا إلا قلم زكريا فإنه طفا وغالب الجرية ~~، فأخذها واسترضع لها بعض نساء بني إسرائيل . ثم مات عمران والد مريم . قال ~~: وبنى لها زكريا بيتا لا يصعد إليه إلا بسلم ، وكان لا يصعد إليها إلا ~~زكريا يحمل إليها الطعام ، وابن خال لها يقال له يوسف بن يعقوب النجار ، ~~وكان من العباد المحررين ، وكان زكريا إذا صعد إليها وجد عندها في الصيف ~~فواكه الشتاء ، وفي الشتاء فواكه الصيف ، فيعجب من ذلك . قال الله تعالى : ~~" وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم ~~أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب " . ذكر ~~دعاء زكريا أن يرزقه الله عز وجل الولد ومولد يحيى بن زكريا قال الكسائي : ~~فلما نظر ذكريا إلى ما رزق الله عز وجل من الفاكهة في غير وقتها قال : إن ~~الذي رزق هذه الفواكه لقادر على أن يرزق من العجوز العقيم والشيخ الكبير ~~الولد . قال الله تعالى : " هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية ~~طيبة إنك سميع الدعاء " . قال : ولما أراد زكريا أن يدعو استحيا من الله ~~تعالى ، فجلس سبعة أيام ثم قام إلى المحراب ووافق ذلك يوم عاشوراء ، فكلمه ~~المحراب بإذن الله تعالى وقال : يا زكريا ، أوجدت ربك بخيلا يا زكريا إن ~~ربك أبدا رحيم . فعند ذلك عزم على الدعاء واجتهد في العبادة ms2708 ، ثم رفع يديه ~~" ونادى ربه نداء خفيا " معناه أخفاه عن قومه " قال رب إني وهن العظم مني ~~واشتعل الرأس شيبا " يعني غلب بياضه على سواده " ولم أكن بدعائك رب شقيا " ~~معناه لم تخيبني في الدعاء " وإني خفت الموالي من ورائي " يعني الذرية من ~~بعدي أن تصير الحبورية في غير أولاد الأنبياء " فهب لي من لدنك وليا يرثني ~~ويرث من آل يعقوب " يعني مكاني وحبوريتي والتابوت الذي فيه وأقلام المحررين ~~ومفاتيح القربان ، ثم قال : " واجعله رب رضيا " في بني إسرائيل . فاستجاب ~~الله تعالى دعاءه وأمر جبريل أن ينزل عليه بالبشرى فأتاه وأتته الملائكة ~~وأحدقوا بالمحراب . قال الله تعالى : " فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في ~~المحراب أن الله يبشرك بيحيى " الآية . وقال تعالى : PageV14P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" " يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم ~~نجعل له من قبل سميا ، قال رب إنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد ~~بلغت من الكبر عتيا ، قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك ~~شيئا " . " قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تلكم الناس ثلاث أيام إلا رمزا ~~واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار " . قال الكلبي : كان زكريا يوم بشر ~~بالولد ابن اثنتين وتسعين سنة . وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال : كان ابن مائة وعشرين سنة . وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين . قالوا : ~~ولما جامع زكريا امرأته اغتسل وعاد إلى محرابه ، فجاءته نساء بني إسرائيل ~~وقالوا له : نرى أمرك أعجب من امرأتك ، فذهب زكريا ليتكلم فلم يقدر على ~~الكلام ، فعلم أن امرأته قد حملت فكتب لهم في الأرض ، إني لا أقدر على ~~الكلام ثلاث أيام . قال الثعلبي رحمه الله . فإن قيل : لم أنكر زكريا ذلك ~~وسأل الآية بعد ما بشرته الملائكة ؟ أكان ذلك شكا في وحيه ؟ ، أم إنكارا ~~لقدرته ، وهذا لا يجوز أن يوصف به أهل الإيمان فكيف الأنبياء ؟ فالجواب عنه ~~ما قال عكرمة والسدي : إن زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان فقال : ~~يا زكريا إن ms2709 الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان سخر بك ، ولو ~~كان من الله لأوحاه إليك خفيا كما ناديته خفيا وكما يوحى إليك في سائر ~~الأمور ؛ فقال ذلك دفعا للوسوسة . قال : وفيه جواب آخر ، وهو أنه لم يشك في ~~الولد وإنما شك في كيفيته والوجه الذي يكون منه الولد فقال : " أنى يكون لي ~~" أي كيف يكون لي ولد ؟ أتجعلني وامرأتي شابين أو ترزقنا على كبرنا ، أو ~~ترزقني من امرأة عاقر ، أم من غيرها من النساء ؟ فقال ذلك مستخبرا لا ~~مستنكرا . وهذا قول الحسن . " قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ~~" تكف عن الكلام ثلاثة أيام وتقبل بكليتك على عبادتي وطاعتي ؛ لأنه ما حبس ~~لسانه عن الكلام ولكنه نهى عنه ؛ ويدل عليه قوله : " واذكر ربك كثيرا وسبح ~~بالعشي والإبكار " . هذا قول قوم من أهل المعاني . وقال آخرون : عقل لسانه ~~عقوبة له لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه ، فلم يقدر على الكلام ~~ثلاثة أيام ، لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلا رمزا . PageV14P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" قال : وفي بعض الأخبار أنه لما ولد يحيى رفع ~~إلى السماء فغدى بأنهار الجنة حتى فطم ثم أنزل إلى أبيه ، فكان يضيء البيت ~~لنوره . واختلفوا في تسميته بيحيى ولم يسمى بذلك ؟ قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : لأن الله تعالى أحيا به عقر أمه . وقال قتادة وغيره : لأن الله ~~تعالى أحيا قلبه بالإيمان والنبوة . وقال الحسين بن الفضل : لأن الله تعالى ~~أحياه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية . وقيل : سمي بذلك لأنه استشهد ~~والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون . ويحيى أول من أقر بعيسى - ع - وصدقه ؛ ~~وذلك أنه لما كان في بطن أمه استقبلتها مريم وقد حملت بعيسى ، فقالت لها أم ~~يحيى : يا مريم ، أحامل أنت ؟ فقالت : لماذا تقولين ؟ قالت : إني أرى ما في ~~بطني يسجد لما في بطنك ؛ فذلك تصديقه وإيمانه . وكان يحيى أكبر من عيسى ~~بستة أشهر ، وقتل قبل رفع عيسى . وقوله تعالى فيه : " وسيدا وحصورا " قال ~~ابن جبير : السيد ms2710 الذي يطبع ربه عز وجل . وقال الضحاك : السيد الحسن الخلق ~~. وقال عكرمة : السيد الذي لا يغضب . وقال سفيان : السيد الذي لا يجسد . ~~وحصورا ، قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما : هو الذي لا يأتي النساء ولا ~~يقربهن ، فعول بمعنى فاعل ، يعني أنه حصر نفسه عن الشهوات : وقال المبرد : ~~الحصور : الذي لا يدخل في اللعب ولا الباطل . ذكر صفة يحيى بن زكريا وحليته ~~قال كعب الأحبار : كان يحيى بن زكريا عليهما السلام حسن الوجه والصورة ، ~~لين الجناح ، قصير الأصابع ، طويل الأنف . مقرون الحاجبين ، رقيق الصوت ، ~~كثير العبادة ، قويا في طاعة الله عز وجل وقد ساد الناس في عبادته . ~~PageV14P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" ذكر نبوة يحيى عليه السلام وسيرته وزهده قال ~~الله تعالى : " يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا " . قيل : هو أن ~~يحيى - ع - قال له أقرانه من الصبيان : يا يحيى اذهب بنا نلعب ؛ فقال : ~~أللعب خلقتم . وقال الآخرون : هو أنه نبي وهو صغير ، وكان يعظ الناس ويقف ~~لهم في أعيادهم وجمعهم يدعوهم إلى الله تعالى ، ثم ساح ودخل الشام يدعو ~~الناس . ولما بعثه الله عز وجل إلى بني إسرائيل أمره أن يأمرهم بخمس خصال ~~وضرب لكل خصلة منها مثلا : أمرهم أن يعبدوا الله تعالى ولا يشكروا به شيئا ~~وقال : مثل الشرك مثل رجل اشترى عبيدا من خالص ماله ثم أسكنهم دارا له ودفع ~~لهم مالا يتجرون فيه ويأكل كل واحد منهم ما يكفيه ، ويؤدون إليه فضل الربح ~~، فعمد العبيد إلى فضل الريح فدفعوه إلى غير سيدهم . وأمرهم بالصلاة وقال : ~~إن مثل المصلى كمثل رجل استأذن على ملك فأذن له ودخل عليه ، فأقبل الملك ~~عليه بوجهه ليسمع مقالته ويقضي حاجته ، فلما دخل الرجل التفت يمينا وشمالا ~~ولم يهم بحاجته ، فأعرض الملك عنه بوجهه ولم يقض حاجته . وأمرهم بالصدقة ~~وقال : مثلها كمثل رجل أسره العدو فاشترى منهم نفسه بثمن معلوم ، فجعل يعمل ~~في بلادهم ويؤدي إليهم من كسبه القليل والكثير حتى وفى ثمنه فأعتق . وأمرهم ~~بذكر الله تعالى وقال : مثل الذكر مثل قوم ms2711 لهم حصن ولهم عدو ، فإذا أقبل ~~عليهم عدوهم دخلوا حصنهم فلم يقدر العدو عليهم ، كذلك من ذكر الله عز وجل ~~لا يقدر عليه الشيطان . وأمرهم بالصيام وقال : مثله كالجنة لا يصل عدوه ~~إليه . وكان - ع - فيهم كثير التقشف والعبادة والزهد والسياحة إلى أن قتل - ~~ع - . PageV14P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" ذكر مقتل يحيى بن زكريا وأبيه زكريا عليهما ~~السلام اختلف العلماء في سبب قتل يحيى ؛ فقال بعضهم : كان يحيى - ع - في ~~زمن ملك من ملوك بني إسرائيل ، وكانت له امرأة وهي بنت ملك صيدا ، وكانت ~~قتالة للأنبياء والصالحون ، وكانت عاهرة تبرز للناس ، وكان يحيى يزجرها عن ~~ذلك ويقول لها : لا تبرزين كاشفة عن وجهك . وكان كثيرا ما يقول لها : مكتوب ~~في التوراة : إن الزناة يوقفون يوم القيامة وريحهم أنتن من الجيف . فأمرت ~~بيحيى فسجن . وكان قد حبس رجل من أبناء الملوك ، وكان يختلف إليها ، فعلم ~~بها وبه يحيى فزجره ، فبلغ ذلك امرأة الملك فحملت بنتا لها واستقبلت بها ~~زوجها . فقال : لم فعلت ذلك ؟ فقالت : وجب لها عليك حق . فقال : سليني ما ~~شئت . فسألته أهل السجن . فظن أنها ترحمهم وتسرحهم فقال : قد فعلت . فأمرت ~~المرأة بأهل السجن فعرضوا . فلما مر بيحيى أمرت به فذبح في طست ثم حملت ~~الطست إلى أبيها بأمر أمها وقالت : أيها الملك ، إني ذبحت لك ذبيحة من أعظم ~~ما وجدت ، ولو كن مثله ألفا لذبحتهم لك . فقال : ومن هو ؟ قالت : يحيى بن ~~زكريا . قال : هلكت وأهلكت أبويك . فغير الله ما بهم من النعم ، وسلط عليهم ~~عدوهم فذبح البنت وأبويها ، وسلط عليهم الكلاب حتى أكلتهم . وقال الثعلبي ~~في تفسيره : والصحيح من ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار قال : عبرت بنو ~~إسرائيل بعد ما عمرت الشام ، وعادوا إليها بعد خراب بختنصر إياها وسبيهم ~~منها ، فجعلوا بعد ذلك يحدثون الأحداث بعد مهلك عزير - ع - ، ويعود الله ~~عليهم ويبعث فيهم الأنبياء ، ففريقا يكذبون وفريقا يقتلون ، حتى كان آخر من ~~بعث الله تعالى فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام . فمات ms2712 ~~زكريا وقتل يحيى بسبب نهبه الملك عن نكاح ابنته في قول عبد الله بن الزبير ~~، وابنة امرأته في قول السدي ، وابنة أخيه في قول ابن عباس رضي الله عنهما ~~وهو PageV14P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" الأصح إن شاء الله تعالى ؛ لما روى الأعمش عن ~~المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بعث عيسى بن ~~مريم يحيى بن زكريا عليهم السلام في اثنى عشر من الحواريين يعلمون الناس ، ~~فكان مما نهوهم عنه نكاح ابنة الأخ . قال : وكانت لملكهم ابنة أخ تعجبه ~~يريد أن يتزوجها ، وكانت لها في كل يوم حاجة يقضيها لها . فلما بلغ ذلك ~~أمها أنه نهى عن نكاح بنت الأخ قالت لأبنتها : إذا دخلت على الملك فسألك ~~فقولي له : حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا . فلما دخلت عليه سألها حاجتها ~~قالت : حاجتي أن تذبح لي يحيى بن زكريا . فقال : سليني غير هذا . قال : لا ~~أسألك إلا هذا . فلما أبت عليه دعا بيحيى ودعا بطست فذبحه فيه ، فندت من ~~دمه قطرة على الأرض ، فلم تزل تغلي حتى بعث الله عز وجل ملك بابل ، فقتل ~~عليها من بني إسرائيل حتى سكنت . وقد تقدم أيضا خبر مقتله ، وأن بختنصر هو ~~الذي قتل على دمه حتى سكن . والصحيح أن بختنصر إنما قتل بسبب قتل شعيا - ع ~~- . قال الثعلبي أيضا : وقال علماء النصارى : إن قتل يحيى كان على يدي ملك ~~من ملوك بني إسرائيل يقال له هيرودس بسبب امرأة يقال لها هردوبا ، كانت ~~امرأة أخ له يقال له فلفوس ، عشقها فوافقته على الفجور ، فنهاه يحيى وأعلمه ~~أنها لا تحل له ، فسألت المرأة هيرودس أن يأتيها برأس يحيى ففعل ، ثم سقط ~~في يده وجزع جزعا شديدا . وقال كعب : كان يحيى - ع - من أحسن الناس وجها ~~وأجملهم في زمانه ، فأحبته امرأة الملك الذي كان في ذلك الزمان حبا شديدا ، ~~فأرسلت إليه ترواده ، فأرسل إليها أنه لا علم له بالنساء والملك أحق أن يطأ ~~فراشه . فلما جاءها الرسول PageV14P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" غضبت وقالت : كيف ms2713 لي أن أقتله حتى لا يخبر ~~الناس أني قد راودته . فلم تزل بالملك حتى وهب لها رأس يحيى بن زكريا ، ~~وأرسلت إليها وهو قائم يصلي في محراب داود في بيت المقدس فضرب عنقه وأخذ ~~رأسه . فلما أرادوا أن يأخذوا رأس يحيى خسف الله بها وبأهلها الأرض عقوبة ~~لقتلها يحيى - ع - . قال كعب : فلما رأى زكريا أن ابنه يحيى قد قتل وخسف ~~بالقوم انطلق هاربا في الأرض ، حتى دخل بستانا عند بيت المقدس فيه أشجار . ~~وأرسل الملك في طلبه عضبا لما لقيت المرأة وأهلها . فمر زكريا بشجرة من تلك ~~الأشجار فنادته الشجرة يا نبي الله ، هلم إلى هاهنا . فلما أتاها التفت ~~عليه الشجر ودخل زكريا - ع - في وسطها ، فانطلق عدو الله إبليس لعنه الله ~~حتى أخذ بطرف ردائه ، فأخرجه من الشجرة ليصدقوه إذا أخبرهم ، وجاء الذي ~~يلتمسون زكريا ، فأخبرهم إبليس انه دخل الشجرة ؛ فقالوا : لا نصدقك . قال : ~~فإني أريكم علامة تصدقونني بها . قالوا : فأرناها ، فأراهم طرف ردائه ، ~~فأخذوا الفؤوس فضربوا الشجرة حتى قطعوها باثنتين ، فسلط الله عليهم أخبث ~~أهل الأرض علجا مجوسيا ، فانتقم الله من بني إسرائيل بدم يحيى وزكريا ، ~~فقتل عظماء بني إسرائيل وسبي منهم مائة ألف وعشرين ألفا . وقد قيل في سبب ~~قتل زكريا غير هذا ، وسنذكر إن شاء الله في أثناء أخبار عيسى بن مريم على ~~ما تقف عليه إن شاء الله تعالى . ذكر هلاك بني إسرائيل وخراب بيت المقدس ~~ثانيا قال الثعلبي رحمه الله تعالى في بعض طرقه عن محمد بن إسحاق : إن خراب ~~بيت المقدس ثانيا وقتل بني إسرائيل كان بعد رفع عيسى بن مريم وقتل يحيى بن ~~زكريا . فلما فعلوا ذلك سلط الله تعالى عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له ~~خردوس ، فسار إليهم بأهل باب حتى دخل عليهم الشام ؛ فلما ظهر عليهم أمر ~~رأسا من رءوس أجناده يدعى نبوزرادان صاحب الفيل فقال له : إني قد كنت حلفت ~~بإلهي إن أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط ~~عسكري إلى ألا ms2714 أجد أحد أقتله ، فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم ، وأن ~~نبوزرادان دخل بيت المقدس فقتلهم في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم ~~، فوجدوا فيها دما يغلي PageV14P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" فسألهم عنه فقالوا : هذا دم قربان قربناه فلم ~~يتقبل منا فلذلك هو يغلي كما تراه ، ولقد قربنا منذ ثمانمائة سنة القربان ~~فتقبل منا إلا هذا القربان . فقال : ما صدقتموني الخبر . قالوا له : لو كان ~~كأول دمائنا لقبل ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي فلذلك لم يقبل . ~~فذبح منهم نبوزرادان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحا من رءوسهم فلم يهدأ ~~، فأمر بسبعة آلاف من سبيهم فذبحهم على الدم فلم يبرد . فلما رأى نبوزرادان ~~أن الدم لا يهدأ قال لهم : ويكلم يا بني إسرائيل اصدقوني واصبروا على أمر ~~ربكم ، فقد طالما ملكتم الأرض تفعلون فيها ما شئتم ، قبل ألا أترك نافخ نار ~~ذكر أو أنثى إلا قتلته ، فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوه الخبر فقالوا : ~~إن هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله ، فلو أطعناه لكان ~~أرشد لنا ، وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه . فقال لهم : ما ~~كان اسمه ؟ قالوا : كان اسمه يحيى بن زكريا . قال : الآن صدقتموني ، لمثل ~~هذا ينتقم منكم ربكم . ولما رأى أنهم قد صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله : ~~أغلقوا باب المدينة وأخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوس . وخلا في بني ~~إسرائيل ثم قال : يا يحيى بن زكريا ، قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من ~~أجلك وما قتل منهم ، فاهدأ بإذن الله تعالى قبل ألا ابقي من قومك أحدا ، ~~فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله تعالى ورفع نبوزرادان حبور صدوق - والحبور ~~بالعبرانية حديث الإيمان - فقال نبوزرادان : يا بني إسرائيل ، إن عدو الله ~~خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره ، وإني لست أستطيع أن ~~أعصيه . قالوا له : افعل ما أمرت به ، فأمرهم أن يحفروا خندقا وأمر ~~بأموالهم من الخيل والبغال والحمر والبقر والغنم فذبحها ms2715 حتى سال الدم في ~~العسكر ، وأمر بالقتلى الذين كانوا فوقها . فلما بلغ الدم عسكر خردوس أرسل ~~إلى نبوزرادان أن ارفع عنهم القتل فقد بلغتن دماؤهم . ثم انصرف عنهم إلى ~~بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد . وهذه هي الوقعة الآخرة التي أنزل الله ~~تعالى فيها وفي الأول : " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدون في ~~الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا ~~لنا أولي بأس شديد " فكان بختنصر وجنوده . ثم رد الله لهم الكرة عليهم . ~~وكانت الوقعة الآخرة خردوس وجنوده فلم تقم لهم بعد ذلك راية . PageV14P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" وانتقل الملك بالشام ونواحيها إلى الروم ~~واليونان ، إلا أن بقايا بني إسرائيل كثروا وانتشروا بعد ذلك . وكانت لهم ~~الديانة والرياسة ببيت المقدس ونواحيها على غير وجه الملك . وكانوا في نعمة ~~ومنعة إلى أن بدلوا وأحدثوا الأحداث واستحلوا المحارم وضيعوا الحدود ، فسلط ~~الله تعالى عليهم ططوس بن اسفيانوس الرومي فأخرب بلادهم وطردهم عنها ، ونزع ~~الله تعالى منهم الملك والرياسة وضرب عليهم الذل ، فليسوا في أمة من الأمم ~~إلا وعيهم الصغار والجزية والملك في غيرهم . وبقي بيت المقدس خرابا إلى ~~أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعمره المسلمون بأمره . قال : وروى أبو ~~عوانة عن أبي بشر قال : سألت سعيد بن جبير عن قول الله عز وجل : " وقضينا ~~إلى بني إسرائيل في الكتاب " الآيات فقال : أما الذي جاسوا خلال الديار ~~فكان صرخان الخزري شعث من الديار وتبر . ثم قال : " ثم رددنا لكم الكرة ~~عليهم " إلى قوله : " فإذا جاء وعد الآخرة " إلى قوله : " تتبيرا " قال : ~~هذا بختنصر الذي خرب بيت المقدس . ثم قال لهم : " عسى ربكم أن يرحمكم وإن ~~عدتم عدنا " قال : فعادوا فعيد عليهم ، فبعث الله تعالى عليهم ملك الروم . ~~ثم عادوا أيضا فعيد عليهم ، فبعث عليهم درم أوزن ملك الري . ثم عادوا أيضا ~~فعيد عليهم ، فبعث عليهم سابور ذا الأكتاف . PageV14P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" وقال قتادة : هذه الآية قضاء قضى على القوم ~~كما يسمعون ، فبعث عليهم في الأولى ms2716 جالوت فسبى وقتل وخرب بيت المقدس وسامهم ~~سوء العذاب ، ثم قال : " عسى ربكم أن يرحمكم " فعاد الله عليهم برحمته . ثم ~~عاد القوم بشر ما يحضرهم . فبعث الله تعالى عليهم ما شاء أن يبعث من نقمته ~~وعقوبته . ثم بعث الله تعالى عليهم هذا الحي من العرب ، كما قال تعالى : " ~~وإذا تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب " فهم ~~بهم في عذاب إلى يوم القيامة . وهذه الأخبار التي أوردناها في هذا المكان ~~من خبر زكريا ويحيى وخراب بيت المقدس ثانيا ، منها ما كان في زمن عيسى - ع ~~- ، ومنها ما كان بعد رفعه . وإنما أوردناها سياقة وتركنا خبر عيسى - ع - ~~لئلا تنقطع بغيرها وليتلو بعضها بعضا . فلنرجع إلى أخبار عيسى بن مريم - ع ~~- . ذكر خبر حمل مريم بنت عمران بعيسى عليه السلام قال الكسائي رحمه الله ~~تعالى : وكانت مريم تنمو وتزيد في كل يوم وتعبد الله تعالى حتى برزت في ~~العبادة على نساء بني إسرائيل . فلما بلغت مبلغ النساء أتت منزل زكريا ، ~~فقال لها : كيف خرجت من بيتك ومفتاحه معي ؟ قالت : إني رأيت أمرا قبيحا - ~~أرادت بذلك الحيض - فجئتك بإذن الله . فأمرها زكريا أن تكون عند خالتها حتى ~~تطهر ، ففعلت ذلك . فلما طهرت واغتسلت عادت إلى عبادتها . فكان ذلك عادتها ~~وشأنها إذا حاضت . فذلك قوله تعالى : " واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من ~~أهلها مكانا شرقيا ، فاتخذت من دونهم حجابا " أي سترا " فأرسلنا إليها ~~روحنا " يعني جبريل " فتمثل لها بشرا سويا " أي في صورة رجل " قالت إني ~~أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا " أي مطيعا لربك " قال إنما أنا رسول ربك ~~لأهب لك غلاما زكيا ، قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ، ~~قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ~~" ثم نفخ في جيبها فوصلت النفخة إلى جوفها فحملت بعيسى لوقتها . ويقال : إن ~~زكريا في ذلك الوقت أفضى إلى امرأته فحملت بيحيى . وقيل : إن امرأة زكريا ~~حملت قبل ms2717 مريم بثلاثة أشهر ، وقيل ستة أشهر . وكانت مريم إذ ذاك بنت خمس ~~عشرة سنة ، وقيل ثلاث عشرة سنة . PageV14P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" وحكى الثعلبي في قصة حمل مريم أنه كان معها ~~في المسجد ابن عم لها من المحررين يقال له يوسف ين يعقوب النجار ، وكان ~~رجلا حكيما نجارا ، يتصدق بعمل يديه ، وكان يوسف ومريم إذا نفد ماؤهما أخذ ~~كل واحد منهما قلته وانطلق إلى المغارة التي فيها الماء يستقيان منه ثم ~~يرجعان إلى الكنيسة . فلما كان اليوم الذي لقيها في جبريل ، وكان أطول يوم ~~في السنة وأشد حرا ، ونفد ماؤها ، فقالت : يا يوسف ، ألا تذهب بنا نستقي ؟ ~~فقال لها : إن عندي لفضلا من ماء أكتفي به في يومي هذا إلى غد . قالت : ~~لكني والله ما عندي ماء ، فأخذت قلتها ثم انطلقت وحدها حتى دخلت المغارة ، ~~فوجدت عندها جبريل - ع - ، قد مثله الله عز وجل بشرا سويا ؛ فقال لها : يا ~~مريم ، إن الله قد بعثني إليك لأهب لك غلاما زكيا . قالت : إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا . قال عكرمة : وكان جبريل قد عرض لها في صورة شاب ~~أمرد وضيء الوجه ، جعد الشعر ، سوي الخلق . قال الحكماء : وإنما أرسله الله ~~تعالى في صورة البشر لتثبت مريم عليها السلام وتقدر على استماع كلامه ، ولو ~~أتاها على صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه ، ولم تقدر على استماع ~~كلامه . فلما استعاذت مريم منه قال : " إنما أنا رسول ربك " الآية . فما ~~قال ذلك استسلمت لقضاء الله تعالى . فنفخ جبريل في جيب درعها ، وكانت قد ~~وضعته ، ثم انصرف عنها . فلما لبست مريم درعها حملت بعيسى - ع - ، ثم ملأت ~~قلتها وانصرفت إلى المسجد . وقال السدي وعكرمة : إن مريم عليها السلام كانت ~~تكون في المسجد ما دامت طاهرة فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت ~~عادت إلى المسجد . فبينما هي تغتسل من الحيض وقد أخذت مكانا شرقيا - قال ~~الحسن : إنما اتخذت النصارى الشرق قبلة لأن مريم انتبذت مكانا شرقيا - ~~فاتخذت ، فضربت من دونهم حجابا ، أي سترا ms2718 . وقال مقاتل : جعلت الجبل بينها ~~وبين قومها ، فبينما هي كذلك إذ عرض لها جبريل وبشرها ونفخ في جيب درعها . ~~PageV14P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" قالوا : فلما اشتملت على عيسى وتبين حملها ~~داخلها الغم علمت أن بني إسرائيل سوف يقذفونها ، فنادتها الملائكة : " يا ~~مريم إن الله اصطفاك وطهرك " أي من الحيض " واصطفاك على نساء العالمين ، يا ~~مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين " . قال : وبشرها الله تعالى ~~بعيسى فقال : " إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها ~~في الدنيا والآخرة ومن المقربين ، ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ~~" . " ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ، ورسولا إلى بني إسرائيل " ~~الآية فطابت نفسها . قال وهب : فلما اشتملت على عيسى وكان معها يوسف النجار ~~، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي بجبل صهيون - وجبل صهيون على باب بيت ~~المقدس - وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم ، وكانت مريم ويوسف يخدمان ~~ذلك المسجد ، وكان لخدمته فضل عظيم ، فكانا يليان معالجته بأنفسهما وتطهيره ~~، وكان لا يعلم أحد من أهل زمانهما أشد اجتهادا وعبادة منهما . فكان أول من ~~أنكر حمل مريم يوسف النجار . فلما رأى ما بها استعظمه وقطع به ولم يدر على ~~ماذا يضع أمرها . فكان إذا أراد أن يتهمها ذكر صلاحها وعبادتها وبراءتها ~~وأنها لم تغب عنه ، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها من الحمل . فلما ~~اشتد ذلك عليه كلمها ، فكان أول من كلمها به أن قال لها : إنه قد وقع في ~~نفسي منك ومن أمرك شيء ، وقد حرصت على أن أكتمه فغلبني ذلك ورأيت أن الكلام ~~فيه أشفى لصدري . فقالت : قل قولا جميلا . قال : خبريني يا مريم ، هل ينبت ~~زرع بغير بذر ؟ قالت نعم . قال : فهل تنبت شجرة بغير غيث يصيبها ؟ قالت نعم ~~. قال : فهل يكون ولد من غير فحل ؟ قالت : ألم تعلم أن الله عز وجل أنبت ~~الزرع يوم خلقه من غير بذر ، والبذار إنما تكون من الزرع الذي كان أنبته من ~~غير بذر ألم تعلم أن الله عز وجل أنبت الشجرة ms2719 من غير غيث ، وبالقدر جعل ~~الغيث حياة الشجر بعد ما خلق كل واحدة على حدة . أو تقول إن الله لا يقدر ~~على إنباته . قال يوسف لها : لا أقول هذا ، ولكني أعلم أن الله تبارك ~~وتعالى يقدر على ما يشاء ، يقول PageV14P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" لذلك : كن فيكون . فقالت له مريم : أو لم ~~تعلم أن الله تبارك وتعالى خلق آدم وامرأته حواء من غير ذكر ولا أنثى قال ~~بلى فلا قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها شيء من أمر الله ، وأنه لا ~~يسعه أن يسألها عنه ، وذلك لما رأى من كتمانها . وقال الكسائي : لما قال ~~يوسف لمريم : هل يكون ولد من غير فحل ؟ قالت : نعم ، آدم من غير أب وأم . ~~قال صدقت . ثم قال : هذا الولد الذي في بطنك من أبوه ؟ قالت : هذا هبة ربي ~~لي ، ومثله كمثل آدم خلقه من تراب . فنطق عيسى في بطنها وقال : يا يوسف ما ~~هذه الأمثال التي تضربها قم فاشتغل بصلاتك واستغفر لذنبك مما قد وقع في ~~قلبك . فقام يوسف وجاء إلى زكريا وأخبره ، فاغتم وقال لامرأته : إن مريم ~~حامل ، وأخاف من فساق بني إسرائيل أن يتهموا يوسف بها . قالت : توكل على ~~الله واستعن به فإنه يرد عنها مقالة الفساق . قالوا : ثم تولى يوسف خدمة ~~المسجد وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه لما رأى من رقة جسمها ، واصفرار لونها ~~، وكلف وجهها ، ونتوء بطنها ، وضعف قوتها . والله أعلم . ذكر خبر ميلاد ~~عيسى بن مريم عليهما السلام قال الكسائي رحمه الله : فلما دنا وقت الولادة ~~خرجت مريم في جوف الليل من منزل زكريا حتى صارت إلى خارج بيت المقدس ؛ فذلك ~~قوله تعالى : " فحملته فانتبذت به مكانا قصيا " . قال : وأخذها الطلق . ~~فنظرت إلى نخلة يابسة فجلست تحتها فاخضرت النخلة من ساعتها وصار لها سعفا ~~وخوصا وحملت الرطب لوقتها ، وأنبع الله في اصل النخلة عينا من الماء . قال ~~: وعن وهب أنه لما دنت ولادة مريم عليها السلام أوحى الله تعالى إليها أن ~~تخرج من المحراب فتبوأ منزلا ms2720 تلد فيه ، فتحولت إلى بيت خالتها أم يحيى بن ~~زكريا لتلد في بيتها . قال : فلما دخلت عليها استقبلتها أم يحيى وسلمت ~~عليها . فلما التقيا أحست أم يحيى بسجود من في بطنها ، فقالت : يا مريم ، ~~إن الذي في بطني يسجد لما في بطنك . PageV14P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" قالوا : ثم أوحى الله تعالى إلى مريم أن تخرج ~~من أرض بيت لحم إلى جهة من الأرض تلد فيها ، فحملها يوسف النجار إلى حمار ~~بأكاف ليس بينها وبين الأكاف غير ثوبها وهي مثقلة لا تكاد تقوم . فانطلقا ~~في سواد الليل من بيت لحم يؤمان الجبال ، حتى إذا كانا ببعض الطريق بين ~~نخلات ينزلها الركبان ، بينهن أواري مبنية بناها السفر ليعلقوا فيها دوابها ~~. فنزلا المنزل ، فأدركها المخاض ، فالتجأت إلى بعض تلك الأواري وهو في أصل ~~جذع نخلة يابس قحل ليس فيه عراجين ولا غيرها ، فأنبته الله تعالى وأثمره ~~حتى أظلها وأكنها وتدلت عليها غصونه من كل جانب حتى سترها السعف والعراجين ~~. واشتد بها الطلق وداومها سبع ليال ، وأشرفت على الموت ، فقالت ما أخبر ~~الله تعالى به عنها ، قال الله تعالى : " فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ~~قالت ياليتني مت PageV14P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" قبل هذا وكنت نسيا منسيا " . قال : واشتد ~~عليها البرد ، فعمد يوسف إلى حطب فجعله حولها كالحظيرة ، ثم أشعل فيه النار ~~فأدفأها ، وكسر لها سبع جوزات فأكلتها . فمن أجل ذلك توقد النصارى النار ~~ليلة الميلاد وتلعب بالجوز . قال وقال كعب : إنها خرجت منفردة ، فلما فقدها ~~زكريا أهمه ذلك ، وبعث يوسف النجار في طلبها ، فجاء حتى نظر إليها تحت ~~النخلة . قال : ولما شكت من ألم الولادة ما شكت وقالت : " يا ليتني مت قبل ~~هذا وكنت نسيا منسيا " أي لا تعرف ولا تذكر " فناداها من تحتها " - قيل : ~~إن الذي ناداها عيسى . وقيل : جبريل - " أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا ~~" وهو الجدول الصغير . قالوا : كان نهرا من ماء عذب ، يكون باردا إذا شربت ~~منه ، وفاترا إذا استعملته " وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا " ~~أي نضيجا ms2721 " فكلي واشربي وقري عينا " أي كلي واشربي من الماء الذي أنبعه ~~الله لك وقري عينا بهذا الولد " فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت ~~للرحمن صوما " أي صمتا " فلن أكلم اليوم إنسيا " قال : فلما جاء يوسف ~~النجار كلمها فلم تتكلم ، فتكلم عيسى في حجرها وقال : يا يوسف ، أبشر وقر ~~عينا وطب نفسا ، فقد أخرجني ربي من ظلمة الرحم إلى ضوء الدنيا ، وسآتي بني ~~إسرائيل وأدعوهم إلى طاعة الله . واختلف العلماء في مدة حمل مريم عليها ~~السلام بعيسى ووقت وضعها إياه ، فقال بعضهم : كان تسعة أشهر كحمل سائر ~~النساء ، وقيل : ثمانية أشهر ، وكان ذلك آية أخرى لأنه لم يعش مولود يوضع ~~لثمانية أشهر غير عيسى ، وقيل : ستة أشهر ، وقيل : ثلاثة ساعات ، وقيل ساعة ~~واحدة . وقال ابن عباس : ما هو إلا أن حملت فوضعت ، ولم يكن بين الحمل ~~والانتباذ إلا ساعة واحدة ؛ لأن الله تعالى لم يذكر بينها فصلا . وقال ~~مقاتل : حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من ~~يومها وهي بنت عشر سنين ، وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى - ع - . ~~قال : فانصرف يوسف إلى زكريا وأخبره بولادة مريم وكلام عيسى ، فازداد زكريا ~~غما لما يقوله الناس . قال الثعلبي قال وهب : فلما ولد عيسى - ع - أصبحت ~~الأصنام كلها بكل أرض منكوسة على رءوسها ، ففزعت الشياطين ولم يدروا لم ذلك ~~، فساروا مسرعين حتى جاءوا إبليس وهو على عرش له في لجة خضراء يتمثل بالعرش ~~يوم كان على الماء ، فأتوه وقد خلت ست ساعات من النهار . فلما رأى إبليس ~~جماعته فزع من ذلك ولم يرهم جميعا منذ فرقهم قبل تلك الساعة إنما كان يراهم ~~أشتاتا ، فسألهم ، فاخبروه أنه حدث في الأرض حادث أصبحت الأصنام كلها ~~منكوسة على رءوسها ، ولم يكن شيء أعون على هلاك بني آدم منها لما يدخل في ~~أجوافها فتكلمهم وتدبر أمرهم ، فيظنون أنها هي التي تكلمهم ، فلما أصابها ~~هذا الحادث صغرها في أعين بني PageV14P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" آدم وأذلها . وقد خشينا ألا يعبدوها ms2722 بعد هذا ~~. واعلم إنا لم نأتك حتى أحصينا الأرض وقلبنا البحار وكل شيء ، فلم تزدد ~~بما أردنا إلا جهلا . فقال لهم إبليس : إن هذا لأمر عظيم ، فكونوا على ~~مكانكم . وطار إبليس عند ذلك ولبث عنهم ثلاث ساعات ، فمر بالمكان الذي ولد ~~فيه عيسى - ع - . فلما رأى الملائكة محدقين بذلك المكان علم أن ذلك الحادث ~~فيه ، فأراد إبليس أن يأتيه من فوقه فإذا فوقه رءوس الملائكة ومناكبهم إلى ~~السماء ، ثم أراد أن يأتيه من تحت الأرض فإذا أقدام الملائكة راسية ، فأراد ~~أن يدخل من بينهم فنحوه عن ذلك ، فرجع إبليس إلى أصحابه فقال : ما جئتكم ~~حتى أحصيت الأرض كلها شرقها وغربها وبرها وبحرها والخافقين والجو الأعلى ، ~~وكل هذا بلغته في ثلاث ساعات ، وأخبرهم بمولد عيسى - ع - وقال : ما أشتملت ~~قبله أم على ولد إلا بعلمي ، ولا وضعته قط إلا وأنا حاضرها . وإني لأرجو أن ~~أضل به كثيرا ممن يهتدي ، وما كان نبي قبله أشد علي وعليكم من هذا المولود ~~. قال : ثم خرج من تلك الليلة قوم يؤمونه من أجل نجم طلع ، وكانوا قبل ذلك ~~يتحدثون أن مطلع ذلك النجم من علامات مولود في كتاب دانيال ، فخرجوا ~~يريدونه ومعهم الذهب والمر واللبان ، فمروا بملك من ملوك الشام ، فسألهم ~~أين تريدون ؟ فأخبروه بخبرهم . قال : فما بال الذهب والمر واللبان أهديتموه ~~له من بين الأشياء كلها ؟ قالوا : تلك أمثاله ؛ لأن الذهب سيد المتاع كله ، ~~وكذلك هذا النبي سيد أهل زمانه . ولأن المر يجبر به الكسر والجرح ، وكذلك ~~هذا النبي يشفي الله تعالى به كل سقيم ومريض . ولأن اللبان يبلغ دخانه إلى ~~السماء ولا يبلغها دخان غيره ، وكذلك هذا النبي يرفعه الله تعالى إلى ~~السماء ولا يرفع في زمانه أحدا غيره . فلما قالوا ذلك للملك حدث نفسه بقتله ~~فقال : اذهبوا ، فإذا علمتم مكانه فاعلموني ذلك فإني راغب في مثل ما رغبتم ~~فيه من أمره . فانطلقوا حتى دفعوا ما كان معهم من تلك الهدية إلى مريم ، ~~وأرادوا أن يرجعوا إلى الملك ليعلموه بمكان عيسى ، فلقيهم ملك ms2723 PageV14P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" فقال لهم : لا ترجعوا إليه ولا تعلموه بمكانه ~~فإنه إنما أراد بذلك ليقتله ، فانصرفوا في طريق آخر . وقال مجاهد : قالت ~~مريم عليها السلام : كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني وحدثته ، فإذا شغلني عنه ~~شيء سبح في بطني وأنا أسمع . قالوا : وكان مولد عيسى - ع - بعد مضي اثنتين ~~وأربعين سنة من ملك أغوسطوس ، وخمسين سنة مضت من ملك الأشغانين ملوك ~~الطوائف . وكانت المملكة لملوك الطوائف ، والرياسة بالشام ونواحيها لقيصر ~~ملك الروم ، والملك عليها من قبل قيصر هيرودس ، وقيل في اسمه هرادوس . ذكر ~~رجوع مريم بعيسى عليه السلام بعد مولده إلى قومها قال الكسائي : ثم قامت ~~مريم بعد الولادة وحملت عيسى على صدرها حتى أشرفت به على بني إسرائيل ~~وزكريا بينهم . وقال الثعلبي قال الكلبي : احتمل يوسف مريم وعيسى إلى غار ~~فأدخلهما فيه أربعين يوما حتى تعالت مريم من نفاسها ، ثم جاء بهما فكلمها ~~عيسى في الطريق فقال : يا أماه ، أبشري فإني عبد الله ومسيحه . قال الله ~~تعالى : " فأتت به قومها تحمله " . فلما نظروا إليها بكوا و " قالوا يا ~~مريم لقد جئت شيئا فريا " أي عظيما فظيعا لا يعرف منك ولا من أهل بيتك ، ~~وكانوا أهل بيت صالحين . " يا أخت هارون " واختلف في سبب قولهم لها " يا ~~أخت هارون " ، فقال الكسائي : ناداها هارون وكان أخاها من أمها ، وهو من ~~أحبار بني إسرائيل وعبادهم ، وقال لها : " ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت ~~أمك بغيا " ، فمن أين لك هذا الولد وقال الثعلبي قال قتادة : كان هارون من ~~أفسق بني إسرائيل وأظهرهم فسادا ، فشبهوها به . " فأشارت إليه " أي كلموه . ~~" قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا " ، وضربوا بأيديهم على جباههم ~~تعجبا ، فتنحنح عيسى و " قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني ~~مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم ~~يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا " . ~~PageV14P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" قالوا : فلما سمع ذلك أحبار بني إسرائيل ~~علموا أنه لا ms2724 أب له وأن الله تعالى خلقه كما خلق آدم . فقال زكريا : الحمد ~~لله الذي برأنا بقول عيسى من فساق بني إسرائيل . قالوا : ثم لم يتكلم عيسى ~~بعدها حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان . وقيل غير هذا . والله أعلم . ذكر ~~خروج مريم وعيسى عليهما السلام إلى مصر وما ظهر له من المعجزات في مسيره ~~ومدة مقامه إلى أن عاد قال الله تعالى : " وجعلنا ابن مريم وأمه آية ~~وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " . اختلف العلماء في الربوة فقال عبد ~~الله بن سلام : هي دمشق . وقال أبو هريرة : هي الرملة . وقال قتادة وكعب : ~~هي بيت المقدس . وقال كعب : هي أقرب الأرض إلى السماء . وقال أبو زيد : هي ~~مصر . وقال الضحاك : هي غوطة دمشق . وقال أبو العالية : هي أيلة . وقال بعض ~~المفسرين : هي قرية من قرى مصر تسمى سدمنت . وسدمنت : بلد من بلاد إقليم ~~الفيوم معروفة مشهورة . وقوله تعالى : " ذات قرار ومعين " القرار : الأرض ~~المستوية . والمعين : الماء الظاهر . وكان سبب خروج مريم إلى مصر ما حكاه ~~الكسائي وغيره من أهل السير قالوا : وبلغ الملك هيرودس خبر عيسى فهم بقتل ~~مريم وابنها ، فخاف زكريا والمؤمنون عليهما من القتل ، وذلك بعد مولد عيسى ~~بأيام قلائل ، فقال زكريا لمريم : إني أخاف عليك وعلى ابنك من هذا الملك ، ~~وأمر يوسف النجار أن ينقلهما إلى أرض مصر ، وأعطاهما أتانا وزودهم ، فسار ~~يوسف بهما نحو مصر . وكان من المعجزات التي ظهرت على يد عيسى - ع - في ~~مسيره ومقامه بمصر أنه بينما هم سائرون إلى أرض مصر رأى يوسف النجار في بعض ~~الطريق أسدا ففزع منه ، فقال عيسى : قرباني إلى الأسد ولا تقرباه أنتم ، ~~فقربوه ؛ فلما صار بين يدي الأسد قال عيسى : أيها الوحش ، ما وقوفك على ~~قارعة الطريق ؟ قال : لثور PageV14P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" يمر علي لا بدل لي منه . قال عيسى : هذا ~~الثور لقوم مساكين ليس لهم سواءه ، ولكن انطلق إلى برية كذا وكذا ، فإنك ~~سترى جملا ميتا فكله ، واترك هذا الثور لأصحابه ، فمضى الأسد نحو الميتة ~~وتركهم . والله ms2725 أعلم بالصواب . معجزة أخرى : قال : ثم ساروا ، فرأوا قوما ~~قد اجتمعوا بالقرب من دار ملك من الملوك . فقال لهم عيسى : ما وقوفكم هاهنا ~~؟ . قالوا : امض أيها الصبي لشأنك . قال : أتحبون أن أخبركم بوقوفكم ؟ ~~قالوا نعم . قال : إنكم تريدون دخول هذا الدار إذا جن الليل فتأخذون مال ~~هذا الملك ، فلا تفعلوا فإنه مؤمن ، ودلهم على كنز وقال : إنه كان لقوم ~~ماتوا ، فسار أولئك إليه واقتسموا منه مالا عظيما . معجزة أخرى : قال : ثم ~~ساروا حتى دخلوا قرية عامرة وقد اجتمع الناس على باب ملكها ومعهم صنم من ~~حجر وهم يبكون ويسجدون لذلك الصنم . فقال عيسى : ما شأنكم أيها القوم ؟ ~~فقالوا : إن امرأة هذا الملك قد عسر عليها وضع الولد ، وقد أمرنا الملك أن ~~نسجد لهذا الصنم ونسأله أن يخفف عنها ما هي فيه . قال عيسى : اذهبوا إلى ~~الملك وقولوا له : لو وضعت يدي على بطنها يخرج الولد عاجلا . فأخبروا الملك ~~فقال : ائتوني به ، فأدخلت مريم وعيسى على الملك ، فعجب من نطقه وهو صغير ، ~~وأدخل على المرأة ، فقال عيسى : إن أخبرتك بما في بطنها وخرج كما أقول ~~أتؤمن بربي الذي خلقني من روحه ؟ . قال نعم . قال عيسى : في بطنها غلام على ~~خده خال أسود ، وعلى ظهره شامة بيضاء ، ثم وضع يده على بطن المرأة وقال : ~~أيها الجنين ، بالذي خلق الخلق وأسبغ عليهم سعة الرزق اخرج . فخرج الولد ~~على ما وصفه عيسى فهم الملك أن يؤمن ، فقال وزراؤه : إن هذه المرأة ساحرة ، ~~وهذا الصبي مثلها ، وقد طردوهما من بيت المقدس ، ولم يزالوا به حتى ردوه عن ~~الإيمان . فأرسل الله تعالى على الملك وقومه صاعقة فأهلكتهم . ثم مضى يوسف ~~بها حتى دخلوا مصر ، ونزلت مريم دار دهقان هناك ، ولم يكن لها ما تعيش منه ~~إلا الغزل ، فكانت تغزل الكتان والصوف بالأجرة لأهل مصر ، ويوسف يحتطب ويبع ~~الحطب مدة ليس لهم رزق إلا من ذلك . PageV14P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" معجزة أخرى : قال الثعلبي قال وهب : كان أول ~~آية رآها الناس من عيسى أن أمه كانت نازلة في ms2726 دار دهقان من أهل مصر أنزلها ~~به يوسف النجار حين ذهب بها إلى مصر وكانت داره يأوي إليها المساكين ، فسرق ~~للدهقان مال من خزانته فلم يتهم المساكين ، فحزنت مريم لمصيبة الدهقان . ~~فلما رأى عيسى حزن أمه بمصيبة صاحب ضيافتها قال لها : يا أماه ، أتحبين أن ~~أدله على ماله ؟ قالت : نعم يا بني . قال : قولي له يجمع لي مساكين داره . ~~فقالت مريم ذلك للدهقان ، فجمع له المساكين . فلما اجتمعوا عمد إلى رجلين ~~منهم أحدهما أعمى والآخر مقعد ، فحمل المقعد على عاتق الأعمى وقال له : قم ~~به . فقال الأعمى : أنا أضعف من ذلك . فقال عيسى : وكيف قويت على ذلك ~~البارحة . فلما سمعوه يقول ذلك ضربوا الأعمى حتى قام . فلما استقل قائما هو ~~المقعد إلى كوة الخزانة . فقال عيسى - ع - : هكذا احتالا على مالك البارحة ~~، لأن الأعمى استعان بقوته والمقعد بعينيه . فقال المقعد والأعمى : صدق ، ~~فردا على الدهقان ماله . فقال الدهقان لمريم : خذي نصف المال . فقالت : إني ~~لم أخلق لهذا . قال : فأعطه ابنك . قالت : هو أعظم مني شأنا . والله أعلم ~~بالصواب . معجزة أخرى : قال : ثم لم يلبث الدهقان أن أعرس ابنا له ، فصنع ~~له عيدا فجمع عليه أهل . مصر وكان يطعمهم شهرين . فلما انقضى ذلك زاره قوم ~~من أهل الشام ولم يعلم الدهقان بهم حتى نزلوا به وليس عنده يومئذ شراب . ~~فلما رأى عيسى اهتمامه بذلك دخل بيتا من بيوت الدهقان فيه جرار ، فأمر عيسى ~~يده على أفواهها وهو يمشي ، فكلما مر بيده على جرة امتلأت شرابا حتى أتى ~~على آخرها ، وهو يومئذ ابن اثنتي عشرة سنة . معجزة أخرى : قال : وبينا عيسى ~~يلعب مع الصبيان بأرض مصر ، إذ وثب غلام منهم على غلام آخر فقتله . فجاء ~~أهله وتعلقوا بجميع الصبيان وفيهم عيسى وأتوا بهم إلى القاضي . فقال القاضي ~~: من قتل هذا ؟ قالوا : هذا ، وأشاروا إلى عيسى . فقال له القاضي : لم قتلت ~~هذا الغلام ؟ قال : أراك حاكما جاهلا ، كان يجب أن تسألني : أقتلته أم لا ~~قال القاضي : أراك ذا عقل ، فما اسمك ؟ قال عيسى ms2727 بن مريم . قال : يا عيسى ، ~~لم قتلته ؟ قال : يا جاهل ، أبهذا أمرتك ؟ ثم دنا عيسى من الغلام وقال : قم ~~بإذن الله الذي PageV14P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" يحيى العظام وهي رميم ، فاستوى جالسا وقال له ~~: من قتلك ؟ قال : قتلني فلان بن فلان ، وهذا عيسى بن مريم بريء من دمي . ~~فعجب الناس من ذلك وقتلوا قاتل الغلام ، وأخذت مريم بيد عيسى وانطلقت . ~~معجزة أخرى : قال : وأتت به أمه إلى معلم ليعلمه ، فقال : إن ربي قد أغناني ~~عن تعليم المعلمين وقد علمني التوارة والإنجيل . قالت : صدقت ، ولكن تكون ~~عند معلم خير من أن تلعب مع الصبيان . فأتت به إلى معلم يعلمه ، فعلمه عيسى ~~. قال الثعلبي : وروى محمد الباقر رحمه الله قال : لما ولد عيسى - ع - كان ~~ابن يوم كأنه ابن شهر ، فلما كان ابن تسعة أشهر أخذت والدته بيده وجاءت به ~~إلى كتاب وأقعدته بين يدي المؤدب . فقال له المؤدب : قل : " بسم الله ~~الرحمن الرحيم " فقالها عيسى - ع - . فقال المؤدب : قل : أبجد ، فرفع عيسى ~~رأسه وقال للمؤدب : هل تدري ما أبجد ؟ فعلاه ليضربه . فقال : يا مؤدب ، لا ~~تضربني ، إن كنت تدري وإلا فسلني حتى أفسر لك . فقال : فسره لي . فقال عيسى ~~- ع - : الهاء هي جهنم وهي الهاوية ، والواو ويل لأهل النار ، والزاي زفير ~~جهنم . حطى ، حطت الخطايا عن المستغفرين . كلمن ، كلام الله غير مخلوق لا ~~مبدل لكماته . سعفص ، صاع بصاع والجزاء بالجزاء . قرشت تقرشهم حين تحشرهم ، ~~أي تجمعهم . فقال المؤدب لأمه : أيتها المرأة ، خذي بيد ابنك فقد علم ولا ~~حاجة له إلى مؤدب . وقال سعيد بن جبير : قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " إن عيسى - ع - أرسلته أمه إلى الكتاب ليتعلم ، فقال له المعلم ~~قل بسم الله الرحمن الرحيم فقال وما باسم الله . قال لا أدري . قال الباء ~~بهاء الله والسين سناء الله والميم مملكته " . والله أعلم الموفق . معجزة ~~أخرى : قال الكسائي : وانطلقت به أمه إلى صباغ ليعلمه صنعة الصباغة . فأخذه ~~الصباغ وأمره أن يملأ التيغارات من تيغار كبير ، وناوله أصباغا وأمره أن ms2728 ~~يجعل في كل تيغار صبغا ، وأن يصبغ الثياب في تلك التيغارات على اختلاف ~~ألوانها ، وفارقه الصباغ وخرج إلى منزله . فعمد عيسى إلى تيغار واحد وملأه ~~ماء وأخذ جميع تلك الأصباغ PageV14P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" فجعلها فيه . ووضع جميع تلك الثياب فيه ~~وانصرف إلى أمه . فلما كان من الغد جاء الصباغ إلى الحانوت فنظر إلى ما ~~فعله عيسى ، فقال له : يا عيسى أهلكتني وأفسدت ثياب الناس . قال عيسى : يا ~~صباغ ، ما دينك ؟ قال : دين اليهود . قال : قل : لا إله إلا الله وأني عيسى ~~روح الله ، وأدخل يدك في هذا التيغار وأخرج كل ثوب على ما تريد . فآمن ~~الصباغ بالله وبعيسى - ع - وأدخل يده فأخرج كل ثوب على ما أراده أصحابه . ~~قال : وظهر لعيسى بمصر معجزات كثيرة . ذكر خبر زكريا عليه السلام مع هيرودس ~~الملك وما كان من أمره قال الكسائي : ولما كان من أمر عيسى - ع - وكلامه ما ~~قدمناه وتنكست الأصنام ليلة مولده ، جاء إبليس لعنه الله إلى الملك في صورة ~~شيخ وقال له : أيها الملك ، إن لك عندي نصيحة فاخل معي . فخلا به وقال : ما ~~نصيحتك ؟ قال : قد بلغك ما كان من شأن المولود الذي تكلم في المهد . قال ~~نعم . قال : وقد رأيت ما حل بالأصنام من شؤم مولده ، وإنه لخلق أن يشمل ~~الأرض كلها بشؤمه ، وأنت فلا يمكنك قتله الآن لخروجه من بلادك ، وأرى أن ~~تفعل أمرا يتشاءم الناس بسببه بهذا المولود يعينونك على قتله ، وأنت مع ذلك ~~تطلبه . فإن ظفرت به ذبحته . قال الملك : فما الذي رأيت ؟ فلعمري لقد وقع ~~في نفسي إنك لخليق أن يكون عندك رأي ومكيدة . قال : تذبح الولدان ، فإن ذلك ~~يبغضه إلى الناس ويتشاءمون به فيكفوك أمره . قال : لقد أتيت بالأمر على ~~وجهه ، وأمر بذبح الولدان من سنتين فما دونهما ، فوقع الذبح في صبيان بني ~~إسرائيل . قال : ثم انطلق إبليس إلى مجلس بني إسرائيل وموادبهم يقول : ~~الفاحشة في مريم ويقذفها بزكريا ، يعرض بذلك لخيارهم ، ويبوح به ويصرح ~~لشرارهم ، حتى شاعت الفاحشة على زكريا . فلما رأى ms2729 زكريا ذلك هرب واتبعه ~~سفهاؤهم وشرارهم ، وسلك في واد كثير النبت ، حتى إذا تواسط الوادي انفرجت ~~له شجرة فدخلها وأقبل القوم في طلبه ، وإبليس يقدمهم حتى أوقفهم عليه وهو ~~في الشجرة وقد التحمت عليه ، فأشار عليهم بقطعها ، فقطعت . ثم قال لهم : أي ~~العقوبة والنكال أبلغ في هذا الذي أورث آباءكم الطيبين إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب وذريتهم من بعدهم الفضيحة والعار ؟ . قالوا : القتل أو النشر . ~~فأشار عليهم بنشره ، فنشروه نصفين ثم انصرفوا عنوه ، وغاب عنهم إبليس لعنه ~~الله . وبعث الله تعالى الملائكة فغسلوا زكريا وصلوا عليه ثلاثة أيام ثم ~~دفنوه . وقد قيل في مقتل زكريا غير هذا ، وقد تقدم في أخباره . والله أعلم ~~. PageV14P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" ذكر رجوع عيسى ومريم عليهما السلام من مصر ~~قال الكسائي قال وهب : وأقامت مريم وابنها عيسى بمصر اثنتي عشرة سنة حتى ~~أهلك الله الملك هيرودس . قال : وأوحى الله تعالى إلى مريم بوفاة الملك ~~وأمرها أن ترجع إلى بلادها بالشام ، فجاء يوسف النجار فرجع بها . فلم تزل ~~هي وابنها يسكنان بجبل الخليل بقرية يقال لها الناصرة ، وبها سميت النصارى ~~، وبها ابتدعت النصرانية . قال : ثم أوحى الله تعالى إلى عيسى بعد أن تمت ~~له ثلاثون سنة أن يبرز إلى الناس ويدعوهم إلى الله تعالى ، وأنزل عليه ~~الإنجيل . فكان يسير في البلاد ويدعو الناس إلى الله عز وجل ويرغبهم فيما ~~عنده ، ويزهدهم في الدنيا ويضرب لهم أمثالا ، ويداوي المرضى والزمنى ، ~~ويبرئ الأكمه والأبرص . فأحبه الناس وسكنوا إليه ، وكثرت أتباعه حتى امتنع ~~وعلا أمره . ثم أحيا الموتى بإذن الله تعالى . قالوا : وربما اجتمع عليه من ~~المرضى والزمنى في الساعة الواحدة خمسون ألفا ، فمن أطاق منهم أن يبلغه ~~بلغه ، ومن لم يقدر على ذلك أتاه عيسى يمشي إليه . وإنما كان يداويهم ~~بالدعاء بشرط الإيمان . ذكر خبر الحواريين حين اتبعوا عيسى عليه السلام ~~وآمنوا به قال الكسائي رحمه الله : ومر عيسى على قوم يصيدون السمك وهم ~~أربعة : شمعون ، وأخ له اسمه أندريوس ، ويعقوب ، ويوحنا . فوعظهم وزهدهم في ~~الدنيا ووعدهم الجنة ونعيمها فآمنوا ms2730 به واتبعوه . قال : ومر بطائفة أخرى ~~فوجدهم على نهر يغسلون الثياب ، منهم لوقا ، وتوما ، ومرقوس ، ويوحنا ، ~~وأخوان لهم صبيان لم يبلغا PageV14P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" الحلم ، أحدهما شمعون والآخر يعقوب ، وقيل في ~~أسمائهم غير هذا . والله أعلم . فقال لهم عيسى : يا قوم ، إنكم تقصرون هذه ~~الثياب وتنظفونها من أوساخها ، فلم لا تفعلون ذلك مع قلوبكم . ثم قال لهم : ~~إني رسول الله إليكم جميعا ، وبشرهم برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فقال : " ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " قال : فأمنوا به واتبعوه ، ~~وكانوا كلهم اثني عشر رجلا ، أربعة منهم كانوا يصيدون السمك ، وثمانية ~~يقصرون الثياب . وكان من القصارين رجل أسفل النهر يقال له يوذا لم يسمع ~~كلام عيسى . فلما رأى أصحابه اتبعوه لحق بهم ، وهو الذي ارتد بعد ذلك ودل ~~اليهود على عيسى ، فصاروا به قبل ارتداده ثلاثة عشر . ذكر الخصائص والآيات ~~والمعجزات التي أظهرها الله تعالى على يد عيسى عليه السلام بعد مبعثه قال ~~الله تعالى : " إذ قال يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ ~~أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون ~~طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني " الآيات . ~~قوله تعالى : " اذكر نعمتي عليك " قال الحسن : ذكر النعمة : شكرها ، وأراد ~~بقوله : " نعمتي " نعمى ، كقوله تعالى : " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " ~~. ثم ذكر تعالى النعم فقال : " إذ أيدتك بروح القدس " وقال : " وأيدناه ~~بروح القدس " . واختلفوا في روح القدس ما هو ؟ فقال الربيع بن أنس : هو ~~الروح الذي نفخ فيه ، أضاف سبحانه إلى نفسه تكرما وتخصيصا ، نحو : بيت الله ~~، وناقة الله . والقدس : هو الله تعالى يدل عليه قوله : " وروح منه " وقوله ~~تعالى : " فنفخنا فيه من روحنا " . وقال آخرون أراد الله تعالى بالقدس : ~~الطهارة ، يعني الروح الطاهرة ، سمي روحه قدسا لأنه لم تتضمنه أصلاب ~~الفحولة إنما كان أمرا من الله تعالى . وقال السدي وكعب : روح القدس هو ~~جبريل ms2731 ، وتأييد عيسى بجبريل عليها السلام هو أنه كان رفيقه وقرينه يوحي ~~إليه ويعينه ويسير معه حيثما سار PageV14P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" إلى أن صعد به إلى السماء . وقال سعيد بن ~~جبير وعبيد بن عمير : هو اسم الله الأعظم ، وبه كان يحيي الموتى ويرى الناس ~~تلك العجائب . وقوله : " وإذ علمنك الكتاب " يعني الخط ، " والحكمة " يعني ~~العلم والفهم . " والتوراة والإنجيل " كان يقرؤهما من حفظه . وقوله : " وإذ ~~تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني " . قوله : " ~~تخلق " أي تجعل وتصور وتقدر " من الطين كهيئة الطير " أي كصورة الطير . ~~فكان عيسى يصور من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيصير طيرا بإذن الله ~~تعالى . قالوا : ولم يخلق غير الخفاش . وإنما خص بالخفاش لأنها أكمل الطير ~~خلقا ، فتكون أبلغ في القدرة ، لأن لها ثديا وأسنانا ، وهي تلد وتحيض وتطهر ~~. قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه ، فإذا غاب عن أعينهم سقط ~~ميتا ليتميز فعل الخلق من فعل الله تعالى ، وليعلم أن الكمال لله عز وجل . ~~وقوله تعالى : " وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني " . الأكمه : الذي ولد أعمى ~~ولم ير الضوء قط . قالوا : ولم يكن في الإسلام أكمه غير قتادة . والأبرص : ~~الذي به وضح ، وكان الغالب على زمن عيسى الطب ، فأراهم الله تعالى المعجزة ~~من جنس ذلك . قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله : يروى أن عيسى - ع - مر ~~بدير فيه عميان ، فقال : ما هؤلاء فقيل قوم طلبوا للقضاء فطمسوا أعينهم ~~بأيدهم . فقال لهم : ما دعاكم إلى هذا ؟ فقالوا : خفنا عاقبة القضاء فصنعنا ~~بأنفسنا ما ترى . فقال : أنتم العلماء والحكماء والأحبار والأفاضل ، امسحوا ~~بأيديكم أعينكم وقولوا : باسم الله . ففعلوا ذلك فإذا هم جميعا يبصرون . ~~ذكر خبر سام بن نوح وغيره الذين أحياهم عيسى بإذن الله عز وجل قال الكسائي ~~قال وهب : سألت طائفة من بني إسرائيل عيسى بن مريم - ع - أن يحيى لهم سام ~~بن نوح وقالوا : أحي لنا سام بن نوح ليكلمنا وإلا قتلناك ، وإن فعلت آمنا ~~بك واتبعناك . فأوحى الله تعالى إليه : ناده ms2732 ثلاث مرات فإنه سيجيبك . فقام ~~عيسى على قبره وناداه ثلاث مرات : يا سام بن نوح قم بإذن الله ، فقام ~~PageV14P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" في الثالثة وهو أشمط الرأس واللحية . فقال له ~~عيسى : أهكذا مت أبيض الرأس واللحية ؟ قال : لا ، ولكني سمعت نداءك فخفت أن ~~تكون القيامة فشمطت ، وأخبر القوم بما أرادوه وكلمهم ، ثم رده عيسى إلى ~~قبره ، وما آمن بعيسى منهم إلا قليل . قالوا : وممن أحياه عيسى بن مريم ~~العازر ، وكان صديقا له ، فأرسل أخته إلى عيسى إن أخاك العازر يموت فأنه ، ~~وكان بينه وبين أن يصل إليه مسيرة ثلاثة أيام ، فأتاه وهو وأصحابه فوجدوه ~~قد مات منذ ثلاثة أيام ، فقال لأخته : انطلقي بنا إلى قبره ، فانطلقت معهم ~~إلى قبره وهو في صخرة مطبقة . فقال عيسى : اللهم رب السموات السبع والأرضين ~~السبع إنك أرسلتني إلى بني إسرائيل أدعوهم إلى دينك وأخبرتهم أني أحيي ~~الموتى بإذنك فأحي العازر . فقام العازر وأوداجه تقطر . فخرج من قبره وبقي ~~وولد له . قالوا : ومر عيسى - ع - برجل جالس على قبر وكان يكثر المرور به ~~فيجده جالسا عنده ، فقال له : يا عبد الله ، أراك تكثر القعود على هذا ~~القبر . فقال : يا روح الله ، امرأة كانت لي وكان من جمالها وموافقتها كيت ~~وكيت ولي عندها وديعة . فقال عيسى : أتحب أن أدعوا الله تعالى فيحييها ؟ ~~قال نعم . فتوضأ عيسى وصلى ركعتين ودعا الله عز وجل فإذا أسود قد خرج من ~~القبر كأنه جذع محترق . فقال له : ما أنت ؟ قال : يا رسول الله أنا في عذاب ~~منذ أربعمائة سنة ، فلما كانت هذه الساعة قيل لي أجب فأجبت . ثم قال : يا ~~رسول الله ، قد مر علي من أليم العذاب ما إن ردني الله إلى الدنيا أعطيته ~~عهدا ألا أعصيه ، فادع الله لي . فرق له عيسى ودعا الله عز وجل ثم قال له : ~~امض ، فمضى . فقال صاحب القبر : يا رسول الله ، لقد غلطت بالقبر ، إنما ~~قبرها هذا . فدعا عيسى - ع - ، فخرج من ذلك القبر امرأة شابة جميلة . فقال ~~له عيسى : أتعرفها ؟ قال ms2733 : نعم هذه امرأتي . فدعا عيسى حتى ردها الله عليه ~~. فأخذ الرجل بيدها حتى انتهيا إلى شجرة فنام تحتها ووضع رأسه في حجر ~~المرأة . فمر بهما ابن ملك فنظر إليها ونظرت إليه وأعجب كل واحد منهما ~~بصاحبه ، فأشار إليها فوضع رأس زوجها على الشجرة واتبعت ابن الملك . ~~فاستيقظ زوجها ففقدها وطلبها فدل عليها ، فأدركها وتعلق بها وقال : امرأتي ~~، وقال الفتى : جاريتي . فبينما هم كذلك إذ طلع عيسى فقال الرجل : هذا عيسى ~~وقص عليه القصة . فقال لها PageV14P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" عيسى : ما تقولين ؟ قالت : أنا جارية هذا ولا ~~أعرف هذا . فقال لها عيسى : ردي علينا ما أعطيناك . قالت : قد فعلت . فسقطت ~~مكانها ميتة . فقال عيسى : هل رأيتم رجلا أماته الله كافرا ثم بعثه فآمن . ~~وهل رأيتم امرأة أماتها الله مؤمنة ثم أحياها فكفرت . قالوا : ومروا بميت ~~على سرير ، فدعا عيسى الله تعالى ، فجلس على السرير ونزل عن أعناق الرجال ~~ولبس الثياب وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله وبقي وولد له . وممن أحياه ~~عيسى بإذن الله تعالى ابنة العازر ، قيل له : أتحييها وقد ماتت بالأمس فدعا ~~الله عز وجل ، فعاشت وبقيت وولدت . قال الكسائي : وسال بنو إسرائيل عيس - ع ~~- أن يحيى لهم عزيرا ، فقال : التمسوا قبره فالتمسوه ، فوجدوه في صندوق من ~~حجر ، فعالجوه ليفتحوا بابه فلم يستطيعوا ذلك . فرجعوا إلى عيسى وأخبروه ~~أنهم عجزوا أن يخرجوه من قبره ، فأعطاهم ماء في إناء وقال : انضحوه بهذا ~~الماء فإنه ينفتح . فانطلقوا ونضحوه بالماء فانفتح طابقه . فأقامه عيسى في ~~أكفانه فنزعها عنه ، ثم جعل ينضح جسده بالماء ولحمه ينبت وشعره وهم ينظرون ~~. ثم قال عيسى : يا عزير احي بإذن الله ، فإذا هو جالس . فقالوا : ما ~~شهادتك على هذا الرجل ؟ فقال عزير : أشهد أنه روح الله وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وأنه عبد الله ونبيه وابن أمته . قالوا : يا عيسى ، ادع ربك يحييه لنا ~~فيكون بين أظهرنا . فقال عيسى : ردوه إلى قبره فإنه انقطع رزقه وانقضى أجله ~~، فردوه إلى قبره . ومن معجزاته عليه السلام إخباره عن الغيوب ms2734 قال الله عز ~~وجل إخبارا عنه : " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك ~~لآية لكم إن كنتم مؤمنين " . قالوا : لما أبرأ عيسى - ع - الأكمه والأبرص ~~وأحيا الموتى بإذن الله قالوا له : إنك تزعم أنك تخبرنا بما نأكل في بيوتنا ~~وما ندخر . قال نعم . قالوا : فإنا نجمع خيارنا وأحبارنا ورهباننا فنأمرهم ~~أن يأكلوا ويدخروا في بيوتهم ثم نأتيك فتخبرنا . قال نعم . فانطلقوا إلى ~~بيوتهم وأكلوا وادخروا وأقبلوا إليه من الغد ، وسأله كل رجل منهم وهو يخبره ~~بما أكل وادخر . PageV14P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" ومما أخبر به عيسى - ع - من المغيبات قصة ابن ~~العجوز . وكان من خبره ما حكاه أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله أن عيسى - ع - ~~مر في سياحته بمدينة ومعه الحواريون ، فقال : إن في هذه المدينة كنزا ، فمن ~~يذهب فيستخرجه ؟ . قالوا : يا روح الله ، لا يدخل هذه القرية غريب إلا ~~قتلوه . فقال لهم : مكانكم حتى أعود إليكم ، ومضى حتى دخل المدينة فوقف ~~بباب فقال : السلام عليكم يأهل الدار ، غريب أطعموه . فقالت له امرأة عجوز ~~: أما ترضى أن أدعك لا أذهب بك إلى الوالي حتى تقول أطعموني شيئا . فبينا ~~عيسى بالباب إذ أقبل ابن العجوز فقال له عيسى : يا عبد الله ، أضفني ليلتك ~~هذه . فقال له الفتى مثل مقالة العجوز . فقال له عيسى : أما إنك لو فعلت ~~ذلك زوجتك بنت الملك . فقال له الفتى : إما أن تكون مجنونا ، وإما أن تكون ~~عيسى بن مريم . قال : أنا عيسى . فأضافه وبات عنده . فلما أصبح قال له : ~~اغد وادخل على الملك وقل له : جئت أخطب ابنتك فإنه سيأمر بضربك وإخراجك . ~~فمضى الفتى حتى دخل على الملك وقال له : جئت أخطب إليك ابنتك ، فأمر به ~~فضرب وأخرج . ورجع الفتى إلى عيسى فأخبره ، فقال له : إذا كان الغد فاذهب ~~إليه واخطب إليه فإنه ينالك بدون ذلك . ففعل ما أمر عيسى ، فضربه الملك دون ~~ذلك . فرجع إلى عيسى فأخبره ، فقال : إرجع إليه واخطبها فإنه سوف يقول لك : ~~إني أزوجك إياها على حكمى ، وحكمى قصر من ms2735 ذهب وفضة ، وما فيه من فضة وزبرجد ~~، فقل له : أفعل ذلك . فإذا بعث معك فاخرج فإنك سوف تجده فلا تحدث فيه شيئا ~~. فدخل عليه فخطب إليه ، فقال : تصدقها حكمى ؟ فقال : وما حكمك ؟ فحكم الذي ~~سمي له عيسى . فقال له : نعم ، ابعث من يقبض ذلك . فبعث معه قوما ، فدفع ~~إليهم ما سأله الملك . فعجب الملك من ذلك وسلم إليه ابنته . فتعجب الفتى ~~وقال لعيسى : يا روح الله ، تقدر على مثل هذا وأنت على مثل هذه الحال . قال ~~عيسى : لأنني آثرت ما يبقى على هذا الفاني . فقال الفتى : وأنا أدعه وأصحبك ~~. فتخلى من الدنيا واتبع عيسى . فأخذ بيده وأتى أصحابه وقال : هذا هو الكنز ~~الذي قلت لكم . فكان ابن العجوز مع عيسى حتى مات . والله أعلم . ~~PageV14P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" ذكر خبر يجمع عدة معجزات من معجزات عيسى عليه ~~السلام حكى أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله قال وهب : خرج عيسى - ع - يسيح في ~~الأرض ، فصحبه يهودي ، وكان مع اليهودي رغيفان ، ومع عيسى رغيف . فقال له ~~عيسى : تشاركني في طعامك ؟ قال اليهودي نعم . فلما رأى اليهودي أن عيسى ليس ~~معه إلا رغيف واحد ندم . فقام عيسى إلى الصلاة فأكل اليهودي رغيفا . فلما ~~قضى عيسى صلاته قدما طعامهما ، فقال عيسى لليهودي : أين الرغيف الآخر ؟ ~~فقال : ما كان إلا رغيف واحد ، فأكل عيسى رغيفا وصاحبه رغيفا ، ثم انطلقا ~~فجاءا إلى شجرة ، فقال عيسى لصاحبه : لو أننا بتنا تحت هذه الشجرة . فناما ~~ثم أصبحا . فانطلقا فلقيا أعمى ، فقال له عيسى : أرأيت إن عالجتك حتى رد ~~الله عليك بصرك هل تشكره ؟ قال نعم . فمس عيسى - ع - بصره ودعا الله تعالى ~~فإذا هو صحيح . فقال عيسى لليهودي : بالذي أراك الأعمى بصيرا كم كان معك من ~~رغيف ؟ فقال : والله ما كان إلا رغيف واحد ، فسكت عيسى عنه . ومرا فإذا هما ~~بمقعد ، فقال له عيسى : أرأيت إن عالجتك فعافاك الله تعالى هل تشكره ؟ قال ~~بلى . فدعا الله عيسى فإذا هو صحيح قائم على رجليه . فقال صاحب عيسى : ما ~~رأيت مثل هذا ms2736 قط . فقال عيسى : بالذي أراك الأعمى بصيرا والمقعد صحيحا ، من ~~صاحب الرغيف الثالث ؟ فحلف له اليهودي ما كان معه إلا رغيف واحد ، فسكت ~~عيسى . وانطلقا حتى انتهيا إلى نهر عجاج جرار ، فقال عيسى : لا أرى جسرا ~~ولا سفينة ، فخذ بحجزتي من ورائي وضع قدمك موضع قدمي ، ففعل ومشيا على ~~الماء . فقال له عيسى : بالذي أراك الأعمى بصيرا والمقعد صحيحا وسخر لك هذا ~~البحر حتى مشيت عليه ، من صاحب الرغيف الآخر ؟ فقال : لا والله ما كان إلا ~~رغيف واحد ، فسكت عيسى . وانطلقا فإذا هما بظباء يرعين ، فدعا عيسى بظبي ~~فأتاه فذبحه وشوى منه بعضا وأكلاه ، ثم ضرب عيسى بقية الظبي بعصاه وقال : ~~قم بإذن الله عز وجل فإذا الظبي يعدو . فقال الرجل : سبحان الله . فقال ~~عيسى : بالذي أراك هذه الآية ، من صاحب الرغيف الآخر ؟ فقال : ما كان إلا ~~رغيف واحد . فانطلقا فمرا بصاحب بقر ، فنادى عيسى : يا صاحب البقر ، اجزر ~~لنا من بقرك هذه عجلا . قال : ابعث صاحبك يأخذه . فانطلق اليهودي فجاء به ، ~~فذبحه وشواه وصاحب البقر ينظر إليه . فقال له عيسى : كل ولا تكسر له عظما ، ~~ففعل . فلما PageV14P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" فرغ قذف بعظامه في جلده وضربه بعصاه وقال : ~~قم بإذن الله تعالى ، فقام العجل وله خوار . فقال : يا صاحب البقر خذ عجلك ~~. قال : ويحك من أنت ؟ قال : أنا عيسى بن مريم . قال : عيسى السحار ثم فر ~~منه . فقال عيسى لصاحبه : بالذي أحيا لك العجل ، كم كان معك من رغيف ؟ قال ~~: ما كان معي إلا رغيف واحد ، فسكت عيسى . ومضيا حتى دخلا قرية ، فنزل عيسى ~~في أسفلها واليهودي في أعلاها ، فأخذ اليهودي عصا عيسى وقال : أنا الآن ~~أبرئ المرضى وأحيي الموتى . قال : وكان ملك تلك المدينة مريضا مدنفا . ~~فانطلق اليهودي ينادي : من يبتغي طبيبا ، حتى أتى قصر الملك ، فأخبر بوجعه ~~، فقال : أدخلوني عليه فأنا ابرئه ، وإن لقيتموه قد مات فأنا أحييه . فقيل ~~له : إن وجع الملك قد أعيا الأطباء قبلك ، فليس من طبيب يداويه ولا يشفيه ~~إلا صلبه . فقال : أدخلوني ms2737 عليه ، فأدخلوه فضرب الملك بعصاه فمات . فعجل ~~يضربه بالعصا وهو ميت ويقول : قم بإذن الله . فأخذ ليصلب . فبلغ ذلك عيسى ، ~~فأقبل إليه وقد رفع على الخشبة ، فقال لهم : أرأيتم إن أحييت لكم الملك ~~أتتركون لي صاحبي ؟ قالوا نعم . فدعا الله تعالى - ع - فأحياه وقام وأنزل ~~اليهودي من الخشبة ، فقال : يا عيسى ، أنت أعظم الناس علي منة ، والله لا ~~أفارقك أبدا . فقال له عيسى : أنشدك الله الذي أحيا الظبي والعجل بعد ما ~~أكلناهما ، وأحيا هذا بعد ما مات ، وأنزلك من الجذع بعد ما صلبت ، كم كان ~~معك من رغيف ؟ قال : والله ما كان معي إلا رغيف واحد ، قال : لا بأس . ثم ~~انطلقا حتى أتيا قرية عظيمة خربة فيها كنز وفيها ثلاث لبنات من ذهب . فقال ~~الرجل لعيسى : هذا المال لك ؟ فقال : أجل واحدة لي ، وواحدة لك ، وواحدة ~~للذي أكل الرغيف الثالث . فقال اليهودي : أنا والله أكلته وأنت تصلي . فقال ~~عيسى : هي لك كلها . فانطلق عيسى وتركه قائما ينظر وهو لا يستطيع أن يحمل ~~واحدة منهن ، وكلما أراد أن يحمل واحدة ثقلت عليه . فقال له عيسى : دعه فإن ~~له أهلا يهلكون عليه . فجعلت نفس اليهودي تطلع إلى المال ويكره أن يعصى ~~عيسى ويعجز عن حمله . فانطلق مع عيسى ، فبينما هما كذلك إذ مر بالمال ثلاثة ~~نفر فأقاموا عليه . فقال اثنان منها لصاحبهما : انطلق إلى أهل هذه القرية ~~فأتنا بطعام وشراب ودواب وحمل هذا المال عليها . فلما ذهب صاحبهما قال ~~أحدهما للآخر : هل لك أن نقتله إذا رجع ونقتسم المال فيما بيننا ؟ قال نعم ~~. وقال الذي ذهب في نفسه : هو ذا أجعل في الطعام سما فإذا أكلاه ماتا ويصير ~~المال كله إلي ، ففعل ذلك . فلما رجع إليهما قتلاه ، ثم أكلا الطعام فماتا ~~. ومر - ع - بهم وهم PageV14P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" موتى حوله ، فقال : هكذا تصنع الدنيا بأهلها ~~، فأحياهم بإذن الله عز وجل ، فاعتبروا ومروا ولم يأخذوا من المال شيئا . ~~فتطلعت نفسي اليهودي صاحب عيسى إلى المال فقال : أعطني المال . فقال له ~~عيسى : خذه فهو ms2738 حظك من الدنيا والآخرة . فلما ذهب اليهودي ليحمله خسف الله ~~تعالى به الأرض ، وانطلق عيسى - ع - . ذكر خبر المائدة التي أنزلها الله عز ~~وجل من السماء قال وهب : وسأل بنو إسرائيل عيسى بن مريم - ع - أن ينزل ~~عليهم مائدة من السماء . قال الله تعالى : " إذ قال الحواريون يا عيسى ابن ~~مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم ~~مؤمنين ، قالوا نريد أن نأكل منهما وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون ~~عليها من الشاهدين " . وقرأ علي وعائشة وسعيد بن جبير ومجاهد رضي الله عنهم ~~" هل تستطيع ربك " بالتاء المثناة من أعلاها ونصب الباء الموحدة في ربك ~~واختاره الكسائي فأبو عبيد على معنى هل تستطيع أن تدعو ربك وتسأل ربك . ~~قالوا : لأن الحواريين لم يكونوا شاكين في قدرة الله تعالى . وقرأ الباقون ~~" يستطيع ربك " بالياء المثناة من تحتها ورفع الباء وقالوا : إنهم لم يشكوا ~~في قدرة الله تعالى وإنما معناها هل ينزل أم لا ، كما يقول الرجل لصاحبه : ~~هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنه يستطيع ، وإنما يريد هل يفعل أم لا ، ~~وأجراه بعضهم على الظاهر فقالوا : غلط القوم وكانوا بشرا ، فقال لهم عيسى - ~~ع - استعظاما لقولهم : " اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " معناه أن تشكوا في ~~قدرة الله أو تنسبوه إلى عجز أو نقصان . وقيل : قال لهم : اتقوا الله أن ~~تسألوه شيئا لم تسأله الأمم قبلكم . قالوا : إنما سألنا لأنا نريد أن نأكل ~~منها فتستيقن قدرته وتطمئن وتسكن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا بأنك رسول الله ~~، ونكون عليها من الشاهدين ، فنقر لله بالوحدانية والقدرة ، ولك بالرسالة ~~والنبوة ، وقيل : ونكون عليها من الشاهدين لك عند بني إسرائيل إذا رجعنا ~~إليهم . قال الكسائي : فأمرهم عيسى بصيام ثلاثين يوما وأن الله بعد ذلك ~~يطعمهم وينزلها عليهم . فصاموا حتى تم الأجل ، فقام عيسى وصلى وسأل الله ~~تعالى وقال : " اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا ~~لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين " . قال ms2739 قوله : " عيدا " ~~أي عائدة من الله علينا وحجة وبرهانا . والعيد اسم لما أعدته وعاد إليك من ~~كل شيء ؛ ومنه قيل ليوم الفطر ويوم PageV14P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" الأضحى عيد ، لأنهما يعودان كل سنة . وقوله : ~~" لأولنا وآخرنا " . قال الثعلبي : يعني لأهل زماننا ولمن يجيء من بعدنا . ~~وقرأ زيد بن ثابت : " لأولانا وأخرانا " وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~يعني يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم . " وآية منك " دلالة وحجة . قال ~~الله عز وجل مجيبا لعيسى - ع - : " إني منزلها عليكم " . وقرأ أهل الشام ~~وقتادة وعاصم " منزلها " بالتشديد لأنها نزلت مرات ، والتفعيل يدل على ~~التكثير مرة بعد مرة . وقال تعالى : " فمن يكفر بعد منك " أي يكفر بعد نزول ~~المائدة " فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين " أي عالمي زمانهم . ~~قال : فجحد القوم وكفروا بعد نزول المائدة فمسخوا قردة وخنازير . قال ~~الثعلبي : واختلف العلماء في المائدة ، هل نزلت أم لا ؟ فقال مجاهد : ما ~~نزلت مائدة ، وهذا مثل ضرب . وقال الحسن : والله ما نزلت المائدة ، إن ~~القوم لما سمعوا الشرط وقيل لهم : " فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين " . استعفوا وقالوا : لا نريدها ولا حاجة لنا فيها ~~، فلم تنزل . قال أبو إسحاق الثعلبي : والصواب أنها نزلت ، لقوله عز وجل : ~~" إني منزلها عليكم " ولا يقع في خبره الخلف ولتواتر الأخبار عن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) والصحابة والتابعين رضوان الله عليهم وغيرهم من ~~علماء الدين في نزولها . قال كعب : أنزلت يوم الأحد ، فلذلك اتخذه النصارى ~~عيدا . واختلفوا في صفتها وكيفية نزولها ، فحكى الكسائي عن وهب قال : أنزل ~~الله تعالى على عيسى مكتلا فيه ثلاث سمكات مشويات ليس لها شوك ولا قشر ~~وثلاثة أرغفة ، والملائكة تحملها حتى وضعوها بين يدي عيسى . قال : وقد قيل ~~: إن المائدة كانت سفرة من الأدم الأحمر ، وكان فيها سمكة واحدة مشوية ~~وحولها الخضر والبقول ، وعند رأسها خل ، وعند ذنبها ملح وخمسة أرغفة على كل ~~منها زيتون ، وخمس رمانات وممرات . وقال الثعلبي في تفسيره : روى قتادة ms2740 عن ~~خلاس بن PageV14P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" عمرو عن عمار بن ياسرعن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال : " نزلت المائدة خبزا ولحما " وذلك أنهم سألوا عيسى طعاما ~~يأكلون منه لا ينفد ، فقيل لهم : إنها مقيمة لكم ما لم تخونوا أو تخبوا أو ~~ترفعوا ، فإن فعلتم ذلك عذبتم . قال : فما مضى يومهم حتى خبئوا ورفعوا ~~وخانوا . وقال إسحاق بن عبد الله : إن بعضهم سرق منها وقال : لعلها لا تنزل ~~أبدا ، فرفعت ومسخوا قردة وخنازير . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إن ~~عيسى بن مريم - ع - قال لبني إسرائيل : " صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ~~تعالى ما شئتم يعطكم " . فصاموا ثلاثين يوما ، فلما فرغوا قالوا : يا عيسى ~~، إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا طعاما ، وإنا قد صمنا وجعنا ، ~~فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء ففعل . فأقبلت الملائكة بمائدة ~~يحملونها ، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم ، فأكل ~~منها آخر الناس كما أكل أولهم . وروي عطاء بن السائب عن راذان وميسرة قالا ~~: كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت عليهم الأيدي من السماء بكل ~~طعام إلا اللحم . وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم : أنزل على ~~المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم . قال عطاء : أنزل عليها كل شيء . وقال ~~عمار وقتادة : كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمر من ثمار الجنة . وقال ~~وهب بن منبه : أنزل الله تعالى أقرصة من شعير وحيتانا . فقيل لوهب : ما كان ~~ذلك يغني عنهم ؟ قال : لا شيء ، ولكن الله أضعف لهم البركة ، فكان قوم ~~يأكلون ويخرجون ويجيء الآخرون فيأكلون ويخرجون ، حتى أكلوا بأجمعهم وفضل . ~~وقال الكلبي ومقاتل : استجاب الله تعالى لعيسى عليه السام فقال : إني ~~منزلها عليكم كما سألتم ، فمن أكل من ذلك الطعام ثم لم يؤمن جعلته مثلا ~~ولعنة لمن بعدهم ، قالوا : قد رضينا . فدعا شمعون الصفا وكان أفضل ~~الحواريين فقال : هل معك طعام ؟ قال : نعم معي سمكتان وسبعة أرغفة . قال : ~~قدمها . فقطعهن عيسى - ع - قطعا PageV14P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" صغارا ms2741 ثم قال : اقعدوا في روضة وترفقوا رفاقا ~~، كل رفقة عشرة . ثم قام عيسى - ع - ودعا الله تعالى فاستجاب الله له ونزل ~~فيها البركة ، فصار خبزا صحاحا وسمكا صحاحا . ثم قام عيسى فجعل يلقى في كل ~~رفقة ما حملت أصابعه ، ثم قال : كلوا باسم الله ، فجعل الطعام يكثر حتى بلغ ~~ركبهم ، فأكلوا ما شاء الله وفضل منه ، والناس خمسة آلاف ونيف . فقال الناس ~~جميعا : نشهد أنك عبد لله ورسوله . ثم سألوه مرة أخرى ، فدعا الله تعالى ، ~~فأنزل الله خبزا وسمكا ، خمسة أرغفة وسمكتين ، فصنع بها ما صنع في المرة ~~الأولى . فلما رجعوا إلى قراهم ونشروا هذا الحديث ضحك منهم من لم يشهدها ، ~~وقالوا لهم : ويحكم إنما سحر أعينكم ، فمن أراد الله تعالى به الخير ثبته ~~على بصيرته ، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره . فمسخوا خنازير وليس فيهم صبي ~~ولا امرأة . فمكثوا بذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا ، ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ~~ولم يشربوا . وقال كعب : نزلت مائدة منكوسة من السماء تطير بها الملائكة ~~بين السماء والأرض عليها كل طعام إلا اللحم . وقال قتادة : كانت تنزل عليهم ~~بكرة وعشية حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل . وقال يمان بن رئاب : ~~كانوا يأكلون منها ما شاءوا . وروى عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي قال ~~: لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم أن ينزل عليهم المائدة لبس صوفا وبكى ~~وقال : " اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء " الآية ، وأرزقنا عليها ~~طعاما نأكله ، وارزقنا وأنت خير الرازقين . فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين ، ~~غمامة من فوقها وغمامة من تحتها ، وهم ينظرون إليها وهي تهوي منقضة حتى ~~سقطت بين أيديهم . فبكى عيسى وقال : " اللهم اجعلني من الشاكرين ، اللهم ~~اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة ومثلة " والشهود ينظرون إليها ، ينظرون إلى ~~شيء لم يروا مثله قط ، ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه . فقال عيسى - ع - : ~~ليقم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله ويأكل منها . فقال شمعون الصفا ~~رأس الحوايين : أنت أولى بذلك منا . فقام عيسى - ع - فتوضأ وصلى صلاة طويلة ms2742 ~~وبكى بكاء كثيرا وكشف المنديل عنها وقال : باسم الله خير الرازقين . فإذا ~~هو بسمكة مشوية ليس عليها PageV14P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" فلوسا ولا شوك تسيل سيلا من الدسم ، وعند ~~رأسها ملح ، وعند ذنبها خل ، وحولها من أنواع البقول ما خلا الكراث ؛ وإذا ~~خمسة أرغفة على واحد منها زيتون ، وعلى الثاني عسل ، وعلى الثالث بيض ، ~~وعلى الرابع جبن ، وعلى الخامس قديد . قالوا : فلما استقرت بين يدي عيسى ~~قال شمعون رأس الحواريين : أنت أولى يا روح الله ، أمن طعام الدنيا هذا أم ~~من طعام الآخرة ؟ فقال عيسى - ع - : ليس شيء مما ترون ، ولكنه شيء افتعله ~~الله تعالى بالقدرة الغالبة ، كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله . قال ~~الحواريون : يا روح الله ، لو أريتنا من هذه الآية اليوم آية أخرى فقال ~~عيسى : يا سمكة احيي بإذن الله . فاضطربت السمكة وعادت عليها فلوسها وشوكها ~~ففزعوا منها . فقال عيسى : ما لكم تسألون أشياء إذا أعطيتموها كرهتموها ، ~~ما أخوفني عليكم أن تعذبوا يا سمكة عودي كما كنت بإذن الله تعالى . فعادت ~~السمكة مشوية كما كانت . فقالوا : يا روح الله ، كن أول من يأكل منها ثم ~~نأكل نحن . فقال عيسى : معاذ الله أن آكل منها ، ولكن يأكل منها من سألها ، ~~فخافوا أن يأكلوا منها . فدعا عيسى - ع - أهل الزمانة والمرض وأهل البرص ~~والجذام والمقعدين والمبتلين فقال : كلوا من رزق الله ولكم المهنأ ولغيركم ~~البلاء . وفي رواية : كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم واذكروا اسم الله . ~~فأكلوا وصدروا عنها وهم ألف وثلاثمائة رجل وامرأة من فقير وزمن ومريض ~~ومبتلى كلهم شبعان يتجشأ ، ثم نظر عيسى - ع - إلى السمكة فإذا هي كهيئتها ~~حين نزلت من السماء . ثم طارت المائة صعدا وهم ينظرون إليها حتى توارت عنهم ~~. فلم يأكل منها يومئذ زمن إلا صح ولا مريض إلا برأ ، ولا مبتلي إلا عوفين ~~ولا فقير إلا استغنى ولم يزل غنيا حتى مات ؛ وندم الحواريون ومن لم يأكل ~~منها إذ لم يأكلوا منها . وكانت إذا نزلت اجتمع الفقراء والأغنياء والصغار ~~والكبار والرجال والنساء ms2743 فيزدحمون عليها . فلما رأى عيسى ذلك جعلها نوبة ~~بينهم ، فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى ولا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا ~~فاء الفيء طارت صعدا PageV14P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" وهم ينظرون إلى ظلها حتى تتوارى عنهم . وكانت ~~تنزل غبا ، تنزل يوما ولا تنزل يوما كناقة صالح . وأوحى الله عز وجل إلى ~~عيسى أن اجعل مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء ، فعظم ذلك على الأغنياء ~~حتى شكوا وشككوا الناس فيها وقالوا : أترون المائدة حقا نزلت من السماء ~~فقال عيسى : هلكتم تجهزوا لعذاب الله . فأوحى الله تعالى إلى عيسى - ع - : ~~إني شرطت على المكذبين شرطا أن من كفر بعد نزولها عذبته عذابا لا أعذبه ~~أحدا من العالمين . فقال عيسى : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك ~~أنت العزيز الحكيم " . فمسخ منهم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون رجلا . وقال ~~الكسائي عن وهب : مسخ منهم خمسة آلاف وخمسمائة ، فباتوا على فرشهم مع ~~نسائهم في ديارهم ، فأصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات ويأكلون ~~العذرة . فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى - ع - ، وبكى على الممسوخين ~~أهلوهم . ولما أبصرت الخنازير عيسى - ع - بكت وجعلت تطيف به وجعل عيسى ~~يدعوهم بأسمائهم واحدا واحدا فيبكون ويشيرون برءوسهم ولا يقدرون على الكلام ~~، فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا . وهؤلاء الذين لعنوا على لسان عيسى كما قال ~~تعالى : " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم " ~~الآية . ذكر ما قالته الشياطين الثلاثة في عيسى بن مريم واتبعهم الناس ~~بعدهم قال الكسائي قال وهب : جاء إبليس إلى عيسى - ع - هو وأصحاب له على ~~صور رجال ذوي هيئة وشيبة وعيسى يقول لبني إسرائيل : " قد جئتكم بآية من ~~ربكم " الآية . فقال إبليس : هذا الله عز وجل يأيها الناس فانظروا إليه ، ~~فإنه نزل إليكم ليريكم قدرته . فقال أحد أصحاب إبليس : بئسما قلت يا شيخ ~~أخطأت وجرت وقلت قولا عظيما ، أتزعم أن الله يتجلى لخلقه لينظروا إلى قدرته ~~وهل ينبغي لخلقه أن ينظروا إليه أو يسمعوا كلامه أو يقوموا لرؤيته لا ، ~~ولكنه ابن الله وليس ms2744 هو PageV14P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" الله . فقال الثالث : كلا كما قال شططا وأخطأ ~~وجار وقال قولا عظيما ، وهل ينبغي لله أن يتخذ صاحبة يكون له منها ولد وهل ~~ينبغي لولد هو من الله أن تستقل به قوة امرأة ويسعه رحمها ولكنه إله مع ~~الله وليس بولد لله وليس بالله كما قلتما . قال : فتفرقوا على ذلك ونطق ~~الناس بقولهم ، فصار ذلك كلام النصارى . قال الله تعالى : " لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم " . وقال تعالى : " وقالوا اتخذ الله ~~ولدا سبحانه " . وقال تعالى : " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ~~وما من إله إلا إله واحد " . ذكر خبر إبليس حين عارض عيسى عليه السلام وما ~~خاطبه به وجوابه قال وهب : ثم جاء إبليس إلى عيسى بن مريم فعارضه في عقبة ~~من عقاب الأرض المقدسة يقال لها عقبة فيق : فقال له : أنت المسيح بن مريم ؟ ~~قال عيسى : أنا المسيح عيسى بن مريم روح الله وكلمته وعبد الله وابن أمته . ~~فقال له إبليس : فأنت إله الأرض . قال : بل إله الأرض ربي . قال : فأنت ~~الذي بلغ من عظم ربوبيتك أن تكلمت في المهد صبيا . قال : بل العظمة للذي ~~أنطقني في صغري . قال : بل فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تخلق من الطين ~~كهيئة الطير فتنفخ فيه فتكون طيرا . قال عيسى : بل العظمة للذي خلقني وخلق ~~ما سخر لي . قال : فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تشفي المرضى . قال ~~عيسى : بل العظمة للذي بإذنه شفيتهم وإن شاء أمرضني . قال إبليس : فأنت ~~الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تحيي الموتى . قال عيسى : بل العظمة للذي ~~بإذنه أحييهم ، ولا بد أنه سميت من أحييت ويميتني . قال : فأنت الذي بلغ من ~~عظم ربوبيتك أنك تعبر البحر فلا تبتل قدماك ولا ترسخ فيه . قال : بل العظمة ~~للذي ذلله . قال : فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تعلم الغيب . قال : بل ~~العظمة لعالم الغيب والشهادة ، لست أعلم إلا ما علمني . قال : فأنت الذي ~~بلغ من عظم ms2745 ربوبيتك أنك كونت من غير أب . قال : بل العظمة للذي كونني وكون ~~آدم وحواء من قبلي . قال : فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك سيأتي ~~PageV14P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" عليك يوم تعلو فيه الخلائق كلها . فتكون ~~السموات السبع والأرضون السبع ومن فيهن دونك ، وأنت فوق ذلك كله تدبر الأمر ~~وتقسم الأرزاق . قال : فأعظم عيسى قوله وضاق به ذرعا وسبح إعظاما لما قال ~~إبليس . قال : فأتاه جبريل فنفخ إبليس نفخة ذهب يلطم منها على وجهه فلا ~~يملك من نفسه شيئا حتى وقع بالخافق الأقصى ، ثم نهض بالذي أعطاه الله من ~~القوة فسبق عيسى إلى أسفل العقبة فسدها وملأ كل ثلمة وطريق ، ثم قال لعيسى ~~: لقد غضبت غضب إله عظيم ، وقد أخبرتك بأنك إله وما أنت من البشر ، ولو كنت ~~من البشر ما قمت ، منذ فارقتك ، أربعين ليلة لم تطعم ولم تشرب ولم تنم ولم ~~يضرع لذلك جسمك ، وهذا ما لا ينبغي لبشر . قال عيسى : إن جسدي ليألم مما ~~يألم منه البشر ، وإني لأطعم وأشرب وأنام وأغفل وأفرح وأحزن وأجزع وأهلع ~~وأحتاج إلى أن أتنظف بالماء وكيف تزعم أني إله وأنت تعلم أني هكذا . ولم ~~يزل إبليس لعنه الله يحاوره حتى عرض عليه أن يأمر الشياطين بعبادته ~~والاعتراف بربوبيته . فضاق عيسى ذرعا وسبح لله تعالى فقال : " سبحان الله ~~عما يقول وبحمده ، ملء سمائه وأرضه ، وعدد خلقه ، ورضا نفسه ، ومبلغ علمه ، ~~ومنتهى كلماته ، وزنة عرشه " . فهبط جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فنفخه ~~ميكائيل نفخة ذهب منها نحو مطلع الشمس حتى صدم عين الشمس عند طلوعها ، فخر ~~حصيدا محترقا ، فأتبعه إسرافيل فنفخه نحو مغرب الشمس فانطلق لا يملك من ~~نفسه شيئا حتى حاذى عيسى فقال : يا بن مريم ، لقد لقيت منك تعبا . ومرت به ~~النفخة حتى وقع في العين الحامية التي تغرب الشمس فيها ، فلبث سبعة أيام ~~وسبع ليال ، متى أراد الخروج منها غطته الملائكة بأجنحتها ، فما رام عيسى ~~بعد ذلك . والله أعلم . ذكر خبر عيسى مع اليهود حين ظفروا به وأرادوا صلبه ~~وقتله قال وهب : لما ms2746 أوحى الله عز وجل إلى عيسى : " إني متوفيك ورافعك إلي ~~" جزع من الموت جزع شديدا وقال للحواريين : هذا الزمان الذي يقبض الله فيه ~~الراعي ثم تفرق الرعية من بعده ، فعرفوا أنه يعني نفسه ، فبكوا ~~PageV14P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" وجزعوا ، فقال : لا تبكوا من حزن الفراق ، ~~فسترون ما هو أشد منه ، ولست مفارقكم حتى يظفر بي عدوي ثم ياسرونني ، فلا ~~تدفعوا عني ولا تمنعوا . قال : وطلابه اليهود ليقتلوه فاستخفى منهم ، فدلهم ~~عليه يوذا وهو الذي ارتد عنه ، فأخذوه من غار جبل بيت لحم وجعلوا على رأسه ~~إكليلا من الشوك ليمثلوا به ، وجعلوا يلطمونه ويضربونه من خلفه ويقولون له ~~: إن كنت نبيا كما تزعم فامنع عن نفسك وادع ربك فليحل بيننا وبينك ، وهو لا ~~يكلمهم حتى طلع الفجر ، ونصبوا له خشبة ليصلبوه . فلما أرادوا أن يرفعوه ~~عليها أظلم الجو ظلمة عظيمة لم تلبس الأرض مثلها ، وأرسل الله الملائكة ~~فحالوا بينهم وبينه وصلبوا مكانه يوذا الذي دل عليه ، وأشرقت الشمس وقلب ~~الله قلوب الناس وأبصارهم فجعلوا ينظرون إلى يوذا في صورة عيسى . قال الله ~~تعالى : " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم " . قال : ولما رفعوا يوذا على ~~الخشبة قال : يا هؤلاء ، إني أذكركم اله في دمي ، إني صاحبكم يوذا الذي ~~دللتكم على عيسى . ثم أخبرهم خبر الظلمة وأن الملائكة حالوا بينهم وبين ~~عيسى وجعلوه مكانه ، وأخبرهم بعلامات يعرفونها . فلما سمعوا ذلك منه زادهم ~~عليه غيظا وحنقا وقالوا : ما أعظم سحره كيف اطلع بسحره على سرنا وما كنا ~~نطويه دونه وقتلوه وهو صاحبهم . ذكر خبر رفع عيسى عليه السلام أول مرة ~~وهبوطه إلى الأرض ووصيته إلى الحواريين ورفعه ثانيا قال : رفع الله تعالى ~~عيسى لثلاث ساعات مضت من النهار ، فلبث في السماء أياما ، قيل سبعة أيام ، ~~وقيل أربعين يوما . والله أعلم . ثم قال الله له : إن أعداءك اليهود أعجلوك ~~عن الوصية والعهد إلى أصحابك ، فانزل إليهم واعهد لهم وأوصهم ، وانزل على ~~مريم المجدلانية فإنها في غار في جبل الجليل . وكانت مريم المجدلانية من ~~قرية من ms2747 قرى أنطاكية يقال لها مجدل . وكانت من أوسط نساء بني إسرائيل حسبا ~~، وكانت أجمل نسائهم وأكثرهم مالا ، وكانت تستحاض فلا تطهر أبدا وخطبها ~~أشراف بني إسرائيل وملوكهم وامتنعت من إجابتهم ، فظنوا أن ذلك ترفعا منهم ، ~~وإنما كان PageV14P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" بسبب ما يعرض لها . فلما ظهر عيسى - ع - وشاع ~~ذكره أتته في جملة المرضى ليشفيها ، فخجلت أن تسأله لكثرة الناس حوله ، ~~فجاءت من ورائه فمسته بيدها فزال عنها ما كانت تشكوه وطهرت وآمنت بعيسى ، ~~وأنفقت مالها فيما أمرها به من وجوه البر ، وصارت فقيرة وتبتلت وتخلت ~~للعبادة ، وكانت تعد من أصحاب عيسى . قال : وأمر الله تعالى عيسى أن يأمرها ~~أن تجمع له الحواريين ، وأن تستخلف عليهم شمعون ، وأن يفرقهم دعاة إلى الله ~~عز وجل في البلاد ، وأن يخبرهم بالعلامة التي تأتيهم من الله . ثم أهبطه ~~الله تعالى على مريم فاشتعل الجبل نورا ، وأتته بالحواريين ، فبلغهم رسالة ~~ربهم ، وقال : إن آية ذلك أن تأتيكم الملائكة في ليلتكم هذه بمغارف فيها ~~نور من نور الله ، فكل من تناول مغرفة منها فليلحس النور الذي فيها فإنه ~~يصبح وقد تكلم بلغة القوم الذين بعث إليهم ويصبح وهو على باب مدينتهم . قال ~~: والليلة التي هبط عيسى فيها هي الليلة التي تدخن فيها النصارى باللبان . ~~قال : فما فرغ عيسى من وصيته إلى الحواريين رفع بعد سبعة أيام ، وتوفاه ~~الله تعالى لثلاث ساعات من النهار ، ثم كساه الريش وألبسه النور ، وقطع عنه ~~المطعم والمشرب وصار ملكيا إنسيا . قال وهب : برز عيسى - ع - للناس يوم برز ~~وهو ابن ثلاثين سنة ، ولبث فيهم في نبوته وفيما كان الناس يرونه منه من ~~العجائب والآيات ثلاث سنين ، ورفعه الله وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة . وحكى ~~أبو إسحاق الثعلبي عن أهل التاريخ أن الله تعالى أوحى إلى عيسى وهو ابن ~~ثلاث وثلاثين سنة ، ورفعه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ~~ثلاث وتسعين سنة . وقد ورد في الحديث ما يدل على أنه رفع وله مائة وخمس ~~وعشرون سنة . وسنذكر ms2748 ذلك إن شاء الله تعالى في آخر السيرة النبوية على ما ~~تقف إن شاء الله عليه هناك . ذكر وفاة مريم بنت عمران عليها السلام قال ~~الكسائي قال كعب : ماتت مريم بنة عمران أم عيسى عليهما السلام قبل رفعه ، ~~فدفنها في مشاريق بيت المقدس . وحكى الثعلبي رحمه الله أنها ماتت بعد رفع ~~عيسى عليهما السلام . وقال في خبره : إنه لما صلب المشبه بعيسى جاءت مريم ~~ابنة PageV14P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" عمران وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأها الله ~~من الجنون يبكيان عند المصلوب ، فجاءهما عيسى - ع - فقال لهما : على ماذا ~~تبكيان ؟ فقالتا عليك . فقال : إن الله تعالى رفعني فلم يصبني إلا خير ، ~~وإن هذا شيء شبه لهم . ثم قال أيضا في قصة وفاة مريم عن وهب : لما أراد ~~الله تعالى أن يرفع عيسى - ع - آخى بين الحواريين وأمر رجلين منهما وهما ~~شمعون ويوحنا أن يلزما أمه ولا يفارقانها ، فانطلقا ومعهما مريم إلى نيرون ~~ملك الروم يدعوانه إلى الله عز وجل ، وقد بعث الله إليه قبل ذلك بولس . ~~فلما أتوه أمر بشمعون وبولس فقتلا وصلبا منكسين ، وهربت مريم ويوحنا ، حتى ~~إذا كانا في بعض الطريق لحقهما الطلب ، فخافا فانشقت لهما الأرض فغابا فيها ~~، فأقبل نيرون ملك الروم وأصحابه فحفروا ذلك الموضع فلم يجدوا شيئا فردوا ~~التراب على حاله ، وعلموا أنه أمر من الله عز وجل . فسأل ملك الروم عن حال ~~عيسى فأخبر به فأسلم . وقد قيل في إسلامه غير هذا ، وعلى ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى . الباب السادس من القسم الثالث من الفن الخامس في أخبار ~~الحواريين الذين أرسلهم عيسى عليه السلام وما كان من أمرهم مع من أرسلوا ~~إليه وخبر جرجيس ذكر خبر أخبار الحواريين قال الكسائي قال وهب : وأصبح ~~الحواريون على أبواب المدائن التي بعثوا إليها ، يتكلم كل رجل منهم بلغة ~~الأمة التي بعث إليها . فبعث إلى أهل رومية رجلين من الحواريين ، وبعث ~~إندراوس ولوقا إلى أرض الحبشة ، وبعث رجلا إلى بابل ، PageV14P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" وبعث رجلا إلى إفريقية ، ورجلا ms2749 إلى أصحاب ~~قرية الكهف ، ورجلا إلى بربر ، ورجلين إلى أنطاكية ، ورجلا إلى السند ~~والهند ، وأقام شمعون مكانه وهو رأسهم ، وأمروا أن يستظهروا به فيما يهمهم ~~. ذكر خبر يوحنا وبولس اللذين توجها إلى إنطاكية قال الكسائي : لما أصبح ~~يوحنا وبولس على باب إنطاكية دخلاها عند فتوح بابها ، وملكها يومئذ مخلنطيس ~~بن مخلنطيس ، وكان ظالما جبارا متكبرا ، فلم يقدرا على الوصول إليه ، وما ~~أمكنهما أن يذكرا ما جاءا فيه مخافة أن يقتلا قبل أن يبلغاه رسالة الله ~~تعالى . فكانا كذلك مدة ، حتى شخص الملك من منزله إلى مستنزه له فنادياه من ~~بعيد بالإنذار . فلما سمع أصواتهما أرسل من يسمع مقالتهما فبلغاه رسالة ~~الله عز وجل ؛ فأمر الملك بجلد كل منهما مائة جلدة وحلق رءوسهما حلق ~~الشمامسة ليمثل بهما ، ثم أمر بهما إلى السجن ليخلدا فيه . فأوحى الله ~~تعالى إلى شمعون بخبرهما وأمره بالانتصار لهما . فخرج حتى بلغ أنطاكية ~~فدخلها ، وتلطف حتى صحب خواص الملك وبطانته وأنسوا به وذكروه للملك . ثم ~~طرق السجن ليلا ، وكان له باب من حديد طوله خمسون ذراعا وعرضه ثلاثون ، ~~وكان إذا فتح صرصر حتى يسمع صريره أقصاهم وأدناهم . فأرسل الله تعالى ملكا ~~فاقتلع الباب من موضعه فلم يسمع له صوت ، وألقى الله عز وجل السبات على أهل ~~السجن وحراسه . فدخله شمعون ، واجتمع بيوحنا وبولس وبشرهما عن الله بالثواب ~~والخير وانصرف عنهما ، ورد الملك باب السجن إلى موضعه . وكان شمعون يدخل مع ~~الملك وأصحابه إلى بيوت أصنامهم ويسجد لله ويبكي ويكثر العبادة وهم لا ~~يشكون أنه يعبد PageV14P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" أصنامهم ، فأحبه الملك وقربه وسأله عن نسبه ، ~~فأخبره أنه من بني إسرائيل وأنه بقية قوم انقرضوا ، ولم يكن له من يأنس به ~~فاعتمدتكم رغبة في قربكم ، وحرصا على إخائكم . فقال الملك : قد قبلنا قولك ~~وسودناك علينا ، فأنت أفضلنا وسيدنا . فلبث فيهم زمنا يصدرون عن رأيه . ~~فلما تمكن أمره ابن الملك قال له : أيها الملك ، بلغني أنك سجنت رجلين كانا ~~قد جاءك يدعوانك إلى غير دينك وإلى عبادة إله غير ms2750 إلهك ، ويزعمان أن الله ~~أرسلهما إليك ، وعجبت كيف اجترأا عليك . فماذا قلت لهما وما قالا لك ؟ وهل ~~أجبتهما بما كان ينبغي لك من الجواب ؟ وهل سألتهما حين عظما لك ربهما أن ~~يذكرا لك سائر عظمته ، أو أحييا لك ميتا ، أو غير ذلك مما تعرف به مصداق ~~قولهما ؟ قال الملك : لقد حال الغضب دون ما تقول . قال : فهل لك أن تدعوهما ~~؟ قال نعم . فأحضرهما بين يديه ، فقال لهما شمعون : أخبراني من أرسلكما إلى ~~هذا الملك وقومه ؟ قالا : أرسلنا الله الذي هو على كل شيء قدير . فقال ~~شمعون : صفا لي عظمته . قالا : هي أعظم من أن تحصى . قال : فأخبراني ماذا ~~يبلغ من قدرته ؟ قالا : إن شئت وصفنا لك ما نطيق وصفه ، وصفته أعظم من ~~طاقتنا ، وإن شئت وصفنا لك ذلك في كلمتين تكفيان من كلام كثير . قال : نعم ~~، صفا وأوجزا . قالا : إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . فوضع شمعون يده ~~على رأسه كالمنكر لما قالا ، ثم أقبل عليهما وقال : إني أسألكما أمرا فإن ~~قدر إلهكما عليه آمنا بكما . قالا : سل . قال : هل يقدر أن يخلق خلقا ونحن ~~ننظر إليه ؟ قالا نعم . قال : اعلما ما تقولان قالا : قد علمنا ، فمتى شئت ~~أريناك . فعندها خلا شمعون بالملك وقال : أيها الملك ، إن هذين الرجلين ~~ليسا ببعيدين من أن يكون ربهما كما قالا ، ولا أظنهما عرضا أنفسهما للملك ~~لمثل هذا الموقف إلا وعندهما ثقة من إلههما . وإني أخشى أن يدعوا ربهما ~~فيخلق خلقا ينظر إليه الناس فيمرض ذلك قلوبهم ويزهدون في إلهك الذي تعبده ~~ويذهبان بالصوب والشرف . فهل لك أن تدعوا إلهك فيخلق هذا الخلق الذي نريد ~~أن نتمناه عليهما فيكون لك ولإلهك شرف هذا اليوم وصوبه ؟ . قال له الملك : ~~ليس دونك سر ، إن هذا الإله الذي نعبد لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ~~ولا يحيي ولا يميت . فقال لهما شمعون : اعرضا علي بعض قدرة إلهكما فإن ~~أجابكما وخلق الشيء على أعيننا ونحن ننظر إليه فقد صدقتما والقول قولكما . ~~واجتمع الناس لينظروا . فأوحى ms2751 الله إليهما أن سلاه ماذا يريد ، فإني مسخر ~~لكما ما سألكما . قالا : قد أوحى إلينا أنه فاعل ما تسألنا ، فسلنا . وكان ~~شمعون قد عهد في المدينة غلاما مطموس الوجه لم يخلق له PageV14P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" عينان ، فأتى به فقال : ادعوا ربكما أن يخلق ~~له عينين ونحن ننظر . قالا نعم . فأوقفاه بين أيديهما ودعوا الله وأعانهما ~~شمعون سرا ، فأجابهم الله تعالى ، فأخذ كل واحد منهما حثوة من تراب وعجنه ~~وجعله كالبندقة ، ووضعا البندقتين في موضع العينين من وجه الغلام فانشق ~~لهما البصر ، ثم صارت البندقتان عينين . فخاف الملك ، فقال له شمعون : لا ~~تخف إن عندي حيلة . قال له الملك : لعلهما ساحران ، أرنا مالا يكون وما ليس ~~بكائن . قال شمعون : ليس هذا من السحر ، ولكني أخاف أن يأتي من إلههما ما ~~يعجز حيلتنا . فدعا شمعون بغلام مطموس وعمل كما عملا فانشق بصره ، كما انشق ~~بصر الأول ، ففرح الملك وأصحابه بذلك . فقال شمعون : إنما صنع ما ترون إله ~~اخترته لنفسي وهو الذي أظهر فلجكم ، فاسجدوا لهذا الإله الذي أظفركم بعدوكم ~~لعله يعينكم على ما يكون بعد قال له الملك : لعلهما ساحران ، أرنا مالا ~~يكون وما ليس بكائن . قال شمعون : ليس هذا من السحر ، ولكني أخاف أن يأتي ~~من إلههما ما يعجز حيلتنا . فدعا شمعون بغلام مطموس وعمل كما عملا فانشق ~~بصره ، كما انشق بصر الأول ، ففرح الملك وأصحابه بذلك . فقال شمعون : إنما ~~صنع ما ترون إله اخترته لنفسي وهو الذي أظهر فلجكم ، فاسجدوا لهذا الإله ~~الذي أظفركم بعدوكم لعله يعينكم على ما يكون بعد هذا . فقال الملك : كيف ~~نسجد لغير إلهنا . قال شمعون : ألم تخبرني أنه لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ~~ولا ينفع ، فما قدرته عليك إن سجدت لغيره قال : صدقت . وسجد الملك وسجد ~~قومه لسجوده . ثم قال شمعون ليوحنا وبولس : إني أسألكما عن أمر ، فإن قدر ~~عليه إلهكما فالحجة إذا لكما والقول قولكما . قالا : سل عما بدا لك . قال : ~~تسألان ربكما أن يحيي لنا ميتا حتى يكلمنا ويخبرنا ما خبره ، ويعلمنا ms2752 ما ~~كان فيه وما لقي بعدنا . قالا : نعم ، إن الذي سألت يسير على الله وهين ~~عليه . فوضع شمعون يده على رأسه كالمعظم والمنكر لما قالا . ثم خلا بالملك ~~وقال : إنك قد رميت بأمر عظيم ، وإني أخاف إن أحيا إلههما الموتى أن يميل ~~الناس إليهما . قال الملك : إنا نرجو ألا يأتيا بشيء إلا أتيت أنت بمثله . ~~قال شمعون : إني لا أغركم ، إن إلهي لا يحيي الموتى ، ولا أعلم في الأرض من ~~يقدر على ذلك . قال الملك : فهل تدعهما يدعاننا وندعهما ، فإن أبيا ~~قاتلناهما ؟ . قال شمعون : كيف نقاتل من لهما إله يحيي الموتى ولكن أرجو أن ~~أدعو الإله الذي صنع ما رأيتم فيعيننا على ما نريد . قال شمعون : هل يقدر ~~إلهكما على أن يحيي الموتى ؟ قالا نعم . قال الملك : إن عندنا ميتا قد مات ~~منذ سبعة أيام وهو ابن دهقان مدينتنا ، فدعا به الملك فأحضر في نعش ، وقد ~~تغير لونه وأروح ، فقال : PageV14P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" دونكما ادعوا أن يحييه إلهكما . فدعوا الله ، ~~فالبث أن تفتقت عنه أكفانه ورد الله إليه روحه . فسألوه متى مات وماذا لقي ~~. فقال : مت منذ سبعة أيام ، ثم عرضت على عملي فقذفت في سبعة أودية من نار ~~، وذكر ما في الأودية من العذاب والحيات وغير ذلك . قال : فلما صرت إلى ~~الوادي السابع خفف عني العذاب . قالوا : فمن أين خفف عنك العذاب ؟ قال : ~~أحياني الله ورد علي روحي ، فجاءني شيء مثل الريح فدخل في رأسي ، فلما صار ~~في جسدي حييت ، ثم قيل لي : انظر فوقك ، فشخصت ببصري وفتحت أبواب السماء ، ~~فنظرت فإذا برجل شاب حسن الوجه نحيف الجسم أبيض يخالطه حمرة متعلق بالعرض ~~يشفع لهؤلاء الرهط الثلاثة ، يعني عيسى بن مريم . فقال له الملك : أي رهط ~~تعني ؟ . قال : هذا الشيخ الأجلخ ، وهذا الكهل الأنزع ، وهذا الفتى الرجل . ~~فما زالوا مجتهدين في الدعاء حتى شفعوا ، والشافع لهم مصغ إليهم بأذنه كأنه ~~يسمع ما يقولون ثم يرفعه إلى الله فيدعو به . فلما فرغ من كلامه قال : إني ~~أحذركم أيها القوم مثل ms2753 ما كنت فيه ، فإنه لا إله إلا إله عيسى بن مريم ~~وشمعون وبولس ويوحنا . قال شمعون : اعتصمنا بالله وتوكلنا عليه ، ثم اخبر ~~الملك بخبره وخبر أصحابه ودعاهم إلى الله ، فمنهم من آمن ، ومنهم من تولى . ~~وكان الملك ممن آمن به في عصبة يسيرة . وأرسل الله على من تولى منهم صيحة ~~من السماء فإذا هم خامدون . قال : وكان قد نعى إلى الدهقان ابنه ، وكان اسم ~~الدهقان حبيبا النجار ، ثم لم يلبث أن جاءته البشارة بحياة ابنه ، ولم يكن ~~له ولد غيره ، وأخبر خبر الحواريين ، فآمن بهم قبل أن يراهم ، فأقبل مسرعا ~~. فلم قص عليه ابنه قصته ازداد أيمانا ويقينا . قال وهب : فيقال : - والله ~~أعلم - إن هذا هو الذي ذكره الله تعالى في قوله : " وجاء من أقصى المدينة ~~رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين " الآية . فأوجب الله له بكلامه الجنة ~~، وخير أن يعمر هو وابنه مائة عام أو يجعل بهما إلى الجنة ، فاختارا الجنة ~~؛ وهو قوله تعالى : " أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر " الآية . قال ~~: ولم يزل يجاهد قومه قبل أن تأخذهم الصيحة ويدعوهم إلى الله حتى قتلوه ، ~~PageV14P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" فقيل له : ادخل الجنة " قال يا ليت قومي ~~يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين " . ذكر خبر توما الحواري مع ملك ~~الهند وإيمانه به قال الكسائي قال وهب : وجاء توما إلى أرض الهند والسند . ~~فبينما هو يتردد على ساحلهم إذا هو بغلام لملك الهند يقال له حيان ، وكان ~~تاجرا . فأتاه توما فقال له : هل لك أن تبتاعني للملك ؟ فقال له حيان : من ~~أنت أيها الرجل الكريم ؟ . قال له توما : إني كنت عبدا مملوكا فاعتقني سيدي ~~وأمرني بالطلب لنفسي ، فلم أصادف من الحرية ما كنت أظن ، وكان حالي يوم كنت ~~عبدا خير منه اليوم وأحسن . فقال له حيان : ما أرى عليك ميسم العبودية ، ~~وإني لأرى عليك أثر الخير ، ثم قال له : ما الذي تحسن من الأعمال ؟ قال : ~~أعمل سائر الأعمال . فاشتراه بثلاثمائة مثقال من الذهب وانطلق به إلى ms2754 الملك ~~. فلما رآه أجله وعظمه ، وسأل التاجر عنه فأخبره أنه اشتراه على أن يعمل ~~سائر الأعمال . فقال له الملك : أريد أن تبني لي قصرا لم يعمل مثله لأحد قط ~~. قال توما : لك ذلك علي ، ولكن أرضك حارة ، وإذا بني في زمن الحر كان حارا ~~لا يسكن من حره ، وكذلك في زمن البرد يكون باردا ، وإني لأرى أن يعمل في ~~زمن الاعتدال ، فوافقه الملك على رأيه ، . وعرض للملك غزاة فخرج إليها ~~واستخلف أخاه على الملك ، وأمره أن يدفع لتوما ما يحتاج إليه من الأموال ~~للنفقة على القصر ، فصرف له أموالا كثيرة ، ففرقها توما في الفقراء ~~والمساكين حتى أغناهم ، ثم مرض أخو الملك مرضا شديدا وغاب عن حسه وحركته ~~سبعة أيام . فقدم الملك وهو على تلك الحال ، فلما رد الله عليه روحه قال ~~الملك لتوما : ما فعلت في القصر ؟ قال : قد فرغت منه . فقال الملك لأخيه : ~~ما الذي أعطيته من مالي ؟ قال : جميع ما في بيت مالك . قال : فهل رأيت ~~القصر ؟ قال : بنيته لك في السماء . قال : وكيف لي بسلم أنال به السماء ؟ ~~قال : تنال السماء بالسلم الذي نالها به أخوك . فقال له أخوه : اسمع مني ~~أيها الملك أخبرك بالعجب ؛ فإنك لو . . . لم ما أ . . . ل عليك هذا الرجل ~~من الخير وصرف عنك من الشر لقبلت قدميه وجعلته فوق رأسك . قال : أخبرني ~~خبره . قال : أخبرك أن الله عز وجل عرج بوحي ، فعرضني على النار فرأيت أمر ~~عظيما مهولا ووصفه PageV14P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" لأخيه ، ووصف له ما يعذب به أهل الشرك باله ~~وعبدة الأوثان . قال : ثم قيل لي : إن الله عرضك على النار فأراك ما رأيت ~~لتكون ملن خلفك نذيرا ، وسيريك الجنة ، لتبشر بها قومك ، ولتخبر من خلقك ~~بما رأيت . قال : فأدخلت الجنة فرأيت كذا وكذا ، ووصف الجنة ونعيمها وما ~~فيها . قال : وانتهيت إلى قصر عظيم من أعظم قصورها وأبوابه مغلقة ، فقلت ~~لخزنة الجنة : إني أحب أن أشاهد باطن هذا القصر فإني لم أر مثله . قالوا : ~~إن صاحبه الآن في الدنيا ومفاتيحه عند ms2755 ملك من الملائكة . قلت : فلمن ادخر ~~هذا القصر ؟ قالوا : هذا لأخيك فلان وهو الآن في الدنيا ، وعنده رسول من ~~عند الله يقال له توما الجواري من حواريى عيسى بن مريم . فإذا رجعت إليه ~~فبشره وأخبره أنه القصر الذي بناه له توما في السماء ، وأنفق فيه بيت ماله ~~. ثم رد الله بعد ذلك على روحي ، وأنت تعلم يا أخي أن لي شطر مالك وملكك ~~وخزائنك ، وتعلم ما لي بعد ذلك من الأموال والخزائن ، وأنا أعطيك جميع ذلك ~~على أن تعطيني قصرك الذي رأيته لك في الجنة . قال : يا أخي ، ما كنت لأعطيك ~~الباقي بالفاني . ثم أقبل على توما وآمن به هو وأهل مملكته ، ولم تزل تلك ~~الأمة على دين عيسى حتى أبادها الموت . ذكر خبر لوقا الحواري مع ملك فارس ~~قال : وأصبح لوقا على باب مدينة من مدائن فارس ، وهي التي يسكنها الملك ، ~~فإذا غلمان من أبناء الملوك وأبناء الوزراء جلوس على قارعة الطريق يلعبون . ~~فجلس الحواري إلى جانب غلام منهم وسأله كيف يلعب ، فغلب جميع أولئك . فلما ~~تفرقوا دعاه الغلام إلى منزله ، فقال له : اذهب إلى أبيك واستأذنه في ذلك . ~~فانطلق الغلام إلى أبيه وأخبره بخبر الشيخ ، فأذن له أن يأتيه به ، فرجع ~~إليه ، وقال له : إن أبي يدعوك ، فأقبل معه . فلما ولج باب الدار قال : ~~باسم الله ، فخرج كل شيطان في الدار ، وصاحب الدار ينظر إلى ذلك ، وكانت ~~الشياطين تظهر لهم وتشاركهم في طعامهم وشرابهم ، فعجب صاحب الدار من ذلك . ~~وقدم الطعام فأقبلت الشياطين لتأكل على عادتها ، فقال لوقا : باسم الله ، ~~فنفرت الشياطين وفرت من الدار . فقال الشيخ : قد رأيت منك اليوم ما لم أره ~~من أحد ، وإن لك لشأنا ، وخلا به وقال : لا بد أن تخبرني خبرك ولا تكتمني ~~أمرك . قال : على أن تكتمه ولا تذكره إلا أن آذن لك ، قال نعم . فاستوثق ~~منه وأخبره بخبره . ثم قال له لوقا : أخبرني أي مال الملك أحب PageV14P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" إليه وأعجب عنده ؟ قال : ما شيء من ماله أحب ~~إليه ms2756 وأعجب عنده من برذون حتى يركبه من سريره . ثم أقام مدة ، فقدم البرذون ~~إلى الملك ليركبه على عادته ، فلما صار إلى جانب السرير خر ميتا ، فشق ذلك ~~على الملك وآلمه وقال : وددت لو فديته بمال عظيم ، وحزن جلساء الملك وخواصه ~~لحزنه . قال : وجاء الرجل إلى لوقا وقد حزن لحزن الملك ، فسأله عن سبب حزنه ~~فذكر له قصة البرذون ، فقال له : ارجع إلى الملك وقل له : إني أحييه له إن ~~أطاعني فيما أقول . فرجع إلى الملك وأخبره بذلك ، وقال : إن هذا الرجل لما ~~عبر إلى منزلي نفرت منه الشياطين ولم تطعم من طعامنا ، وكانت تأكل معنا قبل ~~ذلك وتشرب كما علمت ، وقد قال : إن أطاعني الملك أحييت له برذونه . فقال ~~الملك : إن نفسي لتطيب بكل شيء أحيي به هذا البرذون ، فعلي بالرجل ، فأحضره ~~إلى الملك . فلما دخل الدار لم يبق بها شيطان إلا خرج . ثم جلس لوقا إلى ~~جانب الملك ، فقال له : بلغني أنك تحيي الموتى ، فأحي لي برذوني هذا . فقال ~~له : إن أطعتني فيما أقول لك أحي برذونك . قال الملك : مرني بما شئت . قال ~~: ادع ابنك وامرأتك ، وكان ابنه ولي عهده وامرأته منه بمكان ، فدعاهما ، ~~فأخذ لوقا بقائمة من قوائم البرذون ، وكل من الملك وابنه وامرأته بقائمة ، ~~قم قال الحواري بالفارسية : " اللهم رب السموات والأرض ، خالق السموات ~~والأرض وما فيهما لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، أحي هذا العضو الذي في ~~يدي " فتحرك ذلك العضو . ثم قال للملك : قل كما قلت ، فقال الملك مثل قوله ~~: فتحرك العضو الذي في يده . ثم قال لابنه : قل كما أقول ، فقال فتحرك ~~العضو الثالث ، ثم قال لامرأته : قولي كما قلت ، فدعت بدعائه ، فتحرك العضو ~~الذي في يدها . ثم قال لهم : قولوا جميعا كما أقول ، فقالوا كلهم : " اللهم ~~رب السموات والأرض خالق السموات والأرض وما فيهما لا إله إلا أنت وحدك لا ~~شريك لك أحي هذا البرذون " . فقام البرذون حيا ينفض ناصيته . فعجب الملك ~~والناس من ذلك . وسأله الملك عن خبره فأخبره أنه ms2757 رسول عيسى بن مريم إليه ~~وإلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله تعالى ، فآمنوا به . وقد قيل : إن الذي ~~أرسل إلى أرض فارس متى الحواري ، وإنه لما دخل على الملك كان الملك سكرانا ~~، فلما أحيا الفرس أمر الملك أصحابه بقتل متى فقتلوه . فلما أفاق الملك من ~~سكره سأل عنه فقيل له : إنك أمرت بقتله فقتلناه ، فقال : ما علمت بذلك . ~~فقاموا إليه PageV14P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" وغسلوه وكفنوه ودفنوه . ويقال : إن الله ~~تعالى بعد دفنه خسف بالملك وأولاده وأهله . والله أعلم . ولنصل أخبار ~~الحواريين بخبر جرجيس وإن لم يكن منهم ، فقد كانت له قصة عجيبة تلتحق بهم . ~~ذكر خبر جرجيس رحمة الله عليه قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى في ~~كتابه المترجم بيواقيت البيان في قصص القرءان بإسناده عن وهب بن منبه قال : ~~كان بالموصل ملك يقال له داديه ، وكان قد ملك الشام كله ودان له أهله ، ~~وكان جبارا عاتيا ، وكان يعبد صنما يقال له أفلون ، وكان جرجيس عبدا صالحا ~~من أهل فلسطين قد أدرك بقايا من حواريى عيسى - ع - ، وكان تاجرا عظيما كثير ~~المال عظيم الصدقة ، وكان لا يأمن ولاية المشركين عليه مخاف أن يفتنوه عن ~~دينه . فخرج يريد الموصل ومعه مال يريد أن يهديه إليه حتى لا يجعل لأحد من ~~الملوك عليه سلطانا دونه . فجاءه حين جاءه وقد برز في مجلس له وأمر بصنمه ~~أفلون فنصب وأوقد نارا ، فمن لم يسجد لصنمه ألقي في النار . فلما رأى جرجيس ~~ذلك قطع به وهاله وأعظمه وحدث نفسه بجهاده ، وألقى الله تعالى في نفسه بغضه ~~ومجاهدته . فعمد إلى المال الذي أراد أن يهديه له فقسمه في أهل ملته حتى لم ~~يبق منه شيء وكره أن يجاهده بالمال . ثم أقبل عليه وقال له : إنك عبد مملوك ~~لا تملك لنفسك شيئا ولا لغيرك ، وإن فوقك ربا هو الذي ملكك وغيرك ، وهو ~~الذي خلقك ورزقك ويحييك ويميتك ويضرك وينفعك ، وإنك عمدت إلى خلق من خلقه ~~قال له : كن ، فكان أصم أبكم لا ينطق ولا يسمع ولا ms2758 يغني عنك من الله شيئا ، ~~فزينته بالذهب والفضة فتنة للناس ، ثم عبدته من دون الله . فكان من جواب ~~الملك إياه أن سأله عن حاله وأمره ومن هو ومن أين هو . فأجابه جرجيس : أنا ~~عبد الله وابن عبده وابن أمته أذل عباده وأفقرهم إليه ، من التراب خلقت ~~PageV14P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" وإليه أصير . فقال له الملك : لو كان ربك ~~الذي تزعم كما تقول لرئي عليك أثره كما رئى أثري على من حولي وفي طاعتي . ~~فأجابه جرجيس بتحميد الله وتعظيم أمره وقال : أتعدل أفلون الأصم الأبكم ~~الذي لا يغني عنك شيئا برب العالمين الذي قامت السموات والأرض بأمره . أو ~~تعدل طرفلينا وما نال بولايتك فإنه عظيم قومك بما نال إلياس بولاية الله ~~تعالى ؛ فإن إلياس كان في بدء أمره آدميا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فلم ~~تزل به كرامة الله تعالى حتى أنبت له الريش وألبسه النور فعاد إنسيا ملكيا ~~سماويا أرضيا يطير مع الملائكة أم تعدل مخلنطيس وما نال بولايتك فإنه عظيم ~~قومك ، بالمسيح بن مريم وما نال بولاية الله تعالى فإن الله فضله على رجال ~~العالمين وجعله وأمه آية للمعتبرين أم تعدل أمر هذه الروح الطيبة التي ~~اختارها الله لكلمته وسودها على إمائه وما نالت بولاية الله تعالى ، بأزبيل ~~وما نالت بولايتك فإنها كانت من شيعتك وعلى ملتك ، فاسلمها الله مع عظم ~~ملكها حتى اقتحمت عليها الكلاب في بيتها فانتهشت لحمها وولغت في دمها ، ~~وقطعت الضباع أوصالها . فقال الملك : إنك لتحدثنا عن أشياء ليس لنا بها علم ~~؛ فأتني بالرجلين اللذين ذكرت أمرهما حتى أنظر إليهما ، فإني أنكر أن يكون ~~هذا من البشر . قال له جرجيس : إنما جاءك الإنكار من قبل الغرة بالله تعالى ~~. وأما الرجلان فلن تراهما ولا يريانك إلا أن تعمل بعملهما فتنزل منازلهما ~~. فقال له الملك : أما نحن فقد أعذرنا إليك وتبين لنا كذبك لأنك فخرت بأمور ~~عجزت عنها . ثم خيره الملك بين العذاب وبين السجود لأفلون . فقال جرجيس : ~~إن كان أفلون هو الذي رفع السماء ووضع الأرض فقد ms2759 أصبت ، وإلا فاخسأ أيها ~~النجس الملعون . فلما سمعه الملك غضب وسبه وسب إلهه وأمر بخشبة فنصبت له ~~وجعل عليها أمشاط الحديد فخدش بها جسده حتى تقطع لحمه وجلده وعروقه ، ونضح ~~خلال ذلك الخل والخردل ، فحفظه الله تعالى من ذلك الألم والهلاك . فلما رأى ~~ذلك لم يقتله أمر بستة مسامير من حديد فأحميت ، حتى إذا جعلت نارا سمر بها ~~رأسه حتى سال دماغه ، فحفظه الله من الألم والهلاك . فلما رأى ذلك لم يقتله ~~أمر بحوض من نحاس وأوقد عليه حتى إذا جعله نارا أمر به فأدخل في ~~PageV14P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" جوفه وأطبق عليه فلم يزل فيه حتى برد حره . ~~فلما رأى أن ذلك لم يقتله دعا به فقال : يا جرجيس ، أما تجد ألم هذا العذاب ~~الذي تعذب به ؟ فقال : إن ربي الذي أخبرتك به حمل عني ألم العذاب وصبرني ~~لأحتج عليك . فلما قال له ذلك أيقن الملك بالشر وخافه على نفسه وملكه ، ~~واجتمع رأيه أن يخلده في السجن . فقال له الملأ من قومه : إنك إن تركته ~~طليقا في السجن يكلم الناس يوشك أن يميل بهم عليك ، ولكن مر له بعذاب في ~~السجن يشغله عن كلام الناس . فأمر به فبطح في السجن على وجهه ثم أوتد له في ~~يديه ورجليه أربعة أوتاد من حديد في كل ركن منها وتد . ثم أمر بأسطوان من ~~رخام فوضع على ظهره ، وحمل ذلك الأسطوان ثمانية عشر رجلا ، فظل يومه ذلك ~~موتدا تحت الحجر . فلما أدركه الليل أرسل الله تعالى إليه ملكا فقلع عنه ~~الحجر ونزع الأوتاد وأطعمه وسقاه وبشره وعزاه . فلما أصبح أخرجه من السجن ~~وقال له : الحق بعدوك فجاهده في الله حق جهاده ، فإن الله يقول لك : أبشر ~~واصبر فإني قد ابتليتك بعدوك هذا سبع سنين يعذبك ويقتلك فيهن أربع مرات ، ~~في كل ذلك أرد إليك روحك ، فإذا كانت الرابعة تقبلت روحك وأوفيتك أجرك . ~~قال : فلم يشعر PageV14P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" الملك وأصحابه إلا وقد أقبل جرجيس قد وقف على ~~رءوسهم وهو يدعوهم إلى الله تعالى ms2760 . قال الملك : ما أشبه هذا بجرجيس قالوا ~~: كأنه هو . قال الملك : ما بجرجيس من خفاء إنه لهو ، ألا ترون إلى سكون ~~ريحه وقلة هيبته . قال جرجيس : أنا هو ، بئس القوم أنتم قتلتم ومثلتم ~~فأحياني الله بقدرته ، فهلموا إلى هذا الرب العظيم الذي أراكم ما أراكم . ~~فلما قال لهم ذلك أقبل بعضهم على بعض وقالوا : ساحر سحر أعينكم . وجمعوا من ~~كان ببلادهم من السحرة . فلما جاءوا قال الملك لكبيرهم اعرض علي من كبير ~~سحرك ما يقر عيني . قال : ادع لي بثور من البقر . فلما أتى به نفث في إحدى ~~أذنيه فانشقت باثنتين ، ثم نفث في الأخرى فإذا هو ثوران ، ثم دعا ببذر فحرث ~~وبذر ، فشب الزرع واستحصد ، ثم درس وذرى وطحن وعجن وخبز ، كل ذلك في ساعة ~~واحدة . فقال الملك : هل تقدر أن تمسخه لي دابة ؟ قال الساحر : أي دابة ~~أمسخه لك ؟ قال : كلبا . قال : ادع لي بقدح من ماء . فلما أتى بالقدح نفث ~~فيه الساحر ثم قال : اعزم عليه أن يشر به ، فشربه جرجيس حتى أتى على آخره . ~~فلما فرغ منه قال له الساحر : ماذا تجد ؟ قال : ما أجد إلا خيرا ، قد كنت ~~عطشت فلطف الله بي بهذا الشراب فقواني به عليكم . فأقبل الساحر على الملك ~~فقال له : اعلم أيها الملك إنك لو كنت تقاسي رجلا مثلك إذا لقد كنت غلبته ، ~~ولكنك تقاسي جبار السموات والأرض . وهو الملك الذي لا يرام قال : وكانت ~~امرأة مسكينة من أهل الشام سمعت بجرجيس وما يصنع من الأعاجيب ، فأتته وهو ~~في أشد ما هو فيه من البلاء ، فقالت له : يا جرجيس ، إني امرأة مسكينة ولم ~~يكن لي مال إلا ثورا أحرث عليه فمات ، فجئتك لترحمني وتدعو الله تعالى أن ~~يحيي لي ثوري . فذرفت عيناه ، ثم دعا الله تعالى أن يحيى لها ثورها ، ~~وأعطاها عصا وقال لها : اذهبي إلى ثورك فاقرعيه بهذه العصا وقولي له : احي ~~بإذن الله . فقالت : يا جرجيس ، مات ثوري منذ أيام ومزقته السباع ، وبيني ~~وبينه أيام . فقال : لو لم تجدي منه ms2761 إلا سنا واحدة ثم قرعتها بالعصا لقام ~~بإذن الله تعالى . فانطلقت حتى أتت مصرع ثورها ، وكان أول شيء بدا لها أحد ~~روقيه وشعر أذنيه ، فجمعت أحدهما إلى الآخر ثم قرعتهما بالعصا وقالت كما ~~أمرها ، فقام الثور بإذن الله تعالى وعملت عليه . قال : فلما قال الساحر ~~للملك ما قال ، قال رجل من PageV14P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" أصحاب الملك ، وكان أعظمهم من بعد الملك ، ~~إنكم قد وضعتم أمر هذا الرجل على السحر ، وإنكم عذبتموه فلم يصل إليه ~~عذابكم ، وقتلتموه فلم يمت ، فهل رأيتم ساحرا يدرأ عن نفسه الموت وأحيا ~~ميتا قط ؟ فقالوا له : إن كلامك رجل قد صغا إليه فلعله استهواك . فقال : بل ~~آمنت بالله ، واشهدوا أني بريء مما تعبدون فقام إليه الملك وأصحابه ~~بالخناجر فقتلوه . فلما رأى القوم ذلك اتبع جرجيس أربعة آلاف رجل . فعمد ~~إليهم الملك فأوثقهم ، ثم لم يزل يعذبهم بأنواع العذاب حتى أفناهم . فلما ~~فرغ منهم قال لجرجيس : هلا دعوت ربك فأحيا لك أصحابك هؤلاء الذي قتلوا ~~بجريرتك . فقال له جرجيس : ما خلى بينك وبينهم حتى حان لهم . فقال رجل من ~~عظماء أصحابه يقال له مخلنطيس : إنك زعمت يا جرجيس أن إلهك هو الذي يبدأ ~~الخلق ثم يعيده ، وإني سائلك أمرا إن فعله إلهك آمنت بك وصدقتك وكفيتك ، إن ~~حولنا أربعة عشر كرسيا ومائدة ، وبيننا أقداح وصحاف وهي من أشجار شتى ، ~~فادع إلهك ينشء هذه الكراسي والأواني كما بدأها أول مرة حتى تعود خضراء ~~يعرف كل عود منها بلونه وورقه وزهره . فقال له جرجيس : قد سألت أمرا عزيزا ~~علي وعليك ، وإنه على الله لهين ، ودعا الله عز وجل ، فما برحوا من مكانهم ~~حتى اخضرت تلك الكراسي والأواني كلها وساخت عروقها وألبست اللحاء وتشعبت ~~فأورقت وأزهرت وأثمرت . فلما نظروا إلى ذلك انتدب له مخلنطيس الذي تمنى ~~عليه ما تمنى فقال : أنا أعذب لكم هذا الساحر عذابا يضل عنه كيده . فعمد ~~إلى نحاس فصنع منه صورة ثور أجوف واسع ، ثم حشاه نفطا ورصاصا وكبريتا ~~وزرنيخا ، ثم أدخل جرجيس مع الحشو في ms2762 جوفه ، ثم أوقد تحت الصورة حتى التهبت ~~وذاب كل شيء فيها واختلط ، ومات جرجيس في جوفها . فلما مات أرسل الله عز ~~وجل ريحا عاصفا فملأت السماء سحابا أسود مظلما ، فيه رعد وبرق وصواعق ، ~~وأرسل الله تبارك وتعالى اعصارا ملأت بلادهم عجاجا وقتاما حتى اسود ما بين ~~السماء والأرض ومكثوا أياما متحيرين في تلك الظلمة لا يفصلون بين الليل ~~والنهار ، وأرسل الله تعالى ميكائيل فاحتمل الصورة التي فيها جرجيس ، حتى ~~إذا أقلها ضرب بها الأرض ففزع PageV14P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" من وقعها أهل الشام أجمعون فخروا على وجوههم ~~صعقين ، وانكسرت الصورة فخرج منها جرجيس حيا . فلما وقف يكلمهم انكشفت ~~الظلمة وأسفر ما بين السماء والأرض ورجعت إليهم أنفسهم . فقال له رجل يقال ~~له طرفلينا : لا ندري يا جرجيس أأنت تصنع هذه الأعاجيب أم ربك فإن كان ربك ~~هو الذي يصنع هذا فادعه يحيى موتانا ؛ فإن في هذه القبور أمواتا منه من ~~يعرف ومنهم من لا يعرف . فقال له جرجيس : لقد علمت ما يصفح الله عنكم هذا ~~الصفح ويريكم هذه الأعاجيب إلا كانت عليكم حجة ، فتستوجبوا غضبه ، ثم أمر ~~بالقبور فنبشت وهي عظام رفات وأقبل على الدعاء ، فما برحوا من مكانهم حتى ~~نظروا إلى سبعة عشر إنسانا : تسعة رهط وخمس نسوة وثلاثة صبية ، وإذا فيهم ~~شيخ كبير . فقال له جرجيس : يا شيخ ، ما اسمك ؟ فقال : يا جرجيس اسمي نوبيل ~~. قال : متى مت ؟ قال : في زمان كذا وكذا . فحسبوا فإذا هو مات منذ ~~أربعمائة سنة . فلما نظر الملك وأصحباه إلى ذلك قالوا : ما بقي من أصناف ~~العذاب شيء إلا وقد عذبتموه به إلا الجوع والعطش ، فعذبوه بهما . فعمدوا ~~إلى بيت عجوز كبيرة ، وكان لها ابن أعمى أصم أبكم مقعد ، فحصروه في بيتها ~~ولا يصل إليه من عند أحد طعام ولا شراب . فلما بلغ به الجوع قال للعجوز : ~~هل بقي عندك من طعام أو شراب ؟ قالت : لا والذي يحلف به ما عهدنا الطعام ~~منذ كذا وكذا ، وسأخرج ألتمس لك شيئا . فقال لها جرجيس : هل تعرفين ms2763 الله ~~تعالى ؟ قالت نعم . قال : فإياه تعبدين ؟ قالت لا . فدعاها إلى الله عز وجل ~~فصدقته ، وانطلقت تطلب له شيئا ، وفي بيتها دعامة من خشبة يابسة تحمل خشب ~~البيت ، فأقبل على الدعاء ، فاخضرت تلك الدعامة وأنبتت له كل فاكهة تؤكل أو ~~تعرف ، حتى كان فيا اللوبيا واللبان مثل البردى يكون بالشام ، وظهر للدعامة ~~فروع من فوق البيت أظلته وما حوله . فأقبلت العجوز وهو فيما شاء يأكل رغدا ~~. فلما رأت الذي حدث في بيتها من بعدها قالت : آمنت بالذي أطعمك ، فادع هذا ~~الرب العظيم ليشفى ابني . قال : ادنيه مني ، فأدنته ، فبصق في عينيه فأبصر ~~، ونفث في أذنيه فسمع . قالت له : أطلق لسانه ورجليه رحمك الله . قال : ~~خذيه فإن له يوما عظيما . وخرج الملك يوما ليسر في مدينته ، إذ وقع ~~PageV14P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" بصره على الشجرة ، فقال : إني أرى شجرة بمكان ~~ما كنت أعرفها به . قالوا : تلك شجرة نبتت لذلك الساحر الذي أردت أن تعذبه ~~بالجوع ، فهو فيما شاء وقد شبع منها وأشبع العجوز الفقيرة وشفى لها ابنها . ~~فأمر الملك بالبيت فهدم وبالشجرة لتقطع . فلما هموا بقطعها أيبسها الله ~~تعالى وردها كما كانت أول مرة ، فتركوها . وأمر بجرجيس فبطح على وجهه وأوتد ~~له أربعة أوتاد ، وأمر بعجلة وأوقرها أسطوانا وجعل في أسفل العجلة خناجر ~~وشفارا ، ثم دعا بأربعين ثورا فنهضت بالعجلة نهضة واحدة وجرجيس تحتها ، ~~فانقطع ثلاث قطع ، فأمر بقطعه فأحرقت بالنار ، حتى إذا عادت رمادا بعث بذلك ~~الرماد وبعث معه رجلا فذروه في البحر ، فلم يبرحوا من مكانهم حتى سمعوا ~~صوتا من السماء : يا بحر ، إن الله يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد ~~الطيب ، فإني أريد أن أعيده كما كان . ثم أرسل الله تعالى الريح فأخرجته ثم ~~جمعته حتى صار الرماد صبرة كهيئته قبل أن يذروه ؛ فخرج منه جرجيس مغبرا ~~ينفض رأسه ، فرجعوا ورجع جرجيس ، فأخبروا الملك خبر الصوت الذي سمعوا ~~والريح التي جمعته ، فقال : هل لك يا جرجيس فيما هو خير لي ولك ما نحن فيه ~~؟ ولولا أن يقول ms2764 الناس إنك قهرتني وغلبتني لاتبعتك وآمنت بك ، ولكن اسجد ~~لأفلون سجدة واحدة واذبح له شاة واحدة ، ثم إني أفعل ما يسرك . فقال له نعم ~~، مهما شئت فعلت ، فأدخلني على صمتك . ففرح الملك بقوله فقام وقبل يديه ~~ورجليه ورأسه وقال : إني أعزم عليك ألا تظل هذا اليوم إلا عندي ، ولا تبيت ~~هذه الليلة إلا في بيتي وعلى فراشي ، حتى تستريح ويذهب عنك وصب العذاب ، ~~ويرى الناس كرامتك علي ، فأخلى له بيت فظل فيه جرجيس ، حتى إذا أدركه الليل ~~قام يصلي ويقرأ الزبور ، وكان أحسن الناس صوتا . فلما سمعت امرأة الملك ~~استجابت له ، فلم يشعر إلا وهي خلفه تبكي معه ، فدعاها جرجيس إلى الإيمان ~~فآمنت به ، وأمرها فكتمت إيمانها . فلما أصبح غدا به الملك إلى بيت الأصنام ~~ليسجد لها . وقيل للعجوز التي كان سجن في بيتها : هل علمت أن جرجيس قد فتن ~~بعدك فأصغى إلى الدنيا وقد خرج به الملك إلى بيت أصنامه ليسجد لها فخرجت ~~العجوز تحمل ابنها على عاتقها وتوبخ جرجيس والناس مشغولون عنها . فلما دخل ~~جرجيس بيت الأصنام ودخل الناس معه نظر فإذا العجوز وابنها على عاتقها أقرب ~~الناس إليه مقاما ؛ فدعا ابن العجوز باسمه PageV14P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" فنطق وأجابه ولم يكن يتكلم قبل ذلك ، ثم ~~اقتحم عن عاتق أمه يمشي على رجليه وهما مستويتان وما وطئ على الأرض قبل ذلك ~~قط . فلما وقف بين يدي جرجيس قال : اذهب فادع لي هذه الأصنام وهي حينئذ ~~سبعون صنما على منابر من ذهب ، وهم يعبدون الشمس والقمر معها . فقال له ~~الغلام : كيف أدعو الأصنام ؟ قال : قل لها إن جرجيس يسألك ويعزم عليك بالذي ~~خلقك إلا أجبتيه . قال : فلما قال لها الغلام ذلك أقبلت تدحرج إلى جرجيس ، ~~فلما انتهت إليه ركض الأرض برجله فخسف بها وبمنابرها ، وخرج إبليس من جوف ~~صنم منها هاربا فرقا من الخسف ، فلما مر بجرجيس أخذ بناصيته ، فخضع له ~~وكلمه جرجيس فقال له : أخبرني أيها الروح النجسة والخلق الملعون ، ما الذي ~~يحملك على أن تهلك نفسك وتهلك الناس ms2765 وأنت تعلم أنك وجندك تصيرون إلى جهنم ؟ ~~فقال له إبليس : لو خيرت بين ما أشرقت عليه الشمس وأظلم عليه الليل وبين ~~هلكة واحد من بني آدم وضلالته وطرفة عين لاخترته على ذلك كله ، وإنه ليقع ~~لي من الشهوة واللذة في ذلك مثل جميع ما يتلذذ به جميع الخلائق . ألم تعلم ~~يا جرجيس أن الله تعالى أسجد لأبيك آدم جميع الملائكة فسجدوا كلهم وامتنعت ~~أنا من السجود وقلت أنا خير منه . فلما قال هذا أخلاه جرجيس . فما دخل ~~إبليس منذ ذلك اليوم جوف صنم ولا يدخله بعدها فيما يذكرون أبدا . فقال ~~الملك : يا جرجيس خدعتني وغدرتني وأهلكت آلهتي . فقال جرجيس للملك : إنما ~~فعلت ذلك لتعتبر ولتعلم أنها لو كانت آلهة لامتنعت مني فكيف ثقتك - ويلك - ~~بآلهة لم تمنع أنفسها مني وإنما أنا مخلوق ضعيف لا أملك إلا ما ملكني ربي . ~~فلما قال جرجيس هذا كلمتهم امرأة الملك وكشفت لهم إيمانها ، وعددت عليهم ~~أفعالهم أفعال جرجيس والعبر التي أراهم الله تعالى ، وقالت لهم : ما تنظرون ~~من هذا الرجل إلا د . . رة فيخسف الله بكم الأرض كما خسف بأصنامكم . الله ~~الله أيها القوم في أنفسكم . فقال لها الملك : ويحك يا سكندرة ما أسرع ما ~~أضلك هذا الساحر في ليلة واحدة وأنا أقاسيه منذ سبع سنين فلم يظفر مني بشيء ~~قط فقالت : أما رأيت الله كيف يظفره بك ويسلطه عليك فيكون له الفلج والحجة ~~عليك في كل مواطن . فأمر بها الملك عند ذلك فحملت على خشبة جرجيس التي كان ~~عليها علق ، وحملت عليها الأمشاط التي جعلت على جرجيس . فلما تألمت قالت : ~~ادع ربك يا جرجيس فيخفف PageV14P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" عني فإني قد آلمني العذاب . فقال لها : انظري ~~فوقك . فلما نظرت ضحكت . فقال لها : ما الذي يضحكك ؟ قالت : أرى ملكين فوقي ~~معهما تاج من حلي الجنة ينتظران به روحي أن تخرج . فلما خرجت أتيا بذلك ~~التاج ثم صعدا بها إلى الجنة . قال : فلما قبض الله تعالى روحها أقبل جرجيس ~~على الدعاء فقال : اللهم أنت أكرمتني ms2766 بهذا البلاء لتعطيني فضائل الشهداء ، ~~فهذا آخر أيامي التي وعدتني فيه الراحة من بلائك ، فإني أسألك ألا تقبض ~~روحي ولا أزول من مكاني هذا حتى تنزل بهؤلاء القوم من سطوتك ونقمتك ما لا ~~قبل لهم به حتى تشفي به صدري وتقربه عيني ؛ فإنهم ظلموني وعذبوني . اللهم ~~وأسألك ألا يدعو بعدي داع في بلاء وكرب فيذكرني ويشير باسمي إلا فرجت عنه ~~ورحمته وأجبته وشفعني فيه . فلما فرغ من هذا الدعاء أمطر الله عليهم نارا ~~من السماء . فلما رأوا ذلك عمدوا إليه وضربوه بالسيوف غيظا عليه من شدة ~~الحريق ليعطيه الله تعالى بالقتلة الرابعة ما وعده . ثم احترقت المدينة ~~بجميع ما فيها وصارت رمادا ، فحملها الله من وجه الأرض وجعل عاليها سافلها ~~، فمكثت زمانا يخرج من تحتها دخان منتن لا يشمه أحد إلا سقم سقما شديدا . ~~وكان من آمن بجرجيس وقتل معه أربعة وثلاثون ألفا وامرأة الملك . قالوا : ~~وكان جرجيس في أيام ملوك الطوائف . . التذبيل على القسم الثالث من الفن ~~الخامس يشتمل على ذكر الحوادث التي تظهر قبل نزول عيسى بن مريم إلى الأرض ، ~~وما يكون من الفتن والحروب ، وخروج من يخرج ويتغلب على البلاد ، وخروج ~~المهدي والدجال ونزول عيسى بن مريم وقتله الدجال ، وخروج يأجوج ومأجوج ~~وهلاكهم ، ووفاة عيسى بن مريم ، وما يكون بعده من أشراط الساعة ويوم ~~القيامة PageV14P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" والنفخ في الصور والحشر والمعاد . مما أورد ~~إن شاء الله تعالى ذلك من كتب الحديث الصحيح النبوي ، ومن كتاب المبتدا ~~للكسائي ، ومن كتاب العاقبة للشيخ أبي محمد عبد الحق بن عبد الحق بن عبد ~~الله الأزدي الإشبيلي على سبيل الاختصار . الباب الأول من التذبيل على ~~القسم الثالث من الفن الخامس في ذكر الحوادث التي تظهر قبل نزول عيسى بن ~~مريم ولنبدأ بذكر الملاحم . قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~ستصالحكم الروم صلحا آمنا ، ثم تغزون أنتم وهم عدوا فتنتصرون وتغنمون ~~وتسلمون ثم تنصرفون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول ، فيرفع الرجل من أهل الصليب ~~الصليب فيقول غلب الصليب ، فيغضب ms2767 رجل من المسلمين فيقوم إليه فيدقه ، فعند ~~ذلك تغدر الروم ويجتمعون للملحمة فيأتون حينئذ تحت ثمانين غاية تحت كل غاية ~~اثنا عشر ألفا " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) : " إذا وقعت الملاحم بعث ~~الله بعثا من الموالي هم أكرم العرب فرسا وأجوده سلاحا يؤيد الله بهم الدين ~~" . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " الملحمة الكبرى وفتح ~~القسطنطنية وخروج الدجال في سبعة أشهر " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان ~~المطرقة وإن PageV14P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما نعالهم ~~الشعر " . وفي الحديث الآخر : " إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما عراض ~~الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة . وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما ~~ينتعلون الشعر " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا تقوم الساعة حتى ~~تقاتلوا قوما صغار الأعين عراض الوجوه كأن أعينهم حدق الجراد كأن وجوهم ~~المجان المطرقة ينتعلون الشعر ويتخذون الدرق يربطون خيولهم بالنخل " . خرج ~~هذه الأحاديث ابن ماجة . ذكر خبر المتغلبين على البلاد وذلك مما يظهر من ~~الفتن قبل نزول عيسى عليه السلام قال أبو الحسن الكسائي عن كعب الأحبار : ~~ولا بد أن يحدث بين يدي نزول عيسى علامات وحروب وفتن ، فأول من يخرج ويغلب ~~على البلاد رجل اسمه الأصهب من بلاد الجزيرة ، ويخرج الجرهمي من بلاد الشام ~~، ويخرج القحطاني بأرض اليمن ، وهو أمثل هؤلاء الثلاثة شوكة . فبينا هؤلاء ~~الثلاثة في مواضعهم وقد تغلبوا على أمكنتهم بالظلم والجور إذا هم بالرجل ~~السفياني قد خرج من غوطة دمشق ، وقيل : إنه يخرج من الشام ، وقيل : إنه ~~يخرج من الوادي اليابس . وأخواله من كلب ، واسمه معاوية بن عنبسة ، وهو ربع ~~من الرجال ، دقيق الوجه ، طويل الأنف ، محدودب ، جهوري الصوت ، يكسر عينه ~~اليمنى ؛ يحسبه الذي يراه كأنه أعور وليس بأعور ، يظهر في أول أمره بالزهد ~~ويبذل الأموال ، ويخطب له على منابر الشام ، ويكون جريئا على سفك الدماء ~~لمن خالفه ، ويعطل الجمعة والجماعة . وعلامة بدء أمره أنه يخرج في كل ms2768 مدينة ~~دجال يدعو إلى نفسه ، ويظهر الفسق حتى إنهم يفجرون في المساجد ، فيخرج ~~عليهم السفياني حتى ينزل أرض دمشق ، فيجتمع إليه القوم ويبايعونه ، ويفرق ~~الأموال الكثيرة بينهم حتى يقولوا هذا خير أهل الأرض . ثم يسير ~~PageV14P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" في الشام وعلى مقدمته رجل من جهينة يقال له ~~ناجية حتى ينزل العراق ، فيخرج إليه القحطاني جيشا كثيرا فيهزمهم ناجية ~~هزيمة قبيحة ، فعند ذلك يوجه السفياني ثلاث جيوش : جيش إلى الكوفة فيقتلون ~~قتلا ذريعا ، وجيش إلى خراسان فيقتلون ويحرقون ، جيش إلى الروم حتى يكثر ~~القتل منهم في الدنيا وفي كل طريق . فعند ذلك يجتمع الصالحون على السفياني ~~. ويخوفونه عقوبة الله في سفك الدماء ، فيأمر بقتلهم وقتل العلماء والزهاد ~~في جميع الآفاق . فعند ذلك يجتمع المسلمون على رجل من أهل بيت رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) يقال له محمد بن علي فيبايعونه ويسمونه المهدي . ~~والله أعلم . ذكر خبر خروج المهدي قال ابن عباس رضي الله عنهما : يبايع بين ~~مكة والركن ، ويكون أول أمره على عدد أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا . ~~وقيل : إنه يخرج قبل هذا ولي من قرية قرى حرس في ثلاثين رجلا ، ثم يجتمع ~~إليه المؤمنون من كل ناحية ، ثم ينكسف القمر ثلاث ليال متواليات ، ثم يظهر ~~المهدي بمكة ويشيع أمره ؛ فيبلغ ذلك الزهراني صاحب السفياني ، فيبعث إلى ~~المهدي جيشا ثلاثين ألفا فينزلون في البرية . ثم يخرج السفياني إلى البيداء ~~، فإذا استقر بالموضع خسف الله تعالى بهم الأرض ، فيأخذهم إلى أعناقهم حتى ~~لا يفلت منهم إلا رجلان يخرجان بفرسيهما ، فإذا وصلوا إلى القوم رأوهم وقد ~~خسف الله بهم ، فيخسف الأرض بواحد منهما ، ويحول الله وجه الآخر إلى قفاه ، ~~فيبقى كذلك مدة حياته . ثم يخرج المهدي بمن معه إلى بلاد الروم فيسير حتى ~~يسمع بهلاك السفياني وأصحابه . قال : وذلك قوله تعالى : " ولو ترى إذ فزعوا ~~فلا فوت وأخذوا من مكان قريب " . فيحمد المهدي الله تعالى على ذلك ، ويخرج ~~إلى بلاد الروم في نحو مائة ألف فيصل إلى القسطنطينية ، فيدعوا ملك الروم ms2769 ~~إلى الإسلام فيأبى فيقاتله ، ويدوم القتال بينهم شهرين ، ثم ينهزم ملك ~~الروم . ويدخل المسلمون إلى القسطنطينية ، فينزل المهدي PageV14P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" على بابها ، ولها سبعة أسوار ، فيكبر سبع ~~تكبيرات فينهدم كل سور منها بتكبيرة . ويدخلها المهدي ويقتل خلقا كثيرا ~~ويقتل ملك الروم ، ثم يرفع عنهم السيف ، ويأخذ المسلمون من الغنائم ما لا ~~يحصى ، حتى إن الرجل ليأخذ من الجوهر ما يعجز عن حمله . فبينما هم كذلك إذ ~~يأتيهم الخبر من خليفة المهدي بخروج الدجال واجتماع الناس عليه ، فيتركون ~~تلك الغنائم وينصرفون إلى بلادهم مسرعين لمحاربة الدجال . فيقال : إن ~~المهدي يسير نحو الدجال وعلى رأسه عمام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فيلتقون ويقتتلون قتالا شديدا ، فيقتل من أصحاب الدجال أكثر من ثلاثين ألفا ~~، ثم ينهزم الدجال فيمر نحو بيت المقدس ، فيأمر الله الأرض بإمساك قوائم ~~خيله ، ويرسل عليهم ريحا حمراء فتقتل منهم أربعين ألفا . قال : ثم يقبل ~~المهدي بجيشه زهاء مائة ألف ، في أيديهم الرايات البيض . فيقول المهدي ~~لعسكر الدجال : ويلكم أتشكون في هذا الأعور الكذاب أنه الدجال ؟ فيقولون : ~~لا ، ولكنا نعيش في طعامه . فيمسخون في الحال قردة وخنازير . ثم ينزل عيسى ~~بعد ذلك إلى الأرض ويصلي خلف المهدي ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى . ~~ذكر خبر خروج الدجال وصفته وما يكون من أمره إلى أن ينزل عيسى عليه السلام ~~قال كعب : إن الدجال رجل طويل ، عريض الصدر ، مطموس العين اليمنى ، واليسرى ~~كأنها كوكب دري ، مكتوب بين عينيه : " كافر " ، يقرؤه كل كاتب أو غير كاتب ~~. ويدعى أنه الرب ، ومعه يومئذ جبل من خبز ، وجبل من لحم ، وأجناس الفواكه ~~والخمور ، ومعه أصحاب الملاهي يمشون بين يديه بالطبول الطنابير والمعازف ~~والعيدان والنايات والصنوج وغير ذلك ، فلا يسمعه أحد إلا وتبعه وفتنه إلا ~~من عصمة الله . ويكون معه نار وجنة ، وهو يقول : من أطاعني أدخلته ~~PageV14P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" الجنة ، ومن عصاني ولم يسجد لي ألقيته في ~~النار . قال : وعلامة خروجه أن تهب ريح مثل ريح قوم عاد ، وتسمع صيحة عظيمة ~~مثل صيحة ms2770 قوم صالح ، ويكون مسخا كمسخ أصحاب الرس ، وذلك عند ترك الناس ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فإذا أخذوا في سفك الدماء ، واستحلوا ~~الربا وشيدوا البنيان وشربوا الخمور ، واكتفى الرجال بالرجال ، والنساء ~~بالنساء ، فعند ذلك يخرج الدجال من جهة المشرق من قرية يقال لها سيراباد بي ~~الأهواز وأصفهان ، ويخرج على حمار له . قال : وهو أحمر الحاجبين ، أشعر ~~الأنف ، تخرج من خلل أسنانه رائحة لا يشمها أحد ألا صار إليه نتنه ، في ~~جبهته قرن مكسور تخرج منه الحيات والعقارب ، محدودب الظهر ، قد صورت آلات ~~السلاح في جسده حتى الرمح والفأس والسهم والدرق . وهو يتناول السحاب بيده ، ~~ويخوض البحار إلى كعبيه ، ويستظل في ظل أذن حماره خلق كثير من أولاد الزنا ~~، عليهم خفاف مخروطة ، لخفافهم مناقير كمناقير العقبان ، لأصابعهم أظافير ~~كالمناجل ، ومعه قوم من السحرة يقلبون الجبال خبزا والأنهار شرابا ، ولا ~~يطعم ولا يسقى إلا من آمن به . ومعه صاحب لوائه من قريته ينادي بأعلى صوته ~~: هذا ربكم فاعرفوه . فإذا سار الدجال سارت معه جبال طعامه وأنهار شرابه ، ~~وإذا وقف وقفت . يطوف الأرض شرقها وغربها حتى يدخل أرض بابل فيلقاه الخضر ، ~~فيقول له الدجال : أنا رب العالمين . فيقول له الخضر : كذبت يا دجال إن رب ~~العالمين رب السموات والأرضين . فيقتله الدجال ويقول : لو كان لهذا إله كما ~~يزعم لأحياه . فيحي الله الخضر من ساعته فيقوم ويقول : ها أنا يا دجال ، قد ~~أحياني الله ربي . ثم يقبل الخضر على أصحابه ويقول : ويلكم لا يفتننكم هذا ~~الكافر . ويقال : إنه يقتل الخضر ثلاث مرات ويحييه الله تعالى . ثم يخرج ~~الدجال نحو مكة ، فإذا دنا منها رأى الملائكة محدقين بالبيت الحرام قد ~~نشروا أجنحتهم على الكعبة ، يخرج من خلل PageV14P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" أجنحتهم مثل شرر النيران ، فلا يقدر على ~~دخولها . ثم يسير إلى المدينة فيجدها كذلك . ثم يمضي إلى بيت المقدس فلا ~~يقدر على دخوله لكثرة من حوله من الملائكة . واختلف في مدة إقامته في الأرض ~~، فقيل أربعين سنة ، وقيل أربعين يوما ، على ما نورد ذلك من ms2771 الحديث الصحيح ~~النبوي الذي يشمل ذكر هذه الفتن كلها . قال : وأما المسلمون فإنهم يصومون ~~ويصلون كما كانوا غير أنهم في غم ، قد تركوا المساجد ولزموا البيوت ، وتطلع ~~الشمس متلونة : مرة بيضاء ، ومرة صفراء ، ومرة حمراء ، ومرة سوداء ، وتكون ~~الأرض في الزلزلة والرجفة ، ثم يكون بينه وبين المهدي ما قدمنا ، ثم ينزل ~~عيسى بن مريم - ع - . الباب الثاني من التذييل على القسم الثالث من الفن ~~الخامس في خبر نزول عيسى بن مريم عليه السلام وقتله الدجال وخروج يأجوج ~~ومأجوج وفسادهم وهلاكهم ، ووفاة عيسى عليه السلام لما رأيت أهل السير قد ~~أكثروا من القول في نزول عيسى - ع - وزادوا في القول ونقصوا منه ، عدلت عن ~~أقوالهم ، وأوردت ما أذكره من ذلك من الحديث الصحيح النبوي ، وكذلك خروج ~~يأجوج ومأجوج وهلاكهم . وختمت هذا الباب بالحديث الشامل في خروج الدجال ، ~~ونزول عيسى بن مريم - ع - وغير ذلك . وهذه الأحاديث خرجتها من كتاب السنن ~~للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد ابن يزيد بن ماجة القزويني ، رحمه الله ~~تعالى ونفعنا به آمين . ذكر نزول عيسى بن مريم عليه السلام قال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وقد ذكر فتنة الدجال وما يلاقيه الناس منه ، قال : ~~" فبينما هم كذلك إذ بعث الله عيسى بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي ~~دمشق بين PageV14P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" مهرودتين واضع كفيه على أجنحة ملكين ، إذا ~~طأطأ رأسه قطر ، وإذا رفع رأسه يتحدر منه جمان كاللؤلؤ ، ولا يحل لكافر أن ~~يجد ريح نفسه إلا مات . ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه ، فينطلق حتى يدرك ~~الدجال فيقتله عند باب لد " . قال : " ثم يأتي نبي الله عيسى - ع - قوما قد ~~عصمهم الله فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة " . والله أعلم . ذكر ~~خبر يأجوج ومأجوج صح عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إن ~~يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي ~~عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعيده الله عز وجل أشد ما كان حتى إذا بلغت ~~مدتهم ms2772 وأراد الله أن يبعثهم إلى الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس ~~قال ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله واستثنوا فيعودون إليه وهو كهيئته ~~حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الأرض فينشفون المياه ويتحصن الناس منهم في ~~حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع عليهم الدم الذي أجفط فيقولون ~~قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم ~~فيقتلهم بها " . قال ( صلى الله عليه وسلم ) : " والذي نفسي بيده إن دواب ~~الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم " . وفي الحديث الآخر : " إن ~~الله تعالى يوحي إلى عيسى أني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم ~~فاحرز عبادي إلى PageV14P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" الطور . ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم كما قال ~~الله تعالى " من كل حدب ينسلون " فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما ~~فيها ثم يمر آخرهم فيقولون لقد كان في هذا ماء مرة وليحصر نبي الله عيسى - ~~ع - وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم ~~فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله عز وجل فيرسل الله عليهم النغف في ~~رقابهم فيصبحون فرس كموت نفس واحدة ويهبط نبي الله عيسى وأصحابه فلا يجدون ~~موضع شبر إلا قد ملأه زهمهم ونتنهم ودماؤهم فيرغبون إلى الله عز وجل فيرسل ~~عليهم طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله عز وجل ، ثم يرسل ~~الله عليهم مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسله حتى يتركه كالزلفة ، ثم ~~يقال للأرض أنبتي ثمرتك وردي بركتك ، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ~~فتشبعهم ويستظلون بقحفها ، ويبارك الله في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل ~~تكفي الفئام من الناس ، واللقحة من البقر تكفي القبيلة ، واللقحة من الغنم ~~تكفي الفخذ . فبينما هم كذلك إذ بعث الله عليهم ريحا طيبة فتأخذ تحت آباطهم ~~فتقبض روح كل مسلم ويبقى سائر الناس يتهارجون كما يتهارج الحمر ، فعليهم ~~تقوم الساعة " . وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال ~~: " لما كان ليلة أسرى ms2773 برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لقي إبراهيم ~~وموسى وعيسى عليهم السلام فتذاكروا PageV14P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" الساعة فبدءوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن ~~عنده منها علم ، ثم سألوا موسى فلم يكن عنده منها علم ، فرد الحديث إلى ~~عيسى بن مريم فقال قد عهد إلي فيما دون وجبتها ، فأما وجبتها فلا يعلمها ~~إلا الله ، فذكر خروج الدجال قال فأنزل فأقتله فيرجع الناس إلى بلادهم ~~فيستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ، فلا يمرون بماء إلا شربوه ~~ولا بشيء إلا أفسدوه ، فيجئرون إلى الله تعالى فأدعو الله أن يميتهم فتنتن ~~الأرض من ريحهم ، فيجئرون إلى الله فأدعو الله فيرسل السماء بالماء فيحملهم ~~فيلقيهم في البحر ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم فعهد إلي متى كان ~~ذلك كانت الساعة من الناس كالحامل لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادتها " . ~~قال العوام بن حوشب وهو من رواة هذا الحديث : ووجد تصديق ذلك في كتاب الله ~~تعالى : " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد ~~الحق " . وفي الحديث الآخر عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ~~" يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله تعالى : " وهم من كل حدب ينسلون ~~" فيعمون الأرض وينحاز منهم المسلمون حتى تصير بقية المسلمين في مدائنهم ~~وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم ، حتى إنهم ليمرون بالنهر فيشربونه حتى ما ~~يذرون فيه شيئا . فيمر آخرهم على أثرهم فيقول قائلهم لقد كان بهذا المكان ~~مرة ماء . ويظهرون على الأرض ، فيقول قائلهم هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم ~~ولننازلن أهل السماء ، حتى إن أحدهم ليهز حربته إلى السماء فترجع مخضبة ~~بالدم ، فيقولون قد قتلنا أهل السماء . فبينما هم كذلك إذ بعث الله دواب ~~كنغف الجراد فتأخذ بأعناقهم فيموتون موت الجراد يركب بعضهم بعضا ، فيصبح ~~المسلمون لا يسمعون لهم حسا ، فيقولون من رجل يشري نفسه وينظر ما فعلوا ، ~~فينزل منه رجل قد وطن نفسه على أن يقتلوه فيجدهم موتى ، فيناديهم ألا ~~PageV14P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" أبشروا فقد هلك عدوكم ، فيخرج الناس ms2774 ويخلون ~~سبيل مواشيهم فما يكون لهم رعي إلا لحومهم فتشكر عليها كأحسن ما شكرت من ~~نبات أصابته قط " . وعن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ~~سيوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين . والله ~~المعين . قط " . وعن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " سيوقد ~~المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين . والله المعين . ~~الحديث الجامع لأخبار عيسى بن مريم عليه السلام والدجال قال الإمام الحافظ ~~أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه : حدثنا علي بن محمد ~~قال حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن إسماعيل بن رافع أبي رافع عن أبي زرعة ~~السيباني يحيى بن أبي عمرو عن أبي أمامة الباهلي قال : خطبنا رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال وحذرناه ، ~~فكان من قوله أن قال : " إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أعظم من فتنة الدجال ، وإن الله عز وجل لم يبعث نبيا ~~إلا حذر أمته الدجال . وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم ، وهو خارج فيكم ~~لا محالة . فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حجيج لكل مسلم ، وإن يخرج من ~~بعدي فكل امرئ حجيج نفسه ، والله خليفتي على كل مسلم . وإنه يخرج من حلة ~~بين الشام والعراق فيعيث يمينا ويعيث شمالا يا عباد الله فأثبتوا فإني ~~سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي : إنه يبدأ فيقول أنا نبي ، ولا ~~PageV14P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" نبي بعدي ، ثم يثني فيقول أنا ربكم ، ولا ~~ترون ربكم حتى تموتوا ، وإنه أعور وإن ربكم عز وجل ليس بأعور ، وإنه مكتوب ~~بين عينيه كافر يقرءه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب . وإن من فتنته أن معه جنة ~~ونارا ، فناره جنة ، وجنته نار . فمن ابتلى بناره فليستغث بالله وليقرأ ~~فواتح الكهف فتكون عليه بردا وسلاما كما كانت النار على إبراهيم . وإن من ~~فتنته أن يقول لأعرابي أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك ms2775 أتشهد أني ربك فيقول نعم ~~، فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه فيقولان يا بني اتبعه فإنه ربك . ~~وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها وينشرها بالمنشار حتى تلقى ~~شقين ، ثم يقول انظروا إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن ، ثم يزعم أن له ربا ~~غيري ، فيبعثه الله ويقول له الخبيث من ربك ؟ فيقول ربي الله وأنت عدو الله ~~أنت الدجال ، والله ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم " . قال أبو الحسن ~~الطنافسي فحدثنا المحاربي حدثنا عبيد الله ابن الوليد الوصافي عن عطية عن ~~أبي سعيد قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ذلك الرجل أرفع ~~أمتي درجة في الجنة " . قال قال أبو سعيد : والله ما كنا نرى ذلك الرجل إلا ~~عمر بن الخطاب حتى مضى لسبيله . قال قال أبو سعيد : والله ما كنا نرى ذلك ~~الرجل إلا عمر بن الخطاب حتى مضى لسبيله . قال المحاربي ثم رجعنا إلى حديث ~~أبي رافع قال : " وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر ، ويأمر الأرض ~~أن تنبت فتنبت . وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه فلا تبقى لهم سائمة ~~إلا هلكت . وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ~~ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت ~~وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعا . وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر ~~عليه إلا مكة والمدينة لا يأتيهما من نقب من نقابهما إلا لقيته الملائكة ~~بالسيوف صلته حتى ينزل عند الظريب الأحمر عند منقطع السبخة فترجف المدينة ~~بأهلها ثلاث PageV14P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" رجفات فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج ~~إليه ، فتنفى الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد ، ويدعى ذلك اليوم يوم ~~الخلاص . فقالت أم شريك بنت أبي العكر يا رسول الله فأين العرب يومئذ ؟ قال ~~هم يومئذ قليل وجلهم بيت المقدس وإمامهم رجل صالح . فبينما إمامهم قد تقدم ~~يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم ms2776 - ع - الصبح ، فرجع ذلك الإمام ~~ينكص يمشي القهقري ليتقدم عيسى - ع - يصلي بالناس ، فيضع - ع - يديه بين ~~كتفيه ثم يقول له تقدم فصل فإنها لك أقيمت فيصلي بهم إمامهم ، فإذا انصرف ~~قال عيسى - ع - افتحوا الباب فيفتح ووراءه الدجال ومعه سبعون ألف يهودي ~~كلهم ذو سيف محلى وساج ، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء ~~فينطلق هاربا ، ويقول عيسى - ع - إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها فيدركه عند ~~باب اللد الشرقي فيقتله فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيء مما خلق الله عز ~~وجل يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا ~~دابة إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق إلا قال يا عبد الله المسلم هذا ~~يهودي فتعال اقتله . قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وإن أيامه ~~أربعون سنة ، السنة كنصف السنة ، والسنة كالشهر ، والشهر كالجمعة ، وآخر ~~أيامه كالشررة يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي . ~~فقيل له يا رسول الله كيف نصلي في تلك الأيام القصار ؟ قال تقدرون فيها ~~الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال ثم صلوا . قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فيكون عيسى بن مريم في أمتي حكما عدلا وإماما مقسطا ، يدق ~~الصليب ، ويذبح الخنزير ، ويضع PageV14P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" الجزية ، ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا ~~بعير ، وترفع الشحناء والتباغض ، وتترع حمة كل ذات حمة حتى يدخل الوليد يده ~~في في الحية فلا تضره ، وتفر الوليدة الأسد فلا يضرها ، ويكون الذئب في ~~الغنم كأنه كلبها ، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء ، وتكون ~~الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله ، وتضع الحرب أوزارها ، وتسلب قريش ملكها ، ~~وتكون الأرض كماثور الفضة - وقيل كفاثور الفضة - تنبت نباتها بعهد آدم حتى ~~يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم ، ويجتمع النفر على الرمانة ~~فتشبعهم ، ويكون الثور بكذا وكذا من المال ، ويكون الفرس بالدريهمات . ~~قالوا يا رسول الله : وما يرخص الفرس ؟ قال ms2777 : لا يركب لحرب أبدا . قيل له : ~~فما يغلي الثور ؟ قال تحرث الأرض كلها . وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات ~~شداد يصيب الناس فيها جوع شديد ، يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ~~ثلث مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها ، ثم يأمر السماء في السنة الثانية ~~فتحبس ثلثي مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها ، ثم يأمر السماء في السنة ~~الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطر قطرة ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله ، فلا ~~تنبت خضرا ، ولا تبقى ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله عز وجل . قيل : فما ~~يعيش الناس في ذلك الزمان ؟ قال : التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد ~~ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام " . قال المحاربي : ينبغي أن يدفع هذا الحديث ~~إلى المؤدب حتى يعلمه الصبيان في المكاتب . PageV14P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" الباب الثالث من التذييل على القسم الثالث من ~~الفن الخامس في ذكر ما يكون بعد وفاة عيسى بن مريم عليه السلام إلى أن ينفخ ~~إسرافيل في الصور النفخة الأولى ذكر خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " تخرج ~~الدابة ومعها خاتم سليمان بن داود وعصا موسى بن عمران ، فتجلو وجه المؤمن ~~بالعصا ، وتحطم أنف الكافر بالخاتم ، حتى إن أهل الحواء ليجتمعون فيقول هذا ~~يا مؤمن ويقول هذا يا كافر " . وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله ~~عنهما قال : ذهب بي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى موضع بالبادية ~~قريب من مكة فإذا أرض يابسة حولها رمل ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " تخرج الدابة من هذا الموضع " فإذا فتر في شبر . قال ابن بريدة : ~~فحججت بعد ذلك بسنين فأرانا عصا له ، فإذا هي بعصا هذه كذا وكذا . وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " ~~لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت ورآها الناس آمن من ~~عليها ؛ فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها ms2778 لم تكن آمنت من قبل " . وعن عبد ~~الله بن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة على الناس ضحى " . ~~قال عبد الله : فآيتهما ما خرجت قبل الأخرى فالأخرى منها قريب . قال عبد ~~الله : ولا أظنها إلا طلوع الشمس من مغربها . وعن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " إن من قبل مغرب الشمس باب مفتوحا عرضه سبعون سنة ، فلا ~~يزال ذلك الباب مفتوحا للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه ، فإذا طلعت من نحوه ~~لم ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خير " . والله ~~الهادي للصواب . PageV14P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" ذكر خبر قيام الساعة والنفخة الأولى عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ما زال ~~صاحب الصور مذ وكل به مستعدا ينظر نحو العرش إلى أن يؤمر فينفخ قبل أن يرتد ~~إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان " . وسئل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ما الصور ؟ فقال : " قرن ينفخ فيه " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~قوله تعالى : " ونفخ في الصور " قال : " الصور كهيئة القرن " . وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " لا ~~تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما ~~واحدة ، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله ، ~~وحتى يقبض العلم ويكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج ، ~~وهو القتل ، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته ، ~~وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه لا أرب لي به ، وحتى يتطاول الناس في ~~البنيان ، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه ، وحتى تطلع ~~الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا . ولتقومن الساعة وقد ~~نشر الرجلان ثوبهما ms2779 بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه . ولتقومن الساعة وقد ~~انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى ~~فيه . ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها " . هذا من صحيح ~~البخاري . و عن عبد الله بن عمرو بن العاص وذكر خبر الدجال وقتله قال : . . ~~. . ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة . ثم يرسل الله عز وجل ~~ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من ~~خير أو إيمان إلا قبضته ، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى ~~تقبضه . قال فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ~~ولا ينكرون منكرا ، فيتمثل لهم الشيطان فيقول ألا تستجيبون فيقولون فما ~~تأمرنا ؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان ، وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم ، ثم ~~ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا . قال وأول من يسمعه ~~رجل PageV14P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" يلوط حوض أبله ، قال فيصعق ويصعق الناس ، ثم ~~يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطرا كأنه الطل أو الظل - الشك من الراوي - ~~فتنبت منه أجساد الناس ؛ ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ، ثم يقال ~~يأيها الناس هلموا إلى ربكم " . ويروى أن هذا المطر الذي تنبت منه الأجساد ~~كمني الرجال . الباب الرابع من التذييل على القسم الثالث من الفن الخامس في ~~أخبار يوم القيامة والحشر والمعاد والنفخة الثانية في الصور ذكر يوم ~~القيامة وأسمائه هو اليوم الذي وصفه الله عز وجل بالعظمة فقال : " يأيها ~~الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ~~أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب ~~الله شديد " . ووصفه الله بالطول فقال : " في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ~~، فأصبر صبرا جميلا " . وليوم القيامة أسماء جاء بها القرآن ، وقد ذكرها ~~عبد الحق في كتاب العاقبة فقال : " يوم القيامة وما أدراك ما يوم القيامة ~~يوم ms2780 الحسرة والندامة ، يوم يجد كل عامل عمله أمامه ، يوم الدمدمة ، يوم ~~الزلزلة ، يوم الصاعقة ، يوم الواقعة ، يوم الراجفة ، يوم الرادفة ، يوم ~~الغاشية ، يوم الداهية ، يوم الآزفة ، يوم الحاقة ، يوم الطامة ، يوم ~~الصاخة ، يوم التلاق ، يوم الفراق ، يوم الميثاق ، يوم الانشقاق ، يوم ~~القصاص ، يوم لات حين مناص ، يوم التناد ، يوم الأشهاد ، يوم الميعاد ، يوم ~~المآب ، يوم العذاب ، يوم الفرار ، يوم القرار ، يوم المرصاد ، يوم السائلة ~~، يوم المناقشة ، يوم الحساب ، يوم القضاء ، يوم الجزاء ، يوم البكاء ، يوم ~~البلاء ، يوم تمور السماء مورا PageV14P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" وتسير الجبال سيرا ، يوم الحشر ، يوم النشر ، ~~يوم الجمع ، يوم البعث ، يوم العرض ، يوم الوزن ، يوم الحق ، يوم الحكم ، ~~يوم الفصل ، يوم الخزي ، يوم عقيم ، يوم عظيم ، يوم عسير ، يوم عبوس ، يوم ~~قمطرير ، يوم النشور ، يوم المصير ، يوم الدين ، يوم اليقين ، يوم النفخة ، ~~يوم الصيحة ، يوم الرجفة ، يوم الرجة ، يوم الزجرة ، يوم الشدة ، يوم الفزع ~~، يوم الجزع ، يوم القلق ، يوم العرق ، يوم الميقات ، يوم تخرج الأموات ~~وتظهر المخبآت ، يوم الإشفاق ، يوم الانشقاق ، يوم الإنكدار ، يوم الانتشار ~~، يوم الانفطار ، يوم الافتقار ، يوم الوقوف ، يوم الانصداع ، يوم الانقطاع ~~، يوم معلوم ، يوم موعود ، يوم مشهود ، يوم تبلى السرائر ، يوم تخرج ~~الضمائر ، يوم لا تجزي نفس عن نفس شيئا ، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ، يوم ~~يدعي فيه إلى النار ، يوم تسجر فيه النار ، يوم تقلب فيه الوجوه في النار ، ~~يوم البروز فيه إلى الله ، يوم الصدور إلى الله ، يوم لا تنفع المعذرة ، ~~يوم لا يرضى إلا المغفرة . قال : وأهول أسمائه وأشنع ألقابه : يوم الخلود ، ~~يوم لا انقطاع لعذابه ، ولا آخر لعقابه ، ولا يكشف عن كافر ما به . نعوذ ~~بالله من غضبه وبلائه ، برحمته وآلائه . والله معين العاجزين . ذكر الحشر ~~والمعاد والنفخة الثانية جاء في بعض التفاسير في قوله تعالى : " ونفخ في ~~الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا ما شاء الله " قيل : جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل وملك الموت . قال : ثم يأمر الله ملك الموت أن يقبض روح ~~جبريل وميكائيل ms2781 وإسرافيل ، ثم يأمر ملك الموت أن يموت فيموت ولا يبقى إلا ~~الله ، فينادي جل جلاله : " لمن الملك اليوم " فلا يجيبه أحد ، فيقول : " ~~لله الواحد القهار " . ثم يمكث الناس في البرزخ أربعين عاما ، ثم يحيي الله ~~عز وجل إسرافيل فيأمره أن ينفخ النفخة الثانية ؛ قال الله تعالى : " ثم نفخ ~~فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون " . وقال تعالى : " منها خلقناكم وفيها ~~نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى " . وقال تعالى : " وهو الذي يبدأ الخلق ثم ~~يعيده وهو أهون عليه " . روى عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال ~~: " يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا PageV14P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" عجب الذنب " . قيل : يا رسول الله ، وما هو ؟ ~~قيل : " مثل حبة خردل ومنه ينشأ " . وفي الحديث الآخر : " ثم ينزل الله من ~~السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل " . وفي الحديث أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال : " يقول الله وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده ، ~~فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجسام ، فتدخل في الخياشيم ثم تمشي مشي السم ~~في اللديغ " . قال : " وتجتمع الأرواح كلها في الصور ، ثم ينفخ إسرافيل فيه ~~فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض ، ثم تدخل في ~~الأجساد " كما تقدم . وفي الحديث الصحيح أن عائشة رضي الله عنها قالت : يا ~~رسول الله ، كيف يحشر الناس يوم القيامة ؟ قال : " حفاة عراة " . قالت : يا ~~رسول الله ، والنساء ؟ قال : " والنساء " . قالت : يا رسول الله ، فما ~~نستحي ؟ قال : " يا عائشة الأمر أهم من أن ينظر بعضهم إلى بعض " . وعن أبي ~~موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات ، فأما عرضتان فجدال ومعاذير ، وأما ~~الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي ، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله " . وعن ~~ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله تعالى ~~: " يوم يقوم الناس لرب العالمين " قال : " يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف ~~أذنيه وهو اليوم الذي قال الله تعالى فيه " كلا ms2782 لا وزر ، إلى ربك يومئذ ~~المستقر ، ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر " . وقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي ~~وينفذهم البصر " يريد أرضا مستوية لا جبل فيها ولا أكمه ولا ربوة ولا وهدة ~~، أرض بيضاء لم يسفك عليها دم قط ، ولا عمل عليها خطيئة ولا ارتكب فيها ~~محرم . قال الله تعالى : " يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله ~~الواحد القهار " . وفي حديث ثوبان : أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) سئل ~~أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ؟ فقال : " هم في الظلمة ~~دون الجسر " والجسر هو الصراط . وفي حديث عائشة " إنهم على الصراط " . قال ~~الله عز وجل : " ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار " . وقال ~~تعالى : " يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا " أي يقول PageV14P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" بعضهم لبعض سرا ، فيقول أعدلهم قولا وأرجحهم ~~عقلا : إن لبثتم إلا يوما . قال الله عز وجل : " نحن أعلم بما يقولون إذ ~~يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما " . وروي عن مجاهد أنه قال : للكفار ~~هجعة قبل يوم القيامة يجدون فيها طعم النوم ، فإذا بعثوا قالوا : يا ويلنا ~~من بعثنا من مرقدنا فنخرج الخلائق مذعورين خائفين وجلين ، وإذا المنادي ~~ينادي : " يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون " ، فيطمع في ذلك ~~النداء المؤمنون والكافرون ، فينادي المنادي : " الذين آمنوا بآياتنا ~~وكانوا مسلمين " . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف ركبانا ومشاة وعلى ~~وجوههم " . قيل : يا رسول الله ، وكيف يمشون على وجهوهم ؟ قال : " إن الذي ~~أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم أما إنهم يتقون بوجوههم ~~كل حدب وشوك " . وفي حديث مسلم بن الحجاج عن أنس أن رجلا قال : يا رسول ~~الله ، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ؟ قال : " أليس الذي أمشاه ~~على رجليه في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة " . ~~والأحاديث الصحيحة ms2783 في هذا الباب كثيرة جدا لو استقصيناها لطال الكلام ~~وانبسط القول ، وخرج التأليف عن شرط الذي قدمناه ، فلنختم هذا الباب بحديث ~~لقيط بن عامر العقيلي فإنه حديث جامع لأكثر ما في هذا الباب . ذا الباب ~~بحديث لقيط بن عامر العقيلي فإنه حديث جامع لأكثر ما في هذا الباب . حديث ~~لقيط بن عامر قال أبو بكر بن أبي خيثمة بإسناده إلى لقيط بن عامر العقيلي ~~قال : خرجت أنا وصاحب لي حتى قدمنا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~المدينة لانسلاخ رجب ، فأتينا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فوافيناه ~~حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الناس خطيبا PageV14P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" فقال : " أيها الناس ألا إني قد خبأت لكم ~~صوتي منذ أربعة أيام لأسمعكم اليوم . ألا فهل من امرئ بعثه قومه فقالوا ~~اعلم لنا ما يقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ألا ثم لعله أن يلهيه ~~حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه الضلال . ألا إني مسئول هل بلغت . ألا ~~أسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا " فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي ، حتى إذا فرغ لنا ~~فؤاده وبصره قلت : يا رسول الله ، ما عندك من علم الغيب ؟ فضحك لعمر الله ~~وهز رأسه وعلم أني أبتغي لسقطه فقال : " ضن ربك عز وجل بمفاتيح خمس من ~~الغيب لا يعلمها إلا الله " . فقلت : وما هن يا رسول الله ؟ قال : " علم ~~المنية قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه . وعلم المني حين يكون في الرحم ~~قد علمه ولا تعلمونه وعلم ما في غد وما أنت طاعم غدا ولا تعلمه . وعلم يوم ~~الغيث يشرف عليكم آزلين مسنتين فيظل يضحك قد علم أن غوثكم قريب " . قال ~~لقيط : لم لن نعدم من رب يضحك خيرا . " وعلم يوم الساعة " . قلت : يا رسول ~~الله ، إني سائلك عن حاجتي . قال : " سل عما شئت " . قلت : يا رسول الله ، ~~علمنا مما لا يعلم الناس ومما تعلم فإنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحدا من ~~مذحج التي تدنو إلينا ، وخثعم التي توالينا ، وعشيرتنا التي نحن ms2784 منها . قال ~~: " تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصيحة ، ~~فلعمر إلهك ما تدع على PageV14P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك ~~، فأصبح ربك يطوف في الأرض وقد خلت عليه البلاد ، فأرسل ربك السماء بهضب من ~~عند العرش ، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا ~~شقت القبر عنه حتى تخلقه من قبل رأسه فيستوي جالسا ، فيقول ربك مهيم لما ~~كان فيه ، فيقول : يا رب أمتني أمس اليوم ، لعهده بالحياة يحسبه حديثا ~~بأهله " . فقلت : يا رسول الله ، كيف يجمعنا بعد ما تمزقنا الرياح والبلى ~~والسباع ؟ قال : " أنبئك بمثل ذلك في إل الله الأرض أشرقت عليها وهي مدرة ~~بالية فقلت لا تحيا أبدا ثم أرسل ربك عليها السماء ، فلم تلبث عليها إلا ~~أياما حتى أشرفت عليها فإذا هي شرية واحدة ، فلعمر إلهك لهو أقدر على أن ~~يجمعهم من الماء على أن يجمع نبات الأرض فتخرجون من الأصواء ومن مصارعكم ~~فتنظرون إليه ساعة وينظر إليكم " . قلت : يا رسول الله ، وكيف ونحن ملء ~~الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه ؟ قال : " أنبئكم بمثل ذلك في إل ~~الله الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ساعة واحدة ويريانكم لا تضارون في ~~رؤيتهما ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وتروه منهما أن تروهما ويرياكم ~~لا تضارون في رؤيتهما " . قلت : يا رسول الله ، فماذا يفعل بنا ربنا إذا ~~لقيناه ؟ قال : تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا يخفى عليه منكم خافية ، ~~فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم ، فلعمر إلهك ما تخطئ وجه ~~واحد منكم منها قطرة ، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء ، وأما ~~الكافر فتخطمه بمثل الحمم الأسود . ألا ثم ينصرف نبيكم ويتفرق على أثره ~~الصالحون ، فتسلكون جسرا من النار يطأ أحدكم PageV14P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" الجمرة يقول حس ، فيقول ربك وإنه . ألا ~~فتطلعون على حوض الرسول لا يظمأ والله ناهله فلعمر إلهك ما يبسط أحد منكم ~~يده ms2785 إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والأذى . وتحبس الشمس والقمر ~~فلا ترون منهما واحدا " . قلت : يا رسول الله ، فبم نبصر الأرض ؟ قال : " ~~بمثل ساعتك هذه " وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرض وواجهته الجبال . ~~قلت : يا رسول الله ، فبم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا ؟ قال : " الحسنة بعشر ~~أمثالها والسيئة بمثلها إلا أن يعفو الله " . قلت : يا رسول الله ، ما ~~الجنة وما النار . قال : " لعمر إلهك إن للنار لسبعة أبواب ما منها بابان ~~إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما . وإن للجنة لثمانية أبواب ما منها ~~بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما " . قلت : يا رسول الله . فعلام ~~نطلع من الجنة ؟ قال : " على أنهار من عسل مصفى ، وأنهار من كأس ما بها ~~صداع ولا ندامة ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وماء غير آسن ، وفاكهة ~~لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله معه وأزواج مطهرة " . قلت : يا رسول الله ~~، ولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات ؟ قال : " الصالحات للصالحين تلذونهن مثل ~~لذاتكم في الدنيا ويلذذنكم غير أن لا توالد فيها " . الله ، ولنا فيها ~~أزواج أو منهن مصلحات ؟ قال : " الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في ~~الدنيا ويلذذنكم غير أن لا توالد فيها " . انتهى التذييل على القسم الثالث ~~بعون الله تعالى وحسن توفيقه . والله الموفق للصواب . PageV14P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" القسم الرابع من الفن الخامس في أخبار ملوك ~~الأصقاع ، وملوك الأمم والطوائف ، وخبر سيل العرم ووقائع العرب في الجاهلية ~~ويشتمل على خمسة أبواب الباب الأول في أخبار ذي القرنين الذي ذكره الله عز ~~وجل في كتابه العزيز في سورة الكهف قال الله تعالى : " ويسئلونك عن ذي ~~القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا ، إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل ~~شيء سببا " . واختلف في تسميته ذا القرنين ، فقيل : لبلوغه أطراف الأرض ، ~~وإن الملك الموكل بجبل قاف سماه بذلك . وهذا القول محكى عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما . وقيل : إنما سمي بذلك لأنه كانت له ذؤابتان من الذهب . ويعزى ~~هذا القول إلى علي بن أبي ms2786 طالب رضي الله عنه . وقيل : إنما سمي بذلك لأنه ~~رأي في منامه أنه يدنو من الشمس فيضع PageV14P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" يده في قرنيها من شرقها وغربها ، فقص رؤياه ~~على قومه فسموه ذا القرنين ، وهذا القول مروي عن وهب . وقيل : إنما سمي به ~~لأن الله تعالى كان قد بعثه إلى قوم فضربوه على قرنه فمات ، فأحياه الله ثم ~~بعثه إليهم فضربوه على قرنه الآخر فمات ، ثم أحياه الله ، فسمي ذا القرنين ~~. وقيل : إنما سمي بذلك لأنه أفنى قرنين من الناس . وقيل : لأنه كريم ~~الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه . وقيل : لأنه أعطى علم الظاهر ~~والباطن وقيل : لأنه دخل الظلمة والنور . وقيل : لأنه ملك فارس والروم . ~~وقيل غير ذلك . والله تعالى أعلم . قال وهب : كان ذو القرنين رجلا من أهل ~~الإسكندرية يقال له الإسكندروس . والعجب كونه نسبه أنه من أهل الإسكندرية ، ~~وقد نقل جماعة من أهل التاريخ أن الإسكندر هو الذي أنشأ الإسكندرية وبناها ~~، فكيف يكون من أهلها وهو الذي أنشأها وإليه نسبت . وروي عن وهب أيضا أن ذا ~~القرنين كان خارجيا في قومه ، ولم يكن بأفضلهم نسبا ولا حسبا ولا موضعا ، ~~ثم قال بعد ذلك : إن الله تعالى بعثه نبيا ورسولا . ولا يكون الأنبياء إلا ~~من أفضل قومهم حسبا وأشرفهم نسبا . وقد يكون هذا النقل لاختلاف الروايات . ~~وما آفة الأخبار إلا رواتها . قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي ~~في تفسيره عن ابن إسحاق قال حدثني من يسوق الأحاديث عن الأعاجم فيما ~~توارثوا من علم : أن ذا القرنين كان رجلا من أهل مصر ، اسمه مرزبان بن ~~مرذبة اليوناني من ولد يونان بن يافث ابن نوح . قال وقال ابن هشام : اسمه ~~الإسكندر ، وهو الذي بنى الإسكندرية ، فنسبت إليه . قال وقيل : اسمه هرمس ، ~~ويقال هرديس . وقال ابن هشام : هو الصعب بن ذي يزن الحميري . وقال وهب : هو ~~رومي . وقيل : إنه أفريدون الذي قتل بيوراسب بن أرونداسب الملك الفارسي . ~~PageV14P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" وقال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى ms2787 في ~~قصصه - وذكر الخلاف في نبوته - قال : الصحيح إن شاء الله أنه كان نبيا غير ~~مرسل ، كما روي عن وهب وغيره من أهل الكتب . قال وقالوا : كان ذو القرنين ~~رجلا من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره ، وكان اسمه إسكندروس ~~. قال ويقال : كان اسمه ابن عياش ، وكان عياش عبدا صالحا . قال وهب : ونشأ ~~ذو القرنين في علم وأدب وثروة وعفة ، ولم يزل يتخلق بمكارم الأخلاق ويسمو ~~إلى معالي الأمور حتى بعدت همته ، واشتد أمره ، وعلا صوته ، وعز في قومه ، ~~وألقى الله تعالى عليه الهيبة ، وحدث نفسه بمعالي الأمور . قال الثعلبي : ~~فلما استحكم ملكه واستجمع أمره أوحى الله تعالى إليه : يا ذا القرنين ، إني ~~بعثتك إلى جميع الخلائق ما بين الخافقين ، وجعلتك حجتي عليهم ، وهذا تأويل ~~رؤياك . وإني باعثك إلى أمم الأرض كلهم وهي سبع أمم مختلفة ألسنتهم ، منهم ~~أمتان بينهما عرض الأرض ، وأمتان بينهما طول الأرض ، وثلاث أمم في وسط ~~الأرض ، وهم الإنس والجن ويأجوج ومأجوج . فأما الأمتان اللتان بينهما طول ~~الأرض فأمة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك ، والأخرى بحيالها عند مطلع الشمس ~~يقال لها منسك . وأما الأمتان اللتان بينهما عرض الأرض فأمه في قطر الأرض ~~الأيمن يقال لها هاويل ، والأخرى بحيالها في قطر الأرض الأيسر يقال لها ~~تاويل . فلما قال الله تعالى له ذلك قال ذو القرنين : إلهي إنك قد ندبتني ~~إلى أمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت ، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني ~~إليها بأي قوة أكاثرهم ، وبأي حيلة وجمع أكابرهم ، وبأي صبر أقاسيهم ، وبأي ~~لسان أناطقهم ، وكيف لي بأن أفقه لغاتهم ، وبأي سمع أسمع أقوالهم ، وبأي ~~بصر أنفذهم ، وبأي حجة أخاصمهم ، وبأي عقل أعقل عنهم ، وبأي قلب وحكمة أدبر ~~أمرهم ، وبأي قسط أعدل بينهم ، وبأي حلم أصابرهم ، وبأي معرفة أفصل بينهم ، ~~وبأي علم أتقن أمرهم ، وبأي يد أسطو عليهم ، وبأي رجل أطؤهم ، وبأي طاقة ~~أحصيهم ، وبأي جند أقاتلهم ، وبأي رفق أتألفهم ، وليس عندي يا إلهي شيء مما ~~ذكرت يقوم لهم ويقوى عليهم ms2788 وأنت الرءوف الرحيم ، الذي لا تكلف نفسا إلا ~~وسعها ، ولا تحملها إلا PageV14P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" طاقتها ، ولا تشقيها ؛ بل أنت ترحمها . فقال ~~الله تعالى له : إني سأطوقك ما حملتك ، وأشرح لك صدرك وسمعك فتسمع وتعي كل ~~شيء ، وأوسع لك فهمك فتفقه كل شيء ، وأبسط لك لسانك فتنطق بكل شيء ، وأفتح ~~لك بصرك فينفذ في كل شيء ، وأحصي لك قوتك فلا يفوتك شيء ، وأشد لك عضدك فلا ~~يهولك شيء ، وأشيد لك ركنك فلا يغلبك شيء ، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء ، ~~وأشد لك يديك فتسطو على كل شيء ، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء ، وأسخر لك ~~النور والظلمة وأجعلهما جندا من جنودك ، يهديك النور من أمامك ، وتحوطك ~~الظلمة من ورائك . قال : فلما قيل له ذلك حدث نفسه بالمسير ، وألح عليه ~~قومه بالمقام ، فلم يفعل وقال : لا بد من طاعة الله تعالى . قال وهب : وكان ~~أول ما بدأ به أن أخذ قومه بالإسلام فأسلموا قهرا من عند آخرهم ، ثم أمرهم ~~أن يبنوا له مسجدا ويجعلوا طوله أربعمائة ذراع ، وعرضه مائتي ذراع ، وسمك ~~حائطه اثنين وعشرين ذراعا ، وارتفاعه في السماء مائة ذراع ، وأمرهم أن ~~ينصبوا فيه سواري . قالوا : يا ذا القرنين ، كيف لنا بخشب يبلغ ما بين ~~الحائطين ؟ فلما كمل البناء أمرهم بردمه بالتراب ، ثم فرض على الموسر قدره ~~من الذهب وعلى المقتر قدره ، وأمرهم أن يجعلوا ذلك الذهب كقلامة الظفر ~~ويخلطوه بالتراب وكبسوا التراب حتى ساوى البناء ، ثم أمرهم بعد ذلك أن ~~يتخذوا أعمدة من النحاس بدلا من الخشب فصنعوها ، وجعلوا على كل حائط اثني ~~عشر ذراعا ، فكان طول كل عمود من النحاس مائتين وأربعة وعشرين ذراعا . ~~فتمكنوا من ذلك بسبب الردم . فلما استقر السقف بما فيه أمر الإسكندر ~~المساكين أن يحولوا التراب ، ومن خرج له شيء من الذهب فهو له ، فسارعوا إلى ~~ذلك ونقوله واستغنوا بما فيه ، ثم جند القوم أربعين ألفا ، وهم أول جند ~~اتبعوه . هب فهو له ، فسارعوا إلى ذلك ونقوله واستغنوا بما فيه ، ثم جند ~~القوم أربعين ألفا ، وهم ms2789 أول جند اتبعوه . وقال الثعلبي رحمه الله . إن ~~الإسكندر جند المساكين بما حصل لهم من قراضة الذهب ، وكانوا أربعين ألفا ، ~~وجعلهم أربعة أجناد ، في كل جند عشرة آلاف . قال : ثم عرض جنده فوجدهم فيما ~~قيل ألف ألف وأربعمائة ألف رجل غير المساكين ، وهم أربعون ألفا ، ثم انطلق ~~يوم الأمة التي عند مغرب الشمس ، فسار لا يمر بأمة إلا دعاهم إلى الله ~~تعالى ، فإن أجابوه قبل ذلك منهم ، وإن أبوا عليه PageV14P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" غشيتهم الظلمة فلبست مدائنهم ومنازلهم وأعشت ~~أبصارهم ، فيتحيروا حتى يجيبوه ، أو يأخذهم عنوة . ولم يزل كذلك حتى بلغ ~~مغرب الشمس . قال الله تعالى : " فاتبع سببا ، حتى إذا بلغ مغرب الشمس ~~وجدها تغرب في عين حمئة " أي ذات حمأة ، ومن قرأ حامية فمعناه حارة " ووجد ~~عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا " ~~الآيات إلى قوله : " يسرا " . قال الثعلبي : فوجد جمعا وعددا لا يحصيه إلا ~~الله تعالى ، وقوة وبأسا لا يطيقه إلا الله تعالى ، ورأى ألسنا مختلفة ~~وأهواء متشتتة ، وهذه الأمة هي ناسك . فلما رأى ذلك كاثرهم بالظلمة فضرب ~~حولهم ثلاث عساكر فأحاط بهم من كل مكان حتى جمعهم في مكان واحد ، ثم أخذ ~~عليهم بالنور فدعاهم إلى الله تعالى وعبادته ، فمنهم من آمن به ومنهم من صد ~~عنه ، فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخلهم الظلمة ، فدخلت في أفواههم وأنوفهم ~~وآذانهم وأجوافهم ، ودخلت في بيوتهم وغشيتهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كل ~~جانب ، فصاحوا وتحيروا وأشفقوا من الهلكة ، فعجوا إليه بصوت واحد ، فكشفها ~~عنهم وأخذهم عنوة فدخلوا في دعوته ، فجند منهم أمما عظيمة وجعلهم جندا ~~واحدا ، ثم انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم من خلفهم وتحرسهم والنور ~~أمامهم ، وسار يريد الأمة التي في قطر الأرض التي يقال لها هاويل ، فكان ~~إذا انتهى إلى بحر أو نهر بنى سفنا من ألواح صغار أمثال النعال نظمها في ~~ساعة ، ثم حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود ، فإذا قطع ذلك البحر ~~أو النهر فتقها ms2790 ثم دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يكرثه حمله ، فلم يزل ذلك ~~دأبه حتى انتهى إلى هاويل ففعل بهم كما فعل بالأمة التي قبلها . قال : ولما ~~فرغ منها مضى حتى انتهى إلى منسك وهي الأمة التي عند مطلع الشمس . قال الله ~~تعالى : " ثم ابتع سببا ، حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم ~~نجعل لهم من دونها سترا ، كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا " . قال : وقوله ~~تعالى : " لم نجعل لهم من دونها سترا " وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر ~~عليه بناء ، وكانوا يكونون في أسراب PageV14P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" لهم ، حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى معايشهم ~~وحروثهم . وقال الحسن : كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء ، فكانوا إذا طلعت ~~الشمس عليهم تهوروا في الماء ، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا فتراعوا كما ترعى ~~البهائم . وقال الكلبي : هم أمة يقال لها منسك عراة حفاة عماة عن الحق . ~~قال : وحدثني عمرو بن مالك بن أمية قال : وجدت رجلا بسمرقند يحدث الناس وهم ~~مجتمعون حوله ، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنه حدثهم عن القوم الذين ~~تطلع عليهم الشمس ، قال : خرجت حتى جاوزت الصين ، ثم سألت عنهم فقيل : لي ~~إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة ، فاستأجرت رجلا يرينيهم ، فسرت بقية عشيتي ~~وليلتي حتى صبحتهم ، فإذا أحدهما يفترش أذنه ويلبس الأخرى . وكان صاحبي ~~يحسن لسانهم فسألوه فقال : جئنا ننظر كيف تطلع الشمس . قال : فبينما نحن ~~كذلك إذ سمعنا مثل الصلصلة ، فغشي علي فوقعت ، فلما أفقت وجدتهم يمسحونني ~~بالدهن فإذا الشمس طلعت على الماء ، وهي عليه كهيئة الزيت ، وإذا طرف ~~السماء كهيئة الفسطاط ، فلما ارتفعت دخلوا في سرب لهم وأنا وصاحبي ، فلما ~~ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك فيطرحونه في الشمس ~~فينضج . نرجع إلى تتمة أخبار الإسكندر ومطلع الشمس . قالوا : ولما بلغ ~~الإسكندر مطلع الشمس فعل بمنسك كما فعل بالأمم التي قبلها وجند منها جنودا ~~، ثم كر حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهي بدء تاويل ، وهي الأمة التي بحيال ~~هاويل ، وهما متقابلتان ms2791 بينهما عرض الأرض . فلما بلغها عمل فيها كما عمل ~~بمن قبلها . ولما فرغ من الأمم الذين هم بأطراف الأرض وطاف الشرق والغرب ~~عطف منها إلى الأمم التي هي في وسط الأرض من الجن والإنس ويأجوج ومأجوج . ~~فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمة صالحة ~~من الإنس : يا ذا القرنين ، إن بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله ليس فيهم ~~مشابهة من الإنسان ، وهم أشباه البهائم ، يأكلون العشب ويفترسون الدواب ~~والوحوش كما يفترسها السباع ، ويأكلون هوام الأرض من الحيات والعقارب وكل ~~ذي روح مما خلق الله تعالى . PageV14P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" وليس لله خلق ينمون نماءهم ولا يزدادون ~~كزيادتهم . فإن أتت مدة على ما نرى من نمائهم وزيادتهم فلا شك أنهم سيملئون ~~الأرض ويخلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها . وليست تمر بنا سنة ~~منذ جاورناهم إلا ونحن نتوقعهم في أن يطلع علينا أولهم من بين هذين الجبلين ~~. قال الشيخ عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي في كتابه عن وهب بن منبه : إن ~~يأجوج ومأجوج أجفلوا في زمن ذي القرنين يريدون أرضا وأمة من الأمم ، وكانوا ~~إذا توجهوا لوجه لم يعدلوا عنه ولا يميلون ولا يعرجون ، وكانت تسمع همهمتهم ~~من مسيرة مائة فرسخ لكثرتهم . فلما سمعت تلك الأمة حسهم استغاثوا بذي ~~القرنين ، وهو يومئذ في ناحية أرضهم من شرق أرض الترك والخزر وقالوا : يا ~~ذا القرنين ، إنه قد بلغنا ما آتاك الله من السلطان والملك ، وما ألبسك من ~~الهيبة ، وما أيدك به من جنود أهل الأرض ومن النور والظلمة ، وإنا جيران ~~يأجوج ومأجوج ، وليس بيننا وبينهم إلا شواهق الجبل ، وليس لهم إلينا طريق ~~إلا من هذين الصدفين ، فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا . ~~قال الله تعالى : " ثم اتبع سببا ، حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما ~~قوما لا يكادون يفقهون قولا ، قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون ~~في الأرض فهل نجعل لك خرجا " أي جعلا وأجرا " على أن تجعل ms2792 بيننا وبينهم سدا ~~" أي حاجزا فلا يصلون إلينا " قال ما مكني فيه ربي " أي قواني " خير " من ~~خراجكم ولكن " فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما " حاجزا كالحائط . ~~قالوا : وما تلك القوة ؟ قال : فعلة وصناع يحسنون البناء والعمل والآلة . ~~قالوا : وما تلك الآلة : قال " آتوني زبر الحديد " PageV14P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" يعني قطعة ، واحدتها زبرة ، وأتوني بالنحاس . ~~قالوا : من أين لنا الحديد والنحاس ما يكفي هذا العمل ؟ قال ، سأدلكم على ~~معادن الحديد والنحاس ، فضرب لهم في جبلين حتى فلقهما ، ثم استخرج منهما ~~معدنين من الحديد والنحاس . قالوا : فبأي قوة نقطع الحديد والنحاس ؟ ~~فاستخرج معدن السامور وهو أشد ما خلق الله بياضا ، وهو الذي قطع به سليمان ~~صخور بيت المقدس وجواهره ، كما تقدم . قال الثعلبي : ولما شغلهم الإسكندر ~~في استخراج الحديد والنحاس سار نحو يأجوج ومأجوج ليعلم علمهم ، فانطلق ~~يؤمهم حتى انتهى إليهم وتوسط بلادهم ، فوجدهم على مقدار واحد ذكرهم وأنثاهم ~~، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا . وروي عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه أنه قال : منهم من طوله شبر ، ومنهم من هو مفرط في الطول ~~، لهم مخاليب في أيديهم موضع الأظافر ، وأنياب وأضراس كالسباع ، يسمع لها ~~حركة إذا أكلوا كقضم البغل المسن أو الفرس القوي ، ولهم من الشعر في ~~أجسادهم ما يواريهم وما يتقون به الحر والبرد ، ولكل واحد منهم أذنان ~~عظيمتان ، إحداهما وبرة والأخرة زغبة ، يفترش إحداهما ويلتحف الأخرى ، ~~ويصيف في إحداهما ويشتي في الأخرى . وقال الأنماطي في خبره : ولهم أخفاف ~~كأخفاف الإبل . قالوا : وليس منهم ذكر ولا أنثى إلا وقد عرف أجله الذي يموت ~~فيه . وذلك أن الذكر منهم لا يموت حتى يخرج من صلبه ألف ولد ، ولا تموت ~~الأنثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد ، فإذا كان ذلك أيقن بالموت وترك طلب ~~المعيشة . قالوا : وهم PageV14P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" يرزقون التنين في أيام الربيع ، ويقذفه عليهم ~~السحاب من البحر في كل عام مرة . فإذا تأخر عنهم وقت عادته استمطروه كما ~~يستمطر الغيث لجينه ، فإن قذفوا ms2793 به أخصبوا وسمنوا وتوالدوا وكثروا وأكلوا ~~منه حولا كاملا لا يأكلون غيره ، ويقددونه فيعمهم على كثرتهم . قال : وهم ~~يتداعون تداعي الحمام ، ويعوون عواء الذئاب ، ويتسافدون تسافد البهائم حيث ~~التقوا . فلما عاينهم ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما ~~، ثم أوقد على ما جمع من الحديد والنحاس فصنع منه زبرا أمثال الصخور العظام ~~، ثم أذاب النحاس فجعله كالطين وألاط به تلك الصخور الحديد ثم بناه . قالوا ~~: وكيفية بنائه على ما ذكره أهل السير : أنه لما قاس ما بين الجبلين وجد ما ~~بينهما مائة فرسخ ، ثم حفر له الأساس حتى بلغ الماء ، وجعل عرضه خمسين ~~فرسخا ، ثم وضع الحطب بين الجبلين ، ثم نسج عليه الحديد ، ثم نسج الحطب على ~~الحديد ، فلم يزل يحول الحديد على الحطب والحطب على الحديد حتى ساوى بين ~~الصدفين ، وهما الجبلان ، ثم أمر بالنار فأرسلت فيه ، ثم قال انفخوا ثم جعل ~~يفرغ القطر وهو النحاس المذاب فجعلت النار تأكل الحطب ويصير النحاس مكان ~~الحطب حتى لزم الحديد النحاس فصار كأنه برد حبرة من صفرة النحاس وحمرته ، ~~وسواد الحديد وغبرته ؛ فصار سدا طويلا عظيما حصينا . قال الله تعالى : " ~~فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا " . وقد روي أن رجلا قال يا ~~رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج . قال : " انعته لي " . قال : كالبرد ~~المحبر ، طريقه سوداء ، وطريقه حمراء . قال : " قد رأيته " . وقد ذكرنا خبر ~~السد فيما سلف من كتابنا هذا عن سلام الترجمان حين أرسله الواثق إلى السد ~~فرآه ، وهو في الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الأول وهو في السفر ~~الأول من كتابنا هذا . قال الأنماطي قال وهب : فبلغنا - والله أعلم - أنهم ~~يأتونه في كل سنة مرة ، وذلك أنهم يسيحون في بلادهم حتى إذا انتهوا إلى ذلك ~~الردم حبسهم فرجعوا يسيحون في بلادهم ، فهم كذلك حتى تقرب الساعة ، فإذا ~~جاء أشراطها فتحه الله PageV14P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" عز وجل ؛ فذلك قوله تعالى : " حتى إذا فتحت ~~يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون " ، وقوله تعالى ms2794 : " فإذا جاء وعد ربي ~~جعله دكا وكان وعد ربي حقا " . والله أعلم . ذكر خبر دخول ذي القرنين ~~الظلمات مما يلي القطب الشمالي لطلب عين الحياة قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه ~~الله : قال علي رضي الله عنه : ملك ذو القرنين ما بين المشرق والمغرب ، ~~وكان له خليل من الملائكة اسمه رفائيل يأتيه ويزوره . فبينما هما ذات يوم ~~يتحادثان إذ قال ذو القرنين : يا رفائيل ، حدثني عن عبادتكم في السماء . ~~فبكى وقال : يا ذا القرنين ، وما عبادتكم بشيء عند عبادتنا إن في السماء من ~~الملائكة من هو قائم أبدا لا يجلس ، ومن هو ساجد لا يرفع رأسه أبدا ، ومنهم ~~الراكع لا يستوي أبدا قائما ، يقولون : سبحان الملك القدوس ، رب الملائكة ~~والروح ، ربنا ما عبدناك حق عبادتك . فبكى ذو القرنين بكاء شديدا ثم قال : ~~إني لأحب أن أعيش فأبلغ من عبادة ربي حق طاعته . قال رفائيل : أوتحب ذلك ؟ ~~قال نعم . قال : فإن لله عينا في الأرض تسمى عين الحياة فيها من الله عزيمة ~~، إن من يشرب منها شربة لم يمت أبدا حتى يكن هو الذي يسأل ربه الموت . قال ~~ذو القرنين : هل تعلم موضع تلك العين ؟ قال الملك : لا ، غير أنا نتحدث في ~~السماء أن لله تعالى في الأرض ظلمة لا يطؤها إنس ولا جان ، فنحن نظن أن ~~العين في تلك الظلمة . فجمع ذو القرنين علماء أهل الأرض وأهل دراسة الكتب ~~وآثار النبوة فقال لهم : أخبروني هل وجدتم فيما قرأتم من كتب الله وما ~~جاءكم من أحاديث الأنبياء ومن كان قبلكم أن الله وضع في الأرض عينا سماها ~~عين الحياة ؟ قالوا لا . وقال عالم من العلماء : إني قرأت وصية آدم ، وصى ~~أن الله تعالى خلق في الأرض ظلمة لم يطأها إنس ولا جان ووضع فيها عين الخلد ~~. فقال ذو القرنين : فأين وصيته في الأرض ؟ قال : على قرن الشمس . فبعث ذو ~~القرنين وحشر إليه العلماء والأشراف والملوك ، ثم سار يطلب مطلع الشمس ، ~~فسار اثنتي عشرة سنة إلى أن بلغ طرف الظلمة ، فإذا ظلمة تقوم ms2795 مثل الدخان ~~ليست بظلمة ليل ، فعسكر هناك ، ثم جمع العلماء وقال : إني أريد أن أسلك هذه ~~الظلمة . قالوا : إنه من كان قبلك من الأنبياء PageV14P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" والملوك لم يطلبوا هذه الظلمة فلا تطلبها ، ~~فإنا نخاف أن ينبثق عليك أمر تكرهه فيكون فيه فساد أهل الأرض . فقال : لا ~~بد من أن أسلكها . قالوا : أيها الملك كف عنها ولا تطلبها فإنا لو نعلم أنك ~~إن طلبتها ظفرت بما تريد ولم يسخط علينا ربنا لاتبعناك ، ولكنا نخاف العتب ~~من الله عز وجل وفساد الأرض ومن عليها . فقال : لا بد أن أسلكها . قالوا : ~~شأنك بها . قال : أي الدواب بالليل أبصر ؟ قالوا : الخيل . قال : فأي الخيل ~~أبصر ؟ قالوا : الإناث . قال : فأي الإناث أبصر ؟ قالوا : البكارة . فجمع ~~ذو القرنين ستة آلاف فرس بهذه الصفة ، ثم انتخب من عسكره أهل الجلد والعقل ~~ستة آلاف رجل ، فدفع إلى كل رجل فرسا ، وعقد للخضر - ع - على مقدمته ألفين ~~، وبقي هو في أربعة آلاف . وقال ذو القرنين للناس : لا تبرحوا من معسكركم ~~هذا إلى اثنتي عشرة سنة ، فإن رجعنا إليكم وإلا فارجعوا إلى بلادكم . فقال ~~الخضر : أيها الملك ، إنا نسلك ظلمة لا ندري كم المسير فيها ولا يبصر بعضنا ~~بعضا ، فكيف نصنع إذا ضللنا فدفع إلى الخضر خرزة حمراء وقال : حيث يصيبكم ~~الضلال فاطرح هذه في الأرض فإذا صاحت فليرجع إليها أهل الضلال أين صاحت . ~~فسار الخضر بين يديه ، يرتحل الخضر وينزل ذو القرنين ، فبينما الخضر يسير ~~إذ عرض له واد فظن أن العين فيه وألقى ذلك في قلبه ، فقام على شفير الوادي ~~وقال لأصحابه : قفوا لا تبرحوا ، ورمى بالخرزة في الوادي ومكث طويلا حتى ~~أجابته الخرزة ، فطلب صوتها فانتهى إليها فإذا هي إلى جانب العين . فنزع ~~الخضر ثيابه ثم دخل العين ، فإذا ماؤها أشد بياضا من اللبن وأحلى من الشهد ~~، فشرب واغتسل وتوضأ ولبس ثيابه ، ثم رمى الخرزة نحو أصحابه ، فوقعت الخرزة ~~وصاحت ، فرجع إلى صوتها حتى انتهى إلى أصحابه ، فركب وقال : سيروا على اسم ~~الله . ومر ذو ms2796 القرنين فأخطأ الوادي فسلكوا تلك الظلمة أربعين يوما وليلة ، ~~ثم خرجوا إلى ضوء ليس بضوء شمس ولا قمر ، وإلى أرض حمراء ورملة خشخاشية ، ~~فإذا هو بقصر مبني في تلك الأرض طوله فرسخ في فرسخ عليه باب ، فنزل ذو ~~القرنين بعسكره ، ثم خرج وحده فدخل القصر ، فإذا حديدة قد وضع طرفاها على ~~جانبي القصر من PageV14P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" هاهنا وهاهنا ، وإذا طائر أسود يشبه الخطاف ~~مزموم بأنفه إلى الحديدة ، معلق بين السماء والأرض ، فلما سمع الطائر خشخشة ~~ذي القرنين قال : من هذا ؟ قال : أنا ذو القرنين . فقال : يا ذا القرنين ، ~~أما كفاك ما وراءك حتى وصلت إلي ثم قال الطائر : يا ذا القرنين ، حدثني ؛ ~~قال سل ؛ فقال : هل كثر بناء الآجر والجص في الأرض ؟ قال نعم ؛ فانتفض ~~الطائر انتفاضة ثم انتفخ فبلغ ثلث الحديدة ، ثم قال : يا ذا القرنين ، هل ~~كثرت شهادات الزور في الأرض ؟ قال نعم ؛ فانتفض الطائر ثم انتفخ فملأ ~~الحديدة وسد ما بين جداري القصر . ففرق ذو القرنين فرقا عظيما . فقال ~~الطائر : لا تخف . حدثني . قال سل . قال : هل ترك الناس شهادة أن لا إله ~~إلا الله بعد ؟ قال لا ، فانضم الطائر ثلثه ثم قال : هل ترك الناس الصلاة ~~المفروضة بعد ؟ قال لا ، فانضم ثلثاه . ثم قال : يا ذا القرنين ، هل ترك ~~الناس غسل الجنابة بعد ؟ قال لا ؛ فعاد الطائر كما كان . ثم قال : يا ذا ~~القرنين . اسلك هذا الدرج درجة درجة إلى أعلى القصر . فسلكها وهو خائف وجل ~~لا يدري على ماذا يهجم ، حتى انتهى إلى سطح ممدود ، عليه صورة رجل شاب قائم ~~، وعليه ثياب بيض . رافعا وجهه إلى السماء ، واضعا يديه على فيه ، فلما سمع ~~خشخشة ذي القرنين قال : من هذا ؟ قال : أنا ذو القرنين . قال : يا ذا ~~القرنين ، إن الساعة قد اقتربت ، وأنا منتظر أمر ربي يأمرني أن أنفخ فأنفخ ~~، ثم أخذ صاحب الصور شيئا بين يديه كأنه حجر وقال : خذه يا ذا القرنين ، ~~فإن شبع هذا شبعت ، إن جاع جعت ؛ فأخذه ونزل إلى أصحابه ms2797 فحدثهم بأمر الطائر ~~وما قال له وما رد عليه ، وما قال صاحب الصور . ثم جمع علماء عسكره فقال : ~~أخبروني عن هذا الحجر ما أمره ؟ فقالوا : أيها الملك ، أخبرنا عما قال لك ~~فيه صاحب الصور . فقال ذو القرنين : إنه قال لي : إن شبع هذا شبعت وإن جاع ~~جعت فوضعوا ذلك الحجر في إحدى كفتي ميزان وأخذوا حجرا مثله فوضعوه في الكفة ~~الأخرى ثم رفعوا الميزان فإذا هو يميل ، فوضعوا معه آخر فإذا هو يميل بهن ~~فلم يزالوا يضعون حتى وضعوا ألف حجر فمال بالألف جميعا ، فقالوا : انقطع ~~علمنا دون هذا الحجر لا ندري أسحر هو أم علم ما نعلمه فقال PageV14P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" الخضر : نعم أنا أعلمه ، فأخذ الميزان بيده ~~ثم وضع الحجر في كفتها وأخذ كفا من تراب فجعله في الكفة الأخرى ثم رفع ~~الميزان فاستوى . فخرت العلماء سجدا لله تعالى وقالوا : هذا علم لم يبلغه ~~علمنا . فقال الخضر - ع - : أيها الملك ، إن سلطان الله عز وجل قاهر لخلقه ~~، وأمره نافذ فيهم ، وحكمه جار عليهم ؛ وإن الله تعالى ابتلى خلقه بعضهم ~~ببعض ، فابتلى العالم بالعالم ، والجاهل بالجاهل ، والعالم بالجاهل ، ~~والجاهل بالعالم ؛ وإنه ابتلاني بك وابتلاك بي . قال ذو القرنين : صدقت ، ~~فأخبرني ما هذا ؟ فقال الخضر : أيها الملك ، هذا مثل ضربه لك صاحب الصور ، ~~إن الله تعالى مكن لك في البلاد ، وأعطاك منها ما لم يعط أحدا ، وأوطأك ~~منها ما لم يوطئ أحد ، فلم تشبع ، وآتيت نفسك شرها ، حتى بلغت من سلطان ~~الله ما لم يطأه إنس ولا جان ، فهذا مثل ضربه لك ، إن ابن آدم لا يشبع أبدا ~~دون أن يحثي عليه التراب ، ولا يملأ جوفه إلا التراب . فبكى ذو القرنين ~~وقال : صدقت ، لا جرم أني لا طلبت أثرا في البلاد بعد مسيري هذا حتى أموت ، ~~ثم انصرف راجعا . فلما توسط الظلمة وطئ وادي الزبرجد ، فقال من معه لما ~~سمعوا الخشخشة تحت حوافر دوابهم : ما هذا أيها الملك ؟ فقال : خذوا منه ~~فإنه من أخذ منه ندم ، ومن تركه ندم . فمنهم ms2798 من أخذ ، ومنهم من ترك . فلما ~~خرجوا من الظلمة إذا وهو الزبرجد . فندم الآخذ كونه لم يكثر ، والتارك كونه ~~لم يأخذ . قال : فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " رحم الله أخي ذا ~~القرنين لو ظفر بوادي الزبرجد في المبتدأ ما ترك منه شيئا حتى أخرجه إلى ~~الناس لأنه كان راغبا في الدنيا ولكنه ظفر به وهو زاهد في الدنيا لا حاجة ~~له فيها " . ال سل ؛ فقال : هل كثر بناء الآجر والجص في الأرض ؟ قال نعم ؛ ~~فانتفض الطائر انتفاضة ثم انتفخ فبلغ ثلث الحديدة ، ثم قال : يا ذا القرنين ~~، هل كثرت شهادات الزور في الأرض ؟ قال نعم ؛ فانتفض الطائر ثم انتفخ فملأ ~~الحديدة وسد ما بين جداري القصر . ففرق ذو القرنين فرقا عظيما . فقال ~~الطائر : لا تخف . حدثني . قال سل . قال : هل ترك الناس شهادة أن لا إله ~~إلا الله بعد ؟ قال لا ، فانضم الطائر ثلثه ثم قال : هل ترك الناس الصلاة ~~المفروضة بعد ؟ قال لا ، فانضم ثلثاه . ثم قال : يا ذا القرنين ، هل ترك ~~الناس غسل الجنابة بعد ؟ قال لا ؛ فعاد الطائر كما كان . ثم قال : يا ذا ~~القرنين . اسلك هذا الدرج درجة درجة إلى أعلى القصر . فسلكها وهو خائف وجل ~~لا يدري على ماذا يهجم ، حتى انتهى إلى سطح ممدود ، عليه صورة رجل شاب قائم ~~، وعليه ثياب بيض . رافعا وجهه إلى السماء ، واضعا يديه على فيه ، فلما سمع ~~خشخشة ذي القرنين قال : من هذا ؟ قال : أنا ذو القرنين . قال : يا ذا ~~القرنين ، إن الساعة قد اقتربت ، وأنا منتظر أمر ربي يأمرني أن أنفخ فأنفخ ~~، ثم أخذ صاحب الصور شيئا بين يديه كأنه حجر وقال : خذه يا ذا القرنين ، ~~فإن شبع هذا شبعت ، إن جاع جعت ؛ فأخذه ونزل إلى أصحابه فحدثهم بأمر الطائر ~~وما قال له وما رد عليه ، وما قال صاحب الصور . ثم جمع علماء عسكره فقال : ~~أخبروني عن هذا الحجر ما أمره ؟ فقالوا : أيها الملك ، أخبرنا عما قال لك ~~فيه صاحب الصور . فقال ذو القرنين : إنه قال لي ms2799 : إن شبع هذا شبعت وإن جاع ~~جعت فوضعوا ذلك الحجر في إحدى كفتي ميزان وأخذوا حجرا مثله فوضعوه في الكفة ~~الأخرى ثم رفعوا الميزان فإذا هو يميل ، فوضعوا معه آخر فإذا هو يميل بهن ~~فلم يزالوا يضعون حتى وضعوا ألف حجر فمال بالألف جميعا ، فقالوا : انقطع ~~علمنا دون هذا الحجر لا ندري أسحر هو أم علم ما نعلمه فقال الخضر : نعم أنا ~~أعلمه ، فأخذ الميزان بيده ثم وضع الحجر في كفتها وأخذ كفا من تراب فجعله ~~في الكفة الأخرى ثم رفع الميزان فاستوى . فخرت العلماء سجدا لله تعالى ~~وقالوا : هذا علم لم يبلغه علمنا . فقال الخضر - ع - : أيها الملك ، إن ~~سلطان الله عز وجل قاهر لخلقه ، وأمره نافذ فيهم ، وحكمه جار عليهم ؛ وإن ~~الله تعالى ابتلى خلقه بعضهم ببعض ، فابتلى العالم بالعالم ، والجاهل ~~بالجاهل ، والعالم بالجاهل ، والجاهل بالعالم ؛ وإنه ابتلاني بك وابتلاك بي ~~. قال ذو القرنين : صدقت ، فأخبرني ما هذا ؟ فقال الخضر : أيها الملك ، هذا ~~مثل ضربه لك صاحب الصور ، إن الله تعالى مكن لك في البلاد ، وأعطاك منها ما ~~لم يعط أحدا ، وأوطأك منها ما لم يوطئ أحد ، فلم تشبع ، وآتيت نفسك شرها ، ~~حتى بلغت من سلطان الله ما لم يطأه إنس ولا جان ، فهذا مثل ضربه لك ، إن ~~ابن آدم لا يشبع أبدا دون أن يحثي عليه التراب ، ولا يملأ جوفه إلا التراب ~~. فبكى ذو القرنين وقال : صدقت ، لا جرم أني لا طلبت أثرا في البلاد بعد ~~مسيري هذا حتى أموت ، ثم انصرف راجعا . فلما توسط الظلمة وطئ وادي الزبرجد ~~، فقال من معه لما سمعوا الخشخشة تحت حوافر دوابهم : ما هذا أيها الملك ؟ ~~فقال : خذوا منه فإنه من أخذ منه ندم ، ومن تركه ندم . فمنهم من أخذ ، ~~ومنهم من ترك . فلما خرجوا من الظلمة إذا وهو الزبرجد . فندم الآخذ كونه لم ~~يكثر ، والتارك كونه لم يأخذ . قال : فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" رحم الله أخي ذا القرنين لو ظفر بوادي الزبرجد في المبتدأ ما ترك منه ~~شيئا ms2800 حتى أخرجه إلى الناس لأنه كان راغبا في الدنيا ولكنه ظفر به وهو زاهد ~~في الدنيا لا حاجة له فيها " . قال الثعلبي : ثم رجع إلى العراق وملك ملوك ~~الطوائف ، ومات في طريقه بشهرزور . وقال علي رضي الله عنه : ثم إنه رجع إلى ~~دومة الجندل فأقام بها PageV14P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" حتى مات . وصرح الثعلبي في سياقة أخباره أنه ~~الذي قتل دارا بن دارا ، وأنه لم تطل مدة عمره . وسنذكر إن شاء الله تعالى ~~خبر قاتل دارا بن دارا في أخبار ملوك اليونان . وحكى الأنماطي عن وهب في ~~خبر دخول الإسكندر الظلمات : أنه لما انتهى إلى مغرب الشمس ترك من معه هناك ~~وسار على الماء في الظلمة ثمانية أيام وثماني ليال حتى انتهى إلى جبل قاف ، ~~وإذا هو بملك قابض على الجبل يسبح الله تعالى ؛ فخر ذو القرنين ساجدا لله ~~تعالى فلم يرفع رأسه حتى قواه الله تعالى على النظر إلى الملك . فقال له : ~~كيف قويت يا بن آدم على أن تبلغ هذا الموضع ولم يبلغه أحد من ولد آدم قبلك ~~؟ قال : قواني الله الذي قواك على قبض هذا الجبل . فأخبرني عن هذا الجبل . ~~قال : إنه قاف المحيط بالأرض كلها ، ولولا هو لانكفأت الأرض بأهلها ، وليس ~~على ظهر الأرض أعظم منه ، وإنه لمحيط بها كالحلقة ، وهو أول جبل أثبته الله ~~، فرأسه ملصق بسماء الدنيا ، و أسفله راسخ في الأرض السفلى . وحكى إبراهيم ~~بن وصيف شاه في كتاب العجائب الكبير : أن ذا القرنين لما سار إلى الظلمة مر ~~بجزيرة فيها أمة رءوسهم رءوس الكلاب العظام بادية أنيابهم ، يخرج من ~~أفواههم مثل لهب النار ، وأنهم خرجوا إلى مراكبه فحاربوه فتخلص منهم ، وسار ~~فرأى نورا ساطعا فقصده فإذا هو قد بلغ جزيرة القصر . قال : وهذه الجزيرة ~~فيها قصر مبني بالبلور الصافي عالي الطول يشف حتى يرى نوره على البعد ، ~~فأراد النزول بها ، فمنعه بهرام فيلسوف الهند وعرفه أن من نزل إليها وقع ~~عليه النوم وعزب عقله فلا يستطيع الخروج منها حتى يهلك . قال : ويقال إنه ms2801 ~~ظهر لهم منها قوم قصار زعر ، لباسهم ورق الشجر . فسأل بهرام عن صبرهم على ~~المقام بها ، فعرفوه أن بها ثمر إذا أكلوا منه زال عنهم ذلك ، وذكروا أنهم ~~إذا كان الليل ظهر بين شرف القصر مثل المصابيح PageV14P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" تسرج إلى الصبح ثم تخمد نهارا إلى الليل ~~فتوقد . قال : ويقال إنه مر في طريقه بجزيرة التنين وإنها جزيرة فيها جبال ~~وأنهار وأشجار وزروع وهي عامرة ، وعلى مدينتها حصن عال ، وبها تنين عظيم قد ~~سام أهلها أقبح سوم . فلما دخلها الإسكندر استغاثوا به من التنين وأنه أتلف ~~مواشيهم حتى إنهم جعلوا له في كل يوم ثورين ينصبونهما قريبا من موضعه ، ~~فيخرج فيبتلعهما . فأمر الإسكندر بثورين عظيمين فسلخا وحشا جلودهما زفتا ~~وكبريتا وكلسا وزرنيخا ، وجعل مع تلك الأخلاط كلاليب حديد ، وجعلهما في ذلك ~~المكان . وخرج التنين وأقبل كالسحابة السوداء وعيناه تلمعان كالبرق ، ~~والنار تخرج من جوفه ، فابتلعهما ومضى ، فاضطرمت تلك الأشياء في جوفه ، ~~فلما أحس بثقلها ذهب ليقذفها ، فتشبكت الكلاليب في حلقه فخر وفتح فاه ~~ليستروح ، فأمر الإسكندر بقطع الحديد فأحميت وحملت على ألواح من حديد وقذفت ~~في حلقه فمات . ففرح أهل ذلك الموضع بموته وألطفوا الإسكندر وحملوا إليه من ~~طرائف ما عندهم . وكان فيما حملوه إليه دابة في خلق الأرنب ، شعرها أصفر ~~يبرق كالذهب ، يسمونها المعراج ، وفي رأسها قرن واحد أسود ، إذا رأتها ~~الأسود وسباع الوحش وكل دابة هربت منها . وقال الأنماطي في سياقة أخبار ~~الإسكندر عن وهب تلو خبر السد : ثم انطلق ذو القرنين بعد ذلك ، فبينما هو ~~يسير إذ مر على شيخ يصلي ، فوقف عليه بجنوده حتى إذا انصرف من صلاه قال له ~~: كيف لم يرعك ما حضرك من الجنود ؟ قال : كنت أناجي من جنوده أكثر من جنودك ~~، وسلطانه أعز من سلطانك ، وقوته أشد من قوتك ؛ ولو صرفت وجهي إليك لم أدرك ~~حاجتي قبله . قال له : هل لك أن تنطلق معي وأواسيك بنفسي وأستعين بك على ~~بعض أمري ؟ قال : نعم ، إن ضمنت لي أربعة خصال : نعم لا يزول ms2802 ، وصحة لا سقم ~~فيها ، وشباب لا كبر فيه ، وحياة لا موت فيها . قال له ذو القرنين : وأي ~~مخلوق يقدر على هذه الخصال . قال الشيخ : فإني مع PageV14P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" من يقدر عليها ويملكها ، فتركه وسار . فبينما ~~هو يسير إذ دفع إلى الأمة الصالحة من قوم موسى الذين يهدون بالحق وبه ~~يعدلون ، فوجد أمة مقسطة عادلة يقسمون بالسوية ، ويحكمون بالعدل ويتواسون ، ~~فكلمتهم واحدة ، وقلوبهم مؤتلفة مستقيمة ، وسيرتهم مستوية ، وقبور موتاهم ~~في أفنيتهم ، وليس على بيوتهم أبواب تغلق ، وليس عليهم أمراء ، ولا قضاة ~~بينهم ، ولا أشرف يتفاوتون ، ولا يتفاضلون ولا يختلفون ولا يتنازعون ولا ~~يتسابون ولا يقتتلون ولا يقحطون ولا تصيبهم الآفات ؛ فعجب من أمرهم وقال : ~~أخبروني خبركم أيها القوم ؛ فإني قد أحصيت الأرض شرقها وغربها ، وسهلها ~~وجبلها ، وبرها وبحرها ، ونورها وظلمتها ، فلم أر مثلكم . قالوا : سلنا عما ~~بدا لك نخبرك . قال : ما بال قبوركم في أفنيتكم وعلى أبواب بيوتكم ؟ قالوا ~~: لئلا ننسى الموت ولا يخر ذكره من قلوبنا . قال : فما بال بيوتكم لا أبواب ~~عليها ؟ قالوا : ليس فينا متهم ولا ظنين ، ولا فينا إلا مؤتمن أمين . قال : ~~فما بالكم ليس عليكم أمراء ؟ قالوا : لأنا نتظالم . قال : فما بالكم ليس ~~فيكم أغنياء ؟ قالوا : لأنا لا نتكاثر . قال : فما بالكم لا تتفاضلون ولا ~~تتفاوتون ؟ قالوا : من قبل أنا متواسون متراحمون . قال : فما بالكم ليس ~~فيكم أشراف ؟ قالوا : لأنا لا نتنافس . قال : فما بالكم لا تتنازعون ولا ~~تختلفون ؟ قالوا : من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا . قال : فما بالكم ليس ~~بينكم حكام ؟ قالوا : نحن لا نختصم . قال : فما بال كلمتكم واحدة ؟ قالوا : ~~من قبل أنا لا نتكاذب ولا نتخادع ولا يغتاب بعضنا بعض . قال : فأخبروني من ~~قبل ماذا تشابهت قلوبكم واعتدلت سيرتكم ؟ قالوا : من صحة صدورنا ، فنزع ~~الله بذلك الغل والحسد من قلوبنا . قال : فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا ~~فقير ؟ قالوا : من قبل أنا نقسم بالسوية . قال : فما بمالكم ليس فيكم مسكين ~~ولا فقير ؟ قالوا : من قبل أنا نقسم بالسوية . قال : فما بالكم ليس ms2803 فيكم فظ ~~ولا غليظ ؟ قالوا : من قبل الذل والتواضع . قال : فأخبروني بماذا أنتم أطول ~~الناس أعمارا ؟ قالوا : من قبل أنا نتعاطى الحق ونحكم بالعدل . قال : فما ~~بالكم لا تقحطون ؟ قالوا : لأنا لا نغفل عن الاستغفار . قال : فما بالكم لا ~~تصيبكم الآفات ؟ قالوا : من قبل أنا لا نتوكل إلا على الله ، ولا نستمطر ~~PageV14P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" بالأنواء ولا بالنجوم . قال : أهكذا وجدتم ~~آباءكم يفعلون ؟ قالوا : وجدنا آباءنا يعطون مسكينهم ، ويواسون فقيرهم ، ~~ويوقرون غنيهم ، ويعفون عمن ظلمهم ، ويحسنون إلى من أساء إليهم ، ويحلمون ~~عمن جهل عليهم ، ويستغفرون لمن سبهم ، ويصلون أرحامهم ، ويؤدون أمانتهم ، ~~ويحفظون وفاءهم لصلاحهم ، ويوفون بعهدهم ، ويصدقون في مواعيدهم ، ولا ~~يرغبون عن أكفائهم ، ولا يستنكفون عن أقاربهم ، فأصلح الله تعالى لهم بذلك ~~أمرهم ، وحفظهم به ما كانوا أحياء . قال : فأقام ذو القرنين عندهم حتى قبضه ~~الله عز وجل ، ولم تطل مدة إقامته فيهم . قال وهب : عاش منذ بعثه الله ~~تعالى إلى أن قبض خمسمائة عام . وقال غيره : أكثر من ذلك ، وقد ذكر في ~~المعمرين . وقيل : إنه عاش ألف وستمائة وخمسين سنة ومات في حياة أمه . وقيل ~~: إنه أدرك إبراهيم الخليل واجتمع معه وأركبه من دوابه . حكاه الأزرقي وأبو ~~عبيد البكري . والله أعلم . الباب الثاني من القسم الرابع من الفن الخامس ~~في أخبار ملوك الأصقاع وهم ملوك الهند والصين والترك وجبل الفتح وملوك مصر ~~ذكر أخبار ملوك الهند قال المسعودي في مروج الذهب : ذكر جماعة من أهل النظر ~~والبحث الذين PageV14P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" واصلوا البحث والعناية بتأمل شأن هذا العالم ~~وبدئه أن الهند كانت في قديم الزمان الفرقة التي فيها الصلاح والحكمة ، ~~وأنه لم تجيلت الأجيال وتخربت الأحزاب حاولت الهند أن تضم المملكة وتستولي ~~على الحوزة وتكون الرياسة فيها . قال كبراؤهم : نحن كنا أهل البدء وفينا ~~التناهي ، ولنا الغاية والصدر والانتهاء ، ومنا سرى الأب إلى الأرض ، فلا ~~شاقنا أحد ولا عاندنا ولا أراد بنا الاغتماص إلا أتينا عليه وأبدناه أو ~~يرجع إلى طاعتنا . فأجمعت على ذلك رأيها ونصبت لها ملكا ، وهو ms2804 البرهمن ~~الأكبر والملك الأعظم ، وإليه تنسب طائفة البراهمة بالهند ، لا إلى إبراهيم ~~الخليل ( صلى الله عليه وسلم ) . وهذا البرهمن هو الإمام المقدم فيهم الذي ~~ظهرت في أيامه الحكمة وتقدمت العلماء ، وأمر باستخراج الحديد من معادنه ، ~~وضربت في أيامه السيوف والخناجر وكثير من أنواع السلاح وآلات القتال ، وشيد ~~الهياكل ورصعها بالجواهر النفيسة المشرقة ، وصور فيها الأفلاك والبروج ~~الاثنى عشر برجا والكواكب ، وبين بالصورة كيفية العالم ، وأرى بالصورة أيضا ~~كيفية أفعال الكواكب في هذا العالم وإحداثها للأشخاص الحيوانية من الناطقة ~~وغيرها ، وبين حال المدبر الأعظم الذي هو الشمس ، وبرهن على ذلك كله وقربه ~~إلى عقول العوام وأذهانهم ففهموه ، وغرس في نفوس الخواص دراية ما هو أعلى ~~من ذلك ، وأشار إلى المبدئ الأول المعطي لسائر الموجودات وجودها الفائض ~~عليها بجوده . فانقادت له الهند ، وأراهم وجه مصالح الدنيا وأخصبت بلادهم . ~~وجمع الحكماء في أيامه كتاب السند هند ، وتفسيره دهر الدهور ، ومنه فرغت ~~الكتب ، ككتاب الأزجهير والمجسطي ، وفرع من الأزجهير الأركند ومن المجسطى ~~كتاب بطليموس ، ثم عمل منها بعد ذلك الزيجات . وأحدثوا التسعة الأحرف ~~المحيطة بالحساب الهندي . وكان البرهمن هذا أول من تكلم PageV14P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" في أوج الشمس ، وذكر أنه يقيم في كل برج ~~ثلاثة آلاف سنة ، ويقطع الفلك في ستة وثلاثين ألف سنة ، إلى غير ذلك من هذا ~~الفن . وكان ملك البرهمن إلى أن هلك ثلاثمائة سنة وستا وستين سنة ، وولده ~~يعرفون بالبراهمة ، والهند تعظمهم إلى وقتنا هذا ، وهم أعلى أجناسهم ~~وأشرافهم ، وهم لا يتغذون بشيء من الحيوانات . وفي رقاب النساء والرجال ~~منهم خيوط صفر يتقلدون بها كحمائل السيوف ، تفرق بينهم وبين غيرهم من أنواع ~~الهند . وقد تتوزع في البرهمن ، فمنهم من زعم أنه آدم وأنه رسول من الله ~~إلى الهند ، ومنهم من زعم أنه كان ملكا ، على حسب ما قدمناه وهو الأشهر . ~~ولما هلك البرهمن جزعت عليه الهند جزعا شديدا ، وملكت عليها ولده الأكبر . ~~ذكر تنصيب ابن البرهمن وهو الباهبود وكان ولي عهد أبيه من بعده . فسار فيهم ~~سيرة أبيه وأحسن النظر ms2805 إليهم . وزاد في بناء الهياكل ، وقدم الحكماء ورفع ~~من مقدارهم وزاد في مراتبهم ، وحثهم على تعليم الناس الحكمة وبعثهم على ~~طلبها . وكان ملكه إلى أن هلك مائة سنة . وفي أيامه عمل النرد ولعب به ، ~~وجعل ذلك مثالا للمكاسب ، وأنها لا تنال بالكيس ولا بالحيل في هذه الدنيا ، ~~وأن الرزق لا يتأتى فيها بالحذق . وذكر أن أردشير بن بابك أول من وضع النرد ~~ولعب بها ، وأرى تقلب الدنيا بأهلها واختلاف أمرها . وجعل بيوتها اثنى عشر ~~بعدد الشهور ، وجعل مهاركها ثلاثين بعدد أيام الشهر ، والفصوص أمثلة للقدر ~~وتقلبه بأهل الدنيا وأن الإنسان يلعب بها فيبلغ بإسعاد القدر له في مراده ~~بها ما يريد ، وأن الحازم الفطن لا يتأتى له ما يتأتى لغيره إذا لم يسعده ~~القدر ، وأن الأرزاق لا تنال في هذه الدنيا إلا بمقادير . PageV14P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" ثم ملك بعده رامان ، فكان ملكه نحوا من خمسين ~~ومائة سنة . قال : وله سير وأخبار وحروب مع ملوك فارس وملوك الصين . ثم ملك ~~بعده فور ، وهو الذي قتله الإسكندر بن فيلبس اليوناني مبارزة . وكان ملكه ~~إلى أن قتل أربعين ومائة سنة . ثم ملك بعد تسام ، وهو الذي وضع كتاب كليلة ~~ودمنة الذي نقله ابن المقفع . وكان ملكه مائة وعشر سنين ، وقيل غير ذلك . ~~ثم ملك بعده بلهيت . وفي أيامه صنعت الشطرنج فقضى بلعبها على النرد ، وبين ~~الظفر الذي يناله الحازم والنكبة التي تلحق الجاهل وحسب حسابهما ، ورتب ~~لذلك كتابا للهند يتداولونه بينهم ، ولعب بها مع حكمائه . وكانت مدة ملكه ~~إلى أن هلك نحوا من ثمانين سنة ، وفي بعض النسخ أنه ملك ثلاثين ومائة سنة . ~~ثم ملك بعده كوش ، فأحدث للهند آراء في الديانات على حسب ما رأى من صلاح ~~الوقت ، وما يحتمله أهل العصر من التكليف ، وخرج عن مذاهب من سلف . وكان في ~~مملكته وعصره سندباد ، وله كتاب الوزراء السبعة والمعلم والغلام وامرأة ~~الملك ، وهو الكتاب المترجم بكتاب السندباد . وعمل لهذا الملك الكتاب ~~الأعظم في معرفة العلل والأدواء والعلاجات وأشكال الحشائش وصفتها . وكان مل ms2806 ~~هذا الملك إلى أن هلك عشرين ومائة سنة . ولما هلك اختلف الهند في آرائها ~~فتحزبت الأحزاب وتجيلت الأجيال ، وانفرد كل رئيس بناحيته ، فملك على أرض ~~السند ملك ، وعلى أرض القنوج ملك ، وعلى أرض قشمير ملك . فكانت مدة اجتماع ~~الكلمة ببلاد الهند على ملك واحد على هذا الحكم نحوا من ألف سنة وست وستين ~~سنة . وعلى القول الآخر ألف سنة ومائة سنة وست عشرة سنة . وعدة ملوكهم سبعة ~~ملوك . والله تعالى أعلم . PageV14P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" وملك بعد كوش بمدينة المانكير وهي الحوزة ~~الكبرى ملك يسمى البلهرا . قال المسعودي : وأرض الهند أرض متسعة في البر ~~والبحر والجبال . وملكهم يتصل بملك الزنج وهي دار مملكة المهراج . وهذه ~~المملكة فرز بين مملكة الهند والصين . قال : ومن عادة الهند أنها لا تملك ~~الملك حتى يبلغ عمره أربعين سنة ، ولا تكاد ملوكهم تظهر لعوامهم إلا في كل ~~برهة معلومة من الزمان . ويكون ظهور الملك للنظر في أمور الرعية . وقال ~~أيضا : رأيت في بلاد سرنديب ، وهي جزيرة من جزائر البحر إذا مات ملكهم ~~صيروه على عجلة صغيرة البكر ، وشعره ينجر على الأرض ، وامرأة بيدها مكنسة ~~تحثو التراب على رأسه وتنادي : أيها الناس ، هذا ملككم بالأمس قد ملككم ~~وجاز فيكم أمره قد صار إلى ما ترون من ترك الدنيا ، وقبض روحه ملك الملوك ~~الحي القديم الذي لا يموت . فلا تغتروا بالحياة بعده . وكلام هذا معناه من ~~الترهيب والتزهيد في هذا العالم . ويطاف به في جميع شوارع المدينة وهو كذلك ~~؛ ثم يفصل بأربع قطع وقد هيئ له الصندل والكافور وسائر أنواع الطيب ويحرق ~~بالنار يذرى رماده في الرياح . قال : وكذلك فعل أكثر أهل الهند بملوكهم ~~وخواصهم لغرض يذكرونه . قال : والملك مقصور في أهل بيت لا ينتقل منهم إلى ~~غيرهم . وكذلك بيوت الوزراء والقضاة وسائر أرباب المراتب ، لتوارث مناصبهم ~~ولا تغير ولا تبدل . وعندهم أن ملكهم متى شرب الشراب فقد استحق الخلع . ~~والله الهادي . ذكر أخبار ملوك الصين قال أبو الحسن علي بن عبد الله ~~المسعودي في كتابه المترجم بمروج ms2807 الذهب : لما قسم فالغ بن عابر بن أرفخشذ ~~بن سام بن نوح الأرض بين ولد PageV14P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" نوح سار ولد عامور بن توبل بن يافث بن نوح ~~يسرة المشرق ، فكان منهم أجناس الترك . وسار الجمهور من ولد عامور على ساحر ~~البحر حتى انتهوا إلى أقاصية من بلاد الصين . فتفرقوا في تلك البقاع ~~والبلاد وقطنوها وعمروها ، وكوروا الكور ، ومصروا الأمصار ، ومدنوا المدن ، ~~واتخذوا للملك مدينة عظيمة سموها إيقو ، وبينها وبين ساحل البحر الحبشي ، ~~وهو بحر الصين مسيرة ثلاثة أشهر ، مدن وعمائر متصلة . فكان أول من تملك ~~عليهم في هذه الديار نسطيرطاس بن ماعور بن بزنج بن عامور . قال : ولما ملك ~~فرق أهله في تلك الديار ، وشق الأنهار ، وغرس الأشجار ، وطعم الثمار ، وقتل ~~السباع . وكانت مدة ملكه ثلاثمائة سنة ونيفا وهلك . فقام بالأمر بعده ولده ~~عرون بن نسطيرطاس ، فجعل جسد أبيه في تمثال من الذهب الأحمر جزعا عليه ~~وتعظيما له ، وأجلسه على سرير من الذهب مرصع بالجوهر ، وجعل مجلسه دونه ، ~~وسجد له وهو في جوف ذلك التمثال ، وسجد معه أهل مملكته ، وفعل ذلك في كل ~~نهار في طرفيه . وكانت مدة ملكه بعد أبيه نحونا من مائتي سنة وخمسين سنة ثم ~~هلك . فملك بعده ابنه عبيرون بن عرون . ولما ملك جعل جسد أبيه عرون في ~~تمثال من الذهب ونصبه دون مرتبة جده ، وكان يبدأ بالسجود لجده ثم يسجد ~~لأبيه ، وساس الرعية بأحسن سياسة ، وساواهم في جميع أمورهم ، وشملهم بعدله ~~، وكثر النسل ، وأخصبت الأرض . وكان ملكه إلى أن هلك مائتي سنة . ولما مات ~~ملك بعده ولده عثينان بن عبيرون . قال : ولما ملك جعل جسد أبيه في تمثال من ~~الذهب ، وجرى في أمره على ما سلف من عادتهم في السجود والتعظيم . وطالت ~~مدته في الملك ، واتسعت مملكته حتى اتصلت بلاده ببلاد الترك من بني عمه . ~~واتخذ في أيامه كثير من المهن مما لطف في الرقة من الصنائع ، وعاش أربعمائة ~~سنة ثم هلك . PageV14P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" فملك بعده ابنه حرانان بن عثينان . قال : ~~ولما ملك ms2808 جرى في جسد أبيه على عادتهم ، ثم أمر باتخاذ الفلك وحمل فيها ~~الرجال ، وحمل معهم لطائف بلاد الصين وسفرهم نحو بلاد الهند والسند وإلى ~~إقليم بابل وسائر الممالك مما قرب وبعد في البحر . وأهدى إلى الملوك ~~الهدايا العجيبة والتحف النفيسة . وأمر أصحابه الذين سفرهم أن يجلبوا إليه ~~ما في كل بلد من الطرائف والتحف والمأكول الذي لا يوجد في بلاده ، والمشروب ~~والعروس وأصناف الأقمشة والأمتعة وغير ذلك . وأمرهم أن يتعرفوا سياسة كل ~~ملك ، وملة كل أمة وشرائعها ونهجها الذي هي عليه ، وأن يرغبوا الناس فيما ~~في بلادهم من الجواهر والطيب والآلات . فتفرقت تلك المراكب في البلاد ~~وفعلوا ما أمرهم به ، فلم يردوا على مملكة من الممالك إلا أعجبوا بهم ~~واستظرفوا ما معهم . فأنشأت الملوك المحيطة ممالكهم بالبحار السفن وجهزت ~~نحو الصين ، وحملوا إليهم ما ليس عندهم . وكاتبوا ملكهم وكافئوه على ما كان ~~قد هاداهم به من تحف بلاده ، فعمرت بلاد الصين ، واستقامت أمور مملكة الصين ~~. فكانت مدة حياته في الملك نحوا من مائتي سنة وهلك ، فجزع أهل مملكته عليه ~~وحزنوا حزنا شديدا ، وأقاموا النياحة عليه شهرا . وملك بعده ابنه توتال بن ~~حرانان . قال : ولما ملك جعل جسد أبيه في تمثال من الذهب ، وسلك فيه سنة من ~~تقدمه من آبائه ، واستقام أمره ، وأحدث من السنن المحمودة ما لم يحدثه أحد ~~من الملوك قبله . وقال لأهل مملكته : إن الملك لا يثبت إلا بالعدل لأنه ~~ميزان الباري ، وإن من العدل الزيادة في الإحسان مع الزيادة في العمل . وخص ~~وشرف وتوج ورتب الناس في رتبهم ، ووقفهم على طرائفهم . وخرج يرتاد موضعا ~~يبنى فيه هيكلا ، فوافى موضعا عامرا بالنبات ، حسن الاعتمام بالزهر ، ~~تخترقه المياه . فحط الهيكل هناك ، وجلبت له أنواع الأحجار المختلفة ~~الألوان ، فشيد الهيكل وجعل على أعلاه قبة ، وجعل لها مخارق للهواء متساوية ~~. وجعل في الهيكل بيوتا لمن أراد الانفراد للعبادة . فلما فرغ من الهيكل ~~نصب في أعلاه PageV14P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" تلك التماثيل التي فيها أجسام من سلف من ~~آبائه ، وقال : في ترك ذلك ms2809 على ما هو عليه خروج عن حد الحكمة ، ويكون ذلك ~~إلى غير غاية ونهاية . وأمر بتعظيم تلك الأجساد التي جعلها في أعلى القبة . ~~ثم جمع الخواص من أهل مملكته وأخبرهم أن من رأيه أن يضم الناس إلى ديانة ~~يرجعون إليها فيجتمع الشمل ويتساوى النظام ، وقال : إنه متى عدم الملك ~~الشريعة لم يؤمن عليه الخلل ، ودخول الفساد والزلل ؛ فرتب لهم سياسة وشريعة ~~وفرائض ، ورتب لهم قصاصا للنفوس والأعضاء ، وقاعدة تستباح بها الفروج وتصح ~~بها الأنساب . وجعل مما رتبه وقرره لوازم ونوافل ، وأوجب عليهم صلوات ~~لخالقهم تقربا إلى معبودهم منها إيماء لا ركوع فيها ولا سجود في أوقات من ~~الليل والنهار معلومة ، ومنها بركوع وسجود في أوقات من السنين وفي شهور ~~محدودة . ورسم لها أعيادا ، وأوجب على الزناة منهم حدودا ، وعلى من أراد من ~~نسائهم البغاء جزية مقررة ، وألا يستبحن بالنكاح وقتا من الأوقات ، وإن ~~أقلعن عما كن عليه تكف الجزية عنهن . وما يكون من أولادهن ذكورا يكونون ~~للملك جندا وعبيدا ، وما يكون من أولادهن إناثا فلأمهاتهن ويلحقن بصنعتهن . ~~وأمر بقرابين للهياكل ودخن وأبخرة للكواكب . وجعل لكل كوكب منها دخنا يتقرب ~~إليه بها معمولة من أنواع الطيب والعقاقير . وأحكم لهم جميع الأمور ، ~~فاستقامت أيامه وكثر النسل . فكانت مدة حياته نحوا من مائة وخمسين سنة ثم ~~مات ، فجزعوا عليه جزعا عظيما ، وجعلوه في تمثال من الذهب ورصعوه بالجوهر ~~وبنوا له هيكلا عظيما ، وجعلوا في أعلاه سبعة أنواع من الجوهر على ألوان ~~الكواكب السبعة وأشكالها ، وجعلوا يوم وفاته صلوات وعيدا يجتمعون فيه عند ~~ذلك الهيكل ، وصوروا صورته وذكروا سيرته في لوح من الذهب ، وجعلوه في أعلى ~~الهيكل من حيث تراه الأبصار ليكون ذلك مثالا لمن يرد بعده في السياسة ونهج ~~السيرة وصوروا صورته على أبواب المدينة . وعلى الدنانير والفلوس والثياب . ~~وأكثر أموالهم الفلوس الصفر والنحاس . قال : واستقرت هذه المدينة دار ملك ~~الصين وهي مدينة إيقو . قال : ولهم مدينة عظيمة نحو ما يلي مغرب الشمس من ~~أرضهم يقال لها مدو ، وتلي بلاد التبت . والحرب بين ms2810 أهل مدو وبين ~~PageV14P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" أهل بلاد التبت سجال . ولم تزل الملوك ممن ~~طرأ بعد هذا الملك أمورهم منتظمة ، وأحوالهم مستقيمة ، والخصب والعدل لهم ~~شامل ، والجور في بلادهم معدوم ، ويقتدون بما نصب لهم توتال من الأحكام . ~~وحروبهم على عدوهم قائمة ، وثغورهم مشحونة ، والرزق على الجنود جار ، ~~والتجار يختلفون إليهم في البر والبحر من كل بلد . ودينهم دين من سلف من ~~آبائهم ، وهي ملة تدعى السمنية ، عباداتهم نحو من عبادات قريش قبل الإسلام ~~، يعبدون الصور ويتوجهون نحوها بالصلوات . فاللبيب فيهم يقصد بصلاته الخالق ~~عز وجل ، ويقيم التمثال من الأصنام وغيرها مقام قبلة . والجاهل ومن لا علم ~~له يشرك هذه التماثيل بإلاهية الخالق ويعتقدهما جميعا ، وأن عبادتهم ~~الأصنام تقربهم إلى الله زلفى ، وأن منزلتهم في العبادة تنقص عن البارئ ~~لجلالته وعظمته وسلطانه ، وأن عبادتهم لهذه الأصنام طاعة له ووسيلة ، إلى ~~أن ظهرت في أهل الصين آراء ونحل حدثت من مذاهب الثنوية وأهل الدهر . وقد ~~كانوا قبل ذلك في الآراء وعبادة التماثيل على حسب ما عليه عوام الهند ~~وخواصهم ، فتغيرت أحوالهم وبحثوا وتناظروا ، إلا أنهم ينقادون في جميع ~~أحكامهم إلى ما نصب لهم من القاعدة التي قدمناها . قال : وملكهم متصل بملك ~~الطغرغر . وكان اعتقاد الطغرغر القول بإله النور والظلمة ، وكانوا قبل ذلك ~~جاهلية جهلاء ، سبيلهم في الإعتقاد سبيل أنواع الترك ، إلى أن وقع إليهم ~~شياطين المانية ، فزخرف لهم كلاما يريهم فيه تضاد هذا العالم وتنافيه من ~~موت وحياة وصحة وسقم وغنى وفقر وضياء PageV14P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" وظلام واجتماع وافتراق واتصال وانفصال وشروق ~~وغروب ووجود عدم وليل ونهار وغير ذلك من سائر المتضادات ، وذكر لهم أنواع ~~الآلام المعترضة لأجناس الحيوان الناطق والصامت ، وما يعرض للأطفال والبله ~~والمجانين ، وأن الباري غني عن إيلامهم ، وأراهم أن هناك ضدا شديدا دخل على ~~الخير الفاضل في فعله وهو الله ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، ~~فاجتذب بذلك عقولهم ودانوا به . فإذا كان ملك الصين سمنى المذهب يذبح ~~الحيوانات ، فتكون الحرب بينه وبين ملك الترك قائمة ، وإذا كان ms2811 ماني المذهب ~~كان الأمر بينهم مشاعا . ك جاهلية جهلاء ، سبيلهم في الإعتقاد سبيل أنواع ~~الترك ، إلى أن وقع إليهم شياطين المانية ، فزخرف لهم كلاما يريهم فيه تضاد ~~هذا العالم وتنافيه من موت وحياة وصحة وسقم وغنى وفقر وضياء وظلام واجتماع ~~وافتراق واتصال وانفصال وشروق وغروب ووجود عدم وليل ونهار وغير ذلك من سائر ~~المتضادات ، وذكر لهم أنواع الآلام المعترضة لأجناس الحيوان الناطق والصامت ~~، وما يعرض للأطفال والبله والمجانين ، وأن الباري غني عن إيلامهم ، وأراهم ~~أن هناك ضدا شديدا دخل على الخير الفاضل في فعله وهو الله ، تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا ، فاجتذب بذلك عقولهم ودانوا به . فإذا كان ملك الصين ~~سمنى المذهب يذبح الحيوانات ، فتكون الحرب بينه وبين ملك الترك قائمة ، ~~وإذا كان ماني المذهب كان الأمر بينهم مشاعا . قال : وملوك الصين ذوو آراء ~~ونحل ، إلا أنهم مع اختلاف أديانهم غير خارجين عن قضية العقل وسنن الحق في ~~نصب القضاة والأحكام ، وانقياد الخواص والعوام إلى ذلك . قال : وأهل الصين ~~شعوب وقبائل كشعوب العرب وأفخاذها ، ولهم مراعاة لحفظ أنسابهم . وينتسب ~~الرجل منهم إلى خمسين أبا وأكثر إلى أن يتصل بعامور . ولا يتزوج أهل كل فخذ ~~إلا من فخذهم ، ويزعمون أن في ذلك صحة النسل وقوام البنية ، وأن ذلك للبقاء ~~وأتم للعمر . قال المسعودي : ولم تزل أمور الصين مستقيمة في العدل على حسب ~~ما جرى به الأمر فيما سلف من ملوكهم إلى سنة أربع وستين ومائتين ؛ فإنه حدث ~~في ملك الصين أمر زال به النظام وانتقض به حكم شرائعهم ومنع من الجهاد . ~~وكان سبب ذلك أن خارجيا خرج ببلد من مدن الصين وهو من غير بيت الملك ، يقال ~~له ياسر ، شرير . وكان في ابتداء أمره يطلب الفتوة ، ويجتمع إليه أهل ~~الدعارة والشر ، فلحق الملوك وأرباب التدبير غفلة عنه لخمول ذكره ، وأنه ~~ممن لا يبالي به ؛ فاشتد أمره ، ونما ذكره ، وكثر عتوه ، وقويت شوكته ، ~~وقطع أهل الشر المسافات نحوه . فسار من موضعه وشن الغارات ، ولم يزل كذلك ~~حتى نزل مدينة خانقو ، وهي ms2812 المدينة العظيمة . قال : PageV14P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" وهي على نهر عظيم أكبر من دجلة أو نحوه ، ~~تدخله السفن التي ترد من بلاد البصرة وسيراف وعمان ومدن الهند وجزائر ~~الزابج . وبين هذه المدينة وبحر الصين مسيرة ستة أيام أو سبعة ، وفيها ~~خلائق من الناس مسلمون ونصارى ويهود ومجوس وغيرهم من أهل الصين . فقصد ~~الخارجي هذه المدينة ، والتقى بجيوش الملك فهزمها . وحاصر المدينة وفتحها ~~واستولى على المملكة ، وقتل من أهل مدينة خانقو خلقا لا يحصون كثرة ، فأحصى ~~من قتل فيها من المسلمين والنصارى واليهود غير أهل الصين فزادوا على مائتي ~~ألف . ثم سار بجيوشه إلى بلد بلد فافتتحه . وقصد مدينة إيقو ، وهي دار ~~المملكة ، وهو في ثلاثمائة ألف ما بين فارس وراجل . فخرج إليه الملك في ~~خواصه في نحو مائة ألف والتقيا ، فكانت الحرب بينهم سجالا نحو شهر وصبرا ~~جميعا . ثم كانت على الملك فانهزم ، وأمعن الخارجي في طلبه . وانحاز الملك ~~إلى مدينة في أطرف أرض الصين . واستولى الخارجي على حوزة الصين واحتوى على ~~دار الملك وخزائن الملوك السالفة وما أعدوه للنوائب . وعلم أنه لا يقوم ~~بالملك لأنه ليس من بيته ، فأخرب البلاد واستباح الأموال وسفك الدماء . ~~فكاتب ملك الصين ملك الترك أمرخان واستنجده . فأنجده ملك الترك بولده في ~~نحو أربعمائة ألف فارس وراجل . وقد استفحل أمر الخارجي فالتقى الفريقان ، ~~فكانت الحرب بينهما سجالا نحو سنة وقتل من الطائفتين ما لا يحصى كثرة ، ثم ~~فقد الخارجي فقيل قتل وأسر ولده وخواص أصحابه ، وعاد ملك الصين إلى دار ~~ملكه . قال : والعامة تسميه بغيور ، وتفسيره بن السماء تعظيما له . والاسم ~~الذي يخاطب به ملوك الصين طمغاجيان ، ثم لقبوا بعد ذلك ملكهم بالخان . قال ~~: ولما كان من أمر هذا الخارجي الذي ذكرناه تغلب صاحب كل عمل على عمله ، ~~وضعف ملك الصين عن مقاومتهم . وسنذكر إن شاء الله تعالى ما آل إليه ملك ~~الصين عند ذكرنا لأخبار الدولة الجنكزخانية . والله أعلم . PageV14P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" ذكر أخبار ملوك الترك قال المسعودي : وقد ~~تنازع الناس في الترك وبدئهم ، فذكر ms2813 كثير منهم أن ولد عامور بن توبل بن ~~يافث بن نوح لما قسم فالغ بن عابر بن أرفخشذ بن سام بن نوح الأرض بين ولد ~~نوح كما ذكرنا في أخبار ملوك الصين ساروا يسرة المشرق ، فقطع قوم منهم من ~~ولد رعو على سمت الشمال وانتشروا في الأرض ، فصاروا عدة ممالك ، منهم ~~الديلم ، والجيل ، والطيلسان ، والتتر ، وفرغانة ، وأهل جبل الفتح من أنواع ~~اللكز واللان والخزر والأبخاز والسرير وكمشك وسائر تلك PageV14P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" الأمم المنتشرة في ذلك الصقع والأرمن إلى ~~طرابزندة إلى بحر مانيطش ونيطش وبحر الخزر إلى البلغار ومن اتصل بهم من ~~الأمم . وعبر ولد عامور نهر بلخ ، ويمم بلا الصين الأكثر منهم وتفرقوا في ~~تلك البلاد وانتشروا في تلك الديار ، منهم الختل وهم سكان ختلان وورسنان ~~والأسروشنة ، والسغد وكانوا بين بخارى وسمرقند ، ثم الفراغنة والشاش ~~وإسبيجاب وأهل بلاد الفاراب ، فبنوا المدن والضياع ، وانفرد منهم ناس غير ~~هؤلاء فسكنوا البوادي PageV14P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" وهم الترك الخزلج والتغزغز وهم أصحاب مدينة ~~كوشان ، وهي مملكة بين بلاد خراسان والصين . قال : ومن الترك الكيماكية ~~والبرسخانية والغزية والجفرية . قال : وأشدهم بأسا الغزية ، وأحسنهم صورا ~~الخزلجية ، وكانوا على بلاد فرغانة والشاش وما يلي ذلك الصقع . قال : وفيهم ~~كان الملك ، ومنهم خاقان الخواقين ، وكان ملكه يجمع سائر ممالك الترك ~~وينقاد إليه ملوكها . قال : ولحق فريق من ولد عامور بتخوم الهند ، فأثرت ~~فيهم تلك البقاع فصارت ألوانهم خلاف ألوان الترك ولحقوا بألوان الهند . ~~ولهم حضر وبواد ، وسكن فريق منه بلاد التبت وملكوا عليهم ملكا وكان ينقاد ~~إلى ذلك الخاقان . فلما زال ملك خاقان سمى أهل التبت ملكهم بخاقان تشبيها ~~بملوك الترك . ذكر جبل الفتح وما عليه من الملوك والأمم قال المسعودي : ~~وأما جبل الفتح فهو جبل عظيم اشتمل على كثير من الممالك والأمم ، وفيه ~~اثنتان وسبعون أمة ، لكل أمة ملك ولغة تخالف لغة الأخرى . وهو ذو شعاب ~~وأودية ، ومدينة الباب والأبواب على شعب من شعابه ، وهي التي بناها كسرى . ~~وعلى أحد شعاب هذا الجبل بحر الخزر مما ms2814 يلي الباب والأبواب ، ومملكة شروان ~~، ويلي هذه المملكة مملكة الأران ، وملكها يدعى الأران شاه . ومنها مملكة ~~الموقانية ، ومملكة اللكز ، وهي أمة لا تحصى كثرة تسكن أعالي هذا الجبل ، ~~PageV14P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" وهؤلاء ينقادون إلى ملك شروان ، ومنهم كفار ~~لا ينقادون إليه يقال لهم الدودانية جاهلية لا يرجعون إلى قبلة . ويلي ملك ~~شروان ملك طبرستان . ومن ممالك الجبل مملكة حيزان ، وهي داخلة في جملة ~~الخزر . ومملكة الخزر تلي مملكة حيزان ، وبين مملكة الخزر ومدينة الباب ~~ثمانية أيام . ومدينة الخزر اسمها سمندر . ومن مدن الخزر أيضا مدينة إتل ~~بينها وبين سمندر سبعة أيام ، وهي ثلاث قطع يقسمها نهر عظيم يرد من أعالي ~~بلاد الترك ، ويتشعب منه شعبة نحو بلاد البلغار ويصب في بحر مانيطش . وفي ~~هذه المدينة خلق من المسلمين والنصارى واليهود والجاهلية . فالملك وحاشيته ~~وجيشه من اليهود ، والجاهلية بها من الصقالبة والروس ، وهم يحرقون موتاهم ~~ودواب من يموت وآلاته . وإذا مات الرجل منهم أحرقت معه امرأته ، وإن ماتت ~~المرأة لا يحرق معها الزوج . وأما المسلمون فهم جند الملك ، ويعرفون ~~باللارسية ، وهم ناقلة من بلاد خوارزم كانوا قد وفدوا إلى هذه المملكة لقحط ~~أصاب بلادهم في صدر الإسلام . فاستعان بهم الملك فأقاموا عنده على شروط ، ~~منها : أن يقيموا شعار الإسلام ، وأن تكون الوزارة فيهم ، وأنه إذا كانت ~~الحرب بينه وبين المسلمين لا يحضرونها ويحاربون معه سائر الكفار . ~~وبالمدينة قضاة سبعة : اثنان من المسلمين ، واثنان للخزر يحكمان بحكم ~~التوراة ، واثنان من النصارى يحكمان بالإنجيل ، وواحد من الصقالبة والروس ~~والجاهلية يحكم بالقضايا العقلية . وإذا ورد ما لا علم لهم به من النوازل ~~الكبار اجتمعوا إلى قضاة المسلمين فتحاكموا إليهم وانقادوا لما توجبه ~~الشريعة الإسلامية . وليس في الملوك من عنده جند مرتزقة غير ملك الخزر . ~~PageV14P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" قال : وفي دار مملكة الخزر رجل يكون اسمه ~~خاقان لا يركب ولا يظهر للخاصة ولا للعامة ، ولا يستقيم ملك الخزر لملكهم ~~إلا أن يكون عنده خاقان معه في قصره . فإذا أجدبت أرض الخزر أو نابت بلادهم ~~نائبة ms2815 أو حرب ، جاءت الخاصة والعامة إلى ملك الخزر وقالوا له : قد تطيرنا ~~بخاقان وبأيامه وتشاءمنا به ، فاقتله أو سلمه إلينا نقتله ، من غير أن يكون ~~قد عمل ما يوجب ذلك ؛ فتارة يقتله ، وتارة يسلمه إليهم فيقتلونه ، وتارة ~~يمانع عنه ويرق له . وإذا قتل خاقان أقاموا غيره . قال : وللخزر زوارق ~~يركبون فيها من نهر فوق المدينة يصب إلى نهر يقال له برطاس ، عليه أمم من ~~الترك حاضرة داخلة في جملة ملوك الخزر ، وعمائرهم متصلة بين مملكة الخزر ~~والبلغر ، يرد هذا النهر من نحو بلاد البلغر . ومن بلاد برطاس تحمل جلود ~~الثعالب السود التي يعرف وبرها بالبرطاسي . قال المسعودي : ويبلغ ثمن الجلد ~~منها مائة دينار . وتلبسها الملوك وهو عندهم أغلى من السمور والفنك ، ~~والحمر دونها في الثمن . قال : وفي أعالي نهر الخزر مصب يتصل بخليج من نهر ~~نيطش ، وهو بحر للروس لا يسلكه غيرهم ، وهم على ساحل من سواحله . وهي أمة ~~عظيمة لا تنقاد إلى ملك ولا إلى شريعة . وفي أرض الروس معدن من الفضة . قال ~~: والروس أمم كثيرة ، فمنهم جنس يقال لهم البوداغية ، وهم الأكثر ، يختلفون ~~بالتجارات إلى بلاد الأندلس والقسطنطينية ورومية . قال : وبين مملكة حيزان ~~التي ذكرناها وبين الباب والأبواب أناس من المسلمين عرب لا يحسنون غير ~~اللغة العربية في آجام هنالك وغياض وأودية وأنهار ، ولهم قرى قد سكنوها ، ~~وهم على نحو من ثلاثة أميال من مدينة الباب والأبواب . قال : ويلي مملكة ~~حيزان مما يلي الفتح والسغد ملك يقال له برزينان مسلم ، ويعرف بلد هذه ~~الملك بالكرج . وكل ملك يلي هذه المملكة يدعى برزينان . ثم يلي مملكة ~~برزينان ملك يقال له عينق ، وهم يدينون بدين النصرانية ، ولا ينقادون لملك ~~، PageV14P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" ولهم رؤساء . وهم مهادنون لأهل مملكة اللان . ~~ثم يليهم مما يلي السور والجبل مملكة يقال لها زره كران . وتفسير ذلك ~~بالعربية عمال الزرد ؛ لأن أكثرهم يعملون الزرد والسيوف واللجم والركب وغير ~~ذلك من آلات الحديد . وهم ذوو أديان مختلف من المسلمين والنصارى واليهود . ~~وبلدهم بلد ممتنع خشن قد ms2816 امتنعوا فيه ممن جاورهم من الأمم لخشونته . ثم يلي ~~هؤلاء ملك السرير ويدعى قبلان شاه يدين بالنصرانية . ودار مملكته تعرف ~~بخندج ، وله اثنتا عشرة ألف قرية يستعبد منهم من شاء . وبلده بلد منيع . ~~وهو شعب من جبل الفتح . وهذا الملك يغير على الخزر ويستظهر عليهم . ثم يلي ~~هذه المملكة مملكة اللان . وملكها يقال له كركنداج ، وهذا الاسم غالب على ~~سائر ملوكهم . وكانوا جاهلية ثم دانوا بالنصرانية ، ثم رجعوا فيها بعد ~~العشرين والثلاثمائة . وصاحب اللان يركب في ثلاثين ألف فارس . ثم يلي ملك ~~اللان أمة يقال لها كمشك . وتفسير هذا الاسم بالفارسية التيه والصلف . وهم ~~بين جبل الفتح وبحر الروم . وهي تنقاد إلى دين المجوسية . قال : وليس في ~~الأمم التي ذكرناها أنقى أجسادا ، ولا أصفى لونا ، ولا أحسن رجالا ، ولا ~~أصبح نساء ، ولا أقوم قدودا ، ولا أرق أخصارا وأظهر أردافا ، ولا أحسن شكلا ~~من هذه الأمة . ونساؤهم موصوفات بلذة الخلوة . ولباسهن البياض والديباج ~~الرومي والسقلاطون وغير ذلك من أنواع الديباج المذهب . واللان تستظهر على ~~هذه الأمة إلا أنها تمتنع منها بقلاع لها على ساحل البحر . وتلي هذه الأمة ~~على ساحل البحر أمة يقال لبلدهم السبع بلدان ، وهي أمة كثيرة ممتنعة بعيدة ~~الدار . ويلي هذه الأمة أمة عظيمة يقال لها إرم ذات العماد ذوو خلق عجيب ~~جاهلية الآراء . ويلي هذه الأمة صحراء نحو من PageV14P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" مائة ميل ، بين جبال أربعة ، كل جبل منها ~~ذاهب في الهواء ، في وسط هذه الصحراء دارة مقورة كأنها خطت ببركار ، منحوتة ~~في حجر صلد ، استدارتها نحو من خمسين ميلا قطع قائم كأنه حائط مبني ، يكون ~~قعرها نحوا من ميلين ، لا سبيل إلى الوصول إلى مستوى تلك الدارة ، ويرى بها ~~بالليل نيران كثيرة في مواضع مختلفة ، ويرى فيها بالنهار قرى وأنهار تجري ، ~~وفيها ناس وبهائم إلا أنهم يرون لطاف الأجسام لبعد قعر الموضع لا يدري من ~~أي الأمم هم . ولا سبيل إلى صعودهم ولا إلى النزول إليهم من جهة من الجهات ~~. ووراء تلك الجبال خسفة أخرى ms2817 قريبة القعر فيها آجام وغياض ، فيها نوع من ~~القرود متنصبة القامات مستديرة الوجوه ، الأغلب عليها صور الناس وأشكالهم ~~إلا أنهم ذوو شعور . قال : وربما وقع في النادر منها القرد إذا احتيل عليه ~~في اصطياده ، فيكون في نهاية الفهم والدراية . وربما حمل الواحد منها إلى ~~الملوك فيعلم القيام على رأسه بالمذبة . ولهم خاصية بمعرفة المسموم من ~~المآكل والمشارب . فإذا دنا الطعام منها شمته ويلقى لها الشيء منه فإن ~~أكلته أكله الملك ، وإن امتنعت علم الملك أن ذلك مسموم . قال : وفيما بين ~~بلاد الخزر وبين بلاد المغرب أمم أربع من الترك ترجع في أنسابها إلى أب ~~واحد ، وهم حضر وبدو ، ذوو منعة وبأس شديد . ولكل أمة منها ملك . ومسافة كل ~~مملكة منها أيام ، متصلة ممالكهم بعضها ببحر نيطش . وتتصل غاراتهم ببلاد ~~رومية وما يلي بلاد الأندلس . وهي تستظهر على سائر من هنالك من الأمم . ~~وبينهم وبين الخزر واللان مهادنة ، وبلادهم تتصل بممالك الخزر . فالجيل ~~الأول منهم يقال له نجا . ويليه بجعود . ويليه بجناك ؛ وهي أشد هذه الأمم ~~الأربع بأسا ، ويليه أنوجرذد . وكانت لهم حرب مع الروم بعد العشرين ~~والثلاثمائة . ويلي بلاد اللان أيضا أمة يقال لها الأبخاز تدين بالنصرانية ~~، وملك اللان مستظهر عليهم وهم متصلون بجبل الفتح . ثم يلي بلاد الأبخاز ~~ملك الخزرية ، وهم أمة عظيمة منقادة إلى دين النصرانية تدعى خزران ولها ملك ~~. قالوا : وكانوا يؤدون الخراج إلى صاحب ثغر PageV14P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" تفليس . وتليهم أمة يقال لها الصمصحية نصارى ~~، ومنهم جاهلية لا ملك لهم . ويليهم بين ثغر تفليس وقلعة باب اللان مملكة ~~يقال لها الصنبارية ، وملكهم يقال له كريشكوش ، ينقادون إلى النصرانية ، ~~ويزعمون أنهم من العرب من نزار بن معد . ثم يلي مملكة الصنبارية مملكة شكى ~~وهم نصارى . ويليهم مملكة أخرى وهي مأوى الصعاليك والذعار ، ثم تتصل بمملكة ~~الموقانية وهي التي على ساحل بحر الخزر . والله أعلم بالصواب . ~~PageV14P0267 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الخامس عشر PageV15P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" بسم اله الرحمن الرحيم ### | AUT ذكر أخبار مصر ومن ملكها من الملوك قبل ms2818 الطوفان وبعده # ، وما بنوه بها من المدن ، وما أقاموه من المنارات والأهرام والبرابي ~~وغير ذلك من المباني ، وما وضعوه بها من العجائب والطلسمات والحكم ، وما ~~أثاروا من المعادن وما دبروه من الصنعة ، وما شقوه وأنبطوه من الأنهار وغير ~~ذلك من عجائبها فأما ملوكها قبل الطوفان فقد ذكرهم إبراهيم بن القاسم ~~الكاتب في مختصر كتاب العجائب الكبير الذي ألفه إبراهيم بن وصيف شاه . قال ~~: أول من ملك مصر من الملوك قبل الطوفان نقراوس ، ومعناه ملك قومه وعظيمهم ~~، وذلك أن بني آدم لما بغى بعضهم على بعض وتحاسدوا وتغلب عليهم بنو قابيل ~~تحمل نقراوس الجبار ابن مصرايم بن براكيل بن زرابيل بن غرناب بن آدم في نيف ~~وسبعين رجلا من بني غرناب جبابرة ، كلهم يطلبون موضعا ينقطعون فيه من بني ~~آدم ، فلما نزلوا على النيل ورأوا سعة البلد وحسنه أقاموا فيه وبنوا ~~الأبنية ، وقالوا : هذا بلد زرع ؛ وبنى نقراوس مصر وسماها باسم ~~PageV15P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" أبيه مصرايم ثم تركها . وكان نقراوس جبارا له ~~يد وبسطة ، وكان مع ذلك كاهنا عالما ، له معاون من الجن ، فملك بني أبيه ~~ولم يزل مطاعا فيهم . وقد كان وقع إليه من العلوم التي كان زرابيل علمها من ~~آدم . قال : فهو وبنوه الجبابرة الذين بنوا الأعلام ، وأقاموا الأساطين ~~العظام ، وعملوا المصانع ، ووضعوا الطلسمات ، واستخرجوا المعادن ، وقهروا ~~من ناوأهم من ملوك الأرض ولم يطمع طامع فيهم . وكل علم جليل في أيدي ~~المصريين إنما هو من فضل علم أولئك القوم ، كان مرموزا على الحجارة . فيقال ~~إن فليمون الكاهن الذي كان ركب مع نوح عليه السلام في السفينة هو الذي ~~فسرها لهم وعلمهم كتابتها ، وسنذكر إن شاء الله تعالى خبر فيلمون في موضعه ~~. قال : ثم أمرهم نقراوس حين استقر أمرهم ببناء مدينة فقطعوا الصخور ~~والأحجار من الجبال ، وأثاروا معادن الرصاص وبنوا مدينة وسموها أمسوس ، ~~وأقاموا بها أعلاما ، طول كل علم مائة ذراع ، وعمروا الأرض ، وأمرهم ببناء ~~المدائن والقرى ، واسكن أهل كل بيت ناحية من أرض مصر ، وهم الذين حفروا ~~النيل حتى ms2819 أجروا ماءه إليهم ، ولم يكن معتدل الحفر إنما كان يتسطح ويتفرق ~~في الأرض ، قال : ووجه إلى بلد النوبة جماعة حتى هندسوه وشقوا منه أنهارا ~~إلى مواضع كثيرة من مدنهم التي بنوها ، وشقوا نهرا عظيما إلى مدينتهم أمسوس ~~يجري في وسطها وغرسوا عليه الغروس ، فكثر خيرهم وعزت أرضهم وتجبر ملكهم . ~~قال : وبعد مائة وعشرين سمة من ملكه أمر بإقامة الأساطين العظام وزبر عليها ~~ذكر دخولهم البلد ، وكيف نزلوا به ، وحربهم لمن حاربوه من الأمم . ثم أمر ~~ببناء قبة على أساطين مثبتة في الرصاص ، طولها مائة ذراع ، وجعل على رأسها ~~مرآة من زبرجد أخضر ، قطرها سبعة أشبار ترى خضرتها على أمد بعيد ، قال : ~~وفي مصاحف المصريين أنه سأل الذي كان معه أن يعرفه مخرج النيل ، فحمله حتى ~~أجلسه على جبل القمر خلف PageV15P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" خط الاستواء على البحر الأسود الزفتي ، وأراه ~~النيل كيف يجري فوق ذلك البحر الأسود مثل الخيوط حتى يدخل تحت جبل القمر ، ~~ثم يخرج إلى بطائح هناك . ويقال : إنه عمل بيت التماثيل هناك ، وعمل فيه ~~هيكلا للشمس . ورجع إلى أمسوس فقسم البلد بين بنيه ، فجعل لنقارس الجانب ~~الغربي ، ولسورب الجانب الشرقي ، ولابنه الصغير وهو مصرام مدينة سماها ~~برسان وأسكنه فيها ، وأقام فيها أساطين وشق لها نهرا وغرس بها غروسا . وعمل ~~بامسوس عجائب كثيرة ، منها صورة طائر على أسطوانة عالية ، يصفر كل يوم ~~مرتين عند طلوع الشمس وعند غروبها صفيرا مختلفا ، فيستدلون به على ما يكون ~~من الحوادث فيتأهبون لها ؛ ومخزن للماء المقسوم على جناتهم مائة وعشرين ~~قسما لا يقدر أحد أن يحوز ما ليس له . وعمل وسط المدينة صنمين من حجر اسود ~~، إذا تقدم السارق لم يقدر على الزوال عنها حتى يسلك بينهما ، فإذا دخل ~~بينهما أطبقا عليه فيؤخذ . وله أعمال كثيرة سوى هذه . قال : وعمل في برسان ~~صورة من نحاس مذهب على منار عال لا تزال عليها سحب تظلها ، من استمطرها ~~أمطرت عليه ماء ، فهلكت في الطوفان . و عمل على حدود بلادهم أصناما من نحاس ~~مجوف وملأها ms2820 نارا وكبريتا وجلب إليها روحانية النار ، فإن قصدهم قاصد بسوء ~~أرسلت تلك الأصنام من أفواهها نارا أحرقته . وكان حد بلادهم إلى داخل الغرب ~~مسفة أيام كثيرة عامرا كله بالقصور والبساتين ، وكذلك في المشرق إلى البحر ~~، ومن الصعيد إلى بلاد علوة . وعمل فوق جبال بطرس منارا يفور بالماء يسقي ~~ما تحته من المزارع . وملكهم مائة وثمانين سنة . فلما مات لطخوا جسده ~~بالأدوية الممسكة ، وجعلوه في تابوت من ذهب ، وعملوا له ناووسا مصفحا ~~بالذهب ، وجعلوا معه كنوزا من أنواع الجواهر وتماثيل الزبرجد ، وكنزا من ~~الصنعة المعمولة ، وأواني الذهب والطلسمات التي تدفع الهوام وغيرها ، ~~وزربوا عليه تاريخ الوقت . ولما مات ملك بعده ابنه نقارس بن نقراوس ، فتجبر ~~وعلا أمره ، وبنى مدينة يقال لها خلجة ، وعمل فيها جنة صفح حيطانها بصفائح ~~الذهب والحجارة الملونة ، وغرس فيها أصناف الفواكه والغروس الحسنة ، وأجرى ~~تحتها الأنهار ، وأمر بإقامة PageV15P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" الأساطين والأعلام ، وركب عليها أصناف العقاقير ~~والأدوية وجميع العلوم . وكان معه شيطان يعمل له التماثيل العجيبة . وهو ~~أول من بنى بمصر هيكلا وجعل فيه صور الكواكب السبعة ، وزبر على راس كل كوكب ~~محارته وما يعمله من المنافع والمضار ، وألبسه الثياب الفاخرة وأقام له ~~كاهنا وسدنة . وخرج مغربا حتى بلغ البحر المحيط وعمل عليه أعلاما ، وجعل ~~على رأس كل علم أصناما تسرج عيونها بالليل كأنها مصابيح ، ورجع على بلاد ~~السودان إلى النيل ، وأمر ببناء حائط على جانب النيل ، وجعل له أبوابا يخرج ~~الماء منها . وبنى في صحراء الغرب وراء الواحات ثلاث مدن على أساطين ، وجعل ~~شرفها من الحجارة الملونة التي تشف ، وجعل في كل ناحية منها ثلاث خزائن ~~للحكمة ، وهي أول عجائب الأرض ، وجعل الدخول إلى هذه المدائن من الأساطين ~~التي بنيت عليها . ففي إحدى هذه الخزائن صنم الشمس الذي هو أعظم أصنامهم ، ~~وهي معلقة في بيت شرفها ، وعلى رأسه إكليل فيه كواكبها الثابتة . وفي ~~إحداها صنم للشمس رأسه رأس طاووس في جسد إنسان من ذهب أزرق ، وعيناه ~~جوهرتان صفراوان ، وهو جالس على سرير مغنطيس ، وفي يده ms2821 مصحف العلوم . وفي ~~إحداها صنم رأسه رأس إنسان وجسده جسد طائر ، وصورة امرأة جالسة من زئبق ~~معقود ، لها ذؤابتان ، وفي يدها مرآة وعلى رأسها صورة كوكب ، وهي رافعة ~~بالمرآة إلى وجهه ، ومطهرة فيها سبعة ألوان ، من الماء السائل لا يختلط ~~بعضها ببعض ولايوارى بعضها بعضا ، وصورة شيخ من حجر الفيروزج ، وبين يديه ~~صبية يعلمهم ، وهم من أصناف العقيق والجوهر . وفي الخزانة الثانية صورة ~~هرمس يعني عطارد وهو مكب ينظر إلى مائدة بين يديه من نوشادر على ~~PageV15P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" قوائم كبريت أحمر ، وفي وسطها مثل الصحفة من ~~جوهر أحمر فيها دواء أخضر من الصنعة ، وصورة عقاب من زمرد أخضر عيناه من ~~ياقوت أصفر ، وبين يديه حية من فضة قد لوت ذنبها على رجليه ورفعت رأسها ~~كأنها تريد أن تنفخ عليه ، وفي ناحية منها صورة المريخ راكبا على فرس وبيده ~~سيف مسلول من حديد أخضر ، وعمود من جوهر أخضر ، عليه قبة من ذهب فيها صورة ~~المشتري ، وقبة من أدرك على أربعة أعمدة من جزع أزرق في سقفها صورة الشمس ~~والقمر متحاذيين في صورة امرأة ورجل كأنهما يتحادثان ، وقبة من كبريت أحمر ~~فيها صورة الزهرة على صورة امرأة ممسكة بضفيرتها وتحتها رجل من زبرجد أخضر ~~، في يده كتاب فيه علم من علومهم كأنه يقرأ فيه عليها . وجعل في كل خزانة ~~من بقية الخزائن من العجائب ما لايحد ، وعلى باب كل مدينة طلسمات تمنع من ~~دخولها في صور مختلفة لا يشبه بعضها بعضا ، وفي كل مدينة من الجوهر النفيس ~~والذهب والفضة والكبريت الأحمر والتربة الصنعية في البراني الملونة ، وصنوف ~~الأدوية النفيسة المؤلفة والسموم القاتلة . وعلم كل باب من الأساطين بعلامة ~~يعرف بها يصعد إليها من مسارب تحت الأرض . قال : وجعل بين هذه المدائن وبين ~~مدينة خلجة ، وهي التي عمل فيها الجنة ، سبعة أميال إلى الغرب ، وبينها ~~وبين الأخرى أربعة عشر ميلا ، وبين الأخرى واحد وعشرون ميلا . وكان له من ~~مدينته إلى هذه المدائن أسراب تحت الأرض يصل منها إليها ، وكذلك من بعضها ~~إلى ms2822 بعض . وعمل عجائب كثيرة أزالها الطوفان ، وركبت هذه الأرض الرمال ~~فأزالت طلسماتها . قال : وملك نقارس مائة وسبع سنين ثم هلك فعمل له ناووس ، ~~وجعل معه من الأشياء العجيبة ما يطول الأمر بذكره . ثم ملك بعده أخوه مصرام ~~بن نقراوس ، فبنى للشمس هيكلا من المرمر الأبيض وموهه بالذهب ، وجعل وسط ~~الهيكل كالعرش من جوهر ازرق عليه صورة الشمس من ذهب أحمر وأرخى عليها كلل ~~الحرير الملون ، وأمر أن يوقد عليها بطيب الأدهان ، وجعل في الهيكل قنديلا ~~من الزجاج الصافي ، وجعل فيه حجرا مدبرا يضيء PageV15P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" كما يضيء السراج واكثر منه ضوءا ، وأقام له ~~سدنة ، وعمل له سبعة أعياد في السنة . وقيل : إن مصر سميت به . وتسمى به ~~مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح بعد الطوفان لأنه وجد اسمه مزبورا على ~~الحجارة . وكان فليمون الكاهن أخبرهم أخبار هؤلاء الملوك . وكان مصرام هذا ~~قد ذلل الأسد في وقته فكان يركبها . وصحبه الروحاني الذي كان مع أبيه لما ~~رأى من حرصه على لوازم الهياكل والقيام بأمور الكواكب ، وأمره أن يحتجب عن ~~الناس . وألقى على وجهه بسحره نورا عظيما لا يقدر أحد أن يتمكن من النظر ~~إليه . فادعى أنه إله ، وغاب عن الناس ثلاثين سنة ، واستخلف عليهم رجلا من ~~ولد غرناب وكان كاهنا . ويقال : إن مصرام ركب في عرش وحملته الشياطين حتى ~~انتهى إلى وسط البحر الأسود ، فعمل فيه القلعة الفضة وجعل عليها صنمين من ~~النحاس وزبر عليها : أنا مصرام الجبار ، كاشف الأسرار ، الغالب القهار ، ~~صنعت الطلسمات الصادقة ، وأقمت الصور الناطقة ، ونصبت الأعلام الهائلة على ~~البحار السائلة ، ليعلم من بعدي أنه لا يملك أحد ملكي ، وكل ذلك في أوقات ~~السعادة . وكان قد عمل في جنته شجرة مولدة يؤكل منها جميع الفواكه ، وقبة ~~من زجاج أحمر على رأسها صنم يدور مع الشمس ، ووكل بها شياطين إذا اختلط ~~الظلام نادوا : لا يخرج أحد من منزله حتى يصبح وإلا هلك ، وكان أول من عمل ~~له ذلك . و أمرهم أن يجتمعوا له ، وجلس لهم في مجلس ms2823 عال مزين بأصناف الزينة ~~وتجلى لهم في صورة هالتهم وملأت قلوبهم رعبا ، فخروا على وجوههم ودعوا له . ~~فأمر بإحضار الطعام والشراب فأكلوا وشربوا ورجعوا إلى مواضعهم ثم لم يروه ~~بعد . وبلغ بكهانته ما لم يبلغه أحد من آبائه . ثم ملك بعده عنقام الكاهن ؛ ~~فعدل فيهم ، وعمل مدينة عجيبة قرب العريش جعلها لهم حرسا . وقيل : إن إدريس ~~عليه السلام رفع في زمانه . قال : ويحكى عنه أهل مصر حكايات كثيرة تخرج عن ~~العقول . وكان قد رأى في علمه كون الطوفان ، فأمر الشياطين التي تصحبه أن ~~تبنى له مكانا خلف خط الاستواء بحيث لا يلحقه الفساد ، فبنى له القصر الذي ~~في سفح جبل القمر ، وهو قصر النحاس الذي فيه التماثيل ، وهي خمسة وثمانون ~~تمثالا ، يخرج ماء النيل من حلوقها وينصب إلى بطيحة . ولما عمل له ذلك ~~القصر أحب أن يراه قبل أن يسكنه ، فجلس في قبته وحملته الشياطين على ~~أعناقها إليه . فلما رأى حكمة بنيانه وزخرفة حيطانه ومافيه من النقوش وصور ~~الأفلاك PageV15P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" والكواكب ، وغير ذلك من صنوف العجائب وكان يسرج ~~بغير مصابيح ، وتنصب فيه موائد يوجد عليها من كل الأطعمة ولايدري من يعملها ~~، وكذلك الأشربة في أوان ، يستعمل منها ولاتنقص . وفي وسطه بركة من ماء ~~جامد الظاهر ترى حركته من وراء ما جمد منه ، وأشياء كثيرة من هذا النوع وإن ~~كانت تنبو عن العقول أعجبه ما رأى ، ورجع إلى مصرفا مستخلف ابنه عرناق ~~وأوصاه بما يريده وقلده الملك ، ورجع إلى ذلك القصر فأقام به حتى هلك هناك ~~. وإليه تعزى مصاحف القبط التي فيها تواريخهم وجميع ما يجري إلى آخر الزمان ~~. قالوا : ولم تطل مدة ملكه . ثم ملك بعده ابنه عرناق بن عنقام . ملك بعد ~~أبيه وعمل عجائب كثيرة ، منها شجرة صفر فيها أغصان حديد بخطاطيف حادة إذا ~~تقرب منها الظالم والكاذب تقربت إليه تلك الخطاطيف فتعلقت به وشكت بدنه ولم ~~تفارقه حتى يحدث عن نفسه بالصدق ويعترف بظلمه ويخرج عن ظلامة خصمه . وعمل ~~صنما من صوان أسود وسماه عبد قزويس ms2824 ، أي عبد زحل ، فكانوا يحتكمون إليه ، ~~فمن زاغ عن الحق ثبت في مكانه فلم يقدر على الخروج منه حتى ينصف من نفسه ~~ولو أقام سنة أو أكثر . ومن كانت له حاجة منهم أو طلب شيئا بخر الصنم ليلا ~~ونظر إلى الكواكب وذكر اسم عرناق وتصرع فيصبح وقد وجد حاجته على باب منزله ~~. قال : وكان عرناق ربما حملته أطيار عظام وتمر به وهم يرونه . وكان ربما ~~غضب على ناس فجعل ماءهم مرا لا يذاق ، وسلط عليهم وحوش الأرض وسباعها ~~وهوامها . قال : و تجرأ على صيد السباع والوحوش ، وعمل عجائب ، منها انه ~~عمل شجرة من حديد ذات أغصان لطخها بدواء مدبر ، فكانت تجتلب كل صنف من ~~الوحش . قال : وفي كتب المصريين أن هاروت وماروت كانا في وقته وعلما أهل ~~مصر أصنافا من السحر ، ونقلا بعد الطوفان إلى بابل . وكان عرناق يجتلب ~~النساء بسحره ويغتصبهن ، وكان يسكن PageV15P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" الجنة التي عملها نقارس ، فاحتالت عليه امرأة ~~من المغصوبات فسمته فهلك وبقي مدة لا يعرف خبره . وكان من رسمه - إذا خلا ~~بنسائه - لا يقربه أحد ، فلما تأخر خبره عن الناس هجم عليه فتى من بني ~~نقراوس يقال له لوخيم ومعه نفر من أهله ، فوجدوه ملقى في فراشه جيفة . فأمر ~~أن توقد له نارا فأحرقه فيها . وجمع النسوة اللواتي كن في الجنة ، فمن كانت ~~من نسائه تركها ، ومن كانت من المغصوبات سرحها إلى أهلها ، ففرح الناس بذلك ~~وبما نزل به . وملك بعده لوخيم وجلس على سرير الملك ولبس تاج أبيه ، وأمر ~~بجمع الناس وقام فيهم وتكلم وذكر ما كان عليه عرناق الأثيم من سوء السيرة ~~واغتصاب النساء وسفك الدماء ، ورفض الهياكل والاستخفاف بالكهنة إلى أن هلك ~~، وأنه أحق بتراث أبيه وجده . وضمن للناس العدل والإحسان والقيام بأمرهم ~~ودفع كل أذى عنهم . فرضى الناس به وأطاعوه وقالوا : أنت أحق بالملك ، ~~ولازلت دائم السعادة طويل العمر قائما بتجويد الهياكل وتعظيمها . فركب إلى ~~هيكل الشمس فقرب له بقرا كثيرا ، وسار في الناس بالعدل . قال : وكانت ~~الغرانيق قد ms2825 كثرت في زمن عرناق فأهلكت زروع الناس . فعمل لوخيم أربعة ~~منارات من نحاس في أربعة جوانب أمسوس ، وجعل على كل منارة صورة غراب في فمه ~~قد التوت عليه فلم يقربهم شيء من تلك الطيور ، فكانت كذلك حتى أزالها ~~الطوفان . قال : ومن ملوكهم خصليم وهو أول من عمل مقياسا لزيادة الماء ؛ ~~وذلك أنه جمع أصحاب العلوم والهندسة فعملوا بيتا من رخام على حافة النيل ، ~~وجعل في وسطه بركة من نحاس صغيرة فيها ماء موزون ، وعلى حافتي البركة تمثال ~~عقابين من نحاس ذكر وأنثى . فإذا كان في أول الشهر الذي يزيد فيه الماء فتح ~~باب البيت وحضر الكهان وأمناء الملك وتكلموا بكلام لهم حتى يصفر أحد ~~العقابين ، فإن صفر الذكر كان الماء زائدا ، وإن صفرت الأنثى كان الماء ~~ناقصا ، ثم يعتبرون الماء فكل إصبع يكون في تلك البركة فهو ذراع من زيادة ~~النيل ، وكل إصبع ينقص فهو نقصان ذراع . فإذا علموا ذلك حفروا الترع ~~وأصلحوا الجسور . وعمل على النيل القنطرة التي هي ببلاد النوبة . وكان له ~~ابن سماه هرصال ، أي خادم الزهرة ، لرؤيا كانت رأتها أخت PageV15P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" الملك أ ، الزهرة تخاطبها ، وكفلت الغلام عمته ~~، واسمها خرداقة ، وأدبته أحسن التأديب ، وزوجته عشرين امرأة من بنات ~~الملوك والعظماء ، وبنت له مدينة فيها عجائب كثيرة ، احتفلت بها وزينتها ~~بأحسن النقوش والزينة والعمارة ، وعملت فيها حماما معلقا على أساطين يرتفع ~~الماء إليها حارا من غير وقيد . ولما هلك خصليم دفن في ناووس . ثم ملك بعده ~~ابنه هرصال بن خصليم فتحول إلى المشرق وسكنه ، وبنى مدينة هي إحدى المدائن ~~ذوات العجائب ، وعمل في وسطها صنما للشمس يدور بدورانها ويبيت مغربا ويصبح ~~مشرقا . ويقال : إنه عمل ن تحت النيل سربا . وهو أول من عمل ذلك . وخرج ~~متنكرا يشق الأمم إلى أن بلغ بابل ، ورأى ما عمل الملوك من العجائب . وعلم ~~حال ملكها في الوقت وسيرته ومجاري أموره . ويقال : إن نوحا عليه السلام ولد ~~في وقته . قال : وولد لهرصال عشرون ولدا ، جعل مع كل ولد منهم قاطرا ms2826 وهو ~~رأس الكهنة ، وتزعم القبط أنه بعد مائة وسبع وعشرين سنة من ملكه لزم ~~الهياكل وتعبد للكواكب فأخفته عن أعين الناس . وأقام بنوه على حالهم كل ~~واحد منهم في قسمه الذي أعطاه إياه يدبره ولا يشركه فيه غيره . وأمور الناس ~~جارية على سداد ، فأقاموا كذلك سبع سنين . ثم وقع بين الإخوة تشاجر ، ~~واجتمع رأي الكهنة على أن يجعلوا أحدهم ملكا ، ويقيم كل واحد منهم في قسمه ~~. فاجتمعوا في ذلك اليوم في دار المملكة ، وقام رأس الكهان فتكلم وذكر ~~هرصال وسعادة أيامه وما شملهم فيها من الخير ، وأخبر بما رأته الجماعة من ~~تقليد أحدهم الملك . فإن كان هرصال لم يمت ورجع إليهم لم ينكر ما فعلوه ~~لأنهم أرادوا بذلك حفظ ملكه ، وإن لم يرجع كان الأمر قد جرى على ما سلف من ~~قيام ملك بعد ملك فاجتمع رأيهم على أكبر ولده وهو : ندسان بن هرصال . فملك ~~وسار سيرة أبيه وحمد الناس أمره . وعمل قصرا من خشب ونقشه باحسن النقوش ، ~~وصور فيه صور الكواكب ونجده بالفرش وحمله على الماء وكان يتنزه فيه . ~~فبينما هو فيه إذ زاد النيل زيادة عظيمة وهبت ريح عاصف فانكسر القصر وغرق ~~الملك . وكان قد نفى إخوته إلى المدائن الداخلة في الغرب . واقتصر على ~~امرأة من بنات عمه ، وكانت ساحرة ، فتفرد بها واستخلف بعض وزرائه على الملك ~~وأقبل على لذته ولهوه . فلما هلك كتمت امرأته الساحرة موته ، وكان أمرها ~~ونهيها يخرجان إلى الوزير عن الملك . وأقام الناس تحت طاعته سبع سنين لا ~~PageV15P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" يعلمون بأمره . فلما رأى إخوته طول غيبته ~~جمعوا جموعا كثيرة وقدموا على أنفسهم أحدهم وهو شمرود الجبار وساروا إلى ~~أمسوس . وبلغ ذلك امرأة ندسان الساحرة فأمرت الوزير بالخروج إليهم ~~ومحاربتهم ، ففعل ذلك ولقيهم فمزقوه وقتلوا كثيرا ممن كان معه ، ودخلوا ~~مدينة أمسوس ، وأتوا دار المملكة فلم يروا ندسان وأيقنوا بهلاكه . وملك ~~شمرود بن هرصال فسر الناس به ، ووعدهم بحسن السيرة فيهم وتغيير ما كانوا ~~ينكرونه على أخيه . واستولى على كنوزه وخزائنه ففرقها على ms2827 إخوته ، وأقطعهم ~~جميع ما كان في يد ندسان . وطلب امرأته الساحرة وابنها ليقتلهما ، فانتقلت ~~إلى مدينة أهلها من الصعيد ، وكانوا كلهم كهانا سحرة ، فامتنعت بهم ، ~~وأرسلت إلى الناس وعرفتهم أن ابنها الملك في وقته ؛ لأن أباه قلده الملك ~~وأمرها أن تدبر أمره حتى يكبر ، فصدقوها وأجابوها وقالوا : إن الغلام مغصوب ~~على ملك أبيه ، وإن شمرود متغلب . فاجتمع في ناحيتها جماعة من أهل البلد ~~وزحف ابن الساحرة وقد عمل له السحرة أصنافا من التخاييل الهائلة والنيران ~~المحرقة ، فقامت الحرب بينهم أياما ، فانهزم شمرود وإخوته وتعلقوا ببعض ~~الجبال . وملك توميدون بن ندسان وهو ابن الساحرة . ودخل دار الملك وجلس على ~~السرير ولبس التاج الذي كان لأبيه وأطاف به بطانة أبيه ، وهو يومئذ حدث ~~السن ، وكانت أمه تدبر أمره ، فقتل كل من كان مع شمرود . وطلب شمرود حتى ~~ظفر به ، واجتمع الناس لينظروا ما يصنع به ، فشد رأسه برأس أسطوانة قائمة ، ~~ورجلاه برأس أسطوانة أخرى . وكان طوله فيما يذكر القبط عشرين ذراعا ، ووكلت ~~الساحرة به حرسا لتقتله يوم عيدها ، وكان قريبا ، فصاح بالليل صيحة مات ~~منها بعض الحرس وهرب الباقون ، فلما اتصل بها ذلك أوقدت نارا وأمرت بإنزاله ~~وجعلت تقطع منه عضوا عضوا وترميه في النار . قال : وخرج ابنها كاهنا منجما ~~، وعملت له الشياطين قبة الزجاج الكبيرة الدائرة على دوران الفلك ، وصوروا ~~عليها صور الكواكب ، وكانوا يعرفون الطالع منها وما يحدث بطلوعه بعد ستين ~~سنة . ثم ماتت أمه الساحرة وأوصت أن يجعل جسدها تحت صنم القمر فإنه يخبرهم ~~بالعجائب وما يسألون عنه ففعلوا ذلك وذل الناس لابنها وهابوه ، وكان يتصور ~~لهم في صور كثيرة ، وملكهم مائة سنة وستين سنة . ولما حضره الموت أمرهم أن ~~يعملوا له صنما من زجاج على شقين ويطبق على جسده بعد أن يطلى بالأدوية ~~الممسكة ويلحم ويقام في هيكل الأصنام ، ويجعل له عيد في السنة ويقترب له ~~قربان ، وتدفن علومه وكنوزه تحته ، ففعلوا ذلك كله . PageV15P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" ولما مات ملك بعده ابنه شرناق بن توميدون ، ~~فعمل بسيرة أبيه ms2828 وجدته ، واجتمع الناس عليه . وزحف رجل من بني صرابيس بن ~~إرم من ناحية العراق ، فتغلب على الشام ، وأراد أن يزحف إلى مصر ، فعرف أنه ~~لا يصل إليها لسحر أهلها ، فأراد أن يدخلها متنكرا ليقف على أحوالها ، فخرج ~~في نفر حتى بلغ الحصن الذي كانوا بنوه على مصر . فسألهم الحرس الموكلون به ~~عن أمرهم ، فعرفوهم أنهم قصدوا بلدهم ليسكنوه ، فحبسوهم وطالعوا الملك ~~بخبرهم . وكان الملك قد رأى في منامه كأنه قائم على منار لهم عال ، وكأن ~~طائرا عظيما انقض عليه ليختطفه ، فحاد عنه حتى كاد يسقط عن المنارة فجاوزه ~~ولم يضره ، فانتبه مرعوبا ، وبعث إلى رأس الكهنة فقص عليه رؤياه ، فعرفه أن ~~ملكا يطلب ملكه فلا يصل إليه . فنظر في علمه فرأى أنه قد دخل بلده . فلما ~~وردت الرسل بذكر القوم علم أن الملك فيهم ؛ فوجه جماعة من أصحابه فاستوثقوا ~~منهم وحملوهم إليه ، وقد كان أمرهم أن يطوفوا بهم في أعمال مصر كلها ليروا ~~فيها من الطلسمات والأصنام المتحركات والعجائب المعجزات ، فبلغوا بهم إلى ~~الاسكندرية ، ثم ساروا بهم إلى أمسوس وطيف على عجائبها . ثم سير بهم إلى ~~الجنة التي عملها مصرام ، وكان الملك مقيما بها وأمر السحرة بإظهار ~~التهاويل والتخابيل ، فجعلوا يتعجبون مما رأوا إلى أن وصلوا إلى شرناق ~~الملك والكهنة حوله وقد أظهروا صنوف العجائب ، وجعلوا بين يدي الملك نارا ~~عظيمة لا يصل إليه إلا من خاضها ولا تضر إلا من أضمر للملك غائلة ، وأمر ~~بدخولها ، فشقوها واحدا واحدا لم ينلهم منها أذى ، وكان الملك آخرهم ، فلما ~~دنا من النار أخذته فولى هاربا . فأتى به شرناق فسأله عن أمره فأقر ، فأمر ~~بقتله على أسطوانة عند باب الحصن من ناحية الشام ، فقتل وزبر عليه : هذا ~~فلان المتغلب على الشام أضمر غائلة الملك ، طلب ما لا يصل إليه فعوقب بهذا ~~. وأمر بإخراج الباقين من بلاده PageV15P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" فأخرجوا . وقيل لهم : قد وجب عليكم القتل ~~لصحبتكم من أراد الفساد في الأرض ، ولكن الملك عفا عنكم . فكانوا لا يمرون ~~على أحد إلا حدثوه ms2829 بما رأوا من العجائب ، فانقطعت أطماع الملوك عن الوصول ~~إلى مصر والتعرض إليها ، وعملت في أيامه عجائب كثيرة ، منها أنه عمل على ~~باب كل مدينة بطة نحاس قائمة على أسطوانة ، فإذا دخل الغريب من الباب صفقت ~~بجناحيها وصرخت ، فيؤخذ ويكشف عن أمره . وشق إلى مدائن الغرب نهرا من النيل ~~، وبنى على عبره منازل وأعلاما وغرس بينها غروسا ، وكان إذا خرج إليها سار ~~في عمارة متصلة ، وملكهم مائة سنة وثلاثين سنة ثم مات . وملك بعده ابنه ~~سهلوق بن شرناق ، وكان كاهنا منجما ، فأفاض العدل وقسم ماء النيل قسما ~~موزونا ، صرف إلى كل ناحية قسمها ، ورتب المراتب وجعلها على سبعة أقسام : ~~فالطبقة الأولى الملك وولده وأهل بيته ومن يلي عهده ورأس الكهان والوزير ~~الأكبر وقائد الجيش الأكبر وصاحب خاتم الملك وصاحب خزانته . والطبقة ~~الثانية مراتب العمال والمتولين جباية الأموال والإشراف على النفقات في أمر ~~المملكة ومصالح البلد والعمارات وقسمة المياة . والطبقة الثالثة الكهان ~~وأصحاب الهياكل وخدمتها ومتولو القرابين والمشرفون على جميع ما يتقرب به من ~~بواكير الفواكه والرياحين وفتى البقر والفراريج الذكور ورءوس خوابي الشراب ~~. والطبقة الرابعة المنجمون والأطباء والفلاسفة . والطبقة الخامسة أصحاب ~~عمارة الأرض ومتولو أمر الزراعة . والطبقة السادسة أصحاب الصناعات والمهن ~~في كل فن ، والمشرفون على أعمالهم ونقل ما يستحسنون منها إلى خزانة الملك . ~~والطبقة السابعة أصحاب الصيد من الوحش والسباع والطير والهوام والخشاش ، ~~والمشرفون على أخذ دمائها ومرائرها وشحومها وحملها إلى الأطباء لإصلاح ~~العقاقير وتأليق الأدوية . وتقدم ألا يدخل أهل مهنة ولا صناعة في غيرهم ، ~~ومن قصر في عمله عوقب ، ومن أحسن في عمله جوزى بقدره . وكانت رتبة الألحان ~~والملاهي في قسمة الملك : وتقدم في استنباط المعادن وبناء المدائن ونصب ~~الأعلام والمنارات وإبداع الصناعات وجر المياه PageV15P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" وتوليد غرائب الأشجار . وأقام على أعالي ~~الجبال سحرة يقسمون الرياح ويمنعون من يقصدهم ويقصد بلادهم بأذى ، وكذلك كل ~~مفسد من طائر وسبع ووحش وهوام ، وأجرى أمر البلاد والناس على سداد ، وجعل ~~في كل صنف من الناس صنفا من الكهنة يعلمونهم ms2830 الدين ، ودينهم يومئذ الصابئة ~~الأولى . ويرفع كل صنف منهم ما يجري من أمر ما يتولونه إلى الملك في كل يوم ~~. وعمل البيت ذا القباب النورية الثلاث ، وأوقد فيه النار الدائمة تعظيما ~~للنور . والقبط تزعم أنه أول من وضع بيتا لتعظيم النار . وقيل : إن جم ~~الفارسي إنما بنى بيت النار - وهو أول من عمل ذلك للفرس - اقتداء بسهلوق ~~مصر . وكان السبب في عمل سهلوق بيت النار أنه رأى أباه في نومه يقول له : ~~انطلق إلى جبل كذا من جبال مصر فإن فيه كوة من صفتها كذا وكذا ، وإنك واجد ~~على باب الكوة أفعى لها رأسان ، وإنها إذا رأتك كشت في وجهك ، فليكن معك ~~طيران صغيران ، فإذا رأيت الأفعى فاذبحهما لها وألقهما إليها ، فإنه يأخذ ~~كل رأس من رأسيها أحد الطيرين وتتنحى إلى سرب قريب من الكوة فتدخله ، فإذا ~~غابت عنك فادخل الكوة فإنك تنتهي إلى آخرها إلى صورة امرأة جميلة الخلق ، ~~وهي من نور حار يابس ، وسوف يقع عليك وهجها وتحس بحرارة شديدة ، فلا تقرب ~~منها فتحترق ، وقف وسلم عليها فإنها تخاطبك فاسكن إلى خطابها ، وانظر ما ~~تقوله لك فاعمل به ، فإنك تشرف بذلك . وهي حافظة كنوز جدك مصرام التي رفعها ~~إلى مدائن العجائب المعلقة وهي تدلك عليها . وتنال مع ذلك شرفا في بلدك ~~وطاعة في قومك ، ثم مضى وتركه . فلما انتبه سهلوق جعل يفكر فيما رأى ويتعجب ~~منه ، ورأى أن ينفذ ما أخبره به أبوه ، فمضى إلى الجبل وحمل الطيرين معه ~~وفعل جميع ما أمره أبوه إلى أن وقف حذاء المرأة وسلم عليها ، فقالت له : ~~أتعرفني ؟ قال : لا ، لأني ما رأيتك قبل وقتي هذا . قالت : أنا صورة النار ~~المعبودة في الأمم الخالية ، وقد أردت أن تحيي ذكرى وتتخذ لي بيتا وتوقد ~~فيه نارا دائمة بقدر واحد ، وتتخذ لها عيدا في كل سنة تحضره أنت وقومك فإنك ~~تتخذ بذلك عندي يدا وتنال به شرفا وملكا إلى ملكك ، وأمنع عنك وعن بلدك من ~~يطلبك ويعمل الحيلة عليك ، وأدلك PageV15P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" على ms2831 كنوز جدك مصرام . فلما سمع ذلك منها ضمن ~~لها أن يفعل ، ودلته على الكنوز التي كانت لجدة تحت المدائن المعلقة ، وكيف ~~يصير إليها ويمتنع من الأرواح الموكلة بها وما يبخرها به . فلما فرغ من ذلك ~~قال لها : كيف لي بأن أراك في الأوقات وأسألك عما أريده ، أأصير إليك في ~~هذا المكان أو غيره ؟ قالت : أما هذا المكان فلا تقدر بعد وقتك هذا عليه ؛ ~~لأن الأفعى التي رأيتها فيه قيمته لأن فيه آية تمنع أن يوقف عليها في وقتنا ~~هذا ، ولكن إن أحببت أن تراني فدخن في البيت الذي تعمله لي بكذا وكذا : ~~أشياء ذكرتها له ، منها : عظام ما يقربه له من القرابين والذبائح والصموغ ، ~~فغني أتخيل لك وأخبرك بكل حق وباطل مما يكون في بلدك . فلما سمع ذلك منها ~~سر به وغابت عنه ، وظهرت الأفعى وخرج هاربا وجعل على الكوة سدا ، وعمل ما ~~أمرته به وأخرج كنوز جده . وعمل من العجائب بأمسوس وغيرها ما يطول شرحه . ~~وعمل القبة المركبة على سبعة أركان ، ولها سبعة أبواب ، على كل باب صورة ~~معمولة ، وكان يقال لها قبة القصر . وكان السبب في بنائها أن بعض الكهان ~~جار في قضية قضى بها ؛ وذلك أن بعض العامة أتاه يشكو امرأته - وكان يحبها ~~والمرأة تبغضه - وسأله أن يقومها له ، وكانت المرأة من أهل بيت الكاهن ، ~~فمالأها على زوجها ، وأمره بتخليتها فلم يفعل ، فحبسه وشدد عليه ، وكان من ~~أهل الصناعات ، فاجتمع جماعة من أهل صنعته ممن كان قد عرف حال المرأة معه ~~وأنها له ظالمة وهو لها منصف ، فوقفوا على ظلم الكاهن فاستعدوا عليه عند ~~خليفة الملك . فاحضر الكاهن وسأله ، فذكر أنه لم يحكم إلا بواجب . فأحضر ~~رؤساء الكهنة والقوم الذين شهدوا للرجل ، فوقف على ظلم الكاهن فأحرج الرجل ~~وحبس الكاهن مكانه ، وأمر بعقوبة المرأة وردها إلى زوجها ورفع ذلك إلى ~~الملك ، فأمر بإخراج الكاهن من رسم الكهانة ، وأن يعاقب ويحبس إلى أن يرى ~~فيه رأيه . واهتم الملك لذلك وخشي أن يجري من غير ذلك الكاهن في أمر ms2832 الرعية ~~مثل ما جرى منه ، فبات مهموما . ثم فكر في أمر النار ، فأتى إلى بيت النار ~~ودخن بالدخنة التي أمرته بها ، فأتته وخاطبته . فسألها أن تعمل له ~~PageV15P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" عملا يقف به على حقيقة أمر المظلوم من الظالم ~~، فأمرته أن يعمل بيتا مركبا على سبعة أركان ويجعل له سبعة أبواب في كل ركن ~~باب ، ويعمل في وسطه قبة من صفر ، ويصور عليها صور الكواكب السبعة ، ويعمل ~~تحت القبة مطهره من جوهر ملون ، ويجعل فيها سبعة أدهان من أشجار مختلفة ؛ ~~وتكون القبة معلقة على سبعة أساطين ، ويعمل على الباب الأول تمثال أسد رابض ~~، وحذاءه من الجانب الآخر لبؤة رابضة من صفر ويقرب لهما جرو أسد ويبخرهما ~~بشعره . وعلى الباب الثاني صورة ثور وبقرة ويذبح لهما عجلا ويبخرهما بشعره ~~. وعلى الباب الثالث صورة خنزير وحذاءه خنزيرة ويذبح لهما خنوصا ويبخرهما ~~بشعره . وعلى الباب الرابع صورة فرس وحجر ويذبح لهما مهرا ويبخرهما بشعره . ~~وعلى الباب الخامس صورة ثعلب وحذاءه أنثاه ويذبح لهما جرو ثعلب ويبخرهما ~~بوبره وعلى الباب السادس صورة حمار وحذاءه أتان ويذبح لهما فروجا وينخرهما ~~بشعرة . وعلى الباب السابع ديك وحذاءه دجاجة ويذبح لهما فروجا ويبخرهما ~~بريشه . ويلطخ وجوهها جميعا بدم ما يذبح . ثم يحرق بقية القربان ويجعل تحت ~~عتب أبوابها وتغلق الأبواب ، ويقام للبيت سدنة يوقدونه ليله ونهاره . فإذا ~~فرغ ذلك يتكلم على باب الكواكب السبعة ، فإني سوف ألقى روحانية الكواكب على ~~تلك الصور فتنطق . وإذا فرغت من ذلك فاجعل لكل مرتبة من المراتب التي ~~قسمتها بابا من تلك الأبواب ، وليكن باب الأسد لأهل بيت المملكة ، وسائر ~~الأبواب لسائر المراتب . فإذا تقدم الخصمان إلى شيء من تلك الصور التصقت ~~بالظالم وشدت عليه شدا عنيفا يؤلمه حتى يخرج لخصمه من حقه ، الذكر للذكر ، ~~والأنثى للأنثى ، فيعرف بذلك المظلوم من الظالم ، ومن كان له قبل أحد حق ~~ودعاه إلى تلك الصور فلم يجئ معه فأتاه المظلوم ، وقد عرف الصورة ذلك ، ~~أقعد الظالم من رجليه وخرس لسانه ولم يتحرك . فاستراح الملك إلى ms2833 تلك الصورة ~~. ولم تزل على ذلك حتى أزالها الطوفان مع ما أزال من أعمالهم وطلسماتهم ~~وعجائبهم . وعملت في أيام سهلوق أعمال كثيرة ، وكتبت سيرته PageV15P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" وما عمل من العجائب في مصحف . وعمل عقاقير ~~كثيرة وتماثيل ومحركات وصنعة ، وأمر أن يحمل ذلك كله إلى ناووس عمله لنفسه ~~في الجبل الغربي ونقل إليه حكمه . وهلك بعد أن ملك تسعا وستين سنة وحمل إلى ~~ناووسه ، وأقام أهل المملكة ووجوه المدينة ونساؤهم عند ناووسه شهرا يبكون ~~عليه ويتوجعون عنده ، واغتموا عليه غما لم يغتموه على ملك قبله ، وأقاموا ~~لناووسه سدنة يخدمونه . وملك بعده ابنه سوريد بن سهلوق ؛ وكان أبوه قد قلده ~~الملك قبل مهلكه ، فملك واقتفى سيرة أبيه في العمارة ومصالح البلد والإنصاف ~~بين الناس والأخذ لهم من نفسه وأهل بيته ، وعمل الهياكل وبنى المنارات ، ~~ونصب الأعلام والطلسمات فأحبه الناس . وبنى بالصعيد ثلاث مدائن وعمل فيها ~~عجائب كثيرة . وهو أول من جبى الخراج بمصر ، وألزم أهل الصناعات على ~~أقدارهم ، وأول من أمر بالإنفاق على الزمني والموضى من خزائنه . وعمل مرآة ~~من أخلاط كان ينظر منها جميع الأقاليم ما اخصب منها وما أجدب وما حدث فيها ~~، وكانت المرآة على منارة من النحاس وسط مدينة أمسوس ، وكان يعلم من المرآة ~~من يقصد مدينته من جميع النواحي فيتأهب له . وهو أول من عمل صحيفة في كل ~~يوم يكتب فيها جميع ما يكون في يومه وما يعمله ويرفع إليه ، ثم يخلد في ~~خزانته يوما بيوم . وإذا مضى الشهر نقلت إلى مصحف الملك وختمه بخاتمه ، وما ~~صلح أن يزبر على الحجارة زبره : وكذلك ما عمل من الصنائع وما احدث منها . ~~وكان يعطي الرغائب على الصناعات العجيبة والحكم الغريبة . وعمل في المدائن ~~صورة امرأة جالسة في حجرها صورة صبي كأنها ترضعه ، فمن أصابتها على بجسمها ~~مسحت ذلك الموضع من جسد تلك الصورة فيزول عنها ما تجد ، وكذلك إن قل لبنها ~~مسحت ثديها ، وإن أحبت أن يعطف عليها زوجها مسحت وجهها بدهن طيب وقالت ~~افعلي كذا وكذا ، وإن قلت ms2834 حيضتها مسحت فوق ركبها ، وإن كثر دمها ونزفت مسحت ~~تحت ركبها ، وإن أصاب ولدها شيء فعلت مثل ذلك بالصبي فيبرأ ، وإن عزت ~~ولادتها ومسحت رأس الصبي سهلت ويسهل افتضاضها ، وإذا بخرته ومسحته بدهن طيب ~~منع جميع التوابع . وإذا PageV15P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" وضعت الزانية يدها عليها ارتعدت حتى تكف عن ~~زناها . وما كان من أعمال الليل بخرت ليلا ، وما كان من أعمال النهار بخرت ~~نهارا . وكانت تعمل أعمالا كثيرة إلى أن أزالها الطوفان . قال : وفي بعض ~~كتب القبط أنها وجدت بعد الطوفان وأنهم استعملوها وعبدوها . وصورتها مصورة ~~في جميع البرابي ، واسمها نبلوية ، والذي دلهم عليها قرابة فليمون الكاهن . ~~قال : وعمل سوريد عجائب كثيرة ، منها الصنم الذي يقال له نكرس المعمول من ~~عدة أخلاط كان يعمل أعمالا كثيرة في الطب ودفع الأسقام والعلل ، ويعرفون به ~~من تبرئة الأدوية فيعيش ، وإن كان يموت فله علامات فيقصرون عن علاجه ، ~~وكانوا يغسلون المواضع التي بإزاء أعضاء العلل منه ويسقى لصاحب الداء فيزول ~~عنه . وهو أول من عمل الأفروثنات وزبر فيها جميع العلوم . وهو الذي بنى ~~الهرمين الكبيرين . ذكر خبر بناء الأهرام وسبب بنائها وشيء من عجائبها قال ~~: كان بناء الأهرام قبل الطوفان بنحو ثلاثمائة سنة . وقد ذكرنا فيما سلف من ~~كتابنا هذا نبذة من خبر الأهرام في الباب الثالث من القسم الخامس من الفن ~~الأول ؛ وذلك في السفر الأول من هذه النسخة . ونحن الآن نذكر من خبرها خلاف ~~ما قدمناه مما أورده إبراهيم بن القاسم الكاتب مما اختصره من كتاب العجائب ~~الكبير لإبراهيم بن وصيف شاه . قال : كان سبب بنائها أن الملك سوريد رأى ~~رؤيا أفزعته ؛ رأى كأن الأرض انقلبت بأهلها ، وكأن الناس يخرون على رءوسهم ~~، وكأن الكواكب تتساقط ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة مفزعة ، فغمه ذلك ولم ~~يذكره لأحد ، وعلم أنه سيحدث في العالم أمر عظيم . ثم رأى بعد ذلك بأيام ~~كأن الكواكب الثابتة نزلت إلى الأرض في صور طيور تنصب ، وكأنها لتخطف الناس ~~وتلقيهم بين جبلين عظيمين ، وكان الجبلين انطبقا عليهم ، وكأن الكواكب ms2835 ~~النيرة مظلمة كاسفة ، فانتبه أيضا مذعورا فزعا ، فدخل إلى هيكل الشمس وجعل ~~يمرغ خديه ويبكي . ولما أصبح أمر بجمع رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصرفا ~~فاجتمعوا ، وكانوا مائة وثلاثين ، فخلا بهم وقص عليهم رؤياه ، فأعظموه ~~وأكبروه وأولوه على أمر عظيم يحدث في العالم . فقال لهم فليمون - وكان من ~~كبارهم وكان لا يبرح من حضرة الملك لأنه رأس كهنة أمسوس - : إن في رؤيا ~~الملك لعجبا وأمرا كبيرا ، والملوك رؤياهم لا تجري على فساد ولا كذب ~~PageV15P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" لعظم أخطارهم ، وكبر أقدارهم . وأنا أخبر ~~الملك عن رؤيا رأيتها منذ سنة لم أذكرها لأحد من الناس . فقال له الملك : ~~قصها علينا . قال : رأيت كأني مع الملك على راس المنار الذي في أمسوس ، ~~وكأن الفلك قد انحط من موضعه حتى قارب سمت رءوسنا ، وكان علينا كالقبة ~~المحيطة بنا ، وكأن الملك قد رفع يديه نحو السماء وكواكبها قد خالطتنا في ~~صور مختلفة ، وكأن الناس يستغيثون بالملك وقد انضموا إلى قصره ، وكأن الملك ~~رافع يديه ليدفع الفلك أن يبلغ رأسه ، وأمرني أن أفعل فعله ونحن على وجل ~~شديد ، إذ رأينا منه نورا مضيئا طلعت علينا منه الشمس ، فكأنا استغثنا بها ~~، فخاطبتنا بان الفلك سيعود إلى موضعه إذا مضت ثلاثمائة دورة ، وكأن الفلك ~~لصق بالأرض ثم عاد إلى موضعه ، ثم انتبهت فزعا . فعند ذلك قال لهم الملك : ~~خذوا ارتفاع الكواكب فانظروا هل من حادثة تحدث . فنظروا فأخبروه بأمر ~~الطوفان وبعده بذكر النار التي تخرج من برج الأسد تحرق العالم ، فذكروا له ~~أن ذلك يكون في وقت عينوه له من مقارنات النجوم ونزولها في الأبراج على ما ~~حرروه من الدقائق ، وشرحه إبراهيم في كتابه مما لا فائدة لنا في ذكره . قال ~~: فلما تبين ذلك له أمر بقطع الأساطين العظام ونشر البلاط الكبير المصفح ، ~~واستخراج الرصاص من أرض المغرب ، وإحضار الصخور السود التي جعلها أساسا من ~~ناحية أسوان ، وكانت تحمل على أطواف . وقيل : كانت لهم فراقل من خوص لها ~~عذب وعليها كتابة منقوشة ، فكانوا إذا ضربوا بها الحجارة ms2836 عدت على وجه الأرض ~~وحدها مقدار رمية سهم حتى وضعت الأساسات . وأمر أن يزبر على البلاط المنشور ~~المهندم جميع علومهم . ثم بنى الأهرام الثلاثة الأول : الشرقي والغربي ، ~~والملون ، فكانوا يجعلون في وسط البلاطة قلب حديد قائما ويركبون عليه بلاطة ~~أخرى مثقوبة الوسط ، ثم يدخل ذلك القلب الحديد في ثقب البلاطة التي تطبق ~~عليه ، ويذاب الرصاص ويصب PageV15P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" حول البلاطة بعد أن تؤلف الكتابة التي عليها . ~~وجعل أبوابها من تحت الأرض بأربعين ذراعا في آزاج مبنية بالحجارة في الأرض ~~، طول كل أزج مائة وخمسون ذراعا . قال : فأما باب الهرم الشرقي فإنه من ~~الناحية الجنوبية على قياس مائة ذراع من وسط حائط الهرم إلى الناحية ~~الجنوبية ، ويحفر حتى ينزل إلى باب الأزج ثم يدخل إليه منه . وأما باب ~~الهرم الغربي فمن الناحية الغربية يقاس أيضا من وسط الحائط الغربي إلى ~~الغرب مائة ذراع ، ويحفر حتى ينزل إلى باب الأزج المبني ويدخل منه إليه . ~~وأما باب الهرم الملون فمن الناحية البحرية يقاس أيضا من وسط الحائط البحري ~~مائة ذراع ، ويحفر حتى ينزل إلى باب الأزج . وجعل طول كل واحد منها ~~أربعمائة ذراع بالملكي ، يكون خمسمائة بذراعنا . وجعل تربيع كل واحد ~~أربعمائة ذراع . وبناها في الاستواء إلى أربعين ذراعا ثم هرمها . وكان أول ~~بنائهم لها في أوقات السعادة ، فلما فرغ منها كساها ديباجا ملونا من أعلاها ~~إلى أسفلها ، وعمل لها عيدا عظيما لم يبق في المملكة أحد إلا حضره . ثم أمر ~~بعمل ثلاثين جرنا من حجارة الصوان ملونة فجعلت في الهرم الغربي ، ونقل ~~إليها من الكنوز والأموال والجواهر المعدنية ، والجواهر المسبوكة الملونة ، ~~والآلات الزبرجد ، والتماثيل المعمولة والطلسمات ، والحديد الفاخر ، ~~والسلاح الذي لا يصدا ، والزجاج الذي ينطوي ولا ينكسر ، والنواميس ~~والمولدات والدخن وأصناف العقاقير والمؤلفات والسموم وغير ذلك شيئا كثيرا ~~لا يدرك وصفه . ونقل إلى الآخر وهو الشرقي أصنام الكواكب والقباب الفلكية ، ~~وما عمل أجداده من التماثيل والدخن التي يتقرب بها لها ومصاحفها ، وما عمل ~~لها من التواريخ والحوادث التي مضت ، والحوادث التي ms2837 تحدث ، والأوقات التي ~~تحدث فيها ، ومن يلي مصر من الملوك إلى آخر الزمان ، وكون الكواكب الثابتة ~~وما يحدث بكونها وقتا وقتا ، وجعل فيها المطاهر التي فيها المياه المدبرة ~~والبودقات الدهنية وما أشبه هذه الأشياء . وجعل في الهرم الآخر أجساد ~~الكهنة في توابيت من الصوان الأسود ، وعند كل كاهن منهم مصحف فيه عجائب ~~صناعته وسيرته وما عمل في وقته . وكانوا سبع مراتب . فالمرتبة الأولى ~~القاطرون ، وهم الذين يعبدون الكواكب السبعة لكل كوكب سبع سنين ، ومعنى ~~القاطرون جامع PageV15P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" العلوم . والمرتبة الثانية لمن يعبد ستة من ~~الكواكب ، وهم اللاحقون بالدرجة الأولى . ثم يسمون صاحب الخمسة وما دونها ~~كل واحد باسم ، فجعل في كل ناحية من الهرم مرتبة من هذه المراتب ، فأجسادهم ~~هناك وما عملوا من العجائب . وجعل في الحيطان من كل جانب مما يدور أصناما ~~تعمل بأيديها جميع الصنائع على مراتبها وأقدارها ، وصفة كل صنعة وعلاجها ~~وما يصلح لها ، وكذلك أصحاب النواميس ومن عالج شيئا من الأشياء وجعل فيها ~~أموال الكواكب التي أهديت إليها الكواكب وأموال الكهنة . وجعل لكل هرم منها ~~خادما ، فخازن الهرم الشرقي صنم من جزع أسود مجزع بأسود وأبيض له عينان ~~مفتوحتان براقتان وهو جالس على كرسي ، ومعه شبيه بالحربة ، إذا نظر إليه ~~الناظر سمع من جهته صوتا كالرعد يكاد يفزع قلبه ، فيهيم على وجهه ويختلس ~~عقله ، ولا يكاد يفارق الهرم حتى يموت فيه . وجعل خازن الهرم الآخر من حجر ~~الصوان المجزع ، معه شبيه بالحربة ، وعلى رأسه حية تطوق بها ، من قرب منه ~~وثبت عليه من ناحيته وتطوقت في عنقه فقتلته ثم تعود إلى مكانها . وجعل خازن ~~الهرم الثالث صنما صغيرا من حجر البهتة على قاعدتيه ، من نظر إليه اجتذبه ~~إليه حتى يلتصق به فلا يفارقه حتى يموت . فلما فرغ من ذلك حصنها بالأرواح ~~وذبح لها الذبائح لتمنع عن نفسها من أرادها إلا من قرب إليها وعمل لها ~~أعمال الوصول فإنه يصل إليها . قال : وذكر القبط أنه كتب عليها اسم الملك ~~والوقت الذي بناها فيه ، ويقول : إنا ms2838 بنيناها في ست سنين فقل لمن يأتي ~~بعدنا يهدمها في ستمائة سنة فإن الهدم أهون من البنيان . وإنا كسوناها ~~الديباج الملون المذهب المرقوم بالذهب فقل لمن يأتي بعدنا يكسوها حصيرا . ~~فنظروا فوجدوا أحدا لا يقوم بهدمها وكسوتها لأنه لا يستطاع ذلك ولا يقدر ~~عليه . قال : وحكى عن هذه الأهرام عجائب يطول الشرح بذكرها ؛ منها أن ~~المأمون لما دخل إلى مصر أحب أن يهدم أحدها ليعلم ما فيها ، فقيل له : إنك ~~لا تقدر على PageV15P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" ذلك . فقال : لا بد من فتح شيء منه . فعولجت ~~الثلمة المفتوحة منه فأنفق عليها مالا كثيرا لنار توقد وخل يرش ومنجنيقات ~~ترمي بها ، فوجد عرض الحائط قريبا من عشرين ذراعا . فلما انتهوا إلى داخل ~~الهرم وجدوا خلف الحائط عند النقب مطهرة خضراء فيها ذهب مضروب دنانير ، وزن ~~كل دينار أوقية من أواقينا ، وكان عددها ألف دينار ، فعجبوا من ذلك ولم ~~يعرفوا ما معناه ، ثم أتى المأمون بالذهب والمطهرة فجعل يتعجب من الذهب ~~وحسنه وجودته وحمرته ، فقال : ارفعوا لي حساب ما أنفقتموه على هذه الثلمة ~~ففعلوا ، فوجده بإزاء المال الذي أصابوه لا يزيد ولاينقص . فعجب المأمون من ~~معرفتهم على طول المدد بأنهم سيفتحونه من ذلك الموضع بعينه ، ومعرفتهم ~~بمقدار ما ينفق عليه وتركهم مقداره في موضعه ، فقال : كان هؤلاء القوم من ~~العلوم بمنزلة لا ندركها نحن ولا أمثالنا . وقيل : إن المطهرة التي وجد ~~فيها الذهب كانت من زبرجد ، فأمر المأمون بحملها إلى خزانته ، وكانت أحد ما ~~حمل من عجائب مصر . ومن عجائب أخبارها أن المأمون لما فتح الهرم أقام الناس ~~سنين يقصدونه ويدخلون فيه وينزلون الزلاقة التي فيه ، فمنهم من يسلم ومنهم ~~من يهلك . وأن جماعة من الأحداث اهتموا ، وكانوا عشرين رجلا ، على أن ~~يدخلوا الهرم ولا يبرحوا منه حتى يقفوا على منتهى أمره ، فاخذوا معهم من ~~الطعام والشراب ما يكفيهم لشهرين ، وأخذوا السكك والحبال والشمع والوقيد ~~والفئوس والقفاف ودخلوا الهرم ، ونزل أكثرهم في الزلاقة الأولى والثانية ، ~~ومضوا في أرض الهرم فرأوا فيه PageV15P0023 # """""" صفحة رقم ms2839 24 """""" خفافيش بقدر العقبان تضرب وجوههم ، فانتهوا ~~إلى لصب في حائط تخرج منه ريح باردة لاتفتر ، فذهبوا ليدخلوا فانطفأت سرجهم ~~، فجعلوها في زجاج وذهبوا ليدخلوا فكاد اللصب ينطبق عليهم فهابوه فقال ~~أحدهم : اربطوا وسطي بحبل وأنا أدخل ، فإذا كاد اللصب ينطبق فجروني إليكم ، ~~وكان على باب اللصب ، أجرته فارغة يعلمون أن أجساد موتاهم داخل ذلك اللصب ~~فربطوه بالحبل ، فلما تقحم اللصب انطبق عليه فجره أصحابه فلم يقدروا على ~~نزعه وسمعوا عظامه تتكسر ، وسمعوا صيحة هائلة فسقطوا على وجوههم لا يعقلون ~~. فلما أفاقوا طلبوا الخروج فأخرجهم أصحابهم بشدة ، وسقط بعضهم في وقت ~~صعودهم من الزلاقة فنزل ، وخرجوا من الهرم فجلسوا في سفحه متعجبين ، فإنهم ~~كذلك إذا أخرجت لهم الأرض صاحبهم يتكلم بكلام كاهني فسره لهم بعض أصحاب ~~الديارات بالصعيد : هذا جزاء من يطلب ما ليس له ؛ ثم سقط ميتا ، فحملوه ~~وفطن بهم فاخذوا وأتى بهم إلى الوالي فحدثوه بالخبر . وفي خبر آخر : أن ~~قوما دخلوا الهرم وانتهوا إلى أسفله وطوفوه فعرض لهم مثل الطريق فساروا فيه ~~فوجدوا قبة تحتها كالمطهرة يقطر فيها ماء فينش ثم يغيض ولم يدروا ما هو ، ~~ووجدوا موضعا كالمجلس المربع حيطانه كلها بحجارة ملونة عجيبة ، فقلع أحدهم ~~منها حجرا وجعله في كمه فانسدت أذناه من الريح ، ولم تزل تصر وهو معه ، ~~ووجدوا مكانا كالفوارة العظيمة فيها ذهب مضروب كثير يكون الدينار منه زهاء ~~مائة مثقال ، فأخذوا منه شيئا فلم يستطيعوا أن يمشوا ولم يتحركوا حتى تركوه ~~من بين أيديهم . ووجدوا في مكان آخر كالصفة فيها شيخ من حنتم أخضر كأنه ~~مشتمل بشمله ، وبين يديه تماثيل صغار في صور الصبيان وكأنه يعلمهم ، فاخذوا ~~منه شيئا فلم يقدروا أن يتحركوا فردوه ، ومشوا أيضا في ذلك الطريق فوجدوا ~~بيتا PageV15P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" مسدودا فيه دوي هائل وزمزمة فلم يتعرضوا له ، ~~ومضوا فوجدوا كالمجلس المربع فيه صورة ديك من جواهر معمولة ، قائم على ~~أسطوانة خضراء ، وله عينان يسرج منهما المجلس ، فلما قربوا منه صوت بصوت ~~مفزع وخفق بجناحيه ، فتركوه ومضوا حتى ms2840 بلغوا صنما من حجر أبيض في صورة ~~امرأة منكسة على رأسها ومن جانبيها أسدان من حجارة كأنهما يريدان نهسها ، ~~فجعلوا يتعوذون ويقرءون إلى أن جاوزوها . قال : وقيل إنهم مشوا حتى لاح لهم ~~نور فاتبعوه فإذا بفوهة مفتوحة فخرجوا منها فإذا هم في صحراء ، وإذا على ~~باب تلك الفوهة تمثالان من حجر أسود معهما كالمزراقين فعجبوا من ذلك . ~~ووجدوا أجرنه منقورة وأسطوانات مخروطة ، فساروا منها بعدا فانتهوا إلى ماء ~~وجدوه في نقار حذاء تلك الفوهة ، واخذوا نحو المشرق فساروا يوما حتى وصلوا ~~الأهرام من خارج فأخبروا والي مصر بخبرهم ، فوجه معهم من يدخل من تلك ~~الفوهة ، فطافوا فلم يجدوها وأشكل عليهم أمرها . ووجد الآخذ للحجر الحجر ~~جوهرا نفيسا فباعه بمال . قال : وحكى أن قوما في زمن أحمد بن طولون دخلوا ~~الهرم فوجدوا في طاق في أحد بيوته أستاندانة زجاجا ثخينة فأخذوها وخرجوا ، ~~ففقدوا رجلا منهم فدخلوا في طلبه ، إذ خرج عليهم الرجل عريانا يضحك ويقول : ~~لا تتعبوا في طلبي ، ورجع هاربا إلى أن دخل ، فعلموا أن الجن استهوته وشاع ~~أمرهم ، فاخذوا الاستاندانة منهم ومنع الناس من الدخول إلى الهرم ، ووزنت ~~الأستاندانة فكانت أربعة أرطال زجاجا أبيض صافيا ، فانتبه رجل من أهل ~~المعرفة لها وقال : لم تعمل إلا لشيء ، وملأها ماء ووزنها فوجد وزنها وهي ~~ملأى مثل وزنها فارغة لا تزيد ولا تنقص فكانت أعجوبة . وحكى أن قوما دخلوا ~~الهرم ومعهم من يريدون يعبثون به ، فلما هموا بذلك خرج عليهم غلام أسود ~~أمرد في يده عصا فأخذ في ضربهم ، فخرجوا هاربين وتركوا ما كان معهم من طعام ~~وشراب وبعض ثيابهم . PageV15P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" وحكى أن رجلا دخل بامرأة ليفجر بها فصرعا ~~جميعا ولم يزالا مجنونين مشهورين حتى ماتا . قال : وفي بعض مصاحف القبط أن ~~سوريد الملك لما أخبره كهنته بخبر النار المحرقة وأنها تخرج من برج الأسد ~~فتحرق العالم ، عمل في الأهرام مسارب موجهة إلى آزاج ضيقة تجتلب الرياح إلى ~~داخل بصوت هائل . وعمل فيها مسارب يدخل منها ماء النيل ينتهي إلى ms2841 موضع من ~~أرض الغرب وأرض الصعيد ، وملا تلك الأسراب عجائب وطلسمات وأصناما تنطق . ~~قال : وحكى بعض القبط أن سوريد لما أخبره منجموه قال : انظروا لبلدنا هذا ~~هل تلحقه آفة ؟ فنظروا فقالوا : يلحقه طوفان ويلحقه خراب يقيم فيه عدة سنين ~~وتغلب عليها التنانين . قال : كيف يكون خرابها ؟ قالوا : يقصدها ملك فيقتل ~~أهلها ويغنم مالها ويهدم مصانعها . قال : ثم ماذا ؟ ثم تكون عمارتها من ~~قبله . قال : ثم ماذا ؟ قالوا : ثم يقصدها قوم مشوهون من ناحية مصب النيل ~~فيأتون على أكثرها . قال : ثم ماذا ؟ قالوا : ثم ينقطع نيلها ويجلو أهلها ~~عنها ؛ فأمر أن يكتب جميع ذلك على الأهرام . قال : وذكر رجل من أهل الغرب ~~ممن يختلف إلى ألواح ويحمل الشمار على جمل له أنه بات في بعض الليالي قرب ~~الهرم فما زال يسمع الضوضاء والعطعطة فهاله ذلك وتباعد عنه بجمله ، وكان ~~يرى حول الهرم شبه النيران تأتلق ، فلم يزل مرعوبا إلى أن سرقته عيناه فنام ~~وأصبح وهو في الموضع الذي جمع منه الشمار وشماره موضوع بحاله ، فتعجب من ~~ذلك وشد شماره على جمله ورجع إلى الفسطاط وآلى على نفسه ألا يقرب من الهرم ~~بعد ذلك . PageV15P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" قال : والقبط يذكرون أن روحانية الهرم الغربي ~~في صورة امرأة عريانة مكشوفة الفرج حسناء لها ذؤابتان ، فإذا أرادت أن ~~تستفذ الإنسي ضحكت إليه فاختلسته إلى نفسها فيدنو منها فتستهويه ويزول عقله ~~. قال : وقد رأى جماعة هذه المرأة تدور حول الهرم وقت القائلة وعند غروب ~~الشمس . وروحانية الهرم الشرقي غلام أمرد أصفر عريان له ذؤابة . قال : وقد ~~رأوه أيضا يطوف حوله . وروحانية الهرم الملون في صورة شيخ يرى عليه برطلة ~~وفي يده مجمرة من مجامر الكنائس وهو يبخر كذلك في جميع الأفروثنات . وأما ~~روحانيات البرابي : فبربا إخميم روحانيتها غلام أسود عريان ، وروحانية بربا ~~قفط في صورة جارية سوداء تحمل صبيا أسود صغيرا . وروحانية بربا دندرة في ~~صورة إنسان رأسه رأس أسد وله قرنان . وروحانية بربا بوصير في صورة شيخ أبيض ~~عليه زي الرهبان ومعه مصحف يحمله ms2842 . وروحانية بربا سمنود في صورة شيخ آدم ~~طوال أشيب صغير اللحية . وروحانية بربا عدى في صورة راع عليه كساء ومعه عصا ~~. وهذه البربا في أعمال المرتاحية من عمل أشمون طناح بقرب PageV15P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" تلبانة عدي . قال : ولكل من هذه الأهرام ~~والبرابي قرابين وبخورات تظهر كنوزها وتؤلف بين الناس والروحانيين الذين ~~بها . ولنرجع إلى أخبار الملوك قال : وأقام سوريد في الملك مائة سنة وسبع ~~سنين ، وقد كان منجموه عرفوه الوقت الذي يموت فيه واليوم والساعة ، فأوصى ~~إلى ابنه هرجيب وعرفه ما يعمل ، وأمره أن يدخل جسده الهرم ، وأن يجعله في ~~الجرن الذي أعده لنفسه وبغشيه بكافور ، ويحمل معه ما أعده من فاخر الثياب ~~والسلاح والآلات ، فامتثل جميع ما أمره به . ولما مات ملك بعده ابنه هرجيب ~~بن سوريد فسار بسيرة أبيه في العدل والعمارة والرأفة بالناس ، فاحبوه . ~~وبنى الهرم الأول من أهرام دهشور وحمل إليه من المال والجوهر . وكان غرضه ~~جمع المال وعمل الكيمياء واستخراج المعادن ودفن ما تهيأ له من الكنوز في كل ~~سنة . وكانت له ابنة أفسدت مع بعض خدمه فنفاها إلى ناحية الغرب ، وأمر أن ~~تبنى لها مدينة هناك ويقام عليها علم ويزبر عليها اسمها ، وأسكن معها كل ~~امرأة مسنة من أهل بيته . قال : وشج رجل رجلا فأمر بقطع أصابعه ، ووجد ~~سارقا من العامة رقه الذي سرق منه ، وعمل منارات ومصانع وطلسمات ، وملكهم ~~نيفا وسبعين سنة . وملك عليهم بعده ابنه منقاوش بن هرجيب وكان جبارا أثيما ~~فآذى الناس وسفك الدماء واغتصب النساء واستخرج كنوز آبائه ، وبنى قصورا ~~بالذهب والفضة وأجرى فيها الأنهار ، وجعل حصباءها من صنوف الجواهر ، وتخرق ~~في الهبات وأغفل العمارات فأبغضه الناس ، وأباح أصحابه غصب نساء العامة ، ~~وأطاف به أهل الشر من كل ناحية ، وكان يفترع الناس قبل أزواجهن ، وامتنع ~~عليه قوم في شيء أمرهم به فأحرقهم بالنار ، وسلط رجلا من الجبارين اسمه ~~قرناس من ولد ورداديس بن آدم على الناس ووجهه لمحاربة الأمم الغربية فقتل ~~منهم أمما . وكان أشجع أهل زمانه ثم هلك ، فاغتم ms2843 عليه الملك أمر أن يدفن مع ~~الملوك في الهرم . ويقال : بل عمل له ناووسا وأقام PageV15P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" عنده أعلاما وزبر عليها اسمه وما عمله في وقته ~~. وملك منقاوش ثلاثا وسبعين سنة ومات ، فجعل في الهرم مع أجداده في حوض ~~مرمر مصفح بالذهب والجوهر ، وحمل معه كثير من ذخائره وأمواله وسلاحه ~~وعجائبه . وملك بعد ابنه أقروش بن منقاوش ، وكان عاقلا فخالف آثار أبيه ~~وعدل في الناس ورد النساء اللاتي غصبهن منقاوش إلى أهلهن . وعمل في وقته ~~فوارة قطرها مائة ذراع وطولها خمسون ذراعا ، وركب في جميع جوانبها أطيارا ~~تصفر بأصناف اللغات المطربة لا تفتر . وعمل في وسط المدينة منارتين من صفر ~~عليهما صورة رأس إنسان من صفر كلما مضت ساعة من النهار صاح ذلك الرأس صياحا ~~عاليا ، وكذلك الليل ، فيعلم به دخول الساعات ، وجعل فيه علامة لكل ساعة ~~تمضي تعرف بها عدتها . وعمل منارا آخر وجعل على رأسه قبة صفر مذهب ولطخها ~~بلطوخات ، فإذا غربت الشمس اشتعلت تلك القبة نارا يضيء بها أكثر المدينة لا ~~تطفئها الأمطار ولا الرياح ، فإذا كان النهار قل ضوءها بضوء الشمس . ويقال ~~: إنه أهدى الدرمسيل بن محويل الملك ببابل مائدة من الزبرجد قطرها خمسة ~~أشبار ، وكان استهداه ذلك ليجعلها في بيت القربان . ويقال إنها وجدت بعد ~~الطوفان . ويقال أيضا : إنه عمل على الجبل الشرقي صنما عظيما قائما على ~~قاعدة وهو مصبوغ بلطوخ أصفر مصور بالذهب ووجهه إلى الشمس يدور معها حتى ~~تغرب ، ثم يدور ليلا إلى الناحية الجنوبية حتى يحاذي الشمس مع الصبح ، فلم ~~يزل إلى أن سقط في أيام فرغان الملك فتهشم . وكان نصبه تعظيما للشمس . ~~ويقال : إن أقروش كان يطلب الولد فنكح ثلاثمائة امرأة يبتغي الولد منهن فلم ~~يكن ذلك . وقيل : إن في عصره عقمت الأرحام لما أراد الله عز وجل من هلاك ~~العالم بالطوفان ، وعقمت أرحام البهائم ووقع الموت فيها . وقيل إن الأسد ~~كثرت في وقته حتى كانت تتخلل البيوت ، فاحتالوا لها بالطلسمات المانعة ~~والحيل المضرة لها ، فكانت تغيب وقتا وتعود ، فرفعوا ms2844 ذلك إلى الملك فقال : ~~هذه علامة مكروهة ، وأمر أن تعمل أخاديد وتملا نارا واجتروا إليها ~~PageV15P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" الأسد بالدخن التي تجلب روحانيتها وألقوها على ~~تلك النيران ، فاجتلبتها تلك الدخن فتهافتت في تلك النيران فاحترقت . وبنى ~~في وقته مدائن في ناحية الغرب تلفت بالطوفان مع أكثر مدنهم . قال : وارتفعت ~~الأمطار عنهم وقل الماء في النيل فأجدبوا ، وهلك الزرع بالنار والريح ~~الحارة وغيرها ، فأضر ذلك بهم ، فاحتالوا لدفع النار بطلسماتهم فكانت تذهب ~~وتعود . وقيل : إن الذي فعل بهم ذلك ساحر من سحرتهم كان منقاوش غضبه امرأته ~~فكان يعمل الحيلة قللا قليلا في إفساد طلسماتهم ؛ لان لكل طلسم شيء تبطل به ~~روحانيته . وبهذه العلة دخل بختنصر الفارسي مصر وقد كانت ممتنعة من جميع ~~الملوك . فلما أفسد ذلك الساحر الطلسمات ، سلط عليهم تلك الآفات وأفسد ~~طلسمات التماسيح فهاجت عليهم ومنعتهم الماء وعذبهم عذابا كبيرا إلى أن ~~فطنوا من قبل تلاميذه ؛ وذلك أن أحدهم لامه على فعله فانتهره ونفخ في وجهه ~~فأظلم عليه بصره ، فجاء إلى وزير الملك وعرفه القصة فأنهاها إلى الملك ، ~~فأمر الملك بإدخاله عليه فأدخل ، فسأله عن الخبر فعرفه بفعل الساحر ، فأنفذ ~~إليه جيشا ليأتوه به ، فلما نظر الساحر إلى القوم وقد أقبلوا دخن دخنة أغشت ~~أبصارهم وارتفعت منها عجاجة نار أحرقت وحالت بينه وبينهم ، فهالهم ذلك ، ~~فرجعوا إلى الملك وعرفوه ما جرى فأمر بجمع السحرة ، وكان من رسم السحرة أن ~~يعاهدوا ملوكهم على أن يكونوا معهم ولا يخالفونهم ولا ينالهم منهم مكروه ~~ولا يبغونهم الغوائل ، فمن فعل ذلك سلب علمه ، وكان للملك أن يسفك دمه ودم ~~أهل بيته وولده ، وكانوا مع الملوك على هذه الحال يوفون بعهودهم . فلما ~~اجتمع السحرة عند الملك أخبرهم خبر الساحر ، وكان يقال له : أختاليس ، وبما ~~عمله وقال : تحضرونه إلي وإلا أهلكتكم ؛ فسألوه النظرة فأنظرهم ، فاخذوا ~~أولادهم ونساءهم وخرجوا هاربين ، فلما خرجوا عنه تكلموا بينهم وقالوا : ~~إنكم لتعرفون كثرة علم أختاليس وشدة سحره ، وما نرى لنا به طاقة ، ومنقاوش ~~الملك الذي نقض عهده وتعدى عليه وأخذ ms2845 امرأته غصبا ، فاحتالوا لخلاصكم منه ؛ ~~فأجمعوا أنهم يصدقون الملك عن أنفسهم ، ويستأذنونه في الذهاب إليه ومداراته ~~حتى يأتوه به بعد أن يأخذوا له أمانا منه ويجدد العهد بينه وبينه . فمضوا ~~إلى الملك وصدقوه عن أنفسهم ، فأجابهم إلى ما سألوه من ذلك ، ثم مضوا إلى ~~أختاليس فلطفوا به ووعظوه إلى أن أجابهم إلى ما أرادوا ، فكتبوا إلى الملك ~~بذلك ، PageV15P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" فكتب للساحر أمانا وعهدا ، فرجع وردت إليه ~~امرأته ، فأكرمها وردها إلى دار الملك ، وعرفهم أنه لا يرى في ذمته أن ~~يلابس امرأة لابسها الملك على حال من الأحوال لما كانوا يراعونه من حقوق ~~الملك ، فسر الناس بذلك وعجبوا من عقله وحكمته ، وصلح أمر الناس ، وعمل ~~أختاليس طلسمات وعجائب كثيرة . قال : وملكهم أقروش أربعا وستين سنة ، وهلك ~~وليس له ولد ولا أخ ، فدفن في الهرم وجعلت معه أمواله وذخائره وجواهره ~~والصنائع التي عملت في وقته ، واجتمع الناس على تمليك رجل من أهل بيت الملك ~~. فملكوا عليهم أرمالينوس ، فلما ملك أمر بجمع الناس وقال : أرى الأمم ~~الغربية قد تطرقت إليكم في نواحيكم ، ويوشك أن تسير إليكم ، وأنا مانع ~~لبلادكم ودمائكم منهم بغزوهم والخروج إليهم وتحويلكم إياهم ، وأحتاج إلى ~~معونة من حكمائكم بالأعمال الهائلة والتخابيل العجيبة ، فشكروه ودعوا له ~~بالتوفيق . وقالت الحكماء : نحن نخرج مع الملك إذا خرج ونبلغ له مجابه أو ~~يقيم ونحن نخرج مع الجيش مكانه ونبذل أنفسنا دونه . فامتنع من ذلك وخرج في ~~جيش عظيم وحارب تلك الأمم ونكأ فيها أعظم نكاية ، ورجع غانما وخلف في ~~وجوههم جيشا ، فاجتمعت تلك الأمم فهزمت جيشه ورجع أصحابه مغلوبين فعظم ذلك ~~عليه . وكانت أصابته علة من تغير الهواء فأنفذ ابن عم له يقال له فرعان بن ~~مسور ، وكان أحد الجبابرة الذين لا يطاقون ، وهو أول فرعون تسمى بهذا الاسم ~~ومن سمى بعده سمي تشبيها به ؛ فأنفذه الملك أرمالينوس في جيش عظيم فأجلى ~~تلك الأمم ونفاها إلى أطراف البحر ، وعاد ومعه خلق كثير من الأسرى والرءوس ~~، فأمر الملك بنصب تلك الرءوس حول مدينته ms2846 وقتل جميع الأسرى . وكان منهم ~~كاهن فأمر الملك أن يوشر بمنشار ، وهو أول من فعل ذلك ، فأعلم الملك فرعان ~~وألبسه خلعا منظومة بالجوهر ، وأمر بأن يطاف به ويذكر فضله ، وأمر له ببعض ~~قصوره . واتفق أن امرأة من نساء الملك عشقته وراسلته فامتنع فرغان من ذلك ~~وفاء للملك ، ولأن التحظي إلى نساء الملوك كان من الأمور العظيمة عندهم . ~~فلما طال ذلك عليها أحضرت ساحره ولاطفتها وذكرت لها حالها ووجدها بفرعان ، ~~فضمنت لها بلوغ مآربها منه وسحرته لها ، فاهتاج إليها وندم على ردها وجعل ~~يدس إليها إلى أن اجتمعت معه ، وتمكن حب كل واحد منهما من صاحبه ، إلى أن ~~ذاكرته أمر الملك PageV15P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" وأنها لا تأمن أن يتصل به خبرهما وقالت : أنا ~~أعمل الحيلة في قتله وتكون أنت الملك وأكون لك ونأمن على أنفسنا . فمن شدة ~~ما عنده من حبها حسن لها ذلك ، فسمت الملك في شرابه فمات لوقته وحمل إلى ~~الهرم . وملك بعده فرعان بن مسور وجلس على سرير الملك فلم ينازعه أحد ، ~~وفرح الناس بمكانته لشجاعته . وهو الذي كان الطوفان في وقته . قال : ولما ~~ملك علا في الأرض وتجبر واغتصب الناس أموالهم وأنفسهم ونساءهم ، وعمل ما لم ~~يعمله ملك قبله ؛ وأسرف في القتل وهابته الملوك وأقروا له . وهو الذي كتب ~~إلى الدرمسيل ملك بابل يشير عليه بقتل نوح عليه السلام . وذلك أن الدرمسيل ~~بن محويل كتب إلى الأقاليم يسألهم : هلى يعرفون آلهة غير الأصنام ؟ ويذكر ~~قصة نوح وأنه يريد تغيير ذلك ، وأن له إلها غيرها ، فكل أنكر ذلك . ولما ~~اخذ نوح في بناء السفينة كتب فرعان إلى الدرمسيل يشير عليه بإحراقها ، وكان ~~عند أهل مصر خبر الطوفان ولكنهم لم يقدروا كثرته وطول مقامه على الأرض ، ~~فاتخذوا السراديب تحت الأرض وصفحوها بالزجاج وحبسوا فيها الرياح بتدبيرهم ، ~~واتخذ فرعان منها عدة له ولأهل بيته . وكان فرعان قد أقصى الكهان وباعدهم ، ~~وكانوا مع الملوك على خلاف ذلك . ولنصل هذا الخبر بخبر الكهان وما كانوا ~~عليه . ذكر خبر كهان مصر وحالهم مع ms2847 الملوك قال : وكهان مصر أعظم الكهان ~~علما ، وأجلهم في الكهانة حديثا . وكان حكماء اليونان يصفونهم بذلك ، ~~ويشهدون لهم به ويقولون : أخبرنا حكماء مصر بذلك فاستنفدناه منهم . وكانوا ~~ينحون في كهانتهم نحو الكواكب ، ويزعمون أنها هي التي تفيض عليهم العلوم ~~وتخبرهم بالغيوب ، وهي التي علمتهم أسرار الطبائع ، ودلتهم على العلوم ~~المكنونة ؛ فعملوا الطلسمات المشهورة ، والنواميس الجليلة ، وولدوا ~~الولادات الناطقة ، والصور المتحركة ؛ وبنوا العالي من البنيان ، وزبروا ~~علومهم في الصلب من الصوان ، وانفردوا بعمل البرابي ، ومنعوا بها الأعداء ~~من بلدهم ، وعجائبهم ظاهرة . وكان الذي يتعبد منهم الكواكب السبعة المدبرة ~~لكل كوكب سبع سنين ، فإذا بلغ هذه الرتبة سمى قاطرا ، وكان يجلس مع الملك ~~في المرتية ويصدر الملك عن رأيه ، وإذا رآه قام له . PageV15P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" وكان من رسمهم في كل يوم أن يدخل القاطر إلى ~~الملك فيجلس إلى جانبه ، ويدخل الكهنة ومعهم أصحاب الصناعات فيقفوا حذاء ~~القاطر ، وكل واحد من الكهنة منفرد يكوكب يخدمه لا يتعداه إلى سواه ، ويسمى ~~عبد كوكب كذا ، كما كانت العرب تسمى عبد شمس ، فيقول القاطر للكاهن : أين ~~صاحبك ؟ فيقول : في البرج الفلاني في الدرجة الفلانية في دقيقة كذا ، ويسأل ~~الآخر حتى إذا عرف مستقر الكواكب قال للملك : ينبغي لك أن تعمل اليوم كذا ، ~~وتضع بنيان كذا ، وتوجه جيشا إلى ناحية كذا ، وتجامع في وقت كذا ، وتأكل في ~~وقت كذا ، وجميع ما يراه صلاحا له في أموره كلها ؛ والكاتب قائم يكتب جميع ~~ما يقوله القاطر ، ثم يلتفت إلى أهل الصناعات فيقول : انقش أنت صورة كذا ~~على حجر كذا ، واغرس أنت كذا ، واصنع أنت كذا ، حتى يمر على أهل الصناعات ؛ ~~فيخرجون إلى دار الحكمة ويضعون أيديهم في تلك الأعمال ، ويستعمل الملك جميع ~~ما يأمره القاطر . ويشرح ذلك اليوم في الصحيفة وتطوى وتودع في خزانة الملك ~~، فعلى ذلك كانت تجري أمورهم . وكان الملك إذا نابه أمر جمعهم واصطف الناس ~~لهم في شارع المدينة ، ثم يدخلون ركبانا يقدم بعضهم بعضا ، ويضرب بين ~~أيديهم بطبل الاجتماع ، فيدخل كا واحد منهم بأعجوبة ms2848 : فمنهم من يعلو وجهه ~~نور كنور الشمس فلا يقدر أحد على النظر إليه ، ومنهم من يكون عليه بدنة ~~جوهر أخضر أو أحمر من ذهب منسوج . ومنهم من يدخل راكبا أسدا متوشحا بحيات ~~عظام . ومنهم من تكون عليه قبة من نور أو من جوهر في صنوف من العجائب كثيرة ~~. ويصنع كل واحد منهم ما يدله عليه كوكبه الذي يعبده ؛ فإذا دخلوا على ~~الملك قالوا : أرادنا الملك لأمر كذا وقد علمنا ، أو أضمر الملك كذا ~~والصواب فيه كذا . فكانوا مع ملوكهم على هذه الحال حتى ملك فرعان فأبعدهم . ~~وكان فليمون رئيس الكهان ، فرأى فيما يرى النائم كأن مدينة أمسوس قد انقلبت ~~بأهلها ، وكأن الأصنام تهوي على روءسها ، وكأن ناسا ينزلون من السماء معهم ~~مقامع فيضربون الناس بها ، وكأنه قد تعلق بأحدهم وقال له : مالكم تفعلون ~~بالخلق هذا أما ترحمونهم ؟ فقال : لأنهم كفروا بإلههم . قال : أفما لهم من ~~خلاص ؟ قالوا : نعم ، من أراد الخلاص فليلحق بصاحب السفينة ، فانتبه وهو ~~يخاطبه ، فبقي PageV15P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" مرعوبا مما رآه . وكان له امرأة وولدان ذكر ~~وأنثى ومعه تلاميذه ، فأجمع على أن يلحق بنوح عليه السلام ، ثم نام أيضا ~~فرأى كأنه في روضة خضراء ، وكأن فيها طيورا بيضاء تفوح منها رائحة طيبة ، ~~وكأنه تعجب من حسنها إذ تكلم بعض الطيور فقال لأصحابه : سيروا بنا ننج ~~المؤمنين . قال له فليمون ومن هؤلاء المؤمنون ؟ قال : أصحاب السفينة . ~~فانتبه مرعوبا وأخير أهله وتلاميذه بذلك ثم نام . فلما كان الغد أتى الملك ~~فقال : إن رأى الملك أن ينفذني إلى درمسيل لأعرف حال هذا الرجل الذي عمل ~~السفينة فأشاهده أناظره على ما جاء به من هذا الدين الذي أظهره وأتبين ~~حقيقة أمره فليفعل ؛ فإني أرجو أن يكون ذلك سببا لهلاكه ودفعه عما يدعيه ، ~~فاعجب الملك ذلك منه وأذن له في الخروج ، فسار بأهله وولده وتلاميذه حتى ~~انتهوا إلى أرض بابل وقصد نوحا وسأله أن يشرح له دينه ففعل ذلك ، فآمن به ~~وجميع من معه ، فقال نوح عليه السلام : من أراد الله عز ms2849 وجل به الخير لم ~~يصدفه أحد عنه . فلم يزل فليمون مع نوح عليه السلام يخدمه هو وولده ~~وتلاميذه إلى أن ركبوا السفينة . وأما فرعان الملك فإنه أقام منهمكا في ~~ضلاله وظلمه ، مقبلا على لهوه ، واستخف بالكهنة والهياكل ، وضاقت الدنيا ~~بأهلها ، وكثر الهرج والظلم ، وفسدت الزروع ، وأجدبت النواحي ، وظلم الناس ~~بعضهم بعضهم بعضا ، ولم يكن أحد ينكر ذلك عليهم ، وسدت الهياكل والبرابي ، ~~وطينت أبوابها ، وجاءهم الطوفان وأقبل المطر عليهم ، وكان فرعان سكران فلم ~~يقم إلا بخرير الماء ، فوثب مبادرا يريد الهرب إلى الهرم فتخلخلت الأرض به ~~، وطلب الأبواب فخانته رجلاه وسقط على وجهه وجعل يخور كما يخور الثور ، إلى ~~أن أهلكهه الله تعالى بالطوفان ، ومن دخل الأسراب منهم هلك بغمها ، ولحق ~~الماء من الأرض والأهرام إلى آخر التربيع ، وهو ظاهر عليها إلى الآن ، ~~وانقرضت ملوك الدنيا أجمع بالطوفان ولم يسلم إلا أصحاب السفينة كما تقدم . ~~فعدة من سمى لنا من ملوك مصر قبل الطوفان على هذا السياق تسعة عشر ملكا ، ~~ثم ملكها بعد الطوفان من نذكره . PageV15P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" ذكر من ملك مصر بعد الطوفان من الملوك قال ~~إبراهيم بن القاسم الكاتب : قال إبراهيم بن وصيف شاه : أجمع أهل الأثر أن ~~أول من ملك مصر بعد الطوفان مصريم بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام ، ~~وذلك بدعوة سبقت له من جده . وكان السبب في ذلك أن فليمون الكاهن سأل نوحا ~~عليه السلام أن يخلطه بأهله وولده وقال : يا نبي الله ، إني قصدتك رغبة في ~~الإيمان بالله سبحانه وتعالى وتصديقك يا نبي الله ، وتركت وطني وبلدي فاجعل ~~لي رفعة وقدرا أذكر بهما ن بعدي ، فزوج نوح عليه السلام بيصر بن حام بنت ~~فليمون الكاهن فولدت له ولدا سماه فليمون مصريم باسم بلده فلما أراد نوح ~~قسمة الأرض بين بنيه قال له فليمون : ابعث معي يا نبي الله ابني حتى أمضى ~~به إلى بلدي وأظهره على كنوزه وأوقفه على علومه ورموزه ، فأنفذه معه في ~~جماعة من أهل بيته ، وكان غلاما مراهقا ، فلما ms2850 قرب من مصر بنى له عريشا من ~~أغصان الشجر وستره بحشيش الأرض ، ثم بنى بعد ذلك في الموضع مدينة وسماها ~~درسان ، أي باب الجنة ، فزرعوا وغرسوا الأشجار والأجنة من درسان إلى البحر ~~. فصارت هناك زروع واجنة وعمارة وكان الذين مع مصريم جبابرة ، فقطعوا ~~الصخور وبنوا المعالم والمصانع وأقاموا في أرغد عيش . ونكح مصريم امرأة من ~~بنات الكهنة فولدت له ولدا سماه فبطيم ، ونكح قبطيم بعد سبعين سنة من عمره ~~امرأة ولدت له أربعة نفر ، وهم : قفطريم ، وأشمون ، وأتريب ، وصا ، وكثروا ~~وعمروا الأرض ، ولورك لهم فيها . وقيل : كان عدد من وصل مع مصريم ثلاثين ~~نفرا فبنوا مدينة سماها مافه ، ومعنى مافه ثلاثون بلغتهم ، وهي منف ، وكشف ~~أصحاب فليمون عن كنوز مصر وعلموهم خط البرابي ، وأثاروا لهم المعادن من ~~الذهب والزبرجد والفيروزج والأسباد شم وغير ذلك ، ووصفوا لهم PageV15P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" عمل الصنعة ، فجعل الملك أمرها إلى رجل من أهل ~~بيته يقال له مقيطام ، فكان يعمل الكيمياء في الجبل الشرقي فسمى به المقكم ~~، وعلموهم أيضا عمل الطلسمات . وكانت تخرج من البحر دواب تفسد زرعهم ~~وأجنتهم وبنيانهم فعملوا لها الطلسمات فغابت ولم تعد . وبنوا على عبر البحر ~~مدنا منها : رقودة مكان الإسكندرية ، وجعلوا في وسطها قبة على أساطين من ~~نحاس مذهب والقبة مذهبة ، ونصبوا فوقها مرآة من أخلاط شتى قطرها خمسة أشبار ~~؛ وكان ارتفاع القبة مائة ذراع ؛ فكانوا إذا قصدهم قاصد من الأمم التي ~~حولهم ، فإن كان مما يهمهم أو من البحر عملوا لتلك المرآة عملا فألقت ~~شعاعها على ذلك الشيء فأحرقته ؛ فلم تزل على حالها إلى أن غلب عليها البحر ~~فنسفها . وقيل : إن الإسكندر إنما عمل المنارة تشبها بها ، وقد ذكرنا خبر ~~المنارة فيما تقدم من كتابنا هذا . وقال : لما حضرت مصريم الوفاة عهد إلى ~~ابنه قبطيم مصر بن مصريم ، فقسم قبطيم بين بنيه الأربعة : فجعل لابنه ~~قفطريم من قفط إلى أسوان إلى النوبة ، ولأشمون من أشمون إلى منف ، ولأتريب ~~الحوف كله إلى الشجرتين إلى أيلة من الحجاز ، ولصا من ناحية صا ms2851 البحيرة إلى ~~قرب برقة ، وقال لأخيه فارق : لك من برقة إلى المغرب ، فهو صاحب إفريقية . ~~وولده الأفارق . وأمر كل واحد من بنيه أن يبني لنفسه PageV15P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" مدينة في موضعه . وأمر مصريم عند موته أن ~~يحفروا له في الأرض سربا وأن يفرشوه بالمرمر الأبيض ويجعلوا فيه جسده ، ~~ويدفنوا معه جميع ما في خزائنه من الذهب والجوهر ، ويزبروا عليه أسماء الله ~~تعالى المانعة من أخذه . فحفروا له سربا طوله مائة وخمسون ذراعا ، وجعلوا ~~في وسطه مجلسا مصفحا بصفائح الذهب ، وجعلوا له أربعة أبواب ، على كل باب ~~منها تمثال من ذهب عليه تاج مرصع بالجوهر ، جالس على كرسي من ذهب قوائمه من ~~زبرجد ، وزبروا في صدر كل تمثال آيات عظاما مانعة ، وجعلوا جسده في جرن من ~~المرمر مصفح بالذهب وزبروا على مجلسه : مات مصريم بن بيصر بن حام بعد ~~سبعمائة عام مضت من أيام الطوفان ، ومات ولم يعبد الأصنام ، إذ لا هرم ولا ~~سقام ، ولاحزن ولا اهتمام ، وحصنه بأسماء الله العظام ، لا يصل إليه إلا ~~ملك ولدته سبعة ملوك يدين بدين الملك الديان ، ويؤمن بالبعث والفرقان ، ~~الداعي إلى الإيمان في آخر الزمان . وجعلوا معه في ذلك المجلس ألف قطعة من ~~الزبرجد المخروط ، وألف تمثال من الجوهر النفيس ، وألف برنية مملوءة من ~~الدر الفاخر والصنعة الإلهية ، والعقاقير البرية ، والطلسمات العجيبة ، ~~وسبائك الذهب مكدسة بعضها على بعض ، وسقفوا ذلك بالصخور العظام وهالوا ~~فوقها الرمال بين جبلين . واستقل قبطيم بالملك بعد أبيه . ويقال : إن قبط ~~مصر منسوبون إليه . وهو أول من عمل العجائب وأثار المعادن ، وشق الأنهار . ~~ويقال : إنه لحق البلبلة وخرج منهم بهذه اللغة القبطية ، وعمل ما لم يعمله ~~أبوه من نصب الأعلام والمنارات والعجائب والطلسمات . وملكهم قبطيم أربعمائة ~~وثمانين سنة ومات ؛ فاغتم عليه بنوه وأهله ودفن في الشرق في سرب تحت الجبل ~~الكبير الداخل ، وصفحوه بالمرمر الملون وجعلت فيه منافذ للرياح ؛ فهي تنخرق ~~فيه بدوي عظيم هائل ، وجعل فيه من الكبريت الأحمر وأكر من نحاس مطلية ~~بأدوية مشعلة لا تطفأ ، ولطخوا جسده ms2852 بالمر والكافور والموميا ، وجعلوه في ~~PageV15P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" جرن من ذهب في ثياب منسوجة بالمرجان والدر ، ~~وكشفوا عن وجهه وجعلوه تحت قبة ملونة ، في وسطها درة معلقة تضيء كالسراج ، ~~والقبة على أعمدة بين كل عمودين تمثال في يده أعجوبة ، وجعلوا حول الجرن ~~توابيت مملوءة جوهرا وذهبا وتماثيل وصنعة وغير ذلك ، وحول ذلك مصاحف القبط ~~والحكمة ، وسدوا عليه بالصخور والرصاص وزبروا عليه كما زبروا على ناووس ~~أبيه . وملك بعده ابنه قفطريم بن قبطيم ، وكان أكبر ولد أبيه ؛ وكان جبارا ~~عظيم الخلق ، وهو الذي وضع أساسات الأهرام الدهشورية وغيرها ليعمل منها كما ~~عمل الأولون ، وهو الذي بنى دندرة ومدينة الأصنام . ودندرة : بلد من بلاد ~~إقليم قوص ، وهي في البر الغربي مشهورة هناك . قال : وأثار من المعادن ما ~~لم يثره غيره ، وكان يجر من الذهب مثل حجر الرحى ، ومن الزبرجد كالأسطوانة ~~، ومن الأسباد شم في صحراء الغرب كالقلة . وعمل من العجائب شيئا كثيرا . ~~وبنى منارا عاليا على جبل قفط يرى من البحر الشرقي ، ووجد هناك معدن زئبق ~~فعمل منه بركة كبيرة ، فيقال إنها هناك إلى الآن ، وأما المنار فسقط ، وعمل ~~عجائب كثيرة . ويقال : إنه بنى المدائن الداخلة وعمل فيها عجائب كثيرة ، ~~منها : الماء الملفوف القائم كالعمود لا ينحل ولا يذوب ، والبركة التي تسمى ~~فلسطين ، أي صيادة الطير ، إذا مر عليها الطير سقط فيها ولم يمكنه أن يبرح ~~حتى يؤخذ ، وعمل أيضا عمودا من نحاس عليه صورة طائر إذا قربت الأسد والحيات ~~والأشياء المضرة من تلك المدينة صفر صفيرا عاليا فترجع تلك الدواب هاربة . ~~وكان على أربعة أبواب هذه المدينة أربعة أصنام من نحاس لا يقرب منها غريب ~~إلا ألقى عليه النوم والسبات ، فينام عندها ولا يستيقظ حتى يأتيه أهل ~~المدينة ، وينفخون في وجهه فيقوم ، وإن لم يفعلوا ذلك لم يزل نائما عند ~~الأصنام حتى يهلك . وعمل منارا لطيفا من زجاج ملون على قاعدة من نحاس ، ~~وعلى رأس المنارة صورة صنم من أخلاط كثيرة ، وفي يده كالقوس كنه يرمي عنها ~~، فإن عاينه غريب وقف ms2853 في موضعه لم يبرح حتى ينجيه أهل المدينة . وكان ذلك ~~الصنم يتوجه إلى مهب الرياح الأربع من نفسه . PageV15P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" قال وقيل : إن هذا الصنم على حالته إلى الآن ، ~~وإن الناس تحاموا تلك المدينة على كثرة ما فيها من الكنوز والعجائب الظاهرة ~~خوفا من ذلك الصنم أن تقع عين الإنسان عليه فلا يزال قائما حتى يتلف . قال ~~: وكان بعض الملوك عمل على قلعه فما أمكنه ، وهلك لذلك خلق كثير . ويقال : ~~إنه عمل في بعض المدن الداخلة مرآة من أخلاط ترى جميع ما يسأل الإنسان عنه ~~وهي غربي البلد . قال : وعمل خلف الواحات الداخلة مدنا عمل فيها عجائب ~~كثيرة ووكل بها الروحانيين الذين يمنعون منها ؛ فما يستطيع أحد أن يدنو ~~منها ولا يدخلها أو يعمل قرابين أولئك الروحانيين فيصل إليها حينئذ ويأخذ ~~من كنوزها ما أحب من غير مشقة ولا ضرر . قال : وأقام قفطريم ملكا أربعمائة ~~سنة . وأكثر العجائب عملت في وقته ووقت ابنه البودسير . وكان الصعيد أكثر ~~عجائب من أسفل الأرض . قال : وفي آخر أيام قفطريم هلكت عاد بالريح العقيم . ~~ولما حضرت قفطريم الوفاة عمل له ناووس من الجبل الغربي قرب مدينة الكهنة ، ~~كان عمله لنفسه قبل موته في سرب في الجبل كهيئة الدار الواسعة وجعل دورها ~~خزائن منقورة ، وجعل في سقوفها في مسارب للرياح ، وبنى ذلك بالمرمر ، وجعل ~~في وسط الدار مجلسا على ثمانية أركان مصفحا بالزجاج الملون المسبوك ، وجعل ~~في سقفه جواهر وحجارة تسرج ، وجعل في كل ركن من أركان المجلس تمثالا من ~~الذهب بيده كالبوق ، وجعل تحت القبة دكة مصفحة بالذهب ، وجعل لها حوافي ~~زبرجد ، وفرش فوق الدكة فرش الحرير ، وجعل عليها جسده بعد أن لطخ بالأدوية ~~الممسكة ، ومن جوانبه آلات الكافور المخروطة ، وسدلت عليه ثياب منسوجة ~~بالذهب ، ووجهه مكشوف وعلى رأسه تاج ملكه ، وعن جوانب الدكة أربع تماثيل ~~مجوفات من زجاج مسبوك مثل صور النساء وألوانهن ، بأيديهن كالمراوح من ذهب ، ~~وعلى صدره من فوق الثياب سيف صاعقي قائمه من الزبرجد ، وجعل في تلك الخزائن ~~: من ms2854 الزبرجد وسبائك الذهب والتيجان والجواهر وبراني الحكم وأصناف العقاقير ~~والطلسمات ، ومن المصاحف الحاوية لجميع العلوم ، مال لا يحصى قدره كثرة ؛ ~~وجعل على باب المجلس ديك من ذهب على قاعدة من زجاج أخضر منشور الجناحين ~~مزبور عليه آيات عظام مانعة ، وجعل على مدخل كل أزج صورتين من PageV15P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" نحاس مشوهتين بأيديهما سيفان كالبرق ، ~~ووراءهما بلاطة تحتها لوالب فمن وطئها ضرباه بأسيافهما فقتلاه ، وفي سقف كل ~~أزج كرة عليها لطوخ مدبر يسرج ، وسد باب الأزج بالأساطين ورصوا على سقفه ~~البلاط العظام وردموا فوقها الرمال ، وزبروا على باب الأزج : هذا الداخل ~~إلى جسد الملك العظيم المهيب الكريم الشديد قفطريم ذي الأيد والفخر ، ~~والغلبة والقهر ، أفل وبقي نجمعه ذكره وعلمه ، فلا يصل أحد إليه ، ولا يقدر ~~بحيلة عليه ، وذلك بعد سبعمائة وسبعين ، ودورات مضت من السنين . قال : ولما ~~مات قفطريم ملك بعده ابنه البودسير بن قفطريم ، فتجبر وتكبر وعمل بالسحر ~~واحتجب عن العيون ، وقد كان أعمامه أشمون وأتريب وصاملوكا على أحيازهم إلا ~~أنه قهرهم بجبروته وقوته ، فكان الذكر له كما كان لأبيه . ويقال : إنه أرسل ~~هرمس الكاهن المصري إلى جبل القمر الذي يخرج النيل من تحته حتى عمل هناك ~~هيكل التماثيل النحاس ، وعدل إلى البطيحة التي ينصب إليها ماء النيل . ~~ويقال : إنه الذي عدل جانبي النيل وقد كان يفيض في مواضع وينقطع في مواضع ، ~~وأمره البودسير أن يسير مغربا فينظر إلى ما هناك ، فوقع على أرض واسعة ~~متخرقة بالمياه والعيون كثيرة العشب ، فبنى منائر ومنتزهات ، وحول إليها ~~جماعة من أهل بيته فعمروا تلك النواحي وبنوا فيها حتى صارت أرض الغرب كلها ~~عمارة ، وأقامت كذلك مدة كثيرة وخالطهم البربر فتناكحوا ؛ ثم إنهم تحاسدوا ~~وبغى بعضهم على بعض ، وكانت بينهم حروب فخرب البلد وباد أهله إلا بقية ~~منازل تسمى الواحات هي موجودة إلى وقتنا هذا . ويقال : إنه عمل عجائب كثيرة ~~في وقته ، منها : قبة لها أربعة أركان وفي كل ركن منها كوة يخرج منها ~~كالدخان الملتف في ألوان شتى يستدلون بكل لون على شيء ms2855 ؛ فما خرج منه أخضر ~~دل على العمارة وحسن النبات والزرع وصلاحه ، وإن خرج الدخان أبيض دل على ~~الجدب وقلة الزكاء ، وإن خرج أحمر دل على الدماء والحروب وقصد الأعداء ، ~~وإن كان أسود دل على كثرة الأمطار والمياه فساد بعض PageV15P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" الأرض بذلك ، وإن كان أصفر دل على النيران ~~وآفات تحدث في الفلك ، وما كان منها مختلطا دل على مظالم الناس وتعدى بعضهم ~~على بعض وإهمال ملوكهم لهم ، وأشياء من هذا الضرب . وكانت هذه القبة على ~~منار أقام زمنا طويلا ثم هدمه بعض الملوك البربر ؛ لأنه أراد غزو قوم بتلك ~~الناحية فعلموا بحاله فانتقلوا عن ذلك الموضع إلى قرب النيل فلما جاء ولم ~~يجدهم هدمه . ومما عمل له في الصحراء التي تقرب منه - وكانت الوحش قد كثرت ~~وأفسدت عليهم زرعهم وكذلك خنازير الماء - شجرة من نحاس عليها أمثال تلك ~~الوحوش ملجمة أفواهها بخيوط من نحاس ، فما يجوز بها من الوحش لا يستطيع ~~الحراك ولا البراح من عندها حتى يؤخذ قبضا ويقتل ؛ فأشبع الناس في لحوم تلك ~~الوحوش وانتفعوا بجلودها زمانا طويلا إلى أن انتزعها بعض ملوك الغرب سرا من ~~أهل مصر وقدر أن ينصبها في بلدهم فتعمل له مثل ذلك ، فلما عملها بطلت ؛ ~~لأنهم كانوا يعلمون ما يعملون بطالع يأخذونه له ، فلا يزال عمله مستقيما ~~إلى أن تغير عن مكانه فبطل عمله . وما عمل في وقته أن غرابا نقر عين صبي من ~~أولاد الكهنة فقلعها ، فعمل شجرة من نحاس عليها تمثال غراب من نحاس في ~~منقاره حربة بادية الطرفين ، منشور الجناحين ، وكتب على ظهره كتابا ؛ فكانت ~~الغربان تقع على تلك الشجرة ولا تبرح حتى تؤخذ فتقتل ، ففي أكثر الغربان ~~وزالت عن تلك الناحية إلى ناحية الشام ، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن أصاب ~~بعض ملوكهم علة ووصف له فيها لحم غراب يطبخه ويأكله ويشرب من مرقه فلم يوجد ~~، فوجه إلى آخر العمل الذي بمصر من ناحية الشام من يأتيه بغراب فأبطأ عليه ~~، فأمر بنزع الشجرة فرجع الغربان وأخذ ms2856 منها ما عولج به الملك قبل أن يرجع ~~رسوله . ومما عمل في وقته - وكانت الرمال قد كثرت عليهم من ناحية الغرب حتى ~~ظهرت على زروعهم - فعمل لذلك صنما من صوان أسود على قاعدة منه وعلى كتفه ~~شبه القفة فيها كالمسحاة ، ونقش على جبهته وصدره وذراعيه وساقيه حروفا ، ~~وأقامه الكاهن بطالع أخذه له ووجهه إلى الغرب ، فانكشفت تلك الرمال ورجعت ~~إلى PageV15P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" ورائها . فتلك الأكداس العالية في صحراء الغرب ~~منها . ولم تزل الرمال تندفع عنهم إلى أن زال ذلك الصنم عن موضعه . قال : ~~وأقام البودسير مدة واحتجب عن الناس ، وكان يتجلى لهم في صورة وجه عظيم ، ~~وربما خاطبهم ولا يرونه ، ثم غبر مدة وهم في طاعته إلى أن رآه ابنه عديم ~~وهو يأمره بالجلوس على سرير الملك . فجلس عديم بن البودسير على الملك وكان ~~جبارا لا يطاق ، عظيم الخلق ، فأمر بقطع الصخور ليعمل هرما كما عمل الأولون ~~. قال : وكان في وقته الملكان اللذان هبطا من السماء ، وكانا في بئر يقال ~~لها أفناوه ، وكانا يعلمان أهل مصر السحر . ويقال : إن عديم استكثر من ~~علمهما ثم نقلا إلى بابل . قال : وأهل مصر من القبط يقولون إنهما شيطانان ~~يقال لهما : مهلة ومهالة ، وليس هما الملكين . والملكان ببابل في بئر هناك ~~يغشاها السحرة إلى يوم الساعة . ولنصل هذا الفصل بخبر هاروت وماروت وإن لم ~~يكن منه ؛ وإنما الشيء بالشيء يذكر . والله أعلم . ذكر خبر هاروت وماروت ~~قال الله تعالى : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ~~ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وماأنزل على الملكين ببابل وهاروت ~~وماروت . الآية . قال أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره : وكانت قصتهما - على ما ~~ذكره ابن عباس رضي الله عنه والمفسرون - أن الملائكة رأوا ما يصعد إلى ~~السماء من أعمال بني آدم الخبيثة وذنوبهم الكثيرة ؛ وذلك في زمن إدريس عليه ~~السلام فيعيرونهم بذلك ، ودعت عليهم الملائكة وقالوا : هؤلاء الذين جعلتهم ~~في الأرض واخترتهم فهم يعصونك ؛ فقال الله عز وجل لهم : لو أنزلتكم إلى ~~الأرض وركبت ms2857 فيكم ما ركبت فيهم لركبتم ما ارتكبوا ؛ فقالوا : سبحانك ما كان ~~ينبغي أن نعصيك ؛ قال الله تعالى : فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى ~~الأرض ، فاختاروا هاروت وماروت ، وكانا من اصلح الملائكة PageV15P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" واعبدهم . قال : وقال الكلبي : قال الله لهم : ~~اختاروا ثلاثة فاختاروا عزا وهو هاروت ، وعزايا وهو ماروت ، وغير اسمها لما ~~قارفا الذنب ، وعزابيل ؛ فركب الله فيهم الشهوة التي ركبها في بني آدم ~~وأهبطهم إلى الأرض ، وأمرهم أن يحكموا بين الناس بالحق ، ونهاهم عن الشرك ~~والقتل بغير حق ، ونهاهم عن الزنا وشرب الخمر . فأما عزابيل فإنه لما وقعت ~~الشهوة في قلبه استقال ربه وسأله أن يرفعه إلى السماء فأقاله ورفعه ؛ فسجد ~~أربعين سنة ثم رفع رأسه . ولم يزل بعد ذلك مطأطئا رأسه حياء من الله تعالى ~~. وأما الآخران فإنهما بقيا على ذلك ، وكانا يقضيان بين الناس يومهما فإذا ~~أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء . قال قتادة : فما مر عليهما ~~أشهر حتى افتتنا . قال الثعلبي : قالوا جميعا : وذلك أنه اختصم إليهما ذات ~~يوم الزهرة ، وكانت من أجمل النساء . قال علي رضي الله عنه : كانت من أهل ~~فارس ، وكانت ملكة في بلدها ، فلما رأياها أخذت بقلوبهما ، فراوداها عن ~~نفسها فأبت وانصرفت ، ثم عادت في اليوم الثاني ففعلا مثل ذلك ، فأبت وقالت ~~: لا إلا تعبدا ما أعبد ، وتصليا لهذا الصنم ، وتقتلا النفس ، وتشربا الخمر ~~، فقالا : لا سبيل إلى هذه الأشياء ؛ فإن الله عز وجل نهانا عنها ، فانصرفت ~~؛ ثم عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من خمر وفي أنفسهما من الميل إليها ما ~~فيها ، فراوداها عن نفسها فعرضت عليهما ما قالت بالأمس فقالا : الصلاة لغير ~~الله عظيم ، وقتل النفس عظيم ، وأهون الثلاثة شرب الخمر ؛ فشربا فانتشيا ~~ووقعا بالمرأة وزنيا ، فلما فرغا رآهما إنسان فقتلاه . قال الربيع بن أنس : ~~وسجدا للصنم فمسخ اله عز وجل الزهرة كوكبا . وقال علي بن أبي طالب والسدي ~~والكلبي رضي اله عنهم : إنها قالت لهما : لن تدركاني حتى تخبراني بالذي ~~تصعدان به إلى السماء . فقالا : باسم ms2858 الله الأكبر . قالت : فما أنتما ~~بمدركاني حتى تعلمانيه . فقال أحدهما لصاحبه : علمها قال : إني أخاف الله . ~~قال الآخر : فأين رحمة الله فعلماها ذلك . فتكلمت به وصعدت إلى السماء . ~~فمسخها الله تعالى كوكبا . فعلى قول هؤلاء هي الزهرة بعينها ، وقيدوها ~~فقالوا : هي هذه الكوكبة الحمراء واسمها بالفارسية ناهيد وبالنبطية بيدخت . ~~قال : ويدل على صحة هذا القول مارواه الثعلبي بسنده إلى علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه قال : كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إذا رأى سهيلا قال : ~~لعن الله سهيلا إنه كان عشارا باليمن ولعن الله الزهرة فإنها فتنت ملكين . ~~PageV15P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" وقال مجاهد : كنت مع ابن عمر رضي الله عنهما ~~ذات ليلة فقال لي : ارمق الكوكبة فإذا طلعت فأيقظني ، فلما طلعت أيقظته ، ~~فجعل ينظر إليها ويسبها سبا شديدا ، فقلت : رحمك الله تسب نجما سامعا مطيعا ~~لله ؟ ماله يسب فقال : إن هذه كانت بغيا فلقي الملكان منها ما لقيا . وقال ~~نافع : كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا رأى الزهرة قال : لا مرحبا بها ولا ~~أهلا . وروى أبو عثمان النهدي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن المرأة التي ~~فتن بها الملكان مسخت ، فهي هذه الكوكبة الحمراء يعني الزهرة . قال الثعلبي ~~: وأنكر الآخرون هذا القول وقالوا : إن الزهرة من الكواكب السبعة السيارة ~~التي جعلها الله قواما للعالم ، وإنما كانت هذه التي فتنت هاروت وماروت ~~امرأة ، كانت تسمى زهرة من جمالها ، فلما بغت جعلها الله تعالى شهابا ، ~~فلما رأى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الزهرة ذكر هذه المرأة لموافقة ~~الاسمين فلعنها ، وكذلك سهيل العشار . والله أعلم . قالوا : فلما أمسى ~~هاروت وماروت بعد ما قارفا الذنب هما بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما ~~أجنحتهما ، فعلما ما حل بهما فقصدا إدريس عليه السلام فأخبراه بأمرهما ~~وسأله أن يشفع لهما إلى الله عز وجل ففعل ذلك ، فخيرهما الله تعالى بين ~~عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا إذ علما أنه ينقطع ، فهما ~~ببابل يعذبان . واختلف العلماء في كيفية عذابهما فقال عبد الله بن ms2859 مسعود ~~رضي الله عنه : هما معلقان بشعورهما إلى قيام الساعة . وقال قتادة : كبلا ~~من أقدامهما إلى أصول أفخاذهما . وقال مجاهد : إن جبا ملئ نارا فجعلا فيه . ~~وقال حصيف : معلقان منكسان في السلاسل . وقال عمير بن سعد : منكوسان يضربان ~~بسياط الحديد . وروى أن رجلا أراد تعلم السحر فقصد هاروت وماروت فوجدهما ~~معلقين بأرجلهما ، مزرقة أعينهما ، مسودة جلودهما ، ليس بين ألسنتهما وبين ~~الماء إلا قدر أربع أصابع ، وهما يعذبان بالعطش ، فلما رأى ذلك هاله ~~مكانهما فقال : لا إله إلا الله ، وقد نهى عن ذكر الله هناك . فلما سمعا ~~كلامه قالا : من أنت ؟ قال : رجل من الناس . قالا : من أي أمة PageV15P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" أنت ؟ قال : من أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ~~) . قالا : وقد بعث ؟ قال نعم . قالا : الحمد لله وقد أظهرا الاستبشار . ~~فقال الرجل : ومم استبشاركما ؟ قالا : إنه نبي الساعة ، وقد دنا انقضاء ~~عذابنا . قال : وأما كيفية تعلم السحر ، فقد روى فيه خبر جامع ، وهو مارواه ~~أبو إسحاق بسنده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : ~~قدمت على امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغي رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بعد موته تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به ؛ قالت ~~عائشة رضي الله عنها لعروة : يابن أختي ، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول ~~الله صلى اله عليه وسلم ، فكانت تبكي حتى إني لأرحمها تقول : إني أخاف أن ~~أكون قد هلكت ؛ قالت : كان لي زوج فغاب عني فدخلت على عجوز فشكوت إليها ذلك ~~فقالت : إن فعلت ماآمرك به فلعله يأتيك ، فلما كان الليل جاءتني بكبشن ~~أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر ، فلم يكن كثير حتى وقفنا ببابل ، فإذا ~~برجلين معلقين بأرجلهما فقالا : ماجاء بك ؟ فقلت : أتعلم السحر ، قالا : ~~إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي ، فأبيت فقلت : لا ، فقالا : اذهبي إلى ذلك ~~التنور فبولي فيه ، فذهبت ففزعت فلم أفعل ، فرجعت إليهما فقالا : فعلت ؟ ~~قلت نعم ، قالا : هل رأيت شيئا ؟ قلت : لم أر شيئا ، فقالا ms2860 : لم تفعلي ، ~~إرجعي إلى بلادك فلا تكفري ، قالت : فأبيت ، فقالا : إذهبي إلى ذلك التنور ~~فبولي فيه ، فذهبت فاقشعر جلدي فرجعت إليهما فقلت : قد فعلت ، فقالا : هل ~~رأيت شيئا ؟ فقلت : لم أر شيئا ، فقالا : كذبت لم تفعلي ، إرجعي إلى بلادك ~~فلا تكفري فإنك على رأس أمرك ؛ قالت : فأبيت ، فقالا : إذهبي إلى ذلك ~~التنور فبولي فيه ، فذهبت إليه فبلت فرأيت فارسا مقنعا بحديد خرج مني حتى ~~ذهب في السماء وغاب عني حتى ماأراه ، فجئتهما فقلت : قد فعلت ؛ قالا : فما ~~رأيت ؟ قلت : رأيت فارسا مقنعا بالحديد خرج مني حتى ذهب في السماء حتى ~~ماأراه ، قالا : صدقت ، ذلك إيمانك خرج منك ؛ إذهبي . فقلت للمرأة : والله ~~ما أعلم شيئا ، وماقالا لي شيئا . فقالت : لن تريدي شيئا إلا كان ؛ خذي هذا ~~القمح فابذري ، فبذرت ، قلت : أطلعي ، فأطلعت ، فقلت : أحقلي ، ~~PageV15P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" فأحقلت ، ثم قلت : أفركي ، فأفركت ، ثم قلت : ~~أطحني ، فأطحنت ، ثم قلت : أخبزي ، فأخبزت . فلما رأيت أني لا أريد شيئا ~~إلا كان ، سقط في يدي وندمت . والله يا أم المؤمنين ما فعلت شيئا قط ، ولا ~~أفعله أبدا . قال : وقال بعضهم : إنهما لا يتعمدان تعليم السحر ولكنهما ~~يصفانه ويذكران بطلانه ، ويأمران باجتنابه ، فيتعلم الشقي منهما في خلال ~~صفتهما ويترك موعظتهما ونصيحتهما ، فلا يكون على هذا التأويل كفرا وإنما ~~يكون العمل به كفرا . وقد أنكر بعضهم أن يكونا ملكين قال : وإنما كانا ~~ملكين . وقرئ في الشواذ : وما أنزل على الملكين بكسر اللام . وقيل : كانا ~~علجين ببابل . حكاه القاضي عياض في كتاب الشفا . والله تعالى أعلم . ولنرجع ~~إلى أخبار عديم بن البودسير الملك . قال : وعديم أول من صلب ؛ وذلك أن ~~امرأة زنت برجل من أهل الصناعات ، وكان لها زوج من أصحابه ، فأمر بصلبهما ~~على منارتين ، وجعل ظهر كل منهما إلى ظهر صاحبه ، وزبر على المنارتين ~~اسمهما ومافعلاه وتاريخ الوقت الذي عمل ذلك بهما فيه ، فانتهى الناس عن ~~الزنا . قال : وبنى أربع مدائن وأودعها صنوفا كثيرة من عجائب الأعمال ~~والطلسمات وغير ذلك ، وكنز فيها كنوزا كثيرة . وعمل في الشرق ms2861 منارا وأقام ~~على رأسه صنما موجها إلى الشرق ، مادا يدبه يمنع دواب البحر والرمال أن ~~تتجاوز حده ، وزبر في صدره تاريخ الوقت الذي نصبه فيه ؛ ويقال : إن هذا ~~المنار قائم إلى وقتنا هذا ؛ ولولاه لغلب الماء المالح من البحر الشرقي على ~~أرض مصر . وعمل قنطرة على النيل في أول بلاد النوبة ونصب عليها أربعة أصنام ~~موجهة إلى أربع جهات الدنيا في يدي كل صنم جرس يضرب به إذا أتاهم آت من تلك ~~الناحية ؛ فلم تزل بحالها إلى أ ، هدمها فرعون PageV15P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" موسى . وهو الذي عمل البربا على باب النوبة ، ~~ويقال إنه عمل في إحدى المدائن الأربع التي ذكرناها حوضا من صوان أسود ~~مملوءا ماء لا ينقص على طول الدهر ولا يتغير ؛ وكان أهل تلك الناحية يشربون ~~منه ولا ينقص ماؤه ؛ وإنما عمل لبعدهم عن النيل وقربهم من البحر المالح . ~~وقد ذكر بعض كهنة القبط أن ذلك لقربهم من البحر المالح . لأن الشمس فيما ~~ذكروا ترفع بحرها بخارا فيحصل من ذلك البخار حر بالهندسة ، وقيل بالسحر . ~~وملكهم عديم مائة سنة وأربعين سنة ، ومات وهو ابن سبعمائة سنة وثلاثين سنة ~~. وقيل : إنه دفن في إحدى المدائن ذات العجائب في أزج من رخام ملون بزرقة ، ~~مبطن برخام أصفر ، وطلي جسده بما يمسكه ، وجعل كثير من ذخائره ، وذلك وسط ~~المدينة ، فهي محروسة بما يمنع منها من الروحانيين . قال : وذكر بعض القبط ~~أن عديما هذا عمل لنفسه في صحراء قفط على وجه الأرض قبة عظيمة من زجاج اخضر ~~براق ، معقودة على ثمانية آزاج من صنفها ، على رأسها أكرة من ذهب ، عليها ~~طائر من ذهب ، متوشح بجوهر ، منشور الجناحين ، يمنع من الدخول إليها ، ~~وقطرها مائة ذراع في مثلها ، وجعل جسده في وسطها على سرير من ذهب مشبك وهو ~~مكشوف الوجه ، وعليه ثياب منسوجة بذهب مغروزة بجوهر منظوم ؛ والآزاج مفتحة ~~، طول كل أزج ثمانية أذرع ، وارتفاع القبة أربعون ذراعا تلقي الشعاع على ما ~~حولها من الأرض ، وجعل حوله في القبة مائة وسبعون مصحفا من مصاحف ms2862 الحكمة ، ~~وسبع موائد عليها أوانيها ، منها : مائدة من أدرك رماني أحمر وآنيتها منها ~~. ومائدة من ذهب فيلموني يخطف البصر ، وهو من الذي تعمل منه تيجان الحكماء ~~، وآنيتها منها . ومائدة من حجر الشمس المضيء بآنيتها . ومائدة من الزبرجد ~~المخروط الذي يخالطه شعاع أصفر بآنيتها ، قال : وهذا الزبرجد إذا نظرت إليه ~~الأفاعي سالت عيونها . ومائدة من كبريت أحمر مدبر بآنيتها . ومائدة من ملح ~~مدبر براق يكاد نوره يخطف الأبصار بآنيتها . ومائدة من زئبق معقود وقوائمها ~~وحافاتها من زئبق أصفر معقود مضيء ، وعليها آنية من زئبق أحمر معقود . وجعل ~~في القبة جواهر كثيرة ملونة وبراني صنعة مدبرة ، وجعل حوله سبعة أسياف ~~صاعقية وكاهنية وأتراس PageV15P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" من حديد أبيض مدبر ، وجعل معه تماثيل أفراس من ~~ذهب ، عليها سروج من ذهب وسبعة توابيت من الدنانير التي ضربها وصور عليها ~~صورته ، وجعل معه من أصناف العقاقير والسمومات والأدوية في براني الحنتم ، ~~ومن أصناف الأحجار شيء كثير . قال : وقد ذكر من رأي تلك القبة وأقاموا ~~عليها أياما فما قدروا على الوصول إليها ، وأنهم قصدوها وكانوا منها على ~~مقدار ثمانية أذرع دارت القبة عن أيمانهم وشمائلهم وقد عاينوا مافيها . ومن ~~أعجب ما ذكروا أنهم كانوا يحاذون آزاجها أزجا أزجا فلا يرون غير الصورة ~~التي يرونها من الأزج الآخر على معنى واحد . وذكروا أنهم رأوا وجهه في قدر ~~ذراع ونصف بالذراع الكبير ، ولحيته كبيرة مكشوفة ، وقدروا طول بدنه عشرة ~~أذرع وزيادة ، وأنهم لما تهيأ أن يصلوا إليها فنى ماؤهم وخافوا على أنفسهم ~~فرجعوا ليمتاروا ما يكفيهم من الزاد ففعلوا ، ثم رجعوا فأقاموا أياما ~~يطوفون تلك الصحراء ، ثم أخبروا أنهم رأوا بها عجائب كثيرة وصنوفا من الوحش ~~لم يروا مثلها . قال : وفي كتبهم أنهم لا يصلون إليها إلا بأن يذبح لها ديك ~~أفرق ويبخر بريشه من بعد ، ثم يسأل من المريخ الوصول حتى يصل ، وتكون ~~الكواكب النيرة على مثل ما كانت عليه وقت نصبها من اجتماعها في البروج : ~~يكون زحل والمشتري والمريخ في برج واحد ، والشمس والقمر في ms2863 برج واحد ، ~~والزهرة وعطارد في برج واحد ، ويتكلم عليها بصلاة الكهنة سبع مرات ، فإذا ~~وصل إليها لطخ حائطها بدم الديك الذي قربه لها ويأخذ ماشاء من المال ~~والتماثيل ولا يكثر المقام فيها ولا يقيم غير ساعة واحدة . قال : وذكر ~~هؤلاء الذين رأوها أنهم لم يكونوا من تلك الناحية وإنما خرجوا يطلبون غيرها ~~؛ فإنهم سألوا أهل قفط عنها فلم يجدوا من يعرفها ولا رآها غير رجل شيخ منهم ~~، فإنه ذكر أن ابنا له خرج له خرج في بعض الأمور ومعه جمل له فرآها ولم يصل ~~إليها ، وبحث عن أمرها فعرف أن قوما من الشرق جاءوا في طلبها وانهم أقاموا ~~يطوفون بقفط وخرجوا إليها فما رجع أحد منهم ولا عرف لهم خبر . PageV15P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" قال : وكان عديم قد أوصى إلى ابنه شداث عند ~~موته أن ينصب في كل حيز من أحياز عمومته منارا ويزبر عليه اسمه ، فانحدر ~~إلى الأشمونين فعمل منارا وزبر عليه اسمه وعمل بها ملاعب ، وعمل في صحرائها ~~منارا وأقام عليه صنما ذا رأسين باسم كوكبين كانا مقترنين في الوقت . وخرج ~~إلى أتريب وبنى فيها قبة عظيمة مرتفعة على عمد وأساطين بعضها فوق بعض ، ~~وجعل على رأسها صنما صغيرا من ذهب ، وعمل هيكلا للكواكب . وكان أبوه ~~البودسير أول من أقام لكواكب فأخذ ذلك عنه . ومضى إلى حيز صا فعمل فيه ~~منارا على رأسه مرآة من أخلاط توري الأقاليم ، ورجع إلى أبيه فعهد له ~~بالملك . فملك شداث بن عديم وهو الذي بنى الأهرام الدهشورية من الحجارة ~~التي قطعت في زمان أبيه . قال : من أنكر أن يكون العادية دخلوا مصر إنما ~~غلطوا باسم شداث بن عديم فقالوا شداد بن عاد لأنه أكثر ما يجري على ألسنتهم ~~، وقلة ما يجري على ألسنتهم شداث بن عديم ؛ وإلا فما قدر أحد من الملوك ~~يدخل مصر ولاقوى على أهلها غير بخت نصر . وشداث الذي عمل مصاحف النارنجيات ~~؛ وعمل هيكل أرمنت وأقام فيه أصناما بأسماء الكوالكب من ذهب وفضة وحديد ~~أبيض ونحاس مذهب ورصاص مصفى وزئبق ms2864 معقود . وهذه الأجساد المعدنية في طباع ~~الكواكب وفي قسمتها . فلما فرغ منه زينه بأحسن زينة ونقشه بأحسن النقوش من ~~الجواهر الملونة والزجاج المعمول الملون وكساه الوشي والديباج ولم يترك ~~شيئا من التحف إلا عمله ، وكذلك عمل في المدن الداخلة من أنصنا هيكلا ، ~~والقبة التي أقامها بأتريب وهيكلا شرقي الإسكندرية ، وأقام لزحل صنما من ~~صوان أسود على عبر النيل من الجانب الغربي ، وبنى شداث من الجانب الشرقي ~~مدائن وجعل فيها صورة PageV15P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" صنم قائم له إحليل إذا أتاه المعقود والمسحور ~~ومن لا ينتشر فمسه بكلتا يديه أزال عنه ذلك وانتشر وقوي على الباه ، وجعل ~~في إحداها بقرة لها ضرعان كبيران إذا مسحتهما المرأة التي انعقد لبنها در ~~وصلح أمرها . وفي أيامه بنيت قوص العالية ، بناها لابن له كان سخط على أمه ~~فحولها إليها وأسكن معها قوما من أهل الحكمة وأهل الصناعات ، وقيل : إن شطب ~~بنيت في أيامه ، وعمل الصورتين الملتصقتين لكثرة النسل . وكانت الحبش ~~والسودان عاثوا في بلده فأخرج لهم ابنه منقاوش في جيش عظيم فقتل منهم وسبى ~~واستعبد الذين سباهم وصار ذلك سنة لهم ، واقطع معدن الذهب من أرضهم وأقام ~~ذلك السبي يعملون ويحملون الذهب إليه ، وهو أول من أحب الصيد واتخذ الجوارح ~~، وولد الكلاب السلوقية من الذئاب والكلاب الأهلية ، وعمل البيطرة وما ~~تعالج به الدواب ، وعمل من العجائب والطلسمات لكل فن ما لا يحصى كثرة ، ~~وجمع التماسيح ، بطلسم عمله لها ، إلى بركة بناحية أسيوط فكانت تنصب إليها ~~من النيل انصبابا فتقتلها ، وتستعمل جلودها في السفن وغيرها ، وتستعمل ~~لحومها في الأدوية والعقاقير المؤلفة . قال : وبعض القبط يحكي أنه عمل بمصر ~~اثنتي عشرة ألف أعجوبة وطلسما ولم يعمل في بلد كما عمل فيها ولا تهيأ لأهله ~~ما تهيا لهم من ذلك . قال : وأقام شداث في الملك تسعين سنة وخرج يطرد فأكب ~~فرسه في وهدة فقتله . وفي بعض كتبهم : أنه أخذ بعض خدمه ، وقد خالفه في أمر ~~من الأمور ، فأمر بطرحه من أعلى الجبل إلى أسفل فطرح فتقطع جسده ، وندم ms2865 على ~~فعله ذلك فرأى في منامه أنه سيصيبه مثل ذلك فكان يتوقاه ، وآلى على نفسه ~~ألا يعلو جبال ، أوصى إن أصابه شيء أن يجعل ناووسه في الموضع الذي يلحقه ~~فيه ما يلحقه ، ويزبر عليه : ليس ينبغي لذي القدرة أن يخرج عن الواجب ويفعل ~~ما لا يجوز PageV15P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" له فعله ، وهذا ناووس شداث بن عديم بن قفطريم ~~الملك ، عمل ما لا يحل لع فكوفئ عليه بمثله . قال : ولما هلك عمل له سرب في ~~سفح الجبل فيه قبة على مجلس قد صفح بالفضة وجعل فيه على سرير ملكه ، وجعل ~~معه من الأموال والجواهر والتماثيل وأصناف الحكم والمصاحف شيء كثير . وكان ~~له أربعمائة وأربعون سنة . وملك بعده ابنه منقاوش بن شداث ؛ فملك بحزم ~~وحنكة وأظهر مصاحف الحكم وأمر بالنظر فيها ، وأن ينسخ منها لهم بخط العامة ~~ليفهموها ، ورد الكهنة إلى مراتبهم . وهو أول من عمل له الحمام من ملوك مصر ~~. وكان كثير النكاح ؛ تزوج عدة نساء من بنات عمه وبنات الكهنة ، وجعل لكل ~~امرأة منهن مكانا بجميع ما يصلحه من البنيان العجيب والصور المتقنة والغروس ~~الحسنة والآلات العجيبة ، وأسكنهن فيها . وقد قال بعض أهل الأثر : إنه الذي ~~بنى منف لبناته وكن ثلاثين بنتا ونقلهن إليها ، وعمل مدنا غيرها ومصانع ، ~~وعمل هيكلا لصور الكواكب وأصنامها على ثمانية فراسخ من منف ، وعمل بتلك ~~الناحية طلسمات كثيرة وعجائب أغرب فيها بفضل حكمة أبيه وجده ، وعمل في ~~السنة اثني عشر عيدا لكل شهر عيد يعمل فيه من الأعمال ما كان موافقا لبرج ~~ذلك الشهر ؛ وكان يطعم الناس في تلك الأعياد ويوسع عليهم ، ففرح الناس به ~~ورأوا معه مالم يروه مع غيره ، وفتح عليه من المعادن ما لم يفتح على أحد ، ~~وألزم أصحاب الكيمياء العمل فكانوا لا يفترون ليلا ولا نهارا ؛ فاجتمع عنده ~~أموال عظيمة وجوهر كثير وزجاج نفيس مسبوك وغير ذلك ، فاحب كنزه فدعا أخا له ~~فقال له : قد ترى كثرة هذا الذهب والجوهر ، وما عمل من هذه التماثيل ~~الكثيرة ، ولست آمن أن يتسامع بنا ms2866 الملوك فيغزونا من أجله ، فأمعن في أرض ~~الغرب ثم انظر مكانا حريزا خفي الأثر ثم أحرزه فيه ثم استره بعلامات واكتب ~~صفة المكان وطريقه وعلامته . قال : ويقول أهل الأثر : إنه حمل معه اثنتي ~~عشرة ألف PageV15P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" عجلة ، منها من الجوهر ثلاثمائة عجلة ، ~~وسائرها من الذهب الإبريز الصفائح والمضروب ، ومن آلات الملوك وطرائفهم ~~وسلاحهم وأوانيهم ؛ فسار في الجنوب يوما ثم أخذ مغربا اليوم الثاني وبعض ~~الثالث ، فانتهى إلى جبل أسود منيف ليس له مصعد بين جبال مستديرة حوله ، ~~فعمل تحت ذلك الجبل أسرابا ومغاور ودفن فيها ما كان معه وردمها وزبر عليها ~~ورجع ؛ فمكث أربع سنين يبعث كل سنة عجلا عظيمة تدفن في نواح شتى . وهو الذي ~~عمل في انديمس المدينة بيتا تدور به تماثيل لجميع العلل ، وكتب على رأس كل ~~تمثال ما يصلح له من العلاج ، فانتفع الناس بها زمانا إلى أن أفسدها بعض ~~الملوك ضنا بالحكمة . وعمل في هذه المدينة صورة امرأة مبتسمة لا يراها ~~مهموم إلا زال همه ونسيه ؛ وكان الناس يأتونها ويطوفون حولها ثم عبدوها نم ~~بعد . وعمل تمثالا روحانيا من صفر مذهب بجناحين لا يمر به زان وال زانية ~~إلا كشف عورته بيده ، وكان الناس يمتحنون به فامتنعوا من الزنا فرقا منه ، ~~واستمر كذلك إلى زمن كلكمن الملك ؛ وذلك أن بعض نسائه ، وكانت حظية عنده ، ~~عشقت رجلا من خدم الملك وخافت أن ينتهي إليه خبرها فيمتحنها بذلك الصنم ~~فيقتلها ، فاحتالت لذلك فخلا بها الملك في بعض الليالي ، وهما يشربان ، ~~فأخذت في ذكر الزواني وجعلت تسبهن وتذمهن ، فذكر الملك ذلك الصنم وما فيه ~~من المنافع للناس ، وما يستحق من عمله من الثناء والذكر الجميل ؛ فقالت ~~المرأة : إنه كذلك وقد صدق الملك ، غير أن منقاوش لم يصب الرأي في أمره ؛ ~~قال الملك : وكيف قلت ذلك ؟ قالت : لأنه أتعب نفسه وحكماءه فيما جعله لصلاح ~~العامة دون نفسه ، وهذا أكبر العجز ؛ وإنما كان حكم هذا التمثال أن ينصب في ~~دار الملك حيث تكون نساؤه وجواريه ، فإن افترقت إحداهن ms2867 ذنبا علم بها فيكون ~~رادعا لهن متى عرض بقلوبهن شيء من الشهوة ؛ لان شهواتهن أغلب وأكثر من ~~شهوات الرجال ؛ ولو حدث - وأعوذ بسعد الله الأعلى - في دار الملك شيء من ~~هذا فأحب امتحانه فضح نفسه وشاع في الخاص والعام أمره ، وإن عاقب بغير أمر ~~يتحققه كان متعديا آثما ، وإن لم يمتحنه صبر PageV15P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" على المكروه . قال الملك : صدقت ، فكيف الوجه ~~في هذا الأمر ؟ قالت : يأمر الملك بنزع هذا الصنم من مكانه ونقله إلى داره ~~ففعل فبطل عمله ، وامتحن فلم يصنع شيئا ، فعملت المرأة ما كانت همت به ~~وانهمكت فيه . قال : ويقال : إن منقاوش بنى هيكلا للسحرة على جبل القصير ~~وقدم عليه رجلا منهم له مسيس ، فكانوا لا يطلقون الرياح للمراكب المقلعة ~~إلا بضريبة يأخذونها منهم للملك . وكان الملك إذا ركب عملوا بين يديه ~~التخابيل العجيبة ، فيجتمع الناس إليهم ويعجبون من أعمالهم ، وأمر أن يبنى ~~لهم هيكل للعبادة يكون لهم خصوصا ، وجعل فيه قبة فيها صورة الشمس والكواكب ~~، وجعل حولها أصناما وعجائب ، وكان الملك يركب إليه ويقيم سبعة أيام ، وجعل ~~فيه عمودين زبر عليهما تاريخ الوقت الذي عمل فيه ، وهما بعين شمس ، ونقل ~~منقاوش إلى عين شمس كنوزا وجواهر وطلسمات وعققير وعجائب ودفنها بها ~~وبنواحيها . قال : وكان منقاوش قسم خراج البلاد أرباعا : فربع منه لملك ~~خاصة يعمل منه ما يريد ، وربع لأرزاق خدمه ، وربع ينفق في مصالح الأرض وما ~~يحتاج إليه من حفر ترعها وعمل جسورها وتقوية أهلها على العمارة ، وربع يدفن ~~لحادثة تحدث وحاجة تنزل . وكان خراج البلد في ذلك الوقت مائة ألف ألف ~~وثلاثة آلاف دينار . وهو مقسوم على مائة وثلاث كور بعدة الآلاف . وأقام ~~ملكا إحدى وسبعين سنة ، ومات نم طاعون أصابه ، وقيل : من سم جعل له في ~~طعامه ، وعمل ه ناووس في صحراء المغرب ، وقيل : في غربي قوص ؛ ودفن معه من ~~مصاحف الحكمة والصنعة المعمولة وتماثيل الذهب والجوهر . ومن الذهب المضروب ~~شيء كثير ، ودفن معه روحاني الشمس من ذهب يلمع ، وله جناحان من زبرجد ، ~~وصنم ms2868 على صورة امرأته التي كانت أحظى نسائه عنده وكان يحبها ، فأمر أن تعمل ~~صورتها في هياكلهم جميعا ، PageV15P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" فعمل له تمثالها من ذهب بذؤابتين من ذهب أسود ~~، وألبست حلة من جواهر منظومة وجعلت جالسة على كرسي ، فكانت تجعل بين يديه ~~في موضع تجلس فيه يتسلى بذلك عنها ، فدفنت معه عند رجليه . وملك بعده ابنه ~~مناوش بن منقاوش ؛ ملك بوصية من أبيه ، فطلب الحكمة على عادة أبيه واستخرج ~~كتبها وأكرم أهلها ، وبذل فيهم الجوائز وطلب الإغراب في عمل العجائب ، وكان ~~كل واحد من ملوكهم يجهد جهده في أن تعمل له غريبة من الأعمال لم تعمل لمن ~~كان قبله وتثبت في كتبهم وتزبر على الحجارة في تواريخهم . قال : ومناوش هذا ~~أول من عبد البقر من أهل مصر ، وكان السبب في ذلك أنه اعتبل على يئس منه ~~فيها ، وأنه رأى في منامه صورة روحاني عظيم يخاطبه ويقول له : إنك لا يخرجك ~~من علتك إلا عبادة البقر لأن الطالع كان وقت حلولها بك في صورة ثور بقرتين ~~؛ ففعل ذلك ، وأمر بأخذ ثور أبلق حسن الصورة ، وعمل له مجلسا في قصره وسقفه ~~بقبة مذهبة ، فكان يبخره ويطيب موضعه ، ووكل به سادنا يقوم به ويكنس تحته ، ~~وكان يتعبد له سرا من أهل مملكته ، فبرأ من علته وعاد إلى أحسن أحواله . ~~ويقال : إنه أول من عمل العجل وضببها بالذهب ، وعمل فيها قبابا من الخشب ~~المذهبة وفرشت بأحسن الفرش ، وكان يركب عليها مع من أحب . وقيل : إنه عمل ~~له ذلك في علته لأنه كان لايقدر على الركوب ؛ وكانت البقر تجره فإذا مر ~~بالمكان النزه أقام فيه ، وإن مر بالمكان الخراب أمر بعمارته . وقيل : إنه ~~نظر إلى نظر ثور أبلق من البقر الذي عجلته فأعجبه حسن بشرته فأمر بترفيهه ~~وسوقه بين يديه إلى كل موضع يسلكه إعجبا به ، وجعل عليه جلا من الديباج ~~المنسوج بالذهب ، فلما كان في بعض الأيام - وقد خلا في موضع منفرد عن ~~أتباعه والثور قائم بين يديه - إذ خاطبه الثور وقال : لو رفهني ms2869 الملك عن ~~السير معه وجعلني في الهيكل وعبدني وأمر أهل مملتكه بعبادتي كفتيه ما يريده ~~، وعاونته على أمره ، وقويته في ملكه ، PageV15P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" وأزلت عنه جميع علله ؛ فارتاع لذلك وأمر ~~بالثور أن يغسل ويطيب وينظف ويدخل الهيكل ، أمر بعبادته . وعبد ذلك الثور ~~مدة وصارت فيه آية أنه لا يبول ولا يروث ولا يأكل إلا أطراف ورق القصب ~~الأخضر في كل شهر مرتين ، فافتتن الناس به وصار ذلك أصلا لعبادة البقر . ~~قال : وابتنى مناوش مواضع وكنز فيها كنوزا وأقام أعلاما . وبنى في صحراء ~~الغرب مدينة يقال لها ديماس وأقام فيها منارا ودفن حولها كنوزا . قال : ~~ويقال : إن هذه المدينة قائمة ، وإن قوما جازوا بها من نواحي الغرب وقد ~~أضلوا الطريق فسمعوا بها عزيف الجن ورأوا أضواء نيرانهم . قال : وفي بعض ~~كتبهم أن ذلك الثور ، بعد مدة من عبادتهم له ، أمرهم أن يعملوا صورته من ~~ذهب أجوف ، ويؤخذ من رأسه هو شعرات ، ومن ذنبه ومن نحاته قرونه وأظلافه ، ~~ويجعل في التمثال ، وعرفهم أنه يلحق بعلمه وأمرهم أن يجعلوا جسده في جرن من ~~حجر أحمر ويدفن في الهيكل وينصب تمثاله عليه ، ويكون ذلك وزحل في شرفه ~~والشمس مسعودة تنظر إليه من تثليث والقمر في الزيادة ، وينقش على التمثال ~~علامات الكواكب السبعة ففعلوا ذلك ، وعملت الصورة من ذهب ملمع على شبه ~~الثور ، وجعل له قرنان من ذهب وكللا بأصناف الجواهر ، وجعلوا عينيه جزعتين ~~سوادا في بياض ، ودفن جسد الثور في الجرن الأحمر . قال : وجعل في المدينة ~~شجرة تطلع كل لون من الفاكهة ، ومنارا في وسطها طوله ثمانون ذراعا ، وعلى ~~رأسه قبة تلون في كل يوم لونا حتى تمضي سبعة أيام ثم تعود إلى اللون الأول ~~فيكسو المدينة من تلك الألوان ، وجعل حول المنار ماء شقه إليه من النيل ، ~~وجعل في ذلك الماء سمكا من ذلك اللون ، وجعل حول المدينة طلسمات رؤوسها ~~رءوس قردة وأبدانها أبدان الناس ، كل واحد منها لدفع مضرة أو اجتلاب منفعة ~~، وعمل على أبواب المدينة ، وهي أربعة أبواب ، على كل ms2870 باب صنما ، ~~PageV15P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" ودفن تحت كل صنم كنزا من الكنوز ؛ وباب كل ~~واحد منها على قياس مائة ذراع منه إلى الجهة التي وجهه منصرف إليها ، وكتب ~~على كل واحد منها قربانه وبخوره والوصول إليه ، وأسكنها السحرة فكانت تعرف ~~بمدينة السحرة ، ومنها كانت أصناف السحرة تخرج . قال : وأقام مناوش في ~~الملك سبعا وثلاثين سنة وهلك ، وعمل له ناووس تحت الجبل الغربي ، وجعل ~~وصيته إلى ابنه من بعده هرميس بن منقاوش ، فملك إحدى عشرة سنة لم يبن ~~بنيانا ولا نصب منارا ولا عمل في أيامه أعجوبة حتى إنه لم يكن يذكر في عداد ~~ملوكهم . فهذا ما أورده في أخبار قفطريم بن قبطيم وبنيه على توال واتساق ~~فلنذكر أخبار أشمون . ذكر أخبار أشمون ومن ملك من بنيه هو أشمون بن قبطيم ~~بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام ؛ وهو أخو قفطريم أبي الملوك ~~الذين قدمنا ذكرهم . كان ملكه من أشمونين إلى منف ، ومن الرق إلى البحر ~~المالح ، ومن الغرب إلى حدود برقة ، وهو آخر حد مصر ، ومن الصعيد إلى حد ~~أخميم . وكان ينزل مدينة الأشمونين وله بنيت وباسمه سميت ، وكان طولها اثني ~~عشر ميلا في مثلها . قال إبراهيم : وأشمون أول من اتخذ الملاعب بابصنا ~~والبهنسا وغيرها ، وبنى الصور وغرس الغروس ، وبنى مدينة تعرف بقمنطر ذات ~~العجائب ، وهي بالقرب من مدينة السحرة التي تقدم ذكرها في أخبار منقاوش . ~~قال : وفي وسط هذه المدينة قبة تمطر شتاء وصيفا مطرا خفيفا وتحت القبة ~~مطهرة فيها ماء أخضر يتداوى به من كل داء فيبرئه ، وفي شرقها سرب لطيف له ~~أربعة أبواب ، لكل باب منها عضادة صورة وجه يخاطب كل واحد منها صاحبه بما ~~يحدث في قومه ، ومن دخل تلك البربا على غير طهارة نفخوا عليه فأصابته علة ~~فظيعة لا تفارقه إلى أن يموت . وكانوا يقولون إن في وسطه مهبط النور وهو في ~~صورة PageV15P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" العمود ، من اعتنقه لم يحتجب عن نظره شيء من ~~الروحانيات ، ويسمع كلامهم ويرى ما يعملون ، وعلى ms2871 كل باب من أبواب هذه ~~المدينة صورة راهب في يده مصحف فيه علوم الكهنة ، فمن أحب ذلك العلم أتى ~~تلك الصورة فمسحها بيديه وأمرهما على صدره فيثبت ذلك العلم في صدره . ويقال ~~: إن هاتين المدينتين قمنطر ومدينة السحرة بنيتا على اسم هرمس وهو عطارد ، ~~وأنهما بحالهما . قال : وحكي عن رجل أنه أتى عبد العزيز بن مروان ، وهو على ~~مصر ، فعرفه أنه تاه في صحراء الشرق وأنه وقع على مدينة خراب ، وأنه وجد ~~فيها شجرة تحمل من كل فاكهة ، وأنه أكل منها وتزود ؛ فقال له رجل من القبط ~~: هذه إحدى مدينتي هرمس وفيها كنوز كثيرة ؛ فوجه عبد العزيز معه جماعة وحمل ~~معهم زادا وماء ، فأقاموا يطوفون شهرا في تلك الصحارى فلم يقفوا لها على ~~اثر . ويقال : إن أشمون عمل في وقته على باب الأشمونين إوزة من نحاس ، فكان ~~الغريب إذا دخل المدينة صاحت الإوزة وخفقت بجناحيها فيعلم به ، فإن أحبوا ~~منعوه ، وإن أحبوا تركوه . قال : وفي أيامه كثرت الحيات فكانوا يصيدونها ~~ويعملون من لحومها الأدوية والدرياقات ، ثم ساقوها بسحرهم إلى وادي الحيات ~~في جابل لوبية ومراقية فسجنوها هناك . قال : وهو أول من عمل النوروز بمصر ~~ورتبه سبعة أيام يدمنون فيها الأكل والشرب واللهو . وفي زمانه ينبت البهنسا ~~وأقام بها أسطوانات ، وجعل فيها مجلسا من زجاج أصفر وعليه قبة مذهبة ، ~~فكانت الشمس إذا طلعت على القبة ألقت شعاعها على المدينة . وعمل فيها عجائب ~~كثيرة يطول الشرح بذكرها . قال : ويقال إن أشمون كان أول إخوته ملكا ، وكان ~~أعدل بني أبيه وأرغبهم في صنعة تبقى ويبقى ذكرها . وهو الذي بنى المجالس ~~المصفحة بالزجاج الملون في وسط النيل . وتزعم القبط أنه بنى سربا تحت الأرض ~~من الأشمونين إلى أنصنا تحت PageV15P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" النيل . وقيل : إنه عمله لبناته لأنهن كن ~~يمضين إلى هيكل الشمس . وكان هذا السرب مبلط الأرض والحيطان والسقف بالزجاج ~~الثخين الملون . وقيل : إنه كان أطول أخوته ملكا . وقال أهل الأثر : إنه ~~ملك ثمانمائة سنة ، وغن قوم عاد انتزعوا منه الملك بعد ستمائة ms2872 سنة من ملكه ~~وأقاموا تسعين سنة واستوبئوا البلد فانتقلوا إلى الدثين من طريق الحجاز إلى ~~وادي القرى فعمروها واتخذوا بها المنازل والمصانع فسلط الله عليهم الذر ~~فأهلكهم ، وعاد ملك مصر إلى أشمون بعد خروجهم من البلد . ويقال : إنه ملكهم ~~ثمانمائة سنة وثلاثين سنة ، ودفن في أحد الأهرام الصغار القبلية . وقيل : ~~بل عمل له ناووس في غربي الأشمونين ودفن معه فيه من الأموال والعجائب شيء ~~كثير ، وأصنام الكواكب السبعة التي كانت في هيكل المرآة التي ترى منها ~~الأقاليم ، ودفن معه ألف سرج من ذهب وفضة ، وعشرة آلاف خابية صغار من ذهب ~~وفضة وزجاج ، ألف عقار مدبرة لفنون الأعمال وزبر عليه اسمه ومدة ملكه ~~والوقت الذي مات فيه . واستخلف ابنه مناقيوس بن أشمون . وكان جلدا محنكا ~~فاستأنف العمارة وبنى القرى ونصب الأعلام ، وجمع الحكمة ومصاحف الملوك ~~والحكماء وعمل العجائب ، وبنى لنفسه مدينة وانفرد بها ، وعمل عليها حصنا ~~ونصب عليه أربعة أعلام ، في كل ركن من أركانه علم ، وبين تلك الأعلام ~~ثمانون صنما من نحاس وأخلاط ، في أيديها آلات السلاح وزبر على صدرها آياتها ~~. قال : وكان بمنف رجل من أولاد الكهنة من أعلم الناس بالسحر وأبصرهم بأخذ ~~التماسيح والسباع ، وكان يعلم الغلمان السحر فإذا حدقوا علم غيرها ، فأمر ~~الملك أن تبنى به مدينة ويحول إليها فبنيت ، وهي إخميم . وملك مناقيوس نيفا ~~وأربعين سنة ومات فدفن في الهرم المحاذي لإطفيح ، ونقل معه شيء كثير من ~~المال والجواهر والآنية والتماثيل ، وزبر عليه اسمه والوقت الذي مات فيه . ~~PageV15P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" وملك بعده ابنه - ولم يسمه إبراهيم - فكان ~~أحزم من أبيه ، فعظم في عيون أهل مصر ، وهو أول من عمل الميدان أمر أصحابه ~~برياضة أنفسهم فيه . وأول من عمل البيمارستانات لعلاج المرضى والزمني ~~وأودعها العقاقير ورتب فيها الأطباء وأجرى عليهم ما يسعهم ، وأقام الأمناء ~~على ذلك ، وصنع لنفسه عيدا وسماه عيد الملك ؛ فكان الناس يجتمعون إليه في ~~يوم من لاسنة ، فيأكلون ويشربون سبعة أيام وهو يشرف عليهم في مجلس قد بني ~~له على عمد قد طوقت ms2873 ذهبا وألبست فاخر الذهب المنسوج ، وعليه قبة مصفحة من ~~داخلها وخارجها بالذهب والزجاج المسبوك ، وكان يعطي كل قوم قسطهم من النظر ~~ثم يكثرون الدعاء له وينصرفون إلى مواضعهم . وفي أيامه بنيت سنترية في ~~صحراء الواحات ، عملها من حجارة بيض مربعة على تقدير واحد ، وجعل في كل ~~حائط من حيطانها بابا في وسطه شارع ينتهي إلى الحائط المجاور له من الجهة ~~الأخرى ، وجعل في كل شارع أبوابا يمنة ويسرة وتنتهي طرقاتها إلى داخل ~~المدينة ، وجعل في وسط هذه المدينة ملعبا يدور به من كل ناحية سبع درج ؛ ~~وعمل عليه قبة من خشب مدهون على عمد عظيمة من رخام ، وفي وسطه منار من رخام ~~عليه صنم من صوان أسود يدور مع الشمس بدورانها ، وبسائر نواحي القبة صور ~~معلقة تصفر وتصيح بلغات مختلفة . وكان الملك يجلس على الدرجة العالية من ~~الملعب وحوله بنوه وأقاربه به وأبناء الملوك ، وعلى الدرجة الثانية رؤساء ~~الكهنة والوزراء ، وعلى الثالثة رؤساء الجيش ، وعلى الرابعة أصحاب الفلسفة ~~والمنجمون والأطباء وأصحاب العلوم ، وعلى الخامسة أصحاب العمارات ، وعلى ~~السادسة أصحاب المهن ، وعلى السابعة العامة ؛ فيقال لكل طائفة منهم : ~~انظروا من دونكم ولا تنظروا من فوقكم ، فإنكم لا تلحقونهم . فكان في هذا ~~ضرب من التأديب . قال : وكان للملك عدة نسوة ، وكان يحب منهن امرأتين ~~ويتخطاهما ويجمع بينهما في مجلس واحد ، فمال لإحداهما في بعض الأيام دون ~~الأخرى ، فغارت وغرب عقلها وتناولت سكينا ودخلت إلى الملك وهو مغتر وتلك ~~المرأة جالسة إلى جنبه فضربتها بالسكين ، وقام الملك دونها ليمنعها منها ~~فضربته على فؤاده فخر صريعا ، وقبض على المرأة وحبست ، ومات الملك . وقد ~~أوصى بقتل المرأة ووضع رأسها على ناووسه . ومدة ملكه ستون سنة . ~~PageV15P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" وملك بعده ابنه مرقورة الملك ؛ فدخل عليه ~~العظماء وهنوه ودعوا له بدوام الملك والنعمة ، وكان حازما عاقلا ، فأخذ في ~~حسن التدبير وتقويم العمارة وترتيب المراتب ، وجعل لرأس الكهان الحكومة في ~~أمر الدين . قال : وفي كتبهم أنه أول من ذل السباع بمصر وركبها . قال : ~~وبنى المدن وعمر الهياكل ms2874 وأقام الأصنام التي غربي منف ، وكان ملكه نيفا ~~وثلاثين سنة ، وعمل له ناووس على طريق الغرب على مسافة يويمن . وقلد ابنه ~~بلاطس بن مرقورة ، فملك وهو صبي ، وكانت أمه تدبر الملك مع الوزراء والكهنة ~~، وكانت حازمة مجربة ، فأجرت الأمور على ما كانت في حياة أبيه ، وأحسنت إلى ~~الأولياء ، وعدلت في الرعية ، ووضعت عنهم بعض الخراج فأحبوها . وعملت في ~~وقته البركة العظيمة في صحراء الغرب ، وجعل في وسطها عمود طوله ثلاثون ~~ذراعا في أعلاه قصعة من حجارة يفور منها الماء فهي لا تنقص أبدا ، وجعل ~~حولها أصنام حجارة ملونة من كل صنف على صور الحيوان والوحش والطير ، وكان ~~كل جنس يأتي إلى صورته ويألفها فيؤخذ ولا يدري . قال : ولما ترعرع الملك ~~أحب الصيد ولهج له ، فعملت له أمه متنزها فيه مجالس مركبة على أساطين من ~~المرمر مصفحة بالذهب ، عليها قباب مرصعة بالتصاوير العجيبة والنقوش المؤلفة ~~، يطلع من تحتها الماء في فوارات وتنصب إلى أنهار مصفحة بالفضة تفضي إلى ~~حدائق فيها بدائع الغروس ، عليها تماثيل تصفر بأصناف اللغات ، ونضدت بأنواع ~~الفواكه ، وأرخت عليها ستور الديباج المنسوجة بالذهب ، اختارت له من بنات ~~الملوك الحسان وأزوجته منهن ، وبنت حول تلك الجنة مجالس يجلس فيها الوزراء ~~والكهنة وأشراف أهل الصناعات يرفعون إليه ما يعملونه ، فكان أكثر مقام ~~الملك في تلك الجنة ، فإذا فرغوا من أعمالهم نقل إليهم الطعام والشراب من ~~مطبخه ، ولا يزالون في أكل وشرب بقية يومهم وليلتهم ، وأقاموا على ذلك ~~والأمور جارية على السداد . وكانت أيامه سعيدة كثيرة الخصب والسعة للناس ~~والعدل فيهم والإحسان إليهم . وكان له يوم يخرج فيه إلى الصيد ويرجع إلى ~~جنته فيأمر لمن معه بالجوائز والأطعمة والأشربة ، ويجلس يوما للناس فينظر ~~في أمورهم ومصالحهم ويقضي حوائجهم ، PageV15P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" ويجلس يوما للخلوة بنسائه ، ثم جدر فمات ؛ ~~وعمل له ناووس في جنته وجعل فيه من الأموال والجواهر والصنعة والتماثيل كما ~~كان يجعل لآبائه . وكان ملكه ثلاث عشرة سنة ، وانتقل الملك إلى أعمامه . ~~ذكر أخبار أتريب الملك هو أتريب بن قبطيم ms2875 بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح ~~عليه السلام . قال : وكان أتريب قد انتقل إلى حيزه بعد وفاة أبيه قبطيم ، ~~وهي المدينة التي كان أبوه بناها له ، وكان طولها اثني عشر ميلا ، ولها ~~اثنا عشر بابا ، وفي شارعها الأعظم ثلاث قباب عالية على عمد بعضها فوق بعض ~~، منها قبة في وسط المدينة ، وقبتان في طرفيها ، وجعل على كل ركن منها ~~مرقبا كبيرا يوقد ليلا ، وعلى كل باب من أبوابها حرسا كثيرا ، وجعل في كل ~~جانب منها ملعبا ومنتزهات تشرف من تلك المجالس عليها ، وشق في عرضها نهرا ~~وعمل عليه قناطر معقودة ، وبنى فوقها مجالس يتصل بعضها ببعض ، وجعل حوله ~~منازل تدور بالخليج متصلة بالقناطر على رياض مزروعة وخلفها الأجنة ~~والبساتين ، وعلى كل باب من أبوابها أعجوبة من تماثيل وأصنام متحركة وأصنام ~~ينبع الماء من آذانها ، ومن داخل كل باب صورة شيطانين من ضفر ، فكان إذا ~~قصدها أحد من أهل الخير قهقه الشيطان الذي عن يمنة الباب ، وإن كان من أهل ~~الريب بكى الشيطان الذي عن يسرة الباب ، وجعل في كل منتزه منها من الوحوش ~~الآلفة والطير المغردة كل مستحسن ، وجعل فوق قباب المدينة صورا تصفر إذا ~~هبت الرياح ، ونصب له فيها مرايا ترى البلدان البعيدة والعجائب الغريبة ، ~~وبنى حذاءها في الشرق مدينة وجعل فيها ملاعب وأصناما بارزة كثيرة في خلق ~~مختلفة ، وجعل في وسطها بركة إذا مر بها الطير سقط عليها فلا يبرح حتى يؤخذ ~~، وجعل لها جصنا باثني عشر بابا وجعل على كل باب من أبوابها تمثالا يعمل ~~أعجوبة وعمل حولها أجنة ، وجعل ما يقرب منها من ناحية الشرق مجلسا منقوشا ~~على ثماني أساطين ، وفوق المجلس قبة عليها طائر منشور الجناحين يصفر كل يوم ~~ثالث صفرات : بكرة ونصف النهار ، وعند الغروب ، وأقام فيها أصناما وعجائب ~~كثيرة ، وبنى مدنا كثيرة وأكثر من العمارات ، وأقام رجلا يقال له برسان ~~يعمل الكيمياء ، PageV15P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" وضرب منها دنانير ، في كل دينار سبعة مثاقيل ~~عليها صورته ، وعمل منها تماثيل كثيرة . وعاش أتريب ms2876 في الملك ثلاثمائة سنة ~~وستين سنة ، وكانت سمة خمسمائة سنة . وعمل له ناووس في جبل بالشرق حفر له ~~تحته سرب بطن بالزجاج والمرمر وجعل على سرير من ذهب مرصع وحملت إليه ذخائره ~~، وجعل على بابه صورة تنين لا يدنو منه أحد إلا أهلكه ، وزبر عليه اسمه ~~وتاريخ وقته ، وسفوا عليه الرمال . وملكت بعده ابنته تدرورة فدبرت الملك ~~وساسته بأيد وقوة خمسا وثالثين سنة ثم ماتت . فقام بالملك أخوها فليمون بن ~~أتريب ؛ فرد الوزراء إلى مراتبهم ، وأقام الكهان على مواضعهم لوم يخرج ~~الأمر عن رأيهم ، وجد في العمارات وطلب الحكم وعمل بها . وفي أيامه بنيت ~~تنيس الأولى التي غرقها البحر ، وكان بينها وبين البحر شيء كثير ، وحولها ~~الزروع والأشجار والكروم والقرى ومعاصر الخمر وغيرها وعمارة لم يكن أحسن ~~منها ، فأمر الملك أن يبنى له في وسطها مجالس ، وينصب له عليها قباب ، ~~وتزين بأحسن الزينة والنقوش ، وأمر بقرشها وإصلاحها ، وكان إذا بدأ النيل ~~في الزيادة انتقل الملك إليها فأقام بها إلى النوروز ورجع . وكان للملك بها ~~أمناء يقسمون المياه ويعطون كل قرية قسطها ، وكان على تلك القرى حصن يدور ~~بقناطر ، وكان كل ملك يأتي يأمر بعمارتها والزيادة فيها ويجعلها له متنزها ~~. ويقال : إن الجنتين اللتين ذكرهما الله تعالى في كتابه كانتا لأخوين من ~~أهل بيت الملك أقطعهما الملك ذلك الموضع . وقد تقدم ذكر خبرهما عند ذكرنا ~~لبحيرة تنيس ، وهو في الباب السادس من القسم الرابع من الفن الأول في ذكر ~~البحار والجزائر وهو في السفر الأول من كتابنا هذا . PageV15P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" قال : وفي زمان فليمون بنيت دمياط على اسم ~~غلام له كانت أمه ساحرة لفليمون . قال : وملك فليمون تسعين سنة ، وعمل ~~لنفسه ناووسا في الجبل الشرقي ، وحول إليه من الأموال والجواهر وسائر ~~الذخائر شيئا كثيرا ، وجعل من داخله تماثيل تدور بلوالب في أيديها سيوف فمن ~~دخلها قطعته بسيوفها . وجعل عن يمينه ويساره أسدين من نحاس مذهب بلوالب ~~أيضا فمن دنا منهما حطماه ، وزبر على الناووس : هذا قبر فليمون بن أتريب بن ms2877 ~~قبطيم بن مصريم ، عمرا عمرا ، وبقي دهرا ، واتاه الموت فما استطاع له دفعا ~~، فمن وصل إليه فلا يسلبه ما عليه ، وليأخذ مما بين يديه . وصار الملك بعده ~~إلى ابنه قرسون بن فليمون ؛ وجلس على سرير الملك ، ودخل إليه عظماء أهل ~~البلد والخاص والعام فهنؤه بالملك ، فتقدم في أمر الهياكل والكهنة وطلب ~~الحكمة ؛ وكان حدثا جميلا فعشقته إحدى نساء أبيه ، وكانت تتولى طيبة وتزعم ~~أن أباه أمرها بذلك ، ثم بعثت إلى ساحرة من أعلم السحرة بمنف فسألتها أن ~~تسحره لها وبذلت لها على ذلك أموالا ، وإذا الساحرة قد عشقته أشد من عشقها ~~، فسعت بامرأة أبيه وعرفته ما بذلت لها على ذلك ، فأبعدها عن مجلسه ومنعها ~~من الدخول إليه . وبلغ ملكا من ملوك حمير أن ملك مصر صار إلى غلام حدث غر ~~فطمع فيه وسار إليه في جموع عظيمة ، فخرج قرسون نحوه فالتقوا بأيلة ~~واقتتلوا قتالا شديدا حتى تفانى الفريقان ، فأتت تلك الساحرة إلى الملك ~~فقالت : ما تجعل إلى أعنتك على عدوك حتى تفض جموعه وتظفر به ؟ قال حكمك ؛ ~~فأخذت عليه بذلك العهود والمواثيق ، وأصبحوا للحرب فدخنت الساحرة بدخن ~~عجيبة وأظهرت تخابيل هائلة ، فهرب الحميري في نفر يسير من ثقاته ، وقتل ~~بقية أصحابه ، وحاز جميع ما كان في خزائنهم ، وعاد الملك إلى منف بالظفر ~~والغنيمة ، فأتته الساحرة فسألته الوفاء بالشرط فقال : احتكمي ما أحببت ، ~~فهذه الأموال والخزائن بين يديك ؛ فقالت : ما أريد غير الملك ؛ فقال : ويحك ~~إنك لست من أهل بيت الملك ، وقد علمت ما في هذا على الملك ؛ فقالت : قد كان ~~الملوك قبلك يغصبون نساء الناس ويلدن منهم ولا يسألون عن ولاداتهم ، وأنا ~~ابنة فلان رئيس الكهنة ، ويوشك أن يحتاج الملك إلي بعد هذا . ولم تزل به ~~حتى انصرف قلبه إليها ، فتزوجها وأحبها وحظيت عنده . فضاقت الأرض ~~PageV15P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" بامرأة أبيه فأخذت في أعمال الحيلة عليها ؛ ~~فدست جارية لها عاقلة لطيفة على ساقي الملك الذي يتولى شرابه ، فاختلطت ~~بجواريه حتى تمكنت من إناء كان فيه شراب للملك فألقت فيه سما ms2878 وعادت في ~~الوقت إلى مولاتها وأخبرتها ، فدخلت إلى الملك فسجدت له وقالت : قد كنت ~~للملك ناصحة ، وعليه مشفقة ، فأقصاني واختص هذه الساحرة الفاجرة ، وقد سمت ~~شرابه في إناء من صفته كذا وكذا ، فليسقها الملك منه ليعلم صدقي ؛ فدعا ~~الملك بالإناء فوجده على ما ذكرت ، فاحضر الساحرة ، وأمرها بشرب قدح منه ~~فشربته ولم تعلم ما فيه فسقط لحمها من عظمها . فأمر بدفنها في ناووس وزبر ~~عليه اسمها وما همت به وما صار أمرها إليه ، وعاد إلى امرأة أبيه وتزوج بها ~~وحسنت حالها عنده . قال : وفي أيامه عمل المنار على بحر القلزم وجعلت على ~~رأسه مرآة من أخلاط تجتذب المراكب على شاطئ البحر ، فلا يمكنها أن تبرح أو ~~تعشر ، فإذا عشرت سترت المرآة فتجوز المراكب . قال : وأقام قرسون ملكا ~~مائتين وستين سنة ؛ وقد كان عمل لنفسه ناووسا خلف الجبل الأسود الشرقي ، ~~وجعل في وسطه قبة فيها اثني عشر بيتا ، في كل بيت أعجوبة لا تشبه الأخرى ، ~~وزبر عليها اسمه ومدة ملكه . قال : وملك بعده ثلاثة أو أربعة . فهؤلاء ~~الذين سماهم من أولاد أتريب ممن ملك منهم . والله أعلم . ذكر أخبار صا بن ~~قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام ابن نوح عليه السلام قال : ولما قسم قبطيم ~~الأرض بين بنيه الأربعة كما تقدم وانتقل كل واحد منهم إلى حيزه ، خرج صا ~~بأهله وولده وحشمه إلى حيزه ، وهو بلد البحيرة وما يليها إلى برقة ، ونزل ~~مدينة صا ، وذلك قبل أن تبنى الإسكندرية . وكان صا أصغر ولد أبيه وأحبهم ~~إليه ، فلما ملك حيزه أمر بالنظر في العمارة ، وبنى المدائن والبلدان ~~والهياكل ، وعمل في إظهار العجائب كما صنع إخوته ، وطلب الزيادة في ذلك . ~~وكان مرهون PageV15P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" الهندي صاحب بنائه ، فبنى له من حد صا إلى حد ~~لوبية ومراقية على عبر البحر أعلاما ، وجعل على رءوس تلك الأعلام مرايا من ~~أخلاط شتى : فكان منها ما يمنع من دواب البحر وأذاهم ، ومنها ما إذا قصدهم ~~عدو من الجزائر الداخلة وأصابها الشمس ألقت شعاعها على مراكبهم ms2879 فأحرقتها ، ~~ومنها ما يرى المدائن التي تجاورهم من عدوة البحر وما يعمله أهلها ، ومنها ~~ما ينظر منها إلى إقليم مصر فيعلم ما يخصب وما يجدب من ه في كل سنة . وجعل ~~فيها حمامات توقد من نفسها ومستشرفات . وكان كل يوم في موضع منها بمن يخصه ~~من حشمه وخدمه ، وجعل حولها بساتين وسرح فيها الطيور المغردة والوحش ~~المستوحش والمستأنس والأنهار المطردة والرياض المونقة ، وجعل شرف القصر من ~~حجارة ملونة تلمع إذا أصابتها الشمس فتنشر شعاعها على ما حولها ؛ ولم يدع ~~شيئا من آلة النعمة والرفاهية إلا استعمله . فكانت العمارة ممتدة إلى برقة ~~في رمال من رشيد إلى الإسكندرية إلى برقة . وكان الرجل يسافر في أرض مصر ~~لايحتاج إلى زاد لكثرة الفواكه والخيرات ، ولا يسير إلا في ظلال تستره من ~~الشمس . وعمل في تلك الصحاري فصورا وغرس فيها غروسا ، وساق إليها من النيل ~~أنهارا . وكان يسلك من الجانب الغربي إلى حد الغرب في عمارة متصلة . قال : ~~فلما انقرض أولئك القوم بقيت آثارهم في تلك الصحارى وخربت تلك المنازل وباد ~~أهلها . قال : ولا يزال من دخل تلك الصحارى يحكى ما رأى فيها من الآثار ~~والعجائب . قال : ومن ملوكهم مرقونس ؛ وكان فاضلا حكيما ، محبا للنجوم ~~والحكمة ، فعمل في أيامه ردهم إذا ابتاع به صاحبه شيئا اشترط أن يزن له ما ~~يبتاعه منه بوزن الردهم ولا يطلب عليه زيادة ، فيغتر البائع بذلك ويقبل ~~الشرط ، فإذا تم ذلك بينهما وقع في وزن الردهم أرطال كثيرة تسوي عشرة ~~أضعافه ، وإن أحب أن يدخل في وزنه أضعاف تلك الأرطال دخل . قال : وقد وجد ~~في كنوزهم في أيام بني PageV15P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" أمية ، فكان الناس يتعجبون منه . وقد كانوا ~~وجدوا درهما آخر قيل إنه عمل في وقته أيضا يكون في ميزان الرجل ، فإذا أراد ~~أن يبتاع حاجة أخذ الدراهم من ميزانه وقلبه وقال : اذكر العهد ، ومضى ~~فابتاع به ما أراد ، فإذا أخذ السلعة ومضى إلى بيته وجد الدرهم قد سبقه إلى ~~منزله ، ووجد البائع حيث وضعه ورقة آس أو ms2880 قرطاس أو مثل ذلك بدور الدرهم . ~~وقيل : إن في وقته عملت الآنية الزجاج التي توزن ، فإذا ملئت ثم وزنت لم ~~تزد على وزنها الأول شيئا ، وهي تحمل من الماء بوزنها . وعمل أيضا في وقته ~~الآنية التي إذا جعل الماء فيها صار خمرا في لونه ورائحته وسكره . قال : ~~وقد وجد من هذه الآنية بإطفيح في إمارة هارون بن خمارويه بن أحمد ابن طولون ~~شربة جزع بعروة زرقاء ببياض . وكان الذي وجدها أبو الحسن الصائغ الخراساني ~~هو ونفر معه ، فجلسوا ليأكلوا على عبر النيل وشربوا الماء بها فوجدوه خمرا ~~فسكروا منه ورقصوا ، فوقعت الشربة فانكسرت على عدة قطع ، فاغتم الرجل وجاء ~~بها إلى هارون مكسورة ، فأسف عليها وقال : لو كانت صحيحة لاشتريتها ببعض ~~ملكي . وفي أيامه عملت الصورة الحنتمية من الضفادع والخنافس والذباب ~~والعقارب وسائر الحشرات ، فكانت إذا جعلت في موضع من المواضع اجتمع إليها ~~ذلك الجنس بعينه ولا يقدر أن يفارقها حتى يقتل . وعمل في صحراء الغرب ملعبا ~~من زجاج ملون ، وجعل في وسطه قبة من الزجاج خضراء صافية اللون ؛ وكانت إذا ~~طلعت عليها الشمس ألقت شعاعها على المواضع البعيدة . وعمل من أربع جهاته ~~أربعة مواضع عالية من الزجاج ، كل مجلس منها بلون ، ونقش كل مجلس منها بما ~~يخالف لونه من الطلسمات العجيبة والنقوش الغريبة والصور البديعة ؛ كل ذلك ~~من زجاج مطابق يشف . وكان يقصد هذا الملعب ويقيم فيه الأيام الكثيرة . وعمل ~~له ثلاثة أعياد في كل سنة ، فكانوا يحجون إليه ويذبحون له ويقيمون فيه سبعة ~~أيام ؛ فلم يزل ذلك الملعب بحاله تقصده الأمم لتنظر إليه لأنه لم يكن له ~~نظير ولا شكل ، ولا عمل في العالم مثله إلى أن هدمه بعض الملوك لأنه تعاطى ~~مثله فلم يقدر على ذلك . PageV15P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" وكانت أم مرقونس ابنة ملك النوبة ، وكان أبوها ~~يعبد نجما يقال له السها ، ويسميه إلها ، فسألت ابنها أن يعمل لها هيكلا ~~ويفردها به ، فعمله لها وصفحه بالذهب والفضة وأقام فيه صنما وأرخت عليه ~~ستور الحرير ، فكانت تدخل إليه ms2881 مع جواريها وحشمها وتسجد له كل يوم ثلاث ~~مرات . وعملت في كل شهر عيدا تقرب له فيه القرابين وتبخرج ليله ونهاره ، ~~ونصبت له كاهنا من النوبة فكان يقوم به ويبخر ويقرب له ، ولم تزل حتى سجد ~~ودعا الناس إلى عبادته . قال : ولما رأى الكاهن أن الأمر قد أحكم له من جهة ~~الملك في عبادة الكواكب ، أحب أن يكون له مثالا في الأرض على صورة شيء من ~~الحيوان يتعبد له ليكون حذاء عينيه ؛ فأقام يعمل الحيلة في ذلك إلى أن اتفق ~~بمصر كثرة العقبان حتى أضرت بالناس ، فأحضره الملك وسأله عن كثرتها فقال : ~~إن إلهك أرسلها لتعمل له نظيرا يسجد له . فقال الملك : إن كان ذلك يرضيه ~~فأفعله ، فعمل تمصال عقاب طوله ذراعان في عرض ذراع من ذهب مسبوك ، وعمل ~~عينيه من ياقولتين ، وعمل له وشاحين من لؤلؤ منظوم على أنابيب جوهر أخضر ، ~~وجعل في منقاره كرة معلقة وسروله بادرك أحمر ، وأقامه على قاعدة من فضة ~~منقوشة ، وركبها على قائمة زجاج أزرق ، وجعله في أزج عن يمين الهيكل ، ~~وألقى عليه ستور الحرير ، وجعل له دخنة معمولة من جميع الأفاويه والصمغ ، ~~وقرب له بعجل اسود وبكارة الفراريج وبواكير الفواكه والرياحين . فلما تمت ~~له سبعة أيام دعاهم إلى السجود له فأجابوه . ولم يزل الكاهن يجهد نفسه في ~~عبادته ، وعمل له عيدا دعاهم فيه إلى أن يبخر له في أنصاف الشهور بالندل ~~وترش الهياكل بالخمر العتيقة التي تؤخذ من رءوس الجوابي ، ونطق لهم العقاب ~~وعرفهم أنه أوال عنهم العقبان وضررها ؛ وكذلك يفعل في غيرها مما يخافون ؛ ~~فسر الكاهن بذلك ووجه إلى أم الملك فعرفها ذلك فصارت إلى الهيكل ، فلما ~~سمعت كلام العقاب سرها ذلك وأعظمته ، وبلغ الملك خبره فركب إلى الهيكل حتى ~~خاطبه وأمره ونهاه ، فسجد له وأقام له سدنة وأمر أن يزين بأصناف الزينة ، ~~وكان الملك يقوم بذلك الهيكل ويسجد تلك الصورة ويسألها عما يريد فتخبره . ~~PageV15P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" وعمل من الكيمياء والذهب مالم يعمله أحد من ~~الملوك . فيقال : إنه دفن في صحراء ms2882 الغرب خمسمائة دفين . ويقال : إنه عمل ~~على باب صا عمودا وجعل عليه صنما في صورة امرأة جالسة وفي يدها مرآة ينظر ~~فيها العليل أو ينظر له أحد فيها فإن كان يموت رآه ميتا ، وإن كان يعيش رآه ~~حيا ؛ والماسفر ، فإن كان مقبلا بوجهه أنه راجع ، وإن رآه موليا علموا أنه ~~متماد ، وإن كان مريضا أو ميتا رأوه كذلك . وعمل بالإسكندرية صورة راهب ~~جالس على قاعدة وعلى رأسه كالبرنس وفي يده كالعكاز إذا مر به تاجر جعل بين ~~يديه شيئا من الذهب على قدر بضاعته ، وإن حاذاه عن بعد ولم يفعل ذلك لم ~~يقدر على الجواز ويبيت قائما مكانه ، فكان يجتمع من ذلك مال عظيم يفرق في ~~الزمني والفقراء . وعمل في وقته كل أعجوبة طريفة ، وأمر أن يزبر اسمه عليها ~~وعلى كل علم وكل طلسم وصنم . وعمل لنفسه ناووسا في داخل أرض الغرب عند جبل ~~يقال له سدام ، وعمل تحته رحى طوله مائة ذراع في ارتفاع ثلاثين ذراعا في ~~عرض عشرين ذراعا ، وصفحه بالمرمر والزجاج الملون المسبوك وسقفه بالحجارة ~~الصافية ، وعمل فيما دار به مصاطب لطافا مبلطة بالزجاج ، وعمل على كل مصطبة ~~فيها أعجوبة وتمثالا مما عمل في وقته ، وعمل في وسط الأزج دكة من زجاج ملون ~~، على كل ركن من أركانها صورة تمنع من الدنو إليها ، وبين كل صورتين ~~كالمنارة عليها حجر مضيء ، وجعل في وسط الدكة حوضا من ذهب يكون جسده فيه ~~بعد تضميده بالأدوية الممسكة ، ونقل إليه ذخائره من الجوهر والذهب وغير ذلك ~~، أمر أن يسد باب الأزج بالصخور والرصاص وتهال عليه الرمال . وكان ملكه ~~ثلاثا وسبعين سنة ، وعمره مائتين وأربعين سنة ، وكان جميلا ذا وفرة حسنة ~~عامة نسائه بعده ولزمن الهيكل . وعهد بالملك إلى ابنه أنساد بن مرقونس ؛ ~~فملك بعد أبيه وهو غلام ابن خمس وأربعين سنة ، وكان معجبا جبارا طماح العين ~~، فنكح امرأة من نساء أبيه وانكشف أمره معها ، وكان أكبر همه اللهو واللعب ~~، فجمع كل ملة كان في مملكته كل من PageV15P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" هذه ms2883 سبيله ، وجعل تدبير الملك إلى وزير له ~~يقال له مسرور ، ورفض العلوم والهياكل والكهنة والنظر في أمور الناس . وعمل ~~قصورا من خشب عليها قباب من خشب منقوشة مموهة وجعلها على أطراف في النيل ، ~~فكان يشرب عليها مع من يحبه من نسائه وخدمه ومن يلهيه . وعمل عجلا في البر ~~وحمل عليها الأروقة المذهبة وفرشها بفاخر الفرش ، فكان يتنزه عليها ويجرها ~~البقر ويقيم في نزهته شهورا لا يمر بموضع نزه إلا أقام فيه أياما . وولد من ~~الشجر توليدا كثيرا . واستنفد أكثر ما في خزائن أبيه لجوائز المهين ~~والنفقات في غير وجه . فلما أسرف في ذلك اجتمع الناس إلى وزيره فأنكروا ~~عليه حاله وسألوه مسألته والمشورة عليه أن يقع عما هو عليه فضمن لهم ذلك ، ~~وفاوضه فيه فلم ينته عنه ، وسلط أصحابه على الناس فأساءوا إليهم وأضروا بهم ~~. وخرج في بعض الأيام إلى متنزه كان له قد صفح مجالسه بصفائح الذهب والفضة ~~، وغريب الزجاج الملون ، والجواهر المخروطة ، الصهاريج المرخمة الملونة ، ~~وأمال إليه المياه ، وغرس فيه الرياحين والثمار ، وفرش مجالسه بأصناف الفرش ~~؛ وكان إذا احب أن يخلو بامرأة من نسائه خلا بها هناك ؛ فإنه في ذلك المكان ~~، وقد أقام به أياما ، إذ خرج غلام لبعض حرمه فأتى بعض التجار في حاجة أراد ~~أخذها بغير ثمن ، فمنعه التجار منها ، فوثب بهم فضربوه حتى أسالوا دمه وحمل ~~، واتصل الخبر بالوزير وصاحب الجيش فركبا إلى الموضع وأنكرا على الناس ~~فأغلظوا لهما ، فانصرفا وعرفا الملك الخبر ، فأراهما أنه لم يحفل بذلك ، ~~وأمر بالنداء في الناس من تعرض لكم من خدم الملك وأصحابه بأذى فاقتلوه ، ~~فشكره الناس وحمدوا فعله على ذلك ، وتواصلوا بالوثوب على أصحابه ، حتى إذا ~~مضى لذلك أسبوع وجه الملك إلى الوزير وصاحب الجيش فعرفهما أنه قد عزم على ~~الركوب إلى صحراء الغرب يتصيد هناك ، وأمر أن يركب معه الجيش ويتزودوا ~~لثلاثة أيام ففعلوا ، وخرج إلى البرية فسار حتى إذا اختلط الظلام رجع الجيش ~~حتى وافى باب المدينة ، وأمر أصحابه أين يضعوا السيف في الناس فقتلوا خلقا ms2884 ~~كثيرا ، ثم أمر أن ينادي : هذا جزاء من أقدم على الملوك من رعاياهم وأصحاب ~~منهم ، وأخرب الموضع الذي ضرب فيه الغلام ، فاستغاث به الناس ، فتقدم إلى ~~وزيره أن يطرح نفسه بين يديه ويسأله فيهم ، فعل وأمنهم وقال : PageV15P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" من عاد إلى مثل ما كان فقد حل لنا دمه ، فدعوا ~~له وانصرفوا . ثم احتجب عن الناس واستخف بالكهنة والهياكل فأبغضته العامة ~~والخاصة وبغوا الغوائل فاحتال عليه خاصته بطباخه وساقيه فسماه وهو ابن مائة ~~وعشرين سنة فمات . وصار الملك من بعده إلى ابنه صا بن أنساد بن مرقونس ؛ ~~قال : وأكثر القبط تزعم أن صا بن مرقونس أخو أنساد . فملك وهنأه الناس ، ~~فوعدهم بالعدل فيهم ، والإحسان إليهم ، وحسن النظر لهم ، وسكن منف وحكم ~~الأحياز كلها ، وعمل بها عجائب وطلسمات ، ورد الكهنة إلى مراتبهم ، ونفى ~~الملهين وأهل الشر من كان يصحب أخاه ، ونصب العقاب الذي كان أبوه عمله ، ~~وشرف هيكله ودعا إليه . وعمل في منف مرة كان يرى منها ما يخصب من بلده وما ~~يجدب . وبنى بداخل الوحات مدينة غرس حولها نحلا كثيرا . ونصب قرب البحر ~~أعلاما كثيرة . وعمل خلف المقطم صنما يقال له صنم الحيلة ، فكان كل من تعذر ~~عليه أمر يأتيه فيبخره عليه ذلك الأمر . وجعل على أطراف مصر أصحاب أخبار ~~يرفعون إليه ما يجري في حدودهم . وعمل على غربي النيل منائر يوقد عليها إذا ~~قصدهم قاصد أو نابهم أمر . ويقال : إنه بنى أكثر منف وكل بنيان عظيم ~~بالإسكندرية . قال : وكان لما ملك البلد بأسره جمع الحكماء إليه ونظر في ~~النجوم - وكان بها حاذقا - فرأى أن بلده لا بد أن تغرق بالطوفان من نيلها ، ~~ورأى أنها تخرب على يد رجل يأتي من ناحية الشام ، فجمع كل فاعل بمصر وبنى ~~في ألواح الأقصى مدينة جعل طول حصنها في الارتفاع خمسين ذراعا وأودعها جميع ~~الحكم والأموال . وبنى المدينة التي وقع عليها موسى بن نصير في زمن بني ~~أمية ، وكان قد أخذ على ألواح الأقصى ، وكان عنده علم منها ، وأقام سبعة ~~أيام يسير ms2885 في رمال وصحارى سمت الغرب والجنوب إلى أن ظهرت له مدينة عليها ~~حصن وأبواب حديد ، PageV15P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" فاصعد إليها الرجال ليقفوا على ما فيها لما لم ~~يمكنه فتح أبوابها . ولغلبة الرمال على ما حولها ؛ فكانوا إذا علوا الحصن ~~وأشرفوا عليها وثبوا إليها ؛ وعرض حصنها عشرون ذاعا ؛ فلما أعياه أمرها ~~تركها ومضى ، فهلك في تلك الطريق جماعة من أصحابه . فلم يسمع بأحد بعد موسى ~~بن نصير ولا قبله وقع عليها . قال : وفي تلك الصحارى أكثر منتزهاتهم ~~ومدائنهم العجيبة ؛ إلا أن الرمال غلبت عليها . ولم يبق بمصر إلا وقد عمل ~~للرمال دفعا ثم تفسد طلسماتهم على تقادم الأيام . وقال : وحكى قوم من ~~التناء في ضياع الغرب : أن عاملا من عمالهم عنف بهم فهربوا ودخلوا في صحراء ~~الغرب وحملوا معهم زادا إلى أن يصلح أمرهم ويرجعوا إلى بلادهم ، وكانوا على ~~يوم وبعض آخر قد لحجوا في سفح الجبل ، فوجدوا عيرا أهليا قد خرج من بعض ~~شعابه ، فتبعه نفر منهم ، فأخرجهم إلى مساكن وأشجار ونخل ومياه تطرد وقوم ~~يسكنون هناك ويزرعون ، فخاطبوهم وعجبوا منهم وسألوهم عن حال فعرفوهم أنهم ~~منذ كانوا سكنوا تلك الناحية ويتناسلون ويزرعون ولا يطالبهم أحد بخراج ولا ~~يؤذيهم ، وأنهم لم يدخلوا إلى ضياع الغرب قط ، وقالوا لهم انتقلوا إلينا ؛ ~~فخرج القوم بعد أن صلحت أمورهم واجتمعوا على الرجوع إلى ذلك الموضع ~~والسكنيى فيه بأهليهم ومواشيهم ، فخرجوا يطلبون الطريق مدة فما عرفوا ~~الطريق ولا تأتي لهم الوصول إليه بعد ذلك فأسفوا على مافاتهم منه . وحكي ~~أيضا عن آخرين ضلوا الطريق في الغرب ، فوقفوا على مدينة عامرة ، كثيرة ~~الناس والمواشي والنخيل والشجر ، فأضافوهم وأكلوا عندهم وشربوا ، وباتوا في ~~طاحونة يعمل فيها الخبز ، فسكروا من الشراب وناموا ، فلم ينتبهوا إلا عند ~~طلوع الشمس ، فوجدوا أنفسهم في مدينة كبيرة خراب ليس فيها أحد ، فارتاعوا ~~لذلك وخرجوا على وجوههم كالهاربين ، وساروا يومهم على غير سمت حتى قرب ~~PageV15P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" المساء ، فظهرت لهم مدينة أخرى عظيمة أكبر من ~~الأولى واعمر ، وأكثر أهلا ودواب ومواشي ms2886 وشجرا ونخلا ، فأنسوا بهم وأخبروهم ~~بخبر المدينة ، فجعلوا يعجبون منهم ويضحكون ؛ وإذا لبعض أهل المدينة وليمة ~~فانطلقوا بهم معهم ، فأكلوا وشربوا وغنوهم بأصناف الملاهي ، وسألوهم عن ~~حالهم فحدثوهم أنهم ضلوا عن الطريق في هذه الصحارى ، فقالوا لهم : الطريق ~~بين أيديكم واضح مستقيم لا يمكن أن تغلطوا فيه ، فإن أحببتم المسير وجهنا ~~معكم من يوقفكم على سنن الطريق الكبير الذي يوصلكم إلى منازلكم ، وإن ~~أحببتم أن تقيموا عندنا رفدناكم وكنتم إخواننا وأحبابنا . قالوا : فسررنا ~~بذلك من قولهم ، واجمع بعضنا على المقام معهم ، وأجمع من كان له منا أهل ~~وولد على أن يسير إلى منزله ويحمل أهله وولده ويعود إليهم . قال : وبتنا ~~عندهم في خير مبيت ، فرحين بما ساق الله إلينا . فلما كان من الغد انتبهنا ~~فوجدنا أنفسنا في مدينة عظيمة ليس فيها أحد من الناس وقد تشعب بعض حصنها ، ~~إلا أن حولها نخلا قد تساقط ثمره وتكدس حوله ، فلحقنا من الخوف لذلك ~~والارتياع ما استوحشنا له ، وخرجنا على وجوهنا هاربين مفكرين فيما عايناه ~~من أهلها ، وإنا لنجد روائح الشراب منا ومعاني الخمار ظاهرة ، فلم نزل نسير ~~يومنا أجمع وليس بنا جوع ولا عطش ، حتى إذا كان المساء رأينا راعيا يرعى ~~غنما فسألناه عن العمارة وعن الطريق فدلنا على الطريق وقال : إن العمارة ~~حذاؤكم ؛ وإذا بنقار من ماء المطر فشربنا منه وبتنا عليها ، ثم أصبحنا فإذا ~~نحن في خلاف موضعنا الذي كنا فيه ، وإذا آثار العمارة والناس فما سرنا إلا ~~بعض يوم حتى دخلنا مدينة الأشمونين بالصعيد ، فكا نحدث الناس ولا يقبلون ~~منا . قال : وهذه مدائن القوم القديمة قد غلب عليها الجان ومنها ما قد ~~سترته عن العيون فلا ينظر إليها أحد . PageV15P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" قال : وذكر بعض القبط أن رجلا نم بني الكهنة ~~الذين قتلهم أنساد إلى ملك الإفرنجة فذكر له كنوز مصر وعجائبها وخيرها ، ~~وضمن له أن يوصله إلى ملكها وأموالها ، ويدفع عنه أذى طلسماتها حتى يبلغ ما ~~يريده ويعرفه مواضع الكنوز . فلما اتصل بصا الملك أن صاحب الإفرنجة يتجهز ms2887 ~~إليه ، عمد إلى جبل بين البحر المالح وشرقي النيل فأصعد إليه أكثر كنوزه ~~وما في خزائنه ، وبنى عليها قبابا وصفحها بالرصاص ، وأمر ففتحوا جوانب ~~الجبل إلى منتهى خمسين ذراعا ، وجعلوا في انتهاء المنحوت منه شبه الطرر ~~البارزة خارجة من النحت بقدر مائة ذراع وهو بين جبال وعرة ، فحصن أمواله ~~هناك . وتجهز إليه صاحب الإفرنجة في ألف مركب ، فكان لا يمر بشيء من أعلام ~~مصر ومناراتها وأصنامها إلا هدمه وكسره بمعونة الكاهن له . حتى أتى ~~الإسكندرية الأولى فعاث فيها وهدم كثيرا من معالمها إلى أن دخل النيل من ~~ناحية رشيد وصعد إلى منف فحاربه أهل النواحي ، وجعل ينهب ما مر به ويقتل من ~~قدر عليه إلى أن طلب المدائن الداخلة ليأخذ كنوزها فوجدها ممتنعة بالطلسمات ~~الشداد والمياه العميقة والخنادق الشداخات ، فأقام عليها أياما كثيرة يعالج ~~أن يصل إليها ، فلما لم يمكنه ذلك قتل الكاهن ، وهلك جماعة من أصحابه ، ~~واجتمع أهل النواحي على مراكبه وأصحابه فقتلوا منهم خلقا وأحرقوا بعض ~~المراكب . ولما تيقن أهل مصر تلف الكاهن الذي كان معه أرسلوا إليه سحرهم ~~وتهاويلهم ، وأتت مع ذلك رياح غرقت كثيرا من مراكبه ، وكان جل مرامه أن ~~ينجو بنفسه فما عاد إلى الإفرنجة إلا وقيذا بجراحات أصابته ، ورجع الناس ~~إلى منازلهم وقراهم ، ورجع صا إلى منف فأقام بها وترك ماكنزه على حاله . ~~قال : ولم يزل بعد ذلك يغزو بلاد الروم وأهل الجزائر ويخربها فهابته الملوك ~~، وتتبع الطهنة فقتل منهم خلقا ، وأقام سبعا وستين سنة ، وكانت سنة مائة ~~وسبعين سنة وهلك ، فدفن بمنف في ناووس عمله وسط المدينة من تحت الأرض ، ~~وجعل المدخل إليه من خارج المدينة من الجهة الغربية ، وحمل إليه أموالا ~~عظيمة وجواهر كثيرة ، وتماثيل وطلسمات وغير ذلك كما فعل أجداده . وكان فيه ~~أربعة آلاف تمثال ذهب على صور شتى برية وبحرية ، وتمثال عقاب من جوهر أخضر ~~جعل عند رأسه ، وتمثال تنين من ذهب مشبك عند رجليه ونزبر عليه اسمه وسيرته ~~وغلبته للملوك . PageV15P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" وعهد إلى ابنه تدارس بن صا ms2888 ؛ فملك الأحياز ~~كلها بعد أبيه وصفا له ملك مصر . وكان محنكا مجربا ذا أيد وقوة ومعرفة ~~بالأمور ؛ فأظهر العدل ، وأقام الهياكل وأهلها قياما حسنا . وبنى غربي منف ~~بيتا عظيما للزهرة وزبر جميع الأخبار - وكان صم الزهرة من لازورد مذهب ~~متوجا بذهب - وسوره بسوارين من الزبرجد الأخضر ؛ وكان في صورة امرأة لها ~~ضفيرتان من ذهب أسود مدبر ، وفي رجليها خلخالان من حجر احمر شفاف ونعلان من ~~ذهب ، وفي يدها قضيب مرجان وهي تشير بسبابتها كالمسلمة على من في الهيكل ، ~~وجعل حذاءها من الجانب الآخر تمثال بقرة ذات قرنين وضرعين من نحاس أحمر ~~مموه بذهب موشحة بحجر اللازورد ، ووجه البقرة محاذيا لوجه الزهرة ، وجعل ~~بينهما مطهرة من أخلاط للأجساد على عمود رخام مجزع فيها ماء مدبر يستشفى به ~~من كل داء ، وفرش الهيكل بحشيشة الزهرة يبدلونها في كل سبعة أيام ، وجعل ~~فيه كراسي للكهنة مصفحة بذهب وفضة ، وقرب له ألف رأس من الضأن والمعز ~~والوحش والطير ، وكان يحضر يوم الزهرة ويطوف به . وكانت فرش الهيكل وستوره ~~عن يمين الزهرة ويساره . وكان في قبته صورة رجل راكب على فرس له جناحان وله ~~حربة في سنانها راس إنسان معلق ، وبقي هذا إلى زمان بخت نصر وهو الذي هدمه ~~. ويقال : إن تدارس الملك هذا هو الذي حفر خليج سخا ، وارتفع مال البلد في ~~أيامه مائة ألف ألف دينار وخمسين ألف ألف دينار . وقصده بعض عمالقة الشام ~~فخرج إليه واستباحه ودخل إلى فلسطين فقتل منها خلقا كثيرا وسبى بعض حكمائها ~~وأسكنهم مصر وهابته الملوك . قال : وعلى رأس ثلاثين سنة من ملكه طمع ~~السودان من الزنج والنوبة في أرضه فعاثوا وأفسدوا ، فأمر بجمع الجيوش وأعد ~~المراكب ووجه قائدا من قواده يقال له : بلوطس في ثلثمائة ألف ، وقائدا آخر ~~في مثلها ، ووجه في البحر ثلثمائة سفينة في PageV15P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" كل سفينة كاهن يعمل أعجوبة من العجائب ثم خرج ~~في جيوش كثيرة ، فلقي جموع السودان وكانوا في زهاء ألف ألف فهزموهم ، ~~وقتلوا أكثرهم أبرح قتل ، وأسر منهم خلقا ms2889 كثيرا ، وتبعهم حتى وصل إلى أرض ~~الفيلة من بلاد الزنج فأخذ منها عدة من النمور والوحش وذللها وساقها معه ~~إلى مصر . وعمل على حدود بلده منارات وزبر عليها مسيره وظفره والوقت الذي ~~سار فيه . ولما وصل إلى مصر اعتل ورأى رؤيا تدل على موته ، فعمل لنفسه ~~ناووسا ونقل إليه شيئا كثيرا من أصنام الكواكب والذهب والجوهر والصنعة ~~والتماثيل وهلك ؛ فحمل إليه وزبر عليه اسمه وتاريخ الوقت الذي هلك فيه ، ~~وجعل عليه طلسما تمنع منه . وعهد إلى ابنه ماليق بن تدارس ؛ فملك بعد أبيه ~~. وكان غلاما كريما حسن الوجه ، مجربا ، مخالفا لأبيه وأهل بلده في عبادة ~~الكواكب والبقر . ويقال : إنه كان موحدا على دين أجدادا قبطيم ومصريم ، ~~وكانت القبط تذمه لذلك . وكان سبب إيمانه فيما حكي أنه رأى في منامه أن ~~رجلين لهما أجنحة أتياه فاختطفاه وحملاه إلى الفلك ، فأوقفاه بين يدي شيخ ~~اسود أبيض الرأس واللحية ، فقال : هل عرفتني ؟ فدخلته فزعة الحداثة ، وكانت ~~سنة نيفا وثلاثين سنة ، فقال له : ما أعرفك فقال : أنا قرويس ، يعني زحل ، ~~فقال : قد عرفتك ، أنت إلهي ، فقال : إنك وإن كنت تدعوني إلها فإني مربوب ~~مثلك ، وإلهي الذي خلق السموات والأرض وخلقني وخلقك ، فقال : وأين هو ؟ ~~فقال : هو في العلو لا تراه العيون ، ولا تلحقه الأوهام ، وهو الذي جعلنا ~~سببا لتدبير العالم الأسفل . قال له ماليق الملك : فكيف أعمل ؟ قال : تضمر ~~في نفسك ربوبيته علينا . وتخلص في وحدانيته وتعرف بأزليته . ثم إنه أمر ~~الرجلين فأنزلاه ؛ فانتبه وهو مذعور ، فدعا رأس الكهنة فقص عليه رؤياه فقال ~~: قد نهاك عن عبادة الأوثان فإنها لا تضر ولا تنفع ، فقال له : من أعبد ؟ ~~قال : الله الذي خلق السموات والكواكب التي فيها والأرض ومن عليها . فكان ~~الملك يحضر الهيكل فإذا سجد انحرف عن الصنم واضمر السجود لخالق السموات ~~والأرض دون غيره ، ثم أخذ في الغزو والغيبة عن أهل مصر وجال في البلدان . ~~قال : وقال بعض أهل مصر : إن الله تعالى أيده بملك من الملائكة يعضده ~~ويرشده ، وربما أتاه في نومه أن ms2890 يأمر الناس باتخاذ كل فأره من الخيل ، ~~PageV15P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" واتخاذ السلاح وما يصلح للأسفار ، وإعداد ~~الزاد ، واتخذ في بحر الغرب مائتي سفينة ، وخرج في جيش عظيم في البر والبحر ~~، فلقيه جموع البربر في جموع لا تحصى فهزمهم واستأصل أكثرهم ، وبلغ إلى ~~إفريقية وسار منها ، وكان لا يمر بأمة إلا أبادها إلى أن قوم عدي من ناحية ~~الأندلس يريد الإفرنجة ، وكان بها ملك عظيم يقال له : أرقيوس ، فأقام ~~يحاربه شهرا ثم طلب وأهدى له هدايا كثيرة فسار عنه ، ودوخ الأمم المتصلة ~~بالبحر الأخضر وأطاعه أكثرها . ومر بأمة عراة لهم حوافر في أرجلهم ، وقرون ~~صغار ، وشعور كشعور الدواب ، ولهم أنياب بارزة من أفواههم ، فقاتلهم قتالا ~~شديدا حتى أثخنهم ، فنفروا منه إلى غيران لهم مظلمة عظام . والقبط تذكر أنه ~~رأى سبعين أعجوبة ، وعمل أعلاما على البحر وزبر عليها اسمه ومسيره ، وخرب ~~مدن البربر حيث كانت ، وألجاهم إلى قرون الجبال ورجع ؛ فتلقاه أهل مصر ~~بأصناف اللهو والطيب والرياحين ، وفرشت له الطرقات ولقوه بابنه بلهقانس ~~وكان ولد بعد مسيره فسر به . واتصل خبره بالملوك فهابوه وحملوا إليه ~~الهدايا من كل وجه ومكان . قال : وبلغه أن قوما من البربر سحرة لم تخابيل ~~عجيبة وبخورات يدلون بها ، وانهم في مدينة لهم يقال لها : قرميدة ، في ~~الغرب من مصر ، قد ملكوا عليهم امرأة ساحرة يقال لها : اسطافا ، فاتصل به ~~كثرة أذاهم للناس فغزاهم ، فلما قرب منهم ستروا عنه مدينتهم بسحرهم فلم ~~يرها ، وطموا مياههم فلم يعرفها ، فهلك أكثر أصحابه عطشا . فلما ستروا عنه ~~البلد صعد إلى ناحية الجنوب ، ثم رجع على غير الطريق التي سار إليهم فيها ، ~~فمر بهيكل كان لهم يحضرونه في أعيادهم ، فهدم بعضه وسقط منه موضع على جماعة ~~ممن تولى هدمه فأهلكه ، فلما رأى ذلك تركهم وانصرف ، وخرجوا إلى هيكلهم ~~فبنوا ما سقط منه وحرسوه بطلسمات محكمة ، ونصبوا فوق قبته طلسما من نحاس ~~مذهب ، وكان إذا قصده أحد صياحا منكرا يرعد منه من سمعه ويبهت فيخرجون إليه ~~ويصطلمون . وكانت ملكتهم أحذق منهم بالسحر فقالت ms2891 : إني أعمل الحيلة في ~~إفساد مصر وأضر وآذى أهلها ، فعملت أشياء وأرسلتها PageV15P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" مع من ألقاها في النيل ، ففاض النيل على ~~مزارعهم وغلاتهم ، وكثرت فيه التماسيح والضفادع ، وكثرت العل في الناس ، ~~وانبثت فيهم الثعابين والعقارب ، فاحضر ماليق الكهنة والحكماء وقال : ~~أخبروني عن هذه الحوادث التي حدثت في بلادنا ما هي ؟ ولم لم تشرحوها في ~~طالع السنة ؟ فاجتمعوا في دار حكمتهم ونظروا حتى علموا أنه من ناحية الغرب ~~، وأن امرأة عملته وألقته في النيل ، فعلم أنه من فعل تلك الساحرة ، فقال ~~لهم : اجهدوا أنفسكم في هلاكها فقد بلغت فيكم مرادها ، فاجتمعوا للهيكل ~~الذي فيه صور الكواكب وأصنامها ، وسألوا الملك الحضور معهم فلم يمكنه ~~الخلاف عليهم . فلما أمسى لبس مسحا وافترش رمادا واستقبل مصلاه وأقبل على ~~الابتهال إلى الله والتضرع وقال : يارب يا الله ، أنت إله الآلهة ، وخالق ~~الخلق ، ولا يكون شيء إلا بقضائك ، أسألك أن تكفينين أمر هؤلاء القوم ، ~~وغلبه السهر فأغفى في مصلاه ، فرأى آتيا يقول له : قدر حم الله تضرعك ، ~~وأجاب دعاءك ، وهو مهلك هؤلاء القوم ومدمر عليهم ، وصارف عنك الماء المفسد ~~والدواب المضرة . فلما أصبح الكهنة غدوا عليه وسألوه حضور هيكلهم ، فقال ~~لهم : قد كفيتكم أمر عدوكم وأهلكتهم ، وأزلت الماء الفاسد والدواب المضرة ~~عنكم ، ولن تروا بعدها شيئا تكرهونه ، فنظر بعضهم إلى بعض كالمنكرين لقوله ~~وقالوا : قد سررنا بما ذكره الملك ، وهم يضمرون الاستهزاء به والتكذيب له ، ~~ومضوا إلى دار الحكمة فقال بعضهم : الرأي ألا تقولوا في هذا شيئا فإن كان ~~حقا وقفتم عليه ، وإن كان باطلا اتسع لكم اللفظ في لومه ، وسيتبين لكم أمره ~~. فلما كان بعد يومين انكشف ذلك الماء الفاسد ، وهلكت تلك الدواب المضرة ، ~~فعلموا أن الذي أخبرهم به حق ؛ وأمر قائدا من قواده ورجالا من الكهنة أن ~~يمضوا حتى يعلموا علم هؤلاء القوم ، فأتوا المدينة فوجدوا حصنها قد سقط وقد ~~هلكوا بأجمعهم واحترقوا واسودت وجوههم ؛ ووجدوا الأصنام منكسة على وجوهها ، ~~وأموالهم ظاهرة بين أيديهم ، فطرقوا المدينة فلم يجدوا فيها غير رجل واحد ms2892 ~~كان مخالفا لهم بسبب رؤيا رآها ؛ ووجدوا من الأموال والجواهر وأصنام الذهب ~~والتماثيل ما لا يحصى ولا تعرف له قيمة ، ووجدوا صورة كاهن لهم من زبرجد ~~أخضر على قائمة من حجر الأسباد شم ، ووجدوا صورة روحاني من ذهب ، ورأسه من ~~جوهر أحمر ، وله جناحان من در ، وفي يده مصحف فيه كثير من علومهم في دفتين ~~مرصعتين بجوهر ملون ؛ ووجدوا مطهرة من ياقوت أزرق على قاعدة من زجاج أخضر ~~مسبوك ، وفيها فضلة من الماء الدافع لأسقامهم ، وفرسا من فضة من عزم عليه ~~بعزائمه PageV15P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" ودخنه بدخنة وركبه طار به فيما يزعمون ، وغير ~~ذلك من العجائب والأصنام ؛ فحملوا من ذلك ما قدروا عليه من الأموال ~~والجواهر ، وسأل الملك ذلك الرجل : ما أعجب ما رأيت من أعمالهم ؟ فقال : ~~نعم أخبرك أيها الملك ؛ إنه قصدهم بعض ملوك البربر ، وكان جبارا من أهل بيت ~~سحر ، فجاء بالجموع الكثيرة وتخابيل هائلة ، فأغلق أهل مدينتنا حصنهم ~~ولجأوا إلى أصنامهم يخضعون لها ويتضرعون إليها ، وكان لهم كاهن عظيم الشأن ~~، فسار إليه رؤساؤهم وشكوا إليه ما دهمهم من عدوهم ، فأتى إلى بركة عظيمة ~~بعيدة القعر كانوا يشربون منها ، فجلس على حافتها وأحاط رؤساء الكهنة بها ~~وزمزم على ماء البركة ، فلم يزل كذلك حتى فار الماء وفاض ، وخرجت من وسطه ~~نار تتأجج من وسطها وجه كدارة الشمس وعلى صورتها وضوئها ، فخر الجماعة ~~وسجدوا لذلك الوجه ، وتجللهم نور ؛ وجعل يعظم حتى ملأ البركة ، وصعد حتى ~~خرق سقف القبة ، ثم ارتفع إلى رأسها وسمعنه يقول : قد كفيتكم شر عدوكم ، ~~وأمرهم أن يأخذوا دوابهم ففعلوا ذلك ، وهلك الملك الذي قصدهم وجميع من كان ~~معه ، وانصرفوا ؛ فأقبلوا يأكلون ويشربون ، فقلت لبعض الكهنة : لقد رأيت ~~عجبا من ذلك الوجه فما هو ؟ فقال : تلك الشمس تبدت لنا في صورتها وأهلكت ~~عدونا ، صاحت بهم صيحة أحرقهم فأصبحوا خامدين . قال : وكان هذا الرجل عاقلا ~~فاتخذه ماليق وزيرا . ولم يزل ماليق على التوحيد ، وهو مع ذلك يساير أهل ~~البلد خوفا من اضطراب ملكه ، وأمر أن يعمل له ms2893 ناووس ، فكان يقصده ويتعبد ~~فيه ، وأمر ألا يدفن معه ذهب ولا جوهر ، فلم يدفن معه شيء سوى الطيب وصحيفة ~~مكتوبة بخطه فيها : هذا ناووس ملك مصر ماليق ، مات مؤمنا بالله العظيم لا ~~يعبد معه غيره ، بريئا من الأصنام وعبادتها ، مؤمنا بالبعث والحساب ~~والمجازاة على الأعمال ، عاش كذا وكذا سنة ، ملك فيها كذا وكذا ، فمن أحب ~~النجاة من عذاب الآخرة فليدن بما دان به . وأوصى ألا يدفن معه في ناووسه ~~أحد من أهله ، وكان قد كنزل كنوزا عظيمة وزبر عليها أن تخرجها أمة النبي ~~المبعوث في آخر الزمان . واستخلف ابنه حرما بن ماليق . قال : وكان لينا سهل ~~الخلق ، لم يمت أبوه حتى شرح له التوحيد ، وأمره أن يدين به ، ونهاه عن ~~عبادة الأصنام ؛ وكان معه على ذلك في حياته ، ثم رجع عنه بعد وفاته إلى ~~دينهم . وكان سبب رجوعه إلى عبادة PageV15P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" الأصنام أن أمه كانت من بنات كبار الكهان ، ~~فنقلته بعد موت أبيه إلى دينها وغلبته على رأيه ، وأمرت بتجديد الهياكل ~~وتشددت في عبادة الأصنام . وتزوج حرما امرأة من بنى عمه فأحبها حبا شديدا ~~وهام بها ، فأفسدته على جميع نسائه ، فاشتد ذلك على أمه ، وكانت له قهرمانة ~~من أهل سيوط ساحرة لا تطاق ، وكانت تميل إلى هذه المرأة لأنها كانت تعشق ~~أخاها ؛ فزادت في سحرها لتلك المرأة فأوحشت ما بين الملك وأمه حتى رفضها ~~واستخف بأمرها ، وزاد الأمر حتى حلف ألا يجاورها ، وأنه يغزو وينصرف فلا ~~يرجع إلى مصر أو يتصل به موتها ، ففعل ذلك وغزا بلد الهند وأرض السودان . ~~وكان سبب خروجه إلى الهند أن ملكا من ملوكها يقال له مسور خرج في عدد كثير ~~وسايرته مراكبه في البحر ففتح بلدانا وجزائر ، وأكثر القتل والسبي ؛ وذكرت ~~له مصر فقصدها واعتل فرجع من طريقه ، فأمر حرما الملك بعمل مائة سفينة على ~~شكل سفن الهند ، وتجهز وركب وحمل معه ووجوه أصحابه وقواده ، واستخلف ابنه ~~كلكن على مصر وكان صبيا ، وجعل معه وزيرا يقال له لاون ، وكاهنا يقال له ~~ويسموس ms2894 ، وخرج فمر على ساحل اليمن وعاث في مدائنه . وكان لا يمر بمدينة إلا ~~أقام صنما وزبر عليه اسمه ومسيره ووقته ، وبلغ سرنديب فأوقع بأهلها ، وغنم ~~منها مالا وجوهرا كثيرا ، وحمل معه حكيما لهم ، وبلغ جزيرة بين الهند ~~والصين بها قوم سمر طوال يجرون شعورهم ، ورأى لهم الدواب والطيور وشجر ~~الطيب والنارجيل والفواكه التي لا تكون إلا عندهم ، فأذعنوا له بالطاعة ~~وحملوا إليه أموالا وهدايا فقبلها وسار عنهم . وأقبل يتنقل في تلك الجزائر ~~عدة سنين ؛ فقيل : إنه أقام في سفره سبع عشرة سنة ، ورجع إلى مصر بالظفر ~~والغنيمة ، ووجد أمه قد هلكت ، ووجد ابنه على الملك كما استخلفه ؛ فسر بذلك ~~وهابه من حوله من الملوك . وبنى هياكل وأقام فيها أصنام الكواكب ؛ لأنها - ~~فيما زعم - هي التي أيدته في سفره حتى ظفر بما ظفر PageV15P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" به وغنم ما غنمه . وقد كان حمل معه من الهند ~~حكيما وطبيبا ، وكان معهما من كتبهم وحكمهم ما أظهرا به في مصر عجائب ~~مشهورة ، وحمل معه صنما من أصنام الهند من الذهب مقرطا بالجوهر ، فنصبه على ~~بعض الهياكل التي عملها . وكان حكيم الهند يقوم به ويخدمه ويقرب له . وكان ~~يخبرهم بما يريدون منه . قال : وأقام حرما بعد منصرفه من الهند ثم غزا ~~نواحي الشام فأطاعه أهلها وهادوه ورجع إلى مصر . ثم غزا نواحي النوبة ~~والسودان فصالحوه على خراج يحملونه له ، ورفع أقدار الكهنة وزاد في تعظيم ~~دينهم ؛ فصوروه في هياكلهم ومضاجعهم ، وملكهم خمسا وسبعين سنة . وعمل لنفسه ~~في صحراء الغرب ناووسا ، وعمل برقودة مصانع وعجائب ، وأقام بها إلى أن مات ~~وابنه كلكن بمنف ، فضمد جسده بالموميا والكافور والمر ، وجعل في تابوت من ~~ذهب ، وجعل معه مال كثير ، وجوهر نفيس ، وسلاح عجيب ، وتماثيل وصنعة ~~وعقاقير ، ومصحف الحكمة . وصور في جانب الناووس صورا وزبر عليها ذكر السفن ~~التي سار فيها ، والبلدان التي فتحها ، وسد باب الناووس وزبر عليه اسمه ~~ومدته وتاريخ الوقت الذي هلك فيه ، وقتل جماعة من نسائه أنفسهن عليه . وكان ~~جميلا سمح الأخلاق ، واغتم عليه ms2895 الكهنة لإكرامه لهم ، وأهل المملكة لأتباعه ~~لهم . وملك بعده ابنه كلكن بن حرما ، وعقد التاج على رأسه بالإسكندرية بعد ~~موت أبيه وأقام بها شهرا ورجع إلى منف . وكان أصناميا على دين أبيه وتبشر ~~به أهل مصر . وكان يحب الحكمة وإظهار العجائب ويقرب أهلها ويكثر جوائزهم . ~~ولم يزل يعمل الكيمياء في مدة ملكه ؛ فخزن أموالا عظيمة بصحارى الغرب . وهو ~~أول من اظهر علم الكيمياء بمصر وكان مكتوما . وكان الملوك قبله أمروا بترك ~~صنعتها لئلا تجتمع ملوك الأمم على غزوهم ، فعملها كلكن وملا دور الحكمة ~~منها حتى لم يكن الذهب بمصر أكثر منه في وقته ولا الخراج ؛ لأنه كان في ~~وقته - فيما حكاه القبط - مائة ألف ألف وبضعة عشر ألف ألف مثقال . وقال : ~~وكان المثقال الواحد من الصنعة يطرح على القناطير الكثيرة فيصبغها ، ~~فاستغنوا عن إثارة المعادن لقلة حاجتهم إليها . وعمل من الحجارة المسبوكة ~~الملونة الصم التي تشف شيئا كثيرا لم يعمل مثله أحد PageV15P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" ممن تقدمه . وعمل من الأدرك الملون والفيروزج ~~تخرج عن العقول ، حتى يسمى حكيم الملوك . وغلب جميع الكهنة في علومهم ، ~~وكان يخبرهم بما يغيب عنهم ، فهابوه واحتاجوا إلى علمه . وكان نمرود بن ~~كنعان الذي أهلكه الله تعالى على يد إبراهيم عليه السلام في وقته ، فيقال : ~~إنه لما اتصل بنمرود خبر حكمته استزاره فوجه إليه أن يلقاه منفردا من أهله ~~وحشمه بموضع كذا ، ففعل النمرود ذلك وسار إلى الموضع الذي ذكره ، وأقبل ~~كلكن على أربعة أفراس تحمله ذوات أجنحة ، وقد أحاط به نور كالنار ، وحوله ~~صور هائلة قد خيل بها ، وهو متوشح بثعبان محتزما ببعضه ، والثعبان فاغر فاه ~~، ومعه قضيب آس أخضر كلما حرك الثعبان رأسه ضربه بالقضيب . فلما رآه ~~النمرود هاله أمره وخاطبه ؛ فاعترف له بجليل الملك والحكمة ، وسأله أن يكون ~~ظهيرا له . وتقول القبط : إن كلكن الملك كان يرتفع ويجلس على الهرم الغربي ~~في قبة تلوح على رأسه . وكان أهل البلد إذا دهمهم أمر اجتمعوا حول الهرم . ~~ويقولون : إنه ربما أقام على راس الهرم أياما ms2896 لا يأكل ولا يشرب ، ثم استتر ~~عنهم مدة حتى توهموا أنه هلك . وكان يجول في الأرض وحده حتى طمعت الملوك ~~التي حوله في ملكه ؛ فقصده ملك من ملوك الغرب يقال له سادوم في جيش عظيم ، ~~واقبل من ناحية المغرب من نحو وادي هبيب ليكبس البلد ، فأقبل حتى وافاهم ، ~~ثم جللهم بشيء من سحره كالغمام شديد الحرارة ، فأقاموا تحته أياما لا يدرون ~~أين يتوجهون ، فطار إلى مصر فاستأنس الناس لمقدمه ، فعرفهم ما جرى وأمرهم ~~بالخروج إليهم ليعرفوا خبرهم ، فوجدوهم ودوابهم أمواتا فعجبوا لذلك ، وهابه ~~الكهنة هيبة لم يهابوها أحدا قبله وصوروه في جميع الهياكل ، وملكهم زمانا . ~~وبنى في آخر عمره هيكلا لزحل من صوان اسود في ناحية الغرب ، وجعل له عبدا ، ~~وجعل في وسطه ناووسا ، وحمل إليه ما أراد من ذهب وجوهر ، وحكم وعقاقير ، ~~وعرفهم بموته ، وجعل على باب الناووس طلسمات تمنع منه ، وغاب عنهم فلم ~~يقفوا على موته . وكان قد أوصى إلى ابنه ماليا بن كلكن فملك بعد أبيه . ~~وكان شرها كثير الأكل والشرب ، منفردا بالرفاهة ، غير ناظر في شيء من ~~الحكمة ، وجعل أمر البلد إلى وزير PageV15P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" له . وكان معجبا بالنساء ؛ وكان له ثمانون ~~الرماة ، ثم اتخذ امرأة من بنات الملوك التي بمنف وكانت عاقلة سديدة الرأي ~~، وكان بها معجبا فحمته النساء . وكان له بنون وبنات ، وكان أكبر بنيه يقال ~~له : طوطيس ، فكان يستجهل أباه فأعمل الحيلة في قتله ، وإنما حملته على ذلك ~~أمه وجماعة نسئه وبعض وزراء أبيه ؛ فهجم عليه وزرائه وهو سكران وتلك المرأة ~~عنده فقتله وقتل المرأة وصلبها . وملك بعده ابنه طوطيس بن ماليا وجلس على ~~سرير الملك . وكان جبارا جريئا شديد البأس مهيبا ؛ فدخل عليه الأشراف ~~وهنئوه ودعوا له ، وأمرهم بالإقبال على مصالحهم وما يعينهم ، ووعدهم ~~الإحسان . والقبط تزعم أنه أول الفراعنة بمصر ، وهو فرعون إبراهيم الخليل ~~عليه السلام . ويقولون إن الفراعنة سبعة هو أولهم . قال : ثم تذاكر الناس ~~ما فعله بأبيه وأنكروه واستقبحوا صلبه المرأة فأنزلها ودفنها ، واستخف ~~بالكهنة والهياكل . ولنذكر خبره ms2897 مع إبراهيم الخليل عليه السلام في أمر سارة ~~، ونورد من ذلك ما أورده أهل الأثر وما ورد في الحديث الصحيح النبوي من هذه ~~القصة . قال إبراهيم بن القاسم الكاتب في سياقه أخباره : لما فارق إبراهيم ~~عليه السلام قومه والنمرود بن كنعان ونزل الشام ثم خرج إلى مصر ومعه سارة ~~امرأته وخلف ابن أخيه لوطا بالشام وسار إلى مصر ، وكانت سارة أحسن نساء ~~العالمين في وقتها ، ويقال إن يوسف الصديق ورث جزءا من حسنها لأنها جدة ~~أبيه . قال : فلما سار إبراهيم إلى مصر وأتى مصر وأتى الحرس المقيمون على ~~أبواب المدينة فرأوا سارة وعجبوا من حسنها ورفعوا خبرها إلى طوطيس . وقد ~~روينا في ذلك حديثنا بسندنا الذي قدمناه إلى أبي عبد الله البخاري رحمه ~~الله قال : حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب قال : حدثنا أبو الزناد عن ~~الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: هاجر إبراهيم عليه السلام بسارة فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو ~~جبار من الجبابرة فقيل : دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن النساء ؛ فأرسل ~~إليه أن يا إبراهيم من هذه التي معك ؟ قال : أختي . ثم رجع إليها فقال : لا ~~تكذبي حديثي فإني أخبرتهم أنك أختي ؛ والله إن على الأرض من مؤمن غيري ~~وغيرك ؛ فأرسل بها إليه فقام فقامت توضأ وتصلي ، فقالت : اللهم إن كنت آمنت ~~بك وبرسولك وأحصنت فرجى PageV15P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" إلا على زوجي فلا تسلط على هذا الكافر قفط حتى ~~ركض برجله . قال الأعرج : قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : إنأبا هريرة قال : ~~قالت : اللهم إن يمت يقال هي قتلته فأرسل ، ثم قام إليها فقامت توضأ وتصلي ~~وتقول : اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجى إلا زوجي فلا تسلط علي ~~هذا الكافر ، فغط حتى ركض برجله . قال عبد الرحمن : قال أبو سلمة : قال أبو ~~هريرة : فقالت : اللهم إن يمت فيقال هي قتلته فأرسل في الثانية أو في ~~الثالثة . فقال : والله ما أرسلتم إلي إلا شيطانا إرجعوها ms2898 إلى إبراهيم ~~وأعطوها آجر ، فرجعت إلى إبراهيم عليه السلام فقالت : أشعرت أن الله كبت ~~الكافر واخدم وليدة . هذا ما رويناه من صحيح البخاري . وقد ورد في أخبار ~~طوطيس زيادات نذكرها ؛ وهو أن الملك لما أطلقته في المرة الثالثة قال لها : ~~إن لك ربا عظيما لا يضيعك ؛ وأعظم قدرها وسألها عن إبراهيم فقالت : هو ~~قريبي وزوجي . قال : فإنه ذكر أنك أخته . قالت : صدق أنا أخته في الدين ، ~~وكل من كان على ديننا فهو أخ لنا . قال : نعم الدين دينكم ووجها إلى ابنته ~~حوريا ، وكانت من العقل والكمال بمكان كبير ، فألقى الله تعالى محبة سارة ~~في قلبها فعظمتها حوريا أضافتها أحسن ضيافة ، ووهبت لها جوهرا ومالا ، فأتت ~~به إبراهيم عليه السلام فقال لها : رديه فلا حاجة لنا به فردته ؛ فذكرت ~~حوريا ذلك لأبيه فعجب منها وقال : هؤلاء من قوم كرام ومن أهل بيت طهارة ~~فتحيلي في برها بكل حيلة ، فوهبت لها جارية قبطية من أحسن الجواري يقال لها ~~آجر ، وهي هاجر أم إسماعيل عليه السلام ، وعملت لها سلالا من الحلوى وقالت ~~: يكون معك هذا للزاد . وجعلت تحت الحلوى جوهرا نفيسا وحليا مصبوغا مكللا . ~~فقالت : أشاور صاحبي ؛ فأتت إبراهيم عليه السلام فشاورته فقال : إذا كان ~~مأمولا فخذيه ، فقبلته منها وخرج إبراهيم عليه السلام . فلما أمعنوا في ~~السير أخرجت سارة بعض تلك السلال فأصابت الجوهر والحلي ، فعرفت إبراهيم ذلك ~~، فباع بعضه وحفر من ثمنه البئر التي جعلها للسبيل وفرق بعضه في وجوه البر ~~، وكان يضيف كل من مر به . قال : وعاش طوطيس إلى أن وجهت إليه هاجر من مكة ~~تعرفه أنها بمكان جدب وتستغيثه ، فأمر بحفر نهر في شرقي مصر يمر بسفح الجبل ~~حتى ينتهي إلى مرفأ السفن PageV15P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" في البحر المالح ، فكان يحمل إليهما الحنطة ~~وأصناف الغلات فتصل إلى جدة وتحمل من هناك على المطايا ، فأحيا بلد الحجاز ~~مدة . ويقال : إن كل ما حليت به الكعبة في ذلك العصر هو مما أهداه ملك مصر ~~. ويقال : إنه لكثرة ما كان طوطيس يحمله ms2899 إلى الحجاز سمته العرب جرهم الصادق ~~وكذلك يسميه كثير من أهل الأثر . وقد تقدم في قصة إبراهيم الخليل عليه ~~السلام أن اسم الملك صادوق ، ويقال : إنه سأل إبراهيم عليه السلام أن يبارك ~~له في بلده ، فدعا بالبركة لمصر ، وعرفه إبراهيم أن ولده سيملكها ويصير ~~أمرها إليه . قال : وطوطيس أول الفراعنة بمصر ؛ وذلك أنه أكثر القتل حتى ~~قتل قراباته وأهل بيته وبني عمه وخدمه ونسائه وأكثر الكهنة والحكماء . وكان ~~حريصا على الولد فلم يرزقه الله ولدا غير ابنته حوريا ، وكانت عاقلة حكيمة ~~تأخذ على يده كثيرا وتمنعه من سفك الدماء ، فأبغضته الخلق : الخاص والعام . ~~فلما رأت أمره يزيد خافت على زوال ملكهم فسمته فهلك . وكان ملكه سبعين سنة ~~. ولما مات اختلفوا فيمن يملكوه عليهم بعده فقالوا : لا يملك علينا أحد من ~~أهل بتيه ، وأرادوا تمليك بعض ولد أتريب ؛ فقام بعض الوزراء ودعا إلى تمليك ~~ابنته لصنيعها فيه ، ولما كانت تنكر عليه ، وتبعه أكثر القواد والوجوه فتم ~~لها الأمر . وملكت حوريا ابنة طوطيس وجلست على سرير الملك ، ووعدت الناس ~~بالإحسان ، وأخذت في جمع الأموال وحفظها ، فاجتمع لها من الأموال والجوهر ~~والحلي والطيب ما لم يجتمع لملك ، وقدمت الكهنة وأهل الحكمة ورؤساء السحرة ~~ورفعت أقدارهم ، وأمرت بتجديد الهياكل وتعظيمها . وسار من لم يرضها إلى ~~مدينة أتريب وملكوا عليهم رجلا من ولد أتريب يقال له أنداخس ، فعقد على ~~رأسه تاجا وانضم إليه جماعة من بني عمه وأهل بيته ، فانفذت إليه جيشا ~~فحاربه ؛ فلما رأى أنه لا طاقة له بها دعاها إلى الصلح وخطبها إلى نفسه ~~وقال لها : إن الملك لا يقوم بالنساء ، وخوفها أن يزول ملكهم بمكانها ؛ ~~فعملت صنيعا وأمرت أن يحضره الناس على منازلهم ، فحضروا وأكلوا وشربوا ~~وبذلت لهم الأموال وعرفتهم PageV15P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" ما جرى من خطبتها ، فبعض صوب الرأي ، وبعض ~~امتنع وقالوا : لا يتولى علينا غيرها لمعرفتنا بعقلها وحكمتها ، وهي وارثة ~~الملك ؛ ووثبوا على نفر ممن خالفها فقتلوهم ، وخرجوا في جيش كثيف فلقوا جيش ~~الخارج بأتريب فهزموه وقتلوا كثيرا ن أصحابه ms2900 ، فهرب إلى أرض الشام وبها ~~الكنعانيون من ولد عمليق ، فاستغاث بملكهم وضمن له أخذ مصر وفتحها ، فجهزه ~~بجيش عظيم إلى مصر ، فاجتمع الأنس كلهم إلى حوريا ، ففتحت خزائن أبيها ~~وفرقت ما فيها على الناس فأحبوها ، وقوت السحرة بالمال ووعدتهم الإحسان . ~~فلما تقدم أنداخس بالجيوش أمرت السحرة أن يعملوا له عملا ، وكان على جيوشهم ~~قائد من عظماء قواد ملكهم يقال له جيرون ؛ فلما نزلوا أرض مصر بعثت ظئرا ~~لها من عقلاء الناس إلى جيرون سرا من أنداخس تعرفه رغبتها في تزويجه ، ~~لأنها لا تختار أحدا من أهل بيتها ، وأنه إن قتل أنداخس تزوجت به وسلمت ~~إليه ملك مصر ومنعت صاحبه . فرغب في ذلك وسم أنداخس بسم أنفذته إليه فقتله ~~؛ فوجهت إليه أنه لا يجوز أ أتزوجك حتى تظهر في بلدي قوتك حكمتك وتبني لي ~~مدينة عجيبة - وكان افتخارهم حينئذ بالبنيان وإقامة الأعلام وعمل العجائب - ~~وقالت له : انتقل من موضعك هذا إلى غربي بلدي فثم آثار لنا كثيرة فاقتف تلك ~~الأعمال الغريبة وابن عليها . ففعل ذلك وبنى لها مدينة بصحراء الغرب يقال ~~لها تندومة وجر إليها من النيل نهرا وغرس عليها غروسا كثيرة ، وأقام بها ~~منارا عاليا ، وعمل فوقه منظرا وصفحه بالذهب والفضة والصفر والرخام الملون ~~والزجاج المسبوك وأبدع في عمله . وكانت تمده بالأموال وتكاتب صاحبه عنه ~~وتهاديه وهو لا يعلم . فلما فرغ من بناء المدينة قالت له : إن لنا مدينة ~~حصينة كانت لأوائلنا وقد خربت منها أمكنه وتشعث حصنها فامض إليها واعمل في ~~إصلاحها إلى أن انتقل إلى هذه المدينة التي بنيتها وأنقل إليها جميع ما ~~يحتاج إليه ، فإذا فرغت من إصلاح تلك المدينة فأنفذ إلي جيشا حتى أصير إليك ~~وانظر ما صنعته ، وأبعد عن مدينتي وأهل بيتي فإني أكره أن آتيك بالقرب منهم ~~. فمضى وجد في عمل الإسكندرية الثالثة . PageV15P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" قال : وأهل التاريخ يسوقون شيئا من أخبار ~~أنداخس ويذكرون أنه الذي قصد الوليد بن دومع العمليقي ، وهو ثاني الفراعنة ~~. وكان سبب قصده له أنه كانت به علة فوجه ms2901 إلى المواضع ليحمل إليه من مياهها ~~حتى يعرف ما يلائم جسده ، فوجه علاما له فأتى مملكة مصر ووقف على كثرة ~~خيراتها وحمل إلى صاحبه من مائها وألطافا وعاد إليه ، فعرفه حال مصر فقصدها ~~في جيش كثيف حتى حط عليها ، وكاتب المملكة وخطب إليها نفسها ، فوجهت إليه ~~من أشرف على حاله فوجد قوما عظاما لا يقوم بحربهم ، فأجابته إلى النرويج ~~وألطفته وشرطت عليه أن يبنى لها مدينة يظهر فيها أيده وقوته ويجعلها مهرا ~~لها ، فأجابها ودخل مصر وانتهى إلى ناحية الغرب ليبني لها المدينة ناحية ~~الإسكندرية ، فأمرت أن يتلقى بأصناف الرياحين والفواكه وتخلق وجوه الخيل ؛ ~~فمضى إلى الإسكندرية - وقد خربت بعد خروج العادية منها - فنقل منها ما كان ~~من حجارتها ومعالمها وعمدها ووضع أساس مدينة عظيمة وبعث إليها مائة ألف ~~فاعل ، فأقام في بنائها مدة وأنفق جميع ما كان معه من المال ، وكان كلما ~~بنى بناء خرجت من البحر دواب تقلعه فإذا اصبح لم يجد منه شيئا ؛ فاهتم لذلك ~~. وكانت حوريا قد أنفذت إليه ألف رأس من المعز اللبون يستعمل ألبانها في ~~مطبخه ، وكانت مع راع يثق به ، وكان ذلك الراعي يطوف بها ويرعاها هناك ، ~~فكان إذا أراد أن ينصرف عند المساء خرجت إليه من البحر جارية حسناء فتتوق ~~نفسه إليها ، فإذا كلمها شرطت عليه أن تصارعه فإن صرعها كانت له وإن صرعته ~~أخذت رأسين من المعز ؛ فكانت على طول الأيام تصرعه وتأخذ من الغنم حتى أخذت ~~أكثر من نصفها وتغير باقيها لشغله بحب تلك الصورة عن رعيها ، وتغير هو أيضا ~~في جسمه ونحل ، فمر به صاحبه وسأله عن حاله وحال الغنم فخبره الخبر خوف ~~سطوته فقال : أي وقت تخرج ؟ قال : قرب المساء . فلبس ثياب الراعي وتولى ~~رعية الغنم يومه إلى المساء ، وخرجت الجارية فشرطت عليه كما شرطت على ~~الراعي ، فأجابها وصارعها فصرعها وقبض عليها وشدها فقالت له : إن كان لا بد ~~من أخذي فسلمني لصاحبي الأول فإنه ألطف بي ، وقد عذبته مرة بعد مرة ، فردها ~~إليه وقال له : سلها عن ms2902 هذا البنيان الذي بنيته ويزول من ليلته من يفعل به ~~ذلك ؛ وهل في بنائه من حيلة ؟ PageV15P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" فسألها الراعي عن ذلك فقالت : إن دواب البحر ~~التي تنزع بنيانكم . قال : فهل فيها من حيلة ؟ قالت : نعم . قال : وما هي ؟ ~~قالت : تعمل توابيت من زجاج كثيف بأغطية وتجعل فيها قوما يحسنون الصناعة في ~~التصوير ، وتجعل معهم صحفا وأنقاشا وزادا يكفيهم أياما ، وتجعل التوابيت في ~~المراكب بعد أن تشدها بالحبال ، فإذا توسطوا الماء صور المصورون جميع ما مر ~~بهم وترفع تلك التوابيت من الماء ؛ فإذا وقفتم على تلك الصور فاعملوا لها ~~أشباها من الصفر أو من الحجارة أو من الرصاص وانصبوها أمام البنيان الذي ~~تبنونه من جانب البحر ، فإن تلك الدواب إذا خرجت ورأت صورها هربت ولم تعد . ~~فعرفه الراعي ذلك ففعله . وتم بناء المدينة . وقال قوم من أهل التاريخ : إن ~~صاحب البناء والغنم جيرون المؤتفكي وكان قصدهم قبل الوليد ، وإنما أتاهم ~~بعد حوريا وقهرهم وملك مصر . وذكروا أن الأموال اليت كانت مع جيرون نفذت ~~كلها في تلك المدة ولم يتم البناء ، فأمر الراعي فسأل تلك الجارية فقالت : ~~إن المدينة التي خربت ملعبا مستديرا حوله سبعة على رءوسها تماثيل من صفر ~~قيام ، فقرب لكل تمثال منها ثورا سمينا ولطخ العمود الذي عليه التمثال من ~~دم الثور ، وبخره بشعر من ذنبه وشيء من نحاته قرونه وأظلافه ، وقل له : هذا ~~قربانك فأطلق لي ما عندك ، ثم قس من كل عمود إلى الجهة اليت يتوجه إليها ~~وجه التمثال مائة ذراع واحفر ، وليكن ذلك في وقت امتلاء القمر واستقامة زحل ~~؛ فإنك تنتهي بعد خمسين ذراعا إلى بلاطة عظيمة فلطخها بمرارة الثور وأقلعها ~~فإنك تنزل منها إلى سرب طوله خمسون ذراعا في آخره خزانة مقفلة ومفتاح القفل ~~تحت عتبة الباب فخذه ولطخ الباب ببقية مرارة الثور ودمه وبخره بنحاتة قرونه ~~وأظلافه وشعره ، وادخل الباب بعد أن تخرج الرياح التي فيه ، فإنه يستقبلك ~~صنم في عنقه لوح من صفر معلق مكتوب فيه جميع ما في الخزانة من ms2903 مال وجوهر ~~وتمثال وأعجوبة ، فخذ منه ما شئت ولاتتعرض لميت تجده ولا لما عليه ؛ وكذلك ~~فافعل بكل عمود وتمثاله ؛ فإنك تجد في تلك الخزائن نواويس سبعة من الملوك ~~وكنوزهم . فلما سمع ذلك سر به وفعله فوجد ما لا يدرك وصفه ، ووجد من ~~العجائب شيئا كثيرا ؛ فتم بناء المدينة . واتصل ذلك بحوريا فساءها ؛ وإنما ~~كانت أرادت إتعابه وهلاكه بالحيلة عليه . فيقال : إنه فيما وجد من العجائب ~~درج ذهب مختوم بطين ذهب فيه مكحلة زبرجد PageV15P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" فيها ذرور أخضر ومعها عرق جوهر أحمر ، من ~~اكتحل من ذلك الذرور وكان أشيب عاد شابا وأسود شعره وأضاء بصره حتى يدرك ~~النظر إلى أصناف الروحانيين ، ووجد تمثال من الذهب إذا ظهر غيمت السماء ~~وأمطرت ، وتمثال غراب من حجر إذا سئل عن شيء صوت وأجاب عنه . ويقال : إنه ~~كان في كل خزانة عشر أعجوبات . قال : فلما فرغ جيرون من بناء المدينة وجه ~~إليها يعلمها ذلك ويحثها على القدوم . فحملت إليه فرشا فاخرة وقالت : ~~ابسطها في المجلس الذي تجلس فيه ، وأقسم جيشك أثلاثا وأنفذ إلى ثلثه ، حتى ~~إذا بلغت ثلث الطريق فأنفذ إلي الثلث الآخر ، فإذا جزت نصف الطريق فأنفذ ~~إلي الثلث الباقي ، ويكونون من ورائي لئلا يراني أحد إذا دخلت عليك ، ولا ~~يكن عندك إلا صبية تثق بهم يخدمونك فإني أوافيك في جوار تكفيك الخدمة ولا ~~أحتشمهن ؛ ففعل . وأقامت تحمل إليه الجهاز والأموال حتى علم بمسيرها ووجه ~~إليها ثلث جيشه فعملت لهم الأطعمة والأشربة المسمومة ، فلما أتوها استنزلهم ~~جواريها وحشمها أقبلوا عليهم بتلك الأطعمة والأشربة والطيب والكساء واللهو ~~فلم يصبح منهم أحد يعيش ، ولقيها الثلث الثاني والثالث بعده ففعلت بهم كذلك ~~، وهي توجه إليه أنها أنفذت جيشه إلى قصرها وملكتها يحفظمونه . إلى أن دخلت ~~عليه هي وظئرها وجوار كن معها ، فنفخت ظئرها في وجهه نفخة بهت إليها رشت ~~عليه ماء كان معها فارتعدت مفاصله فقال : من طن أنه يغلب النساء فقد كذبنه ~~نفسه وغلبته الناس ، ثم فصدت عروقه وأسالت دمه وقالت : دماء الملوك شفاء ms2904 . ~~وأخذت رأسه فوجهت به إلى قصرها فنصب عليه وحملت تلك الأموال إلى منف . وبنت ~~منارا بالإسكندرية وزبرت عليه اسمها واسمه وما فعلت به وتاريخ الوقت . قال ~~: ولما اتصل خبرها بالملوك الذين يتاخمون بلدها ، هابوها وأذعنوا لها ~~وهادوها . وعملت بمصر عجائب كثيرة ، وأقطعت أهل بيتها وقوادها وحشمها ~~أقطاعا كثيرة ، وأمرت أن يبني على حد مصر من ناحية النوبة حصن وقنطرة يجري ~~ماء النيل من تحتها ، واعتلت حوريا فاجتمع إليها أهل مملكتها وسألوها أن ~~تقدم عليهم ملكا ، PageV15P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" ولم يكن في ذلك الوقت من ولد أبيها وأهل بيته ~~من يصلح لذلك ، فقلدت عمتها دليفة بنت ملموم ، وكانت عذراء من عقلاء النساء ~~وكبراهن ، فعهدت إليها وأخذت لها المواثيق على أهل مصر ألا يسلموها وأن ~~يتبعوا أمرها ، وسلمت إليها مفاتيح خزائنها ، وأطلعتها على مواضع كنوز ~~آبائها وكنوزها ، وأمرت أن يضمد جسدها بالكافور وتحمل إلى المدينة التي ~~بنيت لها في صحراء الغرب ، وقد كانت عملت لها فيها ناووسا وعملت فيه عجائب ~~ونقلت إليه أصنام الكواكب ، وزينته بأحسن الزينة ونصبت له قومة ، وأسكنت ~~تلك المدينة جماعة من الكهنة وأصحاب العلوم والمهن وبعض الجيش ، وعمرت تلك ~~المدينة فلم تزل على حالها من العمارة إلى أن خربها بختنصر وحمل بعض كنوزها ~~. وجلست دليفة بنت مأمون على سرير الملك بعد وفاة حوريا ، واجتمعت الكلمة ~~عليها وأحسنت إلى الناس ووضعت عنهم خراج سنة . وقام عليها أيمين يطلب بثأر ~~خاله أنداخس ، واستنصر بملك العمالقة فوجه معه قائدا من قواده في جيش كثيف ~~، فأخرجت إليه دليفة بعض قوادها فالتقوا بالعريش ، وجل سحرة الفريقين ~~يظهرون التخاييل الهائلة والعجائب العظيمة والأصوات التي تقرع الأسماع ~~وتؤلمها ، فأقاموا مدة يتكافئون الحرب ويتراجعون فهلك بينهم خلق كثير ، ثم ~~انهزم أصحاب دليفة إلى منف وسار أصحاب أيمين في آثارهم ، ومضت دليفة في جمع ~~من جيوشها إلى ناحية الصعيد فنزلت الأشمونين وأنفذت من قدرت عليه من الجيوش ~~ووقعت الحرب بينهم بناحية الفيوم وخلى أصحاب دليفة الماء بينهم وبين عدوهم ~~، واستنجدت دليفة بأهل مدائن الصعيد فحاربوا أصحاب أيمين ms2905 حتى أزالوهم عن ~~منف ، وكانوا قد ضفروا بها وعاثوا فيها ، فهزموهم حتى ركبوا المراكب وعدوا ~~إلى ناحية الحوف ، وكان معهم ساحر من أهل ناحية قفط فأظهر بسحره نارا حالت ~~بينهم وبين أصحاب دليفة ، فلما PageV15P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" زاد الأمر وأشفق أهل مصر من خروجها عن أيديهم ~~سفر السفراء بينهم على أن يجعلوا البلد قسمة بينهم فأجاب كل منهما إلى ~~الصلح ، ثم غدرت دليفة بعد ذلك بأيمين وأخرجت الأموال والجوهر وفرقتها في ~~الناس ، وكان بعضهم قد لامها في الصلح ، فرجعت إلى الحرب فأقاموا ثلاثة ~~أشهر ثم ظهر أيمين وهزمها إلى ناحية قوص وسار خلفها وتمكن من المملكة ، ~~فلما رأت ذلك سمت نفسها فهلكت . وملك بعدها أيمين ، فتجبر وقتل خلقا كثيرا ~~ممن كان حار به . وكان الوليد بن دزمع العمليقي قد خرج في جيش كثيف يتنقل ~~في البلدان ويقهر ملوكها ليسكن ما يوافقه منها ؛ فلما صار بالشام انتهى خبر ~~مصر وعظم قدرها ، وأن أمرها قد صار إلى النساء وبادت ملوكها ، فوجه غلاما ~~له يقال له عون ، فسار إلى مصر وفتحها وحوى أموالا ، ومولاه لا يعرف خبره ~~ولا يشك في هلاكه وهلاك الجيش الذي معه ، لما كان يسمع عما بمصر من ~~الطلسمات والسحر ؛ ثم اتصل به خبره فسار إلى مصر فتلقاه عون وعرفه أنه كان ~~عزم على المسير إليه وإنما أراد تعديل البلد وإصلاحه فقبل قوله ودخل . وملك ~~مصر الوليد بن دومع العلميقي ، واستباح أهلها واخذ أموالها وقتل جماعة من ~~كهنتها ، ثم سنح له أن يخرج فيقف على مصب النيل ويعرف ما بناحيته من الأمم ~~ويغزوهم ، فأقام ثلاث سنين يستعد لخروجه ، وأصلح ما يحتاج إليه ، واستخلف ~~عونا على البلد وخرج في جيش كثيف فلم يمر بأمة إلا أبادها . فيقال : إنه ~~أقام في سفره سنين كثيرة ، وإنه مر على أمم من السودان وجاوزهم ، ومر على ~~أرض الذهب وفيها قضبان نابتة ؛ ولم يزل يسير حتى بلغ البطيخة التي ينصب ماء ~~النيل إليها من الأنهار التي تخرج من تحت جبل القمر ؛ ثم سار حتى بلغ هيكل ms2906 ~~الشمس فدخله . ويقال : إنه خوطب فيه . وسار حتى بلغ جبل القمر ؛ وهو جبل ~~عال . وإنما سمى جبل القمر لأن القمر لا يطلع عليه لخروجه عن خط الاستواء . ~~ونظر إلى النيل يخرج من تحته . وقد تقدم خير النيل . PageV15P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" قال : ودخل الوليد القصر الذي فيه تماثيل ~~النحاس التي عملها هرمس الأول في وقت البودسير الأول بن قفطريم . قال : ~~ولما بلغ الوليد جبل القمر رأى جبلا عاليا فأعمل الحيلة وصعد عليه ليرى ما ~~خلفه ، فأشرف على البحر الأسود الزفتي المنتن ، ونظر إلى النيل يجري عليه ~~كالأنهار الرقاق ، أتته من ذلك البحر روائح منتنة هلك كثير من أصحابه من ~~ريحها فأسرع النزول بعد أن كاد يهلك . قال : وذكر قوم أنهم لم يروا شمسا ~~ولا قمرا وإنما رأوا نورا أحمر كنور الشمس عند مغيبها . وأقام الوليد في ~~غيبته أربعين سنة . وأما عون الذي استخلفه بمصر فإنه فعل في غيبة الوليد ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى . ذكر خبر عون وما فعله في غيبة الوليد وخبر ~~المدينة التي بناها قال : ولما مضت من غيبة الوليد بن دومع سبع سنين تجبر ~~غلامه عون بمصر ، وادعى انه الملك ، وأنكر أن يكون غلاما للوليد ، وأنه ~~أخوه وقلده الملك بعده ، ووثب على الناس وغلبهم بالسحرة وأسنى جوائزهم ولم ~~يمنعهم محابهم ؛ فمالوا إليه ووثقوا أمره ، فلم يترك امرأة من بنات ملوك ~~مصر إلا نكحها ، ولا مالا إلا أخذه وقتل صاحبه . وكان مع ذلك يلزم الهياكل ~~ويكرم الكهنة ، فكانوا يمسكون عنه إشفاقا منه وخوفا من السحرة الذين معه ؛ ~~إلى أن رأى في منامه الوليد بن دومع وكأنه يقول له : من أمرك أن تتسمى باسم ~~الملك ، وقد علمت أنه من فعل ذلك استحق القتل ، ونكحت بنات الملوك وأخذت ~~الأموال بغير واجب ، ثم أمر بقدور فملئت زيتا وأحميت على أنه يغمر فيها ، ~~فلما غلت أمر بنزع ثيابه فأتى طائر في صورة عقاب فاختطفه من أيديهم وحلق به ~~في الجو وجعله في هوة على رأس جبل ، وانه سقط من رأس الجبل إلى ms2907 واد فيه حية ~~، فانتبه مرعوبا طائر العقل . وقد كان في فعله ذلك وتملكه إذا خطرت بقلبه ~~من ذكر الوليد خطرة كاد عقله يزول ، خوفا منه لما يعلمه من فظاظته وبطشه ~~وقوته . ولم يتيقن هلاكه وأضمر في نفسه الهرب من مصر بما معه من الأموال . ~~قال : ولما رأى الرؤيا لم يشك في حياة الوليد وأنه سيعود ، فأطلع بعض ~~السحرة ممن يثق به على أمره وقال : إني خائف من الويد وقد عزمت على الخروج ~~PageV15P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" من مصر فما الوجه عندكم ؟ قالوا : نحن ننجيك ~~منه على أن تقبل منا . قال : قولوا ، قالوا : تعمل عقابا وتعبده ؛ فإن الذي ~~حصنك منه أحد الروحانيين وهو يريد ذلك منك . قال عون : أشهد لقد قال لي ~~وأنا معه : أعرف لي هذا المقام ولا تنسه . قالوا : قد بينا لك . فأجابهم ~~إلى ذلك وعمل عقابا من ذهب وعمل عينيه جوهرتين ووشحه بأصناف من الجوهر ، ~~وعمل له هيكلا لطيفا وجعله في صدره وأرخى عليه ستور الحرير ، وأقبل أولئك ~~يبخرونه ويقربون إليه ويسحرون إلى أن نطق لهم ، فأقبل عون على عبادته ودعا ~~الناس إليه فأجابوه . فلما مضى لذلك مدة أمر العقاب ببناء مدينة يحوله ~~إليها وتكون معقلا له وحرزا من كل أحد . فأمر عون أصحابه أن يخرجوا إلى ~~صحارى الغرب ويطلبوا كل أرض سهلة حسنة الاستواء ، ويكون المدخل إليها بين ~~هجول صعبة وجبال وعرة ، ويتوخوا أن تكون قريبة من ناحية مغيص الماء التي هي ~~اليوم الفيوم . وكانت مغيضا لماء النيل حتى أصلحها يوسف عليه السلام على ما ~~نذكره إن شاء الله . وإنما أراد عون بذلك ليجر الماء منها إلى مدينته التي ~~يبنيها ؛ فخرج أصحابه وأقاموا شهرا يطوفون الصحارى حتى وجدوا له بغيته ، ~~ولم يبق فاعل ولا مهندس ولا أحد ممن يبصر البناء ويقطع الصخور وينحتها إلا ~~وجه به عون إليها ، وأنفذ معهم ألف رجل من جيشه وسبعمائة ساحر يعاونونهم ~~بالروحانيين الذين في طاعتهم ، وأنفذ معهم جميع الآلات وأقام يحمل لهم ~~الزاد إلى هناك شهورا على العجل ؛ وطريق العجل على الفيوم ms2908 واضحة في صحراء ~~الغرب وخلف الأهرام - وهي التي يقصدها أصحاب المطالب - مشهورة . قال : فلما ~~تكامل له ما أراد من ذلك ومن تحت الأحجار خطوا المدينة فرسخين في فرسخين ، ~~وحفروا في الوسط بئرا وجعلوا في تلك البئر تمثال خنزير من نحاس بأخلاط ~~ونصبوه على قاعدة من نحاس وجعلوا وجهه إلى الشرق ، وكان ذلك بطالع زحل ~~واستقامته وسلامته من المتضادين له في شرفه ، وأخذوا خنزيرا فذبحوه له ~~ولطخوا وجهه بدمه وبخروه بشعره ، وأخذوا شيئا نم عظامه ولحمه ومرارته ~~فجعلوه PageV15P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" في جوف ذلك الخنزير والنحاس ، وجعلوا في أذنيه ~~شيئا من مرارته ، وأحرقوا بقية الخنزير ، وجعلوا رماده في قلة نحاس بين يدي ~~الخنزير النحاس ، ونقشوا عليه آيات زحل ، ثم شقوا في البئر أخدودا من أربعة ~~وجوه شرقا وغربا وجنوبا وشمالا ، ومدوا تلك الأخاديد إلى حيطان المدينة ، ~~وعملوا على أفواهها مسارب تجتلب الرياح إليها ، ثم سدوا البئر وعملوا عليها ~~قبة على عمد مربعة ، وجعلوا منها شوارع كل شارع ينتهي إلى باب من أبواب ~~المدينة وفصلوها بالطرقات والمنازل ، وجعلوا حول القبة تماثيل فرسان من ~~نحاس بأيديها حراب ووجوهها مقابلة لتلك الأبواب ، وجعلوا أساس المدينة من ~~حجر أسود وفوقه أحمر وفوقه أصفر وفوقه أخضر ، وفوق الجميع أبيض يشف ، مثبتة ~~كلها بالرصاص المصبوب بين الحجارة ، وقلوبها أعمدة من حديد على وضع بناء ~~الأهرام ؛ وجعل طول حصنها ستين ذراعا في عرض عشرين ذراعا ، ونصب على كل راس ~~باب من أبوابها في أعلا الحصن تمثال عقاب كبير من صفر وأخلاط ناشر الجناحين ~~أجوف ، وعلى كل ركن صورة فارس بيده حربة ووجهه إلى خارج المدينة ؛ وساق ~~الماء إلى ناحية الباب الشرقي ينحدر في صبب إلى الباب الغربي ويخرج إلى ~~صهاريج هناك ، وكذلك من الباب الجنوبي إلى الشمالي ، وقرب لتلك العقبان ~~عقبانا ذكورا ، واجتذب الرياح إلى أفواه التماثيل ، فكانت الرياح إذا ~~دخلتها سمعت لها أصوات شديدة لا يسمعها أحد إلا هالته ، وصمدها بعفاريت ~~تمنع الداخل إليها إلا أن يكون من أهلها ، ونصب العقاب الذي كان يعبده تحت ~~القبة التي ms2909 في وسط المدينة على قاعدة لها أربعة أركان في كل ركن منها وجه ~~شيطان ، وجعلها على عمود يديرها ، والعقاب يدور إلى كل الجهات الأربع ، ~~ويقيم فيها ربع السنة ، يقرب إليه من جهتها . فلما فرغ من ذلك كله حمل ~~إليها جميع الأموال والجواهر المخزونة بمصر وما وجده في خزائن الملوك ، ومن ~~التماثيل والحكم وتراب الصنعة والعقاقير والسلاح وغير ذلك ، وحول إليها ~~كبار السحرة والكهنة وأصحاب الصنائع والتجار ، وقسم المساكن بينهم لا يختلط ~~أهل صنعة بغيرها ، وعمل لها ربضا يحيط بها ، وبنى فيه PageV15P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" منازل لأصحاب المهن والزراعة ، وعقد على تلك ~~الأنهار قناطر يمر عليها الداخل إلى المدينة ، وجعل الماء يدور حول الربض ؛ ~~ونصب عليها أعلاما وحرسا ؛ ثم غرس وراء ذلك بالبرية النخل والكروم وأصناف ~~الأشجار ، ومن وراء ذلك مزارع الغلات من كل جهة ، وكان يرتفع له بها في كل ~~سنة نا يكفيه لعشر سنين ، كل ذلك خوفا من الوليد . قال : وبين هذه المدينة ~~وبين منف ثلاثة أيام ؛ فكان عون يخرج إليها فيقيم بها عشرة أيام ثم يعود ~~إلى منف ، وكان لها رابعة أعياد في السنة ؛ وهي الأوقات التي يتحول العقاب ~~فيها . فلما تم ذلك كله لعون اطمأن قلبه ، وسكنت نفسه . ذكر عود الوليد إلى ~~مصر وهرب عون إلى مدينته قال : ثم وافا كتاب الوليد بن دومع من نواحي ~~النوبة إلى عون يأمره أن ينفذ إليه الأزواد وينصب له الأسواق ؛ فوجه إليه ~~ذلك في المراكب وعلى الظهر ، وحول جميع عياله ومن اصطفاه من بنات ملوك مصر ~~وكبرائها إلى المدينة ، حتى إذا قرب دخول الوليد إلى مصر خرج عون إلى ~~مدينته وخلف خليفة على مصر بين يدي الوليد . ودخل الوليد مدينة منف وتلقاه ~~أهل مصر وشكوا إليه عونا وما حل بهم منه . قال : وأين هو ؟ قالوا : فر منك ~~. فغضب الوليد وأمر بجيش كثيف ينفذ إليه ، فعرفوه أن الجيش لا يصل إليه ، ~~وأخبروه خبر المدينة وكيف بناها وخبر السحرة الذين معه . فكتب إليه يأمره ~~بالقدوم عليه ويحذره التخلف عنه ، ويقسم أنه إن ms2910 لم يفعل وظفر به بضع لحمه ~~بضعا . فرد جوابه يقول : ما على الملك مني مؤنة ، وأنا لا أتعرض إلى بلده ~~ولا أعيث فيه ؛ لأني عبده ، وأنا له في هذا الموضع أرد كل عدو يأتيه من ~~نواحي الغرب ، ولا اقدر على المصير إليه لخوفي منه ، فليقرني الملك بحالي ~~كأحد عماله وأوجه إليه ما يلزمني من الخراج والهدايا . ووجه إليه بأموال ~~جليلة وجوهر نفيس . فلما رأى ذلك كف عنه . وأقام الوليد بمصر فاستبعد أهلها ~~واستباح حريمهم وأموالهم . وملكهم مائة وعشرين سنة فأبغضوه وسئموا أيامه . ~~واتفق أنه ركب PageV15P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" في بعض الأيام إلى الصيد فألقاه فرسه في وهدة ~~فهلك ، وكان ابنه الريان ينكر عليه فعله ولا يرضاه . فلما هلك عمل له ~~ناووسا قرب الأهرام . وقيل : بل دفن في الهرم . ثم ملك بعده ابنه الريان بن ~~الوليد بن دومع ؛ وهو فرعون يوسف عليه السلام ، والقبط تسميه نهراوش ، وجلس ~~على سرير الملك . وكان عظيم الخلق ، جميل الوجه ، عاقلا متمكنا ؛ فتكلم ~~ومني الناس وضمن لهم الإحسان وأسقط عنهم الخراج ثلاث سنين ، فاثنوا عليه ~~وشكروه ، وأمر بفتح الخزائن وفرق ما فيها على الخاص والعام ، وتمكنت منه ~~أريحية الصبا فملك على الرعية رجلا من أهل بيته يقال له أطفين ، وقيل في ~~اسمه : قطفير ، وقيل : قوطيفر ، وهو الذي يسميه أهل الأثر العزيز . وكان من ~~أولاد الوزراء . وكان عاقلا أديبا متمكنا صائب الرأي كثير النزاهة مستعملا ~~للعدل والعمارة والإصلاح . وأمر الريان أن ينصب له في قصر الملك سرير من ~~الفضة يجلس عليه ويغدو ويروح إلى باب الملك ، ويخرج بجميع الوزراء والعمال ~~والكتاب بين يديه ؛ فكفى الريان ما خلف سريره وقام بجميع أمره وأخلاه لذاته ~~؛ فأقام الريان منعكفا على قصفه ولهوه منغمسا في لذته لا ينظر في عمل ولا ~~يظهر للناس ولا يخاطبهم ، فأقاموا بذلك حينا . هذا والبلد عامر . وبلغ ~~الخراج في وقته سبعة وتسعين ألف ألف مثقال فجعلها أقساما ، فما كان للملك ~~وأسبابه وموائده حمل إليه ، وما كان في أرزاق الجيش والكهنة والفلاسفة ~~وأصحاب الصنائع ومصالح البلد وأهل ms2911 المهنة صرف إليهم ، والملك مع ذلك غير ~~سائل عن شيء ؛ قد عملت له مجالس من الزجاج الملون وأجرى حولها الماء وأرسلت ~~فيها الأسماك المقرطة ، فكانت الشمس إذا وقعت على المجلس منها أرسل شعاعا ~~عجيبا يبهر العيون . وعملت له عدة متنزهات على عدد أيام السنة ، فكان كل ~~يوم في موضع منها ، وفي كل موضع منها من الفرش والآنية والآلات ما ليس في ~~غيره . PageV15P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" فلما اتصل بملوك النواحي تشاغل الريان بلذاته ~~وتدبير العزيز لأمره ، قصده رجل من العمالقة يقال له عاكن بن بيجوم وكنيته ~~أبو قابوس ، وقصد مصر حتى نزل على حدودها ، فأنفذ إليه العزيز جيشا كثيفا ~~وجعل عليه قائدا يقال له بريانس ، فأقام ثلاث سنين يحاربه ، ثم ظفر به ~~العمليقي ودخل من الحدود وهدم أعلاما ومصانع كثيرة ، وتمكن طمعه في البلد ~~فأعظم أهل مصر ذلك واجتمعوا إلى قصر الملك وجعلوا يصيحون ويستغيثون ويرفعون ~~أصواهم حتى سمعها الملك فقال : ما بال الناس ؟ فأخبر خبر المعليقي وأنه قد ~~دخل عمل مصر وعاث وأفسد المزارع والمصانع والأعلام ، وأنه سار بجيشه إلى ~~قصر الملك ، فارتاع الريان لذلك وأنف منه وانتبه من غفلته وعرض جيوشه وأصلح ~~أمره وخرج في ستمائة ألف مقاتل سوى الأتباع ، فالتقوا من وراء الأحواف في ~~تلك الصحراء ، واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم العمليقي واتبعه الريان إلى ~~حدود الشام وقتل من أصحابه خلقا وأفسد زرعهم وأكثر أشجار الفواكه والزيتون ~~، وأحرق وصلب ونصب أعلاما على الموضع الذي بلغه وزبر عليها : إني لمن يجاور ~~هذا المكان بالمرصاد . فلما تم له هذا الظفر هابته الملوك ولاطفوه وأعظموه ~~. وقيل : إنه بلغ الموصل وضرب على الشام خراجا وبنى عند العريش مدينة لطيفة ~~وشحنها هي وتلك الناحية بالرجال ، ورجع إلى مصر فحشد جنوده من جميع الأعمال ~~، واستعد لغزو ملوك الغرب فخرج في تسعمائة ألف واتصل بالملوك خبره ، فمنهم ~~من تنحى عن طريقه ، ومنهم من دخل تحت طاعته . ومر بأرض البربر فأجلى كثيرا ~~منهم ، ووجه قائدا يقال له مريطس في سفن فركب البحر من ناحية رقودة . ومر ~~الريان ms2912 بجزائر بني يافث فعاث فيها واصطلم أهلها ، وخرج من ناحية أرض البربر ~~فقتل بعضهم وصالح بعضهم وحملوا إليه الأموال ، ومضى إلى إفريقية وقرطاجنة ~~فصالحوه على أموال وألطاف كثيرة حملوها إليه ، ومر حتى بلغ مصب البحر ~~الأخضر وهو موضع الأصنام النحاس ، فأقام هناك صنما وزبر عليه اسمه وتاريخ ~~الوقت الذي خرج فيه ، وضرب على أهل تلك النواحي خراجا ، وعدي إلى الأرض ~~الكبيرة وصار في الأفرنجة ، والأندلس في حوزهم وعليها لذريق الأصغر ، ~~فحاربه أياما وقتل من أصحابه خلقا وصالحه بعد ذلك على ذهب مضروب ، وعلى ألا ~~يغزو مصر ويمنع من رام ذلك من جميع أهل النواحي ، وانصرف مشرقا فشق بلد ~~البربر فلم يمر بموضع إلا PageV15P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" خرج أهله بين يديه واهدوا له وأدخلوا تحت ~~طاعته . ثم أخذ نحو الجنوب ومر ببلد الكوسانيين فحاربوه فقتل خلقا كثيرا ، ~~وبعث قائدا إلى مدينة على عبر البحر الأخضر فخرج إليه ملك المدينة وأهلها ~~فعرفهم حال الريان ومصالحة الملوك له فقالوا : ما بلغنا أحد قط ، وسألهم ~~هلة ركب هذا البحر أحد ؟ فقالوا : ما يستطيع أحد أن يركبه ، وأخبروه أنه ~~ربما أظله الغمام فلا يرونه أياما ، وأتى الريان فتلقوه بهدايا وفاكهة ~~أكثرها المور ؛ وحجارة سود فإذا جعلت في الماء صارت بيضاء ، ثم تركهم وسار ~~إلى أمم السودان حتى بلغ ملك الدمدم الذين يأكلون الناس ، فخرجوا إليه عراة ~~بأيديهم العمد الحديد ، وخرج ملكهم على دابة وهو عظيم الخلق له قرون ، وكان ~~جسيما أحمر العينين ، فظفر بهم فانهزموا إلى أوحال وأدغال فلم يتهيأ له ~~أتباعهم فيها ، وجازهم إلى قوم على خلق القرود لهم أجنحة صغار يثبون بها من ~~غير ريش . ومر على عبر البحر المظلم فغشيهم منه غمام فرجع شمالا حتى انتهى ~~إلى جبل يقال له وسن ، فرأى فوقه تمثالا من حجر أحمر يومي بيده : إرجعوا ~~وعلى صدره مزبور : ما ورائي أحد . فتركه وسار راجعا فانتهى إلى مدينة ~~النحاس فلم يصل إليها . ومضى حتى بلغ الوادي المظلم فكانوا يسمعون منه جلبة ~~عظيمة ولا يرون أحدا لشدة ظلمته . وسار ms2913 حتى انتهى إلى وادي الرمل ورأى على ~~عبرة أصناما عليها أسماء الملوك قبله فأقام معها صنما وزبر عليها اسمه . ~~فلما أسبت الرمل جاز عليه إلى الخراب المتصل بالبحر الأسود ، وسمع جلبة ~~وصياحا هائلا فخرج في شجعان أصحابه حتى أشرف على السباع المقرنة الأنوف ، ~~فإذا بعضها تهتر وتأكل بعضها بعضا ، فعلم أنه لا مذهب له من ورائها فرجع ، ~~وعدى وادي الرمل ومر بأرض العقارب فهلك بعض أصحابه ورفعوها عنهم بالرقي ~~التي يعرفونها ، ثم جاوزهم حتى انتهى إلى مكان صلوفة وهي حية عظيمة ، ~~فهجموا عليها ولم يعرفوها وظنوا أنها جبل ، ثم عرجوا عنها وتعوذوا منها ~~بالرقي . قال : ويزعم القبط أنه منعها من الحركة بسحره وتركها فهلكت . وقيل ~~: إن تعريج هذه الحية ميل وأنها كانت تبتلع السباع هناك . PageV15P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" وسار حتى بلغ مدينة الكند ، وهي مدينة الحكماء ~~، فتهاربوا منه إلى جبل صعدوه من مواضع يعرفونها من داخل مدينتهم لم يعرفها ~~غيرهم ، ولم يجد الريان ومن معه إلى الصعود إليها سبيلا ، فأقاموا عليها ~~أياما وكادوا يهلكون من العطش ، فنزل إليهم من الجبل رجل يقال له مندوس ، ~~كان من أفاضل الحكماء وقد لبس شعره جسده ، فقال : أين تريد أيها المغرور ~~الممدود له في الأجل المرزوق الكفاية أتعبت نفسك وجيشك ألا اقتنعت بما ~~تملكه واتكلت على خالقك وربحت الراحة وتركت العناء والغرور بهذا الخلق . ~~فعجب الملك من قوله وسأله عن الماء فدله عليه ، وسأله عن موضعهم فقال : ~~موضع لا يصل إليه أحد ولا بلغه قبلك أحد . قال : فما عيشكم ؟ قال : من أصول ~~نبات لنا نعتصم به ونقنع بأكله ويكفينا اليسير . قال : فمن أين تشربون ؟ ~~قال : من نقار الماء من الأمطار . قال : فلم هربتم منا ؟ قال : رغبة عن ~~خلطتكم وإلا فليس لنا ما نخاف عليه . قال : فكيف تكونون إذا حميت عليكم ~~الشمس ؟ قال : في غيران تحت هذه الجبال . قال : فهل تحتاجون إلى مال أخلفه ~~لكم ؟ قال : إنما يريد أهل البذخ ونحن لا نستعمل منه شيئا ، استغنينا عنه ~~بما قد اكتفينا به ، وعندنا منه مالو رأيته ms2914 لحقرت ما عندك . قال : فأرنيه ، ~~فانطلق به مع نفر من أصحابه إلى أرض في سفح جبلهم فيها قضبان الذهب نابته ، ~~وأراهم واديا حافتاه حجارة الزبرجد والفيروذج ، فأمر الريان أصحابه أن ~~يأخذوا من كبار تلك الحجارة ففعلوا ؛ ورآهم الحكيم يصلون إلى صنم يحملونه ~~معهم ، فسألهم ألا يقيموا بأرضهم خوفا من عبادة الأصنام ؛ فسأله الملك أن ~~يدله على الطريق ففعل ، وودع الحكيم وسار على السمت الذي وصفه له . فلم يمر ~~بأمة إلا أبادها وأثر فيها إلى أن بلغ بلد PageV15P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" النوبة ، فصالح أهلها على مال يحملونه إليه ، ~~ثم أتى دنقلة فأقام بها علما وزبر عليه اسمه وميسره . ومر يريد منف ؛ فكان ~~أهل كل مدينة من مدائن مصر يتلقونه بالفرح والسرور والطيب والرياحين ~~والملاهي إلى أن بلغ منف ، فلم يبق أحد من أهلها إلا خرج إليه مع العزيز ~~وتلقوه بأصناف الطيب والبخورات والرياحين . وكان العزيز قد بنى له مجلسا من ~~الزجاج الملون وفرشه بأحسن الفرش المذهبة ، وغرس حوله جميع الأشجار ~~والرياحين ، وجعل فيه صهريجا من زجاج سمائي ، وجعل في أرضه شبه السمك من ~~زجاج أبيض وأنزله فيه ، وأقام الناس يأكلون ويشربون أياما كثيرة . وأمر ~~بعرض جيشه فوجد أنه قد فقد منهم سبعون ألفا ، وكان قد خرج في ألف ألف ، ~~ووجد من انضاف إليه من الغرباء والمأسورين نيفا وخمسين ألفا ، وكان مسيره ~~وغيبته إحدى وعشرين سنة . فلما سمع الملوك بذكره وما فتح من البلاد وما أسر ~~هابوه ، وخافوا شدة باسه وعظم سلطانه . وتجبر وبنى بالجانب الشرقي قصورا ن ~~الرخام ونصب عليها أعلاما ، فكان يقيم بها الأيام الكثيرة . وكان الخراج قد ~~بلغ في وقته سبعة وتسعين ألف ألف فأحب أن يتمه مائة ألف ألف دينار ، فأمر ~~بوجوه العمارات وإصلاح الجسور والزيادة في استنباط الأراضي حتى بلغ ذلك ~~وزاد عليه . ثم كان من خبر يوسف الصديق عليه السلام وبيعه بمصر وخبره مع ~~امرأة العزيز وسجنه وقصته مع صاحبي الملك ورؤيا الملك وتعبيرها وتولية ~~الريان بن الوليد يوسف عليه السلام رتبة العزيز وخبر القحط ، ماقدمنا ms2915 ذكره ~~في أخبار يوسف عليه السلام ، وهو في السفر الحادي عشر من نسخة الأصل . فلا ~~فائدة في إعادته . إلا أنه قد وردت زيادات أخر لم ترد هناك نحن نذكرها الآن ~~، وهو ما حكاه مؤلف هذا الكتاب الذي نقلنا إبراهيم بن القاسم الكاتب عن ~~إبراهيم بن وصيف شاه قال : PageV15P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" إن يعقوب عليه السلام لما قدم مصر بأهله ~~وولده ، خرج يوسف عليه السلام في وجوه أهل مصر فتلقاه وأدخله على الملك ؛ ~~وكان يعقوب عليه السلام مهيبا جميلا فقربه الملك وعظمه وقال له : يا شيخ ، ~~كم سنوك وما صناعتك وما تعبد ؟ فقال : أما سني فعشرون ومائة سنة ، وأما ~~صناعتي فلنا غنم نرعاها وننتفع بها ، وأما الذي أعبد فرب العالمين ، وهو ~~الذي خلقني وخلقك ، وهو إله آبائي وإلهك وإله كل شيء . قال : وكان في مجلس ~~فنيامين ، وهو كاهن جليل القدر ، فلما سمع كلام يعقوب ضاق به ذرعا وقال ~~للملك بلغتهم : أخاف أن يكون خراب مصر على يد ولد هذا . فقال له الملك : ~~فأني لنا خبرة ، فقال الكاهن : أرنا إلهك أيها الشيخ . قال : إلهي أعظم من ~~أن يرى . قال : فإنا نحن نرى آلهتنا . قال : لأن آلهتكم ذهب وفضة ونحاس ~~وخشب ، وما يعمله بنو آدم عبيد إلهي الذي احتجب عن خلقه بعز ربوبيته ، لا ~~إله إلا هو العزيز الحكيم . قال له فنيامين : إن لكل شيء دليلا ، وكل شيء ~~لا تراه العيون فليس بشيء ، فغضب يعقوب وقال : كذبت يا عدو الله وطغيت في ~~هذه الدنيا ؛ إن الله سبحانه وتعالى شيء وليس كالأشياء ، وهو خالق كل شيء ~~لا إله إلا هو . قال : فصفه لنا . قال : إنما يوصف المخلوقون ولا يوصف ~~الخالق عز وجل ؛ لأنه يرتفع عن الصفات ؛ لأنه واحد ثديم مدبر للأشياء في كل ~~مكان يرى ولا يرى . ثم قام يعقوب مغضبا ، فأجلسه الملك وأمر فنيامين أن يكف ~~عنه ويكون بين يديه ، ويأخذ في غير هذا . ثم قال الملك : كم عدة من دخل معك ~~إلى مصر ؟ قال ستون رجلا . قال الكاهن : كذلك نجده في كتبنا ms2916 ؛ إن خراب مصر ~~يجري على أيديهم . قال الملك : فهل يكون في أيامنا ؟ قال : لا ، ولا إلى ~~مدة كبيرة . والصواب أن يقتله الملك ولا يستبقي من ذريته أحدا . قال الملك ~~: إن كان الأمر كما تقول فما يمكننا أن ندفعه ولا نقتل هؤلاء ، وإن لهم ~~إلها عظيما ، وقد قبل قلبي هذا الشيخ ، ومالي إلى قتله من سبيل ، فخاطبه ~~بألين الكلام ؛ فجرت بينهما بعد ذلك مخاطبات ألان له فيها القول . قال : ثم ~~إن يعقوب عليه السلام أحب أن يعرف خبر مصر ومدائنها وكيف بنيت وخبر ~~طلسماتها وعجائبها . فسأله عن ذلك بحق الملك ألا يكتمه شيئا من أمرها ~~فأخبره . قال : وأقام يعقوب عليه السلام مع الريان بن الوليد الملك يعظمه ~~ويتجله إلى أن حضرته الوفاة ، فأوصى أن يحمل إلى مكانه من الشأم ، فحمل في ~~تابوت وخرج معه يوسف عليه السلام ووجوه مصر حتى بلغ إلى موضعه ورجعوا . ~~وقيل إن عيصو منعهم من دفنه هناك لأن إسحاف عليه السلام كان قد وهبه الموضع ~~فاشتراه يوسف عليه السلام منه . ويقال : إن الريان آمن بيوسف وكتم إيمانه ~~خوفا من فساد ملكه . PageV15P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" وملك الريان مائة وعشرين سنة . في وقته عمل ~~يوسف عليه السلام الفيوم لابنة الملك ، وكان أهل مصر قد وشوا به وقالوا : ~~قد كبر ونقص نفعه فاختبره . فقال له الملك : قد وهبت هذه الناحية لابنتي ، ~~وكانت مغايض للماء فدبرها . قال : فقلع أدغالها ، وساق المنهى ، وبنى ~~اللاهون ، وجعل الماء فيه مقسوما موزونا ، وفرغ من ذلك كله في أربعة أشهر ، ~~فعجبوا من حكمة يوسف عليه السلام . قال : ولما مات الريان بن الوليد ملك ~~بعده ابنه دريموس بن الريان ابن الوليد ويسميه أهل الأثر دارم ، وهو ~~الفرعون الرابع عندهم . قال : ولما ملك خالف سنة أبيه ، وكان يوسف عليه ~~السلام خليفته كما كان مع أبيه ، وذلك بأمر الريان . وكان يوسف يسدده فربما ~~قبل منه وربما خالفه ، وظهر في وقته معدن فضة على ثلاثة أيام من النيل ~~فأبان منه شيئا عظيما ، وعمل منه صنما على اسم القمر ؛ لأن طالعه ms2917 كان ~~بالسرطان ، ونصبه على القصر الرخام الذي كان أبوه بناه في شرقي النيل ، ~~ونصب حوله أصناما كلها من الفضة وألبسها الحرير الأحمر ، وعمل لها عيدا في ~~كل سنة ، وهو إذا نزل القمر السرطان . وكان يتنقل إلى مواضع شتى يتنزه فيها ~~، وإذا أراد أن يضر الناس بشيء منعه يوسف عليه السلام ودفعه عنه أن توفي ~~يوسف عليه السلام ، كما تقدم في خبر وفاته ، فاستوزر الملك دارم بعده بالطس ~~بن منسا الكاهن ، فكان بالطس يطلق له ما كان يوسف يمنعه عنه ، وحمله على ~~أذى الناس وأخذ أموالهم فبلغ منهم كل مبلغ . وعمل الوادي المنحوت بين ~~الجبلين في الناحية الغربية وكنز الأموال فلا يوصل إليها ، وجعل صقالة من ~~الوادي إلى باب الخباء ، وجعل لهه بابا من الحديد يتوصل إليه من تلك ~~الصقالة ، وصمده بجماعة من العفاريت يمنعون من ذلك الخباء ، فمن رامه من ~~الناس سقط في الوادي . وقال آخرون : كنزها في موضع منه يدخل إليه وينظر إلى ~~الأموال مكشوفة مضروبة ، في كل دينار عشرة مثاقيل عليها صورته ، فإن أخذ ~~الداخل منها شيئا انطبق عليه الباب فلم يقدر على الخروج ، فإذا رده إلى ~~موضعه انفتح له الباب . وهو بحاله إلى هذا الوقت كما زعموا . PageV15P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" قال : ثم زاد دارم في التجبر إلى أن اختلع كل ~~امرأة جميلة بمدينة منف من أهلها ؛ ولا يسمع بأمرأة حسناء في ناحية من ~~النواحي إلا وجه فحملت إليه . وفشا ذلك في المملكة واضطراب الناس من فعله ~~وشق عليهم أمره إلى أن شغبوا عليه وعطلوا الصنائع والأعمال والأسواق فعدا ~~على جماعة منهم فقتلهم . وزاد الأمر حتى اجتمعوا على خلعه ، فخاف بلاطس أن ~~يفسد أمر المملكة فدخل على الملك وأشار عليه أن يتودد إلى الناس ويعتذر ~~إليهم ويرد نساءهم فأبى إلا مخالفته ، وهم أن يخرج إلى الناس في خاصته ~~ويقتل منهم وقال : إنما هم عبيدي وعبيد آبائي . فلم يزل يرفق به إلى أن سكن ~~غضبه ؛ فأمره أن يعتذر إلى الناس عنه ، ففعل الوزير ذلك وذكر عنه جميلا ، ~~فأبى الناس ms2918 أن يقبلوا منه دون مخاطبتهم الملك فضمن لهم ذلك وخاطبه وأشار به ~~عليه ، فأمره أن ينادي في الناس بالحضور في يوم عينه ، ثم لبس ارفع ثيابه ~~وأكبر تيجانه ودخل الناس عليه فذكروا ما حل بهم من اخذ أموالهم ، وعرفوه ~~أنه لم يجر عليهن من ملك قبله مثل هذا ، فاعتذر إليهم ووعدهم الإقلاع عما ~~شكوا منه وأسقط عنهم خراج ثلاث سنين . ثم أمر بعمل قصر من خشب على أساطين ~~خشب ممدودة بأضلاع مسمرة يتنزه فيه ، فعمل ودهن بالأدهان والأصباغ الملونة ~~المذهبة ، وضبب بالفضة والنحاس المذهب ، وعمل فوقه قبة من الفضة المذهبة ~~مصورة بالزجاج الملون وعلق فيها الحجر المضيء الذي أتى به أبوه من المغرب . ~~فلما فرغ القصر فرشه بأحسن الفرش وجعله طبقتين : طبقة له يجلس فيها مع من ~~يحبه ، وطبقة لحشمه ، وجعل حول ذلك أروقة ملصقة بالمجلس يجلس فيها من يريد ~~؛ فكان يركب فيه بمن احبه من خاصته ونسائه ويصعد فيه في الماء إلى ناحية ~~الصعيد وتتبعه المراكب فيها أصحابه وغلمانه بالعدد والسلاح وينحدر إلى أسفل ~~الأرض ، فإذا مر بمكان يستحسنه أقام فيه أياما . واتفق أنه خرج في بعض ~~الأيام مصعدا فوثب رجل من الإسرائيلين على رجل من سدنة الهياكل فضربه حتى ~~أدماه وعاب دين الكهنة ، فغضب القبط لذلك وخاطبوا خليفة الملك أن يخرجهم من ~~مصر فامتنع دون مشاورة الملك ، وكتب إليه يعرفه PageV15P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" ذلك ، فكتب إليه ألا يحدث في القوم حادثة دون ~~موافاته ، فشغبوا وأجمعوا على خلعه وتمليك غيره ، وتعرض بعضهم إلى ذكر ~~الملك فحشد أهل الصعيد وانحدر إليهم ، فحاربوه فهلك بينهم خلق كثير . ~~وعاونته امرأة أبيه ، وكانت ساحرة ، فأظهرت من سحرها وتخاييلها ودخنها ما ~~أعماهم عن النظر ، أضعف حواسهم وأسكرهم ، فقتل خلقا منهم وصلب خلقا على عبر ~~النيل ، ورجع إلى أكثر مما كان عليه من ابتزاز النساء ونهب الأموال ~~واستخدام الأشراف والوجوه من القبط ومن بني إسرائيل ؛ فأجمع الكل على ذمه . ~~وكانت الساحرة لا تخليه من معونتها إلى أن ركب في ذلك القصر في بعض الليالي ~~وقد ms2919 أحذق النيل بالبلد ، وهو من الجبل إلى الجبل ، وامتد القمر على الماء ، ~~فأراد أن يعدي من العدوة إلى العدوة الأخرى فلم يتهيأ له سوق القصر بسرعة ~~لعظمه ، فركب مركبا لطيفا مع ثلاثة من خدمه والساحرة ، فلما توسط البحر ~~هاجت ريح عاصف فغرق هو ومن معه ، وأصبح الناس شاكين في أمره ما نزل له ، ~~إلى أن وجدت جثته بسطنوف فعرف بخاتمه وبجوهر كان يتقلد به فحمل إلى منف . ~~وملك بعده ابنه معاديوس بن دريموس ؛ ويسميه أهل الأثر معدان ابن دارم ، وهو ~~الفرعون الخامس ، وذلك بتدبير الوزير ؛ فأجلسه على سرير الملك وبايعه الجيس ~~، وكان صبيا فكرهه الناس ثم رضوا به ، فأسقط عن الناس الخراج الذي كان أبوه ~~أسقطه ، وزادهم سنة وأحسن إليهم فأطاعوه ؛ واستقام له الأمر ورد نساءهم . ~~وكان ينكر على أبيه فعله ولا يرضاه ؛ فلذلك رضوا به . قال : وفي زمانه كان ~~طوفان أضر ببعض البلد فلزم الملك الإقبال على الهياكل والتعبد ، وطلب ~~القاطر ووجوه الكهنة بالحضور معه ، وأنصف بعض الناس من بعض . وكثر بنو ~~إسرائيل وعابوا الأصنام وثلبوها . وكان الوزير قد هلك فاستوزر كاهنا يقال ~~له املاده ، فلما رأى ما فعله بنو إسرائيل أنكره وأمر أن يفردوا بناحية من ~~البلد لا PageV15P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" يختلط بهم أحد غيرهم ، فأقطعهم موضعا في قبلي ~~منف ، واجتمعوا إليه وعملوا لأنفسهم معبدا كانوا يتلون فيه صحف إبراهيم ~~عليه السلام ، واتفق أن رجلا ن أهل بيت الكهنة عشق امرأة من بني إسرائيل ~~كانت قد جاءته لتشتكي أخاها أنه غصبها ميراثها ، وأرادت أن يعتني بأمرها ~~عند وزير الملك ، فرآها ابنه فأحبها وسأل والده أن يزوجه منها ، فخطبها من ~~أهلها فأبوا ذلك ، فأنكر الناس فعلهم واجتمعوا إلى الوزير وقالوا : هؤلاء ~~قوم بعيبونا ويرغبون عنا ، ولا نحب أن يجاورونا إلا أن يدينوا بديننا . ~~فقال الوزير : قد علمتم إكرام الريان لملك لجدهم يوسف عليه السلام ، وقد ~~وقفتم على بركة جدهم يوسف عليه السلام حتى جعلتم قبره وسط النيل فأخصب ~~جانبا مصر بمكانه فلا تخوضوا في هذا ، فأمسكوا . قال : وتغلب أحد ms2920 ملوك ~~الكنعانيين على الشام وامتنع أهله أن يحملوا الضريبة التي كانت عليهم لملك ~~مصر ، فأنكر أهل مصر ذلك أشفقوا من غلبة صاحب الشام على بلدهم ، فحضوا ~~الملك على غزو الشام فقال : إن رام أحد حدود بلدنا غزوناه ، وما لنا في ذلك ~~البلد من حاجة ؛ فاستنقصوا رأيه . وأقام على ملازمة الهياكل والتعبد فيها ؛ ~~فيزعم القبط أنه بينا ذان يوم قائم في هيكل زحل حذاء صورته ، وقد أجهد نفسه ~~في التعبد ، إذ تغشاه النوم فتجلى له زحل وخاطبه وقال : قد جعلتك ربا على ~~أهلك وأهل بلدك ، وحبوتك بالقدرة عليهم وعلى غيرهم ، وسأرفعك إلي فلا تخل ~~من ذكرى ؛ فعظم عند نفسه ، واتصل خبره بأهل البلد ، واخبرهم سدنة الهيكل ~~أنهم رأوا النور وسمعوا الخطاب ، وأعظم الناس أمره ، فتجبر في نفسه وأمر ~~الناس أن يسموه ربا ، وترفع أن ينظر في شيء من أمر الملك ، وأحضر الناس ~~وقال : قد وقفتم على ما خصصت به دون الملوك ، وهذه موهبة يلزمني الشكر ~~لواهبها عليها ، ولست أتفرغ للنظر في أموركم ، وقد رأيت أن أجعل الملك إلى ~~ابني اكسامس ، وأكون من ورائه إلى أن يغيب شخصي عنكم كما وعدت ، وقد أيدته ~~بالقاطرين ، فانظروا كيف تكونون ، ولا تتظالموا فإنكم مني بمرأى ومسمع ، ~~فرضوا بذلك وقالوا : نحن عبيد الملك ومن رضيته الآلهة فحكم الخلق أن يرضوه ~~ولا يخالفونه . فملك ابنه أكسامس ين معاديوس ؛ ويسميه أهل الأثر كاسم ابن ~~معدان ، وهو الفرعون السادس ، وجلس على سرير الملك وتوج بتاج أبيه وقام ~~القاطرون بين يديه ، فجعل لكل واحد منهم رتبة ، ورتب الناس مراتب ، وقسم ~~الكور والأعمال ، وأمر PageV15P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" باستنباط العمارات وإظهار الصناعات ، ووسع ~~على الناس في أرزاقهم وعلى حاشيته وحاشية أبيه ، وأمر بتنظيف الهياكل ~~وتجديد لباسها ووانيها ، وزاد في القرابين ؛ وكلما أتى شيئا من ذلك لم ~~تخالفه الكهنة وقدروا أن ذلك عن أمر أبيه برضى الكواكب ، واحتجب أبوه عن ~~الناس . وأقام كاسم أعلاما كثيرة حول منف وجعل عليها أساطين يمر عليها من ~~بعضها إلى بعض . وعمل برقودة وصا ومدائن الصعيد واسفل الأرض ms2921 مدنا كثيرة ~~وأعلاما ومناثر للوقود والطلسمات . وعمل من الفضة على عمل البيضة الفلكية ~~ونقش عليها صور الكواكب الثابتة ودهنها بدهن الصيني وركبها على منار في وسط ~~منف . وعمل في هيكل أبيه روحاني زحل من ذهب اسود مدبر . وعمل في وقته ~~الميزان الذي يعتبر به الناس ، وجعلت كفتاه من ذهب وعلائقه من فضة وخيوطه ~~سلاسل ذهب ، وكان معلقا في هيكل الشمس ، وكتب على إحدى كفتيه حق ، والأخرى ~~باطل ، وتحته فصوص قد نقش عليها أسماء كل شيء من الكواكب ؛ فيدخل الظالم ~~والمظلوم ويأخذ كل واحد منهما فصا من تلك الفصوص ويسمي عليها ما يريد ، ~~ويجعل أحد الفصين في كفه والآخر في الأخرى ، فتثقل كفة الظالم وترتفع كفة ~~المظلوم . وكذلك من أراد سفرا أخذ فصين فذكر على واحد اسم السفر ، والآخر ~~اسم الجلوس ، ويجعل كل واحد في كفه ، فغن لم يرتفع أحدهما على الآخر جلس ، ~~وإن ارتفعا خرج ، وإن ارتفع أحدهما مكث شهرا . ومن نحو هذا من غائب ودين ~~وفساد وصلاح . ويقال إن بختنصر لما ظفر بمصر حمله في جملة ما حمل إلى بابل ~~وجعله في بيت من بيوت النار . قال : وطالب كاسم الناس بلزوم الأعمال وإظهار ~~الصنائع ، فعملت كل غريبة منها : التنور الذي يشوى من غير نار فيه ، ~~والقدور التي يطبخ فيها من غير نار ، والسكين التي تنصب فإذا رآها شيء من ~~البهائم أقبل حتى يذبح نفسه بها ، والماء الذي يستحيل نارا ، والزجاج الذي ~~يستحيل هواء ، وأشياء من ذلك . قال : فأقام في أول ولايته ثلاث سنين بأجمل ~~أمر واصلح حال ، ومات وزير أبيه الذي كان معه فاستخلف رجلا من أهل بيت ~~المملكة يقال له طلما ، وكان شجاعا فارسا كاهنا حكيما متصرفا في كل فن ، ~~وكانت نفسه تنازعه الملك فصلح أمر المملكة بمكانه وأحبه الناس ، فعمل معالم ~~كثيرة وعمر خرابا وبنى مدنا من الجانبين . ورأى في نجومه أن ستكون شدة ~~فاستعمل ما استعمله نهراوش ، وبنى PageV15P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" بناحية رقودة والصعيد ملاعب ومصانع . وشكا ~~القبط إليه حال الإسرائيلين فقال : هم عبيد لكم ، فكان ms2922 القبطي إذا أراد ~~حاجة سخر الإسرائيلي ، وكان القبطي يضرب الإسرائيلي فلا ينكر عليه أحد ، ~~وإن ضرب الإسرائيلي القبطي قتل ، فكان أول من أذى بني إسرائيل ، ويفعل نساء ~~القبط بنساء بني إسرائيل ما يفعل الرجال بالرجال من السخر والضرب . قال : ~~وفي أيام اكسامس بنيت منارة الإسكندرية . وفي زمانه هاج البحر المالح فغرق ~~كثيرا من القرى والجنان والمصانع . وحكى أن أكسامس تغيب عن الناس مدة . ~~وقيل : مات وكتموا موته . وكانت مدة ملكه إلى أن غاب إحدى وثلاثين سنة ، ~~وأقام طلما إحدى عشرة سنة يدبر المملكة ثم اضطرب الناس على طلما وتغيروا ~~واتصل بهم أنه قتل الملك بسم سقاه إياه فاجتمعوا وقالوا : لا بد لنا من ~~النظر إلى الملك ، فعرفهم أنه قد تخلى عن الملك وولى ابنه لاطس فلم يقبلوا ~~ذلك . فأمر طلما الجيوش فركبت في السلاح وأجلس لاطس بن أكسامس على سرير ~~الملك ولبس التاج . وكان جريئا معجبا فوعد الناس جميلا وقال : أنا مستقيم ~~لكم ما استقمتم ، وإن ملتم عن الواجب ملت عنكم ، وأمر ونهى وألزم الناس ~~أعمالهم ، وحط جماعة من الوجوه عن مراتبهم ، وصرف طلما عن خلافة المملكة ~~واستخلف رجلا يقال له لاهوق من ولد صا الملك ودفع إليه خاتمه ، وأنفذ طلما ~~عاملا على الصعيد وأنفذ معه جماعة من الإسرائيليين ، وعمل الأعلام واصلح ~~الهياكل وبنى قرى كثيرة ، وأثيرت في أيامه معادن كثيرة وكنوز في صحراء ~~المشرق ، واستعمل آنية كثيرة من الجوهر الأخضر وأصناف الزجاج . وكان محبا ~~للحكم ثم تجبر وعلا ، وأمر ألا يجلس أحد في مجلسه ولا في قصر الملك من ~~الكهنة وغيرهم ، بل يقومون علت أرجلهم إلى PageV15P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" أن ينصرفوا ، وزاد في أذى الناس والعنف بهم ، ~~ثم منع الناس فضول ما بأيديهم وقصرهم على القوت ، وجمع أموالهم وطلب النساء ~~فانتزع كثيرا منهن ، وفعل في ذلك أكثر من فعل من تقدمه من الملوك ، وقهر ~~الناس بالسطوة واستعبد بني إسرائيل وقتل جماعة من الكهنة فأبغضه الخاص ~~والعام . وكان طلما لما صرفه لاطس عن خلافته وجد في نفسه وأضمر الغدر به ms2923 . ~~فلما خرج إلى الصعيد احتجز الأموال فلم يحملها ، وحال بين الملك وبين ~~المعادن ، وأراد أن يقيم ملكا من ولد قبطريم ويجلسه في الملك ، فأشار بعض ~~الكهنة على طلما أن يطلب الملك لنفسه وعرفه أنه سيكون له حال . فلما شجعه ~~الكاهن وجرأه على ذلك دعا إلى نفسه وكاتب وجوه أهل البلد ، فبعض أجابه وبعض ~~توقف ، ورفع كل واحد من ولد الملوك رأسه وطمع في الملك . قال : وفي بعض ~~كتبهم أن بعض الروحانيين ظهر له وقال : إني أطيعك إن أطعتني ، وأقلدك مصر ~~زمانا طويلا ، فأجابه إلى ما سأله وقرب له أشياء ذكرها له ، منها غلام ~~إسرائيلي ؛ فعاونه حينئذ وكان له رسولا إلى رؤساء مصر ، فكان يتصور بصور ~~بعضهم ويشير بتمليكه عليهم إلى أن استقام له الأمر ، قال : ولما منع طلما ~~لاطس من مال الصعيد كتب بصرفه عن العمل فأبى أن ينصرف ، فوجه إليه قائدا من ~~أهل بيته وقلده مكانه وأمره أن يحمله إليه ، فحاربه وأعانه الروحاني فظفر ~~به طلما واعتقله ثم خلاه وقربه وأدخله في جملته ، واتصل الخبر بالطس فأنفذ ~~إليه قائدا آخر فهزمه طلما وسار في أثره بجيش كثيف ، وكاتب جميع القواد ~~وأهل البلد وبذل لهم الأموال ، وخرج إليه لاطس فحاربه طلما وعاونه الروحاني ~~فظفر به طلما وقتله وسار حتى دخل منف وعاث فيها . وملك طلما بن قومس ؛ ونزل ~~قصر المملكة وجلس على سرير الملك وحاز جميع ما كان في خزائنهم . قال : ~~وطلما هذا هو ابن قوميس ، وهو الذي يذكر القبط أنه فرعون موسى عليه السلام ~~. وأهل الأثر يسمونه الوليد بن مصعب وأنه من العمالقة . وذكروا أن الفراعنة ~~سبعة فأولهم : طوطيس بن ماليا ، ثم الوليد بن دومع ، ثم ابنه الريان بن ~~الوليد ، ثم دريموس بن الريان ، ثم معاديوس بن دريموس ، ثم أكسامس بن ~~معاديوس ، ثم طلما . PageV15P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" قال : وكان طلما فيما زعموا قصيرا . قيل : ~~كان طوله أربعة أشبار ، طويل اللحية ، أشهل العينين ، صغير العين اليسرى ، ~~في جبينه شامة . ويقولون : إنه كان أعرج . وزعم قوم أنه من القبط . قال : ~~والدليل ms2924 على ذلك سيله إليهم ونكاحه فيهم ؛ ونسب أهل بيته مشهور عندهم . وقد ~~اختلف الناس في سبب ملكه وعمن تلقى الملك ، فقيل ما ذكرناه وقيل ما قدمناه ~~في قصة موسى بن عمران عليه السلام ، والله تعالى أعلم . قال : ولما جلس ~~طلما على سرير الملك اضطرب الناس عليه فبذل الأموال وأرغب من أطاعه ، وقتل ~~من خالفه ، فاعتدل الأمر له . وكان أول ما عمل أن رتب المراتب ، وشيد ~~الأعلام ، ونى المدن ، وخندق الخنادق ، وعمل بناحية العريش حصنا ، وكذلك ~~على حدود مصر ، واستخلف هامان ، وكان يقرب منه في نفسه ونسبه ، فأثار بعض ~~الكنوز وصرفها في بناء المدن والعمارات ، وحفر خلجانا كثيرة . ويقال : إنه ~~الذي حفر خليج السردوس ، وكان كلما عرجه إلى قرية من قرى الحوف حمل إليه ~~أهلها مالا ؛ فاجتمع له من ذلك شيء كثير ، فأمر برده على أهله . وانتهى ~~الخراج في وقته إلى سبعة وتسعين ألف ألف دينار ، وكان يغزل الناس على ~~مراتبهم . وهو أول من عرف العرفاء على الناس ، وكان ممن صحبه من ~~الإسرائيليين رجل يقال له امرئ ، وهو عمران أبو موسى عليه السلام ، وهو أخو ~~مزاحم لأبويه ، ومزاحم أبو آسية ، فهي ابنة عم موسى وبنت خالته ، فجعل ~~فرعون عمران حارسا لقصره يتولى حفظه وفتحه وإغلاقه . وكان رأى في كهانته أن ~~هلاكه على يد مولود من الإسرائيليين ، فمنعهم المناكحة ثلاث سنين ؛ لأنه ~~رأى أن ذلك المولود يكون فيها . ثم كان من خبر موسى في حمل أمه به وولادته ~~وغير ذلك من أمره ما قدمنا ذكره في قصة موسى عليه السلام فلا فائدة في ~~إعادته . PageV15P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" وقد نقل أن موسى عليه السلام لما كبر عند ~~فرعون عظم شأنه ورد فرعون إليه كثيرا من أمره وجعله من قواده ، وكانت له ~~سطوة ؛ ثم وجهه فرعون لغزو الكوثانيين ، وكانوا قد عاثوا في أطراف مصر ، ~~فخرج في جيش كثيف فرزقه الله عز وجل الظفر ، فقتل منهم خلقا واسر خلقا ~~وانصرف سالما فسر به فرعون وآسية . قال : واستولى موسى وهو غلام على كثير ~~من أمر فرعون ms2925 وأراد أن يستخلفه حتى قتل رجلا من أشراف القبط فكان من أمره ~~ما تقدم ذكره . والله أعلم . هذا ما أورده إبراهيم في كتابه ولم يذكر من ~~أخبار ملوك مصر بعد غرق فرعون شيئا ولا ذكر من ملك بعده . وقد أشار ~~المسعودي في مروج الذهب إلى نبذة من أخبار من ملك مصر بعد غرق فرعون نحن ~~نذكرها . وأما سياقه أخباره فيما كان قبل فرعون فهذا الذي ذكرناه أتم منه ~~وأكثر استيعابا . ذكر نبذة من أخبار من ملوك مصر بعد غرق فرعون قال أبو ~~الحسن على علي بن عبد الله المسعودي في كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر : ~~لما أهلك الله تعالى فرعون وقومه بالغرق خشي من بقي بمصر من الذراري ~~والنساء والعبيد أن يغزوهم ملوك الشام والمغرب ؛ فملكوا عليهم امرأة يقال ~~لها دلوكة ؛ فبنت على أرض مصر حائطا يحيط بجميع البلاد من حد أرض رفح إلى ~~برقة ، وجعلت الحراس على مسافة كل ميل منها يصل أخبار بعضهم إلى بعض ، فإذا ~~حدث أمر في أول ملكها بليل رفعت النيران في وقت حدوثه فعلم في آخر المملكة ~~بالخبر من ليلته ، وإن كان بالنهار دخن . وهذا الحائط موجود إلى حين ~~PageV15P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" وضعنا لهذا الكتاب ويسمى حائط العجوز . وقيل ~~فيه : حائط الحجوز . وقيل : إنها بنت هذا الحائط من خوفها على ودها . ~~واتخذت دلوكة بمصر البرابي وصورت فيها الصور ، وأحكمت آلات السحر ، وجعلت ~~في البرابي صور من يرد في البر ودوابهم إبلا كانت أو خيلا ، ومن يرد في ~~البحر في المراكب من بلاد الغرب وسواحل الشام ، وأحكمت جميع ذلك بحركات ~~فلكية . فكان إذا ورد عليها عدو من نحو الحجاز واليمن عورت تلك الشخوص التي ~~في البرابي من الإبل وغيرها فيحدث العور في ذلك الجيش وتهلك دوابهم ، وكذلك ~~كل من يقدم عليها من البر والبحر إذا بلغها خبر مقدمه صنعت في تلك الصور ما ~~يحدث مثله في ذلك الجيش من الآفات ، فهابها سائر ملوك الأمم . وخبر هذه ~~المرأة مشهور . وأكثر هذه البرابي باق إلى وقتنا هذا ms2926 وفيها التصاوير إلا ~~أنها لا فعل لها . وقد قيل في البرابي : إنها اتخذت مع الأهرام قبل الطوفان ~~. والله تعالى أعلم . وقيل أيضا : إن مما أنشأته هذه المرأة منارة ~~الإسكندرية ، وقد تقدم ذكر خبرها في المباني القديمة وهو في السفر الأول من ~~كتابنا هذا من هذه النسخة . قال : وملكت هذه المرأة نحوا من ثلاثين سنة ، ~~وقيل أقل من ذلك . ولما هلكت دلوكة ملك بعدها دركوس بن بلوطس . ثم ملك بعد ~~ولده بورش . ثم ملك بعده ولده بغاش بن بورش نحوا من خمسين سنة . ثم ملك ~~بعده دنيا ابن بورش نحوا من عشرين سنة . ثم ملك بعده بلوطس عشرين سنة . ثم ~~ملك بعده بلوطس بن متنا كيل أربعين سنة . ثم ملك بعده مالس بن بلوطس . ثم ~~ملك بعده بوليه بن متنا كيل ؛ وكانت له حروب وسير في الأرض وهو فرعون ~~الأعرج الذي غزا بني إسرائيل وخرب بيت المقدس . ثم ملك بعده وينوس بن ~~مرينوس ثمانين سنة . ثم ملك بعده قومس بن بغاس عشر سنين . ثم ملك بعده ~~مكاييل وكانت له PageV15P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" حروب مع ملوك الغرب ، وهو الذي غزاه بختنصر ~~فقتله وقتل رحاله وخرب أرض مصر ، فقيل إنها خربت مدة أربعين سنة . وانقرض ~~ملك الفراعنة . وملك الروم أرض مصر فتنصر أهلها ؛ ولم تزل بيد ملوك الروم ~~إلى أن ملك كسرى أنوشروان فارس فغلبت جيوشه على الشام وسارت نحو مصر ، فملك ~~الفرس أرض مصر ، وغلبوا عليها نحوا من عشر سنين . وكانت بين الروم وفارس ~~حروب كثيرة ، فصار أهل مصر يؤدون خراجين : للروم وللفرس ، ثم انجلت الفرس ~~عن الشام ومصر لأمر حدث في بلادهم ، فغلبت الروم على مصر والشام وأظهروا ~~النصرانية ، واستمر ذلك إلى أن جاء الله تعالى بالإسلام . وكان المقوقس ~~ينوب عن ملك الروم ، وهادى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ولم تزل ~~الديار المصرية والشام بيد ملوك الروم إلى أن فتحت في خلافة عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه ما سنورد ذلك إن شاء الله تعالى في خلافة عمر في الباب ms2927 الثاني ~~من القسم الخامس من هذا الفن ، وهو في السفر السابع عشر من هذه النسخة . ~~قال المسعودي رحمه الله : والذي اتفقت عليه التواريخ ، مع تباين ما فيها ، ~~في عدد ملوك مصر إلى آخر أيام الفراعنة أنهم اثنان وثلاثون ملكا . قال : ~~فمن ملوك بابل إلى آخر أيام ابنة مأموم - يشير إلى دليفة - أحد عشر ملكا ~~وملكة . ومن العماليق أربعة ملوك . ومن الفراعنة من لدن الوليد بن مصعب ~~فرعون موسى بن عمران عليه السلام ، وإلى أن خرج بختنصر الفارسي على مكاييل ~~وقتله سبعة عشر ملكا بما في ذلك من ملك دلوكة ، وهو إنما يشير إلى من ملكها ~~بعد الطوفان ، وأما من ملكها قبل الطوفان فإنه لم يتعرض إلى ذكرهم . قال : ~~وملكها من الروم سبعة ملوك . ومن اليونان عشرة ملوك . قال : وذلك قبل ظهور ~~المسيح عليه السلام . قال : وملكها أناس من الفرس فكانت مدة من ملكها من ~~الفراعنة ومن بعدهم والعماليق والفرس والروم واليونان ألفى سنة وثلثمائة ~~سنة . والله أعلم بالصواب . PageV15P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" الباب الثالث من القسم الرابع من الفن الخامس ~~في أخبار ملوك الأمم من الأعاجم وهم ملوك الفرس الأول ، وملوك الطوائف من ~~الفرس ، والملوك الساسانية واليونان والسريان والكلوانين والروم والصقالبة ~~والنوكبرد والإفرنجة والجلالقة وطوائف السودان ذكر أخبار ملوك الفرس وهم ~~الفرس الأول وقد اختلف الناس في الفرس وأنسابهم وكم من دولة كانت لهم . ~~وسنذكر هاهنا مقالاتهم في ذلك واختلافهم . فمن الناس من زعم أنهم من فارس ~~بن ياسور ابن سام بن نوح ، وهذا قول هشام بن محمد . ومنهم من زعم أنهم من ~~ولد يوسف ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام . ومنهم من زعم أنهم ~~من ولد هدرام ابن أرفخشد بن سام بن نوح ، وأنه ولد له بضعة عشر رجلا كلهم ~~كان فارسا شجاعا ؛ قسموا الفرس لفروسيتهم ، وفي ذلك يقول حطان بن المعلى ~~الفارسي : وبنا سمى الفوارس فرسا . . . ناومنا مناجب الفتيان وزعم قوم أن ~~الفرس من ولد لوط من ابنتيه رشا ورغوشا . وذكر آخرون انهم من ولد بوان بن ms2928 ~~أران بن الأسود بن سام بن نوح ، ولبوان هذا ينسب شعب بوان وهو أحد متنزهات ~~الدنيا . وقد تقدم ذكره في باب الرياض من الفن الرابع . PageV15P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" ومن الناس من يرى أن الفرس من ولد غيران بن ~~أفريدون ، ولا خلاف بين الفرس اجمع انهم من ولد كيومرث وهو الأشهر ، وإليه ~~يرجع جميع الفرس الأول وملوك الطوائف والملوك الساسانية . وأما التنازع في ~~دولهم فمن الناس من زعم أنهم أربعة أصناف ، وأن الصنف الأول منهم كان من ~~كيومرث إلى أفريدون وهم الجرهانية ، وقيل الجهدهانية . والصنف الثاني من ~~كيان إلى دارا ابن دارا وهم الكيانية . والصنف الثالث ملوك الطوائف . ~~والصنف الرابع الساسانية . ومن الناس من جعلهم صنفين : فجعل الصنف الأول من ~~كيومرث إلى دارا بن دارا . والصنف الثاني من أردشير بن بابك إلى يزدجرد ابن ~~شهريار المقتول في خلافة عثمان رضي الله عنه . فمدة ملكهم في الدولة الأولى ~~ثلاثة آلاف سنة وثلثمائة وستة وعشرون سنة . وعدة ملوكهم عشرون ملكا فيهم ~~امرأة واحدة . فأول ملك ملك من الفرس الأول كيومرث وقيل فيه جيومرث . وقد ~~اختلف في نسبه ، فمن الناس من قال : إنه ولد آدم لصلبه . ومنهم من قال : ~~إنه ولد لاوذ بن غرم بن سام بن نوح . وقد قيل : إنه أول ملك ملك من بني آدم ~~. وكان السبب في ملكه أنه لما كثر البغي والظلم في الناس اجتمع أكابر أهل ~~زمانه ورأوا أنه لا يقيم أمرهم غلا ملك يرجعون إليه فيما يأمر وينهي ، ~~فأتوه وقالوا : أنت أكبر أهل زمانك وبقية أبينا ، والناس قد بغى بعضهم على ~~بعض ، وأكل القوي الضعيف ، فضم أمرنا إليك وكن القائم بصلاحنا . فأخذ عليهم ~~العهود والمواثيق بالسمع والطاعة له وترك الخلاف عليه . فصنعوا له تاجا ~~ووضعوه على رأسه . وهو أول من وضع التاج على رأسه . فاستوثق له الأمر وقام ~~بأمر الناس وحسنت سيرته فيهم . وكانت مدة ملكه عليهم أربعين سنة . وكان ~~ينزل إصطخر من ارض فارس حتى مات . واختلف في مقدار عمره ، فقيل : إنه عاش ~~ألف سنة ، وقيل غير ms2929 ذلك . والله تعالى أعلم . PageV15P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" فلما مات قام بالأمر من بعده أوشهنج ابنه ~~وقيل : أخوه ، وقيل : أوشهنج ابن قيشداد بن كيومرث . وفي الناس من يزعم أنه ~~أول ملك ملك من الفرس ، وهو الذي جمع الأقاليم السبعة ، ورتب الملك ونظم ~~الأعمال ، ولقب بقيشداد ، وتفسيره بالعربية أول سيرة العدل . ويقال : إن ~~أوشهنج هذا كان بعد الطوفان بمائتي سنة ، وهو أول من قطع الحجر وبنى به ، ~~واستخرج المعادن ، وبنى مدينتي بابل والسوس . وكان فاضلا حسن السياسة محمود ~~الأثر . قال : ونزل الهند وتنقل في البلاد وعقد التاج وجلس على السرير . ~~وكان من حسن سياسته أنه نفى أهل الفساد والدعارة من البلدان وألجأهم إلى ~~رءوس الجبال وجزائر البحر ، واستخدم منهم من كان يصلح للخدمة وسماهم ~~الشياطين والعفاريت ، وقرب أهل الخبر والصلاح . وكانت مدة ملكه أربعين سنة ~~. ولما مات ملك طهمورث وقيل فيه طهورث بن أنوجهان بن أوشهنجن وقيل بل ~~بينهما عدة آباء . قال : ولما ملك سار في الناس سيرة جده أوئهنج . وكان ~~ينزل نيسابور . وقيل إنه الذي أنشأها ثم جددها بعد ذلك سابور . وقيل : إنه ~~أول من كتب بالفارسية ونفى أهل الدعارة والشر واستقام له نظام الملك . قيل ~~: وفي أيامه ظهر بوداسف الذي أحدث دين الصابئة . وكان ملكه ثمانين سنة . ~~وقيل ثلاثين سنة . ولما مات ملك بعده أخوه جمشيد ، وتفسير شيد : الشعاع ، ~~سمى بذلك لوضاءة وجهه . قال : ولما ملك سيرة من تقدم وزاد عليها بأن صنف ~~الناس وطبقهم ورتب منازل الكتاب وأمر لكل واحد وظيفة وأمره أن يلزمها . ~~وعمل أربعة خواتيم : خاتما للحرب والشرط وكتب عليه الأناة ، وخاتما للخراج ~~وجباية الأموال وكتب عليه العمارة ، وخاتما للبريد وكتب عليه الوحا ، ~~وخاتما للمظالم وكتب عليه العدل . فبقيت هذه الرسوم في ملوك الفرس إلى أن ~~جاء الإسلام . وكان ملكه ستمائة سنة . وقيل سبعمائة سنة وستة أشهر . وقيل ~~ألف سنة إلا PageV15P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" عشر سنين . وفي أيامه أحدث النيروز وجعله ~~عيدا ، وأمر الناس أن يتنعموا فيه . ثم بدل سيرته بالجور بعد الإنصاف ، ~~والظلم بعد العدل ، والإساءة ms2930 بعد الإحسان ، فثقلت وطأته على أناس . ثم أظهر ~~الكبر على وزرائه وكتابه وقواده . ثم انهمك على لذاته وترك مراعاة كثير من ~~السياسة الملوكية التي جرت عادة الملك أ ، يتولاها بنفسه . وقيل : إنه ادعى ~~الإلهية فخرج عليه بيوارسب ، وكان من جملة عماله ، واستجلب الناس وجمعهم ~~عليه واستصلحهم لنفسه ، وقصد جمشيد يعد أن كثرت أتباعه وقويت شوكته ، فهرب ~~منه فاتبعه حتى أدركه وظفر به ونشره بمنشار . وملك بعد جمشيد بيوراسب ؛ وهو ~~الذي يسميه العرب الضحاك . قالوا : وهو بيوراسب بن أرونداسف بن بغلداس بن ~~طوخ بن قروال بن ساعل بن فرس ابن كيومرث ، وهو الدهاك ، فعرب اسمه فقيل ~~الضحاك . وقيل : انه ملك ألف سنة . وزعم أنه نمرود . وزعم قوم آخرون أنه ~~كان من عمال بيوراسب على كثير من أعماله . قال : ولما ملك بيوراسب ظهر منه ~~خبث شديد ، وفجور كثير ، وملك الأرض كلها ، فسار فيها بالجور والعسف وسفك ~~الدماء والصلب ، وهول على الناس ومحا سيرة من تقدمه من الملوك ، وسن ~~الأعشار ، واتخذ المالهي والغناء . وكان على منكبيه سلعتان يحركهما إذا شاء ~~كما يحرك يده ، فادعى أنهما حيتان تهويلا على ضعفاء الناس . وقد تقدم ذكره ~~في الباب الرابع من القسم الثالث من الفن الأول ، وهو في السفر الأول من ~~نسخة الأصل في أخبار أعياد الفرس ، فلا حاجة إلى إعادة ما قدمنا ذكره من ~~أمره . قال : ولما عم الناس جوره كان من سوء عاقبة ذلك أن ظهر بأصبهان رجل ~~يقال له كابي من عوام الناس . ويقال : إنه كان حدادا . وكان الضحاك قتل ~~لكابي ابنين ، فبلغ به الجزع على ولديه عظيما ، فقام وأخذ عصا وعلق عليها ~~جرابا PageV15P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" وقيل : بل علق النطع الذي كان يشده على وسطه ~~يتقي به النار إذا صنع الحدادة . وقيل : بل كان جلد أسد . وقيل : بل جلد ~~نمر ، ودعا الناس إلى مجاهدة بيوراسب ، فحمل الأنس ما كانوا فيه من البلاد ~~إن اتبعوه وأطاعوه ، فاستفحل أمره ، وكثرت أتباعه ، واجتمع عله أشراف الناس ~~وأكابرهم ؛ فقصد بيوارسب . فلما اشرف عليه هرب عن منازله ، فجاء ms2931 أشراف ~~الناس إلى كابي الأصبهاني واجتمعوا عليه ليملكوه ، فامتنع من ذلك وقال : ~~إني لست من بيت الملك ، ولكن التمسوا من هو من بيت الملك فنوليه علينا . ~~وكان أفريذون بن أثفيان قد استخفى من الضحاك في بعض النواحي ، فجاء إلى ~~كابي الأصبهاني ففرح الناس به واستبشروا بمقدمه ، وكان مرشحا للملك فملكوه ~~عليهم ، صار كابي من جملة أعوان أفريدون . قال : وتفاءل الفرس وتبركوا بذلك ~~العلم الذي كان قد رفعه كابي الأصبهاني وعظموه ، ورصعوه بعد ذلك بالجواهر ~~وسموه الدرفس وجعلوه علمهم الأكبر الذي يتبركون به ، وهو الذي صار إلى ~~المسلمين في وقعة القادسية . وكانت الفرس لا ينشرونه إلا في الأمور العظيمة ~~. قال : ولما هرب بيوراسب ملك بعده أفريذون ؛ وهو التاسع من ولد جمشيد . ~~قال : فأول ما بدا به أن اتبع بيوارسب فأدركه بدنباوند وقتله . وفي يوم ~~قتله أحدث المهرجان على ما قدمناه . قال : ثم رد أفريذون مظالم الناس وأمر ~~بالإنصاف وبسط العدل ، ونظر إلى ما كان بيوارسب قد اغتصبه من أموال الناس ~~وأملاكهم أراضيهم ، فرد ذلك على أهله ، وما لم يجد أهله وقفه على المساكين ~~ومصالح العامة . وكان مؤثرا للعلم وأهله . وكان صاحب طب وفلسفة ونجوم . ~~وزعن بعض الفرس أن بيوارسب الضحاك هو النمروذ ، وأن أفريذون هو إبراهيم ~~عليه السلام . قال : ودام ملكه خمسمائة سنة . وقال : هو أول من تسمى بكى ، ~~فكان يقال له : كي أفريذون ، PageV15P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" وهي كلمة يراد بها التنزيه ؛ أي روحاني منزه ~~متصل بالروحانية . وهو أول من ذلل الفيلة وقاتل بها الأعداء . قال : وكان ~~لأفريذون ثلاثة أولاد وهم : سرم وقيل فيه سلم ، وطوخ ، وإيرخ وقيل فيه ~~إيران ؛ فخشي أفريذون ألا يتفقوا بعده وأن يبغي بعضهم على بعض ، وظن أنه ~~قسم الملك بينهم في حياته بقي الأمر بعده على انتظام واتساق فقسمه بينهم . ~~فجعل الروم والشام وناحية المغرب لسرم . وجعل الترك والصين لطوخ . وجعل ~~العراق والهند لإيرج ، وهو صاحب التاج والسرير . ففي ذلك يقول شاعرهم : ~~وقسمنا ملكنا في دهرنا . . . قسمة اللحم على ظهر الوضم فجعلنا الروم والشام ~~إلى . . . مغرب ms2932 الشمس إلى الملك سرم ولطوخ جعل الترك له . . . فبلاد الصين ~~يحويها ابن عم ولإيران جعلنا عنوة . . . فارس الملك وفرنا بالنعم فلما مات ~~أفريذون وثب طوخ وسرم بأخيهما إيران فقتلاه وملكا الأرض بينهما ، ولذلك ~~نشأت العداوة بين الترك والروم ، وقامت الحروب ، وطلب بعضهم بعضا بالدماء . ~~فكان من سوء عاقبة غدرهما بأخيهما وتغلبهما على ملكه أن نشأ ابن لإيران ~~أفريذون يقال له منوجهر ، وقيل اسمه منواشجهر ، وقيل فيه منوشهر ، فغلب على ~~ملك أبيه إيران . وملك منوجهر بن إيران بلاد فارس ، ثم نشا ابن لطوخ التركي ~~فنفى منوجهر عن بلده وجرت بينهما حروب ، ثم ظفر منوجهر وعاد إلى ملكه ، ~~ونفى ولد طوخ وقوى أره وظهر اسمه . وكان منوجهر موصوفا بالعدل والإحسان في ~~مملكته . ويقال : إنه أول من خندق الخنادق ، وجمع آلة الحرب ، وأول من وضع ~~الدهقنة ، وجعل لكل قرية دهقانا ، وجعل أهلها عبيدا وخولا وألبسهم لباس ~~المذلة . ولما قوي أمره سار نحو الترك وطلب بدم أبيه فقتل عميه اللذين قتلا ~~أباه ، وأدرك ثأره وانصرف إلى بلاده . PageV15P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" ثم نشأ فراسباب بن ترك من ولد طوخ بن أفريذون ~~وإليه ينسب الترك ، فحارب منوجهر وحاصره بطبرستان ، ثم اصطلحا وضربا بينهما ~~حدا لا يجاوزه واحد منهما ، وهو نهر بلخ ، فانقطعت الحرب بين فراسياب ~~ومنوجهر . وكان لمنوجهر هذا خطب تدل على سداد رأيه ، ووفور عقله ، وجودة ~~فهمه ؛ قد ذكرنا بعضها في الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الثاني في ~~وصايا الملوك . قال : وفي أيام منوجهر ظهر موسى بن عمران عليه السلام . قال ~~: ولما مات منوجهر تغلب فراسياب على إقليم بابل اثنتي عشرة سنة ، وأكثر ~~الفساد ، وخرب البلاد ، وطم الأنهار ودفن القني ، فقحط الناس إلى أن ظهر ~~زوبن طهماسب فأخرجه عن بلاد فارس إلى تركستان . وملك زوبن طهماسب وقيل فيه ~~: زاع ، وقيل فيه : زاب ، وقيل : راسب ، وهو من أولاد منوجهر ، وبينه وبين ~~منوجهر عدة آباء . قال : ولما ملك ابتدأ في عمارة ما خربه فراسياب ، وأمر ~~ببناء ما هدم من الحصون ، وحفر الأنهار والقنى ، حتى عادت ms2933 البلاد إلى أحسن ~~ما كانت عليه ، ووضع عن الناس الخراج سبع سنين ، فعمرت البلاد في أيامه ، ~~ودرت معايش الناس ، واحتفر بالسواد نهرا وسماه الزاب ، وبنى على حافيته ~~مدينة وهي التي تسمى المدينة العتيقة ، وكورها كورا وجعلها ثلاثة طساسيج : ~~الزاب الأعلى ، والزاب الأوسط ، والزاب الأسفل ، ونقل إليها بذور الرياحين ~~، وأصول الأشجار . وزو هذا أول من اتخذ ألوان الطبيخ ، وأنواع الأطعمة ، ~~وقسم الغنائم على جنوده . وكانت مدة ملكه ثلاث سنين . PageV15P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" ثم ملك بعده كرشاسب بن أسباس ؛ وأمه من سبط ~~يامين بن يعقوب عليه السلام . قال : وكان مسكنه ببابل . ومدة ملكه عشرون ~~سنة . وبعض المؤرخين لم يذكره في الملوك . وقال الشيخ أبو علي أحمد بن محمد ~~بن مسكويه في كتابه المترجم بتجارب الأمم : إن كرشاسب كان وزيرا لزوبن بن ~~طهماسب ، وأنه من أولاد طوخ ابن أفريذون . قال : وقد حكى أن زوا وكرشاسبا ~~اشتركا في الملك . قال : والصحيح من أمره أنه كان وزيرا لزو ومعينا له ، ~~والذي أثبت كرشاسب ففي الملوك الشيخ عبد الملك بن عبد الله بن عبدون ~~الحضرمي الشلبي في كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرر ، وقال : ولم ~~يذكره بعض المؤرخين . ثم ملك بعده كيقباذ بن زو ؛ وقيل فيه : ابن زاب بن ~~تور ، وسلك سبيل أبيه فكور الكور ، وبين حدودها ، وأمر الناس بالعمارات ، ~~واخذ العشر من الغلات لأرزاق الجند . وكان حريصا على العمارة ، مانعا ~~لحوزته . والملوك الكيية من نسله . وكان بينه وبين الترك حروب كثيرة . ~~وكانت إقامته في الحد الذي بين مملكة الفرس والترك بناحية بلخ . وكان ملكه ~~مائة وعشرين سنة ثم مات . وملك بعده كيقابوس بن كينة بن كيقباذ الملك . قال ~~: ولما ملك شدد على أعدائه ، وقتل خلقا كثيرا من عظماء البلاد وسكن بلخ ، ~~وولد له ابن لم ير مثله في عصره جمالا وتمام خلقة ، وسماه سياوخش وضمه إلى ~~رستم الشديد بن دستان من ولد كرشاسب . وكان أصبهبذا بسجستان وما يليها من ~~قبل كيقابوس وأمره بتربيته . فمضى به رستم إلى سجستان وتخير له الحواضن ~~والمراضع إلى أن عقل ms2934 ، فجمع له المعلمين ، ثم علمه الفروسية حتى فاق فيها ، ~~فقدم به على أبيه وهو كامل الصفات من العقل والأدب والفروسية ، فامتحنه ~~والده فوجده فوق ما يحب . قال : وكان لكيقابوس زوجة بارعة الجمال يقال إنها ~~بنت فراسياب ملك الترك ؛ ويقال : إنها ابنة ملك اليمن ، فهويت سياوخش ~~وهويها ، ويقال : إنها كانت ساحرة فسحرته ، وآل أمرهما إلى أن انكشف لأبيه ~~كيقابوس واطلع على ما كان من أمر ابنه PageV15P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" وزوجته ، فأشفق سياوخش على نفسه وخشي عاقبة ~~أبيه فتلطف في البعد عنه ، فسأل رستم أن يشير على أبيه لإرساله لحرب ~~فراسياب ملك الترك ، وكان قد تجددت بين فراسياب وكيقابوس حشة ، ففعل رستم ~~ذلك وخاطب كيقابوس فيه واستأذن له في جند يضمهم إليه ، فأذن له وضم إليه ~~جندا كثيفا وأشخص سياوخش إلى بلاد الترك ، فسار حتى التقى بفراسياب فانتظم ~~الصلح بينهما من غير حرب ، فكتب سياوخش إلى أبيه يخبره بما كان بينه وبين ~~فراسياب من الصلح والاتفاق ، فكتب إليه كيقابوس بإنكار ذلك عليه وأمره ~~بمناهضته ومناجزته الحرب ، فرأى سياوخش أنه إن فعل ما أمره به والده من ~~الحرب ونقض الهدنة من غير سبب وقع يوجب نقضها ، يكون ذلك عارا عليه ومنقصة ~~، فامتنع من إنفاذ أمر أبيه وأجمع رأيه على الهرب منه ، فكتب إلى فراسياب ~~ملك الترك يطلب منه الأمان لنفسه ، وعرفه أنه آثر اللحاق به فأجابه إلى ذلك ~~. وكان السفير بينهما أحد عظماء الترك وأكابرهم يسمى قيران . فلما استوثق ~~سياوخش من ملك الترك سار نحوه وانصرف من كان معه من جند أبيه ورجعوا إليه . ~~قال : ولما وصل سياوخش إلى راسياب ملك الترك أكرمه وعظمه وزوجه بابنته ، ~~وهي أم كيخسرو الذي ملك الفرس . ولم يزل على إكرامه إلى أن ظهر له من أدبه ~~وحسن سياسته ، وجميل تلطفه ما أشفق منه وخشي على ملكه لميل الناس إليه ~~فقتله . وكانت ابنة الملك قد اشتملت من سياوخش على حمل ، فقصد أن يسقطه ~~وتحيلوا في ذلك فلم تسقط ؛ ثم جاء قيران ، وهو الذي كان السفير في الصلح ~~بين ms2935 الترك وسياوخس ، وأنكر ما كان من فعل الملك وحذره عاقبة الغدر والطلب ~~بالثأر ، وأشار عليه أن يدفع ابنته زوجة سياوخش إليه لتكون عنده إلى أن تضع ~~وقال : إذا أردت بعد ذلك قتل ولدها فاقتله ؛ فأجابه الملك إلى ذلك وسلم ~~إليه ابنته ، فكانت عنده إلى أن وضعت كيخسرو ؛ فلما وضعته امتنع قيران من ~~قتله وستر أمره ، فكان عند ثيران حتى بلغ ، ثم احتال جده كيقابوس إلى أن ~~أخرجه هو وأمه من بلاد الترك . قال أبو علي أحمد بن مسكويه في كتابه ~~المترجم بتجارب الأمم : وللفرس في أمر كيقابوس خرافات كثيرة منها : انهم ~~يزعمون أن الشياطين مسخوه ، وقوم منهم يزعمون أن سليمان بن داود عليهما ~~السلام أمرهم بذلك في خرافات كثيرة ظاهرة الإحالة : من الصعود إلى السماء ، ~~وبناء مدينة كنكر بأسوار من ذهب وفضة وحديد ونحاس وانهار ، وأنها ما بين ~~السماء والأرض ؛ وأشباه ذلك مما تحيله العقول السليمة ؛ لأن ذلك في قدرة ~~البشر . PageV15P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" قال : ولما تم لكيقابوس أكثر ما كان يقصده ~~سار من خراسان ونزل بابل وترك ما كان يتولاه ينفسه من السياسات ، واحتجب عن ~~الناس وتعاظم عليهم ، وآثر الخلوة ، فكان من عاقبة ذلك أن فسد عليه ملكه ~~وغزته الملوك ؛ فكان بعد ذلك يغزوهم فيظفر بهم مرة وينكب أخرى ، إلى أن غزا ~~بلاد اليمن ، والملك بها يومئذ ذو الأذعار بن أبرهة بن ذي المنار . فلما ~~أتاه كيقابوس خرج إليه ذو الأذعار في جموعه من حمير وولد قحطان ، فظفر به ~~ذو الأذعار وأسره واستباح عسكره وحبسه في بئر وأطبق عليه طبقا ، فخرج رستم ~~الشيديد من سجستان في جموع كثيرة من الفرس ؛ فالفر ستزعم أنه أوغل في بلاد ~~اليمن واستخرج كيقابوس من محبسه ، واليمن تقول غير ذلك ، وأن ملكهم ذا ~~الأذعار لما بلغه إقبال رستم خرج إليه في جموعه وجنود عظيمة ، وخندق كل ~~منهما على نفسه وعسكره ، وانهما أشفقا على جنديهما من البوار ، فاتفقا على ~~أن دفع لهم ملك اليمن كيقابوس وانصرف رستم من غير حرب ورجع بكيقابوس إلى ~~بابل ، فكتب ms2936 له كيقابوس كتابا بالعتق وأقطعه سجستان . ونسخة الكتاب الذي ~~كتبه : من كيقابوس بن كيقباذ إلى رستم . إني قد أعتقك من العبودية ، وملكك ~~بلاد سجستان ، واجلس على سرير من فضة مموه بالذهب ، والبس قلنسوة من الحرير ~~منسوجة بالذهب متوجة . قال : ومما دل على صحة ما نقل من أمر كيقابوس قول ~~الحسن بن هانئ : وقاظ قابوس في سلاسلنا . . . سنين سبعا وفت لحاسبها ولما ~~مات كيقابوس ملك بعده ولد ابنه كيخسور بن سياوخش بن كيقابوس . قال : ولما ~~ملك عقد التاج على رأسه وخطب رعيته خطبة بليغة أعلمهم فيها أنه على الطلب ~~بدم أبيه سياوخش قبل فراسياب ملك الترك ، وكتب إلى جوذرز بأصبهان - وكان ~~أصبهبذا على خراسان - يأمره بالمسير إليه ، وأمره أن يعرض جنده وأن ينتخب ~~ثلاثين PageV15P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" ألف راجل ويضمهم إلى طوس بن نوذران وكان فيمن ~~أشخص معه برزافره بن كيقاوس عم كيخسرو وابن جوذرز وجماعة من إخوته ، وتقدم ~~كيخسرو إلى طوس ، وأمره أن يقصد فراسياب وطراختته وحذره من ناحية ببلاد ~~الترك فيها أخ له من أبيه سياوخش يقال له فروذ ، وكان قد رزقه من بعض نساء ~~الأتراك ، كان سياوخش قد تزوجها لما سار إلى فراسياب فولدت له فروذ ، وأقام ~~بموضعه إلى أن شب ، فسار طوس وكان من غلطه الذي فعله أنه لما صار بالقرب من ~~المدينة التي فيها فروذ حار به فقتل فروذ في الوقعة . فلما اتصل الخبر ~~بكيخسرو غضب لذلك وشق عليه ، فكتب إلى عمه برزافره ذلك كتابا غليظا يخبره ~~بما ورد عليه من خبر طوس ومخالفته له ومحاربته لأخيه فروذ وقتله إياه ، ~~وأمره بإشخاص طوس إليه مقيدا مغلولا ، وان يتقدم هو على العسكر ويتوجه . ~~ففعل برزافره ذلك وتولى أمر العسكر ، وسار وعبر النهر المعروف بكاشرود ، ~~وانتهى خبره إلى فراسياب فوجه للقائه وحربه جماعة من إخوته وطراختنه ، ~~فالتقوا وفيهم قيران وإخوته ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وظهر من برزافره عم ~~كيخسرو في ذلك اليوم فشل لما اشتدت الحرب ، فهرب وانحاز بالعلم إلى رءوس ~~الجبال ، واضطرب على ولد جوذرز الأمر ، فقتل منهم ms2937 في تلك الملحمة في وقعة ~~واحدة وسبعون رجلا ، وقتل خلق كثير ، وانصرف برزافره ومن أفلت معه إلى ~~كيخسرو ، فرئيت الكآبة في وجهه وامتنع عن الطعام والشراب أياما ، ثم أتاه ~~جوذرز وشكا إليه عمه برزافره وأنه كان سبب الهزيمة ، لاطفه كيخسرو وقال : ~~إن حقك لازم لنا لخدمتك إيانا ، وهذا جندنا وخزائننا مبذولة لك فاطلب ترتك ~~واستعد وتجهز للتوجه إلى فراسياب . فنهض جوذرز وقبل يده وقال : نحن رعيتك ~~وعبيدك أيها الملك ، فإن كانت آفة أو نازلة فلتكن بالعبيد دون الملوك ، ~~وأولادي الذين قتلوا فداؤك ، ونحن من وراء الانتقام من فراسياب والاستيفاء ~~من الترك . فكتب كيخسرو إلى وجوه عساكره وأكابر أجناده يأمرهم بموافاته في ~~صحراء تعرف بشاه أسطون من كورة بلخ في وقت وقته لهم ، فوافوه في ذلك الوقت ~~، وشخص كيخسرو بأصبهبذيته وأصحابهم وفيهم برزافره عمه وجوذرز وولده ، فعرض ~~كيخسرو الجند بنفسه حتى عرف عدتهم واطلع على أحوالهم ، ثم أحضر جوذرز ~~وثلاثة نفر معه من القواد فأعلمهم أنه يريد إدخال العساكر على الترك من ~~أربعة وجوه ليحيطوا بهم من جميع PageV15P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" جهاتهم ، وقود على تلك العساكر ، وجعل أعظمها ~~إلى جوذرز ، ودفع إليه يومئذ درفس كابيان ، ولم يكن يدفع قبل ذلك لأحد من ~~القواد ، بل مع أولاد الملوك . قال : وأمر أحد القواد بالدخول مما يلي ~~الصين وضم إليه ثلاثين ألف رجل ، وأمرهم بالدخول من ناحية الخزر من طريق ~~بين جوذرز وبين الذي دخل من طريق الصين ، ودخل جوذرز من ناحية خراسان وبدا ~~بقيروان والتحمت بينهما الحرب واشتد القتال ، فقتل جوذرز أخا لقيران ، ثم ~~قتل قيبران مبارزة ، ثم قصد فراسياب والتحمت عليه العساكر من كل جهة ، ~~واتبع كيخسرو القوم بنفسه وقصد الوجه الذي كان فيه جوذرز ، وقد أثخن في ~~القتل وقتل اصبهبنذ فراسياب والمرشح للملك بعده ، وجماعة كثيرة من إخوته ~~وأولاده ، وأسر برويز وهو الذي قتل سياوخش . قال : ولما جاء كيخسرو وجد ~~جوذرز قد أحصى الأسرى والقتلى وما غنم من الكراع والأموال ، فوجد ما في يده ~~من الأسرى ثلاثين ألفا ، ومن القتلى خمسمائة ms2938 ألف ونيفا وستين ألفا على ما ~~تزعم الفرس ، وحاز من الكراع والأموال مالا يحصى كثرة ، وأمر كل واحد من ~~الوجوه الذين كانوا معه أن يجعل أسيره ورأس قتيله عند علمه لينظر إلى ذلك ~~كيخسرو عند موافاته . فلما وافى كيخسرو موضع الملحمة تلقاه جوذرز وعرض عليه ~~الأسرى والقتلى ، فرأى قيران قتيلا ، وأتى بقاتل أبيه الذي مثل به بعد قتله ~~. فقتله كيخسرو شر قتلة ؛ قطعه عضوا عضوا ثم ذبحه ، وأحسن صلة جوذرز وفوض ~~الوزارة التي يقال لها بزر جفر مذار وجعل إليه مع ذلك أصبهان وجرجان ، ~~وأحسن لكل من أبلى من قواده ورجاله ، ثم أتته أخبار قواده الثلاثة ~~PageV15P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" الأخر أنهم قد أحاطوا بفراسياب ، وبرز ~~فراسياب ومن بقي من ولده وعساكره وتوجه نحو كيخسرو بجيوش عظيمة ، فيقال إن ~~كيخسرو أشفق منه وهابه حتى ظن أنه لا قبل له به ، ودام القتال بين العسكرين ~~أربعة أيام ، فقتل شيده مقدم عسكر فراسياب ، وكانت هذه الحرب معه ، ثم أقبل ~~فراسياب في جمع عظيم من الأتراك والتقى هو وكيخسرو ونشبت بينهما حروب عظيمة ~~يقال إنه لم ير مثلها قبلها قط على وجه الأرض ، فكانت الدائرة على الترك ، ~~وانهزم فراسياب وكثر القتل في أصحابه وأتبعه كيخسرو حتى أدركه بأذربيجان ~~فظفر به واستوثق منه بالحديد ووبخه على ما كان منه من قتل سياوخش ، فلم يكن ~~له حجة ، فذبحه ثم انصرف . وقد غنم غنائم عظيمة لا تحصى وأدرك بثأره . قال ~~: ولما فرغ كيخسرو من أمر الترك ورجع إلى بلاده واستقر بدار ملكه زهد في ~~الملك وتنسك ، وأعلم وجوه أهل بيته وأكبر مملكته أنه قد عزم على التخلي ~~والانفراد وترك الملك ، فجزعوا من ذلك وسألوه ألا يفعل ، فأبى عليهم . فلما ~~أيسوا منه سألوه أن ينصب في الملك من يراه له أهلا ، فأشار بيده إلى لهراسف ~~وأعلمهم أنه خاصته ووصيته ، فقبل لهراسف ذلك وأقبل الناس عليه . وفقد ~~كيخسرو . فمنهم من يقول : إنه غاب للتنسك ، وبعضهم يقول غير ذلك ، إلا أنه ~~لم تعلم جهة وفاته . قال : وكان ملكه ستين سنة ms2939 . قال : وفي أيام ملكه كان ~~سليمان بن داود عليه السلام . ثم ملك بعده لهراسف ؛ وقيل فيه بهراسف بن ~~تنوفي بن كيمش وهو ابن أخي كيقابوس ويلقب بكى لهراسف . قال : ولما ملك اتخذ ~~سريرا من ذهب مكللا بالجوهر للجلوس عليه ، وبنيت له بأرض خراسان مدينة ، ~~وسماها بلخ الحسناء . قال : وهو أول من دون الدواوين ، وقوى ملكه بانتخاب ~~الجنود ، وعمر الأرض . وكانت شوكة الأتراك اشتدت في زمانه ، فنزل بلخ ~~لمقاتلتهم ، ووجه بختنصر أصبهبذا ما بين الأهواز إلى أرض الروم ، من غربي ~~الفرات . وسنذكر أخباره إذا انتهت أخبار لهراسف . PageV15P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" قال : وكان لهراسف بعيد الهمة ، طويل الفكرة ~~، شديد القمع للملوك المحيطة لإيران شهر . وكانت ملوك الروم والمغرب والهند ~~يؤدون إليه إتاوة معلومة في كل سنة ، ويقرون له أنه ملك الملوك هيبة له ، ~~واستمر في الملك إلى أن كبرت سنه وأحس بالضعف فاعتزل الملك ونصب ابنه ~~بشتاسب . وكان ملكه فيما ذكر مائة وعشرين سنة . ذكر أخبار بختنصر ويقال في ~~اسمه بالفارسية بخترشه ، وكان مرزبانا ببهراسف ، ومعنى الورزبان أنه ملك ~~على ربع من أرباع المملكة . وقد قدمنا أن الملك لهراسف كان قد جعله أصبهبذا ~~ما بين الأهواز إلى أرض الروم . قال : فسار حتى أتى دمشق فصالحه أهلها ، ~~ووجه قائدا له فأتى بيت المقدس فصالح ملك بني إسرائيل ، وهو رجل من بني ~~داود النبي عليه السلام ، وأخذ منه رهائن وانصرف . فلما بلغ طبرية وثب بنو ~~إسرائيل على ملكهم فقتلوه وقالوا له : إنك هادنتن أهل الكفر وخذلتنا ~~واستعدوا للقتال ؛ فكان عاقبة ذلك أن قائد بختنصر - لما بلغه ما كان من بني ~~إسرائيل - كتب إليه يخبره بقتلهم ملكهم ، فأجابه بختنصر أن يقيم بموضعه حتى ~~يوافيه ، وأمره بضرب أعناق الرهائن الذين معه . وسار بختنصر حتى أتى بيت ~~المقدس فأخذ المدينة عنوة وقتل المقاتلة وسبي الذرية وهرب الباقون إلى مصر ~~، فكتب بختنصر إلى ملك مصر : أن عبيدا لي هربوا مني إليك فسرحهم إلي وإلا ~~غزوتك وأوطأت خيلي بلادك ، فكتب إليه ملك مصر : إنهم ليسوا عبيدك ، ولكنهم ~~الأحرار أبناء ms2940 الأحرار ، وامتنع من إنفاذهم إليه ، فغزاه بختنصر وقتله وسبى ~~أهل مصر ، ثم سار في أرض المغرب حتى بلغ أقصى نواحيها . PageV15P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" قال صاحب كتاب تجارب الأمم : وقد حكى أهل ~~التوراة وغيرهم في أمر بختنصر أقوالا مختلفة ، فذكروا منها : أن بختنصر لما ~~خرب بيت المقدس أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه في بيت ~~المقدس ، فقذفوا فيه من التراب ما ملأه . قال : ولما انصرف إلى بابل اجتمع ~~معه سبايا بيت المقدس من بني إسرائيل وغيرهم ، فاختار منهم سبعين ألف صبي ، ~~فلما فرق الغنائم على جنوده سألوه أن يقسم فيهم الصبيان ، فقسمهم في الملوك ~~منهم ، فأصاب كل رجل منهم أربعة ، وكان من أولئك الغلمة الذين سباهم ، ~~دانيال النبي وحنين ومنشايل ، وسبعة آلاف من أهل بيت داود ، وأحد عشر ألفا ~~من سبط بشر بن يعقوب . ثم غزا بختنصر العرب ، وذلك في زمن معد بن عدنان . ~~قال : وكانت مدة غلبة بختنصر إلى أن مات أربعين سنة ، ثم قام ابن له يقال ~~له أونمروذ ثم هلك ، وملك مكانه ابن له يقال له بلتنصر ، وذلك في زمن بهمن ~~، فلم يرض بهمن أمره فعزله وملك مكانه كيرش ، وتقدم إليه بهمن أن يرفق ببني ~~إسرائيل ويمكنهم من النزول حيث سألوا ، أو الرجوع إلى أرضهم ، وأن يولي ~~عليهم من يختارونه ، فاختاروا دانيال فولاه أمرهم . فكانت مدة خراب بيت ~~المقدس سبعين سنة . وقيل غير ذلك . ولنرجع إلى أخبار الفرس . ولما اعتزل ~~لهراسف الملك كما ذكرناه ملك بعده كي بشتاسف بن كي لهراسف . قال : ولما ملك ~~بنى مدينة فسا ، وهو أول من بسط دواوين الكتاب لا سيما ديوان الرسائل . ~~وكان له ديوانان أحدهما : ديوان الخراج ، والآخر ديوان النفقات ، فكل ما ~~يرد فإلى ديوان الخراج ، وكل ما يصرف فمن ديوان النفقات . وكان له كاتب ~~موكل بدار المملكة ، فإن وقع تقصير بأحد في منزلته ، أو حط من ردجته رجع ~~إلى ذلك الكاتب ليبين له حال مرتبته فيجري على رسمه وعادته . وفي أيامه ظهر ~~زرادشت بعد ثلاثين سنة ms2941 من ملكه فادعى النبوة فأراده على قبول دينه فامتنع ~~من ذلك ثم صدقه وقبل دعواه ، وأتاه بكتاب يكتب في جلد اثنتي عشرة ألف بقرة ~~حفرا في الجلود ونقشا بالذهب ، فصير بشتاسف ذلك الكتاب بإصطخر ووكل به ~~الهرابذة ، ومنع من تعليمه العامة . وبنى ببلاد الهند بيوتا للنيران ، ~~وتنسك PageV15P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" واشتغل بالعبادة ، وهادن كي خرزاسف بن كي ~~سواسف ابن أخي فراسياب ملك الترك على ضروب من الصلح ، وفي جملة شريطة الصلح ~~ألا يكون ببلاد خرزاسف دابة موقوفة في منزلة الدواب التي تكون على أبواب ~~الملوك ، وغير ذلك مما وقعت عليه المهادنة . فأشار زرادشت على بشتاسف بنقض ~~الهدنة ومفاسدة ملك الترك ، فبلغ ملك الترك ذلك ، فغضب وكتب إليه كتابا ~~غليظا من جملته أن يوجه إليه زرادشت ، وأقسم إن امتنع أن يغزوه حتى يسفك ~~دمه ودماء أهل بيته ؛ فأجابه بشتاسف بجواب أغلظ من كتابه وآذنه بالحرب ~~وأعلمه أنه غير ممسك عنه إن أمسك هو . فسار كل منهما إلى الآخر ، ومع كل ~~واحد منهما إخوته وأهل بيته ، والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا ، فكانت ~~الدائرة على الترك ، وقتل اسفنديار بن بشتاسف بيدرفش الساحر مبارزة ؛ وقتلت ~~الترك قتلا ذريعا ، وهرب ملكهم خرزاسف ورجع بشتاسف إلى بلخ . قال : فلما ~~مضت لتلك الحرب سنون سعى رجل يقال فروخ بإسفنديار إلى بشتاسف ونسبه أنه ~~تطاول للملك ، وزعم أنه أحق به ، فأفسد بذلك قلب بشتاسف عليه ، وصدق مقالة ~~فروخ ، فأخذ في التدبير على إسفنديار وجعل يرسله إلى حرب بعد حرب ، وهو ~~يظفر وينجح ويرجع بالغنائم ، ثم أمر بتقييده فقيد ، وصيره في الحبس في حصن ~~من حصونه ، وسار بشتاسف إلى جبل يقال له طميدر لدراسة دينه والتنسك هناك ، ~~وخلف أباه لهراسف في مدينة بلخ ، وقد كبرت سنة وهرم وعجز . قال : فاتصل هذا ~~الخبر بخرزاسف ملك الترك ، فجمع من الجنود ما لا يحصى كثرة ، وشخص من بلاده ~~نحو بلخ حتى إذا انتهى إلى تخوم ملك فارس قدم أمامه جوهر مز أخيه ، وكان ~~مرشحا للملك ، في جماعة كثيرة من المقاتلة ، وأمرهم أن يغذوا ms2942 السير حتى ~~يتوسطوا المملكة ، ثم يواقعوا بأهلها ويشنوا الغارة على المدن والقرى . ~~ففعل جوهرمز ذلك وسفك الدماء واستباح الحرم ، وسبى ما لا يحصى ، وأتبعه ~~خرزاسف ملك الترك حتى انتهى إلى مدينة بلخ ، فاحرق الدواوين وقتل لهراسف ~~والهرابذة ، وهدم بيوت النيران ، واستولى على الأموال والكنوز ، وسبى ~~ابنتين لبشتاسف وأخذ درفس كابيان ، وسار في طلب بشتاسف فتحصن منه في جبل ~~طميدر ؛ فعند ذلك ندم بشتاسف على ما كان منه في حق ابنه إسفنديار ؛ فيقال : ~~إنه وجه من استخرجه من محبسه ، وجاءه به ؛ فلما دخل عليه اعتذر منه ووعده ~~عقد التاج على PageV15P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" رأسه ، وأن يفعل معه كما فعل لهراسف به . ~~وقلده أمر عساكره وندبه لحرب ملك الترك . فطابت نفس إسفنديار بكلام أبيه له ~~، وتأهب لوقته ، وسار بالجنود صبيحة النهار نحو الترك . فلما قرب منهم ~~تبادروا بحربه ؛ فكان ممن خرج إليه منهم جوهرمز واندرمان ، فالتقوا والتحمت ~~بينهم الحرب ، فانقض إسفنديار على عساكر الترك بنفسه واختلط بهم ، وقاتل ~~حتى ثلم فيهم ثلمة عظيمة ، وفشا في الترك أن إسفنديار قد أطلق من محبسه ، ~~وأنه الذي يقاتلهم ، فانهزموا لا يلوون على شيء . واسترجع إسفنديار من ~~الترك الدرفس وعاد إلى أبيه ، فاستبشر وأمره باتباع القوم وقتال خرزاسف ~~وقتله - إن ظفر به - بجده لهراسف ، وقتل جوهرمز واندرمان بمن قتل من ولده ، ~~وأن يهدم حصون الترك ويحرق مدنهم ويقتل أهلها بمن قتلوا من أهل بلاده ، ~~ويستنقذ من سبوه من بناته . فدخل إسفنديار بلاد الترك ورام مل لم يرمه أحد ~~قبله ، واعترض العنقاء ورماها على ما يزعم الفرس ، ودخل مدينة الصفر عنوة ، ~~وقتل ملكها وأخوته ومقاتلته ، واستباح أمواله وسبى ذراريه ونساءه واستنقذ ~~أختيه ، وكتب بالفتح إلى أبيه . ولم يستقل إسفنديار هذا بالملك . والذي ملك ~~الفرس بعد بشتاسف أردشيربهمن بن إسفنديار بن بشتاسف . وتفسير بهمن بالعربية ~~: الحسن النية . قال : ولما ملك أردشير انبسطت يده وتناول الممالك حتى ملك ~~الأقاليم . وكانت ملوك الأرض تحمل إليه الإتاوة ، وابتنى بالسواد مدينة وهي ~~المعروفة بهيمنيا ، وهو أبو دارا الأكبر ، وأبو ساسان . قال : وكان ms2943 بهمن ~~كريما متواضعا . وكانت تخرج كتبه : من اردشير بهمن عبد الله وخادم الله ~~والسائس لأمركم . ويقال : إنه غزا رومية الداخلة في ألف ألف مقاتل . ومن ~~المؤرخين من ذهب إلى أن بهمن هذا هو الذي جهز بختنصر لغزو العرب وغيرهم . ~~وكانت مدة ملك أردشير مائة واثنتي عشرة سنة . PageV15P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" ولما مات ملكت بعده ابنته جماز هرازاد ، وهي ~~جماني أم ابنه دارا . قال : وكانت قد حملت منه بدارا الأكبر وسألته أن يعقد ~~التاج للذي في بطنها ويؤثره بالملك ، ففعل أردشير ذلك . وكان ابنه ساسان ~~يتصنع للملك ولا يشك أنه يكون هو الملك بعد أبيه . فلما رأى ما فعل أبوه شق ~~ذلك عليه ، فلحق بإصطخر وتزهد ، وخرج عن حلية الملوك ، واتخذ غنيمة وكان ~~يتولاها بنفسه ، فاستشنع الناس ذلك من فعله وقالوا : صار ساسان راعيا ؛ ولم ~~تزل جماني قائمة بأمر الملك ، ضابطة له ، وأغزت الروم جيشا بعد جيش وأوتيت ~~ظفرا ، فقمعت الأعداء وشغلتهم من التطرق إلى شيء من بالدها ، ونال رعيتها ~~بتدبيرها رفاهية وأمن إلى أن كبر ابنها . فملك دارا بن أردشير بهمن . قال : ~~ولما كبر حول للتاج إلى رأسه ونزل بابل . وكان ضابطا لملكه ، قاهرا لمن ~~حوله من الملوك ، يؤدون إليه الخراج . وابتنى بفارس مدينة وسماها دارا بجرد ~~. ورتب دواب البريد . وكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة . وملك بعده ابنه دارا ~~ابن دارا بن أردشير ، وكان دارا هذا حقودا جبارا ، فمله قومه ، وغزاه ~~الإسكندر بن فيلبس اليوناني ، والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا ، فقتل دارا بن ~~دارا . وسنذكر خبر مقتله في أخبار الإسكندر . فهؤلاء ملوك الفرس الأول . ثم ~~تبدد ملك الفرس وانتثر لقتل دارا بن دارا ، واستقل الإسكندر بالملك . وملك ~~بعده من نذكره من ملوك اليونان ، وتفرق ملك الفرس أربعمائة سنة إلى أن عاد ~~إلى بني ساسان ، وهأنا ذاكر خبر موك الوائف ما بين دارا بن دارا وأردشير بن ~~بابك . ذكر أخبار ملوك الطوائف وملوك الطوائف هم الذين ملكوا بلاد فارس ما ~~بين دارا بن دارا وأردشير ابن بابك الذي جمع ملك الفرس ms2944 بعد تبدده ، ونظمه ~~بعد انتثاره . وكان من خبرهم أن الإسكندر لما قتل دارا بن دارا وغلب على ~~بلاد الفرس هم بقتل أكابرهم ، فكتب إلى معلمه أرسطاطاليس يستشيره في ذلك ، ~~فنهاه عن قتلهم وقال : هذا من الفساد في الأرض ، وإذا قتلتهم أنبتت أرض ~~بابل أمثالهم ؛ وأشار عليه أن يفرق المملكة بين أولاد الملوك ، فإنهم ~~يتنافسون الملك فلا يجتمعون على ملك واحد منهم ، فمتى خالفك واحد كانت ~~مؤنته عليك خفيفة ؛ ففعل ذلك ، وفرق الملك حتى أمكنه أن PageV15P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" يتجاوز أرض فارس إلى بلاد الهند والصين . ~~فكانت ملوك الطوائف في إقليم بابل لا يدين بعضهم إلى بعض . فكان من ملوكهم ~~الذين ملكهم الإسكندر : أشك بن دارا الأكبر ؛ فقوى أشك هذا وعظمته الملوك ~~وقدموه على أنفسهم ، وبدأوا به في كتبهم إليه إجلالا له ، وبدأ في كتبه ~~إليهم بنفسه ، وسموه ملكا ، وأهدوا إليه من غير أن يطيعوه أو يستعمل أحدا ~~منهم أو يعزله ، وكثرت جموعه إلى أنطيخس ، وكان مقينما بسواد العراق من قبل ~~الروم ، وتقدم أنطيخس إليه والتقيا ببلاد الموصل واقتتلا فقتل أنطيخس وغلب ~~أشك على السواد ، وصار في يده من الموصل إلى الري وأصفهان ، ولذلك عظمته ~~ملوك الطوائف . ثم ملك جوذرز بن أشكان . وهو الذي غزا بني إسرائيل المرة ~~الثانية ؛ وذلك بعد قتلهم يحيى بن زكرياء عليهما السلام ، فسلطه الله تعالى ~~عليهم فأكثر فيهم القتل فلم يعد لهم جماعة بعد ذلك ، ورفع الله عنهم وانزل ~~بهم الذل . وكان من سنة الفرس بعد الإسكندر أن يخضعوا لمن ملك بلاد الجبل ، ~~وهم الأشغانية ؛ فأولهم أشك بن أشكان ، ثم سابور بن أشكان ، وفي أيامه ظهر ~~المسيح عيسى بن مريم عليه السلام بأرض فلسطين . ثم ملك جوذرزبن أشغانان ~~الأكبر . ثم ملك بيزن الأشغاني . ثم ملك جوذرز الأشغاني . ثم نرسي الأشغاني ~~. ثم هرز . ثم أردوان الأشغاني . ثم كسرى الأشغاني . ثم بلاش الأشغاني . ثم ~~أردوان الأصغر الأغاني . ثم أدرشير بن بابل . فكانت مدة هؤلاء ، إلى أن وثب ~~أردشير بن بابك على الأردوان فقتله ، مائتين وستا وستين سنة . وفي ms2945 أيام ~~ملوك الطوائف اصطلمت طسم وجديس . وسنذكر إن شاء الله خبرهم . PageV15P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" ذكر أخبار الملوك الساسانية وهم الفرس الأخر ~~. وألو من ملك منهم أردشير بن بابك بن ساسان الأصغر . وكان من أعظم ملوك ~~الطوائف وملوك الأشغانية ، فوثب بالأردوان وقتله واستولى على الممالك وقاد ~~الملوك إلى طاعته رغبة ورهبة . وكتب إلى ملوك الطوائف يدعوهم إلى الاجتماع ~~إليه : بسم الله ولي الرحمة . من أردشير المستأثر دونه بحقه المغلوب على ~~تراث آيائه ، الداعي إلى قوام دين الله وسنته ، المستنصر بالله ، الذي وعد ~~المحقين الفلح ، وجعل لهم العواقب ؛ إلى من بلغه كتابي هذا من ملوك الطوائف ~~. سلام عليكم بقدر ما تستوجبون بمعرفة الحق ، وإنكار الباطل والجور . ~~ودعاهم إلى الطاعة : فمنهم من أقر له بالطاعة ، ومنهم من تربص حتى قدم عليه ~~، ومنهم من عصاه فكانت عاقبة أمره إلى القتل والهلاك ؛ حتى استوثق له الأمر ~~. فكانت طائفة الأشكانية ممن امتنعت من طاعة أردشير ، فاقسم أنه لا يبقى ~~منهم - إن قدر عليهم - رجلا ولا امرأة . فلما غلب عليهم ما نجا منهم إلا من ~~أخفى اسمه ونسبه . وقد كان أخذ في جملة من أخذ منهم ابنة ملكهم ، وكانت ~~بارعة الجمال ، وافرة العقل . فلما رآها قال لها : أنت من بنات ملوكهم ؟ ~~قالت : بل من خدمهم . فاصطفاها لنفسه ، فحملت منه . فلما علمت بالحمل شهرت ~~نفسها وقالت : أنا ابنة ملكهم . فعند ذلك أمر شيخا من رجاله الذين يثق لهم ~~يقال له هرجند بن سام بأن يودعها في بطن الأرض إشارة إلى قتلها . فقالت : ~~أيها الشيخ ، إنني قد حملت من الملك فلا تبطل زرعه ، فعمل لها سربا تحت ~~الأرض وجعلها فيه ، ثم عمد إلى مذاكيره فجبها ووضعها في حق وختم عليه ورجع ~~إلى الملك وقال : قد أودعتها بطن الأرض ؛ ودفع له الحق وقال : إن فيه وديعة ~~وأحب أن يكون عند الملك إلى أن أحتاج إليه ، PageV15P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" فاستودعه الملك ؛ وأقامت الجارية في السرب ~~حتى كملت مدة حملها ، فوضعت غلاما فسماه الشيخ : شاه بور ، أي ولد الملك ؛ ~~فسماه الناس سابور ms2946 . وبقي أردشير هذا دهرا لا يولد له ، فرآه الشيخ في بعض ~~الأيام وقد ظهر عليه الحزن ، وكان خاصا به ، فقال له : ما هذا الحزن سرك ~~الله أيها الملك وعمرك . فقال : من أجل أنه ليس لي ولد يرث ملكي . فقال له ~~الشيخ : إن لك عندي ولدا طيبا فادع بالحق . وأمر أردشير بإحضاره فأحضر ، ~~ففض ختمه فإذا فيه مذاكير الشيخ وكتاب فيه : إنه لما أمرني الملك بقتل ~~المرأة الأشكانية التي علقت من ملك الملوك أردشير لم أر أن أبطل زرع الملك ~~الطيب فأودعتها بطن الأرض كما أمرني ، وتبرات إليه من نفسي لئلا يجد عائب ~~إلى عيبها سبيلا ؛ فسر أردشير بذلك ، وأمر الشيخ أن يجعل الغلام بين مائة ~~غلام من أشباهه في الهيئة وأقرانه في السن ، ثم يدخلهم عليه ، فعل ذلك ، ~~فعرفه أردشير من بينهم وقبلته نفسه ، ثم أمرهم أن يلعبوا في حجرة الإيوان ~~بالصوالج ، فدخلت الأكرة الإيوان ، فأحجم الغلمان عن دخولهم وأقدم سابور ، ~~فأمر أردشير عند ذلك بعقد التاج له . وكان اردشير من أهل العقل والمعرفة ~~وحسن التدبير ، وله وصايا ومكاتبات صدرت عنه تدل على حكمة ورجاحة عقل . وقد ~~تقدم إيرادها في الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الثاني في وصايا ~~الملوك . وكانت مدة ملكه أربع عشرة سنة وستة اشهر . ثم ملك بعده ابنه سابور ~~بن أردشير ؛ والعرب تسميه سابور الجنود . وسابور هذا هو الذي حصر الضيزن ، ~~وملك الحضر ، وهو من مباني العرب المشهورة . وقد تقدم ذكره في الباب الثالث ~~من القسم الخامس من الفن الأول هو في السفر الأول . فلا حاجة إلى إعادة ~~ذكره . وفي أيامه ظهر ماني الزنديق تلميذ قاردون وقال بالاثنين ، فرجع ~~سابور إلى مذهب ماني والقول بالنور والبراءة من الظلمة ، ثم عاد إلى دين ~~المجوسية وترك PageV15P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" المانوية ، وهو المسمى عندهم بدين الثنوية . ~~وكانت مدة ملكه ثلاثين سنة . وقيل إحدى وثلاثين سنة ونصف سنة وثمانية عشر ~~يوما . ثم ملك ابنه هرمز بن سابور ؛ وهو الذي يدعى هرمز البطل ، ويلقب أيضا ~~بالجرئ . وبنى رامهرمز بين كور ms2947 الأهواز . وكانت مدة ملكه سنة وعشرة اشهر . ~~ثم ملك ابنه بهرام بن هرمز . قال : ولما ملك جاءه ماني الزنديق فعرض عليه ~~مذاهب الثنوية فأجابه إلى ذلك احتيالا منه عليه ، إلى أن أحضر له دعاته ~~المتفرقين في البلاد الذين يدعون الناس إلى مذاهب الثنوية . فلما أحضرهم ~~إليه قتلهم وقتل ماني وسلخه . وفي أيام ماني هذا ظهر اسم الزنادقة الذين ~~أضيفتع إليهم الزندقة . وذلك أن الفرس كان لهم كتاب يسمونه السنا ، وكان له ~~شرح يسمى الزند . فكان من أتاهم بزيادة على ما في كتابهم زنديا . فلما جاءت ~~العرب أخذت هذا المعنى من الفرس فعربته وقالت زنديق . فالثنوية هم الزنادقة ~~، فألحق هذا السام بسائر من اعتقد القدم وأبى حدوث العالم وأنكر البعث . ~~والذي أتى الفرس بهذا الكتاب زرادشت في زمن الفرس الأول . وقد قدمنا ذكره ~~في أخبار بشتاسف . وهذا زرادشت هو الذي تزعم المجوس أنه نبيها الذي أرسل ~~إليها . وكان زرادشت خادم شعيا فدعا شعيا عليه فبرص . وكان صاحب نيرجات ~~وسحر . وكان يحرز بعض الكوائن قبل أن تقع مما كان قد سمعه من شعيا وقت ~~خدمته له ، وادعى النبوة في المجوس وعمل لهم الكتاب الذي قدمنا ذكره ، وزعم ~~أنه أنزل عليه من السماء ، وجعل كلامه فيه يدور على نيف وسبعين حرفا ، فلم ~~يقدر أحد منهم على قراءته فاختصره لهم وسمى مختصره الزند . فلما قام ماني ~~بدين الثنوية سمته المجوس زندين وسموا أصحابه الزنادنة لأنه PageV15P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" زاد في شرعهم الذي شرعه لهم زرادشت ، فقتل ~~بهرام هذا مانيا وصلبه على باب من أبواب مدينة من مدنه بالعراق ؛ فيدعى ذلك ~~الباب إلى آخر وقت باب ماني ، وكانت مدة ملك بهرام ثلاثا وثلاثين سنة ~~وثلاثة اشهر . ثم ملك بعده ابنه بهرام بن بهرام . قال : ولما ملك أقبل في ~~أول ملكه على اللهو والصيد والنزه ، وترك ملكه لا يفكر فيه ولا في رعيته ، ~~فخربت البلاد ونقصت بيوت الأموال . فلما كان في بعض الأحيان ركب إلى بعض ~~متنزهاته وصيده فجنه الليل وهو يسير نحو المدائن ، وكانت ليلة ms2948 قمراء . فدعا ~~بالموبذ لأمر خطر بباله ، والموبذ عند المجوس كالقسيس عند النصارى ، فجعل ~~يحادثه فتوسطا في مسيرهم بين خرابات كانت من أمهات الضياع فخربت في ملكه ، ~~وإذا بوم يصيح وآخر يجاوبه ، فقال الملك : أترى أحدا من الناس أعطي فهم ما ~~يقول هذا الطائر ؟ فقال الموبذ : أنا أيها الملك ممن خصه الله تعالى بذلك . ~~قال : فما يقول هذا الطائر ، وما يقول الآخر ؟ فقال الموبذ : هذا بوم ذكر ~~يخاطب بومة أنثى ويقول : متعيني من نفسك حتى يخرج من بيننا أولاد يسبحون ~~الله تعالى . فأجابته البومة : إن الذي دعوتني إليه هو الحظ الأكبر ، ~~والنصيب الأوفر ، إلا أنني أشترط عليك شرائط . فقال : وما هي ؟ فقالت : أن ~~تقطعني من خرابات أمهات الديار عشرين قرية مما خربت في أيام هذا الملك ~~السعيد . فقال له الملك : فما الذي قال الذكر ؟ قال الموبذ : كان من قوله ~~لها : إن دامت أيام هذا الملك السعيد أقطعتك منها ألف قرية ، فما تصنعين ~~بها ؟ قالت : في اجتماعنا ظهور النسل وكثرة الولد ، فنقطع كل واحد من ~~الأولاد ضيعة . فقال الذكر : هذا سهل ما حيي الملك . فلما سمع الملك هذا ~~الكلام من الموبذ عمل في نفسه وفكر فيما خوطب به ، فنزل من ساعته وخلا ~~بالموبذ وقال له : ما هذا الكلام الذي خاطبتني به ؟ فقد حركت مني ما كان ~~ساكنا . فقال : صادفت من الملك وقت سعد بالعباد والبلاد ، فجعلت الكلام ~~مثلا وموقظا على لسان الطائر عند سؤال الملك إياي . فقال له الملك : أيها ~~الناصح للملك ، المنبه على ما أغفله من أمور ملكه ، وأضاعه من أمور بلاده ~~ورعيته ، اكشف لي عن هذا الغرض ما المراد منه . فقال له : أيها الملك إن ~~الملك لا يتم إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته ، ولا قوام للشريعة إلا ~~بالملك ، ولا عز للملك إلا PageV15P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" بالرجال ، ولا قيام للرجال إلا بالمال ، ولا ~~سبيل للمال إلا بالعمارة ، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل ، والعدل هو ~~الميزان المنصوب بين البرية ، نصبه الرب وجعل له قيما وهو الملك . قال : ~~أما ما وصفت فحق ، فأبن ms2949 لي عما إليه تقصد ، وأوضح لي في البيان . قال : نعم ~~أيها الملك عمدت إلى الضياع فأقطعتها الخدم وأهل البطالة فعمدوا إلى ما ~~تعجل من غلاتها فاستعجلوا المنفعة وتركوا العمارة والنظر في العواقب وما ~~يصلح الضياع ، وسومحوا في الخراج لقربهم من الملك ، ووقع الحيف على الرعية ~~وعمار الضياع فانجلوا عن ضياعهم ، وقلت الأموال ، وهلكت الجند والرعية ، ~~وطمع في ملك فارس من طمع فيه من الملوك والأمم ، لعلمهم بانقطاع المواد ~~التي بها تستقيم دعائم الملك . فلما سمع الملك ذلك أقام في موضعه ثلاثة ~~أيام ، وأحضر الوزراء والكتاب وأرباب الدواوين ، فانتزعت الضياع من أيدي ~~الخاصة والحاشية وردت إلى أربابها ، وحملوا على رسومهم السالفة ، وأخذوا ~~بالعمارة ، وقوى نم ضعف منهم ، وعمرت البلاد ، وكثرت الأموال ، وقويت الجند ~~، وانتظم ملكه حتى كانت أيامه تدعى بالأعياد ، لما عم الناس من الخصب ، ~~وشملهم من العدل . وكان ملكه سبع عشرة سنة . ثم ملك ابنه بهرام بن بهرام بن ~~بهرام البطل ، وكان يدعى شكان شاه ، وهو الذي يقال له شاهنشاه . فكان ملكه ~~أربعين سنة وأربعة اشهر . ثم ملك بعده أخوه نرسي بن بهرام الثاني فكان ملكه ~~تسع سنين . وقيل سبع سنين وخمسة اشهر . ثم ملك بعده ابنه هرمز بن نرسي . ~~قال : فظا إلا أنه كان يرفق بالرعية ، وكان حسن السيرة فيهم . وكان ملكه ~~سبع سنين وخمسة أشهر . ثم ملك بعده ابنه سابور بن هرمز ؛ وهو الملقب بذي ~~الأكتاف . وكان هرمز قد تركه حملا في بطن أمه ، فعقدوا التاج على بطنها ، ~~وقام الوزراء بتدبير الأمر مدة حملها ، وفي مدة رضاع سابور وطفولته وصغره ~~حتى كبر ؛ فكتب إليه الناس الكتب من الآفاق وأجابهم ، ووجه البريد إلى ~~الآفاق والأطراف ، ورتب الوزراء والكتاب وقرر العمال . PageV15P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" قال : وكان قد شاع في الممالك أن ملك الفرس ~~صغير السن ، وأنه يتدبر برأي وزرائه ، ولا يدري ما يراد منه ، ولا ما يكون ~~من الأمر ، فطمع في مملكة الفرس الترك والروم والعرب . وكانت أدنى بلاد ~~الأعداء إلى الفرس بلاد العرب . وكانت العرب من أحوج الأمم إلى ms2950 تناول شيء ~~من المعاش لسوء حالهم وشظف عيشهم ، فانبسطت أيديهم في البلاد وغلبوا أهلها ~~عليها واتسعت حالهم وكثرت مواشيهم ، وأفسدوا في بلاد فارس ، ومكثوا كذلك ~~حينا ، وقد أمنوا جانب الفرس واطمأنوا من قتالهم لقلة هيبتهم . وكان الذي ~~غلب على سواد العراق من العرب جمرة العرب ولد إياد بن نزار . وكان يقال لها ~~طبق لإطباقها على البلاد ، وملكها يومئذ الحارث بن الإر الإيادي . قال : ~~ولما ترعرع سابور جعل الوزراء يعرضون عليه أمر الجنود الذين في الثغور ، ~~وأن الأخبار وردت عليهم أن أكثرهم قد أخل ، عظموا عليه الأمر وهولوه ، فقال ~~لهم : لا يهولنكنم ذلك ، فالخطب فيه غير جسيم ، والحيلة في ذلك يسيرة . ~~وأمر الكتاب أن يكتبوا إلى أولئك الجنود أنه قد انتهى إلى طول مكثكم في ~~النواحي التي أنتم فيها ، وعظم عنائكم وذبكم عن إخوانكم وأوليائكم ، فمن ~~أحب منكم الانصراف إلى أهله فلينصرف مأذونا له في ذلك ، ومن أحب أ ، يستكمل ~~الفضل بالصبر في موضعه عرفنا له ذلك ؛ وتقدم إلى من اختار الانصراف منهم ~~بلزوم أهله وبلاده إلى وقت الحاجة إليه . فلما سمع الوزراء قوله ورأيه ~~استحسنوه وقالوا : لو كان هذا قد أطال تجربة الأمور وسياسة الجنود ما زاد ~~على ما سمعناه . ثم تتابعت آراؤه في تقويم أصحابه وقمع أعدائه ؛ حتى إذا ~~تمت له ست عشرة سنة جمع أسورته وأمرهم بالاستعداد لقتال العرب . وكانت إياد ~~تصيف بالجزيرة وتشتو بالعراق . وكان في جيش سابور رجل منهم يقال له لقيط ، ~~فكتب إلى إياد شعرا بنذرهم وهو : سلام في الصحيفة من لقيط . . . إلى من ~~بالجزيرة من غياد بأن الليث آتيكم دليفا . . . فلا يحبسكم سوق النقاد أتام ~~منهم سبعون ألفا . . . يزجون الكتائب كالجراد PageV15P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" فلم يعبئوا بكتابه ، وسراياهم تكر نحو العراق ~~وتغير على السواد . فلما تجهز القوم نحوهم ظفر بهم سابور فعمهم بالقتل ، ~~وما أفلت منهم إلا نفر لحقوا بأرض وبار ، وخلع سابور أكتاف كثير منهم ، ~~فلذلك سمي ذا الأكتاف . وكان سابور في مسيره أتى البحرين وفيها بنو تميم ~~فهربوا ، وشيخها يومئذ عمرو بن ms2951 تميم بن مرة وعمره ثلثمائة سنة ، وكان يعلق ~~في عمود البيت في قفة ، فأرادوا حمله فأبى عليهم إلا أن يتركوه في ديارهم ~~وقال لهم : أنا هالك اليوم أو غدا فتركوه . فلما صبحت خيل سابور الديار ~~لقوها خالية ، فلما سمع عمرو صهيل الخيل جعل يصيح بصوت ضعيف ، فحمل إلى ~~سابور ، فلما نظر إلى دلائل الهرم ومرور الأيام عليه قال له : من أنت أيها ~~الفاني ؟ قال : أنا عمرو بن تميم بن مرة ، قد بلغت من الكبر ما ترى ، وقد ~~هرب الناس منك لإسرافك في القتل ، فآثرت الفناء على يديك ليبقى من بقى من ~~قومي ، ولعل الله يجري على يديك فرجهم ، وأنا سائلك عن أمر إن أذنت فيه ؛ ~~فقال سابور : قل نسمع ؛ فقال ماالذي حملك على قتل رعيتك من رجال العرب ؟ ~~فقال سابور : أقتلهم لما ارتكبوا في بالدي وأهل مملكتي ؛ فقال عمرو : فعلوا ~~ذلك ولست بقيم عليهم ؛ فلما ملكت وقفوا عما كانوا عليه من الفساد هيبة لك ؛ ~~قال سابور : وأقتلهم لأنا نجد في مخزون علمنا وما سلف من أبناء أوائلنا أن ~~العرب ستدال علينا . فقال عمرو : هذا أمر تظنه أم تتحققه ؟ قال : بل أتحققه ~~ولا بد أن يكون ؛ فقال عمرو : فلم تسيء إليها ؟ والله لئن تبقي عليها وتحسن ~~إليها ليكافئون قومك عند إدالة الدولة إليهم بإحسانك ، وإن أنت طالت بك ~~المدة كافئوك عند مصير الأمر إليهم إن كان حقا ، وإن كان باطلا فلم تتعجل ~~الإثم وتسفك دماء رعيتك ؟ فقال سابور : الأمر صحيح والحق ما قلت ، ولقد ~~صدقت في القول ونصحت . فنادى منادي سابور بأمان الناس ورفع السيف . ويقال ~~إن عمرا بقي بعد هذا الوقت ثمانين سنة . ثم سار سابور إلى أرض الروم ففتح ~~المدن وقتل خلائق من الروم وقال لمن معه : إني أريد أن أدخل بلاد الروم ~~متنكرا لأتعرف أحوالهم وسيرهم ومسالك بلادهم ، فإذا بلغت من ذلك حاجتي ~~انصرفت إلى بلدي فسرت إليهم بالجنود ؛ فحذروه التغرير بنفسه فلم يقبل قولهم ~~. وسار متنكرا إلى أرض القسطنطينية فصادف وليمة لقيصر PageV15P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" اجتمع فيها ms2952 الخاص والعام ، فدخل في جملتهم ~~وجلس على بعض موائدهم ، وقد كان قيصر أمر مصورا أتى عسكر سابور فصوره وجاء ~~إلى قيصر بالصورة ، فأمر بها فصورت على آنية الشراب من الذهب والفضة ، وأتى ~~بعض من كان على المائدة التي عليها سابور بكأس ، فنظر بعض الخدم إلى الصورة ~~التي على الكأس ، وسابور مقابل له ، فانطبعت مثالا لصورة سابور ، فقام إلى ~~الملك فأخبره ، فمثل بين يدي الملك ، فسأله عن خبره فقال : أنا من أساورة ~~سابور وهربت منه لأمر خفته منه . فلم يقبل ذلك منه ، وقدم إلى السيف فأقر ~~بنفسه ، فجعل في جلد بقرة ، وسار قيصر في جنود حتى توسط العراق ، فافتتح ~~المدن ، وشن الغارات ، وعقر النخل ، وانتهى إلى مدينة نيسابور ، وقد تحصن ~~بها وجوه فارس ، فنزل عليها وحضر عيدا للنصارى فأغفل الموكلون بسابور أمره ~~، وأخذ منهم الشراب ، وكان بالقرب من سابور أساري من الفرس ، فراطنهم ~~بالفارسية أن يحل بعضهم بعضا ، وأمرهم أن يصبوا عليه زقاق الزيت ففعلوا ، ~~فلان عليه الجلد وتخلص ، وأتى المدينة فراطنهم فرفعوه بالحبال ، ففتح خزائن ~~السلاح وخرج على الروم فكبس جيشهم عند ضرب النواقيس ، فانهزم الروم ، وأتى ~~بقيصر أسيرا ، فأبقى عليه وضم إليه من اسر من أصحابه ، وأخذهم بغرس الزيتون ~~بالعراق بدلا من النخل التي عقروها ؛ ولم يكن الزيتون بالعراق قبل ذلك . ~~وفي فعل سابور ودخوله إلى أرض الروم يقول بعض شعراء الفرس : وكان سابور ~~صفوا في أرومته . . . اختير منها فأضحى خير مختار إذ كان بالروم جاسوسا ~~يجول بها . . . حوم المنية من ذي كيد مكار فتسأسروه ، وكانت كبوة عجبا . . ~~. وزلة سبقت من غير عثار وأصبح الملك الرومي مغتربا . . . أرض العراق على ~~هول وأخطار فراطن الفرس بالأبواب فافترقوا . . . كما تجاوب أسد الغاب ~~بالغار فجذ بالسيف أصل الروم فامتحقوا . . . لله درك من طلاب أوتار إذ ~~يغرسون من الزيتون ما عضدوا . . . من النخيل وما حفوا بمنشار PageV15P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" وسابور هذا هو الذي بنى الإيوان المعروف ~~بإيوان كسرى ، وبنى السوس والكرج ونيسابور . قال صاحب كتاب تجارب الأمم : ~~وبنى بالسواد مدينة نرجس سابور ، وبنى ms2953 الأنبار . قال : وبنى مدائن أخر ~~بالسند وسجستان ، ونقل طبيبا من الهند وأسمنه السوس ، فورث أهل السوس . ~~وهلك سابور بعد اثنتين وسبعين سنة من ملكه . ثم ملك بعده أردشير بن هرمز ~~وهو أخو سابور بن هرمز هذا . قال : ولما ملك ظهر منه شر كثير وقتل من ~~العظماء وذوي الرياسة خلقا كثيرا ، فاجتمع الناس على خلعه فخلعوه بعد أن ~~ملك أربع سنين . ثم ملكوا عليهم بعده سابور بن سابور . قال : ولما ملك ~~استبشرت الرعية برجوع ملك أبيه إليه ، فأحسن السيرة ورفق بالرعية . وكانت ~~له حروب كثيرة مع إياد بن نزار وغيرها من العرب ، وفيه يقول شاعر إيادي : ~~على رغم سابور بن سابور أصبحت . . . قباب إياد حولها الخيل والنعم وكان ~~ملكه خمس سنين وأربعة أشهر ، وسقط عليه فسطاط كان ضرب عليه فمات . وملك ~~بعده أخوه بهرام بن سابور ذي الأكتاف ، وهو الملقب كرمان شاه ؛ لأن سابور ~~كان ولاه كرمان . قال : وكان حسن السيرة ، جميل السياسة ، محمود الأثر ، ~~محببا للرعية . وكان ملكه عشر ينين . وقيل إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر ~~وثمانية عشر يوما . وملك بعده ابنه يزدجرد بن بهرام المعروف بالأثيم . قال ~~: وكان فظا غليظا ، ذا عيوب كثيرة ، وكان من أشد عيوبه وضعه ما آتاه الله ~~من ذكاء ذهن وحسن أدب في غير موضعهما ؛ وذلك أنه كان كثير الروية في المضار ~~ن الأمور ، واستعمل الذي PageV15P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" أوتيه في الدهاء والحيل ، واستخف بكل علم كان ~~من عند الناس ، واحتقر آدابهم وتعاظم عليهم واستطال بما عنده . وكان معجبا ~~بنفسه سيء الخلق ، حتى بلغ من شدته وحدته انه كان يستعظم صغار الزلات ، ولا ~~يرضى في عقوبتها إلا بما لا يستطاع . وكان لا يقدر أحد من بطانته - وإن كان ~~لطيف المنزلة منه - أن يشفع عنده لمن ابتلى به وإن كان ذنب المبتلى به ~~يسيرا ، ولم يكن يأتمن أحدا على شيء ألبتة ، ولا يكافئ على حسن البلاء ، ~~وكان يعتد بالخسيس من المعروف إذا أولاه ويستجزل ذلك ، فإن جسر على كلامه ~~أحد في أمر قال له : ما قدر ms2954 جعالتك في هذا الأمر الذي كلمتنا فيه ، وماالذي ~~بذل لك بسببه ؟ وما أشبه ذلك . فلما اشتدت بلية الناس به ، وكثرت إهانته ~~للعظماء ، وأكثر من سفك الدماء ، واستعمل الضعفاء في الأعمال الشاقة وحملهم ~~ما لا طاقة لهم به ، تضرعوا إلى الله عز وجل وسألوه أن ينقذهم منه . فزعم ~~الفرس أنه كان ذات يوم مطلعا من قصره غذ رأى فرسا عائرا لم ير مثله قط في ~~الخيل من حسن الصورة وتمام الخلقة حتى وقف على بابه ، فتعجب الناس من ذلك ، ~~فأمر يزدجرد أن يسرج ويلجم ويدخل عليه به ، فحاول السواس وأصحاب المراكيب ~~أن يلجموه أو يسرجوه فعجزوا عن ذلك ، ولا مكنهم الفرس من نفسه ، فخرج ~~يزدجرد بنفسه إلى الفرس وتقدم إليه وأسرجه وألجمه ولببه وهو لم يتحرك ، ~~فلما استدار ورفع ذنبه ليثفره رمحه الفرس على فؤاده رمحة فهلك منها لساعته ~~، ثم لم يعاين الفرس بعد ذلك ؛ فأكثرت الفرس في حديثه فظنوا الظنون . وكان ~~أحسنهم مذهبا أمثلهم طريقه من قال : إنما استجاب الله عز وجل دعاءنا . فكان ~~ملكه إلى أن هلك إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما . وقيل اثنتين ~~وعشرين سنة غير شهرين . قال : وكان ابنه بهرام جور في حجر النعمان بن ~~المنذر بن ماء السماء أسلمه أبوه إليه ليربيه بالحيرة لصحة هوائها . وقد ~~تقدم خبره في ذكر بناء الخورنق PageV15P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" والسدير . فعدل الفرس عنه لسوء أثر يزدجرد ~~فيهم وملك عليهم كسرى ، وهو رجل من عترة ساسان ، فاستعان بهرام جور بالعرب ~~وأرسل إلى الفرس وأعلمهم إنكارة سيرة أبيه ، ووعدهم بإصلاح ما فسد ، وأنه ~~مضى لملكه سنة ولم يف لهم بما بذل تبرأ من الملك طائعا ، فمال إليه قوم ~~وبقيت طائفة مع كسرى ، فتراضوا أو يوضع تاج الملك بين أسدين مشبلين فمن ~~تناوله فهو الملك . وكان بهرام جور شجاعا بطلا ، فلما وقف هو وكشرى وعصر ~~جنبيه بفخذيه ، فلام تمكن منه قبض على أذنيه ، ولم يزل يضرب راس الأسد براس ~~الآخر حتى قتلهما . فكان كسرى أول من هتف به وأذعن له ms2955 . فملك بهرام جور بن ~~يزدجرد ؛ فأحسن السيرة ، وجلس سبعة أيام متوالية للجند والرعية ، يعدهم ~~الخير من نفسه ويحضهم على تقوى الله وطاعته . وكان جلوسه على سرير الملك ~~وهو ابن عشرين سنة ، فغبر زمانا وهو يحسن السيرة ، ويعمر البلاد ، ويدر ~~الأرزاق ، ثم آثر اللهو على ذلك وكثرت خلواته بأصحاب الملاهي حتى كثرت عليه ~~الملامة من أرباب دولته ، وطمع من حوله من الملوك في استباحة بلاده والغلبة ~~على ملكه . وكان أول من سبق إلى مغالبته ومكاثرته خاقان ملك الترك ، وغزاه ~~في مائتي ألف وخمسين ألفا من الأتراك ، فبلغ الفرس إقبال الترك في هذه ~~الجموع العظيمة فهالهم ذلك ، ودخل على بهرام جور جماعة من عظماء الفرس وأهل ~~الرأي والنجدة وقالوا : أيها الملك ، قد أرهقك من بائقة عدوك ما يشغلك عما ~~أنت فيه من اللهو والتلذذ ، فتأهب له لئلا يلحقك منه أمر يلزمك فيه مسة ~~وعار . وكان بهرام لثقته بنفسه ورأيه يجيب القوم بأن يقول : الله ربنا قوي ~~ونحن أولياؤه . ثم يقبل على ما هو عليه من اللهو والصيد . قال : ثم اظهر ~~بهرام جور التجهز إلى أذربيجان ليتنسك في بيت نارها ، ويتوجه منها إلى ~~أرمينية ويتصيد في آجامها ، وسار في سبعة رهط من عظماء الفرس وأهل البيوتات ~~. وثلثمائة رجل من رابطته ذوي باس وشدة ونجدة ، واستخلف أخا له يقال له ~~نرسي على ملكه ، فما شك الناس - لما بلغهم ذلك - أنه هرب من خاقان ، فتآمر ~~الفرس في مراسلة خاقان والانقياد إلى طاعته والإقرار له بالخراج ؛ فخافة ~~منه أن PageV15P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" يستبيح بلادهم ، فاتصل هذا الخبر بخاقان ~~فاطمأن وترك التحفظ والاستعداد وآثر المسالمة . وتعرف بهرام خبر خاقان وحال ~~جنده وما هم عليه من الطمأنينة والفتور وعدم الاستعداد ، فسار بمن معه وبيت ~~خاقان وقتله بيده . فلما علم الأتراك أن ملكهم خاقان قد قتل انهزموا لا ~~يلوون على شيء وخلفوا أثقالهم وأموالهم . فأكثر بهرام فيهم القتل وأمعن في ~~طلبهم ، وحاز غنائم لم يسمع بمثلها ، وسبى من ذريتهم كثيرا . وكان مما غنمه ~~تاج خاقان وإكليله ، وغلب على بلاد ms2956 الترك وانصرف بالظفر والغنائم ، وكتب ~~إلى أهل مملكته يعلمهم بما حصل له من الظفر بخاقان وجموعه بمن كان معه من ~~أولئك القوم الذين ستصحبهم معه . وكان بهرام يتكلم بلغات كثيرة ، منها ~~اللغة العربية . ومما حفظ من شعره يوم ظفره بخاقان : أقول لما فضضت جموعه . ~~. . كأنك لم تسمع بصولات بهرام وأني حامي ملك فارس كلها . . . وما خير ملك ~~لا يكون له حامي ومن شعره أيضا : لقد علم الأنام بكل أرض . . . بأنهم قد ~~أضحوا لي عبيدا ملكت ملوكهم وقهرت منهم . . . عزيزهم المسود والمسودا فتلك ~~أسودهم تبغي حذارى . . . وترهب من مخافتي الرودا وكنت إذا تشاوس ملك أرض . ~~. . غبأت له الكاتب والجنودا فيعطيني المقادة أو أوافي . . . به يشكو ~~السلاسل والقيودا قال : ولما قتل خاقان بعث بهرام أحد قواده إلى ما وراء ~~النهر فغزاهم وأقروا لبهرام بالعبودية وأداء الجزية . قال : وأسقط بهرام ~~جور عن رعيته إثر هذا الظفر خراج ثلاث سنين ، وترك ما كان قد بقي من الخراج ~~ولم يستخرج من قسط تلك السنة ، وكان سبعين ألف ألف درهم ، وقسم في الفقراء ~~مالا عظيما وفي أهل البيوتات والأحساب عشرين ألف ألف درهم ؛ ونحل بيت النار ~~بأذربيجان جميع ما غنمه من الترك من اليواقيت والجواهر والتاج والإكليل . ~~ويقال إن بهرام دخل إلى أرض الهند متنكرا فمكث حينا لا يعرف حتى بلغه أن ~~فيلا قد هاج وقطع السبل وأهلك الناس ، PageV15P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" فسألهم أن يدلوه عليه ، فرفع أمره إلى الملك ~~فأرسل معه رسولا ، فلما انتهى إليه أوفى الرسول على شجرة لينظر ما يصنع ~~بهرام مع الفيل ، فصرخ بالفيل فخرج إليه ، فجعل يرميه ويثبت النشاب بين ~~عينيه ، ثم دنا وأخذ بمشفره وجذبه جذبة خر منها الفيل ، ثم احتز رأسه وأقبل ~~به إلى الملك فحباه وأحسن إليه . ثم إن ملكا من أعداء ذلك الملك أقبل لغزوه ~~فجزع ذلك الملك من كثرة جنود الملك الذي أتى نحوه ، فقال له بهرام : لا ~~يهولنك أيها الملك أمره ؛ فركب بهرام وقال السورة الهند : احموا ظهري ، ~~وانظروا إلى عملي ، وكانوا لا يحسنون الرمي ms2957 ، وأكثرهم رجالة ، فحمل عليهم ~~حملة هدهم بها ، ثم جعل يضرب الرجل فيقطعه نصفين ، ويأتي الفيل فيضرب مشفره ~~ويكبه ويأخذ من عليه فيقتله ، ويأخذ الفارس فيذبحه على قربوس سرجه ، ~~ويتناول الرجلين فيضرب أحدهما بالآخر فيموتان جميعا ، ويرمي فلا تقع له ~~نشابة إلا في رجل ، فولوا أمامه منهزمين ، وحمل الذين كانوا يحرسون ظهره ~~عليهم فأكثروا القتل فيهم ، فزوجه ملك الهند بنته ونحله الديبل ومكران وما ~~يليهما من ارض السند وأشهد له بذلك ، وانصرف بهرام جور إلى مملكته وضم ذلك ~~إلى بلاده وحمل خراجها إليه ، ثم أغزى بهرام جور أخاه نرسي إلى بلاد الروم ~~في أربعين فدخل القسطنطينة وهادن ملك الروم على إتاوة يحملها إلى أخيه . ثم ~~مضى بهرام جور إلى أرض السودان على طريق اليمن فأوقع بهم وعاد إلى مملكته ~~وهلك بعد ذلك في ماء . وذلك أنه توجه إلى الصيد فشد على عير وأمعن في طلبه ~~، فارتطم في ماء في سبخة فغرق فيه ، فسارت أمه إلى ذلك الموضع بمال عظيم ~~ونزلت بالقرب منه ، وأمرت بإنفاق تلك الأموال على من يخرجه ، فنقلوا طينا ~~عظيما وحمأة كثيرة حتى صار من ذلك آكاما عظاما ولم يقدروا على استنقاذ جثته ~~. وكان ملكه ثلاثا وعشرين سنة . PageV15P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" وحكى عنه في صغره ما يدل على نباهته ، وجودة ~~فكرته وجميل رأيه . فمن ذلك أنه قال للنعمان بن المنذر لما بلغ خمس سنين : ~~أحضر لي مؤدبين ليعلموني الكتابة والفقه والرمي والفروسية . فقال له المنذر ~~: إنك بعد صغير السن ، ولم يأن لك ذلك بعد . فقال له بهرام : أما تعلم أيها ~~الرجل أني من ولد الملوك ، وأن الملك صائر إلي ، وأولى ما كلف به الملوك ~~وطلبوه صالح العلم ؛ لأنه زين لهم وركن ، وبه يعرفون . أما تعلم أن كل ما ~~يتقدم في طلبه ، ينال في وقته ، وما لم يتقدم فيه ويطلب في وقته ، ينال في ~~غير وقته ، وما يفرط فيه وفي طلبه يفوت ولا ينال ؟ عجل علي بما سألتك . ~~فبعث المنذر من ساعته إلى باب الملك من أتاه برهط من المعلمين ms2958 الفقهاء ~~والرماة ، وجمع له حكماء الروم وفارس وغيرهم ، وألزمهم إياه ، ووقت أوقاتا ~~لكل منهم ؛ فتعلم بهرام من كل علم أحسنه ، وسمع الحكمة ووعى ما سمع منها ، ~~وثقف كل ما علم بأيسر شيء ، وبلغ أربع عشرة سنة ، وقد فاق معلميه ، وحفظ ~~للنعمان حق التربية ، فملكه على العرب لما صار الملك إليه . ولما هلك بهرام ~~ملك بعده ابنه يزدجرد بن بهرام جور ؛ فسار بسيرة أبيه ؛ ولم يزل قامعا ~~لعدوه ، كثير الرفق برعيته . وكان له ابنان أحدهما يسمى هرمز ، والآخر ~~فيروز . ودام ملك يزدجرد تسع عشرة سنة ، وقيل ثماني عشرة سنة وأربعة اشهر ~~وثمانية عشر يوما ثم هلك . فتغلب على الملك بعده ابنه هرمز بن يزدجرد . ~~ولما ملك هرمز هرب منه فيروز ولحق ببلاد الهياطلة ، وأخبر ملكها بقصته وقصة ~~أخيه هرمز ، وذكر أنه أحق منه بالملك ، وسأله أن يمده بجيش يقاتل به أخاه ، ~~فأبى عليه ملك الهياطلة وقال : سأعلم خبره ثم آمرك بعد ذلك بما تفعل . وكشف ~~ملك الهياطلة عن خبر هرمز وتعرف أحواله فبلغه أنه غشوم ظلوم ؛ فقال عند ذلك ~~: إن الجور لا يرضاه الله تعالى ، ولا يصلح عليه الملك ، ولا تقوم به ~~سياسته ؛ وأمد فيروز بالعساكر ودفع له الطالقان ؛ فأقبل فيروز من عنده بجيش ~~طخارستان وطوائف خراسان ، فظفر بأخيه فحبسه . PageV15P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" وملك فيروز بن يزدجرد . ولما ملك أظهر العدل ~~وحسن السيرة ، وكان يتدين إلا أنه كان مشئوما على رعيته ، فقحط الناس في ~~زمانه سبع سنين ، فأحسن فيها إلى الناس ، وقسم ما في بيوت الأموال . ويقال ~~: إن الأنهار غارت في مدة القحط ، وكذلك القنى والعيون ، وقحلت الأشجار ~~والغياض ، وهلكت الوحوش والطير ، وجاعت الدواب حتى كادت لا تطيق الحمولة ، ~~وعم أهل البلاد الجهد والمجاعة ، فبلغ من حسن سياسة فيروز لهذا الأمر أن ~~كتب إلى جميع الرعية : أنه لا خراج عليكم ولا جزية ولا سحرة ، وانه قد ~~ملكهم أنفسهم ، وأمرهم بالسعي فيما يقوتهم ويصلحهم ، وكتب بإخراج ما في ~~المطامير من الأطعمة وقسمها في الناس ، وترك الاستئثار عنهم وتساوى بهم ، ~~وأخبر أهل الغنى ms2959 والشرف ، بكل مدينة وقرية ، أنه إن بلغه إنسانا مات جوعا ~~عاقب أهل تلك المدينة أو الجهة التي يموت بها ، وينكل بهم أشد النكال . ~~فقيل إنه لم يهلك في هذا القحط والمجاعة من رعيته إلا رجل واحد من رستاق . ~~قال : ثن أغاثه الله فأمطرت السماء ، وجرت الأنهار ونبعت العيون ، وصلحت ~~الأشجار ، وسمنت المواشي ؛ فاستوثق له الملك ، وأخذ في غزو أعدائه وقهرهم . ~~وبنى مدنا إحداها بين جرجان وباب صول وأخرى بناحية أذربيجان . ثم سار ~~بجنوده نحو خراسان لقصد حرب أخشوار ملك الهياطلة لأشياء كانت في نفسه ولأن ~~الهياطلة كانوا يأتون الذكران ويركبون الفواحش فسار إليهم ؛ فلما بلغ ~~أخشنوار ملك الهياطلة خبره خافه واشتد رعبه منه ، وعلم أنه لا طاقة له به ، ~~وأن جيشه كبير السن من أهل بلاده وقال : أنا أفدي الملك وأهل مملكته ينفسي ~~، فليأمر الملك بقطع يدي ورجلي ويؤثر في جسدي آثار العقوبة بضرب السياط ، ~~ويلقني في الطريق التي يمر فيروز بها ، ويحسن إلى ولدي وعيالي الذين أخلفهم ~~؛ ففعل له ذلك وأمر بإلقائه في الطريق . فلما مر به فيروز أنكر حاله ، ~~فأخبره أن أخسنوار فعل به ذلك لأنه أشار عليه بالانقياد إلى PageV15P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" طاعة فيروز والإقرار بعبوديته ، وأن يحمل ~~إليه من الأموال والتحف ما يرضيه ؛ فرق له الملك فيروز ورحمه وأمر بحمله ~~معه ، فنهاه أكابر قومه عن تقريبه فلم يرجع إليهم ، ثم قال له ذلك الأقطع ~~كالمتنصح له : أنا أدل الملك على طريق مختصر تدخل منه في مفازة إلى بلاد ~~أخشنوار ، فتصادف غرته ؛ وسأله أن يشفى له منه . فاغتر فيروز بذلك ؛ وأخذ ~~الأقطع بفيروز ومن معه وعدل بهم عن الطريق الجادة وشرع يقطع بهم مفازة بعد ~~مفازة . فلما شكوا العطش مناهم بقرب الماء وقطع المفازة . ولم يزل يتقدم ~~بهم حتى بلغ بهم موضعا علم أنها لايقدرون فيه على التقدم ولا الرجوع ، ~~فتبين لهم أمره ، فعندها سقط في أيدي القوم وقالوا لفيروز : ألم ننهك عن ~~هذا الرجل فلم تنته ؟ فهلك أكثر أصحابه من العطش ، ومضى على وجهه بمن نجا ms2960 ~~معه ؛ فوافى أخشنوار وقومه ؛ وهو من نجا معه على سوأ حال ، وقد أجهدهم ~~العطش ، فدعوا أخشنوار إلى الصلح على أن يخلي سبيلهم وينصرفوا إلى بلادهم ، ~~وعاهدوه على ألا يغزوهم أبدا ، فرضي أخشنوار بذلك وحصل اتفاقهما على أن ~~يجعلا بينهما حذا لا يتجاوزه واحد منهما ، ووضع عند الحد حجر ، وحلفه ~~أخشنوار أنه لا يتجاوز ذلك الحجر ، فحلف له وأخذ عليه العهود والمواثيق ~~وأطلقه أخشنوار ، فعاد فيروز إلى بلاده . فلما سار إلى مملكته داخلته ~~الحمية وحملته الأنفة على محاربة أخشنوار والغدر به ، فنهاه أهل مملكته عن ~~ذلك وقبحوا عليه نقض العهود والمواثيق ، فلم يرجع إلى أقوالهم وأبى إلا ~~غزوه . وسار بجيوشه حتى أتى الحد الذي بينهما والحجر الذي حلف أنه لا ~~يتجاوزه إلى بلاد الهياطلة ، فأمر فيروز بالحجر أن يصمد فيه خمسون فيلا ~~وثلثمائة رجل ، فجره أمامه وأمر العسكر ألا يتجاوز ذلك الحجر ولا يتقدم ~~الفيلة ، وزعم أنه يكون قد وفى بيمينه ولم يتجاوز ما عاهد عليه . فلما بلغ ~~أخشنوار ذلك أرسل إليه يقول : إن الله عز وجل لا يخادع ولا يماكر ونهاه عن ~~الغدر وقبحه عليه ، وهو لا يكترث بقوله ، وأحجم أخشنوار عن محاربة فيروز ~~وكرهها ، ثم أعمل الفكرة وأخذ يفكر في وجوه المكايد والمكر والخداع ، فحفر ~~حول عسكره خندقا عرضه عشرة أذرع ، وعمقه عشرون ذراعا ، وغطاه بخشب ضعيف ~~وألقى عليه التراب ، ثم ارتحل بمن معه ومضى غير بعيد ، فبلغ فيروز رحيل ~~أخشنوار بجنده من معسكره ، PageV15P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" فما شك أنه انهزم ومضى غير بعيد ، فبلغ فيروز ~~رحيل أخشنوار بجنده من معسكره ، فما شك أنه انهزم منه ، فركب في طلبه وأغذ ~~السير بجنوده - وكان مسلكهم على الخندق - فلما مروا عليه تردى فيروز وعامة ~~جنوده فيه فهلكوا عن آخرهم وعطف عليهم أخشنوار واحتوى على كل شيء كان في ~~معسكر فيروز ، وأسر موبذان موبذ وجماعة من نساء فيروز منهن دخت ابنة فيروز ~~، فكان هذا عاقبة مكره . وكان ملكه سبعا وعشرين سنة . ولما هلك تنازع الملك ~~بعده ابناه قباذ وبلاش ؛ فملك بلاش بن ms2961 فيروز ابن يزدجرد . وكان حسن السيرة ~~حريصا على العمارة ؛ وبلغ من حسن نظره انه كان لا يبلغه أن بيتا خرب وجلا ~~عنه أهله إلا عاقب صاحب القرية التي فيها ذلك البيت على تركهم إنعاش أهله ~~وسد فاقتهم حتى لا يضطرون إلى الجلاء عن أوطانهم . ثم هلك بعد أربع سنين . ~~وملك بعده أخوه قباذ بن فيروز . قال : وكان قباذ لما ملك أخوه بلاش سار إلى ~~خاقان يستنصره على أخيه ويذكر أنه أحق منه بالملك ؛ فمطله بذلك أربع سنين ~~ثم جهزه بجيش ، فلما عاد وبلغ نيسابور بلغه وفاة أخيه بلاش . وكان قباذ في ~~مسيره إلى خاقان مر على نيسابور متنكرا وتزوج بها بابنة رجل من الأسورة ~~وواقعها ، فحملت منه بأنوشروان وتركها بنيسابور ، فلما عاد في هذا الوقت ~~سأل عن الجارية فأتي بها وابنه منها أوشروان ، فتبرك بهما وفرح بابنه ، ثم ~~عاد إلى بلاد فارس وبني مدينة أرجان وحلوان وعدة مدن آخر . قال : وكان ~~لقباذ خال يقال له سوخرا وقيل فيه : ساخورا ، وكان يخلف فيروز والد قباذ ~~على مدينة الملك بالمدائن ، فجمع جموعا كثيرة من الفرس وقصد أخشنوار ملك ~~الهياطلة وحاربه وانتقم منه واستنقذ جميع من كان أسره من الفرس ومن سباه من ~~نساء فيروز ، واكثر ما كان قد احتوى عليه أخشنوار من خزائن فيروز ؛ فعظم ~~قدره عند الفرس ، وحسن فيهم أثره ، وكبرت منزلته عند بلاش ، وقباذ إلى أن ~~لم يبق بينه وبين الملك إلا مرتبة واحدة ، وتولى سياسة الأمر بحنكة وتجربة ~~؛ ومال إليه الناس PageV15P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" وأطاعوه ، واستخفوا بقباذ ولم يعبأوا بأمره ، ~~وهان عندهم فما حملت نفسه هذه الإهانة والذل ، فأخذ في التدبير على ساخورا ~~وكتب إلى سابور الرازي ، وهو الذي يقال له اللبيب ، وهو أصبهذ البلاد ، في ~~القدوم عليه بمن قبله من الجند ، فقدم بهم سابور فخاطبه قباذ في أمر خاله ، ~~فوافقه سابور عليه ، فأمره قباذ بالتلطف في هذا الأمر وكتمانه ، وإعمال ~~الحيلة وحسن التدبير فيه ، فغدا سابور على قباذ فوجد خاله ساخورا عنده ، ~~فتقدم سابور إليه وهو آمن ، فألقى ms2962 وهقا في عنقه واجتذبه وأوثقه بالحديد ثم ~~أودعه السجن ، وقتله قباذ وخافته الفرس وبعده . وفي أيام قباذ ظهر مزدق - ~~ويقال فيه : مزدك ، وتفسيره : حديد الملك ؛ وإليه تضاف المزدقية ، ويقال ~~لهم العدلية - وقال : إن الله تعالى إنما جعل الأرزاق في الأرض مبسوطة ~~ليقسمها عباده بينهم بالسوية ، ولكن الناس يظلمون ؛ واستأثر بعضهم على بعض ~~، فانضم إليه جماعة وقالوا : نحن نقسم بين الناس بالسوية ونرد على الفقراء ~~حقوقهم من الأغنياء ، ومن عنده فضل من المال والقوت والنساء والمتاع وغير ~~ذلك فليس هوله ولا أولى به من غيره ؛ فافترض السفلة ذلك واغتنموه واتبعوا ~~مزدك وأصحابه ، فقوى أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه ~~على ما فيها من ماله ونسائه ولا يستطيع أن يردهم عنه ولا يدافعهم . ورأى ~~الملك قباذ رأى مزدك وأصحابه وتابعهم فازداد قوة ، فلم يلبث الناس إلا ~~قليلا حتى صار الأب لا يعرف ولده ، ولا الولد يعرف والده ، ولا يملك أحد ~~شيئا ، وصيرت العدلية قباذ في مكان لا يصل إليه غيرهم ، فاجتمعت الفرس على ~~خلع قباذ من الملك ففعلوا ذلك . وملكوا عليهم عند ذلك جاماسف بن فيروز . ~~وهو أخو قباذ . وقيل : إن المزدكية هم الذين أجلسوه . قال : ولما جاماسف ~~قبض على أخيه قباذ وحبسه فاحتالت أخت قباذ في خلاصه . وذلك أنها أتت إلى ~~الحبس الذي هو فيه وحاولت الدخول إلى أخيها ، فمنعها الموكل به من الدخول ~~إليه ، وطمع أنه يفضحها ، وأعلمها أنه لا يمكنها من العبور إليه إلا أن ~~وافقته على قصده ، فأطعمته في نفسها وقالت : إني لا أخالفك في شيء مما ~~تهواه مني ، فمكنها من الدخول إلى السجن والاجتماع بأخيها قباذ ، فدخلت ~~إليه وأقامت عنده أياما ، ثم لفته في بساط أمرت بعض الغلمان أن يحمله فحمله ~~على عاتقه ، فلما مر الغلام بالموكل بالحبس سأله عن حمله PageV15P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" فاضطرب الغلام فلحقته وقالت : إنه فراش كنت ~~أفرشه تحتي وعركت فيه ؛ وأنها خرجت لتتطهر وتعود فصدقها ولم يمس البساط ولم ~~يدن منه استقذارا له على مذهبهم في ذلك ، فمضى الغلام ms2963 به وخرجت أخته في ~~أثره ، وهرب قباذ فلحق بأرض الهياطلة يستمد ملكها ليمده بجيش يحارب من ~~خالفه ، ويقال : إن زواجه بأم كسرى أنوشروان كان في هذه السفرة لا في تلك ، ~~وأنه تزوجها بأبرشهر ، وهي ابنة رجل من عظمائها ، وأنه رجع به وبأمه عند ~~عوده من بلاد الهياطلة . قال : وسار قباذ إلى ملك الهياطلة فأقام عنده عدة ~~سنين ، ثم عاد إلى بلاده بأمداده ، فغلب على أخيه ونزعه من الملك بعد أن ~~ملك ست سنين . ثم عاد قباذ إلى الملك ثانيا ، ولما عاد إلى الملك وجد ابن ~~ساخورا قد وثب في جماعة من أصحابه على مزدك فقتله ، فسعى به إلى قباذ فقتله ~~بمزدك . قال : ثم غزا الروم وافتتح آمد ، ثم أدبر ملكه لسوء عقيدته . وهلك ~~قباذ إثر ذلك . وكان سبب هلاكه أن الحارث بن عمرو الكندي قتل النعمان بن ~~المنذر ابن امرئ القيس ، وملك العرب وما كان ملكه النعمان ، فبعث قباذ بن ~~فيروز إلى الحارث بن عمرو يقول : إنه كان بيننا وبين الملك الذي كان قبلك ~~عهد ، وإني أحب لقاءك ، وخرج للقائه في عدد وعدة ، وجاءه الحارث والتقيا ~~بمكان ، فأمر قباذ بطبق من تمر فنزع نواه وبطبق آخر على حالته ، فوضعا بين ~~أيديهما ، وجعل المنزوع بين يدي قباذ ، والذي هو بنواه بين يدي الحارث ، ~~فجعل الحارث يأكل التمر ويلقي النوى ، وقباذ يأكل التمر ولا يحتاج إلى ~~غلقاء شيء . فقال للحارث : مالك لا تأكل كما آكل ؟ فقال الحارث : غنما يأكل ~~النوى إبلنا وغنمنا ، وعلم أن قباذ يهزأ به . ثم افترقا على الصلح على ألا ~~يجاوز الحارث وأصحابه الفرات ، إلا أن الحارث استضعف قباذ وطمع فيه . فأمر ~~أصحابه أن يعبروا الفرات ويغيروا على قرى السواد ففعلوا ذلك ، فجاء الصريخ ~~إلى قباذ وهو بالمدائن ، فكتب إلى الحارث بن عمرو أن لصوصا من العرب قد ~~أغاروا على السواد ، وأنه يحب لقاءه فلقيه ، فقال قباذ كالعاتب له : قد ~~صنعت صنيعا ما صنعه أحد قبلك ، فطمع الحارث فيه من لين كلامه وقال : ما ~~علمت بذلك ولا شعرت به ms2964 ، وإني لا أستطيع ضبط لصوص العرب ، وما كل العرب ~~PageV15P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" تحت طاعتي ، ولا أتمكن منهم إلا بالمال ~~والجنود . فقال له قباذ : فما الذي تريد ؟ قال : أريد أن تعطيني من السواد ~~ما أتخذ به سلاحا ، فأمر له بمايلي جانب العرب من أسفل الفرات ؛ وهو ستة ~~طساسيج ؛ فعند ذلك زاد طمع العرب فيه ، وأرسل الحارث بن عمرو إلى تبع وهو ~~باليمن : إني قد طمعت في ملك الأعاجم ، وقد أخذت منه ستى طساسيج ، فأجمع ~~الجنود وأقبل فإنه ليس دون ملكهم شيء ؛ لأن الملك عليهم لا يأكل اللحم ولا ~~يستحل هراقة الدماء ، وله دين يمنعه من ضبط الملك ؛ فبادر إليه بجندك وعدتك ~~، وأطعمه في الفرس . فجمع تبع جنوده وسار حتى نزل الحيرة ، وقرب من الفرات ~~، فآذاه البق ، فأمر الحارث بن عمرو أن يشق له نهر الحيرة فنزل عليه ، ووجه ~~ابن أخته شمرا ذا الجناح إلى قباذ فقاتله فهزمه شمر حتى لحق بالري ، ثم ~~أدركه بها فقتله . وملك بعده ابنه كسرى أنوشروان بن قباذ بن فيروز . ولما ~~ملك استقبل الأمر بجد وسياسة وحزم . وكان جيد الرأي ، كثير النظر ، صائب ~~التدبير ، طويل الفكر ؛ فجدد سيرة أردشير وعمل بها ، ونظر في عهده وأخذ ~~نفسه به ، وأدب رعيته وبطانته ، وبحث عن سياسات الأمم فاستصلح لنفسه منها ~~ما رضيه ، ونظر في تدابير أسلافه المستحسنة فاقتدى بها . وكان أول ما بدا ~~به أن أبطل ملة زرادشت الثاني الذي كان من أهل فسا ، وأبطل ملة المزدكية ~~وقتل على ذلك خلقا كير ، وسفك من الدماء بسبب إبطال هذين المذهبين مالا ~~يحصى كثرة ، وقتل قوما من المانوية ، وثبت ملة المجوسية القديمة ، وكتب في ~~ذلك كتبا بليغة إلى أصحاب الولايات والأصبهبذين ، وقوى ملك الفرس بعد ضعفه ~~بإدامة النظر وهجر الملاذ وترك اللهو ، وقوى جنوده بالأسلحة والأمتعة ~~والكراع ، وعمر البلاد وحفظ الأموال وثمرها ، وسد الثغور واستعاد كثيرا من ~~الأطراف التي غلب عليها الأمم . PageV15P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" قال : وأما تدبيره في أمر المزدكية وإبطال ما ~~فعلوه فإنه ضرب أعناق رؤسائهم ، وقسم أموالهم في أهل ms2965 الحاجة ، وقتل جماعة ~~كثيرة ممن عرف من الذين كانوا يدخلون على الناس في بيوتهم ، ويشاركونهم في ~~أموالهم وأهاليهم ، ورد الأموال إلى أربابها . وأمر بكل مولود اختلف فيه أن ~~يلحق بمن هو في سيمائه ، وأمر بكل امرأة غلب عليها أن يؤخذ الغالب عليها ~~حتى يغرم لها مهر مثلها ، ثم تخير المرأة بين الإقامة عنده وبين تزويج غيره ~~؛ إلا أن يكون لها زوج أول فترد إليه . وأمر بكل من أضر برجل في ماله أو ~~ظلمه أن يؤخذ منه الحق ، ويعاقب الظالم بقدر جرمه . وأمر بعيال ذوي الأحساب ~~الذين مات قيمهم فكتبوا له فأنكح بناتهم للأكفاء وجعل جهازهم من بيت المال ~~، وأنكح بينهم من بيوتات الأشراف وأغنيائهم . وأمرهم بملازمة بابه لستعين ~~بهم في أعماله ، وخير نساء والده أن يقمن مع نسائه فيواسين ويصيرن في ~~الأحرار ، ويبتغي لهن الأكفاء من البعول ، ثم أمر بكرى الأنهار وحفر القنى ~~. وأمر بإعادة كل جسر قطع ، أو قنطرة خربت أن ترد إلى أحسن ما كانت عليه ، ~~وتخير الحكام والعمال وأمرهم أن يسيروا بسيرة أردشير ووصاياه . فلما انتظمت ~~له هذه الأمور واستوثق له الملك ووثق بجنده سار نحو أنطاكية فافتتحها ، ~~وأمر أن تصور له المدينة على هيئتها وذرعها وطرقها وعدة منازلها ، وأن تبنى ~~له مدينة على صفتها إلى جانب المدائن ، فبنيت المدينة المعروفة بالرومية ، ~~ثم نقل أهل أنطاكية إليها . فلما دخلوا باب المدينة مضى كل أهل بيت إلى ما ~~يشبه منازلهم التي كانوا فيها بأنطاكية . وفتح مدينة هرقل ثم الإسكندرية ، ~~ثم أخذوا نحو الخزر ، ثم إلى الهياطلة فقتل ملكهم بفيروز ، وصاهر خاقان ملك ~~الترك ، وتجاوز بلخ وأنزل جنوده فرغانة ، وبنى باب الأبواب . وقد ذكرناه في ~~المباني القديمة . PageV15P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" ولما بنى هذا السور هابته الملوك وراسلته ~~وهادنته ؛ فورد عليه رسول ملك الروم بهدايا فنظر إلى إيوانه في ميزانه ~~اعوجاجا ، فقال : ما هذا الأعوجاج ؟ فقيل له : إن عجوزا لها منزل في جانب ~~هذا الاعوجاج فأرادها الملك على بيعه وأرغبها في الثمن فأبت ، فلم يكرهها ~~وبقي الاعوجاج على ما ترى ms2966 . فقال الرومي : هذا الاعوجاج أحسن من هذا ~~الاستواء . وكتب إليه ملك الصين : من نقفور ملك الصين صاحب قصر الدر ~~والجوهر ، الذي يخرج من قصره نهران يسقيان العود والكافور ، والذي توجد ~~رائحته على فرسخين ، والذي يخدمه بنات ألف ملك ، والذي في مربطه ألف فيل ~~أبيض ، إلى أخيه كسرى أنوشروان . وأهدى إليه هدايا عظيمة . وكتب إليه ملك ~~الهند : من ملك الهند وعظيم ملوك الشرق ، وصاحب قصر الذهب ، وأبواب الياقوت ~~والدر ، إلى أخيه كسرى أنوشروان ملك فارس ، صاحب التاج والراية . وأهدى ~~إليه هدايا ؛ منها ألف من من العود يذوب على النار كالشمع ، ويختم عليه كما ~~يختم على الشمع . وجام من الياقوت الأحمر فتحته شبر مملوء درا ، وعشرة ~~أمنان كافور كالفستق ، وجارية طولها سبعة أذرع تضرب أشفار عينيها خديها ، ~~وكأن بين أجفانها لمعان البرق مع إتقان شكلها ، مقرونة الحاجبين ، لها ~~ضفائر تجرها ؛ وفراش من جلود الحيات ألين من الحرير وأحسن من الوشي . وكان ~~كتابه في لحا الشجر المعروف بالكاذي مكتوبا بالذهب . وكتب إليه ملك التيبت ~~: من ملك التيبت ومشارق الأرض المتاخمة للصين والهند ، إلى أخيه كسرى ~~المحمود السيرة والقدر ، ملك المملكة المتوسطة في الأقاليم السبعة ، ~~أنوشروان . وأهدى إليه أنواعا مما عمل من عجائب أرض تبت ، منها مائة جوشن ~~ومائة ترس تبتية مذهبة ، وأربعة آلاف من من المسك من نوافج غزلانية . ~~واستغاث به ابن ذي يزن يستصرخه على الحبشة فبعث معه قائدا من قواده . ~~وسنورد ذلك إن شاء الله في خبر سيف بن ذي يزن . PageV15P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" ولما استتب له الأمر ووظف الوظائف على الترك ~~والخزر والهند الروم غيرهم ، نظر في الخراج وأبواب المال . وكانت رسوم ~~الناس جارية على الثلث من البقاع ، ومن بعضها الربع والخمس والسدس على حسب ~~العمارة . وكان قباذ أبوه قد مسح الأرض وهلك قبل أن يستحكم له أمر تلك ~~المساحة ؛ فجمع أنوشروان أهل الرأي فاتفقوا على أن جعلوا على كل جريب من ~~الحنطة والشعير درهما ، وعلى الجريب من الكرم ثمانية دراهم ، وعلى الرطاب ~~تسعة دراهم ، وعلى كل أربع نخلات فارسية ms2967 درهما ، وعلى كل ست نخلات دقل مثل ~~ذلك ، وعلى كل ستة أصول زستون مثل ذلك ، ولم يضعوا إلا على نخل في حديقة ، ~~أو مجتمع غير شاذ ، وتركوا فيما سوى ذلك من الغلات السبع ، وألزموا الناس ~~الجزية ما خلا أهل البيوتات والعظماء والمقاتلة والهرابذة والكتاب ، ومن ~~كان في خدمة املك ، وصيروها على طبقات : اثني عشر درهما ، وثمانية دراهم ، ~~وستة دراهم ، وأربعة دراهم ، على قدر إكثار الرجل وإقلاقه ، ولم يلزموا ~~الجزية من كان أتى له من السنين دون العشرين أو فوق الخمسين ، ورفعوا هذه ~~الوضائع إلى كسرى فرضيها وأمر بإمضائها وجباية مبلغها في ثلاثة أنجم في كل ~~سنة ، وسماها ابراسيار . ومعنى ذلك الأمر المتراضي به . وكان أنوشروان - ~~لما أراد أن يضع هذه الوضائع - أمر بإتمام المساحة التي بدا بها قباذ ، ~~وأحصى النخل والزيتون وغير ذلك ، والجماجم ؛ ثم أمر الكتاب فأخرجوا جمل ذلك ~~غير تفصيله ، وأذن للناس إذنا عاما ، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليهم الجمل ~~المستخرجة من أصناف الغلات وعدد النخل والزيتون والجماجم ، فقرأ ذلك عليهم ~~. ثم قال كسرى : إنا قد رأينا أن نضع على ما أحصى من جربان هذه المساحة ~~وضائع ، فأمر بإنجامها في السنة ثلاثة أنجم ، ونجمع في بيوت أموالنا من ~~الأموال ما لو أتانا عن ثغر من الثغور أو طرف من الأطراف فتق أو ما نكرهه ~~واحتجنا إلى تداركه أو حسمه بذلنا الأموال التي عندنا ولم نحتج إلى استئناف ~~جبايتها ، فما الذي ترون فيما رأيناه من ذلك وأجمعنا عليه ؟ فلم يشر عليه ~~أحد منهم بمشورة ، PageV15P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" ولا نطق بكلمة . فكرر كسرى عليهم القول ثلاثا ~~، فقام رجل من عرضهم وقال : أتضع أيها الملك - عمرك الله - خالدا من هذا ~~على الفاني ؟ من كرم يموت ، وزرع يهيج ، ونهر يغيض ، وعين أو قناة ينقطع ~~ماؤها . فقال له كسرى : يا ذا الكلفة المشئوم ، من أي طبقات الناس أنت ؟ ~~فقال : من الكتاب . فقال كسرى : اضربوه بالدوي ، حتى يموت ، فضربه الكتاب ~~خاصة تبرؤا منهم إلى كسرى من رأيه ، وما صدر من مقالته حتى قتلوه ms2968 . وقال ~~الناس : نحن راضون بما الزمتنا أيها الملك يه من خراج . ثم اجتمعت الآراء ~~على وضع ما ذكرناه من الوضائع ، فاستقرت على ذلك إلى أن الإسلام ، وبها أخذ ~~عمر رضي الله عنه لما فتحت بلاد فارس . ذكر قطعة من سير كسرى أنوشروان ~~وسياسته قال الشيخ أبو علي أحمد بن محمد بن مسكويه في كتابه المترجم بتجارب ~~الأمم : إنه قرا فيما كتبه أنوشروان من سيرة نفسه في كتاب عمله في سيرته ~~وما ساس به مملكته : قال كسرى : كنت يوما جالسا بالدسكرة وأنا سائر إلى ~~همذان لنصيف هناك ؛ وقد أعد الطعام للرسل الذين بالباب من قبل خاقان ~~والهياطلة والصين وقيصر ونقفور ؛ ودخل رجل من الأسورة مخترطا سيفه حتى وصل ~~إلى الستر في ثلاثة أماكن ، وأراد الدخول حيث نحن والوثوب علينا ، فأشار ~~علي بعض خدمي أن أخرج إليه بسيفي ، فعلمت انه إن كان إنما هو رجل واحد فسوف ~~يحال بيننا وبينه ، وإن كانوا جماعة فإن سيفي لا يغني شيئا ؛ فلم أخف ولم ~~أتحرك من مكاني ؛ وأخذه بعض الحرس فإذا هو رجل رازي من حشمنا وخاصتنا ، فلم ~~يشكوا أن على رأيه كثيرا من الناس ، فسألوني ألا أجلس ولا أحضر للشرب حتى ~~يستبين الأمر ، فلم أجبهم إلى ذلك لئلا ترى الرسل مني جبنا ، فخرجت لشربي ، ~~فلما فرغنا هددت الرازي بالعقوبة وقطع اليمين ، وسألته أن يصدقني عن الذي ~~حمله على ذلك ، وأنه إن صدقني لم تنله عقوبة بعد ذلك ؛ فذكر أن قوما وضعوا ~~من قبل أنفسهم كتبا وكلاما ، وذكروا PageV15P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" أنه من عند الله ، أشاروا عليه بذلك وأخبروه ~~أني إن قتلته وإن قتلني أدخل الجنة . فلما فحصت عن ذلك وجدته حقا ؛ فأمرت ~~بتخلية الرازي وبرد ما اخذ منه ، وتقدمت بضرب رقاب أولئك الذين أشاروا عليه ~~حتى لم أدع منهم أحدا . وقال انوشروان : إني لما أحضرت القوم الذين اختلفوا ~~في الدين وجمعتهم للنظر فيما يقولونه ، بلغ من جرأتهم وخبثهم وقوة شياطينهم ~~أن لم يبالوا بالقتل والموت في إظهار دينهم الخبيث ، حتى إني سألت أفضلهم ~~رجلا ms2969 على رءوس الناس عن استحلاله قتلي ، فقال : نعم ، استحل قتلك وقتل من ~~لا يطاوعنا على ديننا فلم آمر بقتله حتى إذا حضر وقت الغداء أمرت أن يحبس ~~الغداء وأرسلت إليه بطرف الطعام ، وأمرت الرسول أن يبلغه عني أن بقائي له ~~أنفع مما ذكر ؛ فأجاب الرسول إن ذلك حق ، ولكن سألني الملك أن أصدقه عن ذات ~~نفسي ولا أكتمه شيئا مما أدين به ، وغنما أدين بما أخذته من مؤدبي . قال ~~أنوشروان : لما غدر بي قيصر وغزوته فذل وطلب الصلح وأنفذ إلي بمال وأقر ~~بالخراج والفدية ، تصدقت على مساكين الروم وضعفائهم وضعفاء مزارعيهم مما ~~بعث به قيصر بعشرة آلاف دينار ، وذلك فيما وطئته من أرض الروم دون غيرها . ~~وقال : لما أمرت بتصفح أمر الرعية بنفسي ورفع البلاء والظلم عنهم ، وما ~~ينوبهم من ثقل الخراج ؛ فإن فيه مع الأجر تزيين أهل المملكة وغناهم وقدرة ~~الوالي على أن يستخرج منهم إن هو احتاج إلى ذلك - وقد كان في آبائنا من يرى ~~أن وضع الخراج عنهم السنة والسنتين والتخفيف أحيانا مما يقويهم على عمارة ~~أرضيهم - جمعت العمال ومن يؤدي الخراج فرأيت من تخليطهم ما لم أر له حيلة ~~إلا التعديل والمقاطعة على بلدة بلدة ، وكورة كورة ، ورستاق ، وقرية قرية ، ~~ورجل رجل ؛ فاستعملت عليهم أهل الثقة والأمانة في نفسي ، وجعلت في كل بلد ~~مع كل عامل أمناء يحفظون عليه ، ووليت قاضي القضاة بكل كورة النظر في أهل ~~كورته ، وأمرت أهل الخراج أن يرفعوا ما يحتاجون إلى رفعه إلينا إلى القاضي ~~الذي وليته أمر كورهم حتى لا يقدر العامل أن يزيد شيئا ، وأن يؤدوا الخراج ~~بمشهد من القاضي ، وأن PageV15P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" تعطى به البراءة ، وأن يرفع خراج من هلك منهم ~~، ولا يزاد الخراج ممن لم يدرك من الأحداث ، وأن يرفع القاضي وكاتب الكورة ~~وكاتب أهل الكورة وكاتب أهل البلد والعامل محاسبتهم إلى ديواننا وقت الكتب ~~بذلك . وقال : رفع إلينا موبذان موبذ أن قوما سماهم من أهل الشرف ، بعضهم ~~بالباب كان شاهدا وبعضهم ببلاد أخر ، دينهم مخالف ms2970 لما رويناه عن نبينا ~~وعلمائنا ، وأنهم يتكلمون بدينهم سرا يدعون إليه ، وأن ذلك مفسدة للملك ، ~~وحيث لا تقوم الرعية إلا على هوى واحد ، فيحرمون جميعا ما يحرم الملك ، ~~ويستحلون ما يستحل الملك في دينه ؛ فإن ذلك إذا اجتمع للملك قوى بجنده لأجل ~~الموافقة بينهم وبين الملك ، فاستظهر على قتال الأعداء ؛ فأحضرت أولئك ~~المختلفين في الأهواء ، وأمرت أن يخاصموا حتى يقفوا على الحق ويقروا به ، ~~وأمرت أن يقصوا عن مدينتي وعن بلادي ومملكتي ، ويتتبع كل من هو على هواهم ~~فيفعل به ذلك . وقال : إن الترك الذين في ناحية الشمال كتبوا إلينا بما ~~أصابهم من الحاجة ، وأنهم لا يجدون بدا - إن لم نعطهم شيئا - من أن يغزونا ~~، وسألوا خصالا إحداها أن نتخذهم في جندنا ، ونجري عليهم مايعيشون به ، وأن ~~نعطيهم من أرض الكرج وبلنجر وتلك الناحية ما يعيشون به ، فرأيت أن أسير في ~~ذلك الطريق إلى باب صول ، وأحببت أن يعرف من قبلنا من الملوك هناك نشاطنا ~~للأسفار وقوتنا عليها متى هممنا ، وأن يروا ما رأوا من هيبة الملوك وكثرة ~~الجنود وتمام العدة وكمال السلاح ما يقوون به على أعدائهم ، ويعرفون به قوة ~~من خلفهم إن هم احتاجوا إليه ، وأحببنا بمسيرنا أن نجري لهم على أيدينا ~~الجوائز والحملان ، والقرب من المجلس واللطف في الكلام ليزيدهم ذلك مودة ~~ورغبة فينا ، وحرصا على قتال أعدائنا ، ، أحببت أيضا التعهد لحصونهم ، وأن ~~أسأل أهل الخراج عن أمرهم في مسيرنا . فسرت في طريق همذان وأذربيجان . فلما ~~بلغت إلى باب الصول ومدينة فيروز PageV15P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" خسرو يممت تلك المدائن العتيقة ، وتلك الحدود ~~، وأمرت ببناء حصون أخر . فلما بلغ خاقان الخزر نزولنا هناك تخوف أن نغزوه ~~؛ فكتب أنه لم يزل - منذ ملكت - يحب موادعتي ، وأنه يرى الدخول في طاعتي ؛ ~~ورأى بعض قواده - لما شاهد حاله - تركه وأتانا في ألفين من أصحابه ، ~~فقبلناه وأنزلناه في تلك الناحية ، وأجريت عليه وعلى أصحابه الرزق ، وأمرت ~~لهم بحصن هناك ، وأمرت بمصلى لأهل ديننا ، وجعلت فيه موبذا وقوما نساكا ، ~~وأمرتهم أن يعلموا من ms2971 دخل من الترك في طاعتنا ما في طاعة الولاة من المنفعة ~~العاجلة في الدنيا ، ولاثواب الآجل في الأخرى ، وأن يحثوهم على المودة ~~والصحبة والعدل والنصيحة ومجاهدة العدو ، وأن يعلموا أحداثهم رأينا ومذهبنا ~~، وأقمت لهم في تلك التخوم الأسواق ، وأصلحت طرقهم وقومت السكك . ونظرنا ~~فيما اجتمع لنا هناك من الخيل والرجال فغذت هو بحيث لو كان بوسط فارس لكان ~~منزلنا بها فاضلا . وقال : فلما أتى لمكنا ثمان وعشرون سنة جددت النظر في ~~أمر المملكة والعدل على الرعية ، والنظر في أمرهم ، وإحصاء مظالمهم ، ~~وإنصافهم . وأمرت موبذ كل ثغر ومدينة وبلد بإنهاء ذلك إلي . وأمرت بعرض ~~الجند ، من كان منهم بالباب بمشهد مني ، ومن غاب في الثغور والأطراف بمشهد ~~من القائد وبادوستان والقاضي وأمين من قبلنا . وأمرت بجمع أهل كور الخراج ~~في كل ناحية من مملكتي إلى مصرها مع القائد وقاضي البلد والكاتب والأمين . ~~وسرحت من قبلي من عرفت صحبته وأمانته ونسكه وعلمه ، ومن جربت ذلك منه إلى ~~كل مصر ومدينة حيث أولئك العمال والغلمان وأهل الأرض ليجمعوا بينهم وبين ~~أهل أراضيهم وبين وضيعهم وشريفهم ، وأن يرفع الأمر كله على حقه وصدقه ، فما ~~نفذ لهم فيه أمر أو صح فيه القضاء فرضى به أهله فرغوا منه هنالك ، وما أشكل ~~عليهم رفعوه إلي . وبلغ اهتمامي بتفقد ذلك مالولا الذي أداري من الأعداء ~~والثغور لباشرت أمر الخراج والرعية بنفسي قرية قرية حتى أتعهدها وأكلم رجلا ~~رجلا من أهل مملكتي ؛ غير أني تخوفت أن يضيع بذلك السبب أمر هو اعظم منه ، ~~الأمر الذي لا يغني فيه PageV15P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" أحد غنائي ولا يقدر على إحكامه غيري ، ولا ~~يكفينيه كاف ، مع الذي في الشخوص إلى قرية قرية من المئونة على الرعية من ~~جندنا ، ومن لا نجد بدا من إخراجه معنا . وكرهنا أيضا إشخاصهم إلينا مع ~~تخوفنا أن يشتغل أهل الخراج عن عمارة أراضيهم ، أو يكون فيهم من يدخل عليه ~~من ذلك مئونة في تكلف السير إلى بابنا ، وقد ضيع قراه وأنهاره وما لا يجد ~~بدا من تعهده ms2972 في السنة كلها في أوقات العمارة ، ففعلنا ذلك بهم ووكلنا ~~موبذان موبذ بذلك ، وكتبنا به الكتب وسرحنا من وثقنا به ، ورجونا أن يجري ~~مجرانا وأشخصناه وقلدناه ذلك . قال : ولما أمن الله جميع أهل مملكتنا من ~~الأعداء فلم يبق منهم إلا نحو ألفي رجل من الديلم الذين عسر افتتاح حصونهم ~~لصعوبة الجبال عليها ، لم نجد شيئا أنفع لمملكتنا من أن نفحص عن الرعية ، ~~وأولئك الأمناء الذين وصيناهم بإنصاف أهل الخراج . وكان بلغنا أن أولئك ~~الأمناء لم يبالغوا على قدر رأينا في ذلك ، فأمرت بالكتب إلى قاضي كورة ~~كورة أن يجمع أهل الكورة بغير علم عاملهم وأولى أمرهم فيسألهم عن مظالمهم ~~وما تسخرج منهم ، ويفحص عن ذلك بمجهود رأيه ويبالغ فيه ، ويكتب حال رجل ~~منهم ويختم عليه بخاتمه وخاتم الرضا من أهل تلك الكورة ، ويبعث به إلي ~~ويسرح ممن يجتمع رأي الكورة عليه بالرضا نفرا ، وغن أحبوا أن يكون فيمن ~~يشخص بعض سفلتهم أيضا فعل ذلك . فلما حضروا جلست للناس وأذنت لهم بمشهد من ~~عظماء أرضنا وملوكهم وقضاتهم وأحرارهم وأشرافهم ، ونظرت في تلك الكتب ~~والمظالم ، فأية مظلمة كانت من العمال ومن وكلائنا ، أو من وكلاء أولادنا ~~ونسائنا وأهل بيتنا حططناها عنهم بغير بينة ؛ لعلمنا بضعف أهل الخراج منهم ~~، وظلم أهل القوة من السلطان لهم ، وأية مظلمة كانت لبعضهم من بعض ووضحت ~~بنا ، أمرت بإنصافهم قبل البراح ، وما أشكل وأوجب الفحص عنه شهود البلد ~~وقاضيها سرحت معه أمينا من الكتاب ، وأمينا من فقهاء ديننا وأميننا وثقنا ~~به من خدمنا وحاشيتنا ، فأحكمت ذلك إحكاما وثيقا . PageV15P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" ولم يجعل الله لذوي قرابتنا ورحمنا وخدمنا ~~وحاشيتنا منزلة عندنا دون الحق والعدل ؛ فإن من شأن قرابة الملك وحاشيته أن ~~يستطيلوا بعزته وقوته ، فإذا أهمل السلطان أمرهم هلك من جاوره إلا أن يكون ~~فيهم متأدب بأدب ملكه ، محافظ على دينه ، شفيق على رعيته ، وأولئك قليل ؛ ~~فدعانا الذي أطلعنا عليه من ظلم أولئك ألا نطلب البينة عليهم فيما ادعى ~~قبلهم . ولم نزل نرد المظالم ، ولم نرد أيضا ms2973 ظلم أحد ممن كان عزيزا بنا ، ~~منيعا بمكانه ومنزلته عندنا ، فإن الحق واسع للضعفاء والأقوياء والفقراء ~~والأغنياء ؛ ولكنا لما أشكلت الأمور في ذلك علينا كان الحمل على خواصنا ~~وخدمنا أحب إلينا من أن نحمل على ضعفاء الناس ومساكينهم ، وأهل الفاقة ~~والحاجة منهم . وعلمنا أن أولئك الضعفاء لا يقدرون على ظلم من حولنا . ~~وعلمنا مع ذلك أن الذين أعدينا لهم من خاصتنا يرجعون من نعمتنا وكرامتنا ~~إلى ما لا يرجع إليه أولئك . ولعمري إن خواصنا إلينا ، وآثر خدمنا في ~~أنفسنا الذين يحفظون سيرتنا في الرعية ، ويرحمون أهل الفاقة والمسكنة ~~وينصفونهم ؛ فإنه قد ظلمنا من ظلمهم ، وجار علينا من جار عليهم ، وأراد ~~تعطيل ذمتنا التي هي حرزهم وملجأهم . قال : ثم كتب إلينا على رأس سبع ~~وثلاثين سنة من ملكنا ، أربعة أصناف من الترك من ناحية الخزر ، ولكل صنف ~~منهم ملك ، يذكرون ما دخل عليهم من الحاجة ، وما لهم من الحظ في عبوديتنا ، ~~وسألوا أن نأذن لهم في القدوم بأصحابهم لخدمتنا ، والعمل لما نأمرهم به ، ~~وألا نحقد عليهم ما سلف منهم قبل ملكنا ، وأن ننزلهم منزلة سائر عبيدنا ، ~~فإنا سنرى في كل ما نأمرهم به من قتال وغيره كأفضل ما نرى من أهل نصيحتنا ، ~~فرأيت في قبولي إياهم عدة منافع منها : جلدهم وبأسهم ، ومنها : أني تخوفت ~~أن تحملهم الحاجة على إتيان قيصر أو بعض الملوك فيقووا بهم علينا ، وقد كان ~~فيما سلف يستأجر منهم قيصر لقتال ملوك ناحيتنا بأغلى الأجرة . وكان لهم في ~~ذلك القتال بعض الشوكة بسبب أولئك الأتراك ؛ لأن الترك ليس عندهم لذة ~~للحياة ، فهو الذي يجرئهم مع شقاء معايشهم على الموت ؛ فكتبت إليهم إنا ~~نقبل من دخل في طاعتنا ، ولا نبخل على أحد بما عندنا ، وكتبت إلى مرزبان ~~الباب آمره بأن يدخلهم أولا أولا ، فكتب إلي إنه قد أتاه منهم خمسون ألفا ~~بنسائهم وأولادهم وعيالهم . ولما PageV15P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" بلغني ذلك أحببت أن أقربهم إلي ليعرفوا ~~إحساني إليهم ، وأعظمهم ليطمئنوا إلي قوادنا ، حتى إذا أردنا تسريحهم مع ~~بعض قوادنا كان ms2974 كل واحد بصاحبه واثقا ، فشخصنا إلى أذربيجان ، فلما نزلتها ~~أذنت لهم في القدوم ، وأتاني عند ذلك طرائف من هدايا قيصر ، وأتاني رسول ~~خاقان الأكبر ، ورسول صاحب الروم ، ورسول صاحب خوارزم ، ورسول ملك الهند ، ~~والداور ، وكابل شاه ، وصاحب سرنديب ، وصاحب كله ، وكثير من الرسل ، وتسعة ~~وعشرون ملكا في يوم واحد ، وانتهيت إلى أولئك الأتراك الثلاثة والخمسين ~~ألفا فأمرت أن يصفوا هناك وركبت لذلك ، فكان يومئذ من أصحابي وممن قدم علي ~~ومن دخل في طاعتي وعبوديتي من لم يسعهم مرج كان طوله عشرة فراسخ ، فحمدت ~~الله كثيرا وأمرت أن يصف أولئك الأتراك في أهل بيوتاتهم على سبع مراتب ، ~~ورأست عليهم منهم ، وأقطعتهم وكسوت أصحابهم ، وأجريت عليهم الأرزاق ، وأمرت ~~لهم بالمياه والأرضين ، وأسكنت بعضهم مع قائد لي باللان ، وقسمتهم في كل ما ~~احتجنا إليه من الثغور ، وضممتهم إلى المرزبان ؛ فلم أزل أرى من مناصحتهم ~~واجتهادهم فيما نوجههم له ما يسرنا في جميع البلدان والثغور وغيرها . قال : ~~وكتب إلي خاقان الأكبر يعتذر إلي من بعض غدراته ويسأل المراجعة والتجاوز ، ~~وذكر في كتابه ورسالته أن الذي حمله على عداوتي وغزو أرضي من لم ينظر له ، ~~وناشدني الله أن أتجاوز عنه ، وتوثق لي بما أطمئن إليه . وذكر أن قيصر قد ~~أرسل إليه وزعم أنه يستأذنني في قبول رسله ، وأنه لا يعمل في قبول رسل أحد ~~إلا بما آمره ، ولا يجاوز أمري ، ولا يرغب في الأموال ولا في المودات لأحد ~~إلا برضائي ، وكان دسيس لي في الترك يكاتبني بندم خاقان وندم أصحابه على ~~غدره وعداوته إياي ، فأجبته : إني لعمري ما أبالي إن طبيعة نفسك وغريزتك ~~غدرت بنا أم PageV15P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" أطعت غيرك في ذلك ، وما ذنبدك في طاعة من ~~أطعت في ذلك إلا كذبتك فيما فعلته برأي نفسك ، وإني قد استحققت أشد العقوبة ~~. وكتبت أني لا أظن شيئا من الوثيقة تفي لكم إلا وقد كنت ضيعته ، ولا أظن ~~شيئا وثقت لنا به من قبل اليوم ثم غدرتم ، فكيف نطمئن إليك ونثق بقولك ؟ ~~ولسنا نأمنك على مثل ms2975 ما فعلت من الغدر ونقض العهد والكذب في اليمين . وذكرت ~~أن رسل قيصر عندك ، ووقفنا على استئذانك إيانا فيهم ؛ وإني لست أنهاك عن ~~مودة أحد . وكرهت أن يرى أني أتخوف مصادقته وأهاب ذلك منه . وأحببت أن ~~أعلمه أني لا أبالي بشيء مما جرى بينهما . ثم سرحت لمرمة المدائن والحصون ~~التي بخراسان وجمع الأطعمة والأعلاف إليها ما يحتاج إليه الجند ، وأمرت أن ~~يكونوا على استعداد وحذر ، ولا يكون من غفلتهم ما كان في المرة الأولى وهم ~~على حال الصلح . قال : وكان شكري لله تعالى لما وهب لي وأعطاني متصلا بنعمه ~~الأول التي وهبها لي في أول خلقه إياي ؛ فإنما الشكر والنعم عدلا كفتي ~~الميزان أيهما رجح بصاحبه احتاج الأخف إلى أن يزاد فيه حتى يعادل صاحبه ، ~~فإذا كانت النعم كثيرة والشكر قليلا انقطع الحمل وهلك ظهر الحامل ، وإذا ~~كان ذلك مستويا استمر الحامل . وكثير النعم يحتاج صاحبها إلى كثير الشكر ، ~~وكثير الشكر يجلب كثير النعم . ولما وجدت الشكر بعضه بالقول ، وبعضه بالعمل ~~، ونظرت في احب الأعمال إلى الله وجدته الشيء الذي أقام به السموات والأرض ~~، وأرسى به الجبال ، وأجرى به الأنهار وبرأ به البرية . وذلك الحق والعدل ~~فلزمتهما . ورأيت ثمرة الحق والعدل عمارة البلدان التي بها معايش الناس ~~والدواب والطير وسكان الأرض . ولما نظرت في ذلك وجدت المقاتلة أجراء أهل ~~العمارة ، ووجدت أهل العمارة أجراء المقاتلة ، فإنهم يطلبون أجورهم من أهل ~~الخراج وسكان البلدان لمدافعتهم عنهم ، ومجاهدتهم من ورائهم ، فحق على أهل ~~العمارة أن يوفوهم أجورهم ؛ فإن عمارتهم تتم بهم ، وإن أبطأوا عليهم بذلك ~~أو هدوهم فقوي عدوهم ؛ فرأيت من الحق على أهل الخراج ألا يكون لهم من ~~عمارتهم إلا ما أقام معايشهم ، وعمروا به بلدانهم ، ورأيت ألا أجتاحهم ~~وأستفرغ ذات أيديهم للخزائن PageV15P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" والمقاتلة ، فإني إذا فعلت ذلك ظلمت المقاتلة ~~مع ظلم أهل الخراج ؛ وذلك أنه إذا فسد العامر فسد المعمور ، وكذلك أهل ~~الأرض والأرض ، فإنه إذا لم يكن لأهل الخراج ما يعيشهم ويعمرون به بلادهم ~~هلكت المقاتلة ms2976 الذين قوتهم بعمارة الأرض ؛ فلا عمارة للأرض لا بفضل ما في ~~يد أهل الخراج ؛ فمن الإحسان إلى المقاتلة والإكرام لهم أن أرفق بأهل ~~الخراج وأعمر بلادهم ، وأدع لهم فضلا في معايشهم ؛ فأهل الأرض وذووا الخراج ~~أيدي المقاتلة والجند وقوتهم ، والمقاتلة أيضا أيدي أهل الخراج وقوتهم . ~~ولقد ميزت ذلك بجهدي وطاقتي ، وفكرت فيه فما رأيت أن أفضل هؤلاء على هؤلاء ~~إذ وجدتهما كاليدين المتعاونتين والرجلين المترادفتين . ولعمري ما أعفى أهل ~~الخراج من الظلم من أضر بالمقاتلة ، ولا كف الظلم عن المقاتلة من تعدى على ~~أهل الخراج . ولولا سفهاء الأساورة لأبقوا على أهل الخراج والبلاد إبقاء ~~الرجل على ضيعته التي منها معيشته وحياته وقوته ، ولولا جهال أهل الخراج ~~لكفوا عن أنفسهم بعض ما يحتاجون إليه من المعايش إيثارا على أنفسهم . قال : ~~ولما فرغنا من إصلاح العامة والخاصة بهذين الركنين من أهل الخراج والمقاتلة ~~كان ذلك ثمرة العدل والحق الذي دبر الله العظيم خلائقه به ، وشكرت الله على ~~نعمته والمقاتلة في أداء حقه على مواهبه ، وأحكنا أمر المقاتلة وأهل الخراج ~~ببسط العدل ، وأقبلنا بعد ذلك على السير والسنن ، ثم بدأنا بالأعظم فالأعظم ~~من أمورنا ، والأكبر فالأكبر عائدا على جندنا ورعيتنا ، ونظرنا في سير ~~آبائنا من لدن بستاسف إلى ملك قباذ أقرب آبائنا . ثم لم نترك إصلاحا في شيء ~~من ذلك إلا أخذناه ، ولا فسادا إلا أعرضنا عنه ، ولم يدعنا حب الآباء إلى ~~قبول ما لا خير فيه من السنن ، ولكنا آثرنا حب الله وشكره وطاعته . ولما ~~فرغنا من النظر في سير آبائنا وبدأنا بهم ، وكانوا أحق بذلك ، فلم ندع حقا ~~إلا آثرناه ، ووجدنا الحق في القرابة . نظرنا في سير أهل الروم والهند ~~فاصطفينا محمودها ، وجعلنا عيار ذلك عقولنا ، وميزانه بأحلامنا ، فأخذنا من ~~جميع ذلك ما PageV15P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" زين سلطاننا ، وجعلناه سنة وعادة ، ولم ~~تنازعنا أنفسنا إلى ما تميل به أهواؤنا ، وأعلمناهم ذلك وأخبرناهم به ، ~~وكتبنا إليهم بما كرهنا لهم من السير ونهيناهم عنه وتقدمنا إليهم فيه ؛ غير ~~أنا لم نكره أحدا على ms2977 غير دينه وملته ، ولم نحسدهم ما قبلنا ، ولا منع ذلك ~~انقباض بعلم ما عندهم ، فإن الإقرار بمعرفة الحق والعلم والأتباع له من ~~أعظم ما تزينت به الملوك . ومن أعظم المضرة على الملوك الأنفة من العلم ~~والحمية من طلبه ، ولا يكون عالما من لا يتعلم . ولما استقصيت ما عند هاتين ~~الأمتين من حكمة التدبير والسياسة ، ووصلت بين مكارم أسلافي ، وما أحدثته ~~بالرأي ، وأخذت به نفسي ، وقبلته عن الملوك الذين لم يكونوا منا ، وثبت على ~~الأمر الذي نلت به الظفر والخير ، ورفضت سائر الأمم لأني لم أجد عندهم رأيا ~~ولا عقولا ولا أحلاما ، ووجدتهم أصحاب بغي وحسد وكلب وحرص وشح وسوء تدبير ~~وجهالة ولؤم عهد وقلة مكافأة . وهذه أمور لا تصلح عليها ولاية ، ولا تتم ~~لها نعمة . قال ابن مسكويه : وقرأت مع هذه االسير في آخر هذا الكتاب الذي ~~كتبه أنوشروان في سيرة نفسه أن أنوشروان لما فرغ من أمور المملكة وهذبها ~~جمع إليه الأساورة مع القواد والعظماء والمرازبة والنساك والموابذة وأماثل ~~الناس معهم فخطبهم فقال : ذكر خطبة أنوشروان قال : أيها الناس ، أحضروني ~~فهمكم ، أعطوني أسماعكم ، وناصحوني أنفسكم ، فإني لم أزل واضعا سيفي على ~~عنقي منذ وليت عليكم غرضا للسيوف والأسنة ، وكل ذلك للمدافعة عنكم ، ~~والإبقاء عليكم ، وإصلاح بلادكم مرة بأقصى الشرق ، وتارة في آخر المغرب ، ~~وأخرى في نهاية الجنوب ، ومثلها في جانب الشمال ، ونقلت الذين اتهمتهم إلى ~~غير بلادهم ، ووضعت الوضائع في بلدان الترك ، وأقمت بيوت النيران بقسطنطنية ~~، ولم أزل أصعد جبلا شامخا وأنزل عنه ، وأطأ PageV15P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" حزونه بعد سهوله ، وأصبر على المخمصة ~~والمخافة ، وأكابد البرد والحر ، وأركب هول البحر وخطر المفازة ؛ إرادة هذا ~~الأمر الذي قد أتمه الله لكم : من الإثخان في الأعداء ، والتمكن في البلاد ~~، والسعة في المعاش ، ودرك العز ، وبلوغ ما نلتم ؛ فقد أصبحتم بحمد الله ~~ونعمته على الشرف الأعلى من النعمة ، والفضل الأكبر من الكرامة والأمن ، ~~وقد هزم الله أعداءكم وقتلهم ؛ فهم بين مقتول هالك ، وحي مطيع لكم سامع ؛ ~~وقد بقي لكم عدو عددهم قليل ms2978 ، وبأسهم شديد ، وشوكتهم عظيمة ؛ وهؤلاء الذين ~~بقوا أخوف عندي عليكم ، وأحرى أن يهزموكم ويغلبوكم من الذين غلبتموهم من ~~أعدائكم ، وأصحاب السيوف والرماح والخيول ؛ وإن أنتم أيها الناس غلبتم ~~عدوكم هذا الباقي ، غلبتكم لعدوكم الذين قاتلتم وحاصرتم ، فقد تم الظفر ~~والنصر ، وتمت فيكم القوة ، وتم بكم العز ، وتمت عليكم النعمة ، وتم لكم ~~الفضل ، وتم لكم الاجتماع والألفة والصحة والسلامة ؛ وغن أنتم قصرتم وهنتم ~~، وظفر هذا الدو بكم فأين الظفر الذي كان منكم ، فاطلبوا أن تقتلوا من هذا ~~العدو الباقي مثل ما قتلتم من ذلك العدو الماضي ؛ وليكن جدكم في هذا ~~واجتهادكم واحتشادكم أكبر وأجل وأحزم وأعزم وأصح وأشد ، فإن أحق الأعداء ~~بالاستعداد له أعظمهم مكيدة ، وأشدهم شوكة ، وليس الذي كنتم تخافون من ~~عدوكم الذي قاتلتم بقريب من هؤلاء الذين آمركم بقتالهم الآن ؛ فاطلبوه ~~وصلوا ظفرا بظفر ، ونصرا بنصر ، وقوة بقوة ، وتأييدا بتأييد ، وعزما بحزم ~~وعزم ، وجهادا بجهاد ؛ فإن بذلك اجتماع غصلاكم ، وتمام النعمة عليكم ، ~~والزيادة في الكرامة من الله لكم ، والفوز برضوانه في الآخرة . ثم اعلموا ~~أن عدوكم من الترك والروم والهند وسائر الأمم لم يكونوا ليبلغوا منك - إن ~~ظهروا عليكم وغلبوكم - مثل الذي يبلغ هذا العدو منكم إن غلبكم وظهر عليكم ؛ ~~فإن بأس هذا العدو أشد ، وكيده أكبر ، وأمره أخوف من ذلك العدو يا أيها ~~الناس ، إني قد نصبت لكم كما رأيتم ، ولقيت ما قد علمتم بالسيف والرمح ~~والمفاوز والبحار والسهولة والجبال ؛ أقارع عدوا عدوا ، وأكالب جندا جندا ، ~~PageV15P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" وأكابد ملكا ملكا ، لم أتضرع إليكم هذا ~~التضرع في قتال أولئك الجنود والملوك ، ولم أسألكم هذه المسالة في طلب أجد ~~منكم ، والاجتهاد والاحتفال والاحتشاد ، وإنما فعلت كذا لعظم خطره ، وشدة ~~شوكته ، ومخافة صولته بكم . وإن أنا أيها الناس لم أغلب هذا العدو وأنفة ~~عنكم ، فقد أبقيت فيكم أكبر الأعداء ، ونفيت عنكم أضعفها ، فأعينوني على ~~نفي هذا العدو المخوف عليكم ، القريب الدار منكم ؛ فأنشدكم الله أيها الناس ~~لما أعنتموني عليه حتى أنفيه عنكم ، وأخرجه من بين أظهركم فيتم بلائي عندكم ms2979 ~~، وبلاء الله فيكم عندي ، وتتم النعمة علي وعليكم ، والكرامة من الله لي ~~ولكم ، ويتم هذا العز والنصر ، وهذا الشرف والتمكين ، وهذه الثروة والمنزلة ~~. يا أيها الناس ، إني تفكرت بعد فراغي من كتابي هذا ، وما وصفت من نعمة ~~الله علينا في الأمر الذي لما غلب دارا الملوك والأمم وقهرها ، واستولى على ~~بلادها ولما تحكم أمر هذا العدو ، هلك وهلكت جنوده بعد السلامة والظفر ~~والنصر والغلبة ؛ وذلك أنه لم يرض بالأمر الذي تم به بالملك ، واشتد به ~~السلطان ، وقوى به على الأعداء ، وتمت عليه به النعمة ، وفاضت عليه من وجوه ~~الدنيا كلها الكرامة ، حتى احتال له بوجوه النميمة والبغي ؛ فدعا البغي ~~الحسد فتقوى به وتمكن ، ودعا الحسد بغض أهل الفقر لأهل الغنى ، وأهل الخمول ~~لأهل الشرف ؛ ثم أتاهم الإسكندر وهم على ذلك من تفرق الأهواء ، واختلاف ~~الأمور ، وظهور البغضاء وقوة العداوة فيما بينهم والفساد منهم . ثم ارتفع ~~ذلك إلى أن قتله صاحب حرسه وأمينه على دمه ، للذي شمل قلوب العامة من الشر ~~والضينة ، ونبت فيها من العداوة والفرقة ، وكفى الإسكندر مؤنة نفسه ؛ وقد ~~اتعظت بذلك اليوم وذكرته . ياأيها الناس ، فلا اسمعن في هذه النعمة تفرقا ~~ولا بغيا ولا حسدا ظاهرا ، ولا وشاية ولا سعاية ، فإن الله قد طهر من ذلك ~~أخلاقنا وملكنا ، وأكرم عنه ولايتنا ، وما نلت ما نلت بنعمة ربنا وحمده ~~بشيء من الأمور الخبيثة التي نفتها العلماء ، وعافتها الحكماء ؛ ولكن نلت ~~هذه الرتبة بالصحة والسلامة ، والحب للرعية ، والوفاء والعدل والاستقامة ~~والتؤدة . وإنما تركنا أن نأخذ عن هذه الأمم التي سميناها ، أعني من الترك ~~والبربر والزنج والجبال وغيرهم ، مثل ما أخذنا عن الهند والروم لظهور هذه ~~الأخلاق فيهم وغلبتها عليهم . ولا تصلح أمة قط وملكها على ظهور هذه الأخلاق ~~التي هي أعدى أعدائكم . PageV15P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" يا أيها الناس ، إن فيما بسط الله علينا ~~بالسلامة والعافية والاستصلاح غني لنا عما نطلب بهذه الأخلاق الرديئة ~~المشئومة ؛ فاكفوني في ذلك أنفسكم ؛ فإن قهر هذه الأعداء أحب إلي وخير لكم ~~من قهر أعدائكم من ms2980 الترك والروم . فأما أنا أيها الناس فقج طبت نفسا بترك ~~هذه الأمور ومحقها وقمعها ونفيها عنكم . يا أيها الناس ، غني قد أحببت أن ~~أنفي عدوكم الظاهر والباطن ؛ فأما الظاهر منهما فإنا بحمد الله ونعمته قد ~~نفيناه وعاننا الله عليه وحصد لنا شوكته ، وأحسنتم فيه وأجملتم وآسيتم ~~وأجهدتم ، فافعلوا في هذا العدو كما فعلتم في ذلك العدو ، واعملوا فيه ~~كالذي عملتم في ذلك ، واحفظوا عني ما أوصيكم به فإني شفيق عليكم ناصح لكم . ~~أيها الناس ، من أحيا هذه الأمور فينا فقد أفسد بلادءه عندنا من كان ~~يقاتلنا من أعدائنا ، فإن هذه أكثر مضرة ، وأشد شوكة ، وأعظم بلية ، وأضر ~~تبعة . واعلموا أن خيركم يا أيها الناس من جمع إلى بلائه السالف عندنا ~~المعونة لنا على نفسه في هذا الغابر . واعلموا أن من غلبه هذا غلبه ذاك ، ~~ومن غلب هذا فقد قهر ذاك ؛ وذلك أن بالسلامة والألفة والمودة والاجتماع ~~والتناصح منكم يكون العز والقدرة والسلطان ، ومع التحاسد والبغي والنميمة ~~والسب يكون ذهاب العز ، وانقطاع القوة وهلاك الدنيا والآخرة ؛ فعليكم بما ~~أمرنا به ، واحذروا ما نهيناكم عنه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . عليكم ~~أهل الفاقة ، وضيافة السلابلة ، وأكرموا جوار من جاوركم ، وأحصنوا صحبة من ~~دخل فيكم من الأمم ، فإن الإحراج في ذمتي ، ولا تجبهوهم ولا تظلموهم ، ولا ~~تسلطوا عليهم ، ولا تحرجوهم ، فإن الإحراج يدعو إلى المعصية ، ولكن اصبروا ~~لهم على بعض الأذى ، واحفظوا أمانتكم وعهدكم ، واحفظوا ما عهدت إليكم من ~~هذه الأخلاق ، فلا تصلحوا إلا معها ، وبالله تعالى ثقتنا في الأمور كلها . ~~ثم هلك أنوشروان بعد ثمان وأربعين سنة من ملكه . ثم ملك بعده ابنه هرمز بن ~~كسرى أنوشروان . وأمه قاقم ابنة خاقان ملك الترك . وقيل : بل ابنة ملك من ~~ملوك الخزر . قال : وكان كثير الأدب ، حسن السياسة ، جميل النية ، وافر ~~الإحسان إلى الضعفاء والمساكين . PageV15P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وكان من سيرته المرتضاة أنه يجري الخير ~~والعدل على الرعية ، ويشدد على العظماء المتسلكين . وبلغ من عدله أنه كان ~~يسر إلى المياه ليصيف هناك ، فأمر ms2981 فنودي في مسيره أن يتحامى مواضع الحروث ، ~~ولا يسير فيها الراكب لئلا يضروا بأحد ، ووكل بتعهد ما يجري في عسكره ، ~~ومعاقبة من تعدى أمره وتغريمه لصاحب الحرث عوضا عما أفسده له . وكان ابنه ~~كسرى أبرويز في عسكره فغار مركب من مراكبه ووقع في حرث كان على الطريق ، ~~فأفسد ما مر عليه ، فأخذ ودفع إلى الرجل الموكل من جهة هرمز بمعاقبة من ~~أفسد هو أو دوابه شيئا من الحرث ، فلم يجسر الرجل الموكل من جهة هرمز أمر ~~هرمز في ابنه أبرويز ، فرفع الأمر إلى هرمز فأمره أن يجدع أذنيه ، ويبتر ~~ذنبه ، ويغرم كسرى أبرويز لصاحب الحرث ؛ فخرج الرجل لإنفاذ الأمر ، فدس له ~~كسرى رهطا من العظماء يسألونه التثبت في الأمر ، فكلموه فلم يجب إلى ذلك ، ~~فسألوه تأخير ذلك الأمر في المركب حتى يكلموا هرمز ، ففعل ، ولقي أولئك ~~الرهط هرمزا وأعلموه أن ذلك المركب حتى يكلموا الذي غار زعارة ، وأنه أخذ ~~لوقته ، وسألوه أن يأمر بالكف عن جدعه وتبره ، لما في ذلك من سوء الطيرة ~~فلم يجبهم إلى ما سألوه ، وأمر بالمركب فجدعت أذناه وبتر ذنبه ، وغرم كسرى ~~كما يغرم غيره من الجند ثم ارتحل . قال : وركب ذات يوم في أوان إيناع الكرم ~~يريد ساباط المدائن ، وكان ممره على بساتين وكروم ، فنظر بعض الأساورة إلى ~~كرم فرأى حصر ما ، فأصاب منه عناقيد ودفعها إلى غلامه وقال : اذهب بها إلى ~~المنزلة واطبخها بلحم واصنع منها مرقة فإنها نافعة في هذا الإبان ، فأتاه ~~حافظ ذلك الكرم فلزمه وصاح به ، فبلغ إشفاق الأسوار من عقوبة هرمز أن دفع ~~إلى حافظ منقة محلاة بالذهب كانت في وسطه ، وسأله أن يأخذها عوضا عما أخذه ~~من الحصرم ، ولا يرفع الأمر إلى الملك . PageV15P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" فهذه كانت سيرته في العدل ، وهذا كان خوف ~~جنده وأساورته منه . وكان مظفرا منصورا ، وكان أديبا داهيا ، إلا أنه كان ~~مقصيا للأشراف وأهل البيوتات والعلماء . وقيل : إنه قتل ثلاثة عشر ألف رجل ~~وستمائة رجل منهم ، ولم يكن له رأى إلا في تآلف السفلة ms2982 وأسقاط الناس ~~واستصلاحهم . وحبس خلقا كثيرا من العظماء ، وحط مراتب جماعة كبيرة ، وقصر ~~بالأسورة ففسدت عليه نيات أكابر جنده وعظماء مملكته ، فكان عاقبة سوء هذا ~~التدبير أن خرج عليه جماعة من الملوك منهم شابه شاه ملك الترك في ثلثمائة ~~ألف مقاتل ، وسار إلى باذغيس ، وذلك بعد مضي إحدى عشرة سنة من ملكه ، وخرج ~~عليه ملك الروم في ثمانين ألف مقاتل ، وخرج عليه ملك الخزر حتى سار إلى باب ~~الأبواب ، وخرج عليه من العرب خلق كثير ، فنزلوا في شاطئ الفرات وشنوا ~~الغارات على أهل السواد ، فاجترأ عليه أعداؤه وغزوا بلاده . فأما شابه شاه ~~ملك الترك فإنه أرسل إلى هرمز وإلى عظماء ملكه من الفرس يؤذنهم بإقباله في ~~جيوشه زمرا زمرا ، وأعلمهم أنه يريد غزو الروم ، ويسلك إليهم من بلادهم ، ~~وأمرهم أن يعقدوا له قناطر على كل نهر يمر عليه في بلادهم من الأنهار التي ~~لا قناطر عليها ، وكذلك في الأدوية ، وأن يسهلوا له الطرق والمسالك وقال : ~~فإنني قد أجمعت على المسير إلى بلاد الروم من بلادكم ، فاستفظع هرمز ما ورد ~~عليه من ذلك ، وجمع أكابر مملكته وعرض ذلك عليهم ، وشاورهم فيما يفعله ، ~~فاجتمعت الآراء على قصد ملك الترك وحربه ، فندب إليه رجلا من أهل الرأي ~~والنجدة يقال له بهرام جوبين ، فاختار بهرام من العسكر اثني عشر ألفا من ~~الكهول دون الشباب ، وسار بهم حتى انتهى إلى هراة وباذغيس ، ولم يشعر شابه ~~شاه ملك الترك ببهرام حتى وافاه ونزل بالقرب من معسكره ، فكانت بينهما حروب ~~كثيرة آخرها أن بهرام جو بين قتل شابه برمية رماه بها فاستباح عسكره ، ~~وأقام بهرام موضعه ، فوافاه برموذة بن شابه وكان يعدل بأبيه ، فحاربه فهزمه ~~بهرام جوبين وحصره في بعض الحصون ، ثم ألح عليه حتى استسلم له ، فوجهه ~~أسيرا إلى هرمز ، وغنم كنوزا عظيمة ، فيقال إنه حمل إلى هرمز من الأموال ~~والجواهر والأواني وسائر الأمتعة وقر مائتي ألف وخمسين ألف بعير في مدة تلك ~~الأيام ، فشكره هرمز على ذلك ، وأمر أن يتقدم بمن معه إلى بلاد الترك ms2983 فلم ~~يره بهرام صوابا ، ثم خاف سطوة هرمز . PageV15P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" وحكى له أن الملك يستقل ما حمله إليه من ~~الغنائم في جنب ما وصل إليه منها ، وأنه يقول في مجالسه قد ترفه بهرام ~~واستطاب الدعة ، وبلغ ذلك الجند فخافوا مثل خوفه . فيقال إن بهرام جمع ذات ~~يوم وجوه عسكره وأجلسهم على مراتبهم ثم خرج عليهم في زي النساء وبيده مغزل ~~وقطن حت جلس في موضعه ؛ وحمل إلى كل واحد من أولئك القوم مغزل وقطن ووضع ~~بين أيديهم ، فامتعضوا من ذلك وأنكروه وقالوا : ما هذا الزي فقال بهرام : ~~إن كتاب الملك ورد علي بذلك ولا بد من امتثال أمره إن كنتم طائعين له ، ~~فاظهروا أنفة وحمية واجمعوا كلهم على خلع هرمز ، فخلعوه وأظهروا أن ابنه ~~كسرى أبرويز أصلح للملك منه ، وساعدهم على ذلك خلق كثير ممن كان بحضرة هرمز ~~. ولما اتصل ذلك بهرمز أنفذ جيشا كثيفا مع بعض قواده لمحاربة بهرام جوبين ، ~~فأشفق أبرويز من الحديث وخاف سطوة أبيه ببهرام ، فهرب إلى أذربيجان ، ~~فاجتمع إليه هناك عدة من المرازبة ومن الاصبهبذين ، فأعطوه بيعتهم ولم يظهر ~~ابرويز شيئا ، وأقام بمكانه إلى أن بلغه قتل القائد الذي كان قد بعثه هرمز ~~محاربة بهرام جوبين ، وهو اذبيحشيش ، وهزيمة الجيش الذي كان معه واضطراب ~~أمر هرمز أبيه ، وكتبت أخب أذبيجشيش إلى كسرى أبرويز تخبره بضعف أبيه هرمز ~~. وأعلمته أن العظماء والوجوه قد أجمعوا على خلعه ، وأن بهرام جوبين إن ~~سبقه إلى المدائن احتوى على الملك . قال : ولم يلبث العظماء أن وثبت على ~~هرمز وفيهم بندويه وبسطام خالا أبرويز وخلعوه وسملوا عينيه ، وتركوه تحرجا ~~من قتله . فكان ملكه إلى أن خلع وسمل اثنتي عشرة سنة . ثم ملك بعده ابنه ~~كسرى أبرويز هرمز بن كسرى أنوشروان . قال : ولما ملك بادر بمن معه إلى ~~المدائن وسبق إلهيا بهرام جوبين وتتوج وجمع إليه الوجوه والأشراف ، وجلس ~~على السرير ومناهم ، فأمرهم بالسم والطاعة ، فاستبشر الناس به ودعوا له ~~وأجابوه ودخلوا تحت طاعته . فلما كان في اليوم الثاني أتى إلى ms2984 أبيه فسجد له ~~، واعتذر وقال : إنك تعلم أيها الملك إنني بريء مما جناه إليك هؤلاء القوم ~~الذين فعلوا بك ما فعلوا ، وإنما هربت خوفا منك وإشفاقا على نفسي ، فصدقه ~~هرمز وقال : يا بني إن لي إليك حاجتين فأسعفني بهما ، إحداهما : أن تنتقم ~~لي ممن عاون على خلعي وسمل عيني ولا تأخذك بهم رأفة ، والأخرى تونسني كل ~~يوم بثلاثة نفر ممن لهم أصالة رأي ، وتأذم لهم بالدخول إلي ؛ فتواضع له ~~أبرويز وقال : عمرك الله أيها PageV15P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" الملك ، إن المارق بهرام قد أطلنا أهل ~~الشجاعة والنجدة ، ولسنا نقدر أن نمد يدا إلى من أتى إليك ما أتى ؛ فإنهم ~~وجوه أصحابك ؛ ولكن إن أمكنني الله من المنافق فأنا خليفتك وطوع أمرك . قال ~~: وأما بهرام جوبين فإنه ورد إلى النهروان ، فخرج كسرى أبرويز إليه ووافقه ~~بها وجعل النهر بينه وبينه ، ودار بينهما كلام كثير . كل ذلك في استصلاح ~~بهرام ورجوعه إلى الطاعة ، وهو لا يجيب إلى ذلك ولا يرد إلا ما يسوء أبرويز ~~حت يئس منه واجمع على حربه والتقوا واقتتلوا . وكان بينهما أخبار كثيرة ~~وأحاديث طويلة آخرها أن أبرويز عنه بعد أن قتل بيده ثلاثة نفر من الأتراك ، ~~وكانوا من أشدهم وأعظمهم شجاعة ووسامة ، وكانوا قد التزموا لبهرام بقتل ~~أبرويز ، وضمن لهم بهرام على ذلك أموالا عظيمة . ثال : ثم رأى أبرويز من ~~أصحابه فتورا فسار إلى أبيه وشاوره فرأى المسير إلى الروم ، وأحرز نساءه ~~وشخص في عدة يسيرة فيهم بندويه ، وبسطام وكردي أخو بهرام ؛ فأنه كان معاديا ~~لأخيه ، شديد الطاعة والنصيحة لأبرويز . فلما خرجوا من المدائن خاف القوم ~~من بهرام ، وأشفقوا أن يرد هرمز إلى الملك ، ويكاتب ملك الروم عم هرمز في ~~ردهم فيتلفوا ، فذكروا ذلك لأبرويز واستأذنوه في إتلاف هرمز فلم يحر جوابا ~~، فانصرف بندويه وبسطام وطائفة معهما إلى هرمز فخنقوه ثم رجعوا إلى كسرى ~~فقالوا : سر على خير طالع ، وأيمن طائر ، فحثوا دوابهم وساروا إلى الفرات ~~فقطعوه ، وأخذوا طريق المفازة بدلالة رجل يقال له : خرشيذان وساروا إلى بعض ~~الديارات ms2985 التي في أطراف العمارة ، فلما أوطنوه للراحة لحقتهم خيل بهرام ~~جوبين ، فلما نذروا بهم أنبه بندويه أبرويز من نومه وقال له : احتل لنفسك ~~فإن القوم قد طلبوك . فقال كسرى : ما عندي حيلة . فقال بندويه : إني سأحتال ~~لك بأن أبذل نفسي دونك ؛ قال : وكيف ذلك ؟ قال : تدفع لي ثوبك وزينتك لا ~~علو الدير ، وتنجو أنت ومن معك من وراء الدير ، فإن القوم إذا وصلوا ورأوا ~~هيئتك علي اشتغلوا بي من غيري ، PageV15P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" وطاولتهم حتى تفوتهم ، ففعل ذلك . وخرج ~~أبرويز ومن معه ، ثم وافت خيل بهرام الدير وعليهم قائد لهم يقال له بهرام ~~ابن سياوش فاطلع بندويه من فوق الدير وعليه زينة أبرويز وثيابه ، وأوهمهم ~~أنه هو ، وسأله أن ينظره إلى غد ليصير في يده سليما ويسير به إلى بهرام ~~جوبين ، فأمسك عنه وحفظ الدير ليلة كاملة بالحرس . فلما أصبح اطلع عليه في ~~بزته وحليته وقال : إن علي وعلى أصحابي بقية شغل من استعداد وصلوات وعبادات ~~فأمهلنا . ولم يزل يدافعه حتى مضى عامة النهار وأمعن أبرويز ، وعلم بندويه ~~أنه قد فاتهم ، ففتح الباب حينئذ وأعلم بهرام سياوش بأمره ، فانصرف به إلى ~~بهرام جوبين فحبسه . وأما بهرام جوبين فإنه دخل المدائن وجلس على سرير ~~الملك ، وجمع العظماء فخطبهم وذم أبرويز ودار بينهم كلام ، فكان كلهم ~~منصرفا عنه إلا أن بهرام تتوج وانقاد له الناس خوفا ، ثم إن بهرام بن سياوش ~~واطأ بندويه على الفتك ببهرام جوبين ، فظهر بهرام على ذلك ، فقتل سياوش ~~وأفلت بندويه ولحق بأذربيجان ، وسار أبرويز حتى أتى أنطاكية فكاتب ملك ~~الروم منها ، وراسله بجميع من كان معه وسأله نصرته ، فأجابه إلى ذلك وزوجه ~~ابنته مريم وحملها إليه ، وأمده بثياذوس أخيه ومعه ستون ألفا من المقاتلة ، ~~عليهم رجل يقال له سرجس ، يتولى تدبير أمرهم ، ورجل آخر من أبطال الروم ، ~~كان يعد بينهم بألف رجل ، وسأله ترك الأتاوة التي كان أوه ومن قبله من ملوك ~~الفرس يستأدونها من ملوك الروم إذا هو ملك ، فأجابه إلى ذلك ، وفرح بالجيش ~~الذي أمده ms2986 به ملك الروم ، واغتبط بهم وأراحهم خمسة أيام ، ثم عرضهم وعرف ~~عليهم العرفاء ، وسار بهم حتى نزل من أذربيجان في صحراء تدعى الدنق فوافاه ~~بندويه ورجل من أصبهبذي الناحية يقال له موسيل في أرعين ألف مقاتل ، ~~فانضموا إليه ، ووافاه الناس بالخيل من أصبهان وفارس ، وانتهى إلى بهرام ~~جوبين مكانه بصحراء الدنق ، فشخص نحوه من المدائن ، فجرت بينهما حروب شديدة ~~قتل فيها الكمي الرومي بضربة ضربه بها بعض الفرس على رأسه فقد رأسه وبدنه ، ~~وعاد فرسه بنصف بدنه الباقي إلى المعركة . فلما رآه أرويز استضحك ؛ فعظم ~~ذلك على الروم وعاتبوا أبرويز وقالوا له : هذا جزاؤنا منك يقتل كمينا وواحد ~~عصره في طاعتك وبين يديك ونصحك ونصرتك PageV15P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" وأنت تضحك لقتله فاعتذر بأن قال : إني والله ~~ما ضحت لما تكرهون . ولقد شق علي أن فقدت مثله أكثر مما شق عليكم ، ولكني ~~رايتكم تستصغرون شأن جوبين وتنكرون هربي منه ، فذكرت ذلك من قولكم الآن ~~وعلمت أنكم برؤيتكم هذه الضربة تعذرونني وتعلمون يقينا أن هربي إنما كان من ~~أمثال هؤلاء القوم الذين هذا مبلغ نكايتهم في الأبطال . ويقال إن أبرويز ~~حارب بهرام منفردا عن العسكر بأربعة عشر رجلا منهم كردي أخو جوبين وبندويه ~~وبسطام حربا شديدا وصل فيها بعضهم إلى بعض ، وآخر الأمر أن أبرويز استظهر ~~استظهارا يئس منه بهرام جوبين ، وعلم أنه لا حيلة له فيه ولا قدرة عليه ، ~~فانحاز عنه نحو خراسان ، ثم سار إلى الترك ، وسار أبرويز إلى المدائن بعد أ ~~، فرق في الجنود من الروم أموالا عظيمة وصرفهم إلى ملك الروم . قال : ولبث ~~بهرام جوبين في الترك مكرما عند الملك حتى احتال عليه كسرى أبرويز بتوجيهه ~~رجلا يقال له هرمز إلى الترك بجوهر نفيس وغيره من الهدايا إلى امرأة ملك ~~الترك حتى دست لبهرام من قتله ؛ فاغتم خاقان لموته أرسل إلى أخته كردية ~~وامرأته يعلمهما بلوغ الحوادث ببهرام ، وسأل كردية أخب بهرام أن يتزوجا ~~وفارق امرأته خاتون بهذا السبب ، فأجابته كردية جوابا لينا ، ثم ضمت إليها ~~من كان ms2987 مع أخيها بهرام من المقاتلة ، وخرجت بهم من بلاد الترك إلى حدود ~~مملكة فارس ، فأتبعها ملك الترك أخاه نظرا في اثني عشر ألف فارس . فيقال إن ~~كردية قاتلت وقتلت نطرا بيدها ، ومضت لوجهها حتى بلغت حدود أرض فارس ، ~~وكتبت إلى أخيها كردي فأخذ لها أمانا من أبرويز ، فلما قدمت عليه اغتبط بها ~~وتزوج بها أبرويز . قال : ولم يزل أبرويز يلاطف ملك الروم الذي نصره وأمده ~~ويهاديه إلى أن وثبت الروم عليه في شيء أنكروه منه فقتلوه وملكوا غيره ، ~~فبلغ ذلك أبرويز فتألم له وأوى إلى أبرويز ابن الملك المقتول ، فتوجه ~~أبرويز وملكه على الروم ، ووجه معه جنودا كثيفة مع شهرياز قدوخ بهم البلاد ~~. وملك صاحب كسرى بيت المقدس وأخذ خشبة الصلب وبعث بها إلى كسرى ، وذلك في ~~أربع وعشرين سنة من ملكه ، ثم PageV15P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" احتوى على مصر والإسكندرية وبلاد النوبة ، ~~وبعث مفاتيح ثغر الإسكندرية إلى كسرى في سنة ثمان وعشرين من ملكه ، وقصد ~~قسطنطينية فأناخ على ضفة الخليج الذي هو بالقرب منها وخيم هنالك ، فأمره ~~كسرى فجرب بلاد الروم غضبا على أهلها لما انتهكوا من ملكهم وانتقاما له ، ~~ومع ذلك لم يخضعوا لابن ملكهم المقتول ولا منحوه الطاعة ، ولا مال إليه ~~واحد منهم ؛ غير أنهم قتلوا الملك الذي ملكوه عليهم بعد أبيه المسمى قوقا ~~لما ظهر لهم من فجوره وسوء تدبيره ؛ وملكوا عليهم رجلا يقال له هرقل . فلما ~~رأى هرقل عظم ما فيه أهل بلاد الروم من تخريب جنود فارس بلادهم ، وقتلهم ~~مقاتليهم ، وسبيهم ذراريهم ، واستباحتهم أموالهم تضرع إلى الله وأكثر ~~الدعاء وابتهل . فيقال إنه رأى في منامه رجلا ضخم الجثة رفيع المجلس قد دخل ~~عليهما داخل فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل : إني قد أسلمته في يدك ، ~~فلم يقصص رؤياه في يقظته على أحد حتى توالت عليه أمثالها ، فرأى في بعض ~~لياليه كأن رجلا دخل عليهما وبيده سلسلة طويلة فألقاها في عنق صاحبه ، أعني ~~صاحب المجلس الرفيع ، ثم دفعه إليه وقال له : ها قد دفعت إليك ms2988 كسرى برقبته ~~. فلما تتابعت هذه الأحلام قصها على عظماء الروم وذوي العلم منهم ، فأشاروا ~~عليه أن يغزوه ، فاستعد هرقل واستخلف ابنه على مدينة قسطنطينية واخذ عن ~~الطريق الذي فيه شهريار صاحب كسرى وعدل إلى غيرها ، وسار حتى أوغل في بلاد ~~أرمينية ونزل نصيبين سنة ، وكان صاحب ذلك الثغر من قبل كسرى استدعى لموجدة ~~كانت من كسرى عليه . وأما شهريار فقد كانت كتب كسرى ترد عليه في الجثوم على ~~الموضع الذي هو به وترك البراح ، ثم بلغه أن هرقل قد أقام بجنوده بنصيبين ، ~~فوجه كسرى لمحاربة هرقل رجلا من قواده يقال له : راهزر في اثني عشر ألف رجل ~~من الأنجاد ، وأمره أن يقيم بنينوى - وهي الموصل - على شاطئ دجلة ويمنع ~~الروم أن يجوزوها . وكان كسرى بلغه خبر هرقل ، وهو يومذاك بدسكرة الملك ، ~~فنفذ الجيش لمنعه من جواز دجلة ، فعسكروا حيث أمرهم كسرى ، فقطع هرقل دجلة ~~من موضع آخر إلى الناحية التي فيها جنود فارس ، فاذكى راهزار العيون عليه ، ~~فاخبروه أن هرقل في سبعين ألف مقاتل ، فأيقن راهزار ومن معه من الجند أنهم ~~عاجزون عن PageV15P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" مناهضته ، فكتب إلى كسرى غير مرة أن هرقل قد ~~دهمه بما لا طاقة له به ولا قيل من الجنود الكثيرة . كل ذلك يجيبه كسرى ~~بأنه إن عجز عن الروم فلن يعجز عن استقبالهم ، وبذل دماء الفرس في طاعته . ~~فلما تتابعت على راهزار أجوبة كسرى بذلك عبأ جنده وناهض الروم بهم ؛ فقتلت ~~الروم راهزار وستى آلاف رجل من الفرس ، وانهزم بقيتهم وهربوا على وجوههم لا ~~يلوون على شيء ، وبلغ كسرى ذلك فانحاز من دسكرة الملك إلى المدائن ، وتحصن ~~بها لعجزه عن محاربة هرقل ، وسار هرقل بجيوش الروم حتى كان قريبا من ~~المدائن ، فاستعد كسرى لقتاله ، فلما بلغه ذلك انصرف إلى أرض الروم ، وكتب ~~كسرى إلى قواد الجند الذين انهزموا يأمرهم أن يدلوه على كل رجل انهزم منهم ~~، فأحوجهم بهذا الكتاب إلى الخلاف عليه ، وطلب الحيل لنجاة أنفسهم منه ، ~~وكتب إلى شهرياز يأمره بالقدوم عليه ويستعجله ms2989 في ذلك ويصف مانال هرقل منه ~~ومن بلاده . وقد حكي أن كسرى عرف أن له امرأة في فارس لا تلد إلا الملوك ~~والأبطال فدعاها وقال : إن أريد أن أبعث إلى الروم جيشا وأستعمل عليهم رجلا ~~من بنيك فأشيري علي أيهم أستعمل ، فوصفت له أولادها فقالت : هذا فرخان أنفذ ~~من سنان ؛ وهذا شهريار أحكم من كذا ، وهذا فلان أروغ من كذا ؛ فاستعمل ~~شهرياز ؛ فسار إلى الروم فظهر عليهم وهزمهم وخرب مدائنهم . فلما ظهرت فارس ~~على الروم جلس في بعض الأيام فرخان يشرب ؛ فقال فرخان لأصحابه : لقد رأيت ~~أني جالس على سرير كسرى ، فبلغت كلمته كسرى ، فكتب إلى شهرياز : إذا أتاك ~~كتابي هذا فابعث إلي براس فرخان ، فكتب إليه : أيها الملك ، إنك تجد مثل ~~فرخان ، وإن له نكاية في العدو وصيتا فلا تفعل ، فكتب PageV15P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" إليه : إن في رجال فارس خلفا منه ، فعجل إلي ~~برأسه ، فراجعه فغضب كسرى ولم يجبه ، وبعث بريدا إلى أهل فارس : إني قد ~~نزعت عنكم شهرياز واستعملت فرخان ، فانقاد له شهرياز وقال : سمعا وطاعة ، ~~ونزل عن سريره وجلس عليه فرخان ، ثم دفع البريد صحيفة صغيرة إلى فرخان كان ~~كسرى قد أعطاها له وقال له : إذا انقاد شهرياز إلى طاعة فرخان فأعط فرخان ~~هذه الصحيفة ، فلما قرأها فرخان قال : علي بشرهياز فأتي به فقدم ليضرب عنقه ~~فقال : لا تعجل علي حتى أكتب وصيتي ، ثم دعا بسفط وأخرج منه ثلاث صحائف ، ~~وهي التي كان كسرى أمر شهرياز فيها بقتل فرخان وقال له : كل هذه راجعت كسرى ~~فيها عنك ، وأنت تريد أن تقتلني بكتاب واحد ؛ فرد الملك إلى أخيه واعتذر ~~منه ، فكتب شهرياز إلى هرقل ملك الروم : إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد ، ~~ولا تبلغها الصحف ، فألقني ولا تأتيني إلا في خمسين روميا ، فإني أيضا ~~ألقاك في خمسين فارسيا ، فاقبل هرقل في خمسمائة ألف رومي ، وجعل يضع العيون ~~بين يديه في الطريق ، خاف أن يكون قد مكر به ، فأتته عيونه أنه ليس مع ~~شهرياز إلا خمسين رجلا . قال ms2990 : ثم التقيا وقد بسط لهما في قبة من الديباج ~~ضربت لهما ، فاجتمعا ومع كل واحد منهما سكين ، ودعوا ترجمانا يترجم لكل ~~منهما عن قول الآخر ؛ فقال شهرياز لهرقل : إن الذين خربوا مدينتك وبلغوا ~~منك ومن جندك ما بلغوا أنا وأخي بشجاعتنا وكيدنا ، وإن كسر حسدنا وأراد قتل ~~أخي وكتب إلي بقتله فأبيت ، ثم أمر أخي أ ، يقتلني وقد خلعناه جميعا ونحن ~~نقاتله معك . قال : قد أصبتما ووفقتما ، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه : إن ~~السر إنما يكون بين اثنين فإذا جاوز اثنين فشا ، قال الآخر : نعم ، فقاما ~~جميعا إلى الترجمان بسكينيهما فقتلاه ، واتفقا على قتال كسرى أبرويز . ومما ~~اتفق في أيامه من الحوادث يوم ذي قار ، وسنذكره - إن شاء الله تعالى - في ~~أيام العرب ووقائعها ، ولم نذكر في هذا الموضع يوم ذي قار على سبيل الإيراد ~~له بل على سبيل التنبيه عليه . PageV15P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" ذكر حيلة لأبرويز على ملك الروم قال : كان ~~أبرويز وجه رجلا من جلة أصحابه في جيش جرار إلى بلاد الروم ، فنكأ فيهم ، ~~وبلغ منهم ، وفتح الشام ، وبلغ الدرب في آثار الروم ، فعظم أمره حتى خافه ~~أبرويز ، فكاتبه لكتابين ، يأمره في أحدهما أن يستخلف على جيشه من يثق به ، ~~ويقبل إليه ، ويأمره في الكتاب الآخر أن يقيم بمكانه ، وأنه لما تدبر أمره ~~، وأجال الرأي لم ير من يسد مسده ، ولم يأمن الخلل إن غاب عن موضعه ، وأرسل ~~بالكتابين رسولا من ثقاته وقال له : أعطه الكتاب الأول بالأمر بالقدوم ، ~~فإن أجاب إلى ذلك فهو ما أردت ، وإن كره وتثاقل عن الطاعة فاسكت عليه أياما ~~وأعلمه أن الكتاب الثاني ورد عليك وأوصله إليه ليقيم بموضعه . فخرج رسول ~~كسرى حتى أتى صاحب الجيش ببلاد الشام فأوصل إليه الكتاب ، فلما قراه قال : ~~إما أن يكون كسرى قد تغير لي وكره موضعي ، أو يكون قد اختلط عقله بصرف مثلي ~~وأنا في نحر العدو ؛ فدعا أصحابه وقرا عليهم الكتاب فأنكروه . فلما كان بعد ~~ثلاثة أيام أوصل إليه الكتاب الثاني بالمقام وأوهمه أن رسولا ms2991 ورد به . فلما ~~قرأه قال : هذا تخليط ولم يقع منه موقعا ، ودس إلى ملك الروم من باطنه في ~~إيقاع الصلح بينهما على أن يخلي الطريق لملك الروم حتى يدخل إلى بلاد ~~العراق على غرة من كسرى ، وعلى أن لملك الروم ما يغلب عليه من دون العراق ، ~~وللفارسي ما وراء ذلك من بلاد فارس ، فأجابه ملك الروم إلى ذلك وتنحى ~~الفارسي عنه في ناحية من الجزيرة ، وأخذ أفواه الطريق فلم يعلم كسرى حتى ~~ورد خبر ملك الروم من ناحية قرقيسيا ، وكسرى على غير استعداد ، وجنده ~~متفرقون في أعماله . فلما أتاه الخبر وثب عن سريره وقال : هذا وقت حيلة ~~ومكيدة ، لا وقت شدة ، وجعل ينكث الأرض مليا ، ثم دعا برق فكتب فيه كتابا ~~صغيرا بخط دقيق إلى صاحبه بالجزيرة يقول فيه : ثم علمت ما كنت أمرتك به من ~~مواصلة صاحب PageV15P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" الروم وأطماعهم في نفسك ، وتخلية الطريق حتى ~~إذا تولج بلادنا أخذته من أمامه ، وأخذته ومن ندبناه معك من خلفه فيكون في ~~ذلك بواره ، وقد تم في هذا الوقت ما دبرناه ، وميعادك في الإيقاع به يوم ~~كذا وكذا ، ثم دعا راهبا في دير بجوار مدينته وقال له : أي جار كنت لك ، ~~قال : أفضل جار ، فقال : قد بدت لنا إليك حاجة ، فقال الراهب : الملك أجل ~~من أن يكون له إلي حاجة ، ولكن عندي بذل نفسي ، فما يأمر به الملك ؟ قال ~~كسرى : تحمل لي كتابا إلى فلان صاحبي ، قال نعم ، قال كسرى : ستمر بأصحابك ~~النصارى فأخفه ، فلما ولى عنه الراهب قال له كسرى : أعلمت ما في الكتاب ؟ ~~قال لا : قال : فلا تحمله حتى تعلم ما فيه . فلما قرأه أدخله في جيبه ثم ~~مضى . فلما صار في عسكر الروم ونظر إلى الصلبان والقسيسين وضجيجهم بالتقديس ~~والصوات احترق قلب الراهب وأشفق عليهم وقال في نفسه : أنا شر الناس إن حملت ~~بيدي حتف النصرانية ، وهلاك هؤلاء الخلق ؛ فصاح الراهب : أنا لم يحملني ~~الملك كسرى رسالة ولا معي كتاب ، فأخذوه فودجوا الكتاب معه ، وقد كان كسرى ms2992 ~~أيضا وجه رسولا قبل ذلك وأمره أن يمر بعسكر الروم كأنه رسول إلى كسرى من ~~صاحبه الذي وافق ملك الروم ومعه كتاب فيه : إن الملك كان قد أمرني بمقاربة ~~ملك الروم ، وأن أخدعه وأخلي له الطريق ، فيأخذه الملك من أمامه وآخذه أنا ~~من خلفه ، وقد فعلت ذلك ، فرأى الملك في إعلامي وقت خروجه إليه . فأخذ ملك ~~الروم الرسول وقرأ الكتاب وقال : قد عجبت من أن يكون هذا الفارسي معي على ~~كسرى ، ووافاه ويأسر من أدرك ، وبلغ صاحب كسرى هزيمة الروم فأحب أن يخلي ~~نفسه ويستر ذنبه . فلما قاته ما دبر خرج ملك الروم يقتل فيهم ويأسر ، فلم ~~يسلم منهم إلا القليل . ذكر سبب هلاك أبرويز وقتله قال : وكان سبب ذلك ~~تجبره واحتقاره للعلماء وعتوه ، وذلك أنه استخف بما لا يستخف به الملك ~~الحزم ، وكان قد جمع من المال ما لم يجمعه أحد من الملوك ، وبلغت خيله إلى ~~قسطنطينية وأفريقية ، وكانت له اثنتنا عشرة ألف امرأة وجارية ، وألف فيل ~~إلا فيل واحد ، وخمسون ألف دابة ، ومن الجواهر والأواني والآلات ما يليق ~~بذلك ، وأمر أن يحصى ما جبى من بلاده وسائر أبواب المال سنة ثماني عشرة من ~~PageV15P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" ملكه ، فرفع إليه أن الذي جبى في تلك السنة ~~من الخراج وسائر الأبواب كان ستمائة ألف ألف درهم ، وأمر أن يحول إلى بيت ~~مال بني بمدينة طيسفون من ضرب فيروز بن يزدجرد وقباذ بن فيروز اثنتي عشرة ~~ألف بدرة من أنواه الجواهر وغير ذلك . قال : فعتا وتجبر واستهان بالأنس ~~والأحرار ، وبلغ من جرأته أنه رأى رجلا كان على حرس باب الخاصة ، يقال له : ~~زاذان فروخ ، فأمره أن يقتل كل مقيد في سجن من سجونه ، فأحصوا من بالسجون ~~من المقيدين فبلغوا ستة وثلاثين ألفا ، فلم يقدر زاذان فروخ على قتلهم ، ~~وتوقف عن إمضاء أمر كسرى وأعد عللا له فيما أمره به فيهم ، فكان هذا أحذ ~~الأسباب التي كسب بها كسرى عماوة أهل مملكته مع وجود احتقاره إياهم ، ~~واستخفافه بهم ، واطراحه لعظمائهم . ومن ذلك ms2993 أنه سلط علجا ، يقال له : ~~فرخان زاذ ، على الخراج فاستخرج بقاياهم منهم بعنف وعذاب . ومن ذلك أنه ~~أجمع على قتل الفيل الذين انصرفوا إليه من قبل هرقل ، فأكدت هذه الأسباب ~~بغضه ، واستطال الناس مدته ، فكان نتيجة ذلك أن قوما من العظماء انصرفوا ~~إلى عقر بابل ، وفيه شيرى بن أبرويز مع إخوته ، وقد كان كسرى أبرويز وكل ~~بهم مؤدبين وأسورة ، يحولون بينهم وبين من يجتمع بهم من الناس ، ويمنعونهم ~~من الراح ، فأخذه العظماء وأقبلوا به إلى مدينة بهر سير ودخلوها ليلا ، ~~فخلى عمن كان في سجونها أخرجهم ، واجتمع إليه الفل الذيم كانوا غلبوا وفروا ~~من هرقل وأمر كسرى بقتلهم ، فنادوا : قباذ شاهنشاه ، وصاروا كلهم عند ~~الصباح إلى رحبة كسرى ، فهرب الحرس ، وانحاز كسرى بنفسه إلى باغ له بالقرب ~~من قصره ، يعرف بباغ الهندوان ، فارا مرعوبا ، فأخذ وحبس بمكان غير دار ~~المملكة في دار رجل يقال له : ماراسفند ، PageV15P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" إلى أن قتل بعد حديث طويل ومراسلات كانت بينه ~~وبين ابنه شيري بمواطأة العظماء ، بعد تقريع عظيم ، وتوبيخ كثير ، على ما ~~كان منه ، ومن سوء تدبيره ، وقبح فعاله ، وهو يجيبهم بأجوبة إقناعية ، وله ~~مراسلات ووصايا كتبها إلى ابنه من السجن ؛ قد ذكرنا بعضها فيما سلف من هذا ~~الكتاب . وكان هلاكه بعد ثمان وثلاثين سنة من ملكه . وبمضي اثنتين وثلاثين ~~سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوما من ملكه ، كانت هجرة سيدنا رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من مكة إلى المدينة . قال : ولما قبض على كسرى خلف في بيت ~~المال من الورق أربعمائة ألف بدرة سوى الكنوز والذخائر والجواهر والآلات . ~~وكان وزيره والقائم بتدبير بزرجمهر الحكيم . ولبزرجمهر هذا قضايا وحكم ~~ومواعظ في أيدي الناس . ويقال : إن بزرجمهر هذا إنما كان وزيرا لكسرى ~~أنوشروان ، وهو الذي قتله . وذلك أن بزرجمهر ترك المجوسية ورجع إلى دين ~~عيسى بن مريم عليه السلام ودان به ، فقتله كسرى لذلك . ويقال : إنه وجد في ~~منطقته لما قتل كتاب فيه : إذا كان القدر حقا فالحرص باطل ، وإذا كان الغدر ms2994 ~~في الناس طباعا فالثقة بكل أحد عجز ، وإذا كان الموت نازلا فالطمأنينة إلى ~~الدنيا حمق . قالوا : ولما بلغ بزرجمهر من العمر خمس عشرة سنة دخل على كسرى ~~، وقد جلست الوزراء على كراسيها والمرازبة في مجالسها ، فوقف وحيا الملك ~~بتحية الملوك ثم قال : الحمد له المأمون نعمه ، المرهوب نقمه ، الدال عليه ~~، بالرغبة إليه ، المؤيد الملك ، بسعوده في الفلك ، حتى رفع شأنه ، وعظم ~~سلطانه ، وأنار به البلاد ، وأنعش به العباد ، وقسم به في التقدير ، وجوه ~~التدبير ، فرعى رعيته بفضل نعمته ، وحماها الموبلات ، وأوردها المعشبات ، ~~وذاد عنها الأكالين ، وألفها بالرفق واللين ، إنعاما من الله عليه ، ~~وتثبيتا لما في يديه . وأسأله أن يارك له فيما آتاه ، ويخبر فيما استرعاه ، ~~ويرفع قدره في السماء ، ويسير ذكره على وجه الماء ، حتى لا يبقى له بينهما ~~مناوى ، ولا يوجد له مساوي . واستوهب الله له حياة لا يتنغص فيها ، وقدرة ~~لا يحيد أحد عنها ، وملكا لا بؤس فيه ، وعافية تديم له البقاء ، وتكثر له ~~النماء ؛ وعزا يؤمنه من انقلاي رعيته ، أو هجوم بليت ، فإنه مؤتى الخير ، ~~ودافع الشر . فلما سمعه كسرى أمر فخشي فمه بنفيس الجواهر ، ولم تمنحه حداثة ~~سنه أن استوزره ، وقلده خيره وشره ؛ فكان أول داخل ، وآخر خارج . وكان أبوه ~~خامل القدر ، وضيع الحال ، سفيه المنطق ، اسمه البختكان . PageV15P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" قال : ولما قبض على أبرويز ملك بعده ابنه : ~~قباذ بن أبرويز ويعرف قباذ بشيرويه . وقباذ هذا هو القابض على أبيه والقاتل ~~له ، وقتل سبعة عشر أخا له ، وقيل ثمانية عشر ، ذوي آداب وشجاعة ؛ فكان ~~عاقبة ذلك أن الله عز وجل ابتله بالأسقام فانتقض عليه بدنه ، ولم يلتذ بشيء ~~من ملاذ الدنيا ، وجزع بعد قتل إخوته جزعا شديدا ؛ وكان يبكي حتى يرمي ~~التاج عن رأسه ، وعاش ما عاش مهموما حزينا مدنفا . وفي أيامه فشا الطاعون ~~فأهلك أكثر الفرس . وكان ملكه ثمانية أشهر ، وقيل أكثر من ذلك . وملك بعد ~~وفاته ابنه أردشير بن شيرويه وهو ابن سبع سنين ولم يوجد من بيت الملك غيره ~~. قال : ولما ملكته ms2995 الفرس عليها حضنه رجل يقال له : مها ذرجشنس ، فاحسن ~~سياسة الملك . وكان شهر براز المقيم يثغر الروم في جند ضمهم إليه كسرى ~~أبرويز وابنه شيرويه ، وكانا يكتبان إليه ويستشيرانه في الأمر الذي يهمهما ~~ويعملان برأيه . فلما مات شيرويه وملكت الفرس عليها ابنه أردشير - مع حداثة ~~سنه - لم يشاوره عظماء الفرس في ذلك ، فعظم عليه انفرادهم عنه ، وجعل ذلك ~~ذنبا لهم ، وبسط يده وطمع في الملك ، واستهان بعظماء الفرس ، ودعا الناس ~~لنفسه ، وأقبل بجنده نحو المدائن ، فعمد مهاذر جشنس إلى مدينة كيسبون ، ~~فحصنها وحول أردشير ومن بقي من نسل الملوك ونسائهم والأموال والخزائن ~~والكراع وغير ذلك إليها ؛ فورد شهربراز إلى مدينة طيسبون وحاصرها ونصل ~~عليها المجانيق ، فعجز عنها لحصانتها ، فأخذ في أعمال المكايد والحيل ، فلم ~~يزل يتلطف برجل يقال له : بيوخسرو ويراسله هو وغيره ، حتى فتحوا له باب ~~المدينة فدخلها ، وقتل جماعة من الرؤساء واستصفى أموالهم وقتل أردشير بن ~~شيرويه . وكان ملمه سنة ونصفا ، وقيل : إنما ملك نصف سنة ؛ وقيل : خمسة ~~أشهر . وملك بعده شهر براز ، وقيل فيه : شهريار ، ولم يكن من أهل بيت ~~المملكة . PageV15P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" قال : ولما جلس على سرير الملك ضرب عليه بطنه ~~، وبلغ من شدة ذلك عليه انه لم يقدر على إتيان الخلاء ؛ فدعا بالطست ، فوضع ~~أمام ذلك السرير ، ومد أمامه ما يستتر به ، وبقي يتبرر في ذلك الطست . قال ~~: ثم امتعض رجل يقال له : فسفروخ ين ماخرشيذان وأخوان له من قتل شهر براز ~~أردشيرين شيرويه وغلبته على الملك ، فتخالفوا على قتله . وكان من السنة إذا ~~ركب الملك أن يقف له حرسه سماطين عليهم الدروع والبيض ، وبأيديهم السيوف ~~والتراس والرماح ؛ فإذا حاذاهم الملك وضع كل واحد منهم ترسه على قريوس سرجه ~~، ثم يضع جبهته عليه كهيئة السجود . قال : واتفق ركوب شهر براز في بعض ~~الأيام فوقف فسفروخ وأخواه وهم بالقرب من بعضهم بعضا ، فلما حازاهم شهر ~~براز طعنه فسفروخ ، ثم طعنه أخواه فسقط عن دابته ، فشدوا رجله بحبل وجروه ~~إقبالا وإدبارا ساعة ، وساعدهم العظماء على ذلك ms2996 ، وقتلوا جماعة ممن كان قد ~~ساعد شهر براز على قتل اردشير . فكان ملكه أربعين يوما ، وقيل عشرين يوما . ~~وملكت بعده بوران بنت كسرى أبرويز ويقال لها : بوران دخت . قال : فأحسنت ~~السيرة وبسطت العدل ، وأمرت برقم القناطر والجسور ، وإعادة ما تشعث من ~~العمارات ، ووضعت بقايا الخراج ، وكتبت إلى الناس عامة كتبا تعلمهم منا هي ~~عليه من الإحسان ، وأنها ترجو أن يريهم الله من الرفاهية والاستقامة ~~بمكانها ، ومن العدل وحفظ الثغور ما يعلمون أنه ليس ببطش الرجال تدوخ ~~البلاد ولا ببأسهم تستباح العساكر ، ولا بمكائدهم ينال الظفر وتطفا النوائر ~~؛ ولكن ذلك بالله عز وجل ، وحسن النية واستقامة التدبير . وأمرت بالمناصحة ~~وحسن الطاعة وردت خشبة الصليب على ملك الروم . وكان ملكها سنة وأربعة أشهر ~~. PageV15P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" ثم ملك رجل يقال له : جشنسدة وهو ابن عم ~~أبرويز ، وكان ملكه أقل من شهر ، وقيل : إن الذي يزدجرد بن كسرى وهو طفل . ~~ثم ملكت بعده آرميدخت بنت كسرى أبرويز ، وكانت من أجمل نساء دهرها ، وكان ~~عظيم فارس يومئذ فرخ هرمز أصبهبذ خراسان ؛ فأرسل إليها يسألها أن تزوجه ~~نفسها فأرسل إليه : التزويج للملكة غير جائز ، وقد علمت أن أريك فيما ذهبت ~~إليه قضاء حاجتك مني ؛ فصر إلي ليلة كذا وكذا ، ففعل وركب إليها في تلك ~~الليلة ، وتقدمت إلى صاحب حرسها أن يرصده في الليلة التي تواعدا للالتقاء ~~فيها ، فإذا رآه يقتله ، فرصده صاحب الحرس ؛ فلما جاء قتله وجر برجله وطرحه ~~في رحبة دار الملك . فلما أصبح الناس ورأوه علموا أنه لم يقتل إلا لأمر ~~عظيم ، ثم أمرت بتغييب جثته فغيبت . وكان رستم بن فرخ هرمز هذا - وهو رستم ~~صاحب القادسية - عظيم البأس ، قويا في نفسه ، فلما بلغه ما صنع بابيه أقبل ~~في جند عظيم حتى نزل المدائن ؛ فقبض على آزرميد وسمل عينيها وقتلها بعد ذلك ~~. فكانت مدة ملكها ستة أشهر . واختلف فيمن ملك بعد آزرميد ، فقيل رجل من ~~عقب أردشير بن بابك كان ينزل الأهواز يقال له : كسرى بن مهرجشنس ، فلبس ~~التاج وقتل بعد أيام . ويقال ms2997 : بل كان رجل يسكن ميسان يقال له فيروز ، ~~فملكوه كرها . وكان ضخم الرأس ، فلما توج قال : ما أضيق هذا التاج فتطير ~~العلماء من افتتاح الأمر بالضيق وقتلوه . ثم أتى برجل من أولاد كسرى كان قد ~~لجأ إلى موضع من الغرب بالقرب من نصيبين ، يقال له حصن الحجارة حين قتل ~~شيرويه بن كسرى أبرويز إخوته ، وهو فرخ زاباذ خسرو بن كسرى أبرويز ، فانقاد ~~الناس له طوعا زمانا يسيرا ثم استعصوا عليه وخالفوه . وكان ملكه ستة أشهر ، ~~وكان أهل اصطخر قد ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن أبرويز باصطخر ، وكان قد هرب ~~إليها حين قتل شيرويه إخوته . فما بلغ عظماء أهل اصطخر أن من بالمدائن ~~خالفوا الملك فرخ زاذ خسرو أتوا يزدجرد ببيت نار أردشير ، فتوجوه هناك ~~وملكوه ، وكان حدثا ثم أقبلوا به إلى المدائن وقتلوا فرخ زاذ خسرو بحيل ~~احتالوها عليه . PageV15P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" وملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز بن ~~هرمز بن كسرى أنوشروان بن بهرام بن يزدجرد بن سابور بن هرمز بن سابور بن ~~أردشير بن بابك ، فملك وكان العظماء والوزراء يدبرون الملك لحداثة سنه ، ~~وهو آخر الملوك الساسانية وعليه انقرضت دولته ، فلم تقم لهم قائمة ، وتردد ~~إلى بلاد خراسان وإلى بلاد الترك ، وعاد فقتل بمرو من بلاد خراسان في سنة ~~إحدى وثلاثين ن الهجرة لسبع سنين خلت من خلافة عثمان بن عفان رضي الله . ~~وكانت مدة ملك بزدجرد منذ ملك وإلى أن قتل عشرين سمة ، إلا أن فيها مدة لا ~~يعد فيها مع الملوك ؛ لأنه كان مشردا طريدا على ما نذكر أخباره مفصلة ، ~~وكيف فتحت بلاده ومدنه بلدا بلدا ، ومدينة مدينة في خلافة عمر بن الخطاب ~~وعثمان بن عفان رضي الله عنهما . فعدة ملوك الفرس الأول والساسانية على هذا ~~المساق الذي ذكرناه اثنان وخمسون ملكا منهم ثلاث نسوة . فالفرس الأول عشرون ~~ملكا منهم امرأة واحدة . والملوك الساسنية اثنان وثلاثون ملكا فيهم امرأتان ~~. وذكر بعض المؤرخين أن ملوك الفرس ستون ملكا ، وأن مدة ملكهم أربعة آلاف ~~سنة وسبعون سنة ms2998 وشهورا . والله أعلم . ذكر أخبار ملوك اليونان وأنسابهم قد ~~تنازع الناس في اليونانيين ، فذهبت طائفة منهم أنهم ينتمون إلى الروم ~~ويضافون إلى ولد إسحاق ؛ وقالت طائفة : إن يونان هو ابن يافث بن نوح . وقال ~~آخرون : إنه يافث بن الأصغر . وذهب قوم إلى انهم من ولد أوراش بن ماذان ابن ~~سام ين نوح . وذهب آخرون إلى أنهم من قبيل متثدم في الزمن الأول . وقال ~~المسعودي : وقد ذكر أن يونان أخو قحطان ، وأنه من ولد عابر بن شالخ ، وأن ~~أمره في الانفصال عن دار أخيه كان سبب الشك في الشركة في النسب ، وانه خرج ~~من أرض اليمن . وكان يونان جبارا عظيما ، وسيما جسيما . وكان جزل الرأي ، ~~PageV15P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" كبير الهمة ، عظيم القدر . وهكذا ذكر يعقوب ~~بن إسحاق الكندي في نسب يونان أنه أخ لقحطان ، ورد عليه أبو العباس عبد ~~الله بن خمد الناشئ في قصيدته حيث قال : أبا يوسف إني نظرت فلم أجد . . . ~~على الفحص رأيا صح منك ولا عقدا وصرت حكيما عند قوم إذا امرؤ . . . بالهم ~~جميعا لم يجد عندهم عهدا أتقرن إلحادا بدين محمدلقد جئت شيئا ياأخا كندة ~~إدا وتخلط قحطانا بيونان ضلة . . . لعمري لقد باعدت بينهما جدا قيل : ولما ~~كثر ولد يونان خرج يطلب موضعا يسكنه ، فأتى إلى موضع من الغرب ، فأقام به ~~هو ومن معه من ولده ، وكثر نسله إلى أن أدركه الموت ، فجعل وصيته إلى ~~الأكبر من ولده واسمه جريبوش ، وأوصاه بأولاده ونسله ، ومات وبقي ابنه على ~~مكانه ، وكثر نسلهم على باد الغرب من الفرنجة والنوكبرد والصقالبة وغيرهم . ~~وذكر بطليموس في كتابه : أن أول ملك ملك من ملوك اليونانيين فيلبس وتفسيره ~~محب الفرس ، وقيل اسمه نفليص ، وقيل فيلفوس . وكانت مدة ملكه سبع سنين . ثم ~~ملك بعده ابنه الإسكندر ذو القرنين وليس هو صاحب الحضر رضي الله عنه . ~~والإسكندر هذا الذي قتل دارا بن دارا ملك الفرس ، ونثر عقد مملكة فارس ، ~~وقرر ملوك الطوائف فيما ذكرناه . وكان سبب قتله لدارا أن سائر الملوك كانت ~~تؤدي الإتاوة إلى ms2999 ملوك الفرس منذ دوخ بختنصر البلاد ، وذلل لهم الملوك على ~~منا ذكرناه آنفا في أخبار الفرس ، ولا حاجة إلى إعادته . قالوا : وكان ~~قيلبس أبو الإسكندر قد صالح دارا على إتاوة يؤديها إليه في كل سنة . فلما ~~ولي الإسكندر وظهر أمره ، وكان بعيد الهمة ، فامتنع أن يؤدي إلى دارا ~~الخراج الذي كان يحمله أبوه إليه ، فأسخط دارا ذلك ، فكتب إليه يؤنبه بسوء ~~صنيعه بتركه حمل ما كان أبوه يحمله من الخراج وقال في كتابه : إنما دعاك ~~إلى حبس ذلك الصبا والجهل ، وبعث إليه بصولجان وكرة وبقفيز من السمسم . ~~يعلمه بذلك أنه PageV15P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" . إنما ينبغي لك أن تلعب مع الصبيان ~~بالصولجان ولا تتقلد الملك ولا تلبث به ، ويعلمه أنه لم يقتصر على ما أمره ~~به وتعاطى الملك بعد أن أمره باعتزاله بعث إليه بمن يأتيه في وثاق . وان ~~عدة جنوده الذين يبعث بهم إليه كعدة حب السمسم الذي بعث به إليه . فكتب ~~إليه الإسكندر في جواب ذلك : أنه قد فهم ما كتب به ، ونظر إلى ما أرسله ~~إليه من الصولجان والكرة وتيمن به لإلقاء الملقي الكرة إلى الصولجان ~~وإحرازه إياها ، وأنه شبه الأرض بالكرة ، وتفاءل بملكه إياها واحتوائه ~~عليها ، وأنه يجتر ملك دارا إلى ملكه ، وبلاده إلى حيزه ؛ وأنه نظر إلى ~~السمسم الذي بعث به كنظره إلى الصولجان والكرة لدسمه وبعده عن المرارة ~~والحرافة ، وبعث إلى دارا مع كتابه بصرة من خردل ، وأعلمه في الجواب أن ما ~~بعث به إليه قليل ، غير أن ذلك مثل الذي بعث به في القوة والحرافة والمرارة ~~، وأن جنوده فيما وصف به منه . فلما وصل إلى دارا جواب كتاب الإسكندر ، جمع ~~جنده وتأهب لحربه وسار نحو بلاده ، وتأهب الإسكندر أيضا للقائه وسار نحو ~~دارا ، فالتقيا جميعا بأرض الجزيرة واقتتلا سنة ، وقد كان دارا ملة قومه ~~وأحبوا الراحة منه ، فلحق كثير من وجوه فارس بالإسكندر وأطلعوه على عورة ~~دارا وقووه عليه ، ثم وثب على دارا حاجباه فقتلاه وتقربا برأسه إلى ~~الإسكندر ، فلما أتوه بها أمر بقتلهما ms3000 وقال : هذا جزاء من تجرأ على ملكه . ~~وقد ذكر أنه سيق إليه أسير غدر به صاحب شرطته ، فقال له الإسكندر : بما ~~اجترأ عليك صاحب شرطتك ؟ قال : بتركي ترهيبه وقت إساءته ، وإعطائي إياه وقت ~~الإحسان باليسير من فعله نهاية رغبته ، فقال الإسكندر : نعم العون على ~~إصلاح القلوب الموغرة الترغيب بالأموال ، وأصلح منه الترهيب وقت الحاجة ثم ~~أمر الإسكندر بقتله . وقد قيل : إنه لما هزمه الإسكندر فر جريحا فخرج في ~~طلبه في ستة آلاف حتى أدركه ، ثم لم يلبث دارا أن هلك ، فأظهر الإسكندر ~~عليه الحزن ودفنه في مقابر الملوك . PageV15P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" وقيل : إن الإسكندر كان قد نادى ألا يقتل ~~دارا وان يؤسر . فلما علم الإسكندر بما تم على دارا سار حتى وقف عنده فرآه ~~يجود بنفسه فنزل الإسكندر عن دابته وجلس عند رأسه ، وأخبره أنه ما أمر ~~بقتله ، وأن الذي أصابه لم يكن عن رأيه . وقال : سلني ما بدا لك فإني أسعفك ~~به ، فقال له دارا : لي إليك حاجتان : إحداهما أن تنتقم لي من الرجلين ~~اللذين قتلاني وسماهما له ، والأخرى أن تتزوج ابنتي روشنك ، فأجابه إلى ذلك ~~، وأمر بصلب الرجلين اللذين فتكا بدارا . ويقال : إن الرجلين اللذين قتلاه ~~إنما فعلا ذلك عن رأي الإسكندر ، وأنه كان شرط لهما شرطا على قتله ، فلما ~~طعناه دفع إليهما ما كان شرطه لهما ثم قال : قد وفيت لكما بالشرط ولم تكونا ~~شرطتما لأنفسكما وأنا قاتلكما لا محالة ، فإنه ليس ينبغي لقتلة الملك أن ~~يسبقوا إلا بذمة لا تخفر ، فقتلهما وصلبهما . ويقال إن الإسكندر في الأيام ~~التي نازل فيها دارا كان يسير إليه بنفسه على أنه رسول فيتوسط العسكر ويعرف ~~كثيرا مما يحتاج إليه ، فكان دارا يستحسن سمته ، ويحسن صلته ومجازاته ، ثم ~~اتهمه ، وأحس الإسكندر بذلك فما عاد إليه بعدها . ذكر شيء من مكايد ~~الإسكندر وحيله في حروبه من ذلك أنه لما التقى بدارا يوم الحرب أمر مناديه ~~فنادى : يا معشر الفرس ، قد علمتم ما كتبنا لكم من الأمانات ، فمن كان منكم ~~على الوفاء فليعتزل ms3001 عن العسكر وله منا الوفاء بما ضمناه فاتهمت الفرس بعضها ~~بعضا ، وكان ذلك أول اضطراب حدث فيهم . ومن ذلك أنه لما شخص عن فارس إلى ~~أرض الهند تلقاه ملكها قور في جمع عظيم من الهنود ومعه ألف فيل عليها ~~المقاتلة بالسلاح وفي خراطيمها السيوف والعمد ، فلم تقف لها دواب الإسكندر ~~وفوت فكانت الهززيمة عليه ، فلما بلغ الإسكندر مأمنه أمر باتخاذ فيلة من ~~نحاس مجوفة وربط خيله بين تلك التماثيل حتى ألفتها ، ثم أمر فملئت نفطا ~~وألبسها الدروع وجرت على العجل ، وعاود حرب الهند ، وجعل بيم كل تمثالين ~~جماعة من أصحابه . فلما نشبت الحرب أمر بإشعال النيران في أجواف تلك ~~التماثيل وانكشف أصحابه عنها وغشيتها فيلة الهند ، PageV15P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" فخرجت النيران من خراطيم التماثيل فولت ~~الفيلة مدبرة ورجعت على أصحابها ، فكانت الدائرة على الهند وقتل ملكهم قور ~~. ومما يحكى عنه أنه نزل على مدينة حصينة فتحصن فيها أهلها ، فتعرف خبرها ~~فقيل له : إن فيها من الميرة ما يكفيهم زمنا طويلا ، وإن بها نم العيون ~~والأنهار ما لا يقدر على قطعه ، فارتحل عنها ودس جماعة من التجار متنكرين ، ~~فدخلوها وأمدهم بالأموال الكثيرة ، وأمرهم أن يبتاعوا الأقوات ويغالوا في ~~أثمانها ، ففعلوا ذلك حتى حازوا أكثر ما فيها . فلما علم الإسكندر بذلك كتب ~~إليهم يأمرهم بإحراق ما حصلوه من الأقوات وان يهربوا ، ففعلوا كما أمرهم ، ~~وعاد إلى المدينة وحاصرها وزحف عليها فأعطوه الطاعة وملك المدينة . وكان ~~إذا أراد أن يحاصر مدينة شرد من حولها من أهل القرى وتهددهم بالسبي فلجأوا ~~إلى المدينة ويعتصموا بها ، فلا يزال كذلك حتى يعلم أنه قد دخلها أضعاف ~~أهلها وأسرعوا في الميرة فيحاصرهم حينئذ فيفتح المدينة . ومما يحكى عنه أنه ~~كتب إلى معلمه أرسطاطاليس ، وكان الإسكندر يشاوره في كثير من أموره ، ~~ويقتدى بآرائه ، ويعمل بما يشير به عليه ولاي عدل عنه . وأرسطاطاليس هذا هو ~~تلميذ أفلاطون صاحب الفراسة تلميذ سقراط . ويحكى عن أفلاطون انه كان يصور ~~له صورة إنسان لم يره قط ولا عرفه فيقول : صاحب هذه الصورة ms3002 من أخلاقه كذا ، ~~ومن هيئته كذا ، فيكون الرجل كما اخبر عنه ، فيقال : إنه صور له صورة نفسه ~~، فلما عاينها قال : هذا رجل محب في الزنا فقيل له : إنها صورتك ، فقال : ~~نعم أنا كذلك ، ولولا أني أملك نفسي لفعلت وغني لمحب فيه . نرجع إلى أخبار ~~الإسكندر فيما كتب به أرسطاطاليس وما أجابه به قالوا : إنه كتب إليه يخبره ~~أن في عسكره من الروم جماعة من خاصته لا يأمنهم على نفسه لما يرى من بعد ~~هممهم في شجاعتهم وكثرة آلتهم . وأنه لا يرى لهم عقولا تفي بتلك الفضائل ~~التي تمنعهم من الإقدام والجرأة عليه ، وأنه يكره الإقدام عليهم بالقتل ~~بمجرد الظنة مع وجوب الحرمة . PageV15P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" فكتب إليه أرسطاطليس : قد فهمت كتابك ، وما ~~زصفت به أصحابك . أما ذكرت من بعد هممهم فإن الوفاء من بعد الهمة . وأما ما ~~ذكرت من شجاعتهم ونقص عقولهم عنها ، فمن كانت هذه حاله فرفهه ف معيشته ~~واخصصه بحسان النساء ، فإن رفاهية العيش توهن العزم ، وتحبب السلامة ، ~~وتباعد من ركوب الخطر والغرر ، وليكن خلقك حسنا تخلص إليك النيات ، ولا ~~تتناول من لذيذ العيش بغضة . واعلم أن المملوك إذا اشترى لم يسال عن مال ~~مولاه ، وإنما يسأل عن خلقه . وكتب إليه الإسكندر بعلمه أنه شاهد بإيران ~~شهر رجالا ذوي أصالة في الرأي ، وجمال في الوجوه ، ولهم مع ذلك صرامة ~~وشجاعة ، وأه رأى لهم هيئات وخلقا لو كان عرف حقيقتها لما غزاهم ، وأنه ~~إنما ملكهم بحسن الاتفاق والبخت ، وأنه لا باس إذا ظعن عنهم وتوبهم ولا ~~تسكن نفسه إلا ببوارهم . فكتب إليه أرسطاطليس : فهمت كتابك في رجال فارس ؛ ~~فأما قتلهم فهو من الفساد في الأرض ، ولو قتلتهم لأنبتت أرض فارس أمثالهم ، ~~لان إقليم بابل يولد أمثال هؤلاء الرجال من أهل العقل ، والسداد في الرأي ، ~~والاعتدال في التركيب ؛ فصاروا أعداءك وأعداء عقبك بالطبع ، لأنك تكون قد ~~وترت القوم وكثرت الأحقاد على أرض الروم منهم وممن بعدهم ، وإخراجك إياهم ~~في عسكرك مخاطرة بنفسك وأصحابك ؛ ولكني أشير عليك برأي هو أبلغ لك ms3003 في كل ما ~~تريد من القتل وغيره ، وهو ا ، تستدعي أولاد الملوك منهم وممن يستصلح للملك ~~ويترشح له ، فتقلدهم البلدان وتوليهم الولايات ليصير كل واحد منهم ملكا ~~برأسه ، فتتفرق كلمتهم ، ويجتمعوا على الطاعة لك ، ولا يؤدي بعضهم إلى بعض ~~طاعة ، ولا يتفقوا على أمر واحد ، ولا تجتمع كلمتهم . ففعل الإسكندر ذلك ، ~~فتم أمره وأمكنه أن يتجاوز أرض فارس إلى أرض الهند حتى قتل ملكها مبارزة ~~بعد حروب عظيمة . ثم صار إلى أرض الصين وطاف مما يلي القطب الشمالي ورجع ~~إلى العراق فمات في طريقه بشهرزور ، PageV15P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" ويقال : بل في قرية من قرى بابل . وكان عمره ~~ستا وثلاثين سنة . وفي بعض النسخ ثلاثا وثلاثين سنة . وكان ملكه ثلاث عشرة ~~سنة وشهورا . وقيل : سبعة عشر سنة ، وقتل دارا في السنة الثالثة من ملكه . ~~قال : وبنى الإسكندر اثنتي عشرة مدينة وسماها كلها الإسكندرية منها : مدينة ~~جي بأصبهان ، وثلاث مدن بخراسان وهي : هراة ومرو وسمرقند . وبنى بأرض بابل ~~مدينة لروشنك . وبنى بأرض يونان سبع مدن . ومن عجيب ما قيل في نسب الإسكندر ~~: أنه من ولد دارا الأكبر ، وأنه أخو دارا الاصغر ، وذلك أن دارا الأكبر بن ~~أردشير تزوج ببنت ملك الزنج هلاي ، فلما حملت منه استخبث ريحها ، فأمر أن ~~تحتال لذلك ، فكانت تغتسل بماء السندروس فأذهب ذلك كثيرا من دفرها ، ثم ~~عافها وردها إلى أهلها وقد علقت سنه بالإسكندر فقيل له الإسكندروس . هذا ما ~~نقله عبد الملك بن عبدون في كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدر قال : ~~واختلف في مدته فذكر الخوارزمي في تاريخه أنه كان قبل الهجرة بتعسمائة سنة ~~، وثلاث وثلاثين سنة . وذكر أبو محمد ابن قتيبة في كتاب المعارف : أن بينه ~~وبين الهجرة أربعمائة سنة . والله أعلم بالصواب . ذكر شيء من أخبار ~~الإسكندر وما اتفق له مع ملكي الهند والصين فأما خبره مع ملك الهند قال عبد ~~الملك بن عبدون : إن الإسكندر لما دوخ البلاد وقهر الملوك سار نحو الهند ~~وقتل ملكها الأعظم فورا صاحب مدينة PageV15P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" المانكير ms3004 . فلما دانت له ملوك الهند بلغه أن ~~بأقاصي ديارها ملكا من ملوكها ذا حكمة وسياسة وإنصاف لرعيته ، وأنه ليس في ~~بلاد الهند من فلاسفتهم وحكمائهم مثله يقال له كند كان ، وأنه قاهر لنفسه ~~مانع لها من الشهوة الغضبية ، فكتب إليه الإسكندر كتابا يقول فيه : أما بعد ~~، فإذا أتاك كتابي هذا فإن كنت قائما فلا تقعد ، وإن كنت ماشيا فلا تلتفت ~~حتى تدخل في طاعتي ، وإلا مزقت ملكك وأحقتك بمن مضى من ملوك الهند من قبلك ~~. فلما ورد عليه الكتاب أجاب بأحسن جواب ، وخاطبه بملك الملوك ، وأعلمه أنه ~~قد اجتمع عنده أشياء لم تجتمع عند غيره مثلها : فمن ذلك ابنة له لم تطلع ~~الشمس على أحسن منها ؛ وفيلسوف يخبرك بمرادك قبل أن تسأله لحدة مزاجه وحسن ~~قريحته ، واعتداله في بنيته ، واتساعه في علمه ؛ وطبيب لا يخشى عليه معه ~~داء ولا شيء من العوارض إلا ما يطرأ من الفناء والدثور الواقع بهذه البنية ~~، وحل العقدة التي عقدها المبدع لها المخترع لهذا الجسم الحسي ، وإذا كانت ~~بنية الإنسان وهيكله قد نصبا في هذا العالم غرضا للآفات والحتوف والبلايا ؛ ~~وقدح إذا ملأته شرب منه عسكرك بجمعه ولا ينقص منه شيء ، وإني منفذ جميع ذلك ~~إلى الملك وصائر إليه . فلما قرأ الإسكندر كتابه قال : كون هذه الأشياء ~~عندي ونجاة هذا الحكيم من صولتي أحب إلي من ألا تكون عندي ويهلك . فأنف ~~إليه الإسكندر جماعة من الحكماء اليونانيين والروم في عدة من الرجال وتقدم ~~إليهم أنه إن كان قد صدق فيما كتب به إلي فاحملوا ذلك إلى عندي واتركوه في ~~موضعه ، وإن تبينتم الأمر على خلاف ذلك ، وأنه أخبر عن الشيء على خلاف ما ~~هو به فقد خرج عن حد الحكمة فأشخصوه إلي . فلما انتهوا إلى مملكة الملك خرج ~~إليهم وتلقاهم بأحسن لقاء ، وأنزلهم بأحسن منزل . فلما كان في اليوم الثالث ~~جلس لهم مجلسا خاصا للحكماء دون من كان معهم من المقاتلة . فقال بعضهم لبعض ~~: إن صدقنا في الأول صدقنا فيما بعد ذلك مما ذكر . فلما ms3005 أخذت الحكماء ~~مراتبها واستقرت بها مجالسها أقبل عليهم مباحثا في أصول العلوم الفلسفية ~~وفروعها ، وعلى كم فن يحتوي العلم الفلسفي في أصوله ، وإلى كم يتفرع . ~~PageV15P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" قال عبد الملك بن عبد الله بن عبدون - رحمه ~~الله - : وقد ذكر أن العلم الفلسفي ينقسم على أربعة أنواع : أحدها ~~الرياضيات ، والثاني المنطقيات ، والثالث الطبيعيات ، والرابع الإلهيات . ~~قال : فأما الرياضيات فأربعة : الواحد علم الحساب ، والثاني علم الهندسة ، ~~والأصل فيه النقطة ، وهي فيه كالواحد في علم الحساب ، والثالث علم النجوم ، ~~والرابع علم الموسيقى ، وهو علم تأليف الألحان . وأما العلوم المنطقيات ~~فخمسة أنواع : الواحد معرفة صناعة الشعر ، وأنواع البديع كالتكافؤ والتفريع ~~والحشو والتتبع والتسميط والترصيع والالتفاتة والإشارة والمقابلة ~~والاستعارة والتبليغ والتلويح والتصدير والتوشيح والتجنيس والتضاد والترديد ~~والاستطراد والتسهيم والإحالة والتتميم . والثاني معرفة صناعة الخطابة . ~~والثالث صناعة الجدل . والرابع صناعة البرهان . والخامس صناعة المغالطين في ~~المناظرة والجدل . وأما العلوم الطبيعيات فسبعة أنواع : الواحد علم المبادئ ~~الجسمانية ، وهي خمسة أشياء : الهيولى والصورة والزمان والمكان والحركة . ~~والثاني علم السماء والأرض ، وهو معرفة ماهية جواهر الأفلاك والكواكب ~~وكيفيتها وكيفية تركيبها وعلة دورانها ، وهل تقبل الكون كما تقبل الأركان ~~الأربعة التي دون فلك القمر أو لا ، وما علة حركات الكواكب واختلافها في ~~السرعة والإبطاء ، وما علة سكون الأرض في وسط الفلك في المركز ، وهل خارج ~~العالم جسم آخر أم لا . وهل في الكون والفساد موضع لاشيء فيه ، وما شاكل ~~هذه المباحث . والثالث علم الكون والفساد وهو علم معرفة جواهر الأركان ~~الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض . والرابع علم حدوث الجواهر ~~بتغيرات الهواء وتأثيرات الكواكب بحركاتها ومطارح شعاعاتها على الأركان ~~الأربعة وانفعالاتها بعضها ببعض بقدرة الله تعالى . والخامس علم المعادن ~~التي تنعقد من البخارات المختنقة في بطن الأرض والعصارات المتحللة من ~~الهواء . والسادس علم النبات على اختلاف أنواعه في هيآته وأشكاله واختلاف ~~صموغه وطعومه وخواصه وروائحه ومنافعه ومضاره . السابع علم الحيوان ، ~~PageV15P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" وهو معرفة كل جسم يغتذي ويحس ويعيش ويتحرك ~~على اختلاف أنواعه ، وما شاكل كل ذلك ms3006 مما ينسب إلى علم الطبيعيات كعلم الطب ~~والبيطرة وسياسة الدواب والسباع والطيور والحرث والنسل وعلم الصنائع أجمع ~~داخل في علم الطبيعيات . وأما العلوم الإلهيات فخمسة أنواع ؛ أولها : معرفة ~~الباري سبحانه وتعالى بجميع صفاته ، وأنه أول كل شيء ، والخالق لكل شيء ، ~~والعالم بكل شيء ، وأنه ليس كمثله شيء . والثاني علم الروحانيات من الجواهر ~~البسيطة العقلية ، وهي الصورة المجردة من الهيولى المستعملة للأجسام ~~المطهرة ، ومعرفة ارتباط بعضها ببعض ، وقبض بعضها عن بعض ، وهي أفلاك ~~روحانية تحيط بأفلاك جسمانية . والثالث علم النفوس والأرواح السارية ي ~~الأجسام الفلكية والطبيعية من لدن الفلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض . ~~والرابع علم السياسة العامية والسياسة الخاصية والسياسة الذاتية . فأما ~~السياسة النبوية فالله تبارك وتعالى يختص بها من يشاء من عباده ويهدي ~~لأتباعهم من يشاء لا معقب لحكمه ، لا يسال عما يفعل وهم يسألون . وأما ~~السياسة الملوكية فهي حفظ الشريعة على الأمة وإحياء السنة والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر . وأما السياسة العامية فهي الرياسات على الجماعات كرياسة ~~الأمراء على البلدان وقادة الجيوش وترتيب أحوالهم على ما يجب وينبغي من ~~الأمور وإتقان التدبير . وأما السياسة الخاصية فهي معرفة كل إنسان بنفسه ، ~~وتدبيره أمر غلمانه وأولاده ، ومن يليهم من أتباعه وقضاء حقوق الإخوان . ~~وأما السياسة الذاتية فهي أن يتفقد الإنسان أفعاله وأحواله وأخلاقه وشهوته ~~فيزمها بزمام عقله ، وغضبه فيردعه وما شاكل ذلك . والخامس من العلوم ~~الإلهيات علم المعاد وكيفية انبعاث الأرواح وقيام الأجسام وحشرها للحساب ~~يوم الدين ، ومعرفة حقيقة جزاء المحسنين وعقاب المسيئين . نرجع إلى خبر ~~الملك الهندي مع أصحاب الإسكندر ، قال : ولما تكلم مع الحماء اليونانيين في ~~العلوم الفلسفية وطال الخطب في مناظرتهم أخرج الجارية إليهم ، فلما ظهرت ~~لأبصارهم لم يقع طرف كل واحد منهم على عضو من أعضائها PageV15P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" فتعدى ببصره إلى غير ذلك العضو اشتغالا بحسنه ~~عما سواه حتى خاف القوم على عقولهم ، ثم رجعوا إلى أنفسهم وقهروا سلطان ~~هواهم ، ثم أراهم بعد ذلك ما تقدم الوعد به وصرفهم ، وبعث بالفيلسوف ~~والطبيب والجارية والقدح معهم ms3007 . فلما وردوا على الإسكندر أمر بإنزال ~~الفيلسوف والطبيب ، ونظر إلى الجارية فحار عند مشاهدتها ، فأمر قيمة ~~الجواري بالقيام عليها ، ثم صرف همته إلى الفيلسوف والطبيب وإلى علم ما ~~عندهما ، وقص عليه الحكماء ما جرى لهم مع الملك الهندي من المباحث في ~~العلوم الفلسفية ، فأعجبه ذلك وتأمل أغراض القوم ومقاصدهم ، وأقبل ينظر في ~~مطاردة الهند يعللها في معلولاتها ، وما يصفه اليونانيون أيضا من عللها في ~~معلولاتها على حسب ما قدمت من أوضاعها ، ثم أراد محنة الفيلسوف على حسب ما ~~خبر عنه ، فأجال فيما يختبره به ، فدعا بقدح فملاه سمنا ولم يجعل للزيادة ~~عليه موضعا ، ورفعه لرسول وقال : احمل هذا إلى الفيلسوف ولا تكلمه بشيء ، ~~فلما دفعه إليه دعا الفيلسوف بألف إبرة فغرزها في السمن وصرفه إليه ، فأمر ~~الإسكندر بضرب تلك الإبر كرة متساوية الأجزاء وردها إليه ، فأمر الفيلسوف ~~ببسطها وجلائها حتى صارت جسما ترد صورة مقابليها لصفائها وردها إلى ~~الإسكندر ، فدعا بطست وجعل تلك المرآة فيه وصب عليها الماء حتى غمرها وردها ~~إليه ، فأخذها الفيلسوف وعمل منها طرجهالة طافية على إملاء وصرفها إليه ، ~~فملأها الإسكندر وردها غليه ، فلما نظر الفيلسوف إلى التراب تغير لونه وبكى ~~ثم ردها إلى الإسكندر ولم يضع فيها شيئا . فلما كان في اليوم الثاني جلس ~~الإسكندر جلوسا خاصا ودعا بالفيلسوف ، ولم يكن رآه قبل ذلك اليوم ، فلما ~~أقبل نظر الإسكندر من الفيلسوف إلى رجل طويل الجسم رحب الجبين معتدل البنية ~~فقال في نفسه : هذه بنية تضاد الحكمة ، فإذا اجتمع له حسن الصورة والفهم ~~كان أوحد زمانه ، فأدار الفيلسوف إصبعه حول وجهه ثم وضعه على أرنبة أنفه ~~وأسرع نحو الإسكندر وحياه بتحية الملك ، فأشار إليه PageV15P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" بالجلوس وقال : لم أدرت إصبعك حول وجهك ~~ووضعتها على أرنبة أنفك ؟ علمت أنك تقول في نفسك ، إذا نظرت إلى حسن صورتي ~~وإتقان بنيتي قلما تجتمع هذه الخلقة مع الحكمة ، وإذا كان على هذا كان ~~صاحبها أوحد زمانه ، فأريتك مصداقا لما سنح لك أنه كما ليس لك في الوجه إلا ~~أنف ms3008 واحد فكذلك ليس في ديار الهند على هذه الصفة أحد غيري . فقال الإسكندر ~~: حسن ما أتيت به فما بالك حين بعثت إليك بالقدح السمن غرزت فيه الإبر ~~وزرددته ؟ قال الفيلسوف : علمت أنك تقول إن قلبي قد امتلأ علما فليس لأحد ~~فيه مستزاد ، فأعلمتك أن علمي سيزيد فيه كما زادت هذه الإبر في هذا السمن . ~~قال : فما بالك حين عملت لك الإبر كرة صنعت منها مرآة صقيلة وصرفتها إلي ؟ ~~قال الفيلسوف : علمت أنك تقول إن قلبي قد قسا من سفك الدماء واشتغل بهذا ~~العالم فلا يقبل العلم ولا يرغب فيه ، فأخبرتك ني سأعمل الحيلة في ذلك ، ~~كما جعلت من الكرة مرآة مورية للأجسام . قال : فما بالك حين جعلتها لك في ~~الطست وصببت عليها الماء جعلتها طرجهالة طافية على الماء ؟ قال الفيلسوف : ~~علمت أنك تقول إن الأيام قد قصرت والأجل قريب ، ولا يدرك العلم الكثير في ~~المهل القليل ، فأخبرتك أني سأعمل الحيلة فيه في غير مدة طويلة ، كما جعلت ~~هذه المرآة طافية في أسرع وقت . قال : فما بالك حين ملأت ذلك الإناء ترابا ~~ردده إلي ولم تحدث فيه شيئا ؟ قال : علمت أنك تقول : ثم الموت ، وأنه لا بد ~~منه ، فأخبرتك أن لا حيلة في ذلك . قال الإسكندر : قد أجبتني على مرادي في ~~جميع ذلك ولأحسنن إلى الهند من أجلك ، وأمر له بجوائز كثيرة . فقال له ~~الفيلسوف : لو أحببت المال لما كنت عالما ، ولست أدخل على علمي ما يضاده ، ~~فإن القينة توجب الخدمة ، وقد ملكت أيها الملك الرحيم بسيفك أجسام رعيتك ~~فأملك قلوبهم بإحسانك فهو خزانة سلطانك ، واحذر العامة فإنها إذا قدرت أن ~~تقول قدرت أن تفعل فاحترز من أن تقول تأمن أن تفعل ، فالملك السعيد من ملك ~~الرعية بالرغبة والرهبة ، وأشبه الأشياء من أفعال الناس بأفعال بارئهم ~~الإحسان ، فحيره الإسكندر في المقام معه ، أو الإنصراف إلى بلاده ، فاختار ~~الرجوع إلى موضعه . PageV15P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" وأما القدح فملاه ماء ثم أورد عليه الناس فلم ~~ينقص شربهم منه شيئا ، فيقال إنه كان معمولا من ms3009 خواص الهند الروحانية مما ~~تدعيه الهند ، ويقال إنه كان لآدم أبي البشر عليه السلام ، مبارك له فيمه ~~حين كان بأرض سرنديب ، فورث عنه إلى أن انتهى إلى هذا الملك الهندي . وأما ~~الطبيب فإنه كان له معه بنظرات دلت على ثبوت قدمه في علمه ، وأنه كما وصف ~~صاحبه أوكاد . هذا خبره مع ملك الهند . وأما خبره مع ملك لاصين ؛ قال أبو ~~علي أحمد بن محمد بن مسكويه في كتابه المترجم بتجارب الأمم : وفي الرواية ~~الصحيحة أن الإسكندر لما انتهى إلى بلاد الصين أتاه حاجبه وقد مضى من الليل ~~شطره فقال : هذا رسول ملك الصين بالباب يستأذن في الدخول عليك ، قال : ~~أدخله ، فأدخله فوقف بين يدي الإسكندر وسلم ثم قال : إن رأى الملك أن ~~يستخليني فعل ، فأمر الإسكندر من بحضرته أن ينصرفوا ، فانصرفوا كلهم عنه ~~وبقي حاجبه فقال : إن الذي جئت له لا يحتمل أن يسمعه غيرك ، فأمر الإسكندر ~~أن يفتش ففتش ، فلم يجد معه سلاحا ، فوضع بين يديه سيفا مسلولا وقال له : ~~قف مكانك وقل ما شئت ، وأخرج الحاجب ومن كان قد بقي عنده ، فلما خلا المجلس ~~قال له : أنا ملك الصين لا رسوله ، جئت لأسألك عما تريد ، فإن كان مما يمكن ~~عمله ولو على أصعب الوجوه عملته وأغنيتك عن الحرب ، فقال له الإسكندر : وما ~~الذي آمنك مني ؟ قال : علمي بأنك عاقل حكيم ، ولم تك بيننا عداوة ولا ~~مطالبة بذحل ، وأنك تعلم أنك إن قتلتني لم يكن ذلك سببا لتسليم أهل الصين ~~إليك ملكهم ، لوم يمنعهم قتلي من أن ينصبوا لأنفسهم ملكا غيري ثم تنسب أنت ~~إلى غير الجميل وضد الحزم . فأطرق الإسكندر وعلم أنه رجل عاقل ، ثم قال له ~~: إن لاذي أريد منك ارتفاع مملكتك لثلاث سنين عاجلا ونصف ارتفاع مملكتك لكل ~~سنة . قال : هل غير هذا ؟ قال لا ، قال : قد أجبتك ، ولكن سلني كيف تكون ~~حالك ، قال : كيف تكون ؟ قال : أكون أول قتيل محارب ، وأول أكيلة مفترس . ~~قال : فإن قنعت منك بارتفاع سنتين . قال : أكون أصلح قليلا وأفسح مدة ms3010 . قال ~~: فإن قنعت بارتفاع سنة . قال : يكون في ذلك بقاء ملكي ، وذهاب لجميع لذتي ~~. قال : قنعت منك بثلث الارتفاع كيف تكون خالك ؟ قال : يكون السدس للفقراء ~~ومصالح العباد ، ويكون الباقي لجيشي ولسائر أسباب الملك . قال الإسكندر : ~~قد اقتصرت منك على هذا ، فشكره وانصرف . PageV15P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" فلما طلعت الشمس أقبل جيش الصين وقد طبق ~~الأرض وأحاط بجيش الإسكندر حتى خافوا الهلاك ، وتواثب أصحابه فركبوا الخيل ~~واستعدوا للحرب بعد الأمن والطمأنينة إلى السلم ، فبينما هم كذلك كلع ملك ~~الصين وهو راكب وعليه التاج ، فلما تراءى الجمعان نظر الإسكندر إلى ملك ~~الصين فظن أنه حضر للحرب ، فصاح به : أغدرت ؟ فترجل ملك الصين وقال : لا ~~والله ، قال : فادن مني فدنا منه ، فقال له الإسكندر : ما هذا الجيش الكثير ~~؟ فقال : إني أردت أن أريك أني لم أطعك من قلة وضعف ، ولكني رأيت العالم ~~العلوي مقبلا عليك ممكنا لك ممن هو أقوى منك واكثر عددا ، ومن حارب العالم ~~العلوي غلب ، فأردت طاعته بطاعتك ، والتذلل له بالتذلل لك ، فقال الإسكندر ~~له : ليس مثلك من يسام الذل ، ولا من يؤدي الجزية ، فما رأيت بيني وبين ~~الملوك من يستحق التفضيل والوصف بالعقل غيرك ، وقد أعفيتك من جميع ما أردته ~~منك وأنا منصرف عنك . فقال ملك الصين : ولست تخسر إذا ثم انصرف عنه ~~الإسكندر . فبعث إليه ملك الصين بضعف ما قرر معه وانصرف عن الصين . كلام ~~الحكماء عند وفاة الإسكندر قال : لما توفي الإسكندر جعل في تابوت من الذهب ~~، واجتمع الحكماء فتقدم الأول فقال : قد كان الإسكندر يخبأ الذهب ، وقد ~~أصبح الآن يخبؤه الذهب . وتقدم الثاني إليه والناس يبكون ويجزعون فقال : ~~حركنا بسكونه . وتقدم الثالث إليه PageV15P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" فقال : قد كان يعظنا في حياته ، وهو اليوم ~~أوعظ منه أمس . وتقدم إليه الرابع فقال : قد جاب الأرضين وسلكها ، ثم حصل ~~منها في أربعة قوائم . ووقف عليه الخامس فقال : انظروا إلى حلم النائم كيف ~~انقضى ، وإلى ظل الغمام كيف انجلى ، ووقف عليه السادس فقال : قد أمات هذا ~~الميت كثيرا من ms3011 الناس لئلا يموت ، وقد مات الآن . ووقف عليه السابع فقال : ~~مالك لا تقل عضوا من أعضائك ، وقد كنت تستقل بملك العباد . وقال الثامن . ~~وثال التاسع : كان لا يقدر عنده على الكلام ، واليوم لا يقدر عنده على ~~الصمت . وقال العاشر : قد كان غالبا فصار مغلوبا ، وآكلا فصار مأكولا . ~~وقال الحادي عشر : ما كان أقبح إفراطك في التجبر أمس مع شدة خضوعك اليوم ~~وقالت بنت دارا : ما كنت أحسب أن غالب أبي يغلب . وقال رئيس الطباخين : قد ~~نضدت النضائد ، وألقيت الوسائد ، ونصبت الموائد ، ولست أرى عميد القوم . ~~قال : ولما مات الإسكندر عرض الملك على ابنه من بعده فأباه واختار العبادة ~~والنسك . فملك بعد الإسكندر على اليونانيين بطليموس ، وهذه التسمية لكل من ~~ملك اليونان ككسرى للأكاسرة من الفرس ، وقيصر للروم ، وخاقان للترك ، ~~وطرخان للخزر ، والنجاشي للحبشة . قال : وكان بطليموس هذا شابا مدبرا حكيما ~~عالما . وكان ملكه أربعين سنة ، وقيل عشرين سنة ، وقيل إنه أول من اقتنى ~~البزاة وضراها ولعب بها . ثم ملك بعده لطليموس الثاني ، وهو الذي يقال له : ~~محب الأخ ، واسمه هيقلوس ، وكان ملكه ستا وعشرين سنة . PageV15P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" ثم ملك بعده بطليموس محب الأب ، وكانت مدة ~~ملكه سبع عشرة سنة . ثم ملك بعده بطليموس ، وهو صاحب علم الفلك والنجوم ~~وكتاب المجسطي . فكان ملكه أربعا وعشرين سنة . ثم ملك بعده بطليموس محب ~~الأم . فكان ملكه خمسا وثلاثين سنة . ثم ملك بعده بطليموس الصائغ . فكان ~~ملكه سبعا وعشرين سنة . ثم ملك بعده بطليموس الإسكندراني . فكان ملكه اثنتي ~~عشرة سنة . ثم ملك بعده بطليموس الحديدي . فكانت مدة ملكه ثمانين سنة . ثم ~~ملك بعده بطليموس الجوال . فكان ملكه أيضا ثمانين سنة ، وقيل أقل من ذلك . ~~ثم ملك بعده بطليموس الحرب . فكانت مدة ملكه ثلاثين سنة . ثم ملكت بعده ~~ابنته قلوبطرة ، وكانت حكيمة مفلسفة معظمة للحكماء ، ولها كتب مصنفة في ~~الطب والزينة وغير ذلك ، مترجمة باسمها ومنسوبة إليها ، وكان زوجها بطليموس ~~ويسمى أنطونيوس مشاركا لها في ملك مقدونية وهي مصر . فلما أراد الله تعالى ~~ذهاب ms3012 ملك اليونانيين أيد عليهم ملك رومية وهو أغسطس ، فسار إليها ، وكان له ~~مع الملكة قلوبطرة وزوجها حروب كثيرة ، فقتل زوج قلوبطرة ، فأراد ملك الروم ~~أن يتزوجها لعلمه بحكمتها وليتعلم منه فراسلها فعلمت مراده منها ، فطلبت ~~حية تكون بالحجاز ومصر والشام ، وهي نوع من الحيات تراعي الإنسان حتى إذا ~~نظرت إلى عضو من أعضائه قفزت أذرعا نحوه فلم تخطئ ذلك العضو بعينه حتى تثفل ~~عليه سما فيموت لوقته ولا يعلم ما خبره ، فيتوهم الناس أنه مات فجأة حتف ~~أنفه . فاحتملت لها . فلما كان في اليوم الذي علمت فيه أن أغسطس يدخل في ~~قصرها أمرت بأنواع الرياحين والزهور أن تبسط في مجلسها وأمام سريرها ، ~~وجلست على سرير ملكها والتاج على رأسها وفرقت حشمها وقربت يدها من الإناء ~~الذي فيه تلك الحية فضربتها فماتت لوقتها ، وانسابت الحية في تلك الرياحين ~~ودخل أغسطس حتى انتهى إلى المجلس ، فنظر إليها جالسة وهو يظن أنها باقية ، ~~فدنا منها فتبين له أنها قد ماتت ، فنظر إلى تلك الرياحين فقفزت عليه تلك ~~الحية فرمته بسمها وقد خف ، فبطل شقه الذي ضربته من جهته ، ولولا أن سمها ~~كان قد نقص لمات ، فعجب من قتلها لنفسها وما كادته به من إلقاء الحية . ~~وكانت قلوبطرة هذه آخر من ملك من اليونانيين . والله اعلم . PageV15P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" ذكر اخبار ملوك السريان قال أبو الحسن علي بن ~~عبد الله المسعودي في كتابه المترجم بمروج الذهب : ذكر ذوو العناية بأخبار ~~ملوك العالم أن أول الملوك بعد الطوفان ملوك اليونان ، قال : وقد تنوزع ~~فيهم وفي النبط ، فمن الناس من رأى أن السريانيين هم النبط ، ومنهم من رأى ~~أنهم إخوة لولد ماس بن نبيط ، ومنهم من رأى غير ذلك على حسب تباين الناس في ~~الأجيال الماضية والقرون الخالية . قال : فكان أول من ملك منهم رجل يقال له ~~سوشان ، وهو أول من وضع التاج على رأسه في تاريخ السريانيين . قال : وانقاد ~~له ملوك الأرض ، فكان ملكه ست عشرة سنة باغيا في الأرض ، ومفسدا في البلاد ~~، وسفاكا للدماء ms3013 . ثم ملك بعده يريز ، وكان ملكه إلى أن هلك عشرين سنة . ثم ~~ملك بعده سماسير بن أبوبا . فكان ملكه تسع سنين . ثم ملك بعده أهريمون فحط ~~الخطط ، وكور الكور ، وجد في أمره ، وأتقن ملكه ، وعمر أرضه . فلما استقامت ~~له الأحوال وانتظم ملكه بلغ بعض ملوك الهند وهو رتبيل ، وهو اسم لمن يملك ~~هذه الجهة من الهند ، ما القوم عليه من القوة ، وما بلادهم عليه من العمارة ~~، وأنهم يحاولون الممالك ، وقد كان هذا الملك الهندي غلب على من حوله من ~~ممالك الهند وانقادت إلى أحكامه ، وذلك أن ملكه كان ممايلي بلاد الهند ~~والسند ، فسار نحو بلاد بست وعزنين ونغر وبلاد الداور على النهر المعروف ~~بالهندمند ، وهو نهر ببلاد سجستان ويعرف ينهر بست تجري فيه السفن منها إلى ~~سجستان . قال : وكان بين ملك الهند وملك السريانيين حروب كثيرة نحوا نم سنة ~~ثم أجلت الحرب عن قتل السرياني واحتوى على الصقع وملكه ، فكان ملك أهريمون ~~عشر سنين . PageV15P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" قال : وبقي ذلك الصقع بيد الملك الهندي حتى ~~سار إلى بعض الملوك فأتى عليه وملك العراق ورد السريانيين . فملكوا عليهم ~~تسنوا بن سماسير . فكان ملكه إلى أن هلك ثماني سنين . ثم ملك بعده أهريمون ~~. فكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة . ثم ملك بعده ابنه هورديا فزاد في ~~العمارة وأحسن للرعايا وعرس الأشجار . فكان ملكه اثنتين وعشرين سنة . ثم ~~ملك بعده ماروت واستولى على الملك . فكان ملكه خمس عشرة سنة . وقيل أكثر من ~~ذلك . ثم ملك بعده أزور وسلحاس ، ويقال إنهما كانا أخوين . قال : فأحسنا ~~السيرة ، وتعاضدا على تدبير الملك . ويقال : إن أحد هذين الملكين كان جالسا ~~ذات يوم في أعلا قصره فنظر إلى طائر قد فرخ هنالك ، وهو يصيح ويضرب بجناحه ~~، فنظر إلى حية تنساب إلى الوكر لتأكل الفراخ التي للطائر ، فدعا بقوس وسهم ~~ورمى الحية فقتلها ، وسلمت الفراخ ، وغاب الطائر وعاد إلى الملك بعد هنيهة ~~وفي منقاره حبة وفي مخاليبه حبتان ، وطار حتى وازى الملك ، وألقى الحب بين ~~يديه فتناوله الملك وقال ms3014 : ما ألقى هذا الطائر هذا الحب إلا لأمر قصد به ~~مكافاتنا على ما فعلناه من خلاص فراخه ، ولم يعرف ما هو ذلك الحب ، واستدعى ~~الحكماء وآراهم فما عرفوه ، فقال له حكيم ، ينبغي أن يزرع هذا الحب ببطن ~~الأرض لينظر ما يكون منه ، فأحضر الأكرة وأمرهم بزرعه فزرعوه ، والملك ~~يراعيه حتى طلع وأزهر وحصرم وأعنب ، وهم لا يقربونه خشية أن يكون متلفا ، ~~فأمر الملك أن يعصر ماؤه ويودع الآنية وأخرج الحب منه وترك بعضه على حاله . ~~فلما صار في الآنية غلا وقذف بالزبد وفاحت له روائح عبقة ، فقال الملك : ~~علي بشيخ كبير ، فأتي به ، فسقاه من هذا العصير . فلما شرب منه ثلاثا صال ~~وتكلم وصفق بيديه وحرك رأسه ووقع برجليه على الأرض ، PageV15P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" فظهر عليه الطرب والفرح وتغنى . فقال الملك : ~~هذا شراب مذهب للعقل ، وأحلق به أن يكون قتالا ، ألا ترون إلى هذا الشيخ ~~كيف عاد إلى حال الصبا وقوة الشباب ، ثم أمر الملك بالشيخ فرقد ، فسكن ونام ~~. فقال الملك : هلك ، ثم أفاق الشيخ وطلب الزيادة من الشراب ، وقال : لقد ~~شربته فكشف عني الهموم والغموم وأزال عني الأحزان . فقال الملك : هذا اشرف ~~شراب الرجل ، فاكثر من غرس الكروم ، واختص به دون غيره من الناس ، واستعمله ~~بقية أيامه ، ثم نما بعد ذلك وكثر في أيدي الناس . وهذا آخر ما أورده ~~المسعودي من أخبار السريان . ذكر أخبار الملوك الكلدانيين وهم ملوك النبط ~~وملوك بابل قال المسعودي ، ذهب جماعة من أهل البحث والعناية بأخبار ملوك ~~العالم أنهم ملوك العالم الذين مهدوا الأرض بالعمارة ، وأن الفرس الأول ~~إنما أخذوا الملك من هؤلاء كأخذ الروم الملك من اليونان . فكان أول من ملك ~~منهم نمروذ الجبار . فكان ملكه نحوا من ستين سنة . وقد قدمنا أخبار نمروذ ~~في قصة إبراهيم عليه السلام . قال : ونمروذ هذا هو الذي احتفر أنهارا ~~بالعراق آخذة من الفرات ، فيقال : إن من ذلك نهر كوني على طريق الكوفة ، ~~وهو بين قصر ابن هبيرة وبغداد . ثم ملك بعده أبولس ، وكان عظيم البطش جبارا ms3015 ~~في الأرض . وكان ملكه نحوا من سبعين سنة . ثم ملك بعده فيزمنوس . وكان ~~باغيا في الأرض ، ملك نحوا من مائة سنة . ثم ملك بعده سوسوس . فكان ملكه ~~نحوا من تسعين سنة . ثم ملك بعده كورس . فكان ملكه نحوا من خمسين سنة . ~~PageV15P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" ثم ملك بعده اذفرنجوا . فكان ملكه نحوا من ~~عشر سنين . ثم ملك بعده سيهزم . فكان ملكه نحوا من أربعين سنة ، وقيل أكثر ~~. ثم ملك بعده قوسيس . فكان ملكه نحوا من سبعين سنة . ثم ملك بعده أنبوش . ~~فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة . ثم ملك بعده إيلاوس . فكان ملكه نحوا من ~~خمس عشرة سنة . ثم ملك بعده الجلوس . وكان ملكه نحوا من أربعين سنة . ثم ~~ملك بعده أونوبس . فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة . ثم ملك بعده بعنكلوس . ~~فكان ملكه نحوا من ثلاثين شهرا . ثم ملك بعده سفرين . فكان ملكه نحوا نم ~~أربعين سنة ، وقيل أقل . ثم ملك بعده مارنوس . فكان ملكه نحوا من ثلاثين ~~سنة . ثم ملك بعده رسطاليم . فكان ملكه نحوا من أربعين سنة . ثم ملك بعده ~~أسطوس . فكان ملكه نحوا من خمسين سنة . ثم ملك بعده تاولوس . فكان ملكه ~~نحوا من خمسين سنة . ثم ملك بعده العداس . فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة . ~~ثم ملك بعده أطيروس . فكان ملكه نحوا من ستين سنة . ثم ملك بعده ساوساس . ~~فكان ملكه نحوا من عشرين سنة . ثم ملك بعده فارينوس . فكان ملكه نحوا من ~~خمسين سنة ، وقيل خمسا وأربعين سنة . ثم ملك بعده أدرموس . فكان ملكه نحوا ~~من أربعين سنة . وغزاه ملك من ملوك فارس في عقر داره . ثم ملك بعده مسروس . ~~فكان ملكه نحوا من خمسين سنة . ثم ملك بعده أفروس . فكان ملكه نحوا من ~~أربعين سنة . ثم ملك بعده طاطاوس . فكان ملكه نحوا من أربعين سنة . ثم ملك ~~بعده لاوسيس . فكان ملكه نحوا من خمسين سنة ، وقيل خمسا وأربعين سنة . ثم ~~ملك بعده قريطوس . فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة . PageV15P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" ثم ملك ms3016 بعده قروطاوس . فكان ملكه نحوا من ~~عشرين سنة . ثم ملك بعده قراقريس . فكان ملكه نحوا من خمسين سنة ، وقيل ~~اثنتين وأربعين سنة . ثم ملك بعده بوليس قنطروس . فكان ملكه نحوا من عشرين ~~سنة . ثم ملك بعده قولا قسما فكان ملكه نحوا من ستين سنة . ثم ملك بعده ~~هيقلس . فكان ملكه خمسا وثلاثين سنة ، وقيل خمسين سنة . وكانت له حروب مع ~~ملوك الصقالبة . ثم لملك بعده سموجد . فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة . ثم ~~ملك بعده مردوج . فكان ملكه نحوا من أربعين سنة ، وقيل أقل من ذلك . ثم ملك ~~بعده سنحاريب . فكان ملكه نحو من ثلاثين سنة ، وهو الذي ابتنى بيت المقدس . ~~ثم ملك منوشا . فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة ، وقيل أقل من ذلك . أن ~~بختنصر لم يكن ملكا وإنما كان مرزبانا لملوك الفرس الأول ، إلا أن يكون هذا ~~غير ذاك . والله اعلم . ثم ملك بعده بيطسقر . فكانت مدة ملكه نحوا من ستين ~~سنة ، وقيل أقل من ذلك . ثم ملك بعده دارنوس . فكان ملكه إحدى وثلاثين سنة ~~، وقيل أكثر من ذلك . ثم ملك بعده كشرخوش فكان ملكه عشرين سنة . ثم ملك ~~بعده قرطاسية تسعة أشهر . ثم ملك بعده فيجسمنه . فكان ملكه إحدى وأربعين ~~سنة . ثم ملك بعده أجرست . فكان ملكه ثلاثا وستين سنة . ثم ملك بعده شعيا . ~~فكان ملكه ثلاثين سنة ، وقيل تسعة أشهر . ثم ملك بعده داريوس . فكان ملكه ~~عشرين سنة ، وقيل تسع عشرة سنة . ثم بعده انبطحست . فكان ملكه تسعا وعشرين ~~سنة . ثم ملك بعده اليسع . فكان ملكه خمس عشرة سنة ، وقيل عشرين سنة . ~~PageV15P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" قال المسعودي : فهؤلاء الملوك الذين أتينا ~~على أسمائهم ، وذكرنا مدة ملكهم ، هم الذين شيدوا البنيان ، ومدنوا المدن ، ~~وكوروا الكور ، وحفروا الأنهار ، وغرسوا الأشجار ، واستنبطوا المياه ، ~~وأثاروا الأرض ، واستخرجوا المعادن من الحديد والنحاس والرصاص وغير ذلك ، ~~وطبعوا السيوف ، واتخذوا عدة الحرب ، ونصبوا قوانين الحروب ، ورتبوا ~~الميمنة والميسرة والأجنحة ، وجعلوا ذلك مثالا لأجزاء أعضاء الإنسان ، ~~ورتبوا الأعلام ؛ فجعلوا أعلام القلب على صورة الفيلة ms3017 والنسور وما عظم من ~~أجناس الحيوان ؛ وجعلوا أعلام الميمنة والميسرة على صورة السباع ؛ وجعلوا ~~في الأجنحة أمثال ما لطف منها كالنمر والذئب ؛ وجعلوا في الطلائع كصور ~~الحيات وما خفي فعله من هوام الأرض ؛ وتغلغل القوم في هذه المعاني . قال : ~~والذي ذكرناه من أخبارهم هو المشهور . والله تعالى أعلم . ذكر أخبار ملوك ~~الروم وأنسابهم قال المسعودي : قد تنازع الناس في الروم ولأي علة سموا بهذا ~~الاسم ، فقيل لإضافتهم لمدينة رومية واسمها بالرومية روماس ، فعرب هذا ~~السام فسمى من كان بها روما ، والروم لا يسمون أنفسهم في لغتهم إلا رومس . ~~ومنهم من رأى أن هذا الاسم اسم الأب الأول ، وهو روم بن شماخلين بن هوبان ~~بن علفا بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام . ومنهم من رأى أنهم ~~سموا باسم جدهم رومس ابن لبطي بن نويفل بن رومي بن الأصغر بن النفر بن ~~العيص ، وقيل غير ذلك . وقد ذكرنا في الأنساب شيئا نم ذلك . قال المسعودي : ~~ولبت الروم على ملك اليونانيين ، فكان أول من ملك منهم طوخاس وهو جانيوس ~~الأصغر بن روم بن شماخلين ، فكان ملكه اثنتين وعشرين سنة . PageV15P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" وقيل إن أول من ملك من ملوك الروم قيصر ، ~~واسمه غالوس أوليوس . فكان ملكه ثماني عشرة سنة . وقيل أول من ملك منهم بعد ~~ملوك اليونانيين برومية بوليس . فكان ملكه سبع سنين ونصفا . قال : ورومية ~~بنيت قبل الروم بأربعمائة سنة . ثم ملك بعده ابنه أغسطس قيصر . وكان ملكه ~~ستا وخمسين سنة ، وهو أول من تسمى بقيصر ، وإنما سمي بذلك لأن أمه ماتت وهي ~~حامل به فشق بطنها عنه ، ومعنى قيصر بقر ، وكان يفتخر بأن النساء لم تلده ، ~~وحقيقة هذه اللفظة بالعجمية جيشر ، قيل إنما سمى جيشر لأنه ولد بشعر يبلغ ~~عينيه ، واسم الشعر بالعجمية حساريه وقيل جشايره ، فعرب فقيل قيصر ، وهو ~~صاحب قلوبطرة ملكة اليونان على ما ذكرناه . واحتوى هذا الملك على مقدونية ~~وهي مصر والإسكندرية ، وحاز ما فيهما من الخزائن ، وكانت له حروب كثيرة ، ~~وكان يعبد الأوثان . وبنى بأرض ms3018 الروم مدنا تنسب إليه ، وكور كورا . فمن ~~مدنه قيسارية . ولاثنتين وأربعين سنة خلت من ملكه ولد المسيح عيسى بن مريم ~~عليهما السلام ، وعاش هذا الملك بقية عمره وقد بطل شقه لما ثفلت عليه الحية ~~على ما قدمناه في أخبار قلوبطرة . ثم ملك بعده طياريس . فكان ملكه اثنتين ~~وعشرين سنة . قال : ولثلاث سنين بقيت من ملكه رفع المسيح عليه السلام . قال ~~: ولما هلك هذا الملك برومية اختلفت الروم وتحزبت وأقاموا على اختلاف ~~الكلمة والتنازع مائتي سنة وثمانيا وأربعين سنة لا نظام لهم ولا ملك يجمعهم ~~. ثم ملكوا عليهم طباريس عابس بمدينة رومية . فكانت مدة ملكه أربع سنين . ~~ثم ملك بعده قلورس برومية . فكان ملكه أربع عشرة سنة ، وهو أول ملك من ملوك ~~الروم شرع في قتل النصارى وأتباع المسيح عليه السلام ، فقتل منهم خلقا ~~كثيرا ، وكانت الروم تعبد التماثيل . PageV15P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" ولما هلك الملك ملك بعده نيرون . قال : ~~واستقام ملكه ورغب في عبادة التماثيل والأصنام ، وكان ملكه أربع عشرة سنة ~~وشهورا . ثم ملك بعده ططس واسبابوس مشتركين في الملك . فكان ملكهما ثلاث ~~عشرة سنة ، ولسنة من ملكهما سارا إلى الشام ، فكانت لهما حروب عظيمة مع بني ~~إسرائيل قتل فيها من بني إسرائيل ثلثمائة ألف وخربا بيت المقدس وأزالا رسمه ~~، وكان يعبدان الأصنام . قال المسعودي : وذكر في بعض التواريخ أن الله ~~تعالى عاقب الروم من ذلك اليوم الذي خربوا فيه بيت المقدس أن يسبي منهم في ~~كل يوم سبي فلا يوم إلا والسبي واقع فيهم قل ذلك أو كثر . ثم ملك بعدهما ذو ~~مطيانس . فكانت مدة ملكه خمس عشرة سنة . ثم ملك بعده قبرنوس . فكانت مدة ~~ملكه سنة واحدة . ثم ملك من بعده طومانوس . فكانت مدة ملكه تسع عشرة سنة . ~~ثم ملك بعده أذربالس . فكانت مدة ملكه إحدى عشرة سنة ، وخرب سائر ما بقي ~~بالشام لبني إسرائيل . ثم ملك بعده أبطونيس . فكان ملكه ثلاثا وعشرين سنة . ~~قال : وبنى بيت المقدس وسماه إيلياء . ثم ملك بعده قرمودس . فكانت مدة ملكه ~~ثلاث عشرة ms3019 سنة . ثم ملك بعده سيريرس . فكانت مدة ملكه ثماني عشرة سنة . ثم ~~ملك بعده ولده انطويس . فكانت مدة ملكه تسع سنين . ثم ملك بعده أنطويس ~~الثاني . فكانت مدة ملكه أربع سنين ، وفي آخر ملكه مات جالينوس الطبيب . ثم ~~ملك بعده الإسكندر مامياس ، وتفسير مامياس العاجز . فكانت مدة ملكه ثلاث ~~عشرة سنة . ثم ملك بعده عردياس . فكانت مدة ملكه ست سنين . ثم ملك بعده ~~ديقيوس وقيل فيه دقيوس . فكانت مدة ملكه ستين سنة . قال : فأمعن في قتل ~~النصارى ، ومن هذا الملك هرب أصحاب الكهف . أصحاب الكهف PageV15P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" ذكر خبر أصحاب الكهف قال الشيخ عبد الوهاب بن ~~المبارك بن أحمد بن الحسين الأنماطي في كتاب المبتدأ يرفعه إلى وهب بن منبه ~~: إن أصحاب الكهف كانوا فتية من الروم ، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في ~~كتابه العزيز فقال : نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم قتية آمنوا بربهم ~~وزدناهم هدى الآيات التي في سورة الكهف . قال : وكان في إيمانهم عبرة وتفكر ~~منهم في عظم الله جلاله وملكه وسلطانه وأصناف خلقه ، لم يأتهم بذلك وحي ولم ~~يقرءوا كتابا ، ولم يدركوا زمان نبوة ، وكانوا في زمن فترة قبل أن يبعث ~~الله عز وجل عيسى بن مريم عليه السلام ، وهذا القول مخالف لما ذكرناه آنفا ~~، فإن المساق الذي قدمناه من أخبار ملوك الروم يقتضي أن بين رفع عيسى عليه ~~السلام وبين ملك دقيوس ما يزيد على مائتي سنة . والله عز وجل أعلم . قال : ~~وكانوا شبانا متقاربين في السن قلما يتفاوتون ، وكانوا من فصيلة واحدة ~~يجمعهم النسب ، وكانوا في حسب عظيم من أحساب الروم ، من ولد عظمائهم ~~وملوكهم وأشرافهم ، وكان للروم فيهم هوى وصبابة شديدة ، وكان ملك الروم ~~الأول في آباء أولئك وينقل في فصيلتهم التي كانوا منها اكثر من أربعمائة ~~عام حتى انقرضت تلك الفصيلة وزال الملك عنهم ، فكان أولئك الفتية عقب أولئك ~~الملوك وبقيتهم ، وكان الروم يتمنون ملهم ويمدون إليهم أعناقهم لما قد ~~بلغهم ما كان الناس فيه في زمن أسلافهم من الخفض والدعة ms3020 والعافية والبسط ~~والأمن والسعة ، فكانوا يؤملونهم ويرحونهم ، وكانت ملوك الروم قد جفوهم ~~وحرموهم وأقصوهم وأضروا بهم منهم على ملكهم لما يعلمون من رأى الروم فيهم ، ~~وكانوا مع ذلك يكفون عنهم أذاهم ، ويعرفون أنهم مفزع الروم إن اختلفوا ~~ومعولهم عليهم ، فلم تزل تلك PageV15P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" حالهم فيما بينهم وبين ملوكهم وقومهم حتى ~~أراد الله تعالى بهم ما أراد من هداهم والإيمان الذي نوره الله في قلوبهم . ~~قال قائل منهم : إني قد رأيت رأيا وقع في قلبي وأمرا ثبت فيه ، فلست أبصر ~~غيره ، وليس يخرجه من قلبي شيء ، اسمعوا أعرض عليكم ، إني فكرت في خلق ~~السموات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، والشمس والقمر ، والنجوم والسحاب ~~والمطر ، والأحياء والأموات ، والنبات ، والصغار والكبار ، والبقاء والفناء ~~، والشدة والرخاء ، وتقلب الدنيا بأهلها ، والأطباق التي تنصرف عليها الخلق ~~طبقا بعد طبق ، قوما عن قوم : من موت وحياة ، ونقص وزيادة ، وخفض ورفع ، ~~وغنى وفقر ، وطول عمر ونقص آخر ، وموت صغير وهرم كبير ، وأشباه لذلك كثيرة ~~، وهي أكثر من أن تعد وتوصف أو تحصى ؛ فلما نظرت فيها وأعملت الري والنظر ~~أجمع رأيي على أن لها خالقا بديعا ابتدعها ؛ وربا يملكها ويدبرها ، ويخلقها ~~ويرزقها ، ويغنيها ويفقرها ، ويرفعها ويخفضها ، ويحييها ويميتها ويفنيها ، ~~تتقلب في قبضته وتعيش برزقه ؛ فلما تم لي الرأي نظرت في عظمة هذا الرب الذي ~~ابتدع هذا الخلق وضبطه ، ودبره وأحكم أمره ، فإذا قدرته تأتي من وراء شيء ~~ومن وراء كل شيء ، ثم نظرت في عظمة الرب هل أصفها كما وصفتها القدرة ، وهل ~~أعلم كنهها ؟ فتحيرت فيها ، وعجز عنها الحلم والعلم ، وحسر عنها العقل ~~والنظر ، وما بقي مما لم أذكره لكم معرفة القلب ولا نصفه إلا أنه قد ألهم ~~بمعرفته واسر بها أكثر وأعظم وأعجب مما وصفت وشرحت لكم ، فماذا تقولون ، ~~وماذا تعفون ، وماذا تفعلون ؟ قالوا : قد قلت قولا عظيما ووصفت أمرا عجيبا ~~، وما نحسبك إلا قد أصبت فيه الرأي والنظر ، وقد صدقناك وتابعناك ورأينا ~~رأيك وواقع قلوبنا منه ومن معرفته مثل الذي عرفت وواقع قلبك ، وإن كنا لنرى ms3021 ~~مثل الذي رأيت من أعاجيب هذا الخلق وعظمة هذا الخالق ، وإن كان ليكثر أن ~~يخطر على قلوبنا منه مثل ما خطر على قلبك ، ولكنا لم نشرح منه ما شرحت ولم ~~نصف منه ما وصفت ، ولم نعمل الرأي والنظر في معرفته مثل ما أعملت وعرفت ، ~~ولكن الله أراد هداك وتفضيلك وإكرامك بما سبقت إليه من هذا القول وهذا ~~العلم وهذه المعرفة ، ولكن حدثنا عما نسألك PageV15P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" عنه ، وإنما نظرنا فيه بعد ما سمعنا قولك ؛ ~~هل ينبغي لهذا الرب الذي وصفته بما وصفته من العظمة أن يكون له شريك في ~~ملكه ، أو حاجة إلى شيء من خلقه ، أو هل يغلبه شيء يستعين عليه بغيره . قال ~~لهم : لو كان له شريك في شيء من أمره لضبط ما ضبط ، ولو كانت به حاجة إلى ~~أحد من خلقه لكان مثلهم ، ولو كان يستعين على شيء يغلبه بغيره إذا ما بلغت ~~قدرته ما بلغت ، ولا أخاطب به ، ولا وسع ما اتسع له من أمر خلقه ، وتدبير ~~ما خلق ورزق وأمات وأحيا . قالوا له : صدقت وعرفنا ما تقول وثبت في قلوبنا ~~، ولكن حدثنا ما بال خلقه يشركون به وهم يعرفونه حق معرفته . قال : لأنه ~~خلق فيهم الأهواء وطبع فيهم الشهوات ، وجبلهم على الضعف ، وثبت معهم ~~الشيطان ، فمن قبل هذا عدلوا به وهم يعرفون أن الذين يدعون من دونه لا ~~يحيونهم ولا يميتونهم ، ولا يخلقونهم ولا يرزقونهم ، ولا يضرونهم ولا ~~ينفعونهم ، إذا مسهم الضر فغياه يدعون وإليه يجأرون ، فعند ذلك اجتمع رأيهم ~~على أن يأووا إلى الكهف ، وأن يعتزلوا فمهم وما يعبدون من دون الله ، ~~فعندها قالوا : ربنا رب السموات والأرض لن تدعو من دونه إلها لقد قلنا إذا ~~شططا إلى قوله : فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا قال : فلما اعتزلوهم وما ~~يعبدون من دون الله آووا إلى الكهف رجاء أن ينشر لهم ربهم من رحمته ويهيئ ~~لهم من أمرهم مرفقا . قال : وأرادوا أن يكونوا في عزلة من قومهم وشركهم حتى ~~يفرق لهم رأيهم ، فألقى ms3022 الله عليهم السبات . قال : وهم من مدينة من مدائن ~~الروم يقال لها أفسوس ، وملك الروم يومئذ دقيوس ، ويقال - والله أعلم - إن ~~عدتهم سبعة ، كان عبد الله بن عباس يسميهم بأسمائهم ويقول : ما يعلمهم إلا ~~قليل وأنا من أولئك القليل ، منهم مرطالوس ، ونونوس ، ودانيوس ، وسراقيون ، ~~وأسطاطالوس ، ومكسلميس ، وتمليخا ، وهو الذي بعثوه بورقهم إلى المدينة ~~ليرتاد لهم . هذا قول ابن عباس ، قال : وكانوا قوما PageV15P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" يطلبون الصيد لما مسهم من الضر والحاجة ليس ~~لهم كبير معيشة غيره ، فقالوا قولهم هذا ونظروا ما نظروا ، وهم يومئذ في ~~الجبل الذي فيه كهفهم يطلبون الصيد ومعهم كلابهم وبزاتهم وقسيهم ونبلهم . ~~فلما أجمع رأيهم أن يأووا إلى الكهف ليأتمروا فيه ، هل يقيمون مع قومهم على ~~شركهم ، أم يفارقونهم فينتجعون ناحية من الأرض يحلون فيها ويوحدون فيها ~~ربهم . فيبنا هم على ذلك ألقى الله عليهم السبات وأخفى على جميع خلقه ~~مكانهم ، وصرف عنهم الأبصار والعقول ، فليس يبصرهم أحد ولا يفطن بمكانهم ، ~~فلبثوا في كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا تسعا حتى انقرضت الأمة التي كانوا ~~فيها والملك الذي كان عليهم ، وظهر المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وآمن ~~به الناس واتبعوا ملته ورفعه الله إليه وذهب زمانه وزمان أهل ملته وهم في ~~كهفهم . قال : وقد كان عيسى بن مريم عليه السلام قبل أن يرفعه الله يحدث ~~عنهم وعن إيمانهم وبصيرتهم ، وكيف تفكروا في عظمة إلههم ، وكيف ألقى الله ~~عليهم السبات في كهفهم ، وكيف أخفى مكانهم عن الناس ، ولا ينبغي لأحد أن ~~يهتدي إليهم ولا يعرف مكانهم ، وكان يخبر أن الله سيرد إليه أرواحهم ويدل ~~على كهفهم ليكونوا عبرة لمن خلفهم إن أراد أن يعتبر بهم . قال : فرد الله ~~إليهم أرواحهم بعد أن لبثوا في كهفهم العدة التي ذكرها الله عز وجل في ~~القرآن ولزمهم كلبهم ، فلبث سنيهم كلها ، كما أخبر الله تعالى : وكلبهم ~~باسط ذراعيه بالوصيد . والوصيد : فناء الكهف الذي فيه موضع الباب ، زكان ~~الكلب من كلاب صيدهم ولم يطعهم ولم يشرب ليجعله الله آية من آياتهم ms3023 . قال : ~~فلما رد الله عليهم أرواحهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم إلى قوله : ولن تفلحوا إذا أبدا وهم حينئذ يظنون أن قومهم أحياء ، ~~وانهم على ما يعهدون من حالهم وشركهم وعتو ملكهم ، فانطلق رجل منهم يقال له ~~تمليخا ، وكان أشدهم وأنجدهم ، فتوجه حتى إذا خالط ربض PageV15P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" المدينة أنكره وأنكر ما وجد به من الناس ~~والدواب والبنيان وغير ذلك ، ووجد الناس على حال لم يكن يعهدها وسنة لم يكن ~~يعرفها ، ووجدهم يبتاعون لورق لا يشبه الورق الذي معه ، فتحير وأنكر وأقبل ~~وأدبر ، وأبطأ على أصحابه حتى خافوا عليه ، وظنوا أنه فطن به وقدر عليه . ~~فلما طال عليه ذلك دخل المدينة من ناحية أخرى من نواحيها حفية فوجد حال أهل ~~المدينة على حال أهل الربض في كل شيء ، فلما شك وارتاب والتبس عليه رأيه ~~عمد إلى مشيخة من أهل المدينة توسم فيه الخير ليتجسس ويسمع قولهم ، فوجد ~~معهم الإنجيل يقرءونه ، فسمع ما فيه ن توحيد الله وعظمته وعذابه وسنته ~~وشرائعه وحلاله وحرامه ، فعرف ذلك وأذعن إليه وأنصت يسمع حتى إذا فرغوا من ~~قراءتهم سألهم عن كتابهم فقالوا : هذا كتاب الله الإنجيل الذي أنزل على ~~عيسى بن مريم عليه السلام نبيه . قال : وأين عيسى ؟ قالوا : قد رفعه الله ~~تعالى إليه . قال : وكم لبث فيكم ؟ قالوا : ثلاثا وثلاثين سنة . قال : وهل ~~رأيتموه وأتيتموه وأدركتم زمانه ؟ قالوا : لا ، كان قبل أن نولد ، ووجدنا ~~في أيدي آبائنا . قال : أفكل هذه المدينة تؤمن بهذا النبي وبهذا الكتاب ~~وتعمل بما فيه مما أسمع من حلاله وحرامه ؟ قالوا : نعم ، إلا مستحقا بذنب ~~أو ظالما لنفسه . قال : فهل سمعتم بالملك الذي يقال له دقيوس ؟ قالوا : نعم ~~. قال : فكم له منذ هلك ؟ قالوا : أكثر من ثلثمائةعام . قال : فهل بقي له ~~عقب ، أو لأحد من أهل مملكته يعمل بعمله ؟ قالوا : لا . قال : فلو أراد أحد ~~أن يعمل بمثل عمله ما كنتم تفعلون بع ؟ قالوا : نقتله أو نخرجه نم بين ~~أظهرنا . فلما آمنهم واطمأن ms3024 إليهم ورأى سمت الإسلام وهديه عليهم وفقه الله ~~وهداه لمسألة سألهم عنها . قال : أخبروني ، هل كان نبيكم عيسى عليه السلام ~~يخبركم عن سبعة رهط خرجوا من هذه المدينة في زمن دقيوس وقومه ، وهربوا إلى ~~الله بأنفسهم ودينهم فرارا من دقيوس وقومه ، وما كانوا يعبدون من دون الله ~~حتى آووا إلى الكهف في هذه الحال فاستخفوا فيها . فلما قال لهم هذا أوجسوا ~~في أنفسهم أنه منهم ، قالوا : نعم ، قد كان يخبرنا عنهم فلعلك منهم فإنا ~~ننكر حالك كله . قال : فهل كان عيسى عليه السلام فيما بلغكم سمى أصحاب ~~الطهف ؟ قالوا : نعم ؛ قال : فسموهم لي PageV15P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" بأسمائهم ، فسموهم حتى إذا ذكروا اسمه تمليخا ~~قال : فأنا تمليخا وأنا أحدهم ، فخروا له سجدا كما صنع إخوة يوسف بيوسف يوم ~~دخلوا عليه ؛ وكانت تحيتهم فيما بينهم السجود يومئذ ، ثم أدخلوه مسجدهم ~~وعظموه ووقروه وأكرموه ورفعوه وجمعوا له أهل مدينتهم وقراءهم وفقهاءهم ، ~~فتبركوا به ، وجعلوا له عيدا عظيما ، وأقام أياما بين أظهرهم ثم قال لهم : ~~إن أصحابي الذين يحدثكم عنهم عيسى عليه السلام لا أراهم إلا وقد خافوا علي ~~وساء ظنهم وهم يظنون أن دقيوس حي ، وأن زمانه وأن الدين دينه ، فانطلقوا ~~بنا نعلمهم كيف أهلكه الله وقومه وطهر الأرض منهم ، وكيف استبدل به وبأهل ~~ملته أمة يوحدونه ويعرفونه ويهدون بالحق وبه يعدلون . فانطلقوا معه انتهوا ~~إلى الكهف فوجدوا كلبهم باسطا ذراعيه بالوصيد فقالوا حين رأوا : وهذا الكلب ~~أيضا من علاماتكم التي كان يحدثنا عنها عيسى عليه السلام ، وقد كان يحدث أن ~~أصحاب الكهف لا ينظر إليهم أحد من خلق الله من يوم يدخلون الكهف إلى أن ~~ينزل عيسى عليه بن مريم عليه السلام إلا رجل واحد منهم ، وهو الذي يدل ~~عليهم وعلى مكانهم ، وأنت هو ؛ فدخل على أصحابه فأخبرهم بما رأى وما لقي ، ~~ثم كان آخر العهد بهم . قال الله عز وجل : وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن ~~وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا ~~عليهم بنيانا ms3025 ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ~~. قال : فبنوه حول الكهف وجعلوا الكهف في وسطه وكتبوا القصة على حيطانه . ~~قال وهب : فبلغني - والله أعلم - أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : إن ~~نزول أخي عيسى بن مريم عليه السلام علم للساعة ، وإن الله يبشرهم عند نزول ~~عيسى بن مريم عليه السلام ، وإنه يحج في سبعين ألفا فيهم أصحاب الكهف لأنهم ~~لم يموتوا ، ثم تقبل ريح صفراء يمانية ، ألين من الحير ، وريحها ريح المسك ~~فتقبض روح عيسى عليه السلام وأرواح من معه . انتهى خبر أصحاب الكهف ، ~~فلنرجع إلى ما كنا فيه من أخبار ملوك الروم . قال : ثم ملك بعد دقيوس جالش ~~. فكانت مدة ملكه ثلاث سنين . ثم ملك بعده فيلطانس . فكانت مدة ملكه عشر ~~سنين . ثم كانت بعده ملوك الروم المتنصرة . PageV15P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" ذكر أخبار ملوك الروم المتنصرة وهم ملوك ~~القسطنطينية قال المسعودي : لما هلك قليطانس ملك بعده قسطنطين برومية ، وهو ~~أول من انتقل من ملوك الروم عن رومية إلى بيزنطيا ، وهي القسطنطينية ، ~~فبناها هذا الملك وسماها بهذا الاسم . قال : وكان خروجه من رومية ودخوله في ~~دين النصرانية لست خلت من ملكه ، وذلك أن أمه هلانا خرجت إلى أرض الشام ~~وبنت الكنائس وسارت إلى بيت المقدس وطلبت الخشبة التي تزعم النصارى أن عيسى ~~عليه السلام صلب عليها ، فلما ظفرت بها حلتها بالذهب والفضة واتخذت يوم ~~وجودها عيدا وهو عيد الصليب ، لأربع عشرة ليلة خلت من أيلول . وهي التي ~~ابتنت كنيسة حمص على أربعة أركان ، واستخرجت الدفائن بمصر والشام ، وصرفت ~~ذلك في بناء الكنائس وتشييد دين النصرانية ، فكل كنيسة بالشام ومصر من بناء ~~هذه الملكة هلانا . قال : ولسبع عشرة سنة خلت من ملك قسطنطين اجتمع ثلثمائة ~~وثمانية عشر أشقفا بمدينة نيقية لأرض الروم فأقاموا دين النصرانية . وهذا ~~الاجتماع أول الاجتماعات الستة التي تذكرها الروم في كلامهم وتسميها ~~القوانين ، ومعنى هذه الاجتماعات السنودسات وأحدها سونودس . فالأول بنيقية ~~وكان الاجتماع فيه على أرنوس ، وهذا اتفاق من سائر أهل دين ms3026 النصرانية . ~~والسنودس الثاني بقسطنطينية على مقدونس ، وعدة المجتمعين فيه من الأساقفة ~~مائة وخمسون رجلا . والثالث بأقسيس وعدة اجتمع فيه من الأساقفة مائة رجل . ~~والرابع بخلقدونية وعددهم ستمائة ووستون رجلا . والخامس بقسطنطينية وعددهم ~~مائة وستة وأربعون رجلا . والسادس كان من ملكة المدن ، وعدتهم مائتان ~~وثمانون رجلا . قال : وكان السبب في دخول قسطنطين في دين النصرانية أنه خرج ~~في بعض حروب أبرجان أو غيرهم من الأمم ، فكانت الحرب بينهم سجالا نحوا من ~~سنة ، ثم كانت عليه في بعض الأيام فقتل من أصحابه خلق كثير وخاف البوار ~~فرأى في نومه PageV15P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" كأن رماحا نزلت من السماء فيها عذب وأعلام ~~على رأسها صلبان من الذهب والفضة والحديد والنحاس وأنواع الجواهر والخشب ، ~~وقيل له : خذ هذه الرماح وقاتل بها عدوك تنتصر ، فجعل يحارب في النوم فرأى ~~عدة قد انهزم ، فاستيقظ من نومه ودعا بالرماح وركب عليها الصلبان مثل ما ~~رأى ، ورفعها في مسكره وزحف إلى عدوة فكسرهم وأخذهم السيف ، فرجع إلى مدينة ~~نيقية وسأل عن تلك الصلبان وهل يعرفون ذلك في شيء من الآراء والنحل ؟ فقيل ~~له : إن بيت المقدس من أرض الشام يجمع هذا المذهب ، وأخبروه بما فعله من ~~قبله من الملوك من قتل النصارى ، فبعث إلى الشام وبيت المقدس وحشر له ~~ثلثمائة وثمانية عشر أسقفا فأتوه بنيقية قفص عليهم أمره فشرعوا له دين ~~النصرانية . فهذا هو السنودس الأول . وقيل : إن أمه كانت قد تنصرت وأخفت ~~ذلك عنه قبل هذه الرؤيا . وكان ملكه إلى أن هلك إحدى وثلاثين سنة ، وقيل ~~خمسا وعشرين . ثم ملك بعده قسطنطين بن قسطنطين . فكانت مدة ملكه أربعا ~~وعشرين سنة . وابتنى كنائس كثيرة وشيد دين النصرانية . ثم ملك بعده ابن عمه ~~بوليانس المعروف بالحنيفي ويسمى البرباط . قال : ولما ملك رجع عن دين ~~النصرانية وغير رسومها وغزا العراق في ملك سابور بن أردشير فأتاه سهم غرب ~~فذبحه . ولما هلك جزع من كان معه من الملوك والبطارقة ففزعوا إلى بطريق كان ~~معظما عندهم يقال له يونياس ، وقيل : إنه كان كاتبا ms3027 للملك الماضي ، فأبى ~~عليهم إلا أن يرجعوا إلى دين النصرانية ، فأجابوه إلى ذلك فملك عليهم ~~يونياس المذكور . قال : ولما ملك كان له مراسلات مع سابور ومهادنة واجتماع ~~، ثم انصرف بجيوش النصرانية موادعا لسابور وأخلف عليه ما أتلف الملك الماضي ~~من أرضه بأموال حملها إليه وهدايا من ألطاف الروم ، وشيد النصرانية وأعاد ~~معالمها ، ومنع من عبادة الأصنام والتماثيل . وقتل من كان على عبادتها . ~~فكان ملكه سنة . ثم ملك بعده أوالس قال : ولما ملك كان على دين النصرانية ~~ثم رجع عنه ، وهلك في بعض حروبه ، فكان ملكه إلى أن هلك أربع عشرة سنة . ~~وقيل : إن في أيامه استيقظ أهل الكهف . PageV15P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" ثم ملك بعده غراطيانس . فكانت مدة ملكه خمس ~~عشرة سنة ، وسنة من ملكه كان اجتماع النصرانية ، وهو آخر الاجتماعات . ~~فأتموا القول في روح القدس ، وهو السنودس الثاني . ثم ملك بعده بدرسيس ~~الأكبر ، وتفسير هذا الاسم عطية الله . قال : ولما ملك قام بدين النصرانية ~~وعظم أمرها وابتنى الكنائس ، ولم يكن من أهل بيت المقدس ولا من الروم ؛ بل ~~كان أصله من الأسبان ، وهم بعض الأمم السالفة . قال : وقد كانت ممن ملكت ~~الشام ومصر والمغرب والأندلس . وقد تنازع الناس فيهم ، فذكر الواقدي في ~~كتاب فتوح الأمصار أن بدءهم من أهل أصبهان ، وانهم ناقلة من هنالك ، وهذا ~~يوجب أنهم من قبل ملوك فارس . قال : وذكر عبيد الله بن خرداذبه نحو ذلك ، ~~وساعدهما على ذلك جماعة من أهل السير والأخبار . قال المسعودي : والأشهر من ~~أمرهم أنهم من ولد يافث بن نوح ، وهم اللذارقة ملوك الأندلس وأحدهم لذريق ، ~~وقد تنوزع في دياناتهم ، فمنهم من رأى أنهم على دين المجوس ، ومنهم من رأى ~~أنهم على مذهب الصابئة وغيرهم من عبدة الأصنام . قال : وكان ملك بدرسيس إلى ~~أن هلك تسع عشرة سنة . ثم ملك بعده أوقاديس . فكان ملكه أربع عشرة سنة وكان ~~على دين النصرانية . ثم ملك بعده بدرسيس الأصغر ، وذلك بمدينة أقسس ، وجمع ~~مائتي أسقف وهو الاجتماع الثالث من الأسنودسات ، ولعن فيه نسطورس البطرك ، ~~وإليه ms3028 تنسب النسطورية من النصارى . وكان ملك هذا الملك إلى أن هلك اثنتين ~~وأربعين سنة . ثم ملك بعده مرقياقس وزوجته بلجاريا . فكانت ملكة معه . وكان ~~ملكهما سبع سنين ، وفي أيامهما كان خبر اليعاقبة ووقوع الخلاف بينهم في ~~الثالوث . قال : وأكثر PageV15P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" اليعاقبة من النصارى بالعراق وتكريت والموصل ~~والجزيرة ومصر وأقباطها إلا اليسير فإنهم ملكية ، والنوبة والأرمن يعاقبة ؛ ~~ومطران اليعاقبة بين الموصل وبغداد وتكريت ، وكان لهم بالقرب من رأس عين ~~واحد فمات ، وانتقل مطرانها إلى بلاد حلب وقنسرين والعواصم . قال المسعودي ~~: وكرسي اليعاقبة رسمه أن يكون بمدينة أنطاكية ، وكذلك لهم كرسي بمصر . ثم ~~ملكا بعدهما ليون الأصغر بن ليون . فكان ملكه ست عشرة سنة ، وفي أيامه أحرم ~~مسعدة اليعقوبي بطرك الإسكندرية ، واجتمع له من الأسقافة ستمائة وثلاثون ~~أسقفا . وفي تاريخ الروم أن عدة المجتمعة ستمائة وستون رجلا ، وذلك ~~بخلقدونية ، وهذا الاجتماع هو السنودس الرابع عند الملكية . واليعاقبة لا ~~تعتد بهذا السنودس . قال : واليعاقبة أضيفت إلى يعقوب البرذعي وبه عرفت ، ~~وكان من أهل أنطاكية ، وكان يعمل البراذع بها . ثم ملك بعده ابن به على دين ~~الملكية . فكانت مدة ملكه إلى أن هلك سنة . ثم ملك بعده بير وهو من بلاد ~~الأرمينان ، وكان ملكه سبع عشرة سنة ، وكان يميل إلى رأي اليعاقبة ، وكان ~~له حروب مع خوارج خرجوا عليه في دار ملكه فظفر بهم . ثم ملك بعده نسطاس ، ~~وكان يذهب إلى مذهب اليعاقبة ، وهو الذي بنى مدينة عمورية ، وأصاب كنوزا ~~ودفائن عظيمة . وكان ملكه تسعا وعشرين سنة . PageV15P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" ثم ملك بعده نوسطيانس تسع سنين . ثم ملك بعده ~~سطيانس . فكان ملكه تسعا وثلاثين سنة ، وبنى كنائس كثيرة وشيد دين ~~النصرانية وأظهر مذاهب الملكية ، وبنى كنيسة الرها ، وهي إحدى عجائب مباني ~~العالم . قال : وقد كان في هذه الكنيسة منديل يعظمه أهل دين النصرانية ، ~~وهو أن اليسوع الناصري حين اخرج من ماء المعمودية نشف به ، فلم يزل هذا ~~المنديل يتداول إلى أن قرر على كنيسة الرها ؛ فلما اشتد أمر الروم على ~~المسلمين وحاصروا ms3029 الرها في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة أعطى هذا المنديل ~~للروم فوقعت الهدنة عليه ، وفرح الروم فرحا عظيما . ولما هلك هذا الملك ملك ~~بعده قوسطيس وهو ابن أخيه ، وكان ملكه إلى أن هلك ثلاث عشرة سنة . ثم ملك ~~بعده طباريس . فكان ملكه أربع سنين ، وأظهر في مدة ملكه أنواعا من الباس ~~والآلات وآنية الذهب والفضة وغير ذلك من آلات الملوك . ثم ملك بعده مورقيس ~~، وقيل فيه موريقس ، فكانت مدة ملكه عشرين سنة ، وهو الذي نصر كسرى أبرويز ~~على بهرام جوبين على ما قدمناه ، ثم قتل وانتصر أبرويز لولده وبعث بجيوش ~~الفرس ، وكانت له حروب ذكرناها . ثم ملك بعده قرقاس . فكان ملكه إلى أن قتل ~~ايضا ثماني سنين . ثم ملك بعده هرقل وكان بطريقا في بعض الجزائر قبل ذلك . ~~قال : ولما ملك عمر بيت المقدس وذلك بعد انكشاف الفرس عن الشام ، وبنى ~~الكنائس . ولسبع سنين خلت من ملكه كانت هجرة سيدنا رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . ذكر ملوك الروم بعد ظهور الإسلام قال المسعودي : وجدت في كتب ~~التواريخ تنازعا في مولد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وفي عصر من كان من ~~ملوك الروم ؛ فمنهم من ذهب إلى ما قدمناه ، ومنهم من رأى أن مولده ( صلى ~~الله عليه وسلم ) كان في ملك نوسطينوس . وكان ملكه سبعا وعشرين سنة . ~~PageV15P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" ثم ملك نوسطينوس الثاني ، وكان ملكه عشرين ~~سنة . ثم ملك بعده هرقل بن نوسطينوس ، وهو الذي ضرب الدنانير والدراهم ~~الهرقلية . وكان ملكه خمس عشرة سنة . ثم ملك بعده ابنه مورق بن هرقل ، وهو ~~الذي كتب الزيجات في النجوم ، وعليه يعمل أهل الحساب . وفي تواريخ ملوك ~~الروم فيمن سلف وخلف أن الملك للروم كان في وقت ظهور الإسلام وخلافة أبي ~~يكر وعمر هرقل . وليس هذا الترتيب فيما عداها من كتب تواريخ أهل السير . ~~وفي تواريخ أصحاب السير أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هاجر وملك ~~الروم قيصر بن فوق . ثم ملك بعده قيصر بن قيصر ، وذلك في أيام أبي بكر ~~الصديق ms3030 رضي الله عنه . ثم ملك بعده هرقل بن قيصر في خلافة عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه ، وهو الذي حاربه أمراء الإسلام الذين فتحوا الشام على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى في خلافة عمر رضي الله عنه . ثم ملك بعده مورق بن ~~هرقل في خلافة عثمان ين عفان رضي الله عنه . ثم ملك بعده فوق بن مورق في ~~خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأيام معاوية بن أبي سفيان . ثم ملك ~~بعده فلقط بن مورق بقية أيام معاوية بن أبي سفيان ، وكانت بينهما مراسلات ~~ومهادنات ، وكان ملكه في آخر أيام معاوية وأيام يزيد ابنه ومعاوية ابن يزيد ~~ومروان بن الحكم وصدرا من أيام ابنه عبد الملك بن مروان . ثم ملك بعده لاوي ~~بن فلقط في بقية أيام عبد الملك بن مروان . ثم ملك بعده جيرون بن لاوي في ~~أيام الوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك أخيه وعمر بن عبد العزيز ، ~~ثم اضطرب ملك الروم لما كان من أمر مسلمة ين عبد الملك بن مروان وغزو ~~المسلمين لهم في البر والبحر ، فملكوا عليهم رجلا من غير أهل بيت الملك من ~~أه لمرعش يقال له جرجس . فكان ملكه تسع عشرة سنة . ولم يزل ملك الروم في ~~اضطراب إلى أن ملك عليهم قسطنطين بن اليون ، وذلك في خلافة أبي العباس ~~السفاح وأبي جعفر المنصور . PageV15P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" ثم ملك بعده اليون بن قسطنطين ، وكانت أمه ~~أرسى ملكة معه ومشاركة له في الملك لصغر سنه . وملك في أيام المهدي والهادي ~~. ثم ملك بعده قسطنطين بن اليون بن قسطنطين ، وكانت أمه مشاركة له وسلمت ~~عيناها بعد موته . ثم ملك بعده نقفور بن استبراق ، وكان لهذا الملك مراسلات ~~وحروب مع الرشيد ، وغزاه الرشيد فأعطى القود من نفسه من بعد بغي كان منه في ~~بعض مراسلاته ، فانصرف الرشيد عنه ثم غدر ونقض ما كان أعطاه من الانقياد ، ~~فكتم الرشيد أمره لعارض علة كان وجدها بالرقة ، ثم تجهز وغزاه فنزل على ~~هرقلة ؛ وذلك ms3031 في سنة سبعين ومائة ، فحاصرهما سبعة عشر يوما فأصيب خلق من ~~المسلمين وفنيت الأزواد والعلوقات ، ثم فتحها عنوة . وقيل : إنهم بادروا ~~لما فتحها بطلب الأمان فأمنوا . والأشهر أنه فتحها عنوة . ثم ملك بعده ~~استبراق بن نقفور بن استبراق . وكان ملكه في أيام الأمين ، ولم يزل ملكا ~~حتى غلب على الملك قسطنطين بن قفلط ، وكان ملكه في خلافة المأمون . ثم ملك ~~بعده توقيل وذلك في خلافة المعتصم ، وهو الذي فتح زبطرة وغزاه المعتصم بعد ~~فتح عمورية . ثم ملك بعده ميخائيل بن توقيل ، وذلك في خلافة الواثق ~~والمتوكل والمنتصر والمستعين ، ثم كان بين الروم تنازع في الملك ، فملكوا ~~عليهم توقيل بن ميخائيل ابن توقيل . ثم غلب على الملك بسيل الصقلبي ولم يكن ~~من أهل بيت الملك . وكان ملكه في أيام المعتز والمهتدي وبعض أيام المعتمد . ~~PageV15P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" ثم ملك بعده اليون بن يسيل . فكان ملكه بقية ~~أيام المعتمد وصدرا من أيام المعتضد إلى أن هلك . ثم ملك عليهم أخاه لاوي ~~بن اليون بن بسيل الصقلبي . فكان ملكه بقية أيام المعتضد وأيام المكتفي ~~وصدرا من أيام المقتدر . ثم هلك وخلف ولدا صغيرا يقال له قسطنطين فملك وغلب ~~على ماشركته في الملك أرمنوس بطريق البحر صاحب حربه . قال : فزوج قسطنطين ~~الصبي بابنته ، وذلك في بقية أيام المقتدر وأيام القاهر وأراضي والمتقي ، ~~وذلك في سنة اثنين وثلاثين وثلثمائة . قال المسعودي : فملوك الروم في هذا ~~الوقت ثلاثة ، فالأكبر منهم والمدبر للأمور أرمنوس يخاطب بالملك اسمه ~~اسطفانس وجعل أرمنوس ابنا له آخر صاحب الكرسي بالقسطنطينية ، وهو البطريك ~~الأكبر الذي يأخذون عنه دينهم ، وقد كان خصاه قبل ذلك أبوه وقربه إلى ~~الكنيسة . وهذا آخر من ذكره المسعودي من ملوك الروم ولم نجد من ضبط أمرهم ~~بعده على اتسق فنذكره . قال : فعدة ملوك الروم المتنصرة من قسطنطين بن هلاي ~~الذي أظهر دين النصرانية بالروم إلى هذا الوقت أحد وأربعون ملكا ، ولم يعد ~~ابن أرمنوس وسنيهم خمسمائة سنة وسبع سنين . وقال في ملوك رومية : الذي وجدت ~~في اكثر كتب ms3032 التواريخ مما اتفقوا عليه أنعدة ملوك الروم الذين ملكوا مدينة ~~رومية ، وهم الذين ذكرهم في كتابه وذكرناهم نحن في كتابنا هذا ، تسعة ~~وأربعون ملكا ، وجميع عدد سني ملكهم ، من أول من ملكهم على حسب ما ذكرناه ~~من الخلاف في صدر هذا الفصل إلى قسطنطين ابن هلاي ، أربعمائة سنة وثلاثون ~~سنة وسبعة أشهر وستة أيام . والله أعلم . ذكر أخبار ملوك الصقالبة ~~والنوكبرد قال المسعودي : الصقالبة من ولد ماراي بن يافث بن نوح ، وإليه ~~يرجع سائر أجناس الصقالبة وبه يحقون في أنسابهم . ومنهم من ينقاد إلى دين ~~النصرانية اليعاقبة ، ومنهم من لا كتاب له ولا ينقاد إلى شريعة . وهم أجناس ~~: فمنهم جنس كان الملك PageV15P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" فيهم قديما في صدر الزمان ، وكان ملكهم يدعى ~~ماجك ، وهذا الجنس يدعى لبنانا ، وكان يتلو هذا الجنس قديما في صدر الزمان ~~سائر أجناس الصقالبة وهم اصطبرانة ، وملكهم يدعى بصقلانح . وجنس يقال له ~~نامجين ، وملكهم يدعى عرابة ، وهذا الجنس أشجع الصقالبة ، وجنس يدعى مناي ، ~~وملكهم رتبيل ، ثم جنس يقال له سرتين ، وهو جنس مهيب عندهم ، ثم جنس يقال ~~له مراوة ، ثم جروانيق وصاصين وخشانين وبزانجابين . قال : والجنس الذي يدعى ~~سرتين يحرقون أنفسهم بالنار ، وإذا مات لهم ملك أو رئيس يخرقونه ويحرقون ~~دوابه ، ولهم أفعال كأفعال الهند . قال : ومن الصقالبة جنس التحق بالخزر ~~والروس . قال : والأول من ملوك الصقالبة ملك الدير ، وبه مدن واسعة وعمائر ~~كثيرة ، وهو يحارب الروم والفرنج والنوكبرد وغيرهم من الأمم ، والحرب بينهم ~~سجال : ثم بلى هذا الملك من بلاد الصقالبة ملوك الترك . قال : والصقالبة ~~أجناس كثيرة ، ثم اختلفت الكلمة بين أجناسهم فزال نظامهم وملك جنس منهم ~~عليهم ملكا . هذا ما أورده المسعودي من أخبار الصقالبة . والله أعلم . وأما ~~النوكبرد فقال المسعودي فيهم : إنهم أيضا من ولد يافث وبلادهم متصلة ببلاد ~~المغرب ، ولهم جزائر كثيرة فيها أمم من الناس . وهم ذو بأس شديد ومنعة ، ~~ولهم مدن كثيرة ويجمعهم بلد واحد . قال : وأسماء ملوكهم في سائر الأعصار ~~أريكس ، والمدينة العظمى من مدنهم ودار مملكتهم تبت ms3033 وهي مدينة عظيمة ~~يخترقها نهر عظيم من أعظم الأنهار اسمه سابيط والمدينة على جانبيه . قال : ~~ومن مدنهم التي كان المسلمون ببلاد الأندلس قد غلبوهم عليها وسلبوها منهم ~~وسكنوها ثم استعادها النوكبرد بعد ذلك من المسلمين مدينة تارة ومدينة ~~طارينو ومدينة سيرنية ، ولم يذكر من أمرهم خلاف ذلك فنذكره . PageV15P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" ذكر خبر ملوك الإفرنجة والجلالقة قال ~~المسعودي : لا خلاف أن الإفرنجة والجلالقة والصقالبة والنوكبرد والأسبان ~~والترك والخزر وبرجان واللان ويأجوج ومأجوج وغير من ذكرنا ممن سكن بلاد ~~الشمال من ولد يافث بن نوح . قال : والإفرنجة اشد هؤلاء الأجناس باسا ، ~~وأمنعهم وأكثرهم عدة ، وأوسعهم ملكا ، وأحسنهم نظاما ، وانقيادا لملوكهم ، ~~وأكثرهم طاعة . قال : والجلاقة اشد من الإفرنجة واعظم منهم نكاية . والرجل ~~الواحد من الجلالقة يقاوم من الإفرنجة . ثم قال : وكلمة الإفرنجة متفقة على ~~ملك واحد لا تنازع بينهم في ذلك ، ومدنهم تزيد على مائة وخمسين مدينة غير ~~الكور . وكانت أوائل بلادهم قبل ظهور الإسلام في البحر في جزيرة رودس ~~وجزيرة إقريطش ، ثم ملكوا بلاد الغرب واستولوا عليها . قال : وأول ملوك ~~الإفرنجة قلويا وكان مجوسيا فنصرته امرأته عرضلة . ثم ملك بعده ابنه لذريق ~~. ثم ملك بعده ابنه دفسوت . ثم ملك بعده ابنه قادله ثم ملك بعده ابنه بيبق ~~. ثم ملك بعده قادله . وكانت ولايته ستا وعشرين سنة ، وذلك ف أيام الحكم ~~صاحب الأندلس ، وتدافع بعده ووقع الاختلاف بينهم حتى تفانت الإفرنجة بسببهم ~~. وسار لذريق بن قادله ثمانيا وعشرين سنة وستة اشهر ، وهو الذي أقبل إلى ~~طرطوشة فحاصرها . PageV15P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" ثم ملك بعده قادله بن لذريق تسعا وثلاثين سنة ~~وستة أشهر . ثم ملك بعده ابنه لذريق ستة أعوام ، ثم خرج عليه قائد للإفرنجة ~~يسمى يوسة فملك الإفرنجة وأقام في الملك ثماني سنين . وهو الذي صالح المجوس ~~على بلده سبع سنين بستمائة رطل ذهبا وستمائة رطل فضة يؤديها صاحب الإفرنجة ~~إليهم . ثم ولى بعده قادله وأقام في الملك إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر . ~~ثم ولي بعده لذريق بن قادله واستمر في الملك إلى ms3034 سنة ست وثلاثين وثلثمائة . ~~هذا ما أورده المسعودي من أخبارهم في كتابه المترجم لمروج الذهب ومعادن ~~الجوهر . ثم اتسعت بعد ذلك ممالكهم وانبسطت أيديهم واستولوا على أكثر بلاد ~~الغرب وغيرها . ذكر طوائف السودان وشيء من أخبارهم ونسبهم قال المسعودي : ~~لما تفرق ولد نوح في الأرض سار ولد كوش ين كنعان نحو المغرب حتى قطعوا نيل ~~مصر . ثم افترقوا فسارت طائفة منهم ميميمين المشرق ، وهم النوبة والحبشة ~~والزنج . وسار فريق منهم نحو المغرب ، وهم أنواع كثيرة : الزغاوة والكانم ~~ومرنك وكوكو والحمى غانة وغير ذلك من أنواع الأجابش والدمادم ، ثم افترق ~~الذين يمموا بين المشرق والمغرب ، فصارت الزنج من المكمين والمسكو ودبرا ~~وغيرهم من أنواع الزنج . قال : ومن مدنهم بربرا وهي مدينة على خليج من ~~البحر الحبشي يسمى الخليج البربري ، طوله خمسمائة ميل وعرضه مائة ميل . قال ~~: وليست هذه بربرا هي التي تنسب إليها البرابرة الذين بالمغرب من أرض ~~إفريقية . قال : ولباس هؤلاء الزنج جلود النمورة ، وهي جلود كبيرة تحمل من ~~أرضهم إلى بلاد الإسلام . قال : وأقاصي بلاد الزنج بلاد سفالة وأقاصيه بلاد ~~الواق واق ، وهي أرض كثيرة الذهب كثيرة العجائب والخصب ، حارة . واتخذ بها ~~الزنج دار مملكة وملكوا عليهم ملكا اسمه وقليمى وهي نسبة لسائر ملوكهم في ~~سائر الأعصار . PageV15P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" قال : ويركب وقليمى وهو ملك من ملوك الزنج في ~~ثلثمائة ألف راكب ، ودوابهم البقر ، وليس في أرضهم خيل ولا بغال ولا غبل ~~ولا يعرفونها ، وإنما يركبون البقر بالسروج واللجم ، ويقاتلون عليها وهي ~~تعدو يهم كالخيل . قال المسعودي : رأيت بالري نوعا من هذه البقر تبرك كما ~~يبرك الجمل وتحمل وتثور بأحمالها ، وتحمل عليها الميتة من الخيل والإبل ~~وغيرها فتنهض بحملها . والغالب على هذا النوع من البقر حمرة الحدق وسائر ~~البقر تنفر منها . قال : ولا يقع البرد في بلاد الزنج . قال : ومنهم ناس ~~محددو الأسنان يأكل بعضهم بعضا . قال : ومساكن الزنج من حد الخليج المشعب ~~من أعلى النيل إلى بلاد سفالة والواق واق ، ومقدار مسافة مساكنهم واتصالها ~~في الطول والعرض سبعمائة ms3035 فرسخ : بر وأودية وجبال ورمال . قال المسعودي : ~~ومعنى تسمية ملك الزنج وقليمى أي ابن الرب الكبير ، لأنه اختارهم لملكهم ~~والعدل ، فمتى جار الملك عليهم في حكمه أو حاد عن الحق قتلوه وحرموا عقبه ~~الملك . وزعموا أنه إذا فعل ذلك فقد بطل أن يكون ابن الرب الذي هو ملك ~~السماء والأرض ، ويسمون الخالق عز وجل مكليجو وتفسيره الرب الكبير . قال : ~~والزنج أولو فصاحة في ألسنتهم وفيهم خطباء بلغتهم ؛ يقف الرجل الزاهد منهم ~~فيخطب على الخلق الكثير منهم يرغبهم في القرب من ربهم ويبعثهم على طاعته ، ~~ويرهبهم من عقابه ، ويذكرهم من سلف من ملوكهم وأسلافهم ، وليس لهم شريعة ~~يرجعون إليها بل رسوم لملوكهم ، وأنواع من السياسات يرجعون إليها ويسوسون ~~بها رعيتهم ، وأكثر أكلهم الموز ، وهو كثير ببلدهم ، وغالب أقواتهم الذرة ~~ونبت يقال له الكلاري يقتلع من الأرض كالكمأة والراسن ، ويأكلون العسل ~~واللحم . PageV15P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" قال : ومن هوى منهم شيئا نم نبات أو حيوان ~~وجماد عبده . وجرائرهم لا تحصى كثرة وفيها النارجيل . وأما النوبة وما قيل ~~فيها فافترقت فرقتين في شرقي النيل وغريبه وأناخت على شطيه واتصلت ديارها ~~بديار مصر ، واتسعت مساكنها على شاطئ النيل مصعدة . ومدينتهم دنقله . ~~والفريق الآخر من النوبة يقال له غلوة وينزل مدينة الملك واسمها سرته . ~~وأما البجة وما قيل فيها فإنها نزلت بين بحر القلزم ونيل مصر وتشعبوا فرقا ~~وملكوا عليهم كلوكاص ، وفي أرضهم معادن الذهب . قال : وانضاف إلى البجة ~~طائفة من العرب من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان وتزوجوا من البجة . وأما ~~الحبشة وما قيل فيها فإن دار ملكهم كعبر ، وهي مدينة عظيمة ، وهي دار مملكة ~~النجاشي . وللجبشة مدة كثيرة وعمائر واسعة ويتصل ملك النجاشي بالبحر الحبشي ~~، وله ساحل فيه مدينة كبيرة ، وهو مقابل لبلاد اليمن . فمن مدن الحبشة على ~~الساحل : الزيلع والدهلك وناصع ، وفي هذه المدن جماعة ن المسلمين إلا أنهم ~~في ذمة الحبشة . قال : وبين ساحل الحبشة ومدينة غلافقة ، وهي ساحل زبيد من ~~أرض اليمن ، ثلاثة أيام عرض البحر . قال : ومنه عبرت ms3036 الحبشة إلى اليمن حين ~~ملكته في أيام ذي نواس ، وهذا الموضع هو أقل هذا البحر عرضا . قال : وهنالك ~~جزائر بين الساحلين منها : جزيرة العقل فيها ما ء يشرب فيفعل في القرائح ~~والذكاء فعلا جميلا ، وبها جزيرة أسقطرة . وأما غير هؤلاء من الحبشة فمنهم ~~من أمعن في المغرب مثل : الزغاوة والكوكو القراقر ومديدة ومريس والمبرس ~~والملانة والقوماطين ودويله والقرمة . قال : ولكل طائفة من هؤلاء الطوائف ~~وغيرهم ملك يرجعون إليه . PageV15P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" الباب الرابع من القسم الرابع من الفن الخامس ~~في أخبار ملوك العرب ويتصل بهذا الباب خبر سيل العرم ذكر أخبار ملوك قحطان ~~قل المؤرخون : لم يكن للعرب ملك حقيقي ، وإنما كان من ملك حمير في بلاد ~~اليمن سمى ملكا ، وقد كانوا في بعض الأوقات يخرجون من بلادهم ويسيحون في ~~الأرض حتى بلغوا أقصى المغرب ، وبلغوا من حدود المشرق سمرقند ، وبلغوا باب ~~الأبواب ، ودخلوا بلاد الهند ولم يستقروا في غير بلادهم ، فلا يعد ذلك ملكا ~~، وإنما هو غارة . فأول ملوك قحطان عبد شمس ، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن ~~قحطان ابن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ، وإنما سمى سبأ لأنه أول ~~من أدخل بلاد اليمن السبي . قال عبد الملك بن عبدون في كتابه المترجم بكلمة ~~الزهر وصدفة الدر : إن عبد شمس هذا ملك أربعمائة سنة وأربعا وثمانين سنة . ~~قال : وقد اختلف في أول من ملك منهم ، فقيل يعرب بن قحطان . قال : وهو أول ~~من نطق بالعربية ، وأول نم حياه ولده بتحية الملك : أبيت اللعن ، وأنعم ~~صباحا . والأشهر أن عبد شمس سبا هو أول ملوكهم . والله أعلم . ثم ملك ابنه ~~حمير بن سبأ ، قال : وكان أشجع الناس في وقته ، وأفرسهم وأجملهم . وقيل : ~~إنه غنما سمى حمير لكثرة لباسه الأحمر من الثياب ، وكان يلقب بالعرنجج ، ~~وهو أول من وضع تاج الذهب على رأسه من ملوك اليمن . وكان ملكه خمسين سنة ، ~~وذلك في عصر قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام . ثم ملك بعده أخوه ~~كهلان بن سبأ ms3037 . فكان ملكه إلى أن هلك ثلثمائة سنة . PageV15P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" واختلف فيمن ملك بعده ، فقيل : ملك بعده أبو ~~مالك بن عسكر بن سبأ . فكان ملكه ثلثمائة سنة . وقيل ملك بعد كهلان الرائس ~~وهو الحارث بن شداد ، وكان الحارث أول من غزا منهم ، وأصاب الغنائم ، ~~وأدخلها اليمن ، وبينه وبين حمير خمسة عشر أبا ، وسمى الرائس لأنه لما أدخل ~~الغنائم والأموال والسبي بلاد اليمن فراش الناس في أيامه . وفي عصره مات ~~لقمان النسور . قال : وذكر الرائش هذا نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~شعره ، فقال من قصيدته : ويملك بعدهم رجل عظيم . . . نبي لا يرخص في الحرام ~~يسمى أحمدا يا ليت أني . . . أعمر بعد مخرجه بعام قال : وكان ملكه مائة ~~وخمسا وعشرين سنة . هكذا نقل عبد الملك بن عبدون وذكر الخلاف في أبي مالك ~~وارائش على ما ذكرناه . وأما غيره فإنه لم يذكر كهلان ابن سبا ولا أبا مالك ~~، بل قال : إن حمير عهد إلى ابنه الملطاط بن عمرو بن حمير . قال : وفي ~~أيامه انقرض ملك ملك صحار وجاسم ابني دارم وبادوا . قالوا : ثم ملك بعده ~~ابنه أبرهة ويقال له ذو المنار . قالوا : سمى بذلك لأنه أول من أقام المنار ~~في مغازيه على الطريق ، وذلك أنه أوغل في بلاد المغرب والسودان ، واتخذها ~~ليهتدي بذلك في قفوله . وكان ملكه مائة وثلاثين سنة ، وقيل مائة وثلاثا ~~وثمانين سنة . هكذا ذكر ابن قتيبة في كتاب المعارف أن الذي ملك أبرهة . ~~وقال المسعودي : إن الذي ملك بعد الرائش جبار بن غالب زيد ابن كهلان وقال : ~~إن ملكه كان مائة وعشرين سنة ، والله اعلم . ثم ملك بعد أبرهة على ما ذكر ~~ابن حمدون في تذكرته ابنه إفريقش ، وهو ذوا الأذعار . قال : سمي بذلك لأنه ~~خرج نحو بلاد المغرب وأوقع بوم لهم خلق منكرة فذعر الناس منهم وفرقوا . قال ~~ابن عبدون : وغزا إفريقش بلاد المغرب حتى أتى طنجة ونقل البربر من أرض ~~فلسطين ومصر والساحل إلى مساكنهم ببلاد المغرب . وكان البربر بقية من قلت ~~يوشع بن نون . قال : وإفريقش ms3038 هو الذي بنى إفريقية وبه سميت . PageV15P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" ثم ملك بعده ابنه العبد ويلقب ذا الشناتر ، ~~وهي الأصابع في لغة حمير . قال : وخرج نحو العراق فاحتضر في طريقه . هكذا ~~ذكر ابن حمدون . وقال عبد الملك : إن الذي ملك بعد إفريقش أخوه العبد بن ~~أبرهة . قال : وهو ذو الأذعار سمي بذلك لأنه كان فيما ذكر أهل الأخبار غزا ~~بلاد النسناس فقتل منهم مقتلة عظيمة ، ورجع إلى اليمن من سبيهم بقوم وجوههم ~~في صدورهم فذعر الناس فسمي بذي الأذعار . وكان ملكه خمسا وعشرين سنة . وقد ~~قدمنا أن ذا الأذعار هو إفريقش . والله أعلم . ثم ملك بعده الهدهاد بن عمرو ~~بن شرحبيل . هكذا قال ابن حمدون والمسعودي إلا أن المسعودي لم يذكر عمرا ~~وقال الهدهاد بن شرحبيل . وسماه ابن قتيبة هداد بن شرحبيل بن عمرو بن ~~الرائش ، وهو أبو بلقيس صاحبة سليمان عليه السلام . وكانت مدة ملكه عشرين ~~سنة ، وقيل سبعة ، وقيل سنة . وقد قدمنا خبر بلقيس وأنها ابنة ذي أشرح ، ~~وان والدها لم يكن ملكا وإنما كان وزيرا لملك حمير وهو شراحي المحيري . ~~والله تعالى أعلم . واختلف فيمن ملك بعد الهدهاد ، قال المسعودي : تبع ~~الأول . وكان ملكه أربعمائة سنة . وقال ابن قتيبة أقل من ذلك ، وقال : ملك ~~بعد الهدهاد ابنته بلقيس وهي صاحبة سليمان بن داود عليهما السلام . وكان ~~ملكها مائة وعشرين سنة . وقد أتينا على أخبارها فيما سلف من هذا الكتاب في ~~قصة سليمان عليه السلام . ثم ملك بعدها ياسر بن عمرو بن شرحبيل وهو ناشر ~~النعم ، قالوا : سمي بذلك لإنعامه على العرب ، وكان شديد السلطان ، وسار ~~غازيا وأوغل في بلاد المغرب حتى بلغ وادي الرمل ولم يبلغه أحد قبله ، وهو ~~رمل جار ، ولم يجد وراء ذلك مجازا لكثرة الرمل وجريانه ، فبينما هو مقيم ~~إذا انكشف الرمل فأمر بعض أهل بيته أن يعبر هو وأصحابه فعبروا فلم يعودوا ~~غليه وهلكوا عن آخرهم ، فأمر بصنم من نحاس فنصب على صخرة عظيمة على شفير ~~الوادي وكتب على صدره بقلم المسند : هذا الصنم ms3039 لناشر النعم الحميري ليس ~~وراءه مذهب ولا يتكلفن أحد ذلك فيعطب ، ورجع من هناك . وكان ملكه خمسا ~~وثمانين سنة على رواية ابن قتيبة . وقال المسعودي : خمسا وثلاثين . ~~PageV15P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" ثم ملك بعده أبو كرب شمر بن إفريقش ، ويسمى ~~يرعش لارتعاش كان به . قال : وخرج نحو بعض العراق في زمن بستاسف أحد ملوك ~~الفرس فأعطاه بستاسف الطاعة ، وسار نحو الصين حتى نزل في طريقه ببلاد الصغد ~~، فاجتمع أهل تلك الأرض بمدينة سمرقند فأحاط بهم شمر وافتحها عنوة وأسرف في ~~القتل وخرب المدينة وهدمها فسميت شمركند ، وعربت بعد ذلك فقالوا : سمرقند . ~~ومعنى شمركند أي خربتها شمر . وفيه يقول دعبل بن علي يفتخر باليمن من قصيدة ~~: هموا كتبوا الكتاب بباب مرو . . . وباب الشاش كانوا كاتبينا وهم سموا ~~بشمر سمرقندا . . . وهم غرسوا هناك التبيتنا قال : ولما فرغ من بلاد الصغد ~~سار نحو الصين فأيقن ملكها بالبوار ، فاحتال وزير له بأن جدع أنفه وأتى إلى ~~شمر ، وهو بمفازة بينها وبين الصين عشر مراحل ، ومت إليه بأن ملك الصين فعل ~~به ذلك لأنه نصحه ألا يحارب شمر وخالف رأيه ، فسأله شمر عن الطريق والماء ، ~~فقال له : بينك وبين الماء ثلاث مراحل ، فتزود لثلاثة أيام ، فلما قطعها ~~أعوزه الماء وكشف له الرجل أمره مات هو وأصحابه عطشا . قال ابن قتيبة : ~~وكانت مدة ملكه مائة وسبعا وثلاثين سنة . وقال المسعودي : ثلاثا وخمسين سنة ~~. ثم ملك بعده ابنه أبو ملك بن شمر ، قال : وتأهب للأخذ بثأر أبيه فبلغه أن ~~بالمغرب واديا من الزبرجد ، فحمله الشره على طلبه وترك ما عزم عليه فمات في ~~طريقه . ثم ملك بعده ابنه تبع الأقرن بن أبي مالك بن شمر . قال : وطلب ثأر ~~جده وأتى سمرقند فعمرها وجدد بناءها ، ثم أتى الصين وأخرب مدينتها وابتنى ~~هناك مدينة أسكن فيها ثلاثين ألف رجل . قال الحمدوني في كتابه المترجم ~~بالتذكرة : هم إلى PageV15P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" اليوم هناك في زي العرب ، ولهم بأس وشدة - ~~يعني يوم صنف كتابه وهو في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة أو نحو ms3040 ذلك - قال : ~~وفي أوانه كان بوار طسم وجديس على ما نذكره في وقائع العرب . قال : وفي ~~أوانه أيضا كان سيل العرم وتفرق سبأ وسيأتي ذكر ذلك في موضعه إن شاء الله ~~تعالى . قال ابن قتيبة : وكان ملك تبع الأقرن ثلاثا وخمسين سنة . قاغل ~~المسعودي : إن ملكه كان مائة وثلاثا وستين سنة . ولم يذكرا الملك الذي كان ~~قبله ، ونسبا هذا الملك أنه ابن شمر . ثم ملك على ما رواه ابن حمدون - وهو ~~إن شاء الله أشبه بالصواب - أسعد ابن عمرو . قال : وملك والملك متشتت ~~فاستفز قومه فنهضوا معه في ملوك اليمن حتى قتلهم ملكا ملكا ، وانتظم له ملك ~~اليمن ، فوجه بابن عم له يقال له القيطون إلى الحجاز فبغى وظلم فقتله ~~اليهود . ولما بلغ أسعد ذلك غضب وحلف ليقتلن كل يهودي في الأرض ، وتجهز في ~~مائة ألف حتى ورد يثرب ، فاجتمع الأوس والخزرج وأخبروه بقصة ابن عمه وفجره ~~وظلمه فعفا عن اليهود وقال : لست أرضى بالظلم ولو علمت ذلك منه لقتلته ، ~~وأتاه بنو هذيل بن مدركة فرغبوه في الكعبة وما فيها من الذهب والجوهر ، ~~فقدم مكة لذلك ، فاجتمع إليه أحبار اليهود وقالوا : إن هذا البيت العتيق ~~الذي ليس لله عز وجل بيت في الأرض غيره وقد رام إفساده كثير من الملوك ~~فأبادهم الله . وفي هذه البلدة يكون مولد نبي آخر الزمان اسمه محمد وأحمد ~~من ولد إبراهيم الخليل عليه السلام ، وهو خاتم الرسل ، وإنما أراد من ذلك ~~على ذلك هلاكك ، فضرب أعناق الهذليين وأقام بمكة ستة شهور ينحر في كل يوم ~~ألف ناقة ، وكسا البيت وعلق عليه بابا من الذهب . ولما هلك ملك بعده ابن ~~عمه مرثد بن عبد بن تبع الأقرن المعروف بذي الأعواد . قال : وكان ملكه ~~أربعين سنة . ولما هلك ملك بعده أولاده وكانوا أربعة مشتركين في الملك على ~~كل واحد منهم تاج . قال : وخرجوا إلى مكة ليقلعوا الحجر الأسود ويبتنوا ~~بيتا بصنعاء يكون حج الناس إليه ؛ فاجتمعت كنانة وقلدوا أمرهم فهر بن مالك ~~والتقوا فقتل ثلاثة من الملوك ms3041 وأسر الرابع . PageV15P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" ولما أسر هؤلاء ملكت بعدهم أختهم أبضعة ابنة ~~ذي الأعواد . قال : وكانت فاجرة فقتلها قومها . ثم ملك بعد أولاد ذي ~~الأعواد ملكيكرب بن عمرو بن سعد بن عمرو ، وكانت مدة ملكه عشرين سنة ، ~~وتحرج عن سفك الدماء فلم يغزو ولم يخرج من اليمن . ثم ملك بعده تبع أسعد بن ~~ملكيكرب . قال : ولما ملك غزا بني معد بتهامة في ثلثمائة ألف طالبا لدماء ~~الملوك الأربعة ، واجتمع بنو معد وعقدوا الرياسة لأمية ابن عوف الكناني ~~المعروف بالعنسي ، ثم نفست ربيعة أن تكون الرياسة في مضر فقعدت عنهم ، ~~فضعفت مضر عن تبع وسألوه الصلح على أن يؤدوا إليه عقل الملوك الأربعة ، عن ~~كل ملك ألف ناقة . وكذلك كانت دية الملوك في الجاهلية . وديات من قتل معهم ~~من الجنود لكل رجل مائة ناقة ، فقبل تبع ما بذلوه وانصرف إلى أرضه ووقع ~~الشر بين الحيين : ربيعة ومضر ، فأرسلت ربيعة إلى تبع رسلا فعقد بينهم حلفا ~~وعقدا ، وهو الحلف الباقي بين ربيعة واليمن إلى أن جاء الإسلام . وأقام تبع ~~هذا بأرض الشام ما شاء الله ، ثم سار إلى الهند في البحر باشر الحرب بنفسه ~~فبرز إليه ملك الهند ، وهو ابن فوز الذي قتل الإسكندر أباه فقتله تبع بيده ~~، وتحصنت اليهود بمدينتهم وحاصرهم تبع شهرا حتى سألوه الأمان فآمنهم وقفل ~~إلى بلاده . ثم ملك بعده ابنه حسان بن تبع . قال : فغزا العراق في ثلثمائة ~~ألف وأتى في طريقه مكة ، وقد عادت إليها خزاعة عند وفاة فهر بن مالك ، ~~فأعطاه بنو نزار الطاعة . وروى عنه شعر يخبر فيه ببعثة نبينا ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . شهدت على أحمد أنه . . . رسول من الله باري النسم فلو مد ~~عمري إلى عمره . . . لكنت وزيرا وابن عم قال : ولما ورد العراق وجد الفرس ~~وسلطانهم واه وقد مات هرمز وولدت امرأته غلاما ، وهو سابور ذو الأكتاف ، ~~ومربية أحد عظماء الفرس ، فلم يقم بضبط الملك ؛ فاستقبلوه بالطاعة وأقروا ~~له بالخراج ، فأقام بالعراق حولا وعزم على غزو الصين فساء ذلك حمير ms3042 وقالوا ~~: نعيب عن أولادنا وأعيالنا ولا ندري ما يحدث بهم ، فمشوا إلى عمرو أخي ~~حسان الملك وبعثوه على قتل أخيه على أن يملكوه عليهم PageV15P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" ويعود بهم إلى بلادهم ، وأعطوه العهود ~~والمواثيق إلا رجل يقال له ذو رعين ، فقال لهم : إنكم إن قتلتم ملككم ظلما ~~خرج الأمر منكم فلم يحفلوا به ، فأقبل بصحيفة مختومة وقال لعمرو بن تبع : ~~لتكن هذه الصحيفة وديعة لي عندك إلى وقت حاجتي إليها ، وأقبل عمرو ليلا إلى ~~أخيه حسان وهو نائم في فراشه فقتله وانصرفت حمير إلى بلادها . هكذا نقل ابن ~~حمدون في تذكرته . وقال أبو علبي أحمد بن محمد بن مسكويه في كتابه المترجم ~~بتجارب الأمم في أخبار الفرس : إن ملك الفرس لما غزا الفرس ابنه حسان وابن ~~أخيه شمر . قال : فسار تبع حتى نزل الحيرة ووجه ابن أخيه شمرا ذا الجناح ~~إلى قباذ فقاتله فهزمه شمر حتى لحق بالري ، ثم أدركه بها فقتله . قال : ثم ~~إن تبعا أمضى شمرا ذا الجناح وابنه حسان إلى الصغد وقال : أيكما سبق إلى ~~الصين فهو عليها . وكان كل واحد منهما في جيش عظيم يقال إنهما سامائة ألف ~~وأربعون ألفا ، وبعث ابن أخيه - واسمه يعف - إلى الروم . قال : فأما يعفر ~~فإنه سار حتى أتى القسطنطينية ، فأعطوه الطاعة والأتاوة ومضى إلى رومية ~~فحاصرها ، ثم أصابهم جوع ووقع فيهم الطاعون فتفرقوا ، وعلم الروم بذلك ~~فوثبوا عليهم فلم يفلت منهم أحد . وأما شمر ذو الجناح فإنه سار حتى انتهى ~~إلى سمرقند فحاصرها فلم يظفر منها بشيء فلما رأى ذلك طاف بالحرس حتى أخذ ~~رجلا من أهلها فاستمال قلبه ثم سأله عن المدينة وملكها فقال : أما ملكها ~~فأحمق الناس ليس له هم إلا الأكل والشرب والجماع ، ولكن له بنت هي التي ~~تقضي أمر الناس ، فمناه ووعده حتى طابت نفسه ، ثم بعث معه هدية إليها وقال ~~: أخبرها أني إنما جئت من أرض العرب للذي بلغني من عقلها لتنكحني نفسها ، ~~فأصيب منها غلاما يملك العرب والعجم ، وإني لم أجئ ألتمس مالا ، وإن ms3043 معي من ~~المال أربعة آلاف تابوت ذهبا وفضة هاهنا ، وأنا أدفعها إليها وأمضي إلى ~~الصين ، فإن كانت لي الأرض كانت امرأتي ، وإن هلكت كان المال لها . فلما ~~انتهت رسالة إليها قالت : قد أجبته فليبعث المال ، فأرسل إليها بأربعة آلاف ~~تابوت ، في كل تابوت رجلان ، وكان بسمرقند أربعة أبواب على كل باب منها ~~PageV15P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" أربعة آلاف رجل . قال : وجعل سمرقند العلامة ~~بينه وبينهم أن يضرب لهم بالجلجل ، وتقدم بذلك إلى رسله الذين وجههم ، فلما ~~صاروا بالمدينة ضرب بالجلجل فخرجوا وأخذوا بالأبواب ، ونهد شمر في الناس ~~فدخل المدينة وقتل أهلها ، واحتوى على ما فيها . ثم سار إلى الصين فلقي ~~الترك فهزمهم ، وانتهى إلى حسان بن تبع بالصين فوجده قد سبقه إليها بثلاث ~~سنين . قال : وفي بعض الروايات وهي المجتمع عليها : إن حسان وشمرا انصرفا ~~في الطريق الذي كانا أخذا فيه حتى قدما على تبع بما حازا من الأموال بالصين ~~وصنوف الجوهر والطيب والسبي ، ثم انصرفوا جميعا إلى بلادهم ، فكانت وفاة ~~تبع باليمن . وكان ملكه مائة سنة وإحدى وعشرين سنة . قال : وأما في الرواية ~~الأخرى فإن تبعا أقام ووطأ ابنه حسان وابن أخيه شمر أن يملكا الصين ويحملا ~~إليه الغنائم ، ونصل بينه وبينهم المنار ، فكان إذا حدث حدث أوقدوا النار ، ~~فأتى الخبر في ليلة . قال : وقد ذكر بعض الرواة أن الذي سار في المشرق من ~~التبابعة تبع الأخير ؛ وهو تبع تبان أسعد أبو كرب بن مليك بن زيد بن عمرو ~~بن ذي الأذعار ، وهو أبو حسان . انتهى ما أورده ابن مسكويه من أخبارهم ، ~~فلنرجع إلى مساق ما قدمناه مما نقله ابن حمدون . قال : ثم ملك حسان بن تبع ~~أخوه ، فقتله عمرو بن تبع . قال : وانصرف بالقوم إلى بلادهم فسلط الله عليه ~~السهر فكان لا ينام ، فجمع الكهنة والقياف والعرافين فسألهم عن ذلك فلم ~~يعرفوه ، فقال له رجل منهم : إنه يقال من قتل أخاه ظلما سلط عليه السهر ~~وحرم النوم ، فأحال بالذنب على حمير وجعل يقتل من أشار عليه بقتل أخيه ~~واحدا ms3044 بعد واحد ، ثم أرسل إلى ذي رعين ليلحقه بمن قتل من أصحابه ، فقال : ~~أيها الملك إني خالفت القوم فيما زينوا لك من قتل أخيك . قال : ومن يعلم ~~ذلك ؟ قال : الصحيفة التي أودعتها عندك ، فأخرجها فقرأها فإذا فيها : ألا ~~من يشتري سهرا بنوم . . . خلى من يبيت قرير عين فإن تك حمير غدرت وخانت . . ~~. فمعذرة الإله لذي رعين PageV15P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" قال : فخلى عمرو سبيله . قال : ولما قتل عمرو ~~أشراف قومه وصناديدهم تضع أمر حمير ووهي ملكها ، فطمع فيه بنو كهلان بن سبأ ~~بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، فوثب ربيعة ابن نصر بن الحارث بن عمرو بن عدي ~~بن مرة بن زيد بن مذحج بن كهلان في قومه وجمعهم من أقطار الأرض ، وجمع له ~~عمرو بن تبع والتقوا فقتل عمرو بن تبع . وملك بعده ربيعة بن نصر المقدم ~~ذكره قال : وكان قد رأى رؤيا أزعجته وعبرت له أن الحبشة تملك بلاده فوجه ~~ابن أخيه جذيمة بن عمرو بن نصر ومعه ابنه عدي بن ربيعة وهو صبي ، ووجه ~~معهما حرمه وخزائنه ، وكتب لهم إلى سابور ذي الأكتاف ، فأسكنهم سابور ~~الحيرة وملكهم ما حولها . قال : ولما بلغ عدي بن ربيعة الحلم زوجه جذيمة ~~أخته رقاش فولدت له عمرو بن عدي . وهؤلاء ملوك الحيرة على ما نذكره في ~~أخبارهم . قال : ولما مات ربيعة بن نصر تجمعت حمير فآذنت كهلان بحرب أو ~~إعادة الملك فيهم ، ودخل بينهم السفراء فسلموا الملك إلى حمير فملكت حمير ~~عليها أبرهة ابن الصباح بن لهيعة لن شيبة الحمد بن مرثد بن الحير بن سيف بن ~~مصلح ابن عمرو بن مالك بن زيد بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سعد ~~ابن زرعه بن ذي المنار . قال : فملك عليهم ومكث طول أيام سابور ذي الأكتاف ~~ثم مات . فملك بعده ابن عمه صهبان بن محرث . قال : فبعث عماله على أرض ~~العرب ، واستعمل على ولد سعد بن عدنان ابن خاله الحارث بن عمرو بن معاوية ~~بن كندة ابن عدي ms3045 بن مرة بن زيد بن مذحج بن كهلان ، وكان الحارث يلقب بآكل ~~المرار ، وهو جد امرئ القيس الشاعر بن حجر بن الحارث ، وهو جد الأشعث بن ~~قيس ابن معد يكرب بن جبلة بن عدي بن الحارث المذكور ؛ فقسم الحارث مملكته ~~بين ولده ، وكانوا ثلاثة : فملك ابنه حجرا على أسد وكنانة ، وملك شرحبيل ~~على قيس وتميم ، وملك سلمة على ربيعة ، فمكثوا كذلك حينا حتى مات أبوهم ~~الحارث فوثبت بنو أسد على حجر فقتلوه ، ووثبت قيس وتميم على شرحبيل فطردوه ~~، فغضب صهبان وتجهز للمسير إلى مصر ، فاستغاثت مضر بربيعة وجاءت وفودهم ~~إليهم واستنصروهم ، PageV15P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" ورئيسهم كليب بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن ~~جشم ابن بكر بن حبيب بن غنم بن تغلب بنوائل ، واجتمعت ربيعة ومضر والرياسة ~~على الحيين لكليب ؛ فقاتلوا صهبان وعظماء قومه ، وهو اليوم المشهور في ~~العرب ، فقتل صهبان . وفي هذا اليوم يقول عمرو بن كلثوم : ونحن غداة أوقد ~~في خزاز . . . رفدنا فوق رفد الرافدينا فكنا الأيمنين إذا التقينا . . . ~~وكان الأيسرين بنوا أبينا فآبوا بالنهاب والبالسبايا . . . وأبنا بالملوك ~~مصفدينا قال : ولما قتل صهبان بن محرث ملك بعده الصباح بن أبرهة بن الصباح ~~. قال : وكان نجدا نجدا ، فسار إلى معد في مئتي ألف يطلب ثأر صهبان . قال : ~~وتجمعت معد ورئيسهم كليب أيضا ، وكانت الحرب بينهم بموضع يسمى الكلاب ، ~~فانهزمت اليمن . وهذان اليومان من مفاخر نزار على اليمن ، وامتنعت معد بعد ~~ذلك على اليمن حتى قتل كليب بن ربيعة . قال : ولما مات الصباح ملك بعده ابن ~~عم له فاسق ، وقيل : إن الذي ملك لخنيعة ذو شناتر ، قال : ولم يكن من أهل ~~بيت الملك ، فاغري بحب الأحداث من أبناء الملوك ، فكان يطالبهم بما يطالب ~~به النسوان ، وكان لا يسمع بأحد من فتيان العرب وأولاد الملوك حسن الصورة ~~إلا استدعاه وطالبه بهذا الفعل القبيح ، ولم يزل على هذه الطريقة المذمومة ~~حتى نشأ غلام من أبناء ملوك حمير اسمه زرعة . ابن كعب ويدعى ذا نوس ؛ سمي ~~بذلك لأنه كان له ذؤابتان تنوسان على ms3046 عاتقه ، وكان وضيئا فاستدعاه لمثل ما ~~كان يدعو إليه غيره ، فجعل تحت إخمصه سكينا ، فلما خلا له الملك واثبه ذو ~~نواس فقتله ثم حز رأسه ، وكان له كوة يشرف منها على عبيده إذا قضى حاجته من ~~الغلام الذي يكون عنده ويضع مسواكا في فيه ، فلما قتله PageV15P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" ذو نواس جعل السواك في فيه ، وجعل رأسه في ~~تلك الكوة التي كان يشرف منها على عبيده ، ثم خرج على العبيد فقالوا له : ~~ذو نواس ، أرطب أم يباس ؟ . فقال لهم : سل نخماس استرطبان ذو نواس . ~~استرطبان لابأس . وتفسير ذلك سلو الرأس التي في الكوة تخبركم واتركوا ذا ~~نوس ، قال : فأجمعت حمير عليه أمرها وقالوا : ينبغي أن نملكه لأنه أراحنا ~~من الهذا الفاسق . فملك عليهم ذو ناس زرعة هذا . قال : ولما ملك واستتب له ~~الأمر فارق عبادة الأوثان ودخل في دين اليهودية وقتل من كان في بلاد اليمن ~~على دين عيسى ابن مريم عليه السلام ممن امتنع من موافقته ، ثم قصد نجران ~~وبها عبد الله بن الثامر وأصحابه وهم على دين عيسى عليه السلام ، فسألهم ~~الدخول في اليهودية فامتنعوا ، فقتل عبد الله بن الثامر بالسيف وأضرم ~~للباقين نارا عظيمة فألقاهم فيها ، وهم أصحاب الأخدود الذين ذكرهم الله ~~تعالى في كتابه العزيز فقال : قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود . إذ هم ~~عليها قعود . وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود . وما نقموا منهم إلا أ ن ~~يؤمنوا بالله العزيز الحميد . قال : ولم ينج منهم إلا نفر قليل . وكان سبب ~~تهوده ا ، حمير لها بيت نار فيه أصنامهم ، وكان يخرج من تلك النار عنق يمد ~~مقدار فرسخين ، فحضر عنده قوم من اليهود وقالوا : أيها الملك إن هذا العنق ~~من النار شيطان ، فطلب منهم تبيان ذلك ، فنشروا التوراة وقرؤوها فتراجع ذلك ~~العنق وطفئت تلك النار ، فأعظم ذو نواس ذلك ودخل في دين اليهودية . قالوا : ~~ثم إن أحد الناجين من نجران - ويعرف بدوس بن ذي ثعلبان - قصد قيصر ملك ~~الروم مستنجدا به ، ومعظما عنده ما جرى على ms3047 قومه وهم على دينه ، فاعتذر ~~إليه ببعد دياره وقال : سأكتب لك إلى ملك على دينك قريب من ديارك ، فكتب ~~إلى النجاشي ملك الحبشة ، فلما عرض عليه الكتاب وحدثه بما جرى على أهل ملته ~~غضب وحمى لأهل دينه ، وندب من جنوده سبعين ألف رجل مع ابن عمه أرياط ، ~~وتقدم إليه بأن يقتل كل من باليمن على دين اليهودية ، فركب أرياط في البحر ~~حتى انتهى إلى عدن فأحرق السفن وقال : يا معشر الحبشة ، العدو أمامكم ، ~~والبحر وراءكم ، ولا منجى لكم إلا الصبر حتى تظفروا أو تموتوا كراما . قال ~~: والتقوا واقتتلوا فانهزمت حمير بعد حرب عظيمة وقتل منهم خلقا كثيرا . ~~PageV15P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" قال : واقتحم ذو نواس البحر بفرسه وقال : ~~والله الغرق أفضل من أسر السودان ، فغرق . وكان ملكه مائتي سنة وستين سنة ، ~~وهو آخر من ملك اليمن من قحطان . فجميع ما ملكوا من السنين ثلاثة آلاف سنة ~~واثنتان وثمانون سنة . واستولت الحبشة على ملك اليمن ففرق أرياط الأموال ~~على أشراف الحبشة وحرم الضعفاء ، فجمع أبرهة أحد قواد الحبشة جمعا منهم ~~وخرج على أرياط وحاربه فقتله أبرهة بيده واستولى أبرهة على ملك اليمن . ~~ولما بلغ خبرهما النجاشي غضب لقتل أرياط وحلف لأطان أرض أبرهة سهلها وجبلها ~~برجلي ، ولاجزن ناصيته بيدي ، ولأهرقن دمه بكفي ، وتجهز للمسير إلى أرض ~~اليمن ، فبلغ ذلك أبرهة فملأ جرابين من تراب السهل والجبل ، وعمد إلى ~~ناصيته فجزها ووضعها في حق ، واحتجم وجعل دمه في قارورة وختم عليه وعلى ~~الحق الذي فيه ناصيته بالمسك ، وبعث بذلك إلى النجاشي وكتب إليه يعتذر مما ~~فعله أرياط وأنه خالف سيرتك في العدل ، وقد بلغني ما حلفت ، وقد بعثت إليك ~~بجرابين من تراب السهل والجبل ، فطأها هنالك برجلك ، وجز ناصيتي بيدك ، ~~وأهرق دمي بكف ، وبر في يمينك ، ولطف غضبك عني فإنما أنا عبد من عبيدك ، ~~وعامل من عمالك . فاعجب النجاشي عقل أبرهة وأقره على مكانه ورضي عنه ؛ فبقي ~~إلى زمان كسرى أنوشروان وهو صاحب الفيل . وكانت قصته انه نظر إلى أهل اليمن ~~يتأهبون للحج ms3048 ، فسأل عن أمرهم ، فاخبر أنهم يخرجون حجاجا إلى مكة فقال : ~~أنا أكفيهم تجشم هذا السفر البعيد ببيعة أبنيها بصنعاء فيكون حج اليمن ~~إليها ، وأمر ببنائها فبنيت . وقد تقدم وصفها في الفن الأول في المباني ، ~~ونصل عند المذبح درة عظيمة تضيء في الليلة الظلماء كما يضيء السراج ، ثم ~~أدى أهل مملكته بالحج إليها ، فغضب العرب لذلك ، فانطلق رجلان من خثعم ~~فأحدثا في البيت الذي بناه ولطحاه بالعذرة . وقيل : إن الذي فعل ذلك رجل من ~~كنانه ، فاتهم أبرهة قريشا بذلك ، وكان حينئذ بصنعاء تجار من قريش فيهم ~~هشام بن المغيرة ، فأحضرهم وسألهم عمن احدث في بيعته ، فأنكروا أن يكونوا ~~علموا بشيء من ذلك ، فقال أبرهة : ظننت أنكم فعلتم PageV15P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" ذلك غضبا لبيتكم الذي يحج إليه العرب ، فقال ~~هشام بن المغيرة : إن بيتنا حرز تجتمع فيه السباع مع الوحوش ، وجوارح الطير ~~مع البغاث ، ولا يعرض منها شيء لصاحبه ، وإنما ينبغي أن يحج إلى بيعتك هذه ~~من كان على دينك ، فأما من كان على لصاحبه ، وإنما ينبغي أن يحج إلى بيعتك ~~هذه من كان على دينك ، فأما من كان على دين العرب فلا يؤثر على ذلك شيئا . ~~فاقسم ليسيرن إلى البيت فيهدمه حجرا حجرا . فقال له هشام بن المغيرة : إنه ~~قد رام ذلك غير واحد من الملوك فما وصلوا إليه لأن له ربا يمنعه . فخرج ~~أبرهة في أربعين ألفا وسار بالفيل ، فغضبت لفعله همدان وجمعت إليها قبائل ~~من اليمن - وكان ملكهم رجلا من أشراف اليمن يقال ص 306 فاستقبلوه فحاربه ~~فهزمهم وظفر بذي نفر ملك همدان ونفيل بن حبيب سيد أسيرين فأمر بضرب عنقهما ~~. فقالا : أيها الملك ، استبقنا لندلك على الطريق فأنا من أدل العرب ، ففعل ~~ذلك . فلما صاروا في مفرق الطريقين : مكة والطائف ، قال ذو نفر لابن حبيب : ~~كفى بنا عارا ا ، ننطلق بهذا الأسود إلى بيت الله تعالى فيهدمه ؟ قال ابن ~~حبيب : هلم بنا لنأخذ به طريق الطائف فيشتعل بتثقيف ولعله يرى ما يسوءه فلم ~~يشعر أهل الطائف صباحا إلا ms3049 والجيوش قد وردت عليهم ، فخرج أبو مسعود الثقفي ~~في نفر منهم ، فاعلم أبرهة أنها ليست طريقه ، وسار أبرهة حتى أتى مكة ~~واستاق السوائم ونزل على حد الحرم ؛ فكان فيما ساق مائتا ناقة لعبد المطلب ~~بن هاشم ، فركب عبد المطلب فرسه وقصد العسكر ودخل على أبرهة فأعجبه جماله ~~وأكرمه ونزل عن سرير كان عليه وحبس دونه حتى لا يرفع عبد المطلب غليه ، ثم ~~قال له : ما حاجتك ؟ قال : حاجتي أن يرد على الملك مائتي بعير أصابها لي . ~~فلما قال له ذلك ، قال له أبرهة : قد كان بلغني شرفك في العرب وفضلك ~~فأحببتك ، ثم دخلت علي فرأيت من جمالك ووسامتك مازادني حبا ، فنقصت عندي في ~~سؤالك إياي مائتي ناقة وتركت أن تسألني في الرجوع عما هممت به من هدم هذا ~~البيت الذي هو شرفك وعزك ؟ قال عبد المطلب : أيها الملك ، إن لهذا البيت ~~ربا سمنعه منك وأنا رب إبلي ، وقد رام هدمه من لا يحصى نم الملوك فرجعوا ~~بين أسير وقتيل ، فرد إبله ، اجتمع إلى عبد المطلب أشراف قومه فقالوا : ~~اجعل له مالا نجمعه له ليرجع عما هم PageV15P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" به من هدم هذا البيت . قال لهم عبد المطلب : ~~وما عسى أن نجعل له من المال مع عظم ما هو فيه من الملك والسلطان ؟ اطمئنوا ~~، الله أمددكم ، فوالله لا يصل إليه أبدا . ثم أنشد عبد المطلب يقول : يا ~~رب إن المرء يم . . . نع جاره فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم . . . بغيا وما ~~جمعوا محالك إن كنت تاركهم وقب . . . لتنا فأمر ما بدا لك ثم علا جبل أبي ~~قبيس هو وحكيم بن حزام ونفر من سادات قريش ، وهرب الناس ، فلحقوا برءوس ~~الجبال ، وأم أبرهة البيت وقدم أمامه الفيل ، وكان أكبر فيل رآه الناس ~~كالجبل العظيم ، واسمه بلسان الحبشة محمود ؛ فلما انتهى الفيل إلى طرف ~~الحرم برك ، فكانوا بنخسونه ، فإذا أخذوا به يمينا وشمالا هرول ، وإذا ~~أقحموه برك . فلم يزل كذلك بقية يومهم . فلما قارب المشاء نظروا إلى طير قد ~~أقبلت من نحو البحر ms3050 لا تحصى كثرة أصغر من الحمام ، فعجبوا من كثرتها ولم ~~يغرفوها ولا رأوا على خلقتها طيورا ، وكان مع كل طير ثلاثة أحجار : حجران ~~في رجليه ، وحجر في منقاره ، على مقدار الحمص ، فرفرفت على رءوسهم وأظلت ~~عسكرهم ، ثم قذفت بالحجارة عليهم ، وهبت ريح شديدة فزادت الحجارة صعوبة ~~وقوة ، فكان الحجر منها إذا وقع على رأس الرجل منهم نفذ حي يخرج من دبره ، ~~فإذا سقط على بطنه خرج من ناحية ظهره ، فكان ما أخبر الله عز وجل عنهم في ~~سورة الفيل : " فجعلهم كعصف مأكول " . وخرج عبد المطلب وأصحابه فملأ ~~وأيديهم من المال ، وأرسل إلى قريش فجاءوه من الجبال وغنموا ما شاءوا ، ~~فعظمت قريش في أعين العرب وسموهم آل الله ، وازداد عبد المطلب وأصحابه شرفا ~~. وولد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد قدومهم بخمس وخمسين ليلة . ~~وكان ذلك بعد عشرين سنة من ملك أنوشروان . وملك اليمن بعد أبرهة بأنه يكسوم ~~. ثم ملك بعده مسروق بن أبرهة ، وهو الذي زال ملكه على يد سيف بن ذي يزن ~~على ما نذكره إن شاء الله تعالى . PageV15P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" ذكر خبر سيف بن ذي يزن وعود الملك إلى حمير ~~وذلك أن حمير لما رأت ملك الحبشة قد دام عليهم ونوارثوه فيهم ، اجتمع ~~ساداتهم إلى سيف بن ذي يزن - وهو من أولاد ذي نواس الذي غلب الحبشة على ~~اليمن في أيام ملكه - وبذلوا له أن يجمعوا له نفقة تقيمه ليسير إلى بعض ~~الملوك فيستنجده ففعل ذلك ، وسار حتى وافى القسطنطينية إلى قيصر ملك الروم ~~، فاستنجده فقال له قيصر : إن الجيش على ديني ، وما كنت لأعينك عليهم ، ~~وأمر له بعشرة ألف درهم ، فأبى أن يقبلها وقال : إذا لم تنصرني فلا حاجة لي ~~إلى مالك . وانصرف إلى كسرى واستنجده ، فقال له كسرى : بعدت بلادك عن ~~بلادنا مع قلة خيرها ، إنما فيها الشاء والبعير وما لا حاجة لي فيه . فقال ~~له سيف : لاتزهدن أيها الملك في بلادي فإنها فرضة العرب ، وأرض التبابعة ~~الذين ملكوا أقطار أقاليم الأرض ، ودان لهم ms3051 أهل الشرق والغرب . قال كسرى : ~~ما كنت لأغرر بجندي فيما لا ينفعني وأمر له بعشرة آلاف درهم . فلما انتهى ~~إلى باب القصر نثرها في الناس حتى أتى عليها ، فبلغ ذلك كسرى فغضب وقال له ~~: ما الذي حملك على استخفافك بصلتي حتى نثرتها في الناس ؟ قال : ما أصنع ~~بالمال وتراب أرضي ذهب وفضة ؟ ثم خنقته العبرة ، فرق له كسرى ووعده ~~بالانتصار له ، فأشار عليه بعض وزرائه فقال : إن في سجونك بشرا كثيرا ممن ~~استوجب القتل ، فمر بإطلاقهم ، وقوهم بالمال والكراع والسلاح ، ووجههم مع ~~هذا العربي ، فإن ظفروا كان ذلك زيادة في ملكك ، وغن قتلوا كان ذلك جزاء عن ~~جرائمهم . فاعجب كسرى هذا الرأي وعمل به وقدم عليهم وهرز بن كامخان ، وكان ~~من فرسان العجم وأهل البيوتات ، وقد أناف على المائة من السنين ، وكانت ~~عدتهم ثلاثة آلاف وستمائة رجل ، فركبوا البحر في سبع سفن ، وأرسل سيف إلى ~~اليمن ومخاليفها ، فأتوه من أقاصي اليمن وادانيها حتى صاروا في عشرين ألفا ~~وتجهز إليهم مسروق ، فلما التقيا قال وهرز لسيف : أرني ملكهم ، فأراه إياه ~~؛ وهو على فيل وعلى رأسه التاج وفيه ياقوتة حمراء مدلاة على جبينه ، فلبث ~~PageV15P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" ساعة ثم تحول إلى فرس ثم تحول إلى بغله ، ~~فقال وهرز : ذل الأسود وبد ملكه ، وأنا أرميه فتأمل الرمية ، فإن رأيت ~~أصحابه تصدعوا عنه وحاصوا يمينا وشمالا فاعلم أني قتلته ، وإن لم يتحركوا ~~من منازلهم فلم أصنع شيئا ؛ ورماه ، ففلق السهم الياقوتة نصفين وخرج من ~~مؤخر رأس مسروق ، واضطربت الحبشة وماجوا ، وحمل عليهم وهرز ومن معه والعرب ~~فولوا منهزمين ، ودخلوا صنعاء وقتلوا كل أسود يوجد في اليمن . وكتب وهرز ~~إلى كسرى بالفتح ، فكتب إليه كسرى أن يسأل عن سيف بن ذي يزن ، فإن كان من ~~أبناء الملوك فأقره على ملكه وانصرف عنه ، وإن لم يكن من أبنائهم فاضرب ~~عنقه وأقم في الأرض متوليا لهم . قال : فسلم وهز إليه ملكه وخلف من كان معه ~~من العجم بصنعاء وانصرف إلى كسرى ، وملك اليمن لكسرى ، وتداولتها الولاة ~~بعده ms3052 من قبل كسرى . وكان ملك الحبشة على اليمن اثنتين وسبعين سنة ثم انتزع ~~عنهم . ذكر أخبار ملوك الشام من ملوك قحطان قال عبد الملك بن عبدون في ~~كتابه المترجم بكلمو الزهر وصدفة الدر : ومن أهل اليمن من خرج منها فملك ~~الشام ، وهم آل جفنة وأولهم : الحارث بن عمرو بن عامر ابن حارثة بن امرئ ~~القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد ابن كهلان بن سبأ ~~بن يستجب بن يعرب بن قحطان ، ويكنى الحارث بأبي شمر . ثم تداولها منهم سبع ~~وثلاثون ملكا . ومدة ما ملكوا ستمائة سنة وست عشرة سنة إلى أن كان آخرهم ~~جبلة بن الأيهم ، وهو الذي تنصر في أيام عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بعد ~~أن كان قد أقبل إلى عمر وأسلم . ثم إنه كان في الطواف فداس رجل طرف ردائه ~~فلطمه جبلة ، فأتى الرجل عمر رضي الله عنه فطلب بلة ليقيده منه فتنصر جبلة ~~ولحق بهرقل صاحب القسطنطينية ، فأقطعه هرقل الأموال والضياع والرباع ، ثم ~~ندم جبلة على ما كان منه وقال : تنصر الأشراف من اجل لطمة . . . وما كان ~~فيها لو صبرت لها ضرر تكنفني منها لجاج ونخوة . . . فبعث لها العين الصحيحة ~~بالعور PageV15P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" فياليت أمي لم تلدني وليتني . . . رجعت إلى ~~القول الذي قاله عمر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة . . . وكنت أسيرا في ~~ربيعة أو مضر وياليت لي بالشام أدنى معيشة . . . أجالس قومي ذاهب السمع ~~والبصر وحكى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى هرقل رسولا يدعوه إلى ~~الإسلام أو إلى الجزية فأجاب إلى الجزية ، فلما أراد الرسول الانصراف قال ~~له هرقل : ألقيت ابن عمك هذا الذي عندنا - يعني جبلة - الذي أتانا راغبا في ~~ديننا ؟ فقال : ما لقيته . فإن ألقه ، قال الرسول : فذهبت إلى باب جبلة ~~فإذا عليه من القهارمة والحجاب والبهجة وكثرة الجمع مثل ما على باب هرقل . ~~قال : فتلطفت في الدخول عليه حتى أذن لي ، فدخلت فرأيته أصهب اللحية ، وكان ~~عهدي به أسود اللحية والرأس ms3053 ، فأنكرته وإذا هو قد ذر سحالة الذهب على لحيته ~~حتى صار أصهب ، وهو قاعد على سرير من قوارير ، وقوائمه أربعة اسود نم الذهب ~~. قال : فلام عرفني رفعني معه على السرير . قال : وجعل يسألني عن المسلمين ~~وعن عمر رضي الله عنه ؛ فذكرت خيرا وعرفته أن السملمين كثروا . ثم انحدوا ~~عن السرير فقال لي : لم تأبى الكرامة التي أكرمناك بها ؛ قلت : إن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) نهى عن هذا . قال : نعم ؟ ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، ولكن نق قلبك من الدنس ولا تبال على ا قعدت . فلما سمعته يصلي على ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) طمعت فيه فقلت له : ويحك يا جبلة ؟ ألا تسلم ~~وقد عرفت الإسلام وفضله ؟ قال : أبعدما كان مني ؟ قلت : نعم . قال : إن كنت ~~تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته ويوليني الإمرة بعده رجعت إلى الإسلام . قال ~~الرسول : فضمنت له التزويج ولم أضمن له الغمرة . قال : ثم أومأ إلى خادم ما ~~ن على رأسه فذهب مسرعا فإذا خدام قد جاءوا يحملون الصناديق فيها الطعام ، ~~فوضعت ونصبت موائد الذهب وصحاف الفضة ، قال لي : كل ، فقبضت يدي وقلت : إن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نهى عن الأكل في آنية الذهب والفضة . قال ~~: نعم ؟ ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولكن نق قلبك وكل فيما أحببت . قال : ~~فأكل في الذهب وأكلت في الخلنج ، ثم جئ بطسات الذهب وأباريق الفضة فغسل يده ~~فيها وغسلت في الصفر ، ثم أومأ إلى خادم فمر مسرعا فإذا خدم معهم كراسي ~~الذهب مرصعة PageV15P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" بالجواهر ، فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن ~~شماله ، ثم جاءت الجواري عليهن تيجان الذهب مرصعة بالجواهر ، فقعدن عن ~~يمينه وعن شماله على تلك الكراسي ، ثم جاءت جارية كأنها الشمس حسنا على ~~رأسها تاج ، على ذلك التاج طائر وفي يدها اليمن جامة مسك فتيت ، وفي يدها ~~اليسرى جامة فيها ماء ورد ، فأومأت الجارية أو صفرت بالطائر الذي على تاجها ~~فوقع في جام ماء الورد فاضطرب فيه ، ثم أومأت إليه أو صفرت فوقع في ms3054 جام ~~المسك فتمرغ فيه ، ثم أومأت فطار حتى نزل على تاج جبلة ، فلم يزل يرفرف حتى ~~نفض ما عليه في رأسه ، فضحك جبلة سرورا به ، ثم التفت إلى الجواري اللواتي ~~عن يمينه وقال لهن : بالله أضحكنا ، فاندفعن يغنين بخفق عيدانهن ويقلن : ~~لله در عصابة نادمتهم . . . يوما بجلق في الزمان الأول يسقون من ورد البريص ~~عليهم . . . بردى يصفق بالرحيق السلسل يغشون حتى ما تهر كلامهم . . . لا ~~يسألون عن السواد المقبل بيض الوجوه كريمة أسحابهم . . . شم الانوف من ~~الطراز الأول أولاد جفنة عند قبر أبيهم . . . قبر ابن مارية الكريم المفضل ~~قال : فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال : أتدري من يقول هذا ؟ قلت لا ؛ قال : ~~حسان بن ثابت ، ثم أشار إلى الجواري اللواتي عن يساره فقال لهن : بالله ~~أبكيننا فاندفعن يغنين عيدانهن ويقلن : لمن الدار أقفرت بمعان . . . بين ~~أعلى اليرموك فالخمان ذاك مغنى لآل جفنة في الده . . . ر وحق تعاقب الأزمان ~~قد أراني هناك دهرا سكينا . . . عند ذي التاج مقعدي ومكاني PageV15P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" قال : فبكى حتى سالت دموعه على لحيته ، ثم ~~قال : أتدري من يقول هذا ؟ قلت : لا ، قال : حسان ثم أنشد : نصرت الأشراف ~~الأبيات ثم سألني عن حسان احي هو ؟ قلت : نعم ، فأمر له بكسوة ولي بمثلها ، ~~وأمر بمال لحسان وتوق موقرة برأتم قال : إن وجدته حيا فادفع الهدية إليه ، ~~وإن وجدته ميتا فادفعها إلى أهله وانحر النوق على قبره . قال : فلما أخبرت ~~عمر بخبره وما اشترط علي وما ضمنت له قال : فهلا ضمنت له الأمر فإذا أفاء ~~الله به قضى الله علينا بحكمه ؟ ثم جهزني عمر إلى القسطنطينية إلى هرقل ~~ثانية وأمرني أن أضمن له ما اشترط ، فلما دخلت القسطنطينية وجدت الناس قد ~~انصرفوا من جنازته ، فعلمت أن الشقاء غلب عليه في أم الكتاب . ذكر أخبار ~~ملوك الحيرة وهم من آل قحطان وأولهم مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن الأزد بن ~~الغوث بن نبت بن مالك ابن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ms3055 . ~~وكان قد خرج من اليمن مع عمرو بن عامر حين أحسوا بسيل العرم ، وقد ذكرنا أن ~~الملك ربيعة ابن نصر كان قد بعثهم إلى سابور فأسكنهم الحيرة وملكوا ما ~~حولها . والله اعلم . قال : وكان ملك مالك على الحيرة عشرين سنة . ثم ملك ~~بعده ابنه جذيمة وهو الوضاح . قال : وكان يقال له ذلك لبرص كان به ، ويقال ~~أيضا فيه الأبرش ، وكان ينزل الأنبار ، وكان لا ينادم أحدا من الناس ذهابا ~~بنفسه على الندماء ، وكان ينادم الفرقدين فإذا شرب قدحا صب في الأرض لهذا ~~قدحا ولهذا قدحا ، ويقال : إنه أول من عمل المنجنيق من الملوك ، وأول من ~~حذيت له النعال . وأول من وقد بين يديه الشمع ، وهو الذي قتلته الزباء ~~بحيلة . ثم ملك بعده ابن أخته عمرو بن عدي بن ربيعة . قالوا : وعمرو هذا هو ~~الذي PageV15P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" استهوته الجن دهرا طويلا ثم رجع ؛ فبينما ~~مالك وعقيل ابنا فارح وفيل - قالح - يقصدان جذيمة الملك بهدية إذا نزلا على ~~ماء ومعهما قينة يقال لها : أم عمرو ، فتعرض لهما عمرو ، وقد طالت أظفاره ~~وشعره وساءت حالته وهيئته ، فجلس إليهما - وكانا يأكلان - فمد إليهما يده ~~مستطعما فناولته تلك الجارية طعاما فأكله ، ثم مد يده ثانية فقالت : إن يعط ~~العبد كراعا يتبع ذراعا ؟ ثم ناولت صاحبيها من شرابها وأوكأت سقاءها ، فقال ~~عمرو : صددت الكأس عنا أم عمرو . . . وكان الكأس مجراها اليمينا وما شر ~~الثلاثة أم عمرو . . . بصاحبك الذي لا تصبحينا فقالوا له : من أنت ؟ فانتسب ~~لهما ففرحا به وأقبلا على خاله - وقد كان جعل الجعئل لمن يأتيه به - فلما ~~أتياه به قال جذيمة لهما : لكما حكمكما . فقالا : منادمتك . فكانا كما ~~اختارا ، وسار بهما المثل ، ويقال : إنهما نادماه أربعين سنة ، فما أعادا ~~عليه حديثا مما حدثاه به مرة أخرى ، بل كانا يحدثانه بحديث جديد لم يسمعه ~~منهما قبل . وعمرو هذا هو الذي اخذ بثأر خاله جذيمة من الزباء وقتلها . ~~وذلك أن قصير ابن سعد كان من غلمان جذيمة قال لعمرو : اضرب ظهري واقطع ~~أرنبة أنفي واتركني ms3056 والزباء ، فإني سأحتال لك عليها ، ففعل به ذلك ، ففر ~~قصير إلى الزباء وصار في جملة رجالها وأراها النصح والاجتهاد في حوائجها ، ~~وأنه غاش لعمرو ابن عدي ؛ وجعل يتجر لها ويذهب لعمرو في السر فيعطيه ~~الأموال فيأتيها بها ، كأن ذلك من اجتهاده وحذقه في التجارة حتى اطمأنت له ~~؛ فذهب إلى عمرو وأخذه واخذ معه ألفي رجل وجعلهم في جوالق على ألف جمل ، ~~ومعهم دروعهم وسيوفهم وجاء على طريق يقال له الغوير ، ولم يكن يسلكه قبل ~~ذلك ، فلما قرب من حصنها تقدم إليها وأعلمها أنه قد أتاها بمال صامت ، ~~فأشرفت من أعلى قصرها تنظر إلى الجمال ، فرأتها PageV15P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" وكأنها تنزع من أوحال لثقل ما عليها ، فقالت ~~: عسى الغوير أبؤسا . فذهبت مثلا . ثم قالت : ما للمطايا مشيها وئيدا . . . ~~أجندلا يحملن أم حديدا أم صرفانا باردا شديدا . . . أم الرجال جثما قعودا ~~وقد كان قصير قال لها قبل ذلك كالاناصح : ما ينبغي لمثلك إلا أن يكون له ~~موضع ليوم ، فإنه لا يدري ما تحدثه الأيام ؛ فأرته سربا في ناحية قصرها قد ~~نفذت فيه إلى حصن أختها - وكانا على ضفتي الفرات - قال : فلما دخلت الإبل ~~على البواب ضجر لكثرتها ، حتى إذا كان آخرها طعن في جوالق يعود كان في يده ~~، فقابلت الطعنة خاصرة الرجل الذي كان في الجوالق فحنق فقال البواب : لشنا ~~لشنا ، أي شيء في الجوالق ، فثارت الرجال من الجوالق بأيديهم السيوف ، ~~فهربت الزباء إلى ذلك السرب فإذا هي بتقصير عند النفق ومعه عمرو بن عدي ، ~~والسيف في يده ، فمصت خاتما كان في يدها فيه سم ساعة وقالت : بيدي لا بيد ~~عمرو . وفي ذلك يقول المتلمس : وفي طلب الأوتار ما حز أنفه . . . قصير ورام ~~الموت بالسيف بيهس وعمرو هذا هو الذي يقال فيه : شب عمرو عن الطوق . وكانت ~~مدة ملكه مائة سنة . ثم ملك بعده ابنه امرؤ القيس . فكان ملكه ستين سنة . ~~ثم ملك بعده ابنه عمرو بن امرئ القيس وهو محرق العرب . وكان ملكه خمسا ~~وعشرين سنة ، وكانت أمه مارية التي يضرب ms3057 لمثل بقرطيها . PageV15P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" ثم ملك بعده النعمان بن المنذر فارس حليمة ، ~~وهو الذي بنى الخورنق وكردس الكراديس . وكان أعور ، ويقال : إنه أشرف في ~~بعض الأيام على ما حول الخورنق فقال : أكل ما أرى إلى نفاذ ؟ فقيل : نعم . ~~قال : فأي خير في ملك يكون آخره إلى نفاذ ؟ ثم انخلع من ملكه ولبس المسوح ~~وسار في الأرض . وقد ذكره عدي بن زيد فقال : وتفكر رب الخورنق إذ أش . . . ~~ف يوما وللهدى تفكير سره حاله وكثرة ما يم . . . لك والبحر معرضا والسدير ~~فارعوى قلبه وقال : فما غب . . . طة حي إلى الممات يصير ؟ وكان ملكه خمسا ~~وثلاثين سنة . ثم ملك الأسود بن النعمان . فكان ملكه عشرين سنة . ويقال : ~~إن الأسود هذا هو الذي انتصر على غسان وأسر عدة من ملوكهم ، وأراد أن يعفو ~~عنهم ، وكان للأسود ابن عم يقال له : أبو أذينة قد قتل آل غسان له اخا في ~~بعض الوقائع ، فقال قصيدته المشهورة يغري بهم الأسود بن النعمان : ما كل ~~يوم ينال المرء ما طلبا . . . ولا يسوغه المقدار ما وهبا وأحزم الأنس من إن ~~فرصة عرضت . . . لم يجعل السبب الموصول مقتضبا وأنصف الناس في كل المواطن ~~من . . . سقى المعادين بالكأس الذي شربا وليس يظلمهم من راح يضربهم . . . ~~بحد سيف به من قبلهم ضربا والعفو إلا عن الأكفاء مكرمة . . . من قال غير ~~الذي قد قلته كذبا قتلت عمرا وتستبقي يزيد لقد . . . رأيت رأيا يجر الويل ~~والحربا لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها . . . إن كنت شهما فأتبع رأسها الذنبا ~~هم جرودا السيف فاجعلهم له جزرا . . . وأوقدوا النار فاجعلهم لها حطبا إن ~~تعف عنهم تقول الناس كلهم . . . لم يعف حلما ولمن عفوه رهبا PageV15P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" وكان أحسن من ذا العفو لو هربوا . . . لكنهم ~~أنفوا من مثلك الهربا همو أهلة غسان ومجدهم . . . عال فإن حالوا ملكا ~~فلاعجبا وعرضوا بفداء واصفين لنا . . . خيلا وابلا يروق العجم والعربا ~~أيحلبون دما منا ونحلبهم . . . رسلا لقد شرفونا في الورى حلبا علام تقبل ~~منهم فدية وهمو . . . لا فضة قبلوا ولا ms3058 ذهبا فلما انشده هذا القصيدة رجع عن ~~رأيه في العفو عنهم وقبول الفداء منهم وقتلهم . والله أعلم . ثم ملم بعده ~~المنذر بن الأسود ؛ وكانت أمه ماء السماء . وكانت مدة ملكه أربعا وثلاثين ~~سنة . ثم ملك بعده عمرو بن المنذر . فكان ملكه أربعا وعشرين سنة . ثم ملك ~~بعده المنذر بن عمرو بن المنذر . وكان ملكه ستين سنة . ثم ملك بعده قابوس ~~بن المنذر . فكانت مدة ملكه ثلاثين سنة . ثم ملك بعده أخوه المنذر بن ~~المنذر بن ماء السماء . ثم ملك بعده النعمان بن المنذر ؛ وهو الذي قيل له : ~~أبيت اللعن وهو آخر من ملك من آلهم . وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة . وها ~~نحن نذكر ما قيل في سبب ملكه وزواله . قالوا : وكان عدي بن زيد العبادي ~~وابنه زيد بن عدي سبب ولايته وسبب هلاكه . وذلك أن عديا وأخويه ، وهما عمار ~~وعمرو ، كانوا في خدمة الأكاسرة ولهم من جهتهم قطائع ، وكان قابوس الأكبر ~~عم النعمان بعث إلى كسرى أبرويز بعدي بن زيد وأخويه ليكونوا في كتابه ~~يترجمون له ، فلما مات المنذر ترك من الأولاد اثني عشر رجلا ، وهم الأشاهب ~~، سموا بذلك لجمالهم ، وفيهم يقول الأعشى : وبنو المنذر الأشاهب بالح . . . ~~يرة يمشون غدوة كالسيوف PageV15P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" فجعل المنذر ابنه النعمان في حجر عدي بن زيد ~~هذا ، وجعل ابنه الأسود في حجر رجل يقال له : عدي بن أوس بن مرينا ، وبنو ~~مرينا قوم لهم شرف ، وهم من لخم ، وترك المنذر بقية بنيه ، وهم عشرة ، ~~يستقل كل واحد منهم بنفسه ، وجعل المنذر على أمره كله إياس بن قبيصة الطائي ~~، فلما مات قابوس طلب كسرى من يملكه على العرب ، فدعا عدي بن زيد فقال له : ~~من بقي من بني المنذر ، وماهم ؟ وهل فيهم خير ؟ فقال : بقيتهم في ولد هذا ~~الميت ، يعني المنذر ، وهم رجال نجباء ؛ فكتب إليهم بالقدوم عليه ، فقدموا ~~فأنزلهم ، على عدي بن زيد ، وكان عدي يرى موضع النعمان لأنه في حجره ~~ويختاره على بقية إخوته في الباطن ، وهو يظهر لهم خلاف ذلك ويفضلهم ms3059 عليه في ~~الظاهر ، ويكرم نزلهم ويخلو بهم ويريهم أنه لا يرجو النعمان ، كل ذلك ~~ليطمئنوا إليه ويرجعوا إلى رأيه ، ثم خلا بكل منهم على انفراده وقال لهم : ~~إن سألكم الملك أتكفوني العرب فقولوا : نكفيهم إلا النعمان ، وقال للنعمان ~~إن سألك الملك عن إخوتك فقل له : إن عجزت عنهم فإني عن غيرهم أعجز . قال : ~~وكان عدي بن أوس بن مرينا داهية أريبا ، وكان يوصي الأسود ابن المنذر ويقول ~~: قد عرفت أني لك راج ، وأن طلبتي إليك ورغبتي أن تخلف عدي بن زيد فيما ~~يشير به عليك ، فإنه والله لا ينصح لك أبدا ، فلم يلتفت الأسود إلى قوله . ~~فلما أمر كسرى عدي بن زيد أن يدخلهم عليه قدمهم رجلا رجلا ، وكسرى يرى ~~رجالا قلما رأى مثلهم ، فإذا سألهم هل تكفوني العرب قالوا : نكفيك العرب ~~كلها إلا النعمان . فلما دخل النعمان عليه رأى رجلا دميما قصيرا أحمر الشعر ~~فكلمه وقال : هل تستطيع أن تكفيني العرب ؟ قال نعم ، قال : فكيف تصنع ~~بإخوتك ؟ قال : أيها الملك إن عجزت عنهم فإني إن غيرهم أعجز . فملكه وكساه ~~والبسه تاجا قيمته ستون ألف درهم . فلما خرج وملك على العرب قال عدي ابن ~~أوس بن مرينا للأسود بن المنذر : دونك فإنك خالفت الرأي . قال : ثم إن عدي ~~بن زيد صنع طعاما ما في بيعة وأرسل إلى ابن أوس أن ائتني مع من أحببت فإن ~~لي حاجة ، فأتاه في أناس فتغدوا في البيعة ، فقال عدي بن زيد لعدي بن أوس : ~~ياعدي إن أحق من عرف الحق ثم لم يلم عليه من كان مثلك ، إني PageV15P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" عرفت أن صاحبك الأسود كان احب إليك أن يملك ~~من صاحبي النعمان ، فلا تلمني على شيء كنت على مثله ، وأنا أحب ألا تحقد ~~على شيئا لو قدرت عليه ركبته ، وأحب أن تعطيني من نفسك ما أعطيتك من نفسي ، ~~فإن نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك . فقام عدي بن زيد إلى البيعة ~~وحلف ألا يهجوه ولايبغيه غئلة أبدا ، ولا يروي عنها خيرا ms3060 ، وحلف عدي بن أوس ~~على مثل يمينه ألا يزال يهجوه أبدا ويبغيه الغوائل ما بقي . وخرج النعمان ~~حتى أتى منزله بالحيرة وافترق العديان على وحشة ، فقال عدي بن أمس للأسود : ~~إن لم تظفر أفلا تعجز أن تطلب بثارك من هذا المعدي الذي عمل بنا ما عمل ؟ ~~فقد كنت أخبرتك أن معدا لا تنام عن مكرها ، وأمرتك أن تخالفه فعصيتني . قال ~~: فما تريد ؟ قال : ألا تأتيك فائدة من ملكك ولا أرضك إلا عرضتها علي ، ~~ففعل . وكان عدي بن أوس كثير المال ، فلم يمر به يوم إلا بعث فيه إلى ~~النعمان هدية أو تحفة . فلما توالى ذلك وكثرت هداياه عنده النعمان صار من ~~أكرم الناس عليه ، وصار لا يقضي في ملكه شيئا إلا برأي عدي بن أوس . فلما ~~رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن أوس عنده تابعوه ولزموه ؛ فكان يقول لمن ~~يثق به نم أصحاب النعمان : إذا رأيتموني أذكر عدي بن زيد عند الملك بخير ~~فقولوا : إنه لكما يقول ولكنه لا يسلم عليه أحد ، وإنه يقول : إن الملك - ~~يعني النعمان - إنما هو عامله ، وإنه هو الذي ولاه ما ولاه . فلم يزالوا ~~وأشباهه حتى أضغنوا عليه . ثم إنهم كتبوا كتابا عن عدي إلى قهرمان كان له ، ~~ودسوا من اخذ الكتاب وأتى به النعمان فقرأه فغضب ، وأرسل إلى عدي بن زيد ~~يقول : عزمت عليك إلا زرتني فإني قد اشتقت إليك ، وكان عند كسرى فاستأذن في ~~زيارة النعمان فأذن له ، فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبسه ، فجعل يقول ~~الشعر ويستعطفه به ، فكان مما قاله : بلغ النعمان عني مآلكا . . . إنه قد ~~طال حبسي وانتظاري لو بغير الماء حلقي شرق . . . كنت كالغصان بالماء ~~اعتصاري وقال أشعارا كثيرة كانت تبلغ النعمان فندم على حبسه وعلم أنه كيد ~~فيه ، فكان يرسل إليه ويعده ويمينه ، فلما طال سجنه وأعياه التضرع إلى ~~النعمان كتب إلى أخيه أبى - وهو عمار - وهو مع كسرى يخبره بحاله ، ويبعثه ~~على السعي في خلاصه ، PageV15P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" فدخل أبي على كسرى وكلمه ، فكتب إلى النعمان ms3061 ~~في أمره وبعث رسولا بكتابه ، فقال له أبي : إبذأ بعدي أنظره قبل أن تجتمع ~~بالنعمان ، ورشاه على ذلك ، ففعل الرسول ذلك ودخل إلى الحبس واجتمع بعدي ~~وقال له : ما تحب أن أصنع ؟ قال : أحب ألا تخرج من عندي ، وأعطني كتاب كسرى ~~لأرسله من قبلي . قال : لا أستطيع ذلك . قال : فإنك إن خرجت من عندي قتلت . ~~فقال : لا بد أن آتي النعمان وأوصله الكتاب من يدي ، فانطلق إلى النعمان ~~وأوصله الكتاب فقبله وقال : سمعا وطاعة ، ووصله بأربعة آلاف مثقال ذهبا ~~وجارية حسناء وقال : إذا كان من غد فادخل عليه وأخرجه بنفسك . وكان أعداء ~~عدي أتوا النعمان وأخبروه أن رسول كسرى دخل إلى عدي وأنه خرج من الحبس لم ~~يستبق منا أحدا ، ولم تنج أنت ولاغيرك ، فأمرهم النعمان بقتله ، فدخلوا ~~عليه لما خرج الرسول من عنده وغموه حتى مات ، فلما أصبح الرسول دخل السجن ~~فقال له الحرس : إن عديا قد مات منذ أيام ، ولم نجرؤ أن نخبر النعمان فرقا ~~منه لعلمنا بكراهيته لذلك ، فرجع الرسول إلى النعمان فقال : إني كنت بدأت ~~به فدخلت عليه وهو حي . فقال له النعمان : يبعثك الملك إلي فتدخل إليه قبلي ~~، كذبت ولكنك ارتشيت وتهدده ، ثم استدعاه بعد ذلك وزاده جائزة وكسوة ~~واستوثق منه وصرفه إلى كسرى . فلما رجع إليه قال له : قد مات قبل مقدمي على ~~النعمان . قال : ثم ندم النعمان على قتل ندما شديدا واجترأ أعداء عدي على ~~النعمان وهابهم ، ثم ركب النعمان في بعض أيامه للصيد فلقي ابنا لعدي بن زيد ~~، فكلمه فإذا هو غلام ظريف ففرح به النعمان وقربه ووصله واعتذر إليه ، ثم ~~جهزه إلى كسرى وكتب إليه : إن عديا كان ممن أعين به الملك في نصيحته ورأيه ~~، فانضقت مدته وانقطع أجله ، ولم يصب به أحد أشد نم مصيبتي ، وإن الملك لم ~~يكن ليفقد رجلا من عبيده إلا جعل الله له منه خلقا ، وقد أدرك له ابن ليس ~~هو دونه ، وقد سرحته إلى الملك فإن رأى أن يجعله مكان أبيه ويصرف عمه إلى ~~عمل ms3062 آخر فعل . فأجابه كسرى إلى ذلك ورتبه في وظيفة أبيه ، وسأله عن النعمان ~~فأحسن الثناء عليه ، فمكث سنوات على منزلة أبيه واعجب به كسرى . وكان لصاحب ~~هذه الرتبة على PageV15P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" العرب وظيفة في كل سنة من الأفراس والمهارة ~~والكماة والأقط والأدم وغير ذلك ، وهو يلي ما يكتب عن كسرى إلى العرب . قال ~~: ثم تمكن زيد بن عدي بن زيد عند كسرى حتى كان يجتمع به في أوقات خلواته ، ~~فدخل عليه في بعض الأيام فكلمه فيما دخل بسببه ؛ ثم جرى ذكر النساء . وكانت ~~عنده الأكاسرة صفات امرأة ، ومن رسمهم أن يطلبوا للملك من هي متصفة بتلك ~~الصفات ، وكانت الصفة أن المنذر الأكبر أهدى إلى أنوشروان جارية كان أصابها ~~لما أغار على الحارث الأكبر الغساني ، فكتب إلى أنوشروان بصفة الجارية فقال ~~: هي معتدلة الخلق ، نفيه اللون والثغر ، بيضاء قمراء وطفاء دعجاء حوراء ~~عيناء قنواه شماء برجاء زجاء أسيلة الخد شهية المقبل جثلة الشعر ، عظيمة ~~الهامة ، بعيدة مهوى القرط ، عريضة الصدر ، كاعب الثدي ، ضخمة مشاش المنكب ~~والعضد ، حسنة المعصم ، لطيفة الكف ، سبطة البنان ، لطيفة طي البطن ، خميصة ~~الخصر ، غرثي الوشاح ، رداح الاقبال ، رابية الكفل ، مفعمة الساق ، لفاء ~~الفخذين ، ريا الروادف ، ضخمة المأكمتين ، PageV15P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" عظيمة الركبة ، مشبعة الخلخال ، لطيفة الكعب ~~والقدم ، قطوف المشي ، مكسال الضحى ، بضة المتجرد ، سموع للسيد ، ليست ~~بخلساء ولا سفعاء ، رقيقة الأنف ، عزيزة النفس ، لم تغذ في بؤس ، حيية ~~رزينة ، حليمة ركينة ، كريمة الخال ، تقتصر بنسب أبيها ، وبفصيلتها دون ~~جماع قبيلتها ، قد أحكمتها التجارب في الأدب ، رأيها رأي أهل الشرف ، ~~وعملها عمل أهل الحاجة ، صناع الكفين ، قطيعة اللسان ، رهوة الصوت ساكنته ، ~~تزين البيت وتشين العدو إن أردتها اشتهت ، وإن تركتها انتهت ، تحملق عيناها ~~، وتحمر وجنتاها ، وتذبذب شفتاها ، وتبادرك الوثبة إذا قمت ، ولا تجلس إلا ~~بأمرك إذا جلست . فقبلها أنوشروان وأمر بإثبات هذه الصفة في ديوانه ، فكانت ~~تتوارث حتى انتهى الملك إلى كسرى أبرويز بن هرمز . فلما قرئت هذه الصفة ~~عليه قال له زيد بن عدي : أيها الملك ms3063 ، أنا أخبر بآل المنذر ، وعند عبدك ~~النعمان من بناته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة . ~~فقال له كسرى : اكتب فيهن إليه . فقال : أيها الملك ، إن شر شيء في العرب ~~وفي النعمان خاصة أنهم يتكرمون - زعموا في أنفسهم - عن العجم ، فابعثني ~~إليه وابعث معي رجلا من ثقاتك يفقه العربية . فبعث معه رجلا جلدا فهما ، ~~فخرج به زيد حتى أتى الحيرة ودخل على النعمان ؛ فلما دخل عليه عظم الرسول ~~أمر كسرى وقال له : إنه قد احتاج آلة نساء لأهله وولده فأراد كرامتك بصهره ~~وبعث إليك فيهن . فقال النعمان : وما صفة هؤلاء النسوة ؟ قال : هذه صفتهن ~~قد جئناك بها ، وقرأها على زيد بن عدي ، فشق ذلك على النعمان وقال لزيد ~~وللرسول : أما في مها السواد وعين فارس ما تبلغون به حاجتكم ؟ فقال الرسول ~~لزيد : ما المها والعين ؟ قال : البقر . فقال زيد للنعمان : إنما أراد ~~الملك كرامتك ، ولو علم أن PageV15P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" ذلك يشق عليك لما كتب إليك ، فأنزلهما يومين ~~عنده ثم كتب إلى كسرى . إن الذي طلب الملك ليس عندي . ثم قال لزيد : أعرني ~~عنده . فلما رجعا إلى كسرى قال لزيد : أين ما كنت أخبرتني به ؟ قال : قد ~~كنت أخبرتك بضنتهم بنسائهم على غيرهم ، وإن ذلك من شقائهم ، فسل هذا الرسول ~~عن مقالة النعمان فإني أكره أن أواجه الملك بما قاله ، فقال للرسول : وما ~~قال ؟ قال : إنه قال : أما في بقر السواد وفارس ما يكفي الملك حتى يطلب ما ~~عندنا فعرف الغضب في وجه كسرى ثم قال : رب عبد قد قال هذا فصار أمره إلى ~~التباب ، فبلغ كلامه النعمان . وسكت كسرى على ذلك أشهرا ، وهو يستعد ويتوقع ~~حتى أتاه كتاب كسرى يستدعيه ، فانطلق النعمان حتى أتى جبال طيئ وهو متزوج ~~منهم ، فأرادهم أن يمنعوه فأبوا ذلك وقالوا : لولا صهرك لقتلناك ، فإنه لا ~~حاجة لنا في معاداة كسرى ، فأقبل يعرض نفسه على العرب فلا يقبلوه ، حتى نزل ~~بذي قار بني شيبان سرا فلقي هانئ بن قبيصة بن هانئ بن ms3064 مسعود فأودعه سلاحه ~~وتوجه إلى مسرى فلقي زيد بن عدي على قنطرة ساباط ، فقال له : انج نعيم فقال ~~: أنت يا زيد فعلت هذا أما والله لئن أفلت لأسقينك بكأس أبيك فقال له زيد : ~~امض نعيم ، فقد والله وضعت عنده أخيه لا يقطعها المهر الأرن . قال : فلما ~~بلغ كسرى أنه بالباب أمر به فقيد وأبعده إلى خانقين فلم يزل بالسجن حتى مات ~~بالطاعون . قال ابن مسكويه في كتاب تجارب الأمم : والناس يظنون أنه مات ~~بساباط لبيت قاله الأعشى . والصحيح ما قلناه . وقال ابن عبدون : إن النعمان ~~لما أقبل إلى المدائن صف له كسرى ثمانية آلاف جارية عليهن المصبغات وجعلهن ~~صفين ، فلما صار النعمان بينهن قلن له : أما فينا للملك غني عن بقر السواد ~~؟ وأن كسرى أمر بالنعمان فحبس بساباط المدائن ، ثم PageV15P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" أمر به فرمى بين أرجل الفيلة فوطئته حتى مات ~~. وفي ذلك يقول سلامة بن جندل وذكر قتل كسرى أبرويز للنعمان فقال : هو ~~المدخل النعمان بيتا سماؤه . . . نحور الفيول بعد بيت مسردق ثم ملك إياس بن ~~قبيصة وأتى الله تعالى بالإسلام . فهؤلاء ملوك العرب باليمن والشام والحيرة ~~. ذكر خبر سد مأرب وسيل العرم قد ذكر الله عز وجل في كتابه العزيز فقال : " ~~لقد كان لسبا في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا ~~له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم " الآية . روى عن ~~فروة بن مسيك عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه لما أنزل في سبأ ما ~~أنزل قال رجل : يا رسول الله ، وما سبأ ؟ أرض أو امرأة ؟ فقال : " ليس بأرض ~~ولا امرأة ، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم ~~أربعة ، فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة ، وأما الذين تيامنوا ~~فالأزد والأشعرون وحمير وكندة ومذحج وأنمار " فقال رجل : يا رسول الله ، ~~وما أنمار ؟ قال : الذين منهم خثعم وبجيلة . أخرجه أبو داود في سننه ~~والترمذي في جامعه . وكانت ارض مأرب من بلاد اليمن متصلة العمارة ms3065 مسيرة ستة ~~أشهر ، وقيل أزيد من شهرين للراكب المجد ، وكانوا يقتبسون النار بعضهم من ~~بعض ستة اشهر ؛ فكانت المرأة إذا أرادت أن تجتني من ثمارها شيئا وضعت المكل ~~على رأسها وخرجت تمشي بين الأشجار وهي تغزل وتعمل ما شاءت ، فلا ترجع إلا ~~وقد امتلأ مكتلها مما يتساقط فيه من الثمار . PageV15P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" واختلف في مأرب فقيل : إنه اسم ملك تلك الأرض ~~فسمين به ، قال الشاعر : من سبأ الحاضرين مأرب إذ . . . يبنون من دون سيله ~~العرما وقيل : هو اسم لقصر الملك ، وفيه يقول أبو الطمحان : ألم تروا مأربا ~~ما كان أحصنه . . . وما حواليه من سور وبنيان قال : وكان أول من خرج من ~~اليمن بسبب سيل العرم عمرو بن عامر مزيقيا ، وقد ذكرناه في الأنساب ، وإن ~~سبب تسميته مزيقيا أنه كان يلبس في كل يوم حلة وقيل حلتين ، وهو الأشهر ، ~~ثم يمزقهما عشية نهاره لئلا يلبسهما غيره ، وكان هذا دأبه في كل يوم . ~~وكأنسب خروجه من اليمن وإطلاعه على خبر سيل العرم قبل حدوثه دون غيره من ~~الناس أنه كان له امرأة كاهنة يقال لها : طريفة الخير ، وكانت قد رأت في ~~منامها أن سحابة غشيت أرشهم فأرعدت وأبرقت ثم أصعقت فأحرقت كل ما وقعت عليه ~~، ففزعت طريفة الخير لذلك فزعا شديدا وأتت إلى زوجها عمرو بن عامر وقالت : ~~ما رأيت اليوم أزال عني النوم . فقال لها : ما رأيت ؟ قالت : رأيت غيما ~~أرعد وابرق ثم أصعق فما وقع على شيء إلا احترق . قال : فلما رأى ما داخلها ~~من الروع والفزع سكنها . ثم إن عمرا بعد ذلك دخل حديقة له ومعه جارية من ~~بعض جواريه ، فبلغ ذلك امرأته طريفة فخرجت إليه ومعها وصيف لها اسمه سنان ، ~~فلما برزت من بيتها عرض لها ثلاث مناجد منتصبات على أرجلها ، واضعات أيديها ~~على أعينها . قال : PageV15P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" والمناجد : دواب تشبه اليرابيع . فلما نظرت ~~طريفة إليها قعدت إلى الأرض ووضعت يديها على عينيها وقالت لغلامها : إذا ~~ذهبت هذه المناجد فأخبرني ، فلما ذهبت أعلمها فانطلقت مسرعة ، فلما ms3066 عارضها ~~خليج الحديقة التي فيها عمرو وثبت سلحفاة من الماء فوقعت في الطريق على ~~ظهرها وجعلت تروم الانقلاب ولا تستطيع ، وتستغفر بيديها وتحث التراب على ~~بطنها من جنباته وتقذف بالبولى . فلما رأتها طريفة الخير جلست إلى الأرض . ~~فلما عادت السلحفاة إلى الماء مضت طريفة حتى دخلت الحديقة على عمرو حين ~~انتصف النهار في ساعة شديدة الحر فإذا الشجر يتكافأ من غير ريح ، فلما رآها ~~استحيى منها وأمر الجارية بالتنحي ثم قال لها : ما أتى بك يا طريفة ؟ فكهنت ~~وقالت : والنور والظلماء ، والأرض والسماء ، إن الشجر لهالك ، وليعودن ~~الماء كما كان في الزمن السالك . قال لها عمرو ومن خبرك بهذا ؟ قالت : ~~أخبرني المناجيد بسنين شدائد ، يقطع فيها الولد الوالد . قال : فما تقولين ~~؟ قالت : أقول قول الندمان لهفا ، لقد رأيت سلحفاة تجرف التراب جرفا ، ~~وتقذف بالبول قذفا ، فدخلت الحديقة فإذا الشجر من غير ريح يتكافأ . قال ~~عمرو : وما ترين في ذلك ؟ قالت : هي داهية دهياء من أمور جسيمة ، ومصائب ~~عظيمة . قال : وما هو ويلك ؟ قالت : أجل ، إن فيه الويل ، ومالك فيه من نيل ~~، وإن الويل فيما يجيء به السيل . فألقى عمرو نفسه على فراشه وقال : ما هذا ~~با طريفة ؟ قالت : هو خطب جليل ، وخزي طويل ، وخلف قليل ، والقليل خير من ~~تركه . قال : وما علامة ما تذكرين ؟ قالت : اذهب إلى السد فإن رأيت جرذا ~~يديه في السد الحفر ، ويقلب برجليه مراجل الصخر ، فاعلم أن الغمر غمر ، وإن ~~قد وقع الأمر . قال : وما هذا الذي تذكرين ؟ قالت : وعد من الله نزل ، ~~وباطل بطل ، ونكال بنا نكل . قال : فانطلق عمرو إلى السد فحرسه فإذا الجرذ ~~يقلب برجليه ما يقلبها خمسون رجلا ، فرجع إليها وهو يقول : أبصرت أمرا ~~عادني سنه ألم . . . وهاج لي من حوله برح السقم من جرذ كفحل خنزير الأجم . ~~. . أو كبش صرم من افاويق الغنم PageV15P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" يقلب صخرا من جلاميد العرم . . . له مخاليب ~~وأنياب قضم ما فاته صخر من الصخر قصم فقالت طريفة : وإن من علامة ما ذكرت ~~لك أن تجلس ms3067 فتأمر بزجاجة بين يديك ؛ فإن الريح تملأها بتراب البطحاء من سهل ~~الوادي ورمله ، وقد علمت أن الجنان مظللة ما يدخلها شمس ولا ريح . فأمر ~~عمرو بزجاجة فوضعت بين يديه فلم تمكث إلا قليلا حتى امتلأت من تراب البطحاء ~~. فقال لها عمرو : متة يكون هلاك السد ؟ فقالت : فيما بينك وبين سبع سنين . ~~فقال : ففي أيها يكون ؟ فقالت : لا يعلم ذلك غلا الله ، ولو علمه أحد ~~لعلمته ، ولا تأتي على ليلة فيما بيني وبين السبع سنين إلا ظنت أن هلاكنا ~~في غدها أو مسائها . ثم رأى عمرو بعد ذلك في منامه سيل وقيل له : آية ذلك ~~أن ترى الحصباء قد ظهرت في سعف النخل وكربه ، فنظر إليها فوجد الحصباء قد ~~ظهرت فيها فعلم أن ذلك واقع ، وأن بلادهم لا محالة ؛ فكتم ذلك وأخفاه وأجمع ~~على بيع كل شيء له بأرض مأرب ويخرج منها هو وولده ، ثم خشي أن ينكر الناس ~~حاله فصنع وليمة جمع الناس لها وقرر مع أحد أولاده أنه يأمره بأمر في ملأ ~~القوم فيخالفه فإذا لطمه عمرو فيلطمه الآخر ، ففعل ذلك . فلما لطمه ابنه - ~~وكان اسمه مالكا - صاح عمرو : وأذلاه يوم فحر عمرو يهينه صبي ويضرب وجهه ~~وحلف ليقتلنه ، فسأله القوم ألا يفعل ، فحلف ألا يقيم بموضع صنع به فيه هذا ~~، وليبيعن أمواله حتى لا يورث بعده . فقال الأنس بعضهم لبعض : اغتنموا غضبة ~~عمرو واشتروا منه قبل أن يرضى ، فابتاع الناس منه جميع ما هوله بأرض مارب ، ~~وفشا بعض حديثه فباع أناس من الأزد ، فلما كثر البيع استنكر الناس ذلك ~~فأمسكوا عن الشراء ، فلما اجتمعت لعمرو أمواله أخبر الناس بشأن سيل العرم ~~وخرج من اليمن ، وخرج لخروجه منها خلق كثير فنزلوا أرض عك حتى مات عمرو بن ~~عامر وتفرقوا بعده في البلاد ؛ فمنهم من صار إلى الشام ، وهم أولاد جفنة بن ~~عمرو بن عامر ، ومنهم من صار إلى يثرب ، وهم أبناء قبيلة الأوس والخزرج ، ~~وأبوهما حارثة بن ثعلبة بن عمرو ابن عامر ، PageV15P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" وصارت أزد الشراة إلى ms3068 أرض الشراة ، وأزد عمان ~~إلى عمان ، ومالك بن فهم إلى العراق . ثم خرجت بعد عمرو بيسير من أرض اليمن ~~طئ فنزلت بجبلي طئ : اجا وسلمى ، ونزل ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر ~~تهامة ، وسموا خزاعة لانخزاعهم من أخواتهم ، وتمزقوا في البلاد كما أخبر ~~الله تعالى عنهم فقال : " ومزقناهم كل ممزق " ثم أرسل الله عز وجل السيل ~~على السد فهدمه . واختلف في العرم ما هو ؟ فقيل : السد واحدته عرمة ، وقيل ~~: هو الجرذ . وكان السد فيما يذكر قد بناه لقمان الأكبر بن عاد ، وكان صفه ~~لحجارة السد بالرصاص فرسخا في فرسخ . ويقال : إن الذي بناه كان من ملوك ~~حمير . وقد ذكر ذلك ميمون ابن قيس الأعشى فقال : وفي ذلك للمؤتسى أسوة . . ~~. ومأرب عفى عليها العرم رخام بنته لهم حمير . . . إذا جاء مواره لم يرم ~~فصاروا أيادي ما يقدرو . . . ن منه على شرب طفل فطم فأروى الزروع وأعنابها ~~. . . على سعة ماؤها إذ قسم الباب الخامس من القسم الرابع من الفن الخامس ~~في أيام العرب ووقائعها في الجاهلية وأنها لمن مآثرها السنية ، وإذا تأملها ~~المتأمل دلته على مكارم أخلاقهم وكرم نجارهم ، وحققت عنده أنهم ما أحجموا ~~عن طلب أوتارهم ، وعلم مكافأتهم للأقران ، وسماحتهم بالنفوس والأبدان ~~وإقدامهم على الموت ، ومبادرتهم عند الإمكان خشية الفوت . وقيل لبعض الحابة ~~رضي الله عنهم : ما كنتم تتحدثون به إذا خلوتم في مجالسكم ؟ فقال : نتناشد ~~الشعر بأخبار جاهليتنا . PageV15P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" وقال بعضهم : وددت أن لنا مع إسلامنا كرم ~~أخلاق آبائنا في الجاهلية . ألا ترى أن عنترة الفوارس جاهلي لا دين له ، ~~والحسن ين هانئ إسلامي ، فمنع عنترة كرمه ما لم يمنع ابن هانئ دينه ، فإن ~~عنترة يقول : وأغض طرفي إن بدت لي جارتي . . . حتى يواري جارتي ماواها وقال ~~أبو نواس الحسن بن هانئ : كان الشباب مطية الجهل . . . ومحسن الضحكات ~~والهزل والباعثي والناس قد هجعوا . . . حتى أبيت خليفة البعل وسأذكر من ~~وقائعهم ما يقوي الجنان ، ويبعث الجبان . ذكر وقعة طسم وجديس وطسم بن لاوذ ~~بن إرم بن سام بن ms3069 نوح عليه السلام ، وجديس بن عابر بن إرم ابن سام بن نوح ~~عليه السلام ، وهم العرب العاربة ، على ما ذكر بعض المؤرخين . وكان منزلهما ~~اليمامة ، واسمها في وقتهم جو ؛ وكان الملك عليهما رجلا من طسم يقال له : ~~عمليق ، وكان غشوما ظلوما . وكان سبب فنائهما أن عمليقا أتته ذات يوم امرأة ~~اسمها هزيلة بنت مازن مع زوج لها اسمه ماش ، وكان قد طلقها وأراد أخذ ولده ~~منها ، فترافعا إليه ليحكم بينهما ، فقالت هزيلة : أيها الملك هذا ابني ~~حملته تسعا ، ووضعته دفعا ، وأرضعته شفعا ، ولم أنل منه نفعا حتى إذا تمت ~~أوصاله ، واستوت خصاله ، أراد أن يأخذه مني قهرا ويسلبنيه سرا ، ويترك يدي ~~منه صفرا . فقال الزوج : قد أخذت المهر كاملا ، ولم أنل منك طائلا ، غلا ~~ولدا جاهلا ، فافعل ما كنت فاعلا . فأمر الملك أن يجعل الولد في غلمانه ، ~~فقالت هزيلة : أتينا أخا طسم ليحكم بيننا . . . فأبرم حكما في هزيلة ظالما ~~لعمري لقد حكمت لا متورعا . . . ولا فهما عند الحكومة عالما PageV15P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" ندمت فلم أقدر على متزحزح . . . وأصبح زوجي ~~عاثر الرأي نادما فلما بلغ عمليقا ذلك غضب وأقسم أنه لا تهدى عروس في جديس ~~لبعلها حتى يكون هو الذي يبدأ بها قبل زوجها . فلم يزل على ذلك دهرا حتى ~~أهديت عفيرة بنت عفارا الجديسية أخت الأسود بن عفار سيد جديس إلى بعلها ، ~~ويقال : إن اسمها الشموس ، فحملت إلى عمليق ، فلما افترعها وخلى سبيلها ~~خرجت على قومها في دمائها شاقة جيبها عن قبلها ودبرها وهي تقول : لا أحد ~~أذل من جديس . . . هكذا يفعل بالعروس يرضى بهذا يا لقومي حر . . . أهدى وقد ~~أعطى وسيق المهر لأخذه الموت كذا لنفسه . . . خير من أن يفعل ذا بغرسه ثم ~~قالت تحرض جديسا على طسم : أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم . . . وأنتم رجال ~~فيكم عدد الرمل أيصلح تمشي في الدماء فتياتكم . . . صبيحة زفت في النساء ~~إلى البعل فإن كنتمو لا تغضبوا عند هذه . . . فمونوا نساء لا تفيق من الحكل ~~ودونكم طيب العروس فإنما . . . خلقتم لأثواب العرائس وللغسل ms3070 فلو أننا كنا ~~رجالا وكنتم . . . نساء لكنا لا نفر على الذل فقبحا وسحقا للذي ليس دافعا . ~~. . ويختال يمشي بيننا مشية الفحل فموتوا كراما واصبروا لعدوكم . . . لحرب ~~تلظى بالضرام من الجزل ولا تجزعوا في الحرب يا قوم إنها . . . تقوم بأقوام ~~كرام على رجل فاجتمعت جديس فقال لهم الأسود بن عفار ، وكان مطاعا فيهم : ~~لتطيعني فيما آمركم به أو لأتكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري . قالوا : فإنا ~~نطيعك . قال : إن طسما ليسوا بأعز منكم ، ولكن ملك صاحبهم هو الذي يذعننا ~~إليهم بالطاعة ، ولو امتنعتم منهم لكان لكم النصف . قالوا : إن القوم أكثر ~~منا عددا وعددا . قال : PageV15P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" إني صانع طعاما فأدعوهم إليه ، فإذا جاءوكم ~~متفضلين في الحلل نهضنا إليهم بأسيافنا . فقالت عفيرة لأخيها : لا تفعل فإن ~~الغدر ذلة وعار ، ولكن كاثروا القوم في ديارهم فتظفروا أو تموتوا كراما . ~~قال : بل نمكر بهم فنكون أمكن منهم . تم صنع الأسود طعاما وأمر قومه أن ~~يخترطوا سيوفهم ثم يدفنوها في الرمل . ودعا عمليقا وقومه ، فلما أتوا ~~استثارت جديس السيوف وشدوا عليهم فما أفلت منهم إلا رياح بن مرة ، ففر إلى ~~حسان بن تبع فاستغاث به وأخيره بما صنعته جديس بطسم فوعده النصرة ، ثم نادى ~~حسان في حمير بالمسير وأخبرهم بما صنعت جديس بطسم ؛ فقالوا : وما جديس وطسم ~~؟ قال : هما أخوان . قالوا : فما لنا في هذا من أرب . قال حسان : أرأيتم لو ~~كان هذا فيكم أكان حسنا لملككم أن يهدر دماءكم . وما علينا في الحكم إلا أن ~~ننصف بعضهم من بعض . فقالوا : الأمر أمرك أيها الملك فمرنا بما أحببت . ~~فأمرهم بالمسير ، فساروا حتى إذا كانوا من اليمامة على ثلاث ليال قال رياح ~~بن مرة لحسان بن تبع : أبيت اللعن إن لي أختا متزوجة في جنديس تنظر الراكب ~~على مسيرة ثلاث ليال وأخاف أن تنذر قومها ، فأمر كل إنسان أن يقتلع شجرة من ~~الأرض ويجعلها أمامه ، فأمرهم حسان بذلك . ثم ساروا ، فنظرت أخت رياح فقالت ~~: يا جنديس لقد سارت إليكم الشجر . فقالوا لها : وما ms3071 ذاك ؟ قالت : أرى شجرا ~~، من ورائه بشرا ، وإني لا أرى رجلا من وراء شجرة ينهش كتفا أو يحصف نعلا ، ~~فكذبوها وغفلوا عن اخذ أهبة الحرب حتى صبحتهم حمير . ففي ذلك تقول زرقاء ~~اليمامة : خذوا لهم حذركم ياقوم ينفعكم . . . فليس ما قد أراه اليوم يحتقر ~~إني أرى شجرا من خلفه بشر . . . فكيف تجتمع الأشجار والبشر صفوا الطوائف ~~منكم قبل داهية . . . من الأمور التي يخشى وتنتظر إني أرى رجلا في كفه كتف ~~. . . أو يخصف النعل خصفا ليس يعتذر ثوروا بأجمعكم في وجه أولهمفإن ذلك ~~منكم فاعلموا ظفر PageV15P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" وغوروا كل ماء دون منزلهم . . . فليس من دونه ~~نحس ولا ضرر أو عاجلوا القوم عند الليل إن رقدوا . . . ولا تخافوا لها حربا ~~وإن كثروا فلما كان حسان على مسيرة ليلة عبأ جيشه ثم صحبهم فاستباح اليمامة ~~قتلا وسبيا ، وهرب الأسود حتى نزل بطئي فأجاروه من كل من يطلبه وهم لا ~~يعرفونه . وقبيلته في طيء مذكورة . ثم إن حسانا أمر باليمامة فنزع عينيها ~~فإذا في داخلها عروق سود ، فسألها عن ذلك فقالت : حجر أسود كنت اكتحل به ~~يقال له الإثمد فثبت لي بصري . وقيل : إنها أول من اكتحل بالإثمد ، فأمر ~~بها فصلبت على باب جو . وقيل : سمى جو باليمامة من ذلك الوقت . وفي ذلك ~~يقول رياح بن مرة لما أخذ بثأره : غدر الحي من جديس بطسم . . . آل طسم كما ~~تداني تديني قد أتيناهم بيوم كيوم . . . تركوا فيه مثل ما تركوني ليت طسما ~~على منازلها تع . . . لم أني قضيت عني ديوني وقد كررت الشعراء قصة هذه ~~المرأة وجو . فمن ذلك قول الأعشى على رواية ابن قتيبة : قالت أرى رجلا في ~~كفه كتف . . . أو يخصف النعل لهفي آية صنعا فكذبوها بما قالت فصبحهم ذو آل ~~حسان يزجي السم والسلعا فاستنزلوا آل جو من مساكنهم . . . وهدموا رافع ~~البنيان فاتضعا وروى ابن إسحاق : كوني كمثل التي إن غاب واحدها . . . أهدت ~~له من بعيد نظرة جزعا ثم أتى بالأبيات التي ذكرها ابن قتيبة . وقال المسيب ~~بن علس : لقد ms3072 نظرت عين إلى الجزع نظرة . . . إلى مثل موج المفعم المتلاطم ~~PageV15P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" إلى حمير إذ وجهوا من بلادهم . . . تضيق بهم ~~لأيا فروج المخارم وفيها يقول النمر بن تولب : وفتاتهم عنز غداة تبينت . . ~~. من بعد مرأى في الفضاء ومسمع قالت أرى رجلا يقلب نعله . . . تقليب ذي وصل ~~له ومشسع ورأت مقدمة الخميس ودونها . . . ركض الجياد إلى الصباح يتبع ذكر ~~حروب قيس في الجاهلية يوم منعج لغنى على عبس يوم منعج . هو يوم الردهة وفيه ~~قتل شأس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي ؛ قتله رياح بن الأشل الغنوي . ~~وذلك أن شأسا اقبل من عند النعمان بن المنذر وقد أجزل حباءه . وكان من ~~حبائه قطيفة حمراء ذات هدب وطيب ؛ فورد منعجا - وهو ماء لغني - فأناخ ~~راحلته إلى جانب الردهة وعليها خباء لرياح بن الأشل ، وجعل يغتسل وامرأة ~~رياح تنظر إليه ، وهو كالثور الأبيض ، فانتزعه رياح بسهم فقتله ، وضم متاعه ~~ونحر ناقته وأكلها وغيب أثره . وفقد شأس بن زهير ، حتى وجدوا القطيفة ~~الحمراء بسوق عكاظ قد باعتها امرأة رياح ، فعلموا أن رياحا صاحب ثأرهم ، ~~فغزت بنو عبس غنيا قبل أن يطلبوا قودا أو دية ، مع الحصين بن زهير ابن ~~جذيمة والحصين بن أسيد بن جذيمة . فلما بلغ ذلك غنيا قالوا لرياح : انج ، ~~لعلنا نصالح القوم على شيء أو نرضيهم بدية . فخرج رياح رديفا لرجل من بني ~~كلاب ، وهما بظنان أنهما قد خالفا وجهة القوم ؛ فمر صرد على رءوسهما فصرصر ~~، فما راعهما إلا خيل بني عبس ، فقال الكلابي لرياح : انحدر من خلفي والتمس ~~نفقا PageV15P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" في الأرض فإني شاغل القوم عنك ، فانحدر رياح ~~من عجز الجمل حتى أتى ضفة فاحتفر تحتها مثل مكان الأرنب وولج فيه ، ومضى ~~صاحبه ، فسألوه فقال : هذه غني جامعة ، وقد استمكنتم منهم ، فصدقوه وخلوا ~~سبيله ، فلما ولى رأوا مركب الرجل خلفه فقالوا : من الذي كان خلفك ؟ فقال : ~~لا كذب رياح بن الأشل ، وهو في أولئك الصعدات . فقال الحينان لمن معهما : ~~قد مكننا الله من ثأرنا ولا نريد ms3073 أن يشركنا فيه أحد ، فوقفوا عنهما ، ومضيا ~~فجعلا يريغان رياحا بين الصعدات ، فقال لهما : هذا غزالكما الذي تربغانه ، ~~فابتدراه فرمى أحدهما بسهم فأقصده ، فطعنه الآخر فأخطأه ، ومرت به الفرس ، ~~فاستدبره رياح بسهم فقتله قم أتى قومه . ففي ذلك يقول الكميت بن زيد الأسدي ~~، وكانت له أمان من غني : أنا ابن غني والداي كلاهما . . . لامين منهم في ~~الفروع وفي الأصل هم استودعوا زهر نسيب بن سالم . . . وهم عدلوا بين ~~الحصينين بالنبل وهم قتلوا شأس الملوك ورغموا . . . أباه زهيرا بالمذلة ~~والثكل يوم النفراوات لبني عامر على بني عبس فيه قتل زهير بن جذيمة بن ~~رواحة العبسي . وكانت هوازن تؤدي إليه إتاوة ، فأتته عجوز رهيش من بني نصر ~~بن معاوية بسمن في نحي ، وشكت سنين تتابعت على الناس ، فذاقه فلم يرض طعمه ~~، فدعها بقوس في يده عطل في صدرها ، فاستقلت على قفاها منكشفة ، فتألى خالد ~~بن جعفر وقال : والله PageV15P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" لأجعلن ذراعي في عنقه حتى يقتل أو أقتل . ~~وكان زهير مقداما فتفرد من قومه ببنيه وبني أخويه أسيد وزيناع يريغ الغيث ~~في عشرواوات له وشول ؛ فأتاه الحارث بن عمرو ابن الشريد ، وكانت تماضر بنة ~~عمرو بن الشريد تحت زهير ، فلما عرف الحارث مكانه أنذر عليه بني عامر بن ~~صعصعة رهط خالد بن جعفر ، فركب منهم ستة فوارس فيهم خالد بن جعفر وصخر بن ~~الشريد وحندج بن البكاء ومعاوية بن عبادة ابن عقيل فارس الهرار . ويقال ~~لمعاوية : الأخيل ، وهو جد ليلى الأخيلية . فقال أسد لزهير : أعلمتني راعية ~~غنمي أنها رأت على راس الثنية أشباحا ولا أحسبها إلا خيل بني عامر ، فألحق ~~بنا بقومنا . فقال له زهير : كل أزب نفور وكان أشعر القفا ، فذهبت مثلا ، ~~فتحمل أسيد بمن معه وبقي زهير وابناه ورقاء والحارث . وصبحتهم الفوارس ~~فارمدت بزهير فرسه القعساء ولحقه خالد ومعاوية الأخيل ، فطعن معاوية ~~القعساء فقلبت زهيرا ، وخر خالد فرفع المغفر عن راس زهير وقال : يا لعامر ~~اقتلونا جميعا وأقبل معاوية فضرب زهيرا على مفرق رأسه ضربة بلغت الدماغ ، ~~وأقبل ورقاء ms3074 بن زهير فضرب خالدا وعليه درعان فلم تغن شيئا ، وأجهض ابنا ~~زهير القوم عن زهير واحتملاه وقد أثخنته الضربة فمنعوه الماء فقال : اسقوني ~~وغن كانت نفسي فيه ، فسقوه فمات بعد ثالثة من الأيام ، فقال في ذلك ورقاء ~~بن زهير : رأيت زهيرا تحت كلكل خالد . . . فأقبلت أسعى كالعجول أبادر فشلت ~~يميني يوم أضرب خالدا . . . ويمنعه مني الحديد المظاهر فياليت أني قبل أيام ~~خالد . . . ويوم زهير لم تلدني تماضر لعمري لقد بشرت بي إذ ولدتني . . . ~~فماذا الذي ردت عليك البشائر وقال خالد بن جعفر في قتله زهيرا : بل كيف ~~تكفرني هوازن بعدما . . . أعتقتهم فتوالدوا أحرارا PageV15P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" وقتلت ربهم زهيرا بعدما . . . جدع الأنوف ~~واكثر الأوتارا وجعلت مهر بناتهم ودياتهم . . . عقل الملوك هجائنا وبكارا ~~يوم بطن عاقل لذبيان على بني عامر فيه قتل خالد بن جعفر ببكطن عاقل . وذلك ~~أنه قدم على الأسود بن المنذر أخي النعمان ومعه عروة الرحال بن عتبة بن ~~حعفر ، فالتقى خالد بن جعفر والحارث ابن ظالم بن غيط بن مرة بن سعد بن ~~ذبيان عند الأسود بن المنذر ، فجعل خالد يقول للحارث بن ظالم : ياحار ، أما ~~تشكر يدي عندك أن قتلت عنك سيد قومك زهيرا وتركتك سيدهم ؟ فقال : سأجزيك ~~شكر ذلك . فلما خرج الحارث قال الأسود لخالد : ما دعاك إلى أن تتحرش بهذا ~~الكلب وأنت ضيفي ؟ فقال : إنما هو عبد من عبيدي ، ولو وجدني نائما أيقظني . ~~وانصرف خالد إلى قبته فلامه عروة الرحال ، ثم ناما وأشرجت عليهما القبة ، ~~وكان مع الحارث تبيع له من بني محارب يقال له خراش ، فلما هدات العيون أخرج ~~الحارث ناقته وقال لخراش : كنم لي بمكان كذا ، فإن طلع الصبح ولم آتك فانظر ~~أحب البلاد إليك فاعمد لها ؛ ثم انطلق الحارث حتى أتى قبة خالد فهتك شرجها ~~ثم ولجها وقتله ، فنادى عروة عند ذلك : الجوار الملك فأقبل إليه الناس ، ~~وسمع الأسود الهتاف وعنده امرأة من بني عامر يقال لها : المتجردة ، فشقت ~~جيبها . ففي ذلك يقول عبد الله ابن جعدة : شقت عليك العامرية جيبها ms3075 . . . ~~أسفا وما تبكي عليك ضلالا يا حار لو نبهته لوجدته . . . لا طائشا رعشا ولا ~~معزالا واغرورقت عيناي لما أخبرت . . . بالجعفري وأسبلت إسبالا فلتقتلن ~~بخالد سرواتكم . . . ولنجعلن للظالمين نكالا فإذا رأيتم عارضا متهللا . . . ~~منا فإنا لا نحاول مالا PageV15P0267 # """""" صفحة رقم 268 """""" يوم رحرحان لعامر على تميم ولما هرب الحارث ~~بن ظالم ونبت به البلاد لجأ إلى معبد بن زرارة فأجاره ؛ فقالت بنو تميم ~~لمعبد : ملك أويت هذا المشئوم الأنكد وأغريت بنا الأسود ؟ وخذلوه غير ماوية ~~وبني عبد اله بن دارم . وبلغ الأحوص بن جعفر بن كلاب مكان الحارث بن ظالم ، ~~وأنه عند معبد بن زرارة ، فغزا معبدا فالتقوا برحرحان فانهزمت بنو تميم ~~وأسر معبد بن زرارة ، أسره عامر والطفيل ابنا مالك بن جعفر بن كلاب ، فوفد ~~لقيط بن زرارة عليهما في فدائه فقال لهما : لكما عندي مائتا بعير ، فقالا : ~~أبا نهشل ، أنت سيد الناس ، واخوك معبد سيد مضر فلا تقبل فيه إلا دية ملك ، ~~فأبى أن يزيدهم وقال : إن أبانا أوصانا ألا نزيد أحدا في ديتنا على مائتي ~~بعير ، وقال : لا توكلوا العرب أنفسكم ولا تزيدوا بفدائكم على فداء رجل ~~منكم ، ورحل لقيط عن القوم . قال : فمنعوا معبدا الماء وضاروه حتى مات ~~هزالا . وقيل : بل أبى معبد أن يطعم شيئا أو يشرب حتى مات هزالا . ففي ذلك ~~يقول عامر بن الطفيل : قضينا الجون عن عبس وكانت . . . منية معبد فينا ~~هزالا وقال جرير : وليلة وادي رحرحان رفعتم . . . فرارا ولم تلووا رفيق ~~النعائم تركتم أبا القعقاع في الغل معبدا . . . وأي أخ لم تسلموا للأداهم ~~وقال أيضا : وبرحرحان غداة كبل معبد . . . نكحت فتاتكم بغير مهور ~~PageV15P0268 # """""" صفحة رقم 269 """""" يوم شعب جبلة لعامر وعبس على ذبيان وتميم قال ~~أبو عبيدة معمر بن المثنى : يوم جبلة أعظم أيام العرب ، وذلك أنه لما انقضت ~~وقعة رحرحان جمع لقيط بن زرارة لبني عامر وألب عليهم . وبين يوم رحرحان ~~ويوم جبلة سنة . ويوم جبلة قبل الإسلام بأربعين سنة ، وهو عام مولد رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وكانت بنو ms3076 عبس يومئذ في بني عامر حلفاء لهم ~~، فاستعدى لقيط بني ذبيان لعداوتهم لبني عبس من اجل حرب داحس ، فأجابته ~~غطفان كلها غير بني بدر ، وتجمعت لهم تميم كلها غير بني سعد ، وخرجت معه ~~بنو أسد لحلف كان بينهم وبين غطفان ، ثم أتى لقيط الجون الكندي وهو ملك هجر ~~وكان يحيى من بها من العرب فقال له : هل لك في قوم عادين قد ملأوا الأرض ~~نعما وشاء ، فأرسل فما أصبنا من مال وسبى فلهما ، وما أصبنا من دم فلي ، ~~فأجابه الجون إلى ذلك وجعل له موعدا رأس الحول ، ثم أتى لقط النعمان ابن ~~المنذر فاستنجده وأطعمه في الغنائم ، وكان لقيط وجيها عند الملوك ، فلما ~~كان على قرن الحول من يوم رحرحان أقبلت الجيوش إلى لقيط ، وأقبل سنان بن ~~أبي حارثة المري في غطفان وجاءت بنو أسد ، وأرسل الجون ابنيه معاوية وعمرا ~~، وأرسل النعمان أخاه لأمه حسان بن وبرة الكلبي . فلما توافوا خرجوا إلى ~~بني عامر وقد أنذروا بهم وتأهبوا لهم ، فقال الأحوص بن جعفر ، وهو يومئذ ~~رحى هوازن لقيس بن زهير : ما ترى ؟ فإنك تزعم أنه لم يعرض لك أمران إلا ~~وجدت في أحدهما المخرج فقال قيس بن زهير : الرأي أن نرحل بالعيال والأموال ~~حتى تدخل شعب جبلة فتقاتل القوم دونها من وجه واحد ، فإنهم داخلون عليك ~~الشعب ، وإن لقيطا رجل فيه طيش فيستقحم عليك الجبل ، فأرى أن تأمر بالإبل ~~فلا ترعى ولا تسقى وتعقل ، ثم تجعل الذراري وراء ظهورنا وتأمر بالرجالة ~~فتأخذ بأذناب الإبل ، فإذا دخلوا علينا الشعب حلت الرجالة عقل الإبل ثم ~~لزمت أذنابها فإنها تنحدر عليهم وتحن إلى مراعيها ووردها ، ولا يرد وجوهها ~~شيء ، ويخرج الفرسان في أثر الرجالة الذين خلف الإبل فإنها تحطم ما ~~PageV15P0269 # """""" صفحة رقم 270 """""" لقيت وتقبل عليهم الخيل وقد حطموا من عل . ~~فقال الأحوص : نعم ما رأيت وأخذ برأيه ، وكان مع بني عامر يومئذ بنو عبس ، ~~وغني في بني كلاب ، وباهلة في بني صعب ، والأبناء أبناء صعصعة . وكان رهط ~~المعقر البارقي يومئذ في بني ms3077 نمير بن عامر ، وكانت قبائل بجيلة كلها فيهم ~~غير قيس . قال أبو عبيدة : وأقبل لقيط والملوك ومن معهم فوجدوا بني عامر قد ~~دخلوا شعب جبلة فنزلوا على فمه ، فقال لهم رجل من بني أسد : خذوا من بني ~~أسد : خذوا عليهم فم الشعب حتى يعطشوا ويجوعوا ، فأتوا حتى دخلوا عليهم ~~الشعب ، وكانوا قد عقلوا الإبل وعطشوها ثلاثة أخماس ، وذلك اثنتا عشرة ليلة ~~لم تطعم شيئا ، فلما دنوا حلوا عقلها فأقبلت تهوي ، فظن القوم عند ذلك أن ~~الشعب قد هد عليهم ، والرجالة في آثارها آخذين بأذنابها فدقت كلما لقيت ، ~~فانهزموا لا يلوون على أحد ، وقتل لقيط وأسر حاجب بن زرارة ، أسره ذو ~~الرقيبة ، وأسر سنان بن أبي حارثة المري أسره عروة الرحال ، فجز ناصيته ~~وأطلقه ، واسر عمرو بن أبي عمرو بن عدس ، أسره قيس بن المنتفق ، فجز ناصيته ~~وخلاه طمعا في المكافأة فلم يفعل ، وقتل معاوية بن الجون ومنقذ بن طريف ~~الأسدي ، ومالك بن ربعي بن جندل بن نهشل ، فقال جرير في ذلك : كأنك لم تشهد ~~لفيطا وحاجبا . . . وعمرو بن عمرو إذ دعوا بال دارم ويوم الصفا كنتم عبيدا ~~لعامر . . . وبالحزن أصبحتم عبيد اللهازم يعني بالحزن يوم الوقيط . وقال ~~أيضا في بني دارم : ويوم الشعب قد تركوا لقيطا . . . كأن عليه خملة أرجوان ~~وكبل حاجب بسمام حولا . . . فحكم ذا الرقيبة وهو عاني وقالت دخنتوس أخت ~~لقيط ترثي لقيطا : فرت بنو أسد فرا . . . ر الطير عن أربابها PageV15P0270 # """""" صفحة رقم 271 """""" عن خير خندف كلها . . . من كهلها وشبابها ~~وأتمها حسبا إذا . . . ضمت إلى أحسابها يوم الخريبة وفيه قتل الحارث بن ~~ظالم قال أبو عبيدة : لما قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر الكلابي أتى ~~صديقا له من كندة . فالتف عليه وطلبه الملك فخفى ذكره ، ثم شخص من عند ~~الكندي وأضمرته البلاد حتى استجار بزياد أحد بني عجل بن لجيم ، فقام بنو ~~ذهل بن ثعلبة وبنو عمرو بن شيبان فقالوا لمعجل : اخرجوا هذا الرجل من بين ~~أظهركم فإنه لا طاقة لنا بالشهباء ودوسر ، وهما كتيبتان للأسود ms3078 بن المنذر ، ~~فأبت عجل ذلك عليهم فلما رأى الحارث بن ظالم ذلك كره أن تقع الفتنة بينهما ~~بسببه ، فارتحل من بني عجل إلى جبلي طيء فأجاروه فقال في ذلك : لعمري لقد ~~حلت بي اليوم ناقتي . . . إلى ناصر من طيء غير خاذل فأصبحت جارا للمجرة ~~فيهم . . . على باذخ يعلو يد المتطاول إذا أجأ لفت على شعابها . . . وسلمى ~~فأني أنتم من تناولي فمكث عندهم حينا . ثم إن الأسود بن المنذر لما أعجزه ~~أمره أرسل إلى جارات كن للحارث بن ظالم استاقهن وأموالهن ، فبلغ ذلك الحارث ~~، فخرج من الجبلين فاندس في الناس حتى علم مكان جاراته ومرعى إبلهن فأتاهن ~~واستنقذهن واستاق إبلهن فألحقهن بقومهن . واندس في بلاد عطفان حتى أتى سنان ~~بن أبي حارثة المري وهو أبو هرم بن سنان ممدوح زهير . وكان الأسود بن ~~المنذر قد استرضع ابنه شرحبيل عند سلمى امرأة سنان ، وهي من بني غنم بن ~~دودان بن أسد ، فكانت لا تأمن على ابن الملك أحدا ، فاستعار الحارث بن ظالم ~~سرج سنان ، وهو في ناحية الشربة ، فأتى به سلمى امرأة سنان وقال لها : يقول ~~لك بعلك : ابعثي ابنك مع الحارث فإني أريد أن أستأمن له الملك ، وهذا سرجه ~~لك آية . قال : فزيتته ودفعته إليه ، فأتى به ناحية من الشربة فقتله وهرب ~~من فوره ، وهرب سنان بن أبي حارثة . فلما بلغ الأسود قتل ابنه شرحبيل غزا ~~بني ذبيان فقتل وسبى ، وأخذ الأموال ، وأغار PageV15P0271 # """""" صفحة رقم 272 """""" على بني دودان رهط سلمى ، فقتلهم وسباهم ، ثم ~~وجد بعد ذلك نعلي شرحبيل في جانب الشربة عند بني محارب بن خصفة ، فغزاهم ~~وأسرهم وأحمى لهم الصفا وقال : إني أحذيكم نعالا ، فأمشاهم عليها ، فسقطت ~~أقدامهم . ثم إن سيار بن عمرو بن جابر الفزاري احتمل للأسود دية ابنه ألف ~~بعير ورهنه بها قوسه ، فوفاه بها وقال في ذلك : ونحن رهنا القوس ثمت فوديت ~~. . . بألف على ظهر الفزاري أقرعا بعشر مئين للملوك وفى بها . . . ليحمد ~~سيار بن عمرو فأسرعا قال : ثم هرب الحارث فلحق بمعبد بن زرارة فاستجار ms3079 به ~~فأجاره ، وكان من سببه وقعة رحرحان التي تقدم ذكرها . ثم هرب حتى لحق بمكة ~~وقريش لأنه يقال : إن مرة بن عوف بن سعد بن دبيان إنما هو مرة بن عوف بن ~~لؤي بن غالب ، قتوسل إليهم بهذه القرابة وقال في ذلك : إذا فارقت ثعلبة بن ~~سعد . . . وإخوتهم نسبت إلى لؤي إلى نسب كريم غير وغل . . . وحي من أكارم ~~كل حي فإن يك منهم أصلي فمنهم . . . قوانين الإله بنو قصي فقالوا له : هذا ~~نسب رحم كرشاء إذا استغنيتم عنها أدبرتم . قال : فشخص الحارث عنهم غضبان ~~وقال في ذلك : ألا لستم منا ولا نحن منكم . . . برئنا إليكم من لؤي بن غالب ~~غدونا على نشر الحجاز وأنتم . . . بمنشعب البطحاء بين الأخاشب وتوجه إلى ~~الشام فلحق بيزيد بن عمرو الغساني فأجاره وأكرمه . وكانت ليزيد ناقة محماة ~~، في عنقها مدية وزناد وصرة ملح ، يمتحن بها رعيته لينظر من يجترى عليه ، ~~فوحمت امرأة الحارث فاشتهت شحما فانطلق إلى الناقة فانتحرها وأتاها بشحمها ~~وفقدت الناقة فأرسل إلى الخمس التغلبي ، وكان كاهنا ، فسأله عنها ، فاخبره ~~PageV15P0272 # """""" صفحة رقم 273 """""" أن الحارث صاحبها فهم به الملك ثم تذمم من ~~ذلك ، فأوجس الحارث في نفسه شرا فأتى الخمس التغلبي فقتله ، فلما فعل ذلك ~~دعا به الملك فأمر بقتله ، فقال : إنك قد أجرتني فلا تغدرني ، قال الملك : ~~لا ضير إن غدرت بك مرة فقد غدرت بي مرارا ، وأمر ابن الخمس به فقتله ، وأخذ ~~ابن الخمس سيف الحارث ، فأتى به سوق عكاظ في الأشهر الحرم ، فأراه قيس بن ~~زهير العبسي فضربه به قيس فقتله . ذكر حرب داحس والغبراء وهي من حروب قيس ~~قال أبو عبيدة : حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان ابني بغيض أن ريث بن ~~غطفان . وكان السبب الذي هاجها أن قيس بن زهير وحمل ابن بدر تراهنا على ~~داحس والغبراء أيهما يكون به السبق . وكان داحس محلا لقيس بن زهير . ~~والغبراء حجر لحمل بن بدر ، فتواضعا الرهان على مائة بعير ، وجعلا منتهى ~~الغاية مائة غلوة ، والمضمار أربعين ليلة ، ثم قاداهما ms3080 إلى رأس الميدان بعد ~~أن ضمراهما أربعين ليلة . وكان في طرف الغاية شعاب كثيرة ، فأكمن حمل بن ~~بدر في تلك الشعاب فتيانا على طريق الفرسين وأرمهم إن جاء داحس سابقا أن ~~يردوه عن الغاية ، ثم أرسلوهما ، فلما أحضرا خرجت الأنثى عن الفحل فقال حمل ~~بن بدر : سبقتك ياقيس ، فقال قيس : زويدا يعدوان الجدد إلى الوعث وترشح ~~أعطاف الفحل ، فلما أوغلا عن الجدد وخرجا إلى الوعث برز داحس عن الغبراء ~~فقال قيس : جرى المذكيات غلاب فذهبت مثلا . فلما شارف داحس الغاية ودنا من ~~الفتية وثبوا في وجه داحس فردوه عن الغاية ، ففي ذلك يقول قيس بن زهير : ~~وما لا قيت من حمل بن بدر . . . وإخوته على ذات الإصاد همو فخروا علي بغير ~~فخر . . . وردوا دون غايته جوادي PageV15P0273 # """""" صفحة رقم 274 """""" وثارت الحرب بين عبس وذبيان ابني بغيض ، ~~فركدت أربعين سنة لم تنتج ناقة ولا فرس فيها لاشتغالهم بالحرب . فبعث حذيفة ~~بن بدر ابنه مالكا إلى قيس بن زهير يطلب منه حق السبق ، فقال قيس : كلا لا ~~مطلتك به ، ثم أخذ الرمح فطعنه فدق صلبه ، ورجعت فرسه غائرة ، واجتمع الناس ~~فحملوا دية مالك ناقة عشراء وزعموا أن الربيع بن زياد العبسي حملها وحده ~~فقبضها حذيفة وسكن الناس . ثم إن مالك بن زهير نزل اللقاطة من أرض الشربة ~~فأخبر حذيفة بمكانه ، فعدا عليه فقتله ، ففي ذلك يقول عنترة : فلله عينا من ~~رأى مثل مالك . . . عقيرة قوم أن جرى فرسان فليتهما لم يجريا قيد غلوة . . ~~. وليتهما لم يرسلا لرهان فقالت بنو عبس : مالك بن زهير بمالك بن حذيفة ~~وردوا علينا مالنا ، فأبى حذيفة أن يرد شيئا ، وكان الربيع بن زياد مجاورا ~~لبني فزارة . قال : فلما قتل مالك بن زهير جعل بنو فزارة يتساءلون ويقولون ~~: ما فعل حماركم ؟ قالوا : صدناه ، فقال لهم الربيع : ما هذا الوحي ؟ قالوا ~~: قتلنا مالك ابن زهير ، قال : بئس ما فعلتم بقومكم قبلتم الدية ورضيتم بها ~~ثم غدرتم فقالوا : لولا أنك جارنا لقتلناك ، وكانت خفرة الجار ثلاثا ، ~~فقالوا له : بعد ثلاث ms3081 ليال أخرج عنا ، فخرج واتبعوه فلم يلحقوه حتى لحق ~~بقومه ، وأتاه قيس بن زهير فعاقده . ثم نهضت بنو عبس وحلفاؤهم بنو عبد الله ~~بن غطفان إلى بني فزارة وذبيان ورئيسهم الربيع بن زياد ورئيس بني فزارة ~~حذيفة بن بدر ، يوم المريقب لبني عبس على بني ذبيان فالتقوا بذي المريقب من ~~أرض الشربة فاقتتلوا ، فكانت الشوكة في بني فزارة قتل منهم عوف بن بدر بن ~~عمرو بن أبي الحصين ، أحد بني عدي بن فزارة وجماعة كثيرة . وفي هذه الوقعة ~~يقول عنترة الفوارس : ولقد علمت إذ التقت فرسانها . . . يوم المريقب أن ظنك ~~أحمق PageV15P0274 # """""" صفحة رقم 275 """""" يوم ذي حسي لذبيان على عبس ثم إن ذبيان تجمعت ~~لما أصابت بنو عبس منهم يوم المريقب فزارة بن ذبيان ومرة بن عوف بن سعد بن ~~ذبيان وأحلافهم ، فنزلوا فتوافوا بذي حسي ، وهو وادي الصفا من ارض الشربة ، ~~فهزمت بنو عبس وخافت ألا تقوم بجماعة بني ذبيان واتبعوهم حتى لحقوهم ، ~~فقالوا : التفاني أو تقيدونا ، فأشر قيس بن زهير على الربيع بن زياد إلا ~~يناجزهم ، وأن يعطوهم رهائن من أبنائهم حتى ينظروا في أمرهم ، فتراضوا أن ~~يكون رهنهم عند سبيع بن عمرو أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان ، فدفعوا إليه ~~ثمانية من الصبيان ، فانصرفوا وتكافأ الناس ، فمكث رهنهم عند سبيع حتى ~~حضرته الوفاة ، فقال لابنه مالك بن سبيع : إن عندك مكرمة لا تبيد إن أنت ~~احتفظت بهؤلاء الأغيلمة ، وكأني بك لومت قد أتاك خالك حذيفة بن بدر فعصر لك ~~عينيه وقال : هلك سيدنا ثم خدعك عنهم حتى تدفعهم إليه فيقتلهم ، فلا تشرف ~~بعدها أبدا ، فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم . فلما هلك سبيع أطاف حذيفة ~~بابنه مالك وخدعه حتى دفعهم إليه ، فأتى بهم اليعمرية ، فجعل يبرز كل يوم ~~غلاما فينصبه غرضا ويقول له : ناد أباك ، فينادي حتى يقتله . يوم اليعمرية ~~لعبس على ذبيان قال : فلما بلغ ذلك من فعله بني عبس أتوهم باليعمرية فلقوهم ~~بحرتها فقتلوا منهم اثني عشر رجلا ، منهم مالك بن سبيع الذي ms3082 نبذ بالغلمة ~~إلى حذيفة ، وأخوه يزيد بن سبيع ، وعامر بن لوذان ، والحارث بن زيد ، وهرم ~~بن ضمضم أخو حصين . ويقال ليوم اليعمرية : يوم ذي نفر لأنهما متجاوران . ~~PageV15P0275 # """""" صفحة رقم 276 """""" يوم الهباءة لعبس على ذبيان قال : ثم اجتمعوا ~~فالتقوا في يوم قائظ إلى جنب جفر الهباءة واقتتلوا من أول النهار إلى أن ~~انتصف ، وحجز الحر بينهم ، وكان حذيفة بن بدر يحرق فخذيه الركض ، فقال قيس ~~بن زهير : يابني عبس ، إن حذيفة غدا إذا احتدمت الوديقة مستنقع في جفر ~~الهباءة فعليكم بها ، فخرجوا حتى وقعوا على أثر صارف : فرس حذيفة ، ~~والحيفاء : فرس حمل بن بدر ، فقفوا أثرهما حتى توافوا مع الظهيرة على ~~الهباءة ، فبصر بهم حمل بن بدر فقال : هذا قيس بن زهير قد أتاكم ، فوقف قيس ~~وأصحابه على جفر الهباءة وهو يقول : لبيكم لبيكم يعني أجابه الصبية الذين ~~كانوا ينادونهم إذ يقتلون وفي الجفر حذيفة وحمل وبدر ومالك بنو بدر ، ~~وورقاء بن بلال من بني ثعلبة بن سعد . وحنش بن عمرو ، فوقف عليهم شداد بن ~~معاوية العبسي ، فحال بينهم وبين حيلهم ، ثم توافت فرسان بني عبس فقال حمل ~~: ناشدتك بالرحم يا قيس ، فقال : لبيكم لبيكم فعرف حذيفة أنه لن يدعهم ~~فانتهر حملا فقال : إياك والمأثور من الكلام ، فذهبت مثلا ، وقال لقيس : ~~لئن قتلتني لا تصلح غطفان بعدها أبدا فقال : أبعدها الله ولا أصلحها ، ~~وجاءه قرواش بمعبلة فقضم صلبه ، وقتل الربيع بن زياد حمل بن بدر ، فقال قيس ~~بن زهير يرثيه : تعلم أن خير الناس ميت . . . على جفر الهباءة ما يريم ~~ولولا ظلمه ما زلت أبكي . . . عليه الدهر ما بدت النجوم ولكن الفتى حمل بن ~~بدر . . . بغي والبغي مرتعه وخيم أظن الحلم دل على قومي . . . وقد يستجهل ~~الرجل الحليم ومارست الرجال وما رسوني . . . فمعوج وآخر مستقيم ومثلوا ~~بحذيفة بن بدر كما مثل بالغلمة ، فقطعوا مذاكيره وجعلوها في فيه وجعلوا ~~لسانه في استه ، ففي ذلك يقول قائلهم : فإن قتيلا بالهباءة في استه . . . ~~صحيفته إن عاد للظلم ظالم متى تقراوها من ضلالكم . . . وتعرف ms3083 إذا ما فض ~~عنها الخواتم PageV15P0276 # """""" صفحة رقم 277 """""" وقال عمرو بن الأسلع : إن السماء وإن الأرض ~~شاهدة . . . والله يشهد والإنسان والبلد أني جزيت بني بدر بسعيهم . . . على ~~الهباءة قتلا ما له قود لما التقينا على أرجاء جمتها . . . والمشرفية في ~~أيماننا تقد علوته بحسام ثم قلت له : . . . خذها حذيف فأنت السيد الصمد ~~فلما أصيب أهل الهباءة واستعظمت غطفان قتل حذيفة ، تجمعوا ، وعرفت بنو عبس ~~أن ليس لهم مقام بأرض غطفان ، فخرجوا إلى اليمامة فنزلوا بأخوالهم من بني ~~حنيفة ، ثم رحلوا عنهم فنزلوا ببني سعد ين زيد مناة . يوم الفروق لبني عبس ~~ثم إن بني عبس غدروا بجوارهم فأتوا معاوية بن الجون فاستجاسوا عليهم ~~وأرادوا أكلهم ، قبلغ ذلك بني عبس فقروا ليلا ، وقدموا ظعنهم ، ووقفت ~~فرسانهم بموضع يقال له الفروق ، وأغارت بنو سعد ومن معهم من جنود الملك على ~~محلتهم فلم يجدوا إلا مواقد النيران فاتبعوهم حتى أتوا الفروق ، فإذا ~~بالخيل والفرسان وقد تواترت الظعن عنهم ، فانصرفوا عنهم ؛ ومضى بنو عبس ~~فنزلوا ببين ضبة فأقاموا فيهم . وكان بنو حذيفة من بني عبس يسمون بني رواحة ~~، وبنو بدر من فزارة يسمون بني سودة ، ثم رجعوا إلى قومهم وصالحوهم ، فكان ~~أول من سعى في الحمالة حرملة بن الأشعر بن صرمة بن مرة ، فمات ، فسعى فيها ~~ابنه هاشم ين حرملة ، وإليه أشار الشاعر : أحيا أباه هاشم بن حرملة . . . ~~يوم الهباءتين ويوم اليعملة ترى الملوك حوله مرعبلة . . . يقتل ذا الذنب ~~ومن لا ذنب له يوم قطن فلما توافوا للصلح وقفت بنو عبس بقطن وأقبل حصين بن ~~ضمضم فلقى تيجان أحد بني مخزوم بن مالك فقتله بأبيه ضمضم . وكان عنترة بن ~~شداد العبسي قتله بذي المريقب ، فأشارت بنو عبس وحلفاؤهم بنو عبد الله بن ~~غطفان وقالوا : لا نصالحكم PageV15P0277 # """""" صفحة رقم 278 """""" ما بل البحر صوفة وقد غدرتم بنا غير مرة ، ~~وتناهض الناس : عبس وذبيان ، فالتقوا بقطن يومئذ عمرو بن الأسلع عتبة ، ثم ~~سفرت السفراء ، بينهم ، وأتى خارجة بن سنان أبا تيجان بابنه فدفعه إليه ~~وقال : في هذا ms3084 وفاء من ابنك فأخذه فكان عنده أياما ثم حمل خارجة لأبي تيجان ~~مائة بعير فأداها إليه واصطلحوا وتعاقدوا . يوم غدير قلهى قال أبو عبيدة : ~~فاصطلح الحيان إلا بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان ، فإنهم أبوا ذلك وقالوا : لا ~~نرضى حتى يودوا قتلانا أو يهدر دم من قتلها ، فخرجوا من قطن حتى وردوا غدير ~~قلبي ، فسبقتهم بنو عبس إلى الماء فمنعوهم حتى كادوا يموتون عطشا ، فأصلح ~~بينهم عوف ومعقل ابنا سبيع من بني ثعلبة وإياهما يعني زهير بقوله : ~~تداركتما عبسا وذبيان بعدما . . . تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم فوردوا حربا ~~وخرجوا عنه سلما . تم خبر داحس والغبراء . يوم الرقم لغطفان على بني عامر ~~غزت بنو عامر فأغاروا على بلاد غطفان بالرقم - وهو ماء لبني مرة - وعلى بني ~~عامر : عامر بن الطفيل - ويقال يزيد بن الصعق - فركب عتبة بن حصين في بني ~~فزارة ، ويزيد بن سنان في بني مرة - ويقال الحارث بن عوف - فانهزمت بنو ~~عامر ، فزعمت غطفان أنهم أصابوا من بني عامر يومئذ أربعة وثمانين رجلا ، ~~فدفعوهم إلى أهل بيت من أشجع ، كانت بنو عامر قد أصابوا فيهم ، فقتلوهم ~~أجمعين . وانهزم الحكم بن الطفيل في نفر من أصحابه ، فيهم خوات بن كعب حتى ~~انتهوا إلى ماء يقال له : المرورات ، فقطع العطش أعناقهم فماتوا ، وخنق ~~الحكم ابن الطفيل نفسه مخافة المثلة ، فقال في ذلك عروة بن الورد : عجبت ~~لهم إذ يخنقون نفوسهم . . . ومقتلهم تحت الوغى كان أعذرا PageV15P0278 # """""" صفحة رقم 279 """""" يوم النتاءة لعبس على بن عامر يقال : خرجت ~~بنو عامر تريد أن تدرك بثأرها يوم الرقم ، فهجموا على عبس بالنتاءة وقد ~~أنذروا بهم ، فالتقوا ، وكان على بني عامر : عامر بن الطفيل ، وعلى بني عبس ~~. الربيع بن زياد ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزمت بنو عامر ، وقتل منهم ~~هزار بن مرة ، قتله الأحنف بن مالك ، ونهشل بن عبيدة بن جعفر ، قتله أبو ~~زغبة ابن حارث وعبد الله بن أنس بن خالد ، وهزمت بنو عامر هزيمة قبيحة . ~~يوم شواحط لبني محارب على بني عامر غزت سرية من ms3085 بني عامر بن صعصعة بلاد ~~غسان ، فأغاروا على بابل لبني محارب بن خصفة ، فأدركهم الطلب ، فقتلوا من ~~كلاب تسعة نفر وارتدوا إبلهم فلما رجعوا وثبت بنو كلاب على جسر - وهم من ~~بني محارب ، وكانوا حاربوا إخوتهم ، فخرجوا من عندهم فخالفوا بني عامر بن ~~صعصعة - فقالوا : نقتلهم بقتل بني محارب من قتلوا منا ، فقام خداش بن زهير ~~دونهم حتى منعهم من ذلك وقال : أيا راكبا إما عرضت فبلغن . . . عقيلا وأبلغ ~~إن لقيت أبا بكر فيا أخوينا من أبينا وأمنا . . . إليكم لا سبيل إلى جسر ~~دعوا جانبي إني سأترك جانبا . . . لكم واسعا بين اليمامة والقهر أنا فارس ~~الضحياء عمرو بن عامر . . . أبى الذم واختار الوفاء على الغدر يوم حوزة ~~الأول لسليم على غطفان قال أبو عبيدة . كان بين معاوية بن عمرو بن الشريد ~~وبين هاشم بن حرملة أحد بني مرة - مرة غطفان - كلام بعكاظ ، فقال معاوي : ~~والله لوددت أني قد سمعت PageV15P0279 # """""" صفحة رقم 280 """""" بظعائن يندبنك ، فقال هاشم : والله لوددت أني ~~قد بريت الرطبة - وهي جمة معاوية ، وكانت الدهر تنظف ماء ودهنا وإن لم تدهن ~~- فلما كان بعد حين تهيأ معاوية ليغزو هاشما ، فنهاه أخوه صخر ، فأبى ~~وغزاهم يوم حوزة ، فرآه هاشم ابن حرملة قبل أن يراه معاوية ، وكان هاشم ~~ناقها من مرض أصابه ، فقال لأخيه دريد بن حرملة : إن هذا إن رآني لم آمن أن ~~يشد علي ، وأنا حديث عهد بشكية ، فاستطرد له دوني حتى تجعله بيني وبينك ، ~~ففعل ، فحمل عليه معاوية وأردفه هاشم ، فاختلفا طعنتين فأردى معاوية هاشما ~~عن فرسه الشماء ، وأنفذها هاشم سنانه عن عانة معاوية ، وكر عليه دريد وظنه ~~قد أردى هاشما ، فضرب معاوية بالسيف فقتله ، وشد خفاف بن عمرو على مالك بن ~~حمار الفزاري فقتله . قال : وغارت الشماء فرس هاشم حتى دخلت في جيش بني ~~سليم فأخذوها وظنوا أنها فرس الفزاري الذي قتله خفاف ، ورجع الجيش ، فلما ~~دنوا من صخر أخي معاوية قال لهم : ما صنع معاوية ؟ قالوا قتل قال : فما هذه ~~الفرس ؟ قالوا : قتلنا صاحبها قال ms3086 : إذا قد أردكتم ثأركم ، هذه فرس هاشم بن ~~حرملة . قال : فلما دخل رجب ركب صخر بن عمرو الشماء صبيحة يوم حرام ، فأتى ~~بني مرة ، فلما رأوه قال لهم هاشم : هذا صخر فحيوه وقولوا له خيرا ، وهاشم ~~مريض من الطعنة التي طعنه معاوية ، فقال : من قتل أخي ؟ فسكتوا ، فقال : ~~لمن هذه الفرس التي تحتي ؟ فسكتوا . فقال هاشم : هلم أبا حسان إلى من يخبرك ~~قال : من قتل أخي ؟ فقال هاشم : إذا أصبتني أو دريدا فقد أصبت ثأرك فقال : ~~هل كفنتموه ؟ قال : نعم ، في بردين : أحدهما بخمس وعشرين بكرة وأروه قبره ، ~~فلما رأى القبر جزع عنده ثم قال : كأنكم ما رأيتم من جزعي ، فوالله ما بت ~~منذ عقلت إلا واترا أو موتورا ، وطالبا أو مطلوبا حتى قتل معاوية ، فما ذقت ~~طعم نوم بعده . يوم حوزة الثاني قال : ثم غزا صخر فلما دنا منهم مضى على ~~الشماء ، وكانت غراء محجلة ، فسود غرتها وتحجيلها ، فلما رأته بنت هاشم ~~قالت لعمها دريد : أين PageV15P0280 # """""" صفحة رقم 281 """""" الشماء ؟ قال : هي في بني سليم . قالت : ما ~~أشبهها بهذه الفرس فقال : هذه والشماء غراء محجلة ، ثم اضطجع فلم يشعر حتى ~~طعنه صخر ، قال : فثاروا وتناذروا ، وولى صخر وطلبته غطفان عامة يومها ، ~~وعارض دونه أبو شجرة بن عبد العزي ، وكانت أمه خنساء أخت صخر ، صخر خاله ، ~~فرد الخيل عنه أراح فرسه ونجا إلى قومه ، فقال خفاف بن ندبة لما قتل معاوية ~~: قتلني الله إن برحت من مكاني حتى أثار به فشد على مالك سيد بني شمخ فقتله ~~، وقال صخر في قتله دريدا : ولقد دفعت إلى دريد طعنة . . . نجلاء تزغل مثل ~~غط المنخر ولقد قتلتكم ثناء وموحدا . . . وتركت مرة مثل أمس الدابر قال أبو ~~عبيدة : وأما هاشم بن حرملة فإنه خرج منتجعا فلقيه عمرو بن قيس الجشمي ، ~~فتبعه وقال : هذا قاتل معاوية ، لا وألت نفس إن وأل ، فلما دنا منه أرسل ~~عليه معبلة ففلق قحفه فقتله . يوم ذات الإثل قال أبو عبيدة : ثم غزا صخر بن ~~عمرو بن الشريد بني أسد ms3087 بن خزيمة فاكتسح إبلهم ، فأتى الصريخ بني أسد ، ~~فركبوا حتى تلاحقوا بذات الأثل ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فطعن ربيعة الأسدي ~~صخرا في جنبه وفات القوم بالغنيمة ، ومرض صخر من الطعنة قريبا من الحول حتى ~~مله أهله ، فسمع امرأة من جاراته تسال سلمى امرأته : كيف بعلك ؟ قالت : لا ~~حي فيرجى ، ولا مبت فينسى ، لقد لقينا منه الأمرين وكانت أمه إذا سئلت عنه ~~تقول : أرجو له العافية إن شاء الله فقال في ذلك : أرى أم صخر لا تمل ~~عيادتي . . . وملت سلمى مضجعي ومكاني فأي امرئ ساوى بأم حليلة . . . فلا ~~عاش إلا في أذى وهوان وما كنت أخشى أن أكون جنازة . . . عليك ومن يغتر ~~بالحدثان PageV15P0281 # """""" صفحة رقم 282 """""" لعمري لقد نبهت من كان نائما . . . وأمسعت من ~~كانت له أذنان أهم بأمر الحزم لو أستطيعه . . . وقد حيل بين العير والنزوان ~~قال : فلما طال عليه البلادء - وقد نتأت قطعة من جنبه مثل اليد في موضع ~~الطعنة - قالوا له : لو قطعتها لرجونا أن تبرأ ، فقال شأنكم فقطعوها فمات ، ~~فقالت أخته الخنساء ترثيه : وقائلة والنعش قد فات خطوها . . . لتدركه يا ~~لهف نفسي على صخر ألا ثكلت أم الذين غدوا به . . . إلى القبر ماذا يحملون ~~إلى القبر يوم اللوى لغطفان على هوازن قال أبو عبيدة : غزا عبد الله بن ~~الصمة - واسم الصمة : معاوية الأصغر - من بني غزية بن جشم بن معاوية بن بكر ~~بن هوازن - وكان لعبد الله ثلاثة أسماء وثلاث كنى ، فاسمه : عبد اله ، ~~وخالد ، ومعبد ، وكنيته أبو فرعان ، وأبو دفافة ، وأبو وفاء ، وهو أخو دريد ~~بن الصمة لأبويه - فأغار على غطفان فأصاب منهم إبلا عظيمة فاطردها ، فقال ~~له أخوه دريد : النجاء فقد ظفرت ، فأبى عليه وقال : لا أبرح حتى أنتقع ~~نقيعتي - والنقيعة : ناقة ينحرها من وسط الإبل فيصنع منها طعاما لأصحابه ، ~~ويقسم ما أصاب عليهم - فأقام وعصى أخاه ، فتبعته فزارة فقاتلوه وهو بمكان ~~يقال له اللوى ، فقتل عبد الله ، وارتث وعصى أخاه ، فتبعته فزارة فقاتلوه ~~وهو بمكان يقال له اللوى ، فقتل عبد الله ، وترتث دريد فبقي في ms3088 القتلى ، ~~فلما كان في بعض الليل أتاه فارسان ، فقال أحدهما لصاحبه : إني أرى عينية ~~تبص ، فأنزل فانظر إلى سبته ، فنزل فكشف ثوبه فإذا هي ترمز ، فطعنه ، فخرج ~~دم قد احتقن . قال دريد : فأفقت عندها ، فلما جاوزوا نهضت ، فما شعرت إلا ~~وأنا بين عرقوبي جمل امرأة من هوازن ، فقالت : من أنت ؟ أعوذ بالله من شرك ~~قلت : لا ، بل من أنت ؟ ويلك قالت : امرأة من هوازن سيارة . قلت : وأنا من ~~هوازن ، أنا دريد بن الصمة . قال : وكانت في قوم مختارين لا يسعرون بالوقعة ~~، فضمته وعالجته حتى أفاق . PageV15P0282 # """""" صفحة رقم 283 """""" يوم الظعينة بين دريد بن الصمة وربيعة بن ~~مكدم قال أبو حاتم عن أبي عبيدة قال : خرج دريد بن الصمة في فوارس من بني ~~جشم حتى إذا كانوا في واد يقال له : الأخرم ، وهم يريدون الغارة على بني ~~كنانة ، إذ رفع له رجل في ناحية الوادي ومعه ظعينة ، فلما نظر إليه قال ~~لفارس من أصحابه : صح به : خل الظعينة وانج بنفسك ، فانتهى إليه الفارس ، ~~فصاح به وألح عليه ، فألقى زمام الراحلة وقال للظعينة : سيري على رسلك سير ~~الآمن . . . سير رداح ذات جأش ساكن إن انثنائي دون قرني شاءني . . . أبلى ~~بلائي واخبري وعايتي ثم حمل عليه فصرعه واخذ فرسه وأعطاه للظعينة ، فبعث ~~دريد فارسا آخر لينظر ما صنع صاحبه ، فلما انتهى إليه ورآه صريعا صاح به ~~فتصام عنه ، فظن أنه لم يسمع ، فغشيه ، فألقى زمام الراحلة إلى الظعينة ~~ورجع وهو يقول : خل سبيل الحرة المنيعة . . . إنك لاق دونها ربيعه في كفه ~~خطية مطيعه . . . أو لا فخذها طعنة سريعه والطن من في الوغى شريعة ثم حمل ~~عليه فصرعه ، فلما أبطأ على دريد بعث فارسا ثالثا لينظر ما صنعا ، فلما ~~انتهى إليهما رآهما صريعين ونظر إليه يقود ظعينته ويجر رمحه ، فقال له : خل ~~سبيل الظعينة ، فقال للظعينة : اقصدي قصد البيوت ، ثم أقبل عليه فقال : ما ~~ذا تريد من شتيم عابس . . . ألم تر الفارس بعد الفارس أرداهما عامل رمح ~~يابس PageV15P0283 # """""" صفحة رقم 284 """""" ثم حمل عليه ms3089 فصرعه وانكسر رمحه ، وارتاب دريد ~~وظن أنهم قد أخذوا الظعينة وقتلوا الرجل ، فلحق ربيعة وقد دنا من الحي ، ~~فوجد أصحابه قد قتلوا ، فقال : أيها الفارس ، إن مثلك لا يقتل ، ولا أرى ~~معك رمحا والخيل ثائرة بأصحابها ، فدونك هذا الرمح فإني منصرف إلى أصحابي ~~فمثبطهم عنك ، فانصرف دريد وقال لأصحابه : إن فارس الظعينة قد حماها وقتل ~~فرسانكم وانتزع رمحي ، ولا مطمع لكم فيه فانصرفوا ، فانصرف القوم ، فقال ~~دريد : ا إن رأيت ولا سمعت بمثله . . . حامي الظعينة فارسا لم يقتل أردى ~~فوارس لم يكونوا نهزة . . . ثم استمر كأنه لم يفعل متهللا تبدو أسرة وجهه . ~~. . مثل الحسام جلته كف الصيقل يزجي ظعينته ويسحب رمحه . . . متوجها يمناه ~~نحو المنزل وترى الفوارس من مخافة رمحه . . . مثل البغاث خشين وقع الأجدل ~~يا ليت شعري من أبوه وأمه . . . يا صاح من يك مصله لا يجهل وقال ربيعة بن ~~مكدم : إن كان ينفعك اليقين فسائلي . . . عني الظعينة يوم وادي الاخرم إذ ~~هي لأول من أتاها نهبه . . . لولا طعان ربيعة بن مكدم غذ قال لي أدنى ~~الفوارس ميتة . . . خل الظعينة طائعا لا تندم فصرفت راحلة الظعينة نحوه . . ~~. عمدا ليعلم بعض ما لم يعلم وهتكت بالرمح الطويل إهابه . . . فهوى صريعا ~~لليدين وللفم ومنحت آخر بعده جياشه . . . نجلاء فاغرة كشدق الأصجم ولقد ~~شفعتهما بآخر ثالث . . . وأبى الفرار لي الغداة تكرمي ثم لم تلبث بنو كنانة ~~أن أغارت على بني جشم ، فقتلوا وأسروا دريد بن الصمة فأخفى نفسه ، فبينما ~~هو عندهم محبوس إذ جاءه نسوة تتهادين إليه . فصرخت إحداهن وقالت : هلكتم ~~وأهلكتم ما جر علينا قومنا هذا والله الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة ثم ~~ألقت عليه ثوبها وقالت : ياآل فراس ، أنا جارة له منكم ، هذا صاحبنا يوم ~~الوادي فسألوه : من هو ؟ فقال : أنا دريد بن الصمة فمن صاحبي ؟ قالوا : ~~ربيعة بن مكدم ، PageV15P0284 # """""" صفحة رقم 285 """""" قال : فما فعل ؟ قالوا : قلته بنو سليم قال : ~~فما فعلت الظعينة ؟ قالت المرأة : أنا هيه ، وأنا امرأته ، فحبسه القوم ~~وآمروا أنفسهم ، فقال بعضهم ، لا ينبغي لدريد ms3090 أن تكفر نعمته على صاحبنا ~~وقال آخرون : والله لا يخرج من أيدينا إلا برضا المخارق الذي أسره ، ~~فانبعثت المرأة في الليل . وهي ريطة أنت جذل الطعان ، تقول : سنجزي دريدا ~~عن ربيعة نعمة . . . وكل امرئ يجزي بما كان قدما فإن كان خيرا كان خيرا ~~جزاؤه . . . وإن كان شرا كان شرا مدمما سنجزيه نعمي لم تكن بصغيرة . . . ~~بإعطائه الرمح الطويل المقوما فقد أدركت كفاه فينا جزاءه . . . وأهل بأن ~~يجزي الذي كان أنعما فلا تكفروه حق نعماه فيكم . . . ولا تركبوا تلك التي ~~تملأ القما فلو كان حيا لم يضق بثوابه . . . ذراعا غنيا كان أو كان معدم ~~ففكوا دريدا من إسار مخارق . . . ولا تجعلوا البؤسى إلى الشر سئما فلما ~~أصبحوا أطلقوه ، فسكته وجهزته ولحق بقومه ، فلم يزل كافا عن غزو بني فراس ~~حتى هلك . يوم الصلعاء لهوازن على غطفان قال : فلما كان في العام المقبل ~~غزاهم دريد بن الصمة بالصلعاء ، فخرجت إليه غطفان فقال دريد لصاحبه : ما ~~ترى ؟ قال : أرى خيلا عليها رجال كأنهم الصبيان ، أنتها عند آذان خيلها . ~~قال : هذه فزارة ، ثم قال : أنظر ما ترى ؟ قال : أرى قوما كأن عليهم ثيابا ~~غمست في لجاب المعزى ، قال : هذه أشجع ، قم قال : انظر ما ترى ؟ قال : أرى ~~قوما يجرون رماحهم سودا ، يخدون الأرض بأقدامهم ، قال : هذه PageV15P0285 # """""" صفحة رقم 286 """""" عبس ، أتاكم الموت الزؤام فاثبتوا ، فالتقوا ~~بالصلعاء فاقتتلوا ، فكان الظفر لهوازن على غطفان ، وقتل دريد ذؤاب بن زيد ~~بن قارب . ذكر حرب قيس وكنانة يوم الكديد لسليم على كنانة فيه قتل ربيعة بن ~~مكدم فارس بني كنانة ، وهو من بني فراس بن غنم بن مالك ابن كنانة ، وهم ~~أنجد العرب ، كان الرجل منهم يعدل بعشرة من غيرهم ، وكان ربيعة بن مكدم ~~يعقر على قبره في الجاهلية ، ولم يعقر على قبر أحد غيره ، وقتلته بنو سليم ~~يوم الكديد ، ولم يحضر يوم اديد أحد من بني الشريد . يوم فزارة لكنانة على ~~سليم قال أبو عبيدة : لما قتلت بنو سليم ربيعة بن مكدم فارس كنانة ورجعوا ، ~~قاموا ما ms3091 شاء الله ، ثم إن ذا التاج مالك بن خالد بن صخر بن الشريد - واسم ~~الشريد عمرو ، وكانت بنو سليم قد تؤجوا مالكا وأمروه عليهم - فغزا بني ~~كنانة ، فأغار على بني فراس ببزرة ، ورئيس بني فراس عبد الله بن جذل ، فدعا ~~عبد الله إلى البراز ، فبرز إليه هند بن خالد بن صخر بن الشريد ، فقال له ~~عبد الله : من أنت ؟ قال : أنا هند بن خالد ، قال عبد الله ؛ أخوك أسن منك ~~، يريد مالك ابن خالد ، فرجع فأخبر أخاه ، فبرز له ، فشد عبد الله على مالك ~~بن خالد فقتله ، فبرز إليه أخوه كرز بن خالد بن صخر ، فشد عليه عبد الله ~~أيضا فقتله ، فشد عليه أخوهما عمرو بن خالد بن صخر ، فتجالدا طعنتين ، فجرح ~~كل واحد منهما صاحبه وتحاجزا . يوم الفيفاء لسليم على كنانة قال أبو عبيدة ~~: ثم إن بني الشريد حرموا على أنفسهم النساء والدهن أو يدركوا ثأرهم من ~~كنانة ، فغزا عمرو بن خالد بن صخر بن الشريد بقومه حتى أغار على بني فراس ، ~~فقتل منهم نفرا ؛ منهم : عاصم بن المعلي ، ونضلة ، والمعارك ، وعمرو ابن ~~PageV15P0286 # """""" صفحة رقم 287 """""" مالك ، وحصن ، وشريح ؛ وسبى سبيا فيهم ابنة ~~مكدم أخت ربيعة ، فقال عباس بن مرداس في ذلك : ألا أبلغن عني ابن جذل وهطه ~~. . . فكيف طلبناكم بكرز ومالك غداة فجعناكم بحصن وبابنه . . . وبابن ~~المعلى عاصم والمعارك ثمانية منهم ثأرناهم به . . . جميعا وما كانوا بواء ~~بمالك نذيقكم والموت يبني سرادقاعليكم شبا حد السيوف البواتك تلوح بأيدينا ~~كما لاح بارق . . . تلألأ في داج من الليل حالك ذكر حرب قيس وتميم يوم ~~السؤبان لبني عامر على بني تميم قال أبو عبيدة : أغارت بنو عامر على بني ~~تميم وضبة فاقتتلوا ، ورئيس ضبة حسان بن وبرة ، وهو أخو النعمان بن المنذر ~~لأمه ، فأسره يزيد بن الصعق ، وانهزمت تميم ؛ فلما رأى ذلك عامر بن مالك بن ~~جعفر حسده ، فشد على ضرار بن عمرو الضبي ، وهو الرديم ، فقال لابنه : إذا ~~هم أغنه عني ، فشد عليه فطعنه ، فتحول عن سرجه إلى جنب أبدانه ms3092 ، ثم لحقه ، ~~فقال لأحد بنيه : أغنه عني ؛ ففعل مثل ذلك ، ثم لحقه ، فقال لابن له آخر ، ~~ففعل مثل ذلك ، فقال : ما هذا إلا ملاعب الأسنة فسمى عامر من يومئذ ملاعب ~~الأسنة فلما دنا منه قال له ضرار : إني لأعلم ما تريد ، أتريد PageV15P0287 # """""" صفحة رقم 288 """""" اللبب ؟ قال نعم قال : إنك لن تصل إلي ومن ~~هؤلاء عين تطرف ، كلهم بنو عامر ، قال له عامر : فأحلني على غيرك ، فدله ~~على حبيش بن الدلف وقال : عليك بذلك الفارس ، فشد عليه فأسره ، فلما رأى ~~سواده وقصره ، جعل يتفكر ، وخاف ابن الدلف أن يقتله ، فقال : ألست تريد ~~البب ؟ قال : فأني لك به ، وفادى حسان بن وبرة نفسه من يزيد بن الصعق بألف ~~بعير ، فداء الملوك فكثر مال يزيد ونبه . قال أبو عبيدة : ثم أغار بعد ذلك ~~يزيد بن الصعق على عصافير النعمان بذي لبان ، وذو لبان : عن يمين العرنيين ~~. يوم أقرن لبني عبس على بني دارم قال : غزا عمرو بن عدس من بني دارم ، وهو ~~فارس بني مالك بن حنظلة ، فأغار على بني عبس ، فأخذ إبلا ونساء ثم أقبل ، ~~حتى إذا كان أسفل من ثنية أقرن نزل فابتنى بجارية من السبي ولحقه الطلب ~~فاقتتلوا ، فقتل أنس الفوارس بن زياد العبسي عمرا : وانهزمت بنو مالك بن ~~حنظلة ، وقتلت بنو عبس أيضا حنظلة بن عمرو - وقال بعضهم : قتل في غير هذا ~~اليوم - وارتدوا ما كان في أيدي بني مالك . يوم المروت لبني العنبر على بني ~~قشير أغار بحير بن سلمة بن قشير على بني العنبر بن عمرو بن تميم ، فأتى ~~الصريخ بني عمرو بن تميم حتى لحقوه وقد نزل المروت ، وهو يقسم المرباع ~~ويعطي من معه ، فتلاحق القوم واقتتلوا ، فطعن قعنب بن عتاب المثلم بن عامر ~~القشيري فصرعه فأسره ، وحمل الكدام ، وهو يزيد بن أويهر المازني على بجير ~~بن سلمة فطعنه فأرداه عن فرسه ، ثم أسره ، فأبصره قعنب بن عتاب ، فحمل عليه ~~بالسيف فضربه فقتله ، وانهزم بنو عامر . يوم دارة مأسل لتميم على قيس غزا ~~عتبة بن ms3093 ستير بن خالد الكلابي بني ضبة ، فاستاق نعمهم ، وقتل حصين ~~PageV15P0288 # """""" صفحة رقم 289 """""" ابن ضرار الضبي زيد الفوارس ، فجمع أبوه ضرار ~~قومه وخرج ثائرا بابنه حصين ، وزيد الفوارس يومئذ حدث لم يدرك ، فأغار على ~~بني عمرو بن كلاب ، وأفلت منه عتبة بن شتير وأسر أباه شتير بن خالد وكان ~~شيخا كبيرا ، فأتى به قومه فقال : يا شتير ، اختر واحدة من ثلاث ، قال : ~~اعرضها علي ، قال : إما أن ترد ابني حصينا قال : إني لا انشر الموتى قال : ~~وإما أن تدفع إلى ابنك عتبة أقتله به قال : لا يرضى بذلك بنو عامر ، قال : ~~وإما أن أقتلك . قال : أما هذه فنعم فأمر ضرار ابنه أدهم أن يقتله ، فلما ~~قدمه ليضرب عنقه نادى شتير يا آل عامر صبرا بصبي كأنه أنف أن يقيل بصبي ~~فقال في ذلك شمعلة : وخيرنا شتيرا من ثلاث . . . وما كان الثلاث له خيارا ~~جعلت السيف بين الليت منه . . . وبين قصاص لمته عذارا أيام تميم على بكر ~~يوم الوقيط قال فراس بن خندف : تجمعت اللهازم لتغير على تميم وهم غارون ، ~~فرأى ذلك ناشب بن شامة العنبري الأعور ، وهو أسير في بني سعد بن مالك من ~~بني ثعلبة ، فقال لهم : أعطوني رسولا أرسله إلى بني العنبر أوصيهم بصاحبكم ~~خيرا ليولوه ما تولونني من البر . وكان حنظلة بن طفيل المرثدي أسيرا في بني ~~العنبر ، فقالوا : على أن توصيه ونحن حضور ، وقال نعم ، فأتوه بغلام ، فقال ~~: أتيتموني بأحمق ، وما أراه مبلغا عني قال الغلام : لا والله ما أنا بأحمق ~~، وقل ما شئت فإني مبلغه ، فملأ الأعور كفه من الرمل فقال : كم في كفي منه ~~؟ قال : شيء لا يحصى كثرة ، ثم أومأ إلى الشمس فقال : ما تلك ؟ قال : هي ~~الشمس . قال : شيء لا يحصى كثرة ، ثم أومأ إلى الشمس فقال : ما تلك ؟ قال : ~~هي الشمس . قال : فاذهب إلى أهلي فأبلغهم عني التحية وقل لهم : ليحسنوا إلى ~~أسرهم ويكرموه فإني عند قوم محسنين إلي مكرمين لي وقل لهم ليعروا جملي ~~الأحمر : ويركبوا ناقتي العيساء ، ويرعوا حاجتي ms3094 في نبي مالك ، وأخبرهم أن ~~العوسج قد أورق ، وقد اشتكت النساء ، وليعصموا همام بن بشامة فإنه مشئوم ~~محدود . ويطيعوا ابن الأخنس فإنه حازم ميمون . PageV15P0289 # """""" صفحة رقم 290 """""" قال : فآتاهم الرسول فأبلغهم ، فقال بنو عمرو ~~بن تميم : ما نعرف هذا الكلام ، ولقد جن الأعور ، والله ما نعرف له ناقة ~~عيساء ، ولا جملا أحمر فشخص الرسول ، ثم ناداهم هذيل ، يا بني العنبر ، قد ~~بين لكم صاحبكم ، وأما الرمل الذي قبض عليه فإنه يخبركم أنه أتاكم عدد لا ~~يحصى ، وأما الشمس التي أومأ إليها فإنه يقول : إن ذلك أوضح من الشمس ، ~~وأما جمله الأحمر فهو الصمان : يأمركم أن تعروه ، وأما ناقته العيساء فهي ~~الدهناء ، يأمركم أن تتحرزوا فيها ، وأما أبناء مالك فإنه يأمركم أن تنذروا ~~بني مالك بن زيد مناة ، وأن تمسكوا الحلف بينكم وبينهم ، وأما العوسج الذي ~~اورق ، فيخبركم أن القوم قد لبسوا السلاح ، وأما تشكى النساء فيخبركم إنهن ~~قد عملن حجلا يغزون يه . قال : فتحرزت عمرو فركبت الدهناء وانذروا بني مالك ~~فقالوا : ما ندري ما تقول بنو عمرو ، ولسنا متحولين لما قال صاحبهم . قال : ~~فصبحت اللهازم بني حنظلة فوجدوا عمرا قد جلت ، وكان على الجيش أبجر بن جابر ~~العجلي ، وشهدها ناس من بني تيم اللات ، وشهدها الفرز بن الأسود ين شريك في ~~بني شيبان ، فاقتتلوا ، فأسر ضرار بن القعقاع بن زرارة ، وتنازع في أسره ~~بشر بن العوراء من تيم اللات ، والفرز بن الأسود فجزوا ناصيته وخلوا أسره ~~من تحت الليل ، وأسر عمرو بن قيس من بني ربيعة بن عشجل بن المأموم بن شيبان ~~بن علقمة من بني زرارة ، ثم من عليه ، وأسرت غمامة بنت الطود بن عبيد بن ~~زرارة ، واشترك في أسرها الخطيم بن هلال ، وظربان بن زياد ، وقيس بن خليد ، ~~فردوها إلى أهلها ، وأسر حنظلة بن المأموم بن شيبان بن علقمة ، أسره طلبة ~~بن زياد أحد بني ربيعة بن عجل ، وأسر حوثرة بن بدر من بني عبد الله بن دارم ~~، فلم يزل في الوثاق حتى قال أبياتا يمدح فيها بني ms3095 عجل فأطلقوه ، وأسر نعيم ~~بن القعقاع بن معبد بن زرارة ، وعمرو بن ناشب ، وأسر سنان بن عمرو أحد بني ~~سلامة من بني دارم ، وأسر حاضر بن ضمرة ، وأسر الهيثم بن صعصعة ، وهرب عوف ~~بن القعقاع عن إخوته ، وقتل حكيم النهشلي ، وكان يقاتل ويرتجز : كل امرئ ~~مصبح في أهله . . . والموت أدنى من شراك نعله وفيه يقول عنترة : وغادرنا ~~حكيما في مجال . . . صريعا قد سلبناه الإزارا PageV15P0290 # """""" صفحة رقم 291 """""" يوم النباح وثيتل لبكر على تميم قال أبو ~~عبيدة معمر بن المثنى : غدا قيس بن عاصم في مقاعس وهو رئيس عليها - ومقاعس ~~هم : صريم ، وربيع ، وعبيد ، بنو الحارث بن عمرو بن كعب ابن سعد بن زيد ~~مناة بن تميم - ومعه سلامة بن ظرب بن نمر الحماني في الأجارب وهم : حمان ، ~~وربيعة ، ومالك ، والأعرج ، بنو كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم ، فغزوا ~~بكر بن وائل فوجدوا بني ذهل بن ثعلبة بن عكابة ، واللهازم وهم : بنو قيس ~~وتيم اللات بن ثعلبة ، وعجل بن لجيم ، وعننرة بن أسد ابن ربيعة بالنباح ~~وثيتل ، وبينها روحة ، فتنازع قيس بن عاصم وسلامة بن ظرب في الإغارة ، ثم ~~اتفقا على أن يغير قيس على أهل النباح ، ويغير سلامة على أهل ثيتل . قال : ~~فبعث قيس بن عاصم الأهتم سبقة له - والسبقة : الطليعة - فأتاه الخير فلما ~~اصبح قيس سقى خيله ، ثم أطلق أفواه الروايا وقال لقومه : قاتلوا فإن الموت ~~بين أيديكم ، والفلاة من ورائكم . فلما دنوا من القوم صبحا سمعوا ساقيا ~~يقول لصاحبه : يا قيس ، أورد ، فتفاءلوا به ، فأغاروا على النباح قبل الصبح ~~، فقاتلوهم قتالا شديدا ، ثم إن بكرا انهزمت ، فأسر الأهتم حمران بن بشر بن ~~عمرو ابن مرثد ، وأصابوا غنائم كثيرة ، فقال قيس لأصحابه : لا مقام دون ~~الثيتل ، فالنجاة ، فأتوا ثيتل ولم يغزوا سلامة وأصحابه بعد ، فأغار عليهم ~~قيس بن عاصم ، فقاتلوه ثم انهزموا ، فأصاب إبلا كثيرة ، فقال ربيعة بن طريف ~~: فلا يبعدنك الله قيس بن عاصم . . . فأنت لنا عز عزيز وموئل وأنت الذي ~~حربت بكر بن وائل . . . وقد ms3096 عضلت منها النباح وثيتل غداة دعت يا آلا شيبان ~~إذ رأت . . . كراديس يزجيهن ورد محجل وقال قرة بن قيس بن عاصم : أنا ابن ~~الذي شق المزاد وقد رأى . . . بتثيل أحياء اللهازم حضرا PageV15P0291 # """""" صفحة رقم 292 """""" فصحبهم بالجيش قيس بن عاصم . . . فلم يجدوا ~~إلا الأسنة مصدرا على الجرد يعلكن الشكيم عوابسا . . . إذا الماء من ~~أعطافهن تحدرا فلم يرها الراءون إلا فجاءة . . . نثرن عجاجا بالسنابك أكدرا ~~سقاهم بها الذيقان قيس بن عاصم . . . وكان إذا ما أورد الأمر أصدرا وحمران ~~أدته إلينا رماحنا . . . فنازع غلا في ذراعيه أسمرا وجثامة الذهلي قدناه ~~عنوة . . . إلى الحي مصفود اليدين مفكرا يوم زرود الثاني لبني يربوع على ~~بني تغلب أغار خزيمة بن طارق التغلبي على بني يربوع وهم بزرود ، فاقتتلوا ~~قتالا شديدا ، ثم انهزمت بنو تغلب ، وأسر خزيمة بن طارق ، أسره أنيف بن ~~جبلة الضبي - وهو فارس السليط ، وكان يومئذ نقيلا في بني يربوع - وأسيد بن ~~حناءة السليطي ، فتنازعا فيه ، فحكما الحارث بن قراد ، فحكم بناصية خزيمة ~~للأنيف ، على أن لأسيد على انيف مائة من الإبل . قال : ففدي خزيمة نفسه بما ~~ئتي بعير وفرس ، فقال أنيف : أخذتك قسرا يا خزيم بن طارق . . . ولا قيت مني ~~الموت يوم زرود وعانقته والخيل تدمى نحورها . . . فأنزلته بالقاع غير حميد ~~يوم ذي طلوح لبني يربوع على بكر كان عميرة بن طارق بن حصينة بن أريم بن ~~عبيد بن ثعلبة ، تزوج مرية بنت جابر ، أخت أبجر بن جابر العجلي ، فابتنى ~~بها في بني عجل ، فأتى أبجر أخته امرأة PageV15P0292 # """""" صفحة رقم 293 """""" عميرة يزورها فقال لها : إني لأرجو أن آتيك ~~ببنت النطف امرأة عميرة التي في قومها ، فقال له عميرة : أترضى أن تحاربني ~~وتسبيني ؛ فندم أبجر وقال لعميرة : ما كنت لأغزو قومك ، ثم غزا أبجر ~~والحوفزان متساندين ، هذا فيمن تبعه من بني شيبان ، وهذا فيمن تبعه من ~~اللهازم ، وساروا بعميرة معهم قد وكل به أبجر أخاه حرقصة بن جابر ، فقال له ~~عميرة : لو رجعت إلى أهلي فاحتملتهم ، فقال حرقصة : افعل ، فكر عميرة على ms3097 ~~ناقته ، فسار يومين وليلة ، أتى بني يربوع ، فأنذرهم الجيش ، فاجتمعوا حتى ~~التقوا بأسفل ذي طلوح ، فكان أول فارس طلع عليهم عميرة ، فنادى : يا أبجر ، ~~هلم فقال من أنت ؟ قال : أنا عميرة ، فكذبه ، فسفر عن وجهه ، فعرفه ، فأقبل ~~إليه ، والتفت الخيل بالخيل ، فأسر الجيش إلا أقلهم ، وأسر حنظلة ابن بشر ~~بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم - وكان في بني يربوع - الحوفزان ~~بن شريك ، أخذه معه أبو مليل ، وأخذ ابن طارق سوادة بن يحيى ابن عم أبجر ، ~~وأخذ أبو عنمة الضبي الشاعر مع بني شيبان ، فافتكه متمم بن نويرة ، وأسر ~~شريك بن الحوفزان ، وأسود وفلحس ، وهما من بني سعد بن همام فقال جريريذ ~~كريوم ذي طلوح : ولما لقينا خيل أبجر تدعى . . . بدعوى لجيم قبل ميل ~~العواتق صبرنا وكان الصبر منا سجية . . . بأسيافنا تحت الظلال الخوافق فلا ~~رأوا أن لا هوادة عندنا . . . دعوا بعد كرب يا عمير بن طارق يوم الحائر وهو ~~يوم ملهم لبني يربوع على بني بكر وذلك أن بني مليل عبد الله بن الحارث بن ~~عاصم بن عبيد ، وعلقمة أخاه انطلقا يطلبان لهما حتى وردا ملهم من أرض ~~اليمامة ، فخرج عليهما نفر من بني يشكر ، فقتلوا علقمة وأخذوا أبا مليل ، ~~فكان عندهم ما شاء الله ثم خلوا سبيله ، وأخذوا عليه عهدا وميثاقا ألا يخبر ~~بأمر أخيه أحدا ، فأتى قومه فسألوه عنه فلم يخبرهم ، فقال PageV15P0293 # """""" صفحة رقم 294 """""" وبرة بن حمزة : هذا قد أخذ عليه عهد وميثاق ، ~~فخرجوا يقصون الأثر وبينهم شهاب بن عبد القيس حتى وردوا ملهم ، فلما رآهم ~~أهل ملهم تحصنوا ، فحرقت بنو يربوع بعض زرعهم ، وعقروا بعض نخلهم ، فلما ~~رأى ذلك القوم نزلوا إليهم فقاتلوهم ، فهزمت بنو يشكر ، وقتل عمرو بني صابر ~~صبرا ، ضربوا عنقه ، وقتل عيينة بن الحارث بن شهاب بن مثلم بن عبيد بن عمرو ~~رجلا آخر منهم ، وقتل مالك بن نويرة حمران بن عبد الله وقال : طلبنا بيوم ~~مثل يومك علقما . . . لعمري لمن يسعى بها كان أكرما قتلنا بجنب العرص ms3098 عمرو ~~بن صابر . . . وحمران أقصدناهما والمثلما فلله عينا من رأى مثل خيلنا . . . ~~وما أدركت من خيلهم يوم ملهما يوم القحقح وهو يوم مالة لبني يربوع على بكر ~~أغارت بنو أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان على بني يربوع ورئيسهم مجبة ابن ربيعة ~~بن ذهل ، فأخذوا إبلا لعاصم بن قرط أحد بني حميد ، وانطلقوا ، فطلبهم بنو ~~يربوع ، فناوشوهم ، فكانت الدائرة على بني ربيعة ، وقتل المنهال بن عصمة ~~المجبة بن ربيعة ، فقال في ذلك ابن حمران الرياحي : وإذا لقيت القوم فاطعن ~~فيهم . . . يوم اللقاء كطعنة المنهال ترك المجبة للضباع مجدلا . . . والقوم ~~بين سوافل وعوال يوم رأس العين لبني يربوع على بكر أغارت طوائف من بني ~~يربوع على بني أبي ربيعة براس العين فاطردوا النعم ، واتبعهم معاوية بن ~~فراس في بني أبي ربيعة فأدركوهم ، فقتل معاوية وفاتوا بالإبل ، فقال سحيم ~~في ذلك : أليس الأكرمون بنو رياح . . . نموني منهم عمي وخالي PageV15P0294 # """""" صفحة رقم 295 """""" همو قتلوا المجبة وابن تيم . . . تنوح عليهما ~~سود المآل وهم قتلوا عميد بني فراس . . . برأس العين في الحجج الخوالي ~~وذادوا يوم طفخة عن حماهم . . . ذياد غرائب الإبل النهال يوم العظالي لبني ~~يربوع على بكر قال أبو عبيدة : وهو يوم أعشاش ويوم الأفاقة ويوم الإياد ~~ويوم مليحة . قال : وكانت بكر بن وائل تحت يد كسرى وفارس ، فكانوا يجيرونهم ~~ويجهزونهم ، فأقبلوا من عند عامل عين التمر في ثلثمائة فارس متساندين ، ~~يتوقعون انحدار بني يربوع في الحزن - قال : وكانوا يشتون خفافا فإذا انقطع ~~الشتاء انحدروا إلى الحزن - قال : فاحتمل بنو عتيبة وبنو عبيد وبنو زبيد من ~~بني سليط ، أول الحي ، حتى أسهلوا ببطن مليحة ، فطلعت بنو زبيد في الحزن ~~حتى حلوا الحديقة بالأفاقة ، وحلت بنو عبيد وبنو عتيبة بروضة الثمد . قال : ~~وأقبل الجيش حتى نزلوا هضبة الخصى ، ثم بعثوا رئيسهم فصادفوا غلاما شابا من ~~بني عبيد يقال له قرط بن أضبط ، فعرفه بسطام فقال له : أخبرني ما ذاك ~~السواد الذي أرى بالحديقة ؟ قال : هم بنو زبيد . قال : أسيد بن حناءة ؟ قال ~~: نعم قال ms3099 : كم هم ؟ قال : خمسون بيتا ، قال : فأين بنو عتيبة وبنو أريم ؟ ~~قال : نزلوا روضة الثمد . قال : فأين سائر الناس ؟ قال هم محتجزون بجفاف . ~~قال : فمن هناك من بني عاصم ؟ قال : الأحيمر وقعنب ومعدان أبناء عصمة . قال ~~: فمن فيهم من بني الحارث بن عاصم ؟ قال : حصين ابن عبد الله . فقال بسطام ~~لأصحابه : أطيعوني تقبضوا على هذا الحي من زبيد ، وتصبحوا سالمين غانمين . ~~قالوا : وما يغني عنا بنو زبيد لا يودون رحلتنا . قال : إن السلامة إحدى ~~الغنيمتين . فقال له مغروق : انتفخ سحرك يا أخا الصهباء ، قال له هانئ : ~~أجبنا . قال : ويلكم إن أسيدا لم يظله بيت قط شاتيا ولا قائظا ، إنما بيته ~~القفر ، فإذا أحس بكم أحال على الشقراء ، فركض حتى يشرف مليحة ، فينادي : ~~يا آل يربوع فيركب فيلقاكم PageV15P0295 # """""" صفحة رقم 296 """""" طعن ينسيكم الغنيمة ، ولا يبصر أحدكم مصرع ~~صاحبه ، وقد جئتموني وأنا تابعكم ، وقد أخبرتكم ما أنتم لاقون غدا . فقالوا ~~: نلتقط بني زبيد ، ثم نلتقط بني عبيد وبني عتيبة كما نلتقط الكمأة ، ونبعث ~~فارسين فيكونان بطريق أسيد ، فيحولان بينه وبين بني يربوع ، ففعلوا . فلما ~~أحس بهم أسيد ركب الشقراء وخرج نحو بنى يربوع ، فابتدره الفارسان فطعنه ~~أحدهما فألقى نفسه في شق فأخطأه ، ثم كرر راجعا حتى أشرف مليحة ، فنادى : ~~يا صباحاه يا آل يربوع ، غشيتم فتلاحقت الخيل حتى توافوا بالعظالى ، ~~فاقتتلوا ، فكانت الدائرة على بكر ، قتل منهم مغروق بن عمرو ، فدفن بثينة ~~مغروق ، وبه سميت ، وغيره . وأما بسطام فألح عليه فارس من بني يربوع ، وكان ~~دارعا على ذات النسوع ، وكانت إذا أجدت لم يتعلق بها شيء من خيلهم ، ففاقت ~~الطلب حتى أتى قومه . يوم الغبيط لبني يربوع على بكر ويقال له يوم الثعالب ~~. قال : غزا بسطام بن قيس ، ومغروق بن عمرو ، والحارث بن شريك - وهو ~~الحوفزان - بلاد بني تميم ، وهذا اليوم قبل يوم العظالي ، فأغاروا على بني ~~ثعلبة بن يربوع ، وثعلبة بن سعد بن ضبة ، وثعلبة بن عدي ابن فزارة ، وثعلبة ~~بن سعد بن ذبيان ، فلذلك قيل له يوم الثعالب . وكان ms3100 هؤلاء جميعا متجاورين ~~بصحراء فلج فاقتتلوا ، فانهزمت الثعالب ، فأصابوا فيهم واستاقوا إبلا من ~~نعمهم ، ولم يشهد عتيبة بن الحارث بن شهاب هذه الوقعة لأنه كان نازلا يومئذ ~~في بني مالك بن حنظلة . قال : ثم أسروا على بني مالك ، وهم بين صحراء فلج ~~بين الغبيط ، فاكتسحوا إبلهم ، فوكبت عليهم بنو مالك ، فيهم عتيبة بن ~~الحارث ابن شهاب ، ومعه فارسان من فرسان بني يربوع وتأنف إليهم الأحيمر بن ~~عبد الله ، وأسيد بن PageV15P0296 # """""" صفحة رقم 297 """""" حناءة ، وأبو مرحب ، وجزء بن سعد الرياحي - ~~وهو رئيس بني يربوع ، وربيع ، والحليس ، وعمارة ، بنو عتيبة بن الحارث ، ~~ومعدان وعصمة ابنا قعنب ، ومالك بن نويرة ، والمنهال بن عصمة أحد بني رياح ~~بن يربوع ، وهو الذي يقول فيه متمم بن نويرة في شعره الذي يرثي به أخاه ~~مالكا : لقد كفن المنهال تحت ردائه . . . فتى غير مبطان العشيات أروعا ~~فأدركوهم بغبيط المدرة ، فقاتلوهم حتى هزموهم ، وأدركوا ما كانوا استاقوا ~~من أموالهم ، وأسر بسطام ، أسره عتيبة ، فلم يزل عنده حتى فادى نفسه . قيل ~~: إنه فدى نفسه بأربعمائة بعير وثلاثين فرسا ولم يكن غيره عكاظي أعلى فداء ~~منه ، على أن جز ناصيته وعاهده ألا يغزو بني شهاب أبدا . . يوم مخطط لبني ~~يربوع على بكر قال أبو عبيدة : غزا بسطام بن قيس والحوفزان الحارث متساندين ~~يقودان بكر بن وائل ، حتى وردوا على بني يربوع بالفردوس ، وهو بطن لإياد ، ~~وبينه وبين مخطط ليلة ، وقد نذرت بهم بنو يربوع فالتقوا بالمخطط ، فاقتتلوا ~~، فانهزمت بكر ، وهرب الحوفزان وبسطام ففاتا ركضا ، وقتل شريك بن الحوفزان ~~، قتله شهاب ابن الحارث أخو عتيبة ، وأسر الاحيمر بن عبد الله بن الضريس ~~الشيباني . يوم جدود غزا الحوفزان وهو الحارث بن شريك فأغار على من بالقاعة ~~من بني سعد بن زيد مناة ، فأخذ نعما كثيرا ونساء فيهن الزرقاء من بني ربيع ~~بن الحارث ، فاعجب بها وأعجبت به ، فلم يتمالك أن وقع بها ، فلما انتهى إلى ~~جدود منعهم بنو يربوع ابن حنظلة أن يردوا الماء ، ورئيسهم عتيبة بن الحارث ~~بن شهاب ، فقاتلوهم ms3101 فلم يكن لبني بكر بهم يد ، فصالحوهم على أن يعطوا بني ~~يربوع بعض غنائمهم حتى يردوا PageV15P0297 # """""" صفحة رقم 298 """""" الماء ، فقبلوا ذلك منهم وأجازوهم ، فلما أتى ~~الصريح بني سعد ، ركب قيس ابن عاصم في أثر القوم حتى أدركهم بالأشمين ، ~~فالح قيس على الحوفزان ، وقد حمل الزرقاء رديفا على فرسه الزبد ، وعقد ~~شعرها على صدره ، فاخذ قيس بن عاصم بحيث يكلم الحوفزان ، فقال له قيس : يا ~~أبا حماد ، أنا خير لك من الفلاة والعطش ، قال له : ما يشاء الزبد . فلما ~~رأى قيس أن فرسه لا يلحفه نادى الزرقاء فقال : ميلي به يا جعار ، فجزا ~~الحوفران قورنها بالسيف ودفعها بمرفقه وألقاها عن عجز فرسه فردها قيس بن ~~عاصم إلى بني ربيع . يوم سفوان قال أبو عبيدة : التقت بنو ما زن وبنو شيبان ~~على ماء يقال سفوان ، فزعمت بنو شيبان أنه لهم ، وأرادوا أن يجلوا تميما ~~عنه ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فظهرت عليهم بنو تميم وشلوهم حتى بلغوا ~~المحدث ، وكانوا قبل ذلك يتوعدون بني مازن ، فقال في ذلك الوداك المازني : ~~رويدا بني شيبان بعض وعيدكم . . . تلاقوا غدا خيلي على سفوان تلاقوا جيادا ~~لا تحيد عن الوغى . . . إذا الخيل جالت في القنا المتداني عليها الكماة ~~الغر من آل مازن . . . ليوث طعان كل يوم طعان تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم . ~~. . على ما جنت فيهم يد الحدثان مقاديم وصالون في الروع خطوهم . . . بكل ~~رقيق الشفرتين يمان إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم . . . لأية حرب أم لأي ~~مكان يوم نقا الحسن وهو يوم الشقيقة لبني ضبة على بني شيبان فيه قتل بسطام ~~. قال أبو عبيدة : غزا بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس ابن خالد - وقيس بن ~~مسعود هو ذو الجدين ، وأخوه السليل بن قيس من بني ضبة ابن أد بن طابخة - ~~فأغار على ألف بعير لمالك بن المنتفق فيها فحلها قد فقأ عينه ، وكان ~~PageV15P0298 # """""" صفحة رقم 299 """""" في الإبل مالك بن المنتفق ، فركب فرسا له ~~ونجا ركضا حتى إذا دنا من قومه نادى : يا صباحاه ، فركبت بنو ضبة ms3102 ، وتداعت ~~بنو تميم ، فتلاحقوا بالنقا ، فقال عاصم بن خليفة لرجل من فرسان قومه : ~~أيهم رئيس القوم ؟ قال : حاميتهم صاحب الفرس الأدهم - يعني بسطاما - فعلا ~~عاصم عليه بالرمح فطعنه ، فلتخطئ صماخ أذنه حتى خرج الرمح من الناحية ~~الأخرى وخر . فلما رأى ذلك بنو شيبان خلو سبيل النعم وولوا الأدبار ، فمن ~~قتيل وأسير ، وأسر بنو ثعلبة نجاد بن قيس أخا بسطام في سبعين من بني شيبان ~~: وقال شمعلة بن الأخضر بن هبيرة : ويوم شقائق الحسنين لاقت . . . بنو ~~شيبان آجالا قصارا شككنا بالرماح وهن زور . . . صماخي كبشهم حتى استدارا ~~أيام بكر على تميم يوم الزويرين قال أبو عبيدة : كانت بكر بن وائل تنتجع ~~أرض بني تميم في الجاهلية ترعى بها إذا أجدبوا ، فإذا أرادوا الرجوع لم ~~يدعوا عودة يصيبونها ولا شيئا يظفرون به إلا اكتسحوه ، فقال بنو تميم : ~~امنعوا هؤلاء القوم من رعي أرضكم ، فحشدت تميم ، وحشدت بكر واجتمعت ، فلم ~~يتخلف عنهم إلا الحوفزان بن شريك في أناس من بني ذهل بن شيبان ، وكان غازيا ~~، فقدمت بكر عليهم عمر الأصم أبا مفروق - وهو عمرو بن قيس بن مسعود بن عمرو ~~بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان - فحسد سائر ربيعة الأصم على الرياسة ، فأتوه ~~فقالوا : يا أبا مفروق ، إنا قد زحفنا لتميم وزحفوا لنا أكثر ما كنا وكانوا ~~قط . قال : فما تريدون ؟ قالوا : نريد أن نجعل كل حي على حياله ، ونجعل ~~عليهم رجلا منهم ، فنعرف غناء كل قبيلة ، فإنه أشد لاجتهاد الناس . قال : ~~والله إني لأبغض الخلاف عليكم ، ولكن يأتي مفروق فينظر فيما قلتم . فلما ~~جاء مفروق شاوره أبوه ، فقال له مفروق : ليس هذا أرادوا ، وإنما أرادوا أن ~~يخدعوك عن رأيك وحسدوك على رياستك ، والله لئن لقيت القوم فظفرت لا يزال ~~لنا الفضل بذلك أبدا ، ولئن ظفر بك لا تزال لنا رياسة نعرف بها ، فقال ~~الأصم : ياقوم ، قد استشرت مفروقا فرأينه مخالفا لكم ، ولست مخالفا رأيه ~~وما أشار به . فأقبلت تميم بجملين مجلين مقرونين مقيدين وقالوا : لا نولي ~~حتى يولى هذا الجملان ، وهما ms3103 الزويران ، PageV15P0299 # """""" صفحة رقم 300 """""" فأخبرت بكر بقولهم الأصم فقال : وأنا زويركم ~~إن خشوهما فخشوني ، وإن عقروهما فاعقروني ، قال : والتقى القوم فاقتتلوا ~~قتالا شديدا . فأسرت بنو تميم حراث بن مالك أخا بني مرة بن همام . فركض به ~~رجل منهم وقد أردفه ، فاتبعه ابنه قتادة بن حراث حتى لحق الفارس الذي أسر ~~أباه ، فطعنه فأرداه عن فرسه ، واستنقذ أباه ، ثم انهزمت بنو تميم . وقال ~~رجل من بني سدوس : يا سلم إن تسألي عنا فلا كشف . . . عند اللقاء ولسنا ~~بالمقاريب نحن الذين هزمنا يوم صبحنا . . . جيش الزورين في جمع الأحاليف ~~ظلوا وظلنا نكر الخيل وسطهم . . . بالشيب منا وبالمرد الغطاريف يوم الشيطين ~~لبكر على تميم قال أبو عبيدة : لما ظهر الإسلام - قبل أن يسلم أهل نجد ~~والعراق - سارت بكر بن وائل إلى السواد وقالت : نغير على بني تميم بالشيطين ~~، فإن في دين ابن عبد المطلب أنه من قتل نفسا قتل بها ، فنغير هذه الغارة ~~ثم نسلم عليها . فارتحلوا من لعلع بالذراري والأموال ، فأتوا الشيطين في ~~أربع ، وبينهما مسيرة ثمانية أميال فسبقوا الخبر فصبحوهم وهم لا يشعرون ، ~~ورئيسهم يومئذ بشر بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الحدين ، فقتلوا بني تميم ~~قتلا ذريعا وأخذوا أموالهم . قال : قتل من بني تميم يوم الشيطين ولعلع ~~ستمائة رجل ، قال : فوفد وفد من بني تميم إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فقالوا : ادع الله على بكر بن وائل فأبى ( صلى الله عليه وسلم ) . يوم ~~صعفوق لبكر على تميم أغارت بنو ربيعة على بني سليط بن يربوع يوم صعفوق ، ~~فأصابوا منهم أسرى ، فأتى طريف بن تميم العنبري فروة بن مسعود ، وهو يومئذ ~~سيد بني ربيعة ، ففدي منهم أسرى بني سليط ورهنهم ابنه ، فأبطأ عليهم فقتلوا ~~ابنه . PageV15P0300 # """""" صفحة رقم 301 """""" يوم مبايض لبكر على تميم قال أبو عبيدة : ~~كانت الفرسان إذا كانت أيام عكاظ في الشهر الحرام ، وأمن بعضهم بعضا ، ~~تقنعوا كي لا يعرفوا ، فكان طريف بن تميم لا يتقنع ، فوافى عكاظ وقد كشفت ~~بكر بن وائل ، وكان طريف قد قتل ms3104 شراحيل الشيباني أحد بني عمرو بن ربيعة ، ~~فقال خميصة : أروني طريفا ، فأروه إياه ، فتأمله ونظر إليه ، ففطن له طريف ~~فقال : مالك تنظر ؟ فقال : أتوسمك لأعرفك ، فلله علي إن لقيتك أن أقتلك أو ~~تقتلني . قال : فمضى لذلك ما شاء الله ، ثم إن بني عائدة حلفاء بني ربيعة ~~بن ذهل ، خرج منهم رجلان يصيدان ، فعرض لهما رجل من بني شيبان ، فذعر ~~عليهما صيدهما ، فوثبا عليه فقتلاه ، فثارت بنو مرة بن ذهل بن شيبان يريدون ~~قتلهما ، فأبت بنو ربيعة ذلك عليهم ، فقال هانئ بن مسعود : يا بني ربيعة ، ~~إن إخوتكم قد أرادوا ظلمكم فانحازوا عنهم ، ففارقوهم ، وساروا حتى نزلوا ~~بمبايض : - ماء لهم - فأبق عبد لرجل من بني ربيعة ، وسار إلى بلاد تميم ، ~~فأخبرهم أن حيا جديدا ، أي منتقى من قومه ، من بكر بن وائل نزول على مبايض ~~وهم بنو ربيعة ، فقال طريف العنبري : هؤلاء فأرى ياآل تميم ، وأقبل معه أبو ~~الجدعاء أخو بني طهية ، وجاءه فدكى بن أعبد المنقري في جمع من بني سعد بن ~~زيد مناة ، فأنذرت بهم بنو ربيعة ؛ فانحاز بهم هانئ بن مسعود ، وهو رئيسهم ~~إلى علم مبايض ، وأقام عليه وشرفوا بالأموال والسرح ، وصبحتهم تميم ، فقال ~~لهم طريف : أطيعوني وافرغوا من هؤلاء الأكلب يصف لكم ما وراءهم ، فقال لهم ~~أبو الجدعاء - رئيس حنظلة - وفدكي - رئيس بني سعد بن زيد مناة : أنقاتل ~~أكليا أحرزوا أنفسهم ونترك أموالهم ؟ ما هذا برأي وأبوا عليه . وقال هانئ ~~لأصحابه : لا يقاتل رجل منكم ، ولحقت تميم بالنعم والبغال فأغاروا عليها ، ~~فلما ملأوا أيديهم من الغنيمة قال هانئ بن مسعود لأصحابه : احملوا عليهم ، ~~فهزموهم . وقتل طريف العنبري ، قتله خميصة الشيباني . PageV15P0301 # """""" صفحة رقم 302 """""" يوم فيحان لبكر على تميم قال أبو عبيدة : لما ~~فدى نفسه بسطام بن قيس من عتيبة بن الحارث إذ أسره يوم الغبيط بأربعمائة ~~بعير فقال : لأدركن عقر إبلي ، فأغار بفيجان ، فاخذ الربيع بن عتيبة واستاق ~~ماله ، فلما سار يومين شغلوا عن الربيع بالشراب ، فبال على قيده حتى لان ؛ ~~ثم خلعه وانحل منه ، ثم أجال ms3105 في متن ذات النسوع - فرس بسطام - وهرب ، ~~فركبوا في أثره ، فلما يئسوا منه ناداه بسطام : ياربيع ، هلم طليقا ، فأبى ~~، وأتوه في نادي قومه بحدثهم ، فجعل يقول في أثناء حديثه : إيها يا ربيع ~~انج ياربيع وأقبل ربيع حتى انتهى إلى أدنى بني يربوع فإذا هو براع فاستسقاه ~~وضربت الفرس براسها فماتت ، فسمى ذلك المكان هبير الفرس ، فقال له أبوه ~~عتيبة : أما إذ نجوت بنفسك فإني مخلف لك مالك . يوم ذي قار الأول لبكر على ~~تميم قال : فخرج عتيبة في نحو من خمسة عشر فارسا من بني يربوع ، فكمن في ~~جنبي ذي قار حتى مرت بهم إبل بني الحصين ، وهي بالعدوانة : اسم ماء لهم ، ~~فصاحوا بمن فيها من الحامية والرعاية ، ثم استاقوها ، فاخلف للربيع ما ذهب ~~له وقال : ألم ترني أفأت على ربيع . . . جلادا في مباركها وخورا وأني قد ~~تركت بني حصين . . . بذي قار يرمون الأمورا يوم الحاجز لبكر على تميم قال ~~أبو عبيدة : خرج وائل بن صريم اليشكري من اليمامة ، فلقيه بنو أسيد ابن ~~عمرو بن تميم ، فأسروه وجعلوا يغمسونه في الماء في الركبة ويقولون : ياأيها ~~المانح دلوى دونكا PageV15P0302 # """""" صفحة رقم 303 """""" حتى قتلوه ، فغزاهم أخوه باعث بن صريم يوم ~~حاجز ، فاخذ ثمامة بن باعث ابن صريم رجلا من بني أسيد وجيها فيهم فقتله ، ~~وقتل على الظنة مائة منهم . يوم الشقيق لبكر على تميم قال أبو عبيدة : أغار ~~أبجر بن جابر العجلي على بني مالك بن حنظلة ، فسبى سليمى بنت محصن ، فولدت ~~له أبجر ، ففي ذلك يقول أبو النجم : ولقد كررت على طهيه كرة . . . حتى طرقت ~~نساءها بمساء ذكر حرب البسوس وهي حرب بكر وتغلب ابني وائل قال أبو المنذر ~~هشام بن محمد بن السائب : لم تجتمع معد كلها إلا على ثلاثة من رؤساء العرب ~~وهم : عامر بن الظرب بن عمرو بن بكر بن يشكر بن الحارث . وعامر هو قائد معد ~~يوم البيداء حين تمدحجت مذحج وسارت إلى تهامة ، وهي أول واقعة كانت بين ~~تهامة واليمن . والثاني : ربيعة بن الحارث بن ms3106 مرة بن زهير بن جشم بن بكر بن ~~حبيب بن كلب وهو قائد معد يوم السلان ، وهو يوم كان بين أهل تهامة واليمن . ~~والثالث : كليب بن ربيعة ، وهو الذي يقال فيه : أعز من كليب وائل ، وقاد ~~معدا كلها يوم خزاز ، ففض جموع اليمن وهزمهم ، واجتمعت عليه معد كلها جعلوا ~~له قسم الملك وتاجه وتحيته وطاعته ، فغبر بذلك حينا من الدهر ، ثم دخله زهو ~~شديد وبغى على قومه حتى بلغ من بغيه أنه كان يحمي مواقع السحاب فلا يرعى ~~حماه ويقول : وحش أرض كذا في جواري فلا يهاج ، ولا تورد إبل أحد مع إبله ، ~~ولا توقد نار مع ناره . وكانت بنو جشم وبنو شيبان في دار واحدة بتهامة ، ~~وكان كليب قد تزوج جليلة بنة مرة بن ذهل بن شيبان أخت جساس بن مرة ، وكانت ~~لها ناقة يقال لها : السراب ، PageV15P0303 # """""" صفحة رقم 304 """""" وبها يضرب المثل في التشاؤم ، فيقال : أشأم ~~من السراب وأشأم من البسوس وهي معقولة بفناء بيتها في جوار جساس بن مرة ، ~~فمرت بها إبل لكليب ، فلما رأت السراب الإبل تازعث عقالها حتى قطعته ، ~~وتبعت فلما رآها أنكرها ، فانترعها بسهم فحرم ضرعها ، فنفرت وهي ترغو ، ~~فلما رأتها البسوس قذفت خمارها عن رأسها وصاحت : واذلاه واجاراه . ذكر مقتل ~~كليب وائل قال : فأجمشت جساسا ، فركب فرسا له مغرورا به ، وتبعه عمرو بن ~~الحارث ابن ذهل بن شيبان على فرسه ، ومعه رمحه ، حتى دخلا على كليب الحمى ، ~~فطعنه جساس فقصم صلبه ، وطعنه عمرو بن الحارث من خلفه فقطع قطنة ، فوقع ~~كليب وهو يفحص برجله وقال لجساس : أغثني بشربة من ماء ، فقال له : تجاوزت ~~شبيثا والأحص ، ففي ذلك يقول عمرو بن الأهتم : وإن كليبا كان يظلم قومه . . ~~. فأدركه مثل الذي تريان فلما حشاه الرمح كف ابن عمه . . . تذكر ظلم الأهل ~~أي أوان وقال لجساس أغثني بشربة . . . وإلا فخير من رأيت مكاني فقال تجاوزت ~~الأحص وماءه . . . وبطن شبيث وهو غير زؤان وقال نابغة بني جعد : أبلغ عقالا ~~أن خطة داحس . . . بكفيك فاستأخر لها أو تقدم ms3107 كليب لعمري كان أكثر ناصرا . ~~. . وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة . . . كحاشية البرد ~~اليماني المسهم وقال لجساس أغثني بشربة . . . تدارك بها منا علي وانعم فقال ~~تجاوزت الاحص وماءه . . . وبطن شبيث وهو ذو متوسم PageV15P0304 # """""" صفحة رقم 305 """""" قال : فلما قتل كليب ارتحلت بنو شيبان حتى ~~نزلوا بماء يقال له النهي ، وتشمر المهلهل أخو كليب - واسمه عدي بن ربيعة ، ~~وإنما قيل له المهلهل لأنه أول من هلهل الشعر ، أي أرقه - فاستعد المهلهل ~~لحرب بكر ، وترك النساء والغزل ، وحرم القمار والشراب ، وجمع إليه قومه ، ~~فأرسل رجالا منهم إلى بني شيبان يعذر إليهم فيما وقع من الأمر ، فأتوا مرة ~~بن ذهل بن شيبان وهو في نادي قومه ، فقالوا له : إنكم أتيتم عظيما بقتلكم ~~كليبا بناب من الإبل ، فقطعتم الرحم ، وانتهكتم الحرمة ، وإنا كرهنا العجلة ~~عليكم دون الإعذار إليكم ، ونحن نعرض عليكم حلالا أربعا ، لكم فيها مخرج ~~ولنا مقنع ، قال مرة : ما هي ؟ قالوا : تحيي لنا كليبا أو تدفع لنا جساسا ~~قاتله فنقتله به ، أو هماما فإنه كفء له ، أو تمكننا من نفسك فإن فيك وفاء ~~من دمه ، فقال : أما إحيائي كليبا فهذا ما لا يكون . وأما جساس فإنه غلام ~~طعن طعنة على عجل ثم ركب فرسه فلا أدري أي البلاد احتوت عليه . وأما همام ~~فإنه أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة ، كلهم فرسان قومهم فلن يسلموه لي فأدفعه ~~إليكم يقتل بجريرة غيره ، وأما أنا فما هو إلا أن تجول الخيل جولة غدا ~~فأكون أول قتيل بينهما ، فما أتعجل من الموت ، ولكن لكم عندي خصلتان : أما ~~إحداهما فهؤلاء بني الباقون فعلقوا في عنق أيهم شئتم تسعة فانطلقوا به إلى ~~رجالكم فاذبحوه ذبح الجزور وإلا فألف ناقة سوداء المقل أقيم لكم بها كفيلا ~~من بكر بن وائل ، فغضب القوم وقالوا : لقد أسأت ، تبذل لنا صغار ولدك ~~وتسومنا اللبن من دم كليب . ووقعت الحرب بينهم ، ولحقت جليلة زوجة كليب ~~بأبيها وقومها ، واعتزلت قبائل بكر بن وائل ، وكرهوا مجامعة بني شيبان ~~ومساعدتهم على قتال ms3108 إخوتهم ، وأعظموا قتل جساس كليبا بناب من الإبل ، فظعنت ~~لجيم عنهم ، وكفت يشكر عن نصرتهم ، وانقبض الحارث بن عباد في أهل بيته ، ~~وهو أبو بجير وفارس النعامة . وقال المهلهل يرثي كليبا من أبيات : بات ليلي ~~بالأنعمين طويلا . . . أرقب النجم ساهرا أن يزولا كيف اهدي ولا يزال قتيل . ~~. . من بني وائل ينسى قتيلا في قصيدة طويلة . PageV15P0305 # """""" صفحة رقم 306 """""" وقال أيضا يرثيه من أخرى : نعى النعاة كليبا ~~لي فقلت لهم . . . مالت بنا الأرض أو زالت رواسيها القائد الخيل تردى في ~~أعنتها . . . زهوا إذا الخيل لجت في تعاديها من خيل تغلب ما تلقى أسنتها . ~~. . إلا وقد خضبوها من أعاديها يهزهزون من الخطى مدمجة . . . كمنا أنابيبها ~~زرقا عواليها ترى الرماح بأيدينا فتوردها . . . بيضا ونصدرها حمرا أعاليها ~~لا أصلح الله يوما من يصالحكم . . . ما لاحت الشمس في أعلى مجاريها يوم ~~النهي فالتقوا بماء يقال له : النهي ، كانت بنو شيبان نازلة عليه ، ورئيس ~~تغلب المهلهل ، ورئيس شيبان الحارث بن مرة ، فكانت الدائرة لبني تغلب ، ولم ~~يقتل في ذلك اليوم أحد من بني مرة . يوم الذنائب ثم التقوا بالذنائب ، وهي ~~أعظم وقعة كانت لهم ، فظفرت بنو تغلب وقتل من بكر مقتلة عظيمة ، وفيه قتل ~~شراحيل بن مرة بن همام بن مرة بن شيبان ، وهو جد الحوفزان ، قتله عتاب بن ~~سعد بن زهير بن جشم ، وقتل من بني ذهل بن ثعلبة عمرو بن سدوس بن شيبان ، ~~وقتل من بني قيس بن ثعلبة سعد بن ضبيعة بن قيس وتيم بن قيس بن ثعلبة ، وهو ~~أحد الحرقيين ، وكان شيخا كبيرا ، فحمل في هودج ، فلحقه عمرو بن مالك بن ~~الفدوكس بن جشم فقتله . يوم واردات ثم التقوا يوم واردات وعليهم رؤساؤهم ~~الذين تقدم ذكرهم ، فظفرت بنو تغلب ، واستحر القتل في بني بكر ، فيومئذ قال ~~الشعثمان : شعثم وعبد شمس ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة وسيار بن ~~الحارث بن سيار ، وفيه قتل همام ابن مرة أخو جساس لأبويه ، فمر به مهلهل ~~مقتولا فقال : والله ما قتل بعد كليب قتيل ms3109 أعز علي فقدا منك يوم عنيزة . ~~PageV15P0306 # """""" صفحة رقم 307 """""" يوم عنيزة ثم التقوا بعنيزة ، فظفرت بنو تغلب ~~، ثم كانت بينهم معاودة ووقائع كثيرة كل ذلك كانت الدائرة فيها لبني اغلب ~~على بني بكر ، فمنها يوم الحنو ، ويوم عويرضات ، ويوم أنين ، ويوم ضرية ، ~~ويوم القمصيبات ، كلها لتغلب على بكر ، أصيبت فيها بكر حتى ظنوا أن لن ~~يستقبلوا أمرهم . وقال المهلهل يصف هذه الأيام وينعاها على بكر في قصيدة ~~طويلة أولها : أليلتنا بذي حسم أنيري . . . إذا أنت انقضيت فلا تحوري فإن ~~يك بالذئائب طال ليلي . . . فقد أبكى من الليل القصير فلو نبش المقابر عن ~~كليب . . . لأخبر بالذئائب أي زير وإني قد تركت بواردات . . . بجيرا في دم ~~مثل العبير هتكت به بيوت بني عباد . . . وبعض القتل أشفى للصدور على أن ليس ~~عدلا من كليب . . . إذا برزت مخبأة الخدور وقال المهلهل أيضا وقد أشرف في ~~الدماء : أكثرت قتل بني بكر بربهم . . . حتى بكيت وما يبكي لهم أحد آليت ~~بالله لا أرضى بقتلهم . . . حتى أبهرج بكرا أينما وجدوا أبهرج : أي أدعهم ~~بهرجا ، لا يقتل بهم قتيل ، ولا تؤخذ بهم دية . وقال أيضا : قتلوا كليبا ثم ~~قالوا أربعون . . . كذبوا ورب الحل والإحرام حتى تبيد قبيلة وقبيلة . . . ~~ويعض كل مثقف بالهام ويقمن ربات الخدور حواسرا . . . يمسحن عرض ذوائب ~~الأيتام حتى يعض الشيخ بعد حميمه . . . مما يرى ندما إلى الإبهام ~~PageV15P0307 # """""" صفحة رقم 308 """""" يوم قضة قال : ثم إن المهلهل أسرف في القتل ~~ولم يبال بأي قبيلة من قبائل بكر وقع ، وكانت أكثر بكر قعدت عن نصرة بني ~~شيبان لقتلهم كليبا ، وكان الحارث بن عباد قد اعتزل تلك الحروب ، حتى قتل ~~ابنه بجير بن الحارث بن عباد ، فلما بلغه قتله قال : نعم القتيل أصلح بين ~~ابني وائل ، وظن أن المهلهل قد أدرك به ثأر كليب وجعله مفؤا له ، فقيل له : ~~إنما قتله بشسع نعل كليب . وكان المهلهل قال لما قتل بجير بن الحارث : بؤ ~~بشسع نعل كليب ، فلما سمع الحارث ذلك غضب ، وكان له فرس يقال له النعامة ، ~~فركبها ms3110 وتولى قتال تغلب بنفسه ، فكانت الدائرة فيه على تغلب ، فتفرقت قبائل ~~تغلب وهرب المهلهل . وقال الحارث بن عباد : قوبا مربط النعامة مني . . . ~~لقحت حرب وائل عن حيالي قربا مربط النعامة مني . . . شاب رأسي وأنكرتني ~~رجالي لم أكن من جناتها علم الل . . . ه وإني بحرها اليوم صال في قصيدة ~~طويلة نحو المائة بيت كرر فيها : قربا مربط النعامة مني في خمسين بيتا وكان ~~أول يوم شهده الحارث يوم قضة ، وهو يوم تحلاق اللمم ، وفيه يقول طرفة : ~~سائلوا عنا الذي يعرفنا . . . بقوانا يوم تحلاق اللمم يوم تبدي البيض عن ~~أسوقها . . . وتلف الخيل أعراج النعم يوم تحلاق اللمم ويوم تحلاق اللمم ، ~~إنما سمى بذلك لأن الحارث بن عباد لما تولى الحرب قال لقومه : احملوا معكم ~~نساءكم يكن من ورائكم ، فإذا وجدن جريحا منهم قتلوه ، وإذا وجدن جريحا منا ~~سقينه وأطعمنه ، فقالوا : ومن أين يتميز لهن ؟ فقال : احلقوا رءوسكم ~~PageV15P0308 # """""" صفحة رقم 309 """""" لتمتازوا بذلك ، فعلوا ، فسمى به ، فقال جحدر ~~بن ضبيعة - وكان من شجعانهم - : اتركوا لمتي وأقتل لكم أول فارس يقدمهم ، ~~فتركوه ، وهو الذي قتل عمرا وعامرا التغلبيان ، كعن أحدهما بسنان رمحه ، ~~والآخر بزجه ، ثم صرع بعد ذلك ، فلما رأته نساء بكر دون حلق ظنوه من تغلب ~~فأجهزوا عليه . وفي هذا اليوم أسر الحارث بن عباد المهلهل عدي بن ربيعة وهو ~~لا يعرفه فقال له : دلني على عدي وأخلي عنك ، فقال له عدي : عليك العهد ~~بذلك إن دللتك عليه ، قال نعم ، قال فأنا عدي ، فجز ناصيته وتركه وقال فيه ~~: لهف نفسي على عدي ولم أع . . . رف عديا إذ أمكنتني اليدان وكان الحارث ~~آلى ألا يصالح نغلبا حتى تكلمه الأرض ، فلما كثرت وقائعه في تغلب ورأت أنها ~~ما تقوم له حفروا سربا تحت الأرض وأدخلوا فيه رجلا وقالوا له : إذا مر بك ~~الحارث فغن بهذا البيت : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا . . . حنانيك بعض ~~الشر أهون من بعض فلما مر الحارث اندفع الرجل وغنى بالبيت ، فقيل للحارث قد ~~بر بقسمك فابق بقية قومك ، فأمسك ، فاصطلحت بكر ms3111 وتغلب . ثم إن المهلهل فر ~~بنفسه فنزل بمذحج في بني جنب ، فخطبوا إليه ابنته ، وقيل أخته ، فمنعهم ، ~~فاجبروه على تزويجها وساقوا إليه جلودا من أدم ، فقال في ذلك : أعزز على ~~تغلب بما لقيت . . . أخت بني الأكرمين من جشم أنكحها فقدها الأراقم في . . ~~. جنب وكان الخباء من أدم لو بأبانين جاء يخطبها . . . ضرج ما أنف خاطب بدم ~~ليسوا بأكفائنا الكرام ولا . . . يغنون في ذلة ولا عدم ثم اشترى المهلهل ~~عبدين يغزوان معه ، فغزا بهما حتى طال عليهما ذلك ، فاختارا الراحة منه ، ~~فاجمعا على قتله بموضع قفر ، فلما شعر بما هما به ولم ير لنفسه ملجأ قال ~~لهما : أبلغا عني هذه المراسلة ، فقالا هات ، فقال : من مبلغ عني بأن ~~مهلهلا . . . لله دركما ودر أبيكما PageV15P0309 # """""" صفحة رقم 310 """""" فلما قتلاه وانصرفا نحو بيته فقالا : مات ~~بأرض كذا وذكرا وصيته ، فلم يدر أحد ما أراد ، فقالت ابنته : والله ما كان ~~أبي ردي الشعر ، ولا سفساف الكلام ، وإنما أراد أن يخبركم أن العبدين قتلاه ~~، وإنما معنى البيت : من مبلغ عني بأن مهلهلا . . . أضحى قتيلا بالفلا ~~مجدلا لله دركما ودر أبيكما . . . لا يبرح العبدان حتى يقتلا فقتل العبدان ~~بعد أن أقرا بذلك . وقيل : إنه أصبح قتيلا بين رجلي جمل هاج . والله تعالى ~~أعلم بالصواب . الكلاب الأول قال أبو عبيدة : لما تسافهت بكر بن وائل ~~وغلبها سفهاؤها ، وتقاطعت أرحامها ؛ ارتأى رؤساؤهم فقالوا : إن سفهاءنا قد ~~غلبوا على أمرنا ، فأكل القوي الضغيف ، فنرى أن نملك علينا ملكا نعطيه ~~الشاة والبعير ، فيأخذ للضعيف من القوي ، ويرد على المظلوم من الظالم ، ولا ~~يمكن أن يكون من بعض قبائلنا فيأباه الآخرون ، فيفسد ذات بيننا ، ولكننا ~~نأتي تبعا فنملكه علينا ، فأتوه فذكروا له أمرهم فملك عليهم الحارث بن عمرو ~~آكل المرار الكندي ، فقدم فنزل بطن عاقل . ثم غزا ببكر بن وائل حتى انتزع ~~عامة ما في أيدي ملوك الحيرة اللخميين ، وملوك الشام الغسانيين ، وردهم إلى ~~أقاصي أعمالهم ، ثم طعن في نيطة فمات فدفن ببطن عاقل . واختلف ابناه شرحبيل ~~وسلمة في الملك ، فتواعدا ms3112 الكلاب ، فأقبل شرحبيل في ضبة والرباب كلها ، ~~وبني يربوع ، وبكر بن وائل . وأقبل سلمة في تغلب والنمر وبهراء ومن تبعه من ~~بني مالك بن حنظلة ، وعليهم سفيان بن مجاشع ، وعلى تغلب السفاح ، وإنما قيل ~~له السفاح لأنه سفح أوعية قومه وقال لهم : اندروا إلى ماء الكلاب ، فسبقوا ~~ونزلوا عليه ، وإنما خرجت بكر مع شرحبيل لعداوتها لبني تغلب ، PageV15P0310 # """""" صفحة رقم 311 """""" فالتقوا على الكلاب ، واستحر القتل في بني ~~يربوع ، وشد أبو حنش على شرحبيل فقتله ، وكان شرحبيل قد قتل ابنه حنشا ، ~~فأراد أبو حنش أن يأتي برأسه إلى سلمة ، فخافه فبعثه مع عسيف له ، فلما رآه ~~سلمة دمعت عيناه وقال له : أنت قتلته ؟ قال لا ، ولكن قتله أبو حنش ، إنما ~~أدفع الثواب إلى قاتله ، فهرب أبو حنش منه ، فقال سلمة في ذلك : ألا أبلغ ~~أبا حنش رسولا . . . فمالك لا تجيء إلى الثواب تعلم أن خير الناس طرا . . . ~~قتيل بين أحجار الكلاب يوم الصفقة وهو يوم الكلاب الثاني قال أبوعبيدة : ~~كان يوم الكلاب متصلا بيوم الصفقة . وكان من حديث الصفقة أن كسرى كان قد ~~أوقع ببني تميم ، فأخذ الأموال وسبى الذراري بمدينة هجر ، وذلك أنهم أغاروا ~~على لطيمة له فيها مسك وعنبر وجوهر كثير ، فسميت تلك الوقعة يوم الصفقة ، ~~ثم إن بني تميم أداروا أمرهم ، وقال ذو الحجى منهم : إنكم قد أغضبتم الملك ~~، وقد أوقع بكم حتى وهنتم ، وتسامعت بما لقيتم القبائل ، ولا تأمنون دوران ~~العرب . فجمعوا سبعة من رؤسائهم وشاوروهم في أمرهم ، وهم : أكثم بن صيفي ~~الأسدي ، والاحيمر بن يزيد بن مرة المازني ، وقيس بن عاصم المنقري ، وأبير ~~بن عصمة التيمي ، والنعمان بن جساس التيمي ، وأبين بن عمرو السعدي ، ~~والزبرقان بن بدر السعدي فقالوا لهم : ماذا ترون ؟ فقال أكثم بن صيفي ، ~~وكان يكنى أبا حنش : إن الناس قد بلغهم ما لقينا ، ونخاف أن يطمعوا فينا ، ~~وإني قد نيفت على التسعين ، وقد نحل قلبي كما نحل جسمي ، وأخاف ألا يدرك ~~ذهني الرأي لكم ، فليعرض علي كل رجل منكم رأيه وما يحضره فإني ms3113 متى أسمع ~~الحزم أعرفه ، فقال كل منهم ما عنده ، وأكثم ساكت لا يتكلم ، حتى قام ~~النعمان بن الجساس فقال : يا قوم ، أنظروا ماء يجمعكم ولا يعلم الناس بأي ~~ماء أنتم حتى تنفرج الحلقة عنكم ، وقد صلحت أحوالكم ، وانجبر كسيركم ، وقوى ~~ضعيفكم ، ولا أعلم ماء يجمعكم إلا قدة ، فقال أكثم : هذا هو الرأي ، ~~فارتحلوا PageV15P0311 # """""" صفحة رقم 312 """""" حتى نزلوا الكلاب ، وبين أدناه وأقصاه مسيرة ~~يوم ، وأعلاه مما يلي اليمن ، وأسفله مما يلي العراق . فنزلت سعد والرباب ~~بأعلى الوادي ، ونزلت حنظلة بأسفله . قال : وكانوا لا يخافون أن يغزوا في ~~القيظ ، لبعد تلك الصحارى وشدة الحر بها وقلة المياه ، فأقاموا بقية القيظ ~~لا يعلم أحد بمكانهم ، حتى إذا تهور القيظ بعث الله ذا العيينتين ، وهو من ~~أهل مدينة هجر ، فمر بقدة وصحاريها ، فرأى ما بها من النعم ، فانطلق حتى ~~أتى أهل هجر فقال : هل لكم في جارية عذراء ، ومهرة شوهاء ، وبكرة حمراء ، ~~ليس دونها نكبة ؟ قالوا : ومن لنا بذلك ؟ قال : تلكم تميم ألقاء مطروحون ~~بقدة . فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا : اغتنموها من بني تميم . فأخرجوا معهم ~~أربعة أملاك بقال لهم اليزيدون : يزيد بن هوبر ، ويزيد بن عبد المدان ، ~~ويزيد بن المأموم ، ويزيد بن المخرم ، وهم كلهم حارثيون ومعهم عبد يغوث ~~الحارثي ، وكان كل واحد منهم على ألفين ، فمضوا حتى إذا كانوا ببلاد باهلة ~~قال جرير بن جزء الباهلي لابنه : يا بني ، هل لك في أكرومة لا يصاب أبدا ~~مثلها ؟ قال : وما ذلك ؟ قال : هذا الحي من تميم قد لجاوا ها هنا مخافة ~~كسرى ، وقد قصصت أثر الجيش يريدونهم ، فأركب جملي الأرحبي ، وسرسيرا رويدا ~~عقبة من الليل ، ثم حل عنه حبليه وأنحه وتوسد ذراعه ، فإذا سمعته قد أفاض ~~يجرته وبال فاستنقعت ثفناته في بوله ، فشد حبليه ثم ضع السوط عليه ، فإنك ~~لا تسال جملك شيئا من السير إلا أعطاكه حتى تصبح القوم . ففعل ما أمره به . ~~قال الباهلي : فحللت بالكلاب قبل الجيش فناديت : يا صباحاه فإنهم ليثبون ~~إلي ليسألوني من أنت ؟ إذ أقبل رجل ms3114 منهم من بني شقيق على مهر قد كان في ~~النعم فنادى : يا صباحاه ، قد أتى على النعم ، ثم كر راجعا نحو الجيش ، ~~فلقيه عبد يغوث الحارثي وهو أول الرعيل ، فطعنه في رأس معدته فسبق اللبن ~~الدم ، فقال عبد يغوث : أطيعوني وامضوا بالنعم وخلوا العجائز من تميم ساقطة ~~أفواهها ، فقالوا : أما دون أن تنكح بناتهم فلا . وقال ضمرة بن لبيد ~~الحماسي ثم المذحجي الكاهن : أنظروا إذا سقتم النعم فإن أتتكم الخيل عصبا ~~عصبا تنتظر العصبة أن تنتظم الأخرى حتى تلتحق بها فإن أمر القوم هين ، وإن ~~لحق بكم القوم ولم ينتظر بعضهم بعضا حتى يردوا وجوه النعم فإن أمرهم شديد . ~~PageV15P0312 # """""" صفحة رقم 313 """""" وتقدمت سعد والرباب في أوائل الخيل والتقوا ~~بالقوم فلم يلتفتوا إليهم ، واستقبلوا النعم ولم ينتظر بعضهم بعضا . ورئيس ~~الرباب النعمان بن الجساس ورئيس بني سعد قيس بن عاصم ، فالتقى القوم ، فكان ~~النعمان أول صريع ، واقتتل الفريقان حتى حجز بينهم الليل ، ثم أصبحوا على ~~راياتهم ، فنادى قيس بن عاصم : يا آل سعد يريد سعد بن زيد ، ونادى عبد يغوث ~~: يا آل سعد يريد سعد العشيرة ، فلما سمع قيس ذلك نادى : يا آل كعب يريد ~~كعب بن سعد ، ونادى عبد يغوث : يا آل كعب يريد كعب بن عمرو ، فلما رأى ذلك ~~نادى يا آل مقاعس فلما سمع وعلة ابن عبد الله الجرمي - وكان صاحب لواء أهل ~~اليمن - نادى : يا آل مقاعس ، تفاءل بع فطرح له اللواء ، وكان أول من انهزم ~~، فحملت عليهم سعد والرباب فهزموهم ، ونادى قيس بن عاصم : يا آل تميم ، لا ~~تقتلوا إلا فارسا فإن الرجالة لكم ، ثم جعل يرتجز ويقول : لما تولوا عصبا ~~شوازبا . . . أقسمت لا أطعن إلا راكبا إني وجدت الطعن فيهم صائبا وأمر قيس ~~بت عاصم أن يتبعوا المنهزمة ، ويعرقبوا من لحقوه ، ولا يشتغلوا بالقتل عن ~~أتباعهم ، فخروا دوابرهم ، وفي ذلك يقول وعلة : فدي لكم أهلي وأمي ووالدي . ~~. . غداة كلاب إذ تحز الدوابر وأسر عبد يغوت ، أسره مصاد بن ربيعة بن ~~الحارث وكتفه وأردفه خلفه ms3115 ، وكان مصاد قد أصابته طعنة في مأبضه ، وكان عرقه ~~يهمى ، فنزفه الدم ، فمال عن فرسه مقلوبا . فلما رأى ذلك عبد يغوث قطع ~~كتافه وأجهز عليه وانطلق على فرسه ، وذلك أول النهار ، ثم ظفر به بعد في ~~آخره ، ونادى مناد : قتل اليزيدون ، وشد قبيصة بن ضرار الضبي على ضمرة بن ~~لبيد الحماسي الكاهن فطعنه فخر صريعا ، فقال له قبيصة : ألا أنبأك تابعك ~~بمصرعك اليوم ، ثم أسر عبد يغوث ، أسره عصمة بن أبير التيمي . PageV15P0313 # """""" صفحة رقم 314 """""" قال أبوعبيدة : انتهى عصمة بن أبير إلى مصاد ~~فوجده صريعا ، وكان قبل ذلك رأى عبد يغوث أسيرا في يديه ، فعلم أنه الذي ~~أجهز عليه فاقتص أثره فلحقه وقال : ويحك إني رجل أحب اللين ، وأنا خير لك ~~من الفلاة والعطش . قال : ومن أنت ؟ قال : عصمة بن أبير ، فانطلق به عصمة ~~حتى جثاه عند الأهتم على أن جعل له من فدائه جعلا ، فتركه الأهتم عند ~~امرأته العبشمية ، فأعجبها جماله وكمال خلقته ، وكان عصمة الذي أسره غلاما ~~نحيفا ، فقالت له : من أنت ؟ قال : أنا سيد القوم ، فضحكت وقالت : قبحك ~~الله سيد قوم حين أسرك مثل هذا ، ففي ذلك يقول عبد يغوث : وتضحك مني شيخة ~~عبشمية . . . كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا فاجتمعت الرباب إلىالاهتم وقالت ~~: ثأرنا عندك ، وقد قتل مصاد والنعمان فأخرجه إلينا ، فأبى الأهتم أن يخرجه ~~إليهم ، فكاد أن يكون بين الحيين : الرباب وسعد ، فتنة حتى أقبل قيس بن ~~عاصم المنقري فقال : أيؤتى قطع حلف الرباب من قبلنا ؟ فضرب فاه بقوس فهتمه ~~، فسمى الأهتم ، فقال الأهتم : إنما دفعه إلى عصمة ابن أبير ، ولا أدفعه ~~إلا لمن دفعه إلي ، فليجئ فيأخذه ، فأتوا عصمة فقالوا : يا عصمة ، قتل ~~سيدنا النعمان وفارسنا مصاد ، وثأرنا أسيرك ، فما كان ينبغي لك أن تستحييه ~~فقال : إني ممعل وقد أصبت الغني ، ولا تطيب نفسي على أسيري ، فاشتراه بنو ~~جساس بمائة بعير ، فدفعه إليهم ، فخشوا أن يهجرهم ، فشدوا على لسانه تسعة ، ~~فقال : إنكم قاتلي لا محالة ، فدعوني أذم أصحابي وأنوح على نفسي فقالوا : ~~إنك شاعر ms3116 ونخاف أن تهجونا ، فعقد لهم ألا يفعل ، فأطلقوا لسانه ، فقال ~~قصيدته التي أولها : ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا . . . فما لكما في ~~اللوم خير ولا ليا ومنها : أقول وقد شدوا لساني بنسعة . . . أمعشر تيم ~~أطلقوا لي لسانيا أمعشر تيم قد ملكتم فأسجعوا . . . فإن أسارى لم يكن من ~~توانيا وقد علمت عرسي مليكه أنني . . . أنا الليث معديا عليه وعاديا ~~PageV15P0314 # """""" صفحة رقم 315 """""" ومنها : كأني لم أركب جوادا ولم أقل . . . ~~لخبلي كرى قاتلي عن رجاليا ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل . . . لأيسار صدق ~~أعظموا ضوء ناريا قال : فلما ضربت عنقه قالت ابنة مصاد : بؤ بمصاد فقال بنو ~~النعمان : يالكاع نحن نشتريه ونبؤ بمصاد ، فوقع بينهم ، في ذلك الشر ، ثم ~~اصطلحوا . يوم طخفة قال : كانت الرفادة ، وقيل الردافة ، ردافة الملوك ~~لعتاب بن هرمي بن رياح ، ثم كانت لقيس بن عتاب ، فسأل حاجب بن زرارة ~~النعمان أن يجعلها للحارث بن مرط بن سفيان بن مجاشع ، فسألها النعمان بني ~~يربوع وقال : أعقبوا إخوتكم في الرفادة ، قالوا : إنهم لا حاجة لهم فيها ، ~~وإنما سألها حاجب جسدا لنا وأبوا عليه ، فقال الحارث بن شهاب وهو عند ~~النعمان : إن بني يربوع لا يسلمون ردافتهم إلى غيرهم . وقال حاجب : إن بعث ~~الملك إليهم جيشا لم يمنعوه ولم يمتنعوا . فبعث النعمان إليهم قابوسا ابنه ~~، وحسان بن المنذر ؛ فكان قابوس على الناس ، وحسان على المقدمة ، وبعث معهم ~~الصنائع والوضائع - فالصنائع : من كان يأتيه من العرب ، والوضائع : ~~المقيمون بالحيرة - فالتقوا بطخفة ، فانهزم قابوس ومن معه ، وضرب طارق بن ~~عميرة فرس قابوس فعقره ، وأخذه ليجز ناصيته ، فقال قابوس : إن الملوك لا ~~تجز نواصيها ، فجهزه وأرسله إلى أبيه ، وأما حسان بن المنذر فأسره بشر ابن ~~عمرو الرياحي ، ثم من عليه وأرسله ، ففي ذلك يقول مالك بن نويرة : ونحن ~~عقرنا مهر قابوس بعدما . . . رأى القوم منه الموت والخيل تلحب عليه دلاص ~~ذات نسج وسيفه . . . جزار من الهندي أبيض مقضب PageV15P0315 # """""" صفحة رقم 316 """""" يوم فيف الريح قال أبو عبيدة : تجمعت قبائل ~~مذحج وأكثرها بنو الحارث ms3117 بن كعب ، وقبائل من مراد وجعفي وزبيد وخثعم ، ~~وعليهم أنس بن مدرك ، وعلى بني الحارث الحصين ، فأغاروا على بني عامر بن ~~صعصعة بطيف الريح ، وعلى بني عامر ، عامر بن مالك ملاعب الأسنة . قال : ~~فاقتتل القوم ، فكسروهم ، وارفضت قبائل من بني عامر ، وصبرت بنو نمير ، ~~وأقبل عامر بن الطفيل وخلفه دعى بني جعفر فقال : يا معشر الفتيان ، من ضرب ~~ضربة أو طعن طعنة فليشهدني فكان الفارس إذا ضرب ضربة أو طعن طعنة ، قال عند ~~ذلك : أبا علي ، فبينما هو كذلك إذ أتاه مسهر بن يزيد الحارثي ، فقال له من ~~ورائه : عندك يا عامر والريح عند أذنه فوهصه - أي طعنه - ، فأصاب عينه ، ~~فوثب عامر عن فرسه ونجا على راحلته ، وأخذ مسهر رمح عامر ، ففي ذلك يقول ~~عامر بن الطفيل من أبيات : لعمري وما عمري على بهين . . . لقد شان حر الوجه ~~طعنة مسهر وقال مسهر - وقد زعم أنهم أخذوا امرأة عامر - : وهصت بخرص الرمح ~~مقلة عامر . . . فأضحى نحيفا في الفوارس أعورا وغادر فينا رمحه وسلاحه . . ~~. وأدبر يدعو في الهوالك جعفرا وكنا إذا قيسية ذهبت بنا . . . جرى دمعها من ~~عينها فتحدرا مخافة ما لاقت حليلة عامر . . . من الشر إذ سربالها قد تعفرا ~~قال : وكانت هذه الوقعة وقد بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمكة ، ~~وأدرك مسهر بن يزيد الإسلام فأسلم . يوم زرود الأول غزا الحوفزان حتى انتهى ~~إلى زرود خلف جبل من جبالها ، فأغاروا على نعم كثير لبني عبس فاجتازوها ، ~~وأتى الصريخ لبني عبس فركبوا ، ولحق عمارة بن زياد العبسي الحوفزان فعرفه - ~~وكانت أم عمارة قد أرضعت مضر بن شريك ، وهو أخو PageV15P0316 # """""" صفحة رقم 317 """""" الحوفزان - فقال : يا بني شريك ، قد علمتم ما ~~بيننا وبينكم ، قال الحوفزان - وهو الحارث بن شريك - : صدقت يا عمارة ، ~~فانظر كل شيء هو لك فخذه ، فقال عمارة : لقد علمت نساء بني بكر بن وائل أني ~~لن أملا أيدي أزواجهن وأبنائهن شفقة عليهن من الموت ، فحل عمارة ليعارض ~~النعم ليرده ، وحال الحوفزان بينه وبين النعم ، فعثرت بعمارة فرسه فطعنه ms3118 ~~الحوفزان ، وطعنه نعامة بن عبد الله بن شريك : وأسر ابنا عمارة : سنان ~~وشداد ، وكان في بني عبس رجلان من طيء : ابنان لأوس ابن حارثة ، مجاورين ~~لهم ، وكان لهما أخ أسير في بني يشكر ، فلما فقدته بنو شيبان نادوا : يا ~~ثارات معدان فعند ذلك قتلوا إبني عمارة وهرب الطائيان بأسيرهما . فلما برئ ~~عمارة من جراحه أتى طيئا فقال : ادفعوا إلي هذا الكلب الذي قتلنا به ، فقال ~~الطائي لأوس : ادفع إلى بني عبس صاحبهم ، فقال لهم : تأمرنني أن أعطي بني ~~عبس قطرة من دمي ، وإن ابني أسير في بني يشكر ؟ فوالله ما أرجو فكاكه إلا ~~بهذا . فلما قفل الحوفزان من غزوه بعث إلى بني يشكر في ابن أوس ، فبعثوا به ~~إليه ، فافتدى به معدان ، وقال نعامة بن شريك : استنزلت رماحنا سنانا . . . ~~وشيخنا بطخفة عنانا ثم أخوه قد رأى هوانا . . . لما فقدنا بيننا معدانا يوم ~~غول الأول وهو يوم كنهل قال أبو عبيدة : أقبل ابنا هجيمة - وهما من غسان - ~~في جيش فنزلا في بني يربوع ، فجاورا طارق بن عوف بن عاصم بن ثعلبة بن يربوع ~~، فنزلا معه على ماء يقال له : كنهل ، فأغار أناس من ثعلبة بن يربوع ، ~~فاستاقوا نعمهما وأسروا من كان في النعم ، فركب قيس بن هجيمة بخيله حتى ~~أدرك بني ثعلبة ، فكر عليه عتيبة بن الحارث ، فقال له قيس : عل لك يا عتيبة ~~إلى البراز ؟ قال ، ما كنت لأسأله وأدعه ، فبارزه ، قال عتيبة : فما رأيت ~~فارسا أملأ لعيني منه ، فطعنني فأصاب قربوس سرجي ، حتى وجدت مس السنان في ~~باطن فخذي ، ثم أرسل الرمح وهو يرى أن قد أثبتني وانصرف فأتبعته الفرس ، ~~فلما سمع زجلها رجع جانحا على قربوس سرجه ، وبدا لي فرج الدرع فطعنته ~~بالرمح ، فقتلته وانصرفت فلحقت النعم ، وأقبل الهرماس بن هجيمة فوقف على ~~أخيه قتيلا ، ثم ابتغى فقال : هل لك في البراز ؟ فقلت : لعل الرجعة خير لك ~~، قال : أبعد قيس ؟ ثم شد علي وضربني على البيضة ، فخلص السيف إلى رأسي ، ~~فضربته ، فقتله فقال جرير : وساق ابني هجيمة يوم ms3119 غول . . . إلى أسيافنا قدر ~~الحمام PageV15P0317 # """""" صفحة رقم 318 """""" يوم الجبات قال أبو عبيدة : خرج بنو ثعلبة بن ~~يربوع فمروا بناس من طوائف بكر بن وائل بالجبابات ، خرجوا سفارا ، فنزلوا ~~وسرحوا إبلهم ترعى ، وفيها نفر منهم يرعونها ، منهم : سوادة بن يزيد بن ~~بجير العجلي ، ورجل من بني شيبان ، وكان محموما ، فمرت بنو ثعلبة بن يربوع ~~بالإبل فاطردوها وأخذوا الرجلين من بني شيبان ، فسألوهما : من معكما ؟ قالا ~~: معنا شيخ من يزيد بن بجير العجلي في عصابة من بكر بن وائل خرجوا سفارا ~~يريدون البحرين ، فقال الربيع ودعموص ابنا عتيبة بن الحارث بن شهاب : أنذهب ~~بهذين الرجلين وهذه الإبل ولم يعلموا من أخذها ، ارجعوا بنا حتى يعلموا من ~~أخذ إبلهم وصاحبهم لنعينهم بذلك ، فقال عميرة لهما : ما وراءكما إلا شيخ ~~ابن يزيد قد أخذتما أخاه وأطردتما إبله دعاه ، فأبيا ورجعا إليه وأخبراهم ~~وتسميا لهم ، فركب شيخ ابن يزيد فاتبعهما وقد وليا ، فلحق دعموصا فأسره ، ~~ومضى ربيع حتى أتى عميرة فأخبره أن أخاه قد قتل ، فرجع على فرس له يقال لها ~~الخنساء حتى لحق القوم ، فافتك منهم دعموصا على أن ، يرد عليهم أخاهم ~~وإبلهم ، فردها إليهم ، فكفر بنو عتيبة ولم يشكروا عميرة ، فقال عميرة في ~~ذلك : ألم ترد دعموصا يصد بوجهه . . . إذا ما رآني مقبلا لم يسلم ألم تعلما ~~يا ابني عتيبة مقدمي . . . على ساقط بين الأسنة مسلم فعارضت فيه القوم حتى ~~انتزعته . . . جهارا ولم أنظر له بالتلوم يوم الشعب غزا قيس بن شرقاء ~~التغلبي ، فأغار على بني يربوع بالشعب ، فاقتتلوا ، فانهزمت بنو يربوع ، ~~فأسر سحيم بن وثيل الرياحي ، فقال سحيم في ذلك : أقول لهم بالشعب إذ ~~يأسرونني . . . ألم تعلموا أني ابن فارس زهدم ففدى نفسه وأسر أيضا متمم بن ~~نويرة ، فوفد مالك بن نويرة على قيس بن شرقاء في فدائه فقال : هل أنت يا ~~قيس بن شرقاء منعم . . . أو الجهد إن أعطيته أنت قابله فلما رأى وسامته قال ~~: بل منعم ، فأطلقه له . PageV15P0318 # """""" صفحة رقم 319 """""" يوم غول الثاني فيه قتل طريف شراحيل وعمرو ms3120 بن ~~مرثد المحلمي غزا طريف بن هشيم في بني العنبر بن تميم فأغار على بكر بن ~~وائل بغول ، فاقتتلوا ، ثم إن بكرا انهزمت ، فقتل طريف شراحيل أحد بني ~~ربيعة ، وقتل أيضا عمرو بن مرثد ، وقتل المجشر . يوم الخندمة كان رجل من ~~مشركي قريش يحد حربة يوم فتح مكة ، فقالت له امرأته : ما تصنع بهذه ؟ قال : ~~أعددتها لمحمد وأصحابه فقالت له : ما أرى أنه يقوم لمحمد وأصحابه شيء فقال ~~: والله إني لأرجو أن أخدمك بعض نسائهم ، وأنشأ يقول : إن يقبلوا اليوم فما ~~لي علة . . . هذا سلاح كامل واله وذو غرارين سريع السله فلما لقبهم خالد بن ~~الوليد يوم الخندمة انهزم الرجل لا يلوي على شيء فلامته امرأته في ذلك ، ~~فقال : إنك لو شهدت يوم الخندمة . . . إذ فر صفوان وفر عكرمة لقيتنا ~~بالسيوف المسلمة . . . يفلقن كل ساعد وجمجمة ضربا فلا تسمع إلا غمغمه . . . ~~لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه وهذه القصة تذكرها - إن شاء الله - في أثناء ~~السيرة النبوية في يوم فتح مكة . يوم اللهيماء قال أبو عبيدة : كان سبب ~~الحرب التي كانت بين عمرو بن الحارث بن تميم ابن سعد بن هذيل ، وبين عمرو ~~بن عدي بن الدئل بن بكر بن عبد مناة ، أن قيس بن عامر بن غريب أخا بني عمرو ~~بن عدي وأخاه سالما ، خرجا يريدان بني عمرو بن PageV15P0319 # """""" صفحة رقم 320 """""" الحارث ، على فرسين ، يقال لأحدهما : اللعاب ~~، والآخر : غفزر ، فباتا عند رجل من بني نفاثة ، فقال النفاثي لقيس وأخيه ، ~~أطيعاني وارجعا ، لأعرفن رماحكما تكسر في قتاد نعمان ، قالا : إن رماحنا لا ~~تكسر إلا في صدور الرجال قال : لا يضركما ؛ وستحمدان أمري ، فأصبحا غاديين ~~. فلما شارفا متن اللهيماء من نمان ، وبنو عمرو بن الحارث فويق ذلك بموضع ~~يقال له أديمة ، وأغارا على غنم لجندب بن أبي أعيبس ، وفيها جندب ، فتقدم ~~إليه قيس ، فرماه جندب على حلمة ثديه وبعجه قيس بالسيف فأصابت ضبة السيف ~~وجه جندب ، وحز قيس ونفرت الغنم نحو الدار فتبعها وحمل سالم على جندب بفرسه ~~عفرز ، فضرب ms3121 جندب خطم الفرس بالسيف فقطعه ، وضربه سالم بالسيف فقطع إحدى ~~ثدييه ، فخر جندب ووقف عليه سالم ، وأدرك العشي سالما ، فخرج وترك سيفه في ~~المعركة وثوبه بحقويه ، ولم ينج إلا بحفن سيفه ومئزره فقال حذيفة بن أنيس ~~في ذلك من أبيات : كشفت غطاء الحرب لما رأيتها . . . تميل على صفو من الليل ~~أعسرا أخو الحرب إن عصت به الحرب عضها . . . وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا ~~ويمشي إذا ما الموت كان أمامه . . . كذا الشبل يحمي الأنف أن يتأخرا نجا ~~سالم والنفس منه بشرقة . . . ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا وطاب عن اللعاب ~~نفسا ورمة . . . وغادر قيسا في المكر وعفزرا يوم خزار قال أبو عبيدة : ~~تنازع عامر ومسمع ابنا عبد الملك ، وخالد بن جبلة ، وإبراهيم بن محمد بن ~~نوح العطاردي ، وغسان بن عبد الحميد ، وعبد الله بن سالم الباهلي ، ونفر من ~~وجوه أهل البصرة كانوا بتجالسون يوم الجمعة ويتفاخرون ويتنازعون في الرياسة ~~يوم خزار . فقال خالد بن جبلة : كان الأحوص ابن جعفر PageV15P0320 # """""" صفحة رقم 321 """""" الرئيس . وقال عامر ومسمع : كان الرئيس كليب ~~وائل . وقال ابن نوح : كان الرئيس زرارة بن عدس ، وهذا في مجلس أبي عمرو بن ~~العلا ، فتحاكموا إليه فقال : ما شهدها عامر بن صعصعة ، ولا دارم بن مالك ، ~~ولا جشم بن بكر ، اليوم أقدم من ذلك ، غير أن أهل اليمن كان الرجل منهم ~~يجيء ومعه كاتب وطنفسة بقمد عليها ، فيأخذ من أموال نزار ما شاء ، كعمال ~~صدقاتهم اليوم ، وكان أول يوم امتنعت معد عن الملوك : ملوك حمير ، وكانت ~~نزار لم تكثر بعد ، فأوقدوا نارا على خزاز ثلاث ليال ، ودخنوا ثلاثة أيام ، ~~فقيل له : ما الخزاز ؟ قال : هو جبل قريب من أمرة على يسار الطريق خلفه ~~صحراء منعج ، ففي ذلك اليوم امتنعت نزار من أهل اليمن ، قال عمرو بن كلثوم ~~: ونحن غداة أوقد في خزار . . . رفدنا فوق رفد الرافدينا فكا الأيمنين إذا ~~التقينا . . . وكان الأيسرين بنو أبينا فصالوا صولة فيمن يليهم . . . وصلنا ~~صولة فيمن يلينا فآبوا بالنهاب وبالسبايا . . . وأبنا بالملوك مصفدينا قال ms3122 ~~أبو عمرو بن العلاء : ولو كان جده كليب وائل قائدهم ورئيسهم ما ادعى ~~الرفادة وترك الرياسة . يوم النسار قال أبو عبيدة : تحالفت أسد وطيئ وغطفان ~~، ولحقت بهم ضبة وعدي ، فغزوا بني عامر فقتلوهم قتلا شديدا ، فغضبت بنو ~~تميم لمقتل بني عامر ، فتجمعوا حتى لحقوا طيئا وغطفان وحلفاءهم من ضبة وعدي ~~يوم الفجار ، فقتلت تميم طيئا اشد مما قتلت عامر يوم النسار ، فقال بشر بن ~~أبي خازم : غضبت تميم أن تقتل عامر . . . يوم النسار فأعقبوا بالصيلم ~~PageV15P0321 # """""" صفحة رقم 322 """""" يوم ذات الشقوق قال : فحلف ضمرة بن ضمرة ~~النهشلي وقال : الخمر علي حرام حتى يكون لنا يوم يكافئه ، فأغار عليهم يوم ~~ذات الشقوق فقتلهم وقال في ذلك : الآن ساغ لي الشراب ولم أكن . . . آتى ~~الفجار ولا اشد تكلمي حتى صبحت على الشقوق بغارة . . . كالتمر تنثر في جرين ~~الجرم وأفأت يوما بالحفار بمثله . . . وأجزت نصفا من حديث الموسم ومشت نساء ~~كالنساء عواطلا . . . من بين عارفة النساء وأيم ذهب الرماح بزوجها فتركنه . ~~. . في صدر معتدل القناة مقوم يوم خو قال أبو عبيدة : أغارت بنو أسد على ~~بني يربوع فاكتسحوا إبلهم ، فأتى الصريخ الحي فلم يتلاحقوا إلا مساء بموضع ~~يقال له خو ، وكان ذؤاب بن ربيعة الأسدي على فرس أنثى ، وكان عتيبة بن ~~الحارث بن شهاب على حصان يستثنى ريح الألئي في سواد الليل ويتبعها ، فلم ~~يعلم عتيبة إلا وقد أقحم فرسه على ذؤاب ابن ربيعة ، وعتيبة غافل لا يبصر ما ~~بين يديه ، فرآه ذؤاب فطعنه في نحره فقتله ، ولحق الربيع بن عتيبة فشد على ~~ذؤاب فأسره وهو لا يعلم أنه قاتل أبيه ، فلم يزل عنده أسيرا حتى فاداه أبوه ~~ربيعة بإبل قاطعه عليها ، وتواعدا بسوق عكاظ في الأشهر الحرم أن يأتي هذا ~~بالإبل وهذا بالأسير ، فأقبل أبو ذؤاب بالإبل ، وشغل لربيع بن عتيبة فلم ~~يحضر سوق عكاظ ، فظن ربيعة أبو ذؤاب أن ذؤابا قتل بعتيبة ، فقال يرثيه : ~~أبلغ قبائل جعفر مخصوصة . . . ما إن أحاول جعفر بن كلاب إن المودة والهوادة ~~بيننا . . . خلق كسحق الريطة ms3123 المنجاب ولقد علمت على التجلد والأسى . . . أن ~~الرزية كان يوم ذؤاب إن يقتلوك فقد هتكت بيوتهم . . . بعتيبة بن الحارث بن ~~شهاب بأحبهم فقدا على أعدائه . . . وأشدهم فقدا على الأصحاب فلما بلغ إليهم ~~الشعر قتلوا ذؤاب بن ربيعة . PageV15P0322 # """""" صفحة رقم 323 """""" أيام الفجار الفجار الأول قال أبو عبيدة : ~~أيام الفجار عدة ، فأولها بين كنانة وهوازن . وكان الذي هاجه أن بدر بن ~~معشر أحد بني عقال بن مليك ين ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة جعل له ~~مجلسا بسوق عكاظ ، وكان منيعا في نفسه ، فقام في المجلس وقام على رأسه قائم ~~وأنشأ يقول : نحن ينو مدركه بن خندف . . . من يطعنوا في عينه لا يطرف ومن ~~يكونوا قومه يغطرف . . . كأنهم لجة بحر مسدف قال : ومد رجله وقال : أنا أعز ~~العرب ، فمن زعم أنه أعز مني فليضربها ، فضربها الأحيمر بن مازن أحد بني ~~دهمان بن نضر بن معاوية ، فأندرها من الركبة وقال : خذها إليك أيها المخندف ~~قال أبو عبيدة : إنما خرصها خريصية يسيرة وقال في ذلك : نحن بنو دهمان ذو ~~التغطرف . . . بحر لبحر زاخر لم ينزف نبني على الأحياء بالمعرف قال أبو ~~عبيدة : فتحاور الحيان عند ذلك حتى كاد يكون بينهم قتال ، ثم تراجعوا ورأوا ~~أن الخطب يسير . الفجار الثاني قال : كان الفجار الثاني بين قريش وهوازن ، ~~وكان الذي هاجه أن فتية من قريش قعدوا إلى امرأة من بني عامر بن صعصعة ~~وضيئة بسوق عكاظ . وقالوا : بل أطاف بها PageV15P0323 # """""" صفحة رقم 324 """""" شباب من بني كنانة وعليها برقع فأعجبهم ما ~~رأوا من هيئتها ، فسألوها أن تسفر عن وجهها ، فأبت عليهم ، فاتى أحدهم ، من ~~خلفها فشد دبر درعها بشوكة إلى ظهرها وهي لا تدري ، فلما قامت تقلص الدرع ~~عن دبرها ، فضحكوا وقالوا : منعتنا النظر إلى وجهها فقد رأينا دبرها ، ~~فنادت المرأة : يا آل عامر فتحاور الناس ، وكان بينهم قتال ودماء يسيرة ، ~~فحملها حرب بن أمية وأصلح بينهم . الفجار الثالث وهو بين كنانة وهوازن وكان ~~الذي هاجه أن رجلا من بني كنانة كان عليه ms3124 دين لرجل من بني نضر بن معاوية ، ~~فأعدم الكناني ، فوافى النضري بسوق عكاظ بقرد ، فأوقفه في سوق عكاظ فقال : ~~من يبيعني مثل هذا بما لي على فلان حتى أكثر في ذلك . وإنما فعل ذلك تعبيرا ~~للكناني ولقومه ، فمر به رجل من بني كنانة فضرب القرد بالسيف فقتله فهتف ~~النضري : ياآل هوازن وهتف الكناني : ياآل كنانة فهاج الناس حتى كاد أن يكون ~~بينهم قتال ، ثم رأوا الخطب يسيرا فتراجعوا . قال أبو عبيدة : إنما سميت ~~هذه الأيام بالفجار لأنها كانت في الأشهر الحرم ، وهي الشهور التي يحرمونها ~~، وهذه يقال لها أيام الفجار الأول . الفجار الآخر وهو بين قريش وكنانة ~~كلها وبين هوازن وإنما هاجها البراض بقتله عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن ~~كلاب ، فأبت أن تقتل بعروة البراض لأن عروة سيد هوازن ، والبراض خليع من ~~بني كنانة ، وأرادوا أن يقتله سيدا من قريش . وهذه الحرب كانت قبل مبعث ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بست وعشرين سنة ، وقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " كنت أنبل على أعمامي يوم الفجار وأنا ابن أربع عشرة سنة " ~~يعني أناولهم النبل . وكان سبب هذه لحرب أن النعمان بن المنذر اللخمي ملك ~~الحيرة كان يبعث إلى سوق عكاظ في كل عام لطيمة في جوار رجل شريف من أشراف ~~العرب يجيرها له ، حتى تباع هنالك ويشتري له بها من أدم الطائف ما يحتاج ~~إليه . وكانت سوق عكاظ تقوم في أول يوم من ذي القعدة ، فيتسوقون إلى حضور ~~الحجج ، ثم يحجون ، فجهز النعمان عير اللطيمة ثم قال : من يحيرها ؟ فقال ~~البراض بن قيس الضمري : أنا أجيرها على بني كنانة ، فقال النعمان : ما أريد ~~إلا رجلا يجيرها على PageV15P0324 # """""" صفحة رقم 325 """""" أهل نجد وتهامة ، فقال عروة الرحال - وهو ~~يومئذ رجل هوازن - أكلب خليع يجيرها لك ؟ أبيت اللعن أبا أجيرها لك على أهل ~~الشيح والقيصوم من أهل نجد وتهامة فقال البراض : أعلى بني كنانة تجيرها يا ~~عروة ؟ قال : وعلى الناس كلهم فدفعها النعمان إلى عروة ، فخرج بها وتبعه ~~البراض ، وعروة ms3125 لا يخشى منه شيئا ، إلى أن نزل بأرض يقال لها أوارة ، فشرب ~~من الخمر وغنته قينة ، ثم نام ، فجاء البراض فدخل عليه ، فناشده عروة وقال ~~: كانت مني زلة ، وكانت الغفلة مني ضلة ، فقتله وخرج وهو يرتجز ويقول : قد ~~كانت الغفلة مني ضله . . . هلا على غيري جعلت الزلة فسوف أعلو بالحسام ~~القلة وقال : وداهية يهال الناس منها . . . شددت لها بني بكر ضلوعي هتكت ~~بها بيوت بني كلاب . . . وأرضعت الموالي بالضروع جمعت له يدي بنصل سيف . . ~~. أفل فخر كالجدع الصريع واستاق اللطيمة إلى خيبر ، واتبعه المساور بن مالك ~~الغطفاني ، وأسد بن خيثم الغنوي حتى دخلا خيبر ، فكان البراض أول من لفيهما ~~، فقال لهما : من الرجالن ؟ قالا : من غطفان وغني . قال البراض : ما شأن ~~غطفان وغني بهذا البلد ؟ قالا : ومن أنت ؟ قال : من أهل خيبر . قالا : ألك ~~علم بالبراض ؟ قال : دخل علينا طريدا خليعا فلم يؤوه أحد بخيبر ولا أدخله ~~بيتا . قالا : فأين يكون ؟ قال : وهل لكما به طاقة إن دللتكما عليه ؟ قالا ~~: نعم . قال : فانزلا ، فنزلا وعقلا راحلتيهما . قال : أيكما أجرأ عليه ~~وأمضى مقدما وأحد سيفا ؟ قال الغطفاني : أنا . قال : فانطلق أدلك عليه ، ~~فانطلقا حتى انتهيا إلى خربة في جانب خيبر خارجة عن البيوت ، فقال البراض : ~~وهو في هذه الخربة وإليها يأوي ، فانظرني حتى أنظر أثم هو أم لا ، فوقف له ~~ودخل البراض ثم خرج إليه وقال : هو قائم في البيت الأقصى خلف هذا الجدار ، ~~فهل عند سيفك صرامة ؟ قال : نعم . قال : هات سيفك أنظر إليه اصارم هو ؟ ~~فأعطاه سيفه ، فهزه PageV15P0325 # """""" صفحة رقم 326 """""" البراض ثم ضربه فقتله ، ووضع السيف خلف الباب ~~وأقبل إلى الغنوي فقال : ما وراءك ؟ قال : أجبن من صاحبك ، تركته قائما في ~~البيت الذي فيه الرجل ، والرجل نائم لا يتقدم إليه ولا يتأخر عنه ، قال ~~الغنوي : يالهفا لو كان لي من ينظر راحلتينا ، قال البراض : هما علي إن ~~ذهبنا ، فانطلق الغنوي والبراض خلفه حتى إذا جاور الغنوي باب الخربة أخذ ~~البراض السيف من خلف الباب ثم ضربه حتى قتله ms3126 وأخذ سلاحيهما وراحلتيهما ~~وانطلق . وبلغ قريشا خبر البراص بسوق عكاظ ، فخلصوا نجيا ، واتبعتهم قيس ~~لما بلغهم أن البراض قتل عروة الرحال ، وعلى قيس أبو برإ عامر بن مالك ، ~~فادركوهم وقد دخلوا الحرم ، فنادوهم : يا معشر قريش ، إنا نعاهد الله ألا ~~نبطل دم عروة أبدا ، أو نقتل به عظميا منكم ، وميعادنا معكم هذه الليلة من ~~العام القابل ، فقال حرب بن أمية لأبي سفيان ابنه : قل لهم : إن موعدكم ~~قابل في هذا اليوم ، فقال خداش بن زهير في هذا اليوم ، وهو يوم نخلة ، من ~~أبيات أولها : يا شدة ما شددنا غير كاذبة . . . على سجينة لولا الليل ~~والحرم وكانت العرب تسمى قريشا سخينة لأكلها السخن . يوم شمظة وهو يوم نخلة ~~من الفجار الآخر قال : فجمعت كنانة قرشيها وعبد منانها والأحابيش ومن لحق ~~بهم من بني أسد بن خزيمة ، وألبس يومئذ عبد الله بن جدعان مائة كمي السلاح ~~بأداة كاملة ، سوى ما ألبس من قومه ، والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن ~~كنانة . قال : وجمعت سليم وهوازن وجموعهما وأخلافهما ، غير كلاب وبني كعب ~~فإنهما لم يشهدا يوما من أيام الفجار غير يوم نخلة ، فاجتمعوا بشمظة من ~~عكاظ في هذه الأيام التي تواعدوا فيها على قرن الحول ، وعلى كل قبيلة من ~~قريش وكنانة سيدها ، وكذلك على قبائل قيس ، غير أن أمر كنانة كلها إلى حرب ~~بن أمية ، وعلى إحدى مخبتيها عبد الله بن جدعان ، وعلى الأخرى كريز بن ~~ربيعة ، وحرب بن أمية في القلب ، وأمر هوازن كلها إلى مسعود بن معتب الثقفي ~~، فزحف بعضهم إلى بعض ، فكانت الدائرة في أول النهار لكنانة على هوازن ، ~~حتى إذا كان من آخر النهار تداعت هوازن وصابرت ، وانكشفت كنانة فاستحر ~~القتل فيهم ، فقتل منهم تحت رايتهم مائة رجل ، ويقال ثمانون ، ويم يقتل من ~~قريش أحد يذكر ، فكان هذا اليوم لهوازن على كنانة . PageV15P0326 # """""" صفحة رقم 327 """""" يوم العبلاء قال : ثم رجع هؤلاء وأولئك ~~فالتقوا على قرن الحول من يوم عكاظ ، والرؤساء عليهم الذين ذكرناهم في يوم ~~شمظة ، فكان هذا اليوم ms3127 أيضا لهوازن على كنانة . وفي هذا اليوم قتل العوام ~~بن خويلد والد الزبير ، قتله مرة بن معتب الثقفي ، وقال رجل من ثقيف : منا ~~الذي ترك العوام مجندلا . . . تنتابه الطير لحما بين أحجار يوم شرب ثم جمع ~~هؤلاء وأولئك فالتقوا على قرن الحول في اليوم الثالث من أيام عكاظ ، ~~فالتقوا بشرب ، وهو أعظم أيامهم والرؤساء عليهم وعلى المجنبتين من ذكرنا ، ~~وحمل ابن جدعان يومئذ مائة رجل على مائة بعير ممن لم تكن له حمولة ، ~~فالتقوا ، وقد كان لهوازن على كنانة يومان متواليان : يوم شمظة والعبلاء ، ~~فحمشت قريش وكنانة ، وصايرت بنو مخزوم وبنو بكر ، فانهزمت هوازن وقتلت قتلا ~~ذريعا ، فقال عبد الله بن الزبعري يمدح بني المغيرة : ألا لله قوم . . . ~~لدت أخت بنى سهم هشام وأبو عبد . . . مناف مدره الخصيم وذو الرمحين أشباك . ~~. . من القوة والحزم فهذان يدودان . . . وذا من كثب يرمي وأبو عبد مناف : ~~هاشم بن المغيرة ، وذو الرمحين : أبو ربيعة بن المغيرة ، قاتل يوم شرب ~~برمحين . وأمهم ريطة بنت سعد بن سهم ، فقال في ذلك جذل الطعان : جاءت هوازن ~~أرسالا وإخوتها . . . بنو سليم فهابوا الموت وانصرفوا فاستقبلوا بضراب فض ~~جمعهم . . . مثل الحريق فما عاجوا ولا عطفوا PageV15P0327 # """""" صفحة رقم 328 """""" يوم الحريرة ثم جمع هؤلاء وأولئك والتقوا على ~~رأس الحول بالجزيرة ، وهي حرة إلى جنب عكاظ والرؤساء على هؤلاء وأولئك هم ~~الذين كانوا في سائر الأيام ، وكذلك على المجنبتين إلا أن أبا مساحق بن قيس ~~اليعمري قد كان مات ، فكان بعده على بكر بن عبد مناة ابن كنانة أخوه بن ~~جثامة قيس ، فكان يوم الحريرة لهوازن على كنانة ، وهو آخر الأيام الخمسة ~~التي تزاحفوا فيها ، فقتل يومئذ أبو سفيان بن أمية أخو حرب بن أمية ، وقتل ~~من بني كنانة ثمانية نفر ، قتلهم عثمان بن أسيد بن مالك من بني عامر ابن ~~صعصعة ، وقتل جماعة أخر ، فقال خداش بن زهير : إني من النفر المحمر أعينهم ~~. . . أهل السوام وأهل الصخر واللوب الطاعنين نحور الخيل مقبلة . . . بكل ~~سمراء لم تغلب ومغلوب وقد بلوتم وأبلوكم ms3128 بلاءهم . . . يوم الحريرة ضربا غير ~~تكذيب لاقيتم منهم آساد ملحمة . . . ليسوا بزراعة عوج العراقيب فالآن إن ~~تقبلوا نأخذ نحوركم . . . وإن تباهوا فإني غير مغلوب وقال الحارث بن كلدة ~~الثقفي : تركت الفارس البذاخ منهم . . . تمج عروقه علقا عبيطا دعست لبانه ~~بالرمح حتى . . . سمعت لمتنه فيه أطيطا لقد أرديت قومك بإبن صخر . . . وقد ~~جشمتهم أمرا سليطا وكم أسلمت منكم من كمي . . . جريحا قد سمعت له غطيطا مضت ~~أيام الفجار الآخر ، وهي خمسة أيام في أربع سنين . قال أبو عبيدة : ثم ~~تداعى الناس إلى السلم على أن يذروا الفضل ، ويتعاهدوا ويتواثقوا . ~~PageV15P0328 # """""" صفحة رقم 329 """""" يوم عبن أباغ قال أبو عبيدة : كان ملك العرب ~~المنذر الأكبر بن ماء السماء ، ثم مات فملك ابنه عمرو ، ثم هلك فملك بعده ~~أخوه قابوس ، ثم مات فملك أخوه المنذر بن المنذر ابن ماء السماء . وذلك في ~~مملكة كسرى بن هرمز ، فغزاه الحارث الغساني ، وكان بالشام من جهة قيصر ، ~~فالتقوا بعين أباغ ، فقتل المنذر ، فولى كسرى النعمان بن المنذر ، ثم سعى ~~إلى كسرى في النعمان فقتله ، وقد تقدم ذكر سبب ولايته ومقتله . وكان ~~النعمان لما تحقق غضب كسرى عليه هرب ، ثم علم أنه لا منجى له من يد كسرى ، ~~فقدم إليه فقتله . واستعمل كسرى على العرب إياس بن قبيصة الطائي . وكان ~~النعمان لما شخص إلى كسرى أودع حلقته ، وهي ثمانمائة درع وسلاحا كثيرا ، ~~هانئ بن مسعود الشيباني ، وجعل عنده ابنته هندا التي تسمى حرقة ، فلما قتل ~~النعمان قالت فيه الشعراء ، فقال زهير بن أبي سلمى من أبيات : ألم تر ~~للنعمان كان بنجوة . . . من الشر لو أن أمرأ كان ناجيا فلم أر مخذولا له ~~مثل ملكه . . . أفل صديقا باذلا أو مواسيا يوم ذي قار قال أبو عبيدة : يوم ~~ذي قار هو يوم الحنو ، ويوم قراقر ، ويوم الجبابات ، ويوم ذات العجرم ، ~~ويوم بطحاء ذي قار ، وكلها حول ذي قار . قال أبو عبيدة : لم يكن هانئ بن ~~مسعود المستودع حلقة النعمان ، وإنما هو ابن ابنه ، واسمه هانئ بن قبيصة بن ~~هانئ بن ms3129 مسعود ، لأن وقعة ذي قار كانت وقد بعث النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) وخبر أصحابه بها فقال : اليوم أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم ، وبي ~~نصروا . ولما قتل النعمان كتب كسرى إلى إياس بن قبيصة يأمره أن يضم ما كان ~~للنعمان ، فأبى هانئ بن قبيصة أن يسلم ذلك إليه ، فغضب كسرى وأراد استئصال ~~بكر بن وائل ، فقدم عليه النعمان بن زرعة التغلبي فقال : يا خير الملوك ، ~~ألا أدلك على غرة بكر بن وائل ، قال نعم ، قال : أقرها واظهر الإضراب عنها ~~حتى يجليها PageV15P0329 # """""" صفحة رقم 330 """""" القيظ ويدنيها منك ، فأقرهم ، حتى إذا قاظوا ~~نزلت بكر حنو ذي قار ، فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة يخيرهم بين ثلاث ~~خصال : إما أن يسلموا الحلقة ، وإما أن يعروا الديار ، وإما أن يأذنوا بحرب ~~. فتنازعت بكر بينها ، فهم هانئ بن قبيصة بركوب الفلاة ، وأشار به على بكر ~~وقال : لا طاقة لكم لجموع الملك ، فلم تر من هانئ سقطة قبلها . وقال حنظلة ~~بن ثعلبة بن سيار العجلي : لاأرى غير القتال فإن إن ركبنا الفلاة لمتنا ~~عطشا ، وإن أعطينا بأيدينا نقتل مقائتنا وتسبى ذرارينا ، فراسلت بكر عنها ~~وتوافت بذي قار ، ولم يشهدها أحد من بني حنيفة ، ورؤساء بكر يومئذ ثلاثة ~~نفر : هانئ بن قبيصة الشيباني ، ويزيد بن مسهر الشيباني ، وحنظلة بن ثعلبة ~~العجلي . فقال حنظلة بن ثعلبة لهانئ بن قبيصة : يا أبا أمامة . إن ذمتكم ~~ذمتنا عامة ، وإنه لن يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا ، فاخرج هذه الحلقة ~~ففرقها بين قومك ، فإن تظفر فسترد عليك ، وإن تهلك فأهون مفقود ، ففرقها ~~فيهم . وقال للنعمان : لولا أنك رسول ما أبت إلى قومك سالما . قال : فعقد ~~كسرى للنعمان بن زرعة على تغلب والنمر . وعقد لخالد بن يزيد البهراني على ~~قضاعة وغياد . وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب ، ومعه كتيبتاه : ~~الشهباء ودوسر . وعقد للهامرز التستري على ألف من الأساورة ، وكتب إلى قيس ~~بن مسعود بن خالد ذي الجدين - وكان عامله على طف سفوان - يامره أن يوافي ~~إياس بن قبيصة ، فسار ms3130 إليه . وسار إياس بمن معه من الجند وغيرهم ، فلما ~~دنوا من بكر أقبل قيس بن مسعود إلى قومه ليلا ، فأمرهم بالصبر ثم رجع . ~~فلما التقى الزحفان وتقرب القوم ، قام حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي فقال ~~: يا معشر بكر ، إن نشاب الأعاجم يفرقكم ، فعاجلوهم إلى اللقاء وابدءوهم ~~بالشدة ، PageV15P0330 # """""" صفحة رقم 331 """""" وقال هانئ بن مسعود : ياقوم ، مهلك مقدور ، ~~خير من منجي مغرور . إن الجزع لا يرد القدر ، وإن الصبر من أسباب الظفر ، ~~المنية خير من الدنية ، واستقبال المنية خير من استدبارها ، فالجد الجد ، ~~فما من الموت بد . ثم قام حنظلة بن ثعلبة فقطع وضن النساء فسقطن إلى الأرض ~~وقال : ليقاتل كل رجل عن حليلته ، فسمى مقطع الوضن . قال : وقطع يومئذ ~~سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من مناكبها لتخف أيديهم لضرب السيوف ~~فتجالد القوم ، وقتل يزيد بن حارثة اليشكري الهامرز مبارزة ، ثم قتل يزيد ~~بعد ذلك . فضرب الله وجوه الفرس فانهزموا ، واتبعتهم بكر حتى دخلوا السواد ~~في طلبهم ، وأسر النعمان بن زرعة التغلبي . ونجا إياس بن قبيصة على فرسه ~~الحمامة ، فكان أول من انصرف إلى كسرى بالهزيمة هو . وكان لا يأتيه أحد ~~بهزيمة جيش إلا نزع كتفيه . فلما أتاه إياس بن قبيصة سأله عن الجيش فقال : ~~هزمنا بكر بن وائل وأتيناك ببناتهم . فأعجب ذلك كسرى وأمر له بكسوة ، ثم ~~استأذنه إياس فقال : أخي قيس بن قبيصة مريض بعين التمر ، فأردت أن آتيه ، ~~فأذن له . ثم أتى كسرى رجل من أهل الحيرة وهو بالخورنق فسال : هل دخل على ~~الملك أحد ؟ فقال : إياس ، فظن أنه قد حدثه الخبر ، فدخل عليه وأخبره ~~بهزيمة القوم وقتلهم ، فأمر به فنزعت كتفاه . وقد أكثرت الشعراء في يوم ذي ~~قار . فمن ذلك ما قاله أعشى بكر من قصيدة له : لو أن كل معد كان شاركنا . . ~~. في يوم ذي قار ما أخطاهم الشرف لما أمالوا إلى النشاب أيديهم . . . ملنا ~~يبيض لمثل الهام تختطف يطارق وبنو ملك مرازية . . . من لأعاجم في آذانها ~~النطف كأنما الآل في حافات جمعهم . . . والبيض ms3131 برق بدا في عارض يكف ما في ~~الخدود صدود عن سيوفهم . . . ولا عن الطعن في اللبات منحرف PageV15P0331 # """""" صفحة رقم 332 """""" وقال الأعشى يلوم قيسا من أبيات : أقيس بن ~~مسعود بن قيس بن خالد . . . وأنت امرؤ ترجو شبابك وائل رحلت ولم تنظر وأنت ~~عميدهم . . . فلا يبلغني عنك ما أنت فاعل فعريت من أهل ومال جمعته . . . ~~كما عريت مما تعر المغازل شفى النفس قتلي لم توسد خدودها . . . وسادا ولم ~~تعضض عليها الأنامل لعلك يوم الحنو إذ صبحتهم . . . كتائب لم تعصك بهن ~~العواذل قال : ولما بلغ كسرى خبر قيس بن مسعود بما فعل مع قومه حبسه حتى ~~مات في حبسه ، ففيه قال الأعشى : وعريت من أهل ومال جمعته PageV15P0332 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء السادس عشر PageV16P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على آله ~~وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما ### | AUT القسم الخامس من الفن الخامس أخبار الملة الإسلامية # لما انتهى الغرض في التاريخ إلى الغاية التي ذكرتها والقصص في الأخبار ~~التي أوردتها والدول والوقائع التي انتخبتها ، مما طالعته وحررتها ؛ عمدت ~~إلى ذكر الملة الإسلامية التي فضلها الله تعالى على سائر الملل ، ورفع ~~أهلها بالعمل الصالح ووفقهم لصالح العمل ، ووعدهم برحمته ؛ فهم من وعده في ~~أمن ، وحذرهم عقابه ؛ فهم من وعيده على وجل ، وبعث فيهم رسولا من انفسهم ~~وانفسهم فبلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة وعدل ، وجعله شافعا ~~لذنوبهم في يوم أحجم فيه من سواه عن الشفاعة وبنفسه اشتغل ، وجعلهم به خير ~~أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويؤمنون بالله ؛ إذ ~~حجد غيرهم ونكل ؛ فهم الشهداء على الناس لأنبيائهم ، وناهيك بها رتبة تقدم ~~بها أواخر القوم على الأول . وقلت : بالله التوفيق ، ومنه الإعانة وعيلان ~~المتكل . PageV16P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" الباب الأول من القسم الخامس من الفن الخامس في ~~سيرة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهي السيرة التي ظهرت آياتها ~~واشتهرت معجزاتها وأشرقت انوارها وانتشرت أخبارها وعمت فضائلها وطابت بكرها ~~وأصائلها وحسنت أوصافها وكثر انصافها وجاءت في ظلمة تتقد ، وما انكر العدو ms3132 ~~فضائلها بل شهد : وفضائل شهد العدو بفضلها . . . والفضل ما شهدت به الأعداء ~~تالله لقد عجز الواصفون عن وصفها واعترف المادحون بالتقصير عن بلوغ اليسير ~~من مدى مدحها : وإذا أردت لك الثناء الذي . . . والله قد أثنى عليك أقول ~~ولنبدأ بذكر نسبه الطاهر ( صلى الله عليه وسلم ) ، وما كنا قدمناه مستوفى ~~في باب الأنساب ، فلا غنية عن سرده ههنا . هو أبو القاسم محمد ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بن عبد الله ، بن عبد المطلب - واسم عبد المطلب : شيبة الحمد - ~~بن هاشم - واسم هاشم عمرو - بن عبد مناف - واسمه المغيرة - بن قصي - واسمه ~~زيد - بن كلاب ، بن مرة ، بن كعب ، ابن لؤي ، بن غالب ، بن فهر . وإلى فهر ~~جماع قريش ، ومن كان فوق فهر فليس هو بقرشى . وفهر هو ابن مالك ، بن النضر ~~، بن كنانة ، بن خزيمة ، بن مدركة - واسم مدركة عامر - بن الياس ، بن مضر ، ~~بن نزار ، بن معد ، بن عدنان . روى عن ابن عباس ، رضى الله عنهم ان ارسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان إذا انتسب لم PageV16P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" يجاوز في نسبه معد بن عدنا بن أدد ، ثم يمسك ~~ويقول : كذب النسابون . قال الله عز وجل : " وقرونا بين ذلك كثيرا " . قال ~~ابن عباس : لو شاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )ايعلمه لعلمه . وعن ~~هشام بن محمد قال : سمعت من يقول : كان معد على عهد عيسى بن مريم عيلان ~~لسلام . وقد تقدم في باب الأنساب ، وهو الباب الرابع من القسم الأول من ~~الفن الثاني من كتابنا هذا في السفر الثاني من هذه النسخة ، ما اختاره ~~الشريف أبو البركات محمد بن أسعد بن علي بن معمر الحسيني الجوانى النسابة ~~في مقدمته بعد معد : بن عدنان ، بن أد ، بن أدد ، بن اليسع ، بن الهميسع ، ~~بن سلاما بن نبت ، ابن حملن بن قيذار ، بن إسماعيل الذبيح ، بن إبراهيم ~~الخليل ، صلى الله عليهم وسلم ، ابن تارح ، وهو آزر ، بن ناحور ، بن ساروغ ~~، بن أرغو ، ابن فالغ ، بن عابر ، وهو هود النبى عيلان لسلام - وهو ms3133 جماع ~~قيس ويمن ونزار وخندف - بن شالخ ، بن أرفخشذ ، بن سام ، بن نوح النبي عيلان ~~لسلام ، بن لمك ، بن متوشلخ ، بن أخنوخ ، وهو إدريس النبي عيلان لسلام ، بن ~~يارد ، ابن مهلائيل بن قينان ، بن انوش ، بن هبة الله شيث ، بن أبي البشر ~~آدم عيلان لسلام . هذا ما أورده الشريف الجوانى قال : وعيلان كثر أئمة ~~الأنساب . وسنزيداشاء الله تعالى ، في أخبار آباء رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، زيادة حسنة يحتاج إلى إيرادها من عدنا فمن بعده ، تقف عليها ~~قريب ان اشاء الله تعالى ، بعد ذكرنا لأمهاته ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~PageV16P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" ذكر أمهات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قال أبو عبد الله محمد بن سعد رحمه الله تعالى في طبقاته الكبرى : أخبرنا ~~هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال : أم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، آمنة بنت وهب ، بن عبد مناف ، ابن زهرة ، بن كلاب بن مرة . وأمها ~~برة ، بنت عبد العزى ، بن عثمان ، بن عبد الدار ، بن قصي ؛ بن كلاب . وأمها ~~أم حبيب ، بنت أسد ، بن عبد العزى ، ابن قصي بن كلاب . وأمها برة بنت عوف ، ~~بن عبيد ، بن عويج ، بن عدي ، ابن كعب ، بن لؤي . وأمها قلابة بنت الحارث ، ~~بن مالك ، بن حباشة ، بن غنم ، بن لحيان ، بن عادية ، بن صعصعة ، بن كعب ، ~~بن هند ، بن طابخة ، بن لحيان ، بن هذيل ، بن مدركة ، بن الياس ، بن مضر . ~~وأمها أميمة بنت مالك ، ابن غنم بن لحيان ، بن عادية ، بن صعصعة . وأمها دب ~~بنت ثعلبة ، بن الحارث ، ابن تميم ، بن سعد ، بن هذيل ، بن مدركة . وأمها ~~عاتكة بنت غاضرة ، بن حطيط ، بن جشم ، بن ثقيف ، بن منبه ، بن بكر ، بن ~~هوازن ، بن منصور ، بن عكرمة ، بن خصفة ، بن قيس ، بن عيلأن - واسمه الياس ~~- بن مضر . وأمها ليلى بنت عوف ، بن ثقيف . وأم وهب بن عبد مناف بن زهرة بن ~~كلاب قيلة . ويقال : هند بنت أبي قيلة . وقال ابن الكلبي : كتبت للنبي ( ~~صلى الله عليه ms3134 وسلم ) خمسمائة أم ، فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا مما كان ~~من أمر الجاهلية . وعن محمد بن علي بن الحسين ان النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قال : انما خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم ؛ لم يصبني من ~~سفاح أهل الجاهلية شيء ؛ لم أخرج إلا من طهرة . والله الفعال . ~~PageV16P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" ذكر نبذة من أخبار آباء رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فمن بعده إلى أبيه عبد الله بن عبد المطلب قد تقدم ذكر آباء ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في باب الأنساب ، وذكرنا كل أب من آبائه ~~وأولاده ومن أعقب منهم ، وجعلنا العمدة على سرد عمود النسب لشريف على ما ~~تقف عليه هناك في السفر الثاني من كتابنا هذا من هذه النسخة ، وسردنا النسب ~~أيضا انفا . وقد رأين ان انذكر في هذا الموضع نبذة أخرى زيادة على ذلك نذكر ~~فيها الاسماء ، والكنى ، والأمهات ، وبعض الوقائع والأخبار ، مما لم يتقدم ~~ذكره ، فنقول وبالله التوفيق : أما عدنا فإليه انقطع علم أهل الأنساب حقيقة ~~؛ لما روى عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) انه كان إذا انتهى في النسب ~~إلى معد بن عدنا أمسك ، ثم قال : كذب النسابون . قال الله جل ثناؤه : " ~~وقرونا بين ذلك كثيرا " . وقد روى انه قال : عدنا بن أدد . والله أعلم . ~~وأما معد بن عدنان ، فكنيته أبو قضاعة ، كنى بولده قضاعة وهو بكره . ومعد ~~بتحريك العين وتشديد الدال ، وفي طيء معد بتسكين العين بن مالك ابن قميئة ، ~~وفي خثعم أيضا معد بتسكين العين بن الحارث ، بن تميم ، بن كعب ، بن مالك ، ~~بن قحافة . وأم معد بن عدنان : مهدد ، بنت اللهم بن جلحب الجرهمية ، وقيل ~~فيها مهاد بنت لهم . وقيل اللهم بنت جلحب ، وفي رواية خليد ، بن طسم ، بن ~~يلمع ، ابن عابر ، بن اسليخيا بن لاوذ ، بن سام ، بن نوح . حكاه الزبير بن ~~بكار . وذكر عبد الملك بن حبيباولد معد بن عدنا سبعة عشر رجلأن درج منهم ~~بلا عقب تسعة ، وأعقب ثمانية . PageV16P0007 # """""" صفحة رقم ms3135 8 """""" وقال أبو الربيع بن سالم : ذكر الزبير بن أبي ~~بكر ، ابختنصر لما أمر بغزو بلاد العرب ، وإدخال الجنود عليهم وقتلهم ~~لقتلهم انبياء الله تعالى ، وردهم رسالاتهم ، أمر إرميا بن حلقيا - وكان ~~فيما ذكر نبي بني إسرائيل في ذلك الزمان - بن معد بن عدنان الذي من ولده ~~خاتم النبيين ، واحمله معك إلى الشام ، وتول أمره . وقال السهيلي : أوحى ~~الله تعالى إلى إرمي ان احمل معد بن عدنان على البراق إلى أرض العراق ، ~~فاني مستخرج من صلبه نبيا اسمه محمد ؛ فحمل معه معد وهو ابن اثنتي عشرة سنة ~~، وكا مع بني إسرائيل إلىاكبر وتزوج امرأة اسمها معانة . قال أبو الربيع بن ~~سالم : ويقال المحمول عدنان ، والأول أكثر . قال : وفي حديث ابن عباس رضي ~~الله عنهما : ان الله تعالى بعث ملكين فاحتملا معدا فلما رفع الله تعالى ~~بأسه عن العرب ، رداه إلى موضعه من تهامة ، فكان بمكة ونواحيها مع أخواله ~~من جرهم . وقال الزبير : حدثني على بن المغيرة قال : لما بلغ بنو معد عشرين ~~رجلأن أغاروا على عسكر موسى عيلان لسلام ، فدعا عليهم ثلاث مرات فقال : يا ~~رب ، دعوتك على قوم فلم تجبني فيهم بشيء . قال : يا موسى ، دعوت على قوم ~~فيهم خيرتي في آخر الزمان . وفي هذه الرواية ما فيها من المنافاة لما تقدم ~~من انه كان مع إرميا ومن قال انه كان على عهد عيسى عيلان لسلام . والله ~~أعلم بالصواب وإليه المرجع . وأما نزار بن معد ، فكنيته أبو إياد ، وقيل ~~أبو ربيعة . ونزار بكسر النون . قال السهيلي : من النزر وهو القليل . وكا ~~أبوه حين ولد له ، ونظر إلى النور بين عينيه ، وهو نور النبوة الذي كان ~~ينتقل في الأصلاب إلى محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فرح به فرحا شديدا ونحر ~~وأطعم وقال : اهذا كله نزر لحق هذا المولود ، فسمى نزارا لذلك . وأم نزار : ~~معاية بنت جوشم بن جلهمة ، بن عمرو ، بن هلينيه بن دوة ، بن جرهم . قال ~~PageV16P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" السهيلي : ويقال اسمها ناعمة . وأما مضر بن ~~نزار فأمه وأم ms3136 إياد : سودة بنت عك ، بن الذيب ، بن عدنان . وقال محمد بن ~~الحسين في كتاب التحفة : ان أم مضر اسمها سودة بنت عك ، قال : وقيل حبية ~~بنت عك وقاله الزبير بن بكار . وروى ان أم مضر خاصة سودة بنت عك ؛ وربيعة ~~وانمار وإياد أمهم شقيقة بنت عك ؛ وإلى مضر تنتسب مضر الحمراء لسكناها قباب ~~الأدم ، ومضر السوداء سميت بذلك لسكناها المظال . وقال الزبير عن غير واحد ~~من أهل العلم بالنسب : انهم قالوا : لما حضرت نزارا الوفاة ، آثر إيادا ~~بولاية الكعبة ، وأعطى مضر ناقة حمراء فسمى مضر الحمراء ، وأعطى ربيعة فرسه ~~، فسموا ربيعة الفرس ، وأعطى انمارا جارية له تسمى بجيلة فحضنت بنيه ، فسمى ~~بجيلة انمار . وقد تقدم ذكر خبر أولاد نزار في الأمثال عند قولهم : ان ~~العصا من العصية ، وا خشينا من أخشن ، وقصتهم مع الأفعى الجرهمي ، وهو في ~~الباب الأول من القسم الثاني من الفن الثاني في السفر الثالث من هذه النسخة ~~من كتابنا هذا . قال ابن الأثير الجزري : ومضر أول من حدا وكا سبب ذلك انه ~~سقط عن بعيره ، فانكسرت يده فجعل يقول : يا يداه يا يداه فأتته الإبل من ~~المرعى ، فلما صلح وركب حدا وكا من أحسن الناس صوتا . وقيل بل انكسرت يد ~~مولى له فصاح ، فاجتمعت الإبل ، فوضع مضر الحداء وزاد الناس فيه . قال ~~السهيلي : وفي الحديث : " لا تسبوا ربيعة ولا مضر فانهما كانا مؤمنين " ~~وروى عبد الملك بن حبيب بسنده إلى سعيد بن المسيبارسول الله ، ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، قال : " لا تسبوا مضر فانه كان مسلما على ملة إبراهيم " . ~~وعن عبد الملك بن حبيب والزبير PageV16P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" وجماعة : اربيعة ومضر الصريح من ولد إسماعيل ~~ابن إبراهيم ، عليهما السلام . قال : وحدثني أبو معاوية ، عن ابن جريج ، عن ~~عطاء ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما قال : مات أدد والد عدنان ، وعدنان ، ~~ومعد بن عدنان ، وربيعة ، ومضر ، وقيس عيلان ، وتميم ، وضبة ، وأسد ، ~~وخزيمة ، على الإسلام على ملة أبيهم إبراهيم ، فلا تذكروهم إلا بما يذكر به ~~المسلمون . والله الموفق . وأما ms3137 الياس بن مضر ، فكنيته أبو عمرو . وقال ~~صاحب الاشتمال : قال الزبير : ولد مضر بن نزار الياس بن مضر ، فلما أدرك ~~الياس انكر على بني إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وسيرهم ، وبا فضله فيهم ~~، ولأن جانبه لهم ، حتى جمعهم رأيه ورضوا به ، فردهم إلى سنن آبائهم ، حتى ~~رجعت سنتهم تامة على أولها . وهو أول من أهدى البدن إلى البيت ، وهو أول من ~~وضع حجر الركن للناس بعد غرق البيت وانهدامه زمن نوح . فكان الياس أول من ~~ظفر به ، فوضعه في زاوية البيت . وبعض الناس يقولون : انما كان ذهب بعد ~~إبراهيم وإسماعيل . قال : وفى هذا كله نظر . قال : وقال الزبير : ولم تزل ~~العرب تعظم الياس بن مضر تعظيم أهل الحكمة ، كتعظيمها لقما وأشباهه . قال ~~ابن دحية : وهو وصى أبيه ، وكا ذا جمال بارع ودين ، تعظمه العرب قاطبة ، ~~وهو أول من مات بالسل . قال السهيلي : وانما سمى السل داء ياس وداء الياس ~~لأن الياس بن مضر مات به . ولما مات أسفت امرأته خندف عيلان سفا شديدا . ~~وكانت نذرت ، اهلك ، ألا تقيم في بلد مات فيه ، ولا يظلها بيت ، وتسيح في ~~الأرض ، وحرمت الرجال والطيب بعده . فلما هلك خرجت سائحة حتى هلكت . وكانت ~~وفاته يوم الخميس ، فنذرتاتبكيه كلما طلعت شمس يوم الخميس حتى تغيب الشمس . ~~قال السهيلي : ويذكر عن النبي صلى اله عليه وسلم انه قال : " لا تسبوا ~~الياس فانه كان مؤمنا " . وذكر انه كان يسمع في صلبه تلبية PageV16P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" النبي ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، بالحج " . ~~والله أعلم . وأما مدركة بن الياس فقال ابن السائب : واسمه عمرو . وقال ابن ~~إسحاق والزبير : عامر ، وكنيته أبو الهذيل ، وقيل أبو خزيمة . وأمه خندف ، ~~واسمها ليلى بنت حلوا بن عمرا بن الحاف بن قضاعة . واسم أمها ضرية بنت ~~ربيعة بن نزار ، وبها سمى حمى ضرية . وأما خزيمة بن مدركة فكنيته أبو أسد ، ~~وأمه سلمى بنت أسلم بن الحاف ابن قضاعة . وقيل سلمى بنت أسد بن ربيعة ، ~~وخزيمة هذا هو الذي نصب هبل على الكعبة ، فكان ms3138 يقال هبل خزيمة ، هكذا ذكره ~~ابن الأثير . وروى عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهم ان اخزيمة مات على ~~ملة إبراهيم عيلان لسلام . أما كنانة بن خزيمة ، فكنيته أبو النضر ، وأمه ~~عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان ، ويقال : بل هند بنت عمرو بن قيس بن عيلأن ~~. قال أبو الحسن سلام ابن عبد الله بن سلام الإشبيلي : وقال أبو عمرو ~~العدواني لابنه في وصيته : يا بني أدركت كنانة بن خزيمة - وكا شيخا مسنا ~~عظيم القدر ، وكانت العرب تحج إليه لعلمه وفضله - فقال : انه قداخروج نبي ~~بمكة يدعى أحمد ، يدعو إلى الله ، وإلى البر والإحسا ومكارم الأخلاق ، ~~فاتبعوه تزدادوا شرفا إلى شرفكم ، وعزا إلى عزكم ، ولا تتعدوا ما جاء به ، ~~فهو الحق . والله المرفق . وأما النضر بن كنانة ، فكنيته أبو يخلد ، كنى ~~بابنه يخلد . واسم النضر قيس . قال أبو ذر الخشنى : النضر : الذهب الأحمر . ~~وهو النضار ؛ سمي النضر بذلك لوضاءته وإشراق وجهه . وأمه برة بنت مر بن أد ~~بن طابخة بن الياس بن مضر أخت تميم بن مر . والذي عيلان كثر أهل السير ~~والمؤرخين كنانة خلف على برة بعد أبيه خزيمة ، على ما كانت الجاهلية تفعله ~~؛ إذا مات الرجل خلف على زوجته بعده أكبر بنيه PageV16P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" من غيرها . ويرد هذا ما روى عن رسول الله ، ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، انه قال : " ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء ؛ ~~ما ولدني إلا نكاح كنكاح أهل الإسلام " ، وقول ابن الكلبي : كتبت لرسول ~~الله ، ( صلى الله عليه وسلم ) خمسمائة أم ، فلم أجد فيها شيئا مما كان من ~~أمر الجاهلية " . وقد تقدم ذكر ذلك انفا . وقد اعتذر القائلون هذا القول ~~عنه بأعذار ، وأقاموا أدلة على انه ليس بسفاح ولا من أمر الجاهلية . وفي ~~أعذارهم وأدلتهم بعض تكلف . وقد حصل الظفر - ولله الحمد والمنة - بما يزيل ~~هذا الإشكال ، ويرفع هذا الاحتمال ، ويخلص من مهاوى هذه الشبة ؛ وهو الصحيح ~~، اشاء الله تعالى ، وسنذكره بعد ذكر أعذارهم وأدلتهم . أما ما استدلوا به ~~على تقديرايكون كنانة ms3139 خلف على برة بنت مر بن اد بعد أبيه ، فقال السهيلي ، ~~رحمه الله ، في قوله تعالى : " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما ~~قد سلف " ؛ أي إلا ما قد سلف من تحليل ذلك قبل الإسلام ، قال : وفائدة ~~الاستثناء ألا يعاب نسب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وليعلم انه لم ~~يكن في أجداده بقية ولا سفاح ؛ ألا ترى انه لم يقل في شيء نهى عنه في القرا ~~إلا ما قد سلف نحو : " ولا تقربوا الزنا " ؛ ولم يقل إلا ما قد سلف " ولا ~~تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " ولم يقل إلا ما قد سلف ، ولا في ~~شيء من المعاضي التي نهى عنها إلا في هذه الآية ، وفي الجمع بين الأختين ؛ ~~لأن الجمع بينهما قد كان مباحا في شرع من قبلنا ؛ وقد جمع يعقوب عيلان ~~لسلام ، بين راحيل وأختها ليا ؛ فقوله : إلا ما قد سلف التفات إلى هذا ~~المعنى وتنبيه على هذا المغزى . ونقل السهيلي هذه النكتة عن القاضي أبي بكر ~~بن العربي . واعتذار من اعتذر عن هذه الواقعة على هذا المنوال . وأما ما ~~ارتفع به هذا الإشكال ، فهو ما نقله أبو عثما عمرو بن بحر الجاحظ - رحمه ~~الله - في كتاب له سماه كتاب الأصنام قال فيه : وخلف كنانة بن خزيمة على ~~زوجة أبيه بعد وفاته ، وهي برة بنت أد بن طابخة بن الياس بن مضر ، ~~PageV16P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" وهي أم أسد بن الهون ؛ ولم تلد لكنانة ولدا ~~ذكرا ولا انثى ، ولكن كانت ابنة أخيها وهي برة بنت مر بن أد بن طابخة أخت ~~تميم بن مر عند كنانة بن خزيمة ، فولدت له النضر بن كنانة . قال : وانما ~~غلط كثير من الناس لما سمعو ان اكنانة خلف على زوجة أبيه لانفاق اسمهما ~~وتقارب نسبهما . قال : وهذا الذي عليه مشايخنا وأهل العلم بالنسب . قال : ~~ومعاذ اللهايكون أصاب نسب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وسلم مقت نكاح ~~؛ قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ما زلت أخرج من نكاح ms3140 كنكاح ~~الإسلام ، حتى خرجت من أمي وأبي " . قال : ومن اعتقد غير هذا فقد كفر وشك ~~في هذا الخبر . قال : والحمد لله الذي طهره من كل وصم وطهر به . وأما مالك ~~بن النضر ، فكنيته أبو الحارث ، وأمه عاتكة بنت عدوان ، وهو الحارث بن عمرو ~~بن قيس عيلأن ، ولقبها عكرشة ، وقيل عوانة بنت سعد القيسية ، وقيل غير ذلك ~~. ومالك هو أبو قريش كلها . وأما فهر بن مالك - وهو قريش ، وفهر لقب غلب ~~عليه - فكنيته أبو غالب ، وهو جماع قريش في قول هشام بن الكلبي . وأم فهر ~~جندلة بنت عامر بن الحارث ابن مضاض الجرهمي ؛ ومن جاوز فهرا فليس هو من ~~قريش . وقد اختلف في تسمية قريش قريشا ومن أول من تسمى به ، فقال محمد بن ~~كعب : انما سميت قريش قريشا لتجمعها بعد تفرقها وقال محمد بن سلام : لما ~~جمع قصي قبائل النضر ، وحارب بهم خزاعة ، وغلب على الحرم ، سموا قريشا ~~لاجتماعهم . وقيل : انما سموا قريشا لأنهم يتقرشون البضاعات فيشترونها . ~~وقيل : جاء النضر بن كنانة في ثوب له فقالوا : قد تقرش في ثوبه كانه جمل ~~قريش ، أي شديد مجتمع . وقيل : أول من سماهم بهذا الاسم قصي بن كلاب . قاله ~~المبرد . وقال الشعبي : النضر بن كنانة هو قريش ، وانما سمى قريشا لانه كان ~~يقرش عن خلة الناس وحاجتهم فيسد ذلك بماله ، والتقريش : هو التفتيش ، وكا ~~بنوه يقرشون أهل PageV16P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" الموسم فيزودونهم بما يبلغهم ، فسموا بذلك من ~~فعلهم . وقال الزبير بن بكار قال عمي : قريش بن بدر بن يخلد بن النضر كان ~~دليل بني كنانة في تجارتهم ، فكان يقال قدمت عير قريش ، وأبوه بدر بن يخلد ~~صاحب بدر الموضع الذي كانت به الوقعة المشهورة ، وذكر عن عمهافهرا هو قريش ~~، قال : وقد اجتمع النساب من قريش وغيرهماقريشا انما تفرقت عن فهر . والذي ~~عليه من أدركت من نساب قريشاولد فهر بن مالك قريش ، ومن جاوز فهرا فليس من ~~قريش . وروى عن هشام بن السائب : ان النضر بن كنانة هو قريش . وقيل عنه في ~~موضع آخر ms3141 : ولد مالك بن النضر فهرا وهو جماع قريش . وقال أبو عبيدة معمر ~~ابن المثنى : أول من وقع عيلان سم قريش النضر بن كنانة ، فولده قريش دون ~~سائر بني كنانة . وقال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد : قريش مأخوذ من ~~القرش ، وهو وقع الأسنة بعضها على بعض ؛ لأن قريشا أحذق الناس بالطعان . ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما انه سأل عمرو بن العاص : لم سميت قريش قريشا ؟ ~~قال : بالقرش ، دابة في البحر تأكل كل الدواب لشدتها . وقال : المطرزي : هي ~~ملكة الدواب ، وسيدة الدواب وأشدها فكذلك قريش سادات الناس . وكا فهر رئيس ~~الناس بمكة . والله أعلم . وأما غالب بن فهر ، فكنيته أبو تيم ، وأمه ليلى ~~بنت الحارث ، بن تميم ، بن سعد ، بن هذيل ، بن مدركة ؛ ولغالب هذا من الولد ~~: لؤي ، وتيم الأدرم ؛ وكا تيم كاهنا وانما قيل له تيم الأدرم لأن أحد ~~لحييه كان انقص من الآخر . وفي قريش PageV16P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" تيمان : تيم بن مرة ، وتيم الأدرم . قال ابن ~~قتيبة : بنو الأدرم من أعراب قريش ليس بمكة منهم أحد . والله أعلم . وأما ~~لؤي بن غالب ، فكنيته أبو كعب ، وأمه عاتكة بنت يخلد ، بن النضر بن كنانة ، ~~وهي إحدى العواتك اللاتي ولدن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقيل : ~~بل أمه سلمى بنت عمرو بن ربيعة وهو لحي بن حارثة الخزاعية . وأما كعب بن ~~لؤي ، فكنيته أبو هصيص ، وأمه ماوية بنت كعب بن القين ابن جسر القضاعية . ~~قيل : انما سمى كعب كعبا لأرتفاعه على قومه ، وشرفه فيهم . وكا عظيم القدر ~~عند العرب ؛ فلهذا أرخوا بموته إلى عام الفيل ، ثم أرخوا بالفيل ؛ روى أبو ~~نعيم في الدلائل عن الطبراني بسنده إلى عبد العزيز بن أبي ثابت قال : أرخت ~~كنانة من موت كعب بن لؤي ، وأرخت قريش بعد موته من عام الفيل ؛ وبين موت ~~كعب والفيل خمسمائة سنة وعشرون سنة . وكعب هذا أول من سمى يوم الجمعة ~~الجمعة ، وكانت العرب تسمى يوم الجمعة العروبة ؛ قاله السهيلي . ومعنى ~~العروبة الرحمة فيما بلغني عن أهل ms3142 العلم ، وانما سماه الجمعة لأجتماع قريش ~~فيه وخطبته فيهم . وأول من قال أما بعد كعب ؛ فكان يقول : أما بعد ، ~~فاستمعوا وافهموا . ثم قال : حرمكم عظموه وتمسكوا به ، وسيأتي لكم نبأ عظيم ~~، وسيخرج له نبي كريم . قال السهيلي : وكا يخطبهم ويذكرهم بمبعث رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، ويعلمهم انه من ولده ، ويأمرهم باتباعه والإيما ~~به ، وينشد ويقول : يا ليتني شاهد فحواء دعوته . . . إذا قريش تبغى الحق ~~خذلانا PageV16P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" وأما مرة بن كعب ، فكنيته أبو يقظة ، وأمه ~~مخشية ، وقيل وحشية بنت شيبان ، بن محارب ، بن فهر . وفي مرة يجتمع نسب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ونسب أبي بكر الصديق ، وطلحة بن عبيد ~~الله رضي الله عنهما . وأما كلاب بن مرة ، فكنيته أبو زهرة ، واسمه حكيم . ~~وكلاب لقب غلب عليه ، وسبب ذلك انه كان محبا للصيد مولعا به ، وكا أكثر ~~صيده بالكلاب ، وجمع منها شيئا كثيرا فكان إذا مر بقوم بكلابه قالوا : هذه ~~كلاب ابن مرة ، فغلب ذلك عليه ؛ وفيه يقول الشاعر : حكيم بن مرة ساد الورى ~~. . . ببذل النوال وكف الأذى وأم كلاب هند بنت سرير ، بن ثعلبة ، بن الحارث ~~، بن فهر ، بن مالك ، بن كنانة . ويقال : اكلابا هذا أول من جعل في الكعبة ~~السيوف المحلاة بالذهب والفضة ذخيرة للكعبة . وأما قصي بن كلاب فاسمه زيد ، ~~وكنيته أبو المغيرة ، وقصي لقبه ، ويلقب أيضا مجمعا . قال السهيلي ، في قصي ~~تصغير قصي : أي بعيد . وقال الرشاطي : وانما قيل له قصي لأن أباه كلاب بن ~~مرة كان قد تزوج فاطمة بنت سعد بن سيل ، واسم سيل ، خير بن حمالة ، بن عوف ~~، بن عثمان ، بن عامر وهو الجادر بن جعثمة ، وهو يشكر ، وهم من الأزد فولدت ~~له زهرة وزيدا ثم هلك كلاب وزيد صغير فطيم ، وقال السهيلي : انه كان رضيعا ~~فتزوج فاطمة أم قصي ربيعة بن حرام ، بن ضنة ، بن عبد ، ابن كبير ، بن عذرة ~~، بن سعد ، بن زيد ، بن قضاعة ، فاحتملها ربيعة ومعها زيد ، فربى زيد في ~~حجر ربيعة ، فسمى قصيا لبعده ms3143 عن دار قومه . وقال الخطابي : سمى قصيا لأنه ~~قصى قومه ، أي نقصاهم بالشام فنقلهم إلى مكة . قال الرشاطي : ثمازيدا وقع ~~بينه وبين ربيعة شر ، فقيل له : ألا تلحق بقومك ؟ وعير بالعربة ، وكا لا ~~يعرف لنفسه أبا غير ربيعة ، فرجع قصي إلى أمه ، PageV16P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" وشكا لها ما قيل له ، فقالت له : يا بني ، انت ~~أكرم منه نفسا وأبا انت ابن كلاب بن مرة ، وقومك بمكة عند البيت الحرام . ~~فأجمع قصي على الخروج ، فقالت له أمه : أقم حتى يدخل الشهر الحرام ، فتخرج ~~في حاج العرب ، فلما دخل الشهر الحرام خرج مع حاج قضاعة حتى قدم مكة ، فحج ~~وأقام بمكة . وكا الذي يلي أمر البيت يومئذ حليل ، بن حبشية ، بن سلول ، بن ~~كعب ، ابن عمرو الخزاعي . فخطب إلى حليل بن حبشية ابنته حبى . فعرف حليل ~~نسبه فزوجه ، وأقام قصي معه ، فولدت له حبى أولاده ، وهم : عبد مناف ، وعبد ~~العزى ، وعبد الدار ، وعبد ، وبرة ، وتخمر وهي بالتاء المثناء من فوق وخاء ~~معجمة ساكنة وميم مضمومة وراء . فلما انتشر ولده ، وكثر ماله ، وعظم شرفه ~~هلك حليل ، وأوصى بولاية البيت لآبنته حبى . فقالت : اني لا أقدر على فتح ~~الباب وإغلاقه ، فجعلت ذلك إلى سليم ابن عمرو ، بن بوى ، بن ملكان ، وهو ~~أبو غبشان ، ويقال له المحترش ، فاشترى قصي منه ولاية البيت بزق خمر وقعود ~~، فضربت به العرب المثل ، فقالوا : أخسر من صفقة أبي غبشان . فنازعته خزاعة ~~البيت فانتزعه منهم . والله الناصر . ذكر خبر انتزاع قصي البيت ومكة من ~~خزاعة ومن ولي البيت بعد إسماعيل عليه السلام إلى أن انتزعه قصي بن كلاب ~~قال محمد بن إسحاق بن يسار : لما توفي الله تعالى إسماعيل بن إبراهيم ~~عليهما السلام ، وولي البيت بعده ابنه نابت بن إسماعيل ما شاء اللهايليه ، ~~ثم ولى البيت بعده مضاض ابن عمرو الجرهمي ، وبنو نابت مع جدهم مضاض بن عمرو ~~وأخوالهم من جرهم ، وجرهم وقطوراء يومئذ أهل مكة ، وهما ابنا عم ، وكانا ~~ظعنا من اليمن ، فأقبلا سيارة ، وعلى جرهم مضاض بن عمرو ms3144 ، وعلى قطوراء ~~السميدع ، PageV16P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" رجل منهم . فلما نزلا مكة رأبا بلدا ذا ماء ~~وشجر ، فأعجبهما فنزلا به ؛ فنزل مضاض بمن معه من جرهم أعلى مكة بقعيقا فما ~~حاز ، ونزل السميدع بقطوراء أسفل مكة بأجياد فما حاز ، وكا كل منهما يعشر ~~من دخل مكة مما يليه ، وكل منهما في قومه لا يدخل على صاحبه . ثماجرهما ~~وقطوراء بغى بعضهم على بعض ، وتنافسوا الملك بها ومع مضاض بنو إسماعيل وبنو ~~نابت ، وإليه ولاية البيت دون السميدع ، فسار بعضهم إلى بعض ؛ فخرج مضاض بن ~~عمرو من قعيقعا في كتيبته سائرا إلى السميدع ومع كتيبته عدتها من الرماح ~~والدرق والسيوف والجعاب ، يقعقع بذلك ؛ فيقال ما سمى قعيقعا قعيقعا إلا ~~لذلك . وخرج السميدع من أجياد ومعه الخيل والرجال ، فيقال ما سمى أجياد ~~أجيادا إلا لخروج الجياد من الخيل منه مع السميدع . فالتقوا بفاضح واقتتلوا ~~قتالا شديدا فقتل السميدع ، وفضحت قطوراء ؛ فيقال ما سمى فاضح فاضحا إلا ~~لذلك . ثم ان القوم تداعوا إلى الصلح ، فساروا حتى نزلوا المطابخ : شعبا ~~بأعلى مكة ، فاصطلحوا به ، وأسلموا الأمر إلى مضاض . فلما اجتمع إليه أمر ~~مكة ، وصار ملكها له ، نحر للناس فطبخوا وأكلوا فيقال ما سميت المطابخ ~~المطابخ إلا لذلك . وبعض أهل العلم يزعم انها انما سميت المطابخ لما كان ~~تبع نحر بها وأطعم وكانت منزله ، والله أعلم . فكا الذي كان بين مضاض ~~والسميدع أول بغي كان بمكة . ثم نشر الله ولد إسماعيل بمكة ، وأخوالهم من ~~جرهم ولاة البيت والحكام بمكة ، لا ينازعهم ولد إسماعيل في ذلك لخئولتهم ~~وقرابتهم ، وإعظاما للحرمةايكون بها بغى أو قتال ؛ فلما ضاقت مكة على ولد ~~إسماعيل انتشروا في البلاد ، فلا يناوئون قوما إلا أظهرهم الله عليهم ~~بدينهم . ثماجرهما بغوا بمكة ، واستحلوا خلالا من الحرمة ، وظلموا من دخلها ~~من غير أهلها وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها فرق أمرهم . فلما رأت بنو ~~بكر بن عبد PageV16P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" مناة بن كنانة ، وغبشا من خزاعة ذلك ، أجمعوا ~~لحربهم وإخراجهم من مكة ؛ فآذنوهم بالحرب فاقتتلوا فغلبتهم بنو ms3145 بكر وغبشان ~~، فنفوهم من مكة ؛ وكانت مكة في الجاهلية لا تقر فيها ظلما ولا بغيا . قال ~~ابن إسحاق : فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي بغزالي الكعبة وبحجر ~~الركن ، فدفنها في زمزم ؛ وانطلق هو ومن معه من جرهم إلى اليمن . فحزنوا ~~على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنا شديدا ؛ فقال عمرو بن الحارث بن مضاض ~~في ذلك ، وليس بمضاض الأكبر . والله المعين : وقائلة والدمع سكب مبادر . . ~~. وقد شرقت بالدمع منها المحاجر كا لم يكن بين الحجون إلى الصفا . . . انيس ~~ولم يسمر بمكة سامر فقلت لها والقلب منى كأنما . . . يلجلجه بين الجناحين ~~طائر بلى ؟ نحن كنا أهلها فأزالنا . . . صروف الليالي والجدود العواثر وكنا ~~ولاة البيت من بعد نابت . . . نطوف بذاك البيت والخير ظاهر ونحن ولينا ~~البيت من بعد نابت . . . بعز فما يحظى لدينا المكاثر ملكنا فعززنا فأعظم ~~بملكنا . . . فليس لحي غيرنا ثم فاخر ألم تنكحوا من خير شخص علمته . . . ~~فأبناؤه منا ونحن الأصاهر فا تنثن الدنيا علينا بحالها . . . فا لها حالا ~~وفيها التشاجر فأخرجنا منها المليك بقدرة . . . كذلك يا للناس تجرى المقادر ~~أقول إذا نام الخلى ولم انم : . . . إذا العرش لا يبعد سهيل وعامر وبدلت ~~منها أوجها لا أحبها . . . قبائل منها حمير ويحابر وصرنا أحاديثا وكنا ~~بغبطة . . . بذلك عضتنا السنون الغوابر PageV16P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" وبدلنا كعب بها دار غربة . . . بها الذئب يعوى ~~والعدو المكاشر فسحت دموع العين تبكى لبلدة . . . بها حرم أمن وفيها ~~المشاعر وتبكى لبيت ليس يؤذى حمامه . . . يظل به أمنا وفيه العصافر وفيه ~~وحوش لا ترام انيسة . . . إذا خرجت منه فليست تغادر وقال أيضا يشير إلى بكر ~~وغبشا الذين خلفوا مكة بعدهم : يأيها الناس سيرو ان اقصركم . . . ا تصبحوا ~~ذات يوم لا تسيرونا حثوا المطى وأرخوا من أزمتها . . . قبل الممات وقضوا ما ~~تقصونا كنا اناسا كما كنتم فغيرنا . . . دهر فانتم كما كنا تكوونا قال ابن ~~هشام : حدثني بعض أهل العلم بالشعر ؛ اهذه الأبيات أول شعر قيل في العرب ، ~~وانها وجدت مكتوبة في حجر باليمن ، ولم يسم لي قائلها ms3146 . قال ابن إسحاق : ~~ثماغبشا من خزاعة وليت البيت دون بني بكر ابن عبد مناة ، وكا الذي يليه ~~منهم عمرو بن الحارث الغبشاني ، وقريش إذ ذاك حلول وصرم ، وبيوتات متفرقون ~~في قومهم من بني كنانة ، فوليت خزاعة البيت يتوارثون ذلك كابرا عن كابر ، ~~حتى كان آخرهم حليل بن حبشية بن سلول بن كعب ابن عمرو الخزاعي . فخطب قصي ~~بن كلاب إلى حليل ابنته حبى ، فرغب فيه حليل فزوجه ، فولدت له عبد الدار ، ~~وعبد مناف ، وعبد العزى ، وعبدا . فلما انتشر ولد قصي وكثر ماله ، وعظم ~~شرفه هلك حليل ، فرأى قصي انه أولى بالكعبة ، وبأمر مكة من خزاعة وبني بكر ~~، وا قريشا فرعة إسماعيل بن إبراهيم وضريح ولده ، فكلم رجالا من قريش وبني ~~كنانة ، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة ، فأجابوه . PageV16P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" وكان ربيعة بن حرام من عدرة بن سعد بن زيد ~~مناة قد قدم مكة بعد هلاك كلاب ، فتزوج فاطمة بنت سعد بن سيل - وزهرة يومئذ ~~رجل ، وقصي فطيم - فاحتملها إلى بلاده ، فحملت قصيا معها وأقام زهرة ، ~~فولدت لربيعة رزاحا . فلما بلغ قصي وصار رجلا أتى مكة فأقام بها فلما أجابه ~~قومه إلى ما دعاهم إليه كتب إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة ، يدعوه إلى ~~نصرته والقيام معه ؛ فخرج رزاح بن ربيعة ومعه إخوته : حن بن ربيعة ، ومحمود ~~ابن ربيعة ، وجلهمة بن ربيعة ، وهم لغير فاطمة ، فيمن تبعهم من قضاعة في ~~حاج العرب ، وهم مجمعون لنصرة قصي . وكا الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن ~~الياس بن مضر يلي الإجازة للناس بالحج من عرفة ، وولده من بعده ، وكا يقال ~~له ولولده صوفة . وانما ولى الغوث ذلك لأن أمه كانت من بني جرهم ، وكانت ~~لاتا فنذرت للهاهي ولدت رجل ان اتصدق به على الكعبة عبدا لها يخدمها ويقوم ~~عليها ؛ فولدت الغوث ، فكان يقوم على الكعبة في الدهر الأول مع أخواله من ~~جرهم ، فولى الإجازة بالناس من عرفة ، لمكانه الذي كان به من الكعبة ، ~~وولده من بعده حتى ms3147 انقرضوا . وكا الغوث بن مر إذا دفع بالناس قال : لا هم ~~انى تابع تباعه . . . ا كان إثم فعلى قضاعه قال ابن إسحاق : كانت صوفة تدفع ~~بالناس من عرفة ، وتجيز بهم إذا نفروا من منى ، حتى إذا كان يوم النفر أتوا ~~لرمي الجمار ، ورجل من صوفة يرمي للناس ، لا يرمون حتى يرمى ، فكان ذوو ~~الحاجات المتعجلون يأتونه فيقولون له : قم فأرم حتى نرمي معك ؛ فيقول : لا ~~والله ، حتى تميل الشمس ؛ فيظل ذوو الحاجات يرمونه بالحجارة ويقولون له : ~~ويلك قم فارم ، فيأبى عليهم ؛ حتى إذا مالت الشمس قام فرمى ، ورمى الناس ~~معه . فإذا فرغوا من رمي الجمار ، وأرادوا النفر من منى أخذت صوفة بجانبي ~~العقبة ، فحبسوا الناس وقالوا : أجيزي صوفة ، فلم يجز أحد من الناس حتى ~~يمروا فإذا نفرت صوفة ومضت خلى سبيل الناس فانطلقوا بعدهم ؛ فكانوا كذلك ~~حتى انقرضوا فورثهم PageV16P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" في ذلك بنو سعد بن زيد مناة ، من تميم ، وكانت ~~من بني سعد في آل صفوا بن الحارث بن شجية ؛ فكان صفوا هو الذي يجيز الناس ~~بالحج من عرفة ، ثم بنوه من بعده ، حتى كان آخرهم الذي قام عيلان لإسلام ~~كرب بن صفوان ؛ وفي ذلك يقول أوس بن مغراء من قصيدة : لا يبرح الناس ما ~~حجوا معرفهم . . . حتى يقال أجيزوا آل صفوانا وكانت الإفاضة في عدوا ~~يتوارثون ذلك كابرا عن كابر ، حتى كان آخرهم الذي قام عيلان لإسلام أبو ~~سيارة عميلة بن الأعزل ، وكا أبو سيارة يدفع بالناس على أتا له ، وبه ضرب ~~المثل : أصبر من عير أبى سيارة ؛ لأنه دفع بأهل الموسم عيلان ربعين عاما . ~~نعود إلى أخبار قصي بن كلاب ، فلما كان ذلك العام ، فعلت صوفة كما كانت ~~تفعل ، وقد عرفت ذلك لها العرب ، وهو دين في انفسهم من عهد جرهم وخزاعة ~~وولايتهم ، فأتاهم قصي بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة ~~فقال : لا تجر - لنحن أولى بهذا منكم - ، فقاتلوه ، فاقتتل الناس قتالا ~~شديدا ثم انهزمت صوفة ، وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم ms3148 من ذلك . وانحازت ~~عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي ، وعرفوا انه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر ~~مكة ، فلما انحازوا عنه باداهم وأجمع لحربهم ، وخرجت إليه خزاعة وبنو بكر ، ~~فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى في الفريقين ، ثم تداعوا إلى ~~الصلح ، وا يحكموا بينهم رجلا من العرب ، فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن ~~عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، فقضىاقصيا أولى بالكعبة وأمر ~~مكة من خزاعة ، وا كل دم أصابه قصي من خزاعة وبني بكر موضوع يشدخه تحت ~~قدميه ، وا ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدية ~~مؤداة ، وا يخلى بين قصي وبين الكعبة ومكة . فسمى يغمر بن عوف يومئذ الشداخ ~~، لما شدخ من الدماء ووضع منها . قال : فولى قصي البيت وأمر مكة ، وجمع ~~قومه من منازلهم إلى مكة ، وتملك PageV16P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" على قومه وأهل مكة فملكوه ، إلا انه أقر للعرب ~~ما كانوا عليه ، وذلك انه كان يراه دينا في نفسه لا ينبغي تغييره ؛ فأقر آل ~~صفوان ، وعدوان ، والنسأة ، ومرة بن عوف على ما كانوا عليه ، حتى جاء ~~الإسلام ، فهدم الله به ذلك كله . فكا قصي أول من أصاب ملكا من بني كعب بن ~~لؤي ، وكانت إليه الحجابة ، والسقاية ، والرقادة ، والندوة ، واللواء ؛ ~~فحاز شرف مكة كله ، وقطع مكة رباعا بين قومه ، فانزل كل قوم من قريش ~~منازلهم من مكة ، فسمته قريش مجمعا لما جمع من أمرها وتيمنت بأمره ؛ فما ~~تنكح امرأة ، ولا يتزوج رجل من قريش ، ولا يتشاورون في أمر نزل بهم ، ولا ~~يعقدون لواء لحرب قوم غيرهم إلا في داره ؛ يعقده لهم بعض ولده ، وما تدرع ~~جارية إذا بلغتاتدرع من قريش إلا في داره ، يشق عليها فيها درعها ثم تدرعه ~~، ثم ينطلق بها إلى أهلها . فكا أمره في قومه من قريش في حياته وبعد موته ، ~~كالدين المتبع لا يعمل بغيره . واتخذ لنفسه دار الندوة ، وجعل بابها إلى ~~مسجد الكعبة ؛ ففيها كانت قريش تقضي أمورها قال الشاعر : قصي لعمري ms3149 كان ~~يدعى مجمعا . . . به جمع الله القبائل من فهر قال ابن إسحاق : فلما فرغ قصي ~~من حربه انصرف أخوه رزاح بن ربيعة بمن معه إلى بلاده . قال : فلم يزل قصي ~~على ذلك ، فلما كبر ورق عظمه - وكا عبد الدار بكره ، وكا عبد مناف قد شرف ~~في زما أبيه وذهب كل مذهب ، وعبد العزى وعبد - قال لابنه عبد الدار : أما ~~والله يا بني لألحقنك بالقوم وا كانوا قد شرفوا عليك ؛ لا يدخل رجل منهم ~~الكعبة حتى تكون انت تفتحها له ، ولا يعقد لقريش لواء لحربها إلا انت بيدك ~~، ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك ، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلا ~~من طعامك ، ولا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا في دارك ، فأعطاه داره : دار ~~الندوة التي لا تقضي قريش أمرا إلا فيها وأعطاه الحجابة واللواء والسقاية ~~والرفادة . وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي ~~بن PageV16P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" كلاب ، فيصنع به طعاما للحاج ، فيأكله من لم ~~تكن له سعة ولا زاد . وقصي هو الذي فرض ذلك ، فقال لهم حين أمرهم به : يا ~~معشر قريش ، انكم جيرا الله وأهل بيته وأهل الحرم ، وا الحاج ضيف الله ~~وزوار بيته ، وهم أحق الضيف بالكرامة ، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج ~~، حتى يصدروا عنكم . ففعلوا . قال : فلما هلك قصي بن كلاب أقام أمره في ~~قومه من بعده بنوه ، فاختطوا مكة رباعا بعد الذي كان قد قطع لقومه بها ~~فكانوا يعطونها في قومهم وفي غيرهم من حلفائهم ، ويبيعونها فأقامت قريش على ~~ذلك معهم ليس بينهم اختلاف ولا تنازع ، إلىاكا ما نذكرهاشاء الله تعالى في ~~هاشم بن عبد مناف . وحكى أبو عبد الله بن عائذ الدمشقي في مغازيه زيادة في ~~خبر قصي نذكرها في هذا الموضع ، وا كان قد نقص في غيره ، فقال في أثناء ما ~~حكاه : ا البيت كان حوله غيضة والسيل يدخله ، ولم يرفع البيت حينئذ ، فإذا ~~قدم الحاج وطئوه حتى تذهب الغيضة ، فإذا خرجوا نبتت . قال ms3150 : فلما قدم قصي ~~قطع الغيضة ، وابتنى حول البيت دارا ونكح حبى بنت حليل . وقال أيضا : اقصيا ~~قال لأمرأته حبى : قولي لجدتك تدل بنتك على الحجر ، فلم تزل بها حتى قالت : ~~انى أعقل انهم حين خرجوا إلى اليمن سرقوه ، ونزلوا منزلا وهو معهم ، فبرك ~~الجمل الذي كان عيلان لحجر ، فضربوه فقام ، ثم ساروا فبرك ، فضربوه فقام ، ~~ثم برك الثالثة فقالوا : ما برك إلا من أجل الحجر ، ودفنوه ، وذلك أسفل مكة ~~، وانى لأعرف حيث برك ، فخرجوا بالحديد وخرجوا بها معهم ، فأرتهم حيث برك ~~أولا وثانيا وثالثا فقالت : احفروا ههنا . فحفروا حتى يئسوا منه ، ثم ضربوا ~~فأصابوه وأخرجوه ، فأتى به قصي ، فوضعه في الأرض ، فكانوا يتمسحون به وهو ~~في الأرض ، حتى بنى قصي البيت . قال : ومات قصي ودفن بالحجون . والله أعلم ~~بالصواب . وأما عبد مناف بن قصي فكنيته أبو عبد شمس ، واسمه المغيرة ، وعبد ~~مناف لقبه ، وسبب ذلك ان أمه حبى بنت حليل الخزاعية أخدمته مناة ، وكا مناة ~~صنما عظيما لهم ، فسمى عبد مناة به . ثم نظر قصي ، فرآه يوافق عبد مناة بن ~~كنانة ، فحوله PageV16P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" عبد مناف . قاله السهيلي . ومناف مفعل من اناف ~~ينيف اناقة إذا ارتفع . وقال المفضل : الأنافة الإشراف والزيادة ، وبه سمى ~~عبد مناف لطوله ، ومنه تقول : مائة ونيف ، أي شيء زائد على المائة . وكا ~~قصي يقول : لي أربعة بنين سميت ابنين بإلهي ، وهما عبد مناف وعبد العزى ، ~~وواحدا بداري . وهو عبد الدار ، وواحدا بي ، وهو عبد قصي . حكاه محمد بن ~~عائد في مغازيه عن أم سلمة . وقال محمد بن سعد : أخبرنا هشام بن محمد بن ~~السائب الكلبي عن أبيه قال : لما هلك قصي بن كلاب قام عبد مناف بن قصي على ~~أمر قصي بعده وأمر قريش إليه ، واختط بمكة رباعا بعد الذي كان قصي قطع ~~لقومه . قال : وولد عبد مناف سنة نفر ، وست نسوة ، وهم : عبد المطلب بن عبد ~~مناف وكا أكبرهم ، وهو الذي عقد الحلف لقريش من النجاشي في متجرها إلى أرضه ~~، وهاشم ، واسمه عمرو ، وهو ms3151 الذي عقد الحلف لقريش من هرقل لأن تختلف إلى ~~الشام آمنة ، وعبد شمس بن عبد مناف ، وتماضر بنت عبد مناف ، وحية ، وقلابة ~~، وبرة ، وهالة ، وأمهم عاتكة الكبرى بنت مرة ، بن هلال ، بن فالج ، بن ~~ثعلبة بن ذكوان ، بن ثعلبة ، بن بهثة ، بن سليم ، بن منصور ، بن عكرمة ، بن ~~خصفة ، بن قيس عيلأن ، بن مضر . ونوفل بن عبد مناف ، وهو الذي عقد الحلف ~~لقريش من كسرى إلى العراق ، وأبو عمرو بن عبد مناف ، واسمه عبيد ، درج ولا ~~عقب له ، وأمهم واقدة بنت أبي عدي ، وهو عامر ، بن عبد نهم ، بن زيد ، بن ~~مازن ، بن صعصعة ؛ وريطة بنت عبد مناف ، ولدت بني هلال ، بن معيط من بني ~~كنانة ، بن خزيمة ، وأمها الثقفية . وأما هاشم بن عبد مناف ، فكنيته أبو ~~نضلة ، وقيل أبو يزيد ، وقيل بل كان يكنى بابنه أسد ؛ واسمه عمرو ، وهاشم ~~لقب لقب به . روى عن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال : كان اسم هاشم عمرا ~~وكا صاحب إيلاف قريش ، وإيلاف قريش : PageV16P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" دأب قريش ، وهو أول من سن الرحلتين لقريش ؛ ~~ترحل إحداهما في الشتاء إلى اليمن وإلى الحبشة إلى النجاشي فيكرمه ويحبوه ، ~~ورحلة في الصيف إلى الشام إلى غزة وربما بلغ انقرة ، فيدخل على قيصر فيكرمه ~~ويحبوه ؛ فأصابت قريشا سنوات ذهبت بالأموال ، فخرج هاشم إلى الشام ، فأمر ~~بخبز كثير فخبز له ، وحمله في الغرائر على الإبل حتى وافى مكة ، فهشم ذلك ~~الخبز ، يعنى كسره وثرده ، ونحر تلك الإبل ، ثم أمر بطبخها ثم كفأ القدور ~~على الجفان ، فأشبع أهل مكة ؛ فكان ذلك أول الحيا بعد السنة التي أصابتهم ؛ ~~فسمى بذلك هاشما وفي ذلك يقول عبد الله بن الزبعري : عمرو العلى هشم الثريد ~~لقومه . . . ورجال مكة مسنتون عجاف قال : فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد ~~مناف ، وكا ذا مال ، فتكلفايصنع صنيع هاشم فعجز عنه ، فشمت به ناس من قريش ~~، فغضب ونال من هاشم ، ودعاه إلى المنافرة ، فكره هاشم ذلك لسنه وقدره ، ~~فلم تدعه قريش وأحفظوه قال : فانى انافرك ms3152 على خمسين ناقة سود الحدق تنحرها ~~ببطن مكة ، والجلاء عن مكة عشر سنين . فرضي أمية بذلك ، وجعلا بينهما ~~الكاهن الخزاعي ، فنفر هاشما عليه ، فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من ~~حضره ، وخرج أمية إلى الشام ، فأقام بها عشر سنين ؛ فكانت هذه أول عداوة ~~وقعت بين هاشم وأمية ، ثم ولي هاشم الرفادة والسقاية . ذكر ولاية هاشم ~~الرفادة والسقاية قال : إن هاشما وعبد شمس ، والمطلب ، ونوفلا : بني عبد ~~مناف أجمعوا علىايأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار بن قصي مما كان قصي جعل إلى ~~عبد الدار من PageV16P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" الحجابة ، واللواء ، والرفادة ، والسقاية ، ~~والندوة ، ورأوا انهم أحق به منهم لشرفهم عليهم ، وفضلهم في قومهم ، وكا ~~الذي قام بأمرهم هاشم ، فأبت بنو عبد الداراتسلم ذلك إليهم ، وقام بأمرهم ~~عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ؛ فصار مع بني عبد مناف بن قصي بنو ~~أسد بن عبد العزى بن قصي ، وبنو زهرة ابن كلاب ، وبنو تيم بن مرة ، وبنو ~~الحارث بن فهر ؛ وصار مع بني عبد الدار بنو مخزوم ، وسهم ، وجمح ، وبنو عدي ~~بن كعب ؛ وخرجت من ذلك بنو عامر ابن لؤي ، ومحارب بن فهر ؛ فلم يكونوا مع ~~واحد من الفريقين ، فعقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا : ألا يتخاذلوا ولا ~~يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة . فأخرجت بنو عبد مناف ، ومن صار معهم ، ~~جفنة مملوءة طيبا فوضعوها حول الكعبة ، ثم غمس القوم أيديهم فيها وتعاهدوا ~~وتعاقدوا وتحالفوا ومسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على انفسهم ، فسموا ~~المطيبين . وأخرجت بنو عبد الدار ومن كان معهم جفنة من دم ، فغمسوا أيديهم ~~فيها وتعاقدوا وتحالفوا : ألا يتخاذلوا ما بل بحر صوفة ؛ فسموا الأحلاف ، ~~ولعقة الدم ، وتهيئوا للقتال ، وعبئت كل قبيلة لقبيلة ؛ فبينما الناس على ~~ذلك ، إذ تداعوا إلى الصلح علىايعطوا بني عبد مناف بن قصي السقاية والرفادة ~~، وتكون الحجابة واللواء ودار الندوة إلى بني عبد الدار كما كانت ، ففعلوا ~~وتحاجز الناس ؛ فلم تزل دار الندوة في بني عبد الدار ، حتى باعها عكرمة بن ~~عامر ، ابن هاشم ms3153 ، بن عبد مناف ، بن عبد الدار ، بن قصي ، من معاوية بن أبي ~~سفيان ؛ فجعلها معاوية دار الإمارة . قال : وولي هاشم بن عبد مناف بن قصي ~~السقاية والرفادة ، وكا رجلا موسرا فكان يخرج في كل عام مالا كثيرا وكا قوم ~~من قريش أهل يسار يترافدون ، فيرسل كل انسا بمائة مثقال هرقلية ، وغيرهم ~~يرسل بالشيء اليسير على قدر حالهم ، فكان هاشم ، إذا حضر الحج ، يأمر بحياض ~~من أدم ، فتجعل في موضع زمزم ، ثم يستقى فيها الماء من البئار التي بمكة ~~فيشربه الحاج ، وكا يطعمهم قبل التروية بيوم بمكة ، وبمنى ، وجمع ، وعرفة ؛ ~~وكا يثرد لهم الخبز واللحم ، والخبز والسمن ، PageV16P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" والسويق والتمر ، ويحمل لهم الماء ، فيستقون ~~بمنى ، والماء يومئذ قليل ، في حياض الأدم ، إلىايصدروا من منى ، ثم تنقطع ~~الضيافة ويتفرق الناس إلى بلادهم . قال : وهاشم بن عبد مناف هو الذي أخذ ~~الحلف لقريش من قيصراتختلف آمنة ، فكتب له كتابا وكتب إلى النجاشيايدخل ~~قريشا أرضه وكانوا تجارا فخرج هاشم في عير لقريش فيها تجارات ، وكا طريقهم ~~على المدينة ، فنزلوا بسوق النبط ، فصادفوا سوقا تقوم بها في السنة يحشدون ~~لها فباعوا واشتروا ونظروا إلى امرأة على موضع مشرف من السوق ، فرأى امرأة ~~تأمر بما يشترى ويباع لها فرأى امرأة حازمة جلدة مع جمال ، فسأل هاشم عنها ~~أأيم هي أم ذات زوج ؟ فقيل له أيم كانت تحت أحيحة بن الجلاح ، فولدت له ~~عمرا ومعبدا ثم فارقها وكانت لا تنكح الرجال ، لشرفها في قومها حتى يشرطوا ~~له ان يأمرها بيدها فإذا كرهت رجلا فارقته ؛ وهي سلمى بنت عمرو ، بن زيد ، ~~بن لبيد ، بن خداش ، ابن عامرن بن غنم ، بن عدي ، بن النجار ، فخطبها هاشم ~~، فعرفت شرفه ونسبه فزوجته نفسها ودخل بها وصنع طعاما ودعا من هناك من ~~أصحاب العير الذين كانوا معه ، وكانوا أربعين رجلا من قريش ، ودعا من ~~الخزرج رجالأن وأقام بأصحابه أياما ؛ فعلقت سلمى بعبد المطلب ، وولدته وفي ~~رأسه شيبة ، فسمى شيبة . وخرج هاشم في أصحابه إلى الشام حتى بلغ غزة فمات ، ~~ودفن ms3154 بغزة وله عشرون سنة ، وقيل خمس وعشرون سنة ، ورجعوا بتركته إلى ولده ، ~~وأوصى هاشم إلى أخيه المطلب ابن عبد مناف . وحكى ابن الأثير انه لما تزوج ~~سلمى شرط لها أبوها ألا تلد ولدا إلا في أهلها فحملها هاشم إلى مكة فحملت ~~منه ، فلما أثقلت ردها إلى أهلها ومضى إلى الشام ؛ وقيل انه لم ينقلها وانه ~~خرج إلى الشام هو وعبد شمس ، فماتا جميعا بغزة في عام واحد ، وبقي مالهما ~~إلىاجاء الله تعالى بالإسلام ؛ فلما غزا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~آخر غزوة غزاها جاءه قيس بمالهما فدفع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~مال هاشم إلى العباس بن عبد المطلب ، ففرقه على كبراء بني هاشم ، ودفع مال ~~عبد شمس إلى سفيا بن حرب ، ففرقه على كبراء بني عبد شمس . PageV16P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" وقد حكى ابن الأثير : اعبد شمس مات بمكة فقبر ~~بأجياد ، وذلك بعد وفاة هاشم بغزة . قال : ثم مات نوفل بسلما من طريق ~~العراق ، ومات المطلب بردما من أرض اليمن والله أعلم . وقيل : اهاشما وعبد ~~شمس توأمان ، وا أحدهما ولد قبل الآخر ، قيل : ان الأول هاشم ، وقيل : ~~انهما ولدا وأصبع أحدهما ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيت ، فسال دم فقيل يكون ~~بينهما دم . والله تعالى أعلم . قال ابن الكلبي : وولد هاشم بن عبد مناف ~~أربعة نفر وخمسة نسوة ، وهم : شيبة الحمد ، وهو عبد المطلب ، ورقية ماتت ~~وهي جارية لم تبرز ، وأمهما سلمى بنت عمرو ، وأبو صيفي واسمه عمرو وهو ~~أكبرهم ، وأمه هند ، بنت عمرو ، بن ثعلبة ، بن الحارث ، بن مالك ، بن سالم ~~، بن غنم ، بن عوف ، بن الخزرج . وأسد ابن هاشم وأمه قيلة ، وكانت تلقب ~~الجزور ، بنت عامر ، بن مالك ، بن جذيمة ، وهو المصطلق بن خزاعة ، ونضلة بن ~~هاشم ، والشفاء ، وأمهما أميمة بنت عدي ، ابن عبد الله ، بن دينار ، بن ~~مالك ، بن سلامان ، بن سعد ، بن قضاعة . والضعيفة بنت هاشم ، وخالدة بنت ~~هاشم ، وأمهما أم عبد الله ، وهي واقدة بنت أبي عدي ، ويقال عدي ، وهو عامر ~~، بن عبد نهم ، بن ms3155 زيد ، بن مازن ، بن صعصعة ؛ وحية بنت هاشم ، وأمها أم ~~عدي بنت حبيب ، ابن الحارث ، بن مالك ، بن حطيط ابن جشم بن قسي وهو ثقيف . ~~والله عز وجل أعلم بالصواب . ذكر أخبار عبد المطلب بن هاشم قال ابن قتيبة : ~~واسمه عامر . والصحيح عندهم ما ذكره محمد بن PageV16P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" إسحاق بن يسار وغيره ان اسمه شيبة ، وكنيته ~~أبو الحارث ، كنى باسم ولده الحارث ، وهو أكبر ولده . ولعبد المطلب كنية ~~أخرى ، وهي أبو البطحاء ؛ ولتسميته بهذين الاسمين ، وتكنيته بأبي البطحاء ~~أسباب نذكرها قريب ان اشاء الله تعالى . وأم عبد المطلب سلمى بنت عمرو ، بن ~~زيد ، بن لبيد ، بن خداش ، بن عامر ، بن غنم ، ابن عدي ، بن النجار . وقال ~~ابن إسحاق : سلمى بنت زيد ، بن عمرو ، بن لبيد ، بن حرام ، ابن خداش ، بن ~~جندب ، بن عدي ، بن النجار . وقد تقدم انفا خبر زواج هاشم بها . ذكر ما قيل ~~في سبب تسميته وكنيته أما سبب تسميته شيبة فقيل أن أمه ولدته وفي رأسه شيبة ~~، وكانت ظاهرة في دؤابته ، فسمته شيبة ، وذلك في غيبة أبيه . وقيل : أن ~~أباه أوصاها إذا ولدت ذكر ان اتسميه شيبة ، فهو شيبة الحمد . وفي تسميته ~~عبد المطلب انه لما مات هاشم أقام شيبة بالمدينة عند أمه إلىابلغ سبع سنين ~~، فمر رجل من بني الحارث بن عبد مناف بالمدينة ، فإذا غلما ينتصلون ، فجعل ~~شيبة إذا أصاب قال : انا ابن هاشم ، انا ابن سيد البطحاء ، فقال له الحارثي ~~من انت قال : انا شيبة بن هاشم ، بن عبد مناف . فلما أتى الحارثي مكة قال ~~للمطلب ، وهو بالحجر : يا أبا الحارث ، رأيت ابن أخيك هاشم بيثرب ، وأخبره ~~بحاله ، ولا يحسن بكاتترك مثله ، فقال المطلب : والله لا أرجع إلى أهلي حتى ~~آتي PageV16P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" به ؛ فأعطاه الحارثي ناقته فركبها وقدم ~~المدينة عشاء ، فإذا غلما يضربون كرة ، فعرف ابن أخيه ، فقال للقوم : هذا ~~ابن هاشم ؟ قالوا نعم ، فبلغ أمه انه جاء ليأخذه فقالت : والله لوالك مالا ~~مثل أحد ما أعطيتك إياه ، فقال : لا ms3156 انصرف حتى أخرج به ؛ ان ابن أخي قد بلغ ~~، وهو غريب عن قومه . فيقال انها دفعته إليه فأخذه بإذنها . وقيل انه أخذه ~~اختلاسا وأعانه على أخذه رجل من خزاعة . وقال ابن سعد في طبقاته عن محمد بن ~~واقد الأسلمي : اثابت بن المنذر ابن حرام ، وهو أبو حسا بن ثابت الشاعر ، ~~قدم مكة معتمرا فلقى المطلب ، وكا له خليلأن وكا المطلب قد ولى السقاية ~~والرفادة بعد موت هاشم ، فقال له ثابت : لو رأيت ابن أخيك شيبة فينا لرأيت ~~جمالا وهيبة وشرفا ؛ لقد نظرت إليه ، وهو يناضل فتيانا من أخواله ، فيدخل ~~مرماتيه جميعا في مثل راحتي هذه ، ويقول كلما خسق : انا ابن عمرو العلى ~~فقال المطلب : لا أمسى حتى أحرج إليه فأقدم به ، فخرج فورد المدينة ، فنزل ~~في ناحية ، وجعل يسأل عنه حتى وجده يرمي في فتيا من أخواله ، فلما رآه عرف ~~شبه أبيه فيه ، ففاضت عيناه ، وضمه إليه وكساه حلة يمانية ، وانشأ يقول : ~~عرفت شيبة والنجار قد حفلت . . . أبناؤها حوله بالنبل تنتضل عرفت أجلاده ~~منا وشيمته . . . ففاض مني عليه وابل سبل PageV16P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" فأرسلت سلمى إلى المطلب ، فدعته إلى النزول ~~عليها فقال : شاني أخف من ذلك ؛ ما أريد ان أحل عقدة حتى أقبض ابن أخي ~~فألحقه ببلده وقومه ، فقالت : لست بمرسلته معك ، وغلظت عليه فقال : لا ~~تفعلي فاني غير منصرف حتى أحرج به معي ، فا المقام ببلده خير له من المقام ~~ههنا وهو ابنك حيث كان ؛ فلما رأت انه غير مقصر حتى يخرج به استنظرته ثلاثة ~~أيام ، وتحول المطلب إليهم ونزل عندهم ، وأقام ثلاثا ثم احتمله وانطلقا ~~جميعا ودخل به إلى مكة فقالت قريش : هذا عبد المطلب فقال : ويحكم انما هو ~~ابن أخي شيبة بن عمرو . وقيل انه لما دخل إلى مكة دخلها وشيبة معه على عجز ~~ناقته ، وذلك ضحى ، والناس في أسواقهم ومجالسهم ، فقاموا يرحبون بقدوم ~~المطلب ويقولون له : من هذا معك ؟ من هذا وراءك ؟ فيقول : هذا عبدي ، وفي ~~رواية هذا عبد ابتعته بيثرب ، فأدخله المطلب منزله على امرأته ms3157 خديجة بنت ~~سعيد بن سهم ، فقالت : من هذا معك ؟ قال : عبد لي ؛ واشترى له حلة فلبسها ~~ثم خرج به العشى إلى مجلس بني عبد مناف وأعلمهم انه ابن أخيه ؛ فجعل شيبة ~~يطوف بمكة ، فإذا مر بقوم قالوا : هذا عبد المطلب ، فغلب ذلك عليه . وفي ~~تكنيته بأبي البطحاء انه استسقى لأهل مكة فسقوا لوقتهم ، فقال له مشايخ ~~قريش عند ذلك : هنيئا لك أبا البطحاء . وسنذكراشاء الله تعالى هذه القصة ~~بطولها في المبشرات برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فهذه أسباب تسميته ~~وتكنيته . والله أعلم . وكا عبد المطلب جسيما أبيض ، وسيما طوالأن فصيحا ؛ ~~ما رآه أحد قط إلا أحبه . قال الواقدي : وأقام عبد المطلب بمكة حتى أدرك ، ~~وخرج المطلب بن عبد مناف تاجرا إلى أرض اليمن ، فهلك بردما من أرض اليمن ، ~~فولي عبد المطلب بعده الرفادة والسقاية ؛ فلم يزل ذلك بيده وهو يطعم الحاج ~~ويسقيهم في حياض الأدم حتى حفر زمزم ، فترك السقي في الحياض ، وسقاهم من ~~زمزم ، وكا يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقيهم . والله أعلم . ذكر حفر ~~عبد المطلب زمزم وما وجد فيها قال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله بسند ~~رفعه إلى علي بن أبي طالب PageV16P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" رضي الله عنه قال : قال عبد المطلب ؛ اني ~~لنائم في الحجر ، إذ أتاني آت فقال : احفر طيبة قال : قلت : وما طيبة ؟ قال ~~: ثم ذهب عني ؛ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال : ~~احفر زمزم ، قال : قلت وما زمزم ؟ قال : لا تنزف أبدا ولا تدم ، تسقى ~~الحجيج الأعظم ، وهي بين الفرث والدم ، عند نقرة الغراب الأعصم ، عند قرية ~~النمل . قال : فلما بين له شانها ودل على موضعها وعرف انه قد صدق ، غدا ~~بمعوله ، ومعه ابنه الحارث ، وليس له يومئذ ولد غيره فحفر ، فلما بدا لعبد ~~المطلب الطي كبر ، فعرفت قريش انه قد أدرك حاجته ، فقاموا إليه فقالوا : يا ~~عبد المطلب ، انها بئر أبينا إسماعيل ، وا لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها ~~قال : ما انا بفاعل ، اهذا ms3158 الأمر قد خصصت به دونكم ، وأعطيته من بينكم ، ~~قالوا له : فانصفنا فانا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها قال : فاجعلوا بيني ~~وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه ، قالوا : كاهنة بني سعد بن هذيم ، قال نعم . ~~وكانت بمعا من أشراف الشام فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني ~~عبد مناف ، وركب من كل قبيلة من قريش نفر والأرض إذ ذاك مفاوز ، فخرجوا حتى ~~إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام ، فني ماء عبد المطلب ~~وأصحابه ، فظمئوا حتى أيقنوا PageV16P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" بالهلكة ، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش ~~فأبوا عليهم ، وقالوا : انا بمفازة ، ونحن نخشى على انفسنا مثل ما أصابكم ؛ ~~فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم ، وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال : ماذا ~~ترون ؟ قالوا : ما رأينا إلا تبع رأيك ، فمرنا بما شئت ، قال : فاني ~~أرىايحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الأن من القوة ، فكلما مات رجل ~~دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه ، حتى يكون آخركم رجلا واحدا فيموت ضيعة ، ~~فضبعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا قالوا : نعم ما أمرت به . فقام كل ~~رجل منهم فحفر حفرته ، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا ؛ ثماعبد المطلب قال ~~لأصحابه : واللهاإلقاءنا بأيدينا هكذا للموت عجز ، ألا نضرب في الأرض ، ~~ونبتغي لأنفسنا ؟ فعسى اللهايرزقنا ماء ببعض البلاد . ارتحلوا فارتحلوا حتى ~~إذا فرغوا ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون ، تقدم عبد ~~المطلب إلى ناقته فركبها فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين من ماء عذب ~~، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه ، ثم نزل فشرب ، وشرب أصحابه ، واستقوا حتى ~~ملأوا أسقيتهم ، ثم دعا القبائل من قريش فقال : هلموا إلى الماء ، فقد ~~سقانا الله ، فاشربوا واستقوا فجاءوا فشربوا واستقوا ثم قالوا : قد والله ~~قضى لك علينا يا عبد المطلب ، والله لا نخاصمك في زمزم أبد ان االذي سقاك ~~هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم ، فارجع إلى سقايتك راشدا فرجع ~~ورجعوا معه ، ولم يصلوا إلى الكاهنة ، وخلوا ms3159 بينه وبينها . هذا أحد ما قيل ~~في حفر زمزم . وفي رواية أخرى : انه قيل له : احفر زمزم ، انكاحفرتها لم ~~تندم ، وهي تراث من أبيك الأعظم ، لا تنزف أبدا ولا تدم ، تسقي الحجيج ~~لأعظم ، مثل نعام جافل لم يقسم . ينذ فيها ناذر لمنعم ، تكون ميراثه وعقدا ~~محكم ، ليست كبعض ما قد تعلم ، وهي بين الفرث والدم . قال ابن إسحاق : ~~فزعموا انه حين قيل له ذلك قال : فأين هي ؟ قيل له عند قرية PageV16P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" النمل ، حيث ينقر الغراب غدا . فغدا عبد ~~المطلب ومعه ابنه الحارث ، فوجد قرية النمل ، ووجد الغراب ينقر عندها بين ~~الوثنين : إساف ونائله : اللذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحها فجاء ~~بالمعول ، وقام ليحفر حيث أمر ، فقامت إليه قريش حين رأوا جده فقالوا : ~~والله لا نتركك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما ؛ فقال عبد المطلب ~~لأبنه الحارث : ذدعني حتى أحفر ، فوالله لأمضين لما أمرت به ، فلما عرفوا ~~انه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه ، فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا ~~له الطي ، فكبر وعرف انه قد صدق ، فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ~~ذهب ، وهما الغزالأن اللذا دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكة ، ووجد فيها ~~سيوفا قلعية وأدراعا فقالت له قريش : لنا معك في هذا شرك وحق ، قال : لأن ~~ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم ؛ نضرب عليها بالقداح ، قالوا : وكيف ~~نصنع ؟ قال : أجعل للكعبة قدحين ، ولي قدحين ، ولكم قدحين ، فمن خرج قدحاه ~~على شيء كان له ، ومن تخلف قدحاه فلا شيء له ، قالوا : انصفت ، فجعل قدحين ~~أصفرين للكعبة ، وقدحين أسودين له ، وقدحين أبيضين لقريش ، ثم أعطوها صاحب ~~القداح الذي يضرب بها عند هبل ، وهبل صنم في جوف الكعبة ، وهو أعظم أصنامهم ~~، وقام عبد المطلب يدعو ، وضرب صاحب القداح ، فخرج الأصفرا على الغزالين ~~للكعبة ، وخرج الأسودا على الأسياف والأدراع لعبد المطلب ، وتخلف قدحا قريش ~~؛ فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة ، وضرب في الباب الغزالين ، فكان ~~أول ذهب حليته الكعبة . وقيل انه جعل ms3160 القفل والمفتاح من ذهب الغزالين . وعن ~~محمد بن عمرو بن واقد قال : كانت جرهم حين أحسوا بالخروج من مكة دفنوا ~~غزالين وسبعة PageV16P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" أسياف قلعية ، وخمسة أذراع سوابغ ، فوجدها عبد ~~المطلب . هذا خبر حفر زمزم وما وجد فيها وقد تقدم ذكر سبب خبر ردمها في ~~أثناء أخبار قصي بن كلاب ؛ فلنذكر من أخبار عبد المطلب خلاف ذلك . والله ~~الموفق للصواب . ذكر خبر استسقاء عبد المطلب لبني قيس عيلان وهذيل ومن معهم ~~حكى الزبير بن بكار في انساب قريش وبني هاشم ، وبني عبد المطلب قال : روى ~~إبراهيم بن محمد الشافعي عن أبيه ، عن الوليد بن خالد المخزومي ، عن سعد بن ~~حذافة الجمحي ، عن محمد بن عطية العوفي ، عن رجل من هذيل قال : قحطت بلاد ~~قيس ، وأجدبت فلم تصبهم سماء يعقد بها الثرى ، ولا ينبت بها الكلأ ، فذاب ~~الشحم ، وذهب اللحم ، وتهافتوا ضرا وهزلأن فاجتمعوا للمشورة وإجالة الرأي ، ~~وقد عزموا على الرحلة وانتجاع البلاد ، فقالت فرقة منهم : انتجعوا بلاد سعد ~~وبطن العشر ، وقالت فرقة أخرى : اتميما عدد كثير لا يفضل منهم ما يكفيكم ، ~~وقالت فرقة أخرى : لينتجع كل ولد أب منكم ولد أب من غيركم ، واعقدوا معهم ~~حلفا تشركونهم به في ربعهم ؛ فقام رجل حسن الوجه ، مجتمع الخلق ، جيد الرأي ~~، فقال : يا بني عيلأن ، انكم قد أصبحتم في أمر ليس بالهزل ؛ هذا أمر عظيم ~~خطره ، متباعد أمره ؛ قد بلغن ان اعبد المطلب بن هاشم سيد البطحاء استسقى ~~فسقى ، ودعا فأجيب ، واستجير به فأجار ، فاجعلوا قصدكم إليه ، ووفادتكم ~~عليه ، فا ذلك أوكد للسبب ، وأوجه في الطلب . قالوا : أحسن الرأي ، فرحلت ~~قيس وهذيل ، ومن دنا PageV16P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" منهم حتى أتوا عبد المطلب ، فقالوا : أفلح ~~الوجه أبا الحارث نحن ذووا أرحامك الواشجات ، أصابتنا سنون مجدبات ، أهزلن ~~السمين ، وانفذن المعين ، وقد بلغنا خبرك ، وبا لنا أمرك ، وكلاما نحو هذا ~~. فقال : موعدكم جبل عرفات ، ثم خرج في بنيه وبنى أمية حتى أتى جبل عرفات ، ~~فصعد الجبل فقال : اللهم رب الريح العاصف ، والرعد القاصف ، والبرق ms3161 الخاطف ~~، منشئ السحاب ، ومالك الرقاب ، ذي المنن العظام ، والأيادي الجسام ؛ هذه ~~مضر خير البشر ، تشكو سوء الحال ، وشدة الإمحال ، قد احدودبت ظهورها وغارت ~~عيونها وشعثت شعورها وقد خلفوا نساء ضلعا وصبيانا رضعا وبهائم رتعا . فآتهم ~~اللهم ريحا جرارة ، وسحابا درارة ، تضحك أرضهم ، وتكشف ضرهم . فما فرغ من ~~كلامه حتى نشأت سحابة دكناء فيها ودق شديد ، فقال : هي هي ، ثم قال يا معشر ~~مضر ، ارجعوا فقد سقيتم ، فرجعوا واخضرت أرضهم ، وكثرت مياههم . هذا ما ~~أورده الزبير بن بكار راوي هذه القصة ، والله أعلم . وكانت بعد ان استسقى ~~لقريش ، وذلك بعد مولد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وسنذكر ذلكاشاء ~~الله تعالى مستوفى في المبشرات برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد هذا ~~. والله تعالى عز وجل أعلم . ذكر نذر عبد المطلب نحر ابنه وخروج القداح على ~~عبد الله والد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وفدائه قال محمد بن سعد في ~~طبقاته الكبرى ، عن محمد بن عمر بن واقد الأسلمي بسند رفعه إلى عبد الله بن ~~عباس وغيره رضي الله عنهم : اعبد المطلب بن هاشم لما رأى قلة أعوانه في حفر ~~زمزم نذر لئن أكمل الله له عشرة ذكور حتى يراهم يذبح أحدهم ، فلما تكاملوا ~~عشرة وهم : الحارث ، والزبير ، وأبو طالب ، وعبد الله ، وحمزة ، وأبو لهب ، ~~والغيداق ، والمقوم ، وضرار ، والعباس . هكذا نقل محمد ابن سعد ، وعد من ~~العشرة حمزة والمقوم ؛ ويرد هذا العدد ما روىاعبد المطلب PageV16P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" لم يتزوج أم حمزة إلا بعد الفداء ، وقد عد ~~محمد بن السائب الكلبي أولاد عبد المطلب الذكور اثني عشر ، فيهم المغيرة ، ~~وقثم ؛ وعدهم الزبير بن بكار ثلاثة عشر فيهم عبد الكعبة ، وحمزة ، والمقوم ~~، والمغيرة ؛ هؤلاء الثلاثة إخوة أشقاء كلهم لهالة بنت وهيب ، وزواج عبد ~~المطلب هالة هذه كان بعد الفداء على ما حكاه ابن سعد أيضا عن الواقدي ، ~~ولعل العشرة تكمل بقثم وعبد الكعبة . والله تعالى أعلم . فلنرجع إلى سياقة ~~خبر محمد بن سعد قال : فلما تكاملوا عشرة جمعهم ، ثم أخبرهم بنذره ms3162 ، ودعاهم ~~إلى الوفاء لله به ، فما اختلف عليه منهم أحد ، وقالوا : أوف بنذرك ، وافعل ~~ما شئت ، فقال : ليكتب كل رجل منكم اسمه في قدحه ففعلوا فدخل عبد المطلب في ~~جوف الكعبة وقال للسادن : اضرب بقداحهم فضرب ، فخرج قدح عبد الله أولها وكا ~~عبد المطلب يحبه فأخذ بيده يقوده إلى المذبح ومعه الدية فبكى بنات عبد ~~المطلب وكن قياما وقالت إحداهن لأبيها : أعذر فيه با تضرب في إبلك السوائم ~~التي في الحرم ، فقال للسادن : اضرب عليه بالقداح ، وعلى عشرة من الإبل ، ~~وكانت الدية يومئذ عشرة من الإبل ، فضرب فخرج القدح على عبد الله ، فجعل ~~يزيد عشرا عشرا كل ذلك يخرج القدح على عبدالله حتى كملت مائة ، فضرب ~~بالقداح فخرج على الإبل ، فكبر عبد المطلب والناس معه ، واحتمل بنات عبد ~~المطلب أخاهن عبد الله ، وقدم عبد المطلب الإبل فنحرها بين الصفا والمروة ، ~~وخلى بينها وبين كل من وردها من انسى أو سبع أو طائر ، لم يذب عنها أحدا ~~ولم يأكل منها هو ولا أحد من ولده شيئا . قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~كانت الدية يومئذ عشرا من الإبل ، وعبد المطلب أول من سن دية النفس مائة من ~~الإبل ، فجرت في قريش والعرب مائة ، وأقرها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) على ما كانت عليه . هذا ما أورده محمد بن سعد في طبقاته . وقال أبو محمد ~~عبد الملك بن هشام في السيرة : قال ابن إسحاق : وكا عبد المطلب قد نذر حين ~~لقى من قريش ما لقي عند حفر زمزم : لئن ولد له عشرة نفر ، ثم بلغوا معه حتى ~~يمنعوه ، لينحرن أحدهم لله تعالى عند الكعبة ، فلما توافى بنوه عشرة ، وعرف ~~انهم سيمنعونه جمعهم ثم PageV16P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" أخبرهم بنذره ، ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك ، ~~فأطاعوه وقالوا كيف نصنع ؟ قال : ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم ليكتب فيه اسمه ~~، ثم ائتوني ، ففعلوا ثم أتوه ، فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة ، وكا هبل ~~على بئر في جوف الكعبة ، وكانت تلك البئر هي التي ms3163 يجمع فيها ما يهدى للكعبة ~~، وكا عند هبل قداح سبعة ، كل قدح منها فيه كتاب ، قدح فيه العقل إذا ~~اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة ، فعلى من خرج قدح ~~العقل حمله ؛ وقدح فيه نعم للأمر إذا أرادوه يضرب به في القداح ، فا خرج ~~قدح نعم عملوا به ؛ وقدح فيه لأن فا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر ؛ ~~وقدح فيه منكم ؛ وقدح فيه ملصق ؛ وقدح فيه من غيركم ؛ وقدح فيه المياه إذا ~~أرادو ان ايحفروا للماء ضربوا بالقداح فيها ذلك القدح ، فحيثما خرج عملوا ~~به . وكانوا إذا أرادو ان ايختنوا غلاما أو ينكحوا منكحا أو يدفنوا ميتا أو ~~شكوا في نسب أحدهم ، ذهبوا إلى هبل وبمائة درهم وجزور ، فأعطوها صاحب ~~القداح الذي يضرب بها ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ، ثم قالوا ~~: يا إلهنا هذا فلأن بن فلأن قد أردنا به كذا وكذا فأخرج الحق فيه ، ثم ~~يقولون لصاحب القداح : اضرب فا خرج عليه منكم كان منهم وسيطا وا خرج عليه ~~من غيركم كان حليفا وا خرج عليه ملصق كان على منزلته فيهم ، لا نسب له ولا ~~حلف ، وا خرج في شيء مما سوى هذا مما يعملون به نعم عملوا به ، وا خرج عليه ~~لا أخروه عامه ذلك حتى يأتوه به مرة أخرة ؛ ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما ~~خرجت به القداح ؛ فقال عبد المطلب لصاحب القداح : اضرب على بني هؤلاء ~~بقداحهم هذه ، وأخبره بندره الذي نذره ، فأعطاه كل رجل منهم قدحه الذي فيه ~~اسمه ، وكا عبد الله بن عبد المطلب أصغر بني أبيه ، وهو أحب ولده إليه ، ~~وهو أبو رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلما أخذ صاحب القداح القداح ~~ليضرب بها قام عبد المطلب عند هبل يدعو الله ، ثم ضرب PageV16P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" صاحب القداح فخرج القدح على عبد الله ، فأخذ ~~عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة ، ثم أقبل إلى إساف ونائلة ليذبحه ، فقامت ~~إليه قريش من انديتها فقالوا : ماذا تريد يا عبد المطلب ms3164 ؟ قال : أذبحه ، ~~فقالت له قريش وبنوه : والله لا تذبحه حتى تعذر فيه ؛ لئن فعلت هذا لا يزال ~~الرجل يأتى بابنه حتى يذبحه ، فما بقاء الناس على هذا ؟ وقال له المغيرة بن ~~عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة - وكا عبد الله ابن أخت القوم - : لا ~~تذبحه حتى تعذر فيه ، فا كان فداؤه بأموالنا فديناه ، وقالت له قريش وبنوه ~~: لا تفعل ، وانطلق به إلى الحجاز فا به عرافة لها تابع فسلها ثم انت على ~~رأس أمرك ، ان أمرتك بذبحه ذبحته ، وان أمرتك بأمر لك وله فيه مخرج قبلته ، ~~فانطلقوا حتى قدموا المدينة فوجدوها - فيما يزعمون - بخيبر ، فركبوا إليها ~~حتى جاءوها فسألوها وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه ، فقالت لهم : قد ~~جاءني الخبر ، كم الدية فيكم ؟ قالوا : عشر من الإبل ، قالت : فارجعوا إلى ~~بلادك وقربوا عشرا من الإبل ، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح ، فا خرجت على ~~صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم ، وا خرجت على الإبل فانحروها عنه ، ~~فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم ، فخرجوا حتى قدموا مكة وفعلوا ذلك ، والقداح تقع ~~على عبد الله ، وعبد المطلب يزيد عشرا عشرا وهو قائم يدعو حتى بلغت الإبل ~~مائة ، فخرج القدح على الإبل ، فقالت قريش ومن حضر : قد انتهى ، رضى ربك يا ~~عبد المطلب ، فقال عبد المطلب : لا والله حتى أضرب عليه بالقداح ثلاث مرات ~~، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل ، وعبد المطلب قائم يدعو ، فخرج القدح في ~~كل مرة على الإبل ، فنحرت عند ذلك . وذكر نحو ما تقدم . ذكر زواج عبد الله ~~بن عبد المطلب آمنة بنت وهب أم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) روى محمد بن ~~سعد عن محمد بن عمر بن واقد بسند يرفعه ، قال : كانت آمنة بنت وهب بن عبد ~~مناف بن زهرة بن كلاب ، في حجر عمها وهيب بن عبد مناف ، PageV16P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" فمشى إليه عبد المطلب بابنه عبد الله أبي ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فخطبه عيلان منة فزوجها عبد الله ، وخطب ~~إليه عبد المطلب ms3165 بن هاشم في مجلسه ذلك ابنته هالة بنت وهيب على نفسه ، ~~فزوجه إياها فكان تزوجهما في مجلس واحد ، فولدت هالة لعبد المطلب حمزة ، ~~وكا حمزة عم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في النسب ، وأخاه من الرضاعة ~~. ونقل أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر رحمه الله : اعبد ~~الله ابن عبد المطلب تزوج آمنة وهو ابن ثلاثين سنة . قال : وقيل بل كان ~~يومئذ ابن خمس وعشرين سنة . وعن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه ، وعن أبي ~~الفياض الخثعمي قالا : لما تزوج عبد الله آمنة أقام عندها ثلاثا وكانت تلك ~~السنة عندهم . وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام عن محمد بن إسحاق : اعبد ~~المطلب لما فدى ابنه عبد الله أخذ بيده ، وخرج به حتى أتى وهب بن عبد مناف ~~بن زهرة ، وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبا وشرفا فزوجه ابنته آمنة ، وهي يومئذ ~~أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا قال : فزعموا انه دخل عليها حين أملكها ~~مكانه فوقع عليها فحملت برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ذكر خبر ~~المرأة التي عرضت نفسها على عبد الله بن عبد المطلب وما أبدته من سبب ذلك ~~قد اختلف في هذه المرأة ، فمنهم من يقول : هي قتيلة ، بنت نوفل ، بن أسد ، ~~ابن عبد العزى ، بن قصي ، وهي أخت ورقة بن نوفل . قال السهيلي : اسمها ~~رقيقة بنت PageV16P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" نوفل تكنى أم قتال ، وهي أخت ورقة بن نوفل . ~~ومنهم من يقول : هي فاطمة بنت مر الخثعمية ، وقيل غيرها . ونحن نذكر ما ~~قالوه في ذلك . فأما عبد الملك بن هشام فقال : لما انصرف عبد المطلب يوم ~~الفداء آخذا بيد ابنه عبد الله ، فمر به على امرأة من بني أسد ، وهي أخت ~~ورقة بن نوفل ، وهي عند الكعبة ، فقالت له حين نظرت إلى وجهه : أين تذهب يا ~~عبد الله ؟ قال : مع أبي ، قالت : لك مثل الإبل التي نحرت عنك وقع على الأن ~~. قال : انا مع أبي ، ولا أستطيع خلافه ولا فراقه ، فخرج ms3166 به عبد المطلب حتى ~~أتى وهب ابن عبد مناف . وذكر خبر زواجه بآمنة ، وانه وقع عليها كما ذكرناه ~~انفا . قال : ثم خرج من عندها فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت ، فقال ~~لها : مالك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت علي بالأمس ؟ قالت له : فارقك ~~النور الذي كان معك بالأمس ، فليس لي بك اليوم حاجة . وقال الواقدي : هي ~~قتيلة بنت نوفل . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : انها امرأة من بني أسد ، ~~وهي أخت ورقة . قال الواقدي : كانت تنظر وتعتاف ، فمر بها عبد الله فدعته ~~يستبضع منها ولزمت طرف ثوبه فأبى وقال : حتى آتيك ، وخرج مسرعا حتى دخل على ~~آمنة فوقع عليها فحملت برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم رجع إلى ~~المرأة وهي تنتظره فقال : هل لك في الذي عرضت علي ؟ فقالت : لا . مررت وفي ~~وجهك نور ساطع ، ثم رجعت وليس فيه ذلك النور . قال : وقال بعضهم قالت : ~~مررت وبين عينيك غرة مثل غرة الفرس ، ورجعت وليس هي في وجهك . وقال محمد بن ~~عمر بن واقد ، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، عن أبيه ، عن أبي الفياض ~~الخثعمي ، قال : مر عبد الله بأمرأة من خثعم يقال لها : فاطمة بنت مر ، ~~وكانت من أجمل الناس وأشبه وأعفه ، وكانت قد قرأت الكتب ، وكان ~~PageV16P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" شباب قريش يتحدثون إليها فرأت نور النبوة في ~~وجه عبد الله فقالت : يا فتى من انت ؟ فأخبرها قالت : هل لكاتقع علي وأعطيك ~~مائة من الإبل ؟ فنظر إليها وقال : أما الحرام فالممات دونه . . . والحل لا ~~حل فأستبينه فكيف بالأمر الذي تنوينه ثم مضى إلى امرأته آمنة ، فكان معها ~~ثم ذكر الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه ، فأقبل عليها فلم ير منها من ~~الإقبال عيلان خرا كما رآه منها أولأن فقال : هل لك فيما قلت لي ؟ فقالت : ~~قد كان ذاك مرة فاليوم لأن فذهبت مثلأن وقالت : أي شيء صنعت بعدي ؟ قال : ~~وقعت على زوجتي آمنة ، قالت : اني والله لست بصاحبة زنية ، ولكني رأيت نور ~~النبوة في ms3167 وجهك ، فأردتايكون ذلك في ، وأبى الله يجعله حيث جعله . وبلغ ~~شباب قريش ما عرضت على عبد الله وتأبيه عليها فذكروا ذلك لها فكان يقول : ~~اني رأيت مخيلة عرضت . . . فتلألأت بحناتم القطر فلمأتها نورا يضيء له . . ~~. ما حوله كإضاءة الفجر ورأيته شرفا أبوء به . . . ما كل قادح زنده يورى ~~لله ما زهرية سلبت . . . ثوبيك ما استبلت وما تدرى وقالت أيضا : بنى هاشم ~~قد غادرت من أخيكم . . . أمينة إذ للباه يعتلجان كما غادر المصباح بعد خبوه ~~. . . فتائل قد ميثت له بدهان PageV16P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" وما كل ما يحوي الفتى من تلاده . . . بحزم ولا ~~ما فاته لتوان فأجمل إذا طالبت أمرا فانه . . . سيكفيكه جدا يصطرعان ~~ستكفيكه إما يد مقفيلة . . . وإما يد مبسوطة ببيان ولما قضت منه أمينة ما ~~قضت . . . نبا بصرى عنه وكل لساني وعن أبي يزيد المدني قال : نبئتاعبد الله ~~أبا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أتى على امرأة من خثعم فرأت بين ~~عينيه نورا ساطعا إلى السماء فقالت : هل لك في ؟ قال : نعم حتى أرمي الجمرة ~~، فانطلق فرمي الجمرة ، ثم أتى امرأته آمنة بنت وهب ، ثم ذكر الخثعمية ~~فأتاها فقالت : هل أتيت امرأة بعدي ؟ قال نعم ، امرأتي آمنة بنت وهب ، قالت ~~: فلا حاجة لي فيك ، انك مررت وبين عينيك نور ساطع إلى السماء ، فلما وقعت ~~عليها ذهب ؛ فأخبرها انها قد حملت بخير أهل الأرض . وقال محمد بن إسحاق : ~~حدثني أبي إسحاق بن يسار ، انه حدثاعبد الله انما دخل على امرأة كانت له مع ~~آمنة بنت وهب ، وقد عمل في طين له ، وبه آثار من الطين ، فدعاها إلى نفسه ~~فأبطأت عليه لما رأت عليه من آثار الطين ، فخرج من عندها فتوضأ وغسل ما كان ~~به من ذلك الطين ، ثم خرج عامدا إلى آمنة فمر بها فدعته فأبى عليها وعمد ~~إلى آمنة فدخل عليها ؛ فأصابها فحملت بمحمد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ، ثم مر بأمرأته تلك فقال لها : هل لك ؟ قالت : لا . مررت بي وبين عينيك ~~غرة ، فدعوتك فأبيت ، ودخلت على ms3168 آمنة فذهبت بها . قال ابن إسحاق : وزعمو ان ~~اامرأته تلك كانت تحدث : انه مر بها وبين عينيه مثل غرة الفرس ، قالت : ~~فدعوته رجاءاتكون تلك بي ، فأبى علي ، ودخل على آمنة فأصابها فحملت برسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، أوسط قومه نسبا وأعظمهم شرفا من قبل أبيه ~~وأمه . والله الفعال . ذكر حمل آمنة برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وما ~~رأته ، وما قيل لها حملت به ( صلى الله عليه وسلم ) أيام التشريق في شعب ~~أبي طالب عند الجمرة الوسطى ، رواه PageV16P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" أبو عمر بن عبد البر عن الزبير بن بكار ، ~~وحكاه غيره أيضا . وقيل حملت به في دار وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب . ~~وروى محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال : حدثني علي بن يزيد ، بن عبد الله ، ~~بن وهب بن زمعة عن أبيه ، عن عمته قالت : كنا نسمعارسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لما حملت به آمنة بنت وهب كانت تقول : ما شعرت اني حملت به ، ~~ولا وجدت له ثقلة كما تجد النساء ، إلا اني قد انكرت رفع حيضتي ، فربما ~~كانت ترفعني وتعود ؛ وأتاني آت ، وانا بين النائم واليقظا فقال : هل شعرت ~~انك حملت ؟ فكاني أقول ما أدري ، فقال : انك قد حملت بسيد هذه الأمة ونبيها ~~وذلك يوم الإثنين ، قالت : فكان ذلك مما يقن عندي الحمل ، ثم أمهلني حتى ~~إذا دنت ولادتي أتاني ذلك الآتي فقال : قولي : أعيذه بالواحد الصمد ، من شر ~~كل حاسد . قالت : فكنت أقول ذلك . وفي رواية محمد بن إسحاق انه قيل لها : ~~انك قد حملت بسيد هذه الأمة ، فإذا وقع إلى الأرض فقولي : أعيذه بالواحد ، ~~من شر كل حاسد ، ثم سميه محمدا . وفي رواية أخرى : امرت أمه وهي حامل برسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم )اتسميه أحمد . قالت أمه : فذكرت ذلك لنسائي ، ~~فقلن لي : تعلقي حديدا في عضديك وفي عنقك ، قالت : ففعلت ، فلم يكن يترك ~~علي إلا أياما فأجده قد قطع ، فكنت لا أتعلقه . وعن الزهري قال : قالت آمنة ~~: لقد علقت ms3169 به ، فما وجدت له مشقة حتى وضعته . قال ابن إسحاق : ورأت حين ~~حملت به انه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام . قد تواترت ~~الأخبار الصحيحة بذلك . وحكى الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد ~~القرطبي في كتاب الأعلام PageV16P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" له عن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال : وكا ~~من دلائل حمل آمنة برسول الله ( صلى الله عليه وسلم )اكل دابة كانت لقريش ~~نطقت تلك الليلة وقالت : حمل بمحمد ورب الكعبة ، وهو إمام الدنيا وسراج ~~أهلها ؛ ولم تبق كاهنة في قريش ولا في قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن ~~صاحبها ؛ وانتزع علم الكهنة منهم ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا ~~أصبح منكوسا . قال : وقال كعب الأحبار : وأصبحت يومئذ أصنام الدنيا كلها ~~منكوسة مضغوطة فيها شياطينها وأصبح عرش إبليس عدو الله منكوسا . قال : وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : وأصبح كل ملك أخرس لا ينطق يومه ذلك ، وفرت وحوش ~~المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات ، وكذلك أهل البحار صار يبشر بعضهم بعضا ~~وله في كل شهر من شهوره نداء في الأرض ، ونداء في السماء : ان أبشروا ~~فقدالأبي القاسم أن يخرج إلى الأرض ميمونا مباركا . والله الموفق الفعال . ~~ذكر وفاة عبد الله بن عبد المطلب روى أبو عبد الله محمد بن سعد ، بسند ~~يرفعه إلى محمد بن كعب ، وأيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، قالا : خرج ~~عبد الله بن عبد المطلب إلى الشام إلى غزة في عير من عيرات قريش يحملون ~~تجارات ، ففرغوا من تجاراتهم ثم انصرفوا فمروا بالمدينة وعبد الله يومئذ ~~مريض فقال : انا أتخلف عند أخوالي بني عدي ابن PageV16P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" النجار ، فأقام عندهم مريضا شهرا ومضى أصحابه ~~فقدموا مكة ، فسألهم عبد المطلب عن عبد الله ، فقالوا : خلفانه عند أخواله ~~وهو مريض ، فبعث إليه عبد المطلب ولده الحارث ، فوجده قد توفى ودفن في دار ~~النابغة ، وهو رجل من بني عدي بن النجار ، فرجع إلى أبيه فأخبره ، فوجد ~~عليه عبد ms3170 المطلب وإخوته وأخواته وجدا شديدا ورسول الله صلى الله عيه وسلم ~~يومئذ حمل . ولعبد الله يوم توفى خمس وعشرون سنة . قال الواقدي : هذا هو ~~أثبت الأقاويل : والرواية في وفاة عبد الله وسنه عندنا . وعن هشام بن ~~السائب الكلبي عن أبيه ، وعن عوانة بن الحكم قالا : توفي عبد الله بن عبد ~~المطلب بعد ما أتى على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثمانية وعشرون ~~شهرا ويقال سبعة أشهر ، وقيل شهران . قال محمد بن سعد : والأول أثبت . وقال ~~السهيلي : وأكثر العلماء على انه كان في المهد ، قال : ذكره الدولابي وغيره ~~. والله تعالى أعلم . قال الواقدي : وترك عبد الله بن عبد المطلب أم أيمن ، ~~واسمها بركة ، وخمسة أجمال أوارك ، يعني تأكل الأراك ، وقطعة غنم ؛ فورث ~~ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . والله خير الوارثين . ذكر مولد ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بمكة شرفها الله تعالى ؛ قال الزبير بن بكار : ولد ( صلى الله عليه وسلم ) ~~في الدار التي كانت لمحمد بن يوسف أخي الحجاج . قال القرطبي رحمه الله في ~~كتاب الأعلام له : ان الدار كانت في الزقاق المعروف بزقاق المولد ، وكانت ~~في مهاجر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في يد عقيل بن أبي طالب ثم في ~~أيدي ولده ، ثم اشتراها محمد بن PageV16P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" يوسف الثقفي من ولد عقيل ، فأدخل البيت في دار ~~بناها وسماها البيضاء ، فكان البيت في الدار إلىاحجت الخيزرا أم الهادي ~~والرشيد ، فأخرجت البيت وجعلته مسجدا يشرع في زقاق المولد . وكا مولده ( ~~صلى الله عليه وسلم ) عام الفيل بعد قدوم أصحاب الفيل بخمس وخمسين ليلة ، ~~في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ، قيل لليلتين خلتا منه ، وقيل أول اثنين ~~منه من غير تعيين ، وقيل ولد في شهر رمضا لأثنتي عشرة ليلة خلت منه ، وهو ~~العشرون من نيسا سنة ثمانمائة واثنتين للإسكندر ذي القرنين . والمشهور انه ~~ولد في شهر ربيع الأول ؛ فيقول القائل : كيف يمكناتكون حملت به في أيام ~~التشريق ، وولد ms3171 في شهر ربيع الأول ، والمدة بينهما إما أربعة أشهر ، أو ستة ~~عشر شهرا ولم ينقل إلينا انه ( صلى الله عليه وسلم ) ولد لأقل من تسعة أشهر ~~ولا أكثر منها ؟ فالجواب ان الحج إذ ذاك لم يكن محصورا في ذي الحجة ، بل قد ~~ثبت ان أبا بكر الصديق رضي الله عنه حج بالناس في السنة التاسعة من الهجرة ~~، ووافق الحج في ذي القعدة ، فلما حج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حجة ~~الوداع في السنة العاشرة ، خطب فقال في خطبته : أل ان االزما قد استدار ~~كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ~~: ثلاثة متواليات ، ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحترم ، ورجب مضر الذي بين ~~جمادى وشعبان ، فيمكنايكون الحج لما حملت آمنة برسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وافق في جمادى الآخرة ؛ ولا يمتنع هذا والله أعلم . وروي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهم ان اآمنة بنت وهب قالت : لقد علقت به ، تعني رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، فما وجدت له مشقة حتى وضعته ؛ فلما فصل منى خرج ~~منه نور PageV16P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" أضاء له ما بين المشرق إلى المغرب ، ثم وقع ~~على الأرض على يديه ، ثم أخذ قبضة من تراب فقبضها ورفع رأسه إلى السماء . ~~وقال بعضهم : وقع جاثيا على ركبتيه رافعا رأسه إلى السماء ، وخرج معه نور ~~أضاءت له قصور الشام وأسواقها حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى . وعن حسا ابن ~~عطية : ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما ولد وقع على كفيه وركبتيه ~~شاخصا بصره إلى السماء . قالت أمه : فولدته نظيفا والله كما يولد السخل ما ~~به قدر . وقالت فاطمة بنت عبد الله أم عثما بن أبي العاصي ، وكانت شهدت ~~ولادة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين وضعته أمه آمنة وذلك ليلأن ~~قالت : فما شيء انظر إليه من البيت إلا نور ، واني لأنظر إلى النجوم تدنو ~~حتى اني لأقول لتقعن علي . وذكر الخطيب أبو بكر بن ثابت رحمه الله ، عن ~~آمنة قالت : لما ms3172 ولدت محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) ثم خرج من بطني نظرت ~~إليه ، فإذا هو ساجد لله عز وجل رافع يديه إلى السماء كالمتضرع المبتهل ، ~~ثم رأيت سحابة بيضاء قد اقبلت تنزل من السماء حتى غشيته ، فغيبته عن عيني ~~برهة ، فسمعت قائلا يقول : طوفوا بمحمد مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه ~~البحار كلها ليعرف جميع الخلائق كلها باسمه وصفته ، ويعرفوا بركته ، انه ~~حبيب لي ، لا يبقى شيء من الشرك إلا ذهب به . قالت : ثم انجلت عني في أسرع ~~من طرفة عين ، فإذا انا به مدرج في ثوب أبيض أشد بياضا من اللبن ، وتحته ~~حريرة خضراء قد قبض على ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب الأبيض ، وإذا قائل ~~يقول : قد قبض محمد ( صلى الله عليه وسلم ) مفاتيح النصرة ، ومفاتيح الدنيا ~~ومفاتيح النبوة . وذكر الخطيب أيضا عنها في شا المولد : قالت : رأيت سحابة ~~أعظم من الأولى ولها نور ، أسمع فيها صهيل الخيل ، وخفقا الأجنحة ، كلام ~~الرجال ، حتى غشيته ، قالت : وغيبت عني وجهه أطول وأكثر من المرة الأولى ، ~~فسمعت مناديا ينادي : طوفوا بمحمد جميع الأرضين ، وعلى موالد النبيين ، ~~واعرضوه على كل روحاني من الجن ، والأنس ، والملائكة ، والطير ، والوحوش ؛ ~~وأعطوه خلق آدم ، ومعرفة شيث ، وشجاعة PageV16P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" نوح ، وخلة إبراهيم ، ولسا إسماعيل ، ورضا ~~إسحاق وفصاحة صالح ، وحكمة لوط ، وبشرى يعقوب ، وجمال يوسف ، وشدة موسى ~~وطاعة يونس ، وجهاد يوشع ، وصوت داود ، وحب دانيال ، ووقار إلياس وعصمة ~~يحيى ، وزهد عيسى ؛ واغمسوه في جميع أخلاق النبيين عليه وعليهم السلام . ثم ~~انجلت عني في أسرع من طرفة العين ، فإذا به قد قبض على حريرة خضراء مطوية ~~طيا شديدا ينبع من تلك الحريرة ماء معين ، وإذا قائل يقول : بخ بخ قبض محمد ~~( صلى الله عليه وسلم ) على الدنيا كلها لم يبق خلق كثير من أهلها إلا دخل ~~في قبضته طائعا بإذن الله . ولا حول ولا قوة إلا بالله . وعن عبد الله بن ~~عباس رضي الله عنهما عن أبيه ، قال : ولد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~مختونا مسرورا قال : وأعجب ذلك عبد ms3173 المطلب ، وحظى عنده ، فقال : ليكونن ~~لأبني هذا شان . وفي رواية : لما ولدت آمنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ، أرسلت إلى جده عبد المطلب ، فجاء البشير وهو جالس في الحجر مع ولده ~~ورجال من قومه ، فاخبرهاآمنة ولدت غلاما فسر بذلك ، وقام هو ومن معه ، فدخل ~~عليه ، فأخبرته بكل ما رأت ، وما قيل لها فيه ، وما أمرتاتسميه . قال : ~~فأخذه عبد المطلب فأدخله الكعبة ، وقام عندها يدعو الله ، ويشكر ما أعطاه . ~~قال الواقدي : وأخيرتاعبد المطلب قال يومئذ : الحمد لله الذي أعطاني . . . ~~هذا الغلام الطيب الأردان قد ساد في المهد على الغلمان . . . أعيذه بالبيت ~~ذي الأركان حتى أراه بالغ البنيان . . . اعيذه من شر ذي شنان من حاسد مضطرب ~~العنان وقال القرطبي : وقال أبو طالب : كنت تلك الليلة التي ولد فيها محمد ~~في الكعبة أصلح فيها ما تهدم منها فلما انتصف الليل ، إذا انا بالبيت ~~الحرام قد مال بجوانبه الأربعة ، فخر ساجدا في مقام إبراهيم عيلان لسلام ، ~~كالرجل الساجد ، ثم استوى قائما وانا أسمع له تكبيرا عجيبا ينادي : الله ~~أكبر الله رب محمد المصطفى الأن طهرني PageV16P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" ربي من انجاس المشركين ، وحمية الجاهلية ونظرت ~~إلى الأصنام كلها تنتفض كما ينتفض الثوب ، ونظرت إلى الصنم الأعظم هبل قد ~~انكب في الحجر ، وسمعت مناديا ينادي : أل ان اآمنة قد ولدت محمدا وقد سكبت ~~عليها سحائب الرحمة ، هذا طست الفردوس قد انزل ليغسل فيه الثانية . وعن حسا ~~بن ثابت الأنصاري ، قال : والله اني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان ، ~~أعقل كل ما سمعت ، إذ سمعت يهوديا يصرخ على أطمة يثرب : يا معشر يهود حتى ~~إذا اجتمعوا إليه ، قالوا له : ويلك مالك ؟ قال : طلع الليلة نجم أحمد الذي ~~ولد به . ذكر اسماء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وكناه وأسماؤه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) كثيرة ، منها ما جاء بنص القران ، ومنها ما نقل إلينا من ~~الكتب السالفة والصحف المنزلة ، ومنها ما جاء في الأحاديث الصحيحة ومنها ما ~~اشتهر على ألسنة الأئمة من الأمة رضوان الله ms3174 عليهم . روى عن جبير بن مطعم ، ~~قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : لي خمسة اسماء : انا محمد ، ~~وانا أحمد ، وانا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ، وانا الحاشر الذي يحشر ~~الناس على قدمي ، وانا العاقب . قيل لأنه عقب غيره من الأنبياء . وروى عنه ~~عيلان لسلام : لي عشرة اسماء ، فذكر الخمسة هذه ، قال : وانا رسول الرحمة ، ~~ورسول الراحة ، ورسول الملاحم ، وانا المقفى ؛ قفيت النبيين ، وانا قيم . ~~قال القاضي عياض : والقيم : الجامع الكامل ، قال : كذا وجدته ولم أروه ~~PageV16P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" وأرى صوابه : قثم بالثاء ، وروى النقاش عنه ~~عيلان لصلاة والسلام لي في القرا سبعة اسماء : محمد ، وأحمد ، ويس ، وطه ، ~~والمدثر ، والمزمل ، وعبد الله . وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : ~~انه كان عيلان لسلام يسمى لنا نفسه اسماء ؛ فيقول : انا محمد ، وأحمد ، ~~والمقفى ، والحاشر ، ونبي التوبة ونبي الملحمة ، ويروى المرحمة ، والرحمة ؛ ~~ومعنى المقفى : معنى العاقب . وقد جاءت من ألقابه وأسمائه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في القرا عدة كثيرة سوى ما ذكرناه منها النور ؛ لقوله تعالى : " قد ~~جاءكم من الله نور وكتاب مبين " ، والسراج المنير ، والشاهد ، والمبشر ~~والنذير ، وداعي الله ؛ قال الله تعالى " يأيها النبي انا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا " والبشير لقوله تعالى : ~~" وبشر المؤمنين " ، والمنذر لقوله : " انما انت منذر من يخشاها " ، ~~والمذكر لقوله تعالى : " انما انت مذكر " ، والشهيد لقوله : " ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا " ، والخبير لقوله تعالى : " الرحمن فأسأل به خبيرا " قال ~~القاضي بكر بن العلاء : المأمور بالسؤال غير النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، والمسؤول الخبير هو النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ والحق المبين لقوله ~~تعالى : " حتى جاءهم الحق ورسول مبين " ، وقوله : " وقل اني انا النذير ~~المبين " ، وقوله : " قد جاءكم الحق من ربكم " ، وقوله : " فقد كذبوا بالحق ~~لما جاءهم " ، قيل : محمد وقيل القرآن ، والرءوف الرحيم ؛ لقوله تعالى : " ~~بالمؤمنين رؤوف رحيم " ، والكريم ، والمكين ، والأمين ؛ لقوله تعالى : " ~~انه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين " ، والرسول ، ~~والنبي الأمي ؛ لقوله : " الذين ms3175 يتبعون الرسول النبي الأمي " ، والولي ، ~~لقوله تعالى : " انما وليكم الله ورسوله " ، والفاتح ؛ لقوله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، في حديث الإسراء عن ربه تعالى : " وجعلتك فاتحا PageV16P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" وخاتما " ، وفيه من قول النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فاتحا وخاتما وقدم الصدق ؛ قال الله تعالى : " وبشر الذين آمنو ان ~~الهم قدم صدق عند ربهم " ؛ قال قتادة والحسن وزيد بن أسلم : قدم صدق هو ~~محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ والعروة الوثقى قيل : محمد ، وقيل : القران ~~؛ والهادي ، لقوله تعالى : " وانك لتهدى إلى صراط مستقيم " . ذكر ما جاء في ~~تسميته محمدا وأحمد ومن تسمى بمحمد قبله ( صلى الله عليه وسلم ) من العرب ، ~~واشتقاق ذلك أما اشتقاق هذه التسمية ، فمحمد اسم علم ، وهو منقول من صفة من ~~قولهم : رجل محمد ؛ وهو الكثير الخصال المحمودة ؛ والمحمد في لغة العرب : ~~هو الذي يحمد حمدا بعد حمد مرة بعد مرة . قال السهيلي : لم يكن محمد حتى ~~كان أحمد حمد ربه فنبأه وشرفه ؛ فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو ~~محمد فذكره عيسى عيلان لسلام باسمه أحمد . وهو ( صلى الله عليه وسلم ) أول ~~من سمى بأحمد ، ولم يسم به أحد قبله من سائر الناس ؛ وفي هذا حكمة عظيمة ~~باهرة ؛ لأن عيسى عيلان لسلام قال : ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ، ~~فمنع الله تعالى بحكمتهايسمى أحد به ولا يدعى به مدعو قبله ، حتى لا يدخل ~~لبس على ضعيف القلب . وأما محمد ، فا الله تعالى حمىايسمى به أحد من العرب ~~، ولا من غيرهم إلىاشاع قبل وجوده وميلاده ( صلى الله عليه وسلم ) : انبيا ~~يبعث اسمه محمد قد قرب إبا مولده ، فسمى قوم من العرب أبناءهم . قال أبو ~~جعفر محمد بن حبيب : وهم ستة لا سابع لهم : محمد بن سفيا بن مجاشع جد ~~الفرزدق الشاعر ، وهو أول من سمى محمدا ومحمد بن أحيحة PageV16P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" ابن الجلاح الأوسي ، ومحمد بن حسا الجعفي ، ~~ومحمد بن مسلمة الأنصاري ، ومحمد بن براء البكري ، ومحمد بن خزاعي السلمي ، ~~وذكر فيهم أيضا محمد بن اليحمدي ms3176 من الأزد واليمن تقول : انه أول من تسمى ~~بمحمد . وذكر أبو الخطاب بن دحية فيهم : محمد بن عتوارة الليثي الكناني ، ~~ومحمد بن حرماز بن مالك التميمي المعمري . وقال أبو بكر بن فورك : لا يعرف ~~في العرب من تسمى قبله بمحمد سوى محمد بن سفيان ، ومحمد بن أحيحة ، ومحمد ~~بن حمران ، وا آباء هؤلاء الثلاثة وفدوا على بعض الملوك ، وكا عنده علم من ~~الكتاب الأول ، فأخبرهم بمبعث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وباسمه ، وكا ~~كل واحد منهم قد خلف امرأته حاملأن فطمع في ذلك فنذر كل واحد منهماولد له ~~ولد ذكرايسميه محمدا . وذكر ابن سعد فيهم : محمد الجشمي . وقال ابن الأثير ~~: محمد بن عدي بن ربيعة بن سعد بن سواد بن جشم بن سعد ؛ عداده في أهل ~~المدينة . وروى عبد الملك بن أبي سويد المنقري عن جد أبيه خليفة ، قال : ~~سألت محمد بن عدي كيف سماك أبوك محمدا ؟ فضحك ، ثم قال : أخبرني أبي عدي بن ~~ربيعة ، قال : خرجت انا وسفيا بن مجاشع ، ويزيد بن ربيعة بن كنانة ، بن ~~حرقوص ابن مازن ، وأسامة بن مالك بن العنبر نريد ابن جفنة ، فلما قربنا منه ~~نزلنا إلى شجرات وغدير ، فأشرف علينا ديراني فقال : اني لأسمع لغة ليست لغة ~~أهل هذه البلاد فقلنا : نعم نحن من مضر ، فقال : أي المضرين ؟ قلنا : خندف ~~، فقال : انه يبعث وشيكا نبي منكم ، فخذوا نصيبكم منه تسعدوا قلنا ما اسمه ~~؟ قال : محمد فأتينا ابن جفنة ، فلما انصرفنا ولد لكل منا ابن فسماه محمدا ~~. PageV16P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" وقال محمد بن سعد : أخبرنا محمد بن علي ، عن ~~مسلمة ، عن علقمة ، عن قتادة بن السكن ، قال : كان في بني تميم محمد بن ~~سفيا بن مجاشع ، ومحمد الجشمي في بني سواد ، ومحمد الأسيدي ، ومحمد الفقيمي ~~؛ سموهم طمعا في النبوة ؛ ثم حمى الله تعالى كل من تسمى بمحمدايدعى النبوة ~~، أو يدعيها أحد له ، أو يظهر عليه سبب يشكك أحدا في أمره ، حتى تحقق ذلك ~~لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . والله أعلم بالصواب وإليه المرجع ms3177 . ~~ومن أسمائه في الكتب المنزلة ( صلى الله عليه وسلم ) العظيم ، وقع في أول ~~سفر من التوراة عن إسماعيل : وسيلد عظيما لأمة عظيمة . والجبار ، سمى بذلك ~~في كتاب داود عيلان لسلام ، فقال : تقلد أيها الجبار سيفك فا ناموسك ~~وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك . قالوا : ومعناه في حق النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : إما لإصلاحه الأمة بالهداية والتعليم ، أو لقهره أعداءه ، أو لعلو ~~منزلته على البشر ، وعظيم خطره . ونفى الله عز وجل عنه جبرية التكبر في ~~القرا فقال : " وما انت عليهم بجبار " . ومن أسمائه فيها : المتوكل ، ~~والمختار ، ومقيم السنة ، والمقدس ، وروح الحق ، وهو معنى البارقليط في ~~الأنجيل ؛ وقال ثعلب : البارقليط : الذي يفرق بين الحق والباطل . ومنها ماذ ~~ماذ ؛ ومعناه طيب طيب ، وحمطايا والخاتم والخاتم ؛ حكاه كعب الأخبار ، قال ~~: فقلت فالخاتم الذي ختم به الأنبياء ، والخاتم أحسن الأنبياء خلقا ~~PageV16P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" وخلقا ويسمى بالسريانية مشفج ، والمنحمنا ~~واسمه أيضا في التوراة : أحيد ، وروى ذلك عن ابن سيرين رحمه الله . ومن ~~اسمائه ونعوته عيلان لسلام التي جرت على ألسنة أئمة الأمة المصطفى ، ~~والمجتبي ، والحبيب ، ورسول رب العالمين ، والشفيع المشفع والمتقي ، ~~والمصلح ، والطاهر ، والمهيمن ، والصادق ، والضحوك ، والقتال ، وسيد ولد ~~آدم ، وسيد المرسلين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين ، وحبيب الله ~~وخليل الرحمن ، وصاحب الحوض المورود ، واللواء المعقود ، والشفاعة والمقام ~~المحمود ، وصاحب الوسيلة والفضيلة ، والدرجة الرفيعة ، وصاحب التاج ~~والمعراج والقضيب ، وراكب البراق والناقة والنجيب ، وصاحب الحجة والسلطان ، ~~والخاتم والعلامة والبرهان ، وصاحب الهراوة والنعلين . ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . قالوا : ومعنى صاحب القضيب : السيف ، وقع ذلك مفسرا في الأنجيل ؛ ~~قال : معه قضيب من حديد يقاتل به ، وأمته كذلك ؛ وأما الهرواة التي وصف بها ~~فهي في اللغة العصا ولعلها القضيب الممشوق الذي انتقل إلى الخلفاء ؛ وأما ~~صاحب التاج ، فالمراد به العمامة ، ولم تكن حينئذ إلا للعرب . وكانت كنيته ~~المشهورة أبا القاسم ، وعن انس انه لما ولد له إبراهيم ، جاءه جبريل فقال : ~~السلام عليك يا أبا إبراهيم . ذكر مراضع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وإخوته من الرضاعة ، وما ظهر من معجزاته ms3178 في زمن رضاعه وحال طفوليته ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال محمد بن عمر بن واقد الأسلمي : أول من أرضع رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ثويبة ، PageV16P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" وهي جارية أبي لهب ، أرضعته بلبن ابنها مسروح ~~أياما قبلاتقدم حليمة السعدية ، وكانت قد أرضعت قبله عمه حمزة بن عبد ~~المطلب ، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الله بن عبد الأسد المخزومي ؛ وكا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يصلها وهو بمكة ، وكانت خديجة تكرمها وهي ~~يومئذ مملوكة ، وطلبت إلى أبي لهباتبتاعها منه لتعتقها فأبى أبو لهب ، فلما ~~هاجر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة أعتقها أبو لهب ، وكا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يبعث إليها بصلة وكسوة ، حتى جاء خبرها ~~انها قد ماتت سنة سبع عند مرجعه من خيبر ، فقال : ما فعل ابنها مسروح ؟ ~~فقيل : مات قبلها ولم يبق من قرابتها أحد . ثم أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب ، ~~وأبو ذؤيب عبد الله بن الحارث بن شجنة ، ابن جابر بن رزام بن ناصرة بن فصية ~~بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلأن بن ~~مضر ؛ واسم أبيه الذي أرضعه : الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملأن بن ~~ناصرة ؛ ويقال هلال بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن . ~~وإخوته من الرضاعة منها : عبد الله بن الحارث ، وانيسة بنت الحارث ، وحذافة ~~بنت الحارث وهي الشيماء ، وكانت الشيماء تحضن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) مع أمها . قال أبو عبد الله محمد بن إسحاق كانت حليمة بنت أبي ذؤيب ~~تحدث انها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها ترضعه في نسوة من بني سعد بن ~~بكر تلتمس الرضعاء قال الواقدي : انهن كن عشرا قالت : في سنة شهباء لم تبق ~~شيئا فخرجت على أتا لي قمراء معنا شارف لنا والله ما تبص بقطرة ، وما تنام ~~لنا ليلتنا أجمع مع صبينا الذي معي من بكائه من الجوع ، ما ms3179 في ثديي ما ~~يغنيه ، وما في PageV16P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" شارفنا ما يغذيه ، ولكنا نرجو الغيث والفرج ، ~~فخرجت على أتاني تلك ، فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا حتى ~~قدمنا مكة ، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فتأباه إذا قيل لها انه يتيم ، وذلك انا كنا نرجو المعروف من أبي ~~الصبي ؛ فكنا نقول : يتيم ، ما عسىاتصنع أمه وجده ؟ فما بقيت امرأة قدمت ~~معي إلا أخذت رضيعا غيري ، فلما أجمعنا الأنطلاق قلت لصاحبي : والله اني ~~لأكره ان أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم ~~فلآخذنه ؛ قال : لا عليكاتفعلي ، عسى اللهايجعل لنا فيه بركة . قال : فذهبت ~~إليه فأخذته ، وما حملني على أخذه إلا اني لم أجد غيره ؛ فلما أخذته رجعت ~~به إلى رحلي ، فلما وضعته في حجري ، أقبل عليه ثدياي بما شاء الله من لبن ، ~~فشرب حتى روى ، وشرب معه أخوه حتى روى ، ثم ناما وما كنا ننام معه قبل ذلك ~~، وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا بها حافل ، فحلب منها ما شرب وشربت ، حتى ~~انتهينا ريا وشبعا فبتنا بخير ليلة . قالت : يقول صاحبي حين أصبحنا : تعلمي ~~والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة ، قالت : قلت والله اني لأرجو ذلك ، ~~قالت : تم خرجنا فركبت أتاني وحملته عليها معي ، فوالله لقطعت بالركب ما ~~يقدر عليها شيء من حمرهم ، حتىاصواحبي ليقلن لي : ويحك يا بنت أبي ذؤيب ~~ويحك اربعي علينا . أليست هذه أتاتك التي كنت خرجت عليها ؟ فأقول لهن : بلى ~~والله انها لهي هي ، فيقلن : واللهالها لشانا . قالت : ثم قدمنا منازلنا من ~~بلاد بني سعد ، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها فكانت غنمى تروح على ~~حين قدمنا به معنا شباعا لبنا فنحلب ونشرب ، وما يحلب انسا قطرة لبن وما ~~يجدها في ضرع حتى كان الحاصر من قومنا يقولون لرعيانهم : ويلكم اسرحوا حيث ~~يسرح راعي بنت أبي ذؤيب ، قالت : فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخيرة ~~حتى مضت سنتاه وفصلته ms3180 ، وكا يشب شبابا لا يشبه الغلمان ، فلم يبلغ سنتيه ~~حتى كان غلاما جفرا قالت : فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء PageV16P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته ، فكلمنا ~~أمه . وقلت لها : لو تركت بني عندي حتى يغلظ ، فاني أخشى عليه وباء مكة ، ~~قالت : فلم تزل به حتى ردته معنا فرجعنا به فوالله انه بعد مقدمنا بأشهر مع ~~أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد ، فقال لي ولأبيه : ذاك ~~أخي القرشي قد أخذه رجلأن عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه ، فهما ~~يسوطانه ، قالت : فخرجت انا وأبوه نحوه ، فوجدناه قائما منتقعا وجهه ، ~~فالتزمته والتزمه أبوه ، فقلنا : مالك يا بني ؟ قال : جاءني رجلأن عليهما ~~ثياب بيض ، فأضجعاني فشقا بطني ، فالتمسا فيه شيئا لا أدي ما هو ؟ قالت : ~~فرجعنا إلى خبائنا فقال لي أبوه : يا حليمة ، لقد خشيتايكون هذا الغلام قد ~~أصيب ، فألحقيه بأهله قبلايظهر ذلك به ، قالت : فاحتملناه فقدمنا به على ~~أمه ، فقالت : ما أقدمك يا ظئر وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك ؟ فقلت : ~~قد بلغ الله بابني ، وقضيت الذي علي ، وتخوفت الأحداث عليه ، فأديته عليك ~~كما تحبين ، قالت : ما هذا شانك فاصدقيني خبرك فلم تدعني حتى أخبرتها ؛ ~~قالت : أفتخوفت عيلان لشيطا ؟ قلت نعم . قالت كلا والله ما للشيطا عليه من ~~سبيل ، وا لبني لشانا أفلا أخبرك خبره ؟ قلت : بلى قالت : رأيت حين حملت به ~~انه خرج مني نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام ، ثم حملت به ، فوالله ما ~~رأيت من حمل قط كان أخف ولا أيسر منه ، ووقع حين ولدته وانه لواضع يديه ~~بالأرض ، ورافع رأسه إلى السماء ؛ دعيه عنك وانطلقي راشدة . هكذا نقل ابن ~~هشام في سيرته عن ابن إسحاق . وقال محمد بن سعد في كتابه المترجم بالطبقات ~~عن الواقدي : كان عمره يوم شق بطنه أربع سنين ، وا حليمة أتت به أمه آمنة ~~بنت وهب وأخبرتها خبره وقالت : انا لا نرده إلا على جدع انفنا ؛ ثم رجعت به ~~أيضا فكان ms3181 عندها سنة أو نحوها لا PageV16P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" تدعه يذهب مكانا بعيدا ثم رأت غمامة تظله ، ~~إذا وقف وقفت ، وإذا سار سارت ، فأفزعها ذلك من أمره ، فقدمت به إلى أمه ~~لترده وهو ابن خمس سنين ، فأضلها في الناس ، فالتمسته فلم تجده ، فأتت عبد ~~المطلب فأخبرته ، فالتمسه فلم يجده ، فقام عند الكعبة فقال : لا هم رد ~~راكبي محمدا . . . أردده ربي واصطنع عندي يدا انت الذي جعلته لي عضدا . . . ~~لا يبعد الدهر به فيبعدا انت الذي سميته محمدا قال ابن اسحاق : يزعمون انه ~~وجده ورقة بن نوفل بن أسد ورجل آخر من قريش ، فأتيا به عبد المطلب ، فقالا ~~: هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة ، فأخذه عبد المطلب فجعله على عنقه وهو يطوف ~~بالكعبة يعوذه ويدعو له ، ثم أرسل به إلى أمه آمنة . وعن خالد بن معدا ~~الكلاعي : انفرا من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قالوا له : يا رسول ~~الله أخبرنا عن نفسك ، قال : نعم . انا دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى عيسى ورأت ~~أمي حين حملت بي انه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام ، واسترضعت في بني ~~سعد بن بكر ، فبينما انا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا إذ أتاني رجلأن ~~عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة تلجا فأخذاني فشقا بطني ، ثم استخرجا ~~قلبي فشقاه ، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ثم غسلا بطني وقلبي بذلك ~~اللج حتى انقياه ، ثم قال أحدهما لصاحبه : زنه بعشرة من أمته ، فوزنني بهم ~~فوزننهم ، ثم قال : زنه بمائة من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، ثم قال : زنه ~~بألف من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، فقال : دعه عنك ، فلو وزنته بأمته ~~لوزنها . PageV16P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" قال محمد بن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلمامما ~~هاج أمه السعدية على رده إلى أمه ، مع ما ذكرت لأمه مما أخبرتها عنه ، ~~انفرا من الحبشة نصارى رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه ، فنظروا إليه ~~وسألوها عنه وقلبوه ثم قالوا لها : لأخذت هذا الغلام فلنذهبن به إلى ملكا ~~وبلدنا فا هذا غلام كائن ms3182 له شا نحن نعرف أمره ، فلم تكد تنفلت به منهم . ~~ونقل محمد بن سعد : اآمنة أم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما دفعته ~~لحليمة السعدية قالت لها : احفي ابني ، وأخبرتها بما رأت ، فمر بها اليهود ~~فقالت : ألا تحدثوني عن ابني هذا ؟ فاني حملته كذا ورأيت كذا كما وصفت آمنة ~~، فقال بعضهم لبعض : اقتلوه ثم قالوا : أيتيم هو ؟ فقالت : لا هذا أبوه ~~وانا أمه ، فقالوا : لو كان يتيما لقتلناه ، قالت : فذهبت به . وحضنته ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أم أيمن بركة الحبشية حتى كبر ، فأعتقها وزوجها زيد ~~بن حارثة ، فولدت له أسامة بن زيد ؛ وكا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ورثها من أبيه . والله أعلم . ذكر وفاة آمنة بنت وهب أم رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال الواقدي وغيره من أهل العلم : كان رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) مع أمه آمنة بنت وهب ، فلما بلغت سنه ست سنين خرجت به إلى ~~أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم به ، ومعه أم أيمن تحضنه ، وهم ~~على بعيرين ، فنزلت به في دار النابغة ، فأقامت به PageV16P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" عندهم شهرا فكان رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يذكر أمورا كانت في مقامه ذلك لما نظر إلى أطم بني عدي بن النجار ~~عرفه وقال : كنت ألاعب انيسة جارية من الأنصار على هذا الأطم ، وكنت مع ~~غلما من أخوالي ؛ ونظر إلى الدار فقال : ها هنا نزلت بي أمين وفي هذه الدار ~~قبر أبي عبد الله ، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار ، وكا قوم من ~~اليهود يختلفون ينظرون إليه ، فقالت أم أيمن : فسمعت أحدهم يقول : هذا نبي ~~هذه الأمة ، وهذه دار هجرية ، فوعيت ذلك كله من كلامه ؛ ثم رجعت به إلى مكة ~~، فلما كانوا بالأبواء توفيت آمنة بنت وهب فقبرها هناك ، فرجعت به أمه ثم ~~بعداماتت ، فلما مر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في عمرة الحديبية قال ~~: ان الله أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فأتاه ( صلى الله عليه وسلم ) فأصله ms3183 ~~وبكى عنده ، وبكى المسلمون لبكائه ، فقيل له ، فقال : أدركتني رحمتها فبكيت ~~. والله الرحمن . ذكر كفالة عبد المطلب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قال : ولما توفيت أمه آمنة قبضه إليه جده عبد المطلب وضمه إليه ورق عليه ~~رقة لم يرقها على ولده ، وكا يقربه منه ويدنيه ، ويدخل عيلان ذا خلا وإذا ~~نام ، ويجلس على فراشه ؛ وكا يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة ، فكان ~~بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه ، لا يجلس عيلان حد من بنيه ~~إجلالا له ، وكا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يأتي وهو غلام حتى يجلس ~~عليه ، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه ، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم : ~~دعوا ابني ، فواللهاله لشانا ثم يجلسه معه عليه ، ويمسح ظهره بيده ، ويسره ~~ما يراه يصنع . وقال قوم من بني مدلج لعبد المطلب : احتفظ به ، فانا لم نر ~~قدما أشبه بالقدم التي في المقام منه ؛ فقال عبد المطلب لأبي طالب : اسمع ~~ما يقول هؤلاء . PageV16P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" وسنذكراشاء الله خبر سيف بن ذي يزن مع عبد ~~المطلب ، وما بشره من أمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . قالوا : وكا عبد ~~المطلب لا يأكل طعاما إلا قال : علي بأبني فيؤتي به إليه فلما بلغ رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثماني سنين ، هلك عبد المطلب بن هاشم ؛ ولما ~~حضرته الوفاة أوصى ابنه أبا طالب بحفظه وكفالته ؛ وكانت وفاة عبد المطلب ~~ابن هاشم لثما مضين من عمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالحجون ، وهو ~~يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة ، وقيل ابن مائة وعشر سنين حكاه السهيلي ؛ ~~قال : وهو أول من خضب بالسواد من العرب . قال ابن قتيبة : انه كبر وعمى ، ~~وكا يرفع من مائدته للطير والوحوش في رؤوس الجبال ، ويقال له الفياض لجوده ~~، ومطعم طير السماء . قال ابن الأثير : وهو أول من تحنث بحراء ، فكان إذا ~~دخل شهر رمضا صعد حراء وأطعم المساكين . وسئل رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : أتذكر موت عبد المطلب ؟ قال : نعم . انا يومئذ ابن ms3184 ثماني سنين ، ~~قالت أم أيمن : رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يومئذ يبكي خلف سرير ~~عبد المطلب . قال : ولما هلك عبد المطلب ولى زمزم والسقاية عليها بعده ابنه ~~العباس بن عبد المطلب ، وهو يومئذ من أحدث إخوته سنا فلم تزل إليه حتى قام ~~الإسلام وهي بيده ، PageV16P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" فأقرها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على ~~ما مضى . وعن عبد الله بن عباس وغيره ، قالوا : لما توفي عبد المطلب قبض ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عمه أبو طالب ، قيل بوصية من عبد المطلب ~~، فأحبه حبا شديدا وكا لا يفارقه ، وكا يخصه بالطعام ، وكا إذا أكل عيال ~~أبي طالب جميعا أو فرادى لم يشبعوا وإذا أكل معهم النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) شبعوا ؛ فكان إذا أرادايغذيهم قال : كما أنتم حتى يحضر ابني ؛ فيأتي ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيأكل معهم ، فيفضلون من طعامهم ، وا لم ~~يكن معهم لم يشبعوا فيقول أبو طالب : انك لمبارك ؛ وكا الصبيا يصبحون رمصا ~~شعثا ويصبح عيلان لسلام دهينا كحيلا . ذكر خروج رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إلى الشام مع عمه أبي طالب ، وخبر بحيرا الراهب قالوا : لما بلغ ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اثنتي عشرة سنة وعشرة أيام ، خرج أبو ~~طالب في ركب تاجرا إلى الشام ، فلما تهيأ للرحيل تعلق به رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ؛ فرق له أبو طالب وقال : والله لأخرجن به ، ولا يفارنقي ~~ولا أفارقه أبدا فخرج به معه ، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام ، وبها ~~راهب يقال له بحيرا في صومعة له ، وكا إليه علم أهل النصرانية ، ولم يزل في ~~تلك الصومعة راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيها يتوارثونه كابرا عن كابر ، ~~فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك ، وهو لا ~~يكلمهم ، فصنع لهم طعاما كثيرا وذلك انه رأى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وهو في صومعته ، في الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم ، ~~فلما ms3185 نزلوا في ظل شجرة قريبا منه ، نظر إلى الغمامة وقد أظلت الشجرة ، ~~وتهصرت أغصانها على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى استظل تحتها فلما ~~رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته ، وقد أمر PageV16P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" بذلك الطعام فصنع ، ثم أرل إلى القوم فقال : ~~اني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش ، فانا أحباتحضروا كلكم ؛ صغيركم ~~وكبيركم ، وعبدكم وحركم ؛ فقال له رجل منهم : يا بحير ان الك لشانا اليوم : ~~قال له بحيرا : صدقت ، قد كان ما تقول فاجتمعوا إليه ، وتخلف رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة ، ~~فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرف ، فقال : يا معشر قريش لا ~~يتخلف منك أحد عن طعامي ، قالوا : ما تخلف عنك أحد ينبغيايأتيك إلا غلام ، ~~وهو أحدث القوم سنا تخلف في رحالهم ، قال : لا تفعلوا ادعوه فليحضر ، فقال ~~رجل من قريش : واللات والعزىاكا للؤما بن ان ايتخلف ابن عبد الله بن عبد ~~المطلب عن طعام من بيننا ثم قام فاحتضنه وأجلسه مع القوم ، فلما رآه بحيرا ~~جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته ، ~~حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرا فقال له : يا غلام ، ~~أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ، فقال : لا تسألني ~~بهما فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما فقال له : فبالله إلا ما أخبرتني عما ~~أسألك عنه فقال : سلني عما بدا لك ، فجعل يسأله عن أشياء من حاله في نومه ، ~~وهيئته ، وأموره ، ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يخبره ، فيوافق ذلك ~~ما عند بحيرا من صفته ، ثم نظر إلى خاتم النبوة بين كتفيه ، وكا مثل أثر ~~المحجم ، فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال له : ما هذا الغلام منك ؟ ~~قال : ابني ؟ قال له بحيرا : ما هو بابنك ، وما ينبغي لهذا الغلامايكون ~~أبوه حيا ؛ قال : فانه ابن أخي ، قال : فما فعل أبوه ؟ قال : مات ms3186 وأمه حبلى ~~به ، قال : صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده فاحذر عيلان ليهود ، فوالله لئن ~~رأوه وعرفوا منه ما عرفت ، ليبغنه شرا فانه كائن لابن أخيك هذا شا عظيم ، ~~فأسرع به إلى بلاده ، فخرج أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته ~~بالشام . وروىاوزيرا وتماما ودريسا وهم نفر من أهل الكتاب ، قد كانوا رأوا ~~من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مثل ما رأى بحيرا في ذلك السفر الذي ~~كان فيه مع عمه أبي طالب ، فأرادوه ، فردهم عنه بحيرا وذكرهم الله وما ~~يجدون في الكتاب من ذكره وصفته ، وانهما أجمعوا لما أرادوا به لا يخلصوا ~~إليه ، فعرفهم ما قال لهم فتركوه وانصرفوا عنه ؛ قال : فشب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه لما يريد به من كرامته ~~PageV16P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" واصطفائه انه خير الحافظين . والله المعين . ~~ذكر رعيته ( صلى الله عليه وسلم ) الغنم عن عبد الله بن عمير رضي الله عنه ~~، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ما من نبي إلا قد رعى ~~الغنم ، قالوا : وانت يا رسول الله ؟ قال : وانا . وعن أبي هريرة رضي الله ~~عنه ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ما بعث الله نبيا إلا ~~راعي غنم ، قال له أصحابه : وانت يا رسول الله ؟ قال : وانا رعيتها لأهل ~~مكة بالقراريط . وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، قال : مروا على النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بثمر الأراك فقال : عليكم بما اسود منه ، فاني كنت إذ انا ~~راعي الغنم ، قالوا : يا رسول الله ، رعيتها ؟ قال : نعم . وما من نبي إلا ~~قد رعاها . وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه نحوه . قال أبو محمد عبد ~~الملك بن هشام : ولما بلغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أربع عشرة سنة ~~أو خمس عشرة سنة ، وقيل ابن عشرين ، هاجت حرب الفجار ، فشهدها ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وكا ينبل على أعمامه أي يرد عليهم النبل . وقد تقدم ذكر حرب ~~الفجار في وقائع العرب ms3187 ، وذلك في الباب الخامس من القسم الرابع من الفن ~~الخامس من كتابنا هذا ؛ وهو في السفر الثالث عشر من هذه النسخة والله ~~الموفق للصواب وإليه المرجع . ذكر حضور رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~حلف الفضول قال محمد بن عمر بن واقد بسند يرفعه إلى حكيم بن حزام : كان حلف ~~PageV16P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" الفضول قال محمد بن عمر بن واقد بسند يرفعه ~~إلى حكيم بن حزام : كان حلف الفضول منصرف قريش من حرب الفجار ، ورسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) يومئذ ابن عشرين سنة ، وكا الفجار في شوال ، وهذا ~~الحلف في ذي القعدة ، وكا أشرف حلف كان قط ، وأول من دعا إليه الزبير بن ~~عبد المطلب ، فاجتمعت بنو هاشم وزهرة ، وبنو أسد بن عبد العزى وبنو تيم في ~~دار عبد الله بن جدعان ، فصنع لهم طعاما فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن مع ~~المظلوم حتى يؤدي إليه حقه ما بل بحر صوفة ، فسمت قريش ذلك الحلف حلف ~~الفضول . وقال ابن هشام : تعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من ~~أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه ؛ وكانوا على من ظلمه ~~حتى ترد عليه مظلمته . وعن جبير بن مطعم ، قال : قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : ما أحبالي بحلف حضرته في دار ابن جدعا حمر النعم واني أغدر ~~به ؛ هاشم وزهرة وتيم تحالفو ان ايكونوا مع المظلوم ما بل بحر صوفة ، ولو ~~دعيت به لأجبت ، وهو حلف الفضول . قال الواقدي : ولا نعلم أحدا سبق بني ~~هاشم بهذا الحلف . وحكى أبو الفرج الأصفهاني في سبب تسمية هذا الحلف حلف ~~الفضول : اقوما من قريش قالوا في هذا الحلف : هذا والله فضل من الحلف . ~~فسمي حلف الفضول ، قال : وقال آخرون : تحالفوا على مثل حلف تحالف عليه قوم ~~من جرهم في هذا الأمر لا يقرون ظلما ببطن مكة إلا غيروه ؛ وأسماؤهم : الفضل ~~بن شراعة . والفضل بن قضاعة ، والفضل بن سماعة . PageV16P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" وروى أيضا بسنده إلى أبي إسحاق بن الفضل قال : ~~انما ms3188 سمت قريش هذا الحلف حلف الفضول لأن نفرا من جرهم يقال لهم الفضل ~~والفضال والفضيل تحالفوا على مثل ما تحالفت عليه قريش ، قال : وقال الواقدي ~~: والصحيحاقوما من جرهم يقال لهم فضل وفضالة وفضال ومفضل تحالفوا على مثل ~~هذا فلما تحالفت قريش بهذا الحلف سموه بذلك . والله الموفق للصواب . ذكر ~~خروج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى الشام المرة الثانية في التجارة ~~وحديث نسطور قال : ولما بلغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خمسا وعشرين ~~سنة قال له عمه أبو طالب : انا رجل لا مال لي ، وقد اشتد الزما علينا وهذه ~~عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام ، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك ~~في عيراتها فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك ؛ وبلغ خديجة ذلك ، ~~فأرسلت إليه تقول : انا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك ، فقال أبو طالب : ~~هذا رزق ساقه الله إليك ، فخرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومعه ~~ميسرة غلام خديجة ، وجعل عمومته يوصون به أهل العير ، فساروا حتى قدموا ~~بصرى ، فنزلا في ظل شجرة ، فقال نسطورا الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة قط ~~إلا نبي . ثم سأل ميسرة عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : أفي ~~عينيه حمرة ؟ قال : نعم لا تفارقه ؛ قال : هو نبي ، وهو آخر الأنبياء ؛ ثم ~~باع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سلعة فوقع بينه وبين رجل تلاح ، فقال ~~له : احلف باللات والعزى ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ما ~~حلفت بهما قط ، واني لأمر فأعرض عنهما فقال الرجل القول قولمك ، ثم قال ~~لميسرة : هذا والله نبي تجده أحبارنا منعوتا في كتبهم ؛ وكا ميسرة إذا كانت ~~PageV16P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" الهاجرة واشتد الحريري ملكين يظلأن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) من الشمس ، فوعى ذلك كله ، وباعوا تجارتهم ، وربحوا ~~ضعف ما كانوا يربحون ؛ فلما رجعوا وكانوا بمر الظهرا قال ميسرة : يا محمد ؟ ~~انطلق إلى خديجة فأخبرها بما صنع الله على وجهك ، فانها تعرف لك ذلك ، ~~فتقدم رسول الله ms3189 ( صلى الله عليه وسلم ) حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة ~~وخديجة في علية لها فرأت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو على بعيره ، ~~وملكا يظلأن عيه ، فأرته نساءها فعجبن لذلك ، ودخل رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) عليها فخبرها بما ربحوا في وجههم ذلك ، فسرت به ، فلما دخل ~~ميسرة عليها أخبرته بما رأت ، فقال : قد رأيت هذا مذ خرجنا من الشام ، ~~وأخبرها بما قال نسطورا وبما قال الآخر الذي حالفه في البيع ، وقدم رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بتجارتها فربحت ضعف ما كانت تربح ، وأضعفت له ~~ما سمت له . والله المعين . ذكر تزويج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~خديجة بنت خويلد قال الواقدي بسند يرفعه إلى نفيسة بنت منية ؛ قالت : كانت ~~خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي امرأة حازمة جلدة شريفة لبيبة ~~؛ وهي يومئذ أوسط قريش نسبا وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالأن وكل قومها كان ~~حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك ، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال ؛ ~~فأرسلتني دسيسا إلى محمد بعدارجع في عيرها من الشام ، فقلت : يا محمد ، ما ~~يمنعكاتتزوج ؟ فقال : ما بيدي ما أتزوج به ، قلت : فا كفيت ذلك ، ودعيت إلى ~~الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب ؟ قال : فمن هي ؟ قلت خديجة ، قال ~~: وكيف لي بذلك ؟ قلت علي ، فانا أفعل ، فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه : ان ~~أئت لساعة كذا وكذا وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها . وقيل : انها ~~أرسلت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) PageV16P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" تقول : يا بن العم اني قد رغبت فيك لقرابتك ~~مني ، وشرفك في قومك ، وسطتك وأمانتك عندهم ، وحسن خلقك وصدق حديثك ؛ ثم ~~عرضت نفسها عليه ، فذكر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك لأعمامه ، ~~فخرج معه حمزة ابن عبد المطلب حتى دخل على خويلد بن أسد ، وقيل : بل عمرو ~~بن خويلد بن أسد ، وقيل : بل عمرو بن أمية عمها وكا شيخا كبيرا وهو الصحيح ~~، فخطبها إليه . قيل : وحضر أبو طالب ورؤساء مضر ، فخطب أبو ms3190 طالب فقال : ~~الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم ، وزرع إسماعيل ، وضئضئ معد ، وعنصر ~~مضر ، وجعلنا حضنة بيته ، وسواس حرمه ، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا ~~وجعلنا الحكام على الناس ؛ ثم ان ابن أخي هذا محمد بن عبد الله ، لا يوزن ~~به رجل إلا رجح به ، فا كان في المال قل فا المال ظل زائل ، وأمر حائل ، ~~ومحمد من قدم عرفتم قرابته ؛ وقد خطب خديجة بنت خويلد ، وبذل لها من الصداق ~~ما آجله وعاجله من مالي كذا وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم ، وخطب جليل . ~~فتزوجها ( صلى الله عليه وسلم ) وهو ابن خمس وعشرين سنة وشهرين وعشرة أيام ~~، وخديجة يومئذ بنت ثما وعشرين سنة ، وقيل : بنت أربعين سنة ، وأصدقها ( ~~صلى الله عليه وسلم ) اثنتي عشرة أوقية ونشا ذهبا الأوقية أربعون ، والنش ~~عشرون ، فذلك خمسمائة درهم . وروى ابن هشام : انه أصدقها ( صلى الله عليه ~~وسلم ) عشرين بكرة . ذكر حضور رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هدم الكعبة ~~وبناءها قالوا : ولما بلغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خمسا وثلاثين ~~سنة شهد هدم الكعبة وبناءها وتراضت قريش بحكمه فيها ؛ وكا سبب هدم الكعبة ~~وبنائها ما روى عن ابن عباس ، ومحمد بن جبير بن مطعم ، قالا : كانت الجروف ~~مطلة على مكة ، وكا السيل يدخل من أعلاها حتى يدخل البيت فانصدع ، فخافو ان ~~اينهدم ، وسرق منه حليه وغزال PageV16P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" من ذهب كان عليه در وجوهر . قال محمد بن إسحاق ~~: وكا كنز الكعبة في بئر في جوفها فوجد عند دويك مولى لبني مليح بن عمرو من ~~خزاعة . قال ابن هشام : فقطعت قريش يده ، وزعمت قريش ان الذين سرقوه وضعوه ~~عند دويك . وكانت الكعبة فوق القامة ، فأرادوا رفعها وتسقيفها وكانوا يهمون ~~بذلك ويهابون هدمها فلما سرق الكنز حملهم ذلك على هدمها وبنائها ؛ قال : ~~وكا البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت . قال الواقدي ~~: كان رأس أصحاب السفينة رجلا روميا اسمه باقوم ، فحجتها الريح إلى الشعيبة ~~، وكانت مرفأ السفن قبل ms3191 جدة فتحطمت ؛ فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من ~~قريش فابتاعوا خشبها وقدم معهم باقوم الرومي . قال ابن إسحاق : فأعدوا ~~الخشب لتسقيفها وكا بمكة رجل قبطي نجار ، فتهيأ لهم في انفسهم بعض ما ~~يصلحها ؛ وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ما يهدى لها ~~فتتشرق كل يوم على جدار الكعبة ، ولا يدنو منها أحد إلا احزألت أي رفعت ~~رأسها وكشت وفتحت فاها فكانوا يهابونها ؛ فبينا هي يوما تتشرق بعث الله ~~طائرا فاختطفها فذهب بها فقالت قريش : انا لنرجوايكون الله قد رضي ما أردنا ~~؛ عندنا عامل رفيق ، وعندنا خشب ، وقد كفانا الله عز وجل الحية . فلما ~~أجمعوا أمرهم على هدمها وبنائها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمرا بن ~~مخزوم ، وهو خال أبي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فتناول من الكعبة ~~حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه ، فقال : يا معشر قريش ، لا تدخلوا في ~~بنائها من كسبكم إلا PageV16P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" طيبا لا يدخل فيها مهر بغي ، ولا بيع ربا ولا ~~مظلمة أحد من الناس . ويقال ان الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن ~~مخزوم هو الذي قال هذا القول . قال الواقدي : فأمروا بجمع الحجارة ، وببناء ~~الكعبة منها ؛ فبينا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ينقل معهم ، وكانوا ~~يضعون أزرهم على عواتقهم ويحملون الحجارة ، ففعل ذلك رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فلبط به : أي سقط من قيام ، ونودي : عورتك فكان ذلك أول ما ~~نودي ، فقال له أبو طالب ، يا بن أخي اجعل إزارك على رأسك ، فقال : ما ~~أصابني ما أصابني إلا من التعري ؛ فما رؤيت لرسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) عورة بعد ذلك . قال ابن إسحاق : ثماقريشا جزأت الكعبة ، فكان شق ~~الباب لبني عبد مناف وزهرة ، وكا ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني ~~مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم ، وكا ظهر الكعبة لبني جمح وسهم ، وكا ~~شق الحجر لبني عبد الدار ابن قصي وبني أسد بن عبد العزى ms3192 وبني عدي بن كعب ، ~~وهو الحطيم . وقال الواقدي : وقع لبني عبد مناف وزهرة وجه البيت ، وهو ما ~~بين الركن الأسود إلى ركن الحجر ، ووقع لبني أسد بن عبد العزى وبني عبد ~~الدار ما بين ركن الحجر إلى ركن الحجر الآخر ، ووقع لتيم ومخزوم ما بين ركن ~~الحجر إلى الركن اليماني ، ووقع لسهم وجمح وعدي عامر بن لؤي ما بين الركن ~~إلى الركن الأسود . قال ابن إسحاق : ثم ان الناس هابوا هدمها وفرقوا منه ، ~~فقال الوليد بن المغيرة : انا أبدأكم في هدمها فأخذ المعول ؛ ثم قام عليها ~~وهو يقول : اللهم لم ترع ، ويقال : لم نزع ، اللهم انا لا نريد إلا الخير ؛ ~~ثم هدم من ناحية الركنين ، فتربص الناس به تلك الليلة ، وقالوا : ننظر ، فا ~~أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت ، وا لم يصبه شيء فقد رضي الله ~~ما صنعنا فنهدم ، فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله ، فهدم وهدم الناس ~~معه حتى انتهى الهدم بهم إلى أساس إبراهيم عيلان لسلام ، فأفضوا إلى حجارة ~~خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضا فأدخل رجل من PageV16P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" قريش عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما ~~فلما تحرك الحجر تنقضت مكة بأسرها فانتهوا عن ذلك الأساس . قال : ثم ان ~~القبائل جمعت الحجارة لبنائها كل قبيلة تجمع على حدة ، وبنوا حتى بلغ ~~البنيا موضع الركن . والله المستعان . ذكر اختلاف قريش في رفع الركن ~~وتراضيهم بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وخبر النجدي قال ابن إسحاق : ولما ~~بلغ البنيان إلى موضع الركن اختصموا فيه ، كل قبيلة تريداترفعه إلى موضعه ~~دون الأخرى ، حتى تحاوزوا وتخالفوا واعتدوا للقتال ، فقربت بنو عبد الدار ~~جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب ابن لؤي على الموت ، ~~وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم ، فسموا لعقة الدم ؛ فمكثت قريش على ذلك أربع ~~ليال أو خمسا ثم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا فقال أبو أمية بن ~~المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وكا إذ ذاك أسن قريش كلها : يا معشر ms3193 ~~قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول داخل يدخل ؛ فدخل رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فلما رأوه قالوا : هذا الأمين ، هذا محمد ، رضينا به ؛ ~~فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر ، قال ( صلى الله عليه وسلم ) : هلم إلي ~~ثوبا فأتي به ، وقيل : بل بسط رداءه في الأرض ، وأخذ الركن فوضعه فيه بيده ~~، ثم قال : ليأت من كل ربع من أرباع قريش رجل ، فكان من ربع بني عبد مناف ~~عتبة بن ربيعة ، وفي الربع الثاني أبو زمعة ، والربع الثالث أبو حذيفة بن ~~المغيرة ، والربع الرابع قيس بن عدي . هكذا نقل الواقدي ، ثم قال رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) : ليأخذ كل رجل منكم بزاوية من زوايا الثوب ثم ~~ارفعوه جميعا ففعلوا ثم وضعه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بيده في ~~موضعه ، فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حجرا يسد ~~به الركن ، فقال العباس بن عبد PageV16P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" المطلب : لا . ونحاه ، ونازل العباس رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) حجرا فشد به الركن ، فغضب النجدي حين نحى ، فقال ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : انه ليس يبني معنا في البيت إلا منا ؛ فقال ~~النجدي : يا عجبا لقوم أهل شرف ، وعقول ، وسن ، وأموال ، عمدوا إلى أصغرهم ~~سنا وأقلهم مالأن فرأسوه عليهم في مكرمتهم وجودهم كانهم خدم له ، أما والله ~~ليفرقنهم شيعا وليقسمن بينهم حظوظا وجدودا . ويقال ان النجدي إبليس لعنه ~~الله . فقال أبو طالب : ا لنا أوله وآخره . . . في الحكم والعدل الذي لا ~~ننكره وقد جهدنا جهده لنعمره . . . وقد عمرنا خيره وأكثره فا يكن حقا ففينا ~~أوفره قال : ثم بنوا حتى انتهوا إلى موضع الخشب ، وكا خمسة عشر جائزا سقفوا ~~البيت عليه ، وبنوه على ستة أعمدة ، وأخرجوا الحجر من البيت ، قالت عائشة ~~رضي الله عنها : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )اقومك استقصروا في ~~بنيا الكعبة ، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت فيه ما تركوا منه ، فا بدا ~~لقومك من بعديايبنوه ، فهلم أريك ما تركوا منه ، فأراها قريبا ms3194 من سبعة أذرع ~~في الحجر ، وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ولجعلت لها بابين شرقيا وغربيا ~~أتدرين لم كان قومك رفعوا بابها ؟ قالت : لا أدري . قال : تعزز ان الا ~~يدخلها إلا من أرادوا . قال ابن هشام : وكانت الكعبة على عهد النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ثماني عشرة ذراعا وكانت تكسى القباطي ثم كسيت البرود ، ~~وأول من كساها الديباج الحجاج ابن يوسف . وحيث انتهينا إلى هذه الغاية من ~~أخبار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلنذكر من بشر به . ذكر المبشرات ~~برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قبل مولده ومبعثه وبعد ذلك جاءت البشائر ~~برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في كتب الله تعالى المنزلة على انبيائه ~~صلوات الله PageV16P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" عليهم ، وفيما نقل إلينا من كلامهم ، ووجد ~~بخطهم ، وبشر به أحبار يهود ، وعلماء النصارى ، عما انتهى إليهم من العلوم ~~التي تلقوها عن الأنبياء صلوات الله عليهم ، ونقلوها من صحفهم ، ومخبئات ~~كتبهم ، وذخائر أسرارهم ، حتى اعترف قوم بنبوته ( صلى الله عليه وسلم ) قبل ~~مولده وظهوره بما شاء الله من السنين ، وأوصوا به من بعدهم ؛ فمنهم من آمن ~~به ، ومنهم من صد عنه ؛ وبشر به أيضا قبل مبعثه كها العرب ، عما كان يأتيهم ~~من أخبار السماء على لسا شياطينهم الذين كانوا يسترقون السمع ومنعوا بالشهب ~~، كما أخبرنا الله تعالى في قوله : " وانا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن ~~يستمع الأن يجد له شهابا رصدا " ، ونطق الجا من أجواف الأصنام بالبشارة به ~~، فكان ذلك سببا لإسلام من سمع أصواتها ممن سبقت له من الله الحسنى ، وهداه ~~وأرشده إلى اتباع الحق ، والإيما برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وبما ~~جاء به من عند الله ، على ما نذكر ذلكاشاء الله تعالى في مواضعه . فأما ~~جاءت به الكتب المنزلة من الله تعالى مما يدل على نبوة سيدنا رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فقد جاء ذلك في القرا العزيز ، وفي التوراة ، ~~والأنجيل ، وزبور داود ، وكتب الأنبياء : شعيا وشمعون ، وحزقيل عليهم ~~السلام . فأما ما جاء في القرا ms3195 العزيز فقد قال الله عز وجل : " وإذ قال ~~عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل اني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " ، وقال تعالى : " وإذ أخذ ~~الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه ، قال أأقررتم وأخذتم علي ذلكم إصري قالوا أقررنا قال ~~فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين " . قال أهل التفسير : أخذ الله الميثاق ~~بالوحي ، فلم يبعث نبيا إلا ذكر له محمدا ونعته ، وأخذ عليه ميثاقه : ان ~~أدركه ليؤمنن به ؛ وقيل : ايبينه لقومه ، ويأخذ ميثاقهمايبينوه لمن بعدهم ؛ ~~وقوله تعالى : " ثم جاءكم رسول " الخطاب لأهل الكتاب المعاصرين لمحمد ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، انه قال : لم يبعث ~~الله نبيا من آدم فمن بعده ، إلا أخذ عليهم العهود في محمد ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه PageV16P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" ويأخذ العهد بذلك على قومه . ونحوه عن السدى ~~وقتادة . وقال تعالى : " وإذ أخذنا من النبينن ميثاقهم ومنك ومن نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا " . روى عن قتادة ~~: ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : كنت أول الأنبياء في الخلق ، ~~وآخرهم في البعث . قال القاضي عياض : فلذلك وقع ذكره مقدما هنا قبل نوح ~~وغيره ، صلى الله عليهم أجمعين . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~انا دعوة أبي إبراهيم ، وبشر بي عيسى الحديث . يشير بدعوة إبراهيم عيلان ~~لسلام إلى قوله تعالى إخبارا عنه : " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك انت العزيز الحكيم " . ~~وأما ما جاء في كتب الله السالفة ، فقد علمنا قطع ان ان أهل الكتاب بدلوا ~~في كتب الله تعالى المنزلة على انبيائهم ، وحرفوا كلمها عن مواضعه ، وحذفوا ~~منها أشياء فيها صريح ذكر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بغيا منهم ~~وحسدا وجحودا ونكالا وافتراء على الله تعالى . هذا لا مرية عندنا ms3196 فيه ولا ~~خلاف ، وقد اتفقوا على أشياء في كتبهم وترجموا عنها بالعربية ، تدل على ~~نبوة سيدنا محمد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، نحن نذكره ان اشاء ~~الله ، وكتموا فيها ما أخبر به من أسلم من أخبار يهود وغيرهم ، وعرض ذلك ~~على من استمر على كفره ، فلم يسعه انكاره بل أقر به ، على ما نذكراشاء الله ~~تعالى في مواضعه . فأما ما اتفقوا عليه مما جاء في التوراة وترجموه ~~بالعربية ورضوا ترجمته فمن ذلك قوله : جاء الله من طور سيناء ، وأشرق لنا ~~من ساعير ، واستعلن من جبال فاران . وفي ترجمة أخرى كذلك : تجلى الله من ~~طور سيناء ، وأشرق من ساعير ، واستعلن من جبال فاران . قال العلماء : وفي ~~هذا تصريح بنبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، لأن الطور هو الجبل الذي ~~اصطفى الله تعالى موسى عليه بتكليمه ، وساعير : جبل بالشام منه ظهرت نبوة ~~عيسى بن مريم ، وبالقرب منه قرية الناصرة التي ولد فيها وفاران : هي مكة ~~شرفها الله تعالى . PageV16P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" قال الشيخ حجة الدين أبو هاشم محمد بن ظفر في ~~كتابه المترجم بخير البشر : لا يخالف في هذا أحد من أهل الكتاب . قال : ~~وأما قوله : جاء الله من طور سيناء فا مجيء الله هو مجيء كتابه وأمره كما ~~قال الله تعالى : " فاتاهم الله من حيث لم يحتسبوا " ؛ أي أتاهم أمره . ~~وقوله : " وأشرق لنا من ساعير " كناية عن ظهور أمره وكلامه ، قال : وكذلك ~~قوله : " واستعلن من جبال فاران " ، أي ظهر أمره ، وكتابه ، وتوحيده ، ~~وحمده ، وما شرعه رسوله من ذكره بالأذا والتلبية وغير ذلك ؛ قال ابن ظفر : ~~وقرأت في ترجمة للتوراة خطابا لموسى عيلان لسلام ، والمراد به الذين ~~اختارهم لميقات ربه فأخذتهم الرجفة خصوصا ثم سائر بني إسرائيل عموما : ~~والله ربك يقيم نبيا من إخوتك ، فاستمع له كالذي سمعت ربك في حوربت يوم ~~الاجتماع حين قلت : لا أعود أسمع صوت الله ربي لئلا أموت ، فقال الله لي : ~~نعم ما قالوا : وسأقيم لهم نبيا مثلك من إخوتهم ، وأجعل كلامي في فمه ، ~~فيقول لهم ms3197 : كل شيء آمره به ، وأيما رجل لم يطع من تكلم باسمي فاني انتقم ~~منه . وفي هذا أدلة على نبوة نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) ، منها قوله : ~~من إخوتهم ، وموسى وقومه من بني إسحاق ، وإخوتهم بنو إسماعيل ، ولو كان ~~الموعود من بني إسحاق ، لكا من انفسهم ، لا من إخوتهم ، كما قال تعالى ~~إخبارا عن إبراهيم في دعوته : " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم " ، وكما قال ~~تعالى : " لقد جاءكم رسول من انفسكم " ؛ ومنها قوله : نبيا مثلك ، وقد قال ~~في التوراة : لا يقوم في بني إسرائيل أحد مثل موسى ، وفي ترجمة أخرى : مثل ~~موسى لا يقوم في بني إسرائيل أبدا ؛ ومنها قوله : أجعل كلامي في فمه ، فهو ~~واضح ان المقصود به محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، لأن معناه : أوحى إليه ~~بكلامي فينطق به ؛ وقوله : " أيما رجل لم يطع من تكلم باسمي فاني انتقم منه ~~" دليل على كذب اليهود في قولهم : ان الله أمرنا بمعصية كل نبي دعا إلى دين ~~سمى نسخا لبعض ما شرعه موسى ( صلى الله عليه وسلم ) . والله تعالى أعلم . ~~وأما ما اتفقوا عليه ، ورضوا ترجمته مما في الأنجيل فمن ذلك ما ترجموه في ~~PageV16P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" الأنجيل : أن عيسى عيلان لسلام قال : ان ~~أحببتموني فاحفظوا وصيتي ، وانا أطلب إلى أبي فيعطيكم بارقليط آخر يكون ~~معكم الدهر كله ، فهذا تصريح با الله سيبعث إليهم من يقوم مقامه ، وينوب ~~عنه في تبليغ رسالات ربه ، وسياسة خلقه منابه ، وتكون شريعته باقية مخلدة ~~أبدا ولم يأت بذلك بعد عيسى إلا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . ومنه ما ~~ترجموه : اهذا الكلام الذي سمعتموه ليس هو لي ، بل للأب الذي أرسلني ، ~~كلمكم بهذا وانا معكم ، فأما البارقليط ، روح القدس الذي يرسل أبي باسمي ، ~~فهو يعلمكم كل شيء ، ويذكركم جميع ما أقول لكم . قال ابن ظفر : قولهم : أبي ~~: فهذه اللفظة عندنا مبدلة محرفة ، وليست منكرة الاستعمال عند أهل الكتابين ~~إشارة إلى الرب سبحانه ، لأنها عندهم لفظة تعظيم يخاطب بها المتعلم معلمه ~~الذي يستمد العلم منه ؛ قال : ومن المشهور ms3198 مخاطبة النصارى عظماء دينهم ~~بالآباء الروحانية ؛ قال : وأما قوله : يرسله أبي باسمي فهو إشارة إلى ~~شهادة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) له بالصدق والرسالة ، وما تضمنه ~~القرا من مدحه وتنزيهه عما افتراه اليهود في أمره . ومما ترجموه ورضوا ~~ترجمته قولهم : انه قال : إذ قال البارقليط الذي أرسل إليكم من عند أبي ، ~~روح الحق الذي يخرج من الأب ، فهو يشهد لي ، وأنتم تشهدون لي أيضا ~~لكينونتكم معي من أول أمري . قال : قوله روح الحق الذي يخرج من الأب كناية ~~عن كلام الله المنزل على رسول الله صلى الله عيه وسلم ، قال الله تعالى : " ~~وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا " . وقوله : يشهد لي تصريح بنبوة محمد ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، إذ لم يشهد للمسيح عيلان لسلام بالنبوة ، والنزاهة ~~عما افترى عليه ، وبانه روح الله وكلمته وصفيه ورسوله ، كتاب سوى القران ، ~~ولم تزل الأمم تكذب المتبعين للمسيح ، واليهود يفترون العظائم من البهتان ، ~~حتى بعث الله محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) فشهد للمسيح بما شهد به حواريوه ~~الذين كانوا معه من أول أمره ، والمهتدون من أمته . قال : ومما رضوه من ~~الترجمة أيضا عن الأنجيل قوله فيه : ان انطلاقي خير لكم ، لأنيالم انطلق لم ~~يأتكم البارقليط ؛ فإذا انطلقت أرسلت به إليكم ، فإذا جاء فند أهل العلم . ~~قال : فهذا ظاهر ، وقوله : أرسلت به إليكماكا سالما من التحريف ، فمعناه ~~مثل معنى قوله : الم انطلق لم يأتكم ، وقوله : فند وصف صريح للنبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فهو الذي فند علماء اليهود والنصارى فما أطبقوا عليه من ~~ان PageV16P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" المسيح قتل وصلب بعداعذب ، وما انفرد به علماء ~~اليهود من بهتانهم في الطعن على المسيح ، وما انفرد به علماء النصارى من ~~الدعوة إلى ألوهية المسيح ، فرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وسلم فند ~~جميعهم . والتفنيد : التخطئة وتقبيح القول والرأي . قال ابن ظفر : وقرأت في ~~ترجمة أخرى للأنجيل : انه قال البارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب ، فغذا جاء ~~وبخ العالم على الخطيئة ، ولا يقول من تلقاء نفسه ، ولكنه ms3199 ما يسمع يكلمهم ~~به ، ويسوسهم بالحق ، ويخبرهم بالحوادث والغيوب . ورسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) هو الذي وبخ العلماء من أهل الكتاب على كتما الحق ، وتحريف ~~الكلم عن مواضعه ، وبيع الدين بالثمن البخس من عرض الدنيا وهو الذي أخبر ~~بالحوادث والغيوب . وقال ابن ظفر : والذي صح عندي في معنى البارقليط : انه ~~الحكيم الذي يعرف السر ؛ وقد تقدم ما يدل على انه الرسول . وأما ما جاء في ~~زبور داود عيلان لسلام مما ترجمه أهل الكتاب ، فمن ذلك قوله : اللهم اجعل ~~جاعل السنة يحيا يعلم الناس انه بشر ؛ ويفهم من هذا : اداود عيلان لسلام ~~أطلعه الله تعالى على ما سيقوله النصارى في المسيح إذا أرسله ، من انه إله ~~معبود ، فدعا الله سبحانه با يبعث محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) فيعلمهم ان ~~المسيح بشر . وفيه أيضا مما ترجموه : انه فاضت الرحمة على شفتيك ، من أجل ~~ذلك أبارك عليك ، إلى الأبد ، فتقلد السيفن فا بهاءك وحمدك الغالب ، واركب ~~كلمة الحق ، فا ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك ؛ والأمم يخرون تحتك ؛ ~~قال : فالذي قرنت شريعته بهيبة يمينه ، وخرت الأمم تحته ، هو رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . ومنها وذكر رجلا فقال : فإذا قام جاز من البحر إلى ~~البحر ، ومن عند الأنهار إلى منقطع البر ، وخر أهل الجزائر قدامه على ~~وجوههم وركبهم ، ولحس أعداؤه التراب لهيبته ، وجاءته الملوك بالقرابين ، ~~ودانت له الأمم بالطاعة ؛ لأنه بخلص الضعيف المغلوب البائس ممن هو أقوى منه ~~، ويقوى الضعيف الذي لا ناصر له ، ويرحم المساكين ، ويصلي ويبارك عليه في ~~كل وقت ، ويدوم ذكره إلى الأبد . فهذا في غاية الظهور ان المراد به رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وأما ما ترجموه من كتاب شعيا عيلان لسلام ~~ورضوا ترجمته فقوله : عبدي PageV16P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" الذي سرت به نفسي انزل عليه وحيي ، فيظهر في ~~الأمم عدلي ، ويوصيهم بالوصايا لا يضحك ، ولا يسمع صوته في الأسواق ؛ يفتح ~~العيون العورن والآذا الصم ، ويحيي القلوب الغلف ؛ وما أعطيه لا أعطي أحدا ~~مشقح يحمد الله حمدا جديدا يأتي ms3200 من أقصى الأرض . تفرح البرية وسكانها ~~يهللون الله على كل شرف ، ويكررونه على كل رابية ، ولا يضعف ولا يغلب ، ولا ~~يميل إلى الهوى ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة ، بل يقوى ~~الصديقين ، وهو ركن المتواضعين ، وهو نور الله الذي لا يطفا أثر سلطانه على ~~كتفيه . قال ابن ظفر : هذه ترجمة السريانيين ، وعبر العبرانيون عنه با ~~قالوا : على كتفيه علامة النبوة ؛ فهذا كله صريح في البشارة به ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، مع ما فيه من ذكر قيام دولة العرب بقوله : تفرح البرية ~~وسكانها ؛ وأما قوله : مشقح فهو محمد ، لأن الشقح بلغتهم الحمد . ومما ~~ترجموه منهاشعياء عيلان لسلام قال : قم نظارا فانظر ما ترى ، فأخبر به ، ~~فقلت : أرى ركبين مقبلين ، أحدهما على حمار ، والآخر على جمل ؛ يقول أحدهما ~~أصاحبه : سقطت بابل وأصنامها فهذه بشارة صريحة بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ~~) ؛ لأنه راكب الجمل لا محالة ، ولأن ملك بابل انما ذهب بنبوته ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وعلى يد أصحابه ، على ما نذكرهاشاء الله تعالى . قال : وقد كان ~~على باب من أبواب الإسكندرية صورة جمل من نحاس ، عليه راكب من نحاس ، في ~~هيئة العرب مؤتزر مرتد ، عليه عمامة ، وفي رجليه نعلأن ، كل ذلك من نحاس ؛ ~~وكانوا إذا تظالموا يقول المظلوم للظالم : أعطني حقي قبلايخرج هذا فيأخذ لي ~~بحقي منك ، شئت أو أبيت ، ولم يزل الصنم على ذلك حتى افتتح عمرو بن العاص ~~أرض مصر ، فغيبوا الصنم . ومنه : أيتها العاقر افرحي واهتزي وانطلقي ~~بالتسبيح ، فا أهلك يكونون أكثر من أهلي . قال : فالعاقر مكة ، لأنها بواد ~~غير ذي زرع ، أو لأن الله لم يبعث بها PageV16P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" نبيا في ذلك الزمن دون غيرها فهي عاقر ، وقوله ~~: انطلقي بالتسبيح إشارة إلى عمارتها بأهل ذكر الله ، وقوله : يكون أهلك ~~أكثر من أهلي ، قال : اسلم من التحريف وسوء العبارة فمن زائدة ، والمعنى ~~المسلمين يكونون أكثر أهل طاعة وتوحيده ، وقد أخبر النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ان أمته أكثر أهل الجنة . والآل والأهل يكنى بهما عن الجماعة الخاصة ms3201 ~~، قال عبد المطلب بن هاشم : نحن آل الله في بلدتنا . . . لم نزل آلا على ~~عهد إرم ولما روجع أبو بكر الصديق رضي الله عنه في استخلافه عمر بن الخطاب ~~وقيل له : ماذا تقول لربك وقد استخلفت علينا فظا غليظا ؟ فقال : أقول تركت ~~على أهلك خير أهلك . والله الفعال . ومن كتاب شمعون عيلان لسلام مما ترجموه ~~ورضوا ترجمته قوله : جاء الله بالبينات من جبال فاران ، وامتلأت السموات ~~والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته . وقد تقدماجبال فارا هي جبال مكة شرفها الله ~~، ومجيء الله هو مجيء كتابه . ومن كتاب حزقيل عيلان لسلام مما ترجموه من ~~قصة ذكر فيها ظهور اليهود وعزتهم ، وكفرانهم للنعم ، فشبههم فيها بالكرمة ~~حيث قال : لم تلبث تلك الكرمةاقلعت بالسخطة ، ورمي بها على الأرض ، فأحرقت ~~السمائم أثرها فعند ذلك غرس غرس في البدو ، وفي الأرض المهملة العطشى ، ~~فخرجت من أغصانه الفاضلة نار فأكلت تلك الكرمة حتى لم يوجد فيها قضيب . قال ~~: فلا شك ان أرض البدو المهملة العطشى هي أرض العرب ، وغرس الله الذي غرسه ~~فيها هو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقد أخزى الله به اليهود والله أعلم ~~. ومما نقل من كلام خيقوق ، وهو الذي زعمت اليهود انه ادعى النبوة في عهد ~~بختنصر ، وحكوا عنه انه قال : إذا جاءت الأمة الآخرة يسبح بهم صاحب الجمل - ~~أو قال : راكب الجمل - تسبيحا جديدا في الكنائس الجدد ، فافرحوا وسيروا إلى ~~صهيون بقلوب آمنة ، وأصوات عالية ، بالتسبيحة الجديدة التي أعطاكم الله في ~~الأيام الآخرة ، أمة جديدة بأيديهم سيوف ذوات شفرتين ، فينتقمون من الأمم ~~الكافرة في جميع PageV16P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" الأقطار مولا شكاراكب الجمل أو صاب الجمل من ~~الأنبياء هو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، والأمة الجديدة هي العرب ، ~~والكنائس الجدد هي المساجد ، وصهيون : مكة ، والتسبيحة الجديدة : لبيك ~~اللهم لبيك . ونقل أيضا عن خيقوق هذا انه قال : جاء الله من اليمن ، وظهر ~~القدس على جبال فاران ، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد ، وملك بيمينه رقاب ~~الأمم ، وأضاءت الأرض لنوره ، وحملت خيله في البحر . والله أعلم ms3202 . ومما وجد ~~بخط موسى بن عمرا عيلان لسلام ما روى معمر عن الزهري أه قال : أشخصني هشام ~~بن عبد الملك إلى الشام ، فلما كنت بالبلقاء وجدت حجرا مكتوبا عليه بالخط ~~العبراني ، فطلبت من يقرؤه ، فأرشدت إلى شيخ ، فانطلقت به إلى الحجر ، ~~فقرأه وضحك ، فقلت : مم تضحك ؟ قال : أمر عجيب ، مكتوب على هذا الحجر : ~~باسمك اللهم جاء الحق من رتك ، لسا عربي مبين ؛ لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله . وكتبه موسى بن عمرا بخط يده . وانما ألحقنا هذا الخبر بما قبله لأن ~~موسى ( صلى الله عليه وسلم ) انما يكتب بخطه ما تلقاه عن الله تعالى ، أو ~~عن كتبه المنزلة ؛ وهذا الذي أوردناه مما جاء في كتب الله السالفة هو الذي ~~أبداه أهل الكتاب وأثبتوه ، وترجموه ورضوا ترجمته في تحريفهم وتبديلهم . ~~وأما ما كتمه أهل الكتاب مما فيه صريح ذكر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ودلنا عليه وأخبرنا به من أسلم منهم ممن جاز لن ان انروي عنه ونقبل روايته ~~؛ مثل وهب ، وكعب الأخبار ، وأبي ثعلبة بن أبي مالك . فأما ما جاء عن وهب ~~بن منبه . فانه روى عنه انه قال : قرأت في بعض كتب الله المنزلة على نبي من ~~بني إسرائيل : اقم في قومك ، فقل يا سماء اسمعي ، ويا أرض انصتي ؛ لأن الله ~~يريدايقص شا بني إسرائيل : اني ربيتهم بنعمتي ، وآثرتهم بكرامتي ، واخترتهم ~~لنفسي ، واني وجدت بني إسرائيل كالغنم الشاردة التي لا راعي لها فرددت ~~شاردها وجمعت ضالتها وداويت مريضها وجبرت كسيرها PageV16P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" وحفظت سمينها ؛ فلما فعلت بها ذلك بطرت ، ~~فتناطحت كباشها فقتل بعضها بعضا . فويل لهذه الأمة الحاطئة ، ويل لهؤلاء ~~القوم الظالمين ؛ اني قضيت يوم خلقت السموات والأرض قضاء حتما وجعلت له ~~أجلا مؤجلا لا بد منه ، فا كانوا يعلمون الغيب فليخبروك متى حتمته ، وفي أي ~~زما يكون ذلك ، فاني مظهره على الدين كله ، فليخبروك متى يكون هذا من القيم ~~به . ومن أعوانه وانصاره ، اكانوا يعلمون الغيب فاني باعث بذلك رسولا من ~~الأميين ليس بفظ ولا غليظ ms3203 ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا فوال بالهجر والجنى ~~، أسدده بكل جميل ، وأهب له كل خلق كريم ، وأجعل السكينة على لسانه ، ~~والتقوى ضميره ، والحكمة منطقه ، والصدق والوفاء طبيعته ، والعفو والمعروف ~~خلقه والحق شريعته ، والعدل سيرته ، والإسلام ملته ، أرفع به من الوضيعة ، ~~وأغني به من العيلة ، وأهدي به من الضلالة ، وأؤلف به بين قلوب متفرقة ، ~~وأهواء مختلفة ، وأجعل أمته خير الأمم إيمانا بي وتوحيدا لي ، وإخلاصا بما ~~جاء به رسولي ، ألهمهم التسبيح والتحميد والتمجيد لي في صلواتهم ومساجدهم ~~ومنقلبهم ومثواهم ، يخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي يقاتلون في ~~سبيلي صفوفا ويصلون لي قياما وركوعا وسجودا يكبرونني على كل شرف ، رهبا ~~بالليل ، أسد بالنهار ؛ ذلك فضلى أوتيه من أشاء ، وانا ذو الفضل العظيم . ~~ومنه ما روى عنه انه قال : قرأت في بعض الكتب القديمة : قال الله تبارك ~~وتعالى : وعزتي وجلالي لأنزلن على جبال العرب نورا يملأ ما بين المشرق ~~والمغرب ، ولأخرجن من ولد إسماعيل نبيا عربيا أميا يؤمن به عدد نجوم السماء ~~ونبات الأرض ، كلهم يؤمن بي ربا وبه رسولأن ويكفرون بملل آبائهم ، ويفرون ~~منها . قال موسى : سبحانك وتقدست أسماؤك لقد كرمت هذا النبي وشرفته ، قال ~~الله عز وجل : يا موسى اني انتقم من عدوه في الدنيا والآخرة ، وأظهر دعوته ~~على كل عدوة ، وسلطانه ومن معه على البر والبحر ، وأخرج لهم من كنوز الأرض ~~، وأذل من خالف شريعته ؛ يا PageV16P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" موسى : بالعدل ربيته ، وبالقسط أخرجته ؛ وعزتي ~~لأستنقذن به أمما من النار ، فتحت الدنيا بإبراهيم ، وختمتها بمحمد ، مثل ~~كتابه الذي يجيء به ، فاعقلوه يا بني إسرائيل مثل السقاء المملوء لبنا يمخض ~~فيخرج زبدا بكتابه أختم الكتب ، وبشريعته أختم الشرائع ، فمن أدركه ولم ~~يؤمن به ولم يدخل في شريعته فهو من الله بريء ، أجعل أمنه يبنون في مشارق ~~الأرض ومغاربها مساجد ، إذا ذكر اسمي فيها ذكر اسم ذلك النبي معي ، لا يزول ~~ذكره من الدنيا حتى نزول . وأما ما جاء عن كعب الأحبار رحمه الله ، فمن ذلك ~~ما روىاعمر بن الخطاب رضي الله ms3204 عنه قال : يا كعب ، أدركت النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وقد علمتاموسى بن عمرا تمنىايكون في أيامه فلم تسلم على يده ~~، ثم ادركته أبا بكر وهو خير مني فلم تسلم على يده ، ثم أسلمت في أيامي ، ~~فقال : يا أمير المؤمنين ، لا تعجل علي ، فاني كنت أتثبت حتى انظر كيف ~~الأمر ؟ فوجدته كالذي هو في التوراة . قال عمر : كيف هو فهيا ؟ قال : رأيت ~~في التوراةاسيد الخلق ، ولا صفوة من ولد آدم ، يظهر من جبال فارا من منابت ~~القرظ من الوادي المقدس ، فيظهر التوحيد والحق ، ثم ينتقل إلى طيبة ، فتكون ~~حروبه وأيامه بها ثم يقبض فيها ويدفن بها . قال عمرك ثم ماذا يا كعب ؟ قال ~~كعب : ثم يلي بعده الشيخ الصالح . قال عمر : ثم ماذا ؟ قال كعب : ثم يموت ~~متبعا . قال عمر : ثم ماذا ؟ قال كعب : ثم يلي بعده القرن الحديد - وفي لفظ ~~: مدرع من حديد - قال عمر : وادفراه ثم ماذا ؟ قال كعب : ثم يقتل شهيدا ؛ ~~قال عمر : ثم ماذا ؟ قال كعب : ثم يلي صاحب الحباء والكرم ، قال عمر : ثم ~~ماذا ؟ قال كعب : ثم يقتل مظلوما قال عمر : ثم ماذا ؟ قال كعب : ثم يلي ~~صاحب المحجة البيضاء ، والعدل والسواء ، صاحب الشرف التام ، والعلم الجام ، ~~قال عمر : ثم ماذا ؟ قال كعب : ثم يموت شهيدا سعيدا قال عمر : ثم ماذا ؟ ~~قال كعب : ثم ينتقل الأمر إلى الشام ؛ قال عمر : حسبك يا كعب . ومما جاء ~~عنه ما روى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : ارجلا جاء PageV16P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" إلى كعب الأحبار من بلاد اليمن فقال له : ~~افلأنا الحبر اليهودي أرسلني إليك برسالة ، قال كعب : هاتها فقال : انه ~~يقول لك : ألم تكن فينا سيدا شريفا مطاعا ؟ فما الذي أخرجك من دينك إلى أمة ~~محمد ؟ فقال له كعب : أتراك راجعا ؟ قال : نعم ، قال : فا رجعت إليه فخذ ~~بطرف ثوبه لئلا يفر منك وقل له : يقول لك كعب : أسألك بالذي رد موسى إلى ~~أمه ، وأسألك بالذي فلق البحر لموسى ، وأسألك بالذي ألقى الألواح إلى موسى ms3205 ~~بن عمرا فيها علم كل شيء ، ألست تجد في كتاب الله ان أمة محمد ثلاثة أثلاث ~~، فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ، وثلث يدخلون الجنة برحمة الله ، وثلث ~~يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة ؛ فانه سيقول لك : نعم . فقل له : ~~يقول لك كعب : اجعلني في أي هذه الثلاثة شئت . ومنه ما رواه عطاء بن يسار ~~وأبو صالح عنه انه قال : أجد في التوراة : أحمد عبدي المختار ، لا فظ ، ولا ~~غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا مجز بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ~~ويغفر ، أمته الحمادون ؛ يحمدون الله على كل حال ، ويسبحونه في كل منزلة ، ~~ويكبرونه على كل شرف ، يأتزرون على أوساطهم ، ويصونون أطرافهم ، وهم رعاة ~~الشمس ، ومؤذنهم ينادي في جو السماء ، وصفهم في الصلاة سواء ؛ رهبا بالليل ~~، أسد بالنهار ، لهم بالليل دوى كدوى النحل ، يصلون الصلاة حيثما أدركتهم ~~من الأرض ؛ مولده مكة ، مهاجره طابة ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الأمة ~~العوجاء با يقولوا : لا إله إلا الله ، فيفتح الله به أعينا عمياء ، وآذانا ~~صما وقلوبا غلفا . ومنه ما روىامعاوية بن أبي سفيا قال لكعب : دلني على ~~أعلم الناس بما انزل الله على موسى لأسمع كلامك معه ، فذكر له رجلا من ~~اليهود باليمن ، فأشخصه إليه ، فجمع معاوية بينهما فقال له كعب : أسألك ~~بالذي فرق البحر لموسى أتجد في كتاب الله المنزلاموسى نظر في التوراة فقال ~~: يا رب اني أجد أمة مرحومة ، وهي خير أمة أخرجت للناس ، يأمرون بالمعروف ، ~~وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول ، PageV16P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" ويؤمنون بالكتاب الآخر ، ويقاتلون أهل الضلالة ~~، حتى يقاتلوا الأعور الكذاب ، فاجعلهم يا رب أمتي ، قال : هم أمة أحمد ؟ ~~قال الحبر : نعم أجد ذلك ، ثم قال : كعب للحبر : انشدك الله الذي فرق البحر ~~لموسى ، أتجد في كتاب الله المنزلاموسى نظر في التوراة فقال : رب اني أجد ~~أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر ، وإذا هبط واديا حمد الله ، الصعيد لهم ~~طهور ، يتطهرون به من الجنابة كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء ، حيث ~~كانوا فلهم مسجد ، غر ms3206 محجلون من الوضوء ، فاجعلهم أمتي . قال : هم أمة أحمد ~~؟ فقال الحبر : نعم أجد ذلك ؛ قال : انشدك الله الذي فرق البحر لموسى ، ~~أتجد في كتاب الله المنزلاموسى نظر في التوراة فقال : رب اني أجد أمة إذا ~~هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة مثلها وإذا عملها أضعفت له بعشر ~~أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه ، فإذا ~~عملها كتبت عليه سيئة مثلها فاجعلهم أمتي ، قال : هم أمة أحمد ؟ قال الحبر ~~: نعم ، أجد ذلك ؛ قال كعب : انشدك الله الذي فرق البحر لموسى ، أتجد في ~~كتاب الله المنزلاموسى نظر في التوراة فقال : يا رب اني أجد أمة يأكلون ~~كفاراتهم وصدقاتهم ، انهم يطعمونها مساكينهم ولا يحرقونها كما كان غيرهم من ~~الأمم يفعل ؟ وجاء في حديث آخر غير هذا مما هو منسوب إلى كتب الله السالفة ~~: يأكلون قرابينهم في بطونهم . والمراد الضحايا . ومنه ما روى عنه انه قال ~~: كان لأبي سفر من التوراة يجعله في تابوت ويختم عليه ، فلما مات أبي فتحته ~~، فإذا فيه : انبيا يخرج في آخر الزما هو خير الأنبياء ، وأمته خير الأمم ، ~~وهم يشهدونالا إله إلا الله ، يكبرون الله على كل شرف ، ويصفون في الصلاة ~~كصفوفهم في القتال ، قلوبهم مصاحفهم ، يأتون يوم القيامة غرا محجلين ، اسمه ~~أحمد ، وأمته الحمادون ، يحمدون الله على كل شدة ورخاء ، مولده مكة ، ودار ~~هجرته طابة ، لا يلقون عدوا إلا وبين أيديهم ملائكة معهم رماح ، تحنن الله ~~عليهم كتحنن الطير على فراخها يدخلون الجنة ؛ يأتي ثلث منهم يدخلون الجنة ~~PageV16P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" بغير حساب ، ثم يأتي ثلث منهم بذنوب وخطايا ~~فيغفر لهم ، ويأتي ثلث بذنوب وخطايا عظام ، فيقول الله : اذهبوا بهم فزنوهم ~~وانظروا إلى أعمالهم ، فيزنونهم ويقولون : ربنا وجدناهم قد أسرفوا على ~~انفسهم ، ووجدنا أعمالهم من الذنوب أمثال الجبال ، غير انهم كانوا ~~يشهدونالا إله إلا الله فيقول الله : وعزتي لا أجعل من أخلص لي الشهادة كمن ~~كفر بي ؛ قال كعب : فانا أرجو ان أكون من هذه الثلاثةاشاء الله تعالى . ~~ومنه ما روىارجين ms3207 جلسا يتحدثا وكعب الأحبار قريب منهما فقال أحدهما : رأيت ~~فيما يرى النائم كان الناس حشروا فرأيت النبيين كلهم لهم نورا نوران ، ~~ورأيت لأشياعهم نورا نورا ورأيت محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) وما من شعرة ~~في رأسه ولا جسده إلا وفيها نور ، ورأيت أتباعه ولهم نورا نوران ، فقال له ~~كعب : اتق الله تعالى يا عبد الله وانظر ما تتحدث به ، فقال الرجل : انما ~~هي رؤيا منام أخبرت بها على ما أريتها فقال كعب : والذي بعث محمدا بالحق ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وانزل التوراة على موسى بن عمران ، اهذا لفي كتاب ~~الله المنزل على موسى بن عمرا كما ذكرت . وأما ما جاء عن أبي ثعلبة وهو أبو ~~مالك ، وكا من أحبار يهود ، روى الواقدياعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له ~~: يا أبا مالك أخبرني بصفة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في التوراة ، فقال ~~: اصفته في توراة بني إسرائيل التي لم تبدل ولم تغير أحمد ، من ولد إسماعيل ~~بن إبراهيم ، وهو آخر الأنبياء ؛ وهو النبي العربي ، يأتي بدين إبراهيم ~~الحنيف ، يأتزر على وسطه ، ويغسل أطرافه ، في عينيه حمرة ، وبين كتفيه خاتم ~~النبوة ، ليس بالقصير ولا بالطويل ، يلبس الشملة ، ويجتزئ بالبغلة ويركب ~~الحمار ، ويمشي في الأسواق ، سيفه على عاتقه ، لا يبالي من لقي من الناس ، ~~معه صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان ، ولو كانت في قوم عاد ما ~~أهلكوا بالريح ، ولو كانت في ثمود ما أهلكوا بالصيحة ، مولده مكة ، ومنشؤه ~~وبدء نبوته بها ودار هجرته يثرب بين لابتي حرة ونحل وسبخة ، وهو أمي لا ~~يكتب ولا يقرأ PageV16P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" المكتوب ، وهو الحماد يحمد الله على كل شدة ~~ورخاء ، سلطانه بالشام ، وصاحبه من الملائكة جبريل ، يلقى من قومه أذى ~~شديدا ثم يدال عليهم فيحصدهم حصدا تكون له وقعات بيثرب ، منها له ومنها ~~عليه ، ثم له العاقبة ، معه قوم هم إلى الموت أسرع من الماء من رأس الجبل ~~إلى أسفله ، صدورهم اناجيلهم ، وقربانهم دماؤهم ، ليوث النهار رهبا الليل ، ~~يرعب عدوه منه ms3208 مسيرة شهر ، يباشر القتال بنفسه حتى يجرح ويكلم ، لا شرطة ~~معه ولا حرس ، الله يحرسه . وكا من هؤلاء أيضا عبد الله بن سلام ومخيريق ؛ ~~وسنذكر أخبارهم ان اشاء الله تعالى عند ذكر إسلامهما بعد الهجرة على ما تقف ~~عليه هناك . هذه رواية من أسلم من أهل الكتاب . وأما من بشر به ( صلى الله ~~عليه وسلم ) من أهل الكتابين ممن لم يسلم ظاهرا ولا علم لهم إسلام ، ومن ~~أقر بنبوته ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يدر له مكان . فمن هؤلاء من بشر به ~~وأخبر بنبوته قبل مولده ، ومنهم من ذكر ذلك حال مولده لقرائن كان يرقب ~~وقوعها تدل على مولده فوقعت ؛ ومنهم من بشر به في حال طفوليته ، ومنهم من ~~بشر به قبل مبعثه ، ومنهم من ذكر صفته بعد بمعثه ورؤيته له ، وذكر قومه بها ~~وحقق عندهم انه هو ، ودليل كل منهم ما كان يجده عنده من أخباره في الكتب ~~السالفة التي تلقاها عن أسلافه ، ومنهم من أظهر صحفا كانت عنده فيها صريح ~~ذكره وصفته ، ومنهم من أظهر تمثال صورته ، وصور بعض أصحابه وهيئتهم ، وكا ~~ذلك مصورا في بيوت في بيعهم على ما نذكر ذلك مسهب ان اشاء الله . فأما من ~~بشر به وأخبر بنبوته وصفته ( صلى الله عليه وسلم ) قبل مولده ؛ فمن ذلك ما ~~حكاه ابن PageV16P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" إسحاق في خبر تبع الأول ، قال : وكا من الخمسة ~~الذين كانت لهم الدنيا بأسرها وكا له وزراء ، واختار منهم واحدا وأخرجه معه ~~، وكا يسمى عماريشا وأخذه لينظر في مملكته ، وخرج معه مائة ألف من الفرسان ~~، وثلاثة وثلاثون ألفا ومائة ألف وثلاثة عشر ألفا من الرجالة ، وكا إذا أتى ~~بلدة يختار منها عشرة رجال من حكمائها حتى جاء إلى مكة ، فكان معه مائة ألف ~~رجل من العلماء والحكماء الذين اختارهم من البلدان ، فلم يهبه أهل مكة ولم ~~يعظموه ، فغضب لذلك ، ثم دعا وزيره عماريشا وقال : كيف شا أهل هذه البلدة ؟ ~~فانهم لم يهابوني ، ولم يخافوا عسكري ، فقال : أيها الملك انهم قوم عرب ms3209 ~~جاهلون لا يعرفون شيئا وا لهم بيتا يقال له كعبة ، وهم معجبون بهذا البيت ، ~~وهم قوم يعبدون الطواغيت ، ويسجدون للأصنام . فقال الملك : وهم معجبون بهذا ~~البيت ؟ قال : نعم ، فنزل بعسكره ببطحاء مكة ، وفكر في نفسه دون الوزير ، ~~وعزم على هدم الكعبة ، وتسميتها خربة ، وا يقتل رجالهم ، ويسبي نساءهم ، ~~فأخذه الله بالصداع ، وتفجر من عينيه وأذنيه ومنخريه وفمه ماء منتن ، فلم ~~يصبر عنه أحد طرفة عين من نتن الريح ، فاستيقظ لذلك وقال لوزيره : اجمع ~~العلماء والحكماء والأطباء وشاورهم في أمري ، فاجتمع عنده الأطباء والعلماء ~~والحكماء ، فلم يقدروا على المقام عنده ، ولم يمكنهم مداواته ، فقال : اني ~~جمعت الأطباء والعلماء والحكماء من جميع البلدان ، وقد وقعت في هذه الحادثة ~~ولم يقدروا على مداواتي ، فقالوا بأجمعهم : انا نقدر على مداواة ما يعرض من ~~أمور الأرض ، وهذا شيء من السماء لا نستيطع رد أمر السماء ، ثم اشتد أمره ، ~~وتفرق الناس عنه ، ولم يزل أمره في شدة حتى أقبل الليل ، فجاء أحد العلماء ~~إلى الوزير وقال : ابيني وبينك سرا وهواكا الملك يصدقني في حديثه عالجته ، ~~فاستبشر الوزير بذلك وأخذ بيده ، وحمله إلى الملك ، وأخبره بما قال الحكيم ~~، وما التمسه من صدق الملك ، حتى يعالج علته ، فاستبشر الملك بذلك ، وأذن ~~له في الدخول ، فلما دخل قال : أريد الخلوة ، فأخلي له المكان ، فقال : ~~نويت لهذا البيت سوءا ؟ قال : نعم ؛ اني نويت خرابه ، وقتل رجالهم ، وسبي ~~ذراريهم ، فقال له : اوجعك وما بليت به من هذا . اعلماصاحب هذا البيت قوي ~~يعلم الأسرار ، فبادر وأخرج من قلبك ما هممت به من أذى هذا البيت ولك خير ~~الدنيا والآخرة ، قال الملك : أفعل ، قد أخرجت من قلبي جميع المكروهات ، ~~PageV16P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" ونويت جميع الخيرات ، فلم يخرج العالم من عنده ~~حتى برئ من علته ، وعافاه الله بقدرته ، فآمن بالله من ساعته ، وخرج من ~~منزله صحيحا على دين إبراهيم عيلان لسلام ، وخلع على الكعبة سبعة أثواب ، ~~وهو أول من كسا الكعبة ، ودعا أهل مكة ، وأمرهم بحفظ الكعبة ، وخرج إلى ~~يثرب ، وهي يومئذ بقعة فيها ms3210 عين ماء ليس فيها بيت مبني ولا بناء ، فنزل على ~~رأس العين هو وعسكره وجميع العلماء الذين كانوا معه ، ومعهم رئيسهم عماريشا ~~الذي كان يرى برأيه . ثم العلماء والحكماء اجتمعوا وكانوا أربعة آلاف ، ~~فأخرجوا من بينهم أربعمائة هم أعلمهم وبايع كل واحد منهم صاحبهالا يخرجوا ~~من ذلك المقام وا ضربهم الملك أو قتلهم ، فلما علم الملك ما قد عزموا عليه ~~، قال للوزير : ما شانهم يمتنعون عن الخروج معي ، وانا محتاج إليهم ؟ وأي ~~حكمة في نزولهم في هذا المكان ، واختيارهم إياه على سائر النواحي ، فلما ~~أتاهم الوزير وسألهم عما عزموا عليه ، واختيارهم المقام بهذه البقعة ، ~~قالوا له : أيها الوزير ؟ اشرف ذلك البيت ، وشرف هذه البقعة التي نحن فيها ~~بشرف رجل يبعث في آخر الزمان ، يقال له محمد ووصفوه ، ثم قالوا : طوبى لمن ~~أدركه وآمن به ، وقد كنا على رجاءاندركه أو يدركه أولادنا فلما سمع الوزير ~~مقالتهم هم بالمقام معهم ، فلما جاء وقت الرحيل أمرهم الملكايرتحلوا فقالوا ~~: لا نفعل ، وقد أعلمنا الوزير بحكمة مقامنا فدعا الوزير فأخبره بما سمع ~~منهم ، فتفكر الملك وهمايقيم معهم سنة رجاءايدرك محمدا ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فأقام وأمر الناسايبنوا أربعمائة دار ، لكل رجل من العلماء دار ~~واشترى لكل واحد منهم جارية وأعتقها وزوجها برجل منهم ، وأعطى كل واحد منهم ~~عطاء جزيلأن وأمرهمايقيموا في ذلك الموضع إلىايجيء زما النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، ثم كتب كتابا وختمه بخاتم من ذهب ، ودفعه إلى العالم الكبير ~~، وأمرهايدفع الكتاب إلى محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ان أدركه ، وإلا أوصى ~~به أولاده بمثل ما أوصاه به ، وكذلك أولاده حتى ينتهي أمره إلى محمد ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . وكا في الكتاب : أما بعد فاني آمنت بك وبكتابك الذي ~~انزل عليك ، وانا على دينك وسنتك ، وآمنت بربك ورب كل شيء ، وآمنت بكل ما ~~جاء من ربك من شرائع الإيما والإسلام ، فا أدركتك فبها ونعمت ، وا لم أدركك ~~فاشفع لي ، ولا تنسني يوم القيامة ، فاني من أمتك الأولين ؛ وتابعيك قبل ~~مجيئك ، وانا على ملتك وملة ms3211 أبيك إبراهيم عيلان لسلام . ثم ختم الكتاب ونقش ~~عليه : " لله الأمر من قبل ومن بعد " وكتب على عنوانه إلى محمد بن عبد الله ~~نبي الله ورسوله ، وخاتم النبيين ، PageV16P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" ورسول رب العالمين ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~من تبع الأول حمير بن حمير ابن وردع أمانة لله في يد من وقع إليه إلىايوصله ~~إلى صاحبه ، ودفع الكتاب إلى الرجل العالم الذي أبرأه من علته . وصار تبع ~~من يثرب حتى مات بقلسا من بلاد الهند . وكا من اليوم الذي مات فيه تبع إلى ~~اليوم الذي بعث فيه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ألف سنة لا تزيد ولا تنقص ~~، وكا الأنصار الذين نصروا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من أولاد أولئك ~~العلماء والحكماء ، فلما هاجر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة ، ~~سأله أهل القبائلاينزل عليهم ما نذكر ذلكاشاء الله تعالى ؛ فكانوا يتعلقون ~~بناقته وهو يقول : خلوا الناقة فانها مأمورة ، حتى جاءت إلى دار أبي أيوب ، ~~وكا من أولاد العالم الذي أبرأ تبعا برأيه . قال ابن إسحاق : واستشار ~~الأنصار عبد الرحمن بن عوف في إيصال الكتاب إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) لما ظهر خبره قبل هجرته ، فأشار عبد الرحمنايدفعوه إلى رجل ثقة ، ~~فاختاروا رجلا يقال له أبو ليلى وكا من الأنصار ، فدفعوا الكتاب إليه ~~وأوصوه بحفظه ، فأخذ الكتاب وخرج من المدينة على طريق مكة ، فوجد النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في قبيل من بني سليم ، فعرفه رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فدعاه وقال : انت أبو ليلى ؟ فقال : نعم ، قال : معك كتاب ~~تبع الأول ؟ قال : نعم ، فبقى الرجل متفكرا وقال في نفسه : اهذا من العجائب ~~، ثم قال له أبو ليلى : من انت ، فاني لست أعرفك ؟ افي وجهك أثر السحر ، ~~وتوهم انه ساحر ، فقال له : بل انا محمد رسول الله ، هات الكتاب ، فأخرجه ~~ودفعه إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأخذه النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ودفعه إلى علي كرم الله وجهه ، فقرأه عليه ، فلما سمع النبي ( صلى ~~الله عليه ms3212 وسلم ) كلام تبع قال : مرحبا بالأخ الصالح ثلاث مرات ، ثم أمر ~~أبا ليلى بالرجوع إلى المدينة ، فرجع وبشر القوم بقدوم النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . ومن ذلك ما روى ان أبا كرب تبا بن أسعد ملك اليمن أحد ~~التبابعة لما قصد بلاد الشرق ، جعل طريقه على يثرب ، فلم يهج أهلها وخلف ~~بين أظهرهم ابنا له ، فقتل غيلة ، فقدمها وهو مجمع لإخراجها واستئصال أهلها ~~وقطع نخلها فجمع له أهل المدينة ورئيسهم يومئذ عمرو بن طلة أحد بني النجار ~~؛ ، وهو عمرو بن معاوية بن PageV16P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" عمرو بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن ~~النجار وطلة أمه ؛ وهي بنت عامر بن زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة . ~~قال محمد بن إسحاق : وكا رجل من بني عدي بن النجار ويقال له أحمر ، عدا على ~~رجل من أصحاب تبع حين نزل بهم فقتله ، وذلك انه وجده في عدق له يجده ، ~~فضربه بمنجله فقتله ، وقال : انما التمر لمن أبره ، فزاد ذلك تبعا حنقا ~~عليهم فاقتتلوا فكان أهل المدينة ، وهم هذا الحي من الأنصار يقاتلونه ~~بالنهار ويقرونه بالليل ، فيعجبه ذلك منهم ويقول : واللهاقومنا لكرام . وفي ~~ذلك يقول حسا بن ثابت من قصيدة لم يذكر فيها قومه : قروا تبعا بيض المواضي ~~ضحاة . . . وكوم عشار بالعشيات نهض قال فبينما تبع على ذلك من حربهم إذ ~~جاءه حبرا من أحبار يهود من بني قريظة عالما راسخان ، حين مسعا بما يريد من ~~إهلاك يثرب وأهلها فقالا له : أيها الملك ، لا تفعل ، فانك ان أبيت إلا ما ~~تريد حيل بينك وبينها ولم نأمن عليك عاجل العقوبة ، فقال لهما : ولم ذلك ؟ ~~قالا : هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش آخر الزمان ، تكون داره ~~وقراره ، فرأى تبعالهما علما فانصرف عن المدينة واتبعهما على دينهما . ومن ~~ذلك خبر سلما الفارسي وقصته في سبب إسلامه وهجرته إلى المدينة . روى عن عبد ~~الله بن عباس رضي الله عنهما قال : حدثني سلما الفارسي من فيه ، قال : كنت ~~رجلا فارسيا ms3213 من أهل أصبهان ، من أهل قرية يقال لها جي ، وكا أبي دهقا قريته ~~، وكا أحب خلق الله إليه ، ثم لم يزل حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس ~~الجارية ، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها PageV16P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" لا يتركها تخبو ساعة ؛ قال : وكا لأبي ضيعة ~~عظيمة ، فشغل في بنيا له يوما فقال يا بني : اني قد شغلت في بنياني هذا ~~اليوم عن ضيعتي ، فاذهب إليها فأمرني فيها ببعض ما يريد ثم قال : ولا تحتبس ~~عني ، فانك ان احتبست عني كنت أهم إلى من ضيعتي وشغلتني عن كل شيء من أمري ~~؛ قال : فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها فمررت بكنيسة من كنائس النصارى ~~، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون ، وكنت لا أدري ما أمر الناس بحبس أبي إياي ~~في بيته ، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم انظر ما صنعون ، فلما رأيتهم ~~أعجبتني صلاتهم ، ورغبت في أمرهم وقلت : هذا والله خير من الذين الذي نحن ~~عليه ، فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس ، وتركت ضيعة أبي فلم آتها ثم قلت ~~لهم : أين أصل هذا الدين ؟ قالوا : بالشام ، فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي ~~، وشغلته عن عمله كله ، فلما جئته قال : أي بني أين كنت ؟ ألم أكن عهدت ~~إليك ما عهدت ؟ قلت : يا أبت مررت باناس يصلون في كنيسة لهم ، فأعجبني ما ~~رأيت من دينهم ، فوالله ما زلت من عندهم حتى غربت الشمس ، قال : أي بني ليس ~~في ذلك الدين خير ، دينك ودين آبائك خير منه ، قلت له : كلا والله انه لخير ~~من ديننا قال : فخافني فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته ، فبعثت إلى ~~النصارى فقلت لهم : إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار فأخبروني بهم ، قال : ~~فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم ، فقلت : إذا قضوا ~~حوائجهم ، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم ، فآذوني بهم ، فلما أرادوا الرجعة ~~أخبروني بهم ، فألقيت الحديد من رجلي ، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام ، فلما ~~قدمتها قلت : من أفضل أهل ms3214 هذا الدين علما ؟ قالوا الأسقف في الكنيسة ، ~~فجئته فقلت : اني رغبت في هذا الدين ، وأحببت ان أكون معك وأخدمك وكنيستك ، ~~وأتعلم منك ، وأصلي معك ، قال : ادخل ، فدخلت معه ، فكان رجل سوء ، يأمرهم ~~بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه شيئا منها اكتنزه لنفسه ولم يعطه ~~المساكين ، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق ، قال : وأبغضته بغضا شديدا لما ~~رأيته يصنع ، ثم مات واجتمعت له النصارى ليدفنوه فقلت لهم : اهذا رجل سوء ، ~~يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ، ولم يعط ~~المساكين منها شيئا فقالوا لي : وما علمك بذلك ؟ قلت : انا أدلكم على كنزه ~~، قالوا : فدلنا عليه ، فأريتهم موضعه ، فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا ~~وورقا فلما رأوها قالوا : والله لا ندفنه أبدا فصلبوه ورجموه بالحجارة ، ~~وجاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه . قال : يقول سلمان : فما رأيت رجلا لا يصلي ~~الخمس أرى انه أفضل منه ، وأزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ، ولا أدأب ~~PageV16P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" ليلا ونهارا منه ، قال : فأحببته حبا لم أحبه ~~شيئا قبله ، فأقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة فقلت له : يا فلأن اني قد كنت ~~معك وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك ، وقد حضركما ترى من أمر الله ، فإلى من ~~توصي بي وبم تأمرني ؟ قال : أي بني ، والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت ~~عليه ، لقد هلك الناس ، وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه ، إلا رجلا ~~بالموصل ، وهو فلأن ، وهو على ما كنت عليه ، فالحق به . قال : فلما مات ~~وغيب لحقت بصاحب الموصل فقلت له : يا فلأنافلأنا أوصاني عند موتها ألحق بك ~~، وأخبرني انك على أمره ، فقال لي : أقم عندي ، فأقمت عنده فوجدته خير رجل ~~على أثر صاحبه ، فلم يلبثامات ، فلما حضرته الوفاة قلت له : يا فلأنافلأنا ~~أوصى بي إليك ، وأمرني باللحوق بك ، وقد حضرك من أمر الله ما ترى ، فإلى من ~~توصي بي وبم تأمرني ؟ قال : يا بني والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا ~~عيلان لا رجلا بنصيبين ، وهو فلأن ، فالحق به ، فلما ms3215 مات وغيب لحقت بصاحب ~~نصيبين ، فأخبرته خبري ، وما أمرني به صاحب ، فقال : أقم عندي ، فأقمت عنده ~~فوجدته على أمر صاحبه ، فأقمت مع خير رجل ، فوالله ما لبثانزل به الموت ، ~~فلما حضر قلت له : يا فلأنافلأنا كان أوصى بي إلى فان ، ثم أوصى بي فلأن ~~إليك ، فإلى من توصي بي وبم تأمرني ؟ قال يا بني والله ما أعلمه بقي أحد ~~على أمرنا فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية ، فأخبرته خبري ، فقال : أقم ~~عندي ، فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم ، قال : واكتسبت حتى كانت ~~لي بقرات وغنيمة ، قال : ثم نزل به أمر الله ، فلما حضر قلت له : يا فلأن ~~اني كنت مع فلأن فأوصى بي إلى فلأن ، ثم أوصى بي فلأن إلى فلأن ، ثم أوصى ~~بي فلأن إلى فلأن ، ثم أوصى بي فلأن إليك ، فإلى من توصي بي وبم تأمرني ؟ ~~قال : يا بني والله ما أعلمه أصبح أحد على مثل ما كنا عليه من الناس ~~آمركاتأتيه ، ولكنه قد أظل زما نبي هو مبعوث بدين إبراهيم عيلان لسلام ، ~~يخرج بأرض العرب ، مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل ، به علامات لا ~~تخفى ؛ يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، بين كتفيه خاتم النبوة ، فا ~~استطعتاتلحق بتلك البلاد فافعل ، قال : ثم مات وغيب ، ومكثت بعمورية ما شاء ~~الله ان أمكث ، ثم مر بي نفر من كلب تجار فقلت لهم ، احملوني إلى أرض العرب ~~، وأعطيكم بقراتي هذه ، وغنيمتي هذه ، قالوا : نعم . وأعطيتهموها وحملوني ~~معهم ، PageV16P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني فباعوني من ~~رجل يهودي عبدا فكنت عنده ، ورأيت النخل ؛ ورجوتايكون البلد الذي وصف لي ~~صاحبي ، ولم يحق في نفسي ؛ فبينا انا عنده ؛ إذ قدم عيلان بن عم له من بني ~~قريظة من المدينة ، فابتاعني منه ، فحملني إلى المدينة ، فوالله ما هو إل ~~ان ارأيتها فعرفتها بصفة صاحبي ، فأقمت بها . وبعث رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فأقام بمكة ما أقام ، لا أسمع له بذكر مع ما انا فيه من شغل ~~الرق ، ثم ms3216 هاجر إلى المدينة ، فواللهالفي رأس عذق لسيدي أعمل له فيه بعض ~~العمل ، وسيدي جالس تحتي إذ أقبل ابن عم له ، حتى وقف عليه فقال : يا فلأن ~~، قاتل الله بن قيلة ، انهم والله الأن لمجتمعون بقباء ، على رجل قدم عليهم ~~من مكة اليوم يزعمون انه نبي ، قال : فلما سمعته أخذتني العرواء حتى ظننت ~~اني ساقط على سيدين فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لأبن عمه ذلك : ماذا تقول ؟ ~~فغضب سيدي ولكمني لكمة شديدة ، ثم قال : مالك ولهذا ؟ أقبل على عملك ، فقلت ~~لا شيء انما أردت ان أستثبته عما قال . قال سلمان : وكا عندي شيء قد جمعته ~~، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو ~~بقباء ، فدخلت عليه فقلت له : انه قد بلغني انك رجل صالح ، ومعك أصحاب لك ~~غرباء ذووا حاجة ، وهذا شيء كان عندي للصدقة ، فرأيتكم أحق به من غيركم ، ~~قال : فقربته إليه ، فقال لأصحابه : كلوا وأمسك يده فلم يأكل . قال : قلت ~~في نفسي : هذه واحدة ، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا وتحول رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إلى المدينة ، ثم جئته به ، فقلت : اني قد رأيتك لا تأكل ~~الصدقة ، وهذه هدية أكرمتك بها قال : فأكل منها وأمر أصحابه فأكلوا معه ، ~~قال : قلت في نفسي : هاتا اثنتان . قال : ثم جئت رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه ، على شملتا لي ، ~~وهو جالس في أصحابه ، فسلمت عليه ثم استدرت انظر إلى ظهره ، هل أرى الخاتم ~~الذي وصف لي ، فلما راني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) استدبرته ، عرف ~~اني أستثبت من شيء وصف لي ، فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته ~~فأكببت عيلان قبله وأبكى ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : تحول ~~فتحولت فجلست بين يديه ، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا بن عباس ، فأعجب ~~PageV16P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )ايسمع ذلك ~~أصحابه . ي وبم تأمرني ؟ قال يا بني والله ما أعلمه ms3217 بقي أحد على أمرنا فلما ~~مات وغيب لحقت بصاحب عمورية ، فأخبرته خبري ، فقال : أقم عندي ، فأقمت عند ~~خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم ، قال : واكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة ، ~~قال : ثم نزل به أمر الله ، فلما حضر قلت له : يا فلأن اني كنت مع فلأن ~~فأوصى بي إلى فلأن ، ثم أوصى بي فلأن إلى فلأن ، ثم أوصى بي فلأن إلى فلأن ~~، ثم أوصى بي فلأن إليك ، فإلى من توصي بي وبم تأمرني ؟ قال : يا بني والله ~~ما أعلمه أصبح أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمركاتأتيه ، ولكنه قد أظل ~~زما نبي هو مبعوث بدين إبراهيم عيلان لسلام ، يخرج بأرض العرب ، مهاجره إلى ~~أرض بين حرتين بينهما نخل ، به علامات لا تخفى ؛ يأكل الهدية ولا يأكل ~~الصدقة ، بين كتفيه خاتم النبوة ، فا استطعتاتلحق بتلك البلاد فافعل ، قال ~~: ثم مات وغيب ، ومكثت بعمورية ما شاء الله ان أمكث ، ثم مر بي نفر من كلب ~~تجار فقلت لهم ، احملوني إلى أرض العرب ، وأعطيكم بقراتي هذه ، وغنيمتي هذه ~~، قالوا : نعم . وأعطيتهموها وحملوني معهم ، حتى إذا بلغوا وادي القرى ~~ظلموني فباعوني من رجل يهودي عبدا فكنت عنده ، ورأيت النخل ؛ ورجوتايكون ~~البلد الذي وصف لي صاحبي ، ولم يحق في نفسي ؛ فبينا انا عنده ؛ إذ قدم ~~عيلان بن عم له من بني قريظة من المدينة ، فابتاعني منه ، فحملني إلى ~~المدينة ، فوالله ما هو إل ان ارأيتها فعرفتها بصفة صاحبي ، فأقمت بها . ~~وبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأقام بمكة ما أقام ، لا أسمع له ~~بذكر مع ما انا فيه من شغل الرق ، ثم هاجر إلى المدينة ، فواللهالفي رأس ~~عذق لسيدي أعمل له فيه بعض العمل ، وسيدي جالس تحتي إذ أقبل ابن عم له ، ~~حتى وقف عليه فقال : يا فلأن ، قاتل الله بن قيلة ، انهم والله الأن ~~لمجتمعون بقباء ، على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون انه نبي ، قال : ~~فلما سمعته أخذتني العرواء حتى ظننت اني ساقط على سيدين فنزلت عن النخلة ~~فجعلت ms3218 أقول لأبن عمه ذلك : ماذا تقول ؟ فغضب سيدي ولكمني لكمة شديدة ، ثم ~~قال : مالك ولهذا ؟ أقبل على عملك ، فقلت لا شيء انما أردت ان أستثبته عما ~~قال . قال سلمان : وكا عندي شيء قد جمعته ، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به ~~إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو بقباء ، فدخلت عليه فقلت له : ~~انه قد بلغني انك رجل صالح ، ومعك أصحاب لك غرباء ذووا حاجة ، وهذا شيء كان ~~عندي للصدقة ، فرأيتكم أحق به من غيركم ، قال : فقربته إليه ، فقال لأصحابه ~~: كلوا وأمسك يده فلم يأكل . قال : قلت في نفسي : هذه واحدة ، ثم انصرفت ~~عنه فجمعت شيئا وتحول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة ، ثم ~~جئته به ، فقلت : اني قد رأيتك لا تأكل الصدقة ، وهذه هدية أكرمتك بها قال ~~: فأكل منها وأمر أصحابه فأكلوا معه ، قال : قلت في نفسي : هاتا اثنتان . ~~قال : ثم جئت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهو ببقيع الغرقد قد تبع ~~جنازة رجل من أصحابه ، على شملتا لي ، وهو جالس في أصحابه ، فسلمت عليه ثم ~~استدرت انظر إلى ظهره ، هل أرى الخاتم الذي وصف لي ، فلما راني رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) استدبرته ، عرف اني أستثبت من شيء وصف لي ، فألقى ~~رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكببت عيلان قبله وأبكى ، فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : تحول فتحولت فجلست بين يديه ، فقصصت ~~عليه حديثي كما حدثتك يا بن عباس ، فأعجب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~)ايسمع ذلك أصحابه . ثم شغل سلما الرق حتى فاته مع رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بدر وأحد . قال سلمان : ثم قال لي رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : كاتب يا سلمان ، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له ~~بالفقير ، يعني الآبار الصغار ، وأربعين أوقية ، فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لأصحابه : أعينوا أخاكم ، فأعانوني بالنخل ؛ الرجل بثلاثين ~~ودية ، والرجل بعشرين ودية ، والرجل بخمس عشرة ودية ، فقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : اذهب ms3219 يا سلما ففقر لها فإذا فرغت فأتني ، أكن انا أضعها ~~بيدي . قال : ففقرت ، وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت جئته فأخبرته ، فخرج ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) معي إليها فجعلنا نقرب إليه الودى ، ~~ويضعه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بيده حتى إذا فرغنا فوالذي نفس ~~سلما بيده ما مات منها ودية واحدة ، فأديت النخل ، وبقى على المال ، فأتى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن ~~، فقال : ما فعل الفارسي المكاتب ؟ قال : فدعيت ، فقال : خذ هذه فأدها مما ~~عليك يا سلمان ، قال : وقلت وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي ؟ فقال : ~~خذها فا الله سيؤدي بها عنك ، وفي رواية : فأخذها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فقلبها على لسانه ثم قال : خذها فأوفهم منها . قال : فأخذتها ~~فوزنت لهم منها - والذي نفس سلما بيده - أربعين أوقية ، فأوفيتهم حقهم منها ~~وعتق سلمان . فشهدت مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الخندق حرا ثم لم ~~يفتني معه مشهد . قال محمد بن إسحاق بسند رفعه إلى عمر بن عبد العزيز ، انه ~~قال : حدثت عن سلما انه قال لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين أخبره : ~~اصاحب عمورية قال له : ائت كذا وكذا من أرض الشام ، فا بها رجلا بين غيضتين ~~يخرج في كل سنة من هذه الغيضة PageV16P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" يعترضه ذووا الأسقام ، فلا يدعو لأحد منهم إلا ~~شفى ، فاسأله عن هذا الدين الذي تبتغي ، فهو يخبرك عنه ، قال سلمان : فخرجت ~~حتى جئت حيث وصف لي ، فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك ، حتى يخرج لهم ~~تلك الليلة مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الأخرى ، فغشيه الناس بمرضاهم لا ~~يدعو لمرضي إلا شفى ، وغلبوني عليه ، فلم أخلص إيه حتى دخل الغيضة التي ~~يريدايدخل إلى منكبه ، قال : فتناولته ، فقال : من هذا ؟ والتفت إلي ، قلت ~~يرحمك الله أخبرني عن الحنيفية دين إبراهيم ، قال : انك لتسألني عن شيء ما ~~يسأل عنه الناس اليوم ، وقد أظل زما نبي يبعث بهذا الدين من ms3220 أهل الحرم ، ~~فأته ، فهو يحملك عليه ، ثم دخل . قال : فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم )اكنت صدقتني يا سلمان ، لقد لقيت عيسى ابن مريم . وقد روى حديث إسلام ~~سلما على غير هذا الوجه إلا انه غير مناف له فيما هو مختص برسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع . وأما ~~من بشر به عند مولده ( صلى الله عليه وسلم ) للقرائن التي كان يتوقع وقوعها ~~تدل على مولده ، فوقعت . فمن ذلك ما روىايهوديا قال لعبد المطلب جد رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : يا سيد البطحاء المولود الذي كنت حدثتكم عنه ~~قد ولد البارحة ، فقال عبد المطلب : لقد ولد لي البارحة غلام ، قال اليهودي ~~: ما سميته ؟ قال : سميته محمدا قال اليهودي : هذه ثلاث يشهدن علي بنبوته ؛ ~~إحداهن : انجمع طلع البارحة ، والثانية : ان اسمه محمد ، والثالثة : انه ~~يولد في صبابة قومه ، وانت يا عبد المطلب صبابتهم . ومنه ما روىاحسا بن ~~ثابت قال : والله اني لعلى أطمى فارع في السحر إذ سمعت صوتا لم أسمع قط ~~صوتا انفد منه ، وإذا هو صوت يهودي على أطم من آطام اليهود معه شعلة نار ، ~~فاجتمع الناس إليه وانكروا صراخه فقالوا : مالك ويلك PageV16P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" قال حسان : فسمعته يقول : هذا كوكب أحمر قد ~~طلع ، وهو كوكب لا يطلع إلا بالنبوة ، ولم يبق من الأنبياء إلا أحمد ، قال ~~حسان : فجعل الناس يضحكون منه ويعجبون لما أتي به ، قال : وكا أبو قيس أحد ~~بني عدي بن النجار قد ترهب ولبس المسوح ، فقيل له يا أبا قيس انظر ما قال ~~هذا اليهود قال : صدق وا انتظار أحمد هو الذي صنع به ما صنع ، ولعلي ان ~~أدركه فأومن به ، فلما بلغه ظهور النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بمكة آمن به ~~، وقدم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة وقد نالت السن من أبي قيس . ~~وقد أشرنا إلى خبر حسا هذا عند ذكرنا لمولد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) . والأخبار في هذا الباب كثيرة ، فلا ms3221 نطول بسردها . وأما من بشر به صلى ~~الله عليه بعد مولده في حال طفوليته وحداثة سنه . فمن ذلك خبر سيف بن ذي ~~يزن ، وقصته مع عبد المطلب ؛ وكا من خبره ما رواه الشيخ الإمام أبو بكر ~~أحمد بن الحسين البيهقي رحمه الله في كتابه المترجم بدلائل النبوة قال : ~~أخبرنا أبو سهل محمد بن نصرويه بن أحمد المروزي بنيسابور ، قال : حدثنا أبو ~~عبد الله محمد بن صالح المعافري ، قال : حدثنا أبو يزن الحميري إبراهيم ابن ~~عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن ، قال : ~~حدثني عمي أحمد بن حبيش بن عبد العزيز ، قال : حدثني أبي عفير ، قال : ~~حدثني أبي زرعة بن سيف بن ذي يزن ، قال : لما ظهر سيف بن ذي يزن على الحبشة ~~، وذلك بعد مولد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بسنتين أتته وفود العرب ~~وأشارفها وشعراؤها لتهنئته ، وتذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه ، ~~وأتاه وفد قريش ، منهم : عبد المطلب بن هاشم ، وأمية بن عبد شمس ، وعبد ~~الله ابن جذعان ، وأسد بن عبد العزى ، ووهب بن عبد مناف ، وقصي بن عبد ~~الدار ، فدخل عيلان ذنه وهو في قصر يقال له عمدان ، والملك مضمخ بالعبير ، ~~وعليه بردا أخضران ، مرتد بأحدهما مترز بالآخر ، سيفه بين يديه ، وعن يمينه ~~وشماله الملوك ، فأخبر بمكانهم فأذن لهم ، فدخلوا عليه ، فدتا منه عبد ~~المطلب فاستأذنه في الكلام ، فقال : اكنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد ~~أذنا لك ، فقال : الله عز وجل أحلك أيها الملك محلا رفيعا شامخا ~~PageV16P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" منيعا وانبتك نباتا طابت أرومته ، وعظمت ~~جرثومته ، وثبت أصله ، وبسق فرعه ، في أطيب موضع وأكرم معدن ؛ وانت - أبيت ~~اللعن - ملك العرب الذي عيلان لاعتماد ، ومعقلها الذي تلجأ إليه العباد ، ~~سلفك خير سلف ، وانت لنا منهم خير خلف ، فلن يهلك ذكر من انت خلفه ، ولن ~~يخمل ذكر من انت سلفه ، نحن أهل حرم الله وسدنة بيت الله ، أشخصنا إليك ~~الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا ms3222 فنحن وفد التهنئة ، لا وفد المرزئة . ~~قال له الملك : من انت أيها المتكلم ؟ فقال : انا عبد المطلب بن هاشم ، قال ~~: ابن أخينا ؟ قال : نعم ، قال : ادنه ، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال : ~~مرحبا وأهلا وأرسلها مثلأن وكا أول من تكلم بها وناقة ورحلأن ومستناخا ~~سهلأن وملكا ربحلأن يعطى عطاء جزلأن قد سمع الملك مقالتكم ، وعرف قرابتكم ، ~~وقبل وسيلتكم ، فانكم أهل الليل والنهار ، ولكم الكرامة ما أقمتم ، والحباء ~~إذا ظعنتم ، ثم انهضوا إلى دار الضيافة والوفود ، وأجريت عليهم الأنزال ، ~~فأقاموا بذلك شهرا لا يصلون إليه ، ولا يؤذن لهم في الأنصراف ، ثم انتبه ~~لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأدناه ثم قال له : يا عبد المطلب ، اني ~~مفض إليك من سر علمي أمرا لو غيرك يكون لم أبح به ، ولكني رأيتك معدته ، ~~فأطلعتك عليه ، فليكن عندك مخبأ حتى يأذن الله عز وجل فيه ؛ اني أجد في ~~الكتاب المكنون ، والعلم المحزون الذي ادخرناه لأنفسنا واحتجناه دون غيرنا ~~خبرا عظيما وخطرا جسيما فيه شرف الحياة ، وفضيلة الوفاة للناس عامة ، ~~ولرهطك كافة ، ولك خاصة ، فقال له عبد المطلب : مثلك أيها الملك سر وبر ، ~~فما هذا فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر ؟ قال : إذا ولد بتهامة ، غلام بين ~~كتفيه شامة ، كانت له الإمامة ، ولكم به الزعامة ، إلى يوم القيامة . ~~PageV16P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" قال عبد المطلب : أيها الملك ، لقد أبت بخبر ~~ما آب بمثله وافد قوم ، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه ، لسألته من ~~بشارته إياي ما أزداد به سرورا . قال له الملك : هذا حينه الذي يولد فيه أو ~~قد ولد ؛ اسمه محمد ، يموت أبوه وأمه ، ويكفله جده وعمه ، قد ولدناه مرارا ~~والله باعثه جهارا وجاعل له منا انصارا يعز بهم أولياءه ، ويذل بهم أعداءه ~~، ويضرب بهم الناس عن عرض ، ويستفتح بهم كرائم الأرض ، يعبد الرحمن ، ويدحض ~~أو يدحر الشيطان ، وتخمد النيرا وتكسر الأوثان ، قوله فصل ، وحكمه عدل ، ~~يأمر بالمعروف ويفعله ، وينهى عن المنكر ويبطله . قال له عبد المطلب : عز ~~جدك ، ودام ملكك ، وعلا كعبك ، فهل الملك سارني ms3223 بإفصاح ؟ فقد أوضح لي بعض ~~الإيضاح ، قال له سيف ابن ذي يزن : والبيت ذي الحجب ، والعلامات على النصب ~~، انك لجده يا عبد المطلب غير كذب ، قال . فخر عبد المطلب ساجدا فقال له ~~سيف ارفع رأسك ، ثلج صدرك ، وعلا كعبك ، فهل أحسست بشيء مما ذكرت ؟ قال : ~~نعم أيها الملك ، انه كان لي ابن وكنت به معجبا وعليه رفيقا واني زوجته ~~كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف ، فجاءت بغلام وسميته محمدا ~~مات أبوه وأمه ، وكفلته انا وعمه . قال له ابن ذي يزن : الذي قلت لك كما ~~قلت ، فاحتفظ بابنك واحذر عيلان ليهود ، فانهم أعداء ، ولن يجعل الله لهم ~~عليه سبيلأن واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك ، فاني لست ~~آمناتداخلهم النفاسة ، مناتكون لكم الرياسة ، فيصبون له الحبائل ، ويبغون ~~له الغوائل ، وهم فاعلون ذلك أو أبناؤهم من غير شك ، ولولا اني أعلم الموت ~~مجتاحي قبل مبعثه ، لسرت بخيلي ورجلي حتى أجيء يثرب دار ملكه ، فاني أجد في ~~الكتاب الناطق ، والعلم السابق ، ابيثرب استحكام أمره ، وأهل نصرته ، وموضع ~~قبره ، ولولا اني أقيه الآفات ، وأحذر عيلان لعاهات ، لأعليت على - حداثه ~~PageV16P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" سنه - أمره ، ولأوطات على أسنا العرب كعبه ، ~~ولكن سأصرف ذلك إليك من غير تقصير بمن معك ، ثم دعا بالقوم ، وأمر لكل رجل ~~منهم بعشرة أعبد سود ، وعشر إماء سود ، وحلتين من حلل البرود ، وخمسة أرطال ~~ذهب ، وعشرة أرطال فضة ، ومائة من الإبل ، وكرش مملوء عنبرا ولعبد المطلب ~~بعشرة أضعاف ذلك ، وقال له : إذا حال الحول فأتني بخبره ، قال : فمات سيف ~~بن ذي يزن قبلايحول عيلان لحول ، وكا عبد المطلب كثيرا ما يقول : يا معشر ~~قريش ، لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك ، وا كثر ، فانه إلى نفاد ، ~~ولكن يغبطني بما يبقي لي ولعقبي ذكره وفخره ، فإذا قيل وما هو ؟ قال : ~~سيعلم ما أقول ولو بعد حين . قال البيهقي وقد روى هذا الحديث أيضا عن ~~الكلبي أي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما . ومن ذلك رؤيا ms3224 رقيقة بنت أبي ~~صيفي وقصة استسقاء عبد المطلب بن هاشم وكا من خبرها ما رواه أبو بكر أحمد ~~بن الحسين البيهقي رحمه الله بسند عن مخرمة بن نوفل عن أمه رقيقة بنت أبي ~~صيفي بن هاشم ، وكانت لدة عبد المطلب ، قالت : تتابعت على قريش سنون أقحلت ~~الضرع ، وأرقت العظم ، قالت : فبينما انا نائمة اللهم أو مهمومة إذا هاتف ~~يصرخ بصوت صحل صيت يقول : معشر قريش ، اهذا النبي المبعوث منكم قد أظلكم ~~أيامه ، وهذا إبا نجومه ، وفي رواية عنها : مبعوث منكم ، وهذا إبا مخرجه ~~فجيهلا بالخير والخصب ، وفي رواية بالحيا والخصب ، ألا فانظروا رجلا منكم ~~وسيطا عظما جساما أبيض بضا أوطف الأهداب ، سهل الخدين ، أشم العرنين ، له ~~فخر يكظم عليه ، وسنة تهدى إليه ، ألا فليخلص هو PageV16P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" وولده وليهبط إليه من كل بطن رجل فليشنوا من ~~الماء ، وليمسوا من الطيب ، ثم ليستلموا الركن . وفي رواية وليطوفوا بالبيت ~~سبعا ثم ليرتقوا أبا قبيس فليستسق الرجل ، وليؤمن القوم ألا وفيهم الطاهر ~~والطيب لذاته ، ألا بعثتم شئتم وعشتم ، قالت : فأصبحت - عليم الله - مذعورة ~~قد اقشعر جلدي ، ووله عقلي ، واقتصصت رؤياي ، فوالحرمة والحرم ما بقي أبطحى ~~إلا قال : هذا شيبة الحمد ، هذا شيبة ، وتتامت إليه رجالا قريش ، وهبط إليه ~~من كل بطن رجل ، فشنوا وطيبوا واستلموا وطافوا ثم ارتقوا أبا قبس ، وطفقوا ~~جنابيه ما يبلغ سعيهم مهلة ، حتى إذا استوى بذروة الجبل ، قام عبد المطلب ~~ومعه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) غلام قد أيقع أو كرب ، فقال عبد ~~المطلب : اللهم ساد الحلة ، وكاشف الكربة ، انت معلم ، وفي رواية عالم غير ~~معلم ومسؤول غير مبخل ، وهذه عبداؤك وإماؤك عذرات حرمك يشكون إليك سنتهم ~~أذهبت الخف والظلف ، اللهم فأمطرن غيثا مغدقا مريعا ؛ فوالكعبة ما راموا ~~حتى تفجرت السماء بمائها واكتض الوادي بتجيجه ، فسمعت شيخا قريش وجلتها : ~~عبد الله بن جذعان ، وحرب ابن أمية ، وهشام بن المغيرة ، يقولون لعبد ~~المطلب : هنيئا لك أبا البطحاء أي عاش بك أهل البطحاء ، وفي ذلك تقول رقيقة ~~: بشيبة الحمد ms3225 أسقى الله بلدتنا . . . لما فقدنا الحيا واجلود المطر فجاد ~~بالماء جوني له سيل . . . دا فعاشت به الأنعام والشجر منا من الله بالميمون ~~طائره . . . وخير من بشرت يوما به مضر مبارك الأمر يستسقى الغمام به . . . ~~ما في الأنام له عدل ولا خطر وأما من بشر به ( صلى الله عليه وسلم ) قبيل ~~مبعثه ، فمن ذلك خبر اليهودي الذي هو من بني عبد الأشهل . وكا من خبره ما ~~رواه أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بسنده عن سلمة بن PageV16P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" سلامة بن وقش ، قال : كان بين أبياتنا يهودي ~~، فخرج على نادي قومه بني عبد الأشهل ذات غداة ، فذكر البعث والقيامة ~~والجنة والنار والحساب والميزان ، فقال ذلك لأصحاب وثن لا يرونابعثا كائن ~~بعد الموت ، وذلك قبل مبعث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقالوا : ويحك ~~يا فلأن ، وهذا كائن ؟ الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار ، ~~يجزون من أعمالهم ؟ قال : نعم ، والذي يحلف به ، لوددتاحظي من تلك ~~الناراتوقدوا أعظم تنور في داركم فتحمونه ، ثم تقذفونني فيه ، ثم تطبقوا ~~علي ، واني انجو من النار غدا فقيل له يا فلأن ، فما علامة ذلك ؟ قال : نبي ~~يبعث من ناحية هذه البلاد ، وأشار بيده نحو مكة واليمن . قالوا : فمتى تراه ~~؟ فرمى بطرفه ، فراني وانا مضطجع بفناء باب أهلي ، وانا أحدث القوم فقال : ~~ايستنفد هذا الغلام عمره يدركه فما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وا لحي بين أظهرهم فآمنا به وصدقناه ، وكفر به بغيا ~~وحسدا فقلنا له : يا فلأن ، ألست الذي قلت ما قلت وأخبرتنا ؟ فقال : بلى . ~~ولكن لا أومن به . ومن خبر إسلام أسيد وثعلبة ابني سعية وراشد بن عبيد . ~~روى البيهقي رحمه الله عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن شيخ من بني قريظة ، ~~قال : هل تدرون عم كان إسلام أسيد وثعلبة ابني سعية ، وأسد بن عبيد ، نفر ~~من بني هدل لم يكونوا من بني قريظة ، ولا النضير ، كانوا فوق ذلك ؟ فقلت : ~~لا . قال : فانه قدم علينا رجل ms3226 من الشام من يهود يقال ابن الهيبان ، وكنيته ~~أبو عمير ، كذا ذكره الواقدي ، فأقام عندنا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلى ~~الخمس خيرا منه ، فقدم علينا قبل مبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بسنتين ، فكنا إذا أقحطنا وقل علينا المطر نقول : يا بن الهيبان ، اخرج ~~فاستسقى لنا فيقول : لا والله ، حتى تقدموا أمام مخرجكم صدقة ؛ فتقول : كم ~~؟ فيقول : صاع من تمر أو مدين من شعير فنخرجه ، ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا ~~ونحن معه ، فيستسقي ، فوالله ما يقوم من مجلسه حتى يمر السحاب ؛ قد فعل ذلك ~~غير مرة ولا مرتين ، ولا ثلاثة ، فحضرته الوفاة ، واجتمعنا إليه ، فقال : ~~يا معشر يهود ، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع ~~؟ قالوا : انت أعلم ، قال : انه انما أخرجني اني أتوقع خروج نبي قد أظل ~~زمانه ، PageV16P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" هذه البلاد مهاجره ، وكنت أرجوايبعث فأتبعه ، ~~وقد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه إذا خرج يا معشر يهود ، فانه يبعث بسفك ~~الدماء ، وسبي الذراري والنساء ممن خالفه ، فلا يمنعكم ذلك منه . ثم مات ؛ ~~فلما كانت الليلة التي فتحت فيها قريظة قال أولئك الثلاثة الفتية ، وكانوا ~~شبابا أحداثا : يا معشر يهود : والله انه للنبي الذي ذكر لكم ابن الهيبان ، ~~فقالوا : ما هو به ، قالوا : بلى والله انها لصفته ، ثم نزلوا فأسلموا ~~وخلوا أموالهم وأولادهم وأهاليهم ؛ فلما فتح رسول الله الحصن رد ذلك عليهم ~~. ومنه ما روىاعبد الله بن مسعود كان يحدث عن أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنهما قال : خرجت إلى اليمن في تجارة قبلايبعث النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) ، فنزلت على شيخ من الأزد عالم ، قد قرأ الكتب وحوى علما كثيرا وأتى عليه ~~من السن ثلاثمائة وتسعون سنة ، فلما تأملني قال : أحسبك تيميا فقلت : نعم ، ~~انا من تيم ابن مرة ؛ انا عبد الله بن عثما بن عامر وبن عمرو بن كعب بن سعد ~~بن تيم بن مرة ، قال : بقيت لي فيك واحدة ، قلت : ما هي ؟ قال : اكشف لي عن ~~بطنك ، قلت : لا ms3227 أفعل أو تخبرني لم ذلك ، فقال : اني لأجد في العلم الصحيح ~~الصادقانبيا يبعث بالحرم يعاونه على أمره فتى وكهل ، فأما الفتى فخواض ~~غمرات ، وكشاف معضلات ، وأما الكهل فأبيض نحيف ، على بطنه شامة ، وعلى فخذه ~~اليسرى علامة ، ولا عليكاتريني ما خفى علي ؛ قال أبو بكر رضي الله عنه : ~~فكشفت له عن بطني ، فرأى شامة سوداء فوق سرتي ، فقال : هو انت ورب الكعبة ، ~~واني متقدم إليك في أمر فاحذره ، قلت : وما هو ؟ قال إياك والميل عن الهدى ~~وتمسك بالطريقة المثلى ، وخف الله عز وجل فيما أعطاك وخولك . قال أبو بكر ~~رضي الله عنه : فقضيت باليمن أربي ، ثم أتيت الشيخ لأودعه ، فقال : أحامل ~~انت مني انباء إلى ذلك النبي ؟ قلت : نعم ، فانشأ يقول : ألم تر اني قد ~~سئمت معاشري . . . ونفسي وقد أصبحت في الحي راهنا حييت وفي الأيام للمرء ~~عبرة . . . ثلاث مئين ثم تسعين آمنا PageV16P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" وصاحبت أحبارا اناروا بعلمهم . . . غياهب جهل ~~ما ترى فهي طابنا وكم راهب فوق عنشبيل قائم . . . لقيت وما غادرت في البحث ~~كاهنا وكلهم لما تعطشت قال لي . . . با نبيا سوف تلقاه دائنا بمكة والأوثا ~~فيها عزيزة . . . فيركسها حتى تراها كوامنا فما زلت أدعو الله في كل حاضر . ~~. . حللت به سرا وجهرا معالنا وقد خمدت مني شرارة قوتي . . . وألفيت شيخا ~~لا أطيق الشواجنا وانت ورب البيت تلقى محمدا . . . بعامك هذا قد أقام ~~البراهنا فحي رسول الله عني فانني . . . على دينه أحيا وا كنت واهنا ~~فياليتني أدركته في شبيبتي . . . فكنت له عبدا وإلا العجاهنا عليه سلام ~~الله ما ذر شارق . . . تألق هنافا من النور هافنا قال أبو بكر رضي الله عنه ~~: فحفظت وصيته وشعره وقدمت مكة ، فجاءني شيبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ~~، وأبو البختري ، وعقبة بن أبي معيط ، ورجالات قريش مسلمين علي ، فقلت : هل ~~حدث أمر ؟ فقالوا : حدث أمر عظيم ؛ هذا محمد بن عبد الله يزعم انه نبي ~~أرسله الله إلى الناس ، ولولا انت ما انتظرنا به ، فإذ جئت فانت البغية ~~والنهية ، قال : فأظهرت لهم تعجبا ms3228 وصرفتهم على أحسن شيء ، وذهبت أسأل عن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقيل لي : هو في منزل خديجة ، فقرعت ~~الباب عليه فخرج إلي فقلت : يا محمد ، فقدت من نادي قومك فاتهموك بالغيبة ~~وتركت دين آبائك ، فقال يا أبا بكر ، اني رسول الله إليك وإلى الناس كلهم ~~فآمن بالله ، فقلت وما آيتك ؟ قال : الشيخ الذي لقيته باليمن ، قلت : وكم ~~من شيخ قد لقيت ، وبعت منه واشتريت ، وأخذت وأعطيت ؟ ؟ قال : الشيخ الذي ~~أخبرك عني ، وأفادك الأبيات ، قلت : من أخبرك بهذا يا PageV16P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" حبيبي ؟ قال : الملك العظيم الذي كان يأتي ~~الأنبياء قبلي ، فقلت : أشهدالا إله إلا الله وانك رسول الله . قال أبو بكر ~~رضي الله عنه : فانصرفت وما أحد أشد سرورا من رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بإسلامي . وأما من ذكر صفة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد ~~بمعثه ورؤيته له ، وذكر قومه بها وحقق عندهم انه هو ، لما كان يجد عنده من ~~العلم بصفته ( صلى الله عليه وسلم ) . فمن ذلك ما روىاصفية بنت حي بن أخطب ~~قالت : كنت أحب الناس إلى أبي ، وكا عمي أشد حبا لي ، فأتيا النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بقباء ، ثم رجعا من عنده ثقيلين لا يلتفتا نحوي ، ولا ~~ينظرا إلي ، فسمعت عمي يقول لأبي : هل تعرفه ؟ قال : نعم . قال فماذا عندك ~~فيه ؟ قال : عداوته إلى آخر الدهر ، قال عمي لأبي : انشدك اللهاتطيعني يأخى ~~في هذا ثم اعصني فيما سواه ، هلم نتبعه ، فقال أبي : لا ؛ والله لا أراك له ~~عدوا فقال عمي : انك تهلكنا وتهلك نفسك ، اهذا نبي السيف ، وجعل عمي يكلمه ~~وهو يأبى إلا كلامه الأول ، قالت صفية : فلما كان الليل ، وجدت نسوة من بني ~~النضير جالسات يقلن : والله ما أحسن حي ابن أخطب بخلاف أخيه ، انا ~~لنعلماهذا نبي مذور في الكتب ، وقالت عجوز منهن : سمعت أبي يقول لإخوتي : ~~انبيا من العرب يقال له أحمد ، مولده بمكة ، ودار هجرته يثرب ، وهو خير ~~الأنبياء ، فا خرج وأنتم أحياء ، فاتبعوه ؛ قالت صفية : وإذا هن ms3229 كلهن يزرين ~~على أبي ، ويتعتبن عليه فعله . ومنه ما قاله كعب بن عمرو لبني قريظة عند ~~حصارهم . وسنذكر ذلكاشاء الله في الغزوات ، وقد تقدم خبر بحيرا ونسطور ، ~~فلا فائدة في إادته هنا . وأما من أظهر صحفا كانت عنده فيها صريح ذكره ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فمن ذلك ما روىارجلا أتى النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بورقة ورثها عن أبيه عن جده ، وذكراسلفه كانوا يتوارثونها على وجه ~~الدهر ، فإذا فيها : اسم الله وقوله الحق ، وقول الظالمين في تبار ، هذا ~~ذكر لأمة تأتي في آخر الزمان ، يأتزرون على أوساطهم ، ويغسلون أطرافهم ، ~~ويخوضون البحر إلى أعدائهم ، فيهم صلاة لو كانت في قوم نوح ما هلكوا في ~~الطوفان ؛ أو في ثمود ما أهلكوا بالصيحة ، قال : فقرئت الورقة على الناس ، ~~وأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بحفظها . ومنه ما روىاعلي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه نزل بالبليح إلى جانب دير ، PageV16P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" فأتاه قيم الدير فقال يا أمير المؤمنين : اني ~~ورثت عن آبائي كتابا قديما كتبه أصحاب المسيح عيلان لسلام ؛ فا شئت قرأته ~~عليك ؛ قال : نعم ، هات كتابك ؛ فجاء بكتاب فإذا فيه : الحمد لله الذي قضى ~~ما قضى ؛ وسطر ما سطر ، انه باعث في الأميين رسولا يعلمهم الكتاب والحكمة ، ~~ويدلهم على سبيل الجنة ، لا فظ ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزي ~~بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، أمته الحمادون لله في كل هبوط ونشر ~~وصعود ، تذلل ألسنتهم بالتكبير والتهليل ، ينصر دينهم على كل من ناوأه . ~~ومنه ما روى ان أبا ذؤيب الزاهد قال : دخلت في سياحتي ديرا فقلت للراهب ~~القيم عليه : أعندك فائدة ؟ قال : نعم . لك يا عربي ، قلت : هاتها قال : ~~فأخرج لي ورقة فيها أربعة أسطر ، فذكر انها من الكتب المنزلة ؛ ففي السطر ~~الأول منها : يقول الجبار تبارك وتعالى : انا الله لا إله إلا انا وحدي لا ~~شريك لي ؛ والسطر الثاني : محمد المختار عبدي ورسولي ؛ والسطر الثالث : ~~أمته الحمادون ، أمته الحمادون ، أمته الحمادون ، والسطر الرابع : رعاة ~~الشمس ، رعاة الشمس ، رعاة ms3230 الشمس . وأما من أظهر تمثال صورته ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وصور بعض أصحابه رضي الله عنهم ، وذلك مصور عندهم في بيوت في ~~بيعهم . فمن ذلك ما روى عن دحية بن خليفة الكلبي رسول رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إلى قيصر انه قال : لقيت قيصر بكتاب رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وهو بدمشق ، فأدخلت عليه خاليا فناولته الكتاب فقبل خاتمه وفضه ~~وقرأه ، ثم وضعه على وسادة أمامه ، ثم دعا بطارقته وزعماء دينه فقام فيهم ~~على وسائد بنيت له ، ثم خطبهم فقال : هذا كتاب النبي الذي بشر به عيسى ~~المسيح ، وأخبر انه من ولد إسماعيل ، قال : فنخروا نخرة عظيمة ، وحاصوا ~~فأومى إليهم بيده ان اسكتوا ثم قال : انما جربتكم لأرى غضبكم لدينكم ، ~~ونصركم له ، وصرفهم ، ثم استدعاني من الغد فأخلأني ، وانسني بحديثه ، ~~وأدخلني بيتا عظيما فيه ثلاثمائة وثلاثة عشر صورة ، فإذا هي صور الأنبياء ~~المرسلين صلى الله عليهم وسلم فقال : PageV16P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" انظر من صاحبك من هؤلاء ، فنظرت فإذا صورة ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كانما ينطق ، فقلت : هو هذا فقال : صدقت ، ثم ~~أراني صورة عن يمينه فقال : من هذا ؟ قلت : هذه صورة رجل من قومه اسمه أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه ، فاشار إلى صورة أخرى عن يسارة ، فقلت : هذه صورة ~~رجل من قومه يقال له عمر رضي الله عنه ، فقال : انا نجد في الكتابابصاحبيه ~~هذين يتم الله أمره . قال دحية : فلما قدمت على النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) أخبرته ، قال : صدق : بأبي بكر وعمر يتم الله هذا الأمر بعدي . والله ~~الموفق . ومنه ما روى عن حكيم بن حزام قال : دخلت الشام للتجارة قبل ان ~~أسلم ، ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمكة ، فأرسل قيصر إلينا فجئناه ~~ومعنا أمية بن أبي الصلت الثقفي ، فقال : من أي العرب أنتم ؟ وما قرابتكم ~~من هذا الرجل الذي يزعم انه نبي ؟ فقال حكيم : فقلت انا ابن عمه ، يجمعني ~~وإياه الآب الخامس ، فقال : هل أنتم صادقي فيما أريكموه وأسألكم عنه ؟ قلنا ~~: نعم ، نصدقك ms3231 أيها الملك ، فقال : أنتم ممن اتبعه أو ممن رد عليه ؟ قلنا : ~~ممن رد عليه ما جاء به وعاداه ، ولكنا نصدقك مع هذا قال : احلفوا لي ~~بآلهتكم لتصدقنني في جميع ما أسألكم عنه وأعرضه عليكم ، فحلفنا له وأعطيناه ~~من المواثيق ما أرضاه ، فسألنا عن اشياء مما جاء به رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فأخبرناه بها ثم نهض واستنهضنا معه ، فأتى كنيسة في قصره ، ~~فأمر بفتحها ودخل ونحن معه ، وجاء إلى ستر وأمر بكشفه فإذا صورة رجل ، قال ~~: أتعرفون من هذه صورته ؟ قلنا : لا . قال : هذه صورة آدم ، ثم تتبع أبوابا ~~يفتحها ويكشف عن صور الأنبياء واحدا بعد واحد ، ويقول : هذا صاحبكم ؟ فنقول ~~: لا . حتى فتح بابا وكشف لنا سترا عن صورة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فقال : أتعرفون هذا ؟ قلنا : نعم ، هذه صورة صاحبنا فقال : أتدرون منذ كم ~~صورت ؟ قلنا : لا . قال : منذ أكثر من ألف سنة ، فا صاحبكم نبي مرسل ~~فاتبعوه ، ولوددت اني عنده فأشرب ما يغسل من قدميه . وقد ورد في الصحيحين ~~خبر قيصر مع أبي سفيا لما سأله عن رسول PageV16P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وسيأتي ~~ذكرهاشاء الله تعالى . ومنه ما روى عن جبير بن مطعم انه قال : لما بعث الله ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : خرجت تاجرا إلى الشام ، فأرسل إلى عظيم ~~الأساقفة فأتيته فقال : هل تعرف هذا الرجل الذي ظهر بمكة ، يزعم انه نبي ؟ ~~قال : فقلت هو ابن عمي ، فأخذ بيدي وأدخلني بيتا فيه تماثيل وقال : انظر ~~ترى صورته ههنا ؟ فنظرت فلم أر شيئا فأخرجني من ذلك البيت ، وأدخلني بيتا ~~أكبر منه فيه مثلها وقال : انظر هل تراه ههنا فنظرت فإذا صورة النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وإذا صورة أبي بكر وهو آخذ بعقب النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وإذا صورة عمر وهو آخذ بعقب أبي بكر ، فقال : هل رأيته ؟ فقلت : ~~نعم هوذا قال : أتعرف الذي أخذ بعقبه ؟ قلت : نعم ، هو ابن أبي قحافة ، قال ~~: وهل تعرف الذي هو آخذ بعقبه ؟ قلت ms3232 نعم ، هذا عمر بن الخطاب ابن عمنا فقال ~~: أشهد انه رسول الله ، وا هذا هو الخليفة من بعده ، وا هذا هو الخليفة من ~~بعد هذا . وهذا باب متسع لو استقصيناه لطال ، ولو سطرنا ما وقفنا عليه منه ~~لأنبسطت هذه السيرة ، وخرجت عن حد الاختصار ، وفيما أوردناه كفاية . فلنذكر ~~بشائر كها العرب والله أعلم . وأما من بشر به ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~كها العرب فقد قدمنا في الباب الثالث من القسم الثاني من الفن الثاني من ~~كتابنا هذا أخبار الكهنة ، وذكرنا طرفا من إخبارهم برسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، مما نستثنيه في هذا الموضع ، ونذكر ما عداه ، ولا يشترط ~~الاستيعاب لتعذره ، ولا إثبات جميع ما وقفنا عيلان يضا من ذلك لأنه يوجب ~~البسط والإطالة ، بل نذكر من ذلك ما نقفاشاء الله تعالى عليه مما فيه ~~الكفاية ، وا كانت نبوة نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) أظهر وأشهر وأقطع ~~منايحتاج فيها إلى ذكر ما ذكرناه ، وما نذكره ، وانما نورد ما أوردناه ليقف ~~عليه من لم يتتبع أحواله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولا طالع سيره ، وليعلم ~~ان امره ( صلى الله عليه وسلم ) لم يفجا الناس ، بل جاءهم على بينة ~~واستبصار ، وآثار وأخبار ، ومعجزات ظهرت ، نذكرها بعداشاء الله تعالى . فمن ~~بشائر الكها رؤيا ربيعة بن نصر وتأويل سطيح وشق لها . قال محمد بن إسحاق بن ~~يسار المطلبي : كان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التتابعة ، فرأى ~~رؤيا هالته وفظع بها فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا PageV16P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه ~~، فقال لهم : اني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بها وبتأويلها ~~قالوا له : اقصصها علينا نخبرك بتأويلها قال : اني ان أخبرتكم بها لم أطمئن ~~إلى خبركم عن تأويلها فانه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل ان أخبره بها ~~فقال له رجل منهم : فا كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق ، فانه ليس ~~أحد أعلم منهما فانهما يخبرانه بما سأل عنه ms3233 . قال ابن هشام : واسم سطيح : ~~ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب ابن عدي بن مازن بن غسان . وشق بن ~~صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قيس ابن عبقر بن انمار بن نزار . قال ابن ~~إسحاق : فبعث إليهما فقدم عليه سطيح قبل شق ، فقال له : اني رأيت رؤيا ~~هالتني وفظعت بها فأخبرني بها فانكاقضيتها أصبت تأويلها قال : افعل ؛ رأيت ~~حممة ، خرجت من ظلمة ، فوقعت بأرض تهمة ، فأكلت منها كل ذات جمجمة ؛ فقال ~~له الملك : ما أخطأت منها شيئا يا سطيح ، فما عندك في تأويلها ؟ قال : أحلف ~~بما بين الحرتين من حنش ، لتهبطن أرضكم الحبش ، فليملكن ما بين أبين إلى ~~جرش ، فقال الملك : وأبيك يا سطيحاهذا لنا لغائظ موجع ، فمتى هو كائن ، أفي ~~زماني أم بعده ؟ قال : لا . بل بعده بحين ، أكثر من ستين أو سبعين ، يمضين ~~من السنين ، قال : افيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع ؟ قال : لا . بل ينقطع ~~لبضع وسبعين من السنين ، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين ، قال : ومن يلي ~~ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟ قال : يليه إرم ذي يزن ، يخرج عليهم من عدن ، فلا ~~يترك منهم أحدا PageV16P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" باليمن ، قال : أفيدوم ذلم من سلطانه أم ~~ينقطع ؟ قال : بل ينقطع ، قال : ومن يقطعه ؟ قال : نبي زكى ، يأتيه الوحي ~~من قبل اعلي ، قال : وممن هنا النبي ؟ قال : رجل من ولد غالب بن فهر بن ~~مالك بن النضر ، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر ، قال : وهل للدهر من ~~آخر ؟ قال : نعم ، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ، يسعد فيه المحسنون ، ~~ويشقى فيه المسيئون ، قال : أحق ما تخبرني ؟ قال : نعم ، والشفق والغسق ، ~~والفلق إذا اتسق ؛ اما انبأتك به لحق . ثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح ~~، وكتمه ما قال سطيح ، لينظر أيتفقا أم يختلفا ؟ فقال : نعم ، رأيت حممة ، ~~خرجت من ظلمة ، فوقعت بين روضة وأكمة ، فأكلت منها كل ذات نسمة . فلما قال ~~ذلك عرف انهما قد اتفقا وا قولهما واحد ، فقال له الملك : ما أخطأت ياشق ms3234 ~~منها شيئا فما عندك في تأويلها ؟ فقال : أحلف بما بين الحرتين من انسان ، ~~لينزلن أرضكم السودان ، فليغلبن على كل طفلة البنان ، وليملكن ما بين أبين ~~إلى نجران ، فقال له الملك : وأبيك ياشق ، اهذا لنا لغائظ موجع ، فمتى هو ~~كائن أفي زماني أم بعده ؟ قال : لا . بل بعده بزمان . ثم يستنقذكم منهم ~~عظيم ذو شان ، ويذيقهم أشد الهوان ، قال : ومن هذا العظيم الشا ؟ قال : ~~غلام ليس بدني ولا مدن يخرج عليهم من بيت ذي يزن ، قال : أفيدوم سلطانه أم ~~ينقطع ؟ قال : بل ينقطع برسول مرسل ، يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين ~~والفضل ، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصفل ، قال : وما يوم الفصل ؟ قال : ~~يوم تجزي فيه الولاة ، يدعى فيه من السماء بدعوات ، يسمع فيها الأحياء ~~والأموات ، ويجمع فيها الناس للميقات ، يكون فيه لمن اتقي الفوز والخيرات ، ~~قال : أحق ما تقول ؟ قال : إي ورب السماء والأرض ، وما بينهما من رفع وخفض ~~، اما انبأتك به لحق ما فيه أمض ، قال : فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالأن ~~فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم ، وكتب إلى ملك من ملوك فارس ~~يقال له سابور ، فأسكنهم في الحيرة ، فمن بقية ولد ربيعة بن نصر النعمان ~~المنذر . PageV16P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" ومن ذلك ما روىامرثد بن عبد كلال ففل من غزاة ~~غزاها بغنائم عظيمة ، فوفد عليه زعماء العرب وشعراؤها وخطباؤها يهنونه ؛ ~~فرفع الحجاب عن الوافدين ، فأوسعهم عطاء ، واشتد سروره بتقريظ الخطباء ~~والشعراء ، فبينا هو على ذلك أرى في المنام رؤيا أخافته وذعرته وهالته في ~~حال منامه ، فلما انتبه انسيها حتى ما تذكر منها شيئا وثبت ارتياعه في نفسه ~~لها فانقلب سروره حزنا فاحتجب عن الوفود حتى أساءوا الظن به ، ثم حشد ~~الكهان ، فجعل يخلو بكاهن كاهن ثم يقول : أخبرني عما أريد ان أسألك ، ~~فيجيبه الكاهن با لا علم عندي ، حتى لم يدع كاهنا علمه ، فتضاعف قلقه ، ~~فقالت له أمه ، وكانت قد تكهنت : أبيت اللعن الكواهن أهدى إلى ما تسأل عنه ~~، لأن أتباع الكواهن من ms3235 الجن ألطف من أتباع الكهان ، فأمر بحشر الكواهن ~~إليه ، وسألهن كما سأل الكها فلم يجد عند واحدة منهن علم ما أراد علمه ، ~~فلما يئس من طلبته سلا عنها ؛ ثم انه بعد ذلك ذهب يتصيد فأوغل في الصيد ، ~~وانفرد عن أصحابه ، فرفعت له أبيات في ذرى جبل وقد لفحه الهجير ، فعدل إلى ~~الأبيات ، وقصد منها بيتا منها كان منفردا عنها فبرزت إليه منه عجوز فقالت ~~: انزل بالرحب والسعة ، والأمن والدعة ، والجفنة المدعدعة ، والعلبة ~~المترعة ، فنزل عن جواده ودخل البيت ، فلما احتجب عن الشمس وخفقت عيلان ~~لأرواح نام فلم يستيقظ حتى تصرم الهجير ، فجلس يمسح عينيه فإذا بين يديه ~~فتاة لم ير مثلها جمالا وقواما فقالت له : أبيت اللعن أيها الملك الهمام هل ~~لك في الطعام ؟ فاشتد إشفاقه ، وخاف على نفسه لما رأى انها قد عرفته ، ~~وتصامم عن كلمتها فقالت له : لا حذر ، فداك البشر ، فجدك الأكبر ، وحظنا بك ~~الأوفر ، ثم قربت إليه ثريدا وقديدا وحيسا وقامت تذب عنه حتى انتهى أكله ثم ~~سقته لبنا صريفا وضريبا فشرب ما شاء ، وجعل يتأملها مقبلة ومدبرة فملأت ~~عينيه حسنا وقلبه هوى ، ثم قال لها : ما اسمك يا جارية ؟ قالت : اسمي ~~عفيراء ، قال لها : من الذي دعوته الملك الهمام ؟ قالت : مرثد العظيم الشان ~~، الحاشر الكواهن والكهان ، لمعضله يعل بها الجان ، قال يا عفيراء : ~~أتعلمين ما تلك المعضلة ؟ قالت : أجل أيها الملك الهمام ، انها رؤيا منام ، ~~ليست بأضغاث أحلام ، قال : أصبت يا PageV16P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" عفيراء ، فما تلك الرؤيا ؟ قالت : رأيت ~~أعاصير زوابع ، بعضها لبعض تابع ، فيها لهب لامع ، ولها دخا ساطع ، يقفوها ~~نهر متدافع ، وسمعت فيما انت سامع ، دعاء ذي جرس صادع : هلموا إلى المشارع ~~، هلموا إلى المشارع ، روى جارع ، وغرق كارع . قال الملك : أجل هذه رؤياي ~~فما تأويلها يا عفيراء ؟ قالت : الأعاصير الزوابع ، ملوك تبابع ، والنهر ~~علم واسع ، والداعي نبي شافع ، والجارع ولي له تابع ، والكارع عدو له منازع ~~. قال : يا عفيراء أسلم هذا النبي أم حرب ؟ قالت : أقسم برافع السماء ، ~~ومنزل الماء من ms3236 العماء ، انه لمبطل الدماء ، ومنطق العقائل نطق الإماء . ~~قال الملك : إلام يدعو يا عفيراء ؟ قالت : إلى صلاة وصيام ، وصلة أرحام ، ~~وكسر أصنام ، وتعطيل أزلام ، واجتناب آثام . قال الملك : يا عفيراء ، من ~~قومه ؟ قالت : مضر بن نزار ، ولهم منه نقع مثار ، يتجلى عن ذبح وإسار ، قال ~~: يا عفيراء : إذا ذبح قومه فمن أعضاده ؟ قالت : أعضاده غطاريف يمانون ، ~~طائرهم به ميمون ، يعزبهم فيعزون ، ويدمث بهم الحزون ، فإلى نصره يعتزون ، ~~فأطرق الملك يؤامر نفسه في خطبتها فقالت : أبيت اللعن اتابعي غيور ، ولأمري ~~صبور ، وناكحي مقبور ، والكلف بي ثبور . فنهض الملك مبادرا فجال في صهوة ~~جواده ، وانطلق فبعث إليها بمائة ناقة كوماء . ويشبه ما ذكرناه رؤيا ~~الموبذا وقد تقدمت في أخبار الكهان . ومن ذلك ما روى عن لهيب بن مالك ~~اللهبي انه قال : حصرت عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فذكرت ~~الكهانة فقلت : بأبي انت وأمي يا رسول الله نحن أول من عرف حراسة السماء ~~وزجر الشياطين ، ومنعهم من استراق السمع عند القذف بالنجوم ؛ وذلك ~~PageV16P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" انا اجتمعنا إلى كاهن لنا يقال له خططر بن ~~مالك ، وكا شيخا كبيرا قد أتت عليه مائة سنة وثمانون سنة ، وكا أعلم كهاننا ~~فقلنا له : يا خطر ، هل عندك علم من هذه النجوم التي يرمى بها ؟ فانا قد ~~فزعنا لها وقد خفنا سوء عاقبتها فقال : ائتوني بسحر ، أخبركم الخبر ، بخير ~~أم ضرر . وأمن أم حذر ؛ قال : فانصرفنا عنه يومنا فلما كان من غد في وجه ~~السحر أتيناه ، فإذا هو قائم على قدميه شاخص إلى السماء بعينيه . فناديناه ~~يا خطر ، فأومأ إلين ان اامسكوا فأمسكا فانقض نجم من السماء عظيم ، فصرخ ~~الكاهن : أصابه إصابه ، خامره عقابه ، عاجله عذابه ، أحرقه شهابه ، زايله ~~جوابه ، يا ويله ما حاله ، بلبله بلباله ، عاوده خباله ، تقطعت حباله ، ~~وغيرت أحواله ؛ ثم أمسك طويلأن ثم قال : يا معشر بني قحطان ، أخبركم بالحق ~~والبيان ، أقسمت بالكعبة ذات الأركان ، والبلد المؤتمن السكان . قد منع ~~السمع عتاة الجان ، بثاقب بكف ذي سلطان ، من أجل مبعوث عظيم ms3237 الشان ، يبعث ~~بالتنزيل والقران ، وبالهدى وفاضل الفرقان ، تبطل به عبادة الأوثان . قال : ~~قلنا يا خطر ، انك لتذكر أمرا عجيبا فماذا ترى لقومك ؟ فقال : أرى لقومي ما ~~أرى لنفسي . . . ا يتبعوا خير نبي الأنس برهانه مثل شعاع الشمس . . . يبعث ~~من مكة دار الخميس بمحكم التنزيل غير اللبس قلنا : يا خطر ، ومم هو ؟ فقال ~~: والحياة والعيش ، انه لمن قريش . ما في حكمه طيش ، ولا في خلقه هيش ، ~~يكون في جيش وأي جيش ، من آل قحطا وآل ريش . قال : قلنا بين لنا من أي قريش ~~هو ، قال : والبيت ذي الدعائم ، والركن والأحائم ، PageV16P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" انه لمن نجل هاشم ، من معشر أكارم ، يبعث ~~بالملاحم ، وقتل كل ظالم ؛ ثم قال : هذا هو البيان ، أخبرني به رئيس الجان ~~؛ ثم قال : الله أكبر ، جاء الحق وظهر ، وانقطع عن الجن الخبر ؛ ثم سكت ~~فأغمى عليه ، فما أفاق إلا بعد ثلاث فقال : لا إله إلا الله ، فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : لقد نطق عن مثل نبوة ، وانه ليبعث يوم ~~القيامة أمة وحده . والله أعلم . ومنه ما روىاسفيا بن مجاشع بن دارم احتمل ~~ديات دماء كانت من قومه ، فخرج يستعين فيها فدفع إلى حي من تميم ، فإذا هم ~~مجتمعون إلى كاهنة تقول : العزيز من والاه ، والذليل من خالاه ، والموفور ~~من مالاه ، والموتور من عاداه ؛ قال سفيان : من تذكرين لله أبوك ؟ فقالت : ~~صاحب حل وحرم ، وهدى وعلم وبطش وحلم ، وحرب وسلم ، رأس رؤوس ، ورائض يموس ، ~~وماحي بوس ، وماهد وعوس ، وناعش منعوس ؛ قال سفيان : من هو لله أبوك ؟ قالت ~~: نبي مؤيد ، قداحين يوجد ، ودنا أوا يولد ، يبعث إلى الأحمر والأسود ، ~~بكتاب لا يفند ، اسمه محمد ؛ قال سفيان : لله أبوك ، أعربي هو أم عجمي ؟ ~~قالت : أما والسماء ذات العنان ، والشجر ذات الأفنان ، انه لمن معد بن ~~عدنان ، فقدك يا سفيان ؛ فأمسك سفيا عن سؤالها ثماسفيا ولد له غلام فسماه ~~محمدا لما رجاه منايكون النبي الموصوف . ومنه ما روىاعمرو بن معد يكرب عوتب ~~على ارتداده عن الإسلام فقال : والله ما هو ms3238 إلا الشقاء ، ولقد علمتامحمدا ~~رسول الله قبلايوحي إليه ، قيل : كيف كان ذلك يا أبا ثور ؟ قال : حدث بين ~~بني زبيد تناجش وتظالم ، ونما إلىاسفك بعضهم دماء بعض ، ففزع حلماؤهم إلى ~~كاهن لهم رجو ان ايكون عنده المخرج مما نزل بهم ، فقال الكاهن : أقسم ~~بالسماء ذات الأبراج ، والأرض ذات الأدراج ، والريح ذات العجاج ، والبحار ~~ذات الأمواج ، والجبال ذات الفجاج ، ان PageV16P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" هذا الإمراج والارتجاج ، للقاح ذو نتاج ؛ ~~قالوا : وما نتاجه ؟ قال : ظهور نبي صادق ، بكتاب ناطق ، وحسام والق ، ~~قالوا : أين يظهر ؟ وإلام يدعو ؟ قال : يظهر بصلاح ؛ ويدعو إلى الفلاح ، ~~ويعطل القداح ، وينهي عن الراح والسفاح ، وعن كل أمر قباح ؛ قالوا : ممن هو ~~؟ قال : من ولد الشيخ الأكرم ، حافر زمزم ، ومطعم الطير الحوم ، والسباع ~~الصوم ؛ قالوا : وما اسمه ؟ قال : اسمه محمد ، وعزه سرمد ، وخصمه مكمد . ~~فهذه جملة كافية من أخبار الكهان . فلنذكر ما نطق به الجا من أجواف الأصنام ~~، وما سمع من الهواتف ، والله المستعان . وأما من بشر به عيلان لصلاة ~~والسلام من الجا الذين نطقوا من أجواف الأصنام وما سمع من العتائر . فمن ~~ذلك ما روى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في سبب إسلام عمر ، وانه ~~كان قد ضمن لقريش قتل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وخرج لذلك ، فمر بقوم ~~من خزاعة وقد اعتمدوا صنما لهم يريدون أن يتحاكموا إليه ، فقالوا لعمر : ~~ادخل لتشهد الحكم ، فدخل معهم ، فلما مثلوا بين يدي الصنم سمعوا هاتفا من ~~جوفه يقول : يأيها الناس ذوو الأجسام . . . ما أنتم وطائش الأحلام ومسند ~~الحكم إلى الأصنام . . . أصبحتم كراتع الأنعام أما ترون ما أرى أمامي . . . ~~من ساطع يجلو دجى الظلام قد لاح للناظر من تهام . . . وقد بدا للناظر ~~الشامي محمد ذو البر والإكرام . . . أكرمه الرحمن من إمام قد جاء بعد الشرك ~~بالإسلام . . . يأمر بالصلاة والصيام والبر والصلات للأرحام . . . ويزجر ~~الناس عن الآثام فبادروا سبقا إلى الإسلام . . . بلا فتور وبلا إحجام قال : ~~فتفرق القوم عن الصنم ولم يحضره يومئذ أحد إلا أسلم ؛ ثم ذكر ابن ms3239 ~~PageV16P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" عباس انطلاق عمر إلى منزل أخته على ما نذكر ~~ذلك أو نحوه عند ذكرنا إسلام عمر رضي الله عنه . قال : ثم خرج لقصد النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فلقيه رجال من بني سليم قد تنافروا إلى صنم لهم ~~ليحكم بينهم اسمه الضمار ، فدعوا عمر إلى الدخول معهم إليه ففعل ، فلما ~~وقفوا بين يدي الصنم سمعوا هاتفا من جوفه يقول : أودى الضمار وكا يعبد مرة ~~. . . قبل الكتاب وقبل بعث محمد ا الذي ورث النبوة والهدى . . . بعد ابن ~~مريم من قري مهتدى سيقول من عبد الضمار ومثله . . . ليت الضمار ومثله لم ~~يعبد أبشر أبا حفص بدين صادق . . . تهدى إليه بالكتاب المرشد واصب أبا حفص ~~قليلا انه . . . يأتيك عن فرق أعز بني عدي لا تعجلن فانت ناصر دينه . . . ~~حقا يقينا باللسا وباليد قال : فعجب القوم منه ونكسه عمر ، وغير الله ما في ~~صدره من عداوة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ومنه ما روىاوائل بن حجر ~~وكا ملكا مطاعا وكا له صنم من العقيق الأحمر يعبده ويحبه حبا شديدا ولم يكن ~~يكلم منه ، إلا انه كان يرجو ذلك ، فيكثر له السجود ، ويعتر له العتائر ، ~~فبينا هو نائم في الظهيرة أيقظه صوت منكر من المخدع الذي فيه الصنم ، فقام ~~من مضجعه وأتاه فسجد أمامه ، فإذا قائل يقول : يا عجبا لوائل بن حجر . . . ~~يخال يدرى وهو ليس يدرى ماذا يرجى من نحيت صخر . . . ليس بذى عرف ولا ذى ~~نكر ولا بذى نفع ولا ذى ضر . . . لو كان ذا حجر أطاع أمرى قال وائل : فرفعت ~~رأسي واستويت جالسا ثم قلت : قد أسمعت أيها الناصح ، فماذا تأمرني ؟ فقال : ~~[ من الرجز ] PageV16P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" ارحل إلى يثرب ذات النخل . . . وسر إليها سير ~~مشمعل تدن بدين الصائم المصلى . . . محمد المرسل خير الرسل قال وائل : ثم ~~خر الصنم بوجهه فانكسر انفه ، واندقت عنقه ، فقمت إليه فجعلته رفاتا ثم سرت ~~مسرعا حتى أتيت المدينة ؛ وذكر إسلامه بين يدي النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) . والله المعين . ومنه خبر مازن ms3240 الطائي في سبب إسلامه رواه البيهقي في ~~دلائل النبوة بسند قال : كان مازن الطائي بأرض عما بقرية تدعى سمايل ، وكا ~~يسدن الأصنام لأهله ، وكا له صنم يقال له باجر ، قال مازن : فعترت ذات يوم ~~عتيرة ، والعتيرة : الذبيحة ، فسمعت صوتا من الصنم يقول : يا مازن : أقبل ~~إلي أقبل ، تسمع ما لا يجهل ، هذا نبي مرسل ، جاء بحق منزل ، فآمن به كي ~~تعدل ، عن حر نار تشعل ، وقودها بالجندل . قال مازن : فقلت واللهاهذا لعجب ~~، ثم عترت بعد عشرة أيام عتيرة أخرى ، فسمعت صوتا آخر أبين من الأول وهو ~~يقول : يا مازن اسمع تسر ، ظهر خير وبطن شر ، بعث نبي من مضر ، بدين الله ~~الكبر ، فدع نحيتا من حجر ، تسلم من حرسقر ؛ قال مازن : فقلتاهذا والله ~~لعجب ، انه لخير يراد بي ؛ وقدم علينا رجل من أهل الحجاز فقلنا : ما الخبر ~~وراءك ؟ قال : خرج رجل بتهامة يقول لمن أتاه : أجيبوا داعي الله عز وجل ، ~~يقال له أحمد ، قال : فقلت هذا والله نبأ ما سمعت ، فثرت إلى الصنم فكسرته ~~أجذاذا وشددت راحلتي ورحلت ، حتى أتيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فشرح إلى الإسلام فأسلمت ، وانشأت أقول : كسرت باجر أجذاذا وكا لنا . . . ~~ربا نطيف به ضلا بتضلال فالهاشمي هدانا من ضلالتنا . . . ولم يكن دينه منى ~~على بال يا راكبا بلغن عمرا وإخوته . . . اني لما قال ربي باجر قالى ~~PageV16P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" قال مازن : فقلت يا رسول الله ، اني امرؤ ~~مولع بالطرب وشرب الخمر ، وبالهلوك من النساء ، وألحت علينا السنون فأذهبن ~~الأموال ، وأهزا الذرارى والرجال ، وليس لي ولد ، فادع اللهايذهب عني ما ~~أجد ، ويأتيني بالحيا ويهب لي ولدا فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~اللهم أبدله بالطرب قراءة القران ، وبالحرام الحلال ، وبالخمر ريا لا إثم ~~فيه ، وبالعهر عفة الفرج وائته بالحيا وهب له ولدا . قال مازن : فأذهب الله ~~عنى كل ما أجد ، وأخصبت عمان ، وتزوجت أربع حرائر ، ووهب لي حيا بن مازن ، ~~وانشأت أقول : إليك رسول الله خبت مطيتي . . . تجوب الفيافى من عما إلى ~~العرج لتشفع ms3241 لي يا خير من وطئ الحصا . . . فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج إلى ~~معشر خالفت في الله دينهم . . . فلا رأيهم رأيي ولا شرجهم شرجي وكنت امرأ ~~بالعهر والخمر مولعا . . . شبابي حتى آذن الجسم بالنهج فبدلني بالخمر خوفا ~~وخشية . . . وبالعهر إحصانا وحصن لي فرجي فأصبحت همي في جهاد ونيتي . . . ~~فلله ما صومي ولله وما حجي قال مازن : فلما رجعت إلى قومي انبوني وشتموني ، ~~وأمروا شاعرهم فهجاني ، فقلتاهجوتهم فانما أهجو نفسي ، فتركتهم ، قال : ثم ~~القوم ندموا وكنت القيم بأمورهم ، فقالوا ما عسىانصنع به ، فجاءني منهم ~~أزفلة عظيمة فقالوا : يا بن عم ، عبنا عليك أمرا فنهيناك عنه ، فإذا أبيت ~~فنحن تاركوك ، ارجع معنا فرجعت معهم ، فأسلموا بعد كلهم . ومازن هذا هو ~~الذي أقطعه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أرض عمان . ومنه ما روى عن ~~جبير بن مطعم عن أبيه قال : كنا جلوسا عند صنم لنا فإذا PageV16P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" صائح يصيح من جوفه : اسمعوا إلى العجب ، ~~وتوقعوا حادثا قد اقترب ، استراق السمع ذهب ، وترمى الجن بالشهب ، لنبي من ~~العرب ، هاشمي النسب ، مولده بمكة ، ومهاجره يثرب ؛ قال : وهذا قبلايظهر ~~أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومنه ما روى عن عبد الله بن ساعدة ~~الهذلي انه قال : كنا نعبد صنما يقال له سواع ، وكانت لي غنم فجربت فسقتها ~~إليه وأدنيتها منه أرجو بركته ، فسمعت مناديا من جوف الصنم يقول : العجب كل ~~العجب ، سدلت الحجب ، ورميت الجن بالشهب ، وسقطت النصب ، ونزل خير الكتب ، ~~على خير العرب ؛ قال : فسقت غنمي وعدت إلى أهلي ، وقد بغضت إلى الأوثان ، ~~فجعلت انقب عن الحوادث حتى بلغني ظهور رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فأتيته فأسلمت . وسنذكر إن شاء الله تعالى في خبر إسلام الجن ما هتفوا به ~~فأسلم بسببه من أسلم لما سمعوا - ما تقف عليه هناك . وحيث ذكرنا ما ذكرنا ~~من المبشرات ، فلنذكر مبعثه ( صلى الله عليه وسلم ) . ذكر مبعث رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وما بدئ به من النبوة روى عن عائشة أم المؤمنين رضي ~~الله ms3242 عنها انها قالت : أول ما بدئ به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به الرؤيا الصادقة ، لا يرى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) رؤيا في نوم إلا جاءت كفلق الصبح ، وحبب الله ~~إليه الخلوة ، فلم يكن شيء أحب إليه منايخلو وحده . وروى محمد بن إسحاق بن ~~يسار المطلبي عن عبد الملك بن عبيد الله بن أبي سفيا ابن العلاء بن حارثة ~~الثقفي ، وكا واعية ، عن بعض أهل العلمارسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~حين أراده الله بكرامته ، وابتدأه بالنبوة ؛ كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى ~~تحسر عنه البيوت ، ويفضى إلى شعاب مكة وبطون أوديتها فلا يمر بحجر ولا شجر ~~إلا قال : السلام عليك يا رسول الله ، فيلتفت حوله منيمينه وشماله وخلفه ~~فلا يرى إلا الشجر والحجارة ؛ فمكث ( صلى الله عليه وسلم ) كذلك يرى ويسمع ~~ما شاء اللهايمكث ، ثم جاءه جبريل بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء في شهر ~~رمضان . PageV16P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : بعث ~~الله محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) وله يومئذ أربعون سنة ويوم ، فأتاه ~~جبريل ليلة السبت وليلة الأحد ، ثم ظهر له بالرسالة يوم الاثنين لسبع عشرة ~~ليلة خلت من شهر رمضا في حراء ، وهو أول موضع نزل فيه القران . وحكى أبو ~~عمر بن عبد البرامحمد بن موسى الخوارزمي قال : بعث نبينا ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يوم الاثنين لثما خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام ~~الفيل . فكان من مولده إلىابعثه الله عز وجل أربعون سنة ويوم . وعن عبد ~~الله بن الزبير وغيره : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يجاور في ~~حراء شهرا من كل سنة ، يطعم من جاءه من المساكين ، فإذا قضى ( صلى الله ~~عليه وسلم ) جواره من شهره ذلك ، كان أول ما يبدأ به - إذا انصرف من جواره ~~- الكعبة قبلايدخل بيته ، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك ، ثم يرجع ~~إلى بيته ، حتى ms3243 إذا كان الشهر الذي أراد الله به فيه من كرامته ما أراد ، ~~من السنة التي بعثه فيها وذلك في شهر رمضان ، خرج ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله ، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه ~~الله فهيا برسالته ، ورحم العباد بها جاءه جبريل بأمر الله ؛ قال رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) : جاءني وانا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب ، فقال : ~~اقرأ ؛ قال : قلت : ما أقرأ ؟ قال : فغتني به حتى ظننت انه الموت ، ثم ~~أرسلني فقال : اقرأ ؛ قلت : ماذا أقرأ ؟ قال : فغتني به حتى ظننت انه الموت ~~، ثم أرسلني فقال : اقرأ ؛ قلت : ماذا أقرأ ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء ~~منهايعود لي بمثل ما صنع . فقال : " اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الأنسا من ~~علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الأنسا ما لم يعلم " . قال : ~~فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني ، وهببت من نومي ، فكانما كتب في قلبي كتابا ؛ ~~قال : فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول : يا ~~محمد ، انت رسول الله ، وانا جبريل ، قال : فرفعت رأسي انظر إلى السماء ؛ ~~فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول : يا محمد ، انت رسول ~~الله ، وانا جبريل ، قال : فوقفت انظر إليه ، فما أتقدم وما أتأخر ، وجعلت ~~أصرف وجهي عنه في آفاق السماء ، فما انظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك ، ~~فما زلت واقفا ما PageV16P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حى بعثت خديجة ~~رسلها في طلبي ، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وانا واقف في مكاني ذلك ؛ ثم ~~انصرف عني . وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة ، فجلست إلى فخذها ~~مضيفا إليها فقالت : يا أبا القاسم أين كنت ؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك ~~حتى بلغوا أعلى مكة ورجعوا إلي ، فحدثتها بالذي رأيت ، فقالت : أبشر يا بن ~~عم واثبت ، فوالذي نفس خديجة بيده اني لأرجوناتكون نبي هذه الأمة . ثم قامت ~~فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة ms3244 بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ، وهو ~~ابن عمها وكا قد تنصر في الجاهلية وقرأ الكتب ، وسمع من أهل التوراة ~~والأنجيل ، فأخبرته بمأ أخبرها به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) انه ~~رأى وسمع ، فقال ورقة : قدوس قدوس ، والذي نفس ورقة بيده ، لئن كنت صدقتني ~~يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ، وانه لنبي هذه ~~الأمة ، فقولي له فليثبت . فرجعت خديجة إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) فأخبرته بقول ورقة بن نوفل ، فلما قضى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~جواره وانصرف صنع كما كان يصنع ؛ بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل ~~وهو يطوف بالكعبة فقال : يا بن أخي ، أخبرني بما رأيت وسمعت ، فأخبره رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فقال له ورقة : والذي نفسي بيده انك لنبي ~~هذه الأمة ، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ، ولتكذبنه ، ولتؤذينه ~~، ولتخرجنه ، ولتقاتلنه ، ولئن انا أدركت ذلك اليوم ، لأنصرن الله نصرا ~~يعلمه ، ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه ، ثم انصرف رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إلى منزله . وذكر الإمام العدل سليمان التيمي في سيره النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) حين أخبر خديجة عن جبريل ، ولم تكن سمعت باسمه قط ، ~~ركبت إلى بحيرا الراهب إلى الشام ، قال الزهري هو جبر من يهود تيماء ، ~~فسألته عن جبريل ، فقال لها : قدوس قدوس ، يا سيدة نساء قريش ، انى لك بهذا ~~الاسم ؟ فقالت : بعلي ابن عمي أخبرني انه يأتيه ، فقال : قدوس قدوس ما علم ~~به إلا نبي ، فإه السفير بين الله وبين انبيائه ، وا الشياطين لا ~~تجترئاتتمثل به ولا تتسمى به . وكا غلام لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس اسمه ~~عداس من أهل نينوى مدينة PageV16P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" يونس عيلان لسلام ، عنده علم من الكتاب أرسلت ~~تسأله عن جبريل فقال : قدوس قدوس انى لهذه البلاد بذكر جبريل يا سيدة نساء ~~قريش ؟ فأخبرته بقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال عداس مثل قول ~~الراهب . وروى البخاري - رحمه الله - في صحيحه ms3245 بإسناده عن هشام بن عروة عن ~~أبيه ، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : الحارث بن هشام سأل رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا رسول الله ، كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي ~~، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني ~~فأعى ما يقول قالت عائشة : ولقد رأيته ينزل عيلان لوحي في اليوم الشديد ~~البرد ، فيفصم عنه وا جبينه ليتفصد عرقا . وبسنده عن عائشة رضي الله عنها ~~انها قالت : أول ما بدئ به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من الوحي ~~الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم ~~حبب إليه الخلاء ، فكان يلحق بغار حراء ، فيتحنث فيه ، وهو التعبد الليالي ~~ذوات العدد قبلاينزع إلى أهله ، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود ~~لمثلها حتى جاء الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرا قال : قلت ~~: ما انا بقارئ ، قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : ~~اقرأ فقلت : ما انا بقارئ ، فأخذني فغطني الثاني حتى بلغ من الجهد ، ثم ~~أرسلني فقال : اقرأ فقلت : ما انا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ، ثم ~~أرسلني فقال : " اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الأنسا من علق اقرأ وربك ~~الأكرم الذي علم بالقلم " فرجع بها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يرجف ~~فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد ، فقال : زملوني زملوني ، فزملوه حتى ذهب ~~عنه الروع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي ، فقالت خديجة ~~: كلا والله ، ما يخزيك الله أبدا انك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب ~~المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فانطلقت به خديجة حتى ~~PageV16P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن ~~عم خديجة ، وكا امرءا تنصر في الجاهلية ، وكا يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب ~~من الأنجيل بالعبرانية ما شاء اللهايكتب ، وكا شيخا كبيرا قد عمي ، فقالت ~~له ms3246 خديجة : يا بن عم أمسع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا بن أخي ، ماذا ~~ترى ؟ فأخبره رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خبر ما رأى ، فقال له ورقة ~~: هذا الناموس الذي انزل الله على موسى ، يا ليتني فيها جذعا يتني أكون حيا ~~إذ يخرجك قومك ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أومخرجي هم ؟ قال ~~: نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وا يدركني يومك انصرك ~~نصرا مؤزرا ؛ ثم لم ينشب ورقةاتوفى ، وفتر الوحي . قال ابن شهاب : وأخبرني ~~أبو سلمة بن عبد الرحمناجابر بن عبد الله الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة ~~الوحي ، فقال في حديثه : بينا انا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء ، فرفعت ~~بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فرعبت ~~منه ، فرجعت فقلت : زملوني زملوني ، فانزل الله : " يأيها المدثر قم فانذر ~~وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر " ، فحمى الوحي وتتابع . قال محمد بن ~~إسحاق : وحدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير انه حدث عن خديجة انها ~~قالت لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أي ابن عم ، أتستطيعاتخبرني ~~بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال نعم ، قالت : فإذا جاءك فأخبرني به ، ~~فجاءه جبريل عيلان سلام كما كان يصنع ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : يا خديجة ، هذا جبريل قد جاءني قالت : قم يا بن عم فاجلس على فخذي ~~اليسرى ، فقام فجلس عليها قالت : هل تراه ؟ قال : نعم ، قالت : فتحول فاقعد ~~على فخذي اليمنى ، قال : فتحول فقعد على فخذها اليمنى ، فقالت : هل تراه ؟ ~~قال : نعم ، قالت : فتحول فاجلس في حجري ، فتحول فجلس في حجرها ثم قالت : ~~هل تراه ؟ قال : نعم : قال : فحسرت وألقت خمارها ورسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) جالس في PageV16P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" حجرها ثم قالت : هل تراه ؟ قال : لا . قالت ~~يا بنعم : اثبت وأبشر ، فوالله انه لملك ، ما هذا بشيطان . وكانت خديجة رضي ~~الله عنها أول من آمن بالله وبرسوله وصدق بما جاء به ms3247 . وحكى أبو عمر بن عبد ~~البرارسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أسر أمره ثلاث سنين ثم أمره الله ~~تعالى بإظهار دينه والدعاء إليه ، فأظهره بعد ثلاث سنين من مبعثه ، قال : ~~وقال الشعبي : أخبرتاإسرافيل تراءى له ثلاث سنين . وروى ابن عبد البر بسنده ~~إلى الشعبي قال : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لأربعين ، ووكل به ~~إسرافيل عيلان لسلام ثلاث سنين ثم وكل به جبريل عيلان لسلام . وفي رواية ~~عنه : ثم بعث إليه جبريل بالرسالة . وعنه أيضا قال : انزلت عيلان لنبوة وهو ~~ابن أربعين ، فقرن نبوته إسرافيل عيلان لسلام ثلاث سنين ، وكا يعلمه الكلمة ~~والشيء ، ولم ينزل عيلان لقرا على لسانه ، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته ~~جبريل عيلان لسلام ، فنزل القرا على لسانه عشرين سنة . ذكر فترة الوحي عن ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وما انزل بعد فترته قال : وفتر الوحي عن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) فترة حتى شق ذلك عليه وأحزنه . واختلف في مدة ~~فترة الوحي ، فقال ابن جريح : احتبس عنه الوحي اثنى عشر يوما وقال ابن عباس ~~رضي الله عنهما : خمسة عشر يوما وقيل خمسة وعشرين . وقال مقاتل : أربعين ~~يوما . والله أعلم . روى البخاري - رحمه الله - عن عائشة أم المؤمنين رضي ~~الله عنها وساق الحديث بنحو ما تقدم ، قال : وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس ~~شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدي له جبريل فقال ~~: يا محمد انك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه ، PageV16P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" وتقر نفسه فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي ~~غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل وقال له مثل ذلك . قال : ~~وتكلم المشركون عند فترة الوحي بكلام ، فانزل الله تعالى على رسوله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى " السورة ~~بكمالها ؛ وقيل في سبب نزوله ان ارسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان ms3248 ترك ~~قيام الليل ليلتين أو ثلاثا لشكوى أصابته ، فجاءت امرأة فقالت : يا محمد ، ~~اني لأرجوايكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث ، فانزل ~~الله تعالى السورة . قال القاضي أبو الفضل عياض بن موسى رحمه الله في كتابه ~~المترجم بالشفا بتعريف حقوق المصطفى : تضمنت هذه السورة من كرامة الله ~~تعالى لنبيه وتنويهه به وتعظيمه إياه ستة وجوه : الأول - القسم له عما أخبر ~~به من حاله بقوله : " والضحى والليل إذا سجى " أي ورب الضحى ، وهذا لمن عظم ~~درجات المبرة . الثاني - بيا مكانته عنده وحظوته لديه بقوله : " ما ودعك ~~ربك وما قلى " أي ما تركك وما أبغضك ، وقيل ما أهملك بعد ان اصطفاك . ~~الثالث - قوله : " وللآخرة خير لك من الأولى " . قال ابن إسحاق : أي مالك ~~في مرجعك عند الله أعظم مما أعطاك الله من كرامة الدنيا . وقال سهل : أي ما ~~ذخرت لك من الشفاعة والمقام المحمود خير لك مما أعطيتك في الدنيا . الرابع ~~- قوله : " ولسوف يعطيك ربك فترضى " ، وهذه آية جامعة لوجوه الكرامة وانواع ~~السعادة وشتات الأنعام في الدارين والزيادة . قال ابن إسحاق : يرضيه بالفلج ~~في الدنيا والثواب في الآخرة . وقيل : يعطيه الحوض والشفاعة ، وروى عن بعض ~~آل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) انه قال : ليس في القرا آية أرجى منها . ~~ولا يرضي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )ايدخل أحد من أمته النار . ~~الخامس - ما عده الله تعالى عليه من نعمه ، وقرره من آلائه قبله في بقية ~~السورة ، من هدايته إلى ما هداه له ، أو هداية الناس به على اختلاف ~~التفاسير ، ولا مال PageV16P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" له فأغناه بما آتاه ، أو بما جعله في قلبه من ~~القناعة والغنى ، ويتيما فحدب عليه عمه وآواه إليه ، وقيل : آواه إلى الله ~~، وقيل : يتيما لا مثال لك فآواك إيه ، وقيل المعنى ألم يجدك فهدى بك ضالأن ~~وأغنى بك عائلأن وآوى بك يتميا ذكره بهذه المنن ، وانه - على المعلوم من ~~التفسير - لم يهمله في حال صغره وغيلته ويتمه ، وقبل معرفته به ولا ودعه ~~ولا ms3249 قلاه ، فكيف بعد اختصاصه واصطفائه . والله أعلم السادس - أمره بإظهار ~~نعمته عليه ، وشكر ما شرفه به بنشره وإشادة ذكره بقوله : " وأما بنعمة ربط ~~فحدث " ، فا من شكر النعمة التحدث بها وهذا خاص له ، عام لأمته . وقال ابن ~~إسحاق : أي بما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوة ، فحدث بها أي ~~اذكرها وادع إليها . قال : فجعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يذكر ما ~~انعم الله به عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله ~~. قال : ثم فرضت الصلاة عليه ( صلى الله عليه وسلم ) . والله الموفق لطاعته ~~. ذكر فرض الصلاة على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) روى عن عائشة أم ~~المؤمنين - رضي الله عنها - انها قالت : افترضت الصلاة على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أول ما افترضت ركعتين ركعتين كل صلاة ، ثم الله تعالى ~~أتمها في الحضر أربعا وأقرها في السفر على فرضها الأول ركعتين . قال محمد ~~بن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم الصلاة حين افترضت على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أتاه جبريل وهو بأعلى مكة ، فهمز له بعقبه في ناحية ~~الوادي ، فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ينظر إليه ليريه كيف الطهور للصلاة ، ثم توضأ رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) كما رأى جبريل توضا ثم قام به جبريل فصلى ، وصلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بصلاته ، ثم انصرف جبريل ، فجاء رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إلى خديجة فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل ~~، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم صلى ~~PageV16P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" بها كما صلى به جبريل فصلت بصلاته . وعن عبد ~~الله بن عباس رضي الله عنهما قال : لما فرضت الصلاة على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أتاه جبريل فصلى به الظهر حين مالت الشمس ، ثم صلى به ~~العصر حين كان ظله مثله ، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس ، ثم صلى ms3250 به ~~العشاء الآخرة حين ذهب الشفق ، ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر ، ثم جاء ~~فصلى به الظهر من غد حين كان ظله مثله ، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثليه ~~، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالأمس ، ثم صلى به العشاء ~~الآخرة حين ذهب ثلث الليل الأول ، ثم صلى به الصبح مسفرا غير مشرق ، ثم قال ~~: يا محمد الصلاة فيما بين صلاتك اليوم وصلاتك بالأمس . ذكر أول من أسلم ~~وآمن بالله تعالى وبرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وصدق بما جاء به من عند ~~الله قد تقدم أن أول من آمن خديجة رضي الله عنها وذهب محمد بن إسحاق إلى ان ~~أول من آمن برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وصلى وصدق بما جاء به من ~~الله تعالى علي بن أبي طالب ، ثم زيد بن حارثة مولى سول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، ثم أبو بكر الصديق رضي الله عنهم . وسنذكراشاء الله إسلام كل ~~واحد منهم . أما إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه فالذي عيلان لأكثرون ~~انه أول من أسلم من الذكور ، وقد روى أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله في ~~كتابه المترجم بصفة الصفوة عن ابن عباس ، وحسا بن ثابت ، والسماء بنت أبي ~~بكر ، وإبراهيم النخعي ، قالوا كلهم : أول من أسلم أبو بكر ، قال : وقال ~~يوسف بن يعقوب بن الماجشون : أدركت أبي ومشيختنا محمد بن المنكدر ، وربيعة ~~بن أبي عبد الرحمن ، PageV16P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" وصالح ابن كيسان ، وسعد بن إبراهيم ، وعثما ~~بن محمد الأخنسي ، وهم لا يشكون ان أول القوم إسلاما أبو بكر . وروى أبو ~~الفرج بسنده عن ابن عباس انه قال : أول من صلى أبو بكر رضي الله عنه ، ثم ~~تمثل بأبيات حسا بن ثابت : إذا تذكرت شجوا من أخي ثثقة . . . فاذكر أخاك ~~أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها . . . إلا النبي ، وأولاها بما ~~حملا الثاني التالي المحمود مشهده . . . وأول الناس حقا صدق الرسلا والله ~~يهدي من يشاء . وأما إسلام علي بن أبي ms3251 طالب رضي الله عنه - فقد اختلف في ~~سنه حال إسلامه ؛ فقيل : أسلم وهو ابن عشر سنين ، وقيل : تسع سنين ، وقيل ~~اثنتي عشرة سنة ، وقيل أكثر من ذلك إلى عشرين سنة ، وهو بعيد ، لأنه آمن في ~~ابتداء الأمر وظهور النبوة . والله أعلم . وكا من حديث إسلامه ما رواه محمد ~~بن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر بن أبي الحجاج ، قال : ~~كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب ومما صنع الله له وأراده به من ~~الخيراقريشا أصابتهم أزمة شديدة ، وكا أبو طالب ذا عيال كثير ، فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعمه العباس ، وكا من أيسر بني هاشم : يا عباس ~~، ان أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة ، ~~فانطلق بنا إليه فلنخفف عنه من عياله ؛ آخذ من بنيه رجلأن وتأخذ انت رجلا ~~فنكفلهما عنه ، فقال العباس : نعم ، فانطلقا حتى لقيا أبا طالب ، فقالا له ~~: انا نريدانخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه ، فقال لهما ~~أبو طالب : إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما ؛ ويقال قال : عقيلا ~~وطالبا ؛ فأخذ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عليا فضمه PageV16P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" إليه ، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه ، فلم ~~يزل علي مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى بعثه الله نبيا فاتبعه ~~علي وآمن به وصدقه ، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم . قال ابن إسحاق : ~~وذكر بعض أهل العلمارسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان إذا حضرت الصلاة ~~خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من عمه أبي طالب ومن ~~جميع أعمامه وسائر قومه فيصليا الصلوات فيها فإذا أمسيا رجعا ؛ فمكثا كذلك ~~ما شاء اللهايمكثا ثم انأبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان ، فقال لرسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : يا بن أخي ، ما هذا الدين الذي أراك تدين به ~~؟ قال : أي عم ، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين ms3252 أبينا إبراهيم ، ~~بعثني الله به رسولا إلى العباد ، وانت أي عم أحق من بذلت له النصيحة ، ~~ودعوته إلى الهدى ، وأحق من أجابني إليه ، وأعانني عليه ، أو كما قال . ~~فقال أبو طالب : أي ابن أخي ، اني والله لا أستطيع ان أفارق دين آبائي وما ~~كانوا عليه ، ولكن والله لا يخلص إليك شيء تكرهه ما بقيت . وذكروا انه قال ~~لابنه علي : أي بني ما هذا الدين الذي انت عليه ؟ فقال : يا أبت ، آمنت ~~برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وصدقته بما جاء به ، وصليت معه لله ~~واتبعته . فزعموا انه قال له : أما انه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه . وأما ~~إسلام زيد بن حارثة رضي الله عنه - فقال محمد بن إسحاق : ثم أسلم زيد بن ~~حارثة بن شرحبيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس الكلبي مولى رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، وقد نسبه ابن الكلبي فقال : زيد ابن حارثة بن ~~شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن يزيد بن امرئ القيس بن عامر ابن النعما بن ~~عبدود بن امرئ القيس بن نعما بن عمرا بن عبد عوف بن عوف ابن كنانة بن بكر ~~بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب ابن وبرة بن تغلب بن ~~حلوا بن عمرا بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن عمر ابن مرة بن مالك بن حمير بن ~~سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان : قال أبو عمر : وربما اختلفوا في الاسماء ~~وتقديم بعضها على بعض وزيادة شيء فيها . قال : ولم يتابع ابن إسحاق على ~~قوله شرحبيل وانما شراحيل . PageV16P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" وقال ابن الكلبي : وأم زيد سعدي بنت ثعلبة بن ~~عبد عامر بن أفلت ، من بني معن من طئ . قال ابن إسحاق : وصلى زيد بعد علي ~~بن أبي طالب . قال أبو محمد عبد الملك ابن هشام : وكا حكيم بن حزام بن ~~خويلد قدم من الشام برقيق منه زيد بن حارثة ، وصيف ، فدخلت عليه عمته خديجة ~~بنت خويلد ms3253 ، وهي يومئذ عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال لها : ~~اختاري يا عمة ، أي هؤلاء الغلما شئت فهو لك ، فاختارك زيدا فأخذته ، فرآه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عندها فاستوهبه منها فوهبته له ، فأعتقه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وتبناه ، وذلك قبلايوحى إليه ، وكا أبوه ~~حارثة قد جزع عليه جزعا شديدا وبكى عليه حين فقده ، ثم قدم عليه وهو عند ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : اشئت فأقم عندي ، وا شئت فانطلق مع أبيك ؛ قال : بل أقيم عندك ؛ ~~فلم يزل عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى بعثه الله ، فصدقه وأسلم ~~وصلى معه ، فلما انزل الله عز وجل : " ادعوهم لآبائهم " قال : انا زيد ابن ~~حارثة . وقد روى أبو عمر وغيرهاحارثة لما فقد ابنه زيدا قال : بكيت على زيد ~~ولم أدر ما فعل . . . أحي يرجى أم أتي دونه الأجل فوالله ما أدري وا كنت ~~سائلا . . . أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل فياليت شعري هل لك الدهر رجعة . ~~. . فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل تذكرنيه الشمس عند طلوعها . . . وتعرض ~~ذكراه إذا قارب الطفل وا هبت الأرواح هيجن ذكره . . . فيا طول ما حزني عليه ~~وما وجل سأعمل نص العيس في الأرض جاهدا . . . ولا أسأم التطواف أوتسألم ~~الإبل حياتي أو تأتي علي منيتي . . . وكل امرئ فا وا غره الأمل سأوصى به ~~قيسا وعمرا كليهما . . . وأوصى يزيدا ثم من بعده جبل PageV16P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" يعني جبلة بن حارثة أخا زيد ، ويزيد أخا زيد ~~لأمه ، وهو يزيد بن كعب ابن شراحيل . قال : فحج ناس من كلب فرأوا زيدا ~~فعرفهم وعرفوه ، وقال لهم : أبلغوا أهلي هذه الأبيات ، فاني أعلم انهم قد ~~جزعوا علي ، فقال : أحن إلى قومي وا كنت نائيا . . . فاني قعيد البيت عند ~~المشاعر فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم . . . ولا تعملوا في الأرض نص ~~الأباعر فاني بحمد الله في خير أسرة . . . كرام معد كابرا بعد كابر فانطلق ~~الكلبيون فأعلموا أباه ، فقال : ابني ورب ms3254 الكعبة ، فوصفوا له موضعه وعند من ~~هو ، فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل لفدائه ، وقدما مكة ، فسألا عن النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فقيل : هو في المسجد ، فدخلا عليه فقالا : يا بن ~~عبد المطلب ، يا بن هاشم ، يا بن سيد قومه ، أنتم أهل حرم الله وجيرانه ، ~~تفكون العاني ، وتطعمون الأسير ، جئناك في ابننا عندك ، فامنن علينا وأحسن ~~إلينا في فدائه ؛ قال : ومن هو ؟ قالا : زيد بن حارثة ، فقال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : فهلا غير ذلك ؟ قالوا : وما هو ؟ قال : ادعوه ~~فأخيره ، فا اختاركم فهو لكم ، وا اختارني فهو لي ، فوالله ما انا الذي ~~أختار على من اختارني أحدا . قالوا : قد زدتنا على النصف وأحسنت إلينا ~~فدعاه فقال : هل تعرف هؤلاء ؟ قال : نعم ، قال من هذا ؟ قال : أبي ، وهذا ~~عمي ، قال : فانا من قد علمت ، وقد رأيت صحبتي لك ، فاخترني أو اخترهما ~~فقال زيد : ما انا بالذي أختار عليك أحدا انت مني مكا الأب والعم ، فقالا : ~~ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية ، وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك ؟ قال ~~: نعم ، قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما انا بالذي أختار عيلان حدا أبدا . ~~فلما رأى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك أخرجه إلى الحجر فقال : يا ~~معشر من حضر ، اشهدو ان ازيدا ابني يرثني وأرثه . فلما رأى ذلك أبوه وعمه ~~طابت نفوسهما وانصرفا . ودعى زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام ، فنزلت : ~~ادعوهم لآبائهم ، فدعى يومئذ زيد بن حارثة ، ودعى الأدعياء إلى آبائهم . ~~والله أعلم . PageV16P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" ذكر من أسلم بدعاء أبي بكر الصديق - رضوان ~~الله عليهم - قال محمد بن إسحاق . لما أسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~أظهر إسلامه ، ودعا إلى الله تعالى وإلى رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وكا أبو بكر رجلا مألفا لقومه محببا سهلأن وكا انسب قريش لقريش ، وأعلم ~~قريش بها وبما كان فيها من خير وشر ، وكا رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف ، وكا ~~رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر ، لعلمه ms3255 وتجارته وحسن ~~مجالسته . فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه ، ~~فأسلم بدعائه رضي الله عنه ، عثما بن عفان ، والزبير بن العوام ، وعبد ~~الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وطلحة بن عبيد الله ، فجاء بهم إلى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى استجابوا له ، فأسلموا وصلوا فكان ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا ~~كانت عنده كبوة ونظر وتردد ، إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة ، ما عكم ~~عنه حين ذكرته له وما تردد فيه . قال ابن إسحاق : فكان هؤلاء النفر ~~الثمانية الذين سبقوا بالإسلام الناس فصلوا وصدقوا بما جاء من الله . ثم ~~أسلم أبو عبيدة ، واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح ، وأبو سلمة ، واسمه ~~عبد الله بن عبد الأسد ، والأرقم بن أبي الأرقم ، واسم أبي الأرقم عبد مناف ~~بن PageV16P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" أسد ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وعثما بن ~~مظعون ، وأخواه قدامة ، وعبد الله ابنا مظعون ، وعبيدة بن الحارث بن المطلب ~~بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي ، وسعيد بن زيد ، ~~وامرأته فاطمة ابنة الخطاب أخت عمر ، واسماء وعائشة بنتا أبي بكر ، وكانت ~~عائشة صغيرة ، وخباب بن الأرت حليف بني زهرة ، وعمير بن أبي وقاص أخو سعد ، ~~وعبد الله بن مسعود ، ومسعود بن القاري ، وهو مسعود بن ربيعة ، أو الربيع ، ~~وسليط بن عمرو ابن عبد شمس ، وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة ، وامرأته ~~اسماء بنت سلامة ابن مخربة التميمية ، وخنيس بن حذافة بن قيس ، وعامر بن ~~ربيعة PageV16P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" حليف آل الخطاب ، وعبد الله بن جحش وأخوه أبو ~~أحمد بن جحش حليفا بني أمية ، وجعفر بن أبي طالب ، وامرأته اسماء بنت عميس ~~، وحاطب بن الحارث بن معمر ، وامرأته فاطمة بنت المجلل بن عبد الله ، وأخوه ~~خطاب بن الحارث ، وامرأته فكيهة بنت يسار ، ومعمر بن الحارث بن معمر ، ~~والسائب بن عثما بن مظعون ، والمطلب ms3256 ابن أزهر بن عبد عوف ، وامرأته رملة ~~بنت أبي عوف بن صبرة ، والنحام واسمه نعيم بن عبد الله ، وعامر بن فهيرة ~~مولى أبي بكر الصديق ، وخالد بن سعيد بن العاص ابن أمية ؛ وقد روىاخالد بن ~~سعيد كان خامس من أسلم ، وا إسلامه كان بعد سعد بن أبي وقاص ، حكاه أبو عمر ~~، PageV16P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد ، وحاطب ابن ~~عمرو بن عبد شمس ، وأبو حذيفة واسمه مهشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ابن ~~عبد مناف ؛ ويقال في اسمه هشيم ؛ ويقال هاشم ، وواقد بن عبد الله بن عبد ~~مناف ابن عرين بن ثعلبة ، وخالد ، وعامر ، وعاقل ، وإياس ، بنو البكير بن ~~عبد ياليل وعمار بن ياسر حليف بني مخزوم ، وصهيب بن سنان . قال ابن إسحاق : ~~ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والسناء ، حتى فشا ذكر الإسلام ~~بمكة وتحدث به . ولنذكر من كانت له سابقة في الإسلام غير من ذكرنا والله ~~الموفق للصواب . ذكر تسمية من كانت لهم سابقة في الإسلام من العرب من غير ~~قريش كانت لجماعة سابقة إسلام ، وهم من غير قريش ، فرأين ان انذكرهم في هذا ~~الموضع لسابقتهم في الإسلام . PageV16P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" منهم أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري ، واختلف ~~في اسمه اختلافا كثيرا والمشهور ما ذكرناه ، واختلف أيضا فيما بعد جنادة ، ~~فقيل جنادة بن قيس بن عمرو ابن صعير بن حرام بن غفار ، وقيل جنادة بن صعير ~~بن عبيد بن حرام بن غفار ، ويقال جنادة بن سفيا بن عبيد بن صغير بن حرام بن ~~غفار ؛ أسلم أبو ذر بعد ثلاثة ، وقيل : بعد أربعة ، فكان خامسا وله في سبب ~~إسلامه حديث حسن ، نذكرهاشاء الله تعالى عند ذكرنا لأخبار وفود العرب على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في وفد غفار على ما تقف عليه ، وهو في ~~السفر السادس عشر من كتابنا هذا . وأسلم بسبب إسلامه أخوه انيس بن جنادة ~~وأمهما رملة بنت الوقيعة الغفارية . ومنهم عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد ms3257 بن ~~غاضرة بن عتاب بن امرئ القيس ابن بهثة بن سليم ، يكنى أبا نجيح ، ويقال أبو ~~شعيب . قال أبو عمر بن عبد البر : روينا عنه من وجوه انه قال : ألقى في ~~روعىاعبادة الأوثا باطل ، فسمعني رجل وانا أتكلم بذلك ، فقال : يا عمرو ، ~~ابمكة رجلا يقول كما تقول ، قال : فأقبلت إلى مكة أول ما بعث النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وهو مستخف ، فقيل لي : انك لا تقدر عيلان لا بالليل حين ~~يطوف ، فقمت بين يدي الكعبة فما شعرت إلا بصوته يهلل ، فخرجت إليه فقلت من ~~انت ؟ قال : انا نبي الله ، فقلت وما نبي الله ؟ قال : رسول الله ، قلت وبم ~~أرسلك ؟ قال : با يعبد الله وحده ولا يشرك به شيء ، وتكسر الأوثا وتحقن ~~الدماء ، وتوصل الأرحام ، قلت : ومن معك على هذا ؟ قال : حر وعبد ، يعني ~~أبا بكر وبلالأن فقلت : ابسط يدك أبايعك ، فبايعته على الإسلام . قال : ~~فلقد رأيتني وانا ربع الإسلام ، قال : قلت أقيم معك يا رسول الله ؟ قال : ~~لا . ولكن الحق بقومك فإذا سمعت اني قد خرجت فاتبعني ، قال : فلحقت بقومي ، ~~فمكثت دهرا منتظرا خبره حتى أتت رفقة من يثرب فسألتهم الخبر ، فقالوا : خرج ~~محمد من مكة إلى المدينة . قال : فارتحلت فأتيته فقلت : أتعرفني ؟ قال : ~~نعم ، انت الرجل الذي أتيتنا بمكة . PageV16P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" وروى أبو عمر أيضا بسنده إلى أبي أمامة ~~الباهلي انه حدث عن عمرو بن عبسة قال : رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية ~~ورأيت انها آلهة باطلة ؛ يعبدون الحجارة ، وهي لا تضر ولا تنفع ، قال : ~~فلقيت رجلا من أهل الكتاب فسألته عن أفضل الدين ، فقال : يخرج رجل من مكة ~~يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها وهو يأتي بأفضل الدين ، فإذا سمعت به ~~فاتبعه ، فلم يكن لي هم إلا مكة أسأل هل حدث فيها حدث ؟ فيقولون : لا . ~~فانصرف إلى أهلي ، وأهلي من الطريق غير بعيد ، فأعترض الركبا خارجين من مكة ~~فأسألهم هل حدث فيها حدث ؟ فيقولون : لا . فاني لقاعد على الطريق يوما إذ ~~مر بي راكب فقلت من ms3258 أين انت ؟ قال : من مكة ، قلت : هل فيها من خبر ؟ قال : ~~نعم ، رجل رغب عن آلهة قومه ودعا غيرها قلت : صاحبي الذي أريد ، فشددت ~~راحلتي ، وجئت مكة ، ونزلت منزلي الذي كنت انزل فيه ، فسألت عنه ، فوجدته ~~مستخفيا ووجدت قريشا إلبا عليه ، فتلطفت حتى دخلت عليه ، فسلمت ثم قلت : من ~~انت ؟ قال : نبي الله ، قلت : وما النبي ؟ قال : رسول الله ، قلت : من ~~أرسلك ؟ قال : الله ، قلت بم أرسلك ؟ قال : اتوصل الارحام ، وتحقن الدماء ، ~~وتؤمن السبل ، وتكسر الأوثان ، ويعبد الله وحده لا يشرك به شيء . فقلت : ~~نعم ما أرسلت به ؛ أشهدك اني قد آمنت بك وصدقتك ، أمكث معك أم ما تأمرني ؟ ~~قال : قد رأيت كراهة الناس لما جئت به ، فامكث في أهلك ، فإذا سمعت اني ~~خرجت مخرجا فاتبعني . فلما سمعت به خرج إلى المدينة سرت حتى قدمت عليه فقلت ~~: يا نبي الله ، هل تعرفني ؟ قال : نعم ، انت السلمي الذي جئتني بمكة فقلت ~~لي كذا وقلت لك كذا . ومنهم عتبة بن غزوا بن جابر ، ويقال عتبة بن غزوا بن ~~الحارث بن جابر ابن وهب بن نسيب بن زيد بن مالك بن الحارث بن عوف بن الحارث ~~بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلأن بن مضر بن نزار المازني ~~حليف لبني نوفل بن عبد مناف ، يكنى أبا عبد الله ، وقيل أبا غزوان ، كان ~~إسلامه بعد ستة رجال ، فهو سابع سبعة في إسلامه ، وقد قال ذلك في خطبته ~~بالبصرة : لقد رأيتني مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وآله سابع سبعة ~~ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا . رضي الله عنهم أجمعين . وصلى ~~الله على سيدنا محمد وآله وسلم . PageV16P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" ذكر دعاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~الناس إلى الإسلام قال محمد بن إسحاق : وكا أصحاب رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إذا صلوا ذهبوا في الشعاب ، فاستخفوا بصلاتهم من قومهم ، فبينا ~~سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ms3259 ) في شعب ~~من شعاب مكة ، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون ، فناكروهم ، وعابوا ~~عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم ، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من ~~المشركين بلحى بعبر ، فشجه ، فكان أول دم هريق في الإسلام . ثم أمر الله ~~تعالى رسول ( صلى الله عليه وسلم )ايصدع بما جاء به من عند الله وا ينادي ~~الناس بأمره ، وا يدعوهم إلى الله تعالى ، فكان يدعو ثلاث سنين مستخفيا إلى ~~ان أمر الله بإظهار الدعاء . قال محمد بن سعد : قوله تعالى : " ومن أحسن ~~قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال انني من المسلمين " هو رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . وقال أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي : لما أمر ~~الله تعالى نبيه ( صلى الله عليه وسلم )ايعلم الناس نزول الوحي عليه ، ~~ويدعوهم إلى الإيما به ، كبر ذلك عليه ، فنزل قوله عز وجل : " يأيها الرسول ~~بلغ ما انزل إليك من ربك وا لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ~~" ، قالت عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يحرس ~~حتى نزلت هذه الآية ، فأخرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رأسه من ~~القبة ، فقال لهم : أيها الناس ، انصرفوا فقد عصمني الله ؛ قيل : يعصمك من ~~قتلهمايقتلوك ، فبلغ عند ذلك الرسالة . وعن الزهري ، قال : دعا رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) إلى الإسلام سرا وجهرا فاستجاب لله PageV16P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" تعالى من شاء من أحداث الرجال وضعفاء الناس ~~حتى كثر من آمن بالله ؛ وكفار قريش غير منكرين لما يقول ، فكان إذا مر ~~عليهم في مجالسهم يشيرون إليه : اغلام بني عبد المطلب ليكلم من السماء ، ~~فكان ذلك حتى عاب الله آلهتهم التي يعبدونها دونه ، وذكر هلاك آبائهم الذين ~~ماتوا على الكفر ، فعند ذلك عادوا رسول الله صلى عليه وسلم وناكروه ؛ ~~وأجمعوا علاقة . قال ابن عباس رضي الله عنه : لما انزل الله عز وجل على ~~رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " وانذر عشيرتك الأقربين " صعد رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ms3260 ) على الصفا فقال : يا معشر قريش ، فقالت قريش : محمد ~~على الصفا يهتف ، فأقبلوا واجتمعوا فقالوا : مالك يا محمد ؟ فقال : أرأيتكم ~~لو أخبرتكماخيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقونني ؟ قالوا : نعم ، انت عندنا ~~غير متهم ، وما جربنا عليك كذبا قط ، قال : فاني نذير لكم بين يدي عذاب ~~شديد يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف يا بني زهرة ، حتى عدد الأفحاد من ~~قريش الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، واني لا أملك لكم من الدنيا ~~منفعة ، ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله قال : فقال أبو ~~لهب : تبا لك سائر اليوم ، ألهذا جمعتنا ؟ فانزل الله تعالى " تبت يدا أبي ~~لهب " السورة كلها . قال الواقدي : لما أظهر رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) الإسلام ومن معه ، وفشا أمره بمكة ، ودعا بعضهم بعضا فكان أبو بكر ~~يدعو ناحية سرا وكان سعيد بن زيد مثله ، وعثمان مثل ذلك ، وكان عمر يدعو ~~علانية وحمزة ابن عبد المطلب وأبو عبيدة بن الجراح ؛ فغضبت قريش من ذلك ، ~~وظهر منهم لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الحسد والبغي ، وأشخص به منهم ~~رجال فبادوه ، وتستر آخرون وهم على ذلك الرأي ، إلا انهم ينزهون أنفسهم عن ~~القيام والإشخاص برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ذكر أعداء رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) الذين جاهروا بالعداوة قالوا : كان أهل العداوة ~~والمباداة لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه الذين يطلبون ~~PageV16P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" الجدل والخصومة : أبو جهل بن هشام ، وأبو لهب ~~بن عبد المطلب ، والأسود بن عبد يغوث ، والحارث بن قيس بن عدي ، والوليد بن ~~المغيرة ، وأمية وأبي ابنا خلف ، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة ، والعاص ~~بن وائل ، والنضر ابن الحارث ، ومنبه بن الحجاج ، وزهير بن أبي أمية ، ~~والسائب بن صيفي بن عابد ، والأسود بن عبد الأسد ، والعاص بن سعيد بن العاص ~~، والعاص بن هشام ، وعقبة بن أبي معيط ، وأبو الأصدي ، وهو الذي نطحته ~~الأروى ، والحكم ابن أبي العاص ، وعدي بن الحمراء ؛ وذلك انهم كانوا جيرانه ms3261 ~~؛ والذين كانت تنتهي عداوة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إليهم : أبو ~~جهل ، وأبو لهب ، وعقبة ابن أبي معيط ؛ وكا عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو ~~سفيا بن حرب أهل عداوة ، ولكنهم لم يشخصوا بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ ~~كانوا كنحو قريش ، ولم يسلم من هؤلاء إلا أبو سفيا والحكم بن أبي العاص . ~~ذكر دخول قريش على أبي طالب في أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وما ~~كان بينهم من المحاورات قال محمد بن إسحاق : لما رأت قريشارسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) لا يعتبهم من شيء انكروه عليه ، ورأو ان اعمه أبا طالب قد ~~حدب عليه ، وقام دونه فلم يسلمه لهم ، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب ~~، وهم : عقبة وشيبة ابنا ربيعة ابن عبد شمس ، وأبو سفيا صخر بن حرب ، وأبو ~~البختري العاص بن هشام ، والأسود بن المطلب بن أسد ، وأبو جهل عمرو بن هشام ~~، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ابن عامر ، والعاص بن وائل ، فقالوا : يا أبا ~~طالب ، ان ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فإم ~~ان اتكفه عنا وإم ان اتخلى بيننا وبينه ، فانك على سبيل ما نحن عليه من ~~خلافه فنكفيكه ، فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم ردا جميلأن فانصرفوا ~~عنه . ومضى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على ما هو عليه يظهر دين الله ~~ويدعو إليه ، ثم شرى PageV16P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا ~~وأكثرت قريش ذكر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بينها فتذامروا فيه ، ~~وحض بعضهم بعضا عليه ، ثم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا : يا أبا طالب ~~، الك سنا وشرفا ومنزلة فينا وانا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ~~وانا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى ~~تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين ؛ ثم انصرفوا عنه ، ~~فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ، ولم يطب نفسا بإسلام ms3262 رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) لهم ولا خذلأنه . فبعث أبو طالب اني رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فقال : يا بن أخي ، اقومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا ~~فأبق علي وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق ؛ قال : فظن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) انه قد بدا لعمه فيه ، وانه خاذله ومسلمه ، ~~وانه قد ضعف عن نصرته والقيام معه ، فقال له : يا عم ، والله لو وضعوا ~~الشمس في يميني والقمر في يساري على ان أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو ~~أهلك فيه ما تركته ؛ ثم استعبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقام ، ~~فلما ولى ناداه أبو طالب فقال : أقبل يا بن أخي ، فأقبل عليه رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت ، فوالله لا ~~أسلمك لشيء أبدا . قال : ثماقريشا لما عرفو ان ان أبا طالب قد أبى خذلأن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وإسلامه ، وإجماعه لفراقهم في ذلك ~~وعداوتهم ، مشوا إليه بعمارة ابن الوليد بن المغيرة ، فقالوا له : يا أبا ~~طالب ، هذا عمارة بن الوليد انهد فتى في قريش وأجمله ، فخذه فلك عقله ونصره ~~، واتخذه ولدا فهو لك خير ، وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين ~~آبائك ، وفرق جماعة قومك ، وسفه أحلامهم فنقتله ، فانما هو رجل برجل ، قال ~~: والله لبئس ما تسومونني ، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابني ~~تقتلونه ؟ هذا والله ما لا يكون أبدا فقال له المطعم بن عدي ابن نوفل بن ~~عبد مناف بن قصي : والله يا أبا طالب لقد انصفك قومك ، وجهدوا على التخلص ~~مما PageV16P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" تكره ، فما أراك تريداتقبل منهم شيئا ؛ فقال ~~له أبو طالب : والله ما انصفوني ، ولكنك أجمعت خذلأني ومظاهرة القوم علي ، ~~فاصنع ما بدا لك ، فحقب الأمر ، وحميت الحرب ، وتنابذ القوم ، وبادى بعضهم ~~بعضا . قال الواقدي : لما أجابهم أبو طالب بما قدمناه من انهم ما انصفوه ~~قالوا له : فأرسل إليه فلنعطه النصف ، فأرسل إليه ms3263 أبو طالب ، فجاء رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : يا بن أخي ، هؤلاء عمومتك ، وأشراف ~~قومك ، وقد أراوا ينصفونك ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : قولوا ~~أسمع قالوا : تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك ، قال أبو طالب : قد انصفك القوم ~~فاقبل منهم ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أرأيتكم ان أعطيتكم ~~هذه هل أنتم معطى كلمة ان أنتم تكلمتم بها ملكتم بها العرب ، ودانت لكم بها ~~العجم ؟ فقال أبو جهل : اهذه لكلمة مربحة ، نعم ، وأبيك لنقولنها وعشر ~~أمثالها قال : قولوا لا إله إلا الله ، فاشمأزوا ونفروا منها وغضبوا وقاموا ~~وهم يقولون : واصبروا على آلهتكماهذا لشيء يراد ، ويقال : أن الذي تكلم بها ~~عقبة بن أبي معيط ، وقالوا : لا نعود إليه أبدا وما خير منانغتال محمدا . ~~فلما كان من تلك الليلة ، قعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وجاء أبو ~~طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه ، فجمع فتيانا من بني هاشم وبني المطلب ، ~~ثم قال : ليأخذ كل واحد حديدة صارمة ، ثم ليتبعني إذا دخلت المسجد فليجلس ~~كل فتى منكم إلى عظيم من عظمائهم ، فيهم ابن الحنظلية ، يعني أبا جهل ، ~~فانه لم يغب عن شراكا محمد قد قتل ، فقال الفتيان : نفعل ، فجاء زيد بن ~~حارثة ، فوجد أبا طالب على تلك الحال ، فقال : يا زيد ، أحسست ، ابن أخي ؟ ~~قال : نعم ، كنت معه انفا فقال أبو طالب : لا أدخل بيتي أبدا حتى أراه ، ~~فخرج زيد مسرعا حتى أتى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو في بيت عند ~~الصفا ومعه أصحابه يتحدثون ؛ فأخبره الخبر ، فجاء رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إلى أبي طالب ، فقال : يا بن أخي ، أين كنت ؟ أكنت في خير ؟ ~~قال : نعم ، قال : ادخل بيتك ، فدخل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ ~~فلما أصبح أبو طالب غدا على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأخذ بيده فوقف ~~على اندية قريش ومعه الفتيا الهاشميون والمطلبيون ، فقال : يا معشر قريش ، ~~هل تدرون ما هممت به ؟ قالوا : لا . فأخبرهم الخبر ، وقال للفتيان : اكشفوا ~~عما في ms3264 أيديكم ، فكشفوا فإذا كل رجل معه حديدة صارمة ، فقال : والله لو ~~قتلتموه ما بقيت PageV16P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" منكم أحدا حتى نتفانى نجن وأنتم ، فانكسر ~~القوم ، وكا أشدهم انكسارا أبو جهل . ذكر تحزب قريش على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وأذاهم له ولأصحابه قال ابن إسحاق : لما أيست قريش من أبي ~~طالب ، وانه لا يخذل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا يسلمه أبدا ~~تآمروا بينهم على من في القبائل من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~الذين أسلموا معه ، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ~~ويفتنونهم عن دينهم ، فقام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ذلك في بني هاشم ~~وبني المطلب ، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) والقيام دونه ، فقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه ، إلا ما كان ~~من أبي لهب فانه تمادى على غيه وكفره . قال : ثم اجتمع نفر من قريش إلى ~~الوليد بن المغيرة ، وكا ذا سن فيهم وقد حضر الموسم فقال لهم : يا معشر ~~قريش ؛ انه قد حضر هذا الموسم ، وا وفود العرب ستفد عليكم فيه ، وقد سمعوا ~~بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ويرد ~~قولكم بعضه بعضا ؛ قالوا : فانت يا أبا عبد شمس فقل ، وأقم لنا رأيا نقول ~~به ، قال : بل أنتم فقولوا أسمع ؛ قالوا : نقول كاهن ؛ قال : لأن والله ما ~~هو بكاهن ، لقد رأينا الكها فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه ، قالوا : فنقول ~~مجنون ، قال : ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا ~~تخالجه ولا وسوسته ؛ قالوا : فنقول شاعر ؛ قال : ما هو بشاعر ، لقد عرفنا ~~الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر ؛ قالوا : ~~فنقول : ساحر ، قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو ~~بنفثه ولا عقده ؛ قالوا : فما تقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : واللهالقوله ~~لحلاوة ، وا أصله لعدق ، وا فرعه لجناة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا ms3265 إلا ~~عرف انه باطل ، وا أقرب القول فيهاتقولوا : ساحر ، جاء بقول هو سحر يفرق ~~بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجه ، وبين المرء ~~وعشيرته . فتفرقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبيل PageV16P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" الناس حين قدموا الموسم ، لا يمر بهم أحد إلا ~~حدروه إياه وذكروا له أمره ، فانزل الله تعالى في الوليد ابن المغبرة : " ~~ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم ~~يطمع ان أزيد كلا انه كان لآياتنا عنيدا " أي خصيما مخالفا " سأرهقه صعودا ~~انه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر " . قال ابن هشام : بسرأى ~~كره وجهه ، ثم أدجبر واستكبر فقالاهذا إلا سحر يؤثراهذا إلا قول البشر . ~~قال ابن إسحاق : وانزل الله في النفر الذين كانوا معه يصنفون القول في رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وفيما جاء به من عند الله : " الذين جعلوا ~~القرا عضين " أي أصنافا " فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون " . قال ~~ابن إسحاق : وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها . قال : ثم ابتدأت قريش في عداوة ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومن أسلم معه منهم ، فأغروا به ( صلى ~~الله عليه وسلم ) سفهاءهم ، فكذبوه وآذوه ، ورسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) مظهر لأمر الله لا يستخفي به ، مبا لهم بما يكرهون من عيب دينهم ، ~~واعتزال أوثانهم ، وفراقه إياهم على كفرهم . قال محمد بن إسحاق : حدثني ~~يحيى بن عروة عن الزبير عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله ~~عنهما قال : قلت له ما أكثر ما رأيت قريشا أصابوا من رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فيما كانوا يظهرون من عداوته ؟ قال : حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم ~~يوما في الحجر ، فذكروا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا : ما ~~رأينا مثلما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط ؛ سفه أحلامنا وشتم آباءنا ~~وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا ؛ لقد صبرنا منه ms3266 على PageV16P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" أمر عظيم ، أو كما قالوا ؛ فبينما هم في ذلك ~~إذ طلع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن ، ~~ثم مر بهم طائفا بالبيت ، فغمزوه ببعض القول ، قال : فعرفت ذلك في وجهه ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، ثم مضى ، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ~~ذلك في وجهه ، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فوقف ثم قال : أتسمعون يا ~~معشر قريش ؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح . قال : فأخذت كلمته ~~القوم حتى ما منهم رجل إلا كانما على رأسه طائر واقع ، حتى ان أشدهم فيه ~~وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول ، حتى انه ليقول : انصر يا أبا ~~القاسم ، فوالله ما كنت جهولأن فانصرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وانا معهم ، فقال بعضهم لبعض : ذكرتم ما ~~بلغ منكم ، وما بلغكم عنه ، حتى إذا دنا منكم وباداكم بما تكرهون تركتموه ، ~~فبينما هم في ذلك طلع رسول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فوثبوا إليه ~~وثبة رجل واحد ، فأحاطوا به يقولون : انت الذي تقول كذا وكذا لما كان يقول ~~من عيب آلهتهم ودينهم ، فيقول : نعم ، انا الذي أقول ذلك . قال : فلقد رأيت ~~رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه ، فقام أبو بكر دونه وهو يبكي ويقو : أتقتلون ~~رجل ان ايقول ربي الله ، ثم انصرفوا عنه . فا ذلك لأشد ما رأيت قريشا نالوا ~~منه قط . قالت أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما : لقد رجع أبو ~~بكر يومئذ وقد صدعوا فرق رأسه مما جبذوه بلحيته ، وكا رجلا كثير الشعر . ~~وخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول ، من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال : اجتمعت قريش بعد وفاة أبي طالب بثلاث ~~فأرادوا قتل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأقبل هذا يجأه وهذا ~~يتلتله ، فاستغاث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فلم يغثه أحد إلا أبو بكر ~~وله ضفيرتان ms3267 ، فأقبل يجأ ذا ويتلتل ذا ويقول بأعلى صوته : PageV16P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" ويلكم ، أتقتلون رجل ان ايقول ربي الله ، ~~والله انه لرسول الله ، فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكر يومئذ ، فقال علي : ~~والله ليوم أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون ، ذاك رجل كتم إيمانه فأثنى الله ~~عليه في كتابه ، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه وبذل ماله ودمه لله عز وجل . قال ~~ابن هشام : حدثني بعض أهل العلم : ان أشد ما لقي رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من قريش : انه خرج يوما فلم يلقه أحد من الناس إلا كذبه وآذاه لا حر ~~ولا عبد ، فرجع ( صلى الله عليه وسلم ) إلى منزله فتدثر منشدة ما أصابه ، ~~فانزل الله عز وجل عليه : " يأيها المدثر قم فانذر " . ذكر إسلام حمزة بن ~~عبد المطلب عم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال محمد بن إسحاق حدثني ~~رجل من أسلم كان واعية : ان أبا جهل بن هشام مر برسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) عند الصفا فآذاه وشتمه ، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه ، ~~والتضعيف لأمره ، فلم يكلمه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومولاة ~~لعبد الله بن جدعا تسمع ذلك ، ثم انصرف أبو جهل عنه عامدا إلى نادي قريش ~~عند الكعبة ، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب ان أقبل متوشحا قوسه ، راجعا من ~~قنص له ، وكا حمزة أعز فتى في قريش وأشده شكيمة ، فلما مر بمولاة ابن جدعا ~~قالت له : يا أبا عمارة : لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد انفا من أبي جهل ~~ابن هشام ؛ وجده ههنا جالسا فآذاه وسبه ، وبلغ منه ما يكره ، ثم انصرف عنه ~~ولم يكلمه محمد ، فغضب حمزة ، فخرج يسعى حتى دخل المسجد فنظر إلى أبي جهل ~~جالسا في القوم ، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ~~فشجه شجة منكرة ، ثم قال : أتشتمه ؟ فانا على دينه أقول ما يقول ، فرد ذلك ~~علي ان استطعت ، فقامت رجال بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل ، فقال ms3268 أبو ~~جهل : دعوا أبا عمارة ، فاني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا وتم حمزة ~~PageV16P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" على إسلامه ، وعلى ما بايع عليه رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) من قوله ؛ فلما أسلم حمزة عرفت قريشارسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قد عز وامتنع ، وا حمزة سيمنعه ، فكفوا عن بعض ما كانوا ~~ينالون منه قبل ، قال : وكا إسلام حمزة قبل إسلام عمر ابن الخطاب - رضي ~~الله عنهما - بثلاثة أيام . ذكر مشي عتبة بن ربيعة ، والوليد بن المغيرة ~~إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وسماعهما القران ، واعترافهما انه لا ~~يشبه شيئا من كلامهم ، وما أشار به عتبة على أشراف قريش في أمر رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قال محمد بن إسحاق : حدثني يزيد بن زياد ، عن محمد بن ~~كعب القرظي قال : حدثتاعتبة بن ربيعة - وكا سيدا - قال يوما وهو جالس في ~~نادي قريش ، والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) جالس في المسجد وحده : يا معشر ~~قريش ، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عيلان مورا لعله يقبل بعضها فنعطيه ~~أيها شاء ويكف عنا ؟ وذلك حين أسلم حمزة ، ورأوا أصحاب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يزيدون ويكثرون ، فقالوا : بلى يا أبا الوليد ، فقم إليه ~~فكلمه ، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال ~~: يا بن أخي ، انك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة ، والمكا في النسب ~~، وانك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم ، وسفهت به أحلامهم ، وعبت ~~به آلهتهم ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أمورا ~~تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها قال : قل يا أبا الوليد أسمع ، قال : يا بن ~~أخي ، اكنت انما تريد مما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا ~~حتى تكون أكثرنا مالأن وا كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا ~~دونك ، وا كنت تريد ملكا ملكناك علينا وا كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا ms3269 ~~تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك ~~PageV16P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" منه ، فانه ربما غلب التابع على الرجل حتى ~~يداوى منه ، أو كما قال له . حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يسمع منه قال : أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ قال : نعم ، قال : فاستمع ~~مني ، قال : أفعل ، قال : " بسم الله الرحمن الرحيم . حم . تنزيل من الرحمن ~~الرحيم . كتاب فصلت آياته قرانا عربيا لقوم يعلمون . بشيرا ونذيرا فأعر ؟ ض ~~أكثرهم فهم لا يسمعون " . ثم مضى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيها ~~يقرؤها عليه ، فلما سمعها عتبة انصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما ~~يستمع منه ، ثم انتهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى السجدة فسجد ، ~~ثم قال : قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت ، فانت وذاك . فقام عتبة إلى ~~أصحابه فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ~~ذهب به ، فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي اني ~~سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا ~~بالكهانة ، يا معشر قريش ، أطيعوني واجعلوها بي ، وخلوا بين هذا الرجل وبين ~~ما هو فيه فاعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ عظيم ، فا تصبه ~~العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وا يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، ~~وكنتم أسعد الناس به ؛ فقالوا : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه ، قال : ~~هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما بدا لكم . وروى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ~~بسنده إلى جابر بن عبد الله ، قال : قال أبو جهل والملأ من قريش : لقد ~~انتشر علينا أمر محمد ، فلو التمستم رجلا عالما بالسحر والكهانة والشعر ~~فكلمه ، ثم أتانا ببيا أمره ؟ فقال عتبة : لقد سمعت بقول السحرة والكهانة ~~والشعر ، وعلمت من ذلك علما وما يخفى علياكا كذلك ، فأتاه عتبة فقال : يا ~~محمد ، انت خير أم هاشم ؟ انت خير أم عبد المطلب ؟ انت خير أم عبد الله ؟ ~~فلم يجبه رسول ms3270 الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : فبم تشتم آلهتنا وتضلل ~~آباءنا ؟ فا كنت انما بك الرئاسة عقدنا ألويتنا لك ، فكنت رأسنا ما بقيت ، ~~وا كان بك الباه زوجناك عشر نسوة تختار من أي بنات قريش شئت ، وا كان بك ~~المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني بها انت وعقبك من بعدك ، ورسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ساكت لا يتكلم ؛ فلما فرغ من PageV16P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" حديثه قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: بسم الله الرحمن الرحيم . حمم . تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت ~~آياته حتى بلغ قوله تعالى : " صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود " ، فأمسك عتبة ~~علي في النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وناشده الرحمايكف ، ولم يخرج إلى ~~أهله واحتبس عنهم ؛ فقال أبو جهل : يا عتبة ، ما حسبنا إلا انك صبوت إلى ~~محمد وأعجبك أمره ، فا كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام ~~محمد ، فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمدا أبدا وقال : لقد علمتم اني من أكثر ~~قريش مالأن ولكني أتيته ، وقص عليهم القصة ، قال : فأجابني بشيء والله ما ~~هو بسحر ولا شعر ولا كهانة ، قرأ عليك " بسم الله الرحمن الرحيم . حم " إلى ~~قولاه : " مثل صاعقة عاد وثمود " فأمسكت بفيه وناشدته الرحمايكف ، وقد ~~علمتمامحمدا إذا قال شيئا لم يكذب فيه ، فخفتاينزل بكم العذاب . وأما ~~الوليد بن المغيرة فقد روى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بسنده عن عكرمة ~~عن ابن عباس بن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فقرأ عيلان لقران ، فكانه رق له ، فبلغ ذلك أبا جهل ، فأتاه فقال : يا ~~عمراقومك يرونايجمعوا لك مالأن قال : لم ؟ قال : ليعطوكه ، فانك أتيت محمدا ~~لتعرض لما قبله ، قال : قد علمت قريش اني من أكثرها مالأن قال : فقل فيه ~~قولا يبلغ قوم انك منكر له ، وانك كاره له ، فقال : وماذا أقول ؟ فوالله ما ~~فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني ، ولا بأشعار ~~الجن ؛ والله ما يشبه الذي يقول شيئا من ms3271 هذا وواللهالقوله الذي يقول لحلاوة ~~، وا عليه لطلاوة ، وانه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وانه ليعلو وما يعلى ، ~~وانه ليحطم ما تحته . قال : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه . قال : فدعني ~~حتى أفكر فيه ، فلما فكر قال : هذا سحر يؤثر ، يأثره عن غيره ، فنزل قوله ~~تعالى : " ذرني ومن خلقت وحيدا . . . " الآيات . وعن عكرمة بن الوليد بن ~~المغيرة جاء إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال له : اقرأ علي ، ~~فقرأ PageV16P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" عليه : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ~~ذي القربى ، وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ، قال : ~~أعد علي ، فأعاد عيلان لنبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : والله إن له ~~لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وما يقول ~~هذا بشر . ذكر اجتماع أشراف قريش إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وما ~~عرضوا عليه وما طلبوا منهايريهم ويخبرهم به من القصص ، وأخبار من سلف وغير ~~ذلك من غيهم ، وما انزل عليه في ذلك مما سنذكرهاشاء الله تعالى ، ويترجم ~~على بعض ما انطوت عليه هذه الترجمة من القصص بما يدل عليها ويبينها من ~~التراجم وا كانت داخلة فيها . قال محمد بن إسحاق : ثم إن الإسلام جعل يفشو ~~بمكة في قبائل قريش ، في الرجال والنساء . وقريش تحبس من قدرت على حبسه ، ~~وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين ، ثم اجتمعت أشراف قريش من كل قبيلة ، ~~كما روى عن سعيد بن جبير وابن عباس ، قالا : اجتمع عتبة بن PageV16P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو سفيا ابن حرب ~~، والنضر بن الحارث بن كلدة ، وأبو البختري بن هشام ، والأسود ابن المطلب ~~بن أسد ، وزمعة بن الأسود ، والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام ، وعبد ~~الله بن أبي أمية ، والعاص بن وائل ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان ، ~~وأمية ابن خلف ، أو من اجتمع منهم ، فاجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر ~~الكعبة ، ثم قال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا ~~فيه ، فبعثوا إليه : ان أشراف ms3272 قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك ، فأتهم ؛ فجاءهم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سريعا وهو يظناقد بدا لهم فيما كلمهم فيه ~~بداء ، وكا حريصا عليهم ، يحب رشدهم ، حتى جلس إليهم فقالوا : يا محمد انا ~~قد بعثنا إليك لنكلمك ، وانا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما ~~أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين ، وسببت الآلهة ، وسفهت ~~الأحلام ، وفرقت الجماعة ، فما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك ~~، أو كما قالوا له ، فا كنت انما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك ، ~~وكلموه بنحو ما كلمه به عتبة بن ربيعة على ما قدمناه انفا . فقال لهم رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ما بي ما تقولون ، ما جئت بما جئتكم أطلب به ~~أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن الله بعثني إليكم رسولا ~~وانزل عليكم كتابا وأمرني ان أكون بشيرا ونذيرا فبلغت لكم رسالات ربي ونصحت ~~لكم ، فا تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وا تردوه ~~على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم أو كما قال - ( صلى الله ~~عليه وسلم ) - . قالوا يا محمد : فا كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك ~~فانك قد علمت انه ليس من الناس أحد أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا ~~فسل لنا ربك الذي بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا وليبسط ~~لنا بلادنا وليخرق لنا فيها انهارا كانهار الشام والعراق ، وليبعث لنا من ~~مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب ، فانه كان شيخ صدق ، ~~فنسألهم عما تقول : أحق هو أم باطل ، فا صدقوك وصنعت لنا ما سألناك عرفنا ~~به منزلتك من الله ، وانه بعثك رسولا كما تقول . فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : ما بهذا بعثت إليكم ، انما جئتكم من الله بما بعثني به ، وقد ~~بلغتكم ما أرسلت به إليكم ، فا تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وا ~~تردوه علي ms3273 أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم . قالوا له : فإذا لم ~~تفعل هذا لنا فخذ لنفسك ، سل ربكايبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ، ويراجعنا ~~عنك ، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك ~~تبتغي ، فانك تقوم بالأسواق كما نقوم ، وتلتمس المعاش كما نلتمس ، حتى نعرف ~~فضلك ومنزلتك من ربكاكنت رسولا كما تزعم ؛ فقال لهم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : ما انا بفاعل ، وما انا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم ~~بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا - أو كما قال - فا تقبلوا ما جئتكم به ~~فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وا تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله ~~بيني وبينكم . قالوا : فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمتاربكاشاء فعل ، ~~فانا لا نؤمن لك إل ان اتفعل . فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ذلك إلى الله ~~، اشاء يفعله بكم فعل قالوا : يا محمد ، أفما علم ربك انا سنجلس معك ونسألك ~~عما سألناك عنه ونطلب ، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ، ويخبرك بما هو ~~صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به ؟ انه قد بلغنا انك انما ~~يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن ، وانا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا ~~فقد أعذرنا إليك يا PageV16P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" محمد ، وانا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى ~~نهلكك أو تهلكنا . وقال قائلهم : نحن نعبد الملائكة ، وهي بنات الله . وقال ~~قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا ؛ فلما قالوا ذلك ~~لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية ~~بن المغيرة - وهو ابن عمته - فقال له : يا محمد ، عرض عليك قومك ما عرضوا ~~فلم تقبله منهم ، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما ~~تقول ، ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل ، ثم سألوكاتأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك ~~عليهم ، ومنزلتك من الله فلم تفعل ، ثم سألوكاتعجل لهم بعض ما تخوفهم به من ~~العذاب فلم تفعل - أو كما ms3274 قال له - فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى ~~السماء سلما ثم ترقى فيه وانا انظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك ، ومعك ~~أربعة من الملائكة يشهدون لك انك كما تقول ، وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت ~~اني أصدقك ؛ ثم انصرف عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وانصرف رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى أهله حزينا أسفا لما فاته مما كان يطمع به ~~من قومه حين دعوه . من الله كما تقول ، ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل ، ثم ~~سألوكاتأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ، ومنزلتك من الله فلم تفعل ، ثم ~~سألوكاتعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل - أو كما قال له - ~~فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه وانا انظر ~~إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك ، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك انك ~~كما تقول ، وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت اني أصدقك ؛ ثم انصرف عن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وانصرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى ~~أهله حزينا أسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه . ذكر قصة أبي ~~جهل في الحجر الذي قصد قتل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وما شاهده ~~من حماية الله تعالى لنبيه ، وكفايته إياه ورجوعه إلى قومه وإخبارهم بما ~~شاهد قال ابن إسحاق : ولما قام عنهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال ~~أبو جهل : يا معشر قريش ، امحمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم ~~آبائنا وتسفيه أحلامنا وسب آلهتنا ؛ واني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما ~~أطيق حمله ، فإذا سجد فضخت به رأسه ، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني ، فليصنع ~~بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم ؛ قالوا : والله لا نسلمك لشيء أبدا فامض ~~لما تريد ، فلما أصبح أخذ حجرا كما وصف ، ثم جلس ينتظره ، وغدا رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) كما كان يغدو ، وكا رسول ms3275 الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يصل إلى بيت المقدس : وكا إذا صلى صلى بين الركن اليماني والحجر الأسود : ~~وجعل الكعبة بينه وبين الشام ، وقام يصلي وقريش في انديتهم ينتظرون ما أبو ~~جهل فاعل ، فلما سجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) احتمل أبو جهل الحجر ~~ثم أتى نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه ، مرعوبا قد يببست ~~يداه على حجره حتى قذف الحجر من PageV16P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" يده ، وقامت إليه رجال قريش فقالوا له : مالك ~~يا أبا الحكم ؟ فقال : قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة ، فلما دنوت ~~منه عرض لي دونه فحل من الإبل ؛ والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا ~~انيابه لفحل قط ، فهمايأكلني . قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ذاك ~~جبريل لو دنا لأخذه . ومثل هذه القصة أيضا ما رواه ابن إسحاق قال : قدم رجل ~~من إراش - ويقال إراشة - بإبل له مكة فابتاعها منه أبو جهل ، فمطله ~~بأثمانها فأقبل الإراشي حتى وقف على ناد من اندية قريش ، ورسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في ناحية المسجد جالس ، فقال الإراشي : يا معشر قريش ، من ~~رجل يؤذيني على أبي الحكم بن هشام ؛ فاني رجل غريب ابن سبيل ، وقد غلبني عل ~~حقي ؛ فقال له القوم : أترى ذلك الرجل الجالس ؟ - يريدون رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وهم يهزءون به - اذهب إليه فهو مؤديك عليه ؛ فأقبل ~~الإراشي حتى وقف على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا عبد الله ~~، ان أبا الحكم قد غلبني على حق لي قبله ، وانا غريب وابن سبيل ، ولقد سألت ~~هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه فأشاروا لي إليك ، فخذ لي حقي منه يرحمك ~~الله ، قال : انطلق إليه ، وقام معه ( صلى الله عليه وسلم ) فلما رأوه قام ~~معه قالوا لرجل ممن معهم : اتبعه فانظر ماذا يصنع ؟ قال : وخرج رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) حتى جاءه فضرب عليه بابه ، فقال : من هذا ؟ قال : ~~محمد فاخرج إلي فخرج وما في وجهه رانحة ms3276 أي دم قد انتقع لونه فقال : أعط هذا ~~الرجل حقه قال : نعم ، لا يبرح حتى أعطيه الذي له ، ودخل فخرج إليه بحقه ~~فدفعه إليه ، ثم انصرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقال للإراشي : ~~الحق بشانك ؛ فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس ، فقال : جزاه الله ~~خيرا فقد والله أخذ لي حقي ، وجاء الرجل الذي بعثوه معه فأخبرهم الخبر ، ~~قال : ثم لم يلبث أبو جهلاجاء ، فقالوا له : ويلك ؟ والله ما رأينا مثل ما ~~صنعت قط قال : ويحكم والله ما هو إل ان اضرب علي PageV16P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" بابي ، وسمعت صوته ، فملئت رعبا ثم خرجت إليه ~~وا فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا انيابه لفحل ~~قط ، والله لو أبيت لأكلني . ذكر خبر النضر بن الحارث وما قال لقريش ، ~~وإرسالهم إياه إلى يثرب إلى أحبار يهود وعقبة بن أبي معيط وما عادا به قال ~~: ولما رجع أبو جهل إلى قريش ، وألقى الحجر من يده وقص عليهم ما شاهد قام ~~النضر بن الحارث بن كلدة فقال : يا معشر قريش ، انه والله قد نزل بكم أمر ~~ما أتيتم له بحيلة بعد ، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم ، ~~وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب - وقد جاءكم ~~بما جاءكم به - قلتم : ساحر ، لا والله ما هو بساحر ، لقد رأينا السحرة ؛ ~~نفثهم وعقدهم . وقلتم : كاهن ، لا والله ما هو بكاهن ، قد رأينا الكهنة ؛ ~~تخالجهم ، وسمعنا سجعهم . وقلتم : شاعر ، لا والله ما هو بشاعر ، لقد رأينا ~~الشعر ، وسمعنا أصنافه كلها ؛ هزجه ورجزه . وقلتم مجنون ، لا والله ما هو ~~بمجنون ، لقد رأينا الجنون ، ما هو بخنقه ، ولا وسوسته ، ولا تخليطه ، يا ~~معشر قريش ، فانظروا في شانكم ، فانه والله لقد نزل بكم أمر عظيم . قال ابن ~~إسحاق : وكا النضر بن الحارث من شياطين قريش ، وممن كان يؤذي رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وينصب له العداوة ، وكا قد قدم الحيرة وتلعم بها ~~أحاديث ملوك الفرس ورستم وإسفنديار ، فكان ms3277 إذا جلس رسول اله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) مجلسا فذكر فيه بالله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من ~~نقمة الله ، خلفه في مجلسه إذا أقام ، ثم قال : والله يا معشر قريش انا ~~أحسن حديثا منه ، فهلم فانا أحدثكم أحسن من حديثه ، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ~~ورستم وإسنفديار ، ثم يقول : بماذا محمد أحسن حديثا مني قيل : والنضر هذا ~~هو الذي قال فيما بلغني : سانزل مثل ما انزل الله ، قال ابن عباس : نزل فيه ~~ثما آيات من القران : قوله تعالى " إذا تتلى عيلان ياتنا قال أساطير ~~الأولين " ، وكل ما ذكر فيه الأساطير من القران . قال : فلما قال لهم النضر ~~بن الحارث ما قال بعثوه ، وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود ~~بالمدينة ، وقالوا لهما : سلاهم عن محمد ، وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله ، ~~فانهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم حسن - ليس عندنا - من علم الأنبياء ؛ ~~فخرجا حتى PageV16P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ووصفا لهم أمره ، وأخبراهم ببعض قوله ، وقالا لهم : ~~انكم أهل التوراة ، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا فقال لهما أحبار ~~يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن ، فا أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وا لم يفعل ~~فالرجل متقول ، فروا فيه رأيكم ، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ، ما ~~كان من أمرهم ؟ فانه قد كان لهم حديث عجيب ؛ وسلوه عن رجل طواف قد بلغ ~~مشارق الأرض ومغاربها ؛ ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟ فا أخبركم ~~بذلك فاتبعوه فانه نبي ، وا لم يفعل فهو رجل متقول فروا فيه رأيكم . فجاءوا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا : يا محمد ، أخبرنا عن فتية ذهبوا ~~في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب ؛ وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق ~~الأرض ومغاربها ؛ وأخبرنا عن الروح ما هي ؟ فقال لهم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : أخبركم بما سألتم عنه غدا ولم يستثن بالمشيئة ، فانصرفوا عنه ~~، فمكث رسول ms3278 الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيما يزعمون خمس عشرة ليلة لا ~~يحدث الله في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا : وعدنا ~~محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه ~~عنه ، وحتى أحزن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مكث الوحي عنه ، وشق ~~عليه ما يتكلم به أهل مكة ؛ ثم جاءه جبريل من الله بسورة الكهف فيها خبر ما ~~سألوا عنه ، فيقال : انه ( صلى الله عليه وسلم ) قال لجبريل حين جاءه : لقد ~~احتبست عني حتى سؤت ظنا ؛ فقال له جبريل : " وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما ~~بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا " . ذكر ما اشتملت عليه ~~سورة الكهف مما سألوه عنه قال أبو محمد عبد الملك بن هشام رحمه الله تعالى ~~: افتتح الله عز وجل السورة بحمده ، وذكر نبوة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ~~) فقال : " الحمد لله الذي انزل علي عبده الكتاب " يعني محمدا . قوله : " ~~ولم يجعل له عوجا قيما " أي معتدلا لا اختلاف فيه . قوله : " لينذر بأسا ~~شديدا من لدنه " أي عاجل عقوبته في الدنيا وعذابا أليما في الآخرة . قوله : ~~" ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحاتالهم أجرا حسنا . ماكثين فيه أبدا " ~~أي دار الخلد لا يموتون فيها الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به غيرهم ، ~~وعملوا بما أمرتهم من الأعمال . قوله : " وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ~~" يعني قريشا في قولهم : PageV16P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" انا نعبد الملائكة وهي بنات الله . قوله : " ~~ما لهم به من علم ولا لآبائهم " الذين أعظموا فراقهم . قوله : " كبرت كلمة ~~تخرج من أفواههما يقولون إلا كذبا " أي قولهم : إن الملائكة بنات الله . ~~قوله : " فلعلك باخع نفسك على آثارهمالم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا " أي مهلك ~~نفسك لحزنه ( صلى الله عليه وسلم ) عليهم حين فاته ما كان يرجو منهم ، أي ~~لا تفعل . قوله : " انا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن ~~عملا " أي أيهم أتبع لأمري ، وأعمل لطاعتي . قوله : " وانا ms3279 لجاعلون ما ~~عليها صعيدا جرزا " أي الأرض ، وا ما عليها لفا وزائل ، ولكن المرجع إلي ~~فأجزي كلا بفعله ، فلا تأس ، ولا يحزنك ما ترى وتسمع فيها . ثم استقبل ~~القصة فيما سألوه عنه من شا الفتية . فقال تعالى : " أم حسبت ان أصحاب ~~الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " ، أي قد كان من آياتي فيما وضعت على ~~العباد من حجتي ما هو أعجب من ذلك . قال ابن هشام : والرقيم الكتاب الذي ~~يرقم فيه بخبرهم ، وجمعه رقم . ثم قال : إذ أوى الفتية إلى الكهف إلى قوله ~~: لقد قلنا إذا شططا أي لم يشركوا بي كما أشركتم بي ما ليس لكم به علم . ~~قال : والشطط ، الغلو ومجاوزة الحق . قوله : " هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه ~~آلهة لولا يأتون عليهم بسلطا بين " ، أي بحجة بالغة . فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا إلى قوله : " وهم في فجوة منه " . قال ابن هشام : تزاور ، ~~تميل ، وهو من الزور ، وتقرضهم ذات الشمال ، أي تجاوزهم وتتركهم عن شمالها ~~. والفجوة : السعة ، وجمعها الفجاء . قوله : " ذلك من آيات الله " أي في ~~الحجة على من عرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب ممن أمر هؤلاء بمسألتك عنهم ~~في صدق نبوتك بتحقيق الخبر عنهم . قوله : " من يهد الله فهو المهتد " إلى ~~قوله " بالوصيد " الوصيد : الباب . قال عبيد بن وهب العبسي منشدا : بأرض ~~فلاة لا يسد وصيدها . . . علي ومعروفي بها غير منكر والوصيد أيضا الفناء ، ~~وجمعه وصائد ووصد ووصدا قوله : لو اطلعت عليهم إلى قوله : " لو اطلعت عليهم ~~" إلى قوله " قال الذين غلبوا على أمرهم " أهل الملك " لنتخذن عليهم مسجدا ~~" . قوله : " سيقولون ثلاثة " إلى قوله : " ولا تستفت فيهم منهم أحدا " ~~يعني أحبار يهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم ، فانهم لا علم لهم بهم . قوله ~~: " ولا تقولن لشيء اني PageV16P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" فاعل ذلك غدا إلا ان " إلى قوله " رشدا " أي ~~لا تقولن لشيء سألوك عنه كما قلت في هذا : اني مخبركم غدا واستثن بمشيئة ~~الله " وقل عسىايهدين ربي " الخير مما سألتموني عنه رشدا فانك لا تدري ms3280 ما ~~انا صانع في ذلك . قوله : " ولبثوا في كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا تسعا " ~~أي سيقولون ذلك . " قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض أبصر به ~~وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا " أي لم يخف عليه شيء ~~مما سألوا عنه ، وقال الله عز وجل ، فيما سألوه عنه من أمر الطواف ، وهو ذو ~~القرنين : " ويسألونك عن ذي القرنين " الآيات ، إلى آخر خبره . وقد ذكرنا ~~قصة ذي القرنين في الباب الأول من القسم الرابع من الفن الخامس من كتابنا ~~هذا وهي في الجزء الثاني عشر من هذه النسخة ، ولا فائدة في إعادتها . وقال ~~تعالى فيما سألوه عنه من أمر الروح : " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ~~ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " روى عن عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما قال : لما قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة قال أحبار ~~يهود : يا محمد ، أرأيت قولك : " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " إيانا ~~تريد أم قومك ؟ قال : كلا . قالوا : فانك تتلو فيما جاءك انا قد أوتينا ~~التوراة فيها بيا كل شيء ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : انها ~~في علم الله قليل ، وعندكم في ذلك ما يكفيكم لو أقمتموه فانزل الله تعالى ~~عليه فيما سألوه عنه من ذلك : " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم " ، أي أن ~~التوراة في هذا من علم الله قليل . ذكر ما انزل على رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) من القرآن فيما سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال ، وتقطع ~~الأرض وبعث من مضى من آبائهم من الموتى ، وما سألوه لنفسه ، وما قالوه له ~~بعد ذلك انزل الله عز وجل على رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) فيما سأله قومه ~~لأنفسهم فيما قدمنا ذكره ؛ قوله تعالى : " ولواقرانا سيرت به الجبال أو ~~قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا ms3281 " ، أي لا أصنع من ذلك ~~إلا ما شئت . وانزل عليه في قولهم : PageV16P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" خذ لنفسك ما سألوهايأخذ لنفسه قوله تعالى : " ~~وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا انزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا . أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال ~~الظالمون اتتبعون إلا رجلا مسحورا " . " تبارك الذياشاء جعل لك خيرا من ذلك ~~" ، أي مناتمشي في الأسواق وتلتمس المعاش " جنات تجري من تحتها الأنهار ~~ويجعل لك قصورا " . وانزل عليه في ذلك : " وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا ~~انهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكا ~~ربك بصيرا " ، أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا ولو شئت ان أجعل الدنيا مع ~~رسلي ولا يخالفوا لفعلت . وانزل عليه فيما قال عبد الله بن أمية : " وقالوا ~~لن يؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا . أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي ~~بالله والملائكة قبيلا . أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن ~~نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحا ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ~~" ، وانزل عليه في قولهم : انا قد بلغنا انك انما يعلمك رجل باليمامة يقال ~~له الرحمن ، ولن نؤمن به أبدا ؛ قوله تعالى : " كذلك أرسلناك في أمة قد خلت ~~من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي ~~لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب " . وانزل عليه فيما قال أبو جهل وما ~~همز به قوله تعالى : " أرأيت الذي ينهى . عبدا إذا صلى . أرأيتاكا على ~~الهدى . أو أمر بالتقوى " إلى آخر السورة . قال ابن هشام : لتسفعن : لنجذبن ~~ولنأخذن . والنادي : المجلس الذي يجتمع فيه القوم ويقضون فيه أمورهم ، ~~وجمعه اندية . يقول : " فليدع ناديه " أي أهل ناديه ، كما قال تعالى : " ~~واسأل القرية " أي أهل القرية . وانزل عليه فيما عرضوه عليه من أموالهم : " ~~قل ما سألتكم من أجر ms3282 فهو لكم ان أجرى إلا على كل شيء شهيد " . ذكر ما كان ~~من عناد قريش بعد ذلك وعقودهم قال : فلما جاءهم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بما عرفوا من الحق ، وعرفوا صدقه فيما حدث ، وموقع نبوته فيما جاءهم ~~به من علم الغيوب حين سألوه عما سألوه عتوا PageV16P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" على الله واستمروا في طغيانهم وعلى كفرهم ، ~~فقال قائلهم : " لا تسمعوا لهذا القرا والغوا فيه لعلكم تغلبون " . ~~فانكماناظرتموه وخاصمتموه غلبكم . فقال أبو جهل يوما - وهو يهزأ برسول الله ~~وما جاء به من الحق - : يا معشر قريش ، يزعم محمد انما جنود الله الذين ~~يعذبونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر ، وأنتم أكثر الناس عددا وكثرة ~~، أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم . فانزل الله تعالى في ذلك : " وما ~~جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا " إلى ~~آخر القصة . قال : ولما قال بعضهم لبعض : لا تسمعوا لهذا القرا والغوا فيه ~~جعلوا إذا جهر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالقرا وهو في صلاته ~~يتفرقون عنه ، ويأبونايسمعوا له ، فكان الرجل منهم إذا أرادايستمع من رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعض ما يتلو من القرا وهو يصلي استرق السمع ~~دونهم فرقا منهم ، فا رأى انهم قد عرفوا به انه يستمع منه ذهب خشية ~~أذاهمايستمع ؛ وا خفض ( صلى الله عليه وسلم ) صوته ظن الذي يستمع انهم لا ~~يستمعون شيئا من قراءته ؛ وسمع هو شيئا دونهم أصاخ له يستمع منه ، فانزل ~~الله تعالى قوله : " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا " ~~يقول : لا تجهر بصلاتك فيفروا عنك ، ولا تخافت بها فلا يسمعها من ~~يحبايسمعها ممن يسترقها دونهم لعله يرعوى إلى بعض ما يسمع فينتفع به . ذكر ~~أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) روى عن عروة بن ~~الزبير عن أبيه قال : كان أول من جهر بالقرا بعد رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) عبد الله بن مسعود . قال : اجتمع يوما أصحاب ms3283 رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فقالوا : والله ما سمعت قريش هذا القرا يجهر لها به قط من رجل ~~يسمعهموه . فقال عبد الله بن مسعود : انا ؛ قالوا : انا نخشاهم عليك ، انما ~~نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم ان أرادوه ، قال : دعوني ، إن الله ~~سيمنعني ؛ قال : فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في وقت الضحى وقريش في ~~انديتها ثم قال رافعا صوته : " بسم الله الرحمن الرحيم . الرحمن . علم ~~القران " ثم استقبلها يقرؤها وتأملوه فجعلوا يقولون : ماذا قال ابن أم عبد ~~؟ ثم قالوا : انه ليتلو بعض ما جاء به محمد ؛ فقاموا إليه فجعلوا يضربون في ~~وجهه وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء اللهايبلغ ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد ~~أثروا بوجهه ، فقالوا : هذا الذي خشينا عليك . قال : ما كان أعداء الله ~~PageV16P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" أهون علي منهم الأن ، وا شئتم لأغادينهم ~~بمثلها غدا ؛ قالوا : لأن حسبك ، قد أسمعتهم ما يكرهون . والله الموفق . ~~ذكر ما نال أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من أذى قريش وعذابهم ~~ليفتنوهم عن دينهم قال محمد بن إسحاق : ثم انهم عدوا علي من أسلم واتبع ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من أصحابه ، فوثبت كل قبيلة من فيها من ~~المسلمين ، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ، وبرمضاء مكة ~~إذا اشتد الحر ؛ من استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم ، فمنهم من يفتتن من ~~شدة البلاء الذي يصيبه ، ومنهم من يعصمه الله ، فكان بلال بن رباح مولى أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنهما لبعض بني جح مولدا من مولديهم ، وكا صادق ~~الإسلام ، طاهر القلب ، فكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه ~~على ظهره في بطحاء مكة ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول ~~له : لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد ، وتعبد اللات والعزى ؛ فيقول - ~~وهو في ذلك البلاء - أحد أحد ، فكان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب بذلك وهو ~~يقول : أحد أحد ، فيقول : أحد أحد والله يا بلال ؛ ثم يقبل على أمية ms3284 بن خلف ~~وهو يصنع به ذلك فيقول : أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا ؛ ~~حتى مر به أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوما وهم يصنعون به ذلك ، فقال ~~لأمية : ألا تتقي الله في هذا المسكين ، حتى متى فقال : انت أفسدته فانفذه ~~مما ترى ، قال : أفعل ، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى ، وهو على دينك ، ~~أعطيكه به . قال : قد قبلت ؛ قال : هو لك . فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك ، ~~وأخذه فأعتقه ، ثم أعتق معه على الإسلام قبلايهاجر إلى المدينة ست رقاب ؛ ~~وهم عامر بن فهيرة ، شهد بدرا وأحدا وأم عميس ، وزنيرة - وكانت رومية لبني ~~عبد الدار - فأصيب PageV16P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" بصرها حين أعتقها فقالت قريش : ما أذهب بصرها ~~إلا اللات والعزى ، وما ينفعان . فرد الله إليها بصرها ؛ وأعتق النهدية ~~وابنتها وكانتا لأمرة من بني عبد الدار ، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما ~~بطحين لها وهي تقول : والله لا أعتقكما أبدا ؛ فقال أبو بكر : حل يا أم ~~فلأن ؛ فقالت : حل انت ؛ أفسدتهما فاعتقهما قال فبكم هما ؟ قالت : بكذا ~~وكذا ؛ قال : أخذتهما وهما حرتان ، ارجعا إليها طحينها ؛ قالتا : أو نفرغ ~~منه يا أبا بكر ثم نرده إليها ؛ قال : وذاكاشئتما . ومر بجارية من بني مؤمل ~~حي من بني عدي بن كعب - وكانت مسلمة - وكا عمر يعذبها لتترك الإسلام ، وعمر ~~يومئذ مشرك ، وهو يضربها حتى إذا مل قال : اني أعتذر إليك ، لم أتركك إلا ~~ملالة ، فيقول : كذا يفعل الله بك . فابتاعها فأعتقها فقال أبو قحافة لأبي ~~بكر : يا بني ، أراك تعتق رقابا ضعافا فلو انك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا ~~جلدا يمنعونك ويقومون دونك ؛ فقال أبو بكر : يا أبت اني انما أريد لله عز ~~وجل ما أريد ؛ فيقال : اهذه الآيات انزلت فيه رضي الله عنه قوله تعالى : " ~~فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى " إلى قوله : " ولسوف يرضى " . قال محمد ~~بن إسحاق : وكا بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه وكانوا أهل بيت ~~إسلام - إذا حميت الظهيرة يعذبونه برمضاء مكة ، فيمر بهم رسول الله ms3285 ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فيقول : صبرا آل ياسر موعدكم الجنة ، فأما أمه فقتلوها ~~وهي تأبى إلا الإسلام . قال أبو عمر : وهي سمية ، كانت أمة لأبي حذيفة بن ~~المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ، فزوجها من حليفه ياسر بن عامر بن ~~مالك العبسي ، فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة . وسمية هذه أول شهيدة في ~~الإسلام . وجاءها أبو جهل بحربة في قلبها فقتلها فقال عمار : يا رسول الله ~~، بلغ منا - أو بلغ منها كل مبلغ - فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: صبرا يا أبا اليقظان ، اللهم لا تعذب أحدا من آل ياسر بالنار . قال ابن ~~إسحاق : وكا أبو جهل هو الذي يغري بهم في رجال قريش إذا سمع برجل قد أسلم ، ~~فا كان له شرف ومنعة انبه وخزاه : فيقول : تركت دين أبيك وهو خير منك ، ~~لنسفهن حلمك ولنفيلن رأيك ، ولنضعت شرفك ؛ وا كان تاجرا قال : PageV16P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" والله لنكسدن تجارتك ، ولهلكن مالك ؛ وا كان ~~ضعيفا ضربه وأغرى به . وروى عن سعيد بن جبير قال : قلت لأبن عباس رضي الله ~~عنهم : أكا المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم ؟ قال : نعم ، واللهاكانوا ليضربون أحدهم ~~ويجيعونه ويعطشونه ؛ حتى ما يقدرايستوي جالسا من شدة الضر الذي به ، حتى ~~يعطيهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولوا له : اللات والعزى إلها من دون الله ~~، فيقول : نعم ، حتى أن الجعل ليمتر بهم فيقولون له : هذا الجعل إلهك من ~~دون الله ؟ فيقول : نعم ، افتداء منهم مما يبلغون من جهده . والله المعين . ~~ذكر هجرة أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى الحبشة ، وهي الهجرة ~~الأولى قال محمد بن إسحاق : لما رأى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما ~~يصيب أصحابه من البلاء والعذاب ، وما هو فيه من العافية لمكانه من الله ~~تعالى ومن عمه أبي طالب ، وانه لا يقدر علىايمنعهم مما هم فيه قال لهم : لو ~~خرجتم إلى أرض الحبشة ، فا بها ملكا لا ms3286 يظلم عنده أحد - وهي أرض صدق - حتى ~~يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه ، فخرج عند ذلك من خرج منهم مخافة الفتنة ~~، وفرارا إلى الله بدينهم ، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام . قال الواقدي ~~: خرجوا متسللين سرا وكانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة ، حتى انتهوا إلى ~~الشعيبة منهم الراكب والماشي ، ووفق الله لهم ساعة جاءوا سفينتين للتجار ~~حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار ، وكا مخرجهم في نصف رجب من السنة ~~الخامسة من حين تنبأ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وخرجت قريش في ~~آثارهم حتى جاءوا البحر فلم يدركوهم . قال ابن إسحاق . كان أول من خرج من ~~المسلمين من بني أمية بن عبد شمس عثما بن عفا معه امرأته رقية بنت رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومن بني عبد شمس : أبو حذيفة بن عتبة ، معه ~~امرأته سهلة ابنة سهيل ، ولدت بأرض الحبشة محمد بن أبي حذيفة . ومن بني أسد ~~بن عبد العزى : الزبير بن العوام ، ومن بني عبد الدار : مصعب بن عمير بن ~~هاشم . ومن بني زهرة بن كلاب : عبد الرحمن بن عوف . ومن بني مخزوم : ~~PageV16P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" أبو سلمة بن عبد الأسد ، معه امرأته أم سلمة ~~بنت أبي أمية بن المغيرة . ومن بني جمح : عثما بن مظعون بن حبيب . ومن بني ~~عدي بن كعب : عامر بن ربيعة ، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم ؛ ومن ~~بني عامر بن لؤي : أبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى ؛ ومن بني الحارث ابن ~~فهر : سهيل بن بيضاء ، وهو سهيل بن وهب بن ربيعة . قال : هؤلاء العشرة أول ~~من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة ، وكا عليهم عثما بن مظعون . وزاد ~~الواقدي : حاطب بن عمرو بن عبد شمس ، فجعلهم أحد عشر رجلا وأربع نسوة . قال ~~: فقدمنا أرض الحبشة ، فجاورنا بها خير جار ، أمنا على ديننا وعبدنا الله ~~تعالى لا نؤذي ، ولا نسمع شيئا نكرهه . والله أعلم . ذكر رجوع أهل هذه ~~الهجرة إلى مكة ، وما قيل في سبب رجوعهم ms3287 قال محمد بن سعد عن محمد بن عمر بن ~~واقد بسند يرفعه : لما رأى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من قومه كفا ~~عنه ، جلس خاليا فتمنى فقال : ليته لا ينزل على شيء ينفرهم عني ، وقارب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قومه ودنا منهم ودنوا منه ، فجلس يوما ~~مجلسا في ناد من تلك الأندية حول الكعبة ، فقرأ عليهم : والنجم إذا هوى حتى ~~بلغ : أفرأيتم اللات والعزى . ومناة الثالثة الأخرى . ألقى الشيطا على ~~لسانه كلمتين : تلك الغرانيق العلأن وا شفاعتهن لترتجى ولما بلغ الغرانيق ~~العلأن وفي أخرى : والغرانقة العلأن تلك الشفاعة ترتجى قال الواقدي : فتكلم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بهما ثم مضى فقرأ السورة كلها وسجد وسجد ~~القوم جميعا ورفع المغيرة بن الوليد ترابا إلى جبهته فسجد عليه ، وكا شيخا ~~كبيرا لا يقدر على السجود . ويقال : ان أبا أحيحة سعيد بن العاص أخذ ترابا ~~فسجد عليه ، ورفعه إلى جبهته - وكا شيخا كبيرا - فرضوا بما تكلم به رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقالوا : قد PageV16P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ، ولكن ~~آلهتنا هذه تشفع لنا عنده ، فأما إذ جعلت لها نصيبا عندك فنحن معك ، فكبر ~~ذلك على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من قولهم حتى جلس في البيت فلما ~~أمسى أتاه جبريل فعرض عيلان لسورة ، فقال جبريل : ما جئتك بهاتين الكلمتين ~~، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : قلت على الله ما لم يقل . فأوحى ~~الله إليه : " وا كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفترى علينا غيره ~~وإذا لاتخذوك خليلا " ، إلى قوله : " ثم لا تجد لك علينا نصيرا " . وقال : ~~ففشت تلك السجدة في الناس حتى بلغت أرض الحبشة ، فبلغ أصحاب رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أن أهل مكة قد سجدوا فأسلموا حتى أن الوليد ابن ~~المغيرة وأبا أحيحة قد سجدا خلف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال القوم ~~: فمن بقى بمكة إذا أسلم هؤلاء قالوا : عشائرنا أحب إلينا ؛ فخرجوا راجعين ~~، حتى إذا ms3288 كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركبا من كنانة ، فسألوهم عن ~~قريش وعن حالهم ، فقال الركب : ذكر محمد آلهتهم بخير ، فتابعه الملأن ثم ~~ارتد عنها فعاد يشتم آلهتهم ، وعادوا له بالشر ، فتركناهم على ذلك ، فائتمر ~~القوم في الرجوع إلى أرض الحبشة ، ثم قالوا : قد بلغنا ندخل فننظر ما فيه ~~قريش ، ويحدث عهدا من أراد بأهله ، ثم نرجع . قال : فدخلوا مكة ، ولم يدخل ~~أحد منهم إلا بجوار ، إلا ابن مسعود فانه مكث يسيرا ثم رجع إلى أرض الحبشة ~~. قال الواقدي : فكان خروجهم في شهر رجب سنة خمس يريد من النبوة ، فأقاموا ~~شعبا ورمضا وقدموا في شوال من السنة . وحيث ذكرنا هذا الحديث فلنذكر ما جاء ~~في توهينه . ذكر ما ورد في توهين هذا الحديث والكلام عليه في التوهين ~~والتسليم قال القاضي عياض بن موسى بن عياض رحمه الله ، في كتابه المترجم ~~بالشفا بتعريف حقوق المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) : اعلمالنا في الكلام ~~على مشكل هذا الحديث مأخذين : أحدهما في توهين أصله ، والثاني على تسليمه . ~~أما المأخذ الأول فيكفيكاهذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواه ~~ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته ، واضطراب رواياته ، وانقطاع إسناده ، ~~PageV16P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" واختلاف كلماته ، فقائل يقول : انه في الصلاة ~~، وآخر يقول قالها في نادي قومه حين انزلت عيلان لسورة ، وآخر يقول : قالها ~~وقد أصابته سنة ؛ وآخر يقول : بل حدث نفسه فيها ؛ وآخر يقول : إن الشيطان ~~قالها على لسانه ، وأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما عرضها على جبريل ~~قال : ما هكذا أقرأتك ؛ وآخر يقول : بل أعلمهم الشيطان أن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قرأها ؛ فلما بلغ النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك قال : ~~والله ما هكذا أنزلت إلى غير ذلك من اختلاف الرواة ، ومن حكيت عنه هذه ~~الحكاية من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم ، ولا رفعها إلى صاحب ، ~~وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية ، والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر ، ~~عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله ms3289 عنهما فيما أحسب - الشك في الحديث ~~ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان بمكة - وذكر القصة . قال أبو بكر ~~البزار : هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بإسناد ~~متصل يجوز ذكره إلا هذا ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد ، وغيره يرسله ~~عن سعيد بن جبير ، وانما يعرف عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : ~~فقد بين لك أبو بكر رحمه الله انه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا وفيه ~~من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه كما ذكرناه . وأما حديث الكلبي فمما ~~لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره ، لقوة ضعفه وكذبه كما أشار البزار إليه ، ~~قال : والذي منه في الصحيحان أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قرأ والنجم ~~وهو بمكة ، فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والأنس . هذا توهينه من ~~طريق النقل ، والله أعلم بالصواب . PageV16P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وأما جهة المعنى : فقد قامت الحجة ، وأجمعت ~~الأمة على عصمته ( صلى الله عليه وسلم ) ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة . أما ~~من تمنيهاينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر ، أوايتسور عيلان ~~لشيطان ، ويشبه عيلان لقرا حتى يجعل فيه ما ليس منه ، ويعتقد النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم )امن القرا ما ليس منه ، حتى ينبهه جبريل عليهما السلام ، ~~وذلك كله ممتنع في حقه ( صلى الله عليه وسلم ) ، أو يقول ذلك النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من قبل نفسه عمدا - وذلك كفر - أو سهوا وهو معصوم من هذا ~~كله ، وقد تقرر بالبرها والإجماع عصمته عيلان لسلام من جريا الكفر على قلبه ~~أو لسانه لا عمدا ولا سهوا أوايتشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقي الشيطان ~~، أو يكون للشيطا عليه سبيل ، أو يتقول على الله ؛ لا عمدا ولا سهوا وقد ~~قال تعالى : " ولو تقول علينا بعض الأقاويل " الآية ، وقال : " إذا لأذقناك ~~ضعف الحياة وضعف الممات " الآية . ووجه ثان ، وهو استحالة هذه القصة نظرا ~~وعرفا وذلكاهذا الكلام لو كان كما روى ms3290 لكا بعيد الالتئمام ، متناقض الأقسام ~~، ممتزج المدح بالذم ، متخاذل التأليف والنظم ؛ ولما كان البي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ~~ذلك - وهذا لا يخفى على أدنى متأمل - فكيف بمن رجح حلمه ، واتسع في باب ~~البيا ومعرفة فصيح الكلام علمه ؟ ووجه ثالث ، انه قد علم من عادة المنافقين ~~، ومعاندي المشركين ، وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة ، ~~وتخليط العدو على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لأقل فتنة ، وتعييرهم ~~المسلمين ، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأقل شبهة ؛ ولم يحك ~~أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل ، ولو كان ذلك لوجدت ~~قريش بها على المسلمين الصولة ، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة ، كما ~~فعلوا في قصة الإسراء وقصة القضية ، ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت ، ~~ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت ؛ فما روى عن معاند ~~فيها كلمة ، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة ؛ فدل على بطلها واجتثاث أصلها . ~~قال القاضي عياض : ولا شك في إدخال بعض شياطين الأنس أو الجن هذا الحديث ~~على بعض مغفلي المحدثين ، ليلبس به على ضعفاء المسلمين . PageV16P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" ووجه رابع ، ذكر الرواة لهذه القضيةافيها ~~نزلت : : " وا كادوا ليفتنونك " الآيتين ، وهاتا الآيتا ترددا الخبر الذي ~~رووه ، لأن الله تعالى ذكر انهم كادوا يفتنونه حتى يفترى ، وانه لول ان ~~اثبته لكاد يركن إليهم ؛ فمضمونه هذا . ومفهومها أن الله عصمه منايفترى ، ~~وثبته حتى لم يركن إليهم قليلأن فكيف كثيرا وهم يروون في أخبارهم الواهية ~~انه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم ، وانه قال عيلان لسلام : افتريت ~~على الله وقلت ما لم يقل ؛ وهذا ضد مفهوم الآية ، وهي تضعف الحديث لو صح ، ~~فكيف ولا صحة له ، وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال : كل ما في ~~القرا كاد فهو ما لا يكون ، قال الله تعالى : " يكاد سنا برقه يذهب ~~بالأبصار " ، ولم يذهب . قال القاضي القشيري : ولقد طالبه قريش وثقيف ms3291 إذ مر ~~بآلهتهمايقبل بوجهه إليها ووعدوه الإيما بهافعل ، فما فعل ولا كان ليفعل ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . وأما المأخذ الثاني - وهو مبني على تسليم الحديث لو ~~صح ، وقد أعاذنا الله من صحته - فقد أجاب على ذلك أئمة المسلمين بأجوبة ~~ذكرها القاضي عياض وضعف بعضها واستحسن بعضا نذكر منها ما استحسنه وجوزهاشاء ~~الله . منها ما ذكره القاضي أبو بكر في أجوبته عن هذا الحديث ، قال : لعل ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال ذلك أثناء تلاوته ؛ على تقدير التقرير ~~والتوبيح للكفار ، لقول إبراهيم عيلان لسلام : هذا ربي على أحد التأويلات ، ~~يريد : أهذا ربي ؟ ولقوله : بل فعله كبيرهم هذا بعد السكت وبيا الفصل بين ~~الكلامين ، ثم رجع تلاوته ، وهذا ممكن مع بيا الفصل وقرينة تدل على المراد ~~، وانه ليس من المتلو . قال القاضي عياض : ولا يعترض على هذا بما روى انه ~~كان في الصلاة ، فقد كان الكلام فيها قبل غير ممنوع ، قال : والذي يظهر ~~ويترجح في تأويله عند القاضي أبي بكر ، وعند غيره من المحققين على تسليمه ، ~~أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان كما أمره ربه يرتل القرا ترتيلأن ~~ويفصل الآي تفصيلا في قراءته ، كما رواه الثقات عنه ، فيمكن ترصد الشيطا ~~لتلك السكتات ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات محاكيا نغمة النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار ، فظنوها من قول النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) وأشاعوها ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة ~~قبل ذلك على ما انزلها الله تعالى ، وتحققهم من PageV16P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" حال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في ذم ~~الأوثا وعيبها ما عرف منه . وقد حكى موسى بن عقبة في مغازيه نحو هذا وقال : ~~أن المسلمين لم يسمعوها وانما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم ~~. قال القاضي عياض : ويكون ما روى من حزن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~لهذه الإشاعة والشبهة ، وقد قال الله تعالى : " وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطا في أمنيته ms3292 " الآية ، فمعنى تمنى تلأن قال ~~الله تعالى : " لا يعلمون الكتاب إلا أماني " أي تلاوة ، وقوله : " فينسخ ~~الله ما يلقي الشيطان " أي يذهبه ويزيل اللبس به ، ويحكم آياته ، قال : ~~ومما يظهر في تأويله أيض ان امجاهدا روى هذه القصة : والغرانقة العلا . فا ~~سلمنا القصة قلنا : لا يبعداهذا كان قرانا والمراد بالغرانقة العلأن وا ~~شفاعتهن لترتجى : الملائكة على هذه الرواية ، وبهذا فسر الكلبي الغارنقة ~~انها الملائكة ، وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون الأوثان والملائكة بنات الله ~~، كما حكى الله عنهم ورد عليهم في هذه السورة بقوله : " ألكم الذكر وله ~~الأنثى " ، فانكر الله كل هذا من قولهم ؛ ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح ، ~~فلما تأوله المشركون على ان المراد بهذا الذكر آلهتهم ، ولبس عليهم الشيطا ~~ذلك ، وزينه في قلوبهم ، وألقاه إليهم ؛ نسخ الله ما القى الشيطا وأحكم ~~آياته ، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطا بهما للتلبيس سبيلأن ~~كما نسخ كثيرا من القرا ورفعت تلاوته . قال : وكا في انزال الله تعالى لذلك ~~حكمة ، وفي نسخه حكمة ، ليضل به من يشاء ، ويهدي من يشاء وما يضل به إلا ~~الفاسقين ، و " ليجعل ما يلقي الشيطا فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية ~~قلوبهم وا الظالمين لفي شقاق بعيد . وليعلم الذين أوتوا العلم انه الحق من ~~ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم " . وقيل : ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى ذكر اللات والعزى ، ومناة الثالثة الأخرى ، ~~خاف الكفارايأتي بشيء من ذمها فسبقوا إلى مدحها بتلك الكلمتين ؛ ليخلطوا ~~تلاوة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ويشغبوا عليه على عادتهم ، وقولهم : لا ~~تسمعوا لهذا القرا وألغوا فيه لعلكم تغلبون ، ونسب هذا الفعل إلى الشيطا ~~لحمله لهم عليه ، وأشاعوا ذلك وأذاعوه ، وا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~حزن لذلك من كذبهم وافترائهم PageV16P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" عليه ، فسلاه الله تعالى بقوله : " وما ~~أرسلنا من قبلك " الآية ، وبين للناس الحق من ذلك من الباطل ، وحفظ القرا ~~وأحكم آياته ، ودفع ما لبس به العدو ؛ كما ضمنه الله تعالى من قوله : " انا ms3293 ~~نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " الآية ، هذا ما ورد في الجواب عن هذا ~~الحديث . فلنرجع إلى تتمة أخباره وسيره ( صلى الله عليه وسلم ) تسليما ~~كثيرا . ذكر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة ومن هاجر إليها من أصحاب رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال الواقدي : لما قدم أصحاب النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) من الهجرة الأولى اشتد عليهم قومهم ، ونيطت بهم عشائرهم ، ~~ولقوا منهم أذى شديدا فأذن لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في الخروج ~~إلى أرض الحبشة مرة ثانية ، فقال عثما بن عفان : يا رسول الله ؛ فهجرتنا ~~الأولى ، وهذه الآخرة إلى النجاشي ولست معنا فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~أنتم مهاجرون إلى الله وإلي ، لكم هاتا الهجرتا جميعا قال عثمان : فحسبنا ~~يا رسول الله . قال ابن سعد : وكا عدة من خرج في هذه الهجرة من الرجال ~~ثلاثة وثمانون ومن النساء إحدى عشرة امرأة قرشية ، وسبع غرائب . وقد عدهم ~~أبو محمد عبد الملك بن هشام حسبما رواه عن محمد بن إسحاق بن يسار - رحمهم ~~الله تعالى - فلم يزد على ذلك . وأورد أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن ~~عبد البر النمري رحمه الله في كتاب الاستيعاب ؛ في تراجم جماعة من الصحابة ~~رضوا الله عيهم ؛ انهم ممن هاجروا إلى أرض الحبشة ممن لم يذكرهم ابن هشام ، ~~نحن نذكرهماشاء الله تعالى وننبه عليهم . قال ابن هشام : كان منهم من بني ~~هاشم بن عبد مناف ، جعفر بن أبي طالب معه امرأته اسماء بنت عميس ولدت بأرض ~~الحبشة عبد الله بن جعفر ، ومن بني أمية بن عبد شمس عثما بن عفا رضي الله ~~عنه ، معه امرأته رقية بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعمرو بن ~~سعيد بن العاص بن أمية ، معه امرأته فاطمة بنت صفوان ، وأخوه خالد بن سعيد ~~، معه امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد الخزاعية ، ويقال فيها همينة ، ولدت ~~بأرض الحبشة سعد بن خالد ، وآمنة بنت خالد . ومن حلفائهم من بني أسد بن ~~PageV16P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" خزيمة عبد ms3294 الله بن جحش بن رئاب ؛ وأخوه عبيد ~~الله ابن جحش ، معه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيا بن حرب . وذكر أبو عمر في ~~ترجمة عبد الله بن جحش انه هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه أبي أحمد وعبد ~~الله ، فعلى هذا يكون أبو أحمد ممن هاجر إلى الحبشة ؛ واسمه عبد بن جحش ، ~~وكا أعمى ، وعد أيضا محمد بن عبد الله بن جحش انه هاجر مع أبيه وكا صغيرا . ~~قال ابن هشام : وقيس بن عبد الله رجل من بني أسد بن خزيمة ، معه امرأته ~~بركة بنت يسار مولاة أبي سفيا بن حرب ، ومعيقيب بن أبي فاطمة ؛ وهؤلاء آل ~~سعيد بن العاص . ومن بني عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ~~بن عبد شمس . قال أبو عمر : معه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو ، ولدت له ~~هناك محمد بن أبي حذيفة . قال ابن هشام : وأبو موسى الأشعري واسمه عبد الله ~~ابن قيس . قال أبو عمر في ترجمة عبد الله بن قيس : الصحيح ان أبا موسى رجع ~~بعد قدومه مكة ، ومحالفته من حالف من بني عبد شمس إلى بلاد قومه ، فأقام ~~بها حتى قدم مع الأشعريين نحو خمسين رجلا في سفينة ، فألقتهم الريح إلى ~~النجاشي بأرض الحبشة فوافقوا خروج جعفر وأصحابه منها فأتوا معهم ، وقدمت ~~السفينتا معا : سفينة الأشعريين ، وسفينة جعفر وأصحابه . والله تعالى أعلم ~~بالصواب . ومن بني نوفل بن عبد مناف : عتبة بن غزوا حليف لهم من بني مازن ؛ ~~ومن بني زمعة بن ربيعة وعمرو بن أمية بن الحارث مات بالحبشة . قال أبو عمر ~~بن عبد البر في ترجمة خالد بن حزام بن خويلد بن أسد : انه هاجر إلى أرض ~~الحبشة في المرة الثانية ، فنهشته حية ، فمات في الطريق قبل وصوله . والله ~~المستعا وإليه المرد . ومن بني عبد الدار بن قصي مصعب : بن عمير بن هاشم بن ~~عبد مناف ابن عبد الدار ، وسويبط بن سعد بن حريملة بن مالك بن عميلة بن ~~السباق ابن عبد الدار ، PageV16P0171 # """""" صفحة رقم ms3295 172 """""" وجهم بن قيس بن عبد بن شرحبيل بن هاشم بن عبد ~~الدار معه امرأته أم حرملة بنت عبد بن الأسود الخزاعية - ويقال : حريملة - ~~وابناه عمرو بن جهم ، وخزيمة بن جهم ؛ وأبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد ~~مناف ؛ ابن عبد الدار بن قصي أخو مصعب ، وفراس بن النضر بن الحارث بن علقمة ~~ابن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار . وقال أبو عمر في ترجمة أبي بكر : مولى ~~لبني عبد الدار ؛ قال يقال : انه من الأزد كان ممن عذب في الله فلم يزل ~~كذلك حتى كانت الهجرة الثانية مع أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~ومن بني زهرة بن كلاب عبد الرحمن بن عوف ، وعامر بن أبي وقاص ، وأبو وقاص ~~مالك بن وهيب ، والمطلب بن أزهر بن عبد عوف ، معه امرأته رملة بنت أبي عوف ~~، ولدت له بأرض الحبشة عبد الله بن المطلب . قال أبو عمر بن عبد البر : ~~وطليب بن أزهر بن عبد عوف وأخوه المطلب ، هاجر مع أخيه إلى أرض الحبشة وبها ~~ماتا جميعا . قال ابن هشام : ومن حلفائهم من هذيل : عبد الله بن مسعود ، ~~وأخوه عتبة بن مسعود . ومن بهراء المقداد بن عمرو بن ثعلبة ، وكا يقال له : ~~المقداد بن الأسود ابن عبد يغوث بن عبد مناف بن زهرة ، وذلك انه كان تبناه ~~في الجاهلية وحالفه . حكاه ابن إسحاق . ومن بني تيم بن مرة الحارث بن خالد ~~بن صخر ، معه امرأته ريطة بنت الحارث ابن جبيلة ، ولدت له بأرض الحبشة موسى ~~بن الحارث ، وزينب بنت الحارث ، وفاطمة بنت الحارث ، وعمرو بن عثما بن عمرو ~~بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة . ومن بني مخزوم أبو سلمة بن عبد الله بن عبد ~~الأسد بن هلال ، معه امرأته أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة ، ولدت له ~~بأرض الحبشة زينب ، وشماسا واسمه عثما بن عثما بن الشريد ، وهبار بن سفيا ~~بن عبد الأسد ، وأخوه عبد الله بن سفيان ، وهشام بن أبي حذيفة بن المغيرة ms3296 ، ~~وسلمة بن هشام بن المغيرة وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة . ومن حلفائهم ~~معتب بن عوف بن عامر - وهو الذي يقال له PageV16P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" عيهامة - ونسبه أبو عمر فقال : معتب بن عوف ~~بن عمر بن الفضل ابن عفيف بن كليب بن حبشية . قال ابن هشام ، ويقال : حبشية ~~بن سلول ، وهو الذي يقال له : معتب بن حمراء ، وعمار بن ياسر . ذكره أبو ~~عمر ، وشك فيه ابن هشام . ومن بني جمح عثما بن مظعون ، وابنه السائب بن ~~عثمان ، وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون . قال أبو عمر : والسائب بن ~~مظعون ممن هاجر إلى أرض الحبشة ، وهو أخو عثما لأبويه ، حكاه عن العدوى . ~~قال ابن هشام : وحاطب ابن الحرث بن معمر ، معه امرأته فاطمة بنت المجلل بن ~~عبد الله ، وابناه محمد والحارث ، وقيل ولدا هناك ، وأخوه حطاب بن الحارث ، ~~معه امرأته فكيهة بنت يسار ، وقيل : ولدت له ابنه محمدا هناك ؛ وسفيا بن ~~معمر بن حبيب معه ابناه : جابر وجنادة ، ومعه امرأته أمهما حسنة ، وابنها ~~شرحبيل بن حسنة ، وهو شرحبيل بن عبد الله أحد بني الغوث بن مر ، وقال موسى ~~بن عقبة عن ابن شهاب : هو شرحبيل بن عبد الله من بني جمح ، وعثما بن ربيعة ~~بن أهبا بن وهب ابن حذافة بن جمح . قال الواقدي : ونبيه بن عثما بن ربيعة . ~~والله أعلم . ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص : خنيس بن حذافة ، وعبد الله ابن ~~الحارث ، وهشام بن العاص بن وائل ، وقيس بن حذافة ، وأبو قيس بن الحارث ابن ~~قيس ، وعبد الله بن حذافة بن قيس ، والحارث بن الحارث بن قيس ، ومعمر ابن ~~الحارث بن قيس ، وبشر بن الحارث بن قيس ، وأخ له من أمه من بني تميم ، يقال ~~له : سعيد بن عمرو ، وسعيد بن الحارث بن قيس : والسائب ابن الحارث بن قيس . ~~وقال أبو عمر : وتميم بن الحارث بن قيس ، والحارث ابن قيس بن عدي ، وهو ~~والد بشر والحارث ، وعمير بن رئاب بن حذيفة ، ومحمية ابن جزء حليف لهم . من ~~زبيد ms3297 . ومن بني عدي بن كعب معمر بن عبد الله بن نضلة ، وعروة بن عبد العزى ~~، وعدي بن نضلة وابنه النعمان ، فمات عدي بالحبشة ، فورثه ابنه النعمان ، ~~وهو أول وارث في الإسلام ، وعامر بن ربيعة حليف لآل الخطاب ، معه امرأته ~~ليلى بنت أبي حثمة . ومن بني عامر بن لؤي أبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى ~~معه امرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو ، وعبد الله بن مخرمة بن عبد العزى ، ~~وعبد الله بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس ، وسليط بن عمرو بن عبد شمس . وأخوه ~~السكران بن عمرو ، PageV16P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" معه امرأته سودة بنت زمعة ، ومالك بن ربيعة ~~بن قيس معه امرأته عمرة بنت السعدي ، وأبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس ، وسعد ~~بن خولة حليف لهم من اليمن . ومن بني الحارث بن فهر أبو عبيدة عامر بن عبد ~~الله بن الجراح ، وسهيل بن وهب وهو ابن بيضاء ، وعمرو بن أبي سرح بن ربيعة ~~، وعياض بن زهير بن أبي شداد ، وعمرو بن الحارث بن زهير ، وعثما بن عبد غنم ~~بن زهير ، وسعد بن عبد قيس ابن لقيط بن عامر ، والحارث بن عبد قيس بن لقيط ~~. وقال أبو عمر بن عبد البر : اعبدالله بن عرفطة بن عدي بن أمية بن خدارة ~~بن عوف بن النجار بن الخزرج الأنصاري هاجر إلى أرض الحبشة مع جعفر بن أبي ~~طالب ، وهو حليف لبني الحارث بن الخزرج ، وذكره ابن منده أيضا فجميع من ~~هاجر على هذا الحكم بما فيه من زيادات ابن عبد البر ؛ خلا أبناءهم الذين ~~خرجوا معهم صغارا ومن ولد هناك اثنا وتسعون رجلأن وثماني عشرة امرأة ، ~~والأبناء الصغار سبعة . والله أعلم . ذكر إرسال قريش إلى النجاشي في شأن من ~~هاجر إلى الحبشة ، وطلبهم منه وإسلامه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : لما ~~نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار ، النجاشي ، أمنا على ديننا وعبدنا ~~الله لا نؤذي ، ولا نسمع شيئا نكرهه ، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا ~~بينهمايبعثوا إلى ms3298 لأنجاشي فينا رجلين جلدين ، وا يهدوا للنجاشي هدايا مما ~~يستطرف من متاع مكة ، وكا من أعجب ما يأتيه منها الأدم ، فجمعوا له أدما ~~كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية ، ثم بعثوا بذلك عبد ~~الله بن أبي ربيعة ، وعمرو بن العاص ، وقالوا لهما : ادفعا إلى كل بطريق ~~هديته قبلاتكلما النجاشي فيهم ، ثم قدما إلى النجاشي هداياه ، ثم ~~سلاهايسلمهم إليكما قبلايكلمهم . قالت : فخرجا حتى قدما على النجاشي ، ونحن ~~عنده بخير دار ، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبلايكلما ~~النجاشي ، وقالا لكل بطريق منهم : انه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلما سفهاء ~~فارقوا دين قومهم ، PageV16P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" ولم يدخلوا في دينكم ، وجاءوا بدين مبتدع لا ~~نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد بعثنا إلى الملك فهيم أشراف قومهم لنردهم إليهم ، ~~فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عيلان يسلمهم إلينا ولا يكلمهم ، فقالوا : ~~نعم ، ثم انهما قدما هداياهما إلى النجاشي فقبلها ثم كلماه فقالا : أيها ~~الملك ، انه قد ضوى إلى بلدك منا غلما سفهاء ، فارقوا دين قومهم ، ولم ~~يدخلوا في دينك ، جاءوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا انت ، وقد بعثنا ~~إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم عليهم ؛ فهم ~~أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه . قالت : ولم يكن شيء ~~أبغض إلى عبد الله وعمرو منايسمع إلى كلامهم النجاشي ، فقالت بطارقته : ~~صدقا أيها الملك ، قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه ~~، فأسلمهم لهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم ، قالت : فغضب النجاشي وقال : ~~لاها الله إذا لا أسلمهم إليهما ولا يكاد قوم جاوروني ، ونزلوا بلادي ، ~~واختاروني على من سوايح حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذا في أمرهم ، فا ~~كانوا كما يقولأن أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم ، وا كانوا على غير ذلك ~~منعتهم منهم ، وأحسنت جوارهم ما جاوروني . قالت : ثم أرسل إلى أصحاب النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) فدعاهم ، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم ~~لبعض : ما تقولون للرجل إذا أجبتموه ، قالوا ms3299 : نقول والله ما علمنا وما ~~أمرنا نبينا ؛ كائنا في ذلك ما هو كائن ، فلما جاءوا وقد دعا النجاشي ~~أساقفته ، فنشروا مصاحفهم حوله ؛ سألهم فقال : ما هذا الدين الذي فارقتم ~~فيه قومكم ، ولم تدخلوا به في ديني ؛ ولا في دين أحد من هذه الملل ؟ فكان ~~الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال : أيها الملك ، كنا قوما أهل جاهلية ؛ ~~نعبد الأصنام ونأكل الميتة ، ونانى الفواحش ، ونقتطع الأرحام ، ونسئ الجوار ~~، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ~~نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ~~ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ~~، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ~~ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنة ، وأمرن ان ~~انعبد الله ولا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . قالت : فعدد ~~عيلان مور الإسلام ، فصدقناه ، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله ، ~~PageV16P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما ~~حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ~~ليردونا إلى عبادة الأوثا من عبادة الله ، وا نستحل ما كنا نستحل من ~~الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا ~~إلى بلادك واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك ~~أيها الملك ، فقال النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله من شيء ، قال : نعم ~~، قال : فاقرأه علي ، فقرأ عليه صدرا من كهيعص ، قال : فبكى والله النجاشي ~~حتى اخضلت لحيته ، وبكت أساقفته حتى اخضلت مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ~~، ثم قال النجاشي : اهذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا ~~فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون . قالت : فلما خرجنا من عنده قال ~~عمرو بن العاص : والله آتينه غدا عنهم بما أستأصل به خضراءهم ، فقال له عبد ~~الله بن أبي ربيعة : لا تفعل فا ms3300 لهم أرحاما وا كانوا قد خالفونا قال : ~~والله لأخبرنه انهم يزعموناعيسى بن مريم عبد . قالت : ثم غدا عليه من الغد ~~فقال : يأيها الملك ، انهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم ~~فاسألهم عما يقولون فيه ، فأرسل إليهم فسألهم عنه . قالت أم سلمة : ولم ~~ينزل بنا مثلها فاجتمع القوم ، ثم قال بعضهم لبعض : ماذا تقولون في عيسى بن ~~مريم إذا سألكم عنه ؟ ، قالوا : نقول والله كما قال الله ، وما جاءنا به ~~نبينا ؛ كائنا في ذلك ما هو كائن . قالت : فلما دخلوا عليه قال لهم : ما ~~تقولون في عيسى بن مريم ؟ فقال جعفر بن أبي طالب : نقول فيه الذي جاءنا به ~~نبينا نقول هو عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول ، ~~قالت : فضرب النجاشي بيده إلى الأرض ، ثم أخذ منها عودا ثم قال : ما عدا ~~عيسى بن مريم مما قلت هذا العود . فناخرت بطارقته من حوله حين قال ما قال ، ~~فقال : وا نخرتم ، والله أنتم شيوم بأرضي - والشيوم : الآمنون - من سبكم ~~غرم ، من سبكم غرم ، من سبكم غرم وما أحبالي دبرا من ذهب ، واني آذيت رجلا ~~منكم - والدبر بلسا الحبشة الجبل - ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها ~~فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد PageV16P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" علي ملكي ، فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس ~~في فأطيعهم فيه . قالت : فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به ، ~~وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار ، حتى قدمنا على رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وهو بمكة . قال الزهري : فحدثت عروة بن الزبير حديث أم سلمة ~~قال : هل تدري ما قوله : ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي . فآخذ ~~الرشوة فيه ، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه ؟ قلت : لأن قال : فا ~~عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حدثتني ان أباه كان ملك قومه ، ولم يكن له ~~ولد إلا النجاشي ، وكا للنجاشي عم له من صلبه اثنا عشر رجلأن وكانوا أهل ~~بيت مملكة الحبشة ، فقالت ms3301 الحبشة بينها : لو انا قتلنا أبا النجاشي ، ~~وملكنا أخاه فانه لا ولد له غير هذا الغلام ، وا لأخيه من صلبه اثني عشر ~~رجلا يتوارثون ملكه من بعده ، فغدوا على أبي النجاشي فقتلوه وملكوا أخاه ، ~~فمكثو على ذلك حينا ونشأ النجاشي مع عمه ، وكا لبيبا حازما فغلب على أمر ~~عمه ، ونزل منه بكل منزلة ، فلما رأت الحبشة مكانه منه ، قالت : والله لقد ~~غلب هذا الفتى على أمر عمه ، وانا لنتخوفايملكه علينا وا ملكه علينا قتلنا ~~أجمعين ، لقد عرف اننا نحن قتلنا أباه . فمشوا إلى عمه فقالوا : إم ان ~~اتقتل هذا الفتى ، وإم ان اتخرجه من بين أظهرنا فانا قد خفناه على انفسنا ~~قال : ويلكم قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم بل أخرجه من دياركم ، فخرجوا ~~به إلى السوق ؛ فباعوه من رجل من التجار بستمائة درهم ، فقذفه في سفينته ~~وانطلق به حتى إذا كانت العشاء من ذلك اليوم ؛ هاجت سحابة من سحائب الخريف ~~، فخرج عمه يستمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته ، ففزع الحبشة إلى ولده ، ~~فإذا هو محمق ليس في ولده خير ، فمرج على الحبشة أمرهم ، فلما ضاق عليهم ما ~~هم فيه من ذلك قال بعضهم لبعض : تعلموا واللهاملككم الذي لا يقيم أمركم ~~غيره للذي بعتم غدوة ، فا كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه ، قال : فخرجوا ~~في طلبه ، فأخذوه من الرجل الذي باعوه له ، ثم جاءوا به فعقدوا عيلان لتاج ~~، وأقعدوه على سرير الملك وملكوه ، فجاءهم التاجر الذي باعوه منه ، فقال : ~~إم ان اتعطوني مالي ، وإم ان ان أكلمه في ذلك ، قالوا : لا نعطيك شيئا قال ~~: فإذا والله أكلمه ، قالوا : فدونك . فجاء فجلس بين يديه ، فقال : أيها ~~الملك ، ابتعت غلاما من قوم في السوق PageV16P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" بستمائة درهم ، فأسلموا إلى غلامي ، وأخذوا ~~دراهمي ، حتى إذا سرت بغلامي ؛ أدركوني فأخذوه مني ، ومنعوني دراهمي ، فقال ~~لهم النجاشي : لتعطنه دراهمه أو ليضعن غلامه يده في يده ؛ فليذهبن به حيث ~~شاء ، قالوا : بل نعطيه دراهمه . قالت : فلذلك يقول : ما أخذ الله مني ~~الرشوة حين رد علي ملكي ms3302 ، فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس في فأطيع الناس ~~فيه . قال : وكا ذلك أول ما خبر من صلابته في دينه ، وعدله في حكمه . قال ~~ابن إسحاق ، وحدثني جعفر بن محمد عن أبيه ، قال : اجتمعت الحبشة فقالوا ~~للنجاشي : انك فارقت ديننا وخرجوا عليه . فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم ~~سفنا وقال : اركبوا فيها وكونوا كما أنتم ، فا هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث ~~شئتم ، وا ظفرت فاثبتوا . ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه : هو يشهدالا إله إلا ~~الله ، وا محمدا عبده ورسوله ، ويشهداعيسى عبده ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى ~~مريم ، ثم جعلها في قبائه عند المنكب الأيمن ، وخرج إلى الحبشة وصفوا له ، ~~فقال : يا معشر الحبشة ، أست أحق الناس بكم ؟ قالوا : بلى ؛ قال : فكيف ~~رأيتم سيرتي فيكم ؟ قالوا : خير سيرة ، قال : فما بالكم ؟ قالوا : فارقت ~~ديننا وزعمتاعيسى عبد ، قال : فما تقولون أنتم في عيسى ؟ قالوا : نقول : هو ~~ابن الله فقال النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه : هو يشهداعيسى بن مريم ~~، لم يزد على هذا شيئا وانما يعني ما كتب ، فرضوا وانصرفوا فبلغ ذلك النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، فلما مات النجاشي صلى عليه ، واستغفر له . ~~وسنذكراشاء الله تعالى خبر إسلامه . ذكر إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~روى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قال : اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك : بعمر بن الخطاب ، أو أبي جهل ~~بن هشام . وعن سعيد بن PageV16P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" المسيب قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إذا رأى عمر بن الخطاب أو أبا جهل بن هشام قال : اللهم اشدد دينك ~~بأحبهما إليك فشد دينه بعمر ، وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) : اللهم أعز ~~الدين بعمر بن الخطاب . قال ابن إسحاق ومحمد بن سعد في طبقاته : ليس بينهما ~~تناف إلا في مغايرة بعض الألفاظ ، أو زيادة أوردها أحدهما دون الآخر ، ونحن ~~نورد ما يتعين إيراده منها . قالا : خرج عمر بن الخطاب متوشحا سيفه يريد ~~رسول الله ( صلى ms3303 الله عليه وسلم ) ورهطا من أصحابه ، قد ذكروا له انهم قد ~~اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب أربعين : من بين رجال ونساء ، ومع رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) عمه حمزة بن عبد المطلب ، وأبو بكر بن أبي ~~قحافة ، وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بمكة ، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة ، فلقيه ~~نعيم بن عبد الله النحام ، وهو رجل من قومه من بني عدي بن كعب كان قد أسلم ~~وهو يخفي إسلامه عن عمر ، فقال : أين تريد يا عمر ؟ فقال : أريد محمدا هذا ~~الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقلته . فقال له ~~نعيم : لقد غرتك نفسك يا عمر ، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض ~~وقد قتلت محمدا فقال عمر : ما أراك إلا قد صبوت وتركت دينك الذي انت عليه ؛ ~~قال : أفلا لذلك على العجب يا عمر ؟ اإختك وأخيك قد صبوا وتركا دينك الذي ~~انت عليه . قال ابن إسحاق : فقال له نعيم : أفلا ترجع إلى أهل بيتك فقيم ~~أمرهم ؟ قال : وأي أهل بيتي ؟ قال : ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو . ~~وأختك فاطمة بنت الخطاب ، فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه ، فعليك ~~بهما قال : فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه ، وعندهما خباب بن الأرت ، معه ~~صحيفة فيها : طه يقرئهما إياها فلم سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم - ~~أو في بعض البيت - وأخذت فاطمة الصحيفة فجعلتها تحت فخذها فلما دخل عمر قال ~~: ما هذه PageV16P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" الهينمة التي سمعت ؟ قالا : ما سمعت شيئا قال ~~: بلى والله ، لقد أخبرت انكما اتبعتما محمدا على دينه . فقال له ختنه : ~~أرأيت يا عمراكا الحق في غير دينك فوثب عمر على ختنه فبطش به ووطئه وطئا ~~شديدا فقامت إليه أخته فاطمة لتكفه عن زوجها فضربها فشجها فلما فعل ذلك ~~قالا : نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله ، فاصنع ما بدا لك . فلما ms3304 رأى عمر ~~بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى ، وقال لأخته : أعطيني هذه الصحيفة ~~التي سمعتكم تقرءون انفا انظر ما هذا الذي جاء به محمد - وكا عمر كاتبا - ~~فقالت له أخته : انا نخشاك عليها قال : لا تخافي ، وحلف لها بآلهته ليردنها ~~إذا قرأها إليها فطمعت في إسلامه وقالت له : يا أخي انك نجس على شركك ، ~~وانه لا يمسها إلا الطاهر ، فقام عمر فاغتسل ، فأعطته الصحيفة وفيها طه ، ~~فلما قرأ منها صدرا قال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه فلما سمع ذلك خباب بن ~~الأرت خرج إليه ، فقال له : يا عمر ، والله اني لأرجوايكون الله قد خصك ~~بدعوة نبيه ، فاني سمعته أمس يقول : اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام ~~، أو بعمر بن الخطاب ، فالله الله يا عمر فقال له عمر : فدلني على محمد حتى ~~آتيه فأسلم ، فقال له خباب : هو في بيت عند الصفا معه نفر من أصحابه ، فأخذ ~~عمر سيفه فتوشحه ، ثم عمد إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه ~~فضرب عليهم الباب ، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فنظر من خلل الباب ، فرآه وهو فزع ، فقال : يا رسول الله ، ~~هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف ، فقال حمزة : فأذن له ، فا كان جاء يريد ~~خيرا بذلناه له ، وا كان يريد شرا قتلناه بسيفه ، فقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : ايذن له فأذن له الرجل ، ونهض إليه رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) حتى لقيه في الحجرة ، فأخذ بحجرته - أو بمجمع ردائه - ثم ~~جبذه جبذة شديدة ، وقال : ما جاء بك يا بن الخطاب ؟ ، فوالله ما أرىاتنتهي ~~حتى ينزل الله بك قارعة . قال انس بن مالك في روايته : حتى ينزل الله بك من ~~الخزي ما انزل بالوليد بن المغيرة . فقال عمر : يا PageV16P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" رسول الله ، جئتك لأؤمن بالله ورسوله وبما ~~جاء به من عند الله ، فكبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تكبيرة عرف ~~بها أهل البيتاعمر قد أسلم . قال ms3305 محمد بن سعد بن منيع في طبقاته : أسلم عمر ~~بن الخطاب بعدادخل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دار ابن الأرقم بعد ~~أربعين أو نيف وأربعين من رجال ونساء قد أسلموا قبله . وقال ابن المسيب : ~~أسلم عمر بعد أربعين رجلا وعشر نسوة . وعن عبد الله بن ثعلبة قال : أسلم ~~عمر بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة . ويرد هذه الأقوالاإسلام عمر ~~كان بعد الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة ؛ وقد تظافرت الروايات ان أهل ~~الهجرة كانوا أكثر من ثمانين رجلأن ولعل إسلامه وقع وفي مكة ممن أسلم هذه ~~العدة التي ذكرت ، خلاف من هاجر إلى أرض الحبشة ، والله أعلم . قال ابن ~~إسحاق : حدثني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهم قال : لما أسلم عمر بن الخطاب ~~قال : أي قريش انقل للحديث ؟ قيل : جميل بن معمر الجمحي ، قال : فغدا عليه ~~، قال عبد الله بن عمر : وغدوت معه أتبع أثره وانظر ماذا يفعل وانا غلام ~~أعقل كل ما رأيت ، حتى جاءه ، فقال : أعلمت يا جميل اني أسلمت ودخلت في دين ~~محمد ؟ قال : فوالله ما راجعه حتى قام يجز رداءه ، واتبعه عمر واتبعت أبي ، ~~حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش - وهم في ~~انديتهم حول الكعبة - أل ان اابن الخطاب قد صبا فيقول عمر من خلفه : كذبت ، ~~ولكني PageV16P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" أسلمت ، وشهدتالا إله إلا الله ، وا محمدا ~~عبده ورسوله ، وثاروا إليه ، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على ~~رؤوسهم . قال : وطلح - يعني أعيا - وقاموا على رأسه وهو يقول : افعلوا ما ~~بدا لكم ، فأحلف بالله لو قد كنا ثلثمائة لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا ~~. فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى ، حتى ~~وقف عليهم فقال : ما شانكم ؟ قالوا : صبأ عمر ، قال : فمه رجل اختار لنفسه ~~أمرا فماذا تريدون ؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا خلوا عن ~~الرجل ، قال : فوالله لكانما كانوا ثوبا كشط عنه . قال : فقلت لأبي ms3306 ~~بعداهاجر إلى المدينة : يا أبه ، من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم ~~أسلمت وهم يقاتلونك ، جزاه الله خيرا ؟ قال : ذاك العاص ابن وائل السهمي ، ~~لا جزاه الله خيرا . قال عبد الله بن مسعود : ما كنا نقدرانصلي عند الكعبة ~~حتى أسلم عمر ، فلما أسلم قاتل قريشا وصلى عند الكعبة وصلينا معه . وقال : ~~اإسلام عمر كان فتحا وا هجرته كانت نصرا وا إمارته كانت رحمة . وعن صهيب بن ~~سنا قال : لما أسلم عمر ظهر الإسلام ، ودعى إلى الله علأنية ، وجلسنا حول ~~البيت حلقا وطفنا بالبيت ، وانتصفنا ممن غلظ علينا ورددنا عليه بعض ما يأتي ~~به . وكا إسلام عمر في ذي الحجة من السنة السادسة من النبوة ، وهو ابن ست ~~وعشرين سنة . ذكر تعاقد قريش على بني هاشم وبني المطلب وانحياز بني هاشم ~~وبني المطلب إلى أبي طالب ودخولهم في شعبه قال محمد بن إسحاق وغيره من أهل ~~السير : لما رأت قريش ان أصحاب رسول PageV16P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد نزلوا بلدا ~~أصابوا فيه أمنا وقرارا وا النجاشي قد أكرمهم ، ومنع من لجأ إليه منهم ، وا ~~عمر قد أسلم قبله حمزة بن عبد المطلب ، وجعل الإسلام يفشو في القبائل ، ~~اجتمعوا وائتمرو ان ايكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب ؛ ~~على ألا ينكحوا ولا ينكحوهم ، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم . فلما ~~اجتمعوا لذلك كتبوا صحيفة ، ثم تعاهدوا وتعاقدوا وتوافقوا على ذلك ، ثم ~~علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على انفسهم . وكا كاتب الصحيفة منصور ~~بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي ، ويقال : عمه ~~بغيض بن عامر ، قاله الزبير وابن الكلبي ؛ - ويقال : النضر بن الحارث - ~~فشلت يده . قال محمد بن عمر بن واقد : وحصروا بني هاشم في شعب أبي طالب ~~ليلة هلال المحرم سنة سبع من نبوة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وانحاز بنو المطلب إلى أبي طالب في شعبه مع بني هاشم ، وخرج أبو لهب إلى ~~قريش ، وظاهرهم ms3307 على بني هاشم وبني المطلب ، وقطعوا عنهم الميرة والمادة ، ~~فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم ، حتى بلغهم الجهد ، وسمع أصوات ~~صبيانهم من وراء الشعب ، فمن قريش من سره ذلك ، ومنهم من ساءه ، وقال : ~~انظروا ما أصاب كاتب الصحيفة فأقاموا في الشعب ثلاث سنين ، ثم أطلع الله ~~نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) على أمر صحيفتهم ، وا الأرضة قد أكلت ما فيها ~~من جور وظلم ، وبقي ما كان فيها من ذكر الله . قال : فذكر ذلك رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) لأبي طالب ، فذكر ذلك أبو طالب لإخوته ، وخرجوا إلى ~~المسجد ، فقال أبو طالب لكفار قريش : ان ابن أخي قد أخبرني - ولم يكذبني قط ~~- الله سلط على صحيفتكم الأرضة فلحست ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة ~~رحم ، وبقي فيها ما ذكر به الله ، فا كان ابن أخي صادقا نزعتم عن سوء رأيكم ~~، وا كان كاذبا دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه . قالوا : قد انصفتنا ~~PageV16P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" فأرسلوا إلى الصحيفة ففتحوها . فإذا هي كما ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فسقط في أيديهم ، ونكسوا على ~~رؤوسهم . فقال أبو طالب : علام نحبس ونحصر وقد با الأمر ؟ ثم دخل هو ~~وأصحابه بين أستار الكعبة والكعبة . فقال : اللهم انصرنا على من ظلمنا وقطع ~~أرحامنا واستحل ما يحرم عليه منا . ثم انصرفوا إلى الشعب . وتلاوم رجال من ~~قريش ما صنعوا ببني هاشم : فيهم مطعم بن عدي ، وعدي بن قيس ، وزمعة ابن ~~الأسود ، وأبو البختري بن هشام ، وزهير بن أبي أمية . ولبسوا السلاح ؛ ثم ~~خرجوا إلى بني هاشم وبني المطلب ، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا وكا ~~خروجهم من الشعب في السنة العاشرة من النبوة ، وقيل : كان مكث رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه في الشعب سنتين . وحكى أبو محمد عبد الملك بن ~~هشام ، عن أبي عبد الله محمد بن إسحاق - رحمهم الله - في سبب نقض الصحيفة ~~غير ما قدمناه مما حكاه محمد بن سعد عن الواقدي . قال ابن إسحاق بعداذكر من ms3308 ~~شدة ما لاقاه أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في الشعب من الضائقة ~~ما ذكر : ثم انه قام في نقض الصحيفة - التي تكاتبت فيها قريش على بني هاشم ~~وبني المطلب - نفر من قريش ، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو ~~بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤي ، وذلك ~~انه كان ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه ، وكا هشام لبني هاشم ~~واصلأن وكا ذا شرف في قومه ، فكان يأتي بالبعير وبنو هاشم وبنو المطلب في ~~الشعب ليلأن وقد أوقره طعاما حتى إذا أقبله فم الشعب خلع خطامه من رأسه ، ~~ثم ضرب على جنبه فيدخل الشعب عليهم ، ويأتي به قد أوقره برا فيفعل به مثل ~~ذلك . قال : ثم انه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي - وكانت ~~أمه عاتكة بنت عبد المطلب - فقال : يا زهير ، وقد رضيت انا نأكل الطعام ~~ونلبس الثياب ، وننكح الناس ، وأخوالك حيث قد علمت لا يبتاعون ولا يبتاع ~~منهم ، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم ، أما اني أحلف باللهالو كانوا أخوال أبي ~~الحكم ابن هشام ثم دعوته إلى PageV16P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا ~~قال : ويحك يا هشام فماذا أصنع ؟ انا رجل واحد ، والله لو كان معي رجل آخر ~~لقمت في نقضها حتى انقضها ؛ قال : قد وجدت رجلأن قال : من هو ؟ قال : انا ؛ ~~قال له زهير : ابغنا ثالثا فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له : يا مطعم أقد ~~رضيتايهلك بطنا من بني عبد مناف وانت شاهد على ذلك ، موافق لقريش فيه أما ~~والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا ؛ قال : ويحك ، فماذا ~~أصنع ؟ انما انا رجل واحد ، قال : قد وجدت ثانيا قال : من هو ؟ قال : انا ~~قال : ابغنا ثالثا قال : قد فعلت ، قال : من هو ؟ قال : زهير ، قال : ابنغ ~~رابعا قال : فذهب إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحوا مما قال لمطعم ms3309 ، ~~فقال : وهل من أحد يعين على هذا ؟ قال : نعم ، قال : فمن هو ؟ قال زهير ~~والمطعم وانا معك ، قال : ابغنا خامسا فذهب إلى زمعة بن الأسود ابن المطلب ~~، فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم ، فقال ، وهل على هذا الأمر الذي تدعوني ~~إليه من أحد ؟ قال : نعم ، ثم سمى له القوم ، فاتعدوا خطم الحجون ليلا ~~بأعلى مكة ، فاجتمعوا هناك وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها . ~~وقال زهير : انا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم . فلما أصبحوا غدوا إلى انديتهم ~~، وغدا زهير عليه حلة ، فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس فقال : يا أهل ~~مكة ، انأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يتباعون ولا يبتاع منهم ~~؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة . فقال أبو جهل - وكا ~~في ناحية المسجد - : كذبت ، والله لا تشق ؟ قال زمعة بن الأسود : انت والله ~~أكذب ، ما رضينا كتابتها حيث كتبت ، قال أبو البختري : صدق زمعة ، لا نرضي ~~ما كتب فيها ولا نقر به ، قال المطعم : صدقتما وكذب من قال غير ذلك ؛ نبرأ ~~إلى الله ومما كتب فيها ؟ وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك . فقال أبو جهل : ~~هذا أمر قضى بليل ، وتشوور فيه بغير هذا المكا - وأبو طالب جالس في ناحية ~~المسجد - وقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا باسمك ~~اللهم . ثم حكى ابن هشام نحوا مما ذكره الواقدي من خبرها على ما قدمناه ، ~~وان PageV16P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" أولئك الرهط الذين ذكرناهم صنعوا ما صنعوا ~~مما ذكرناه بعد كلام أبي طالب . والله تعالى أعلم . ذكر من عاد من أرض ~~الحبشة ممن هاجر إليها وكيف دخلوا مكة قال ابن إسحاق رحمهما الله : وبلغ ~~أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلام ~~أهل مكة ، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك ، حتى إذا دنوا من مكة بلغهماما كانوا ~~تحدثوا به من إسلامهم كان باطلأن فلم يدخل أحد منهم إلا بحوار أو مستخفيا . ~~فكان من قدم عيه مكة ، منهم فأقام بها حتى ms3310 هاجر إلى المدينة فشهد بدرا ~~وأحدا ومن حبس عنه حتى فاته ذلك . ومن مات منهم بمكة من بني عبد شم : عثما ~~بن عفا معه امرأته رقية بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأبو حذيفة ~~بن عتبة بن ربيعة ، معه امرأته سهلة بنت سهيل . ومن حلفائهم عبد الله بن ~~جحش بن رناب . ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوا حليف لهم . ومن بني ~~أسد بن عبد العزى الزبير بن العوام . ومن بني عبد الدار مصعب بن عمير ، ~~وسويبط بن سعد . ومن بني عبد بن قصي طليب بن عمير . ومن بني زهرة بن كلاب ~~عبد الرحمن بن عوف ، والمقداد بن عمرو ؛ حليف لهم ، وعبد الله بن مسعود ؛ ~~حليف لهم . ومن بني مخزوم أبو سلمة بن عبد الأسد ؛ معه امرأته أم سلمة ، ~~وشماس ابن عثمان ، وسلمة بن هشام ، حبسه عمه بمكة فلم يهاجر إلا بعد الخندق ~~، وعياش ابن أبي ربيعة بن المغيرة ، ومن حلفائهم عمار بن ياسر ، ومعتب بن ~~عوف من خزاعة . ومن بني جمح عثما بن مظعون وابنه السائب بن عثمان ، وقدامة ~~وعبد الله ابنا مظعون . ومن بني سهم خنيس بن حذافة ، وهشام بن العاص بن ~~وائل ؛ حبس بمكة فلم يهاجر إلا بعد الخندق . ومن بني عدي بن كعب عامر بن ~~ربيعة حليف لهم ، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة . PageV16P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" ومن بني عامر بن لؤي عبد الله بن مخرمة ، ~~وعبد الله بن سهيل بن عمرو . حبس بعد الهجرة ، فلما كان يوم بدر انحاز من ~~المشركين إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأبو سبرة بن أبي رهم ، ~~معه امرأته أم كلثوم ، والسكرا بن عمرو معه امرأته سودة بنت زمعة ؛ مات ~~بمكة قبل الهجرة . ومن حلفائهم سعد بن خولة . ومن بني الحارث بن فهر أبو ~~عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح ، وعمرو ابن الحارث بن زهير ، وسهيل بن ~~بيضاء ، وعمرو بن أبي سرح بن ربيعة بن هلال . فجميع من قدم مكة ثلاثة ~~وثلاثون رجلأن فكان من ms3311 دخل منهم بجوار عثما ابن مظعون دخل بجوار من الوليد ~~بن المغيرة ، فلما رأى ما فيه أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~البلاء وهو يغدو ويروح في أما من الوليد ، قال : واللهاغدوى ورواحى آمنا ~~بجوار رجل من أهل الشرك ، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في ~~الله ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي ، فمشى إلى الوليد ابن المغيرة فقال ~~له : يا أبا عبد شمس ، وفت ذمتك ، وقد رددت إليك جوارك ؛ فقال له : يا بن ~~أخي ، لعله آذاك أحد من قومي ، قال : لأن ولكني أرضي بجوار الله ، ولا أريد ~~ان أستجير بغيره . قال : فانطلق إلى المسجد فرد على جواري علأنية كما أجرتك ~~علأنية ، فخرجا حتى أتيا المسجد ، فقال الوليد : هذا عثما قد جاء يرد على ~~جواري ، قال : صدق ، وجدته كريما وفي الجوار ، ولكني أحببت ألا أستجير بغير ~~الله ، فقد رددت عليه جواره ، ثم انصرف عثمان . وأبو سلمة بن عبد الأسد دخل ~~بجوار من أبي طالب بن عبد المطلب ، فمشى إليه رجال من بني مخزوم فقالوا : ~~يا أبا طالب ، منعت منا ابن أخيك محمدا ؛ فمالك ولصاحبنا تمنعه منا قال : ~~انه استجار بي ؛ وهو ابن أختي ، وا انا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي ، ~~فقام أبو لهب فقال : يا معشر قريش ، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ ، ما ~~تزالون توثبون عليه في جواره من بين قومه ، والله لتنهن عنه أو لنقومن معه ~~في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد ، فقالوا : بل ننصرف عما تكره يا أبا ~~عتبة . قال : وأقام بقيتهم بأرض الحبشة إلى سنة سبع من الهجرة ، فقدموا بعد ~~فتح خيبر ، وقد رأين ان انذكرهم في هذا الموضع ؛ لتكون أخبارهم متوالية . ~~ذكر من قدم من أرض الحبشة إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو بخيبر ~~، ومن قدم بعد ذلك ومن هلك منهم هناك قال ابن إسحاق : كان من قدم منهم إلى ~~خيبر في سنة سبع من الهجرة مع جعفر ابن أبي طالب رضي الله ms3312 عنه في السفينتين ~~ستة عشر رجلأن وهم من بني هاشم بن عبد مناف : جعفر بن أبي طالب ، معه ~~امرأته اسماء بنت عميس ، وابنه عبد الله ؛ ولد بأرض الحبشة . PageV16P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" ومن بني عبد شمس خالد بن سعيد بن العاص ، معه ~~امرأته أمينة بنت خلف ، وابناه سعيد بن خالد ، وأمة بنت خالد ؛ ولدتهما ~~بأرض الحبشة ، وأخوه عمرو بن سعيد ، ومعيقيب بن أبي فاطمة ، وأبو موسى ~~الأشعري ؛ واسمه عبد الله بن قيس . ومن بني أسد الأسود بن نوفل بن خويلد . ~~ومن بني عبدالدار بن قصي جهم بن قيس ، معه ابناه عمرو بن جهم ، وخزيمة بنت ~~جهم ، وكانت معه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود ؛ هلكت بأرض الحبشة . ومن ~~بني زهرة بن كلاب عامر بن أبي وقاص ، وعتبة بن مسعود حليف لهم من هذيل . ~~ومن بني تيم بن مرة الحارث بن خالد بن صخر ، هلكت امرأته ريطة بالحبشة . ~~ومن بني جمح عثما بن ربيعة بن أهبان . ومن بني سهم محمية بن الجزء حليف لهم ~~من بني زبيد . ومن بني عدي بن كعب معمر بن عبد الله بن نضلة . ومن بني عامر ~~بن لؤي أبو حاطب بن عمرو ، ومالك بن ربيعة : معه امرأته عمرة بنت السعدى . ~~ومن بني الحارث بن فهر الحارث بن عبد قيس بن لقيط ، وحمل معهم نساء من نساء ~~من هلك هناك . هؤلاء الذين قدموا مع جعفر في السفينتين . وقدم بعد ذلك ستة ~~وعشرون رجلأن وهم : من بني أمية قيس بن عبد الله الأسدي ، أسد خزيمة ، حليف ~~لهم . ومن بني أسد يزيد بن زمعة بن الأسود ، قتل يوم حنين شهيدا . ومن بني ~~عبد الدار : أبو الروم بن عمير ، وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة . ومن ~~بني تيم بن مرة عمرو بن عثما بن عمرو . ومن بني مخزوم هبار بن سفيان ، ~~وأخوه عبد الله ، وهشام بن أبي حذيفة ابن المغيرة . PageV16P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" ومن بني جمح سفيا بن معمر ، وابناه جنادة ~~وجابر ، وأمهما حسنة ، وأخوهما لأبيهما شرحبيل بن حسنة . ومن ms3313 بني سهم قيس ~~بن حذافة بن قيس ، وأبو قيس بن الحارث بن قيس ، وبشر بن الحارث بن قيس ، ~~وأخ له من أمه من بني تميم يقال له : سعيد بن عمرو ، وسعيد بن الحارث بن ~~قيس ، والسائب بن الحارث بن قيس ، وعمير بن رئاب ، ابن حذيفة . ومن بني ~~عامر بن لؤي سليط بن عمرو . ومن بني الحارث بن فهر عثما بن عبد غنم ، وسعيد ~~بن عبد قيس بن لقيط ، وعياض بن زهير بن أبي شداد . وهلك بأرض الحبشة ممن ~~هاجر إليها ثمانية ، وهم : من بني عبد شمس ، من حلفائهم عبيد الله بن جحش ~~بن رئاب ، تنصر ومات بأرض الحبشة نصرانيا وكانت معه امرأته أم حبيبة بنت ~~أبي سفيان ، فخلف عليها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ومن بني أسد ~~عمرو بن أمية بن الحارث . ومن بني زهرة بن كلاب المطلب بن أزهر بن عوف ، ~~ومعه امرأته رملة بنت أبي عوف ، فولدت له هناك عبد الله بن المطلب . ومن ~~بني جمح حاطب بن الحارث بن معمر ، وكا معه امرأته فاطمة بنت المحلل بن عبد ~~الله ، وابناه محمد والحارث ، فقدمت امرأته وابناه مع جعفر ابن أبي طالب ~~رضي الله عنه في أحد السفينتين ، وأخوه حطاب بن الحارث ، وكا معه امرأته ~~فكيهة بنت يسار قدمت مع جعفر أيضا . ومن بني سهم عبد الله بن الحارث بن قيس ~~. ومن بني عدي بن كعب عروة بن عبد العزى بن حرثان ، وكا مع عدي ابنه ~~النعمان ، فقدم مع من قدم من المسلمين . فهؤلاء الذين ذكرناهم هم الذين ~~ذكرهم ابن إسحاق ، وعدهم انهم الذين هاجروا إلى أرض الحبشة ، وحصر عدتهم ~~كما تقدم . وأما من ذكرنا ممن ذكر أبو عمر PageV16P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" يوسف بن عبد البر في كتابه انهم ممن هاجر إلى ~~أرض الحبشة فلم نقف على تاريخ عودهم فنذكره . ذكر من انزل فيه القرآن من ~~مشركي قريش وما انزل فيهم قال أبو محمد عبد الملك بن هشام : ولما حمى الله ~~تعالى رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) من ms3314 قريش ومنعه منها وقام عمه أبو طالب ~~وقومه من بني هاشم وبني عبد المطلب دونه ، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من ~~البطش به ، جعلت قريش يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمونه ، والقرا ينزل فيهم ، ~~منهم من سماه الله تعالى ، ومنهم من نزل فيه في عامة من ذكر الله من الكفار ~~. فكا من سمى ممن نزل فيه القرا أبو لهب بن عبد المطلب ، وامرأته أم جميل ~~بنت حرب بن أمية ، حمالة الحطب ، فانزل الله فيهما قوله : " تبت يدا أبي ~~لهب وتب . ما أغنى عنه ماله وما كسب . سيصل نارا ذات لهب . وأمرأته حمالة ~~الحطب . في جيدها حبل من مسد " . قال : وانما سماها الله تعالى حمالة الحطب ~~لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه في طريق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~قال ابن إسحاق : فذكر لي ان أم جميل حمالة الحطب ، حين سمعت ما انزل فيها ~~وفي زوجها من القرا أتت رسول الله وهو جالس في المسجد عند الكعبة ، ومعه ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه وفي يدها فهر من حجارة ، فلما وقفت عليهما أخذ ~~الله ببصرها عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فلا ترى إلا أبا بكر ، ~~فقالت : يا أبا بكر ، أين صاحبك ؟ قد بلغني انه يهجوني ، والله لو وجدته ~~لضربت بهذا الفهر فاه ، أما والله اني لشاعرة : مذمما عصينا . . . وأمره ~~أبينا ودينه قلينا ثم انصرفت . قال أبو بكر : يا رسول الله ، أما تراها ~~رأتك ؟ قال : ما رأتني ، لقد أخذ الله ببصرها عني . PageV16P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" وأمية بن خلف بن وهب الجمحي ؛ كان إذا رأى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) همزه ولمزه ، فانزل الله تعالى فيه قوله ~~: " ويل لكل همزة لمزة " ، السورة كلها . قال ابن هشام : الهمزة : الذي ~~يشتم الرجل علأنية ، ويكسر عينه عليه ويغمز به . واللمزة : الذي يعيب الناس ~~سرا ويؤذيهم . والعاص بن وائل السهمي ؛ كان إذا ذكر رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال : دعوه فانما هو رجل أبتر لا عقب له ، لو قد مات انقطع ~~ذكره واسترحتم منه ، فانزل ms3315 الله تعالى في ذلك قوله : " انا أعطيناك الكوثر ~~. فصل لربك وانحر . اشانئك هو الأبتر " . والكوثر : ماء هو خير من الدنيا ~~وما فيها ؛ وقيل : الكوثر : العظيم ، وقيل : الخير الكثير . وسئل رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) : ما الكوثر الذي أعطاك الله ؟ فقال : نهر في الجنة ~~كما بين صنعاء إلى أيلة ، انيته كعدد نجوم السماء ، من شرب منه لم يظمأ ~~أبدا وانزل الله فيه قوله تعالى : " أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين ~~مالا وولدا " ، إلى قوله : " ويأتينا فردا " ، وكا سبب ذلكاخباب بن الأرت ~~صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان نشأ بمكة يعمل السيوف ، وكا قد ~~باع من العاص بن وائل السهمي سيوفا عملها له ؛ حتى كان له عليه مال ، فجاءه ~~يتقاضاه ، فقال : يا خباب ، أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي انت على ~~دينهافي الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم قال خباب : بلى ~~، قال : فانظرني إلى يوم القيامة حتى أرجع إلى تلك الدار ؛ فأقضيك هنالك ~~حقك ، فوالله لا تكون انت وأصحابك آثر عند الله مني ، ولا أعظم حظا في ذلك ~~، فانزل الله ذلك فيه . وأبو جهل بن هشام ؛ لقي رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فقال له : والله يا محمد لتتركن سب آلهتنا أو لنسبن إلهك الذي تعبده ~~، فانزل الله في ذلك : " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله ~~عدوا بغير علم " ، فكف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن سب آلهتهم ، ~~وجعل يدعوهم إلى الله . ولما ذكر الله شجرة الزقوم تخويفا لهم قال أبو جهل ~~: يا معشر قريش ، هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد ؟ قالوا : ~~لأن قال : عجوة يثرب PageV16P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" بالزبد ، والله لئن استمكنا منها لنزقمنها ~~فانزل الله فيه : " ا شجرت الزقوم . طعام الأثيم . كالمهل يغلي في البطون . ~~كغلي الحميم " ، أي ليس كما يقول . والنضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن ~~عبد مناف بن عبد الدار بن قصي ؛ كان إذا جلس رسول الله ( صلى الله عليه ms3316 ~~وسلم ) مجلسا فدعا فيه إلى الله ، وتلا فيه القران ، وحذر فيه قريشا ما ~~أصاب الأمم الخالية ، خلفه في مجلسه إذا قام فحدثهم عن رستم وملوك الفرس ~~وإسفنديار ، ثم يقول : والله ما محمد بأحسن حديثا مني ، وما حديثه إلا ~~أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبتها فانزل الله فيه : " وقالوا أساطير ~~الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا . قل انزله الذي يعلم السر في ~~السموات والأرض انه كان غفروا رحيما " . وانزل فيه : " إذا تتلى عيلان ~~ياتنا قال أساطير الأولين " . ونزل فيه : " ويل لكل أفاك أثيم . يسمع آيات ~~الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كان لم يسمعها فبشره بعذاب أليم " ، والأفاك ~~، الكذاب . قال : وجلس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوما مع الوليد بن ~~المغيرة في المسجد ، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهما وفي المجلس غير ~~واحد من رجال قريش ، فتكلم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فعرض له ~~النضر فكلمه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى أفحمه ، ثم تلا عليه ~~وعليهم : " انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم انتم لها واردون . لو كان ~~هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون . لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون ~~" ، ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأقبل عبد الله بن الزبعري ~~السهمي حتى جلس ، فقال له الوليد بن المغيرة : والله ما قام النضر بن ~~الحارث لابن عبد المطلب انفا وما قعد ، وقد زعم محمد انا وما نعبد من ~~آلهتنا هذه حصب جهنم فقال عبد الله بن الزبعري : أما والله لو وجدته لخصمته ~~، فسألوا محمدا : أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده ؟ ، فنحن ~~نعبد الملائكة ، واليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد عيسى بن مريم ، فعجب ~~الوليد ومن كان حضر معه في المجلس من قول عبد الله ، ورأوا انه قد احتج ~~وخاصم ، فذكر ذلك لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : كل من ~~أحبايعبد من دون الله فهو مع من عبده ، انهم انما يعبدون الشياطين ، ومن ~~أمرتهم بعبادته ، فانزل الله ms3317 تعالى : " ا الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون . لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت انفسهم خالدون " ، أي عيسى ~~بن مريم ، وعزير ومن عبدوا من الأحبار والرهبا الذين مضوا على طاعة الله ، ~~فاتخذهم من بعدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله . ونزل فيما ذكروا ~~انهم يعبدون الملائكة ، وانها بنات الله قوله تعالى : " وقالوا ~~PageV16P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون . لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون " ، إلى قوله : " ومن يقل منهم اني إله من ~~دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين " . ونزل فيما ذكر من أمر عيسى ~~عيلان لسلام انه يعبد من دون الله ، وعجب الوليد ومن حضر من حجته : " ولما ~~ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون " ، أي يصدون عن أمرك ، ثم ذكر عيسى ~~: " ا هو إلا عبد انعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل . ولو نشاء لجعلنا ~~منكم ملائكة في الأرض يخلفون . وانه لعلم للساعة فلا تمترن بها " ، أي ما ~~وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى ، وإبراء الأسقام ، فكفى به دليلا ~~على علم الساعة ، يقول : " فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم " . ~~والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي ، حليف بني زهرة ، وكا من أشراف ~~القوم ، وممن يستمع منه ، فكان يصيب من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ويرد عليه ، فانزل الله فيه : " ولا تطع كل حلاف مهين " إلى قوله : " زنيم ~~" ، والزنيم : العديد للقوم . والوليد بن المغيرة قال : أينزل على محمد ~~وأترك وانا لبيب قريش وسيدها ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف ~~، ونحن عظيما القريتين فانزل الله تعالى فيه : " وقالوا لولا نزل هذا القرا ~~على رجل من القريتين عظيم . أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم ~~في الحياة الدنيا " ، إلى قوله : " خير مما يجمعون " . وأبى بن خلف بن وهب ~~بن حذافة بن جمح ، وعقبة بن أبي معيط - وكانا متصافيين حسنا ما بينهما - ~~فجلس عقبة إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وسمع منه ، فبلغ ذلك أبيا ms3318 ~~فأتى عقبة فقال : ألم يبلغني انك جالست محمدا وسمعت منه ثم قال : وجهي من ~~وجهك حرام أكلمك - واستغلظ من اليمين - أنت جلست أو سمعت منه ، أو لم تأته ~~فتنفل في وجهه . ففعل عدو الله عقبة بن أبي معيط ، فانزل الله فيهما : " ~~ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا . يا ويلتي ~~لم أتخذ فلأنا خليلا . لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكا الشيطا للأنسا ~~خذولا " . ومشى أبي بن خلف إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعظم بال ~~قد أرفت ؛ PageV16P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" فقال : يا محمد ، انت تزعم أن الله يبعث هذا ~~بعدما أرى ؟ ثم فته بيده ونفخه في الريح نحو النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : نعم انا أقول ذلك ، يبعثه الله ~~وإياك بعد ما تكونا هكذا ثم يدخلك النار ، فانزل الله تعالى فيه : " وضرب ~~لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم . قل يحييها الذي انشأها ~~أول مرة وهو بكل خلق عليم . الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا انتم ~~منه توقدون " . واعترض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يطوف بالكعبة ~~الأسود بن المطلب ابن أسد ، والوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، والعاص بن ~~وائل - وكانوا ذوي أسنا في قومهم - فقالوا : يا محمد ؛ هلم فلنعبد ما تعبد ~~، وتعبد ما نعبد ؛ فنشترك نحن وانت في الأمر ، فا كان الذي تعبد خيرا كنا ~~قد أخذنا بحظنا منه ، وا كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه ، ~~فانزل الله تعالى فيهم : " قل يأيها الكافرون . لا أعبد ما تعبدون " . . . ~~السورة . ودعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قومه إلى الإسلام ، وكلمهم ~~فأبلغ ، فقال له زمعة بن الأسود ، والنضر بن الحارث ، والأسود بن عبد يغوث ~~، وأبي بن خلف ، والعاص بن وائل : لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ؛ ~~ويرى معك فانزل الله تعالى في ذلك : " وقالوا لولا انزل عليه ملك ولو ~~انزلنا ملكا لقضي ms3319 الأمر ثم لا ينظرون . ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون " . والله المستعان . ذكر خروج أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه إلى الهجرة وعوده ، وجواره ورده الجوار قال : وكان أبو بكر رضي ~~الله عنه كما روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها حين ضاقت عليه مكة ~~، وأصابه فيها ما اصابه من الأذى ، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وأصحابه ما رأى استأذن الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~الهجرة ، فأذن له ، فخرج أبو بكر مهاجرا حتى إذا سار من مكة يوما أو يومين ~~ابن الدغنة ، ويقال فيه : الدغينة - أخو بني الحارث بن بكر ابن عبد مناة بن ~~كنانة ، والهون بن خزيمة بن مدركة ، وبني المصطلق بن خزاعة ، تحالفوا جميعا ~~فسموا الأحابيش PageV16P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" للحلف - فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ قال : ~~أخرجني قومي وآذوني وضيقوا علي ، قال : ولم ؟ فوالله انك لتزين العشيرة ، ~~وتعين على النوائب ، وتفعل المعروف ، وتكسب المعدوم ، ارجع وانت في جواري . ~~فرجع معه حتى إذا دخل مكة ؛ قام ابن الدغنة فقال : يا معشر قريش ، اني قد ~~أجرت ابن أبي قحافة فلا يعرضن له أحد إلا بخير ؛ فكفوا عنه . قال : وكا ~~لأبي بكر مسجد على باب داره في بني جمح ، فكان يصلي فيه ، وكا رجلا رقيقا ؛ ~~إذا قرأ القرا استبكى ، فتقف عيلان لصبيا والعبيد والنساء فيعجبون لما يرون ~~من هيئته ، فمشى من قريش إلى ابن الدغنة رجال فقالوا : انك لم تجر هذا ~~الرجل ليؤذينا انه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق ، ونحن نتخوف على ~~صبياننا ونسائنا وضعفتن ان ايفتنهم ، فأته فمرهايدخل بيته فليصنع فيه ما ~~شاء . قالت : فمشى ابن الدغنة إليه فقال : يا أبا بكر ، اني لم أجرك لتؤذي ~~قومك ، انهم قد كرهوا مكانك الذي انت به ، وتأذوا بذلك منك ، فادخل بيتك ~~فاصنع فيه ما أحببت . قال : أو أرد عليك جوارك ، وأرضي بجوار الله ؟ قال : ~~فاردد علي جواري ، قال : قد رددته عليك ، فقام ابن الدغنة فقال ms3320 : يا معشر ~~قريش ، ان ابن أبي قحافة قد رد إلى جواري فشانكم بصاحبكم . ذكر وفاة أبي ~~طالب بن عبد المطلب عم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومشي أشراف قريش ~~إليه في مرضه ، وما قالوه وانزل فيهم كانت وفاة أبي طالب بعد نقض الصحيفة ، ~~وخروج بني هاشم وبني المطلب من الشعب بثمانية أشهر وأحد وعشرين يوما وماتت ~~خديجة بعده بثلاثة أيام . حكاه الشيخ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي ~~رحمه الله في مختصر السيرة النبوية . وقال محمد بن سعد : كان بينهما شهر ~~وخمسة أيام . قال محمد بن إسحاق : لما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله ، ~~فمشى إليه أشراف قريش وهم : عقبه بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن ~~هشام ، وأمية بن PageV16P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" خلف ، وأبو سفيا بن حرب في رجال من أشرافهم ، ~~فقالوا : يا أبا طالب ، انك منا حيث قد علمت وقد حضرك ما ترى ، وتخوفنا ~~عليك ، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك ، فادعه فخذ له منا وخذ لنا منه ~~، ليكف عنا ونكف عنه ، وليدعنا وديننا وندعه ودينه . فبعث إليه فجاءه فقال ~~له : يا بن أخي ، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ، ليعطوك وليأخذوا منك ، ~~فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : كلمة واحدة تملكون بها العرب ، ~~وتدين لهم بها العجم فقال أبو جهل : نعم وأبيك وعشر كلمات ، فقال . تقولون ~~لا إله إلا الله ، وتخلعون ما تعبدون من دونه ، قال : فصفقوا بأيديهم ، ~~وقالوا : أتريد يا محمداتجعل الآلهة إلها واحدا ؛ ان أمرك لعجب ثم قال ~~بعضهم لبعض : انه والله ما هذا الرجل يعطيكم شيئا مما تريدون ؛ فانطلقوا ~~وامضوا على دين آبائكم ، حتى يحكم الله بينكم وبينه ، ثم تفرقوا . فقال أبو ~~طالب : والله ما رأيتك سألتهم شططا . قال : فلما قالها أبو طالب طمع رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيه ، فجعل يقول له : يا عم فانت فقلها ؛ ~~أستحل بها لك الشفاعة يوم القيامة ، قال : يا بن أخي لولا مخافة السبة عليك ~~وعلى بني أبيك من بعدي ، وا تظن ms3321 قريش اني قلتها جزعا من الموت لقلتها لا ~~أقولها إلا لأسرك بها . قال ابن عباس : فلما تقارب من أبي طالب الموت ، نظر ~~العباس إليه يحرك شفتيه ، فأصغى إليه بأذنه ، فقال : يا بن أخي ، والله لقد ~~قال أخي الكلمة التي أمرتهايقولها فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~لم أسمع ، ثم هلك أبو طالب . والذي ورد في الصحيح . اآخر ما سمع من أبي ~~طالب ؛ هو على دين عبد المطلب . قال ابن إسحاق : وانزل الله في الرهط الذين ~~اجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا ما قالوا قوله تعالى : " ص والقرا ذي الذكر . ~~بل الذين كفروا في عزة وشقاق . كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين ~~مناص . وعجبو ان اجاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر PageV16P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" كذاب . أجعل الآلهة إلها واحد ان اهذا لشيء ~~عجاب . وانطلق الملأ منهم ان أمشوا واصبروا على آلهتكماهذا لشيء يراد . ما ~~سمعنا بهذا في الملة الآخرةاهذا إلا اختلاق " . قال : يريدون بالملة الآخرة ~~النصارى ؛ لقولهم : " ا الله ثالث ثلاثة " . ذكر وفاة خديجة بنت خويلد زوج ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ورضي الله عنها كنت وفاة خديجة رضي الله عنها ~~بعد وفاة أبي طالب كما تقدم ، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين على ما صححه ~~الشيخ شرف الدين الدمياطي رحمه الله في مختصر السرة النبوية ، قال : وبقيت ~~عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قبل الوحي خمس عشرة سنة ، وبعده تسع ~~سنين وثمانية أشهر ، وهي أول من أسلم من النساء بلا خلاف ، ولعلها أول من ~~أسلم من الناس ، وكانت لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وزير صدق . ~~روىاآدم عيلان لسلام قال : اني لسيد البشر يوم القيامة إلا رجل من ذريتي ~~فضل علي باثنين ؛ كانت زوجته عونا له ، وكانت زوجتي عونا علي ، وأعانه الله ~~على شيطانه فأسلم ، وكفر شيطاني . وعن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~انه قال : أمرت ان أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب ، ~~قالوا : والقصب ها هنا : اللؤلؤ . ودفنت ms3322 خديجة بالحجون ، ولم تكن شرعت ~~الصلاة على الميت بعد . والله أعلم . ذكر خروج رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إلى الطائف وعوده إلى مكة قال : لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما لم تكن تناله في حياة عمه . قال محمد بن ~~سعد : فبلغ ذلك أبا لهب ، فجاءه فقال : يا محمد ، امض لما أردت وما كنت ~~صانعا إذا كان أبو طالب حيا فاصنعه ، لا واللات ، لا يوصل إليك حتى أموت . ~~قال : وسب ابن الغيطلة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأقبل عيلان بو لهب ~~فنال منه ، فولى وهو يصيح : يا معشر قريش ، صبأ أبو عبتة ، فأقبلت قريش حتى ~~وقفوا على أبي لهب فقال : ما فارقت دين عبد المطلب ، ولكني أمنع ابن ~~أخيايضام ، حتى يمضي لما يريد ، قالوا : قد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم ، ~~فلبث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كذلك أياما يذهب ويأتي ، ولا يعترض ~~له أحد من قريش ، وهابوا أبا لهب إلىاجاء عقبة بن أبي معيط ، PageV16P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" وأبو جهل ابن هشام إلى أبي لهب فقالا : أخبرك ~~ابن أخيك أين مدخل أبيك ؟ فقالا له : يا محمد أين مدخل عبد المطلب ؟ قال : ~~مع قومه ، فخرج أبو لهب إليهما فقال : قد سألته فقال : مع قومه ، فقالا : ~~يزعم انه في النار ، فقالا : يا محمد ، أيدخل عبد المطلب النار ؟ ، فقال : ~~نعم ، ومن مات على مثل ما مات عليه عبد المطلب دخل النار . فقال أبو لهب : ~~والله لا برحت لك عدوا أبدا وانت تزعماعبد المطلب في النار ، فاشتد عليه هو ~~وسائر قريش ، فخرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى الطائف . قال محمد ~~بن سعد : خرج ومعه زيد بن حارثة ، وذلك في ليال بقين من شوال سنة عشر من ~~حين النبوة ، فأقام بالطائف عشرة أيام لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه ~~وكلمه ، فلم يجيبوه ، وخافوا على أحداثهم ، فقالوا : يا محمد ، اخرج من ~~بلدنا والحق بمجابك من الأرض . وأغروا به سفهاءهم ، فجعلوا يرمونه بالحجارة ~~حتىارجلي رسول الله ( صلى ms3323 الله عليه وسلم ) وسلم لتدميان ، وزيد بن حارثة ~~يقيه بنفسه . حتى لقد شج في رأسه شجاجا فانصرف رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من الطائف راجعا إلى مكة وهو محزون لم يستجب له رجل واحد ولا امرأة ~~. وقال ابن إسحاق : لما أغروا به سفهاءهم ؛ لجأ رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة ، فجلس في ظل حبلة ، وابنا ربيعة ~~ينظرا إليه ، ويريا ما لقي من سفهاء أهل الطائف ، فتحركت له رحمتهما فدعوا ~~غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس ، فقالا له : خذ قطفا من هذا العنب فضعه ~~في هذا الطبق ، ثم اذهب إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه ، ففعل عداس ، ثم ~~أقبل حتى وضعه بين يديه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقال له : كل ، فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : بسم الله فأكل ، فنظر عداس إليه ثم قال : ~~واللهاهذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد ، فقال له ( صلى الله عليه وسلم ~~) : ومن أهل أي البلاد انت يا عداس ؟ وما دينك ؟ . قال : نصراني ، وانا رجل ~~من أهل نينوى ، فقال له : أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟ فقال عداس : ~~وما يدريك ما يونس ؟ قال : ذاك أخي ، كان نبيا PageV16P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" وانا نبي ، فأقبل عداس على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يقبل رأسه وقدميه ويديه ، فقال أحد ابني ربيعة لصاحبه : ~~أما غلامك فقد أفسده عليك ، فلما جاءهما عداس قالا له : ويلك ما لك تقبل ~~رأس هذا الرجل ويديه وقدميه قال : يا سيدي ، ما في الأرض شيء خير من هذا ~~العبد ، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي ، قالا : ويحك يا عداس لا يصرفنك ~~عن دينك ، فا دينك خير من دينه . قال : ثم انصرف رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) راجعا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف ، حتى إذا كان نخلة أتاه جن ~~نصيبين ، على ما نذكر ذلكاشاء الله في أخبار الوفود على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) على ما تقف عليه هناك ، وهو في ms3324 آخر وفادات العرب . قال : ~~وأقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بنخلة أياما فقال له زيد بن حارثة ~~: كيف تدخل عليهم وهم أخرجوك ؟ فقال : يا زيد ، إن الله جاعل لما ترى فرجا ~~ومخرجا وان الله ناصر دينه ومظهر نبيه ، ثم انتهى إلى حراء ، فأرسل رجلا من ~~خزاعة إلى مطعم بن عدي يقول : أدخل في جوارك ؟ فقال : نعم ، ودعا بنيه ~~وقومه ، فقال : تلبسوا السلاح ، وكونوا عند أركا البيت ؛ فاني قد أجرت ~~محمدا فدخل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومعه زيد بن حارثة حتى ~~انتهى إلى المسجد الحرام ، فقام مطعم بن عدي على راحلته فنادى : يا معشر ~~قريش ، اني قد أجرت محمدا ؛ فلا يهجه أحد منكم ، فانتهى ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إلى الركن فاستلمه ، وصلى ركعتين ، وانصرف إلى بيته ، ومطعم وولده ~~مطيفون به ، فلذلك قال حسا بن ثابت الأنصاري في رثائه لمطعم من قصيدته : ~~فلو كان مجد يخلد الدهر واحدا . . . من الناس ، أبقى مجده اليوم مطعما أجرت ~~رسول الله منهم فأصبحوا . . . عبيدك ما لبى مهل وأحرما وحكى محمد بن إسحاق ~~: ارسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره ، فقال ~~: انا حليف ؛ والحليف لا يجير ؛ فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال إن : ~~PageV16P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" ابني عامر لا تجير على بني كعب ، فبعث إلى ~~المطعم بن عدي فأجابه . ذكر خبر الإسراء برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~من مكة إلى بيت المقدس ، وخبر المعراج به ( صلى الله عليه وسلم ) إلى ~~السموات العلا ، وإلى سدرة المنتهى ، وما شاهد في ذلك من الكرامة والأصطفاء ~~والمناجاة ، وفرض الصلاة ، وغير ذلك مما يراه من آيات ربه الكبرى ، ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وحبر الإراء برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) صحيح متفق ~~على صحته بنص الكتاب والأحاديث الصحيحة . أما الكتاب العزيز ، فقد قال الله ~~عز وجل : " سبحا الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ~~الذي باركنا حوله ليريه من آياتنا انه هو السميع البصير " . وقال تعالى : " ~~والنجم إذا هوى . ما ms3325 ضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن الهوى . اهو إلا وحي ~~يوحى . علمه شديد القوي . ذو مرة فاستوى . وهو بالأفق الأعلى . ثم دنى ~~فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى . فأوحى إلى عبده ما أوحى . ما كذب الفؤاد ~~ما رأى . أفتمارونه على ما يرى . ولقد رآه نزلة أخرى . عند سدرة المنتهى ~~عندها جنة المأوى . إذ يغشى السدرة ما يغشى . ما زاغ البصر وما طغى . لقد ~~رأى من آيات ربه الكبرى " . وأما الأحاديث الواردة في ذلك فسنذكرها ان شاء ~~الله تعالى . وكا الإسراء برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليلة السبت ~~لسبع عشرة خلت من شهر رمضا قبل الهجرة عشر شهرا وقد أتت عيلان حدى وخمسون ~~سنة وتسعة أشهر . وقال ابن سعد في طبقاته عن عائشة وأم هانئ وابن عباس ~~قالوا : أسرى برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليلة سبع عشرة من شهر ربيع ~~الأول قبل الهجرة بسنة من شعب أبي طالب إلى بيت المقدس . والله أعلم . ~~والأحاديث الصحيحة بصحة الإسراء قد جاءت من طرق كثيرة ، وقد رأينا ان نبدأ ~~منها بأكملها وأجمعها وهو حديث ثابت البناني عن انس بن مالك رضي الله عنه ، ~~ثم نذكر زيادات عن غيره يتعين ذكرها . PageV16P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" أما حديث ثابت البناني فهو مما رويناه بإسناد ~~متصل عن مسلم بن الحجاج ، قال حدثنا شيبا بن فروخ ، قال حدثنا حماد بن سلمة ~~، قال حدثنا ثابت البناني عن انس بن مالك رضي الله عنهارسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال : أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل ، فوق الحمار ودون ~~البغل ، يضع حافره عند منتهى طرفه . قال : فركبته حتى أتيت بيت المقدس ، ~~فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ~~، ثم خرجت فجاءني جبريل باناء من خمر واناء من لبن ، فأخذت اللبن ، فقال ~~جبريل : اخترت الفطرة ، ثم عرج بنا إلى السماء ، فاستفتح جبريل ، فقي : من ~~انت ؟ قال : جبريل ، قيل : من معك ؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه ؟ قال ~~: قد بعث إليه ، ففتح لنا فإذا بآدم ms3326 ( صلى الله عليه وسلم ) ، فرحب بي ودعا ~~لي بخير ، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية ، فاستفتح جبريل فقيل : من انت ؟ ~~قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد ~~بعث إليه ، ففتح لنا فإذا انا بابني الخالة عيسى بن مريم ، ويحيى بن زكريا ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، فرحبا بي ودعوا لي بخير ، ثم عرج بنا إلى السماء ~~الثالثة ، وذكر مثل الأول ففتح لنا فإذا انا بيوسف ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، وإذا هو قد أعطى شطر الحسن ، فرحب بي ، ودعا لي بخير ، ثم عرج بنا إلى ~~السماء الرابعة ، فذكر مثله ، فإذا انا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير ، ثم ~~عرج بنا إلى السماء الخامسة ، فذكر مثله ، فإذا انا بهارون فرحب بي ، ودعا ~~لي بخير ، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة ، فإذا انا بموسى فرحب بي ، ودعا ~~لي بخير ، ثم عرج بي إلى السماء السابعة ، فذكر مثله ، فإذا انا بإبراهيم ~~مسندا ظهره إلى البيت المعمر ، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا ~~يعودون إليه ، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى ، وإذا ورقها كآذا الفيلة ، وإذا ~~ثمرها كالقلال . قال : فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت ، فما أحد من ~~خلق الله يستطيعاينعتها من حسنها فأوحى الله إلي ما أوحى ، ففرض علي خمسين ~~صلاة في كل يوم وليلة ، فنزلت إلى موسى ، فقال : ما فرض ربك على أمتك ؟ قلت ~~: خمسين صلاة ، قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فا أمتك لا يطيقون ذلك ~~، فاني قد بلوت بني إسرائيل . قال : فرجعت إلى ربي فقلت : يا رب خفف عن ~~أمتي ، فحط عني خمسا فرجعت إلى موسى فقلت : حط عني خمسا قال : ان أمتك لا ~~يطيقون ذلك ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف . قال : فلم أزل أراجع بين ربي ~~تعالى ، وبين موسى حتى قال : يا محمد ، انهن خمس صلوات ، كل يوم وليلة ~~PageV16P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" بكل صلاة عشر ، فتلك خمسون صلاة ، ومن هم ~~بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فا عملها كتبت له ms3327 عشرا ومن هم بسيئة فلم ~~يعملها لم تكتب شيئا فا عملها كتبت سيئة واحدة . قال : فنزلت حتى انتهيت ~~إلى موسى فأخبرته ، فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف . قال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : فقلت : قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه . وروى ~~يونس عنابن شهاب عن انس قال : كان أبو ذر يحدثارسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قال : فرج سقف بيتي ، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم ، ~~ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري ثم أطبقه ، ثم أخذ ~~بيدي فعرج بي إلى السماء . فذكر القصة . وروى قتادة عن انس عن مالك بن ~~صعصعة الحديث بمثله ، وفيه تقديم وتأخير ، وزيادة ونقص ، وخلاف في ترتيب ~~الأنبياء والسموات ؛ وحديث ثابت عن انس أتقن وأجود . وهذا الحديثا يدلأن ~~علىارسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) شق جوفه عند الإسراء ، وقد تقدم ~~الخبر انه شق جوفه وهو عند ظئره في حال طفوليته ، فيكون على هذا شق جوفه ~~مرتين . والله أعلم بالصواب . ونقل عن الشيخ عبد القادر محمد بن أبي الحسن ~~الصعبي في مختصر السيرة الحديث له قال : روى أبو داود الطيالسي في مسنده ، ~~قال : حدثنا حماد بن سلمة قال أخبرني أبو عمرا الجوني عن رجل عن عائشة رضي ~~الله عنها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اعتكف هو وخديجة شهرا فوافق ~~ذلك رمضان ، فخرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وسمع : السلام عليكم ~~، قالت : فظننت انه فجئه الحق ، فقال : أبشروا فا السلام خير ، ثم رأى يوما ~~آخر جبريل عيلان لسلام على الشمس جناح له بالمشرق ، وجناح له بالمغرب ، ~~قالت : فبهت منه ، قالت : فانطلق يريد أهله ، فإذا هو بجبريل عيلان لسلام ~~بينه وبين الباب ، قال : PageV16P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" فكلمني حتى انست به ثم وعدني موعدا فجئت ~~لموعده ، واحتبس على جبريل ، فلما أرادايرجع إذا هو وميكائيل عليهما السلام ~~، فهبط جبريل عيلان لسلام إلى الأرض ، وبقي ميكائيل بين السماء والأرض ، ~~قال : فأخذني فسلقني لحلاوة القفا وشق عن بطني ، فأخرج منه ما ms3328 شاء الله ، ~~ثم غسله في طست من ذهب ثم أعاده ، ثم كفاني كما يكفأ الأناء ، ثم ختم في ~~ظهري حتى وجدت مس الخاتم ، ثم قال لي : " اقرأ باسم ربك " ولم أقرأ كتابا ~~قط ، فأخذ بحلقي حتى أجهشت بالبكاء ، ثم قال : " اقرأ باسم ربك الذي خلق . ~~خلق الأنسا من علق " إلى قوله : " ما لم يعلم " . قال : فما نسيت بعد ، ~~فوزنني برجل فوزنته ، ثم وزنني بآخر فوزنته ، ثم وزنني بمائة ، فقال ~~ميكائيل : تبعته أمته ورب الكعبة . قال : ثم جئت إلى منزلي ، فما يلقاني ~~حجر ولا شجر إلا قال : السلام عليك يا رسول الله ، حتى دخلت على خديجة ~~فقالت : السلام عليك يا رسول الله . فيدل هذا الحديث على انه شق جوفه أيضا ~~عند الوحي ، كافيكون شق جوفه ثلاث مرات ؛ مرة وهو عند ظئرة ، ومرة عند ~~الوحي في أول النبوة ، كما يقتضي هذا الحديث ، ومرة ثالثة عند الإسراء ؛ ~~كما روى عن أبي ذر ، ومالك بن صعصعة . والله أعلم . وانما أوردنا حديث ~~الطيالسي في هذا الموضع على سبيل الاستطراد ، لأن موضعه يصلحايكون عند ذكر ~~حديث المبعث ، وقد أثبتنا هناك الأحاديث الصحيحة ؛ فلنرجع إلى ما نحن فيه ~~من حديث الإسراء . وأما ما ورد في الأحاديث الأخر من الروايات التي يتعين ~~ذكرها : فمنها حديث ابن شهاب وفيه قول كل نبي : مرحبا بالنبي الصالح ، ~~والأخ الصالح إلا آدم وإبراهيم فقالا له : والابن الصالح . وفيه من طريق ~~ابن عباس رضي الله عنهما : ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف ~~الأقلام . وعن انس : ثم انطلق بي حتى أتيت سدرة المنتهى ، فغشيها ألوا لم ~~أدر ما هي ، قال : ثم أدخلت الجنة . وفي حديث مالك بن صعصعة : فلما جاوزته ~~- يعني موسى - بكى ، فنودي ما يبكيك ؟ قال : رب ، هذا غلام بعثته بعدي ، ~~يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي . PageV16P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" وفي حديث أبي هريرة : وقد رأيتني في جماعة من ~~الأنبياء ، فحانت الصلاة فأممتهم فقال قائل : يا محمد ، هذا مالك خازن ~~النار فسلم عليه ، فالتفت فبداني بالسلام . وفي ms3329 حديث أبي هريرة : ثم سار ~~حتى أتى بيت المقدس ، فنزل فربط فرسه إلى صخرة وصلى مع الملائكة ، فلما ~~قضيت الصلاة ، قالوا : يا جبريل من هذا معك ؟ قال : هذا محمد رسول الله ~~خاتم النبيين ، قالوا : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، قالوا : حياه من أخ ~~وخليفة ؟ فنعم الأخ ونعم الخليفة ثم لقوا أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم . ~~وذكر كلام كل واحد منهم ؛ وهم إبراهيم وموسى وعيسى وداود وسليمان . ثم ذكر ~~كلام النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : وا محمدا ( صلى الله عليه وسلم ~~) أثنى على ربه ، فقال : كلكم أثنى على ربه ، وانا أثني على ربي ؛ الحمد ~~لله الذي أرسلني رحمة للعالمين ، وكافة للناس بشيرا ونذيرا وانزل علي ~~الفرقا فيه تبيا كل شيء ، وجعل أمتي خير أمة ، وجعل أمتي أمة وسطا وجعل ~~أمتي هم الأولون وهم الآخرون ، وشرح لي صدري ، ووضع عن وزري ، ورفع لي ذكري ~~، وجعلني فاتحا وخاتما . فقال إبراهيم : بهذا فضلكم محمد . ثم ذكر انه عرج ~~به إلى السماء الدنيا ومن سماء إلى سماء ؛ نحو ما تقدم . وفي حديث ابن ~~مسعود : وانتهى بي إلى سدرة المنتهى ، وهي في السماء السادسة ؛ إليها ينتهي ~~ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها ~~. قال تعالى : " إذ يغشى السدرة ما يغشى " ، قال : فراش من ذهب . وفي رواية ~~أبي هريرة رضي الله عنه ، من طريق الربيع بن انس : فقيل لي : هذه سدرة ~~المنتهي ، ينتهي إليها كل أحد من أمتك خلا على سبيلك . وهي السدرة المنتهى ~~يخرج من أصلها انهار من ماء غير آسن ، وانهار من لبن لم يتغير طعمه ، ~~وانهار من خمر لذة للشاربين ، وانهار من عسل مصفى . وهي شجرة يسر الراكب في ~~ظلها سبعين عاما وا ورقة منها مظلة الخلق . فغشيها نور ، وغشيتها الملائكة ~~. قال : فهو قوله تعالى : " إذ يغشى السدرة ما يغشى " ؛ فقال تبارك وتعالى ~~له : PageV16P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" سل ، فقال : انك اتخذت إبراهيم خليلأن ~~وأعطيته ملكا عظيما وكلمت موسى تكليما وأعطيت داود ملكا عظيما وألنت له ms3330 ~~الحديد ، وسخرت له الجبال ، وأعطيت سليما ملكا عظيما ؛ سخرت له الجن والأنس ~~والشياطين والرياح ، وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، وعلمت عيسى ~~التوراة والأنجيل ، وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ، وأعذته وأمه من الشيطا ~~الرجيم ، فلم يكن له عليهما سبيل . فقال له ربه : قد اتخذتك حبيبا فهو ~~مكتوب في التوراة : محمد حبيب الرحمن ، وأرسلتك إلى الناس كافة ، وجعلت ~~أمتك هم الأولون وهم الآخرون ، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا انك ~~عبدي ورسولي ، وجعلتك أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا وأعطيتك سبعا من ~~المثاني ولم أعطها نبيا قبلك ، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي ~~، لم أعطها نبيا قبلك ، وجعلتك فاتحا وخاتما . وفي الرواية الأخرى ، قال : ~~فأعطى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثلاثا : أعطى الصلوات الخمس ، ~~وأعطى خواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات ~~. وقال : " ما كذب الفؤاد ما رأى " ؛ الآيتين . قيل : رأى جبريل في صورته ~~له ستمائة بجناح ، وفي حديث شريك : انه رأى موسى في السابعة قال : بتفضيل ~~كلام الله ، قال : ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلم إلا الله ، فقال موسى : ~~لم أظنايرفع على أحد . وقد روى عن انس انه ( صلى الله عليه وسلم ) صلى ~~بالأنبياء ببيت المقدس . وعنه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~بينا انا قاعد ذات يوم إذ دخل علي جبريل عيلان لسلام فوكز بين كتفي ، فقمت ~~إلى شجرة فيها مثل وكري الطائر ، فقعد في واحدة ، وقعدت في الأخرى فنمت حتى ~~سدت الخافقين ، ولو شئت لمسست السماء ، وانا أقلب طرفي ، ونظرت جبريل كانه ~~حلس الطئ ، فعرفت فضل علمه بالله علي ؛ وفتح لي باب السماء ، ورأيت ~~PageV16P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" النور الأعظم ، وإذا دوني الحجاب وفرجه الدر ~~والياقوت ، ثم أوحى الله إلى ما شاءايوحى . وذكر البراز عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه انه قال : لما أراد اللهايعلم رسوله الأذا جاءه جبريل بدابة ~~يقال لها البراق ، فذهب يركبها فاستصعبت عليه ، فقال لها جبريل : أسكني ، ~~فوالله ما ركبك ms3331 عبد أكرم على الله من محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فركبها ~~حتى أتى بها إلى الحجاب الذي يلى الرحمن تعالى ، فبينا هو كذلك إذ خرج ملك ~~من الحجاب ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : يا جبريل ، هذا ؟ قال ~~: والذي بعثك بالحق انى لأقرب الخلق مكانا وا هذا الملك ما رأيته منذ خلقت ~~قبل ساعتي هذه ، فقال الملك : الله أكبر ، الله أكبر ، فقيل من وراء الحجاب ~~: صدق عبدي ؛ انا أكبر انا أكبر ، ثم قال الملك : أشهدالا إله إلا الله ، ~~فقيل من وراء الحجاب : صدق عبدي ، انا لا إله إلا انا وذكر مثل هذه في بقية ~~الأذان ، إلا انه لم يذكر جوابا : حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، وقال : ~~ثم أخذ الملك بيد محمد فقدمه ، فأم أهل السماء فيهم آدم ونوح . قال القاضي ~~عياض بن موسى رحمه الله : ما في هذا الحديث من ذكر الحجاب فهو في حق ~~المخلوق لا فى حق الخالق ، فهم المحجوبون ، والبارى جل اسمه منزه عما يحجبه ~~؛ إذ الحجب انما تحيط بمقدر محسوس ، ولكن حجبه على أبصار خلقه وبصائرهم ~~وإدراكاتهم بما شاء وكيف شاء ومتى شاء ، كقوله : " كلا انهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون " . قال : فقوله في هذا الحديث : الحجاب يجبايقال : انه حجاب حجب ~~به من وراءه من ملائكته عن الاطلاع على ما دونه من سلطانه وعظمته ، وعجائب ~~ملكوته وجبروته . ويدل عليه من الحديث قول جبريل عن الملك الذي خرج من ~~ورائه : اهذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه ، فدل علىاهذا الحجاب ~~لم يختص بالذات . ويدل عليه قول كعب في تفسيره : سدرة المنتهى ، قال : ~~إليها ينتهي علم الملائكة ، وعندها يجدون أمر الله لا يجاوزها علمهم . قال ~~: وأما قوله الذي يلي الرحمن ، فيحمل على حذف المضاف أي الذي يلي عرش ~~الرحمن ، أو أمرا ما من عظيم آياته ، أو مبادئ حقائق معارفه مما هو أعلم ~~PageV16P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" به ، كما قال تعالى : " واسأل القرية " أي ~~أهلها . وقوله : فقيل من وراء الحجاب ، صدق عبدي ، انا أكبر فظاهره انه سمع ms3332 ~~في هذا الموطن كلام الله ولكن من وراء حجاب ، كما قال تعالى : " وما كان ~~لبشرايكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب " أي وهو لا يراه ؛ حجب بصره عن ~~رؤيته ، فا صح القول با محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) رأى ربه فيحتمل انه ~~في غير هذا الموطن بعد هذا أو قبله رفع الحجاب عن بصره حتى رآه . والله ~~أعلم بالصواب . ما قيل في الاسراء ذكر من قال : ان الإسراء كان بالجسد وفي ~~اليقظة قد اختلف العلماء على ثلاث مقالات ؛ فذهبت طائفة إلى انه إسراء ~~بالروح ، وانه رؤيا منام . وذهبت طائفة إلىان الإسراء كان بالجسد يقظة إلى ~~بيت المقدس وإلى السماء بالروح . والذي عيلان لأكثرون - وقال به معظم السلف ~~- انه إسراء بالجسد ، وفي اليقظة . قال القاضي عياض بن موسى بن عياض : وهذا ~~هو الحق ، وهو قول ابن عباس ، وجابر ، وانس ، وحذيفة ، وعمر ، وأبو هريرة ، ~~ومالك بن صعصعة ، وأبي حبة البدري ، وابن مسعود ، والضحاك ، وسعيد بن جبير ~~، وقتادة ، وابن المسيب ، وابن شهاب ، وابن زيد ، والحسن ، وإبراهيم ، ~~ومسروق ، ومجاهد ، وعكرمة ، وابن جريح ؛ وهو قول الطبري ، وابن حنبل ، ~~وغيرهما وقد أبطلوا حجج من قال خلاف ذلك بأدلة يطول علينا شرحها . قال ~~القاضي عياض : والحق من هذا والصحيح ان شاء الله انه إسراء بالجسد والروح ~~في القصة كلها وعليه تدل الآية ، وصحيح الأخبار والأعتبار - ولا يعدل عن ~~الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الأستحالة ، وليس في الإسراء بجسده ~~وحال يقظته استحالة ، إذ لو كان مناما لقال : بروح عبده ، ولم يقل : " ~~بعبده " - وقوله : " ما زاغ البصر وما طغى " . ولو كان مناما لما كانت فيه ~~آية ولا معجزة ، ولما استبعده الكفار ولا كذبوه فيه ، ولا ارتد به ضعفاء من ~~أسلم وافتتنوا به ، إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر ، بل لم يكن ذلك منهم ~~إلا وقد علموا أن اخبره انما كان عن جسمه وحال يقظته إلى ما ذكر في الحديث ~~من ذكر صلاته بالأنبياء بيت المقدس في رواية انس ، أو في السماء على ما روى ~~غيره ، وذكر ms3333 مجيء جبريل له بالبراق ، وخبر المعراج PageV16P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" واستفتاح السماء ، فيقال : ومن معك ؟ فيقول : ~~محمد ، ولقائه الأنبياء فيها وخبرهم معه ، وترحبيهم به ، وشانه في فرض ~~الصلاة ومراجعته مع موسى في ذلك ، وفي بعض هذه الأخبار : فأخذ - يعني جبريل ~~- بيدي ، فعرج بي إلى السماء إلى قوله : ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع ~~فيه صوت الأقلام ؛ وانه وصل إلى سدرة المنتهى ، وانه دخل الجنة ورأى فيها ~~ما ذكره . قال ابن عباس رضي الله عنهما : هي رؤيا عين رآها النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) لا رؤيا منام ، والآي في ذلك كثيرة ، والأدلة واضحة ، فلا ~~نطول بسردها وفيها أوردناه منها فيما قدمنا ذكره كفاية . والله أعلم . ذكر ~~ما ورد في رؤية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ربه تبارك وتعالى ، ~~ومناجاته له ، وكلامه ودنوه وقربه من ربه عز وجل ، ومن جوز ذلك ومن منعه ، ~~وما قيل في مشكل حديث الدنو والقرب أما الرؤية فقد اختلف السلف في رؤيته ( ~~صلى الله عليه وسلم ) لربه عز وجل ، فانكرته عائشة . روى عن مسروق انه قال ~~لعائشة رضي الله عنها : يا أم المؤمنين ، هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : لقد قف ~~شعري مما قلت ؛ ثلاث من حدثك بهن فقد كذب ، من حدثكامحمدا رأى ربه فقد كذب ~~ثم قرأت لا تدركه الأبصار الآية ثم ذكر الحديث . وقالت جماعة بقول عائشة ، ~~وهو المشهور عن ابن مسعود . ومثله عن أبي هريرة : انما رأى جبريل ، واخلف ~~عنه . وقال بانكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين والفقهاء ~~والمتكلمين . وعن ابن عباس رضي الله عنهما انه رآه بعينه . وروى عطاء عنه : ~~رآه بقلبه ، وعن أبي العالية عنه رآه بفؤاده مرتين . PageV16P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" وذكر ابن إسحاق : ان ابن عمر رضي الله عنهما ~~أرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله : هل رأى محمد ربه ؟ قال : نعم ، ~~والأشهر عنه انه رأى ربه بعينيه . وقال : ان الله اختص موسى بالكلام ، ~~وإبراهيم بالحلة ، ومحمدا بالرؤية . وحجته قوله : " ما كذب الفؤاد ما رأى . ~~أفتمارونه على ms3334 ما يرى . ولقد رآه نزلة أخرى " . وقال الماوردي : قيل ان ~~الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد ، فرآه محمد مرتين ، وكلمه ~~موسى مرتين . وحكى أبو الفتح الرازي ، وأبو الليث السمرقندي ذكرها عن كعب . ~~وروى عبد الله بن الحارث ، قال : اجتمع ابن عباس وكعب ، فقال ابن عباس : ~~أما نحن بني هاشم فنقول : امحمدا قد رأى ربه مرتين ، فكبر كعب حتى جاوبته ~~الجبال ، وقال : ان الله قسم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد ، فكلمه موسى ، ~~ورآه محمد بقلبه . وحكى السمرقندي عن محمد بن كعب القرظي ، وربيع بن انس : ~~ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : رأيت ربي - وذكر كلمة - فقال : يا ~~محمد فيم يختصم الملأ الأعلى . الحديث . وحكى عبد الرزاق ان الحسن كان يحلف ~~بالله لقد رأى مجد ربه ، وحكاه أبو عمر الطلمنكي عن عكرمة ، وحكى بعض ~~المتكلمين هذا المذهب عن ابن مسعود ، PageV16P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" وحكى ابن إسحاق امروا سأل أبا هريرة : هل رأى ~~محمد ربه ؟ فقال : نعم . وحكى النقاش عن أحمد بن حنبل انه قال : انا أقول ~~بحديث ابن عباس ، بعينه رآه رآه ، حتى انقطع نفس أحمد . وقد اختلف في تأويل ~~الآية عن ابن عباس وعكرمة والحسن وابن مسعود ، فحكى عن ابن مسعود ، وعكرمة ~~: رآه بقلبه . وعن الحسن وابن مسعود : رأى جبريل . وعن ابن عطاء في قوله ~~تعالى : " ألم نشرح لك صدرك " ، قال : شرح صدره للرؤية ، وشرح صدر موسى ~~للكلام . وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وجماعة من أصحابه : انه ~~رأى الله ببصره وعيني رأسه وقال : كل آية أوتيها نبي من الأنبياء عليهم ~~السلام فقد أوتي مثلها نبيا وخص من بينهم بتفضيل الرؤية . قال القاضي أبو ~~الفضل عياض بن موسى رحمه الله : والحق الذي لا امتراء فيهارؤيته تعالى في ~~الدنيا جائزة عقلأن وليس في العقل ما يحيلها والدليل على جوازها في الدنيا ~~سؤال موسى عيلان لسلام لها ومحالايجهل نبي ما يجوز على الله تعالى وما لا ~~يجوز عليه ، بل لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل ، ولكن وقوعه ومشاهدته من ms3335 ~~الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه الله ، فقال له الله تعالى : " لن تراني " ~~أي لن تطيق ولا تحتمل رؤيتي ، ثم ضرب له مثالا بما هو أقوى من نبيه موسى ~~وأثبت وهو الجبل . قال : وكل هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا بل فيه ~~جوازها على الجملة ، وليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها ولا امتناعها ~~إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة . قال : ولا حجة لمن يستدل على منعها ~~بقوله : " لا تدركه الأبصار " لأختلاف التأويلات في الآية ، وقد استدل ~~بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية ، وعدم استحالتها على الجملة . وقد ~~قيل : " لا تدركه الأبصار " ، أي لا تحيط به ، وهو قول ابن عباس ، وقد قيل ~~: " لا تدركه الأبصار " . وانما يدركه PageV16P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" المبصرون . قال : وكل هذه التأويلات لا تقتضي ~~منع الرؤية ولا استحالتها وحيث تتطرق التأويلات وتتسلط الاحتمالات ، فليس ~~للقطع سبيل ، وكذلك وجوب الرؤية لنبينا ( صلى الله عليه وسلم ) ، والقول ~~بانه رآه بعينه . فليس فيه قاطع أيضا ولا نص ، إذ المعول فيه على آيتي ~~النجم ، والتنازع فيهما مأثور ، والاحتمال لهما ممكن ، ولا أثر قاطع متواتر ~~عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بذلك . والله تعالى أعلم بالصواب . وأما ~~المناجاة والكلام والقرب والدنو وما جاء من الكلام على مشكل هذا الحديث ؛ ~~فقد اختلف في الوحي إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليلة الإسراء ~~بقوله : " فأوحى إلى عبده ما أوحى " ، وهل كان ذلك الوحي بواسطة أو بغير ~~واسطة ؟ فأكثر المفسرين على ان الموحي الله إلى جبريل ، وجبريل إلى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فذكر عن جعفر بن محمد الصادق ، قال : أوحى ~~الله إليه بلا واسطة . ونحوه عن الواسطي ، وإليه ذهب بعض المتكلمين وحكوه ~~عن ابن مسعود وابن عباس ، وانكره آخرون . وحكى النقاش عن ابن عباس عنه ~~عيلان لسلام في قوله تعالى : " دنا فتدلى " ، قال : فارقني جبريل ، وانقطعت ~~الأصوات عني فسمعت كلام ربي ، وهو يقول : ليهدأ روعك يا محمد ، ادن ادن . ~~وقد تقدم ذكر حديث الأذان ، وقول الملك : الله ms3336 أكبر الله أكبر ، فقيل من ~~وراء الحجاب : صدق عبدي ، انا أكبر ، انا أكبر . وقد احتجوا بقوله تعالى : ~~" وما كان لبشرايكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى ~~بإذنه ما يشاء " ، فقالوا : هي ثلاثة أقسام ؛ من وراء حجاب كتكليم موسى ، ~~وبإرسال الملائكة كحال جميع الأنبياء ، وأكثر أحوال نبينا ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، الثالث قوله : وحيا . قالوا : ولم يبق من تقسيم صور الكلام إلا ~~المشافهة مع المشاهدة ، قد قيل : الوحي هنا ما يلقيه في قلب النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) دون واسطة ، وكلام الله تعالى لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ~~) ومن اختصه من انبيائه جائز غير ممتنع . وأما قوله تعالى : " ثم دنا فتدلى ~~. فكان قاب قوسين أو أدنى " فأكثر المفسرين ان الدنو والتدلي منقسم ما بين ~~محمد وجبريل عليهما السلام ، أو مختص بأحدهما من الآخر ، أو من سدرة ~~المنتهي . وقال ابن عباس : هو محمد دنا فتدلى من ربه . وقيل : معنى دنا قرب ~~، وتدلى : زاد في القرب ، وقيل : هما بمعنى واحد أي قرب . وحكى مكي ~~والماوردي عن ابن عباس ، هو الرب دنا من محمد فتدلى إليه ، أي أمره وحكمه . ~~وحكى النقاش عن الحسن ، قال : دنا من عبده محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فقرب منه فأراه ما شاءايريه من قدرته وعظمته . قال وقال ابن عباس : هو مقدم ~~ومؤخر ، تدلى الرفرف لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ليلة المعراج ، فجلس ~~عليه ، ثم رفع PageV16P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" فدنا من ربه . وفي الصحيح عن انس بن مالك : ~~عرج بي جبريل إلى سدرة المنتهي ، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه ~~قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إليه بما شاء ، وأوحى إليه خمسين صلاة . الحديث ~~. وعن محمد بن كعب : هو محمد دنا من ربه ، فكان قاب قوسين . وقال جعفر ابن ~~محمد : أدناه ربه منه ، حتى كان منه كقاب قوسين ، قال جعفر : والدنو من ~~الله لا حد له ، ومن العباد بالحدود . وقال أيضا : انقطعت الكيفية عن الدنو ~~، ألا ترى كيف حجب جبريل عن دنوه ، ودنا محمد ms3337 إلى ما أودع قلبه من المعرفة ~~والإيما فتدلى بسكون قلبه إلى ما أدناه ، وزال عن قلبه الشك والأرتياب وقد ~~تكلموا على مشكل هذا الحديث ، فقال القاضي عياض رحمه الله : اعلماما وقع من ~~إضافة الدنو والقرب هنا من الله وإلى الله فليس بدنو مكا ولا قرب مدى ، بل ~~كما ذكرنا عن جعفر الصادق ليس بدنو حد ، وانما دنو النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من ربه ، وقربه منه إبانة عظيم منزلته ، وتشريف رتبته ، وإشراق ~~انوار معرفته ، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته ، ومن الله تعالى له مسرة وتانيس ~~، وبسط وإكرام ، ويتأول فيه ما يتأول في قوله : ينزل ربنا إلى سماء الدنيا ~~على أحد الوجوه ، نزول إفضال وإجمال ، وقبول وإحسان . وقال الواسطي : من ~~توهم انه بنفسه دنا جعل ثم مسافة ، بل كل ما دنا بنفسه من الحق تدلى بعدا ~~يعني عن درك حقيقته ، إذ لا دنو للحق ولا بعد . وقوله : " قاب قوسين أو ~~أدنى " ، فمن جعل الضمير عائدا إلى الله لا إلى جبريل على هذا كان عبارة عن ~~نهاية القرب ، ولطف المحل ، وإيضاح المعرفة ، والإشراف على الحقيقة من محمد ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، وعبارة عن إجابة الرغبة ، وقضاء المطالب ، وإظهار ~~التحفي ، وانافة المنزلة والمرتبة من الله له ، ويتأول فيه ما يتأول في ~~قوله : من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ، قرب ~~بالإجابة والقبول ، وإتيا بالإحسا وتعجيل المأمول . وقد أخذ الكلام في هذا ~~المعنى حقه ، فلنذكر ما كان بعد الإسراء من الأخبار . PageV16P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" ذكر ما كان بعد الإسراء من انكار قريش لذلك ~~وما أخبرهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، من وصفه لهم البيت المقدس ، ~~وإخباره لهم بخبر عيرهم ، وارتداد من ارتد روى الشيخ الإمام أبو بكر أحمد ~~البيهقي بسنده عن شداد بن أوس رضي الله عنه ، قال : قلنا يا رسول الله كيف ~~أسرى بك ؟ فذكر نحو ما تقدم من خبر الإسراء ، وفيه زيادة ونقص ، قال : ~~وفيهاجبريل عيلان لسلام انزله فصلى بيثرب ، ثم صلى بمدين عند شجرة موسى ~~عيلان ms3338 لسلام ، ثم صلى ببيت لحم حيث ولد عيسى بن مريم عيلان لسلام ، ثم صلى ~~في المسجد الأقصى ، وانه ( صلى الله عليه وسلم ) مر بعير لقريش بمكا كذا ~~وكذا قد أضلوا بعيرا قد جمعه فلأن ، قال : فسلمت عليهم فقال بعضهم هذا صوت ~~محمد . قال : ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة ، فأتاني أبو بكر فقال : يا ~~رسول الله ، أين كنت الليلة فقد التمستك في مظانك ؟ فقلت : علمت اني أتيت ~~بيت المقدس الليلة ؟ فقال : يا رسول الله ، مسيرة شهر فصفه لي ، قال : ففتح ~~لي صراط كاني انظر إليه ، لا يسألني عن شيء إلا انبأته عنه . فقال : أشهد ~~انك رسول الله حقا فقال المشركون : انظروا إلى ابن أبي كبشة يزعم انه أتى ~~بيت المقدس الليلة ، فقال : امن آية ما أقول لكم اني مررت بعير لكم بمكا ~~كذا وكذا ينزلون بكذا وكذا ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه مسح ~~أسود ، وغرارتا سوداوا وانهم أشرفوا ينظرون . فأقبلت العير نصف النهار على ~~ما وصف لهم ( صلى الله عليه وسلم ) . وفي رواية يونس بن بكير في زيادة ~~المغزي : انه ( صلى الله عليه وسلم ) لما أخبر قومه بالرفقة PageV16P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" والعلامة التي في العير ، قالوا : متى يجيء ؟ ~~قال : يوم الأربعاء . فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون ، وقد ولى ~~النهار ولم تجيء ، فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فزيد له في ~~النهار ساعة ، وحبست عيلان لشمس . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : لقد رأيتني في الحجر وقريش ~~تسألني عن مسراي ، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس ، لم أثبتها فكربت كربا ~~ما كربت مثله قط ، فرفعه الله لي انظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا انبأتهم ~~به . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : لما أسرى برسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إلى المسجد الأقصى أصبح الناس يتحدثون بذلك ، فأرتد ناس ممن آمنوا ~~به وصدقوه ، وسعوا إلى أبي بكر فقالوا : هل لك في صاحبك ؟ يزعم انه ms3339 أسرى به ~~الليلة إلى بيت المقدس ، وجاء قبل الصبح قال : نعم ، اني لأصدقه فيما هو ~~أبعد من ذلك ؛ أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة ، فلذلك سمى أبو بكر رضي ~~الله عنه الصديق . ذكر دعاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قبائل العرب ~~في المواسم قال محمد بن عمر بن واقد بسند يرفعه إلى غير واحد ، قالوا : ~~أقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمكة ثلاث سنين من أول نبوته يدعو ~~مستخفيا ثم أعلن في الرابعة ، فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين ؛ يوافي ~~المواسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم بعكاظ ومجنة ، وذي المجاز يدعوهم ؛ ~~حتى بلغ رسالة ربع تعالى ، وأبو لهب يمشي وراءه يقول : لا تطيعوه فانه صابئ ~~كاذب ، فيقولون : أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك ، فيقول : اللهم لو ~~شئت لم يكونوا هكذا قال الواقدي : فكان من سمى لنا من القبائل الذين أتاهم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ودعاهم وعرض نفسه عليهم : بنو عامر بن ~~صعصعة ، ومحارب بن خصفة ، وفزارة ، وغسان ، ومرة ، وحنيفة ، وسليم ، وعبس ، ~~وبنو نصر ، وبنو البكاء ، وكندة ، وكلب ، والحارث بن كعب ، وعدرة ، ~~والحضارمة ؛ فلم يستجب منهم أحد . قال محمد بن إسحاق : حدثني حسين بن عبد ~~الله بن عبيد الله بن عباس قال : PageV16P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" سمعت ربيعة بن عباد يحدث أي قال : اني لغلام ~~شاب مع أبي بمنى ، ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقف على منازل ~~القبائل من العرب ، فيقول : يا بني فلأن ، اني رسول الله إليكم ، ~~يأمركماتعبدوا الله ، ولا تشركوا به شيئا وا تخلعوا ما يعبد من دونه من هذه ~~الأنداد ، وا تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به ، ~~قال : وخلفه رجل أحول وضئ له غديرتان ، عليه حلة عدنية ، فإذا فرغ رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) من قوله وما دعا إليه قال ذلك الرجل : يا بني ~~فلأن ؛ اهذا انما يدعوكم إلىاتسلخوا اللات والعزى من أعناقكم ، وحلفاءكم من ~~الجن من بني مالك بن أقيش ؛ إلى ما جاء به ms3340 من البدعة والضلالة ، فلا تطيعوه ~~ولا تسمعوا منه ، قال : فقلت لأبي : يا أبت من هذا الرجل الذي يتبعه ويرد ~~عليه ما يقول ؟ قال : هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب ، أبو لهب . قال ابن ~~إسحاق : حدثني الزهري انه ( صلى الله عليه وسلم ) أتى بني عامر ابن صعصعة ~~فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم نفسه ، فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس ~~: والله لو اني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ، ثم قال له : ~~أرأيتانحن بايعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من الفك أيكون لنا الأمر ~~بعدك ؟ قال : الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء . فقال له : أفنهدف نحورنا ~~للعرب دونك ؛ فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ؛ لا حاجة لنا بأمرك ، ~~فأبوا عليه ، فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم ، قد كانت أدركته ~~السن ، حتى لا يقدرايوافي معهم المواسم ، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما ~~يكون في ذلك الموسم ، فلما قدموا عليه في ذلك العام ، سألهم عما كان في ~~موسمهم ، فقالوا : جاءنا فتى من قريش ؛ ثم أحد بني عبد المطلب ، يزعم انه ~~نبي يدعونا إلىانمنعه ونقوم معه ، ونخرج به إلى بلادنا قال : فوضع الشيخ ~~يده على رأسه ، ثم قال : يا بني عامر ، هل لها من تلاف هل لذناباها من مطلب ~~والذي نفس فلأن بيده ، ما تقولها إسماعيلي قط ، وانها لحق ، فأين رأيكم كان ~~عنكم . قال : وحدثني عاصم بن عمر عن قتادة الأنصاري عن أشياخ من قومه قالوا ~~: PageV16P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" قدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف مكة ~~حاجا أو معتمرا ؛ وكا سويد انما يسميه قومه فيهم : الكامل لجلده وشرفه ~~ونسبه وشعره ، فتصدى له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين سمع به ، ~~فدعاه إلى الله وإلى الإسلام ، فقال له سويد : فلعل الذي معك مثل الذي معي ~~، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : وما الذي معك ؟ قال : مجلة ~~لقما يعني حكمة لقما فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : اعرضها ~~علي ؛ فعرضها ms3341 عليه ، فقال : اهذا لكلام حسن ، لكن الذي معي أفضل من هذا ؛ ~~قرا انزله الله علي هو هدى ونور . فتلا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~القران ، ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه ، وقال : اهذا لقول حسن ؛ ثم ~~انصرف عنه ، فقدم المدينة على قومه ، فلم يلبثاقتله الخزرج ، قال : فا كان ~~رجال من قومه ليقولون : انا لنراه قد قتل وهو مسلم ، وكا قتله قبل بعاث . ~~قال ابن إسحاق أيضا : وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد ابن معاذ ~~عن محمود بن لبيد ، قال : لما قدم أبو الحيسر انس بن رافع مكة ومعه فتية من ~~بني عبد الأشهل ، فيهم إياس بن معاذ ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من ~~بني الخزرج ، سمع بهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأتاهم فجلس ~~إليهم فقال : هل لكم في خير مما جئتم له ؟ ، فقالوا : وما ذلك ؟ قال : انا ~~رسول الله ، بعثني إلى العباد أدعوهم إلىايعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا ~~وانزل علي الكتاب . قال : ثم ذكر لهم الإسلام ، وتلا عليهم القران ، فقال ~~لهم إياس بن معاذ - وكان غلاما حدثا - : أي قوم ، هذا والله خير مما جئتم ~~له ، فأخذ أبو الحيسر حفنة من تراب البطحاء ، فضرب بها وجه إياس بن معاذ ؛ ~~وقال : دعنا منك ، فلعمري لقد جئنا لغير هذا قال : فصمت إياس ، وقام رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وانصرفوا إلى المدينة ، فكان وقعة بعاث بين ~~الأوس والخزرج ، ثم لم يلبث إياس ابن معاذاهلك . قال محمود بن لبيد : ~~فأخبرني من حضره من قومه عند موته انهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ~~، ويحمده ويسبحه حتى مات ، فما كانوا يشكون انه قد مات مسلما لقد كان ~~استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ما سمع . والله أعلم . ~~PageV16P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" ذكر خبر مفروق بن عمرو وأصحابه وما أجابوا به ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عند دعائه قبائل العرب روى الشيخ أبو بكر ~~أحمد بن الحسين البيهقي بسنده عن عبد الله بن عباس ms3342 ، قال : حدثني علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنهم من فيه ، قال : لما أمر الله تبارك وتعالى رسوله ( ~~صلى الله عليه وسلم )ايعرض نفسه على قبائل العرب خرج وانا معه وأبو بكر رضي ~~الله عنه ، فدفعنا إلى مجس من مجالس العرب ، فتقدم أبو بكر ، وكا مقدما في ~~كل خير ، وكا رجلا نسابة ، فسلم وقال : ممن القوم ؟ قالوا من ربيعة ، قال : ~~وأي ربيعة أنتم ؟ من هامها أم من لهازمها ؟ فقالوا : بل من الهامة العظمى ، ~~فقال أبو بكر : وأي هامتها العظمى أنتم ؟ قالوا : من ذهل الأكبر ، قال : ~~منكم عوف الذي يقال له : لا حر بوادي عوف ؟ قالوا : لأن قال : فمنكم جساس ~~بن مرة ، حامي الذمار ، ومانع الجار ؟ قالوا : لأن قال : فمنكم بسطام بن ~~قيس ، أبو اللواء ، ومنتهى الأحياء ؟ قالوا : لأن قال : فمنكم الحوفزا قاتل ~~الملوك ، وسالبها انفسها ؟ قالوا : لأن قال : فمنكم المزدلف صاحب العمامة ~~الفردة ، قالوا : لا ؛ قال : فمنكم أخوال الملوك من كندة ؟ قالوا : لا . ~~قال فمنكم أصهار الملوك من لجم ؟ قالوا : لا . قال أبو بكر : فلستم من ذهل ~~الأكبر ، أنتم من ذهل الأصغر . قال : فقام إليه غلام من بني شيبا يقال له ~~دغفل حين بقل وجهه ، فقال : ا على سائلن ان انسأله . . . والعبء لا نعرفه ~~أو نحمله يا هذا انك قد سألتنا فأخبرناك ، ولم نكتمك شيئا فممن الرجل ؟ قال ~~أبو بكر : انا من قريش ، فقال الفتى : بخ بخ أهل الشرف والرياسة ، فمن أي ~~القرشيين انت ؟ قال : من ولد تيم بن مرة . فقال الفتى : أمكنت والله الرامي ~~من سواء الثغرة ، PageV16P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" أمنكم قصي الذي جمع القبائل من فهر ؟ فكان ~~يدعى في قريش مجمعا ؟ قال : لأن قال : فمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه ، ~~ورجال مكة مسنتون عجاف ؟ قال : لأن قال : فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب ، ~~مطعم طير السماء ، الذي كان وجهه القمر يضيء في الليلة الداجية ؟ قال : لأن ~~قال : فمن أهل الإفاضة بالناس انت ؟ قال : لأن قال : فمن أهل الحجابة انت ؟ ~~قال : لأن قال : فمن أهل السقاية انت ؟ قال : لأن قال ms3343 : فمن أهل الندوة انت ~~؟ قال : لأن قال : فمن أهل الرفادة انت ؟ قال : لأن واجتذب أبو بكر زمام ~~ناقته راجعا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال الغلام : صادف در ~~السيل درءا يدفعه . . . يهيضه حينا وحينا يصرعه أما والله لو شئت لأخبرتك ~~من قريش ، فتبسم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال علي : فقلت : يا ~~أبا بكر ؛ لقد وقعت من الأعراب على باقعة ، قال : أجل يا أبا الحسن ، ما من ~~طامة إلا وفوقها طامة ، والبلاء موكل بالمنطق . قال : ثم دفعنا إلى مجلس ~~آخر عليهم السكينة والوقار ، فتقدم أبو بكر فسلم وقال : ممن القوم ؟ قالوا ~~: من شيبا بن ثعلبة ، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، فقال : بأبي وأمي هؤلاء غرر الناس وفيهم مفروق بن عمرو ، وهانئ بن قبيصة ~~، والمثنى بن حارثة ، والنعما بن شريك ، وكا مفروق قد غلبهم جمالا ولسانا ~~وكانت له غديرتا تسقطا على تريبتيه ، وكا أدنى القوم مجلسا فقال أبو بكر : ~~كيف العدد فيكم ؟ فقال مفروق : انا لنزيد على ألف ، ولن تغلب ألف من قلة ، ~~فقال أبو بكر : فكيف المنعة فيكم ؟ قال مفروق : علينا الجهد ، ولكل قوم جد ~~؛ فقال أبو بكر : فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم ؟ فقال مفروق : انا لأشد ما ~~نكون غضبا حين نلقي ، وانا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب ، وانا لنؤثر الجياد ~~على الأولاد ، PageV16P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" والسلاح على اللقاح ، والنصر من عند الله ، ~~يديلنا مرة ، ويديل علينا أخرى ، لعلك أخو قريش ؟ فقال أبو بكر : قد بلغكم ~~انه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ألا هو ذا قال مفروق : بلغنا انه ~~يذكر ذلك ، وإلام تدعو يا أخا قريش ؟ فتقدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) فجلس ، وقام أبو بكر يظله بثوبه ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: أدعوكم إلى شهادةالا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وا محمدا عبده ~~ورسوله ، وإلىاتأووني وتنصروني ، فا قريشا قد ظاهرت على أمر الله ، وكذبت ~~رسله ، واستغنت بالباطل عن الحق ، والله هو الغني الحميد . فقال ms3344 مفروق بن ~~عمرو : وإلام تدعونا يا أخا قريش ؟ فوالله ما سمعت كلاما أحسن من هذا فتلا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " ~~إلى قوله : " وصاكم به لعلكم تتقون " ، فقال مفروق : وإلام تدعونا يا أخا ~~قريش ؟ فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض ، قال : فتلا عليه رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " ا الله يأمر بالعدل والإحسان " ، إلى قوله : " لعلكم ~~تذكرون " ، فقال مفروق : دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ، ~~ومحاسن الأعمال ، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك - وكانه أحبايشركه في ~~الكلام هانئ بن قبيصة فقال : وهذا هانئ شيخنا وصاحب ديننا . قال هانئ : قد ~~سمعت مقالتك يا أخا قريش ، واني أرىاتركنا ديننا واتبعناك على دينك بمجلس ~~جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر ، انه زلل في الرأي ، وقلة نظر في العاقبة ~~، وانما تكون الزلة مع العجلة ، ومن ورائنا قوم نكرهانعقد عليهم عقدا ولكن ~~ترجع ونرجع ، وتنظر وننظر في العاقبة ، وكانه أحبايشركه المثنى بن حارثة ، ~~فقال : وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا فقال المثنى : قد سمعت مقالتك يا أخا ~~قريش ، والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومشايعتك على دينك ، ~~وانا انما نزلنا بين صيرين : اليمامة والسمامة ، فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : ما هذا الصيرا ؟ . فقال : انهار كسرى ومياه العرب ، فأما ما ~~كان من انهار كسرى ؛ فذنب صاحبه غير مغفور ، وعذره غير مقبول ، وأما ما كان ~~مما يلي مياه العرب ، فذنب صاحبه مغفور ، وعذره مقبول ، وانا انما نزلنا ~~PageV16P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" على عهد أخذه علينا ؛ انا لا نحدث حدثا ولا ~~نأوى محدثا فاني أرىاهذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش مما يكره ~~الملوك ، فا أحببتانأويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا فقال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق ، وا دين الله ~~لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه . أرأيتمالم تلبثوا إلا قليلا حتى ~~يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم ، أتسبحون الله ms3345 ~~وتقدسونه ؟ فقال النعما بن شريك : اللهم فلك ذاك ، قال : فتلا رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " انا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا . وداعيا إلى ~~الله بإذنه وسراجا منيرا " ، ثم نهض قابضا على يد أبي بكر وهو يقول : يا ~~أبا بكر ، أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها ؟ بها يدفع الله عز وجل بأس ~~بعضهم من بعض ، وبها يتحاجزون فيما بينهم ، قال : فدفعنا إلى مجلس الأوس ~~والخزرج ، فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : ~~فلقد رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد سر بما كان من أبي بكر ، ~~ومعرفته بانسابهم . ذكر بيعة العقبة الأولى قال محمد بن إسحاق : فلما أراد ~~الله تعالى إظهار دينه ، وإعزاز نبيه ، وانجاز موعده له خرج رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في الموسم الذي لقي فيه الأنصار ، فعرض نفسه على ~~قبائل العرب كما يصنع في كل موسم ، فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من ~~الخزرج أراد الله بهم خيرا فقال لهم : من أنتم ؟ قالوا : نفر من الخزرج ، ~~قال : أمن موالي يهود ؟ قالوا : نعم ، قال : أفلا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا : ~~بلى ، فجلسوا معه ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام ، وتلا عليهم ~~القران ، قال : وكا يهود معهم في بلادهم ، وكانوا أهل كتاب وعلم ، وكانوا ~~هم أهل شرك وأوثان ، وكانوا قد غزوهم ببلادهم ؛ فكانوا إذا كان بينهم شيء ~~قالوا لهم : انبيا مبعوث الأن قد ظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ~~، فلما كلم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أولئك النفر ، ودعاهم إلى ~~الله ، قال بعضهم لبعض : يا قوم ، تعلموا والله انه للنبي الذي توعد به ~~يهود ، فلا تسبقنكم إليه ، فأجابوه فيما دعاهم إليه ، با صدقوه وقبلوا منه ~~ما عرض عليهم من الإسلام ، وقالوا : انا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من ~~العداوة والشر ما بينهم ، وعسى PageV16P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" ان يجمعهم الله بك ، فتقدم عليهم فتدعوهم إلى ~~أمرك ، وتعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فا يجمعهم الله عليه ~~فلا رجل أعز منك . ثم ms3346 انصرفوا عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~راجعين إلى بلادهم ، وقد آمنوا وصدقوا . قال محمد بن سعد في طبقاته الكبرى ~~: فاختلف علينا في أول من أسلم من الأنصار وأجاب . فذكروا الرجل بعينه ، ~~وذكروا الرجلين ، وذكروا انه لم يكن أحد أول من السنة . وذكرهم . وقال محمد ~~بن عمر بن واقد : هذا عندنا أثبت ما سمعنا فيهم ، وهو المجمع عليه ، وهم من ~~بني النجار : أسعد بن زرارة بن عدس ، وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء . ومن ~~بني زريق : رافع بن مالك . ومن بني سلمة بن سعد : قطبة ابن عامر بن حديدة . ~~ومن بني حرام بن كعب : عقبة بن عامر بن نابي . ومن بني عبيد بن عدي بن ~~ساعدة : جابر بن عبد الله ؛ ولم يذكر ابن إسحاق غيرهم . قال : ثم قدموا ~~المدينة فدعوا قومهم إلى الإسلام ، فأسلم من أسلم ، ولم تبق دار من دور ~~الأنصار إلا فيها ذكر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . قال الواقدي : ~~وأول مسجد قرئ به القرا بالمدينة مسجد بني زريق . والله أعلم . ذكر بيعة ~~العقبة الثانية وقد ترجم عليها بعضهم بالأولى قال : فلما كان العام المقبل ~~وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا . قال محمد بن سعد : ليس فيهم عندنا ~~خلاف ، فلقوه بالعقبة ، وهي العقبة الأولى ، فبايعوا رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) على بيعة النساء ، وذلك قبلايفرض عليهم الحرب ، وكا من هؤلاء ~~خمسة ممن حضر البيعة الأولى من الستة المجمع عليهم ، وهم : أسعد بن زرارة ، ~~وعوف بن الحارث ، ورافع بن مالك ، وعقبة بن عامر ، وقطبة بن عامر بن حديدة ~~، ومنهم من وقع الاختلاف فيه : هل شهد البيعة الأولى أو لم يشهدها ؟ وهم ~~ستة نفر : معاذ بن الحارث وهو ابن عفراء ، أخو عوف ، وذكوا بن عبد قيس بن ~~خلدة ، وعبادة بن الصامت ابن قيس ، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة ، وأبو ~~PageV16P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" الهيثم بن التيهان ، واسمه مالك ، وعويم بن ~~ساعدة ، وهما من الأوس . وممن لم يشهد البيعة الأولى بلا خلاف : العباس بن ~~عبادة بن نضلة ms3347 . روى محمد بن إسحاق عن عبادة بن الصامت قال : كنت ممن حضر ~~العقبة الأولى ، وكنا اثنى عشر رجلأن فبايعنا رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) على بيعة النساء - وذلك قبلاتفترض الحرب - على ألا نشرك بالله شيئا ~~ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتا نفتريه بين أيدينا ~~وأرجلنا ولا نعصيه في معروف ، فا وفيتم فلكم الجنة ، وا غشيتم من ذلك شيئا ~~فأخذتهم بحده في الدنيا فهو كفارة له ، وا سترتم عيلان لى يوم القيامة ~~فأمركم إلى الله ؛ اشاء عذب ، وا شاء غفر . قال : فلما انصرف عنه القوم بعث ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مصعب ابن عمير بن هاشم بن عبد مناف ، ~~وأمرهايقرئهم القران ، ويعلمهم الإسلام ، ويفقههم في الدين ، فكان يسمى ~~المقرئ بالمدينة ، وكا منزله على أسعد بن زرارة . قال محمد بن سعد : ثم ~~انصرفوا إلى المدينة ، فأظهر الله الإسلام ، وكا أسعد ابن زرارة يجمع ~~بالمدينة بمن أسلم ، وروىامصعب كان يجمع بهم . والله أعلم ذكر بيعة العقبة ~~الثالثة وهم السبعون وترجم عليها ابن سعد بالثانية قال محمد بن سعد في ~~طبقاته الكبرى ، عن محمد بن عمر بن واقد ، بإسناد إلى عبادة بن الصامت ، ~~وسفيا بن أبي العوجاء ، وقتادة ، ويزيد بن رومان ، قال الواقدي : دخل حديث ~~بعضهم في حديث بعض ، قالوا : لما حضر الحج مشى أصحاب النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) الذين أسلموا بعضهم إلى بعض يتواعدون المسير إلى الحج ، وموافاة ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، والإسلام يومئذ فاش بالمدينة ، فخرجوا ~~وهم سبعون يزيدون رجلا أو رجلين في خمر الأوس والخزرج ، وهم خمسمائة حتى ~~قدموا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمكة ، فسلموا عليه ، ثم وعدهم ~~منى ، وسط أيام التشريق ليلة النفر الأول ؛ إذا هدأت الرجلايوافوه في الشعب ~~الأيمن إذا انحدروا من منى بأسفل العقبة ، وأمرهم ألا ينبهوا PageV16P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" نائما ولا ينتظروا غائبا . قال : فخرج القوم ~~بعد هدءة يتسللون ، الرجل والرجلأن ، وقد سبقهم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إلى الموضع ، معه العباس بن عبد ms3348 المطلب ، ليس معه غيره . وقال محمد ~~بن إسحاق : انهم سبقوه إلى الشعب وانتظروه ، وهم ثلاثة وسبعون رجلا ~~وامرأتان : نسيبة بنت كعب ، والسماء بنت عمرو بن عدي ، حتى أقبل ومعه عمه ~~العباس . قال ابن سعد : فكان أول من طلع على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : رافع ابن مالك الزرق ، ثم توافى السبعون ، ومعهم امرأتان ، فكان ~~أول من تكلم العباس ابن عبد المطلب ، فقال : يا معشر الخزرج ، انكم قد ~~دعوتم محمدا إلى ما دعوتموه إليه ، ومحمد من أعز الناس في عشيرته ، يمنعه ~~والله منا من كان على قوله ، ومن لم يكن منا على قوله منعه للحسب والشرف ، ~~وقد أبى محمد الناس كلهم غيركم ، فا كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب ؛ ~~واستقلال بعداوة العرب قاطبة ، ترميكم عن قوس واحدة ، فارتئوا رأيكم ، ولا ~~تفرقوا إلا عن ملأ منكم واجتماع ، فا أحسن الحديث أصدقه . وقال ابن إسحاق : ~~ان العباس قال : يا معشر الخزرج ، امحمدا منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من ~~قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه ، فهو في عز من قومه ، ومنعة في بلده ، ~~وانه قد أبى إلا الأنحياز إليكم ، واللحوق بكم ؛ فا كنتم ترون انكم وافون ~~له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه ممن خالفه ، فانتم وما تحملتم من ذلك ، وا ~~كنتم ترون انكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الأن فدعوه ، فانه ~~في عز ومنعة من قومه وبلده . قال ابن سعد : فقال البراء بن معرور : قد ~~سمعنا ما قلت ، وانا والله لو كان في انفسنا غير ما ننطق به لقلناه ، ولكنا ~~نريد الوفاء والصدق ، وبذل مهج انفسنا دون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) . قال ابن إسحاق - فيما رواه بسنده عن كعب بن مالك : فقلنا له : سمعنا ما ~~قلت ، فتكلم يا رسول الله ، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت ، فتكلم رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فتلا القران ، ودعا إلى الله ، ورغب في الإسلام ثم ~~قال : أبايعكم علىاتمنعوني فيما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم . قال : فأخذ ~~البراء بن معرور بيده ، ثم قال : نعم ms3349 والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع ~~منه أزرنا - يعني نساءنا - فبايعنا يا رسول الله ، فنحن PageV16P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" والله أهل الحروب ، وأهل الحلقة ورثناها ~~كابرا عن كابر . قال ابن سعد : ويقال : ان أبا الهيثم بن التيها كان أول من ~~تكلم فأجاب إلى ما دعا إليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقالوا : ~~نقبله على مصيبة الأموال ، وقتل الأشراف ؛ قال : ولغطوا . فقال العباس وهو ~~آخذ بيد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أخفوا جرسكم فا علينا عيونا ~~وقدموا ذوي أسنانكم فيكونون هم الذين يلون كلامنا منكم ، فانا نخاف قومكم ~~عليكم ، ثم إذا بايعتم فتفرقوا إلى محالكم . فتكلم البراء بن معرور ، فأجاب ~~العباس ، ثم قال : ابسط يدك يا رسول الله ، وكا أول من ضرب على يد رسول ~~الله البراء بن معرور - ويقال : أبو الهيثم بن التيهان ، ويقال : أسعد بن ~~زرارة - ثم ضرب السبعون كلهم على يده وبايعوه ، فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : اموسى أخذ من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا فلا يجدن منكم أحد ~~في نفسهايؤخذ غيره ، فانما يختار لي جبريل ، ثم قال للنقباء : أنتم كفلاء ~~على غيركم ، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم ، وانا كفيل على قومي ، قالوا ~~: نعم ، قال : فلما بايعوا وكملوا صاح الشيطا على العقبة بأبعد صوت سمع : ~~يا أهل الأخاشب ، هل لكم في محمد والصبأة معه قد اجتمعوا على حربكم ، فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : انفضوا إلى رحالكم ، فقال العباس ابن ~~عبادة بن نضلة : يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق لئن أحببت لنميلن على أهل ~~منى بأسيافنا وما أحد عليه سيف تلك الليلة غيره ، فقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : انا لم نؤمر بذلك فانفضوا إلى رحالكم ، فتفرقوا إلى ~~رحالهم ، فلما أصبح القوم غدت عليهم جلة قريش وأشرافهم حتى دخلوا شعب ~~الأنصار ، فقالوا : يا معشر الخزرج ، انا بلغنا انكم لقيتم صاحبنا البارحة ~~، وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا وأيم الله ما حي من العرب أبغض إلين ان ~~اشبت بيننا وبينه الحرب منكم ، قال : فانبعث من ms3350 كان هناك من الخزرج من ~~المشركين يحلفون لهم بالله ما كان هذا وما علمنا وجعل ابن أبي يقول : هذا ~~باطل ، وما كان هذا وما كان قومي ليفتاتوا علي بمثل هذا لو كنت بيثرب ما ~~صنع هذا قومي حتى يؤامروني ، فلما رجعت قريش من عندهم رحل البراء بن معرور ~~؛ فتقدم إلى بطن يأجج ، وتلاحق أصحابه من المسلمين ، وجعلت قريش تطلبهم في ~~كل وجه ، ولا PageV16P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" تعدوا طريق المدينة ؛ وحزبوا عليهم ، فأدركوا ~~سعد بن عبادة ، فجعلوا يده إلى عنقه بنسعة ، وجعلوا يضربونه ويجرون شعره ، ~~وكا ذا جمة حتى دخلوا مكة ، فجاءه مطعم بن عدي ، والحارث بن أمية بن عبد ~~شمس فخلصاه من أيديهم ، وائتمرت الأنصار حين فقدوا سعد بن عبادةايكروا إليه ~~، فإذا سعد قد طلع عليهم ، فرحل القوم جميعا إلى المدينة . ذكر تسمية من ~~شهد العقبة وبايع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال محمد بن إسحاق : ~~كانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين ، فكان من شهدها من الأوس أحد عشر رجلأن ~~وهم أسيد بن الحضير ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وسلمة ابن سلامة بن وقش ، ~~وظهر بن رافع بن عدي ، وأبو بردة هانئ بن نيار ، ونهير ابن الهيثم بن نابي ~~، وسعد بن خيثمة بن الحارث ، ورفاعة بن عبد المنذر ، وعبد الله ابن جبير بن ~~النعمان ، ومعن بن عدي بن الجد بن عجلأن ، وعويم بن ساعدة . وشهدها من ~~الخزرج أحد وستون رجلا : منهم من بني النجار أحد عشر رجلأن وهم أبو أيوب ~~خالد بن زيد بن كليب ، ومعاذ بن الحارث بن رفاعة ، وأخوه عوف ابن الحارث ، ~~وأخوه معوذ بن الحارث ، وعمارة بن حزم بن زيد ، وأسعد بن زرارة ابن عدس ، ~~وسهل بن عتيك بن النعمان ، وأوس بن ثابت بن المنذر بن حرام ، وأبو طلحة زيد ~~بن سهل بن الأسود ، وقيس بن أبي صعصعة ، وعمرو بن غزية ابن عمرو بن ثعلبة . ~~ومن بني الحارث بن الخزرج سبعة نفر ، وهم : سعد بن الربيع بن عمرو ، وخارجة ~~بن زيد بن أبي زهير ، وعبد الله بن رواحة ms3351 ، وبشير بن سعد بن ثعلبة ، وعبد ~~الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه ، وخلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو ، وعقبة ~~ابن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة . ومن بني بياضة بن عامر بن زريق ثلاثة نفر ، ~~وهم : زياد بن لبيد بن ثعلبة ابن سنان ، وفروة بن عمرو بن ودقة ، وخالد بن ~~قيس بن مالك بن العجلأن . ومن بني زريق بن عامر بن زريق ثلاثة نفر : رافع ~~بن مالك بن العجلأن ابن عمرو ، وذكوا بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر ~~بن زريق - وكا خرج إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فكان معه بمكة ~~فهاجر ، فكان يقال له : مهاجري انصاري - وعباد بن قيس بن عامر بن خالد . ~~PageV16P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" ومن بني سلمة بن سعد بن علي بن أسد أحد عشر ~~رجلا : البراء بن معرور ابن صخر ، وابنه بشر بن البراء ، وسنا بن صيفي بن ~~صخر ، والطفيل بن النعما ابن خنساء ، ومعقل بن المنذر بن سرح ، ويزيد بن ~~المنذر بن سرح ، ومسعود ابن يزيد بن سبيع ، والضحاك بن حارثة بن زيد ، ~~ويزيد بن حرام بن سبيع ، وجبار ابن صخر بن امية بن خنساء ، والطفيل بن مالك ~~بن خنساء . ومن بني سواد بن غنم بن كعب بن سلمة : كعب بن مالك بن أبي كعب ~~عمرو بن القين بن كعب بن سواد ، وهو الشاعر . ومن بني غنم بن سواد بن غنم ~~خمسة نفر ، وهم : سليم بن حديدة ، ويزيد ابن عامر بن حديدة ، وهو أبو ~~المنذر ، وأبو اليسر ، واسمه كعب بن عمرو ، وصيفي ابن سواد بن عباد ، وقطبة ~~بن عامر بن حديدة ، أخو يزيد . ومن بني نابي بن عمرو بن سواد بن غنم خمسة ~~نفر : ثعلبة بن غنمة بن عدي ابن نابي ، وعمرو بن غنمة بن عدي ، وعبس بن ~~عامر بن عدي . وعبد الله بن انيس حليف لهم من قضاعة ، وخالد بن عمرو بن عدي ~~. ومن بني حرام بن كعب سبعة نفر ، وهم : عبد الله بن عمرو بن حرام ، وابنه ms3352 ~~جابر بن عبد الله ، ومعاذ بن عمرو بن الجموح ، وثابت بن الجذع - والجذع ~~ثعلبة ابن زيد - ، وعمير بن الحارث بن ثعلبة ، وخديج بن سلامة بن أوس ، ~~ومعاذ ابن جبل بن عمرو بن أوس ، مات بعمواس عام الطاعون . ومن بني عوف بن ~~الخزرج أربعة نفر ، وهم : عبادة بن الصامت بن قيس ، والعباس بن عبادة بن ~~نضلة - وكا ممن خرج إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو بمكة فأقام ~~فكان يقال له : مهاجري انصاري ، قتل يوم أحد - وأبو عبد الرحمن يزيد بن ~~ثعلبة حليف لهم من بني عصية من بلي ، وعمرو بن الحارث بن لبدة بن عمرو . ~~ومن بني سالم بن غنم بن عوف - وهم بنو الحبلى - رجلأن : رفاعة بن عمرو ابن ~~ثعلبة بن مالك ، وعقبة بن وهب بن كلدة بن الجعد حليف لهم ، وكا ممن خرج إلى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مهاجرا إلى مكة ، فكان يقال له . مهاجري ~~انصاري . ومن بني ساعدة بن كعب بن الخزرج رجلأن : سعد بن عبادة بن دليم ابن ~~حارثة ، والمنذر بن عمرو بن خنيس ، وامرأتان ، وهما : نسيبة ابنة كعب ابن ~~عمرو ، PageV16P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" وهي أم عمارة ، وأم منيع ، واسمها السماء بنت ~~عمرو بن عدي بن نابي ، ولم يصافحهن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فانه كان لا يصافح النساء ، وانما كان يأخذ عليهن ، فإذا أقررن قال : اذهبن ~~، وكا النقباء من هؤلاء اثني عشر رجلأن وهم : أسعد بن زرارة ، وسعد بن ~~الربيع بن عمرو ، وعبد الله بن رواحة ابن امرئ القيس ، ورافع بن مالك بن ~~العجلأن ، والبراء بن معرور ، وعبد الله ابن عمرو بن حرام ، وعبادة بن ~~الصامت بن قيس ، وسعد بن عبادة بن دليم ، والمنذر بن عمرو بن حنيس ويقال : ~~ابن خنيس ، هؤلاء من الخزرج . ومن الأوث ثلاثة نفر : أسيد بن حضير ، وسعد ~~بن خيثمة بن الحارث ، ورفاعة بن عبد المنذر . قال أبو محمد عبد الملك بن ~~هشام : وأهل العلم يعدون أبا الهيثم بن التيهان ، ولا يعدون رفاعة . والله ~~أعلم بالصواب . ذكر ms3353 أول آية انزلت في القتال قال محمد بن إسحاق : كان رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) قبل بيعة العقبة الأولى لم يؤذن له في الحرب ، ~~ولم تحلل له الدماء ، وانما أمر بالدعاء إلى الله ، والصبر على الأذى ، ~~والصفح عن الجاهل ، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه حتى فتنوهم عن ~~دينهم ، وأخرجوهم من بلادهم ، فلما عتت قريش على الله ؛ أذن الله تعالى ~~لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في القتال ، فكانت أول آية انزلت في ~~إذنه تعالى له في الحرب ، قوله تعالى : " أذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وا ~~الله على نصرهم لقدير . الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إل ان ايقولوا ربنا ~~الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر ~~فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزير . الذين ~~امكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتو الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله عاقبة الأمور " . ثم انزل الله تعالى : " وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة " ؛ أي حتى لا يفتن مؤمن عن دينه ، " ويكون الدين لله " ، أي حتى يعبد ~~الله لا يعبد غيره . ذكر أول من هاجر من مكة إلى المدينة قال محمد بن إسحاق ~~: لما أذن الله تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) في الحرب ، وبايعه ~~الأنصار على الإسلام ، والنصرة له ولمن اتبعه وأوى إليهم من المسلمين ، أمر ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) PageV16P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" أصحابه من المهاجرين من قومه ، ومن معه بمكة ~~من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللحوق بإخوانهم من ~~الأنصار ؛ وقال : ان الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها فخرجوا ~~أرسالأن وأقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمكة ينتظر الإذن من الله ~~في الهجرة إلى المدينة ، فكان أول من هاجر من المهاجرين من قريش : أبو سلمة ~~عبد الله بن عبد الأسد ابن هلال بن عبد الله المخزومي ، وكانت هجرته قبل ~~بيعة العقبة بسنة ، وكا قد قدم من أرض الحبشة ، فلما آذته قريش ، وبلغه ~~إسلام من ms3354 أسلم من الأنصار هاجر إلى المدينة ، فنزل بقرية بني عمرو بن عوف ~~بقباء على أحمد بن مبشر ابن عبد المنذر ، ثم كان أول من قدمها بعد أبي سلمة ~~عامر بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب ، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم ~~، ثم عبد الله بن جحش ابن رئاب ، حليف بني أمية ابن عبد شمس ، احتمل بأهله ~~وبأخيه عبد بن جحش ، وهو أبو أحمد ، وكا رجلا ضرير البصر ، وكا يطوف مكة ~~بغير قائد ، وكانت عنده الفرعة بنت أبي سفيا بن حرب ، نزل هؤلاء كلهم بقباء ~~على أحمد ابن مبشر أيضا ثم قدم المهاجرون أرسالأن ثم خرج عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه ، وعياش بن أبي ربيعة في عشرين من المسلمين ، منهم : زيد بن ~~الخطاب أخو عمر ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وخنيس ابن حذافة السهمي ، ~~وواقد بن عبد الله التميمي حليف بني عدي ، وعبد الله وعمرو ابنا سراقة بن ~~المعتمر - ويقال : عمر بدل عمرو - وخولى بن أبي خولى ، حليف الخطاب ، وأخوه ~~مالك - ويقال : هلال بن أبي خولى بدل مالك - وبنو البكير الأربعة : إياس ، ~~وعاقل ، وخالد ، ويقال : وكا مع عمر ابنه عبد الله ابن عمر . قال ابن إسحاق ~~: فنزل عمر بن الخطاب ، وعياش بن أبي ربيعة في بني عمرو ابن عوف بقباء ، ~~فجاء أبو جهل والحارث ابنا هشام إلى عياش إلى المدينة ، وكا ابن عمهما ~~وأخاهما لأمهما فكلماه في الرجوع ، وقالا : ان أمك قد نذرتالا يمشط رأسها ~~مشط ، ولا تستظل من شمس حتى تراك ، فرق لها . قال عمر ابن الخطاب : فقلت له ~~: يا عياش ، انه واللهايريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم ، فوالله ~~لو آذى أمك القمل المتشطت ، ولو اشتد عليها حر مكة لاستظلت . فقال : أبر ~~قسم أمي ، ولي هناك مال فآخذه . قال عمر : فقلت له : يا عياش ، والله انك ~~لتعلم اني من أكثر قريش مالأن فلك نصف ما لي ولا تذهب معهما . قال : فأبى ~~إل ان ايخرج معهما فقلت : أما إذ فعلت فخذ ناقتي هذه فانها ms3355 ناقة نجيبة ذلول ~~، فألزم ظهرها فا رابك من PageV16P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" القوم ريب فانج عليها فخرج عليها معهما حتى ~~إذا كانوا ببعض الطريق ، قال له أبو جهل : يا أخي والله لقد استغلظت بعيري ~~هذا أفلا تعقبني على ناقتك ؟ قال : بلى ، فاناخ وانا خا ليتحول عليها فلما ~~استووا بالأرض أوثقاه رباطا ثم دخلا به مكة ، وفتناه فافتتن . رواه ابن ~~إسحاق عن نافع عن ابن عمر . قال ابن إسحاق : ودخلا به مكة نهارا موثقا ~~وقالا : يا أهل مكة ، هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا . قال ~~ابن عمر في حديثه فكنا نقول : ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا ~~توبة ، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم ، وكانوا يقولون ~~ذلك لأنفسهم ، فلما قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة انزل ~~الله فيهم ، وفي قولنا لأنفسهم : " قل يا عبادي الذين أسرفوا على انفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم . ~~وانيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبلايأتيك العذاب ثم لا تنصرون . واتبغوا ~~أحسن ما انزل إليكم من ربكم من قبلايأتيكم العذاب بغتة وانتم لا تشعرون " ، ~~قال عمر : فكتبتها بيدي في صحيفة ، وبعثت بها إلى هشام بن العاص ، فلما ~~قرأها لحق برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالمدينة . قال أبو محمد عبد ~~الملك بن هشام : حدثني من أثق بهارسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال وهو ~~بالمدينة : من لي بعياش بن أبي ربيعة ، وهشام بن أبي العاص ؟ فقال الوليد ~~بن الوليد بن المغيرة : انالك يا رسول الله بهما فخرج إلى مكة ، فقدمها ~~مستخفيا فلقى امرأى تحمل طعاما فقال لها : أين تريدين يا أمة الله ؟ قالت : ~~اريد هذين المحبوسين - تعنيهما - فتبعها حتى عرف موضعهما وكانا قد حبسا في ~~بيت لا سقف له ، فلما أمسى تسور عليهما ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما ثم ~~ضربهما بسيفه فقطعهما ثم حملهما على بعيره وسار بهما فعثر فدميت إصبعه فقال ~~: هل انت إلا إصبع دميت . . . وفي سبيل ms3356 الله ما لقيت نعود إلى تتمة أخبار ~~عمر في هجرته - قال ابن إسحاق : ونزل عمر بن الخطاب PageV16P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" حين نزل المدينة ومن لحق بن من أهله وقومه ، ~~وأخوه زيد بن الخطاب ، وعمرو وعبد الله ابنا سراقة بن المعتمر ، وخنيس بن ~~حذافة السهمي - وكا صهره على ابنته حفصة خلف عليها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بعده - وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وواقد بن عبد الله ~~التميمي - حليف لهم ، وخولى بن خولى ، ومالك بن خولى ، حليفا لهم ، وبنو ~~البكير الأربعة : إياس ، وعاقل ، وعامر ، وخالد ، حلفاؤهم ، وهم من بني سعد ~~بن ليث ، على رفاعة بن المنذر بقباء ، ثم تتابع المهاجرون ، فنزل طلحة بن ~~عبيد الله ، وصحيب بن سنا على خبيب بن إساف أخى بلحارث بن الخزرج ، ويقال : ~~بل نزل طلحة على أسعد بن زرارة ، ونزل حمزة بن عبد المطلب ، وزيد بن حارثة ~~، وأبو مرثد كناز بن حصين ، وابنه مرثد الغنويا حليفا حمزة ابن عبد المطلب ~~، وانسة وأبو كبشة موليا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على كلثوم ابن ~~هدم أخي بني عمرو بن عوف بقباء - ويقال : بل نزلوا على سعد بن خيثمة ، ~~ويقال : بل نزل حمزة على أسعد بن زرارة - ونزل عبيدة بن الحارث بن المطلب ، ~~وأخواه الطفيل والحصين ، ومسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب ، وسويبط بن سعد ~~بن حريملة ، أخو بني عبد الدار ، طليب بن عمير أخو بني عبد بن قصي ، وخباب ~~مولى عتبة بن غزوا على عبد الله بن سلمة أخي بلعجلأن بقباء ، ونزل عبد ~~الرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع أخي بلحارث ابن ~~الخزرج في دار بلحارث ، ونزل الزبر بن العوام ، وأبو سبرة بن أبي رهم بن ~~عبد العزى على منذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح بالعصبة دار بني ~~جحجي . ونزل مصعب بن عمير بن هاشم أخو بني عبد الدار على سعد بن معاذ ابن ~~النعما في دار بني عبد الأشهل . ونزل أبو حذيفة بن عتبة ms3357 بن ربيعة ، وسالم ~~مولى أبي حذيفة ، وعتبة بن غزوا بن جابر على عباد بن بشر بن وقش أخي بني ~~عبد الأشهل في دار بني الأشهل . ونزل عثما بن عفا على أوس بن ثابت ابن ~~المنذر أخي حسا بن ثابت في دار بني النجار . وكا يقال : نزل العزاب من ~~المهاجرين على سعد بن خيثمة ، وذلك انه كان عزبا . PageV16P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" ذكر اجتماع قريش في دار الندوة وتشاورهم في ~~شأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، واتفاقهم على قتله ، وحماية الله تعالى ~~له ، وخبر الشيخ النجدي ، وهو إبليس ، خزاه الله قال محمد بن إسحاق ، يرفعه ~~إلى عبد الله بن عباس وغيره قالوا : لما رأت قريشارسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قد كانت له شيع وأصحاب من غيرهم من غير بلدهم ، ورأوا خروج ~~أصحابه من المهاجرين إليهم ، عرفوا انهم قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة ، ~~فحذروا خروج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إليهم ، وعرفوا انه قد أجمع ~~لحربهم ، فاجتمعوا في دار الندوة - وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا ~~تقضي أمرا إلا فيها - يتشاورون ما يصنعون في أمر رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فلما اجتمعوا لذلك ، واتعدوا له ، غدوا في يوم الموعد ، وهو اليوم ~~المسمى يوم الزحمة ، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل عليه بت - قال ~~الواقدي : مشتمل الصماء في بت - قال : فوقف على باب الدار ، فلما رأوه ~~قالوا : من الشيخ ؟ قال : شيخ من أهل نجد ، سمع بالذي اتعدتم له ، فحضر ~~معكم ليسمع ما نفولون ، وعسى ألا يعدمكم منه رأيا ونصحا قالوا : أجل ، ~~فادخل ، فدخل معهم ، وقد اجتمع أشراف قريش ، وهم : عتبة ، وشيبة ابنا ربيعة ~~، وأبو سفيا بن حرب ، وطعيمة بن عدي ، وجبير بن مطعم ، والحارث بن عامر بن ~~نوفل ، والنضر بن الحارث بن كلدة ، وأبو البختري ابن هشام ، وزمعة بن ~~الأسود بن المطلب ، وحكيم بن حزام ، وأبو جهل ابن هشام ، ونبيه ومنبه ابنا ~~الحجاج ، وأمية بن خلف ، وغيرهم ممن لا يعد من قريش ، فقال بعضهم لبعض : ~~اهذا الرجل ms3358 قد كان من أمره ما قد رأيتم ، وإهنا والله ما نأمنه على الوثوب ~~علينا ممن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا فتشاوروا ثم قال قائل منهم : ~~احبسوه في الحديد ، وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من ~~الشعراء الذين كانوا قبله : زهير والنابغة ، ومن مضى منهم حتى PageV16P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" يصيبه ما أصابهم ، فقال الشيخ النجدي : لا ~~والله ، ما هذا لكم برأي ، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من ~~وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه ، ولأوشكو ان ايثبوا عليكم ~~فينتزعوه من أيديكم ، ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم ، ما هذا لكم برأي ~~، فانظروا في غيره ، فتشاوروا ثم قال قائل منهم : نخرجه من بين أظهرنا ~~فننفيه من بلادنا فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ، ولا حيث وقع ، ~~إذا غاب عنا وفرغنا منه ، أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت . قال الشيخ ~~النجدي : لا والله ما هذا لكم برأي ، ألم تروا حسن حديثه ، وحلاوة منطقه ، ~~وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به ، والله لئن فعلتم ذلك ما أمنتمايحل ~~على حي من العرب ، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه ، ثم ~~ليسير بهم إليكم حتى يطأكم فيأخذ أمركم من أيديكم ، ثم يفعل بكم ما أراد ؛ ~~دبروا فيه رأيا غير هذا . فقال أبو جهل بن هشام : الي فيه رأيا ما أراكم ~~وقعتم عليه بعد ، قالوا : وما هو يا أبا الحكم ؟ قال : أرىانأخذ من كل ~~قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فتيا ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما ثم ~~يعمدوا إليه فضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه ، فنستريح منه ؛ فانهم إذا ~~فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم ~~جميعا فرضوا منا بالعقل ، فعقلناه لهم . فقال النجدي : القول ما قال الرجل ~~؛ هذا الرأي لا أرى غيره . وحكىاهذا الرأي كان رأي الشيخ النجدي ، وانه لما ~~أشار به قالوا : كلهم : صدق النجدي ، صدق النجدي والله أعلم . قال : فتفرق ~~القوم وقد أجمعوا على ms3359 ذلك . فأتى جبريل إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) وأخبره بالخبر ، وقال له : لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت ~~عليه ، قال : فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على باب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يرصدونه حتى ينام ، فيثبون عليه ، فلما رأى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) مكانهم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : نم على ~~فراشي ، وتسج ببردى هذا الحضرمي الأخضر ، فنم فيه ؛ فانه لن يخلص إليك شيء ~~تكرهه منهم . قال : فقال أبو جهل ومن معه على الباب : امحمدا يزعم انكم إذا ~~تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ، ثم بعثتم من بعد موتكم ، فجعلت ~~لكم جنان PageV16P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" كجنان الأردن ، وا لم تفعلوا كان له فيكم ذبح ~~، ثم بعثتم من بعد موتكم ، فجعلت لكمن نار تحرقون فيها . قال : فخرج رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأخذ حفنة من تراب في يده ، ثم قال : نعم ~~انا أقول ذلك ، انت أحدهم ، وأخذ الله على أبصارهم فلا يرونه ، فجعل ينثر ~~التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من سورة يس : " يس . والقرا الحكيم ~~" . إلى قوله : " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا ~~يبصرون " . ولم يبق منهم رجل إلا وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد ~~، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم ، فقال : ما تنتظرون ؟ قالوا : محمدا قال : ~~خيبكم الله ، قد والله خرج عليكم محمد ، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع ~~على رأسه ترابا وانطلق لحاجته ، أفما ترون ما بكم ؟ قال : فوضع كل رجل منهم ~~يده على رأسه فإذا عليه تراب ، ثم جعلوا ينظرون فيه فيرون عليا على الفراش ~~متسجيا ببرد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فيقولون : واللهاهذا لمحمد ~~نائما عليه برده . فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي عن الفراش ؛ فقالوا ~~: والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا . قال ابن إسحاق : فكان مما انزل من ~~القرا في ذلك اليوم قوله تعالى : " وإذ يمكر بك الذين ms3360 كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " وقوله تعالى : " ~~أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون . قل تربصوا فانى معكم من المتربصين " ~~. ذكر ابتداء هجرة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأبي بكر رضي الله عنه ~~قال محمد بن إسحاق : لما هاجر أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى ~~المدينة ، أقام هو بمكة بعدهم ينتظر الإذن من الله تعالى في الهجرة ، ولم ~~يتخلف معه بمكة إلا أبو بكر الصديق ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ومن ~~حبس أو فتن . وكا أبو بكر يستأذن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~الهجرة كثيرا فيقول له : لا تعجل لعل اللهايجعل لك صاحبا فيطمع أبو ~~بكرايكون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) انما يعني نفسه . وروى عن عائشة ~~أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما انها قالت : كان لا يخطئ ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )ايأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار إما ~~بكرة وإما عشية ، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله تعالى فيه لرسوله في ~~الهجرة والخروج من مكة أتانا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالهاجرة في ~~ساعة كان لا يأتي فيها . قالت : فلما رآه أبو بكر PageV16P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" قال : ما جاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) هذه الساعة إلا لأمر حدث ، فلما دخل تأخر أبو بكر عن سريره ، فجلس رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وليس عند أبي بكر إلا انا وأختي اسماء ، ~~فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أخرج عني من عندك قال : يا رسول ~~الله ، انما هما ابنتاي ، وما ذاك فداك أبي وأمي ؟ قال : ان الله أذن لي في ~~الخروج . فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول الله ؟ قال : الصحبة . قالت : ~~فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم ان أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر ~~يبكي يومئذ ، ثم قال : يا نبي الله ، اهاتين راحلتا كنت أعددتهما لهذاز ~~فاستأجر عبد الله بن أرقط - وقيل ms3361 : الأريقط - الليثي وكا مشركا يدلهما على ~~الطريق ، ودفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما . قال ابن ~~إسحاق : ولم يعلم بخروج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أحد حين خرج إلا ~~أبو بكر وآل أبي بكر ، وعلي بن أبي طالب ، أخبره رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بخروجه ، وأمرهايتخلف بعده ، حتى يؤدي عن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) الودائع التي كانت عنده للناس . ذكر خبر الغار وما قيل فيه قال : ~~لما أجمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الخروج أتى أبا بكر فخرجا من ~~خوخة لأبي بكر في ظهر بيته ، ثم عمدا إلى غار بثور - جبل بأسفل مكة - ~~فدخلاه ، وأمر أبو بكر ابنه عبد اللهاينسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره ~~، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر ، وأمر عامر بن ~~فهيرة مولاهايرعى غنمه نهارة ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار ، وكانت ~~اسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما . قال ابن هشام ~~: حدثني بعض أهل العلم ان الحسن بن أبي الحسن قال : لما انتهى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وأبو بكر إلى الغار ليلا دخل أبو بكر قبل رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) يلتمس الغار لينظر أفيه سبع أو حية يقي رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بنفسه . قال ابن إسحاقك فأقام رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ثلاثا ومعه أبو بكر ، وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن ~~يرده عليهم . وكا عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش يسمع ما يأتمرون به ، ~~وما يقولون في شا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأبي بكر ، ثم يأتيهما إذا ~~أمسى فيخبرهما الخبر ، وكا عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى في رعاء من أهل ~~مكة ، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا فإذا غدا عبد الله ~~بن أبي بكر من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره الغنم حتى يعفى عليه ~~. وقال محمد بن سعد نسنده ms3362 إلى زيد بن أرقم وانس بن مالك ، والمغيرة بن شعبة ~~رضي الله عنهم : ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ليلة الغار أمر الله شجرة ~~فنبتت في وجه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) PageV16P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" فسترته ، وأمر العنكبوت فنسجت على وجهه ~~فسترته ، وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار ، وأقبل فتيا قريش من كل ~~بطن رجل بأسيافهم وعصيهم وهراواتهم حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه ~~ولم قدر أربعين ذراعا نظر أولهم فرأى الحمامتين فرجع فقال له أصحابه : مالك ~~لم تنظر في الغار ؟ قال : رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار ، فعرفتاليس فيه ~~أحد . فسمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قوله ، فعرف ان الله عز وجل ~~درأ عنه بهما . وقال بعض من حضر في طلبه : اعليه من العنكبوت ما هو قبل ~~ميلاد محمد . وقال أبو بكر رضي الله عنه : فنظرت إلى أقدام المشركين ونحن ~~في الغار وهم على رؤوسنا فقلت : يا رسول الله ، لو ان أحدهم نظر إلى قدميه ~~أبصرنا فقال : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما قال : ومكثا في ~~الغار ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر . قال محمد بن سعد : قالت ~~عائشة رضي الله عنها : وجهزناهما أحب الجهاز ، وصنعنا لهما سفرة في جراب ، ~~فقطعت اسماء قطعة من نطاقها فاوكأت به الجراب ، وقطعة أخرى صيرتها عصاما ~~لفم القربة ؛ فلذلك سميت اسماء ذات النطاقين . قال محمد بن سعد بسند يرفعه ~~إلى اسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما انها قالت : لما خرجر سول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وخرج أبو بكر معه احتمل ماله كله معه ، - خمسة آلاف درهم ~~أو ستة آلاف - فانطلق بها معه ، فدخل علينا جدي أبو قحامة وقد ذهب بصره ، ~~فقال : والله اني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه ، قال فقلت : كلا يا أبت ، ~~انه ترك لنا خيرا كثيرا . قالت اسماء : فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة البيت ~~حيث كان أبي يضع فيها ماله ، ثم وضعت عليها ثوبا ثم أخذت بيده فقلت : ضع يا ~~أبت ms3363 يدك على هذا المال ، فوضع يده عليه وقال : لا بأساكا ترك لكم هذا فقد ~~أحسن ، وفي هذا بلاغ لكم ؛ فلا والله ما ترك لنا شيئا ولكني أردت ان أسكن ~~الشيخ بذلك . والله أعلم . ذكر خروج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأبي ~~بكر رضي الله عنه من الغار ، وتوجههما إلى المدينة ، وما كان من أمر سراقة ~~بن مالك ، وأم معبد وغير ذلك إلى ان انتهيا إلى المدينة كان خروج رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) وأبي بكر الصديق رضي الله عنه من الغار ليلة ~~الاثنين لأربع خلون من شهر ربيع الأول ، وذلك انه لما مضت الأيام الثلاثة ~~وسكن عنهما PageV16P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" الناس أتاهما عبد الله بن الأريقط براحلتيهما ~~وبعير له ، فقرب أبو بكر رضي الله عنه الراحلتين إلى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وقدم له أفضلهما ثم قال : اركب فداك أبي وأمي يا رسول الله ~~فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : اني لا أركب بعيرا ليس لي ، قال : ~~فهي لك يا رسول الله بأبي انت وأمي قال : لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به ~~؟ ، قال : كذا وكذاقال : قد أخذتها بذلك . قال محمد بن سعد : وكا أبو بكر ~~اشتراهما بثمانمائة درهم من نعم بني قشير ، فأخذ رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إحداهما وهي القصواء . قال ابن إسحاق : فركبا وانطلقا وأردف أبو بكر ~~رضي الله عنه مولاه عامر بن فهيرة خلفه ليخدمهما في الطريق . قال أبو بكر ~~رضي الله عنه : أسرينا ليلتنا ويومنا حتى إذا قام قائم الظهيرة وانقطع ~~الطريق ، ولم يمر أحد ، رفعت لنا صخرة لها ظل لم تأت عيلان لشمس . قال : ~~فسويت للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) مكانا في ظلها وكا معي فرو ففرشته ، ~~وقلت للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : نم حتى انفض ما حولك ، فخرجت فإذا انا ~~براع قد أقبل يريد من الصخرة مثلما أردنا وكا يأتيها قبل ذلك فقلت : يا ~~راعي ، لمن انت ؟ قال : لرجل من أهل المدينة يعني مكة ، قال : قلت : هل في ms3364 ~~شائك من لبن ؟ قال : نعم ، قال : فجاءني بشاة فجعلت أمسح الغبار عن ضرعها ~~وحلبت في إداو معي كثبة من لبن ، وكا معي ماء للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~في إداوة فصببت على اللبن من الماء لأبرده ، فوافيت رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) حين قام من نومه فشرب وقال : م ان االرحيل ؟ قلت : بلى ، قال : ~~فأرسلنا حتى إذا كنا بأرض صلبة جاء سراقة بن مالك بن جعشم ، فبكى أبو بكر ~~وقال : يا رسول الله قد أتينا قال : كلأن ودعا رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فارتطم فرس سراقة - أي احتبس إلى بطنه - فقال : قد أعلماقد دعوتما ~~علي فادعوا لي ، ولكما علي ان أرد الناس عنكما ولا أضركما . فدعا له فرجع ~~ووفى وجعل يرد الناس ويقول : قد كفيتم ما ها هنا . وقد روى عن سراقة انه ~~قال لأبي جهل بن هشام : أبا حكم والله لو كنت شاهدا . . . لأمر جوادي إذ ~~تسوخ قوائمه علمت ولم تشكك با محمدا . . . رسول ببرها فمن ذا يقاومه ~~PageV16P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" عليك بكف القوم عنه فانني . . . أرى أمره ~~يوما ستبدو معالمه بأمر يود الناس فيه بأسرهم . . . با جميع الناس طرا ~~تسالمه وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام : حدثني الزهرياعبد الرحمن بن مالك ~~ابن جعشم حدثه عن أبيه عن عمه سراقة بن مالك قال : لما خرج رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من مكة مهاجرا إلى المدينة ، جعلت فيه قريش مائة ناقة لمن ~~يرده عليهم ، فبينما انا جالس في نادي قومي أقبل رجل منا حتى وقف علينا ~~فقال : والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا على انفا اني لأراهم محمدا وأصحابه ~~، قال : فأومأت إليه بعيني ان أسكت ، ثم قلت : انما هم بنو فلأن يبتغون ~~ضالة لهم ، قال : لعله . ثم قمت فدخلت بيتي وأمرت بفرسي فقيد إلى بطن ~~الوادي ، وأمرت بسلاحي فأخرج من دبر حجرتي ، ثم أخذت قداحي التي أستقسم بها ~~ثم انطلقت فلبست لأمتي ، ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره ~~: لا يضره ، قال : وكنت أرجو ms3365 ان أرده على قريش فآخذ المائة ، فركبت الفرس ~~في أثره ، فبينما فرسي يشتد بي عثر فسقطت عنه ، فقلت : ما هذا ؟ ثم أخرجت ~~قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره لا يضره ، قال فأبيت إل ان ان ~~أتبعه فركبت في أثره ، فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي فذهبت يداه ~~في الأرض وسقطت عنه ، ثم انتزع يده من الأرض وتبعهما دخا كالإعصار ، فعرفت ~~حين رأيت ذلك انه قد منع مني وانه ظاهر ، فناديت القوم : انا سراقة بن جعشم ~~، انظروني أكلمكم ، فوالله لا يأتينكم مني شيء تكرهونه ، فقال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) لأبي بكر : قل له وما تبتغي منا ؟ فقال لي ذلك أبو ~~بكر ، قلت : تكتب لي كتابا يكون بيني وبينك ، قال : اكتب له يا أبا بكر ، ~~فكتب لي كتابا في عظم أو فير قعة أو في خرقة ثم ألقاه إلى فأخذته فجعلته في ~~كنانتي ، ثم رجعت فلم أذكر شيئا مما كان ، حتى إذا كان فتح مكة على رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وفرغ من حنين والطائف ، فرحت ومعي الكتاب ~~لألقاه فلقيته بالجعرانة ، فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار PageV16P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" فجعلوا يقرعونني بالرماح ويقولون : إليك إليك ~~ماذا تريد ؟ قال : فدنوت من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو على ~~ناقته ، والله اني لأنظر إلى ساقه في غرزه كانها جمارة ، فرفعت يدي بالكتاب ~~ثم قلت : يا رسول الله ، هذا كتابك انا سراقة بن جعشم فقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : يوم وفاء وبر ، ادنه ، قال فدنوت منه فأسلمت . والله ~~الهادي للصواب . ومروا على خيمتي أم معبد الخزاعية ، واسم أم معبد عاتكة ~~بنت خالد بن منقذ ابن ربيعة ، ويقال : عاتكة بنت خالد بن خليف ، وكانت برزة ~~جلدة تجلس بفناء القبة تسقى وتطعم ، فسألوها تمرا ولحما يشترونه منها فلم ~~يصيبوا عندها من ذلك شيئا وكا القوم مرملين مسنتين ، فنظر رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إلى شاة في كسر الخيمة ، فقال : ما هذه الشاة يا أم معبد ~~؟ قالت ms3366 : شاة خلفها الجهد عن الغنم ، قال : هل بها من لبن ؟ قالت : هي أجهد ~~من ذلك ، قال : أتأذنين ان أحلبها ؟ قالت : نعم ، بأبي انت وأميارأيت بها ~~حلبا فاحلبها . فدعا بها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فمسح بيده ضرعها ~~وسمى الله ، ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه - أي فتحت ما بين رجليها - وردت ~~، ودعا باناء يربض الرهط - أي يرويهم - فحلب فيه ثجا ثم سقاها حتى رويت ، ~~ثم سقى أصحابه حتى رووا ثم شرب آخرهم ، ثم حلب اناء حتى ملأه ثم غادره ~~عندها وبايعها وارتحلوا عنها وأصبح صوت بمكة عال يسمعونه ، ولا يدرون من ~~صاحبه وهو يقول : جزى الله رب الناس خير جزائه . . . رفيقين قالا خيمتي أم ~~معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به . . . فأفلح من أمسى رفيق محمد فيا لقصي ما ~~زوى الله عنكم . . . به من فعال لا تجاري وسودد ليهن بني كعب مكا فتاتهم . ~~. . ومقعدها للمؤمنين بمرصد PageV16P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" سلوا أختكم عن شاتها وانائها . . . ~~فانكماتسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت . . . له بصريح ضرة الشاة ~~مزبد فغادرها رهنا لديها لحالب . . . تدر بها في مصدر ثم مورد قال ابن ~~إسحاق : ولما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقط سلك بهما أسفل مكة ، ثم ~~مضى بهما على الساحل أسفل من عسفان ، ثم سلك بهما أسفل الحج ثم استجاز بهما ~~حتى عارض الطريق بعد ان أجاز قديد . ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما ~~الخرار ، ثم سلك بهما ثنية المرة ، ثم سلك بهما لقفا - ويقال لفتا - ثم ~~أجاز بهما مدلجة لقف ، ثم استبطن بهما مدلجة مجاح ، ثم سلك بهما مرجح مجاج ~~، ثم نبطن بهما مرجح من ذي الغضوين ، ويقال : العصو بن ، ثم بطن ذي كشر ، ~~ثم أخذ بهما على الجداجد ، ثم على الأجرد ، ثم سلك بهما ذا سلم من بطن ~~أعداء مدلجة تعهن ، ثم على PageV16P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" العبابيد - ويقال : العبابيب . ويقال : ~~العثيانة - ثم أجاز بهما الفاجة ، ويقال : القاحة ، ثم هبط بهما العرج ، ~~وقد أبطأ عليهم بعض ظهرهم فحمل رسول الله ( صلى ms3367 الله عليه وسلم ) رجل يقال ~~له : أوس بن حجر على جمل له إلى المدينة ، وبعث معه غلاما له يقال له : ~~مسعود بن هنيدة ، ثم خرج بهما دليلهما من العرج ، فسلك ثنية العائر عن يمين ~~ركوبة - ويقال الغابر - حتى هبط بهما بطن رئم ، ثم قدم بهما قباء على بني ~~عمرو بن عوف . قال الشيخ شرف الدين الدمياطي : وكا عبد الله بن الأريقط على ~~كفره ، ولم يعلم له إسلام . ذكر قدوم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وأبي بكر رضي الله عنه إلى المدينة قال محمد بن إسحاق : كان مقدم رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) قباء يوم الاثنين لأثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع ~~الأول حين الضحا وكادت الشمس تعتدل ، وهو ( صلى الله عليه وسلم ) ابن ثلاث ~~وخمسين سنة ، وذلك بعدابعثه الله تعالى بثلاث عشرة سنة . وقال الخوارزمي : ~~قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة مهاجرا يوم الاثنين ، وهو ~~اليوم الثامن من شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين من عام الفيل ، ويوم عشرين ~~من أيلول ، فكان من مبعثه إلى يوم هاجر ودخل المدينة ثلاث عشرة سنة كاملة . ~~قال ابن إسحاق : وكا أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما سمعوا ~~بخروجه من مكة وتوكفوا قدومه ، يخرجون إذا صلوا الصبح إلى ظاهر الحرة ~~ينتظرونه ، فلا يبرحون حتى تغلبهم الشمس على الظلال فيدخلون ، وذلك في أيام ~~حارة ، حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~جلسوا على عادتهم ، حتى إذا لم يبق ظل دخلوا بيوتهم ، فقدم رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) حين دخلوا البيوت ، فكان أول من رآه رجل من يهود ، فصرخ ~~بأعلى صوته : يا بني قيلة ، هذا جدكم قد جاء ، قال : فخرجوا إلى رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) وهو في ظل نخلة ، ومعه أبو بكر رضي الله عنه في مثل ~~سنه ، وأكثر الأنصار لم يكن يعرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قبل ذلك ~~، فأقبل الناس وما يعرفونه من أبي بكر ، حتى إذا ms3368 زال الظل عن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قام أبو بكر فأظله بردائه ، فعرفوه عند ذلك ، قال : ~~فنزل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على كلثوم بن هدم أخي بني عمرو بن ~~عوف ، وهو الأصح ، وكا إذا خرج من منزل كلثوم جلس للناس PageV16P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" في بيت سعد بن خيثمة ، وذلك انه كان عزبا لا ~~أهل له ، وكا منزل العزاب من المهاجرين ، ونزل أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~على خبيب بن إساف أحد بني الحارث بن الخزرج بالسنح . وقيل : بل نزل على ~~خارجة بن زيد . وأقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ثلاث ليال ، حتى ~~أدى عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الودائع التي كانت عنده للناس ، ~~ثم لحق برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فنزل معه على كلثوم بن هدم ، ~~فأقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بقباء من يوم الاثنين إلى آخر يوم ~~الخميس أربعة أيام . ذكر خروج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من قباء ~~وتحوله إلى المدينة ، وصلاته الجمعة ، ونزوله على أبي أيوب خالد بن زيد قال ~~محمد بن إسحاق : ثم خرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم الجمعة من ~~منزل كلثوم فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف ، فصلاها في المسجد الذي في ~~بطن الوادي ، وادي رانوناء ، وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة . قال محمد بن ~~سعد : صلاها بمن كان معه من المسلمين وهم مائة . قال ابن إسحاق : فأتاه ~~عتبا بن مالك ، وعباس بن عبادة بن نضلة ، في رجال من بني سالم بن عوف ، ~~فقالوا : يا رسول الله ، أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة ، قال : خلوا ~~سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة ، ~~اغترضه سعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة ، فقالوا مثل ~~ذلك ، وقال مثل ما قال لأولئك ، فخلوا سبيلها فانطلقت ، حتى إذا وازنت دار ~~بني الحارث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع ، وخارجة بن زيد ، وعبد الله بن ms3369 ~~رواحة في رجال من بلحارث من الخزرج ، فقالوا مثل ذلك ، وقال مثل ما قال ، ~~فخلوا سبيلها فانطلقت ، حتى إذا مرت بدار بني عدي بن النجار وهم أخواله ~~اعترضه سليط بن قيس ، وأبو سليط أسيرة بن أبي خارجة في رجال من بني عدي بن ~~النجار ، فقالوا : يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة ، ~~فقال كما قال لأولئك ، فخلوا سبيلها فانطلقت ، حتى إذا أتت دار بني مالك بن ~~النجار بركت على باب مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهو يومئذ ~~مربد لغلامين يتيمين من بني النجار ، في حجر معاذ بن عفراء وهما سهل وسهيل ~~ابنا عمرو ، فلما بركت ثبت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولم ينزل ، ~~فسارت غير بعيد ، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ، ثم ~~تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها فنزل عنها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~PageV16P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" واحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه في ~~بيته ، ونزل عليه سرول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . قال محمد بن سعد في ~~طبقاته الكبرى . لما بركت الناقة جعل الناس يكلمون رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في النزول عليهم ، وجاء أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب فحط رحله ~~فأدخله منزله ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : المرء مع رحله ، ~~وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته فكانت عنده ، قال زيد بن ثابت : فأول ~~هدية دخلت على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في منزل أبي أيوب هدية ~~دخلت بها اناء قصعة مثرود فيها خبز وسمن ولبن ، فقلت : أرسلت بهذه القصة ~~أمي ، فقال : بارك الله فيك ، ودعا أصحابه فأكلوا فلم أرم الباب حتى جاءت ~~قصعة سعد بن عبادة ؛ ثريد وعراق ، وما كان من ليلة إلا وعلى باب رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) الثلاثة والأربعة يحملون الطعام ، يتناوبون ذلك حتى ~~تحول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من منزل أبي أيوب ، وكا مقامه فيه ~~سبعة أشهر . وقال ابن إسحاق : أقام ms3370 رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة ، حتى بنى له فيها مسجده ومساكنه ~~. والله أعلم . وبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من منزل أبي أيوب ~~زيد بن حارثة ، وأبا رافع ، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم ، فقدما إلى مكة ~~لفاطمة وأم كلثوم عليهما السلام ابنتي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وسودة بنت زمعة زوجته ، وأسامة بن زيد ، وحمل زيد بن حارثة امرأته أم أيمن ~~مع ابنها أسامة بن زيد ، وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر فيهم ~~عائشة ، فقدموا المدينة فانزلهم في بيت حارثة بن النعمان ، وكانت رقية بنت ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالحبشة مع زوجها عثما بن عفان . قال ابن ~~إسحاق بسنده إلى أبي أيوب قال : لما نزل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~في بيتي نزل في السفل ، وانا وأم أيوب في العلو ، فقلت له : يا بني الله ، ~~بأبي انت وأمي ، اني أكره وأعظم ان أكون فوقك وتكون تحتي ، فاظهر انت وكن ~~في العلو ، وننزل نحن ونكون في السفل ، فقال : يا أبا أيوب ، ان أرفق بنا ~~ومن يغشان ان انكون في سفل البيت ، قال : فلقد انكسر حب لنا فيه ماء ، فقمت ~~انا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء ؛ تخوف ان ايقطر ~~على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيؤذيه ، قال : وكنا نصنع له العشاء ~~ثم نبعث به إليه ، فإذا رد علينا فضله PageV16P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" تيممت انا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه ، ~~نبتغي بذلك البركة حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه ، وقد جعلنا له فيه بصلا أو ~~ثوما قال : فرده ولم أر ليده فيه أثرا فجئته فزعا فقلت : يا رسول الله بأبي ~~انت وأمي ، رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك ؟ فكنت إذا رددته علينا تيممت ~~انا وأم أيوب موضع يدك للبركة ، قال : فاني وجدت فيه ريح هذه الشجرة ، وانا ~~رجل اناجي فأما أنتم فكلوه ، فأكلناه ولم نصنع له تلك ms3371 الشجرة . والله ~~المستعان . ذكر بناء مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبيوته ~~بالمدينة قال محمد بن سعد عن محمد بن عمر بن واقد قال : حدثني معمر بن راشد ~~عن الزهري قال : بركت ناقة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عند موضع ~~المسجد ، وهو يومئذ يصلى فيه رجال من المسلمين ، وكا مربدا لسهل وسهيل ~~غلامين يتيمين من الأنصار ، وكانا في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة ، فدعا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا ~~فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله ، فأبى ( صلى الله عليه وسلم ) حتى ابتاعه ~~منهما . قال ابن سعد : وقال غير معمر عن الزهري : فابتاعه بعشرة دنانير ، ~~وأمر أبا بكرايعطيهما ذلك ، فكان جدارا مجدرا ليس عليه سقف ، وقبلته إلى ~~بيت المقدس ، وكا أسعد بن زرارة بناه ، فكان يصلى بأصحابه فيه ، ويجمع بهم ~~فيه الجمعة قبل مقدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأمر رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بالنخل الذي بالحديقة والبغرقد الذي فيهاتقطع ، وأمر ~~باللبن فضرب ، وكا في المربد قبور جاهلية فأمر بها فنبشت ، وبالعظاماتغيب ، ~~وكا في المربد ماء مستنجل فسيروه حتى ذهب ، فأسس رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) المسجد وأسسوا معه ، فجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ~~ذراع ، وفي هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربع ، ويقال : كان أقل من المائة ، ~~وجعلوا الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ؛ ثم بنوه باللبن ، ~~وبناه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه ، وجعل ينقل الحجارة معهم ~~بنفسه ، ويقول : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأغفر للأنصار والمهاجرين ، ~~اللهم ارحم المهاجرين والأنصار قال : وقال قائل من المسلمين يرتجز : لئن ~~قعدنا والنبي يعمل . . . لذاك منا العمل المضلل قال : ودخل عمار بن ياسر ~~وقد أثقلوه باللبن فقال : يا رسول الله ، قتلوني ؛ PageV16P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" يحملون علي ما لا يحملون ، قالت أم سلمة : ~~فرأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ينفض وفرته بيده ، وكا رجلا ~~جعداويقول : ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك انما ms3372 تقتلك الفئة الباغية ، ~~قال ابن سعد : وجعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قبلة المسجد إلى بيت ~~المقدس ، وجعل له ثلاثة أبواب : بابا في مؤخره ، وبابا يقال له : باب ~~الرحمة ، وهو الباب الذي يدعى باب عاتكة ، والباب الثالث الذي يدخل منه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وجعل طول الجدار بسطة ، وعمده الجذوع ، ~~وسقفه جريدافقيل له : ألا تسقفه ؟ فقال : عريش كعريش موسى خشيبات وتمام ~~الشا أعجل من ذلك قال : وبنى بيوتا إلى جنبه باللبن ، وسقفها بجذوع النخل ~~والجريد ، فلما فرغ من البناء ، بنى لعائشة رضي الله عنها في البيت الذي ~~يليه شارع إلى المسجد على ما نذكره ان شاء الله تعالى . وروى عن انس بن ~~مالك رضي الله عنه قال : أرسل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالنخل ~~فقطع ، وبقبور المشركين فنبشت ، وبالجرب فسويت ، قال : فصفوا النخل قبلة ، ~~وجعلوا عضادتيه حجارة . ذكر بناء المسجد الذي أسس على التقوى وهو مسجد قباء ~~قال محمد بن سعد في طبقاته الكبرى بسنده إلى سهل بن سعد وأبي غزية وأبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنهم قال : لما صرفت القبلة أتى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) مسجد قباء فقدم جدار المسجد إلى موضعه اليوم وأسسه ، وقال : ~~جبريل يؤم بي البيت ، ونقل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه ~~الحجارة لبنائه ، وكا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يأتيه كل سبت ماشيا ~~وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : من توضأ فأسبغ الوضوء ثم جاء مسجد قباء فصلى ~~فيه كان له أجر عمرة ، وكا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأتيه يوم الاثنين ~~ويوم الخميس ، وقال : لو كان بطرف من الأطراف لضربنا إليه أكباد الإبل . ~~قال : وكا أبو أيوب يقول : هذا المسجد الذي أسس على التقوى . وكا أبي بن ~~كعب وغيره يقولون : بل هو مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~PageV16P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" ذكر ما أصاب المهاجرين من حمى المدينة ودعاء ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لهم روى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله ~~عنها ms3373 قالت : لما قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة قدمها وهي ~~أوبأ أرض الله من الحمى ، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم ، وصرف الله تعالى ~~ذلك عن نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) . قالت : فكان أبو بكر رضي الله عنه ، ~~وعامر بن فهيرة بولال ، موليا أبي بكر مع أبي بكر في بيت واحد فأصابتهم ~~الحمى ، فدخلت عليهم أعودهم ، وذلك قبلايضرب علينا الحجاب وبهم ما لا يعلمه ~~إلا الله من شدة الوعك ، فدنوت من أبي بكر فقلت : كيف تجدك يا أبت ؟ فقال : ~~كل أمرئ مصبح في أهله . . . والموت أدنى من شراك نعله قالت : فقلت والله ما ~~يدري أبي ما يقول ، ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة ، فقلت : كيف تجدك يا عامر ؟ ~~فقال : لقد وجدت الموت قبل ذوقه . . . ا الجبا حتفه من فوقه كل أمرئ مجاهد ~~بطوقه . . . كالثور يحمى جلده بروقه فقلت : والله ما يدري عامر ما يقول ؛ ~~قالت : وكا بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت ، ثم يرفع عقيرته فيقول ~~: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة . . . بفج وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما ~~مياه مجنة . . . وهل يبدون لي شامة وطفيل قالت عائشة : فذكرت لرسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ما سمعت منهم ، فقلت : انهم ليهذون ، وما يعقلون من ~~شدة الحمى . فقال : اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأشد ، ~~وبارك لنا في مدها وصاعها وانفل وباءها إلى مهيعة ؛ وهي الجحفة . ~~PageV16P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" ذكر مؤاخاة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بين المهاجرين والأنصار كان ذلك بعد مقدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~؛ روى محمد بن سعد عن الزهري وغيره قال : لما قدم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إلى المدينة أخي بين المهاجرين بعضهم لبعض ، وأخي بين ~~المهاجرين والأنصار ، أخي بينهم على الحق والمواساة ، يتوارثون بعد الممات ~~دون ذوي الأرحام ، وكانوا تسعين رجلا ؛ خمسة وأربعون من المهاجرين ، وخمسة ~~وأربعون من الأنصار ، قال ويقال : مائة ؛ خمسون من المهاجرين ، وخمسون من ~~الأنصار ، فلما كانت وقعة بدر وانزل الله تعالى : " وأولوا الأرحام ms3374 بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله ان الله بكل شيء عليم " . فنسخت هذه الآية ما كان ~~قبلها وانقطعت المؤاخاة في الميراث . ذكر كتاب رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) الذي أمر بكتبه بين المهاجرين والأنصار ، وموادعة يهود ، وإقرارهم ~~على دينهم ، وما اشترطه فيه عليهم ولهم كا مضمون الكتاب على ما أورده ابن ~~هشام عن ابن إسحاق : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ، ومن تبعهم ~~ولحق بهم وجاهد معهم ، انهم أمة واحدة من دون الناس ، المهاجرون من قريش ~~على ربعتهم يتعاقلون بينهم ، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين ~~المؤمنين ، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة ~~PageV16P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ، ~~وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدى عانيها ~~بالمعروف والقسط بين المؤمنين ، وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون بينهم ~~معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ، ~~وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدى عانيها ~~بالمعروف والقسط بين المؤمنين ، وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم ~~الأولى ، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ، وبنو عمرو ~~بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدى عانيها ~~بالمعروف والقسط بين المؤمنين ، وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم ~~الأولى ، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو الأوس ~~على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف ~~والقسط بين المؤمنين ، وا المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهمايعطوه بالمعروف ~~في فداء أو عقل ، وانه لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه ، وا المؤمنين المتقين ~~على من بغي منهم ، أو ابتغى دسيعة ظلم ، أو إثم ، أو عدوان ، أو فساد بين ~~المؤمنين ؛ وا أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم ، ولا يقتل مؤمن مؤمنا ~~في كافر ، ولا ينصر كافرا على مؤمن ، وا ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم ~~، وا المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس ، وانه من تبعنا ms3375 من يهود فا له ~~النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم ، وا سلم المؤمنين واحدة ، ~~لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله عز وجل إلا على سواء وعدل ~~بينهم ، وا كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا وا المؤمنين يبىء بعضهم عن ~~بعض ؛ بما نال دماءهم في سبيل الله عز وجل ، وا المؤمنين المتقين على أحسن ~~هدى وأقومه ، وانه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على ~~مؤمن ، وا من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فانه قود به ، إل ان ايرضى ولى ~~المقتول ، وا المؤمنين عليه كافة ، ولا يحل لهم إلا القيام عليه ، وانه لا ~~يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة ، وآمن بالله واليوم الآخراينصر محدثا ~~ولا يؤويه ، وا من نصره أو آواه فا عليه لعنى الله وغضبه يوم القيامة ، ولا ~~يؤخذ منه صرف ولا عدل ، وانكم مهما اختلفتم فيه من شيء فا مرده إلى الله ~~وإلى محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وا اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا ~~محاربين ، وا يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ~~، مواليهم وانفسهم ؛ إلا من ظلم وأثم فانه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته ، وا ~~ليهود بني النجار مثل ما PageV16P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" ليهود بني عوف ، وا ليهود بن الحارث مثل ما ~~ليهود بني عوف ، وا ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف ، وا ليهود بني ~~جشم مثل ما ليهود بني عوف ، وا ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف ، وا ~~ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بن عوف ، إلا من ظلم وأثم ، فانه لا يوتغ إلا ~~نفسه وأهل بيته ، وا جفنة بطن من بني ثعلبة كانفسهم ، وا بطانة يهود ~~كانفسهم ، وانه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد ، وانه لا ينحجز على ثأر ~~جرح ، وانه من قتل فبنفسه فتك ، وأهل بيته إلا من ظلم ، وا الله على أبر ~~هذا وا على اليهود نفقتهم ، وعلى المسلمين نفقتهم ، وا بينهم النصر على ms3376 من ~~حارب أهل هذه الصحيفة ، وا بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الإثم ، وانه ~~لم يأثم امرؤ بحليفه ، وا النصر المظلوم ، وا اليهود ينفقون مع المؤمنين ما ~~داموا محاربين ، وا يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة ، وا الجار كالنفس ~~غير مضار ولا آثم ، وانه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها وانه ما كان بين أهل ~~هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فا مرده إلى الله وإلى محمد رسول ~~الله ، وا الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره ، وانه لاتجار قريش ولا ~~من نصرها وا بينهم النصر على من دهم يثرب ، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ~~ويلبسونه ، فانهم يصالحونه ويلبسونه ، وانهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فانه لهم ~~على المؤمنين ، إلا من حارب في الدين ، على كل اناس حصتهم من جانبهم الذي ~~قبلهم ، وا يهود الأوس مواليهم وانفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة ، مع ~~البر المحض من أهل هذه الصحيفة - ويقال مع البر المحسن - وا البر دون الإثم ~~، لا يكسب كاسب إلا على نفسه ، وا الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره ، ~~وانه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم ولا آثم ، وانه من خرج آمن ، ومن قعد آمن ~~بالمدينة إلا من ظلم وأثم ، وا الله جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله . وا ~~إلى مثل ذلك فانه لهم على المؤمنين ، إلا من حارب في الدين ، على كل اناس ~~حصتهم من جانبهم الذي قبلهم ، وا يهود الأوس مواليهم وانفسهم على مثل ما ~~لأهل هذه الصحيفة ، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة - ويقال مع البر ~~المحسن - وا البر دون الإثم ، لا يكسب كاسب إلا على نفسه ، وا الله على ~~أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره ، وانه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم ولا آثم ~~، وانه من خرج آمن ، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم ، وا الله جار ~~لمن بر واتقى ومحمد رسول الله . ذكر أخبار المنافقين من الأوس والخزرج وما ~~انزل فيهم من القران وقد رأيت ms3377 ان أجمع ما فرقه أهل السير من أخبار ~~المنافقين ، وأضم بعضه إلى بعض ، وأورده جملة واحدة ، فا ذلك لم يكن في وقت ~~واحد ولا في سنة بعينها بل أورده أهل السير بحسب ما وقع ، وفرقوه في ~~الغزوات وغيرها فآثرت جمعه في هذا PageV16P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" الموضع ، وما كان قد وقع في غزاة أو حادثة ~~نبهت عليه في موضعه على ما تقف عيلان شاء الله تعالى . قال محمد بن إسحاق ~~رحمه الله : كان رجال من الأوس والخزرج ممن أسلم وهو على جاهليته ، فكانوا ~~أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعثة ، إل ان االإسلام قهرهم ~~بظهوره ، واجتماع قومهم عليه ، فظهروا بالإسلام ، واتخذوه جنة من القتل ، ~~ونافقوا في السر ، وكا هواهم مع يهود ؛ لتكذيبهم وجحودهم الإسلام ، فكان ~~منهم من الأوس من بني عمرو بن عوف ، ثم من بني لوذا بن عمرو بن عوف : زوى ~~بن الحارث ، ومن بني حبيب بن عمرو : جلاس بن سويد بن صامت ، وأخوه الحارث ~~بن سويد ، قال : وجلاس هو الذي قال عند تخلفه عن غزوة تبوك : لئن كان هذا ~~الرجل صادقا لنحن شر من الحمير ، فرفع ذلك من قوله إلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) عمير بن سعد ، وكا في حجر جلاس خلف على أمه بعد أبيه ، ~~فلما تكلم جلاس بهذا قال له عمير : والله يا جلاس ، انك لأحب الناس إلي ، ~~وأحسنهم عندي يدا وأعزهم علىايصيبه شيء يكرهه ، ولقد قلت مقالة لئن رفعتها ~~عليك لأفضحنك ، ولئن صمت عليها ليهلكن ديني ، ولإحداهما أيسر علي من الأخرى ~~، ثم مشى إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فذكر له ما قال ، فحلف جلاس ~~لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لقد كذب على عمير ، وما قلت ما قال ، ~~فانزل الله تعالى فيه : " يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ~~وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إل ان ان أغناهم الله ~~ورسوله من فضله فا يتوبوا يك خيرا لهم وا يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما ~~في الدنيا ms3378 والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير " ، قال ابن إسحاق : ~~فزعموا انه تاب فحسنت توبته حتى عرف منه الإسلام والخير . والله أعلم ~~بالصواب . وأما أخوه الحارث بن سويد فانه قتل المجذر بن ذياد البلوي ، في ~~يوم أحد ولحق بقريش ، وكا المجذر قتل سويد بن صامت في بعض الحروب التي كانت ~~بين الاوس والخزرج ، فلما كان يوم أحد قتله بأبيه . قال ابن إسحاق : وكا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) - فيما يذكرون - أمر عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه بقتلهاهو ظفر به ففاته ، وكان بمكة ثم بعث إلى أخيه جلاس يطلب ~~التوبة ليرجع إلى قومه ، فانزل الله فيه - فيما حكى عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما " كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدو ان االرسول حق وجاءهم ~~البينات والله لا يهدي القوم الظالمين " إلى آخر القصة . وكا من المنافقين ~~من بني ضبيعة ابن يزيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بجاد بن PageV16P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" عثما بن عامر . ونبتل ابن الحارث ، وهو الذي ~~قال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيما حكى : من أحباينظر إلى ~~الشيطا فلينظر إلى نبتل بن الحارث ، وكا رجلا جسيما أدلم ، ثائر شعر الرأس ~~، أحمر العينين ، أسفع الخدين ، وكا يأتي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ويتحدث إليه ويسمع منه ، ثم ينقل حديثه إلى المنافقين ، وهو الذي قال : ~~انما محمد أذن ، من حدثه شيئا صدقه . فانزل الله تعالى فيه : " ومنهم الذين ~~يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ~~ورحمة للذين آمنوا منكم ، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم " ، وأخبر ~~جبريل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) به وبصفته فيما حكاه ابن إسحاق . ~~وأبو حبيبة بن الأزعر ، وكا ممن بنى مسجد الضرار . وثعلبة بن حاطب ، ومعتب ~~بن قشير ، وهما اللذا عاهدا الله " لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين " ، ومعتب هو الذي قال يوم أحد : لو كان لنا من الأمر شيء ما ~~قتلنا ها ms3379 هنا فانزل الله تعالى في ذلك من قوله : " وطائفة قد أهمتهم انفسهم ~~" إلى آخر القصة . وهو الذي قال يوم الأحزاب : كان محمد يعدن ان انأكل كنوز ~~كسرى وقيصر ، وأحدنا لا يأمنايذهب إلى الغائط ، فانزل الله فيه : " وإذ ~~يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا " . ~~والحارث بن حاطب - وقال ابن هشام : ثعلبة والحارث ابنا حاطب ، هما من بني ~~أمية بن زيد من أهل بدر ، وليسا من المنافقين - والله أعلم . ومنهم عباد بن ~~حنيف أخو سهل ، وبحزج ؛ وهو ممن بنى مسجد الضرار ، وعمرو بن خذام ، وعبد ~~الله بن نبتل ، وجارية بن عامر ابن العطاف وابناه زيد ومجمع ؛ وهم ممن بنى ~~مسجد الضرار . وكا مجمع غلاما حدثا قد جمع من القرا أكثره ، فكان يصلي بهم ~~فيه ، فلما كان في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلم عمر في مجمع ليصلي ~~ببني عمرو بن عوف في مسجدهم ، فقال عمرك لأن أو ليس بإمام المنافقين في ~~مسجد الضرار فقال : يا أمير المؤمنين والله الذي لا إله إلا هو ما علمت ~~بشيء من أمرهم إلا على أحسن ما ذكروا ؛ فزعمو ان اعمر تركه يصلي بقومه . ~~ومن بني أمية بن زيد بن مالك وديعة بن ثابت وهو ممن بنى مسجد الضرار ، وهو ~~الذي قال : انما كنا نخوض ونلعب ، فانزل الله فيه وفيمن قال بقوله : " ولئن ~~سألتهم ليقولن انما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ~~" إلى آخر القصة . ومن بنى عبيد بن زيد بن مالك خذام بن خالد ، وهو الذي ~~أخرج مسجد الضرار PageV16P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" من داره ، وبشر ورافع ابنا زيد . ومن بنى ~~النبيت مربع بن قيظى وهو الذي قال لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين ~~أجاز حائطه ، ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عامد إلى أحد : لا أحل لك ~~يا محمداكنت نبي ان اتمر بحائطي ، وأخذ في يده حفنة من تراب ثم قال : والله ~~لو أعلم اني لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به ؛ فابتدره القوم ms3380 ليقتلوه ، ~~فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : دعوه ، فهذا الأعمى أعمى القلب ، ~~أعمى البصيرة ، وضربه سعد بن زيد بالقوس فشجه ؛ وأخوه أوس بن قيظى ، وهو ~~الذي قال لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم الخندق : ابيوتنا عورة ، ~~فأذن لن ان انرجع إليها فانزل الله تعالى فيه : " يقولون أن بيوتنا عورة ~~وما هي بعورةايريدون إلا فرارا " . ومن بني ظفر - واسم ظفر كعب - حاطب بن ~~أمية بن رافع ، وبشير بن أبيرق ، وهو أبو طعمة سارق الدرعين الذي انزل الله ~~فيه : " ولا تجادل عن الذين يختانون انفسهم ان الله لا يحب من كان خوانا ~~أثيما " . وقزما حليف لهم . قال ابن إسحاق بسنده : ارسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) كان يقول : انه لمن أهل النار ، فلما كان يوم أحد قاتل قتالا ~~شديدا حتى قتل تسعة من المشركين ، وأثبتته الجراحة ، فحمل إلى دار بني ظفر ~~، فقال له رجال من المسلمين : أبشر يا قزمان ، فقد أبليت اليوم ، وقد أصابك ~~ما ترى في الله ، قال : بماذا أبشر ، والله ما قاتلت إلا حمية عن قومي ، ~~فلما اشتدت به جراحه أخذ سهما من كنانته ، فقطع به رواهش يده فقتل نفسه . ~~قال ابن إسحاق : ولم يكن في بني عبد الأشهل منافق ولا منافقة إل ان االضحاك ~~بن ثابت أحد بني كعب رهط سعد بن زيد قد كان يتهم بالنفاق وحب يهود . قال ~~ابن إسحاق وكا جلاس ابن سويد قبل توبته ، ومعتب بن قشير ، ورافع بن زيد ، ~~وبشر ، هم الذين دعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فدعوهم إلى حكام الجاهلية فانزل الله ~~فيهم : " ألم تر إلى الذين يزعمون انهم آمنوا بما انزل إليك وما انزل من ~~قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمرو ان ايكفروا به ويريد الشيط ~~ان ايضلهم ضلالا بعيدا " إلى آخر القصة . فهؤلاء الذين ذكرناهم من الأوس . ~~ومن الخزرج من بني النجار رافع بن وديعة ، وزيد بن عمرو ، وعمرو ابن قيس ، ~~وقيس بن عمرو بن ms3381 سهل . ومن بني جشم بن الخزرج الجد بن قيس ، وهو الذي يقول ~~: يا محمد ائذن لي ولا تفتني ، فانزل الله تعالى فيه : " ومنهم من يقول ~~أئذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وا جهنم لمحيطة بالكافرين " ؛ ~~PageV16P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد ~~قال له وهو في جهازه إلى تبوك : يا جد ، هل لك العام في جلاد بني الأصفر ؟ ~~قال : يا رسول الله ، أو تأذن لي ولا تفتني ؟ فوالله لقد عرف قومي انه ما ~~من رجل أشد عجبا بالنساء مني ، واني أخشىارأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر . ~~فأعرض عنه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقال : أذنت لك ، فانزل الله ~~تعالى فيه ما انزل . ومن بني عوف بن الخزرج عبد الله بن أبي بن سلول ، وكا ~~رأس المنافقين وكانوا يجتمعون إليه . قال محمد بن إسحاق : قدم رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) المدينة ، وسيد أهلها عبد الله بن أبي بن سلول ، لا ~~يختلف عليه في شرفه من قومه اثنان ، لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده ~~على رجل من أحد الفريقين - حتى جاء الإسلام - غيره ؛ قال : ومعه رجل من ~~الأوس هو في قومه شريف مطاع ، وهو أبو عامر عبد الله ابن عمرو بن صيفي بن ~~النعمان ، أحد بني ضبيعة بن زيد ، وهو أخو حنظلة الغسيل وكا قد ترهب في ~~الجاهلية ولبس المسوح ، وكا يقال له : الراهب ، فشقيا بشرفهما . فاما عبد ~~الله بن أبي فكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم ، فجاءهم ~~الله تعالى برسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وهم على ذلك ، فلما انصرف قومه ~~عنه إلى الإسلام ضغن ، ورأىارسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد استلبه ~~ملكا فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارها مصرا على نفاق . وقد ~~روى عن أسامة ابن زيد بن حارثة قال : ركب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إلى سعد بن عبادة يعوده من كشوى أصابته ، على حمار عيلان كاف فوقه قطيفة ~~فدكية مختطمة ms3382 بحبل من ليف ، وأردفني ( صلى الله عليه وسلم ) خلفه ، قال : ~~فمر بعبد الله بن أبي بن سلول ، وهو في ظل مزاحم أطمه ، وحوله رجال من قومه ~~، فلما رآه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تذمم منايجاوزه حتى ينزل ، ~~فنزل فسلم ثم جلس فتلا القران ، ودعا إلى الله عز وجل ، وذكر بالله وحذر ~~وبشر وانذر ، قال : وهو زام لا يتكلم ، PageV16P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" حتى إذا فرغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) من مقالته ، قال : يا هذا انه لا أحسن من حديثك هذ ان اكا حقا فاجلس في ~~بيتك فمن جاءك له فحدثه إياه ، ومن لم يأتك فلا تغشه به ، ولا تأته في ~~مجلسه بما يكره منه . فقال عبد الله بن رواحة في رجال كانوا عنده من ~~المسلمين : بلى فاغشنا به وأتنا في مجالسنا ودورنا وبيوتنا فهو والله ما ~~نحب ، وما أكرمنا الله به وهدانا له ، فقال عبد الله حين رأى من خلاف قومه ~~ما رأى : متى ما يكن مولاك خصمك لم تزل . . . تذل ويصرعك الذين تصارع وهل ~~ينهض البازي بغير جناحه . . . وا جذ يوما ريشه فهو واقع قال : فقام رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) فدخل على سعد بن عبادة وفي وجهه ما قال عدو ~~الله ، فقال سعد : والله يا رسول الله ، اني لأرى في وجهك شيئا ؛ لكانك ~~سمعت شيئا تكرهه . قال : أجل ، ثم أخبره بما قال ابن أبي ، فقال : يا رسول ~~الله ارفق به ، فوالله لقد جاءنا الله بك ، وانا لننظم له الخرز لنتوجه ، ~~فانه ليرى انك قد سلبته ملكا . وكانت مقالة عبد الله بن أبي هذه قبل تلفظه ~~بالإسلام ، وسنورداشاء الله تعالى من أخباره في الغزوات ، وانحيازه عن ~~المسلمين بثلث الناس يوم أحد ، وما قاله في غزوة المريسيع وغيرها ما تقف ~~عليه في مواضعه ، مما تستدل به على صحة نفاقه ، وإصراره في الباطن على كفره ~~. وأما أبو عامر فانه أبى إلا الإصرار على كفره ، وفارق قومه حين اجتمعوا ~~على الإسلام ، فخرج إلى مكة ببضعة عشر رجلأن فسماه رسول ms3383 الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) الفاسق ، وهو أول من انشب الحرب يوم أحد على ما نذكرهاشاء الله ~~تعالى . قال : وكا أبو عامر قد أتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حين قدم ~~المدينة فقال : ما هذا الذي جئت به ؟ قال : جئت بالحنيفية دين إبراهيم ، ~~قال : فانا عليها قال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : انك لست عليها ~~قال : بلى ، انك أدخلت يا محمد في الحنفية ما ليس منها قال : ما فعلت ولكن ~~جئت بها بيضاء نقية ، قال : الكاذب أماته الله طريدا غريبا وحيدا - يعرض ~~برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أي انك ما جئت بها كذلك فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أجل فمن كذب يفعل الله به ذلك ، فكان هو ذاك ~~؛ خرج إلى مكة ، فلما افتتحها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خرج إلى ~~الطائف ، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام ، فمات به طريدا غريبا وحيدا . ~~ومن المنافقين من أحبار يهود ممن تعوذ بالإسلام ودخل فيه مع المسلمين ~~وأظهره وهو منافق : سعد ابن PageV16P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" حنيف ، وزيد بن اللصيت ، ونعما بن أوفى ، ~~وعثما بن أبي أوفى . وزيد ابن اللصيت هو الذي قاتل عمر بن الخطاب بسوق بني ~~قينقاع ، وهو الذي قال حين ضلت ناقة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~غزوة تبوك : يزعم محمد انه يأتيه خبر السماء ، ولا يدري أين ناقته فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) - وجاءه الخبر بما قال ودله الله عليها - ~~: افلأنا قال : يزعم محمد انه يأتيه خبر السماء ولا يدري أين ناقته ، واني ~~والله لا آتيكم إلا ما علمني الله ، وقد دلني الله عيلان وهي في هذا الشعب ~~، قد حبستها شجرة بزمامهافذهب رجال من المسلمين فوجدوها حيث قال رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) وكما وصف . ومنهم رافع بن حريملة وهو الذي قال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين مات : قد مات اليوم عظيم من عظماء ~~المنافقين . ورفاعة بن زيد بن التابوت ، وهو الذي قال رسول الله ( صلى الله ms3384 ~~عليه وسلم ) حين هبت ريح وهو قافل من غزوة بني المصطلق واشتدت ، حتى أشفق ~~منها المسلمون : لا تخافوا فانها هبت لموت عظيم من عظماء الكفار ، فلما قدم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة وجد رفاعة بن زيد مات ذلك اليوم ~~الذي هبت فيه الريح . وسلسلة بن برهام ، وكنانة بن صوريا . وكا هؤلاء ~~يحضرون المسجد يسمعون أحاديث المسلمين ، ويسخرون منهم ، ويستهزئون بدينهم . ~~قال ابن إسحاق : فاجتمع يوما منهم في المسجد ناس ، فرآهم رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يتحدثون بينهم بأقصى أصواتهم ، قد لصق بعضهم ببعض ، فأمر ~~بهم فأخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا ؛ فقام أبو أيوب خالد بن زيد إلى عمرو ~~بن قيس أحد بني النجار - وكا صاحب آلهتهم في الجاهلية - فأخذ برجله يسحبه ~~حتى أخرجه من المسجد ، وهو يقول : أتخرجني يا أبا أيوب من مربد بني ثعلبة ~~ثم أقبل أبو أيوب أيضا إلى رافع بن وديعة أحد بني النجار فلببه بردائه ، ثم ~~نتره نترا شديدا ولطم وجهه وأخرجه ، وهو يقول : أف لك منافقا خبيثا أدراجك ~~يا منافق من مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وقام عمارة ابن حزم ~~إلى زيد بن عمرو - وكا رجلا طويل اللحية - فأخذ بلحيته فقاده بها قودا ~~عنيفا حتى أخرجه ، ثم جمع عمارة يديه فلدمه بها في صدره لدمة خر منها فقال ~~: خدشتني يا عمارة ، قال : أبعدك الله يا منافق ، فما أعد الله لك من ~~العذاب أشد من ذلك ، فلا تقربن مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~وقام أبو محمد مسعود ابن أوس من بني النجار إلى قيس بن عمرو بن سهل ، وكا ~~قيس غلاما PageV16P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" شابا ولا يعلم في المنافقين شاب غيره ، فجعل ~~يدفع في قفاه حتى أخرجه . وقام عبد الله ابن الحارث من بلخدرة رهط أبي سعيد ~~الخدري إلى الحارث بن عمرو ، وكا ذا جمة ، فأخذ بجمته فسحبه بها سحبا عنيفا ~~على ما مر به من الأرض حتى أخرجه ، فقال له : لقد أغلظت يا بن الحارث ، ~~فقال له : انك ms3385 أهل لذلك - أي عدو الله - لما انزل فيك ، فلا تقربن مسجد ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فانك نجس . وقام رجل من بني عمرو بن عوف ~~إلى أخيه زوى بن الحارث فأخرجه إخراجا عنيفاوأفف منه ، وقال : غلب عليك ~~الشيطا وأمره . قال : فهؤلاء من حضر المسجد يومئذ من المنافقين ؛ وفي هؤلاء ~~من المنافقين ، وفي أحبار يهود انزل الله تعالى صدر سورة البقرة إلى المائة ~~منها ؛ والله أعلم . فالذي منها مما يختص بالمنافقين قوله تعالى : " ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين " إلى قوله : " ~~ويمدهم في طغيانهم يعمهون " . وقوله : " في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا " ~~أي شك فزادهم الله شكا . وقوله : " وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض انما ~~نحن مصلحون " لأنهم كانوا يقولون : انما نريد الإصلاح بين الفريقين من ~~المؤمنين وأهل الكتاب . وقوله : " وإذا خلوا إلى شياطينهم " أي من تهود " ~~قالوا انا معكم " أي على مثل ما أنتم عليه " انما نحن مستهزئون " أي انما ~~نستهزئ بالقوم ونلعب بهم . ثم ضرب الله لهم مثلا فقال : " مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا " الآية ؛ أي يبصرون الحق ويقولون به ، حتى إذا خرجوا من ظلمة ~~الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه ، فتركهم الله في ظلمات الكفر فهم لا ~~يبصرون هدى ، ولا يستقيمون على حق . ثم قال تعالى : " صم بكم عمي لا يرجعون ~~" أي عن الخير ، لا يرجعون إلى هدى . وقوله : " أو كصيب من السماء فيه ~~ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط ~~بالكافرين " الصيب : المطر . قال ابن إسحاق : أي هم من ظلمة ما هم فيه من ~~الكفر والحذر من القتل ، على الذي هم عليه من الخلاف والتخوف لكم ، على مثل ~~ما وصف ، من الذي هو في ظلمة الصيب ، يجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حذر ~~الموت . " والله محيط بالكافرين " أي منزل ذلك بهم من النقمة . وقوله : " ~~يكاد البرق يخطف أبصارهم " أي لشدة ضوء الحق " كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا ~~أظلم عليهم قاموا " أي يعرفون الحق PageV16P0255 # """""" صفحة ms3386 رقم 256 """""" ويتكلمون به ، فهم من قولهم على استقامة ، ~~فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين . " ولو شاء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم " أي لما تركوا الحق بعد معرفته . والله تعالى أعلم بالصواب . ~~وحيث ذكرنا ما ذكرنا من أخبار المنافقين ، فلنذكر أخبار يهود ، ونجمع ما ~~تفرق منها على نحو ما تقدم . ذكر شيء من أخبار يهود الذين نصبوا العداوة ~~لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وما انزل فيهم من القران قال لما أظهر ~~الله تعالى دينه ، واطما رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالمدينة ، ~~اجتمع إليه إخوانه من المهاجرين والأنصار ، واستحكم أمر الإسلام ، نصبت ~~أحبار يهود العداوة لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بغيا وحسدامع تحققهم ~~نبوته ، وصحة رسالته ، وانه الذي نص الله تعالى عليه في التوارة ؛ فكانوا ~~يسألون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ويتعنتونه ، وهم من بني النضير : ~~حي بن أخطب ، وأخواه أبو ياسر وحدي ، وسلام بن مشكم ، وكنانة بن الربيع بن ~~أبي الحقيق ، والربيع ابن الربيع بن أبي الحقيق ، وعمرو بن جحاش ، وكعب بن ~~الأشرف ، والحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف ، وكردم بن قيس حليفه أيضا . ~~ومن بني ثعلبة بن الفطيون - ويقال فيه الفطيوس - عبد الله بن صوريا الأعور ~~، وهو أعلم أهل زمانه بالحجاز بالتوراة ، وابن صلوبا ومخيريق ، وكا حبرهم . ~~ومن بني قينقاع : زيد بن الصليت - ويقال فيه اللصيت - وسعد بن حنيف ، ~~ومحمود بن سيحان ، وعزيز ابن أبي عزيز ، وعبد الله بن صيف - ويقال ابن ضيف ~~- وسويد بن الحارث ، ورفاعة بن قيس ، وفنحاص ، وأشيع ، ونعما بن أضا وبحرى ~~بن عمرو ، وشاس ابن عدي بن قيس ، وزيد بن الحارث ، ونعما بن عمرو ، وسكين ~~بن أبي سكين ، وعدي بن زيد ، ونعما بن أبي أوفى ، أبو انس ، ومحمود بن دحية ~~، ومالك بن صيف ، وكعب بن راشد ، وعازر ، ورافع بن أبي رافع ، وأزار بن أبي ~~أزار - ويقال فيه : آزر بن أبي آزر - ورافع بن حارثة ، ورافع بن خارجة ، ~~ومالك بن عوف ، ورفاعة بن زيد ، وعبد الله بن سلام بن الحارث ؛ وكا ms3387 حبرهم ~~وأعلمهم ، وكا اسمه الحصين ، فلما أسلم سماه رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) عبد الله . ومن بني قريظة الزبير بن باطا بن وهب ، وعزال بن سموال ، ~~وكعب ابن أسد . وشمويل بن زيد ، وجبل بن عمرو ، والنحام بن زيد ، وقردم بن ~~كعب ، ووهب بن زيد ، ونافع بن أبي نافع ، وأبو نافع ، وعدي بن زيد ، ~~والحارث بن عوف ، وكردم بن PageV16P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" زيد ، وأسامة بن حبيب ، ورافع بن رميلة ، ~~وجبل بن أبي قشير ، ووهب بن يهوذا . ومن يهود بني زريق لبيد بن أعصم الساحر ~~. ومن يهود بني الحارثة : كنانة ابن صوريا . ومن يهود بني عمرو بن عوف قردم ~~بن عمرو . ومن يهود بني النجار : سلسلة بن برهام ؛ هؤلاء أحبار يهود ، وأهل ~~العداوة لله تعالى ولرسوله ، لم يستثن منهم إلا عبد الله بن سلام ومخيريق ، ~~فانهما أسلما . والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع . ذكر إسلام عبد الله بن ~~سلام ومخيريق أما عبد الله بن سلام فانه كان عالما حبرا من أحبار يهود ؛ ~~حكى محمد بن إسحاق عن خبر إسلامه رواية عن بعض أهله عنه قال : لما سمعت ~~برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عرفت صفته وإسلامه وزمانه الذي كنا ~~نتوكف له ، فكنت مسرا لذلك صامتا عليه ، حتى قدم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) المدينة ، فلما نزل بقباء في بني عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر ~~بقدومه ، وانا على رأس نخلة أعمل فيها وعمتي خلدة بنت الحارث تحتي جالسة ، ~~فلما سمعت الخبر كبرت ؛ فقالت عمتي حين سمعت تكبيري : خيبك الله والله لو ~~كنت سمعت بموسى بن عمرا قادما ما زدت . قال : قلت لها : أي عمة ، هو والله ~~أخو موسى بن عمرا وعلى دينه ، بعث بما بعث به ؛ قالت : أي ابن أخي ، هذا ~~النبي الذي كنا نخبر به انه يبعث مع نفس الساعة ؟ قلت نعم ؛ قالت : فذاك ~~إذا ؛ قال : ثم خرجت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأسلمت ؛ فلما ~~رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا وكتمت إسلامي من يهود ، ثم جئت ms3388 رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقلت : يا رسول الله ، ايهود قوم بهت ، واني ~~أحباتدخلني بعض بيوتك فتغيبني عنهم ، ثم تسألهم عني حتى يخبروك كيف انا ~~فيهم قبلايعلموا بإسلامي ، فانهماعلموا به بهتوني ؛ قال : فأدخلني رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعض بيوته ، ودخلوا عليه فكلموه وساءلوه ثم ~~قال لهم : أي رجل الحصين بن سلام فيكم ؟ فقالوا : سيدنا وابن سيدنا وعالمنا ~~؛ فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم فقلت لهم : يا معشر يهود ، اتقوا الله ~~واقبلوا ما جاءكم به ، فوالله انكم لتعلمون انه لرسول الله تجدونه مكتوبا ~~عندكم في التوراة باسمه وصفته ، فاني أشهد انه رسول الله ، وأؤمن به ، ~~وأصدقه وأعرفه ؛ فقالوا : كذبت ، ثم وقعوا بي ، PageV16P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" فقلت لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~ألم أخبرك يا رسول الله انهم قوم بهت ، أهل غدر وكذب وفجور ؛ ؟ قال : ~~وأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي ، وأسلمت عمتي خلدة بنت الحارث فحسن إسلامها ~~. وأما مخيريق - قال ابن إسحاق : كان حبرا عالما وكا غنيا كثير الأموال من ~~النخل ، وكا يعرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بصفته وما يجد في علمه ~~، وغلب عيلان لف دينه ، فلم يزل على ذلك ، حتى إذا كان يوم أحد وهو يوم ~~السبت ، قال : يا معشر يهود ، والله انكم لتعلمونانصر محمد عليكم لحق ؛ ~~قالوا : ان اليوم يوم السبت ، قال : لا سبت لكم ، ثم أخذ سلاحه فخرج حتى ~~أتى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه بأحد ، وعهد إلى من وراءه من ~~قومه : اقتلت في هذا اليوم فأموالي لمحمد يصنع فيها ما أراه الله ؛ فلما ~~اقتتل الناس قاتل حتى قتل ، فكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيما ~~حكى يقول : مخيريق خير يهود ، وقبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أمواله ، فعامة صدقات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالمدينة منها . ~~قال : وكا مما انزل الله تعالى في أمر اليهود صدرا من سورة البقرة ، من ذلك ~~قوله تعالى : " ا الذين كفروا سواء عليهم أانذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~" أي انهم قد ms3389 كفروا بما عندك من ذكر لهم ، وحجدوا ما أخذ عليهم من الميثاق ~~لك ، فقد كفروا بما جاءك ، وبما عندهم به غيرك ، فكيف يستمعون منك انذارا ~~أو تحذيرا وقوله : " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة " ~~أي عن الهدى لن يصيبوه أبدا " ولهم عذاب عظيم " أي بما هم عليه من خلافك . ~~وقوله تعالى : " يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم وأوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون . وآمنوا بما انزلت مصدقا لما معكم ولا ~~تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون . ولا ~~تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وانتم تعلمون " ، أي لا تكتموا ما عندكم ~~من المعرفة برسولي وبما جاء به ، وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب ~~التي بأيديكم . ثم قال الله تعالى : " أتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم ~~وانتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون " أي تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من ~~التوراة ، وتتركون انفسكم ، وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق ~~رسولي ، وتنقضون ميثاقي ، وتجحدون ما تعلمون من كتابي . ثم عدد عليهم ~~أحداثهم فيما سلف ، فذكر لهم العجل ، وقولهم لموسى : " أرنا الله جهرة " ~~وصعقتهم عند ذلك ، ثم إحياء الله لهم وإظلالهم بالغمام ، وانزاله عليهم ~~المن والسلوى ، وقوله لهم : " ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة " أي قولوا ما ~~آمركم به أحط به دنو بكم عنكم ؛ PageV16P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" وتبديلهم ذلك ، إلى ما ذكره الله تعالى من ~~أخبارهم مع موسى . ثم قال الله تعالى والخطاب لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ولمن معه من المؤمنين : " أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون ~~كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون " قال الفريق الذي أخبر ~~الله عنهم انهم كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعدما عقلوه ؛ وهم ~~الذين قالوا لموسى ( صلى الله عليه وسلم ) : يا موسى ، قد حيل بيننا وبين ~~رؤية ربنا فأسمعنا كلامه حين يكلمك ، فطلب موسى ذلك من ربه لهم ، فقال ~~تعالى : مرهم فليتطهروا ويطهروا ثيابهم ويصوموا ففعلوا ثم خرج بهم ms3390 حتى أتى ~~الطور ، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى فوقعوا سجودا وكلمه ربه ، فسمعوا ~~كلامه يأمرهم وينهاهم ، حتى عقلوا ما سمعوا ثم انصرف بهم موسى إلى بني ~~إسرائيل ، فلما جاءهم حرف فريق ممن سمع ما أمرهم به ، وقالوا حين قال موسى ~~لبني إسرائيل : ان الله قد أمركم بكذا وكذا قال ذلك الفريق : انما قال كذا ~~وكذا خلافا لما قال الله تعالى لهم ، فهم الذين عنى الله تعالى . ثم قال : ~~" وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا " أي بصاحبكم رسول الله ، ولكنه إليكم ~~خاصة . وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا : لا تحدثوا العرب بهذا فانكم قد كنتم ~~تستفتحون به عليهم ، فانزل الله تعالى : " وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا ~~آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم ~~به عند ربكم أفلا تعقلون " أي تقرون بانه نبي ، وهو يخبرهم انه النبي الذي ~~كنا ننتظره وبحده في كتابنا احجدوه فلا تقروا لهم به ، قال الله تعالى : " ~~أولا يعلمون ان الله يعلم ما يسرون وما يعلنون . ومنهم أميون لا يعلمون ~~الكتاب إلا أماني وا هم إلا يظنون " أي إلا تلاوة ، والأمي هو الذي يقرأ ~~ولا يكتب ، معناه انهم لا يعلمون الكتاب فلا يدرون ما فيه ، فهم يجحدون ~~نبوتك بالظن . وقوله تعالى : " وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل ~~أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ~~" قال ابن عباس رضي الله عنهما : قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~المدينة واليهود تقول : انما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة ، وانما يعذب الله ~~تعالى الناس في النار بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا في النار من ~~أيام الآخرة ، وانما هي سبعة أيام ، ثم ينقطع العذاب ، فانزل الله تعالى ~~ذلك ، ثم قال : " بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطئته " أي من عمل مثل أعمالكم ~~، وكفر بمثل ما كفرتم به ، حتى يحيط كفره بما له من حسنة " فأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون " . ثم قال تعالى ms3391 يذمهم : " وإذ أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى ~~والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا ~~قليلا منكم وانتم معرضون " PageV16P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" أي تركتم ذلك كله . " وإذ أخذنا ميثاقكم لا ~~تسفكون دماءكم ولا تخرجون انفسكم من دياركم ثم أقررتم وانتم تشهدون " . قال ~~ابن إسحاقك أقررتم علىاهذا حق من ميثاقي عليكم ، " ثم انتم هؤلاء تقتلون ~~انفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان " ، أي ~~أهل الشرك ، حتى يسفكوا دماءهم معهم ، ويخرجوهم من ديارهم معهم ، " وا ~~يأتوكم أسارى تفادوهم " وقد عرفتماذلك عليكم في دينكم ، " وهو محرم عليكم ~~إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض " أي أتفادونهم مؤمنين بذلك ~~وتخرجونهم كفارا بذلك " فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى في الحياة ~~الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون . ~~أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينصرون " فانبهم بذلك من فعلهم ، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم ، ~~وافترض عليهم فيها فداء أسرائهم فكانوا فريقين ، منهم بنو قينقاع ولفهم ~~حلفاء الخزرج ، والنضير وقريظة ، ولفهم حلفاء الأوس ، وكانوا إذا كانت بين ~~الأوس والخزرج حرب حرجت بنو قينقاع مع الخزرج ، وخرجت بنو النضير وقريظة مع ~~الأوس يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم ~~بينهم ، وبأيديهم التوراة يعرفون منها ما عليهم وما لهم ، والأوس والخزرج ~~أهل شرك يعبدون الأوثان ، لا يعرفون جنة ولا نارا ولا بعثا ولا قيامة ، ولا ~~كتابا ولا حلالا ولا حراما فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أساراهم تصديقا ~~لما في التوراة وأخذا به ، يفتدى بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي ~~الأوس ، ويفتدى بنو النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم ، ويطلون ما ~~أصابوا من الدماء ، وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم ، مظاهرة لأهل الشرك ~~عليهم ؛ يقول الله تعالى : " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض " أي ~~تفاديه بحكم التوراة وتقتله ، وفي حكم التوراة : ألا تفعل : تقتله ms3392 ، وتخرجه ~~من داره ، وتظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثا ابتغاء عرض الدنيا . ثم ~~قال : " ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى بن مريم ~~البينات " أي الآيات التي كانت له من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ~~بإذن الله ، والخبر بكثير من الغيوب مما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ، ثم ~~ذكر كفرهم بذلك كله ، فقال : " أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى انفسكم ~~استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون " ثم قال : " وقالوا قلوبنا غلف بل ~~لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون . ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق ~~لما PageV16P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين " ؛ وذلك انهم كانوا ~~يقولون للأنصار لما كانوا على جاهليتهم : انبيا يبعث الأن قد أظل زمانه ، ~~نتبعه ، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فلما بعث الله رسوله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) اتبعه الأنصار وكفر به يهود ، قال الله تعالى : " فلما جاءهم ما ~~عرفوا كفروا به " ، ثم قال : " بئسما اشتروا به انفسهم أن يكفروا بما انزل ~~الله بغي ان اينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب ~~وللكافرين عذاب مهين " ، غضب الله عليهم فيما صنعوا من مخالفتهم حكم ~~التوراة ، وغضب عليهم بكفرهم بهذا النبي الذي أرسل إليهم ، ثم انبهم برفع ~~الطور ، واتخاذ العجل إلها من دون الله ؛ ثم قال تعالى : " قلاكانت لكم ~~الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموتاكنتم صادقين " أي ~~ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب ، فأبوا ذلك ، فأعلمهم انهم لم يتمنوه ~~فقال : " ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم " أي بما عندهم من العلم بك ~~والكفر بذلك ، فيقال : لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي ~~إلا مات ، ثم ذكر رغبتهم في الحياة فقال : " ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ~~ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذابايعمر ~~" أي ما هو بمنجيه ؛ وذلك ان المشرك لا ms3393 يرجو بعثا بعد الموت ، فهو يحب طول ~~الحياة ، وا اليهود قد عرف ماله في الآخرة من الخزى بما صنع فيما عنده من ~~العلم . والله تعالى الهادي للصواب ، وإليه المرجع والمآب . ذكر سؤال أحبار ~~يهود رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) واشتراطهم على انفسهم انه ان أجابهم ~~عما سألوه آمنوا به ، ورجوعهم عن الشرط وذلك أن نفرا من أحبار يهود جاءوا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا : يا محمد ، أخبرنا عن أربع نسألك ~~عنهن ، فا فعلت اتبعناك وصدقناك وآمنا بك فقال : عليكم بهذا عهد الله ~~وميثاقه ان أخبرتكم بذلك لتصدقنني " ؟ قالوا : نعم ؛ قال : فأسألوا عما بدا ~~لكم قالوا : أخبرنا كيف يشبه الولد أمه ، وانما لنطفة من الرجل ؟ فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : انشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل ~~تعرفونانطفة الرجل بيضاء غليظة ، ونطفة المرأة صفراء رقيقة فأيتهما علت ~~صاحبتها كان لها الشبه ؟ قالوا : اللهم نعم ، قالوا : فأخبرنا كيف نومك ؟ ~~قال : انشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمونانوم الذي تزعمون ~~اني لست به تنام عينه وقلبه يقظا ؟ قالوا : اللهم نعم ، قال : فكذلك نومي ، ~~تنام عيني وقلبي يقظا قالوا : فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه ؟ قال : ~~PageV16P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" انشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل ~~تعلمون انه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبا الإبل ولحومها وانه اشتكى ~~شكوى فعافاه الله منها فحرم على نفسه أحب الطعام والشراب إليه شكرا لله ~~تعالى ، فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها ؟ قالوا : اللهم نعم ؛ قالوا : ~~فأخبرنا عن الروح ؟ قال : انشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل ~~تعلمونه جبريل ، وهو الذي يأتيني ؟ قالوا : اللهم نعم ، ولكنه يا محمد ، ~~لنا عدو ، وهو ملك ، انما يأتي بالشدة وبسفك الدماء ، ولولا ذلك لأتبعناك ، ~~فانزل الله فيهم : " قل من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك بإذن الله ~~مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين . ولقد انزلنا إليك آيات بينات وما ~~يكفر بها إلا الفاسقون . أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا ~~يؤمنون ms3394 . ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين ~~أوتوا الكتاب الله وراء ظهورهم كانهم لا يعلمون . واتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين على ملك سليما وما كفر سليما ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ~~السحر " وذلك ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما ذكر سليما في المرسلين ~~قاب بعض أحبار يهود : ألا تعجبون من محمد يزعماسليما بن داود كان نبيا ~~ووالله ما كان إلا ساحرا فانزل الله تعالى في ذلك من قولهم : " وما كفر ~~سليما ولكن الشياطين كفروا " أي بأتباعهم السحر وعملهم به ، " وما انزل على ~~الملكين ببابل هاروت وماروت " ، قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن ~~عكرمة ، عن ابن عباس انه كان يقول : الذي حرم إسرائيل على نفسه : زائدتا ~~الكبد ، والكليتان ، والشحم ، إلا ما على الظهر ، فا ذلك كان يقرب للقربا ~~فتأكله النار . والله أعلم بالصواب . ذكر كتاب رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) الذي كتبه إلى يهود خيبر عن ابن عباس رضي الله عنهما : كتب رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله ~~صاحب موسى وأخيه ، المصدق بما جاء به موسى ، أل ان االله قد قال لكم : يا ~~معشر أهل التوراة - وانكم تجدون ذلك في كتابكم : " محمد رسول الله والذين ~~معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في ~~الأنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فأستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ ~~بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما " ~~؛ واني انشدكم بالله ، وانشدكم بما انزل عليكم ، وانشدكم بالذي أطعم من كان ~~قبلكم من أسباطكم المن والسلوى ، PageV16P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" وانشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم حتى انجاهم ~~من فرعون وعمله إلا اخبرتمونا هل تجدون فيما انزل عليكماتؤمنوا بمحمد ؟ فا ~~كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم ؛ " قد تبين الرشد من الغي " ~~فأدعوكم إلى الله وإلى نبيه . ذكر ms3395 ما قاله أحبار يهود في قوله تعالى : " ~~الم " ، و " المص " و " الر " ، و " المر " حكى محمد بن إسحاق انا أبا ياسر ~~بن أخطب مر برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يتلو : " الم . ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه " ، فأتى أخاه حي بن أخطب في رجال من يهود . فقال : ~~تعلموا والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما انزل عليه : " الم . ذلك الكتاب " ، ~~فقالوا : انت سمعته ؟ قال : نعم ، فمشى حي في أولئك النفر إلى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فقالوا : يا محمد ، ألم تذكر لنا انك تتلو فيما ~~انزل عليك : " الم " ؟ فقال : بلى ، قالوا : أجاءك بها جبريل من عند الله ؟ ~~قال : نعم ، فقالوا : لقد بعث الله قبلك انبياء ، ما نعلمه بين لنبي منهم ~~ما مدة ملكه ، وما أكل أمته غيرك . فأقبل حي بن أخطب على من معه ، فقال لهم ~~: الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ؛ فهذه إحدى وسبعون سنة ~~أفتدخلون في دين إنما مدة ملكه وأكل أمته احدى وسبعون سنة ؟ ثم أقبل على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا محمد ، هل مع هذا غيره ؟ قال : ~~نعم قال : ماذا ؟ قال : " المص " قال : فهذه أثقل وأطول ، الألف واحدة ، ~~واللام ثلاثون ، والميم أربعون ؛ والصاد تسعون ، فهذه إحدى وستون ومائة ، ~~هل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال : نعم " الر " . قال : هذه أثقل وأطول ، ~~الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وثلاثون ومائتان ~~، هل مع هذا غيره يا محمد ؟ قال : نعم " المر " قال : هذه أثقل وأطول ، ~~الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى ~~وسبعون ومائتا سنة ، ثم قال : لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري ~~أقليلا أعطيت أم كثيرا ؟ ثم قاموا عنه ؛ فقال أبو ياسر لأخيه حي ولمن معه ~~من الأحبار : ما يدريكم ، لعله قد جمع هذا كله لمحمد ؛ سبعمائة وأربع ~~وثلاثون سنة ، قالوا : لقد تشابه علينا أمره ، فيقال : اقوله تعالى : " هو ~~الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم PageV16P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" الكتاب وأخر متشابهات " نزلت فيهم ms3396 ، وقيل : ~~انما نزلت في وفد نجران ، على ما نذكرهاشاء الله تعالى . ذكر شيء من مقالات ~~أحبار يهود ، وما انزل من القرآن في ذلك كان من مقالاتهم ما قاله مالك بن ~~الضيف حين بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وذكر لهم ما أخذ عليهم من ~~الميثاق ، وما عهد إليهم فيه ، فقال : والله ما عهد إلينا في محمد عهد ، ~~وما أخذ له علينا ميثاق ، فانزل الله عز وجل فيه : " أوكلما عاهدوا عهدا ~~نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون " . وقال ابن صلوبا الفطيوني لرسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : يا محمد ، ما جئتنا بشيء نعرفه ، وما انزل ~~عليك من آية بينة فنتبعك بها ؛ فانزل الله تعالى : " ولقد انزلنا إليك آيات ~~بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون " . وقال رافع بن حريملة ، ووهب بن زيد ~~لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : يا محمد ، ائتنا بكتاب تنزله علينا من ~~السماء نقرؤه ، وفجر لنا انهارا نتبعك ونصدقك ، فانزل الله تعالى : " أم ~~تريدوناتسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيما فقد ضل ~~سواء السبيل " قال : وكا حي بن أخطب وأخوه أبو ياسر بن أخطب من أشد يهود ~~للعرب حسدا ؛ فكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا فانزل الله ~~عز وجل فيهما : " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ~~حسدا من عند انفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله ~~بأمره ان الله على كل شيء قدير " قال : ولما قدم أهل نجرا من النصارى على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، أتتهم أحبار يهود ، فتنازعوا عند رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال رافع بن حريملة : ما أنتم على شيء ، ~~وكفر بعيسى وبالأنجيل ، فقال رجل من أهل نجرا من النصارى لليهود : ما أنتم ~~على شيء ، وجحد نبوة موسى ، وكفر بالتوراة ، فانزل الله تعالى : " وقالت ~~اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون ~~الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل ms3397 قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون " . وقال رافع لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~يا محمد ، اكنت رسولا من الله كما تقول فقل لله يكلمنا تكليما حتى نسمع ~~كلامه ، PageV16P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" فانزل الله تعالى في ذلك : " وقال الذين لا ~~يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ~~تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون " . وقال عبد الله بن صوريا ~~الفطيوني الأعور لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ما الهدى إلا ما نحن ~~عليه ، فاتبعنا يا محمد تهتد ؛ وقالت النصارى مثل ذلك ، فانزل الله تعالى ~~في أقوالهم : " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا ~~وما كان من المشركين " إلى قوله : " ولا تسألون عما كانوا يعملون " . ~~وتكلموا عند صرف القبلة بما نذكرهاشاء الله في حوادث السنة الثانية . قال : ~~وسأل معاذ بن جبل ، وسعد بن معاذ ، وخارجة بن زيد ، نفرا من أحبار يهود عن ~~بعض ما في التوراة ، فكتموهم إياه وأبو ان ايخبروهم ، فانزل الله فيهم : " ~~ا الذين يكتمون مأ انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في ~~الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " . ودعا رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) اليهود إلى الإسلام ورغبهم فيه ، وحذرهم عذاب الله ، فقال رافع ~~بن خارجة ، ومالك بن عوف : بل نتبع يا محمد ما وجدنا عيلان باءنا فهم كانوا ~~أعلم منا وخيرا منا فانزل الله في ذلك : " وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل ~~الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عيلان باءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ~~ولا يهتدون " . قال : ولما رجع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من غزاة ~~بدر جمع يهود في سوق بني قينقاع ، وقال لهم : يا معشر يهود ، أسلموا ~~قبلايصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريشا فقالوا : يا محمد ، لا يغرنك من ~~نفسك انك قتلت نفرا من قريش ، كانوا أغمارا لا PageV16P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" يعرفون القتال ، انك والله لو قاتلتنا لعرفت ~~انا نحن الناس ، وانك ms3398 لم تلق مثلها فانزل الله عز وجل في ذلك من قولهم : " ~~قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد . قد كان لكم آية في ~~فئتين التقيتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين ~~والله يؤيد بنصره من يشاءافي ذلك لعبرة لأولي الأبصار " . قال : ودخل رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بيت المدارس على جماعة من يهود ، فدعاهم إلى ~~الله عز وجل ، فقال له النعما بن عمرو ، والحارث بن زيد : وعلى اي دين انت ~~يا محمد ؟ قال : على ملة إبراهيم ودينه قالا : فا إبراهيم كان يهوديا ؛ ~~فقال لهما رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : فهلم إلى النوارة فهي بيننا ~~وبينكم ؛ فانزل الله فيهما : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون . ذلك ~~بانهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا ~~يفترون " . وقال أحبار يهود ونصارى نجرا حين اجتمعوا عند رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وتنازعوا فقال الأحبار : كان إبراهيم يهوديا وقالت ~~النصارى : كان نصرانيا ؛ فانزل الله تعالى : " يأهل الكتاب لم تحاجون في ~~إبراهيم وما انزلت التوراة والأنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون . هانتم هؤلاء ~~حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وانتم ~~لا تعلمون . ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما ~~كان من المشركين . ان أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا والله ولي المؤمنين " . وقال عبد الله بن صيف ، وعدي بن زيد ، ~~والحارث بن عوف ، بعضهم لبعض : تعالوا نؤمن بما انزل على محمد وأصحابه غدوة ~~، ونكفر به عشية ، حتى نلبس عليهم دينهم ، فانزل الله تعالى فيهم : " يأهل ~~الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وانتم تعلمون . وقالت طائفة من ~~أهل الكتاب آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره ~~لعلهم يرجعون . ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل ان الهدى هدى اللهايؤتى ms3399 ~~أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل ان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله واسع عليم " . وقال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من يهود ~~والنصارى من أهل نجرا عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : يا محمد ، ~~تريد من ان انعبدك كما يعبد النصارى عيسى بن مريم ؟ وقال رجل من أهل نجرا ~~يقال له الرئيس : أو ذاك تريد منا يا محمد ، وإليه تدعونا ؟ أو كما قال . ~~فقال PageV16P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : معاذ ~~الله ان أعبد غير الله ، أو آمر بعبادة غيره ، ما بذلك بعثني ولا أمرني ~~فانزل الله تعالى : " ما كان لبشرايؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون . ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ انتم مسلمون " ، والربانيون هم العلماء والفقهاء ؛ ~~ثم ذكر تعالى ما أخذ عليهم وعلى انبيائهم من الميثاق بتصديقه إذا هو جاءهم ~~، فقال : " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم ~~" إلى آخر القصة . والله أعلم . ذكر ما ألقاه شأس بن قيس اليهودي بين الأوس ~~بين الأوس والخزرج من الفتنة ، ورجوعهم إلى الله تعالى وإلى رسوله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال محمد بن إسحاق : مر شأس بن قيس : وكا شيخا عظيم الكفر ~~، شديد الضغن على المسلمين ، شديد الحسد لهم ، على نفر من أصحاب رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) من الأوس والخزرج ، قد اجتمعوا في مجلس يتحدثون ، ~~فغاظه ما هم عليه من الألفة والجماعة وصلاح ذات البين على الإسلام ، بعد ما ~~كان بينهم من العداوة في الجاهلية ، فقال : قد اجتمع ملا بني قيلة بهذه ~~البلاد ، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار ؛ فأمر شابا من ~~يهود كان معهايجلس معهم ، ثم يذكر يوم بعثا وما كان قبله ، وا ينشدهم بعض ~~ما كانوا قالوه من الأشعار يوم بعاث ، وهو يوم اقتتلت ms3400 فيه الأوس والخزرج ، ~~فكان الظفر فيه للأوس ، وكا عليهم يومئذ حضير بن سماك الأشهلي ، أبو أسيد ~~بن حضير ، وعلى الخزرج عمرو ابن النعما البياضي ، فقتلا جميعا ففعل الشاب ~~ذلك ، فتكلم القوم ، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلأن من الحيين على ~~الركب ؛ أوس بن قيظي الأوسي ، وجبار بن صخر الخزرجي ، فتقاولأن ثم قال ~~أحدهما للآخر : اشئتم رددناها الأن جذعة ؛ فغضب الفريقا جميعا وقالوا : قد ~~فعلنا موعدكم الظاهرة ، وهي الحزة ، وقالوا : السلاح السلاح ، وخرجوا إليها ~~فبلغ ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فخرج إليهم فيمن معه من ~~المهاجرين ، فقال : يا معشر المسلمين ، الله الله أبدعوى الجاهلية وانا بين ~~أظهركم بعداهداكم الله إلى PageV16P0267 # """""" صفحة رقم 268 """""" الإسلام وأكرمكم به ، وقطع عنكم به أمر ~~الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألف به بينكم فعرف القوم انها نزغة من ~~الشيطان ، وكيد من عدوهم ، فبكوا وعانق بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، فانزل الله تعالى في شأس بن قيس : " قل يأهل ~~الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون . قل يأهل الكتاب لم ~~تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وانتم شهداء وما الله بغافل عما ~~تعملون " وانزل في أوس بن قيظى وجبار بن صخر ، ومن كان معهما من قومهما ~~الذين صنعوا ما صنعوا : " يأيها الذين آمنو ان اتطيعوا فريقا من الذين ~~أوتوا الكتاب يردكم بعدض إيمانكم كافرين . وكيف تكفرون وانتم تتلى عليكم ~~آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم : يأيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون . واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وإذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف ~~بين قلوبكمء فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فانقذكم ~~منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون . ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون . ولا تكونوا ~~كالذين تفرثوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ms3401 " . ~~ذكر ما تكلم به يهود في شأن من أسلم منهم وما انزل الله تعالى في ذلك قال : ~~لما أسلم عبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعية ، وأسيد بن سعية ، وأسد ابن ~~عبيد ، ومن أسلم معهم من يهود وآمنوا وصدقوا قال أهل الكفر من أحبار يهود : ~~ما آمن بمحمد واتبعه إلا شرارنا ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم ~~وذهبوا إلى غيره ، فانزل الله تعالى فيهم : " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة ~~قائمة يتلون آيات الله اناء الليل وهم يسجدون . يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ~~" ، قال : وكا رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود ، لما كان بينهم ~~من الجوار والحلف في الجاهلية ، فانزل الله تعالى فيهم : " يأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت ~~البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر قد بينا لكم الآياتاكنتم تعقلون . ~~هانتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله " ، أي تؤمنون ~~بكتابكم وبما مضى من الكتب قبل ذلك وهم يكفرون بكتابكم ، PageV16P0268 # """""" صفحة رقم 269 """""" فانتم كنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم ، " ~~وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا ~~بغيظكم ان الله عليم بذات الصدور . اتمسسكم حسنة تسؤهم وا تصبكم سيئة ~~يفرحوا بها وا تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئ ان االله بما يعملون محيط ~~" ، قال : ودخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى بيت المدراس على يهود ، ~~فوجد جماعة كثيرة منهم قد اجتمعوا إلى حبر من أحبارهم يقال له فنحاص ، ومعه ~~حبر آخر يقال له أشيع ؛ فقال أبو بكر لفنحاص : ويحك يا فنحاص ؟ اتق الله ~~وأسلم ، فوالله انك لتعلمامحمدا لرسول الله ، قد جاءكم بالحق من عنده ، ~~تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والأنجيل ، فقال لأبي بكر : والله يا أبا ~~بكر ، ما بنا إلى الله من فقر ، وانه إلينا لفقير ، وما نتضرع إليه كما ~~يتضرع إلينا وانا عنه لأغنياء ، وما هو عنا بغني ms3402 ، ولو كان عنا غنيا ما ~~استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم ، ينهاكم عن الربا ويعطيناه ، ولو كان ~~عنا غنيا ما أعطانا الربا . فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربا شديدا وقال : ~~والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك ، أي عدو الله . ~~فذهب فنحاص إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا محمد ، انظر ما ~~صنع بي صاحبك ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لأبي بكر : ما حملك ~~على ما صنعت ؟ . فقال : يا رسول الله ، اعدو الله قال قولا عظيما - وذكر ~~قوله - فلما قال ذلك غضبت لله وضربت وجهه ، فجحد فنحاص ذلك ، وقال : ما قلت ~~ذلك ، فانزل الله في ذلك تصديقا لأبي بكر رضي الله عنه : " لقد سمع الله ~~قول الذين قالو ان االله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء ~~بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق " ، وانزل الله تعالى في أبي بكر وغضبه في ~~ذلك : " ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى ~~كثيرا وا تصبروا وتتقوا فا ذلك من عزم الأمور " . قال : وكا كردم بن قيس ، ~~وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع ، وبحرى بن عمرو ، وحي بن أخطب ، ورفاعة ~~بن زيد بن التابوت ، يأتون رجالا من الأنصار يتنصحون لهم فيقولون : لا ~~تنفقوا أموالكم ، فانا نخشى عليكم الفقر في ذهابها ولا تسارعوا في النفقة ، ~~فانكم لا تدرون علام يكون ، فانزل الله تعالى فيهم : " الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله " أي من التوراة التي ~~فيها تصديق ما جاء به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " وأعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا . والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم PageV16P0269 # """""" صفحة رقم 270 """""" الآخر ومن يكن الشيطا له قرينا فساء قرينا . ~~وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وانفقوا مما رزقهم الله وكا الله ~~بهم عليما " قال : وكا رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهود ، إذا تكلم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لوى لسانه وقال : أرعنا ms3403 سمعك يا محمد حتى ~~نفهمك ، ثم طعن في الإسلام وعابه ، فانزل الله تعالى فيه : " ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السسبيل . ~~والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا . من الذين هادوا ~~يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا ~~بألسنتهم وطعنا في الدين ولو انهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكا ~~خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا " . قال : ~~وكلم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رؤساء من أحبار يهود ، منهم عبد ~~الله بن صوريا الأعور ، وكعب ابن أسد ، فقال : يا معشر يهود ، اتقوا الله ~~وأسلموا فوالله انكم لتعلمون ان الذي جئتكم به لحق ، قالوا : ما نعرف ذلك ~~يا محمد ، وأصروا على الكفر ، فانزل الله تعالى فيهم : " يأيها الذين أوتوا ~~الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبلانطمس وجوها فنردها على ~~أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكا أمر الله مفعولا " . قال : ~~وقال سكن ، وعدي بن زيد : يا محمد ، ما نعلم ان الله انزل على بشر من شيء ~~بعد موسى ؛ فانزل الله تعالى : " انا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ~~وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليما وآتينا داود زبورا . ورسلا قد قصصناهم ~~عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما . رسلا مبشرين ~~ومندرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكا الله عزيزا حكيما " . ~~ودخلت طائفة منهم على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال لهم : أما ~~والله انكم لتعلمون اني رسول من الله إليكم قالوا : ما نعلمه : وما نشهد ~~عليه ، فانزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى : " لكن الله يشهد بما انزل ~~إليك انزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا " . وجاء إلى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) نعما بن أضا وبحرى بن عمرو ، وشأس ابن عدي ، ~~فكلموه وكلمهم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته ، فقالوا : ما تخوفنا ms3404 يا محمد ~~، نحن والله أبناء الله وأحباؤه ، كقول النصارى ، فانزل الله تعالى : " ~~وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل ~~انتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله ملك السموات والأرض ~~وما بينهما وإليه المصير " . قال : ودعا رسول PageV16P0270 # """""" صفحة رقم 271 """""" الله ( صلى الله عليه وسلم ) يهود إلى ~~الإسلام ، ورغبهم فيه ، وحذرهم عقوبة الله ، فأبوا وكفروا وجحدوا فقال لهم ~~معاذ بن جبل ، وسعد ابن عبادة ، وعقبة بن وهب : يا معشر يهود ، اتقوا الله ~~، فوالله انكم لتعلمون انه رسول الله ، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه ، ~~وتصفونه بصته ، فقال رافع ابن حريملة ، ووهب بن يهود : ما قلنا هذا لكم ، ~~وما انزل الله من كتاب من بعد موسى ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده ، فانزل ~~الله تعالى : " يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من ~~الرسلاتقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل ~~شيء قدير " . ذكر قصة الرجم روى عن أبي هريرة رضي الله عنه انه قال : ان ~~أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس حين قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) المدينة ، وقد زنى رجل بينهم بعد إحصانه بأمرأة من يهود قد أحصنت ، ~~فقالوا : ابعثوا بهذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد ، فأسألوه كيف الحكم ~~فيهما فقالوا : وولوه الحكم عليهما فا عمل فيهما بعملكم من التجبية - ~~والتجبية : الجلد بحبل من ليف قد طلي بقار ، ثم تسود وجوههما ثم يحملأن على ~~حمارين ، وتجعل وجوههما من قبل أدبار الحمارين - فاتبعوه فانما هو ملك ، ~~وصدقوه ، وا هو حكم فيهما بالرجم فانه نبي ، فاحذروه على ما في أيديكم أن ~~يسلبكموه ، فأتوه فقالوا : يا محمد ، هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد ~~أحصنت ، فأحكم فيهما فمشى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى أتى ~~أحبارهم في بيت المدراس ، فقال : يا معشر يهود أخرجوا إلى علماءكم ، ~~فأخرجوا إليه عبد الله صوريا وأبا ياسر بن أخطب ، ووهب بن يهوذا فقالوا : ~~هؤلاء علماؤنا فسألهم ms3405 النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم قالوا : هذا عبد ~~الله بن صوريا أعلم من بقي بالتوراة : فخلا به رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وكا غلاما شابا من أحدثهم سنا فقال له : يا بن صوريا انشدك الله ، ~~وأذكرك بأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلم ان الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه ~~بالرجم في التوراة ؟ قال : اللهم نعم ، أما والله يا أبا القاسم انهم ~~ليعرفون انك لنبي مرسل ، ولكنهم يحسدونك ، فخرج رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فأمر برجمهما فرجما عند باب مسجده ، ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا وجحد ~~نبوة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فانزل الله تعالى : " يأيها ~~الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم ~~تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ~~يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون ان أوتيتم هذا فخذوه وا لم تؤتوه ~~فاحذروا " ، أي الرجم ، " ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ~~أولئك PageV16P0271 # """""" صفحة رقم 272 """""" الذين لم يرد اللهايطهر قلوبهم لهم في الدنيا ~~خزى ولهم في الآخرة عذاب عظيم . سماعون للكذب أكالون للسحت فا جاءوك فأحكم ~~بينهم أو أعرض عنهم وا تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وا حكمت فأحكم بينهم ~~بالقسط ان الله يحب المقسطين . وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ~~ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين . انا انزلنا التوراة فيها هدى ~~ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والأخبار بما ~~استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشضون ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون " ~~إلى آخر القصة . وروى عن ابن عباس رضي الله عنه انه قال : أمر رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) برجمهما فرجما بباب مسجده ، فلما وجد اليهودي مس ~~الحجارة قام إلى صاحبته فجنا عليها يقيها مس الحجارة حتى قتلا جميعا . وعن ~~عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : لما ms3406 حكموا رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فيهما دعاهم بالتوراة ، وجلس حبر منهم يتلوها وقد وضع يده على آية ~~الرجم ، فضرب عبد الله بن سلام يد الحبر ، ثم قال : هذه يا نبي الله آية ~~الرجم ، يأبىايتلوها عليك ؛ فقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~ويحكم يا معشر يهود ما دعاكم إلى ترك حكم الله وهو بأيديكم ؟ فقالوا : أما ~~انه كان فينا يعمل به ، حتى زنى رجل منا بعد إحصانه من بيوت الملوك وأهل ~~الشرف فمنعه الملك من الرجم ، ثم زنى رجل من بعده فأرادايرجمه فقالوا : لا ~~والله ، حتى ترجم فلأنا فلما قالوا ذلك اجتمعوا فأصلحوا أمرهم على التجبية ~~، وأماتوا ذكر الرجم والعمل به ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~فانا أول من أحيا أمر الله وكتابه وعمل به . ثم أمر بهما فرجما عند باب ~~مسجده ، قال عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما : كنت فيمن رجمهما . قال : ~~واجتمع كعب بن أسد وابن صلوبا وعبد الله بن صوريا وشأس بن قيس . وقال بعضهم ~~لبعض : اذهبوا إلى محمد ؛ لعلنا نفتنه عن دينه ، فانما هو بشر ، فأتوه ~~فقالوا : يا محمد ، انك قد عرفت انا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم ، وان ان ~~ااتبعناك اتبعك يهود ولم يخالفونا وا بيننا وبين بعض قومنا خصومة ، ~~أفنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ، ونؤمن بك ونصدقك ؟ فأبى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ذلك ؛ فانزل الله فيهم : " وا احكم بينهم بما انزل الله ~~ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما انزل الله إليك فا تولوا ~~فاعلم انما يريد اللهايصيبهم ببعض ذنوبهم وا كثيرا من الناس لفاسقون . ~~أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " . PageV16P0272 # """""" صفحة رقم 273 """""" قال : وأتى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~من أحبار يهود أبو ياسر بن أخطب ، ونافع بن أبي نافع ، وعازر بن أبي عازر ، ~~وخالد بن زيد ، وأزار بن أبي أزار ، وأشيع ، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل ، ~~فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : نؤمن بالله وما انزل إلينا ms3407 وما انزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون . فلما ذكر عيسى ~~جحدوا نبوته ، وقالوا : لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن به ، فانزل الله تعالى ~~فيهم : " قل يأهل الكتاب هل تنقمون منا إل ان اآمنا بالله وما انزل إلينا ~~وما انزل من قبل وا أكثركم فاسقون " . قال : وأتاه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~رافع ابن حارثة ، وسلام بن مشكم ، ومالك بن الضيف ، ورافع بن حريملة فقالوا ~~: يا محمد ، ألست تزعم انك على ملة إبراهيم ودينه ، وتؤمن بما عندنا من ~~التوارة ، وتشهد انها من الله حق ؟ قال : بلى ، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما ~~فيها مما أخذ عليكم من الميثاق ، وكتمتم منها ما أمرتماتبينوه للناس ، ~~فبرئت من أحداثكم . قالوا : فانا نأخذ بما في أيدينا ؛ فانا على الهدى ~~والحق ، ولا نؤمن بك ولا نتبعك ، فانزل الله تعالى فيهم : " قل يأهل الكتاب ~~لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والأنجيل وما انزل إليكم من ربكم وليزيدن ~~كثيرا منهم ما انزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين " ~~. قال : وأتاه ( صلى الله عليه وسلم ) النحام بن زيد ، وقردم بن كعب ، ~~وبحرى ابن عمرو ، فقالوا : يا محمد ، أما تعلم مع الله إلها غيره ؟ فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : لا إله غيره ، بذلك بعثت ، وإلى ذلك ~~أدعو ؛ فانزل الله تعالى فيهم وفي قولهم : " قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ~~شهيد بيني وبينكم وأوحى إلى هذا القرا لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدونامع ~~الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل انما هو إله واحد وانني بريء مما تشركون . ~~الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا انفسهم فهم ~~لا يؤمنون " . قال : وكا رفاعة بن زيد بن التابوت ، وسويد بن الحارث قد ~~أظهرا الإسلام ونافقا فكان رجال من المسلمين يوادونهما فانزل الله تعالى ~~فيهم : " يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من ~~الذين أوتوا الكتاب من ms3408 قبلكم والكفار أولياء واتقوا اللهاكنتم مؤمنين " إلى ~~قوله : " وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله ~~أعلم بما كانوا يكتمون " . وقال جبل بن أبي قشير ، وشمويل بن زيد لرسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أخبرنا متى الساعةاكنت نبيا كما تقول ؟ ~~فانزل الله تعالى : PageV16P0273 # """""" صفحة رقم 274 """""" " يسألونك عن الساعة أيا مرساها قل انما ~~علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم ~~إلا بغتة يسألونك كانك حفي عنها قل انما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون " . وقال محمود بن سيحا ونعما بن أضاء ، وبحرى بن عمرو ، وعزير بن ~~أبي عزير ، وسلام بن مشكم ، وفنحاص ، وعبد الله بن صوريا وابن صلوبا وكنانة ~~بن الربيع بن أبي الحقيق ، وأشيع ، وكعب بن أسد ، لرسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : أحق يا محمداهذا الذي جئت به حق من عند الله ؟ فانا لا نراه ~~متسقا كما تسق التوراة ؟ فقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أما ~~والله انكم لتعرفون انه من عند الله ، تجدونه مكتوبا عندكم ، ولو اجتمعت ~~الأنس والجن علىايأتوا به ما جاءوا به فقالوا عند ذلك : يا محمد ، أما ~~يعلمك هذا انس ولا جن ؟ فقال : أما والله انكم لتعلمون انه من عند الله ، ~~وانى لرسول الله ؛ تجدون ذلك مكتوبا عندكم في التوراة قالوا : يا محمد ، فا ~~الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما يشاء ، ويقدر منه على ما أراد ، فانزل علينا ~~كتابا من السماء نقرؤه ونعرفه ، وإلا جئناك بمثل ما تأتي به . فانزل الله ~~تعالى : " قل لئن اجتمعت الأنس والجن علىايأتوا بمثل هذا القرا لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " ، والظهير : العون . قال : وأتى رهط من ~~يهود إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قالوا : يا محمد ، هذا الله ~~خلق الخلق فمن خلقه ؟ فغضب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى انتقع ~~لونه ، فجاءه جبريل عيلان لسلام فسكنه ، فقال : خفض عليك يا رسول الله ، ~~وجاءه من الله بجواب ما سألوه ms3409 عنه : " قل هو الله أحد . الله الصمد . لم ~~يلد ولم يولد . ولم يكن له كفوا أحد " ، فلما تلاها عليهم قالوا : فصف لنا ~~كيف خلقه ؟ كيف ذراعه ؟ كيف عضده ؟ فغضب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أشد من غضبه الأول ، فأتاه جبريل فقال له مثل ما قال له أول مرة ، وجاءه من ~~الله بجواب ما سألوه فقال : " وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته ~~يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون " ، وكانت ~~سؤالات يهود وعنتهم وبغيهم وتحريفهم وتبديلهم كثيرة ؛ قد نطق بذلك كله ~~القران ، وجاء بالرد عليهم وبتكذيبهم وتفريقهم ، ثم سلط الله عليهم ~~المسلمين ، وحكم فيهم سيوفهم فقتلوهم وأجلوهم واستأصلوا شأفتهم ، وأسروا ~~وسبوا منهم ، على ما نذكر ذلكاشاء الله تعالى في الغزوات والسرايا فلما ~~PageV16P0274 # """""" صفحة رقم 275 """""" أيسوا وأبلسوا عمدوا إلى تخيلات أخر من السحر ~~والسم . ذكر ما ورد من أن يهود سحروا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قالوا : لما رجع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من غزوة الحديبية سنة ست ~~من مهاجره ، ودخل المحرم سنة سبع ، جاءت رؤساء يهود الذين بقوا بالمدينة ~~ممن يظهر الإسلام وهو منافق ، إلى لبيد بن الأعصم اليهودي حليف بني زريق ، ~~وكا ساحرا قد علمت ذلك يهود ان أعلمهم بالسحر وبالسموم ، فقالوا له : يا ~~أبا الأعصم انت أسحر منا وقد سحرنا محمدا فسحره منا الرجال والنساء فلم ~~نصنع شيئا وانت ترى أثره فينا وخلافه ديننا ومن قتل منا وأجلى ، ونحن نجعل ~~لك على ذلك جعلا علىاتسحره لنا سحرا ينكؤه ، فجعلوا له ثلاثة دنانير ~~علىايسحر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فعمد إلى مشط وما يمشط من ~~الرأس من الشعر فعقد فيه عقدا وتفل فيه تفلأن وجعله في جف طلعة ذكر ، ثم ~~انتهى به حتى جعله تحت أرعوفة البئر ، فوجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) أمرا انكره ، حتى يخيل إليهايفعل الشيء ولا يفعله ، وانكر بصره حتى دله ~~الله على ذلك ؛ فدعا جبير ابن إياس الزرقي وكا ممن شهد بدرا فدله على ms3410 موضع ~~في بئر ذروا تحت أرعوفة البئر ، فخرج جبير حتى استخرجه ، ثم أرسل إلى لبيد ~~بن الأعصم ، فقال : ما حملك على ما صنعت ، فقد دلني الله على سحرك وأخبرني ~~بما صنعت ؟ فقال : حب الدنانير يا أبا القاسم . قال محمد بن سعد ، قال ~~إسحاق بن عبد الله : فأخبرت عبد الرحمن ابن كعب بن مالك بهذا الحديث ، فقال ~~: انما سحره بنات أعصم أخوات لبيد ، وكن أسحر من لبيد وأخبث ، وكا لبيد هو ~~الذي ذهب به فأدخله تحت أرعوفة البئر ، قال : فلما عقدوا تلك العقد انكر ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تلك الساعة بصره ، ودس بنات أعصم إحداهن ~~، فدخلت على عائشة فخبرتها عائشة - أو سمعت عائشة تذكر ما انكر رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) من بصره - ثم خرجت إلى أخواتها وإلى لبيد فأخبرتهم ، ~~فقالت إحداهن : ايكن نبيا فسيخبر ، وا يك غير ذلك فسوف يدلهه هذا السحر حتى ~~يذهب عقله ، فيكون بما نال من قومنا وأهل ديننا . فدله الله عليه : ~~PageV16P0275 # """""" صفحة رقم 276 """""" وفي الصحيح عن عائشة أم المؤمنين رضي الله ~~عنه ان االنبي ( صلى الله عليه وسلم ) سحر ، حتى كان يخيل إليه انه يصنع ~~الشيء ولم يصنعه ، حتى إذا كان ذات يوم رأيته يدعو ، فقال : أشعرت ان الله ~~قد أفتاني فما استفتيته ، أتاني رجلأن فقعد أحدهما عند رأسي ، والآخر عند ~~رجلي ، فقال أحدهما : ما وجع الرجل ؟ فقال الآخر : مطبوب ، فقال : من طبه ؟ ~~قال : لبيد بن الأعصم ، قال : فيم ؟ قال : في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر ، ~~قال : فأين هو ؟ قال : في ذي ذروان ، فانطلق رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فلما رجع أخبر عائشة فقال : كان نخلها رؤوس الشياطين ، وكا ماءها ~~نقاعة الحناء ، قالت فقلت : يا رسول الله ، فأخرجه للناس ، قال : أما والله ~~قد شفاني ، وخشيت ان أثور على الناس منه شرا . وعن عبد الله بن عباس رضي ~~الله عنهما قال : مرض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأخذ عن النساء وعن ~~الطعام والشراب ، فهبط عليه ملكا وهو بين النائم واليقظا ms3411 فجلس أحدهما عند ~~رأسه ، والآخر عند رجليه ؛ فقال : أحدهما لصاحبه : ما شكواه ؟ قال : طب - ~~يعني سحر - قال : ومن فعله ؟ قال : لبيد بن أعصم اليهودي ، قال : ففي أي ~~شيء جعله ؟ قال : في طلعة ، قال : فأين وضعها ؟ قال : في بئر ذروا تحت صخرة ~~، قال : فما شفاؤه ؟ قال تنزح البئر ، وترفع الصخرة وتستخرج الطلعة . ~~وارتفع الملكان ؛ فبعث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى علي وعمار فأمرهم ~~ان ايأتيا الركي فيفعلا الذي سمع ، فأتياها وماؤها كانه قد خضب بالحناء ~~فنزحاها ثم رفعا الصخرة فأخرجا طلعة ، فإذا فيها إحدى عشرة عقدة ، ونزلت ~~هاتا السورتان : " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " ، فجعل ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كلما قرأ آية انحلت عقدة ، حتى انحلت ~~العقد ، وانتشر نبي الله ( صلى الله عليه وسلم ) للنساء والطعام والشراب . ~~وجاء في حديث آخراجبريل وميكائيل عليهما السلام أخبرا رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بشا السحر ، وانه ( صلى الله عليه وسلم ) أخذ لبيدا فاعترف ~~فعفا عنه ، روى عفوه عنه عن غير واحد ؛ PageV16P0276 # """""" صفحة رقم 277 """""" قال عكرمة : ثم كان يراه بعد عفوه فيعرض عنه ~~. وحيث ذكرنا حديث السحر فلا بأسانصله بالكلام على مشكله . والله أعلم ~~بالصواب . ذكر الكلام على مشكل حديث السحر وقد تكلم القاضي عياض بن موسى بن ~~عياض على هذا الحديث فقال : هذا الحديث صحيح متفق على صحته ، وقد طعنت فيه ~~الملحدة ، وتذرعت به لسخص عقولها وتلبيسها على أمثالها إلى التشكيك في ~~الشرع ، وقد نزه الله الشرع والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) عما يدخل في ~~أمره لبسا وانما السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه كانواع ~~الأمراض ، مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته ، وأما ما ورد انه كان يخيل إليه ~~انه فعل الشيء ولا يفعله ، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من ~~تبليغه وشريعته ، ويقدح في صدقه ؛ لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا ~~وانما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التي يبعث بسببها ولا فضل من ms3412 ~~أجلها وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر ، فغير بعيدايخيل إليه من أمورها ~~ما لا حقيقة له ، ثم يتجلى عنه كما كان . وأيضا فقد فسر هذا الحديث الآخر ~~من قوله : حتى يخيل إليه انه يأتي أهله ولا يأتيهن . وقد قال سفيان : وهذا ~~أشد ما يكون من السحر ، ولم يأت في خبر منها انه نقل عنه في ذلك قول ، ~~بخلاف ما أخبر انه فعله ولم يفعله ، وانما كانت خواطر وحيلات . وقد قيل : ~~ان المراد بالحديث انه كان يتخيل لشيء انه فعله ، وما فعله لكنه تخييل لا ~~يعتقد صحته ، فتكون اعتقاداته كلها على السداد ، وأقواله على الصحة . قال : ~~هذا ما وقفت عليه لأئمتنا من الأجوبة عن هذا الحديث . قال : لكنه قد ظهر لي ~~في هذا الحديث تأويل أجلى وأبعد من مطاعين ذوي الأضاليل يستفاد من نفس ~~الحديث ، وهواعبد الرزاق قد روى هذا الحديث عن ابن المسيب ، وعروة بن ~~الزبير ، وقال فيه عنهما : سحر يهود بني زريق رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فجعلوه في بئر حتى كاد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )اينكر ~~بصره . ثم دله الله على ما صنعوا فاستخرجه من البئر . فقد استبا لك من ~~مضمون هذه الروايات ان السحر انما يسلط على ظاهره وجوارحه ، لا على قلبه ~~واعتقاده وعقله ، وانه انما أتى في بصره ، وحبسه عن وطء PageV16P0277 # """""" صفحة رقم 278 """""" نسائه ، ويكون معنى قوله : يخيل إليه انه ~~يأتي أهله ولا يأتيهن ، أي يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة على ~~النساء ، فإذا دنا منهن أصابته أخذة بالسحر ، فلم يقدر على إتيانهن ، كما ~~يعترى من أخذ واعترض ، قال : ولعله لمثل هذا أشار سفيا بقوله : وهذا أشد ما ~~يكون من السحر . والله أعلم بالصواب . ذكر خبر الشاة التي سم فيها رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان ذلك في غزاة خيبر ، بعد ان افتتحها رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وذلك انه لما افتتح خيبر وحصونها واطمان ، ~~أهدت إليه زينب ابنة الحارث امرأة سلام بن مشكم وهي ابنة أخي مرحب الذي ms3413 ~~بارز يوم خيبر ، وقتل - على ما نذكرهاشاء الله - شاة مصلية ، وقد سألت : أي ~~عضو من الشاة أحب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ فقيل لها : ~~الذراع ، وأكثرت فيها السم ، ثم سمت سائرة الشاة ، ثم جاءت بها فلما ضوعتها ~~بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تناول الذراع ، فلاك منها مضغة ~~فلم يسغها وكا معه بشر بن البراء بن معرور ، فأخذ منها كما أخذ رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فأما بشر فأساغها وأما رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فلفظها . وروى الشيخ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في دلائل ~~النبوة انه ( صلى الله عليه وسلم ) أساغها ثم قال لأصحابه : ارفعوا أيديكم ~~فا كتف هذه الشاة يخبرني انها قد بغيت فيه ، قال بشر بن البراء : والذي ~~أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت ، فما منعني ان ألفظها إلا اني ~~أعظمت ان انغصك طعامك ، فلما أسغت ما في فيك لم أكن لأرغب بنفسي عن نفسك ، ~~ثم دعا بها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأعترفت ، فقال : ما حملك على ~~ذلك ؟ قالت : بلغت من قومي ما لم يخف عليك ، فقلت : اكا ملكا استرحت منه ، ~~وا كان نبيا فسيخبر ، فتجاوز عنها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومات ~~بشر بن البراء . والصحيحارسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قتلها قيل : ~~سلمها لأولياء بشر بن البراء فقتلوها . والله تعالى أعلم . وحيث ذكرنا من ~~سيرته ( صلى الله عليه وسلم ) ما ذكرناه ، فلنذكر هنا حوادث السنين بعد ~~الهجرة خلا الغزوات والسرايا والوفود ، فانا نورد ذلكاشاء الله تعالى فيما ~~بعد على ما تقف عليه . PageV16P0278 # """""" صفحة رقم 279 """""" ذكر الحوادث بعد هجرة رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إلى المدينة النبوية على حكم السنين ؛ من السنة الأولى إلى ~~السنة العاشرة خلا ما استثنيناه ، وقدمناه حوادث السنة الأولى فيها جعلت ~~صلاة العصر أربع ركعات ، وكانت ركعتين وذلك بعد مقدمه ( صلى الله عليه وسلم ~~) بشهر . وفيها صلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الجمعة حين ارتحل من ~~قباء ms3414 إلى المدينة ، صلاها في طريقه ببني سالم على ما تقدم ، وهي أول جمعة ~~صلاها وأول خطبة خطبها في الإسلام . وفيها بنى ( صلى الله عليه وسلم ) ~~مسجده ومساكنه ، ومسجد قباء على ما تقدم . وفيها آخى ( صلى الله عليه وسلم ~~) بين المهاجرين والأنصار بعد مقدمه بثمانية أشهر ، وقد تقدم ذكر ذلك . ~~وفيها أسلم عبد الله بن سلام . وفيها ولد عبد الله بن الزبير بالمدينة . ~~وفيها مات أبو قيس كلثوم بن الهدهد ، وهو أول من مات من المسلمين بالمدينة ~~. ومات سعد بن زرارة أبو أمامة . وفيها أعرس ( صلى الله عليه وسلم ) بعائشة ~~رضي الله عنها . حوادث السنة الثانية في هذه السنة توفيت رقية بنت النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) زوج عثما بن عفان ، ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ببدر ، وتوفي عثما بن مظعون بعد رجوع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~من غزاة بدر وشهدها عثمان . وفيها صرفت القبلة . ذكر صرف القبلة عن بيت ~~المقدس إلى الكعبة وما تكلم به اليهود وما انزل الله تعالى في ذلك من ~~القران كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما هاجر إلى المدينة يصلي ~~إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا كما ورد في صحيح البخاري ~~وغيره . وكا يعجبهاتكون قبلته قبل البيت ، فقال : يا جبريل وددت ان الله ~~تعالى صرف وجهي عن قبلة يهود ، فقال جبريل : انما انا عبد فأدع ربك وسله . ~~وجعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا صلى إلى PageV16P0279 # """""" صفحة رقم 280 """""" بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء ، فانزل الله ~~تعالى : " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره " . قال محمد بن سعد : صلى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين ، ثم ~~أمرايوجه إلى المسجد الحرام فاستدار إليه ، ودار معه المسلمون ، قال ويقال ~~: بل زار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أم بشر بن البراء ابن معرور في ~~بني سلمة ، فصنعت له طعاما ms3415 وحانت الظهر ، فصلى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بأصحابه ركعتين ، ثم أمرايوجه إلى الكعبة ، فاستدار إلى الكعبة ، ~~واستقبل الميزاب فسمى المسجد مسجد القبلتين ، وذلك يوم الاثنين للنصف من ~~شهر رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مهاجره ( صلى الله عليه وسلم ) . وروى ~~البخاري ان أول صلاة صلاها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى الكعبة ~~صلاة العصر ، وصلى معه قوم ، فخرج رجل ممن كان صلى معه ، فمر على أهل ~~المسجد وهم راكعون ، قال : أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قبل مكة ، فداروا كما هم قبل البيت . قال ابن إسحاق : ولما ~~صرفت القبلة أتى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رفاعة ابن قيس ، وقردم ~~بن عمرو ، وكعب بن الأشرف ، ورافع بن أبي رافع ، والحجاج ابن عمرو ، ~~والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، ~~فقالوا : يا محمد ، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وانت تزعم انك على ملة ~~إبراهيم ودينه ؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك - وانما ~~يريدون فتنته عن دينه - فانزل الله : " سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن ~~قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم . وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ~~ينقلب على عقبيه وا كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم ان الله بالناس لرءوف رحيم " ، أي إيمانكم بالقبلة الأولى ، ~~وتصديقكم نبيكم ، واتباعكم إياه إلى القبلة الأخرى . ثم قال لنبيه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وا الذين أوتوا ~~الكتاب ليعلمون انه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون . ولئن أتيت ~~الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما انت بتابع قبلتهم وما بعضهم ~~بتابع قبلة ms3416 بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم انك إذا لمن ~~الظالمين . الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وا فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون . الحق من ربك فلا تكونن من الممترين " . والله ~~أعلم . PageV16P0280 # """""" صفحة رقم 281 """""" ذكر خبر الأذان قال محمد بن سعد بسنده إلى ~~نافع بن جبير ، وعروة بن الزبير ، وزيد بن أسلم ، وسعيد بن المسيب ، قالوا ~~: كان الناس في عهد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قبلايؤمر بالاذا ينادي ~~منادي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : الصلاة جامعة ؛ فيجتمع الناس فلما ~~صرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان ، وكا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) قد أهمه أمر الأذان ، وانهم ذكروا أشياء يجمعون بها الناس للصلاة ، فقال ~~بعضهم : البوق ، وقال بعضهم : الناقوس ؛ فبينما هم على ذلك إذ نام عبد الله ~~ابن زيد الخزرجي ، فأرى في المنامارجلا مر وعليه ثوبا أخضرا وفي يده ناقوس ~~، قال فقلت : أتبيع الناقوس ؟ قال : ماذا تريد به ؟ فقلت : أريد ان أبتاعه ~~لكي أضرب به للصلاة لجماعة الناس ، قال : فانا أحدثك بخير لكم من ذلك ؛ ~~تقول : الله أكبر ، أشهدالا إله إلا الله ، أشهدامحمدا رسول الله ، حي على ~~الصلاة ، حي على الفلاح ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله . فأتى ~~عبد الله ابن زيد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبره ، فقال : قم مع ~~بلال فألق عليه ما قيل لك وليؤذن بذلك ، ففعل . وجاء عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه فقال : لقد رأيت مثل الذي رآه ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : فلله الحمد فذلك أثبت . قالوا : وأذن بالأذا وبقي ينادي في الناس ~~: الصلاة جامعة ؛ للأمر يحدث ، فيحضرون له يخبرون به ، مثل فتح يقرا أو أمر ~~يؤمرون به ، فينادي : الصلاة جامعة ، وا كان في غير وقت الصلاة . وقد قدمنا ~~خبر الأذا من رواية علي بن أبي طالب في قصة الإسراء . والله أعلم . وفي هذه ~~السنة فرض صوم رمضا في شعبا على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة ، وفرضت ~~زكاة الفطر قبل العيد بيومين ms3417 ، وفيها ضحى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بكبشين ، أحدهما عن أمته ، والآخر عن محمد وآله ، وفيها ولد النعما بن بشير ~~، وفيها أعرس علي بن أبي طالب بفاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، ورضي عنهما . والله أعلم . PageV16P0281 # """""" صفحة رقم 282 """""" حوادث السنة الثالثة فيها تزوج رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما . وفيها توفي ~~عثما بن مظعون عند بعضهم . وفيها تزوج عثما بن عفا رضي الله عنه أم كلثوم ~~بنت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في جمادى الآخرة . وفيها ولد الحسن بن ~~علي رضي الله عنهما في النصف من رمضان . حوادث السنة الرابعة فيها حرمت ~~الخمر في شهر ربيع الأول ، وقيل : حرمت في السنة الثالثة . وفيها صلى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع . وفيها قصرت ~~الصلاة . وفيها ولد الحسين بن علي رضي الله عنهما . وفيها ماتت زينب بنت ~~خزيمة الهلالية أم المؤمنين . وفيها تزوج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أم سلمة في شوال ، وتزوج زينب بنت جحش في ذي القعدة على الصحيح . وفيها نزل ~~الحجاب . ذكر نزول الحجاب على أزواج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان ~~سبب نزول الحجاب ما رواه البخاري عن ابن شهاب قال : أخبرني انس بن مالك ، ~~قال : كان أول ما انزل الحجاب في مبتنى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بزينب بنت جحش ؛ أصبح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عروسا فدعا القوم ~~فأصابوا من الطعام ، ثم خرجوا وبقي منهم رهط عند رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فأطالوا المكث ، فقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فخرج وخرجت ~~معه كي يخرجوا فمشى ( صلى الله عليه وسلم ) ومشيت معه ، حتى جاء عتبة حجرة ~~عائشة رضي الله عنها ثم ظن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) انهم خرجوا ~~فرجع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ورجعت معه حتى دخل على زينب ، ~~فإذا هم جلوس لم يتفرقوا فرجع رسول الله ( صلى ms3418 الله عليه وسلم ) ورجعت معه ~~حتى بلغ عتبة حجرة عائشة ، فظناقد خرجوا فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا ~~وانزل الله الحجاب ، فضرب بيني وبينه سترا وانزل الله تعالى : " يأيها ~~الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إل ان ايؤذن لكم الي طعام غير ناظرين ~~اناه ولكن إذا دعيتم فأدخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستانسين لحديثاذلكم ~~كان يؤذى النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق وإذا سألتموهن متاعا ~~فأسألوهن من وراء حجاب " الآية . وعن عروة بن الزبيراعائشة رضي الله عنها ~~قالت : كان عمر رضوا الله عليه يقول لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~أحجب نساءك يا رسول الله ، قالت : فلم يفعل . وكا أزواج النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يخرجن ليلا إلى ليل قبل المناصع فخرجت سودة بنت زمعة وكانت ~~امرأة طويلة ، PageV16P0282 # """""" صفحة رقم 283 """""" فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس ، فقال : ~~عرفتك يا سودة - حرصا علىاينزل الحجاب - فانزل الله الحجاب . وفي هذه السنة ~~فرضت الزكاة في المال . حوادث السنة الخامسة فيها تزوج رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ريحانة بنت زيد النضرية ، وجويرية بنت الحارث المصطلقية . ~~وفيها زلزلت المدينة ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ان الله ~~يستعتبكم فأعتبوه . وفيها سابق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بين الخيل ~~. وقد تقدم ذكر ذلك في الباب الأول من القسم الثالث من الفن الثالث في ~~الجزء التاسع من هذه النسخة . وفيها كانت غزوة بني المصطلق بالمريسيع . ~~وحدث في هذه الغزوة وقائع نذكرها في هذا الموضع ؛ فيها ما وقع بين ~~المهاجرين والأنصار ، وحديث الإفك ، وخبر التيمم . ذكر ما وقع بين ~~المهاجرين والأنصار في غزوة المريسيع وما قاله عبدالله بن أبي بن سلول ~~المنافق قال محمد بن إسحاق : لما كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على ~~المريسيع - وهو ماء لبني المصطلق - في نزوله عن غزوته إياهم ، وردت واردة ~~الناس ، ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار ، يقال له جهجاه بن مسعود ~~يقود فرسه ، فازدحم جهجاه وسنا بن وبر الجهني ms3419 - حليف بني عوف بن الخزرج - ~~على الماء ، فاقتتلأن فصرخ الجني : يا معشر الأنصار وصرخ جهجاه : يا معشر ~~المهاجرين فغضب عبد الله بن أبي ، وعنده رهط من قومه ، فيهم زيد بن أرقم - ~~غلام حدث - فقال : أو قد فعلوها قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله ما ~~أعدنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال الأول : سمن كلبك يأكلك ؛ أما والله ~~لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . ثم أقبل على من حضره من ~~قومه وقال : هذا ما فعلتم بانفسكم أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، ~~والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم . PageV16P0283 # """""" صفحة رقم 284 """""" قال : فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فأخبره الخبر ، وعنده عمر بن الخطاب ، فقال عمر : مر به ~~عباد بن بشر فليقتله ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : فكيف يا ~~عمر إذا تحدث الناسامحمدا يقتل أصحابه لأن ولكن أذن بالرحيل ، فارتحل الناس ~~في ساعة لم يكن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يرتحل فيها وجاء عبدالله ~~بن أبي إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فحلف بالله : ما قلت ما قال ~~زيد بن أرقم عني ، وما تكلمت به ، فقال من حضر من الأنصار : يا رسول الله ، ~~عسىايكون الغلام أوهم في حديثه ، ولم يحفظ ما قال الرجل . فلما استقل رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) لقيه أسيد بن حضير فقال : يا نبي الله ، والله ~~لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها . قال : أو ما بلغك ما قال ~~صاحبكم ؟ قال : أي صاحب ؟ قال : عبد الله بن أبي قال : وما قال يا رسول ~~الله ؟ قال : زعم انهارجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل قال : فانت يا ~~رسول الله تخرجهاشئت ، هو والله الذليل وانت العزيز . ثم قال : يا رسول ~~الله ، ارفق به ، فوالله لقد جاء الله بك وا قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه ~~، فانه ليرى انك استلبته ملكا . قال : ثم متن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بالناس يومهم ذاك حتى أمسى ms3420 ، وليلتهم حتى أصبح ، وصدر يومهم ذلك حتى ~~آذتهم الشمس ، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا إل ان اوجدوا مس الأرض فوقعوا ~~نياما . قال : وانما فعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك ليشغل الناس ~~عن الحديث الذي كان من عبد الله بن أبي . قال : ثم هبت ريح شديدة تخوفها ~~الناس ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : لا تخوفوها فانما هبت ~~لموت عظيم من عظماء الكفار . فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن ~~التابوت أحد بني قينقاع - وكا من عظماء يهود ، وكهفا للمنافقين - مات ذلك ~~اليوم . ونزلت السورة التي ذكر الله تعالى فيها المنافقين في ابن أبي ومن ~~قال بقوله ، فلما نزلت أخذ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بأذن زيد بن ~~أرقم ثم قال : هذا الذي أوفى لله بأذنه . وبلغ عبد الله بن عبدالله بن أبي ~~بن سلول ما كان من أمر أبيه ، فقال : يا رسول الله ، انه بلغني انك تريد ~~قتل عبدالله بن أبي فيما بلغك عنه ، فا كنت فاعلا فمرني به فانا أحمل إليك ~~رأسه ، اني أخشىاتأمر غيري فيقتله فلا تدعني بنفسي انظر إلى قاتل عبد الله ~~يمشي في الناس فأقتله ، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار ، فقال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا وكا بعد ذلك إذا ~~أحدث حدثا كان قومه هم PageV16P0284 # """""" صفحة رقم 285 """""" الذين يعاتبونه ويعنفونه . فقال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شانهم : كيف ترى يا ~~عمر ؛ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له انف لو أمرتها اليوم ~~بقتله لقتلته ، فقال عمر : قد والله علمت لأمر رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أعظم بركة من أمري . ومن الحوادث في هذه الغزوة حديث الإفك . ذكر ~~حديث الإفك وما تكلم به من تكلم من المنافقين وغيرهم فيه وما انزله الله ~~تعالى من براءة عائشة ، وفضل أبيها رضوان الله عليهما هذا الحديث قد تداوله ~~الرواة وأهل الأخبار والسير ، فمنهم من ms3421 زاد فيه زيادات كثيرة ، وذكر تحامل ~~من تحامل في أمر الإفك ، وتعصب من تعصب ، فعلمتاإيراد ذلك من أقوالهم ~~يقتضيايصير في نفس من سمعه من أهل السنة شيئا ممن تكلم عليه بما تكلم ، ~~ولعل ذلك لم يقع ، فرأيت ان أقتصر منه على ما ثبت في صحيح البخاري ، واتصل ~~لنا بالرواية الصحيحة ، وذكرت زيادات ذكرها ابن إسحاق - رحمه الله - ويحتاج ~~إلى إيرادها مما لا ضرر فيه ، نبهت عليها بعد مساق الحديث على ما تقف عيلان ~~شاء الله تعالى . ولنبدأ بحديث البخاري . حدثنا الشيخا المسندا المعمران ؛ ~~شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي طالب نعمة الصالحي الحجار ، وست الوزراء ~~أم محمد وزيرة بنت القاضي شمس الدين عمر ابن أسعد بن المنجا التنوخية ~~الدمشقيا قراءة عليهما وانا أسمع ، بالمدرسة المنصورية التي هي بين القصرين ~~بالقاهرة المعزية ، في جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمائة ، قالا : حدثنا ~~الشيخ سراج الدين أبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى الزبيدي ~~، في شوال سنة ثلاثين وستمائة ، بدمشق بالجامع المظفري بسفح جبل قاسيون ، ~~قال : حدثنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي قراءة عليه ونحن ~~نسمع ببغداد ، في آخر سنة اثنتين وأول سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ، قال : ~~حدثنا الشيخ أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي في شوال وذي ~~القعدة سنة خمس وستين وأربعمائة ، قال : اخبرنا أبو محمد PageV16P0285 # """""" صفحة رقم 286 """""" عبد الله بن أحمد ابن حمويه السرخسي في صفر ~~سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة ، قال : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن ~~مطر الفربري بفربر سنة ست عشرة وثلثمائة ، قال : أخبرنا أبو عبد الله محمد ~~بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري قراءة عليه بتبريز سنة ثما وأربعين ومائتين ~~، ومرة في سنة اثنتين وخمسين ، قال : حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا ~~الليث عن يونس عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عروة بن الزبير ، وسعيد بن ~~المسيب ، وعلقمة بن وقاص ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن ~~حديث عائشة زوج النبي ( صلى الله ms3422 عليه وسلم ) حين قال لها أهل الإفك ما ~~قالوا فبرأها الله مما قالوا وكل حدثني طائفة من الحديث ، وبعض حديثهم يصدق ~~بعضا وا كان بعضهم أوعى له من بعض ؛ الذي حدثني عروة عن عائشة زوج النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ؛ اعائشة قالت : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) إذا أرادايخرج أقرع بين أزواجه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) معه ، قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج ~~سهمى فخرجت مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد ما نزل الحجاب ، فانا ~~أحمل في هودجي وانزل فيه ، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من غزوته تلك وقفل ، ودنونا من المدينة قافلين ، آذن ليلة بالرحيل ، ~~فقمت حين آذنوا بالرحيل ، فمشيت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضيت شاني أقبلت ~~إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع ، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه ~~، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي ، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري ~~الذي كنت ركبت ، وهم يحسبون اني فيه ، وكا النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن ~~اللحم ، انما تأكل العلقة من الطعام ، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين ~~رفعوه ، وكنت جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعدما ~~استمر الجيش ، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب ، فأممت منزلي الذي كنت ~~به ، وظننت انهم سيفقدوني فيرجعون إلي ، فبينما انا جالسة في منزلي غلبتني ~~عيني فنمت ، وكا صفوا بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش ، فأدلج ~~فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد انسا نائم ، فأتاني فعرفني حين راني ، وكا ~~يراني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي ، ~~ووالله ما PageV16P0286 # """""" صفحة رقم 287 """""" كلمني كلمة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ~~حتى اناخ راحلته ، فوطئ على يدها فركبته ، فانطلق يقود بي الراحلة حتى ~~أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين ي نحر الظهيرة ، فهلك من هلك - وكا الذي ~~تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول - فقدمنا المدينة ، فاشتكيت حين قدمت ~~شهرا ms3423 والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ، لا أشعر بشيء من ذلك ، وهو يريبني ~~في وجعي ؛ اني لا أعرف من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اللطف الذي كنت ~~أرى منه حين أشتكى ، انما يدخل على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيسلم ~~ثم ينصرف ، فذلك الذي يريبني ، ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت ، فخرجت ~~معي أم مسطح قبل المناصع - وهو متبر زنا - وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل ، ~~وذلك قبلانتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل ~~الغائط ، فانطلقت انا وأم مسطح ، وهي بنت أبي رهم بن عبد مناف ، وأمها بنت ~~صخر ابن عامر خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وابنها مسطح بن أثاثة ، ~~فأقبلت انا وأم مسطح قبل بيتي قد فرغنا من شاننا فعثرت أم مسطح في مرطها ~~فقالت : تعس مسطح ؛ فقلت لها : بئس ما قلت : أتسبين رجلا قد شهد بدرا ؟ ~~قالت : أي هنتاه ، أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت قلت : وما قال ؟ فأخبرتني ~~بقول أهل الإفك ، فأزددت مرضا على مرضي ، قالت : فلما رجعت إلى بيتي ، ودخل ~~على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلت : أتأذن ~~لياآتي أبوي ؟ قالت : وانا حينئذ أريد ان أستيقن الخبر من قبلهما ؛ فأذن لي ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فجئت أبوي ، فقلت لأمي : يا أمتاه ، ما ~~يتحدث الناس ؟ قالت : يا بنية ، هوني عليك ، فوالله لقلما كانت امرأة قط ~~وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها قالت فقلت : سبحا الله ~~ولقد تحدث الناس بهذا ؟ قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ~~، ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكى ، فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد PageV16P0287 # """""" صفحة رقم 288 """""" رضي الله عنهما حين استلبث الوحي يستأمرهما ~~في فراق أهله . قالت : فأما أسامة بن زيد ، فأشار على رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بالذي يعلم من براءة أهله ، وبالذي يعلم لهم في نفسه من ms3424 الود ~~فقال يا رسول الله أهلك وما نعلم إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه ، فقال : يا رسول الله ، لم يضيق الله عليك ، والنساء سواها كثير ، وا ~~تسأل الجارية تصدقك : قالت : فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بريرة ~~، فقال : أي بريرة ، هل رأيت من شيء يريبك ؟ قالت بريرة : لا والذي بعثك ~~بالحق ، ارأيت عليها أمرا أغمصه عليها أكثر من انها جارية حديثة السن تنام ~~عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله . فقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول ، قالت : فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وهو على المنبر : يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد ~~بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ~~ما علمت عيلان لا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي . فقام سعد بن معاذ ~~الأنصاري فقال : يا رسول الله ، انا أعذرك منه ؛ اكا من الأوس ضربت عنقه ، ~~وا كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك . قالت : فقام سعد بن ~~عبادة وهو سيد الخزرج ، وكا قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية . فقال ~~لسعد : كذبت ، لعمر الله لا تقتله ، ولا تقدر على قتله ، وقام أسيد بن حضير ~~- وهو ابن عم سعد - فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه ، فانك ~~منافق تجادل عن المنافقين . فتثاور الحيان : الأوس والخزرج حتى همو ان ~~ايقتتلوا ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قائم على المنبر ، فلم يزل ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يخفضهم حتى سكتوا وسكت . قالت : فبكيت ~~يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم ، قالت : وأصبح أبواي عندي ، وقد ~~بكيت ليلتين ويما لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع ، يظن ان االبكاء فالق ~~كبدي ، فقالت : فبينما هما جالسا عندي وانا أبكي فآستأذنت علي امرأة من ~~الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت : فبينما نحن على ذلك دخل علينا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فسلم ms3425 ثم PageV16P0288 # """""" صفحة رقم 289 """""" جلس ، قالت : ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل ~~قبلها وقد لبث شهرا لا يوحي إليه في شاني ، قالت : فتشهد رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) حين جلس ثم قال : أما بعد يا عائشة ، فانه قد بلغني عنك ~~كذا وكذا فا كنت بريئة فسيبرئك الله ، وا كنت ألممت بذنب ، فاستغفري الله ~~وتوبي إليه ، فا العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه . قالت : فلما ~~قضى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ~~، فقلت لأبي : أجب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيما قال ، قال : ~~والله ما أدري ما أقول لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقلت لأمي : ~~أجيبي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قالت : ما أدري ما أقول لرسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قالت : فقلت وانا جارية حديثة السن لا أقرأ ~~كثيرا من القران : اني والله لقد علمت ؛ لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في ~~انفسكم وصدقتم به ، فلئن قلت لكم اني بريئة لا تصدقوني بذلك ، ولئن اعترفت ~~بأمر والله يعلم اني بريئة منه لتصدقني ، والله ما أجد لكم مثلا إلا قول ~~أبي يوسف ، قال : " فصبر جميل والله المستعا على ما تصفون " . قالت : ثم ~~تحولت فاضطجعت على فراشي ، قالت : وانا حينئذ أعلم اني بريئة ، وا الله ~~يبرئني ببرائتي ولكن والله ما كنت أظن ان الله منزل في شاني وحيا يتلى ، ~~ولشاني في نفسي كان أحقر منايتكلم الله في بأمر يتلى ، ولكن كنت أرجوايرى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رؤيا يبرئني الله بها . قالت : فوالله ما ~~رام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى انزل ~~عليه ، فأخذه ما يأخذه من البرحاء ، حتى انه ليتحدر منه مثل الجما من العرق ~~- وهو في يوم شات - من ثقل القول الذي ينزل عليه ، قالت : فلما سرى عن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، سرى عنه وهو يضحك ، فكانت أول كلمة تكلم بها ~~: يا عائشة ms3426 ، أما الله فقد براك ، فقالت أمي : قومي إليه ، قالت فقلت : ~~والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل ، وانزل الله تعالى : " ا ~~الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ ~~منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم . لولا إذ ~~سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بانفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين . لولا ~~جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون . ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما ~~أفضتم فيه عذاب عظيم . إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به ~~علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم . ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لن ~~ان انتكلم بهذا سبحانك هذا بهتا عظيم . يعظكم اللهاتعودوا لمثله أبد ~~PageV16P0289 # """""" صفحة رقم 290 """""" ان اكنتم مؤمنين . ويبين الله لكم الآيات ~~والله عليم حكيم . ان الذين يحبوناتشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب ~~أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وانتم لا تعلمون . ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته وا الله رؤوف رحيم " ، قالت عائشة : فلما انزل الله تعالى هذا في ~~براءتي ، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وكا ينفق على مسطح بن أثاثة ~~لقرابته وفقره : والله انفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة - رضي ~~الله عنها - ما قال ، فانزل الله سبحانه وتعالى : " ولا يأتل أولوا الفضل ~~منكم والسعةايؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا ~~وليصفحوا ألا تحبونايغفر الله لكم والله غفور رحيم " . قال أبو بكر رضي ~~الله عنه : بلى والله اني أحبايغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي ~~كان ينفق عليه ، وقال : والله لا انزعها منه أبدا . قالت عائشة : وكا رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقال : يا زينب ، ~~ماذا علمت أو رأيت ؟ ، فقالت : يا رسول الله ، أحمى سمعي وبصري ، ما رأيت ~~إلا خيرا قالت : وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله ( صلى الله ms3427 عليه ~~وسلم ) ، فعصمها الله بالورع ، وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك ~~من أصحاب الإفك . انتهى حديث البخاري . سلم رؤيا يبرئني الله بها . قالت : ~~فوالله ما رام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولا خرج أحد من أهل ~~البيت حتى انزل عليه ، فأخذه ما يأخذه من البرحاء ، حتى انه ليتحدر منه مثل ~~الجما من العرق - وهو في يوم شات - من ثقل القول الذي ينزل عليه ، قالت : ~~فلما سرى عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، سرى عنه وهو يضحك ، فكانت ~~أول كلمة تكلم بها : يا عائشة ، أما الله فقد براك ، فقالت أمي : قومي إليه ~~، قالت فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل ، وانزل الله ~~تعالى : " ا الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ~~لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم . لولا ~~إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بانفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين . لولا ~~جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون . ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما ~~أفضتم فيه عذاب عظيم . إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به ~~علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم . ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لن ~~ان انتكلم بهذا سبحانك هذا بهتا عظيم . يعظكم اللهاتعودوا لمثله أبد ان ~~اكنتم مؤمنين . ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم . ان الذين ~~يحبوناتشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله ~~يعلم وانتم لا تعلمون . ولولا فضل الله عليكم ورحمته وا الله رؤوف رحيم " ، ~~قالت عائشة : فلما انزل الله تعالى هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه ، وكا ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته وفقره : والله انفق على ~~مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة - رضي الله عنها - ما قال ، فانزل الله ~~سبحانه وتعالى : " ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعةايؤتوا أولي القربى ms3428 ~~والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبونايغفر الله ~~لكم والله غفور رحيم " . قال أبو بكر رضي الله عنه : بلى والله اني ~~أحبايغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه ، وقال : ~~والله لا انزعها منه أبدا . قالت عائشة : وكا رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقال : يا زينب ، ماذا علمت أو رأيت ؟ ، ~~فقالت : يا رسول الله ، أحمى سمعي وبصري ، ما رأيت إلا خيرا قالت : وهي ~~التي كانت تساميني من أزواج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فعصمها ~~الله بالورع ، وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك . ~~انتهى حديث البخاري . وروى أبو محمد عبد الملك بن هشام بسنده إلى عروة بن ~~الزبير ، وعبد الله ابن عدب الله بن عتبة ، وعبد الله بن الزبير ، وعمرة ~~بنت عبد الرحمن ، كلهم يحدث عن عائشة - رضي الله عنهم - بنحو هذا الحديث ، ~~وزاد فيه من قول أسامة ابن زيد ؛ فأثنى خيرا وقاله ؛ ثم قال : يا رسول الله ~~، أهلك ولا نعلم إلا خيرا وهذا هو الكذب والباطل . قال : وأما علي بن أبي ~~طالب فانه قال : يا رسول الله ، ان النساء لكثير ، وانك لقادر علىاتستخلف ، ~~وأسأل الجارية فانها ستصدقك . قال : فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بريرة ليسألها فقام إليها علي بن أبي طالب فضربها ضربا شديدا وقال : اصدقي ~~رسول الله . وساق نحو ما تقدم . وقال في خبر الوحي : قالت فوالله ما برح ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه ، ~~فسجى بثوبه ، ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه ، فأما انا حين رأيت ما رأيت ~~فوالله ما فزعت ولا باليت ؛ قد عرفت اني منه بريئة ، وا الله غير ظالمي ، ~~وأما أبواي ، فوالذي نفس عائشة بيده ، ما سرى عن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) حتى ظننت لتخرجن انفسهما فرقا منايأتي من الله تحقيق ما قال الناس . ~~وساق الحديث بنحو ما تقدم . ثم قال : قالت ثم خرج ms3429 رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إلى الناس فخطبهم ، وتلا عليهم ما انزل عليه من القرا في ذلك ، ~~ثم أمر بمسطح بن PageV16P0290 # """""" صفحة رقم 291 """""" أثاثة ، وحسا بن ثابت ، وحمنة بنت جحش ، ~~وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم ؛ فقال رجل من المسلمين في ذلك : لقد ~~ذاق حسا الذي كان أهله . . . وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح تعاطوا برجم الغيب ~~زوج نبيهم . . . وسخطة ذي العرش الكريم فأترحوا وآذوا رسول الله فيها ~~فجللوا . . . مخازي تبقى عمموها وفضحوا وصبت عليهم محصدات كانها . . . ~~شآبيب قطر من ذرى المزن تسفح وحكى أبو عمر بن عبد البر في ترجمة مسطح - وهو ~~عوف بن أثاثة بن عباد ابن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي ، وأمه سلمى بنت ~~صخر بن عامر خالة أبو بكر الصديق . قال : وذكر الأموي عن أبيه عن ابن إسحاق ~~قال قال أبو بكر يذكر مسطحا : يا عوف ويحك هلا قلت عارفة . . . من الكلام ~~ولم تتبع بها طمعا وأدركتك حميا معشر انف . . . ولم تكن قاطعا يا عوف من ~~قطعا هلا حربت من الأقوام إذ حسدوا . . . فلا تقول ولو عاينته قذعا لما ~~رميت حصانا غير مقرفة . . . أمينة الجيب لم نعلم لها خضعا فيمن رماها وكنتم ~~معشرا أفكا . . . في سيئ القول من لفظ الخنا شرعا فانزل الله وحيا في ~~براءتها . . . وبين عوف وبين الله ما صنعا فا أعش أجز عوفا عن مقالته . . . ~~شر الجزاء إذا ألفيته تبعا ولعل هذا الشعراصح عن أب بكر فيكون قاله قبل ~~نزول قوله تعالى : " ولا يأتل أولو الفضل منكم " الآية . فانه قد صح ان أبا ~~بكر قال عند نزولها : والله اني أحبايغفر الله لي ، ورجع إلى مسطح النفقة ~~التي كان ينفق عليه ، وقال : والله لا انزعها عنه أبدا . PageV16P0291 # """""" صفحة رقم 292 """""" وقال محمد بن إسحاق : حدثني أبي إسحاق بن ~~يسار عن بعض رجال بني النجار : ان أبا أيوب خالد بن زيد ، قالت له امرأته ~~أم أيوب : ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال : بلى ، وذلك الكذب ، ~~أكنت يا أم أيوب فاعلة ms3430 ؟ قالت : لا والله ما كنت لأفعله ؛ قال : فعائشة ~~والله خير منك . فلما نزل القرا بذكر من قال من أهل الفاحشة ما قال أهل ~~الإفك ، ثم قال : " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بانفسهم خيرا " ~~، أي فقالوا كما قال أبو أيوب وصاحبته . قال ابن إسحاق : وكا حسا بن ثابت ~~قال شعرا يعرض فيه بصفوا بن المعطل ، فأعترضه صفوا فضربه بالسيف ، ثم قال : ~~تلق ذباب السيف عنك فانني . . . غلام إذا هوجيت لست بشاعر فوثب ثابت بن قيس ~~بن شماس على صفوا بن المعطل حين ضرب حسا فجمع يديه إلى عنقه بحبل ، ثم ~~انطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج ، فلقيه عبد الله بن رواحة فقال : ~~ما هذا ؟ قال : أما أعجبك ضرب حسا بالسيف والله ما أراه إلا قد قتله ؛ فقال ~~له عبد الله بن رواحة : هل علم رسو الله ( صلى الله عليه وسلم ) بشيء مما ~~صنعت ؟ قال : لا والله ؛ قال : لقد اجترأت ، أطلق الرجل فأطلقه ، ثم أتوا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فذكروا ذلك له ، فدعا حسا وصفوان ، ~~فقال صفوان : يا رسول الله ، آذاني وهجاني ، فحملني الغضب فضربته ، فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : يا حسان ، أتشوهت على قومياهداهم الله ~~للإسلام ؟ ثم قال : أحسن يا حسا في الذي قد أصابك قال هي لك ؛ فأعطاه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) عوضا عنها بيرحا - وهي قصر بني حديلة - كانت ~~مالا لأبي طلحة وتصدق بها إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأعطاها ~~حسا في ضربته ، وأعطاه سيرين - أمة قبطية - فولدت له عبد الرحمن بن حسان . ~~قال : وكانت عائشة رضي الله عنها PageV16P0292 # """""" صفحة رقم 293 """""" تقول : لقد سئل عن ابن المعطل فوجدوه رجلا ~~حصورا ما يأتي النساء ، ثم قتل بعد ذلك شهيدا رضي الله عنه . وقال حسا بن ~~ثابت يعتذر من الذي كان منه في شا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : حصا ~~رزا ما تزن بريبة . . . وتصبح غرثى من لحوم الغوافل عقيلة حي من لؤي بن ~~غالب . . . كرام المساعي مجدهم ms3431 غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها . . . ~~وطهرها من كل سوء وباطل فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم . . . فلا رفعت سوطي ~~إلى أناملي وكيف وودى ما حييت ونصرتي . . . لآل رسول الله زين المحافل له ~~رتب عال على الناس كلهم . . . تقاصر عنها سورة المتطاول فا الذين قد قيل ~~ليس بلائط . . . ولكنه قول امرئ بي ماحل وقد روينا عن البخاري رحمه الله ~~بالإستاذ المتقدم ، قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا سفيا عن الأعمش ~~عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاء حسا بن ثابت ~~يستأذن عليها قلت : أتأذنين لهذا ؟ قالت : أو ليس قد أصابه عذاب عظيم ؟ قال ~~سفيان : تعنى ذهاب بصره ، فقال : حصا رزا ما تزن بريبة . . . وتصبح غرثى من ~~لحوم الغوافل قالت : لكن انت . وعن مسروق أيضا قال : دخل حسا على عائشة ~~فشبب فقال : حصا رزا . . . . . . البيت . قالت : لست كذلك ، قلت : تدعين ~~هذا يدخل عليك وقد انزل الله : " والذي تولى كبره " ؟ قالت : وأي عذاب أشد ~~من العمى وقد كان يرد عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . PageV16P0293 # """""" صفحة رقم 294 """""" ذكر خبر التيمم من أهل العلم من ذهب إلىاآية ~~التيمم انزلت في غزوة المريسيع ، ومنهم من ذهب إلى انها انزلت في غيرها . ~~روى أبو عبد الله محمد البخاري رحمه الله بسنده عن عائشة زوج النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قالت : خرجنا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في بعض ~~أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - انقطع عقد لي ، فأقام رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) على التماسه ، وأقام الناس معه وليسوا على ماء ~~، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة ؟ أقامت ~~برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والناس ، وليسوا على ماء ، وليس معهم ~~ماء . فجاء أبو بكر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) واضع رأسه على فخذي ~~قد نام ، فقال : حبست رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والناس ، وليسوا ~~على ماء ، وليس معهم ماء ؟ فقالت عائشة : فعاتبني ms3432 أبو بكر ، وقال ما شاء ~~اللهايقول ، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي ، فلا يمنعني من التحرك إلا مكا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على فخذي ، فقام رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) حين أصبح على غير ماء ، فانزل الله آية التيمم فتيمموا فقال ~~أسيد بن الحضير : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر . قالت : فبعثنا البعير ~~الذي كنت عليه ، فأصبنا العقد تحته . حوادث السنة السادسة فيها كانت غزوة ~~الحديبية ، وبيعة الرضوان ، وهدنة قريش ، على ما نذكر ذلك كله في الغزوات ~~ان شاء الله تعالى ، وفيها قحط الناس ، فأستسقى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بالناس في شهر رمضا فسقوا وفيها هاجرت أم كلثوم . ذكر هجرة أم كلثوم ~~بنت عقبة بن أبي معيط ، وما انزل الله تعالى في هجرة النساء لما رجع رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) من غزوة الحديبية ، بعداحلت الهدنة ، وتقررت ~~القضية ، وكا فيما وقع عيلان لصلح : انه من جاء إلى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) من قريش بغير إذن وليه رده إليهم ، ورد من رد من رجال المسلمين ~~، على ما نذكر ذلكاشاء الله PageV16P0294 # """""" صفحة رقم 295 """""" في الغزوات . ثم هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن ~~أبي معيط إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في تلك المدة ، فخرج أخواها ~~عمارة والوليد ، ابنا عقبة ، حتى قدما على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) يسألأنهايردها عليهما بالعهد الذي بينه وبين قريش ، فلم يفعل ؛ وذلك ان ~~الله عز وجل انزل : " يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ~~فأمتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فا علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ~~لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما انفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن ~~إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر وأسألوا مأ انفقتم وليسألوا ~~ما انفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم . وا فاتكم شيء من ~~أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما انفقوا واتقوا ~~الله الذي انتم به مؤمنون " ، فمنع رسول ms3433 الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~النساء لذلك ، وأمر برد صدقاتهن إليهماهم ردوا على المسلمين صدقات من حبسوا ~~عنهم من نسائهم . قال ابن إسحاق : ولما انزل الله تعالى قوله : " ولا ~~تمسكوا بعصم الكوافر " ، كان ممن طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، طلق ~~امرأتيه قريبة ابنة أبي أمية ابن المغيرة ، فتزوجها بعده معاوية بن أبي ~~سفيان ، وأم كلثوم بنت جرول أم عبيد الله ابن عمر الخزاعية ، فتزوجها أبو ~~جهم بن حذيفة بن غانم ، وكانوا إذ ذاك على شركهم . والله أعلم . حوادث ~~السنة السابعة فيها تزوج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أم حبيبة بنت ~~أبي سفيان ، وصفية بنت حي بن أخطب ، وميمونة بنت الحارث الهلالية . وفيها ~~أسلم أبو هريرة - واسمه في الجاهلية عمير بن عامر بن عبد ذي الشرى ، وفي ~~الإسلام عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، وأسماؤه كثيرة بحسب ما ورد من اختلاف ~~أقوال الرواة ، وقد صححوا ما ذكرناه ، والله أعلم - وعمرا بن حصين . وفيها ~~حرمت الحمر الأهلية ، ومتعة النساء على ما نذكر ذلكاشاء الله في غزوة خيبر ~~. وفيها بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الرسل إلى الملوك ، وقدم ~~حاطب بن أبي بلتعة من عند المقوقس بمارية بنت شمعون القبطية أم إبراهيم ~~عيلان لسلام وأختها شيرين . وفيها قدم جعفر بن أبي طالب ومن كان قد بقي من ~~المهاجرين بأرض الحبشة ، وقد تقدم ذكرهم . PageV16P0295 # """""" صفحة رقم 296 """""" حوادث السنة الثامنة فيها ولد إبراهيم بن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من مارية . وفيها توفيت زينب بنت رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وفيها وهبت سودة زوج النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يومها لعائشة رضي الله عنها حين أراد طلاقها . وفيها عمل منبر رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وخطب عليه . ذكر اتخاذ رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) المنبر وخطبته عليه روى محمد بن سعد في طبقاته الكبرى بسنده عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يخطب ~~يوم الجمعة إلى جذع في المسجد قائما ms3434 فقال : ان القيام قد شق علي ، فقال له ~~تميم الداري : ألا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام ؟ فشارو رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) المسلمين في ذلك ، فرأو ان ايتخذه ، فقال العباس بن ~~عبد المطلب : الي غلاما يقال له كلاب أعمل الناس ، فقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : مرهايعمله ، فأرسله إلى أثلة بالغابة فقطعها ثم عمل ~~منها درجتين ومقعدا ثم جاء به فوضعه في موضعه اليوم ، فجاء رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فقام عليه وقال : منبري هذا على ترعة من ترع الجنة ، ~~وقوائم منبري رواتب في الجنة . وعن سهل بن سعد وقد سئل عن منبر رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) من أي عود هو ؟ فقال : أرسل رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إلى فلأنة - امرأة سماها - فقال : مري غلامك النجار يعمل لي ~~أعوادا أكلم الناس عليها فعمل هذه الثلاث درجات من طرفاء الغابة ، فأمر ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بوضعه في هذا الموضع . وقد روى عن باقوم ~~الرومي انه قال : صنعت لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منبرا من طرفاء ، ~~ثلاث درجات : القعدة ودرجتيه ؛ رواه عنه صالح مولى التوءمة . حكاه أبو عمر ~~في ترجمة باقوم . ولما انتقل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إليه كان من ~~حنين الجذع ما نذكرهاشاء الله تعالى في معجزاته ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~وفي هذه السنة أسلم عمرو بن العاص ، وخالد بن الوليد ، وعثما بن طلحة ، على ~~ما نشرح ذلك . دخل في الاسلام ذكر إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ~~وعثمان بن طلحة كان سبب إسلامهم على ما حكاه محمد بن إسحاق بسنده يرفعه إلى ~~عمرو بن PageV16P0296 # """""" صفحة رقم 297 """""" العاص ، قال عمرو : لما انصرفنا مع الأحزاب ~~عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي ، ويسمعون مني ، فقلت لهم : ~~تعلموا والله اني أرى أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا واني قد رأيت أمرا ~~فما ترون فيه ؟ قالوا : وماذا رأيت ؟ قال : رأيتانلحق بالنجاشي فنكون عنده ~~، فا ظهر محمد على ms3435 قومنا كنا عند النجاشي ، فان ان انكون تحت يديه أحب ~~إلينا منانكون تحت يدي محمد ، وا ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا ~~منهم إلا خير . قالوا : اهذا لرأى ، قلت : فاجمعوا ما يهدي له ، وكا أحب ما ~~يهدي إليه من أرضنا الأدم ، فجمعنا أدما كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا عليه . ~~فوالله انا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري ، وكا رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قد بعثه إليه في شا جعفر وأصحابه ، قال : فدخل عليه ثم خرج من ~~عنده ، فقلت لأصحابي : هذا عمرو بن أمية ، ولو قد دخلت على النجاشي وسألته ~~إياه فأعطانية فضربت عنقه ، فإذا فعلت ذلك رأت قريش اني قد أجزأت عنها ~~فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع ، فقال لي : مرحبا بصديقي ، أهديت لي من ~~بلادك شيئا ؟ قلت : نعم أيها الملك ، قد أهديت لك أدما كثيرا ثم قربته إليه ~~فأعجبه ، ثم قلت له : أيها الملك ، اني قد رأيت رجلا خرج من عندك ، وهو ~~رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لأقتله ، فانه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا قال : ~~فغضب ، ثم مد يده فضرب بها انفه ضربة ظننت انه قد كسره ، فلو انشقت الأرض ~~لدخلت فيها فرقا منه ، ثم قلت له : أيها الملك ، والله لو ظننت انك تكره ~~هذا ما سألتكه ، قال : أتسألني ان أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر ~~الذي كان يأتي موسى ( صلى الله عليه وسلم ) لتقتله فقلت : أيها الملك ، ~~أكذاك هو ؟ قال : ويحك يا عمرو ، أطعني واتبعه ، فانه والله لعلى الحق ، ~~وليظهرن على من خافه ، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده ، قال : قلت : ~~أفتبايعني له على الإسلام ؟ قال : نعم ، فبسط يده فبايعته على الإسلام ، ثم ~~خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه ، وكتمتهم إسلامي . ثم خرجت ~~عامدا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلقيت خالد بن الوليد وهو ~~مقبل من مكة ، فقلت : إلى أين يا أبا سليما ؟ فقال : لقد استقام المنسم ، ~~وا الرجل لنبي ، أذهب والله فأسلم فحتى متى قال قلت : والله ms3436 ما جئت إلا ~~لأسلم ، قال : فقدمنا المدينة على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقدم ~~خالد بن الوليد فأسلم وبايع ، ثم دنوت فقلت : يا رسول PageV16P0297 # """""" صفحة رقم 298 """""" الله ، اني أبايعك علىايغفر لي ما تقدم من ~~ذنبي ولا أذكر ما تأخر ، فقال : يا عمرو : بايع ، فا الإسلام يجب ما كان ~~قبله ، وا الهجرة تجب ما كان قبلها فبايعت ثم انصرفت . قال ابن إسحاق : ~~وحدثني من لا أتهماعثما بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما فأسلم حين أسلما . ~~حوادث السنة التاسعة فيها آلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من نسائه ، ~~وأقسم ألا يدخل عليهن شهرا . وكا سبب الإيلاء ما رواه البخاري بسنده عن ~~عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : كان رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يحب العسل والحلواء ، وكا إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو ~~من إحداهن ، فدخل على حفصة بنت عمر فأحتبس أكثر ما كان يحتبس فغرت ، فسألت ~~عن ذلك فقيل لي : أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل ، فسقت النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) منه شربة ، فقلت : أما والله لنحتال ، له ، فقلت لسودة بنت ~~زمعة : انه سيدنو منك ، فإذا دنا منك فقولي له : أكلت مغافير ، سيقول لك : ~~لأن فقولي له : ما هذه الريح التي أجد ؟ فانه سيقول لك : سقتني حفصة شربة ~~عسل ، فقولي له : جرست نحله العرفط ، وسأقول ذلك ، وقولي انت يا صفية ذلك ، ~~قالت : تقول سودة فوالله ما هو إل ان اقام على الباب فأردت ان أبادئه بما ~~أمرتني به فرقا منك . ومن رواية مسلم - قالت تقول سودة : فوالذي لا إله إلا ~~هو لقد كدت أبادئه بالذي قلت لي ، وانه لعلى الباب فرقا منك . قال البخاري ~~: فلما دنا منها قالت له سودة : يا رسول الله ، أكلت مغافير ؟ قال : لا قلت ~~: فما هذه الريح التي أجد منك ؟ قال : سقتني حفصة شربة عسل فقالت : جرست ~~نحله العرفط ، فلما دار إلي قلت له نحو ذلك ، فلما دار إلى صفية قالت له ~~مثل ذلك ، فلما دار إلى ms3437 حفصة قالت له : ألا أسقيك منه ؟ قال : لا حاجة لي ~~فيه قالت : تقول سودة والله لقد حرمناه ، قلت لها : اسكتي . وفي ~~PageV16P0298 # """""" صفحة رقم 299 """""" رواية عنها قالت : كان رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يشرب عسلا عند زينب بنت جحش ، ويمكث عندها فتواطأت انا وحفصة ~~على أيتنا دخل عليها فلتقل له : أكلت مغافير ، اني أجد منك ريح مغافير ، ~~قال : لأن ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له ، وقد حلفت لا ~~تخبري بذلك أحدا فانزل الله تعالى : " يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ~~تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم " . وروى مسلم بن الحجاج في صحيحه ~~بسنده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~قال : كنا معشر قريش قوما نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما ~~تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ، وكا منزلي في بني أمية بن ~~زيد بالعوالي ، فتغضبت يوما على امرأتي ، فإذا هي تراجعني ، فانكرتاتراجعني ~~، فقالت : ما تنكر ان أراجعك ؟ فوالله ان أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) ليراجعنه ، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ، فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت ~~: أتراجعين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ فقالت : نعم فقلت : أتهجره ~~إحداكن إلى الليل ؟ قالت : نعم ، فقلت : قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر ، ~~أفتأمن إحداكنايغضب الله عليها لغضب رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) فإذا هي ~~قد هلكت لا تراجعى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا تسأليه شيئا ~~وسليني ما بدا لك ، ولا يغرنكاكانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) منك ، يريد عائشة . ومن رواية البخاري قال : خرجت حتى ~~دخلت على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها فقالت أم سلمة : عجبا لك يا بن ~~الخطاب ؟ دخلت في كل شيء حتى تبتغياتدخل بين رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وأزواجه ، فأخذتني والله أخذا كسرتني عن بعض ما كنت أجد ، فخرجت من ~~عندها . رجعنا إلى حديث مسلم - قال عمر : وكا لي جار ms3438 من الأنصار فكنا ~~نتناوب النزول إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فينزل يوما وانزل يوما ~~فيأتيني بخبر الوحي وغيره ، وآتيه بمثل ذلك ، وكنا نتحدثاغسا تنعل الخيل ~~لغزونا فنزل صاحبي ، ثم أتاني عشاء فضرب بابي ، ثم ناداني فخرجت إليه ، ~~فقال : حدث أمر عظيم ، فقلت : ماذا أجاءت غسا ؟ قال : لأن بل أعظم من ذلك ~~وأطول ، طلق النبي ( صلى الله عليه وسلم ) نساءه ، فقلت : قد خابت حفصة ~~وخسرت ، وقد كنت أظن هذا كائنا حتى إذا صليت الصبح شددت على ثيابي ، ثم ~~نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي ، فقلت : أطلقكن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ؟ PageV16P0299 # """""" صفحة رقم 300 """""" فقالت : لا أدري ، ها هو ذا معتزل في هذه ~~المشربة ، فأتيت غلاما له أسود فقلت : استأذن لعمر ، فدخل ثم خرج إلي فقال ~~: قد ذكرتك له فصمت ، فانطلقت حتى انتهيت إلى المنبر فجلست ، فإذا عنده رهط ~~جلوس يبكي بعضهم ، فجلست قليلا ثم غلبني ما أجد ، ثم أتيت الغلام فقلت : ~~استأذن لعمر ، فدخل ثم خرج إلي ، فقال : قد ذكرتك له فصمت ، فوليت مدبرا ~~فإذا الغلام يدعوني ، فقال : ادخل فقد أذن لك ، فدخلت فسلمت على رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، فإذا هو متكئ على رمل حصير قد أثر في جبنه ، فقلت ~~: أطلقت يا رسول الله نساءك ؟ فرفع رأسه إلي وقال : لا فقلت : الله أكبر ، ~~لو رأيتنا يا رسول الله ، وكنا معشر قريش قوما نغلب النساء ، فلما قدمنا ~~المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ، فتغضبت ~~على امرأتي يوما فإذا هي تراجعني ، فانكرتاتراجعني ، فقالت : ما تنكر ان ~~أراجعك ؟ فوالله ان أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ليراجعنه وتهجره ~~إحداهن اليوم إلى الليل ، فقلت : قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر ، أفتأمن ~~إحداهنايغضب الله عليها لغضب رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) فإذا هي قد هلكت ~~، فتبسم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقلت : يا رسول الله ، قد دخلت ~~على حفصة فقلت : لا يغرنكاكانت جارتك هي أوسم منك وأحب إلى رسول الله منك ، ~~فتبسم أخرى . ومن ms3439 رواية البخاري - قال عمر : فقصصت على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) هذا الحديث ، فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، ولم يذكر التبسم فيما قبلها . قال مسلم في حديثه : ~~فقلت أستانس يا رسول الله ؟ قال : نعم فجلست فرفعت رأسي في البيت ، فوالله ~~ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أهبا ثلاثة ، فقلت : ادع الله يا رسول ~~اللهايوسع على أمتك ، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله ، فاستوى ~~جالسا ثم قال : أفي شك انت يأبن الخطاب ، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في ~~الحياة الدنيا فقلت : استغفر لي يا رسول الله ، قال : وكا أقسم ألا يدخل ~~عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله عز وجل . وعن عروة عن عائشة ~~رضي الله عنها قالت : لما مضى تسع وعشرون ليلة دخل على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) - بدأ بي - فقلت : يا رسول الله ، انك أقسمت ألا تدخل ~~علينا شهرا وانك دخلت من تسع وعشرين ، أعدهن ؟ فقال : ان الشهر تسع وعشرون ~~ثم PageV16P0300 # """""" صفحة رقم 301 """""" قال : يا عائشة ، اني ذاكر لك أمرا فلا عليك ~~ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك ثم قرأ على الآية : " يأيها النبي قل لأزواجك ~~" حتى بلغ " أجرا عظيما " فقالت عائشة : قد علم والله ان أبوي لم يكونا ~~ليأمراني بفراقه ، فقلت : أو في هذا أستأمر أبوي ؟ فاني أريد الله ورسوله ~~والدار الآخرة . وفيها هدم رسول الله مسجد الضرار . ذكر خبر مسجد الضرار ~~وهدمه ومن اتخذه من المنافقين وكا هدم مسجد الضرار عند منصرف رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) من غزوة تبوك ، وكا أصحابه الذين بنوه اثني عشر رجلا ~~: وهم خذام بن خالد ومن داره خرج ، وثعلبة بن حاطب ، ومعتب بن قشير ، وأبو ~~حبيبة بن الأزعر ، وعباد ابن حنيف ، وجارية بن عامر ، وابناه مجمع وزيد ، ~~ونبتل بن الحارث ، وبحزج من بني ضبيعة ، وبجاد بن عثما من بني ضبيعة ، ~~ووديعة بن ثابت ، فأتوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يتجهز إلى ~~تبوك ms3440 ، فقالوا : يا رسول الله ، قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة ~~المطيرة والليلة الشاتية ، وانا نحباتأتينا فتصلى لنا فيه ، فقال : اني على ~~جناح سفر وحال شغل - أو كما قال ( صلى الله عليه وسلم ) - ولو قد قدمن ان ~~اشاء الله تعالى لأتيناكم فصلينا لكم فيه فلما أقبل رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) من غزوة تبوك نزل بذي أوا - بلد بينه وبين المدينة ساعة من ~~نهار - أتاه خبر المسجد ، فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مالك بن ~~الدخشم أخا بني سالم بن عوف ، ومعن بن عدي ، أو أخاه عاصم بن عدي ، فقال : ~~انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه فخرجا سريعين حتى أتيا ~~بني سالم بن عوف ، وهم رهط مالك بن الدخشم ، فقال مالك لمعن : انظرني حتى ~~أخرج إليك بنار من أهلي ، فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ~~ثم خرجا يشتدا حتى دخلاه وفيه أهله فخرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ، ونزل فيهم ~~من القرا قوله تعالى : " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين ~~المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن ان أردنا إلا الحسنى ~~والله يشهد انهم لكاذبون . لا تقم فيه أبدا لمسجد أسسس على التقوى من أول ~~يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين . أفمن ~~أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوا خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار ~~فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين . لا يزال بنيانهم ~~الذي بنوا ريبة في قلوبهم إل ان اتقطع قلوبهم والله عليم حكيم " . ~~PageV16P0301 # """""" صفحة رقم 302 """""" وفيها لا عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) بين العجلأني وبين امرأته في مسجده بعد صلاة العصر في شعبان ، وكا عويمر ~~قدم من تبوك فوجدها حبلى . وفي شوال منها مات عبد الله بن أبي بن سلول ~~المنافق ، وصلى عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولم يصل بعدها على ~~منافق ؛ لقوله تعالى : " ولا تصل على أحد منهم ms3441 مات أبدا ولا تقم على قبره " ~~الآية . وفيها ماتت أم كلثوم بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وفيها ~~نعى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) النجاشي في اليوم الذي مات فيه ~~بالحبشة ، قيل : في شهر رجب . وفيها أسلم كعب بن زهير . والله أعلم بالصواب ~~. ذكر إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى وامتداحه رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) كان سبب إسلامه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما انصرف عن ~~الطائف كتب أخوه بجير بن زهير إليه يخبره ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قتل رجلا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه ، وا من بقي من شعراء قريش كأبن ~~الزبعري ، وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه ، فا كانت لك في نفسك حاجة ~~فطر إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فانه لا يقتل أحدا جاءه تائبا ~~وا انت لم تفعل فانج إلى نجائك من الأرض . وكا كعب قد كتب إلى أخيه بجير ~~لما بلغه إسلامه : ألا أبلغا عني بجيرا رسالة . . . فهل لك فيما قلت ويحك ~~هل لكا ؟ شربت مع المأمون كأسا روية . . . فانهلك المأمون منها وعلكا ~~وخالفت أسباب الهدى واتبعته . . . على أي شيء ويب غيرك دلكا PageV16P0302 # """""" صفحة رقم 303 """""" على خلق لم تلف أما ولا أبا . . . عليه ولم ~~تدرك عيلان خا لكا ويروى : على خلق لم تلف يوما أبا له . . . عليه وما تلفى ~~عيلان با لكا فا انت لم تفعل فلست بآسف . . . ولا قائل إما عثرت : لعا لكا ~~؟ وبعث بها إليه ، فلما أتت بجيرا كرهايكتمها رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما سمع قوله سقاك بها ~~المأمون : صدق وانه لكذوب ، انا المأمون ولما سمع قوله على خلق لم تلف أما ~~ولا أبا عليه قال : أجل لم يلف عيلان باه ولا أمه فكتب بجير إلى كعب : من ~~مبلغ كعبا فهل لك في التي . . . تلوم عليها باطلا وهي أحزم إلى الله لا ~~العزى ولا اللات وحدهفتنجو إذا كان النجاء وتسلم ms3442 لدى يوم لا ينجو وليس ~~بمفلت . . . من الناس إلا طاهر القلب مسلم فدين زهير وهو لا شيء دينه . . . ~~ودين أبي سلمى على محرم قال : فلما بلغ كعبا كتاب أخيه ضاقت به الأرض ، ~~وأشفق على نفسه ، وأرجف به من كان في حاضره من عدوه ، فقالوا : هو مقتول ، ~~فقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وذكر فيا ~~خوفه ، وإرجاف الوشاة به من عدوه ، وخرج حتى قدم المدينة ، فنزل على رجل ~~كانت بينه وبينه معرفة من جهينة ، فغدا به إلى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) حين صلى الصبح فصلى معه ، ثم أشار الجهني لكعب إلى رسول اله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فقال : هذا رسول الله فقم إليه فأستأمنه ، فقام حتى جلس ~~إليه ، فوضع يده في يده ، وكا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا يعرفه ، ~~فقال : يا رسول اللهاكعب بن زهير قد جاء ليستأمن مكة تائبا مسلما فهل انت ~~قابل منه ان انا جئتك به ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : نعم ~~فقال : انا يا رسول الله كعب بن زهير ، فوثب رجل من الأنصار وقال : يا رسول ~~الله ، دعني وعدو الله أضرب عنقه ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: دعه عنك ، فانه قد جاء تائبا نازعا . قال : PageV16P0303 # """""" صفحة رقم 304 """""" فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به ~~صاحبهم ، وانشد كعب قصيدته ؛ وهي : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول . . . متيم ~~عندها لم يجز مكبول وما سعاد غداة البين إذ برزت . . . إلا أغن غضيض الطرف ~~مكحول هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة . . . لا يشتكي قصر منها ولا طول تجلو عوارض ~~ذي ظلم إذا ابتسمت . . . كانه سهل بالراح معلول شجت بذي شم من ماء محنية . ~~. . صاف بأبطح أضحى وهو مشمول تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه . . . من صوب ~~غادية بيض يعاليل ويل أمها خلة لو انها صدقت . . . بوعدها أو لو ان النصح ~~مقبول لكنها خلة قد سيط من دمها . . . فجع وولع وإخلاف وتبديل فما تقوم على ~~حال تكون به . . . كما ms3443 تلون في أثوابها الغول كانت مواعيد عرقوب لها مثلا . ~~. . وما مواعيدها إلا الأباطيل PageV16P0304 # """""" صفحة رقم 305 """""" وما تمسك بالعهد التي زعمت . . . إلا كما ~~يمسك الماء الغرابيل أرجو وآملايعجلن في أبد . . . وما لهن إخال الدهر ~~تعجيل فلا يغرنك ما منت وما وعدت . . . ا الأماني والأحلام تضليل أمست سعاد ~~بأرض ما يبلغها . . . إلا العتاق النجيبات المراسيل ولا يبلغها إلا عذافرة ~~. . . فيها على الأين إرقال وتبغيل من كل نضاحة الذفرى إذا عرقت . . . ~~عرضتها طامس الأعلام مجهول ترمى النجاد بعيني مفرد لهيق . . . إذا توقدت ~~الحزا والميل ضخم مقلدها فعم مفيدها . . . في خلقها عن بنات الفحل تفضيل ~~حرف أخوها أبوها من مهجنة . . . وعمها خالها قوداء شمليل PageV16P0305 # """""" صفحة رقم 306 """""" يمشي القراد عليها ثم يزلقه . . . منها لبا ~~وأقراب زهاليل عيرانة قذفت بالنحض عن عرض . . . مرفقها عن بنات الزور مفتول ~~قنواء في حريتها للبصير بها . . . عتق مبين وفي الحدين تسهيل كا ما فات ~~عينيها ومذبحها . . . من خطمها ومن اللحيين برطيل تمر مثل عسيب النخل ذا ~~خصل . . . في غارز لم تخونه الأحاليل تهوى على يسرات وهي لاهية . . . ذوابل ~~وقعهن الأرض تحليل سمر العجايات يتركن الحصى زيما . . . لم يقهن سواد الأكم ~~تنعيل يوما يظل به الحرباء مرتبئا . . . كا ضاحيه في النار مملول وقال ~~للقوم حاديهم وقد جعلت . . . بقع الجنادب يركضن الحصى قيلوا كا أوب ذراعيها ~~وقد عرقت . . . وقد تلفع بالقور العساقيل PageV16P0306 # """""" صفحة رقم 307 """""" أوب يدي فاقد شمطاء معولة . . . قامت فجاوبها ~~نكد مثاكيل نواحة رخوة الضبعين ليس لها . . . لما نعى بكرها الناعون معقول ~~تفرى اللبا بكفيها ومدرعها . . . مشقق عن تراقيها رعابيل تسعى الوشاة ~~بجنبيها وقولهم . . . انك يأبن أبي سلمى لمقتول وقال كل صديق كنت آمله . . ~~. لا ألهينك اني عنك مشغول فقلت خلوا طريقي لا أبا لكم . . . فكل ما قدر ~~الرحمن مفعول كل ابن انثى وا طالت سلامته . . . يوما على آلة حدباء محمول ~~نبئتارسول الله أوعدني . . . والعفو عند رسول الله مأمول مهلا هداك الذي ~~أعطاك نافلة ال . . . قرا فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ~~. . . أذنب ولو كثرت في ms3444 الأقاويل لقد أقوم مقاما لو يقوم به . . . أرى ~~وأسمع ما لو يسمع الفيل لظل ترعد من وجد بوادره . . . ا لم يكن من رسول ~~الله تنويل حتى وضعت يميني ما انازعها . . . في كف ذي نقمات قوله القيل ~~PageV16P0307 # """""" صفحة رقم 308 """""" فلهو أخوف عندي إذ أكلمه . . . وقيل انك ~~منسوب ومسئول من ضيغم بضراء الأرض مخدره . . . في بطن عثر غيل دونه غيل ~~يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما . . . لحم من الناس معفور خراذيل إذا يساور قرنا ~~لا يحل له . . . ا يترك القرن إلا وهو مفلول منه تظل حمير الجو نافرة . . . ~~ولا تمشي بواديه الأراجيل ولا يزال بواديه أخو ثقة . . . مطرح البز ~~والدرسين مأكول ا الرسول لنور يستضاء به . . . مهند من سيوف الله مسلول أغر ~~أبلج يستسقى الغمام به . . . كا طلعته في الليل قنديل في عصبة من قريش قال ~~قائلهم . . . ببطن مكة لما أسلموا زولوا زالوا فما زال انكاس ولا كشف . . . ~~عند اللقاء ولا ميل معازيل يمشون مشى الجمال الزهر يعصمهم . . . ضرب إذا ~~عرد السود التنابيل PageV16P0308 # """""" صفحة رقم 309 """""" شم العرانين أبطال لبوسهم . . . من نسج داود ~~في الهيجا سرابيل بيض سوابغ قد شكت لها حلق . . . كانها حلق القفعاء مجدول ~~ليسوا مفاريحانالت رماحهم . . . قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا لا يقع ~~الطعن إلا في نحورهم . . . وما لهم عن حياض الموت تهليل قال ابن إسحاق : ~~فلما قال كعب في قصيدته : إذا عرد السود التنابيل ، وانما أراد معشر ~~الأنصار ، وخص المهاجرين من قريش بمدحته ، غضبت الأنصار عليه ، فقال بعد ~~ذلك يمتدح الأنصار من قصيدة له : من سرة كرم الحياة فلا يزل . . . في مقنب ~~من صالحي الأنصار ورثوا المكارم كابرا عن كابر . . . ا الخيار هم بنو ~~الأخيار المكرهين السمهري بأذرع . . . كسوالف الهندي غير قصار والناظرين ~~بأعين محمرة . . . كالجمر غير كليلة الإبصار والبائعين نفوسهم لنبيهم . . . ~~للموت يوم تعانق وكرار يتطهرون يرونه نسكا لهم . . . بدماء من علقوا من ~~الكفار PageV16P0309 # """""" صفحة رقم 310 """""" دربوا كما دربت ببطن خفية . . . غلب الرقاب ~~من الأسود ضواري وإذا حللت ليمنعوك إليهم . . . أصبحت عند معاقل الأغفار ~~ضربوا عليا يوم ms3445 بدر ضربة . . . دانت لوقعتها جميع نزار لو يعلم الأقوام ~~علمي كله . . . فيهم لصدقني الذين أمارى قوم إذا خوت النجوم فانهم . . . ~~للطارقين النازلين مقارى قال ابن هشام : ويقال : ارسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال له حين انشد بانت سعاد فقلبي اليوم متبول : لولا ذكرت ~~الأنصار بخير ، فا الأنصار لذلك أهل . ذكر حج أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~بالناس وأذان علي رضي الله عنه بسورة براءة قال : وفي ذي القعدة سنة تسع من ~~الهجرة ، بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أبا بكر الصديق رضي الله ~~عنه أميرا على الحاج ليقيم للمسلمين حجهم ، والناس من أهل الشرك على ~~منازلهم من حجهم ، فخرج أبو بكر رضي الله عنه ومن معه من المسلمين ، ثم ~~نزلت سورة براءة في نقض ما بين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبين ~~المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينهم وبينه ، ألا يصد عن البيت ~~أحد جاءه ولا يخاف أحد في الشهر الحرام ، وكا عهدا عاما بينه وبين الناس من ~~أهل الشرك ، فدعا سول الله ( صلى الله عليه وسلم ) علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه فقال : اخرج بهذه القصة من صدر براءة ، فأذن في الناس يوم النحر ~~إذا اجتمعوا بمنى انه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا ~~يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عهد ~~فهو له إلى مدته فخرج علي ابن أبي طالب رضي الله عنه على ناقة رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق رضي الله عنه ~~بالطريق ، فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه قال : أمير أو مأمور ؛ قال : بل ~~مأمور ، PageV16P0310 # """""" صفحة رقم 311 """""" ثم مضيا فأقام أبو بكر رضي الله عنه للناس ~~حجهم ، وذلك في ذي القعدة ، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه ، فأذن في الناس بما أمره به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ ~~فقال : أيها الناس ، انه ms3446 لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ~~ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~عهد فهو له إلى مدته وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم ~~إلى مأمنهم وبلادهم ، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) عهد إلى مدة فهو له إلى مدته ، فلم يحج بعد ~~ذلك العام مشرك ، ولم يطف بالبيت عريان ، ثم قدما على رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . حوادث السنة العاشرة فيها كانت حجة الوداع ، سنذكره ان اشاء ~~الله تعالى في حج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وفيها نزل في يوم ~~جمعة قوله عز وجل : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا " . وفيها نزلت : " يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات " الآية . وكانوا لا ~~يفعلونه قبل ذلك . وفيها مات إبراهيم بن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~في شهر ربيع الأول . وفي كل سنة من هذه السنين العشر غزوات وسرايا ووقائع ~~تذكر إن شاء الله تعالى في مواضعها ؛ والله المستعان الهادي . PageV16P0311 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء السابع عشر PageV17P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" بسم الله الرحمن الرحيم وبه التوفيق والإعانة ### | AUT ذكرغزوات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وما يتصل بذلك من الوقائع التي لم تذكر في حوادث السنين لتعلقها بالغزوات # كانت غزوات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) التي حضرها بنفسه سبعا ~~وعشرين غزاة ، كلها بعد هجرته ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة و هي : ~~غزوة الأبواء ، وهي غزوة ودان ، ثم غزوة بواط ، ثم غزوة بدر الأولى ، ثم ~~غزوة ذي العشيرة ، ثم غزوة بدر الكبرى ، ثم غزوة بنى قينقاع ، ثم غزوة ~~السويق ، ثم غزوة قرقرة الكدر ، وهى غزوة بنى سليم ، ثم غزوة غطفان إلى نجد ~~، وهى غزوة بنى سليم ببحران ، ثم غزوة أحد ، ثم غزوة حمراء الأسد ، ثم غزوة ~~بدر الموعد ، ثم غزوة ms3447 ذات الرقاع ، ثم غزوة دومة الجندل ، ثم غزوة بنى ~~المصطلق بالمريسيع ، ثم غزوة الخندق ، وهى غزوة الأحزاب ، ثم غزوة بنى ~~قريظة ، ثم غزوة بنى لحيان ، ثم غزوة الغابة ، وهي غزوة ذى قرد ، ثم غزوة ~~الحديبية ، ثم غزوة خيبر ، ثم غزوة الفتح ، ثم غزوة حنين ، ثم غزوة الطائف ~~، ثم غزوة تبوك ؛ ومنهم من عد عمرة القضاء مع الغزوات ، وكانت بعد خيبر ~~وقبل الفتح . قاتل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من هذه الغزوات في تسع ~~، وهي : بدر الكبرى ، وأحد ، والخندق ، وقريظة ، والمصطلق ، وخيبر ، والفتح ~~، وحنين ، والطائف ؛ وقيل : انه قاتل في بني النضير . والغابة . ~~PageV17P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" وسراياه ( صلى الله عليه وسلم ) نحو من ستين ~~سرية . ذكر أول لواء عقده ( صلى الله عليه وسلم ) كان أول لواء عقدة رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعمه حمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان على رأس ~~سبعة أشهر من مهاجره لواء أبيض ، حمله أبو مرثد كازبن الحصين الغنوى ، حايف ~~حمزة ، وبعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ثلاثين رجلا من ~~المهاجرين يعترض لعير قريش قد جاءت من الشام تريد مكة ، وفيها أبو جهل بن ~~هشام في ثلثمائة رجل ، فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص ، فالتقوا ، وصفوا ~~للقتال ، فمشى مجدى بن عمرو الجهنى ، وكان موادعا للفريقين جميعا ، إلى ~~هؤلاء مرة ، حتى حجز بينهم . ذكر سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب إلى بطن ~~رابع بعثه رسول الله صلى عليه وسلم في شوال على رأس ثمانية أشهر من مهاجره ~~في ستين رجلا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد ، وعقد له لواء أبيض ، ~~حمله مسطح بن أثاثة المطلب بن عبد مناف . حكاه محمد بن سعد . قال ابن إسحاق ~~: أو ثمانين رجلا PageV17P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" من المهاجرين ، فسار حتى بلغ ماء يالحجاز بأسفل ~~ثنية المرة ، فلقى جمعا عظما من قريش . قال الشيخ شرف الدين الدمياطي رحمه ~~الله : فلقى أبا سفيان بن حرب ، وهو في مائتين ، على ماء يقال له أحياء ، ~~من بطن رابغ على عشرة أميال من ms3448 الجحفة ، فكان بينهم الرمى ولم يسلوا السيوف ~~ولم يصطفوا للقتال ، وكان سعد بن أبى وقاص أول من رمى بسهم في سبيل الله ، ~~ثم أنصرف الفريقان على حاميتهم ؛ وكان على القوم عكرمة بن أبى جهل . وقال ~~أبو محمد بن هشام : كان عليهم مكرز بن حفص ابن الأخيف . قال ابن إسحاق : ~~وفر من المشركين إلى المسلمين بن المقداد بن عمرو البهرانى حليف بنى زهرة ، ~~وعتبة بن غزوان بن جابر المازنى حليف بني نوفل بن عبد مناف ، وكانا مسلمين ~~، ولكنهما جاءا مع القوم ليتوصلا بهم . وقدم ابن إسحاق هذه السرية حمزة . ~~ذكر سرية سعد بن أبى وقاص إلى الخرار بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من مهاجره في عشرين PageV17P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" رجلا من المهاجرين ، وعقد له لواء أبيض حمله ~~المقداد بن عمرو ابهراني ، وساروا يعترضون لغير قريش ، وعهد إليه رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ألا يجاوز الجرار . قال سعد : فخرجنا على أقدامنا ، ~~فكنا نكمن النهار ونسير الليل ، حتى صبحناها صبح خمس ، فنجد العير قد مرت ~~بالأمس . ذكر غزوة الأبواء وهى غزوة ودان وبينهما ستة أميال وهذه الغزوة ~~أول غزاة غزاها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بنفسه ، وكانت في صفر على ~~رأس آثنى عشر شهرا من مهاجره ، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب ، وكان أبيض ~~، وآستخلف على المدينة سعد بن عبادة ، وخرج في المهاجرين ليس فيهم أنصارى ~~حتى بلغ الأبواء يعترض لعير قريش ، فلم يلقى كيدا . وفي هذه الغزاة وادع ~~مخشى بن عمرو اضمري ، وكان سيدهم في زمانه ، على ألا يغزوه ، ولا يكثروا ~~عليه جمعا ، ولا يعينوا عدوا ، وكتب بينه وبينهم كتابا . وكانت غيبته ( صلى ~~الله عليه وسلم ) خمس عشرة ليلة . ذكر غزوة بواط غزاها رسول الله صلى عليه ~~وسلم في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره وحمل لواءه سعد ~~بن أبي وقاص ، وكان أبيض ، وآستخلف على المدينة سعد بن معاذ . وقال ابن ~~هشام : استعمل عليها السائب بن عثمان ms3449 بن مظعون . وخرج في مائتين من أصحابه ~~يعترض لعير قريش ، فيها أمية بن خلف الجمحى ومائة رجل من PageV17P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" قريش وألف وخمسمائة بعير ، فبلغ بواطا ، وهي من ~~جبال جهينة من ناحية رضوى ، وهي قريب من خشب مما يلي الشام ، وبين بواط ~~والمدينة نحو من أربعة برد ، فلم يلقى كيدا ، فرجع ( صلى الله عليه وسلم ) ~~. ذكر غزوة بدر الأولى غزاها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شهر ربيع ~~الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره ، لطلب كرز بن جابر الفهرى ، وحمل ~~لواءه على بن أبى طالب ، وكان أبيض ، واستحلف على المدينة زيد بن حارثة ، ~~وكان كرز قد أغار على سرح المدينة فاستاقه ، وكان يرعى بالجماء ، فطلبه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية ~~بدر ، وفاته كرز فلم يلحقه ، فرجع إلى المدينة . ذكر غزوة ذي العشيرة ~~العشيرة ، بالشين المعجمة ، وقيل بالسين المهملة ، وقيل : العشيرا بالألف . ~~غزاها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في جمادى الآخرة ، على رأس ستة عشر ~~شهرا من مهاجره ، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب ، وكان أبيض ، وآستخلف على ~~المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومى . وخرج في خمسين ومائة ، ويقال في ~~مائتين من المهاجرين ممن أنتدب ، ولم يكره أحدا على الخروج ، وخرجوا على ~~ثلاثين بعيرا يعتقبونها ، وخرج يعترض لعير قريش حين ابتدأت إلى الشام ، ~~فبلغ ذا العشيرة ، وهي لبنى مدلج بناحية ينبع ، فوجد العير التي خرج لها قد ~~مضت قبل ذلك بأيام ، وهي العير التي خرج أيضا يريدها حين رجعت من الشام ، ~~فكانت فيها وقعة بدر الكبرى . PageV17P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" وفي هذه الغزاة وادع رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة . وفيها كنى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) عليا رضى الله عنه أبا تراب ، وقيل في غيرها . ذكر سرية عبد ~~الله بن جحش الأسدى إلى نخلة بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شهر ~~رجب على رأس سبعة عشر شهرا ms3450 من مهاجره في آثنى عشر رجلا من المهاجرين . كل ~~أثنين يعتقبان بعيرا . قال ابن إسحاق : وكتب له رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) كتابا ، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ، ثم ينظر فيه ، ويمضي ~~لما أمره به ، ولا يستكره أحد من أصحابه . قال : وكان معه أبو حذيفة بن ~~ربيعة ، وعكاشة بن محصن ، وعتبة ابن غزوان بن جابر ، وسعد بن أبى وقاص ، ~~وغامر بن ربيعة ، وواقد بن عبد الله التميمي ، وخالد بن البكير أحد بنى سعد ~~بن ليث ، وسهيل بن بيضاء . هؤلاء الذين عدهم آبن إسحاق ؛ وكان معهم المقداد ~~بن عمرو ، حكاه محمد بن سعد . قال آبن إسحاق : فلما سار عبد الله بن جحش ~~يومين فتح الكتاب فإذا فيه : إذا نظرت في كتابي هذا فأمض حتى تنزل نخلة ، ~~بين مكة والطائف ، فترصد بها قريشا ، وتعلم لنا من أخبارهم . فلما نظر عبد ~~الله في الكتاب قال : سمع وطاعة . ثم ذكر ذلك لأصحابه وقال لهم : قد نهاني ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن أستكره أحد منكم ، فمن كان يريد ~~الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ، ومن كره ذلك فليرجع ، فاما أنا فماض لأمر ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فمضوا كلهم ، وسلك على الحجاز حتى إذا ~~كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران ، أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان ~~بعيرهما ، فتخلفا في طلبه ، ومضى عبد الله وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة ، ~~فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما من تجارة من تجارة قريش - قال آبن سعد ~~: وخمرا - وفيها عمرو بن الحضرمى ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ، وأخوة ~~نوفل ، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة . PageV17P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" فلما رآهم القوم هابوهم ؛ وكان عكاشة حلق ~~ليطمئن القوم ؛ فأمنوا . وقال لهم عثمان : لابأس عليكم منهم . قال : فسرحوا ~~ركابهم ، وصنعوا طعاما . قال : فتشاور القوم فيهم ، وذلك آخر يوم من شهر ~~رجب ، فقالوا : والله لئن تركتموهم في هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن ~~منكم به ، وان قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام . فتردد القوم وهانوا ms3451 ~~الاقدام عليهم ، ثم شجعوا أنفسهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ~~مامعهم ؛ فخرج واقد بن عبد الله يقدم المسلمين ، فرمى عمرو بن الحضرمى بسهم ~~فقتله ، وآستأسر عثمان بن عبد الله ، والحكم بن كهسان ، وأفلت نوفل بن عبد ~~الله فأعجزهم . وأقبل عبد الله وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فلما قدموا عليه قال : ماأمرتكم بقتال ~~في الشهر الحرام . ووقف الغير والأسيرين ، وأبى أن من ذلك شيئا ؛ فأسقط في ~~يد القوم ، وظنوا أنهم قد هلكوا ، وعنفهم المسلمون فيما صنعوا . وقالت قريش ~~: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدم ، وأخذوا فيه ~~الأموال ، وأسروا الرجال ؛ وأكثر الناس في ذلك ، فأنزل الله تعالى : ~~يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ، قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به والمسجد الحرام واخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من ~~القتل أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله وعن المسجد ~~الحرام ، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم . ~~والفتنة أكبر من القتل ؛ أي قد كانوا يفتنون المسلمين في دينهم حتى يردوهم ~~إلى الكفر بعد إيمانهم ، فذاك أكبر عند الله من القتل قال : فلما نزلت ~~الآيات قبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) العير ولأسيرين ، وبعثت إليه ~~قريش في فدائهما ، فقال : لا . حتى يقدم صاحبانا ، يعنى سعد ابن أبى وقاص ، ~~وعتبة بن غزوان ، فانا نخشاكم عليهما ، فان تقتلوهما نقتل صاحبيكم . فقدم ~~سعد وعتبة ، فأفداهما رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فأما الحكم بن ~~كيسان فأسلم وحسن إسلامه ، وأقام عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى ~~قتل PageV17P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" يوم بئر معونة شهيدا ، وأما عثمان فلحق بمكة ، ~~فكان بها حتى مات كافرا . قال : فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما ~~كانوا فيه طمعوا في الأجر ، فقالوا : يا رسول الله ، أنطمع أن تكون لنا ~~غزوة نعطى فيها أجرا المجاهدين ؟ فأنزل الله تعالى فيهم : إن ms3452 الذين هاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ، قال : وقسم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الفيء فجعل أربعة أخماسه لمن أفاءه ، ~~وخمسة إلى الله ورسوله . قال ابن هشام : وهي أول غنيمة غنمها المسلمون ، ~~وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون ، وعثمان و الحكم أول من أسر ~~المسلمون . وفي هذه السرية سمى عبد الله بن جحش أمير المؤمنين . وقال عبد ~~الله بن جحش في هذه الواقعة ، ويقال إنها لأبى بكر الصديق رضى الله عنه ؛ ~~والذي صححه ابن هشام أنها لعبد الله بن جحش ، أبياتا يخاطب بها قريشا : ~~مسلمون . وفي هذه السرية سمى عبد الله بن جحش أمير المؤمنين . وقال عبد ~~الله بن جحش في هذه الواقعة ، ويقال إنها لأبى بكر الصديق رضى الله عنه ؛ ~~والذي صححه ابن هشام أنها لعبد الله بن جحش ، أبياتا يخاطب بها قريشا : ~~تعدون قتلا في الحرام عظيمة . . . وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما ~~يقول محمد . . . وكفر به والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله . . . ~~لئلا يرى لله في البيت ساجد فآنا وان عير تمونا بقتله . . . وأرجف بالإسلام ~~باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرمي رماحنا . . . بنخلة لما أوقد الحرب واقد ~~دما وابن عبد الله عثمان بيننا . . . ينازعه غل من القد عاند ذكر غزوة بدر ~~الكبرى ويقال فيها بدر القتال ، وما يتصل بها كان سبب هذه الغزوة أن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) سمع بإقبال أبى سفيان بن حرب من PageV17P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" الشام في العير التي لقريش ، وهي التي خرج ~~إليها في غزوة ذي العشيرة ، وكان فيها أموال قريش وتجاراتهم ، وفيها منهم ~~ثلاثون أو أربعون ، منهم مخرمة بن نوفل ، وعمرو بن العاصي بن وائل ، فندب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المسلمين إليهم ، وقال : هذه عير قريش ~~فيها أموالهم ، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها ، فانتدب الناس ، فخف ~~بعضهم وثقل بعض . وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار ، ويسأل ~~من لقى من الركبان عن أمر رسول ms3453 الله ( صلى الله عليه وسلم ) بحوفا على ما ~~معه ؛ فأخبره بعض الركبان : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد أستنفر ~~أصحابه لقصده ، فحذر عند ذلك ، وأستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى ؛ فبعثه إلى ~~مكة ، وأمره أن يستنفر قريشا إلى أموالهم ، ويخبرها أن محمدا قد عرض لها في ~~أصحابه ؛ فأسرع ضمضم إلى مكة . ذكر رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب وخروج قريش ~~إلى بدر قال محمد بن إسحاق رحمه الله بسنده إلى عبد الله بن عباس ، وعروة ~~بن الزبير رضى الله عنهم . قالا : ورأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم ~~مكة رؤيا أفزعتها ، فبعثت إلى أخيها العباس ، فقالي له : والله لقد رأيت ~~رؤيا أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر أو مصيبة ، فاكتم عنى ما ~~أحدثك به ، قال : وما رأيت ؟ قالت : رأيت راكبا أقبل على بعير حتى وقف ~~نالأبطح ، ثم صرخ بأعلى صوته : أل انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ، ~~فأرى الناس اجتمعوا ، ثم دخل المسجد PageV17P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" والناس يتبعونه ، فبينما هم حوله مثل به بعيره ~~على ظهر الكعبة ، ثم صرخ بمثلها : ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ، ~~ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس فصرخ بمثلها ، ثم أخذ صخرة فأرسلها مكة ~~فلا دار منها إلا دخلتها منها فلقة ؛ قال العباس : والله أن هذه لرؤيا وأنت ~~فاكتميها . ثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبه بن ربيعه ، وكان صديقا له ؛ ~~فذكرها له وأستكتمه إياها ، فذكرها الوليد لأبيه عتبة ؛ ففشا الحديث حتى ~~تحدثت به قريش . قال العباس : فغدوت لأطوف بالبيت ، وأبو جهل بن هشام في ~~رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة ، فلما رآني أبو جهل قال : يا أبا ~~الفضل ، إذا فزعت من طوافك فأت إلينا ، فلما فزعت أقبلت حتى جلست معهم ؛ ~~فقال لي أبو جهل : يا بنى عبد المطلب ، متى حدثت فيكم هذه النبية ؟ قلت : ~~وما ذاك ؟ قال : تلك الرؤيا التي رأت عاتكة ، فقلت : وما رأت عاتكة ، فقلت ~~: وما رأت ؟ يا بني عبد المطلب ، أما رضيتم ms3454 أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ ~~نساؤكم فقد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال : انفروا في ثلاث ، فسنتربص بكم ~~هذه الثلاث ، فان بك حقا ما تقول فسيكون ، وان تمض الثلاث ولم يكن من ذلك ~~شئ نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب ؛ قال العباس : فوالله ما ~~كان منى إليه كبير إلا أنى جحدت ذلك ، وأنكرت أن تكون رأت شيئا ، قال : ثم ~~تفرقنا . فلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب إلا آتتني فقالت : ~~أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ، ثم قد تناول النساء وأنت ~~تسمع ؛ ثم لم تكن عندك غيرة لشيء مما سمعت قلت : قد والله فعلت ، ما كان ~~منى إليه من كبير ؛ وآيم الله لأتعر ضن له ، فان عاد لأ كفينكنه . قال : ~~فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة ، وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني ~~منه أمر أحب أن أدركه منه ، قد خلت المسجد فرأيته ، فوالله إني لأمشى نحوه ~~أتعرض له ليعود لبعض ما قال ، فأوقع به ، إذ خرج نحو باب المسجد يشتد ، ~~فقالت في نفسي : ما له لعنة الله أكل هذا فرق مني أن أشاتمه وإذ هو قد سمع ~~ما لم PageV17P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" أسمع ، صوت ضمضم بن عمرو وهو يصرخ ببطن الوادي ~~واقفا على بعيرة ، قد جدع بعيرة وحول رحله ، وشق قميصه وهو يقول : يا معشر ~~قريش ، اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه ، ~~لا أرى أن تدركوها ، الغوث الغوث قال العباس : فشغلني عنه ، وشغله عنى ما ~~جاء من الأمر . فتجهز الناس سراعا وقالوا : أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ~~أبن الحضرمي ؟ كلا والله ليعلمن غير ذلك ، فكانوا بين رجلين : إما باعث ~~رجلا مكانه ، وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد ، إلا أن أبا لهب بن ~~عبد المطلب تخلف ، وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة ، أستأجره بأربعة ~~آلاف درهم كانت لأبى لهب عليه ، فخرج عنه . وروى أبو الفرج على بن الحسين ~~الأصفهاني في كتابه المترجم بالأغاني ms3455 بسند يرفعه إلى مصعب بن عبد الله قال ~~: قامر أبو لهب العاصي بن هشام في عشرة من الإبل فقمره ، ثم في عشرة فقمره ~~، ثم في عشرة فقمره ، إلى أن خلعه من ماله فلم يبقى له شيئا ، فقال له : ~~أني أرى القداح قد حالفتك يآبن عبد المطلب ، فهلم أقامرك يابن عبد المطلب ، ~~فأينا غلب كان عبدا لصاحبه . قال : افعل ، ففعل ، فقمره أبو لهب ، فكره أن ~~يسترقه فتغضب بنو مخزوم ، فمشى إليهم فقال : افتدوه منى بعشرة من الإبل . ~~فقالوا : لا والله ولا أبو برة . فاسترقه ، فكان يرعى له ابله إلى أن خرج ~~المشتركون إلى بدر . قال : وقال غير مصعب : فاسترقه وآحتبسه قينا يعمل ~~الحديد . PageV17P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجه أبو لهب عنه ~~لأنه كان عليلا ، على أنه أن عاد أعتقه ، فقبل العاصي . قال ابن إسحاق : ~~وكان أمية بن خلف قد أجمع القعود وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا فأتاه عقبة ~~بن أبى معيط وهو جالس في المسجد بين قومه بمجمرة ، فوضعها بين يديه ، وقال ~~: يا أبا على ، آستجمر ، فانما أنت من النساء . فقال : قبحك الله وقبح ما ~~جئت به . ثم تجهز وخرج مع الناس . قال : ولما فرغوا من جهازهم ، وأجمعوا ~~المسير ، ذكروا ما كان بينهم وبين بنى بكر عبد مناة بن كنانة من الحرب ، ~~فقالوا : انا نخشى أن يأتونا من خلفنا . فكادوا ينثنون ؛ فتبدى لهم إبليس ~~في صورة سراقة بن مالك المدلجى ، وكان من أشراف كنانة ، فقال : أنا جار لكم ~~من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء مما تكرهونه فخرجوا سراعا . هذا ما كان ~~من أمر قريش . ذكر خروج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومن معه من ~~المسلمين إلى بدر قال محمد بن إسحاق : خرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) من المدينة لثمان خلون من شهر رمضان . وقال محمد بن سعد : خرج يوم السبت ~~لاثنتي عشرة ليلة من شهر رمضان ، على رأس تسعة عشر شهرا من مها جره ، ~~وأستعمل على المدينة عمرو ابن أم مكتوم ، وأسمه عبد ms3456 الله ، ليصلى بالناس ، ~~ثم رد أبا لبابة من الروحاء وأستعمله على المدينة ، وخرج ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في ثلثمائة رجل وخمسة عشر رجلا ، كان من المهاجرين منهم أربعة ~~وسبعون ، وسائر هم من الأنصار بعد أن رد من أصحابه من أستصغرهم ، ولم يكن ~~غزا بالأنصار قبلها . قال محمد بن سعد : وتخلف من أصحاب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ثمانية لعلة ، ضرب لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بسهامهم وأجورهم ؛ ثلاثة من المهاجرين : وهم عثمان بن عفان ، خلفه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) على آمرأته رقية بنت رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وكانت مريضة ، فأقام حتى ماتت ، وطلحة بن عبيد الله ، وسعيد ~~بن زيد ، بعثهما يتحسسان خبر العير ، وخمسة من الأنصار ، وهم : أبو لبابة ~~بن عبد المنذر ، خلفه على المدينة ، وعاصم بن PageV17P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" عدى ، خلفه على أهل العالية ، والحارث بن حاطب ~~، رده من الروحاء إلى بنى عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم ، والحارث بن الصمة ، ~~وخوات بن جبير ، كسرا بالروحاء . وكانت ابل أصحاب رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يومئذ سبعين بعيرا يعتقبونها ، فكان رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وعلى بن آبى طالب رضى الله عنه ، ومرثد ابن أبى مرثد الغنوى ~~يعتقبون بعيرا . قال محمد بن سعد يرفعه إلى ابن مسعود قال : كنا يوم بدر كل ~~ثلاثة على بعير ، وكان أبو لبابة ، زميلي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، فكان إذا كانت عقبة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قالا له : اركب يا رسول ~~الله حتى نمشى عنك ، فيقول : " ما أنتما بأقوى على المشي منى ، وما أنا ~~أغنى عن الأجر منكما . " قال ابن إسحاق : وكان حمزة بن عبد المطلب ، وزيد ~~بن حارثة ، وأبو كبشة ، وأنسة مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يعتقبون بعيرا ؛ وكان أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن ~~عوف ، يعتقبون بعيرا . قال ابن سعد : وكانت الخيل فرسين : فرس للقداد بن ~~عمرو ، وفرس لمرثد ابن أبى مرثد الغنوى . قال ابن إسحاق ms3457 : وفرس للزبير بن ~~العوم . قال : ودفع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اللواء إلى مصعب بن ~~عمير بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار ، وكان أبيض ، قال : وكان أمام ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رايتان سوداوان ، إحداهما مع على بن أبى ~~طالب ، والأخرى مع الأنصار . PageV17P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" قال ابن سعد : وكان لواء الخزرج مع الحباب بن ~~المنذر ، ولواء الأوس مع سعد بن معاذ ، وجعل رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) على الساقة قيس بن أبى صعصعة أخا بنى مازن بن النجار . قال : ولما ~~كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قريبا من الصفراء بسبس بن عمرو ، ~~وعدى بن أبى الزغباء الجهنين إلى بدر يتحسسان له الأخبار عن أبى سفيان ~~وعيره . ثم أرتحل ( صلى الله عليه وسلم ) إلى ذفران - واد يسار الصفراء - ~~وأتاه الخبر بمسير قريش ليمنعوا غيرهم ، فأستشار الناس وأخبرهم ، فقام أبو ~~بكر الصديق فقال وأحسن ، ثم قام عمر فقال وأحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو ~~فقال : يا رسول الله ، امض لما أمرك الله فنحن معك فوالله لا نقول كما قالت ~~بنو إسرائيل : اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون ، ولكن نقول : اذهب ~~أنت وربك فقاتلا أنا معكما مقاتلون ، فالذي بعثك بالحق ، لو سرت بنا إلى ~~برك الغماد لجا لدنا معك من تبلغه ؛ فقال له رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) خيرا ، ودعا له . ثم قال : أشيروا على أيها الناس - وانما الأنصار ~~لأنهم عدد الناس - فقال له سعد بن معاذ : والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ~~، قال : أجل ؛ قال : فقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، ~~وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فأمض يا رسول الله ~~لما أردت ، فالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ~~ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ، أنا لصبر في ~~الحرب ، صدق في اللقاء ، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على ~~بركة الله ms3458 ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " سيروا وأبشروا ، فان الله قد ~~وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأنى الآن أنظر إلى مصارع القوم " . ثم ~~أرتحل ( صلى الله عليه وسلم ) من ذفران حتى نزل قريبا من بدر ، فركب هو ~~وأبو بكر الصديق حتى وقفا على شيخ من العرب ، فسأله عن قريش ، وعن محمد ~~وأصحابه ، وما بلغه عنهم ، فقال الشيخ : لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما ؟ ~~فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : إذا أخبرتنا أخبرناك . قال : أو ~~ذاك بذاك ؟ قال نعم . قال الشيخ : فانه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم ~~كذا PageV17P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" وكذا ، فان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان ~~كذا وكذا - للمكان الذي ترك به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أصحابه - ~~وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا ، فان كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم ~~بمكان كذا وكذا - للمكان الذي به قريش - ثم قال : من أنتما ؟ فقال له رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : نحن من ماء . ويقال : أن الشيخ سفيان الضمرى ~~. قال : ثم رجع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى أصحابه ، فلما أمسى ~~بعث على بن أبى طالب ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبى وقاص ، في نفر من ~~أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون له عليه الخبر ، فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم ~~، غلام بنى الحجاج ، وعريض أبو يسار ، غلام بنى العاصي ، فأتوا بهما ؛ ~~فسألهما رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن قريش ، فقالا : هم وراء هذا ~~الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى ، فقال لهما : كم القوم ؟ قالا : كثير ؛ ~~قالا : لا ندرى . قال كم ينحرون كل يوم ؟ قالا : تسعا ، ويوما عشرا ؛ فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : القوم ما بين التسعمائة والألف ، ثم ~~قال لهما : فمن فيهم من أشراف قريش ؟ قالا : عتبة بن ربيعه ، وشيبة بن ~~ربيعه ، وأبو البحتري بن هشام ، وحكيم بن حزام ، ونوفل بن خويلد ، والحارث ~~بن عامر بن نوفل ، وطعيمة بن عدى بن نوفل ، والنصر بن الحارث ، وزمعة بن ~~الأسود ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ms3459 ، ونبيه ومنبه آبنا الحجاج ، ~~وسهيل بن عمرو ، وعمرو بن عبد ود ، فأقبل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~على الناس فقال : هذه مكة قد ألقت أفلاذ كبدها . قال : وبلغ أبا سفيان ~~الخبر بمقدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقد ورد ماء بدر ، فرجع ~~إلى أصحابه سريعا وصرف وجه عيره عن الطريق ، فساحل بها ، وترك بدرا يساره ، ~~وآنطلق . وأقبلت قريش ، فلما نزلوا الجحفة ، رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة ~~آبن عبد المطلب رؤيا فقال : أني فيما يرى النائم ، أو إني لبين النائم ~~واليقظان ، إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف ، ومعه بعير له ، ثم قال ~~: قتل عتبة بن ربيعه ، وشيبة بن ربيعه ، وأبو الحكم بن هشام ، وأمية بن خلف ~~، وفلان وفلان ، فعدد رجالا ممن كان قتل يوم بدر من أشراف قريش ، ورأيته ~~ضرب في لبة بعيره ، ثم أرسله في العسكر ، فما بقى خباء من أخبية العسكر إلا ~~أصابه نضح من دمه . قال : فبلغت أبا جهل بن هشام فقال : وهذا أيضا نبي أخر ~~من بني عبد المطلب سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا . قال : ولما رأى ~~أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش : إنكم إنما خرجتم PageV17P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" لتمنعوا غيركم ورجالكم وأموالكم ، فقد نجاها ~~الله فأرجعوا ؛ فقال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نرد بدرا ؛ وكان بدر ~~موسما من مواسم العرب يجتمع لهم فيه سوق في كل عام ، فنقيم عليه ثلاثا ، ~~فننحرا لجزور ، ونطعم الطعام ، ونسقى الخمر ، وتعزف علينا القيان ، وتسمع ~~بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا ، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها ، فامضوا . ~~فمضت قريش حتى نزلوا العدوة القصوى من الوادي ، والقلب ببدر في العدوة ~~الدنيا ، قال : وبعث الله السماء ، وكان الوادي دهسا ، فأصاب رسول لله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه منها ما لبد لهم الأرض ، ولم يمنعهم من ~~المسير . وقال آبن سعد : كان المسلمون يومئذ يميدون من النعاس ونزلوا على ~~كثيب أهيل ، فمطرت السماء فصار مثل الصفا يسمعون عليه سعيا . وأنزل الله ~~تعالى : إذ يغشاكم النعاس ms3460 أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ~~ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام . قال آبن ~~إسحاق : وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه ، فخرج رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) يبادرهم إلى الماء ، حتى إذا جاء أدنى ماء من ~~ماء بدر نزل به ، فأتاه الحباب بن المنذر بن الجموح فقال : يا رسول الله ، ~~هذا المنذل منذل أنزلكة الله ، ليس لنا إن نتقدمه ، ولا نتأخر عنه ، أم هو ~~الرأي الحرب والمكيدة ؟ فقال رسول الله عليه وسلم : بل الرأي والحرب ~~والمكيدة . قال يا رسول الله : فان هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس حتى تأتى ~~أدنى ماء من القوم فتنزله ، ثم نعور ما وراءه من القلب ، ثم نبتنىعليه حوضا ~~فنملأه ماء ، ثم تقاتل القوم فنشرب ولا يشربون ، فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : لقد أشرت بالرأي ، فنهض بالناس وسار حتى إذا أتى أدنى ماء من ~~القوم ، نزل عليه ، ثم أمر بالقلب فعورت ، وبنى حوضا على القليب الذي نزل ~~عليه ، فملئ ماء ، ثم قذفوا فيه الآنية . PageV17P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" فقال سعد بن معاذ : يا نبي الله ، نبتني لك ~~عريشا تكون فيه ، وتكون عندك ركائبك ، ثم نلقى عدونا ، فان أعزنا الله ~~وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا ، وان كانت الأخرى جلست على ركائبك ، ~~فلحقت بمن وراءنا من قومنا ، فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حبا منهم ، ~~ولو ظنوا أن تلقى حربا ما تخلفوا عنك ، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون ~~معك ، فأثنى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عليه خيرا ، ثم بنى لرسول ~~الله عليه وسلم عريش ، فكان فيه . قال : وأرتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت ، ~~فلما رآها رسول الله صلى الله عله وسلم قال : الهم هذه قريش قد أقبلت ~~بخيلائها وفجرها ، تحاك وتكذب رسولك ، الهم فنصرك الذي وعدتني ، الهم أحنهم ~~الغداة . قال ابن سعد : كانت قريش تسعمائة وخمسين ، وخيلهم مائة فرس ، وكان ~~لهم ثلاثة ألوية ، لواء مع أبي عزيز بن عمير ، ولواء مع النضر ms3461 بن الحارثن ~~ولواء مع طلحة بن أبي طلحة . قال أبن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار وغيره ، ~~عن أشياخ من الأنصار ، قال : لما آطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحى ~~فقالوا : أحزر لنا أصحاب محمد ، فجال بفرسه حول العسكر ، ثم رجع ~~اليهمإليهمل : ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصونه ، ولكن أمهلوني حتى ~~أنظر ، أللقوم كمين أو مدد ؟ قال : فضرب في الوادي حتى أبعد ، فلم يرى شيئا ~~، فرجع إليهم ، فقال : ما رأيت شيئا ، ولكنى رأيت يا معشر قريش البلايا ، ~~نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، ~~أما ترونهم حرصا لا يتكلمون ، يتلمظون تلمظ الأفاعي ؛ والله أرى أن يقتل ~~رجل منكم ، فإذا أصابوا منكم PageV17P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" أعدادهم ، فما خير العيش بعد ذلك ؟ فروا رأيكم ~~. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس ؛ فأتى عتبة بن ربيعه فقال : يا ~~أبا الوليد انك كبير قريش وسيدها ، والمطاع فيها ، هل لك ألا تزال تذكر ~~منها بخير إلى آخر الدهر ؟ قال : وما ذاك يا حكيم ؟ قال : ترجع بالناس ~~وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي . قال : قد فعلت ، على عقلة ؛ فأت أبن ~~الحنظلية ، يعنى أبا جهل بن هشام ، قال : فأتيته فقلت : يا أبا الحكم ، قد ~~أرسلني إليك عتبة بكذا وكذا ، فقال : انتفخ والله سحره حين رأى محمدا ~~وأصحابه ، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ، ثم بعث إلى ~~عامر الحضرمي فقال : هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس ، وقد رأيت ثأرك بعينيك ~~، فقم فأنشد خفرتك ، ومقتل أخيك . فقام عامر فأكتشف ثم صرخ : واعمراه ~~واعمراه فحميت الحرب وحقب أمر الناس ، وأستو سقوا على ماهم عليه من الشر . ~~قال : فخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومى ، وكان رجلا شرسا سيئ الخلق ، ~~فقال : أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه ، أو أموتن دونه ، فخرج إليه ~~حمزة بن عبد المطلب ، فلما التقيا ضربه حمرة فأطن قدمه بنصف ساقه ، وهو دون ~~الحوض ، فوقع على ظهره ، ثم جاء إلى الحوض يريد أن يبر يمينه ، وأتبعه ms3462 حمزة ~~فضربه حتى قتله . ثم خرج بعده عتبة بن ربيعه ، بين أخيه شيبة بن ربيعه ، ~~وأبنه الوليد بن عتبة ، حتى إذا برز من الصف دعا إلى المبارزة ، فخرج إليه ~~ثلاثة من الأنصار ، وهم : عوف ومعوذ أبناء الحارث ، وعبد الله بن رواحة ، ~~فقالوا : من أنتم ؟ فقالوا : رهط من الأنصار ؛ قالوا : مالنا بكم من حاجة ، ~~ثم نادى مناديهم : يا محمد ، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا ، فأخرج لهم رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) عمه حمزة بن عبد المطلب ، وعلى بن أبى طالب ، ~~وعبيد بن الحارث ، فلما دنوا منهم قالوا : من أنتم ؟ فسمى كل رجل منهم نفسه ~~، قالوا : نعم أكفاء كرام ؛ فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة ، وبارز ~~حمزة شيبة ، وبارز على الوليد بن عتبة ، فأما حمزة وعلى فانهما لم يمهلا ~~مبارزيهما أن قتلاهما ، وأختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما ~~PageV17P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" أثبت صاحبه ، وكر حمزة وعلى بأسيافهما على ~~عتبة فذففا عليه ، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه . قال محمد بن سعد : ~~وفي عبيدة وعتبة نزل قوله تعالى : هذان خصمان أختصموا في ربهم . قال : ثم ~~زحف الناس ودنا بعضهم من بعض . وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة ~~من شهر رمضان ، على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة . وعدل رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) الصفوف ، ورجع إلى العريش ، فدخله هو وأبو بكر الصديق ليس ~~معه غيره فيه ، وهو ( صلى الله عليه وسلم ) يناشد ربهما وعده من النصر ، ~~ويقول فيما يقول : اللهم ان تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد ، وأبو بكر ~~يقول : يابنى الله ، بعض مناشدتك ربك ، فان الله منجزك ما وعدك . وخفق رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) خفقة ثم أنتبه ، فقال : أبشر يا أبا بكر ، ~~أتاك نصر الله ، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده ، على ثنايا النفع . قال ~~ابن إسحاق : ورمى مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل ، وكان أول قتيل قتل ~~من المسلمين ، ثم رمى حارثة بن سراقة ، أحد بنى عدى بن النجار ، وهو يشرب ~~في الحوض بسهم ، فأصاب ms3463 نحره ، فقتل . ثم خرج رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إلى الناس يحرضهم ، وقال : والذي نفس محمد بيده ليقاتلهم اليوم رجل ~~فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر ، إلا أدخله الله الجنة ، فقال عمير بن ~~الحمام أخو بنى سلمة ، وفي يده تمرات يأكلهن : نج نج أفما بيني وبين أن ~~أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء ؟ ثم قذف التمرات من يده ، وأخذ سيفه وقاتل ~~حتى قتل . وقال عوف بن الحارث - وهو ابن عفراء - يا رسول الله : ما يضحك ~~الرب من PageV17P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" عبده ؟ قال : غمسه يده في العدو حاسرا . فنزع ~~درعا كانت عليه ، وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل . قال : ثم أخذ رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ، ثم قال : شاهت ~~الوجوه ، ثم نفحهم بها ، وأمر أصحابه فقال : شدوا ؛ فكانت الهزيمة على قريش ~~، فقتل الله من صناديد قريش من قتل ، وأسر من أسر . قال محمد بن سعد : قال ~~عمر بن الخطاب رضى الله عنه : لما نزلت : سيهزم الجمع ويولون الدبر ، قلت : ~~وأى جمع يهزم ومن يغلب ؟ فلما كان يوم بدر نظرت إلى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يثب في الدرع وثبا وهو يقول : سيهزم الجمع ويولون الدبر ، ~~فعلمت أن الله تعالى سيهزمهم . قال : ولما وضع القوم أيديهم يأسرون ، ورسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) في قريش وسعد بن معاذ قائم على باب العريش ، ~~متوشح السيف ، في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، يخافون عليه كرة العدو ، فرأى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في وجه ~~سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال له : لكأنى بك يا سعد تكره ما ~~يصنع القوم ؛ قال : أجل : والله يا رسول الله ، كانت أول وقعة أوقعها الله ~~بأهل الشرك ، فكان الاثخان في القتل أحب إلى من أستبقاء الرجال . وفي هذا ~~اليوم أنزل الله تعالى الملائكة فقاتلوا مع المسلمين . قال محمد بن سعد : ~~لما صف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أصحابه وعبأهم للحرب ، جاءت ريح ms3464 ~~لم ير مثلها شدة ثم ذهبت ، فجاءت ريح أخرى ، فكانت الأولى جبريل عليه ~~السلام في ألف من الملائكة مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، والثانية ~~ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميمنة رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، والثالثة أسرا فيل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وكان سيما الملائكة يومئذ عمائم قد أرخوها بين ~~أكتافهم : خضر وصفر وحمر من نور ، والصوف في نواصي خيلهم ، فقال رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) لأصحابه : إن الملائكة قد سومت فسوموا . فأعلموا ~~بالصوف في مغافرهم وقلانسهم . PageV17P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" قال : وكانت الملائكة يوم بدر على خيل بلق . ~~وقال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبى بكر أنه حدث عن ابن عباس رضى الله ~~عنهما قال : حدثني رجل من بنى غفار قال : أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا ~~في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننظر الواقعة على من تكون الدائرة ، ~~ننتهب مع من ينتهب ، فبينما نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة ، فسمعنا فيها ~~حمحمة الخيل ، فسمعت قائلا يقول : أقدم حيزوم . قال : فأما ابن عمي فانكشف ~~قناع قلبه ، فمات مكانه . وأما أنا فكدت أن أهلك ، ثم تماسكت . وروى ابن ~~إسحاق عن أبى أسيد مالك بن ربيعة - وكان شهد بدرا - قال - بعد أن ذهب بصره ~~- : لو كنت اليوم ومعي بصرى لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة ، لا ~~أتمارى . وعن أبى داو ود المازنى ، قال : إني لأتبع رجلا من المشركين يوم ~~بدر لأضربه ، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي ، فعرفت أنه قتله غيري . ~~وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما ، قال : كانت سما الملائكة يوم بدر ~~عمائم بيضا قد أرسلوها في ظهورهم ، ويوم حنين عمائم حمرا ، وفي حديث آخر عن ~~على بن أبى طالب رضى الله عنه ، كانت سما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد ~~أرخوها على ظهورهم ، إلا جبريل فانه كانت عليه عمامة صفراء . وعن ابن عباس ~~رضى الله عنهما ms3465 ، قال : لم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر ، وكانوا ~~فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون . قال : وكان شعار أصحاب رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم بدر : أحد أحد . قال ابن إسحاق : وأقبل ~~أبو جهل يومئذ يرتجز وهو يقاتل و يقول : ابن إسحاق : وأقبل أبو جهل يومئذ ~~يرتجز وهو يقاتل و يقول : PageV17P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" ما تنقم الحرب العوان منى . . . بأزل عامين ~~حديث سنى لمثل هذا ولدتني أمي قال : فلما فرغ رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من عدوه أمر أن يلتمس أبو جهل بن هشام في القتلى ، فمر به عبد الله ~~بن مسعود ، قال : فوجدته بآخر رمق فعرفته ، فوضعت ، رجلي على عنقه ، فقال ~~لي : لقد ارتقيت يا رويعى الغنم مرتقى صعبا ، ثم قال : أخبرني لمن الدائرة ~~اليوم ؟ فقلت : لله ولرسوله ؛ ثم آختززت رأسه ، ثم جئت به إلى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فقلت : يا رسول الله ، هذا رأس عدو الله أبى جهل ؛ ~~فقال : الله الذي لا اله غيره ؟ قلت : نعم والله الذي لا اله غيره ، ثم ~~ألقيت رأسه بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وعن عائشة أم ~~المؤمنين رضى الله عنها قالت : لما أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بالقتلى أن يطرحوا في القليب ، طرحوا فيه إلا أمية بن خلف فانه انتفخ في ~~درعه فملأها فذهبوا ليحركوه فتزايل ، فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب ~~والحجارة ، قالت : ولما ألقوا في القليب ، وقف رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فقال : يأهل القليب ، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ، فأني قد وجدت ما ~~وعدني ربى حقا قالت : فقال له أصحابه : يا رسول الله ، أتكلم قوما موتى ؟ ~~فقال لهم : " لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق " . وعن أنس رضى الله عنه نحوه ~~، إلا أن فيه : فقال المسلمون : يا رسول الله ، أتنادى قوما قد جيفوا ؟ قال ~~: " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكن لا يستطيعوا أن يجيبوني " . قال ~~ابن إسحاق : وكان الفتية الذين قتلوا ببدر - فنزل ms3466 فيهم قوله تعالى : إن ~~الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في ~~الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم ~~وساءت مصيرا - الحارث بن زمعة بن الأسود ، وأبو قيس بن الفاكه ابن المغيرة ~~، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ، وعلى بن أمية بن خلف ، والعاص ابن منبه ~~. PageV17P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" وذلك أنهم كانوا أسلموا بمكة ، فلما هاجر رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة وفتنوهم فآفتتنوا ~~، ثم خرجوا مع قومهم إلى بدر ، فأصيبوا كلهم . قال : ثم أمر رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بما في العسكر مما جمع الناس فجمع ، وأختلف المسلمون ~~فيه ، فقال من جمعه : هو لنا ؛ وقال الذين كانوا يقاتلون العدو : والله ~~لولا نحن ما أصبتموه ، لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم ؛ وقال ~~الذين كانوا يحرسون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مخافة أن يخالف إليه ~~العدو : ما أنتم بأحق منا ، ما أنتم بأحق منا ، لقد رأينا أن نقتل العدو إذ ~~منحنا الله أكتافهم ، ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه ~~، ولكنا خفنا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كرة العدو فقمنا دونه ، ~~فما أنتم أحق به منا . فأنزل الله تعالى : يسألونك عن الأنفال قل الأنفال ~~لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ، نزلت السورة بجملتهما في غزوة ~~بدر . قال : ثم أقبل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قافلا إلى الدينة ~~ومعه الأسارى من المشركين والنفل ، وجعل على النفل عبد الله بن كعب المازنى ~~، فلما خرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من مضيق الصفراء ، نزل على ~~كثيب بين المضيق وبين النازية ، يقال له : سير ، إلى سرحة به وهو من ~~المدينة على ثلاث ليال ، فقسم هناك النفل الذي أفاء الله على المسلمين على ~~السواء . قال ابن سعد : وتنفل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سيفه ذا ~~الفقار ، وكان لمنبه بن الحجاج ، فكان صفية يومئذ ؛ وأخذ رسول الله ( صلى ~~الله عليه ms3467 وسلم ) سهمه مع المسلمين ، وفيه جمل أبي جهل بن هشام ، وكان ~~مهريا ، وبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) زيد بن حارثة بشيرا إلى ~~المدينة ، وبعث عبد الله بن رواحة إلى أهل العالية . قال ابن سعد يرفعه إلى ~~عبد بن عمر رضى الله عنهما ، قال : خرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يوم بدر بثلثمائة وخمسة عشر من المقاتلة ، كما خرج طالوت ، فدعا لهم رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين خرجوا ، فقال : " اللهم انهم حفاة فأحملهم ~~، اللهم انهم عراة فأكسهم ، اللهم انهم جياع فأشبعهم " . ففتح الله يوم بدر ~~فأنقلبوا حين أنقلبوا ، وما فيهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين ، فأكتسوا ~~وشبعوا . PageV17P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" وقال يرفعه إلى عكرمة قال : قيل لرسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) لما فرغ من أهل بدر : عليك بالعير ليس دونها شئ ، ~~فناداه العباس : انه لا يصلح ذلك لك ، قال : لم ؟ : قال : لم ؟ : لأن الله ~~تعالى وعدك إحدى الطائفتين ، فقد أعطاك ما وعدك . ذكر ورود الخبر بمصاب أهل ~~بدر على من بمكة من كفار قريش . وهلاك أبى لهب بن عبد المطلب قال ابن إسحاق ~~: كان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعى ، فقالوا له ~~: ما وراءك ؟ قال : قتل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو الحكم بن ~~هشام ، وأمية بن خلف ، وزمعة بن الأسود ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وأبو ~~البحتري ، وجعل يعدد أشراف قريش ، فقال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر ، ~~: والله إن يعقل هذا فاسألوه عنى ، قالوا : ما فعل صفوان بن أمية ؟ قال : ~~هو ذاك جالس في الحجر ، قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا . وقال أبو رافع ~~مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب ، ~~وكان الإسلام قد داخلنا أهل البيت ، فأسلم العباس ، وأسلمت أم الفضل ، ~~وأسلمت ، وكان العباس يهاب قومه ، ويكره خلافهم ، وكان يكتم إسلامه وكان ذا ~~مال كثير متفرق في قومه . وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر ، وبعث مكانه ms3468 العاص ~~ابن هشام بن المغيرة وكذلك كانوا صنعوا ، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا ~~، فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر كبته الله وأخزاه ، ووجدنا في أنفسنا ~~قوة وعزا ، وكنت رجلا ضعيفا ، وكنت أنحت الأقداح في حجرة زمزم ، فوا لله ~~إني لجالس فيها أنحت أقداحي وعندي أم الفضل جالسة ، وقد سرنا ما جاءنا من ~~الخبر إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر ، حتى جلس على طنب الحجر ، وكان ظهري ~~إلى ظهره ، فبينما هو جالس إذ قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد ~~المطلب . فقال أبو لهب : هلم الى ، فعندك لعمري الخبر . قال : فجلس إليه ~~والناس قيام عليه ، فقال : يابن أخي ، أخبرني PageV17P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" كيف أمر الناس ؟ قال : والله ما هو إلا أن ~~لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ، ويأيروننا كيف شاءوا ، ~~وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس ، لقينا رجلا أبيضا ، على خيل بلق بين ~~السماء والأرض ، والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شئ . قال أبو رافع : ~~فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت : تلك والله الملائكة . قال : فرفع أبو لهب ~~يده فضرب وجهي ضربة شديدة ، فثاورته فاحتملني ، فضرب بي الأرض ، ثم برك على ~~صدري ، وكنت رجلا ضعيفا ، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته ~~فضربته به ضربة فلقت رأسه شجة منكرة ، وقالت : أستضعفه أن غاب عنه سيده ؟ ~~فقام موليا ذليلا ، فوا لله ما عاش الا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة ~~فقتلته . وقالت قريش في قتلى بدر مراثي كثيرة ذكرها أبن هشام وغيره ، تركنا ~~إيرادها رغبة في الاختصار ، ولأنه ليس تحت ذلك كبير فائدة فيما نحن بصدده ، ~~إلا أنها تشهد بقتل من قتل ممن نذكره ان شاء الله تعالى . ذكر تسمية من شهد ~~بدرا من المهاجرين والأنصار مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان جميع ~~من شهدا بدرا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من المسلمين ومن ضرب له ~~فيها بسهمه وأجره ثلثمائة رجل وأربعة عشر رجلا ، من المهاجرين ثلاثة ms3469 ~~وثمانون ، ومن الأوس أحد وستون ، ومن الخزرج مائة وسبعون . فأما من شهد ~~بدرا من المهاجرين ، ومن ضرب له بسهمه وأجره ، فشهدها من بنى هاشم بن عبد ~~مناف اثنا عشر رجلا ، وهم : سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وحمزة بن عبد المطلب ، وعلي بن أبى طالب ، وزيد ابن حارثة ، وأنسة الحبشي ، ~~وأبو كبشة الفارسي ، موالى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأبو مرثد ~~كناز بن حصين ، وأبنه مرثد ، حليفا حمزة بن عبد المطلب ، وعبيدة بن الحارث ~~بن المطلب ، وأخوه : الطفيل ، والحصين ، ومسطح ، وأسمه عوف بن أثاثة بن ~~عباد بن المطلب . ومن بني عبد شمس بن عبد مناف وحلفائهم خمسة عشرة رجلا ، ~~وهم : أبو حذيقة بن عتبة بن ربيعة ، وسالم مولاه . ومن حلفائهم من بني أسد ~~ابن خزيمة عبد PageV17P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" الله بن جحش بن رئاب ، وعكاشة بن محصن ، وشجاع ~~بن وهب ابن ربيعة ، وأخوه عقبة ، ويزيد بن رقيش بن رئاب ، وأبو سنان بن ~~محصن ابن حرثان أخو عكاشة ، وأبنه سنان ، ومحرز بن نضلة بن عبد الله وربيعة ~~بن أكثم بن سخبرة بن عمرو . ومن حلفائهم بني كبير بن غنم بن دودان بن أسد : ~~ثقف بن عمرو ، وأخواه مالك ، ومدلج ، وهم من بني حجر آل بني سليم ، وأبو ~~مخشى ، حليف لهم . ومن بني نوفل بن عبد مناف رجلان ، وهما : عتبة بن غزوان ~~، وخباب مولاه . ومن بنى أسد بن عبد العزى ثلاثة نفر ، وهم : الزبير بن ~~العوام وحاطب بن أبى بلتعة ، وسعد مولاه . ومن بنى عبد الدار رجلان ، وهما ~~: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار ، وسويبط بن سعد بن ~~حريملة ، ويقال : ابن حرملة بن مالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار . ومن ~~بنى زهرة بن كلاب وحلفائهم تسعة نفر ، وهم : عبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن ~~أبى وقاص ، وأبو وقاص مالك بن أهيب ، وأخوه عمير بن أبى وقاص . ومن حلفائهم ~~: المقداد بن عمرو بن ثعلبة ، وعبد الله بن مسعود ابن الحارث ، ومسعود بن ~~ربيعة بن ms3470 عمرو ، وذو الشمالين عمير بن عبد عمرو بن نضلة ، وخباب بن الأرت . ~~ومن بنى تيم بن مرة ومواليهم أربعة نفر ، وهم : أبو بكر الصديق رضى الله ~~عنه ، ومواليه ، بلال بن رباح ، وعامر بن فهيرة ، وصهيب بن سنان . ومن بنى ~~مخزوم خمسة نفر ، وهم : أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد وشماس بن عثمان بن ~~الشريد ، وآسم شماس عثمان ، والأرقم بن أبى الأرقم ، وأبو الأرقم هو عبد ~~مناف بن أسد ، وعمار بن ياسر ، ومعتب بن عوف بن عامر حليف لهم . ومن بنى ~~عدى بن كعب وحلفائهم أثنا عشر رجلا ، وهم : عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، ~~وأخوه زيد ، ومهجع مولى عمر ، وعمر بن سراقة بن المعتمر وأخوه عبد الله ، ~~وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين ، حليف لهم ، وعامر ابن البكير ، ~~وأخواه خالد ، واياس ، حلفاء بنى عدى ، وخولى ، وأخوه مالك ، حليفان لهم - ~~ومنهم من عد هلال بن أبى خولى - وعامر بن أبى ربيعة ، حليف لهم . ومن بنى ~~جمع خمسة نفر ، وهم : عثمان بن مظعون ، وأبنه السائب وأخواه قدامة ، وعبد ~~الله ، أبناء مظعون ، ومعمر بن الحارث بن معمر . PageV17P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" ومن بنى سهم بن عمرو : خنيس بن حذافة بن قيس . ~~ومن بنى عامر بن لؤى خمسة نفر ، وهم : أبو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزى ، ~~وعبد الله بن سهيل بن عمرو - وكان قد خرج مع أبيه سهيل ، فلما نزل الناس ~~بدرا فر إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فشهدها معه - وعمير بن عوف ، ~~مولى سهيل بن عمرو ، وسعد ابن خولة ، حليف لهم . ومن بنى الحارث بن فهر ~~خمسة نفر ، وهم : أبو عبيدة عامر بن عبد الله ابن الجراح ، وعمرو بن الحارث ~~بن زهير ، وسهيل بن ربيعة بن هلال ، وأخوه صفوان بن وهب ، وهما أبنا بيضاء ~~، وعمرو بن أبى سرح بن ربيعة . هؤلاء الذين شهدوا بدرا من المهاجرين . وأما ~~من ضرب له بسهمه وأجره ، فثلاثة نفر ، وهم : عثمان بن عفان - وقد تقدم خبره ~~- وطلحة بن عبيد الله ، وسعيد ms3471 بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وكانا قد بعثهما ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى الشام يتحسسان له خبر العير ، فقدما ~~بعد غزوة بدر ، فضرب لهما رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بسهميهما ، ~~قالا : يا رسول الله ، وأجرنا ؛ قال : وأجركما . وأما من شهدها من الأوس ~~ومن غاب وضرب له فيها بسهمه وأجره ، فهم أحد وستون رجلا ، شهدها منهم ستة ~~وخمسون رجلا ، وهم : سعد بن معاذ ابن النعمان ، وأخوه عمرو بن معاذ ، ~~والحارث بن أنس بن رافع ، وسعد بن زيد ابن مالك ، وسلمة بن سلامة بن وقش ، ~~وعباد بن بشر بن وقش ، وسلمة بن ثابت بن وقش ، ورافع بن يزيد بن كرز ، ~~والحارث بن خزمة بن عدى ، حليف لهم ، ومحمد بن مسلمة بن خالد ، حليف لهم ، ~~وسلمة بن أسلم بن حر يش ، حليف لهم ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وأخوه عبيد ~~بن التيهان - قال أبن هشام : ويقال : عتيك بن التيهان - وعبد الله بن سهيل ~~، وقتادة بن النعمان بن زيد ، وعبيد ابن أوس بن مالك - وعبيد هو الذي يقال ~~له : مقرن ، لأنه قرن أربعة أسرى في يوم بدر ، وهو الذي أسر عقيل بن أبى ~~طالب يومئذ ، ونصر بن الحارث بن عبد بن رزاح بن كعب ، ومتعب بن عبيد ، وعبد ~~الله بن طارق حليف لهما من بلى ، ومسعود بن سعد بن عامر ، ويقال فيه : ~~مسعود بن عبد سعد ، وأبو عبس بن جبر بن عمرو ، وأبو بردة بن نيار ، وأسمه ~~هانئ ، حليف لهم من بلى ، وعاصم بن ثابت بن قيس ، ومتعب بن قشير ، وأبو ~~مليل بن الأزعر بن زيد ، وعمرو بن معبد بن الأزعر ، وقيل فيه : عمير بن ~~معبد ، وسهل بن حنيف بن واهب ، ومبشر بن عبد المنذر بن زنبر ، وأخوه رقاعة ~~، وسعد بن عبيد بن النعمان ، وعويم بن ساعدة PageV17P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" بن عنجدة ، وعبيد ابن أبى عبيد ، وثعلبة بن ~~حاطب ، وأنيس بن قتادة بن ربيعة . ومعن بن عدى ابن الجد من حلفائهم ، وثابت ~~بن ثعلبة ، وعبد الله بن سلمة ، وزيد بن أسلم ms3472 بن ثعلبة ، وربعى بن رافع بن ~~زيد ، هؤلاء الخمسة من حلفائهم من بلى ، وعبد الله ابن جبير بن النعمان ~~وعاصم بن قيس بن ثابت ، وأبو ضياح ثابت بن النعمان وأخوه أبو حنة - ويقال : ~~أبو حبة - وسالم بن عمير بن ثابت بن النعمان ، والحارث ابن النعمان بن أمية ~~، ومنذر بن محمد بن عقبة ، وأبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة من حلفائهم ، ~~وسعد بن خيثمة بن الحارث ، ومنذر بن قدامة ، ومالك بن قدامة ابن عرفجة ، ~~والحارث بن عرفجة ، وتميم مولى بنى غنم ، وجبر بن عتيك بن الحارث ومالك بن ~~نميلة ، حليف لبنى معاوية من مزينة ، والنعمان بن عصر ، حليف لبنى معاوية ~~من بلى . هؤلاء الذين شهدوها من الأوس . وأما من ضرب له بسهمه وأجره منهم ~~فخمسة نفر ، وهم : أبو لبابة وأسمه بشير بن عبد الله ، والحارث بن حاطب ، ~~وحاطب بن عمرو بن عبيد وعاصم بن عدى بن الجد بن العجلان ، وخوات بن جبير بن ~~النعمان . وأما من شهدها من الخزرج ومواليهم وحلفائهم فمائة وسبعون رجلا : ~~خارجة بن زيد بن أبى زهير ، وسعد بن ربيع بن عمرو بن أبى زهير وعبد الله بن ~~رواحة بن أمرئ القيس ، وخلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو وبشير بن سعد بن ~~ثعلبة ، وأخوه سماك بن سعد ، وسبيع بن قيس بن عيشة بن أمية ، وأخوه عباد بن ~~قيس ، وعبد الله بن عبس ، ويزيد بن الحارث بن قيس وخبيب بن اساف بن عتبة ، ~~وعبد الله بن زيد بن ثعلبة ، وأخوه حريث بن زيد ، وسفيان بن نسر بن عمرو بن ~~الحارث ، وتميم بن يعار بن قيس ، وعبد الله ابن عمير بن عدى ، وزيد بن ~~المزين بن قيس ، وعبد الله بن عرفطة بن عدى ، وعبد الله بن ربيع بن قيس ، ~~وعبد الله بن أبى بن مالك ، وأوس ابن خولى بن عبد الله بن الحارث ، وزيد بن ~~وديعة بن عمرو بن قيس بن جزء وعقبة بن وهب بن كلدة ، حليف لهم من بنى عبد ~~الله بن غطفان ، ورفاعة بن عمرو ms3473 بن ثعلبة ، وعامر بن سلمة بن عامر ، حليف ~~لهم من اليمن ، وأبو حميضة عباد بن قشير بن المقدم ، وعامر بن البكير ، ~~حليف لهم ، ونوفل بن عبد الله بن نضلة ، وعباد بن PageV17P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" الصامت بن قيس بن أصرم ، وأخوه أوس بن الصامت ~~والنعمان بن مالك بن ثعلبة بن دعد ، وهو الذي يقال له : قوقل ؛ وثابت بن ~~هزال ابن عمرو بن قر يوش ، ويقال : قريوس ، ومالك بن الدخشم بن مالك ، ~~وربيع ابن اياس ، حليف لبنى لوذان من اليمن ، والمجدر بن زياد بن عمرو ؛ ~~وأسم المجذر ، عبد الله حليف لهم من بلى ، وعباد بن الخشخاش بن عمرو ، حليف ~~، ونجاب بن ثعلبة بن خزمة ويقال : بحاث ، وعبد الله بن ثعلبة بن خرمة ، بن ~~ربيعة بن خالد بن معاوية ، حليف لهم ، وهو من بنى سليم ، وأبو دجانة سماك ~~بن خرشة . قال ابن هشام : سماك بن أوس بن خرشة ، والمنذر بن عمرو بن خنيش ~~بن حارثة ، وأبو أسيد مالك بن ربيعة ، ومالك بن مسعود البدى ، وعبد ربه بن ~~حق ابن أوس بن وقش بن ثعلبة بن طريف . ومن حلفائهم من جهينة : كعب بن جماز ~~بن ثعلبة - ويقال : حمار ، وهو من غبشان - وضمرة ، وبسبس ، وزياد ، بنو ~~عمرو . وعبد الله بن عامر من بلى . وخراش بن الصمة بن عمرو بن الجموح ، ~~وتميم مولى خراش بن الصمة ، وعبد الله بن عمرو بن حرام ، ومعاذ بن عمرو بن ~~الجموح ، ومعوذ بن عمرو بن الجموح ، وخلاد بن عمرو بن الجموح ، وعقبة بن ~~عامر بن نأبى ، وحبيب بن أسود ، مولى لهم ، وثابت بن ثعلبة بن زيد بن ~~الحارث ، وثعلبة الذي يقال له : الجذع ، وعمير بن الحارث بن ثعلبة بن ~~الحارث ، وبشر بن البراء ابن معرور بن صخر ، والطفيل بن مالك بن النعمان ، ~~وسنان بن صيفي بن صخر وعبد الله بن الجد بن قيس بن صخر ، وخارجة بن حمير ، ~~وعبد الله بن حمير ، حليفان لهم من أشجع من بنى دهمان ، وجبار بن صخرة بن ~~أمية بن خناس ، ويزيد بن المنذر ابن ms3474 سرح ، وأخوه معقل بن المنذر ، وعبد ~~الله بن النعمان بن بلدمة ، ويقال : بلدمة وبلذمة ، والضحاك بن حارثة بن ~~زيد بن ثعلبة ، وسواد بن زريق بن ثعلبة ؛ ومعبد بن قيس بن صخر ، وأخوه ~~PageV17P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" عبد الله بن قيس ، وعبد الله بن عبد مناف بن ~~النعمان ، والنعمان بن يسار مولى لبنى النعمان ، وأبو المنذر بن يزيد بن ~~عامر بن حديدة ، وسليم بن عمرو بن حديدة ، وقطبة بن عامر بن حديدة ، وعنترة ~~مولى سليم ابن عمرو ، وعبس بن عامر بن عدى ، وثعلبة بن غنمة بن عدى ، وأبو ~~اليسر ، وهو كعب بن عباد بن عمرو ، وسهل بن قيس بن أبى كعب ، وعمرو بن طلق ~~بن زيد بن أمية ، ومعاذ بن جبل بن عمرو ، وحارثة بن مالك بن غضب ابن جشم ، ~~وقيس بن محصن بن خالد بن مخلد ، ويقال : قيس بن حصن ، وأبو خالد ، وهو ~~الحارث بن قيس بن خالد بن مخلد ، وجبير بن اياس بن خالد بن مخلد ، وأخوه ~~عقبة بن عثمان بن خلدة بن مخلد ، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد ، ~~ومسعود ابن خلدة بن عامر بن مخلد ، وعباد بن قيس بن عامر بن خالد ، وأسعد ~~بن مزيد ابن الفاكه بن زيد بن خلدة ، والفاكه بن بشر بن زيد ، ومعاذ بن ~~ماعص بن قيس بن خلدة ، وأخوه عائذ بن ماعص ، ومسعود بن سعد بن قيس ابن خلدة ~~، ورفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان ، وأخوه خلاد بن رافع ، وعبيد ابن زيد ~~ابن عامر ، وزياد بن لبيد بن ثعلبة بن سنان ، وفروة بن عمرو بن ودفة ابن ~~عبيد ، وخالد بن قيس بن مالك بن العجلان ، ورجيلة بن ثعلبة بن خالد بن ~~ثعلبة ، وعطية بن نويرة بن عامر بن عطية ، ورافع بن المعلى بن لوذان ، وأبو ~~أيوب خالد ابن زيد بن كليب بن ثعلبة ، وثابت بن خالد بن النعمان ، وعمارة ~~بن حزم بن زيد ابن لوذان بن عمرو ، وسراقة بن كعب بن عبد العزى بن غزية ، ~~وحارثة بن النعمان ابن زيد ms3475 بن عبيد ، وسليم بن قيس بن فهد ، وسهيل بن رافع ~~بن أبى عمرو بن عائذ ، وعدى بن أبى الزغباء ، حليف لبنى عائذ من جهينة ، ~~ومسعود بن أوس ابن زيد ، وأبو خزيمة بن أوس بن زيد ، ورافع بن الحارث بن ~~سواد بن زيد ، وعوف ، ومعوذ ، ومعاذ ، بنو الحارث بن رفاعة ، وهم بنو عفراء ~~بنت عبيد بن ثعلبة ، والنعمان بن عمرو بن رفاعة بن سواد ، ويقال : نعمان ؛ ~~وعامر بن مخلد بن الحارث ابن سواد ، وعبد الله بن قيس بن خلدة بن الحارث بن ~~سواد ، وعصيمة ، حليف لبنى سواد من أشجع ، ووديعة بن عمرو ، حليف لهم من ~~جهينة ، وثابت بن عمرو بن زيد بن عدى بن سواد - قال ابن هشام : وزعموا أن ~~أبا الحمراء مولى الحارث بن عفراء شهد بدرا - وثعلبة بن عمرو بن محصن بن ~~عمرو بن عتيك ، والحارث بن الصمة بن عمرو بن عتيك ، كسر بالروحاء ، فضرب له ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بسهمه ، وأبى بن PageV17P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" كعب بن قيس ، وأنس بن معاذ بن أنس بن قيس ، ~~وأوس بن ثابت بن المنذر بن حرام ، وأبو شيخ أبى بن ثابت بن المنذر بن ~~الحرام . قال ابن هشام : أبو شيخ أبى بن ثابت أخو حسان بن ثابت ، وأبو طلحة ~~زيد بن سهل بن الأسود بن حرام ، وحارثة بن سراقة بن الحارث بن عدى ، وعمرو ~~بن ثعلبة بن وهب بن عدى ، وسليط بن قيس بن عمرو بن عتيك بن مالك ، وأبو ~~سليط - وهو أسيرة بن عمرو - وثابت بن خنساء بن عمرو بن مالك بن عدى ، وعامر ~~بن أمية بن زيد بن الحسحاس بن مالك ، ومحرز بن عامر بن مالك بن عدى ، وسواد ~~بن غزية بن أهيب ، حليف لبنى عدى بن النجار . وأبو زيد قيس بن سكن بن قيس ، ~~وأبو الأعور بن الحارث بن ظالم بن عبس ابن حرام ، ويقال : أبو الأعور ~~الحارث بن ظالم ، وسليم بن ملحان ، وأخوه حرام - وأسم ملحان : مالك بن خالد ~~بن زيد - وقيس بن أبى صعصعة - وأسم ms3476 أبى صعصعة : عمرو بن زيد بن عوف - وعبد ~~الله بن كعب بن عمرو بن عوف ، وعصيمة ، حليف لبنى مازن بن النجار من بنى ~~أسد بن خزيمة ، وأبو داود عمير ابن عامر بن مالك بن خنساء ، وسراقة بن عمرو ~~بن عطية بن خنساء ، وقيس بن مخلد بن ثعلبة بن صخر بن حبيب ، ومسعود بن عبد ~~الأشهل بن حارثة بن دينار ، وأخواه لأمه الضحاك ، والنعمان ، أبناء عبد ~~عمرو ، وجابر بن خالد بن عبد الأشهل بن حارثة ، وسعد بن سهيل بن عبد الأشهل ~~، وكعب بن زيد بن قيس بن مالك ، وبجير بن أبى بجير ، حليف لبنى قيس بن مالك ~~. هؤلاء الذين عدهم محمد بن اسحاق . قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم يذكرون ~~في الخزرج ممن شهد بدرا عتبان ابن مالك بن عمرو بن العجلان ، ومليل بن وبرة ~~بن خالد بن العجلان ، وعصمة بن الحصين بن وبرة بن خالد بن العجلان ، وهلال ~~بن المعلى بن لوذان بن حارثة . ابن حرام ، ويقال : أبو الأعور الحارث بن ~~ظالم ، وسليم بن ملحان ، وأخوه حرام - وأسم ملحان : مالك بن خالد بن زيد - ~~وقيس بن أبى صعصعة - وأسم أبى صعصعة : عمرو بن زيد بن عوف - وعبد الله بن ~~كعب بن عمرو بن عوف ، وعصيمة ، حليف لبنى مازن بن النجار من بنى أسد بن ~~خزيمة ، وأبو داود عمير ابن عامر بن مالك بن خنساء ، وسراقة بن عمرو بن ~~عطية بن خنساء ، وقيس بن مخلد بن ثعلبة بن صخر بن حبيب ، ومسعود بن عبد ~~الأشهل بن حارثة بن دينار ، وأخواه لأمه الضحاك ، والنعمان ، أبناء عبد ~~عمرو ، وجابر بن خالد بن عبد الأشهل بن حارثة ، وسعد بن سهيل بن عبد الأشهل ~~، وكعب بن زيد بن قيس بن مالك ، وبجير بن أبى بجير ، حليف لبنى قيس بن مالك ~~. هؤلاء الذين عدهم محمد بن اسحاق . قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم يذكرون ~~في الخزرج ممن شهد بدرا عتبان ابن مالك بن عمرو بن العجلان ، ومليل بن وبرة ~~بن خالد بن العجلان ، وعصمة بن الحصين ms3477 بن وبرة بن خالد بن العجلان ، وهلال ~~بن المعلى بن لوذان بن حارثة . ذكر تسمية من استشهد من المسلمين في غزاة ~~بدر كان من أستشهد من المسلمين في غزاة بدر أربعة عشر رجلا ، من المهاجرين ~~ستة نفر ، وهم : عبيدة بن الحارث بن المطلب ، قتله عتبة بن ربيعة ، قطع ~~رجله فمات بالصفراء في قفول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة ~~، وعمير بن أبى وقاص ، وهو أخو PageV17P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" سعيد ، وذو الشمالين بن عبد عمرو نضلة الخزاعى ~~، حليف لبنى زهرة ، وعاقل بن البكير ، حليف لبنى عدى بن كعب من بنى سعد بن ~~ليث ، ومهجع ، مولى عمر بن الخطاب ، وصفوان بن بيضاء ، من بنى الحارث بن ~~فهر . ومن الأنصار ثمانية وهم : سعد بن خيثمة ، ومبشر بن عبد المنذر بن ~~زنبر ، ويزيد بن الحارث ، وعمير بن الحمام ، ورافع بن المعلى ، وحارثة بن ~~سراقة بن الحارث ، وعوف ، ومعوذ ، ابنا الحارث بن رفاعة . ذكر تسمية من قتل ~~من المشركين في غزوة بدر سبعين رجلا من بنى عبد شمس ومواليهم وحلفائهم ~~أربعة عشر رجلا ، وهم : عقبة ابن أبى معيط ، قتل صبرا بعرق الظبية عند قفول ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة وقال - حين أمر رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بقتله - : فمن للصبية يا محمد ؟ قال : النار فقتله ~~عاصم بن ثابت بن الأقلح ، وحنظلة بن أبى سفيان بن حرب ، قتله زيد بن حارثة ~~، مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ويقال : أشترك فيه حمزة بن عبد ~~المطلب ، وعلى بن أبى طالب ، وزيد بن حارثة ، والحارث بن الحضرمى ، وعامر ~~بن الحضرمى ، حليفان لهم . قتل عامرا عمار ابن ياسر ، وقتل الحارث النعمان ~~بن عصر ، حليف الأوس ، وعمير بن أبى عمير ، وأبنه ، موليان لهم . قتل عميرا ~~سالم مولى أبى حذيفة ، وعبيدة بن سعيد ابن العاص بن أمية بن عبد شمس ، قتله ~~الزبير بن العوم ، والعاص بن سعيد بن العاص ابن أمية ، قتله عاصم بن ثابت ~~بن الأقلح ، صبرا ، وقيل : قتله على بن أبى طالب ، وعتبة ms3478 بن ربيعة بن عبد ~~شمس ، اشترك فيه عبيدة بن الحارث ، وحمزة بن عبد المطلب وعلى بن أبى طالب ؛ ~~وشيبة بن ربيعة بن عبد شمس ، قتله حمزة بن عبد المطلب ، والوليد بن عتبة بن ~~ربيعة ، قتله على بن أبى طالب ، وعامر بن عبد الله ، حليف لهم من بنى أنمار ~~، قتله على ، ووهب بن الحارث ، حليف لهم من بنى أنمار ، وعامر ابن زيد ، ~~حليف لهم من اليمن . ومن بنى نوفل بن عبد مناف رجلان ، وهما : الحارث بن ~~عامر ابن نوفل ، قتله خبيب بن اساف ، وطعيمة بن عدى بن نوفل ، قتله على ، ~~ويقال : حمزة ؛ وروى أبو PageV17P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" عمر بن عبد البر بسنده إلى عباس رضى الله ~~عنهما أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قتل طعيمة بن عدى صبرا هو وعقبة ~~بن أبى معيط والنضر بن الحارث . ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى سبعة نفر ~~: زمعة بن الأسود ابن المطلب بن أسد ، قتله ثابت بن الجذع ، وقيل اشترك فيه ~~حمزة وعلى ، مع ثابت ، والحارث بن زمعة ، قتله عمار بن ياسر ، وعقيل بن ~~الأسود بن المطلب قتله حمزة ، وعلى ، وأبو البحتري - وهو العاص بن هشام - ~~قال ابن هشام : العاص ابن هاشم بن الحارث بن أسد ، قتله المجذر البلوى ، ~~وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد نهى عن قتله ، لأنه كان أكف ~~الناس عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، لما كان بمكة ، كان لا يؤذيه ~~ولا يبلغه عنه شئ يكرهه ، وكان ممن قام في نقض الصحيفة كما تقدم ، فلما ~~لقيه المجذر قال له : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد نهانا عن ~~قتلك ، وكان مع أبى البحتري زميل له قد خرج معه من مكة ، وهو جنادة بن ~~مليحة - رجل من بنى ليث - فقال أبو البحتري . وزميلى ، فقال المجذر : لا ~~والله ما نحن بتاركى زميلك ، ما امرنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إلا بك وحدك . فقال : لا والله إذا لأموتن أنا وهو جميعا لا تحدث عنى نساء ~~مكة ms3479 أنى تركت زميلى حرصا على الحياة ، وقال يرتجز . لن يسلم أبن حرة زميله ~~. . . حتى يموت أو يرى سبيله ثم أقتتلا ، فقتل المجذر أبا البحتري ، ثم أتى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : والذى بعثك بالحق ، لقد جهدت عليه ~~أن يستأسر فأتيك به ، فأبى إلا أن يقاتلنى ، فقاتلته فقتلته . ونوفل بن ~~خويلد بن أسد ، قتله على بن أبى طالب ، وعقبة بن زيد ، حليف لهم من اليمن ، ~~مولى لهم . ومن بنى عبد الدار بن قصى أربعة نفروهم : النضر بن الحارث ابن ~~علقمة بن كلدة ، قتله على صبرا بالصفراء ، ولما أبنته قتيلة بنت النضر خبر ~~مقتله كتبت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) شعرا . يا راكبا إن ~~الأثيل مظنة . . . من صبح خامسة وأنت موفق بلغ به ميتا بأن تحية . . . ما ~~إن تزال بها النجائب تخفق PageV17P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" منى اليه وعبرة مسفوحة . . . جادت لمائحها ~~وأخرى تخنق هل يسمعن النضر ان ناديته . . . بل كيف يسمع ميت لا ينطق ظلت ~~سيوف بنى أبيه تنوشه . . . لله أرحام هناك تشقق قسرا يقاد إلى المنية متعبا ~~. . . رسف المقيد وهو عان موثق أمحمد أو لست ضنء نجيبة . . . في قومها ~~والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما . . . من الفتى وهو المغيظ ~~المحنق النضر أقرب من قتلت قرابة . . . وأحقهم إن كان عتق يعتق أو كنت قابل ~~فدية فلينفقن . . . بأعز ما يغلو به ما ينفق فلما سمع رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ذلك بكى حتى أخضلت لحيته وقال : " لو بلغنى شعرها قبل أن أقتله ~~لعفوت عنه " حكاه أبو عمر عن عبد الله ابن إدريس ، وحكاه الزبير بن بكار ، ~~وقال : فرق لها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى دمعت عيناه ، وقال ~~لأبى بكر : " يا أبا بكر لو كنت سمعت شعرها ما قتلت أباها " وزيد بن مليص ، ~~مولى عمير بن هاشم ، قتله بلال بن رباح ، مولى أبى بكر ، ويقال : قتله ~~المقداد بن عمرو . ونبيه بن زيد بن مليص ، وعبيد بن سليط حليف لهم من قيس . ~~ومن بنى تيم ms3480 بن مرة أربعة نفروهم : عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب ابن سعد ~~بن تيم ، قتله على بن أبى طالب ، ويقال : عبد الرحمن بن عوف . وعثمان بن ~~مالك بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب ، قتله صهيب بن سنان . ومالك بن ~~عبيد الله بن عثمان ، أسر فمات في الإسار ، فعد في القتلى . وعمرو بن عبد ~~الله بن جدعان . ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة أربعة وعشرون رجلا : أبو جهل ~~وأسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - ضربه معاذ ~~ابن عمرو بن الجموح فقطع رجله ، وضرب أبنه عكرمة يد معاذ فطرحها ، ثم ضربه ~~معوذ بن عفراء PageV17P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" حتى أثبته ، وتركه وبه رمق ، ثم وقف عليه عبد ~~الله بن مسعود واحتز رأسه كما تقدم ، والعاص بن هشام بن المغيرة ، قتله عمر ~~بن الخطاب ، وكان خال عمر . ويزيد بن عبد الله ، حليف لهم من بنى تميم ، ~~قتله عمار بن ياسر . وأبو مسا فع الأشعرى ، حليف لهم ، قتله أبو دجانة ~~الساعدى . وحرملة بن عمرو حليف لهم ، قتله خارجة بن زيد ، ويقال : بل على ~~بن أبى طالب . ومسعود ابن أبى أمية بن المغيرة ، قتله على بن أبى طالب . ~~وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ، قتله حمزة بن عبد المطلب ويقال : على ؛ ~~وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة ، قتله على ، ويقال : عمار بن ياسر ، ورفاعة ~~بن أبى رفاعة بن عابد بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم ، قتله سعد بن الربيع ، ~~والمنذر بن أبى رفاعة بن عابد ، قتله معن بن عدى ، وعبد الله بن المنذر بن ~~أبى رفاعة ، قتله على بن أبى طالب ، والسائب ابن أبى السائب بن غابد بن عبد ~~الله بن عمر بن مخزوم على ما حكاه ابن إسحاق . وقال ابن هشام بسند يرفعه ~~إلى أبن عباس رضى الله عنهما : إن السائب هذا ممن بايع رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من قريش ، وأعطاه يوم الجعرانة من غنائم حنين ، فقد وقع ~~فيه الخلاف ms3481 . والأسود بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، ~~قتله حمزة ، وحاجب ، ويقال : حاجز بن السائب بن عويمر بن عمرو بن عائد ، ~~قتله على بن أبى طالب . وعويمر بن السائب بن عويمر ، قتله النعمان ابن مالك ~~القوقلى مبارزة ، وعمرو بن سفيان ، وجابر بن سفيان ، حليفان لهم من طيء ، ~~قتل عمرا يزيد بن رقيش ، وقتل جابرا أبو بردة بن نيار . وحذيفة ابن أبى ~~حذيفة بن المغيرة ، قتله سعد بن أبى وقاص ، وهشام بن أبى حذيقة ابن المغيرة ~~، قتله صهيب بن سنان . وزهير بن أبى رقاعة ، قتله أبو أسيد مالك ابن أبى ~~ربيعة . والسائب بن أبى رفاعة ، قتله عبد الرحمن بن عوف . وعائذ بن السائب ~~بن عويمر ، أسر ثم افتدى فمات في الطريق من جراحة جرحه إياها حمزة ابن عبد ~~المطلب ، وعمير ، حليف لهم من طيء ، وخيار ، حليف لهم من القارة . ومن بنى ~~سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى سبعة نفر وهم : منبه بن الحجاج بن عامر ~~بن حذيفة بن سعد بن سهم ، قتله أبو اليسر ، أخو بن سلمة وأبنه العاص بن ~~منبه ، قتله علي . ونبيه بن الحجاج ، قتله حمزة بن عبد المطلب ، وسعد بن ~~أبي وقاص ، اشتركا فيه ، وأبو العاص بن بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم ، قتله ~~علي ، PageV17P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" ويقال : النعمان القوقلى ، ويقال : أبو دجانة ~~، وعاصم بن أبي عوف بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم ، قتله أبو اليسر أخو ~~بنى سلمة . والحارث بن منبه بن الحجاج ، قتله صهيب بن سنان ، وعامر بن أبى ~~عوف بن صبيرة أخو عاصم ، قتله عبد الله بن سلمة ، ويقال : أبو دجانة . ومن ~~بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى أربعة نفر ، وهم : أمية ابن خلف بن ~~حذافة بن جمح ، قتله رجل من الأنصار من بنى مازن ويقال : قتله معاذ بن ~~عفراء ، وخارجة بن زيد ، وخبيب بن اساف ، اشتركو فيه . وابنه عاى بن أميةبن ~~خلف ، قتله عمار بن ياسر . وأوس ms3482 بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح ، قتله على ~~بن ابى طالب ، ويقال : قتله الحصين بن الحارث بن المطلب وعثمان بن مظعون ، ~~اشتركا فيه ، وسبرة بن مالك ، حليف لهم . ومن بنى عامر بن لؤى من حلفائهم ~~رجلا وهما : معاوية بن عامر حليف لهم من عبد القيس ، قتله على ، ويقال : ~~عكاشة بن محصن . ومعبد بن وهب ، حليف لهم من بنى كلب ، قتله خالد واياس ~~أبنا البكير ، ويقال : أبو دجانة . فجميع من أنضبط لنا بالأسماء ممن قتل من ~~المشركين يوم بدر ثمانية وستون على الشك في السائب بن أبى السائب ، والذي ~~ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه أصابوا ~~من المشركين في يوم بدر أربعين ومائة ؛ سبعين أسيرا ، وسبعين قتيلا . وهما ~~: معاوية بن عامر حليف لهم من عبد القيس ، قتله على ، ويقال : عكاشة بن ~~محصن . ومعبد بن وهب ، حليف لهم من بنى كلب ، قتله خالد واياس أبنا البكير ~~، ويقال : أبو دجانة . فجميع من أنضبط لنا بالأسماء ممن قتل من المشركين ~~يوم بدر ثمانية وستون على الشك في السائب بن أبى السائب ، والذي ثبت في ~~صحيح البخاري أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه أصابوا من ~~المشركين في يوم بدر أربعين ومائة ؛ سبعين أسيرا ، وسبعين قتيلا . ذكر ~~تسمية من أسر من المشركين في غزوة بدر كانت عدة من أسر من المشركين في يوم ~~بدر سبعين رجلا على ما ورد في الصحيح ودلت عليه الآية في قوله تعالى : ~~أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها يعنى يوم أحد ، وكان قد قتل من ~~المسلمين يوم أحد سبعون رجلا ، والذي أنضبط لنا بالأسماء من أسرى بدر ستة ~~وستون رجلا . من بنى عبد المطلب بن هاشم أربعة نفر ، وهم : العباس بن عبد ~~المطلب بن هاشم ، أسره أبوه اليسر كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو الخزرجى ، ~~وكان رجلا قصيرا ، والعباس رجلا طويلا ضخما ، فقال له رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " لقد أعانك عليه ملك كريم " . وعقيل بن أبى طالب بن ms3483 عبد ~~المطلب ، أسره عبيد بن أوس بن مالك الأوس ، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب ~~، وعتبة ، حليف لهم من بنى فهر ، قال : وكان العباس وعقيل خرجا مكرهين . ~~ومن بنى المطلب بن عبد مناف خمسة نفروهم : السائب بن عبيد بن عبد ~~PageV17P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" يزيد ابن هاشم بن المطلب ، ونعمان بن عمرو بن ~~علقمة بن المطلب ، وعقيل بن عمرو حليف لهم ، وأخوه تميم بن عمرو ، وابنه ~~عمرو بن تميم . ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف تسعة نفر وهم : عمرو بن أبى ~~سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس ، والحارث بن أبى وجزة - ويقال : وحرة بن ~~أبى عمرو - ابن أمية ، وأبو العاص بن نوفل بن عبد شمس ، وأبو العاص بن ~~الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ، وخالد بن أسيد بن أبى العيص . ومن ~~حلفائهم : أبو ريشة بن أبى عمرو ، وعمرو بن الأزرق ، وعقبة بن الحارث بن ~~الحضرمى ، وأبو العريض يسار ، مولى العاص بن أمية . ومن بنى نوفل بن عبد ~~مناف أربعة نفر ، وهم : عدى بن الخيار بن نوفل وعثمان بن عبد شمس ، حليف ~~لهم من مازن بن منصور ، وأبو ثور ، حليف لهم ونبهان ، مولى لهم . ومن عبد ~~الدار بن قصى ثلاثة نفر وهم : أبو عزيز بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد ~~الدار ، والأسود بن عامر حليف لهم ، وعقيل ، حليف لهم من اليمن . ومن بنى ~~أسد بن عبد العزى بن قصى أربعة نفر وهم : السائب بن أبى حبيش ابن المطلب بن ~~أسد ، والحويرث بن عباد بن أسد . قال ابن هشام : هو الحارث بن عائذ بن ~~عثمان بن أسد ، وعبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث ، وسالم بن شماخ ، ~~حليف لهم . ومن بنى تيم بن مرة رجلان وهما : مسا فع بن عياض بن صخرة بن ~~عامر ابن كعب بن سعد بن تيم ، وجابر بن الزبير ، حليف لهم . ومن بنى مخزوم ~~بن يقظة بن مرة عشرة نفر وهم : خالد بن هشام بن المغيرة ابن عبد الله بن ~~عمر ms3484 بن مخزوم ، أسره سواد بن غزية ، وأمية بن أبى حذيقة ابن المغيرة ، ~~والوليد بن الوليد بن المغيرة ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ، وصيفى ابن ~~أبى رفاعة بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وأبو المنذر بن أبى رفاعة ~~ابن عابد ، وأبو عطاء عبد الله بن السائب بن عابد ، وقيس بن السائب ، ~~والمطلب ابن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم ، وخالد بن الأعلم ، ~~حليف لهم من خزاعة ، ويقال : عقيلى . وزعموا أنه أول من فر منهزما ، وهو ~~الذي يقول : ولسنا على الأدبار تدمى كلوا منا . . . ولكن على أعقابنا تقطر ~~الدما PageV17P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب خمسة ~~نفروهم : أبو وداعة ابن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم ، وهو أول أسير افتدى ~~من أسرى بدر ، افتداه ابنه المطلب بن أبى وداعة ، وفروة بن قيس بن عدى بن ~~حذافة بن سعيد ابن سهم ، وحنظلة بن قبيصة بن حذاقة بن سعيد بن سهم ، ~~والحجاج بن الحارث ابن قيس بن عدى بن سعيد بن سهم ، وأسلم ، مولى نبيه بن ~~الحجاج . ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب أحد عشر نفرا وهم : عبد الله ~~بن أبى بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح وأخوه عمرو بن أبى ، وأبو عزة عمرو ~~ابن عبد الله بن عثمان بن وهب بن حذافة بن جمح والفاكه ، مولى أمية بن خلف ~~ووهب بن عمير بن وهب بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح ، وربيعة بن دراج بن ~~العنبس بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح ، وأبو رهم بن عبد الله حليف لهم ، ~~وموليان لأمية بن خلف ، أحدهما : نسطاس ، وأبو رافع ، غلام أمية ابن خلف . ~~قال أبن هشام : وحليف لهم ذهب عنى اسمه . ومن بنى عامر بن لؤي خمسة نفروهم ~~: سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ، أسره ~~مالك بن الدخشم أخوه بنى سالم ابن عوف ms3485 ، وعبد بن زمعة بن قيس بن عبد شمس بن ~~عبد ود ، وعبد الرحمن بن مشنوء ابن وقدان بن قيس بن عبد ود ، وحبيب بن جابر ~~، والسائب ابن مالك . ومن بنى الحارث بن فهر أربعة نفر وهم : الطفيل بن أبى ~~قنيع ، وعتبة بن عمرو ابن جحدم ، وشافع ، وشفيع ، حليفان لهم من اليمن . ~~PageV17P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" ذكر خبر أسارى بدر وما كان من فدائهم ومن من ~~عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأطلقه منهم ، ومن أسلم بسبب ذلك ~~قال : لما قفل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من غزاة بدر ومعه الأسارى ~~سمع العباس وهو يئن ويتأوه ، قد ألمه الوثاق ، فقلق رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) تلك الليلة لذلك ، فاستأذنه أصحابه رضى الله عنهم ، في أن ~~ينفسوا عن العباس وثاقه ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : إن فعلتم ذلك ~~بجميع الأسرى فنعم وإلا فلا . أو كما قال : فنفسوا عن جميع الأسرى . ولما ~~قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة فرق الأسارى بين أصحابه وقال ~~: " استوصوا بهم خيرا " . ثم جاءه جبريل عليه السلام في أمر الأسارى فقال : ~~إن شئتم قتلتموهم ، وان شئتم أخذتم منهم الفداء ، واستشهد قابلا منكم سبعون ~~. قال : فنادى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في أصحابه ، فجاءوا - أو ~~من جاء منهم - فقال : " هذا جبريل يخيركم بين أن تقدموهم فتقتلوهم ، وبين ~~أن تفادوهم ويستشهد قابلا منكم بعدتهم " . فقالوا : بل نفاديهم ويدخل قابلا ~~منا الجنة سبعون . ففادوهم . رواه محمد بن سعد . وروى ابن قتيبة عن إسحاق ~~أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال للعباس : " افد نفسك وابنى أخويك ~~: عقيل بن أبى طالب ، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، PageV17P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" وحليفك ، فانك ذو مال " . فقال : يا رسول الله ~~، إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهونى . فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تقول حقا فالله يجزيك به ، وأما ~~ظاهر أمرك فقد كان علينا " . قال : فانه ليس لي مال . قال : فأين المال ~~الذي وضعته ms3486 عند أم الفضل بمكة حين خرجت وليس معكما أحد ؟ ثم قلت : إن أصبت ~~في سفري هذا فللفضل كذا ، ولعبد الله كذا " . قال : والذي بعثك بالحق ما ~~علم بهذا أحد غيرها ، وإني لأعلم أنك رسول الله . ففدى نفسه بمائة أوقية ، ~~وكل واحد بأربعين بأوقية ، وقال : تركتني أسأل الناس في كفى . قال : وأسلم ~~العباس ، وأمر عقيلا فأسلم . وروى محمد بن سعد قال : لما أسر نوفل بن ~~الحارث ببدر قال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " : افد نفسك " . قال ~~: مالي شئ أفتدى به . قال . " افد نفسك بروحك التي بجدة " . فقال : والله ~~ما علم أحد أن لي بجدة رماحا غيري بعد الله ، أشهد أنك رسول الله . ففدى ~~نفسه بها ، وكان ألف رمح . وقيل : كان إسلام نوفل وهجرته أيام الخندق . قال ~~ابن إسحاق : وكانت قريش حين ورد عليهم الخبر بمصرع أصحاب بدر ناحوا على ~~قتلاهم ، ثم قالوا : لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم ، ولا ~~تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفدا . ~~فقال المطلب ابن أبى وداعة : صدقتم ، لا تعجلوا ؛ وأنسل من الليل فقدم ~~المدينة ، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم ، وانطلق به . ثم بعثت قريش في فداء ~~الأسارى ، فكان أعلى ما فدى به أسير أربعة آلاف درهم فما دونها إلى ألف ~~درهم . وقال محمد في طبقاته : كان فداء أسارى يوم أربعة آلاف إلى ما دون ~~ذلك ، فمن لم يجد عنده شيئا أعطى عشرة من غلمان المدينة ، فعلمهم الكتابة ، ~~فإذا PageV17P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" حذقوا فهم فداؤه . وكان أهل مكة يكتبون ، وأهل ~~المدينة لا يكتبون . قال : فكان زيد بن ثابت ممن علم . ذكر خبر أبي سفيان ~~في أمر عمرو بن أبى سفيان واطلاقه قال محمد خبر بن إسحاق : وكان عمرو بن ~~أبى سفيان في الأسارى ، فقيل لأبى سفيان : افد ابنك عمرا ، أيجمع على دمى ~~ومالي قتلوه حنظلة ، وأفدى عمرا دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم . فلم ~~يزل كذلك حتى قدم سعد بن النعمان ابن أكال ، أخو بن عوف معتمرا ms3487 ، وكان شيخا ~~مسلما ، في غنم له بالبقيع ، وقد كانت قريش عهدوا أنهم لا يعرضون لحاج أو ~~معتمر إلا بخير ، فعدا عليه أبو سفيان بمكة فحسبه بأبنه عمرو ، ثم قال أبو ~~سفيان : أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه . . . تفاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا ~~فان بنى عمرو لئام أذلة . . . إذا لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا قال : فمشى ~~بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبروه خبر ، ~~وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبى سفيان فيفتكوا به صاحبهم ، ففعل رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فبعثوا إلى أبى سفيان ، فخلى سبيل سعد ابن النعمان ~~. ذكر خبر أبي العاص بن الربيع في فدائه وارساله زينب بنت رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من مكة إلى المدينة واسلامه بعد ذلك ، ورد زينب عليه بغير ~~نكاح جديد قال ابن اسحاق : وكان في الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد ~~العزى ابن عبد شمس ، ختن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وزوج أبنته ~~زينب . أسره خراش بن الصمة ، أحد بنى حرام . وكان أبو العاص من رجال مكة ~~المعدودين مالا وأمانة وتجارة ، وكان لهالة بنت خويلد أخت خديجة ، فسألت ~~خديجة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يزوجه زينب ، فزوجه بها ، وذلك ~~قبل أن ينزل الوحي على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فكان معها وهو ~~على شركه وهى مسلمة . PageV17P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" فلما بعث أهل مكة في فداء أسرهم بعثت زينب بنت ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في فداء أبى العاص بمال ، وبعثت فيه ~~بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبى العاص فلما رآها رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) رق لها رقة شديدة وقال : ان رأيتم أن تطلقوا لها ~~أسيرها وتردوا عليها مالها فأفعلوا . قالوا : نعم يا رسول الله . فأطلقوه ~~وردوا عليها الذي بعثت به ، وأخذ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يخلى ~~سبيل زينب ، ولم يظهر ذلك ، ثم بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) زيد ~~بن حارثة ورجلا من ms3488 الأنصار ، فقال : كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب ، ~~فتصبحا حتى تأتياني بها . فخرجا وذلك بعد بدر بشهر ، فلما قدم أبو العاص ~~مكة أمرها باللحوق بأبيها ، فتجهزت لذلك ، وقدم لها حموها كنانة بن الربيع ~~أخو زوجها بعيرا فركبته ، وأخذ قوسه وكنانته ، ثم خرج بها نهارا يقود بها ، ~~وهى في هودج لها ، وتحدث بذلك رجال قريش ، فخرجوا في طلبها ، حتى أدركوها ~~بذي طوى ، فكان أول من سبق اليها هبار بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى ~~الفهرى ، فروعها بالرمح وهى في هودجها ، وكانت حاملا فطرحت ، فنثر حموها ~~كنانته ثم قال : والله لا يدنو منى رجلا الا وضعت فيه سهما ، فتكركر الناس ~~عنه ، ثم جاء أبو سفيان بن حرب في جلة من قريش فقال : أيها الرجل ، كف عنا ~~نبلك حتى نكلمك . فكف ، فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال : انك لم تصب ، ~~خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية ، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا ، وما دخل ~~علينا من محمد ، فيظن الناس اذا خرجت له ببنته علانية على رؤوس الناس من ~~بين أظهرنا أن ذلك على ذل أصابنا عن مصيبنا التي كانت ، وأن ذلك منا ضعف ~~ووهن ، ولعمرى مالنا بحبسها عن أبيها من حاجة ، وما لنا في ذلك من ثورة ، ~~ولكن آرجع بالمرأة حتى اذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها فسلها ~~سرا وألحقها بأبيها . قال : ففعل . فأقامت ليالي اذا هدأت الأصوات خرج بها ~~ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه ، فقدما بها على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فأقامت عنده بالمدينة وفرق بينهما الاسلام ، حتى اذا ~~كان قبيل الفتح خرج أبو العاص تاجر إلى الشام - وكان رجلا مأمون - بمال له ~~وأموال رجال من قريش ، فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا لقيته سرية لرسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأصابوا ما معه وأعجزهم هاربا ، فلما قدمت ~~السرية بما أصابوا من ماله PageV17P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب ~~بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأستجار بها ms3489 ، فأجارته ، وجاء في طلب ~~ماله ، فلما خرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لصلاة الصبح وكبر وكبر ~~الناس معه خرجت زينب من صفة النساء وقالت : أيها الناس ، اني قد أجريت أبا ~~العاص ابن الربيع . فلما سلم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من الصلاة ~~أقبل على الناس فقال : " أيها الناس ، هل سمعتم ما سمعت " ؟ فقالوا : نعم ؛ ~~قال : أما والذي نفس محمد بيد ما علمت بشئ حتى سمعت ما سمعتم ، انه يجير ~~على المسلمين أدناهم . ثم أنصرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ودخل على ~~أبنته وقال : " أي بنية ، أكرمى مثواه ، ولا يخلص اليك لا تحلين له " . قال ~~: وبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى السرية الذين أصابوا مال أبى ~~العاص فقال لهم : " ان هذا الرجل منا حيث قد علمتم ، وقد أصبتم له مالا ، ~~فان تحسنوا وتردوا عليه الذي له فانا نحب ذلك ، وان أبيتم فهو فئ الله الذي ~~أفاء عليكم ، فأنتم أحق به " . قالوا : يا رسول الله ، بل نرده عليه ، حتى ~~ان الرجل ليأتي بالدلو ، ويأتي الرجل بالشنة ةالاداوة ، حتى ان أحدهم ليأتي ~~بالشظاظ ، حتى ردوا عليه ماله بأسره لم يفقد منه شيئا ، ثم احتمل إلى مكة ، ~~فأدى إلى كل ذي مال من قريش ماله ، ثم قال : يا معشر قريش ، هل بقى لأحد ~~منكم عندى مال لم يأخذه ؟ قالوا : لا ، فجزاك الله خيرا ، فقد وجدناك وفيا ~~كريما ؛ قال : فانى أشهد أن لا اله الا الله وأن محمد عبده ورسوله ، ما ~~منعنا من الاسلام عنده الا تخوف أن يظنوا أنى انما أردت أن آكل أموالكم ، ~~فلما أداها الله اليكم وفرغت منها أسلمت . ثم خرج حتى قدم على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فرد عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) زينب ~~على النكاح الأول ، ولم يحدث شيئا . نرجع إلى تتمة أخبار أسارى بدر ~~PageV17P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" ذكر خبر الوليد بن الوليد بن المغيرة قد تقدم ~~أنه كان ممن أسر يوم بدر ، وكان الذي أسره عبد الله بن جحش ويقال ms3490 : أسره ~~سليط بن قيس المازنى الأنصارى ، فقد في فدائه أخواه : خالد وهشام ، فتمنع ~~عبد الله بن جحش حتى افتكاه بأربعة آلاف درهم . فجعل خالد يريد ألا يبلغ ~~ذلك ، فقال هشام لخالد : إنه ليس بابن أمك ، والله لو أبى فيه إلا كذا وكذا ~~لفعلت . ويقال : إن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) قال لعبد الله بن جحش : ~~لا تقبل في فدائه إلا شكة أبيه الوليد - وكانت درعا فضفاضة وسيفا وبيضة - ~~فأبى ذلك خالد وأطاع هشام لأنه أخوه لأبويه ، فأقيمت الشكة بمائة دينار ، ~~فطاعا بها وسلماها إلى عبد الله ، فلما أفتدى أسلم ، فقيل له : هلا أسلمت ~~قبل أن تفتدى وأنت مع المسلمين ؟ قال : كرهت أن تظنوا أنى جزعت من الاسار . ~~فحبسوه بمكة ، فكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يدعو له فيمن دعا من ~~مستضعفي المؤمنين ، ثم أفلت ولحق برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وشهد ~~عمرة القضية . حكاه أبن عبد البر . ذكر من من عليه رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) من أسارى بدر وأطلقه بغير فداء قال ابن إسحاق : وكان ممن من ~~عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بغير فداء : أبو العاص بن الربيع ~~هذا الذي تقدم خبره . والمطلب بن حنطب بن الحارث ابن عبيد المخزومي ، وكان ~~لبعض بنى الحارث بن الخزرج ، فترك في أيديهم حتى خلوا سبيله ، فلحق بقومه ، ~~وصيفى بن أبى رفاعة المخزومي ، ترك في يد أصحابه فلم يأت أحد في فدائه ، ~~فأخذوا عليه العهد ليبعثن إليهم بفدائه وخلوا سبيله ، فلم يف لهم بشئ ، ~~وأبو عزة عمرو بن عبد الله بن عثمان بن وهب بن حذاقة بن جمح كان محتاجا ذا ~~بنات فقال : PageV17P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" يا رسول الله ، لقد عرفت مالى من مال ، وإني ~~لذو حاجة وذو عيال ، فامنن عليه وأخذ عليه ألا يظاهر عليه أحد ؛ فقال أبو ~~عزة في ذلك : من مبلغ عنى الرسول محمدا . . . فإنك حق والمليك حميد وأنت ~~آمرؤ تدعو إلى الحق والهدى . . . عليك من الله العظيم شهيد وأنت آمرؤ بوئت ~~فينا مباءة . . . لها ms3491 درجات سهلة وصعود فإنك من حاربته لمحارب . . . شقى ~~ومن سالمته لسعيد ولكن إذا ذكرت بدرا وأهله . . . تأوب ما بى حسرة وقعود ~~ومنهم وهب بن عمير الجمحى ، ولإطلاقه سبب نذكره . ذكر خبر عمير بن وهب ~~وإسلامه وإطلاق ولده وهب بن عمير قال ابن إسحاق في سبب إطلاق وهب بن عمير : ~~إن أباه عمير بن وهب بن خلف بن حذاقة بن جمع بن عمرو بن هصيص بن كعب جلس مع ~~صفوان بن أمية في الحجر بعد مصاب أهل بدر بيسير - قال : وكان عمير بن وهب ~~شيطانا من شياطين قريش ، ممن كان يؤذي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وأصحابه ، ويلقون منه وهو بمكة - فذكر أصحاب القليب ومصابهم . فقال صفوان : ~~والله إن في العيش بعدهم خير ، فقال عمير : صدقت والله ، أما والله لولا ~~دين علي ليس له عندي قضاء ، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي ، لركبت إلى محمد ~~حتى أقتله ، فإن لي قبلهم علة ؛ ابني أسير في أيديهم . فاغتنمها صفوان فقال ~~: علي دينك ، أنا أقضيه عنك ، وعيالك مع عيالى أواسيهم ما بقوا لا يسعني شئ ~~ويعجز عنهم ؛ قال له عمير : فاكتم على شأنك ؛ قال : أفعل . ثم أمر عمير ~~بسيفه فشحذ له ، ثم سم ، ثم انطلق حتى قدم المدينة ، فبينما PageV17P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" عمر بن الخطاب رضى الله عنه في نفر من ~~المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ، ويذكرون ما أكرمهم الله به ، إذ نظر إلى حين ~~أناخ على باب المسجد متوحشا السيف ، فقال عمر : هذا الكلب عدو الله عمير بن ~~وهب ما جاء إلا لشر ، وهذا الذى حرش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر . ثم دخل ~~عمر على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يابني الله ، هذا عدو ~~الله عمير بن وهب قد جاء متوحشا بسيفه ، قال : فأدخله على ، فأقبل عمر حتى ~~أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها ، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار ~~: ادخلوا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فاجلسوا عنده ، واحذروا ~~عليه هذا الخبيث ، فإنه غير مأمون ؛ ثم دخل ms3492 به على رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . فلما رآه قال : أرسله ياعمر ، ادن ياعمر ؛ فدنا ثم قال : ~~انعموا صباحا - وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم - فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك ياعمير ، بالسلام تحية ~~أهل الجنة ؛ قال : أما والله إن كنت يا محمد بها لحديث عهد ؛ قال : فما جاء ~~بك يا عمير ؟ قال : جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه ؛ قال : ~~بال السيف في عنقك ؟ قال : قبحها الله من سيوف وهل أغنت شيئا قال : اصدقني ~~، ما الذي جئت له ؟ قال : ما جئت إلا لذلك ؛ بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في ~~الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت : لولا دين علي وعيال عندى ~~لخرجت حتى أقتل محمدا ، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له ، ~~والله حائل بينك وبين ذلك . قال عمير : أشهد أنك رسول الله ، قد كنا يا ~~رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء ، وما ينزل عليك من الوحى ~~، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان فو الله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله ~~، فالحمد لله الذي هدانى للإسلام ، وساقني هذا المساق ، ثم شهد شهادة الحق ~~. فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " فقهوا أخاكم في دينه ، ~~وأقرئوه القرآن ، وأطلقوا له أسير " ، ففعلوا . ثم قال : يا رسول الله ، ~~إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله ، شديد الأذى لمن كان على دين الله ، ~~وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة إلى الله ، وإلى رسوله ، وإلى الإسلام ، لعل ~~الله يهديهم ، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم . قال : ~~فأذن له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلحق بمكة . وكان صفوان بن ~~أمية يقول لقريش : أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام ، تنسيكم وقعة بدر ، ~~وكان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه ، فحلف ألا يكامه أبدا ~~، ولا ينفعه بنفع . PageV17P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام ~~، ويؤذي ms3493 من خالفه أذى شديدا ، فأسلم على يديه ناس كثير . قال أبن إسحاق : ~~وعمير بن وهب أو الحارث بن هشام ، قد ذكر أن أحدهما الذي رأى إبليس حين نكص ~~على عقبيه يوم بدر ، كما أخبر الله تعالى عنه في قوله : وإذ زين لهم ~~الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم فلما تراءت ~~الفئتان نكص على عقبيه وقال إنى برئ منكم إنى أرى ما لا ترون إنى أخاف الله ~~والله شديد العقاب وكان إبليس قد تشبه لقريش بسراقة بن مالك بن جعشم وقال : ~~أنا جار لكم من بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة ، كما قدمنا ذكر ذلك ، قال : ~~وكانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة لا ينكرونه . فلما آلتقى الجمعان ~~يوم بدر ورأى إبليس الملائكة نكص على عقبة وقال لهم ما قال . وقد أخذت هذه ~~الغزوة حقها من البسيط والإطالة وإن كان ذلك على سبيل الأختصار ، فلنذكر ~~غيرها من الغزوات والسرايا . والله المستعان . ذكر سرية عمير بن عدى بن ~~خرشة الخطمى إلى عصماء بنت مروان من بنى أمية بن زيد قال محمد بن سعد : ~~كانت سرية عمير لخمس ليال بقين من شهر رمضان على رأس تسعة عشرة شهرا من ~~مهاجر رسول الله عليه وسلم ، قال : وكانت عصماء عند يزيد بن زيد بن حصن ~~الخطمى ، وكانت تعيب الإسلام وتؤذى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وتحرص ~~عليه ، وتقول الشعر ، فجاءها عمير بن عدى في جوف الليل حتى دخل عليها بيتها ~~وحولها نفر من ولدها نيام ، منهم من ترضعه في صدرها ، فحسها بيده - وكان ~~ضرير البصر - ونحى الصبي عنها ، ووضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها ، ~~ثم صلى الصبح مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال له رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . قتلت بنت مروان ؟ قال : نعم ، فهل علي في ذلك شئ ؟ قال ~~: لا ينتطح فيها عنزان . PageV17P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" قال محمد بن إسحاق : فرجع عمير بن عدى إلى ~~قومه ، وبنو خطمة يومئذ كثير موجهم في ms3494 شأن أبنة مروان ، ولها يومئذ بنون ~~خمسة رجال ، فقال : يابنى خطمة ، أنا قتلت أبنة مروان ، فكيدونى جميعا ثم ~~لا تنظرون . قال : فذلك اليوم أول ماعز الإسلام في دار بنى خطمة ، وكان من ~~أسلم منهم يستخفى بإسلامه ، وعمير هو أول من أسلم من بنى خطمة . قال : ~~وأسلم يوم قتلتها رجال من بنى خطمة لما رأوا من عز الإسلام . ذكر سرية سالم ~~بن عمير العمرى إلى أبى غفك اليهودى قال أبن سعد : كانت سرية سالم في شوال ~~على رأس عشرين شهرا من الهجرة ، وكان أبو عفك من بنى عمرو بن عوف شيخا ~~كبيرا قد بلغ عشرين ومائة سنة ، وكان يحرص على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ويقول الشعر ، فقال سالم ابن عمير - وهو أحد البكائين وقد شهد بدرا ~~- : على أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه ؛ فجاء وقد نام أبو عفك بالفناء في ~~ليلة صائفة ، فوضع السيف على كبده ، ثم أعتمد عليه حتى خش في الفراش ، فصاح ~~عدو الله ، فثار إليه ناس ممن هم على قوله ، فأدخلوه منزله وقبروه . ذكر ~~غزوة بنى قينقاع وهي بضم النون وقيل بكسرها غزاها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في يوم السبت النصف من شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجره . ~~قال أبن سعد : وكانوا حلفاء عبد الله بن أبى سلول ، وكانوا أشجع يهود ، ~~وكانو صاغة ، فوادعوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلما كانت وقعة ~~بدر أظهروا البغى والحسد ، ونبذوا العهد والمدة ، فأنزل الله تعالى على ~~نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) : وإما تخافن من قوم خيانة فأنبذ إليهم على ~~سواء إن الله لا يحب الخائنين . وقال أبو عبد الله محمد بن إسحاق في سبب ~~غزوة بنى قينقاع : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جمعهم بسوق بنى ~~قينقاع ثم قال : يا معشر يهود ، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش ~~PageV17P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" من النقمة ، وأسلموا ، فإنكم قد عرفتم أنى نبي ~~مرسل ، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم ؛ قالوا : يا محمد ، لا يغرنك ms3495 ~~أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة ، إنا والله لئن حار بناك ~~لتعلمن أنا نحن الناس . فأنزل الله تعالى فيهم : قل للذين كفروا ستغلبون ~~وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد . قد كان لكم آية في فئتين آلتقتا فئة تقاتل ~~في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من ~~يشاء إن في ذلك لعبرة لأولى الأنصار . حكاه أبن إسحاق بسند يرفعه إلى أبن ~~عباس . وقال أبن هشام في سبب هذه الغزاة : إن آمرأة من العرب حلمت بجلب لها ~~، فباعته بسوق بنى قينقاع ، وجلست إلى صائغ بها ، فجعلوا يريدونها على كشف ~~وجهها ، فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ، فلما قامت ~~آنكشفت سوءتها ، فضحكوا منها ، فصاحت ، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ ~~فقتله ، وكان يهوديا ، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه ، فاستصرخ أهل المسلم ~~المسلمين على اليهود ، فأغضبهم ، فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع . عدنا ~~إلى مساق حديث أبن سعد ؛ قال : فسار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إليهم ، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب ، وكان أبيض ، وآستخلف على المدينة ~~أبا لبابة بن عبد المنذر ، ثم سار إليهم فحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذى ~~القعدة ، وكان أةل من غدر من اليهود ، وحاربوا وتحصنوا في حصنهم ، فحاصرهم ~~أشد الحصار ، حتى قذف الله في قلوبهم الرعب ، ونزلوا على حكم رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وأن لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أموالهم ، ~~وأن لهم النساء والذرية ، فأمر بهم فكتفوا ، وآستعمل على كتافهم المنذر بن ~~قدامة السلمى . فكلم عبد الله بن أبى فيهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) وألح عليه ، فقال : خذهم ، لعنهم الله ؛ وتركهم من القتل ، وأمر بهم أن ~~يجلوا من المدينة ، وولى إخراجهم منها عبادة بن الصامت ، فلحقوا بأذرعات ، ~~فما كان أقل بقاءهم فيها . وقال أبن إسحاق في خبر عبد أبى بن سلول : إنه ~~قال إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين أمكنه الله من بنى قينقاع ، ~~فقال : يا محمد ، أحسن في ms3496 موالى . وكانوا حلفاء الخزرج ، فأبطأ عليه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : يا محمد ، أحسن في موالى . قال : ~~فأعرض عنه . قال : فأدخل يده في جيب درع النبى ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~أرسلنى ، وغضب حتى ظهر ذلك في وجهه ، ثم قال : ويحك أرسلنى ؛ قال : لا ~~والله PageV17P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" لا أرسلك حتى تحسن في المولى ، أربعمائة حاسر ~~وثلاثمائة دراع ، قد منعونى من الأحمر والأسود ، تحصدهم في غداة واحدة ، ~~إنى والله آمرؤ أخشى الدوائر . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : هم ~~لك . وحكى أيضا قال : كان لنبى قينقاع من عبادة بن الصامت من الخلف مثل ~~الذي لهم من عبد الله بن أبى ، فمشى عبادة إلى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم ، وقال : أتولى الله ورسوله ~~والمؤمنين ، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار و ولايتهم . فأنزل الله تعالى فيه ~~وفي عبد الله بن أبى : " يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى ~~أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم ~~الظالمين . فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دائرة فعسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في ~~أنفسهم نادمين " إلى قوله : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون وذلك لعبادة بن الصامت . قال محمد ~~بن سعد : وأخذ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من سلاحهم ثلاث قسى ، منها ~~: الكتوم ، كسرت بأحد ، والروحاء ، والبيضاء ، وأخذ درعين : الصغدية ، ~~وأخرى فضة ؛ وأخذ ثلاثة أسياف : سيف قلعى ، وسيف يقال له : بتار ؛ وسيف آخر ~~؛ وثلاثة أرماح ، ووجد في حصنهم سلاحا كثيرا وآلة الصياغة ، فأخذ ( صلى ~~الله عليه وسلم ) صفيه والخمس ، وفض أربعة أخماس على أصحابه ، وكان الذي ~~تولى قبض أموالهم محمد بن مسلمة . ذكر غزوة السويق قال محمد بن سعد : خرج ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من المدينة لخمس خلون من ذى الحجة على ~~رأس اثنين وعشرين ms3497 شهرا من مهاجره ، وآستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد ~~المنذر ، وذلك أن أبا سفيان بن حرب لما رجع المشركون من بدر إلى مكة حرم ~~الدهن حتى يثأر من محمد وأصحابه . قال ابن إسحاق : نذر ألا يمس رأسه ماء من ~~جنابة حتى يغزو محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) . PageV17P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" قال ابن سعد : فخرج في مائتى راكب ، وقيل : في ~~أربعين راكبا ، فمر بالعريض ، - بينه وبين المدينة نحو من ثلاثة أميال - ~~فقتل رجلا من الأنصار ، وأجيرا له ، وحرق أبياتا هناك وتبنا ، ورأى أن ~~يمينه قد حلت ، ثم ولى هاربا ، وباغ ذلك النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فخرج في مائتي رجل من المهاجرين والأنصار في أثرهم ، وجعل أبو سفيان ~~وأصحابه يتخففون حرب السويق وهى عامة أزوادهم ، فأخذها المسلمون ؛ فسميت ~~غزوة السويق ، ولم يلحقهم وانصرف . وكانت غيبته عن المدينة خمسة أيام . قال ~~محمد بن إسحاق : بلغ قرقرة الكدر ثم انصرف راجعا ، فقال المسلمون حين رجع ~~بهم : يا رسول الله ، أتطمع لنا أن تكون غزوة ؟ قال : نعم . ذكر غزوة قرقرة ~~الكدر ويقال قرارة الكدر وهى غزوة بنى سليم غزاها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) للنصف من المحرم على رأس ثلاثة وعشرين شهرا من مهاجره ، وهى ~~ناحية معدن بنى سليم ، وبينه وبين المدينة ثمانية برد ، وآستخلف على ~~المدينة عبد الله بن أم مكتوم ، وحمل لواءه علي بن أبى طالب ، وكان قد بلغ ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن بهذا الموضع جمعا من بنى سليم وغطفان ~~، فسار إليهم فلم يجد في المحال أحدا ، ووجد رعاء منهم غلام يقال له : يسار ~~، فانصرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقد ظفر بالنعم فانحدر به إلى ~~المدينة ، فاقتسموا غنائمهم بصرار ، على ثلاثة أميال من المدينة ، وكانت ~~النعم خمسمائة بعير ، فأخرج خمسة وقسم أربعة أخماس على المسلمين ، فأصاب كل ~~رجل منهم بعيرا ، وصار يسار في سهم النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأعتقه ~~حين رآه يصلى . وكانت غيبة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن المدينة ~~خمس عشرة ms3498 ليلة . ذكر مقتل كعب بن الأشرف اليهودى وخبر سريته قال أبو عبد ~~الله بن إسحاق وأبو محمد عبد الملك بن هشام ومحمد بن سعد - دخل حديث بعصهم ~~في حديث بعض - : كانت سرية قتل كعب بن الأشرف لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ~~ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من هجرة PageV17P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وذلك أنه ~~كان رجلا شاعرا يهجو النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه ويحرص عليهم ~~ويؤذيهم ، وكان لما بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) زيد بن حارثة إلى ~~أهل السافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بشيرين إلى المدينة ~~منالمسلمين بخبر بدر ، فقال كعب بن الأشرف - وكان رجلا من طئ ، ثم أحد بنى ~~نبهان ، وكانت أمه من بنى النضير - : أحق هذا ؟ أترون محمدا قتل هؤلاء ~~الذين يسمى هذان الرجلان ؟ فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس ، والله لئن كان ~~محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها . فلما تيقن الخبر خرج حتى ~~قدم مكة فنزل على المطلب بن أبى وداعة السهمى ، وجعل يحرض على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وينشد الأشعار ويبكى أصحاب القليب من قريش . ثم رجع ~~إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم . فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " اللهم اكفنى أبن الأشرف بما شئت " ؛ وقال : " من لى بأبن ~~الأشرف فقد آذانى " ؟ فقال محمد بن مسلمة ، أخو بنى عبد الأشهل : انا لك به ~~يا رسول الله ، أنا أقتله ؛ قال : " فأفعل إن قدرت على ذلك " . فرجع محمد ~~بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يمسك رمقه ؛ فبلغ ذلك رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال له : " لم تركت الطعام والشراب " ؟ ~~فقال : يا رسول الله ؛ قلت لك قولا لا أدرى هل أفى لك به أو لا ؟ قال : " ~~إنما عليك الجهد " قال : يا رسول الله ؛ لابد لنا من أن نقول ، قال : " ~~قولوا ما بدا لكم ، فأنتم في حل من ذلك " . فاجتمع على قتله محمد بن مسلمة ms3499 ~~، وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش - وكان أخا كعب من الرضاعة - وعباد بن ~~بشر بن وقش ، والحارث بن أوس بن معاذ ، وأبو عبس بن جبر ، أخو بنى حارثة ، ~~فقدموا إليه سلكان بن سلامة ، فجاءه فتحدث معه ساعة ، وتناشدا شعرا ، ثم ~~قال أبو نائلة سلكان : ويحك يا بن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك ~~، فاكتم عنى ؛ قال : أفعل ، قال : قد كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من ~~البلاء ، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس PageV17P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" واحدة ، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال ، ~~وجهدت الأنفس ، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا ؛ فقال كعب : أنا أبن الأشرف ~~، والله لقد كنت أخبرك يابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول ؛ فقال له ~~سلكان : إنا نريد التنحى منه ، ومعى رجال من قومى على مثل رأيي ، وقد أردت ~~أن آتيك بهم ، فنبتاع منك طعاما وتمرا ، ونرهنك ما يكون لك فيه ثقة ووفاء ؛ ~~فقال أترهنونى نساءكم ؟ قال : كيف نرهنك نساءنا وأنت أشب أهل يثرب وأعطرهم ~~؛ فقال : أترهنونى أبناءكم ؟ قال : لقد أردت أن تفضحنا وأن يعير أبناؤنا ؛ ~~فيقال : هذا رهينة وسق ، وهذا رهينة وسقين ، ولكنا نرهنك سلاحنا وقد علمت ~~حاجتنا إلى السلاح ؛ فقال : نعم إن في الحلقة لوفاء ، وإنما أراد سلكان ألا ~~ينكر السلاح إذا جاءوا بها ، ثم رجع سلكان إلى أصحابه ، وأخبرهم الخبر ~~وأمرهم أن يأخذوا السلاح ، ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه عند رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، ففعلوا . ومشى معهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إلى بقيع الغرقد ، ثم وجههم وقال : انطلقوا على أسم الله ، اللهم أعنهم . ~~ورجع ( صلى الله عليه وسلم ) إلى بيته ، وتوجهوا ، وكانت ليلة مقمرة ، حتى ~~أنتهوا إلى حصنه ، فهتف به أبو نائلة ، وكان أبن الأشرف حديث عهد بعرس ، ~~فوثب في ملحفته ، فأخذت أمرأته بناحيتها وقالت : إنك آمرؤ محارب ، وإن ~~أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة ؛ قال : إنه أبو نائلة ، لو وجدنى ~~نائما ما أيقظنى ؛ فقالت : والله إنى لأعرف في صوته الشر ، فقال لها : لو ~~يدعى الفتى لطعنة ms3500 لأجاب . وفي حديث البخارى من رواية سفيان عن عمر عن جابر ~~بن عبد الله قالت : أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم ؛ فقال : إنما هو أخى ~~محمد بن مسلمة ، ورضيعى أبو نائلة ، إن الكريم لو دعى إلى طعنة بليل لأجاب ~~؛ قالوا : ونزل إليهم فتحدثوا معه ساعة ثم قالوا : هل لك يآبن الأشرف أن ~~نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا . فقال : إن شئتم . فخرجوا ~~يتماشون ، ساعة ، ثم وضع أبو نائلة يده PageV17P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" في فود رأس أبن الأشرف ، ثم شم يده فقال : ما ~~رأيت كالليلة طيبا أعطر قط من هذا فقال : هذا عطر أم فلان ، يريد آمرأته ، ~~ثم مشى قليلا وعاد لمثلها حتى آطمأن ، ثم عاد لمثلها ، فأخذ بفود رأسه وقال ~~: اضربوا عدو الله . فضربوه ، فآختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا . قال ~~محمد بن مسلمة : فذكرت مغولا في سيفى حين رأيت أسيافنا لم تغن ، فأخذته وقد ~~صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار ، فوضعته في ثنته ، ~~ثم تحاملت عليه حتى آنتهى إلى عانته . ثم حزوا رأسه وحملوه معهم ؛ وأصيب ~~الحارث بن أوس ، فجرح في رأسه أو رجله ، أصابه بعض أسياف أصحابه قال محمد ~~بن مسلمة : فخرجنا حتى سلكنا على بنى أمية بن زيد ، ثم على بنى قريظة ثم ~~على بعاث حتى استندنا في حرة العريض ، وقد أبطأ علينا الحارث ، ونزفه الدم ~~فوقفنا له ساعة حتى أتانا فآحتملناه وجئنا به . قال ابن سعد : فلما بلغوا ~~بقيع الغرقد كبروا ، وقد قام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تلك الليلة ~~يصلي ، فلما سمع تكبيرهم كبر ، وعرف أن قد قتلوه ، ثم انتهوا إلى رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) فقال : أفلحت الوجوه قالوا : وجهك يا رسول الله ؛ ~~ورموا برأسه بين يديه ، فحمد الله على قتله . قال ابن إسحاق ، قال محمد بن ~~مسلمة : وتفل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على جرح صاحبنا فبرأ ، ~~فرجعنا إلى أهلينا ، فأصبحنا وقد يهود لوقعتنا بعدو الله ، فليس بها يهودى ~~إلا وهو خائف ms3501 على نفسه . وفي مقتل كعب بن الأشرف يقول عباد بن بشر : ~~PageV17P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" صرخت به فلم يعرض لصوتى . . . وأوفى طالعا من ~~رأس جدر فعدت له فقال من المنادى . . . فقلت أخوك عباد بن بشر وهذى درعنا ~~رهنا فخذها . . . لشهر إن وفى أو نصف شهر فقال معاشر سغبوا وجاعوا . . . ~~وما عدموا الغنى من غير فقير فأقبل نحونا يهوى سريعا . . . وقال : أما لقد ~~جئتم لأمر وفي أيماننا بيض حداد . . . مجربة بها الكفار نفرى فعانقه أبن ~~مسلمة المردى . . . به الكفار كالليث الهزير وشد بسيفه صلتا عليه . . . ~~فقطره أبو عبس بن جبر فكان الله سادسنا فأبنا . . . بأنغم نعمة وأعز نصر ~~وجاء برأسه نفر كرام . . . هم ناهيك من صدق وبر ذكر غزوة غطفان إلى نجد وهي ~~غزوة ذى أمر ؛ ناحية النخيل ، وقصة دعثور بن الحارث غزاها رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجره ، ~~وذلك أنه بلغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن جمعا من بنى ثعلبة ~~ومحارب بذى أمر تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . جمعهم رجل منهم يقال له : دعثور بن الحارث من بنى محارب ، ~~فندب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الناس ، وخرج لاثنتى عشرة ليلة مضت ~~من شهر ربيع الأول في أربعمائة وخمسين رجلا ، ومعهم أفراس ، PageV17P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" وآستخلف على المدينة عثمان بن عفان - رضى الله ~~عنه - فأصابوا رجلا منهم بذى القصة يقال له جبار من بنى ثعلبة ، فأدخل على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبره من خبرهم وقال : لن يلاقوك ، لو ~~سمعوا بمسيرك هربوا في رءوس الجبال ، وأنا سائر معك . فدعاه رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) إلى الإسلام ، فأسلم وضمه إلى بلال ، ولم يلاق ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أحدا . قال الشيخ الإمام أبو بكر أحمد البيهقى ، رحمه ~~الله : وهربت منه الأعراب فوق ذروة من الجبال ، ونزل رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ذا امر وعسكر به فأصابهم مطر كثير ، فذهب رسول ms3502 الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لحاجته ، فأصابه ذلك المطر فبل ثوبه ، وقد جعل رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وادى ذى أمر بينه وبين أصحابه ، ثم نزع ثيابه فنشرها لتجف ~~، وألقاها على شجرة ثم اضطجع تحتها ، ولأعراب ينظرون إلى كل ما يفعل رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فقالت الأعراب لدعثور ، وكان سيدها وأشجعها ~~: قد آنفرد من أصحابه حيث إن غوث بأصحابه لم يغث حتى تقتله ؛ فاختار سيفا ~~من سيوفهم صارما ، ثم أقبل مشتملا على السيف حتى قام على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بالسيف مشهورا ، فقال : يا محمد ، من يمنعك منى اليوم ؟ ~~قال : الله . ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده ، فأخذه رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وقام على رأسه ، فقال : من يمنعك منى ؟ قال : لاأحد ، ~~وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، لا أكثر عليك جمعا ~~أبدا ، فأعطاه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سيفه ، ثم أدبر ، ثم أقبل ~~بوجهه ثم قال : والله لأنت خير منى . قال رسول الله عليه وسلم : وأنا أحق ~~بذلك منك . فأتى قومه ، فقالوا : أين ما كنت تقول وقد أمكنك والسيف في يدك ~~؟ قال : قد كان والله ذلك رأيى ، ولكن نظرت إلى رجل أبيض طويل فدفع في صدرى ~~فوقعت لظهرى ، فعرفت أنه ملك ، وشهدت أن محمدا رسول الله ، والله لا أكثر ~~عليه ؛ وجعل يدعو قومه إلى الإسلام ونزلت هذه الآية : " يأيها الذين آمنوا ~~آذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ~~الآية " . ثم أقبل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة ، ولم يلق ~~كيدا ، وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة . ذكر غزوة بنى سليم ببحران غزاها رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) لست خلون من جمادة الأولى على رأس سبعة وعشرين ~~PageV17P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" شهرا من مهاجره - وبحران من ناحية الفرع ، ~~وبين الفرع وبين المدينة ثمانية برد - وذلك أنه بلغه أن بها جمعا كثيرا من ~~بنى سليم ، فخرج في ثلثمائة رجل ms3503 من أصحابه ، وآستحلف على المدينة آبن أم ~~مكتوم وأغد السير حتى ورد بحران فوجدهم قد تفرقوا في مياههم ، فرجع ولم يلق ~~كيدا ، وكانت غيبته عشر ليال . ذكر سرية زيد بن حارثة إلى القردة بالقاف ، ~~وضبطه ابن الفرات بالفاء وكسر الراء المهملة بعثه رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لهلال جمادى الآخرة ، على رأس ثمانية وعشرين شهرا من الهجرة ، ~~وهي أول سرية خرج زيد فيها أميرا يعترض لعير قريش فيها صفوان بن أمية ، وحو ~~يطب بن عبد العزى ، وعبد الله بن أبى ربيعة ، ومعه مال كثير ، وكان دليلهم ~~فرات بن حيان العجلى ، فخرج بهم على ذات عرق ، طريق العراق . قال ابن إسحاق ~~: وفيها أبو سفيان بن حرب ، وكان من حديثها أن قريشا خافوا طريقهم الذي ~~كانوا يسلكون إلى الشام حين وقعة بدر فكانوا يسلكون طريق العراق ، فخرج ~~منهم تجار ، وفيهم أبو سفيان بن حرب معه فضة كثيرة ، وهي أعظم تجارتهم . ~~قال ابن سعد : فبلغ النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك ، فوجه زيد بن حارثة ~~في مائة راكب ، فآعرضوا لها ، فأصابوا العير وأفلت أعيان القوم ، وقدموا ~~بالعير على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فخمسها ، فبلغ الخمس قيمة ~~عشرين ألف درهم ، وقسم ما بقى بين أهل السرية ، وأسر فرات بن حيان ، فأسلم ~~، فترك من القتل . والقردة : من أرض نجد بين الربذة والغمزة . ذكر غزوة أحد ~~قال محمد بن سعد في طبقاته : كانت غزوة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أحدا يوم السبت لسبع خلون من شوال ، على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره ~~( صلى الله عليه وسلم ) . وقال ابن إسحاق : كانت يوم السبت للنصف من شوال . ~~وذلك أن قريشا لما أصيبت منهم يوم بدر ، ورجع من نجا منهم إلى مكة ، وجدوا ~~العير التى قدم بها أبو سفيان بن حرب موقوفة في دار الندوة ، فمشت ~~PageV17P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" أشراف قريش إلى أبى سفيان ، فقالوا : نحن طيبو ~~أنفس أن تجهزوا بربح هذه العير جيشا إلى محمد ؛ فقال أبو سفيان : وأنا أول ~~من أجاب إلى ms3504 ذلك ، وبنو عبد مناف معى ؛ فباعوها فكانت ألف بعير ، والمال ~~خمسين ألف دينار ، فسلم إلى أهل العير رؤوس أموالهم وأخرجوا أرباحهم ، ~~وكانوا يربحون في تجارتهم للدينار دينارا . قال ابن سعد وغيره : وفيهم نزل ~~قوله تعالى : إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ~~فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ~~وبعثت قريش رسلهم إلى العرب يدعونهم إلى نصرهم فأوعبوا وألبوا . قال ابن ~~سعد : وكتب العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بخبر قريش ، فأخبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سعد بن الربيع بكتاب ~~العباس . وأرجف المنافقون واليهود بالمدينة ، وخرجت قريش من مكة بحدها ~~وجدها وأحابيشها ، ومن تابعها من كنانة وأهل تهامة ، وكان عددهم ثلاثة آلاف ~~رجل ، فيهم سبعمائة دراع ، ومعهم مائتا فرس وثلاثة آلاف بعير ، وخرجوا معهم ~~بالظعن التماس الحفيظة ، وألا يفروا ، وكان معهم خمس عشرة أمرأة ، فخرج أبو ~~سفيان ابن حرب - وهو قائد الناس - معهم بهند بنت عتبة ، وخرج عكرمة بن أبى ~~جهل بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة ، وخرج الحارث بن هشام بفاطمة ~~بنت الوليد بنت المغيرة ، وخرج صفوان بن أمية ببرة بنت مسعود بن عمرو ابن ~~عمير الثقفية ، وهى أم عبد الله بن صفوان ، وخرج عمرو بن العاص بربطة بنت ~~منبه بن الحجاج ، وهى أم عبد الله بن عمرو ، وخرج طلحة بن أبى طلحة - عبد ~~الله بن عبد عثمان بن عبد الدار - بسلافة بنت سعد بن شهيد الأنصارية ، ~~وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب مع آبنها أبى PageV17P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" عزيز بن عمير ، وخرجت عمرة بنت علقمة إحدى ~~نساء بنى الحارث ابن عبد مناة . قال محمد بن إسحاق : ودعا جبير بن مطعم ~~غلاما له حبشيا ، يقال له : وحشى ، يقذف بحربة له قذف الحبشة ، قلما يخطئ ~~بها ، فقال له : اخرج مع الناس ، فإن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمى طعيمة بن ~~عدى فأنت عتيق . فكانت هند بنت عتبة كلما مرت بوحشى أوامر بها ، قالت : ~~ويها ms3505 دسمة ؛ اشف واستشف ، وكان وحشى يكنى بأبى دسمة . قال ابن سعد : وشاع ~~خبرهم ومسيرهم في الناس حتى نزلوا ذا الحليفة ، فبعث رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أنسا ابنى فضالة ، ليلة الخميس لخمس مضين من شوال عينين له ، ~~فأتيا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بخبرهم ، وأنهم قد خلوا إبلهم ~~وخيلهم في الزرع الذي بالعريض حتى تركوه ليس به خضراء ، ثم بعث الحباب ابن ~~المنذر بن الجموح فدخل فيهم فحزرهم ، وجاءه بعلمهم ، وبات سعد بن معاذ ~~وأسيد بن حضير ، وسعد بن عبادة في عدة ليلة الجمعة ، عليهم السلاح في ~~المسجد بباب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وحرست المدينة حتى أصبحوا ~~، ورأى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تلك الليلة كأنه في درع حصينة ، ~~وكأن سيفه ذا الفقار قد أنقصم من عند ظبته ، وكأن بقرا تذبح ، وكأنه مردف ~~كبشا فأخبره بها أصحابه وأولها ، فقال : أما الدرع الحصينة فالمدينة ، وأما ~~انقصام سيفى فمصيبة في نفسي ، وأما البقر التى تذبح فقتل في أصحابي ، وأما ~~مردف كبشا ، فكبش الكتيبة بقتله الله إن شاء الله : فكان رأى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ألا يخرج من المدينة لهذه الرؤيا ، فأحب أن يوافق على ~~رأيه ، فاستشار أصحابه في الخروج ، فأشار عبد الله بن أبى بن سلول ألا يخرج ~~، وكان ذلك رأى الأكابر من المهاجرين والأنصار ، فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : امكثوا في المدينة ، واجعلوا النساء والذرارى في الآطام . ~~فقام فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا ، فطلبوا من رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) الخروج إلى عدوهم ورغبوا في الشهادة ، وقالوا : اخرج بنا إلى عدونا ~~لا يرون أنا قد جبنا عنهم وضعفنا . فغلبوا على الأمر ، فصلى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) الجمعة بالناس ووعظهم وأمرهم بالجد والجهاد ، وأخبرهم ~~أن لهم النصر ما صبروا ، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم ، ففرح الناس بالشخوص ، ~~PageV17P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" ثم صلى بالناس العصر ، وقد حشدوا ، وحضر أهل ~~العوالى ، ثم دخل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بيته ومعه أبو بكر وعمر ms3506 ~~، فعماه وألبساه ، وصف الناس له ينتظرون خروجه ، فقال لهم سعد ابن معاذ ~~وأسيد بن حضير : استكرهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على الخروج ، ~~والأمر ينزل عليه من السماء ، فردوا الأمر إليه . فخرج رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قد لبس لأمته ، وأظهر الدرع وحزم وسطها بمنطقة من أدم من ~~حمائل سيفه ، واعتم وتقلد السيف ، وألقى الترس في ظهره ، فندموا جميعا على ~~ما صنعوا ، وقالوا : ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما بدا لك . فقال ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : لا ينبغى لنبي إذا لبس لأمته يضعها حتى يحكم الله بينه ~~وبين أعدائه ، فا نظروا ما آمركم به فا فعلوا وامضوا على اسم الله ، فلكم ~~النصر ما صبرتم . ثم دعا بثلاثة أرماح ، فعقد ثلاثة ألويه ، فدفع لواء ~~المهاجرين إلى علي بن أبى طالب ، ويقال : إلى مصعب بن عمير ، ودفع لواء ~~الأوس إلى أسيد بن حضير ، ودفع لواء الخزرج إلى الحباب بن المنذر ، ويقال : ~~إلى سعد بن عبادة ، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ، ثم ركب ~~فرسه وتنكب القوس وأخذ قناة بيده ، والمسلمون عليهم السلاح قد أظهروا ~~الدروع ، فيهم مائة دراع ، وخرج السعدان أمامه يعدوان ، سعد بن معاذ ، وسعد ~~بن عبادة ، كل منهما دراع ، والناس عن يمينه وشماله ، فمضى حتى إذا كان ~~بالشيخين - وهما أطمان ، كان يهودى ويهودية يقومان عليهما يتحدثان ، فلذلك ~~سميا بالشيخين ، وهما في طرف المدينة - التفت فنظر إلى كتيبة خشناء لها ~~PageV17P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" زجل ، فقال : ما هذه ؟ قالوا : حلفاء ابن أبى ~~من يهود . فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : لا تستنصروا بأهل الشرك على أهل ~~الشرك . وعرض من عرض بالشيخين ، فرد من رد ، وأجاز من أجاز . وقال محمد بن ~~إسحاق : أجاز رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يومئذ سمرة بن جندب المزاري ~~، ورافع بن خديج أحد بنى حارثة ، وهما ابنا خمس عشرة سنة ، وكان قد ردهما ، ~~فقيل له : يا رسول الله إن رافعا رام . فأجازه ، فقيل له : إن سمرة يصرع ~~رافعا ، فأجازه . ورد رسول الله ( صلى الله ms3507 عليه وسلم ) أمامة بن زيد ، ~~وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وزيد بن ثابت ، والبراء بن عازب ، وعمرو بن ~~حزم ، وأسيد بن ظهير ، ثم أجازهم يوم الخندق ، وهم أبناء خمس عشرة سنة ، ~~ورد عرابة ابن أوس وهو الذي يقول فيه PageV17P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" الشماخ . إذا ما راية رفعت لمجد . . . تلقاها ~~عرابة باليمين قال ابن سعد : وبات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بالشيخين ، وكان نازلا في بنى النجار ، واستعمل على الحرس تلك الليلة محمد ~~بن مسلمة في خمسين رجلا ، يطيفون بالعسكر ، وأدلج رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في السحر ، ودليله أبو خيثمة ، فانتهى إلى أحد ، فحانت الصلاى ~~، وهو يرى المشركين ، فأمر بلالا فأذن وأقام ، فصلى بأصحابه الصبح صفوفا . ~~قال ابن إسحاق : ولما كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالشوط بين ~~المدينة وأحد ، انخزل عنه عبد الله بن أبى بثلث الناس ، وقال : أطاعهم ~~وعصانى ، ما ندرى علام نقتل أنفسناها هنا أيها الناس فرجع بمن اتبعه من ~~قومه من أهل النفاق ، وآتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام ، أخو بنى سلمة ، ~~يقول : ياقوم ، أذكركم الله تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر عدوهم ؛ قالوا : ~~لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم ، ولكن لا نرى أنه يكون قتال . قال : ~~فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم ، قال : أبعدكم الله أعداء الله ~~، فسيغنى الله عنكم نبيه صلى اللله عليه وسلم . قال ابن سعد : انخزل عبد ~~الله بن أبى بثلثمائة ، وبقي رسول الله عليه وسلم في سبعمائة ومعه فرسه ~~وفرس لأبى بردة بن نيار . وأقبل يصف أصحابه ويسوى الصفوف على رجليه ، وعليه ~~درعان ومغفر وبيضة ، وجعل له ميمنة وميسرة ، وجعل أحدا وراء ظهره ، واستقبل ~~المدينة ؛ وجعل عينين - جبلا - عن يساره ، وجعل عليه خمسين من PageV17P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" الرماة ، واستعمل عليهم عبد الله بن جبير ، ~~وقال : قوموا على مصافكم هذه فاحموا ظهورنا ، لا يأتونا من خلفنا ، فإن ~~رأيتمونا قد غنمنا ، فلا تشركون ، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا . وأقبل ~~المشركون ، وقد صفوا صفوفهم ، واستعملوا على الميمنة خالد بن ms3508 الوليد ، وعلى ~~الميسرة عكرمة بن أبى جهل ، ولهم مجنبتان مائتا فرس ، وجعلوا على الخيل ~~صفوان بن أمية ، ويقال : عمرو بن العاص . وعلى الرماة عبد الله بن أبى ~~ربيعة ، وكانوا مائة رام ، ودفعوا اللواء إلى طلحة - واسم أبى عبد الله ابن ~~عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار - فسأل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: من يحمل لواء المشركين ؟ فقيل : عبد الدار . فقال : نحن أحق بالوفاء منهم ~~، أين مصعب ابن عمير ؟ قال : هأنذا ؛ قال : خذ اللواء ؛ فأخذ مصعب ، فتقدم ~~به بين يدى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . قال ابن إسحاق : وقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فقال رجال ، ~~فأمسكه عنهم ، حتى قام أبو دجانة سمك بن خرشة أخو بنى ساعدة ، فقال : وما ~~حقه يا رسول الله ؟ قال : تضرب به في العدو حتى ينحنى ؛ قال : أنا آخذه يا ~~رسول الله بحقه . فأعطاه إياه . وكان أبو دجانة إذا اعلم بعصابة له حمراء ~~علم الناس أنه سيقاتل ، فلما أخذ السيف من يد رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، أخرج عصابته تلك فعصب بها رأسه ، وجعل يتبختر بين الصفين . فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين رآه : إنها لمشية يبغضها الله ورسوله ~~، إلا في هذا الموطن . قال ابن هشام : إن الزبير بن العوام قال : وجدت في ~~نفسى حين سألت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) السيف فمنعنيه وأعطاه أبا ~~دجانة ، فقلت : والله لأنظرن ما يصنع . فأتبعه ، فأخرج عصابة حمراء فعصب ~~بها رأسه ، فقالت الأنصار : أخرج أبو دجانة عصابة الموت . وجعل يقول : ~~PageV17P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" أنا الذي عاهدني خليلي . . . ونحن بالسفح لدى ~~النخيل ألا أقوم الدهر في الكيول . . . أضرب بسيف الله والرسول قال الزبير ~~: فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله . وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلا ~~ذفف عليه ، فدعوت الله أن يجمع بينهما ، فالتقيا ، فاختلفا ضرتين ، فضرب ~~المشرك أبا دجانة ، فاتقاه بدرقته ، وضربه أبو دجانة فقتله ، ثم رأيته قد ~~حمل السيف على مفرق رأس هند ms3509 بنت عتبة ، ثم عدله عنها ، قال الزبير ، فقلت : ~~الله ورسوله أعلم . قال أبو دجانة : رأيت إنسانا شيئا ، فصمدت له ، فلما ~~حملت عليه السيف ولول ، فإذا امرأة ، واكرمت سيف رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أن أضرب به امرأة . قالوا : وكان أول من الحرب يوم أحد أبو عامر عبد ~~عمرو بن صيفي ابن مالك بن النعمان ، أحد بنى ضبيعة بن زيد ، وكان قد خرج ~~إلى مكة مباعدا لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومعه خمسون غلاما من ~~الأوس ، وكان يعد قريشا أن لو قد لقى قومه لم يختلف عليه منهم رجلان . فلما ~~التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة ، فنادى ~~: يا معشر الأوس ، أنا أبو عامر . قالوا : فلا أنعم الله عينا يا فاسق - ~~وكان في الجاهلية يسمى الراهب ، فسماه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~الفاسق ، كما قدمنا من خبره - قال : فلما سمع ردهم عليه ، قال : لقد أصاب ~~قومى بعدى شر . ثم قاتلهم قتالا شديدا ، ثم راضخهم بالحجارة فراضخوه ، حتى ~~ولى هو وأصحابه هاربين . قال : وكان أبو سفيان قد قال لأصحاب اللواء من بنى ~~عبد الدار يحرضهم بذلك على القتال : يا بني عبد الدار ، إنكم قد وليتم لواء ~~يوم بدر ، فأصابنا ما قد رأيتم ، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم ، إذا ~~زالت زالوا ، فإما أن تكفونا لواءنا ، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه ~~؛ فهموا به وتواعدوه ، وقالوا : نحن نسلم إليك لواءنا ؟ ستعلم غدا إذا ~~التقينا كيف نصنع وذلك أراد أبو سفيان . قال : ولما التقى الناس ، ودنا ~~بعضهم من بعض ، قامت هند بنت عتبة في النسوة PageV17P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" اللاتي معها ، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف ~~الرجال ويحرضنهم ، فقالت هند فيما تقول : ويها بنى عبد الدار . . . ويها ~~حمادة الأدبار ضربا بكل بتار وقالت أيضا : نحن بنات طارق . . . نمشي على ~~النمارق إن تقبلوا نعانق . . . أو تدبروا نفارق فراق غير وامق قال : وكان ~~شعلر المسلمين يوم أحد . أمت ، أمت . ودنا القوم بعضهم من بعض ، والرماة ~~يرشقون خيل المشركين ms3510 بالنبل ، فتولى هوارب ، فبرز طلحة ابن أبى طلحة ، صاحب ~~لواء المشركين ، وقال : من يبارز ؟ فبرز له على بن أبى طالب ، فالتقيا بين ~~الصفين ، فبدره علي بضربة على رأسه فلق هامته ، فوقع وهو كبش الكتيبة ، فسر ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بذلك وكبر ، وكبر المسلمون ، وشدوا على ~~كتائب المشركين يضربونهم حتى نغضت صفوفهم ، ثم حمل لواء المشركين عثمان بن ~~أبى طلحة ، وجعل يرتجز وهو أمام النسوة : إن على أهل اللواء حقا . . . أن ~~يخضبوا الصعدة أو تندقا فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب ، فضربه بالسيف على ~~كاهله فقطع يده وكتفه حتى آنتهى إلى مؤتزره ، وبدا سحره ، ثم رجع حمزة وهو ~~يقول : أنا ابن ساقى PageV17P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" الحجيج . فحمل اللواء أبو سعد بن أبى طلحة ، ~~فرماه سعد بن أبى وقاص فأصاب حنجرته ، فأدلع لسانه إدلاع الكلب ، فقتله . ~~ثم حمله مسافع بن طلحة بن أبى طلحة ، فرماه علصم بن ثابت بن أبى الأقلح ، ~~فقتله . ثم حمله كلاب بن طلحة ابن أبى طلحة ، فقتله الزبير بن العوام . ثم ~~حمله الجلاس بن طلحة بن أبى طلحة فقتله طلحة بن عبيد الله . ثم حمله أرطاة ~~بن شرحبيل ، فقتله علي بن أبى طالب . ثم حمله شريح بن قاسط ، فقتل . ثم ~~حمله صؤاب غلامهم ، حبشى ، فقاتل يومئذ حتى قطعت يده ، فاعتنق اللواء حتى ~~قتل عليه ، وهو يقول : اللهم هل أعذرت ، واختلف في قاتله ، فقيل : قتله سعد ~~بن أبى وقاص ، وقيل علي بن أبى طالب ، وقيل : قتله قزمان على الأصح . قال : ~~فلما قتل أصحاب اللواء صار ملقى ، حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية ~~فدفعته لقريش ، فلا ثوابه . ثم انكشف المشركون وانهزموا لا يلوون على شئ ، ~~ونساؤهم يدعون بالويل ، وتبعهم المسلمون يضعون فيهم السلاح فيهم حيث شاءوا ~~حتى أجهضوهم عن العسكر ، ووقعوا ينبهون العسكر ، ويأخذون ما فيه من الغنائم ~~. قال ابن إسحاق بسند يرفعه إلى الزبير بن العوام ، أنه قال : والله لقد ~~رأيتنى أنظر إلى خدم هند وصواحبها مشمرات هوارب ، مادون أخذهن قليل ولا ~~كثير . قال ابن سعد : وتكلم ms3511 الرماة الذين على الجبل واختفوا بينهم ، وثبت ~~أميرهم عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة ، وقال : لا أجاوزا أمر ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ووعظ أصحابه وذكرهم أمر رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فقالوا : لم يرد رسول الله هذا ، قد انهزم المشركون ~~، فما مقامنا ها هنا ؟ فانطلقوا يتبعون العسكر ينتبهون معهم ، وتركوا الجبل ~~. فنظر خالد بن الوليد إلى خلو الجبل وقلة أهله ، فكر بالخيل ، وتبعه عكرمة ~~بن أبى جهل ، فحملوا على المسلمين ، واستدارت رحاهم ، وحالت الريح فصارت ~~دبورا ، وكانت قبل ذلك صبا ، ونادى إبليس - لعنه الله - إن محمدا قد قتل . ~~واختلط PageV17P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" المسلمون فصاروا يقتتلون على غير شعار ، ويضرب ~~بعضهم بعضا ، ما يشعرون به من العجلة والدهش ، وقتل مصعب ابن عمير ، فأخذ ~~اللواء ملك في صورة مصعب ، وحضرت الملائكة يومئذ ولم تقاتل ، ونادى ~~المشركون بشعارهم : يا للعزى يا لهبل . فقتل من أكرمه الله بالشهادة من ~~المسلمين ، حتى خلص العدو إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وثبت ( ~~صلى الله عليه وسلم ) معه عصابة من أصحابه أربعة عشر رجلا ، سبعة من ~~المهاجرين ، فيهم أبو بكر الصديق ، رضى الله عنه ، وسبعة من الأنصار . ورمى ~~رسول الله عليه وسلم عن قوسه حتى اندقت سيتها ، فأخذها قتاة بن النعمان ~~فكانت عنده ، ثم ذب بالحجارة . وكسرت يومئذ رباعيته ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، وكلمت شفته ، وشج في وجهه ، وجرح في وجنته ، وكسرت البيضة على رأسه ، ~~فسال الدم على وجهه ، فجعل يمسحه ويقول : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم ، ~~وهو يدعوهم إلى ربهم ؟ فأنزل الله تعالى في ذلك : ليس لك من الأمر شئ أو ~~يتوب عليهم ، أو يعذبهم فإنهم ظالمون . وروى أبو محمد عبد الملك بن هشام ~~بسنده إلى أبى سعيد الجدرى : أن عتبة بن أبى وقاص رمى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يومئذ ، فكسر رباعيته اليمنى السفلى ، وجرح شفته السفلى ، وأن ~~عبد الله بن شهاب الزهرى شجه في جبهته ، وأن ابن قمئة جرح وجنته ، فدخل ~~حلقتان من حلق المغفرة ms3512 في وجنته ، ووقع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~في حفرة من الحفر التى عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون ، فأخذ علي بن أبى ~~طالب بيده ، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما ، ومص مالك بن سنان ~~أبو أبى سعيد الخدرى ، الدم من وجه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ازدرده ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : من مس دمه دمى لم تمسه النار . قال ~~ابن إسحاق بسند يرفعه إلى محمود بن عمرو : لما غشى القوم رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال : من رجل يشتري لنا نفسه ؟ فقام زياد بن السكن في ~~خمسة من الأنصار ، وبعضهم يقول : إنما هو عمارة بن يزيد بن السكن . فقاتلوا ~~دون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رجلا رجلا يقتلون دونه ، حتى كان ~~آخرهم زياد أو عمارة ، فقاتل حتى أثبتته الجراحة . ثم فاءت فئة المسلمين ~~فأجهضوهم عنه ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أدنوه منى . ~~فأدنوه منه ، فوسده قدمه ، فمات ، وخده على قدم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . قال : وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يومئذ ، فحدثت وقد ~~سئلت عن خبرها ، فقالت : خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ، ومعى سقاء ~~فيه ماء ، فانتهيت PageV17P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~والدولة والريح للمسلمين ، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فقلت : أباشر القتال وأذب عنه بالسيف ، حتى خلصت الجراحة ~~إلى . وكان على عاتقها جرح أجوف له غور ، فقيل لها : من أصابك بهذا ؟ فقالت ~~: ابن قمئة ، أقماه الله ، لما ولى الناس عن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أقبل يقول : دلونى على محمد ، فلا نجوت إن نجا ، فا عترضت له أنا ~~ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فضربنى ~~هذه الضربة ، ولقد ضربته على ذلك ضربات ، ولكن عدو الله كان عليه درعان . ~~قال ابن إسحاق : وترس دون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أبو دجانة ~~بنفسه ، يقع النبل ms3513 في ظهره وهو منحن عليه ، حتى كثر فيه النيل . ورمى سعد ~~ابن أبى وقاص دون رسول الله عليه وسلم ، قال سعد : فلقد رأيته يناولنى ~~النبل ويقول : ارم فداك أبى وأمي ، حتى إنه ليناولنى السهم ما له من نصل ، ~~فيقول : ارم به . قال : وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان ، حتى وقعت على ~~وجنته ، فردها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بيده ، فكانت أحسن عينيه ~~وأحدهما . قال : وانتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب ، ~~وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار ، قد ألقوا بأيديهم ، ~~فقال : ما يجلسكم ؟ فقالوا : قتل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ قال : ~~فما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه ، فقاتل حتى قتل . ~~قال أنس بن مالك : لقد وجدنا به سبعين ضربى ؛ وأصيب عبد الرحمن بن عوف في ~~فمه فهتم ، وجرح عشرين جراحة أو أكثر ، فأصابه بعضها في رجله فعرج . قال ~~ابن إسحاق : وكان أول من عرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد الهزيمة ~~، وقول الناس : قتل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، كعب بن مالك ، قال ~~كعب : عرفت عينيه تزهر أن تحت المغفرة ، فناديت بأعلى صوتي : يا معشر ~~المسلمين ، أبشروا ، هذا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فأشار إلي : ~~أن أنصت ، قال : فلما عرف المسلمون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نهضوا ~~به ونهض معهم نحو الشعب ، معه أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وطلحة بن عبيد الله ~~، والزبير بن العوام ، PageV17P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" والحارث بن الصمة ، ورهط من المسلمين ، فلما ~~أسند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في الشعب أدركه أبى بن خلف ، وهو ~~يقول : أين محمد ؟ لا نجوت إن نجا ، فقال القوم : يا رسول الله ، أيعطف ~~عليه رجال منا ؟ قال رسول الله : دعوه . فلما دنا تناول رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) الحربة من الحارث بن الصمة ، قال : فلما أخذها انتفض منا ~~انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها ، ثم ~~استقبله فطعنه بها ms3514 طعنة في عنقه تدأدأ منها عن فرسه مرارا ؛ وكان أبى بن ~~خلف قبل ذلك يلقى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيقول : إن عندى العود ~~- فرسا - أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه . فيقول رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : بل أنا أقتلك إن شاء الله . فلما رجع إلى قريش ، وقد ~~خدشه في عنقه خدشا غير كبير ، فاحتقن الدم فيه ، فقال : قتلنى والله محمد ؛ ~~قالوا : ذهب والله فؤادك والله إن بك بأس ؛ قال : إنه قد قال لى بمكة : أنا ~~أقتلك ، والله لو بصق علي لقتلني . فمات عدو الله بسرف وهم قافلون إلى مكة ~~، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت : لقد ورث الضلال عن أبيه . . . أبى يوم بارزه ~~الرسول أتيت إليه تحمل رم عظم . . . وتوعده وأنت به جهول وقد قتلت بنو ~~النجار منكم . . . أمية إذ يغوث : يا عقيل وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا . . . ~~أبا جهل ، لأمهما الهبول وأفلت حارث لما شغلنا . . . بأسر القوم ، أسرته ~~قليل وقال حسان أيضا فيه : ألا من مبلغ عنى ابيا . . . فقد ألقيت في سحق ~~السعير PageV17P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" تمنى بالضلالة من بعيد . . . وتقسم أن قدرت مع ~~النذور تمنيك الأماني من بعيد . . . وقول الكفر يرجع في غرور فقد لا قيت ~~طعنة ذى حفاظ . . . كريم البيت ليس بذى فجور له فضل على الأحياء طرا . . . ~~إذا نابت ملمات الأمور قال : ولما انتهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إلى فم الشعب خرج علي بن أبى طالب حتى ملأ درقته من الماء ، فجاء به رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليشرب منه ، فوجد له ريحا ، فعافه وغسل عن ~~وجهه الدم . قال : وبينما رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالشعب ، معه ~~أولئك النفر من أصحابه ، إذ علت عالية من قريش الجبل ، وكان على تلك الخيل ~~خالد بن الوليد ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : اللهم إنه لا ~~ينبغي لهم أن يعلونا فقاتل عمر بن الخطاب ورهط من المهاجرين حتى أهبطوهم من ~~الجبل . ونهض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى ms3515 صخرة من الجبل ليعلموها ~~، وقد كان بدن وظاهر بين درعين ، فلم يستطع ، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله ~~، فنهض به حتى استوى عليها . قال ابن هشام : وصلى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التي أصابته ، وصلى المسلمون ~~خلفه قعودا . قال ابن إسحاق : ولما أراد القوم الانصراف أشرف أبو سفيان على ~~الجبل ثم صرخ بأعلى صوته : أنعمت فعال ، إن الحرب سجال ، يوم بيوم بدر . ~~فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : قم يا عمر فأجبه ، فقل : الله ~~أعلى وأجل ، لا سواء ، قتلانا في الجنة ، PageV17P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" وقتلاكم في النار ؛ فقال له أبو سفيان : هلم ~~إلي يا عمر ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعمر : ايته فانظر ما ~~شأنه ؛ فأتاه ، فقال له أبو سفيان : أنشدك الله يا عمر ، أقتلنا محمدا ؟ ~~قال عمر : اللهم لا ، وإنه ليسمع كلامك الآن ، قال : أنت أصدق عندى من ابن ~~قمئة وأبر - لقول ابن قمئة لهم : إني قتلت محمدا - قال : واسم ابن قمئة عبد ~~الله . وروى البخارى عن البراء قال : وأشرف أبو سفيان فقال : أفى القوم ~~محمد ؟ فقال : لا تجيبوه ، قال : أفى القوم ابن أبى قحافة ؟ قال : لا ~~تجيبوه ، قال : أفى القوم ابن الخطاب ؟ فقال : إن هؤلاء قتلوا ، فلو كانوا ~~أحياء لأجابوا . فلم يملك عمر - رضوان الله عليه - نفسه ، فقال : كذبت يا ~~عدو الله ، أبقى الله لك ما يخزنك . قال أبو سفيان : اعل هبل ، فقال النبى ~~( صلى الله عليه وسلم ) : أجيبوه ، فقالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : الله ~~أعلى وأجل ؛ قال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم ، فقال النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : أجيبوه ، قالوا : ما نقول ؟ قال قولوا : الله مولانا ، ~~ولا مولى لكم ؛ قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، وتجدون مثلة ~~لم آمر بها ولم تسؤنى . قال ابن سعد : ثم نادى أبو سفيان عند انصرافه : إن ~~موعدكم بدر العام القابل . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لرجل من ~~أصحابه : قل له : نعم هو بيننا وبينك موعد ms3516 . ثم بعث رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) علي بن أبى طالب فقال : آخرج في آثار القوم ، فانظر ماذا ~~يصنعون ، وماذا يريدون ، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فهم ~~يريدون المدينة ، والذي نفسى بيده لئن أرادوها لأسيرت إليهم فيها ، ثم ~~لأناجزنهم . قال علي : فخرجت في آثارهم فرأيتهم قد جنبوا الخيل وامتطوا ~~الإبل ، وتوجهوا إلى مكة . ذكر خبر مقتل حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه ، ~~وما فعلته هند بنت عتبة ، وما قالته من الشعر ، وما أجيبت به كان حمزة بن ~~عبد المطلب رضى الله عنه ، قد قتل من ذكرنا من المشركين آنفا ، ~~PageV17P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" ومر به سباع بن عبد العزى الغبشانى ، وكان ~~يكنى بأبى نيار ، فقال له حمزة : هلم إلى يابن مقطعة البضور - وكانت أمه أم ~~أنمار مولاة شريق بن عمر بن وهب الثقفى ، وكانت ختانة بمكة - فلما التقيا ~~ضربه حمزة فقتله . فقال وحشى غلام جبير بن مطعم : والله إني لأنظر إلى حمزة ~~يهذ الناس بسيفه هدا ما يقوم له شئ ، فو الله إني لأتهيأ أريده ، وأستتر ~~منه بشجرة أو بحجر ليدنو منى ، إذ تقدمنى إليه سباع ، فلما رآه حمزة قال له ~~قال ، فضربه حمزة فقتله ، فهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه ، ~~فوقعت في ثنته ، حتى خرجت من بين رجليه ، وذهب لينوء نحوى فغلب ، فتركته ~~وإياها حتى مات ، ثم أتيته فأخذت حربتى ، ثم رجعت إلى العسكر فقعدت فيه ، ~~فلم يكن لي بغيره حاجة ، إنما قتلته لأعتق . قال ابن إسحاق : ووقفت هند بنت ~~عتبة والنسوة اللاتى معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، يجد عن الآذان والآنف ، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم ~~قلائد وخدما ، وأعطت قلائدها وخدمها وفرطها وحشيا ، وبقرت عن كبد حمزة فلا ~~كتها فلم تسطع أن تسيغها ، فلفظها ، ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى ~~صوتها ، ثم قالت : نحن جزينا كم بيوم بدر . . . والحرب بعد الحرب ذات سعر ~~ما كان عن عتبة لي صبر . . . ولا أخى وعمه وبكرى شفيت ms3517 نفسى وقضيت وترى . . ~~. شفيت وحشى غليل صدرى فشكر وحشى على عمرى . . . حتى ترم أعظمى في قبرى ~~فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب فقالت : PageV17P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" خزيت في بدر وبعد بدر . . . يا بنت وقاع عظيم ~~الكفر صبحك الله غداة الفجر . . . بالهاشميين الطوال الزهر بكل قطاع حسام ~~يفرى . . . حمزة ليثى وعلى صقرى إذ رام شيب وأبوك غدرى . . . فخضبا منه ~~ضواحى النحر ونذرك السوء فشر نذر قالت هند غير ذلك من الشعر وأجيبت بمثله ، ~~وتركنا ذلك اختصارا . قال ابن إسحاق : ومر الحليس بن زبان أخو بنى الحارث ~~بن عبد مناة ، وهو يومئذ سيد الأحابيش بأبى سفيان ، وهو يضرب في شدق حمزة ~~بزج الرمح ، ويقول : ذق عقق . فقال الحليس : يا بنى كنانة ، هذا سيد قريش ~~يصنع بآبن عمه ما ترون لحما ؛ قال : ويحك اكتمها عنى ، فإنها كانت زلة . ~~قال ولما فرغ الناس لقتلاهم خرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يلتمس ~~حمزة ، فوجده ببطن الوادى قد بقر بطنه عن كبده ، وجدع أنفه وأذناه . فقال ~~حين رآه : لولا أن تحزن صفية ويكون سنة من بعدى لتركتك حتى تكون في بطون ~~السباع وحواصل الطير ، ولئن أظهرنى الله على قريش في موطن من المواطن ~~لأمثلن بثلاثين رجلا منهم . فلما رأى المسلمون حزن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وغيظه على من فعل بعمه ما فعل ، قالوا : والله لئن أظفرنا الله ~~بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب . فأنزل الله ~~تعالى قوله : " وإن علقبتم فعلقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين ، واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما ~~يمكرون . إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " قال : فعفا رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) وصبر . ونهى عن المثل . قال ابن هشام : ولما وقف ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على حمزة قال : لن أصاب بمثلك أبدا ما ~~وقفت موقفا قط أغيظ إلى من هذا ثم قال : جاءني جبريل عليه السلام ms3518 فأخبر ~~PageV17P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب في أهل السموات ~~السبع : حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله . قال ابن إسحاق يرفعه إلى ~~ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال : أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بحمزة فسجى ببرد ، ثم صلى عليه وكبر سبع تكبيرات ، ثم أتى بالقتلى يوضعون ~~إلى حمزة ، فصلى عليهم وعليه معهم ، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة . قالت ~~: وأقبلت ضفية بنت عبد المطلب لتنظر إلى أخيها حمزة ، فقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) لابنها الزبير ابن العوام : القها فارجعها لا ترى ما ~~بأخيها . فقال لها : يا أماه : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يأمرك ~~أن ترجعى ، فقالت : ولم ؟ وقد بلغنى أنه قد مثل بأخى ، وذلك في الله عز وجل ~~، فما أرضانى أنا بما كان من ذلك لأحتسبن ولأصبرت إن شاء الله تعالى . فلما ~~جاء الزبير إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأخبره بذلك قال : خل ~~سبيلها ، فأتته ، فنظرت إليه ، وصلت عليه ، واسترجعت ، واستغفرت له ، ثم ~~أمر به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فدفن . قال : واحتمل ناس من ~~المسلمين قتلاهم إلى المدينة ، فدفنوهم بها . ثم نهى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) عن ذلك ، وقال : ادفنوهم حيث صرعوا . ذكر تسمية من استشهد من ~~المسلمين يوم أحد قال ابن إسحاق : استشهد من المسلمين يوم أحد سبعون رجلا ، ~~كان منهم من المهاجرين من بنى عبد المطلب ، رضى الله عنه ، وقد تقدم خبر ~~مقتله . ومن بنى أمية : عبد الله بن جحش ، حليف لهم من بنى أسد بن خزيمة ~~قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق . ومن بنى عبد الدار بن قصى : مصعب ابن ~~عمير ، قتله عبد الله بن قمئة الليثى . ومن بنى مخزوم بن يقظة : شماس بن ~~عثمان قتله أبى بن خلف . لم يذكر ابن إسحاق غير هؤلاء الأربعة . وقال محمد ~~بن سعد في طبقاته الكبرى : وعبد الله ، وعبد الرحمن ، أبنا الهبيب ، من بنى ~~سعد بن ليث ، ووهب بن قابوس المزنى ms3519 ، وابن أخيه الحارث بن عقبة ابن قابوس . ~~وزاد الثعلبى سعدا مولى عتبة ، ولم يذكر الأربعة الذين ذكرهم ابن سعد ، بل ~~عد المهاجرين خمسة . PageV17P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" واستشهد من الأنصار ، من بنى عبد الأشهل اثنا ~~عشر رجلا ، وهم : عمرو بن معاذ بن النعمان أخو سعد ، والحارث بن أنس بن ~~رافع ، وعمارة بن زياد بن السكن ، وسلمة بن ثابت بن وقش ، وأخوه عمرو بن ~~ثابت ، وأبوهما ثابت ، ورفاعة بن وقش ، واليمان ، وأسمه حسيل بن جابر ، ~~أصابه المسلمون في المعركة ولا يدرون ، وأراد رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أن يديه ، فتصدق ابنه حذيقة بديته على المسلمين ، وصيفي بن قيظى ، ~~وخبا ابن قيظى ، وعباد بن سهل ، والحارث بن أوس بن معاذ . ومن أهل راتج ~~ثلاثة نفر ، وهم : إياس بن أوس بن عتيك ، وعبيد بن التيهان ، ويقال : عتيك ~~بن التيهان . وحبيب بن زيد بن تيم . ومن بنى ظفر : يزيد بن حاطب بن أمية بن ~~رافع . ومن بنى عمرو بن عوف ، رجلان ، وهما : أبو سفيان بن الحارث بن قيس ~~بن زيد ، وحنظلة بن أبى عامر بن صيفي بن النعمان ، وهو غسيل الملائكة ، ~~وكان قد آلتقى هو وأبو سفيان ، فلما استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود ~~فقتله ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : إن صاحبكم لتغسله ~~الملائكة . فسألوا أهله : ما شأنه ؟ فسئلت صاحبته فقالت : خرج وهو جنب حين ~~سمع الهاتفة ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : لذلك غسلته ~~الملائكة . وقال شداد بن الأسود حين قتل حنظلة : لأحمين صاحبى ونفسى . . . ~~بطعنة مثل شعاع الشمس ومن بنى عبيد بن زيد : أنيس بن قتادة . ومن بنى ثعلبة ~~بن عمرو ابن عوف رجلان ، وهما : أبو حية بن عمرو ثابت ، وعبد الله بن جبير ~~ابن النعمان ، وهو أمير الرماة . ومن بنى السلم بن امرئ القيس بن مالك : ~~خيثمة أبو سعد بن خيثمة . ومن حلفائهم من بنى العجلان : عبد الله بن سلمة . ~~ومن بنى معاوية بن مالك رجلان ، وهما : سبيع بن حاطب بن الحارث ، ويقال : ~~سويبق بن الحارث . ومالك بن ms3520 نميلة ، حليف لهم من مزينة . ومن بنى النجار ثم ~~من بنى سواد بن مالك خمسة نفر ، وهم : عمرو بن قيس بن زيد بن سواد ، وابنه ~~قيس بن عمرو ، وثابت بن عمرو بن زيد ، وعامر بن مخلد ، ومالك بن إياس . ومن ~~بنى مبذول رجلان ، وهما : أبو هبيرة بن الحارث ابن علقمة ، وعمرو بن مطرف ~~بن علقمة . ومن بنى عمرو بن مالك بن النجار رجلان ، PageV17P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" وهما : أوس بن ثابت بن المنذر ، وهو أخو حسان ~~، وإياس بن عدى . ومن بنى عدى بن النجار رجل واحد ، وهو : أنس بن النضر بن ~~ضمضم بن زيد ابن حرام بن جندب بن عامر بن عدى بن النجار ، وقد تقدم خبره . ~~ومن بنى مازن بن النجار رجلان ، وهما : قيس بن مخلد ، وكيسان عبد لهم . ومن ~~بنى دينار بن النجار رجلان ، وهما : سليم بن الحارث ، ونعمان بن عبد عمرو . ~~ومن بنى الحارث بن الخزرج ثلاثة نفر ، وهم : خارجة بن زيد بن أبى زهير ، ~~وسعد ابن الربيع بن أبى زهير - حكى محمد بن سعد في طبقاته أن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قال يوم أحد : من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع ، ~~أفى الأحياء هو أم في الأموات ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا أنظر لك يا رسول ~~الله ما فعل ، فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق ، قال الأنصارى : فقلت ~~له : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أمرنى أن أنظر أفى الأحياء أنت ~~أم في الأموات ؟ قال : أنا في الأموات ، فأبلغ رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) عنى السلام ، وقل له : إن سعد بن الربيع يقول : جزاك الله عنا خير ~~ما جزى نبيا عن أمته ، وأبلغ قومك عنى السلام ، وقل لهم : إن سعد بن الربيع ~~يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف . قال ~~الأنصارى : ثم لم أبرح حتى مات ؛ فجئت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) فأخبرته خبره . وأوس بن الأرقم بن زيد . ومن بنى ms3521 الأبجر ، وهم بنو خدرة ، ~~ثلاثة نفر ، وهم : مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبد بن الأبحر ، وهو ~~أبو أبى سعيد الخدرى ، وسعيد بن سويد بن قيس بن عامر بن عباد بن الأبجر ، ~~وعتبة بن ربيع ابن رافع بن معاوية . ومن بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج رجلان ~~، وهما : ثعلبة بن سعد بن مالك بن خالد ، وثقيف بن فروة بن البدى . ومن بنى ~~طريف ، رهط سعد بن عبادة رجلان ، وهما : عبد الله بن عمرو بن وهب ، وضمرة ~~حليف لهم من جهينة . ومن بنى عوف بن الخزرج خمسة نفر ، وهم : نوفل ابن عبد ~~الله ، وعباس بن عبادة بن نضلة ، ونعمان بن مالك بن ثعلبة ، والمجذر ابن ~~زياد ، حليف لهم من بلى ، وعبادة بن الحسحاس . ومن بنى الحبلى ، رفاعة ابن ~~عمرو ، ومن بنى سلمة ثم من بنى حرام أربعة نفر ، وهم : عبد الله بن عمرو ~~ابن حرام ، وعمرو بن الجموح بن زيد بن حرام ، وخلاد بن عمرو بن الجموح ، ~~وأبو أيمن مولى عمرو بن الجموح . ومن بنى سواد بن غنم ثلاثة نفر ، وهم : ~~سليم بن عمرو بن حديدة ، ومولاه عنترة ، وسهل بن قيس بن أبى كعب بن القين . ~~PageV17P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" ومن بنى زريق بن عامر رجلان ، وهما : ذكوان بن ~~عبد قيس ، وعبيد بن المعلى بن لوذان . ومن بنى خطمة من الأوس : الحارث بن ~~عدى بن خرشة بن أمية . ومن بنى سالم بن عوف : عمرو بن إياس . ذكر تسمية من ~~قتل من المشركين يوم أحد قتل من المشركين يوم أحد اثنان وعشرون رجلا : من ~~بنى عبد الدار بن قصى أحد عشر رجلا - وهم أصحاب اللواء - طلحة بن أبى طلحة ~~، قتله علي بن أبى طالب ، وأبو سعيد بن أبى طلحة ، قتله سعد بن أبى وقاص ، ~~ويقال : علي . وعثمان بن أبى طلحة ، قتله حمزة بن عبد المطلب ، ومسافع بن ~~طلحة ، قتله عاصم ابن ثابت بسهم ، والجلاس بن طلحة ، قتله عاصم أيضا كما ~~تقدم ، وكلاب بن طلحة والحارث بن طلحة ، قتلهما قزمان حليف لبنى ms3522 ظفر ، ~~وأرطاة بن عبد بن شر حبيل ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ، قتله حمزة ، ~~ويقال : قتله علي ، وأبو زيد ابن عمير بن هاشم ، قتله قزمان ، وصؤاب غلام ~~لهم حبشى ، قتله قزمان ، والقاسط ابن شريح بن هاشم ، قتله قزمان . ومن بنى ~~أسد بن عبد العزى بن قصي : عبد الله ابن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد : ~~قتله علي بن أبى طالب . ومن بنى زهرة ابن كلاب رجلان ، وهما . أبو الحكم بن ~~الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى ، حليف لهم ، قتله علي بن أبى طالب ، ~~وسباع بن عبد العزى - واسم عبد العزى عمرو بن نضلة بن غبشان - حليف لهم من ~~خزاعة ، قتله حمزة كما تقدم . ومن بنى مخزوم أربعة نفر ، وهم : هشام بن أبى ~~أمية بن المغيرة ، قتله قزمان ، والوليد ابن العاص بن المغيرة ، قتله قزمان ~~أيضا ، وأبو أمية بن أبى حذيقة بن المغيرة ، قتله علي بن أبى طالب ، وخالد ~~بن الأعلم حليف لهم ، قتله قزمان . ومن بنى جمع رجلان ، وهما : عمرو بن عبد ~~الله بن عمير بن وهب بن حذاقة بن جمح ، قتله رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) صبرا - وكان قد أسر يوم بدر ، فمن عليه رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وأطلقه كما ذكرنا ، فقال : لا أكثر عليك جمعا ؛ فلم يف ، وخرج يوم ~~أحد مع المشركين فأسر ، ولم يؤسر يومئذ غيره ، فقال : من علي يا محمد ؛ ~~فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : إن المؤمن لا يلدغ من حجر مرتين ، ~~لا ترجع إلى مكة تسمح عارضيك ، تقول : سحرت محمدا مرتين ، ثم أمر عاصم بن ~~ثابت ابن الأقلح فضرب عنقه - وأبى بن خلف بن حذاقة بن جمح ، PageV17P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" قتله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بيده ~~كما تقدم . ومن عامر بن لؤى رجلان ، وهما : عبيدة بن جابر وشيبة بن مالك بن ~~المضرب ، قتلهما قزمان ، ويقال : قتل عبيدة بن جابر عبد الله بن مسعود . ~~قال محمد بن سعد في طبقاته : ثم انصرف رسول ms3523 الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يومئذ من أحد ، فصلى العري في المدينة ، وشمت عبد الله بن أبى بن سلول ~~والمنافقون بما نيل من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في نفسه وأصحابه ، ~~فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : لن ينالو منا مثل هذا اليوم حتى ~~نستلم الركن . قال : وبكت الأنصار على قتلاهم ، فسمع رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) البكاء فبكى ، قال : لكن حمزة لا بواكى له ، فلما رجع سعد بن ~~معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بنى عبد الأشهل أمر انساءهم أن يتحزمن ، ثم ~~يذهبن فيبكين على عم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلما سمع رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب مسجده ~~يبكين ، فقال : ارجعن يرحمكن الله ، فقد آسيتن بأنفسكن ونهى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) يومئذ عن النوح . وروى عن سعد بن أبى وقاص رضى الله ~~عنه ، قال : مر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بامرأة من بنى دينار ، ~~وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بأحد ، ~~فلما نعوا لها قالت : ما فعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ قالوا : ~~خيرا يا أم فلان ، هو بحمد الله كما تحبين ؛ قالت : أرونيه حتى أنظر إليه ؛ ~~قال : فأشر لها إليه ( صلى الله عليه وسلم ) ، حتى إذا رأته قالت : كل ~~مصيبة بعدك جلل ؛ رضى الله عنها . ولما قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) المدينة كانت فاطمة - رضى الله عنها - تغسل جرحه ؛ وعلي يسكب الماء عليها ~~بالمجن ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة ، عمدت إلى قطعة ~~من حصير فأحرقتها ، وألصقت ذلك على الجرح فاستمسك الدم ، ولم يبت رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) بالمدينة إلا تلك الليلة ، ثم أصبح فخرج في طلب ~~العدو إلى حمراء الأسد ، على ما نذكره إن شاء الله . ولنصل غزوة أحد بتفسير ~~ما نزل الله تعالى فيها من القرآن . ذكر ما أنزل من القرآن في غزوة أحد ms3524 ، ~~وما ورد في تفسير ذلك قال محمد بن إسحاق ، رحمه الله : وكان مما أنزل الله ~~تعالى في غزوة أحد من القرآن ستون آية من سورة آل عمران ، أول ذلك قوله ~~تعالى : " وإذ غدوت من أهلك PageV17P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم . ~~" قال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبى النسابورى - رحمه الله - ~~في تفسير المترجم بالكشف والبيان عن تفسير القرآن : إن المشركين أقاموا ~~بأحد يوم الأربعا والخميس والجمعة ، وذكر نحو ما قدمناه من خروج رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ليلة السبت للنصف من شوال ، وأنه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) جعل يصف أصحابه للقتال كما يقوم القدح ، إذا رأى صدرا خارجا قال : ~~تأخر ، فذلك قوله تعالى : " وإذ غدوت من أهلك " الآية ، وقوله تعالى : " إذ ~~همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون " ~~تفشلا ، أى تجبنا وتضعفا وتتخلفا عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وهما بنو سلمة بن الخزرج ، وبنو حارثة بن الأوس ، وكانا جناحى العسكر ، ~~وذلك أن عبد الله بن أبى بن سلول لما انخزل بثلث الناس كما قدمنا وقال هو ~~ومن وافقه من أصحابه : " لو نعلم قتالا لاتبعناكم ؛ هم بنو سلمة وبنو حارثة ~~بالانصراف معه ، فعصمهم الله تعالى فلم ينصرفوا ، ومضوا مع رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فذكرهم الله تعالى عظيم نعمته ، فقال : والله وليهما أي ~~ناصرهما وحافظهما " وعلى الله فليتوكل المؤمنون " ثم ذكرهم الله منته عليهم ~~إذ نصرهم ببدر ، فقال : " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة " إلى قوله : " ~~وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم " قوله : " ليقطع طرفا من الذين ~~كفروا أو بكبتهم فينقلبوا خائبين " . ليقطع طرفا أي يهلك طائفة أو يكبتهم ~~أي يهزمهم فينقلبوا خائبين أي لم ينالوا شيئا مما كانوا يرجون من الظفر بكم ~~. قوله تعالى : " ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ~~" . اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية ، فقال عبد الله بن مسعود : أراد ~~رسول الله ( صلى الله ms3525 عليه وسلم ) أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه يوم ~~أحد ، وكان عثمان بن عفان منهم ، فنهاه الله تعالى عن ذلك ، وتاب عليهم ، ~~وأنزل هذه الآية . وقال عكرمة ، PageV17P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" وقتادة ، ومقسم : أدمى رجل من هذيل يقال له : ~~عبد الله ابن قمئة وجه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم أحد ، فدعا ~~عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فكان حتفه أن سلط الله عليه تيسا ~~فنطحه حتى قتله ، وشج عتبة بن أبى وقاص رأسه وكسر رباعيته ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فدعا عليه وقال : اللهم لايحل عليه الحول حتى يموت كافرا قال : ~~فما حال الحول حتى مات كافرا فأنزل الله تعالى عليه هذه الآية . وقال ~~الربيع والكلبى : نزلت هذه الآية على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم ~~أحد ، وقد شج في وجهه وأصيبت رباعيته ، فهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) أن يلعن المشركين ويدعو عليهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، لعلمه فيهم ~~أن كثيرا منهم سيؤمنون . قوله تعالى : قد خلت من قبلكم سنن قيل : أمثال . ~~وقيل : أمم . والسنة الأمة ، قال الشاعر : ما عاين الناس من فضل كفضلهم . . ~~. ولا رأوا مثلهم في سالف السنن وقيل : أهل سنن ؛ وقيل : أهل شرائع ؛ قال : ~~معنى الآية : قد مضت وسلفت منى فيمن قبلكم من الأمم الماضية المكذبة ~~الكافرة سنن بإمهالى واستدراجى إياهم حتى بلغ الكتاب فيهم أجلى الذى أجلت - ~~لإدالة أنبيائى - وأهلكتهم . فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين أى منهم ، فأنا أمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ الكتاب أجلى الذى أجلت ~~في نصرة النبى وأوليائه وهلاك أعدائه . قوله تعالى : ولا تهنوا ولا تحزنوا ~~وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين قال : هذه الآية تعزية من الله تعالى لنبيه ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وللمؤمنين على ما أصابهم من القتل والجرح يوم أحد ، ~~وحث منه إياهم على قتال عدوهم ، ونهى عن العجز والفشل ، فقال تعالى : " ولا ~~تهنوا " أي لا تضعفوا ولا تجبنوا من جهاد أعدائكم بما نالكم يوم أحد من ~~القتل والقرح . " ولا تحزنوا " على ظهور ms3526 أعدائكم ولا على أصابكم من الهزيمة ~~والمصيبة " وأنتم الأعلون " أي لكم تكون العاقبة بالنصر والظفر " إن كنتم ~~مؤمنين " . قوله تعالى : إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله أي جرح يوم ~~أحد فقد مس القوم جرح مثله يوم بدر . وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم ~~الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين يعنى إنما كانت ~~هذه المداولة ليرى الله الذين آمنوا - يعنى منكم - ممن نافق ، فيميز بعضهم ~~من بعض . PageV17P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" وقيل : المعنى " وليعلم الله الذين آمنوا " ~~بأفعالهم موجود كما علمها منهم قبل أن كلفهم . ويتخذون منكم شهداء يكرم ~~أقواما بالشهادة ، وذلك أن المسلمين قالوا : أرنا يوما كيوم بدر نقاتل فيه ~~المشركين ونلتمس الشهادة . فلقوا المشركين يوم أحد ، فاتخذ الله منهم شهداء ~~. قوله تعالى : وليمحص الله الذين امنوا ويمحق الكفرين يعنى يطهر الذين ~~آمنوا من ذنوبهم ويمحق الكافرين يفنيهم ويهلكهم وينقصهم . ثم عزاهم الله ~~تعالى فقال : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ~~ويعلم الصابرين . قوله تعالى : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل آنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله ~~شيئا وسيجزى الله الشاكرين وذلك أنه لما قتل عبد الله بن قمئة مصعب بن عمير ~~، وصرخ صارخ - يقال : هو إبليس ، لعنه الله - ألا إن محمدا قد قتل . وانهزم ~~الناس ، فقال بعض المسلمين : ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبى فيأخذ لنا ~~أمانا من أبى سفيان . وجلس بعض الصحابة وألقوا بأيديهم . وقال أناس من أهل ~~النفاق : إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول . فقال أنس بن النضر : ~~يا قوم ، إن كان قتل محمد فإن رب محمد لم يقتل ، وما تصنعون بالحياة بعد ~~رسول الله ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه ، وموتوا على ما مات عليه ؛ ثم قال : ~~اللهم إنى أعتذر إليك مما قال هؤلاء - يعنى المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء ~~به هؤلاء - يعنى المنافقين حتى قتل . ثم إن رسول الله - ( صلى الله ms3527 عليه ~~وسلم ) - انطلق إلى الصخرة ، وهو يدعو الناس ، فانحدر إليه طائفة من أصحابه ~~، فلامهم ( صلى الله عليه وسلم ) على الفرار ، فقالوا : يا بنى الله ، ~~فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر بأنك قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين ~~. فأنزل الله تعالى : " ومامحمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات " ~~أي على فراشه " أو قتل أنقلبتم على أعقابكم أي رجعتم إلى دينكم الأول الكفر ~~ومن ينقلب على عقبيه فيرتد عن دينه فلن يضر الله شيئا بارتداده ، وإنما يضر ~~نفسه وسيجزى الله الشاكرين أي المؤمنين . قوله تعالى : " وكأين من بنى قاتل ~~معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما آستكانوا ~~والله يحب الصابرين قيل : الربيون الألوف والربة الواحدة عشرة آلاف . وقيل ~~: الربيون العلماء والفقهاء . وقيل : الأتباع وقيل : PageV17P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" الربانيون الولاة ، والربيون الرعية . وقيل : ~~الربيون الذين يعبدون الرب تعالى . قال : ومعنى الآية ، فما ضعفوا عن ~~الجهاد لما أصابهم في سبيل الله لما نالهم من الجراح وقتل الأصحاب ، وما ~~عجزوا بقتل نبيهم وما ضعفوا وما استكانوا قال قتادة والربيع : يعنى وما ~~آرتدوا عن بصيرتهم ودينهم ، ولكنهم قاتلوا على ما قاتل عليه نبيهم حتى ~~لحقوا بالله تعالى . قال السدى : وما ذلوا . وقال عطاء : وما تضرعوا . وقال ~~مقاتل : وما آستسلموا وما خضعوا لعدوهم ، ولكنهم صبروا على ربهم ، وطاعة ~~نبيهم ، وجهاد عدوهم والله يحب الصابرين " . قوله تعالى : " وما كان قولهم ~~إلا أن قالوا ربنا آغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وآنصرنا ~~على القوم الكافرين " قال : معنى الآية ، " قولهم " عند قتل نبيهم " إلا أن ~~قالوا ربنا أغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا " يعنى خطايانا " وثبت ~~أقدامنا " لئلا تزول " وآنصرنا على القوم الكافرين " . قوله تعالى : " ~~فأتهم الله ثواب الدنيا " يعنى النصر والغنيمة " وحسن ثواب الآخرة " الجنة ~~" والله يحب المحسنين " . قوله تعالى : " يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا ~~الذين كفروا " قال علي ، رضى الله عنه : يعنى المنافقين في قولهم للمؤمنين ~~عند الهزيمة : ارجعوا إلى إخوانكم ، وآدخلوا في دينكم . " يردوكم على ~~أعقابكم أي ترجعوا ms3528 على أول أمركم الشرك " فتنقلبوا خاسرين " أي فتصيروا ~~مغبونين " بل الله مولاكم " أي ناصركم وحافظكم على دينكم " وهو خير ~~الناصرين " . قوله تعالى : " سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب " قال السدى ~~: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة انطلقوا حتى ~~بلغوا بعض الطريق ثم إنهم ندموا ، وقالوا : بئس ما صنعنا ، قتلناهم حتى إذا ~~لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم ، ارجعوا فأستأصلوهم ؛ فلما عزموا على ذلك ~~ألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب ، حتى رجعوا عما هموا به ، فأنزل الله ~~تعالى : " سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب " يعنى الخوف بما أشركوا بالله ~~مالم ينزل به سلطانا أي حجة وبيانا وعذرا وبرهانا ، ثم أخبروا الله تعالى ~~عن مصيرهم ، فقال : ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين أي مقام الكافرين . ~~قوله تعالى : ولقد صدفكم الله وعده قال محمد بن كعب القرظى : لما ~~PageV17P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" رجع رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - ~~وأصحابه إلى المدينة ، وقد أصابهم ما أصابهم بأحد ، قال ناس من أصحابه : من ~~أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر ؟ فأنزل الله تعالى ولقد صدقكم الله ~~وعده أي الذي وعد بالنصر والظفر ، وهو قوله تعالى : بلى إن تصبروا وتتقوا ~~الآية ، وقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) للرماة : لا تبرحوا مكانكم ~~فلن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم وقوله تعالى : إذ تحسونهم بإذنه أي ~~تقتلونهم قتلا ذريعا شديدا ، وذلك عند هزيمتهم كما تقدم . قوله : حتى إذا ~~فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم فشلتم : أي جبنتم وضعفتم وتنازعتم أي ~~اختلفتم . وهو ما وقع بين الرماة ، ونزول أكثرهم لتحصيل الغنيمة كما تقدم ، ~~فكانت الهزيمة بسبب ذلك . قوله : من بعد ما أراكم ما تحبون وهو الظفر ~~والغنيمة . قوله : منكم من يريد الدنيا يعنى الذين تركوا المركز وأقبلوا ~~على النهب ومنكم من يريد الآخرة يعنى الذين ثبتوا مع عبد الله بن جبير أمير ~~الرماة حتى قتلوا . قوله : ثم صرفكم عنهم أي ردكم عنهم بالهزيمة ليبتليكم ~~ولقد عفا عنكم أي فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة والله ذو فضل على ms3529 ~~المؤمنين . قوله تعالى : إذ تصعدون يعنى ولقد عفا عنكم إذ تصعدون هاربين ~~ولا تلوون على أحد . ثم رجع إلى الخطاب ، فقال : " والرسول يدعوكم في ~~أخراكم " قال يقال : أصعدت إذا مضيت حيال وجهك ، وصعدت إذا ارتقيت في جبل ~~أو غيره ، والإصعاد : السير في مستوى الأرض وبطون الأودية والشعاب ، ~~والصعود : الارتفاع على الجبال وغيرها . وقال المبرد : أصعد إذا أبعد في ~~الذهاب . قال الشاعر : ألا أيهذا السائلى أين أصعدت . . . فإن لها في أهل ~~يثرب موعدا وقال الفراء : الإصعاد الابتداء في كل سفر ، ولانحدار الرجوع ~~منه . وقوله : ولا تلوون على أحد يعنى ولا تعرجون ولا تقيمون على أحد منكم ~~، ولا يلتفت بعضكم إلى بعض هربا وفرارا ، قال الكلبى : على أحد يعنى محمدا ~~( صلى الله عليه وسلم ) . والرسول يدعوكم في أخراكم يعنى في آخركم ومن ~~ورائكم : إلى عباد الله ، إلى عباد الله ، فأنا رسول الله ، من يكر فله ~~الجنة . فأثابكم أي فجازكم ؛ جعل الإثابة بمعنى العقاب ، كقوله : فبشروا ~~بعذاب أليم ؛ معنى الآية : أي جعل مكان الثواب الذي كنتم ترجون غما بغم قال ~~الحسن : يعنى بغم المشركين يوم بدر . وقال PageV17P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" غيره : غما على غم . وقيل : غما متصلا بغم ، ~~فالغم الأول ما فاتهم من الغيمة والظفر ، والغم الثانى مانالهم من القتل ~~والهزيمة . وقيل : الغم الأول ما أصابهم من القتل والجراح ، والغم الثاني ~~ما سمعوا أن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) قد قتل ، فأنساهم الغم الأول . ~~وقيل : غير هذه الأقوال . والله أعلم . قوله تعالى : لكيلا تحزنوا على ما ~~فاتكم أي من الفتح والغنيمة ولا ما أصابكم من القتل والهزيمة ؛ هذا أنساكم ~~ذلك الغم ، وهمكم ما أنتم فيه عما كان قد أصابكم قبل . وقال المفضل : لا ~~صلة . معناه : لكى تحزنوا على مافاتكم وما أصابكم عقوبة لكم في خلافكم إياه ~~، وترككم المركز والله خبير بما تعملون . قوله : " ثم أنزل عليكم من بعد ~~آلغم أمنة نعاسا يغشى طائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن ~~الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شئ قل إن الأمر كله ms3530 لله يخفون في ~~أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا ههنا قل لو ~~كنتم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلى الله ما في صدوركم ~~وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور " . روى عن عبد الله بن الزبير ~~عن أبيه ، رضى الله عنهما ، قال : لقد رأيتنى مع رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) حين اشتد الخوف علينا أرسل الله تعالى علينا النوم ، والله إني ~~لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشانى ما أسمه إلا كالحلم يقول : لو كان ~~لنا من الأمر شئ ما قتلنا هاهنا ، فأنزل الله عز وجل الآية . وقال عبد الله ~~ابن عباس رضى الله عنهما . أمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم بعد خوف ، وإنما ينبعس ~~من يأمن والخائف لا ينام . وعن أنس عن أبى طلحة قال : رفعت رأسي يوم أحد ما ~~أرى أحدا من القوم إلا وهو يميد تحت حجفيه من النعاس . قال أبو طلحة : وكنت ~~ممن ألقى الله تعالى عليه النعاس يومئذ ، فكان السيف يسقط من يدى فآخذه ، ~~ثم يسقط السوط من يدي فآخذه من النوم . وطائفة يعنى المنافقين معتب بن قشير ~~وأصحابه قد أهمتهم PageV17P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" أنفسهم أي حملتهم على الهم يظنون بالله غير ~~الحق أي لا ينصر محمدا ، وقيل : ظنوا أن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) قد ~~قتل . ظن الجاهلية أي كظن أهل الجاهلية والشرك يقولون هل لنا أي ما لنا ، ~~لفظه استفهام ومعناه جحد من الأمر من شئ يعنى التصرف قل إن الأمر كله لله ~~وذلك أن المنافقين قال بعضهم لبعض : لو كانت لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى ~~قتال أهل مكة ، ولم يقتل رؤساؤنا . فذلك قوله تعالى : يخفون في أنفسهم ما ~~لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا هاهنا فقال الله تعالى ~~لنبيه - ( صلى الله عليه وسلم ) - قل لهم : " لو كنتم في بيوتكم لبرز " أي ~~لخرج " الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " أي مصارعهم وليبتلى الله أي ~~ليختبر ms3531 الله ما في صدوركم وليمحص أي يخرج ويظهر ما في قلوبكم والله عليم ~~بذات الصدور أي بما في القلوب من خير أو شر . قوله تعالى : إن الذين تولوا ~~منكم أي انهزموا منكم يا معشر المؤمنين يوم آلتقى الجمعان جميع المسلمين ~~وجمع المشركين إنما آستزلهم الشيطان أي حملهم على الزلل . وقال الكلبى : ~~زين لهم أعمالهم ببعض ما كسبوا أي بشؤم ذنوبهم . قال المفسرون : بتركهم ~~المركز . وقال الحسن : بما كسبوا قبولهم من إبليس ما وسوس إليهم من الهزيمة ~~. ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم . قوله تعالى : " يأيها الذين ~~آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا " يعنى المنافقين عبد الله بن أبى وأصحابه ~~وقالوا لإخوانهم في النفاق ، وقيل : في النسب . " إذا ضربوا في الأرض " ~~ساروا وسافروا فيها للتجار أو غيرها فماتوا أو كانوا غزا إزاة فقتلوا لو ~~كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك يعنى قولهم وظنهم حسرة ~~وحزنا في قلوبهم والحسرة : الاغتمام على فائت كان يقدر بلوغه . قال الشاعر ~~: فوا حسرتى لم أقض منك لبانتى . . . ولم نتمتع بالجوار وبالقرب ثم أخبر ~~تعالى أن الموت والحياة إلى الله ، سبحانه ، لا يتقدمان لسفر ولا يتأخران ~~لحضر فقال عز وجل : " والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير . " قوله ~~تعالى : " ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله " أي في العاقبة ~~" ورحمه خير مما يجمعون " أي من الغنائم " ولئن متم أو قتلتم لإلى الله ~~تحشرون " أي في العاقبة . قوله تعالى : " فبما رحمة من الله لنت لهم " أي ~~سهلت لهم أخلافك ، وكثرة احتمالك فلم تسرع إليهم فيما كان منهم يوم أحد " ~~ولو كنت فظا " أي جافيا سيء الخلق قليل الاحتمال . غليظ القلب قال الكلبى : ~~فظا في القول ، غليظ القلب في PageV17P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" الفعل لانفضوا من حولك أي لتفرقوا عنك ، وأصل ~~الفض الكسر ، ومنا قولهم : لا يفضض الله فاك . قال أهل الإشارة في هذه ~~الآية : منه العطاء ومنه الثناء . فاعطف عنهم أي عما أتوا يوم أحد وأستغفر ~~لهم حتى أشفعك فيهم وشاورهم في ms3532 الأمر أي استخرج آراءهم ، واعلم ما عندهم ، ~~وهو مأخوذ من قول العرب : شرت الدابة وشورتها إذا استخرجت جريها ، وعلمت ~~خبرها ، قال : ومعنى الآية وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله عهد ، ويذل ~~عليه قراءة ابن عباس وشاورهم في بعض الأمر . قال الكلبى : يعنى فأظهرهم في ~~لقاء العدو ، ومكايدة الحرب عند الغزوة . روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ~~في قوله : وشاورهم في الأمر قال أبو بكر وعمر رضى الله عنهما ، وقال مقاتل ~~وقتادة والربيع : كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم ، ~~فأمر الله تعالى نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) أن يشاورهم في الأمر ، فإن ~~ذلك أعطف لهم عليه ، وأذهب لأضغانهم ، وأطيب لأنفسهم ، فإذا شاورهم عليه ~~السلام عرفوا إكرامه لهم . قال : " فإذا عزمت فتوكل على الله " أي لا على ~~مشاروتهم . وقرأ جعفر الصادق ، وجابر ابن زيد ، فإذا عزمت بضم التاء ، أي ~~عزمت لك ووفقتك وأرشدتك فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين . قوله تعالى ~~: إن ينصركم الله أي يعنكم ويمنعكم من عدوكم فلا غالب لكم مثل يوم بدر وإن ~~يخذلكم أي يترككم ولا ينصركم ، والخذلان القعود عن النصر ، والإسلام للهلكة ~~والمكروه ، قال : وقرأ عبيد بن عمير وإن يخذلكم بضم الياء وكسر الذال ، أي ~~يجعلكم مخذولين ، ويحملكم على الخذلان والتخاذل ، كما فعلتم بأحد فمن ذا ~~الذي ينصركم من بعده أي من بعد خذلانه وعلى الله فليتوكل المؤمنون . قوله ~~تعالى : أولما أصابتكم مصيبة أي بأحد قد أصبتم مثلها ببدر ، وذلك أن ~~المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين رجلا ، وقتل المسلمون منهم يوم ~~بدر سبعين ، وأسروا سبعين قتلتم أنى هذا أي من أين لنا هذا القتل والهزيمة ~~، ونحن مسلمون ، ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فينا ، والوحى ينزل ~~عليه ، وهم مشركون ؟ وقد تقدم في قصة أسارى بدر خبر التخيير قتلهم أو ~~مفاداتهم ، ويقتل منهم مثلهم في العام القابل ، واختبارهم الفداء ، وذلك ~~قوله : قل هو من عند أنفسكم أي بأخذكم الفداء واختياركم PageV17P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" القتل ، إن الله على كل شيء ms3533 قدير . قوله تعالى ~~: " وما أصابكم يوم آلتقى الجمعان " أي بأحد من القتل والجرح والهزيمة ~~والمصيبة فبإذن الله أي بقضائه وقدره وعلمه وليعلم المؤمنين وليعلم الذين ~~نافقوا أي ليميز ، وقيل : ليرى . وقيل : لتعلموا أنتم أن الله قد علم ~~نفاقهم ، وأنتم لم تكونوا تعلمون ذلك . وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل ~~الله أي لأجل دين الله وطاعته أو آدفعوا أي عن أهلكم وبلدكم وحريمكم ، وقيل ~~: أي كثروا سواد المسلمين وربطوا إن لم تقاتلوا ، ليكون ذلك دفعا وقمعا ~~للعدو قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم وهو قول عبد الله بن أبى وأصحابه ~~الذين آنصرفوا معه ، كما تقدم من خبرهم عند آتباع عبد الله بن عمرو بن حرام ~~أخو بنى سلمة لهم ومناشدته لهم في الرجوع . قال الله تعالى : " هم للكفر ~~يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم " وذلك أنهم ~~كانوا يظنون الإيمان ويضمرون الكفر ، فبين الله تعالى نفاقهم " والله أعلم ~~بما يكتمون . " قوله تعالى : " الذين قالوا لإخوانكم " قيل : في النسب لا ~~في الدين ، وهم شهداء أحد . وقعدوا يعنى وفعد هؤلاء القائلون عن الجهاد لو ~~أطاعونا وآنصرفوا عن محمد ، وقعدوا في بيوتهم ما قتلوا قال تعالى : قل لهم ~~يا محمد فادرءوا أي فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين أن الحذر يغنى ~~عن القدر . قوله تعالى : " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون . فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون . يستبشرون بنعمة من الله ~~وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين " روى عن عبد الله بن عباس رضى الله ~~عنهما ، قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : لما أصيب إخوانكم يوم ~~أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طيور خضر ، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها ~~، وتسرح من الجنة حيث شاءت ، وتأوى إلى قناديل من ذهب تخت العرش ، فلما ~~رأوا طيب مقيلهم ومطعمهم ومشربهم ، ورأوا ما أعد الله لهم من الكرامة ، ~~قالوا : ياليت قومنا ms3534 يعلمون ما نحن فيه من النعيم ، وما صنع الله عز وجل ~~بنا ، كى يرغبوا في الجهاد ولا ينكلوا عنه . فقال عز وجل : أنا مخبر عنكم ~~ومبلغ إخوانكم . ففرحوا بذلك وآستبشروا ، فأنزل الله تعالى : " ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله " الآيات ، إلى قوله أجر المؤمنين . وقال قتادة ~~والربيع : ذكر لنا أن رجالا من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~قالوا : ياليتنا PageV17P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا بأحد ؛ فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية . وعن مسروق قال : سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه ~~الآية ، فقال : جعل الله تعالى أرواح شهداء أحد في أجواف طير خضر ، تسرح في ~~الجنة حيث شاءت ، وتأوى إلى قناديل معلقة بالعرش ، فاطلع الله عز وجل إليهم ~~اطلاعة فقال : هل تشتهون شيئا فأزيد كموه ؟ قالوا : ربنا ، ألسنا نسرح في ~~الجنة في أيها شئنا ؛ ثم اطلع إليهم الثانية ، فقال : هل تشتهون من شئ ~~فأزيدكموه ؟ فقالوا : ربنا ، ألسنا نسرح في الجنة في أيها شئنا ؛ ثم آطلع ~~إليهم الثالثة ، فقال : هل تشتهون من شئ فأزيدكموه ؟ فقالوا : ليس فوق ما ~~أعطيتنا شئ إلا أنا نحب أن تعيدنا أحياء ، ونرجع إلى الدنيا فنقاتل في ~~سبيلك ، فنقتل مرة أخرى فيك ، قال : لا ؛ قالوا : فتقرئ نبينا منا السلام ، ~~وتخبره بأن قد رضينا ، ورضى عنا ؛ فأنزل الله ، عز وجل هذه الآية . وعن ~~جابر بن عبد الأنصارى قال : قتل أبى يوم أحد ، وترك علي بنات ، فقال لي ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ألا أبشرك يا جابر ؟ قلت : بلى يا رسول ~~الله ؛ قال : إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله تعالى وكلمه كفاحا ؛ فقال : ~~يا عبد الله سلنى ما شئت ؛ فقال : أسألك أن تعيدنى إلى الدنيا فأقتل فيك ~~ثانيا ؛ فقال : يا عبد الله ، إني قضيت ألا أعيد إلى الدنيا خليقة قبضتها ؛ ~~قال : يارب ، فمن يبلغ قومى ما أنا فيه من الكرامة ؟ قال الله تعالى : أنا ~~؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقد روى أن هذه الآية نزلت في أصحاب بئر ~~معونة ؛ وقيل : في ms3535 شهداء بدر . والأحاديث الواردة والأخبار تدل على أنها في ~~شهداء أحد ، والله أعلم . PageV17P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" ذكر غزوة حمراء الأسد غزاها رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) عند منصرفه من أحد ، قال ابن سعد : لثمان خلون من شوال ~~على رأس آثنين وثلاثين شهرا من مهاجره . وقال آبن إسحاق : كانت يوم الأحد ~~لست عشرة خلت من شوال . وهذا الخلاف مرتب على ما تقدم في عزوة أحد . قال ~~ابن سعد وغيره : لما آنصرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من أحد مساء ~~يوم السبت بات تلك الليلة على بابه ناس من وجوه الأنصار ، وبات المسلمون ~~يداوون جراحهم ، فلما صلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الصبح يوم ~~الأحد أمر بلالا أن ينادى أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يأمركم بطلب ~~عدوكم ، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس . فقال جابر بن عبد الله : ~~إن أبى خلفنى يوم أحد على أخوات لي ، فلم أشهد الحرب ، فأذن لي أسير معك ؛ ~~فأذن له ، فلم يخرج معه أحد ممن لم يشهد أحدا غيره . ودعا رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بلوائه ، وهو معقود لم يحل ، فدفعه إلى علي بن أبى طالب ، ~~رضى الله عنه ، ويقال : إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه . وخرج رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، وهو مجروح ، وحشد أهل العوالى حيث أتاهم الصريخ ، ~~فركب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فرسه وخرج الناس معه ، فبعث ثلاثة ~~نفر من أسلم طليعة في آثار القوم ، فلحق آثنان منهم القوم بحمراء الأسد - ~~وهي من المدينة على عشرة أميال - وهم يأتمرون بالرجوع ، وصفوان بن أمية ~~ينهاهم عن ذلك ، فبصروا بالرجلين ، فقطعوا عليهما فقتلوهما ، ومضى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بأصحابه حتى عسكر بحمراء الأسد ، فدفن الرجلين ~~في قبر واحد ، وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار ، وذهب صوت ~~معسكرهم ونيرانهم في كل وجه ، فكبت الله تعالى عدوهم ، وانصرف رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، إلى المدينة فدخلها يوم الجمعة ، وقد غاب خمس ليال ms3536 ~~، وكان قد استخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم . وقال محمد بن إسحاق ، ~~ورفع الحديث إلى أبى السائب مولى عائشة بنت عثمان : إن رجلا من بنى عبد ~~الأشهل قال : شهدت أحدا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، أنا وأخ ~~PageV17P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" لي ، فرجعنا جريحين ، فلما أذن مؤذن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) بالخروج في طلب العدو ، قلت لأخى ، وقال لي : ~~أتفوتنا غزوة مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ ما لنا دابة نركبها ، ~~وما منا إلا جريح ثقيل ، فخرجنا مع رسول الله وكنت أيسر جرحا من أخي ، فكان ~~إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة ، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون . ~~قال : وأنزل الله تعالى على رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) " الذين آستجابوا ~~لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح " هم الذين ساروا مع رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إلى حمراء الأسد ، على ما بهم من ألم الجراح ، إلى قوله : ~~" فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء وآتبعوا رضوان الله والله ذو ~~فضل عظيم " . ذكر سرية أبى سلمة بن عبد الأسد المخزومى بعثه رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) إلى قطن - وهو جبل بناحية قيد ، به ماء لبنى أسد بن ~~خزيمة - في هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجره . وذلك أنه ~~بلغه ( صلى الله عليه وسلم ) ، أن طليحة وسلمة ابنى خويلد قد سارا في ~~قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم إلى حرب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فبعث أبا مسلمة وعقد له لواء ، وبعث معه مائة وخمسين رجلا من المهاجرين ~~والأنصار ، فأصابوا إبلا وشاء ، ولم يلقوا كيدا ، فانحدر أبو سلمة بذلك كله ~~إلى المدينة . ذكر سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد الهذلى بعثه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فخرج من المدينة يوم الآثنين لخمس خلون ~~من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة . وذلك أنه بلغ النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، أن سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي ms3537 ثم اللحيانى - هكذا ~~سماه محمد بن سعد في طبقاته . وقال ابن إسحاق : خالد بن سفيان بن نبيح قد ~~جمع الجموع لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فبعث إليه عبد الله بن ~~أنيس وحده فقتله وجاء برأسه . وكانت غيبته عشرة ليلة ، وقدم يوم السبت لسبع ~~بقين من المحرم . قاله ابن سعد . PageV17P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" وقال محمد بن إسحاق : حدثنى محمد بن جعفر بن ~~الزبير ، قال قال عبد الله ابن أنيس : دعانى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فقال : إنه قد بلغنى أن ابن سفيان الهذلى جمع الناس ليغزونى وهو ~~بنخلة أو بعرنة فأنه فاقتله . فقلت يا رسول الله انعته لي حتى أعرفه ؛ قال ~~: إنك إذا رأيته أذكرك الشيطان ، وآية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له ~~قشعريرة . قال : فخرجت متوحشا بسيفي ، حتى دفعت إليه وهو في ظعن يرتاد لهن ~~منزلا ، وذلك وقت العصر ، فلما رأيته وجدت له ما قال رسول الله ، ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فأقبلت نحوه ، وخشيت أن يكون بينى وبينه مجاولة تشغلنى ~~عن الصلاة ، فصليت وأنا أمشى نحوه ، أومى برأس ، فلما انتهيت إليه ، قال : ~~من الرجل ؟ قلت : رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك . قال ~~: أجل ، أنا في ذلك . قال : فمشيت معه شيئا حتى إذا أمكننى حملت عليه ~~بالسيف فقتلته ، ثم خرجت وتركت ظعائنه منكبات عليه ، فلما قدمت على رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : أفلح الوجه ؛ قلت : قد قتلته ؛ قال ~~صدقت . ثم قام بى فأدخلنى بيته فأعطانى عصا ، فقال : أمسك هذه العصا عندك . ~~قال : فخرجت بها على الناس ، فقالوا : ماهذه ؟ قلت : أعطانيها رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وأمرنى أن أمسكها عندى ؛ فقالوا : أفلا ترجع إليه ~~فتسأله لم ذلك ؟ قال : فرجعت إليه فقلت : يا رسول الله ، لم أعطيتنى هذه ~~العصا ؟ قال : آية بينى وبينك يوم القيامة ، إن أقل الناس المتخضرون يومئذ ~~، قال : فقرنها عبد الله ابن أنيس بسيفه ، فلم تزل معه حتى مات ، ثم أمر ~~بها فضمت في كفنه ، ثم دفنا جميعا . قال ms3538 ابن هشام : وقال عبد الله بن أنيس ~~في ذلك : تركت ابن ثور كالحوار وحوله . . . نوائح تفرى كل جيب مقدد تناولته ~~والظعن خلفى وخلفه . . . بأبيض من ماء الحديد مهند عجوم لهام الدار عين ~~كأنه . . . شهاب غضى من ملهب متوقد أقول له والسيف يعجم رأسه . . . أنا ابن ~~أنيس فارساغير قعدد PageV17P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" أنا ابن الذي لم ينزل الدهر قدره . . . رحيب ~~فناء الدار غير مزند فقلت له خدها بضربة ماجد . . . حنيف على دين النبى ~~محمد وكنت إذا هم النبى بكافر . . . سبقت إليه باللسان وباليد ذكر سرية ~~المنذر بن عمرو الساعدى إلى بئر معونة كانت في صفر على رأس ستة وثلاثين ~~شهرا من مهاجره . وذلك أن عامر بن مالك بن جعفر أبو براء ملاعب الأسنة ~~الكلابى وقد على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأهدى له فلم يقبل منه ~~، وعرض عليه الإسلام فلم يسلم ، ولم يبعد ، وقال : لو بعثت معى نفرا من ~~أصحابك إلى قومى لرجوت أن يجيبوا دعوتك . قال : أخاف عليهم أهل نجد ؛ قال : ~~أنا لهم جار . فبعث معه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سبعين رجلا من ~~الأنصار شببة يسمون القراء ، وأمر عليهم المنذر بن عمرو ، فساروا حتى نزلوا ~~بئر معونة - وهي بين أرض بنى عامر وحرة بنى سليم ، كلا البلدين منها قريب ، ~~وهي إلى حرة بنى سليم أقرب - فلما نزلوها سرحوا ظهرهم ، وقدموا حرام بن ~~ملحان بكتاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، إلى عامر بن الطفيل ، فوثب ~~على حرام فقتله ؛ واستصرخ PageV17P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" عليهم بنى عامر فأبوا ، وقالوا : لانخفر جوار ~~أبى براء ، فاستصرخ عليهم قبائل من بنى سليم ، عصية ورعلا وذكوان ، فنفروا ~~معه . وأستطأ المسلمون حراما ، فأقبلوا في أثره ، فلقيهم القوم فأحاطوا بهن ~~، وكاثروهم فاقتتلوا ، فقتل أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وفيهم سليم بن ملحان ، والحكم بن كيسان . قال ابن إسحاق : فقتلوا من عند ~~آخرهم إلا كعب بن زيد أخا بنى دينار بن النجار فإنهم تركوه ، وبه رمق بين ~~القتلى ، فعاش حتى قتل يوم الخندق . قال ms3539 : وكان في سرح القوم عمرو بن أمية ~~الضمرى ، ورجل من الأنصار - قال ابن هشام : هو المنذر بن محمد بن عقبة بن ~~أحيحة بن الجلاح - فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر ، ~~فقالا : والله إن لهذه الطير لشأنا ؛ فأقبلا لينظرا ، فإذا القوم في دمائهم ~~، والخيل التي أصابتهم واقفة . فقال الأنصارى لعمرو بن أمية : ماترى ؟ قال ~~: أرى أن نلحق برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فنخبره الخبر ؛ قال ~~الأنصاري : ماكنت لأرغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ؛ ثم قاتل ~~القوم حتى قتل ، وأخذ عمرو بن أمية أسيرا ، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه ~~عامر بن الطفيل ، وجزنا ناصيته ، وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه . ~~فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بنى ~~عامر حتى نزلا معه ، وكان معهما عقد من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وجوار لم يعلم به عمرو ، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما ، وهو ~~يرى أنه قد أصاب بهما بؤرة من بنى عامر فيما أصابوا من أصحاب رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . قال محمد بن سعد : وقدم عمرو بن أمية على رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، فأخبره بقتل أصحاب بئر معونة ، فقال ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : أبت من بينهم ثم أخبره بقتل العامريين ، فقال : بئس ما صنعت ~~، قد كان لهما منى أمان وجوار ، لأدينهما وبعث بديتهما إلى قومهما ، وقنت ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) شهرا في صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان ~~وعصية وبنى لحيان . PageV17P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" وروى عن أنس بن مالك ، رضى الله عنه ، قال : ~~بهم قرأنا بهم قرآنا زمانا ، ثم إن ذلك رفع أو نسى : بلغوا عنا قومنا أنا ~~لقبنا ربنا فرضى عنا وأوضانا . وقال أنس آبن مالك : ما رأيت رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة . قال آبن ~~سعد : وجاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، في تلك الليلة ms3540 التي وصل ~~إليه فيها خبر أصحاب بئر معونة مصاب خبيب بن عدى ومن معه ، فدعا رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) على قتلتهم بعد الركعة من الصبح ، فقال : اللهم ~~اشدد وطأتك على مضر ، اللهم سنين كسني يوسف ، اللهم عليك ببنى لحيان وعضل ~~والقارة وزعب ورعل وذكوان وعصية ، فإنهم عصوا الله ورسوله . ذكر سرية مرثد ~~بن أبى مرثد الغنوى إلى الرجيع كانت في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من ~~هجرة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وذلك أنه قدم على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، رهط من عضل والقارة ، وهم إلى الهون بن خزيمة ، فقالوا ~~: يا رسول الله ، إن فينا إسلاما ، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهونا ~~ويقرئونا القرآن ، ويعلمونا شرائع الإسلام . فبعث ( صلى الله عليه وسلم ) ~~معهم عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح ، ومرثد بن أبى مرثد الغنوى ، وخبيب بن ~~عدى ؛ وزيد بن الدثنة ، وخالد بن البكير الليثى ، وعبد الله بن طارق ، ~~ومعتب بن عبيد الله لأمه . وأمر عليهم عاصما ، وقيل : مرثدا ؛ فخرجوا مع ~~القوم حتى إذا كانوا على الرجيع - وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز - غدروا بهم ~~واستصرخوا عليهم هذيلا ، فلم يرع القوم ، وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم ~~السيوف قد غشوهم ، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا ، فقالوا : إنا ما نريد قتلكم ، ~~ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ، ولكم عهد الله وميثاقه إلا ~~نقتلكم . فأما مرثد بن أبى مرثد ، وخالد بن البكير ، وعاصم بن ثابت ، ومعتب ~~بن عبيد ؛ فقالوا : والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا . وقاتلوا ~~حتى قتلوا ، رضى الله عنهم . وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدى ، وعبد الله ~~بن طارق ، فرغبوا في الحياة ، فأعطوا بأيديهم فأسرواهم ، ثم خرجوا بهم إلى ~~مكة ليبيعوهم بها ، حتى إذا كانوا بمر الظهران انتزع عبد الله بن طارق يده ~~من القران ، ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم ، PageV17P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" فرموه بالحجارة حتى قتلوه ؛ فقبر هناك . وأما ~~خبيب بن عدى وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة ، فأياعوهما ms3541 من قريش بأسيرين ~~من هذيل كانا بمكة ، فابتاع خبيبا حجر بن أبى إهاب التميمي ، حليف بنى نوفل ~~، لعقبة بن الحارث ابن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه . وابتاع زيد بن الدثنة ~~صفوان بن أمية ، ليقتله بأبيه أمية بن خلف ، وبعثه مع مولى له يقال له : ~~نسطاس ؛ إلى التنعيم ، فأخرجوه من الحرم ليقتله ، واجتمع لذلك رهط من قريش ~~، فيهم أبو سفيان بن حرب ، فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل : أنشدك الله ~~يا زيد ، أتحب أن محمدا عندنا الآن مكانك نضرب عنقه ، وأنك في أهلك ؟ قال : ~~والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه ، وأنى ~~جالس في أهلى . فقال أبو سفيان : ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب ~~محمد محمدا ؛ ثم قتله نسطاس . وأما خبيب بن عدى فروى عن ماوية مولاة حجر بن ~~أبى إهاب ، وكانت قد أسلمت ، قالت : كان خبيب قد حبس في بيتى ، فلقد اطلعت ~~عليه يوما وإن في يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه ، وما أعلم في ~~أرض الله عنبا يؤكل ، قالت : وقال لي حين حضره القتل : ابعثى إلى بحديدة ~~أتطهر بها للقتل ؛ فأعطيت غلاما من الحى الموسى ، فقلت له : ادخل بها على ~~هذا الرجل ؛ قالت : فو الله ما هو إلا أن قد ولى الغلام بها إليه ؛ فقلت : ~~ما صنعت أصاب والله الرجل ثأره بقتل هذا الغلام ، فيكون رجلا برجل ؛ فلما ~~ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال : لعمرك ، ما خافت أمك غدرتى حتى بعثتك ~~بهذه الحديدة ثم خلى سبيله . ويقال : إن الغلام ابنها . قال ابن إسحاق : ثم ~~خرجوا بحبيب ، حتى إذا جاءوا به التنعيم ليصلبوه قال : إن رأيتم أن تدعونى ~~حتى أركع ركعتين فافعلوا . قالوا : دونك فاركع ركعتين . فركع ركعتين أتمهما ~~وأحسنهما ، ثم أقبل على القوم فقال : أما والله لولا أن تظنوا أنى إنما ~~طولت جزعا من القتل لا ستكثرت من الصلاة . فكان خبيب أول من سن هاتين ~~الركعتين عند القتل للمسلمين . قال : ثم رفعوه على خشبته ms3542 ، فلما آوثقوه ، ~~قال : اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك ، فبلغه الغداة ما يصنع بنا ؛ ثم قال ~~: اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تغادر منهم أحدا . ثم قتلوه ، ~~رحمة الله ورضى عنه . PageV17P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" قال ابن هشام : أقام خبيب في أيديهم حتى انقضت ~~الأشهر الحرم ، ثم قتلوه . وروى ابن إسحاق أنه قال حين صلب : لقد جمع ~~الأحزاب حولى وألبوا . . . قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وقد قربوا أبناءهم ~~ونساءهم . . . وقربت من جذع طويل ممنع وكلهم يبدى العداة جاهدا . . . على ~~لأنى في وثاق بمضيع إلى الله أشكو غربتى بعد كربتى . . . وما جمع الأحزاب ~~لى عند مصرعى فذا العرش صبرنى على ما أصابنى . . . فقد بضعوا الحمى وقد ضل ~~مطمعى وذلك في ذات الإله وإن يشأ . . . يبارك على أوصال شلو ممزع وقد عرضوا ~~بالكفر والموت دونه . . . وقد ذرفت عيناي من غير مدمع وما بى حذار الموت ، ~~إني لميت . . . ولكن حذارى حرنار تلفع فلست بمبد للعدو تخشعا . . . ولا ~~جزعا إنى إلى الله مرجعى ولست أبالى حين أقتل مسلما . . . على أي حال كان ~~في الله مضجعى وفي رواية ابن شهاب : على أي جنب كان في الله مصرعى قالوا : ~~وصلب بالتنعيم ، وكان الذي تولى صلبه عقبة بن الحارث ، وأبو هبيرة العدوى . ~~PageV17P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" ذكرغزوة بنى النضير غزاهم رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في شهر ربيع الأول ، سنة أربع ، على رأس سبعة وثلاثين ~~شهرا من مهاجره . وكان سبب هذه الغزوة على ما حكاه محمد بن سعد ، ومحمد بن ~~إسحاق ، وعبد الملك بن هشام ، دخل حديث بعضهم في بعض ، أن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، خرج إلى بنى النضير يستعينهم في دية الكلابيين أو ~~العامر بين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمرى ، فقالوا : نعم يا أبا ~~القاسم ، نعينك بما أحببت . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قد ~~جلس إلى جنب جدار من بيوتهم ، وهو في نفر من أصحابه ، فيهم أبو بكر ، وعمر ~~، وعلي ، رضوان الله عليهم ، فخلا بعض بنى النضير إلى بعض ، فقالوا : إنكم ~~لن تجدوا ms3543 الرجل على مثل حاله هذه ، فمن رجل يعلوا هذا البيت ، فيلقى عليه ~~صخرة فيريحنا منه ؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش أبن كعب ، أحدهم ، فقال : أنا ~~لذلك ؛ فقال سلام بن مشكم : لاتفعلوا ، والله ليخبرن بما هممتم به ، وإنه ~~لنقض للعهد الذي بيننا وبينه . وجاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~الخبر من السماء بما أراد القوم ، فنهض مسرعا كأنه يريد الحاجة فتوجه إلى ~~المدينة ، فلما أبطأ على أصحابه قاموا في طلبه ، فلقوا رجلا مقبلا من ~~المدينة فسألوه عنه ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : رأيته قد دخل المدينة ~~. فأقبل أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى أتوه ، فقالوا : يا ~~رسول الله ، قمت ولم نشعر . قال : همت يهود بالغدر فأخبرنى الله بذلك فقمت ~~. ثم بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إليهم محمد بن مسلمة : أن ~~اخرجوا من بلدى فلا تساكنونى بها ، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر ، وقد ~~أجلتكم عشرا أي من الأيام فمن رئى بعد ذلك ضربت عنقه . فمكثوا أياما ~~يتجهزون ، وأرسلوا إلى ظهر لهم بذي الجدر وتكاروا إبلا من ناس من أشجع ، ~~فأرسل إليهم عبد الله بن أبى : أن أقيموا في حصونكم ، ولا تخرجوا من دياركم ~~، فإن معى ألفين من قومى وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون من عند ~~آخرهم ، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان . ووافقه على ذلك وديعة بن مالك بن ~~أبى قوقل ، وسويد وداعس ، وقالوا لهم : إن نصرناكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم ~~، فطمع حي بن أخطب فيما قال آبن أبى ، فأرسل إلى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك . فكبر رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فكبر المسلمون لتكبيره ، وقال : حاربت يهود . واستخلف ~~على المدينة PageV17P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" ابن أم مكتوم ، وسار في أصحابه ، وعلي بن أبى ~~طالب يحمل لواءه ، فصلى العصر بفناء بنى النضير ، فلما رأوه تحصنوا بحصونهم ~~، وقاموا عليها معهم النبل والحجارة ، واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم ، وخذلهم ~~عبد الله بن أبى ومن وافقه فلم ينصروهم ms3544 ، فحاصرهم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ست ليال ، ثم أمر بقطع النخيل وتحريقها ، فنادوه : يا محمد ، ~~قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه ، فما بال قطع النخل وتحريقها ~~وكان الله عز وجل أمر رسوله ، ( صلى الله عليه وسلم ) بذلك ، فقذف الله في ~~قلوبهم الرعب ، وقالوا : نخرج من بلادك . فقال : لا أقبله اليوم ، ولكن ~~اخرجوا منها ، ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة . فنزلوا على ذلك . ~~وكانت مدة حصرهم خمسة عشر يوما ، وولى إخراجهم محمد بن مسلمة ، فحملوا ~~النساء والصبيان وتحملوا على سبعمائة بعير ، وكان الرجل منهم يهدم بيته عن ~~نجاف بابه ، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به ، فخرجوا إلى خيبر ، ومنهم من ~~سار إلى الشام ، وكان من أشرافهم ممن سار إلى خيبر سلام بن أبى الحقيق ، ~~وكنانة بن الربيع آبن أبى الحقيق ، وحي بن أخطب ، فقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : هؤلاء في قومهم بمنزلة بنى المغيرة في قريش . وحزن ~~المنافقون عليهم حزنا شديدا ، وقبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~الأموال والحلقة ، فوجد من الحلقة خمسين درعا ، وخمسين بيضة ، وثلثمائة سيف ~~وأربعين سيفا ، وكانت بنو النضير صيفا لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~خالصة له حبسا لنوائيه ، لم يخمسها ولم يسهم منها لأحد ، إلا أنه أعطى ناسا ~~من أصحابه ، ووسع في الناس ، فكان ممن أعطاه رسول الله ، ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من المهاجرين أبو بكر الصديق رضى الله عنه ، أعطاه بئر حجر ، وعمر ~~بن الخطاب بئر جرم ، وعبد الرحمن بن عوف سوالة ، وصهيب بن سنان الصراحة ، ~~والزبير بن العوام وأبو سلمة بن عبد الأسد البويلة ، وسهل بن حنيف وأبو ~~دجانة مالا ، يقال له : مال آبن خرشة . حكاه محمد بن سعد في طبقاته . ~~PageV17P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" قال : ولما أجلى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بنى النضير ، قال : امضوا فإن هذا أول الحشر وإنا على الأثر . وأنزل ~~الله عز وجل في بنى النضر سورة الحشر بكمالها . يقول الله تعالى : " وهو ~~الذي أخرج الذين كفروا من أهل ms3545 الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن ~~يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ~~وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي الؤمنين فأعتبروا يا ~~أولى الأبصار . " قال الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبى ~~النيسابوري ، رحمه الله : أهل الكتاب بنو النضير من ديارهم التى كانت بيئرب ~~لأول الحشر قال الزهرى : كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى ، وكان الله ~~عز وجل قد كتب عليهم الجلاء ، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا ، قال : وكانوا ~~أول حشر في الدنيا حشر إلى الشام . وقال الكلبى : إنما قال : لأول الحشر ~~لأنهم أول من حشر من أهل الكتاب ، ونفروا من الحجاز . وقال مرة الهدانى : ~~كان هذا أول الحشر من المدينة ، والحشر الثانى من خيبر وجميع جزيرة العرب ~~إلى أذرعات وأريحا من الشام في أيام عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، وعلى ~~يديه . وقال قتادة : كان هذا أول الحشر ، والحشر الثانى : نار تحشرهم من ~~المشرق إلى المغرب ، تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا ، وتأكل ~~منهم من تخلف . ما ظننتم أيها المؤمنون أن يخرجوا من المدينة وظنوا أنهم ما ~~نعتهم حصونهم من الله حيث دربوها وحصنوها فأتاهم الله أي أمر الله وعذابه ~~من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب قيل : بقتل سيدهم كعب بن الأشرف . ~~يخربون بيوتهم بأيديهم قال ابن إسحاق : وذلك لهدمهم PageV17P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" بيوتهم عن نجف أبوابهم . وقال ابن زيد : ~~كانوا يقتلعون العمد ، وينقضون السقوف وينقبون الجدران ويقلعون الخشب ، حتى ~~الأوتاد ، يخربونها لئلا يسكنها المسلمون حسدا منهم وبغضا . وقال ابن عباس ~~: كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها لتتسع لهم المقاتل ، وجعل ~~أعداء الله ينقبون دورهم من أدبارهم فيخرجون إلى التى بعدها ، فيتحصنون ~~فيها ويكسرون ما يليهم منها ، ويرمون بالتى خرجوا منها أصحاب رسول الله ، ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . وقال قتادة : كان المسلمون يحربون ما يليهم من ~~ظاهرها ، وتخربها اليهود من باطنها ، فذلك قوله عز وجل : : يحربون بيوتهم ~~بأيديهم ms3546 وأيدي المؤمنين . " ثم قال تعالى : ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء ~~الآية . الجلاء عن الوطن لعذبهم في الدنيا بالقتل وبالسبى كما فعل ببنى ~~قريظة ولهم في الآخرة عذاب النار . ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق ~~الله شديد العقاب . قوله تعالى : " ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على ~~أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين " قال ابن إسحاق : اللينة : ما خالف ~~العجوة من النخل . وقال ابن هشام : مالم تكن برنية ولا عجوة . وقال عكرمة ~~وزيد بن رومان وقتادة : النخل كله لينة ما خلا العجوة . وعن ابن عباس رضى ~~الله عنهما ، اللينة : النخلة والشجرة . وقال سفيان : هي كرام النخل . وقيل ~~: هي النخلة القريبة من الأرض . وقال مقاتل : هو ضرب من النخل ، يقال ~~لئمرها : اللون ، وهو شديد الصفرة ، يرى نواه من خارج ، يغيب فيه الضرس ، ~~وكان من أجود ثمرهم وأعجبها إليهم ، وكانت النخلة الواحدة ثمنها ثمن وصيف ، ~~وأحب إليهم من وصيف ، فلما رأوا ذلك يقطع شق عليهم . قال : وجمع اللينة لين ~~. وقيل : ليان . قال الثعلبى : لما نزل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ببنى النضير ، وتحصنوا في حصونهم ، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها ، فجزع أعداء ~~الله عند ذلك وقالوا : يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح ، أفمن الصلاح قطع ~~النخيل ، وعقر الشجر ؟ وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض ؟ ~~فشق ذلك على النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ، ووجد المسلمون في أنفسهم من ~~قولهم ، وخشوا أن يكون ذلك فسادا ، واختلف المسلمون في ذلك ، فقال بعضهم : ~~لا PageV17P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" تقطعوا ، فإنه مما أفاء الله علينا . وقال ~~بعضهم : بل نغيظهم بقطعها . فأنزل الله تعالى الآية بتصديق من نهى عن قطعه ~~، وتحليل من قطع من الإثم ، وأخبر أن قطعه وتركه بإذنه تعالى . وفي قطع ~~نخيل بنى النضير يقول حسان بن ثابت : وهان على سراة بنى لؤي . . . حريق ~~بالبويرة مستطير وقوله تعالى : وليخزى الفاسقين أي وليذل اليهود ويخزيهم ~~ويغيظهم . قوله تعالى : " وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوحفتم عليه من ~~خيل ولا ركاب ولكن الله ms3547 يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير " ~~أفاه الله أي رد على رسوله ورجع إليه ، ومنه فئ الظل منهم أي من بنى النضير ~~من الأموال فما أوجفتم أو ضعتم عليه من خيل ولا ركاب وهي الإبل ، يقول : لم ~~تقطعوا إليها مشقة ، ولم تكلفوا مؤنة ، ولم تلقوا حربا . وإنما كانت ~~بالمدينة فمشوا إليها مشيا ، ولم يركبوا خيلا ولا إبلا إلا النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فإنه ركب حملا فافتتحها صلحا ، وأجلاهم عنها وخزن ~~أموالهم فسأل المسلمون النبى ( صلى الله عليه وسلم ) القسمة ، فأنزل الله ~~عز وجل الآية ، فجعل أموال بنى النضير خاصة لرسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، بضعها حيث يشاء ، فقسمها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بين ~~المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة ، وهم : ~~أبو دجانة سماك بن خرشة ، وسهل بن حنيف ، والحارث بن الصمة . قال : ولم ~~يسلم من بنى النضير إلا رجلان ، أحدهما سفيان ابن عمير بن وهب ، والثانى ~~سعد بن وهب ، أسلما على أموالهما فأحرزاها . روى عن عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنه أنه قال : إن أموال بنى النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف ~~المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، فكانت لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~خالصا ، فكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ينفق على أهله منه نفقة ~~سنته ، وما بقى جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله . قوله تعالى : " ~~ما أفاه الله على رسوله من أهل القرى ذلله و للرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وأبن السبيل كى لا يكون دولة بين الأغبياء منكم وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وآتقوا الله إن الله شديد العقاب " قال ابن ~~عباس رضى الله عنهما : القرى هي قريظة والنضير ، وهما بالمدينة ، وفدك ، ~~وهي من المدينة على ثلاثة أميال ، وخيبر ، وقرى عرينة وينبع جعلها الله ~~تعالى لرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، يحكم فيها ما PageV17P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" أراد ، فاحتواها كلها ، فقال ناس : هلا قسمها ~~؟ فأنزل ms3548 الله عز وجل هذه الآية . قال : ولقربى قرابة رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وهم بنو هاشم وبنو المطلب . وقوله : كى لا يكون دولة بين ~~الأغبياء منكم أي بين الرؤساء والأغنياء والأقوياء ، فيغلبوا عليه الفقراء ~~والضعفاء ، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا غنيمة أخذ الرئيس ربعها ~~لنفسه ، وهو المرباع ، ثم يصطفى منها أيضا بعد المرباع ما شاء ، وفيه يقول ~~شاعرهم : لك المرباع منها والصفايا . . . وحكمتك والنشيطة والفضول فجعل ~~الله تعالى هذا لرسوله عليه السلام يقسمه في المواضع التى أمر بها . وقوله ~~تعالى : " وما آتاكم الرسول فخذوه " أي ما أعطاكم من الفئ و الغنيمة وما ~~نهاكم عنه من الغلول وغيره فانتهوا . " قوله تعالى : للفقراء يعنى كى لا ~~يكون ما أفاء الله على رسوله دولة بين الأغبياء منكم ولكن يكون للفقراء ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون أي في إيمانهم . قال قتادة : هم ~~المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر ، وخرجوا حبا لله ~~ورسوله ، واختاروا الإسلام على ما كانت فيه من شديد ، حتى ذكر لنا أن الرجل ~~كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع ، وكان الرجل يتخذ الحفيرة ~~في الشتاء ماله دثار غيرها . وعن سعيد بن جبير ، وسعيد بن عبد الرحمن بن ~~أبزى ، قالا : كان ناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة ، ~~يحج عليها ويغزو ، فنسبهم الله تعالى إلى أنهم فقراء ، وجعل لهم سهما في ~~الزكاة . PageV17P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" قوله تعالى : " والذين تبوءوا الدار والإيمان ~~من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون ~~على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " قال : ~~تبوءوا توطنوا الدار اتخذوا المدينة دار الإيمان والهجرة ، وهم الأنصار ، ~~أسلموا في ديارهم وآبتنوا المساجد قبل قدوم النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فأحسن الله الثناء عليهم . وقوله : من قبلهم أي من قبل قدوم المهاجرين ~~عليهم ، وقد آمنوا يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون ms3549 في صدورهم حاجة أي حزازة ~~وغيظا وحسدا مما أوتوا أي مما أعطى المهاجرين من الفئ ، وذلك أن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، قسم أموال بنى النضير بين المهاجرين ، ولم يعط ~~الأنصار منها شيئا إلا الثلاثة الذين ذكرناهم ، فطابت أنفس الأنصار بذلك ~~ويؤثرون على أنفسهم إخوانهم من المهاجرين بأموالهم ومنازلهم ولو كان خصاصة ~~أي فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون ، وذلك أنهم قاسموهم ديارهم وآموالهم . وعن ~~آبن عباس رضى الله عنهما ، قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم ~~النضير للأنصار : إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم ~~في هذه الغنيمة ، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم عليكم شئ من ~~الغنيمة فقالت الأنصار : بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة ~~ولم نشاركهم فيها . فأنزل الله عز وجل . " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " والشح في كلام العرب : البخل ~~ومنع الفضل . قوله تعالى : " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا آغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~إنك رءوف رحيم " قال آبن أبى ليلى : الناس على ثلاث منازل : الفقراء ~~المهاجرين ، والذين تبوءوا الدار والإيمان ، والذين جاءوا من بعدهم ، فاجهد ~~ألا تكون خارجا من هذه المنازل . وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال : أمر ~~الله عز وجل بالاستغفار لأصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهو يعلم ~~أنهم سيفتنون . وعن عائشة رضى الله عنها قالت : أمرتم بالاستغفار لأصحاب ~~محمد عليه السلام فسببتموهم ، سمعت نبيكم ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " ~~لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها . " قوله تعالى : " ألم إلى الذين ~~نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل PageV17P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم ~~أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون . لئن أخرجوا لا ~~يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ~~ينصرون . لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم ms3550 لا يفقهون " نزلت ~~هذه الآيات في شأن عبد الله بن أبى ومن وافقه في إرسالهم لنبى النضير ~~وقعودهم عنهم ، كما تقدم آنفا ، وقوله : " لأنتم أشد رهبة في صدورهم من ~~الله " يقول : يرهبونكم أشد من رهبتهم الله تعالى . " ذلك بأنهم قوم لا ~~يفقهون . " قوله تعالى : " لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء ~~جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون " ~~أعلم الله تعالى المؤمنين أن اليهود لا يبرزون لهم بالقتال ، ولا يقاتلونهم ~~إلا في قرى محصنة ، أو من وراء جدار بأسهم بينهم شديد يعنى بعضهم فظ على ~~بعض ، وبعضهم عدو لبعض ، وعداوتهم بعضهم بعضا شديدة . وقيل : بأسم فيما ~~بينهم من وراء الحيطان والحصون شديد ، فإذا خرجوا لكم فهم أجبن خلق الله . ~~" تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى " قال قتادة : أهل الباطل مختلفة أهواؤهم ، ~~مختلفة أعمالهم ، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق . وقال مجاهد : أراد أن ~~دين المنافقين يخالف دين اليهود . ذلك بأنهم قوم لا يعقلون . قوله تعالى : ~~" كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم " يعنى مثل ~~هؤلاء اليهود كمثل الذين من قبلهم وهم مشركو مكة ذاقوا وبال أمرهم يوم بدر ~~. قال مجاهد وقال ابن عباس : يعنى بنى قينقاع ؛ وقيل : مثل قريظة كمثل بنى ~~النضير . ثم ضرب مثلا للمنافقين واليهود في تخاذلهم فقال تعالى : " كمثل ~~الشيطان إذ قال للإنسان آكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب ~~العالمين " وهي قصة برصيصا العابد مع الشيطان . ذكر قصة برصيصا روى أبو ~~إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي بسند يرفعه إلى ابن عباس ، رضى الله عنهما ، في ~~قوله تعالى : " كمثل الشيطان إذ قال للإنسان آكفر " الآية . قال : ~~PageV17P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" كان راهب في الفترة يقال له برصيصا ، قد تعبد ~~في صومعة له سبعين سنة ، لم يعص الله فيها طرفة عين ، وإن إبليس أعياه في ~~أمره الحيل ، فلم يستطع له بشئ ، فجمع ذات يوم مردة الشياطين ، فقال : ألا ~~أحد منكم يكفينى أمر برصيصا ؟ فقال ms3551 الأبيض ، وهو صاحب الأنبياء ، وهو الذي ~~تصدى لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وجاءه في صورة جبريل ليوسوس إليه ~~على وجه الوحى ، فجاء جبريل حتى دخل بينهما ، فدفعه بيده دفعة هينة ، فوقع ~~من دفعة جبريل إلى أقصى الهند . فقال الأبيض لإبليس : أنا أكفيك . فانطلق ~~فتزين بزينة الرهبان ، وحلق وسط رأسه ، ثم مضى حتى أتى صومعة برصيصا ، ~~فناداه ، فلم يجبه برصيصا ، وكان لا ينفتل عن صلاته إلا في عشرة أيام ، ولا ~~يفطر إلا في عشرة أيام ، فكان يواصل الصوم الأيام العشرة والعشرين والأكثر ~~، فلما رأى الأبيض أنه لايجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته ، فلما ~~آنفتل برصيصا اطلع من صومعته ، فرأى الأبيض قائما منتصبا يصلى في هيئة حسنة ~~من هيئة الرهبان . فلما رأى ذلك من حاله تدبر في نفسه حين لهى عنه فلم يجبه ~~، فقال له : إنك ناديتنى وكنت مشغولا عنك ، فحاجتك ؟ قال : حاجتى أني أحببت ~~أن أكون معك فأنادب بك ، واقتبس من علمك ، ويجتمع على العبادة ، فتدعو لي ~~وأدعو لك ؛ قال : إني لفى شغل عنك ، فإن كنت مؤمنا فإن الله عز وجل سيجعل ~~لك فيما أدعوه للمؤمنين والمؤمنات نصيبا إن آستجاب لي . ثم أقبل على صلاته ~~وترك الأبيض ، فأقبل الأبيض يصلى ، فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوما ~~بعدها ، فلما انفتل رآه قائما يصلى ، فلما رأى برصيصا شدة اجتهاده ، وكثر ~~تضرعه وابتهاله إلى الله عز وجل كلمة ، وقال له : حاجتك ؟ قال : حاجتى أن ~~تأذن لي فأرتفع إليك . فأذن له ، فارتفع في صومعته ، فأقام الأبيض معه حولا ~~يتعبد ، لا يفطر الا في كل أربعين يوما ولا ينفتل عن صلاته إلا في كل ~~أربعين يوما مرة ، وربما مد إلى الثمانين ؛ فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت ~~إليه نفسه ، وأعجبه شأنه ، فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا : إني منطلق ~~، فإن لي صاحبا غيرك ، ظننت أنك أشد اجتهادا مما أرى ، وكان يبلغنا عنك غير ~~الذي رأيت . قال : فدخل على برصيصا أمر عظيم ، وكره مفارقته للذي رأى من ~~شدة آجتهاده ، فلما ودعه قال له الأبيض : إن عندى ms3552 دعوات أعلمكها تدعو بهن ، ~~فهن خير لك مما أنت فيه ، يشفى الله بها السقيم ، ويعافى بها المبتلى ~~والمجنون ؛ قال برصيصا : انى أكره هذه المنزلة ، لأن لي في نفسى شغلا ، ~~وإنى أخاف إن علم بهذا الناس شغلونى عن العبادة ؛ فلم يزل به الأبيض حتى ~~علمه . ثم انطلق حتى أتى إبليس فقال : قد والله أهلكت الرجل . قال : فانطلق ~~الأبيض PageV17P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" فتعرض لرجل فخنقه ، ثم جاءه في صورة رجل ~~متطبب ، فقال لأهله : إن بصاحبكم جنونا فاعالجه ؟ فقالوا : نعم ؛ فقال لهم ~~: إني لا أقوى على جنيته ، ولكنى سأرشدكم إلى من يدعو الله فيعافى ؛ فقالوا ~~له : دلنا . قال : انطلقوا إلى برصيصا ، فإن عنده اسم الذي إذا دعى به أجاب ~~. قال : فانطلقوا إليه فسألوه ذلك ، فدعا بتلك الكلمات فذهب عنه الشيطان . ~~وكان يفعل الأبيض بالناس مثل هذا الذي فعل بالرجل ، ثم يرشدهم إلى برصيصا ~~فيدعو لهم فيعافون . قال : فانطلق الأبيض فتعرض لجارية من بنات الملوك بين ~~ثلاثة إخواة ، وكان أبوهم ملكا فمات فاستخلف أخاه ، وكان عمها ملك بنى ~~إسرائيل ، فعذبها وخنقها ، ثم جاء إليهم ف صورة رجل متطبب ، فقال لهم : ~~أعالجها ؟ قالوا : نعم . فعالجها فقال : إن الذي عرض لها مارد لا يطاق ، ~~ولكن سأرشدكم إلى رجل تثقون به تدعونها عنده ، فإذا جاء شيطانها دعا لها ، ~~حتى تعلموا أنها قد عوفيت وتردونها صحيحة ، قد ذهب عنها شيطانها ؛ قالوا : ~~ومن هو ؟ قال : برصيصا ؛ قالوا : وكيف لنا أن يقبلها منا ويجيبنا إلى هذا ؟ ~~هو أعظم شأنا من ذلك . قال : انطلقوا وابتنوا صومعة إلى جانب صومعته حتى ~~تشرفوا عليه ، ولتكن هذه الصومعة التي تبنون لزيقة صومعته ، فإن قبلها و ~~إلا تضعونها في صومعتها ، ثم قولوا له : هي أمانة عندك ، فاحتسب فيها . قال ~~: فانطلقوا إليه فسألوه ذلك ، فأبى عليهم ، فبنوا صومعة على ما أمرهم ~~الأبيض ، ثم اطلعوا عليه ووضعوا الجارية في صومعتها ، وقالوا له : يا ~~برصيصا ، هذه أختنا قد عرض لها عدو من أعداء الله ، فهي أمانة عندك فاحتسب ~~فيها . ثم انصرفوا ، فلما انفتل برصيصا عن صلاته عاين تلك ms3553 الجارية وما بها ~~من الجمال ، فأسقط في يده ، ودخل عليه أمر عظيم ، قال : فجاءها الشيطان ~~فخنقها ؛ فلما رأى برصيصا ذلك انفتل عن صلاته ، فدعا بتلك الدعوات ، فذهب ~~عنها الشيطان ، ثم أقبل على صلاته ، ثم جاءها الشيطان فخنقها ، وكان يكشف ~~عن نفسها ويتعرض بها لبرصيصا ، وجاءه الشيطان ، فقال : ويحك واقعها فلن تجد ~~مثلها ، فستتوب بعد ، فتدرك ما تريد من الأمر الذي تريد ؛ فلم يزل به حتى ~~واقعها ، فا فترشها ، فلم يزل على ذلك يأتيها حتى حملت وظهر حملها ، فقال ~~له الشيطان : ويحك قد افتضحت ، فهل لك أن تقتل هذه وتتوب ؟ فإن سألوك فقل : ~~جاء شيطانها فذهب بها ولم أقو عليه . قال : ففعل . فقتلها ثم انطلق بها ~~فدفنها إلى جانب الجبل ، فجاءه PageV17P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" الشيطان وهو يدفنها ليلا فأخذ بطرف إزارها ، ~~فبقى طرف إزارها خارج التراب ، ثم رجع برصيصا إلى صومعته وأقبل على صلاته ، ~~فجاء إخوتها يتعاهدون أختهم ، وكانوا يجيئون في بعض الأيام يسألون عنها ، ~~ويطلبون إلى برصيصا ويوصونه بها ، فقالوا : يا برصيصا ، ما فعلت أختنا ؟ ~~قال : جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه . قال : فصدقوه وآنصرفوا . فلما أمسوا ~~وهم مكروبون ، جاء الشيطان إلى كبيرهم في المنام ، فقال ويحك إن برصيصا فعل ~~بأختك كذا وكذا ، وإنه دفنها في موضع كذا وكذا من جبل كذا وكذا . فقال الأخ ~~: هذا حلم وهو من عمل الشيطان ، برصيصا خير من ذلك . قال : فتتابع عليه ~~ثلاث ليال فلم يكترث ، فآنطلق إلى الأوسط بمثل ذلك ، فقال الأوسط مثلما قال ~~الأكبر ، فلم يخبر به أحدا ، فآنطلق إلى أصغرهم بمثل ذلك ، فقال أصغرهم ~~لإخوته : والله لقد رأيت كذا وكذا . فقال الأوسط : وأنا والله لقد رأيت ~~مثله . وقال الأكبر : وأنا والله لقد رأيت كذا وكذا ، فآنطلقوا بنا إلى ~~برصيصا ؛ فأتوه ، فقالوا : يا برصيصا ، ما فعلت أختنا ؟ قال : أليس قد ~~أعلمتكم بحالها وحال شيطانها فكأنكم اتهمتموني . فقالوا : لا والله لا ~~نتهمك . فا ستحيوا منه وآنصرفوا عنه ، فجاءهم الشيطان فقال ، ويحكم إنها ~~لمدفونة في موضع كذا ، وإن طرف إزارها خارج من التراب . قال ms3554 : فآ نطلقوا ~~فرأوا أختهم على ما رأوا في نومهم ، قال : فمشوا في مواليهم ، ومواليهم ~~معهم الفؤس والمساحى ، فهدموا صومعته وأنزلوه ثم كتفوه وآنطلقوا به إلى ~~الملك ، فأقر على نفسه ؛ وذلك أن الشيطان أتاه فقال : تقتلها ثم تكابر ، ~~يجتمع عليك أمر ان قتل ومكابرة ، اعترف . فلما اعترف أمر الملك بقتله وصلبه ~~على خشبة ، فلما صلب أتاه الأبيض عيانا ، وذلك أن إبليس لعنه الله ، قال ~~للابيض : ومايغنى عنك ما صنعت ؟ إن قتل فهو كفارة لما كان منه . فقال ~~الأبيض : أنا أكفيكه . فأتاه فقال : يا برصيصا ، أتعرفنى ؟ قال : لا . قال ~~: أنا صاحبك الذي علمك الدعوات فا ستجيب لك ، ويحك أما اتقيت الله في أمانة ~~خنت أهلها ، وأنك أعبد بنى إسرائيل أما راقبت الله في دينك فلم يزل بعيره ~~ويوبخه ، ثم قال له في آخر ذلك : ألم يكفك ما صنعت حتى أقررت على نفسك ~~وفضحك أشباهك من الناس فإن مت على هذه الحال لم يفلح أحد من نظرائك بعدك . ~~قال : فكيف أصنع ؟ قال : تطيعني في خطة واحدة حتى أنجيك مما أنت فيه ، وآخذ ~~بأعينهم ، وأخرجك من مكانك . ، فآنطلق إلى أصغرهم بمثل ذلك ، فقال أصغرهم ~~لإخوته : والله لقد رأيت كذا وكذا . فقال الأوسط : وأنا والله لقد رأيت ~~مثله . وقال الأكبر : وأنا والله لقد رأيت كذا وكذا ، فآنطلقوا بنا إلى ~~برصيصا ؛ فأتوه ، فقالوا : يا برصيصا ، ما فعلت أختنا ؟ قال : أليس قد ~~أعلمتكم بحالها وحال شيطانها فكأنكم اتهمتموني . فقالوا : لا والله لا ~~نتهمك . فا ستحيوا منه وآنصرفوا عنه ، فجاءهم الشيطان فقال ، ويحكم إنها ~~لمدفونة في موضع كذا ، وإن طرف إزارها خارج من التراب . قال : فآ نطلقوا ~~فرأوا أختهم على ما رأوا في نومهم ، قال : فمشوا في مواليهم ، ومواليهم ~~معهم الفؤس والمساحى ، فهدموا صومعته وأنزلوه ثم كتفوه وآنطلقوا به إلى ~~الملك ، فأقر على نفسه ؛ وذلك أن الشيطان أتاه فقال : تقتلها ثم تكابر ، ~~يجتمع عليك أمر ان قتل ومكابرة ، اعترف . فلما اعترف أمر الملك بقتله وصلبه ~~على خشبة ، فلما صلب أتاه الأبيض عيانا ، وذلك أن إبليس لعنه الله ، قال ms3555 ~~للابيض : ومايغنى عنك ما صنعت ؟ إن قتل فهو كفارة لما كان منه . فقال ~~الأبيض : أنا أكفيكه . فأتاه فقال : يا برصيصا ، أتعرفنى ؟ قال : لا . قال ~~: أنا صاحبك الذي علمك الدعوات فا ستجيب لك ، ويحك أما اتقيت الله في أمانة ~~خنت أهلها ، وأنك أعبد بنى إسرائيل أما راقبت الله في دينك فلم يزل بعيره ~~ويوبخه ، ثم قال له في آخر ذلك : ألم يكفك ما صنعت حتى أقررت على نفسك ~~وفضحك أشباهك من الناس فإن مت على هذه الحال لم يفلح أحد من نظرائك بعدك . ~~قال : فكيف أصنع ؟ قال : تطيعني في خطة واحدة حتى أنجيك مما أنت فيه ، وآخذ ~~بأعينهم ، وأخرجك من مكانك . قال : وما هي ؟ قال : تسجد لي . قال : أفعل . ~~فسجد له ، فقال : يا برصيصا ، هذا الذي أردت منك ، صارت عاقبة أمرك إلى أن ~~كفرت بربك ، إني برئ منك ، إني أخاف الله رب العالمين . PageV17P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" يقول الله تعالى : فكان عاقبتهما يعنى ~~الشيطان وذلك اإنسان . " أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين . ~~" قال أبن عباس رضى الله عنهما : فضرب الله هذا المثل ليهود بنى النضير ~~والمنافقين من أهل المدينة ، وذلك أن الله تعالى أمر نبيه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، أن يحل بنى النضير من المدينة ، فدس المنافقون إليهم فقالوا : لا ~~تجيبوا محمدا إلى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم ، فإن قاتلكم كنا معكم ، ~~وإن آخرجتم خرجنا معكم . قال : فأطاعوكم ؛ فدربوا على حصونهم وتحصنوا في ~~ديارهم رجاء نصر المنافقين حتى جاءهم النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فناصبوه الحرب ، يرجون نصر المنافقين ، فخذلوهم وتبرءوا منهم كما تبرأ ~~الشيطان من برصيصا وخذله . قوله تعالى : " يأيها الذين أمنوا آتقوا الله ~~ولتنظر نفس ما قدمت لغد وآتقوا الله إن الله خبير بما تفعلون " قوله : ~~آتقوا الله أي في أداء فرائضه واجتناب معاصيه ولتنظر نفس ما قدمت لغد يعنى ~~يوم القيامة . قوله : " ولاتكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك ~~هم الفاسقون " نسوا الله أي نسوا حق الله وتركوا أوامره فأنساهم أنفسهم ~~يعنى حظ أنفسهم أن يقدموا ms3556 لها خبرا أولئك هم الفاسقون . لا يستوى أصحاب ~~النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون . فقد أتينا - أكرمك الله - ~~على تفسير ما أنزل من القرآن في شأن بنى النضير مما يتعلق بشرح أخبارهم ~~خاصة على حكم الآختصار ، ولم نتعرض إلى ما سوى ذلك من التفسير . ذكر غزوة ~~بدر الموعد غزاها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، لهلال ذي القعدة ، ~~على رأس خمسة وأربعين شهرا من مهاجره ( صلى الله عليه وسلم ) . حكاه محمد ~~بن سعد . وقال محمد بن إسحاق : كانت في شعبان . وجعلها بعد غزوة ذات الرقاع ~~، فتكون على رأس اثنتين وأربعين شهرا من الهجرة ، والأشبه ما قاله ابن سعد ~~، لأن الميعاد كان على رأس الحول من غزوة أحد ، وغزوة أحد كانت في شوال على ~~ما اتفقا عليه ، ولم يختلفا في الشهر وإنما في أيام ذكرناها هناك . قال ~~محمد بن سعد : لما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج ، وقد نعيم بن ~~PageV17P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" مسعود الأشجعى مكة ، فقال له أبو سفيان : إني ~~قد واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقى ببدر ، وقد جاء ذلك الوقت ، وهذا عام جدب ~~، وإنما يصلحنا عام خصب غيداق ، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج فيجترئ علينا ~~، فنجعل لك عشرين فريضة يضمنها إليك سهيل بن عمرو على أن تقدم المدينة ~~فتخذل أصحاب محمد . قال : نعم . فحملوه على بعير ، فأسرع السير حتى قدم ~~المدينة ، فأخبرهم بجمع أبى سفيان لهم وما معه من العدة والسلاح ، فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : والذي نفسى بيده لأخرجن وإن لم يخرج ~~معى أحد . واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة ، وسار بالمسلمين وهم ألف ~~وخمسمائة ، والخيل عشرة أفراس ، وحمل لواءه علي بن ابى طالب ، وخرج ~~المسلمون ببضائع وتجاراتهم لهم ، وكانت بدر الصغرى مجتمعا فيه العرب ، ~~وسوقا تقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان تخلو منه ، ثم يتفرق الناس إلى بلادهم ~~. فانتهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه إلى بدر ليلة هلال ذي ~~القعدة ؛ وقامت السوق صبيحة الهلال فأقاموا بها ثمانية أيام ، وباعوا ما ms3557 ~~خرجوا به من التجارات ، فربحوا للدرهم درهما ، وانصرفوا ، وقد سمع بمسيرهم ~~، وخرج أبو سفيان بن حرب من مكة في قريش ، وهم ألفا ومعهم خمسون فرسا حتى ~~انتهوا إلى مجنة - وهي مر الظهران - ومنهم من يقول : بلغوا عسفان . ثم قال ~~: ارجعوا فإنه لا يصلحنا إلا عام PageV17P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" خصب غيداق ، نرعى فيه الشجر ونشرب اللبن ، ~~وعامكم هذا عام جدب ، وإنى راجع فارجعوا . فسمى أهل مكة هذا الجيش جيش ~~السويق ، يقولون : خرجوا يشربون السويق . قال : وقدم معبد أبن أبى معبد ~~الخزاعى مكة بخبر مسير رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - وأصحابه ، ~~فقال صفوان بن أمية لأبى سفيان : قد نهيتك يومئذ أن تعد القوم وقد اجترءوا ~~علينا ورأوا أن قد أخلفناهم . وقال عبد الله بن رواحة : وعدنا أبا سفيان ~~وعدا فلم نجد . . . لميعاده صدقا وما كان وافيا فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا . ~~. . لأبت ذميما وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه . . . وعمرا ~~أبا جهل تركناه ثاويا عصيتم رسول الله أف لدينكم . . . وأمركم السئ الذي ~~كان غاويا فإنى وإن عنفتمونى لقائل . . . فدى لرسول الله أهلى وماليا ~~أطعناه لم فينا بغيره . . . شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا وانصرف رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) والمسلمون ، ورجعوا إلى المدينة . وأنزل الله ~~عز وجل في شأن هذه الغزوة قوله تعالى : " الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل . فانقلبوا ~~بنعمة من الله وفضل لم يمسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم . " ~~قال السدى : لما تجهز رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه للمسير إلى ~~بدر لميعاد أبى سفيان أتاهم المنافقون فقالوا : نحن أصحابكم الذين نهيناكم ~~عن الخروج إليهم فعصيتمونا ، وقد أتوكم في دياركم فقاتلوكم وظفروا ، فإن ~~أتيتموهم في ديارهم لا يرجع منكم أحد . فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل . ~~فالناس في هذه الاية أولئك المنافقون . وقال أبو معشر : دخل ناس من هذيل من ~~أهل تهامة المدينة ، فسألهم أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن أبى ~~سفيان ms3558 ، فقالوا : قد جمعوا لكم جموعا كثيرة PageV17P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" فاخشوهم ؛ فقالوا : " حسبنا الله ونعم الوكيل ~~. " فأنزل الله عز وجل الذين قال لهم الناس إن الناس يعنى أبا سفيان ~~وأصحابه قد جمعوا لكم فاخشوهم فخافوهم واحذروهم فإنه لاطاقة لكم بهم فزادهم ~~إيمانا يعنى تصديقا ويقينا وجرأة وقوة . وقوله : فانقلبوا فانصرفوا ورجعوا ~~بنعمة من الله أي بعافية لم يلقوا بها عدوا ، وبرأت جراحتهم وفضل أي ربح ~~وتجارة ، وهو ما أصابوا من السوق فربحوا لم يمسسهم سوء لم يصبهم قتل ولا ~~جرح ولم ينلهم أذى ولا مكروه واتبعوا رضوان الله في طاعة الله وطاعة رسوله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، وذلك أنهم قالوا : هل يكون هذا غزوا ؟ فأعطاهم ~~الله تعالى ثواب الغزو ورضى عنهم . والله ذو فضل عظيم . ثم قال تعالى : " ~~إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين " يعنى ~~ذلك الذي قال لكم : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ؛ من فعل الشيطان ألقى ~~في أفواههم لترهبونهم وتجبنوا عنهم يخوف أولياءه أي يخوفكم بأوليائه ، يعنى ~~يخوف المؤمنين بالكافرين ، قال السدى : يعظم أولياءه في صدوركم لتخافوهم . ~~وقرأ عبد الله بن مسعود يخوفكم أولياءه قال : وكان أبى بن كعب يقرأ يخوفكم ~~بأوليائه فلا تخافوهم وخافون في ترك أمرى إن كنتم مؤمنين مصدقين بوعدى فإنى ~~متكفل بالنصر والظفر . ذكر غزوة ذات الرقاع وخبر صلاة الخوف وقصة غورث بن ~~الحارث المحاربى ، وخبر جابر بن عبد الله واختلف في تسمية ذات الرقاع ، ~~فقيل : جبل فيه بقع حمر وبيض وسود . وقيل : لأنهم رقعوا راياتهم . وقيل : ~~ذات الرقاع ، شجرة بذلك الموضع . وفي صحيح البخارى أنهم نقبت أقدامهم ، ~~فلفوا عليها الخرق ، فسميت غزوة ذات الرقاع . والله أعلم . قال محمد بن سعد ~~: كانت في المحرم على رأس سبعة وأربعين شهرا من مهاجره ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . وقال ابن إسحاق : كانت غزوة ذات الرقاع بعد غزوة بنى النضير في ~~PageV17P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" جمادى الأولى ، فتكون على رأس تسعة وثلاثين ~~شهرا من الهجرة ، واستعمل على المدينة أبا ذو الغفارى ، ويقال : عثمان بن ms3559 ~~عفان . ولم يقل ابن سعد غير عثمان رضى الله عنه . وذلك أن قادما قدم ~~المدينة بجلب ، فأخبر أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، أن أنمارا ~~وثعلبة قد جمعوا لهم الجموع . فبلغ ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فخرج ليلة السبت لعشر خلون من المحرم في أربعمائة ، ويقال : سبعمائة من ~~أصحابه ؛ فمضى حتى أتى محالهم بذات الرقاع - وهو جبل فيه بقع فيها حمرة ~~وسواد وبياض - فلم يجد في محالهم أحدا إلا نسوة ، فأخذهن وفيهن جارية وضيئة ~~، وهربت الأعرب إلى رءوس الجبال ، وحضرت الصلاة ، فخاف المسلمون أن يغيروا ~~عليهم ، فصلى بهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الخوف . روى أبو محمد ~~عبد الملك بن هشام بسنده إلى جابر بن عبد الله ، قال : صلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بطائفة ركعتين ، ثم سلم ، وطائفة مقبلون على العدو ، ~~فجاءوا فصلى بهم ركعتين أخريين ، ثم سلم . وروى عنه أيضا من طريق آخر ، قال ~~: صفنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) صفين ، فركع بنا جميعا ، ثم سجد ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وسجد الصف الأول ، فلما رفعوا سجد ~~الذين يلونهم بأنفسهم ، ثم تأخر الصف الأول وتقدم الصف الآخر حتى قاموا ~~مقامهم ، ثم ركع النبى ( صلى الله عليه وسلم ) بهم جميعا ، ثم سجد رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وسجد الذين يلونه معه ، فلما رفعوا رءوسهم سجد ~~الآخرون بأنفسهم سجدتين ، وركع النبى ( صلى الله عليه وسلم ) بهم جميعا ، ~~وسجد كل واحد منهما بأنفسهم سجدتين . هكذا روى عن جابر في الصلاة الخوف ~~بذات الرقاع . وروى ابن هشام أيضا بسنده إلى عبد الله بن عمر ، رضى الله ~~عنهما ، في الصلاة الخوف ، ولم يذكر ذات الرقاع ، قال : يقوم الإمام ونقوم ~~معه طائفة ، وطائفة مما يلى عدوهم ، فيركع بهم الإمام ويسجد بهم ، ثم ~~يتأخرون فيكونون مما بلى العدو ، ويتقدم الآخرون فيركع بهم الإمام ركعة ~~ويسجد بهم ، ثم تصلى كل طائفة بأنفسهم ركعة ، لهم مع الإمام ركعة ركعة ~~وصلوا بأنفسهم ركعة ركعة . ذكر خبر غورث بن الحارث المحاربى ms3560 لما أراد أن ~~يفتك برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فحماه الله منه وأمكن نبيه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من عدوه وعفوه عنه وكان من خبر عورث بن الحارث أنه قال ~~لقومه من غطفان ومحارب : ألا أقتل PageV17P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" لكم محمدا ؟ قالوا : بلى ، وكيف تقتله ؟ قال ~~: أفتك به . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا نزل منزلا اختار له ~~أصحابه شجرة يقيل تحتها ، فأتاه فاخترط سيفه ، ثم قال : من يمنعك منى ؟ ~~فقال : الله . فأرعدت يد غورث ، وسقط سيفه ، وضرب برأسه الشجرة حتى سال ~~دماغه ، فعفا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عنه ، فرجع إلى قومه وقال : ~~جئتكم من عند خير الناس . ومن رواية الخطابى : أن غورث ابن الحارث المحاربى ~~أراد أن يفتك برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلم يشعر به إلا وهو ~~قائم على رأسه ، منتصبا سيفه ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~اللهم اكفنيه بما شئت . فانكب غورث من وجهه من زلخة زلخها بين كتفيه ، وندر ~~سيفه من يده ، وقيل : فيه نزل قوله تعالى : " يأيها الذين آمنوا آذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم " الآية ~~. وقيل : نزلت في غير هذه القصة . ذكر خبر جابر بن عبد الله في جمله ، ~~واستغفار النبى ( صلى الله عليه وسلم ) لأبيه روى محمد بن إسحاق بن يسار ~~المطلبى عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله قال : خرجت مع رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) إلى ذات الرقاع من نخل على جمل لى ضعيف ، فلما قفل ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، جعلت الرفاق تمضى ، وجعلت أتخلف ، حتى ~~أدركنى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : مالك يا جابر ؟ قلت : يا ~~رسول الله ، أبطأ على جمل هذا ؛ قال : أنحه ؛ فأنحه ، وأباح رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، ثم قال : أعطنى هذه العصا من يدك ، أو آقطع لي عصا ~~من الشجرة ؛ قال : ففعلت . فأخذها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فنخسه ~~بها نخسات ms3561 ، ثم قال : اركب . فركب ، فخرج - والذي بعثه بالحق - يواهق ناقته ~~مواهقة . قال : وتحدثت مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : أتبيعني ~~جملك هذا يا جابر ؟ قلت : يا PageV17P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" رسول الله ، بل أهبه لك ؛ قال : لا ، ولكن ~~بعنيه ؛ قال : قلت : فسمنيه ؛ قال : قد أخذته بدرهم ؛ قلت : لا ، إذا تغبنى ~~يا رسول الله قال : فبدرهمين ؛ قلت : لا . فلم يرفع لي رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) حتى بلغ الأوقية ؛ قلت : فقد رضيت ؟ قال : نعم ؛ قلت : هو ~~لك ؛ قال : أخذته . ثم قال : يا جابر ، هل تزوجت بعد ؟ قلت : نعم يا رسول ~~الله ؛ قال : أثيبا أم بكرا ؟ قلت : بل ثيبا ؛ قال : أفلا جارية تلاعبها ~~وتلاعبك ؟ قلت : يا رسول الله ، إن أبي أصيب يوم أحد ، وترك بنات له سبعا ، ~~فنكحت آمرأة جامعة ، تجمع رءوسهن وتقوم عليهن ؛ قال : أصبت إن شاء الله ، ~~أما إنا لو جئنا صرارا أمرنا بجزور فنحرت ، وأقمنا عليها يومنا ذلك ، وسمعت ~~بنا ، فنفضت نمارقها . قلت : يا رسول الله ما لنا من نمارق ؛ قال : إنها ~~ستكون ، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا . فلما جئنا صرارا أمر رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بجزور فنحرت ، وأفمها عليها يومنا ذاك ، فلما أمسى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دخل ودخلنا ؛ قال : فحدثت المرأة الحديث ~~وما قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قالت : فدونك ، فسمع وطاعة ~~. قال : فلما أصبحت أخذت برأس الجمل ، فأقبلت به حتى أنحته على باب مسجد ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم جلست في المسجد قريبا منه ، وخرج ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فرأى الجمل ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : ~~هذا جمل جاء به جابر ؛ قال : فأين جابر ؟ فدعيت له ، فقال : يأبن أخى خذ ~~برأس جملك فهو لك ودعا بلالا فقال له : اذهب بجابر فأعطه أوقية . قال : ~~فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئا يسيرا . قال : فو الله ما زال ينمى ~~عندي ونرى مكانه من بيتنا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا ؛ يعنى يوم الحرة . ~~وقال محمد بن ms3562 سعد : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سأل جابرا عن دين ~~أبيه فأخبره ، فاستغفر له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في تلك الليلة ~~خمسا وعشرين مرة . قال : وبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جعال بن ~~سراقة بشيرا إلى المدينة بسلامته وسلامة المسلمين ، وقدم صرارا يوم الأحد ~~لخمس بقين من المحرم - وصرار على ثلاثة أميال من المدينة ، وهي بئر جاهلية ~~على طريق العراق - وغاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خمس عشرة ليلة . ~~PageV17P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" ذكرغزوة دومة الجندل وهي بضم الدال ؛ سميت ~~بدومى بن إسماعيل لأنه كان نزلها ، وهي غير دومة التي بفتح الدال . غزاها ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شهر ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين ~~شهرا من مهاجره ، وذلك أنه بلغه ( صلى الله عليه وسلم ) أن بدومة الجندل ~~جمعا كثيرا ، وأنهم يظلمون من مر بهم ، وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة - ~~وهي طرف من أفواه الشام ، بينها وبين دمشق خمس ليال ، وبينها وبين المدينة ~~خمس عشرة أوست عشرة ليلة - فندب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الناس ، ~~واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفارى ، وخرج لخمس ليال بقين من شهر ~~ربيع الأول في ألف من المسلمين ، فكان يسير الليل ويكمن النهار ، ومعه دليل ~~من بنى عذرة ، يقال له : مذكور ؛ فلما دنا منهم إذاهم مغربون ، وإذا آثار ~~النعم والشاء ، فهجم على ما شيتهم ورعائهم ، فأصاب من أصاب ، وهرب من هرب . ~~وجاء الخبر أهل دومة الجندل ، فتفرقوا ، ونزل رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بساحتهم ، فلم يجد بها أحدا ، فأقام بها أياما ، وبث السرايا وفرقها ~~، فرجعت ولم تصب منهم أحدا وأخذ منهم رجل واحد ، فسأله رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) عنهم ، فقال : هربوا حيث سمعوا أنك أخذت نعمهم ؛ فعرض ~~عليه الإسلام فأسلم ، ورجع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة ~~لعشر بقين من شهر ربيع الآخر ، ولم يلق كيدا . وفي هذه الغزوة وادع رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) عيينة بن حصن أن ms3563 يرعى يتغلمين وما والاه إلى ~~المراض ، والمراض على ستة وثلاثين ميلا من المدينة على طريق الربذة . ذكر ~~غزوة بنى المصطلق وهي غزوة المريسيع غزاها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) في شعبان سنة خمس من الهجرة . حكاه محمد بن سعد . وقال ابن إسحاق : كانت ~~في شعبان سنة ست ؛ وجعلها بعد غزوة ذي قرد . PageV17P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" وكان سبب هذه الغزوة أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بلغه أن الحارث بن أبى ضرار سيد بنى المصطلق سار في قومه ومن ~~قدر عليه من العرب ، ودعاهم إلى حرب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فأجابوه وتهيئوا للمسير ، فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بريدة بن ~~الحصيب الأسلمى للوقوف على حقيقة الخبر ، فأتاهم وكلم الحارث ورجع إلى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالخبر ، فندب ( صلى الله عليه وسلم ) الناس ، ~~فأسرعوا في الخروج ، وقادوا الخيول ، وهي ثلاثون فرسا ، عشرة منها ~~للمهاجرين وعشرون للأنصار ، وخرج معه خلق كثير من المنافقين ، لم يجتمعوا ~~في غزاة قط مثلها ، واستخلف ( صلى الله عليه وسلم ) على المدينة زيد بن ~~حارثة . وقال ابن هشام : استعمل عليها أبا ذو الغفارى . قال : ويقال : ~~نميلة بن عبد الله الليثى . قال ابن سعد : وكان معه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فرسان : لزاز ، والظرب ، وخرج يوم الآثنين لليلتين خلتا من شعبان ، فبلغ ~~الحارث بن أبى ضرار ومن معه مسير رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فتفرق ~~عنه من كان معه من العرب وخافوا خوفا شديدا ، وانتهى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إلى المريسيع - وهو ماء لبنى المصطلق بينه وبين الفرع نحو من ~~يوم ، وبين الفرع والمدينة ثمانية برد - فنزل به وضرب قبته ، ومعه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من نسائه أمهات المؤمنين رضى الله عنهن عائشة ، وأم سلمة ~~، وتهيئوا للقتال ، وصف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه ، ودفع ~~راية المهاجرين إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه ، وراية الأنصار إلى سعد ~~بن عبادة ، فتراموا بالنبل ساعة ، ثم أمر رسول الله ( صلى الله ms3564 عليه وسلم ) ~~أصحابه فحملوا حملة رجل واحد ، فما أفلت من القوم إنسان ، قتل منهم عشرة ، ~~وأسر سائرهم ، وسبيت النساء والذرارى ، وغنمت النعم والشاء ، ولم يستشهد من ~~المسلمين إلا رجل واحد ، وأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالأسارى ~~فكتفوا ، واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب ، وأمر بجمع الغنائم فجمعت ، ~~واستعمل عليها شقران مولاه ، وقسم السى والنعم والشاء ، فعدلت الجزور بعشر ~~من الغنم ، وبيعت الرثة فيمن يريد ، قال : وكانت الإبل ألفى بعير والشاء ~~خمسة آلاف شاة ، والسبى مائتى أهل بيت ، وصارت جويرية بنت الحارث ابن أبى ~~ضرار في سهم ثابت بن قيس بن شماس وابن عم له ، فكاتباها على تسع أواق من ~~ذهب ، فسألت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في PageV17P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" كتابتها ، فأدى عنها ، وتزوجها على ما نذكر ~~ذلك إن شاء الله في أخبار أزواجه ( صلى الله عليه وسلم ) . قال ابن سعد : ~~وكان من السبى من من عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بغير فداء ، ~~ومنهم من أفدى ، فافتديت المرأة والذرية بست فرائض ، وقدموا المدينة ببعض ~~السبى ، فقدم عليهم أهلوهم ، فلم تبق آمرأة من بنى المصطلق إلا رجعت إلى ~~قومها . وكان شعار المسلمين يوم بنى المصطلق : يا منصور أمت أمت ؛ وغاب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في غزواته هذه ثمانية وعشرين يوما ، وقدم ~~المدينة لهلال رمضان . وفي هذه الغزاة تكلم عبد الله بن أبى بن سلول ~~المنافق بما تكلم به من قوله : رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ~~. ووقع حديث الإفك ، وقد قدمنا ذكر ذلك كله في حوادث السنين بعد الهجرة ، ~~في حوادث السنة الخامسة . ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب ذي القعدة سنة ~~خمس من مهاجر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . حكاه ابن سعد . وقال ابن ~~إسحاق : كانت في شوال . قال محمد بن سعد ومحمد بن إسحاق وعبد الملك بن هشام ~~، رحمهم الله تعالى ، دخل حديث بعضهم في حديث بعض ، قالوا : لما أجلى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بنى النضير وساروا إلى خيبر ms3565 ، خرج نفر من ~~أشرافهم ووجوههم ، منهم من بن أبى الحقيق ، وحي بن أخطب ، وكنانة بن الربيع ~~بن أبى الحقيق ، وبن قيس الوائلى ، وأبو عمار الوائلى ، في نفر من بنى ~~النضير ، ونفر من بنى وائل ، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فقدموا مكة على قريش ، فدعوهم إلى حرب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وقالوا : إنا ستكون معكم عليه حتى نستأصله ؛ فقالت قريش ~~لهم : يا معشر يهود ، إنكم أهل الكتاب الأول بما أصبحنا نختلف فيه نحن ~~ومحمد ، أفديننا خير أم دينه ؟ فقالوا : بل عينكم خير من دينه ، وأنتم أولى ~~بالحق منه . فهم الذين أنزل الله تعالى إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يؤمنون بالجبت والطاغوت الذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا . ~~أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا . أم لهم نصيب من ~~الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا . أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من ~~فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما . فمنهم من ~~آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا . قالوا : فلما PageV17P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" قالت اليهود ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم ~~إليه من حرب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فآجتمعوا لذلك ، ثم خرج ~~أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان وسليما ، ودعوهم إلى حرب رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وأعلموهم أن قريشا قد بايعوهم على ذلك ، فأجابوهم ~~وأجتمعوا معهم ؛ فتجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب ، وكانوا ~~أربعة آلاف ، وعقدوا اللواء في دار الندوة ، وحمله عثمان بن طلحة بن أبى ~~طلحة ، وقادوا معهم ثلثمائة فرس ، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير ، وخرجوا ~~يقودهم أبو سفيان بن حرب ، ووافتهم بنو سليم بمر الظهران ، وهم سبعمائة ، ~~يقودهم سفيان بن عبد شمس ، حليف حرب بن أمية ، وهو أبو أبى الأعور السلمى ~~الذي كان مع معاوية بصفين ، وخرجت بنو أسد يقودهم طليحة بن خويلد الأسدى ، ~~وخرجت غطفان وفزارة ، معهما ألف بعير ، يقودهم عيينة ms3566 بن حصن بن حذيفة ابن ~~بدر ، وخرجت بنو مرة وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف بن أبى حارثة المرى ~~، وخرجت أشجع وهم أربعمائة يقودهم مسعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف ، وخرج ~~معهم غيرهم . فكان جميع من وافى الخندق عشرة آلاف ، وهم الأحزاب ، وكانوا ~~ثلاثة عساكر ، ومرجع أمرهم إلى أبى سفيان بن حرب ، فلما بلغ رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فصولهم من مكة ندب الناس ، وأخبرهم خبر عدوهم ، ~~وشاورهم في أمرهم ، فأشار عليه سلمان الفارسى بالخندق ، فأعجب ذلك المسلمين ~~، وعسكر بهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى سفح سلع ، وجعل سلعا خلف ~~ظهره ، وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف ، واستخلف على المدينة عبد الله بن ~~أم مكتوم ، ثم ضرب الخندق على المدينة ، وعمل فيه رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ترغيبا للمسلمين في الأجر ، فعملوا وجدوا في العمل ودأبوا ، ~~وأبطأ عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعن المسلمين في ذلك العمل رجال ~~من المنافقين ، وجعلوا يورون بالضعف من العمل ، ويتسللون إلى أهليهم بغير ~~إذن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وجعل الرجال من المسلمين إذا نابته ~~النائبة من الحاجة ، ذكرها لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) واستأذنه ، ~~فيأذن له ، فإذا قضى حاجته رجع إلى عمله في الخندق ، فأنزل الله تعالى في ~~أولئك من المؤمنين قوله تعالى : " إنما PageV17P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا ~~كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك ~~الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم ~~واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم " ثم قال في المنافقين : " لاتجعلوا ~~دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لو ~~اذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم " ثم ~~قال تعالى : " ألا إن لله ما في السموات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم ~~يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شىء عليم . " قال : وعمل المسلمون ~~فيه ms3567 حتى أحكموه . روى محمد بن سعد بسند يرفعه إلى سهل بن سعد قال : جاءنا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ونحن نحفر الخندق وننقل التراب على ~~أكتافنا ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا عيش إلا عيش الآخرة ، فأغفر ~~للأنصار والمهاجرة . وعن البراء بن عازب قال : كان رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يوم الأحزاب ينقل معنا التراب ، وقد وارى التراب بياض بطنه ، ~~وهو يقول : لاهم لولا أنت ما اهتدينا . . . ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن ~~سكينة علينا . . . وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأولى لقد بغوا علينا . . . ~~إذا أرادوا فتنة أبينا أبينا يرفع بها صوته ( صلى الله عليه وسلم ) . وكان ~~لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في حفر الخندق معجزات نذكرها إن شاء ~~الله تعالى عند ذكرنا لمعجزاته ، ومنها ما يتعين ذكره هاهنا ، وهو ما حكاه ~~محمد بن إسحاق عن جابر بن عبد الله قال : اشتدت على الناس في بعض الخندق ~~كدية ، فشكوها إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فدعا بإناء من ماء ~~فتفل فيه ، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو ، ثم نضح ذلك الماء على ~~PageV17P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" تلك الكدية ، فيقول من حضرها : فو الذي بعثه ~~بالحق لآنهالت حتى عادت كالكثيب ، لاترد فأسا ولا مسحاة . قالوا : وفرغوا ~~من حفر الخندق في ستة أيام ، وكانوا يعلمون فيه نهارا وينصرفون ليلا ، ورفع ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) النساء والصبيان في الآطام ، وخرج رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم الآثنين لثمان مضين من ذي القعدة ، وكان ~~يحمل لواء المهاجرين زيد بن حارثة ، ويحمل لواء الأنصار سعد بن عبادة . ~~وأقبلت قريش ومن شايعها وتابعها ، وآجتمع إليها بعد فراغ الخندق ، فصار ~~الخندق بين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبينهم ، وظهور المسلمين إلى ~~سلع ، وخرج حي ابن أخطب حتى أتى كعب بن أسد القرظى ، صاحب عقد بنى قريظة ، ~~وكان قد وادع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على قومه وعاقده ، فأغلق ~~كعب دون حي باب حصنه ، وأبى أن يفتح له ، فناداه حي ms3568 : ويحك يا كعب افتح لي ~~. قال : ويحك إنك آمرؤ مشئوم ، وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني ~~وبينه ، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا . فعاوده مرارا ، وهو يأبى عليه حتى قال ~~له حي : والله إن أغلقت دونى إلا عن جشيشتك أن آكل معك . فأحفظه ذلك ، ففتح ~~له ، فقال : ويحك ياكعب جئتك بعز الدهر وببحر طارم ، جئتك بقريش على قادتها ~~وسادتها ، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال ، ومن دونه غطفان على قادتها وسادتها ~~حتى أنزلتهم بذنب نقمى على جانب أحد ، وقد عاهدونى وعاقدونى على ألا يبرحوا ~~حتى نستأصل محمدا ومن معه . فقال له كعب : جئتنى والله بذل الدهر ، وبجهام ~~قد هراق ماءه ، يرعد ويبرق ، ليس فيه شئ ، ويحك يا حي فدعنى وما أنا عليه ، ~~فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء . فلم يزل به حي حتى سمح له ، أن أعطاه ~~عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أدخل معك في ~~حصنك حتى يصيبنى ما أصابك . فنقض كعب بن أسد عهده ، وبرئ مما كان بينه وبين ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلما أنتهى الخبر إلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وإلى المسلمين وصح ذلك عنده كبر ، وقال : " حسبنا الله ~~ونعم الوكيل " قال : ونجم النفاق وفشل الناس ، وعظم البلاء ، وأشتد الخوف ، ~~وخيف على الذرارى PageV17P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" والنساء ، وكانوا كما قال الله تعالى : " إذ ~~جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا " قال : وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يبعث ~~سلمة بن اسلم في مائتى رجل ، وزيد بن حارثة في ثلثمائة يحرسون المدينة ~~ويظهرون التكبير ، وذلك أنه كان يخاف على الذرارى من بنى قريظة ، وكان عباد ~~بن بشر على حرس قبة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، مع غيره من الأنصار ~~يحرسونه كل ليلة ، ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والمسلمون وجاه العدو ~~لايزولون يعتقبون خندقهم ويحرسونه ، والمشركون يتناوبون بينهم ، فيغدو أبو ~~سفيان بن حرب في أصحابه يوما ، ويغدو ms3569 خالد بن الوليد يوما ، ويغدو عمرو بن ~~العاص يوما ، ويغدو هبيرة بن أبى وهب يوما ، ويغد ضرار بن الخطاب الفهرى ~~يوما ، فلا يزالون يجيلون خيلهم ، ويجتمعون مرة ويتفرقون أخرى ، ويناوشون ~~أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ويقدمون رماتهم فيرمون ، فرمى ~~حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحلة ، فقال : خذها وأنا ابن ~~العرقة . ويقال : رماه أبو أسامة الجشمى . قال ابن هشام : ولما اشتد على ~~الناس البلاء بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى عيينة بن حصن بن ~~حذيقة بن بدر ، وإلى الحارث بن عوف بن أبى حارثة المرى ، وهما قائدا غطفان ~~، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه ، فجرى ~~بينه وبينهما الصلح ، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولاعزيمة الصلح ، ~~فلما أراد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ ~~وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما ، واستشارهما فيه ، فقالا : يا رسول الله ، ~~أمر تحبه فتصنعه ، أم شئ أمرك الله به لابد لنا من العمل به ، أم شئ تصنعه ~~لنا ؟ قال : بل شئ أصنعه لكم ، والله ما أصنع ذلك إلا لأنى رأيت العرب قد ~~رمتكم عن قوس واحدة ، وكالبوكم من كل جانب ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم ~~إلى أمر ما . فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ، قد كنا نحن وهؤلاء ~~القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وهم ~~PageV17P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قراء أو ~~بيعا ، أفحين أكرمنا الله بالإسلام ، وهدانا وأعزنا بك وبه ، نعطيهم ~~أموالنا 1 والله ما لنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم ~~الله بيننا وبينهم ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : فأنت وذاك . ~~فتناول سعد بن معاذ الصحيفة ، فمحا ما فيها من الكتاب ، ثم قال : ليجهدوا ~~علينا . قال ابن سعد : ثم اجتمع رؤساؤهم أن يغدوا يوما ، فغدوا جميعا ومعهم ~~رؤساء سائر الأحزاب ، وطلبوا مضيقا من الخندق يقتحمون ms3570 خيلهم إلى النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه فلم يجدوا ذلك وقالوا : إن هذه لمكيدة ما ~~كانت العرب تصنعها ؛ فقيل لهم : إن معه رجلا فارسيا ، فهو أشار عليه بذلك ؛ ~~قالوا : فمن هناك إذا ، فصاروا إلى مكان ضيق أغفلة المسلمون ، فعبر منه ~~عكرمة بن أبى جهل ، ونوفل بن عبد الله ، وضرار بن الخطاب ، وهبيرة بن أبى ~~وهب ، وعمرو بن عبد ود فجعل عمرو بن عبد ود يدعو إلى البراز ، ويقول : ولقد ~~بححت من الندا . . . لجمعهم هل من مبارز وكان ابن تسعين سنة ، فبرز إليه ~~علي بن أبي طالب رضى الله عنه ، وقال له : يا عمرو ، إنك قد كنت عاهدت الله ~~ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه ؛ قال له : أجل . قال ~~له : أجل . قال له : فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام ؛ قال : ~~لا حاجة لى بذلك ؛ قال : فإني أدعوك إلى النزال ؛ قال : يابن أخي ، فو الله ~~ما أحب أن أقتلك ؛ فقال له علي : ولكنى والله أحب أن أقتلك ؛ فحمى عمرو عند ~~ذلك ، فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه ، ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا ، ~~فقتله علي رضى الله عنه ، وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق . وألقى ~~عكرمة بن أبى جهل يومئذ رمحه وهو منهزم عن عمرو . فقال حسان بن ثابت : فر ~~وألقى لنا رمحه . . . لعلك عكرم لم تفعل ووليت تعدو كعدو الظاي . . . م ما ~~إن تجور عن المعدل PageV17P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" ولم تلق ظهرك مستأنسا . . . كأن قفاك قفا ~~فرعل قال ابن سعد : وحمل الزبير بن العوام على نوفل بن عبد الله بالسيف ~~فضربه فشقه بآثنين ، ثم اتعدوا أن يغدوا من الغد ، فباتوا يعبئون أصحابهم ، ~~وفرقوا كتائبهم ، ونحوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كتيبة غليظة ~~فيها خالد بن الوليد ، فقاتلوهم يومهم ذاك إلى هوى من الليل ، ما يقدرون أن ~~يزولوا من موضعهم ، ولم يصل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا أصحابه ~~ظهرا ولا عصرا ولا مغربا ولا عشاء حتى كشفهم الله تعالى ms3571 ، فرجعوا متفرقين ~~إلى منازلهم وعسكرهم ، وانصرف المسلمون إلى قبة رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وأقام أسيد بن حضير على الخندق في مائتين من المسلمين ، وكر خالد ~~بن الوليد في خيل من المشركين يطلبون غرة من المسلمين فناوشوهم ساعة ومع ~~المشركين وحشى ، فزرق الطفيل بن النعمان بمزراقه فقتله وانكشفوا ، وصار ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى قبته فأمر بلالا فأذن وأقام للظهر ~~فصلى ، ثم بعد ذلك لكل صلاة إقامة ، وصلى هو وأصحابه ما فاتهم من الصلوات ، ~~وقال : شغلونا عن الصلاة الوسطى - صلاة العصر - ملا الله أجوافهم وقبورهم ~~نارا . ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعا حتى انصرفوا ، إلا أنهم لا يدعون ~~الطلائع بالليل طمعا في الغرة ، قال : وحصر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) وأصحابه بضع عشرة ليلة . وقال ابن إسحاق : أقام عليه المشركون بضعا ~~وعشرين ليلة قريبا من شهر . ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة ~~بن هلال بن حلاوة بن الأشجع ابن ريث بن غطفان أتى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت ، وإن قومي لم يعملوا ~~بإسلامي ، فمرني بما شئت ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إنما ~~أنت فينا رجل واحد ، فخذل عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة . " فخرج نعيم بن ~~مسعود حتى أتى بنى قريظة ، وكان لهم نديما في الجاهلية ، فقال : يابنى ~~قريظة ، قد عرفتم ودى إياكم ، وخاصة ما بينى وبينكم ؛ قالوا : صدقت ، لست ~~عندنا بمتهم ؛ فقال : إن PageV17P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" قريشا وغطفان ليسوا كأنتم ، البلد بلدكم ، به ~~أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، لا تقدرون على أن تجلوا منه إلى غيره ، وإن ~~قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه ، وبلدهم ~~وأموالهم ونساؤهم بغيره ، فليسوا كأنتم ، فإن رأوا نهزة أصابوها ، وإن كان ~~غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ، ولا طاقة لكم به إن ~~خلا بكم ، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ، ليكونوا ~~بأيديكم ثقة لكم على أن ms3572 تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه ؛ قالوا : لقد أشرت ~~علينا بالرأى . ثم خرج حتى أتى قريشا ، فقال لأبى سفيان ومن معه : قد عرفتم ~~ودى لكم وفراقى محمدا ، وإنه قد بلغنى أمر قد رأيت منه علي حقا أن أبلغكموه ~~نصحا لكم ، فاكتموا عنى ؛ قالوا : نفعل ؛ فما هو ؟ قال : تعلموا أن معشر ~~يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد ، وقد أرسلوا إليه : إنا ~~قد ندمنا على ما فعلنا ، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين : قريش وغطفان ~~، رجلا من أشرافهم ، ونعطيكم فتضرب أعناقهم ، ثم نكون معك على من بقى منهم ~~حتى نستأصلهم ؟ فأرسل إليهم : نعم . فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا ~~من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا . ثم خرج حتى أتى غطفان ، فقال ~~: يا معشر غطفان ، إنكم أهلى وعشيرتى ، وأحب الناس إلى ، ولا أراكم تتهمونى ~~؛ قالوا : ما أنت عندنا بمتهم ؛ قال : فاكتموا عنى ؛ قالواك نفعل . ثم قال ~~لهم مثلما قال لقريش ، وحذرهم ما حذرهم . فلما كانت ليلة السبت أرسل أبو ~~سفيان بن حرب ورءوس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل ، في نفر من قريش ~~وغطفان ، فقالوا لهم : إنا لسنا بدار مقام ، قد هلك الخف والحافر ، فاغدوا ~~للقتال حتى نناجز محمدا ، ونفرغ فيما بيننا وبينه . فأرسلوا إليهم : إن ~~اليوم يوم السبت ، وهو يوم لانعمل فيه شيئا ، وقد كان بعضنا أحدث فيه حدثا ~~فأصابه مالم يخف عليكم ، ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا ~~رهنا من رجالكم ، يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا ، فإنا نخشى إن ~~ضرستكم الحرب ، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم PageV17P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" وتتركونا ، والرجل في بلادنا ، ولا طاقة لنا ~~بذلك منه . فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان : ~~والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق ، فأرسلوا إلى بنى قريظة : إنا ~~والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال ~~فأخرجوا فقاتلوا ؛ فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا : إن ms3573 الذي ~~ذكر لكم نعيم ابن مسعود لحق ، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا ، فإن رأوا ~~فرصة آنتهزوها ، وإن كان غير ذلك آنشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين ~~الرجل . فأرسلوا إلى قريش وغطفان : إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا ~~رهنا . فأبوا عليهم ، وقال أبو سفيان : ألا أرانى أستعين بإخوة القردة ~~والخنازير فوقع الآختلاف والخذلان بينهم ، وبعث الله عز وجل عليهم ريحا في ~~ليلة شتاتية شديدة البرد ، فكفأت القدور وطرحت الأبنية . فلما آنتهى إلى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما وقع بينهم من الاختلاف أرسل حذيقة بن ~~اليمان إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا . قال حذيقة : دعانى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فقال : يا حذيقة ، اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يفعلون ~~ولا تحدثن شيئا . فذهب فدخلت فيهم ، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل ، ~~لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء . فقام أبو سفيان فقال : يا معشر قريش ، ~~لينظر آمرؤ من جليسه ؟ قال حذيقة : فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبى ، ~~فقلت : من أنت ؟ فقال : فلان ابن فلان . ثم قال أبو سفيان : يا معشر قريش ، ~~إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام ، ولقد هلك الكراع والخف ، وأخلفنا بنو ~~قريظة ، وبلغنا عنهم الذي نكره ، ولقينا من شدة الريح ما ترون ، فآرتحلوا ~~فإني مرتحل . ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ، ثم ضربه فوثب به على ~~ثلاث ، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم ، ولولا عهد رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إلى ألا أحدث شيئا حتى آتيه ، ثم لو شئت ، لقتلته بسهم . قال : ~~فرجعت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبرته الخبر . وسمعت غطفان ~~ما فعلت قريش ، فانشمروا راجعين إلى بلادهم وأصبح رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فانصرف راجعا إلى المدينة والمسلمون ووضعوا السلاح . وكان شعار ~~المسلمين في غزوة الخندق حم لاينصرفون . ولما آنصرف رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وأصحابه عن الخندق قال لأصحابه : لن تغزوكم PageV17P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" قريش بعد عامكم هذا ، ولكنكم تغزوهم . فكان ms3574 ~~كذلك . قال آبن سعد : وكانت مدة الحصار خمس عشرة ليلة ، وانصرف رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) لسبع ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس . وقد ذكرنا ما ~~قاله غير في ذلك . ذكر تسمية من استشهد من المسلمين في غزوة الخندق ومن قتل ~~من المشركين قال محمد بن سعد في طبقاته الكبرى : واستشهد من المسلمين في ~~غزوة الخندق أنس بن أوس بن عتيك من بنى عبد الأشهل ، قتله خالد بن الوليد ؛ ~~وعبد الله بن سهل الأشهلى ، وثعلبة بن عنمة بن عدي ، قتله هبيرة بن أبى وهب ~~؛ وكعب بن زيد من بنى دينار ، قتله ضرار بن الخطاب . وسعد بن معاذ مات من ~~جراحة بعد بنى قريظة ، والطفيل بن النعمان بن جشم . وقتل من المشركين أربعة ~~نفروهم : عثمان بن أمية بن منبه بن عبيد بن السباق من بنى عبد الدار بن قصى ~~، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة ، وعمرو بن عبد ود ، ويقال : وابنه حسل بن ~~عمرو ، قتلهما علي بن أبى طالب رضى الله عنه . ذكر ما أنزل على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) من القرآن في غزوة الخندق وما ورد في تفسير ذلك أنزل ~~الله عز وجل على رسوله - ( صلى الله عليه وسلم ) - في أمر الخندق والأحزاب ~~قوله تعالى : " يأيها الذين آمنوا آذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ~~فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا " قال أبو ~~إسحاق أحمد ابن محمد بن إبراهيم الثعلبى رحمه الله : قوله : " إذ جاءتكم ~~جنود " يعنى الأحزاب : قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير . فأرسلنا عليهم ~~ريحا قال : وهي الصبا . قال عكرمة : قالت PageV17P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" الجنوب للشمال ليلة الأحزاب : انطلقى بنصرة ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالت الشمال : إن الحرة لا تسرى بالليل ~~؛ وكانت الريح التى أرسلت عليهم الصبا ، قال رسول الله - ( صلى الله عليه ~~وسلم ) - : " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور . " قوله : " وجنودا لم تروها ~~" هي الملائكة ، ولم تقاتل يومئذ ، قال المفسرون : بعث الله تعالى عليهم ~~بالليل ريحا باردة ، وبعث ms3575 الملائكة فقلعت الأوتاد ، وقطعت أطناب الفساطيط ، ~~وأطفأت النيران ، وأكفأت القدور ، وجالت الخيل بعضها في بعض ، وأرسل الله ~~عليهم الرعب ، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول ~~: يا بنى فلان ، هلم إلى ؛ فإذا اجتمعوا عنده قال : النجاء النجاء ، أتيتم ~~. لما بعث الله عليهم من الرعب ، فانهزموا من غير قتال . قوله تعالى : " إذ ~~جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا " قال : قوله : " إذ جاءوكم من فوقكم " يعنى من فوق ~~الوادي من قبل المشرق ، عليهم مالك بن عوف النصرى ، وعيينة آبن حصن الفزارى ~~في ألف من غطفان ، ومعهم طليحة بن خويلد الأسدي في بنى أسد ، وحي بن أخطب ~~في يهود بنى قريظة . ومن أسفل منكم يعني من بطن الوادي من قبل المغرب ، وهو ~~أبو سفيان بن حرب في قريش ومن تبعه ، وأبو الأعور السلمى من قبل الخندق . ~~وقال ابن إسحاق : الذين جاءوا من فوقهم بنو قريظة ، والذين جاءوا من أسفل ~~منهم قريش وغطفان . وإذ زاغت الأبصار أي مالت وشخصت وبلغت القلوب الحناجر ~~زالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق من الفزع . وتظنون بالله الظنونا قال : ~~أما المنافقون فظنوا أن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه سيغلبون ~~ويستأصلون ، وأما المؤمنون فأيقنوا أن ما وعدهم الله حق ، وأنه سيظهر دينه ~~على الدين كله ولو كره المشركون . قوله تعالى : " هنالك آبتلى المؤمنون ~~وزلزلوا زلزالا شديدا " قال : أي آختبروا ومحصوا ، ليعرف المؤمن من المنافق ~~وزلزلوا : حركوا وخوفوا زلزالا تحريكا شديدا . قوله تعالى : " وإذ يقول ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا " قال : ~~يعنى معتب بن قشير وأصحابه والذين في قلوبهم مرض أي شك وضعف اعتقاد . وقد ~~قدمنا في أخبار المنافقين ما تكلم به معتب بن PageV17P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" قشير في هذه الغزوة . قوله تعالى : " وإذ ~~قالت طائفة منهم يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا وبستأذن فريق منهم النبى ~~يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا . " قالت طائفة ms3576 ~~منهم أي من المنافقين ، وهم أوس بن قيظى وأصحابه ، قال مقاتل : هم بنو سالم ~~. قال ابن عباس رضى الله عنهما : قالت اليهود لعبد الله بن أبى وأصحابه من ~~المنافقين : ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبى سفيان وأصحابه فارجعوا ~~إلى المدينة . ويستأذن فريق منهم النبى في الرجوع إلى منازلهم بالمدينة ، ~~وهم بنو حارثة بن الحارث يقولون إن بيوتنا عورة أي خالية ضائعة ، وهي مما ~~يلي العدو ، وإنا لنخشى عليها العدو والسراق ، قال : وقرأ ابن عباس وأبو ~~رجاء العطاردي عورة بكسر الواو ، يعني قصيرة الجدران فيها خلل وفرجة . ~~وأخبر تعالى أنها ليست بعورة ، إن يريدون إلا الفرار . قوله تعالى : " ولو ~~دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا " ~~قال : يقول : لو دخل عليهم هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم المدينة من ~~أقطارها جوانبها ونواحيها ثم سئلوا الفتنة الشرك لأتوها أي لجاءوها وفصلوها ~~ورجعوا عن الإسلام عن الفتنة إلا يسيرا ولأسرعوا إلى الإجابة إليها طيبة ~~بها أنفسهم ، قال : هذا قول أكثر المفسرين . وقال الحسن والفراء : وما ~~أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى هلكوا . قوله تعالى : " ~~ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا " ~~قال : عاهدوا الله أي من قبل غزوة الخندق لا يولون عدوهم الأدبار قال يزيد ~~بن رومان : هم بنو حارثة هموا يوم أحد أن يفشلوا مع بنى سلمة ، فلما نزل ~~فيهم ما نزل عاهدوا الله ألا يعودوا لمثلها ، فذكر الله لهم الذي أعطوه من ~~أنفسهم . وقال قتادة : هم ناس كانوا قد غابوا عن وقعة بدر ، ورأوا ما أعطى ~~الله تعالى أهل بدر من الكرامة والفضيلة ، فقالوا : لئن أشهدنا الله قتالا ~~لنقاتلن . فساق الله تعالى ذلك إليهم في ناحية المدينة . PageV17P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" وقال مقاتل والكلبى : هم السبعون رجلا الذين ~~بايعوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليلة العقبة وقالوا له : اشترط ~~لربك ولنفسك ما شئت ؛ فقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) : " أشترط لربى أن ~~تعبدوه ولا تشركوا به ms3577 شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه ~~أنفسكم وأزواجكم وأولادكم وأموالكم . " قالوا : فإذا فعلنا ذلك فمالنا يا ~~رسول الله ؟ قال : " لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة . " قالوا : قد ~~فعلنا . فذلك عهدهم " وكان عهد الله مسئولا " أي عنه . قوله تعالى : " قل ~~لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا " ~~قال : أي الذي كتب عليكم وإذا لا تمتعون إلا قليلا إلى آجالكم ، والدنيا ~~كلها قليل . قوله تعالى : " قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا ~~أو أراد بكم رحمة " أي نصرة " ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا . ~~" قوله تعالى : " قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ~~ولا يأتون البأس إلا قليلا " قال : المعوقين المثبطين منكم للناس عن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ودعوا محمدا فلا ~~تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك ولا يأتون البأس الحرب إلا قليلا ~~دفعا وتعذيرا . قال قتادة : هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ~~: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ، ولو كانوا لحما لآلتهمهم أبو سفيان ~~وأصحابه ، دعوا هذا الرجل فإنه هالك . وقال مقاتل : نزلت في المنافقين ، ~~وذلك أن اليهود أرسلوا إلى المنافقين وقالوا : ما الذي يحملكم على قتل ~~أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه فإنهم إن قدروا عليكم هذه المرة لم يستبقوا ~~منكم أحدا ، وإنا لنشق عليكم ، أنتم إخواننا وجيراننا ، هلم إلينا . فأقبل ~~عبد الله بن أبى وأصحابه على المؤمنين يعوقونهم ويخوفونهم بأبى سفيان ومن ~~معه ، وقالوا : ما ترجون من محمد ؟ فو الله ما يرفدنا بخير ، وما عنده خير ~~، وما هو إلا أن يقتلنا هاهنا ، انطلقوا إلى إخواننا وأصحابنا . يعنى ~~اليهود ، فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيمانا وآحتسابا . وقال ابن ~~زيد : لما كان يوم الأحزاب انطلق رجل من عند رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فوجد PageV17P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" أخاه ، بين يديه شواء ورغيف ونبيذ ، فقال : ~~أنت هاهنا في الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله ms3578 ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بين الرماح والسيوف فقال : هلم إلى هذا ، والذي يحلف به لا يستقبلها محمد ~~أبدا ؛ فقال : كذبت والذي يحلف به - وكان أخاه من أبيه وأمه - أما والله ~~لأخبرن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أمرك . فذهب إلى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ليخبره ، فوجده قد نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية . قوله ~~تعالى : " أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدورا أعينهم ~~كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على ~~أولئك لم يؤمنون فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا " قال : أشحة ~~عليكم بالخبر والنفقة في سبيل الله ، وصفهم الله تعالى بالجبن والبخل فإذا ~~جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم في رءوسهم من الخوف والجبن ، أي ~~كدوران أعين الذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم أي عضوكم ~~ورموكم بألسنة حداد ذربة ، وأصل السلق : الضرب قال قتادة : يعنى بسطوا ~~ألسنتهم فيكم وقت قسم الغنيمة ، يقولون : أعطونا أعطونا ، فإنا قد شهدنا ~~معكم القتال ، ولستم بأحق بالغنيمة منا ؛ وأما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوأ ~~مقاسمة ، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق . أشحة على الخير يعنى ~~الغنيمة أولئك لم يؤمنوا . قوله تعالى : " يحسبون الأحزاب لم يذهبوا " يعنى ~~هؤلاء يحسبون الجماعات لم ينصرفوا عن قتالهم ، وقد انصرفوا جبنا منهم وفرقا ~~وإن يأت الأحزاب أي يرجعوا إليهم كرة ثانية يودوا من الخوف والجبن لو أنهم ~~بادون خارجون إلى البادية في الأعراب أي معهم يسألون عن أنبائكم يسأل بعضهم ~~بعضا عن أخباركم ، وما آل إليه أمركم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا الإ قليلا ~~يعني رياء من غير حسبة ، ولو كان ذلك القليل لله تعالى لكان كثيرا . ثم قال ~~تعالى مشيرا إلى المؤمنين : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان ~~يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا . ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا ~~هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما " ~~قال قوله : أسوة حسنة أي سنة ms3579 صالحة ، أن تنصروه وتؤازروه ، ولا تتخلفوا عنه ~~، ولا ترغبوا بأنفسكم عن نفسه وعن مكان نصرته كما فعل هو ، إذ كسرت رباعيته ~~وجرح ، وقتل عمه حمزة ، وأوذى بضروب الأذى ، فواساكم مع ذلك بنفسه ، ~~فافعلوا أنتم أيضا كذلك ، واستنوا بسنته لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ~~وذكر الله كثيرا أي PageV17P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" في الرخاء والبلاء ، ثم ذكر المؤمنين بوعود ~~الله تعالى ، فقال : ولما رأى المؤمنون الأحزاب الآية ، قال : ووعد الله ~~إياهم قوله : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر ~~الله ألا إن نصر الله قريب . قوله تعالى : " من المؤمنين رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " قال ~~: قوله : صدقوا أي وفوا به . فمنهم من قضى نحبه يعنى فرغ من نذره ووفى ~~بعهده وصبر على الجهاد حتى استشهد . والنحب : النذر ، والنحب أيضا : الموت ~~، قال ذو الرمة : عشية فر الحارثيون بعدما . . . قضى نحبه في ملتقى القوم ~~هوبر أي مات ، قال مقاتل : قضى نحبه ، أي أجله ، فقتل على الوفا ، يعنى ~~حمزة وأصحابه الذين آستشهدوا بأحد ، رضوان الله عليهم . وقيل : قضى نحبه ، ~~أي بذل جهده في الوفا بعهده ، من قول العرب : نحب فلان في سيره يومه وليلته ~~؛ إذا مد فلم ينزل ، قال جرير : بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا . . . عشية ~~بسطام جرين على نحب ومنهم من ينتظر قال ابن إسحاق : ينتظر ما وعد الله به ~~من نصرة ، والشهادة على ما مضى عليه أصحابه . وما بدلوا تبديلا أي ما شكوا ~~وما ترددوا في دينهم ، وما آستبدلوا به غيره . ثم قال تعالى : " ليجزى الله ~~الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا ~~رحيما . ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا " يعنى قريشا ~~PageV17P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" وغطفان " وكفى الله المؤمنين القتال " أي ~~بالملائكة والريح " وكان الله قويا عزيزا ، " وبيده الفضل والمنة . ذكر ~~غزوة بنى قريظة غزاها رسول الله ms3580 ( صلى الله عليه وسلم ) في ذي القعدة سنة ~~خمس من مهاجره . وقال ابن إسحاق : في شوال منها . قال محمد بن إسحاق ، ~~ومحمد بن سعد ، دخل حديث بعضهما في بعض ، قالا : لما انصرف رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من الخندق إلى المدينة هو والمسلمون ، ووضعوا السلاح ، ~~فلما كانت الظهر أتى جبريل - عليه السلام - النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ~~معتجرا بعمامة من إستبرق ، على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج ، ~~فقال : أو قد وضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال : نعم ؛ قال جبريل : فما وضعت ~~الملائكة السلاح بعد ، وما رجعت إلا من طلب القوم : إن الله عز وجل يأمرك ~~يا محمد بالمسير إلى بنى قريظة ، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم . فأمر رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بلالا فأذن في الناس : إن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يأمركم ألا تصلوا العصر إلا في بنى قريظة . واستعمل على ~~المدينة ابن أم مكتوم ، ودعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عليا ، ~~فأعطاه لواءه ، وقدمه إلى بنى قريظة ، فسار علي حتى إذا دنا من الحصون سمع ~~منها مقالة قبيحة لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فرجع حتى لقى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالطريق ، فقال : يا رسول الله ، لا عليك ألا ~~تدنو من هؤلاء الأخابث ؛ قال : أظنك سمعت منهم لي أذى ؛ قال : نعم يا رسول ~~الله ؛ قال : لو رأونى لم يقولوا من ذلك شيئا . فلما دنا رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من حصونهم قال لهم : يا إخوان القردة ، هل أخزاكم الله ~~وأنزل بكم نقمته ؟ قالوا : يا أبا القاسم ، ما كنت جهولا . ثم نزل ( صلى ~~الله عليه وسلم ) على بئر من آبار بنى قريظة من ناحية أموالهم يقال لها : ~~بئر أنا ؛ ويقال : بئر أنى ؛ وتلاحق به الناس ، فأتى رجال من بعد العشاء ~~الآخرة لم يصلوا العصر لقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . لا يصلين ~~أحد العصر إلا ببنى قريظة . فشغلهم ما لم يكن منه بد في حربهم وأبوا أن ~~يصلوا لقول ms3581 رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى يأتوا بنى قريظة ، فصلوا ~~العصر بها بعد العشاء الآخرة ، وتخوف ناس فوت الصلاة فصلوا ، فما عنف رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أحدا من الفريقين ، ولا عابهم الله تعالى في ~~كتابه . PageV17P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" قال : وسار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إليهم في المسلمين ، وهم ثلاثة آلاف والخيل ستة وثلاثون فرسا ، فحاصرهم ~~خمسة عشر يوما . قاله ابن سعد . وقال ابن إسحاق : خمسا وعشرين ليلة أشد ~~حصار حتى جهدهم الحصار ، وقذف الله في قلوبهم الرعب . وكان حي بن أخطب دخل ~~مع بنى قريظة في حصنهم ، حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد ، ~~فلما أيقنوا أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) غير منصرف عنهم حتى ~~يناجزهم ، قال كعب بن أسد لهم : يا معشر يهود ، قد نزل بكم ما ترون ، وإني ~~عارض عليكم خلالا ثلاثا ، فخذوا أيها شئتم ؛ قالوا : وماهي ؟ قال : نتابع ~~هذا الرجل ونصدقه ، فو الله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل ، وأنه الذي تجدونه ~~في كتابكم ، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم ؛ قالوا : لا ~~نفارق حكم التوراة أبدا ، ولا نستبدل به غيره ؛ قال : فإذا أبيتم هذه فهلم ~~فلنقتل أبناءنا ونساءنا ، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف ، ~~لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبينه ، فإن نهلك نهلك ولم نترك ~~وراءنا نسلا نخشى عليه ، وإن نظهر فلعمرى لنجدت النساء والأبناء ؛ قالوا : ~~نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم ؟ قال : فإذا أبيتم على هذه فإن ~~الليلة ليلة السبت ، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها ، ~~فآنزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة ؛ قالوا علينا سبتنا ، وتحدث فيه ~~ما لم يحدث من كان قبلنا إلا قد علمت ، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ ؛ ~~قال : ما بات منكم رجل منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما . ثم بعثوا ~~إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن أبعث إلينا أبا لبابة بن عبد ~~المنذر لنستشيره في أمرنا ؛ فأرسله ms3582 إليهم ، فلما رأوه قام إليه الرجال ، ~~وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه ، فرق لهم وقالوا له : يا أبا ~~لبانة ، أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال : نعم . وأشار بيده إلى حلقه ، أي ~~إنه الذبح ، قال أبو لناتة : فو الله ما زلت قد ماى من مكانهما حتى عرفت ~~أني قد خنت الله ورسوله . ثم آنطلق أبو لبابة على وجهه ، ولم يأت رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده ، وقال : لا ~~أبرح مكانى هذا حتى يتوب الله علي . قال : فلما بلغ رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) خبره وكان قد استبطأه قال : أما لو كان جاءني لآستغفرت له ، ~~فأما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه . ~~فأنزل الله تعالى فيه : وآخرون اعترفوا بذنو بهم خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم . قالت أم سلمة رضى الله ~~PageV17P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" عنها : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) من السحر وهو يضحك ، فقلت : مم تضحك أضحك الله سنك يا رسول الله ؟ . قال ~~: تيب على أبى لبابة . قالت : فقلت : أفلا أبشره يا رسول الله ؟ قال : بلى ~~، إن شئت . فقامت على باب حجرتها ، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب ، فقالت ~~: يا أبا لبابة ، أبشر فقد تاب الله عليك . قالت : فثار الناس إليه ليطلقوه ~~فقال : لا والله ، حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقني بيده ؛ فلما مر عليه ~~خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه . قال ابن هشام : أقام أبو لبانة مرتبطا في ~~الجذع ست ليال ، تأتيه امرأته في كل وقت صلاة ، فتحله للصلاة ، ثم تعود ~~فتربطه . هذا ما كان من أمر أبى لبابة ؛ وأما يهود فإن ثعلبة بن سعية ، ~~وأسيد بن سعية ، وأسد بن عبيد ، وهم نفر هدل ، قال ابن إسحاق : ليسوا من ~~بنى قريظة ولا النضير ، نسبهم فوق ذلك ، هم بنو عم القوم ، أسلموا في ~~الليلة التي نزل بنو قريظة في صبيحتها على ms3583 حكم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وخرج تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظى فمر بحرس رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وعليه محمد بن مسلمة ، فلما رآه قال : من هذا ؟ قال : أنا ~~عمرو بن سعدى - وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة في غدرهم برسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، وقال : لا أغدر بمحمد أبدا - فقال محمد بن مسلمة ~~حين عرفه : اللهم لا تحرمنى عثرات الكرام ؛ ثم خلى سبيله ، فخرج على وجهه ، ~~فلم يدر أين توجه من الأرض إلى آخر الدهر ، فذكر ذلك لرسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فقال : ذاك رجل نجاه الله بوفائه ؛ ومنهم من يزعم أنه أوثق . ~~والله أعلم . ذكر نزول بنى قريظة على حكم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، وسؤال الأوس فيهم ؛ وتحكيم سعد بن معاذ وحكمه فيهم بحكم الله تعالى ~~وقتلهم قال : ولما أصبح بنو قريظة نزلوا على حكم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فتواثبت الأوس ، فقالوا : يا رسول الله ، إنهم موالينا دون الخزرج ~~، وقد فعلت في موالى إخواننا بالأمس ما قد علمت . يعنون بنى قينقاع لما ~~أطلقهم ( صلى الله عليه وسلم ) لعبد الله بن أبى بن سلول ، فقال رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) : ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ ~~قالوا : بلى ؛ قال : فذاك سعد بن معاذ . وكان سعد في مسجد رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، في خيمة لآمرأة من أسلم PageV17P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" يقال لها : رفيدة ، كانت تداوى الجرحى محتسبة ~~، فأتاه قومه فحملوه على حمار ، ووطئوا له بوسادة من أدم ، ثم أتوا به رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهم يقولون له : يا أبا عمرو ، أحسن في ~~مواليك ، فإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم ؛ ~~فلما أكثروا عليه قال : لقد أنى لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم . فرجع ~~بعض من كان معه من قومه إلى دار بنى عبد الأشهل ، فنعى لهم رجال بنى قريظة ~~قبل أن يصل ms3584 إليهم سعد ، لكلمته التي سمع منه ، فلما انتهى سعد إلى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) والمسلمين ، قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " قوموا إلى سيدكم . " فأما المهاجرون من قريش فيقولون : إنما ~~أراد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الأنصار ؛ والأنصار يقولون : قد عم ~~بها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فقاموا إليه ، فقالوا : ياأبا عمرو ~~، إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم ؛ ~~فقال سعد : عليكم بذلك عهد الله وميثاقه ، أن الحكم فيهم لما حكمت ؟ قالوا ~~: نعم ؛ قال : وعلى من ها هنا ؟ في الناحية التي فيها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وهو معرض عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إجلالا له ، ~~فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : نعم ؛ قال سعد : فإني أحكم فيهم ~~أن تقتل الرجال ، وتقسم الأموال ، وتسبى الذرارى والنساء . فقال له رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ~~. أي من فوق سبع سموات ، ويقال : إن اليهود سألوا أن ينزلوا على حكم سعد بن ~~معاذ . والله تعالى أعلم . قال : ثم آنصرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) إلى المدينة يوم الخميس لسبع خلون من ذي الحجة ، وأمر بهم فأدخلوا ~~المدينة ، فحبسهم في دار بنت الحارث امرأة من بنى النجار ، ثم خرج رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى سوق المدينة ، فحفر بها خنادق ، وجلس هو ~~وأصحابه وبعث إليهم فأخرجوا إليه أرسالا ، فضربت أعناقهم ، وفيهم حي بن ~~أخطب ، وكعب بن أسد ، واختلف في عددهم فقيل : كانوا ستمائة أو سبعمائة . ~~وقيل : بين PageV17P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" الثمانمائة والتسعمائة ؛ قال : وقالوا لكعب ~~بن أسد ، وهم يذهب بهم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أرسالا : يا ~~كعب ، ما تراه يصنع بنا ؟ قال : أفى كل موطن لا تعقلون ؟ ألا ترون الداعي ~~لا ينزع ، وأنه من ذهب به منكم لا يرجع ؟ هو والله القتل قال : وأتى بحبي ~~ابن أخطب ، وعليه حلة له فقاحية قد شقها عليه من ms3585 كل ناحية قدر أنملة ، لئلا ~~يسلبها ، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل . فلما نظر إلى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال : أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ، ولكن من يخذل الله ~~يخذل ، ثم أقبل على الناس فقال : أيها الناس ، إنه لا بأس بأمر الله ، كتاب ~~وقدر وملحمة كتبت على بنى إسرائيل . ثم جلس فضربت عنقه ، فقال جبل بن جوال ~~الثعلبي : اعمرك ما لام آبن أخطب نفسه . . . ولكنه من يخذل الله يخذل لجاهد ~~حتى أبلغ النفس عذرها . . . وقلقل يبغى العز كل مقلقل وروى محمد بن إسحاق ~~بسند يرفعه إلى عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أنها قالت : لم يقتل من ~~نسائهم إلا امرأة واحدة . قالت : والله إنها لعندي تحدث معي ، وتضحك ظهرا ~~وبطنا ، ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقتل رجالها في السوق ، إذ هتف ~~هاتف باسمها : أين فلانة ؟ قالت : أنا والله ؛ قلت لها : ويلك مالك ؟ قالت ~~: أقتل ؛ قلت : لحدث أحدثته ؛ قالت : فانطلق بها ، فضربت عنقها ، فكانت ~~عائشة تقول : والله ما أنسى عجبا منها ، طيب نفسها ، وكثرة ضحكها ، وقد ~~عرفت أنها تقتل . قال الواقدي : واسم تلك المرأة : بنانة امرأة الحكم ~~القرظى ؛ وكانت قتلت خلاد بن سويد ، طرحت عليه رحى ، فضرب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) عنقها بخلاد بن سويد . قال : وكان علي بن أبى طالب ~~والزبير بن العوام رضى الله عنهما يضربان أعناق بنى قريظة ، ورسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) جالس هناك . وروى محمد بن إسحاق عن الزهري أن الزبير ~~بن باطا القرظي ، وكان يكنى أبا عبد الرحمن - وكان قد من على ثابت بن قيس ~~بن شماس في الجاهلية يوم بعاث أخذه فجز ناصيته ثم خلى سبيله - فجاءه ثابت ~~يوم قريظة ، وهو شيخ كبير فقال : يا أبا عبد الرحمن ، هل تعرفني ؟ فقال : ~~وهل يجهل مثلي مثلك ؛ قال : إني قد آن أن أجزيك PageV17P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" بيدك عندي ؛ قال : إن الكريم يجزي الكريم ؛ ~~ثم أتى ثابت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا رسول الله ، قد ~~كانت الزبير ms3586 عندي يد ، وله علي منة ، وقد أحببت أن أجزيه بها ، فهب لي دمه ~~؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : هو لك ؛ فأتاه فقال : إن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد وهب لي دمك ؛ قال : شيخ كبير لا أهل له ولا ~~ولد ، فما يصنع بالحياة ؟ فأتى ثابت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال ~~: يا رسول الله ، أهله وولده ؛ هم لك . فأتاه فقال : إن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قد أعطاني امرأتك وولدك ، فهم لك ؛ قال : أهل بيت بالحجاز ~~لا مال لهم ، فما بقاؤهم على ذلك ؟ فأتى ثابت رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فقال : يا رسول الله ، فقال : هو لك ؛ فأتاه فقال : إن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قد أعطاني مالك فهو لك ؛ قال : أي ثابت ، ما فعل الذي ~~كأن وجهه مرآة صينية يتراءى فيه عذارى الحي ، كعب بن أسد ؟ قال : قتل ؛ قال ~~: فما فعل سيد الحاضر والبادى حي بن أخطب ؟ قال : قتل ؛ قال : فما فعل ~~مقدمتنا إذا شددنا ، وحاميتنا إذا كررنا ، عزال بن سموءل ؟ قال : قتل ؛ قال ~~: فما فعل المجلسان ؟ يعنى بنى كعب بن قريظة ، وبني عمرو بن قريظة ؛ قال : ~~ذهبوا وقتلوا ؛ قال : فإني أسألك بيدي عندك يا ثابت إلا ألحقتني بالقوم ، ~~فو الله ما في العيش بعد هؤلاء من خير ، وما أنا بصابر لله قبلة دلو ناضح ~~حتى ألقى الأحبة . فقدمه ثابت فضرب عنقه . فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله ~~ألقى الأحبة قال : يلقاهم والله في نار جهنم خالدا فيها مخلدا أبدا . وفي ~~هذه الواقعة يقول ثابت بن قيس : وفت ذمتى أني كريم وأنني . . . صبور إذا ما ~~القوم حادوا عن الصبر وكان زبير أعظم الناس منة . . . علي فلما شد كوعاه ~~بالأسر أتيت رسول الله كيما أفكه . . . وكان رسول الله بحرا لنا يجري قالوا ~~: وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد أمر بقتل من أنبت منهم ؛ ~~فسألته سلمى بنت قيس بن المنذر أخت سليط بن قيس - وكانت إحدى خالات رسول ~~الله ( صلى الله عليه ms3587 وسلم ) ، وكانت قد صلت معه القبيلتين ، وبايعته بيعة ~~النساء على رفاعة بن سموءل القرظى ، وكان رجلا قد بلغ ، فلاذ بها ، وكان ~~يعرفها ، فقالت : يا نبى الله ، بأبى أنت وأمي ، هب لي رفاعة بن ~~PageV17P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" سموءل ، فإنه قد زعم أنه سيصلي ويأكل لحم ~~الجمل . فوهبه لها ، فاستحيته . قال : ثم أمر رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بالغنائم فجمعت ، فآصطفى لنفسه ريحانة بنت عمرو بن خنافة إحدى نساء ~~عمرو بن قريظة ، ثم أخرج الخمس من المتاع والسبى ، ثم أمر بالباقي فبيع ~~فيمن يزيد وقسمه بين المسلمين ، وكانت السهمان على ثلاثة آلاف واثنين ~~وسبعين سهما ، للفرس سهمان ، ولصاحبه سهم ، وصار الخمس إلى محمية بن جزء ~~الزبيدي ، فكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يعتق منه ، ويهب ، ويخدم ~~منه من أراد ، وكذلك صنع بما صار إليه من الرثة ، وهي السقط من متاع البيت ~~. وقال محمد بن إسحاق : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سعد بن زيد ~~الأنصاري أحد بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد ، فآبتاع ~~له بهم خيلا وسلاحا . وآستشهد يوم بني قريظة من المسلمين : خلاد بن سويد بن ~~ثعلبة بن عمرو الأنصاري الخزرحي ، طرحت عليه رحى فشدخته شدخا شديدا ، ومات ~~أبو سنان ابن محصن بن حرثان ، أخو بني أسد بن خزيمة . وأنزل الله عز وجل في ~~شأن بنى قريظة قوله تعالى : " وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من ~~صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم ~~وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شئ قديرا " قال : قوله : ~~الذين ظاهروهم يعنى قريظة ظاهروا قريشا وغطفان من صياصيهم أي حصونهم ~~ومعاقلهم ، واحدتها صيصة وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وهم الرجال ~~وتأسرون فريقا وهم النساء والذرارى وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا ~~لم تطؤها قال يزيد بن رومان وابن زيد ومقاتل : يعنى خيبر . وقال قتادة : ~~كنا نحدث أنها مكة . وقال الحسن : فارس والروم . وقال عكرمة : كل أرض تفتح ~~إلى يوم القيامة . والله تعالى أعلم ms3588 . ذكر سرية عبد الملك بن عتيك إلى أبى ~~رافع سلام ابن أبى الحقيق النضرى بخيبر قال محمد بن سعد في طبقاته : كانت ~~في شهر رمضان سنة ست من مهاجر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~PageV17P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" وقال ابن إسحاق : كانت هذه السرية بعد غزوة ~~بني قريظة . فتكون في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة ، وهو الصحيح إن شاء الله ~~، ويدل عليه أن محمد بن سعد لما ذكر عبد الله بن عتيك في الطبقات قال في ~~ترجمته : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعثه في ذي الحجة سنة خمس ~~إلى أبى رافع سلام بن أبى الحقيق بخيبر قال محمد بن إسحاق : لما أصابت ~~الأوس كعب بن الأشرف قالت الخزرج : والله لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا . ~~فتذا كروا : من رجل لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في العداوة كابن ~~الأشرف ؟ فذ كروا ابن أبى الحقيق ، فاستأذنوا رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في قتله ، فأذن لهم ، فخرج إليه من الخزرج خمسة نفر ، وهم : عبد ~~الله آبن عتيك ، ومسعود بن سنان ، وعبد الله بن أنيس ، وأبو قتادة الحارث ~~بن ربعى ، وخزاعى بن أسود ، حليف لهم من أسلم . قالوا : وكان أبو رافع بن ~~أبى الحقيق قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب ، وجعل لهم العظيم ~~لحرب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأمر رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) عليهم عبد الله بن عتيك ، ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة ، فخرجوا ~~حتى قدموا خيبر فكمنوا ، فلما هدأت الرجل جاءوا إلى منزله فصعدوا درجة له ، ~~وقدموا عبد الله بن عتيك لأنه كان يرطن باليهودية ، فاستفتح وقال : جئت أبا ~~رافع بهدية . ففتحت له امرأته ، فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح ، فأشار ~~إليها بالسيف فسكتت ، فدخلوا عليه فعلوه بأسيافهم ، قال ابن أنيس : وكنت ~~رجلا أعشى لا أبصر ، فاتكأت بسيفي على بطنه حتى سمعت خشه في الفراش ، وعرفت ~~أنه قد قضى ، وجعل القوم ضربونه جميعا ، ثم نزلوا وصاحت امرأته ، فتصايح ~~أهل الدار ms3589 . قال ابن إسحاق : وكان عبد الله بن عتيك سئ البصر ، فوقع من ~~الدرجة فوثئت يده وثئا شديدا ، قال ابن هشام : ويقال : رجله ؛ قالوا : ~~فحملناه حتى أتينا منهرا من عيونهم - والمناهر ؛ واحدتها منهرة ، وهو فضاء ~~يكون بين أفنية القوم يلقون فيها كناستهم - فدخلنا فيه . قال محمد بن سعد : ~~وخرج الحارث أبو زينب في ثلاثة آلاف في آثارهم يطلبونهم بالنيران ، فلم ~~يروهم ، فرجعوا ، ومكث القوم في مكانهم يرمين حتى سكن الطلب . قال ابن ~~إسحاق : فقلنا : فكيف لنا أن نعلم بأن عدو الله قد مات ؟ فقال رجل منا : ~~أنا أذهب فأنظر لكم . فانطلق حتى دخل في الناس ، فوجده ورجال من يهود ~~PageV17P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" حوله ، وامرأته في يدها مصباح تنظر في وجهه ~~وتحدثهم وتقول : أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك ، ثم أكذبت نفسي وقلت : ~~ابن عتيك بهذه البلاد ثم أقبلت تنظر في وجهه وتقول : فاظ وإله يهود . قال : ~~فما سمعت كلمة كانت ألذ في نفسي منها ؛ وجاء فأخبرهم بالخبر ، قالوا : ~~فاحتملنا صاحبنا ، وقدمنا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأخبرناه ~~بقتل عدو الله ، واختلفنا عنده في قتله ، كلنا يدعيه ، فقال : هاتوا ~~أسيافكم . فجئناه بها ، فنظر إليها ، فقال لسيف عبد الله ابن أنيس : هذا ~~أنيس : هذا قتله ، أرى فيه أثر الطعام . قال الشيخ شرف الدين عبد المؤمن بن ~~خلف الدمياطي رحمه الله في سيرته : وفي حديث آخر أن الذي قتله عبد الله بن ~~عتيك وحده ، قال : وهو الصواب . والله أعلم . وقال حسان بن ثابت الأنصاري ~~في سلام بن أبى الحقيق الأشرف : لله در عصابة لاقيتهم . . . يابن الحقيق ~~وأنت يابن الأشرف يسرون بالبيض الخفاف إليكم . . . مرحا كأسد في عرين مغرف ~~حتى أتوكم في محل دياركم . . . فسقوكم حتفا ببيض ذفف مستنصرين لنصر دين ~~نبيهم . . . مستصغرين لكل أمر مجحف ذكر سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء ، ~~وهم بنو قرط وقريط من بني كلاب بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعشر ~~خلون من المحرم ، على رأس تسعة وخمسين شهرا من مهاجره في ثلاثين راكبا إلى ms3590 ~~القرطاء ، وهم ينزلون بناحية ضرية وبين ضرية والمدينة سبع ليال ، فقتل نفرا ~~منهم ، وهرب سائرهم ، واستاق نعما وشاء ، ولم يعرض للظعن ، PageV17P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" وانحدر إلى المدينة ، فخمس رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ما جاء به ، وفض ما بقى على أصحابه ، فعدلوا الجزور ~~بعشرين من الغنم ، وكانت النعم مائة وخمسين بعيرا ، والغنم ثلاثة آلاف شاة ~~. وغاب سبع عشرة ليلة ، وقدم لليلة بقيت من المحرم . ذكر غزوة بنى لحيان ~~بناحية عسفان غزاها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شهر ربيع الأول ~~سنة ست من مهاجره على ما أورده محمد بن سعد . وقال محمد بن إسحاق : في ~~جمادى الأولى سنة ست . وذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وجد على ~~عاصم بن ثابت وأصحابه أصحاب الرجيع - وجدا شديدا ، فأظهر أنه يريد الشام . ~~قال ابن سعد : وعسكر لغرة هلال شهر ربيع الأول في مائتي رجل ، معهم عشرون ~~فرسا ، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ، ثم أسرع المسير حتى ~~انتهى إلى بطن غران ، وبينها وبين عسفان خمسة أميال ، حيث كان مصاب أصحابه ~~، فترحم عليهم ودعا لهم ، فسمعت بهم بنو لحيان ، فهربوا في رءوس الجبال فلم ~~يقدر منهم على أحد ، فأقام يوما أو يومين ، فبعث السرايا في كل ناحية ، فلم ~~يقدروا على أحد ، ثم خرج حتى أتى عسفان ، ثم انصرف ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إلى المدينة ، وهو يقول : " آيبون تائبون عابدون ، لربنا حامدون ، أعوذ ~~بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال . " وغاب ~~عن المدينة أربع عشرة ليلة . ذكر غزوة الغابة وهي غزوة ذي قرد وهي على بريد ~~من المدينة في طريق الشام غزاها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شهر ~~ربيع الأول سنة ست من مهاجره . قالوا : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) في شهر ربيع الأول سنة ست من أبو ذر فيها ، فأغار عيينة بن حصن ليلة ~~الأربعاء في أربعين فارسا فآستاقوها وقتلوا ابن أبى ذر . وقال محمد بن ~~إسحاق : وكان فيهم رجل ms3591 من غفار وامرأة له ، فقتلوا الرجل PageV17P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" وحملوا المرأة في اللقاح . وجاء الصريخ ، ~~فنودى : الفزع الفزع فنودى : ياخيل الله اركبي وكان أول مانودى بها ؛ وركب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فخرج غداة الأربعاء ، فكان أول من أقدم ~~المقداد بن عمرو ، وعليه الدرع والمغفرة شاهرا سيفه ، فعقد له رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) لواء في رمحه ، وقال : امض حتى تلحقك الخيول ، وأنا ~~على أثرك . واستخلف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على المدينة عبد الله ~~بن أم مكتوم ، وخلف سعد بن عبادة في ثلثمائة من قومه يحرسون المدينة . قال ~~المقداد : فخرجت فأدركت أخريات العدو ، وقد قتل أبو قتادة الحارث بن ربعى ~~حبيب بن عيينة بن حصن ، وغشاه برده ، فلما أقبل رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) والناس ، فرأوا حبيبا مسجى ببرد أبى قتادة فاسترجع الناس ، وقالوا : ~~قتل أبو قتادة ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ليس بأبى قتادة ، ~~ولكنه قتيل لأبى قتادة وضع عليه برده ، لتعرفوا أنه صاحبه . وقال ابن سعد : ~~إن الذي قتل حبيبا هو المقداد بن عمرو ، قتله وقتل قرفة بن مالك بن حذيقة ~~بن بدر ؛ وإن أبا قتادة مسعدة ، فأعطاه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فرسه وسلاحه ، وأدرك عكاشة بن محصن أو بارا وابنه عمرو بن أو بار ، وهما ~~على بعير واحد فقتلهما . واستشهد من المسلمين يومئذ محرز بن نضلة ، قتله ~~مسعدة ، وأدرك سلمة بن الأكوع القوم وهو على رجليه ، فجعل يراميهم بالنبل ~~ويقول : خذها وآنا ابن الأكوع . . . واليوم يوم الرضع حتى انتهى إلى ذي قرد ~~- وهي ناحية خيبر مما يلي المستناخ - قال سلمة : فلحقنا رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) والناس والخيول عشاء ، يا رسول الله ، إن القوم عطاش ، ~~فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما في أيديهم من السرح ، وأخذت بأعناق ~~القوم . فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " ملكت فأسجح " ؛ ثم قال : " ~~إنهم الآن ليقرون في غطفان . " وذهب الصريخ إلى بني عمرو بن عوف ، فجاءت ~~الأمداد فلم تزل الخيل تأتى ms3592 والرجال PageV17P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بذي قرد ، فاستنفذوا عشر لقاح ، وأفلت القوم ~~بما بقى ، وهي عشرة ، وصلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بذي قرد صلاة ~~الخوف ، وأقام يوما وليلة يتحسس الخبر ، وقسم في كل مائة من أصحابه جزورا ~~ينحرونها ، وكانوا خمسمائة ، وقيل : سبعمائة . ذكر سرية عكاشة بن محصن إلى ~~الغمر غمر مرزوق ، وهو ماء لبني أسد على ليلتين من فيد قالوا : بعث رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) عكاشة بن محصن إلى الغمر في أربعين رجلا ، ~~فخرج سريعا ، فنذر به القوم فهربوا ، فنزلوا عليا بلادهم ، ووجدوا دارهم ~~خلوفا ، فبعث عكاشة شجاع بن وهب طليعة ، فرأى أثر النعم ، فتحملوا فأصابوا ~~ربيئة لهم ، فأمنوه ، فدلهم على نعم لبنى عم له ، فأغاروا عليها فاستاقوا ~~مائتي بعير ، وأرسلوا الرجل ، وحدروا النعم إلى المدينة ، وقدموا على رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يلقوا كيدا . ذكر سرية محمد بن مسلمة إلى ~~بني ثعلبة بذي القصة قالوا : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) محمد بن ~~مسلمة إلى بني ثعلبة ، وهم بذي القصة في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجره ، ~~وبين ذي القصة وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا ، طريق الربذة ، بعثه في ~~عشرة نفر فوردوا عليهم ليلا فأحدق به القوم وهم مائة رجل ، فتراموا ساعة من ~~الليل ، ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح فقتلوهم ، ووقع محمد بن مسلمة جريحا ~~، يضرب كعبه فلا يتحرك ، وجردوهم من الثياب ، ومر رجل من المسلمين بمحمد بن ~~مسلمة فحمله حتى ورد به المدينة ، فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا إلى مصارع القوم فلم يجدوا أحدا ، ~~ووجدوا نعما وشاء ، فساقه ورجع . PageV17P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" ذكر سرية أبى عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة ~~بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجره ~~في أربعين رجلا من المسلمين ، وسبب ذلك أن بلاد بني ثعلبة وأنمار أجدبت ms3593 ، ~~ووقعت سحابة بالمراض على ستة وثلاثين ميلا من المدينة ، فسارت بنو محارب ~~وثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة ، واجتمعوا أن يغيرا على سرح المدينة وهو ~~يرعى بهيفا - موضع على سبعة أميال من المدينة - فبعث رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أبا عبيدة ومن معه حين صلوا المغرب ، فمشوا ليلتهم حتى وافوا ~~ذا القصة مع عماية الصبح - وهي موضع في طريق العراق - فأغاروا عليهم ~~فأعجزوهم هربا في الجبال ، وأصاب رجلا واحدا فأسلم فتركه ، وأخذ نعما من ~~نعمهم فاستاقه ورثة من متاعهم . وقدم المدينة بذلك ، فخمسه رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وقسم ما بقى عليهم . ذكر سرية زيد بن حارثة إلى بني ~~سليم بالجموم قالوا : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) زيد بن حارثة ~~في شهر ربيع الآخر سنة ست من الهجرة إلى بني سليم ، فسار هو ومن معه حتى ~~ورد الجموم - ناحية بطن نخل عن يسارها ، وبطن نخل من المدينة على أربعة برد ~~- فأصابوا عليه امرأة من مزينة يقال لها : حليمة ؛ فدلتهم على محلة من محال ~~بني سليم ، فأصابوا فيها نعما وشاء وأسرى ، فكان فيهم زوج حليمة المزنية ، ~~فلما قفل زيد بن حارثة بما أصاب وهب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~للمزينة نفسها وزوجها ، فقال بلال ابن الحارث المزنى في ذلك : لعمرك ما ~~أخنى المسول ولا ونت حليمة حتى راح ركبهما معا ذكر سرية زيد بن حارثة إلى ~~العيص لعير قريش بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) زيد بن حارثة في ~~جمادى الأولى سنة ست من مهاجره في سبعين ومائة PageV17P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" راكب إلى العيص - وبينها وبين المدينة أربع ~~ليال ، وبينها وبين ذي المروة ليلة - وذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بلغه أن عيرا لقريش قد أقبلت من الشام ، فبعثه ومن معه ليتعرض لها ، ~~فأخذوها وما فيها ، وأخذ يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية ، وأسروا ناسا ممن ~~كان في العير ، منهم أبو العاص بن الربيع ، وقدم بهم المدينة ، فاستجار أبو ~~العاص بزينب بنت رسول الله ms3594 ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأجارته ، ونادت في ~~الناس حين صلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الفجر : إني قد أجرت أبا ~~العاص . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ما علمت بشئ من هذا قد ~~أجرنا من أجرت . ورد عليه ما أخذ له لكا تقدم . ذكر سرية زيد بن حارثة إلى ~~الطرف إلى بني ثعلبة بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) زيد بن حارثة في ~~جمادى الآخرة سنة ست من مهاجره إلى الطرف - وهو ماء قريب من المراض ، دون ~~النخيل ، على ستة وثلاثين ميلا من المدينة ، طريق البقرة على المحجة - فخرج ~~إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا فأصاب نعما وشاء ، وهربت الأعراب ، وصبح ~~زيد بالنعم المدينة ، وهي عشرون بعيرا ، ولم يلق كيدا ، وغاب أربع ليال ، ~~شعارهم أمت أمت . ذكر سرية زيد بن حارثة إلى حسمى وهي وراء وادى القرى . ~~قالوا : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) زيد بن حارثة إلى حسمى في ~~جمادى الآخرة أيضا ، وذلك أن دحية بن خليفة الكلبى أقبل من عند قيصر صاحب ~~الروم حين بعثه إليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بكتابه ، وقد أجازه ~~وكساه ، ودحية تجارة له ، حتى إذا كان بواد يقال له : شنار أو شنان ؛ أغار ~~عليه الهنيد بن عارض ، وقيل : ابن عوص ؛ وآبنه عارض بن الهنيد ، وقيل : عوص ~~ابن الهنيد ؛ الضلعيان في ناس من جذام بحسمى ، فقطعوا عليه الطريق وأخذوا ~~ما معه ، فلم يتركوا عليه إلا سمل ثوب ، فسمع بذلك نفر من بنى الضبيب - رهط ~~رفاعة بن زيد ممن كان أسلم وأجاب - فنفروا إلى الهنيد وابنه ، وفيهم من بنى ~~الضبيب النعمان بن أبى جعال حتى لقوهم فاقتتلوا ، وانتمى يومئذ قرة بن أشقر ~~الضفارى ثم الضلعى ، فقال : أنا ابن لبنى ؛ ورمى النعمان بسهم فأصاب ركبته ~~، وقال : PageV17P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" خذها وأنا ابن لبنى ؛ ولبنى أمه ، ثم ~~استنفذوا لدحية متاعه ، وقدم دحية على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فأخبره بذلك ، فبعث زيد بن حارثة في خمسمائة رجل ورد معه دحية ms3595 ، فكان زيد ~~يسير الليل ويكمن النهار ومعه دليل من بنى عذرة ، فأقبل بهم حتى هجم بهم مع ~~الصبح على القوم ، فأغاروا عليهم ، فقتلوا فيهم فأوجعوا ، وقتلوا الهنيد ~~وابنه ، وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم ونسائهم ، فأخذوا ألف بعير وخمسة آلاف ~~شاة ومن النساء والصبيان مائة ، فرحل رفاعة بن زيد الجذامى في نفر من قومه ~~إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فدفع إليه كتابه الذي كان له كتب ~~له ولقومه ليالي قدم عليه فأسلم ، وقال : يا رسول الله ، لا تحرم علينا ~~حلالا ولا تحل لنا حراما . فقال : كيف أصنع بالقتلى ؟ فقال أبو يزيد بن ~~عمرو : يا رسول الله ، أطلق لنا من كان حيا ، ومن قتل فهو تحت قدمي هاتين . ~~فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : صدق أبو يزيد ؛ فبعث معهم عليا ~~إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلى بينهم وبين حرمهم وأموالهم ، فتوجه علي رضى ~~الله عنه ، فلقى رافع بن مكيث الجهني بشير زيد بن حارثة على ناقة من إبل ~~القوم ، فردها علي عليهم ، ولقى زيدا بالفحلتين - وهي بين المدينة وذي ~~المروة - فأبلغه أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فرد عليهم كل ما ~~كان أخذ منهم . ذكر سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى قال محمد بن سعد في ~~طبقاته الكبرى : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) زيد ابن حارثة إلى ~~وادي القرى أميرا في شهر رجب سنة ست من الهجرة . ولم يذكر غير ذلك . ذكر ~~سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل قال محمد بن سعد رحمه الله : دعا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه في شعبان ~~سنة ست من مهاجره ، فأقعده بين يديه وعممه بيده وقال : اغز بسم ~~PageV17P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" الله ، وقاتل في سبيل الله ، فقاتل من كفر ~~بالله ، لا تغل ولا تغدر ، ولا تقتل وليدا . وبعثه إلى كلب بدومة الجندل ، ~~وقال : إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم . فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة ~~الجندل ، فمكث ثلاثة أيام ms3596 يدعوهم إلى الإسلام ، فأسلم الأصبغ بن عمرو ~~الكلبى ، وكان نصرانيا وهو رأسهم ، وأسلم معه ناس كثير من قومه ، وأقام من ~~أقام منهم على إعطاء الجزية ، وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ وقدم بها ~~المدينة ، وهي أم أبى سلمة بن عبد الرحمن . ذكر سرية علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه إلى بني سعد بن بكر بفدك قالوا : بعث رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) علي بن أبى طالب رضى الله عنه في شعبان سنة ست من الهجرة إلى بني ~~سعد بن بكر بفدك في مائة رجل ، وذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بلغه أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر ، فسار علي رضى الله عنه بمن ~~معه ، فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى انتهى إلى الهمج - وهو ماء بين ~~خيبر وفدك والمدينة ست ليال - فوجدوا به رجلا فسألوه عن القوم فقال : ~~أخبركم على أن تؤمنونى ؟ فأمنوه فدلهم ، فأغاروا عليهم فأخذوا خمسمائة بعير ~~وألفي شاة ، وهربت بنو سعد بالظعن ورأسهم وبر بن عليم ، فعزل علي رضى الله ~~عنه صفى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : لقوحا تدعى الحفدة ، ثم عزل ~~الخمس وقسم الغنائم على أصحابه ، وقدم المدينة ولم يلق كيدا . ذكر سرية زيد ~~بن حارثة إلى وادي القرى وقتل أم قرفة كانت هذه السرية في شهر رمضان سنة ست ~~من مهاجر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وذلك أن زيد بن الحارثة خرج ~~في تجارة إلى الشام ، ومعه بضائع لأصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، فلما كان دون وادى القرى لقيه ناس من فزارة من بنى بدر ، فضربوه وضربوا ~~أصحابه وأخذوا ما كان معهم ، ثم استبل زيد بن حارثة ، وقدم على النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فبعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إليهم . حكاه ~~محمد في طبقاته . PageV17P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" وقال محمد بن إسحاق : إن الذي أصاب زيد بن ~~حارثة كان عند غزوة وادي القرى ، فإنه أصيب بها ناس من أصحابه ، وارتث زيد ~~من بين القتلى ms3597 ، ولعل هذه السرية هي التي كانت في شهر رجب من السنة . قال ~~ابن سعد : فخرج زيد بن حارثة بمن معه فكمنوا النهار وساروا الليل ، ونذرت ~~بهم بنو بدر ، ثم صبحهم زيد وأصحابه وكبروا وأحاطوا بالحاضر ، وأخذوا أم ~~قرفة ، وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر ، وابنتها جارية بنت مالك بن حذيفة ابن ~~بدر ، فكان الذي أخذ الجارية سلمة بن الأكوع ، فوهبها لرسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فوهبها ( صلى الله عليه وسلم ) لحزن بن أبى وهب ، قال : ~~وعمد قيس ابن المحسر إلى أم قرفة ، وهي عجوز كبيرة ، فربط بين رجليها حبلا ~~، ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما فذهبا فقطعاها ، وقتل النعمان وعبد الله ~~ابنا مسعدة بن حكمة بن مالك ابن بدر ، وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك ، ~~فقرع باب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقام إليه عريانا يجر ثوبه حتى ~~اعتنقه وقبله ، وسأله فأخبره بما ظفره الله به . ذكر سرية عبد الله بن ~~رواحة إلى أسير بن رزام اليهودي بخيبر كانت هذه السرية في شوال سنة ست من ~~مهاجر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وذلك أنه لما قتل أبو رافع سلام ~~بن أبى الحقيق كما ذكرنا أمرت يهود عليها أسير بن رزام ، فسار في غطفان ~~وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فوجه عبد الله بن ~~رواحة في ثلاثة نفر من المسلمين في شهر رمضان سرا سأل عن خبره وغرته ، ~~فأخبر بذلك ، فقدم على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبره بذلك ، ~~فندب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الناس ، فانتدب له ثلاثون رجلا ، ~~فبعث عليهم عبد الله بن رواحة فقدموا على أسير فقالوا له : نحن آمنون حتى ~~نعرض عليك ما جئنا له ؛ قال : نعم ، ولي منكم مثل ذلك ؛ قالوا : نعم ؛ ~~فقالوا له : إن رسول PageV17P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعثنا إليك ~~لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك . فطمع أسير في ذلك ، فخرج وخرج ~~معه ثلاثون رجلا من اليهود ، مع كل رجل رديف ms3598 من المسلمين ، حتى إذا كانوا ~~بقرقرة ثبار ندم أسير ، قال عبد الله ابن أنيس - وكان في السرية : فأهوى ~~بيده إلى سيفي ، ففطنت له ودفعت بعيرى فقلت : غدرا أي عدو الله فعل ذلك ~~مرتين ، فنزلت فسبقت القوم حتى انفردت إلى أسير فضربته بالسيف ، فأندرت ~~عامة فخذه وساقه ، وسقط عن بعيره وبيده محرش من شوحط ، فضربنى به فشجنى ~~مأمومة ، وملنا على أصحابه فقتلناهم كلهم غير رجل واحد أعجزنا شدا ، ولم ~~يصب من المسلمين أحد ، ثم أقبلنا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فحدثناه الحديث ، فقال : قد نجاكم الله من القوم الظالمين . وتفل ( صلى ~~الله عليه وسلم ) على شجة عبد الله بن أنيس فلم تقح ولم تؤذه . ذكر سرية ~~كرز بن جابر الفهرى إلى العرنيين كانت هذه السرية في شوال سنة ست من مهاجر ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قالوا : قدم نفر من عرينة ثمانية على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأسلموا واستوبؤا المدينة ، فأمر بهم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى لقاحه ، وكانت ترعى بذي الجدر - ~~ناحية قباء قريبا من عير ، على ستة أميال من المدينة - فكانوا فيها حتى ~~صحوا وسمنوا ، فعدوا على اللقاح فاستاقوها ، فأدركهم يسار مولى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ومعه نفر ، فقاتلهم ، فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك ~~في لسانه وعينيه حتى مات ، فبلغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الخبر ، ~~فبعث في أثرهم عشرين فارسا ، PageV17P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهرى ، فأدركوهم ~~فأحاطوا بهم وأسروهم وربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة ، ~~وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالغابة ، فخرجوا بهم نحوه ، فلقوه ~~بالزغابة بمجتمع السيول ، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم ، وسملت أعينهم ، ~~وصلبوا هنالك . وأنزل الله تعالى على رسوله : " إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو يقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض . " فلم يسمل بعد ذلك عينا ، وكانت ~~اللقاح خمس عشرة لقحة غزارا فردوها إلى المدينة ms3599 ، ففقد منها لقحة تدعى ~~الحناء ، فسأل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عنها ، فقيل : نحروها . ~~ذكر سرية عمرو بن أمية الضمرى وسلمة بن أسلم إلى أبى سفيان بن حرب بمكة قال ~~محمد بن سعد في طبقاته : وذلك أن أبا سفيان بن حرب قال لنفر من قريش : ألا ~~أحد يغتر محمدا في الأسواق ؟ فأتاه رجل من الأعراب فقال : قد وجدت أجمع ~~الرجال قلبا ، وأشده بطشا ، وأسرعه شدا ، فإن أنت قويتني خرجت إليه حتى ~~أغتاله ، ومعي خنجر مثل خافية النسر ؛ قال : أنت صاحبنا ؛ فأعطاه بعيرا ~~ونفقة ، وقال : اطو أمرك ؛ فخرج ليلا فسار على راحلته خمسا وصبح ظهر الحرة ~~صبح سادسة ، ثم أقبل فسأل عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى دل عليه ~~، فعقل راحلته ، ثم أقبل إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو في مسجد ~~بنى عبد الأشهل ، فلما رآه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " إن ~~هذا ليريد غدرا . " فذهب ليجنى على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فجذبه أسيد بن الحضير بداخله إزاره ، فإذا بالخنجر ، فسقط في يده ، وقال : ~~دمى دمى وأخذ أسيد بلبته فدعته ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " اصدقني ، ما أنت ؟ " قال : وأنا آمن ؟ قال : نعم ؛ فأخبره بخبره ، فخلى ~~عنه ( صلى الله عليه وسلم ) . وبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عمرو ~~بن أمية الضمرى ، وسلمة بن أسلم ابن أبى PageV17P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" خريس إلى أبى سفيان بن حرب ، وقال : إن ~~أصبتما منه غرة فاقتلاه ؛ فدخلا مكة ، ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلا ~~، فرآه معاوية بن أبى سفيان فعرفه ، وأخبر قريشا بمكانه ، فخافوه وطلبوه ، ~~وكان فاتكا في الجاهلية ، وقالوا : لم يأت عمرو لخير ؛ فحشد له أهل مكة ~~وتجمعوا ، فهرب عمرو وسلمة ، فلقى عمرو عبيد الله ابن مالك بن عبد الله ~~التميمي فقتله وقتل آخر من بنى الديل ، سمعه يتغنى ويقول : ولست بمسلم ما ~~دمت حيا . . . ولست أدين دين المسلمينا ولقى رسولين لقريش بعثتهما يتحسسان ~~الخبر ، فقتل أحدهما وأسر الآخر فقدم به ms3600 المدينة فجعل يخبر رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، ورسول الله يضحك هكذا حكى محمد بن سعد . وقال أبو محمد ~~عبد الملك بن هشام رحمه الله : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعث ~~عمرو بن أمية الضمرى ، ومعه جبار بن صخر الأنصاري ، وذلك بعد مقتل خبيب بن ~~عدى وأصحابه ، قال : فخرجا حتى قدما مكة ، وحبسا جمليهما بشعب من شعاب يأجج ~~، ثم دخلا مكة ليلا ، فقال جبار بن صخر لعمرو : لو أنا طفنا بالبيت وصلينا ~~ركعتين ؛ قال عمرو : فطفنا وصلينا ، ثم خرجنا نريد أبا سفيان ، فو الله إنا ~~لنمشي بمكة إذ نظر إلى رجل فعرفنى ، فقال : عمرو بن أمية ، والله إن قدمها ~~إلا لشر ؛ فقلت لصاحبى : النجاء ؛ فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في جبل ، وخرجوا ~~في طلبنا ، حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا ، فدخلنا كهفا في الجبل فبتنا ، ~~وقد رضمنا دوننا حجارة ، فلما أصبحنا غدا رجل من قريش يقود فرسا له ، ~~فغشينا ونحن في الغار ، فقلت : إن رآنا صاح بنا فتؤخذ فنقتل ؛ قال : فخرجت ~~إليه فضربته على ثدييه بخنجر كنت قد أعددته لأبى سفيان ، فصاح صيحة أسمع ~~أهل مكة ، ورجعت فدخلت مكانى ، وجاءه الناس يشتدون وهو بآخر رمق ، فقالوا : ~~من ضربك ؟ قال : عمرو بن أمية . ومات لوقته ، ولم يدل علينا ، فاحتملوه ، ~~فقلت لصاحبي لما أمسينا : النجاء ؛ فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة ، ~~PageV17P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب ، فقال ~~أحدهم : والله ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية ، لولا أنه ~~بالمدينة لقلت هو عمرو ؛ قال : فلما حاذى عمرو الخشبة شد عليها واحتملها ، ~~خرجا شدا ، وخرجوا وراءه ، حتى أتى جرفا بمهبط مسيل يأجج ، فرمى بالخشبة في ~~الجرف ، فغيبه الله عنهم ، فلم يقدروا عليه . قال عمرو : وقلت لصاحبي : ~~النجاء ، حتى تأتي بعيرك فتقعد عليه ، فإني سأشعل عنك القوم ؛ قال : ومضيت ~~حتى خرجت على ضجنان ، ثم أويت إلى جبل فدخلت كهفا ، فبينا أنا فيه إذ دخل ~~على شيخ من بنى الديل أعور ، في غنيمة له ؛ فقال : من الرجل ؟ قلت : من ms3601 بنى ~~بكر ، فمن أنت ؟ قال : من بنى بكر ؛ فقلت : مرحبا ؛ فاضطجع ، ثم رفع عقيرته ~~فقال : ولست بمسلم ما دمت حيا . . . ولست أدين دين المسلمينا فقلت في نفسي ~~: ستعلم ؛ فأمهلته حتى إذا نام أخذت قوسي فجعلت سيتها في عينه الصحيحة ، ثم ~~تحاملت عليها حتى بلغت العظم ، ثم خرجت حتى جئت العرج ، ثم سلكت ركوبة ، ~~حتى إذا هبطت النقيع إذا رجلان من قريش من المشركين ، كانت قريش بعثتهما ~~عينا إلى المدينة يتحسسان ؛ فقلت : استأسرا ؛ فأبيا ، فرميت أحدهما بسهم ~~فقتلته ، ثم استأسر الآخر فأوثقه رباطا ، وقدمت به المدينة . ولم يذكر أحد ~~منهما تاريخ هذه السرية ، في أي شهر كانت ، فأذكره . ذكر غزوة الحديبية وما ~~وقع فيها من بيعة الرضوان ومهادنة قريش وغير ذلك كانت غزوة الحديبية في ذي ~~الحجة سنة ست من مهاجر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . قال محمد بن سعد ~~: استنفر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه إلى العمرة ، فأسرعوا ~~وتهيئوا ، ولبس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثوبين ، وركب راحلته ~~القصواء وخرج ، وذلك يوم PageV17P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" الإثنين لهلال ذي القعدة ، واستخلف على ~~المدينة عبد الله بن أم مكتوم . وقال ابن إسحاق : استعمل على المدينة نميلة ~~بن عبد الله الليثي . قال ابن سعد : ولم يخرج رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) معه بسلاح إلا سلاح المسافر ، السيوف في القرب ، وساق بدنا وساق ~~أصحابه بدنا ، فصلى الظهر بذي الحليفة : ثم دعا بالبدن التي ساق فجللت ، ثم ~~أشعرها في الشق الأيمن وقلدها ، وأشعر أصحابه أيضا ، وهي موجهات إلى القبلة ~~، وهي سبعون بدنة ، فيها جمل أبى جهل الذي غنمه رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يوم بدر ، وأحرم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولبى ، وقدم عباد ~~بن بشر أمامه طليعة في عشرين فارسا من خيل المسلمين ، وفيهم رجال من ~~المهاجرين والأنصار ، وخرج معه ( صلى الله عليه وسلم ) من المسلمين ألف ~~وأربعمائة على الصحيح ، وقيل : ألف وستمائة ؛ ويقال : ألف وخمسمائة وخمسة ~~وعشرون رجلا ؛ وأخرج معه من أزواجه أم سلمة رضى الله ms3602 عنها ، وبلغ المشركين ~~خروجه ، فأجمع رأيهم على صده عن المسجد الحرام ، وعسكروا ببلدح وقدموا ~~مائتي فارس إلى كراع الغميم ، عليهم خالد بن الوليد ، ويقال : عكرمة ابن ~~أبى جهل . قال محمد بن إسحاق : قال الزهرى : لما كان رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبى - قال ابن هشام : ويقال : بسر ~~- فقال : يا رسول الله ، هذه قريش قد سمعت بمسيرك ، فخرجوا معهم العوذ ~~المطافيل ، قد لبسوا جلود النمور ، وقد نزلوا بذي طوى ، يعاهدون الله ألا ~~ندخلها عليهم أبدا ، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع ~~الغميم . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يا ويح قريش لقد أكلتم ~~الحرب ، ماذا عليهم لو خلوا بينى وبين سائر العرب ؟ فإن هم أصابوني كان ذلك ~~الذي أرادوا ، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين ، وإن لم ~~يفعلوا قاتلوا وبهم قوة ، فما تظن قريش ؟ والله لا أزال أجاهد على الذي ~~بعثى الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة . " قال محمد بن سعد : ~~ودنا خالد بن الوليد في خيله حتى نظر إلى أصحاب PageV17P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأمر ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~عباد بن بشر فتقدم في خيلة ، فأقام بإزائه وصف أصحابه ، وحانت صلاة الظهر ، ~~فصلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بأصحابه صلاة الخوف ، فلما أمسى ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قال لأصحابه : تيامنوا في هذا الموضع العضل - موضع ~~منعطف في الوادى - فإن عيون قريش بمر الظهران وبضجنان . فسار حتى دنا من ~~الحديبية ، وهي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة ، فوقفت يدا راحلته على ~~ثنية تهبط على غائظ القوم ، فبركت . وقال أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبى ~~في تفسيره : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما كان بغدير الأشطاط ~~قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي ، فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن ~~لؤي قد جمعا لك الأحابيش ، وهم مقاتلوك وصادوك ms3603 عن البيت ؛ فقال النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : أشيروا علي ، أترون أن نميل على ذرارى هؤلاء الذين ~~عاونوهم فنصيبهم ؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين ، وإن يحبئوا تكن عنقا قطعها ~~الله ، أو ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ فقام أبو بكر رضى الله ~~عنه فقال : يا رسول الله ، إنا لم نأت لقتال أحد ، ولكن من حال بيننا وبين ~~البيت قاتلناه . فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : فروحوا إذا ؛ حتى إذا ~~كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي ، وذكر من قوله ومن جواب رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ما قدمناه إلى قوله : أو تنفرد هذه السالفة . ثم قال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم ~~التي هم بها ؟ فقال رجل من أسلم : أنا يا رسول الله . فخرج بهم على طريق ~~وعر حزن بين شعاب ، فلما خرجوا منه ، وقد شق ذلك على المسلمين وأفضى إلى ~~سهلة عند منقطع الوادي ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : قولوا : ~~نستغفر الله ونتوب إليه . ففعلوا ، فقال : والله إنها للحطة التي عرضت على ~~بني إسرائيل فلم يقبلوها ؛ ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) للناس ~~: اسلكوا ذات PageV17P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" اليمين ، في طريق يخرجه على ثنية المرار على ~~مهبط من أسفل مكة ، فسلك الجيش ذلك الطريق ، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش ~~، وأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد خالفهم عن طريقهم ، ركضوا ~~راجعين إلى قريش ينذرونهم ، وسار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى إذا ~~سلك ثنية المرار بركت به ناقته ، فقال الناس : حل حل ؛ فقال : ما حل ؛ ~~قالوا : خلات القصواء ؛ فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " ما خلأت وماذاك ~~لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل ؛ ثم قال : والذي نفسي بيده لا تدعونى ~~قريش إلى خطة يعظمون بها حرمات الله ، وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها " ~~؛ ثم قال للناس : انزلوا فنزلوا بأقصى الحديبية على بئر قليلة الماء ، إنما ~~يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبث الناس أن نزحوه ms3604 ، فشكا الناس إلى النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) العطش ، فنزع سهما من كنانته وأعطاه رجلا من أصحابه ، ~~يقال له : ناجية بن عمير بن يعمر بن دارم ، وهو سائق بدن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فنزل في تلك البئر فغرزه في جوفها فجاش الماء بالري ، ~~حتى صدروا عنه ؛ ويقال : إن جارية من الأنصار أقبلت بدلوها ، وناجية في ~~القليب يميح على الناس ، فقالت : يأيها المائح دلوى دونكا . . . إني رأيت ~~الناس يحمدونكا يثنون خيرا ويمجدونكا . . . أرجوك للخير كما يرجونكا فقال ~~ناجية : قد علمت جارية يمانية . . . أني أنا المائح وآسمي ناجية وطعنة ذات ~~رشاش واهية . . . طعنتها تحت صدور العادية قال ابن إسحاق : ناجية بن جندب ~~بن عمير الأسلمي ؛ قال : وزعم بعض أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول : ~~أنا الذي نزلت بسهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . قال PageV17P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" محمد بن إسحاق والثعلبي : روى عن الزهرى عن ~~عروة بن الزبير عن المسور بن محرمة ومروان بن الحكم : فلما اطمأن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه ، وكانت ~~خزاعة عيبة نصح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من أهل تهامة ، فقال : ~~إني تركت كعب بن لؤي وعامر ابن لؤي قد نزلا أعداد مياه الحديبية ، معهم ~~العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت . فقال النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : إنا لم نأت لقتال أحد ، ولكن جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد ~~نهكتهم الحرب ، وأضرت بهم ، فإن شاءوا ماددناهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس ~~، فإن أظهر ، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا ، وإلا فقد ~~جموا ، فو الله لأقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتي ، أو لينفذن الله ~~أمره . قال بديل : سنبلغهم ما تقول . فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إنا قد ~~جئناكم من عند هذا الرجل ، وسمعناه يقول قولا ، فإن شئتم أن نعرضه عليكم ~~فعلنا ؛ فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشئ ؛ وقال ذوو الرأي ~~منهم : هات كما سمعته يقول ms3605 ؛ قال : سمعته يقول كذا وكذا . فحدثهم بما قال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقال لهم : إنه يأت لقتال ، وإنما جاء ~~زائرا لهذا البيت . فاتهموه وجبهوه وقالوا : إن كان جاء ولا يريد قتالا فو ~~الله لا يدخلها علينا عنوة أبدا ، ولا يحدث بذلك عنا العرب ؛ ثم بعثوا إليه ~~مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بنى عامر ابن لؤي ، فلما رآه رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) مقبلا قال : هذا رجل غادر . وفي رواية : فاجر . فلما ~~انتهى إليه وكلمة قال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نحوا مما قال ~~لبديل بن ورقاء وأصحابه ، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان ، PageV17P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" وكان يومئذ سيد الأحابيش ، وهو أحد بني ~~الحارث بن عبد مناة بن كنانة ، فلما رآه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قال : هذا من قوم يتألهون ، فابعثوا الهدى في وجهه حتى يراه . فلما رأى ~~الهدى يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده ، قد أكل أو باره من طول الحبس عن ~~محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إعظاما ~~لما رأى ، فقال لهم ذلك ؛ فقالوا له : يا حليس ، إنما أنت أعرابي لا علم لك ~~؛ فقال : يا معشر قريش ، والله ما على هذا حالفناكم ، ولا على هذا عاهدناكم ~~، أيصد عن بيت الله من جاءه معظما له ؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين ~~محمد وبين ما جاء له ، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد ؛ فقالوا له : مه ~~، كف عنا يا حليس ، ودعنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به ؛ قال : ثم بعثوا ~~إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عروة بن مسعود الثقفي ، فقال لهم : ~~يا معشر قريش ، إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم من ~~التعنيف وسوء اللفظ ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد - وكان عروة ليبيعة بنت ~~عبد شمس - وقد سمعت بالذي نابكم ، فجمعت من ms3606 أطاعني من قومي ، ثم جئتكم حتى ~~آسيتكم بنفسي ؛ قالوا : صدقت ، ما أنت عندنا بمتهم . فخرج حتى أتى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) فجلس بين يديه ثم قال : يا محمد ، أجمعت أوشاب ~~الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتلفضها بهم ؟ يا محمد ، أرأيت إن استأصلت قومك ~~فهل سمعت بأحد من العرب أصله قبلك ؟ وإنها قريش قد خرجت معها العوذ ~~المطافيل ، قد لبسوا جلود النمور ، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا ~~وإني لأرى وجوها وأوشابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك ، وايم الله ، ~~لكأني بهؤلاء قد انكشفوا غدا عنك . وأبو بكر الصديق رضى الله عنه خلف رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) قاعد ، فقال لعروة : امصص بظر PageV17P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" اللات ، أنحن ننكشف عنه ؟ - واللات طاغية ~~ثقيف التي كانوا يعبدونها - فقال : من هذا ابن أبى قحافة ؛ قال : أما والله ~~لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها . قال : ثم يتناول لحية رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وهو يكلمه ، والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في الحديد ، فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، ويقول : اكفف يدك عن وجه رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قبل ألا تصل إليك ؛ قال : فيقول عروة : ويحك ما أفظك وما أغلظك ~~قال : فتبسم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال له عروة : من هذا يا ~~محمد ؟ قال : " هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة " قال : أي غدر ، وهل غسلت ~~سوأتك إلا بالأمس ؟ - وكان المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا ~~من بني مالك من ثقيف ، صحبهم فقتلهم وأخذ أموالهم ، ثم جاء فأسلم ، فقال له ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أما الإسلام فقد قبلناه ، وأما المال ~~فإنه مال غدر ، ولا حاجة لنا فيه . " قال : ولما قتلهم المغيرة تهايج ~~الحيان من ثقيف : رهط القتلى ورهط المغيرة ، فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة ~~دية ، وأصلح ذلك الأمر ، فلذلك قال للمغيرة ما قال - قال : ثم كلم رسول ms3607 ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) عروة بنحو ما كلم به أصحابه ، فقام من عند ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقد رأى ما يصنع به أصحابه ، لا يتوضأ ~~إلا ابتدروا وضوءه ، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ، ولا يسقط من شعره شئ إلا ~~أخذوه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون النظر إليه تعظيما له . ~~فرجع إلى قريش فقال : يا معشر قريش ، والله لقد وفدت على الملوك ؛ وفدت على ~~قيصر في ملكة ، وكسرى في ملكة ، والنجاشي في ملكة ، وإني والله ما رأيت ~~ملكا في قومه قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ، والله إن تنخم ~~نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا ~~أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا عنده خفضوا ~~أصواتهم ، وما يحدون النظر إليه تعظيما له ، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه ~~PageV17P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" لشئ أبدا ، فروا رأيكم . وفي رواية قال : ~~وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها . قال ابن إسحاق : وبعث رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) خراش بن أمية الخزاعي إلى قريش بمكة ، وحمله على بعير ~~يقال له : الثعلب ، ليبلغ أشرافهم ما قد جاء له ، فعقروا الجمل وأرادوا قتل ~~خراش ، فمنعته الأحابيش ، فخلوا سبيله . قال : وبعثت قريش أربعين رجلا منهم ~~أو خمسين ، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا ، فأخذوا وأتى بهم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فعفا عنهم ، وخلى سبيلهم ، وكانوا رموا في العسكر بالحجارة والنبل . ~~ثم دعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~ليبعثه إلى مكة ، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له ، فقال : يا رسول الله ، ~~إني أخاف قريشا على نفسي ، وليس بمكة من بنى عدي بن كعب أحد يمنعني ، وقد ~~عرفت قريش عداوتي إياها ، وغلظتي عليها ، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني ، ~~عثمان بن عفان ، فدعاه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبعثه إلى أبى ~~سفيان ابن ms3608 حرب وأشراف قريش ، يخبرهم أنه لم يأت لحرب ، وإنما جاء زائرا ~~لهذا البيت ومعظما لحرمته . فخرج حتى أتى مكة ، فلقيه أبان بن سعيد بن ~~العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها ، فحمله بين يديه ، ثم أجاره حتى بلغ ~~رسالة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فلما فرغ عثمان من الرسالة قال ~~له : إن شئت أن تطوف بالبيت فطف ؛ فقال : ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فاحتبسته قريش عندها ، فبلغ رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أن عثمان قتل . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" لا نبرح حتى نناجز القوم " . ودعا الناس إلى البيعة . ذكر بيعة الرضوان ~~كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة ، قال الثعلبى : وكانت سمرة . قال : وكان سبب ~~هذه البيعة أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما بلغه أن عثمان بن عفان ~~قتل قال : " لانبرح حتى نناجز القوم " ؛ ودعا الناس إلى البيعة ، قال : ~~فكان الناس يقولون : بايعهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على الموت . ~~وقال عبد الله ابن مغفل : كنت قائما على رأس رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ذلك اليوم وبيدي غصن من السمرة أذب عنه وهو يبايع الناس ، فلم ~~يبايعهم على الموت وإنما PageV17P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" بايعهم على ألا يفروا . قال جابر بن عبد الله ~~: فبايع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الناس ، ولم يتخلف عنه أحد من ~~المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بنى سلمة ، لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ~~ناقته ، مستترا بها عن الناس . وكان أول من بايع بيعة الرضوان رجل من بنى ~~أسد يقال له : أبو سنان ابن وهب . ثم أتى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أن الذي ذكروا من أمر عثمان باطل . واختلف في عدد أهل بيعة الرضوان ، وهو ~~مبنى على الأختلاف في عدد أصحاب عمرة الحديبية كما تقدم ، لم يتخلف منهم ~~إلا الجد بن قيس ، قالوا : ولما بايع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~الناس بايع لعثمان ، فضرب بإحدى يديه على ms3609 الأخرى . روى أن رجلا جاء إلى عبد ~~الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما ، فسأله عن عثمان رضى الله عنه ، ~~أكان شهد بدرا ؟ قال : لا ؛ قال : أكان شهد بيعة الرضوان ؟ قال : لا ؛ قال ~~: فكان من الذين تولوا يوم التقى الجمعان ؟ قال : نعم . قال : فانطلق الرجل ~~؛ فقيل لعبد الله بن عمر : إن هذا يرى أنك قد عبته ، قال : علي به ؛ فأتى ~~به فقال : أما بدر فإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد ضرب له بسهمه ~~وأجره ؛ وأما بيعة الرضوان فقد بايع له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فيد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خير من يد عثمان ، وأما الذين تولوا ~~يوم آلتقى الجمعان فقد عفا الله عنهم ، فاجهد علي جهدك . وأنزل الله عز وجل ~~في الذين بايعوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هذه البيعة قوله تعالى : ~~" إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم . " قال الكلبي ~~: معناه نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة . وقال ابن كيسان : قوة ~~الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم . ثم قال تعالى : " فمن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما " وهو الجنة . وقوله ~~تعالى في السورة أيضا : " لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ~~فعلم ما في قلوبهم " من الصدق والوفاء " فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا ~~قريبا . " قيل : فتح خيبر ؛ روى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " لايدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة ~~. " ذكر هدنة قريش وما وقع فيها من الشروط قال : ثم بعثت قريش إلى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) سهيل بن عمرو أخا بنى عامر بن لؤي ، فقالوا : ~~إيت محمدا فصالحه ، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا . ~~PageV17P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" فأتاه سهيل بن عمرو ، فلما رآه رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قال : " قد سهل أمركم ، القوم ماتون إليكم بأرحامهم ، ~~وسائلوكم الصلح ms3610 ، فابعثوا الهدى وأظهروا التلبية ، لعل ذلك يلين قلوبهم . " ~~فلبوا من نواحي العسكر حتى ارتجت أصواتهم بالتلبية ، قال : وانتهى سهيل بن ~~عمرو إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وتكلم فأطال ، وتراجعا ، ثم جرى ~~الصلح بينهما ، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب ، وثب عمر بن الخطاب ~~رضى الله عنه إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه فقال : يا أبا بكر ، أليس ~~برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حقا ؟ قال : بلى ؛ قال : أو لسنا ~~بالمسلمين ؟ قال : بلى ؛ قال : أو ليسوا المشركين ؟ قال : بلى ؛ قال : ~~فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ قال أبو بكر : أيها الرجل ، إنه رسول الله ، ~~وليس نعصي رأيه ، فاستمسك بغرزه حتى تموت ، فو الله إنه لعلى الحق ؛ قال ~~عمر : أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت نطوف به ؟ قال : بلى ؛ أفأخبرك ~~أنك تأتيه العام ؟ قال : لا ؛ قال : فإنك آتيه ومطوف به . قال : ثم جاء عمر ~~إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ألست رسول الله ؟ قال : بلى ؛ ~~قال : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى ؛ قال : فلم نعطي ~~الدنية في ديننا إذا ؟ قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إني رسول ~~الله ولست أعصيه وهو ناصري . " وفي رواية قال : " إني عبد الله ورسوله ، لن ~~أخالف أمره ولن يضيعني . " قال عمر : ألست تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ~~؟ قال : " بلى ، هل أخبرتك أنك تأتيه العام ؟ " قال عمر : لا ؛ قال : " ~~فإنك آتيه ومطوف به . " قال عمر : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ ، فما ~~زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتنق من صنعت يومئذ مخافة كلامى الذي تكلمت به حتى ~~رجوت خيرا . قالوا : ثم دعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) علي بن أبي ~~طالب رضى الله عنه ، فقال : " اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ؛ " فقال سهيل ~~: أما الرحمن فلا أدري ما هو ؟ ولكن اكتب : باسمك اللهم كما كنت تكتب ، قال ~~المسلمون : لا والله لا تكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ؛ فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " اكتب : باسمك اللهم " فكتبها ms3611 ، ثم قال : " ~~اكتب : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو . " فقال سهيل : ~~والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ولا قاتلناك ، ولكن ~~اكتب اسمك واسم أبيك . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " والله ~~إني لرسول الله وإن كذبتموني ؛ " ثم قال PageV17P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" لعلي : امح رسول الله . فقال : والله لا ~~أمحوك أبدا . فأخذه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وليس يحسن يكتب ~~فمحاه ؛ ثم قال : " اكتب : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو ~~، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين ، يأمن فيها الناس ، ويكف بعضهم ~~عن بعض ، وعلى أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجا أو معتمرا أو يبتغي من ~~فضل الله فهو آمن على نفسه وماله ، ومن قدم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر ~~أو الشام ، يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله ، وعلى أنه من أتى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ، ومن ~~جاء قريشا ممن مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لم يردوه عليه . " ~~فاشتد ذلك على المسلمين ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من ~~جاءهم منا فأبعده الله ، ومن جاءنا منهم ورددناه إليهم فإن علم الله ~~الإسلام من قلبه جعل له مخرجا . " وأن بيتنا عيبة مكفوفة ، وأنه لا إسلال ~~ولا إغلال ، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن ~~يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه . " فتواثبت خزاعة فقالوا : نحن في عقد ~~محمد وعهده . وتواثبت بنو بكر فقالوا : نحن في عقد قرش وعهدهم . فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " وعلى أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به ~~. " فقال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنك أخذتنا ضغطة ، ولكن لك ذلك من ~~العام المقبل ؛ فكتب : وعلى أنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة ، ~~فإذا كان عام قابل خرجنا عنها لك فدخلتها بأصحابك ، فأقمت بها ms3612 ثلاثا ، ولا ~~تدخلها بالسلاح إلا السيوف في القرب ، وسلاح الراكب ، وعلى أن هذا الهدى ~~حيثما حبسناه محله ، لا تقدمه علينا ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) : " نحن نسوقه وأنتم تردون وجوهه " قال : فبينا رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو ، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن ~~عمرو يرسف في قيوده ، وقد انفلت وخرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر ~~المسلمين ، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه ، وقال ~~: يا محمد ، قد تمت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا ، وهذا أول من ~~أقاضيك عليه أن ترده إلينا ؛ ثم جعل يجره ليرده إلى قريش ، وجعل أبو جندل ~~يصرخ بأعلى صوته : يا معشر المسلمين ، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ~~ليفتنوني عن ديني ؟ ألا ترون ما قد لقبت ؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله ~~تعالى ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يا أبا جندل ، احتسب ، ~~فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، إنا PageV17P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" قد عاقدنا بيننا وبين القوم عقدا وصلحا ، ~~وأعطيناهم على ذلك عهدا ، وإنا لا نغدر . " قال : فوثب عمر بن الخطاب رضى ~~الله عنه إلى أبى جندل يمشي إلى جنبه ، ويقول : اصبر يا أبا جندل ، فإنما ~~هم المشركون ، وإنما دم أحدهم دم كلب - ويدنى قاتم السيف منه - قال : يقول ~~عمر : رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه ، فضن الرجل بأبيه . ال : فبينا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو ، إذ جاء ~~أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده ، وقد انفلت وخرج من أسفل مكة حتى ~~رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه ~~وأخذ بتلبيبه ، وقال : يا محمد ، قد تمت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك ~~هذا ، وهذا أول من أقاضيك عليه أن ترده إلينا ؛ ثم جعل يجره ليرده إلى قريش ~~، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته ms3613 : يا معشر المسلمين ، أرد إلى المشركين ~~وقد جئت مسلما ليفتنوني عن ديني ؟ ألا ترون ما قد لقبت ؟ وكان قد عذب عذابا ~~شديدا في الله تعالى ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يا أبا ~~جندل ، احتسب ، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، إنا ~~قد عاقدنا بيننا وبين القوم عقدا وصلحا ، وأعطيناهم على ذلك عهدا ، وإنا لا ~~نغدر . " قال : فوثب عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى أبى جندل يمشي إلى ~~جنبه ، ويقول : اصبر يا أبا جندل ، فإنما هم المشركون ، وإنما دم أحدهم دم ~~كلب - ويدنى قاتم السيف منه - قال : يقول عمر : رجوت أن يأخذ السيف فيضرب ~~به أباه ، فضن الرجل بأبيه . قال : وكان أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) خرجوا وهم لا يشكون في الفتح ، لرؤيا رآها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فلما رأوا ذلك دخل الناس أمر عظيم حتى كادوا يهلكون ، وزادهم ~~أمر أبى جندل شرا إلى ما بهم ، قالوا : فلما فرغ رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من الكتاب ، وفرغت القضية أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا ~~من المشركين : أبا بكر ، وعمر ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن سهيل بن ~~عمرو ، وسعد بن أبى وقاص ، ومحمود بن مسلمة أخا بني عبد الأشهل ، ومكرز بن ~~حفص بن الأخيف ، وهو مشرك ، وعلي بن أبى طالب ، وكان هو كاتب الصحيفة . قال ~~: فلما فرغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من قضيته سار مع الهدى ، وسار ~~الناس ، فلما كان الهدى دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية عرض له ~~المشركون ، فردوا وجوهه ، فوقف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حيث حبسوه ، ~~وهي الحديبية ، وقال لأصحابه : " قوموا فانحروا ، ثم احلقوا . " قال : فو ~~الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات ؛ فلما لم يقم منهم أحد قام ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فدخل على أم سلمة ، فذكر لها ما لقى من ~~الناس ؛ فقالت له أم سلمة رضى الله عنها : يا نبي الله ، اخرج ولا ms3614 تكلم ~~منهم أحدا كلمة حتى تنحر بدنتك ، وتدعو حلاقك فيحلقك . فقام ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فخرج فلم يكلم أحدا منهم كلمة حتى نحر بدنته ودعا حلاقه فحلقه ~~، وكان الذي حلقه ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي ، فلما رأى ~~الناس ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا ~~غما . قال عبد الله آبن عمر وعبد الله بن عباس رضى الله عنهم : حلق رجال ~~يوم الحديبية وقصر آخرون ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يرحم ~~الله المحلقين . " قالوا : يا رسول الله ، والمقصرين ؟ قال : " يرحم الله ~~المحلقين " ؛ قالوا : يا رسول الله ، والمقصرين ؟ قال : " يرحم الله ~~المحلقين ؛ " قالوا يا رسول الله ، والمقصرين ؟ قال : " يرحم الله المقصرين ~~" قالوا : يا رسول الله ، فلم ظاهرت الترحم على المحلقين دون المقصرين ؟ ~~قال : " لأنهم لم يشكوا . " قال ابن عمر : وذلك أنه تربص قوم قالوا : لعلنا ~~نطوف بالبيت . ذكر رجوع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة ~~ونزول سورة الفتح قال الزهري : وانصرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~وجهه ذلك قافلا حتى كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح : " إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا . " PageV17P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" روى قتادة عن أنس قال : لما رجعنا من غزوة ~~الحديبية قد حيل بيننا وبين نسكنا ، فنحن بين الحزن والكآبة ، فأنزل الله ~~عز وجل : " إنا فتحنا لك فتحا مبينا . " الآية كلها ، فقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " لقد أنزلت على آية هي أحب إلى من الدنيا كلها . " وعن ~~زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يسير في بعض ~~أسفاره ، وعمر بن الخطاب رضى الله عنه يسير معه ليلا ، فسأله عمر عن شئ فلم ~~يجبه ، قال عمر رضى الله عنه : فحركت بعيري حتى تقدمت أمام الناس ، وخشيت ~~أن يكون نزل في قرآن ، فجئت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فسلمت عليه ، ~~فقال : " لقد أنزلت على الليلة آية لهى أحب إلى مما طلعت عليه الشمس . " ثم ~~قرأ : " إنا فتحنا ms3615 لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم PageV17P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" من ذنبك وما تأحر . " وقد اختلف في الفتح ، ~~ما هو ؟ فقال قتادة عن أنس : فتح مكة ، وقال مجاهد والعوفى : فتح خيبر ، ~~وقال آخرون : فتح الحديبية ، ويدل عليه ما روى عن مجمع بن جارية الأنصاري ، ~~- وكان أحد الذين قرءوا القرآن - قال : شهدنا الحديبية مع رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر ، فقال بعض ~~الناس لبعض : ما بال الناس ؟ قالوا : أوحى إلى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . قال : فخرجنا نوجف ، فوجدنا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) واقفا ~~على راحلته عند كراع الغميم ، فلما اجتمع إليه الناس قرأ : " إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا " فقال عمر : أو فتح هو يا رسول الله ؟ قال : نعم ، والذي نفسي ~~بيده إنه لفتح . وقال الشعبى رحمه الله : فتح الحديبية ، غفر له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر ، واطعموا نخل خيبر ، وبلغ الهدى محله ، وظهرت الروم على ~~فارس ، وفرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس . وقال مقاتل بن حيان : ~~يسرنا لك يسرا بينا . وقال مقاتل بن سليمان : لما نزل قوله تعالى : " وما ~~أدرى ما يفعل بي ولا بكم " . فرح بذلك المشركون والمنافقون وقالوا : كيف ~~نتبع رجلا لا يدري ما يفعل به وبأصحابه ، ما أمرنا وأمره إلا واحد ؛ فأنزل ~~الله عز وجل بعد ما رجع من الحديبية : " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " أي ~~قضينا لك قضاء بينا " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " فنسخت هذه ~~الآية تلك . قال سفيان الثوري : " ما تقدم من ذنبك " ما عملت في الجاهلية ~~وما تأخر كل شئ لم يعمله . وقال عطاء بن أبى مسلم الخراساني : ما تقدم من ~~ذنبك يعني ذنب أبو يك آدم وحواء ببركتك وما تأخر ذنوب أمتك بدعوتك . وقال ~~الزيادي : أي لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه . ويتم نعمته عليك أي ~~بالنبوة والحكمة ويهديك صراطا مستقيما أي ويثبتك عليه ، وقيل : يهدى بك ، ~~وينصرك الله نصرا عزيزا غالبا ، وقيل : معزا ms3616 . قوله تعالى : " هو الذي أنزل ~~السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ، " قال الثعلبي : أي ~~الرحمة والطمأنينة . قال ابن عباس رضى الله عنهما : بعث الله عز وجل نبيه ~~عليه السلام بشهادة أن لا إله إلا الله ، فلما صدقوه زادهم الصلاة ، فلما ~~صدقوه زادهم الزكاة ، فلما صدقوه زادهم الصيام ، فلما صدقوه زادهم الحج ، ~~ثم زادهم الجهاد ، ثم أكمل لهم دينهم ، فذلك قوله عز وجل : " ليزدادوا ~~إيمانا مع إيمانهم " أي تصديقا بشرائع الإيمان مع تصديقهم بالإيمان . وقال ~~الضحاك : يقينا مع يقينهم . وقال الكلبى : هذا في أمر الحديبية . وروى عن ~~أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما قرأ على ~~الناس قوله : " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأحر " قالوا : هنيئا ~~مريئا يا رسول الله ، قد بين الله ما يفعل بنا ؟ فأنزل الله تعالى : " ~~ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر ~~عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما " ثم قال تعالى " ويعذب ~~المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء " إن لم ~~ينصر محمد والمؤمنون " عليهم دائرة السوء " بالذل والعذاب " وغضب الله ~~عليهم ولعهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا " إلى قوله : " وتحسبوه بكرة وأصيلا ~~" ثم ذكر الله تعالى قصة البيعة ، وقد تقدمت . ثم قال تعالى : " سيقول لك ~~المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ~~ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد ~~بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا " قال ابن عباس ومجاهد : يعنى أعراب ~~غفار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم والديل ، وذلك أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) حين أراد السير إلى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر من حول ~~المدينة من الأعراب وأهل PageV17P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" البوادي ، ليخرجوا معه حذرا من قريش أن ~~يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت ، وأحرم هو ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بالعمرة وساق معه الهدى ، ليعلم الناس أنه لا يريد ms3617 حربا ، فتثاقل عنه كثير ~~من الأعراب وقالوا : نذهب معه إلى قوم قد جاءوه فقتلوا أصحابه فنقاتلهم ؟ ~~فتخلفوا عنه واعتلوا بالشغل ، فأنزل الله تعالى : " سيقول لك المخلفون " ، ~~أي إذا انصرفت إليهم فعاتبتهم على التخلف عنك شغلتنا أموالنا وأهلونا ~~فاستغفر لنا ثم كذبهم في اعتذارهم واستغفارهم ، وأخبر عن إسرارهم وإضمارهم ~~، فقال : يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم . قوله تعالى : " بل ظننتم أن ~~لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن ~~السوء وكنتم قوما بورا " وذلك أنهم قالوا : إن محمدا وأصحابه أكلة رأس ، ~~فلا يرجعون ، فأين تذهبون ؟ انتظروا ما يكون من أمرهم . وكنتم قوما بورا أي ~~هالكين فاسدين ، لا تصلحون لشئ من الخير . قال تعالى : " ومن لم يؤمن بالله ~~ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا . " قوله تعالى : " سيقول المخلفون إذا ~~انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن ~~تتبعونا كذ لكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون ~~إلا قليلا " قال : المخلفون أي عن الحديبية إذا انطلقتم إلى مغابم يعنى ~~غنائم خيبر ذرونا نتبعكم أي خبير ، فنشهد معكم قتال أهلها " يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله " معناه يريدون أن يغيروا وعد الله الذي وعد أهل الحديبية ~~، وذلك أن الله تعالى جعل لهم غنائم خيبر عوضا عن غنائم أهل مكة ، إذ ~~انصرفوا عنها عن صلح ولم يصيبوا منها شيئا . وقال ابن زيد : هو قوله عز وجل ~~: " فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا " قال : والأول أصوب ، لأن قوله تعالى : " لن تخرجوا ~~معي أبدا " نزلت في غزوة تبوك . قال : " كذ لكم قال الله من قبل " أي من ~~قبل مرجعنا إليكم : إن غنيمة خيبر لمن شهدا لحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب : ~~" فسيقولون بل تحسدوننا " أي نصيب معكم من الغنائم . قوله تعالى : " قل ~~للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون ، " ~~قال ابن عباس وعطاء بن أبى رباح وعطاء الخراسانى وعبد ms3618 الرحمن بن أبى ليلى ~~ومجاهد : هم فارس . وقال كعب الأخبار : الروم . وقال الحسن : فارس والروم . ~~وقال عكرمة : هوازن . وقال سعيد بن جبير : هوازن وثقيف . وقال قتادة : ~~هوازن وغطفان يوم حنين . وقال الزهري ومقاتل : بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب ~~مسيلمة الكذاب . وقال رافع بن خديج : والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما ~~مضى : " ستدعون إلى PageV17P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" قوم أولى بأس شديد " ولا نعلم من هم حتى دعا ~~أبو بكر رضى الله عنه إلى قتال بنى حنيفة فعلمنا أنهم هم . قوله تعالى : " ~~فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم ~~عذابا أليما " قال آبن عباس رضى الله عنهما : لما نزلت هذه الآية قال أهل ~~الزمانة : فكيف بنا يا رسول ؟ فأنزل الله عز وجل : ليس على الأعمى حرج يعني ~~عن التخلف عن الجهاد والقعود عن الغزو ولا على الأعرج حرج ولا على المريض ~~حرج يعنى في ذلك ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار ومن ~~يتول يعذبه عذابا أليما . ثم أخبر الله تعالى نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~برضاه عن أهل بيعة الرضوان ، فقال تعالى : " لقد رضى الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحد الشجرة ، " وقد تقدم ذكر ذلك آنفا . ثم قال تعالى : " وعدكم ~~الله مغانم كثيرة تأخذونها . " وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة ~~فعجل لكم هذه يعني خيبر . وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى عند ذكرنا لغزوة ~~خيبر . ثم قال تعالى : " وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله ~~على كل شئ قديرا " قال : معناه ووعدكم الله فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها ~~قد أحاط الله بها لكم حتى يفتحها عليكم . واختلفوا فيها ، فقال ابن عباس ~~وعبد الرحمن بن أبى ليلى والحسن ومقاتل : هي فارس والروم ، وقال الضحاك ~~وابن زيد وابن إسحاق : هي خيبر ، وعدها الله تعالى نبيه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قبل أن يصيبها ، ولم يكونوا يذكرونها ولا يرجونها حتى أخبرهم الله ~~بها . وهي رواية عطية وباذان عن ابن ms3619 عباس . وقال قتادة : هي مكة . وقال ~~مجاهد : ما فتحوا حتى اليوم . قوله تعالى : " ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا ~~الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا ، " قال : يعني أسدا وغطفان وأهل خيبر ~~. وقال قتادة : يعنى كفار قريش ، " سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا . " وقوله تعالى : " وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم ~~عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا ؛ " ~~واختلفوا في هؤلاء ، فقال أنس : إن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر عام ~~الحديبية ليقتلوهم ، فأخذهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سلما ~~PageV17P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" فأعتقهم ، فأنزل الله عز وجل الآية . قال ~~عكرمة عن ابن عباس : إن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين ، ~~وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : وقد قدمنا ~~ذكرهم . وقال عبد الله بن مغفل : كنا مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بالحديبية في أصل الشجرة ، وعلى ظهر غصن من أغصان تلك الشجرة ، فرفعته عن ~~ظهره ، وعلي بن أبى طالب رضى الله عنه بين يديه يكتب كتاب الصلح وسهيل بن ~~عمرو ، فخرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح ، فثاروا في وجوهنا ، فدعا ~~عليهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأخذ الله بأبصارهم ، فقمنا إليهم ~~فأخذناهم ، فحلى عنهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأنزل الله عز وجل ~~الآية . وقيل : غير ذلك . والله تعالى أعلم . ثم قال تعالى : " هم الذين ~~كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محله " الآية . وهي ~~قصة الحديبية وقد تقدم شرحها . وقوله تعالى : " ولولا رجال مؤمنون ونساء ~~مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في ~~رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ، " قال : ~~قوله : أن تطئوهم أي تقتلوهم فتصيبكم منهم معرة بغير عليم ، قال ابن زيد : ~~إثم . وقال ابن إسحاق : غرم الدية . وقيل : الكفارة ، لأن ms3620 الله عز وجل إنما ~~أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها ولم يعلم قاتله ~~إيمانه الكفارة دون الدية . وقيل : هو أن المشركين يعيبونكم ويقولون : ~~قتلوا أهل دينهم . والمعرة المشقة ، وأصلها من العر وهو الجرب . قال : ~~فلولا ذلك لأذن لكم في دخول مكة ، ولكنه حال بينكم وبين ذلك . ليدخل الله ~~في رحمته . أي في دين الإسلام من يشاء من أهل مكة قبل أن تدخلوها . قال : ~~وقال بعض العلماء : قوله لعذبنا جواب لكلامين أحدهما ولولا رجال والثاني لو ~~تزيلوا أي تميزوا . وقال قتادة في قوله : ليدخل الله في رحمته أي أن الله ~~يدفع بالمؤمنين عن الكفار كما دفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكة . ~~وعن علي بن أبى طالب رضى الله عنه أنه سأل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) عن قول الله عز وجل : " لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما " ~~قال : هم المشركون من أجداد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وممن كان ~~بعدهم في عصره ، كان في أصلابهم المؤمنون ، فلو تزيل المؤمنون عن أصلاب ~~الكافرين لعذب الله الكافرين عذابا أليما . " قوله تعالى : " إذ جعل الذين ~~كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ، " قال ابن إسحاق : يعني سهيل بن ~~عمرو حين حمى أن تكتب بسم الله الرحمن الرحيم . وأن PageV17P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" محمدا رسول الله . " فأنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله ~~بكل شئ عليما ، " قال : كلمة التقوى يعنى الإخلاص ؛ وقد روى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أنه قال في قوله تعالى : وألزمهم كلمة التقوى : لا ~~إله إلا الله . وهو قول ابن عباس وعمرو بن ميمون ومجاهد وقتادة والضحاك ~~وسلمة بن كهيل وعبيد بن عمير وعكرمة وطلحة بن مصرف والربيع والسدى وابن زيد ~~. وقال عطاء الخراساني : هي لا إله إلا الله محمد رسول الله . وعن علي رضى ~~الله عنه قال : كلمة التقوى : لا إله إلا الله والله أكبر ، وهو قول ابن ~~عمر . وقال عطاء بن ms3621 أبى رباح : هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير . وعن الزهرى : كلمة التقوى هي بسم ~~الله الرحمن الرحيم . قوله تعالى : " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون ~~فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا . " قال : الرؤيا التي أراها ~~إياها في مخرجة إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام . قوله : ~~فعلم ما لم تعملوا أي أن الصلاح كان في الصلح . فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ~~قيل : صلح الحديبية . ثم قال تعالى : " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا " أي أنك نبي صادق فيما تخبر . ~~ثم وصف تعالى رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه فقال تعالى : " محمد ~~رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ~~ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب ~~الزرع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة ~~وأجرا عظيما . " قال الثعلبي رحمه الله تعالى : قوله : محمد رسول الله تم ~~الكلام هاهنا ، يعني الكلام الأول ، ثم قال مبتدئا : " والذين معه أشداء ~~على الكفار " أي غلاظ لا تأخذهم فيهم رأفة . رحماء بينهم أي متعاطفون ~~متوادون بعضهم على بعض . يبتغون فضلا من الله أي يدخلهم جنته . ورضوانا ~~يرضى عنهم . سماهم علامتهم . في وجوههم من أثر السجود واختلف العلماء في ~~هذه السيماء ، فقال قوم : هو نور بياض في وجوههم يوم القيامة ، يعرفون بتلك ~~العلامة أنهم سجدوا في الدنيا ؛ وهي رواية العوفى عن ابن عباس . وقال عطاء ~~بن أبى رباح والربيع بن أنس : استنارت وجوههم من كثرة ما صلوا . وقال شهر ~~بن حوشب : يكون موضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر . وقال آخرون : هو ~~السمت PageV17P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" الحسن والخشوع والتواضع . وقال ms3622 منصور : سألت ~~مجاهدا عن قوله تعالى : سيماهم في وجوههم أهو الأثر يكون بين عيني الرجل ؟ ~~قال : لا ، ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة البعير ، وهو أقسى قلبا من ~~الحجارة ، ولكنه نور في وجوههم من الخشوع . وقال ابن جريح : هو الوقار ~~والبهاء . وقال شمر بن عطية : هو التهيج وصفرة الوجه وأثر السهر . قال ~~الحسن : إذا رأيتم حسبتم مرضى ، وما هم بمرضى . وقال عكرمة وسعيد بن جبير : ~~هو أثر التراب في جباههم . وقال عطية الخراساني : دخل في هذه الاية كل من ~~حافظ على الصلوات الخمس . ذلك مثلهم أي ذلك الذي ذكرت مثلهم صفتهم في ~~التوراة قال : وهاهنا تم الكلام . ثم قال : ومثلهم صفتهم في الإنجيل كزرع ~~أخرج شطأه ؛ قال أنس : شطأه نباته . وقال ابن عباس : سنبله . وقال مجاهد ~~والضحاك : ما يخرج تحت الحلقة فينمو ويتم . وقال مقاتل : هو نبت واحد ، ~~فإذا خرج ما بعده فقد شطأه . وقال السدي : هو أن يخرج معه الطاقة الأخرى . ~~وقال الفراء : الأشطاء : الزرع إذا نبت سبعا أو ثمانيا أو عشرا . وقال ~~الأخفش : فراخه ، يقال : أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا فرخ ، قال الشاعر : أخرج ~~الشطء على وجه الثرى . . . ومن الأشجار أفنان الثمر قال : وهذا مثل ضربه ~~الله تعالى لأصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، يعنى أنهم كانوا يكونون ~~قليلا ، ثم يزدادون ويكثرون ويقوون . قال قتادة : مثل أصحاب محمد ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في الإنجيل مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع ، ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . فآزره قواه وأعانه وشد أزره . فاستغلظ ~~، فغلظ وقوى . فاستوى تم وتلاحق نباته وقام . على سوقه أصوله . يعجب الزراع ~~ليغيظ بهم الكفار يعنى أن الله تعالى فعل ذلك بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وأصحابه رضى الله عنهم ليغيظ بهم الكفار . قال الثعلبي بسند يرفعه إلى ~~الحسن ف قوله عز وجل : محمد رسول الله قال : محمد رسول الله . والذين معه ، ~~أبو بكر . أشداء على الكفار عمر بن الخطاب . رحماء بينهم عثمان بن عفان . ~~تراهم ركعا سجدا على بن أبى طالب . يبتغون فضلا من ms3623 الله ورضوانا طلحة ~~والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وأبو عبيدة . سيماهم في وجوههم من ~~أثر السجود ، قال : هم المبشرون ، أولهم أبو بكر وآخرهم أبو عبيدة . ذلك ~~مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل قال : نعتهم في التوراة والإنجيل كمثل ~~زرع . قال : الزرع : محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . أخرج شطأه أبو بكر ~~الصديق . فآزره عمر بن الخطاب . فاستغلظ عثمان ؛ يعنى استغلظ للإسلام . ~~فاستوى على سوقه على بن أبى طالب ، يعني PageV17P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" استقام الإسلام بسيفه . يعجب الزراع قال : ~~المؤمنون . ليغيظ بهم الكفار قال : قول عمر لأهل مكة : لا نعبد الله سرا ~~بعد اليوم . رضوان الله عليهم أجمعين . ذكر خبر أبى بصير ومن لحق به وانضم ~~إليه قد اختلف في اسمه ، فقيل : عبيد بن أسيد بن جارية . وقال ابن إسحاق : ~~عتبة بن أسيد بن جارية . وعن أبى معشر قال : اسمه عتبة بن أسيد بن جارية بن ~~أسيد بن عبد الله بن سلمة بن عبد الله بن غيرة بن عوف بن قسي ، وهو ثقيف ~~ابن منبه بن بكر هوازن ، حليف لبنى زهرة . وخبره وإن لم يكن داخلا في جملة ~~الغزوات والسرايا فليس هو مناف لها ، وموجب إيرادنا إياه في هذا الموضع ~~لتعلقه بغزوة الحديبية ، ولأن رده كان من شروط الهدنة . ونحن نورده هاهنا ~~على ما أورده الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى ، رحمه الله ~~تعالى ، في كتابه المترجم بدلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة ، وما ~~أورده أبو محمد عبد الملك بن هشام عن محمد ابن إسحاق رحمهم الله تعالى ، ~~يدخل حديث بعضهم في حديث بعض ، قالوا : لما رجع رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إلى المدينة انفلت رجل من أهل الإسلام من ثقيف ، يقال له : أبو بصير ~~بن أسيد بن جارية الثقفي من المشركين ، فأتى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) مسلما مهاجرا ، وكان ممن حبس بمكة ، فكتب فيه أزهر بن عبد عوف بن ~~الحارث بن زهرة ، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي إلى رسول الله ( ~~صلى ms3624 الله عليه وسلم ) ، وبعثا رجلا من بني عامر بن لؤي ، ومعه مولى لهم ، ~~ويقال : كانا من بني منقذ ، أحدهما مولى والآخر من أنفسهم ، واسمه جحش بن ~~جابر ، وكان ذا جلد ورأى في أنفس المشركين ، وجعل لهما الأخنس في طلب أبى ~~بصير جعلا ، فقدما على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) : " يا أبا بصير ، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد ~~علمت ، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر ، وإن الله جاعل لك ولمن معك من ~~المستضعفين فرجا ومخرجا ، فانطلق إلى قومك . " فقال : يا رسول الله ، ~~أتردني إلى المشركين يفتنونني في PageV17P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" ديني ؟ قال : " انطلق ، فإن الله سيجعل لك ~~فرجا ومخرجا . " ودفعه إليهما ، فخرجا به ، حتى إذا كانا بذي الحليفة سل ~~جحش سيفه ، ثم هزه وقال : لأضربن بسيفي هذا في الأوس والخزرج يوما إلى ~~الليل ، فقال له أبو بصير : أو صارم سيفك هذا ؟ قال : نعم ؛ قال : ناولته ~~أنظر إليه . فناوله إياه ، فلما قبض عليه ضربه به حتى برد ، ويقال : بل ~~تناول أبو بصير سيف جحش بفيه ، وهو نائم ، فقطع به إساره ، ثم ضربه به حتى ~~برد ؛ وطلب الآخر فجمز مذعورا مستخفيا ، حتى دخل المسجد إلى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) حين رآه : لقد رأى هذا ~~ذعرا ؛ فأقبل واستغاث برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : ويحك ~~مالك ؟ فقال صاحبكم صاحبي . وجاء أبو بصير يتلوه ، فسلم على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وقال : وفت ذمتك يا رسول الله ، وأدى الله عنك ، ~~دفعتني إليهما فتعرفت أنهم سيعذبونني ويفتنونني عن ديني ، فقتلت المنقذي ، ~~وأفلتني هذا . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ويل أمه مسعر حرب ~~لو كان معه رجال " ، وجاء أبو بصير بسلبه فقال : خمس يا رسول الله ؛ فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إني إن خمسته لم أوف لهم بالذي ~~عاهدتهم عليه ، ولكن شأنك بسلب صاحبك ، واذهب حيث شئت . " فخرج أبو بصير ~~معه خمسة نفر كانوا ms3625 قدموا مسلمين من مكة حيث قدم ، ولم يطلبهم أحد ، وساروا ~~حتى نزلوا بين العيص وذي المروة من أرض جهينة ، على طريق عيرات قريش مما ~~يلي سيف البحر ، لا تمر بهم غير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها ، وانفلت ~~أبو جندل بن سهيل بن عمرو - واسم أبى جندل العاص بن سهيل على ما أورده ~~الزبير بن بكار - في سبعين راكبا أسلموا ، فلحقوا بأبى بصير حين بلغهم أن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " ويل امه مسعر حرب لو كان معه ~~رجال ، " فقطعوا مادة قريش من طريق الشام . وكان أبو بصير يصلي لأصحابه ، ~~فلما قدم عليه أبو جندل كان هو يؤمهم ، واجتمع إلى أبى جندل ناس من بني ~~غفار وأسلم وجهينة وطوائف من الناس ، حتى بلغوا ثلثمائة مقاتل ، وهم مسلمون ~~، فأقاموا مع أبى جندل وأبى بصير ، لا تمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا ~~أصحابها ، وقال أبو جندل في ذلك : PageV17P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" أبلغ قريشا عن أبى جندل . . . أنا بذي المروة ~~بالساحل في معشر تخفق راياتهم . . . بالبيض فيها والقنا الذبل يأبون أن ~~تبقى لهم رفقة . . . من بعد إسلامهم الواصل أو يجعل الله لهم مخرجا . . . ~~والحق لا يغلب بالباطل فيسلم المرء بإسلامه . . . أو يقبل المرء ولم يأتل ~~فأرسلت قريش إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تسأله بأرحامهم إلا ~~آراهم ، وقالوا : لا حاجة لنا بهم . قال البيهقي : وقالوا : من خرج منا ~~إليك فأمسكه غير حرج أنت فيه ، فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا ~~يصلح إقراره . فلما كان ذلك من أمرهم ، علم الذين كانوا أشاروا على رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية أن طاعة ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خير لهم فيما أحبوا وكرهوا . وحكى ~~البيهقي : أن هؤلاء هم الذين مر بهم أبو العاص بن الربيع فأخذوا ما معه ، ~~فلما بلغهم ما قاله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أطلقوا من أسروا من ~~أصحاب أبى العاص ، وردوا إليهم جميع ما أخذوه حتى العقال ms3626 ، وقد تقدم خبر ~~أبى العاص ، وقيل : إنما أخذ في هذه السرية . والله أعلم . قال : وكتب رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) كتابا إلى أبى بصير وأبى جندل يأمرهما أن ~~يقدما عليه ، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم ~~وأهليهم ، ولا يعترضوا لأحد مر بهم من قريش وعيراتهم . فقدم كتاب رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) على أبى جندل وأبى بصير ، وأبو بصير قد أشرف على ~~الموت ، فمات وكتاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في يده يقرؤه ، فدفنه ~~أبو جندل مكانه ، وجعل عند قبره مسجدا ، وقدم أبو جندل على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ومعه ناس من أصحابه ، ورجع سائرهم إلى أهليهم ، وأمنت ~~عيرات قريش . ذكر غزوة خيبر وفتحها وما يتصل بذلك قال محمد بن سعد : غزاها ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في جمادى الأولى سنة سبع من مهاجره . ~~وقال محمد بن إسحاق وأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي : في المحرم من السنة ~~. وخيبر على ثمانية برد من المدينة . قالوا : أمر رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أصحابه بالتهيؤ لغزاة خيبر ، وأجلب من حوله PageV17P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" يريدون الغزاة معه ، فقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " لايخرجن معنا إلا راغب في الجهاد ، " وشق ذلك على من ~~بقى بالمدينة من اليهود ، فخرج واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري ~~، قاله ابن سعد والبيهقي . وقال ابن إسحاق : استخلف نميلة بن عبد الله ~~الليثي ؛ وأخرج معه من أزواجه أم سلمة رضى الله عنها . قال ابن إسحاق : لما ~~سار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى خيبر قال في مسيره لعامر بن ~~الأكوع - وهو عم سلمة بن الأكوع ، واسم الأكوع سنان - " انزل يآبن الأكوع ، ~~فخذ لنا من هناتك ، " فنزل يرتجز برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال ~~: والله لولا الله ما اهتدينا . . . ولا تصدقنا ولا صلينا إنا إذا قوم بغوا ~~علينا . . . وإن أرادوا فتنة أبينا فأنزلن سكينة علينا . . . وثبت الأقدام ~~إن لاقينا فقال له رسول الله ( صلى ms3627 الله عليه وسلم ) : يرحمك ربك . ومن ~~رواية البيهقي : غفر لك ربك . قال : وما خص بها رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أحدا قط إلا استشهد . قال ابن إسحاق : فقال عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنه : وجبت والله يا رسول الله ، لو متعتنا بعامر ؛ فقتل يوم خيبر شهيدا ، ~~رجع سيفه عليه وهو يقاتل ، فكلمه كلما شديدا فمات . قال : ولما خرج رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) من المدينة سلك على عصر فبنى له مسجدا ، ثم ~~على الصهباء ، ثم أقبل بجيشه حتى نزل بواد يقال له : الرجيع ، فنزل بينهم ~~وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر ، وكانوا لهم مظاهرين على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : فلما سمعت غطفان بمنزل رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) من خيبر جمعوا ، ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه ، حتى ~~إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا ، وظنوا أن القوم قد ~~خالفوا إليهم ، فرجعوا على أعقابهم فأقاموا في أهليهم وأموالهم ، وخلوا بين ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبين خيبر . PageV17P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" قال : ولما أشرف رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) على خيبر قال لأصحابه : قفوا فوقفوا ، ثم قال : " اللهم رب السموات ~~وما أظللن ، ورب الأرضين وما أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، ورب الرياح ~~وما ذرين ، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ، وخير ما فيها ، ونعوذ ~~بك من شرها وشر ما فيها ، أقدموا بسم الله . " قال : ولما نزل بساحتهم لم ~~يتحركوا تلك الليلة ، ولم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس ، وأصبحوا وأفئدتهم ~~تخفق ، وفتحوا حصونهم ، وغدوا إلى أعمالهم ، معهم المساحي ، والكرازن - وهي ~~الفئوس - والمكاتل - وهي الزنابيل - فلما نظروا إلى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قالوا : محمد والخميس - يعنون الجيش - فولوا هاربين إلى حصونهم ~~، وجعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " الله أكبر ، خربت خيبر ، ~~إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ، " ووعظ رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) الناس ، وفرق فيهم الرايات ، ولم تكن الرايات إلا يوم ms3628 خيبر ، ~~إنما كانت الألوية ، فكانت راية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) السواء ~~من برد لعائشة أم المؤمنين رضى الله عنها تدعى العقاب ، ولواؤه أبيض ، ~~ودفعه إلى علي بن أبى طالب ، وراية إلى الحباب بن المنذر ، وراية إلى سعد ~~بن عباد ؛ وكان شعارهم : يا منصور أمت ، وكانت حصون خيبر حصونا ذوات عدد ، ~~منها النطاة ، وحصن الصعب ابن معاذ ، وحصن ناعم ، وحصن قلعة الزبير ، هذه ~~حصون النطاة . والشق وبه حصون منها : حصن أبى ، وحصن النزار . وحصون ~~الكتيبة منها : القموص ، والوطيح ، وسلالم . وسنذكر إن شاء الله فتحها حصنا ~~حصنا . قال : وخرج مرحب اليهودي من حصنهم ، قد جمع سلاحه وهو يقول : قد ~~علمت خيبر أني مرحب . . . شاكي السلاح بطل مجرب أطعن أحيانا وحينا أضرب . . ~~. إذا الليوث أقبلت تحرب إن حماى للحمى لا يقرب PageV17P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" ثم يقول : هل من مبارز ؟ فأجابه كعب بن مالك ~~وهو يقول : قد علمت خيبر أني كعب . . . مفرج الغمى جرئ صلب إذ شبت الحرب ~~تليها الحرب . . . معي حسام كالعقيق عضب نطاكم حتى يذال الصعب . . . نعطي ~~الجزاء أو يفئ النهب بكف ماض ليس فيه عتب فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : من لهذا ؟ فقال محمد بن مسلمة : أنا له يا رسول الله ، أنا والله ~~الموتور الثائر ، قتل أخي بالأمس ؛ قال : فقم إليه ، اللهم أعنه عليه . ~~فخرج إليه حتى دنا منه ، فحمل مرحب عليه فضربه ، فاتقاه بالدرقة ، فأمسكت ~~سيفه ، وضربه محمد بن مسلمة فقتله . وقد روى أن الذي قتل مرحبا علي بن أبى ~~طالب رضى الله عنه ، وذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أعطى اللواء ~~عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، ونهض معه من الناس ، فلقوا أهل خيبر ، فانكشف ~~عمر وأصحابه ، فرجعوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، يجيبه أصحابه ~~ويجبنهم ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد أخذته الشقيقة فلم ~~يخرج إلى الناس ، فأخذ أبو بكر رضى الله عنه راية رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ثم رجع ، فأخذها ms3629 عمر رضى الله عنه ~~فقاتل قتالا شديدا أشد من القتال الأول ، ثم رجع ، فأخبر رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ذلك ، فقال : " أما والله لأعطين الراية غدا رجلا يحب ~~الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، يأخذها عنوة . " وفي رواية قال : يفتح ~~الله على يديه . فبات الناس يذكرون ليلتهم أيهم يعطاها ، فلما أصبحوا غدوا ~~على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كلهم يرجو أن يعطاها ، فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أين أبى طالب ؟ فقالوا : هو يا رسول الله ~~يشتكي عينيه ؛ قال : فأرسل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إليه سلمة بن ~~الأكوع فدعاه ، فجاء على بعير له حتى أناخ قريبا من رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وهو أرمد ، قد عصب عينيه بشقة برد قطري ، قال سلمة : فجئت به ~~أقوده إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال له رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : مالك ؟ قال : رمدت ؛ فقال : ادن مني فدنا منه فتفل في ~~عينيه ، ودعا PageV17P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع ، وما وجعهما ~~حتى مضى لسبيله ، ثم أعطاه الراية وقال : " امض حتى يفتح الله عليك " قال : ~~يا رسول الله ، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ قال : انفذ على رسلك حتى تنزل ~~بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله ، فو ~~الله لئن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم روى هذا الحديث أو ~~نحوه أهل الصحة . ومن رواية ابن إسحاق عن سلمة بن الأكوع قال : فنهض علي ~~بالراية وعليه حلة أرجوان حمراء ، وقد أخرج حملها ، فأتى مدينة خيبر ، وخرج ~~مرحب صاحب الحصن ، وعليه مغفر معصفر ، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه ، ~~وهو يرتجز ويقول : قد علمت خيبر أني مرحب . . . شاكي السلاح بطل مجرب أطعن ~~أحيانا وحينا أضرب . . . إذا الحروب أقبلت تلهب كان حماى كالحمى لا يقرب ~~فبرز له بن أبى طالب فقال : أنا الذي سمتنى حيدره . . . كليث غابات شديد ~~قسوره أكيلكم بالسيف كيل السندره فاختلفا ضربتين ، فبدره ms3630 علي رضى الله عنه ~~فضربه ، فقد الحجر والمغفرة وفلق رأسه ، حتى أخذ السيف في الأضراس . ثم خرج ~~بعد مرحب أخوه ياسر ، وهو يرتجز ويقول : قد علمت خيبر أني ياسر . . . شاكي ~~السلاح بطل مغاور إذا الليوث أقبلت تبادر . . . إن حماى فيه موت حاضر وهو ~~يقول : هل من مبارز ؟ فخرج إليه الزبير بن العوام رضى الله عنه ، وهو يقول ~~: PageV17P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" قد علمت خيبر أني زبار . . . قرم لقوم غير ~~نكس فرار أين حماة المجد ؟ أين الأخيار ؟ . . . ياسر ، لا يغررك جمع الكفار ~~فجمعهم مثل السراب الختار فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب : أيقتل ابني يا ~~رسول الله ؟ قال : " بل ابنك يقتله إن شاء الله " ثم التقيا ، فقتله الزبير ~~. ومن رواية أخرى عن سلمة قال : فخرج علي رضى الله عنه يهرول هرولة وإنا ~~لخلقه نتبع أثره ، حتى ركز رايته في رضم حجارة تحت الحصن ، فاطلع إليه ~~يهودى من رأس الحصن فقال : من أنت ؟ قال : أنا علي بن أبى طالب ؛ فقال ~~اليهودى : علوتم وما أنزل الله على موسى . وقال ابن إسحاق أيضا من رواية ~~أبى رافع مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : خرجنا مع علي رضى ~~الله عنه حين بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) برايته ، فلما دنا من ~~الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم ، فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده ، ~~فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه ، فلم يزل في يده وهو يقاتل ~~حتى فتح الله عليه ، ثم ألقاه من يده حين فرغ ، فلقد رأيتني في نفر معي ~~سبعة ، أنا ثامنهم ، نجهد على أن نقلب ذلك الباب ، فما نقلبه . قال محمد بن ~~إسحاق وأبو بكر البيهقي وغيرهما : إن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فقالوا : يا رسول الله ، جهدنا وما بأيدينا من شئ ؛ فلم ~~يجدوا عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) شيئا يعطيهم إياه ؛ فقال : ~~اللهم إنك قد عرفت حالهم ، وأن ليست بهم قوة ، وأن ليس بيدى شئ أعطيهم إياه ms3631 ~~، فافتح عليهم أعظم حصونها غناء ، وأكثرها طعاما وودكا ، فغدا الناس ، ففتح ~~الله عليهم حصن الصعب بن معاذ ، وما بخيبر حصن كان أكثر منه طعاما وودكا . ~~قال البيهقي : وافتتح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حصن ناعم ، فانتقل ~~من كان من يهود بحصن مصعب بن معاذ وحصن ناعم إلى قلعة الزبير ، ويقال : حصن ~~ناعم أول ما افتتح من حصونهم ، وعنده قتل محمود بن مسلمة ، ألقيت عليه رحى ~~منه فمات . قال : وحصن الزبير حصن منيع في رأس قلة ، فحاصرهم رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) به ثلاثة أيام ، فجاءه رجل من اليهود يقال له : غزال ~~؛ فقال : يا أبا القاسم ، PageV17P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" تؤمنني على أن أدلك على ما تستريح به من أهل ~~النطاة ، وتخرج إلى أهل الشق ؟ فإن أهل الشق قد هلكوا رعبا منك ، فأمنه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على أهله وماله ، فقال اليهودى : إنك لو ~~أقمت شهرا ما بالوا ، لهم دبول تحت الأرض ، يخرجون بالليل فيشربون منها ثم ~~يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك ، فإذا قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك . فسار ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى دبولهم فقطعها ، فلما قطع عليهم ~~مشاربهم خرجوا فقاتلوا أشد قتال ، وقتل من المسلمين يومئذ نفر ، وأصيب من ~~يهود في ذلك اليوم عشرة ، وآفتتحه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فكان ~~آخر حصون النطاة ؛ فلما فرغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من النطاة ~~تحول إلى أهل الشق ، وبه حصون ، فكان أول حصن بدأ به ( صلى الله عليه وسلم ~~) حصن أبى ، فقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على قلعة يقال لها ~~سموان ؛ فقاتل عليها أهل الحصن قتالا شديدا ، وخرج رجل من اليهود يقال له ~~غزول ؛ فدعا إلى البراز ، فبرز له الحباب بن المنذر ، فآختلفا ضربات ، ثم ~~حمل عليه الحباب فقطع يده اليمنى من نصف الذراع ، فسقط السيف من يده وهرب ~~إلى الحصن ، فتبعه الحباب فقطع عرقوبيه ، فوقع ، فذفف عليه ، فخرج آخر فصاح ~~: من يبارز ؟ فبرز له رجل من المسلمين من آل جحش ms3632 ، فقتل الجحشي ، وقام ~~مكانة يدعو إلى البراز ، فبرز له أبو دجانة ، قد عصب رأسه بعصابة حمراء فوق ~~المغفر ، يختال في مشيته ، فبدره أبو دجانة فضربه فقطع رجليه ، ثم ذفف عليه ~~وأخذ سلبه ؛ درعه وسيفه : فنفله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك ، ~~وأحجموا عن البراز ، فكبر المسلمون ، ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه ، يقدمهم ~~أبو دجانة الأنصاري ، فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما ، وهرب من كان ~~فيه من المقاتلة ، وتقحموا الجدار كأنهم الظبي إلى حصن النزار ، فغلقوه ~~وامتنعوا فيه ، وزحف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في أصحابه فقاتلهم ، ~~فكانوا أشد أهل الشق رميا بالنبل والحجارة ، حتى أصاب النبل ثياب رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) وعلقت به ، فأخذ النبل فجمعها ، ثم أخذ كفا من ~~حصباء ، فحصب به حصنهم فرجف الحصن بهم ، ثم ساخ في الأرض حتى جاء المسلمون ~~، فأخذوا أهله أخذا أهله أخذا ، ثم تحول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إلى أهل الكتيبة ، فافتتح القموص ، حصن PageV17P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" أبى الحقيق ، وأتى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) منه بصيفية بنت حي بن أخطب . قالوا : ولما آفتتح رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من حصونهم ما آفتتح ، وحاز من الأموال ما حاز ، آنتهوا ~~إلى حصنيهم : الوطيح والسلالم ، وكانا آخر حصون أهل خيبر آفتتاحا ، فحاصرهم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بضع عشرة ليلة حتى إذا أيقنوا بالهلكة ~~سألوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يسيرهم ، وأن يحقن دماءهم . قال ~~البيهقي : حصرهم أربعة عشر يوما وهم لا يطلعون من حصونهم ، حتى هم رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن ينصب المنجنيق عليهم ، فلما أيقنوا بالهلكة ~~سألوا الصلح ، وأرسل آبن أبى الحقيق إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: أنزل فأكلمك ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : نعم ، فنزل كنانة ~~بن الربيع آبن أبى الحقيق فصالح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على حقن ~~دماء من في حصونهم من المقاتلة ، وترك الذرية لهم ، ويخرجون من خيبر وأرضها ~~بذراريهم ، ويخلون ms3633 بين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبين ما كان لهم ~~من مال وأرض ، وعلى الصفراء بيضاء والكراع والحلقة ، وعلى البز إلا ثوبا ~~على ظهر إنسان ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " وبرئت منكم ذمة ~~الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا " فصالحوه على ذلك . وكان عند كنانة بن ~~الربيع بن أبى الحقيق كنز بنى النضير ، فسأله رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) عنه ، فجحد أن يكون يعلم مكانه ، وقال : نفذ في النفقة والحروب ؛ ~~فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " كان أكثر من ذلك ، " ثم جاء رجل ~~من يهود إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : يا رسول الله ، إني ~~رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة . فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) لكنانة : " أرأيت إن وجدناه عندك ، أقتلك ؟ " قال : نعم ؛ فأمر رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالخربة فحفرت ، فأخرج منها بعض كنزهم ، ثم ~~سأله عما بقى ، فأبى أن يؤديه ، فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~الزبير بن العوام به ، فقال : " عذبه حتى تستأصل ما عنده ، " فكان يقدح ~~بزند في صدره حتى أشرف على نفسه ، ثم دفعه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) إلى محمد بن مسلمة ، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة . ويقال : ذلك بعد ~~فتح حصن القموص ، وقبل فتح الوطيح والسلالم . قال محمد بن إسحاق : ولما نزل ~~أهل خيبر على الصلح سألوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يعاملهم في ~~الأموال على النصف ؛ على أنا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم ، قال : ولما سمع أهل ~~فدك أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) آفتتح حصون خيبر بعثوا إلى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، يسألونه أن يسيرهم ، وأن يحقن دماءهم ، ~~ويخلوا له الأموال ، ففعل ؛ وكان ممن مشى PageV17P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" بين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبينهم ~~في ذلك محيصة بن أخو بني حارثة ، ثم سألوا أن يعاملهم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) على النصف كما عامل أهل خيبر ، فأجابهم إلى ذلك ms3634 ؛ على أنا شئنا ~~أن نخرجكم أخرجناكم ؛ فكانت خيبر فيئا بين المسلمين ، وكانت فدك خالصة ~~لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب ~~. ولما افتتح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خيبر قدم عليه جعفر بن أبى ~~طالب رضى الله عنه من أرض الحبشة ومن كان بقى بها من المسلمين ، فقبله رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بين عينيه التزمه ، وقال : ما أدرى بايهما أنا ~~أسر ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر . ذكر تسمية من استشهد من المسلمين في غزوة ~~خيبر قالوا : استشهد من المسلمين في غزوة خيبر تسعة عشر رجلا . من قريش ~~وحلفائهم خمسة نفر ، وهم رفاعة بن مسروح ، من بني أمية بن عبد شمس ، ومن ~~حلفائهم ربيعة بن أكثم بن سخبرة ، وثقف بن عمرو بن سميط ، ومن حلفاء بني ~~أسد ابن عبد العزى أبو عمير عبد الله بن الهبيب - ويقال ابن الهبيب - بن ~~أهيب الليثي ، ومسعود بن ربيعة ، حليف لبنى زهرة ، من القارة . ومن الأنصار ~~أربعة عشر رجلا ، وهم : بشر بن البراء بن معرور ، مات من الشاة المسمومة ، ~~وفضيل بن النعمان ، ومسعود بن سعد بن قيس ، ومحمود بن مسلمة ، وأبو ضياح ~~النعمان بن ثابت ، والحارث بن حاطب ، ممن شهد بدرا ، وعروة بن مرة بن سراقة ~~، وأوس بن الفائد ، وأنيف بن حبيب ، وثابت بن إثلة ، وطلحة ، ومبشر ، ~~وعمارة بن عقبة ، وعامر بن الأكوع الأسلمى ، وكان قد برز له يهودى ، فبرز ~~إليه وهو يقول : قد علمت خيبر أني عامر . . . شاكي السلاح بطل مغامر ~~واختلفا ضربتين ، فوقع سيف اليهودي في ترس عامر ، ووقع سيف عامر عليه ، ~~فأصاب ركبة نفسه وساقه ، فمات منها . قال سلمة بن الأكوع : فمررت على نفر ~~من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهم يقولون : بطل عمل عامر ؛ ~~فأتيت نبي الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأنا شاحب أبكي ، فقلت : يا رسول ~~الله ، أبطل عمل عامر ؟ فقال : ومن قال ذلك ؟ قلت : بعض أصحابك ؛ قال : كذب ~~من قاله ، بل أجره مرتين ، إنه لجاهد مجاهد . واستشهد الأسود ms3635 الراعي - ~~واسمه أسلم ، وهو من أهل خيبر - وكان من حديثه PageV17P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" حكاه محمد بن إسحاق وأبو بكر البيهقي رحمهما ~~الله : أنه أتى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو محاصر لبعض حصون خيبر ~~، ومعه غنم كان فيها أجيرا لرجل من يهود ، فقال : يا رسول الله ، اعرض على ~~الإسلام ؛ فعرضه عليه ، فقال : فماذا لي إن أنا شهدت وآمنت بالله ؟ قال : ~~لك الجنة إن أنت مت على ذلك ، فأسلم وقال : يا رسول الله ، إني كنت أجيرا ~~لصاحب هذه الغنم ، وهي أمانة عندي ، فكيف أصنع بها ؟ قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " أخرجها من عسكرنا ، واحصب وجوهها ، فإن الله سيؤدي ~~عنك أمانتك ، وسترجع إلى ربها . " ففعل الأسود وقال : ارجعي إلى صاحبك ، فو ~~الله لا أصحبك ، فخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن . ثم تقدم ~~إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين ، فأصابه حجر فقتله ، وما صلى لله صلاة ~~قط ، فأتى به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فوضع خلفه ، وسجى بشملة ~~كانت عليه ، فالتفت إليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثم أعرض عنه ، ~~فقالوا : يا رسول الله ، لم أعرضت عنه ؟ قال : " إن معه الآن زوجته من ~~الحور العين . " وقتل من يهود ثلاثة وأربعون ، منهم : الحارث أبو زينب ، ~~ومرحب ، وأسير ، وياسر ، وعامر ، وكنانة بن أبى الحقيق ، وأخوه . ذكر قسم ~~غنائم خيبر قال محمد بن سعد : أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بالغنائم فجمعت ، واستعمل عليها فروة بن عمرو البياضي ، وأمر بذلك فجزئ ~~خمسة أجزاء ، وكتب في سهم منها لله ، وسائر السهمان أغفال ، فكان أول ما ~~خرج سهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأمر ببيع الأربعة أخماس فيمن يزيد ~~، فباعها فروة ، وقسم ذلك بين أصحابه ؛ وكان الذي ولي إحصاء الناس زيد بن ~~ثابت ، فأحصاهم ألفا وأربعمائة رجل ، والخيل مائتي فرس ، فكانت السهمان على ~~ثمانية عشر سهما ، لكل مائة سهم ، وكان الخمس الذي صار إلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يعطي منه على ما أراه الله . وقال محمد بن إسحاق ms3636 : كانت ~~المقاسم على أموال خيبر ، على الشق ونطاة والكتيبة ، فكانت الكتيبة خمس ~~الله ، وسهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وذوى القربى واليتامى والمساكين ~~، وطعم أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وطعم رجال مشوا بين رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، وبين أهل فدك بالصلح ، منهم محيصة بن مسعود ، ~~أعطاه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منها ثلاثين وسقا من PageV17P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" شعير ، وثلاثين وسقا من تمر ، وكانت الشق ~~ونطاة في سهمان المسلمين ؛ قال : وقسمت خيبر على أهل الحديبية ، من شهد ~~منهم ومن غاب ، ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام ، فقسم ~~له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كسهم من حضرها . وقال : وكان وادياها ~~: وادي السرير ووادي خاص ، وهما اللذان قسمت عليهما خيبر ، فكانت نطاة ~~والشق ثمانية عشر سهما ، نطاة خمسة أسهم ، والشق ثلاثة عشر سهما ، فقسمت ~~الشق ونطاة على ألف سهم وثمانمائة سهم ، فكان لكل سهم رأس جمع إليه مائة ~~رجل ؛ ثم قسم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الكتيبة - وهو وادي خاص - ~~بين قرابته ونسائه ورجال من المسلمين ونساء أعطاهم منها . وروى بشير بن ~~يسار قال : لما افتتح النبي ( صلى الله عليه وسلم ) خيبر أخذها عنوة ، ~~فقسمها على ستة وثلاثين سهما ، فأخذ لنفسه ولنوائبه وما ينزل به ثمانية عشر ~~سهما ، وقسم بين الناس ثمانية عشر سهما . والله أعلم . وروى أبو داود في ~~سننه بسنده إلى عقبة بن عامر أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال لرجل : ~~أترضى أن أزوجك فلانة ؟ قال : نعم ؛ وقال للمرأة : أترضين أن أزوجك فلانا ؟ ~~قالت : نعم . فزوج أحدهما صاحبه ، فدخل بها الرجل ، ولم يفرض لها صداقا ولم ~~يعطها شيئا ، وكان ممن شهد الحديبية ، وكان من شهد الحديبية له سهم بخيبر ، ~~فلما حضرته الوفاة قال : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) زوجني فلانة ~~، ولم أفرض لها صداقا ، ولم أعطها شيئا ، وإني أشهدكم أني أعطيتها من ~~صداقها سهمى بخيبر . فأخذت سهما فباعته بمائة ألف . ذكر تسمية من قسم لهم ms3637 ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من الكتيبة التي خرجت للخمس وما أعطاهم ~~منها قسم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من الكتيبة - وهو وادي خاص - ~~لفاطمة ابنته رضى الله عنها مائتي وسق ، ولعلي بن أبى طالب مائة وسق ، ~~ولأسامة بن زيد مائتي وسق ، وخمسين وسقا نوى ، ولعائشة أم المؤمنين رضى ~~الله عنها مائتي وسق ، ولأبى بكر الصديق رضى الله عنه مائة وسق ، ولعقيل بن ~~أبى طالب مائة وسق وأربعين وسقا ، PageV17P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" ولبني جعفر خمسين وسقا ، ولربيعة بن الحارث ~~مائة وسق ، وللصلت بن مخرمة وابنيه مائة وسق ؛ للصلت منها أربعون وسقا . ~~وقال أبو عمر بن عبد البر في ترجمة قاسم بن مخرمة بن المطلب : أعطاه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولأخيه الصلت مائة وسق من خيبر ، ولأبى نبقة ~~خمسين وسقا ، ولركانة بن عبد يزيد خمسين وسقا ، ولابن القاسم بن مخرمة ~~أربعين وسقا ، ولبنات عبيدة بن الحارث وابنه الحصين بن الحارث مائة وسق ، ~~ولبني عبيد بن عبد يزيد ستين وسقا ، ولابن أوس بن مخرمة ثلاثين وسقا ، ~~ولمسطح بن أثاثة وابن إلياس خمسين وسقا ، ولأم رميثة أربعين وسقا ، ولنعيم ~~بن هند ثلاثين وسقا ، ولبحينة بنت الحارث ثلاثين وسقا ، ولعجير بن عبد يزيد ~~ثلاثين وسقا ، ولأم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب ثلاثين وسقا ، ولجمانة ~~بنت أبى طالب ثلاثين وسقا ، ولعبد الله بن الأرقم الزهري خمسين وسقا ، ~~ولعبد الرحمن بن أبى بكر أربعين وسقا ، ولحمنة بنت جحش ثلاثين وسقا ، ولام ~~الزبير أربعين وسقا ، ولضباعة بنت الزبير أربعين وسقا ، ولابن أبى خنيس ~~ثلاثين وسقا ، ولأم طالب أربعين وسقا ، ولأبى نضرة عشرين وسقا ، ولنميلة ~~الكلبى خمسين وسقا ، ولعبد الله بن وهب وابنيه تسعين وسقا ، لابنيه منها ~~أربعون وسقا ، ولأم حبيب بنت جحش ثلاثين وسقا ، ولملكو بن عبدة ثلاثين وسقا ~~، ولنسائه ( صلى الله عليه وسلم ) سبعمائة وسق . وقال ابن إسحاق أيضا : ~~وقسم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لنسائه من فتح خيبر مائة وسق ~~وثمانين وسقا ، ولفاطمة ابنة رسول الله ( صلى الله عليه ms3638 وسلم ) خمسة ~~وثمانين وسقا ، ولأسامة بن زيد أربعين وسقا ، وللمقداد بن الأسود خمسة عشر ~~وسقا ، ولأم رميثة خمسة أوسق . شهد عثمان بن عفان وعباس وكتب . قال : وكان ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يبعث عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر ~~خاصا بين المسلمين ويهود فيخرص عليهم ، فإذا قالوا : تعديت علينا ؛ قال : ~~إن شئتم فلكم ، وإن شئتم فلنا ؛ فتقول يهود : بهذا قامت السموات والأرض . ~~ولم يحرص عليهم عبد الله إلا عاما واحدا ومات . وروى أبو داود رحمه الله في ~~سننه بسنده عن جابر بن عبد الله من رواية ابن جريج عن أبى الزبير عنه ، قال ~~: خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق ، وإن اليهود لما خيرهم ابن رواحة أخذوا ~~التمر وعليهم عشرون ألف وسق ؛ ثم خرص عليهم بعده جبار بن صخر بن أمية بن ~~خنساء ، أخو بني سلمة ، فأقامت يهود على ذلك لا يرى PageV17P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" بهم المسلمون بأسا في معاملتهم ، حتى عدوا ~~على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على عبد الله بن سهيل ، أخي بني ~~حارثة ، فقتلوه ، وكان قد خرج إليها في أصحاب له يمتار منها تمرا ، فوجد في ~~عين قد كسرت عنقه ، فاتهمهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والمسلمون ~~بقتله ، وجاء أخوه عبد الرحمن بن سهيل ، وابنا عمه حويصة ومحيصة إلى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فتكلم عبد الرحمن - وكان أصغرهم ، وهو صاحب ~~الدم - فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : كبر كبر فسكت ، وتكلم ~~حويصة ومحيصة ، ثم تكلم بعدهما ، فذكروا قتل صاحبهم ، فقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " أتسمعون قاتلكم ثم تحلفون عليه خمسين يمينا فنسلمه ~~إليكم ؟ " قالوا : يا رسول الله ، ما كنا لنحلف على مالا نعلم ؛ قال : " ~~أفيحلفون بالله خمسين يمينا ما قتلوه ، ولا يعلمون له قاتلا ، ثم يبرءون من ~~دمه ؟ " ، فقالوا : يا رسول الله ، ما كنا لنقبل أيمان يهود ، ما هم فيه من ~~الكفر أعظم أن يحلفوا على إثم . قال : فوداه رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بمائة ناقة . قال ms3639 : واستقرت خيبر بيد يهود على ما عاملهم عليها رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) مدة حياته ، ثم أقرها أبو بكر رضى الله عنه ~~بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بأيديهم على المعاملة ، ثم أقرهم عمر ~~بن الخطاب رضى الله عنه صدرا من خلافته ، ثم بلغه أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال في وجعه الذي قبضه الله فيه : لا يجتمعن بجزيرة العرب ~~دينان ؛ ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت ، فأرسل إلى يهود ، فقال : إن الله ~~قد أذن في إجلائكم ، قد بلغني أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " ~~لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان " فمن كان عنده عهد من رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) من اليهود فليأتنى به أنفذه له ، ومن لم يكن له عهد منه ~~فليتجهز للجلاء . فأجلى عمر بن الخطاب من لم يكن عنده عهد من رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . هذا ما كان من أمر خيبر على سبيل الاختصار ، فلنذكر ~~ما اتفق بعد فتح خيبر مما يتعين إلحاقه بهذه الغزوة لتعلقه بها ، فمن ذلك ~~خبر الشاة التي سم فيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقد قدمنا ذكر ~~ذلك في أخبار يهود ، وهو في الجزء الرابع عشر من هذه النسخة ، ومنه خبر ~~الحجاج بن علاط . ذكر خبر الحجاج بن علاط وما أوصله إلى أهل مكة عن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى استوفى أمواله قالوا : وكان الحجاج بن ~~علاط السلمى ثم البهزي أسلم وشهد خيبر مع رسول PageV17P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلما فتحت ~~خيبر قال : يا رسول الله ، ان لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبى ~~طلحة ، ومال مفرق في تجار أهل مكة ، فأذن لي يا رسول الله . فأذن له ، فقال ~~: إنه لابد لي يا رسول الله من أن أقول . قال : قل ، قال الحجاج : فخرجت ~~حتى إذا قدمت مكة وجدت بثينة البيضاء رجالا من قريش يستمعون الأخبار ، ~~ويسألون عن أمر رسول الله ( صلى الله عليه ms3640 وسلم ) ، وقد بلغهم أنه قد سار ~~إلى خيبر ، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز ؛ ريفا ومنعة ورجالا ، فهم يتحسسون ~~الأخبار ، ويسألون الركبان ، فلما رأوني قالوا : الحجاج بن علاط عنده والله ~~الخبر ؛ قال : ولم يكونوا قد علموا بإسلامي ، فقالوا : أخبرنا يا أبا محمد ~~، فإنه بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر ، وهي بلد يهود وريف الحجاز ؛ قال ~~: قلت : قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم ؛ فالتبطوا بجنبي ناقتي ~~يقولون : إيه يا حجاج قال : قلت : هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط ، وقتل ~~أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط ، وأسر محمد أسرا ، وقالوا : لا نقتله حتى ~~نبعث به إلى مكة ، فيقتلوه بين أظهرهم بمن أصاب من رجالهم . فقالوا وصاحوا ~~بمكة ، وقالوا : لقد جاءكم الخبر ، وهذا محمد ، إنما تنتظرون أن يقدم به ~~عليكم فيقتل بين أظهركم . قال : قلت : أعينوني على جمع مالي بمكة على ~~غرمائي ، فإني أريد أن أقدم خيبر ، فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني ~~التجار إلى ما هنالك . قال : فقاموا فجمعوا لي مالي كأحث جمع سمعت به . قال ~~: وجئت صاحبتي فقلت : مالي - وقد كان لي عندها مال موضوع - لعلي ألحق بخيبر ~~، فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار ؛ قال : فلما سمع العباس بن عبد ~~المطلب الخبر وجاءه عني ، أقبل حتى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيم ~~التجار ، فقال : يا حجاج ، ما هذا الخبر الذي جئت به ؟ قال : قلت : وهل ~~عندك حفظ لما وضعت عندك ؟ قال : قلت : وهل عندك حفظ لما وضعت عندك ؟ قال : ~~نعم ؛ قلت : فاستأخر عني حتى أفرغ . قال : فلما فرغت من جمع كل شئ كان لي ~~بمكة ، وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت : احفظ علي حديثي يا أبا الفضل ، ~~فإني أخشى الطلب ثلاثا ، ثم قل ما شئت . قال : أفعل ؛ قلت : فإني والله ~~تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم - يعني صفية بنت حي بن أخطب - ولقد ~~افتتح خيبر ، PageV17P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" وانتثل ما فيها ، وصارت له ولأصحابه ؛ قال : ~~ما تقول يا حجاج قلت : إي والله ، فاكتم ms3641 عني ، ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ ~~مالي فرقا من أن أغلب عليه ، فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك ، فهو والله على ما ~~تحب . قال : وسرت حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له ، وتخلق وأخذ ~~عصاه ، ثم خرج حتى أتى الكعبة ، فطاف بها ، فلما رأوه قالوا : يا أبا الفضل ~~، هذا والله التجلد لحر المصيبة ؛ قال : كلا ، والله الذي حلفتم به لقد ~~افتتح محمد خيبر وترك عروسا على آبنة ملكهم ، وأحرز أموالهم وما فيها ، ~~فأصبحت له ولأصحابه . قالوا : من جاءك بهذا الخبر ؟ قال : الذي جاءكم بما ~~جاءكم به ، ولقد دخل عليكم مسلما فأخذ ماله ، وانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه ~~فيكون معه ؛ قالوا : يالعباد الله انقلت عدو الله ، أما والله لو علمنا ~~لكان لنا وله شأن . ولم يلبثوا أن جاءهم الخبر بذلك . ذكر انصراف رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) عن خيبر إلى وادي القرى ، ونومهم عن صلاة الصبح ~~قالوا : ولما فرغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من خيبر انصرف إلى وادي ~~القرى ، فنزل به مع غروب الشمس ، ومعه غلام له يقال له : مدعم ؛ أهداه إليه ~~رفاعة بن زيد الجذامي ، فبينا هو يضع رحل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أتاه سهم غرب فقتله ، فقال الناس : هنيئا له الجنة ؛ فقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " كلا والذي نفس محمد بيده إن شملته لتحترق عليه في ~~النار . " كان غلها من فئ المسلمين يوم خيبر ، فسمعها رجل من أصحاب رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا رسول الله ، أصبت شراكين لنعلين لي ~~؛ فقال : يقد لك مثلهما من النار . قال أبو بكر أحمد البيهقي رحمه الله ~~بسند يرفعه إلى أبى هريرة رضى الله عنه ، وساق نحو الحديث في قتل مدعم ، ثم ~~قال : وكانت يهود قد ثوى إليها ناس من العرب ، فاستقبلونا بالرمى حيث نزلنا ~~، ولم نكن على تعبئة ، وهم يصيحون من آطامهم ، فعبأ رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أصحابه وصفهم للقتال ، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة ، ~~PageV17P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" وراية ms3642 إلى الحباب بن المنذر ، وراية إلى سهل ~~بن حنيف ، وراية إلى عباد بن بشر ، ثم دعاهم إلى الإسلام ، وأخبرهم أنهم إن ~~أسلموا أحرزوا أموالهم ، وحقنوا دماءهم ، وحسابهم على الله . فبرز رجل منهم ~~، فبرز إليه الزبير ابن العوام فقتله ، ثم برز آخر ، فبرز إليه علي بن أبى ~~طالب رضى الله عنه فقتله ثم برز آخر ، فبرز إليه أبو دجانة الأنصاري رضى ~~الله عنه فقتله ، حتى قتل منهم اثنا عشر رجلا ، كلما قتل رجل منهم دعى من ~~بقى إلى الإسلام . قال : ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذ فيصلي بأصحابه ، ثم ~~يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله ، فقاتلهم ( صلى الله عليه وسلم ) حتى أمسى ، ~~وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم ، وفتحها عنوة ، ~~وغنم أموالهم ، وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا ، فأقام رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بوادي القرى أربعة أيام ، وقسم ما أصاب على أصحابه ، وترك ~~الأرض والنخل بأيدي يهود ، وعاملهم عليها ، فلما بلغ يهود تيماء ما كان من ~~أمر خيبر وفدك ووادي القرى صالحوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على ~~الجزية ، وأقاموا بأيديهم أموالهم ، ثم انصرف رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) راجعا إلى المدينة ؛ فلما كان ببعض الطريق قال من آخر الليل : من ~~رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام ؟ وجاء في الحديث : من رجل يكلأ لنا الليل ~~؟ فقال بلال : أنا يا رسول الله . فنزل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ونزل الناس فناموا ، وقام بلال يصلي ، فصلى ما شاء الله أن يصلي ، ثم استند ~~إلى بعيره واستقبل الفجر يرمقه فغلبته عينه فنام ، فلم يوقظهم إلا مس الشمس ~~، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أول أصحابه استيقاظا ، فقال : ~~ماذا صنعت بنا يا بلال ؟ فقال : يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك . ~~قال : صدقت . ثم اقتاد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعيره غير كثير ثم ~~أناخ ، فتوضأ وتوضأ الناس ، ثم أمر بلالا فأقام الصلاة ، فصلى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بالناس ، فلما سلم أقبل على الناس فقال ms3643 : إذا نسيتم ~~الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها ، فإن الله عز وجل يقول : " وأقم الصلاة لذكرى ~~. " وفي الحديث : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين استيقظ واستيقظ ~~أصحابه أمرهم أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي ، وقال : إن هذا واد به ~~شيطان فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي ، ثم أمرهم أن ينزلوا وأن يتوضئوا . ~~. . الحديث بنحو ما تقدم . ذكر سرية عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى تربة ~~بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شعبان سنة سبع من مهاجره في ~~ثلاثين رجلا إلى عجز هوازن بتربة - وهي ناحية العبلاء على أربع ليال من مكة ~~، طريق صنعاء ونجران - فأتى الخبر هوازن فهربوا ، وجاء عمر محالهم فلم يلق ~~بها أحدا . فانصرف راجعا إلى المدينة . PageV17P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" ذكر سرية أبى بكر الصديق رضى الله عنه إلى ~~بنى كلاب بنجد بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شعبان سنة سبع من ~~مهاجره . روى عن سلمة بن الأكوع قال : غزوت مع أبى بكر رضى الله عنه إذ ~~بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) علينا ، فسبى ناسا من المشركين ~~فقتلناهم ، وكان شعارنا : أمت أمت . قال : فقلت بيدي سبعة أهل أبيات من ~~المشركين . وعنه أيضا قال : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أبا بكر ~~إلى فزارة . وهذا الذي صححه مسلم . وعن إياس بن سلمة بن الأكوع قال : حدثني ~~أبى قال : غزونا فزازة وعلينا أبو بكر رضى الله عنه ، أمره رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) علينا ، فلما كان بينه وبين القوم ساعة أمرنا أبو بكر ~~فعرسنا ، ثم شن الغارة فورد الماء ، فقتل من قتل وسبى من سبى . ثم قال سلمة ~~: فرأيت عنقا من الناس فيهم الذرارى ، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل ، فرميت ~~بسهم بينهم وبين الجبل ، فلما رأوا السهم وقفوا ، فجئت بهم أسواقهم ، وفيهم ~~امرأة من بني فزازة ، معها ابنة لها من أحسن العرب ، فسقتهم حتى أتيت بهم ~~أبا بكر رضى الله عنه فنفلنى ابنتها ، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبا ، ~~فلقيني ms3644 رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في السوق ، فقال : يا سلمة ، هب ~~لي المرأة . فقلت : يا رسول الله ، قد أعجبني وما كشفت لها ثوبا ؛ ثم لقيني ~~من الغد في السوق ، فقال : يا سلمة ، هب لي المرأة ، لله أبوك . فقلت : هي ~~لك يا رسول الله ؛ فبعث بها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى أهل مكة ~~، ففدى بها ناسا من المسلمين كانوا أسروا بمكة . روى هذا الحديث مسلم . ذكر ~~سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى فدك بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~في شعبان سنة سبع من مهاجره في ثلاثين رجلا إلى بني مرة PageV17P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" بفدك ، فخرج فلفى رعاء الشاء ، فسأل عن الناس ~~فقيل : في نواديهم ؛ فاستاق النعم والشاء ، وانحدر إلى المدينة ، فخرج ~~الصريخ فأخبرهم فأدركهم الدهم منهم عند الليل ، فباتوا يرمونهم بالنبل حتى ~~فنيت نبل أصحاب بشير وأصبحوا ، فحمل المريون عليهم فأصابوا أصحاب بشير ، ~~وقاتل بشير حتى ارتث وضرب كعبه ، وقيل : قد مات . ورجعوا بنعمهم وشائهم ، ~~وقدم علبة بن زيد الحارثي بخبرهم على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~ثم قدم بعده بشير بن سعد . ذكر سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة ~~بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شهر رمضان سنة سبع من مهاجره إلى ~~بني عوال ، وبنى عبد بن ثعلبة ، وهم بالميفعة ، وهي وراء بطن نخل إلى ~~النقرة قليلا بناحية نجد ، وبينها وبين المدينة ثمانية برد . بعثه في مائة ~~وثلاثين رجلا ، ودليلهم يسار ، مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فهجموا عليهم جميعا ، ووقعوا وسط محالهم ، فقتلوا من أشرف لهم ، واستاقوا ~~نعما وشاء فحدروه إلى المدينة ، ولم يأسروا أحدا . وفي هذه السرية قتل ~~أسامة بن زيد الرجل الذي قال لا إله إلا الله ، وهو نهيك بن مرداس بن ظالم ~~من بني ذبيان بن بغيض ، وقال ابن إسحاق : مرداس بن نهيك ؛ حليف لهم من ~~الحرقة من جهينة . ونقل أبو عمر بن عبد البر أنه عامر بن الاضبط الأشجعي ، ~~وأن رسول الله ( صلى الله ms3645 عليه وسلم ) وداه . قال أسامة : أدركته أنا ورجل ~~من الأنصار ، فلما شهرنا عليه السلاح قال أشهد أن لا إله إلا الله ؛ فلم ~~ننزع عنه حتى قتلناه ، فلما قدمنا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أخبرناه خبره ؛ فقال : يا أسامة ، من لك بلا إله إلا الله ؟ قال : قلت : يا ~~رسول الله ، إنه إنما قالها تعوذا من القتل ؛ قال : فمن لك بها يا أسامة ؟ ~~قال : فو الذي بعثه بالحق إنه مازال يرددها علي حتى لوددت أن ما مضى من ~~إسلامي لم يكن ، وكنت أسلمت يومئذ ، وأني لم أقتله . قال : قلت : أنظرني يا ~~رسول الله ، إني أعاهد الله ألا أقتل رجلا يقول : لا إله إلا الله أبدا . ~~قال : يقول بعدي يا أسامة ، قلت : بعدك . وفي بعض طرق هذا الحديث أن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال لأسامة حين قال : يا رسول الله ، إنما ~~قالها تعوذا من القتل هلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب . ~~PageV17P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" ذكر سرية بشير بن سعيد إلى يمن وجبار كانت ~~هذه السرية في شوال سنة سبع من مهاجر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~وذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بلغه أن جمعا من غطفان بالجناب ~~قد واعدهم عيينة بن حصن ليكون معهم ليزحفوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فدعا بشير بن سعد فعقد له لواء ، وبعث معه ثلثمائة رجل ، فساروا ~~حتى أتوا يمن وجبار ، وهو نجو الجناب - والجناب يعارض سلاح وخيبر ووادي ~~القرى - فدنوا من القوم فأصابوا لهم نعما كثيرا ، وتفرق الرعاء فحذروا ~~الجمع ، فتفرقوا ولحقوا بعلياء بلادهم ، وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتى ~~أتى محالهم فلم يجد فيها أحدا ، فرجع بالنعم ، وأصاب منهم رجلين ، فأسرهما ~~وقدم بهما المدينة إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأسلهما ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . ذكر سرية ابن أبى العوجاء السلمي إلى بني سليم بعثه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ذي الحجة سنة سبع من مهاجره في خمسين ~~رجلا ms3646 إلى بني سليم ، وذلك بعد انصراف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~مكة بعد عمرة القضاء ، فخرج إليهم وتقدمه عين لهم كان معه ، فحذرهم ، ~~فتجمعوا ، فأتاهم ابن أبى العوجاء وهم معدون له ، فدعاهم إلى الإسلام ، ~~فقالوا : لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا إليه . فتراموا ساعة بالنبل ، وجعلت ~~الأمداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل ناحية ، فقاتل القوم قتالا شديدا حتى ~~قتل عامتهم ، وأصيب آبن أبى العوجاء جريحا مع القتلى ، ثم تحامل حتى بلغ ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقدموا المدينة في أول يوم من صفر سنة ~~ثمان من الهجرة . ذكر سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد ~~كانت في صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . روى عن ~~جندب بن مكيث الجهني قال : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) غالب ابن ~~عبد الله الليثي ، ثم أحد بني كلب بن عوف في سرية ، فكنت فيهم ، وأمرهم أن ~~يشنوا الغارة على بني الملوح بالكديد - وهو من بني ليث - قال : فخرجنا حتى ~~إذا كنا لقينا الحارث بن البرصاء ، فأخذناه ، PageV17P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" فقال : إنما جئت أريد الإسلام . قلنا : إن ~~تكن مسلما لم يضررك رباطنا يوما وليلة . قال : فشددناه وثاقا ، وخلفنا عليه ~~رويجلا منا أسود ، وسرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس ، فكمنا في ناحية ~~الوادي ، وبعثني أصحابي ربيئة ، فخرجت حتى آتى تلا مشرفا على الحاضر ، ~~فاستندت فيه ، فعلوت في رأسه ، فنظرت إلى الحاضر ، فو الله إني لمنبطح على ~~التل إذ خرج رجل منهم من خبائه ، فقال لآمرأته : إني لأرى على التل سوادا ~~ما رأيته في أول يومي ، فآنظري إلى أوعيتك ، هل تفقدين منها شيئا ؟ لا تكون ~~الكلاب جرت بعضها قال : فنظرت ، فقالت : لا والله ما أفقد شيئا . قال : ~~فناولني قوسي وسهمين . فناولته ، فأرسل سهما فو الله ما أخطأ جنبي ، فأنزعه ~~فأضعه ، وثبت مكاني ، ثم أرسل الآخر فوضعه في منكبي ، فأنزعه فأضعه ، وثبت ~~مكاني ، فقال لآمرأته : لو كان ربيئة لقد تحرك ، لقد خالطه سهماى ms3647 لا أبا لك ~~فإذا أصبحت فآبتغيهما فخذيهما لا تمضغهما الكلاب ؛ قال : ثم دخل ، ~~وأمهلناهم حتى آطمأنوا - وكان وجه السحر - شننا عليهم الغارة ، وآستقنا ~~النعم ، فخرج صريخ القوم في قومهم ، فجاء ما لا قبل لنا به ، فخرجنا بها ~~نحدرها حتى مررنا بابن البرصاء فاحتملناه وآحتملنا صاحبنا ، وأدركنا القوم ~~حتى نظروا إلينا ، ما بيننا وبينهم إلا الوادي - وادي قديد - فأرسل الله ~~تعالى الوادي بالسيل من حيث شاء تبارك وتعالى من غير سحابة نراها ولا مطر ، ~~فجاء بشئ ليس لأحد به قوة ، ولا يقدر على أن يجاوزه ، فلقد رأيتهم وقوفا ~~ينظرون إلينا ، وإنا لنسوق نعمهم ما يستطيع رجل منهم أن يجيز إلينا ، ونحن ~~نحدوها سراعا حتى فتناهم ، فلم يقدروا على طلبنا ، قال : فقدمنا بها على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . قال آبن سعد : كانوا بضعة عشر رجلا ، ~~وكان شعارهم يومئذ : أمت أمت ذكر سرية غالب بن عبد الله الليثي أيضا إلى ~~مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك كانت في صفر سنة ثمان من هجرة رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد هيأ الزبير ~~بن العوام رضى الله عنه ، قال له : سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير بن ~~سعد ، فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم ، وهيأ معه مائتي رجل ، وعقد له ~~لواء ، فقدم غالب بن عبد الله من الكديد ، وقد أظفره الله ، فقال رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) للزبير : آجلس . وبعث غالب بن عبد الله في مائتي ~~رجل ، فيهم أسامة بن زيد ، فسار حتى آنتهى إلى أصحاب بشير ، فأصابوا نعما ، ~~وقتلوا قتلى . PageV17P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" ذكر سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر ~~بالسى بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شهر ربيع الأول سنة ثمان ~~من الهجرة في أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازن بالسى ، من ناحية ركبة ، ~~من وراء المعدن ، وهي من المدينة على خمس ليال ، وأمره أن يغير عليهم ، ~~فسار حتى صبحهم وهي غارون ، فأصابوا نعما كثيرا ms3648 وشاء ، فآستاقوا ذلك حتى ~~قدموا المدينة ، وغابت هذه السرية خمس عشرة ليلة . ذكر سرية كعب بن عمير ~~الغفاري إلى ذات أطلاح بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كعب بن عمير ~~الغفاري في شهر ربيع الأول سنة ثمان من الهجرة في خمسة عشر رجلا ، فساروا ~~حتى آنتهوا إلى ذات أطلاح ، من أرض الشام ، وهي من وراء وادي القرى ، ~~فوجدوا جمعا كثيرا من جمعهم ، فدعوهم إلى الإسلام . فلم يستجيبوا لهم ، ~~ورشقوهم بالنبل ، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قاتلوه أشد القتال حتى قتلوا ، وأفلت منهم رجل جريح ، فأتى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فأخبره الخبر ، فشق ذلك عليه ، وهم بالبعث إليهم ، فبلغه ~~أنهم قد ساروا إلى مواضع أخر ، فتركهم . ذكر سرية مؤتة ومؤتة بأدنى البلقاء ~~بالقرب من الكرك . كانت هذه السرية في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة . ~~وسبب بعث هذه السرية أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعث الحارث بن ~~عمير الأزدى إلى ملك بصرى بكتاب ، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو ~~الغساني ، فقتله ، ولم يقتل لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) غيره ، ~~فآشتد ذلك عليه ، وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف ، وهم ثلاثة ~~PageV17P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" آلاف ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) : " أمير القوم زيد بن حارثة ، فإن قتل فجعفر بن أبى طالب ، فإن قتل فعبد ~~الله بن رواحة ، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلا فيجعلوه عليهم ، " ~~وعقد لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لواء أبيض وسلمه إلى زيد بن ~~حارثة ، وأوصاهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يأتوا مقتل الحارث بن ~~عمير ، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام فإن أجابوا ، وإلا فآستعينوا عليهم ~~بالله وقاتلوهم ، وخرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مشيعا لهم حتى بلغ ~~ثنية الوداع ، فوقف وودعهم وآنصرف عنهم ، فقال عبد الله بن رواحة : خلف ~~السلام على آمرئ ودعته . . . في النخل خير مودع وخليل فلما ساروا من ~~معسكرهم نادى المسلمون : دفع الله عنكم ، وردكم ms3649 صالحين غانمين . فقال آبن ~~رواحة : لكنني أسأل الرحمن مغفرة . . . وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا في أبيات ~~أخر . قال : فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم ، فجمعوا لهم ، وقام ~~فيهم شر حبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف ، وقدم الطلائع أمامه ، وقد ~~نزل المسلمون معان من أرض الشام ، وبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض ~~البلقاء في مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام والقين ، عليهم رجل من ~~بلى ثم أحد إراشة ؛ يقال له : مالك بن زافلة ، فأقاموا ليلتين لينظروا في ~~أمرهم ، وقالوا : نكتب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فشجعهم عبد ~~الله ابن رواحة ، وقال : يا قوم ، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون ~~؛ الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا ~~الدين الذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين : إما ظهور ، ~~وإما PageV17P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" شهادة . فقال الناس : قد والله صدق آبن رواحة ~~. قال : فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم ~~والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال المشارف ، ثم دنا العدو ، وآنحاز ~~المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة ، ووافاهم المشركون ، فجاء منهم ما لا قبل ~~لأحد به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب فعبأ المسلمون ، ~~فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له : قطبة بن قتادة ، وعلى ~~ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له : عباية بن مالك - ويقال : عبادة - ثم ~~آلتقوا وآقتتلوا ، فقاتل زيد بن الحارثة رضى الله عنه براية رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) حتى قتل طعنا بالرماح ، ثم أخذ الراية جعفر بن أبى ~~طالب ، فنزل عن فرس له شقراء فعرقبها ، فكانت أول فرس عرقبت في الإسلام ، ~~وقاتل حتى قتل ، ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين فوجد في أحد نصفيه بضعة ~~وثمانون جرحا ، ووجدنا فيما أقبل من بدنه آثنتين وسبعين ضربة بسيف وطعنة ~~برمح . وحكى أبو محمد عبد الملك بن هشام أن جعفر بن أبى طالب أخذ اللواء ~~بيمينه ms3650 فقطعت يده ، فأخذه بشماله فقطعت ، فآحتضنه بعضديه حتى قتل وهو آبن ~~ثلاث وثلاثين سنة ، فأثابه الله تعالى بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث ~~شاء . وقال محمد بن إسحاق : كان جعفر يقاتل وهو يقول : يا حبذا الجنة ~~وآقترابها . . . طيبة وباردا شرابها والروم روم قد دنا عذابها . . . كافرة ~~بعيدة أنسابها على إن لاقيتها ضرابها قال : ولما قتل جعفر أخذ عبد الله بن ~~رواحة الراية ، ثم تقدم بها وهو على فرسه ، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض ~~التردد ، ثم قال : أقسمت يا نفس لتزلنه . . . لتنزلن أو لتكرهنه إن أجلب ~~الناس وشدوا الرنة . . . مالي أراك تكرهين الجنة PageV17P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" قد طال ما قد كنت مطمئنة . . . هل أنت إلا ~~نطفة في شنة وقال أيضا رضى الله عنه : يا نفس إلا تقتلي تموتي . . . هذا ~~حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت . . . إن تفعلي فعلهما هديت وإن ~~توليت فقد شقيت يريد بقوله : فعلهما صاحبيه زيدا وجعفرا ؛ ثم نزل . فأتاه ~~آبن عم له بعرق من لحم : فقال : شد بهذا صلبك ، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ~~ما لقيت ، فأخذه من يده فانتهس منه نهسة ، ثم سمع الحطمة من ناحية الناس ، ~~فقال : وأنت في الدنيا ثم ألقاه من يده ، وأخذ سيفه وتقدم ، فقاتل حتى قتل ~~. ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم ، يا معشر الناس ، اصطلحوا على رجل منكم ؛ ~~فقالوا : أنت ؛ ما أنا بفاعل . فآصطلح الناس على خالد بن الوليد ، فلما أخذ ~~الراية دافع القوم وحاشى بهم ، ثم آنحاز وآنحيز عنه ، وانكشف ، فكانت ~~الهزيمة ، فتبعهم المشركون ، فقتل من قتل من المسلمين ، ورفعت الأرض لرسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى نظر إلى معترك القوم ، فلما أخذ خالد بن ~~الوليد اللواء قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " الآن حمى الوطيس . ~~" قال محمد بن إسحاق : ولما أصيب القوم قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) : " أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا ، ثم أخذها جعفر ~~فقاتل بها حتى قتل شهيدا ، " ثم صمت حتى تغيرت وجوه الأنصار ms3651 ، وظنوا أنه قد ~~كان في عبد الله ابن رواحة بعض ما يكرهون ؛ فقال : ثم أخذها عبد الله بن ~~رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا . قال آبن إسحاق : وكان قطبة بن قتادة ~~العذرى حمل على مالك بن زافلة فقتله PageV17P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" وهو على المائة ألف التي آجتمعت من العرب ، ~~فقال في ذلك : طعنت آبن زافلة بن الإراش . . . برمح مضى فيه ثم آنحطم ضربت ~~على جيده ضربة . . . فمال كما مال غصن السلم قال : ولما سمع أهل المدينة ~~بإقبال جيش مؤتة تلقوهم بالجرف ، فجعل الناس يحثون في وجوههم التراب ~~ويقولون : يا فرار ، فررتم في سبيل الله ؟ فيقول رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " ليسوا يفروا ، ولكنهم كرار إن شاء الله . " ذكر تسمية من استشهد ~~من المسلمين يوم مؤتة استشهد من قريش ومواليهم أربعة نفر ، وهم : جعفر بن ~~أبى طالب ، وزيد ابن حارثة مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومسعود ~~بن الأسود بن حارثة ابن نضلة ، ووهب بن سعد بن أبى سرح . وآستشهد من ~~الأنصار : عبد الله ابن رواحة ، وعباد بن قيس ، والحارث بن النعمان بن إساف ~~، وسراقة بن عمرو وأبو كليب وجابر آبنا عمرو بن زيد ، وعمرو وعامر آبنا سعد ~~بن الحارث بن عباد ، رضوان الله عليهم أجمعين . ذكر سرية عمرو بن العاص إلى ~~ذات السلاسل وهي وراء وادي القرى ، وبينها وبين المدينة عشرة أيام ، وكانت ~~في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة . وسبب بعث هذه السرية أن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بلغه أن جمعا من قضاعة قد تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى ~~أطراف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فدعا عمرو بن العاص فعقد له لواء ~~أبيض ، وجعل معه راية سوداء ، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين ~~والأنصار ، ومعهم ثلاثون فرسا ، وأمره أن يستعين بمن به من بلى وعدرة ~~وبلقين ، فسار الليل وكمن النهار ، فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعا ~~كثيرا ، فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يستمده ، فبعث إليه ms3652 أبا عبيدة بن الجراح في مائتين ، وعقد لواء ، وبعث معه ~~سراة المهاجرين والأنصار ، وفيهم أبو PageV17P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" بكر وعمر ، وأمره أن يلحق بعمرو ، وأن يكونا ~~جميعا ولا يختلفا ، فلحق بعمرو ؛ فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس ، فقال عمرو ~~: إنما قدمت على مددا ، وأنا الأمير ، فأطاع له بذلك أبو عبيدة ، وسار حتى ~~وطئ بلاد بلى ، ودوخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عدرة وبلقين ، ولقى ~~في آخر ذلك جمعا ، فحمل عليهم المسلمون ، فهربوا في البلاد وتفرقوا ، ثم ~~قفل وبعث عوف بن مالك الأشجعي بريدا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~؛ فأخبره بقفولهم وسلامتهم وما غزاتهم . ذكر سرية أبي عبيدة بن الجراح ، ~~وهي سرية الخبط بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أبا عبيدة بن الجراح ~~في شهر رجب سنة ثمان من الهجرة في ثلثمائة من المهاجرين والأنصار ، وفيهم ~~عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - إلى حي من جهينة بالقبلية مما يلي ساحل ~~البحر ، وبينها وبين المدينة خمس ليال ، فأصابهم في الطريق جوع شديد ، ~~فأكلوا الخبط ، وآبتاع قيس بن سعد جزرا ونحرها لهم . روى عن عبادة بن ~~الصامت قال : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سرية إلى سيف البحر ، ~~عليهم أبو عبيدة بن الجراح ، وزودهم جرابا من تمر ، فجعل يقوتهم إياه حتى ~~صاروا إلى أن يعيده لهم عدا ، ثم نفد التمر حتى كان يعطي كل رجل منهم كل ~~يوم تمرة ، فقسمها يوما بيننا ، فنقصت تمرة عن رجل ، قال : فوجدنا فقدها ~~ذلك اليوم ، فلما جهدنا الجوع أخرج الله لنا دابة من البحر فأصبنا من لحمها ~~وودكها ، فأقمنا عليها عشرين ليلة حتى سمنا وآبتللنا ، وأخذ أميرنا ضلعا من ~~أضلاعها فوضعه على طريقه ، ثم أمر بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منا ~~، فخرج من تحتها وما مست رأسه ، فلما قدمنا على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أخبرناه خبرها ، وسألناه عما صنعنا في ذلك من أكلنا إياها ، فقال : ~~رزق رزقكموه الله . قال ابن سعد : وانصرفوا ولم يلقوا كيدا . PageV17P0200 # """""" صفحة رقم 201 ms3653 """""" ذكر سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى ~~خضرة وهي أرض محارب بنجد قالوا : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أبا ~~قتادة بن ربعي الأنصاري في شعبان سنة ثمان من الهجرة ومعه خمسة عشر رجلا ~~إلى غطفان ، وأمره أن يشن عليهم الغارة ، فسار الليل وكمن النهار ، فهجم ~~على حاضر منهم عظيم ، فأحاط به ، فصرخ رجل منهم : يا خضرة وقاتل منهم رجال ~~، فقتلوا من أشرافهم ، وآستاقوا النعم ، فكانت الإبل مائتي بعير ، والغنم ~~ألفي شاة ، وسبوا سبيا كثيرا ، وجمعوا الغنائم ، فأخرجوا الخمس ، وقسموا ما ~~بقى على السرية ، فأصاب كل رجل منهم آثنا عشر بعيرا ، وعدل البعير بعشرة من ~~الغنم ، وصارت في سهم أبى قتادة جارية وضيئة ، فآستوهبها منه رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فوهبها له ، فوهبها ( صلى الله عليه وسلم ) لمحمية ~~بن جزء . وغابوا في هذه السرية خمس عشرة ليلة . ذكر سرية أبى قتادة ربعى ~~الأنصاري إلى بطن إضم كانت هذه السرية في أول شهر رمضان سنة ثمان من هجرة ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . قالوا : لما هم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بغزو أهل مكة بعث أبا قتادة في ثمانية نفر سرية إلى بطن إضم - ~~وهي فيما بين ذي خشب وذي المروة وبينها وبين المدينة ثلاثة برد - ليظن ظان ~~أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) توجه إلى تلك الناحية ، ولأن تذهب ~~بذلك الأخبار ، وكان في السرية محلم بن جثامة الليثي ، فمر عامر بن الأضبط ~~الأشجعي ، فسلم بنحية الإسلام ، فأمسك عنه القوم ، وحمل عليه محلم بن جثامة ~~فقتله لشئ كان بينهما ، وسلبه بعيره ومتاعه ، فلما لحقوا برسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) نزل فيهم من القرآن قوله تعالى : " يأيها الذين آمنوا إذا ~~ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ~~تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة " الآية . فمضوا ولم يلقوا ~~جمعا فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خشب ، فبلغهم أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قد توجه إلى مكة ، فأخذوا ms3654 على يين حتى لقوا النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بالسقيا . ذكر غزوة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عام ~~الفتح والسبب الذي أوجب نقض العهد وفسخ الهدنة كانت هذه الغزوة في رمضان ~~سنة ثمان من مهاجر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعلى PageV17P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" رأس آثنين وعشرين شهرا من صلح الحديبية . ~~وسبب ذلك أنه لما دخل شعبان من هذه السنة كلمت بنو نفاثة - وهم من بنى بكر ~~- أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح ، وكانت خزاعة قد دخلت ~~في عقد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعهده يوم الحديبية كما قدمنا ذكر ~~ذلك ، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدها ، قالوا : فلما سألوهم ذلك وسدوهم ~~ووافوهم بالوتير متنكرين متنقبين ، فيهم صفوان بن أمية ، وحويطب بن عبد ~~العزى ، ومكرز بن حفص بن الأخيف ، فبيتوا خزاعة ليلا ، وهم غارون آمنون ~~فقتلوا منهم عشرين رجلا ، ثم ندمت قريش على ما صنعت ، وعلموا أن هذا نقض ~~للمدة والعهد الذي بينهم وبين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وخرج ~~عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة ، فقدموا على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) يخبرونه بالذي أصابهم ويستنصرونه . قال ابن إسحاق : ~~قدم عمرو بن سالم على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة ، فوقف ~~ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جالس في المسجد بين ظهراني الناس ، فقال ~~: يا رب إني ناشد محمدا . . . حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتم ولدا وكنا ~~والدا . . . ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا فآنصر هداك الله نصرا أبدا . . . وآدع ~~عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا . . . إن سيم خسفا وجهه ~~تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا . . . إن قريشا أحلفوك الموعدا ونقضوا ~~ميثاقك المؤكدا . . . وجعلوا لي في كداء رصدا وزعموا أن لست أدعو أحدا . . ~~. وهم أذل وأقل عددا PageV17P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" هم بيتونا بالوتير هجدا . . . وقتلونا ركعا ~~وسجدا يقول : قتلنا وقد أسلمنا ، ويروى بدل قوله : قد كنتم ولدا وكنا والدا ~~. نحن ولدناك فكنت ولدا قال : فقال ms3655 رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نصرت ~~يا عمر بن سالم . وروى محمد بن سعد في طبقاته ، قال : فقام رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وهو يجر رداءه ويقول : لا نصرت إن لم أنصر بني كعب مما ~~أنصر منه نفسي . ثم عرض له سحاب ، فقال : إن هذا السحاب ليستهل بنصر بني ~~كعب . قال محمد بن إسحاق : وقدم بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة على رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأخبره بما أصيب منهم ، وبمظاهرة قريش بني ~~بكر عليهم ثم آنصرفوا راجعين إلى مكة ، وقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) لأصحابه : كأنكم بأبى سفيان قد جاءكم ليشد العقد ويزيد في المدة ، ~~ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان ، قد بعثنه ~~قريش إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليشد العقد ، ويزيد في المدة ، ~~فقال له أبو سفيان : من أين أقبلت يا بديل ؟ قال : تسيرت في خزاعة في هذا ~~الساحل وفي بطن هذا الوادي ؛ قال : أو ما جئت محمدا ؟ قال : لا ، وفارقه ، ~~فقال أبو سفيان : لئن كان بديل جاء إلى يثرب لقد علف النوى بها ، فأتى مبرك ~~راحلته فأخذ من بعرها ففته ، فرأى فيه النوى ، فقال : أحلف بالله لقد جاء ~~بديل محمدا ؛ ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فدخل على آبنته أم حبيبة ، وذهب ليجلس على فراش النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) ، فطوته ، فقال : يا بنية ، ما أدرى أرغبت بي عن هذا الفراش ، أم رغبت به ~~عني ، قالت : بل هو فراش رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأنت رجل مشرك ~~نجس ، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فقال . ~~والله لقد أصابك بعدى يا بنية شر ، ثم خرج حتى أتى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فكلمه ، فلم يرد علمه شيئا ، ثم ذهب إلى أبى بكر وكلمه أن ~~يكلم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : ما أنا بفاعل ؛ ثم أتى عمر ~~بن ms3656 الخطاب فكلمه ، فقال : أنا أشفع لكم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ؟ فو الله لو لم أحد إلا الذر لجاهدتكم به ؛ ثم دخل على علي بن أبى طالب ~~، وعند فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعندها الحسن آبنها ~~غلام يدب بين يديها ، فقال : يا علي إنك أمس القوم بي رحما ، وإني قد جئت ~~في حاجة فلا PageV17P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" أرجعن كما جئت خائبا ، فاشفع لي إلى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : ويحك يا أبا سفيان ، والله لقد عزم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه ، فآلتفت ~~إلى فاطمة فقال : يا بنت محمد ، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس ~~فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ قالت : والله ما بلغ بني ذاك أن يجير بين ~~الناس ، وما يجير أحد على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فقال : يا ~~أبا الحسن ، إني أرى الأمور قد آشتدت علي ، فانصحني ، قال : والله ما أعلم ~~شيئا يغني عنك ، ولكنك سيد بني كنانة . فقم فأجر بين الناس ، ثم آلحق بأرضك ~~، قال : أو ترى ذلك مغنيا عنى شيئا ؟ قال : لا والله ، ما أظنه ، ولكن لا ~~أجد لك غير ذلك ، فقام أبو سفيان في المسجد فقال : أيها الناس ، إني قد ~~أجرت بين الناس ، ثم ركب بعيره وآنطلق ، فلما قدم مكة على قريش قالوا : ما ~~وراءك ؟ قال : جئت محمدا فكلمته ، فو الله ما رد علي شيئا ، ثم جئت آبن أبى ~~قحافة فلم أجد فيه خيرا ، ثم جئت آبن الخطاب فوجدته أعدى العدو ، ثم جئت ~~عليا فوجدته ألين القوم ، وقد أشار علي بشئ صنعته ، فو الله ما أدرى هل ~~يغني شيئا أم لا ؟ قالوا : وبم أمرك ؟ قال : أمرني أن أجير بين الناس ، ~~ففعلت ، قالوا : فهل أجاز ذلك محمد ؟ قال : لا ؛ قالوا : ويلك ، والله إن ~~زاد الرجل على أن لعب منك ، فما يغني عنك ما فعلت ، ثم تجهز رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وأخفى مقصده ، ثم أعلم ms3657 الناس أنه سائر إلى مكة ، ~~وامرهم بالجد والتهيؤ ، وقال : اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى ~~نبغتها في بلادها . والله المعين . ذكر خبر حاطب بن أبى بلعتة في كتابه إلى ~~أهل مكة ، وإعلام الله تعالى نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) بذلك ، وأخذه ~~الكتاب ، وما أنزل الله عز وجل في ذلك من القرآن قال : ولما أجمع رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) المسير إلى مكة كتب حاطب ابن أبى بلعتة كتابا إلى ~~قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من الأمر في ~~المسير إليهم ، ثم أعطاه آمرأة يقال إنها من مزينة - وقيل : هي سارة مولاه ~~لبعض بني عبد المطلب - وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا ، فجعلته في رأسها ~~ثم فتلت عليه قرونها وخرجت به ، وأتى PageV17P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الخبر من ~~السماء بما صنع حاطب ، فبعث علي بن أبى طالب ، والزبير بن العوام رضى الله ~~عنهما ، وقال : أدركا آمرأة قد كتب معها حاطب كتابا إلى قريش يحذرهم ما قد ~~أجمعنا في أمرهم ، فخرجا فأدركاها بالخليقة ، خليقة بني أبى أحمد ، ~~فآستنزلاها وآلتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا ، فقال لها علي : أحلف بالله ~~لتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنفتشنك ، فقالت : أعرض عني ، فأعرض ، فجلت قرون ~~رأسها فآستخرجت الكتاب ودفعته إليه ، فأتيا به رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فدعا حاطبا فقال : ما حملك على هذا ؟ . قال : يا رسول الله ، أما ~~والله إني لمؤمن بالله وبرسوله ، ما غيرت وما بدلت ، ولكنني آمرؤ ليس لي في ~~القوم من أصل ولا عشيرة ، ولي بين أظهرهم ولد وأهل ، فصانعتهم عليهم ، فقال ~~عمر : يا رسول الله ، دعني أضرب عنقه ، فإن الرجل قد نافق ، فقال رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) : " وما يدريك يا عمر ، لعل الله قد آطلع على أصحاب ~~بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم . " هذه رواية محمد بن إسحاق . ~~وقال الشيخ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي رحمه الله : إن ~~المرأة سارة ms3658 مولاة عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف ، وإنها أتت رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) من مكة إلى المدينة ورسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يتجهز لفتح مكة ، فقال لها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~أمسلمة جئت ؟ قالت : لا . قال : أمهاجرة جئت ؟ قالت : لا ؛ قال : فما حاجتك ~~؟ قالت : كنت كثيرة العشيرة والأصل والموالى ، وقد ذهبت موالى ، وآحتجت ~~حاجة شديدة ، فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني . قال لها : فأين أنت ~~من شباب أهل مكة ، وكانت مغنية نائحة ، قالت : ما طلب مني شئ بعد وقعة بدر ~~: فحث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بني عبد المطلب وبني المطلب فكسوها ~~وحملوها وأعطوها نفقة ؛ فأتاها حاطب بن أبى بلتعة حليف بني أسد بن عبد ~~العزي ، فكتب معها إلى أهل مكة كتابا ، وأعطاها عشرة دنانير . قال الثعلبي ~~: هذه رواية زاذان عن آبن عباس رضى الله عنهما ، قال : وقال مقاتل بن حيان ~~: أعطاها عشرة دراهم وكساها بردا على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة ، وكتب في ~~الكتاب : من حاطب بن أبى بلتعة إلى أهل مكة ، إن رسول الله يريدكم ، فحذروا ~~حذركم . فخرجت سارة ، ونزل جبريل ، فأخبر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بما ~~فعل حاطب ، فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عليا ، وعمر ، والزبير ، ~~وطلحة ، وعمارا ، والمقداد بن الأسود ، وأبا مرثد ، وكانوا كلهم فرسانا ، ~~وقال لهم : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ PageV17P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب بن أبى ~~بلتعة إلى المشركين ، فخذوه منها ، وخلوا سبيلها ، وإن لم تدفعه إليكم ~~فآضربوا عنقها فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان الذي قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فقالوا لها : أين الكتاب ؟ فحلفت بالله ما معها كتاب ، ~~فبحثوها ، وفتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتابا ، فهموا بالرجوع ، فقال علي ~~رضى الله عنه : والله ما كذبنا ولا كذبنا ، وسل سيفه ، وقال لها : أخرجي ~~الكتاب وإلا والله لأجردنك ، ولأضربن عنقك ، فلما رأت الجد أخرجته من ~~ذوائبها قد خبأته في شعرها ، فخلوا سبيلها ، ولم يتعرضوا لما ms3659 معها ، ورجعوا ~~بالكتاب إلى رسول الله صلى الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأرسل إلى حاطب ~~فأتاه ، فقال له : هل تعرف الكتاب ؟ قال : نعم ، قال : ما حملك على ما صنعت ~~؟ فقال : يا رسول الله ، ما كفرت منذ أسلمت ، ولا غششتك منذ نصحتك ، ولا ~~أحببتهم منذ فارقتهم ، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع ~~عشيرته ، وكنت غريبا فيهم ، وكان أهلي بين ظهرانيهم ، فخشيت على أهلي ، ~~فأردت أن أتخذ عندهم يدا ، وقد علمت أن الله ينزل بهم بأسه ، وأن كتابي لا ~~يغنى عنهم شيئا ؛ فصدقه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعذره ، فقام عمر ~~بن الخطاب فقال : يا رسول : دعني أضرب عنق هذا المنافق ؛ فقال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : وما يدر بك يا عمر ، لعل الله قد آطلع على أهل بدر ~~يوم بدر فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم يوم بدر . وأنزل الله عز ~~وجل في شأن حاطب ومكاتبته المشركين قوله تعالى : " يأيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من ~~الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ، " قال : أي من مكة لأن ~~آمنتم بالله ربكم ؛ قال : في الكلام تقديم وتأخير ، ونظم الآية : " لا ~~تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من ~~الحق ، " ثم قال تعالى : " إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وآبتغاء مرضاتي ~~تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ~~ضل سواء السبيل ، " ثم قال تعالى : " إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا ~~إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون " قال : يثقفوكم يروكم ~~ويظهروا ، ويبسطوا إليكم أيديهم أي بالقتل ، وألسنتهم بالسوء أي بالشتم ، ~~وودوا لو تكفرون فلا تناصحوهم فإنهم لا يناصحونكم ولا يوادونكم . قوله ~~تعالى : " لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما ~~تعملون بصير " قال : معنى الآية : لا تدعونكم قراباتكم ولا أولادكم التي ~~بمكة إلى خيانة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والمؤمنين ms3660 ، وترك ~~مناصحتهم وموالاة أعدائهم ، PageV17P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" ومظاهرتهم ، فلن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم ~~التي عصيتم الله لأجلهم يوم القيامة يفصل بينكم فيدخل أهل طاعته والإيمان ~~به الجنة ، ويدخل أهل معصيته والكفر به النار . قوله تعالى : " قد كانت لكم ~~أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى ~~تؤمنوا بالله وحده " الآية ، ثم قال تعالى : " لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة ~~لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغتي الحميد " قال : ~~قوله : لقد كان لكم فيهم يعنى في إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء ؛ ~~قال : فلما نزلت هذه الآية عادى المؤمنون أقرباءهم من المشركين في الله ، ~~وأظهروا لهم العداوة والبراءة ، فعلم الله تعالى شدة وجد المؤمنين بذلك ، ~~فأنزل : " عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير ~~والله غفور رحيم ؛ " قال : ففعل الله عز وجل ذلك بأن أسلم كثير من مشركي ~~مكة ، فصاروا للمؤمنين أولياء وإخوانا ، وخالطوهم وناكحوهم . قوله تعالى : ~~" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين " معناه : أن تعدلوا فيهم ~~بالإحسان والبر ، وآختلف العلماء فيمن نزلت فيهم هذه الآية ، فقال آبن عباس ~~: نزلت في خزاعة ، منهم هلال بن عويمر ، وخزيمة ، وسراقة بن مالك ابن جعشم ~~، وبنو مدلج ، وكانوا صالحوا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على ألا يقاتلوه ~~ولا يعينوا عليه أحدا . وقال عبد الله بن الزبير : نزلت في أسماء بنت أبى ~~بكر رضى الله عنهم ، وذلك أن أمها قتيلة بنت عبد العزي بن عبد أسعد من بني ~~مالك بن حسل قدمت عليها المدينة بهدايا وهي مشركة ، فقالت أسماء : لا أقبل ~~منك هدية ، ولا تدخلي علي بيتي حتى أستأذن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ؛ فسألت لها عائشة رضى الله عنها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فأنزل الله عز وجل هذه الآية ms3661 ، فأمرها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن ~~تدخلها منزلها ، وتقبل هديتها ، وتحسن إليها ، وتكرمها . وقال مرة الهمذاني ~~وعطية العوفى : نزلت في قوم من بني هاشم ، منهم العباس . ثم قال تعالى : " ~~إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا ~~على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون " قال : وهم مشركو ~~مكة . فلنرجع إلى أخبار غزوة الفتح . PageV17P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" ذكر خروج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~من المدينة إلى مكة ، ومن جاءه في طريقه قبل دخوله مكة قال : ولما تهيأ ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) للغزاة بعث إلى من حوله من العرب فجلبهم ~~، وهم أسلم ، وغفار ، ومزينة ، وجهينة ، وأشجع ، وسليم ، فمنهم من وافاه ~~بالمدينة ، ومنهم من لحقه في الطريق ، وكان المسلمون في غزوة الفتح عشرة ~~آلاف ، وآستخلف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على المدينة عبد الله بن ~~أم مكتوم ؛ قاله محمد بن سعد . وقال محمد بن إسحاق ، وأبو بكر أحمد البيهقي ~~: استخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري ، وخرج ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من المدينة يوم الأربعاء لعشر ليال خلون ~~من شهر رمضان بعد العصر ، فلما انتهى إلى الصلصل قدم أمامه الزبير بن ~~العوام في مائة من المسلمين ، وسام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وصام ~~الناس حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر ، ونادى مناديه : من أحب أن ~~يفطر فليفطر ، ومن أحب أن يصوم فليصم . قال ابن سعد : فلما كان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بقديد عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل . قال ~~محمد بن إسحاق : ثم مضى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى نزل مر ~~الظهران وهو في عشرة آلاف من المسلمين ، فسبعت سليم ، وبعضهم يقول : ألفت ~~مزينة ، وفي كل القبائل عدد وإسلام ، وأوعب معه المهاجرون والأنصار . قال : ~~ولما كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في بعض الطريق لقبه عمه العباس ~~بن عبد المطلب . قال آبن هشام : لفيه ms3662 بالجحفة مهاجرا بعياله ، وكان قبل ذلك ~~بمكة على سقايته ، وقد قدمنا أنه أسلم عند آنصراف رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) من غزوة بدر ، قال : ولقيه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ~~وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة ، لقياه بنيق PageV17P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" العقاب بين مكة والمدينة ، والتمسا الدخول ~~عليه ، وكامته أم سلمة رضى الله عنها فيهما ، فقالت : يا رسول الله ، ابن ~~عمك ، وآبن عمتك وصهرك فقال : لا حاجة لي بهما ، أما ابن عمي فهتك عرضي ، ~~وأما آبن عمتي وصهري فهو الدي قال لي بمكة ما قال ، فلما خرج الخبر بذلك ~~إليهما ومع أبى سفيان بنى له قال : والله لتأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا ، ~~ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا ؛ فلما بلغ ذلك رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) رق لهما ، ثم أذن لهما فدخلا عليه ، فأسلما ، وأنشد أبو ~~سفيان بن الحارث يعتذر مما كان قد مضى من فعله ، فقال : لعمرك إني يوم أحمل ~~راية . . . لتغلب خيل اللات خيل محمد لكا لمدلج الحيران أظلم ليله . . . ~~فهذا أواني حين أهدى وأهتدى هداني هاد غير نفسي ودلني . . . على الحق من ~~طردت كل مطرد أصد وأنأى جاهدا عن محمد . . . وأدعي وإن لم أنتسب من محمد هم ~~ما هم من لم يقل بهواهم . . . وإن كان ذارأى يلم ويفند أريد لأرضيهم ولست ~~بلائط . . . مع القوم ما لم أهد في كل مقعد فقل لثقيف : لا أريد قتالها . . ~~. وقل لثقيف تلك : غيري أو عدى فما كنت في الجيش الذي نال عامرا . . . وما ~~كان عن جرا لساني ولا يدي قبائل جاءت من بلاد بعيدة . . . نزائع جاءت من ~~سهام وسردد PageV17P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" قال : ولما بلغ إنشاده قوله : من طردت كل ~~مطرد ضرب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في صدره وقال : أنت طردتني كل ~~مطرد . قال : ولما نزل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مر الظهران نزلها ~~عشيا ، وأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار ، وقد عميت الأخبار عن قريش فلا ~~يأتيهم خبر ms3663 عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال العباس بن عبد ~~المطلب : واصاح قريش ، والله لئن دخل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مكة ~~عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر . قال العباس : ~~فجلست على بغلة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) البيضاء ، فخرجت عليها ~~حتى جئت الأراك ، فقلت : لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن ، أو ذا حاجة ~~يأتي مكة ، فيخبرهم بمكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ليخرجوا إليه ~~فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة . ذكر مجئ العباس بأبى سفيان بن حرب ~~إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإسلام أبى سفيان ، وخبر الفتح قال ~~العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه : وكان أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام ~~، وبديل بن ورقاء قد خرجوا في تلك الليالي يتحسسون الأخبار ، وينظرون هل ~~يجدون خبرا أو يسمعون به ، فو الله إني لأسير على بغلة رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، ألتمس ما خرجت له ، إذ سمعت كلام أبى سفيان وبديل ابن ~~ورقاء وهما يتراجعان ، وأبو سفيان يقول : ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا ~~عسكرا ، فيقول له بديل : هذه والله خزاعة قد حمستها الحرب ، فيقول أبو ~~سفيان : خزاعة أذل وأقل أن تكون هذه نيرانها وعسكرها ، قال العباس : فعرفت ~~صوته ، فقلت : يا أبا حنظلة ، فعرف صوتي ، فقال : يا أبا الفضل ، قلت : نعم ~~، قال : مالك فداك أبى وأمي قلت : ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله في ~~الناس ، واصباح قريش والله قال : فما الحيلة فداك أبى وأمي ، قال : قلت : ~~والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فآركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأستأمنه لك ؛ قال : فركب خلفي ، ورجع صاحباه ~~؛ قال : فجئت به ، كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا : من هذا ؟ فإذا ~~رأوا بغلة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأنا عليها قالوا : عم رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) على بغلته ، حتى مررت بنار عمر آبن الخطاب . ~~PageV17P0210 # """""" صفحة رقم 211 ms3664 """""" قال آبن سعد : وكان رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قد آستعمل عمر تلك الليلة على الحرس ؛ قال العباس : فقال عمر : ~~من هذا ؟ قام إلي ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال : أبو سفيان عدو ~~الله الحمد الله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ، ثم خرج يشتد نحو رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وركضت البغلة فسبقته ، فآقتحمت عن البغلة ، ~~ودخلت على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ودخل عمر ، فقال : يا رسول ~~الله ، هذا أبو سفيان قد أمكن منه بغير عقد ولا عهد ، فدعني أضرب عنقه . ~~قال العباس ، قلت : يا رسول الله ، قد أجرته ، ثم جلست إلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وأخذت برأسه وقلت : والله لا يناجيه الليلة رجل دوني ، ~~فلما أكثر عمر في شأنه قلت : مهلا يا عمر ، فو الله أن لو كان من رجل بني ~~عدي بن كعب ما قلت هذا ، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف ؛ فقال ~~عمر : مهلا يا عباس ، فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلى من إسلام ~~الخطاب لو أسلم ، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) من إسلام الخطاب لو أسلم ، فقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " اذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتني به ؛ " ~~قال : فذهب به إلى رحلى ، فبات عندي ، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فلما رآه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " ~~ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ، " قال : ~~بأبى أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، والله لقد ظننت أن كان مع الله إله ~~غير لقد أغنى شيئا بعد ؛ قال : ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أني ~~رسول الله ؟ ؛ قال : بأبى أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما والله هذه ~~فإن في النفس منها حتى الآن شيئا ؛ فقال له العباس ms3665 : ويحك أسلم وآشهد أن لا ~~إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك ؛ قال : فشهد شهادة ~~الحق ، فقلت : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر ، فآجعل له ~~شيئا . قال : نعم ، من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو ~~آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ؛ فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " يا عباس ، احتبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به ~~جنود الله فيراها . " قال : فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أن أحبسه ؛ قال : ومرت القبائل على راياتها كلما مرت ~~قبيلة قال : يا عباس ، من هذه ؟ . فأقول : سليم ، فيقول : مالي ولسليم ، ثم ~~تمر القبيلة ، فيقول : من هذه ؟ فأقول : مزينة ، فيقول : مالي ولمزينة ، ~~حتى مرت القبائل ، فما تمر قبيلة إلا سألني عنها ، فإذا أخبرته بهم ، قال : ~~مالي ولبني فلان حتى مر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في كتيبته ~~الخضراء ، فيها المهاجرون والأنصار - وإنما سميت بالخضراء PageV17P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" لكثرة الحديد وظهوره فيها - وهم لا يرى منهم ~~إلا الحدق من الحديد ، فقال : سبحان الله يا عباس من هؤلاء ؟ قلت : هذا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في المهاجرين والأنصار ، فقال : ما لأحد ~~بهؤلاء من قبل ولا طاقة ، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك آبن أخيك الغداة ~~عظيما . قلت : ويحك إنها النبوة ، قال : فنعم إذا ، ثم قلت : النجاء إلى ~~قومك ، فسار حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا محمد قد ~~جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن ، فقامت إليه ~~هند بنت عتبة فأخذت بشاربه ، فقالت : اقتلوا الحميت الدسم الأحمس ، قبح من ~~طليعة قوم قال : ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم ، فإنه قد جاءكم ما لا قبل ~~لكم به ، فمن دخل دارى فهو آمن ، قالوا : قاتلك الله وما تغنى عنا دارك ؟ ~~قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ms3666 . فتفرق الناس ~~إلى دورهم وإلى المسجد . والله يؤيد بنصره من يشاء . ذكر دخول رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) مكة شرفها الله تعالى صلحا ، ودخول خالد بن الوليد ~~ومن معه من القبائل عنوة قال : ولما آنتهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) إلى ذي طوى ، وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء وإنه ليضع رأسه ~~تواضعا لله تعالى حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح ، حتى إن عثنونه ليكاد ~~يمس واسط الرحل ، ثم فرق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الجيش من ذي طوى ~~، وكانت راية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يومئذ مع سعد بن عبادة رضى ~~الله عنه ، فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الزبير بن العوام ، وكان ~~على المجنبة اليسرى أن يدخل في بعض الناس من كدى ، وأمر سعد بن عبادة أن ~~يدخل ببعض الناس من كداء ، فلما وجه سعد للدخول قال : اليوم يوم الملحمة ، ~~اليوم تستحل الحرمة ، وفي رواية تستحل الكعبة ؛ فسمعها عمر بن الخطاب رضى ~~الله عنه فقال : يا رسول الله ، اسمع ما قال سعد بن عبادة ، ما نأمن أن ~~يكون له في قريش صولة ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعلي بن أبى ~~PageV17P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" طالب : أدركه فخذ الراية منه ، فآدخل أنت بها ~~. حكاه آبن إسحاق . وقال محمد بن سعد : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) أخذ الراية من سعد ودفعها لآبنه قيس بن سعد . وذكر يحي بن سعيد الأموي في ~~السير : أن سعد بن عبادة لما أخذ الراية مر على أبى سفيان ، فقال سعد إذ ~~نظر إليه . اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، اليوم أذل الله قريشا ~~، فأقبل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في كتيبة الأنصار حتى إذا حاذى ~~أبا سفيان ناداه : يا رسول الله ، أمرت بقتل قومك ؟ فإنه زعم سعد ومن معه ~~حين مر بنا أنه قاتلنا ، وقال : اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، ~~اليوم أذل الله قريشا ؛ وإني أنشدك الله في قومك ، فأنت أبر ms3667 الناس وأوصلهم ~~وأرحمهم . وقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف : يا رسول الله ، والله ما نأمن ~~سعدا أن تكون منه قريش صولة ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~يا أبا سفيان ، اليوم يوم المرحمة ، اليوم أعز الله فيه قريشا . " وقال ~~ضرار بن الخطاب الفهري يومئذ : يا نبي الهدى إليك لجا حي قريش ولات حين ~~لجاء حين ضاقت عليهم سعة الأر . . . ض وعاداهم إله السماء وآلتقت حلقتا ~~البطان على القو . . . م ونودوا بالصيلم الصلعاء إن سعدا يريد قاصمة الظه . ~~. . ر بأهل الحجون والبطحاء خزرجي لو يستطيع من الغي . . . ظ رمانا بالنسر ~~والعواء وغر الصدر لا يهم بشئ . . . غير سفك الدما وهتك النساء قد تلظى على ~~البطاح وجاءت . . . عنه هند بالسوءة السوآء إذ ينادى بذل حي قريش . . . ~~وآبن حرب بدا من الشهداء PageV17P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" فلئن أقحم اللواء ونادى . . . يا حماة اللواء ~~أهل اللواء ثم ثابت إليه من بهم الخز . . . رج والأوس أنجم الهيجاء لتكونن ~~بالبطاح قريش . . . فقعة القاع في أكف الإماء فآنهيه فإنه أسد الأس . . . د ~~لدى الغاب والغ في الدماء إنه مطرق يريد لنا الأم . . . ر سكوتا كالحية ~~الصماء قال : فأرسل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى سعد بن عبادة ~~فنزع اللواء من يده ، وجعله بيد قيس آبنه ، ورأى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أن اللواء لم يخرج عنه إذ صار إلى آبنه ، وأبى سعد أن يسلم اللواء ~~إلا بأمارة من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأرسل إليه رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بعمامته ، فعرفها سعد ، فدفع اللواء إلى آبنه قيس . ~~قال : وأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خالد بن الوليد ، وكان على ~~المجنبة اليمنى ، أن يدخل ببعض الناس من الليط أسفل مكة ، وكان معه : أسلم ~~، وسليم وغفار ، ومزينة ، وجهينة ، وقبائل من العرب ، وأقبل أبو عبيدة بن ~~الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، ودخل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من أذاخر ، حتى نزل بأعلى ~~مكة ، وضربت ms3668 له هناك قبة ، ونهى عن القتال ، وعبر أصحاب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من الأماكن التي أمرهم ( صلى الله عليه وسلم ) أن يدحلوا ~~منها ، لم يلقوا كيدا ، إلا خالد بن الوليد فإن صفوان بن أمية ، وعكرمة بن ~~أبى جهل ، وسهيل بن عمرو جمعوا جمعا من قريش ، ووقفوا بالخندمة ليقاتلوا ~~خالد بن الوليد ، ويمنعوه من الدخول ، وشهروا السلاح ورموا بالنبل ، فصاح ~~خالد في أصحابه وقاتلهم ، فقتل أربعة وعشرون رجلا من قريش ، وأربعة نفر من ~~هذيل ، وانهزموا أقبح هزيمة ، فلما ظهر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~على ثنية أذاخر رأى البارقة فقال : ألم أنه عن القتال ؟ فقيل : يا رسول ~~الله ، إن خالد بن الوليد قوتل فقاتل ؛ فقال : قضاء الله خير ، وقتل من ~~المسلمين رجلان كانا سلكا طريقا غير طريق خالد فقتلا ، وهما كرز بن جابر ~~الفهري ، وحبيش بن خالد الخزاعي . قاله محمد بن سعد . PageV17P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" وقال آبن إسحاق : قتل من المشركين يومئذ آثنا ~~عشر أو ثلاثة عشر رجلا . وقال : وقد كان حماس بن قيس بن خالد أخو بني بكر ~~يعد سلاحا ويصلح منه قبل دخول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقالت له ~~آمرأته : لماذا تعد ما أرى ؟ قال : لمحمد وأصحابه ، قالت : والله ما أراه ~~يقوم لمحمد وأصحابه شئ ؛ قال : والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم ، ثم قال : ~~إن يقبلوا اليوم فمالي علة . . . هذا سلاح كامل وأله وذو غرارين سريع السلة ~~ثم شهد يوم الخندمة ، فلما آنهزم القوم دخل على آمرأته وقال : أغلقي علي ~~بابي ؛ قالت : فأين الذي كنت تقول ؟ فقال : إنك لو شهدت يوم الخندمة . . . ~~إذ فر صفوان وفر عكرمة وآبو يزيد قائم كالموتمه . . . وآستقبلتهم بالسيوف ~~المسلمة يقطن كل ساعد وجمجمة . . . ضربا فلا تسمع إلا غمغمة لهم نهيت خلفنا ~~وهمهمة . . . لا تنطقي في اللوم أدنى كلمة قال آبن هشام : ويروى للرعاش ~~الهذلي . وكان ممن فر يومئذ هبيرة بن أبى وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن ~~مخزوم ، وهو زوج أم هاني بنت أبى طالب أخت علي ms3669 لأبويه ؛ فأسلمت ، وهرب ~~هبيرة إلى نجران ، وقال معتذرا من فراره : لعمرك ما وليت ظهري محمدا . . . ~~وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل ولكنني قلبت أمري فلم أجد . . . لسيفي غناء إن ~~ضربت ولا نبلى وقفت فلما خفت ضيعة موقفي . . . رجعت لعود كالهزبر إلى الشبل ~~قال آبن هشام : وكان شعار أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم فتح ~~مكة وحنين والطائف : شعار المهاجرين : يا بني عبد الرحمن ، وشعار الخزرج : ~~يا بني عبد الله ، وشعار الأوس : يا بني عبيد الله ؛ وكان الفتح يوم الجمعة ~~لعشر بقين من رمضان . PageV17P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" ذكر من أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بقتلهم يوم فتح مكة وسبب ذلك ، ومن قتل منهم ، ومن نجا بإسلامه قالوا : ~~وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد أمر أصحابه بقتل ستة نفر وأربع ~~نسوة ، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة ، وهم : عكرمة بن أبى جهل ، وهبار ابن ~~الأسود ، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح ، ومقيس بن صبابة الليثي ، والحويرث ~~ابن نقيذ بن وهب ، وعبد الله بن هلال بن خطل الأدرمى ، وهند بنت عتبة ، ~~وسارة مولاة عمرو بن هشام ، وفرتنى ، وقريبة . فأما عكرمة بن أبى جهل فإنه ~~هرب إلى اليمن ، وأسلمت آمرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام ، فاستأمنت له ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأمنه ، فخرجت في طلبه إلى اليمن حتى ~~أتت به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأسلم وحسن إسلامه . حكى الزبير ~~بن بكار قال : لما أسلم عكرمة قال : يا رسول الله ، علمني خير شئ تعلمه ~~أقوله ؛ فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " شهادة أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، " فقال عكرمة : أنا أشهد ~~بهذا ، واشهد بذلك من حضرني ، وأسالك يا رسول الله أن تستغفر له رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فقال عكرمة : والله لا أدع نفقة كنت أنفقها في صد ~~عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله ، ولا قتالا قاتلته إلا قاتلت ~~ضعفه ؛ ثم آجتهد ms3670 في الجهاد والعبادة حتى آستشهد رحمه الله في خلافة عمر بن ~~الخطاب بالشام ؛ وقيل : استشهد في آخر خلافة أبى بكر ، قيل : في يوم ~~اليرموك . وقيل : في يوم مرج الصفر ، وقيل : أجنادين . والله أعلم . وأما ~~عبد الله بن سعد بن أبى سرح ، فإنه كان قد أسلم ، وكان يكتب لرسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) الوحي ؛ فارتد ورجع إلى قريش ، فلما كان يوم الفتح فر ~~إلى عثمان بن عفان رضى الله عنه ، وهو أخوه من الرضاعة ، فغيبه حتى أتى به ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأستأمن له بعد أن آطمأن الناس ؛ ~~فزعموا أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) صمت طويلا ، ثم قال : نعم ؛ ~~فلما انصرف عنه عثمان قال لمن حوله من أصحابه : لقد صمت ليقوم إليه بعضكم ~~فيضرب عنقه ، فقال رجل من الأنصار : فهلا أومأت إلي يا رسول الله ؟ فقال : ~~إن النبي لا يقتل بالإشارة ، ثم أسلم عبد الله بن سعد بعد ذلك . ~~PageV17P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" وأما مقيس بن صبابة ، فإن أخاه هشام بن صبابة ~~كان قد صحب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في غزوة بني المصطلق ~~بالمريسيع ، فأصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت وهو يرى أنه من ~~العدو ، فقتله خطأ ، فقدم مقيس هذا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~من مكة إلى المدينة ، وأظهر الإسلام ، وقال : يا رسول الله ، جئتك مسلما ، ~~وجئتك أطلب دية أخي ، فأمر له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بدية أخيه ~~، فأقام غير كثير ، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ، ثم خرج إلى مكة مرتدا ، ~~فنذر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قتله لذلك ، فقتله نميلة بن عبد ~~الله ؛ رجل من قومه . وأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبى طالب رضى الله ~~عنه ، لأنه كان يؤذي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكان العباس بن ~~عبد المطلب حمل بنتي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فاطمة وأم كلثوم من ~~مكة يريد بهما المدينة ، فرمى بهما الحويرث إلى الأرض . وأما ms3671 عبد الله بن ~~خطل ، فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بقتله لأنه كان مسلما ، فبعثه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مصدقا ، وبعث معه رجلا من الأنصار ، وكان ~~معه مولى له يخدمه وهو مسلم ، فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا ، ~~قيصنع له طعاما ، فنام وآستيقظ ولم يصنع له شيئا ، فقتله ثم آرتد ، وكانت ~~فرتنى وقريبة قينتاه تغنيان بهجاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقتل ~~آبن خطل سعيد بن حريث المخزومي ، وأبو برزة الأسلمي ، اشتركا في دمه ، ~~وقتلت إحدى قينتيه وهربت الأخرى ، حتى آستؤمن لها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فأمنها . وهند بنت عتبة أسلمت . ولما أخذ رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) البيعة على النساء ، ومن الشرط فيها ألا يسرقن ولا يزنين ~~، قالت : وهل تزنى الحرة أو تسرق يا رسول الله ؟ فلما قال : ولا تقتلن ~~أولادكن ، قالت : قد ربيناهم صغارا ، وقتلتهم أنت ببدر كبارا ، أو نحو هذا ~~القول ، وشكت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن زوجها أبا سفيان ~~شحيح لا يعطيها من الطعام ما يكفيها وولدها ، فقال : خذي من ماله بالمعروف ~~ما يكفيك أنت وولدك . وأما سارة فآستؤمن لها ، فأمنها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . وأما هبار فإنه هرب فلم يوجد ، ثم أسلم بعد الفتح وحسن ~~إسلامه . ذكر إسلام أبى قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ~~بن مرة بن كعب روى محمد بن إسحاق بسنده إلى أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى ~~الله عنهما PageV17P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" قالت : لما وقف رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) على ذي طوى قال أبو قحافة لآبنة له من أصغر ولده : أي بنية ، اظهرى ~~بي على جبل أبى قبيس - قالت : وكان قد كف بصره - فأشرفت به عليه فقال لها : ~~أي بنية ؛ ماذا تين ؟ قالت : أرى سوادا مجتمها ، قال : تلك الخيل ؛ قالت : ~~وأرى رجلا يسعى بين يدي ذلك السواد مقبلا ومدبرا ؛ قال : أي بنيه ، ذلك ~~الوازع ، - يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم ms3672 إليها - ثم قالت : قد والله انتشر ~~السواد ؛ فقال : قد والله إذا دفعت الخيل ، فأسرعي بي إلى بيتي ؛ قالت : ~~فآنحطت به ، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته ؛ قالت : وفي عنق الجارية ~~طوق من ورق ، فتلقاها رجل فاقتطعه من عنقها ، فلما دخل رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إلى المسجد أتى أبو بكر بأبيه يقوده ، فلما رآه رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) قال : هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه ~~فيه ؟ قال أبو بكر : يا رسول الله ، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه ~~أنت ، فأجلسه بين يديه ، ثم مسح صدره ، ثم قال له : أسلم ، قالت : فأسلم ؛ ~~قالت : فدخل به أبو بكر وكأن رأسه ثغامة ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : غيروا هذا من شعره ، ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال : أنشد ~~الله والإسلام طوق أختي ؛ فلم يجبه أحد ؛ قالت : فقال : أي أخية ، احتسبي ~~طوقك ، فو الله إن الأمانة في الناس اليوم لقليل . وأسلم عبد الله بن ~~الزبعري عام الفتح وحسن إسلامه ، وكان ممن يؤذي رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أشد الأذى في الجاهلية ، فأسلم وآعتذر إلى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فقبل عذره ، وكان شاعرا مجيدا ، فقال يمدح رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : وله في مدحه أشعار كثيرة ينسخ بها ما قد مضى في كفره ، ~~منها قوله : منع الرقاد بلابل وهموم . . . والليل معتلج الرواق بهيم مما ~~أتاني أن أحمد لامنى . . . فيه فبت كأنني محموم PageV17P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" يا خير من حملت على أوصالها . . . عيرانة سرح ~~اليدين غشوم إني لمعتذر إليك من الذي . . . أسديت إذا أنا في الضلال مقيم ~~أيام تأمرني بأغوى خطة . . . سهم ، وتأمرني بها مخزوم وأمد أسباب الردى ~~ويقودني . . . أمر الغواة ، وأمرهم مشؤم فاليوم آمن بالنبي محمد . . . قلبي ~~ومخطئ هذه محروم مضت العداوة وآنقضت أسبابها . . . وأتت أواصر بيننا وحلوم ~~فآغفر فدى لك والدي كلاهما . . . وآرحم فإنك راحم مرحوم وعليك من سمة ~~المليك علامة . . . نور أغر وخاتم مختوم أعطاك ms3673 بعد محبة برهانه . . . شرفا ~~وبرهان الإله عظيم ذكر دخول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المسجد ، ~~وطوافة بالبيت ودخوله الكعبة ، وما فعل بالأصنام قال : ولما نزل رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) مكة وآطمأن الناس ، خرج حتى جاء البيت ، فطاف به ~~سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده ، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن ~~طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ، ففتحت له ، فدخلها ، فوجد فيها حمامة من ~~عيدان ، فكسرها بيده وطرحها ، ثم وقف على باب الكعبة فقال : " لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ألا كل ~~مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ~~؛ ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ، ففيه الدية مغلظة ، مائة من ~~الإبل ، أربعون منها في بطونها PageV17P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" أولادها ؛ يا معشر قريش ، إن الله قد أذهب ~~عنكم نحوة الجاهلية وتعظمها بالآباء . الناس من آدم ، وآدم من تراب ، ثم ~~تلا قوله تعالى : " يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ؛ " ثم قال : ~~يا معشر قريش ؛ ما ترون أني فاعل فيكم ؟ أخ كريم وآبن أخ كريم ؛ قال : ~~اذهبوا فأنتم الطلقاء ؛ ثم جلس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في المسجد ~~، فقام إليه علي بن أبى طالب رضى الله عنه ومفتاح الكعبة في يده ، فقال : ~~يا رسول الله ، اجمع لنا الحجابة مع السقاية ؛ فقال : أبن عثمان بن طلحة ؟ ~~فدعى له ، فقال : هاك مفتاحك يا عثمان ، اليوم يوم بر ووفاء ؟ حكاه محمد بن ~~إسحاق . وقال محمد بن سعد : دفع إليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~المفتاح وقال : " خذوها يا بني أبى طلحة تالدة خالدة ، لا ينزعها منكم إلا ~~ظالم ؛ " ودفع السقاية إلى العباس بن عبد المطلب . قال عبد الملك بن هشام : ~~حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دخل البيت يوم ~~الفتح فرأى فيه صور الملائكة ms3674 وغيرهم ، فرأى إبراهيم عليه السلام مصورا في ~~يده الأزلام يستقسم بها ، فقال : قاتلهم الله ، جعلوا شيخنا يستقسم ~~بالأزلام ، ما شأن إبراهيم والأزلام ، ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ~~ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست . ~~قال : ودخل الكعبة ومعه بلال بن رباح ، فأمره أن يؤذن ، فأذن وأبو سفيان بن ~~حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة ، فقال عتاب بن أسيد ~~: أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا فيسمع ما يغيظه ؛ فقال الحارث : أما ~~والله لو أعلم أنه محق لآتبعته ؛ فقال أبو سفيان : لا أقول شيئا لو تكلمت ~~لأخبرت عني هذه الحصى ؛ فخرج عليهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال ~~: " قد علمت الذي قلتم ، " ثم ذكر ذلك لهم ، فقال الحارث وعتاب : نشهد أنك ~~رسول الله ، والله ما آطلع على هذا أحد كان معنا فنقول : أخبرك . وقال أبو ~~محمد بن هشام بسند يرفعه إلى آبن عباس رضى الله عنهما : إن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) دخل مكة يوم الفتح على راحلته ، فطاف عليها وحول البيت ~~أصنام مشدودة بالرصاص ، فجعل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يشير بقضيب في ~~يده إلى الأصنام ويقول : " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ، " ~~فما أشار ( صلى الله عليه وسلم ) إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه ، ولا ~~لقفاه إلا وقع لوجهه . حتى ما بقى منها صنم إلا وقع . PageV17P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" قال محمد بن سعد : كان حول الكعبة ثلثمائة ~~وستون صنما ، وكان أعظمها هبل ، وساق الحديث نحو ما تقدم ، فقال تميم بن ~~أسد الخزاعي في ذلك : وفي الأصنام معتبر وعلم . . . لمن يرجو الثواب أو ~~العقابا قال : ولما كان من الغد يوم الفتح خطب رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بعد الظهر فقال : " إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ، ~~فهي حرام إلى يوم القيامة ، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار ، ثم رجعت لحرمتها ~~بالأمس ، فليبلغ شاهدكم غائبكم ، ولا يحل لنا ms3675 من غنائمها شئ ، " وأقام رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمكة خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين ركعتين ، وبث ~~السرايا ، ثم خرج إلى حنين . ذكر سرية خالد بن الوليد إلى العزى وهدمها ~~قالوا : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خالد بن الوليد إلى العزى ~~ليهدمها ، وذلك بعد الفتح ، لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان ، فخرج ~~في ثلاثين فارسا من أصحابه حتى آنتهوا إليها فهدمها ، ثم رجع رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فأخبره ، فقال : " هل رأيت شيئا ؟ " قال : لا ، قال : ~~فإنك لم تهدمها ، فارجع إليها فآهدمها ؛ فرجع خالد وهو متغيظ ، فجرد سيفه ، ~~فخرجت إليه آمرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس فجعل السادن يصيح بها ، فضربها ~~خالد فجزلها آثنتين ، ورجع إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبره ، ~~فقال : نعم ، تلك العزى ، وقد يئست أن تعبد ببلادكم أبدا ، وكانت لقريش ~~وجميع بني كنانة ، وكانت أعظم أصنامهم ، وكان سدنتها بنو شيبان من بني سليم ~~. ذكر سرية عمرو بن العاص إلى سواع وكسره بعثه رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في شهر رمضان بعد الفتح أيضا إلى سواع ، وهو صنم هذيل ليهدمه ؛ قل ~~عمرو : فآنتهيت إليه وعنده السادن ، فقال : ما تريد ؟ قلت : أمرني رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن أهدمه . قال : لا تقدر على ذلك ؛ قلت : لم ~~؟ قال : تمنع ؛ قلت : حتى الآن PageV17P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" أنت في الباطل ويحك وهل يسمع أو يبصر ؟ قال : ~~فدنوت منه فكسرته ، وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئا ؛ ~~ثم قلت للسادن : كيف رأيت ؟ قال : أسلمت لله . ذكر سرية سعد بن زيد الأشهلي ~~إلى مناة بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شهر رمضان أيضا إلى ~~مناة - وكانت بالمشلل للأوس والخزرج وغسان - ليهدمها ، فخرج في عشرين فارسا ~~حتى آنتهى إليها وعليها سادن ، فقال له السادن : ما تريد ؟ قال : هدم مناة ~~؛ قال : أنت وذاك ، فأقبل سعد يمشي إليها ، وتخرج إليه آمرأة عريانة سوداء ~~ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها ؛ فقال السادن : مناة دونك بعض ms3676 غضباتك ~~؛ ويضربها سعد بن زيد فيقتلها ، ويقبل إلى الصنم معه أصحابه ، ولم يجدوا في ~~خزانتها شيئا ، وآنصرف راجعا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكان ~~ذلك لست بقين من شهر رمضان . ذكر سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن ~~عامر ابن عبد مناة بن كنانة ، وهو يوم الغميصاء قالوا : لما رجع خالد بن ~~الوليد من هدم العزى ، ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مقيم بمكة ، بعثه ~~في شوال إلى بني جذيمة بن عامر ، وكانوا أسفل مكة على ليلة منها بناحية ~~يلملم ؛ داعيا إلى الإسلام ، ولم يبعثه مقاتلا ، فخرج في ثلثمائة وخمسين ~~رجلا من المهاجرين والأنصار وبني سليم ، فآنتهى إليهم خالد بن الوليد ، ~~فقال : ما أنتم ؟ قالوا : مسلمون ، قد صلينا وصدقنا بمحمد ، وبنينا المساجد ~~في ساحاتنا ، وادنا فيها ؛ قال : فما بال السلاح عليكم ؟ فقالوا : إن بيننا ~~وبين بعض العرب عداوة ، فخفنا أن تكونوا هم ، فأخذنا السلاح ؛ قال : فضعوا ~~السلاح ؛ قال : فوضعوه ، فقال لهم : استأسروا ؛ فآستأسر القوم ، فأمر بعضهم ~~فكتف بعضا وفرقهم في أصحابه ، فلما كان في السحر نادى خالد : من كان معه ~~أسير فليدافه ؛ أي فليجهز عليه بالسيف . فأما بنو سليم فقتلوا من كان في ~~أيديهم ، وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أساراهم ، فبلغ النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ما صنع خالد ، فقال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ؛ وبعث ~~علي بن أبى طالب فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم . PageV17P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" وقد حكى أبو الفرج على بن الحسين الأصفهاني ، ~~خبر هذه السرية في قصة عبد الله بن علقمة أأحذ بن عامر بن عبد مناة بن ~~كنانة وخبر مقتله ، وذكر خبره مع حبيشة ، فروى بسند رفعه إلى آبن دأب قال : ~~كان من حديث عبد الله بن علقمة أنه خرج مع أمه وهو إذ ذاك يفعة : دون ~~المحتلم ، لتزور جارة لها ، وكانت لها بنت يقال لها : حبيشة إحدى بنات عامر ~~بن عبد مناة ، فلما رآها عبد الله بن علقمة أعجبته ووقعت في نفسه ؛ فآنصرف ~~وترك أمه عند جارتها ، فبقيت عندها ms3677 يومين ، ثم أتاها ليرجعها إلى منزله ، ~~فوجد حبيشة قد زينت لأمر كان في الحي ، فازداد بها عجبا ، وآنصرف بأمه في ~~غداة تمطر ، فمشى معها وجعل يقول : فما أدرى بلى إني لأرى . . . أصوب القطر ~~أحسن أم حبيش حبيشة والذي خلق الهدايا . . . وما إن عندها للصب عيش قال : ~~فسمعت ذلك حبيشة ، فتغافلت عنه ، وكرهت قوله ، ثم مشى مليا فإذا هو بظبي ~~على ربوة من الأرض ، فقال : يا أمتا خبريني غير كاذبة . . . وما يريد مسول ~~الحق بالكذب أأنت أحسن أم ظبي برابية . . . لا بل حبيشة في عيني وفي أربى ~~قال : فزجرته أمه ، وقالت : ما أنت وهذا ، أنا مزوجتك بنت عمك ، فهى أجمل ~~من تلك ، وأتت آمرأة عمه فأخبرتها خبره وقالت : زيني آبنتك له ، ففعلت ~~وأدخلتها عليه ، فلما رآها أطرق ، فقالت له أمه : أيهما الآن أحسن ؟ فقال : ~~إذا غيبت عني حبيشة مرة . . . من الدهر لم أملك عزاء ولا صبرا كأن الحشا حر ~~السعير يحشه . . . وقود الغضى فالقلب مضطرم جمرا قال : وجعل يراسل الجارية ~~وتراسله ، حتى علقته كما علقها ، وكثر قوله الشعر فيها ، فمن ذلك قوله : ~~PageV17P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" حبيشة هل جدى وجدك جامع . . . بشملكم شمل ~~وأهلكم أهلي ؟ وهل أنا ملتف بثوبك مرة . . . بصحراء بين الأيكتين إلى النخل ~~؟ ومرتشف من ريق ثغرك مرة . . . كراح ومسك خالطا عسل النحل فلما بلغ أهلها ~~خبره ، حجبوها عنه مدة ، وهو يزيد غراما بها ، ويكثر قوله الشعر فيها ، ~~فأتوها لها : عدية السرحة ، فإذا أتاك فقولي له : نشدتك الله إن أحببتني ~~فما على الأرض شئ أبغض إلى منك ، ونحن قريب نسمع ما تقولين ؛ فواعدته ، ~~وجلسوا قريبا يسمعون ، وجلست عند السرحة ، وأقبل عبد الله لموعدها ، فلما ~~دنا منها دمعت عينها ، وآلتفتت حيث أهلها جلوس ، فعرف أنهم قريب ، فرجع ، ~~وبلغه ما أمروها به أن تقوله ، فأنشأ يقول : فلو قلت ما قالوا لزدت جوى جو ~~. . . على أنه لم يبق ستر ولا صبر ولم يك حبى عن نوال بذلته . . . فيسليني ~~عنك التجلد والهجر وما أنس م الأشياء لم أنس دمعها . . . ونظراتها حتى ~~يغيبني القبر قال ms3678 : وبعث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على أثر ذلك خالد بن ~~الوليد إلى بني عامر ، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام ، فإن أجابوا وإلا ~~قاتلهم ، فصبحهم خالد بالغميصاء وقد علموا به وخافوه ، وكانوا قد قتلوا ~~الفاكه بن الوليد وعمه الفاكه بن المغيرة في الجاهلية ، فلما صبحهم خالد ~~ومعه بنو سليم وهم يطلبونهم بمالك آبن خالد بن صخر بن الشريد ، وإخوته كرز ~~وعمرو والحارث ، وكانوا قتلوهم في موطن واحد . فلما صبحهم خالد ورأوا معه ~~بني سليم زادهم ذلك نفورا ، فقال لهم خالد : أسلموا ، فقالوا : نحن مسلمون ~~؛ قال : فألقوا سلاحكم وآنزلوا ، قالوا : لا والله ؛ فقال لهم حذيم بن ~~الحارث أحد بني أقرم : يا قوم ، لا تلقوا سلاحكم ، فو الله ما بعد وضع ~~السلاح إلا القتل ؛ قالوا : والله لا نلقى سلاحنا ولا ننزل ، فما نحن لك ~~ولا لمن معك بآمنين ؛ قال خالد : فلا أمان لكم ؛ فنزلت فرقة منهم فأسروهم ، ~~وتفرق بقية القوم فرقتين ؛ فأصعدت فرقة وسفلت أخرى . قال آبن دأب : فأخبرني ~~من لا أتهم عن عبيد الله بن أبى حدرد الأسلمي قال : PageV17P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" كنت يومئذ في جند خالد ، فبعثنا في إثر ظعن ~~مصعدة يسوق بها فتية ، فقال : أدركوا أولئك ؛ فخرجنا في أثرهم حتى أدركناهم ~~، فمضوا ، ووقف لنا غلام على الطريق ، فلما ىنتهينا إليه جعل يقاتلنا ~~ويرتجز ويقول : أرخين أطراف الذيول وآرتعن . . . مشى حييان كأن لم يفزعن إن ~~يمنع اليوم نساء تمنعن فقاتلنا طويلا ، فقتلناه ومضينا ، حتى لحقنا الظعن ، ~~فخرج إلينا غلام كأنه الأول ، فجعل يقاتلنا ويقول : أقسم ما إن خادر ذو ~~لبده . . . يرزم بين أيكة ووهده يفرس ثنيان الرجال وحده . . . بأصدق الغداة ~~مني نجده فقاتلناه حتى قتلناه ، وأدركنا الظعن ، وإذا فيهن غلام وضئ به ~~صفرة في لونه كالمنهوك ، فربطناه بحبل ، وقدمناه لنقتله ، فقال : هل لكم في ~~خير ؟ قلنا : ما هو ؟ قال : تدركون بي الظعن أسفل الوادي ثم تقتلونني ؛ ~~قلنا : نفعل ؛ فخرجنا حتى نعارض الظعن بأسفل الوادي ، فلما كان بحيث يسمعون ~~الصوت ، نادى بأعلى صوته : اسلمى حبيش ، عند فقد العيش ؛ فأقبلت إليه جارية ms3679 ~~بيضاء حسناء ؛ فقالت : وأنت فآسلم على كثرة الأعداء ، وشدة البلاء ؛ قال : ~~سلام عليك دهرا ، وإن بقيت عصرا ؛ فقالت : وأنت سلام عليك عشرا ، وشفعا ~~ووترا ، وثلاثة تترى ؛ فقال : إن يقتلوني يا حبيش فلم يدع . . . هواك لهم ~~منى سوى غلة الصدر فأنت التي أخليت لحمى من دمي . . . وعظمى وأسبلت الدموع ~~على نحرى فقالت له : ونحن بكينا من فراقك مرة . . . وأخرى وآسيناك في العسر ~~واليسر وأنت فلا تبعد فنعم فتى الهوى . . . جميل العفاف والمودة في ستر ~~فقال لها : أريتك إن طالبتكم فوجدتكم . . . بحرة أو أدركتكم بالخوانق ~~PageV17P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" ألم يك حقا أن ينول عاشق . . . تكلف إدلاج ~~السرى والودائق فقالت : بلى والله ، فقال : فلا ذنب لي قد قلت إذ نحن جيرة ~~. . . أثيبي بود قبل إحدى الصفائق أثيبي بود قبل أن تشحط النوى . . . وينأى ~~الخليط بالحبيب المفارق قال ابن أبى حدود : فقدمناه فضربنا عنقه ، فآقتحمت ~~الجارية من خدرها حتى أهوت نحوه ، فآلتقمت فاه ، فنزعنا منها رأسه ، وإنها ~~لتتبع نفسها حتى ماتت مكانها ، وأفلت من القوم غلام من بني أقرم يقال له ~~السميدع حتى آقتحم على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأخبره ما صنع ~~خالد وشكاه . قال ابن دأب : فأخبرني صالح بن كيسان أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال : " هل أنكر عليه أحد ما صنع ؟ " قال : نعم ، رجل أصفر ~~ربعة ، ورجل طويل أحمر ؛ فقال عمر رضى الله عنه : أنا والله يا رسول الله ~~أعرفهما ، أما الأول فهو آبني ، وأما الآخر فمولى أبى حذيقة ، وكان خالد قد ~~أمر كل من أسر أسيرا أن يقتله ، فأطلق عبد الله بن عمرو سالم . ولى حذيقة ~~أسيرين كانا معهما ، فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) علي بن أبى ~~طالب بعد فراغه من حنين ، وبعث معه بإبل وورق ، وأمره أن يديهم ، فوداهم ، ~~ورجع إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فسأله ، فقال : قدمت عليهم ~~فقلت لهم : هل لكم أن تقبلوا هذا بما أصيب منكم من القتلى والجرحى ، ~~وتحللوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مما علم ومما ms3680 لم يعلم ؟ ، فقالوا ~~: نعم ، قال : فدفعته إليهم ، وجعلت أديهم حتى إني لأدى ميلغ الكلب . وفضلت ~~فضلة فدفعتها إليهم ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أقبلوها ؟ ~~قلت : نعم ؛ قال : فو الذي أنا عبده لذاك أحب إلى من حمر النعم . وروى أبو ~~الفرج أيضا بسند رفعه إلى عمر بن شبة ، قال : قالوا : يروى أن خالدا أتى ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فسئل عن غزاته بنى جذيمة ، فقال : إن أذن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تحدثت ، فقال : تحدث ، فقال : لقيناهم ~~بالغميصاء بعد وجه الصبح ، فقاتلناهم حتى كاد قرن الشمس يغيب ، فمنحنا الله ~~عز وجل أكتاغهم ، فاتبعناهم نطلبهم ، فإذا غلام له ذوائب PageV17P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" على فرس في أخريات الناس ، فبوأت له الرمح ~~فوضعته بين كتفيه . فقال : لا إله ، فقبضت الرمح ، فقال : إلا اللات أحسنت ~~أو أساءت ، فهشمته هشمة أرديته بها ، ثم أخذته أسيرا ، فشدته وثاقا ، ثم ~~كلمته فلم يكلمني ، وآستخبرته فلم يخبرني ؛ فلما كان ببعض الطرق رأى نسوة ~~من بني جذيمة يسوق بهن المسلمون ، فقال : يا خالد ، فقلت : ما تشاء ؟ فقال ~~: هل أنت واقفي على هذه النسوة ؟ فآبيت ، فآلى على أصحابي ، ففعلت ، وفيهن ~~جارية تدعى حبيشة ، فقال : لها : ناوليني يدك ، فناولته يدها في ثوبها ، ~~فقال : اسلمى حبيش ، قبل نفاد العيش . فقالت : حييت عشرا ، وتسعا تترى ، ~~وثمانيا أخرى ، فقال : أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم . . . بنخلة أو أدركتكم ~~بالخوانق ألم يك حقا أن ينول عاشق . . . تكلف إدلاج السرى والودائق فقالت : ~~بلى ، فقال : فقد قلت إذ أهلى وأهلك جيرة . . . أثيبي بود قبل إحدى الصفائق ~~أثيبي بود قبل أن تشحط النوى . . . وينأى الأمير بالحبيب المفارق فإني لا ~~ضيعت سر أمانة ولا راق عيني بعد عينك رائق قال خالد : فغاظني ما رأيت من ~~غزله وشعره في حاله تلك ، فقدمته فضربت عنقه ، فأقبلت الجارية تسعى حتى ~~أخذت برأسه فوضعته في حجرها ، وجعلت ترشفه وتقول : لا تبعدن يا عمرو حيا ~~وهالكا . . . ولا يبعدن المدح مثلك من مثلي ولا تبعدن يا عمر حيا وهالكا . ~~. . فقد عشت محمود الثنا ماجد الفعل ms3681 فمن لطراد الخيل تشجر بالقنا . . . ~~وللنحر يوما عند قرقرة البزل فما زالت تبكي وتردد هذه الأبيات حتى ماتت ، ~~وإن رأسه لفى حجرها ، فقال PageV17P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لقد ~~وقفت لي يا خالد وإن سبعين ملكا لمطيفون بك يحضونك على قتل عمرو حتى قتلته ~~. " والله أعلم . ذكر غزوة حنين وهي إلى هوازن وثقيف غزاها رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في شوال سنة ثمان من مهاجره . وذلك أن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) لما فتح مكة ، مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى بعض ، ~~وحشدوا وأوعبوا وبغوا ، وجمع أمرهم مالك بن عوف النصرى ، وهو يومئذ ابن ~~ثلاثين سنة ، وأمرهم فجاءوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم حتى نزلوا ~~بأوطاس ، وجعلت الأمداد تأتيهم . قال محمد بن إسحاق : اجتمع إليه مع هوازن ~~ثقيف كلها ، ونصر ، وجشم كلها ، وسعد بكر ، وناس من بني هلال ، وهم قليل . ~~قال : ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء ، وغابت عنها من هوازن كعب وكلاب ~~، ولم يشهدها منهم أحد له اسم ؛ قال : وفي بني جشم دريد بن الصمة ، وهو شيخ ~~كبير ليس فيه شئ إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب . قال : وفي ثقيف سيدان ~~لهم في الأحلاف : قارب بن الأسود آبن مسعود بن معتب ، وفي بني مالك ذو ~~الخمار سبيع بن الحارث بن مالك ، وأخوه . وقال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ~~إبراهيم الثعلبي : كان على ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير ~~الثقيفي . قال : وكان المشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف . قال ابن إسحاق ~~: وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف . قال : ولما نزل مالك بأوطاس ، اجتمع ~~إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة ، والصمة : معاوية الأصغر بن بكر آبن علقة ~~، وقيل : علقمة بن خزاعة بن غزبة بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن في شجار ~~له يقاد به - والشجار الهودج - فلما نزل دريد قال : بأي واد أنتم ؟ قالوا : ~~بأوطاس ، قال : نعم مجال الخيل ، لا حزن ضرس ، ولا سهل دهس ، ثم قال : مالي ~~أسمع ms3682 رغاء البعير ، ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير ، ويعار الشاء ؟ قالوا : ~~ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم ، قال : أين مالك ؟ قيل ~~: هذا PageV17P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" مالك ، فقال : يا مالك ، إنك قد أصبحت رئيس ~~قومك ، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام ، مالي أسمع رغاء البعير ، ~~ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير ، ويعار الشاء ؟ قال : سقت مع الناس أموالهم ~~وأبناءهم ونساءهم ، قال : ولم ؟ قال : أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ~~ليقاتل عنهم ، قال : فأنقض به - أي صاح - ثم قال : راعي ضأن والله وهل يرد ~~المنهزم شئ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك ~~فضحت في أهلك ومالك ثم قال : ما فعلت كعب وكلاب ؟ قالوا : لم يشهدها منهم ~~أحد ، قال : غاب الحد والجد ؛ ولو كان يوم علاء ورفعه لم تغب عنه كعب وكلاب ~~، ولوددت أنكم فعلتم كما فعلت ، فمن شهدها منكم ؟ قالوا : عمرو بن عامر ، ~~وعوف بن عامر ، قال : ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضران ، يا مالك ~~: إنك لم تصنع بتقديم البيضة ، بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا ، ادفعهم ~~إلى متمنع بلادهم ، وعليا قومهم ، ثم آلق الصباء على متون الخيل ، فإن كانت ~~لك لحق بك من وراءك ، وإن كانت عليك ألفاك ذلك ، قد أحرزت أهلك ومالك ، قال ~~: لا والله ، لا أفعل ، إنك قد كبرت وكبر عقلك ، والله لتطيعنني يا معشر ~~هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهرى . وكره أن يكون لدريد بن ~~الصمة فيها ذكر ورأى ، قالوا : أطعناك ، فقال دريد : هذا يوم لم أشهده ولم ~~يفتنى . ياليتني فيها جذع . . . أخب فيها وأضع أقود وطفاء الزمع . . . ~~كأنها شاة صدع ثم قال مالك بن عوف للناس : إذا رأيتوهم فاكسروا جفون سيوفكم ~~، ثم شدوا شدة رجل واحد ؛ قال : وبعث مالك بن عوف عيونا من رجاله ، فأتوه ~~وقد تفرقت أوصالهم من الرعب ، فقال : ويلكم ما شأنكم ؟ قالوا : رأينا رجالا ~~بيضا ، على خيل بلق ، فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى ، فلم ms3683 يرده ذلك ~~عن وجهه أن مضى على ما يريد . PageV17P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" قال آبن إسحاق : ولما سمع رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بخبرهم بعث إليهم عبد الله بن أبى حدرد الأسلمي ، وأمره ~~أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ، ثم يأتيه بخبرهم ، ففعل ؛ ثم ~~أقبل على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبره الخبر ، فأجمع رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) المسير إلى هزازن لقتالهم ، وذكر له أن عند صفوان ~~بن أمية أدراعا وسلاحا ، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال : أعرنا سلاحك نلق ~~به عدونا ؛ فقال : أغصبا يا محمد ؟ فقال : بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك ~~؛ قال : ليس بهذا بأس ، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح ، ثم خرج ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من مكة يوم السبت لست ليال خلون من شوال ~~في آثنى عشر ألفا من المسلمين : عشر آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح ~~بهم مكة ، وألفان من أهل مكة . قال الثعلبى : قال مقاتل : كانوا أحد عشر ~~ألفا وخمسمائة . وقال الكلبى : كانوا عشرة آلاف ، وكانوا يومئذ أكثر ما ~~كانوا قط ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : لن نغلب اليوم من قلة ~~، حكاه آبن إسحاق . وقال محمد بن سعد : قال ذلك أبو بكر الصديق رضى الله ~~عنه . قال الثعلبى : ويقال : بل قال ذلك رجل من المسلمين يقال له : سلمة بن ~~سلامة . قال آبن سعد : وخرج مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ناس من ~~المشركين كثير ، منهم صفوان بن أمية . قال محمد بن إسحاق بسند يرفعه إلى ~~الحارث بن مالك قال : خرجنا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى حنين ~~، ونحن حديثو عهد بالجاهلية ، وكان لكفار قريش ومن سواهم من العرب سدرة ~~عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط ، يأتونها كل سنة يعلقون أسلحتهم عليها ، ~~ويذبحون عندها ، ويعكفون عليها يوما ؛ قال : فرأينا ونحن نسير مع رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) سدرة خضراء عظيمة ، فتنادينا من جنبات الطريق : يا ~~رسول الله ، اجعل لنا ms3684 ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، فقال : الله أكبر ، ~~قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى : اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة قال إنكم قوم تجهلون إنها السنن ، لتركبن سنن من كان قبلكم ، قالوا : ~~وآنتهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر ~~خلون من شوال ، فلما كان الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم في وادى ~~حنين ، وأوعز إليهم أن يحملوا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وأصحابه حملة واحدة ، وعبأ رسول الله صلى الله عليه وأصحابه في السحر ، ~~وصفهم صفوفا ، ووضع الألوية PageV17P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" والرايات في أهلها مع المهاجرين : لواء يحمله ~~علي بن أبى طالب ، وراية يحملها سعد بن أبى وقاص ، وراية يحملها عمر بن ~~الخطاب ، ولواء الخزرج يحمله حباب بن المنذر - ويقال : سعد بن عبادة - ~~ولواء الأوس مع أسيد بن حضير ، وفي كل بطن من الأوس والخزرج لواء وراية ~~يحملها رجل منهم مسمى ، وكذلك قبائل العرب فيها الألوية والرايات يحملها ~~قوم منهم مسمون ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد قدم سليما من ~~يوم خرج من مكة ، وآستعمل عليهم خالد بن الوليد ، فلم يزل على المقدمة حتى ~~قدم الجعرانة . قال : وآنحدر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في وادي ~~حنين على تعبئته ، وركب بغلته البيضاء دلدل ، ولبس درعين والمغفر والبيضة ، ~~فآستقبلهم من هوازن شئ لم يروا مثله قط من السواد والكثرة ، وذلك في غبش ~~الصبح وخرجت الكتائب من مضيق الوادي وسعته ، فحملوا حملة ، وآنكشفت الخيل ~~خيل بني سليم مولية ، وتبعهم الناس منهزمين ، وآنحاز رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ذات اليمين ، وجعل يقول : يا أنصار الله وأنصار رسوله ، أنا ~~عبد الله ورسوله ، وثبت معه يومئذ أبو بكر ، وعمر ، والعباس بن عبد المطلب ~~، وعلي بن أبى طالب ، والفضل بن العباس ، وأبو سفيان وآسمه المغيرة بن ~~الحارث بن عبد المطلب ، وأخوه ربيعة بن الحارث ، وأسامة بن زيد ، وأيمن بن ~~أم أيمن بن عبيد في أناس من أهل بيته ms3685 وأصحابه . قال الكلبى : كان حول رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) يومئذ ثلثمائة من المسلمين ، وآنهزم سائر ~~الناس عنه ، وجعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول للعباس : ناد ، يا ~~معشر الأنصار ، يا أصحاب السمرة ، يا أصحاب سورة البقرة ، فنادى - وكان ~~صيتا - فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت على أولادها يقولون : يالبيك يالبيك ~~فحملوا على المشركين ، فأشرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فنظر إلى ~~قتالهم فقال : ألان حمى الوطيس . أنا النبي لا كذب . . . أنا آبن عبد ~~المطلب ثم قال للعباس بن عبد المطلب : ناولني حصيات ، فناوله حصيات من ~~الأرض ، ثم قال : شاهت الوجوه ورمى بها وجوه المشركين ، وقال : انهزموا ورب ~~الكعبة وقذف الله في قلوبهم الرعب ، وآنهزموا لا يلوى أحد منهم على أحد . ~~قال محمد بن إسحاق : لما انهزم الناس ، ورأى من كان مع رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من PageV17P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" جفاة مكة الهزيمة ، تكلم رجال بما في أنفسهم ~~من الضغن ، فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، وإن ~~الأزلام لمعه في كنانته ، وصرخ جبلة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية : ~~ألا بطل السحر اليوم فقال له صفوان : اسكت فض الله فاك فو الله لأن يربنى ~~رجل من قريش أحب إلى من أن يربنى رجل من هوازن ؛ وقال شيبة بن عثمان بن أبى ~~طلحة : اليوم أدرك ثأرى من محمد - وكان أبوه قتل يوم أحد - اليوم أقتل ~~محمدا . قال : فبادرت لأقتله ، فأقبل شئ حتى غشى فؤادى ، فلم أطلق ذلك ، ~~فعلمت أنه ممنوع منى . وفي رواية أخرى ، قال شيبة بن عثمان : استدبرت رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم حنين وأنا أريد أن أقتله بطلحة بن عثمان ، ~~وعثمان بن طلحة ، فأطلع الله رسوله على ما في نفسى ، فآلتفت إلى وضرب في ~~صدرى وقال : أعيذك بالله يا شيبة ، فأرعدت فرائصى ، فنظرت إليه وهو أحب إلى ~~من سمعى وبصرى فقلت : أشهد أنك رسول الله ، وأن الله أطلعك على ما في نفسى ~~. وروى محمد بن إسحاق بسنده ms3686 إلى العباس قال : إني لمع رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) آخذ بحكمة بغلته البيضاء وقد شجرتها بها ، وكنت آمرأ جسيما ~~شديد الصوت ، ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول حين رأى ما رأى من ~~الناس : أين أيها الناس ، فلم أر الناس يلوون على شئ ، فقال : يا عباس ، ~~اصرخ ، يا معشر الأنصار ، يا معشر أصحاب السمرة قال : فأجابوا لبيك لبيك ، ~~قال : فيذهب الرجل ليثنى بعيره فلا يقدر على ذلك ، ويأخذ درعه فيقذفها في ~~عنقه ، ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلى سبيله ، فيؤم الصوت حتى ~~ينتهي إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، حتى إذا آجتمع إليه منهم ~~مائة آستقبلوا الناس فآقتتلوا ؛ فأشرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~ركائبه ، فنظر إلى مجتلد القوم ، فقال : ألان حمى الوطيس . PageV17P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" قال جابر بن عبد الله : فو الله ما رجعت ~~راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . قال ابن إسحاق : وآلتفت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فرأى أم سليم ابنة ملحان ، وكانت مع زوجها أبى طلحة ، وهي حازمة وسطها ببرد ~~لها ، وإنها لحامل بعبد الله بن أبى طلحة ، ومعها جمل أبى طلحة ، فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أم سليم ؟ قالت : نعم ، بأبي وأمي يا رسول ~~الله اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك فإنهم لذلك أهل ~~؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أو يكفي الله يا أم سليم ؟ قال : ~~ومعها خنجر ، فقال لها أبو طلحة : ما هذا الخنجر معك يا أم سليم ؟ قالت : ~~خنجر أخذته إن دنا منى أحد من المشركين بعجته به . وقال محمد بن إسحاق : ~~حدثني أبى إسحاق بن يسار أنه حدث عن جبير ابن مطعم قال : لقد رأيت قبل ~~هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط ~~بيننا وبين القوم ، فنظرت ، فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي ، لم أشك ~~أنها الملائكة ، ولم تكن إلا هزيمة القوم . قال ms3687 ابن إسحاق : ولما آنهزم ~~المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف ، وعسكر بعضهم بأوطاس ، وتوجه ~~بعضهم نحو نخلة ، وتبعت خيل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من سلك في ~~نخلة من الناس ، ولم تتبع من سلك الثنايا ، فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان - ~~وهو ابن الدغنة - دريد بن الصمة وهو في شجار له أي هودج ، فأخذ بخطام جمله ~~وهو يظن أنه آمرأة ، فأناخ به ، فإذا هو شيخ كبير والغلام لا يعرفه ، فقال ~~له دريد : ما تريد بي ؟ قال : أقتلك ؛ قال : ومن أنت ؟ قال : أنا ربيعة بن ~~رفيع السلمى ، ثم ضربه بسيفه فلم يغن فيه شيئا ، فقال : بئس ما سلحتك أمك ~~خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل في الشجار ، ثم آضرب به ، وآرفع عن العظام ، ~~وآخفض عن الدماغ ، فإني كذلك كنت أضرب الرجال ، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها ~~أنك قتلت دريد بن الصمة ، فرب والله يوم قد منعت فيه نساءك ؛ فقتله . ولما ~~رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه ، فقالت : أما والله لقد أعتق أمهات ~~لك ثلاثا . قال ابن هشام : ويقال إن الذي قتل دريد بن الصمة هو عبد الله بن ~~قنيع آبن PageV17P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" أهبان بن ثعلبة بن ربيعة ؛ قال : وبعث رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الآشعرى ، ~~فأدرك بعض من آنهزم ، فماوشوه القتال ، فقتل منهم أبو عامر تسعة مبارزة وهو ~~يدعو كل واحد منهم إلى الإسلام ويقول : اللهم آشهد ؛ ثم برز له العاشر ~~معلما بعمامة صفراء ، فضرب أبا عامر فقتله . وآستخلف أبو عامر أبا موسى ~~الأشعرى ، فقاتلهم حتى فتح الله عليه ، وقتل قاتل أبى عامر ، فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " اللهم آغفر لأبي عامر وآجعله من أعلى أمتي ~~في الجنة ، " ودعا لأبى موسى . وقال آبن هشام في خبر أبى عامر : إنه قتل ~~تسعة مبارزة يدعو كل واحد منهم إلى الإسلام ويقول : اللهم آشهد عليه ، ~~فيقتله أبو عامر ، وبقى العاشر ، فحمل كل منهما على صاحبه ، فدعا أبو عامر ~~إلى ms3688 الإسلام وقال : اللهم آشهد عليه ، فقال الرجل : اللهم لا تشهد علي ، ~~فكف عنه أبو عامر ، فأفلت ، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه ، فكان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) إذا رآه قال : " هذا شريدا أبى عامر ، " ورمى أبا ~~عامر أخوان : العلاء وأوفى ابنا الحارث من بني جشم آبن معاوية ، فأصاب ~~أحدهما قلبه . والآخر ركبته ، فقتلاه ، وولى الناس أبو موسى فحمل عليهما ~~فقتلهما . وقال أبو الفرج الأصفهاني : إن الذي رمى أبا عامر فأصاب ركبته هو ~~سلمة آبن دريد بن الصمة . وإنه آرتجز فقال : إن تسألوا عني فإني سلمه . . . ~~ابن سمادير لمن توسمه أضرب بالسيف رءوس المسلمه قال : وخرج مالك بن عوف عند ~~الهزيمة فوقف في فوارس من قومه على ثنية من الطريق ، وقال لأصحابه : قفوا ~~حتى تمضى ضعفاؤكم وتلحق أخراكم ، فوقف حتى مضى من لحق بهم من منهزمة الناس ~~. قال آبن هشام : وبلغني أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على الثنية ، فقال ~~لأصحابه : ماذا ترون ؟ قالوا نرى قوما واصعى رماحهم بين آذان خيلهم ، طويلة ~~بوادهم فقال : هؤلاء بنو سليم ، ولا بأس عليكم منهم ؛ فلما اقبلوا سلكوا ~~بطن PageV17P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" الوادي ، ثم طلعت خيل أخرى تتبعها ، فقال ~~لأصحابه : ماذا ترون ؟ قالوا : نرى قوما عارضى رماحهم أغفالا على خيلهم ، ~~فقال : هؤلاء الأوس والخزرج ، ولا بأس عليكم منهم ؛ فلما آنتهوا إلى أصل ~~الثنية سلكوا طريق بنى سليم ، ثم طلع فارس فقال لأصحابه : ماذا ترون ؟ ~~قالوا : نرى فارسا طويل الباد واضعا رمحه على عاتقه ، عاصبا رأسه بملاءة ~~حمراء ، فقال : هذا الزبير بن العوام ، وأحلف باللات ليخالطنكم ، فآثبتوا ~~له ، فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية ، أبصر القوم فصمد لهم ، فلم يزل ~~يطاعنهم حتى أزاحهم عنها . قالوا : ولما آنهزم القوم أمر رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بقتل من قدر عليه ، فحنق المسلمون عليهم ، فقتلوا الذرية ~~والنساء ، فمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يومئذ بآمرأة قد قتلها ~~خالد بن الوليد ، فقال : ما هذه ؟ قالوا : امرأة قتلها خالد بن الوليد ، ~~فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لبعض ms3689 من معه : " أدرك خالد بن ~~الوليد فقل له : إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدا أو آمرأة ؛ " وأنزل الله ~~تعالى في يوم حنين قوله تعالى : " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين ~~إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم ~~مدبرين . ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم ~~تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين " . قال الثعلبي : قال سعيد بن ~~جبير : أمد الله تعالى نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين . وقال الحسن ومجاهد : كانوا ثمانية آلاف . وقال الحسن : كانوا ستة ~~عشر ألفا ؛ قال سعيد بن جبير : حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال : ~~لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لم يقفوا لنا ~~حلبة شاة ، فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم ، حتى إذا آنتهينا إلى صاحب البغلة ~~الشهباء - يعني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) - فتلقانا رجال بيض ~~الثياب حسان الوجوه ، فقالوا لنا : شاهت الوجوه ، ارجعوا ، فرجعنا ، وركبوا ~~أكتافنا ، فكانت إياها . يعني الملائكة . قال : وفي الخبر أن رجلا من بني ~~نصر يقال له شجرة قال للمؤمنين بعد القتال : أين الخيل البلق ، والرجال ~~عليهم ثياب بيض ؟ ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة ، وما كان قتلنا إلا ~~بأيديهم ، فأخبروا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بذلك فقال : تلك الملائكة ~~. وقال محمد بن سعد : كان سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمر قد أرخوها بين ~~أكتافهم . PageV17P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" قال آبن إسحاق : وآستشهد من المسلمين يوم ~~حنين من بنى هاشم أيمن بن عبيد ، ومن بني أسد يزيد بن زمعة بن الأسود ، ومن ~~ألنصار سراقة بن الحارث ابن عدي ، ومن الأشعر يين أبو عامر . وقال آبن سعد ~~: ورقيم بن بن زيد بن لوذان ، واستحر القتل في بني نصر آبن معاوية ، ثم في ~~بني رئاب ، فقال عبد الله بن قيس ، وكان مسلما . هلكت بنو رئاب ، فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " اللهم آجبر مصيبتهم . " قال : وأمر رسول ~~الله ms3690 ( صلى الله عليه وسلم ) بالسبايا والأموال فجمعت ، وحدرت إلى الجعرانة ~~، وعليها مسعود بن عمرو الغفارى ، فوقف بها بالجعرانة حتى آنصرف رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) من غزوة الطائف وهو حظائرهم يستظلون بها من الشمس ، ~~ثم قسمها ( صلى الله عليه وسلم ) بعد ذلك ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى ~~. ذكر سرية الطفيل بن عمرو الدوسى إلى ذي الكفين بعثه رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في شوال سنة ثمان عند منصرفه من غزوة حنين ، وتوجهه إلى الطائف ~~ليهدم ذا الكفين صنم عمرو بن حممة الدوسي ، وأمره أن يستمد قومه ويأتيه ~~بالطائف ، فخرج سريعا إلى قومه ، فهدم ذا الكفين وجعل يحش النار في وجهه ~~ويقول : يا ذا الكفين لست من عبادكا . . . ميلادنا أقدم من ميلادكا إني ~~حششت النار في فؤادكا وآنحدر معه من قومه أربعمائة سراعا ، فوافوا رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام ، وقدم الطفيل ~~معه بدبابة ومنجنيق . ذكر غزوة الطائف غزاها رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في شوال سنة ثمان من مهاجره ، وذلك أنه لما آنهزمت هوازن وثقيف يوم ~~حنين ، وجمعت السبايا والغنائم ، سار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~حنين يريد PageV17P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" الطائف ، وقدم خالد بن الوليد على مقدمته ، ~~وقد كانت ثقيف رموا حصنهم ، وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة ، فلما آنهزموا من ~~أوطاس ، دخلوا حصنهم وأغلقوا عليهم وتهيئوا للقتال ، وسار رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وسلك على نحلة اليمانية ، ثم على قرن ، ثم على المليح ، ~~ثم على بحرة الرغاء من لية ، فآبتنى بها مسجدا يصلي فيه . قال آبن إسحاق : ~~وأقاد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يومئذ ببحرة الرغاء حين نزلها بدم ~~، وهو أول دم أقيد به في الإسلام رجل من بني أسد قتل رجلا من هذيل فقتل به ~~؛ قال : وأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو بلية بحصن مالك آبن عوف ~~، فهدم ، ثم سلك في طريق يقال لها : الضيقة ، فسأل عن آسمها . فقال : ما ~~آسم هذه ms3691 الطريق ؟ فقالوا : الضيقة ، فقال : بل هي اليسرى ، ثم خرج منها على ~~نخب حتى نزل تحت سدرة يقال لها : الصادرة ، قريبا من مال رجل من ثقيف ، ~~فأرسل إليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، يقول : " إما أن تخرج وإما ~~أن نخرب عليك حائطك ؛ " فأبى أن يخرج ، فأمر رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بإخرابه ؛ ثم مضى حتى نزل قريبا من حصن الطائف وعسكر هناك ، فرموا ~~المسلمين بالنبل رميا شديدا حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة ، وقتل منهم ~~آثنا عشر رجلا . قال آبن إسحاق : وهم سعيد بن سعيد بن العاص ، وعرفطة بن ~~جناب ، حليف لهم من أسد بن الغوث . وعبد الله بن أبى بكر الصديق رضى الله ~~عنهما ، رمى فاندمل جرحه ، ثم انتقض بعد ذلك فمات منه في خلافة أبيه . ومن ~~بني مخزوم عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة . ومن بني كعب عبد الله بن عامر ~~بن ربيعة ، حليف لهم . ومن بني سعد بن ليث جليحة بن عبد الله . ومن الأنصار ~~ثابت بن الجذع ، والحارث بن سهل بن أبى صعصعة ، والمنذر بن عبد الله ، ~~ورقيم بن ثابت بن ثعلبة الأوسي . قال : فارتفع رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إلى موضع مسجد الطائف اليوم ، وكان معه ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~PageV17P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" نسائه أم سلمة وزينب ، فضرب لهما قبتين . ~~وحاصرهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثمانية عشر يوما ، ويقال : خمسة ~~عشر يوما ، ونصب عليهم المنجنيق ، ورمى عليهم به ، وأهل الطائف أول من رمى ~~بالمنجنيق في الإسلام . قال آبن إسحاق : حتى إذا كان يوم الشدخة دخل نفر من ~~المسلمين تحت دبابة ، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه ، فأرسلت عليهم ~~ثقيف سكك الحديد محماة بالنار ، فخرجوا من تحتها ، فرمتهم ثقيف بالنبل ، ~~فقتل منهم رجال ، فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بقطع أعناقهم ~~وتحريقها ، فقطع المسلمون قطعا ذريعا ، ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم ، ~~فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إني أدعها لله وللرحم ، " ونادى ~~منادى رسول الله ( صلى ms3692 الله عليه وسلم ) : " أيما عبد نزل من الحصن وخرج ~~إلينا فهو حر ؛ " فخرج منهم بضعة عشر رجلا ، منهم : أبو بكرة ، فأعتقهم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين ~~يمونه ، فشق ذلك على أهل الطائف ، ولم يؤذن لرسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في فتح الطائف ، فاستشار نوفل بن معاوية الديلي ، فقال : ما ترى ؟ ~~فقال : ثعلب في حجر ، إن أقمت عليه أخذته ، وإن تركته لم يضررك . قال محمد ~~بن إسحاق : وبلغني أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال لأبى بكر رضى ~~الله عنه : يا أبا بكر ؛ إني رأيت أني أهديت لي قعبة مملوءة زبدا ، فنقرها ~~ديك فهراق ما فيها ؛ فقال أبو بكر : ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد ~~؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " وأنا لا أرى ذلك . " قال : ثم ~~إن خويلة بنت حكيم بن أمية السلمية ، وهي آمرأة عثمان بن مظعون قالت : يا ~~رسول الله ، أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلي بادية بنت غيلان ابن سلمة ، ~~أو حلي الفارعة بنت عقيل ، وكانتا من أحلى نساء قريش . قال : فذكر لي أن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال لها : " وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف ~~يا خويلة ؟ " فخرجت خويلة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب رضى الله عنه ، فدخل ~~على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا رسول الله ، ما حديث ~~حدثتنيه خويلة فزعمت أنك قد قلته ؟ ؛ قال : قد قلته . قال : أو ما أذن فيهم ~~يا رسول الله ؟ قال : لا ، قال : أفلا أؤذن بالرحيل ؟ قال : بلى قال : فأذن ~~عمر في الناس بالرحيل ؛ فضج الناس من ذلك ، وقالوا : نرحل ولم تفتح علينا ~~الطائف ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : فآغدوا على القتال ؛ ~~فغدوا ، فآصابت المسلمين PageV17P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" جراحات ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " إنا قافلون إن شاء الله ؛ " فسروا بذلك وأذعنوا ، وجعلوا ~~يرتحلون ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يضحك ، وقال لهم : قولوا لا ms3693 إله ~~إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ؛ فلما آرتحلوا ~~وآستقلوا قال : قولوا آيبون تائبون عابدون ، لربنا حامدون ؛ وقيل لرسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : يا رسول الله ، ادع على ثقيف ؛ فقال : اللهم ~~آهد ثقيفا وأت بهم . ذكر مسير رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى ~~الجعرانة وقسم مغانم حنين ، وما أعطاه المؤلفة قال آبن إسحاق : ولما آنصرف ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من الطائف رجع إلى الجعرانة فآنتهى إليها ~~ليلة الخميس لثلاث خلون من ذي القعدة ، فأقام بها ثلاثة عشر يوما ، وقسم ~~الفئ . قال محمد بن سعد : كان السبي ستة آلاف ، والإبل أربعة وعشرين ألف ~~بعير ، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة ، والورق أربعة آلاف أوقية فضة ، ~~فآستأنى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالسبي أن يقدم عليه وفدهم ، ~~وبدأ بالأموال فقسمها ، وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس . قالوا : فأعطى ~~أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل . قال : وآبني يزيد ؟ قال : ~~أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل ؛ قال : وابني معاوية ؟ فأعطاه أربعين ~~أوقية ومائة من الإبل ، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل ، ثم سأله مائة ~~أخرى فأعطاه إياها ، وأعطى النضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة مائة من ~~الإبل ، وأعطى أسيد بن جارية الثقفي مائة من الإبل ، وأعطى العلاء ابن ~~جارية الثقفي خمسين بعيرا ، وأعطى مخرمة بن نوفل خمسين بعيرا ، وأعطى ~~الحارث بن هشام مائة من الإبل ، وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الإبل ، ~~وأعطى صفوان بن أمية مائة من الإبل ، وأعطى قيس بن عدي مائة من الإبل ، ~~وأعطى عثمان بن وهب خمسين من الإبل ، وأعطى سهيل بن عمرو مائة من الإبل ، ~~وأعطى حويطب بن عبد العزى مائة من الإبل ، وأعطى هشام بن عمرو العامري ~~خمسين من الإبل ، وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل ، واعطى ~~عيينة ابن حصن مائة من الإبل ، وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل ، وأعطى ~~العباس بن مرداس أربعين من الإبل ، وقيل : أربعة ، فقال في ذلك : ~~PageV17P0239 # """""" صفحة ms3694 رقم 240 """""" كانت نهابا تلافيتها . . . بكرى على المهر في ~~الأجرع وإيقاظي القوم أن يرقدوا . . . إذا هجع الناس لم أهجع فأصبح نهبى ~~ونهب العبي . . . د بين عيينة والأقرع وقد كنت في الحرب ذاتدرإ . . . فلم ~~أعط شيئا ولم أمنع إلا أفائل أعطيتها . . . عديد قوائمها الأربع وما كان ~~حصن ولا حابس . . . يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون آمرئ منهما . . . ~~ومن تضع اليوم لا يرفع فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " اقطعوا ~~عني لسانه ، " فأعطوه حتى رضى ، قيل : أعطاه مائة من الإبل . قال آبن سعد : ~~أعطي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك كله من الخمس ، وهو أثبت ~~الأقاويل عندنا ، ثم أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) زيد بن ثابت ~~بإحصاء الناس والغنائم ، ثم فضها على الناس ، فكانت سهامهم لكل رجل أربع من ~~الإبل ، وأربعون شاة ، فإن كان فارسا أخذ آثني عشر من الإبل ، أو عشرين ~~ومائة شاة ، وإن كان معه أكثر من فرس لم يسهم للفرس الزائد . ذكر قدوم وفد ~~هوازن على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وإسلامهم ورد السبايا إليهم ~~قال : وقدم وفد هوازن على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهم أربعة عشر ~~رجلا ، ورأسهم زهير بن صرد ، وفيهم أبو برقان عم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من الرضاعة ، فسألوه أن يمن عليهم بالسبى . PageV17P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" قال آبن إسحاق بسنده إلى عبد الله بن عمرو : ~~إن وفد هوازن وفدوا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقد أسلموا ، ~~فقالوا : يا رسول الله ، إنا أصل وعشيرة ، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف ~~عليك ، فآمنن علينا . قال : وقام رجل من هوازن ، أحد بني سعد بن بكر يقال ~~له : زهير ، يكنى بأبى صرد ، فقال : يا رسول الله ، إنما في الحظائر عماتك ~~وخالاتك وحواضنك اللاتي كن معك يكفلنك ، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبى شمر ~~أو للنعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به ، رجونا عطفه وعائدته ~~علينا ، وأنت خير المكفولين . وحكى أبو عمر بن عبد ms3695 البر أن صرد زهير بن صرد ~~أنشد عند ذلك : امنن علينا رسول الله في كرم . . . فإنك المرء نرجوه وننتظر ~~امنن على بيضة قد عاقها قدر . . . ممزق شملها ، في دهرها غير يا خير طفل ~~ومولود ومنتجب . . . في العالمين إذا ما حصل البشر إن لم تداركهم نعماء ~~تنشرها . . . يا أرجح الناس حلما حين يختبر فآمنن على نسوة قد كنت ترضعها . ~~. . إذ فوك يملؤه من محضها درر إذ كنت طفلا صغيرا كنت ترضعها . . . وإذ ~~يزينك ما تأتي وما تذر لا تجعلنا كمن شالت نعامته . . . وآستبق منا فإنا ~~معشر زهر يا خبر من مرحت كمت الجياد به . . . عند الهياج إذا ما آستوقد ~~الشرر إنا لنشكر آلاء وإن كفرت . . . وعندنا بعد هذا اليوم مدخر إنا نؤمل ~~عفوا منك تلبسه . . . هذى البرية إذ تعفو وتنتصر فآغفر عفا الله عما أنت ~~واهبه . . . يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر قال آبن إسحاق : فقال رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) : " أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم ؟ " ~~فقالوا : يا رسول الله ، خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا ، فرد إلينا أبناؤنا ~~ونساؤنا PageV17P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" فهو أحب إلينا ؛ فقال لهم : " أما كان لي ~~ولبني عبد المطلب فهو لكم ، وإذا أنا صليت الظهر فقوموا فقولوا : إنا ~~نستشفع برسول الله إلى المسلمين ، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ~~ونسائنا ؛ فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم ، " ففعلوا ما أمرهم به ، فقال : " ~~أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ، " وقال المهاجرون : وما كان لنا ~~فهو لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ وقالت الأنصار مثل ذلك ؛ فقال ~~الأقرع بن حابس : أما أنا وبنو تميم فلا ، وقال عيينة بن حصن : أما أنا ~~وبنو فزارة فلا ، وقال عباس بن مردس : أما أنا وبنو سليم فلا ، فقالت بنو ~~سليم : بلى ، ما كان لنا فهو لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ قال : ~~يقول عباس لبني سليم : وهنتموني ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" إن هؤلاء القوم جاءوا مسلمين ، وقد كنت آستأنيت بسبهم ، وخيرتهم فلم ~~يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا ، فمن كان ms3696 عنده منهم شئ فطابت نفسه أن يرده ~~فسبيل ذلك ، ومن أبى فليرد عليهم ، وليكن ذلك قرضا علينا ، فله بكل إنسان ~~ست فرائض من أول ما يفئ الله علينا " قالوا : رضينا وسلمنا ، فردوا عليهم ~~نساءهم وأبناءهم ، ولم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن ، فإنه أبى أن يرد ~~عجوزا صارت في يده منهم ، ثم ردها بعد ذلك . وقد حكى محمد بن إسحاق سبب ~~تمسك عيينة بها وردها ، قال : فقال حين أخذها : أرى عجوزا إني لأحسب لها في ~~الحي نسبا ، وعسى أن يعظم فداؤها ؛ فلما رد الناس السبايا بست فرائض أبى أن ~~يردها ، فقال له زهير بن صرد : خذها عنك ، فو الله ما فوها ببارد ، ولا ~~ثديها بناهد ، ولا بطنها بوالد ، ولا زوجها بواجد ولا درها بماكد ؛ فردها ~~بست فرائض حين قال له زهير ما قال . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قد كسا السبى قبطية قبطية ، والقباطي : ثياب بيض تتخذ من الكتان بمصر . ~~وحكى محمد بن سعد في طبقاته الكبرى في ترجمة عيينة بن حصن في هذه القصة قال ~~: لما قدم هوازن على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ورد عليهم السبى ، ~~كان عيينة قد أخذ رأسا منهم ، فنظر إلى عجوز كبيرة فقال : هذه أم الحي ، ~~لعلهم أن يغلوا بفدائها ، وعسى أن يكون لها في الحي نسب . فجاء آبنها إلى ~~عيينة فقال : هل لك في مائة من الإبل ؟ قال : لا ، فرجع عنه ، فتركه ساعة ، ~~وجعلت العجوز تقول لآبنها : ما إربك في بعد مائة ناقة ، اتركه فما أسرع ما ~~يتركني بغير فداء ؛ فلما سمعها عيينة قال : ما رأيت كاليوم خدعة ، والله ما ~~أنا من هذه إلا في غرور ؛ ولا جرم والله لأبعدن أثرك مني ؛ قال : ثم مر به ~~آبنها فقال له عيينة : هل لك فيما دعوتني إليه ؛ فقال : لا أزيدك ~~PageV17P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" على خمسين ؛ فقال عيينة : لاأفعل ؛ ثم لبث ~~ساعة ، فمر به وهو معرض عنه ، فقال له عيينة : هل لك في الذي بذلت لي ؟ ، ~~قال له الفتى : لا أزيدك على ms3697 خمس وعشرين فريضة ؛ قال عيينة : والله لا أفعل ~~، فلما تخوف عيينة أن يتفرق الناس ويرتحلوا قال : هل لك إلى ما دعوتني إليه ~~إن شئت ؟ : قال الفتى : هل لك إلى عشر فرائض ؟ قال : لا أفعل ؛ فلما رحل ~~الناس ناداه عيينة : هل لك إلى ما دعوتني إليه شئت ؟ ؛ قال الفتى : أرسلها ~~وأحمدك ، قال : لا والله مالي حاجة بحمدك ؛ فأقبل عيينة على نفسه لائما لها ~~ويقول : ما رأيت كاليوم أمرا أنكد ، قال الفتى : أنت صنعت هذا بنفسك ، عمدت ~~إلى عجوز كبيرة ، والله ما ثديها بناهد ، ولا بطنها بوالد ، ولا فوها ببارد ~~، ولا صاحبها بواجد ، فأخذتها من بين من ترى ؛ فقال له عيينة : خذها لا ~~بارك الله لك فيها ؛ قال : فيقول الفتى : يا عيينة ، إن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قد كسا السبى فأخطأها من بينهم الكسوة ، فهل أنت كاسيها ~~ثوبا ؟ قال : لا ، والله مالها ذاك عندي ، قال : لا تفعل ؛ فما فارقه حتى ~~أخذ منه سمل ثوب . ثم ولى الفتى وهو يقول : إنك لغير بصير بالفرض ، قال : ~~وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد كسا السبى قبطية قبطية ، ~~والقباطي : ثياب بيض نتخذ من الكتان بمصر . قال محمد بن إسحاق : وسأل رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وفد هوازن عن مالك بن عوف ما فعل ؟ هو بالطائف ~~مع ثقيف ؛ فقال : أخبروا مالكا إن هو أتاني مسلما رددت إليه أهله وماله ، ~~وأعطيته مائة من الإبل . فأخبر بذلك ، فخرج من الطائف فأدرك رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بالجعرانة أو بمكة ، فرد عليه أهله وماله ، وأعطاه ~~مائة من الإبل ، وأسلم فحسن إسلامه . وقال حين أسلم منشدا : ما إن رأيت ولا ~~سمعت بمثله . . . في الناس كلهم بمثل محمد أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى . . ~~. ومتى تشأ يخبرك عما في غد وإذا الكتيبة عردت أنيابها . . . بالسمهري وضرب ~~كل مهند فكأنه ليث على أشباله . . . وسط الهباءة خادر في مرصد PageV17P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" فآستعمله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~على من أسلم من قومه ، وتلك القبائل : ثمالة ، وسلمة ، وفهم ms3698 ، فكان يقاتل ~~بهم ثقيفا ؛ لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه ، حتى ضيق عليهم ، فقال أبو ~~محجن بن حبيب بن عمرو الثقفي في ذلك : هابت الأعداء جانبنا . . . ثم تغزونا ~~بنو سلمة وأتانا مالك بهم . . . ناقضا للعهد والحرمة وأتونا في منازلنا . . ~~. ولقد كنا أولى نقمة ذكر تسمية من بايع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~من قريش وغيرها عند قسم مغانم حنين قال أبو محمد عبد الملك بن هشام رحمه ~~الله : بايع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من قريش وغيرهم وأعطاهم يوم ~~الجعرانة من غنائم حنين : أبو سفيان ابن حرب ، ومعاوية بن أبى سفيان ، ~~وطليق بن سفيان بن أمية ، وخالد بن أسيد ابن أبى العيص ، وشيبة بن عثمان بن ~~أبى طلحة ، وأبو السنابل بن بعكك بن الحارث ، وعكرمة بن عامر بن هاشم ، ~~وزهير بن أبى أمية بن المغيرة ، والحارث بن هشام بن المغيرة ، وخالد بن ~~هشام بن المغيرة ، وهشام بن الوليد بن المغيرة ، وسفيان بن عبد الأسد بن ~~عبد الله ، والسائب بن أبى السائب بن عائذ ، ومطيع بن الأسود بن حارثة بن ~~نضلة ، وأبو جهم بن حذيقة بن غانم ؛ العدويان ، وصفوان بن أمية بن خلف ~~الجمحى ، وأحيحة بن أمية بن خلف ، وعمير بن وهب بن خلف ، وعدي بن قيس ابن ~~حذافة السهمى ، وحويطب بن عبد العزى ، وهشام بن عمرو بن ربيعة ، ونوفل ابن ~~معاوية بن عروة بن صخر الديلي ، وعلقمة بن علاثة بن عوف ، ولبيد بن ربيعة ~~بن مالك ، وخالد بن هوذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر ، وحرملة بن هوذة آبن ~~ربيعة ، ومالك بن عوف بن سعيد بن يربوع ، وعباس بن مرداس السلمى ، وعيينة ~~بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري ، بن حابس بن عقال المجاشعي PageV17P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" ذكر مقالة الأنصار في أمر قسم الفئ ، وما ~~أجابهم به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ورضاهم به قال ابن إسحاق ~~بسند يرفعه إلى أبى سعيد الخدري رضى الله عنه أنه قال : لما أعطى رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ms3699 ) ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ، ~~ولم يكن في الأنصار منها شئ ، وجدوا في أنفسهم حتى كثرت بهم القالة ، حتى ~~قال قائلهم : لقى والله رسول الله قومه ، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال : يا ~~رسول الله ، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في ~~هذا آلفئ الذي أصبت ؛ قسمت في قومك ، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب ، ~~ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شئ . قال : فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ ~~قال : يا رسول الله ، ما أنا إلا من قومي ؛ قال : فآجمع لي قومك في هذه ~~الحظيرة ، فخرج سعد فجمعهم فيها ، فأتاهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : " يا معشر الأنصار ، ما ~~قالة بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ~~، وعالة فأعانكم الله ، وأعداء فألف الله بين قلوبكم " قالوا : بلى ، الله ~~ورسوله أمن وأفضل ثم قال : ألا تجيبونني يا معشر الأنصار ، قالوا : بماذا ~~نجيبك يا رسول الله ؟ ، لله ولرسوله المن والفضل ، قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " أما والله لو شئتم لقلتم ولصدقتم : أتيتنا مكذبا ~~فصدقناك ، ومخذولا فنصرناك ، وطريدا فآويناك ، وعائلا فآسيناك ، أوجدتم يا ~~معشر الأنصار في أنفسكم من لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ، ~~ووكلتكم إلى إسلامكم ؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء ~~والبعير وترجعوا برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى رحالكم فوالذي نفس ~~محمد بيده لولا الهجرة لكنت آمرأ من الأنصار ، ولو سلكت الناس شعبا وسلكت ~~الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ، اللهم آرحم الأنصار وأبناء الأنصار ~~وأبناء الأنصار ؛ قال : فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم ، وقالوا : رضينا ~~برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قسما وحظا ؛ ثم آنصرف رسول PageV17P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" الله ( صلى الله عليه وسلم ) وتفرقوا ، ثم ~~خرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من الجعرانة معتمرا ، وذلك ليلة ~~الأربعاء لثنتي عشرة ليلة مضت من ذي القعدة ، فأحرم ms3700 بعمرة ، ودخل مكة ، ~~فطاف وسعى وحلق رأسه ، ورجع إلى الجعرانة من ليلته . ذكر استخلاف رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) عتاب بن أسيد على مكة ورجوعه إلى المدينة قال محمد ~~بن إسحاق : ولما فرغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من عمرته آستخلف ~~عتاب بن أسيد على مكة ، وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم ~~القرآن . قال آبن هشام : لما آستعمل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عتاب ~~بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهما ، فقام فخطب الناس فقال : أيها الناس ، ~~أجاع الله كبد من جاع على درهم ، رزقني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~درهما كل يوم ، فليست بي حاجة إلى أحد . قال : وحج عتاب بالناس في سنة ثمان ~~على ما كانت العرب تحج عليه . قال آبن سعد : ولما آنصرف رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إلى المدينة سلك في وادي الجعرانة ، حتى خرج على سرف ، ثم ~~أخذ الطريق إلى مر الظهران ، ثم إلى المدينة ، فقدمها ( صلى الله عليه وسلم ~~) في بقية ذي القعدة أو في أول ذي الحجة . وقال آبن هشام : لست بقين من ذي ~~القعدة . والله أعلم . ذكر سرية عيينة بن حصن الفزارى إلى بني تميم بعثه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في المحرم سنة تسع من مهاجره إلى بني ~~تميم في خمسين فارسا من العرب ، ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري ، وكان يسير ~~الليل ويكمن النهار ، فهجم عليهم في صحراء - وكانوا فيما بين السقيا وأرض ~~بني تميم ، وقد حلوا وسرحوا ما شيتهم ، فلما رأوا الجمع ولوا - وأخذ منهم ~~أحد عشر رجلا ؛ ووجدوا في المحلة إحدى عشرة آمرأة وثلاثين صبيا ، فجلبهم ~~إلى المدينة ، فأمر بهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فحبسوا في دار ~~بنت الحارث ، فقدم فيهم عدة من رؤسائهم : عطارد بن حاجب ، PageV17P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" والزبرقان بن بدر ، وقيس بن عاصم ، ورباح بن ~~الحارث بن مجاشع ، والأقرع بن حابس ، وقيس بن الحارث ، ونعيم ابن سعد ، ~~وعمرو بن الأهتم ، وربيعة بن رفيع ms3701 ، وسبرة بن عمرو ، والقعقاع بن معبد ، ~~ووردان بن محرز ، ومالك بن عمرو ، وفراس بن حابس ، وكان من شأنهم وكلام ~~خطيبهم وشاعرهم ما نذكر ذلك في أخبارهم في وفادات العرب إن شاء الله تعالى ~~، وذلك في السفر السادس عشر من كتابنا هذا من هذه النسخة . قال : ورد عليهم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الأسرى والسبى . قال آبن إسحاق : وكان ~~ممن قتل يومئذ من بني العنبر : عبد الله وأخوان له بنو وهب ، وشداد بن فراس ~~، وحنظلة بن دارم . وكان ممن سبى يومئذ أسماء بنت مالك ، وكأس بنت أرى ، ~~ونجوة بنت نهد ، وجميعة بنت قيس ، وعمرة بنت مطر . ذكر خبر الوليد بن عقبة ~~بن أبى معيط مع بني المصطلق قال محمد بن سعد : بعث رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) الوليد بن عقبة ابن أبى معيط إلى بالمصطلق من خزاعة يصدقهم ، ~~وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجد ، فلما سمعوا بدنو الوليد خرج منهم عشرون ~~رجلا يتلقونه بالجزور والغنم فرحا به ، فلما رآهم ولى راجعا إلى المدينة ، ~~فأخبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنهم لقوه بالسلاح يحولون بينه ~~وبين الصدقة ، فهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يبعث إليهم من ~~يغزوهم ، وبلغ ذلك القوم ، فقدم الركب الذين لقوا الوليد إلى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فأخبره الخبر على وجهه ، فنزل في ذلك قوله تعالى : " ~~يأيها الذين آمنوا إن جاءكم ناسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا أن قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ، " فقرأ عليهم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) القرآن ، وبعث معهم عباد بن بشر يأخذ صدقات أموالهم ، ويعلمهم شرائع ~~الإسلام ، ويقرئهم القرآن ، ففعل ، وأقام عندهم عشرا ، ثم آنصرف إلى ~~المدينة . ذكر سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم بعثه رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في صفر سنة تسع من مهاجره إلى حي من خثعم بناحية تبالة ~~PageV17P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" في عشرين رجلا ، وأمره أن يشن الغارة عليهم ، ~~فخرجوا على عشرة أبعرة يعتقبونها ، فاخذوا رجلا ، فسألوه فآستعجم عليهم ms3702 ، ~~وجعل يصيح باالحاضر ويحذرهم ، فضربوا عنقه ، ثم امهلوا حتى نام الحاضر ، ~~فشنوا عليهم الغارة ، فآقتتلوا قتالا شديدا ، وساق المسلمون النعم والشاء ~~والنساء إلى المدينة ، وجاء سيل فحال بينهم وبين قطبة ، فما يجدون إليه ~~سبيلا ، وكانت سهامهم بعد الخمس لكل رجل أربعة أبعرة ، والبعير يعدل بعشرة ~~من الغنم . ذكر سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب كانت في شهر ~~ربيع الأول سنة تسع من الهجرة . قالوا : بعث رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) جيشا إلى القرطاء عليهم الضحاك ابن سفيان بن عوف الكلابي ، ومعه ~~الأصيد بن سلمة بن قرط ، فلقوهم بالزج ، زج لاوة ، فدعوهم إلى الإسلام ~~فأبوا ، فقاتلوهم فهزموا ، فلحق الأصيد أباه سلمة ، وسلمة على فرس له في ~~غدير الزج ، فدعا أباه إلى الإسلام ، وأعطاه الأمان ، فسبه وسب دينه ، فضرب ~~الأصيد عرقوبى فرس أبيه ، فلما وقع الفرس على عرقوبيه آرتكز سلمة رمحه في ~~الماء ، ثم آستمسك به ، حتى جاءه أحدهم فقتله ، ولم يقتله آبنه ، وفي هذه ~~السرية وفي الضحاك بن سفيان يقول عباس بن مرداس : إن الذين وفوا بما ~~عاهدتهم . . . جيش بعثت عليهم الضحاكا أمرته ذرب اللسان كأنه . . . لما ~~تكنفه العدو يراكا طورا يعانق باليدين وتارة . . . يفرى الجماجم صارما ~~بتاكا ذكر سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة كانت هذه السرية في شهر ~~ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة ، وذلك أن رسول PageV17P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" الله ( صلى الله عليه وسلم ) بلغه أن ناسا من ~~الحبشة تراآهم أهل جدة ، فبعث إليهم علقمة بن مجزز في ثلاثمائة ، فآنتهى ~~إلى جزيرة في البحر وقد خاض إليهم ، فهربوا منه ، فلما رجع تعجل بعض القوم ~~إلى أهليهم ، فأذن لهم ، وفيهم عبد الله بن حذاقة السهمى ، فأمره علقمة على ~~من تعجل ، وكانت فيه دعابة ، فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارا يصطلون عليها ~~، فقال لهم : عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار ، فقام بعض القوم حتى ظن ~~أنهم واثبون فيها ، فقال : اجلسوا ، إنما كنت أضحك معكم ؛ فذكروا ذلك لرسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : " من أمركم بمعصية ms3703 فلا تطيعوه . " ~~ذكر سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الفلس صنم طيئ بعثه رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) علي بن أبى طالب رضى الله عنه في شهر ربيع الآخر سنة ~~تسع في خمسين ومائة رجل من الأنصار إلى الفلس صنم طيئ ليهدمه - والفلس بضم ~~الفاء وسكون اللام - بعثهم على مائة بعير وخمسين فرسا ، ومعه راية سوداء ~~ولواء أبيض ، فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر ، فهدموا الفلس ~~وخربوه وملأوا أيديهم من السبى والنعم والشاء ، وفي السبى أخت عدي بن حاتم ~~، وهرب عدي إلى الشام ؛ وكان خيره ما نذكره إن شاء الله في أخبار الوفود . ~~قال : ووجدوا في خزانة الفلس ثلاثة أسياف : رسوب ، والمخذم ، واليمان ؛ ~~وثلاثة أدرع ، فلما نزلوا ركك آقتسموا الغنائم ، وعزل لرسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) صفية : رسوب ، والمخذم ، ثم صار له بعد السيف الآخر ، ~~وعزل الخمس وعزل آل حاتم فلم يقسمهم ، حتى قدم بهم المدينة على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . ذكر سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الجناب بعثه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شهر ربيع الآخر سنة تسع من مهاجره إلى ~~الجناب ، أرض عذرة وبلي ، ولم يذكر آبن سعد من خبره غير ذلك . ذكر غزوة ~~تبوك كانت غزوة تبوك في شهر رجب سنة تسع من مهاجر رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وكان سببها PageV17P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بلغه أن ~~الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام ، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة ، وأجلبت ~~معه لخم ، وجذام ، وعاملة ، وغسان ، وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء ، فندب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الناس إلى الخووج ، وأعلمهم المكان الذي ~~يريد ليتأهبوا لذلك ، وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب يستنفرهم ، وذلك في جر ~~شديد ، وأمرهم بالصدقة ، فحملوا صدقات كثيرة ، وقووا في سبيل الله . قال ~~ابن هشام : أنفق عثمان بن عفان رضى الله عنه في جيش العسرة في غزوة تبوك ~~ألف دينار ، فقال رسول الله ( صلى الله ms3704 عليه وسلم ) : " اللهم آرض عن عثمان ~~فإني عنه راض . " وجاء البكاءون وهم سبعة : سالم بن عمير ، وهرمى بن عبد ~~الله أخو بني واقف ، وعلبة بن زيد أخو بني حارثة ، وأبو ليلى عبد الرحمن بن ~~كعب المازني ، وعمرو بن عنمة ، وسلمة بن صخر ، والعرباض بن سارية الفزاري . ~~قال : وفي بعض الرواة من يقول : إن فيهم عبد الله بن مغفل المزني ، ومعقل ~~ابن يسار ، وبعضهم يقول : البكاءون بنو مقرن السبعة ، وهم من مزينة ، فأتوا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يستحملونه ، فقال : " لا أجد ما أحملكم ~~عليه ؛ " فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ، فعذرهم ~~الله تعالى . قال : وبلغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن ناسا من ~~المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي ، يثبطون الناس عن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إليهم طلحة بن ~~عبيد الله في نفر من أصحابه ، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ، ففعل طلحة ، ~~فآقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت ، فآنكسرت رجله ، وآقتحم أصحابه ~~فأفلتوا ، فقال الضحاك في ذلك : كادت وبيت الله نار محمد . . . يشيط بها ~~الضحاك وآبن أبيرق فظلت وقد طبقت كبس سويلم . . . أنوء على رجلى كسيرا ~~ومرفقى سلام عليكم لا أعود لمثلها . . . أخاف ، ومن تشمل به النار يحرق ~~وجاء ناس من المنافقين يستأذنون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~التخلف من غير علة ، فأذن لهم ، وهم بضعة وثمانون رجلا . وجاء المعذرون من ~~الأعراب ليؤذن لهم ، فآعتذروا إليه ، فلم يعذرهم ، وهم آثنان وثمانون رجلا ~~؛ ذكر أنهم نفر من بني غفار ، وكان عبد الله بن أبى بن سلول قد عسكر على ~~ثنية الوداع في حلفائه من اليهود والمنافقين ، فكان يقال : ليس عسكره بأقل ~~PageV17P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" العسكرين ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يستخلف على عسكره أبا بكر الصديق رضى الله عنه ، فصلى بالناس ، ~~وآستخلف على المدينة محمد بن مسلمة ، فلما سار رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) تخلف عبد الله بن أبى ms3705 ، ومن كان معه ، وتخلف نفر من المسلمين من غير ~~شك ولا آرتياب ، منهم كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، ~~وأبو خيثمة مالك بن قيس السالمي ، وأبو ذر الغفاري ؛ وأمر رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) كل بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء أو ~~راية ، ومضى ( صلى الله عليه وسلم ) لوجهه يسير بأصحابه حتى قدم تبوك في ~~ثلاثين ألفا من الناس ، والخيل عشرة آلاف فرس ، فأقام بها عشرين ليلة يصلي ~~ركعتبن ركعتين ، ولحقه بها أبو خيثمة وأبو ذر . قال محمد بن إسحاق في سبب ~~مسير أبى خيثمة إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : إنه جاء يوما إلى ~~أهله بعد أن سار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أياما في يوم حار ، فوجد ~~آمرأتين له في عريشين لهما في حائطه ، قد رشت كل واحدة منها عريشها وبردت ~~له فيه ماء ، وهيأت طعاما ، فلما دخل قام على باب العريش ، فنظر إلى ~~آمرأتيه وما صنعتا له ، فقال : رسول الله في الضح والريح والحر ، وأبو ~~خيثمة في ظل بارد ، وطعام مهيأ ، وآمرأة حسناء ، في ماله مقيم ، ما هذا ~~بالنصف ؛ ثم قال : والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فهيئا لي زادا ، ففعلتا ، ثم قدم ناضحه فآرتحله ، ~~ثم خرج في طلب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى أدركه حين نزل تبوك . ~~قال : ولما دنا من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال الناس : هذا راكب ~~على الطريق مقبل ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " كن أبا خيثمة ~~، " قالوا : يا رسول الله ، هو والله أبو خثيمة ؛ فلما أناخ أقبل فسلم على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال له : " أولى لك يا أبا خثيمة " ، ثم ~~أخبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الخبر ، فقال : خيرا ودعا له . وأما ~~أبو ذر الغفاري ، فإنه أدرك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في أثناء ~~الطريق ، وكان بعيره قد أبطأ عليه ، فحمل متاعه على ظهره ms3706 ، ثم خرج يتبع أثر ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى أدركه ، فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " رحم الله أبا ذر ، يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده " ~~فكان كذلك . قال : وقدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تبوك وهرقل يومئذ ~~بحمص ، فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خالد بن الوليد إلى أكيدر . ~~PageV17P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" ذكر سرية خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد ~~الملك قالوا : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو بتبوك خالد بن ~~الوليد في أربعمائة وعشرين فارسا سرية إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل ~~، وأكيدر من كندة ، قد ملكهم ، وكان نصرانيا ، فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لخالد بن الوليد : : إنك ستجده يصيد البقر . " فخرج خالد في ~~شهر رجب سنة تسع من الهجرة حتى كان من حصن أكيدر بمنظر العين في ليلة مقمرة ~~وصائفة ، وهو على سطح له ، ومعه آمرأته ، فباتت البقر تحك بقرونها باب ~~القصر ، فقالت له آمرأته : ما رأيت مثل هذا قط ؟ قال : لا والله ؛ قالت : ~~فمن يترك هذا ؟ قال : لا أحد ، فنزل فأمر بفرسه فأسرج له ، وركب وركب معه ~~نفر من أهل بيته ، فيهم أخ له يقال له : حسان ، وخرجوا لمطاردة البقر ، ~~فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فشدت عليه ، ~~فآستأسر أكيدر ، وآمتنع أخوه حسان ، وقاتل حتى قتل ، وكان عليه قباء من ~~ديباج مخوص بالذهب ، فآستلبه خالد ، وبعث به إلى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قبل قدومه عليه ، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ، ويتعجبون منه ، ~~فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أتعجبون من هذا ؟ فو الذي نفسى ~~بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا . قال : ولما أسر أكيدر ~~وقتل حسان ، هرب من كان معهما ، فدخل الحصن ، وأجار خالد أكيدر من القتل ~~حتى يأتي به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على أن يفتح له دومة الجندل ~~، ففعل ، وصالحه على ألفى بعير ، وثمانمائة فرس ، وأربعمائة درع وأربعمائة ~~رمح ، فعزل للنبي ms3707 ( صلى الله عليه وسلم ) صيفا خالصا ، ثم أخرج الخمس ، ~~وقسم ما بقى بين أصحابه ، ثم خرج خالد بأكيدر وبأخيه مصاد - وكان في الحصن ~~- وبما صالحه عليه قافلا إلى المدينة ، فقدم على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بأكيدر ، فأهدى له هدية ، وصالحه على الجزية ، وحقن دمه ، ثم خلى ~~سبيله ، فرجع إلى قريته ، فقال بجير بن بجرة : تبارك سائق البقرات إني . . ~~. رأيت الله يهدي كل هاد PageV17P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" فمن يك حائدا عن ذي تبوك . . . فإنا قد أمرنا ~~بالجهاد قال محمد بن إسحاق : ولما آنتهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إلى تبوك أتاه يحنة ابن رؤبة صاحب أيلة ، فصالح رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وأعطاه الجزية ، وأتاه أهل جرباء وأذرح ، فأعطوه الجزية ، وكتب رسول ~~( صلى الله عليه وسلم ) ليحنة كتابا ، وهو : " بسم الله الرحمن الرحيم ، ~~هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة ؛ سفنهم ~~وسيارتهم في البر والبحر ، لهم ذمة الله ومحمد النبي ، ومن كان معهم من أهل ~~الشام ، وأهل اليمن ، وأهل البحر ، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله ~~دون نفسه ، وإنه طيب لمن أخذه من الناس ، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ~~، ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر . " قال : وكان رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قد آستعمل على حرسه بتبوك عباد ابن بشر ، ثم آنصرف رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ولم يلق كيدا . وقدم المدينة في شهر رمضان من السنة ، ~~وجاءه من كان قد تخلف عنه ، فخلفوا له ، فعذرهم ، واستغفر لهم ، وأرجأ أمر ~~كعب بن مالك وصاحبيه حتى نزلت توبتهم ، على نذكر ذلك إن شاء الله في آخر ~~هذه الغزوة . قال : وجعل المسلمون يبيعون أسلحتهم ويقولون : قد آنقطع ~~الجهاد ، فبلغ ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فنهاهم ، وقال : " ~~لا تزال عصابة من أمتى يجاهدون على الحق حتى يخرج الدجال . " وكان في غزوة ~~تبوك وقائع غير ما قدمناه ، قد رأينا إيرادها في هذا الموضع . منها خبر ~~مرور ms3708 رسول الله بالحجر . ومنها ما أنزل في أمر المنافقين . ومنها خبر ~~الثلاثة الذين خلفوا ، وما أنزل من توبتهم . ذكر خبر مرور رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بالحجر وما قاله لأصحابه قال محمد بن إسحاق : لما مر رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) في سفره إلى تبوك بالحجر من مدين ، نزلها ، ~~وآستقى الناس من بئرها ، فلما راحوا قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~. " لا تشربوا من PageV17P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" مائها شيئا ، ولا يتوضأ منه للصلاة ، وما كان ~~من عجين عجنتموه فاعلفوه للإبل ولا تأكلوا منه شيئا ، ولا يخرجن أحد منكم ~~الليلة إلا ومعه صاحب له ، " ففعل الناس ما أمرهم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته ، وخرج الآخر ~~في طلب بعير له ، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه ؛ وأما الذي ذهب ~~في طلب بعيره فآحتملته الريح حتى طرحته بجبل طيء ، وأخبر رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بذلك فقال : " ألم أنهكم ألا يخرج منكم أحد إلا ومعه ~~صاحبه " ثم دعا للذي أصيب فشفى ، وأما الآخر فإن طيئا أهدته لرسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) حين قدم المدينة . قال ابن هشام : بلغني عن الزهري ~~أنه قال : لما مر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالحجر سجى ثوبه على ~~وجهه ، وآستحث راحلته ، ثم قال : " لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم ~~باكون خوفا أن يصيبكم مثل ما أصابهم . " قال آبن إسحاق : لما أصبح الناس ~~ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فدعا ، ~~فأرسل الله تعالى سحابة فأمطرت حتى آرتوى الناس وآحتملوا حاجتهم من الماء . ~~وفي هذه الغزوة ضلت ناقة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقال زيد بن ~~لصيب ما قال ، وأخبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بما قال ، فأخبر ~~بشأنها ، ووجدت كما وصف ( صلى الله عليه وسلم ) على ما قدمنا ذلك في أخبار ~~المنافقين . ذكر أخبار المنافقين وما تكلموا به في غزوة تبوك وما ms3709 أنزل الله ~~عز وجل فيهم من القرآن كان ممن أنزل الله عز وجل فيه من القرآن ما أنزل في ~~غزوة تبوك الجد ابن قيس ، وهو الذي قال لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: آئذن لي ولا تفتنى ؛ وقد تقدم خبره مع أخبار المنافقين . وقال قوم منهم : ~~لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد ؛ فأنزل الله عز وجل فيهم : وقالوا لا ~~تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون . فليضحكوا قليلا ~~وليبكلوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون ، وقال رهط من المنافقين : منهم ~~PageV17P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" وديعة آبن ثابت أخو بني عمرو بن عوف ، ورجل ~~من أشجع ، حليف لبني سلمة يقال له : مخش بن حمير - وقيل : مخش - وغيرهما ~~بعضهم لبعض : أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم ببعضا ، والله ~~لكأنكم غدا بهم مقرنين في الحبال ، يقولون ذلك إرجافا وترهيبا للمؤمنين . ~~فقال مخشى : والله لوددت أن أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة ، وأنا ~~ننفلت أو ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) لعمار بن ياسر : أدرك القوم فإنهم قد آحترقوا ، فآسألهم عما قالوا ، ~~فإن أنكروا فقل لهم : بلى قد قلتم كذا وكذا ، فآنطلق إليهم عمار ، فقال ذلك ~~لهم ، فأتوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يعتذرون إليه ، فقال وديعة ~~بن ثابت : يا رسول الله ، إنما كنا نخوض ونلعب . وقال مخشى : يا رسول الله ~~، قعد بي آسمي وأسم أبى ، فأنزل الله تعالى قوله : " ولئن سألتهم ليقولن ~~إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون . لا تعتذروا ~~قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ~~. " فكان مخشى بن حمير ممن عفى عنه ، فتسمى عبد الرحمن ، وسأل الله أن يقتل ~~شهيدا لا يعلم مكانه ، فقتل يوم اليمامة ، ولم يوجد له أثر . والله الموفق ~~للصواب . ذكر خبر الثلاثة الذين خلفوا وما أنزل فيهم وفي المعذرين من ~~الأعراب والثلاثة الذين خلفوا لم يتخلفوا عن شك ولا نفاق ، وهم : كعب ms3710 بن ~~مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية ، وكان من خبرهم ما حدثنا به ~~الشيخان المعمران المسندان شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبى طالب نعمة ~~الصالحي الحجار ، وست الوزراء أم محمد وزيرة بنت القاضي شمس الدين عمر بن ~~أسعد بن المنجى التنوخية الدمشقيان قراءة عليهما ، وأنا أسمع في جمادى ~~الآخرة سنة خمس عشرة وسبعمائة بالمدرسة المنصورية بالقاهرة المعزية ، قالا ~~: حدثنا الشيخ سراج الدين أبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى ~~الزبيدي ، قال : حدثنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي قراءة ~~عليه ونحن نسمع ، قال : حدثنا الشيخ أبو الحسن عبد PageV17P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي ، قال : ~~أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسى ، قال : أخبرنا أبو عبد ~~الله محمد بن يوسف ابن مطر الفربري ، قال : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن ~~إسماعيل بن إبراهيم البخاري ، قال : حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا ~~الليث ، عن عقيل ، عن آبن شهاب ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ~~، أن عبد الله بن كعب بن مالك ، - وكان قائد كعب من بنيه حين عمى - قال : ~~سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك قال كعب : لم أتخلف عن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك ، غير أني كنت ~~تخلفت في غزوة بدر ، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها ، إنما خرج رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يريد عير قريش ، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ~~ميعاد ؛ ولقد شهدت مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليلة العقبة حين ~~تواثقنا على الإسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في ~~الناس منها . كان من خبرى أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه ~~في تلك الغزاة ، والله ما آجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتها في تلك ~~الغزوة ، ولم يكن رسول الله ( صلى الله ms3711 عليه وسلم ) يريد غزوة إلا ورى ~~بغيرها ، حتى كانت تلك الغزوة ، غزاها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~حر شديد ، وآستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا ، فجلا للمسلمين أمرهم ~~ليتأهبوا أهبة غزوهم ، فأخبرهم بوجهه الذي يريد ، والمسلمون مع رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) كثير ، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان . قال ~~كعب : فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى له ذلك ، مالم ينزل فيه وحي ~~الله عز وجل ، وغزا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تلك الغزوة حين طابت ~~الثمار والظلال ، وتجهز رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والمسلمون معه ، ~~فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم ، فأرجع ولم أقض شيئا ، فأقول في نفسي : أنا ~~قادر عليه ، فلم يزل يتمادى بي حتى شمر بالناس الجد . فأصبح رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) والمسلمون معه ، ولم أفض من جهازي شيئا ، فقلت : ~~اتجهز بعده بيوم أو يومين ، ثم ألحق بهم ، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز ، ~~ورجعت PageV17P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" فلم أقض شيئا ، ثم غدوت ، ثم رجعت ، ولم أقض ~~شيئا ، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفرط الغزو ، وهممت أن أرتحل فأدركهم ، ~~وليتني فعلت ، فلم يقدر لي ذلك ، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا ~~مغموصا عليه بالنفاق ، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ، ولم يذكرني رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى بلغ تبوك ، فقال وهو جالس في القوم بتبوك ~~: ما فعل كعب ؟ فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله ، حبسه برداه ونظره في ~~عطفيه . فقال معاذ بن جبل : بئس ما قلت والله يا رسول الله ، ما علمت عليه ~~إلا خيرا ، فسكت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . قال كعب بن مالك : ~~فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همى ، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا ~~أخرج من سخطه غدا ، وآستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ، فلما قيل إن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ms3712 ) قد أظل قادما راح عني الباطل ، وعرفت أني لم ~~أخرج منه أبدا بشئ فيه كذب ، فأجمعت صدقه ، وأصبح رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قادما ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد ، فركع فيه ركعتين ، ~~ثم يجلس للناس ، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون ~~له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فقبل منهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) علانيتهم وبايعهم وآستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى الله ، فجئته ، فلما ~~سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ، ثم قال : تعال ، فجئت أمشى حتى جلست بين يديه ~~، فقال لي : ما خلفك ؟ ألم تكن قد آبتعت ظهرك ؟ فقلت : بلى والله ، إني لو ~~جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت ~~جدلا ، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن ~~الله أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبي ~~الله ، لا والله ما كان لي من عذر ، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين ~~تخلفت عنك ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أما هذا فقد صدق ، ~~فقم حتى يقضي الله فيك ، " فقمت وثار رجال من بني سلمة فآتبعوني ، فقالوا ~~لي : والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت ألا تكون آعتذرت ~~إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بما آعتذر إليه PageV17P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" المتخلفون ، قد كان كافيك ذنبك آستغفار رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فو الله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع ~~فأكذب نفسي ، ثم قلت لهم : هل لقى هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم ، رجلان قالا ~~مثل ما قلت ، فقيل لهما مثل ما قيل لك ؛ فقلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن ~~الربيع العمرى ، وهلال بن أمية الواقفي ، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا ~~بدرا فيهما أسوة ؛ حين ذكروهما لي . ونهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~المسلمين عن كلامنا - أيها الثلاثة - من بين من تخلف عنه ، فآجتنبنا الناس ~~وتغيروا لنا ms3713 ، حتى تنكرت في نفسي الأرض ، فما هي بالتي أعرف ، فلبثنا على ~~ذلك خمسين ليلة . فأما صاحباي فآستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا ~~فكنت أشب القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج أشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف في ~~الأسواق ، فلا يكلمني أحد ، وآتي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأسلم ~~عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام ~~على أم لا ؟ ثم أصلى قريبا منه فأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل ~~إلي ، وإذا التفت نحوه أعرض عني ، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت ~~حتى تسورت جدار حائط أبى قتادة ، وهو آبن عمي ، وأحب الناس إلي ، فسلمت ~~عليه ، فو الله ما رد علي السلام ، فقلت : يا أبا قتادة ، أنشدك بالله ، هل ~~تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسلكت ، فعدت له فنشدته ، فسكت ، فعدت له فنشدته ~~، فقال : الله ورسوله أعلم ، ففاضت عيناي ، وتوليت حتى تسورت الجدار . قال ~~: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم ~~بالطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل على كعب بن مالك ؟ ، فطفق الناس ~~يشيرون له ، حتى إذا جاءني دفع إلى كتابا من ملك غسان ، فإذا فيه : أما بعد ~~، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة ، ~~فآلحق بنا نواسك . فقلت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء ، فتيممت بها ~~التنور ، فسجرته بها ، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) يأتيني ، فقال : إن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يأمرك أن PageV17P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" تعتزل آمرأتك . فقلت : أطلقها ؟ أم ماذا أفعل ~~؟ قال : لا ، بل آعتزلها ولا تقربنها ، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك ، فقلت ~~لآمرأتي : الحقى بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : ~~فجاءت آمرأة هلال بن أمية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالت : يا ~~رسول الله ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم ، فهل تكره أن أخدمه ؟ ~~فقال : لا ms3714 ، ولكن لا يقربنك قالت : إنه والله ما به حركة إلى شئ ، والله ما ~~زال يبكي مذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو ~~آستأذنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في آمرأتك ، كما أذن لآمرأة هلال ~~بن أمية أن تخدمه ، فقلت : والله لا أستأذن فيها رسول الله ، وما يدرني ما ~~يقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا أستأذنته فيها وأنا رجل شاب ~~فلبثت بعد ذلك عسر ليال حتى كملت خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) عن كلامنا ؛ فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة ، وأنا ~~على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله ، قد ضاقت ~~علي نفسي ، وضاقت علي الأرض بما رحبت ، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع ~~بأعلى صوته : يا كعب بن مالك ، أبشر ، قال : فخررت ساجدا ، وعرفت أن قد جاء ~~فرج ، وآذن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بتوبة الله علينا حين صلى ~~صلاة الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، وذهب قبل صاحبي مبشرون ، وركض رجل إلى ~~فرسا ، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل ، وكان الصوت أسرع من الفرس ، ~~فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني ، نزعت ثوبي فكسوته إياهما ببشراه ، ~~والله ما أملك غيرهما يومئذ ، وآستعرت ثوبين فلبستهما ، وآنطلقت إلى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فتلقانى الناس فوجا يهنئونني بالتوبة ، ~~يقولون : ليهنك توبة الله عليك . قال كعب : حتى دخلت المسجد ، فإذا رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) جالس حوله الناس ، فقام إلى طلحة بن عبيد الله ~~يهرول حتى صافحني وهنأني ، والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره ، ولا ~~أنساها لطلحة . قال كعب : فلما سلمت على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يبرق وجهه من السرور : " أبشر ~~بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ؛ " قال : قلت : أمن عندك يا رسول الله أم ~~من عند الله ؟ قال : " لا ، بل من عند الله ، " وكان ms3715 رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إذا سر آستنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر ، كنا نعرف ذلك منه ، ~~فلما جلست بين يديه قلت : PageV17P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" يا رسول الله ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي ~~صدقة إلى الله وإلى رسول الله ؛ قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ، " قلت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر ، وقلت ~~: يا رسول الله ، إن الله إنما نجاني بالصدق ، وإن من توبتي ألا صدقا ما ~~بقيت ، فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ~~ذكرت ذلك لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أحسن مما أبلاني ، ما تعمدت ~~منذ ذكرت ذلك لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى يومي هذا كذبا ، وإني ~~لأرجو أن يحفظني الله فيما بقى ، فأنزل الله تعالى على رسول الله عليه وسلم ~~: " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين آتبعوه في ساعة ~~العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم ~~. وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم ~~أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو ~~التواب الرحيم . يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين . " قال ~~كعب : فو الله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في ~~نفسي من صدقي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ألا أكون كذبته فأهلك كما ~~هلك الذين كذبوا ، فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما ~~قال لأحد ، فقال تبارك وتعالى : " سيحلفون بالله لكم إذا آنقلبتم إليهم ~~لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس وماواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون . ~~يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ~~. " قال كعب : وكنا تخلفنا - أيها الثلاثة - عن أمر أولئك الذين قبل منهم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين حلفوا ms3716 فبايعهم وآستغفر لهم ، وأرجأ ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أمرنا حتى قضى الله فيه ، فبذلك قال : " ~~وعلى الثلاثة الذين خلفوا . " وليس الذي ذكر الله مما خلفنا تخلفنا عن ~~الغزو ، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له وآعتذر إليه فقبل ~~منه . انتهت غزوة تبوك ، فلنذكر ما سواها من السرايا . ذكر سرية خالد بن ~~الوليد إلى بني عبد المدان بنجران بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إليهم في شهر ربيع الأول سنة عشر من مهاجره ، ولم يذكر من خير هذه السرية ~~غير هذا فنذكره PageV17P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" ذكر سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى ~~اليمن يقال : بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) علي بن أبى طالب رضى ~~الله عنه مرتين : إحداهما في شهر رمضان سنة عشر من مهاجره ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وعقد له لواء ، وعممه بيده ، وقال : " امض لا تلتفت ، فاذا نزلت ~~بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك ، " فخرج في ثلثمائة فارس ، وكانت أول خيل ~~دخلت إلى تلك البلاد ، وهي بلاد مذحج ، ففرق أصحابه ، فأتوا بنهب وغنائم ~~ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك ، وجعل على الغنائم بريدة بن الحصيب ~~الأسلمي ، فجمع إليه ما أصابوا ، ثم لقى جمعهم فدعاهم إلى الإسلام ، فأبوا ~~ورموا بالنبل ، ثم حمل عليهم على رضى الله عنه بأصحابه فقتل منهم عشرين ~~رجلا ، فتفرقوا وآنهزموا ، فكف عن طلبهم ، ثم دعاهم إلى الإسلام ، فأسرعوا ~~وأجابوا ، وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام ، وقالوا : نحن على من وراءنا ~~من قومنا فخذ منها حق الله ، وجمع على الغنائم فخمسها ، وقسم على أصحابه ~~بقية المغنم ، ثم قفل ، فرافى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمكة حين ~~قدمها للحج سنة عشر . حكاه آبن سعد . وقال محمد بن إسحاق ، لما رجع علي بن ~~أبى طالب رضى الله عنه من اليمن إلى مكة ، دخل على فاطمة بنت رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فوجدها قد حلت فقال : مالك يا بنت رسول الله ؟ قالت ~~: أمرنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ms3717 ) أن نحل بعمرة فحللنا ، ثم أتى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلما فرغ من الخبر عن سفره ، قال له ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " انطلق فطف بالبيت وحل كما حل أصحابك ~~" قال : يا رسول الله ، إني أهللت بما أهللت ؛ قال : فآرجع فآحلل كما حل ~~أصحابك قال : يا رسول الله ، إني قلت حين أحرمت : اللهم إني أهل بما أهل به ~~نبيك وعبدك ورسولك محمد ، قال : فهل معك من هذى ؟ قال : لا ؛ فأشركه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) في هديه ، وثبت على إحرامه مع رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) حتى فرغا من الحج ، ونحر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) الهدى . قال : ولما أقبل علي من اليمن تعجل إلى رسول الله ، وآستخلف على ~~جنده الذين معه رجلا من أصحابه ، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حلة ~~من PageV17P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" البز الذي كان مع علي ، فلما دنا جيشه خرج ~~ليلقاهم ، فإذا عليهم الحلل ؛ قال : ويلك ما هذا ؟ قال : كسوت القوم ~~ليتجملوا إذا قدموا في الناس ؛ قال : أنزعها ويلك قبل أن تنتهي بهم إلى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : فآنتزع الحلل من الناس فردها في ~~البز ، فآشتكى الناس عليا ، فقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خطيبا ، ~~فقال : " أيها الناس ، لا تشتكوا عليا ، فو الله إنه لأخشن في ذات الله " ~~أو في سبيل الله . ذكر سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى أرض الشراة ناحية ~~البلقاء وهذه السرية هي آخر سرية جهزها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~ومات قبل إنفاذها ، وكانت لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من هجرة ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكان فيها أبو بكر ، وعمر ، وأبو عبيدة ~~بن الجراح ، وسعد بن أبى وقاص ، وسعيد بن زيد ، وقتادة بن النعمان ، وسلم ~~بن أسلم بن حريش ، فتكلم قوم وقالوا : نستعمل هذا الغلام على المهاجرين ~~الأولين ، فغضب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) غضبا شديدا ، فخرج وقد ~~عصب على رأسه ms3718 عصابة وعليه قطيفة ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ~~قال : أما بعد أيها الناس ، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ؟ ~~ولئن طعنتم في إمارتي أباه من قبله ، وآيم الله إن كان للإمارة لخليقا ، ~~وإن آبنه من بعده لخليق للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إلي ، وإنهما ~~لمخيلان لكل خير ، فآستوصوا به خيرا ، فإنه من خياركم ، ثم نزل فدخل بيته ، ~~وذلك يوم السبت لعشر خلون من شهر ربيع الأول ، وخرج الناس إلى الجرف ، ~~فتوفى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قبل خروج هذه السرية ، فلما ولى ~~أبو بكر الصديق رضى الله عنه ، كان أول ما بدأ به بعث أسامة . هذا ما أمكن ~~إيراده من غزوات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وسراياه . فلنذكر حجه ~~وعمره ( صلى الله عليه وسلم ) . ذكر حج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وعمره قالوا : حج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قبل هجرته إلى المدينة ~~حجتين ، ولم يحج بعد الهجرة إلا حجة الوداع ، وهي في السنة العاشرة ، وكانت ~~فريضة الحج نزلت في السنة السادسة من الهجرة ، وفتحت مكة في سنة ثمان ، ~~فآستخلف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عتاب بن أسيد ، فحج بالناس تلك ~~السنة ، وفي السنة التاسعة حج أبو بكر الصديق رضوان الله عليه PageV17P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" بالناس كما قدمنا ذكر ذلك في مواضعه ، فلما ~~كان في السنة العاشرة أذن في الناس أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~حاج ، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، ويعمل مثل عمله ، وخرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~المدينة مغتسلا مدهنا مترجلا متجردا في ثوبين صحاريين : إزار ورداء ، وذلك ~~يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي العقدة سنة عشر من مهاجره ، وآستعمل على ~~المدينة أبا دجانة الساعدي - ويقال : سباع ابن عرفطة الغفاري - قالوا : ~~وصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين ، وأخرج معه نساءه كلهن في الهوادج ، وأشعر ~~هديه وقلده ، ثم ركب ناقته ، فلما آستوى عليها بالبيداء أحرم ms3719 من يومه ، ~~وكان على هديه ناجية بن جندب ، وقيل : إنه أهل بالحج مفردا ، وقيل : قرنه ~~بعمرة ، ومضى ( صلى الله عليه وسلم ) يسير المنازل ويؤم أصحابه في الصلاة ~~في مساجد له قد بناها الناس ، فكان يوم الاثنين بمر الظهران ، فغربت له ~~الشمس بسرف ، ثم أصبح فآغتسل ودخل مكة نهارا وهو على راحلته القصواء ، وكان ~~تحته ( صلى الله عليه وسلم ) رحل رث عليه قطيفة لا تساوى أربعة دراهم ، ~~وقال : " اللهم اجعله حجا لا رياء فيه ولا سمعة ، " فدخل من أعلى مكة من ~~كداء حتى آنتهى إلى باب بني شيبة ، فلما رأى البيت رفع يديه فقال : " اللهم ~~زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة ، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه ~~وآعتمره تشريفا وتكريما ومهابة وتعظيما وبرا ؛ " ثم بدأ فطاف بالبيت ، ورمل ~~ثلاثة أشواط من الحجر إلى الحجر ، وهو مضطبع بردائه ، ثم صلى خلف المقام ~~ركعتين ، ثم سعى بين الصفا والمروة على راحلته من فوره ذلك ، وكان قد اضطرب ~~بالأبطح ، فرجع إلى منزله ، فلما كان قبل يوم التروية بيوم خطب بمكة بعد ~~الظهر ، ثم خرج يوم التروية إلى منى ، فبات بها ، ثم غدا إلى عرفات ، فوقف ~~بالهضاب منها ، وقال : " كل عرفة موقف إلا بطن عرنة ، " فوقف على راحلته ~~يدعو ، فلما غربت الشمس دفع فجعل يسير العنق حتى جاء المزدلفة ، فنزل قريبا ~~من الغار ، فصلى المغرب PageV17P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" والعشاء بأذان وإقامتين ، ثم بات بها ، فلما ~~برق الفجر صلى الصبح ، ثم ركب راحلته ، فوقف على قزح وقال : " كل المزدلفة ~~موقف إلا بطن محسر ، " ثم دفع قبل طلوع الشمس ، فلما بلغ إلى محسر أوضع ، ~~ولم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ، ثم نحر الهدى وحلق رأسه ، وأخذ من ~~شاربه وعارضيه ، وقلم أظفاره ، وأمر بشعره وأظفاره أن تدفن ، ثم أصاب الطيب ~~، ولبس القميص ، ونادى مناديه بمنى : إنها أيام أكل وشرب وباءة ، وجعل يرمي ~~الجمار في كل يوم عند زوال الشمس ، ثم خطب الغد من يوم النحر بعد الظهر على ~~ناقته القصواء ، ثم صدر يوم الصدر الآخر ، وقال ms3720 : " إنما هن ثلاث يقيمهن ~~المهاجر بعد الصدر ، " يعنى بمكة ، ثم ودع البيت ، ثم انصرف راجعا إلى ~~المدينة . ذكر الخطبة التي خطبها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال ~~محمد بن إسحاق : خطب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خطبته التي بين فيها ~~ما بين ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " أيها الناس ، اسمعوا قولي ، ~~فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا . أيها الناس ، ~~إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا ، وكحرمة ~~شهركم هذا ، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ، وقد بلغت ، فمن كانت ~~عنده أمانة فليؤدها إلى من آئتمنه عليها ، وإن كل ربا موضوع ، وإن لكم رءوس ~~أموالكم لا تظلمون ، قضى الله أنه لا ربا ، وأن ربا العباس بن عبد المطلب ~~موضوع كله ، وأن كل دم في الجاهلية موضوع ، وأن أول دمائكم أضع دم آبن ~~ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب - وكان مسترضعا في بني ليث ، فقتلته هذيل - ~~فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية . " " أما بعد ، أيها الناس ، فإن ~~الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد ~~رضى به ، مما تحقرون من أعمالكم ، فآحذروه على دينكم . " " أيها الناس ، إن ~~النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ~~ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله ، وإن ~~الزمان قد آستدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، وإن عدة الشهور عند ~~الله اثنا PageV17P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" عشر شهرا منها أربعة حرم ، ثلاثة متوالية ، ~~ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان . " " أما بعد أيها الناس ، فإن لكم على ~~نسائكم حقا ، ولهن عليكم حقا ، عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، ~~وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة ، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن ~~في المضاجع ، وتضربوهن ضربا غير مبرح ، فإن آنتهين فلهن رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف ، وآستوصوا بالنساء خيرا ، فإنهن عندكم عوان ، لا يملكن لأنفسهن ~~شيئا ms3721 ، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله ، وآستحللتم فروجهن بكلمات الله ، ~~فآعقلوا أيها الناس قولي ، فإني قد بلغت ، وقد تركت فيكم ما إن آعتصمتم به ~~فلن تضلوا أبدا ، أمرا بينا : كتاب الله وسنة نبيه . " " أيها الناس ، ~~اسمعوا قولي وآعقلوه ، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم ، وأن المسلمين إخوة ، ~~فلا يحل لآمري من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس ، فلا تظلمن أنفسكم ، اللهم ~~هل بلغت ، " فقال الناس : اللهم نعم ، فقال : " اللهم آشهد . " وقال آبن ~~إسحاق أيضا : حدثني بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد ، قال : ~~كان الرجل الذي يصرخ في الناس بقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو ~~بعرفة ربيعة بن أمية بن خلف . قال : يقول له رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " قل يأيها الناس إن رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - يقول : ~~هل تدرون أي شهر هذا ؟ فيقوله لهم ، فيقولون : الشهر الحرام ، فيقول لهم : ~~" إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا ~~، " ثم يقول : " قل يأيها الناس ، إن رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - ~~يقول هل تدرون أي بلد هذا ؟ " قال : فيصرخ به ؛ قال : فيقولون : البلد ~~الحرام ، قال : فيقول : " قل لهم : إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم ~~إلى أن تلقوا ربكم كحرمة بلدكم هذا ، " ثم يقول : " قل يأيها الناس ، إن ~~رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - يقول هل تدرون أي يوم هذا ؟ " ~~فيقولون : يوم الحج الأكبر ؛ قال : فيقول : " قل لهم : إن الله قد حرم ~~عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا . " وعن عمرو بن ~~خارجة قال : بعثني عتاب بن أسيد إلى رسةل الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~حاجة ، ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) واقف بعرفة ، فبلغته ، ثم وقفت ~~تحت ناقة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإن لغامها ليقع على رأسي ، ~~فسمعته وهو يقول : " أيها الناس ؛ إن الله قد أدى إلى كل ذي حق حقه ، وإنه ~~لا تجوز وصية لوارث ، والولد للفراش ، وللعاهر الحجر ms3722 ، ومن آدعى إلى غير ~~أبيه ، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا ~~يقبل الله منه صرفا ولا عدلا . " PageV17P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" وأما عمره ( صلى الله عليه وسلم ) فقد روى ~~عكرمة عن آبن عباس رضى الله عنهما ، قال : اعتمر النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أربع عمر : عمرة الحديبية ، وهي عمرة الحصر ، وعمرة القضاء من قابل ~~، وعمرة الجعرانة ، والرابعة التي مع حجته . وعن قتادة ، قلت لأنس بن مالك ~~: كم ىعتمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ قال : أربعا ، عد منها عمرته مع ~~حجته ، وقد قدمنا ذكر عمرة الحديبية مع الغزوات ، وذكرنا عمرة الجعرانة عند ~~ذكرنا لقسم مغانم حنين ، وعمرته مع حجته قد اختلف فيها . وأما عمرة القضاء ~~فقد أوردها بعض أهل السير في الغزوات ، وترجم عليها : عمرة القضية ، وحجة ~~من أوردها في الغزوات أنه ( صلى الله عليه وسلم ) خرج معه السلاح ، ولم ~~يخرج به ( صلى الله عليه وسلم ) لقصد الغزاة ، وإنما خرج به آحتياطا . وكان ~~من خبر هذه العمرة أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما آستهل هلال ذي ~~القعدة سنة سبع من مهاجره أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التي صدهم ~~المشركون عنها بالحديبية ، وألا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية ، فلم يتخلف ~~منها إلا من مات أو قتل بخيبر ، وخرج مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قوم من المسلمين عمارا ممن لم يشهد الحديبية ، فكانوا في عمرة القضية ألفين ~~، وآستخلف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على المدينة أبا ذر الغفاري ، ~~حكاه ابن سعد - وقال ابن إسحاق : عويف بن الأضبط الديلي - وساق ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ستين بدنة ، وجعل على هديه ناجية بن جندب الأسلمي . قال آبن ~~سعد : وحمل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) السلاح والبيض والدروع ~~والرماح ، وقاد مائة فرس ، فلما آنتهى إلى ذي الحليفة ، قدم الخيل أمامه ، ~~عليها محمد بن مسلمة ، وقدم السلاح ، وآستعمل عليه بشير بن سعد ، وأحرم ( ~~صلى الله عليه وسلم ) من باب المسجد ، ولبى والمسلمون معه يلبون . ومضى ~~محمد بن ms3723 مسلمة في الخيل إلى مر الظهران فوجد بها نفرا من قريش ، فسألوه ، ~~فقال : هذا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يصبح هذا المنزل غدا إن شاء ~~الله ، فأتوا قريشا بالخبر ، ففزعوا ، ونزل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) بمر الظهران ، وقدم السلاح إلى بطن يأجج حيث ينظر إلى أنصاب الحرم ، وخلف ~~عليه أوس بن خولي الأنصاري في مائتي رجل ، وخرجت قريش من مكة إلى رءوس ~~الجبال ، فقدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الهدى أمامه ، فحبس بذي ~~طوى ، وخرج على راحلته القصواء والمسلمون متوشحون السيوف ، محدقون به ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يلبون ، فدخل على الثنية التي تطلعه على الحجون ، وعبد ~~PageV17P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" الله بن رواحة آخذ بزمام راحلته وهو يقول : ~~خلوا نبي الكفار عن سبيله . . . خلوا فكل الخير في رسوله يا رب إني مؤمن ~~بقيله . . . أعرف حق الله في قبوله نحن قتلناكم على تأويله . . . كما ~~قتلناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقبله . . . ويذهل الخيل عن خليله ~~قال آبن هشام : قوله نحن قتلناكم على تأويله إلى آخر الأبيات ، لعمار بن ~~ياسر في غير هذا اليوم . قال آبن سعد : ولما آتجز آبن رواحة قال له عمر بن ~~الخطاب : إيها يآبن رواحة فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يا ~~عمر ، إني أسمع ؛ " فأسكت عمر ، وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~إيها يأبن رواحة ، قل لا إله إلا الله وحده ، نصر عبده ، وأعز جنده ، وهزم ~~الأحزاب وحده ، " فقالها ابن رواحة . لم يزل رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يلبي حتى استلم الركن بمحجنه مضطبعا بثوبه ، وطاف على راحلته ، ~~والمسلمون يطوفون معه وقد آضطبعوا بثيابهم ، ثم طاف بين الصفا والمروة على ~~راحلته ، فلما كان الطواف السابع عند فراغه وقد وقف الهدى عند المروة قال : ~~" هذا المنحر ، وكل فجاج مكة منحر ، " فنحر عند المروة ، وحلق هناك ، وكذلك ~~فعل المسلمون ، وأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ناسا منهم أن يذهبوا ~~إلى أصحابهم ببطن يأجج فيقيموا على السلاح ، ويأتي الآخرون فيقضوا نسكهم ؛ ~~ففعلوا ms3724 ، وأقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمكة ثلاثا . وتزوج ~~ميمونة بنت الحارث الهلالية ، فلما كان عند الظهر من اليوم الرابع أتاه ~~سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى فقالا : قد آنقضى أجلك ، فآخرج عنا ، ~~فأمر أبا رافع فنادى بالرحيل وقال : لا يمسين بها أحد من المسلمين ، وأخرج ~~عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب من مكة ، وركب رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) حتى نزل سرف وتتام الناس إليه ، وأقام أبو رافع بمكة حتى أمسى ، ~~فحمل إليه ميمونة ، فبنى عليها ( صلى الله عليه وسلم ) بسرف ، ثم أدلج فسار ~~حتى قدم المدينة ، ( صلى الله عليه وسلم ) تسليما كثيرا . PageV17P0267 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الثامن عشر PageV18P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" بسم الله الرحمن الرحيم وبه توفيقي ### | AUT ذكر وفادات العرب على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وما يتصل به # كانت أكثر وفادات العرب على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في السنة ~~التاسعة من الهجرة ؛ ولذلك سميت سنة الوفود . وذلك أن العرب إنما كانوا ~~ينتظرون فتح مكة وإسلام هذا الحي من قريش ؛ فلما فتح الله عز وجل على رسوله ~~( صلى الله عليه وسلم ) مكة - شرفها الله تعالى - وأسلم من أسلم من قريش ، ~~وفدت عند ذلك وفادات العرب من كل قبيلة وجهة ، ودخلوا في دين الله أفواجا ، ~~كما قال الله تعالى : " إذا جاء نصر الله والفتح . ورأيت الناس يدخلون في ~~دين الله أفواجا . فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا " . وقد رأينا ~~إيراد ذلك على نحو ما أورده أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع في طبقاته ~~الكبرى ، ونذكر ما أورده ابن سعد ممن ذكرهم أبو محمد عبد الملك ابن هشام ~~رحمه الله ، إلا أنا نبدأ من ذلك بذكر من وفد على رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وهو بمكة قبل هجرته إلى المدينة ، ثم نذكر من وفد عليه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بعد هجرته إلى المدينة وقبل فتح مكة ، نقدمهم على حسب ~~السابقة ، ثم نذكر من عدا هؤلاء من الوفود الذين وفدوا ms3725 في سنة تسع وما ~~بعدها ؛ نرتبهم على ما رتبهم محمد ابن سعد في طبقاته في التقديم والتأخير ، ~~ونستثنى منهم من تقدم ذكره ؛ فنقول وبالله التوفيق : ذكر من وفد على رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو بمكة قبل الهجرة وفد عليه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وهو بمكة غفار ، وأزد شنوءة ، وهمدان ، والطفيل بن عمرو الدوسي ، ~~ونصارى الحبشة . PageV18P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" ذكر وفد غفار وقصة أبي ذر الغفاري في سبب ~~إسلامه روى الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي رحمه الله في ~~كتابه المترجم بدلائل النبؤة بسنده إلى عبد الله بن الصامت ، قال قال أبو ~~ذر رضي الله عنه : خرجنا عن قومنا غفار ، وكانوا يحلون الشهر الحرام ، ~~فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا ، فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا ذى مال وذى ~~هيئة ، فأكرمنا وأحسن إلينا ، فحسدنا قومه ، فقالوا له : إنك إذا خرجت عن ~~أهلك خالف إليهم أنيس ، قال : فجاء خالنا فنثا علينا ما قيل له ؛ فقلت له : ~~أما ما مضى من معروفك فقد كدرته ، ولاجماع لك فيما بعد . قال : فقربنا ~~صرمتنا فاحتملنا عليها ويغطي خالنا ثوبه فجعل يبكي وانطلقنا حتى نزلنا ~~بحضرة مكة ، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها ، فأتينا الكاهن فخبر أنيسا ، ~~فأتانا بصرمتنا ومثلها معها . قال أبو ذر : وقد صليت يابن أخي قبل أن ألقى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بثلاث سنين . قال ابن الصامت : فقلت لمن ~~؟ قال : لله . قلت : فأين توجه ؟ قال : أتوجه حيث وجهني الله ؛ أصلى عشاء ~~حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأنى خفاء - يعني الثوب - حتى تعلوني الشمس ~~. فقال أنيس : إن لي صاحبا بمكة فاكفني حتى آتيك . فانطلق أنيس حتى أتى مكة ~~فراث علي ، ثم أتاني فقلت : ما حبسك ؟ قال لقيت رجلا بمكة يزعم أن الله ~~أرسله على دينك . قال : قلت ماذا يقول الناس فيه ؟ قال : يقولون إنه شاعر ~~وساحر وكاهن . قال : وكان أنيس أحد الشعراء - وفي رواية عنه : والله ما ~~سمعت بأشعر من أخي أنيس - لقد ناقض اثنى عشر شاعرا في ms3726 الجاهلية أنا أحدهم . ~~قال فقال أنيس : لقد سمعت قول الكهانة فما هو بقولهم ، ولقد وضعت قوله على ~~أقراء الشعر فلم يلتئم ، وما يلتئم والله على لسان أحد بعدى أنه شعر ، ~~ووالله إنه لصادق وإنهم لكاذبون . قال : قلت له هل أنت كافى حتى انطلق ~~فأنظر ؟ فقال : نعم وكن من أهل مكة على حذر ، فإنهم قد شنفوا له وتجهموا . ~~فانطلقت حتى قدمت مكة ، فتضعفت رجلا منهم فقلت : PageV18P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" أين هذا الذى تدعونه الصابيء ؟ قال : فأشار إلي ~~، الصابيء فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي . قال : ~~فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر ، فأتيت زمزم فشربت من مائها ، وغسلت عني ~~الدم ، ودخلت بين الكعبة وأستارها ، ولقد لبثت يابن أخي ثلاثين من بين ليلة ~~ويوم ومالي طعام إلا ماء زمزم ، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني ، وما وجدت على ~~كبدي سخفة جوع . قال : فبينما أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان ، قد ضرب الله ~~على أصمخة أهل مكة فما يطوف بالبيت أحد غير امرأتين وهما تدعوان إسافا ~~ونائلة ، فأتتا علي في طوافهما فقلت : أنكحا إحداهما الأخرى ، فما ثناهما ~~ذلك عما قالتا . فأتتا علي فقلت : هن مثل الخشبة غير أني لا أكنى ، ~~فانطلقتا تولولان وتقولان : لو كان هاهنا أحد من أنفارنا قال : فاستقبلهما ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأبو بكر وهما هابطان من الجبل ، فقال ~~لهما : مالكما ؟ قالتا : الصابئ بين الكعبة وأستارها . قالا : ما قال لكما ~~؟ قالتا : قال لنا كلمة تملأ الفم . فجاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~هو وصاحبه فاستلم الحجر ثم طاف بالبيت هو وصاحبه ثم صلى ، فلما قضى صلاته ~~قال أبو ذر : فأتيته فكنت أول من حياه بتحية الإسلام ؛ فقال : وعليك ورحمة ~~الله ، ثم قال : ممن أنت ؟ قلت : من غفار ، قال : فأهوى بيده فوضع يده على ~~جبينه ، فقلت في نفسى : كره أنى انتميت إلى غفار ، قال : فأهويت لآخذ بيده ~~، فقد عني صاحبه وكان أعلم به مني ، ثم رفع رأسه فقال : متى كنت هاهنا ؟ ~~قلت : منذ ثلاثين من ms3727 ليلة ويوم ، قال : فمن كان يطعمك ؟ قلت : ما كان لي من ~~طعام إلا ماء زمزم ، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني ، وما وجدت على كبدي سخفة ~~جوع ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إنها مباركة ، إنها طعام ~~طعم ، وشفاء سقم " فقال أبو بكر : يا رسول الله إيذن لي في إطعامه الليلة ، ~~PageV18P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" ففعل ، فانطلق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) وأبو بكر ، وانطلقت معهما حتى فتح أبو بكر بابه ، فجعل يقبض لنا من زينب ~~الطائف ، فكان ذاك أول طعام أكلته بها ، قال : فغبرت ما غبرت ، ثم أتيت ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " إني وجهت إلى أرض ذات نخل لا أحسبها إلا يثرب ، فهل أنت مبلغ عني قومك ~~لعل الله أن ينفعهم بك ، ويأجرك فيهم " ؛ قال : فانطلقت حتى أتيت أخي أنيسا ~~فقال لي : ما صنعت ؟ قلت : أسلمت وصدقت ، قال : فما بي رغبة عن دينك ، فإني ~~قد أسلمت وصدقت . ثم أتينا أمنا ، فقالت : ما بي رغبة عن دينكما ، فإني قد ~~أسلمت وصدقت ، قال : ثم احتملنا حتى أتينا قومنا غفارا ، فأسلم نصفهم قبل ~~أن يقدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة ، وكان يؤمهم خفاف بن ~~إيماء ابن رحضة الغفاري ، وكان سيدهم يومئذ ، وقال بقيتهم : إذا قدم رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أسلمنا ؛ فقدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) المدينة فأسلم بقيتهم ؛ وجاءت أسلم ، فقالوا : يا رسول الله إخواننا ؛ ~~نسلم على الذي أسلموا عليه . فأسلموا ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله " . وهذه الرواية فى خبر ~~إسلام أبي ذر ؛ قد روى مسلم فى صحيحه نحوها ، وهي تخالف رواية البخاري . ~~وروى البيهقي عن أبى ذر قال : كنت ربع الإسلام ، أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا ~~الرابع ؛ أتيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقلت : السلام عليك يا رسول ~~الله ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، فرأيت الاستبشار ~~فى وجه رسول الله ( صلى الله ms3728 عليه وسلم ) . وروى أبو عمر بن عبد البر بسنده ~~إلى ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بمكة قال لأخيه أنيس : اركب إلى هذا الوادي ، فاعلم لي ~~علم هذا الرجل الذى يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء واسمع من قوله ، ثم ~~ايتني ؛ فانطلق حتى قدم مكة وسمع من قوله ثم رجع ، فقال : رأيته يأمر ~~بمكارم الأخلاق ، وسمعت منه كلاما ما هو بالشعر . قال : ما شفيتني فيما ~~أردت ، فتزود وحمل شنة له فيها ماء حتى قدم مكة فأتى المسجد ، فالتمس النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) ولا يعرفه ، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه الليل ، ~~فاضطجع فرآه علي بن أبي طالب ؛ فقال : كأن الرجل غريب ، قال : نعم ، قال ~~انطلق إلى المنزل ، قال : فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أسأله ، فلما ~~أصبحت من الغد رجعت إلى المسجد ، وبقيت يومي حتى PageV18P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" أمسيت وصرت إلى مضجعي ، فمر بي علي بن أبي طالب ~~، فقال : أما آن للرجل أن يعرف منزله ؟ فأقامه وذهب به معه ، وما يسأل واحد ~~منهما صاحبه عن شيء ، حتى إذا كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك ، فأقامه علي ~~معه ، ثم قال : ألا تحدثني ما الذي أقدمك هذا البلد ؟ قال : إن أعطيتني ~~عهدا وميثاقا لترشدني فعلت ؛ ففعل ؛ فأخبره علي أنه نبي ، وأن ما جاء به حق ~~، وأنه رسول الله ، قال : فإذا أصبحت فاتبعني ، فإني إن رأيت شيئا أخاف ~~عليك قمت كأني أريق الماء ، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي ، قال : ~~فانطلقت أقفوه حتى دخل على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ودخلت معه ~~وحييت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بتحية الإسلام ، فقلت : السلام ~~عليك يا رسول الله فكنت أول من حياه بتحية الإسلام ، فقال : " وعليك السلام ~~، من أنت " ؟ قلت : رجل من غفار ، فعرض على الإسلام ، فأسلمت وشهدت أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فقال لي رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " ارجع إلى بلاد قومك ، وأخبرهم ms3729 ، واكتم أمرك عن أهل مكة ، فإني ~~أخشاهم عليك " فقلت : والذي نفسي بيده لأصرحن بها بين أظهرهم ، فخرج حتى ~~أتى المسجد فنادى بأعلى صوته أشهد أن لا إلى إلا الله وأشهد أن محمدا رسول ~~الله ، فثاب القوم إليه فضربوه حتى أضجعوه ، وأتى العباس فأكب عليه وقال : ~~ويلكم أولستم تعلمون أنه من غفار ، وأن طريق تجاركم إلى الشام عليهم وأنقذه ~~منهم ، ثم عاد إلى مشهد وثاروا إليه فضربوه ، فأكب عليه العباس فأنقذه ، ثم ~~لحق بقومه . وكان هذا أول إسلام أبي ذر . ومن رواية الليث بن سعد عن يزيد ~~بن أبي حبيب قال : قدم أبو ذر على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو بمكة ~~فأسلم ، ثم رجع إلى قومه ، فكان يسخر بآلهتهم ، ثم إنه قدم على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بالمدينة ، فلما رآه وهم فى اسمه ، فقال : أنت أبو ~~نملة ؟ قال : أنا أبو ذر ، قال : نعم أبو ذر . ذكر وفد أزد شنوءة وكيف كان ~~إسلام ضماد روى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي - رحمه الله - بسنده إلى ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم ، قال : قدم ضماد مكة ، وهو رجل من ~~أزد شنوءة ، وكان يرقى من هذه الرياح ، فسمع سفهاء الناس يقولون : إن محمدا ~~مجنون ، فقال : آتى هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدي ، قال : فلقيت ~~محمدا ، فقلت : إنى أرقى من هذه الرياح ، وإن الله يشفى على يدي من يشاء ، ~~فهلم ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن PageV18P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" الحمد لله نحمده ونستعينه ، من يهده الله فلا ~~مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~، وأن محمدا عبده ورسوله " ثلاث مرات ، فقال : تالله لقد سمعت قول الكهنة ، ~~وقول السحرة ، وقول الشعراء ، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات ، فهلم يدك ~~أبايعك على الإسلام ، فبايعه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقال له : ~~وعلى قومك ؟ فقال : وعلى قومي ، فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~سرية فمروا بقوم ضماد ms3730 ، فقال صاحب الجيش للسرية : هل أصبتم من هؤلاء شيئا ؟ ~~فقال رجل منهم : مطهرة ، فقال : ردوها عليهم فإنهم قوم ضماد . رواه مسلم فى ~~صحيحه . وروى القاضي عياض بن موسى فى كتابه المترجم بالشفا ، بتعريف حقوق ~~المصطفى : أن ضمادا قال لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أعد علي ~~كلماتك هؤلاء فلقد بلغن قاموس البحر ، هات يديك أبايعك . ذكر وفد همدان قال ~~محمد بن سعد رحمه الله تعالى : أخبرنا هشام بن محمد ، قال : حدثنا حبان ابن ~~هانيء بن مسلم بن قيس بن عمرو بن مالك بن لأي الهمداني ثم الأرحبي عن ~~أشياخهم ، قالوا : قدم قيس بن مالك بن سعد بن مالك بن لأي الأرحبي على رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو بمكة ، فقال : يا رسول الله أتيتك لأومن ~~بك وأنصرك ؛ فقال له : مرحبا بك ، أتأخذوني بما في يا معشر همدان ؟ قال : ~~نعم ؛ بأبي أنت وأمي ، قال : فاذهب إلى قومك ، فإن فعلوا فارجع أذهب معك ، ~~فخرج قيس إلى قومه ، فأسلموا واغتسلوا فى جوف المحورة - وهو ماء يغتسلون ~~فيه - وتوجهوا إلى القبلة ، ثم خرج بإسلامهم إلى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فقال : قد أسلم قومي وأمروني أن آخذك ، فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " نعم وافد القوم قيس " ، وقال : " وفيت وفي الله بك " ، ~~ومسح بناصيته ، وكتب عهده على قومه همدان : أحمورها وعربها وخلائطها ~~ومواليها أن يسمعوا له ويطيعوا ، فإن لهم ذمة الله وذمة رسوله ما أقمتم ~~الصلاة وآتيتم الزكاة ؛ وأطعمه ثلثمائة فرق ، من خيوان مائتان : زبيب وذرة ~~شطران ، ومن عمران الجوف مائة فرق بر ، جارية أبدا من مال الله . ~~PageV18P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" ومن طريق آخر له قال : عرض رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) نفسه بالموسم على قبائل العرب ، فمر به رجل من أرحب يقال ~~له : عبد الله بن قيس بن أم غزال . فقال : هل عند قومك من منعة ؟ قال : نعم ~~، فعرض عليه الإسلام ، فأسلم ، ثم إنه خاف أن يخفره قومه فوعده الحج من ~~قابل ، ثم وجه الهمداني يريد قومه ، فقتله رجل ms3731 من بني زبيد يقال له ذباب ، ~~ثم إن فتية من أرحب قتلوا ذبابا الزبيدي بعبد الله بن قيس . هذا قبل الهجرة ~~. وأما بعد الهجرة ، فقد روى محمد بن إسحاق ، رحمه الله ، قال : قدم وفد ~~همدان على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، منهم مالك بن نمط ، وأبو ثور ~~وهو ذو المشعار ، ومالك بن أيفع ، وضمام بن مالك السلماني ، وعميرة بن مالك ~~الخارفي ، فلقوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مرجعه من تبوك ، وعليهم ~~مقطعات الحبرات والعمائم العدنية ، برحال الميس على المهرية والأرحبية ، ~~ومالك بن نمط ، ورجل آخر يرتجزان بالقوم ؛ يقول أحدهما : همدان خير سوقة ~~وأقيال . . . ليس لها في العالمين أمثال محلها الهضب ومنها الأبطال . . . ~~لها إطابات بها وآكال ويقول الآخر : إليك جاوزن سواد الريف . . . فى هبوات ~~الصيف والخريف مخطمات بحبال الليف PageV18P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" فقام مالك بن نمط بين يديه ، ثم قال : يا رسول ~~الله نصية من همدان من كل حاضر و باد ، أتوك على قلص نواج ، متصلة بحبائل ~~الإسلام ، لا تأخذهم فى الله لومة لائم ، من مخلاف خارف ويام وشاكر ، أهل ~~السود والقود ، أجابوا دعوة الرسول ، وفارقوا آلهات الأنصاب ، عهدهم لا ~~ينقض ما أقامت لعلع ، وما جرى اليعفور بضلع . فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " نعم الحي همدان ، ما أسرعها إلى النصر ، وأصبرها على الجهد ~~، ومنهم أبدال ، وفيهم أوتاد الإسلام " ، وكتب لهم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) كتابا ؛ فيه : " بسم الله الرحمن الرحيم . كتاب من محمد رسول ~~الله لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف الرمل ، مع وافدها ذي المشعار مالك ~~بن نمط ، ومن أسلم من قومه ، على أن لهم فراغها و وهاطها وعزازها ، يأكلون ~~علافها ، ويرعون عافيها ، لنا منهم من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق ~~والأمانة ، ولهم من الصدقة الثلب والناب والفصيل والفارض والداجن والكبش ~~الحوري ، وعليهم فيها الصالغ PageV18P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" والقارح ، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ، ~~لهم بذلك عهد الله وذمام رسول الله عليه السلام ، وشاهدهم المهاجرون ~~والأنصار " . ذكر وفادة الطفيل بن عمرو الدوسى وإسلامه ms3732 قال محمد بن إسحاق ~~رحمه الله تعالى : كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) بها ، فمشى إليه رجال من قريش - وكان الطفيل رجلا ~~شريفا شاعرا لبيبا - فقالوا له : يا طفيل إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل ~~الذى بين أظهرنا قد أعضل بنا ، قد فرق بين جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وإنما ~~قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه ، وبين الرجل وبين أخيه ، وبين الرجل ~~وبين زوجته ، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلمنه ، ولا ~~تسمعن منه شيئا . قال الطفيل : فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت على ألا أسمع ~~منه شيئا ولا أكلمه ، حتى حشوت فى أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من ~~أن يبلغني شىء من قوله ، وأنا لا أريد أن أسمعه قال : فغدوت إلى المسجد ، ~~فإذا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قائم يصلي عند الكعبة ، فقمت منه ~~قريبا ، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله ، فسمعت كلاما حسنا ، فقلت في ~~نفسي : واثكل أمي ؛ والله إني لرجل لبيب شاعر ، وما يخفي علي الحسن من ~~القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ؟ فإن كان الذي يأتي به ~~حسنا قبلته ، وإن كان قبيحا تركته ، قال : فمكثت حتى انصرف رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إلى بيته ، فاتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت : يا ~~محمد إن قومك قد قالوا لى كذا وكذا - للذى قالوا - فوالله ما برحوا ~~يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف ألا أسمع قولك ، ثم أبى الله إلا أن ~~يسمعني قولك ، فسمعت قولا حسنا ، فاعرض علي أمرك . قال : فعرض علي رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) الإسلام ، وتلى علي القرآن ، فلا والله ما ~~سمعت قولا قط أحسن منه ، ولا أمرا أعدل منه ، فأسلمت ، وشهدت شهادة الحق ، ~~فقلت : يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي ، وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى ~~الإسلام ، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه . ~~فقال ms3733 : " اللهم إجعل له آية " ، فخرجت إلى قومي ، حتى إذا كنت بثنية تطلعني ~~على الحاضر وقع نور PageV18P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" بين عيني مثل المصباح ؛ قلت : اللهم في غير ~~وجهي إني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم ، قال : فتحول ~~النور فوقع في رأس سوطي ، فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل ~~المعلق ، وأنا أهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم ، فأصبحت فيهم ، قال : فلما ~~نزلت أتاني أبي وكان شيخا كبيرا ، فقلت : إليك عني يا أبت ، فلست منك ولست ~~مني ، قال : لم يا بني ؟ قلت : أسلمت وتابعت دين محمد ، قال : أي بني فديني ~~دينك ، قلت : فاذهب واغتسل ، وطهر ثيابك ، ثم تعال حتى أعلمك مما علمت ، ~~فذهب فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء ، فعرضت عليه الإسلام فأسلم ، ثم أتتني ~~صاحبتي ، فقلت : إليك عني فلست منك ولست مني ، قالت : لما ؟ بأبي أنت وأمي ~~قلت : فرق بيني وبينك الإسلام ، وتابعت دين محمد عليه السلام . قالت : ~~فديني دينك ، قلت : فاذهبي إلى حنا ذي الشرى - قال ابن هشام : ويقال حمى ذي ~~الشرى - فتطهري منه . قال : وكان ذو الشرى صنما لدوس ، وكان الحنا حمى حموه ~~له ، وبه وشل من ماء يهبط من جبل ، قال فقالت : بأبي أنت وأمي ، أتخشى على ~~الصبية من ذي الشرى شيئا ؟ قلت : لا ، أنا ضامن لك ، قال : فذهبت فاغتسلت ، ~~ثم جاءت ، فعرضت عليها الإسلام فأسلمت ، ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطئوا ~~علي ، ثم جئت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمكة ، فقلت له : يا نبي ~~الله إنه قد غلبني على دوس الزنى ، فادع الله عليهم ، فقال : " اللهم اهد ~~دوسا ، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم " ، قال : فلم أزل بأرض دوس أدعوهم ~~إلى الإسلام ، حتى هاجر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة ، ثم ~~أسلموا بعد ذلك ، و وفدوا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على ما ~~نذكر ذلك - إن شاء الله تعالى - فيمن وفد بعد الهجرة . ذكر وفد نصارى ~~الحبشة على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وإسلامهم قال محمد ms3734 بن إسحاق : ~~قدم على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو بمكة عشرون رجلا أو قريب من ~~ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة ، فوجدوه في المسجد ، فجلسوا إليه ~~وكلموه ، وسألوه - ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة - فلما ~~PageV18P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" فرغوا من مسألته ( صلى الله عليه وسلم ) دعاهم ~~إلى الله ، وتلا عليهم القرآن ، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع ، ثم ~~استجابوا لله تعالى وآمنوا به وصدقوه ، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في ~~كتابهم من أمره ، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش ، ~~فقالوا لهم : خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم ~~لتأتوهم بخبر الرجل ، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقكم دينكم ، وصدقتموه ~~بما قال ، ما نعلم ركبا أحمق منكم فقالوا لهم : سلام عليكم لا نجاهلكم ، ~~لنا ما نحن عليه ، ولكم ما أنتم عليه ، لم نأل أنفسنا خيرا . ويقال : إن ~~النفر من أهل نجران . والله أعلم . فيقال فيهم أنزل الله قوله : " الذين ~~آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه ~~الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين " . إلى قوله : " لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين " : وقيل : إنما نزلت هذه الآيات في ~~النجاشي وأصحابه ، والآيات التي في سورة المائدة قوله تعالى : " ذلك بأن ~~منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون " . إلى " الشاهدين " ، وكان ممن ~~وفد على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو بمكة الأوس والخزرج ، وقد ~~تقدم ذكرهم في بيعة العقبة . ذكر من وفد على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بعد الهجرة وقبل الفتح وفد على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بعد الهجرة وقبل فتح مكة : عبس ، وسعد العشيرة ، وجهينة ، ومزينة ، وسعد بن ~~بكر ، وأشجع ، وخشين ، والأشعرون ، وسليم ، ودوس ، وأسلم ، وجذام . ذكر وفد ~~عبس قال محمد بن سعد : وفد على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تسعة رهط ~~من بني عبس فكانوا من المهاجرين الأولين ، منهم ms3735 ميسرة بن مسروق ، والحارث ~~بن الربيع - وهو الكامل - وقنان بن دارم ، وبشر بن الحارث بن عبادة ، وهدم ~~بن مسعدة ، وسباع بن يزيد ، وأبو الحصن بن لقمان ، وعبد الله بن مالك ، ~~وفروة بن الحصين بن فضالة فأسلموا ؛ فدعا لهم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بخير ، وقال : " أبلغوني رجلا يعشركم أعقد لكم لواء " فدخل طلحة بن ~~عبيد الله فعقد لهم لواء ، وجعل شعارهم : يا عشرة . PageV18P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" وقال من طريق آخر : بلغ رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أن عيرا لقريش أقبلت من الشام فبعث بني عبس في سرية وعقد لهم ~~لواء ، يا رسول الله كيف نقسم غنيمة إن أصبناها ونحن تسعة ؟ قال : أنا ~~عاشركم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قدم ثلاثة نفر من بني عبس على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقالوا : إنه قدم علينا قوم فأخبرونا ~~أنه لا إسلام لمن لا هجرة له ، ولنا أموال ومواش هي معاشنا ، فإن كان لا ~~إسلام لمن لا هجرة له بعناها وهاجرنا . فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " اتقوا الله حيث كنتم ، فلن يلتكم من أعمالكم شيئا ، ولو كنتم ~~بصمد وجازان " . ذكر وفد سعد العشيرة قال محمد بن سعد بسنده إلى عبد الرحمن ~~بن أبي سبرة الجعفي قال : لما سمعت سعد العشيرة بخروج النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وثب ذباب - رجل من بني أنس الله بن سعد العشيرة - إلى صنم يقال ~~له فراص فحطمه ، ثم وفد إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأسلم ، قال : ~~تبعت رسول الله إذ جاء بالهدى . . . وخلفت فراصا بدار هوان شددت عليه شدة ~~فتركته . . . كأن لم يكن والدهر ذو حدثان فلما رأيت الله أظهر دينه . . . ~~أجبت رسول الله حين دعاني فأصبحت للإسلام ما عشت ناصرا . . . وألقيت فيها ~~كلكلي وجراني فمن مبلغ سعد العشيرة أنني . . . شريت الذي يبقى بآخر فاني ~~ذكر وفد جهينة قال ابن سعد : لما قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~المدينة ، وفد إليه عبد العزى بن بدر بن زيد بن معاوية ms3736 الجهني ، ومعه أخوه ~~لأمه أبو روعة وهو ابن عم له ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعبد ~~العزى : " أنت عبد الله " وقال لأبي روعة : " أنت رعت العدو إن شاء الله " ~~وقال : " من أنتم " ؟ قالوا : بنو غيان ، قال : " أنتم بنو رشدان " وكان ~~اسم واديهم غوى فسماه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رشدا ، وقال لجبلى ~~جهينة الأشعر والأجرد : " هما من جبال الجنة لا PageV18P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" تطؤهما فتنة " ، وخط لهم مسجدهم ، وهو أول ~~مسجد خط بالمدينة ، وجاء من جهينة عمرو بن مرة الجهني . روى عنه محمد بن ~~سعد بسنده إليه قال : كان لنا صنم ، وكنا نعظمه ، وكنت سادنه ، فلما سمعت ~~برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كسرته ، وخرجت حتى أقدم المدينة على ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقدمت فأسلمت وشهدت شهادة الحق ، وآمنت بما ~~جاء به من حلال وحرام ، فذلك حين أقول : شهدت بأن الله حق وأنني . . . ~~لآلهة الأحجار أول تارك وشمرت عن ساقي الإزار مهاجرا . . . إليك أجوب الوعث ~~بعد الدكادك لأصحب خير الناس نفسا ووالدا . . . رسول مليك الناس فوق ~~الحبائك قال : فبعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى قومه يدعوهم إلى ~~الإسلام ، فأجابوه إلا رجلا رد عليه قوله ، فدعا عليه عمرو بن مرة فسقط فوه ~~، فما كان يقدر على الكلام ، وعمي واحتاج . ذكر وفد مزينة وهذا الوفد هو ~~أول ما بدأ به محمد بن سعد من الوفود في طبقاته ، فقال : كان أول من وفد ~~على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من مضر أربعمائة من مزينة ، وذلك في ~~شهر رجب سنة خمس ، فجعل لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الهجرة في ~~دارهم وقال : " أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوه إلى أموالكم " فرجعوا إلى ~~بلادهم . وقال محمد بن سعد بسند يرفعه إلى أبي مسكين ، وأبي عبد الرحمن ~~العجلاني ، قالا : قدم على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نفر من مزينة ~~، منهم خزاعي بن عبد نهم فبايعه على قومه مزينة ، وقدم معه عشرة منهم ، ~~فيهم بلال بن الحارث ، والنعمان ابن ms3737 مقرن ، ثم خرج إلى قومه فلم يجدهم كما ~~ظن فأقام ، فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حسان بن ثابت ، فقال : " ~~اذكر خزاعيا ولا تهجه " فقال حسان : ألا أبلغ خزاعيا رسولا . . . بأن الذم ~~يغسله الوفاء وأنك خير عثمان بن عمرو . . . وأسناها إذا ذكر السناء ~~PageV18P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" وبايعت الرسول وكان خيرأ . . . إلى خير وآداك ~~الثناء فما يعجزك أو ما لا تطقه . . . من الأشياء لا تعجز عداء قال : و " ~~عداء " بطنه الذي هو منه . فقام خزاعي فقال : يا قوم قد خصكم شاعر الرجل ، ~~فأنشدكم الله . قالوا : فإنا لا ننبو عليك ؛ فأسلموا ووفدوا على النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . فدفع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لواء مزينة ~~يوم الفتح إلى خزاعي ، وكانوا يومئذ ألف رجل . ذكر وفد سعد بن بكر قال محمد ~~بن إسحاق : بعثت بنو سعد بن بكر إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رجلا ~~منهم ضمام بن ثعلبة - قال ابن سعد : في شهر رجب سنة خمس - قال ابن إسحق ~~بسنده إلى ابن عباس : فقدم وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله ، ثم دخل ~~المسجد ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جالس في أصحابه . قال : وكان ~~ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين ، فأقبل حتى وقف على رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في أصحابه ، فقال أيكم ابن عبد المطلب ؟ فقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " أنا ابن عبد المطلب " . قال : أمحمد ؟ قال : " نعم " ~~. قال : يابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسئلة ، فلا تجد في ~~نفسك . قال : " لا أجد في نفسي ، فاسأل عما بدا لك " قال : أنشدك الله إلهك ~~وإله من كان قبلك ، وإله من هو كائن بعدك ، الله بعثك إلينا رسولا ؟ قال : ~~" اللهم نعم " قال : فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك ، وإله من هو كائن ~~بعدك ، الله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ، لا نشرك به شيئا ، وأن نخلع ~~هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه ؟ قال : فأنشدك الله إلهك وإله من ~~كان قبلك ، وإله ms3738 من هو كائن بعدك ، الله أمرك ان نصلي هذه الصلاة الخمس ؟ ~~قال : " نعم " . قال : ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة : الزكاة ، ~~والصيام ، والحج وشرائع الإسلام كلها ، ينشده عن كل فريضة منها كما ينشده ~~في التي قبلها ، حتى إذا فرغ قال : فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله ، وسأؤدي هذه الفرائض ، وأجتنب ما نهيتني عنه ، ثم لاأزيد ولا ~~أنقص . ثم انصرف إلى بعيره راجعا . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: PageV18P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" " إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة " قال : فأتى ~~بعيره فأطلق عقاله ، ثم خرج حتى قدم على قومه ، فاجتمعوا إليه ، فكان أول ~~ما تكلم به : بئست اللات والعزى فقالوا : مه يا ضمام اتق البرص ، اتق ~~الجذام ، اتق الجنون قال : ويلكم إنهما والله لا ينفعان ولا يضران ، إن ~~الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا ، فاستنقذكم به مما كنتم فيه ، وإني ~~أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وقد ~~جئتكم من عنده بما أمركم به ، ونهاكم عنه ، قال : فو الله ما أمسى من ذلك ~~اليوم في حاضره رجل أو امرأة إلا مسلما . قال : يقول عبد الله بن عباس - ~~رضي الله عنهما - فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة . ذكر وفد ~~أشجع قال : وقدمت أشجع على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عام الخندق ، ~~وعام الخندق سنة خمس من الهجرة ، وهم مائة ، رأسهم مسعود بن رخيلة بن نويرة ~~ابن طريف ، فنزلوا شعب سلع ، فخرج إليهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، وأمر لهم بأحمال التمر ، فقالوا يا محمد لا نعلم أحدا من قومنا أقرب دارا ~~منك منا ، ولا أقل عددا ، وقد ضقنا بحربك وبحرب قومك ، فجئنا نوادعك ، ~~فوادعهم . ويقال : بل قدمت أشجع بعد ما فرغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) من بني قريظة ، وهم سبعمائة فوادعهم . ثم أسلموا بعد ذلك . ذكر وفد خشين ~~قال أبو عبد الله محمد بن سعد : قدم أبو ثعلبة الخشني ms3739 على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وهو يتجهز إلى خيبر ، فأسلم وخرج معه فشهد خيبر ، ثم قدم ~~بعد ذلك سبعة نفر من خشين فنزلوا على أبي ثعلبة ، فأسلموا وبايعوا ورجعوا ~~إلى قومهم . PageV18P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" ذكر وفد الأشعرين قالوا : وقدم الأشعرون على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهم خمسون رجلا ؛ منهم أبو موسى ~~الأشعري ، ومعهم رجلان من عك . وقدموا في سفن في البحر ، وخرجوا بجدة ، ~~فلما دنوا من المدينة جعلوا يقولون : غدا نلقى الأحبة . . . محمدا وحزبه ثم ~~قدموا فوجدوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في سفره بخيبر ، فلقوه ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فبايعوه وأسلموا ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " الأشعرون في الناس كصرة فيها مسك " . ذكر وفد سليم قالوا : وفد ~~على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رجل من بني سليم ، يقال له قيس ابن ~~نسيبة ، فسمع كلامه ، وسأله عن أشياء فأجابه ، ووعى ذلك كله ، ودعاه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى الإسلام ، فأسلم ورجع إلى قومه ، فقال : ~~قد سمعت برجمة الروم ، وهينمة فارس ، وأشعار العرب ، وكهانة الكاهن ، وكلام ~~مقاول حمير ، فمن يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم ، فأطيعوني وخذوا بنصيبكم ~~منه . فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم إلى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فلقوه بقديد وهم سبعمائة . ويقال : كانوا ألفا . وفيهم العباس بن ~~مرداس السلمي ، وأنس بن عباس بن رعل ، وراشد بن عبد ربه ، فأسلموا وقالوا : ~~اجعلنا في مقدمتك ، واجعل لواءنا أحمر ، وشعارنا مقدم ، ففعل ذلك بهم . ~~وأعطى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) راشدا رهاطا وفيها عين يقال لها ~~عين الرسول . قال : وكان راشد يسدن صنما لبني سليم ، فرأى يوما ثعلبين ~~يبولان عليه ، فقال : أرب يبول الثعلبان برأسه . . . لقد ذل من بالت عليه ~~الثعالب ثم شد عليه فكسره . وأتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال له : ~~" ما اسمك " ؟ قال : غاوي بن عبد العزى ، فقال : " أنت راشد بن عبد ربه " ~~فأسلم حسن إسلامه وشهد الفتح . فقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ms3740 ) : " خير ~~بني سليم راشد " وعقد له على قومه . PageV18P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" وروى محمد بن سعد أيضا ، عن هشام بن محمد ، ~~قال حدثني رجل من بني سليم من بني الشريد ، قال : وفد رجل منا يقال له قدد ~~بن عمار على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعاهده على أن يأتيه بألف من ~~قومه على الخيل ؛ وأنشأ يقول : شددت يميني إذ أتيت محمدا . . . بخير يد شدت ~~بحجزة مئزر وذاك امرؤ قاسمته نصف دينه . . . وأعطيته كف امرىء غير أعسر ثم ~~أتى قومه فأخبرهم الخبر ، فخرج معه تسعمائة ، وخلف في الحي مائة ، وأقبل ~~يريد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فنزل به الموت ، فأوصى إلى ثلاثة رهط من ~~قومه ؛ وهم : عباس بن مرداس وأمره على ثلثمائة ، وجبار بن الحكم وأمره على ~~ثلثمائة ، والأخنس بن يزيد وأمره على ثلثمائة . وقال : ايتوا هذا الرجل حتى ~~تقضوا العهد الذي في عنقي ثم مات ، فمضوا حتى قدموا على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فقال : " أين الرجل الحسن الوجه ، الطويل اللسان ، ~~الصادق الأيمان " ؟ . قالوا : يا رسول الله دعاه الله فأجابه ، وأخبروه ~~خبره ؛ فقال : " أين تكملة الألف الذين عاهدني عليهم " ؟ . قالوا : خلف ~~مائة في الحي مخافة حرب كان بيننا وبين بني كنانة ، قال : " ابعثوا إليها ~~فإنه لا يأتيكم في عامكم هذا شيء تكرهونه " . فبعثوا إليها فأتته بالهدة ~~وعليها المنقع بن مالك بن أمية ، فشهدوا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) الفتح وحنين . وللمنقع يقول العباس بن مرداس : القائد المائة التي وفى ~~بها . . . تسع المئين فتم ألف أقرع وحكى أبو عمر عبد البر في ترجمة خنساء ~~بنت عمرو بن الشريد السلمية الشاعرة - واسمها تماضر بنت عمرو بن الشريد بن ~~رباح بن ثعلبة بن عصية بن خفاف بن امريء القيس بن بهثة بن سليم - أنها قدمت ~~على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مع قومها من بني سليم فأسلمت معهم . ~~قال : فذكروا أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يستنشدها ، ويعجبه ~~شعرها ، فكانت تنشده ، وهو يقول : " هيه يا خناس " ويوميء بيده ms3741 . وشهدت ~~الخنساء القادسية مع بنيها الأربعة . وسنذكر إن شاء الله خبرها معهم يوم ~~القادسية ، و وصيتها لهم في الحرب في خلافة عمر بن الخطاب ، عند ذكرنا لفتح ~~القادسية . PageV18P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" ذكر وفد دوس قالوا : لما أسلم الطفيل بن عمرو ~~الدوسي - كما تقدم - دعا قومه فأسلموا ، وقدم معه منهم المدينة سبعون أو ~~ثمانون أهل بيت . وفيهم أبو هريرة وعبد الله ابن أزيهر الدوسي ، ورسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) بخيبر ، فساروا إليه فلقوه هناك ، فيقال : إنه قسم ~~لهم من غنائم خيبر ، ثم قدموا معه المدينة . فقال الطفيل ابن عمرو : يا ~~رسول الله لا تفرق بيني وبين قومي ، فأنزلهم حرة الدجاج ، فقال أبو هريرة ~~حين خرج من دار قومه : يا طولها من ليلة وعنائها . . . على أنها من بلدة ~~الكفر نجت وقال عبد الله بن أزيهر : يا رسول الله إن لي في قومي سلطة ~~ومكانا فاجعلني عليهم ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يا أخا ~~دوس ، إن الإسلام بدأ غريبا ، وسيعود غريبا ، فمن صدق الله نجا ، ومن آل ~~إلى غير ذلك هلك . إن أعظم قومك ثوابا أعظمهم صدقا ، ويوشك الحق أن يغلب ~~الباطل " . وروى أبو عمر بسنده إلى محمد بن سيرين أنه قال : بلغني أن دوسا ~~إنما أسلمت فرقا من قول كعب بن مالك الأنصاري الخزرجي : قضينا من تهامة كل ~~وتر . . . وخيبر ثم أغمدنا السيوفا نخيرها ولو نطقت لقالت . . . قواطعهن : ~~دوسا أو ثقيفا فقالت دوس : انطلقوا فخذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف ~~. ذكر وفد أسلم قالوا : قدم عمير بن أفصى في عصابة من أسلم ، فقالوا : لقد ~~آمنا بالله ورسوله ، واتبعنا منهاجك ، فاجعل لنا عندك منزلة ، تعرف العرب ~~فضيلتنا ، فإنا إخوة الأنصار ، ولك علينا الوفاء ، والنصر في الشدة والرخاء ~~، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أسلم سالمها الله ، وغفار غفر ~~الله لها " . وكتب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لأسلم ، ومن أسلم من ~~قبائل العرب ممن يسكن السيف والسهل كتابا ؛ فيه ذكر الصدقة والفرائض في ~~المواشي . وكتب الصحيفة ثابت ms3742 ابن قيس ، وشهد أبو عبيدة وعمر بن الخطاب رضي ~~الله عنهم . PageV18P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" ذكر وفد جذام قالوا : قدم رفاعة بن زيد بن ~~عمير بن معبد الجذامي ، ثم أحد بني الضبيب على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في الهدنة قبل خيبر ، وأهدى له عبدا وأسلم ، فكتب له رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) كتابا ؛ فيه : " هذا كتاب من محمد رسول الله ، لرفاعة ~~بن زيد إلى قومه ، ومن دخل معهم ، يدعوهم إلى الله ، فمن أقبل ففي حزب الله ~~، ومن أبى فله أمان شهرين " فأجابه قومه وأسلموا . قال ابن إسحق وغيره : ~~وبعث فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي ، ثم النفاثي إلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) رسولا بإسلامه ، وأهدى له بغلة بيضاء ، واسم رسوله مسعود ~~بن سعد وهو من قومه ، فقرأ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كتابه ، وقبل ~~هديته ، وأجاز رسوله باثنتي عشرة أوقية ونش ، وكتب إلى فروة جواب كتابه . ~~وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب ، وكان منزله معان وما حولها ~~من أرض الشام ، فلما بلغ الروم إسلامه طلبوه فحبسوه عندهم ؛ فقال : في ~~محبسه ذلك : طرقت سليمى موهنا أصحابي . . . والروم بين الباب والقروان صد ~~الخيال وساءه ما قد رأى . . . وهممت أن أغفي وقد أبكاني لا تكحلن العين ~~بعدى إثمدا . . . سلمى ولا تدنن للإتيان ولقد علمت أبا كبيشة أنني . . . ~~وسط الأعزة لا يحص لساني فلئن هلكت لتفقدن أخاكم . . . ولئن بقيت لتعرفن ~~مكاني ولقد جمعت أجل ما جمع الفتى . . . من جودة وشجاعة وبيان قال : فلما ~~أجمعت الروم لصلبه على ماء لهم بفلسطين يقال له عفراء قال : ألا هل أتى بأن ~~حليلها . . . على ماء عفرا فوق إحدى الرواحل على ناقة لم يضرب الفحل أمها . ~~. . مشذبة أطرافها بالمناجل PageV18P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" قال : ولما قدموه ليضربوا عنقه قال : أبلغ ~~سراة المؤمنين بأنني . . . سلم لربي أعظمي ومقامي فضربوا عنقه وصلبوه على ~~ذلك الماء . هذا ما تلخص لنا من أخبار من وفد بعد الهجرة وقبل الفتح ، ~~فلنذكر من وفد بعد الفتح . ذكر من ms3743 وفد على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) بعد فتح مكة شرفها الله تعالى وعظمها ولنبدأ من ذلك بذكر وفد ثعلبة ؛ ~~لأنه أول وفد كان بعد الفتح . ثم نذكر من وفد في سنة تسع من الهجرة وما ~~بعدها ، ونورده نحو ما أورده أبو عبد الله محمد بن سعد في طبقاته ، إلا أنا ~~نستثنى منهم من قدمنا ذكره بحكم سابقتهم ، وتقدم إسلامهم . ذكر وفد ثعلبة ~~قال أبو عبد الله محمد بن سعد رحمه الله : لما قدم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) من الجعرانة ، في سنة ثمان من الهجرة ، قدم عليه أربعة نفر ، ~~وقالوا : نحن رسل من خلفنا من قومنا ، ونحن وهم مقرون بالإسلام ، فأمر لهم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بضيافة ، وأقاموا أياما ثم جاءوا ليودعوه ~~فأمر بلالا أن يجيزهم ، كما يجيز الوفد ، فجاء بنقر من فضة فأعطى كل رجل ~~منهم خمس أواق ، وقال : " ليس عندنا دراهم " وانصرفوا إلى بلادهم . ذكر وفد ~~أسد قال محمد بن سعد : قدم عشرة رهط من بني أسد بن خزيمة على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، في أول سنة تسع من الهجرة ، فيهم حضرمي بن عامر ، ~~وضرار ابن PageV18P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" الأزور ، فقال حضرمي : يا رسول الله أتيناك ~~نتدرع الليل البهيم ، في سنة شهباء ، ولم تبعث إلينا بعثا ، فنزل فيهم قوله ~~عز وجل : " يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين " . قال : وكان معهم قوم من بني ~~الزنية وهم بنو مالك بن مالك بن ثعلبة بن دودان ابن أسد ، فقال لهم رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أنتم بنو الرشدة " . وقال أبو إسحق أحمد ~~بن محمد الثعلبي رحمه الله : إن نفرا من بني أسد ، ثم من بني الحلاف بن ~~الحارث بن سعيد ، قدموا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة في ~~سنة جدبة ، فأظهروا شهادة أن لا إله إلا الله ، ولم يكونوا مؤمنين في السر ~~، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات ، وأغلوا أسعارها ms3744 ، وكانوا يغدون ويروحون ~~على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، يقولون : أتتك العرب بأنفسها ، على ~~ظهور رواحلها ، وجئناك بالأثقال والعيال والذراري - يمنون على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) - ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان . ويريدون ~~الصدقة ، ويقولون : أعطنا . فأنزل الله عز وجل فيهم : " قالت الأعراب آمنا ~~قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " الآيات . وقيل : نزلت في الأعراب : مزينة ~~، وجهينة ، وأسلم ، وأشجع ، وغفار . وكانوا يقولون : آمنا بالله ؛ ليأمنوا ~~على أنفسهم وأموالهم ، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا ، فأنزل الله ~~فيهم : " قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " أي انقدنا ~~واستسلمنا مخافة القتل والسبي " ولما يدخل الإيمان في قلوبكم " فأخبر تعالى ~~أن حقيقة الأيمان التصديق بالقلب ، وأن الإقرار باللسان ، وإظهار شرائعه ~~بالأبدان ، لا يكون إيمانا دون الإخلاص الذي محله القلب . ذكر وفد تميم قال ~~أبو عبد الله محمد بن سعد : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد بعث ~~بشر بن سفيان . ويقال : النحام العدوي على صدقات بني كعب من خزاعة ، فجاء ~~وقد حل بنواحيهم بنو عمرو بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم ، فجمعت خزاعة ~~مواشيها للصدقة ، فاستنكرت ذلك بنو تميم ، وأبوا وابتدروا القسي ، وشهروا ~~السيوف ، فقدم المصدق PageV18P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبره ~~؛ فقال : " من لهؤلاء القوم " ؟ فانتدب لهم عيينة بن حصن ، فبعثه رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) في خمسين فارسا من العرب ، ليس فيهم مهاجري ولا ~~أنصاري فأغار عليهم ، فأخذ منهم أحد عشر رجلا ، وإحدى عشرة امرأة ، وثلاثين ~~صبيا ، فجلبهم إلى المدينة ، فقدم فيهم عدة من رؤساء بني تميم ، منهم عطارد ~~بن حاجب ، والزبرقان بن بدر ، وقيس بن عاصم ، وقيس بن الحارث ، ونعيم بن ~~سعد ، والأقرع بن حابس ، ورياح ابن الحارث ، وعمرو بن الأهتم ، وغيرهم كما ~~ذكرنا ذلك في الغزوات في خبر سرية عيينة . قال ويقال : كانوا تسعين أو ~~ثمانين رجلا . قال ابن إسحق : والحتات بن يزيد أحد بني دارم . قال : ومعهم ~~عيينة بن حصن بن حذيفة بن ms3745 بدر الفزاري ، قالوا : فدخلوا المسجد وقد أذن ~~بلال بالظهر ؛ والناس ينتظرون خروج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فعجلوا واستبطأوه ، فنادوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من وراء ~~حجراته : يا محمد اخرج إلينا . فخرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وأقام بلال ، فصلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الظهر ، ثم أتوه ؛ ~~فقال الأقرع بن حابس : يا محمد ، ايذن لي ، فوالله إن حمدي لزين ، وإن ذمي ~~لشين . فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " كذبت ، ذاك الله ~~تبارك وتعالى " . حكاه ابن سعد . وحكى محمد بن إسحاق أنهم قالوا : يا محمد ~~، جئناك لنفاخرك ، فأذن لشاعرنا وخطيبنا . قال : " لقد أذنت لخطيبكم فليقل ~~" ، فقام عطارد بن حاجب ، فقال الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن ؛ وهو ~~أهله الذي جعلنا ملوكا ، ووهب لنا أموالا عظاما ، نفعل فيها المعروف ، ~~وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا ، وأيسره عدة ، فمن مثلنا في الناس ؟ ~~ألسنا برؤوس الناس وأولى فضلهم ؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا ، وإنا لو ~~نشاء لأكثرنا الكلام ، ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا ، وأنا نعرف بذلك ~~. أقول هذا لأن تأتونا بمثل قولنا ، وأمر أفضل من أمرنا . ثم جلس . فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لثابت بن قيس بن الشماس أخي بن الحارث ~~ابن الخزرج : " قم فأجب الرجل في خطبته " . فقام ثابت فقال : الحمد لله ~~الذي السماوات والأرض خلقه ، قضى فيهن أمره ، ووسع كرسيه علمه ، ولم يك شيء ~~قط إلا من فضله ، وكان من قدرته أن جعلنا ملوكا ، واصطفى من خير خلقه رسولا ~~، أكرمه نسبا ، وأصدقه حديثا ، وأفضله حسبا ، فأنزل عليه كتابه ، وائتمنه ~~على خلقه فكان خيرة الله من العالمين ، ثم دعا الناس إلى الإيمان به ، فآمن ~~PageV18P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المهاجرون ~~من قومه وذوي رحمه ؛ أكرم الناس أحسابا ، وأحسن الناس وجوها ، وخير الناس ~~فعالا . ثم كان أول الخلق إجابة ، واستجاب لله حين دعاه رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) نحن ؛ فنحن أنصار الله ، ووزراء رسول الله ( صلى ms3746 الله ~~عليه وسلم ) نفقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله ، فمن آمن بالله ورسوله منع ~~ماله ودمه ، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا ، وكان قتله علينا يسيرا . أقول ~~هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات . والسلام عليكم . فقام الزبرقان ~~بن بدر ، فقال : نحن الكرام فلا حي يعادلنا . . . منا الملوك وفينا تنصب ~~البيع ويروى : وفينا يقسم الربع ، بدل تنصب البيع . وكم قسرنا من الأحياء ~~كلهم . . . عند النهاب وفضل العز يتبع ونحن يطعم عند القحط مطعمنا . . . من ~~الشواء إذا لم يؤنس القزع بما ترى الناس تأتينا سراتهم . . . من كل أرض ~~هويا ثم نصطنع ويروى : من كل أرض هوانا ثم نتبع فننحر الكوم عبطا في ~~أرومتنا . . . للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا فلا ترانا إلى حي نفاخرهم . . ~~. إلا استقادوا وكانوا الرأس يقتطع فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه . . . فيرجع ~~القوم والأخبار تستمع إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد . . . إنا كذلك عند الفخر ~~نرتفع قال محمد بن إسحاق : وكان حسان بن ثابت غائبا ، فبعث إليه رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال حسان : جاءني رسوله فأخبرني أنه إنما دعاني ~~لأجيب شاعر بني تميم ، فخرجت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأنا ~~أقول : منعنا رسول الله إذ حل وسطنا . . . على أنف راض من معد وراغم منعناه ~~لما حل بين بيوتنا . . . بأسيافنا من كل باغ وظالم PageV18P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" ببيت حريد عزه وثراؤه . . . بجابية الجولان ~~وسط الأعاجم هل المجد إلا السودد العود والندى . . . وجاه الملوك واحتمال ~~العظائم قال : فلما انتهيت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقام ~~شاعر القوم فقال ما قال ، عرضت في قوله وقلت على نحو ما قال . قال : ولما ~~فرغ الزبرقان من إنشاده ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لحسان بن ~~ثابت : " قم فأجب الرجل " فقام حسان فقال : إن الذوائب من فهر وإخوتهم . . ~~. قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بها كل من كانت سريرته . . . تقوى الإله ~~وكل الخير يصطنع ويروى : يرضى بها كل من كانت سريرته . . . تقوى الإله ~~وبالأمر الذي شرعوا قوم إذا حاربوا ضروا ms3747 عدوهم . . . أو حاولوا النفع في ~~أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة . . . إن الخلائق فاعلم شرها البدع ~~إن كان في الناس سباقون بعدهم . . . فكل سبق لأدنى سبقهم تبع لا يرقع الناس ~~ما أوهت أكفهم . . . عند الرقاع ولا يوهون ما رقعوا إن سابقوا الناس يوما ~~فاز سبقهم . . . أو وازنوا أهل مجد بالذرى متعوا أعفة ذكرت في الوحى عفتهم ~~. . . لا يطبعون ولا يرديهم طمع لا يبخلون على جار بفضلهم . . . ولا يمسهم ~~من مطمع طبع إذا نصبنا لحي لا ندب لهم . . . كما يدب إلى الوحشية الذرع ~~نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها . . . إذا الزعانف من أظفارها خشعوا لا ~~يفخرون إذا نالوا عدوهم . . . وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع PageV18P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" كأنهم في الوغى والموت مكتنع . . . أسد بحلية ~~في أرساغها فدع خذ منهم ما أتى عفوا إذا غضبوا . . . ولا يكن همك الأمر ~~الذي منعوا فإن في حربهم فاترك عداوتهم . . . شرا يخاض عليه السم والسلع ~~أكرم بقوم رسول الله شيعتهم . . . إذا تفاوتت الأهواء والشيع أهدى لهم ~~مدحتي قلب يؤازره . . . فيما أحب لسان حائك صنع فإنهم أفضل الأحياء كلهم . ~~. . إن جد بالناس جد القول أو شمعوا وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام رحمه ~~الله : حدثني بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم أن الزبرقان بن بدر لما قدم ~~على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في وفد بني تميم ، قام فقال : أتيناك ~~كيما يعلم الناس فضلنا . . . إذا اختلفوا عند احتضار المواسم بأنا فروع ~~الناس في كل موطن . . . وأن ليس في أرض الحجاز كدارم وأنا نذود المعلمين ~~إذا انتخوا . . . ونضرب رأس الأصيد المتفاقم وأن لنا المرباع في كل غارة . ~~. . نغير بنجد أو بأرض الأعاجم فقام حسان بن ثابت فأجابه ، فقال : هل المجد ~~إلا السودد العود والندى . . . وجاه الملوك واحتمال العظائم نصرنا وآوينا ~~النبي محمدا . . . على أنف راض من معد وراغم بحي حريد أصله وثراؤه . . . ~~بجابية الجولان وسط الأعاجم نصرناه لما حل وسط ديارنا . . . بأسيافنا من كل ~~باغ وظالم PageV18P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" جعلنا بيننا دونه وبناتنا . . . وطبنا ms3748 له نفسا ~~بفيء المغانم ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا . . . على دينه بالمرهفات ~~الصوارم ونحن ولدنا من قريش عظيمها . . . ولدنا نبي الخير من آل هاشم بني ~~دارم لا تفخروا إن فخركم . . . يعود وبالا عند ذكر المكارم هبلتم ، علينا ~~تفخرون وأنتم . . . لنا خول من بين ظئر وخادم فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم . ~~. . وأموالكم أن تقسموا في المقاسم فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا . . . ولا ~~تلبسوا زيا كزي الأعاجم وأفضل ما نلتم من المجد و العلا . . . ردافتنا عند ~~احتضار المواسم قالوا : فلما فرغ حسان من قوله ، قال الأقرع بن حابس : وأبي ~~، إن هذا الرجل لمؤتى له ، لخطيبه أخطب من خطيبنا ، ولشاعره أشعر من شاعرنا ~~، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا ، ولهم أحلم منا . ونزل في وفد بني تميم قوله ~~عز وجل : " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون . ولو أنهم ~~صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم " . قال محمد بن سعد : ~~وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في قيس بن عاصم : " هذا سيد أهل ~~الوبر " ورد عليهم الأسرى والسبي ، وأمر لهم بالجوائز كما كان يجيز الوفد ؛ ~~ثنتي عشرة أوقية ونشا ، وهي خمسمائة درهم . قال ابن إسحق : وكان عمرو بن ~~الأهتم قد خلفه القوم في ظهرهم ، وكان أصغرهم سنا ، فقال قيس بن عاصم ، ~~وكان يبغض عمرو بن الأهتم : يا رسول الله إنه قد كان رجلا منا في رحالنا ~~وهو غلام حدث ، وأزرى به ، فأعطاه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مثل ما ~~أعطى القوم ، فبلغ عمرو بن الأهتم ما قاله قيس فيه ؛ فقال : ظللت مفترش ~~الهلباء تشتمني . . . عند النبي فلم تصدق ولم تصب إن تنقصونا فإن الروم ~~أصلكم . . . والروم لا تملك البغضاء للعرب وإن سوددنا عود وسوددكم . . . ~~مؤخر عند أصل العجب والذنب PageV18P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" وروى أن الزبرقان فخر يومئذ فقال : يا رسول ~~الله ، أنا سيد تميم ، والمطاع فيهم ، والمجاب منهم ، آخذ لهم بحقوقهم ، ~~وأمنعهم من الظلم ، وهذا يعلم ذلك . وأشار إلى عمرو بن الأهتم . فقال عمرو ~~: إنه شديد العارضة ، مانع ms3749 لجانبه ، مطاع في أدانيه . فقال الزبرقان : ~~والله لقد كذب يا رسول الله ، وما منعه من أن يتكلم إلا الحسد . فقال عمرو ~~: أنا أحسدك ؟ فو الله إنك لئيم الخال ، حديث المال ، أحمق الولد ، مبغض في ~~العشيرة ، والله ما كذبت في الأولى ، ولقد صدقت في الثانية . فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن من البيان لسحرا " . ذكر وفد فزارة ~~واستسقاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لهم قال ابن سعد : لمارجع رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) من تبوك ، قدم عليه وفد بني فزارة ، بضعة عشر ~~رجلا ؛ فيهم خارجة بن حصن ، والحر ابن قيس بن حصن ، وهو أصغرهم ، على ركاب ~~عجاف ، فجاءوا مقرين بالإسلام . وسألهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~عن بلادهم ، فقالوا : يا رسول الله ، أسنتت بلادنا ، وهلكت مواشينا ، وأجدب ~~جنابنا ، وغرث عيالنا ، فادفع لنا ربك . فصعد رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) المنبر ودعا ، فقال : " اللهم اسبق بلادك وبهائمك ، وانشر رحمتك ، ~~فأحي بلدك الميت ، اللهم اسقنا غيثا مغيثا ، مريئا مريعا ، مطبقا واسعا ، ~~عاجلا غير آجل ، نافعا غير ضار . اللهم اسقنا سقيا رحمة ، لا سقيا عذاب ولا ~~هدم ولا غرق ولا محق . اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء " فمطرت ، ~~فما رأوا السماء ستا ، فصعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المنبر ، ~~فدعا ، فقال : اللهم حوالينا ولا علينا ، على الآكام والظراب ، وبطون ~~الأودية ، ومنابت الشجر " . قال : فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب ~~. وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : أصابت الناس سنة على ~~عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فبينا رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يخطب على المنبر يوم الجمعة ، قام PageV18P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" أعرابي فقال : يا رسول الله هلك المال ، وجاع ~~العيال ، فادع الله لنا أن يسقينا ، فرفع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يديه ، وما في السماء قزعة سحاب ، قال فثار سحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل ~~عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته ، قال : فمطرنا يومنا ذلك ، ومن ~~الغد ، ومن ms3750 بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى ، فقام ذلك الأعرابي - ~~أو رجل غيره - فقال : يا رسول الله ، تهدم البناء ، وغرق المال ، فادع الله ~~لنا ، فرفع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يديه ، فقال : " اللهم ~~حوالينا ولا علينا " قال : فما جعل يشير بيديه إلى ناحية من السماء إلا ~~تفرجت ، حتى صارت المدينة في مثل الجوبة ، حتى سال الوادي وادي قناة شهرا . ~~قال : فلم يأت أحد من جهة إلا حدث بالجود . ذكر وفد مرة قال : قدم وفد بني ~~مرة على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عند مرجعه من تبوك في سنة تسع ، ~~وهم ثلاثة عشر رجلا ، رأسهم الحارث بن عوف ؛ فقالوا : يا رسول الله ، إنا ~~قومك وعشيرتك ، ونحن قوم من لؤي بن غالب . فتبسم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، ثم قال : " أين تركت أهلك " ؟ قال : بسلاح وما والاها . قال : " ~~كيف تركت البلاد " ؟ قال : والله إنا لمسنتون ، فادع الله لنا . فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " اللهم اسقهم الغيث " وأمر بلالا أن يجيزهم ~~، فأجازهم بعشرة أواق ، عشرة أواق فضة ، وفضل الحارث بن عوف ، أعطاه ثنتي ~~عشرة أوقية . فرجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد مطرت في اليوم الذي دعا فيه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ذكر وفد محارب قال : قدم وفد محارب على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في سنة عشر ، في حجة الوداع ، وهم عشرة ~~نفر ، منهم سواء بن الحارث ، وابنه خزيمة بن سواء ، فأنزلوا دار رملة بنت ~~الحارث ، وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء ؛ فأسلم وقالوا : نحن على من وراءنا ~~، ولم يكن أحد في تلك المواسم أفظ ولا أغلظ على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من بني محارب . قال : ومسح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وجه ~~خزيمة بن سواء ، فصارت له غرة بيضاء ، وأجازهم كما يجيز الوفد ، وانصرفوا ~~إلى أهليهم . PageV18P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" ذكر وفد كلاب قال : قدم وفد كلاب على رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) في سنة تسع من الهجرة ، وهم ثلاثة عشر رجلا ، ~~فيهم ms3751 لبيد بن ربيعة ، وجبار بن سلمى ، فأنزلهم دار رملة بنت الحارث ، ~~فقالوا : يا رسول الله ، إن الضحاك بن سفيان سار فينا بكتاب الله وبسنتك ~~التي أمرته ، وأنه دعانا إلى الله فاستجبنا لله ولرسوله ، وأنه أخذ الصدقة ~~من أغنيائنا فردها على فقرائنا . ذكر وفد رؤاس بن كلاب روي عن أبي نفيع ~~طارق بن علقمة الرؤاسي أنه قال : قدم رجل منا يقال له عمرو بن مالك بن قيس ~~الرؤاسي على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأسلم ، ثم أتى قومه فدعاهم إلى ~~الإسلام ، فقالوا : حتى نصيب من بني عقيل بن كعب مثل ما أصابوا منا ، ~~فخرجوا يريدونهم ، وخرج معهم عمرو بن مالك فأصابوا فيهم ، ثم خرجوا يسوقون ~~النعم ، فأدركهم فارس من بني عقيل يقال له ربيعة بن المنتفق بن عامر ابن ~~عقيل ، وهو يقول : أقسمت لا أطعن إلا فارسا . . . إذا الكمأة لبسوا ~~القوانسا قال أبو نفيع : فقلت نجوتم يا معشر الرجالة سائر اليوم ، فأدرك ~~العقيلي رجلا من بني عبيد بن رؤاس : يقال له المحرش بن عبد الله بن عمرو بن ~~عبيد بن رؤاس ، فطعنه في عضده فأخبلها ، فاعتنق المحرش فرسه ، وقال : يا آل ~~رؤاس فقال ربيعة : رؤاس خيل أو أناس ؟ فعطف على ربيعة عمرو بن مالك فطعنه ~~فقتله . قال : ثم خرجنا نسوق النعم ، وأقبل بنو عقيل في طلبنا حتى انتهينا ~~إلى تربة ، فقطع ما بيننا وبينهم وادي تربة ، فجعل بنو عقيل ينظرون إلينا ~~فلا يصلون إلى شيء فمضينا . قال عمرو بن مالك : فأسقط في يدي ، وقلت : قتلت ~~رجلا ، وقد أسلمت وبايعت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فشددت يدي في غل إلى ~~عنقي ، ثم خرجت أريد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقد بلغه ذلك ، فقال : ~~" لئن أتاني لأضربن ما فوق الغل من يده " قال : فأطلقت يدي ، ثم أتيته ~~PageV18P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" فسلمت عليه فأعرض عني فأتيته عن يمينه فأعرض ~~عني ، فأتيته عن يساره فأعرض عني ، فأتيته من قبل وجهه ، فقلت : يا رسول ~~الله ، إن الرب ليترضى فيرضى ، فارض عني رضي اله عنك . قال : " قد ms3752 رضيت عنك ~~" . ذكر وفد عقيل بن كعب قال محمد بن السائب : حدثنا رجل من بني عقيل بن ~~كعب ، عن أشياخ قومه ، قالوا : وفد منا من بني عقيل بن كعب على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ربيع ابن معاوية بن خفاجة بن عمرو بن عقيل ، ومطرف بن ~~عبد الله ، وأنس بن قيس ابن المنتفق ، فبايعوا وأسلموا ، وبايعوه على من ~~وراءهم من قومهم ، فأعطاهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) العقيق عقيق ~~بني عقيل ، وهي أرض فيها عيون ونخل وكتب لهم بذلك كتابا في أديم أحمر : " ~~بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أعطى محمد رسول الله ربيعا ومطرفا وأنسا ؛ ~~أعطاهم العقيق ما أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وسمعوا وأطاعوا " . ولم ~~يعطهم حقا لمسلم ، وكان الكتاب في يد مطرف . ووفد عليه أيضا لقيط بن عامر ~~بن المنتفق بن عامر بن عقيل ، فأعطاه ماء يقال له النظيم وبايعه على قومه . ~~قال : وقدم عليه أبو حرب بن خويلد بن عامر بن عقيل ، فقرأ رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) عليه القرآن ، وعرض عليه الإسلام ، فقال : أما وايم الله ~~لقد لقيت الله أو لقيت من لقيه ، فإنك لتقول قولا لا نحسن مثله ، ولكن سوف ~~أضرب بقداحي هذه على ما تدعوني إليه ، وعلى ديني الذي أنا عليه ، وضرب ~~بالقداح ، فخرج على سهم الكفر ، ثم أعاد فخرج عليه ثلاث مرات . فقال لرسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أبى هذا إلا ما ترى ، ثم رجع إلى أخيه عقال ~~بن خويلد ، فقال له : قل خيسك . أي قل خيرك . فقال : هل لك في محمد ابن عبد ~~الله ؟ يدعو إلى دين الإسلام ، ويقرأ القرآن ، وقد أعطاني العقيق إن أنا ~~أسلمت ، فقال له عقال : أنا والله أخطك أكثر مما يخطك محمد ، ثم ركب فرسه ~~وجر رمحه على أسفل العقيق ، فأخذ أسفله وما فيه من عين ، ثم إن عقالا قدم ~~على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فعرض عليه الإسلام ، وجعل يقول له ~~: " أتشهد أن محمدا رسول الله " أتشهد أن محمدا رسول الله " ؟ فيقول ms3753 : أشهد ~~أن هبيرة بن النفاضة نعم الفارس يوم قرنى لبان . ثم قال : " أتشهد أن محمدا ~~رسول الله " ؟ قال : " أشهد أن الصريح تحت الرغوة " ثم قال له الثالثة : " ~~أتشهد " ؟ قال : فشهد وأسلم . PageV18P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" قال : ثم قدم على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) الحصين بن المعلى بن ربيعة ابن عقيل ، وذو الجوشن الضبابي فأسلما . ~~ذكر وفد جعدة قال محمد بن سعد : وفد على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~الرقاد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة بن كعب ، فأعطاه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بالفلج ضيعة ، وكتب له كتابا وهو عندهم . ذكر وفد قشير بن كعب قال : وفد ~~على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نفر من بني قشير ، قبل حجة الوداع ~~وبعد حنين ، فيهم ثور بن عزرة بن عبد الله بن سلمة بن قشير فأسلم ، فأقطعه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قطيعة ، وكتب له بها كتابا . وفيهم حيدة ~~بن معاوية ابن قشير ، وفيهم قرة بن هبيرة بن سلمة الخير بن قشير فأسلم ، ~~فأعطاه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكساه بردا ، وأمره أن يتصدق ~~على قومه ؛ أي يلي الصدقة . ذكر وفد بني البكاء قال : وفد ثلاثة نفر من بني ~~البكاء على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في سنة تسع ، فيهم معاوية بن ~~ثور بن عبادة بن البكاء . وهو يومئذ ابن مائة سنة ، ومعه ابن له يقال له ~~بشر ، والفجيع بن عبد الله ، ومعهم عبد عمرو البكائي وهو الأصم ، فسماه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عبد الرحمن ، وكتب له بمائة الذي أسلم ~~عليه " ذي القصة " . وكان عبد الرحمن من أصحاب الصفة ، فأنزلهم رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بمنزل وضيافة ، وأجازهم ورجعوا إلى قومهم . وقال ~~معاوية للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : إني أتبرك بمسك وقد كبرت ، وابني ~~هذا بر بي فامسح وجهه ، فمسح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وجه بشر بن ~~معاوية ، وأعطاه أعنزا عفرا ، وبرك PageV18P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" عليهن ، وكانت السنة تصيب بني البكاء ولا ms3754 ~~تصيبهم ، وفي ذلك يقول محمد بن بشر بن معاوية : وأبى الذي مسح الرسول برأسه ~~. . . ودعا له بالخير والبركات أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا . . . عفرا نواجل ~~لسن باللجبات يملأن رفد الحي كل عشية . . . ويعود ذاك الملء بالغدوات بوركن ~~من منح وبورك مانحا . . . وعليه مني ما حييت صلاتي ذكر وفد كنانة وبني عبد ~~بن عدي قالوا : وفد واثلة بن الأسقع الليثي على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بالمدينة ، ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يتجهز إلى تبوك ، ~~فصلى معه الصبح ، فقال : " من أنت ؟ وما جاء بك ؟ وما حاجتك " ؟ فأخبره عن ~~نسبه ، وقال : أتيتك لأومن بالله ورسوله ؛ فقال رسول الله : " فبايع على ما ~~أحببت وكرهت " . فبايعه ورجع إلى أهله فأخبرهم ؛ فقال أبوه : والله لا ~~أكلمك كلمة أبدا ، وسمعت أخته كلامه فأسلمت وجهزته ، فخرج راجعا إلى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فوجده قد سار إلى تبوك . فقال : من يحملني ~~عقبة وله سهمي ؟ فحمله كعب بن عجرة حتى لحق برسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وشهد معه تبوك . وبعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مع خالد ~~بن الوليد إلى أكيدر ، فجاء بسهمه إلى كعب بن عجرة ، فأبى أن يقبله وسوغه ~~إياه ، وقال : إنما حملتك لله تعالى . قال : وقدم على رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وفد بني عبد بن عدي ، وفيهم الحارث بن أهبان ، وعويمر بن ~~الأحزم ، وحبيب وربيعة ابنا ملة ، ومعهم رهط من قومهم ؛ فقالوا : يا محمد ، ~~نحن أهل الحرم وساكنوه ، وأعز من به ، ونحن لا نريد قتالك ، ولو قاتلت غير ~~قريش قاتلنا معك ، ولكنا لا نقاتل قريشا . وإنا لنحبك ومن أنت منه ، فإن ~~أصبت منا أحدا خطأ فعليك ديته ، وإن أصبنا أحدا من أصحابك فعلينا ديته . ~~فقال : " نعم " فأسلموا . PageV18P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" ذكر وفد باهلة قال : وقدم على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) مطرف بن الكاهن الباهلي بعد الفتح وافدا لقومه ، فأسلم ~~وأخذ لقومه أمانا ، وكتب له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كتابا فيه ~~فرائض الصدقات . ثم قدم ms3755 نهشل بن مالك الوائلي من باهلة على رسول الله - ( ~~صلى الله عليه وسلم ) - وافدا لقومه ، فأسلم وكتب له رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، ولمن أسلم من قومه كتابا فيه شرائع الإسلام . كتبه عثمان بن ~~عفان . ذكر وفد هلال بن عامر قالوا : قدم على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) نفر من بني هلال ، فيهم عبد عوف بن أصرم بن عمرو بن شعيثة فأسلم ؛ ~~فسماه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عبد الله . وفيهم قبيصة بن المخارق ~~، فقال : يا رسول الله ، إني حملت عن قومي حمالة فأعني فيها ؛ قال : " هي ~~لك في الصدقات إذا جاءت " . قالوا : ووفد زياد بن عبد الله بن مالك ، فلما ~~دخل المدينة ، توجه إلى منزل ميمونة بنت الحارث زوج النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وكانت خالة زياد - أمه عزة بنت الحارث ، وهو يومئذ شاب - فدخل ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو عندها ، فلما رآه غضب ورجع ، فقالت : يا ~~رسول الله ، هذا ابن أختي ، فدخل إليها ثم خرج حتى أتى المسجد ومعه زياد ، ~~فصلى الظهر ، ثم أدنى زيادا فدعا له ، ووضع يده على رأسه ، ثم حدرها على ~~طرف أنفه . فكانت بنو هلال تقول : ما زلنا نتعرف البركة في وجه زياد . قال ~~الشاعر لعلي بن زياد : يابن الذي مسح النبي برأسه . . . ودعا له بالخير عند ~~المسجد أعني زيادا لا أريد سواءه . . . من غائر أو متهم أو منجد ما زال ذاك ~~النور في عرنينه . . . حتى تبوأ بيته في الملحد PageV18P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" ذكر وفد عامر بن صعصعة وخبر عامر بن الطفيل ~~وأربد بن قيس قال محمد بن سعد : قدم عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن ~~كلاب ، وأربد بن ربيعة بن مالك بن جعفر . - قال ابن إسحق : وأبد بن قيس ابن ~~جزء بن خالد بن جعفر ، وجبار بن سلمى بن مالك بن جعفر - على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) - . - قال ابن سعد - فقال عامر بن الطفيل : يا محمد ، ~~مالي إن أسلمت ؟ قال : " لك ما للمسلمين ، وعليك ما ms3756 عليهم " . قال : أتجعل ~~لي الأمر من بعدك ؟ قال : " ليس ذلك لك ولا لقومك " قال : أفتجعل لي الوبر ~~ولك المدر ؟ قال : " لا " ، ولكني أجعل لك أعنة الخيل ، فإنك امرؤ فارس " . ~~قال : أو ليست لي ؟ لأملأنها عليك خيلا ورجلا . ثم وليا ؛ فقال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " اللهم اكفنيهما ، اللهم واهد بني عامر وأغن ~~الإسلام عن عامر " - يعني ابن الطفيل . وقال ابن إسحق : قدم عامر بن الطفيل ~~على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهو يريد الغدر به ، وقد قال له ~~قومه : يا عامر ، إن الناس قد أسلموا فأسلم ، فقال : والله لقد كنت آليت ~~ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي ، وأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ثم قال ~~لأربد بن قيس : إذا قدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه ، فإذا فعلت ذلك ~~فاعله بالسيف . فلما قدموا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال عامر ~~بن الطفيل . يا محمد ، خالني . قال : " لا والله حتى تؤمن بالله وحده " ، ~~فجعل يكرر هذا القول ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يعيد عليه مقالته ، ~~وهو في ذلك ينتظر من أربد ما أمره به ، فلم يصنع أربد شيئا ، وكان آخر ما ~~قال لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أما والله لأملأنها عليك خيلا ~~ورجلا ، فلما ولى قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " اللهم اكفني ~~عامر ابن الطفيل " فلما خرجوا من عنده قال عامر لأربد : ويلك أين ما كنت ~~أمرتك به ؟ والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي على نفسي منك ، ~~وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا . قال له أربد : لا أبا لك لا تعجل علي ~~، والله ما هممت بالذي أمرتني به من أمره إلا دخلت بيني وبين الرجل ، حتى ~~لا أرى غيرك أفأضربك بالسيف قال : وخرجوا راجعين إلى بلادهم ، حتى إذا ~~كانوا ببعض الطريق ، بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في PageV18P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" عنقه ، فمال إلى بيت امرأة من بني سلول ، فجعل ~~يقول : يا بني عامر ، غدة كغدة ms3757 البكر ، وموت في بيت سلولية قال : ومات ~~فواراه أصحابه ، وخرجوا حتى قدموا أرض بني عامر ، فأتاهم قومهم فقالوا : ما ~~وراءك يا أربد ؟ فقال : لا شيء ، والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه ~~عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله ، فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه ~~جمل له يبيعه ، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما . وقال أبو إسحق ~~أحمد بن محمد الثعلبي في هذه القصة ، بسند يرفعه إلى عبد الله ابن عباس رضي ~~الله عنهما ، قال : أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة يريدان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وهو بالمسجد جالس في نفر من أصحابه ، فدخلا المسجد ~~فاستشرف الناس لجمال عامر ، وكان أعور ، وكان من أجمل الناس ، فقال رجل من ~~أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : يا رسول الله ، هذا عامر ابن ~~الطفيل قد أقبل نحوك ، فقال : " دعه فإن يرد الله به خيرا يهده " فأقبل حتى ~~قام عليه . فقال : يا محمد ، ما لي إن أسلمت ؟ فقال : " لك ما للمسلمين ، ~~وعليك ما على المسلمين " . قال : تجعل لي الأمر بعدك ؟ قال : " ليس ذلك إلي ~~، إنما ذلك إلى الله عز وجل ، يجعله حيث يشاء " . قال تجعلني على الوتر ~~وأنت على المدر ؟ . قال : " لا " . قال : فماذا تجعل لي ؟ قال : " أجعل لك ~~أعنة الخيل تغزو عليها " . قال : أو ليس ذلك لي اليوم ؟ قم معي أكلمك . ~~فقام معه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة ~~إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف ؛ فجعل يخاصم رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ويراجعه ، فدار أربد خلف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فاخترط من سيفه شبرا ، ثم حبسه الله عز وجل عنه فلم يقدر على سله ، وجعل ~~عامر يوميء إليه ، فالتفت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فرأى أربد ~~وما يصنع بسيفه ، فقال : " اللهم اكفنيهما بما شئت " . فأرسل الله عز وجل ~~على أربد صاعقة في يوم صائف فأحرقته ، وولى عامر هاربا ، وقال : يا محمد ، ~~دعوت ربك فقتل أربد ، والله ms3758 لأملأنها عليك خيلا جردا ، وفتيانا مردا ؛ فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يمنعك الله ذلك وأبناء قيلة " يعني ~~الأوس والخزرج . فنزل عامر بيت امرأة سلولية وأنشأ يقول : تخير أبيت اللعن ~~إن شئت ودنا . . . وإن شئت حربا ذات بأس ومصدق PageV18P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" وإن شئت فتيانا بكفي أمرهم . . . يكبون كبش ~~العارض المتألق فلما أصبح ضم عليه سلاحه ، وقد تغير لونه ، وهو يقول : ~~لعمري وما عمري علي بهين . . . لقد شان حر الوجه طعنة مسهر وقد علم المزنوق ~~أني أكره . . . على جمعهم كر المنيح المشهر إذا ازورمن وقع السنان زجرته . ~~. . وأخبرته أني امرؤ غير مقصر وأخبرته أن الفرار خزاية . . . على المرء ما ~~لم يبد عذرا فيعذر لقد علمت عليا هوازن أنني . . . أنا الفارس الحامي حقيقة ~~جعفر فجعل يركض في الصحراء ويقول : ابرز يا ملك الموت ثم أنشأ يقول : ألا ~~قرب المزنوق إذ جد ما أرى . . . لتعريض يوم شره غير حامد ألا قرباه إن غاية ~~جرينا . . . إذا قرب المزنوق بين الصفائد بنو عامر قومي إذا ما دعوتهم . . ~~. أجابوا ولبى منهم كل ماجد ويقول : واللات لئن أصحر إلي وصاحبه - يعني ملك ~~الموت - لأنفذتهما برمحي . قال : فلما رأى الله عز وجل ذلك منه ، أرسل ملكا ~~فلطمه بجناحه ، فأرداه في التراب ، وخرجت على ركبته غدة عظيمة في الوقت ، ~~فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول : غدة كغدة البعير ، وموت في بيت سلولية . ~~ثم دعا بفرسه فركبه ، ثم أجراه حتى مات على ظهره . قال : فرثى لبيد بن ~~ربيعة أخاه أربد بجملة من المراثي ؛ فمنها هذه الأبيات : قض اللبانة لا أبا ~~لك واذهب . . . والحق بأسرتك الكرام الغيب PageV18P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" ذهب الذين يعاش في أكنافهم . . . وبقيت في خلف ~~كجلد الأجرب يتلذذون ملاذة ومجانة . . . ويعاب قائلهم وإن لم يشعب فتعد عن ~~هذا وقل في غيره . . . واذكر شمائل من أخ لك معجب إن الرزية لا رزية مثلها ~~. . . فقدان كل أخ كضوء الكوكب من معشر سنت لهم أباؤهم . . . والعز لا يأتي ~~بغير تطلب يا أربد الخير الكريم جدوده . . . أفردتني أمشي بقرن أعضب ms3759 وقال ~~أيضا فيه : ما إن تعدي المنون من أحد . . . لا والد مشفق ولا ولد أخشى على ~~أربد الحتوف ولا . . . أرهب نوء السماك والأسد يا عين هلا بكيت أربد إذ . . ~~. قمنا وقام الخصوم في كبد فجعني الرعد والصواعق بالفا . . . رس يوم ~~الكريهة النجد قال : وأنزل الله عز وجل في هذه القصة : " سواء منكم من أسر ~~القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار . له معقبات من بين ~~يديه ومن خلفه " يعني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " يحفظونه " يعني ~~تلك المعقبات " من أمر الله " . ثم قال تعالى مشيرا لهذين : " إن الله لا ~~يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ~~وما لهم من دونه من وال " . أي ملجإ يلجئون إليه . وقد قيل : " وال " يلي ~~أمرهم ، ويمنع العذاب عنهم . ثم قال تعالى : " هو الذي يريكم البرق خوفا ~~وطمعا " . قال : " خوفا " للمسافر يخاف أذاه ومشقته . " وطمعا " للمقيم ~~يرجو بركته ومنفعته . " وينشيء السحاب الثقال . ويسبح الرعد بحمده ~~والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله ~~وهو شديد المحال " قال الحسن : شديد الحقد . PageV18P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : شديد ~~الأخذ . وقد روى الثعلبي أيضا ، عن إسحق الحنظلي ، عن ريحان بن سعيد الشامي ~~، عن عباد بن منصور ، قال سألت الحسن عن قوله عز وجل : " ويرسل الصواعق ~~فيصيب بها من يشاء " الآية . قال : كان رجل من طواغيت العرب ، فبعث إليه ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) نفرا ليدعوه إلى الله عز وجل ورسوله أن يؤمن ~~، فقال لهم : أخبروني عن رب محمد هذا الذي تدعوني إليه ما هو ؟ ومم هو ؟ من ~~ذهب أم فضة أم حديد أم نحاس ؟ فاستعظم القوم مقالته ، وانصرفوا إلى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقالوا : يا رسول الله ، ما رأينا رجلا أكفر ~~قلبا ، ولا أعتى على الله منه فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~ارجعوا إليه " فرجعوا إليه فجعل لا يزيدهم على مثل ms3760 مقالته الأولى وأخبث ، ~~فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ارجعوا إليه " فرجعوا ، فبيناهم ~~عنده ينازعونه ويدعونه ويعظمون عليه ، وهو يقول هذه المقالة ؛ إذ ارتفعت ~~سحابة فكانت فوق رءوسهم ، فرعدت وبرقت فرمت بصاعقة فاحترق الكافر وهم جلوس ~~، فجاءوا يسعون ليخبروا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فاستقبلهم قوم من ~~أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقالوا لهم : احترق صاحبكم . ~~قالوا لهم : من أين علمتم ؟ قالوا : أوحي إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~الساعة : " ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء " الآية . والله أعلم في أيهما ~~نزلت . ولنرجع إلى تتمة خبر وفد عامر بن صعصعة . قال محمد بن سعد في طبقاته ~~: وكان في الوفد عبد الله بن الشخير ، فقال : يا رسول الله ، أنت سيدنا ، ~~وذو الطول علينا . قال : " السيد الله ، لا يستهوينكم الشيطان " . قالوا : ~~وقدم على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) علقمة بن علاثة بن عوف ، وهوذة ~~بن خالد بن ربيعة وابنه ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه جالسا إلى جنب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " أوسع لعلقمة " فأوسع له ، فجلس إلى جنبه ، فقص عليه رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) شرائع الإسلام ، وقرأ عليه قرآنا ، فقال : يا محمد ، ~~إن ربك لكريم ، وقد آمنت بك ، وبايعت على عكرمة بن خصفة أخى قيس ، وأسلم ~~هوذة وابنه وابن أخيه . وروى ابن سعد عن عوف بن أبي حجيفة السوائي عن أبيه ~~قال : قدم وفد بني عامر وكنت معهم إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فوجدناه بالأبطح في قبة حمراء ، فسلمنا عليه ، فقال : " من أنتم " ؟ قلنا : ~~بنو عامر بن صعصعة . قال : " مرحبا بكم أنتم مني وأنا منكم " . ~~PageV18P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" ذكر وفد ثقيف وإسلامها وهدم اللات كان قدوم ~~وفد ثقيف على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإسلامها في شهر رمضان ~~سنة سبع من مهاجره . قال أبو عبد الله محمد بن إسحاق ، وأبو محمد عبد الملك ~~بم هشام ، وأبو عبد الله محمد بن سعد رحمهم ms3761 الله ، دخل حديث بعضهم في حديث ~~بعض : لما حاصر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الطائف لم يحضر عروة بن ~~مسعود ، ولا غيلان بن سلمة الحصار ، بل كانا بجرش يتعلمان صنعة العرادات ~~والمنجنيق والدبابات ، فقدما وقد انصرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~عن الطائف ، فنصبا المنجنيق والعردات والدبابات واعتدا للقتال ، ثم ألقى ~~الله في قلب عروة الإسلام ، فخرج إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يتبع أثره ، حتى أدركه قبل أن يصل المدينة فأسلم ، وسأله أن يرجع إلى قومه ~~بالإسلام ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إنهم قاتلوك " ~~فقال عروة : يا رسول الله ، أنا أحب إليهم من أبكارهم . قال : فكرر علي ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك ثلاثا ، فقال : " إن شئت فاخرج " ~~فخرج ، وكان فيهم كذلك محببا مطاعا ، فسار إلى الطائف ، فسار خمسا فقدم ~~عشاء ، فدخل منزله ، فجاء قومه يحيونه بتحية الشرك ، فقال : عليكم بتحية ~~أهل الجنة " السلام " . ودعاهم إلى الإسلام فخرجوا من عنده يأتمرون به ، ~~فلما طلع الفجر أوفى على غرفة له فأذن بالصلاة ، فخرجت ثقيف من كل ناحية ، ~~فرماه رجل يقال له أوس بن عوف أخو بني سالم بن مالك - وقيل : بل هو وهب بن ~~جابر رجل من الأحلاف - بسهم فأصاب أكحله فلم يرقأ دمه ، فقام أشراف قومه ؛ ~~وهم : غيلان بن سلمة ، وكنانة بن عبد ياليل ، والحكم بن عمرو ابن وهب ، ~~ووجوه الأحلاف ، فلبسوا السلاح وحشدوا ، فلما رأى عروة ذلك قال : قد تصدقت ~~بدمي على صاحبه ؛ لأصلح بذلك بينكم ، وهي كرامة أكرمني الله بها ، وشهادة ~~ساقها الله إلي . وقال : ادفنوني مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، ومات فدفنوه معهم ، وبلغ رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) خبره فقال فيه : " إن مثله في قومه لكمثل صاحب " يس " دعا قومه إلى ~~الله فقتلوه " . PageV18P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" قالوا : ولحق أبو المليح بن عروة ، وقارب بن ~~الأسود بن مسعود برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأسلما ، فقال لهم رسول ~~الله ( صلى الله عليه ms3762 وسلم ) : " توليا من شئتما " فقالا : نتولى الله ~~ورسوله ؛ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " وخالكما أبا سفيان بن ~~حرب " فقالا : وخالنا أبا سفيان . قال ابن إسحق : ثم أقامت ثقيف بعدما قتل ~~عروة أشهرا ، ثم أئتمروا بينهم ، ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من ~~العرب ، وقد بايعوا وأسلموا . وكان مالك بن عوف قد أسلم كما قدمنا في غزوة ~~حنين ، وجعل يغير على سرحهم . قال : وكان عمرو بن أمية أخا بني علاج مهاجرا ~~لعبد يا ليل بن عمرو ، وكان من أدهى العرب ، فمشى إلى عبد يا ليل بن عمرو ~~حتى دخل داره ، ثم أرسل إليه أن اخرج إلي ، فاستعظم عبد يا ليل مشيه إليه ، ~~وقال للرسول الذي جاءه : ويلك أعمرو أرسلك إلي ؟ قال : نعم ، وها هو ذا ~~واقفا في دارك ، فقال : إن هذا لشيء ما كنت أظنه ، لعمرو كان أمنع في نفسه ~~من ذلك ، وخرج إليه ، فلما رآه رحب به ، فقال عمرو له : إنه قد نزل بنا أمر ~~ليست معه هجرة ، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت ، وقد أسلمت العرب ~~كلها ، وليست لكم بحربهم طاقة ، فانظروا في أمركم . فعند ذلك ائتمرت ثقيف ~~بينها ، وقال بعضهم لبعض : ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب ، ولا يخرج منكم ~~أحد إلا اقتطع . فأجمعوا رأيهم أن يرسلوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) رجلا منهم ، كما أرسلوا عروة بن مسعود ، فعرضوا ذلك على عبد يا ليل ~~بن عمرو بن عمير ، فأبى أن يفعل ، وخشي أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة ، ~~فقال : لست فاعلا حتى يرسلوا معي رجالا ، فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من ~~الأحلاف ، وثلاثة من بني مالك ، فبعثوا معه الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب ، ~~وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب ، ومن بني مالك عثمان بن أبي العاص بن ~~بشر أخا بني يسار ، وأوس بن عوف أخا بني سالم ، ونمير بن خرشة بن ربيعة أخا ~~بني الحارث ، فخرج بهم عبد يا ليل وهو ms3763 ناب القوم وصاحب أمرهم . وقال ابن ~~سعد : كانوا بضعة عشر رجلا ، وهو أثبت . وقال ابن إسحق : فلما دنوا من ~~المدينة ونزلوا قناة ، ألفوا بها المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكانت رعيتها نوبا على أصحابه ، فلما ~~رآهم ترك الركاب عند الثقفيين ، وخرج يشتد ليبشر رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بقدومهم عليه ، PageV18P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" فلقيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه قبل أن ~~يدخل على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأخبره عن ركب ثقيف أن قد ~~قدموا يريدون البيعة والإسلام ، فقال أبو بكر للمغيرة : أقسمت عليك بالله ~~لا تسبقني إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، حتى أكون أنا أحدثه ؛ ~~ففعل المغيرة . فدخل أبو بكر على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فأخبره بقدومهم عليه ، ثم خرج المغيرة إليهم فعلمهم كيف يحيون رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية . قال : ولما قدموا ~~على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده - ~~كما يزعمون - وكان خالد بن سعيد بن العاص يمشي بينهم وبين رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، حتى كتبوا كتابهم ، وكتبه خالد بيده ، وهو : " بسم الله ~~الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله ، إلى المؤمنين : إن عضاه وج وصيده ~~حرام لا يعضد ، ومن وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه ، فإن تعدى ~~ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي - محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) - وأن هذا ~~أمر النبي محمد رسول الله . وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد ~~الله فلا يتعده أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) " . قال ابن إسحق : وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) حتى يأكل منه خالد ، حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم . ~~قال : وقد كان فيما سألوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يدع لهم ~~الطاغية وهي اللات ؛ لا يهدمها ms3764 ثلاث سنين ، فأبى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ذلك عليهم ، فما برحوا يسألونه حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم ، ~~فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى . وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون بأن يسلموا ~~بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ، ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى ~~يدخلهم الإسلام . فأبى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلا أن يبعث أبا ~~سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فهدماها . وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية ~~أن يعفيهم من الصلاة ، وألا يكسروا أوثانهم بأيديهم ؛ فقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " أما كسر أوثانهم بأيديهم فسنعفيكم منه ، وأما الصلاة ~~فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه " . فقالوا : يا محمد ، فسنؤتيكما وإن كانت ~~دناءة . فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كتابهم ، ~~أمر عليهم عثمان بن أبي العاص ، وكان من أحدثهم سنا ، وكان أحرصهم على ~~التفقه في الإسلام وتعلم القرآن ، فقال أبو بكر الصديق ذلك لرسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . PageV18P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" روى عن عثمان بن أبي العاص قال : كان من آخر ~~ما عهد إلي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين بعثني على ثقيف أن قال : ~~" يا عثمان ؛ تجاوز في الصلاة واقدر الناس بأضعفهم فإن فيهم الكبير والصغير ~~والضعيف وذا الحاجة " . قال ابن إسحق : ولما توجهوا إلى بلادهم بعث رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في ~~هدم الطاغية ، فخرجا مع القوم ، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم ~~أبا سفيان فأبى ذلك عليه ، وقال ادخل أنت على قومك . وأقام أبو سفيان بماله ~~بذي الهدم ، فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمعول ، وقام قومه ~~بنو معتب دونه خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود ، وخرج نساء ~~ثقيف حسرا يبكين ويقلن : لتبكين دفاع . . . أسلمها الرضاع لم يحسنوا المصاع ~~قال : ويقول أبو سفيان بن حرب ، والمغيرة يضربها بالفأس : واها لك أهلا لك ~~فلما هدمها المغيرة بن شعبة وأخذ مالها وحليها ms3765 ، أرسل إلى أبي سفيان ، ~~وحليها مجموع ، ومالها من الذهب والجزع . وقد كان أبو مليح بن عروة سأل ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يقضي عن أبيه عروة بن مسعود دينا كان ~~عليه من مال الطاغية ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " نعم " ~~فقال له قارب بن الأسود : وعن الأسود يا رسول الله فاقضه ، - وعروة والأسود ~~أخوان لأب وأم - فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " الأسود مات ~~مشركا " ، فقال قارب : يا رسول الله ، لكن يصل مسلما ذا قرابة - يعني نفسه ~~- إنما الدين علي وأنا الذي أطلب به . فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) أبا سفيان أن يقضي دين عروة والأسود من مال الطاغية ؛ فلما جمع المغيرة ~~مالها قال لأبي سفيان : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد أمرك أن ~~تقضي عن عروة والأسود دينهما . فقضى عنهما . PageV18P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" قال المغيرة : فدخل ثقيف في الإسلام ، فلا ~~أعلم قوما من العرب بني أب ولا قبيلة كانوا أصح إسلاما ، ولا أبعد أن يوجد ~~فيهم غش لله ولكتابه منهم . ذكر وفد عبد القيس قال محمد بن سعد : كتب رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى أهل البحرين أن يقدم عليه منهم عشرون رجلا ~~، فقدموا ؛ رأسهم عبد الله بن عوف الأشج ، وفيهم الجارود بن عمرو بن حنش ، ~~ومنقذ بن حبان وهو ابن أخت الأشج ، وكان قدومهم عام الفتح ، فقيل : يا رسول ~~الله هؤلاء وفد عبد القيس ، فقال : " مرحبا بهم نعم القوم عبد القيس " . ~~قال : ونظر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى الأفق صبيحة ليلة قدموا ، ~~فقال : " ليأتين ركب من المشرق لم يكرهوا على الإسلام ، قد أنضوا الركاب ، ~~وأفنوا الزاد بصاحبهم علامة ، اللهم اغفر لعبد القيس ، أتوني لا يسألون ~~مالا هم خير أهل المشرق " . قال : فجاءوا في ثيابهم ، ورسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في المسجد ، فسلموا عليه ، فقال : " أيكم عبد الله الأشج ~~" ؟ فقال : أنا يا رسول الله . وكان رجلا دميما ، فنظر إليه رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فقال ms3766 : " إنه لا يستقى في مسوك الرجال ، إنما يحتاج ~~من الرجل إلى أصغريه لسانه وقلبه " . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) : " فيك خصلتان يحبهما الله تعالى " فقال عبد الله : وما هما ؟ قال : " ~~الحلم والأناة " . قال : أشيء حدث أم جبلت عليه ؟ . قال : " بل جبلت عليه " ~~. قال : وكان الجارود نصرانيا ، فعرض عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) الإسلام ورغبه فيه . قال ابن إسحق : فقال يا محمد ، إني قد كنت على دين ، ~~وإني تارك ديني لدينك : أفتضمن لي ديني ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " نعم ، أنا ضامن لك أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه " . فأسلم ~~وأسلم أصحابه . قال ابن سعد : وأنزل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وفد ~~عبد القيس في دار رملة بنت الحارث ، وأجرى عليهم ضيافة ، وأقاموا عشرة أيام ~~، وكان عبد الله الأشج يسائل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن الفقه ~~والقرآن ، وأمر لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بجوائز ، وفضل عليهم ~~عبد الله الأشج ؛ فأعطاه اثنتي عشرة أوقية ونسا ، ومسح ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وجه منقذ بن حبان . PageV18P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" ذكر وفد بكر بن وائل قال ابن سعد : قدم وفد ~~بكر بن وائل على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكان في الوفد بشير بن ~~الخصاصية ، وعبد الله بن مرثد ، وحسان بن خوط ؛ ولذلك يقول رجل من ولد حسان ~~: أنا ابن حسان بن خوط وأبى . . . رسول بكر كلها إلى النبي قالوا : وقدم ~~معهم عبد الله بن أسود بن شهاب بن عوف بن عمرو بن الحارث بن سدوس ، وكان ~~ينزل اليمامة ، فباع ما كان له من مال باليمامة ، وهاجر وقدم على رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) بجراب من تمر ، فدعا له رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بالبركة . وحيث ذكرنا وفد بكر بن وائل فلنذكر خبر الأعشى . ذكر خبر ~~أعشى بن قيس وامتداحه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ورجوعه قبل لقائه ~~قال أبو محمد عبد الملك بن هشام : حدثني خلاد ms3767 بن قرة بن خالد السدوسي ، ~~وغيره من مشايخ بكر بن وائل من أهل العلم ، أن أعشى بني قيس بن ثعلبة بن ~~عكابة ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، خرج إلى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يريد الإسلام ، فقال يمدح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ألم ~~تغتمض عيناك ليلة أرمدا . . . وبت كما بات السليم مسهدا وما ذاك من عشق ~~النساء وإنما . . . تناسيت قبل اليوم صحبة مهددا ولكن أرى الدهر الذي هو ~~خائن . . . إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا كهولا وشبانا فقدت وثروة . . . فلله ~~هذا الدهر كيف ترددا وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع . . . وليدا وكهلا حين ~~شبت وأمردا وأبتذل العيس المراقيل تغتلي . . . مسافة ما بين النجير فصرخدا ~~PageV18P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" ألا أيهذا السائلي أين يممت . . . فإن لها في ~~أهل يثرب موعدا فإن تسألي عني فيارب سائل . . . حفي عن الأعشى به حيث أصعدا ~~أجدت برجليها النجاء وراجعت . . . يداها خنافا لينا غير أحردا وفيها إذا ما ~~هجرت عجرفية . . . إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا وأما إذا ما أدلجت فترى لها ~~. . . رقيبين جديا ما يغيب وفرقدا فآليت لا آوي لها من كلالة . . . ولا من ~~حفى حتى تلاقي محمدا متى ما تناخي عند باب ابن هاشم . . . تراحي وتلقى من ~~فواضله ندا نبي يرى ما لا ترون وذكره . . . أغار لعمري في البلاد وأنجدا له ~~صدقات ما تغب ونائل . . . وليس عطاء اليوم مانعه غدا أجدك لم تسمع وصاة ~~محمد . . . نبي الإله حيث أوصى وأشهدا إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى . . . ~~ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على ألا تكون كمثله . . . فترصد للأمر ~~الذي كان أرصدا فإياك والميتات لا تقربنها . . . ولا تأخذن سهما حديدا ~~لتفصدا ولا النصب المنصوب لا تنسكنه . . . ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا ~~PageV18P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" ولا تقربن جارة إن سرها . . . عليك حرام ~~فانكحن أو تأبدا وذا الرحم القربى فلا تقطعنه . . . لعاقبة ولا الأسير ~~المقيدا وسبح على حين العشيات والضحى . . . ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا ~~ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة ms3768 . . . ولا تحسبن المال للمرء مخلدا فلما كان ~~بمكة أو قريبا منها ، اعترضه بعض المشركين من قريش ، فسأله عن أمره ، ~~فأخبره أنه جاء يريد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليسلم ، فقال له : ~~يا أبا بصير إنه يحرم الزنى . فقال الأعشى له : والله إن ذلك لأمر مالي فيه ~~من أرب . فقال : يا أبا بصير فإنه يحرم الخمر . فقال : أما هذه فو الله إن ~~في النفس منها لعلالات ، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا ثم آتيه فأسلم . ~~فانصرف فمات من عامه ذلك ، ولم يعد إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~ذكر وفد تغلب قال : وقدم على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وفد بني ~~تغلب ، وهم ستة عشر رجلا مسلمين ، ونصارى عليهم صلب الذهب ، فنزلوا دار ~~رملة بنت الحارث ، فصالح ( صلى الله عليه وسلم ) النصارى على أن يقرهم على ~~ذمتهم ، على ألا يصبغوا أولادهم في النصرانية ، وأجاز المسلمين منهم ~~بجوائزهم . ذكر وفد حنيفة قالوا : قدم وفد بني حنيفة على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وهم بضعة عشر رجلا ، فيهم رجال بن عنفوة ، وسلمى بن حنظلة ~~، وطلق بن علي بن قيس ، وحمران بن جابر ، وعلي بن سنان ، والأقعس بن مسلمة ~~، وزيد بن عمرو ، ومسيلمة ابن حبيب ، وهو الكذاب . وعلى الوفد سلمى بن ~~حنظلة ، فأنزلوا دار رملة بنت الحارث ، وأجريت عليهم ضيافة . فأتوا رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) في المسجد ، فسلموا عليه وشهدوا شهادة الحق ، ~~PageV18P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" وخلفوا مسيلمة في رحالهم . وأقاموا أياما ~~يختلفون إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وكان رجال بن عنفوة يتعلم ~~القرآن من أبي بن كعب ، فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم ، أمر لهم رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) بجوائزهم : خمس أواق لكل رجل ، فقالوا : يا رسول ~~الله ، خلفنا صاحبا لنا في رحالنا يبصرها لنا ، وفي ركابنا يحفظها علينا ، ~~فأمر له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمثل ما أمر لأصحابه . وقال : " ~~ليس بشركم مكانا لحفظه ركابكم ورحالكم " . فقيل ذلك لمسيلمة فقال : عرف أن ~~الأمر ms3769 إلي من بعده . وأعطاهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إداوة من ~~ماء فيها فضل طهوره ، فقال : " إذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم ، وانضحوا ~~مكانها بهذا الماء ، واتخذوا مكانها مسجدا " ففعلوا ، وصارت الإداوة عند ~~الأقعس بن مسلمة ، وصار المؤذن طلق بن علي ، فأذن فسمعه راهب البيعة ، فقال ~~: كلمة حق . وهرب فكان آخر العهد به . ثم ادعى مسيلمة الكذاب بعد ذلك ~~النبوة ، وشهد له الرجال أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أشركه في ~~الأمر ، فافتتن الناس به ، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى في ~~خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه . ذكر وفد شيبان قال : وقدم من بني ~~شيبان حريث بن حسان الشيباني ، فبايع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وعلى قومه ، وصحبه في مسيرة إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قيلة بنت ~~مخرمة التميمية ، وهي التي أرعدت من الفرق لما أتت رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فقال لها : " يا مسكينة عليك السكينة " فهدأت . روي عن قيلة ~~بنت مخرمة أنها قالت : إن حريث بن حسان قال : يا رسول الله ، اكتب بيننا ~~وبين بني تميم بالدهناء لا يجاوزها إلينا منهم إلا مسافر أو مجاور . فقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يا غلام اكتب له بالدهناء " ، قالت ~~قيلة : فلما رأيته أمر له بأن يكتب له بها ، قلت : يا رسول الله ، إنه لم ~~يسألك السوية من الأرض إذ سألك ، إنما هذه الدهناء عندك ؛ مقيد الجمل ، ~~ومرعى الغنم ، ونساء تميم وأبناؤها وراء ذلك . فقال رسول الله : " أمسك يا ~~غلام ، صدقت المسكينة ، المسلم أخو المسلم يسعهما الماء PageV18P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" والشجر ، ويتعاونان على الفتان " . فلما رأى ~~حريث أن قد حيل دون كتابه ، ضرب بإحدى يديه على الأخرى ، وقال : كنت أنا ~~وأنت كما قيل : " حتفها تحمل ضأن بأظلافها " فقلت : أما والله أن كنت ~~لدليلا في الظلماء ، جوادا بذي الرحل ، عفيفا عن الرفيقة ، حتى قدمت على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولكن لا تلمني على حظي إذ سألت حظك . ~~فقال : ومن ms3770 حظك في الدهناء لا أبا لك ؟ قلت : مقيد جملى تسأله لجمل امرأتك ~~قال : لا جرم ، إني أشهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أني لك أخ ما ~~حييت إذ أثبت هذا علي عنده . فقلت : أما إذ بدأتها فلن أضيعها . وحديث قيلة ~~فيه طول ليس هذا موضعه . ذكر وفادات أهل اليمن ذكر وفد طيء وخبر زيد الخيل ~~وعدي بن حاتم قالوا : وفد على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وفد طيء ~~خمسة عشر رجلا ، رأسهم ، وسيدهم زيد الخيل بن مهلهل ، من بني نبهان ، وفيهم ~~وزر بن جابر بن سدوس النبهاني ، وهو قاتل عنترة ، وقبيصة بن الأسود بن عامر ~~من جرم طيء ، ومالك بن عبد الله بن خيبري من بني معن ، وقعين بن خلف من ~~جديلة ، ورجل من بني بولان ، فدخلوا المدينة ورسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في المسجد ، فعقلوا رواحلهم بفناء المسجد ، ثم دخلوا فدنوا من رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فعرض عليهم الإسلام ، فأسلموا وأجازهم بخمس ~~أواق فضة لكل رجل منهم ، وأعطى زيد الخيل اثنتي عشرة أوقية ونشا . وقال ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " ما ذكر لي رجل من العرب إلا رأيته دون ما ذكر لي ~~إلا ما كان من زيد الخيل ، فإنه لم يبلغ كل ما كان فيه " . وسماه رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) " زيد الخير " وقطع له فيد وأرضين معه ، وكتب له ~~بذلك كتابا ، فخرج مع قومه راجعا ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " إن ينج زيد من حمى المدينة فإنه " ، فلما انتهى زيد من بلد نجد إلى ماء ~~من مياهه يقال له فردة أصابته الحمى فمات ، فعمدت امرأته إلى ما كان النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) كتب له فحرقته بالنار . هذا ما كان من خبر زيد ~~الخيل . PageV18P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" وأما عدي بن حاتم فكان من خبره أن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الفلس - صنم ~~طيء - ليهدمه ويشن الغارات ، فخرج فأغار على حاضر آل ms3771 حاتم ، وأصابوا ابنة ~~حاتم ، كما قدمنا ذكر ذلك في الغزوات والسرايا ، فقدم بها على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في سبايا طيء . وقيل : إنما سباها من خيل رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) خيل كان عليها خالد بن الوليد ، وهرب عدي بن حاتم حتى ~~لحق بالشام . حكى محمد بن إسحاق رحمه الله قال : كان عدي بن حاتم يقول - ~~فيما بلغني - : ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) حين سمع به مني ، أما أنا فكنت امرأ شريفا ، وكنت نصرانيا ، ~~وكنت أسير في قومي بالمرباع ، أي آخذ منهم ربع مغانمهم التي يغنمونها ، ~~وكنت في نفسي على دين ، وكنت ملكا في قومي لما كان يصنع بي ، فلما سمعت ~~برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كرهته ، فقلت لغلام كان لي عربي ، وكان ~~راعيا لإبلي : لا أبا لك أعدد لي من إبلي جمالا ذللا سمانا فاحتبسها قريبا ~~مني ، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني . ففعل ، ثم إنه أتاني ~~ذات غداة فقال : يا عدي ، ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن ، ~~فإني رأيت رايات فسألت عنها فقالوا : هذه جيوش محمد . فقلت : فقرب إلي ~~أجمالي . فقربها فاحتملت بأهلي و ولدي ، ثم قلت : ألحق بأهل ديني من ~~النصارى بالشام ، فسلكت الجوشية - ويقال الحوشية - وخلفت بنتا لحاتم في ~~الحاضر ، فلما قدمت الشام أقمت بها ، وتخالفني خيل لرسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت ، فقدم بها على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في سبايا طيء ، وقد بلغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~هربي إلى الشام ، قال : فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا ~~تحبس فيها ، فمر بها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقامت إليه ، ~~وكانت امرأة جزلة ، فقالت : يا رسول الله ، هلك الوالد ، وغاب الوافد ، ~~فامنن علي ، من الله عليك . قال : " ومن وافدك " ؟ قالت : عدي بن حاتم . ~~قال : " الفار من الله ورسوله " ؟ . قالت : ثم مضى وتركني ، حتى إذا ms3772 كان من ~~الغد مر بي فقلت له مثل ذلك ، فقال مثل ما قال بالأمس ، قالت : حتى إذا ~~PageV18P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" كان بعد الغد مر بي وقد يئست ، فأشار إلي رجل ~~من خلفة أن قومي فكلميه ، قالت : فقمت إليه ، فقلت : يا رسول الله ، هلك ~~الوالد ، وغاب الوافد ، فامنن علي ، من الله عليك . فقال : " قد فعلت فلا ~~تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم ~~آذنيني " فسألت عن الرجل الذي أشار إلي أن كلميه ، فقيل علي بن أبي طالب ، ~~قالت : فأقمت حتى قدم ركب من بلي أو قضاعة ، قالت : وإنما أريد أن آتي أخي ~~بالشام ، فجئت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقلت : يا رسول الله ، قد ~~قدم رهط من قومي ، لي فيهم ثقة وبلاغ ، قالت : فكساني رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وحملني وأعطاني نفقة ، فخرجت معهم حتى قدمت الشام ، قال عدي : ~~فو الله إني لقاعد في أهلي إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إلي تؤمنا ، قال : قلت ~~ابنة حاتم ، فإذا هي هي ، فلما وقفت علي انسلخت تقول : القاطع الظالم ، ~~احتملت بأهلك و ولدك ، وتركت بقية والديك عورتك قال : قلت : أي أخية لا ~~تقولي إلا خيرا ، فو الله ما لي من عذر ، لقد صنعت ما ذكرت . قالت : ثم ~~نزلت فأقامت عندي ، فقلت لها وكانت امرأة حازمة : ماذا ترين في أمر هذا ~~الرجل ؟ قالت : أرى والله أن نلحق به سريعا ، فإن يكن الرجل نبيا فللسابق ~~إليه فضله ، وإن يكن ملكا فلن تذل في عز اليمن ، وأنت أنت . قال : قلت ~~والله إن هذا الرأي . فخرجت حتى أقدم على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~المدينة ، فدخلت عليه وهو في مسجده ، فسلمت عليه فقال : " من الرجل " ؟ ~~فقلت : عدي بن حاتم . فقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فانطلق بي إلى ~~بيته ، فو الله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كسيرة فاستوقفته ، ~~فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها ، فقلت في نفسي : والله ما هذا بملك . قال ~~: ثم ms3773 مضى حتى إذا دخل بي بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلي ~~فقال : " اجلس على هذه " قلت : بل أنت فاجلس عليها ، قال : " بل أنت " ~~فجلست عليها ، وجلس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالأرض ، فقلت في ~~نفسي : والله ما هذا بأمر ملك . ثم قال : " إيه يا عدي بن حاتم ألم تك ~~ركوسيا ؟ " قلت : بلى ، قال : " أولم تك تسير في قومك بالمرباع " ؟ قلت : ~~بلى ؛ قال : " فإن ذلك لم يك يحل لك في دينك " . قال : قلت أجل والله ، ~~وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل ، ثم قال : " لعلك يا عدي إنما يمنعك من ~~دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم ، فو الله ليوشكن المال يفيض فيهم حتى ~~لا يوجد من يأخذه ، ولعلك إنما يمنعك من دخول PageV18P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" فيه ما ترى من كثرة عدوهم ، وقلة عددهم ، فو ~~الله ليوشكن أن يسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا ~~البيت لا تخاف ، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان ~~في غيرهم ، وايم الله ليوشكن أن يسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت ~~عليهم " . قال عدي : فأسلمت . فكان عدي يقول : قد مضت اثنتان وبقيت الثالثة ~~، والله لتكونن ؛ قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم ، وقد ~~رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت ، وايم ~~الله لتكونن الثالثة ؛ ليفيضن المال حتى لا يوجد من يأخذه . ذكر وفد تجيب ~~قال ابن سعد : قدم وفد تجيب على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في سنة ~~تسع من مهاجره ، وهم ثلاثة عشر رجلا ، وساقوا صدقات أموالهم التي فرض الله ~~عليهم ، فسر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بهم ، وقال : " مرحبا بكم " ~~وأكرم منزلهم وحياهم ، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم وجوائزهم ، وأعطاهم أكثر ~~مما كان يجيز به الوفد ، وقال : " هل بقي منكم أحد " قالوا " غلام خلفناه ~~على رحالنا وهو أحدثنا سنا . قال : " أرسلوه إلينا " ، فأقبل الغلام إلى ~~رسول الله ( صلى ms3774 الله عليه وسلم ) ، فقال : إني امرؤ من بني أبناء الرهط ~~الذين أتوك آنفا ، فقضيت حوائجهم فاقض حاجتي ، قالل : " وما حاجتك " ؟ قال ~~: تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني ويجعل غناي في قلبي . فقال : " اللهم اغفر ~~له وارحمه واجعل غناه في قلبه " . ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه ~~، فانطلقوا راجعين إلى أهليهم ، ثم وافوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~في الموسم بمنى في سنة عشر ، فسألهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن ~~الغلام ، فقالوا : ما رأينا مثله أقنع منه بما رزقه الله . PageV18P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" ذكر وفد خولان قال : قدم وفد خولان على رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، في شعبان سنة عشر ، وهم عشرة نفر ، فقالوا : ~~يا رسول الله ، نحن مؤمنون بالله مصدقون برسوله ، ونحن على من وراءنا من ~~قومنا ، وقد ضربنا إليك آباط الإبل . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) : " ما فعل عم أنس " صنم لهم ؛ فقالوا : بشر وعر ، أبد لنا الله به ما ~~جئت به ، ولو قد رجعنا إليه هدمناه . وسألوا رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) عن أشياء من أمر دينهم ، فجعل يخبرهم بها ، وأمر من يعلمهم القرآنم ~~والسنن ، وأنزلوا في دار رملة بنت الحارث ، وأجريت عليهم الضيافة ، ثم ~~جاءوا بعد أيام يودعونه ، فأمر لهم بجوائز ثنتي عشرة أوقية ونش ، ورجعوا ~~إلى قومهم ، فلم يحلوا عقدة حتى هدموا عم أنس . وممن أسلم من خولان أبو ~~مسلم الخولاني العابد ، واسمه عبد الله بن ثوب ، ولم ير رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وإنما قدم المدينة بعد وفاته ، وله خبر عجيب مع الأسود ~~العنسي ، نذكره في أخباره في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه . ذكر وفد ~~جعفي قال ابن سعد : وفد إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رجلان من ~~جعفي ، وهما قيس بن سلمة بن شراحيل ، وسلمة بن يزيد ، وهما أخوان لأم ، ~~وأمهما مليكة بنت الحلو بن مالك ، فأسلما فقال لهما رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " بلغني أنكم لا تأكلون ms3775 القلب " وكانوا يحرمون أكله ، فقالا ~~: نعم ، قال : " فإنه لا يكمل إسلامكم إلا بأكله " ودعا بقلب فشوي ، ثم ~~ناوله سلمة فلما أخذه أرعدت يده فقال له : " كله " فأكله ، وقال : قل إني ~~أكلت القلب كرها . . . وترعد حين مسته بناني ثم قالا : يا رسول الله ، إن ~~أمنا مليكة بنت الحلو كانت تفك العاني ، وتطعم البائس ، وترحم المسكين ، ~~وأنها ماتت وقد وأدت بنية لها صغيرة ، فما حالها ، ؟ قال : " الوائدة ~~والموءودة في النار " فقاما مغضبين ، فقال : " إلي فارجعا " فقال : " وأمي ~~PageV18P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" مع أمكما " فأبيا ومضيا ، وهما يقولان : والله ~~إن رجلا أطعمنا القلب ، وزعم أن أمنا في النار لأهل ألا يتبع ، فلما كان ~~ببعض الطريق ، لقيا رجلا من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، معه ~~إبل من إبل الصدقة ، فأوثقاه وطردا الإبل ، فبلغ ذلك النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فلعنهما فيمن كان يلعن في قوله : " لعن الله رعلا وذكوان وعصية ~~ولحيان وابنا مليكة " . قال محمد بن سعد : وقدم أبو سبرة وهو يزيد بن مالك ~~بن عبد الله الجعفي على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ومعه ابناه سبرة ~~وعزيز فأسلموا . وسمى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عزيزا عبد الرحمن . ~~وقال له أبو سبرة : يا رسول الله : إن بظهر كفي سلعة قد منعتني من خطام ~~راحلتي ، فدعا بقدح ، وجعل يضرب به على السلعة ويمسحها فذهبت ، ودعا له ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولابنيه فقال : يا رسول الله ، أقطعني ~~وادي قومي باليمن ، وكان يقال له جردان ففعل ، قال : وعبد الرحمن هذا هو ~~أبو خيثمة عبد الرحمن . ذكر وفد مراد قالوا : قدم فروة بن مسيك المرادي على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مفارقا لملوك كندة ومباعدا لهم ، وقال في ~~ذلك : لما رأيت ملوك كندة أعرضت . . . كالرجل خان الرجل عرق نسائها قربت ~~راحلتي أؤم محمدا . . . أرجو فواضلها وحسن ثرائها وبايع النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، ونزل على سعد بن عبادة ، وكان يتعلم القرآن وفرائض الإسلام ~~وشرائعه ، فأجازه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) باثنتي عشرة ms3776 أوقية ، ~~وحمله على يعير وأعطاه حلة من نسج عمان ، واستعمله على مراد وزبيد ومذحج ، ~~وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقات ، وكتب له كتابا فيه فرائض ~~الصدقة ، فلم يزل على الصدقة حتى توفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~PageV18P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" ذكر وفد زبيد قال ابن سعد : قدم وفد عمرو بن ~~معدي كرب الزبيدي على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة ، في عشرة ~~نفر من زبيد ، فنزل على سعد بن عبادة فأكرمه سعد وراح به إلى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فأسلم هو ومن معه ، وأقام أياما ، ثم أجازه رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، وانصرف إلى بلاده ، فأقام مع قومه على الإسلام ، ~~وعليهم فروة بن مسيك ، فلما توفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ارتد ، ~~ثم رجع إلى الإسلام ، وأبلى يوم القادسية وغيرها . قال محمد بن إسحاق : كان ~~عمرو بن معدي كرب قد قال لقيس بن مكشوح المرادي حين انتهى إليهم أمر رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : يا قيس ، إنك سيد قومك ، وقد ذكر لنا أن ~~رجلا من قريش يقال له محمد خرج بالحجاز ، يقال إنه نبي ، فانطلق بنا إليه ~~حتى نعلم علمه ، فإن كان نبيا كما يقول فإنه لن يخفى عليك ، إذا لقيناه ~~اتبعناه ، وإن كان غير ذلك علمنا علمه ، فأبى عليه قيس ، فركب عمرو ابن ~~معدي كرب حتى قدم على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأسلم ، فلما بلغ ~~ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا وتحطم عليه ، وقال : خالفني وترك رأيي ، فقال ~~عمرو في ذلك : أمرتك يوم ذي صنعا . . . ء أمرا بينا رشده أمرتك باتقاء الله ~~تأتيه وتتعده فكنت كذي الحمير غرره مما به وتده تمناني على فرس . . . عليه ~~جالسا أسده علي مفاضة كالنه . . . ى أخلص ماءه حدده ترد الرمح مثني الس . . ~~. نان عوائرا قصده فلو لاقيتني للقي . . . ت ليثا فوقه لبده PageV18P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" تلاقي ضيغما شثن ال . . . براثن ناشزا كتده ~~يسامى القرن إن قرن . . . تيممه فيعتضده فيأخذه فيرفعه . . . فيخفضه ms3777 ~~فيقتصده فيدمغه فيخطمه . . . فيخضمه فيزدرده ظلوم الشرك فيما أح . . . رزت ~~أنيابه ويده ذكر وفد كندة قالوا : قدم الأشعث بن قيس على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في بضعة عشر راكبا من كندة . قاله ابن سعد - وقال ابن ~~إسحق : في ثمانين راكبا - فدخلوا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~المسجد ، وقد رجلوا جممهم وتكحلوا ، عليهم جبب الحبرة قد كففوها بالحرير ، ~~وعليهم الديباج ظاهر مخوص بالذهب ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " ألم تسلموا " ؟ قالوا : بلى ، قال : " فما بال هذا عليكم " قال : فشقوه ~~وألقوه ، ثم قال له الأشعث بن قيس : يا رسول الله ، نحن بنو آكل المرار ، ~~وأنت ابن آكل المرار . فتبسم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : " ~~ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث " . قال : وكانا ~~تاجرين ، وكانا إذا شاعا في بعض العرب ، فسئلا ممن هما ، قالا : نحن بنو ~~آكل المرار : يتعززان بذلك . وآكل المرار هو الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو ~~بن معاوية ، وقد تقدم خبره في وقائع العرب . قال : ثم قال لهم رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " لا ، نحن بنو النضر بن كنانة ، لا نقفو أمنا ولا ~~ننتفي من أبينا " فقال الأشعث بن قيس : يا معشر كندة ، والله لا أسمع رجلا ~~يقولها إلا ضربته ثمانين . قال محمد بن سعد : فلما أرادوا الرجوع إلى ~~بلادهم أجازهم بعشرة أواق ، وأعطى الأشعث ثنتي عشرة أوقية . PageV18P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" ذكر وفد الصدف قال ابن سعد : وفد وفد الصدف ~~على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهم بضعة عشر رجلا ، على قلائص لهم ~~، في أزر وأردية ، فصادفوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيما بين بيته ~~وبين المنبر ، فجلسوا ولم يسلموا فقال : " أمسلمون أنتم " ؟ قالوا : نعم . ~~قال : " فهلا سلمتم " ، فقاموا فقالوا : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~، فقال : " وعليكم السلام ، اجلسوا " فجلسوا ، وسألوا رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) عن أوقات الصلوات فأخبرهم بها . ذكر وفد سعد هذيم قال ابن سعد ~~يرفعه إلى أبي النعمان ms3778 عن أبيه قال : قدمت على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وافدا في نفر من قومي ، فنزلنا ناحية من المدينة ، ثم خرجنا نؤم ~~المسجد ، فنجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يصلي على جنازة في المسجد ~~، فانصرف فقال : " من أنتم " ؟ قلنا : من بني سعد هذيم ، فأسلمنا وبايعنا ، ~~ثم انصرف إلى رحالنا ، فأمر بنا فأنزلنا وضيفنا فأقمنا ثلاثا ، ثم جئناه ~~نودعه ، فقال : " أمروا عليكم أحدكم " وأمر بلالا ، فأجازنا بأواق من فضة ، ~~ورجعنا إلى قومنا فرزقهم الله الإسلام . ذكر وفد بلي روي عن رويفع بن ثابت ~~البلوي قال : قدم وفد قومي في شهر ربيع الأول سنة تسع ، فأنزلتهم علي في ~~منزلي ببني جديلة ، ثم خرجت بهم حتى انتهيت إلى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وهو جالس مع أصحابه في بقية من الغداة ، فتقدم شيخ الوفد أبو ~~الضبيب ، فجلس بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فتكلم وأسلم ، ~~وأسلم القوم ، وسألوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن الضيافة ، وعن ~~أشياء من أمر دينهم فأجابهم ، ثم رجعت بهم إلى منزلي ، فإذا رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) يأتي منزلي يحمل تمرا يقول : " استعن بهذا التمر " ~~فكانوا يأكلون منه ومن غيره ، فأقاموا ثلاثا ، ثم جاءوا رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يودعونه ، فأمر لهم بجوائز كما كان يجيز الوفد ، ثم رجعوا ~~إلى بلادهم . PageV18P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" ذكر وفد بهراء قال ابن سعد : قدم وفد بهراء من ~~اليمن ، وهم ثلاثة عشر رجلا ، فأقبلوا يقودون رواحلهم ، حتى انتهوا إلى باب ~~المقداد بن عمرو ببني جديلة فخرج إليهم ، فرحب بهم وأنزلهم ، وأتوا النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فأسلموا وتعلموا الفرائض وأقاموا أياما ، ثم جاءوا ~~يودعونه فأمر لهم بجوائزهم ، وانصرفوا إلى أهلهم . ذكر وفد عذرة قالوا : ~~قدم على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وفد عذرة ، في صفر سنة تسع من ~~مهاجره ، وهم اثنا عشر رجلا ، فيهم حمزة بن النعمان العذري ، وسليم وسعد ~~ابنا مالك ، ومالك بن أبي رياح ، فنزلوا دار رملة بنت الحارث ، ثم جاءوا ms3779 ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فسلموا بسلام الجاهلية ، وقالوا : نحن إخوة ~~قصي لأمه ، ونحن الذين أخرجوا خزاعة وبني بكر عن مكة ، ولنا قرابات وأرحام ~~، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " مرحبا بكم وأهلا ، ما أعرفني ~~بكم ، ما منعكم من تحية الإسلام " ؟ قالوا : قدمنا مرتادين لقومنا . وسألوا ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن أشياء من أمر دينهم فأجابهم فيها ، ~~فأسلموا وأقاموا أياما ، ثم انصرفوا إلى أهليهم ، وأمر لهم بجوائز كما كان ~~يجيز الوفد ، وكسا أحدهم بردا . قال : و وفد زمل بن عمرو العذري على رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأنشأ يقول حين وفد : إليك رسول الله أعملت ~~نصها . . . أكلفها حزنا وقوزا من الرمل لأنصر خير الناس نصرا مؤزرا . . . ~~وأعقد حبلا من حبالك في حبلي وأشهد أن الله لا شيء غيره . . . أدين له ما ~~أثقلت قدمي نعلي قال : وأخبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بما سمع من ~~صنمه ، فقال : " ذلك مؤمن الجن " وعقد له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~لواء على قومه ، فشهد به بعد ذلك صفين مع معاوية ، ثم شهد به المرج فقتل . ~~PageV18P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" ذكر وفد سلامان قال ابن سعد : وفد سبعة من ~~سلامان على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شوال سنة عشر ، فصادفوه ~~وهو خارج من المسجد إلى جنازة ؛ فقالوا : السلام عليك يا رسول الله ، قال : ~~" وعليكم السلام من أنتم " ؟ قالوا : نحن من سلامان ، قدمنا لنبايعك على ~~الإسلام ، ونحن على من وراءنا من قومنا . فأمر ثوبان فأنزلهم حيث ينزل ~~الوفد ، فلما صلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الظهر جلس بين بيته ~~وبين المنبر ، فقدموا إليه فسألوه عن أشياء من أمر الصلاة وشرائع الإسلام ، ~~وعن الرقي فأجابهم وأسلموا ، وأجاز كل رجل منهم خمس أواق ، ورجعوا إلى ~~بلادهم . ذكر وفد كلب قال محمد بن سعد بسنده إلى عبد بن عمرو بن جبلة بن ~~وائل بن الجلاح الكلبي ، قال : شخصت أنا وعصام - رجل من بني رقاش من بني ~~عامر - حتى أتينا النبي ( صلى الله ms3780 عليه وسلم ) ، فعرض علينا الإسلام ~~فأسلمنا . وقال بسند آخر إلى ربيعة بن إبراهيم الدمشقي قال : وفد حارثة بن ~~قطن بن زابر بن حصن بن كعب بن عليم الكلبي ، وحمل بن سعدانة بن حارثة بن ~~مغفل ابن كعب بن عليم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأسلما ، فعقد ~~لحمل بن سعدانة لواء ، فشهد به صفين مع معاوية ، وكتب لحارثة بن قطن كتابا ~~فيه : " بسم الله الرحمن الرحيم . هذا كتاب من محمد رسول الله - ( صلى الله ~~عليه وسلم ) - لأهل دومة الجندل وما يليها من طوائف كلب مع حارثة بن قطن ، ~~لنا الضاحية من البعل ، ولكم الضامنة من النخل ؛ على الجارية العشر ، وعلى ~~الغائرة نصف العشر ، لا يجمع سارحكم ، ولا تعد فاردتكم ، تقيمون الصلاة ~~لوقتها ، وتؤتون الزكاة PageV18P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" بحقها ، ولا يحظر عليكم النبات ، ولا يؤخذ ~~منكم عشر البنات ، لكم بذلك العهد والميثاق ، ولنا عليكم النصح والوفاء ، ~~وذمة الله ورسوله ، شهد الله ومن حضر من المسلمين " . ذكر وفد جرم قال ابن ~~سعد : وفد على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رجلان من جرم ، يقال ~~لأحدهما : الأسقع بن شريح بن صريم بن عمرو بن رياح بن عوف بن عميرة بن ~~الهون ابن أعجب بن قدامة بن جرم بن ربان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن ~~قضاعة . والآخر : هوذة بن عمرو بن يزيد بن عمرو بن رياح ، فأسلما وكتب لهما ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كتابا . وروى عن أبي يزيد - وقد قيل فيه ~~بالباء الموحدة أبو بريد - عمرو بن سلمة الجرمي أن أباه ونفرا من قومه ، ~~وفدوا إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حين أسلم الناس ، وتعلموا القرآن ~~وقضوا حوائجهم ، فقالوا : يا رسول الله من يصلي بنا ؛ أو لنا ؟ فقال : " ~~ليصل بكم أكثركم جمعا - أو أخذا - للقرآن " . قال : فجاءوا إلى قومهم فلم ~~يجدوا فيهم أحدا أكثر أخذا ، أو جمع من القرآن ما جمعت ، أو أخذت ، قال : ~~وأنا يومئذ غلام علي شملة ، فقدموني فصليت بهم ، فما شهدت مجمعا من جرم إلا ~~وأنا ms3781 إمامهم إلى يومي هذا . وعن عمرو بن سلمة أيضا قال : كنا بحضرة ماء ممر ~~الناس عليه ، وكنا نسألهم ، ما هذا الأمر ؟ فيقولون : رجل يزعم أنه نبي ، ~~وأن الله أرسله ، وأن الله أوحى إليه كذا وكذا ، فجعلت يومئذ لا أسمع شيئا ~~من ذلك إلا حفظته ، كأنما يغرى في صدري بغراء ، حتى جمعت فيه قرآنا كثيرا ، ~~وكانت العرب تلوم بإسلامها الفتح ، يقولون : انظروا فإن ظهر عليهم فهو صادق ~~، وهو نبي . فلما جاءتنا وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم ، فانطلق أبي ~~بإسلام حوائنا ذلك ، وأقام مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما شاء ~~الله أن PageV18P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" يقيم ، ثم أقبل فلما دنا منا تلقيناه ، فقال : ~~جئتكم والله من عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حقا ، ثم قال : إنه ~~يأمركم بكذا وكذا ، وينهاكم عن كذا وكذا ، وأن تصلوا صلاة كذا في حين كذا ، ~~وصلاة كذا في حين كذا ، إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم ، وليؤمكم أكثركم ~~قرآنا . فنظر أهل حوائنا فما وجدوا أحدا أكثر قرآنا مني للذي كنت أحفظه من ~~الركبان ، فقدموني بين أيديهم ، فكنت أصلي بهم وأنا ابن ست سنين ، وكان علي ~~بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني ، فقالت امرأة من الحي : ألا تغطون عنا است ~~قارئكم ؟ فكسوني قميصا من معقد البحرين ، فما فرحت بشيء أشد من فرحي بذلك ~~القميص . ومن رواية أخرى عنه : فعلموني الركوع والسجود ، فكنت أصلي بهم . ~~ذكر وفد الأزد وأهل جرش قالوا : قدم صرد بن عبد الله الأزدي في بضعة عشر ~~رجلا من قومه ، وفدا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فنزلوا على ~~فروة بن عمرو ، وأتوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأسلموا ، وأقاموا ~~عشرة أيام ، وكان صرد أفضلهم ، فأمره رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على ~~من أسلم من قومه ، وأمره أن يجاهد بهم من يليه ، من أهل الشرك من قبائل ~~اليمن ؛ فخرج حتى نزل جرش وهي مدينة حصينة مغلقة ، وبها قبائل من قبائل ~~اليمن . وقد ضوت إليهم خثغم ؛ فدخلوا معهم حين سمعوا بمسير ms3782 المسلمين إليهم ~~، فحاصرهم صرد ومن معه فيها شهرا ، ثم رجع قافلا ، حتى إذا كان إلى جبل لهم ~~يقال له شكر ، ظن أهل جرش أنه إنما ولى عنهم منهزما ، فخرجوا في طلبه حتى ~~إذا أدركوه صف صفوفه ، وحمل عليهم هو والمسلمون ، ووضعوا سيوفهم فيهم حيث ~~شاءوا ، وأخذوا من خيلهم عشرين فرسا ، فقاتلوهم عليها نهارا طويلا . وكان ~~أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالمدينة ~~يرتادان وينظران ، فبينما هما عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عشية ~~بعد العصر ؛ إذ قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " بأي بلاد الله ~~شكر " ؟ فقام الجرشيان فقالا : يا رسول الله ، ببلادنا جبل يقال له كشر ، ~~وكذلك نسميه أهل جرش ، فقال : " إنه ليس بكشر ولكنه شكر " ، قالا : فما ~~شأنه يا PageV18P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" رسول الله ؟ قال : " إن بدن الله لتنحر عنده ~~الآن " قال : فجلس الرجلان إلى أبي بكر ، أو إلى عثمان . فقال لهما : ~~ويحكما إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الآن لينعى لكما قومكما ، ~~فقوما إلى رسول الله فسلاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما . فقاما إليه ~~فسألاه ذلك . فقال : " اللهم ارفع عنهم " فخرجا من عند رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) راجعين إلى قومهما ، فوجدا قومهما قد أصيبوا من صرد في ~~اليوم الذي قال فيه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما قال في تلك الساعة ~~، فقصا على قومهما القصة ، فخرج وفدهم حتى قدموا على رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فأسلموا ، فقال : " مرحبا بكم ، أحسن الناس وجوها ، وأصدقه ~~لقاء ، وأطيبه كلاما ، وأعظمه أمانة ، أنتم مني وأنا منكم " وجعل شعارهم ~~مبرورا ، وحمى لهم حمى حول قريتهم ، على أعلام معلومة للفرس والراحلة ~~وللمثيرة - بقرة الحرث - فمن رعاه من الناس فماله سحت . ذكر وفد غسان قال ~~محمد بن سعد بسنده إلى محمد بن بكير الغساني ، عن قومه من غسان ، قالوا ~~قدمنا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شهر رمضان سنة عشر ، ~~المدينة ونحن ثلاثة نفر ، فنزلنا دار رملة ms3783 بنت الحارث ، ثم أتينا رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) فأسلمنا وصدقنا ، فأجازهم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بجوائز وانصرفوا راجعين ، فقدموا على قومهم فلم يستجيبوا لهم ، ~~فكتموا إسلامهم حتى مات منهم رجلان مسلمين ، وأدرك الثالث عمر بن الخطاب ~~عام اليرموك ، فلقي أبا عبيده فخبره بإسلامه فأكرمه . ذكر وفد الحارث بن ~~كعب وما كتب به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إليهم قال ابن سعد : بعث ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خالد بن الوليد في أربعمائة من المسلمين ~~، في شهر ربيع الأول سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران ، وأمره أن ~~يدعوهم إلى الإسلام ثلاثا قبل أن يقاتلهم ففعل ، فاستجاب له من هناك من ~~بلحارث بن كعب ، ودخلوا في الإسلام ، ونزل خالد بن الوليد بين أظهرهم ، ~~فعلمهم الإسلام PageV18P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" وشرائعه ، وكتاب الله وسنة نبيه ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وكتب بذلك إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فكتب رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى خالد : " أن بشرهم وأنذرهم واقدم ومعك ~~وفدهم " ، فقدم خالد ومعه وفدهم ؛ فيهم قيس بن الحصين ، ويزيد بن عبد ~~المدان ، وعبد الله بن عبد المدان ، ويزيد بن المحجل ، وعبد الله بن قراد ، ~~وشداد بن عبد الله القناني ، وعمرو بن عبد الله ، وأنزلهم خالد عليه ، ثم ~~جاء بهم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : " من هؤلاء الذين ~~كأنهم رجال الهند " ؟ فقيل : بنو الحارث بن كعب ، فسلموا على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ~~فأجازهم بعشر أواق ، وأجاز قيس بن الحصين باثنتي عشرة أوقية ونش ، وأمره ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على بني الحارث ، ثم انصرفوا إلى قومهم ~~في بقية شوال . هذا ما حكاه ابن سعد في طبقاته . وقال ابن إسحق : لما وقفوا ~~على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سلموا عليه ، وقالوا : نشهد أنك ~~لرسول الله ، وأنه لا إله إلا الله . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) : " أنتم ms3784 الذين إذا زجروا استقدموا " ؟ فسكتوا ، فلم يراجعه منهم أحد ، ~~فأعادها عليهم الثانية والثالثة ، فلما أعادها الرابعة قال يزيد بن عبد ~~المدان : نعم يا رسول الله ، نحن الذين إذا زجروا استقدموا ، قالها أربع ~~مرار ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لو أن خالدا لم يكتب إلي ~~أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رؤوسكم تحت أقدامكم " فقال يزيد بن عبد ~~المدان : أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خاالدا ، قال : " فمن حمدتم " ؟ ~~قالوا : حمدنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله . قال : " صدقتم " ، ثم قال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " بم كنتم تغلبون من قاتلكم في ~~الجاهلية " قالوا : لم نكن نغلب أحدا . قال : " بلى قد كنتم تغلبون من ~~قاتلكم " قالوا : كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله أنا كنا نجتمع ولا نتفرق ~~، ولا نبدأ أحدا بظلم ، قال : " صدقتم " . وأمر رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) على بني الحارث قيس بن الحصين ، وأجازهم بعشر أواق عشر أواق ، وأجاز ~~قيس بن الحصين باثنتي عشرة أوقية ونش ، ثم انصرفوا إلى قومهم في بقية شوال ~~، أو في صدر ذي القعدة ، فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر ~~حتى توفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . قال : وقد كان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم ليفقههم في ~~الدين ويعلمهم السنة ، ويعلمهم الإسلام ، ويأخذ منهم صدقاتهم . وكتب له ~~كتابا وهو : PageV18P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" " بسم الله الرحمن الرحيم . هذا بيان من الله ~~ورسوله " يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " عهد من محمد النبي رسول الله - ~~( صلى الله عليه وسلم ) - لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن أمره بتقوى الله ~~في أمره كله " فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " ، وأمره أن يأخذ ~~الحق كما أمره الله ، وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به ، ويعلم الناس ~~القرآن ويفقههم فيه ، وينهى الناس ، ولا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهر ، ~~ويخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم ، ويلين للناس في الحق ، ويشتد ms3785 عليهم في ~~الظلم ، فإن الله كره الظلم ، ونهى عنه ، فقال : " ألا لعنة الله على ~~الظالمين " ، ويبشر الناس بالجنة وبعملها ، وينذر الناس النار وعملها ، ~~ويستألف الناس حتى يفقهوا في الدين ، ويعلم الناس معالم الحج وسنته وفريضته ~~، وما أمر الله به ، والحج الأكبر : الحج الأكبر ، والحج الأصغر هو العمرة ~~، وينهى الناس أن يصلي أحد في ثوب واحد صغير ، إلا أن يكون ثوبا يثني طرفيه ~~على عاتقيه ، وينهى أن يحتبيأحد في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء ، وينهى ~~أن يعقص أحد شعر رأسه في قفاه ، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى ~~القبائل والعشائر ، وليكن دعواهم إلى الله وحده لا شريك له ، فمن لم يدع ~~إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطفوا بالسيف ، حتى تكون دعواهم إلى ~~الله وحده لا شريك له ، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى ~~المرافق ، وأرجلهم إلى الكعبين ، ويمسحون برءوسهم كما أمرهم الله ، وأمر ~~بالصلاة لوقتها ، وإتمام الركوع والخشوع ، يغلس بالصبح ، ويهجر بالهاجرة ~~حين تميل الشمس ، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة ، والمغرب حين يقبل ~~الليل ، لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء ، والعشاء أول الليل ، وأمر ~~بالسعي إلى الجمعة إذا نودي لها ، والغسل عند الرواح إليها ، وأمره أن يأخذ ~~من المغانم خمس الله ، وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما ~~سقت العين وسقت السماء ، وعلى ما سقى الغرب نصف PageV18P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" العشر ، وفي كل عشر من الإبل شاتان ، وفي كل ~~عشرين من البقر بقرة ، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع : جذع أو جذعة ، وفي كل ~~أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة ، فإنها فريضة الله التي افترض على ~~المؤمنين في الصدقة ، فمن زاد خير له ، وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني ~~إسلاما خالصا من نفسه ، ودان بدين الإسلام فإنه من المؤمنين ، له مثل ما ~~لهم وعليه مثل ما عليهم ، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته ، فإنه لا يرد ~~عنها ، وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف ، أو ms3786 عوضه ثيابا ، ~~فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسوله ، ومن منع ذلك فإنه عدو لله ~~ولرسوله وللمؤمنين جميعا ، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله ~~وبركاته " . ذكر وفد عنس قال محمد بن السائب الكلبي : حدثنا أبو زفر الكلبي ~~عن رجل من عنس ، قال : كان منا رجل وفد على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فأتاه وهو يتعشى ، فدعا به إلى العشاء فجلس ، فلما تعشى أقبل عليه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : " أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~عبده ورسوله " فقال العنسي : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله . فقال : " أراغبا جئت أم راهبا " فقال : أما الرغبة فوالله ما في ~~يديك مال ، وأما الرهبة فوالله إني لببلد ما تبلغه جيوشك ، ولكني خوفت فخفت ~~، وقيل لي : آمن بالله فآمنت . فأقبل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~على القوم فقال : " رب خطيب من عنس " فمكث يختلف إلى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، ثم جاء يودعه ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" اخرج " وبتته ، أي أعطاه شيئا ، وقال : " إن أحسست شيئا فوائل إلى أدنى ~~قرية " . فخرج فوعك في بعض الطريق ، فوأل إلى أدنى قرية فمات رحمه الله ، ~~واسمه ربيعة . PageV18P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" ذكر وفد الداريين وما كتب لهم به رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وما اختص به تميم الداري وإخوته قال محمد بن سعد ~~بسنده إلى عبيد الله بن عبد الله ، وروح بن زنباع الجذامي عن أبيه قالا : ~~قدم وفد الداريين على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منصرفه من تبوك وهم ~~عشرة نفر ؛ فيهم تميم ونعيم ابنا أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة ابن ذراع بن ~~عدي بن الدار بن هانيء بن حبيب بن نمارة بن لخم ، ويزيد بن قيس ابن خارجة ، ~~والفاكه بن النعمان بن جبلة بن صفارة بن ربيعة بن ذراع بن عدي ابن الدار ، ~~وجبلة بن مالك بن صفارة ، وأبو هند والطيب ابنا ذر - قال ابن ms3787 إسحق : بر - ~~وهو عبد الله بن ذر بن عميت بن ربيعة بن ذراع ، وهانيء بن حبيب ، وعزيز ~~ومرة ابنا مالك بن سواد . قال ابن إسحق : عرفة . وقال ابن هشام : عزة . ~~وقال ابن إسحق في مرة : مروان . قال ابن سعد : فأسلموا وسمى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) الطيب عبد الله ، وسمي عزيزا عبد الرحمن . قال : ~~وأهدى هانيء بن حبيب لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) راوية خمر وأفراسا ~~وقباء مخوصا بالذهب ، فقبل الأفراس والقباء وأعطاه العباس بن عبد المطلب ، ~~فقال : ما أصنع به ؟ قال : " تنزع الذهب فتحليه نساءك ، أو تستنفقه ، ثم ~~تبيع الديباج فتأخذ ثمنه " ، فباعه العباس من رجل من يهود بثمانية آلاف ~~درهم . قال وقال تميم : لنا جيرة من الروم ، لهم قريتان يقال لأحدهما حبرى ~~والأخرى بيت عينون ، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لي ، قال : " فهما لك ~~" فلما قام أبو بكر رضي الله عنه أعطاه ذلك ، وكتب له به كتابا ، وأقام وفد ~~الداريين حتى توفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأوصى لهم رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) بجاد مائة وسق من خيبر ، هكذا حكى ابن سعد في ~~طبقاته . PageV18P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" وشاهدت أنا عند ورثة الصاحب الوزير فخر الدين ~~أبي حفص عمر ، ابن القاضي المرحوم الرئيس مجد الدين عبد العزيز المعروف ~~بابن الخليلي التميمي رحمه الله ، كتابا يتوارثونه كابرا عن كابر ، يقولون ~~: هو كتاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذي كتبه لتميم الداري وإخوته ~~، وهو في قطعة من أدم مربعة دون الشبر قد غلفت بالأطلس الأبيض ، يزعمون أن ~~ذلك من خف كان لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقد بقي بهذه ~~القطعة الأدم آثار أحرف خافية ، لا تكاد تبين إلا بعد إمعان التأمل ، ~~وتحقيق النظر ، وعلى هذه القطعة الأدم من الجلالة ولها من الموقع في النفوس ~~والمهابة ما يقوي أنها صادرة عن المحل المنيف ، وقرين هذه القطعة الأدم ~~قرطاس أبيض قديم ، يزعمون أن أسلافهم نقلوا ما فيه من الكتابة من كتاب رسول ms3788 ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قبل أن تزول حروفه . وفيه تسعة أسطر بما في ~~ذلك من البسملة ، وقد رأينا أن نضع ذلك في هذا الكتاب على هيئته في العدد ، ~~وإن لم يوافق الخط ، وهو : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما انطا محمد رسول ~~الله لتميم الداري واخوته حبرون والمرطوم وبيت عينون و بيت إبراهيم وما ~~فيهن نطيه بت بذمتهم ونفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم فمن اذاهم اذاه الله ~~فمن اذاهم لعنه الله شهد عتيق ابن أبو قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ~~وكتب علي بن أبو طالب وشهد . هكذا شاهدت تلك الورقة التي هي قرين الكتاب ، ~~والكتاب بأيديهم إلى وقتنا هذا ؛ وهو العشر الآخر من ذي القعدة سنة ست عشرة ~~وسبعمائة . وهذه الضياع الأربعة المذكورة بأيديهم إلى وقتنا هذا ، لا ~~ينازعون فيها . وكان الصاحب الوزير PageV18P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" فخر الدين عمر بن الخليلي رحمه الله ، إذا ~~نابته نائبة ، أو صودر أو أوذي بوجه من وجوه الأذى ، توسل إلى الله تعالى ~~بكتاب نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأظهره للملوك ، فكفوا عن طلبه ، ~~وأفرجوا عنه . ولنرجع إلى أخبار الوفود . ذكر وفد الرهاويين والرهاويين حي ~~من مذحج ، قال ابن سعد : وفد خمسة عشر رجلا من مذحج على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) سنة عشر ، فنزلوا دار رملة بنت الحارث ، فأتاهم رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، فتحدث عندهم طويلا . وأهدوا الرسول ( صلى الله ~~عليه وسلم ) هدايا ؛ منها فرس يقال له المرواح ، فأمر به فشور بين يديه ~~فأعجبه . فأسلموا وتعلموا القرآن والفرائض . وأجازهم كما يجيز الوفد ؛ ~~أرفعهم ثنتي عشرة أوقية ونشا ، وأخفضهم خمس أواق . ثم رجعوا إلى بلادهم . ~~ثم قدم منهم نفر فحجوا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأوصى لهم ~~بجاد مائة وسق من خيبر في الكتيبة جارية عليهم ، وكتب لهم بها كتابا ، ~~فباعوا ذلك في زمن معاوية . ذكر وفد غامد قال : قدم غامد على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في شهر رمضان وهم عشرة ، فنزلوا ببقيع الغرقد ، ثم ms3789 ~~لبسوا من صالح ثيابهم ، ثم انطلقوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فسلموا عليه وأقروا بالإسلام . وكتب لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~كتابا فيه شرائع الإسلام ، وأتوا أبي بن كعب فعلمهم قرآنا . وأجازهم رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) كما كان يجيز الوفد وانصرفوا . ذكر وفد النخع ~~قالوا : بعث النخع رجلين منهم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وافدين ~~بإسلامهم ، وهما أرطأة بن شراحيل بن كعب ، من بني حارثة بن سعد بن مالك بن ~~النخع ، والجهيش واسمه الأرقم ، من بني بكر بن عوف من النخع ، فخرجا حتى ~~قدما على PageV18P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فعرض ~~عليهما الإسلام فقبلاه وبايعا عن قومهما ، فأعجب رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) شأنهما ، وحسن هيئتهما ؛ فقال : " هل خلفتما وراء كما من قومكما ~~مثلكما " ؟ قالا : يا رسول الله ، قد خلفنا وراءنا من قومنا سبعين رجلا ~~كلهم أفضل منا ، وكلهم يقطع الأمر وينفذ الأشياء ، ما يشاركوننا في الأمر ~~إذا كان ، فدعا لهما رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولقومهما بخير ، ~~وقال : " اللهم بارك في النخع " . وعقد لأرطأة لواء على قومه ، وكان في يده ~~يوم الفتح ، فشهد به القادسية فقتل يومئذ ، فأخذه أخوه دريد فقتل - رحمهما ~~الله - فأخذه سيف ابن الحارث من بني جذيمة ، فدخل به الكوفة . قال ابن سعد ~~: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي ، قال : كان آخر من قدم من الوفد على رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وفد النخع ، وقدموا من اليمن للنصف من المحرم ~~، سنة إحدى عشرة ، وهم مائتا رجل ، فنزلوا دار رملة بنت الحارث ، ثم جاءوا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مقرين بالإسلام ، وقد كانوا بايعوا معاذ ~~بن جبل باليمن ، وكان فيهم زرارة بن عمرو . وحكى أبو عمر بن عبد البرفي ~~ترجمة زرارة بن عمرو ، والد عمرو بن زرارة ، قال : قدم على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في وفد النخع ، فقال : يا رسول الله ، إني رأيت في طريقي ~~رؤيا هالتني . قال : " وما هي ms3790 " ؟ قال : رأيت أتانا خلفتها في أهلي ولدت ~~جديا أسفع أحوى ، ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي - يقال ~~له عمرو - وهي تقول : لظى لظى ، بصير وأعمى . فقال النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " أخلفت في أهلك أمة مسرة ولدا " . قال : نعم . قال : " فإنها قد ~~ولدت غلاما وهو ابنك " قال : فما باله أسفع أحوى ؟ قال : " ادن مني ، أبك ~~برص تكتمه " ؟ قال : والذي بعثك بالحق ، ما علمه أحد قبلك . قال : " فهو ~~ذاك ، وأما النار فإنها فتنة تكون بعدي " . قال : وما الفتنة يا رسول الله ~~؟ قال : يقتل الناس إمامهم ، يشتجرون اشتجار أطباق الرأس - وخالف بين ~~أصابعه - دم المؤمن عند المؤمن أحلى من الماء ، يحسب المسيء أنه محسن ، إن ~~مت أدركت ابنك ، وإن مات ابنك أدركتك " . قال : فادع الله لي ألا تدركني . ~~فدعا له . قال : وكان قدوم زرارة بن عمرو هذا على رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في النصف من شهر رجب سنة تسع . PageV18P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" وقال الطبري : قدم على رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وفد النخع وهم مائتا رجل ، وفيهم زرارة بن قيس بن الحارث بن ~~عدي بن الحارث بن عوف بن جشم ابن كعب بن قيس بن منقذ بن مالك بن النخع ~~فأسلموا . ذكر وفد بجيلة قال ابن سعد : قدم جرير بن عبد الله البجلي سنة ~~عشر المدينة ، ومعه من قومه مائة وخمسون رجلا ، فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " يطلع عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك " ~~فطلع جرير على راحلته ومعه قومه فأسلموا وبايعوا . قال جرير : فبسط رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) يده فبايعني ، وقال : " على أن تشهد أن لا إله ~~إلا الله ، وأني رسول الله ، ثم تقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم شهر ~~رمضان ، وتنصح للمسلم ، وتطيع الوالي وإن كان عبدا حبشيا " فقال : نعم ، ~~فبايعه . وقدم قيس بن أبى غرزة الأحمسي - وقيل غرزة بن قيس البجلي - في ~~مائتين وخمسين رجلا من أحمس ، فقال لهم رسول الله ( صلى الله ms3791 عليه وسلم ) : ~~" من أنتم " ؟ فقالوا : نحن أحمس الله . وكان يقال لهم ذاك في الجاهلية . ~~فقال لهم : " وأنتم اليوم لله " . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~لبلال : " أعط ركب بجيلة وابدأ بالأحمسيين " ففعل . وسأل رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) جرير ابن عبد الله " ما فعل ذو الخلصة " ؟ قال : هو على ~~حاله ، قد بقي والله ، نريح منه إن شاء الله ، فبعثه رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إلى هدمه ، وعقد له لواء فقال : إني لا أثبت على الخيل فمسح ~~صدره ، وقال : " اللهم اجعله هاديا مهديا " فخرج في قومه وهم زهاء مائتين ، ~~فما أطال الغيبة حتى رجع ؛ فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~هدمته " ؟ قال : نعم ، والذي بعثك بالحق ، وأخذت ما عليه وأحرقته بالنار ، ~~فتركته كما يسوء من يهوى هواه ، وما صدنا عنه أحد . قال فبرك رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) يومئذ على خيل أحمس ورجالها . PageV18P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" ذكر وفد خثعم قالوا وفد عثعث بن زحر ، وأنس بن ~~مدرك ، في رجال من خثعم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد ما هدم ~~جرير بن عبد الله ذا الخلصة ، وقتل من قتل من خثعم ، فقالوا : آمنا بالله ~~ورسوله ، وما جاء من عند الله ، فاكتب لنا كتابا نتبع ما فيه ؛ فكتب لهم ~~كتابا شهد فيه جرير بن عبد الله ومن حضر . ذكر وفد حضرموت قالوا : قدم وفد ~~حضرموت مع وفد كندة على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهم بنو وليعة ~~ملوك حضرموت ؛ جمد ، ومخوس ، ومشرح ، وأبضعة ، فأسلموا ، وقال مخوس : يا ~~رسول الله ، ادع الله أن يذهب عني هذه الرتة من لساني . فدعا له ، وأطعمه ~~طعمة من صدقة حضرموت . وقدم وائل بن حجر الحضرمي وافدا على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وقال : جئت راغبا في الإسلام والهجرة ، فدعا له ومسح ~~رأسه ونودي : " الصلاة جامعة " سرورا بقدوم وائل بن حجر . وأمر رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) معاوية بن أبي سفيان أن ينزله بالحرة ، فمشى معه ، ~~ووائل راكب ms3792 ، فقال له معاوية : ألق إلي نعليك أتوقى بهما الرمضاء . قال : ~~لا ، إني لم أكن لألبسهما وقد لبستهما . ومن رواية : لا يبلغ أهل اليمن أن ~~سوقة لبس نعل ملك . قال : فأردفني ، قال : لست من أرداف الملوك ، قال : إن ~~الرمضاء قد أحرقت قدمي ، قال : امش في ظل ناقتي ، كفاك به شرفا . ويقال : ~~إن وائل بن حجر هذا وفد بعد ذلك إلى معاوية في خلافته فأكرمه معاوية . ~~PageV18P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" قال : ولما أراد وائل بن حجر الشخوص إلى بلاده ~~، كتب له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كتابا وهو : " بسم الله الرحمن ~~الرحيم . هذا كتاب من محمد النبي لوائل بن حجر قيل حضرموت ، إنك أسلمت ~~وجعلت لك ما في يدك من الأرضين والحصون ، وأن يؤخذ منك من كل عشرة واحد . ~~ينظر في ذلك ذوو عدل وجعلت لك ألا تظلم فيها ما قام الدين . والنبي - ( صلى ~~الله عليه وسلم ) - والمؤمنون عليه أنصار " . قال القاضي عياض بن موسى بن ~~عياض - رحمه الله - وفيه : " إلى الأقيال العباهلة ، والأرواع المشابيب " . ~~وفيه : " في التيعة شاة لا مقورة الألياط ولاضناك ، وأنطوا الثبجة ، وفي ~~السيوب الخمس ومن زنى من امبكر فاصقعوه مائة واستوفضوه عاما ، ومن زنى من ~~امثيب فضرجوه بالأضاميم ، ولا توصيم في الدين ، ولا عمة في فرائض الله ؛ ~~وكل مسكر حرام ، ووائل بن حجر يترفل على الأقيال " . قال محمد بن سعد بسنده ~~إلى أبي عبيدة من ولد عمار بن ياسر قال : وفد مخوس ابن معدي كرب بن وليعة ~~فيمن معه على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم خرجوا من عنده ~~PageV18P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" فأصاب مخوس اللقوة فرجع منهم نفر ، فقالوا : ~~يا رسول الله ، سيد العرب ضربته اللقوة ، فادللنا على دوائه ، فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " خذوا مخيطا فأحموه في النار ، ثم اقلبوا ~~شفر عينيه ، ففيها شفاؤه ، وإليها مصيره ، فالله أعلم ما قلتم حين خرجتم من ~~عندي " . فصنعوه به فبريء . ذكر وفد أزدعمان قالوا : أسلم أهل عمان ، فبعث ~~إليهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) العلاء بن ms3793 الحضرمي ليعلمهم شرائع ~~الإسلام ، ويصدق أموالهم ، فخرج وفدهم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ، فيهم أسد بن بيرح الطاحي ، فلقوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فسألوه أن يبعث معهم رجلا يقيم أمرهم ، فقال مخرمة العبدي واسمه مدرك بن ~~خوط : ابعثني إليهم فإن لهم علي منة ؛ أسروني في يوم جنوب فمنوا علي . ~~فوجهه معهم إلى عمان ، وقدم بعدهم سلمة بن عباد الأزدي في ناس من قومه ، ~~فسأل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عما يعبد وما يدعو إليه ، فأخبره ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : ادع الله أن يجمع كلمتنا ~~وألفتنا . فدعا لهم ، وأسلم سلمة ومن معه . ذكر وفد غافق وقدم جليحة بن ~~شجار بن صحار الغافقي ، على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في رجال من ~~قومه ، فقالوا : يا رسول الله ، نحن الكواهل من قومنا ، وقد أسلمنا ~~وصدقاتنا محبوسة بأفنيتنا . فقال : " لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم " ~~فقال عوذ بن سرير الغافقي : آمنا بالله واتبعنا رسول الله . ذكر وفد بارق ~~قالوا : قدم وفد بارق ، فدعاهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى ~~الإسلام فأسلموا وبايعوا ، وكتب لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~PageV18P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" " هذا كتاب من محمد رسول الله - ( صلى الله ~~عليه وسلم ) - لبارق ألا تجذ ثمارهم ، ولا ترعى بلادهم في مربع ولا مصيف ~~إلا بمسألة من بارق . ومن مر بهم من المسلمين في عرك أو جدب فله ضيافة ~~ثلاثة أيام . وإذا أينعت ثمارهم فلابن السبيل اللقاط بوسع بطنه من غير أن ~~يقيه " . ثم شهد أبو عبيدة بن الجراح ، وحذيفة بنى اليمان ، وكتب أبي بن ~~كعب . ذكر وفد ثمالة والحدان قالوا : قدم عبد الله بن غلس الثمالي ومسلمة ~~بن هاران الحداني على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في رهط من قومهما ~~بعد فتح مكة ، فأسلموا وبايعوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على قومهم ~~، وكنتب لهم كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم ، كتبه ثابت بن قيس ~~بن شماس ، وشهد فيه سعد ms3794 بن عبادة ومحمد ابن مسلمة . ذكر وفد مهرة قالوا : ~~قدم وفد مهرة على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، عليهم مهري بن الأبيض ~~، فعرض عليهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الإسلام فأسلموا ، وكتب لهم ~~: " بسم الله الرحمن الرحيم . هذا كتاب من محمد رسول الله لمهري بن الأبيض ~~على من آمن به من مهرة ألا يؤكلوا ولا يعركوا . وعليهم إقامة شعائر الإسلام ~~، فمن بدل فقد حارب ، ومن آمن به فله ذمة الله وذمة رسوله . القطة مؤداة ، ~~والسارحة منداة ، والتفث السيئة ، والرفث الفسوق " . وكتب محمد بن مسلمة ~~الأنصاري . PageV18P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" قالوا : ووفد إلى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) رجل من مهرة ، يقال له زهير ابن قرضم بن الجعيل من الشحر ، فكان ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يدنيه لبعد مسافته ، فلما أراد الانصراف ~~بتته ، وحمله ، وكتب له كتابا . ذكر وفد حمير قالوا : قدم على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) مالك بن مرارة الرهاوي ، رسول ملوك حمير بكتابهم ~~وإسلامهم ، وذلك في شهر رمضان سنة تسع عند مقدمه من تبوك ، وهم : الحارث بن ~~عبد كلال ، ونعيم بن عبد كلال ، والنعمان قيل ذي رعين ، ومعافر ، وهمدان . ~~قال ابن إسحق : وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي فكتب إليهم رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول ~~الله إلى الحارث بن عبد كلال وإلى نعيم بن عبد كلال ، وإلى النعمان قيل ذي ~~رعين ومعافر وهمدان - أما بعد ذلكم - فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا ~~هو - أما بعد - فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم ، فلقينا ~~بالمدينة ، فبلغ ما أرسلتم به ، وخبر ما قبلكم ، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم ~~المشركين ، وأن الله قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله ، وأقمتم ~~الصلاة وآتيتم الوكاة وأعطيتم من المغانم خمس الله ، وسهم النبي وصفيه ، ~~وما كتب على المؤمنين من الصدقة ، من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء ~~، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر ، و إن ms3795 في الإبل الأربعين ابنة لبون ، وفي ~~ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر ، وفي كل خمس من الإبل شاة ، وفي كل عشر من ~~الإبل شاتان ، وفي كل أربعين من البقر بقرة ، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع ~~جذع أو جذعة ، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة ، وأنها فريضة الله ~~التي فرض على المؤمنين في الصدقة ، فمن زاد خيرا فهو خير له ، ومن أدى ذلك ~~، وأشهد على PageV18P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" إسلامه ، وظاهر المؤمنين على المشركين ، فهو ~~من المؤمنين ، له ما لهم ، وعليه ما عليهم وله ذمة الله وذمة رسوله ، وإنه ~~من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين ، له ما لهم ، وعليه ما عليهم ~~، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها ، وعليه الجزية على كل ~~حالم ذكر أو أنثى ، حر أو عبد دينار واف ، من قيمة المعافر أو عوضه ثيابا ، ~~فمن أدى ذلك إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فإن له ذمة الله وذمة ~~رسوله ، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) . أما بعد - ~~فإن رسول الله محمدا النبي أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذا أتاكم رسلي فأوصيكم ~~بهم خيرا : معاذ بن جبل ، وعبد الله بن زيد ، ومالك بن عبادة ، وعقبة ابن ~~نمر ، ومالك بن مرة ، وأصحابهم ، وأن اجمعوا له ما عندكم من الصدقة ، ~~والجزية من مخالفيكم ، وأبلغوها رسلي ، وأن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن ~~إلا راضيا . أما بعد - فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله ~~، ثم إن مالك ابن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير وقتلت ~~المشركين ، فأبشر بخير ، وآمرك بحمير خيرا ، ولا تخونوا ولا تخاذلوا ، فإن ~~رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - هو مولى غنيكم وفقيركم ، وأن الصدقة ~~لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته ، إنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين ~~وابن السبيل ، وأن مالكا قد بلغ الخبر ، وحفظ الغيب وآمركم به خيرا ، وأني ~~أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي ms3796 دينهم وأولي علمهم ، وآمركم بهم خيرا ، ~~فإنهم منظور إليهم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " . ذكر وفد جيشان ~~قال محمد بن سعد : قدم أبو وهب الجيشاني على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في نفر من قومه ، فسألوه عن أشربة تكون باليمن ، فسموا له البتع من ~~العسل ، والمزر من الشعير ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " هل ~~تسكرون منهما " قالوا : إن أكثرنا سكرنا ، قال : " فحرام قليل ما أسكر ~~كثيره " ، وسألوه عن الرجل يتخذ الشراب فيسقيه عما له ، فقال : " كل مسكر ~~حرام " PageV18P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" . ذكر وفد سلول قال أبو عمر يوسف بن عبد الله ~~بن عبد البر النمري رحمه الله : قدم قردة بن نفاثة السلولي ، من بني عمرو ~~بن مرة بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في جماعة من بني سلول ، فأمره عليهم بعد ما أسلم وأسلموا ؛ فأنشأ ~~يقول : بان الشباب فلم أحفل به بالا . . . وأقبل الشيب والإسلام إقبالا وقد ~~أروي نديمي من مشعشعة . . . وقد أقلب أوراكا وأكفالا الحمد لله إذ لم يأتني ~~أجلي . . . حتى اكتسيت من الإسلام سربالا قال وقد قيل : إن البيت الثالث ~~للبيد ، قال أبو عبيدة : لم يقل لبيد في الإسلام غيره ، وكان قد عمر مائة ~~وخمسين سنة . قال أبو عمر : وقردة هذا هو الذي يقول : أصبحت شيخا أرى ~~الشخصين أربعة . . . والشخص شخصين لما مسني الكبر لا أسمع الصوت حتى أستدير ~~له . . . وحال بالسمع دوني المنظر القصر وكنت أمشي على الساقين معتدلا . . ~~. فصرت أمشي على ما تنبت الشجر إذا أقوم عجنت الأرض متكا . . . على البراجم ~~حتى يدهب النفر ذكر وفد نجران وسؤالهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وما أنزل الله عز وجل فيهم من القرآن قال محمد بن إسحاق : قدم على رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وفد نصارى نجران ستون راكبا ، فيهم أربعة عشر ~~رجلا من أشرافهم ، وهم : العاقب عبد المسيح ، والسيد وهو PageV18P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" الأيهم ، وأبو حارثة ابن علقمة ، وأوس ، ~~والحارث ، وزيد ، وقيس ، ويزيد ms3797 ، ونبيه وخويلد ، وعمرو ، وخالد ، وعبد الله ~~، ويحنس . ومن هؤلاء الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم ، وهم العاقب ~~أمير القوم وذو رأيهم ، وصاحب مشورتهم ، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه ، ~~واسمه عبد المسيح . قال محمد بن سعد : هو رجل من كندة والسيد ثمالهم ، ~~وصاحب رحلهم ومجتمعهم ، واسمه الأيهم ، وأبو حارثة ابن علقمة أحد بكر بن ~~وائل أسقفهم وحبرهم وإمامهم ، وصاحب مدراسهم . قال ابن سعد : وكان من ~~الأربعة عشر كوز وهو أخو الحارث بن علقمة ، وأوس أخو السيد . قال : فتقدمهم ~~كوز وهو يقول : إليك تعدو قلقا وضينها . . . معترضا في بطنها جنينها مخالفا ~~دين النصارى دينها وقدم على الني ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم قدم الوفد ~~بعده ، فدخلوا عليه المسجد ، عليهم ثياب الحبرة وأردية مكفوفة بالحرير ، ~~فقاموا يصلون في المسجد نحو الشرق ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " دعوهم " ، ثم أتوا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأعرض عنهم ولم ~~يكلمهم ، فقال لهم عثمان : ذلك من أجل زيكم هذا ، فانصرفوا يومهم ذلك ، ثم ~~غدوا عليه ، بزي الرهبان فسلموا عليه فرد عليهم . قال محمد بن إسحاق : وكان ~~أبو حارثة قد شرف فيهم ، ودرس كتبهم ، حتى حسن علمه في دينهم ، فكانت ملوك ~~الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه ، وبنوا له الكنائس ، ~~وبسطوا عليه الكرامات ؛ لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم ، فلما ~~وجهوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من نجران ، جلس أبو حارثة على ~~بغلة له ، وإلى جنبه أخوه كوز ، - ويقال فيه كرز - فعثرت بغلة أبي حارثة ، ~~فقال كوز : PageV18P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" تعس الأبعد ، يريد رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فقال له أبو حارثة : بل أنت تعست . فقال : ولم يا أخي ؟ قال : ~~والله إنه للنبي الذي كنا ننتظره . فقال له كوز : فما يمنعك منه وأنت تعلم ~~هذا ؟ قال : ما صنع بنا هؤلاء القوم ؛ شرفونا ومولونا وأكرمونا ، وقد أبوا ~~إلا خلافه ، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى . فأضمر عليها منه كوز بن علقمة ~~حتى أسلم بعد ذلك ، فكان ms3798 يحدث عنه هذا الحديث . قال أبو محمد عبد الملك بن ~~هشام : وبلغني أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبا عندهم ، فكلما مات رئيس ~~منهم وأفضت الرياسة إلى غيره ، ختم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التي ~~قبله ولم يكسرها ، فخرج الرئيس الذي كان على عهد النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يمشي فعثر ، فقال ابنه : تعس الأبعد - يريد النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) - فقال له أبوه : لا تفعل فإنه نبي واسمه في الوضائع - يعني الكتب - ~~فلما مات لم يكن لابنه همة إلا أن كسر الخواتم ، فوجد في الكتب ذكر النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فأسلم وحسن إسلامه فحج ، وهو الذي يقول : إليك تعدو ~~قلقا وضينها قال ابن إسحق : ولما قدموا صلوا في المسجد نحوالشرق ، وكلم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منهم الثلاثة نفر : العاقب ، والسيد ، ~~وأبو حارثة ، وهم من النصرانية على دين الملك ، مع اختلاف من أمرهم ، ~~يقولون في المسيح : هو الله ، ويقولون : هو ابن الله ، ويقولون : هو ثالث ~~ثلاثة ، فهم يحتجون في قولهم : هو الله بأنه كان يحيي الموتى ، ويبرئ من ~~الأسقام ، ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير ، ثم ينفخ فيه فيكون ~~طائرا ، ويحتجون في قولهم أنه ابن الله بأنهم يقولون : لم يكن له أب يعلم ، ~~وقد تكلم في المهد ، وهذا شيء لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله . ويحتجون في ~~قولهم أنه ثالث ثلاثة ، بقول الله فعلنا ، وأمرنا ، وخلقنا ، وقضينا ، ~~فيقولون : لو كان واحدا ما قال إلا فعلت وقضيت وأمرت وخلقت ، ولكنه هو ، ~~وعيسى ، ومريم . قال : فلما كلم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الحبران ~~قال لهما " أسلما " ، قالا : قد أسلمنا قبلك . قال : " كذبتما ، يمنعكما من ~~الإسلام دعا كما لله ولدا ، وعبادتكما الصليب ، وأكلكما الخنزير " قالا : ~~فمن أبوه يا محمد ؟ فصمت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فلم يجبهما ، ~~فأنزل الله تعالى عليه في اختلاف أمرهم كله صدر سورة آل عمران ، إلى بضع ~~وثمانين آية منها . PageV18P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" فقال تعالى : " آلم . الله لا إله إلا هو الحي ms3799 ~~القيوم " قال افتتح السورة بتنزيه نفسه عما قالوا وتوحيده ، ليس معه شريك ~~في أمره : " الحي " أي الذي لا يموت ، وقد مات عيسى وصلب في قولكم . القيوم ~~" القائم على مكانه من سلطانه في خلقه لا يزول ، وقد زال عيسى . ثم قال ~~تعالى : " نزل عليك الكتالب بالحق " أي بالصدق فيما اختلفوا فيه " وأنزل ~~التوارة والإنجيل . من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان " أي الفصل بين الحق ~~والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره ، ثم قال : " إن الذين ~~كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام " أي أن الله منتقم ~~ممن كفر بآياته بعد علمه بها ومعرفته . " إن الله لا يخفى عليه شيء في ~~الأرض ولا في السماء " أي قد علم ما يريدون وما يكيدون وما يضاهون بقولهم ~~في عيسى ؛ إذ جعلوه إلها وعندهم من علمه غير ذلك . " هو الذي يصوركم في ~~الأرحام كيف يشاء " أي قد كان عيسى ممن صور في الأرحام لا يدفعون ذلك ولا ~~ينكرونه ، كما صور غيره من ولد آدم ، فكيف يكون إلها وقد كان بذلك المنزل . ~~ثم قال تعالى تنزيها لنفسه وتوحيدا لها : " لا إله إلا هو العزيز الحكيم " ~~أي " العزيز " في انتصاره ممن كفر به إذا شاء الحكيم في حجته وعذره إلى ~~عباده . ثم قال : " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ~~" أي فيهن حجة الرب وعصمة العباد ، ودفع الخصوم والباطل ، ليس لهن تصريف ~~ولا تحريف عما وضعن عليه . " وأخر متشابهات " أي لهن تصريف وتأويل ، ابتلى ~~الله فيهن العباد ، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ، ألا يصرفن إلى الباطل ~~ولا يحرفن عن الحق . قال الله تعالى : " فأما الذين في قلوبهم زيغ " أي ميل ~~من الهدى . " فيتبعون ما تشابه منه " أي ما تصرف منه ؛ ليصدقوا به ما ~~ابتدعوا وأحدثوا لتكون لهم حجة وشبهة على ما قالوا . " ابتغاء الفتنة " أي ~~اللبس " وابتغاء تأويله " أي تأويل ذلك على ما ركبوا من الضلالة في قولهم : ~~خلقنا وقضينا . يقول تعالى : " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون ms3800 في ~~العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا " فكيف يختلف وهو قول واحد ، من رب ~~واحد ، يقول : " وما يذكر إلا أولوا الألباب " أي في مثل هذا . ثم قال ~~تعالى : " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت ~~الوهاب " . ثم قال تعالى : " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا ~~العلم " PageV18P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" يشهدون بذلك . قائما بالقسط " أي بالعدل " لا ~~إله إلا هو العزيز الحكيم . إن الدين عند الله الإسلام " أي ما أنت عليه يا ~~محمد من التوحيد للرب والتصديق للرسل . قال تعالى : " وما اختلف الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم " أي العلم الذي جاءك ~~أن الله الواحد الذي ليس له شريك . ثم قال : " ومن يكفر بآيات الله فإن ~~الله سريع الحساب " يقول تعالى : " فإن حاجوك " أي فيما يأتون به من الباطل ~~من قولهم : خلقنا وفعلنا وأمرنا ، فإنما هي شبهة باطل قد عرفوا ما فيها من ~~الحق " فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين " أي ~~الذين لا كتاب لهم " أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ والله بصير بالعباد " . ثم جمع تعالى أهل الكتابين من اليهود ~~والنصارى فيما أحدثوا وابتدعوا ، فقال : " إن الذين يكفرون بآيات الله ~~ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم ~~بعذاب أليم " إلى قوله " قل اللهم مالك الملك " أي رب العباد والملك الذي ~~لا يقضي فيهم غيره . " تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من ~~تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير " أي لايقدر على هذا ~~غيرك بسلطانك وقدرتك " تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج ~~الحي من الميت وتخرج الميت من الحي " أي بتلك القدرة . " وترزق من تشاء ~~بغير حساب " أي لا يقدر على ذلك غيرك ولا يصنعه إلا أنت ، أي إن كنت سلطت ~~عيسى على الأشياء التي بها يزعمون أنه إله ، من إحياء ms3801 الموتى ، وإبراء ~~الأسقام ، والخلق من الطين ، والإخبار عن الغيوب ، لأجعله به آية للناس ، ~~وتصديقا له في نبوته التي بعثته بها إلى قومه ، فإن من سلطاني وقدرتي ما لم ~~أعطه ؛ من إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل ، وإخراج الحي من الميت ~~، وإخراج الميت من الحي ؛ ورزق من شئت من بر أو فاجر بغير حساب ، فكل ذلك ~~لم أسلط عيسى عليه ، ولم أملكه إياه ، أفلم بكن لهم في ذلك عبرة وبينة أن ~~لو كان إلها لكان ذلك كله إليه ، وهو في قولهم يهرب من الملوك ويتنقل منهم ~~في البلاد ، من بلد إلى بلد . ثم وعظ المؤمنين وحذرهم فقال تعالى : " قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم " أي ما مضى من ~~كفركم " والله غفور رحيم . قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا ~~يحب الكافرين " يقول : أطيعوا الله والرسول فأنتم تعرفونه وتجدونه في ~~كتابكم ، " فإن تولوا " أي على كفرهم . PageV18P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" ثم استقبل أمر عيسى عليه السلام ، وكيف كان ~~بدء ما أراد الله تعالى به فقال : " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم ~~وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم " . ثم ذكر أمر ~~امرأة عمران فقال : " إذا قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني ~~محررا " أي جعلته عتيقا يعبد الله عز وجل ، لا ينتفع به لشيء من الدنيا " ~~فتنقبل مني إنك أنت السميع العليم . فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى ~~والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى " أي ليس الذكر كالأنثى لما جعلتها ~~محررا لك نذيرة " وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان ~~الرجيم " . يقول الله تعالى : فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا ~~وكفلها زكريا " أي كفلها بعد أبيها وأمها ؛ يذكرها باليتم ، ثم قص خبرها ~~وخبر زكريا ، وما دعا به وما أعطاه ، إذ وهب له يحيى ، ثم ذكر مريم ، وقول ~~الملائكة لها ، فقال تعالى : " وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك ~~وطهرك واصطفاك على ms3802 نساء العالمين " قال الثعلبي : القائل من الملائكة جبريل ~~وحده ، " اصطفاك " بولادة عيسى عليه السلام من غير أب ، " وطهرك " من مسيس ~~الرجال . وقيل : كانت مريم عليها السلام لا تحيض و " اصطفاك " بالتحرير في ~~المسجد " على نساء العالمين " قال : على عالمي زمانها ، ولم تحرر أنثى ~~غيرها . " يا مريم اقتني لربك واسجدي واركعي مع الراكعين " قال الثعلبي : ~~قوله " اقنتي " أطيعي وأطيلي الصلاة لربك ، قال : كلمتها الملائكة شفاها . ~~قال الأوزاعي : لما قالت لها الملائكة ذلك ، قامت في الصلاة حتى ورمت ~~قدماها وسالتا دما وقيحا . ثم قال تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم " قال ابن إسحق : كفلها هاهنا جريج الراهب رجل من بني إسرائيل نجار ، ~~خرج السهم عليه فحملها ، وكان زكريا قد كفلها قبل ذلك ، فأصابت بني إسرائيل ~~أزمة شديدة ، فعجز زكريا عن حملها ، فاستهموا عليها ، فخرج السهم على جريج ~~الراهب فكفلها ، يقول تعالى : " وما كنت لديهم إذ يختصمون " أي ما كنت معهم ~~إذ يختصمون في كفالتها ، فخبره تعالى بخفي ما كتموا منه من العلم عندهم ؛ ~~لتحقيق نبوته ، والحجة عليهم بما يأتيهم به مما أخفوا منه . ثم قال تعالى : ~~إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن ~~مريم " أي هكذا كان أمره ، لا كما يقولون فيه . " وجيها في PageV18P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" الدنيا والآخرة ومن المقربين " " وجيها " أي ~~شريفا ذا جاه وقدر " ومن المقربين " عند الله " ويكلم الناس في المهد وكهلا ~~ومن الصالحين " يخبرهم بحالاته التي يتقلب فيها في عمره ؛ كتقلب بني آدم في ~~أعمارهم صغارا وكبارا ، إلا أن الله تعالى خصه بالكلام في مهده آية لنبوته ~~وتنزيها لأمه . وقوله : " وكهلا " قال مقاتل : إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى ~~السماء . وقال الحسين بن الفضل : " كهلا " بعد نزوله من السماء . وقال ابن ~~كيسان : أخبرها أن يبقى حتى يكتهل . وقيل : يكلم الناس في المهد صبيا وكهلا ~~؛ بشرها بنبوته ، فلأمه في المهد معجزة وفي الكهولة دعوة . وقال مجاهد ms3803 : " ~~وكهلا " أي حليما . قال تعالى إخبارا عن مريم : " قالت رب أنى يكون لي ولد ~~ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون " ثم أخبرها بما يريد به فقال تعالى : " ويعلمه الكتاب والحكمة ~~والتوارة والإنجيل " قوله " الكتاب " أي الكتابة والخط . و " الحكمة ~~والتوراة " التي كانت فيهم من عهد موسى قبله " والإنجيل " كتابا آخر أنزله ~~الله إليه ، لم يكن عندهم إلا ذكره أنه كائن . يقول تعالى : " ورسولا إلى ~~بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم " أي يحقق فيها نبوتي أنى رسول منه ~~إليكم . " أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن ~~الله " قال الثعلبي : قراءة العامة بالجمع ؛ لأنه خلق طيرا كثيرة ، وقراء ~~أهل المدينة " طائرا " ذهبوا إلى أنه نوع واحد من الطير ، لأنه لم يخلق غير ~~الخفاش ، قال : وإنما خص الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا ، ليكون أبلغ في ~~القدرة ؛ لأن لها ثديا وأسنانا وهي تحيض وتطير ، قال وهب : كان يطير ما دام ~~الناس ينظرون إليه ، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ، ليتميز فعل الخلق من ~~فعل الله عز وجل ؛ وليعلم أن الكمال لله . " وأبرئ الأكمه والأبرص " " ~~الأكمه " الذي يولد أعمى وجمعه كمه . وقيل : هو الأعمى وهو المعروف من كلام ~~العرب ؛ قال سويد بن أبي كاهل : كمهت عيناه حتى ابيضتا . . . فهو يلحى نفسه ~~حتى نزع PageV18P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" والأبرص الذي فيه وضح ، قال : وإنما خص هذين ، ~~لأنهما عياءان وكان الغالب على زمن عيسى عليه السلام الطب ؛ فأراهم الله ~~تعالى المعجزة من جنس ذلك . قال وهب : ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من ~~المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفا ، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه ، ومن لم ~~يطق أتاه عيسى عليه السلام ، وإنما كان يداويهم بالدعاء ، على شرط الإيمان ~~. " وأحيي الموتى بإذن الله " قال الثعلبي : أحيا أربعة أنفس العازر وكان ~~صديقا له ، فأرسلت أخته إلى عيسى : إن أخاك العازر يموت فأته ، وكان بينه ~~وبينه مسيرة ثلاثة أيام ، فأتاه هو وأصحابه ms3804 ، فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام ~~، فقال لأخته : انطلقي بنا إلى قبره . فانطلقت معهم إلى قبره وهو في صخرة ~~مطبقة ، فقال عيسى عليه السلام : " اللهم رب السموات السبع ، إنك أرسلتني ~~إلى بني إسرائيل أدعوهم إلى دينك ، وأخبرني أني أحيي الموتى بإذنك ، فأحي ~~العازر " ، قال : فقام عازر وودكه يقطر ، فخرج من قبره وبقي وولد له . ~~وأحيا ابن العجوز ، مر به ميتا على عيسى عليه السلام ، وهو يحمل على سرير ، ~~فدعا الله تعالى عيسى ، فجلس على سريره ، ونزل عن أعناق الرجال ، ولبس ~~ثيابه ، وحمل السرير على عنقه ، ورجع إلى أهله ، فبقي وولد له ، وابنة ~~العاشر قيل له : أتحييها وقد ماتت بالأمس ؟ فدعا الله عز وجل فعاشت وبقيت ~~وولدت ، وسام بن نوح عليهما السلام ، ودعا الله باسم الله الأعظم ، فخرج من ~~قبره وقد شاب نصف رأسه ، فقال : قد قامت القيامة ؟ قال : لا ، ولكني دعوتك ~~باسم الله الأعظم ، ثم قال له : مت ، قال : بشرط أن يعيذني الله من سكرات ~~الموت ، فدعا الله سبحانه ففعل . قال الكلبي : كان يحيي الأموات بيا حي يا ~~قيوم . قال تعالى : " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك ~~لآية لكم إن كنتم مؤمنين " أي آية لكم أني رسول من الله إليكم . يقول تعالى ~~: " ومصدقا لما بين يدي من التوراة " أي لما سبقني منها . " ولأحل لكم بعض ~~الذي حرم عليكم " أي أخبركم أنه كان عليكم حراما فتركتموه ، ثم أحله لكم ~~تخفيفا عنكم فتصيبون يسره وتخرجون من تباعته . يقول تعالى : " وجئتكم بأية ~~من ربكم فاتقوا الله وأطيعون . إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ~~" أي هذا الهدى قد PageV18P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" حملتكم عليه وجئتكم به . يقول تعالى : " فلما ~~أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ~~آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون . ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول ~~فاكتبنا مع الشاهدين " أي هكذا كان قولهم وإيمانهم ، لا كما يقول هؤلاء ~~الذين يحاجونك ، ثم ذكر تعالى رفعه عيسى إليه حين اجتمعوا لقتله ، فقال " ~~ومكروا ms3805 ومكر الله والله خير الماكرين " قال أهل المعاني : المكر السعي ~~بالفساد في ستر ومداجاة . وقال الفراء : المكر من المخلوقين الحب والخديعة ~~والحيلة ، وهو من الله استدراجه العباد . ثم أخبرهم تعالى ، ورد عليهم فيما ~~أقروا به لليهود من صلبه ، وأن الله عصمه منهم ، ورفعه إليه ، فقال تعالى : ~~" إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم ~~فيما كنتم فيه تختلفون . فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا ~~والآخرة وما لهم من ناصرين . وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فنوفيهم ~~أجورهم والله لا يحب الظالمين . ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم " ~~قال الثعلبي : اختلفوا في معنى التوفي هاهنا ؛ فقال كعب والحسن والكلبي ~~ومطر الوراق ومحمد بن جعفر بن الزبير وابن جريح وابن زيد : معناه إني قابضك ~~ورافعك من الدنيا إلي من غير موت . قال : وعلى هذا القول تأويلان : أحدهما ~~- إني رافعك إلي وافيا لم ينالوا منك شيئا ؛ من قولهم توفيت هذا ، ~~واستوفيته أي أخذته تاما . والآخر - إني مسلمك ؛ من قولهم توفيت منه كذا أي ~~تسلمته . وقال الربيع بن أنس : معناه إني منيمك ورافعك إلي في نومك ؛ ويدل ~~عليه قوله تعالى : " وهو الذي يتوفاكم بالليل " أي ينيمكم ؛ لأن النوم أخو ~~الموت . وقوله تعالى : " الله يتوفى الأنفس " الآية . وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال : إني مميتك ، ويدل عليه قوله تعالى : " قل يتوفاكم ملك ~~الموت " وقوله : " أو نتوفينك " قال : وله على هذا القول تأويلان : أحدهما ~~- ما قال وهب : توفى الله تعالى عيسى عليه السلام ثلاث ساعات من النهار ثم ~~رفعه إليه . وقال ابن إسحق : النصارى يزعمون أن الله تعالى توفاه سبع ساعات ~~من النهار ، ثم أحياه ورفعه . PageV18P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" والآخر - ما قال الضحاك وجماعة من أهل المعاني ~~: إن في الكلام تقديما وتأخيرا ، معناه إني رافعك إلي ومطهرك من الذين ~~كفروا ، ومتوفيك بعد أن أنزلك من السماء . وقال أبو بكر بن محمد بن موسى ~~الواسطي ms3806 : معناه " إني متوفيك " عن شهواتك وحظوظ نفسك . قال : وذلك أنه لما ~~رفع إلى السماء صار حاله حال الملائكة . وقوله : " ورافعك إلي " قال ~~البناني والشيباني : كان عيسى عليه السلام على طور زيتا فهبت ريح ، فهرول ~~عيسى ، فرفعه الله عز وجل في هرولته ، وعليه مدرعة من شعر . وقيل : معناه ~~ورافعك بالدرجة في الجنة ، ومقربك إلي بالإكرام . وقوله : " ومطهرك من ~~الذين كفروا " أي مخرجك من بينهم ومنجيك منهم . وقوله : " وجاعل الذين ~~اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة " قال قتادة والربيع والشعبي ~~ومقاتل والكلبي : هم أهل الإسلام الذين اتبعوا دينه وسنته من أمة محمد صلى ~~الله علسه وسلم ، فوالله ما اتبعه من دعاه ربا . " فوق الذين كفروا " ~~ظاهرين قاهرين بالعز والمنعة والدليل والحجة . وقال الضحاك وعلي ومحمد بن ~~أبان : يعني الحواريين فوق الذين كفروا . وقيل : هم الروم . وقال ابن زيد : ~~وجاعل النصارى فوق اليهود ، فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق ~~اليهود ، واليهود مستذلون مقهورون . قال : وعلى هذين القولين يكون معنى ~~الاتباع : الادعاء والمحبة لا اتباع الدين والملة . " ثم إلي مرجعكم " أي ~~في الآخرة . " فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون " أي من الدين وأمر عيسى ~~. قوله : " فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا " بالقتل ~~والسبي والجزية والذلة . " والآخرة " بالنار . " وما لهم من ناصرين " . ~~قوله : " وأما الذين آمنوا " الآية ظاهرة المعنى . قوله : ذلك نتلوه عليك ~~من الآيات والذكر الحكيم " أي هذا الذي ذكرته لك ، قال النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " هو القرآن " . وقيل : هو اللوح المحفوظ ، وهو معلق بالعرش ~~، من درة بيضاء ، و " الحكيم " هو المحكم من الباطل ؛ قاله مقاتل . وقال ~~ابن إسحق : أي القاطع الفاضل ، الحق الذي لا يخالطه الباطل ، من الخبر عن ~~عيسى ، وعما اختلفوا فيه من أمره ، فلا تقبلن خبرا غيره . فقال : " إن مثل ~~عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون . الحق من ربك فلا ~~تكن من الممترين " أي قد جاءك الحق فلا تمترين فيه ، وإن قالوا ~~PageV18P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" خلق عيسى ms3807 من غير ذكر ، فقد خلقت آدم من تراب ~~بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر ؛ فكان لحما ودما وعظما وشعرا وبشرا ، كما ~~كان عيسى ، فليس خلق عيسى من غير ذكر بأعجب من هذا . ثم قال تعالى : " فمن ~~حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم " أي من بعد ما قصصت عليك من خبره " فقل ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل ~~فنجعل لعنة الله على الكاذبين " قوله : " نبتهل " أي نتضرع في الدعاء . ~~وقيل : نخلص في الدعاء . وقيل : نجتهد ونبالغ فنقول لعن الله الكاذب منا ~~ومنكم . قال ابن إسحاق : " إن هذا " الذي جئت به من الخبر عن عيسى " لهو ~~القصص الحق " من أمره . " وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم ~~. فإن تولوا " أي إن أعرضوا عن الإيمان " فإن الله عليم بالمفسدين " أي ~~الذين يعبدون غير الله تعالى ، ويدعون الناس إلى عبادة غير الله . ثم قال ~~تعالى : " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد ~~إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن ~~تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " فدعاهم إلى النصف ، وقطع عنهم الحجة ، ~~قال فلما أتى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الخبر من الله عز وجل عن ~~عيسى ، والفصل من القضاء بينه وبينهم ، وأمره بما أمره به من ملاعنتهم إن ~~ردوا ذلك عليه ، دعاهم إلى ذلك ؛ فقالوا ، يا أبا القاسم ، دعنا ننظر في ~~أمرنا ، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه ، فانصرفوا عنه ، ثم ~~خلوا بالعاقب ، فقالوا : يا عبد المسيح ، ما ترى ؟ فقال : والله يا معشر ~~النصارى لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل ، لقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ~~ولقد علمتم ما لا عن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم ، ولا نبت صغيرهم ، وأنه ~~الاستئصال منكم لو فعلتم ، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ~~ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل ، ثم انصرفوا إلى بلادكم . ~~فأتوا رسول ms3808 الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا : يا أبا القاسم ، قد رأينا ~~ألا نلاعنك ، وأن نتركك على دينك ، ونرجع على ديننا ، ولكن ابعث معنا رجلا ~~من أصحابك ، ترضاه لنا ، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا ، ~~فإنكم عندنا رضا . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ائتوني ~~العشية أبعث معكم القوي الأمين " فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : ~~ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ رجاء أن أكون صاحبها ، فخرجت إلى ~~الظهر PageV18P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" مهجرا ، فلما صلى بنا رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) الظهر ، سلم ثم نظر عن يمينه ويساره ، فجعلت أتطاول له ليراني ~~، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه له ، وذلك قبل ~~الهجرة . فقال : " اخرج فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه " قال عمر : ~~فذهب بها أبو عبيدة . وهذا ما رواه ابن هشام عن ابن إسحق . وقال محمد بن ~~سعد في طبقاته : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما عرض عليهم ~~المباهلة انصرفوا عنه ، ثم أتاه عبد المسيح ورجلان من ذوي رأيهم ، فقال : ~~قد بدا لنا ألا نباهلك ، فاحكم علينا بما أحببت نعطك ونصالحك . فصالحهم على ~~ألفي حلة : ألف في شهر رجب ، وألف في صفر ، أو قيمة كل حلة من الأواقي ، ~~وعلى عارية ثلاثين درعا ، وثلاثين رمحا وثلاثين بعيرا ، وثلاثين فرسا : إن ~~كان باليمن كيد . ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله ، ~~على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم ، لا يغير أسقف ~~من سقيفاه ، ولا راهب من رهبانيته ، ولا واقف من وقفانيته ، وفي بعض ~~الروايات لا يغير وافه من وفهيته ، ولا قسيس من قسيسيته ، والوافه : قيم ~~الكنيسة . قال : وأشهد على ذلك شهودا . منهم أبو سفيان بن حرب ، والأقرع بن ~~حابس والمغيرة بن شعبة ، ورجعوا إلى بلادهم ، فلم يلبث السيد والعاقب إلا ~~يسيرا حتى رجعا إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأسلما وأنزلهما في دار ~~أبي أيوب الأنصاري ، وأقام أهل نجران على ما كتب لهم به رسول الله ms3809 ( صلى ~~الله عليه وسلم ) حتى قبضه الله تعالى . ثم ولي أبو بكر فكتب بالوصاة بهم ~~عند وفاته ، ثم أصابوا ربا فأخرجهم عمر بن الخطاب من أرضهم ، وكتب لهم : " ~~هذا ما كتب عمر أمير المؤمنين لنجران . من سار منهم إنه آمن بأمان الله ، ~~لا يضرهم أحد من المسلمين ، وفاء لهم بما كتب لهم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وأبو بكر - أما بعد - فمن وقعوا به من أمراء الشام وأمراء ~~العراق فليوسعهم من جريب الأرض ، ما اعتملوا من ذلك فهو لهم صدقة ، وعقبة ~~لهم بمكان أرضهم ، لا سبيل عليهم فيه لأحد ولا مغرم - أما بعد - فمن حضرهم ~~بمن رجل مسلم فلينصرهم على من ظلمهم ، PageV18P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" فإنهم أقوام لهم الذمة . وجزيتهم عنهم متروكة ~~أربعة وعشرين شهرا بعد ان يقدموا ، ولا يكلفوا إلا من ضيعتهم ، غير مظلومين ~~، ولا معنوف عليهم . شهد عثمان بن عفان ومعيقيب بن أبي فاطمة . قال : فوقع ~~ناس منهم بالعراق ، فنزلوا النجرانية التي هي ناحية الكوفة . وحيث ذكرنا ~~وفادات العرب ، فلا بأس أن نصل هذا الفصل بما يناسبه من خبر الجن في ~~إسلامها ، ونلحق ذلك بما يتعلق به من إخبار الجن أصحابهم بأمر رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، ومن أسلم بسبب ذلك ، فإنا عند ذكرنا للمبشرات برسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ذكرنا من ذلك طرفا ، وأخرنا بقيته لنذكره في ~~هذا الفصل ، ونبهنا عليه هناك . ذكر خبر إسلام الجن ودعائهم قومهم إلى ~~الإيمان عند سماعهم القرآن قال تعالى : " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ~~يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين . ~~قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه إلى ~~الحق وإلى طريق مستقيم . يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ~~ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم . ومن لا يجب داعي الله فليس يمعجز في الأرض ~~وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين " . وكان من خبر الجن ما روى عن ~~عبد الله ms3810 بن عباس رضي الله عنهما ، قال : انطلق رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في طائفة من أصحابه ، عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين ~~وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين ، قفالوا : مالكم ؟ ~~فقالوا : قد حيل ببينا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب ، قالوا : ما ~~حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما قد حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ، ~~فانظروا ما هذا الأمر الذي قد حدث ، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ~~، PageV18P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين ~~خبرالسماء ، وانطلق الذين توجهوا إلى نحو تهامة إلى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بنحلة وهو عامد إلى سوق عكاظ ، وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر ، ~~فلما سمعوا القرآن تسمعوا له فقالوا : هذا الذي حال بينكم وبين خبرالسماء . ~~فهنالك رجعوا إلى قومهم " فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا . يهدي إلى الرشد ~~فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا " . وأنزل الله تعالى على نبيه ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن " وإنما أوحي إليه قول ~~الجن ، روا البخاري في صحيحه عن موسى بن إسماعيل ، عن أبي عوانة ، عن أبي ~~بشر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس . وذهب محمد بن سعد إلى أن استماع الجن ~~كان بنخلة ، عند عود رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من الطائف ، لما ~~توجه يدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا له ، وذلك قبل الهجرة . وقال الشيخ ~~أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتابه المترجم " بدلائل النبوة " ومعرفة ~~أحوال صاحب الشريعة " بعد أن ساق حديث البخاري قال : وهذا الذي حكاه عبد ~~الله بن عباس إنما هو في أول ما سمعت الجن قراءة النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وعلمت بحاله ، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه ، ~~ثم أتاه داعي الجن مرة أخرى ، فذهب معه ، وقرأ عليهم القرآن ، كما حكاه عبد ~~الله بن مسعود . وقد روى البيهقي بسنده إلى عبد الله بن مسعود خبر الجن في ~~القصتين : أما الأولى فإنه ms3811 قال : هبطوا على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة ، فلما سمعوه قالوا : أنصتوا - قالوا صه - ~~وكانوا سبعة ، أحدهم زوبعة ، فأنزل الله تعالى : " وإذ صرفنا إليك نفرا من ~~الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا " إلى قوله " أولئك في ضلال ~~مبين " . وعن ابن مسعود أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) آذنته بالجن شجرة ~~، رواه البخاري ومسلم في الصحيحين . PageV18P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" وأما القصة الثانية ، فرواها عن الشعبي عن ~~علقمة قال : قلت لعبد الله بن مسعود هل صحب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ليلة الجن منكم أحد ؟ فقال : ما صحبه منا أحد ، ولكنا فقدناه ذات ليلة ~~بمكة فقلنا : اغتيل ؟ استطير ؟ ما فعل ؟ قال : فبتنا بشر ليلة بات بها قوم ~~، فلما كان في وجه الصبح أو قال في السحر ، إذا نحن به يجئ من قبل حراء ، ~~فقلنا : يا رسول الله ، فذكروا الذي كانوا فيه ، فقال : " إنه أتاني داعي ~~الجن فأتيتهم فقرأت عليهم " قال : فانطلق فأرانا آثارهم ، وآثار نيرانهم ، ~~قال : وقال الشعبي فسألوه الزاد ، وقال ابن أبي زائدة : قال عامر سألوه ~~ليلتئذ الزاد ، وكانوا من جن الجزيرة ، فقال : " كل عظم ذكر اسم الله عليه ~~يقع في أيديكم أوفر ما كان لحما ، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم - قال - ~~فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن " رواه مسلم في صحيحه . وكان ~~فيما قرأ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عليهم : " الرحمن . علم القرآن ~~" السورة ؛ ويدل على ذلك ما رواه محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ~~قال : لما قرأ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " الرحمن " على الناس ~~سكتوا فلم يقولوا شيئا ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " للجن ~~كانوا أحسن جوابا منكم لما قرأت عليهم " فبأي آلاء ربكما تكذبان " قالوا : ~~لا ولا بشيء من آلاء ربنا نكذب " . ومن رواية أخرى عنه : " قالوا ولا بشيء ~~من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد " . وعن أبي المليح الهذلي أنه كتب إلى عبيدة ~~بن عبد الله بن مسعود : أين قرأ رسول ms3812 الله ( صلى الله عليه وسلم ) على الجن ~~؟ فكتب إليه : إنه قرأ عليهم بشعب يقال لهم الحجون . وروى عن عبد الله بن ~~مسعود عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) " أن نفرا من الجن خمسة عشر بني ~~أخوة وبني عم يأتونني الليلة فأقرأ عليهم القرآن " . وقيل : كانوا أكثر من ~~هذا . وقد جاء عنه : أنه ذهب إلى موضعهم ، قال : فرأيت موضع مبرك ستين ~~بعيرا . ولما رأى عبد الله بن مسعود رجال الزط قال : ما رأيت شبههم إلا ~~الجن ليلة الجن ، وكانوا مستنفرين يتبع بعضهم بعضا . PageV18P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" ذكر إخبار الجن أصحابهم بأمر رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وإسلامهم بسبب ذلك روى أبو عبد الله محمد بن إسماعيل ~~البخاري رحمه الله في صحيحه ، بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال ~~: ما سمعت عمر رضي الله عنه لشيء قط يقول ، إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن ~~؛ بينا عمر جالس إذ مر رجل جميل ، فقال : لقد أخطأ ظني أو إن هذا على دينه ~~في الجاهلية ، ولقد كان كاهنهم ؛ علي الرجل ، فدعي له ، فقال له عمر : لقد ~~أخطأ ظني أو إنك على دينك في الجاهلية أو لقد كنت كاهنهم ، فقال : ما رأيت ~~كاليوم استقبل به رجل مسلم . قال : فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني . قال : ~~كنت كاهنهم في الجاهلية . قال : فما أعجب ما جاءتك به جنيتك ؟ قال : بينا ~~أنا يوما في سوق جاءتني أعرف فيها الفزع ، قالت : ألم تر الجن وإبلاسها . . ~~. ويأسها بعد وإبلاسها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها . . . ويأسها بعد من ~~أنساكها قال عمر : صدق ، بينا أنا نائم عند آلهتهم ، إذا جاء رجل بعجل ~~فذبحه ، فصرخ منه صارخ لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول : يا جليح أمر ~~نجيح ، رجل يصيح ، يقول لا إله إلا الله ، فوثب القوم ، قلت : لا أبرح حتى ~~أعلم ما وراء هذا ، ثم نادى : يا جليح ، أمر نجيح ، رجل يصيح ، يقول لا إله ~~إلا الله . فقمت فما نشبت أن قيل هذا نبي . قال البيهقي : ظاهر هذه الرواية ms3813 ~~يوهم أن عمر رضي الله عنه بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذبح ، وكذلك ~~هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر في إسلامه ، وسائر الروايات تدل على أن ~~الكاهن أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه ، والله تعالى أعلم . ذكر خبر سواد بن ~~قارب روى البيهقي رحمه الله تعالى بسنده عن البراء ، قال : بينما عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه يخطب الناس على منبر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ ~~إذ قال : أيها الناس ، أفيكم سواد بن PageV18P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" قارب ؟ قال : فلم يجبه أحد تلك السنة ، فلما ~~كانت السنة المقبلة ، قال : أيها الناس ، أفيكم سواد بن قارب ؟ قال فقلت : ~~يا أمير المؤمنين ، وما سواد ابن قارب ؟ فقال : إن سواد بن قارب كان بدء ~~إسلامه شيئا عجيبا قال : فبينا نحن كذلك ، إذا طلع سواد بن قارب ، فقال له ~~عمر : يا سواد ، أخبرني ببدء إسلامك كيف كان ؟ قال سواد : فإني كنت نازلا ~~بالهند وكان لي رئي من الجن ، قال : فبينا أنا ذات ليلة نائم ؛ إذ جاءني في ~~منامي ذلك ، قال : قم فافهم واعقل إن كنت تعقل ، قد بعث رسول من لؤي بن ~~غالب ، ثم أنشأ يقول : عجبت للجن وأنجاسها . . . وشدها العيس بأحلاسها تهوى ~~إلى مكة تبغي الهدى . . . ما مؤمنوها مثل أرجاسها فانهض إلى الصفوة من هاشم ~~. . . واسم بعينيك إلى راسها ثم أنبهني وأفزعني ، وقال : يا سواد بن قارب ، ~~إن الله عز وجل بعث نبيا فانهض إليه تهتد وترشد ، فلما كان في الليلة ~~الثانية أتاني فأنبهني ، ثم أنشأ يقول كذلك : عجبت للجن وتطلابها . . . ~~وشدها العيس بأقتابها تهوى إلى مكة تبغي الهدى . . . ليس قداماها كأذنابها ~~فانهض إلى الصفوة من هاشم . . . واسم بعينيك إلى نابها فلما كان في الليلة ~~الثالثة أتاني فأنبهني ، ثم قال كذلك : عجبت للجن وتخبارها . . . وشدها ~~العيس بأكوارها تهوى إلى مكة تبغي الهدى . . . ليس ذوو الشر كأخيارها فانهض ~~إلى الصفوة من هاشم . . . ما مؤمنوا الجن ككفارها قال : فلما سمعته يكرر ~~ليلة وقع في قلبي حب الإسلام من أمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ms3814 ) ما شاء ~~الله ، فانطلقت إلى رحلي فشددته على راحلتي ، فما حللت نسعة ولا عقدت أخرى ~~حتى أتيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فإذا هو بالمدينة والناس عليه ~~كعرف PageV18P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" الفرس ، فلما رآني قال : " مرحبا بك يا سواد ~~بن قارب ، قد علمنا ما جاء بك " قال قلت : " يا رسول الله قد قلت شعرا ~~فاسمعه مني ، قال سواد فقلت : أتاني رئي بعد ليل وهجعة . . . ولم يك فيما ~~قد بلوت بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة . . . أتاك نبي من لؤي بن غالب فشمرت ~~عن ساقي الإزار ووسطت . . . بي الذعلب الوجناء عند السباسب فأشهد أن الله ~~لا غيره . . . وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين شفاعة . . . إلى ~~الله يا بن الأكرمين الأطايب فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى . . . وإن كان ~~فيما جاء سيب الذوائب فكن لي شفيعا يوم لاذو شفاعة . . . سواك بمغن عن سواد ~~بن قارب قال : فضحك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى بدت نواجذه . ~~وقال لي : " أفلحت يا سواد " فقال عمر : هل يأتيك رئيك الآن ؟ فقال : منذ ~~قرأت القرآن لم يأتني ، ونعم العوض كتاب الله عز وجل من الجن . قال البيهقي ~~: ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن ، الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح ، وهو ~~الحديث الذي ذكرناه آنفا قبل خبر سواد . وقد روى أيضا عن سواد بن قارب ، من ~~رواية سعيد بن جبير بنحو هذا ، إلا أنه قال : كان سواد في جبل من جبال ~~الشراة ، وقال : أتيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو بمكة ، وقد ظهر ~~، فأخبرته الخبر ، وبايعته . قال البهيقي رحمه الله : وقوله أتيت مكة أقرب ~~إلى الصحة مما رويناه في الروايتين الأوليتين . والله تعالى أعلم . ذكر خبر ~~خفاف بن نضلة الثقفي روى أبو بكر البيهقي رحمه الله بسنده غلى ذابل بن طفيل ~~بن عمرو الدوسي ، أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قعد في مسجده ذات يوم ، ~~فقدم عليه خفاف بن نضلة ابن عمرو بن بهدلة الثقفي ، فأنشد رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ms3815 ) : PageV18P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" كم قد تحطمت القلوص بي الدجى . . . في مهمة ~~قفر من الفلوات فل من التوريس ليس بقاعه . . . نبت من الإسنات والأزمات إني ~~أتاني في المنام مساعد . . . من جن وجرة كان لي وموات يدعو إليك لياليا ~~ولياليا . . . ثم احزأل وقال لست بآت فركبت ناجية أضر بنيها . . . جمر تخب ~~به على الأكمات حتى وردت إلى المدينة جاهدا . . . كيما أراك فتفرج الكربات ~~قال : فاستحسنها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقال : " إن من البيان ~~كالسحر ، وإن من الشعر كالحكم " . ومن ذلك ما روى عن علي بن حسين ، قال : ~~أول خبر قدم المدينة ، أن امرأة من أهل يثرب تدعى فاطمة ، كان لها تابع من ~~الجن فجاءها يوما فوقع على جدارها ، قفالت : مالك لا تدخل ؟ فقال : إنه قد ~~بعث نبي يحرم الزنى ، فحدثت بذلك المرأة عن تابعها من الجن ، وكان أول خبر ~~يحدث به في المدينة عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وعن جابر قال : ~~أول خبر قدم المدينة عن النبي الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، أن امرأة من ~~أهل المدينة كان لها تابع ، فجاء في صور طائر حتى وقع على حائط دارهم ، ~~فقالت له المرأة : انزل نخبرك وتخبرنا ، قال : لا ، إنه بعث بمكة تبي منع ~~منا القرار ، وحرم علينا الزنى . ومنه ما روى عن محمد بن عمر بن واقد ، عن ~~تميم الداري أنه قال : سرت إلى الشام فأدركني الليل ، فأتييت واديا فقلت : ~~أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة ، فلما أخذت مضجعي إذ قائل لا أراه ~~يقول : عذ بالله الأحد ، فإن الجن لا تجير على الله أحدا ، وأنه قد بعث ~~رسول الأميين ، وصلينا خلفه بالحجون ، وأسلمنا واتبعناه ، وآمنا به وصدقناه ~~، فأسلم تسلم . قال تميم : فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب ، فسألت راهبة عما ~~سمعت من الهاتف ، فقال : صدق . وكان ذلك سبب إسلام تميم . PageV18P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" ومنه ما روى عن أبي خريم فاتك أنه قال : خرجت ~~في الجاهلية أطلب إبلا أضللتها ، فلما بأبرق العزاف ، عقلت ناقتي وتوسدت ~~ذارعها ، وقلت : أعوذ بعظيم ms3816 هذا المكان ، فسمعت هاتفا يقول : تعوذن بالله ~~ذي الجلال . . . ووحد الله ولا تبالي ما هول الجن من الأهوال قال فقلت : ~~بين لي يرحمك الله ، فقال : هذا رسول الله ذو الخيرات . . . يدعو إلى الجنة ~~والنجاة يأمر بالصوم وبالصلاة قال : فوقع في قلبي الإسلام ، فقلت : من أنت ~~أيها الهاتف ؟ فقال : أنا مالك بن مالك ، إن أردت الإسلام فأنا أكفيك طلب ~~ضالتك حتى أردها إلى أهلك ، قال : فركبت راحلتي وقصدت المدينة ، فقدمتها في ~~يوم جمعة ، فأتيت المسجد فإذا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يخطب ، ~~فأنخت بباب المسجد قلت ألبث حتى يفرغ من خطبته ، وإذا أبو ذر قد خرج فقال ~~لي : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أرسلني إليك وهو يقول لك : " ~~مرحبا قد بلغني إسلامك فادخل فصل مع الناس " قال فتطهرت ودخلت فصليت ، ثم ~~دعاني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فبايعني وأخبرني بالخبر قبل أن ~~أذكره له ، وقال لي : " أما إبلك فقد بغت أهلك ، وقد وفى لك صاحبك " فقلت : ~~جزاه الله خيرا ورحمة ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " آمين " ~~. ومنه ما روى عن مالك بن نفيع أنه قال : ند بعير لي ، فركبت نجيبة وطبنة ، ~~حتى ظفرت به ، فأخذته وانكفأت راجعا إلى أهلي ، فأسريت ليلة حتى كدت أصبح ، ~~فأنخت النجيبة والجمل وعقلتهما ، واضجعت في ذرى كثيب رمل ، فلما كحلني ~~الوسن سمعت هاتفا يقول : يا مالك ، يا مالك ، لو فحصت عن مبرك العود البارك ~~، لسرك ما هنالك ، قال : فثرت وأثرت البعير عن مبركه ، واحتفرت ، ~~PageV18P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" وإذا صنم بصورة امرأة ، من صفاة صفراء كالورس ~~، مجلوة كالمرآة ، فاستخرجتها ومسحتها بثوبي ونصبتها ، فآستوت قائمة ، فما ~~تمالكت أن خررت ساجدا لها ، ثم قمت فنحرت البعير لها ورششتها بدمه ، ~~وسميتها غلاب ، ثم حملتها على النجيبة وأتيت بها أهلي ، فحسدني كثير من ~~قومي عليها ، وسألوني نصبها لهم ليعبدوها معي ، فأبيت عليهم ، فانفردت ~~بعبادتها ، وجعلت لها نفسي كل يوم عتيرة ، وكانت لي ثلة من الضأن فأتيت على ~~آخرها ، وأصبحت يوما وليس لي ما أعتره ، وكرهت ms3817 الإخلاف بنذري ، فأتيتها ~~فشكوت إليها ذلك ، فإذا هاتف من جوفها يقول : يا مال يا مال ، لاتأس على ~~المال ، سر إلى طوى الأرقم ، فخذ الكلبي الأسحم ، الوالغ في الدم ، ثم صد ~~به نعم . قال مالك : فخرجت من فوري إلى طوى الأرقم ، فإذا كلب أسحم هائل ~~المنظر ، قد وثب على قرهب - يعني ثورا وحشيا - فصرعه وأنا أنظر إليه ، ثم ~~بقر بطنه ، وجعل يلغ في دمه ، قال فتهيبته ، ثم أقدمت عليه وهو مقبل على ~~عقيرته ، لم يلتفت إلي ، فشددت في عنقه حبلا ، ثم جذبته فتبعني ، فأتيت ~~راحلتي فأثرتها ، وقدتها إلى القرهب ، فأنختها وجررته وحملته عليها . ثم ~~قدتها قاصدا إلى الحي ، والكلب يلوذ بي فعنت لي ظبية ، فجعل الكلب يثب ~~ويجاذبني المرس ، فترددت في إرساله ثم أرسلته ، فمر كالسهم حتى اختطفها ~~فأتيته فجذبته إياها فأرسلها في يدي ، فاستفزني السرور ، وأتيت أهلي فعترت ~~الظبية لغلاب ، ووزعت لحم القرهب ، وبت بخير ليلة ، ثم باركت به الصيد ، ~~فلم يفته حمار ، ولا ما طله ثور ، ولا اعتصم منه وعل ، ولا أعجزه ظبي ، ~~فتضاعف سروري به ، وبالغت في إكرامه ، وسميته سحاما ، فلبث بذلك ما شاء ~~الله ، فإنى لذات يوم أصيد به ، فبصرت بنعامة على أدحيها ، وهي قريبة منى ، ~~فأرسلته عليها ، فأجفلت أمامه ، واتبعتها على فرس جواد ، فلما كاد الكلب ~~يثب عليها ، انقضت عليه عقاب من الجو فكر راجعا نحوي فصحت به فما كذب ، ~~وأمسكت الفرس فجاء سحام حتى دخل بين قوائمها ، ونزلت العقاب أمامي على صخرة ~~، وقالت : سحام ، قال الكلب : لبيك ، قالت : هلكت الأصنام ، وظهر الإسلام ، ~~فأسلم تنج بسلام ، وإلا فليست بدار مقام . ثم طارت العقاب ، وتبصرت سحاما ~~فلم أره ، وكان آخر عهدي به . PageV18P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" ومنه مما يشبه هذه القصة ما روى عن قتادة عن ~~عبد الله بن أبي ذباب عن أبيه ، أنه قال : كنت مولعا بالصيد ، وكان لنا صنم ~~اسمه فراض ، كنت كثيرا ما أذبح له ، ولم أكن أتخذ جارحا للصيد إلا رمى بآفة ~~، فلما أدخل الحي صيدا حيا ، لأني كنت لا أدركه إلا وقد أشفى ms3818 على الهلاك ، ~~فلما طال بي ذلك أتيت فراضا ، فعترت له عتيرة ، ولطخته من دمها ، وقلت : ~~فراض أشكو نكد الجوارح . . . من طائر ذي مخلب ونابح وأنت للأمر الشديدي ~~الفادح . . . فافتح فقد أسهلت المفاتح فأجابني مجيب من الصنم ؛ فقال : دونك ~~كلبا جارحا مباركا . . . أعد للوحوش سلاحا شابكا يفر حزون الأرض والد كادكا ~~قال : فانقلبت إلى خبائي ، فوجدت به كلبا خلاسيا بهيما عظيما ؛ أهرت ~~الشدقين ، شابك الأنياب ، شئن البراثن ، أشعر مهول المنظر ، فصفرت به ~~فأتاني ، فلاذ بي وبصبص ، فسميته حياضا ، فاتخذت له مربطا بإزاء فراشي ~~وأكرمته ، ثم خرجت به إلى الصيد ، فإذا هو أبصر بالصيد مني ، وكان لا يثبت ~~له شيء من الوحش ، فقلت فيه : حياض إنك مأمول منافعه . . . وقد جعلتك ~~موقوفا لفراض وكنت أعتر لفراض من صيده ، وأقرى الضيف ، فلم أزل به من أوسع ~~العرب رحلا ، وأكثرها ضيفا ، إلى أن ظهر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، فنزل بي ضيف كان زار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وسمع منه القرآن ~~، فحدثني عنه ، ورأيت حياصضا كأنه ينصت الحديثه ، ثم إني غدوت أقتنص بحياض ~~، فجعل يجاذبني ، ويأبى أن يتبعني فأجذبه وأمسحه ، إلى أن عن لي تولب - ~~يعني جحشا من حمير الوحش - قال : فأرسلته عليه فقصده ، حتى إذا قلت قد أخذه ~~حاد عنه ، فساءني ذلك ، ثم أرسلته على رأل - يعني فرخ نعامة - PageV18P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" فصنع مثل ذلك ، ثم أرسلته على بقرة ، ثم على ~~خشف ، كل ذلك لا يأتي بخير ، فقلت : ألا ما بحياض يحيد كأنما . . . رأى ~~الصيد ممنوعا بزرق اللهاذم قال : فأجابني هاتف لا أراه : يجيد لأمر لو بدا ~~لك عينه . . . لكنت صفوحا عاذلا غير لائم قال : فأخذت الكالب وانكفأت راجعا ~~، فإذا شخص إنسان عظيم الخلق ، قد ركب حمارا وحشيا ، فتربع على ظهره ، وهو ~~يساير شخصا مثله راكبا على قرهب ، وخلفهما عبد أسود يقود كلبا عظيما بساجور ~~، فأشار أحد الراكبين إلى حياض وأنشد : ويلك يا حياض لم تصيد . . . اخنس ~~وحد عما حوته البيد الله أعلى وله التوحيد . . . وعبده محمد السديد سحقا ~~لفراض وما ms3819 يكيد . . . قد ظل لا يبدى ولا يعيد قال : فملئت رعبا ، وذل الكلب ~~فما يرفع رأسا ، وأتيت أهلي مغموما كاسف البال ، فبت أتململ على فراشي ، ثم ~~خفت من آخر الليل فإذا نغمة ، ففتحت عيني فرأيت الكلب الذي كان الأسود ~~يقوده ، وإذا حياض يقول له : أحسب صاحبي يقظان ، قال : فتناومت ، ثم قصدني ~~فتأملني ورجع إليه ، فقال : قد نام ، فلا عين ولا سمع ، قال : أرأيت ~~العفريتين ؟ وسمعت ما قالا ، قال حياض : نعم ، قال : إنهما قد أسلما واتبعا ~~محمدا ، وقد سلطا على شياطين الأوثان ، فما يتركان لوثن شيطانا . وقد ~~عذباني عذابا شديدا ، وأخذا علي موثقا ألا أقرب وثنى ، وأنا خارج إلى جزائر ~~الهند ، فما رأيك لنفسك ؟ قال حياض : ما أمرنا إلا واحد ، وذهبا ، فقمت ~~أنظر فلا عين ولا أثر ، فلما أصبحت أخبرت قومي بما رأيت وسمعت ، وقلت لهم : ~~تخيروا من ينطلق معي إلى هذا النبي من حلمائكم وخطبائكم ؛ فقالوا لي : ~~أترغب عن دين آبائك ؟ فقلنت لهم : إذا كرهتم شيئا كرهته ، فما أنا إلا واحد ~~منكم ، ثم انسللت منهم فكسرت PageV18P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" الصنم ، ثم قصدت المدينة فأتيتها ورسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) يخطب ، فجلست بإزاء منبره فعقب خطبته بأن قال : " ~~بإزاء منبري رجل من سعد العشيرة ، قدم علينا راغبا في الإسلام ، لم يرني ~~ولم أره إلا ساعتي هذه ، ولم أكلمه ولم يكلمني قط ، وسيخبركم خبرا عجيبا " ~~ونزل فصلى ، ثم قال : " أدن يا أخا سعد العشيرة " فدنوت فقال : " أخبرنا عن ~~حياض وفراض وما رأيت وما سمعت " قال : فقمت على قدمي وقصصت القصة ، ~~والمسلمون يسمعون ، فسر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ودعاني إلى الإسلام ~~، وتلا على القرآن فأسلمت ، وقلت في ذلك : تبعت رسول الله إذ جاء بالهدى . ~~. . وخلفت فراضا بدار هوان شددت عليه شدة فتركته . . . كأن لم يكن والدهر ~~ذو حدثان رأيت له كلبا يقوم بأمره . . . فهدد بالتنكيل والرجفان ولما رأيت ~~الله أظهر دينه . . . أجبت رسول الله حين دعاني وأصبحت للإسلام ما عشت ~~ناصرا . . . وألقيت فيه كلكلي وجراني فمن مبلغ سعد العشيرة أنني . . . شريت ~~الذي ms3820 يبقى بما هو فاني وقد تقدم في خبر وفد سعد العشيرة ذكر هذه الأبيات ، ~~وأنه لذباب ، وأنه الذي كسر الصنم ، إلا أنه لم يذكر البيت الذي فيه ذكر ~~الكلب ، والله تعالى أعلم . ومنه ما روى أن ربيعة بن أبي براء ، قال أخبرني ~~خالي فقال : لما أظهر الله علينا رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) بحنين ~~انشعبنا في كل مشعب ، لا يلوى حميم على حميم ، فبينا أنا في بعض الشعاب ، ~~رأيت ثعلبا قد تحوي عليه أرقم ، والثعلب يعدو عدوا شديدا ، فانتحيت له بحجر ~~فما أخطأه ، وانتهيت إليه ، فإذا الثعلب قد سبقني بنفسه - اي هلك قبل أن ~~أصل إليه - وإذا الأرقم قد تقطع وهو يضطرب ، فقمت لأنظر إليه ، فهتف هاتف ~~ما سمعت أفظع من صوته يقول : تعسا لك وبؤسا ، فقد قتلت رئيسا ، وورثت بئيسا ~~، ثم قال : يا داثر يا داثر ، فأجابه مجيب من العدوة الأخرى بلبيك لبيك ، ~~فقال : بادر بادر ، إلى بني العذافر ، وأخبرهم بما صنع الكافر ، فناديت : ~~إني لم PageV18P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" أشعر ، وأنا عائذ بك فأجرني . قال : كلا ، ~~والحرم الأمين ، لا أجير من قاتل المسلمين ، وعبد غير رب العالمين . قال ~~فناديت ، إني أسلم ، فقال : إن أسلمت سقط عنك القصاص ، وألبثك الخلاص ، ~~وإلا فلا مناص . قال فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمد رسول الله ~~، فقال : نجوت وهديت ، لولا ذاك لرديت ، فارجع من حيث جيت . قال : فرجعت ~~أقفوا أدراجي ، فإذا هو يقول : امتط السمع الأزل ، يعل بك التل ، فهناك أبو ~~عامر يتبع الفل . قال : فالتفت فإذت سمع كالأسد النهد ، فركبته ومر ينسل ، ~~حتى انتهى إلى تل عظيم ، فتوقل فيه إلى أن تسنمه ، فأشرفت منه على خيل ~~المسلمين ، فنزلت عنه وصوبت الحدور نحوهم ، فلما دنوت منهم خرج إلى فارس ، ~~كالفالج الهائج ، قفال : ألق سلاحك لا أم لك ، فألقيت سلاحي . فقال : ما ~~أنت ؟ قلت : مسلم ، قال : فسلام عليك ورحمة الله ، قلت : وعليك السلام ~~والرحمة والبركة ، من أبو عامر ؟ قال : أنا هو ، قلت : الحمد لله ، قال لا ~~بأس عليك ؛ هؤلاء إخوانك المسلمون ، أما ms3821 رأيتك بأعلى التل فارسا فأين فرسك ~~؟ قال فقصصت عليه القصة ، فأعجبه ما سمع منى : وسرت مع القوم أقفوا بهم ~~آثار هوازن حتى بلغوا من ذلك ما أرادوه . والأخبار في مثل ذلك كثيرة ، وقد ~~أتينا منها بما نكتفي به ، فلنذكر خلاف ذلك من سيرة رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . ذكر رسل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذين بعثهم إلى ~~الملوك وغيرهم ، وما كتب به إليهم ، وما أجابوا به كانت رسل رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، على ما أورده الشيخ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف ~~الدمياطي رحمه الله ، أحد عشر رجلا ؛ وهم : عمرو بن أمية الضمري ، ودحية بن ~~خليفة الكلبي ، وعبد الله بن حذافة السهمي ، وحاطب بن أبي بلتعة اللخمي ، ~~وعمرو بن العاص ، وسليط بن عمرو العامري ، وشجاع بن وهب الأسدي ، والمهاجر ~~بن أبي أمية المخزومي ، والعلاء بن الحضرمي ، وأبو موسى الأشعري ، ومعاذ بن ~~جبل . هؤلاء الذين أثبتهم . PageV18P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" وقد ورد أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بعث الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى بكتاب ، فلما نزل مؤتة قتله شرحبيل ~~بن عمرو الغساني ، وبسبب قتله بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سرية ~~مؤتة على ما قدمنا ذكره . ولعل الشيخ رحمه الله ، إنما أثبت من الرسل من ~~بلغ الرسالة ، وهذا لم يهمل حتى يبلغها ، ولم يقتل لرسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) رسول غيره . وقد ورد أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعث ~~غير هؤلاء ، ممن نذكرهم إن شاء الله تعالى . فكان أول ما بعث رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) الرسل في المحرم ، سنة سبع من مهاجره ؛ أرسل ستة من ~~هؤلاء الرسل إلى ستة ملوك ، وذلك أنه ( صلى الله عليه وسلم ) لما رجع من ~~الحديبية في ذي الحجة سنة خمس جهز الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام ، ~~وكتب إليهم كتبا ، فقيل له : يا رسول الله ، إن الملوك لا يقرءون كتابا إلا ~~مختوما ، فاتخذ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يومئذ خاتما من ms3822 فضة فصة ~~منه ، نقشه ثلاثة أسطر : " محمد " سطر " رسول " سطر " الله " سطر . وختم به ~~الكتب ، فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد وذلك في المحرم سنة سبع ، وأصبح كل ~~رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذي بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إليهم ، حكاه محمد بن سعد في طبقاته بسنده . وقال أبو عبد الله بن محمد بن ~~إسحاق بن يسار : حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري أنه وجد كتابا فيه ذكر من ~~بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى البلدان ، وملوك العرب والعجم ، ~~وما قال لأصحابه حين بعثهم ، قال : فبعثت به إلى محمد بن شهاب الزهري ، ~~فعرفه ، وفيه : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خرج على أصحابه فقال ~~لهم : " إن الله بعثني رحمة وكافة ، فأدوا عني يرحمكم الله ، ولا تختلفوا ~~على كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم " قالوا : يا رسول الله ، وكيف ~~كان اختلافهم ؟ قال : " دعاهم لمثل ما دعوتكم له ، فأما من قرب به فأحب ~~وسلم ، وأما من بعد به فكره وأبى ، فشكا ذلك عيسى منهم إلى الله ، فأصبحوا ~~وكل رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين وجه إليهم " . قال أبو محمد عبد الملك ~~بن هشام : حدثني من أثق به عن أبي بكر الهذلي ، قال بلغني أن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) خرج على أصحابه . وساق نحو الحديث . PageV18P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" ذكر إرسال عمرو بن الأمية الضمري إلى النجاشي ~~ملك الحبشة وإسلامه بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى النجاشي ، ~~وكتب معه كتابين ، يدعوه في أحدهما إلى الإسلام ، ويتلو عليه القرآن ، ، ~~فأخذ النجاشي كتاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فوضعه على عينيه ، ~~ونزل عن سريره فجلس على الأرض ، ثم أسلم وشهد شهادة الحق ، وقال : لو كنت ~~أستطيع أن آتيه لأتيته ، وكتب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بإجابته ، وتصديقه وإسلامه على يدي جعفر بن أبي طالب لله رب العالمين . ~~وكان جعفر ممن هاجر إلى الحبشة كما قدمنا ذكر ذلك . وفي الكتاب الثاني ، ~~يأمره أن ms3823 يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب ، وكانت قد هاجرت إلى أرض ~~الحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش الأسدي ، فتنصر هناك ومات ، وأمره رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يبعث إليه من قبله من أصحابه الذين هاجروا ~~إلى الحبشة وأن يحملهم ، ففعل ، وزوج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أم ~~حبيبة ، وأصدقها أربعمائة دينار ، وأمر بجهاز المسلمين وما يصلحهم ، وحملهم ~~في سفينتين مع عمرو بن أمية ، وجعل كتابي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~في حق من عاج ، وقال : لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين ~~أظهرها . ذكر إرسال دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم بعثه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) إليه ، وكتب إليه : " بسم الله الرحمن الرحيم ~~. من محمد عبد الله و روسوله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ~~- أما بعد - فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، ~~فإن توليت فإنما عليك إثم اليريسين ، و " يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ يعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " . وبإسنادنا ~~المتقدم ، إلى أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ، قال : ~~حدثنا الحكم بن نافع أبو اليمان ، قال حدثنا شعيب ، عن الزهري ، قال أخبرنا ~~عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، أن عبد الله بن عباس أخبره ، أن ~~أبا سفيان بن حرب أخبره ، أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش ، وكانوا تجارا ~~بالشام ، في PageV18P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" المدة التي كان رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش ، فأتوه وهم بإيليا ، فدعاهم في ~~مجلسه ، وحوله عظماء الروم ، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال : أيكم أقرب نسبا ~~بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ قال أبو سفيان : فقلت : أنا أقربهم نسبا ، ~~قفال : أدنوه مني ، وقربوا أصحابه ، فاجعلوهم عند ظهره ، ثم قال لترجمانه : ~~قل ms3824 لهم أني سائل هذا عن هذا الرجل ، فإن كذبني فكذبوه ، فوالله لولا الحياء ~~من أن يأثروا على كذبا لكذبت عنه . ثم كان أول ما سألني عنه أنه قال : كيف ~~نسبه فيكم ؟ قلت : هو فينا ذو نسب ، قال : فهل قال هذا القول منكم أحد قط ~~قبله ؟ قلت : لا ، قال : فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت : لا ، قال : ~~فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفائهم ؟ قلت بل ضعفاؤهم ، قال : أيزيدون أم ~~ينقصون ؟ قلت : بل يزيدون ، قال : فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن ~~يدخل فيه ؟ قلت : لا ، قال : فهل يغدر ؟ قلت : لا ، ونحن منه في مدة لا ~~ندري ما هو فاعل فيها ، قال : ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غيرهذه الكلمة ~~، قال : فهل قاتلتموه ؟ قلت : نعم ، قال : فكيف كان قتالكم إياه ؟ قلت : ~~الحرب بيننا وبينه سجال ، ينال منا وننال منه ، قال : ماذا يأمركم ؟ قلت : ~~يقول اعبدو الله وحده ، ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ، ~~ويأمرنا بالصلاة ، والصدق ، والعفاف ، والصلة ، فقال لترجمانه : قل له : ~~سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب ، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها ، ~~وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول ، فذكرت أن لا ، فقلت : لو كان أحد قال ~~هذا القول قبله ، لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله ، وسألتك هل كان من أبائه ~~من ملك ، فذكرت أن لا ، قلت : فلو كان من آبائه من ملك ، قلت : رجل يطلب ~~ملك أبيه ، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ، فذكرت أن ~~لا ، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ، ويكذب على الله ، وسألتك ~~أأشراف الناس اتبعوه لم ضعفاؤهم ، فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه ، وهم أتباع ~~الرسل ، وسألتك أيزيدون أم ينقصون ، فذكرت أنهم يزيدون ، وكذلك أمر الإيمان ~~حتى يتم ، وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ، فذكرت أن لا ~~، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب ، وسألتك هل يغدر ، فذكرت أن لا ، ~~وكذلك الرسل لا تغدر ، وسألتك بم يأمركم ، فذكرت أنه يأمركم أن ~~PageV18P0105 # """""" صفحة ms3825 رقم 106 """""" تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وينهاكم عن ~~عبادة الأوثان ، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف ، فإن كان ما يقول حقا ، ~~فسيملك موضع قدمي هاتين ، وقد كنت أعلم أنه خارج ، لم أكن أظن أنه منكم ، ~~فلو أنى أعلم أخلص إليه لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه . ثم ~~دعا بكتاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، الذي بعث به دحية إلى عظيم ~~بصرى ، فدفعه إلى هرقل فقرأه ، فإذا فيه " بسم الله الرحمن الرحيم " وذكره ~~كما تقدم . قال أبو سفيان : فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب ، كثر ~~عنده الصخب ، وارتفعت الأصوات ، وأخرجنا ، فقلت لأصحابي حين أخرجنا : لقد ~~أمر أمر ابن أبي كبشة ، إنه ليخافه ملك بني الأصفر ، فما زلت موقنا أنه ~~سيظهر حتى أدخل الله على الإسلام . قال : وكان ابن الناطور صاحب إيليا ~~وهرقل أسقفا على نصارى الشام يحدث أن هرقل حين قدم إيليا أصبح يوما خبيث ~~النفس ، فقال بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك ، فقال ابن الناطور ، وكان ~~هرقل حزاء ، ينظر في النجوم ، قفال لهم حين سألوه : إني رأيت الليلة حين ~~نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر ، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس ~~يختتن إلا اليهود ، فلا يهمنك شأنهم ، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلو من ~~فيهم من اليهود ، فبينما هم على أمرهم ، إذ أتى هرقل برجل ، أرسل به ملك ~~غسان ، يخبر عن خبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلما استخبره هرقل ~~قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ، فنظروا إليه ، فحدثوه أنه مختتن ، ~~وسأله عن العرب ، فقال : هم يختتنون ، فقال هرقل : هذا ملك هذه الأمة قد ~~ظهر . ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية ، وكان نظيره في العلم ، وسار هرقل ~~إلى حمص ، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه ، يوافق رأي هرقل على خروج ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأنه نبي ، فأذن هرقل لعظماء الروم في ~~دسكرة له بحمص ، ثم أمر بأبوابها فغلقت ، ثم اطلع فقال : يا PageV18P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" معشر الروم هل لكم ms3826 في الفلاح والرشد ؟ وأن ~~يثبت ملككم فتبايعوا لهذا النبي ، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب ~~فوجدوها قد غلقت ، فلما رأى هرقل نفرتهم ، وأيس من الإيمان ، قال : ردوهم ~~عليه ، وقال : إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت . ~~فسجدوا له ورضوا عنه ، فكان ذلك آخر شأن هرقل . رواه صالح بن كيسان ويونس ~~ومعمر عن الزهري . وقد قدمنا من خبر هرقل في شأن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وتحقيق نبؤته عنده في فصل من بشر في رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ما تقف عليه هناك . ذكر إرسال عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ~~ملك الفرس بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إليه ، يدعوه إلى الإسلام ~~وكتب معه كتابا ؛ قال عبد الله : فدفعت إليه كتاب رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فقرئ عليه ثم أخذه فمزقه ، فلما بلغ ذلك رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال : " اللهم مزق ملكه " . وكتب كسرى إلى باذان عامله ~~على اليمن أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز ، ~~فليأتيا بخبره . فبعث باذان قهرمانه ، ورجلا آخر وكتب معهما كتابا ، فقدما ~~المدينة ، فدفعا كتاب باذان إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فتبسم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ودعاهما إلى الإسلام وفرائصهما ترعد ، ~~وقال : " ارجعا عني يومكما هذا حتي تأتياني الغد فأخبركما بما أريد " ~~فجاءاه الغد ، فقال لهما : " أبلغا صاحبكما أن ربي قد قتل ربه كسرى في هذه ~~الليلة لسبع ساعات مضت منها - وهي ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى ~~الأولى سنة سبع من الهجرة - وأن الله تعالى سلط عليه ابنه شيرويه فقتله " ~~فرجعا إلى باذان بذلك فأسلم هو والأبناء الذين في اليمن . ذكر إرسال حاطب ~~بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية عظيم القبط ، واسمه جريج بن مينا ~~بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إليه ، يدعوه إلى الإسلام ، وكتب ~~معه كتابا فأتاه ، وأوصل إليه كتاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقرأه ~~، وقال خيرا ، وجعل ms3827 الكتاب في حق من عاج ، وختم PageV18P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" عليه ودفعه إلى جاريته ، وكتب إلى رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) : قد علمت أن نبيا قد بقي ، وكنت أظن أنه يخرج ~~بالشام ، وقد أكرمت رسولك ، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط العظيم ~~، وقد أهديت لك كسوة وبغلة تركبها . ولم يزد على هذا ، ولم يسلم المقوقس ، ~~فقبل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هديته ، وأخذ الجاريتين ، وهما ~~مارية أم إبراهيم بن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأختها شيرين ، ~~وبغلة بيضاء ، لم يكن في العرب يومئذ غيرها ، وهي دلدل ، وقال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في المقوقس " ضن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه " . قال ~~حاطب : كان المقوقس مكرما لي في الضيافة وقلة اللبث ببابه ، وما أقمت عنده ~~إلا خمسة أيام . وقال أبو عمر بن عبد البر : إن المقوقس أهدى لرسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) خصيا اسمه مأبور ، وذكر لك في ترجمة مارية ، ويقال : ~~هو ابن عم مارية ، والله أعلم . وقد ذكرنا في الحجة البالغة ، والأجوبة ~~الدامغة ، ما كان بينهما من المحاورات ، وذلك في الباب الرابع عشر ، من ~~القسم الخامس ، من الفن الثاني ، في السفر الثامن من هذه النسخة . ذكر ~~إرسال شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر قالوا : بعث رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) شجاع بن وهب الأسدي ، إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ~~، ملك البلقاء من أرض الشام ، يدعوه إلى الإسلام ، وكتب معه كتابا ، قال ~~شجاع : فأتيته وهو بغوطة دمشق ، وهو مشغول بتهيئة الأنزال والألطاف لقيصر ، ~~وهو جاء من حمص إلى إيلياء ، فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة ، فقلت لحاجبه ~~: إني رسول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إليه ، فقال : لا تصل غليه ~~حتى يخرج يوم كذا وكذا . وجعل حاجبه - وكان روميا اسمه مرى - يسألني عن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فكنت أحدثه عن صفته ، وما يدعو إليه ~~فيرق حتى يغلبه البكاء ، ويقول : إني قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبي ~~بعينه ، فأنا أومن ms3828 به وأصدقه ، وأخاف من الحارث أن يقتلني ، وكان يكرمني ~~ويحسن ضيافتي ، وخرج الحارث يوما فجلس ، ووضع التاج على رأسه ، فأذن لي ~~عليه ، فدفعت إليه كتاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقرأه ثم رمى ~~به ، وقال : من ينتزع مني ملكي ؟ أنا سائر إليه ، PageV18P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" ولو كان باليمن جئته ، علي بالناس فلم يزل ~~يفرض حتى قام ، وأمر بالخيول تنعل ، ثم قال : أخبر صاحبك ما ترى . وكتب إلى ~~قيصر يخبره خبري وما عزم عليه ، فكتب إليه قيصر : ألا تسير إليه ، واله عنه ~~، ووافني بإيلياء ، فلما جاءه جواب كتابه دعاني فقال لي : متى تريد أن تخرج ~~إلى صاحبك ؟ فقلت : غدا ، فأمر لي بمائة مثقال ذهب ، ووصلني مرى ، وأمر لي ~~بنفقة وكسوة ، وقال : اقرأ على رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - مني ~~السلام . فقدمت على رسول الله فأخبرته ، فقال : " باد ملكه " وأقرأته من ~~مرى السلام ، وأخبرته بما قال ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " صدق " ~~ومات الحارث بن أبي شمر عام الفتح . ذكر إرسال سليط بن عمرو العامري إلى ~~هوذة بن علي الحنفي باليمامة بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إليه ، ~~يدعوه إلى الإسلام ، وكتب معه كتابا ، فقدم عليه فأنزله وحباه ، وقرأ كتاب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكتب إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله ، وأنا شاعر قومي وخطيبهم والعرب تهاب مكاني ~~، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك . وأجاز سليط بن عمرو بجائزة وكساه أثوابا من ~~نسج هجر ، فقدم بذلك كله على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأخبره ~~عنه بما قال ، فقرأ كتابة وقال : " لو سألني سيابة من الأرض ما فعلت ، باد ~~وباد ما في يديه " فمات عام الفتح . فهؤلاء الستة الذين بعثهم رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في المحرم سنة سبع . وبعث ( صلى الله عليه وسلم ) ~~العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين . قال محمد بن ~~سعد : بعثه عند منصرفه من الجعرانة إليه ، يدعوه إلى الإسلام ، وكتب إليه ~~كتابا . فكتب ms3829 إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بإسلامه وتصديقه ، و " ~~أني قرأت PageV18P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" كتابك على أهل هجر ، فمنهم من أحب الإسلام ، ~~وأعجبه ودخل فيه ، ومنهم من كرهه ، وبأرضي مجوس ويهود ، فأحدث إلي في ذلك ~~أمرك " فكتب إليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إنك مهما تصلح فلن ~~نعزلك عن عملك ، ومن أقام على يهودتيه أو مجوسيته فعليه الجزية ، وبألا ~~تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم " . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بعث أبا هريرة مع العلاء بن الحضرمي ، وأوصاه به خيرا ، وكتب رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) إلى العلاء فرائض الإبل ، والبقر والغنم ، والثمار ~~والأموال ، فقرأ العلاء كتابه على الناس وأخذ صدقاتهم . وبعث ( صلى الله ~~عليه وسلم ) عمرو بن العاص إلى ملكي عمان . قال محمد بن سعد : بعثه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ذي القعدة ، سنة ثمان من مهاجره ، إلى جيفر ~~وعبد ابني الجلندي ، وهما من الأزد ، والملك منهما جيفر ، يدعوهما إلى ~~الإسلام ، وكتب معه إليهما كتابا ، قال عمرو : لما قدمت عمان عمدت إلى عبد ~~، وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا ، فقلت : إني رسول رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إليك وإلى أخيك ، فقال : أخي المقدم علي بالسن والملك وأنا ~~أوصلك إليه حتى تقرأ كتابك ، فمكثت أياما ببابه ، ثم دعاني فدخلت عليه ~~فدفعت إليه الكتاب مختوما ، ففض خاتمه وقرأه حتى انتهى إلى آخره ، ثم دفعه ~~إلى أخيه فقرأه مثل قراءته ، إلا أني رأيت أخاه أرق منه ، فقال : دعني يومى ~~هذا وارجع إلي غدا ، فلما كان من الغد رجعت إليه ، فقال : إني فكرت فيما ~~دعوتني إليه ، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي ، قلت : فإني ~~خارج غدا ، فلما أيقن بمخرجي أصبح فأرسل إلي ، فدخلت عليه فأجاب إلى ~~الإسلام هو وأخوه جميعا ، وصدقا بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وخليا ~~بيني وبين الصدقة ، وبين الحكم فيما بينهم ، وكانا لي عونا على من خالفني ، ~~فأخذت الصدقة من أغنيائهم ، فرددتها في فقرائهم ، ولم أزل مقيما بينهم حتى ~~بلغنا ms3830 وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وبعث ( صلى الله عليه وسلم ~~) المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث الحميري ، وهو الحارث بن عبد ~~كلال مللك اليمن . وبعث ( صلى الله عليه وسلم ) أبا موسى الأشعري ، ومعاذ ~~بن جبل إلى اليمن . وكانا جميعا داعيين إلى الإسلام ، فأسلم عامة أهل اليمن ~~، ملكوهم وعامتهم طوعا . هؤلاء الرسل الذين ذكرهم الشيخ أبو محمد عبدالمؤمن ~~بن خلف الدمياطي في مختصر السيرة . PageV18P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" وقد ذكر محمد بن سعد بن منيع في طبقاته ~~الكبرى ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعث جرير بن عبد الله البجلي ~~إلى ذي الكلاع بن ناكور بن حبيب ابن مالك بن حسان بن تبع ، وإلى ذي عمرو ~~يدعوهما إلى الإسلام ، فأسلما وأسلمت ضريبة بنت أبرهة بن الصباح . وتوفي ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وجرير عندهم ، فأخبره ذو عمرو بوفاة رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فرجع جرير إلى المدينة . ولم يذكر محمد بن ~~سعد المهاجر ، قال : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعث إلى اليمن مع ~~معاذ بن جبل مالك بن مرارة . وذكر أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد ~~البر النمري ، في كتابه المترجم بالاستيعاب ، في ترجمة بن أبي أمية ، أن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعثه إلى الحارث كما قدمنا . قال ابن سعد ~~: وكتب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى جبلة بن الأيهم ملك غسان ~~يدعوه إلى الإسلام فأسلم ، وكتب بإسلامه إلى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وأهدى له هدية ، ولم يذكر اسم المرسل إليه ، ثم كان من أمر جبلة ~~بن الأيهم ، وخبر ارتداده ما نذكره إن شاء الله تعالى ، في خلافة عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه . وقال محمد بن إسحاق رحمه الله : وكان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قد بعث أمراءه وعماله على الصدقات ، غلى كل ما أوطأ ~~الإسلام من البلدان . فبعث المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة إلى صنعاء ، ~~فخرج عليه العنسي وهو بها ، وبعث ms3831 زياد بن لبيد ، أخا بني بياضة الأنصاري ، ~~إلى حضرموت وعلى صدقاتها . وبعث عدي بن حاتم على طيء وصدقاتها ، وعلى بني ~~أسد ، وبعث مالك بن نويرة اليربوعي على صدقات بني حنظلة ، وفرق صدقات بني ~~سعد على رجلين منهم ، فبعث الزبرقان بن بدر على ناحية منها ، وقيس بن عاصم ~~على ناحية . قال : وكان قد بعث العلاء بن الحضرمي على البحرين ، وبعث علي ~~بن أبي طالب إلى أهل نجران ليجمع صدقتهم ، ويقدم عليه بجزيتهم . هذا ما ~~وقفنا عليه من أخبار رسل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلنذكر من ~~أخباره ( صلى الله عليه وسلم ) خلاف ذلك . PageV18P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" ذكر أزواج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وهن : خديجة بنت خويلد ، وسودة بنت زمعة ، وعائشة بنت أبي بكر الصديق ، ~~وحفصة بنت عمر بن الخطاب ، وزينب بنت خزيمة بن الحارث ، وأم سلمة هند بنت ~~أبي أمية ، وزينب بنت جحش ، وجويرية بت الحارث ، ، وريحانة بنت زيد ، وأم ~~حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب ، وصفية بنت حي ابن أخطب ، وميمونة بنت ~~الحارث ، هؤلاء المدخول بهن ، وهن ثنتا عشرة امرأة رضوان الله عليهن ، ~~وسنذكر إن شاء الله تعالى ، بعد أن نذكر أخبار هؤلاء ، من تزوجهن ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، ولم يدخل بهن ، ومن وهبت نفسها له ، ومن خيرها فاختارت ~~الدنيا ، ومن فارقها ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولنذكر أخبارهن على حسب ~~اتصالهن به ( صلى الله عليه وسلم ) . فأول امرأة تزوج رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : خديجة بنت خويلد ابن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب ~~القرشية ، رضي الله عنها ، وكانت تدعى في الجاهلية الطاهرة ، وأمها فاطمة ~~بنت زائدة بن الأصم ، واسم الأصم جندب ابن هرم بن رواحة بن حجر بن معيص بن ~~عامر بن لؤي . وكانت خديجة عند أبي هالة بن زرارة بن نباش بن عدي بن حبيب ~~بن صرد بن سلامة بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم التميمي . قال أبو عمر ~~يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر ابن ms3832 عاصم النمري : هكذا نسبه الزبير ~~، وأما الجرجاني النسابة فقال : كانت خديجة قبل عند أبي هالة هند بن النباش ~~بن زرارة بن وقدان بن حببيب بن سلامة بن عدي ابن جروة بن أسيد بن عمرو بن ~~تميم ، فولدت له هندا ، قال : ثم اتفقا فقالا : ثم خلف عليها بعد أبي هالة ~~عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، ثم خلف عليها بعد عتيق ~~المخزومي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وقال قتادة : كانت خديجة تحت ~~عتيق بن عابد المخزومي ، ثم خلف عليها بعده أبو هالة هند بن زرارة ، قال ~~أبو عمر : والأول أصح . PageV18P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" وقال أبو محمد عبد المؤمن بن خلف : إنها ولدت ~~لعتيق جارية تدعى هند ، ثم هلك عنها فخلف عليها أبو هالة فولدت له ابنا ~~وبنتا . وقال ابن إسحق : ولدت هند بن أبي هالة ، وزينب بنت أبي هالة ، ~~وولدت لعتيق عبد الله وجارية ، قال : ثم هلك فتزوجها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وقد قدمنا ذكر زواجه ( صلى الله عليه وسلم ) بها ، فلا حاجة ~~إلى إعادته . وولدت لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جميع أولاده ، إلا ~~إبراهيم . وقال أبو عمر : لا ختلفون أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~لم يتزوج في الجاهلية غير خديجة ، ولا تزوج عليها أحدا من نسائه حتى ماتت ، ~~وهي أول من آمن بالله عز وجل ، وبرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) على الإطلاق ~~. قال ابن إسحق رحمه الله : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا يسمع ~~من المشركين شيئا يكرهه ، من رد عليه وتكذيب له إلا فرج الله عنه بخديجة ، ~~تثبته وتصدقه وتخفف عنه وتهون عليه ما يقلى من قومه ، وقد تقدم من أخبارها ~~في ابتداء الوحي وامتحانها الأمر ، وقولها لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) : إن الذي يأتيه ملك ، وغير ذلك ما تقف عليه هناك ، مما يستدل به على ~~أنها رضي الله عنها أول من آمن بالله تعالى وبرسوله ، وقد جاءت الأحاديث ~~الصحيحة المنتشرة ، بفضل خديجة رضي الله عنها ms3833 ، فمن ذلك ما روى عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " سيدة نساء ~~أهل الجنة بعد مريم بنت عمران فاطمة وخديجة وآسية امرأة فرعون " . وعن ~~عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة ~~، وما بي أن أكون أدركتها ، ولكن ذلك لكثرة ذكر رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إياها ، وأن كان ليذبح الشاة فيتتبع بذلك صدائق خديجة يهديها لهن ، ~~وعنها رضي الله عنها قالت : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا يكاد ~~يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن عليها الثناء ، فذكرها يوما من الأيام ~~فأدركتني الغيرة فقلت : هل كانت إلا عجوزا قد أبدلك الله خيرا منها ؟ فغضب ~~حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ، ثم قال : " لا والله ما أبدلني الله خيرا ~~منها ، آمنت بي إذ كفر الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس ، وواستني في مالها ~~إذ حرمني الناس ، ورزقني الله منها أولادا إذ حرمني أولاد النساء " قالت ~~عائشة : فقلت في نفسي لا أذكرها بسيئة أبدا . PageV18P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" وقد قدمنا من فضلها وما بشرها به جبريل عليه ~~السلام ، وذكر وفاتها عند ذكرنا لزواج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~لها ما يستغنى عن إيراده في هذا الموضع ، وهو في الجزء الرابع عشر من ~~كتابنا هذا من هذه النسخة . ولما ماتت خديجة تزوج رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بعد وفاتها بأيام : سودة بنت زمعة بن قيس ابن عبد شمس بن عبد ~~ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ، ويقال في حسل : حسيل . وأمها ~~الشموس بنت قيس بن زيد بن عمرو بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن ~~النجار ، تزوجها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمكة ، بعد موت خديجة ، ~~وقبل العقد على عائشة على المشهور ، وكانت قبل عند ابن عم لها يقال له ~~السكران بن عمرو ، وهو أخو سهيل بن عمرو ، من بني عامر بن لؤي ، وأسنت ms3834 سودة ~~عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فهم بطلاقها ، فقالت له : لا تطلقني ~~وأنت حل من شاني ، فإنما أريد أن أحشر في أزواجك ، وإعني قد وهبت يومي ~~لعائشة ، وإني ما أريد ما تريد النساء . فأمسكها رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وصار يقسم لبقية أزواجه دونها ، ونوبتها لعائشة ، فكانت كذلك حتى ~~توفي عنها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مع من توفي عنه من أزواجه . ~~قال أبو عمر : وفي سودة نزل قوله تعالى : " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا ~~أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير " . وقيل : " ~~نزلت في عمرة ، ويقال : خولة بنت محمد بن مسلمة ، وفي زوجها سعد بن الربيع ~~. ويقال في غيرها . والله أعلم . وكانت وفاة سودة في آخر زمان عمر بن ~~الخطاب ، ثم تزوج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد سودة : عائشة بنت ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وأمها أم رومان ابنة عامر بن عويمر بن عبد ~~شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة ~~، تزوجها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمكة ، في شوال سنة عشر من ~~النبوة ، قبل الهجرة بثلاث سنين ، وهي بنت ست أو سبع ، وبنى بها بالمدينة ~~على رأس سبعة أشهر من الهجرة ، وهي ابنة تسع سنين ، وتوفي عنها رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وهي بنت ثمان عشرة سنة ، ولم يتزوج ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بكرا غيرها ، وكانت عائشة رضي الله عنها تذكر لجبير ابن مطعم بن عدي ~~وتسمى له ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) PageV18P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" قد أري عائشة في المنام في سرقة من حرير ~~متوفى خديجة ، فقال : " إن يكن هذا من عند الله يمضه " فتزوجها رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في شوال وابتنى بها في شوال ، فكانت تحب أن تدخل ~~النساء من أهلها وأحبتها في شوال على أزواجهن ، وتقول : هل كانت في نسائه ~~عنده أحظى مني ، وقد نكحني وابتنى بي ms3835 في شوال . قال أبو عمر : فكان مكثها ~~مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تسع سنين ، روي عنها أنها قالت : ~~تزوجني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأنا بنت سبع سنين ، وبنى بي وأنا ~~بنت تسع ، وقبض عني وأنا بنت ثماني عشرة . قال أبو عمر : واستأذنت رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) في الكنية فقال لها : " اكتني بابنك عبد الله ~~بن الزبير " يعني ابن أختها ، وكان مسروق إذا حدث عن عائشة يقول : حدثتني ~~الصادقة ابنة الصديق ، البريئة المبرأة بكذا وكذا ، ذكره الشعبي عن مسروق ، ~~وقال أبو الضحا عن مسروق : رأيت مشيخة أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ~~الأكابر يسألونها عن الفرائض . وقال عطاء بن أبي رباح : كانت عائشة أفقه ~~الناس ، وأعلم الناس ، وأحسن الناس رأيا في العامة ، وقال هشام ابن عروة عن ~~أبيه : ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة . وعن عبد الرحمن ~~بن أبي الزناد عن أبيه ، قال : ما رأيت أحدا أروى لشعر من عروة ، فقيل له : ~~: ما أرواك يا أبا عبد الله قال : وما روايتي في رواية عائشة ، ما كان ينزل ~~بها شيء إلا أنشدت فيه شعرا . قال الزهري : لو جمع علم عائشة إلى جميع علم ~~أزواج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعلم جميع النساء ، لكان علم ~~عائشة أفضل . وروى عن عمرو بن العاص قال : قلت : لرسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أي الناس أحب إليك ؟ قال : " عائشة " ، قلت : فمن الرجال ؟ قال ~~: " أبوها " . ومن حديث أبي موسى الأشعري ، وأنس بن مالك عن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على ~~سائر الطعام " . ومن فضل عائشة أن الله عز وجل أنزل في براءهتها ما أنزل ، ~~وقد ذكرنا ذلك في حديث الإفك ، في حوادث سنة خمس من الهجرة ، وهو في الجزء ~~الرابع عشر من كتابنا هذا ، من هذه النسخة . وورى عن مالك بن أنس رحمه الله ~~أنه قال : من سب أبا بكر جلد ، ومن سب عائشة قتل ، فقيل ms3836 له : لم ؟ قال : من ~~رماها فقد خالف القرآن ، لأن الله تعالى يقول : " يعظكم الله أن تعودوا ~~لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين " فمن عاد لمثله فقد كفر . وعن القاضي أبي بكر ~~بن الطيب PageV18P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" قال : إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما ~~نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه ، كقوله : " وقالو اتخذ الرحمن ولدا ~~سبحانه " في أي كثر . وذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال : " ~~لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك " سبح نفسك في ~~تنزيهها من السوء ، كما سبح نفسه في تنزيهه من السوء ، وفضائلها رضي الله ~~عنها كثيرة مشهورة . وسنذكر إن شاء الله تعالى ، عند ذكرنا لوفاة سيدنا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما خصها به ( صلى الله عليه وسلم ) ، في ~~مرضه الذي مات فيه ، من تمريضه في بيتها ، وأنه مات ( صلى الله عليه وسلم ) ~~في بيتها وفي نوبتها ، وبين سحرها ونحرها ، وآخر ما دخل فمه ريقها ، وناهيك ~~بها فضيلة وخصوصية ، وكانت وفاة عائشة رضي الله عنها بالمدينة ، في سنة سبع ~~وخمسين ، وقيل : في سنة ثمان وخمسين ، ليلة الثلاثاء ، لسبع عشر خلت من شهر ~~رمضان ، وأمرت أن تدفن ليلا ، فدفنت بعد الوتر بالبقيع ، وصلى عليها أبو ~~هريرة ، ونزل في قبرها خمسة : عبد الله ، وعروة ابنا الزبير ، والقاسم بن ~~محمد ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر ، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر ~~، والله أعلم . وتزوج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد زواج عائشة : ~~حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها وهي أخت عبد الله بن عمر لأبيه وأمه ~~، وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب ابن وهب بن حذافة بن جمح ، وكانت حفصة من ~~المهاجرات ، وكانت قبل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عند خنيس بن حذافة ~~بن قيس بن عدي السهمي ، وكان بدريا ، فلما مات عنها ، وتأيمت ، ذكرها عمر ~~لأبي بكر وعرضها عليه ، فلم يرجع إليه أبو بكر كلمة ، فغضب من ذلك عمر ، ثم ~~عرضها على عثمان ms3837 حين ماتت رقية بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فقال عثمان : ما أريد أن أتزوج اليوم ، فانطلق عمر إلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فشكا إليه عثمان ، وأخبره بعرضه حفصة عليه ، فقال له رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يتزوج حفصة من هو خير من عثمان ، ويتزوج ~~عثمان من هي خير من حفصة " ثم خطبها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى ~~عمر فتزوجها ، فلقى أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب فقال : لا تجد على في ~~نفسك ، فإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان ذكر حفصة ، فمل أكن لأفشي ~~سر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولو تركها PageV18P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" لتزوجتها ، وتزوجها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) على رأس ثلاثين شهرا من مهاجره . قال أبو عمر : وطلقها رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) تطليقة ثم ارتجعها ، وذلك أن جبريل عليه ~~السلام قال له : " راجع حفصة فإنها صوامة قوامة ، وأنها زوجتك في الجنة " . ~~وروى عن عقبة بن عامر قال : طلق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حفصة بنت ~~عمر ، فبلغ ذلك عمر ، فحثى على رأسه التراب ، وقال : ما يعبأ الله بعمر ~~وابنته بعد هذا ، فنزل جبيريل من الغد على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ، وقال : " إن الله يأمرك أن تراجع حفصة بنت عمر رحمة لعمر " . قال أبو ~~عمر : وأوصى عمر بعد موته إلى حفصة ، وأوصت حفصة إلى عبد الله ابن عمر بما ~~أوصى به إليها عمر ، وبصدقة تصدقت بها بمال وقفته بالغاية . واختلف في ~~وفاتها ، فقال الدولابي : عن أحمد بن محمد بن أيوب ، توفيت في سنة سبع ~~وعشرين ، وقال أبو معشر : توفيت في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين ، وقال ~~غيره : توفيت في شعبان سنة خمس وأربعين بالمدينة ، وصلى عليها مروان بن ~~الحكم ، وحمل سريرها ، وهو إذ ذاك أمير المدينة لمعاوية بن أبي سفيان ، ~~وهذا الذي أشار إليه الشيخ أبو محمد الدمياطي في مختصر السيرة ، قال : ثم ~~تزوج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد زواج ms3838 حفصة بنت عمر : زينب بنت ~~خزيمة بن الحارث ابن عبد الله عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة ~~بن معاوية ابن أبي بكر بن هوزان القيسية الهوازنية العامرية الهلالية ، ~~وكانت تدعى في الجاهلية أم المساكين ، وكانت قبل رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) عند الطفيل بن الحارث ابن عبد المطلب بن عبد مناف فطلقها ، فخلف ~~عليها أخوه عبيدة بن الحارث فقتل عنها بيوم بدر شهيدا ، فخلف عليها رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) في شهر رمضان على رأس أحد وثلاثين شهرا من ~~مهاجره . وقيل : كانت تحت عبد الله بن جحش فقتل عنها يوم أحد ، فتزوجها ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وعلى الأول اعتمد الشيخ أبو محمد ، قال ~~: ومكثت عنده ثمانية أشهر ، وتوفيت في آخر شهر ربيع الآخر ، وصلى عليها ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ودفنها بالبقيع ، وقد بلغت ثلاثين سنة ~~أو نحوها ، ولم يمت من أزواجه في حياته غيرها ، وغير خديجة ، قال : وفي ~~ريحانة خلاف ، وقال أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني النسابة ، كانت ~~زينب بنت خزيمة أخت ميمونة لأمها ، قال أبو عمر : ولم أر ذلك لغيره ، والله ~~أعلم . ثم تزوج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد زينب بنت خزيمة : ~~PageV18P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" أم سلمة هند بنت أبي أمية حذيفة المعروف بزاد ~~التراكب بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة ابن مرة بن كعب بن ~~لؤي القرشية المخزومية . وكان أبوها أحد أجواد قريش المشهورين بالكرم . ~~وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك بن خزيمة بن علقمة ابن فراس . وكانت ~~قبل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ~~بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وهو ابن برة بنت عبد المطلب عمة ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وولدت له عمر وزينب ، فكانا ربيبي رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال أبو عمر : ولدت له عمر وسلمة ودرة وزينب ~~. قال ms3839 : وكانت هي وزوجها أول من هاجر إلى أرض الحبشة ، ويقال أيضا : أم ~~سلمة أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة ، وقيل : بل ليلى بنت أبي حثمة زوج ~~عامر بن ربيعة . تزوج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أم سلمة في ليال ~~بقين من شوال سنة أربع من مهاجره ، وقال أبو عمر : تزوجها في سنة اثنتين من ~~الهجرة بعد وقعة بدر ، عقد عليها في شوال ، وابتنى بها في شوال ، وقال لها ~~: إن شئت سبعت عندك ، وسبعت لنسائي ، وإن شئت ثلثت ودرت " فقلت : ثلث . قال ~~ابن هشام : زوجه إياها ابنها سلمة بن أبي سلمة ، وأصدقها رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فراشا حشوة ليف وقدحا وصحفة ومجشة . وقد اختلف في وفاتها ~~، فقيل : توفيت في سنة ستين من الهجرة ، وقيل : في شهر رمضان أو شوال سنة ~~تسع وخمسين ، وقال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن : توفيت في سنة اثنتين وستين ~~. قال أبو عمر : وصلى عليها أبو هريرة ، وقيل : سعيد بن زيد بوصية منها ، ~~ودخل قبرها عمر وسلمة ابنا أبي سلمة ، وعبيد الله بن عبد الله بن أبي أمية ~~، وعبد الله بن وهب بن ربيعة ، ودفنت بالبقيع رحمها الله ، وهي آخر أزواج ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) موتا ، وقيل بل ميمونة آخرهن ، والله ~~أعلم . ثم تزوج ( صلى الله عليه وسلم ) بعدها : زينب بنت جحش بن رئاب ابن ~~يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير - بالباء الموحدة - ابن غنم بن دودان ابن أسد ~~بن خزيمة . PageV18P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" وكان اسم زينب بنت برة ، فسماها رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) زينب ، وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم ، عمة ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال الشيخ أبو محمد بن عبد المؤمن : ~~تزوجها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لهلال ذي القعدة سنة أربع على ~~الصحيح ، وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة ، وكانت قبل ذلك عند زيد بن حارثة ~~مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم فارقها ، فلما حلت زوجه الله ~~إياها ، وهي التي قال الله ms3840 تعالى فيها : " فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ~~" ولما تزوجها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تكلم في ذلك المنافقون ، ~~وقالوا حرم محمد نساء الولد وقد تزوج امرأة ابنه ، فأنزل الله عز وجل : " ~~ما كان محمد أبا أحد من رجالكم " . وقال تعالى : " ادعوهم لآبائهم هو أقسط ~~عند الله " فدعى زيد يومئذ زيد بن حارثة ، وكان قبل ذلك يدعى زيد بن محمد . ~~قالت عائشة رضي الله عنها : لم يكن أحد من نساء النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) يساميني في حسن المنزلة عنده غير زينب بنت جحش ، وكانت تفخر على نساء ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، تقول : إن آباءكن أنكحوكن وأن الله أنكحني ~~إياه من فوق سبع سموات . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال لزيد بن حارثة : " اذكرها على " قال زيد : فانطلقت ~~فقلت لها : يا زينب ، أبشري ، فإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أرسل ~~يذكرك . فقالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي ، فقامت إلى مسجدها ، ~~ونزل القرآن ، وجاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فدخل عليها بغير إذن ~~، وعن عبد الله بن شداد أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال لعمر بن ~~الخطاب رضي الله تعالى عنه : " إن زينب بنت جحش أواهه " فقال رجل : يا رسول ~~الله ، ما الأواه ؟ قال : الخاشع المتضرع ، و " إن إبراهيم لحليم أواه منيب ~~" . وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ؛ قالت قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يوما لنسائه : " أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا " ، قالت : فكن ~~يتطاولن أيهن أطول يدا ، قالت : فكانت أطولنا يدا زينب ، لأنها كنانت تعمل ~~بيديها وتتصدق . وعن عائشة رضي الله عنها أيضا ، قالت كانت زينب بنت جحش ~~تساميني في المنزلة عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وما رأيت امرأة ~~قط خيرا في الدين من زينب ، وأتقى لله وأصدق حديثا ، وأوصل للرحم ، وأعظم ~~صدقة . ومن رواية أخرى عنها أنها ذكرت زينب فقالت : ولم تكن امرأة خيرا ~~منها في الدين ، وأتقى ms3841 لله ، وأصدق حديثا ، وأوصل للرحم ، وأعظم صدقة ، ~~وأشد تبذلا في نفسها في العمل الذي تتصدق به PageV18P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" و تقترب إلى الله عز وجل ، وكانت وفاة زينب ~~بالمدينة في سنة عشرين من الهجرة ، في خلافة عمر ، وقيل : في سنة إحدى ~~وعشرين ، ودفنت بالبقيع رضي الله عنها . ثم تزوج رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بعد زينب : جويرية بنت الحارث ابن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك ~~بن جذيمة ، وهو المصطلق بن سعد ابن كعب بن عمرو بن ربيعة ، وهو لحى بن ~~حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء ، الأزدية الخزاعية المصطلقية . ~~سباها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم المريسيع فوقعت جويرية في سهم ~~ثابت بن قيس بن شماس ، وكاتبها على تسع أواق ، فأدى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) عنها كتابتها وتزوجها . وقيل : جاء أبوها فافتداها ، ثم أنكحها ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في سنة ست من الهجرة . وروى عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت : لما قسم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سبايا بني ~~المصطلق ، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس - أو لابن ~~عم له - فكاتبته على نفسها ، وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت ~~بنفسه ، فأتت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تستعينه في كتابتها ، قالت ~~عائشة : فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها ، وعرفت أنه ~~سيرى منها ما رأيت ، فدخلت عليه ، فقالت : يا رسول الله ، أنا جويرية بنت ~~الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك ، فوقعت ~~في السهم لثابت بن قيس بن شماس - أو لابن عم له - فكاتبته على نفسي ، فجئتك ~~أستعينك على كتابتي ، قال : فهل لك في خير من ذلك " ؟ قالت : وما هو يا ~~رسول الله ؟ قال : أقض عنك كتابتك وأتزوجك " ، قالت : نعم يا رسول الله ، ~~قال : " قد فعلت " ؛ قالت : وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قد تزوج ms3842 بجويرية بنت الحارث فقال الناس : أصهار رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فأرسلوا ما بأيديهم ، فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة ~~أهل بيت من بني المصطلق ، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها . ~~قال أبو عمر : وكانت جويرية قبل تحت مسافع بن صفوان المصطلقي ، قال : وكان ~~اسمها برة ، فغير رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اسمها وسماها جويرية ، ~~وحفظت جويرية عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وروت عنه ، وتوفيت في ~~المدينة في شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين ، وصلى عليها مروان بن الحكم وهو ~~والي المدينة وقد بلغت سبعين سنة ؛ لأنه ( صلى الله عليه وسلم ) تزوجها وهي ~~بنت عشرين سنة . وقيل : توفيت في سنة خمسين . والله أعلم . PageV18P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" ثم تزوج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بعد جويرية : ريحانة بنت زيد بن عمر بن خنافة بن شمعون قال أبو عمر يوسف بن ~~عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري رحمه الله : هي ريحانة بنت شمعون بن ~~زيد بن خنافة من بني قريظة ، وقيل من بني النضير . قال : والأكثر من بني ~~قريظة . قال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن ين خلف رحمه الله : وكانت متزوجة ~~رجلا من بني قريظة ، يقال له الحكم ، وكانت قد وقعت في السبي يوم بني قريظة ~~، وذلك في ليال من ذي القعدة سنة خمس من الهجرة ، فكانت صفي رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فخيرها بين الإسلام ودينها فاختارت الإسلام فأعتقها ~~وتزوجها ، وأمهرها اثنتي عشرة أوقية ونشا ، وأعرس بها في المحرم سنة ست ، ~~في بيت أم المنذر سلمى بنت قيس من بني النجار ، وضرب عليها الحجاب ، فغارت ~~عليه غيرة شديدة ، فطلقها تطليقة ، فأكثرت البكاء فراجعها ، فكانت عنده حتى ~~ماتت بعد رجعته من حجة الوداع ، فدفنها بالبقيع . وقيل : إنه لم يتزوجها ~~وكان يطؤها بملك اليمين ، وأنه خيرها بين العتق والتزويج ، أو تكون في ملكه ~~، فقالت : أكون في ملكك أخف علي وعليك ، فكانت في ملكه حتى توفي عنها . قال ~~: والأول أثبت . ثم تزوج ( صلى الله ms3843 عليه وسلم ) : أم حبيبة رملة بنت أبي ~~سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشية الأموية ، ~~وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية عمة عثمان بن عفان ، هاجرت أم حبيبة مع ~~زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية ، فولدت له حبيبة ~~فكنيت بها ، وتنصر عبيد الله زوجها ، وارتد عن الإسلام ، ومات على ذلك ، ~~وثبتت أم حبيبة على دين الإسلام ، فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ، كما قدمنا ذكر ذلك فزوجه إياها ، وكان ~~الذي عقد عليها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية على الأصح ، وأصدقها النجاشي ~~عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أربعمائة دينار ، وبعث بها مع شرحبيل ~~بن حسنة وجهزها إلى المدينة ، وذلك في سنة سبع من الهجرة ، وهذا هو المعروف ~~المشهور . وقيل : إن الذي زوجها عثمان بن عفان ، وأن العقد كان بالمدينة ~~بعد رجوعها من أرض الحبشة . والأول أثبت . PageV18P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" وروى الزبير بن بكار قال : حدثني محمد بن حسن ~~عن عبد الله بن عمرو بن زهير ، عن إسماعيل بن عمرو أن أم حبيبة قالت : ما ~~شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشي جارية يقال لها أبرهة ، كانت تقوم ~~على ثيابه ودهنه ، فاستأذنت علي فأذنت لها ، فقالت : إن الملك يقول لك إن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد كتب إلي أن أزوجكه فقلت : بشرك الله ~~بخير ، وقالت : يقول لك الملك وكلي من يزوجك ، فأرسلت إلى خالد بن سعيد ~~فوكلته ، وأعطيت أبرهة سوارى فضة كانتا علي ، وخواتم فضة كانت في أصابعي ~~سرورا بما بشرتني ، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك ~~من المسلمين يحضرون ، وخطب النجاشي فقال : الحمد لله الملك القدوس ، السلام ~~المؤمن المهيمن ، العزيز الجبار ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا ~~رسول الله ، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم - أما بعد - فإن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) كتب إلي ms3844 أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فأجبت إلى ~~ما دعا إليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقد أصدقتها أربعمائة ~~دينار . ثم سكب الدنانير بين يدي القوم ، فتكلم خالد بن سعيد ، فقال : ~~الحمد لله أحمده وأستعينه ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ~~رسول الله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ~~- أما بعد - فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فبارك الله لرسوله . ودفع النجاشي ~~الدنانير إلى خالد بن سعيد فقبضها ؛ ثم أرادوا أن يقوموا ، قفال النجاشي : ~~اجلسوا في سنة الأنبياء عليهم السلام إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج ~~، فعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا . وماتت أم حبيبة سنة أربع وأربعين . وروى عن ~~علي بن حسين قال : قدمت منزلي في دار علي بن أبي طالب ، فحفرنا في ناحية ~~منه فأخرجنا منه حجرا فإذا فيه مكتوب ، هذا قبر رملة بنت صخر ، فأعدناه ~~مكانه ، حكاه أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة أم حبيبة . ثم ~~تزوج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد أم حبيبة : صفية بنت حيي بن ~~أخطب ابن سعية بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بنت الحارث بن أبي حبيب بن النضير ~~بن النحام بن نحوم ، من بني إسرائيل من سبط هرون بن عمران عليه السلام . ~~PageV18P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" كان أبوها سيد بني النضير ، وأمها برة بنت ~~سموءل ، أخت رفاعة ، وكانت صفية عند سلام بن مشكم القرظي الشاعر ، ففارقها ~~فخلف عليها كنانة بن الربيع ابن أبي الحقيق النضري الشاعر ، فقتل يوم خيبر ~~، ولم تلد لأحد منهما شيئا ، فاصفاها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~لنفسه فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها ، ولم تبلغ يومئذ سبع عشرة سنة . ~~وحكى محمد بن إسحاق في مغازية ، وأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في دلائل ~~النبوة ، في غزاة خيبر : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما افتتح ~~القموص : - حصن ابن أبي الحقيق ms3845 - أتى بصفية بنت حي بن أخطب ، وبأخرى معها ، ~~فمر بهما بلال على قتلى من قتلى يهود ، فملما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت ~~وجهها وحثت التراب على رأسها ، فلما رآها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قال : " أغربوا عني هذه الشيطانة " وأمر بصفية فحيزت خلفه ، وألقى عليها ~~رداءه ، فعرف المسلمون أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد اصطفاها ~~لنفسه ، وكانت صفية قد رأت في المنام ، وهي عروس بكنانة بن الربيع ، أن ~~قمرا وقع في حجرها ، فعرضت رؤياها على زوجها ، فقال : ما هذا إلا أنك تمنين ~~ملك الحجاز محمدا : فلطم وجهها لطمة خضر عينها منها ، فأتى بها رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وبها أثر منه ، فسألها ما هو فأخبرته هذا الخبر . ~~وروى عن أنس بن مالك من رواية صهيب ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~لما جمع سبى خيبر جاءه دحية فقال : أعطني جارية ، من السبي ، قال : " اذهب ~~فخذ جارية " فأخذ صفية بنت حي ، فقيل : يا رسول الله ، إنها سيدة قريظة ~~والنضير ، ما تصلح إلا لك ، فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " خذ ~~جارية من السبي غيرها " . وقال ابن شهاب : كانت مما أفاء الله عليه ، حجبها ~~وأولم عليها بتمر وسويق ، وقسم لها ، وكانت إحدى أمهات المؤمنين ، قال أبو ~~عمر : " روى أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دخل على صفية وهي تبكي ، ~~فقال لها : " ما يبكيك " ؟ قالت : بلغني أن عائشة وحفصة تنالان مني ، ~~وتقولان نحن خير من صفية ، نحن بنات عم رسول الله وأزواجه ، قال : " ألا ~~قلت لهن كيف تكن خيرا مني وأبي هرون ، وعمي موسى ، وزوجي محمد ( صلى الله ~~عليه وسلم ) " . وكانت صفية حليمة عاقلة فاضلة ، وروى أن جارية لها أتت عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه ، فقالت : إن صفية تحب السبت وتصل اليهود ، فبعث ~~إليها عمر يسألها ، فقالت : أما السبت فإني لم أحبه منذ أبدلني الله به يوم ~~الجمعة ، وأما اليهود فإن لي فيهم رحما فأنا أصلها ، ثم قالت للجارية : ما ~~حملك على ما صنعت ms3846 ؟ قالت : الشيطان ، قالت : فاذهبي فأنت حرة . ~~PageV18P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" وتوفيت صفية في شهر رمضان سنة خمسين ، وقيل : ~~سنة اثنتين وخمسين . ودفنت بالبقيع ، وورثت مائة ألف درهم بقيمة أرض وعرض ، ~~وأوصت لابن أختها بثلثها ، وكان يهوديا . ثم تزوج رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بعدها : ميمونة بنت الحارث ابن حزن بنم بجير بن هزم بن رويبة ~~بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور ~~بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن عيلان بن مطر . وأمها هند بنت عوف بنت زهير بن ~~الحارث بن حماطة بن حمير ، وقيل : من كنانة ، وأن زهير بن الحارث بن كنانة ~~. وأخوات ميمونة لأبيها ولأمها : أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث ، زوج ~~العباس بن عبد المطلب ، ولبابة الصغرى زوج الوليد بن المغيرة ، أم خالد بن ~~الوليد . وعصماء بنت الحارث ، كانت تحت أبي بن خلف الجمحي . وعزة بنت ~~الحارث ، كانت عند زياد بن عبد الله بن مالك الهلالي . وأخواتها لأمها : ~~أسماء بنت عميس ، كانت تحت جعفر بن أبي طالب ، فولدت له عبد الله ، وعونا ~~ومحمدا ، ثم خلف عليها أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، فولدت له محمدا ، ثم ~~خلف عليها علي بن أبي طالب ، فولدت له يحيى ، وقيل : إن أسماء كانت تحت ~~حمزة بن عبد المطلب ، فولدت له أمة الله بنت حمزة ، ثم خلفها عليها بعده ~~شداد بن أسامة بن الهاد الليثي ، فولدت له عبد الله ، وعبد الرحمن . وسلامة ~~بنت عميس أخت أسماء . وسلمى بنت عميس كانت تحت عبد الله بن كعب بن منبه ~~الخثعمي . وزينب بنت خزيمة أخت ميمونة لأمها . قال أبو عمر بسنده إلى ابن ~~عباس رضي الله عنهما : كان اسم ميمونة برة ، فسماها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ميمونة ، وقال : لما توجه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إلى مكة معتمرا في سنة سبع ، وهي عمرة القضاء ، خطب جعفر بن أبي طالب عليه ~~ميمونة بنت الحارث الهلالية ، وكانت أختها لأمها أسماء بنت عميس عند جعفر ms3847 ، ~~وسلمى بنت عميس عند حمزة ، وأم الفضل عند العباس ، فأجابت جعفر ابن أبي ~~طالب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وجعلت أمرها إلى العباس بن ~~عبد المطلب ، فأنكحها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو محرم ، فلما ~~PageV18P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" رجع بنى بها بسرف حلالا ، وكانت قبله عند أبي ~~رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن ~~لؤي ، ويقال : بل كانت عند سبرة بن أبي رهم . حكاه أبو عبيدة ، وقال عبد ~~الله بن محمد بن عقيل : كانت ميمونة قبل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عند ~~حويطب بن عبد العزى ، وقيل : كانت في الجاهلية عند مسعود بن عمرو بن عمير ~~الثقفي ففارقها ، وخلف عليها أبو رهم أخو حويطب فتوفى عنها ، فتزوجها رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) . قال ابن شهاب : وهي التي وهبت نفسها للنبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وكذلك قال قتادة ، قال : وفيها نزلت " وامرأة مؤمنة ~~إن وهبت نفسها للنبي " الآية ، وقد قيل : إن الواهبة خولة وقيل : أم شريك . ~~قال قتادة : وكانت ميمونة قبله عند فروة بن عبد العزى بن أسد بن غنم بن ~~دودان ، قال أبو عمر : هكذا قال قتادة وهو خطأ ، والصواب ما تقدم . والله ~~أعلم . قال الشيخ أبو محمد الدمياطي : وماتت ميمونة بسرف في سنة إحدى ~~وخمسين على الأصح ، وقد بلغت ثمانين سنة . فهؤلاء نساؤه المدخول بهن ، ومات ~~( صلى الله عليه وسلم ) عن تسع منهن ، وهن : عائشة بنت أبي بكر الصديق ، ~~وحفصة بنت عمر ، وسودة بنت زمعة ، وأم سلمة بنت أبي أمية ، وزينب بنت جحش ، ~~وجويرية بنت الحارث وأم حبيبة بنت أبي سفيان ؛ وصفية بنت حي بن أخطب ، ~~وميمونة بنت الحارث رضوان الله عليهم أجمعين . ؟ ذكر من تزوجهن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) من النساء ولم يدخل بهن ، ومن دخل بهن وطلقهن ، ومن ~~وهبت نفسها له ( صلى الله عليه وسلم ) فاطمة بنت الضحاك ابن سفيان بن عوف ~~بن كعب بن أبي بكر ، وهو عبيد بن ms3848 كلاب بن ربيعة ابن عامر الكلابية . تزوجها ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ذي القعدة ، سنة ثمان من الهجرة ~~منصرفة من الجعرانة ، فلما دنا منها قالت : أعوذ بالله منك ، فقال : " لقد ~~عذت بعظيم PageV18P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" الحقي بأهلك " فكانت إذا استأذنت على أزواج ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) تقول : أنا الشقية إنما خدعت . ودلهت وذهب ~~عقلها ، وماتت سنة ستين . وروي عن ابن إسحق أن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) تزوجها بعد وفاة ابنته زينب ، وخيرها حين أنزلت آية التخيير فاختارت ~~الدنيا ففارقها ، فكانت بعد تلقط البعر ، وتقول : أنا الشقية اخترت الدنيا ~~. قال أبو عمر بن عبد البر : وهذا عندي غير صحيح ؛ لأن ابن شهاب يروى عن ~~أبي سلمة وعروة عن عائشة : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين خير ~~أزواجه بدأ بها فاختارت الله ورسوله قالت : وتتابع أزواج النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) على ذلك ، قال قتادة وعكرمة : كان عنده حين خيرهن تسعو نسوة ~~وهن اللواتي توفي عنهن ، قال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن : وقيل إنما طلقها ~~لبياض كان بها . وقيل : إنما فراقها لأنه كان إذا خرج طلعت إلى المسجد . ~~وقيل : إن الضحاك عرض ابنته فاطمة على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وقال : إنها لم تصدع قط فقال : " لا حاجة لي بها " . وروي عن عبد الله بن ~~عمر رضي الله عنهما قال : كان في نساء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~سناء بنت سفيان بن عوف بن كعب ابن أبي بكر بن كلاب . ومنهن : عمرة بنت يزيد ~~بن الجون الكلابية وقيل : عمرة بنت يزيد بن عبيد بن رواس بن كلاب الكلابية ~~، وقد أصح . وفي رواية قال أبو عمر : تزوجها رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فبلغه أن بها برصا فطلقها ، ولم يدخل بها . وقيل : إنها التي ~~تعوذت منه حين أدخلت عليه وقيل غيرها . ومنهن : العالية بنت ظبيان بن الجون ~~ابن عوف بن كعب بن أبي بكر بن عبيد بن كلاب الكلابية . قال أبو عمر : ~~تزوجها رسول ms3849 الله ( صلى الله عليه وسلم ) وكانت عنده ماشاء الله ، ثم طلقها ~~، قال : وقل من ذكرها . هؤلاء اللاتي ذكرن من بني كلاب بن ربيعة بن عامر . ~~قال أبو محمد : ومن الناس من جعل التي تزوجها من بني عامر واحدة ، اختلف في ~~اسمها ، وأنه لم يتزوج من بني عامر غيرها ، قال : ومنهم من جعلهن جمعا ، ~~وذكر لكل واحدة منهن قصة ، وهؤلاء اللاتي ذكرناهن ، هن المشهورات من بني ~~عامر . PageV18P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" وممن ذكرنا في أزواجه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فاطمة بنت شريح . ذكرها أبو عبيدة في أزواج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) . ومنهن : أسماء بنت النعمان بن أبي الجون ابن الأسود بن الحارث بن ~~شراحيل بن الجون بن آكل المرار الكندي ، تزوج بها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في سنة تسع من الهجرة ، زوجه إياها أبوها حين قدم ، على اثنتي ~~عشرة أوقية ونش ، وبعث معه أبا أسيد ؛ فحملها من نجد حتى نزل بها في أطم ~~بني ساعدة ، فقالت عائشة : قد وضع يده في الغرائب يوشك أن يصرفن وجهه عنا ، ~~وكانت من أجمل النمساء ، فقالت حفصة لعائشة ، أو عائشة لحفصة : اخضبيها أنت ~~وأنا أمشطها ، ففعلتا ، ثم قالت لها إحداهما : إنه يعجبه من المرأة إذا ~~دخلت عليه أن تقول : أعوذ بالله منك ؛ فلما دخلت عليه وأغلق الباب ، وأرخى ~~الستر ، مد يده إليها ، فقالت : أعوذ بالله منك ، فقال : " لقد عذت بمعاذ ~~الحقي بأهلك " وأمر أبا أسيد أن يردها إلى أهلها ؛ وقال : " متعها ~~برازقيتين " يعني كرباسين ، فكانت تقول : ادعوني الشقية ، وإنما خدعت ؛ لما ~~رؤي من جمالها وهيئتها ، وذكر لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من حملها ~~على ماقالت ، فقال : " إنهن صواحب يوسف وكيدهن عظيم " قال : فلما طلع بها ~~أبو أسيد على أهلها تصايحوا ؛ وقالوا : إنك لغير مباركة ، ما دهاك ؟ فقالت ~~: خدعت ، وقيل لي كيت وكيت ، فقالوا : لقد جعلتنا في العرب شهرة ، فقالت : ~~يا أبا أسيد قد كان ما كان فما الذي أصنع ؟ قال : أقيمي في بيتك واحتجبي ~~إلا من ذي رحم ، ولا يطمع فيك ms3850 طامع بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فإنك من أمهات المؤمنين ؛ فأقامت لا يطمع فيها طامع ، ولا ترى إلا لذي محرم ~~، حتى توفيت في خلافة عثمان بن عفان عند أهلها بنجد . وقال أبو عمر : ~~أجمعوا على أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تزوجها ، واختلفوا في قصة ~~فراقه لها ، فقال بعضهم : لما دخلت عليه دعاها فقالت : تعال أنت ، وأبت أن ~~تجيء ، هذا قول قتادة وأبي عبيدة . وزعم بعضهم أنها قالت : أعوذ بالله منك ~~، فقال : " لقد عذت PageV18P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" بمعاذ ، وقد أعاذك الله مني " فطلقها ، قال ~~قتادة : وهذا باطل إنما قال هذا لامرأة جميلة تزوجها من بني سليم . وقال ~~أبو عبيدة : كلتاهما عاذتا بالله عز وجل منه ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~والله تعالى أعلم . وروى البخاري في صحيحه حديث أبي أسيد الساعدي قال : ~~تزوج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أميمة بنت شراحيل فلما دخلت عليه ~~بسط يده إليها ، فكأنها كرهت ذلك ، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين ~~، وفي لفظ آخر ، قال أبو أسيد ، أتى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بالجونية ، فلما دخل عليها قال : " هبي لي نفسك " فقالت : وكيف تهب الملكة ~~نفسها للسوقة ؟ فأهوى بيده إليها ليسكتها فقالت : أعوذ بالله منك ، قال : " ~~قد عذت بمعاذ " ثم خرج عليه السلام فقال : " يا أبا أسيد اكسها رازقيتين ~~وألحقها بأهلها " . وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : خلف عليها ~~المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة ؛ فأراد عمر أن يعاقبهما ، فقالت : والله ~~ما ضرب علي الحجاب ولا سميت بأم المؤمنين ، فكف عنهما ، وقيل : تزوجها ~~عكرمة ابن أبي جهل في الردة ، وقيل : خلف عليها بعد المهاجر قيس بن مكشوح ~~المرادي ، وقال ابن أبزى : الجونية التي استعاذت من رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، ولم تستعذ منه امرأة غيرها . قال أبو عمر رحمه الله : ~~الاختلاف في الكندية كبير جدا ، منهم من يقول : هي أسماء بنت النعمان ، ~~ومنهم من يقول : أميمة بنت النعمان ، ومنهم من يقول : أمامة بنت النعمان ، ~~قال : واختلافهم ms3851 في سبب فراقها على ما رأيت ، والاضطراب فيها وفي صواحباتها ~~اللواتي لم يجتمع عليهن من أزواجه ( صلى الله عليه وسلم ) عظيم . ومنهن : ~~قتيلة بنت قيس أخت الأشعث بن قيس بن معد يكرب بن معاوية الكندية . روي عن ~~عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما استعاذت أسماء بنت النعمان من ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) خرج والغضب يعرف في وجهه ، فقال له الأشعث بن ~~قيس : لا يسؤك الله يا رسول الله ، ألا أزوجك من ليس دونها في الجمال ~~والحسب ؟ قال : " من " ؟ قال : أختي قتيلة ، قال : " قد تزوجتها " قال : ~~فانصرف الأشعث إلى حضرموت ، ثم حملها حتى إذا فصل PageV18P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" من اليمن ، بلغه وفاة رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فردها إلى بلاده وارتد وارتدت معه فيمن ارتد ؛ فلذلك تزوجت ؛ ~~لفساد النكاح بالارتداد . قال الشيخ أبو محمد : وكان تزوجها قيس بن مكشوح ~~المرادي ، وقيل : تزوجها عكرمة ابن أبي جهل ، فوجد أبو بكر من ذلك وجدا ~~شديدا ، وقال : لقد هممت أن أحرق عليهما بيتهما . فقال له عمر : يا خليفة ~~رسول الله ، إنها والله ما هي من أزواجه ، ما خيرها ولا حجبها ، ولقد برأها ~~الله منه بالارتداد الذي ارتدت مع قومها . وكان تزوجه إياها سنة عشر ، وقيل ~~: قبل موته بشهرين ، وقيل : تزوجها في مرضه . وقال قائلون : إنه ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أوصى أن تخير ، فإن شاءت ضرب عليها الحجاب وتحرم على المؤمنين ~~، وإن شاءت طلقها فلتنكح من شاءت ، فاختارت النكاح ، فتزوجها عكرمة بن أبي ~~جهل . وكان عروة بن الزبير ينكر ذلك ، ويقول : لم يتزوج النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قتيلة بنت قيس ، ولا تزوج كندية إلا أخت بني الجون ؛ ملكها ، ~~وأتى بها فلما نظر إليها طلقها ، ولم يبن بها ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~ومنهن : عمرة بنت معاوية الكندية تزوجها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، قال الشعبي : تزوج امرأة من كندة ، فجيء بها بعد وفاته ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . ذكر ذلك أبو الفرج بن الجوزي في التلقيح . ومنهن : أسماء بنت ~~الصلت ms3852 وقيل : سناء بنت الصلت ، قال أبو عمر : وهو الصواب ؛ قال : وقال علي ~~ابن عبد العزيز بن علي بن الحسن الجرجاني النسابة : هي وسناء بنت الصلت ابن ~~حبيب بن حارثة بن هلال بن حرام بن سماك بن عوف بن امرئ القيس ابن بهثة بن ~~سليم السلمية ؛ تزوجها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فماتت قبل أن ~~تصل إليه . وقال غيره : فلما بشرت بذلك ضحكت ، وماتت من الفرح . وقال ابن ~~إسحق : سناء بنت أسماء بن الصلت السلمي ، تزوجها رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ثم طلقها . وقال أبو نصر ابن ماكولا : سناء بنت أسماء ماتت قبل أن ~~يدخل بها . وقيل : لما مات إبراهيم بن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قالت أسماء : لو كان نبيا ما مات حبيبه ، فخلى سبيلها . وقال عبد الله بن ~~عبيد بن عمير PageV18P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" الليثي : جاء رجل من بني سليم إلى النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا رسول الله ، إن لي إبنة من جمالها وعقلها ~~ما إني لأحسد الناس عليها غيرك ، فهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن ~~يتزوجها ، ثم قال : وأخرى يا رسول الله ، لا والله ما أصابها عندي مرض قط ، ~~فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا حاجة لنا في ابنتك ، تجيئنا ~~نحمل خطاياها لا خير في مال لا يرزأ منه ، ولا جسم لا ينال منه " . وقال ~~أبو عمر ابن عبد البر : وفي سبب فراقها اختلاف ، ولا يثبت فيها شيء من جهة ~~الإسناد . ومنهن : مليكة بنت كعب الليثي روى محمد بن عمر الواقدي ، عن أبي ~~معشر ، قال : تزوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مليكة بنت كعب ، وكانت ~~تذكر بجمال بارع ، فدخلت عليها عائشة فقالت : أما تستحيين أن تنكحي قاتل ~~أبيك ؟ فاستعاذت من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فطلقها ، فجاء قومها ~~إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا : يا رسول الله ، إنها صغيرة ولا ~~ولي لها ، وأنها خدعت فارتجعها ، فأبى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فاستأذنوه أن يزوجوها قريبا لها من ms3853 بني عذرة ، فأذن لهم فتزوجها العذري ، ~~وكان أبوها قتل يوم فتح مكة ، قتله خالد بن الوليد بالخندمة . قال محمد بن ~~عمر : مما يضعف هذا الحديث ، ذكر عائشة أنها قالت : ألا تستحيين ، وعائشة ~~لم تكن مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عام الفتح ، وعن عطاء بن يزيد ~~الجندعي قال : تزوج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مليكة بنت كعب الليثي ~~في شهر رمضان ، سنة ثمان ، ودخل بها فماتت عنده ، قال محمد بن عمر : ~~وأصحابنا ينكرون ذلك ، ويقولون لم يتزوج كنانية قط ، وعن الزهري مثل ذلك . ~~ومنهن : ابنة جندب بن ضمرة الجندعي قال أبو محمد الدمياطي رحمه الله : روي ~~أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تزوج ابنة جندب بن ضمرة الجندعي ، ~~وأنكر ذلك الواقدي ، وقال : لم يتزوج كنانية قط . ومنهن : PageV18P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" الغفارية قال أبو محمد الدمياطي : قال بعضهم ~~تزوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) امرأة من غفار ، فأمرها فنزعت ثيابها ، ~~فرأى بها بياضا ، فقال : " الحقي بأهلك " ويقال : إنما رأى البياض ~~بالكلابية . ومنهن : خولة بنت الهذيل بن هبيرة ابن قبيصة بن الحارث بن حبيب ~~بن حرفة بن ثعلبة بن بكر بن حبيب بن عمرو ابن غنم بن ثعلبة . وأمها خرنق ~~بنت خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس الكلبي أخت دحية بن خليفة ~~. تزوجها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فهلكت في الطريق قبل وصولها ~~إليه . حكاه أبو عمر بن عبد البر عن الجرجاني النسابة . ومنهن : شراف بنت ~~خليفة بن فروة الكلبية ، أخت دحية بن خليفة الكلبي قال أبو محمد الدمياطي : ~~قال ابن الكلبي حدثنا الشرقي بن القطامي قال : لما هلكت خولة بنت الهذيل ، ~~تزوج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) شراف بنت خليفة أخت دحية ، ثم لم ~~يدخل بها . وقال أبو عمر بن عبد البر : فهلكت قبل دخوله بها . وروي عن عبد ~~الرحمن بن سابط ، قال : خطب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) امرأة من كلب ~~، فبعث عائشة تنظر إليها ، فذهبت ثم رجعت ، فقال لها : " ما ms3854 رأيت " ؟ فقالت ~~ما رأيت طائلا . فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " لقد رأيت خالا بخدها ~~اقشعرت كل شعرة منك " فقالت : يا رسول الله ، ما دونك سر . ومنهن : خولة ~~بنت حكيم ابن أمية بن حارثة بن الأوقص بن مرة بن هلال بن فالح بن ثعلبة بن ~~ذكوان ابن امرئ القيس بن سليم . ويقال فيها : خويلة بنت حكيم ، وأمها صفية ~~بنت العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي . قال ابن الكلبي : كانت ~~خولة بنت حكيم PageV18P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" من اللائي وهبن أنفسهن للنبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فأرجأها وكانت تخدم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكانت عند عثمان ~~بن مظعون فمات عنها . وعن عروة قال : خولة بنت حكيم ممن وهبت نفسها للنبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . وقال أبو عمر بن عبد البر : خولة تكنى أم شريك ، ~~وهي التي وهبت نفسها للنبي ، في قول بعضهم ، وكانت امرأة فاضلة صالحة ، روى ~~عنها سعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن المسيب ، وهي التي قالت لرسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : إن فتح الله عليك الطائف فأعطني حلي بادية بنت غيلان ، ~~أو حلي الفارعة بنت عقيل كما تقدم . ومنهن : ليلى بنت الخطيم بن عدي ابن ~~عمرو بن سواد بن ظفر بن الحارث بن الخزرج بن عمرو ، وهو النبيت بن مالك بن ~~الأوس ، وهي أخت قيس بن الخطيم ، واسم الخطيم ثابت ، واسم ظفر كعب . قال ~~محمد بن سعد : عن عاصم بن عمر بن قتادة قال : كانت ليلى بنت الخطيم وهبت ~~نفسها للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقبلها ، وكانت تركب بعولتها ركوبا ~~شديدا ، وكانت سيئة الخلق ، فقالت : لا والله ، لأجعلن محمدا لا يتزوج في ~~هذا الحي من الأنصار ، والله لآتينه ، ولأهبن نفسي له ، فأتت النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وهو قائم مع رجل من أصحابه ، فما راعه إلا بها واضعة ~~يديها عليه ، فقال : " من هذا ؟ أكله الأسد " فقالت : أنا ليلى بنت سيد ~~قومها ، قد وهبت نفسي لك ، قال : " قد قبلتك ؛ ارجعي حتى يأتيك أمري " فأتت ~~قومها ms3855 فقالوا : أنت امرأة ليس لك صبر على الضرائر ، وقد أحل الله لرسوله أن ~~ينكح ما شاء ، فرجعت فقالت : إن الله أحل لك النساء ، وأنا امرأة طويلة ~~اللسان لا صبر لي على الضرائر ، واستقالته فقال : " قد أقلتك " . وروي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال : أقبلت ليلى بنت الخطيم إلى النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وهو مول ظهره إلى الشمس ، فضربت على منكبيه ، فقال : " من ~~هذا ؟ أكله الأسد " وكان كثيرا ما يقولها ، فقالت : أنا بنت مطعم الطير ~~ومباري الريح ، أنا ليلى PageV18P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" بنت الخطيم ، جئتك لأعرض عليك نفسي ، تزوجني ~~، قال : " قد فعلت " فرجعت إلى قومها ، فقالت : قد تزوجني النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فقالوا : بئس ما صنعت ، أنت امرأة غيرى ، والنبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) صاحب نساء ، تغارين عليه فيدعو الله عليك ، فاستقيليه نفسك ، ~~فرجعت فقالت : يا رسول الله ، أقلني ، قال : " قد أقلتك " قال : فتزوجها ~~مسعود بن أوس بن سواد بن ظفر ، فولدت له ، فبينا هي في حائط من حيطان ~~المدينة تغتسل ، إذ وثب عليها ذئب فأكل بعضها ، وأدركت فماتت . ومنهن : ~~ليلى بنت حكيم الأنصارية الأوسية التي وهبت نفسها للنبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، قال أبو عمر بن عبد البر : ذكرها أحمد بن صالح المصري في أزواج ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ ولم يذكرها غيره فيما علمت . والله تعالى ~~أعلم . ومنهن : أم شريك واسمها غزية بنت دودان بن عوف بن عمرو بن عامر بن ~~رواحة بن منقذ بن عمير بن معيص ابن عامر بن لؤي . وقال أبو عمر : غزيلة ~~الأنصارية من بني النجار . قال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن رحمه الله : ~~اختلف فيها ، فكان محمد بن عمر يقول : هي من بني معيص بن عامر بن لؤي ، ~~وكان غيره يقول : هي دوسية من الأزد ، وقيل : هي أنصارية . وروى ابن سعد ، ~~عن محمد بن عمر ، عن موسى بن محمد ابن إبراهيم التيمي ، عن أبيه قال : كانت ~~أم شريك امرأة من بني عامر بن لؤي ، معيصية وهبت نفسها لرسول الله ( صلى ~~الله ms3856 عليه وسلم ) فلم يقبلها ، فلم تتزوج حتى ماتت . وروى عن وكيع عن زكريا ~~عن عامر في قوله عز وجل : " ترجى من تشاء منهن " ؛ قال : كل نساء وهبن ~~أنفسهن للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فدخل ببعضهن وأرجأ بعضا فلم ينكحن ~~بعده ، منهن : أم شريك . وعن الشعبي قال : المرأة التي عزل رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أم شريك الأنصارية . وعن علي بن الحسين : أن النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) تزوج أم شريك الدوسية ، ومثله عن عكرمة . وروى محمد بن ~~سعد عن محمد بن عمر قال : حدثني الوليد بن مسلم ، عن منير بن عبد الله ~~الدوسي قال : أسلم زوج أم شريك - وهي غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية من ~~الأزد - وهو أبو العكر ، فهاجر إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مع أبي ~~هريرة ، ومع دوس حين هاجروا ، قالت أم شريك : فجاءني أهل أبي العكر فقالوا ~~: لعلك على دينه ، قلت : إي PageV18P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" والله ، إني لعلى دينه ، قالوا : لا جرم ، ~~والله لنعذبنك عذابا شديدا ، فارتحلوا بنا من دارنا ، ونحن كنا بذي الخلصة ~~، فساروا يريدون منزلا ، وحملوني على جمل ثفال ، شر ركابهم وأغلظه ، ~~يطعموني الخبز بالعسل ، ولا يسقوني قطرة من ماء ، حتى إذا انتصف النهار ~~وسخنت الشمس ، ونحن قائظون ، فنزلوا فضربوا أخبيتهم وتركوني في الشمس حتى ~~ذهب عقلي وسمعي وبصري ، ففعلوا بي ذلك ثلاثة أيام ، فقالوا لي في اليوم ~~الثالث : اتركي ما أنت عليه ، قالت : فما دريت ما يقولون إلا الكلمة بعد ~~الكلمة ، فأشير بإصبعي إلى السماء بالتوحيد ، قالت : فوالله إني لعلى ذلك ، ~~وقد بلغني الجهد ، إذ وجدت برد دلو على صدري ، فأخذته فشربت منه نفسا واحدا ~~، ثم انتزع مني ، فذهبت أنظر فإذا هو معلق بين السماء والأرض ، فلم أقدر ~~عليه ، ثم دلي الثانية فشربت منه نفسا ، ثم رفع ، فذهبت أنظر ، فإذا هو بين ~~السماء والأرض ، ثم دلي الثالثة فشربت منه حتى رويت ، فأهرقت على رأسي ~~ووجهي وثيابي ، قالت : فخرجوا فنظروا ، فقالوا : من أين لك هذا يا عدوة ~~الله ؟ قالت فقلت لهم : إن ms3857 عدو الله غيري ؛ من خالف دينه ، فأما قولكم من ~~أين هذا فمن عند الله رزقا رزقنيه الله ، قالت : فانطلقوا سراعا إلى قربهم ~~فوجدوها موكأة لم تحل ، فقالوا : نشهد أن ربك هو ربنا ، فإن الذي رزقك ما ~~رزقك في هذا الموضع بعد أن فعلنا بك ما فعلنا ، هو الذي شرع الإسلام ، ~~فأسلموا وهاجروا جميعا إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكانوا يعرفون ~~فضلي عليهم ، وما صنع الله إلي ، قال : وهي التي وهبت نفسها للنبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وكانت جميلة وقد أسنت ، فقالت : إني وهبت نفسي لك ، ~~وأتصدق بها عليك ، فقبلها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقالت عائشة : ما ~~في امرأة حين تهب نفسها لرجل خير ، قالت أم شريك : فأنا تلك ؛ فسماها الله ~~مؤمنة ، فقال تعالى : " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي " . فلما نزلت ~~هذه الآية قالت عائشة : إن الله ليسرع لك في هواك يا رسول الله . ومنهن : ~~الشنباء ذكرها الشيخ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي رحمه الله ، في ~~أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولم يذكر لها ترجمة . فلنذكر من ~~خطبهن ( صلى الله عليه وسلم ) . PageV18P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" ذكر من خطبهن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) من النساء ولمم يتفق تزويجهن منهن : أم هانئ بنت أبي طالب ابن عبد المطلب ~~بن هاشم ، واسمها فاختة ، وقال ابن الكلبي : اسمها هند ، وهي أخت علي بن ~~أبي طالب ، وعقيل وجعفر وطالب ، شقيقتهم ، وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن ~~عبد مناف . روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، قال : خطب النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إلى أبي طالب ابنته أم هانئ في الجاهلية ، وخطبها هبيرة ~~بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ، فزوجها هبيرة ، فقال النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) : " يا عم ، زوجت هبيرة وتركتني " فقال : يابن أخي ~~إنا قد صاهرنا إليهم ، والكريم يكافئ الكريم . ثم أسلمت ففرق الإسلام بينها ~~وبين هبيرة ، فخطبها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى نفسها فقالت : ~~والله إن ms3858 كنت لأحبك في الجاهلية ، فكيف في الإسلام ، ولكني امرأة مصبية ~~وأكره أن يؤذوك . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " خير نساء ركبن ~~المطايا نساء قريش ، أحناه على ولد في صغره ، وأرعاه على زوج في ذات يده " ~~. ومنهن : ضباعة بنت عامر بن قرط ابن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر ~~بن صعصعة . روى هشام بن محمد الكلبي ، عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال ~~: كانت ضباعة بنت عامر عند هوذة بن علي الحنفي ، فهلك عنها فورثها مالا ~~كثيرا ، فتزوجها عبد الله بن جدعان التيمي ، وكان لا يولد له فسألته الطلاق ~~فطلقها ، فتزوجها هشام بن المغيرة فولدت له سلمة ، وكان من خيار المسلمين ، ~~فتوفى عنها هشام ، وكانت إذا جلست أخذت من الآرض شيئا كثيرا ، وكانت تغطي ~~جسدها بشعرها ، فذكر جمالها عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فخطبها إلى ~~ابنها سلمة بن هشام بن المغيرة ، فقال : حتى أستأمرها ، وقيل للنبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : إنها قد كبرت فأتاها ابنها فقالت : ما قلت له ؟ قال : ~~قلت حتى أستأمرها ، فقالت : وفي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يستأمر ارجع ~~فزوجه ، فرجع إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فسكت عنه . ومنهن : ~~PageV18P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" صفية بنت بشامة بن نضلة العنبري قال أبو محمد ~~: كان أصابها سباء ، فخيرها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : إن ~~شئت أنا ، وإن شئت زوجك " فقالت : بل زوجي ، فأرسلها فلعنتها بنو تميم . ~~ومنهن : جمرة بنت الحارث بن عوف المزني خطبها رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فقال أبوها : إن بها سوءا ولم يكن بها ، فرجع إليها أبوها وقد ~~برصت ، وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر . ومنهن : سودة القرشية خطبها رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكانت مصبية فقالت : أكره أن تضغو صبيتي عند ~~رأسك ، فحمدها ودعا لها ، ذكرها والتي قبلها ابن الجوزي في التلقيح . وروى ~~عن مجاهد قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا خطب فرد لم يعد ، ~~فخطب امرأة ، فقالت : حتى أستأمر أبي ms3859 ، فلقيت أباها فأذن لها ، فلقيت رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالت له ، فقال : " قد التحفنا لحافا غيرك " ~~ولم يسم مجاهد اسم هذه المرأة . وعرض على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: أمامة بنت حمزة ابن عبد المطلب ، وقيل : اسمها عمارة ، فأتاها رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) وقال : تلك ابنة أخي من الرضاعة " . وعرضت عليه أم ~~حبيبة اختها . فجميع من ذكر من أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) المدخول ~~بهن ، وغير المدخول بهن ، ومن وهبت نفسها له ، أو خطبها ولم يتفق تزويجها ، ~~أو عرضت عليه فأباها ، نحو أربعين امرأة على ما ذكرناه من الاختلاف ، ومن ~~أهل العلم من ينكر بعضهن ، ويقول : إنما تزوج رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أربع عشرة امرأة ، ست منهن قرشيات لا شك فيهن ، وهن : خديجة ، ~~وعائشة ، وسودة ، وأم سلمة ، وأم حبيبة وحفصة . ومن العرب : زينب بنت جحش ، ~~وميمونة بنت الحارث ، وجويرية بنت الحارث ، وأسماء بنت النعمان ، وفاطمة ~~بنت الضحاك ، وزينب بنت خزيمة . PageV18P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" ومن غيرهم : ريحانة بنت زيد من بني النضير ، ~~وصفية بنت حيي بن أخطب . وعن محمد بن يحيى بن حبان قال : تزوج رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) خمس عشرة امرأة ، فسمى هؤلاء ، وزاد مليكة بنت كعب ~~الليثية . وقال أبو عبيدة : تزوج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثماني ~~عشرة امرأة . وقال محمد بن عمر الواقدي : المجمع عليه أن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) تزوج أربع عشرة امرأة ، وهن اللائي سمين ، وفارق منهن ~~الجونية والكلابية ، ومات عنده خديجة ، وزينب بنت خزيمة ، وريحانة بنت زيد ~~، وقبض عن تسع ، وهن المذكورات اللاتي قدمنا ذكرهن . وقال أبو سعيد في شرف ~~النبوة : إن جملة أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إحدى وعشرين امرأة ، ~~طلق منهن ستا ، ومات عنده خمس ، وتوفي عن عشر ، واحدة لم يدخل بها ، وكان ~~صداقه لنسائه لكل واحدة خمسمائة درهم ، إلا صفية فإنه جعل عتقها صداقها ، ~~وأم حبيبة أصدقها عنه النجاشي . ذكر سراري رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) وهن ms3860 : مارية بنت شمعون القبطية وهي أم ولده إبراهيم ، وكانت من جفن من ~~كورة أنصنا من صعيد مصر ، أهداها له المقوقس جريج بن مينا ، ولما ولدت ~~مارية لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ابنه إبراهيم قال : " أعتقها ~~ولدها " . وتوفيت مارية في المحرم سنة ست عشرة ، في خلافة عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه ، وكان عمر يحشر الناس بنفسه لشهود جنازتها ، وصلى عليها عمر ~~، ودفنت بالبقيع . وريحانة بنت زيد النضرية ، وقد تقدم خبرها في الزوجات ، ~~وقال أبو عبيدة : كان له أربع ، وهن مارية وريحانة ، وأخرى جميلة أصابها في ~~السبي ، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش . وقال قتادة : كان للنبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وليدتان مارية وريحانة ، وبعضهم يقول : ربيحة القرظية . ~~PageV18P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" ذكر أولاد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : كان أول ولد لرسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بمكة قبل النبوة القاسم وبه كان يكنى ، ثم ولدت له ~~زينب ، ثم رقية ، ثم فاطمة ، ثم أم كلثوم ، ثم ولد له في الإسلام عبد الله ~~فسمي الطيب والطاهر ، وأمهم كلهم خديجة رضي الله عنها . وكان أول من مات من ~~ولده القاسم ، ثم عبد الله ماتا بمكة ، فقال العاصي بن وائل السهمي : قد ~~انقطع ولده فهو أبتر ؛ فأنزل الله تعالى : " إن شانئك هو الأبتر " وقيل : ~~الطيب والطاهر اثنان سوى عبد الله . وقيل : كان له الطاهر والمطهر ولدا في ~~بطن . وقيل : كان له الطيب والمطيب ولدا أيضا في بطن . وقيل : إنهم كلهم ~~ماتوا قبل النبوة ، وكان بين كل ولدين لها سنة ، وكانت تسترضع لهم . وأما ~~البنات فكلهن أدركن الإسلام ، وأسلمن وهاجرن ، وسنذكر إن شاء الله تعالى ~~أخبارهن ومن تزوجهن ، وما ولدن على ما تقف عليه ، وهؤلاء كلهم أولاد خديجة ~~ولدوا بمكة ، ثم ولدت له مارية القبطية : إبراهيم بن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ولد في ذي الحجة ، سنة ثمان من الهجرة ؛ قال أبو عمر بن عبد ~~البر : ذكر الزبير عن أشياخه ، أن أم ms3861 إبراهيم مارية ولدته بالعالية ، في ~~المال الذي يقال له اليوم مشربة إبراهيم بالقف ، وكانت قابلتها سلمى مولاة ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، امرأة أبي رافع ، فبشر به أبو رافع النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فوهب له عبدا ، فلما كان يوم سابعه عق عنه بكبش ~~وحلق رأسه ؛ حلقه أبو هند ، وسماه يومئذ ، وتصدق بوزن شعره ورقا على ~~المساكين ، وأخذوا شعره فدفنوه في الأرض . وعن أنس قال قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم " هذا ~~يدل على أنه سماه في وقت ولادته ، قال الزبير : ثم دفعه إلى أم سيف امرأة ~~قين بالمدينة ، يقال له : أبو سيف ، قال الزبير : وتنافست الأنصار فيمن ~~يرضعه ، فجاءت أم بردة بنت المنذر بن زيد الأنصاري ، زوجة البراء بن أوس ، ~~فكلمت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في أن ترضعه ، فكانت ترضعه بلبن ~~ابنها في بني PageV18P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" مازن بن النجار ، وترجع به إلى أمه ، وأعطى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أم بردة قطعة من نخل ، فناقلت بها إلى ~~مال عبد الله بن زمعة . وتوفي إبراهيم في شهر ربيع الأول سنة عشر ، وقد بلغ ~~ستة عشر شهرا ؛ مات في بني مازن عند ظئره أم بردة ، وهي خولة بنت المنذر بن ~~لبيد ، وغسلته ودفن بالبقيع . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~لو عاش لوضعت الجزية عن كل قبطي " . وقال أيضا : " لو عاش إبراهيم ما رق له ~~خال " . وفي حديث أنس بن مالك تصريح أن إبراهيم إنما مات عند ظئره أم سيف ؛ ~~فإنه يقول : فانطلق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وانطلقت معه ، ~~فصادفنا أبا سيف ينفخ في كيره ، وقد امتلأ البيت دخانا ، فأسرعت في المشي ~~بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، حتى انتهيت إلى أبي سيف فقلت : ~~يا أبا سيف ، أمسك ، جاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأمسك ، فدعا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالصبي فضمه إليه وقال ما شاء الله أن ~~يقول ، قال ms3862 : فلقد رأيته يكيد بنفسه ، فدمعت عينا رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فقال : " تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب ~~، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون " وقال أبو عمر بن عبد البر : ثبت أن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بكى على ابنه إبراهيم من غير رفع صوت ، وقال : ~~" تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب ، وإنا بك يا إبراهيم ~~لمحزونون " . وعن عطاء ، عن جابر قال : أخذ النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بيد عبد الرحمن بن عوف ، فأتى به النخل ، فإذا ابنه إبراهيم في حجر أمه وهو ~~يجود بنفسه ، فأخذه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فوضعه في حجره ، ثم ~~قال : " يا إبراهيم إنا لا نغني عنك من الله شيئا " ؛ ثم ذرفت عيناه ، ثم ~~قال : " يا إبراهيم لولا أنه أمر حق ووعد صدق ، وأن آخرنا سيلحق أولنا ~~لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون ، تبكي العين ~~ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب " . قالوا : ووافق موت إبراهيم كسوف ~~الشمس ، فقال قوم : إن الشمس انكسفت لموته ، فخطبهم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فقال : " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت ~~أحد ولا لحياته ؛ فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة " . ~~وقال ( صلى الله عليه وسلم ) حين توفي إبراهيم : " إن له مرضعا في الجنة ~~تتم رضاعه " . وصلى عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكبر أربعا ، ~~قال ابن عبد البر : هذا قول جمهور العلماء ، وهو الصحيح ، قال : وقد قيل إن ~~الفضل بن عباس غسل إبراهيم ، ونزل في قبره مع أسامة بن زيد ، PageV18P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جالس على ~~شفير القبر ، قال الزبير : ورش قبره ، وأعلم فيه بعلامة ، وهو أول قبر رش ~~عليه . فلنذكر بنات الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومن تزوجهن ، وما ولدن ~~ووفاتهن ، وهن أربع : زينب بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هي أسن ~~بناته رضي الله عنهن . قال ms3863 أبو عمر بن عبد البر : ولدت زينب بنت رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) في سنة ثلاثين من موالد النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) ، حكاه عن محمد بن إسحاق السراج عن عبيد الله بن محمد بن سليمان الهاشمي ~~، وتزوج زينب أبو العاص بن ربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ، وهو ابن خالتها ~~- أمه هالة بنت خويلد - قبل أن ينزل على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، وفرق بينهما الإسلام . وقد ذكرنا من خبر ابن العاص وأسره في غزوة بدر ~~وإطلاقه ، وسقنا ذلك كله هناك ، وخبر إسلامه ، وأن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) رد زينب عليه بغير مهر جديد ، ولا نكاح جديد . وقيل : بل بمهر ~~جديد ونكاح جديد - والله تعالى أعلم - وولدت له عليا مات صغيرا ، وأمامة ~~وهي التي حملها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في الصلاة ، وعاشت أمامة ~~حتى تزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة ، فكانت عنده حتى أصيب ، فخلف ~~عليها المغيرة بن يزيد بن الحارث بن عبد المطلب ، فتوفيت عنده ، وماتت زينب ~~في سنة ثمان من الهجرة . قال أبو عمر : وكان سبب موتها أنها لما خرجت من ~~مكة إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، عمد لها هبار بن الأسود ورجل ~~آخر فدفعها أحدهما فيما ذكروا ، فسقطت على صخرة فأسقطت واهراقت الدماء ، ~~فلم يزل بها مرضها ذلك حتى ماتت رضي الله عنها . ورقية بنت رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال أبو عمر بن عبد البر : ذكر أبو العباس محمد بن إسحاق ~~السراج ، قال PageV18P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" سمعت عبيد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر بن ~~سليمان الهاشمي يقول : ولدت رقية بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، و ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ابن ثلاث وثلاثين سنة ، وكانت رقية عند ~~عتبة بن أبي لهب ، وأختها أم كلثوم عند عتيبة بن أبي لهب ؛ فلما أنزل الله ~~تعالى : " تبت يدا أبي لهب " - السورة - قال لهما أبوهما أبو لهب وأمهما أم ~~جميل بنت حرب ms3864 بن أمية ، حمالة الحطب : فارقا ابنتي محمد ، وقال أبو لهب : ~~رأسي من رأسيكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد ، ففارقاهما ، فتزوج عثمان ~~بن عفان رقية بمكة ، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة ، وولدت له هناك ابنا فسماه ~~عبد الله ، وبه كان يكنى ، فبلغ الغلام ست سنين ، فنقر عينه ديك وتورم وجهه ~~فمرض ومات . وماتت رقية رضي الله عنها في شهر رمضان ، على رأس تسعة عشر ~~شهرا . من مهاجر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، و رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في غزوة بدر ، ودفنت عند وصول زيد بن حارثة بالبشارة ~~بوقعة بدر ، وكانت قد أصابتها الحصبة ، وتخلف عثمان بن عفان رضي الله عنه ~~عن غزوة بدر بسبب مرضها ، بأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وفاطمة ~~بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال أبو عمر بن عبد البر : كانت ~~فاطمة هي وأختها أم كلثوم أصغر بنات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~واختلف في الصغرى منهما . وقال ابن السراج : سمعت عبيد الله الهاشمي يقول : ~~ولدت فاطمة رضي الله عنها في سنة إحدى وأربعين من مولد النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وزوجها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه بعد وقعة أحد . وقيل : إنه تزوجها بعد أن ابنتى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بعائشة رضي الله عنها ، بأربعة أشهر ونصف ، وبنى بها ~~بعد تزويجه إياها بتسعة أشهر ونصف . وكانت سنها يوم تزوجها خمس عشرة سنة ~~وخمسة أشهر ونصف . قال أبو عمر : واختلف في مهره إياها ، فروى أنه مهرها ~~درعه ، وأنه لم يكن له ذلك الوقت صفراء ولا بيضاء ، وقيل : تزوجها على ~~أربعمائة وثمانين درهما فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يجعل ~~ثلثها في الطيب ، قال : وزعم أصحابنا أن الدرع على من أجل الدخول ، بأمر ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إياه بذلك ، فولدت رضي الله عنها له حسنا ~~وحسينا ومحسنا فذهب محسن صغيرا . وروى أبو عمر بن عبد البربسنده إلى ms3865 علي ~~رضي الله عنه قال : لما ولد الحسن جاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فقال : " أروني ابني ما سميتموه " ؟ قلت : سميته حربا ، قال : " بل هو حسن ~~" فلما ولد الحسين قال : " أروني ابني ما سميتموه " ؟ قلت : سميته حربا ، ~~قال : " بل هو حسين " فلما ولد الثالث جاء النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فقال : " أروني ابني ما سميتموه " ؟ قلت سميته حربا ، قال : قال : " بل ~~محسن " ، ثم قال : إني سميتهم بأسماء ولد هارون شبر PageV18P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" وشبير ومشبر " . وولدت له رقية وزينب وأم ~~كلثوم ، فهلكت رقية ، ولم تبلغ ، وتزوج زينب عبد الله بن جعفر فماتت عنده ، ~~وولدت له علي بن عبد الله بن جعفر ، وتزوج أم كلثوم عمر بن الخطاب فولدت له ~~زيد بن عمر ، ثم خلف عليها بعده عون بن جعفر فلم تلد له حتى مات ، وخلف ~~عليها بعده محمد بن جعفر فولدت له حارثة ومات عنها . فخلف عليها عبد الله ~~ابن جعفر فلم تلد له شيئا وماتت عنده ، وقيل : بل توفي عنها ، وماتت فاطمة ~~رضي الله عنها بعد وفاة أبيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بثلاثة ~~أشهر ، وقيل : بستة أشهر ، وقيل : بثمانية . وأم كلثوم بنت رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قد ذكرنا الاختلاف في أيهما أصغر سنا هي أو فاطمة ، وكانت ~~عند عتيبة بن أبي لهب ، فلما قال له أبواه ولأخيه ما قالا طلقا بنتي رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يبنيا بهما ، وجاء عتيبة حين فارق أم ~~كلثوم إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقال : كفرت بدينك وفارقت ابنتك ~~وسطا عليه ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أما إني أسأل الله ~~أن يسلط عليك كلبا من كلابه " وكان خارجا إلى الشام تاجرا مع نفر من قريش ، ~~حتى نزلوا مكانا من الشام يقال له الزرقاء ليلا ، فأطاف بهم الأسد تلك ~~الليلة ، فجعل عتيبة يقول : يا ويل أمه ، هو والله آكله بدعوة محمد ، قاتلي ~~ابن أبي كبشة وهو بمكة وأنا بالشام . وقال أبو لهب : يا معشر قريش ms3866 ، ~~أعينونا هذه اللليلة ، فإني أخاف دعوة محمد ، فجمعوا أحمالهم وفرشوا لعتيبة ~~في أعلاها وناموا حوله ، فقيل : إن الأسد انصرف عنهم حتى ناموا وعتيبة في ~~وسطهم ، ثم أقبل يتخطاهم ويتشممهم حتى أخذ برأس عتيبة ففدغه . قال أبو عمر ~~: ولما ماتت رقية تزوج عثمان بن عفان بأم كلثوم في شهر ربيع الأول من السنة ~~الثالثة من الهجرة ، وبنى عليها في جمادى الآخرة من السنة ، وتوفيت أم ~~كلثوم رضي الله عنها في السنة التاسعة من الهجرة ، ولم تلد لعثمان شيئا ، ~~وكانت وفاتها في شعبان ، وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعثمان : " ~~لو كانت عندنا ثالثة زوجناكها يا عثمان " وصلى عليها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ونزل في حفرتها علي بن أبي طالب ، والفضل بن العباس وأسامة بن ~~زيد . وقد روى أن أبا طلحة الأنصاري استأذن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) أن ينزل معهم في قبرها فأذن له ، وغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد ~~المطلب ، وهي التي شهدت أم عطية غسلها ، وحكت قول رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك " الحديث . قال ~~: وجلس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على قبر أم كلثوم . PageV18P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" ذكرأعمام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~من العمومة أحد عشر ، أولاد عبد المطلب ابن هاشم ، وهم : الحارث - وبه كان ~~يكنى ؛ لأنه أكبر ولده ، ومن ولد الحارث وولد ولده جماعة لهم صحبة من النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، منهم أبو سفيان بن الحارث ، أسلم عام الفتح كما ~~ذكرنا في غزوة الفتح وشهد حنينا ، ونوفل بن الحارث هاجر وأسلم أيام الخندق ~~، وعبد شمس وسماه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عبد الله . قثم بن عبد ~~المطلب - وهو أخو الحارث لأبويه ؛ مات صغيرا . الثالث - الزبير بن عبد ~~المطلب ، وكان من أشراف قريش . وابنه عبد الله بن الزبير شهد حنينا وثبت ~~يومئذ واستشهد بأجنادين ، وضباعة بنت الزبير ، لها صحبة ، وأم الحكم بنت ~~الزبير ، روت عن النبي ( صلى الله عليه ms3867 وسلم ) . حمزة بن عبد المطلب كان ~~يقال له : أسد الله وأسد رسوله ، يكنى أبا عمارة وأبا يعلى . وهو أخو رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) من الرضاع . وقد قدمنا في أنباء هذه السيرة ~~خبر إسلامه ومقتله في غزوة أحد . ولم يكن له إلا ابنة واحدة . وقيل : ~~ابنتان . وقد ذكرناهما فيمن عرض على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~النساء فأباهن . PageV18P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" العباس بن عبد المطلب كان يكنى أبا الفضل ~~بابنه الفضل بن العباس ، وكان العباس أسن من رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بسنتين ، وقيل : بثلاث سنين ، وأمه نتلة ، ويقال : نتيلة بنة جناب ~~بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر وهو الضحيان بن سعد ~~بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط . وهي أول عربية كست البيت الحرام ~~الحرير والديباج وأصناف الكسوة . وذلك أن العباس ضل وهو صبي ، فنذرت إن ~~وجدته أن تكسو البيت الحرام ، فوجدته ففعلت . وقد تقدم من خبر العباس في ~~غزوة بدر عند أسره ، وقوله لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : إني كنت ~~مسلما ، وإن القوم استكرهوني على الخروج . وقال أبو عمر بن عبد البر : أسلم ~~العباس قبل خيبر وكان يكتم إسلامه . قال : ويقال إنه أسلم قبل بدر ، وكان ~~يكتب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بأخبار المشركين ، وكان يحب أن ~~يقدم على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فكتب إليه رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " إن مقامك بمكة خير " فلذلك قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يوم بدر : " من لقي منكم العباس فلا يقتله فإنه أخرج كرها " . ~~وكان العباس أنصر الناس لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد أبي طالب ، ~~وولي السقاية بعد أبي طالب وقام بها ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) يكرم العباس بعد إسلامه ويعظمه ويجله ، ويقول : " هذا عمي وصنو أبي " . ~~وكان العباس جوادا مطعما ، وصولا للرحم ، ذا رأي حسن ، ودعوة مرجوة . وروي ~~أن عمر بن الخطاب رضي الله ms3868 عنه استسقى بالعباس في سنة سبع عشرة وذلك عام ~~الرمادة ، وكانت الأرض أجدبت إجدابا شديدا . فقال كعب لعمر : يا أمير ~~المؤمنين ، إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة ~~الأنبياء فقال عمر رضي الله عنه ؛ هذا عم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وصنو أبيه ، وسيد بني هاشم . فمشى إليه عمر فشكا إليه ما فيه الناس . ثم ~~قال : اللهم إنا قد توجهنا إليك بعم أبينا وصنو أبيه ، فاسقنا الغيث ، ولا ~~تجعلنا من القانطين . ثم قال : يا أبا الفضل قم فادع . فقام العباس فقال ~~بعد حمد الله والثناء عليه : اللهم إن عندك سحابا وعندك ماء ، فانشر السحاب ~~، ثم أنزل الماء منه علينا ، فاشدد به الأصل ، وأطل به الفرع ، اللهم إنك ~~لم تنزل بلاء إلا بذنب ، ولم تكشفه إلا بتوبة ، وقد توجه القوم بي إليك ~~فاسقنا الغيث ، اللهم شفعنا PageV18P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" في أنفسنا وأهلينا ، اللهم إنا شفعاء عمن لا ~~ينطق من بهائمنا وأنعامنا ، اللهم اسقنا سقيا وادعا ، نافعا طبقا سحا عاما ~~. اللهم لا نرجو إلا إياك ، ولا ندعو غيرك ، ولا نرغب إلا إليك . اللهم ~~إليك نشكو جوع كل جائع ، وعري كل عار ، وخوف كل خائف ، وضعف كل ضعيف . في ~~دعاء كثير . قال ابن عبد البر : وهذه الألفاظ كلها لم تجئ في حديث واحد ، ~~ولكن جاءت في أحاديث جمعتها واختصرتها ولم أخالف شيئا منها ، وفي بعضها ، ~~فسقوا والحمد لله . وفي بعضها قال : فأرخت السماء عزاليها فجاءت بأمثال ~~الجيال ، حتى استوت الجفر بالآكام ، وأخصبت الأرض ، وعاش الناس . فقال عمر ~~: هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه . وقال حسان بن ثابت في ذلك : ~~سأل الإمام وقد تتابع جدبنا . . . فسقى الغمام بغرة العباس عم النبي وصنو ~~والده الذي . . . ورث النبي بذاك دون الناس أحيا الإله به البلاد فأصبحت . ~~. . مخضرة الأجناب بعد الياس وقال الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب : بعمي ~~سقى الله الحجاز وأهله . . . عشية يستسقي بشيبته عمر توجه بالعباس في الجدب ~~راغبا . . . فما كر حتى جاء بالديمة المطر وتوفي العباس - رضي ms3869 الله عنه - ~~بالمدينة يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رجب . وقيل : من شهر ~~رمضان سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان بن عفان وصلى عليه عثمان ، ودفن ~~بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة . وقيل : تسع وثمانين سنة . وقال خليفة ~~بن خياط : كانت وفاة العباس سنة ثلاث وثلاثين ، ودخل قبره ابنه عبد الله . ~~وكان للعباس من الولد : الفضل وهو أكبر أولاده وبه كني ، وعبد الله ، وعبيد ~~الله ، وقثم . ولهم صحبة . وعبد الرحمن ومعبد ولدا على عهد رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) استشهدا بإفريقية في خلافة عثمان بن عفان ، وأم حبيب ، ~~كلهم من أم الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية ، وهي أخت ميمونة زوج ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، يقال : إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة ، ~~وكانت من المنجبات ، وفيها يقول عبد الله بن يزيد الهلالي : PageV18P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" ما ولدت نجيبة من فحل . . . بجبل نعلمه وسهل ~~كستة من بطن أم الفضل . . . أكرم بها من كهلة وكهل عم النبي المصطفى ذي ~~الفضل . . . وخاتم الرسل وخير الرسل وكان له من غير أم الفضل أربعة ذكور ، ~~وهم : عون ، والحارث أمه من هذيل . وكثير وتمام أمهما أم ولد ، وكان أصغر ~~أولاد العباس فكان العباس يحمله ويقول : تمموا بتمام فصاروا عشره . . . يا ~~رب فاجعلهم كراما برره واجعل لهم ذكرأ وأنم الثمرة ويقال : ما رؤيت قبور ~~أشد تباعدا بعضها من بعض من قبور بني العباس ، ولدتهم أمهم أم الفضل في دار ~~واحدة ، استشهد الفضل بأجنادين ، ومات معبد وعبد الرحمن بإفريقية ، وتوفي ~~عبد الله بالطائف ، وعبيد الله باليمن ، وقثم بسمرقند وكثير بينبع . وتوفي ~~العباس بعد أن كف بصره . ولم يسلم من أعمام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) إلا حمزة والعباس رضي الله عنهما . والسادس من عمومته ( صلى الله عليه ~~وسلم ) - أبو طالب واسمه عبد مناف وهو أخو عبد الله أبي النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لأبويه . وعاتكة صاحبة الرؤيا في شأن بدر ، أمهم فاطمة بنت ~~عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم . وقد تقدم ms3870 من أخباره ونصرته لرسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ما نستغني عن إعادته في هذا الموضع . وكان له من ~~الولد طالب مات كافرا ، وعقيل وجعفر وعلي وأم هانئ لهم صحبة ، وجمانة . ~~وحكى عمر بن عبد البر : كان علي بن أبي طالب أصغر من أخيه جعفر بعشر سنين ، ~~وكان جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين ، وكان عقيل أصغر من طالب بعشر سنين . ~~PageV18P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" والسابع من عمومة رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) - أبو لهب . واسمه عبد العزى كناه أبوه بذلك لحسن وجهه ، ومن أولاده ~~عتبة ، ومعتب ثبتا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم حنين ، وعتيبة ~~قتله الأسد بالزرقاء ، كما تقدم . الثامن - عبد الكعبة ، وقيل : هو المقوم ~~، ومنهم من جعل المقوم غير عبد الكعبة فجعل عمومته اثني عشر . والتاسع - ~~حجل واسمه المغيرة . والعاشر - ضرار وهو أخو العباس لأبويه . والحادي عشر - ~~الغيداق سمي بذلك لأنه كان أكرم قريش ، وأكثرهم إطعاما . ومنهم من جعل ~~الغيداق حجلا وعدهم عشرة . حكاه ابن عبد البر . وقد عد الزبير ابن بكار ~~أولاد عبد المطلب ثلاثة عشر ، وعد المقوم غير عبد الكعبة ، وجعله شقيق حمزة ~~وحجل وصفية . والله أعلم بالصواب . ذكر عمات رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) كان له من العمات ( صلى الله عليه وسلم ) ست : الأولى - صفية بنت ~~عبد المطلب ، وأمها هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة ، وهي شقيقة حمزة ~~والمقوم وحجل ، وكانت صفية في الجاهلية تحت الحارث بن حرب بن أمية بن عبد ~~شمس ، ثم PageV18P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" هلك عنها وتزوجها العوام بن خويلد بن أسد ~~فولدت له الزبير والسائب وعبد الكعبة . وتوفيت في خلافة عمر بن الخطاب سنة ~~عشرين من الهجرة ولها ثلاث وسبعون سنة . ودفنت بالبقيع بفناء دار المغيرة ~~بن شعبة ، ولها هجرة . وعاتكة بنت عبد المطلب اختلف في إسلامها ، وهي صاحبة ~~الرؤيا ، وكانت عند أبي أمية بن المغيرة ابن عبد الله المخزومي ، فولدت له ~~عبد الله أسلم وله صحبة ، وزهيرا وقريبة الكبرى . وأروى بنت عبد المطلب وقد ms3871 ~~اختلف أيضا في إسلامها ، وكانت عند عمير بن وهب بن عبد الدار بن قصي ، ~~فولدت له طليب بن عمير ، وكان من المهاجرين الأولين ، شهد بدرا وقتل ~~بأجنادين شهيدا . وأميمة بنت عبد المطلب كانت عند جحش بن رياب ، ولدت له ~~عبد الله بن جحش قتل بأحد شهيدا ، وأبا أحمد الأعمى الشاعر واسمه عبد ، ~~وزينب زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأم حبيبة وحمنة ، كلهم له صحبة ~~، وعبيد الله بن جحش ، أسلم ثم تنصر ومات بالحبشة كافرا . وبرة بنت عبد ~~المطلب وكانت عند عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، فولدت ~~له أبا سلمة واسمه عبد الله ، وكان زوج سلمة قبل رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . وأم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب وكانت عند كريز بن ربيعة بن حبيب ~~بن عبد شمس بن عبد مناف ، فولدت له أروى بنت كريز ، وهي أم عثمان بن عفان . ~~هؤلاء أعمامه ( صلى الله عليه وسلم ) وعماته ؛ أسلم منهم حمزة والعباس ~~وصفية بلا اختلاف ، واختلف في عاتكة وأروى ، وبقيتهم ماتوا على شركهم . قال ~~أبو عمر ابن عبد البر : كان عبد الله أبو رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وأبو طالب والزبير وعبد الكعبة وأم حكيم وأميمة وأروى وعاتكة ، أمهم كلهم ~~فاطمة بنت عمرو ابن عائذ بن عمران بن مخزوم ، وكان حمزة والمقوم وحجل وصفية ~~أمهم هالة بنت وهيب ، وكان العباس وضرار وقثم أمهم PageV18P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" نتيلة ، وأم الحارث سمراء بنت جنيدب ابن جندب ~~بن حرثان بن سواءة بن عامر بن صعصعة ، وقيل : صفية بنت جندب ابن حجير بن ~~رياب بن حبيب بن سواءة ، وأم أبي وهب لبنى بنت هاجر بن خزاعة . والله تعالى ~~أعلم . فلنذكر خدمه ( صلى الله عليه وسلم ) : ذكر خدم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) الأحرار وهم أحد عشر رجلا أنس بن مالك بن النضر ابن ضمضم بن ~~زيد الأنصاري النجاري ، كان يكنى أبا حمزة ، وأمه أم سليم بنت ملحان ~~الأنصارية . خدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ms3872 ) وهو ابن عشر سنين ، عند ~~مقد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة للهجرة ، واختلف في وقت ~~وفاته فقيل : مات في سنة إحدى وتسعين ، وقيل : سنة اثنتين وتسعين ، وقيل : ~~سنة ثلاث وتسعين . قال خليفة ابن خياط : مات أنس وله مائة وثلاث سنين ، ~~وقيل : كان سنه إذ مات مائة وعشر سنين ، وقيل غير ذلك . وأما ما قيل فيه ~~مائة سنة إلا سنة ، حكى هذه الأقوال أبو عمر بن عبد البر ؛ قال : ويقال إنه ~~آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ويقال : ~~إنه قدم من صلبه وولد ولده نحوا من مائة قبل موته ، وذلك أن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) دعا له فقال : " اللهم ارزقه مالا وولدا وبارك له " ~~قال أنس : فإني أكثر الأنصار مالا . ويقال : إنه ولد لأنس ثمانون ولدا منهم ~~ثمانية وسبعون ذكرا وأنثيان . هند وأسماء ابنا حارثة ابن هند الأسلميان ؛ ~~شهدا بيعة الرضوان في إخوة لهما ستة ، وهم : هند وأسماء وخراش وذؤيب وفضالة ~~وسلمة ومالك وحمران ، ولم يشهدها أخوة في عددهم غيرهم ، ولزم منهم النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) هند وأسماء ، وكانا من أهل الصفة ، ومات هند بالمدينة ~~في خلافة معاوية ، وتوفى أسماء في سنة ست وستين . بالبصرة وهو ابن ثمانين ~~سنة . ربيعة بن كعب الأسلمي وهو ربيعة بن كعب بن مالك بن يعمر الأسلمي أبو ~~فراس ، وكان من أهل الصفة ، وكان يلزم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~السفر والحضر ، وصحبه قديما ، ومات في سنة ثلاث وستين بعد الحرة . ~~PageV18P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" عبد الله بن مسعود ابن غافل بن حبيب بن شمخ ~~بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث ابن تميم الهذلي ، وكنيته أبو ~~عبد الرحمن ، وهو حليف بني زهرة ، وأمه : أم عبد بنت عبد ود بن سواء بن ~~قويم بن صاهلة بن كاهل بن هذيل . أسلم عبد الله في أول الإسلام ، وكان سبب ~~إسلامه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مر به وهو يرعى غنما ms3873 لعقبة بن ~~أبي معيط ، فأخذ شاة حائلا من تلك الغنم فدرت عليه لبنا غزيرا فأسلم ، ثم ~~ضمه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إليه ، وكان يلبسه نعليه إذا قام ، ~~وإذا جلس جعلهما في دراعته حتى يقوم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وكان يمشي أمام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا مشى ، ويستره إذا ~~اغتسل ، ويوقظه إذا نام ، وقال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~إذنك على أن يرفع الحجاب وأن تسمع سوادي حتى أنهاك " . وكان يعرف في ~~الصحابة بصاحب السواد والسواك ، وهو أحد من شهد لهم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بالجنة ، ومات ابن مسعود المدينة في سنة اثنتين وثلاثين ، وصلى ~~عليه عثمان بن عفان ، وقيل : عمار ، وقيل : الزبير بن العوام ودفنه بالبقيع ~~ليلا بإيصائه إليه بذلك ، ولم يعلم عثمان فعاتب الزبير ، وكان يوم توفى ابن ~~بضع وستين سنة . عقبة بن عامر بن عبس الجهني من جهينة بن زيد بن سود بن ~~أسلم بن عمرو بن الحاف بن قضاعة ، وكان يكنى أبا حماد ، وقيل : أبا أسد ، ~~وقيل : أبا عمرو ، وقيل : أبا سعاد ، وقيل : أبا الأسود ، وقيل : أبا عمار ~~، وأبا عامر . وكان عقبة بن عامر صاحب بغلة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ، يقودها به في الأسفار . قال أبو عمر : سكن عقبة بن عامر مصر ، وكان ~~واليا عليها ، وابتنى بها دارا ، وتوفى في آخر خلافة معاوية . بلال بن رباح ~~المؤذن مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ، وكان يكنى أبا عبد الله ، ، ~~ويقال : أبا عبد الكريم ، وقيل : أبا عبد الرحمن ، وقيل : أبا عمرو ، وقد ~~تقدم خبره في أول السيرة . وأمه حمامة ، وكان خازنا لرسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وآخى بينه وبين عبيدة بن PageV18P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" الحارث بن عبد المطلب ، وكان بلال رضي الله ~~عنه صادق الإسلام طاهر القلب ، وكان من مولدي السراة . مات بدمشق سنة عشرين ~~، وهو ابن ثلاث وستين سنة ، ودفن بمقبرتها عند الباب الصغير ، وقيل : مات ~~سنة إحدى وعشرين وهو ابن سبعين سنة ms3874 . سعد مولى أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنهما ، خدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وروي عن الحسن البصري ، ~~ويعد في أهل البصرة . ذو مخمر بن أخي النجاشي ويقال : ابن أخته ، ويقال فيه ~~: ذو مخبر ، خدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال ابن عبد البر : ~~وقد عده بعضهم في موالي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، له أحاديث ~~خرجها أهل الشام وهو معدود فيهم . بكير بن شداخ الليثي وقيل فيه : بكر ، ~~عده الشيخ أبو محمد الدمياطي في خدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~أبو ذر الغفاري ويقال أبو الذر ، والأول أشهر . واختلف في اسمه اختلافا ~~كثيرا ، فقيل : جندب بن جنادة ، وهو أصح ما قيل فيه إن شاء الله . وذكر أبو ~~عمر بن عبد البر الاختلاف في اسمه ، وترجم عليه بعد ذلك : جندب بن جنادة بن ~~سفيان بن عبيد بن الواقفة بن حرام بن غفار بن مليل بن ضمرة بن كنانة بن ~~خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار الغفاري ، وأمه رملة بنت الوقيعة ~~، من بني غفار ، تقدم خبر إسلامه في وفد غفار في أول هذا السفر ، وأقام أبو ~~ذر عند قومه بعد إسلامه حتى مضت بدر وأحد والخندق ، ثم قدم على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فصحبه إلى أن مات . وقد ذكرنا قصة أبي ذر في غزوة ~~تبوك ، وقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " رحم الله أبا ذر يمشي ~~وحده ويموت وحده ويبعث وحده " وكان من خبره أنه خرج بعد وفاة أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه إلى الشام ، فلم يزل به حتى كانت خلافة عثمان بن عفان ~~، فاستقدمه عثمان لشكوى PageV18P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" معاوية ، وأسكنه الربذة ، فمات بها وصلى عليه ~~عبد الله بن مسعود ، وكان قد أقبل من الكوفة فدعي إلى الصلاة عليه ، فقال : ~~من هذا ؟ فقيل : أبو ذر ، فبكى طويلا وقال : أخي وخليل عاش وحده ، ومات ~~وحده ، ويبعث وحده ، طوبى له . وذلك في سنة ست وثلاثين من الهجرة . روى عن ~~أبي ذر ms3875 جماعة من الصحابة ، وكان من أوعية العلم المبرزين في الزهد والورع ~~والقول بالحق ؛ سئل علي رضي الله عنه عن أبي ذر فقال : ذاك رجلا وعى علما ~~عجز عنه الناس ، ثم أوكأ عليه ولم يخرج شيئا منه . وروي عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " ما أظلت الخضراء ولا ~~أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر " و " من سره أن ينظر إلى تواضع ~~عيسى بن مريم فلينظر إلى تواضع أبي ذر " . وفضائله كثيرة رضي الله عنه . ~~وذكر أبو عمر بن عبد البر في خدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " أسلع ~~بن شريك " الأعوجي التميمي خادم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وصاحب ~~راحلته ، وأبو سلام الهاشمي ، خادم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ومولاه . ذكر موالي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال الشيخ أبو محمد ~~الدمياطي رحمه الله تعالى : ومواليه من الرجال أحد وثلاثون ، وهم : زيد بن ~~حارثة بن شراحيل الكلبي - وكان لخديجة فاستوهبه رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) منها وأعتقه ، وقد تقدمت أخبار ومقتله في مؤتة . أسامة بن زيد بن ~~حارثة - وأمه أم أيمن ، بركة مولاة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~ومات أسامة في خلافة معاوية ، في سنة ثمان وخمسين ، وقيل : سنة تسع ، وقيل ~~: سنة أربع وخمسين ، وصححه أبو عمر . وكان عمره يوم مات رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) تسع عشرة سنة ، وقيل : عشرين ، وقيل : PageV18P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" ثماني عشرة ، وسكن بعد رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وادي القرى ، ثم رجع إلى المدينة فمات بالجرف . ثوبان بن بجدد ~~- وكنيته أبو عبد الله على الأصح ، وهو من أهل السراة ، والسراة موضع بين ~~مكة واليمن ، وقيل : من حمير ، وقيل : إنه من حكم بن سعد العشيرة ، أصابه ~~سباء فاشتراه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأعتقه ، ولم يزل معه في ~~السفر والحضر إلى أن توفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فخرج إلى ~~الشام فنزل الرملة ، ثم انتقل ms3876 إلى حمص فابتنى بها دارا : وتوفي بها سنة ~~أربع وخمسين ، وكان ممن حفظ عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأدى ما ~~وعى . روى عن جماعة من التابعين . أبو كبشة سليم - شهد بدرا والمشاهد كلها ~~، قيل : هو من فارس ، وقيل : من مولدي أرض دوس ، وقيل : من مولدي مكة ، ~~ابتاعه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأعتقه ، وتوفي في سنة ثلاث عشرة ~~، في اليوم الذي استخلف فيه عمر بن الخطاب ، وقيل : توفي في سنة ثلاث ~~وعشرين ، في اليوم الذي ولد فيه عروة بن الزبير . والله تعالى أعلم . أنسة ~~- ويكنى أبا مسرح ، ويقال أبو مسروح - وكان من مولدي السراة - اشتراه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأعتقه . ذكره موسى بن عقبة فيمن شهد بدرا ، ~~وقال ابن إسحاق : كان يأذن على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إذا جلس فيما ~~حكاه مصعب الزبيري ، ومات في خلافة أبي بكر رضي الله عنه . شقران - واسمه ~~صالح ، وكان حبشيا ، قيل : ورثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من أبيه ~~وأعتقه بعد بدر ، قيل : اشتراه من عبد الرحمن بن عوف وأعتقه ، وقيل وهبه له ~~فأعتقه وأوصى به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عند موته . PageV18P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" رباح - وكان أسود نوبيا اشتراه من وفد عبد ~~القيس وأعتقه ، قال أبو عمر : وربما أذن على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أحيانا ؛ إذا انفرد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يأخذ عليه الإذن ~~. يسار - وكان نوبيا أصابه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في بعض غزواته ~~، وهو الذي قتله العرنيون كما تقدم . أبو رافع - واسمه أسلم ، وقيل ؛ ~~إبراهيم ، وكان عبدا للعباس ، فوهبه للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلما ~~أسلم العباس بشر أبو رافع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بإسلامه ، ~~فأعتقه وزوجه سلمى مولاته ، فولدت له عبيد الله ، وكان عبيد الله كاتبا ~~لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في آخر خلافته كلها ، قيل : وخازنا أيضا . ~~ومات أبو رافع في آخر خلافة عثمان بالمدينة ، وقيل : في خلافة علي ، قيل ms3877 : ~~وكان أبو رافع قبطيا . أبو مويهبة - وكان من مولدي مزينة ، اشتراه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأعتقه . رافع - قال الشيخ أبو محمد عبد ~~المؤمن رحمه الله : كان مولى لسعيد بن العاص ، فورثه ولده ، فأعتقه بعضهم ~~وتمسك بعضهم ، فجاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يستعينه فوهب له ، ~~فكان يقول : أنا مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وقد حكى أبو عمر ~~ذلك في أحد القولين عن أبي رافع المقدم ذكره . والله أعلم . PageV18P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" فضالة - وهو مذكور في موالي رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ؛ قال ابن عبد البر : لا أعرفه بغير ذلك ، قيل : إنه مات ~~بالشام . مدعم - اسود ، وهبه لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رفاعة بن ~~زيد الجذامي ، وهو الذي قتل بوادي القرى ، وقال فيه رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " إن الشملة التي غلها تشعل عليه نارا " . كركرة - وكان على ~~بغلة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وكان نوبيا أهداه له هوذة بن علي فأعتقه ~~. زيد - وهو جد بلال بن يسار بن زيد . عبيد ، وطهمان - موليا رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، واختلف في طهمان ، فقيل : طهمان ، وقيل : طهوان ، ~~وقيل : ذكوان ، وأما عبيد فروى عنه سليمان التيمي . مابور - أهداه إليه ~~المقوقس ، وقيل : كان خصيا . واقد ، وأبو واقد ، وهشام ، وهو الذي قال ~~لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : يا رسول الله إن امرأتي لا تمنع يد ~~لامس ، قال : " طلقها " قال : إنها تعجبني . قال : " فاستمتع بها " . ~~PageV18P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" أبو ضميرة - قيل : اسمه يعد الحميري ، قال ~~البخاري : وقيل في اسمه غير ذلك . وكان مما أفاء الله على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وهو جد حسين بن عبد الله بن ضميرة ، وقيل : وكان من ~~العرب فأعتقه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكتب له كتابا يوصي به ~~فهو بيد ولده ، قال أبو عمر : وقدم حسين بن عبد الله بن ضميرة على المهدي ~~بكتاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالإيصاء بأبي ضمرة وولده ، فوضعه ~~المهدي على عينيه ، ووصله ms3878 بثلثمائة دينار . حنين - قال أبو عمر بن عبد البر ~~: كان عبدا وخادما للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فوهبه لعمه العباس ~~فأعتقه العباس قال : وقد قيل إنه مولى علي بن أبي طالب ، وعده الشيخ أبو ~~محمد في موالى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . أبو عسيب - واسمه أحمر . ~~أبو عبيدة سفينة - فكان عبد لأم سلمة زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فأعتقته ، واشترطت عليه أن يخدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مدة ~~حياته ، فقال : لو لم تشترطي علي ذلك ما فارقته ، وكان اسمه رباح ، وقيل : ~~عمير : وقيل : رومان . وقيل : مهران . قال الواقدي : وقال أبو عمر : مهران ~~مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) غير سفينة . سمى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) سفينة بهذا الاسم ، لأنه كان معه في سفر ؛ فكان كل من ~~أعيا ألقى عليه متاعه سيفا أو ترسا ، فمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) به ~~، فقال : " أنت سفينة " وكان أسود من مولدي الأعراب . أبو هند - وهو الذي ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في حقه زوجوا أبا هند ، وتزوجوا إليه ~~، قال أبو محمد : ابتاعه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منصرفه من ~~الحديبية وأعتقه . PageV18P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" أنجشة - وكان حاديا للجمال ، وهو الذي قال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) له : " يا أنجشة رفقا بالقوارير " . ~~أنيسة - وكان حبشيا فصيحا شهد بدرا ، وأعتقه رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بالمدينة . أبو لبابة - كان لبعض عمات رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فأعتقه ، وهو معدود في موالي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~رويفع - سباه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من هوازن فأعتقه . سعد - ~~وهو الذي روى عنه أبو عثمان النهدي . ذكره أبو عمر بن عبد البر . هؤلاء ~~المشهورون من موالي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال أبو محمد عبد ~~المؤمن رحمه الله : وقد قيل إنهم أربعون ، وزاد يوسف بن الجوزي : أبا كندير ~~، وسلمان الفارسي ، وسالما ، وسابقا - ذكره أبو عمر - خادم رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ms3879 ) ، وزيد بن رصولا ، وعبيد الله بن أسلم ، ونبيه : وقيل فيه ~~: النبيه ، وقيل النبيه ، بضم النون وفتحها ، ووردان . وذكر أبو عمر بن عبد ~~البر في موالي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جماعة أخر ، منهم أبو ~~الحمراء واسمه هلال بن الحارث ، ويقال : هلال بن ظفر ، وأفلح ، وذكوان ، ~~وفي اسمه خلاف ، وأبو عبيد ، له رواية ، وأبو لقيط ، وأبو السمح أياد ، ~~وقيل : خادم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وضميرة بن أبي ضميرة ، قال ~~أبو عمر : مر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بأم ضميرة وهي تبكي فقال : ~~" ما يبكيك أجائعة أنت أم عارية " ؟ فقالت : يا رسول الله ، فرق بيني وبين ~~ابني ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا يفرق بين والدة ~~وولدها " ثم أرسل إلى الذي عنده ضميرة فابتاعه منه . PageV18P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" وكيسان ، أو مهران - واسمه هرمز يسمى أبا ~~كيسان ، اختلف فيه على عطاء بن السائب ، فقيل : كيسان ، وقيل : طهمان ، ~~وقيل : ذكوان ، وأبو بكرة نفيع بن مسروح ، وهو ابن سمية جارية الحارث بن ~~كلدة الثقفي ، معدود في موالي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ وذلك أن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أعتقه لما نزل إليه من حصن الطائف ، ~~وأسلم فكان يقول : أنا مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فإن أبى ~~الناس إلا أن ينسبوني فأنا نفيع بن مسروح ، وكناه رسول اللله أبا بكرة ؛ ~~لأنه تدلى إليه من بكرة من الحصن . وأبو سلمى - راعي رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، قيل : اسمه حارث ، فهؤلاء عشرة أخر لتكملة خمسين . والله ~~أعلم . ومن النساء : أم عياش ، وأميمة ، وأم رافع سلمى ، وبركة أم أيمن ، ~~ومارية ، وريحانة ، وربيحة ، وميمونة بنت أبي عسيب ، وخضرة ، ورضوى ، وأم ~~ضميرة . وذكر أبو عمر بن عبد البر أميمة لها رواية ، وميمونة بنت أبي عنبسة ~~غير ميمونة المذكورة آنفا ، والله أعلم . ذكر حراس رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في غزواته ، وهم ثمانية : سعد بن معاذ حرسه يوم بدر حين نام ~~بالعريش ، وذكوان بن عبد الله بن قيس ، ومحمد ms3880 بن مسلمة الانصاري حرسه بأحد ~~، والزبير بن العوام حرسه يوم الخندق ، وعباد بن بشر ، وسعد بن أبي وقاص ، ~~وأبو أيوب الأنصاري حرسه بخيبر ليلة بني بصفية ، وبلال حرسه بوادي القرى . ~~ولما أنزل الله تعالى : " با أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم ~~تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " ترك عند ذلك الحرس . ذكر كتاب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهم : أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، ~~وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب وعامر بن فهيرة ، وعبد الله بن الأرقم ، ~~وأبي بن كعب ، وثابت بت قيس بن شماس ، وخالد بن سعيد بن العاص ، وحنظلة بن ~~الربيع الأسدي ، وزيد بن ثابت ، PageV18P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" ومعاوية بن أبي سفيان ، وشرحبيل بن حسنة ، ~~وكان معاوية وزيد يكتبان الوحي . قال الشيخ الإمام الفاضل محمد بن أحمد بن ~~أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي ثم القرطبي رحمه الله تعالى في ~~كتاب الأعلام له : والعلاء بن الحضرمي ، قال : وكان المداويم على الكتابة ~~زيد ومعاوية ، قال : ويقال إن معاوية لم يكتب له من الوحي شيئا ، وإنما كان ~~يكتب إلى الأطراف ، وكتب له عبد الله بن سرح ثم ارتد ، فلما كان يوم الفتح ~~أسلم وحسن إسلامه ، وذكر القضاعي : وكان الزبير بن العوام وجهم بن سعد ~~يكتبان أموال الصدقة ، وكان حذيفة بن اليمان يكتب خرص النخل ، وكان المغيرة ~~بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان المداينات والمعاملات . وذكر الحافظ أبو ~~الخطاب بن دحية : أن كتابه عليه السلام ينتهون إلى ستة وعشرين ، والله أعلم ~~. قال : وقد قدمنا ذكر رسله ( صلى الله عليه وسلم ) ذكر رفقاء رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) النجباء وهم اثنا عشر : أبو بكر ، وعمر ، وحمزة ، ~~وعلي ، وجعفر ، وأبو ذر ، والمقداد ، وسلمان ، وحذيفو ، وابن مسعود ، وعمار ~~بن ياسر ، وبلال بن رباح . وكان علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومحمد ~~بن سلمة وعاصم بن أبي الأفلح والمقداد ، رضوان الله عليهم أجمعين يضربون ~~الأعناق بين يديه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وحين ذكرنا ms3881 من سيرته ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ما ذكرنا ، فلنأخذ الآن في ذكر صفاته الذاتية والمعنوية ~~وأحواله ( صلى الله عليه وسلم ) . ذكر صفة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) الذاتية قد وردت الأخبار الصحيحة والمشهورة من حديث علي بن أبي طالب وأنس ~~بن مالك وأبي هريرة والبراء بن عازب وعائشة أم المؤمنين و ابن أبي هالة ~~وأبي جحيفة وجابر بن سمرة وأم معبد وابن عباس ، ومعرض بن معيقب وأبي الطفيل ~~، والعداء بن خالد وخريم بن فاتك وحكيم بن حزام ، وغيرهم رضوان الله عليهم ~~: أنه كان ( صلى الله عليه وسلم ) ربعة من القوم : لا بائن من طول ، ولا ~~تقتحمه عين من قصر ، غصن بين PageV18P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" غصنين ، بعيد ما بين المنكبين ، أبيض اللون ، ~~مشرب حمرة ، وفي رواية أزهر اللون ، ليس بالأبيض الأمهق ، ولا بالآدم ، له ~~شعر رجل ، يبلغ شحمة أذنيه إذا طال ، وإذا قصر إلى أنصافهما ، لم يبلغ شيبه ~~في رأسه ولحيته عشرين شعره ، كأن عنقه جيد دمية ، في صفاء الفضة ، وظاهر ~~الوضاءة مبلج الوجه ، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ، حسن الخلق ~~معتدله ، لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة ، وسيما قسيما ، في عينيه دعج ، وفي ~~بياضهما عروق رقاق حمر ، وفي أشفاره غطف ، وفي صوته صهل ، وروى صحل ، وفي ~~عنقه سطع ، وفي لحيته كثاثة ، إذا صمت فعليه الوقار ، وإن تكلم سما وعلاه ~~البهاء ، أجمل الناس وأبهاه من بعيد ، وأحلاه وأحسنه من قريب ، حلو المنطق ~~فصل : لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن ، واسع الجبين ، أزج ~~الحواجب في غير قرن ، بينهما عرق يدره الغضب ، أقنى العرنين ، له نور يعلوه ~~، يحسبه من لم يتأمله أشم ، سهل الخدين ، ضليع الفم ، أشنب ، مفلج الأسنان ~~، دقيق المسربة ، من لبته إلى سرته شعر يجري كالقضيب ، ليس في بطنه ولا ~~PageV18P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" صدره شعر غيره ، أشعر الذراعين والمنكبين ، ~~بادن متماسك ، سواء الصدر والبطن ، سبيح الصدر ، ضخم الكراديس ، أنور ~~المتجرد عريض الصدر ، طويل الزندين ، رحب الراحة ، شثن الكفين والقدمين ، ~~سائل الأطراف ، سبط القصب ، خمصان الأخمصين ms3882 ، مسيح القدمين ، ينبو عنهما ~~الماء ، إذا زال زال قلعا ، وفي رواية : إذا مشى يقلع - كناية عن قوة الخطو ~~كالذي يمشي في طين - ويخطو تكفيا ويمشي هونا ، ذريع المشية ، إذا مشى كأنما ~~ينحط من صبب ، وإذا التفت التفت جميعا ، بين كتفيه خاتم النبوة كأنه زر ~~حجلة أو بيضة حمامة ، لونه كلون جسده عليه خيلان ، كأن عرقه اللؤلؤ ، ولريح ~~عرقه أطيب من ريح المسك الأذفر ، يقول ناعته : لم أر قبله ولا بعده مثله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، قال البراء : ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن ~~من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال أبو هريرة : ما رأيت شيئا أحسن ~~من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كأن الشمس تجري في وجهه ، وإذا ضحك ~~يتلألأ في الجذر ، وقال جابر بن سمرة ، وقد قال له رجل كأن وجهه ( صلى الله ~~عليه وسلم ) مثل السيف ، فقال : لا ، بل مثل الشمس والقمر . وكان مستديرا ، ~~وكان عمر بن الخطاب ينشد قول زهير بن أبي سلمى في هرم بن سنان : لو كنت من ~~شيء سوى بشر . . . كنت المضيء لليلة البدر ثم يقول عمر وجلساؤه : كذلك كان ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولم يكن كذلك غيره ، وفيه عليه السلام ~~يقول عمه العباس رضي الله عنه وأرضاه : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه . . . ~~ربيع اليتامى عصمة للأرامل PageV18P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" تطيف به الهلاك من آل هاشم . . . فهم عنده في ~~نعمة وفضائل وميزان حق لا يخيس شعيرة . . . ووزان عدل وزنه غير عائل ذكر ~~صفة خاتم النبوة الذي كان بين كتفي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) روى عن ~~جابر بن سمرة . وقد وصف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : ورأيت خاتمه ~~عند كتفيه مثل بيضة الحمامة يشبه جسمه ، وعن أبي رمثة قال قال لي رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) : " يا أبا رمثة ادن مني امسح ظهري " فدنوت منه ~~فمسحت ظهره ، ثم وضعت أصابعي على الخاتم فغمزتها ، فقيل له : وما الخاتم ؟ ~~فقال : شعر مجتمع عند كتفيه . وعنه قال : أتيت رسول ms3883 الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فالتفت فإذا خلف كتفيه مثل النفاخة ، قلت : يا رسول الله ، إني ~~أداوى فدعني حتى أبطها وأداويها ، قال : " طببها الذي خلقها " . وعنه من ~~طريق آخر قلت : يا رسول الله إني طبيب من أهل بيت أطباء ، وكان أبي طبيبا ~~في الجاهلية ، معروفا ذلك لنا فأذن لي في التي بين كتفيك ، فإن كانت سلعة ~~بططتها فشفا الله نبيه ؛ فقال : " لا طيبب لها إلا الله " وهي مثل بيضة ~~الحمامة . ذكر صفة شعر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وطوله روى عن أبي ~~إسحاق قال : سمعت البراء يصف شعر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ~~كان شعره إلى شحمة أذنيه ، وعنه قال : سمعت البارء يقول : ما رأيت أحدا من ~~خلق الله أحسن في حلة حمراء من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، إن جمته ~~لتضرب قريبا من منكبيه ، وفي لفظ ، من عاتقيه . وعن قتادة قال : قلت : لأنس ~~بن مالك كيف كان شعر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ قال : كان شعرا ~~رجلا ليس بالسبط ولا بالجعد بين أذنيه وعاتقه . وعن أنس : كان لا يجاوز ~~شعره أذنيه ، وعنه ، كان إلى أنصاف أذنيه . وعن علي رضي الله عنه قال : كان ~~شعر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فوق الوفرة ودون الجمة . وعن أم هانئ ~~قالت : رأيت في PageV18P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" رأس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ضفائر ~~أربعا ، وعنها قالت : رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قدم مكة وله ~~أربع غدائر . وعن جابر بن سمرة قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~كثير شعر اللحية . وعن جابر بن عبد الله قال : رأيت رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يسجد على قصاص شعره . ذكر عدد شيب رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ومن قال إنه خضب روى عن حميد الطويل قال : سئل أنس بن مالك هل خضب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ قال : ما شانه الله بالشيب ، وما كان ~~فيه من الشيب ما يخضب ، إنما كانت شعرات في ms3884 مقدم لحيته ، ولم يبلغ الشيب ~~الذي كان به عشرين شعرة . وفي رواية عن أنس أيضا : ما كان في رأسه ولحيته ~~إلا سبع عشرة أو ثمان عشرة . وعن جابر بن سمرة ، وقد سئل عن شيب رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) فقال : كان إذا دهن رأسه لم يتبين . وعن محمد بن ~~واسع ؛ قيل : يا رسول الله ، لقد أسرع إليك الشيب ، فقال : " شيبتني " آلر ~~. كتاب أحكمت آياته ثم فصلت " وأخواتها " . وعن أبي سلمة ، قيل : يا رسول ~~الله ، نرى في رأسك شيبا ، قال : " مالي لا أشيب وأنا أقرأ هودا وإذا الشمس ~~كورت " وفي رواية : " وما فعل بالأمم قبلي " . وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال قال أبو بكر : أراك قد شبت يا رسول الله ، قال : " شيبتني هود والواقعة ~~والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت " ومن رواية " وأخواتها اقتربت ~~الساعة ، والمرسلات وإذا الشمس كورت " وفي رواية آخرى عن أنس قال قال أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه : بأبي وأمي يا رسول الله ، وما أخواتها ؟ قال : " ~~الواقعة والقارعة وسأل سائل وإذا الشمس كورت " هذا ما رأيناه مما ورد في ~~شيبه وسببه . وأما من قال إنه خضب ( صلى الله عليه وسلم ) فقد روى عن عبد ~~الله بن موهبة قال : : دخلنا على أم سلمة رضي الله عنها ، فأخرجت إلينا صرة ~~فيها شعر من شعر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مخضوا بالحناء ، والكتم ~~. وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال : رأيت شعرا من شعره - يعني النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) - فإذا هو أحمر ، فسألت عنه فقيل لي : أحمر من الطيب . ~~وعن أبي جعفر قال : شمط عارضا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فخضبه ~~بحناء وكتم ، PageV18P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" وعن أبي رمثة أنه وصف رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فقال : ذو وفرة وبها ردع من حناء ، وكان عبد الله بن عمر رضي ~~الله عنهما يصفر لحيته بالخلوق ، ويحدث أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) كان يصفر ، وعن عبد الرحمن الثمالي قال : كان رسول الله ( صلى الله ms3885 عليه ~~وسلم ) يغير لحيته بماء السدر ، ويأمر بتغيير الشعر مخالفة للأعاجم . هذا ~~ما أمكن إيراده من صفاته الذاتية ، وسنذكر إن شاء الله بعد ذكر صفاته ~~المعنوية ، حديث هند بن أبي هالة ، لجمعه بين صفاته الذاتية والمعنوية . ~~ذكر صفات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المعنوية وما ورد في أكله وشربه ~~، ونومه وضحكه وعبادته ونكاحه ، وخلقه وحلمه واحتماله ، وعفوه وصبره على ما ~~يكره ، وجوده وكرمه . وسخائه وسمحته ، وشجاعته ونجدته ، وحيائه وإغضائه ، ~~وحسن عشرته وأدبه ، وبسط خلقه ، وشفقته ورأفته ورحمته ، ووفائه وحسن عهده ، ~~وصلته للرحم ، وتواضعه وعدله وأمانته وعفته ، وصدق لهجته ، ووقاره وصمته ~~وتؤدته ، ومروءته ، وحسن هديه وزهده وخوفه ربه تعالى ، وطاعته له وشدة ~~عبادته ( صلى الله عليه وسلم ) تسليما كثيرا . فأما ما ورد في أكله وشربه ~~ونومه وضحكه وعبادته فكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد أخذ من ~~الأكل والشرب بالأقل ، واعتمد من ذلك على ما يمسك الرمق ويسد الخلة ، وقد ~~جاءت الأخبار الصحيحة بذلك ، ولم تزل العرب والحكماء تتمادح بقلتهما وتذم ~~بكثرتهما ؛ لأن كثرة الأكل والشرب دليل على النهم والحرص والشره ، وقلة ذلك ~~دليل على القناعة وملك النفس وقمع الشهوة . وقد روينا بإسناد متصل عن ~~المقدام بن معدي كرب أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " ما ملأ ~~ابن آدم وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة ~~فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه " . ولأن كثرة النوم من كثرة الأكل ~~والشرب . وقد PageV18P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" روى عنه عليه السلام أنه كان أحب الطعام إليه ~~ما كان على ضعف ؛ أي كثرة الأيدي . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : : لم ~~يمتلئ جوف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) شبعا قط ، وإنه كان في أهله ولا ~~يسألهم طعاما ولا يتشهاه ، إن أطعموه أكل ، وما أطعموه قبل ، وما سسقوه شرب ~~. قال أهل العلم : ولا يعترض على هذا بحديث بريرة ، وقوله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " ألم أر البرمة فيها لحم " ؟ إذ لعل سبب سؤاله ظنه اعتقادهم أنه ~~لا ms3886 يحل له ، فأراد بيان سننه ، إذ رآهم لم يقدموا إليه مع علمه أنهم لا ~~يستأثرون به عليه ، فصدق عليهم ظنه ، وبين لهم ما جهلوه من أمره ، بقوله : ~~" هو لها صدقة ولنا هدية " . وكان جلوسه ( صلى الله عليه وسلم ) للأكل جلوس ~~المستوفز ، معيقا ، وزيقول : " إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما ~~يجلس العبد " . وفي حديث صحيح قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أما أنا فلا ~~آكل متكئا " وليس معنى الأتكاء عند المحققين الميل على شق ، وإنما الإتكاء ~~هو التمكن للأكل ، والتقعدد في الجلوس ، كالمتربع وشبهه من تمكن الجلسات ~~التي يعتد فيها الجالس على ما تحته ، والجالس على هذه الهيئة يستدعى الأكل ~~ويستكثر منه ، وكان ( صلى الله عليه وسلم ) بخلاف ذلك . وكان ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إذا رفع الطعام من بين يديه قال : " الحمد لله الذي أطعمنا ~~وسقانا وآوانا وجعلنا مسلمين " . وفي رواية يقول : " الحمد لله حمدا كثيرا ~~طيبا مباركا فيه غير مودع ولا مستغنى عنه ربنا " . وكن لا يأكل على خوان ، ~~ولا يمتنع من مباح ، ولا يتأنق في مأكل ، يأكل ما وجد ، إن وجد تمرا أكله ، ~~أو خبزا أكله أو شواء أكله ، وإن وجد لبنا أكتفى به ، ولم يأكل خبزا مرققا ~~، وأكل ( صلى الله عليه وسلم ) الخبز بالخل وقال : " نعم الإدام الخل " ~~وأكل لحم الدجاج ولحم الحبارى . وكان يحبب الدباء ويأكله ، ويعجبه الذارع ~~من الشاة ، وقال : " إن أطيب اللحم لحم الظهر " وقال : " كلوا الزيت ~~وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة " وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن ، وأكل ~~( صلى الله عليه وسلم ) خبز الشعير بالتمر ، وقال : " هذا أدم هذا " وأكل ~~البطيخ بالرطب والقثاء بالرطب والتمر بالزبد ، وكان يحب الحلواء والعسل ، ~~وكان يشرب قاعدا ، وربما شرب قائما ، ويتنفس ثلاثا وإذا فضلت منه فضله ~~وأراد أن يسقيها بدأ بمن عن يمينه ، وشرب ( صلى الله عليه وسلم ) لبنا ، ~~PageV18P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" وقال : " من أطعمه الله طعاما فليقل اللهم ~~بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ، ومن سقاه الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا ~~فيه وزدنا منه ms3887 " وقال : " ليس شيء يجزي مكان الطعام والشراب غير اللبن " . ~~وأما نومه ( صلى الله عليه وسلم ) فكان قليلا ، جاءت بذلك الآثار الصحيحة ، ~~وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن عيني تنامان ولا ينام قلبي " وكان نومه ~~على جانبه الأيمن استظهارا على قلة النوم لأن النوم على الجانب الأيسر أهنأ ~~، لهدو القلب وما بيتعلق به من الأعضاء الباطنة ، لميلها إلى الجانب الأيسر ~~، فيستدعى ذلك الاستثقال فيه والطول ، وإذا نام النائم على الجانب الأيمن ~~تعلق القلب وقلق ، فأسرع الإفاقة ولم يغمره الاستغراق . وكان ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ينام أول الليل ثم يقوم من السحر ، ثم يوتر ثم يأتي فراشه ، ~~فإذا سمع الآذان وثب ، وكان إذا نام نفخ ، ولا يغط غطيطا ، وإذا رأى في ~~منامه ما يروعه قال : " هو الله لا شريك له " وإذا أخذ مضجعه وضع كفه ~~اليمنى تحت خده ، وقال : " رب قني عذابك يوم تبعث عبادك " وكان يقول : " ~~اللهم باسمك أموت وأحيا " وإذا استيقظ قال : " الحمد لله الذي أحيانا بعد ~~ما أماتنا وإليه النشور " . وأما ضحكه ( صلى الله عليه وسلم ) فكان جله ~~التبسم ، وربما ضحك من شيء معجب حتى تبدو نواجذه من غير قهقهة ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وأما عبارته ( صلى الله عليه وسلم ) فكان أفصح الناس ، يخاطب ~~كل أمة بلسانها ، ويحاورها بلغتها ، يباريها في منزع بلاغتها ، وقد تقدم من ~~كلامه في كتبه إلى ملوك اليمن وغيرها ما يدل على ذلك ، وإن كان ذلك لا ~~يحتاج فيه إقامة دليل بعد أن أنزل القرآن بلغته . وكان ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إذا تكلم بين كلامه حتى يحفظه من جلس إليه ، ويعيد الكلمة ثلاثا ~~لتعقل عنه ، ويخزن لسانه لا يتكلم من غير حاجة ، ويتكلم بجوامع الكلم ، فصل ~~لا فضول ولا تقصير ، وكان يتمثل بشيء من الشعر ويتمثل بقوله : ويأتيك ~~بالأخبار من لم تزود وبغير ذلك ، ( صلى الله عليه وسلم ) . PageV18P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وأما النكاح وما يتعلق به فهو مما يكثر ~~التمدح بكثرته وذلك ، لأنه دليل الكمال وصحة الذكورية ، ولم يزل التفاخر ~~بكثرته عادة معروفة ، والتمادح به ms3888 سيرة ماضية وسنة مأثورة ، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما : أفضل هذه الأمة أكثرها نساء . مشيرا إلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " تناكحوا فإني مباه ~~فيكم الأمم " وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ممن أقدره الله تعالى ~~على ذلك وحببه له ، فكان ( صلى الله عليه وسلم ) يدور على نسائه في الساعة ~~من الليل والنهار ، وهن إحدى عشرة ، رواه أنس ، قال : وكنا نتحدث أنه أعطى ~~قوة ثلاثين ، خرجه النسائي . وعن طاوس : أعطى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قوة أربعين رجلا في الجماع ، ومثله عن صفوان بن سليم . وقالت سلمى ~~مولاته : طاف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ليلة على نسائه التسع ، ويطهر ~~من كل واحدة قبل أن أتى الأخرى . وقال : " هذا أطهر وأطيب " . وأما خلقه ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فقد قال الله عز وجل فيه مخاطبا له ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " وإنك لعلى خلق عظيم " قالت عائشة رضي الله عنها : كان خلقه ~~القرآن يرضى برضاه ويسخط بسخطه ، وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " بعثت ~~لأتتم مكارم الأخلاق " قال علي وأنس رضي الله عنهما : كان رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أحسن الناس خلقا . وكان ( صلى الله عليه وسلم ) - فيما ~~ذكره المحققون - مجبولا على ذلك في أصل خلقته وأول فطرته ، لم يحصل له ذلك ~~بإكتساب ولا رياضة ، إلا بجود إلهي وخصوصية ربانية ، ومن طالع سيرته منذ ~~صباه وإلى آخر عمره ، حقق ذلك وكذلك سائر الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ~~. وأما حلمه واحتماله وعفوه مع القدرة ، والصبر على ما يكره ، فقد جعلوا ~~بين هذه الألقاب فرقا ، فقالوا : الحلم حالة توقير وثبات عند الأسباب ~~المحركات ، والاحتمال حبس النفس عند الآلام والمؤذيات ، ومثله الصبر ، ~~ومعانيها متقاربة ، وأما العفو فهو ترك المؤاخذة ، وهذا كله مما أدب الله ~~تعالى به نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض ~~عن الجاهلين " روي أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما نزلت عليه هذه ~~الآية سأل جبريل عن تأويلها فقال ms3889 له : حتى أسأل العالم ، ثم ذهب فأتاه فقال ~~: " يا محمد إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك " ~~. وقال تعالى مخاطبا له ( صلى الله عليه وسلم ) : " واصبر على ما أصابك إن ~~ذلك من عزم الأمور " وقال : " فاصبر كما صبر PageV18P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" أولو العزم من الرسل " . وقد روى في حلمه ~~واحتماله وعفوه وصبره أحاديث كثيرة وقصص مشهورة ، قد تقدم منها في أخباره ، ~~في أثناء هذه السيرة جملة كافية ونحن نشير الآن في هذا الموضع إليها ، ~~وننبه في هذه الترجمة عليها ، منها قصة أحد حين ناله من أذى كفار قريش ما ~~ناله مما قدمنا ذكره ، فشق ذلك على أصحابه ، وقالوا : يا رسول الله ، لو ~~دعوت عليهم ، فقال : " إني لم أبعث لعانا ولكني بعثت داعيا ورحمة اللهم اهد ~~قومي فإنهم لا يعلمون " روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أنه قال في ~~بعض كلامه : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، لقد دعا نوح على قومه فقال : " ~~رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من ~~عند آخرنا ، فلقد وطيء ظهرك وأدمى وجهك وكسرت رباعيتك ، فأبيت أن تقول إلا ~~خيرا ، فقلت : " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " . ومنها قصتا غورث بن ~~الحارث ، ودعثور بن الحارث حين أرادا أن يفتكا به ، وأظفره الله بهما ، ~~وأمكنه منهما فعفا عنهما ، كما تقدم ذكر ذلك في غزوتي غطفان وذات الرقاع ، ~~ومنها عفو عن الذين هبطوا عليه في عمرة الحديبية ، وأرادوا قتله فأخذوا ~~فأعتقهم ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومنها صفحه عن قريش حين أمكنه الله منهم ~~يوم الفتح ، وهم لا يشكون في استئصال شأفتهم وإبادة خضرائهم ؛ لما تقدم من ~~أذاهم له ، فما زاد على أن عفا وصفح ، وقال : " ما تقولون إني فاعل بكم " : ~~خيرا ؛ أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال : " أقول كما قال أخي يوسف " لا تثريب ~~عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " . ومما لم نذكره فما أتينا ~~عليه من سيرته ( صلى الله عليه وسلم ms3890 ) ما ورد في الحديث الصحيح من قول ~~الرجل له : اعدل إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله . فلم يزده ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في جوابه إلا أن بين له ما جهله ، ووعظ نفسه وذكرها بما قال له ~~، فقال : " ويحك فمن يعدل إن لم أعدل خبت وخسرت إن لم أعدل " ونهى ما أراد ~~قتله من أصحابه . ومنه ما روى عن أنس رضي الله عنه قال : كنت مع النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وعليه برد غليظ الحاشية ، فجبذه أعرابي بردائه جبذة ~~شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه . ثم قال : يا محمد ، أحمل لي ~~على بعيري هذين من مال الله الذي عندك ، فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من ~~مال أبيك ، فسكت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ثم قال : " المال مال الله ~~وأنا عبده " ثم قال : " ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي " ؟ قال : لا ، قال ~~" لم " ؟ قال : لأنك لا تكافيء بالسيئة السيئة ، فضحك النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر . ~~PageV18P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" ومنه خبر زيد بن سعنة حين أتى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قبل إسلامه ، وكان من أحبار اليهود ، فجاءه يتقاضاه ~~دينا عليه ، فجبذ ثوبه على منكبه وأخذ بمجامع ثيابه وأغلظ له ، ثم قال : ~~إنك يا بني عبد المطلب مطل فانتهره عمر بن الخطاب رضي الله عنه وشدد له في ~~القول ، والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) يبتسم فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر ، تأمرني بحسن ~~القضاء وتأمره بحسن التقاضي " ثم قال : " لقد بقي من أجله ثلاث " وأمر عمر ~~بقضيه ماله ويزيده عشرين صاعا لما روعه ، فكان سبب إسلامه ؛ وذلك أنه كان ~~يقول : ما بقي من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في محمد إلا اثنتين ؟ ~~لم أخبرهما ؛ يسبق حلمه جهله ، ولا يزيده شدة الجهل إلا حلما ؛ فاختبرته ~~بها فوجدته كما وصف . والحديث عن حلمه وصبره ms3891 وعفوه كثير ؛ روى عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت : ما رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منتصرا من ~~مظلمة ظلمها قط ما لم تكن حرمة من محارم الله ، وما ضرب بيده شيئا قط إلا ~~أن يجاهد في سبيل الله ، وما ضرب خادما ولا امرأة ، وجيء إليه برجل فقيل : ~~هذا أراد أن يقتلك ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لن تراع ~~لن تراع ولو أردت ذلك لم تسلط علي " ( صلى الله عليه وسلم ) . وأما جوده ~~وكرمه وسخاؤه وسماحته ( صلى الله عليه وسلم ) ومعانيها متقاربة ، وقد فرق ~~بعضهم بينها بفروق فجعلوا الكرم : الإنفاق بطيب النفس فيما يعظم خطره ونفعه ~~- وسموه أيضا حرية - وهو ضد النذالة . والسماحة : التجافي عما يستحقه المرء ~~عند غيره بطيب نفسه ، وهو ضد الشكاسة والسخاء : سهولة الإنفاق وتجنب اكتساب ~~ما لا يحمد ، وهو الجود ، وهو ضد التقتير ؛ فكان رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من ذلك بالمحل الأرفع بهذا جاءت الأحاديث الصحيحة ، منها ما رويناه ~~في صحيح البخاري عن ابن المنكدر قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : ما سئل ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) شيئا فقال لا . وعن عبد الله بن عباس رضي ~~الله عنهما : كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أجود الناس بالخير ، وأجود ~~ما كان في شهر رمضان ، وكان إذا لقيه جبريل عليهما السلام أجود بالخير من ~~الريح المرسلة . وعن أنس أن رجلا سأل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فأعطاه غنما بين جبلين ، فرجع إلى بلده وقال : أسلموا فإن محمد يعطي عطاء ~~من لا يخشى فاقة . وقد ذكرنا ما أعطاه ( صلى الله عليه وسلم ) من غنائم ~~هوازن . وأخباره ( صلى الله عليه وسلم ) في ذلك كثيرة ، وعطاياه فاشية ، لو ~~استقصيناها لطال بها التأليف ، وكان لا يبيت في بيته دينار ولا ~~PageV18P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" درهم . فإن فضل ولم يجد من يعطيه وفجئه الليل ~~لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه ، لا يأخذ مما أتاه الله ~~إلا قوت أهله عاما فقط ms3892 ، من أيسر ما يجد من التمر والشعير ، ويضع سائر ذلك ~~في سبيل الله ، ثم يؤثر من قوت أهله حتى يحتاج قبل انقضاء العام ؛ ( صلى ~~الله عليه وسلم ) تسليما كثيرا إلى يوم الدين . وأما شجاعته ونجدته ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فقد قالوا : الشجاعة فضيلة قوة الغضب ، وانقيادها للعقل ، ~~والنجدة : ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها دون خوف ؛ ~~فكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) منهما بالمكان الذي لا يجهل ، قد شهد ~~المواقف الصعبة ، وفر الكماة والأبطال عنه ، وهو ثابت لا يبرح ، ومقبل لا ~~يدبر ، وقد قدمنا من أخباره وثباته وحملاته في يومي أحد وحنين ما تقف عليه ~~هناك . وقد روينا بإسناد متصل عن البراء ، وقد سأله رجل : أفررتم يوم حنين ~~عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ قال : لكن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لم يفر ، ثم قال : لقد رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ ~~بلجامها ، والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " أنا النبي لا أكذب " ~~وزاد غيره " أنا ابن عبد المطلب " قيل : فمارئ يومئذ أحد كان أشد منه . ~~وقال غيره : نزل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن بغلته . وذكر مسلم عن ~~العباس قال : فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) يركض بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفها ~~إرادة ألا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه ، ثم نادى ياللمسلمين . الحديث . ~~وقال ابن عمر : ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إنا كما إذا ~~حمي البأس - ويروى اشتد البأس - واحمرت الحدق ، اتقينا برسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ، ولقد رأيتني يوم بدر ، ~~ونحن نلوذ بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهو أقربنا إلى العدو ، وكان من ~~أشد الناس يومئذ بأسا . وقيل : كان الشجاع الذي يقرب منه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إذا دنا العدو لقربه منه . وعن أنس قال ms3893 : كان النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس ؛ لقد فزع أهل المدينة ليلة ~~فتانطلق ناس قبل الصوت ، فتلقاهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) راجعا ~~قد سبقهم إلى الصوت واستبراء الخبر ، على فرس لأبي طلحة عرى ، والسيف في ~~عنقه ، وهو يقول : " لن تراعوا " . وقال عمران ابن حصين : ما لقي رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) كتيبة إلا كان أول من يضرب . PageV18P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" وأما حياؤه وإغضاؤه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~والحياء : رقة تعتري وجه الإنسان عند فعل ما يتوقع كراهته أو ما يكون تركه ~~خيرا من فعله . والإغضاء : التغافل عما يكره الإنسان بطبيعته ، وكان النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) أشد الناس حياء ، وأكثرهم عن العورات إغضاء ، وقد ~~أخبر الله تعالى بحيائه فقال : " إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم " وعن ~~أبي سعيد الخدري : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أشد حياء من ~~العذراء في خدرها ، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه . وكان ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لا يشافه أحدا بما يكره حياء وكرم نفس . وعن عائشة رضي الله ~~عنها قالت : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا بلغه عن احد ما ~~يكرهه لم يقل ما بال فلان يقول كذا ، ولكن يقول : " ما بال أقوام يصنعون - ~~أو يقولون - كذا " ينهى عنه ولا يسمي فاعله . وروى أنس رضي الله عنه أنه ~~يدخل عليه رجل به أثر صفرة ، فلم يقل له شيئا - وكان لا يواجه أحدا بما ~~يكره - فلما خرج قال : " لو قلتم له يغسل هذا " ويروى " ينزعها " . وروي ~~عنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه كان من حيائه لا يثبت بصره في وجه أحد ، ~~وأنه كان يكنى عما اضطره الكلام إليه مما يكره ، ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~وأما حسن عشرته وأدبه وبسط خلقه ( صلى الله عليه وسلم ) فكان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أكرم الناس عشرة ، وأكثرهم أدبا ، وأبسطهم خلقا مع ~~أصناف الخلق ، انتشرت بذالك الأخبار الصحيحة ، منها ما رويناه بسند متصل عن ~~قيس ms3894 بن سعد قال : زارنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وذكر قصة في ~~آخرها ، فلما أراد الانصراف قرب له سعد حمارا ووطأ عليه بقطيفة ، فركب رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم قال سعد : يا قيس ، اصحب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، قال قيس : فقال لي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " ~~اركب " فأبيت ، فقال : " إما أن تركب وأما أن تنصرف " فانصرفت ، وفي رواية ~~أخرى : " اركب أمامي فصاحب الدابة أولى بمقدمها " . وكان ( صلى الله عليه ~~وسلم ) لا يدع أحدا يمشي معه وهو راكب حتى يحمله ، فإن أبى قال : " تقدمني ~~إلى المكان الذي تريد " وركب ( صلى الله عليه وسلم ) حمارا عريا إلى قباء ، ~~وأبو هريرة معه ، فقال : " يا أبا هريرة أحملك " ؟ فقال : ما شئت يا رسول ~~الله ، فقال : " اركب " وكان في أبي هريرة ثقل ، فوثب ليركب فلم يقدر ، ~~فاستمسك برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فوقعا جميعا ، ثم ركب ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فقال : " يا أبا هريرة أحملك " ؟ فقال : ما شئت يا رسول ~~الله ، فقال : " اركب " فلم يقدر على ذلك ، فتعلق برسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فوقعا جميعا ، ثم قال : " يا أبا هريرة أحملك " ؟ فقال : لا ، ~~والذي بعثك بالحق لاصرعتك PageV18P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" ثالثا . وكان لا يدع أحدا يمشي خلفه ويقول " ~~خلوا ظهري للملائكة " . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يؤلف أصحابه ~~ولا ينفرهم ، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ، ويحذر الناس ويحترس منهم ، ~~من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره ولا خلقه ، يتفقد أصحابه ، ويعطي كل ~~جلسائه نصيبه ، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه ، من جالسه أو قاربه ~~لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها ، أو ~~بميسور من القول ، قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في ~~الحق سواء ، هكذا وصفه ابن أبي هالة ، قال : وكان دائم البشر سهل الخلق لين ~~الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا سخاب ولا فحاش ، ولا عياب ولا مداح ms3895 ، ~~يتغافل عما لا يشتهى ولا يؤنس منه . وكان ( صلى الله عليه وسلم ) يجيب من ~~دعاه ، ويقبل الهدية ، ولو كانت كراعا ، ويكافيء عليها ، قال أنس : خدمت ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عشر سنين فما قال لي أف قط ، وما قال ~~لشيء صنعته لم صنعته ، ولا لشيء تركته لم تركته ، ومن رواية أخرى عنه قال : ~~خدمته نحوا من عشر سنين فوالله ما صحبته في سفر ولا حضر لأخدمه إلا وكانت ~~خدمته لي أكثر من خدمتي له ، وما قال لي أف قط ، ولا قال لشيء فعلته لم ~~فعلت كذا ، ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا ؟ . وكان ( صلى الله عليه وسلم ~~) في بعض أسفاره فأمر بإصلاح شاة فقال رجل : يا رسول الله ، علي ذبحها ، ~~وقال آخر : علي سلخها ، وقال آخر : علي طبخها ، فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " وعلي جمع الحطب " قالوا : يا رسول الله ، نحن نكفيك ، فقال ~~: " علمت أنكم تكفوني ولكني أكره أن أتميز عليكم فإن الله يكره من عبده أن ~~يراه مميزا بين أصحابه " وقام فجمع الحطب . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ~~ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما دعاه أحد من ~~أصحابه ولا أهل بيته إلا قال : " لبيك " وكان يمازح أصحابه ويخالطهم ~~ويحادثهم ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره ، ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة ~~والمسكين ، ويعود المرضي في أقصى المدينة ويقبل عذر المعتذر ، قال أنس : ما ~~التقم أحد أذن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فينحي رأسه حتى يكون الرجل ~~هو الذي ينحي رأسه ، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخذ ، ولم ير ~~مقدما ركبتيه بين يدي جليس له ، وكان يبدأ من لقيه بالسلام ، ويبدأ أصحابه ~~بالمصافحة ، لم ير قط مادا رجليه بين أصحابه حتى يضيق بهما على أحد ، يكرم ~~من يدخل عليه ، وربما بسط له ثوبه ، ويؤثره بالوسادة التي تحته ، ويعزم ~~عليه في الجلوس عليها إن أبى ، ويكني أصحابه ، PageV18P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم ، ولا يقطع ms3896 ~~على أحد حديثه حتى يتجوز فيقطعه بنهي أو قيام ، ويروى : بانتهاء أو قيام ، ~~ويروى : أنه كان لا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته وسأله عن حاجته ، ~~فإذا فرغ عاد ، إلى صلاته ، وكان أكثر الناس تبسما ، وأطيبهم نفسا ، ما لم ~~ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب . وأما شفقته ورأفته ورحمته ( صلى الله عليه ~~وسلم ) لجميع الخلق فقد أخبر الله تعالى بذلك ووصفه بهذه الأوصاف ؛ فقال ~~تعالى : " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رءوف رحيم " وقال تعالى : " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " ~~فكان من شفقته على أمته ( صلى الله عليه وسلم ) تخفيفه وتسهيله عليهم ، ~~وكراهته أشياء مخافة أن تفرض عليهم ؛ كقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء " وخبر صلاة الليل ، ~~ونهيهم عن الوصال ، وكراهيته دخول الكعبة لئلا يعنت أمته ، ورغبته لربه أن ~~يجعل سبه ولعنه لهم رحمة ، وأنه كان يسمع بكاء الصبي فيتجوز في صلاته . ومن ~~شفقته ( صلى الله عليه وسلم ) أن دعا ربه وعاهده فقال : " أيما رجل سببته ~~أو لعنته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة وصلاة وطهورا وقربة تقربه بها إليك يوم ~~القيامة " . ومن ذلك أنه لما كذبه قومه أتاه جبريل عليه السلام فقال له : ~~إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك ، وقد أمر ملك الجبال ~~لتأمره بما شئت فيهم ، فناداه ملك الجبال وسلم عليه ، فقال : مرني بما شئت ~~، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ، قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا " . ~~وروى ابن المنكدر : أن جبريل عليه السلام قال للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: إن الله أمر السماء والأرض والجبال أن تطيعك ، فقال : " أؤخر عن أمتي لعل ~~الله يتوب عليهم " . ومن ذلك ما روى أنه ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " لا ~~يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا ms3897 سليم ~~الصدر " . وقال ابن مسعود : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يتخولنا ~~بالموعظة مخافة السآمة علينا ، ( صلى الله عليه وسلم ) تسليما كثيرا . ~~PageV18P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" وأما وفاؤه وحسن عهده وصلته للرحم ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فكان ( صلى الله عليه وسلم ) قد بلغ من ذلك الغاية التي لا ~~يدرك شأوها ، ولا يبلغ مداها ، ولا يطمع طامع سواه بالاتصاف بها ، جاءت ~~بذلك الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة ، من ذلك ما رويناه بإسناد متصل عن ~~عبد الله بن أبي الحمساء قال : بايعت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ببيع ~~قبل أن يبعث ، وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ، ثم ذكرت ~~بعد ثلاث ، فجئت فإذا هو في مكانه ، فقال : " يا فتى لقد شققت علي أنا ~~هاهنا منذ ثلاث أنتظرك " . وعن أنس رضي الله عنه قال : كان النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إذا أتي بهدية قال : " اذهبوا بها إلى بيت فلانة فإنها ~~كانت صديقة لخديجة ، إنها كانت تحب خديجة " . وعن عائشة أم المؤمنين رضي ~~الله عنها قالت : ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة ؛ لما كنت أسمعه ~~يذكرها ، وإن كان ليذبح الشاة فيهديها إلى خلائلها ، واستأذنت عليه أختها ~~فارتاح إليها ، ودخلت عليه امرأة فهش لها ، وأحسن السؤال عنها ، فلما خرجت ~~قال : " إنها كانت تأتينا أيام خديجة ، وإن حسن العهد من الإيمان " . وقال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء غير ~~أن لهم رحما سأبلها ببلالها " . وعن أبي قتادة قال : وفد وفد للنجاشي ، ~~فقام النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يخدمهم ، فقال له أصحابه : نكفيك ، فقال ~~: " إنهم لأصحابنا مكرمين وإني أحب أن أكافئهم " . ولما جيء بالشيماء أخته ~~من الرضاعة في سبايا هوزان وتعرفت له ، بسط لها رداءه ، وقال لها : " إن ~~أحببت أقمت عندي مكرمة محبة أو متعتك ورجعت إلى قومك " فاختارت قومها ~~فمتعها . وقال أبو الطفيل : رأيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأنا غلام ، ~~إذ أقبلت امرأة حتى دنت منه ، فبسط لها رداءه فجلست عليه ، فقلت من ms3898 هذه ؟ ~~قالوا : أمه التي أرضعته . وعن عمرو بن السائب أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) كان جالسا يوما فأقبل أبوه من الرضاعة ، فوضع له بعض ثوبه فقعد ~~عليه ، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه ، ثم أقبل ~~أخوه من الرضاعة فقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأجلسه بين يديه . ~~وكان يبعث إلى ثوبيه مولاة أبي لهب مرضعته بصلة وكسوة ، فلما ماتت سأل من ~~بقي من قرابتها فقيل : لا أحد . وفي حديث خديجة رضي الله عنها أنها قالت له ~~( صلى الله عليه وسلم ) في ابتداء النبوة : أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا ~~، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على ~~نوائب الحق . PageV18P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" وأما تواضعه ( صلى الله عليه وسلم ) مع علو ~~منصبه ورفعة مرتبته فكان ( صلى الله عليه وسلم ) أشد الناس تواضعا ، وأقلهم ~~كبرا ، وقد جاء أنه خير بين أن يكون نبيا ملكا ، أو نبيا عبدا ، فاختار أن ~~يكون نبيا عبدا ، فقال له إسرافيل عند ذلك : فإن الله قد أعطاك بما تواضعت ~~له أنك سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من تنشق الأرض عنه ، وأول شافع . ~~ومما رويناه بسند متصل عن أبي أمامة قال : خرج علينا رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) متوكئا على عصا ، فقمنا له فقال : " لا تقوموا كما تقوم ~~الأعاجم يعظم بعضها بعضا " . وقال : " إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد ~~وأجلس كما يجلس العبد " وكان يركب الحمار ، ويردف خلفه ، ويعود المساكين ، ~~ويجالس الفقراء ، ويجيب دعوة العبد ، ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم ، حيث ما ~~انتهى به المجلس جلس ، وعن أنس : أن امرأة كان في عقلها شيء جاءته فقالت : ~~إن لي إليك حاجة ، قال : " اجلسي يا أم فلان في أي طرق المدينة شئت أجلس ~~إليك حتى أقضي حاجتك " قال : فجلست فجلس النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إليها حتى فرغت من حاجتها . قال أنس : حج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~على رحل رث وعليه قطيفة ما تساوي ms3899 أربعة دراهم ، فقال : " اللهم اجعله حجا ~~لا رياء فيه ولا سمعة " . هذا وقد أهدى في حجة ذلك مائة بدنة ، ولما فتحت ~~عليه مكة دخلها وقد طأطأ رأسه على رحله حتى كاد يمس قادمته تواضعا لله ~~تعالى . ومن تواضعه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه لما دخل مكة جاءه أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه بأبيه ليسلم فقال : " لم عنيت الشيخ يا أبا بكر ألا ~~تركته حتى أكون أنا آتيه في منزله " وقد تقدم ذكر ذلك في الفتح . وعن عائشة ~~والحسن وأبي سعيد وغيرهم رضي الله عنهم ، في صفته ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وبعضهم يزيد على بعض ، أنه كان ( صلى الله عليه وسلم ) في بيته في مهنة ~~أهله ، يفلي ثوبه ، ويحلب شاته ، ويرقع ثوبه ، ويخصف نعله ، ويخدم نفسه ، ~~ويقم البيت ، ويعقل البعير ، ويعلف ناضحه ، ويأكل مع الخادم ، ويعجن معها ~~ويحمل بضاعته من السوق . وعن أنس : أن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ ~~بيد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فتنطلق به حيث شاءت حتى يقضي حاجتها ~~. ودخل عليه رجل فأصابته من هيبته رعدة فقال له : " هون عليك فإني لست بملك ~~إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد " . وعن PageV18P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" أبي هريرة قال : دخلت السوق مع النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فاشترى سراويل ، وقال للوزان : " زن وأرجح " وذكر القصة ، ~~قال : فوثب إلى يد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقبلها فجذب يده ، وقال : ~~" هذا يفعله الأعاجم بملوكها ولست بملك إنما أنا رجل منكم " ثم أخذ ~~السراويل فذهبت لأحمله فقال : " صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله " . وقد ذكر ~~الأمين العاصمي بعض ذلك في قصيدة له فقال : يا جاعلا سنن النبي . . . شعاره ~~ودثاره متمسكا بحديثه . . . متتبعا أخباره سنن الشريعة خذ بها . . . متوسما ~~آثاره وكذا الطريقة فاقتبس . . . في سبلها أنواره قد كان يقري ضيفه . . . ~~كرما ويحفظ جاره ويجالس المسكين يؤ . . . ثر قربه وجواره الفقر كان رداءه . ~~. . والجوع كان شعاره يلقي بغرة ضاحك . . . مستبشرا زواره بسط الرداء كرامة ~~. . . لكريم قوم زاره ما كان مختالا ولا ms3900 . . . مرحا يجر إزاره قد كان يركب ~~بالردي . . . ف من الخضوع حماره من مهنة هو أو صلا . . . ة ليله ونهاره ~~فتراه يحلب شاة من . . . زله ويوقد ناره ما زال كهف مهاجري . . . ه ومكرما ~~أنصاره برا بمحسنهم مقي . . . لا للمسيء عثاره يهب الذي تحوي يدا . . . ه ~~لطالب إيثاره زكى عن الدنيا الدن . . . ية ربه مقداره جعل الإله صلاته . . ~~. أبدا عليه نثاره فاختر من الأخلاق ما . . . كان الرسول اختاره لتعد سنيا ~~وتو . . . شك أن تبوأ داره PageV18P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" وأما عدله وأمانته وعفته وصدق لهجته ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فكان ( صلى الله عليه وسلم ) أعدل الناس ، وآمن الناس ، ~~وأعف الناس ، وأصدق الناس لهجة منذ كان ، وكان يسمى قبل نبوته الأمين ، وقد ~~قال ( صلى الله عليه وسلم ) : " والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض " ~~وقد صدقه عداه في مواطن كثيرة تقدم ذكرها وقد قدمنا قوله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) للرجل : " ويحك إن لم أعدل فمن يعدل خبت وخسرت إن لم أعدل " . وقال ~~ابن خالويه : جزأ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نهاره ثلاثة أجزاء : ~~جزءا لله ، وجزءا لأهله ، وجزءا لنفسه ، ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس ، ~~فكان يستعين بالخاصة على العامة ، ويقول : " أبلغوا حاجة من لا يستطيع ~~إبلاغي فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع أمنه الله يوم الفزع الأكبر " . وعن ~~الحسن قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " لا يأخذ أحدا بقرف أحد ~~ولا يصدق أحدا على أحد " ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولم تمس يده امرأة قط لا ~~يملك رقها أو نكاحها أو تكون ذات محرم " . وأما وقاره وصمته وتؤدته ومروءته ~~وحسن هديه ( صلى الله عليه وسلم ) فقد روينا بإسناد متصل عن خارجة بن زيد ~~قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أوقر الناس في مجلسه لا يكاد ~~يخرج شيئا من أطرافه . وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كان رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا جلس في المجلس احتبى بيديه ، وكذلك كان ~~أكثر جلوسه محتبيا . وعن جابر ms3901 بن سمرة : أنه تربع ، وربما جلس القرفصاء ، ~~وكان كثير السكوت ، لا يتكلم في غير حاجة ، يعرض عمن تكلم بغير جميل ، كان ~~ضحكه تبسما وكلامه فصلا لا فضول ولا تقصير ، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم ~~توقيرا له واقتداء به ، مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة ، لا ترفع فيه ~~الأصوات ، ولا تؤبن فيه الحرم ، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم ~~الطير . وفي صفته : يخطو تكفؤا ويمشي هونا كأنما ينحط من صبب . وفي الحديث ~~الآخر : " إذا مشى مشى مجتمعا ، يعرف في مشيته أنه غير غرض ولا وكل ؛ أي ~~غير ضجر ولا PageV18P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" كسلان . وقال عبد الله بن مسعود : إن أحسن ~~الهدي هدي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . وعن جابر بن عبد الله : كان في ~~كلام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ترتيل أو ترسيل ، قال ابن أبي هالة ~~: كان سكوته على أربع : على الحلم ، والحذر ، والتقدير ، والتفكر . وقالت ~~عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يحدث حديثا لو ~~عده العاد لأحصاه . وكان ( صلى الله عليه وسلم ) يحب الطيب والرائحة الحسنة ~~ويحض عليها ويقول : " حبب إلي من دنياكم النساء ، والطيب وجعلت قرة عيني في ~~الصلاة " . ومن مروءته ( صلى الله عليه وسلم ) نهيه عن النفخ في الطعام ~~والشراب ، والأمر بالأكل مما يلي ، والأمر بالسواك ، وإنقاء البراجم ~~والرواجب ، واستعمال خصال الفطرة . ( صلى الله عليه وسلم ) تسليما كثيرا ~~أبدى دائما إلى يوم الدين ، آمين . وأما زهده في الدنيا ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فحسبك من ذلك أنه ( صلى الله عليه وسلم ) توفي ودرعه مرهونة عند ~~يهودي في نفقة عياله ، بعد أن فتح الله عليه من الفتوحات ما ذكرناه ، وآتاه ~~من الأخماس والصفايا ما قدمناه ، فآثر بذلك كله ، وكان يقول : " اللهم اجعل ~~رزق آل محمد قوتا " وسنذكر إن شاء الله تعالى في أحواله ما ناله من شدة ~~العيش والجوع ما تقف عليه هناك . قالت عائشة رضي الله عنها : لقد مات رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وما في بيتي شيء يأكله ذو ms3902 كبد إلا شطر شعير في ~~رف لي ، وقال لي : " إني عرض علي أن تجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت لا يا رب ~~أجوع يوما وأشبع يوما ، فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك ، ~~وأما اليوم الذي أشبع فأحمدك وأثني عليك " . وفي حديث آخر : " إن جبريل ~~عليه السلام نزل عليه فقال له : إن الله يقرئك السلام ويقول لك : أتحب أن ~~أجعل هذه الجبال ذهبا ، وتكون معك حيثما كنت ؟ " فأطرق ساعة ثم قال : " يا ~~جبريل ، إن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له قد يجمعها من لاعقل ~~له " فقال له جبريل : ثبتك الله يا محمد بالقول الثابت . ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . PageV18P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" وأما خوفه ربه ، وطاعته له ، وشدة عبادته ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فكان ذلك على قدر علمه بربه تبارك وتعالى ؛ ولذلك قال ~~فيما رويناه بسند متصل عن سعيد بن المسيب : إن أبا هريرة كان يقول قال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم ~~كثيرا " . ومن رواية عن أبي عيسى الترمذي عن أبي ذر : " إني أرى ما لا ترون ~~وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا ~~وفيها ملك ساجد لله واضع جبهته ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ~~ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون ~~إلى الله ، لوددت أني شجرة تعضد " . روي هذا الكلام : " وددت أني شجرة تعضد ~~" من قول أبي ذر نفسه وهو أصح . وفي حديث آخر ( صلى الله عليه وسلم ) حتى ~~انتفخت قدماه . وفي رواية : كان يصلي حتى ترم قدماه ، فقيل له أتكلف هذا ~~وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ ، قال : " أفلا أكون عبدا شكورا " . ~~وقالت عائشة رضي الله عنها : كان عمل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ديمة ، وأيكم يطيق ما كان يطيق . وقالت : كان يصوم حتى نقول لا يفطر ، ~~ويفطر حتى نقول لا يصوم . وكان ( صلى الله عليه ms3903 وسلم ) يصوم الاثنين ~~والخميس ، وثلاثة أيام من كل شهر ، ويوم عاشوراء ، وقل ما كان يفطر يوم ~~الجمعة ، وأكثر صيامه في شعبان . وقال عوف بن مالك : كنت مع رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ليلة فاستاك ثم توضأ ثم قام فصلى فقمت معه ، فبدأ ~~فاستفتح البقرة ، فلا يمر بآية رحمة غلا وقف فسأل ، ولا يمر بآية عذاب إلا ~~وقف فتعوذ ، ثم ركع فمكث بقدر قيامه يقول : " سبحان ذي الجبروت والملكوت ~~والعظمة " ثم سجد ، وقال مثل ذلك ، ثم قرأ آل عمران ثم سورة سورة يفعل مثل ~~ذلك ، وعن حذيفة مثله ، وقال : سجد نحوا من قيامه ، وجلس بين السجدتين نحوا ~~منه ، وقال : حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة . وعن عائشة رضي ~~الله عنها قالت : قام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بآية من القرآن ~~ليلة . وعن عبد الله بن الشخير قال : أتيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ولجوفه أزيز كأزيز المرجل . وقال ابن أبي هالة : كان رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) متواصل الأحزان ، دائم الفكرة ، ليست له راحة . وقال ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ، وروى سبعين ~~مرة . وعن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال : سألت رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) عن PageV18P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" سنته فقال : " المعرفة رأس مالي ، والعقل أصل ~~ديني ، والحب أساسي ، والشوق مركبي ، وذكر الله أنيسي ، والثقة كنزي ، ~~والحزن رفيقي ، والعلم سلاحي ، والصبر زادي ، والرضا غنيمتي ، والعجز فخري ~~، والزهد حرفتي ، واليقين قوتي ، والصدق شفيعي ، والطاعة حسبي ، والجهاد ~~خلقي ، وقرة عيني في الصلاة " . وفي حديث آخر : " وثمرة فؤادي في ذكره ، ~~وغمي لأجل أمتي ، وشوقي إلى ربي " . ولنصل هذه الفصول التي شرحناها في ~~صفاته المعنوية ( صلى الله عليه وسلم ) بما ورد من طيب ريحه ، وعرقه ، وما ~~يجري هذا المجرى . ذكر نبذة مما ورد في نظافة جسمه ، وطيب ريحه ، وعرقه ~~ونزاهته عن الأقذار وعورات الجسد ( صلى الله عليه وسلم ) كان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قد خصه الله عز وجل ms3904 من ذلك بخصائص لم توجد في غيره ، ~~ومنحه منحا لم تكن في سواه ؛ من ذلك ما رويناه عن مسلم ابن الحجاج بإسناده ~~، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ما شممت عنبرا قط ولا مسكا ولا شيئا ~~أطيب من ريح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وعن جابر ابن سمرة أنه ( ~~صلى الله عليه وسلم ) مسح خده ، قال : فوجدت ليده بردا وريحا كأنما أخرجها ~~من جونة عطار . قال غيره : مسها بطيب أو لم يمسها ، يصافح المصافح فيظل ~~يومه يجد ريحها ، ويضع يده على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان بريحها . ~~وروى أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نام في دار أنس فعرق ، فجاءت أم ~~أنس بقارورة تجمع فيها عرقه . فسألها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن ~~ذلك فقالت : نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب . وذكر البخاري في تاريخه ~~الكبير عن جابر : لم يكن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يمر في طريق فيتبعه ~~أحد إلا عرف أنه سلكه من طيبه . وذكر إسحاق بن راهويه : أن تلك كانت رائحته ~~بلا طيب ( صلى الله عليه وسلم ) . وروى المزني عن جابر قال : أردفني النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) فالتقمت خاتم النبوة بفمي وكان ينم علي مسكا . ونقل ~~القاضي عياض بن موسى قال : حكى بعض المعتنين بأخباره وشمائله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أنه كان إذا أراد أن يتغوط انشقت الأرض فابتلعت غائطة وبوله ، ~~وفاحت لذلك رائحة طيبة . وأسند محمد بن سعد في هذا خبرا عن عائشة رضي الله ~~عنها ، أنها قالت للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : إنك تأتي الخلاء ولا يرى ~~منك شيء من الأذى . فقال : " يا عائشة أو ما علمت أن الأرض تبتلع ما يخرج ~~من الأنبياء فلا يرى منه شيء " قال القاضي عياض : وهذا الخبر وإن لم يكن ~~PageV18P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" مشهورا فقد قال قوم من أهل العلم بطهارة ~~الحدثين منه ( صلى الله عليه وسلم ) . ومن ذلك حديث علي بن أبي طالب في ~~الوفاة وسنذكره إن شاء الله تعالى ms3905 . وقد جاء عن أمه آمنة أنها قالت : ~~ولدتاه نظيفا ما به قذر . ( صلى الله عليه وسلم ) . ولختم هذه الفصول بحديث ~~هند بن أبي هالة لجمعه بين صفاته ( صلى الله عليه وسلم ) الذاتية والمعنوية ~~. والله أعلم . ذكر حديث هند بن أبي هالة وما تضمن من أوصاف رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) الذاتية والمعنوية حدثنا الشيخان المحدثان شرف الدين ~~أبو يوسف يعقوب بن أحمد بن يعقوب الحلبي ، وزين الدين أبو محمد عبد الحق بن ~~قينان بن عبد المجيد القرشي - رحمهما الله - قراءة عليهما وأنا أسمع في شهر ~~رجب عام ثمانية وسبعمائة ، قالا : حدثنا الشيخ أبو الحسن محمد بن أبي علي ~~الحسين بن عتيق بن رشيق الربعي المالكي سماعا في شوال سنة ثمان وستين ~~وستمائة بمصر ، وبقراءة الشيخ زين الدين الثاني على الشيخ نظام الدين ~~الحسين بن محمد بن الحسن بن الخليلي ، وبإجازتهما من الحافظ أبي الحسين ~~يحيى ابن علي بن عبد الله القرشي ، وتاج الدين علي بن أحمد بن القسطلاني ، ~~قالوا أخبرنا أبو الحسين محمد بن أبي جعفر أحمد بن جبير الكناني ، قال ~~أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن عيسى التميمي إجازة ، قال ~~أخبرنا القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي رحمه الله تعالى ، ~~قال ابن القسطلاني : وأخبرنا أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء إجازة ، ~~قال أخبرنا أبو الفضل عياض إجازة ، قال القاضي أبو الفضل حدثنا القاضي أبو ~~علي الحسين بن محمد الحافظ رحمه الله بقراءتي عليه سنة ثمان وخمسمائة ، قال ~~حدثا الإمام أبو القاسم عبد الله ابن طاهر التميمي ، قال قرأت عليه : ~~أخبركم الفقيه الأديب أبو بكر محمد بن الحسن النيسابوري ، والشيخ الفقيه ~~أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن المحمدي ، والقاضي أبو علي الحسن بن ~~علي بن جعفر الوخشي ، قالوا : حدثنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن ~~الحسن الخزاعي ، قال أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي ، قال أخبرنا ~~أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الحافظ ms3906 ؛ قال حدثنا سفيان بن وكيع ، قال ~~جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي ، إملاء من كتابه ، قال حدثني رجل من بني ~~تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها ، يكنى أبا عبد ~~الله عن ابن لأبي هالة عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال ~~سألت خالي هند بن أبي هالة . قال القاضي أبو علي PageV18P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" رحمه الله : وقرأت على الشيخ أبي طاهر أحمد ~~بن الحسن بن أحمد بن خذاداذ الكرخي الباقلاني ، قال وأجاز لنا الشيخ الأجل ~~أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون ، قالا أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن ~~إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان بن حرب بن مهران الفارسي ، قراءة عليه ، ~~فأقر به ، قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى ابن الحسن بن جعفر بن ~~عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين : أن علي بن أبي طالب المعروف بابن ~~أخي طاهر العلوي ، قال حدثنا إسماعيل بن محمد ابن إسحاق بن جعفر بن محمد بن ~~علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، قال : حدثني علي بن جعفر بن محمد بن ~~علي بن الحسين ، عن أخيه موسى بن جعفر ابن محمد ، عن جعفر بن محمد ، عن ~~أبيه محمد بن علي ، عن علي بن الحسين قال قال الحسن بن علي - واللفظ لهذا ~~السند - : سألت خالي هند بن أبي هالة عن حلية رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وكان وصافا ، وأنا أرجو أن يصف لي منها شيئا أتعلق به ، قال : كان ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة ~~البدر ، أطول من المربوع ، وأقصر من المشذب ، عظيم الهامة ، رجل الشعر ، إن ~~انفرقت عقيقته فرق ، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفر ، أزهر ~~اللون ، واسع الجبين ، أزج الحواجب ، سوابغ من غير قرن ، بينهما عرق يدره ~~الغضب ، أقنى العرنين ، له نور يعلوه ، ويحسبه من لم يتأمله أشم ، كث ~~اللحية ، أدعج ، سهل ms3907 الخدين ، ضليع الفم ، أشنب مفلج الأسنان ، دقيق ~~المسربة ، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة ، معتدل الخلق ، بادنا متماسكا ~~، سواء البطن والصدر ، مشيح الصدر ، بعيد ما بين المنكبين ، ضخم الكراديس ، ~~أنور المتجرد ، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط ، عاري الثديين ~~، ما سوى ذلك ، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر ، طويل الزندين ، رحب ~~الراحة ، شثن الكفين والقدمين ، سائل الأطراف ، أو قال سائن الأطراف ، سبط ~~القصب خمصان الأخمصين ، مسيح القدمين ينبو عنها الماء ، إذا زال زال تقلعا ~~، ويخطو تكفؤا ، ويمشي هونا ، ذريع المشية ، إذا مشى PageV18P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" كأنما ينحط من صبب ، وإذا التفت التفت جميعا ~~، خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء ، جل نظره الملاحظة ~~، يسوق أصحابه ، ويبدأ من لقيه بالسلام . قلت : صف لي منطقة ، قال : كان ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) متواصل الأحزان ، دائرة الفكرة ، وليست ~~له راحة ، ولا يتكلم في غير حاجة ، طويل السكوت ، يفتتح الكلام ويختتمه ~~بأشداقه ، ويتكلم بجوامع الكلم ، فصلا لا فضول فيه ولا تقصير ، دمثا ليس ~~بالجافي ولا المهين ، يعظم النعمة وإن دقت ، لا يذم شيئا لم يكن يذم ذواقا ~~ولا يمدحه ، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له ، ولا يغضب ~~لنفسه ولا يتنصر لها ، إذا أشار أشار بكفه كلها ، وإذا تعجب قلبها ، وإذا ~~تحدث اتصل بها فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى ، وإذا غضب أعرض وأشاح ، ~~وإذا فرح غض طرفه ، جل ضحكه التبسم ، ويفتر عن مثل حب الغمام . قال الحسن : ~~فكتمتها الحسين بن علي زمانا ، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه ، فسأل أباه ~~عن مدخل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومخرجه ومجلسه وشكله ، فلم يدع ~~منه شيئا ، قال الحسين : سألت أبي - عليه السلام - عن دخول رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فقال : كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك ، فكان إذا ~~آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء : جزء لله تعالى ، وجزء لأهله ، وجزء ~~لنفسه . ثم جزأ جزءه بينه وبين الناس ، فيرد ذلك على العامة بالخاصة ، ولا ms3908 ~~يدخر عنهم شيئا ، فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه ، ~~قسمته على قدر فضلهم في الدين ، منهم ذو الحاجة ، ومنهم ذو الحاجتين ، ~~ومنهم ذو الحوائج ، فيتشاغل بهم ، ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته ~~عنهم ، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم ، ويقول : " ليبلغ الشاهد منكم الغائب ، ~~وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته ، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا ~~يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة " لا يذكر عنده إلا ذلك ولا ~~يقبل من أحد غيره . قال في حديث سفيان بن وكيع : " يدخلون روادا ، ولا ~~يتفرقون إلا عن ذواق ، ويخرجون أدلة " ، يعني فقهاء ، قلت : فأخبرني عن ~~مخرجه كيف كان PageV18P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" يصنع فيه ، قال : كان رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يخزن لسانه إلا مما يعنيهم ، ويؤلفهم ولا يفرقهم ، يكرم كريم ~~كل قوم ويوليه عليهم ، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد بشره ~~وخلقه ، ويتفقد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ، ويحسن الحسن ويصوبه ، ~~ويقبح القبيح ويوهنه ، معتدل الأمر غير مختلف ، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو ~~يملوا ؛ لكل حال عنده عتاد ، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه إلى غيره ، الذين ~~يلونه من الناس خيارهم ، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة ، وأعظمهم عنده منزلة ~~أحسنهم مواساة ومؤازرة . فسألته عن مجلسه عما كان يصنع فيه ، فقال : كان ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ، ولا يوطن ~~الأماكن ، وينهى عن إيطانها ، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به ~~المجلس ويأمر بذلك ، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم ~~عليه منه ، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ، من ~~سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول ، قد وسع الناس بسطه وخلقه ~~فصار لهم أبا ، وصاروا عنده في الحق متقاربين متفاضلين فيه بالتقوى . وفي ~~الرواية الأخرى : صاروا عنده في الحق سواء ، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر ~~وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن ms3909 فيه الحرم ، ولا تنثى فلتاته - وهذه ~~الكلمة من غير الروايتين - يتعاطفون ، بالتقوى متواضعين ، يوقرون فيه ~~الكبير ويرحمون الصغير ، ويرفدون ذا الحاجة ويرحمون الغريب . فسألته عن ~~سيرته ( صلى الله عليه وسلم ) في جلسائه ، فقال : كان رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا ~~سخاب ولا فحاش ، ولا عياب ، ولا مداح ، يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس منه ، ~~قد ترك نفسه من ثلاث : الرياء ، والإكثار ، وما لا يعنيه ، وترك الناس من ~~ثلاث : كان لا يذم أحدا ولا يعيره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما ~~يرجو ثوابه ، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير ، وإذا سكت ~~تكلموا ، ولا يتنازعون عنده الحديث ، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ ، ~~حديثهم حديث أولهم ، يضحك مما يضحكون منه ، ويعجب مما يعجبون منه ، ويصبر ~~للغريب على الجفوة في المنطق ، ويقول : " إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها ~~فأرفدوه " ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى ~~يتجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام . هنا انتهى حديث سفيان بن وكيع . ~~PageV18P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" وزاد الآخر ؛ قلت : كيف كان سكوته ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ؟ قال كان سكوته على أربع ، على الحلم والحذر والتقدير والتفكر ~~، فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس ، وأما تفكره ففيما ~~يبقى ويفنى ، وجمع له الحلم ( صلى الله عليه وسلم ) في الصبر ، فكان لا ~~يغضبه شيء يستفزه . وجمع له في الحذر أربع : أخذه بالحسن ، ليقتدي به ، ~~وتركه القبيح لينتهي عنه ، واجتهاد الرأي بما أصلح أمته ، والقيام لهم بما ~~جمع لهم من أمر الدنيا والآخرة . ( صلى الله عليه وسلم ) . فهذه جملة كافية ~~من أوصافه ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلنذكر أحواله . ذكر أحوال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في دنياه ، وما ناله من شدة العيش فيها ، وما روي من ~~أحواله في تطيبه ولباسه وفراشه ، ووسادته ، وتختمه وتنعله ، وخفيه . وسواكه ~~، ومشطه ، ومكحلته ومرآته وقدحه ، وما ورد في حجامته ، وما ملكه من السلاح ~~والدواب وغير ذلك . ( صلى ms3910 الله عليه وسلم ) أما ما ناله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من شدة العيش في دنياه فقد تقدم من صفاته المعنوية زهده في الدنيا ~~وتقلله منها ، وأحلنا هناك على ما نورده في هذا الموضع . وسنورد منه ما تقف ~~عليه إن شاء الله . فمن ذلك ما روى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، ~~أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يبيت الليالي المتتابعة طاويا ، ~~وأهله لا يجدون عشاء ، وكان عامة خبزهم الشعير . وعن أنس بن مالك أن فاطمة ~~رضي الله عنها جاءت بكسرة خبز إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ~~" ما هذه الكسرة " ؟ قالت : قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى آتيتك بهذه الكسرة ~~. فقال : " أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام " . وعن أبي هريرة ~~: " أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يشد صلبه بالحجر من الغرث " . ~~وعن مسروق قال : بينما عائشة تحدثني ذات يوم إذ بكت ؛ فقلت ما يبكيك يا أم ~~المؤمنين ؟ قالت : ما ملأت بطني من طعام فشئت أن أبكي إلا بكيت ؛ أذكر رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وما كان فيه من الجهد . وعنه قال : دخلت على ~~عائشة أم المؤمنين وهي تبكي ، فقلت يا أم المؤمنين ما يبكيك ؟ قالت : ما ~~أشبع فأشاء أن أبكي إلا بكيت ؛ وذلك أن رسول الله صلىالله عليه وسلم كان ~~يأتي عليه أربعة أشهر ما يشبع من خبز بر . وعنها رضي الله عنها قالت : ما ~~شبع آل محمد غداء وعشاء من خبز الشعير ثلاثة أيام متتابعات حتى لحق ~~PageV18P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" بالله . ومن رواية عنها : ما رفع عن مائدته ~~كسرة فضلا حتى قبض . وعن أبي هريرة قال : كان يمر بآل رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) هلال ، ثم هلال ، ثم هلال ، لا يوقد في شيء من بيوته نار ، لا ~~لخبز ولا لطبيخ ، قالوا ، بأي شيء كانوا يعيشون يا أبا هريرة ؟ قال : ~~بالأسودين التمر والماء . قال : وكان له جيران من الأنصار - جزاهم الله ~~خيرا - لهم منائح يرسلون إليه ms3911 بشيء من لبن . وعن الحسن قال : خطب رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) فقال : " والله ما أمسى في آل محمد صاع من طعام ~~وإنها لتسعة أبيات " والله ما قالها استقلالا لرزق الله ، ولكن أراد أن ~~تأسى به أمته . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ما شبع رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في يوم مرتين حتى لحق بالله ، ولا رفعنا له فضل طعام عن ~~شبع حتى لحق بالله ، إلا أن نرفعه لغائب . فقيل لها : ما كانت معيلتكم ؟ ~~فالت : الأسودان الماء و التمر . قالت : وكان لنا جيران من الأنصار لهم ~~ربائب يسقونا من لبنها ؛ جزاهم الله خيرا . وعن ابن شهاب : أن أبا هريرة ~~كان يمر بالمغيرة بن الأخنس وهو يطعم الطعام ، فقال : ما هذا الطعام ؟ قال ~~خبز النقي واللحم السمين ، قال : وما النقي ؟ قال : الدقيق . فتعجب أبو ~~هريرة ثم قال : عجبا لك يا مغيرة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قبضه ~~الله عز وجل ، وما شبع من الخبز والزيت في يوم مرتين ، وأنت وأصحابك تهذرون ~~ها هنا الدنيا بينكم . وعن قتادة قال : كنا نأتي أنس بن مالك وخبازه قائم ، ~~فقال يوما : كلوا فما أعلم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رأى رغيفا ~~مرققا حتى لحق بربه ، ولا شاة سميطا قط . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ~~ما اجتمع في بطن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) طعامان في يوم قط ، إن أكل ~~لحما لم يزد عليه ، وإن أكل تمرا لم يزد عليه ، وإن أكل خبزا لم يزد عليه . ~~وعن عائشة رضي الله عنها قالت : أرسل أبو بكر رضي الله عنه قائمة شاة ليلا ~~فقطعت ، وأمسك علي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، أو قطع رسول الله ~~صلى لله عليه وسلم وأمسكت عليه ، فقيل لها : على غير مصباح ؟ قالت عائشة : ~~لو كان عندنا مصباح لأتدمنا به ، كان يأتي على آل محمد شهرا ما يختبزون ~~خبزا ولا يطبخون قدرا . وعن عمران بن زيد المديني قال : حدثني والدي ، قال ~~: دخلنا على عائشة ، فقلنا : سلام عليك ms3912 يا أماه ، قالت : وعليك ، ثم بكت ، ~~فقلنا ، ما بكاؤك يا أماه ؟ قالت : بلغني أن الرجل منكم يأكل من ألوان ~~الطعام حتى يلتمس لذلك دواء ، فذكرت نبيكم ( صلى الله عليه وسلم ) ، فذلك ~~الذي أبكاني ، خرج من الدنيا ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين ، كان إذا شبع ~~PageV18P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" من التمر لم يشبع من الخبز ، وإن شبع من ~~الخبز لم يشبع من التمر ، فذلك الذي أبكاني . وعن أسماء بنت يزيد أن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) توفى يوم توفى ، ودرعه مرهونة عند رجل من ~~اليهود بوسق من شعير . وسئل سهل بن سعد : أكانت المناخل على عهد رسول الله ~~صلىالله عليه وسلم ؟ قال : ما رأيت منخلا في ذلك الزمان ، وما أكل رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) الشعير منخولا حتى فارق الدنيا . فقيل له : ~~كيف كنتم تصنعون ؟ قال : كنا نطحنها ثم ننفخ قشرها ، فيطير ما طار ويستمسك ~~ما استمسك . وعن الأعرج ، عن أبي هريرة أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~كان يجوع ، قال قلت لأبي هريرة : وكيف ذلك الجوع ؟ قال : لكثرة من يغشاه ~~وأضيافه ، وقوم يلزمونه لذلك ، فلا يأكل طعاما أبدا إلا ومعه أصحابه وأهل ~~الحاجة يتتبعون من المسجد ، فلما فتح الله تعالى خيبر اتسع الناس بعض ~~الاتساع ، وفي الأمر بعض ضيق ، والمعاش شديد في بلاد ظلف ، ولا زرع فيها ، ~~إنما طعام أهلها التمر وعلى ذلك أقاموا . قال مخرمة بن سليمان : وكانت جفنة ~~سعد تدور على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منذ يوم نزل المدينة في ~~الهجرة إلى يوم توفي . وغير سعد بن عبادة من الأنصار يفعلون ذلك . وكان ~~أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كثيرا يواسون ، ولكن الحقوق تكثر ~~والعدام يكثرون ، والبلاد ضيقة ليس فيها معاش ، إنما تخرج ثمرتهم من ماء ~~ثمد يحمله الرجال على أكتافهم ، أو على الإبل أقل ذلك ، وربما أصاب نخلهم ~~القشام فتذهب ثمرتهم تلك السنة ، والقشام : شيء يصيب البلح مثل الجدري ~~فينتشر ؛ فهذه كانت حاله ( صلى الله عليه وسلم ) في عيشه في غالب ms3913 أوقاته ، ~~وهي سنة الأنبياء صلوات الله عليهم . وأما تطيبه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يحب الطيب ، وكان يتطيب بالغالية ~~وبالمسك ، حتى يرى وبيصه في مفارقه ، ويتبخر بالعود ويطرح معه الكافور ، ~~وكان يعرف في الليلة المظلمة بطيب ريحه ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~PageV18P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" وأما لباسه ( صلى الله عليه وسلم ) وما روي ~~من ألوانه وأصنافه وطوله وعرضه فقد روي أنه ( صلى الله عليه وسلم ) كان ~~يتجمل لأصحابه ، فضلا عن تجمله لأهله ، ويقول : " إن الله يحب من عبده إذا ~~خرج إلى إخوانه أن يتهيأ لهم ويتجمل " ولبس ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~الثياب البياض والحمرة والصفرة والخضرة والسواد . أما البياض وما جاء فيه - ~~فقد روى عن سمرة بن جندب أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " ~~عليكم بالبياض من الثياب فاليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم فإنها من ~~خير ثيابكم " وفي رواية عنه " البسوا الثياب البيض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا ~~فيها موتاكم " . وعن أبي قلابة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" إن من أحب ثيابكم إلى الله البياض ، فصلوا فيها وكفنوا فيها موتاكم " . ~~ومن الثياب الحمر - فروى عن البراء قال : ما رأيت أحدا كان أحسن في حلة ~~حمراء من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وعنه : ما رأيت من ذي لمة ~~أحسن في حلة حمراء من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وعن عون بن أبي ~~جحيفة عن أبيه قال أتيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بالأبطح ، وهو في قبة ~~حمراء ، فخرج عليه جبة له حمراء وحلة عليها حمراء . وعن جابر بن عبد الله ~~قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يلبس برده الأحمر في العيدين ~~والجمعة . وعن أبي جعفر محمد بن علي أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~كان يلبس يوم الجمعة برده الأحمر ؛ ويعتم يوم العيدين ، ( صلى الله عليه ~~وسلم ) تسليما كثيرا . وأما الثياب الصفر - فقد روي عن قيس بن سعد بن عبادة ~~قال : أتانا رسول الله ( صلى الله ms3914 عليه وسلم ) فوضعنا له غسلا فاغتسل ، ثم ~~أتيناه بملحفة ورسية فاشتمل بها ، فكأني أنظر إلى أثر الورس على عكنه . وعن ~~بكر بن عبد الله المزني قال : كانت لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ملحفة مورسة ، فإذا دار على نسائه رشها بالماء . وعن أم سلمة رضي الله عنها ~~قالت : ربما صبغ لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قميصه ورداؤه وإزاره ~~بزعفران وورس ، ثم يخرج فيها . وعن عبد الله بن مالك قال : كان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) يصبغ ثيابه بالزعفران : قميصه ورداؤه وعمامته . وعن ~~عبد الله بن جعفر عن أبيه قال : رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~عليه رداء وعمامة مصبوغين بالعبير ، والعبير عندهم الزعفران . وعن زيد بن ~~أسلم قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يصبغ ثيابه كلها ~~بالزعفران حتى العمامة . PageV18P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" وأما الثياب الخضر - فقد روي أن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) كان يعجبه الثياب الخضر . وعن أبي رمثة قال : رأيت ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعليه بردان أخضران . والله المنعم . ~~وأما السواد وما ورد فيه - فقد روي عن جابر أن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) دخل مكة ، وعليه عمامة سوداء . وعن حريث عن أبيه عن النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) خطب الناس ، وعليه عمامة سوداء . هذا ما وقفنا عليه من ~~ألوان لباسه ( صلى الله عليه وسلم ) . فأما أصناف لباسه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وطولها وعرضها ، فإنه عليه الصلاة والسلام لبس الصوف والحبرة والقطن ~~، ولبس السندس والحرير ، ثم تركه ، وورد في ذلك أخبار نذكر منها ما أمكن . ~~أما الصوف وما ورد فيه - فقد روي عن أبي بردة قال : دخلت على عائشة رضي ~~الله عنها فأخرجت إلينا إزارا غليظا مما يصنع باليمن ، وكساء من هذه ~~الملبدة ، فأقسمت أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قبض فيهما . وعنها ~~رضي الله عنها قالت ، جعل للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) بردة سوداء من صوف ~~فلبسها . وعن سهل بن سعد : قال : جاءت امرأة إلى رسول الله ms3915 ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ببردة منسوجة ، فيها حاشيتاها . قال سهل : وتدرون ما البردة ؟ قالوا ~~: الشملة ، قال : نعم ، هي الشملة ، فقالت : يا رسول الله ، نسجت هذه ~~البردة بيدي فجئت بها أكسوكها ، قال : فأخذها رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) محتاجا إليها ، فخرج علينا وإنها لإزاره ، فحسنها فلان - لرجل من ~~القوم سماه - فقال يا رسول الله ، ما أحسن هذه البردة أكسينها ، فقال : " ~~نعم " فجلس ما شاء الله في المجلس ثم رجع ، فلما دخل رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) طواها ثم أرسل بها إليه ، فقال له القوم : ما أحسنت ، كسيها ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) محتاجا إليها ثم سألته إياها ، وقد علمت ~~أنه لا يرد سائلا فقال الرجل : والله ما سألنه إياها لألبسها ، ولكن لتكون ~~كفني يوم أموت ، قال سهل : فكانت كفنه . وأما الحبرة وهي من برود اليمن ~~فيها حمرة وبياض فكانت من أحب اللباس إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~. وروي عن قتادة قال قلت لأنس بن مالك : أي اللباس كان أحب وأعجب إلى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ قال : الحبرة . وعن محمد بن هلال قال : رأيت ~~على هشام بن عبد الملك برد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من حبرة له ~~حاشيتان . PageV18P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" وأما السندس والحرير - فإن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) لبس ذلك ثم تركه . روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ~~أهدى ملك الروم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مستقة من سندس فلبسها ~~، فكأنى أنظر إلى يديها تذبذبان من طولها . فجعل القوم يقولون : يا رسول ~~الله ، أنزلت عليك من السماء ؟ فقال : " وما تعجبون منها ، فوالذي نفسي ~~بيده إن منديلا من مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها " ثم بعث بها إلى ~~جعفر بن أبي طالب فلبسها ، فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " إني لك ~~أعطكها لتلبسها " قال : فما أصنع بها ؟ قال : " ابعث بها إلى أخيك النجاشي ~~" . وعن عقبة بن عامر قال : أهدى إلى رسول الله ( صلى الله عليه ms3916 وسلم ) ~~فروج - يعني قباء حرير - فلبسه ، ثم صلى فيه ، ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا ~~كالكاره له ، ثم قال : " لا ينبغي هذا للمتقين " . وعن عائشة رضي الله عنها ~~أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في خميصة له أعلام ، فنظر إلى أعلامها ~~نظرة ، فلما سلم قال : " اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم فإنها ألهتني آنفا ~~عن صلاتي وأتوني بأنبجاني أبي جهم " . وأما القطن وما ورد في أطوال ثياب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعرضها فروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال : كنت يوما أمشي مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) برد بحراني غليظ ~~الحاشية . وعنه كان قميص رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قطنيا قصير ~~الطول قصير الكمين . وعن بديل قال : كان كم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) إلى الرسغ . وعن عروة بن الزبير رضي الله عنهما : أن طول رداء النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أربع أذرع ، وعرضه ذراعان وشبر . وعنه أن ثوب رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذي كان يخرج فيه إلى الوفد - ورداؤه حضرمي - ~~طوله أربع أذرع ، وعرضه ذراعان وشبر ، فهو عند الخلفاء قد خلق ، فطووه بثوب ~~يلبسونه يوم الأضحى والفطر . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال ، كان رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) يلبس قميصا قصير اليدين والطول . وعن عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى قال : كنت مع عمر ، في حديث رواه عنه قال فقال : رأيت ~~أبا القاسم وعليه جبة شامية ضيقة الكمين . PageV18P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" ذكر صفة إزرة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) وما كان يقوله إذا لبس ثوبا جديدا روى عن يزيد بن أبي حبيب أن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) كان يرخي الإزار من بين يديه ، ويرفعه من ورائه . ~~وعن عكرمة مولى ابن عباس ، قال : رأيت ابن عباس إذا ائتزر أرخى مقدم إزاره ~~، حتى تقع حاشيتاه على ظهر قدميه ؛ ويرفع الإزار مما وراءه ، فقلت له : لم ~~تأتزر هكذا ؟ قال : رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يأتزر ms3917 هذه ~~الإزرة . وعن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إذا استجد ثوبا سماه باسمه ؛ قميصا أو إزارا أو عمامة ، ويقول : " اللهم لك ~~الحمد كسوتنيه ، أسألك من خيره وخير ما صنع له ، وأعوذ بك من شره وشر ما ~~صنع له " . وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : كان رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) " إذا لبس ثوبا - أو قال - إذا لبس أحدكم ثوبا قليقل الحمد لله ~~الذي كساني ما أواري به عورتي ، وأتجمل به في حياتي " . وكان ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يلبس الكساء الصوف وحده فيصلي فيه ، وربما لبس الأزار الواحد ~~ليس عليه غيره ، ويعقد طرفيه بين كتفيه يصلي فيه . وكان يلبس القلانس تحت ~~العمائم ، ويلبسها دونها " ويلبس العمائم دونها ويلبس القلانس ذات الآذان ~~في الحرب ، وربما نزع قلنسوته ، وجعلها سترة بين يديه وصلى إليها ، وربما ~~مشي بلا قلنسوة ولا عمامة ولا رداء ، راجلا يعود المرضى كذلك في أقصى ~~المدينة . وكان يعتم ويسدل طرف عمامته بين كتفيه . وعن علي قال : عممني ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعمامة ، وسدل طرفها على منكبي ، وقال : ~~" إن العمامة حاجز بين المسلمين والمشركين " . ذكر فراش رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ووسادته روى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، قالت ~~دخلت امرأة من الأنصار علي فرأت فراش رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~عباءة مثنية ، فانطلقت فبعثت إلي بفراش حشوه صوف ، فدخل رسول الله صلى لله ~~عليه وسلم علي فقال : " ما هذا " ؟ قلت : يا رسول الله ؛ فلانة الأنصارية ، ~~دخلت علي فرأت فراشك فذهبت فبعثت هذا . فقال : " رديه " فلم أرده ، وأعجبني ~~أن يكون في بيتي ، حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فقال : " والله يا عائشة لو شئت ~~لأجرى الله معي حبال الذهب والفضة " وعنها : أنها كانت تفرش لرسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) عباءة باثنتين فجاء ليلة وقد ربعتها فنام عليها ، ~~فقال : " ياعائشة ما لفراشي الليلة ليس كما كان يكون " ؟ قالت قلت : يا ~~رسول الله ، ربعتها ، قال " فأعيديه كما كان " . وعنها ms3918 قالت : كان لرسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وسادة من أدم محشوة ليفا ، ودخل عمر بن الخطاب ~~PageV18P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" رضي الله عنه على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وهو على سرير مرمول بشريط ، وتحت رأسه مرفقة من أدم محشوة بليف ، ~~وقد أثر الشريط بجنبه ، فبكى عمر ، فقال : " ما يبكيك " ؟ قال : يا رسول ~~الله ذكرت كسرى وقيصر يجلسون على سرر الذهب ويلبسون السندس والإستبرق ، ~~فقال : " أما ترضون أن تكون لكم الآخرة ولهم الدنيا " . وعن عبد الله بن ~~مسعود قال : اضطجع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على حصير فأثر الحصير ~~بجلده ، فلما استيقظ جعلت أمسح عنه وأقول : يا رسول الله ، ألا آذنتنا نبسط ~~لك على هذا الحصير شيئا يقيك منه ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " مالي وللدنيا ، وما أنا والدنيا ، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت ~~شجرة ثم راح وتركها " ، وعن المغيرة ابن شعبة قال : كان لرسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فروة ، وكان يستحب أن تكون له فروة مدبوغة يصلي عليها ، ~~وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يصلي على الحصير والخمرة ، كما روي ~~في الصحيحين . ذكر ما لبسه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من الخواتم ، ~~ومن قال لم يختتم قد قدمنا أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اتخذ ~~الخاتم في سنة سبع من الهجرة عندما بعث رسله إلى الملوك ، وختم به الكتب ~~التي سيرها إليهم ، فلنذكر هنا ما لبسه من الخواتم وقد روى أنه تختم بالذهب ~~والفضة والحديد الملوى عليه الفضة ، على ما نذكر ذلك من أقوالهم . روى عن ~~عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : اتخذ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) خاتما من ذهب ، فكان يجعل فصه في بطن كفه إذا لبسه في يده اليمنى ، فصنع ~~الناس خواتيم من ذهب ، فجلس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على المنبر ~~فنزعه ، وقال : " إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصه من باطن كفي " فرمى به ~~، وقال : " والله لا ألبسه أبدا " ونبذ ms3919 النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~الخاتم ، فنبذ الناس خواتيمهم . ثم اتخذ خاتما من فضة فصه منه ، ونقش عليه ~~" محمد رسول الله " ثلاثة أسطر ، كان يختم به الكتب إلى الملوك . وقد روى ~~أن خاتمه كان من حديد ، ملوى عليه فضة ، وقيل : إنه رآه في يد عمرو بن سعيد ~~بن العاص حين قدم من الحبشة فقال : PageV18P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" " ما هذا الخاتم في يدك يا عمرو " ؟ قال : ~~هذه حلقة يا رسول الله ، قال : " فما نقشها " ؟ قال محمد رسول الله ، فأخذه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منه فتختمه ، فكان في يده حتى قبض ، ثم ~~في يد أبي بكر حتى قبض ، ثم في يد عمر حتى قبض ، ثم في يد عثمان ست سنين ، ~~وفي السابعة وقع في بئر أريس . قال أنس ابن مالك : فطلبناه من عثمان ثلاثة ~~أيام فلم نقدر عليه . ورورى عن ابن سيرين : أن نقشه كان " بسم الله ، محمد ~~رسول الله " . وقد روى محمد بن سعد في طبقاته قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن ~~الوليد الأزرقي ، قال حدثنا عطاف بن خالد ، عن عبد الأعلى عن عبد الله بن ~~أبي فروة ، عن سعيد بن المسيب ، قال : ما تختم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) حتى لقي الله ، ولا أبو بكر حتى لقي الله ، ولا عمر حتى لقي الله ، ~~ولا عثمان حتى لقي الله ، هكذا روى . والصحيح أنه تختم ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وتختموا رضوان الله عليهم أجمعين كما ذكرنا . ذكر نعل رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وخفيه روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أن النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) كان لنعله قبالان . وعن عبد الله بن الحارث قال : كان ~~نعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لها رمالان شراكهما مثنى في العقدة . ~~وعن سلمة عن هشام بن عروة قال : رأيت نعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~مخصرة معقبة ملسنة لها قبالان . وعن عبيد ابن جريج قال قلت لابن عمر : يا ~~أبا عبد الرحمن ، أراك تستحب هذه النعال السبيتية ms3920 ، قال : إني رأيت رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) يلبسهما ويتوضأ فيهما . وعن عبد الله بن بريدة ~~عن أبيه : أن صاحب الحبشة أهدى إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خفين ~~ساذجين فمسح عليهما ، وفي رواية : أن النجاشي أهدى إلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) خفين أسودين ساذجين فلبسهما ومسح عليهما . PageV18P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" ذكر سواك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~ومشطه ، ومكحلته ، ومرآته ، وقدحه ، وغير ذلك من أثاثه روى عن عائشة أم ~~المؤمنين رضي الله عنها : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان لا يرقد ~~ليلا ولا نهارا فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ . وعن قتادة عن عكرمة قال : ~~استاك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بجريد رطب وهو صائم ، فقيل لقتادة ~~: إنا أناسا يكرهونه ، فقال : استاك والله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) بجريد رطب وهو صائم . وعن ابن جريج قال : كان لرسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) مشط عاج يمتشط به . وعن ثور عن خالد بن معدان قال : كان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) يسافر بالمشط والمرآة والدهن والمكحل والسواك . وعن ~~أنس قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يكثر دهن رأسه ، ويسرح ~~لحيته بالماء . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت لرسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثا في كل عين . وعن أنس قال ~~: كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يكتحل في عينه اليمنى ثلاث مرات ، ~~واليسرى مرتين . وعن أبي رافع قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يكتحل بالإثمد وهو صائم . وعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال قال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر ، ~~وينبت الشعر ، وإنه من خير أكحالكم " . وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ~~بن مسعود قال : أهدى المقوقس إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قدح ~~زجاج ، كان يشرب فيه . وعن عطاء قال : كان لرسول الله ( صلى الله عليه ms3921 وسلم ~~) قدح زجاج ، فكان يشرب فيه . وعن حميد قال : رأيت قدح النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) عند أنس فيه فضة ، أو شد بفضة . وقد جاء أنه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وكان له ربعة فيها مرآة ومشط عاج ومكحلة ومقراض وسواك . وكان له قدح ~~مضبب بثلاث ضبات من فضة - وقيل من حديد - وفيه حلقة يعلق بها ، وهو أكبر من ~~نصف المد و أصغر من المد ، وكان له قدح آخر يدعى الريان ، وتور من حجارة ~~يدعى المخضب ، ومخضب من شبه يكون فيه الحناء والكتم توضع عند رأسه إذا وجد ~~فيه حرا ، ومغسل من صفر ، وقصعة ، وصاع يخرج به فطرته ، ومد ، وكان له سرير ~~، وقطيفة ، وكان له كساء أسود كساه في حياته ، وكان له ثوبان للجمعة ، غير ~~سائر ثيابه التي يلبسها في سائر الأيام ، وكان له منديل يمسح به وجهه من ~~الوضوء ، وربما مسح بطرف ردائه ( صلى الله عليه وسلم ) . PageV18P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" ذكر ما ورد في حجامة رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وحجامه روى عن أنس بن مالك قال : احتجم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وحجمه أبو طيبة ، وأمر له بصاعين ، وأمرهم أن يخففوا عنه من ~~ضريبته ، واختلف في اسم أبي طيبة ، فقيل : دينار ، وقيل : نافع ، وقيل : ~~ميسرة ، وهو مولى بني حارثة . وعن جابر بن عبد الله قال : أخرج إلينا أبو ~~طيبة المحاجم لثمان عشرة من شهر رمضان نهارا ، فقلت : أين كنت ؟ قال : كنت ~~عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أحجمه . وعن أنس قال : احتجم رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، حجمه أبو طيبة مولى كان لبعض الأنصار ، ~~فأعطاه صاعين من طعام ، وكلم أهله أن يخففوا عنه من ضريبته ، وقال : " ~~الحجامة من أفضل دوائكم " . وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : احتجم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو صائم ، فغشى عليه يومئذ ، فلذلك : ~~كرهت الحجامة للصائم ، وعن سمرة بن جندب قال : كنت عند رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فدعا حجامه فحجمه بمحاجم من قرون ، وجعل يشرطه بطرف ms3922 شفرة ~~، فدخل أعرابي فرآه ولم يكن يديري الحجامة ، ففزع وقال : يا رسول الله ، ~~علام تعطى هذا يقطع جلدك ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " هذا ~~الحجم " قال : يا رسول الله ، وما الحجم ؟ قال : " هو خير ما تداوي به ~~الناس " . وعن عطاء ابن عباس - رضي الله عنهما - قالا : احتجم رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وهو محرم من وجع . وعن أنس قال : كان رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يحتجم ثلاثا ، على الأخدعين ثنتين ، وعلى الكاهل واحدة . ~~وعن سعد بن أبي وقاص : أنه وضع يده على المكان الناتئ من الرأس فوق اليافوخ ~~، فقال : هذا موضع محجم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذي كان يحتجم ، ~~وجاء أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يسميها المغيثة . وكان خالد ~~بن الوليد يحتجم على هامته وبين كتفيه ، فقيل له : ما هذه الحجامة ؟ فقال : ~~إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يحتجمها ، وقال : " من أهراق منه ~~هذه الدماء فلا يضره ألا يتداوى بشيء لشيء " . ورورى : أن الأقرع بن حابس ~~دخل على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يحتجم في القمحدوة : وهي آخر ~~الرأس ، فقال : لم احتجمت وسط رأسك ؟ قال : " يا ابن حابس إن فيها شفاء ومن ~~وجع الرأس والأضراس والنعاس والمرض " وشك الراوي في الجنون . وعن أنس قال ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " الحجامة في الرأس هي المغيثة ~~أمرني بها جبريل حين أكلت طعام اليهودية " . وعنه قال قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " ليلة أسرى بي ما مررت بملأ من الملائكة إلا قالوا يا ~~محمد مر أمتك بالحجامة " . وعن معقل بن يسار قال قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " الحجامة يوم الثلاثاء لسبع عشرة في الشهر دواء لداء السنة ~~" . وقد PageV18P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" كان ( صلى الله عليه وسلم ) يحتجم لسبع عشرة ~~وتسع عشرة وإحدى وعشرين . وعن الأوزاعي ، عن هرون بن رئاب : أن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) احتجم ، ثم قال لرجل : " ادفنه لا يبحث عنه كلب " . ~~ذكر ms3923 ما ملكه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من السلاح كان لرسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) تسعة أسياف : ذو الفقار تنفله يوم بدر ، وهو الذي رأى ~~فيه الرؤيا في غزوة أحد ، وكان قبل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لمنبه ~~بن الحجاج السهمي ، وثلاثة أسياف ، أصابها من سلاح بني قينقاع ، سيف قلعي ، ~~وسيف يدعى البتار ، وسيف يدعى الحتف ، وسيفان أصابهما من الفلس ، سيف يدعى ~~المخذم ، وآخر يدعى الرسوب ، وسيف ورثه عن أبيه ، وسيف يقال له العضب ، ~~أعطاه إياه سعد بن عبادة ، وآخر يدعى القضيب ، وهو أول سيف تقلد به رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال أنس : كان نعل سيف رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فضة ، وقبيعته فضة ، وما بين ذلك حلق الفضة . وكان له ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أربعة أرماح ، ثلاثة أصابها من سلاح بني قينقاع ، وواحد ~~يقال له المثنى . وكان له عنزة : وهي حربة دون الرمح يمشي بها في يده ، ~~وتحمل بين يديه في العيدين ، حتى تركز أمامه فيتخذها سترة يصلي إليها . ~~وكان له أربعة قسي : قوس من شوحط تدعى الروحاء ، وأخرى من شوحط تدعى ~~البيضاء ، وأخرى من نبع تدعى الصفراء ، وقوس تدعى الكتوم كسرت يوم بدر . ~~وكان له جعبة تدعى الكافور ، وكان له مخصرة تسمى العرجون ، وكان له محجن ~~قدر الذارع PageV18P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" أو نحوه يتناول به الشيء ، وهو الذي استلم به ~~الركن في حجة الوداع ، وكان له درعان أصابهما من سلاح بني قينقاع : درع ~~يقال له السعدية ، وأخرى يقال له فضة . وعن محمد بن مسلمة قال : رأيت على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم أحد درعين ، درعه ذات الفضول ، ودرعه ~~فضة ، ورأيت عليه يوم حنين درعين ، ذات الفضول والسعدية ، ويقال : كانت ~~عنده درع داود عليه السلام التي لبسها لما قتل جالوت ، وكان له مغفر يقال ~~له السبوغ ، وكان له ( صلى الله عليه وسلم ) ترس ، روى محمد بن سعد في ~~طبقاته قال : أخبرنا عتاب بن زياد ، قال حدثنا عبد الله بن المبارك ، قال ms3924 ~~أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، قال سمعت مكحولا يقول : كان لرسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ترس فيه تمثال رأس كبش ، فكره رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) مكانه ، فأصبح وقد أذهبه الله تعالى . وفي رواية أخرى : ~~كان له ( صلى الله عليه وسلم ) ترس عليه تمثال عقاب ، أهدى له فوضع يده ~~عليه فأذهبه الله ، وكان له منطقة من أديم مبشور فيها ثلاث حلق من فضة ، ~~والإبزيم من فضة ، والطرف من فضة ، وكان له راية سوداء مخملة ، يقال لها ~~العقاب ، ولواء أبيض وربما جعل الألوية من خمر نسائه ( صلى الله عليه وسلم ~~) ، ورضى عنهن . ذكر دواب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من الخيل ~~والبغال والحمير أما خيله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقد ذكرنا في الباب ~~الأول من القسم الثالث من الفن الثالث من كتابنا هذا ، وهو في السفر التاسع ~~من هذه النسخة ، أن خيل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) التي ملكها ، على ~~ما ظهر من مجموع الروايات التي أوردناها هناك تسعة عشر فرسا : وهي السكب ، ~~والمرتجز ، والبحر ، وسبحة ، وذو اللمة ، وذو العقال ، PageV18P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" واللحيف ، ويقال فيه : اللخيف بالخاء المعجمة ~~، وقيل : النحيف بالنون ، واللزاز ، والظرب ، والورد ، والسجل ، والشحا ، ~~والسرحان ، والمرتجل ، والأدهم ، وملاوح ، والعيسوب ، واليعبوب ، والمرواح ~~، وقد يكون الأدهم هو السكب أو البحر ، فتكون ثمانية عشر فرسا . وذكرنا ~~هناك أخبار هذه الخيل ومن ذكرها . وذهب بعضهم إلى خيله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) كانت عشرة أفراس : السكب ، والمرتجز ، ولزاز ، واللخيف ، والظرب ، ~~والورد ، والضرس ، وملاوح ، وسبحة ، والبحر ، ولم يذكر ما عداها والله عز ~~وجل أعلم . وأما بغلات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وحمره فقد ذكرنا ~~أيضا في الباب الثاني من القسم الثالث من الفن الثالث في السفر التاسع من ~~كتابنا هذا ، أن بغلات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اللاتي ملكهن كن ~~سبعا ، على ما ظهر من مجموع الروايات التي ذكرناها هناك ، وهن دلدل التي ~~أهداها له المقوقس ، وفضة التي أهداها له فروة من عمرو ، وبغلة أهداها له ms3925 ~~كسرى ، وبغلته الأيلية التي أهداها له ابن العلماء صاحب أيلة ، وبغلة بعثها ~~له صاحب دومة الجندل ، وبغلة أهداها له يوحنا بن روزيه ، وبغلة أهداها له ~~النجاشي صاحب الحبشة ، وفي البغلة الذي ذكر أن كسرى أهداها له ( صلى الله ~~عليه وسلم ) نظر ، لما قدمناه من أنه مزق كتاب رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ولم يجبه . ومن أهل العلم من ذهب إلا أنهن كن ثلاثة : دلدل التي ~~أهداها له المقوقس ، وفضة وهبها لأبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وبغلة ~~أهداها له صاحب أيلة . وكان له ( صلى الله عليه وسلم ) من الحمر : يعفور ، ~~وعفير ، وقد ذكرناهما في الباب المقدم ذكره في السفر التاسع . PageV18P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" ذكر نعم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~كان لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عشرون لقحة بالغابة ، يراح له منها ~~كل ليلة بقربتين عظيمتين من اللبن ، وكانت له لقحة تدعى بردة ، أهداها له ~~الضحاك ابن سفيان ، كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان ، وكانت له مهرية ~~أرسلها إليه سعد بن عبادة من نعم بني عقيل ، وكانت له القصواء ، وهي التي ~~هاجر عليها ، وكان لا يحمله إذا نزل عليه الوحي غيرها ، وهي العضباء ، ~~والجدعاء ، وقيل : العضباء غير القصواء ، وقد ذكرنا في الباب الثالث من ~~القسم الثالث من الفن الثالث نعمه بأبسط من هذا . وكان له ( صلى الله عليه ~~وسلم ) مائة من الغنم ، وكانت له سبع منائح : عجرة ، وزمزم ، وسقيا ، وبركة ~~، وورشة ، وأطلال . وأطراف ، وكانت أم أيمن ترعاهن ، وكانت له شاة يختص ~~بشرب لبنها ، تدعى غيثة ، وكان له ديك ابيض ، هذا ما أمكن إيراده في هذه ~~الفصول ، وهو بحسب الاختصار . وقد آن أن نأخذ من ذكر معجزاته ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وإنما أخرنا ذكر المعجزات إلى هذه الغاية لأمور : منها أن ~~معجزاته ( صلى الله عليه وسلم ) كانت في مدة حياته ، تقع خلال غزواته ، ~~وغالب أوقاته ، فلو ذكرناها قبل نهاية ذكر أحواله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~لكنا قد قدمنا منها شيئا قبل وقته الذي وقع فيه . ومنها أنا لما ms3926 ذكرنا ~~صفاته ( صلى الله عليه وسلم ) فيما تقدم ، استلزم إيراد أحواله تلو صفاته ، ~~وصار الكلام يتلو بعضه بعضا ، ولو ذكرنا المعجزات في خلال ذلك لانقطع ~~الكلام وانفرط النظام ، وأهم الأسباب في تأخير ذكر المعجزات إلى هذه الغاية ~~، أنا أردنا أن تكون معجزاته ( صلى الله عليه وسلم ) خاتمة لهذه السيرة ~~الشريفة ، وتالية لهذه المناقب المنيفة لا يجعل بعدها من أخباره ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إلا أخبار وفاته عليه السلام . ذكر معجزات رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ومعنى المعجزة أن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها ، ولا ~~تكون معجزة إلا مع وجود التحدي بالنبوة ، وأما مع عدم التحدي فهي كرامة ، ~~كأحوال الأولياء . PageV18P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" والمعجزة على ضربين : ضرب هو من نوع قدرة ~~البشر فعجزوا عن الإتيان بمثله ، كالقرآن على رأي من رأى أن من قدرة البشر ~~أن يأتوا بمثله ، ولكن الله تعالى صرفهم عن ذلك ، فعجزوا عنه ، وكصرف يهود ~~عن تمني الموت ، ونحو ذلك . وضرب هو خارج عن قدرة البشر كإحياء الموتى ، ~~وتسبيح الحصى ، وانشقاق القمر ، ونبع الماء من بين الأصابع ، وتكثير الطعام ~~، وحبس الشمس ، وردها بعد غروبها . وها نحن نورد في هذا الفصل من مشاهير ~~معجزاته ، وباهر آياته ، ما تقف إن شاء الله تعالى عليه ، وقد تقدم من ~~معجزاته ( صلى الله عليه وسلم ) في أثناء هذه السيرة ما تقدم ، مما ننبه ~~عليه في هذا الفصل ، ونحيل عليه في مواضعه ، ونشرح ونبين ما أدمجناه قبل إن ~~شاء الله تعالى . ومعجزاته ( صلى الله عليه وسلم ) كثيرة : منها القرآن ~~العظيم ، وهو أكبرها آية ، وأعظمها دلالة على صدق نبوته ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، ومنها انشقاق القمر ، وحبس الشمس ، وردها ، وتفجير الماء وانبعاثه ~~ونبعه من بين أصابعه وتكثير الطعام ، وكلام الشجر ، وسعيها إليه ، وحنين ~~الجذع ، وتسبيح الطعام والحصى ، وكلام الجمادات ، وشهادة الحيوانات له ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بالنبوة ، وكلام الموتى ، وإبراء المرضى ، وإجابة ~~الدعاء ، وانقلاب الأعيان ، وما أطلعه الله تعالى عليه من علم الغيوب ، ~~والإخبار بما كان ويكون ، وما جمع له من المعارف والعلوم ومصالح ms3927 الدنيا ~~والدين ، وسياسة العالم ، والعصمة من الناس ، وغير ذلك مما نشرحه ونبينه إن ~~شاء الله تعالى . فأما القرآن العظيم وما انطوى عليه من المعجزات ، ~~فمعجزاته كثيرة نحصرها في عشرة أوجه : الوجه الأول - حسن تأليفه والتئام ~~كلمه وفصاحته ، ووجوه إيجازه ، وبلاغته الخارقة عادة العرب ، وذلك أنهم ~~خصوا من البلاغة والحكم ما لم يخص به غيرهم من الأمم ، وحسبك أن القرآن ~~أنزل بلغتهم ، ومع ذلك فقد قرعهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) به ، ~~ووبخهم وسفه أحلامهم ، وسب آلهتهم ، وذكم آباءهم ، وشتت نظامهم ، وفرق ~~جماعتهم ، وأنزل الله تعالى فيهم ما أنزل من قوله عز وجل : " أم يقولون ~~افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ~~" وقوله تعالى : " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من ~~مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين . فإن لم تفعلوا ولن ~~تفعلوا " وقوله تعالى : " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " وغير ذلك ، فنكصوا عن ~~معارضته ، PageV18P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" وأحجموا عن مماثلته ، ورضوا بقولهم " قلوبنا ~~غلف " و " في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب " ~~. و " لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون " . واعترف فصحاؤهم ~~عند سماعه أنه ليس من كلام البشر ، كالوليد بن المغيرة وعتبة ابن ربيعة ، ~~على ما قدمنا ذكر ذلك . الوجه الثاني من إعجازه - صورة نظمه العجيب ، ~~المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها ، وسجعها ورجزها وهزجها ~~وقريضها ، ومبسوطها ومقبوضها ، كما قال الوليد بن المغيرة لقريش عند ~~اجتماعهم كما قدمناه ، ومن ذلك جمعه بين الدليل والمدلول ، وذلك أنه احتج ~~بنظم القرآن ، وحسن وصفه وإيجازه وبلاغته ، وأثناء هذه البلاغة أمره ونهيه ~~ووعده ووعيده ، فالتالي له يفهم موضع الحجة والتكليف معا من كلام واحد . ~~الوجه الثالث من إعجازه - ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات ، وما لم يكن ~~ولم يقع فوجد ، كما جاء في قوله تعالى : " لتدخلن المسجد الحرام ms3928 إن شاء ~~الله آمنين " . وقوله في الروم : " وهم من بعد غلبهم سيغلبون " . وقوله : " ~~ليظهره على الدين كله " وقوله : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض " الآية . وقوله : " إذا جاء نصر الله والفتح ~~" السورة ، فكان جميع ذلك : فتح الله مكة ، وغلبت الروم فارس ، وأظهر الله ~~روسوله ، ودخل الناس في دين الله أفواجا ، واستخلف الله المؤمنين في الأرض ~~، ومكن دينهم وملكهم أقصى المشارق والمغارب ، وما فيه من الإخبار بحال ~~المنافقين واليهود ، وكشف أسرارهم ، وغير ذلك . الوجه الرابع - ما أنبأ به ~~من أخبار القرون السالفة ، والأمم البائدة والشرائع الداثرة ، مما كان لا ~~يعلم منه القصة الواحدة إلا من مارس العلوم من أهل الكتاب ، واطلع على ~~الكتب المنزلة القديمة ، كقصص النبياء مع قومهم ، وخبر موسى والخضر وذي ~~القرنين ولقمان وابنه وبدء الخلق ، وغير ذلك مما في كتبهم القديمة مما ~~اعترف بصحته العلماء من أحبار يهود ، فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه مع ~~عدم إنكارهم لصحته ، قال الله تعالى : " يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين ~~لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير " . PageV18P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" الوجه الخامس - الروعة التي تلحق قلوب سامعيه ~~، وأسماعهم عند سماعه ، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته ؛ قال الله عز وجل ~~: " تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ~~" وقال تعالى : " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من ~~خشية الله " هذا في حق المؤمنين به ، وأما من كذب به فكانوا يستثقلون سماعه ~~، ويودون انقطاعه ، ولهذا قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " القرآن ~~صحب مستصعب على من كرهه وهو الحكم " وقد تقدم أن عتبة بن ربيعة لما سمع ~~القرآن من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبلغ قوله : " صاعقة مثل صاعقة ~~عاد وثمود " أمسك على في النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وناشده الرحم أن يكف ~~. الوجه السادس - كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا ، وقد تكفل الله ~~تعالى بحفظه فقال : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا ms3929 له لحافظون " . وقال تعالى ~~" لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " وسائر معجزات الأنبياء انقضت ~~بانقضاء أوقاتها ، فلم يبق إلا خبرها ، والقرآن العزيز باق منذ أنزله الله ~~تعالى وإلى وقتنا هذا ، وما بعد إن شاء الله إلى آخر الدهر ، حجته قاهرة ، ~~ومعارضته ممتنعة . الوجه السابع - أن قارئه لا يمل قراءته ، وسامعه لا تمجه ~~مسامعه ، بل الإكباب على تلاوته وترديده يزيده حلاوة ومحبة ، لا يزال غضا ~~طريا ، وغيره من الكلام ولو بلغ ما عساه أن يبلغ من البلاغة والفصاحة يمل ~~مع الترديد ، ويسأم إذا أعيد ، وكذلك غيره من الكتب لا يوجد فيها ما فيه من ~~ذلك ، وقد وصف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) القرآن " أنه لا يحلق على ~~كثرة الرد ولا تنقضي عبره ، ولا تفنى عجائبه ، هو الفصل ليس بالهزل " . ~~الوجه الثامن - أن الله تعالى يسر حفظه لمتعلميه ، وقربه على متحفظيه ، قال ~~الله تعالى : " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر " فلذلك إن سائر الأمم ~~لا يحفظ كتبها الواحد منها ، وإن لازم قراءاتها ، وداوم مدارستها ، لم يسمع ~~بذلك عن أحد منهم ، والقرآن قد يسر الله تعالى حفظه على الغلمان في المدة ~~القريبة والنسوان ، وقد رأينا من حفظه على كبر سنه ، وهذا من معجزاته . ~~الوجه التاسع - مشاكله بعض أجزائه بعضا ، وحسن ائتلاف أنواعها ، والتئام ~~أقسامها ، وحسن التخلص من قصة إلى أخرى ، والخروج من باب إلى غيره على ~~اختلاف معانيه ، وانقسام السورة الواحدة على أمر ونهي ، وخبر واستخبار ووعد ~~ووعيد ، وإثبات نبوة وتوحيد ، وتقرير وترغيب وترهيب ، إلى غير ذلك ، دون ~~خلل PageV18P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" يتخلل فصوله ، والكلام الفصيح إذا اعتوره مثل ~~هذا ضعفت قوته ، ولانت جزالته ، وقل رونقه ، وتقلقلت ألفاظه ، وهذا من ~~الأمور الظاهرة التي لا يحتاج عليها إقامة دليل ، ولا تقرير حجة ، ولا بسط ~~مقال . الوجه العاشر - وجمعه لعلوم ومعارف لم تعهدها العرب ، ولا علماء أهل ~~الكتاب ، ولا اشتمل عليها كتاب من كتبهم ، فجمع فيه من بيان علم الشرائع ، ~~والتنبيه على طرق الحجج العقليات ، والرد على فرق الأمم بالبراهين ms3930 الواضحة ~~، والأدلة البينة السهلة الألفاظ ، الموجزة المقاصد ، لقوله تعالى : " أو ~~ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم " وقوله : " قل يحيها ~~الذي أنشأها أول مرة " وقوله : " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " إلى ~~غير ذلك مما اشتمل عليه من المواعظ والحكم وأخبار الدار الآخرة ، ومحاسن ~~الآداب ، وغير ذلك مما لا يحصيه واصف ، ولا يعده عاد ، قال الله تعالى : " ~~ما فرطنا في الكتاب من شيء " ، وقال تعالى : " ولقد ضربنا للناس في هذا ~~القرآن من كل مثل " وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن الله ~~أنزل على القرآن آمرا وزاجرا ، وسنة خالية ، ومثلا مضروبا ، فيه نبأكم ~~وخبرما كان قبلكم ، ونبأ ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، لا يخلقه طول الرد ، ~~ولا تنقضي عجائبه ، هو الحق ليس بالهزل ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ~~ومن خاصم به فلج ، ومن قسم به أقسط ، ومن عمل به أجر ، ومن تمسك به هدي إلى ~~صراط مستقيم ، ومن طلب الهدى من غيره أضله الله ، ومن حكم بغيره قصمه الله ~~، هو الذكر الحكيم ، والنور المبين ، والصراط المستقيم ، وحبل الله المتين ~~، والشفاء النافع ، عصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن اتبعه ، لا يعوج فيقوم ، ~~ولا يزيغ فيستعتب ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يخلق على كثرة الرد " . وفي ~~الحديث : " قال الله تعالى لمحمد - ( صلى الله عليه وسلم ) - إني منزل عليك ~~توراة حديثة تفتح بها أعينا عميا وآذانا صما ، وقلوبا غلفا ، وفيها ينابيع ~~العلم ، وفهم الحكمة ، وربيع القلوب " . وقد عدوا في إعجازه وجوها كثيرة ~~غير ما ذكرناه فلا نطول بسردها . وأما انشقاق القمر ، وحبس الشمس ورجوعها - ~~فكان ذلك من معجزات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال الله تعالى : " ~~اقتربت الساعة وانشق القمر . وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر " . ~~وقد رويت قصة انشقاق القمر عن ابن PageV18P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" مسعود ، وأنس بن مالك وابن عباس ، وعلي بن ~~أبي طالب ، وعبد الله بن عمر ، وحذيفة ، وجبير بن مطعم رضي الله عنهم ، قال ~~ابن مسعود : انشق القمر على عهد ms3931 رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فرقتين ، ~~فرقة فوق الجبل ، وفرقة دونه ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~اشهدوا قال ابن مسعود : حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر وفي بعض طرقه : ومن ~~رواية مسروق عنه أنه كان بمكة وزاد : فقال كفار قريش سحركم ابن أبي كبشة ، ~~فقال رجل منهم : إن محمدا إن كان قد سحر القمر فإنه لا يبلغ من سحره أن ~~يسحر الأرض كلها ، فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا ؟ فأتوا ~~فسألوا فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك . وحكى السمرقندي عن الضحاك نحوه . وقال ~~: فقال أبو جهل هذا سحر فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى ينظروا أرأوا ذلك أم لا ~~؟ فأخبر أهل النفاق أنهم رأوه منشقا ، فقالوا : - يعني الكفار - : هذا سحر ~~مستمر . وقال علي رضي الله عنه ، من رواية أبي حديفة الأرحبي : انشق القمر ~~، ونحن مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . وعن أنس : سأل أهل مكة النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أن يريهم آية ، فأراهم انشقاق القمر مرتين ، حتى رأوا ~~حراء بينهما ، وفي رواية معمر ، وغيره عن قتادة عن : أراهم القمر مرتين ، ~~حتى رأوا حراء بينهما ، وفي رواية معمر ، وغيره عن قتادة عنه : أراهم القمر ~~مرتين انشقاقه ، فنزلت الآية " اقتربت الساعة وانشق القمر " . وحكى الإمام ~~أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الحليمي الجرجاني في منهاجه ~~قال : رأيت ببخارى الهلال وهو ابن ليلتين منشقا بنصفين ، عرض كل واحد منهما ~~كعرض القمر ليلة أربع أو خمس ، وما زلت أنظر إليهما حتى اتصلا ، ثم لم ~~يعودا كما كانا ، ولكنهما صارا في شكل أترجة ، ولم أمل طرفي عنهما إلى أن ~~غاب ، قال : وكان معي ليلتئذ جماعة كثيفة ، من بين شريف وفقيه وكاتب وغيرهم ~~من طبقات الناس ، وكل رأى ما رأيت . قال : وأخبرني من وثقت به ، وكان خبره ~~عندي كعياني أنه رأى الهلال وهو ابن ثلاث منشقا بنصفين ، قال : وإذا كان ~~هكذا ، ظهر أن قول الله عز وجل : " وانشق القمر " إنما هو على الانشقاق ~~الذي هو من أشراط ms3932 الساعة ، دون الانشقاق الذي جعله الله تعالى آية لرسوله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وحجة على أهل مكة . وبالله التوفيق . PageV18P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" وأما رجوع الشمس - فقد روى عن أسماء بنت عميس ~~أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي ، فلم يصل ~~العصر حتى غربت الشمس ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أصليت ~~يا علي " ؟ قال : لا . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " اللهم ~~إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس " قالت أسماء : فرأيتها ~~غربت ، ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت ، ووقفت على الجبال والأرض ، وذلك ~~بالصهباء في خيبر . خرجه الطحاوي في مشكل الحديث عن أسماء من طريقين ، قال ~~وكان أحمد بن صالح يقول : لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث ~~أسماء ؛ لأنه من علامات النبوة . وأما حبسها فقد روى يونس بن بكير في زيادة ~~المغازي عن ابن إسحاق : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما أسرى به ، ~~وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير ، قالوا : متى تجيء ؟ قال : " ~~يوم الأربعاء " فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون ، وقد ولى النهار ولم ~~يجيء ، فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فزيد له في النهار ساعة ، ~~وحبست عليه الشمس ( صلى الله عليه وسلم ) . وأما نبع الماء من بين أصابعه ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فقد روى عن أنس بن مالك ، وجابر ، وعبد الله بن مسعود ~~؛ قال أنس من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة : رأيت رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وقد حانت صلاة العصر ، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه ، ~~فأتي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بوضوء ، فوضع رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في ذلك الإناء يده ، وأمر الناس أن يتوضئوا منه ، قال : فرأيت ~~الماء ينبع من بين أصابعه ، فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم . ورواه ~~أيضا عن أنس قتادة ، وقال : بإناء فيه ماء ما يغمر أصابعه ، ولا يكاد يغمر ~~، قال : كم كنتم ؟ قال : زهاء ثلثمائة ms3933 ، وفي رواية عنه : وهو بالزوراء عند ~~السوق . وأما ابن مسعود ، ففي الصحيح عنه من رواية علقمة : بينما نحن مع ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وليس معنا ماء ، فقال لنا رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : " اطلبوا من معه فضل ماء " فأتي بإناء فصبه في إناء ~~، ثم وضع كفه فيه ، فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . وفي الصحيح عن سالم بن أبي الجعد عن جابر قال : " عطش الناس ~~يوم الحديبية ، ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ركوة فتوضأ منها ، وأقبل ~~الناس نحوه ، وقالوا : ليس عندنا ماء ، إلا ما في ركوتك ، فوضع النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يده في الركوة ، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال ~~العيون ، وفيه : PageV18P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" فقلت كم كنتم ؟ قالوا : لو كنا مائة ألف ~~لكفانا ، كنا خمس عشرة مائة . وفي صحيح مسلم في ذكر غزوة بواط ، قال جابر ~~قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يا جابر ناد الوضوء " وذكر ~~الحديث بطوله : وإنه لم يحد إلا قطرة في عزلاء شجب ، فأتي به النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فغمزه ، وتكلم بشيء لا أدري ما هو ، وقال : " ناد بجفنة ~~الركب " فأتيت بها فوضعتها بين يديه ، وذكر أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) بسط يده في الجفنة ، وفرق أصابعه ، وصب جابر عليه وقال : " بسم الله " ~~قال : فرأيت الماء يفور من بين أصابعه ، ثم فارت الجفنة ، واستدارت حتى ~~امتلأت ، وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا ، فقلت : هل بقي أحد له ~~حاجة ؛ فرفع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يده من الجفنة وهي ملأى . ~~هذا مختصر ما روي من تفجير الماء من بين أصابعه ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~وأما تفجيره وانبعاثه وتكثيره ببركته ودعائه ( صلى الله عليه وسلم ) فمن ~~ذلك ما رواه مالك بن أنس رحمه الله في الموطأ ، عن معاذ بن جبل في قصة غزوة ~~تبوك وأنهم وردوا العين ، وهي تبض بشيء من ماء مثل الشراك ، فغرفوا من ~~العين بأيديهم حتى اجتمع ms3934 في شيء ، ثم غسل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فيه وجهه ويديه ، وأعاده فيها فجرت بماء كثير فاستقى الناس . وفي حديث ابن ~~إسحاق : فانخرق من الماء ماله حس كحس الصواعق ، ثم قال : " يوشك يا معاذ إن ~~طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا " . ومنه قصة الحديبية ، وقد ~~تقدم ذكرها في الغزوات . ومن ذلك خبر صاحبة المزادتين ، وهو مما روى عن ~~عمران بن حصين ، قال : أصاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه عطش في ~~بعض أسفارهم ، فوجه رجلين من أصحابه ، وأعلمهما أنهما يجدان امرأة بمكان ~~كذا ، معها بعير عليه مزادتان ، الحديث . فوجداها وأتيا بها النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فجعل في إناء من مزادتها ، وقال فيه ما شاء الله أن ~~يقول ، ثم أعاد الماء في المزادتين ، ثم فتحت عزاليهما ، وأمر الناس فملأوا ~~أسقيتهم حتى لم يدعوا شيئا إلا ملأوه ، قال عمران : ويخيل لي أنهما لم ~~تزدادا إلا PageV18P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" امتلاء ، ثم أمر فجمع للمرأة من الأزواد حتى ~~ملأ ثوبها ، وقال : " اذهبي فإنا لم نأخذ من مائك شيئا ولكن الله سقانا " . ~~وعن عمرو بن شعيب أن أبا طالب قال للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو رديفه ~~بذي المجاز : عطشت وليس عندي ماء ، فنزل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وضرب ~~بقدمه الأرض فخرج الماء فقال : " اشرب " . وعن سلمة بن الأكوع ؛ قال نبي ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " هل من وضوء ؟ " فجاء رجل بإداوة فيها نطفة ~~فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ، ندغفقه دغفقة أربع عشرة مائة . وفي حديث ~~غزوة تبوك ، وما أصاب الناس من العطش ، ودعا رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وأن الله تعالى أرسل سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس ، واحتملوا ~~حاجتهم من الماء ، وقد تقدم ذكره . ومن طريق آخر في هذه القصة عن عمر : ~~وذكر ما أصابهم من العطش في جيش العسرة ، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر ~~فرثه فيشربه ، فرغب أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~في الدعاء ، فرفع يديه ms3935 فلم يرجعهما حتى قالت السماء ، فانسكبت فملأوا ما ~~معهم من آنية ، ولم يجاوز العسكر . والحديث في هذا الباب كثير . وأما تكثير ~~الطعام ببركته ودعائه ( صلى الله عليه وسلم ) فقد روينا من ذلك أحاديث ~~كثيرة بأسانيد صحيحة متصلة ، رأينا حذفها هاهنا اختصارا لاشتهارها ~~وانتشارها ، منها ما رويناه عن جابر رضي الله عنه : أن رجلا أتى النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير ، فما زال يأكل منه ~~وامرأته وضيفه حتى كاله ، فأتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبره فقال : ~~" لو لم تكله لأكلتم منه وقام بكم " . ومن ذلك حديث أبي طلحة المشهور ، ~~وإطعام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثمانين أو سبعين رجلا من أقراص من ~~شعير جاء بها أنس تحت يده - إي إبطه - فأمر بها ففتت ، وقال فيها ما شاء ~~الله أن يقول . وحديث جابر - رضي الله عنه - في إطعام رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يوم الخندق ألف رجل من صاع شعير ، وعناق ، قال جابر : فأقسم ~~بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا ، وإن برمتنا لتغط كما هي ، وإن عجيننا ~~ليخبز ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بصق في العجين والبرمة ~~وبارك . ومن ذلك حديث أبي أيوب الأنصاري : أنه صنع لرسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) PageV18P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" ولأبي بكر رضي الله عنه من الطعام زهاء ما ~~يكفيهما ، فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " ادع ثلاثين من أشراف ~~الأنصار " فدعاهم فأكلوا حتى تركوه ، ثم قال : " ادع ستين " فكان مثل ذلك ، ~~ثم قال : " ادع سبعين " فأكلوا حتى تركوا ، وما خرج منهم أحد حتى أسلم ~~وبايع ، قال أبو أيوب : فأكل من طعامي مائة وثمانون رجلا . وعن سمرة بن ~~جندب قال : أتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بقصعة فيها لحم فتعاقبوها من ~~غدوة حتى الليل يقوم قوم ويقعد آخرون . ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي بكر ~~رضي الله عنهما قال : كنا مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ثلاثين ومائة ، ~~وذكر في الحديث : عجن صاع من طعام ، وصنعت شاة ms3936 فشوي سواد بطنها ، قال : ~~وأيم الله ما من الثلاثين والمائة إلا وقد حز له حزة من سواد بطنها ، ثم ~~جعل منها قصعتان فأكلنا أجمعون ، وفضل في القصعتين فحملته على البعير . ومن ~~ذلك حديث عمر بن الخطاب وأبي هريرة وسلمة بن الأكوع رضي الله عنهم فذكروا ~~مخمصة أصابت الناس مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في بعض مغازيه ، فدعا ~~ببقية الأزواد ، فجاء الرجل بالحثية من الطعام وفوق ذلك وأعلاهم الذي أتى ~~بالصاع من التمر فجمعه على نطع ، قال سلمة : فحززته كربضة البعير ، ثم دعا ~~الناس بأوعيتهم ، فما بقي في الجيش وعاء إلا ملأوه وبقي منه . وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال : أمرني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن أدعو ~~له أهل الصفة فتتبعتهم حتى جمعتهم ، فوضعت بين أيدينا صحفة فأكلنا ما شئنا ~~وفرغنا ، وهي مثلها حين وضعت ، إلا أن فيها أثر الأصابع . وعن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه قال : جمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بني عبد ~~المطلب وكانوا أربعين ، منهم قوم يأكلون الجذعة ويشربون الفرق فصنع لهم مدا ~~من طعام ، فأكلوا حتى شبعوا وبقى كما هو ، ثم دعا بعس فشربوا حتى رووا وبقى ~~كأنه لم يشرب . وقال أنس ابن مالك : إن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما ~~ابتنى بزينب أمره أن يدعو له قوما سماهم ، وكل من لقيت حتى امتلأ البيت ~~والحجرة ، وقدم إليهم تورا فيه قدر مد من تمر جعل حيسا ، فوضعه قدامه وغنمس ~~ثلاثة أصابعه ، وجعل القوم يتغدون ويخرجون ، وبقي النور نحوا ما كان ، وكان ~~القوم أحدا أو اثنين وسبعين . وفي رواية أخرى في هذه القصة أو مثلها : أن ~~القوم كانوا زهاء ثلثمائة ، وأنهم أكلوا PageV18P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" حتى شبعوا ، ؛ وقال لي : " ارفع " فلا أدري ~~حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت . وفي حديث جعفر بن محمد عن آله ، عن علي ~~رضي الله عنهم أن فاطمة رضي الله عنها طبخت قدرا لغدائها ، ووجهت عليا إلى ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ليتغدى معها ، فأمرها ms3937 فغرفت منها لجميع نسائه ~~صحفة صحفة ، ثم له عليه السلام ولعلي ، ثم لها ، ثم رفعت القدر ، وإنها ~~لتفيض ، قالت : فأكلنا منها ما شاء الله . ومن ذلك أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يزود أربعمائة راكب من أحمس ~~، فقال : يا رسول الله ، ما هي إلا أصوع ، قال : اذهب فذهب فزودهم منه ، ~~وكان قدر الفصيل الرابض من التمر وبقى بحاله . ومن ذلك حديث جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنه في دين أبيه ، وقد كان بذل لغرماء أبيه أصل ماله فلم ~~يقبلوه ، ولم يكن في ثمرها سنين كفاف دينهم ، فأمره النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بجذها وجعلها بيادر في أصولها ، ثم جاءه فمشى فيها ودعا ، فأوفى ~~جابر غرماء أبيه من ذلك ، وفضل مثل ما كانوا يجذون كل سنة . وفي رواية : ~~مثل ما أعطاهم . قال : وكان الغرماء يهودا فعجبوا من ذلك . وعن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال : أصاب الناس مخمصة فقال لي رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) " هل لي شيء " ؟ قلت : نعم ، شيء ، من التمر في المزود ، قال : " ~~فأتني به " فأتيته به فأدخل يده فأخرج قبضة فبسطها ، ودعا بالبركة ، ثم قال ~~: " ادع لي عشرة " فأكلو حتى شبعوا ، ثم عشرة كذلك ، حتى أطعم الجيش كلهم ~~وشبعوا ، قال : " خذ ما جئت به وأدخل يدك واقبض منه ولا تكبه " فقبضت على ~~أكثر مما جئت به فأكلت منه وأطعمت منه حياة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) وأبي بكر وعمر ، إلى أن قتل عثمان فانتهب مني فذهب . وفي رواية : فقد ~~حملت من ذلك التمر كذا وكذا ومن وسق في سبيل الله . وذكر مثل هذه الحكاية ~~في غزوة تبوك ، وأن التمر كان بضع عشرة تمرة . ومنه أيضا حديث أبي هريرة ~~رضي الله عنه حين أصابه الجوع ، فاستتبعه ، النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فوجد لبنا في قدح قد أهدى إليه ، وأمره أن يدعو أهل الصفة ، قال فقلت : ما ~~هذا اللبن فيهم كنت أحق أن أصيب منه شربة أتقوى ms3938 بها ، فدعوتهم ، وذكر أمر ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) له أن يسقيهم ، قال : فجعلت أعطى الرجل فيشرب ~~حتى يروى ، ثم يأخذ الآخر حتى روى جميعهم ، فأخذ النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) القدح وقال : " بقيت أنا وأنت اقعد فاشرب " فشربت ثم قال : " اشرب " ~~وما زال يقولها واشرب حتى قلت : لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا ؛ ~~فأخذ القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة ، ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~PageV18P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" وأما كلام الشجر وشهادتها له بالنبوة ~~وانقيادها إليه وإجابتها دعوته ( صلى الله عليه وسلم ) فمن ذلك ما رويناه ~~بسند متصل عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، قال : كنا مع رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في سفر فدنا منه أعرابي ، فقال : " يا أعرابي أين ~~تريد " ؟ قال : إلى أهلي ، قال : " هل لك إلى خير " ؟ قال : وما هو ؟ قال : ~~" تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله " قال : ~~من يشهد لك على ما تقول ؟ قال : " هذه الشجرة السمرة " وهي بشاطئ الوادي ، ~~فأقبلت تخد الأرض حتى قامت بين يديه ، فاستشهدها ثلاثا فشهدت له أنه كما ~~قال ، ثم رجعت إلى مكانها . وعن بريدة قال : سأل أعرابي النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) آية فقال له : " قل لتلك الشجرة رسول الله - ( صلى الله عليه ~~وسلم ) - يدعوك " قال : فمالت الشجروة عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها ~~فتقطعت عروقها ، ثم جاءت تخد الأرض ، تجز عروقها مغيرة حتى وقفت بين يدي ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقالت : السلام عليك يا رسول الله ، ~~قال الأعرابي : مرها فلترجع إلى منبتها فاستوت ، فقال الأعرابي : إيذن لي ~~أسجد لك ، قال : " لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ~~" قال : فأذن لي أقبل يديك ورجليك ، فأذن له . ومن ذلك ما روى في الصحيح من ~~حديث جابر بن عبد الله قال : ذهب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقضي ~~حاجته فلم يرى شيئا يستتر به ، فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي ، فانطلق رسول ~~الله ( صلى ms3939 الله عليه وسلم ) إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال : " ~~انقادي علي بإذن الله " فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قلائده . ~~وذكر أنه فعل بالأخرى مثل ذلك ، حتى إذا كان بالمنصف بينهما قال : " التئما ~~علي بإذن الله " فالتأمتا . وفي رواية أخرى ؛ فقال : " يا جابر قل لهذه ~~الشجرة يقول لك رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - الحقي بصاحبتك حتى ~~أجلس خلفكما " ففعلت فرجعت حتى لحقت بصاحبتها ، فجلس خلفهما ، فخرجت أحضر ، ~~وجلست أحدث نفسي ، فالتفت فإذا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مقبل ~~والشجرتان قد افترقتا ، فقامت كل واحدة منهما على ساق ، فوقف رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وقفة فقال برأسه - هكذا - يمينا وشمالا . ~~PageV18P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" وروى أسامة بن زيد نحوه ، قال قال لي رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) في بعض مغازيه : " هل " ؟ يعني مكانا لحاجة ~~رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - فقلت : إن الوادي ما فيه موضع بالناس ~~، فقال : " هل ترى من نخل أو حجارة " ؟ قلت : " أرى نخلات متقاربات ، فقال ~~: " انطلق وقل لهن إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يأمركن أن تأتين ~~لمخرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقل للحجارة مثل ذلك " فقلت ذلك ~~لهن ، فوالذي بعثه بالحق لقد رأيت النخلات يتقاربن حتى اجتمعن ، والحجارة ~~يتعاقدن حتى صرن ركاما خلفهن ، فلما قضى حاجته قال لي : " قل لهن يفترقن " ~~فوالذي نفسي بيده لرأيتهن والحجارة يفترقن حتى عدن إلى مواضعن . وعن ابن ~~مسعود مثله في غزاة حنين . وعن يعلى بن مرة - وهو ابن سيابة - وذكر أشياء ~~رآها من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فذكر أن طلحة - أو سمرة - جاءت ~~فأطافت به ، ثم رجعت إلى منبتها ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" إنها استأذنت أن تسلم علي " . وفي حديث ابن مسعود : آذنت النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بالجن ليلة فاستمعوا له شجرة . وذكر أبو بكر بن فورك أن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سار في غزوة الطائف ليلا وهو وسن ، ~~فاعترضته سدرة فانفرجت له نصفين ، حتى ms3940 جاز بينهما ، وبقيت على ساقين إلى ~~وقتنا هذا ، وهي هناك معروفة . وقد روى في مثل ذلك أحاديث كثيرة . ومن ذلك ~~قصة حنين الجذع ، والخبر بذلك مشهور منتشر خرجه أهل الصحيح ، ورواه جماعة ~~من الصحابة رضي الله عنهم ، قال جابر بن عبد الله : كان المسجد مسقوفا على ~~جذوع نخل ، فكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إذا خطب يقوم على جذع منها ، ~~فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار ، وفي رواية أنس : ~~حتى ارتج المسجد بخواره . وفي رواية سهل بن سعد : وكثر بكاء الناس لما رأوا ~~به . وفي رواية المطلب بن أبي وداعة : حتى تصدع وانشق ، حتى جاء النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فوضع يده عليه فسكت . وزاد غيره : فقال النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) " إن هذا بكى لما فقد من الذكر " وزاد غيره : " والذي ~~نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنا على رسول الله " ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، فأمر به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فدفن ~~تحت المنبر ، وفي حديث أبي بن كعب : فكان إذا صلى النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) صلى إليه ، فلما هدم المسجد أخذه أبي فكان عنده إلى أن أكلته ألرض ~~وعاد رفاتا . وذكر الإسفرايني : أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) دعاه إلى ~~نفسه فجاءه PageV18P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" يخرق الأرض فالتزمه ، ثم أمره فعاد إلى مكانه ~~. وفي حديث بريدة فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن شئت أردك إلى ~~الحائط الذي كنت فيه ، تنبت لك عروقك ، ويكتمل خلقك ويجدد لك خوص وثمرة ، ~~وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك " ، ثم أصغى له النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) يستمع ما يقول فقال : بل تغرسني في الجنة فيأكل مني ~~أولياء الله وأكون في مكان لا أبلى فيه . فسمعه من يليه ، فقال النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " قد فعلت - ثم قال - اختار دار البقاء على دار الفناء ~~" . ومن معجزاته ( صلى الله عليه وسلم ) نطق الجمادات كتسبيح الطعام في ~~جوفه ms3941 ، وتسبيح الحصى في كفه وكف من صبه في كفه من أصحابه ، وسلام الجبال ~~والأحجار والأشجار عليه ، وسجودها له ، وغير ذلك مما يلتحق به على ما نشرحه ~~إن شاء الله تعالى . فمن ذلك ما رويناه بإسناد متصل عن البخاري بسنده ، عن ~~علقمة عن عبد الله قال : لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل ، وفي غير هذه ~~الرواية عن عبد الله بن مسعود قال : كنا نأكل مع رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) الطعام ، ونحن نسمع تسبيحه . وقال أنس بن مالك : أخذ النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) كفا من حصى فسبحن في يد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~حتى سمعنا التسبيح ، ثم صبهن في يد أبي بكر فسبحن ، ثم في أيدينا فما سبحن ~~. وروى أبو ذر مثله ، وذكر أنهن سبحن في كف عمر وعثمان . وقال علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه : كنا بمكة مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فخرج ~~إلى بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال : السلام عليك يا رسول ~~الله . وعن جابر بن سمرة عنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إني لأعرف ~~حجرا بمكة كان يسلم علي " قيل : إنه الحجر الأسود . وعن عائشة أم المؤمنين ~~رضي الله عنها ، عنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " لما استقبلني ~~جبريل بالرسالة جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله ~~" . وعن جابر بن عبد الله قال : لم يكن ( صلى الله عليه وسلم ) يمر بحجر ~~ولا شجر إلا سجد له . وفي حديث العباس بن عبد المطلب إذا اشتمل عليه النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) وعلى بنيه بملاءته فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت ~~آمين آمين . وعن جعفر ابن محمد عن أبيه قال : مرض النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فأتاه جبريل بطبق فيه رمان وعنب ، فأكل منه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فسبح . وعن أنس رضي الله عنه قال : صعد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأبو ~~بكر وعمر وعثمان أحدا فرجف بهم فقال : " أثبت أحد ms3942 ، فإنما عليك نبي وصديق ~~PageV18P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" وشهيدان " ومثله عن أبي هريرة في حراء ، وزاد ~~فيه : ومعه علي وطلحة والزبير ، وقال : " إنما عليك نبي أو صديق أو شهيد " ~~، والخبر في حراء أيضا عن عثمان قال : ومعه عشرة من أصحابه أنا فيهم ، وزاد ~~عبد الرحمن وسعدا ، قال : ونسيت الاثنين . وقد روى أنه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) حين طلبته قريش قال له ثبير : اهبط يا رسول الله ، فإني أخاف أن ~~يقتلوك على ظهري فيعذبني الله ، فقال حراء : إلي يا رسول الله . وقد تقدم ~~ذكر خبر الأصنام ، وسقوطها عند ما أشار إليها بالقضيب ، حين فتح الله تعالى ~~مكة عليه ، ( صلى الله عليه وسلم ) تسليما كثيرا أبدا دائما . ومن معجزاته ~~( صلى الله عليه وسلم ) كلام الحيوانات وسكونها وثباتها إذا رأته ؛ كقصة ~~الدجن ، وكلام الضب والذئب ، والطائر والظبية ، وسجود الغنم والبعير ، وخبر ~~شفينة مولاه مع الأسد ، وخبر العنز ، وغير ذلك مما نورده إن شاء الله تعالى ~~. فمن ذلك ما رويناه بسند متصل عن عائشة قالت : كانت عندنا داجن ، فإذا كان ~~عندنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قر وثبت مكانه ، فلم يجيء ولم يذهب ~~، فإذا خرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جاء وذهب . ومنه ما روى عن ~~عمر رضي الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان في خفل من ~~أصحابه إذ جاء أعرابي قد صاد ضبا فقال : من هذا ؟ قالوا : نبي الله ، ~~واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن هذا الضب . وطرحه بين يدي النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " يا ضب " فأجابه ~~بلسان مبين يسمعه القوم جميعا : لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة ، قال ~~: " من تعبد " ؟ قال : الذي في السماء عرشه ، وفي الأرض سلطانه ، وفي البحر ~~سبيله ، وفي الجنة رحمته ، وفي النار عقابه ، قال : " فمن أنا ؟ " قال : ~~رسول رب العالمين ، وخاتم النبيين ، وقد أفلح من صدقك ، وخاب من كذبك . ~~فأسلم الأعرابي . ومن ذلك قصة كلام الذئب المشهورة عن أبي سعيد الخدري قال ~~: بينا راع ms3943 يرعى غنما له ، عرض الذئب لشاة منها فأخذها الراعي منه ، فأقعى ~~الذئب وقال للراعي : ألا تتقي الله ، حلت بيني وبين رزقي قال الراعي : ~~العجب من ذئب يتكلم بكلام الإنس ، فقال الذئب : ألا أخبرك بأعجب من ذلك ، ~~رسول الله بين الحرتين PageV18P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" يحدث الناس بأنباء ما قد سبق ، فأتى الراعي ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبره ، فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " قم فحدثهم " ، ثم قال : " صدق " . وروى حديث الذئب عن أبي هريرة . وفي ~~بعض الطرق عنه قال الذئب : أنت أعجب واقفا على غنمك ، وتركت نبيا لم يبعث ~~الله نبيا قط أعظم منه عنده قدرا ، قد فتحت له أبواب الجنة ، وأشرف أهلها ~~على أصحابه ينتظرون قتالهم ، وما بينك وبينه إلا هذا الشعب فتصير في جنود ~~الله ، قال الراعي : من لي بغنمي ؟ قال الذئب : أنا أرعاها حتى ترجع ، ~~فأسلم الرجل إليه غنمه ومضى ، وذكر قصته واسلامه ووجوده النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يقاتل ، فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " عد إلى غنمك ~~تجدها بوفرها " فوجدها كذلك ، وذبح للذئب شاة منها . وروى أن أهبان بن أوس ~~هو صاحب القصة ومكلم الذئب . وروى أيضا أن صاحب القصة سلمة بن عمرو بن ~~الأكوع ، وأنها سبب إسلامه . وحكى أبو عمر بن عبد البر في ترجمة رافع بن ~~عميرة الطائى أنه كلمه الذئب ، وهو في ضأن له يرعاها ، فدعاه إلى رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) واللحاق به . قال : وزعموا أن رافع بن عميرة قال في ~~كلام الذئب إياه . رعيت الضأن أحميها بكلبي . . . من الضبع الحفي وكل ذيب ~~فلما أن سمعت الذئب نادى . . . يبشرني بأحمد من قريب سعيت إليه قد شمرت ~~ثوبي . . . على الساقين قاصدة الركيب فألفيت النبي يقول قولا . . . صدوقا ~~ليس بالقول الكذوب يبشرني بدين الحق حتى . . . تبينت الشريعة للمنيب وأبصرت ~~الضياء يضىء حولي . . . أمامي إن سعيت ومن جنوبي في أبيات أخر . وروى ابن ~~وهب : أن مثل هذه القصة وقع لأبي سفيان بن حرب ، وصفوان ابن أمية مع ذئب ~~وجداه قد أخذ ظبيا ms3944 ، فدخل الظبي الحرم فانصرف الذئب فعجبا من ذلك ، فقال ~~الذئب : أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه ~~إلى النار . فقال أبو سفيان : واللات والعزى لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنا ~~خلوفا . وقد روى أيضا مثل هذا الخبر ، وأنه جرى لأبي جهل وأصحابه . ~~PageV18P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" وعن عباس بن مرداس السلمي أنه لما تعجب من ~~كلام صنمه ضمار ، وإنشاده الشعر الذي ذكرناه ، فإذا طائر سقط ، فقال : يا ~~عباس ، أنعجب من كلام ضمار ، ولا تعجب من نفسك ؟ إن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يدعو إلى الإسلام ، وأنت جالس وعن أنس رضي الله عنه قال : دخل ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأبو بكر وعمر ورجل من الأنصار حائط أنصاري ، ~~وفي الحائط غنم ، فسجدت له فقال أبو بكر : نحن أحق بالسجود لك منها . . . ~~الحديث . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : دخل النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) حائطا فجاء بعير فسجد له ، وذكر مثله ، ومثله في الجمل عن ثعلبة بن مالك ~~، وجابر بن عبد الله ، ويعلى بن مرة ، وعبد الله بن جعفر قال : وكان لا ~~يدخل أحد الحائط إلا شد عليه بالجمل ، فلما دخل عليه النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) دعاه ، فوضع مشفره في الأرض وبرك بين يديه فحطمه ؛ وقال : " ما بين ~~السماء والأرض شيء إلا يعلم أنى رسول الله إلا عاصي الجن والإنس " . وفي ~~حديث آخر : أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) سألهم عن شأنه فأخبروه أنهم ~~أرادوا ذبحه . وفي راوية : أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال لهم : " ~~إنه اشتكى كثرة العمل وقلة العلف " . وفي رواية : " إنه شكا إلى أنكم أردتم ~~ذبحه بعد أن استعملتموه في شاق العمل من صغره " فقالوا : نعم ، وقد روى في ~~قصة العضباء وكلامها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وتعريفها له بنفسها ، ~~ومبادرة العشب إليها في الرعي ، وتجنب الوحوش عنها ، وندائهم لها أنك لمحمد ~~، وأنها لم تأكل ولم تشرب بعد موته حتى ماتت ، ذكره الإسفرائني . وروى ابن ~~وهب : أن حمام مكة أظلت النبي ms3945 ( صلى الله عليه وسلم ) يوم فتحها ، فدعا لها ~~بالبركة . وقد ذكرنا قصة الغار وخبر الحمامتين والعنكبوت . وعن عبد الله بن ~~قرط قال : قرب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بدنات خمس أو ست أو ~~سبع لينحرها يوم عيد ، فازدلفن إليه بأيتهن يبدأ . وعن أم سلمة قالت : كان ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في صحراء فنادته ظبية : يا رسول الله ، قال : ~~ما حاجتك " ؟ قالت : صادني هذا الأعرابي ولي خشفان في ذلك الجبل ، فأطلقني ~~حتى أذهب فأرضعهما وأرجع ، قال : " وتفعلين " ؟ : قالت : نعم ، فأطلقها ~~فذهبت ورجعت فأوثقها ، فانتبه الأعرابي . فقال : يا رسول الله ، ألك حاجة ؟ ~~قال : " تطلق هذه الظبية " فأطلقها ، فخرجت تعدو في الصحراء وتقول : أشهد ~~أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله . PageV18P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" ومنه ما روى من تسخير الأسد لسفينة مولى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذ وجهه إلى معاذ باليمن ، فلقى الأسد فعرفه ~~أنه مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومعه كتابه ، فهمهم وتنحى عن ~~الطريق ، وذكر في منصرفه مثل ذلك . وفي رواية أخرى عنه : أن سفينة تكسرت به ~~، فخرج إلى جزيرة فإذا الأسد ؛ قال فقلت : أنا مولى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق . وروى أنه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أخذ بإذن شاة لقوم من عبد القيس بين إصبعيه ثم خلاها ، ~~فصار لها ميسما ، وبقى ذلك الأثر فيها وفي نسلها . وقد روى عن إبراهيم بن ~~حماد بسنده كلام الحمار الذي أصابه بخيبر ، وقال له : ما اسمك قال : اسمي ~~يزيد بن شهاب ، فسماه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يعفورا وأنه كان يوجهه ~~إلى دور أصحابه فيضرب عليهم الباب برأسه ويستدعيهم ، وأن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لما مات ، تردى في بئر جزعا وحزنا فمات . وخبر الناقة التي ~~شهدت عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لصاحبها أنه ما سرقها وأنها ملكه . ~~وخبر العنز التي أتت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في عسكره ، وقد ~~أصابهم عطش ونزلوا على غير ماء ms3946 وهم زهاء ثلثمائة ، فحلبها رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فأروى الجند ، ثم قال لرافع : " املكها وما أراك " فربطها ~~فوجدها قد انطلقت رواه ابن قانع وغيره ، وفيه : فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " إن الذي جاء بها هو الذي ذهب بها " . وقال عليه السلام ~~لفرسه ، وقد قام إلى الصلاة في بعض أسفاره : " لا تبرح بارك الله فيك حتى ~~نفرغ من صلاتنا " وجعله قبلته فما حرك عضوا حتى فرغ من صلاته ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . ومن معجزاته ( صلى الله عليه وسلم ) ما روى من كلام الأموات ~~والأطفال وشهادتهم له بالنبوة . فمن ذلك ما روى عن فهد بن عطيه : أن النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) أتى بصبي قد شب لم يتكلم قط ، فقال له : " من أنا " ~~؟ فقال : رسول الله . وعن معرض بن معيقب قال : رأيت من النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) عجبا ، جيء بصبى يوم ولد ، فذكر مثله ، وهو حديث مبارك اليمامة ~~، ويعرف بحديث شاصونة اسم رواية ، وفيه ؛ فقال له النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " صدقت بارك الله فيك " ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها حتى شب ، ~~فكان يسمى مبارك اليمامة ، وكانت هذه القصة بمكة في حجة الوادع . وعن الحسن ~~رضي الله عنه : أتى رجل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فذكر له أنه طرح بنية ~~له في وادي كذا ، فانطلق معه إلى الوادي وناداها باسمها " يا فلانة احي ~~بإذن الله " فخرجت وهي تقول : لبيك وسعديك ، فقال لها : " إن أبويك قد ~~أسلما فإن أحببت أن أردك عليهما " قالت : لا حاجة لي فيهما ، وجدت الله ~~خيرا لي منهم . PageV18P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" وعن أنس رضي الله عنه أن شابا من الأنصار ~~توفي وله أم عجوز عمياء قال : فسجيناه وعزيناها فقالت : مات ابني ؟ قلنا : ~~نعم ، قالت : اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك وإلى نبيك رجاء أن تعينني ~~على كل شدة ، فلا تحملن على هذه المصيبة ، قال : فما برحنا أن كشف الثوب عن ~~وجهه فطعم وطعمنا . وروى عن عبد الله بن عبيد الله الأنصاري قال ms3947 : كنت فيمن ~~دفن ثابت بن قيس ابن شماس - وكان قتل باليمامة - فسمعناه حين أدخلناه القبر ~~يقول : محمد رسول الله ، أبو بكر الصديق ، عمر الشهيد ، وعثمان البر الرحيم ~~، فنظرنا فإذا هو ميت . وذكر عن النعمان بن بشير : أن زيد بن خارجة خر ميتا ~~في بعض أزقة المدينة ، فرفع وسجى إذ سمعوه بين العشاءين والنساء يصرخن حوله ~~يقول : أنصتوا ، أنصتوا ، فحسر عن وجهه ، قفال : محمد رسول الله ، النبي ~~الأمي ، وخاتم النبيين ، كان ذلك في الكتاب الأول ، ثم قال : صدق صدق ، ~~وذكر أبا بكر وعمر وعثمان ثم قال : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله ~~وبركاته ، ثم عاد ميتا . ومن ذلك قصة الذراع وقول رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لأصحابه : ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة . قد تقدم ~~خبر الذراع . والله منجي المتقين ووليهم . ومن معجزاته ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إبراء المرضى وذوي العاهات ، كرد عين قتادة ، وكشف بصر الضرير ، ~~وتفله ( صلى الله عليه وسلم ) على جراحات فبرأت ، وغير ذلك مما نشرحه إن ~~شاء الله تعالى . أما عين قتادة بن النعمان فقد روينا بإسناد متصل عن سعد ~~بن أبي وقاص : أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد حتى وقعت على وجنته ~~، فردها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فكانت أحسن عينيه . وذكر الأصمعي ~~عن أبي معشر المدني قال : أوفد أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم ، بديوان ~~المدينة إلى عمر بن عبد العزيز رجلا من ولد قتادة بن النعمان ، فلما قدم ~~عليه قال له : ممن الرجل ؟ قال : أنا ابن الذي سالت على الخد عينه . . . ~~فردت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لأول أمرها . . . فيا حسن ما ~~عين ويا حسن ما رد فقال عمر بن عبد العزيز : تلك المكارم لا قعبان من لبن . ~~. . شيبا بماء فعادا بعد أبوالا PageV18P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" حكاه ابن عبد البر . وروى النسائي عن عثمان ~~بن حنيف أن أعمى قال : يا رسول الله ، ادع الله أن يكشف لي عن بصري . قال : ~~" فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ، ثم ms3948 قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبي ~~محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن يكشف عن بصري اللهم شفعة ~~في " قال : فرجع وقد كشف الله عن بصره . وروى أن ابن ملاعب الأسنة أصابه ~~استسقاء فبعث إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأخذ بيده حثوة من الأرض ~~فنفل عليها ، ثم أعطاها رسوله ، فأخذها متعجبا - يرى أنه قد هزئ به - فأتاه ~~بها وهو على شفا فشربها فشفاه الله . وذكر العقيلي عن حبيب بن فديك - ويقال ~~فويك - أن أباه ابيضت عيناه ، فكان لا يبصر بهما شيئا ، فنفث رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في عينيه فأبصر ، فرأيته يدخل الخيط في الإبرة وهو ~~ابن ثمانين . واتته امرأة من خثعم معها صبي به بلاء لا يتكلم ، فأتى بماء ~~فمضمض فاه وغسل يديه ثم أعطاها إياه وأمرها بسقيه ومسه به ، فبرأ الغلام ، ~~وعقل عقلا ، يفضل عقول الناس . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاءت ~~امرأة بابن لها به جنون ، فمسح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) صدره فثع ~~ثعة فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود فشفى . وكانت في كف شرحبيل الجعفي سلعة ~~، تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة ، فشكاها إلى النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فما زال يطحنها بكفه حتى رفعها ولم يبق لها أثر . وسألته جارية ~~طعاما وهو يأكل ، فناولها من بين يديه ، وكانت قليلة الحياء ، فقالت : إنما ~~أريد من الذي في فيك ، فناولها ما في فيه ، ولم يكن يسأل شيئا فيمنعه ، ~~فلما استقر في جوفها ألقى عليها من الحياء ما لم تكن امرأة بالمدينة أشد ~~حياء منها . وأما الجراحات التي تفل عليها فبرأت فكثير منها أنه ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بصق على أثر سهم في وجه أبي قتادة ، في يوم ذي قرد ، قال : فما ~~ضرب علي ، ولا قاح . ومنها أن كلثوم بن الحصين رمى يوم أحد في نحره ، فبصق ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيه فبرأ ، وتفل على شجة عبد الله بن ~~أنيس فلم تمد . وتفل PageV18P0218 # """""" صفحة رقم ms3949 219 """""" في رجل زيد بن معاذ حين أصابها السيف إلى ~~الكعب حين قتل أبن الأشرف فبرئت ، وعلى ساق علي بن الحكم يوم الخندق ، إذا ~~انكسرت فبرئ مكانه وما نزل عن فرسه . وقطع أبو جهل يد معوذ بن عفراء في يوم ~~بدر ، فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وألصقها ~~فلصقت . رواه ابن وهب ، ومن روايته : أن خبيب ابن يساف أصيب يوم بدر مع ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بضربة على عاتقه حتى مال شقه ، فرده رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ونفث عليه حتى صح . ونفث على ضربة بساق سلمة ~~بن الأكوع يوم خيبر فبرئت . وتفل في عيني علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم ~~خيبر وكان رمدا فأصبح بارئا . واشتكى على مرة فجعل يدعو ، فقال النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " اللهم اشفه أو عافه " ثم ضربه برجله فما اشتكى ذلك ~~الوجع بعد ذلك . ومن معجزاته ( صلى الله عليه وسلم ) إجابة دعائه وهذا فصل ~~متسع جدا ، نذكر منه ما اشتهر وانتشر ، وتواترت به الأخبار وتداولته الرواة ~~، ونقله أصحاب السير ، ولا شك ولا خلاف بين أحد من الأمة في إجابة دعائه ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ؛ وقد روي عن حذيفة أنه قال : كان رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إذا دعا لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ولده . روي عن أنس ~~بن مالك قال : قالت أمي يا رسول الله ، خادمك أنس ادع الله له ؛ قال : " ~~اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته " قال أنس : فوالله إن مالي ~~لكثير ، وإن ولدي وولد ولدي ليعادون اليوم على نحو المائة ، وما أعلم أحدا ~~أصاب من رخاء العيش ما أصبت ، ولقد دفنت بيدي هاتين مائة من ولدي ، لا أقول ~~سقطا ولا ولد ولد . ودعا ( صلى الله عليه وسلم ) لعبد الرحمن بن عوف ~~بالبركة ، قال عبد الرحمن : فلو رفعت حجر لرجوت أن أصيب تحته ذهبا ، ولما ~~مات حفر الذهب من تركته بالفؤس حتى مجلت به الأيدي ، وأخذت كل زوجة ثمانين ~~ألفا ms3950 ، وكن أربعا ، وقيل : مائة ألف ، وقيل : بل صولحت إحداهن - لأنه طلقها ~~في مرضه - على نيف وثمانين ألفا ، وأوصى بخمسين ألفا بعد صدقاته الفاشية في ~~حياته . ودعا لمعاوية بالتمكين في البلاد فنال الخلافة . ولسعد بن أبي وقاص ~~أن يجيب الله دعوته ، فما دعا على أحد إلا استجيب له . ودعا أن يعز الله ~~الإسلام بعمر أو بأبي جهل فاستجيب له في عمر رضي الله عنه ؛ قال ابن مسعود ~~: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر . وقال لأبي قتادة : " أفلح وجهك ، اللهم بارك ~~له في شعره وبشره " فمات وهو ابن سبعين سنة PageV18P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" وكأنه ابن خمس عشر . وقال للنابغة : " لا ~~يفضض الله فاك " قال : فما سقط له سن ، وكان ، أحسن الناس ثغرا ، إذا سقطت ~~له سن نبتت له أخرى ، وعاش عشرين ومائة سنة ، وقيل : أكثر . ودعا لعبد الله ~~بن عباس رضي الله عنهما : " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " فسمى بعد ~~الحبر وترجمان القرآن . ودعا لعبد الله بن جعفر بالبركة في صفقة يمينه ؛ ~~فما اشترى شيئا إلا ربح فيه . ودعا للمقداد بالبركة ؛ فكان عنده غرائر من ~~المال . ودعا كذلك لعروة بن أبي الجعد ، قال : " فلقد كنيت أقوم بالكناسة ~~فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا . ودعا لعلي أن يكفى الحر والقر ، فكان يلبس ~~في الشتاء ثياب الصيف وفي الصيف ثياب الشتاء ، ولا يصيبه حر ولا برد . ودعا ~~على مضر فأقحطوا حتى استعطفته قريش فدعا لهم فسقوا . وتقدم خبره في دعائه ~~في الاستسقاء والاستضحاء . ودعا على كسر أن يمزق ملكه فلم يبقى له باقية ، ~~ولم تعد لفارس مملكة . وقال لرجل رآه يأكل بشماله : " كل بيمينك " قال : لا ~~أستطيع فقال : " لا استطعت " فلم يرفعها إلى فيه بعد . وقال في عتبة بن أبي ~~لهب : " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " فأكله الأسد كما تقدم . ودعا على ~~محلم بن جثامة ، فمات لسبع فلفظته الأرض ثم ووري فلفظته ، فألقوه في صدين ~~ورضموا عليه بالحجارة ، والصد جانب الوادي . ودعواته ( صلى الله عليه وسلم ~~) كثيرة عليه أفضل الصلاة والسلام . ومن ms3951 معجزاته ( صلى الله عليه وسلم ) ~~انقلاب الأعيان فيما لمسه أو باشره ؛ كسيف عكاشة بن محصن ، وعبد الله بن ~~جحش ، وغير ذلك ، وكان من خبر عكاشة أن سفيه انكسر يوم بدر فأعطاه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) جذل حطب ، وقال : " اضرب به " فعاد في يده ~~سيفا صارما طويلا أبيض شديد المتن ، فقاتل به ، ثم لم يزل عنده يشهد به ~~المواقف إلى أن استشهد في قتال أهل الردة ، وكان هذا السيف يسمى العون . ~~ودفع لعبد الله بن جحش - وقد ذهب سفيه يوم أحد - عسيب نخل فرجع في يده سيفا ~~. ومن ذلك أنه ( صلى الله عليه وسلم ) مر على ماء فسأل عنه ، فقيل له اسمه ~~PageV18P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" بيسان وماؤه ملح ، فقال : " بل هو نعمان ~~وماؤه طيب " فكان كذلك . ومنه أنه ( صلى الله عليه وسلم ) أعطى قتادة بن ~~النعمان - وكان قد صلى معه العشاء في ليلة مظلمة مطيرة - عرجونا ، وقال : " ~~انطلق به فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرا ، ومن خلفك عشرا فإذا دخلت ، بيتك ~~فسترى سوادا فاضربه به حتى يخرج فإنه الشيطان " فانطلق فأضاء له العرجون ، ~~ووجد السواد فضربه حتى خرج . ومن ذلك أنه ( صلى الله عليه وسلم ) زود ~~أصحابه سقاء من ماء بعد أن أوكأه ودعا فيه ، ولما حضرتهم الصلاة نزلوا ~~فحلوه فإذا به لبن طيب وفي فمه زبدة . رواه حماد بن سلمة . ومما يلتحق بهذا ~~الفصل أنه ( صلى الله عليه وسلم ) ركب فرسا لأبي طلحة ، كان يقطف - أو - به ~~قطاف ، فلما رجع قال : وجدنا فرسك بحرا ، فكان بعد لا يجاري . ونخس جمل ~~جابر بن عبد الله ، وكان قد أعيا فنشط حتى كان ما يملك زمامه ، وقد تقدم ~~خبره . وخفق فرس جعيل الأشجعي بمخفقه معه وبرك عليها فلم يملك رأسها نشاطا ~~، وباع من بطنها باثنى عشر ألفا . وركب ( صلى الله عليه وسلم ) حمارا قطوفا ~~لسعد بن عبادة فرده هملاجا لا يساير . ومن ذلك بركة يده ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فيما لمسه كقصة سلمان في كتابته ، وما غرس له ( صلى الله ms3952 عليه وسلم ~~) من الودي فأطعمت كلها من عامها ، والذهب الذي أعطاه وقد تقدم ذكر ذلك في ~~إسلام سلمان . ومنه أنه ( صلى الله عليه وسلم ) مسح على رأس عمير بن سعد ~~وبرك فمات وهو ابن ثمانين سنة وما شاب . وكذلك السائب ابن يزيد ، ومدلوك ، ~~وكان يوجد لعتبة بن فرقد طيب يغلب طيب نسائه ، وذلك أن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) مسح بيده على بطنه وظهر ومسح على رأس قيس بن زيد الجذامي ~~، ودعا له فهلك وهو ابن مائة سنة ورأسه أبيض وموضع كف النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وما مرت به يده عليه من شعره أسود ، فكان يدعى الأغر . وروي ~~مثل ذلك لعمرو بن ثعلبة الجهني ، ومسح وجه آخر فما زال على وجهه نور . ومسح ~~وجه قتادة بن ملحان ، فكان لوجهه بريق ، حتى كان ينظر فيه كما ينظر في ~~المرآة . ونضح في وجه زينب بنت أم سلمة نضحة من ماء ، فما نعرف كان في وجه ~~امرأة من الجمال ما بها . ومسح على رأس صبي به عاهة فبرأ واستوى شعره ، ~~وعلى غير واحد PageV18P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" من الصبيان المرضى والمجانين فبرءوا . وآتاه ~~رجل به أدرة فأمره أن ينضحها بماء من عين مج فيها ففعل فبرأ . وعن طاوس : ~~لو لم يؤت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بأحد به مس فصك في صدره إلا ذهب . ~~والمس : الجنون . ومج في دلو من بئر ثم صب فيها ففاح فيها من ريح المسك . ~~وشكا إليه أبو هريرة النسيان فأمره أن يبسط ثوبه ، وغرف بيده فيه ثم أمره ~~بضمه ففعل فما نسى شيئا بعد . ومن ذلك درور الشياه الحوائل باللبن الكثير ؛ ~~كقصة شاة أم معبد ، وأعنز معاوية بن ثور ، وشاة أنس ، وغنم حليمة ، وشارفها ~~، وشاة عبد الله بن مسعود ، وشاة المقداد ، والله أعلم . ومن معجزاته ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ما أخبر به من الغيوب ، وما يكون قبل وقوعه ، فكان كما ~~أخبر به ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ روى عن حذيفة قال : قام فينا رسول الله ( ~~صلى الله عليه ms3953 وسلم ) مقاما ، فما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام ~~الساعة إلا حدثه ، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه ، قد علمه أصحابي هؤلاء ، ~~وإنه ليكون الشيء فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ، ثم ~~إذا رآه عرفه ، وثم قال حذيفة : ما أدرى أنسي أصحابي أم تناسوه ، والله ما ~~ترك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من قائد فتنه إلى أن تنقضي الدنيا ، ~~يبلغ من معه ثلثمائة فصاعدا إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته . ~~وقال أبو ذر : لقد تركنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وما يحرك طائر ~~جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما ومما أخبر به ( صلى الله عليه وسلم ) ~~مما يكون فكان ، ما أخرجه أهل الصحيح والأئمة ، مما وعد به رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أصحابه من الظهور على أعدائه ، وفتح مكة وبيت المقدس ~~واليمن والشام والعراق ، وظهور الأمن حتى تظعن المرأة من الحيرة إلى مكة لا ~~تخاف إلا الله ، وإن المدينة ستغزى ، وتفتح خيبر على يد علي في غد يومه ، ~~وما يفتح الله على أمته من الدنيا ، وما يؤتون من زهرتها ، وقسمتهم كنوز ~~كسرى وقيصر ، وما يحدث بينهم من الفتون والاختلاف والأهواء ، وسلوك سبيل من ~~قبلهم وافتراقهم على ثلاث وسبعين فرقة ، الناجية منها واحدة ، وأنه ستكون ~~لهم أنماط ، ويغدو أحدهم في حلة ويروح في أخرى ، وتوضع بين يديه صفحة وترفع ~~أخرى ، ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة ، ثم قال آخر الحديث : " وأنتم ~~اليوم خيرا منكم يومئذ " وإنهم إذا مشوا المطيطاء ، وخدمتهم بنات ~~PageV18P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" فارس والروم ، رد الله بأسهم بينهم ، وسلط ~~شراراهم على خيارهم ، وما أخبر به ( صلى الله عليه وسلم ) من قتالهم الترك ~~والخزر والروم ، وذهاب كسرى وفارس ، حتى لا كسرى ولا فارس بعده ، وذهاب ~~قيصر حتى لا قيصر بعده ، وأن الروم ذات قرون إلا آخر الدهر ، وأخبر بذهاب ~~الأمثل فالأمثل من الناس ، وتقارب الزمان ، وقبض العلم ، وظهور الفتن ~~والهرج ، وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " زويت لي الأرض فأريت ms3954 مشارقها ~~ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها " فكان كذلك ؛ امتدت في المشارق ~~والمغارب ، ما بين أرض الهند أقصى المشرق إلى بحر طنجة ، حيث لا عمارة ~~وراءه ، ولم تمتد في الجنوب والشمال مثل ذلك . وقوله ( صلى الله عليه وسلم ~~) : " ويل للعرب من شر قد اقترب " . وقوله : " لا يزال أهل الغرب ظاهرين ~~على الحق حتى تقوم الساعة " ذهب ابن المدني إلى أنهم العرب ؛ لأنهم ~~المختصون بالسقي بالغرب وهو الدلو ، وقيل : بل هم أهل المغرب ، ومن رواية ~~أبي أمامة : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق قاهرين لعدوهم حتى ~~يأتيهم أمر الله وهم كذلك " قيل : يا رسول الله وأين هم ؟ قال : " ببيت ~~المقدس " . وأخبر ( صلى الله عليه وسلم ) بملك بني أمية ، وولاية معاوية ، ~~ووصاه ، واتخاذ بني أمية مال الله دولا . وأخبر بخروج ولد العباس بالرايات ~~السود ، وملكهم أضعاف ما ملكوا ، وأخبر بقتل علي رضي الله عنه ، وأن أشقاها ~~الذي يخضب هذه من هذه ، أي لحيته من رأسه . وقال : يقتل عثمان وهو يقرأ ~~المصحف ، وأن الله عسى أن يلبسه قميصا ، وأنهم يريدون خلعه ، وإنه يسقطر ~~دمه على قوله تعالى : " فسيكفيكهم الله " . وإن الفتن لا تظهر ما دام عمر ~~حيا ، وأخبر بمحاربته الزبير لعلي ، ونباح كلاب الحوأب على بعض أزواجه وإنه ~~يقتل حولها قتلى كثيرة وتنجو بعدما كادت ، وإن عمارا تقتله الفئة الباغية ، ~~وقال لعبد الله بن الزبير : " ويل للناس منك ، وويل لك من الناس " وقال في ~~قزمان وقد أبلى بلاء حسنا مع المسلمين : " إنه من أهل النار " فقتل نفسه . ~~وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " يكون في ثقيف كذاب ومبير " فكان الكذاب ~~المختار بن أبي عبيد ، والمبير الحجاج بن يوسف . وأخبر بالردة ، وإن ~~الخلافة بعده ثلاثون ، ثم ملكا ، وقال : " إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة ، ~~ثم يكون رحمة وخلافة ، ثم يكون ملكا PageV18P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" عضوضا ، ثم يكون عتوا وجبروة وفساد في الأئمة ~~" فكان كل ذلك كما أخبر . وأخبر أن سيكون في أمته ثلاثون كذابا فيهم أربع ~~نسوة ، وفي حديث آخر : " ثلاثون ms3955 دجالا كذابا آخرهم الدجال الكذاب كلهم يكذب ~~على الله ورسوله " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " يوشك أن يكثر فيكم ~~العجم يأكلون فيئكم ، ويضربون رقابكم " فكان كذلك . وقال : " لا تقوم ~~الساعة حتى يسوق الناس بعصاه رجل من قحطان " وقال : " هلاك أمتي على يد ~~أغلمة من قريش " قال أبو هريرة راوي الحديث لو شئت سميتهم لكم ، بنو فلان ~~وبنو فلان ، وأخبر بظهور القدرية والرافضة ، وسب آخر هذه الأمة أولها . ~~وأخبر بشأن الخوارج وصفتهم ، والمخدج الذي فيهم ، وأن سمياهم التحليق . ~~وقال : " خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، ثم يأتي بعد ذلك ~~قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يفون " . وقال : ~~" لا يأتي الزمان إلا والذي بعده شر منه " . وأخبر ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بالموتان الذي يكون بعد فتح المقدس . وما وعد من سكنى البصرة وأن أمته ~~يغزون في البحر كالملوك على الأسرة ؛ فكان في زمن يزيد بن معاوية . وقال : ~~" إن الدين لو كان منوطا بالثريا لناله رجال من ابناء فارس " . وقال ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في الحسن بن علي رضي الله عنهما : " إن ابني هذا سيد ~~وسيصلح الله به بين فئتين " . وأخبر بقتل الحسين بالطف ، وأخرج بيده تربة ، ~~وقال : فيها مضجعه . وقال في زيد بن صوحان : يسبقه عضو منه إلى الجنة ، ~~فقطعت يده في الجهاد . وقال لسراقة : " كيف بك إذا لبست سوار كسرى " فلما ~~أتى بهما لعمر ألبسهما إياه ، وقال : الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهما ~~سراقة . وقال : " تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراط تجبى إليها ~~خزائن الأرض يخسف بها " . فبنيت بغداد . وقال : " لا تقوم الساعة حتى تقتتل ~~طائفتان دعواهما احدة " . وقال لعمر في سهيل بن عمرو : " عسى أن يقوم مقاما ~~يسرك يا عمر " فقام بمكة مقام أبي بكر يوم بلغهم موت النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وخطب بنحو خطبته ، وثبت الناس وقوى بصائرهم ، وقال لخالد حين وجهه ~~إلى أكيدر : " إنك بحده يصيد البقر " فكان كذلك . وقد تقدم خبره . وأخبر ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بوقائع نحن نترقب وقوعها ms3956 ؛ كقوله : " عمران بيت ~~المقدس خراب يثرب ، وخراب PageV18P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" يثرب خروج الملحمة ، وخروج الملحمة فتح ~~القسطنطينية " . وأخبر بغير ذلك من الأمور التي وقعت في حياته في أماكن ~~بعيدة ، وأخبر بها حال وقوعها كموت النجاشي ، وقتل أمراء مؤتة ، وغير ذلك ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . ومن معجزاته عصمة الله تعالى له من الناس وكفايته ~~إياه مع كثرة أعدائه وتحزبهم واجتماعهم على أذاه قال الله عز وجل : " والله ~~يعصمك من الناس " . وقال تعالى : " واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا " . وقال : ~~" أليس الله بكاف عبده " . وقال : " إنا كفيناك المستهزئين . الذين يجعلون ~~مع الله إلها آخر فسوف يعلمون " . وقال تعالى : " وإذ يمكر بك الذين كفرو ~~ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " . ~~روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كان رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يحرس حتى نزلت هذه الآية : " والله يعصمك من الناس " فأخرج رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) رأسه من القبة ، فقال لهم : " يأيها الناس ~~انصرفوا فقد عصمني لله ربي عز وجل " . وقيل : كان النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يخاف قريشا ، فلما نزلت هذه الآية استلقى ، ثم قال : " من شاء ~~فليخذلني " . وقد تقدم من عصمة الله له وكفايته قصتا دعثور وغورث ، وخبر ~~حمالة الحطب ، وأخذ الله تعالى على بصرها حين أرادته بالفهر ، وخبر أبي جهل ~~حين أراده بالحجر ، وغير ذلك . وها نحن نورد في هذا الموضع من ذلك خلاف ما ~~قدمناه ؛ فمن ذلك ما روى عن الحكم بن العاص أنه قال : تواعدنا على النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، حتى إذا رأيناه سمعنا صوتا خلفنا ما ظننا أنه بقي ~~بتهامة أحد ، فوقعنا مغشيا علينا ، فما أفقنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله ~~، ثم تواعدنا ليلة أخرى ، فخرجنا حتى إذا رأيناه جاءت الصفا والمروة فحالت ~~بيننا وبينه . وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : تواعدنا أنا وأبو جهم ~~بن حذيفة ليلة قتل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فجئنا منزله فسمعنا ~~له ، فافتتح وقال : " الحاقة ما الحاقة ms3957 " إلى : " فهل ترى لهم من باقية " ~~فضرب أبو جهم على عضد عمر وقال : انج ، وفرا هاربين ، فكانت من مقدمات ~~إسلام عمر . ومن ذلك خروجه ( صلى الله عليه وسلم ) على قريش حين اجتمعوا ~~لقتله ، فأخذ الله على أبصارهم حتى PageV18P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" ذرا التراب على رءوسهم وخلص منهم . وقصة ~~الغار ، وأخذ الله على أبصارهم ، وخبر سراقة بن مالك بن جعشم ، وقد تقدم ~~ذكر ذلك . وفي خبر آخر أن راعيا عرف خبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وأبي بكر حين هاجرا ، فخرج يشتد ليعلم قريشا بشأنهما ، فلما دخل مكة ضرب ~~على قلبه فما يدري ما يصنع ، وأنسي ما خرج له حتى رجع إلى موضعه . وذكر ~~السمرقندي : أن رجلا من بني المغيرة أتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ليقتله ، فطمس الله بصره فلم ير النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وسمع قوله ، ~~فرجع إلى أصحابه ولم يرهم حتى نادوه ، وذكر أن فيه وفي أبي جهل نزلت : " ~~إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون . وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون " . وقد روي عن أبي ~~هريرة أن أبا جهل وعد قريشا : لئن رأى محمدا - ( صلى الله عليه وسلم ) - ~~يصلي ليطأن رقبته ، فلما ( صلى الله عليه وسلم ) أعلموه فأقبل ، فلما قرب ~~منه ولى هاربا ناكصا على عقبيه متفيا بيديه ، فسئل فقال : لما دنوت منه ~~أشرفت على خندق مملوء نارا كدت أهوى فيه ، وأبصرت هولا عظيما ، وخفق أجنحة ~~قد ملأت الأرض . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " تلك الملائكة ~~لو دنا لاختطفته عضوا عضوا " ثم أنزل على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " كلا إن الإنسان ليطغى " إلى آخر السورة . وقد ذكرنا أيضا قصة شيبة بن ~~عثمان بن أبي طلحة في غزوة حنين . وعن فضالة بن عمرو قال : أردت قتل النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) عام الفتح وهو يطوف بالبيت ، فلما دنوت منه قال : " ~~أفضالة " ؟ قلت : نعم ، قال : " ما كنت تحدث به نفسك " ؟ قلت : لا شيء فضحك ms3958 ~~واستغفر لي ووضع يده على صدري فسكن قلبي ، فو الله ما رفعها حتى ما خلق ~~الله شيئا أحب إلي منه . ومنه خبر عامر بن الطفيل ، وأربد بن قيس ، وقد ~~تقدم ذكر قصتهما . ومن معجزاته ( صلى الله عليه وسلم ) ما جمعه الله تعالى ~~له من المعارف والعلوم ، وخصه به من الاطلاع على جميع مصالح الدنيا والدين ~~، ومعرفته بأمور الشرائع وغير ذلك ، كاطلاعه ( صلى الله عليه وسلم ) على ~~أخبار من سلف من الأمم ، وقصص الأنبياء والرسل ، وأخبار الجبابرة والقرون ~~الماضية ، وحفظ شرائعهم ، وسرد أنبائهم ، وأيام الله فيهم ، ومعارضة كل ~~فرقة من أهل الكتاب بما في كتبهم ، وإعلامهم بأسرارها ومخبآت علومها ، ~~وإخبارهم بما كتموه من ذلك وغيروه ، واحتوائه ( صلى الله عليه وسلم ) على ~~لغات العرب وغريب ألفاظها ، والحفظ لأيامها وأمثالها وحكمها ، ومعاني ~~أشعارها ، وما خصه الله تعالى به من جوامع الكلم ، وما علمه من ضروب ~~PageV18P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" العلوم وفنون المعارف ؛ كالطب والعبارة ~~والفرائض والحساب والأنساب وغير ذلك ، مما جعل أهل هذه العلوم كلامه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فيها قدوة وحجة وأصولا يرجعون إليها في علومهم ؛ كقوله ~~عليه السلام : " الرؤيا لأول عابر وهي على رجل طائر " وقوله : " الرؤيا ~~ثلاث ؛ رؤيا حق ، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه ، ورؤيا تحزين من الشيطان " . ~~وقوله : " إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب " . وقوله : " أصل كل ~~داء البردة " وقوله : " المعدة حوض البدن ، والعروق إليها واردة " وقوله : ~~" خير ما تداويتم به السعوط ، واللدود ، والحجامة ، والمشي ، وخير الحجامة ~~يوم سبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين ، وفي العود الهندي سبعة أشفية " ~~وقوله : " ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه " . وقوله لكاتبه : " ضع القلم ~~على أذنك فإنه أذكر للمملى " . وقد وردت آثار بمعرفته حروف الخط ، وحسن ~~تصويرها ؛ كقوله : " لا تمدوا بسم الله الرحمن الرحيم " رواه ابن شعبان من ~~طريق ابن عباس ، وقوله في الحديث الآخر الذي يروى عن معاوية أنه كان يكتب ~~بين يديه - ( صلى الله عليه وسلم ) - فقال له : " ألق الدواة ، وحرف القلم ~~وأقم الباء ، وفرق السين ، ولا تعور ms3959 الميم ، وحسن الله ، ومد الرحمن ، وجود ~~الرحيم " وإن لم تصح الرواية أنه ( صلى الله عليه وسلم ) كتب ، فلا يبعد أن ~~يكون قد رزق علم الخط ، ومنع الكتابة والقراءة . وكذلك حفظه ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لكثير من لغات الأمم ؛ كقوله ( صلى الله عليه وسلم ) " سنه سنه ~~" وهي حسنة بالحبشية ، وقوله : و : يكثر الهرج " وهو القتل بها ، وقوله في ~~حديث أبي هريرة : " اشكنب دردم " أي وجع البطن بالفارسية ، وغير ذلك مما لا ~~يعلمه إلا من دارس العلوم ، ومارس الكتب ، وداوم المطالعة ، وعكف على ~~الاشتغال . وكان ( صلى الله عليه وسلم ) بخلاف ذلك لا يقرأ ولا يكتب ؛ كما ~~أخبر الله تعالى عنه بقوله عز وجل : " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا ~~تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون " وفي هذا أكبر آية ، وأعظم دلالة ، وأبين ~~حجة ، وأبهر معجزة له ( صلى الله عليه وسلم ) . PageV18P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" وقد رأينا ان نختم هذه الفصول بذكر القصيدة ~~التي ايتسمت ثغورها بوصف معجزاته ، وتحلت نحورها بجواهر صفاته ، ورفلت في ~~حلل الفخار من باهر آياته ، وسحبت ذيول الافتخار بإشارات إلى غزواته ، وفاح ~~أرجها فأخجل المسك الداري ، وأشرقت أنوارها على النيرين فما ظنك بالدراري ، ~~وهي قصيدة الشيخ الإمام العلامة أبي محمد عبد الله بن زكريا الشقراطيسي ~~رحمه الله تعالى ، وإنما اقتصرنا عليها وصرفنا الرغبة دون غيرها إليها ~~لاشتمالها على جمل من أخباره السنية ، ونكت من آثاره التي هي بكل خير ملية ~~، وهي : الحمد لله منا باعث الرسل . . . هدى بأحمد منا أحمد السبل خير ~~البرية من بدو ومن حضر . . . وأكرم الخلق من حاف ومنتعل توراة موسى أتت عنه ~~فصدقها . . . إنجيل عيسى بحق غير مفتعل أخبار أحبار أهل الكتب قد وردت . . ~~. عما رأوا ورووا في الأعصر الأول ضاءت لمولده الآفاق وانصلت . . . بشرى ~~الهواتف في الإشراق والطفل وصرح كسرى تداعى من قواعده . . . وانقاض منكسر ~~الأرجاء ذا ميل ونار فارس لم توقد وما خمدت . . . مذ ألف عام ونهر القوم لم ~~يسل خرت لمبعثه الأوثان وانبعثت . . . ثواقب الشهب ترمي الجن بالشعل ومنطق ~~الذئب بالتصديق معجزة ms3960 . . . مع الذراع ونطق العير والجمل وفي دعائك ~~بالأشجار حين أتت . . . تسعى بأمرك في أغصانها الذلل وقلت عودي فعادت في ~~منابتها . . . تلك العروق بإذن الله لم تمل والسرح بالشام لما جئتها سجدت . ~~. . شم الذوائب في أغصانها الخضل والجذع حن لأن فارقته أسفا . . . حنين ~~ثكلى شجتها لوعة الثكل ما صبر من صار من عين على أثر . . . وحال من حال من ~~حال إلى عطل حي فمات سكونا ثم مات لدن . . . حي حنينا فأضحى غاية المثل ~~PageV18P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" والشاة لما مسحت الكف منك على . . . جهد ~~الهزال بأوصال لها قحل سحت ودرت بشكر الضرع حافلة . . . فروت الركب بعد ~~النهل بالعلل وآية الغار إذ وقيت في حجب . . . عن كل رجس لرجس الكفر منتحل ~~وقال صاحبك الصديق كيف بنا . . . ونحن منهم بمرأى الناظر العجل فقلت لا ~~تحزن إن الله ثالثنا . . . وكنت في حجب ستر منه منسدل حمت لديك حمام الوحش ~~جاثمة . . . كيدا لكا غوي القلب مختبل والعنكبوت أجادت حوك حلتها . . . فما ~~يخال خلال النسج من خلل قالوا : وجاءت إليه سرحة سترت . . . وجه النبي ~~بأغصان لها هدل وفي سراقة آيات مبينة . . . إذ ساخت الحجر في وحل بلا وحل ~~عرجت تخترق السبع الطباق إلى . . . مقام زلفى كريم قمت فيه عل عن قاب قوسين ~~أو أدنى هبطت ولم . . . تستكمل الليل بعد المر والقفل دعوت للخلق عام المحل ~~مبتهلا . . . افديك بالخلق من داع ومبتهل صعدت كفيك إذ كف الغمام فما . . . ~~صوبت إلا بصوب الواكف الهطل أراق بالأرض ثجا صوب ريقه . . . فحل بالأرض ~~نسجا رائق الحلل زهر من النور حلت روض أرضهم . . . زهرا من النور ضافي ~~النبت مكتهل من كل غصن نضير مورق خضر . . . وكل نور نضيد مونق خضل تحية ~~أحيت الأحياء من مضر . . . بعد المضرة تروي السبل بالسبل دامت على الأرض ~~سبعا غير مقلعة . . . لولا دعاؤك بالإقلاع لم تزل ويوم زورك بالزوراء إذ ~~صدروا . . . من يمن كفك عن أعجوبة مثل PageV18P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" والماء ينبع جودا من أناملها . . . وسط ~~الإناء بلا نهر ولا وشل حتى توضأ منه القوم واغترفوا . . . وهم ms3961 ثلاث مئين ~~جمع محتفل أشبعت بالصاع ألفا مرملين كما . . . رويت ألفا ونصف الألف من سمل ~~وعاد ما شبع الألف الجياع به . . . كما بدوا فيه لم ينقص ولم يحل أعجزت ~~بالوحي أصحاب البلاغة في . . . عصر البيان فضلت أوجه الحيل سألتهم سورة في ~~مثل حكمته . . . فتلهم عنهم حين العجز حين تلي ورام رجس كذوب أن يعارضه . . ~~. بعي غي فلم يحسن ولم يطل مثبج بركيك الإفك ملتبس . . . ملجلج بزري الزور ~~والخطل يمج أول حرف منه سامعه . . . ويعتريه كلال العجز والملل كأنه منطق ~~الورهاء شذبه . . . لبس من الخبل أو مس من الخبل أمرت البئر واغورت لمجته . ~~. . فيها وأعمى بصير العين بالتفل وأيبس الضرع منه شؤم راحته . . . من بعد ~~إرساله بالرسل منهمل برئت من دين قوم لا قوام لهم . . . عقولهم من وثاق ~~الغي في غلل يستخبرون خفي الغيب من حجر . . . صلد ويرجون غوث النصر من هبل ~~نالوا أذى منك لولا حلم خالقهموحجة الله بالإنذار لم تنل واستضعفوا أهل دين ~~الله فاصطبروا . . . لكل معضل خطب فادح جلل لاقى بلاء من أمية قد . . . ~~أحله الصبر فيه أكرم النزل إذا أجهدوه بضننك الضنك وهو على . . . شدائد ~~الأزل ثبت الأزر لم يزل PageV18P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" ألقوه بطحاء برمضاء البطاح وقد . . . عالوا ~~عليه الصخور جمة الثقل فوحد الله إخلاصا وقد ظهرت . . . بظهره كندوب الطل ~~في الطلل إن قد ظهر ولي الله من دبر . . . قد قد قلب عدو الله من قبل نفرت ~~في نفر لم ترض أنفسهم . . . إذ نافروا الرجس إلا القدس من نفل بأنفس بدلت ~~في الخلد إذ بذلت . . . عن صدق بذل ببدر أكرم البدل قالوا : محمد قد حلت ~~كتائبه . . . كالأسد تزأر في أنيابها العصل فويل مكة من آثار وطأته . . . ~~وويل أم قريش من جوى الهبل فجدت عفوا بفضل العفو منك ولم . . . تلملم ولا ~~بأليم اللوم والعذل أضربت بالصفح صفحا عن طوائلهم . . . طولا أطال مقيل ~~القوم في المقل رحمت واشج أرحام أتيح لها . . . تحت الوشيج نشيج الروع ~~والوجل عاذوا يظل كريم العفو ذي لطف . . . مبارك الوجه بالتوفيق مشتمل أحبب ~~بخيل ms3962 من التكوين قد جنبت . . . لجانب عن جانب الحق معتزل أعميت جيشا بكف من ~~حصى فجثوا . . . وعطلوا عن حراك النقل بالنقل ودعوة بفناء البيت صادقة . . ~~. غدا أمية منها شر مخزل غادرت جهل أبي جهل بمجهلة . . . وشاب شيبة قبل ~~الموت من وجل وعتبة الشر لم يعتب فتعطفه . . . منك العواطف قبل الفوت في ~~مهل وعقبة الغمر عقباه لشقويه . . . قد ظل من غمرات الغي في ظلل وكل أشوس ~~عاتي القلب منقلب . . . جعلته بقليب البئر كالجعل PageV18P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" وجاثم بمثار النقع مشتغل . . . بجاحم من أوار ~~النار مشتعل عقدت بالخزي في عطفه مقلدهم . . . طوق الحمامة باق غير منتقل ~~أمسى خليل صغار بعد نخوته . . . بالأمس في خيلاء الخيل والخول دام يديم ~~زفيرا في جوانجه . . . جنح من الشك لم يجنح ولم يمل يقاد في القد خنقا ~~مشربا حنقا . . . يمشي به الذعر مشى الشارب الثمل أوصاله من صليل الغل في ~~علل . . . وقلبه من غليل الغل في غلل يظل يحجل ساجي الطرف خافضه . . . ~~بمسكة الحجل لا من مسكة الحجل أرحت بالسيف ظهر الأرض من نفر . . . أزحت ~~بالصدق منهم كاذب العلل تركت بالكفر صدعا غير ملتئم . . . وآب منك بقرح غير ~~مندمل وأفلت السيف منهم كل ذي أسف . . . على الحمام حماه آجل الأجل قد ~~أعتقته عتاق الخيل وهو يرى . . . به إلى رق موتس رقة الغزل فكم بمكة من باك ~~وباكية . . . بفيض سجل من الآماق منسجل وكاسف البال بالي الصبر جدت له . . ~~. بوابل من وبال الخزي متصل فؤاده من سعير الغيظ في غلل . . . وعينه من ~~غزير الدمع في غلل قد أسعرت منه صدرا غير مصطبر . . . وحملت منه قلباالغير ~~محتمل ويوم مكة إذ أشرفت في أمم . . . يضيق عنها فجاج الوعر والسهل ~~PageV18P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" خوافق داق ذرع الخافقين بها . . . في قاتم من ~~عجاج الخيل والإبل وجحفل قذف الأرجاء ذي لجب . . . عرمرم كزهاء الليل منسدل ~~وأنت صلى عليك الله تقدمهمفي بهو إشراق نور منك مكتمل ينير فوق أغر الوجه ~~منتجب . . . متوج بعزيز النصر مقتبل تسمو أمام جنود الله مرتديا . . . ثوب ~~الوقار لأمر الله ممتثل ms3963 خشعت تحت لواء العز حين سمت . . . بك المهابة فعل ~~الخاضع وجل وقد تباشر أملاك السماء بما . . . ملكت إذ نلت منه غاية الأمل ~~والأرض ترجف من زهو ومن فرق . . . والجو يزهر إشراقا من الجذل والخيل تختال ~~ملا في أعنتها . . . والعيس تنثال رهوا من ثنى الجدل لولا الذي خطت الاقلام ~~من قدر . . . وسابق من قضاء غير ذي حول أهل ثهلان بالتهليل من طرب . . . ~~وذاب يذبل تكبيرا من الذبل الملك لله هذا عز من عقدت . . . له النبوة فوق ~~العرش في الأزل شعبت صدع قريش بعدما قذفت . . . بهم شعوب شعاب السهل والقلل ~~من كل مهتصر لله منتصر . . . بالسيف مختصر بالرمح معتقل يمشي إلى الموت ~~عالى الكعب معتقلا . . . أظمى الكعوب كمشي الكاعب الفضل قد قاتلوا دونك ~~الأقيال عن جلد . . . وجالدوا بجلاء البيض والجدل وصلتهم وقطعت الاقربين ~~معا . . . في الله لولاه لم تقطع ولم تصل وجاء جبريل في جند لهم عدد . . . ~~لم يبتذلها أكف الخلق بالعمل PageV18P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" بيض من العون لم تستل من غمد . . . خيل من ~~الكون لم تستن في طيل أزكى البرية أخلاقا وأطهرها . . . وأكثر الناس صفحا ~~عن ذوي الزلل زان الخشوع وقار منه في خفر . . . أرق من خفر العذراء في ~~الكلل وطفت في البيت محبورا وطاف به . . . من كان عنه قبيل الفتح في شغل ~~والكفر في ظلمات الرجس مرتكس . . . ثاو بمنزلة البهموت من زحل حجزت بالأمن ~~أقطار الحجاز معا . . . وملت بالخوف عن خفيف وعن ملل وحل أمن ويمن منك في ~~يمن . . . لما أجابت إلى الإيمان في عجل وأصبح الدين قد حفت جوانبه . . . ~~بعزة النصر واستعلى على الملل قد طاع منحرف منهم لمعترف . . . وانقاد معتدل ~~منهم لمعتدل أحبب بخلة أهل الحق في الخلل . . . وعز دولته الغراء في الدول ~~أم اليمامة يوم منه مصطلم . . . وحل بالشام شؤم غير مرتحل تعرقت منه أعراق ~~العراق ولم . . . يترك من الترك عظما غير منتثل لم يبق للفرس ليث غير مفترس ~~. . . ولا من الحبش جيش غير منجفل ولا من الصين صون غير مبتذل . . . ولا من ~~الروم مرمى غير منتضل ms3964 ولا من النوب جذم غير منجذم . . . ولا من الزنج جدل ~~غير منجذل ونيل بالسيف سيف النيل واتصلت . . . دعوى الجنود فكل بالجلاد صلي ~~وسل بالغرب غرب السيف إذ شرقت . . . بالشرق قبل صدور البيض والأسل وعاد كل ~~عدو عز جانبه . . . قد عاذ منك ببذل منه مبتذل PageV18P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" بذمة الله والإيمان متصل . . . أو من شبا ~~النصل بالأموال منتصل يا صفوة الله قد صافيت فيك صفا . . . صفو الوداد بلا ~~شوب ولا دخل ألست أكرم من يمشي على قدم . . . من البرية فوق السهل والجبل ~~وأزلف الحلق عند الله منزلة . . . إذ قيل في مشهد الأشهاد والرسل قم يا ~~محمد فاشفع في العباد وقل . . . تسمع وسل تعط واشفع عائدا وسل والكوثر ~~الحوض يروي الناس من ظمأ . . . برح وينقع منه لاعج الغلل أصفى من الثلج ~~إشراقا مذاقته . . . أحلى من اللبن المضروب بالعسل نحلتك الود علي إذ ~~نحلتكه . . . أحبى بفضلك منه أفضل النحل فما لجلدي بنضج النار من جلد . . . ~~ولا لقلبي بهول الحشر من قبل يا خالق الخلق لا تخلق بما اجترمت . . . يداي ~~وجهي من حوب ومن زلل واصحب وصل وواصل كل صالحة . . . على صفيك في الإصباح ~~والأصل ( صلى الله عليه وسلم ) وقد آن أن نأخذ في ذكر أخبار وفاة رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، ونبدأ من ذلك بما أنزل عليه عند اقتراب أجله ، ثم ~~نذكر ابتداء وجعه والحوادث التي اتفقت في أثناء مرضه إلى حين وفاته ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . ذكر ما أنزل على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عند ~~اقتراب أجله ، وما كان يقوله مما استدل به على اقترابه كان مما استدل به ~~على اقتراب أجل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، نزول سورة الفتح ، ~~وتتابع الوحي ، وتكرار عرض القرآن على جبريل ، واستغفار رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) لأهل البقيع والشهداء . روى عن عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل عن قول الله عز وجل : " إذا جاء ~~نصر الله والفتح . ورأيت الناس يدخلون في ms3965 دين الله أفواجا " فقال بعض أصحاب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا ~~الله وفتح علينا . وقال بعضهم : PageV18P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" فتح المدائن والقصور . وسكت بعضهم فلم يقل ~~شيئا ، قال عمر : كذلك تقول يابن عباس ؟ فقلت : لا ، قال : فما تقول ؟ قلت ~~: هو أجل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أعلمه له ؛ قال : " إذا جاء نصر ~~الله والفتح " وذاك علامة أجلك " فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا " ~~فقال عمر رضي الله عنه ، ما أعلم منها إلا ما تقول . وعن عائشة رضي الله ~~عنها قالت : ما صلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعد أن نزلت عليه : " إذا ~~جاء نصر الله والفتح " إلا يقول فيها : " سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ~~" . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " إذا جاء نصر الله والفتح " داع من ~~الله ووداع من الدنيا . وعنه رضي الله عنه قال : لما نزلت " إذا جاء نصر ~~الله والفتح " دعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فاطمة فقال : " إنه ~~نعيت إلى نفسي " قالت فبكيت ، فقال : " لا تبكي فإنك أول أهلي بي لحوقا " ~~فضحكت . وروى محمد بن سعد بسنده إلى أنس بن مالك : أن الله تبارك وتعالى ~~تابع الوحي على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قبل وفاته حتى توفى ، ~~وأكثر ما كان الوحي في يوم توفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وروى ~~ابن سعد أيضا بسنده إلى عكرمة قال قال العباس : لأعلمن بقاء رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فينا ، فقال له : يا رسول الله ، لو اتخذت عرشا فإن ~~الناس قد آذوك ، قال : " والله لا أزال بين ظهرانيهم ينازعوني ردائي ~~ويصيبني غبارهم حتى يكون الله يريحني منهم " قال العباس : فعرفنا أن بقاء ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فينا قليل . وعن وائلة بن الأسقع قال : ~~خرج علينا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : " أتزعمون أنى من ~~آخركم وفاة ، ألا وإني من اولكم وفاة ، وتتبعوني أفنادا يهلك بعضكم بعضا " ~~. وعن أبي صالح قال ms3966 : كان جبريل يعرض القرآن كل سنة مرة على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فلما كان العام الذي قبض فيه عرض عليه مرتين . وكان ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يعتكف في شهر رمضان العشر الأواخر ، فلما ~~كانت السنة التي قبض فيها اعتكف عشرين يوما . وعن عائشة وابن عباس رضي الله ~~عنهم نحوه . ذكر استغفار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لأهل بقيع ~~الغرقد والشهداء ، وما روي من تخييره بين البقاء ولقاء الله تعالى ، ~~واختياره لقاء ربه عز وجل روى عن عائشة رضي الله عنها قالت : قام رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ذات ليلة فلبس ثيابه ثم خرج ، فأمرت جاريتي بريرة ~~فتبعته ، حتى إذا جاء البقيع وقف في أدناه ما شاء الله PageV18P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" أن يقف ، ثم انصرف فسبقته بريرة فأخبرتني فلم ~~أذكر له شيئا حتى أصبح ، ثم ذكرت ذلك له فقال : " إني بعثت لأهل البقيع ~~لأصلى عليهم " . وعنها رضي الله عنها قالت : افتقدت النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من الليل فتبعته فإذا هو بالبقيع فقال : " السلام عليكم دار قوم ~~مؤمنين أنتم لنا فرط ، وإنا بكم لاحقون ، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا ~~بعدهم " قالت : ثم التفت إلي فقال : " ويحها لو تستطيع ما فعلت " . وعنها ~~رضي الله عنها قالت : وثب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من مضجعه من ~~جوف الليل ، فقلت : إلى أين بأبي أنت وأمي يا رسول الله ؟ قال : " أمرت أن ~~أستغفر لأهل البقيع " قالت : فخرج وخرج معه مولاه أبو رافع ، وكان أبو رافع ~~يحدث قال : اسغفر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لهم طويلا ثم انصرف ، ~~وجعل يقول : " يا أبا رافع إني خيرت بين خزائن الدنيا والخلد ثم الجنة ، ~~وبين لقاء ربي والجنة فاخترت لقاء ربي " . وعن أبي مويهبة مولى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قال قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من جوف ~~الليل : " يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي " ~~فخرج وخرجت معه حتى جاء ms3967 البقيع فاستغفر لأهله طويلا ، ثم قال : " ليهنئكم ~~ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع ~~بعضها بعضا ، يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى " ثم أقبل علي فقال : ~~" يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، ثم الجنة ~~، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة " فقلت : بأبي أنت وأمي ، فخذ مفاتيح ~~خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة ، فقال : " لا يا أبا مويهبة لقد اخترت ~~لقاء ربي والجنة " ثم استغفر لأهل البقيع وانصرف . والجمع بين هذه الأحاديث ~~كلها غير مناف ؛ لأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ربما استغفر لأهل ~~البقيع ليالي ، ويؤيد هذا ويعضده ما رواه عطاء بن يسار عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كلما كانت ليلتها منه ~~يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول : " السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، ~~أتانا وإياكم ما توعدون ، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ، اللهم اغفر لأهل ~~بقيع الغرقد " . وعن عطاء بن يسار أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أتي ~~فقيل له : اذهب فصل على أهل البقيع ، ففعل ذلك ثم رجع فرقد ، فقيل له اذهب ~~فصل على الشهداء ، فذهب إلى أحد فصلى على قتلى أحد ، فرجع معصوب الرأس ، ~~فكان بدو الوجع الذي مات فيه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وعن عقبة ~~بن عامر الجهني : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) صلى على قتلى أحد ~~بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ، ثم طلع المنبر فقال : " إني بين ~~أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد ، وإن موعدكم الحوض ، وإني لأنظر إليه وأنا في ~~مقامي هذا ، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكن أخشى عليكم الدنيا أن ~~تنافسوها " . PageV18P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" ذكر ابتداء وجع رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) واستئذانه نساءه أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها كان ابتداء وجع ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في يوم الأربعاء ، قيل : لإحدى عشر بقيت ~~من صفر سنة إحدى ms3968 عشرة من الهجرة . وقيل : لليلة بقيت من صفر . روى عن ابن ~~شهاب ، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود - دخل حديث أحدهما في حديث الآخر - عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت : بدا برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) شكوه ~~الذي توفي فيه وهو في بيت ميمونة ، فخرج في يومه ذلك حتى دخل علي ، قال ابن ~~مسعود عنها : رجع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من البقيع فوجدني وأنا ~~أجد صداعا في رأسي ، وأنا أقول : وارأساه ، فقال : " بل أنا يا عائشة ~~وارأساه " قالت ثم قال : " وما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ~~ودفنتك " قالت قلت : والله لكأنى بك لو قد فعلت لرجعت إلى بيتي فأعرست فيه ~~ببعض نسائك . قالت : فتبسم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وتتام به ~~وجعه وهو يدور على نسائه ، حتى استعز به وهو في بيت ميمونة ، فدعا نساءه ~~فاستأذنهن أن يمرض في بيتي فأذن له ، قالت فخرج يمشي بين رجلين من أهله ، ~~أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر ، عاصب رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتي ، قال ~~عبيد الله : فحدثت بهذا الحديث عبد الله بن عباس فقال : هل تدري من الرجل ~~الآخر ؟ قال قلت : لا ، قال : علي بن أبي طالب قالت عائشة : ثم غمر رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، واشتد به وجعه ، فقال : " هريقوا علي من سبع ~~قرب من آبار شتى " وفي رواية : " لم تحلل أو كيتهن لعلي أعهد إلى الناس " ~~قالت فأجلسناه في مخضب لحفصة بنت عمر ، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى ~~جعل يشير إلينا بيده أن قد فعلتن ، ثم خرج إلى الناس وصلى بهم وخطبهم ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . ذكر خطبة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وما أمر به ~~من سد الأبواب التي تشرع إلى مسجده إلا باب أبو بكر الصديق ووصيته بالأنصار ~~روى عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : خطب رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فقال : PageV18P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" " إن الله خير عبدا بين الدنيا ms3969 وبين ما عنده ~~فاختار ذلك العبد ما عند الله " فبكي أبو بكر فقلت في نفسي : ما يبكي هذا ~~الشيخ أن يكون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يخبرنا عن عبد خير فاختار ~~؟ قال : وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هو المخير ، وكان أبو بكر ~~أعلمنا به ، قال فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " يا أبا بكر لا ~~تبك ، أيها الناس ، إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت ~~متخذا من الناس خليلا كان أبو بكر ، ولكن أخوة الإسلام ومودته ، لا يبقين ~~في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر " . وعن قتيبة بن سعيد عن الليث بن ~~سعد ، عن يحيى بن سعيد ؛ أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " إن أعظم ~~الناس علي منا في صحبته وذات يده أبو بكر ، فأغلقوا هذه الأبواب الشارعة ~~كلها في المسجد إلا باب أبي بكر " قال قتيبة : قال الليث بن سعد ، قال ~~معاوية ابن الصالح ، فقال ناس : أغلق أبوابنا وترك باب خليله ، فقال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " قد بلغني الذي قلتم في باب أبي بكر ، وإني ~~أرى على باب أبي بكر نورا وأرى على أبوابكم ظلمة " رواه محمد بن سعد في ~~طبقاته الكبرى . وروى بسنده إلى عكرمة عن ابن عباس قال : خرج رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه في خرقة ، فقعد على ~~المنبر فحمد الله وأثنى عايه وقال : " إنه ليس أحد أمن علي في نفسه وماله ~~من أبي بكر بن قحافة ، ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ~~، ولكن خلة الإسلام أفضل ، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي ~~بكر " وعن أبي الحويرث قال : لما أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بالأبواب تسد إلا باب أبي بكر ، قال عمر : يا رسول الله ، دعني أفتح كوة ~~أنظر إليك حين تخرج إلى الصلاة ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" لا " . وعن أبي البداح بن ms3970 عاصم بن عدي ، قال العباس بن عبد المطلب : يا ~~رسول الله ، ما بالك فتحت أبواب رجال إلى المسجد ، ومالك سددت أبواب رجال ؟ ~~فقال : " يا عباس ، ما فتحت عن أمري ولاسددت عن أمري " قالت عائشة رضي الله ~~عنها في حديثها : وأوصى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالأنصار ، فقال ~~: " يا معشر المهاجرين ، إنكم أصبحتم تزيدون والأنصار لا تزيد على هيئتها ~~التي هي عليها اليوم ، هم عيبتي التي أويت إليها ، أكرموا كريمهم ، ~~وتجاوزوا عن مسيئهم " . ومن رواية : " احفظوني فيهم ؛ اقبلوا من محسنهم ~~وتجاوزوا عن مسيئهم " . PageV18P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" ذكر ما قاله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) لأبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وفيه روي عن أبي أمامة ، عن كعب بن مالك ~~قال : إن أحدث عهدي بنبيكم ( صلى الله عليه وسلم ) قبل وفاته بخمس ، فسمعته ~~يقول ويحرك كفه " إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كان له من أمته خليل ، ألا ~~وإن خليلي أبو بكر ، إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا " . وعن ~~أبي مليكة قال قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في مرضه الذي مات فيه : " ~~ادعوا إلي أبا بكر " فقالت عائشة : إن أبا بكر رجل يغلبه البكاء ، ولكن إن ~~شئت دعونا لك ابن الخطاب ، قال : " ادعوا إلي أبا بكر " قالت إن أبا بكر ~~يرق ، ولكن إن شئت دعونا لك ابن الخطاب . فقال : " إنكن صواحب يوسف ، ادعوا ~~إلي أبا بكر وابنه ، فليكتب أن يطمع في أمر أبي بكر طامع أو يتمنى متمن " ~~ثم قال : " يأبى الله ذلك والمؤمنون ، يأبى الله ذلك والمؤمنون " قالت ~~عائشة : فأبى الله ذلك والمؤمنون ، فأبى الله ذلك والمؤمنون . وروى محمد بن ~~سعد بسنده إلى عروة ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، والقاسم ~~بن محمد ، كلهم يحدث عن عائشة رضي الله عنها - دخل حديثهم بعضه في حديث بعض ~~- قالت : بدئ برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في بيت ميمونة فدخل علي ~~وأنا أقول : وا رأساه ، فقال : " لو كان ذلك وأنا حي فأستغفر لك وأدعوا ms3971 لك ~~وأكفنك وأدفنك " فقلت : واثكلاه ، فوالله إنك لتحب موتي ، ولو كان ذلك ~~لظللت يومك معرسا ببعض أزواجك . فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " بل ~~أنا وارأساه لقد هممت - أو أردت - أن أرسل إلى أبيك وإلى أخيك فأقضي أمري ، ~~وأعهد عهدي ، فلا يطمع في الأمر ، طامع ولا يقول القائلون : أو يتمنى ~~المتمنون " . وقال بعضهم في حديثه : ويأبى الله إلا أبا بكر " . وعن محمد ~~بن جبير قال : جاء رجل إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يذاكره في الشيء ، ~~فقال : إن جئت فلم أجدك ؟ قال : " فأت أبا بكر " . وعن عاصم بن عمرو بن ~~قتادة ، قال : ابتاع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعيرا من رجل إلى أجل ~~فقال : يا رسول الله ، إن جئت فلم أجدك ؟ يعني بعد الموت ، قال : " فأت أبا ~~بكر " قال : فإن جئت فلم أجد أبا بكر ، بعد الموت ؟ قال : " فأت عمر " ، ~~قال فإن جئت ولم أجد عمر ؟ قال : " إن استطعت أن تموت إذا مات عمر فمت " . ~~PageV18P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" ذكر أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه ، وخروج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وما كلم به الناس ، وكم صلى أبو بكر بالناس صلاة ، وما روى من أن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ائتم بأبي بكر رضي الله عنه عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت : لما ثقل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جاء بلال يؤذنه بالصلاة ~~فقال : " مروا أبا بكر يصلي بالناس " فقلت يا رسول الله ، إن أبا بكر رجل ~~أسيف ، وأنه متى ما يقوم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر ، فقال : " ~~مروا أبا بكر يصلي بالناس " فقلت لحفصة : قولي له إن أبا بكر رجل أسيف ، ~~وأنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر ، فقال : " إنكن لأنتن ~~صواحب يوسف ، مروا أبا بكر يصلي بالناس " فلما دخل أبو بكر في الصلاة وجد ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في نفسه خفة فقام يهادي بين رجلين ، ~~ورجلاه تخطان في الأرض حتى ms3972 دخل المسجد ، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب أبو بكر ~~يتأخر ، فأومأ إليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فجاء النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) حتى جلس عن يسار أبي بكر ، فكان أبو بكر يصلي قائما ، ~~وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يصلي قاعدا ؛ يقتدي أبو بكر بصلاة ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر . رواه ~~البخاري في صحيحه . وروى محمد ابن سعد بسنده عن عبيد بن عمير الليثي نحوه . ~~وقال : فلما فرغا من الصلاة قال أبو بكر : أي رسول الله ، أراك أصبحت بحمد ~~الله صالحا ، وهذا يوم ابنة خارجة - امرأة لأبي بكر من الأنصار - فأذن له ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وجلس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~في مصلاه أو إلى جنب المنبر ، فحذر الناس الفتن ، ثم نادى بأعلى صوته ، حتى ~~إن صوته ليخرج من باب المسجد ، فقال : " إني والله لا يمسك الناس علي بشيء ~~؛ لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه ، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه " ~~ثم قال : " يا فاطمة بنت محمد ويا صفية عمة رسول الله اعملا لما عند الله ~~فإني لا أغني عنكما من الله شيئا " ثم قام من مجلسه ذلك ، فما انتصف النهار ~~حتى قبضه الله تعالى . وعن سعيد بن المسيب قال قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " يا بني عبد مناف لا أغنى عنكم من الله شيئا ، يا عباس ابن ~~عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا ، يا فاطمة بنت محمد لا أغنى عنك من ~~الله شيئا سلوني ما شئتم " . وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ~~قال : دخلت على عائشة فقلت لها حدثيني عن مرض PageV18P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قالت : ~~لما ثقل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : " أصلى الناس " ؟ فقلت : ~~لا هم ينتظرونك يا رسول الله ، قال : " ضعوا لي ماء في المخضب " قالت : ~~ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ms3973 ثم أفاق ، فقال : " أصلى الناس " ؟ ~~فقلت : لا هم ينتظرونك ، فقال : " ضعوا لي ماء في المخضب " قالت : " ففعلنا ~~فذهب فاغتسل فقال : " أصلى الناس " ؟ قلت : لا ، هم ينتظرونك ، والناس عكوف ~~في المسجد ينتظرون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لصلاة العشاء الاخرة ، ~~قالت : فأرسل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى أبي بكر بأن يصلي ~~بالناس ، فأتاه الرسول فقال : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يأمرك ~~أن تصلي بالناس ، فقال أبو بكر - وكان رجلا رقيقا - : يا عمر ، صل بالناس ، ~~فقال له عمر : أنت أحق بذلك ، فصلى أبو بكر تلك الأيام . ثم أن النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وجد في نفسه خفة في نفسه فخرج بين رجلين أحدهما العباس ، ~~فصلى الظهر وأبو بكر يصلي بالناس ، قالت : فلما رآه أبو بكر ذهب ليتاخر ، ~~فأوما إليه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ألا يتاخر ، وقال لهما : " ~~أجلساني إلى جنبه " فأجلساه إلى جنب أبي بكر فجعل أبو بكر يصلي ، وهو قائم ~~بصلاة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والناس يصلون بصلاة أبي بكر ، والنبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قاعد ، قال عبيد الله : فدخلت على عبد الله بن عباس ~~فقلت له : ألا أعرض عليك بما حدثتني به عائشة عن مرض رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ؟ قال : هات ، فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئا غير أنه ~~قال : سمت لك الرجل الذي كان مع العباس ؟ قلت : لا ، قال : هو علي بن أبي ~~طالب . وروى محمد بن سعد ، عن محمد بن عمر ، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز ، ~~وعبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزية عن محمد بن إبراهيم قال قال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو مريض لأبي بكر : " صل بالناس " فوجد رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) خفة فخرج وأبو بكر يصلي بالناس ، فلم يشعر حتى ~~وضع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يده بين كتفيه ، فنكص أبو بكر ، وجلس ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن يمينه ، فصلى أبو بكر وصلى رسول الله ( ~~صلى الله ms3974 عليه وسلم ) بصلاته ، فلما انصرف قال : " لم يقبض نبي قط حتى يؤمه ~~رجل من أمته " . وروى نحوه عن أبي معشر ، عن محمد ابن قيس . وعن أم سلمة ~~رضي الله عنها أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان في وجعه إذا خف عنه ~~ما يجد خرج فصلى بالناس ، وإذا وجد ثقله قال : " مروا الناس فليصلوا " فصلى ~~بهم ابن أبي قحافة يوما الصبح فصلى ركعة ، ثم خرج رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فجلس إلى جنبه فأتم بأبي بكر ، فلما قضى أبو بكر الصلاة أتم ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما فاته . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) صلى في مرضه بصلاة PageV18P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" أبي بكر ركعة من الصبح ثم قض الركعة الباقية ~~. قال الواقدي : ورأيت هذا الثبت عند أصحابنا ؛ أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) صلى خلف أبي بكر . وروى محمد بن سعد بسنده إلى عبد الله بن ~~زمعة بن الأسود قال : عدت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في مرضه الذي ~~توفي فيه ، فجاءه بلال يؤذنه بالصلاة ، فقال لي رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) " مر الناس فليصلوا " قال عبد الله : فخرجت فلقيت ناسا لا أكلمهم ، ~~فلما لقيت عمر بن الخطاب لم أبغ من وراءه ، وكان أبو بكر غائبا فقلت له : ~~صل بالناس يا عمر ، فقام عمر في المقام وكان عمر رجلا مجهرا ، فلما كبر سمع ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) صوته ، فأخرج رأسه حتى أطلعه للناس من ~~حجرته ، فقال : " لا ، لا ، لا ، ليصل بهم ابن أبي قحافة " قال : يقول ذلك ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مغضبا ، قال : فانصرف عمر فقال لعبد الله ~~بن زمعة : يابن أخي أمرك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن تأمرني ؟ قال ~~فقلت : لا ، ولكني لما رأيتك لم أبغ من وراءك ، فقال عمر : ما كنت أظن حين ~~أمرتي إلا أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أمرك بذلك ، ولولا ذلك ما ms3975 ~~صليت بالناس ، فقال عبد الله : لما لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة ~~. وعن عبد الله بن عباس قال : حضرت الصلاة فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) : " مروا أبا بكر يصلي بالناس " فلما قام أبو بكر مقام النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) اشتد بكاؤه وافتتن ، واشتد بكاء من خلفه ، لفقد نبيهم ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فلما حضرت الصلاة جاء المؤذن إلى النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فقال : قولوا للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) يأمر رجلا يصلي بالناس ، ~~فإن أبا بكر قد افتتن من البكاء والناس خلفه ، فقالت حفصة زوج النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : مروا عمر يصلي بالناس حتى يرفع الله رسوله ، قال : فذهب ~~إلى عمر فصلى بالناس ، فلما سمع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) تكبيره قال : ~~" من هذا الذي أسمع تكبيره " فقالت له أزواجه : عمر بن الخطاب ، وذكروا له ~~ما قاله المؤذن ، وما قالت حفصة ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" إنكن لصواحب يوسف ، قولوا لأبي بكر فليصل بالناس " قال : فلو لم يستخلفه ~~ما أطاع له الناس . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : لم يزل رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) في وجعه إذا وجد خفة خرج ، وإذا ثقل وجاءه ~~المؤذن قال : " مروا أبا بكر يصلي بالناس " فخرج من عنده يوما يأمر بالناس ~~يصلون وابن أبي قحافة غائب ، فصلى عمر بن الخطاب بالناس فلما كبر قال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا ، لا ، أين ابن أبي قحافة " ؟ قال : ~~فانتقضت الصفوف وانصرف عمر ، قال : فما برحنا حتى طلع ابن أبي قحافة وكان ~~بالسنح فتقدم فصلى بالناس . وعن أنس بن مالك : أنا أبا بكر - PageV18P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" رضي الله عنهما - كان يصلي بهم في وجع رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذي توفى فيه ، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم ~~صفوف في الصلاة ، كشف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ستر الحجرة ينظر ~~إلينا ، وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ، ثم تبسم رسول الله ( صلى ms3976 الله عليه ~~وسلم ) ضاحكا ونحن في الصلاة من الفرح . قال : ونكص أبو بكر على عقبيه ، ~~فأشار فأشار إليهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " أن أتموا صلاتكم " ~~قال : ثم دخل وأرخى الستر ، فتوفي في يومه ( صلى الله عليه وسلم ) . وقال ~~محمد بن سعد : أخبرنا محمد بن عمر ، قال سألت أبا بكر بن عبد الله بن أبي ~~سبرة : كم صلى أبو بكر بالناس ؟ قال : صلى بهم سبع عشرة صلاة ، قلت : من ~~حدثك ذلك ؟ قال قال : حدثني أيوب بن عبد الرحمن ابن صعصعة ، عن عباد بن ~~تميم ، عن رجل من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : صلى بهم ~~أبو بكر ذلك . ذكر ما اتفق في مرض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خلاف ~~ما ذكرناه ، من اللدود الذي لد به ، والكتاب الذي أراد أن يكتبه ، والوصية ~~التي أمر بها ، والدنانير التي قسمها ، والسواك الذي استن به ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . فأما اللدود الذي لد به ( صلى الله عليه وسلم ) وما قال فيه ~~- روى عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : تخوفنا على رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ذات الجنب وثقل فلددناه ، فوجد خشونة اللد فأفاق ، فقال : " ما ~~صنعتم بي " ؟ قالوا : لددناك ، قال : " بماذا " ؟ قلنا : بالعود الهندي ، ~~وشيء من ورس وقطرات زيت ، قفال : " من أمركم بهذا " ؟ قالوا : أسماء بنت ~~عميس ، قال : " هذا طب أصابته بأرض الحبشة ، لا يبقى أحد في البيت إلا التد ~~إلا ما كان من عم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " يعني العباس ، ثم قال ~~: " ما الذي كنتم تخافون علي " ؟ قالوا : ذات الجنب ، قال : " ما كان الله ~~ليسلطها علي " . وفي رواية عن أم بشر بن البراء ، قال : " ما كان الله ~~ليسلطها على رسوله ، إنها همزة من الشيطان ، ولكنها من الأكلة التي أكلتها ~~أنا وابنك ، هذا أوان قطعت أبهري " . ومن حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال : فجعل بعضهم يلد بعضا . وعن هشام قال : كانت أم سلمة وأسماء بنت عميس ~~هما لدتاه ، قال : فالتدت يومئذ ميمونة وهي ms3977 صائمة ، لقسم النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، قال : وكان منه عقوبة لهم . PageV18P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" وأما الكتاب الذي أراد رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أن يكتبه ثم تركه لما وقع عنده من التنازع فقد اختلفت الروايات ~~في هذا الحديث عن عبد الله بن عباس وغيره ، فمن رواية سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس رضي الله عنهم أنه قال : اشتكى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يوم ~~الخميس فجعل - يعني ابن عباس - يبكي ويقول : يوم الخميس وما يوم الخميس ، ~~اشتد بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وجعه فقال : " ايتوني بدواة وصحيفة ~~أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا " قال فقال بعض من كان عنده : إن نبي ~~الله هجر ، قال فقيل له : ألا نأتيك بما طلبت ؟ قال : " أو بعد ماذا " ؟ ~~فلم يدع به . ومن طريق آخر عن سليمان بن أبي مسلم عن سعيد بن جبير قال : ~~فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع . فقالوا : ما شأنه أهجر ؟ استفهموه ، ~~فذهبوا يعيدون عليه . فقال : " دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه " ~~. قال : وأوصى بثلاث ، قال : " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا ~~الوفد بنحو ما كنت أجيزهم " وسكت عن الثالثة ، فلا أدري قالها فنسيتها ، أو ~~سكت عنها عمدا ؟ . ومن رواية طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ايتوني بالكتف ~~والدواة أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا " . قال فقالوا : إنما يهجر ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . هذه الروايات عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما . وروى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ~~ابن عباس قال : لما حضرت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الوفاة ، وفي ~~البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده " فقال عمر : إن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قد غلبه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله . فاختلف ms3978 أهل ~~البيت واختصموا ، فمنهم من يقول : قربوا يكتب لكم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلما كثر اللغلط والاختلاف وغمر ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " قوموا عني " . قال عبيد الله : ~~فكان ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم . وعن عكرمة ~~عن ابن عباس أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال في مرضه : " ايتوني ~~بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا " . فقال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه : من لفلانة وفلانة - من مدائن الروم - إن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) لن يموت حتى يفتتحها ، ولو مات لانتظرناه ، كما انتظرت ~~بنو إسرائيل موسى ؛ فقالت زينب زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ألا ~~تسمعون للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) يعهد إليكم ؟ فلغطوا PageV18P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" فقال : " قوموا " فلما قاموا قبض النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) مكانه ، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : لما كان في ~~مرض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذي توفي فيه ، دعا بصحيفة ليكتب ~~فيها لأمته كتابا لا يضلون ولا يضلون ، فكان في البيت لغط كلام ، وتكلم عمر ~~بن الخطاب ، قال : فرفضه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . وعن محمد بن عمر ~~الواقدي عن هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ~~قال : كنا عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وبيننا وبين النساء حجاب ~~، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " اغسلوني بسبع قرب وأتوني ~~بصحيفة ودواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا " فقال النسوة : ايتوا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بحاجته . قال عمر فقلت : اسكتن فإنكن ~~صواحبه إذا مرض عصرتن أعينكن ، وإذا صح أخذتن بعنقه . فقال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " هن خير منكم " . هذا ما وقفنا عليه من الروايات ~~المسندة في هذا الحديث ، وقد تذرعت به طائفة ms3979 من الروافض ، وتكلموا فيه ~~وطعنوا على من لغط عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى امتنع من ~~الكتابة . وقد تكلم القاضي أبو الفضل عياض بن موسى رحمه الله على هذا ~~الحديث ، وذكر أقوال العلماء وما أبدوه من الاعتذار عن عمر رضي الله عنه ~~فيما قال ، فقال رحمه الله تعالى ، قال أئمتنا في هذا الحديث : النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) غير معصوم من الأمراض ، وما يكون من عوارضها من شدة وجع ~~وغشى ونحوه ، مما يطرأ على جسمه ، معصوم أن يكون منه من القول أثناء ذلك ما ~~يطعن في معجزته ، ويؤدي إلى فساد في شريعته ، من هذيان أو اختلال في كلام ، ~~وعلى هذا لا يصح ظاهر رواية من روى في الحديث " هجر " إذ معناه هذي يقال : ~~هجر هجر إذا أفحش ، وأهجر تعدية هجر ، وإنما الأصح والأولى " أهجر " ؟ على ~~طريق الإنكار على من قال لا نكتب ، قال : وهكذا روايتنا فيه صحيح البخاري ~~من رواية جميع الرواة في حديث الزهري ومحمد بن سلام عن ابن عيينة ، قال : ~~وكذا ضبطه الأصيل بخطه في كتابه وغيره من هذه الطرق ، وكذا رويناه عن مسلم ~~في حديث سفيان وعن غيره ، قال : وقد تحمل عليه رواية من رواه هجر على حذف ~~ألف الاستفهام ، والتقدير : أهجر ؟ أو أن يحمل قول القائل : " هجر " أو ~~أهجر دهشة من قائل من ذلك وحيرة ، لعظيم ما شاهد من حال الرسول ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وشدة وجعه ، وهو المقام الذي اختلف فيه عليه ، والأمر الذي هم ~~بالكتاب فيه ، حتى لم يضيبط هذا القائل لفظه وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع ، ~~لأنه اعتقد أنه يجوز عليه الهجر ، كما حملهم الإشفاق على حراسته ، والله ~~تعالى يقول : PageV18P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" " والله يعصمك من الناس " ونحو هذا . وأما ~~على رواية " أهجرا " ، وهي رواية أبي إسحاق المستملي في الصحيح ، في حديث ~~ابن جبير ، عن ابن عباس من رواية قتيبة ، فقد يكون هذا راجعا إلى المختلفين ~~عنده ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومخاطبة لهم من بعضهم ، أي جئتم باختلافكم ~~على رسول الله ms3980 ( صلى الله عليه وسلم ) وبين يديه هجرا ومنكرا من القول ~~والهجر بضم الهاء الفحش في المنطق . وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث ~~، وكيف اختلفوا بعد أمره لهم عليه السلام أن يأتوه بالكتاب ، فقال بعضهم : ~~أوامر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يفهم إيجابها من ندبها من إباحتها ~~بقرائن ، فلعل قد ظهر من قرائن قوله ( صلى الله عليه وسلم ) لبعضهم ما ~~فهموا أنه لم يكن منه عزمة ، بل أمر رده إلى اختيارهم ، وبعضهم لم يفهم ذلك ~~، فقال : استفهموه ، فلما اختلفوا كف عنه إذ لم تكن عزمة ، ولما روأه من ~~صواب رأي عمر رضي الله عنه . ثم هؤلاء قالوا : ويكون امتناع عمر إما إشفاقا ~~على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من تكليفه في تلك الحال ، وإما إملاء ~~الكتاب ، وأن يدخل عليه مشقة من ذلك كما قال : إن النبي اشتد به الوجع . ~~وقيل : خشى عمر أن يكتب أمورا يعجزون عنها فيحصلون في الحرج بالمخالفة ، ~~ورأى أنه الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد ، وحكم النظر ، وطلب ~~الصواب ، فيكون المصيب والمخطئ مأجورا ، وقد علم عمر تقرر الشرع وتأسيس ~~الملة ، وأن الله تعالى قال : " اليوم أكملت لكم دينكم " وقوله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " أوصيكم بكتاب الله وعزتي " . وقول عمر : حسبنا كتاب الله ، ~~رد على من نازعه ، لا على أمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . وقد قيل : إن ~~عمر خشى تطرق المنافقين ، ومن في قلبه مرض لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة ~~، وأن يتقولوا في ذلك الأقاويل كادعاء الرافضة والوصية وغير ذلك . وقيل : ~~إنه كان من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على طريق المشورة والاختبار ، هل ~~يتفقون على ذلك أم يختلفون ، فلما اختلفوا تركه . وقالت طائفة أخرى : إن ~~معنى الحديث أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان مجيبا في هذا الكتاب لما ~~طلب منه لا أنه ابتداء بالأمر به ، بل اقتضاه منه بعض هذه القضية بقول ~~العباس لعلي : انطلق بنا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فإذا كان ~~الأمر فينا علمناه ، وكراهة على هذا ms3981 وقوله : " والله لا أفعل " الحديث . ~~واستدل بقوله : " دعوني فإن الذي أنا فيه خير " أي الذي أنا فيه خير من ~~إرسال الأمر وترككم ، وكتاب الله . وأن تدعون مما طلبتم . وذكر أن الذي طلب ~~كتابه في أمر الخلافة بعده وتعيين ذلك . هذا ما أورده في معنى هذا الحديث . ~~والله تعالى أعلم . PageV18P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" وأما ما وصى به رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في مرضه الذي مات فيه فقد روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ~~كان عامة وصية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين حضره الموت " الصلاة ، ~~وما ملكت أيمانكم " حتى جعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يغرغر بها في ~~صدره ، وما يكاد يفيض بها لسانه . وعن أم سلمة نحوه . وعن كعب بن مالك قال ~~: أغمى على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ساعة ثم أفاق ، فقال : " الله ~~الله فيما ملكت أيمانكم ، ألبسوا ظهورهم ، وأشبعوا بطونهم ، وألينوا لهم ~~القول " . وعن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة أن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) آخر عهده أوصى ألا يترك بأرض العرب دينان . وعن مالك ~~بن أنس بن إسماعيل بن أبي حكيم ، عن عمر بن عبد العزيز قال : آخر ما تكلم ~~به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " لعن الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبياهم مساجد ، لا يبقين دينان بأرض العرب " . وعن عبيد الله ~~بن عبد الله بن عتبة أنه كان آخر ما عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أوصى بالرهاوبين الذين هم من أهل الرهاء ، قال : وأعطاهم من خيبر وجعل يقول ~~: " لئن بقيت لا أدع بجزيرة العرب دينين " . وعن علي بن عبد الله بن عباس ~~رضي الله عنهم أنه قال : أوصى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالداريين ~~وبالرهاويين وبالدوسيين خيرا . وعن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) قبل موته بثلاث وهو يقول : " ألا لا يموت أحد منكم ~~إلا وهو يحسن بالله الظن " . وعن عبد الله ms3982 بن مسعود رضي الله عنه قال : نعى ~~لنا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر ، بأبي هو وأمي ونفسي له الفداء ، ~~فلما دنا الفراق جمعنا في بيت أمنا عائشة وتشدد لنا فقال : " مرحبا بكم ، ~~حياكم الله بالسلام رحمكم الله ، حفظكم الله ، جبركم الله ، رزقكم الله ، ~~رفعكم الله ، نفعكم الله ، آداكم الله ، وقاكم الله ، أوصيكم بتقوى الله ~~وأوصي الله بكم ، وأستخلفه عليكم ، وأحذركم الله إني لكم منه نذير مبين ألا ~~تعلوا على الله في عباده وبلاده فإنه قال لي ولكم : " تلك الدرا الآخرة ~~نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " . وقال ~~: " أليس في جهنم PageV18P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" مثوى للمتكبرين " قلنا : " يا رسول الله متى ~~أجلك ؟ قال : " دنا الفراق ، والمنقلب إلى الله ، وإلى جنة المأوى ، وإلى ~~سدرة المنتهى ، وإلى الرفيق الأعلى والكأس الأوفى والحظ والعيش المهنى " ~~قلنا : يا رسول الله من يغسلك ؟ قال : " رجال من اهلي الأدنى فالأدنى " ~~قلنا : يا رسول الله ففيم نكفنك ؟ قال : " في ثيابي هذه إن شئتم أو في ثياب ~~مصر أو في حلة يمانية " قال قلنا : يا رسول الله ، من يصلي عليك ؟ وبكينا ~~وبكى ، فقال : " مهلا رحمكم الله وجزاكم عن نبيكم خيرا ، إذا أنتم غسلتموني ~~وكفنتموني فضعوني على سريري هذا على شفة قبري في بيتي هذا ، ثم اخرجوا عني ~~ساعة ، فإن أول من يصلى علي حبيبي وخليلي جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ~~ملك الموت معه جنوده من الملائكة بأجمعهم ، ثد ادخلوا علي فوجا فوجا ، ~~فصلوا علي وسلموا تسليما ، ولا تؤذوني بتزكية ولا برنة ، وليبدأ بالصلاة ~~على رجال من أهلي ثم نساؤهم ثم أنتم بعد ، وأقرئوا السلام على من غاب من ~~أصحابي ، وأقرئوا السلام على من يتبعني على ديني من قومي إلى يوم القيامة " ~~. قلنا : يا رسول الله ، فمن يدخلك قبرك ؟ قال : " أهلي كمع ملائكة كثيرة ~~يرونكم من حيث لا ترونهم " . وأما الدنانير التي قسمها رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في مرضه الذي مات فيه فقد روى عن عائشة أم المؤمنين رضي ~~الله عنها ms3983 قالت : أصاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دنانير فقسمها إلا ~~ستة ، فدفع الستة إلى بعض نسائه ، فلم يأخذه النوم حتى قال : " ما فعلت ~~الستة " ؟ قالوا : دفعتها إلى فلانة ، قال : " ايتوني بها " ، فقسم منها ~~خمسة في خمسة أبيات من الأنصار ، ثم قال : " استنفقوا هذا الباقي " وقال : ~~" الآن استرحت " فرقد . وعن المطلب بن عبد الله أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال لعائشة ، وهي مسندته إلى صدرها : " يا عائشة ما فعلت تلك ~~الذهب " ؟ قالت : هي عندي ، قال : " فأنفقيها " ثم غشى على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وهو على صدرها ، فلما أفاق قال : " هل أنفقت تلك الذهب يا ~~عائشة " ؟ قالت : لا والله يا رسول الله ، قالت : فدعا بها فوضعها في كفه ، ~~فعدها فإذا هي ستة دنانير ، فقال : " ما ظن محمد بربه أن لو لقى الله وهذه ~~عنده " فأنفقها كلها ، ومات من ذلك اليوم . PageV18P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" وأما السواك الذي استن به رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) عند موته فقد روى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ~~قالت : دخل عبد الرحمن بن أبي بكر علي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~شكواه ، وأنا مسندته إلى صدري ، وفي يد عبد الرحمن سواك فأمرها أن تقضمه ، ~~فقضمته ثم أعطته رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ومن حديث آخر عنها ~~قالت : فنظر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إليه وهو في يده نظرا عرفت ~~أنه يريده ، فقلت : يا رسول الله ، تريد أن أعطيك هذا السواك ؟ . فقال : " ~~نعم " فأخذته فمضغته حتى لينته ثم أعطيته إياه ، فاستن به كأشد ما رأيته ~~استن بسواك قبله ، ثم وضعه ، فكانت عائشة تقول : كان من نعمة الله علي وحسن ~~بلائه عندي ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مات في بيتي ، وفي يومي ~~وبين سحري ونحري ، وجمع بين ريقي وريقه عند الموت . فقال لها القاسم بن ~~محمد : قد عرفنا كل الذي تقولين ، فكيف جميع بين ريقك وريقه ؟ قالت : دخل ~~عبد الرحمن بن أم رومان أخى على رسول الله ms3984 ( صلى الله عليه وسلم ) يعوده ، ~~وفي يده سواك رطل ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مولعا بالسواك ، ~~فرأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يشخص بصره إليه ، فقلت : يا عبد ~~الرحمن ، اقضم السواك فناولنيه ، فمضغته ثم أدخلته في في رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فتسوك به ، فجمع بين ريقي وريقه . ذكر تخيير رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بين الدنيا والآخرة عند الموت روى عن عروة بن الزبير ~~عن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت سمعت أنه لا يموت نبي حتى يخير بين ~~الدنيا والآخرة ، فأصابت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بحة شديدة في ~~مرضه ، فسمعته يقول : " مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " فظننت أنه خير . وعن عبد المطلب بن ~~عبد الله ، قال قالت عائشة : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ~~" ما من نبي إلا تقبض نفسه ثم ترد إليه فيخير بين أن ترد إليه إلى أن يلحق ~~" قالت : " فكنت قد حفظت ذلك منه ، فإني لمسندته إلى صدري فنظرت إليه حتى ~~مالت عنقه ، فقلت قد قضى وعرفت الذي قال ، فنظرت إليه حتى ارتفع ونظر ، ~~قالت : قلت إذا والله لا تختارنا ، فقال : " مع الرفيق الأعلى في الجنة " " ~~مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ~~أولئك رفيقا " . وعن سعيد بن أبي المسيب وغيره أن عائشة زوج النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قالت : كان PageV18P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" رسول الله يقول : إنهى لم يقبض نبي حتى يرى ~~مقعدهى من الجنة ثم يخير قالت عائشة : فلما نزل برسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ورأسه على فخذي غشى عليه ساعة ، ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف سقف ~~البيت ، ثم قال : " اللهم الرفيق الأعلى " قالت : فقلت الآن لا يختارنا ، ~~وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا هو صحيح فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وعن أبي بردة بن أبي موسى قال : كان ~~رسول الله ( صلى الله ms3985 عليه وسلم ) قد أسندته عائشة إلى صدرها فأفاق وهي ~~تجدعو له بالشفاء فقال : " لا ، بل أسال الله الرفيق الأعلى الأسعد مع ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل " . ذكر ما قاله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~عند نزول الموت به روى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : لما نزل بالنبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) الموت دعا بقدح من ماء فجعل يمسح به وجهه ، ويقول : " ~~اللهم أعني على سكرات الموت " وجعل يقول : " ادن مني يا جبريل ، ادن مني يا ~~جبريل ، ادن منى يا جبريل " . وعن عبد الله بن عباس وعائشة رضي الله عنهم ~~قالا : لما نزل بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) طفق يلقي خميصته على وجهه ، ~~فإذا اغتنم بها ألقاها عن وجهه ويقول : " لعنة الله على اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " . ذكر وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~روى عن محمد بن جعفر عن أبيه قال : لما بقى من أجل رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ثلاث نزل عليه جبريل فقال : يا أحمد ، إن الله أرسلني إليك ~~إكراما لك ، وتفضيلا لك ، وخاصة لك ، يسألك عما هو أعلم به منك ، يقول لك : ~~كيف تجدك ؟ قال : أجدني يا جبريل مغموما ، وأجدني يا جبريل مكروبا " فلما ~~كان في اليوم الثاني هبط إليه جبريل فقال له مثل ذلك ، وأجابه رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بمثل ما أجابه به بالأمس ، فلما كان اليوم الثالث نزل ~~إليه جبريل ، وهبط معه ملك الموت ، ونزل معه ملك يقال له إسماعيل ، يسكن ~~الهواء لم يصعد إلى السماء قط ولم يهبط إلى الأرض منذ يوم كانت الأرض على ~~سبعين ألف ملك ، ليس منهم ملك إلا على سبعين ألف ملك ، فسبقهم جبريل ، فقال ~~: يا أحمد ، إن الله أرسلني إليك إكراما لك ، وتفضيلا لك ، وخاصة لك ، ~~يسألك عما هو أعلم به منك ، يقول لك : كيف تجدك ؟ قال : " أجدني يا جبريل ~~مغموما ، وأجدني يا جبريل مكروبا " ثم استأذن ملك الموت فقال جبريل " يا ~~أحمد ، PageV18P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" هذا ملك الموت يستأذن عليك ، ولم ms3986 يستأذن على ~~آدمي كان قبلك ، ولا يستأذن على آدمي بعدك ، قال : " ائذن له " فدخل ملك ~~الموت فوقف بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : " يا رسول ~~الله ، يا أحمد ، إن الله أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك في كل ما تأمرني به ~~، إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها ، وإن أمرتني أن أتركها تركتها ، قال : " ~~وتفعل يا ملك الموت " ؟ قال : بذلك أمرت أن أطيعك في كل ما أمرتني ، فقال ~~جبريل : يا أحمد ، إن الله قد اشتاق إليك ، قال : " فآمض يا ملك الموت لما ~~أمرت به " قال جبريل : السلام عليك يا رسول الله ، هذا آخر موطئي الأرض ~~إنما كنت حاجتي من الدنيا ، فتوفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وجاءت التعزية يسمعون الصوت والحس ، ولا يرون الشخص : السلام عليكم يا أهل ~~البيت ورحمة الله وبركاته " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم ~~القيامة " إن في الله عزاء من كل مصيبة ، وخلفا من كل هالك ، ودركا من كل ~~ما فات ، فبالله فثقوا ، وإياه فارجوا إنما المصاب من حرم الثواب ، والسلام ~~عليكم ورحمة الله وبركاته . وكانت وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~كما جاء في الأحاديث الصحيحة في حجر عائشة وبين سحرها ونحرها . وقد قيل : ~~إنه توفي في حجر علي ، والصحيح الأول . وذلك في يوم الاثنين حين اشتد الضحى ~~، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر بيع الأول ، وقيل : لليلتين خلتا منه . ولما ~~مات ( صلى الله عليه وسلم ) سجى بثوب حبرة ، كما روى عن عائشة وأبي هريرة ~~رضي الله عنهما ، ودخل أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وقال : بأبي وأمي ما أطيب محياك ومماتك . وفي لفظ : طبت حيا وميتا . ~~وعن عائشة رضي الله عنها قالت : لما توفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~جاء أبو بكر فدخل عليه فرفعت الحجاب ، فكشف الثوب عن وجهه ، فاسترجع فقال : ~~مات والله رسول الله ، ثم تحول من قبل رأسه فقال : وانبياه ، ثم حدر فمه ~~فقبل وجهه ثم رفع رأسه ، فقال ms3987 : واخيلاه ، ثم حدر فمه فقبل جبهته ثم رفع ~~رأسه ، فقال : واصفياه ، ثم حدر فمه فقبل جبهته ، ثم سجاه بالثوب ثم خرج . ~~وعن عبد الرحمن بن عوف : أن عائشة أخبرته أن أبا بكر أقبل على فرس من مسكنه ~~بالسنح حتى نزل ، فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) هو مسجى ببرد جبرة فكسف عن وجهه ، ثم أكب عليه ~~يقبله وبكى ، ثم قال : " بأبي أنت ، والله لا يجمع الله عليك موتتين أبدا ، ~~أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها PageV18P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" . ذكر ما تكلم به الناس حين شكوا في وفاة ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وخطبة أبي بكر رضي الله عنه روى عن أنس ~~بن مالك رضي الله عنه قال : لما توفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بكى ~~الناس فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المسجد خطيبا فقال : لا أسمعن ~~أحدا يقول إن محمدا قد مات ولكنه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى ابن عمران ، ~~فلبث عن قومه أربعين ليلة ، وإني والله لأرجو أن تقطع أيدي رجال وأرجلهم ~~يزعمون أنه مات . وعن عكرمة قال : لما توفى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) فقالوا : إنما عرج بروحه كما عرج بروح موسى ، قال : وقام عمر خطيبا فوعد ~~المنافقين ، وقال : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لم يمت ، ولكن ~~إنما عرج بروحه كما عرج بروح موسى ، لا يموت رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) حتى يقطع أيدي أقوام وألسنتهم ، قال : فما زال عمر يتكلم حتى أزبد ~~شدقاه ، فقال العباس : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يأسن كما يأسن ~~البشر ، وإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد مات فادفنوا صاحبكم ، ~~أيميت أحدكم إماتة ويميته إماتتين ؟ هو أكرم على الله من ذلك ، فإن كان كما ~~تقولون فليس على الله بعزيز أن يبحث عنه التراب فيخرجه إن شاء الله ، ما ~~مات حتى ترك السبيل نهجا واضحا ، أحل الحلال ، وحرم الحرام ، ونكح ms3988 وطلق ، ~~وحارب وسالم ، وما كان راعى غنم يتبع بها صاحبها رءوس الجبال ، يخبط عليها ~~العضاة بمخبطه ويمدر حوضها بيده ، بأنصب ولا أرأب من رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) كان فيكم . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : لما توفي رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) استأذن عمر والمغيرة بن شعبة فدخلا عليه فكشفا ~~الثوب عن وجهه فقال عمر : أغشيا ؟ ما أشد غشى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ثم قاما فلما انتهيا إلى الباب ، قال المغيرة : يا عمر ، مات والله ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال عمر : كذبت ما مات رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، ولكنك رجل تحوسك فتنة ، ولن يموت رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) حتى يفنى المنافقين ، ثم جاء أبو بكر وعمر يخطب الناس ~~فقال له أبو بكر : اسكت ؛ فسكت ، فصعد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ~~قرأ : " إنك ميت وإنهم ميتون " ثم قرأ : " وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن ~~يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " ثم قال : من كان يعبد محمدا فإن ~~محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت . فقال عمر : هذا في ~~كتاب الله ؟ قال : نعم ، قال : أيها الناس ، هذا أبو بكر وذو شيبة المسمين ~~فبايعوه فبايعه PageV18P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" الناس . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ~~دخل أبو بكر المسجد وعمر بن الخطاب يكلم الناس ، فمضى حتى دخل بيت النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) الذي توفي فيه ، وهو بيت عائشة ، وكشف عن وجه النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) برد حبرة ، كان مسجى به فنظر إلى وجهه ثم أكب عليه ~~فقبله ، فقال : بأبي أنت ؛ والله لا يجمع الله عليك موتتين ، لقد مت الموتة ~~التي لا تموت بعدها ، ثم خرج أبو بكر إلى الناس ، وعمر يكلمهم فقال : اجلس ~~يا عمر ، فأبى عمر أن يجلس ، فكلمه أبو بكر مرتين أو ثلاثا ، فلما أبى ms3989 ~~عمران يجلس قام أبو بكر فتشهد ، فأقبل الناس إليه وتركوا عمرا ، فلما قضى ~~أبو بكر تشهده قال : أما بعد ، فمن كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ~~ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، قال الله تبارك وتعالى : " ~~وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر شيئا وسيجزى الله الشاكرين " . قال : ~~فلكما تلاها أبو بكر أيقن الناس بموت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وتلقاها الناس من أبي بكر تلاها أو كثير منهم ، حتى قال قائل من الناس : ~~والله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية أنزلت حتى تلاها أبو بكر . فزعم ~~سعيد ابن المسيب أن عمر بن الخطاب قال : والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر ~~يتلوها فعقرت وأنا قائم حتى خررت إلى الأرض ، وأيقنت أن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قد مات . وعن الحسن قال : لما قبض رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ائتمر أصحابه فقالوا : تربصوا بنبيكم ( صلى الله عليه وسلم ) لعله ~~عرج به ، قال : فتربصوا به حتى ربا بطنه ، فقال أبو بكر : من كان يعبد ~~محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت . وعن ~~القاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه أنه لما شك في موت النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال بعضهم : قد مات ، وقال بعضهم : لم يمت ، وضعت أسماء ~~بنت عميس يدها بين كتفيه ، وقالت : قد توفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ، قد رفع الخاتم من بين كتفيه . وكان من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من أخرس عن الكلام لما راعه من موت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ، فما تكلم إلا بعد الغد ، وأقعد آخرون ، منهم علي بن أبي طالب ، ولم يكن ~~فيهم أثبت من أبي بكر والعباس رضي الله عنهما ، قالوا : وعزى الناس بعضهم ~~بعضا برسول الله صلى الله عليه ، وكان رسول الله ms3990 ( صلى الله عليه وسلم ) قد ~~ذكر ذلك للناس قبل موته كما روى عن سهل بن سعد قال قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : " سيعزى الناس بعضهم بعضا من بعدي التعزية بي " فكان ~~الناس يقولون ما هذا ؟ فلما قبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لقى ~~الناس بعضهم بعضا يعزى بعضهم بعضا برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~PageV18P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" ذكر غسل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ومن غسله وتكفينه وحنوطه روي أن أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~لما ذكروا غسله سمعوا من باب الحجرة : لا تغسلوه فإنه طاهر مطهر ، ثم سمعوا ~~صوتا بعده : اغسلوه فإن ذلك إبليس وأنا الخضر ، وعزاهم فقال : إن في الله ~~عزاء من كل مصيبة ، وخلفا من كل هالك ، ودركا من كل فائت ، فبالله فثقوا ~~وإياه فآرجوا ، فإن المصاب من حرم الثواب . وعن عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما قال : لما توفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اختلف الذين ~~يغسلونه ، فسمعوا قائلا لا يدرون من هو ، يقول : اغسلوا نبيكم وعليه قميصه ~~، فغسل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في قميصه . وعن عباد بن عبد الله ~~عن عائشة قالت : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، ما غسل رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إلا نساؤه ، إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما قبض ~~اختلف أصحابه في غسله ، فقال بعضهم : اغسلوه وعليه ثيابه ، فبينما هم كذلك ~~إذ أخذتهم نعسة ، فوقع لحي كل إنسان منهم على صدره ، فقال قائل منهم لا ~~يدري من هو : اغسلوه وعليه ثيابه ، قالوا : وكان الذي تولى غسل رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) علي بن أبي طالب ، والفضل بن العباس ، وأسامة بن زيد ~~، وكان علي يغسله ويقول : بأبي أنت وأمي طبت ميتا وحيا . وقيل : كان علي ~~يغسل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والفضل وأسامة يحجبانه ، وقيل : غسل ~~والعباس قاعد والفضل محتضنه ، وعلي يغسله ، وأسامه يختلف ، وقيل : ولى غسله ~~العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب رضي ms3991 الله عنه ، والفضل بن العباس ~~وصالح مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وعن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه : أوصى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ألا يغسله أحد غيري ، ~~فإنه " لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه " . قال علي : فكان الفضل وأسامة ~~يناولاني الماء من وراء الستر ، وهما معصوبا العين . قال علي : فما تناولت ~~عضوا إلا كأنما يقلبه معي ثلاثون رجلا حتى فرغت من غسله . وقيل : كان معهم ~~شقران مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وعن سعيد بن المسيب قال : ~~غسل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكفنه أربعة علي والعباس والفضل وشقران ~~، وقيل : لم يحضره العباس ، بل كان بالباب ، وقال : لم يمنعني أن أحضر غسله ~~إلا أني كنت أراه يستحي أن أراه حاسرا . وقيل : حضره عقيل بن أبي طالب ، ~~وأوس بن خولي ، وذلك أن أوس بن خولي قال : يا علي ، أنشدك الله في حظنا من ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال له علي : ادخل ، فدخل فجلس ، وقيل ~~: إنما دخل لأن الأنصار قالت : نناشدكم الله في نصيبنا من رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فأدخلوا رجلا منهم يقال له أوس بن خولي يحمل جرة بإحدى ~~يديه ، والذي أثبته الشيخ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي رحمه الله ~~في مختصر PageV18P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" السيرة قال : تولى غسله علي والعباس والفضل ~~وقثم ابنا العباس وأسامة بن وزيد وشقران موليا رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، قال : وحضره أوس بن خولي الأنصاري . وعن علي رضي الله عنه قال : ~~لما أخذنا في جهاز رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أغلقنا الباب دون ~~الناس جميعا ، فنادت الأنصار نحن أخواله ، ومكاننا من الإسلام مكاننا ، ~~ونادت قريش نحن عصبته ، فصاح أبو بكر : يا معشر المسلمين ، كل قوم أحق ~~بجنازتهم من غيرهم ، فنشدتكم الله فإنكم إن دخلتم أخرتموهم عنه ، والله لا ~~يدخل عليه أحد إلا من دعي . وعن أبي جعفر محمد بن علي قال : غسل النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ثلاث غسلات بماء ms3992 وسدر ، وغسل في قميص ، وغسل من بئر ~~يقال لها الغرس لسعد بن خيثمة بقباء ، وكان يشرب منها ، وولى غسل سفلته علي ~~، والعباس يصب الماء ، والفضل محتضنه يقول : أرحني أرحني ، قطعت وتيني إني ~~أجد شيئا ينزل علي مرتين . وعن عبد الله بن الحارث : أن عليا غسله ، يدخل ~~يده تحت القميص ، والفضل يمسك الثوب عليه ، والأنصاري ينقل الماء وعلى يد ~~علي خرقة تدخل يده وعليه القميص . وعن عبد الله بن جعفر الزهري عن عبد ~~الواحد بن أبي عون ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " لعلي في ~~مرضه الذي توفي فيه : " اغسلني ياعلي إذا مت " فقال : يا رسول الله ، ما ~~غسلت ميتا قط ، فقل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إنك ستهيأ ، أو ~~تيسر " قال علي : فغسلته فما آخذ عضوا إلا تبعني والفضل أخذ بحضنه يقول : ~~أعجل يا علي انقطع ظهري . وعن سعيد بن المسيب قال : التمس علي من النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) عند غسله ما يلتمس من الميت فلم يجد شيئا ، فقال : ~~بأبي أنت وأمي ؛ طبت حيا وميتا . هذا ما لخصانه في غسله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) مما أورده محمد بن سعد في طبقاته على سبيل الاختصار وحذف الأسانيد . ~~والله أعلم . وأما تكفينه ( صلى الله عليه وسلم ) فقد اختلف فيه ؛ فقيل : ~~كفن في ثلاثة أثواب بيض كرسف ، وقيل : في ثلاثة أثواب أحدها حبرة ، وقيل : ~~في ريطتين وبرد نجراني . وقيل : في ثلاثة أثواب برود يمانية غلاظ إزار ~~ورداء ولفافة . وقيل : في حلة حمراء وقبطية . وقيل : في حلة يمانية وقميص . ~~وقيل : في حلة حبرة وقميص . وقيل : في سبعة أثواب . والذي ورد PageV18P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" في الصحيح أنه ( صلى الله عليه وسلم ) كفن في ~~ثلاثة أثواب بيض سحولية من ثياب سحول - بلدة باليمن - ليس فيها قميص ولا ~~عمامة ، بل لفائف من غير خياطة . وحنط رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وكان في حنوطه المسك ، وأبقي منه علي بن أبي طالب رضي الله عنه شيئا ادخره ~~لحنوطه إذا مات . ذكر الصلاة على رسول ms3993 الله ( صلى الله عليه وسلم ) روي عن ~~عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : أول من صلى على رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) العباس بن عبد المطلب ، وبنو هاشم ، ثم خرجوا ، ثم دخل ~~المهاجرون والأنصار ، ثم الناس رفقا رفقا ، فلما انقضى الناس دخل عليه ~~الصبيان صفوفا ، ثم النساء ، وقيل : النساء والصبيان . وذكر البيهقي عن ~~الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال : وجدت هذا في ~~صحيفة بخط أبي ، فيها : لما كفن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ووضع على ~~سريره ، دخل أبو بكر وعمر فقالا : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته ، ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار قدر ما يسع البيت ، فسلموا كما ~~سلم أبو بكر وعمر وصفوا صفوفا لا يؤمهم عليه أحد ، فقال أبو بكر وعمر وهما ~~في الصف الأول حيال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : اللهم إنا نشهد أن ~~قد بلغ ما أنزل إليه ، ونصح لأمته ، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله به ~~دينه ، وتمت كلماته ، فأومن به وحده لا شريك له ، فاجعلنا يا إلهنا ممن ~~يتبع القول الذي أنزل معه ، واجمع بيننا وبينه حتى يعرفنا ونعرفه بنا فإنه ~~كان بالمؤمنين رءوفا رحيما ، لا نبتغي بالإيمان بدلا ، ولا نشتري به ثمنا ~~أبدا . فيقول الناس آمين آمين ، ثم يخرجون ويدخل آخرون حتى صلوا عليه : ~~الرجال والنساء ثم الصبيان . وعن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي ~~طالب عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنهم قال : لما وضع رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) على السرير قال علي : لا يؤم أحد ؛ هو إمامكم حيا وميتا ، ~~فكان يدخل الناس رسلا رسلا ، فيصلون عليه صفا صفا ، ليس لهم إمام ويكبرون ، ~~وعلي قائم بحيال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : سلام عليك ايها ~~النبي ورحمة الله وبركاته ، اللهم إنا نشهد أنه قد بلغ ما انزل إليه ونصح ~~لأمته ، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته ، اللهم فاجعلنا ms3994 ~~ممن يتبع ما أنزل إليه ، وثبتنا بعده واجمع بيننا وبينه . فيقول الناس : ~~آمين ، آمين . وقد قيل في سبب صلاة الناس عليه أفذاذا : إن ما فعلوا ذلك ~~ليكون كل منهم في الصلاة أصلا لا تابعا لأحد . وقيل : ليطول وقت الصلاة ~~فيلحق من ياتي من حول المدينة . PageV18P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" ذكر قبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ولحده وما فرش تحته ومن فرشه ، ومن دخل قبره ، ووقت دفنه ، ومدة حياته ( ~~صلى الله عليه وسلم ) روي أن أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأهل ~~بيته اختلفوا في مكان دفنه ؛ فقال بعضهم : ندفنه في مصلاه . وقال بعضهم : ~~عند المنبر . وقال بعضهم : ادفنوه مع أصحابه بالبقيع . فقال أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " ما دفن نبي ~~قط إلا في المكان الذي توفي فيه " . وقيل : قال " ما مات نبي إلا دفن حيث ~~يقبض " فرفع فراش النبي ( صلى الله عليه وسلم ) الذي توفي عليه وحفر له ~~تحته ، وذلك في بيت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها . ثم اختلفوا أيلحد له ~~أم لا ؟ وكان في المدينة حفاران أحدهما يلحد وهو أبو طلحة ، والآخر لا يلحد ~~وهو أبو عبيدة . فاتفقوا على أن من جاء منهما أولا عمل عمله ، فجاء الذي ~~يلحد فلحد لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وروى عكرمة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال : لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، كان بالمدينة رجلان : أبو عبيدة ابن الجراح يضرح حفر أهل مكة ، وأبو طاحة ~~الأنصاري هو الذي يحفر لأهل المدينة ، وكان يلحد . فدعى العباس رجلين فقال ~~لأحدهما : اذهب إلى أبي عبيدة ، وقال للآخر : اذهب إلى أبي طلحة ، وقال : ~~اللهم خر لرسولك ، فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد له . وقد روي ~~عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " اللحد لنا والشق لغيرنا " ~~. وقيل قال : " والشق لأهل الكتاب " . قيل : وكان ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يرى اللحد فيعجبه فألحد له ، وأطبق ms3995 له تسع لبنات وفرش تحته في قبره قطيفة ~~حمراء كان يغطى بها ( صلى الله عليه وسلم ) نزل بها شقران . وأما من نزل ~~قبره ( صلى الله عليه وسلم ) فالعباس بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب ~~والفضل وقثم ابنا العباس وشقران مولاه ، وقيل : أدخلوا معهم عبد الرحمن بن ~~عوف ، قيل : وعقيل وأسامة بن زيد ، وصالح ، وأوس بن خولي . والذي صححه ~~الشيخ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف رحمه الله : العباس وعلي والفضل وقثم ~~وشقران . وزعم المغيرة بن شعبة أنه نزل قبر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~وأنه آخر الناس عهدا برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في قبره . روى عن ~~الشعبي قال : كان المغيرة يحدثنا ها هنا ، يعني بالكوفة قال : أنا آخر ~~الناس عهدا بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما دفن وخرج علي من القبر ألقيت ~~خاتمى فقلت : يا أبا الحسن خاتمي ، قال : إنزل فخذ خاتمك ، فنزلت فأخذت ~~خاتمي ، ووضعت يدي على اللبن ثم خرجت . وعن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال : ~~لما وضع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في لحده ، ألقى المغيرة بن شعبة ~~خاتمه في القبر ، ثم قال : خاتمي ، خاتمي فقالوا : ادخل فخذه ، فدخل ثم قال ~~: PageV18P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" أهيلوا علي التراب ، فأهالوا عليه التراب حتى ~~بلغ أنصاف ساقيه فخرج ، فلما سوي على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال ~~: اخرجوا عني حتى أغلق الباب ، فإني أحدثكم عهدا برسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فقالوا : لعمري لئن كنت أردتها لقد أصبتها . وأنكر علي بن عبد ~~الله بن عباس هذا ، وقال : كان آخر الناس عهدا برسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قثم بن العباس ، كان أصغر من كان في القبر ، وكان آخر من صعد . ~~والله أعلم . وأما وقت دفنه ( صلى الله عليه وسلم ) ومدة مرضه فقيل : دفن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليلة الأربعاء ، وقيل ليلة الثلاثاء ، ~~وقيل : يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس . والله أعلم . وسنم قبره ورش عليه ~~الماء . وكانت مدة مرضه اثني عشر يوما . وقيل ms3996 : أربعة عشر يوما . وكان مرضه ~~بالصداع ( صلى الله عليه وسلم ) . وأما سنه ( صلى الله عليه وسلم ) ومدة ~~مقامه بالمدينة من حين هجرته إلى يوم وفاته ( صلى الله عليه وسلم ) فقد روى ~~أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) توفي ، وقد بلغ من السن ثلاثا وستين ~~سنة ، وقيل : خمسا وستين ، وقيل : ستين . وروى محمد بن سعد قال : أخبرنا ~~هشام بن القاسم ، قال حدثنا أبو معشر عن يزيد بن زياد قال قال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) لعائشة في السنة التي قبض فيها : " إن جبريل كان يعرض ~~علي القرآن في كل سنة مرة ، فقد عرض علي العام مرتين ، وأنه لم يكن نبي إلا ~~عاش نصف عمر أخيه الذي كان قبله ، عاش عيسى بن مريم مائة وخمسا وعشرين سنة ~~، وهذه اثنتان وستون سنة " ومات في نصف السنة . والذي نقلناه أولا هو الذي ~~صححه العلماء . والله أعلم . وكان مقامه بالمدينة من لدن الهجرة إلى أن ~~توفي ( صلى الله عليه وسلم ) عشر سنين . ذكر ميراث رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وما روي فيه روى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : ~~سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " إنا لا نورث ، ما تركناه ~~صدقة " . وروى محمد بن سعد قال : أخبرنا محمد بن عمر بن واقد قال : حدثنا ~~معمر ومالك وأسامة بن زيد عن الزهري عن عروة عن عائشة ؛ قال PageV18P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" محمد بن عمر : وحدثني معمر وأسامة بن زيد ~~وعبد الرحمن ابن عبد العزيز عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن ~~الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي ~~وقاص وعباس بن عبد المطلب قالوا قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~لا نورث ما تركناه فهو صدقة " يريد بذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~نفسه . عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال ~~: " لا تقتسم ورثتي دينارا ولا درهما ، ما تركت ms3997 بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي ~~فإنه صدقة " . وعن عائشة : غن فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ورضى الله عنهما أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فيما أفاء الله على رسوله ، وفاطمة حينئذ تطلب صدقة النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) التي بالمدينة وفدك ، وما بقى من خمس خيبر ، فقال أبو ~~بكر رضي الله عنه : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " لا نورث ~~ما تركناه صدقة " إنما يأكل من آل محمد في هذا المال ، وإني والله لا أغير ~~شيئا من صدقات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن حالها التي كانت عليها ~~في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا ، ~~فوجدت فاطمة على أبي بكر ، فهجرته ولم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ستة أشهر . وعن أبي جعفر قال : جاءت فاطمة إلى ~~أبي بكر تطلب ميراثها ، وجاء العباس بن عبد المطلب يطلب ميراثه ، وجاء ~~معهما علي بن أبي طالب ، فقال أبو بكر : قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) " لا نورث ، ما تركنا صدقة " وما كان النبي يعول فعلى ، فقال علي : ~~" وورث سليمان داود " وقال زكريا : " يرثي ويرث من آل يعقوب " قال أبو بكر ~~: هو هذا ، والله تعلم مثل ما أعلم . فقال علي : هذا كتاب الله ينطق ، ~~فسكتوا وانصرفوا . وعن زيد بن أسلم عن أبيه ، قال سمعت عمر بن الخطاب يقول ~~: لما كان اليوم الذي توفي فيه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بويع لأبي ~~بكر في ذلك اليوم ، فلما كان من الغد جاءت فاطمة إلى أبي بكر - رضي الله ~~عنهما - معها علي رضي الله عنه فقالت : ميراثي من رسول الله أبي ، ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فقال أبو بكر : أمن الرثة أو من العقد ؟ قالت : فدك ~~وخيبر وصدقاته بالمدينة أرثها كما ترثك بناتك إذا مت ، قفال ms3998 أبو بكر : أبوك ~~والله خير مني ، وأنت والله خير من بناتي ، وقد قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " لا نورث ، ما تركنا صدقة " يعني هذه الأموال القائمة ، ~~فتعلمين أن أباك أعطاكها ؟ فوالله لئن قلت نعم لأقبلن قولك ولأصدقنك . قالت ~~: جاءتني أم أيمن فأخبرتني أنه أعطاني فدك . قال : فسمعته يقول ~~PageV18P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" هي لك ؟ فإذا قلت قد سمعته فهي لك ، فأنا ~~أصدقك وأقبل قولك . قالت : قد أخبرتك ما عندي ، عن عمرو بن الحارث ختن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أخي ميمونة قال : والله ما ترك رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) عند موته درهما ولا دينارا ، ولا عبدا ولا أمة ، ولا ~~شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه ، وأرضها تركها صدقة . وعن زر بن حبيش : أن ~~إنسانا سأل عائشة رضي الله عنها عن ميراث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فقالت : عن ميراث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تسألني ؟ لا أبا لك ~~توفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يدع دينارا ولا درهما ، ولا ~~عبدا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا . وعن ابن عباس نحوه ، قال : وترك درعه ~~رهنا عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير . وقد روى أنه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ترك يوم مات ثوبي حبرة وإزرار عمانيا ، وثوبين صحاريين ، وقميصا صحاريا ، ~~وجبة يمينة ، وخميصة وكساء أبيض ، وقلانس صغارا لاطئة ثلاثا أو أربعا ، ~~وإزارا طوله خمسة أشبار ، وملحفة مورسة . ( صلى الله عليه وسلم ) . هذا ~~الذي أورده الشيخ محب الدين الطبري في مختصر السيرة . ذكر ما نال أصحاب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وآله من الحزن على فقده ، ونبذه مما رثوه ~~به ( صلى الله عليه وسلم ) روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : : لما ~~ثقل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) جعل يتغشاه الكرب ، فقالت فاطمة : واكرب ~~أبتاه ، فقال لها ( صلى الله عليه وسلم ) : " ليس على أبيك كرب بعد اليوم " ~~. فلما مات ( صلى الله عليه وسلم ) قالت فاطمة : يا أبتاه أجاب ربا دعاه ، ~~يا أبتاه جنة ms3999 الفردوس مأواه ، يا أبتاه إلى جبريل ينعاه ، يا أبتاه من ربه ~~ما أدناه قال : فلما دفن قالت فاطمة : يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) التراب ؟ . وعن عكرمة قال : لما توفي ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بكت أم أيمن ، فقيل لها أتبكين على رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ فقالت : أما والله أبكي عليه ألا أكون أعلم ~~أنه ذهب إلى ما هو خير له من الدنيا ، ولكن أبكي على خبر السماء انقطع . ~~وعن عبد الرحمن ابن سعد بن يربوع قال : جاء علي بن أبي طالب يوما متقنعا ~~متحازنا ، فقال أبو بكر : أراك متحازنا ، فقال علي : إنه عناني ما لم يعنك ~~، قال يقول أبو بكر : اسمعوا كما يقول أنشدكم الله أترون أحدا كان أحزن على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منى ؟ . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ~~قال : سمعت عثمان بن عفان يقول : توفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فحزن عليه رجال من أصحابه حتى كاد بعضهم يوسوس . PageV18P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" وعن القاسم بن محمد : أن رجلا من أصحاب رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ذهب بصره فدخل عليه أصحابه يعودونه ، فقال : ~~إنما كنت أريدهما لأنظر بهما إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأما ~~إذ قبض الله نبيه فما يسرني أن ما بهما بظبي من ظباء تبالة . وأما عائشة أم ~~المؤمنين رضي الله عنها فإنها لازمت قبره ( صلى الله عليه وسلم ) . ورثى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جماعة من أصحابة وعماته رضي الله عنهم ~~فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : يا عين فابكي ولا تسأمي . . . وحق ~~البكاء على السيد على خير خندف عن البلا . . . ء أمسى يغيب في الملحد فصلى ~~المليك ولي العباد . . . ورب البلاد على أحمد فكيف الحياة لفقد الحبيب . . ~~. وزين المعاشر في المشهد فليت الممات لنا كلنا . . . وكنا جميعا مع ~~المهتدي وقال أيضا رضوان الله عليه : لما رأيت نبينا متجدلا . . . ضاقت علي ~~بعرضهن الدور وارتعت روعة ms4000 مستهام واله . . . والعظم مني واهن مكسور أعتيق ~~ويحك إن حبك قد ثوى . . . وبقيت منفردا وأنت حسير ياليتني من قبل مهلك ~~صاحبي . . . غيبت في جدث علي صخور فلتحدثن بدائع من بعده . . . تعيا بهن ~~جوانح وصدور وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب : ارقت فبات ليلي لا ~~يزول . . . وليل أخي المصيبة فيه طول وأسعدني البكاء وذاك فيما . . . أصيب ~~المسلمون به قليل لقد عظمت مصيبتنا وجلت . . . عشية قيل قد قبض الرسول ~~وأضحت أرضنا مصيبتنا مما عراها . . . تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحي ~~والتنزيل فينا . . . يروح به ويغدو جبرئيل وذاك أحق ما سالت عليه . . . ~~نفوس الناس أو كربت تسيل PageV18P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" نبي كان يجلو الشك عنها . . . بما يوحى إليه ~~وما يقول ويهدينا فلا نخشى ضلالا . . . علينا والرسول لنا دليل أفاطم إن ~~جزعت فذاك عذر . . . وإن لم تجزعي ذاك السبيل فقبر أبيك سيد كل قبر . . . ~~وفيه سيد الناس الرسول وقال عبد الله بن أنيس : تطاول ليلي واعترتني ~~القوارع . . . وخطب جليل للبلية جامع غداة نعى الناعي إلينا محمدا . . . ~~وتلك التي تستك منها المسامع فلو رد ميتا قتل نفسي قتلتها . . . ولكنه لا ~~يدفع الموت دافع فآليت لا آسى على هلك هالك . . . من الناس ما أوفى ثبير ~~وفارع ولكنني باك عليه ومتبع . . . مصيبته أني إلى الله راجع وقد قبض الله ~~النبيين قبله . . . وعاد أصيبت بالرزى والتبابع فياليت شعري من يقوم بأمرنا ~~. . . وهل في قريش من إمام ينازع ثلاثة رهط من قريش هم هم . . . أزمة هذا ~~الأمر والله صانع علي أو الصديق أو عمر لها . . . وليس لها بعد الثلاثة ~~رابع فإن قال منا قائل غير هذه . . . أبينا وقلنا الله راء وسامع فيالقريش ~~قلدوا الأمر بعضهم . . . فإن صحيح القول للناس نافع ولا تبطئوا عنها فواقا ~~فإنها . . . إذا قطعت لم تمن فيها المطامع وقال حسان بن ثابت الأنصاري : ~~آليت حلفة بر غير ذي دخل . . . مني ألية حق غير إفناد تالله ما حملت أنثى ~~ولا وضعت . . . مثل النبي نبي الرحمة الهادي ولا مشى فوق ظهر الأرض من أحد ~~. . . أوفى بذمة ms4001 جار أو بميعاد من الذي كان نورا يستضاء به . . . مبارك ~~الأمر ذا حزم وإرشاد PageV18P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" مصدقا للنبيين الألى سلفوا . . . وأبذل الناس ~~للمعروف للجادي خير البرية إني كنت في نهر . . . جار فأصبحت مثل المفرد ~~الصادي أمسى نساؤك عطلن البيوت فما . . . يضربن خلف قفا ستر بأوتاد مثل ~~الرواهب يلبسن المسوح وقد . . . أيقن بالبؤس بعد النعمة البادي وقال أيضا : ~~ما بال عينك لا تنام كأنما . . . كحلت مآقيها بكحل الأرمد جزعا على المهدي ~~أصبح ثاويا . . . يا خير من وطئ الحصى لا تبعد يا ويح أنصار النبي ورهطه . ~~. . بعد المغيب في سواء الملحد جنبي يقيك الترب لهفي ليتني . . . غيبت قبلك ~~في بقيع الغرقد يا بكر آمنة المبارك ذكره . . . ولدته محصنة بسعد الأسعد ~~نورا أضاء على البرية كلها . . . من يهد للنور المبارك يهتدي أأقيم بعدك ~~بالمدينة بينهم . . . يا لهف نفسي ليتني لم أولد بأبي وأمي من شهدت وفاته . ~~. . في يوم الاثنين النبي المهتد وظللت بعد وفاته متبلدا . . . يا ليتني ~~صبحت سم الأسود أو حل أمر الله فينا عاجلا . . . في روحة من يومنا أو في غد ~~فتقوم ساعتنا فنلقى سيدا . . . محضا مضاربه كريم المحتد يا رب فاجمعنا معا ~~ونبينا . . . في جنة تفقي عيون الحسد في جنة الفردوس فاكتبها لنا . . . يا ~~ذا الجلال وذا العلا والسؤدد والله أسمع ما حييت بهالك . . . إلا بكيت على ~~النبي محمد ضاقت بالانصار البلاد فأصبحوا . . . سودا وجوههم كلون الإثمد ~~ولقد ولدناه وفينا قبره . . . وفضول نعمته بنا لم يجحد PageV18P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" والله أهداه لنا وهدى به . . . أنصاره في كل ~~ساعة مشهد صلى الإله ومن يحف بعرشه . . . والطيبون على المبارك أحمد ووقفت ~~فاطمة الزهراء رضي الله عنها على قبره ( صلى الله عليه وسلم ) فقالت : ما ~~ضر من قد شم تربة أحمد . . . ألا يشم مدى الزمان غواليا صبت علي مصائب لو ~~أنها . . . صبت على الأيام صرنا لياليا وقالت رضي الله عنها : اغبر آفاق ~~السماء وكورت . . . شمس النهار وأظلم العصران والأرض من بعد النبي كئيبة . ~~. . أسفا عليه كثيرة الرجفان فلتبكه شرق البلاد وغربها . . . ولتبكه ms4002 مضر ~~وكل يماني وليبكه الطود المعظم جوه . . . والبيت ذو الأستار والأركان يا ~~خاتم الرسل المبارك صنوه . . . صلى عليك منزل الفرقان نفسي فداؤك ما لرأسك ~~مائلا . . . ما وسدوك وسادة الوسنان وقالت صفية بنت عبد المطلب : أفاطم بكي ~~ولا تسأمي . . . بصبحك ما طلع الكوكب هو المرء يبكى وحق البكا . . . على ~~الماجد السيد الطيب فأوحشت الأرض من فقده . . . وأي البرية لا ينكب فمالي ~~بعدك حتى المما . . . ت إلا الجوى الداخل المنصب فبكي الرسول وحقت له . . . ~~شهود المدينة والغيب لتبكيك شمطاء مضرورة . . . إذا حجب الناس لا تحجب ~~ليبكيك شيخ أبو ولدة . . . يطوف بعقوته أشهب ويبكيك ركب إذا أرملوا . . . ~~فلم يلف ما طلب الطلب PageV18P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" وتبكي الأباطح من فقده . . . وتبكيه مكة ~~والأخشب فعيني مالك لا تدمعين . . . وحق لدمعك يستسكب وقالت صفية أيضا : ~~عين جودني بدمعة تسكاب . . . للنبي المطهر الأواب عين من تندبين بعد نبي . ~~. . خصه الله ربنا بالكتاب فاتح خاتم رءوف رحيم . . . صادث القيل طيب ~~الأثواب مشفق ناصح شفيق علينا . . . رحمة من إلهنا الوهاب رحمة الله ~~والسلام عليه . . . وجزاه المليك حسن الثواب وقالت أروى بنت عبد المطلب : ~~ألا يا عين ويحك أسعديني . . . بدمعك ما بقيت وطاوعيني ألا يا عين ويحك ~~واستهلي . . . على نور البلاد وأسعديني فإن عذلتك عاذلة فقولي . . . علام ~~وفيم ويحك تعذليني على نور البلاد معا جميعا . . . رسول الله أحمد فاتركيني ~~فإلا تقصري بالعذل عني . . . فلومي ما بدا لك أو دعيني لأمر هدني وأذل ركني ~~. . . وشيب بعد جدتها قروني وقالت عاتكة بنت عبد المطلب : يا عين جودي ما ~~بقيت بعبرة . . . سحا على خير البرية أحمد يا عين فاحتفلي وسحي واسمحي . . ~~. فابكي على نور البلاد محمد أنى لك الويلات مثل محمد . . . في كل نائبة ~~تنوب ومشهد فابكي المبارك والموفق ذا التقى . . . حامي الحقيقة ذا الرشاد ~~المرشد من ذا يفك عن المغلل غله . . . بعد المغيب في الضريح الملحد أم من ~~لكل مدفع ذي حاجة . . . ومسلسل يشكو الحديد مقيد أم من لوحي الله ينزل ~~بيننا . . . في كل ممسى ليلة أو في غد فعليك رحمة ربنا ms4003 وسلامه . . . يا ذا ~~الفواضل والندى والسؤد PageV18P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب بن ~~عبد مناف أخت مسطح : أشاب ذوائبي وأذاب ركني . . . بكاؤك فاطم الميت ~~الفقيدا فأعطيت العطاء فلم تكدر . . . وأخدمت الولائد والعبيدا وكنت ملاذنا ~~في كل لزب . . . إذا هبت شآمية برودا وإنك خير من ركب المطايا . . . ~~وأكرمهم إذا نسبوا جدودا رسول الله فارقنا وكنا . . . نرجي أن يكون لنا ~~خلودا أفاطم فاصبري فلقد أصابت . . . رزيتك التهائم والنجودا وأهل البر ~~والأبحار طرا . . . فلم تخطئ مصيبته وحيدا وكان الخير يصبح في ذراه . . . ~~سعيد الجد قد ولد السعودا ورثاه ( صلى الله عليه وسلم ) غير هؤلاء مما لو ~~استقصينا ذلك لطال ، واتسع فيه المجال ، ومراثيه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ومدائحه كثيرة تزداد في كل عصر ، وتتضاعف في كل دهر ، ( صلى الله عليه وسلم ~~) تسليما كثيرا دائما أبدا . PageV18P0267 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء التاسع عشر PageV19P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" بسم الله الرحمن الرحيم اللهم يسر ولا تعسر ، ~~واختم بخيراتك إنك على كل شيء قدير ، وصلى الله على سيدنا محمد ### | AUT الباب الثاني من القسم الخامس في أخبار الخلفاء الراشدين أبي بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلى ابن أبى طالب ، وأيام الحسن بن علي رضوان الله عليهم أجمعين # ذكر خلافة أبي بكر الصديق وشيء من أخباره وفضائله هو أبو بكر ، واسمه ~~عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ~~بن كعب بن لؤى بن غالب ، ومجتمع نسبة مع نسب رسول الله عليه وسلم عند مرة ~~بن كعب . وأمه سلمى - وكنينها أم الخير - بنت صخر بن كعب بن سعد ابن تيم بن ~~مرة ، وهى بنت عم أبيه . وكان رضى الله عنه ينعت بعتيق ، وقد اختلف في سبب ~~نعته بذلك ؛ فقال الليث بن سعد ، وجماعة معه : إنما قيل له عتيق لجماله ~~وعتاقة وجهه . PageV19P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" وقال مصعب الزبيري وطائفة من أهل النسب : إنما ~~سمى عتيقا لأنه لم يكن فى نسبه شىء يعاب ms4004 . وقال آخرون : كان له أخوان : ~~أحدهما يسمى عتيقا ، والآخر عتيقا ؛ مات عتيق قبله ، فسمى باسمه . وروى عن ~~موسى بن طلحة ، قال : سألت أبى طلحة بن عبيد الله ، قلت له : يا أبت ، بأي ~~شئ سمى أبو بكر عتيقا ؟ قال : كانت أمه لا يعيش لها ولد ، فلما ولدته ~~استقبلت به البيت ، وقالت : اللهم إن هذا عتيقك من الموت فهبه لي . وقال ~~آخرون : إنما سمى عتيقا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من سره ~~أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى هذا " فسمى عتيقا بذلك . وروى عن ~~عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها ، قالت : إني لفى بيت رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وأصحابه بالفناء : ؛ وبينهم الستر ، إذ أقبل أبو بكر ~~رضى الله عنه ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من سره أن ينظر ~~إلى عتيق من النار فلينظر إلى هذا " قالت : وإن اسمه الذي سماه أهله لعبد ~~الله بن عثمان ، وسمى رضى اله عنه بالصديق ؛ لمبادرته إلى تصديق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فى خبر الإسراء . وقال محجن الثقفي في أبى بكر رضى الله ~~عنه : وسميت صديقا ، وكل مهاجر . . . سواك تسمى باسمه غير منكر سبقت إلى ~~الإسلام ، والله شاهد . . . وكنت جليسا بالعريش المشهر وبالغار إذ سميت ~~بالغار صاحبا . . . وكنت رفيقا للنبي المطهر يعنى بقوله : " بالعريش " في ~~يوم بدر ؛ لأنه رضى الله عنه كان مع رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم في ~~العريش ؛ لم يكن معه فيه غيره . وبقوله : " وبالغار إذ سميت بالغار صاحبا " ~~قوله تعالى : " ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله ~~معنا " PageV19P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" ولنبدأ من أخباره رضى اله عنه بذكر شيء من ~~فضائله ، والله المستعان ، وعليه التكلان . ذكر نبذة من فضائل أبي بكر ~~الصديق ومآثره في الجاهلية والإسلام كان رضى الله عنه في الجاهلية وجيها ، ~~رئيسا من رؤساء قريش ، وإليه كانت الإشناق في الجاهلية - والأشناق الديات - ~~فكان إذ حمل شيئا قالت فيه قريش : صدقوه ، وامضوا حمالته وحمالة ms4005 من قام معه ~~أبو بكر ، وإن احتملها غيره خذلوه ولم يصدقوه . وكان رضى الله عنه ممن حرم ~~الخمر على نفسه ، وتنزه عنها في الجاهلية ، وكانت أشراف قريش تختلف إليه ~~وتزوره ، وتستشيره وتقتدي برأيه ، وتتربص في الأمور المعضلة إذا غاب إلى أن ~~يقدم ، ويدل على ذلك ما قدمناه في أوائل السيرة النبوية من خبره مع الشيخ ~~الكبير الأزدى في سفره إلى اليمن ، وما بشره الأزدى به من مبعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وأنه يعاونه على أمره ، وأن أبا بكر رضى الله عنه لما ~~رجع إلى مكة ، جاءه شيبة بن ربيعة وأبو جهل ابن هشام وأبو البخترى ، وعقبة ~~بن أبي معيط ، ورجالات قريش مسلمين عليه . وقولهم له : حدث أمر عظيم ؛ هذا ~~محمد بن عبد الله يزعم أنه نبى أرسله الله إلى الناس ، ولولا أنت ما ~~انتظرنا به ؛ فإذ جئت فأنت النهية ، وقد تقدم ذكر هذه القصة في المبشرات ~~برسول الله صلى الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ومثل ذلك لا ينتظر به إلا من ~~لا يمكن أن يقطع الأمر دونه . وفى هذا أقوى دلالة على فضله وشرفه ، ومكانته ~~لديهم . وكان أنسب قريش لقريش ، وأعلم قريش بما فيها من خير وشر . وأما ~~فضائله رضى الله عنه ومناقبه في الإسلام فكثيرة جدا ، قد أبانه رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بفضائل ومناقب ، وخصه بمزايا لم يخص بها غيره ، وذكره ~~في مواطن لم يذكر فيها سواه . PageV19P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" وقد تقدم من ذلك جملة في أثناء السيرة النبوية ~~فنشير الآن إليها ، ونذكر ما سواها مما تقف عليه إن شاء الله تعالى . فمن ~~فضائله التي تقدم ذكرها سابقته في الإسلام ، وأنه رضوان الله عليه أول من ~~أسلم من الذكور ، وأول من صلى مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . روى ~~أبو عمر بن عبد البر بسنده إلى الشعبي ، قال : سألت ابن عباس - أو سئل ابن ~~عباس رضى الله عنهما : أي الناس كان أول إسلاما ؟ فقال : أما سمعت قول حسان ~~بن ثابت . إذا تذكرت شجوا من ms4006 أخي ثقة . . . فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا ~~خير البرية ، أتقاها وأعدلها . . . بعد النبى ، وأوفاها بما حملا الثاني ~~التالي المحمود مشهده . . . وأول الناس حقا صدق الرسلا ويروى أن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، قال لحسان بن ثابت : هل قلت في أبى بكر شيئا ؟ ~~قال : نعم ؛ وأنشده هذه الأبيات ، وفيها بيت رابع ، وهو : وثاني اثنين في ~~الغار المنيف وقد . . . طاف العدو به إذ صعدوا الجبلا فسرر رسول الله عليه ~~وسلم ، وقال : " أحسنت يا حسان " . وروى أن فيها بيتا خامسا ، وهو : وكان ~~حب رسول الله إذ علموا . . . خير البرية لم يعدل به رجلا ومما يؤيد أنه ~~رضوان الله عليه أول من أسلم ما رواه الجريرى ، عن أبى نضرة ، قال : قال : ~~أبو بكر لعلى رضى الله عنهما : أنا أسملت قبلك . . . ، في حديث ذكره ، فلم ~~ينكر عليه . ومن ذلك أنه رضى الله فدى رسول الله صلى عليه وسلم بنفسه . روى ~~عن أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنهما : أنها قالت ، وقد قيل لها : ~~ما أشد ما رأيت المشركين بلغوا من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ ~~فقالت : كان المشركون قعودا فى المسجد الحرام ، فتذكروا رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وما يقول فى آلهتهم ، فبينما هم كذلك إذ دخل رسول الله ~~عليه وسلم ، فقاموا إليه ، وكانوا إذا سألوه عن شىء صدقهم ، PageV19P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" فقالوا : ألست تقول فى آلهتنا كذا وكذا ؟ قال : ~~بلى ، قال : فتشبثوا به بأجمعهم ، فأتى الصريخ إلى بكر ، فقيل له : أدرك ~~صاحبك ، فخرج أبو بكر حتى دخل المسجد ، فوجد رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) والناس مجتمعون عليه ، فقال : ويلكم " أتقتلون رجلا أن يقول ربى ~~الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم " فلهوا عن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وأقبلوا يضربونه . قالت : فرجع إلينا فجعل لا يمس شيئا من غدائره ~~إلا جاء معه وهو يقول : تباركت يا ذا الجلال والإكرام . ومنها ، أنه رضى ~~الله عنه أنفق على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما كان يملكه ، طيبة ~~بذلك نفسه ms4007 . روى عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : أسلم أبو بكر وله ~~أربعون ألفا ، أنفقها كلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفى سبيل الله . ~~وقال رسول الله عليه وسلم : " ما نفعني مال مثل ما نفعني مال أبى بكر " . ~~ومن رواية أخرى عنه قال : أسلم أبو بكر يوم أسلم وله أربعون ألف دينار ، ~~وأعتق سبعة كلهم يعذب في الله ، أعتق بلالا ، وعامر ابن فهيرة ، وزنيرة ، ~~والنهدية وابنتها ، وجارية بنى نوفل ، وأم عبيس . قد تقدم خبرهم في السيرة ~~النبوية . ومنها ، أنه رضى الله عنه أسلم على يديه بدعائه نصف العشرة ~~المشهود لهم بالجنة ، وهم : الزبير بن العوام ، وعثمان بن عفان ، وطلحة بن ~~عبيد الله ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، رضوان الله عليهم ~~أجمعين . وأسلم أبواه ، وصحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسلم بنوه ~~كلهم ، وصحب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هو وأبوه أبو قحافة ، وابنه ~~عبد الرحمن بن أبى بكر ، وابن ابنة محمد ابن عبد الرحمن ، وليست هذه ~~المنقبة لأحد من الصحابة غيره . ومن ذلك أنه رضى الله عنه كان مع رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) فى الغار ، ورفيقه في هجرته ، وناهيك بهما ، وسماه ~~عز وجل في كتابه : " صاحبه " . فقال تعالى : " إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن ~~الله معنا " . PageV19P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال : ~~خرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وخرج أبو بكر معه ؛ لم يأمن على ~~نفسه غيره حتى دخلا الغار . وعن حبيب بن أبي ثابت في قوله تعالى : " فأنزل ~~الله سكينته عليه " . قال : على أبي بكر ؛ فأما النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقد كانت عليه السكينة . وعن أبي هريرة رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) لأبي بكر : " أنت صاحبي على الحوض ، وصاحبي في ~~الغار " . وعن سفيان بن عيينه ، قال : عاتب الله عز وجل المسلمين كلهم في ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلا أبا بكر ، فإنه خرج من العاتبة ms4008 ، قال ~~الله تعالى : " إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين ~~إذ هما في الغار " . ومن فضائله ومزاياه رضى الله عنه ، أن رسول صلى الله ~~عليه وسلم قدمه للصلاة بالمسلمين في حياته ، وأمر بسد الأبواب الشارعة إلى ~~المسجد ، إلا باب أبي بكر ، وقد تقدم ذلك . ومنها ما روى عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، أنه قال : " رأيت في المنام أني وزنت بأمتي فرجحت ، ثم ~~وزن أبو بكر فرجح ، ثم وزن عمر فرجح " . وهذا دليل على أنه رضوان الله عليه ~~أرجح من الأمة أكثر من مرتين ، فإنه رجح الأمة ، وعمر رضى الله عنه فيهم ، ~~ورجح عمر الأمة ورؤيا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حق لا محالة وروى ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنه قال ما سابقت أبا بكر إلى خير قط إلا ~~سبقني إليه ولو وددت أني شعرة في صدر أبي بكر وعن عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصدقة ، قال عمر بن الخطاب وكان ~~عندي مال كثير . فقلت : والله لأفضلن أبا بكر هذه المرة ، فأخذت نصف مالي ~~وتركت نصفه ، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " هذا مال كثير ، ~~فما تركت لأهلك " ؟ قال : تركت لهم نصفه ؛ وجاء أبو بكر بمال كثير ، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تركت لأهلك " ؟ قال : تركت لهم الله ~~ورسوله . وفي رواية : قلت : لا أسابقك إلى شىء أبدا . وعن عبد الله بن عباس ~~رضى الله عنهما في قوله عز وجل : " فأما من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى " ؛ ~~نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه . PageV19P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، قال : ~~كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وعنده أبو بكر الصديق ، وعليه عباءة قد ~~خلها في صدره بخلال ، فنزل عليه جبريل ، فقال : يا محمد ، مالي أرى أبا بكر ~~عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال فقال : " يا جبريل ، أنفق ماله على قبل ms4009 ~~الفتح " ، قال : فإن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ، ويقول : قل له : أراض ~~أنت على في فقرك هذا ، أم ساخط ؟ فقال أبو بكر : أسخط على ربى أنا عن ربي ~~راض ، أنا عن ربي راض . وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، قال : هبط على جبريل وعليه طنفسة ، وهو متخلل بها ، فقلت : يا ~~جبريل ، لم إلى في مثل هذا الزى ؟ قال إن الله أمر الملائكة أن تتخلل في ~~السماء كتخلل أبي بكر في الأرض . وعن أبي هريرة رضى الله عنه ، قال : قال : ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أصبح منكم صائما اليوم ؟ " قال أبو ~~بكر رضى الله عنه : أنا ، قال : " من أطعم اليوم مسكينا ؟ " قال أبو بكر : ~~أنا ، قال : " من عاد اليوم مريضا ؟ " قال أبو بكر : أنا ، فقال : " من شهد ~~اليوم منكم جنازة ؟ " فقال أبو بكر : أنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : " ما اجتمعت هذه الخصال في رجل قط إلا دخل الجنة " . وعن ابن أبي ~~أوفى ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل على أبي بكر ~~وقال : " إني لأعرف اسم رجل واسم أبيه ، واسم أمه ؛ إذا دخل الجنة لم يبق ~~غرفة من غرفها ، ولا شرفة من شرفها إلا قال : مرحبا مرحبا " ، فقال سلمان : ~~إن هذا لغير خائب " : فقال : " ذاك أبو بكر بن أبي قحافة " . وعن سلمان بن ~~يسار ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أبو بكر وعمر خير ~~الأرض إلا أن يكون نبيا " . قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ~~الخير ثلثمائة وستون خصلة ، إذا أراد الله بعبد خيرا جعل فيه واحدة منهن ~~يدخل بها الجنة " ، قال : فقال أبو بكر : يا رسول الله ، هل في شىء منهن ؟ ~~قال : " نعم ، جميعا من كل " . PageV19P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" وعن أبي هريرة رضى الله عنه ، قال : قال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أتاني جبريل فأخذ بيدي ، فأراني باب الجنة ~~الذي تدخل منه أمتي ، فقال أبو بكر : وددت أني كنت معك ms4010 حتى أنظر إليه فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من ~~أمتي " . وعن أبي أمامة قال : استطال أبو بكر ذات يوم على عمر ، فقام عمر ~~مغضبا ، فقام أبو بكر فأخذ بطرف ثوبه ، فجعل يقول : ارض عنى ، اعف عنى ، ~~عفا الله عنك حتى دخل عمر الدار وأغلق الباب دون أبي بكر ولم يكلمه ؛ فبلغ ~~ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغضب لأبي بكر ، فلما صلى الظهر جاء عمر ، ~~فجلس بين يديه ، فصرف النبي صلى الله عليه وسلم وجهه عنه ، فتحول يمينا ~~فصرف وجهه عنه ، فلما رأى ذلك ارتعد وبكى ، ثم قال : يا رسول الله ، قد أرى ~~إعراضك عنى ، وقد علمت أنك لم تفعل هذا إلا لأمر قد بلغك عنى ، موجدة علي ~~في نفسك وما خير حياتي وأنت علي ساخط وفي نفسك على شىء فقال : " أنت القائل ~~لأبي بكر كذا وكذا ، ثم يعتذر إليك فلا تقبل منه " ثم قام النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فقال : " إن الله عز وجل بعثنى إليكم جميعا ، فقلتم : كذبت ، ~~وقال صاحبي : صدقت ؛ فهل أنتم تاركون لي صاحبي فهل أنتم تاركون لي صاحبي ~~فهل أنتم تاركون لي صاحبي " ثلاثا . فقام عمر بن الخطاب ، فقال : يا رسول ~~الله ، رضيت بالله ربا . وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا . فقام أبو بكر فقال ~~: والله لأنا بدأته ، ولأنا كنت أظلم ، فأقبل عمر على أبي بكر فقال : ارض ~~عنى رضى الله عنك ، فقال أبو بكر : يغفر الله لك فذهب عن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) غضبه . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : " لقد هممت أن أبعث رجالا من أصحابي إلى ملوك ~~الأرض يدعونهم إلى الإسلام كما بعث عيسى بن مريم الحواريين " . قالوا : يا ~~رسول الله ، أفلا تبعث أبا بكر وعمر فهما أبلغ فقال : " لا غنى لى عنهما ؛ ~~إنما منزلتهما من الدين منزلة السمع والبصر من الجسد " . وعن أنى أروى ~~الدوسى ، قال : كنت مع رسول الله صلى الله ms4011 عليه وسلم جالسا ، فطلع أبو بكر ~~وعمر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحمد لله الذي أيدنى بكما " ~~. وعن على بن أبى طالب رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأبى بكر : " يا أبا بكر ، إن الله أعطاني ثواب من آمن بي منذ خلق آدم ~~إلى أن تقوم الساعة ، وإن الله أعطاك يأبا بكر ثواب من آمن بي منذ بعثتي ~~إلى يوم تقوم الساعة " وعن أبي سعيد الخدرى رضى الله عنه ، قال : قال رسول ~~سول صلى الله عليه وسلم : " لي وزيران من أهل السماء : جبريل وميكائيل ولي ~~وزيران من أهل الأرض : أبو بكر وعمر " . PageV19P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" وعن ابن عباس رضى الله عنهما : أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لأبى بكر وعمر : " ألا أخبر كما بمثلكما من الملائكة ، ~~ومثلكما في الأنبياء ؟ أما مثلك أنت يا أبا بكر في الملائكة فمثل ميكائيل ~~ينزل بالرحمة ، ومثلك أيضا في الأنبياء كمثل إبراهيم إذ كذبه قومه ، وصنعوا ~~به ما صنعوا ، فقال : " فمن تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم " . ~~ومثلك يا عمر في الملائكة كمثل جبريل ، ينزل بالبأس والشدة والنقمة على ~~أعداء الله ؛ ومثلك في الأنبياء كمثل نوح إذ قال : " رب لا تذر على الأرض ~~من الكافرين ديارا " وعن عمار بن ياسر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : " أتاني جبريل آنفا ، فقلت له : يا جبريل آنفا ، فقلت له : يا جبريل ~~، حدثني بفضائل عمر ابن الخطاب في السماء . فقال : يا محمد ، لو حدثتك ~~بفضائل عمر بن الخطاب في السماء مثل ما لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين ~~عاما ما نفدت فضائل عمر ، وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر " . وعن أبى هريرة ~~رضى الله عنه ، قال : هبط جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فوقف ثلاثا ~~يناجيه ؛ فمر أبو بكر الصديق فقال جبريل : يا محمد ، هذا ابن أبى قحافة ؛ ~~قال : يا جبريل ، وتعرفونه في السماء ؟ قال : إي والذي بعثك بالحق ؛ لهو ~~أشهر في السماء ms4012 منه في الأرض ، وإن اسمه في السماء للحليم " . وعن ابن عمر ~~رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه سلم : " لو وزن إيمان أبي ~~بكر بإيمان أهل الأرض لرجح " . وعن عبد الرحمن بن أبي بكر ؛ أنه كان يوم ~~بدر مع المشركين ، فلما أسلم قال لأبيه : لقد اهتد فت لي يوم بدر ، فصرفت ، ~~عنك ولم أقتلك ؛ فقال أبو بكر : لكنك لو اهتد فت لي لم أنصرف عنك . وعن ابن ~~غنم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر ، وعمر : " لو اجتمعتما في ~~مشورة ما خالفتكما " . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أتاني جبريل فقال : يا محمد ، إن الله ~~يأمرك أن تستشير أبا بكر " . وعن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خرج إلى المسجد ومعه المهاجرون والأنصار ، ما أحد منهم يرفع رأسه من ~~حبوته إلا أبو بكر وعمر ، فإنه كان يبتسم إليهما ويبتسمان إليه . ~~PageV19P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" وعن الزبير بن العوام ، قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك : " اللهم بارك لأمتي في أصحابي ، فلا ~~تسلبهم البركة ، وبارك لأصحابي في بكر ، فلا تسلبه البركة ، واجمعهم عليه ، ~~ولاتشتت أمره ؛ فإنه لم ينزل يؤثر أمرك على أمره . اللهم أعن عمر ابن ~~الخطاب ، وصبر عثمان بن عفان ، ووفق علي بن أبي طالب ، وثبت الزبير ، واغفر ~~لطلحة ، وسلم سعدا ، ووقر عبد الرحمن ، وألحق بي السابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان . وقيل : لما قدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من حجة الوداع صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " ~~يأيها الناس ، إن أبا بكر لم يسؤني قط ، فاعرفوا ذلك له . يأيها الناس ، ~~إني راض عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ، وطلحة ابن ~~عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن مالك وعبد الرحمن ابن عوف والمهاجرين ~~الأولين ، فاعرفوا ذلك لهم . يأيها الناس ، إن الله قد غفر لأهل بدر ~~والحديبية . يأيها الناس ms4013 ، احفظوني في أحبابي وأصهاري وفي أصحابي ، لا ~~يطلبنكم الله بمظلمة أحد منهم ، فإنها ليست فيما يوهب . يأيها الناس ، ~~ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين ، إذا مات الرجل ، فلا تقولوا فيه إلا خيرا " ، ~~ثم نزل صلى الله عليه وسلم . وعن عمرو بن العاص ، أنه أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، فقال : أي الناس أحب إليك يا رسول الله ؟ قال : عائشة ، قال : ~~من الرجال ، قال : أبوها . قال : ثم من ؟ قال : عمر . وعن عبد الله بن أبي ~~أوفى ، قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " إني مشتاق إلى ~~إخواني " ، فقلنا : أو لسنا إخوانك يا رسول الله قال : " كلا ، أنتم أصحابي ~~وإخواني " فجاء أبو بكر الصديق ، فقال عمر : إنه قال : " إني لمشتاق إلى ~~إخواني ، فقلنا : ألسنا إخوانك ؟ فقال : لا ، إخواني قوم يؤمنون بي ولم ~~يروني . فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " ألا تحب قوما بلغهم أنك ~~تحبني فأحبوك لحبك إياى ، فأحبهم الله " وعنه قال : رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم متكئا على على ، وإذا أبو بكر وعمر قد أقبلا ، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : " أحبهما فحبهما يدخل الجنة " . وعن أنس بن مالك ~~رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حب أبي بكر ~~وشكره واجب على أمتي " . وعنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: " حب أبى بكر وعمر إيمان ، وبغضهما كفر " . وعن ابن عمر رضى الله عنه ، ~~قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لما ولد أبو بكر الصديق ~~أقبل الله تعالى على جنة عدن ، فقال : وعزتي وجلالى لا أدخلك إلا من يجب ~~هذا المولود " - يعنى أبا بكر . PageV19P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : إن في السماء الدينا ثمانين ألف ملك يستغفرون ~~الله تعالى لمن أحب أبا بكر وعمر " وعن ابن عمر رضى الله عنهما ، قال : دخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد بين أبي بكر وعمر ، وهو معتمد عليهما ~~، فقال : " هكذا ندخل ms4014 الجنة جميعا " . وعن عائشة رضى الله عنها ، قالت : ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أول من يعطى كتابة من هذه الأمة أبو ~~بكر ؛ الناس كلهم يحاسبون إلا أبا بكر " . وعن جابر بن عبد الله ، قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تأتى الملائكة بأبي بكر الصديق مع ~~النبيين والصديقين تزفه إلى الجنة زفا " وعن ثابت ، قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : " أول من يعطى كتابة من هذه الأمة عمر بن الخطاب ، ~~وله شعاع كشعاع الشمس " فقيل له : فأين أبوبكر يا رسول الله ؟ قال : " ~~هيهات زفته الملائكة إلى الجنة " . وعن أنس بن مالك رضى الله عنه ، قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كأني بك يا أبا بكر على باب الجنة ~~تشفع لأمتي " . وعن ابن عباس رضى الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : " إذا كان يوم القيامة نادى مناد من تحت العرش : ألا ~~هاتوا أصحاب محمد " ، قال : فيؤتى بأبي بكر الصديق وعمر ابن الخطاب وعثمان ~~بن عفان ، فيقال لأبى بكر : قف على باب الجنة ، فأدخل الجنة من شئت برحمة ~~الله ، ودع من شئت بعلم الله ، ويقال لعمر بن الخطاب : قف على الميزان فثقل ~~من شئت برحمة الله ، وخفف من شئت بعلم الله ، ويعطى عثمان بن عفان عصا آس ، ~~التي غرسها الله عز وجل في الجنة ، ويقال له : ذد الناس عن الحوض " . وقد ~~ورد في الصحيحين من فضائل أبي بكر رضى الله عنه ما فيه مقنع ، وفضائله ~~رضوان الله عليه كثيرة ، وقد ذكرنا جملة كافية ، فلنذكر صفته . ~~PageV19P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" ذكر صفة أبي بكرالصديق كان رجلا نحيفا طويلا ~~أبيض ، خفيف العارضين أجنأ ، لا يستمسك إزاره ، يسترخي عن حقويه ، معروق ~~الوجه ، غائر العينين ، ناتئ الجبهة ، عاري الأشاجع . هكذا وصفته عائشة أم ~~المؤمنين رضى الله عنها . وكان يخضب بالحناء والكتم . ذكر ما ورد من أن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) استخلف أبا بكر على أمته من بعده وحجة من ~~قال ذلك قال الفقيه الحافظ أبو ms4015 عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر ~~النمرىء رحمه الله : استخلف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أبا بكر ~~الصديق رضى الله عنه على أمته من بعده ؛ بما أظهر من الدلائل البينة على ~~محبته في ذلك ، وبالتعريض الذي يقوم مقام التصريح بذلك لأنه لم يؤمر فيه ~~بشيء . وكان ( صلى الله عليه وسلم ) لا يصنع شيئا في دين الله إلا بوحي ، ~~والخلافة ركن من أركان الدين . قال : ومن الدليل الواضح على ما قلنا ، ما ~~حدثنا سعيد ابن نصر وعبد الوارث بن سيفان ، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال ~~: حدثنا أحمد بن زهير ، قال : حدثنا منصور بن سلمة . وأخبرنا أحمد بن عبد ~~الله ، قال : حدثنا اليمون بن حمزة الحسيني بمصر ، قال : حدثنا الطحاوى ؛ ~~قال : حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعى ؛ قال : PageV19P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" حدثنا إبراهيم بن سعد أبي وقاص عن أبيه عن ~~محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، قال : أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فسألها عن شىء ، فأمرها أن ترجع إليه . فقالت : يا رسول الله ~~أرأيت إن جئت ولم أجدك تعني الموت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~" إن لم تجدينى فأت أبا بكر " . قال الشافعي رحمه الله : في هذا الحديث ~~دليل على أن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر . وقد تقدم ~~في السيرة النبوية عن عاصم ، عن قتادة ، قال : اتباع النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعيرا من رجل إلى أجل ، فقال : يا رسول الله إن جئت فلم أجدك ؟ - يعني ~~الموت - ، قال : فائت أبا بكر ، قال : فإن جئت فلم أجد أبا بكر يعني بعد ~~الموت قال فأئت عمر قال إن جئت فلم أجد عمر ؟ قال : إن استطعت أن تموت إذا ~~مات عمر ، فمت . وساق أبو عمر بن عبد البر في أدلته على استخلاف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم له أحاديث الصلاة ، وكونه استخلفه أن يصلى بالناس في ~~مرضه . وقد قدمنا ذكر ذلك كله في خبر وفاة رسول ms4016 الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) . ومما يؤيد ذلك ويعضده ما قدمناه من حديث عائشة رضى الله عنها ، وقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لها : " لقد هممت - أو أردت - أن أرسل إلى ~~أبيك ، أو أخيك فأقضى أمري ، وأعهد عهدى ؛ فلا يطمع في الأمر طامع ، ولا ~~يقول القائلون ، أو يتمنى المتمنون " ثم قال : " كلا يأبى الله ويدفع ~~المؤمنون " ، أو " يدفع الله ويأبى المؤمنون " . وقال بعضهم في حديثه : " ~~ويأبى الله إلا أبا بكر " . وفي الحديث الآخر عن أبى مليكة ، قال : قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه : " ادعوا إلى أبا بكر " ، ~~فقالت عائشة : إن أبا بكر رجل يغلبه البكاء ؛ ولكن إن شئت دعونا لك ابن ~~الخطاب ، فقال : " إنكن صواحب يوسف ، ادعوا أبا بكر وابنه ؛ فليكتب ؛ أن ~~يطمع في أمر أبى بكر طامع ، أو يتمنى متمن " . ثم قال : " يأبى الله ذلك ~~والمؤمنون ، يأبى الله ذلك والمؤمنون " . PageV19P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" وفي هذا الحديث والذي قبله تصريح على أنه ~~الخليفة بعده ، ودليل على أن الكتاب الذي أراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يكتبه ، وتركه لما كثر عنده التنازع ؛ إنما كان المراد به أن ينص ~~على أبى بكر في الخلافة . والله تعالى أعلم . وروى أبو عمر إلى عبد الله بن ~~مسعود ، أنه قال : اجعلوا إمامكم خيركم ؛ فإن رسول الله عليه وسلم جعل ~~إمامنا خيرنا بعده . وروى الحسن البصرى ، عن قيس بن عباد ، قال : قال لي ~~على ابن أبي طالب رضى الله عنه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرض ~~ليالي وأياما ، ينادى بالصلاة فيقول : " مروا أبا بكر يصلى بالناس " ؛ فلما ~~قبض رسول الله عليه وسلم ، نظرت ، فإذا الصلاة علم الإسلام ، وقوام الدين ، ~~فرضينا لدنيانا ما رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا ، فبايعنا أبا ~~بكر . وكان أبو بكر رضى الله عنه يقول : أنا خليفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ؛ ولذلك كان يدعى : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى عن ~~ابن أبى مليكة ، قال : قال ms4017 رجل لأبى بكر يا خليفة الله ، قال : لست خليفة ~~الله ؛ ولكن أنا خليفة رسول الله عليه وسلم ، وأنا راض بذلك . وروى أبو عمر ~~بسنده ، عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه ، أنه قال : خير هذه الأمة بعد ~~نبيها أبو بكر وعمر رضى الله عنهما وكان علي رضي الله عنه يقول سبق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى أبو بكر ، وثلث عمر ، ثم خبطتنا فتنة يغفر ~~الله فيها عمن يشاء . وقال : رحم الله أبا بكر كان أول من جمع بين اللوحين ~~. وقال أبو عمر بن عبد البر : وروينا من وجوه ، عن عبد الله ابن جعفر بن ~~أبى طالب ، أنه قال : ولينا أبو بكر فخير خليفة ، أرحمه بنا ؛ وأحناه علينا ~~. وقال مسروق : حب أبى بكر وعمرو معرفة فضلهما من السنة . وروى عن على رضى ~~الله أنه قال : لا يفضلنى أحد على أبى بكر وعمر إلا جلدته جلد المفترى . ~~والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب . PageV19P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" ذكر بيعة أبى بكر الصديق رضى الله عنه وخبر ~~السقفية ، وما وقع بين المهاجرين والأنصار من التراجع في الإمارة بويع أبو ~~بكر الصديق رضى الله عنه بالخلافة في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ، سنة ~~إحدى عشرة من الهجرة ؛ وهو اليوم الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، في سقيفة بنى ساعدة ، وذلك قبل أن يشرع في جهاز رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . وكان من خبر سقيفة بنى ساعدة ، أنه لما توفى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، اجتمعت الأنصار في سقيفة بنى ساعدة ، وقالوا : نولى هذا ~~الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد ابن عبادة ، وأخرجوا سعدا ~~إليهم وهو مريض ، فلما اجتمعوا قال سعد لأبيه - أو لبعض بنى عمه : أني لا ~~أقدر أشكو ، أي أن أسمع القوم كلهم كلامى ؛ ولكن تلق منى قولي فأسمعهموه ، ~~فكان سعد يتكلم ويحفظ الرجل قوله ، فيرفع به صوته ، فيسمع أصحابه ، فقال ~~بعد أن حمد الله وأثنى عليه : يا معشر الأنصار ، إن لكم سابقة ms4018 في الدين ، ~~وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب ؛ إن محمدا صلى الله عليه وسلم لبث ~~بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن ، وخلع الأوثان ، فما آمن به ~~إلا رجال قليل ؛ والله ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسوله ، ولا أن يعزوا ~~دينه ، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم فيما عموا به ؛ حتى إذا أراد بكم الفضيلة ؛ ~~ساق إليكم الكرامة ، وخصكم بالنعمة ، ورزقكم الإيمان به وبرسوله ، والمنع ~~له ولأصحابه ، والإعزاز له ولدينه ، والجهاد لأعدائه . فكنتم طوعا وكرها ، ~~وأعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا ؛ وحتى أثخن الله لرسول بكم الأرض ، ~~ودانت بأسيافكم له العرب . وتوفاه الله إليه وهو عنكم راض ، وبكم قرير ~~العين . استبدوا بهذا الأمر دون الناس ؛ فإنه لكم دون الناس . فأجابوه ~~بأجمعهم ، أن قد وفقت في الرأى ، وأصبت شفى القول ، ولن نعدو ما رأيت ؛ ~~نوليك هذا الأمر ؛ فإنك فينا رفيع ، ولصالح المؤمنين رضا . ثم إنهم ترادوا ~~الكلام ، فقالوا : فإن أبت مهاجرة قريش ؟ فقالة : نحن المهاجرون وصحابة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الأولون ، ونحن عشيرته وأولياوه ؛ فعلام ~~تنازعوننا PageV19P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" الأمر من بعده ؟ فقالت طائفة منهم : فإنا نقول ~~إذا فمنا أمير ومنكم أمير ، ولن نرضى بدون هذا أبدا . فقال سعد بن عبادة ~~حين سمعها : هذا أول أول الوهن وأتى عمر رضى الله عنه الخبر ، فأقبل إلى ~~منزل النبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إلى أبى بكر ، وأبو بكر في الدار ~~وعلي بن أبي طالب دائب في جهاز النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأرسل إلى أبي ~~بكر أن اخرج إلى ؛ فأرسل إليه : أني مشتغل ، فأرسل إليه : إنه قد حدث أمر ~~لابد لك من حضوره ، فخرج إليه ، فقال : أما علمت أن الأنصار قد اجتمعت في ~~سقيفة بنى ساعدة ، يريدون أن يولوا هذا الأمر سعد بن عبادة ؛ وأحسنهم مقالة ~~من يقول : منا أمير ومن قريش أمير فخرجا مسرعين نحوهم ، فلقيا أبا عبيدة بن ~~الجراح ، فماشوا إليهم ثلاثتهم ، فلقيهم عاصم بن عدى وعويم بن ساعدة ، ~~فقالا لهم : أين تريدون ؟ قالوا : نريد إخواننا ms4019 هؤلاء من الأنصار . قالا : ~~فارجعوا . فاقضوا أمركم بينكم ؛ فإنه لم يكن إلا ما يحبون ، فقالوا : لا ~~نفعل . قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه في حديثه : فقلت : والله لنتينهم ~~قال : فأتيناهم وهم مجتمعون في سقيفة بنى ساعدة وإذا بين أظهرهم رجل مزمل ، ~~فقلت : من هذا ؟ قالوا : سعد ابن عبادة . قلت : ما شأنه ؟ قالوا : وجع ، ~~فقام رجل منهم ، فحمد الله وقال : أما بعد ، فنحن الأنصار ، وكتيبة الإسلام ~~، وأنتم يا معشر قريش رهطنا ، وقد دفت إلينا من قومكم دافة . قال : فلما ~~رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ، ويغصبونا الأمر . وقد كنت زورت في ~~نفسي مقالة أقدمها بين يدي أبى بكر ، وكنت أدارى منه بعض الحد ، وهو كان ~~أوقر منى وأحلم ، فلما أردت أن أتكلم قال لي : على رسلك وكرهت أن أغضبه ، ~~فقام ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، فما ترك شيئا زورت في نفسي أن أتكلم به لو ~~تكلمت ، إلا قد جاء به ، أو بأحسن منه . PageV19P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" وقال : أما بعد ، يا معشر الأنصار ، فإنكم لا ~~تذكرون منكم فضلا إلا أنتم له أهل ، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا ~~الحي من قريش ؛ هم أوسط العرب دارا ونسبا ، وأني قد رضيت لكم أحد هذين ~~الرجلين ، فبايعوا أيهما شئتم . وأخذ بيدي وبيد أبى عبيدة بن الجراح . يقول ~~عمر وهو على المنبر : وإني والله ما كرهت من كلامه شيئا غير هذه الكلمة ، ~~أن كنت أقدم فتضرب عنقي أحب إلى من أن أومر على قوم فيهم أبو بكر . قال : ~~فلما قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل ، فقال : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها ~~المرجب ؛ منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش . قال عمر : وارتفعت الأصوات ، ~~وكثر اللغظ ، فلما أشفقت الاختلاف قلت لأبى بكر : ابسط يدك نبايعك ، فبسط ~~يده فبايعته ، وبايعه المهاجرون ، وبايعه الأنصار ، ثم نزوا على سعد ؛ حتى ~~قال قائلهم : قتلتم سعد بن عبادة . فقلت : قتل الله سعدا وإنا والله ما ~~وجدنا أمر هو أقوى من مبايعة أبى بكر ، إنا خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن ms4020 ~~بيعة فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة ، فإما أن نبايعهم ~~على ما نرض ، أو نخالفهم فيكون فشل . ومن رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن ~~أبى عمر الأنصاري ، وذكر ما تكلم به أبو بكر الصديق رضى الله عنه ، وما ~~قاله الأنصار ، فقال بعد أن ساق ما تقدم أو نحوه ، ثم قال : فبدأ أبو بكر ، ~~فحمد اله ، وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ~~رسولا إلى خلقه ، وشهيدا على أمته ؛ ليعبدوا الله ويوحدوه وهم يعبدون من ~~دونه آلهة شتى ، يزعمون أنها لهم عنده شافعة ، ولهم نافعة ، وإنما هي حجر ~~منحوت ، وخشب منجور . ثم قرأ : " ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ~~ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاونا عند الله " ، وقالوا : " ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى " فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم ، فخص الله ~~المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والإيمان به ، والمواساة له والصبر معه ~~، على شدة أذى PageV19P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" قومهم لهم ، وتكذيبهم إياهم ، وكل الناس لهم ، ~~وإجماع قومهم عليهم ، فهم أول من عبد الله في الأرض ، وآمن بالله والرسول ، ~~وهم أولياؤه وعشيرته ، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده ، ولا ينازعهم ذلك ~~إلا ظالم . وأنتم يا معشر الأنصار ، أنتم من لا ينكر فضلهم في الدين ، ولا ~~سابقتهم العظيمة فى الإسلام ، رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله ، وجعل إليكم ~~هجرته ، وفيكم جلة أزواجه ، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا أحد بمنزلتكم ~~، فنحن الأمراء ، وأنتم الوزراء ، لا تفاتون بمشورة ولا تقضى دونكم الأمور ~~. قال : فقام الحباب بن المنذر بن الجموح ، فقال : يا معشر الأنصار ، ~~املكوا على أيديكم . فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم ، ولن يجترئ على خلافكم ، ~~ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم ؛ وأنتم أهل العز والثروة ، وأولو العدد ~~والتجربة ، وذوو البأس والنجدة ؛ وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون ، فلا ~~تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم ، وتنتقض عليكم أموركم ، فإن أبى هؤلاء إلا ما ~~سمعتم ، فمنا أمير ومنهم أمير . فقال عمر : هيهات لا يجتمع اثنان في قرن ~~إنه ms4021 والله لا يرضى العرب أن يؤمروكم ونبيها صلى الله عليه وسلم من غيركم ؛ ~~ولكن العرب لا تمتنع أن تولى أمورها من كانت النبوة فيهم ، وولى أمورهم ~~منهم ؛ ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين . من ~~ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ؛ ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل ، ~~أومتجانف لإثم أو متورط في هلكه فقام الحباب بن المنذر ، فقال : يا معشر ~~الأنصار ، املكوا على أيديكم ، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه ، فيذهبوا ~~بنصيبكم من هذا الأمر ، فإن أبوا عليكم ما سألتموه ، فأجلوهم عن هذه البلاد ~~، وتولوا عليكم هذه الأمور ؛ فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم ؛ فإنه ~~بأسيافكم دان لهذا الدين من لم يكن يدين ، أنا جذيلها المحكك وعذيقها ~~المرجب ؛ أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة فقال له عمر : إذن يقتلك الله ~~قال : بل إياك يقتل . PageV19P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" فقال أبو عبيدة : يا معشر الأنصار ، إنكم أول ~~من نصر وآزر ، فلا تكونوا أول من بدل وغير . فقال بشير بن سعد ، أبو ~~النعمان بن بشير : يا معشر الأنصار ، إنا والله لئن كنا أولى فضيلة في جهاد ~~المشركين ، وسابقة في هذا الدين ، ما أردنا به إلا رضا ربنا ، وطاعة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم ، والكدح لأنفسنا ؛ ما ينبغى لنا أن نستطيل بذلك على ~~الناس ، ولا نبتغى به من الدينا عرضا ، فإن الله ولى المنة علينا بذلك ؛ ~~ألا إن محمدا صلى الله عليه وسلم من قريش ، وقومه أحق به وأولى . وايم الله ~~لا يرانى الله أنازعهم هذا الأمر أبدا فاتقوا الله ولا تخالفوهم ، ولا ~~تنازعوهم . فقال أبو بكر رضى الله عنه : هذا عمر وأبو عبيدة ، فأيهما شئتم ~~فبايعوا ؛ فقالا : والله لا نتولى هذا الأمر عليك ، وأنت أفضل المهاجرين ، ~~وثاني اثين إذهما فى الغار ، وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الصلاة ، والصلاة أفضل دين المسلمين ، فمن ذا ينبغى له أن يتقدمك أو يتولى ~~هذا الأمر عليك ابسط نيابعك فلما ذهبا ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد ~~فبايعه ، فناداه المنذر بن الحباب : يا ms4022 بشير بن سعد ، عققت عقاق ما أحوجك ~~إلى ما صنعت أنفست على ابن عمك الإمارة قال : لا والله ، ولكن كرهت أن ~~أنازع قوما حقا جعله الله لهم . قال : ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد ، ~~وما تدعو إليه قريش ، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة ، قال عليكم ~~مرة ، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضلية ، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا ~~أبدا فقوموا فبايعوا أبا بكر . فقاموا إليه فبايعوه ، وانكسر على سعد بن ~~عبادة وعلى الخزرج ما كانوا اجتمعوا له من أمرهم . قال أبو جعفر محمد بن ~~جرير الطبري في تاريخه : فروى عن أبي بكر بن محمد الخزاعى : إن أسلم أقبلت ~~بجماعتها حتى تضايقت بها السكك ليبايعوا أبا بكر ، فكان عمر يقول : ما هو ~~إلا أن رأيت أسلم ، فأيقنت بالنصر . PageV19P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" قال عبد الله بن عبد الرحمن : فأقبل الناس من ~~كل جانب يبايعون أبا بكر ، وكادوا يطئون سعد بن عبادة ، فقال ناس من أصحاب ~~سعد : اتقوا سعدا لا تطئوه ، فقال عمر : اقتلوه ، اقتلوه ، قتله الله ؟ ثم ~~قام على رأسه فقال : لقد هممت أن أطاك حتى تنذر عضوك ؛ فأخذ قيس بن سعد ~~بلحية عمر ، ثم قال : والله لو حصصت منها شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة . ~~فقال أبو بكر : مهلا يا عمر ، الرفق ها هنا أبلغ ؟ فأعرض عنه عمر ؛ وقال ~~سعد : أما والله لو أن بي من قوتي ما أقوى على النهوض لسمعتم منى في ~~أقطارها وسككها زئيرا يجحرك وأصحابك . أما والله إذا لألحقنك بقوم كنت فيهم ~~تابعا غير متبوع . احملونى عن هذا المكان ، فحملوه فأدخلوه داره ، وترك ~~أياما ثم بعث إليه أن أقبل فبايع ؛ فقد بايع الناس وبايع قومك ؛ فقال : أما ~~والله حتى أرميكم بما في كناني من نبل ، وأخضب منكم سنان رمحي ، وأضربكم ~~بسيفي ما ملكته يدي ، وأقاتلكم بأهل بيتى ومن أطاعني من قومى ، فلا أفعل ~~وايم الله : لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربى ~~وأعلم ما حسابي . فلما ms4023 أتى أبو بكر بذلك قال له عمر : لا تدعه حتى يبايع ؛ ~~فقال له بشير بن سعد : إنه قد لج وأبى وإنه ليس يبايعكم حتى يقتل ، وليس ~~بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته . فاتركوه ، فليس ~~تركه يضاركم ، إنما هو رجل واحد . فتركوه ، وقبلوا مشورة بشير بن سعد ، ~~واستنصحوه لما بدا لهم منه ؛ فكان سعد بن عبادة لا يصلى بصلاتهم ، ولا يجمع ~~معهم ، ويحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم ، فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر الصديق ~~رضى الله عنه . وعن الضحاك بن خليفة ، أن سعد بن عبادة بايع . وعن جابر ، ~~قال : قال سعد بن عبادة يؤمئذ لأبى بكر : إنكم يا معشر المهاجرين حسدتموني ~~على الإمارة ، وإنك وقومي أجبرتموني على البيعة ؛ فقال أبو بكر : إنا لو ~~أجبرناك على الفرقة فصرت إلى الجماعة كنت فى سعة ، ولكنا أجبرناك على ~~الجماعة فلا إقالة فيها ؛ لئن نزعت يدا من طاعة ، أو فرقت جماعة لأضربن ~~الذي فيه عيناك . PageV19P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" و حكى أبو عمر بن عبد البر رحمه الله ؛ أن عمر ~~رضى الله عنه قال : نشدتكم الله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمر أبا بكر أن يصلى بالناس فقالوا : اللهم نعم ، قال : فأيكم تطيب نفسه أن ~~يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالوا : كلنا لا ~~تطيب نفسه ، ونستغفر الله . وبايعوه . قال : ثم بويع البيعة العامة يوم ~~الثلاثاء من غد ذلك اليوم ، وتخلف عن بيعته سعد بن عبادة ، وطائفة من ~~الخزرج ، وفرقة من قريش ، ثم بايعوه بعد غير سعد . وقيل : إنه لم يتخلف عن ~~بيعته يومئذ أحد من قريش . وقيل : تخلف عنه قريش : على ، والزبير ، وطلحة ، ~~وخالد ابن سعد بن العاص . ثم بايعوه بعد . وقد قيل : إن على بن أبي طالب ~~رضى الله عنه لم يبايعه إلا بعد موت فاطمة رضى الله عنها ، ثم لم يزل سامعا ~~مطيعا له ، يثنى عليه ويفضله . وقيل : إنه تخلف على وبنو هاشم والزبير ~~وطلحة عن البيعة ، وقال الزبير ms4024 : لا أغمد سيفى حتى يبايع على ، فقال عمر : ~~خذوا سيفه ، فاضربوا به الحجر ؛ ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة . وقيل : إن ~~عليا لما سمع ببيعه أبى بكر خرج في قميص ، ما عليه إزار ولا رداء ، عجلا ~~حتى بايعه ، ثم استدعى إزاره ورداءه . وحكى محمد بن إسحاق رحمه الله ؛ عن ~~عبد الله بن أبي بكر ، أن خالد بن سعيد بن العاص قدم من اليمن بعد وفاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتربص ببيعته لأبي بكر شهرين ، وكان يقول : ~~قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعزلنى ، ثم بايع أبا بكر . ~~فلما بعث أبو بكر الجنود إلى الشام ، كان أول من بعث على ربع منها خالد بن ~~سعيد ، فلم يزل به عمر حتى عزله ، وأمر يزيد ابن أبى سفيان ، وكان عمر رضى ~~الله عنه قد اضطغن عليه تأخره عن بيعة أبى بكر . وعن عكرمة ، قال : لما ~~بويع لأبى بكر تخلف عن بيعته على ، وجلس في بيته ، فلقيه عمر ، فقال : ~~تخلفت عن بيعة أبى بكر ، فقال : أني أكتب بيمين حين قبض رسول الله عليه ~~وسلم ألا أرتدي برداء إلا إلى الصلاة المكتوبة ؛ حتى أجمع القرآن ؛ فأنى ~~خشيت أن ينفلت ، ثم خرج فبايع . PageV19P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" وعن مالك بن مغول ، عن ابن أبجر ، قال : لما ~~بويع لأبى بكر الصديق جاء أبو سفيان بن حرب إلى على ، فقال : غلبكم على هذا ~~الأمر أرذل بيت في قريش ؟ أما والله لأملأنها خيلا ورجلا ؟ فقال له على : ~~مازلت عدو الإسلام وأهله ، فما ضر ذلك الإسلام وأهله شيئا . إنا رأينا أبا ~~بكر لها أهلا . ورواه عبد الرزاق ، عن ابن المبارك . وروى أبو عمر بن عبد ~~البر بسنده ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه : أن عليا والزبير كان حين بويع ~~لأبى بكر يدخلان على فاطمة فيشاورانها في أمرهم ، فبلغ ذلك عمر ، فدخل ~~عليها فقال : يا بنت رسول الله ، ما كان من الخلق أحد أحب إلينا من أبيك ، ~~وما أحد أحب إلينا بعده منك ، وقد بلغني أن هؤلاء النفر ms4025 يدخلون عليك ، ولئن ~~بلغنى لأفعلن ولأفعلن ثم خرج وجاءوها فقالت لهم : إن عمر قد جاءني وحلف إن ~~عدتم ليفعلن ، وايم الله ليفين بها ، فانظروا في أمركم ، ولا تنظروا إلى ؛ ~~فانصرفوا ولم يرجعوا حتى بايعوا لأبى بكر . رضى الله عنهم أجمعين . وهذا ~~الحديث يرد قول من زعم أن على بن أبى طالب لم يبايع إلا بعد وفاة فاطمة رضى ~~الله عنها . ولما بويع لأبى بكر رضى الله عنه ، قال ابن أبى عزة القرشى ~~الجمحى : شكرا لمن هو بالثناء خليق . . . ذهب اللجاج وبويع الصديق من بعد ~~ما ذهبت بسعد بغله . . . ورجا رجاء دونه العيوق جاءت به الأنصار عاصب رأسه ~~. . . فأتى به الصديق والفاروق وأبو عبيدة والذين إليهم . . . نفس المؤمل ~~للبقاء تتوق كنا نقول لها على والرضا . . . عمر وأولاهم بتلك عتيق فدعت ~~قريش باسمه فأجابها . . . إن المنوة باسمه الموثوق PageV19P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" وروى عن سعيد بن المسيب ، قال : لما قبض رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ارتجت مكة فسمع أبو قحافة فقالوا ما هذا ~~فقالوا قبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قالوا : أمر جلل ، فمن ولى ~~بعده ؟ قالوا : ابنك ، قال : فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة ؟ ~~قالوا : نعم . قال : لا مانع لما أعطى الله ، ولا معطى لما منع الله . ~~والله تعالى أعلم ، والحمد لله وحده ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . ذكر ما ~~تكلم به أبو بكر الصديق بعد بيعته وما قاله عمر بن الخطاب بعد البيعة ~~الأولى وقبل البيعة الثانية العامة روى أنسى بن مالك ، قال : لما بويع أبو ~~بكر رضى الله عنه في السقيفة ، وكان الغد ، جلس أبو بكر على المنبر ، فقام ~~عمر فتكلم قبل أبى بكر ، فحمد الله ، وأثنى عليه بما هو أهله ، وقال : أيها ~~الناس ، إنى قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلا عن رأيى ، وما وجدتها ~~في كتاب الله ، ولا كانت عهدا عهده إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~ولكن قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم سيدبر أمرنا ms4026 حتى ~~يكون آخرنا ، وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذى هدى به رسوله ، فإن اعتصمتم ~~به هداكم الله لما كان هداه له ، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم ، صاحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثانى اثنين إذهما في الغار ؛ فقوموا ~~فبايعوا . فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة . ثم تكلم أبو ~~بكر ، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ، ثم قال : أما بعد ؛ أيها الناس ~~، فإني قد وليت عليكم ، ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت ~~فقوموني ، الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح ~~عليه حقه إن شاء الله ، والقوي منكم الضعيف عندي ، حتى آخذ الحق منه إن شاء ~~الله . لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله ، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله ~~بالذل ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء . أطيعوني ما أطعت ~~الله ورسوله ، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ؛ قوموا إلى صلاتكم ~~، يرحمكم الله . PageV19P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" يعني بالصلاة هنا ، الصلاة على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - فإن خطبته هذه كانت قبل دفنه صلى الله عليه وسلم . وقول ~~عمر بن الخطاب في كلامه : " إنى قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة " إشارة إلى ~~ما كان قد تكلم به عند وفاة رسول الله عليه وسلم من إنكاره أنه مات ، على ~~ما قدمناه ذكره فى خبر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وإنما أوضحنا ~~هذا الكلام في هذا الموضع لئلا يتبادر إلى ذهن من يسمعه ممن لم يطالع ما ~~قبله ، ولا علم الواقعة فيتوهم أن كلامه بذلك رجوع عما تكلم به بالأمس في ~~شأن بيعه أبي بكر رضي الله تعالى عنه . وعن عاصم بن عدى ، أنه قال : وقام ~~أبو بكر رضى الله عنه من بعد الغد - يعني من يوم بيعته - فحمد الله ، وأثنى ~~عليه ، ثم قال : يأيها الناس ؛ إنما أنا مثلكم ، وإني لا أدري لعلكم ~~ستكلفوني ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق ، إن ms4027 الله اصطفى محمدا ~~على العالمين ، وعصمه من الآفات ، فإنما أنا متبع ولست بمبتدع فإن استقمت ~~فاتبعوني ، وإن زغت فقوموني ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض ، وليس ~~أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ؛ ضربة سوط فما دونها ؛ ألا وإنما لي شيطان ~~يعتريني ، فإذا أتاني فاجتنبوني ، لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم ، وإنكم ~~تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه ، فإن استطعتم ألا يمضى هذا الرجل ~~إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا ، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله . فسابقوا في ~~مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال فإن قوما نسوا ~~آجالهم وجعلوا أعمالهم لغيرهم ، فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم . الجد الجد ، ~~والوحي الوحى ، والنجاة النجاة ، وإن وراءكم طالبا حثيثا ، أجلا مرة سريع . ~~واحذروا الموت ، واعتبروا بالآباء والأنباء والإخوان ، ولا تغبطوا الأحياء ~~إلا بما تغبط به الأموات . وقام أيضا رضي الله عنه ، فحمد الله وأثنى عليه ~~، ثم قام : إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه فأريدوا الله ~~بأعمالكم ، واعلموا أن ما أخلصتم لله من أعمالكم ، فطاعة أتيتموها ، وحظ ~~ظفرتم به ، وضرائب أديتموها ، وسلف قدمتموه من أيام فانية لأخرى باقية ، ~~لحين فقركم وحاجتكم ، واعتبروا يا عباد الله بمن مات منكم ، وفكروا فيمن ~~كان قبلكم . PageV19P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" أين كانوا أمس وأين هم اليوم أين الجبارون ~~الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة ومواطن الحروب ؟ قد تضعضع بهم الدهر ~~وصاروا رميما ، قد تركت عليهم القالات ؛ الخبيثات للخبيثين ، والخبيثون ~~للخبثيات . وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها ، قد بعدوا ، ونسى ~~ذكرهم ، وصار كلا شىء . ألا إن الله قد أبقى عليهم التبعات ، وقطع عنهم ~~الشهوات ، ومضوا والأعمال أعمالهم ، والدنيا دنيا غيرهم ، وبقينا خلقا ~~بعدهم ، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا . أين الوضاء الحسنة وجوههم ، المعجبون ~~بشبابهم صاروا ترابا ، وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم . أين الذين بنوا ~~المدائن ؛ وحصنوها بالحوائط ، وجعلوا فيها الأعاجيب قد تركوها لمن خلفهم ، ~~فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور ، هل تحسن منهم من أحد ، أو تسمع ~~لهم ركزا ms4028 أين من تعرفون من أبنائكم وإخوانكم ؟ قد انتهت بهم آجالهم ؛ ~~فوردوا على ما قدموا ، فملوا عليه وأقاموا للشقوة أو السعادة فيما بعد ~~الموت ؛ ألا إن الله لا شريك له ، ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به ~~خيرا ، ولا يصرف به عنه شرا إلا بطاعته واتباع أمره . واعلموا أنكم عبيد ~~مذنبون ، وأن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته . ألا وإنه لا خير بخير بعده ~~النار ، ولا شر بشر بعده الجنة . والله سبحانه وتعالى أعلم . ذكر انفاذ جيش ~~أسامة قد ذكرنا في السيرة النبوية في الغزوات والسرايا ؛ أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان قد جهز أسامة بن زيد قبل وفاته ، وندب معه جماعة من ~~أعيان المهاجرين والأنصار ، منهم أبو بكر وعمر . وذكرنا أيضا ما تكلم به من ~~تكلم من الصحابة في شأنه ، وما قاله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~PageV19P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" عندما بلغه ذلك ، من الثناء على أسامة ابن زيد ~~وعلى أبيه بن حارثة ، واستخلافه للإمارة ، وأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قبض وجيش أسامة بالجرف . فلما بويع أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، كان ~~أول ما بدأ به أن أمر منادى في الناس من بعد الغد من متوفي رسول الله عليه ~~وسلم ليتمم بعث أسامة : ألا لا يبقين في المدينة أحد من جند أسامة إلا خرج ~~إلى عسكره بالجرف . روى ذلك عن عاصم بن عدي . وعن هشام بن عروة بن الزبير ، ~~عن أبيه ، قال : لما بويع أبو بكر الصديق رصي الله عنه ، وجمع الأنصار على ~~الأمر الذي افترقوا عنه ، قال : ليتم بعث أسامة ، وقد ارتدت لعرب ، إما ~~خاصة فى كل قبيلة ، ونجم النفاق ، واشرأبت اليهودية والنصرانية ، والمسلمون ~~كالغنم المطيرة ، في الليلة الشاتية ؛ لفقد نبيهم وقلتهم ، وكثرة عدوهم . ~~فقال له الناس : إن هؤلاء جل المسلمين ، والعرب على ما ترى ؛ قد انتقضت بك ~~، فليس ينبغى لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين . فقال أبو بكر : والذي نفس ~~أبي بكر بيده ، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث ms4029 أسامة كما أمر به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبل ولو لم يبق في القرى غيره لأنفذته وعن الحسن ~~بن أبي الحسن قال ضرب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قبل وفاته بعثا على ~~أهل المدنية ومن حولهم ، وفيهم عمر ابن الخطاب ، وأمر عليهم أسامة بن زيد ، ~~فلم يجاوز آخرهم الخندق حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوقف أسامة ~~بالناس ، ثم قال لعمر بن الخطاب : ارجع إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فا ستأذته ، يأذن لي أن أرجع بالناس ، فإن معي وجوه الناس وحدهم ، ~~ولا آمن على خليفة رسول الله عليه وسلم وثقل رسول الله وأثقال المسلمين أن ~~يتخطفهم المشركون . وقالت الأنصار : فإن أبى إلا نمضي ؛ فأبلغه عنا ، واطلب ~~إليه أن يولى أمرنا رجلا أقدم سنا من أسامة . فخرج عمر بأمر أسامة ، فأتى ~~أبا بكر ، فأخبره بما قال أسامة ، فقال أبو بكر : لو خطفتني الكلاب أو ~~الذئاب لم قضاء قضي به رسول الله عليه وسلم ، قال : فإن الأنصار ~~PageV19P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" أمروني أن أبلغك أنهم يطلبون إليك أن تولى ~~أمرهم رجلا أقدم سنا من أسامة . فوثب أبو بكر وكان جالسا . فأخذ بلحية عمر ~~، وقال : ثكلتك أمك وعدمتك يابن الخطاب استعمله رسول الله صلى اللله عليه ~~وسلم ، وتأمرني أن أنزعه فخرج عمر إلى الناس ، فقالفوا : ما صنعت ؟ فقال : ~~امضوا ثكلتكم أمهاتكم ما لقيت في سببكم اليوم من خليفة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم خرج أبو بكر رصي الله عنه حتى أتاهم ، فأشخصهم وشيعهم وهو ماش ~~؛ وأسامة راكب ، وعبد الرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر ، فقال له أسامة : ~~يا خليفة الله ، وما على أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة ؛ فإن للغازي بكل ~~خطوة يخطوها سبعمائة خطيئة ؛ حتى إذا انتهى أبو بكر ، قال لأسامة : إن رأيت ~~أن تعيني بعمر فافعل ، فأذن له ، ثم قال : يأيها الناس ، قفوا أوصيكم بعشر ~~فاحفظوها عني : لا تخونوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا طفلا صغيرا ، ~~ولا شيخا كبيرا ms4030 ، ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلا ، ولا تحرقوه ، ولا تقطعوا ~~شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة ، وسوف تمروت ~~بأقوام قد فرغوا أتفسهم بالصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ، وسوف تقدمون ~~على أقوام يأتونكم بأنية فيها ألوان الطعام ، فإذا أكلتم منها شيئا بعد شيء ~~فاذكروا اسم الله عليها . وسوف تلقون أقواما قد فحصوا اوساط رءوسهم ، ~~وتركوا حولها مثل العصائب ، فاخفقوهم بالسيف خفقا ، اندفعوا باسم الله . ثم ~~أوصى أسامة أن يفعل ما أمره به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فسار ~~وأوقع بقبائل قضاعة التي ارتدت ، وغنم وعاد ، وكانت غيبته أربعين يوما ، ~~وقيل : سبعين يوما ، قيل : أربعين ؛ سوى مقامه ومقفله راجعا . PageV19P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" وكان إنفاذ جيش أسامة من أعظم الأمور نفعا ~~للمسلمين ، فإن العرب قالوا : لو لم تكن لهم قوة ما أرسلوا هذا الجيش ؛ ~~فكفوا عن كثير مما كانواعزموا على فعله ، وذلك ببركة اتباع أمر رسول الله ~~لى الله عليه وسلم . ذكر أخبار من ادعى النبوة من الكذابين وما كان من ~~أمرهم ، وتجهيز أبي بكر الصديق الجيوش إليهم ، وإلى من ارتد من قبائل العرب ~~قال المؤرخون : كان ادعى النبوة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلاثة ، وهم : الأسود العنسى ، وطليحة الأسدي ، ومسيلمة الكذاب ، وادعت ~~النبوة سجاح بنت الحارث التميمية . فأما الأسود العنسي ، واسمه عبهلة بن ~~كعب بن عوف العنسى - بالنون الساكنة ، وعنس بطن من مذحج - فكان يلقب ذا ~~الخمار لأنه كان متخمرا أبدا . وقال أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري : إنه ~~كان له حمار معلم يقول له : اسجد لربك ، فيسجد . ويقول له : ابرك فيبرك . ~~فقيل له : ذا الحمار . والله تعالى أعلم . وكانت ردته أول ردة كانت في ~~الإسلام ، وغلب على صنعاء إلى عمان إلى الطائف . وكان من خبره ما روى عن ~~الضحاك بن فيروز الديلى عن أبيه ؛ قال : أول ردة كانت في الأسلام باليمن ، ~~ردة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على يد ذي الخمار عبهلة ~~بن كعب - وهو الأسود - في عامة ms4031 مذحج ، خرج بعد الوداع . وكان الاسود كاهنا ~~مشعبذا ، وكان يربهم الأعاجيب ، ويسبى قلوب من سمع منطقه ، وكان أول ما خرج ~~أن خرج من كهف خبان - وهي كانت موطنه وداره ، وبها ولد ونشأ - فكاتبته مذحج ~~وواعدوه نجران ، فوثبوا عليها ، وأخرجوا عمرو بن حزم وخالد بن سعيد بن ~~العاص ، ثم أنزلوه منزلهما ، ووثب قيس بن عبد يغوث على فروة بن مسيك فأجلاه ~~، ونزل منزله ، فلم يلبث عبهلة بنجران أن سار إلى صنعاء فأخذها ، وكتب بذلك ~~إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . PageV19P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع لباذام ~~، حين أسلم ، وأسلمت اليمن كلها على جميع مخالفيها ، فلم يزل عامل رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أيام حياته لم يعزله عنها ولا عن شيء منها ولا ~~أشرك معه فيها شريكا حتى مات باذام ، ففرق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) عمل اليمن على جماعة من أصحابه ، وهم : شهر باذام ، وعامر بن شهر ~~الهمداني ، وعبد الله بن قيس أبو موسى ، خالد ابن سعيد بن العاص ، والطاهر ~~بن أبي هالة ، ويعلى بن أمية ، وعمرو ابن حزم . وعلى بلاد حضرموت زياد بن ~~لبيد البياضي ، وعكاشة ابن ثور بن أصغر الغوثي ؛ على السكاسك والسكون ، ~~ومعاوية بن كندة . وبعث معاذ بن جبل معلما لأهل البلدين : اليمن وحضرموت . ~~وروى عن عبيد بن صخر ، قال : بينما نحن بالجند ؛ قد أقمناهم على ما ينبغي ، ~~وكتبنا بيننا وبينهم الكتب ؛ إذ جاءنا كتاب من الأسود : أيها المتوردون ~~علينا ، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا ، ووفروا ما جمعتم ، فنحن أولى به ~~، وأنتم على ما أنتم عليه ، فقلنا للرسول : من أين جئت ؟ قال : من كهف خبان ~~؛ ثم كان وجهه إلى نجران حتى أخذها في عشر لمخرجه ، وطابقه عوام مذحج ؛ ~~فبينا نحن ننتظر في أمرنا ونحن نجمع جمعنا إذ أتينا . فقيل : هذا الأسود ~~بشعوب ، وقد خرج إليه شهر بن باذام ، وذلك لعشرين ليلة من منجمه ؛ فبينا ~~نحن ننتظر الخبر على من تكون الدبرة ؛ إذ أتانا أنه قتل شهر ا ، وهزم ms4032 ~~الأنباء ، وغلب على صنعاء ، لخمس وعشرين ليلة من منجمه . وخرج معاذ هاربا ~~حتى مركز العلا للكمبيوتر بأبي موسى وهو بمأرب ، فاقتحما حضرموت ، فأما ~~معاذ فإنه نزل في السكون ، وأما أبو موسى فإنه نزل في السكاسك ، وانحاز ~~سائر أمراء اليمن إلى الطاهر إلا عمرا وخالدا ، فإنهما رجعا إلى المدنية ، ~~والطاهر يومئذ في وسط بلادعك بحيال صنعاء ؛ وغلب الأسود على ما بين صهيد - ~~مفازة حضرموت - إلى عمل الطائف ، إلى الحرين قبل عدن ، وطابقت عليه اليمن ، ~~وعك بتهامة معترضون عليه ، وجعل يستطير استطارة الحريق ، وكان معه يوم لقى ~~شهر بن باذام سبعمائة PageV19P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" فارس سوى الركبان ، واستغلظ أمره ، ودانت له ~~سواحل من السواحل وعدن والجند ؛ ثم صنعاء إلى عمل الطائف إلى الأحسية ~~وغيرها . وعامله المسلمون بالبقية ، وعامله أهل الردة بالكفر ، والرجوع عن ~~الإسلام ، وكان خليفته في مذحج عمرو بن عدي كرب ، وأسند أمر جنده إلى قيس ~~بن عبد يغوث ، وأسند أمر الأنباء إلى فيروز وداذويه . فلما أثخت في الأرض ~~استخف بقيس وبفيروز وبداذويه . وتزوج امرأة شهر ، وهي ابنة عم فيروز . قال ~~أبو عبيد بن صخر : فبينا نحن كذلك بحضرموت ، ولا نأمن أن يسير إلينا الأسود ~~، أو أن يبعث إلنيا جيشا ، أو يخرج بحضرموت خارج يدعى بمثل ما أدعى به ~~الاسود ، فنحن على ظهر ، فحدبوا لصهره علينا - وكان معاذ بها معجبا - فإن ~~كان يقول فيما يدعو الله به : اللهم ابعثني يوم القيامة مع السكون ، ويقول ~~أحيانا : اللهم اغفر للسكون ؛ إذ جاءتنا كتب النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~يأمرنا فيها أن نبعث الرجال لمجاولته ومصاولته ، وأن نبلغ كل من رجاء عنده ~~شيئا من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم . فقام معاذ في ذلك بالذي أمره به ~~، فعرفنا القوة ووثقنا بالنصر . وعو جشيش بن الديلمى ، قال : لما قدم علنيا ~~وبر بن يحنس بكتاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يأمرنا فيه بالقيام على ~~ديننا ، والنهوض في الحرب ، والعمل في الأسود ، إما غيلة ، وإما مصادمة ، ~~وأن نبلغ عنه من رأينا أن عنده نجدة ودينا ، فعملنا ms4033 في ذلك ، فرأينا أمرا ~~كثيفا ، ورأيناه قد تغير لقيس بن عبد يغوث - وكان على جنده - فقلنا : يخاف ~~على دمه فهو لأول دعوة ، فدعوناه وأنبأناه الشأن ، وأبلغناه عن النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فكأنما وقعنا عليه من السماء ، وكان في غم وضيق بأمره ، ~~فأجانبا إلى ما أجبنا من ذلك ، وكاتبنا الناس ، ودعوناهم . فأخبره الشيطان ~~بشيء ، فأرسل إلى قيس وقال : يا قيس ، ما يقول هذا ؟ قال : وما يقول ؟ قال ~~: يقول : عمدت إلى قيس فأكرمته ؛ حتى إذا دخل منك كل مدخل ، وصار في العز ~~مثلك ؛ مال ميل عدوك ، وحاول ملكك ، وأضمر على الغدر ، إنه يقول : يا أسود ~~يا أسود يا سوءة ، يا سوءة اقطف قنته ، وخذ من قيس أعلاه ؛ وإلا سلبك ، أو ~~قطف قنتك . فقال قيس وحلف به ؛ كذب وذي الخمار ؛ لأنت أعظم في نفسي ، وأرجي ~~عندي من أن أحدث بك نفسي PageV19P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" فقال : ما أجفاك أتكذب الملك صدق الملك ، ~~وعرفت الآن أنك تائب مما أطلع عليه منك ، ثم خرج فأتانا فقال : يا جشيش ، ~~يا فيروز ، يا داذويه إنه قد قال وقلت : فما الرأي ؟ فقلنا : نحن على حذر ؛ ~~فإنا في ذلك ، إذ أرسل إلنيا ؛ فقال : ألم أشرفكم على قومكم ألم يبلغني ~~عنكم فقلنا : أقلنا مرتنا هذه ؛ فنجونا ، ولم نكد ، وهو في ارتباب من أمرنا ~~وأمر قيس ، ونحن في ارتياب وعلى خطر عظيم ؛ إذ جاءنا اعتراض عامر بن شهر ~~وذي زود وذي مران وذي الكلاع وذي ظليم عليه ، وكاتبونا وبذلوا لنا النصر ، ~~وكاتبناهم ؛ وأمرناهم ألا يحركوا شيئا حتى نبرم الأمر ، وإنما اهتاجوا لذلك ~~حين جاء كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم . وكتب التبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إلى أهل نجران ، إلى عربهم وساكني الأرض من غير عربهم ، فتنحوا ~~، وانضموا إلى مكان واحد . وبلغه ذلك ، وأحس بالهلاك ، وفرق لنا الرأي ، ~~فدخلت على آزاد - وهي امرأته - فقلت : يابنت عم ، قد عرفت بلاء هذا الرجل ~~عند قومك ؛ قتل زوجك ، وطأطأ في قومك القتل ، وسفل بمن بقي منهم ، وفضح ~~النساء ، فقالت : أو قتله ، قالت ms4034 : نعم والله ما خلق الله شخصا أبغض إلى ~~منه ؛ ما يقوم الله على حق ، ولا ينتهي له عن حرمه ، فإذا عزمتم فأعلموني ~~أخبركم بمأتي هذا الأمر . فأخرج فإذا فيروز وداذويه ينتظراني ، وجاء قيس ~~ونحن نريد أن نناهضه ، فقال له رجل قبل أن يجلس إلينا : الملك يدعوك ، فدخل ~~في عشرة من مذحج وهمذان فلم يقدر على قتله معهم . فقال : يا عبهلة بن كعب ~~بن غوث ، أمنى تحصن بالرجال ألم أخبرك الحق وتخبرني الكذابة إنه يقول : يا ~~سوءة ، إلا تقطع من قيس يده ، يقطع قنتك العليا ، حتى ظن أنه قاتله . فقال ~~: إنه ليس من الحق أن أقتلك وأنت رسول الله ؛ فمرني بما أحببت ، فأما الخوف ~~والفزع فأنا فيهما مخافة أن تقتلني ، وإما قتلتني فموته أهون على من موتات ~~أموتها كل يوم . فرق له وأخرجه ؛ فخرج إلينا ، فأخبرنا . وقال : اعملوا ~~عملكم ، وخرج إلينا في جمع ، فقمنا مثولا له ، وبالباب مائة ما بين بقرة ~~وبعير ، فقام وخط خطا ، وأقيمت من ورائه ، وقام من دونها فنحرها غيرها غير ~~محبسة ولا معقلة ، ثم خلاها ما يقتحم الخط منها شيء ، ثم خلاها فجالت إلى ~~أن زهقت . PageV19P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" فما رأيت أمرا كان أفظع منه ، ولا يوما أوحش ~~منه ، ثم قال : أحق ما بلغني عنك يا فيروز ؟ - وبوأ له الحربة - لقد هممت ~~أن أنحرك فأتبعك هذه البهيمة ؛ فقال : اخترتنا لصهرك ، وفضلتنا على الأنباء ~~، فلو لم تكن نبيا ما بعنا نصبينا منك بشيء ، فكيف وقد اجتمع لنا بك أمر ~~آخرة ودينا لا تقبلن علينا أمثال ما يبلغك ؛ فإنا بحيث تحب ؛ فقال : اقسم ~~هذه ، فأنت أعلم بمن هنا . فاجتمع إلى أهل صنعاء ، وجعلت آمر للرهط بالجزور ~~، ولأهل البيت بالبقرة ، ولأهل الحلة بعدة ، حتى أخذ أهل كل ناحية بقسطهم . ~~فلحق به قبل أن يصل إلى داره - وهو واقف على - رجل يسعى إليه بفيروز ، ~~فاستمع له ، واستمع له فيروز ، وهو فيقول : أنا قاتله غدا وأصحابه ، فاغد ~~على ، ثم التفت فإذا به ؛ فقال : مه فأخبره بالذي صنع ؛ فقال : أحسنت ، ~~وضرب دابته داخلا ms4035 ، فرجع إلينا فأخبرنا بالخبر ، فأرسلنا إلى قيس ، فجاءنا ~~، فأجمع ملؤهم أن أعود إلى المرأة ؛ فأخبرها بعزيمتنا لتخبرنا بما تأمر ، ~~فأتيت المرأة ، وقلت : ما عندك ؟ قالت : هو متحرز متحرس ، وليس من القصر ~~شيء إلا والحرس محيطون به غير هذا البيت ؛ فإن ظهره إلى مكان كذا وكذا من ~~الطريق ، فإذا أمسيتم فانقبوا عليه ، فإنكم من دون الحرس ؛ وليس دون قتله ~~شيء . وقالت : إنكم سترون فيه سراجا وسلاحا ، فخرجت فتلقاني الأسود خارجا ~~من بعض منازله ؛ فقال : ما أدخلك على ؟ ووجأ رأسي حتى سقطت ؛ وكان شديدا ، ~~وصاحت المرأة فأدهشته عني ؛ ولولا ذلك لقتلني ؛ وقالت : ابن عمي جاءني ~~زائرا ؛ فقال : اسكتي لا أبا لك فقد وهبته لك فتزيلت عني فأتيت أصحابي فقلت ~~النجاة الهرب وأخبرتهم الخبر ، فإنا على ذلك حيارى إذ جاءني رسولها : لا ~~تدعن ما فارقتك عليه ، فإني لم أزل به حتى اطمأن . فلما أمسينا عملنا في ~~أمرنا ، وقد واطأنا أشياعنا ، وعجلنا عن مراسلة الهمدانيين والحميريين ، ~~فنقبنا البيت من خارج ، ثم دخلنا وفيه سراج تحت جفنة ، والتقينا بفيروز - ~~وكان أنجدنا وأشدنا - فقلنا : انظر ماذا ترى ؟ فخرج ونحن بينه وبين الحرس ~~معه في مقصورته ، فلما دنا من باب البيت سمع غطيطا شديدا ، فإذا المرأة ~~جالسة ، فلما قام على الباب أجلسه الشيطان ، فكلمه على لسانه وإنه ليغط ~~جالسا . وقال أيضا : PageV19P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" مالي ولك يا فيروز فخشى إن رجع أن يهلك وتهلك ~~المرأة ، فعاجله فخالطه وهو مثل الجمل ، فأخذ برأسه فقتله ، فدق عنقه ، ~~ووضع ركبتيه في ظهره فدقه ، ثم قام ليخرج ، أخذت المرأة بثوبه ، وهي ترى ~~أنه لم يقتله ، فقالت : أين تدعني ؟ قال : أخبر أصحابي بمقتله ؛ فأتانا ، ~~فقمنا معه ، فأردنا حز رأسه ، فحركه الشيطان فاضطرب فلم يضبطه . فقلت : ~~اجلسوا على صدره ، فجلس اثنان على صدره ، وأخذت المرأة بشعره ، وسمعنا ~~بربرة ، فأمر الشفرة على حلقه ، فخار كأشد خوار ثور سمعته قط . فابتدر ~~الحرس الباب وهم حول المقصورة ، فقالت المرأة : النبي يوحى إليه ؛ فخمد ، ~~ثم سمرنا ليلتنا ونحن نأتمر كيف نخبر أشياعنا ؛ ليس غيرنا ثلاثتنا فيروز ~~وداذويه ms4036 وقيس ، فاجتمعنا على النداء بشعارنا الذي بيننا . روى عن عبد الله ~~بن عمر رضي الله عنهما ، قال : أتي الخبر النبي صلى الله عليه وسلم من ~~السماء الليلة التي قتل فيها العنسي ليبشرنا فقال : قتل الأسود البارحة ، ~~قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين قيل : ومن هو ؟ قال : فيروز . ~~PageV19P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" وعن فيروز ؛ قال : قتلنا الأسود ، وعاد أمرنا ~~كما كان ، إلا أنا أرسلنا إلى معاذ ؛ فتراضينا عليه ، فكان يصلى بنا في ~~صنعاء ، فو الله ما صلى بنا إلا ثلاثا ونحن راجعون مؤملون ، حتى أتي الخبر ~~بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانتقضت الأمور ، وأنكرنا كثيرا مما ~~كنا نعرف ، واضطربت الأرض . وكانت مدة العنسى من حين ظهور أمره إلى أن قتل ~~ثلاثة أشهر . وعن الضحاك بن فيروز ، قال : كان ما بين خروجه بكهف خبان إلى ~~مقتله نحوا من أربعة أشهر ، وقد كان قبل متسرا بأمره حتى نادى بعد . وقال ~~أبو بشر الدولابي : إنه قتل في خلافه أبي بكر رضي الله عنه . والله أعلم . ~~وقيل : أتي الخير بمقتله إلى المدينة في آخر ربيع الأول ، سنة إحدى عشرة ، ~~بعد إنفاذ جيش أسامة بن زيد ، فكان ذلك أول فتح لأبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه . روى أبو عمر بن عبد البر بسند يرفعه إلى شرحبيل بن مسلم الخولاني أن ~~الأسود بعث إلى أبي مسلم عبد الله الخولاني ، فلما جاءه قال : أتشهد أني ~~رسول الله ؟ قال : ما أسمع ، قال : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم ~~فردد ذلك عليه كل ذلك يقول ، فردد ذلك يقوم مثل ذلك . قال : فأمر بنار ~~عظيمة فأججت ، ثم ألقى فيها أبا مسلم ، فلم تضره شيئا . فقيل له : انفه عنك ~~والا أفسد عليك من اتبعك ، فأمره بالرحيل ، فأتى أبو مسلم المدينة وقد قبض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، فأناخ ~~أبو مسلم راحلته بباب المسجد ، وقام فصلى إلى سارية ، وبصربه عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه فقال : ممن الرجل ؟ فقال : من أهل اليمن ms4037 ، قال : ما فعل الذي ~~أحرقه الكذاب بالنار ؟ قال : ذاك عبد الله بن ثوب ، وقال : أنشدك الله أنت ~~هو قال : اللهم نعم ، قال : فاعتنقه عمر ، وبكى . ثم ذهب به حتى أجلسه فيما ~~بينه وبين أبي بكر ، ثم قال : الحمد لله الذي لم يمتنى حتى أرى في أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله صلى الله عليه ~~وسلم . هذا ما كان من أمر العنسى ، وأما بقية الكذابين ؛ فسنذكر أخبارهم ~~عند ذكرنا تجهيز أبي بكر الجيوش إن شاء الله تعالى . PageV19P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" ذكر غزوة أبي بكر وقتاله أهل الردة وعبس ~~وذبيان قالوا : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ارتدت العرب كلها ~~إلا قريشا وثقيفا ، وأتت وفود العرب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~مرتدين يقرون بالصلاة ، ويمنعون الزكاة ، فلم يقبل ذلك منهم وردهم ، وقال : ~~والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لقاتلتهم عليها . وخرج في جمادى الآخرة منها ، واستخلف على المدينة أسامة ~~بن زيد ، وقيل : سنانا الضمرى ، وسار فنزل بذى القصة . وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعث نوفل بن معاوية الديملى على الصدقة ، فلقيه خارجة بن ~~حصين بالشربة فأخذ ما في يديه ، ورده على بني فزارة ، ورجع نوفل إلى أبي ~~بكر بالمدينة . فأول حرب كانت في الردة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حرب العنسى باليمن ، ثم حرب خارجة بن حصين ومنظور بن زبان بن سيار في ~~غطفان ، والمسلمون غارون ، فانحاز أبو بكر إلى أكمة فاستتر بها ، ثم هزم ~~الله المشركين . وروى أن أول غزاة غزاها أبو بكر ، كانت إلى بنى عبس وذبيان ~~، وأنه قاتلهم وهزمهم ، وأتبعهم حتى نزل بذي القصة ، وكان ذلك أول الفتح ، ~~ووضع أبو بكر رضى الله عنه : ليقتلن في المشركين بمن قتلوا من المسلمين ~~وزيادة . وقدمت رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن واليمامة وبلاد ~~بنى أسد ، ووفود من كان كاتبه النبي ( صلى الله عليه وسلم ms4038 ) . PageV19P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" وأمر أمره في الأسود ومسيلمة وطلحة بالأخبار ~~والكتب ، فدفعوا كتبهم إلى أبي بكر ، وأخبروه الخبر ؛ فقال لهم : لا تبرحوا ~~حتى تجىء رسل أمرائكم وغيرهم بأدهى مما وصفتم ، وأمر بانتقاض الأمور ؛ فلم ~~يلبثوا أن قدمت كتب أمراء النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم من كل ~~مكان بانتقاض ، عامة أو خاصة ، وتبسط من ارتد على المسلمين بأنواع الميل . ~~فحاربهم أبو بكر رضى الله عنه بما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحاربهم ، ~~حاربهم بالرسل ، فرد رسلهم ، وأتبع الرسل رسلا ، وانتظر بمصادمتهم قدوم ~~أسامة بن زيد ، وطرقت المدينة صدقات نفر كانوا على الصدقة ؛ وهم صفوان بن ~~صفوان ، والزبرقان بن بدر ، وعدى بن حاتم ؛ فازداد المسلمون قوة ، ثم قدم ~~أسامة بن زيد ، فاستخلفه أبو بكر على المدينة ومعه جنده ليستريحوا . ثم خرج ~~بمن كان معه ، فناشده المسلمون ليقيم ، فأبى وقال : لأواسينكم بنفسى ، فسار ~~إلى حسى وذي القصة حتى نزل بالأبرق ، فقاتل من به من المشركين فهزمهم ، ~~وأخذ الحطيئة أسيرا ، وأقام بالأبرق أياما ثم رجع إلى المدينة ، ولحق من ~~انهزم من عبس وذبيان وطليحة . وروى عن هشام بن عروة عن أبيه أن أول من صادم ~~أبو بكر رضى الله عنه بنى عبس وذبيان ، عاجلوه ، فقاتلهم قبل رجوع أسامة . ~~ولما قدم أسامة استخلف على المدينة ، ومضى حتى انتهى إلى الربذة ، فتلقى ~~بنى عبس وذبيان وجماعة من بنى عبد مناة بن كنانة ، فلقيهم بالأبرق ، ~~فقاتهلم فهزمهم الله عز وجل وفلهم ، ثم رجع إلى المدينة فعقد الألوية . ~~والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب . PageV19P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" ذكرعقد أبى بكر رضى الله عنه الألوية وتجهيزه ~~الجيوش لقتال أهل الردة وما كاتب به من ارتد وما عهد . قال أبو جعفر محمد ~~بن جرير الطبرى رحمه الله في تاريخه ما مختصره ومعناه : لما رجع أبو بكر ~~رضى الله عنه إلى المدينة ، وأراح أسامة وجنده ظهرهم وجموا ، وقد جاءت ~~صدقات كثيرة تفضل عنهم ، قطع أبو بكر البعوث وعقد الألوية ، فعقد أحد عشر ~~لواء : عقد لخالد ms4039 بن الوليد ، وأمره بطليحة ؛ فإذا فرغ سار إلى مالك ابن ~~نويرة بالبطاح إن أقام له . وعقد لعكرمة وأمره بمسيلمة الكذاب باليمامة . ~~وعقد للمهاجر بن أبي أمية ، وأمره بجنود العنسى ومعونة الأنباء على قيس بن ~~المكشوخ ، ومن أعانه من أهل اليمن عليهم ، ثم يمضى إلى كندة بحضرموت . وعقد ~~لخالد بن سعيد بن العاص ، وبعثه إلى الحمقتين من مشارف الشام . وعقد لعمرو ~~بن العاص وأرسله إلى جماع قضاعة ووديعة والحارث . وعقد لحذيفة بن محض ~~الغلفانى ، وأمره بأهل دبا . ابن هرثمة ، وأمره بمهرة وأمرهما أن يجتمع كل ~~واحد منها في عمله . وبعث شرحبيل بن حسنة في أثر عكرمة بن أبي جهل وقال : ~~إذا فرغ من اليمامة فالحق بقضاعة ؛ وأنت على خيلك تقاتل أهل الردة . وعقد ~~لمعن بن حاجز - ويقال : لطريفة بن حاجز - وأمره ببنى سليم ومن معهم من ~~هوازن PageV19P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" وعقد لسويد بن مقرن ؛ وأمره بتهامة اليمن . ~~وعقد للعلاء بن الحضرمى ، وأمره بالبحرين . ففصلت الأمراء من ذي القصة ، ~~ولحق بكل أمير جنده ، وعهد إلى كل أمير منهم ، وكتب رضى الله عنه إلى سائر ~~من ارتد نسخة واحدة ، وهي : بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر خليفة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى من بلغه كتابى هذا من عامة أو خاصة ، أقام على ~~إسلامه أو رجع عنه . سلام على من اتبع الهدى ، ولم يرجع بعد الهدى إلى ~~الضلالة والعمى ، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو ، وأشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأقر بما جاء به . ~~أما بعد ؛ فإن الله أرسل محمدا بالحق من عنده إلى خلقه بشيرا ونذيرا ، ~~وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ؛ لينذر من كان حيا ، ويحق القول على ~~الكافرين ، فهدى الله للحق من أجاب إليه وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بإذنه من أدبر عنه ؛ حتى صار الإسلام طوعا وكرها ، ثم توفى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقد نفذ لأمر الله ، ونصح لأمته ، وقضى الذي ms4040 عليه . وكان ~~الله قد بين له ذلك ولأهل الأسلام في الكتاب الذي أنزله ؛ فقال : " إنك ميت ~~وإنهم ميتون " ، وقال : " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم ~~الخالدون " ، وقال للمؤمنين : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله ~~شيئا وسيجزى الله الشاكرين " فمن كان إنما يعبد محمدا ، صلى الله عليه وسلم ~~؛ فإن محمدا قد مات ، ومن كان إنما يعبد الله وحده لا شريك له ، فإن الله ~~له بالمرصاد ، حى قيوم لا يموت ، ولا تأخذه سنة ولا نوم ، حافظ لأمره ، ~~منتقم من عدوه ، يجزيه . وإني أوصيكم بتقوى الله ، وحظكم ونصيبكم من الله ، ~~وما جاء به نبيكم ، وأن تهتدوا بهداه ، وحظكم ونصيبكم من الله ، وأن كل من ~~لم يهده الله ضال ، وكل من لم يعافه الله مبتلى ، وكل من لم يعنه الله ~~مخذول . PageV19P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" فمن هداه الله كان مهتديا ، ومن أضله كان ضالا ~~، فإنه قال : " من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا " ~~ولم يقبل منه في الدينا عمل حتى يقربه ، ولم يقبل له في الآخرة صرف ولا عدل ~~. وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام ، وعمل به ~~اغترارا بالله وجهالة بأمره ، وإجابه للشيطان . وقال الله جل ثناؤه : " وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ، ~~أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا " . وقال : ~~" إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ~~" . وإني بعثت إليكم فلانا في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم ~~بإحسان ، وأمرته ألا يقاتل أحدا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله ، فمن ~~استجاب له وأقر وكف ، وعمل صالحا قبل منه ، وأعانه عليه ، ومن أبى أمرت أن ~~يقاتله على ذلك ، ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه ، وأن يحرقهم بالنيران ~~ويقتلهم كل قتله ، ويسبى النساء ms4041 والذرارى ، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام . ~~فمن اتبعه فهو خير له ، ومن تركه فلن يعجز الله ، وقد أمرت رسولى أن يقرأ ~~كتابي في كل مجمع لكم . والداعية الأذان ؛ فإذا أذن المسلمون فأذنوا كفوا ~~عنهم ، وإن لم يؤذنوا عاجلوهم ؛ وإن أذنوا اسألوهم ما علتهم ، فإن أبوا ~~عاجلوهم ، وإن أقروا قبل منهم وحملهم على ما ينبغى لهم . قال : فنفذت الرسل ~~بالكتب أمام الجنود ، وخرجت الأمراء ومعهم العهود . بسم الله الرحمن الرحيم ~~هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى فلان ؛ حين ~~بعثه فيمن بعث لقتال من رجع عن الأسلام ؛ عهد إليه أن يتقى الله ما استطاع ~~في أمره كله ؛ سره وعلانيته ، وأمره بالجد في الله ومجاهدة من تولى عنه ، ~~ورجع عن الإسلام ، فإن أجابوه أمسك عنهم ، وإن لم يجيبوه شن غارته عليهم ~~حتى يقروا له ، ثم ينبئهم بالذي عليهم والذي عليهم والذي لهم ، ويأخذ ما ~~عليهم ويعطيهم الذي لهم ؛ لا ينظرهم ، ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم ، ~~فمن أجاب إلى أمر الله وأقر له قبل ذلك منه ، وأعانه PageV19P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" عليه بالمعروف " وإنما يقاتل من كفر بالله على ~~الإقرار بما جاء من عند الله " ، وإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل ، وكان ~~الله حسيبه فيما استسر به ، ومن لم يجب داعية الله قتل وقوتل حيث كان ، ~~وحيث كان بلغ مراغمه ؛ لا يقبل من أحد شيئا أعطاه إلا الإسلام ، فمن أجابه ~~وأقر قبل منه وعلمه ، ومن أبي قاتله ؛ فإن أظهره الله عليه قتل منهم كل ~~قتلة ، بالسلاح والنيران ، ثم قسم ما أفاء الله عليه إلا الخمس ، فإنه ~~يبلغناه ، وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد ، وألا يدخل " فيهم حشوا حتى ~~يعرفهم ويعلم ما هو ؛ لا يكونوا عيونا ، ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم وأن ~~يقتصد " بالمسلمين ، ويرفق بهم في السير والمنزل ، ويتفقدهم ولا يعجل بعضهم ~~عن بعض ، ويستوصى بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول . والله تعالى أعلم ~~بالصواب ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، وصلى الله على سيدنا محمد . ذكر خبر ms4042 ~~طليحة الأسدى وما كان من أمره وأمر من اتبعه من قبائل العرب وما آل إليه ~~أمره بعد ذلك كان خبر طليحة بن خويلد الأسدى ؛ أسد خزيمة ، أنه ارتد في ~~حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وادعى النبوة ، فلما ظهر أمره وجه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ضرار بن الأزور إلى عماله على بنى أسد ، وأمرهم ~~بالقيام في أمر طليحة ومن ارتد معه ، ونزل المسلمون بواردات ، ونزل ~~المشركون بسميراء . فضعف أمر طليحة ، ومازال المسلمون فى نماء ، والمشركون ~~في نقصان حتى هم ضرار بن الأزور أن يسير إلى طليحة ، ولم يبق أحد إلا أخذه ~~سلما ، فأتفق أنه ضرب ضربة بسيف فنباعنه ، وشاعت تلك الضربة في الناس ، ~~وقالوا : إن السلاح لا يعمل في طليحة ، فبينما الناس على ذلك إذ ورد الخبر ~~بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما PageV19P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" أمسى المسلمون من ذلك اليوم حتى عرفوا النقصان ~~، وكثر جمع طليحة واستطار أمره ، وادعى أن جبريل يأيته ، وسجع للناس ~~الأكاذيب فكان مما أتى به قوله : " والحمام واليمام ، والصوام ، قد ضمن ~~قبلكم بأعوام ، ليبلغن ملكنا العراق والشام " . وأمر طليحة الناس بترك ~~السجود في الصلاة ، وتبعه كثير من العرب ، وكان أكثر أتباعه أسد وغطفان ~~وطيىء ، ولما انهزمت عبس وذبيان التحقوا به ببزاخة ، وأرسل طليحة إلى جديلة ~~والغوث - وهما حيان من طيىء - أن ينضموا إليه ، فتعجل إليه أناس من الحيين ~~، وأمروا قومهم باللحاق بهم ، فقدموا على طليحة وكانوا معه . وبعث أبو بكر ~~رضى الله عنه عدى بن حاتم الطائى قبل توجيهه خالد بن الوليد إلى قومه ، ~~وقال : أدركهم لا يؤكلوا ؛ فخرج عدى إليهم ؛ ففتلهم في الذروة والغارب " ، ~~وخرج خالد بن الوليد فى أثره ، وأمره أبو بكر رضى الله عنه أن يبدأ بطيىء ~~على الأكناف ؛ ثم يكون وجهه إلى البزاخة ثم يثلث بالبطاح ولا يبرح إذا فرغ ~~من قوم حتى يأذن له ، وأظهر أبو بكر أنه خارج إلى خبير ومنصب عليهم منها ، ~~حتى يلاقيه بالأكناف ، أكناف سلمى . قال ابن الكلبي : وإنما قال ذلك ms4043 أبو ~~بكر مكيدة حتى يبلغ ذلك عدوة فيرعبهم ، وكان قد أوعب مع خالد الناس ، فخرج ~~خالد ، فازوار عن البزاخة وجنح إلى أجأ ، وقدم عدى بن حاتم عليهم ؛ ودعاهم ~~إلى الإسلام ؛ فأجابوه بعد امتناع ، وقالوا له : أخر عنا الجيش حتى نستخرج ~~من ألحق بالبزاخة منا ، فإنا إن خالفنا طليحة وهم في يديه قتلهم أو ارتهنهم ~~، فاستقبل عدى خالدا وهو بالسنح ، فقال : ياخالد ، أمسك عنى ثلاثا ؛ تجتمع ~~لك خمسمائة مقاتل تضرب بهم عدوك ؛ خير من أن تعجلهم إلى النار . وتشاغل بهم ~~، ففعل وعاد إليهم وقد أرسلوا إلى إخوانهم ؛ فأتوهم من بزاخة كالمدد ، ففعل ~~وعاد إليهم وقد أرسلوا إلى أخوانهم ؛ فأتوهم من بزاخة كالمدد ، ولولا ذلك ~~لم يتركوا ، فعاد عدى بإسلامهم إلى خالد ، وارتحل PageV19P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" خالد يريد جديلة ، فقال له عدى ؛ فلم يزل بهم ~~حتى بايعوه ؛ فجاء بإسلامهم ، ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب ، فكان خير ~~مولود ولد في أرض طيىء وأعظمه عليهم بركة . قال هشام الكلبى : وسار خالد بن ~~الوليد إلى طليحة ، وكان أبو بكر رضى الله عنه قد جعل ثابت بن قيس على ~~الأنصار وأمره إلى خالد ، فلما دنا خالد من القوم ، بعث عكاشة بن محصن ، ~~وثابت ابن أقرم بن ثعلبة العجلانى البلوى حليف الأنصار طليعة ؛ حتى إذا ~~والله كذاب ، فانصرفوا وانهزم الناس فغشوا طليحة ، يقولون : ماذا تأمرنا ؟ ~~وكان طليحة قد أعد فرسه وراحلته عنده ، فلما غشيه الناس قام فوثب على فرسه ~~، وحمل امرأته النوار على الراحلة فنجا بها ، وقال للناس : من استطاع منكم ~~أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله PageV19P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" فليفعل ، ثم سلك الجوشية ولحق بالشام فارفض ~~جمعه ، وقتل الله من قتل منهم ، وأتت قبائل سليم وهوازن وفزارة أسد وغطفان ~~، وتلك القبائل يقولون : ندخل فيما خرجنا منه ، ونؤمن بالله وبرسوله ونسلم ~~لحكمه في أموالنا وأنفسنا . فبايعهم خالد بن الوليد على الإسلام ، ثم أقبلت ~~بنو عامر بعد هزيمة أهل بزاخة ، يقولون : ندخل فيما خرجنا منه ، فبايعهم ~~خالد على ما بايع عليه أهل البزاخة من أسد وغطفان وطيىء ms4044 قبلهم ، وأعطوه ~~بأيديهم الإسلام . قال أبو الحسن على المعروف بابن الأثير : وكانت بيعته : ~~عليكم عهد الله وميثاقه لتؤمنن بالله ورسوله ، ولتقيمن الصلاة ولتؤتن ~~الزكاة ، وتبايعون على ذلك أبناءكم ونساءكم فيقولون : نعم ، ولم يقبل من ~~أحد منهم إلا أن يأتوه بالذين حرقوا ومثلوا وعدوا على المسلمين في حال ~~ردتهم فأتوه بهم فقبل منهم إلا قرة بن هبيرة سيد بني عامر ونفر معه أوثقهم ~~ومثل بالذين عدوا على المسلمين فأحرقهم بالنيران بالحجارة ، ورمى بهم من ~~الجبال ، ونكسهم في الآبار وأرسل إلى أبي بكر يعلمه ما فعل ، ورضخهم ، وبعث ~~بقرة وبالأسارى إلى أبي بكر رضى الله عنه وكتب إليه : إن بنى عامر أقبلت ~~بعد إعراض ، ودخلت في الإسلام بعد تربص ، وإنى لم أقبل من أحد سألنى شيئا ~~حتى يجيئونى بمن عدا على المسلمين ، فقتلتهم كل قتلة ، وبعثت إليك بقرة ~~وأصحابه . فكتب أبو بكر إليه : ليزدك ما أنعم لله به عليك خيرا ، فاتق الله ~~في أمرك ، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، جد في أمر الله ولا ~~تنين ولا تظفرن بأحد قتل المسلمين إلا قتلته ، ونكلت به غيره . وكان عيينة ~~بن حصن ممن أسر ، روى عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود . قال : ~~أخبرني من نظر إلى عيينة بن حصن مجموعة يداه إلى عنقه في حبل ، ~~PageV19P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" ينخسه غلمان المدينة بالجريد يقولون : أي عدو ~~الله ، أكفرت بالله بعد إيمانك فيقول : والله ما كنت آمنت بالله قط ؛ حكاه ~~أبو جعفر الطبرى . قال : فتجاوز أبو بكر رضى الله عنه ، وحقن له دمه . ~~والله سبحانه وتعالى أعلم . وأما طليحة وما آل إليه أمره ؛ فإنه لحق بالشام ~~، ثم نزل على كلب ، فأسلم حين بلغه إسلام أسد وغطفان ، ولم يزل في بنى كلب ~~حتى مات أبو بكر الصديق رضى الله عنه . وخرج في خلافة أبي بكر إلى مكة ~~معتمرا ، ومر بجنبات المدينة . فقيل لأبي بكر هذا : طليحة ، فقال : ما أصنع ~~به ؟ خلوا عنه ، فقد هداه الله للإسلام . فمضى نحو مكة ، فقضى عمرته ms4045 ، ثم ~~أتى عمر بن الخطاب رضى الله عنه للبيعة حين استخلف ، فقال له عمر : أنت ~~قاتل عكاشة وثابت والله لا أحبك أبدا ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ما تنقم من ~~رجلين أكرمهما الله بيدى ، ولم يهنى بأيديهما فبايعه عمر ورجع إلى دار قومه ~~فأقام حتى خرج إلى العراق . ذكر خبر تميم وأمر سجاح ابنة الحارث بن سويد ~~كان من خبر بنى تميم أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قبل وفاته فرق ~~عماله فيهم ، فكان الزبرقان بن بدر على الرباب وعوف والأنباء ؛ وكان سهم بن ~~منجاب وقيس بن عاصم على مقاعس والبطون ، وصفوان بن صفوان وسبرة بن عمرو على ~~بنى عمرو هذا على بهدى وهذا على خضم قبيلتين من بني تميم ووكيع بن مالك ~~ومالك بن نويرة على بنى حنظلة ، هذا على بنى مالك ، وهذا على بنى يربوع . ~~فأما صفوان فإنه لما أتاه الخبر بوفاة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ضرب إلى أبي بكر الصديق رضى الله عنه بصدقات بنى عمرو وما ولى منها وبما ~~ولى سبرة ، وأقام سبرة فى قومه لحدث إن ناب . PageV19P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" وأما قيس بن عاصم فإنه قسم ما وليه من الصدقات ~~في مقاعس والبطون ؛ وإنما فعل ذلك مخالفة للزبرقان . 0 . وأما الزبرقان ~~فإنه أتبع صفوان بالصدقات التي أخذها ممن كانت تليه ، وقدم بها إلى المدينة ~~على أبي بكر وهو يقول ويعرض بقيس بن عاصم : وفيت بأذواد الرسول وقد أبت . . ~~. سعاة فلم يردد بعيرا مجيرها ثم ندم قيس بن عاصم على ما كان منه ، فلما ~~أظله العلاء بن الحضرمى تلقاه بالصدقة ، وخرج معه ؛ وقال في ذلك : أبلغا ~~عنى قريشا رسالة . . . إذا ما أتتها بينات الودائع قال : وتشاغل الناس فى ~~تلك الحال بعضهم ببعض ، ونشب الشر ، فتشاغلت عوف والأنباء بالبطون والرباب ~~بمقاعس ، وتشاغلت عمرو وخضم بمالك وبهدى بيربوع ؛ فبينا الناس في بلاد تميم ~~على ذلك قد شغل بعضهم بعضا ، فمسلمهم بإزاء من قدم رجلا وأخر أخرى ، وتربص ~~وارتاب ؛ إذ فجئتهم سجاج ابنة الحارث ، قد أقبلت من ms4046 الجزيرة ؛ وكانت ورهطها ~~في بنى تغلب ، وعقة بن هلال في النمر ، وزياد بن فلان في إياد ، والسليل بن ~~قيس في بنى شيبان ، فأتاهم أمر دهى ؛ هو أعظم مما فيه الناس ؛ لهجومها ~~عليهم ، ولما هم فيه من اختلاف الكلمة والتشاغل بما بينهم . وكانت سجاح ~~ابنة الحارث ابن سويد بن عقفان هي وبنو أبيها بنو عقفان في بنى تغلب ، ~~فاستجاب لها الهذيل ، وترك النصرانية ، فراسلت مالك بن نويرة ودعته إلى ~~الموادعة ، فأجابها وحملها على أحياء بنى تميم ، فقالت : نعم فشأنك بمن ~~رأيت ، فإنما أنا امرأة من بنى يربوع ، فإن كان ملك فالملك ملككم . وأرسلت ~~إلى بنى مالك وحنظلة تدعوهم إلى الموادعة . فخرج عطارد بن حاجب ، وسروات ~~بنى مالك ، حتى نزلوا فى بني العنبر على سبرة بن عمرو هرابا ، وخرج أشباههم ~~من بنى يربوع حتى نزلوا على الحصين بن نيار PageV19P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" في بنى مازن ، وقد كرهوا ما صنع مالك ، فلما ~~جاءت رسلها إلى بنى مالك تطلب الموادعة أجابها إلى ذلك وكيع بن مالك فاجتمع ~~وكيع ومالك بن نويرة وسجاح ، وقد وادع بعضهم بعضا ، واجتمعوا على قتال ~~الناس ، وقالوا : بمن نبدأ ؟ بخضم أم ببهدى ، أم بعوف والأنباء ، أم ~~بالرباب ؟ وكفوا عن قيس بن عاصم لما رأوا من تردده وطمعوا فيه . فقالت سجاح ~~: " أعدوا الركاب ، واستعدوا للنهاب ، ثم أغيروا على الرباب ، فليس دونهم ~~حجاب " ، وصمدت سجاح للأحفار حتى تنزل بها ، وقالت لهم : " إن الدهناء حجاز ~~بنى تميم ، ولن تعدو الرباب ، إذا شدها المصاب ، أن تكون بالدجانى والدهانى ~~، فلينزلها بعضكم " . فتوجه مالك بن نويرة إلى الدجانى فنزلها ، وسمعت بهذا ~~الرباب ، فاجتمعوا لها : ضبتها وعبد مناتها ، فولى وكيع وبشر بنى بكر بن ~~ضبة ، وولى ثعلبة بن سعد عقة ، وولى عبد مناة الهذيل ، فالتقى وكيع ويشر ~~وبنو بكر من بني ضبة فهزما وأسر سماعة ووكيع وقعقاع ، وقتلت قتلى كثيرة ، ~~فاجتمع بعد ذلك رؤساء أهل الجزيرة ، وقالوا لسجاح : ماذا تأمريننا ؛ فقد ~~صالح مالك ووكيع قومهما فلا ينصروننا ؟ فقالت : اليمامة ؛ فقالوا : إن شوكة ~~أهل اليمامة شديدة ، وقد غلظ ms4047 أمر مسيلمة فقالت : " عليكم باليمامة ، ودفوا ~~دفيف الحمامة ، فإنها غزوة صرامة ، ولا يلحقكم بعدها ملامة " ، فنهدت لبنى ~~حنيفة ، وبلغ ذلك مسيلمة فهابها ، وخاف إن هو شغل بها أن يدهمه شرجبيل بن ~~حسنة والقبائل ، فأهدى لها ، ثم أرسل إليها يستأمنها على نفسه حتى يأتيها . ~~فأنزلت الجنود على الأمواه له وأمنته ، فجاءها في أربعين من بنى حنيفة . ~~وكانت سجاح راسخة في النصرانية ، قد علمت من علم نصارى تغلب ، فقال لها ~~مسيلمة : لنا نصف الأرض ، وكان لقريش نصفها لو عدلت ، وقد رد الله عليك ~~النصف الذي ردت قريش ، فحباك به ، وكان لها لو قبلت ؛ فقالت : " لا ترد ~~النصف إلا من حنف ، فاحمل النصف إلى خيل تراها كالسهف " فقال مسيلمة : " " ~~سمع الله لمن سمع ، وأطعمه بالخير إذا طمع ، ولا زال أمره في كل ما سر نفسه ~~يجتمع . رآكم ربكم فحياكم ، ومن وحشة خلاكم ، ويوم دينه أنجاكم فأحياكم ، ~~علينا من صلوت معشر أبرار ؛ لا أشقياء ولا فجار ، يقومون الليل ويصومون ~~النهار ، لربكم الكبار ، رب الغيوم والأمطار " . PageV19P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" وقيل : إن مسيلمة لما نزلت به سجاح أغلق الحصن ~~دونها . فقالت له : إنزل . قال : فنحى عنك أصحابك أصحابك ، ففعلت . فقال ~~مسيلمة : اضربوا لها قبة وجمروها لعلها تذكر الباه ، ففعلوا ، فلما دخلت ~~القبة نزل مسيلمة . فقال لأصحابه : ليقف ها هنا عشرة ، ثم دارسها . فقالت : ~~ما أوحى إليك ؟ فقال : " ألم تر إلى ربك كيف فعلى بالحبلى ، أخرج منها نسمة ~~تسعى ، من بين صفاق وحشى " قالت : وماذا : أيضا ؟ قال : أوحى إلى " إن ~~الله خلق النساء أفراجا ، وجعل الرجال لهن أزواجا ، فنولج فيهن قعسا إيلاجا ~~، ثم نخرجها إذا شئنا إخراجا ، فينتجن لنا سخالا إنتاجا " . قالت : أشهد ~~أنك نبى . قال : هل لك أن أتزوجك ، وأذل بقومى وقومك العرب ؟ قالت : نعم ~~فقال : الا قومى إلى النيك . . . فقد هيى لك المضجع فإن شئت ففي البيت . . ~~. وإن شئت ففى المخدع وإن شئت سلقناك . . . وإن شئت على أربع وإن شئت ~~بثلثيه . . . وإن شئت به أجمع قالت : بل به أجمع . قال : بذلك أوحى إلى ، ~~فأقامت عنده ms4048 ثلاثة أيام ، انصرفت إلى قومها . فقالوا لها : ما عندك ؟ قالت ~~: كان على حق ، فاتبعته فتزوجته ، قالوا : هل أصدقك شيئا ؟ قالت : لا قالوا ~~: فارجعى إليه ، فقبيح على مثلك أن ترجع بغير صداق ، فرجعت . فلما رآها ~~مسيلمة أغلق الحصن وقال : مالك ؟ قالت : أصدقنى صداقا . قال : من مؤذنك ؟ ~~قالت : شبث بن ربعى . قال : على به ، فأتاه . فقال : ناد في أصحابك : إن ~~مسيلمة رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد : صلاة الفجر ، ~~وصلاة العشاء الآخرة . قال : وكان من أصحابها الزبرقان بن بدر وعطارد بن ~~حاجب ونظراوهم . فقال : إن عامة بنى تميم الرمل لا يصلونها ، فانصرفت سجاح ~~ومعها أصحابها ، فقال عطارد بن حاجب : أمست نبيتنا أنثى نطيف بها . . . ~~وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا PageV19P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" وقيل : إنها صالحت مسيلمة على أن يحمل لها ~~النصف من غلات اليمامة : وأبت إلا السنة المقبلة يسلفها ، فأعطى لها النصف ~~وقال : خلفي على السلف من يجمعه لك ، وانصرفي أنت بنصف العام ، فانصرفت ~~بالنصف إلى الجزيرة وخلفت الهذيل وعقة وزيادا لينجزوا النصف الثاني ، فلم ~~يفجأهم إلا دنو خالد بن الوليد ، فارفضوا . وكان من أمر مسيلمة وقتله ما ~~نذكره بعد إن شاء الله تعالى . قال : ولم تزل سجاح بالجزيرة في أخوالها من ~~بنى تغلب حتى نقلهم معاوية بن أبي سفيان عام الجماعة ، وجاءت معهم وحسن ~~إسلامها وإسلامهم ، وانتقلت إلى البصرة وماتت بها . وقيل : بل لما قتل ~~مسيلمة سارت إلى أخوالها بالجزيرة ، فماتت عندهم ، ولم يسمع لها بذكر ، ~~والله تعالى أعلم . قال أبو جعفر الطبري رحمه الله : وخرج الزبرقان والأقرع ~~إلى أبى بكر ؛ وقالا : اجعل لنا خراج البحرين ؛ ونضمن لك ألا يرجع من قومنا ~~أحد ، ففعل . وكتب الكتاب ، وكان الذي يختلف بينهم طلحة بن عبيد الله ، ~~وأشهد شهودا ، منهم عمر بن الخطاب ، فلما أتى عمر بالكتاب فنظر فيه لم يشهد ~~، ثم قال : لا والله لا كرامة ومزقه ومحاه ، فغضب طلحة ، وأتى أبا بكر ، ~~فقال : أنت الأمير أم عمر ؟ فقال : عمر ؛ غير أن الطاعة لي ، فسكت . وشهد ~~الزبرقان والأقرع مع خالد ms4049 المشاهد كلها حتى اليمامة ، ثم مضى الأقرع ومعه ~~شرحبيل إلى دومة الجندل . ذكر مسير خالد إلى البطاح ومقتل مالك بن نويرة ~~قال أبو جعفر رحمه الله : لما انصرفت سجاح إلى الجزيرة ارعوى مالك بن نويرة ~~، وندم وتحير في أمره ، وعرف وكيع وسماعة قبح ما أتيا ، فرجعا رجوعا حسنا ؛ ~~PageV19P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" ولم يتجبرا ، وأخرجا الصدقات واستقبلابها خالد ~~بن الوليد ، فقال خالد : ما حملكما على موادعة هؤلاء القوم ؟ فقالا : ~~ثأركنا نطلبه في بني ضبة فسار خالد يريد البطاح دون الحزن ، وعليها مالك بن ~~نويرة ، وقد ترددت الأنصار على خالد ، وتخلفت عنه . وقالوا : ما هذا بعهد ~~الخليفة إلينا ، إن الخليفة عهد إلينا إن نحن فرغنا من البزاخة واستبرأنا ~~بلاد القوم أن نقيم حتى يكتب إلينا ؛ فقال خالد : إن يك عهد إليكم هذا ، ~~فقد عهد إلى أن أمضى ، وأنا الأمير ، وإلى تنتهي الأخبار ، ولو أنه لم ~~يأتني له كتاب ولا أمر ، ثم رأيت فرصة فكنت إن أعلمته فاتتنى لم أعلمه حتى ~~أنتهزها ، وكذا لو ابتلينا بأمر ليس منه عهد إلينا فيه لم ندع أن نرى أفضل ~~ما بحضرتنا ثم نعمل به ، وهذا مالك بن نويرة بحيالنا ، وأنا قاصد له ومن ~~معي من المهاجرين والتابعين بإحسان ، ولست أكرهكم . ومضى خالد ، وندمت ~~الأنصار وتذامروا ، وقالوا : إن أصاب القوم خيرا ، إنه لخير حرمتوه ، وإن ~~أصابتهم مصيبة ليجتنبنكم الناس ، فاجمعوا اللحاق بخالد ، وجردوا إليه رسولا ~~، فأقام عليهم حتى لحقوا به ، ثم سار ح 0 تى لحق البطاح ، فلم يجدوا به ~~أحدا . ووجد مالك بن نويرة قذفرقهم في أموالهم ، ونهاهم عن الاجتماع حين ~~تردد عليه أمره ، وقال : يا بني يربوع ، إنا قد كنا عصينا أمراءنا إذ دعونا ~~إلى هذا الأمر فوجدت الأمر لا يتأنى لهم بغير سياسة ، فإياكم ومناوأة قوم ~~صنع لهم ، فتفرقوا إلى دياركم ، وادخلوا في هذا الأمر . فتفرقوا على ذلك ~~إلى أموالهم . وخرج مالك بن نويرة حتى رجع إلى منزله . فلما قدم خالد ~~البطاح بث السرايا وامرهم بداعية الإسلام أن يأتوه بكل من لم يجب ، وإن ms4050 ~~امتنع أن يقتلوه . فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن ~~يربوع ، من عاصم وعبيد ، وعرين وجعفر ، فاختلفت السرية فيهم ، وفيهم أبو ~~قتادة - وكان ممن شهد أنهم قد أذنوا وأقاموا وصلوا - فلما اختلفوا فيهم أمر ~~بهم خالد فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شىء ، وجعلت تزداد بردا ، فامر ~~خالد مناديا فنادى : أدفئوا أسراكم . وكانت في لغة كنانة إذا قالوا : دثروا ~~الرجل فأدفئوه ، كان دفؤه قتله ، فظن القوم - وهي لغتهم القتل - أنه أراد ~~القتل ، فقتلوهم ، فقتل ضرار بن الأزور مالكا ، وسمع خالد الواعية ، فخرج ~~وقد فرغ منهم فقال : إذا أراد الله أمرا أصابه . PageV19P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" وقد اختلف القوم فيهم ؛ فقال أبو قتادة : هذا ~~عملك فزبره خالد فغضب ، ومضى حتى أتى أبا بكر ، فغضب عليه أبو بكر حتى كلمه ~~عمر فيه ، فلم يرض إلا أن يرجع إلى خالد ، فرجع إليه حتى قدم معه المدينة . ~~وتزوج خالد أم تميم انبة المنهال ، وتركها لينقضى طهرها ، وكانت العرب تكره ~~النساء في الحرب ، فقال عمر لأبي بكر : إن في سيف خالد رهقا ، فإن لم يكن ~~هذا حقا حق عليه أن تقيده ، وأكثر عليه في ذلك ، وكان أبو بكر لا يقيد من ~~عماله - فقال : هبه يا عمر تأول فأخطأ ، فارفع لسانك عن خالد . وودي مالكا ~~، وكتب إلى خالد أن يقدم ففعل ، فأخبره خبره فعذره وقبل منه ، وعنفه في ~~التزويج الذي كانت تعيب عليه العرب . وقيل : إن عمر بن الخطاب ألح على أبي ~~بكر في عزل خالد . وقال : إن في سيفه رهقا . فقال : يا عمر ، لم أكن أشيم ~~سيفا سله الله على الكافرين . وقيل : ولما أقبل خالد قافلا دخل المسجد ~~وعليه قباء ، عليه صدأ الحديد ، معتجرا بعمامة له ، قد غرز فيها أسهما ، ~~فقام إليه عمر فانتزع الأسهم من راسه فحطمها ، ثم قال : أقتلت أمرأ مسلما ~~ثم نزوت على امرأته والله لأرجمنك بأحجارك ، وخالد لا يكلمه ولا يظن إلا أن ~~رأى بكر على مثل رأى عمر فيه ، حتى دخل على أبي بكر فأخبره ms4051 الخبر ، فاعتذر ~~إليه ، فعذره أبو بكر وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك . وخرج خالد حين رضى ~~عنه أبو بكر وعمر جالس في المسجد ، فقال : هلم إلى يا بن أم شملة ؛ فعرف ~~عمر أن أبا بكر قد رضى عنه فلم يكلمه ، ودخل بيته . والله سبحانه وتعالى ~~أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب ، وهو حسبي ، ونعم الوكيل . ذكر خبر ~~مسيلمة الكذاب وقومه من أهل اليمامة كان من خبر مسيلمة أنه لما قدم وفد بني ~~حنيفة إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ كما قدمناه في السيرة ~~النبوية في أخبار الوفود ، وكان مسيلمة في رحالهم ، فلما أجازهم رسول لله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . قالوا : يا رسول الله ، خلفنا صاحبا لنا في رحالنا ~~يبصرها لنا ، في PageV19P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" ركابنا يحفظها علينا ؛ فأمر له رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بمثل ما أمر لأصحابه ، وقال : " ليس بشركم مكانا ~~لحفظه ركابكم ورحالكم " ، فقيل ذلك لمسيلمة ، فقال : عرف أن الأمر إلى من ~~بعده . ثم ادعى النبوة بعد ذلك ، وكان الرجال بن عنفوة قد هاجر إلى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فتعلم القرآن من أبى بن كعب ، وفقه في الدين ~~، فبعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) معلما لأهل اليمامة ، وليشغب على ~~مسيلمة ؛ ويشدد من أمر المسلمين ، وكان أعظم فتنة على نبي حنيفة من مسيلمة ~~، شهد له أنه سمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : إنه قد أشرك معه ~~؛ فصدقوه واستجابوا له ، وأمروه بمكاتبه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~ووعدوه إن هو لم يقبل أن يعينوه عليه . وقبض رسول اله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ؛ والأمر على ذلك ، فقويت شوكة مسيلمة ، واشتد أمره ، وكثرت جموعه ، ~~وتمكن الرجال بن عنفوة من مسيلمة ، وعظم شأنه عنده ، فكان لا يخالفه في أمر ~~ولا يقول شيئا إلا تابعه عليه ، وكان مسيلمة يصانع كل أحد ممن اتبعه ، ~~ويتابعه على رأيه ، ولا يبالي أن يطلع الناس مه على قبيح ، وضرب حرما ~~باليمامة ؛ فكان محرما ، فوقع ذلك الحرمن في الأحاليف ، أفخاذ من بني ms4052 أسيد ~~كانت دراهم اليمامة ، فصار مكان دراهم الحرم ، والأحاليف : سيحان ونمارة ، ~~وبنو جروة ، فكانوا يغيرون على ثمار أهل اليمامة ، فإن نذروا بهم فدخلوا ~~الحرم أحجموا عنهم ، وإن لم ينذروا بهم فذاك ما يريدون ؛ فكثر ذلك منهم ، ~~حتى استعدوا عليهم مسيلمة ، فقال : انظروا الذي يأتي من السماء فيكم وفيهم ~~، ثم قال لهم : " والليل الأطحم ، والذئب الأدلم ، ما انتهكت أسيد من محرم ~~" ، ثم عادوا للغارة والعدوى ، فقال : انتظروا الذي يأتينى . ثم قال : " ~~والليل الدامس ، والذئب الهامس ، ما قطعت اسيد من رطب ولا يابس " ؛ فقالوا ~~: أما النخيل فمرطبة وقد جدوها ، أما الجدران فيابسة وقد هدموها ، فيقال : ~~اذهبوا وارجعوا فلا حق لكم . وكان فيما يقرؤه لهم فيهم : إن بني تميم قوم ~~طهر لقاح ، لا مركوه عليهم ولا إتارة ، نجاورهم ما حيينا بإحسان ، نمنعهم ~~من كل إنسان ، فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن " . PageV19P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" وكان يقول : والشاء وألوانها ، وأعجبها السود ~~وألبانها ، والشاة السوداء ، واللبن الأبيض ؛ إنه لعجب محض ، وقد حرم المذق ~~، فما لكم تمجعون . وكان يقول : يا ضفدع انبة ضفدع ، نقى ما تنقين ، أعلاك ~~في الماء وأسفلك في الطين ، لا الشارب تمنعين ، ولا الماء تكدرين . وقال ~~أيضا : والمبذرات زراعا ، والحاصدات حصدا ، والزارعات قمحا ، والطاحنات ~~طحنا ، والخابزات خبزا ، والثاردات ثردا ، واللاقمات لقما ، إهالة وسمنا ، ~~لقد فضلتم على الوبر ، وما سبقكم أهل المدر ؛ ريفكم فامنعوه ، والمعتر ~~فآووه ، والباغي فناوئوه . قالوا : وأتته امرأة فقالت : إن نخلنا لسحق ، ~~وإن آبارنا لجرز فادعى الله لمائنا ونخلنا ، كما جعا محمد لأهل هزمان ، ~~ففعل كما فعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ودعا للنخل ، وتمضمض من ~~الماء ، ومجه في الآبار ، فيبست المخل ، وغارت الآبار . وقيل : إنه نزل على ~~أولاد بني حنيفة كما فعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فمر بيده على ~~رءوسهم ، وحنكهم ، فقرع ولثع من فعل به ذلك ، وظهر ذلك كله بعد مهلكه . ~~قالوا : وجاء طلحة النمري ، فقال : أين مسيلمة ؟ فقالوا مع رسول الله فقال ~~: لا ، حتى أراه ، فلما جاءه قال : أنت مسيلمة ؟ قال : نعم ، قال : من ~~ياتيك ؟ قال ms4053 : رحمن ، قال : أفي نور أو في ظلمة ؟ فقال : في ظلمة ، فقال : ~~أشهد أنك كذاب ، وأن محمدا صادق ، ولكم كذاب ربيعة أحب إلى من صادق مضر . ~~والله سبحانه أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . ذكر ~~الحروب الكائنة بين المسلمين وبين مسيلمة وبين أهل اليمامة وقتل مسيلمة قد ~~ذكرنا أن أبا بكر الصديق لما عقد الأولوية ، عقد لعكرمة ابن أبي جهل ، ~~وأمره بمسيلمة ، ثم أردفه شرحبيل بن حسنة ، فعجل عكرمة ، وبادر الحرب ليذهب ~~بصوتها ، فواقعهم ، فنكبوه ، وأقام شرحبيل في الطريق حتى أدركه الخبر . ~~PageV19P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" وكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى عكرمة : يا بن ~~أم عكرمة ؛ لا أرينك ولا تراني على حالها ، ولا ترجع فتوهن الناس ، امض على ~~وجهك حتى تساند حذيفة وعرفجة ، فقاتل معهما أهل عمان ومهرة ، وإن شغلا فامض ~~أنت ، ثم يسير ويسير جندك ؛ تستبرئون من مررتم به حتى تلتقوا أنتم والمهاجر ~~بن أبي أمية باليمن وحضرموت . وكتب إلى شرحبيل يأمره بالمقام حتى يأتيه ~~أمره ، ثم كتب إليه قبل ان يوجه خالد بن الوليد بأيام إلى اليمامة : إذا ~~قدم عليك خالد ثم فرغتم - إن شاء الله - فالحق بقضاعة حتى تكون ا ، ت وعمرو ~~بن العاص على من أبى منهم وخالف . فلما قدم خالد على أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه من البطاح رضي عنه ، وقبل عذره كما ذكرنا ، ووجهه إلى مسيلمة ، ~~وأوعب معه الناس ، وجعل على كل قبيلة رجلا ، وجعل على المهاجرين أبا حذيفة ~~بن عتبة ، وجعل على الأنصار ثابت بن قيس بن شماس ، وتعجل خالد حتى قدم عل ~~أهل العسكر بالبطاح ، وانتظر البعث الذي ضرب بالمدينة ، فلما قدم عليه نهض ~~حتى أتى اليمامة ، وبنو حنيفة يومئذ تزيد عدتهم على أربعين ألف مقاتل . ~~وعجل شرحبيل بن حسنة ، وبادر بالقتال قبل وصول خالد كما فعل عكرمة ، فنكب ~~كما نكب ، فلما قدم خالد لأمه ، وسار خالد حتى إذا أطل على بني حنيفة أسند ~~خيولا لعقة والهذيل وزياد ، وقد كانوا أقاموا على خرج أخرجه لهم مسيملة ~~ليلحقوا ms4054 به سجاح ، وإنما أسند خالد تلك الخيول مخافةن أن ياتوه من خلفه ، ~~وأمد أبو بكر رضي الله عنه خالدا بسليط بن عمرو بن عبد شمس العامري القرشي ~~ليكون ردءا له من أن يأتيه أحد من خلفه ؛ فخرج . فلما دنا من خالد وجد تلك ~~الخيول التي انتابت تلك البلاد قد فرقوا فهربوا ، فكان منهم قريبا لهم ، ~~وأما مسيلمة فإنه لما بلغه دنو خالد بن الوليد منه عسكر بعقرباء ، واستنفر ~~الناس ، فجعل الناس يخرجون إليه ، وخرج مجاعة بن مرارة بن سلمى الحنفي ~~اليمامى - وكان رئيسا من رؤساء بني حنيفة - في سرية يطلب بثأر له في بني ~~عامر وبني تميم ، فلما كان خالد من عسكر مسيلمة على ليلة ، إذا مجاعة ~~PageV19P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" وأصحابه وقد غلبهم الكرى - وكانوا راجعين من ~~بلاد بني عامر - فعرسوا دون ثنية اليمامة ، فوجدوهم نياما وأرسان خيولهم ~~بأيديهم تحت خدودهم ، ولا يشعرون بقرب الجيش منهم ، فانبهوهم ، وقالوا : من ~~أنتم ؟ قالو : مجاعة ، وهذه حنيفة ، فأوثقوهم ، وأقاموا إلى أن جاءهم خالد ~~فأتوه بهم ، فظن أنهم جاءوه ليستقبلوه ، فقال : متى سمعتم بنا ؟ قالوا ما ~~شعرنا بك ، إنما خرجنا لثأر لنا فيمن حولنا من بني عامر وتميم ، فأمر بهم ~~أن يقتلوا ، فقالوا : إن كنت تريد بأهل اليمامة غدا خيرا أو شرا فاستبق هذا ~~، ولا تقتله - يريدون مجاعة - فقتلهم كلهم دونه ، وكانوا ثلاثة وعشرين ~~راكبا - وقيل : أربعين . وقيل : ستين - وصبر مجاعة ، وسار اليمامة ، فخرج ~~مسيلمة وبنو حنيفة ، فنزلوا بعقرباء ، وهي طرف اليمامة ؛ دون الأموال ، ~~وريف اليمامة وراء ظهورهم . وقال شرحبيل بن مسيلمة : يا بني حنيفة ، اليوم ~~يوم الغيرة ، اليوم إن هزمتم تستردف النساء سبيات ، وينكحن غير حظيات ، ~~فقاتلوا عن احسابكم ، وامنعوا نساءكم . فالتقوا بعقرباء واقتتلوا ، وكانت ~~راية المهاجرين يومئذ مع سالم مولى أبي حذيفة . وقيل : بل كانت مع زيد بن ~~الخطاب ، فلما قتل أخذها سالم ، فقالوا له : تخشى علينا من نفسك شيئا ؟ ~~فقال : بئس حامل القرآن إنا إذا وكانت راية الأنصار مع ثابت ابن قيس بن ~~شماس ، وكانت العرب على راياتها ، وسجاعة في الأسر ms4055 مع أم تميم زوجة خالد في ~~فسطاطها ، واقتتل الناس أشد قتال ، ولم يلق المسلمون حربا مثلها ، فانهزم ~~المسلمون وخلص بنو حنيفة إلى خالد ، فزال عن الفسطاط ، ووصلوا إليه وقطعوه ~~، ودخل أناس من بني حنيفة على أم تميم ، فأرادوا قتلها ، فمنعها مجاعة . ~~وقال : أنا لها جار ، فنعمت الحرة فدفعهم عنها . ثم أن المسلمين تداعوا ؛ ~~فقال ثابت بن قيس : بئسما دعوتم أنفسكم إليه يا معشر المسلمين ، اللهم إني ~~أبرأ إليك مما يعبد هؤلاء - يعني أهل اليمامة - وأعتذر إليك مما يصنع هؤلاء ~~- يعني المسلمين - ثم قاتل حتى قتل ، قطعت رجله فرمى بها قاتله فقتله . وله ~~رضى الله عنه خبر عجيب نذكره إن شاء الله تعالى في آخر هذه الوقعة - ~~PageV19P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" قالوا : وحمل خالد في الناس حتى ردهم أبعد ما ~~كانوا ، واشتد القتال ، وكانت الحرب يومئذ تارة للمسلمين ، وتارة عليهم ، ~~وقتل سالم وأبو حذيفة وزيد بن الخطاب وغيرهم . فلما رأى خالد ما الناس فيه ~~، قال : امتازوا اليوم أيها الناس ، لنعلم بلاء كل حي ، ولنعلم من أين نؤتى ~~فلما امتازوا قال بعضهم لبعض : اليوم نستحي من الفرار . وقاتل الناس قتالا ~~عظيما ، وثبت مسيلمة ، فعرف خالد أن الفتنة لا تركد إلا بقتل مسيلمة ، فبرز ~~ودعا إلى البراز ، فما يبرز له أجد إلا قتله ، ودعا مسيلمة فأجابه ؛ وعرض ~~عليه أشياء ، فكان إذا هم بجوابه أعرض بوجهه يستشير شيطانه ، فينهاه أن ~~يقبل ، فأعرض بوجهه مرة ، فركبه خالد وأرهقه فأدبر ، وزال أصحابه ، فكانت ~~هزيمتهم ، وقالوا : لمسيلمة : أين ما كنت تعدنا ؟ فقال : قاتلوا عن أحسابكم ~~. نادي المحكم بن الطفيل : يا بني حنيفة ، الحديقة الحديقة فدخلوها ، ~~وأغلقوا بابها عليهم . قال : وكان البراء بن مالك أخو أنس ؛ إذا حضر الحرب ~~أخذته رعده حتى يقعد الرجال عليه ، ثم يبول ، فإذا بال ثار كما يثور الأسد ~~، فأصابه ذلك ، فقال : إلى أيها الناس ؛ أنا البراء بن مالك ؛ وقاتل قتالا ~~شديدا ، فلما دخل بنو حنيفة الحديقة ، قال البراء : يا معشر المسلمين ، ~~ألقوني عليهم فيها . فقالوا : لا نفعل ، فاحتمل حتى أشرف على الجدار ~~واقتحمها عليهم ms4056 ، وقاتل على الباب ، وفتحه المسلمون ، ودخلوا عليهم ، ~~فاقتتلوا أشد قتال ، وكثر القتل بين الفريقين ، فلم يزالوا كذلك حتى قتل ~~مسيلمة ، واشترك في قتله وحشى ، مولى جبير بن مطعم قاتل حمزة بن عبد المطلب ~~، ورجل من الأنصار ، فولت حنيفة عند قتله منهزمة ، وأخذهم السيف من كل جانب ~~. وقتل محكم اليمامة ، قتله عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، رضى الله عنه ؛ ~~رماه بسهم في نحره وهو يخطب ويحرض الناس فقتله ، وقتل من المهاجرين ~~والأنصار من أهل المدينة ثلثمائة وستون ، ومن المهاجرين من غير المدينة ~~ثلثمائة ، وقتل من بني حنيفة بعقرباء سبعة آلاف ، وفي حديقة الموت مثلها ، ~~وفي الطلب نجو منها ؛ وخرج خالد بجماعة يرسف في الحديد ليدله على مسيلمة ~~فجعل يكشف القتلى حتى مر بحكم بن الطفيل وكان رجلا جسيما فلما رآه خالد قال ~~: هذا صاحبكم ؟ قال : لا ، هذا والله خير منه وأكرم ؛ هذا محكم اليمامة ، ~~ثم مضى حتى دخل PageV19P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" الحديقة ، فقلب له القتلى ، فإذا رويجل أصيفر ~~أخنيس . فقال مجاعة : هذا صاحبكم قد فرغتم منه ؛ فقال خالد لمجاعة : هذا ~~فعل بكم ما فعل قال ؛ قد كان ذلك يا خالد ، وإنه والله ما جاءك إلا سرعان ~~الناس ، وإن جماهير الناس لفى الحصون ، فقال : ويلك ، ما تقول قال : هو ~~والله الحق ، فهلهم لأصالحكم على قومي . وجاء عبد الرحمن بن أبي بكر وعبد ~~الله بن عمر إلى خالد ، فقالا له : ارتحل بالناس ، فانزل على الحصون ، فقال ~~: دعاني أبث الخيول فألتقط من ليس في الحصون ثم رأى ؛ فبث الخيول فحووا ما ~~وجدوا من مال وصبيان ، فضموهم إلى العسكر ، ونادى بالرحيل لينزل على الحصون ~~، فقال له مجاعة : إنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس ، فإن الحصون لمملوءة ~~رجالا ، فهلم إلى الصلح على ما ورائي ، فصالحه على كل شئ دون النفوس ؛ ثم ~~قال مجاعة : أنطلق إليهم فأشاروهم ، وننظر في هذا الأمر ، ثم أرجع إليك ، ~~فدخل مجاعة الحصون وليس فيها إلا النساء والصبيان ومشيخة فانية ، ورجال ~~ضعفى ، فظاهر الحديد على النساء ، وأمرهن بنشر شعورهن ، وأن يشرفن ms4057 على رءوس ~~الحصون حتى يرجع إليهم ، ثم رجع إلى خالد ، فقال قد أبوا أن يجيزوا ما ضيعت ~~، وقد أشرف لك بعضهم نقضا على ، وهم مني براء ، فنظر خالد إلى رءوس الحصون ~~. وقد اسودت وقد نهكت المسلمين الحرب ، وأحبوا أن يرجعوا على الظفر . فقال ~~: مجاعة لخالد : إن شئت صنعت شيئا ، فعزمت على القوم ؛ تأخذ منى ربع السبى ~~وتدع ما بقى ؛ فقال خالد : قد فعلت . قال : قد صالحتك ، فلما فرغا فتحت ~~الحصون ، فإذا ليس فيها إلا النساء والصبيان . فقال خالد لمجاعة : ويحك ~~خدعتني . فقال : قومي ، ولم أستطع إلا ما صنعت . وقيل : إن خالدا صالح ~~مجاعة على نصف السبى ، والصفراء ، والبيضاء ، والحلقة ، والكراع ، وحائط من ~~كل قرية يختار خالد ، ومزرعة يختارها ، فتقاضوا على ذلك ، ثم سرحه وقال : ~~أنتم بالخيار ثلاثا ، والله لئن لم تتموا وتقبلوا لأنهدن إليكم ، ثم قال : ~~لا أقبل منكم خصلة أبدا إلا القتل ، فأتاهم مجاعة ، فقال : أما الآن ~~فاقبلوا ، فقال سلمة بن عمير الحنفي : لا والله لا نقبل ؛ تبعث إلى أهل ~~القرى والعبيد ، فنقتل ولا تقاضى خالدا ؛ فإن الحصون حصينة ، والطعام كثير ~~، والشتاء قد حضر . PageV19P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" فقال له مجاعة : إنك امرؤ مشئوم ، وغرك أني ~~خدعت القوم حتى أجابوني إلى الصلح ، وهل بقى منكم أحد فيه خير وبه دفع ~~وإنما أنا بادرتكم . فخرج مجاعة سابع سبعة حتى أتى خالدا . فقال : يعد شر ~~ما رضوا اكتب كتابك ، فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قاضى ليه خالد ~~بن الوليد مجاعة بن مرارة وسلمة بن عمير ، وفلانا وفلانا ، قاضاهم على ~~الصفراء والبيضاء ونصف السبى ، والحلقة والكراع ، وحائط من كل قرية ومزرعة ~~، على أن يسلموا ، ثم أنتم آمنون بأمان الله ، لكم ذمة خالد بن الوليد ، ~~وذمة أبي بكر خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وذمم المسلمين على ~~الوفاء . ووصل كتاب أبي بكر إلى خالد بقتل كل محتلم ، وكان قثد صالحهم فوفى ~~لهم . ثم إن خالد بن الوليد قال لمجاعة : زوجني ابنتك ، فقال مجاعة : مهلا ~~، إنك قاطع ظهرك وظهري معك عند صاحبك ms4058 . قال : أيها الرجل ، ن زوجني ، فزوجه ~~، فبلغ ذلك أبا بكر فكتب ، إليه كتابا يقطر الدم ؛ يقول : يا بن أم خالد ؛ ~~إنك لفارغ ، تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسليمن لم ~~يجفف بعد فلما نظر خالد في الكتاب جعل يقول : هذا عمل الأعيسر - يعني عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه . وبعث خالد وفدا من بني حنيفة إلى أبي بكر ، ~~فقدموا عليه . فقال لهم : ويحكم ما هذا الذي استنزل منكم ما استنزل ؟ قالوا ~~: يا خليفة رسول الله ، قد كان الذي بلغك مما أصابنا ، كان امرا لم يبارك ~~الله له ، ولا لعشيرته فيه . قال . على ذلك ، ما الذي دعاكم به ؟ قالوأ : ~~كان يقول : يا ضفدع نقى نقى ، لا الشارب تمنعين ، ولا الماء تكدرين ، لنا ~~نصف الأرض ، ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشا قوم يعتدون . فقال أبو بكر رضي ~~الله عنه : سبحان الله ، ويلكم ؟ إن هذا الكلان ما خرج من إل ولا بر ، فأين ~~يذهب بكم PageV19P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" قال أبو جعفر ؛ : لما فرغ خالد من اليمامة ، ~~وكان منزله الذي به التقى الناس أباض واد من أودية اليمامة ؛ ثم تحول إلى ~~واد من أوديتها يقال له : الوبر ، فكان منزله بها . ذكر خبر ثابت بن قيس بن ~~شماس في مقتله وتنفيذ وصيته للرؤيا التي رئيت بعد مقتله قد أشرنا عند ذكر ~~مقتله أن له خبرا عجيبا نذكره ، وراينا إيراده ها هنا توفيه للشرط . حكى ~~الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله ، قال : لما انكشف المسلمون يوم ~~اليمامة . قال ثابت بن قيس وسالم مولى أبي حذيفة : ما هكذا كنا نقاتل مع ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم حفر كل واحد منهما له حفرة ، وثبتا ~~وقاتلا حتى قتلا . وكان على ثابت يومئذ درع له نفسية ، فمر به رجل من ~~المسلمن فأخذها ، فبينا رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ثابت في منامه ، فقال ~~له : إني أوصيك بوصية ، فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه ؛ إني لما قتلت أمس ~~مربى رجل من المسلمين ، فاخذ درعي ، ومنزله ms4059 في أقصى الناس ، وعند خبائه فرس ~~يستن في طوله ، وقد كفأ على الدرع برمة ، وفوق البرمة رحل ، فأت خالدا فمره ~~أن يبعث إلى درعي فيأخذها ، وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) - يعني أبا بكر - فقل له : إن على من الدين كذا وكذا ، ~~وفلان من رقيقى عتيق . فأتى الرجل خالدا فأخبره ، فبعث إلى الدرع فأتى بها ~~. وحدث أبا بكر برؤياه ، فأجاز وصيته من بعد موته . قال : ولا نعلم أحدا ~~أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت بن قيس رحمه الله تعالى . ذكر أهل البحرين ~~ومن ارتد منهم وانضم إلى الحطم وما كان من امرهم والحطم اسمة شريح بن ضبيعة ~~. قال أبو عبيدة في سبب تسميته بالحطم : إنه كان غزا اليمن في جموع جمعها ~~من ربيعة ، فغنم وسبى بعد حرب كانت بينه وبين PageV19P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" كندة ، أسر فيها فرعان ابن مهدي بن معدي كرب ~~عم الأشعث بن قيس ، وأخذ على طريق مفازة ؛ فضل بهم دليلهم ، ثم هرب منهم ، ~~ومات فرعانن عطشا ، وهلك منهم ناس كثيرون بالعطش ، وجعل شريح يسوق بأصحابه ~~سوقا حثيثا حتى نجوا ، ووردوا الماء ؛ فقال فيخ رشيد بن رميض هذه الأبيات : ~~بات يقاسيها غلام كالزلم . . . نام الحداة وابن هند لم ينم هذا أوان الشد ~~فاشتدي زيم . . . قد لفها الليل بسواق حطم خدلج الساقين خفاق القدم . . . ~~ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم فقلب يومئذ الحكم لذلك . قال ~~أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله : كان من حديث أهل البرحين أن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) اشتكى هو والمنذر ابن ساوى في شهر واحد ، ثم ~~مات المنذر بعد رسول الله حروف بقليل ، وارتد بعده أهل البرحين ، فأمام عبد ~~القيس ففاءت ، وأما بكر فتمت على الردة ، وكان الذي ثنى عبد القيس الجارود ~~بن المعلى . وقيل فيه : الجارود بنعمرو بن حبيش بن يعلى ، واسمه - فيما ~~يقال - بشر بن عمرو ، وإنما قيل له الجارود ؛ لأنه أغار في الجاهلية على ~~بكر بن وائل ، فأصابهم فجردهم ms4060 . - وهذه الزيادة في اسم الجارود معن غير ~~الطبري - قال أبو جعفر : وكان الجارود قد قدم على رسول الله حروف ، وكان ~~نصرانيا فأسلم ، ومكث بالمدينة حتى فقه ، ثم رجع إلى قومه فكان فيهم ؛ فلم ~~يلبث إلا قليلا حتى قبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فقالت عبد ~~القيس : لو كان محمد عبد القيس ؛ إني سائلكم عن أمر فأخبرني به إن علمتموه ~~، ولا تجيبوني إنلم تعلموا ؛ قالوأك سل عما بدا لك . قال : تعلمون أنه كان ~~لله تعالى أنبياء فيما مضى ؟ قالوا : نعم ، قال : ترونه أو تعلمونه ؟ قالوا ~~: لا ، بل PageV19P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" نعلمه . قال : فما فعلوا ؟ قالوا : ماتوا ؛ ~~قال : فغن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) مات كما ماتوا ، وأنا أشهد أن لا ~~إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ؛ قالوا : ونحن نشهد أن لا غله إلا ~~الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأنك فسيدنا وأملنا . وثبتوا على إسللامهم ~~وخلوا بين سائر ربيعة وبين المنذر بن ساوى ، فكان المنذر مشتغلا بهم حياته ~~، فلما مات حصر أصحابه في مكانين ، فكانوا كذلك حتى انقذهم العلاء بن ~~الحضرمي . قال : ولما ارتدت ربيعة ومن تابعها . قالوا : نرد الملك في آل ~~المنذر ، فملكوا المنذر بن النعمان بن المنذر ، وكان يسمى الغرور ، فكان ~~يقول بعد ذلك حين أسلم الناس وغلبهم السيف : لست بالغرور ، ولكني المغرور . ~~قال : ولما مات النبي ( صلى الله عليه وسلم ) خرج الحجطم بن ضبيعة أخو قيس ~~بن ثعلبة فيمن اتبعه من بكر بن وائل على الردة ، ومن تأشب إليه من غير ~~المرتدين ؛ ممن لم يزل كافرا حتى نزل القطيف وهجر ، وبعث بعثا إلى دارين ، ~~فأقاموا به ليجعل عبد القيس بينه وبينهم ، وكانوا مخالفين لهم ، يمدون ~~المنذر والمسلمين ، وأرسل إلى الغرور ابن أخي النعمان بن المنذر ، فبعثه ~~إلى جؤاثي ، وقال له : اثبت ، فإني إن ظفرت ملكتك بالبحرين حتى تكون ~~كالنعمان بالحيرة ، وبعث إلى جواثي فحصرهم ، وألحوا عليهم ، وفي المسلمين ~~المحصورين رجل من صالحي المسلمين . يقال له : عبد الله بن حذف ، أحد بني ~~بكر بن كلاب ، فاشتد عليه وعليهم ms4061 الجوع حتى كادوا يهلكوا ؛ فقال عبد الله ~~بن حذف في ذلك : ألا أبلغ أبا بكر رسولا . . . وفتيان المدينة أجمعينا فهل ~~لكم إلى قوم كرام . . . قعود في جؤاتى محصرينا كأن دماءهم في كل فج . . . ~~شعاع الشمس يغشى الناظرينا توكلنا على الرحمن إنا . . . وجدنا الصبر ~~للمتوكلينا PageV19P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" وكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه قد عقد ~~للعلاء بن الحضرمي ، وأمره بالبحرين كما قدمنا ذكر ذلك ، فسار العلاء فيمن ~~معه ، فلما كان بحيال اليمامة لحق به ثمامة بن أثال في مسلمة بني حنيفة ، ~~وخرج مع العلاء من بني عمرو وسعد والرباب مثل عسكره ، وسلك الدهناء فنزل ، ~~وأمر الناس بالنزول ، فنزلوا ، فنفرت الإبل في جوف الليل ، فما بقى بعير ~~ولا زاد ولا مزاد ولا بناء إلا ذهب عليها في عرض الرمل ، وذلك حين نزل ~~الناس ، وقبل أن يحطوا ، فما هجم على جمع من الغم ما هجم عليهم ، وأوصى ~~بعضهم إلى بعض ، ونادى منادي العلاء : اجتمعوا ، فاجتمعوا إليه ؛ فقال : ما ~~هذا الذي قد ظهر فيكم ، وغلب عليكم ؟ فقال الناس : وكيف نلام ونحن إن بلغنا ~~غدا لم تحم شمسه حتى نصير حديثا ، فقال : أيها الناس ، لا ترعوا ، ألستم ~~مسلمين ألستم في سبيل الله ألستم أنصار الله قالوا : بلى . قال : فابشروا ~~فوالله لا يخذل الله منكانفي مثل حالكم . ونادى المنادى بصلاة الصبح حين ~~طلع الفجر ، فصلى بهم ، منهم المتيم ، ومنهم من لم يزل على طهره ، فلما قضى ~~صلاته جثا لركبتيه ، وجثا الناس ، فنصب في الدعاء ، ونصبوا معه ، فلمع لهم ~~سراب الشمس ، فالتفت إلى الصف . فقال : رائد ينظر ما هذا ، ففعل ، ثم رجع ~~فقال : سراب . فأقيل على الدعاء ، ثم لمع لهم آخر ، فكذلك ، ثم لمع لهم آخر ~~، فقال : ماء ، فقام وقام الناس معه ، فمشوا حتى نزلوا عليه ، فشربوا ~~واغتسلوا ، فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل تكرد من كل وجه ، فأناخت ~~عليهم ، فأقام كل رجل إلى ظهره ، فأخذه . قال منجاب بن راشد : فما فقدنا ~~سلكا ؛ فأرويناها وأسقيناها العلل بعد النهل ، وتروينا ، ثم تروحنا . وكان ~~أبو هريرة رفيقي ms4062 فلما غبنا عن ذلك المكان . قال لي : كيف علمك بموضع ذلك ~~الماء ؟ فقلت : أنا من اهدى العرب بهذه البلاد . قال : فكن معي حتى تقيمنى ~~عليه ، فكررت به ، فأتيت به على ذلك المكان ، فقلت : لولا PageV19P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" أني لا أرى الغدير لأخبرتك ان هذا هو المكان ، ~~وما رأيت بهذا المكان ماء ناقعا قبل اليوم ، وإذا إداواة مملوءة ، فقال : ~~يا أبا سهم ، هذا والله المكان ، ولهذا رجعت بك ، وملأت إدواتي ثم وضعتها ~~على شفيره . فقلت : إن كان منا من المن وكانت آية عرفتها ، وإن كان غياثا ~~عرفته ، فإذا من من المن ؛ فحمد الله . ثم سرنا حتى ننزل هجر . قال : فأرسل ~~العلاء بن الحضرمي إلى الجارود ورجل آخر : أن انضما في عبد القيس حتى تنزلا ~~على الحكم مما يليكما ، وخرج هو فيمن جاء معه ، وفيمن قدم عليه حتى ينزل ~~عليه ما يلى هجر ، وتجمع المشركون كلهم إلى الحكم إلا أهل دارين ، وتجمع ~~المسلمون كلهم إلى العلاء ، وخندق المسلمون والمشركون ، فكانوا يتراوحون ~~القتال ويرجعون إلى خندقهم ، فكانوا كذلك شهرا . فبينا الناس ليلة إذ سمع ~~المسلمون في عسكر المشركين ضوضاء شديدة ، كانها ضوضاء هزيمة أو قتال ، فقال ~~العلاء : من يأتينا بخبر القوم ؟ فقال عبد الله بن حذف : أنا آتيكم بخبر ~~القوم ؛ فخرج حتى إذا دنا من خندقهم أخذوه ؛ فقالوا له : من أنت ؟ فانتسب ~~لهم ، وجعل ينادي : يا أبجراه فجاء أبجر فعرفه فقال : ما شأنك ؟ فقال : لا ~~أصغر بين اللهازم ، فقال : والله إني لأظنك بئس ابن الأخت لأخوالك الليلة . ~~فقال : دعني من هذا ، وأطعمني ؛ فإني قد مت جوعا ؛ فقرب له طعاما فأكل ، ثم ~~قال : زودني واحملني ، فحمله على بعير ، وخرج عبد الله بن حذف حتى دخل عسكر ~~المسلمين ، فأخبرهم أن القوم سكارى ، فخرج المسلمون عليهم حتى اقتحموا ~~عسكرهم ، فوضعوا السيوف فيهم حيث شاءوا ، واقتحوا الخندق هرابا فتمرد وناج ~~، ودهش ومقتول أو مأسور ، واستولى المسلمون على ما في العسكر ، ولم يسلم ~~رجل إلا بما عليه ، فأما أبجر فأفلت ؛ وأما الحطم فإنه دهش ، وطار فؤاده ، ~~فقام إلى ms4063 فرسه - والمسلمون خلالهم - فلما وضع رجله في الركاب انقطع به فمر ~~به ، عفيف بن المنذر والحطم يستغيث ؛ يقول : ألا رجل يعقلني فعرف ~~PageV19P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" صوته ، فقال : أعطنى رجلك ، فأعطاه رجله ~~فنفخها فأطنها من الفخذ ، وتركه ، فقال : أجهز على ؛ فقال : لا ، إني أحب ~~ألا تموت حتى أمضك . وجعل الحكم لا يمر به أجد من المسليمن في الليل إلا ~~قال : هل لك في الحكم أن تقتله حتى مر عليه قيس بن عاصم فقتله ، فلما رأى ~~فخذه ناردة ، قال : واسوأتاه لو علمت الذي به لم أحركه وخرج المسلمون بعدما ~~أخذوا الخمدق على القوم يطلبونهم ، فلحق قيس بن عاصم أبجر ، فطعنه قيس في ~~العرقوب فقطعه ، فكانت رادة ، وأصبح العلاء فقسم الأنفال ، ونفل رجالا من ~~أهل البلاء ثيابا . وأما أهل عمان ومهرة واليمن ، فإن حذيفة بن محصن ~~الحميري وعرفجة سارا إلى القوم ، فاقتتل المسلمون وأهل عمان قتالا شديدا ~~فهزم المسلمون المرتدين ، وقتلوا منهم في المعركة عشرة آلاف ، وسبوا ~~الذاررى ، وجمعوا الغنائم ، وبعثوا الخمس إلى أبي بكر ، وقسموا ما بقى ، ثم ~~خرجوا نحو مهرة ، فكشف الله جنود المرتدين ، وقتل رئيسهم ، وركبهم المسلمون ~~، فقتلوا منهم من شاءوا ، وأصابوا من شاءوا ، وخمسوا الغنائم ، وبعثوا ~~بالخمس إلى أبي بكر الصديق رضى الله عنه ، وقسموا ما بقى . وأما من بقى من ~~بقية الأمراء الذين عقد لهم أبو بكر رضي الله عنه ، وبعثهم إلى من ارتد من ~~قبائل العرب ، فإن كان أمير سار إلى من بعثه إليه فمن رجع عن الرد ، وفاء ~~إلى الإسلام قبل منه ومن أبى قتل ، وأطفأ الله تلك النبران . روى عن عبد ~~الله بن مسعود رضى الله عنه أنه قال : لقد أقمنا بعد رسول اله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) مقاما كدنا نهلك فيه ، لولا أن الله تعالى من علينا بأبي بكر ، ~~جمعنا على أن نقاتل على ابنة مخاض وابنة لبون ، وأن نأكل قرى عرينة ، ونعبد ~~الله حتى يأتينا اليقين . فعزم الله لأبي بكر على قتالهم ، فو الله ما رضى ~~منهم إلا بالخطة المخزية أو الحرب المجلية ms4064 ، فأما الخطة المخزية فأن يقروا ~~بأن من قتل منهم في النار ، وأن من قتال منا في الجنة ، وأن يدوا قتلانا ، ~~ونغنم ما أخذنا مهم ، وما أخذوا منا مردود علينا ، وأما الحرب المجلية فأن ~~يخرجوا من ديارهم . وكانت هذه الحروب التي ذكرناها . PageV19P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" وهذه الوقائع كلها في سنة إحدى عشرة ، وكان ~~فيها حوادث أخر غير ما ذكرناها ، نذكرها إن شاء الله تعالى في حوادث السنين ~~في خلافة أبي بكر رضى الله عنه بعد نهاية الغزوات . والله أعلم . ذكر مسير ~~خالد بن الوليد إلى العراق وما افتتحه وما صالح عليه وما قرره من الجزية ~~كان إرسال خالد بن الوليد إلى العراق في المحرم سنة ثلاث عشرة من الهجرة . ~~قالوا : وكان الذي هاج أبا بكر رضى الله عنه ؛ أن المثنى بن حارثة الشيباني ~~كان يغير على أهل فارس بالسواد ، فبلغ أبا بكر والسمليمن خبره ، فقال عمر ~~بن الخطاب رضى الله عنه : من هذا الذي تأتينا وقائعه قبل معرفة نسبه ؟ فقال ~~قيس بن عاصم : أما إنه غير خامل الذكر ، ولا مجهول النسيب ، ولا قليل العدد ~~، ولا ذليل العمارة ، ذلك المثنى بن حارثة الشيباني . ثم قدم المثنى على ~~أبي بكر ، فقال : يا خليفة رسول الله ، ابعثني على قومي ، فإن فيهم إسلاما ~~، أقاتل بهن أهل فارس ، وأكفيك أهل ناحيتي من العدو ؛ ففعل أبو بكر رضى ~~الله عنه ذلك . وقد المثنى إلى العراق ، فقاتل ، وأغار على أهل فارس ونواحى ~~السواد حولا ، ثم بعث أخاه مسعود بن حارثة إلى أبي بكر يسأله المدد ويقول : ~~إن أمددتني وسمعت بذلك العرب أسرعوا إلى ، وأذل اله المشركين ، معأني اخبرك ~~يا خليفة رسول الله ، ابعث خالد بن الوليد مددا للمثنى بن حارثة ، يكون ~~قريبا من أهل الشام ، فإن استغنى عنه أهلالشام ألح على أهل العراق ؛ حتى ~~يفتح الله عليه . حكاه أبو عمر بن عبد البر من حديث الأصضمعي عن سلمة بن ~~بلال عن أبي رجاء العطاري . قال : كتب أبو بكر الصديق رضى الله عنه إلى ~~المثنى بن حارثة : إني قد ms4065 وليت خالد بن الوليد ، فكن معه ؛ وكان المثنى ~~بسواد الكوفة ، فخرج خالد فتلقاه ، وقدم معه البصرة . PageV19P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" وحكى أبو الحسن على بن محمد الموصلي المعروف ~~بابن الأثير في تاريخه : الكامل . قال : أرسل أبو بكر رضى الله عنه خالد بن ~~الوليد من اليمامة إلى العراق ، وقيل : بل قدم إلى المدينة من اليمامة ، ~~فأرسله إلى العراق ، وأوصاه أن يبدأ بفرج الهند ، وهو الأبله ، وأن يتألف ~~أهل فارس ، وكل من كان في ملكهم من الأمم ، فصار حتى نزل بيانقيا ، وبارسما ~~وأليس ، فصالحه أهلها على عشرة آلاف دينار سوى جزية كسرى ، وكان على كل رأس ~~أربعة دراهم فأخذ منهم الجزية ، ثم سار حتى نزل الحيرة ، فخرج إليه أشرافها ~~مع قبيضة بن إياس الطائي ، وكان أميرا عليها بعد النعمان بن المنذر ، ~~فدعاهم إلى الإسلام ، أو الجزية ، أو المحاربة فاختاروا الجزية ، فصالحهم ~~على تسعين ومائة الف درهم ، فكانت أول جزية أخذت من الفرس في الإسلام ، هي ~~والقريات التي صالح عليها ، واشترط على أهل الحيرة ا ، يكونوا عيونا ~~للمسلمين ، فاجابوا إلى ذلك . ثم سار خالد لقتال هرمز ، فلما سمع هرمز بهم ~~كتب إلى أردشير الملك بالخبر واستمده والتقيا ، وخرج هرمز ، ودعا خالدا ~~للبراز ووطأ أصحابه على الغدر به ، فبرز إليه خالد ، ومشى نحوه راجلا ، ~~وبرز هرمز ، واقتتلا ، فاحتضنه خالد ، وحمل اصحاب هرمز ، فما شغله ذلك عن ~~قتله ، وحمل القعقاع بن عمرو ، فأنهى أهل فارس وركبهم المسلون ؛ وسميت هذه ~~الوقعة : ذات السلاسل ، وكانت عدة أصحاب خالد ثمانية عشر ألفا ، ونجا قباذ ~~وأنوشجان ، وأخذ خالد سلب هرمز ، وكانت قلنسوته بمائة ألف ، وبعث بالفتح ~~والأخماس إلى أبي بكر ، وسار حتى نزل بموضع الجسر الأعظم بالبصرة ، وبعث ~~المثنى بن حارثة في آثارهم ، وبعث مقرن إلى الأبلة ففتحها ، وجمع الأموال ~~بها والسبى . وقيل : إن الأبله فتحت في خلافة عمر على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى . وحاصر المثنى حصن المرأة ، فافتتحه ، وأسلمت المرأة . ذكر وقعة ~~الثنى قال : ولما وصل كتاب هرمز إلى أردشير بخبر خالد ، وأمده بقارن بن ~~قريانس ، فلقيه ms4066 المنهزمون ، فرجعوا معه وفيهم قباذ وا ، وشجان ، فنزلوا ~~الثنى - وهو النهر - PageV19P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" وسار إليهم خالد ، والتقوا ، واقتتلوا ، فبرز ~~قارن فقتله معقل بن الأشعى ، وقتل عاصم أنوشجان وقتل عدى قباذ ، وقتل من ~~الفرس مقتله عظيمة يبلغون ثلاثين ألفا ؛ سوى من غرق في الماء ، فقسم خالد ~~الفى ، بعد أن خمسه ، وأرسل بالأخماس إلى المدينة ، وأعطى الأسلاب من سلبها ~~، وكانت غنيمة عظيمة ، وأخذ الجزية من الفلاحين ، وكانواذمة ، وكان في ~~السبى أبو الحسن البصري ، وكان نصراينا . ذكر وقعة الولجة قال : ولما وصل ~~الخبر إلى أردشير بعث الأندرزغر وكان فارسا من مولدي السواد ، وأرسل بهمن ~~جازويه في اثره في جيش ، وكان من الأندرزغر الفرس والعرب الضاحية والدهاقين ~~، فعسكروا بالولجة ، فجاءهم خالد إليها وكمن لهم كمينا ، وقاتلهم قتالا ~~شديدا ، وخرج كمين خالد من خلفم فانهزمت الأعاجم ، وأخذهم خالد من أمامهم ، ~~والكمي من خلفهم ، فقتل منهم خلق كثير . ومضى الأندرزغر منهزما ، فمات عطشا ~~. ذكر وقعة أليس قال : لما أصاب خالد بن الوليد يوم الولجة ما أصاب من ~~نصارى بكرين وائل ، الذين أعانوا الفرس ، غضب لهم نصارى قومهم ، فكاتبوا ~~الرس ، واجتمعوا على أليس ، وعليهم عبد الأسود العجلي ، وكتب أردشير إلى ~~بهمن جاذويه ، وأمره بالقدم على نصارى العرب ، فقدم عليهم بهمن جابان ، ~~وأمره بالتوقف عن المحاربة حتى يقدم عليه ، وسار بهمن إلى أردشير يشاوره ~~فيما يفعل ، فوجده مريضا فتوقف ؛ واجتمع على جابان نصارى عجل ، وهم اللات ~~وضبيعة وجابر بن بجير ، وعرب الضاحية من أهل الحيرة ، فسار إليهم خالد ~~والتقوا ، واقتتلوا قتالا شديدا ؛ فقال خالد : اللهم إن هزمتهم فعلى ألا ~~استبقى منهم من قدرت عليه ؛ حتى أجرى من دمائهم PageV19P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" نهرهم ، فانهزمت فارس ، فنادى منادي خالد : ~~الأسر الأسر إلا من امتنع فاقتلوه ، فأقبل بهم المسلمون أسراء ، ووكل بهم ~~من يضرب أعناقهم ، فضرب أعناقهم يوما وليلة ؛ فقال له القعقاع : لو قتلت ~~أهل الأرض لم تجر دماؤهم ، فأجرى عليه الماء فسمى ذلك الماء نهر الدم ، ~~وبلغ عدد القتلى سبعين ألفا ، وكانت الوقعة في صفر أيضا . ثم سار إلى ms4067 ~~امغيشيا ، وأصاب فيها ما لم يصب مثله من الغنائم ، وأخر بها ، وبعث إلى أبي ~~بكر بالسبى والغنائم ؛ فقال أبو بكر : عجز الناسء أن يلدن مثل خالد . رضى ~~الله تعالى عنهما . ذكر وقعة فرات بادقلى وفتح الحيرة قال : ثم سار خالد من ~~أمعغيشيا إلى الحيرة ، وحمل الرجال والأثقال في السفن ، فخرج مرزبان الحيرة ~~، وهو الأزادبه ، فعسكر عند الغريين وأرسل ابنه ، فقطع الماء عن السفن ، ~~فبقيت على الأرض ، فسار خالد نحوه فلقيه لى فرات بادقلي ، فقتله ، وقتل ~~أصحابه ، فلما بلغ الأزاذبة قتل ابنه هرب بغير قتال ، ونزل المسلمون على ~~الغريين ، وتحصن أهل الحيرة فحصروهم في قصورهم ، وافتتح المسلمون الدروب ~~والدور ، وأكثروا القتل ، فنادى أهل القصور المسلمين : قد قبلنا واحدة من ~~ثلاث : إما الإسلام ، أو الجزية ، أو المحاربة ، فكفوا عنهم ، وصالحهم على ~~مائة ألف وتسعين ألفا . وقيل : مائتي ألف وتعسين ألفا . وكان فتح الحيرة في ~~شهر ربيع الأول ، وكتب لهم خالد كتابا ، فلما كفر أهل السواد ضيعوه ، فلما ~~افتتحها المثنى ثانية عاد بشرط آخر ، فلما عادوا كفروا ، وافتتحها سعد بن ~~أبي وقاص ، ووضع عليهم أربعمائة ألف . فقال خالد : ما لقيت قوما كأهل فارس ~~، وما لقيت من أهل فارس كأهل أليس . ذكر ما كان بعد فتح الحيرة قال : وكان ~~الدهاقين يتربصون بخالد ، ما يصنع أهل الحيرة ، فلما صالحهم واستأمنوا له ~~أتته الدهاقين من تلك النواحى ، فصالحوه على ألفى ألف . وقيل : ألف ألف ، ~~سوى ما كان لآل كسرى . PageV19P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" وكتب إلى أهل فارس يدعوهم إلى افسلام أو ~~الجزية فإن أجابواه وإلا حاربهم . وجبى الخراج في خمسين ليلة ، وأعطاه ~~للمسلمين ، ولم يبق لأهل فارس فيما بين الحيرة ودحلة أمر ، لاختلافهم بموت ~~أردشير ، إلا أنهم مجمعون على حرب خالد ، وهو مقيم بالحيرة . ذكر فتح ~~الأنبار قال : ثم سار خالد إلى الأنبار ، وإنما سميت الأنبار ، لأن أهراء ~~الطعام كانت بها أنابير ، وكان على من بها من الجند شيرزاد صاحب ساباط ، ~~فلما التقوا أمر خالد رامته برشق السهام ، وأن يقصد واعيونهم ، فرشقوا رشقا ~~واحدا ، ثم تابعوا ، فأصابوا ms4068 ألف عين ، فسميت هذه الواقعة ذات العيون ، ~~فلما رأى شيرزاد ذلك ، أرسل في طلب الصلح ، فصالحه خالد على أن سلحقه مأمنه ~~في جريدة ، وليس معهم من المتاع شىء . وخرج شيرزاد إلى بهمن جاذويه ، ثم ~~صالح خالد من حول الأنبار وأهل كلواذى . والله سبحانه وتعالى اعلم والحمد ~~لله وحده . ذكر فتح عين التمر قال : ولما فرغ خالد من الأنبار ، استخلف ~~عليها الزبرقان أين بدر ، وسار إلى عين التمر ، وبها مهران بن بهرام جوبين ~~في جمع عظيم من العجم ، وعقة بن أبي عقة في جمع عظيم من العرب ؛ من النمر ، ~~وتغلب ، وإياد ؛ وغيرهم . فقال عقة لمهران : إن العرب أعلم بقتال العرب ~~منكم ، فدعنا وخالدا ؛ قال : نعم ، وإن احتجتم إلينا أعناكم ، فالتقى عقة ~~بخالد ، فحمل خالد عليه وهو يقيم صفوفه ، فاحتضنه وأسره ، فانهزم أصحابه من ~~غير قتال ، وأسر أكثرهم . فلما بلغ الخبر مهران ، هرب في جنده PageV19P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" وترك الحصن ، فانتهى المنهزمون إليه وتحصنوا ~~به ، فنازلهم خالد ، فسألوا الأمان ، فأبى ، فنزلوا على حكمه ، فأخذهم أسرى ~~، وقتل عقة ، ثم قتلهم عن آخرهم ، وسبى كل من بالحصن وغنم ما فيه ، ووجد في ~~بيعتهم أربعين غلاما يتعلمون الإنجيل ، عليهم باب مغلق ، فكسره وقال : ما ~~أنتم ؟ قالوا : رهن ، فقسمهم في أهل البلاد ، منهم : أبو زياد مولى ثقيف ، ~~وأبو عرمة جد عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر ، وسيرين أبو محمد ، ونصير أبو ~~موسى ، وحمران مولى عثمان بن عفان . وأرسل إلى أبي بكر بالخبر والخمس ~~والسبى ، فكان أول سبى قدم المدينة من العجم ، وجعل خالد عل عين التمر ~~عويمرا السلمى . ذكر خبر دومة الجندل قال : ولما فرغ خالد من عين التمر ~~أتاه كتاب عياض بن غنم ؛ يستمده عل من بإزائه من المشركين ، فسار إليه ، ~~وكان بغزائه بهراء وكلب ، وغسان ، وتنوخ ، والضجاعم ، وكانت دومة الجندل ~~على رئيسين : أكيدر بن عبد الملك ، والجودى بن ربيعة ، فأما أكيدر فأشار ~~بالصلح ، ولم ير قتال خالد ، فلم يقبلوا منه ، فخرج عنهم ، وسمع خالد ~~بمسيره ، فأرسل إلى طريقه ، وأخذه أسيرا وقتله وأخذ ما كان ms4069 معه ، وسار حتى ~~نزل بدومة ، وجعلها بينه وبين عياض ، وخرج الجودى إلى خالد في جمع ممن عنده ~~من العرب ، وأخرج طائفة إلى عياض ، فهزمهم عياض ، وهزم خالد من يليه ، وأسر ~~الجودى ، وانخزموا إلى الحصن ، فلما امتلأ أغلقوا الباب دون أصحابهم ، ~~فبقوا حوله ، فقتلهم خالد ، وقتل الجودى وقتل السرى إلا أسرى كلب ، فإن بنى ~~تميم قالوا : لخالد : قد أمناهم ، وكانوا حلفاءهم ، فتركهم لهم ، ثم أخذ ~~احصن فقتل المقاتلة ، وسبى الذرية ، فاشترى خالد ابنة الجودى ، وكانت ~~موصوفة بالحمال . وأقام خالد بدومة الجندل ، فطمع الأعاجم ، وكاتبهم عرب ~~الجزيرة غضبا لعقة ، فكانت وقعة حصيد والخنافس ، بين القعقاع بن عمرو ، ~~خليفة خالد على الحيرة ، وبين روزية وزرمهر . فقتل روزبه بحصيد ، وانهزم ~~الأعاجم إلى الخنافس ؛ فتبعهم المسلمون ، وهربوا إلى المصيخ ، إلى الهذيل ~~بن عمران . PageV19P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" ثم كانت وقعة مصيخ قال : ولما انتهى الخبر إلى ~~خالد تب إلى القعقاع وأبي ليلى ، وواعدهم في وقت معلوم يجتمعون بالمصيخ ~~لقتال هذيل بن عمران ومن معه ، فأغاروا عليه من ثلاثة أوجه وهم نائمون ~~فقتلوهم ، وأفلت الهذيل في نفر قليل ، وكثر فيهم القتل . ذكر وقعة الثنى ~~والزميل وكان ربيعة بن بجير بالثنى والزميل - وهما شرقي الرصافة - قد خرج ~~غضبا لعقة ، فلما أصاب خالد أهل المصيخ سار إلى الثنى وبيتهم من ثلاثة أوجه ~~، وأوقع بهم وقتلهم ، فلم يفلت منهم مخبر ، ن وسبى وغنم ، وبعث بالخبر ~~والخمس إلى أبي بكر الصديق رضى الله عنه ، فاشترى علي بن أبي طالب - كرم ~~الله وجهه - بنت ربيعة ابن بجير التغلبي ، فولدت له عمر ورقية . ذكر وقعة ~~الفراض قال : ثم سار خالد إلى الفراض ، وهي تخوم الشام والجزيرة ، فأفطر ~~فيها شهر رمضان لاتصال الغزوات ، وحميت الروم ، واستعانوا بمن يليهم من ~~الفرس فأعانوهم ، واجتمع معهم تغلب وإياد والنمر ، وساروا إلى خالد ، ~~وبلغوا الران ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزمت الروم ومن معهم ، وأمر خالد ~~ألا يرفع عنهم السيف ، فقتل ف المعركة ، وفي الطلب مائة الف ، وأقام خالد ~~على الفراض عشرا ، ثم أذن بالرجوع إلى الحيرة لخمس بقين من ms4070 ذى القعدة شنة ~~ثنتى عشرة ، وخرج من الفراض سرا ، ومعهن عدة من أصحابه يعسف البلاد ، حتى ~~أتى مكة فحج ورجع ، وكانت غيبته عن الجند يسيرة ؛ ولم يعلم بحجة إ من أفضى ~~إليه بذلك . PageV19P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" ذكر فتوح الشام قال : وفي سنة ثلاث عشرة وجه ~~أبو بكر رضى الله عنه الجنود إلى الشأم ، بعد منصرفه من مكة إلى المدينة ، ~~فبعث عمرة بن العاص قبل فلسطين ، وبعث يزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة بن ~~الجراح وشرحبيل بن حسنة ، وأمرهم أن يسلجطوا على البلقاء من علياء الشام . ~~وقيل : أول لواء عقده أبو بحكر رضى الله عنه ، عند توجديهه الجنود إلى ~~الشام لواء خالد بن سعيد بن العاص ، ثم عزله قبل أن يسير ، وولى يزيد بن ~~أبي سفيان - وكان عزله عن رأى عمر - وقدم عكرمة ابن أبي جهل على أبي بكر ~~فيمن كان معه من تهامة وعمان والبحرين ، فجعل أبو بكر عكرمة ردءا للناس . ~~وبلغ الروم ذلك ، فكتبوا إلى هرقل ، فخرج هرقل حتى أتى حمص ، فأعد لهم ~~الجنود ، وأرسل أخاه إلى عمرة ، فخرج نحوه في تسعين ألفا ، فهابهم المسملون ~~، وجميع فرق المسلمين واحد وعشرون ألفا سوى عكرمة ؛ فإنه في ستة آلاف ، ~~فكتبوا إلى عمرو بن العاص : ما الرأي ؟ فكاتبهم أن الرأى الاجتماع ، وذلك ~~أن مثلنا إذا اجتمع لا يغلب من قلة . فاتعدوا اليرموك ليجتمعوزا به وكان ~~المسلمون كتبوا إلى أبي بكر بمثل ما كتبوا به إلى عمرو ، فجاءهم كتابه بمثل ~~ما رأى عمرو ، وبلغ ذلك هرقل ، فكتب إلى بطارقته أن اجتموعا لهم ، وانزلوا ~~بالروم منزلا واسع المطرد ضيق المهرب ، ففعلوا ، ونزلوا الواقواصة ، وهي ~~على ضفة اليرموك ، وصار الوادي خندقا لهم ، وأقبل المسلمون ، فنزلوا عليهم ~~بحذائهم ، فأقاموا صفر وشهري ربيع لا يقدرون من الروم على شىء ، حتى إذا ~~انسلخ شهر ربيع الأول ، كتبوا إلى أبي بكر يستمدونه ، فكتب إلى خالد بن ~~الوليد يلحق بهم ، وأن يسير في نصف العسكر ، ويستخلف على النصف الآخر ~~المثنى بن حارثة الشيباني ، ففعل . والله تعالى أعلم بالصواب . ذكر مسير ms4071 ~~خالد بن الوليد إلى الشام وما فعل في مسيره إلى أن التقى بجنود المسلمين ~~بالشام لما ورد كتاب أبي بكر الصديق رضى الله عنه إلى خالد بن الوليد ، ~~يأمره بالمسير إلى الشام في نصف العسكر سار كما أمره ، فلما انتهى إلى سوى ~~أغار على أهله ، وهم بهراء ، وأتاهم وهم يشربون الخمر ، ومغنيهم يقول : ألا ~~عللاني قبل جيش أبي بكر . . . لعل منايانا قريب وما ندري PageV19P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" ألا عللاني بالزجاج وكررا . . . على كميت ~~اللون صافية تجرى ألا عللاني من سلافة قهوة . . . تسلى هموم النفس من جيد ~~الخمر أظن خيول المسلمين وخالد . . . ستطرفكم قبل الصباح مع النسر فهل لكم ~~في السير قبل قتالهم . . . وقبل خروج المعصرات من الخدر فقتل المسلمون ~~مغنيهم ، وسال الدم في تلك الجفنة ، وأخذوا أموالهم ، وقتل حرقوص بن ~~النعمان البهراني . ثم سار خالد حتى أتى أرك ، فصالحوه ، قم أتى تدمر فتحصن ~~أهلها ، صم صالحوه ، ثم أتى القريتين ، فقاتل أهلها وظفر بهم وغنم ، وأتى ~~حوارين فقاتل أهلها فهزمهم ، وسار حتى نزل ثنية العقاب ، وبالقرب من دمشق ~~ناشرا رايته ، وهي راية سوداء كانت لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~تسمى العقاب ، فسميت الثنية بها ، ثم سار فأتى مرج راهط ، فأغار على غسان ، ~~فقتل ، وسبى ، وأرسل سرية إلى كنيسة بالغوطة ، فقتلوا الرجال ، وسبوا ~~الناسء ، ثم سار حتى وصل إلى بصرى ، وعليها أبو عبيدة بن الجراح ، وشرحبيل ~~بن حسنة ، ويزيد بن أبي سفيان ، فجمع له صاحب بصرى ، فسار إليه خالد هو ~~وأبو عبيدة ، فلقيهم خالد ، فظفر بهم وهزمهم ، فدخلوا حصنهم وطلبوا الصلح ، ~~فصالحهم على كل رأس دينار في كل عام ، وجريب حنطة ، فكانت بصرى أول مدينة ~~فتحت بالشام على يد خالد بن الوليد ، وأهل العراق . وبعث الأخماس إلى أبي ~~بكر الصديق رضى الله عنه . ثم سار فطلع على المسلمين في شهر ربيع الآخر ، ~~وطلع باهان على الروم منذرا هلم . واتفق قدوم PageV19P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" خالد وقدوم باهان ، ومع باهان القسيسون ~~والشمامسة والرهبان يحرضون الروم على القتال ، وخرج باهان ، فولى خالد ~~قتاله ، وقاتل ms4072 الأمراء من بإزائهم ، ورجع ماهان والروم إلى خندقهم ، وقد ~~نال المسملون منهم ، فلزموا خندقهم غاية شهرهم . والله سبحانه وتعالى اعلم ~~. ذكر وقعة أجنادين هذه الوقعة قد ذكرها ابن الأثير رحمه الله بعد وقعة ~~اليرموك ، ن واعتمد في ذلك على أبي جعفر الطبري رحمه الله ، فإنه أوردها ~~على منواله ، ويقتضى سياق التاريخ أن تكون مقدمو على وقعة اليرموك ؛ وذلك ا ~~، خالد بن الوليد لما قدم بصرى وعليها أبو عبيدة وشرحبيل ابن حسنة ويزيد بن ~~أبي سفيان ، وصالح أهلها على الجزية على ما تقدم ، ثم ساروا جميعا إلى ~~فلسطين مددا لعمرو بن العاص ، وهو مقيم بالعربات ، واجتمعت الروم بأجنادين ~~- وهي بين اليرموك وبيت جبرين من أرض فلسطين - وعليهم تذارق أخو رقل لأبويه ~~. وقيل : كان على الرومن القبقلار . وسار عمرو ب العاص حين سمع بالمسلمين ~~فلقيهم ، فنزلوا بأجنادين ، فبعث القبقلار عربيا إلى المسلمين يأتيه يخبرهم ~~، فعاد إليه ، فقال له : ما وراءك ؟ فقال : بالليل رهبان ، وبالنهار فرسان ~~، ولو سرق ابن ملكهم قعوه ، ولو زنى رجموه ، لإقامة الحق فيهم ، فقالك إن ~~كنت صدقتني فبطن الرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها . ثم التقوا يوم السبت ~~لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة ، وظهر المسلمون عليهم ، ~~وانهزام الروم ، وقتل القبقلار وتذارق ، واستشهد رجال من المسلمين . ثم جمع ~~هرقل للمسلمين ، فالتقوا باليرموك . والله سبحانه أعلم وصلى الله على سيدنا ~~محمد وعلى آله وسلم . PageV19P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" ذكر وقعة اليرموك قال : واجتمع السملون ~~باليرموك ، وقد تكامل عددهم ستة وثلاثين ألفا ، منهم جيش خالد تسعة آلاف ، ~~وجيش عكرمة ستة آلاف ، وقيل في عددهم غير ذلك . وكان الروم في مائتي ألف ~~وأربعين ألف مقاتل ، منهم : ثمانون ألف مقيد ، وأربعون ألف مسلسل للموت ، ~~وأربعون ألفا مربطون بالعمائم ، وثامنون ألف راجل . وذلك في جمادى الآخرة ~~سنة ثلاث عشرة ، وخرجوا للقاء ، فلما أحس المسلمون بخروجهم ، قام خالد بن ~~الوليد ، فحمد الله تعالى ، وأثنى عليه ؛ وقال : إن هذا يوم من أيام الله ، ~~لا ينبغي فيه الفخر . أخلصوا بجهادكم ، وأريدوا الله بعملكم ، وهلموا ~~فلنتعاور ms4073 الإمارة ، فليكن عليها بعضنا اليوم ، والآخر غدا ، والآخر بعد غد ~~، حتى يتأمر كلكم ؛ ودعوني أميركم اليوم . فأمروه ، وهم يرون أن الأمر أطول ~~مما صاروا إليه ، وخرجت الروم في تعبئة لم ير الراءون مثلها قط ، وخرج خالد ~~في تعبئة لم يعبئها العرب قبل ذلك ، فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى أربعين ~~، وجعل القلب كراديس ، وأقام فيه أبا عبيدة ، وجعل الميمنة كراديس ، وجعل ~~عليها عمر بن العاص ، وفيها شرحبيل بن حسنة ، وجعل الميسرة كراديس ، وعليها ~~يزيد بنأبي سفيان ، وجعل على كردوس منن كراديس العراق إنسانا ، وشهد ~~اليرموك ألف رجل م الصحابة ، فيهم من أهل بدر نجو المائة . فقال رجل لخالد ~~: ما أكثر الروم وأقل المسلمين فقال خالد : ما أكثر المسلمين وأقل الروم ~~وإنما تكثر الجنود بالنصر ، وتقل بالخذلان ، لا بعدد الرجال . ثم أمر خالد ~~عكرمة والقعقاع بنعمرو - وكانا مجنبتى القلب - فأنشبا القتال ، فنشب والتحم ~~الناس ، وتطارد الفرسان ؛ فإنهم على ذلك إذ قدم البريد من المدينة ، فسأله ~~الناس عن الخبر ، فأخبرهم بسلامة وأمداد تقبل إليهم ؛ وإنما كان قد جاء ~~بموت أبي بكر وتأمير أبي عبيدة ، فأبلغوه خالدا ، فأخبره بوفاة أبي بكر سرا ~~، وأخبره بالذي أخبر به الجند ، فشكره وأخذ الكتاب ، فجعله في كنانته . ~~وخرج جرجة منعسكر الروم ، وكان أحد عظمائهم ، فوقف بين الصفين ليخرج إلى ~~خالد ، فخرج إليه ، وأقام أبا عبيدة مكانه ، فواقفه بين الصفين حتى اختلفت ~~أعناق دابتيهما ، وقد أمن كل منهما صاحبة . PageV19P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" فقال جرجة : يا خالد ، اصدقني ولا تكذبي ، فإن ~~الحر لا يكذب ، ولا تخادعني ، فإن الكريم لا يخادع المسترسل ، قد أنزل الله ~~على نبيكم سيفا ، فأعطاه لك ، فلا تسله على قوم إلا هزمهم الله قال : لا ، ~~قال : ففيهم سميت سيف الله ؟ قال : إن الله بعث فينا نبيه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فدعانا ، فنفرنا منه ، ثم إن بعضنا صدقه وبعضنا باعده وكذبه ، ~~فكنت ممن كذبه وقاتله ثم هداني الله فتابعته ؛ فقال : أنت سيف من سيوف الله ~~سله الله على المشركين ، ودعا لي بالنصر ، فسميت سيف الله بذلك ، فا ms4074 ، ا ~~أشد المسلمين على الكافرين المشركين ؛ فقال : صدقت ، فأخبرنى ، إلام تدعوني ~~؟ قال خالد : إلى الإسلام أو الجزية ، أو الحرب . قال : فما منزلة الذي ~~يجيبكم ويدخل فيكم ؟ قال : منزلتنا واحدة ، قال : فهل له في الأجر والذخر ~~مثلكم ؟ قال : نعم ، وأفضل ؛ لأننا اتبعنا نبينا وهو حي يخبرنا بالغيب ، ~~ونرى منه العجائب ، وأنتم لم تروا مثلنا ، ولم تسمعوا ما سمعنا ، فمن دخل ~~بنية وصدق ، كان أفضل منه . فقلب جرجة ترسله ، ومال مع خالد يعلمه الإسلام ~~، وأسلم ، فمال به خالد إلى فسطاطة ، فشن عليه قربة من الماء وصلى به ~~ركعتين . وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد ، وهم يرون أنها منه حيلة ، ~~فأزالوا السمليمن عن مواقفهم ، فقال هكرمة بن أبي جهل : قاتلت مع رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) في كل موطن ، وأفر منكم ثم نادى : من يبايع على ~~الموت ؟ فبايعه الحارث بن هشام ، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه ~~المسلمين وفرسانهم ، فقاتلوا أمام فسطاجط خالد حتى أثبتوا جميعا جراجا ، ~~فمنهم من برى ، ومنهم من استشهد . وحمل خالد ومعه جرجة - والروم خلال ~~المسلمين - فنادى الناس فثابوا ، وتراجعت الروم إلى مواقعهم ، وزحف خالد ~~بالمسلمين إليهم حتى تصافحوا بالسيوف ، وضرب فيهم خالد من لدن ارتاع النهار ~~إلى جنوح الشمس للغروب ، ثم أصيب جرجة ، ولم يصل صلاة سجد فيها إلاالركعيتن ~~مع خالد ، وصلى الناس الظهر والعصر إيماء ، وتضعضع الروم ، ونهد خالد ~~بالقلب حتى كان بين خيلهم ورجلهم ، فانهزم الفرسان ، وخرجت خيلهم تشتد في ~~الصحراء . ولما رأى المسلمون خيل الروم أفرجوا لها ، فذهبت ، فتفرقت في ~~البلاد ، وأقبل خالد ومن معه على الرجل ، ففضوهم ؛ فكأنما هدم بهم حائط ، ~~واقتحموا في PageV19P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" خندقهم ، فاقتحمه عليهم ، فعمدوا إلى الواقوصة ~~، فهوى فيها المقترنون وغيرهم ، فتهاوى فيها عشرون ومائة ألف ، ثمانون ألف ~~مقترن ، وأربعون ألف مطلق ، سوى من قتل في المعركو منالفرسان والرجال ، ~~وقاتل النساء يومئذ ، وكانت هزيمة الروم مع غالليل . وصعد المسلمون العقبة ~~وأصابوا ما في عسكر الروم ، قتل الله صناديد الروم ورءوسهم وأخا هرقل ؛ ~~وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو ms4075 دون مدينة حمص - أو بحمص - فنادى بالرحيل عنها ~~، وجعلها بينه وبين المسلمين ، وأمر عليها أميرا كما أمر على دمشق . هذا ما ~~كان من واقعة اليرموك على سبيل الاختصار روى عن عبد الله بن الزبير ، قال : ~~كنت مع أبي باليركوك وأنا صبي لا أقاتل ؛ فلما اقتتل الناس نظرت إلى أناس ~~على تل لا يقاتلون ، فركبت فذهبت إليهم ؛ فإذا أبو سفيان بن حرب ومشيخة من ~~قريش من مهاجرة الفتح ، فراوني حدثا فلم يتقوني . قال : فجعلوا إذا مال ~~المسلمون ، وركبهمن الروم يقولون : إيه بنى الصفر وإذا مالت الرومم وركبهم ~~المسملون قاوا : ويح بني الأصفر فلما هزمت الروم أخبرت أبي بذلك ، فضحك ~~وقال . قاتلهم الله أبوا إلا ضغنا لنحن خير لهم من الروم . وقد حكى أبو ~~جعفر الطبري رحمه الله ، أن أبا سفيان يوم اليرموك كان يسير فيقف على ~~الكراديس فيقول : الله ، الله إنكم ذادة العرب وأنصار افسلام ، وإنهم ذادة ~~الروم وأنصار الشرك اللهم إن هذا يوم من أيامك ، اللهم أنزل نصرك على عبادك ~~. والله أعلم . هذا ما وقع ف يخلافة أب ي بكر الصديق رضى الله عنه من ~~الغزوات والحروب ، والفتوحات ، فلنذكر ما هو خلاف ذلك من الحوادث على ~~السنين ، إن شاء الله تعالى ، والحمد لله وحده . ذكر ما وقع في خلافة أبي ~~بكر غير ما ذكرناه سنة إحدى عشرة فيها كانت وفاة فاطمة بنت رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ورضى عنها ، وذلك في ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر ~~رمضان ، وهي يومئذ ابنة تسع وعشرين سنة ، أو نحوها . وقيل : توفيت بعد رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بثلاثة أشهر ؛ قاله أبو جعفر PageV19P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" ثم قال : والثبت عندنا أها توفيت بعد ستة أشهر ~~، وغسلها علي بن أبي طالب ، وأسماء بنت عميس ، وصلى عليها العباس بن عبد ~~المطلب ، ودخل قبرها العباس وعلى والفضل بن عباس ؛ قاله الواقدي . قال أبو ~~عمر : فاطمة أول من غطى نعشها من الناسء في الإسلام ؛ وذلك أنها قالت ~~لأسماء بنت عميس : يا أسماء ، إني قد استقبحت ما ms4076 يصنع بالنساء ، إنه يطرح ~~على المرأة الثوب ، فيصفها . فقالت أسماء ي بنت رسول الله ، ألا أريك شيئا ~~رأيته بأرض الحبشة ؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ، ثم طرحت عليها ثوبا . فقالت ~~فاطمة : ما أحسن هذا وأجمله تعرف به المرأة من الرجل ، فإذا أنا مت ~~فاغسليني أنت وعلى ، ولا تدخلي على أحدا ، فلما توفيت جاءت عائشة تدخل ؛ ~~فقالت أسماء : لا تدخخلي ، فشكت إلى أبي بكر . فقالت : إن هذه الخثعمية ~~تحول بيننا وبين بنت رسول الله ، وقد جعلت لها مثل هودج العروس ؛ فجاء أبو ~~بكر ، فوقف على الباب . فقالت : يا أسماء ، ما حملك على أن منعت أزواج رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ا ، يدخلن على نبت رسول الله ، وجعلت لها مثل ~~هودج العروس ؟ . قالت : أمرتني ألا يدخل عليها أحد ، وأريتها هذا الذي صنعت ~~وهي حية ، ن فأمرتني أن أصنع ذلك لها . قال أبو بكر : فاصنعى م أمرتك ، ثم ~~انصرف . وفيها انصرف معاذ بن جبل عن اليمن . واستقصى أبو بكر عمر بن الخطاب ~~رضى الله عنهم . وفيها أمر أبو بكر رضى الله عنه على الموسم عتاب بن أسيد ؛ ~~وقيل : بل حج بالناس عبد الرحمن بن عوف عن تأمير أبي بكر إياه . سنة اثنتى ~~عشرة فيها مات أبو مرثد الغنوى ، واسمه كناز بن حصن - ويقال ابن حصين - ~~حليف حمزة بن عبد المطلب ؛ صحب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هو ابنه ~~مرثد ، وابنه أنيس بن مرثد ؛ وشهد بدرا هو وابنه مرثد ، وشهد هو المشهد ~~كلها مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومات وهو ابن ست وستين سنة . ~~PageV19P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" وفيها ، في ذي الحجة مات أبو العاص بن الربيع ~~، واختلف في اسمه ، فقيل : لقط ، وقيل مهشم ، وقفيل : هشيم ، والأكثر لقط ~~بن الربيع بن عبد العزى بن عبد مناف بن قصى القرشي العبشمى ويسمى جرو ~~البطحاء ، وهو صهر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على ابنته زينب ، وأمه ~~هالة بنت خويلد ، أخت خديحة أم المؤمنين ، وأوصى إلى الزبير بن العوام ، ~~وتزوج على ابنته . وحج بالناس ms4077 في هذه النسة أبو بكر الصديق رضى الله عنه ، ~~واستخلف لى المدينة عثمان بن عفان رضى الله عنه . وقيل : بل حج عمر بن ~~الخطاب رضى الله تعالى عنه . والله تعالى أعلم بالصواب . ذكر وفاة أبي بكر ~~الصديق رضى الله عنه ومدة خلافتة قد اختلف في وقت وفاته رضى الله عنه ؛ ~~فقال ابن اسحاق : في يوم الجمعة لتسع من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة . وقال ~~غيره : إنه مات عشى يوم الأثنين . وقيل : ليلة الثلاثاء . وقيل : عشى يوم ~~الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآرة . قال ابن عبد البر : هذا قول أكثرهم . ~~وقيل : مكث في خلافته سنتين وثلاثة أشهر وسبع ليال . وقال ابن اسحاق : ~~سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال . وقيل : سنتين وثلاثة أشهر واثنتي عشرة ~~ليلة . وقال غيره : وعشرة أيام . وقال آخرون : وعشرين يوما . واختلف أيضا ~~في السبب الذي مات منه ، فذكر الواقدى : أنه اغتسل في يوم بارد ، فحم . ~~ومرض خمسة عشر يوما . PageV19P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" وقال الزبير بن بكار : كان به طرف من السل . ~~وروى عن سلام بن أبي مطيع : أنه سم : وأن اليهود سمته في حريرة ، وهي الحسو ~~، فأكل هو والحارث بن كلدة ، فكف الحارث ، وقال لأبى بكر : أكلنا طعاما ~~مسموما ، سم سنة ، فمات بعد سنة . وقيل : أصل مرضه الغم على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . وانتهت سنة رضي الله عنه عند وفاته إلى سن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثلاثا وستين سنة . قال أبو عمر بن عبد البر ~~: لا يختلفون في أن سنة إلى ذلك ، إلا مالا يصح . وقد كان آخر ما تكلم به : ~~توفني مسلما ، وألحقني بالصالحين . وغسلته زوجته أسماء ببنت عميس بوصية منه ~~وأبنه عبد الرحمن ، وأوصى بأن يكفن في ثوبيه ، ويشتري معهما ثوب ثالث ، ~~وقال : الحي أحوج إلى الجديد من الميت ، إنما هو للمهملة والصديد . وصلى ~~عليه عمر بن الخطاب في مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهو سرير ~~عائشة رضي الله عنها ، وكان من خشبتي ساج منسوجا بالليف في ميراث عائشة ، ~~أربعة ms4078 آلاف درهم اشتراه مولى لمعاوية ، وجعله للمسلمين . ودخل قبره ابنه ~~عبد الرحمن وعمر بن الخطاب وعثمان وطلحة ، وجعل رأسه عند كتفي النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وألصقوا لحده بلحده ، ودفن رضي الله عنه ليلا . ذكر ~~نبذة من أخباره وأحواله ومناقبه رضي الله عنه غير ما تقدم قد ذكرنا فيما ~~تقدم من كتابنا هذا في هذا السفر وما قبله نبذة من أخباره ، ولمعة من آثاره ~~، وطرفا من مآثره السنية ، وجملة من فضائله التي هي بجزيل الخيرات ملية ، ~~وأحببنا أن نورد في هذا الموضع نبذة أخرى غير ما قدمنا ، ونتم هذا الفصل ~~لشيء من مناقبة كما بدأنا ، ولا نشترط الاستيعاب لمناقبه ومآثره لتوفرها ، ~~ولا الحصر PageV19P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" لفضائله الجزيلة لتعددها وتكررها ، بل نورد من ~~كل نوع منها طرفا يحتوي على خصال منيعة ، وأخلاق شريفة ، ويتحقق سامعه أنه ~~لو أنفق ملء أحد ذهبا ما بلغ مده ولا نصيفه . كان رضي الله تعالى عنه قد ~~تقلل من الدنيا جهد طاقته ، واقتصر منها على بعض ما يسد به بعض خلته وفاقته ~~، وتجنب أموال المسلمين جهده ، وأنفق في سبيل الله وعلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ما كان عنده ؛ نطق بفضله القرآن ، وجاهد في دين الله فأذل ~~الله له وبه أهل الشرك والطغيان ، وشمر عن الساعد في قتال أهل الردة حين ~~استذلهم الشيطان ، وأقدم على حربهم بنفسه وجيوشه حين اشرأب النفاق ولمعت ~~بوارقه ، وناضلهم بكتبه وكتائبه حين ظهر الكفر ونشرت خوافقه ، فأخمد الله ~~تعالى به حاكان قد اضطرم من نيران الردة ، وأفاء تلك القبائل التي كانت ~~لحرب الإسلام مستعدة ؛ إلا من استمر منهم على كفره ، وما نزع عن شره ومكره ~~، وأبي إلا جحود هذا الدين وقتال شعبه ، ونفر عن الرجوع والانضمام إلى حزبه ~~؛ فإن الله تعالى قتله شر قتلة ، وأباح للمسلمين ماله وأهله ونسله . روى ~~أنه لما ارتدت العرب ، خرج أبو بكر رضي الله عنه شاهرا سيفه إلى ذي القصة ، ~~فجاءه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فأخذ بذمام راحلته ، وقال أين يا ms4079 ~~خليفة رسول الله ؟ أقول لك كما قال لك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يوم أحد : شم سيفك لا تفجعنا بنفسك ، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام ~~نظام ، وكان له رضي الله عنه بيت مال بالسنح ، وكان يسكنه إلى أن انتقل إلى ~~المدينة ؛ فقيل له : ألا تجعل عليه من يحرسه ؟ قال : لا ، فكان ينفق جميع ~~ما فيه على المسلمين ، فلا يبقى فيه شيء ، فلما انتقل إلى المدينة جعل بيت ~~المال معه في داره . ولما توفي جمع عمر الأمناء ، وفتح بيت المال فلم يجد ~~فيه شيئا غير دينار سقط من غرارة ، فترحموا عليه . PageV19P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" وفي خلافته رضي الله عنه : انفتح معدن بني ~~سليم ، فكان يسوي في قسمته بين السابقين الأولين والمتأخرين في الإسلام ، ~~وبين الحر والعبد ، والذكر والأنثى . فقيل له : ليقدم أهل السبق على قدر ~~منازلهم . فقال : إنما أسلم لله ، ووجب أجرهم عليه ، يوفيهم ذلك في الآخرة ~~وإنما هذه الدنيا بلاغ . وكان يشتري الأكسية ويفرقها في الأرامل في الشتاء ~~. قال أبو صالح الغفاري : كان عمر رضي الله عنه يتعهد امرأة عمياء في ~~المدينة بالليل ، فيقوم بأمرها ، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها ، ~~ففعل ما أرادت ، فرصده عمر ، فإذا هو أبو بكر رضي الله عنه ، كان يأتيها ~~ويقضي أشغالها سرا وهو خليفة ؛ فقال : أنت هو لعمري وكان منزل أبي بكر رضي ~~الله عنه بالسنح عند زوجته حبيبة بنت خارجة ، فأقام هناك ستة أشهر بعدما ~~بويع ، وكان يغدو على رجليه إلى المدينة ، وربما ركب فرسه ، فيصلى بالناس ؛ ~~فإذا صلى العشاء رجع إلى السنح . وكان إذا غاب صلى بالناس عمر ، وكان يغدو ~~كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع ، وكانت له قطعة غنم تروح عليه ، وربما خرج ~~هو بنفسه فيها ، وربما رعيت له . وكان يحلب للحى أغنامهم ، فلما بويع ~~بالخلافة قالت جارية منهم : الآن لا يحلب لنا منائح دارنا ، فسمعها ، فقال ~~: بل لعمري لأحلبنها لكم ، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت ~~عليه ، فكان يحلب لهم ، ثم ms4080 تحول إلى المدينة بعد ستة أشهر من خلافته . وقال ~~: لا تصلح أمور الناس مع التجارة ، وما يصلح إلا التفرغ لهم ؛ والنظر في ~~شأنهم ، فترك التجارة وأنفق من مال المسلمين ، ما يصلحه ويصلح عياله يوما ~~بيوم ، ويحج ويعتمر ؛ فكان الذي فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم . فلما ~~حضرته الوفاة قال : ردوا ما عندنا من مال المسلمين ، فإني لا أصيب من هذا ~~المال شيئا ، وإن أرضى الذي بكذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم ، فدفع ~~ذلك إلى عمر . وقيل : إنه قال : انظروا كم أنفقت منذ وليت من بيت المال ؟ ~~اقضوه عني ، فوجدوا مبلغة ثمانية آلاف . وقيل : إنه قال لعائشة رضي الله ~~عنها : أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما ، ~~ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم ، ولبسنا من خشن ثيابهم ، وليس عندنا من فيء ~~المسلمين إلا هذا العبد ، وهذا البعير ، وهذه القطيفة ، فإذا مت فابعثي ~~PageV19P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" بالجميع إلى عمر ؛ فما مات بعثته إليه ، فلما ~~رآه بكى حتى سالت دموعه على الأرض ؛ وجعل يقول : رحم الله أبا بكر لقد أتعب ~~من بعده ، يكرر ذلك ، وأمر برفعه . فقال له عبد الرحمن بن عوف : سبحان الله ~~تسلب عيال أبي بكر عبدا ، وناضحا ، وشق قطيفة ثمنها خمسة دراهم فلو أمرت ~~بردها عليهم . فقال : لا ، والذي بعث محمدا لا يكون هذا في ولايتي ، ولاخرج ~~أبو بكر منه وأتقلده أنا . وقد قيل : إنه رضي الله عنه ، كان يأخذ من بيت ~~المال في كل يوم ثلاثة دراهم أجرة ، وإنه قال لعائشة : انظري يا بنية ما ~~زاد في مال أبيك ولي هذا الأمر فرديه على المسلمين . فنظرت فإذا بجرد قطيفة ~~لا تساوي خمسة دراهم ، ومحشة ، فجاء الرسول إلى عمر بذلك والناس حوله ، ~~فبكى عمر ، وبكى الناس ؛ وقال : رحمك الله أبا بكر لقد كلفت من بعدك تعبا ~~طويلا فقال الناسك أردده يا أمير المؤمنين إلى أهله . قال : كلا ، لا يخرجه ~~من عنقه في حياته ، وأرده إلى عنقه بعد وفاته . ثم أمر بذلك ، فحمل ms4081 إلى بيت ~~المال . وحكى أن زوجته اشتهت حلوا ، فقال : ليس لنا ما نشتري به . فقالت : ~~أنا أستفضل من نفقتنا في عدة أيام ما نشتري به ؛ قال : افعلي ، ففعلت ذلك ؛ ~~فاجتمع لها في أيام كثيرة شيء يسير ، فلما عرفته ذلك أخذه ، فرده في بيت ~~المال . وفال : هذا يفضل عن قوتنا ، وأسقط م نفقته بمقدار ما استفضلت في كل ~~يوم ، وغرامة لبيت المال في المدة الماضية من ملك كان له . قيل : ولما ~~حضرته الوفاة أتته عائشة رضي الله عنها وهو يعالج الموت ، فتمثلت : لعمرك ~~ما يغني الثراء عن الفتى . . . إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر . فنظر ~~كالغضبان ، ثم قال : ليس كذلك ، لكن قولي : " وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ~~ما كنت منة تحيد " . إني قد نحلتك حائط كذا ، في نفسي منه فرديه على ~~الميراث ؛ وقال : إنما هو أخواك وأختاك قالت : من الثانية ؟ إنما هي أسماء ~~. قال : ذات بطن بنت خارجه - يعني زوجته - وكانت حاملا ، فولدت أم كلثوم ~~بعد موته . PageV19P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" وهورضي الله عنه أول وال فرضت له رعيته نفقته ~~، وأول خليفة ولي وأبوه حي ، وأول من جمع القرآن بين اللوحين بمشورة من ~~أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وسماه مصحفا ، وهو أول من سمي ~~خليفة ؛ رضوان الله عليه . ذكر أولاد أبي بكر وأزواجه تزوج رضي الله عنه في ~~الجاهلية قتلة - ويقال : قتيلة بنت عبد العزيز بن عبد بن أسعد بن مالك بن ~~حسل بن عامر بن لؤي ، فولدت له عبد الله وأسماء . وتزوج أيضا في الجاهلية ~~أم رومان - بفتح الراء وضمها - واسمها زينب بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس ~~بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة . ~~أسلمت وهاجرت ؛ وكانت قبل أبي بكر تحت عبد الله بن الحارث بن سخبرة بن ~~جرثومة الخير بن عادية بن مرة الأزدي ، وكان قدم بها مكة ، فحالف أبا بكر ~~الإسلام ، ثم توفي عن أم رومان ، فولدت له الطفيل أخوهما لأمهما ، توفيت أم ~~رومان في ذي ms4082 الحجة سنة أربع ، أو سنة مس ، فنزل رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في قبرها ، واستغفر لها . وقال : اللهم لم يخف عليك ما لقيت أم ~~رومان فيك وفي رسولك . وروى عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، أنه قال ~~: " من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان " . ~~وتزوج رضي الله عنه في الإسلام أسماء بنت عميس الخثعمية ؛ وهي أخت ميمونة ~~زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لأمها ، وكانت عند جعفر أبي طالب ، ~~وهاجرت معه إلى أرض الحبشة ، فولدت له هناك محمد بن أبي بكر ، ثم تزوجها ~~بعده على بن أبي طالب ، فولدت له يحيى بن علي . وزعم بن الكلبي أن عون بن ~~علي ، أمه أسماء ، ولم يقله غيره . وقيل : كان أسماء بنت عميس تحت حمزة بن ~~عبد المطلب ، فولدت له ابنة تسمى أمة الله . وقيل : أمامه ، ثم خلف عليها ~~بعد شداد بن الهاد الليثي ، ثم العتواري ، حليف بني هاشم ، فولدت له عبد ~~الله وعبد الرحمن بن شداد ، ثم خلف عليها بعد شداد جعفر بن أبي طالب . وقيل ~~: التي كانت تحت حمزة وشداد سلمى بنت عميس أختها أسماء ، والله تعالى أعلم ~~بالصواب PageV19P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" وتزوج رضي الله عنه في الإسلام أيضا حبيبة بنت ~~خارجه بن زيد بن أبي زهير الأنصارية ، من بني الحارث بن الخزرج ، فولدت له ~~بعد وفاته أم كلثوم . ولنصل هذا الفصل بذكر شيء من أولاد أبي بكر رضي الله ~~عنهم . وأما عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما ، فكان قديم الإسلام إلا ~~أنه لم يسمع له بمشهد إلا شهوده الفتح وحنينا والطائف . ورمى بالطائف بسهم ~~؛ قيل : رماه به أبو محجن ، فاندمل جرحه ، ثم انتقض عليه ، فمات في شوال ~~سنة إحدى عشرة . وكان قد ابتاع الحلة التي أرادوا دفن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فيها بسبعة دنانير ليكفن فيها ، فلما حضرته الوفاة ، قال : لا ~~تكفنوني فيها ، فلو كان فيها خير كفن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فيها ، ودفن بعد الظهر ms4083 ، وصلى عليه أبوه ، ونزل قبره عمر بن الخطاب وطلحة ~~وعبد الرحمن أخوه . وكان عبد الله رضي الله عنه زوج عاتكة بنت زيد بن عمرو ~~بن نفيل العدوية ، أخت سعيد بن زيد ، وكانت من المهاجرات ، وكانت حسناء ~~جميلة بارعة ، فأولع بها ، وشغلته عن مغازيه ، فأمره أبوه بطلاقها لذلك ؛ ~~فقال : هذه الأبيات : يقولون طلقها وخيم مكانها . . . مقيما ، تمنى النفس ~~أحلام نائم إن فراقي لأهل بيت جميعهم . . . على كبرة مني لإحدى العظائم ~~أراني وأهلي كالعجول تروحت . . . إلى بوها قبل العشار الروائم فعزم عليه ~~أبوه حتى طلقها ، ثم تبعتها نفسه ، فهجم عليه أبو بكر رضي الله عنه وهو ~~يقول : أعاتك لا أنساك ما ذر شارق . . . وما ناح قمري الحمام المطوق أعاتك ~~قلبي كل يوم وليلة . . . إليك بما تخفي النفوس معلق فلم أر مثلي طلق اليوم ~~مثلها . . . ولا مثلها في غير جرم تطلق لها خلق جزل ورأي ومنصب . . . وخلق ~~سوى في الحياء ومصدق فرق له أبوه ، وأمره بمراجعتها فارتجعها ؛ وقال هذه ~~الأبيات : PageV19P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" أعاتك قد طلقت في غير ريبة . . . وروجعت للأمر ~~الذي هو كائن كذلك أمر الله غاد ورائح . . . على الناس فيه ألفة وتباين وما ~~زال قلبي للتفرق طائرا . . . وقلبي لما قد قرب الله ساكن فإنك مما زين الله ~~وجهه . . . وليس لوجه زانه الله شائن فلما مات عبد الله صارت عاتكة ترثيه ~~بهذه الأبيات : رزئت بخير الناس بعد نبيهم . . . وبعد أبي بكر وما كان قصرا ~~فآليت لا تنفك عيني حزينة . . . عليك ، ولا ينفك جلدي أغبرا فلله عينا من ~~رأي مثله فتى . . . أكر وأحمى في الهياج وأصبرا إذا شرعت فيه الأسنة خاضها ~~. . . إلى الموت حتى يترك الرمح أحمرا ثم تزوجت بعده زيد بن الخطاب ، على ~~اختلاف في ذلك ؛ فقتل عنها يوم اليمامة شهيدا ، فتزوجها عمر بن الخطاب في ~~سنة اثنتي عشرة ، فأولم عليها ، ودعا عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وفيهم علي بن أبي طالب ؛ فقال له : دعني أكلم عاتكة : ~~قال : نعم ، فأخذ بجانب الحذر . ثم قال : ياعدية نفسها ، أين ms4084 قولك : فآليت ~~لا تنفك عيني حزينة . . . عليك ولا ينفك جلدي أغبرا فبكت فقال عمر : ما ~~دعاك إلى هذا يا أبا الحسن ؟ كل النساء يفعلن هذا ، ثم قتل عنها عمر ، ~~فقالت تبكيه : عين جودي بعبرة ونحيب . . . لا تملي على الجواد النجيب ~~فجعتني المنون بالفارس المع . . . لم بوم الهيام والتثويب قل لأهل الضراء ~~والبؤس موتوا . . . قد سقته المنون كأس شعوب وقالت أيضا ترثيه بهذه الأبيات ~~: مع الرقاد فاد عيني عائد . . . مما تضمن قلبي المعمود ياليلة حبست على ~~نجومها . . . فسهرتها والشامتون رقود PageV19P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" قد كان يسهرني حذارك مرة . . . فاليوم حق ~~لعيني التسهيد أبكى أمير المؤمنين ودونه . . . للزائرين صفائح وصعيد ثم ~~تزوجها الزبير بن العوام فقتل عنها ؛ فقالت ترثيه بهذه الأبيات : غدر بن ~~جرموز بفارس بهمة . . . يوم اللقاء وكان غير معرد يا عمرو لو نبهته لوجدته ~~. . . لاطائشا وعش الجنان لااليد كم غمرة قد خاضها لم يثنه . . . عنها ~~طرادك يا بن فقع القردد ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله . . . فيما مضى ممن يروح ~~ويغتدي والله ربك إن قتلت لمسلما . . . حلت عليك عقوبة المتعمد ثم خطبها ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد انقضاء عدتها ، فأرسلت إليه . إني لأضن ~~بك يابن عم رسول الله صلى عن القتل وإنما ذكرنا م خبر عاتكة في هذا الموضع ~~على سبيل الله الاستطراد ؛ فالشيء بالشيء يذكر ، فلنذكر عبد الرحمن بن أبي ~~بكر . وأما عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه ؛ فهو اسن ولد أبي بكر ، ~~وكان يكنى أبا عبد الله . وقيل : أبا محمد ، بابنه محمد الذي يقال له : أبو ~~عتيق ، والد عبد الله بن أبي عتيق ، وأدرك أبو عتيق محمد بن عبد الرحمن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هو وأبوه وجده ، وجد أبيه ؛ أربعتهم ، ~~أجمعوا على أن هذه المنقبة ليست لغيرهم ، روى البخاري رحمه الله ، قال : ~~قال موسى بن عقبة : ما نعلم أحدا في الإسلام أدركوا هم وأبناؤهم النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أربعة إلا هؤلاء الأربعة : أبو قحافة ، وابنه أبو بكر ~~، وابنه عبد الرحمن بن ms4085 أبي بكر ، وابنه عتيق بن عبد الرحمن . وعبد الرحمن ~~شقيق عائشة ؛ شهد عبد الرحمن بدا واحدا مع قومه ، ودعا إلى البراز ، فقام ~~إليه أبو بكر ليبارزه ، فذكر أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " ~~متعني بنفسك " . ثم أسلم عبد الرحمن ، وحسن إسلامه ، وصحب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في هدنة الحديبية . PageV19P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة ، فسماه ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عبد الرحمن ، وكان رضي الله عنه من أشجع ~~رجال قريش وأرماهم بسهم ، حضر اليمامة مع خالد بن الوليد ، فقتل سبعة من ~~كبارهم ، منهم محكم اليمامة طفيل ، رماه بسهم في نحره فقتله . ولما فتحت ~~دمشق نفلة عمر ليلى بنت الجودي ، وكان قد رآها قبل ذلك ، وكان يتشبب بها . ~~وشهد عبد الرحمن مع عائشة ، وكان ابنه محمد يومئذ مع علي . قال أبو عمر بن ~~عبد البر : ولما قعد معاوية على المنبر ، ودعا إلى بيعة يزيد ، كلمه الحسين ~~بن علي وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن بن أبي بكر ، فكان كلام عبد ~~الرحمن : أهرقلية إذا مات كسرى كان كسرى مكانه لا نفعل والله أبدا . وبعث ~~إليه معاوية بمائة ألف درهم بعد أن أبي البيعة ليزيد فردها عبد الرحمن . ~~وقال : أبيع ديني بدنياي وخرج إلى مكة ، فمات قتل أن تتم البيعة ليزيد . ~~ويقال : إنه مات فجأة بموضع يقال له : الحبشي على نحو عشرة أميال من مكة ، ~~وحمل إلى مكة فدفن بها : وقيل : إنه توفي في نومة نامها ، وكانت وفاته في ~~سنة ثلاث وخمسين . وقيل : سنة خمس وخمسين ، والأول أشهر . ولما اتصل خبر ~~وفاته بعائشة أم المؤمنين أخته ، ظعنت من المدينة حاجة حتى وقفت على قبره ، ~~وتمثلت بهذه الأبيات : وكنا كندماني جذيمة حقبة . . . من الدهر حتى قبل لن ~~يتصدعا فلما تفرقنا كأنى ومالكا . . . لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وقالت : ~~أما والله لو حضرتك لدفنتك حيث مت مكانك ، ولو حضرت ما بكيتك رضي الله ~~عنهما . وأما محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما ، فإن ولد في عقب ms4086 ذي الحجة ~~سنة عشر من الهجرة بذي الحليفة ، أو بالشجرة ، وسمته عائشة محمدا ، وكنته ~~أبا القاسم ، ثم كان محمد بعد وفاة أبي بكر في حجر على بن أبي طالب لما ~~تزوج أمه أسماء بنت عميس ، وكان محمد على رجاله على يوم الجمل ، وشهد معه ~~أيام صفين ، ثم ولاه PageV19P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" مصر ، فقتل بها . واختلفوا في قتله ، فقيل : ~~قتله معاوية بن حديج صبرا ، وذلك في سنة ثمان وثلاثين ؛ وقيل : إنه لما ~~ولاه على مصر سار إليه عمرو بن العاص من قبل معاوية فاقتتلوا ، فانهزم ~~أصحاب محمد وفر هو ، دخل خربة فيها حمار ميت ، فدخل في جوفه ، فأحرق في جوف ~~الحمار ؛ وقيل ك بل قتله معاوية بن حديج في المعركة ، ثم أحرق في جوف ~~الحمار بعد ذلك ، وقيل : إنه أتى عمرو بن العاص فقتله صبرا بعد إلى قال له ~~: هل معك عهد ؟ هل معك عقد من أحد ؟ فقال : لا ، فأمر فقتل . وكان علي يثني ~~على محمد خيرا ، ويفضله ؛ لأنه كانت له عبادة واجتهاد ؛ وكان ممن دخل على ~~عثمان حين أرادوا قتله ، فقال له عثمان : لو رآك أبوك لم يرض بهذا المقام ~~منك فخرج عنه وتركه . روى محمد بن طلحة ، عن كنانة مولى صفية بنت حيي - ~~وكان شهد يوم الدار - أنه لم ينل محمد بن أبي بكر دم عثمان بشيء . قال : ~~محمد بن طلحةك فقلت : لكنانة : فلم قيلك إنه قتله ؟ قال : معاذ الله أن ~~يكون قتله إنما دخل عليه ، فقال له عثمان : يابن أخي ، لست بصاحبي ، وكلمه ~~عثمان بكلام فخرج ولم ينل دمه بشيء . فقلت لكنانة : فمن قتله ؟ قال : رجل ~~من أهل مصر يقال له : جبلة بن الأيهم . وأما عائشة رضي الله عنها فقد تقدم ~~ذكرها في السيرة النبوية في أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، أمهات ~~المؤمنين رضي الله عنهن . وأما أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه فهي قديمة ~~الإسلام . قال بن إسحاق : أسلمت بعد سبعة عشر ، وكانت تحت الزبير بن العوام ~~رضي الله عنه ، وهاجرت إلى المدينة وهي حامل ms4087 بعبد الله بن الزبير ، فوضعته ~~بقباء ، وكانت تسمى ذات النطاقين ، وقد تقدم الخبر في تسميتها بذلك في سيرة ~~سيدنا رسول الله صلى عليه وسلم عند خروجه من مكة إلى الهجرة . توفيت أسماء ~~بمكة في جمادى الآخرة ، سنة ثلاث وسبعين بعد مقتل ابنها عبد الله ، وقد ~~بلغت مائة سنة . وأم كلثوم بنت أبي بكر رضي الله عنه ، تزوجها طلحة بن عبيد ~~الله رضي الله عنهما ، فولدت له عائشة بنت طلحة ، فتزوجها عبد الله بن عبد ~~الرحمن بن PageV19P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" أبي بكر الصديق . ولعائشة بنت طلحة أخبار تقدم ~~ذكرها ، وتزوجت عائشة بعد عبد الله مصعب بن الزبير ن ولم تلد من أحد من ~~أزواجها غير عبد الله ، ولدت له عمران ، وعبد الرحمن ، وأبا بكر ، وطلحة ، ~~ونفيسة ، تزوجها الوليد بن عبد الملك ، وكان ابنها طلحة أجود أجواد قريش ، ~~وله يقول الحزين الديلي : فإن تك با طلح أعطيتني . . . عذافرة تستخف ~~الضفارا فما كان نفعك مرة . . . ولا مرتين ولكن مرارا . أبوك الذي صدق ~~المصطفى . . . وسار مع المصطفى حيث سارا وأمك بيضاء تيمية . . . إذا نسب ~~الناس كانت نضارا وطلحة هذا ، بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه . وطلحة هذا هو جدي الذي انسب إليه . والله سبحانه وتعالى ~~أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب . ذكر أسماء قضاته وعماله وكتابه ~~وحاجبه وخادمه لما ولى أبو بكر رضي الله عنه ، قال له أبو عبيدة : أنا ~~أكفيك المال . وقال له عمر : أنا أكفيك القضاء ، فاستعملهما . فمكث عمر سنة ~~لا يأتيه رجلان في محاكمة ، وكان يكتب لابي بكر عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ~~ومن حضر ، وكان حاجبه شديد مولاه ، وكان عامله على مكة عتاب بن أسيد ، ومات ~~في اليوم الذي مات فيه أبو بكر . وقيل : مات بعده . وكان على الطائف عثمان ~~بن أبي العاص ، وعلى صنعاء المهاجر بن أبي أمية ، وعلى حضرموت زياد بن لبيد ~~، وعلى خولان يعلى بن أمية ، وعلى زبيد أبو موسى الأشعري ، وعلى الجند معاذ ~~بن جبل ، وعلى البحرين العلاء الحضرمي ms4088 . PageV19P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" وبعث جرير بن عبد الله إلى نجران ، وعبد الله ~~بن ثور إلى جرش ، وعياض بن غنم إلى دومة الجندل . وكان على الشام أبو عبيدة ~~بن الجراح ، وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص ؛ كل رجل ~~منهم على جند وعليهم خالد بن الوليد رضي الله عنه . وكان خاتمة خاتم رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وقال الزبير بن البكار : وكان نقش خاتمه : " ~~نعم القادر الله " . وقال غيره : كان نقش خاتمه : " عبد ذليل لرب جليل " ~~وعاش أبو قحافة بعده ستة أشهر وأياما . وفي المعجم الكبير للطبراني ، قال : ~~أبو بكر ، فورثه أبواه ، وكان قد أسلما ، وماتت أم أبي بكر قبل أبيه ، ومات ~~أبوه وله سبع وتسعون سنة . والحمدلله وحده ، وصلى الله على سيدنا محمد ، ~~وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلم . ذكر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه هو أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رياح من عبد الله بن ~~قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي ، ويجتمع نسبه مع ~~نسب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عند كعب بن لؤي . وأمة حنتمة بنت ~~هاشم بن المغيرة بن عبد الله ب عمر بن مخزوم - على ماصححه أبو عمر بن عبد ~~البر - وخطأ من قال : إنها بنت هشام بن المغيرة ، وقال : لو كانت بنت هشام ~~لكانت أخت أبي جهل ، وإنما هي بنت عمه لأن هاشما وهشاما أخوان ، فهاشم والد ~~حنتمة أم عمر ، وهشام والد الحارث ، وأبي جهل ، وهاشم ابن المغيرة جد عمر ~~لأبيه يقال له : ذو الرمحين . PageV19P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" ولد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد الفيل ~~بثلاث عشرة سنة ، وروى أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه ، عن جده ، قال : سمعت ~~عمر يقول : ولدت بعد الفجار الأعظم بأربع سنين . قال الزبير بن بكار : كان ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أشرف قريش ، وإليه كان السفارة في الجاهلية ~~؛ وذلك أن قريشا كانت إذا وقعت ms4089 بينهم حرب ، أو بينهم وبين غيرهم سفيرا ، ~~وإن نافرهم منافر ، أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافرا ومفاخرا ، ورضوا به . وقد ~~تقدم خبر إسلامه ، وإظهار الله تعالى الإسلام به ، وإجابة دعوة رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فيه حين قال : " اللهم أعز الإسلام بأحد الرجلين عمر ~~بن الخطاب ، أو بأبي جهل بن هشام " فاستجيب في عمر . قال : بن مسعود : ما ~~زلنا أعزة منذ أسلم عمر . ولقب بالفاروق لإعلانه الإسلام ، ففرق بين الحق ~~والباطل لما أسلم ؛ رضي الله عنه . ذكر نبذة من فضائل عمر رضي الله عنه ~~ومناقبه وفضائله رضي الله عنه كثيرة ، مناقبه جمة مشهورة ، قد قدمنا منها ~~في ترجمة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ما تقدم ، ولنورد في هذا الفصل من ~~مناقبه خلاف ذلك : روى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه " . ~~ونزل القرآن بموافقته في أشياء ؛ منها ما رآه في أسري بدر ، وفي تحريم ~~الخمر ، وفي حجاب أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وفي مقام إبراهيم . ~~وروى عن عقبة بن عامر وأبي هريرة رضي الله عنهما ، أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال : " لو كان بعدي نبي لكان عمر " وعن عائشة رضي الله عنها ~~قالت : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " قد كان في الأمم قبلكم ~~محدثون ، فإن كان في هذه الأمة أحد فعمر بن الخطاب " PageV19P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال : قال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه ~~حتى رأيت الري يخرج من أظفاري ، ثم أعطيت فضلي عمر " . قالوا : فما أولت ~~ذلك يارسول الله ؟ قال : العلم . وعن جابر رضي الله عنه ، قال : قال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " دخلت الجنة فرأيت فيها دارا - أو قال : ~~قصرا - وسمعت فيه ضوضاة ، فقلت : لمن هذا ؟ فقالوا : لرجل من قريش ، فظننت ~~أني أنا هو ؛ فقلتك من هو ؟ قالوا : عمر ms4090 بن الخطاب ، فلولا غيرتك يا أبا ~~حفص لدخلته . فبكى عمر وقال : عليك يغار يارسول الله أو قال عليك أغار " ~~وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" رأيتني في المنام ، والناس يعرضون علي ، وعليهم قمص منها إلى كذا ، ومنها ~~إلى كذا ، ومر على عمر بن الخطاب يجر قميصه ، فقيل : يارسول الله ، ما أولت ~~ذلك ؟ قال : الدين " ومن رواية الليث بن سعد ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه أنه سمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : يقول : " بينا أنا نائم ~~والناس يعرضون علي ، وعليهم قمص ، منها يبلغ الثدي ومنها دون ذلك ، وعرض ~~على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعليه قميص يجره " ، قالوا : فما أولت ~~ذلك يا رسول الله ؟ قال : الدين . " وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ~~خير الناس بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أبو بكر ، ثم عمر ، وقال : ~~ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر . وقال بن مسعود رضي الله عنه : ~~لو وضع علم أحياء العرب في كفة ميزان ، ووضع علم عمر لرجح عليهم عمر . ولقد ~~كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم ، ولمجلس كنت أجلسه مع عمر أوثق في ~~نفسي من عمل سنة PageV19P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" ذكر صفة عمر رضي الله عنه قد اختلف الناس في ~~صفة عمر رضي الله عنه ؛ فقيل : كان شديد الأدمة طوالا أكث اللحية ، أصلع ~~أعسر يسرا ، يعمل بيديه جميعا ، ويخضب بالحناء والكتم ، هكذا وصفه زربن ~~حبيش وغيره بأنه كان شديد الأدمة . قال أبو عمر : وهو الأكثر عند أهل العلم ~~بأيام الناس وسيرهم وأخبارهم . قال : ووصفه أبو رجاء العطاردي - وكان مغفلا ~~- فقال : كان عمر طويلا جسيما أصلع شديد الصلع ، أبيض شديد حمرة العينين ، ~~في عارضيه خفة ، سبلته كثيرة الشعر ، في اطرافها صهبة . وذكر الواقدي من ~~حديث عاصم بن عبيد الله بن عمر بعن ، أبيه ، قال : إنما جاءتنا الأدمة من ~~قبل أخوالي بني مظعون ، قال : وكان أبيض ، لا يتزوج إلا لطلب الولد . قال ms4091 ~~أبو عمر : وعاصم بن عبيد الله لا يحتج بحديثه ، ولا بأحاديث الواقدي . قال ~~: زعم الواقدي أن سمرة عمر وأدمته إنما جاءت من أكلة الزيت عام الرمادة قال ~~: وهذا منكر من القول . وأصح ما في هذا الباب حديث سفيان الثوري ، عن عاصم ~~بن بهدلة ، عن زر بن حبيش ، قال : رأيت عمر شديد الأدمة . قال أنس : كان ~~أبو بكر يخضب بالحناء والكتم ، وكان عمر يخضب بالحناء بحتا . وعن مجاهد أن ~~عمر كان لا يغير شيبه . PageV19P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" وقال هلال بن عبد الله : رأيت عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه ، رجلا آدم ضخما كأنه من رجال سدوس ، في رجليه روح . قال ~~بعضهم في صفته : كان طويلا من الناس كراكب الجمل ، أمهق أصلع . استخلفه أبو ~~بكر رضي الله عنه قبل وفاته ؛ وذلك أنه لما نزل به الموت دعا عبد الرحمن بن ~~عوف . فقال : أخبرني عن عمر ، فقال : إنه أفضل من رأيك فيه إلا أن فيه غلظة ~~؛ فقال أبو بكر : ذلك لأنه يراني رقيقا ، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا ~~مما هو عليه ، وقد رمقته ، فكنت إذا غضبت على رجل اراني الرضاعنة ، وإذا ~~لنت له أراني الشدة عليه . ودعا عثمان فقال له : أخبرني عن عمر ، فقال : ~~سريرته خير من علانيته ، وليس فينا مثله . فقال أبو بكر لهما : لا تذكرا ~~مما قلت لكما شيئا ، ولو تركته ما عدوت عثمان ، ولا أدري لعله تارك ، ~~والخيرة له ألا يلي من أموركم شيئا ، لوددت أني كنت من أموركم خلوا ، وكنت ~~فيمن مضى من سلفكم . ودخل طلحة على أبي بكر فقال : استخلفت على الناس عمر ، ~~وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه ، فكيف به إذا خلابهم وأن لاق ربك ~~فسائلك عن رعيتك ؛ فقال : أجلسوني ؛ فأجلسوه ، فقال : بالله تفرقني ، أو ~~بالله تخوفني إذا لقيت ربي فساءلني قلت : استخلفت على أهلك خير أهلك . ثم ~~أحضر أبو بكر عثمان بن عفان خاليا ، فقال : أكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ~~هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين ؛ أما بعد - ثم ms4092 أغمي عليه - ~~فكتب عثمان : أما بعد ؛ فقد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيرا ، ~~ثم أفاق أبو بكر فقال : أقرأ علي ، فقرأ عليه ، فكبر أبو بكر وقال : خفت أن ~~يختلف الناس إن مت في غشيتي ، قال : نعم . قال : جزاك الله خيرا عن الإسلام ~~وأهله . فلما كتب العهد أمر به أن يقرأ على الناس ، فجمعهم ، وأرسل الكتاب ~~مع مولي له ، ومعه عمر ، فكان عمر يقول للناسك انصتوا واسمعوا لخليفة رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فإنه لم يألكم نصحا ، فسكت الناس ، فلما قرئ ~~عليهم الكتاب سمعوا وأطاعوا . PageV19P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" وكان أبو بكر قد أشرف على الناس ، وقال : ~~أترضون بمن استخلفت عليكم ؟ فإني ما استخلفت ذا قرابة ، وإني قد استخلفت ~~عليكم عمر ، فاسمعوا له وأطيعوا ، وإني والله ما ألوت من جهد الرأي ، ~~فقالوا : سمعنا وأطعنا ، ثم أحضر أبو بكر عمر ، فقال : قد استخلفتك على ~~أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأوصاه بتقوى الله ، ثم قال : يا ~~عمر ؛ إن لله حقا بالليل لا يقبله في النهار ، وحقا في النهار لا يقبله في ~~الليل ، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة ، ألم تر يا عمر إنما ثقلت ~~موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بأتباعهم الحق وثقله عليهم وحق الميزان ~~لا يوضع فيه غدا إلا أن يكون ثقيلا ألم تر يا عمر إنما خفت موازين من خفت ~~موازينه يوم القيامة بأتباعهم الباطل ، وخفته عليهم ، وحق الميزان لا يوضع ~~فيه غدا باطل غلا أن يكون خفيفا ألم تر يا عمر إنما نزلت الرخاء مع آية ~~الشدة ، وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن راغبا راهبا ؛ لا يرغب رغبة ~~يتمنى فيها على الله ما ليس له ، ولا يرهب رهبة يلقى فيها بيديه ألم تر يا ~~عمر أنتا ذكر الله أهل النار بأسوأ أعمالهم ، فإذا ذكرتهم قلت : إني لأرجو ~~ألا أكون منهم ، وأنه إنما ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم ~~ماكان من شيء ، فإذا ذكرتهم قلت : أين عملي من أعمالهم فإن حفظت وصيتي ms4093 ، ~~فلا يكون غائب أحب إليك من الموت ، ولست بمعجزة . وتوفي أبو بكر رضي الله ~~عنه ، فلما دفن صعد عمر المنبر ، فخطب الناس ثم قال : إنما مثل العرب مثل ~~جمل أنف اتبع قائده ، فلينظر قائده حيث يقود . وأما أنا فورب الكعبة ~~لأحملنكم على الطريق . وكان أول كتاب كتبه إلى أبي عبيدة بن الجراح بتوليته ~~جند خالد بن الوليد ، وبعزل خالد لأنه كان عليه ساخطا خلافة أبي بكر كلها ~~لوقعته بابن نويرة ، وما كان يعمل في حربه ، وأول ما تكلم به عزل خالد ، ~~وقال : لا يلى لي عملا أبدا . PageV19P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" ذكرالفتوحات والغزوات في خلافة عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه . وفي خلافته رضي الله عنه كثرت الفتوحات على المسلمين ، ~~ولنبدأ من ذلك بذكر فتوح دمشق ، وما والاه من المدن والثغور والحصون ، ثم ~~نذكر فتوحات العراق ، وما والاه ، ثم فتوح مصر ، وما والاها ، لتكون ~~الفتوحات متوالية ، ولا ينقطع خبرها بأخبار غيرها ، ولا يتداخل فتوح بفتوح ~~، ثم نذكر الغزوات على ارض الروم ، ثم نذكر الوقائع بعد ذلك خلاف الفتوحات ~~والغزوات على حكم السنين على ماستقف عليه ، إن شاء الله تعالى على ذلك . ~~ذكر فتوح مدينة دمشق قال : لما هزم الله تعالى أهل اليرموك استخلف أبو ~~عبيدة على اليرموك بشير بن كعب الحميري ، وسار حتى نزل بالصفر ؛ فأتاه ~~الخبر أن الذين انهزموا من الروم اجتمعوا بفحل ، وأن المدد قد أتى أهل دمشق ~~م حمص ؛ فكتب إلى عمر بذلك ، فأمره أن يبدأ بدمشق فإنها حصن الشام وبيت ~~المملكة ، وأن يشغل أهل فحل بخيل تكون بإزائهم ، فإذا فتحت دمشق سار إلى ~~فحل ، ثم يسير إلى حمص هو وخالد بن الوليد ، ويترك شرحبيل بن حسنة ، وعمرو ~~بن العاص بالأردن وفلسطين ، فارسل أبو عبيدة طائفة من المسلمين ، فنزلوا ~~بالقرب منها ، وبثق الروم الماء حول فحل ، فوحلت الأرض ، ونزل عليهم ~~المسلمون ، فكان أول محصور بالشام أهل فحل ، ثم أهل دمشق . وبعث أبو عبيدة ~~أيضا جندا ، فنزلوا بين حمص ودمشق ، وأرسل جندا فكانوا بين دمشق وفلسطين ~~وسار هو وخالد ms4094 بن الوليد ، فقدما دمشق ، وعليه انسطاس ؛ فنزل أبو عبيدة على ~~ناحية ، وخالد على ناحية ، ويزيد بن أبي سفيان على ناحية ، وحصرهم المسلمون ~~سبعين ليلة ، وقاتلوهم بالزحف والمجانيق ، فكان هرقل بالقرب من حمص ، فأمد ~~أهل دمشق بخيل ، فمنعتها خيول المسلمين ، وخذل أهل دمشق . وولد ~~PageV19P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" للبطريق الذي على دمشق مولود ، فصنع وليمة ، ~~فأكل القوم وشربوا ، فعلم خالد بذلك دون غيره ، وكان قد اتخذ حبالا كهيئة ~~السلاليم ، فلما أمسى ذلك اليوم نهض بمن معه وتقدمهم هو والقعقاع بن عمرو ~~ومذعورين عدى وأمثاله ، وقالوا : إذا سمعتم تكبيرنا على السور فارتقوا ~~إلينا ، واقصدوا الباب ؛ وارتقى هو وأصحابه على السور في تلك الحبال ، ثم ~~انحدر ببعض من معه ، وترك بذلك المكان الذي صعد منه من يحيمه ، وأمرهم ~~بالتكبير ، وجاء المسلمون إلى الباب وإلى الحبال ، وقصد خالد الباب ، وقتل ~~من دونه ، ثم قتل البوابين ، وفتح الباب ، وقتل من عنده من الروم ، ودخل ~~أصحابه المدينة ، وثار أهلها لا يدرون ما الخبر ، فلما رأوا ذلك قصدوا أبا ~~عبيدة ، وبذلو الصلح ، فقبله منهم ، وفتحوا له الباب ، وقالوا : ادخل ~~وامنعنا من أهل ذلك الجانب ، ودخل أهل كل باب يصلح ما يليهم ، ودخل خالد ~~عنوة ، والتقى والقواد وسط المدينة هذا قتلا ونهبا ، وهذا صفحا وتسكينا ، ~~فأجروا جهة خالد مجرى الصلح ، وكان صلحهم على المقاسمة ؛ الدينار والعقار ~~ودينار عن كل رأس ، واقتسموا الأسلاب . وأرسل أبو عبيدة إلى عمر بالفتح ، ~~وأنه قسم الغنيمة على من حضر الفتح ، وعلى الجنود التي على فحل وحمص وغيرهم ~~، فجاء كتاب عمر إلى أبي عبيدة يأمره بإرسال جند العراق إلى سعد بن أبي ~~وقاص ، فأرسلهم ، وأمر عليهم هاشم بن عتبة ، وسار أبو عبيدة إلى فحل . ~~والله أعلم . ذكر شيء مما قبل في أمر مدينة دمشق ومن بناها . حكى عن كعب ~~الأحبار ، قال : أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حران ودمشق ~~ثم بابل . واختلف فيمن اختط دمشق ؛ فقيل : إن نوحا عليه السلام اختطها بعد ~~حران . وقيل : نزل جيرون بن سعد بت عاد بن عوص ms4095 دمشق ، وبنى مدينتهم وسماها ~~جيرون . PageV19P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" وقيل : هي إرم ذات العماد . وقيل : إن جيرون ~~وبريد كانا أخوين ، وهما ابنا سعد بن لقمان بن عاد ، وهما اللذان يعرف ~~جيرون وباب البريد بدمشق بهما . وعن وهب بن منبه ، قال : دمشق بناها العازر ~~غلام إبراهيم الخليل ، وكان حبشيا ، وهبه له نمرود حين خرج إبراهيم من ~~النار ، وكان اسم الغلام دمشق ، فسماها على اسمه ، وكان إبراهيم جعله إلى ~~كل شيء له ، وسكنها الروم بعد ذلك بزمان . وقيل : إن بيوراسب الملك بنى ~~مدينة بابل ، وبنى مدينة صور ، وبنى مدينة دمشق . وقيل : كان زمن معاوية ~~رجل صالح بدمشق ، كان الخضر عليه السلام يأتيه في أوقات ، فبلغ ذلك معاوية ~~، فجاء إلى الرجل وسأله أن يجمع بينه وبين الخضر ، فذكر الرجل ذلك للخضر ، ~~فأبى ؛ فقال معاوية : قل له : قد قعدنا مع من هو خير منك ؛ وحدثناه ، وهو ~~محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لكن أساله عن ابتداء بناء دمشق كيف كان ، ~~فسأله ؛ فقال : نعم صرت إليها ، فرأيت موضعها بحرا مستجمعا فيه المياه ، ثم ~~غبت عنها خمسمائة سنة ، ثم صرت إليها فرأيتها غيضة ، ثم غبت عنها خمسمائة ~~سنة ، ثم صرت إليها ، فرأيتها بحرا كعادتها الأولى ، ثم غبت عنها خمسمائة ~~عام ، وصرت إليها فرأيتها قد ابتدئ فيها بالبناء ونفر يسير فيها . وعن أبي ~~البختري قال : ولد إبراهيم عليه السلام على رأس ثلاثة آلاف ومائة وخمسين ~~سنة من جملة الدهر الذي هو سبعة آلاف سنة ، وذلك بعد بنيان دمشق بخمس سنين ~~، وقال : جيرون عند باب مدينة دمشق من بناء سليمان ، بنته الشياطين ، وكان ~~الشيطان الذي بناه يقال له : جيرون فسمي به . وقيل : إن دمشق بناها دمشقين ~~غلام كان مع الاسكندر . PageV19P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" وقيل : إن الذي بنى دمشق بناها على الكواكب ~~السبعة ، وجعل لها سبعة أبواب ، وصور على باب كيسان زحل ، وقيل : وجد في ~~كتاب : باب كيسان لزحل ، وباب شرقي للشمس ، وباب توما للزهرة ، وباب الصغير ~~للمشتري ، وباب الجابية للمريخ ، وباب الفراديس لعطارد ، وباب الفراديس ~~الآخر المسدود للقمر . وقيل : إن ms4096 ملك مصر بنى حصن دمشق ؛ الذي هو حول ~~المسجد ، وداخل المدينة على مساحة مسجد بيت المقدس ، وحمل أبواب مسجد بيت ~~المقدس ، فوضعها على أبوابه ؛ فهذه الأبواب التي على الحصن هي أبواب بيت ~~المقدس . حكاه أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي المعروف بابن ~~عساكر في تاريخ دمشق . ذكر غزوة فحل وفحل بكسر الفاء وسكون الحاء المهملة ~~وبعده لام ، وهو بلد معروف بغور الشام . قال : لما فتحت دمشق في سنة ثلاث ~~عشرة استخلف أبو عبيدة عليه يزيد بن أبي سفيان ، وسار إلى فحل ، وكان أهل ~~فحل قد قصدوا بيسان . وكانت العرب تسمي هذه الغزوة ذات الردغة وبيسان وفحل ~~. وكان خالد بن الوليد على المقدمة ، وعلى الناس شرحبيل بن حسنة وعلى ~~المجنبتين أبو عبيدة وعمرو بن العاص ، وعلى الخيل ضرار بن الأزور ، وعلى ~~الرجل عياض بن غنم . فنزل شرحبيل بالناس على فحل ، وبينهم وبين الروم تلك ~~الأوحال ، وكتبوا إلى عمر ، وأقاموا ينتظرون جوابه ، فخرج عليهم الروم ، ~~وعليهم سقلار بن مخراق فأتوهم ، والمسلمون حذرون ، وكان شرحبيل لا يبيت ولا ~~يصبح إلا على تعبئة ؛ فاقتتلوا قتالا شديدا حتى الصباح ، ويومهم إلى الليل ~~، فانهزم الروم ، وقد اظلم الليل عليهم ، فحاروا ، وأصيب رئيسهم سقلار ~~والذي يليه فيهم نسطورس ، وظفر المسلمون بهم ، وركبوهم ، فلم يعرف الروم ~~ماخذهم ، فانتهت بهم الهزيمة إلى تلك الأوحال PageV19P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" التي كانوا أعدوها مكيدة للمسلمين ، فلحقهم ~~المسلمون ، فوخزوهم بالرماح ، فكانت الهزيمة بفحل ، والقتل بالرداغ ، ~~فأصيبت الروم ، وهم ثمانون ألفا ، لم يفلت منهم إلا الشريد ، فصنع الله ~~للمسلمين وهم كارهون ؛ كرهوا البثوق والأوحال ، فكانت عونا لهم على عدوهم ، ~~وغنموا أموالهم ، وانصرف أبو عبيدة وخالد بن الوليد إلى حمص . وقد اختلف في ~~فتح فحل ودمشق ، وذكروا أن المسلمين لما فرغوا من أجنادين على راي من جعلها ~~بعد اليرموك ؛ اجتمع الروم بفحل ، فقصدها المسلمون فحاصروها وفتحت ، وكانت ~~فحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة ، وفتح دمشق في شهر رجب سنة أربع عشرة . ~~وقيل : كانت وقعة اليرموك في سنة خمس عشرة ، ولم يكن ms4097 للروم بعدها وقعة . ~~والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب . ذكر فتح بلاد ساحل دمشق هذه الفتح ~~أورده ابن الأثير في حوادث سنة ثلاث عشرة ، قال : لما استخلف أبو عبيدة ~~يزيد بن أبي سفيان على دمشق ، وسار إلى فحل ، وسار يزيد إلى مدينة صيداء ~~وبيروت ، وجبيل وعرقة ، وعلى مقدمته أخوه معاوية ، ففتحها فتحا يسيرا ، ~~وجلا كثير من أهلها ، وتولى فتح عرقة معاوية بنفسه في ولاية يزيد . ثم غلب ~~الروم على بعض هذه السواحل في آخر خلافة عمر ، وأول خلافة عثمان ، وفتحها ~~معاوية ، ثم رمها وشحنها بالمقاتلة . ذكر فتح بيسان وطبرية قال : لما قصد ~~أبو عبيدة حمص من فحل ، أرسل شرحبيل ومن معه إلى بيسان ، فقاتلوا أهلها ، ~~وقتلوا منها خلقا كثيرا ، ثم صالحهم من بقي على صلح دمشق ، وكان أبو عبيدة ~~قد بعث بالأعور إلى طبرية ، فصالحه أهلها على صلح دمشق أيضا ، وأن يشاطروا ~~المسلمين المنازل ، فنزلها الناس ، وكتبوا بالفتح إلى عمر بن الخطاب ، رضي ~~الله عنه . PageV19P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" ذكر الوقعة بمرج الروم كان هذه الوقعة في سنة ~~خمس عشرة ؛ وذلك أن أبا عبيدة وخالدا سارا بمن معهما إلى حمص ، فنزلا على ~~ذي الكلاع ، وبلغ هرقل الخبر فبعث توذر البطريق حتى نزل بمرج الروم غرب ~~دمشق ، ونزل أبو عبيدة بالمرج أيضا ، ونازله يوم نزول شنس الرومي في مثل ~~خيل توذر مددا لتوذر ، وردءا لأهل حمص ، فكان خالد بإزاء توذر ، وأبو عبيدة ~~بإزاء شنس ، فسار توذر يقصد دمشق ، فأتبعه خالد في جريدة وبلغ يزيد بن أبي ~~سفيان الخبر ، فاستقبله فاقتتلوا ، ولحق بهم خالد فأخذهم من خلفهم ، فقتل ~~توذر ، ولم يفلت من عسكره إلا الشريد ، وغنم المسلمون معهم ، فقسمه يزيد في ~~أصحابه وأصحاب خالد ، وعاد يزيد إلى دمشق ، ورجع خالد إلى عبيدة ، فوجده قد ~~قاتل شنس بمرج الروم ، فقتلت الروم مقتلة عظيمة ، وقتل شنس ، وتبعهم ~~المسلمون إلى حمص بالسير إليها ، وسار هو إلى الريف ، وسار أبو عبيدة إلى ~~حمص . ذكر فتح بعلبك وحمص وحماة وشيرز ومعرة النعمان وسلمية واللاذقية ~~وأنطرسوس قال : وفي سنة خمس ms4098 عشرة سار أبو عبيدة إلى حمص بعد وقعة ملك الروم ~~، فسلك طريق بعلبك وحصرها ، فطلب أهلها الأمان فأمنهم وصالحهم ، وسار عنهم ~~ونزل حمص ومعه خالد بن الوليد ، فقاتل أهلها ، ولقي المسلمون بردا شديدا ، ~~وحاصر الروم حصارا طويلا ، وكان هرقل قد أرسل إليهم يعدهم المدد ، وأمر أهل ~~الجزيرة جميعها بالتجهيز إلى حمص ، وسير سعد بن أبي وقاص السرايا من العراق ~~إلى هيت فحصرها ، وسار بعضهم إلى قرقيسياء فتفرق أهل الجزيرة ، وعادوا عن ~~نجدة أهل حمص ، وكان أهل حمص يقولون : تمسكوا بالمدينة فإنهم حفاة ، فإذا ~~أصابهم البرد تقطعت أقدامهم ، فكانت أقدام الروم تسقط ولا يسقط للمسلمين ~~أصبع ، فلما خرج الشتاء قام شيخ من الروم ، ودعاهم إلى مصالحة المسلمين ، ~~فلم يجيبوه ، وقام آخر فلم يجيبوه ، فكبر المسلمون تكبيرة فانهدم كثير من ~~دور حمص ، وتزلزلت PageV19P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" حيطانهم ، وكبروا الثانية والثالثة ، فأصابهم ~~أعظم من ذلك ، وخرج أهلها يطلبون الصلح ، ولم يعلم المسلمون بما حدث فيهم ، ~~فصالحوهم على صلح دمشق . وأنزلها أبو عبيدة السمط بن الأسود الكندي في بني ~~معاوية ، والاشعث بن ميناس في السكون ، والمقداد في بلي ؛ وغيرهم ، وبعث ~~بالأخماس إلى عمر مع عبد الله بن مسعود . ثم استخلف أبو عبيدة على حمص ~~عبادة بن الصامت . وسار إلى حماة ، فتلقاه أهلها مذعنين ، فصالحهم على ~~الجزية عن رءوسهم ، والخراج عن ارضهم ، ومضى نحو شيزر ، فخرجوا إليه ~~فصالحهم على مثل صلح أهل حماة . وسار إلى معرة النعمان - وكانت تعرف بمعرة ~~حمص ، ونسبت بعد ذلك إلى النعمان بن بشير الأنصاري ، فصالحوه على مثل صلح ~~أهل حمص . ثم اتى اللاذقية فقاتله أهلها ، وكان لها باب عظيم يفتحه جمع من ~~الناس ، فعسكر المسلمون على بعد منها ، ثم أمر فحفر حفائر عظيمة ، تستر ~~الحفرة منها الفارسين ، ثم أظهروا أنهم عائدون عنها ، ورحلوا ، فلما أجنهم ~~الليل عادوا ، واستتروا في تلك الحفائر ، وأصبح أهل اللاذقية وهم يرون أن ~~المسلمين قد انصرفوا ، فأخرجوا سرحهم ، وانتشروا بظاهر البلد ، فلم يرعهم ~~إلا والمسلمون يصيحون بهم ، ودخلوا المدينة معهم ، وملكت عنوة ، وهرب قوم ~~من النصارى ms4099 ، ثم طلبوا الأمان على أن يرجعوا إلى أرضهم على خراج يؤدونه ~~قلوا أو كثروا ، فردت لهم كنيستهم ، وبنى المسلمون بها مسجدا جامعا ؛ بناه ~~عباده بن الصامت ، ثم وسع فيه بعد ذلك . ولما فتح المسلمون اللاذقية جلا ~~اهل جبلة من الروم عنها ، وفتح المسلمون مع عبادة بن الصامت أنطرسوس ، وكان ~~حصنا فجلا عنه أهله ، وبنى معاوية أنطرسوس ومصرها ، وأقطع بها القطائع ~~للمقاتلة ، وكذلك فعل ببانياس ، وفتحت سلمية ؛ وقيل : إنها سميت سلمية لأنه ~~كان بقربها مدينة تدعى المؤتفكة ، انقلبت بأهلها ، ولم يسلم منها غير مائة ~~نفس ، فبنوا لأنفسهم مائة منزل ، وسميت " سل مائة " ، ثم حرفها الناس . ~~فقالوا : سلمية ، ثم مصرها صالح بن علي بن عبد الله بن عباس . PageV19P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" ذكر فتح قنسرين ودخول هرقل القسطنطينية وما ~~تكلم به عند ذلك قال : ثم أرسل أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى قنسرين ، فلما ~~زحف ونزل الحاضر زحف إليه الروم ، وعليهم ميناس ، وكان أعظمهم بعد هرقل ، ~~فقتل هو ومن معه على دم واحد . وسار خالد حتى نزل قنسرين فتحصن أهلها منه ، ~~ثم صالحوه على صلح أهل حمص ، فأبى خالد إلى إخراب المدينة ، ثم صالحوه على ~~صلح أهل حمص ، فأبى خالد إلا إخراب المدينة ، فأخربها ، فلما بلغ ذلك هرقل ~~- وكان بالرها - سار إلى سميساط ، ثم منها إلى القسطنطينية ، ولما سار علا ~~نشزا ، ثم التفت إلى الشام . فقال : سلام عليك ياسورية ، سلام لا اجتماع ~~بعده ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا ، حتى يولد الولد المشئوم وليته لا ~~يولد ، فما أحلى فعله ، وأمر فتنته على الروم . ثم سار وأخذ أهل الحصون ~~التي بين إسكندرونة وطرسوس معه لئلا يسير المسلمون في عمارة ما بين إنطاكية ~~وبلاد الروم ، وخلت تلك الحصون وشتتها هرقل ، فكان المسلمون إذا مروا بها ~~لا يجدون بها أحدا ، وربما كمن عندها الروم ، فأصابوا غرة ممن يتخلف من ~~المسلمين ، فاحتاط المسلمون لذلك . والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المآب ~~ذكر فتح حلب وإنطاكية وغيرهما من العواصم وهي سرمين ، وقورس ، وتل عزاز ، ~~ومنبج ودلوك ، ورعبان ، وبالس ms4100 ، وقاصرين ، وجرجومة ، ودرب بغراس ، ومرعش ، ~~وحصن الحدث . قال : ولما فرغ أبو عبيدة من قنسرين سار إلى حلب فلبغه أن أهل ~~قنسرين مضوا ، وغدروا ، فوجه إليهم السمط الكندي فحصرهم وفتحها ، ووصل أبو ~~عبيدة إلى حاضر حلب ، وهو قريب منها يجمع أصنافا من العرب ، فصالحهم على ~~الجزية ، ثم أسلمو بعد ذلك ، PageV19P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" وأتى حلب وعلى مقدمته عياض بن الفهري ، فتحصن ~~أهلها ، وحصرهم المسلمون ، فلم يلبثوا أن طلبوا الصلح والأمان على أنفسهم ~~وأولادهم ومدينتهم وحصنهم وكنائسهم ، فأعطوا ذلك ، واستثنى عليهم موضع ~~المسجد . وكان عياض بن غنم هو الذي صالح ، فأجاز أبو عبيدة ذلك . وقيل : ~~صولحوا على أن يقاسموا منازلهم وكنائسهم ، وقد قيل : إن أبا عبيدة لم يصادف ~~بحلب أحدا ؛ لأن أهلها انتقلوا إلى انطاكية ، وتراسلوا في الصلح ، فلما تم ~~الصلح رجعوا ، وسار إلى أبو عبيدة من حلب إلى أنطاكية ، وقد تحصن بها خلق ~~كثير من قنسرين وغيرها ، فلما فارقها لقيها جمع العدو فهزمهم ، وألجأهم إلى ~~المدينة ، وحصرها من نواحيها ، فصالحوه على الجزية أو الجلاء ، فجلا بعضهم ~~واقام بعضهم ثم نقضوا ، فوجه إليهم عياض بن غنم وحبيب بن مسلمة ، ففتحاها ~~على الصلح الأول . وكان انطاكية عظيمة الذكر عند المسلمين ، فلما فتحت كتب ~~عمر إلى أبي عبيدة أن يرتب جماعة من المسلمين بها مرابطة ، ولا يحبس عنهم ~~العطاء . وبلغ أبا عبيدة أن جمعا من الروم بين معرة مصرين وحلب ، فسار ~~إليهم فهزمهم ، وقتل عدة من البطارقة ، وسبى وغنم ، وفتح معرة مصرين على ~~مثل صلح حلب ، وجالت خيوله ، فبلغت بوقة ، وفتحت قرى الجومة وسرمين وتبرين ~~، وغلبوا على جميع أرض قنسرين وأنطاكية . ثم أتى أبو عبيدة حلب ، وقد التاث ~~أهلها ، فلم يزل بهم حتى أذعنوا وفتحوا المدينة ، وسار يريد قورس ، وعلى ~~مقدمته عياض بن غنم ، فلقيه راهب من أهلها ، فسأله الصلح ، فبعث به إلى أبي ~~عبيدة ، فصالحه على صلح أنطاكية ، وبث خيله ، فغلبوا على جمع أرض قورس ، ~~وفتح تل عزاز . وكان سلمان بن ربيعة الباهلي في جيش أبي عبيدة ، فنزل من ~~حصن بقورس ، يعرف بحصن ms4101 سلمان ، ثم سار أبو عبيدة منبج ، وعياض على مقدمته ، ~~فلحقه ، وقد صالح أهلها على مثل صلح أهل منبج ، واشترط عليهم أن يخبروا ~~المسلمين بخبر الروم . وولى أبو عبيدة كل كورة فتحها عاملا ، وضم إليه ~~جماعة ، وشحن النواحي PageV19P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" المخوفة ، وسار إلى بالسن وبعث جيشا مع حبيب ~~بن مسلمة إلى قاصرين فصالحه أهلها على الجزية والجلاء ، فجلا أكثرهم إلى ~~بلاد الروم ، وأرض الجزيرة ، واستولى المسلمون على الشام من هذه الناحية ~~إلى الفرات ، وعاد أبو عبيدة إلى جهة فلسطين وكان بجبل اللكام مدينة يقال ~~لها : جرجومة ، ففتحها حبيب من انطاكية صلحا على أن يكونوا أعوانا للمسلمين ~~، وسير أبو عبيدة جيشا مع ميسرة بن مسروق العبسي ، فسلكوا درب بغراس من ~~اعمال انطاكية إلى بلاد الروم ، وهو أول من سلكه ، فلقي جمعا من الروم ، ~~ومعهم عرب من غسان وتنوخ وإياد يريدون اللحاق بهرقل فأوقع مع خالد بن ~~الوليد ، ففتحها بالأمان على إجلاء أهلها ، فجلاهم وأخربها ، وسير جيشا مع ~~حبيب بن مسلمة إلى حصن الحدث ففتحه ؛ وإنما سمى الحدث لأن المسلمين لقوا ~~عليه غلاما حدثا ، فقاتلهم في أصحابه ، فقيل : درب الحدث . وقيل : لأن ~~المسلمين أصيبوا به فسمي بذلك ، وكان بنو أمية يسمونه درب السلامة ، والله ~~أعلم . ذكر فتح قيسارية وحصن غزة وفي سنة خمس عشرة أيضا فتحت قيسارية . ~~وقيل في سنة تسع عشرة ، وقيل : سنة عشرين ، وذلك أن عمر رضي الله عنه كتب ~~إلى يزيد بن أبي سفيان : أن يرسل معاوية أخاه إلى قيسارية ، وكتب عمر إلى ~~معاوية يأمره بذلك ، فسار معاوية إليها وحصر أهلها ، فرجعوا إليه ، وقاتلوه ~~، فبلغت قتلاهم في المعركة ثمانين ألفا ، ثم كملت في الهزيمة مائة ألف ~~وفتحها ، وكان علقمة بن مجزز قد حصر القيقار بغزة وجعل يراسله فلم يشفه أحد ~~مما يريد ، فاتاه كأنه رسول علقمة وكلمه ، فأمر القيقار رجلا أن يقعد له في ~~الطريق ، فإذا مر به قتله ، ففطن به علقمة ، فقال : إن معي نفرا يشركونني ~~في الرأي فانطلق فآتيك بهم ، فبعث القيقار إلى ذلك الرجل ألا يتعرض ms4102 له . ~~فخرج علقمة من عنده ، ولم يعد إليه ، وفعل كما فعل عمرو بن العاص رضي الله ~~عنه مع الأرطبون . PageV19P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" ذكر بيسان ووقعة أجنادين وفتح غزة وسبسطية ~~ونابلس وتبني واللد وعمواس وبيت جبرين ويافا قال : لما انصرف أبو عبيدة ~~وخالد بن الوليد بعد فحل إلى حمص - كما قدمنا - نزل عمر بن العاص وشرحبيل ~~بن حسنة على بيسان فافتتحها ، وصالحه أهل الأردن ، واجتمع عسكر الروم بغزة ~~وأجنادين وبيسان إلى الأرطبون بأجنادين ، فسار عمرو وشرحبيل إليهم بها ، ~~واستخلف عمرو على الأردن أبا الأعور ، وكان الأرطبون أدهىالروم وأبعدها ~~غورا ، وكان قد وضع بالرملة جندا عظيما ، وبإيلياء كذلك ، فلما بلغ عمر بن ~~الخطاب الخبر قال : قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب ، فانظروا عم ~~تنفرج . وان معاوية قد شغل أهل قيسارية عن عمرو ، وجعل عمرو علقمة بن حكيم ~~، مسروقا العكى على قتال أهل إيلياء ، فشغلوا من بهاعنه ، وتتابعت الأمداد ~~من عمر رضي الله عنه إلى عمرو ، فأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من ~~الأرطبون على شيء ، ولا تشفيه الرسل ، فسار إليه بنفسه ، ودخل إليه كأنه ~~رسول ، ففطن به أرطبون ، وقال : لاشك أن هذا الأمير ، أو من يأخذ الأمير ~~برأيه ، فأمر إنسانا أن يقعد على طريقه ، فإذا مر به يقتله ، فأدرك عمرو ، ~~فقال له : قد سمعت مني ، وسمعت منك ، وقد وقع قولك مني بموقع ، وأنا واحد ~~من عشرة ، بعثنا عمر إلى هذا الوالي لنكاتفه فأرجع وآتيك بهم ، فإن رأوا ما ~~رأيت فقد رآه الأمير وأهل العسكر ، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم . فقال : ~~نعم ، ورد الرجل الذي أمره بقتله ، فخرج عمرو من عنده ، وعلم الرومي بعد ~~مفارقته أن خدعه . فقال : هذا أدهى الخلق ، وبلغت هذه الواقعة عمر . فقال : ~~لله در عمرو ثم التقوا ، واقتتلوا بأجنادين قتالا شديدا كقتال اليرموك ، ~~فانهزم أرطبون إلى إيلياء ، ففتح عمرو غزة ، وقيل : فتحت غزة في خلافة أبي ~~بكر رضي الله عنه ، وثم فتح سبسطية ونابلس بأمان على الجزية ، وفتح مدينة ~~لدوتبني وعمواس ، وبيت جبرين ويافا . وقيل : فتحها معاوية رضي ms4103 الله عنه ، ~~وفتح رفح . والله سبحانه وتعالى أعلم PageV19P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" ذكر فتح بيت المقدس وهو إيلياء كان فتح بيت ~~المقدس على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، سنة خمس عشرة . وقيل : ست عشرة ~~، وذلك أن عمرو بن العاص لما فتح هذه الجهات التي ذكرناها ، أرسل إلى ~~أرطبون رجلا يتكلم بالرومية . وقال له : اسمع مايقول ، وكتب معه كتابا ، ~~فوصل إليه ، وأعطاه الكتاب ، وعنده وزراءه ، فقل لهم : لا يفتح عمرو شيئا ~~من فلسطين بعد أجنادين . فقالوا له : من أين علمت ذلك ؟ فقال : صاحبها صفته ~~كذا وكذا ، وذكر صفة عمر ، فعاد رسول الله إلى عمرو ، وأخبره بذلك ، فكتب ~~عمرو رضي الله عنهما ، يقول : إني أعالج عدوا شديدا ، وبلادا قد أدخرت لك ، ~~فرأيك . فعلم عمر أن عمرا لم يقل ذلك إلا لشيء سمعه ، فسار عن المدينة وقيل ~~: كان سبب قدوم عمر إلى الشام ، أن أبا عبيدة حصر بيت المقدس ، فطلب أهله ~~أن يصالحهم على صلح أهل مدن الشام ، وأن يكون المتولي للعقد عمر بن الخطاب ~~، فكتب إليه بذلك ، فسار عن المدينة ، واستخلف عليها علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه ، وكتب عمر إلى امراء الأجناد بموافاته بالجابية ليوم سماه لهم ، ~~وأن يستخلفوا على أعمالهم ، فوافوه ، وكان أول من لقيهم يزيد بن أبي سفيان ~~وأبو عبيدة ثم خالد بن الوليد على الخيول ، عليهم الديباج والحرير ، فنزل ~~عن فرسه ، ورماهم بالحجارة ، وقال : ما أسرع ما رجعتم عن رأيكم إياي ~~تستقبلوني في هذا الزي وإنما شبعتم منذ سنتين ، وتالله لوفعلتم ذلك على رأس ~~المائتين لاستبدلت بكم غيركم . فاعتذزوا بالسلاح ، ودخل عر الجابية وعمرو ~~وشرحبيل لم يقدما عليه ، فبينما عمر بالجابية إذ فزع الناس إلى السلاح . ~~فقال : ماشأنكم ؟ قالوا : ألا ترى إلى الخيول والسيوف فنظر فإذا كردوسة ، ~~فقال : مستأمنة فلا تراعوا ، فإذا هم أهل إيلياء يصالحونه على الجزية ، ~~وكان الذي صالحه العوام ، لأن أرطبون والتذارق دخلا مصر لما بلغهما مقدم ~~عمر . وأخذوا كتابة على إيلياء وحيزها ، والرملة وحيزها . وجعل عمر رضي ~~الله عنه علقمة بن مجزز ms4104 على نصفها الآخر ، وأسكنه إيلياء ، وضم عمرو بن ~~العاص وشرحبيل إليه بالجابية ، فلقياه راكبا ، فقبلا ركبته ، فضم كل واحد ~~منهما محتضنا ، ثم PageV19P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" سار إلى البيت المقدس وركب فرسه ، فرأى به ~~عرجا ، فنزل عنه ، وأتى ببرذون فركبه ، فجعل يتجلجل به ، فنزل وضرب وجهه ~~وقال : لا أعلم من علمك الخيلاء ؟ ثم لم يركب برذونا بعده ، ولا كان ركبه ~~قبله ، وفتحت إيلياء على يديه ، ولحق أرطبون ومن أبي الصلح بمصر ، فلما ~~ملكها المسلمون قتل . وقيل : بل لحق بالروم ، فكان على صوائفهم ، والتقى هو ~~وصاحب صائفة المسلمين ، ومع المسلمين رجل من قريش ، فقطع أرطبون يده ، ~~وقتله القرشي ، وفيه يقول : فإن يكن أرطبون الروم أفسدها . . . فإن فيها ~~بحمد الله منتفعا وإن يكن أرطبون الروم قطعها . . . فقد تركت بها أوصاله ~~قطعا ذكر خبر حمص حين قصد هرقل من بها من المسلمين قال : وفي سنة سبع عشرة ~~قصد الروم أبا عبيدة بن الجراح ، ومن معه من المسلمين بحمص ، وكان المهيج ~~للروم على ذلك أن أهل الجزيرة أرسلوا إلى ملكهم ، وبعثوه على إرسال الجنود ~~إلى الشام ووعدوه المعونة بأنفسهم . ففعل ذلك . فلما سمع المسلمون ~~باجتماعهم ، ضم أبو عبيدة إليه مسالحه ، وعسكر بفناء مدينة حمص ، وأقبل ~~خالد من قنسرين إليهم ، فاستشاره أبو عبيدة في الناجزة أو التحصن ، فأشار ~~بالمناجزة ، وأشار سائرهم بالتحصين ومكاتبة عمر ، فأطاعهم ، وكتب إلى عمر ~~بذلك . وكان عمر قد اتخذ بكل مصر خيولا على قدره من فضول أموال المسلمين ~~عدة لكون إن كان ، فكان بالكوفة أربعة آلاف فرس ، والقيم عليها سلمان بن ~~ربيعة الباهلي ، وفي كل مصر من الأمصار الثمانية على قدره ، فإن كانت ثابتة ~~ركبها المسلمون وساروا إلى أن يتجهز الناس . PageV19P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" وكتب عمرو إلى سعد بن أبي وقاص : أن أندب ~~الناس مع القعقاع بن عمرو وسرحهم من يومهم ؛ فإن أبا عبيدة قد أحيط به . ~~وكتب إليه أيضا : سرح سهيل بن عدي إلى الرقة ؛ فإن أهل الجزيرة هم الذين ~~استثاروا الروم على أهل حمص ، وأمره أن يسرح عبد الله بن ms4105 عتبان إلى نصيبين ~~، ثم ليقصدا حران والرها ، وأن يسرح عياض بن غنم ، فإن كانت حرب فأمرهم إلى ~~عياض . فمضى القعقاع في أربعة آلاف من يومه نحو حمص . وخرج عياض بن غنم ومن ~~ندب إلى الجزيرة ، وتوجه كل أمير منهم إلى الكورة التي أمر عليها ، وخرج ~~عمر من المدينة ، وأتى الجابية إعانة لأبي عبيدة ، فلما بلغ أهل الجزيرة ~~الذي أعانوا الروم على أهل حمص خبر الجنود الإسلامية تفرقوا إلى بلادهم ، ~~فأشار خالد على أبي عبيدة بالخروج إلى الروم ، فخرج إليهم وقاتلهم ، وفتح ~~الله عليه ، وقدم القعقاع بعد ثلاثة أيام ، فكتبوا إلى عمر بالفتح وبقدوم ~~المدد عليهم والحكم في ذلك . فكتب إليهم : أن أشركوهم في المغنم ، فإنهم ~~نفروا إليكم ، وانفرق لهم عدوكم ، وقال : جزى الله أهل الكوفة خيرا ؛ يكفون ~~حوزتهم ويمدون الأمصار ؛ فلما فرغوا رجعوا . والله أعلم ، حسبنا الله ونعم ~~الوكيل . ذكر فتح الجزيرة وأرمينية قد اختلف أصحاب التواريخ في فتح الجزيرة ~~وأرمينية ، فمنهم من يقول : إن ذلك من فتوح أهل العراق ، ومنهم من يقول : ~~إنها من فتوح أهل الشام . والأكثر على أنها من فتوح أهل الشام ، ونحن نذكر ~~القولين إن شاء الله تعالى : فأما من قال : إنها من فتوح العراق فإنه يقول ~~: إن سعد بن أبي وقاص لما أمره رضي الله عنه أن يبعث الجنود التي ذكرناها ~~آنفا إلى نصيبين وحران والرها والجزيرة مع من ذكرنا ، وإن كان قتال فأمرهم ~~إلى عياض بن غنم ، فخرج عياض ومن PageV19P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" معه ؛ فأرسل سهيل بن عدي إلى الرقة ، فصالحوه ~~على الذمة ، وخرج عبد الله بن عتبان على الموصل إلى نصيبين ، فلقوه وفعلوا ~~كفعل أهل الرقة ، وخرج الوليد بن عقبة ، فقدم على عرب الجزيرة من ربيعة ~~وتنوخ ، فنهض معهم مسلمهم وكافرهم إلا إياد بن نزار ، فإنهم دخلوا إلى أرض ~~الروم ، ولما أخذوا الرقة ونصيبين ضم عياض إليه سهيلا وعبد الله ، وسار ~~بالناس إلى حران ، فأجابه أهلها إلى الجزية ، فقبل منهم . ثم إن عياضا سرح ~~سهيلا وعبد الله إلى الرها ، فأجابوهما إلى الجزية ، وأجروا ms4106 كل ماأخذوا من ~~الجزيرة عنوة مجرى الذمة ، فكانت الجزيرة أسهل البلدان فتحا ، ورجع سهيل ~~وعبد الله إلى الكوفة . قال : ولما بلغ عمر رضي الله عنه أن إيادا دخلت ~~الروم ، كتب إلى ملك الروم يتهدده إن لم يخرجهم ، فأخرجهم ، فخرج منهم ~~اربعة آلاف ، وتفرقت بقيتهم ممايلي الشام والجزيرة من أرض الروم ، فكل ~~إيادي في أرض العرب من أولئك الأربعة آلاف . وفال أبن إسحاق : إن فتح ~~الجزيرة كان في سنة تسع عشرة ، وقال : إن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص : ~~إذا فتح الشام والعراق فابعث جندا إلى الجزيرة ، فبعث عياض بن غنم ، وبعث ~~معه جيشا فيه أبو موسى الأشعري ، وعمر بن سعد ليس له في الأمر شيء ، فسار ~~عياض ونزل على الرها ، فصالحه أهلها وأهل حران ، ثم بعث أبا موسى الاشعري ~~إلى نصيبين فافتتحها ، وسار عياض إلى دارا فافتتحها . ووجه عثمان بن أبي ~~العاص إلى أرمينية الرابعة فقاتل أهلها ، ثم صالحوه على الجزية ، فعلى هذه ~~الأقوال تكون الجزيرة وإرمينية من فتوح العراق . وأما من قال إنها من فتوح ~~الشام ، فإنه يقول : إن أبا عبيدة سير عياض بن غنم إليها فافتتحها ، وكان ~~قد كتب إلى عمر بن الخطاب بعد انصرافه من الجابية يسأله أن يضم إليه عياض ~~بن غنم - إذا أخذ خالد بن الوليد إلى المدينة - فصرفه إليه ، فسيره أبو ~~عبيدة إلى المدينة ففتحها ، وذلك في سنة سبع عشرة . وقيل : إن أبا عبيدة ~~لما توفي استخلف عياضا فورد عليه كتاب عمر بولاية حمص وقنسرين والجزيرة ، ~~فسار إلى الجزيرة في سنة ثماني عشرة للنصف من شعبان في خمسة آلاف ، وعلى ~~ميمنته سعيد بن عامر الجمحي ، وعلى ميسرته صفوا بن المعطل ، وعلى مقدمته ~~ميسرة بن مسروق ، فانتهت طليعة عياض إلى الرقة ، فأغاروا على الفلاحين ، ~~وحصروا المدينة ، بث عياض السرايا ، فأتوه بالأسرى والأطعمة ، وحصرها ستة ~~أيام ، فطلب أهلها الصلح ، فصالحهم على أنفسهم وذراريهم وأموالهم ~~PageV19P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" ومدينتهم . وقال عياض : الأرض لنا ، قد ~~وطئناها وملكناها ، فأقرها في أيديهم على الخراج ، ووضع عنهم الجزية . ثم ~~سار ms4107 إلى حران فجعل عليها عسكرا ، عليهم صفوان وحبيب بن مسلمة ، فحصراها ، ~~وسار هو إلى الرها ، فقاتله أهلها ثم انهزموا ، فحصرهم في مدينتهم ، فطلبوا ~~الصلح فصالحهم ، وعاد إلى حران ، فوجد صفوان وحبيبا قد غلبا على حصون وقرى ~~من أعمالها ، فصالحه أهل حران على مثل صلح الرها ، وفتح سميساط ، وأتى سروج ~~وراس كيفا والأرض البيضاء ، فصالحه أهلها على مثل صلح الرها ، ثم غدر أهل ~~سمسياط ، فرجع إليهم وفتحها ، ثم أتى قربات الفرات ، وهي جسر منبج ومايليها ~~ففتحها ، وبعث حبيب بن مسلمة إلى ملطية ففتحها عنوة ، على يد حبيب أيضا ، ~~وركب فيها جندا من المسلمين مع عاملها ، قال : وسار عياض إلى راس عين ، وهي ~~عين الوردة ، فامتنعت عليه ، فتركها ، وسار إلى تل موزن ففتحها على صلح ~~الرها سنة تسع عشرة . وسار إلى آمد ، فصالحه أهلها بعد قتال ، وفتح ~~ميافارقين على صلح الرها ثم سار إلى نصيبينن ، فقاتله أهلها ، ثم صالحوه ~~على مثل ذلك ، وفتح طور عبدين ، وحصن ماردين . وقصد الموصل ، ففتح أحد ~~الحصنين . وقيل : لم يصلها ، وأتاه بطريق الزوزان فصالحه ، ثم سار إلى أرزن ~~ففتحها ، ودخل الدرب إلى بدليس ، وبلغ خلاط فصالحه بطريقها ، وانتهى إلى ~~العين الحامضة من إرمينية ، ثم عاد إلى الرقة ومضى منها إلى مدينة حمص ، ~~ومات في سنة عشرين ؛ فعلى هذا الخبر يكون ذلك من فتوح أهل الشام . وعلى كلا ~~القولين ففتحها على يد عياض بن غنم . قال : ولما مات عياض استعمل عمر بن ~~الخطاب سعيد بن عامر بن حذيم ، فلم يلبث إلا قليلا ومات ، فاستعمل عمير بن ~~سعد الأنصاري ، ففتح رأس عين بعد قتال شديد . وقيل : إن عياضا أرسل عمير بن ~~سعد إليها ففتحها . وقيل : إن عمر رضي الله عنه أرسل أبا موسى الاشعري إلى ~~رأس عين بعد وفاة عياض ، والله سبحانه وتعالى أعلم . PageV19P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" انتهى فتوح الشام في خلافة عمر رضي الله عنه ~~؛ فنذكر فتوح العراق ، وماوالاه . وإذا انتهت الفتوحات إي شاء الله تعالى ~~ذكرنا الغزوات إلى أرض الروم من الشام . ؟ ذكر فتوح العراقين وما والاها ms4108 من ~~بلاد فارس وغيرها وغزو الترك وفتح خراسان وسجستان وغير ذلك من الوقائع كان ~~ابتداء أمر العراق أن المثنى بن حارثة الشيباني قدم على أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه في مرضه الذي مات فيه ، فأوصى أبو بكر عمر بالمبادرة إلى إرسال ~~الجيوش معه إلى العراق ، فلما اصبح عمر من الليلة التي مات فيها أبو بكر ~~ندب الناس إلى الخروج مع المثنى بن حارثة ، ثم بايع الناس ، وندبهم وهو ~~يبايع ثلاثا ، فلم ينتدب أحد إلى فارس ، وكانوا أثقل الوجوه على المسلمين ، ~~وأكرهها إليهم لشدة سلطانهم وشوكتهم ، فلما كان اليوم الرابع ندب الناس إلى ~~العراق ، فكان أول منتدب أبو عبيدة بن مسعود الثقفي ، وهو والد المختار ، ~~وسعد بن عبيدة الأنصاري ، وسليط بن قيس ، وهو بدري . وتتابع الناس ، وتكلم ~~المثنى بن حارثة ، فقال : أيها الناس ، لا يعظمن عليكم هذا الوجه ، فإنا قد ~~فتحنا ريف فارس ، وغلبناهم على خير شقى السواد ، ونلنا منهم ، واجترأنا ~~عليهم ، ولها إن شاء الله ما بعدها . فاجتمع الناس . وقيل لعمر : أمر عليهم ~~رجلا من التابعين من المهاجرين والأنصار ، فقال : والله لا أفعل ، إنما ~~رفعهم الله تعالى بسبقهم ومسارعتهم إلى العدو ، فإذا فعل قوم ، وتثاقلوا هم ~~، وكان الذي ينفرون خفافا وثقالا ويسبقون أولى بالرياسة ، والله لاأومر ~~عليهم إلا أولهم انتدابا ، ثم دعا أبا عبيد وسعدا وسليطا . وقال لسعد وسليط ~~: لو سبقتماه لوليتكما ، وأمر أبا عبيد ، وقال له : اسمع من أصحاب رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأشركهم في الأمر ، ولم يمنعني أن أومر ~~سليطا إلا سرعته إلى الحرب ، في التسرع إلى الحرب ضياع ، وأوصى أبا عبيد ~~بجنده . PageV19P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" وأمر عمر المثنى بالتقدم حتى يقدم عليه ~~أصحابه ، وأمرهم باستنفار من حسن إسلامه من أهل الردة ، ففعلوا ، وسار ~~المثنى فقدم الحيرة في عشر ، وقدم أبو عبيد بعدة أشهر . والله سبحانه ~~وتعالى أعلم . وحسبنا الله ونعم الوكيل . ذكر وقعة النمارق كانت هذه الوقعة ~~في سنة ثلاث عشرة ، وذلك أن بوران كانت يومئذ على الفرس ، فأرسلت إلى رستم ~~بن الفرخزاد - وكان ms4109 على فرج خراسان - فحضر ، فتوجته ، ودعت مرازبه فارس أن ~~يسمعوا له ويطيعوا ، فدانت له فارس ، فكتب رستم إلى الدهاقين أن يثوروا ~~بالمسلمين ، وبعث في كل رستاق رجلا يثور بأهله ، فبعث جابان إلى فرات ~~بادقلي ، وبعث نرسي إلى كسكر ، وواعدهم يوما ، وبعث جندا لمصادمة المثنى ، ~~وبلغ المثنى الخبر فحذر ، وعجل جابان ونزل النمارق ، وثاروا ، وخرج أهل ~~الرساتيق من أعلى الفرات إلى أسفله ، وخرج المثنى ن الحيرة ، فنزل خفان ~~لئلا يؤتى من خلفه ، وأقام حتى قدم عليه أبو عبيد ، فلما قدم أقام أياما ~~ليستريح هو وأصحابه ، واجتمع إلى جابان بشر كثير بالنمارق ، فسار إليه أبو ~~عبيد ، وجعل المثنى على الخيل ، وكان على مجنبتي جابان جشنس ماه ومردانشاه ~~، فالتقوا واقتتلوا بالنمارق قتالا شديدا ، فهزم الله الفرس ، وأسر جابان ؛ ~~أسره مطرين فضة التيمي ، وأسر مردانشاه ، اسره أكتل بن شماخ العكلي فقتله ، ~~وأما جابان فإنه خدع مطرا ، وقال : هل لك أن تؤمني ، وأعطيك غلامين أمردين ~~خفيفتين في عملك ، وكذا وكذا ؟ فخلى عنه ، فأخذه المسلمون ، وأتوا به أبا ~~عبيد ، وأخبروه أنه جابان ، وأشاروا عليه بقتله ؛ فقال : إني أخاف الله أن ~~أقتله ، وقد أمنه رجل مسلم ، والمسلمون كالجسد الواحد ، مالزم بعضهم فقد ~~لزم كلهم ، وتركه . وأرسل في طلب من انهزم حتى أدخلوهم عسكر نرسي وقتلوا ~~منهم ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . PageV19P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" ذكر وقعة السقاطية بكسكر . ولما لحق من انهزم ~~من الفرس بكسكر وبها نرسي ، وهو ابن خالة الملك ، سار إبو عبيد إليهم من ~~النمارق ، والمثنى في تعبئته التي قاتل فيها ، وكان على مجنبتي نرسي بندويه ~~وتيرويه ابنا بسطام خال الملك ، ومعه اهل باروسما والزوابي ، وكانت بوران ~~ورستم قد بلغهما خبر هزيمة جابان ، فبعثا الجالينوس إلى نرسي مددا ، ~~فعالجهم أبو عبيد ، فالتقوا من مكان يدعى السقاطية ، فاقتتلوا قتالا شديدا ~~، ثم انهزمت الفرس ، وهرب نرسي وغلب المسلمون على عسكره وأرضه ، وجمعوا ~~الغنائم . وأقام أبو عبيد وبعث المثنى إلى باروسما ، وبعث والقا إلى ~~الزوابي ، وعاصما إلى نهر جور ، فهزموا من كان قد تجمع هناك ms4110 وأخربوا ، ~~وسبوا أهل زندورد وغيرها ، وبذل لهم فروخ وفرونداذ على أهل باروسما ~~والزوابي وكسكر ونهر جوبر الخراج معجلا ، فأجابوه إلى ذلك وصاروا صلحا . ~~والله سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد . ~~ذكر وقعة الجالينوس قال : ولما بعث رستم الجالينو سار فنزل بباقسياثا من ~~باروسما ، فسار إليه أبو عبيد ، وهو على تعبئته فالتقوا بها واقتتلوا ، ~~فهزن الله الفرس ، وهرب الجالينوس ، وغلب أبو عبيد على تلك النواحي ، ثم ~~ارتحل حتى قدم الحيرة . ذكر وقعة قس الناطف ويقال لها : وقعة الجسر ووقعة ~~المروحة ومقتل أبي عبيد وغيره . لما رجع الجالينوس إلى رستم منهزما ، قال ~~رستم : أي العجم أشد على العرب ؟ قالوا : بهمن جاذوبة المعروف بذي الحاجب - ~~وإنما قيل له ذو الحاجب لأنه PageV19P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" كان يعصب حاجبيه بعصابه ليرفعها كبرا - فوجهه ~~ومعه فيله ، ورد الجالينوس ، وقال لبهمن : إن انهزم الجالينوس مرة ثانية ~~فأضرب عنقه . فأقبل بهمن جاذويه ومعه " درفس كابيان " راية كسرى ، وكانت من ~~جلود النمور ، طولها اثنا عشر ذراعا في عرض ثمانية أذرع ، فنزل بقس الناطف ~~، وأقبل أبو عبيد فنزل المروحة ، فرأت أمرأته دومة أم المختار أن رجلا نزل ~~من السماء بإناء في شراب ، فشرب أبو عبيد ومعه نفر ، فأخبرت أبا عبيد بما ~~رأت ؛ فقال : هذه إن شاء الله الشهادة ، وعهد إلى الناس وقال : إن قتلت ~~فعلى الناس فلان ، فإن قتل ففلان حتى أمر الذين شربوا من الإناء ، ثم قال : ~~إن قتل أبو القاسم فعلى الناس المثنى . وبعث إليهم بهمن جاذوية يقول : أما ~~أن تعبروا إلينا وندعكم والعبور ، وإما أن تدعونا نعبره إليكم ؛ فنهاه ~~الناس عن العبور ، فأبى وترك الرأي ، وقال : لا تكونوا أجر على الموت منا ، ~~فعبر إليهم على جسر عقده ابن صلوبا للفريقين ، فالتقوا واقتتلوا ، فلما ~~نظرت الخيول إلى الفيلة وإلى خيل الفرس ، عليهم التجافيف ، رأت شيئا منكرا ~~لم يكن رأت مثله ، فلم تقدم عليهم ، فاشتد الأمر على المسلمين ، فترجل أبو ~~عبيد والناس ، ثم مشوا إليهم فصافحوهم بالسيوف ، فجعلت الفيلة لا تحمل ~~واقطعوا بطنها ، واقلبوا ms4111 عنها أهلها ؛ ووثب هو على الفيل الأبيض فقطع بطانه ~~ودفع الذي عليه ، وفعل القوم مثل ذلك ، فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله ، ~~وقتلوا أصحابه . وأهوى الفيل لأبي عبيد فضربه أبو عبيد بالسيف ، وخبطه ~~الفيل بيده فوقع فوطئه وقام عليه ، فلما بصر به الناس تحت الفيل خشعت أنفس ~~بعضهم ، ثم أخذ اللواء الذي كان أمره بعده ، فقاتل الفيل حتى تنحى عن أبي ~~عبيد ، فاجتره المسلمون فأحرزوه ، ثم قتل الفيل الأمير الذي بعد أبي عبيد ، ~~وتتابع سبعة من ثقيف كلهم يأخذ اللواء ويقاتل حتى يموت ، ثم أخذ المثنى ~~اللواء فهرب عنه الناس ، فلما رأى عبد الله بن مرثد الثقفي ذلك بادر إلى ~~الجسر فقطعه ، وقال : أيها الناس ، موتوا على مامات عليه أمراؤكم أو تظفروا ~~. وحاز المشركون المسلمين إلى الجسر ، فتواثب بعضهم PageV19P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" إلى الفرات فغرق ، وحمى المثنى وفرسان من ~~المسلمين الناس ، وقاتل أبو زبيد الطائي حمية للعرب ، وكان نصرانيا ، ثم ~~جاء العلوج وعقدوا الجسر ، وعبر الناس ، وكان آخر من قتل عند الجسر سليط بن ~~قيس ، وعبر المثنى وحمى جانبه ، فلما عبر أرفض عنه أهل المدينة ، وبقي ~~المثني في قلة ، وكان قد جرح وأثبت فيه حلق من درعه . وهلك من المسلمين ~~أربعة آلاف بين قتيل وغريق . وهرب ألفان وبقي ثلاثة آلاف ، وقتل من الفرس ~~ستة آلافف ، وأخبر عمر عمن سار في البلاد استحياء من الهزيمة ، فاشتد ذلك ~~عليه ، وقال : اللهم إن كل مسلم في حل مني ، أنا فئة كل مسلم ، يرحم الله ~~أبا عبيد لو كان انحاز إلى لكنت له فئة . قال : وأراد بهمن جاذوية العبور ~~خلف المسلمين فأتاه الخبر باختلاف الفرس ، وأنهم قد ثاروا برستم ، فرجع إلى ~~المدائن . وكانت هذه الوقعة في شعبان سنة ثلاث عشرة . والله سبحانه وتعالى ~~أعلم . ذكر وقعة أليس الصغرى قال : لما عاد ذو الحاجب لم يشعر جابان ~~ومرادنشاه بما جاء به من الخبر ، فخرجا إذا أخذا بالطريق ، وبلغ المثنى ~~فعلهما ، فاستخلف الناس على عاصم بن عمر . وخرج في جريدة خيل يريدهما ، ~~فظنا أنه هارب ، فاعترضاه ms4112 ، فأخذهما أسيرين . وخرج أهل أليس على أصحابهما ~~فأتوه بهم أسرى ، فعقد لهم بها ذمة ، وقتلهما وقتل الأسرى . والله تعالى ~~أعلم . ذكر وقعة البويب ولما بلغ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقعة ~~الجسر ، ندب الناس إلى المثنى ، وكان فيمن ندب بجيلة ، وأمرهم إلى جرير بن ~~عبد الله ، فأتوا العراق ، وقالوا : لا نكون إلا بالشام ، فعزم عليهم عمر ~~ونفلهم ربع الخمس ، فأجابوا ، وسيرهم إلى PageV19P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" المثنى ، وبعث عصمة بن عبد الله الضبي فيمن ~~معه ، وكتب إلى أهل الردة فلم يأته أحد إلا رمى به المثنى . وبعث الرسل إلى ~~من يليه من العرب ، فتوافوا إليه في جمع عظيم ، وكان فيمن جاءه أنس بن هلال ~~النمري في جمع عظيم من النمر ، نصارى ، وقالوا : نقاتل مع قومنا . وبلغ ~~الخبر رستم والفيرزان فبعثا مهران الهرمذاني إلى الحيرة ، فسمع المثنى ذلك ~~وهو بين القادسية وخفان . فاستبطن فرات بادقلي ، وكتب إلى جرير وعصمة ومن ~~أتاه من الأمداد بالخبر ، وأمرهم بقصد البويب ، ومهران بإزائه من وراء ~~الفرات ، فاجتمع المسلمون بالبويب ممايلي الكوفة اليوم ، وأرسل مهران إلى ~~المثنى يقول : إما أن تعبر إلينا ، وإما أن نعبر إليك ، فقال : المثنى : ~~اعبروا ، فعبر مهران فنزل بشاطئ الفرات ، وعبى المثنى أصحابه ، وكان في شهر ~~رمضان ، فأمرهم بالإفطار ليقووا على عدوهم ، فأفطروا ، وأقبل الفرس في ~~ثلاثة صفوف ، ومع كل صف فيل ، ورجالتهم أمام فيلهم ، ولهم زجل . فقال ~~المثنى : إن الذي تسمعون فشل ، فالزموا الصمت ، ثم التقوا ، واقتتلوا أشد ~~القتال وأعظمه ، فقتل مهران ؛ قتله غلام نصراني من تغلب ، واستولى على فرسه ~~، فجعل المثنى سلبه لصاحب خيله ، وكان التغلبي قد جلب خيلا هو وجماعة من ~~تغلب ، فلما رأوا القتال قاتلوا مع العرب ، وانهزمت الفرس ، وسبقهم المثنى ~~إلى الجسر فافترق الأعاجم مصعدين ومنحدرين ، وأخذتهم خيول المسلمين ، وقتل ~~منهم قتلى كثيرة ، فكانوا يحزرون القتلى مائة ألف ، وسمي ذلك اليوم يوم ~~الإعشار ، وأحصى مائة رجل ، قتل كل رجل منهم عشرة ، وتبعهم المسلمون إلى ~~الليل ، ومن الغد إلى الليل ، وارسل المثنى الخيل في طلب العجم ، فبلغوا ~~السيب ms4113 ، وغنموا من الغنائم والسبى والبقر شيئا كثيرا ، فقسمه المثنى فيهم ، ~~ونفل أهل البلاء ، وأعطى بجيلة ربع الخمس . وأرسل إليه الذين تبعوا من ~~انهزم يعرفونه بسلامتهم ، وأنه لامانع دون القوم ، ويستأذنونه في الإقدام ، ~~فأذن لهم فأغاروا حتى بلغوا ساباط ؛ فتحصن أهله منهم ، واستباحوا القرى ، ~~رجعت مسالح الفرس إليهم ، وسرهم أن يتركوا ماوراء دجلة . PageV19P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" ذكر خبر سوقي الخنافس وبغداد قال : ثم خلف ~~المثنى بالحيرة بشير بن الخصاصية ، وسار يمخر السواد ، وأرسل إلى ميسان ~~ودست ميسان ، وأدنى المسالح ، ونزل أليس ) قرية من قرى الأنبار ( ، وجاء ~~المثنى رجلان أحدهما أنبارى فدله على سوق الخنافس ، والثاني حيري ودله على ~~سوق بغداد ، فبدأ بسوق الخنافس ؛ لأنها كانت تقوم قبل سوق بغداد ، وكان ~~يجتمع بها تجار مدائن كسرى والسواد ، وتخفرهم ريبعة وقضاعة ، فأغار المثنى ~~على الخنافس يوم سوقها ، فانتسف السوق وما فيها ، وسلب الخفراء ، ثم رجع ~~فأتى الانبار ، فنزل أهلها إليه ، وأتوه بالأعلاف والزاد ، وأخذ منهم ~~الأدلاء على سوق بغداد ، وسار ليلا ، فصبحهم في أسواقهم فوضع السيف فيهم ، ~~وأخذ ما شاء ، وقال لأصحابه : لا تأخذوا إلا الذهب والفضة والحر من الكل ~~شيء ، ثم عاد راجعا حتى أتى الأنبار ، وكان من خلفه من المسلمين يمخرون ~~السواد ، ويشنون الغارات ما بين أسفل كسكر واسفل الفرات ، وجسور مثقب إلى ~~عبن التمر ، ولما رجع المثنى إلى الأنبار بعث المضارب إلى الكباث ، وعليه ~~فارس العناب التغلبي ، ثم لحقهم المثنى فسار معهم ، فوجدوا الكباث وقد سار ~~من كان به عنه ، فسار المسلمون خلفهم ، فقتلوا في أخريات أصحاب فارس ~~والعناب ، وأكثروا القتل ورجعوا إلى الأنبار ، وسرح المثنى فرات بن حيان ~~التغلبي وعتيبة بن النهاس ، وأمرهما بالغارة على أحياء بني تغلب بصفين ، ثم ~~أتبعهما واستخلف على الناس عمرو بن أبي سلمى الهجيمي ، فما دنوا من صفين فر ~~من بهان وعبروا الفرات إلى الجزيرة وفنى الزاد الذي كان مع المثنى وأصحابه ~~، فأكلوا رواحلهم إلا مالابد منه حتى جلودها ، ثم أدركوا عيرا من أهل دبا ~~وحوران فقتلوا من بها ، وأخذوا ثلاثة نفر من تغلب ms4114 كانوا خفراء ، وأخذوا ~~العير فقال لهم المثنى : دلوني ؛ فقال : أحدهمك أمنوني على أهلي ومالي ، ~~وأدلكم على حي من تغلب ، فأمنه المثنى ، وسار بهم يومه ، فهجم العشي على ~~القوم والنعم صادرة عن الماء ، وأصحابها جلوس بأفنية البيوت ، فقتل ~~المقاتلة ، وسبى الذرية ، واستاق الأموال . PageV19P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" وأخبر المثنى أن جمهور من سلك البلاد قد ~~انتجع شاطئ دجلة ؛ فخرج المثنى وعلى مجنبتيه النعمان بن عوف ومطر ~~الشيبانيان ، وعلى مقدمته حذيفة بن محصن الغلفاني ، فساروا في طلبهم ~~فأدركوهم بتكريب ، فأصابوا ما شاءوا من النعم ، وعادو الأنبار . ومضى عتيبة ~~وفرات ومن معهما حتى أغاروا على صفين ، وبها النمر وتغلب متساندين ، ~~فأغاروا عليهم حتى رموا ظائفة منهم في الماء ، فجعلوا ينادونهم : الغرق ~~الغرق وجعل عتيبة وفرات يذمران الناس ويناديانهم : تغريق بتحريق يذكرانهم ~~يوما من أيام الجاهلية ، كانوا حرقوا فيه قوما من بكر بن وائل في غيضة من ~~الغياض . ثم رجعوا إلى المثنى وقد غرقوهم . فبلغ ذلك عمر ، فبعث إلى عتيبة ~~وفرات ، فاستدعاهما وسألهما عن قولهما ، فأخبراه أنهما لم يفعلا ذلك على ~~وجه طلب ذحل ، إنما هو مثل ، فاستحلفهما على ذلك وردهما إلى المثنى . وكانت ~~هذه الوقائع التي ذكرناها بالعراق في سنة ثلاث عشرة . ثم كانت وقعة ~~القادسية ، والله أعلم . ذكر خبر القادسية وأيامها كان ابتداء أمر القادسية ~~أن الفرس لما مات ملكها أزدشير تفرقت آراؤها ، وكان المسلمون قد فتحوا من ~~بلادهم ما ذكرناه في خلافة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في حياة أزدشير ~~، ثم تابعو الغارات عليهم ، فاجتمعت الفرس وقالوا لرستم والفيرزان - وهما ~~أهل فارس - : لازال بكما الاختلاف حتى أوهنتما أهل فارس ، وأطمعتما فيهم ~~عدوهم . فاجتمعوا واستدعوا نساء كسرى وسراريه ، وكشفوا عمن بقي من نسل ~~الملوك الأكاسرة ، فدلوهم على يزدجرد ، من ولد شهريار بن كسرى ، فاستدعوه ~~وملكوه عليهم واطاعوه ، فبلغ خبرهم المثنى بن حارثة ، فكتب بذلك إلى عمر ، ~~فلم يصل الكتاب حتى نقض من كان له عهد من اهل السواد ، فخرج المثنى حتى نزل ~~بذي قار ، ونزل الناس بألطف في عسكر واحد . PageV19P0121 # """""" صفحة رقم ms4115 122 """""" ولما وصل كتاب المثنى إلى عمر قال : والله ~~لاضربن ملوك العجم بملوك العرب ؛ وكتب إلى عماله على العرب : ألا يدعوا من ~~له نجدة أو راي ، أو فرس ، أو سلاح إلا وجهوه إليه ، وذلك في ذي القعدة سنة ~~ثلاث عشرة . فاجتمع إليه الناس ، ولم يدع رئيسا ولا ذي رأي وشرف ، ولا ~~خطيبا ولا شاعرا إلا استشارهم في الخروج بنفسه لغزو الفرس ، وأجمع رأي وجوه ~~أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن يبعث رجلا من المسلمين ويضم إليه ~~الجنود ، واتفق رأيهم على سعد بن أبي وقاص ، وكان على صدقات هوازن ، فكتب ~~إليه عمر يقول : قد انتخبت لك ألف فارس ، كلهم له نجدة ورأي ؛ إليهم انتهت ~~أحسابهم . فأمره بحرب العراق وضم إليه الجيوش ، فخرج في أربعة آلاف ، وأمده ~~عمر بعد خروجه بألفي يماني ، وألفي نجدي ، وكان المثنى بن حارثة في ثمانية ~~آلاف ، فلما سار سعد توفي المثنى قبل وصوله ، واجتمع مع سعد ثمانية آلاف ، ~~ثم أتته قبائل العرب ، فكان جميع من شهد القادسية بضعة وثلاثين ألفا ، منهم ~~تسعة وتسعون بدريا ، وثلثمائة وبضعة عشر ممن كانت له صحبة فيما بين بيعة ~~الرضوان إلى مافوق ذلك ، وثلثمائة ممن كان شهد الفتح ، وسبعمائة من أبناء ~~الصحابة ، فعبأهم سعد بن أبي وقاص ، وأمر الأمراء ، وعرف على كل عشرة عريفا ~~، وجعل أهل السابقة على الرايات ؛ وسار بالجيوش حتى نزل القادسية بين ~~العتيق والخندق بحيال القنطرة ، وأقام بها شهرا لم يأته من الفرس أحد ، ~~فأرسل عاصم بن عمرة بطلب غنما أو بقرا ، فسأله عن البقر والغنم ، فقال : لا ~~اعلم ؛ فصاح ثور من الأجمة : كذب عدو الله ، هانحن ، فدخل عدو الله فاستاق ~~البقر وأتى بها العسكر ، فقسمها سعد على الناس . ثم بث الغازات بين كسكر ~~والأنبار ، فحووا من الأطعمة ما قام بهم زمانا ، فاستغاث أهل السواد إلى ~~يزدجرد وقالوا : إما أن تدفع العرب ، وإما أن نعطيهم ما بأيدينا ، فأرسل ~~إلى رستم وأمره بالمسير للقاء المسلمين ، فاستعفاه من ذلك وسأله أن يجهز ~~الجالينوس ، فأبى يزدجرد إلا مسيره ، فعسكر بساباط ، ثم ms4116 استعفاه ثانية من ~~المسير ، فأبى عليه . PageV19P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" واتصلت الأخبار بسعد ، فكتب إلى عمر فأجابه : ~~لا تكربنك ما يأتيك عنهم ، واستعن الله ، وتوكل عليه ، وابعث إليه رجالا من ~~أهل المناظرة والجلد يدعونه ، فإن الله تعالى جاعل دعاءهم توهينا لهم ؛ ~~فارسل نفرا ، منهم : النعمان بن مقرن ، وبسر بن أبي رهم ، وحملة بن جؤية ، ~~وحنظلة بن الربيع ، وفرات بن حيان ، وعدي بن سهيل ، وعطارد بن حاجب ، ~~والمغيرة بن زرارة الأسدي ، والأشعث بن قيس ، والحارث بن حسان ، وعاصم بن ~~عمرو ، وعمرو بن معدي كرب ، والمغيرة بن شعبة ، والمثنى بن حارثة ، إلى ~~يزدجرد دعاة ، فقدموا عليه ، فأحضر وزراءه ، وأحضر رستم ، واستشارهم فيما ~~يقول لهم ، واجتمع الناس ينظرون إليهم ، ثم أذن إليهم ، وأحضر الترجمان ، ~~وقال له : سلهم ما جاء لكم ؟ وما دعاكم إلى غزونا ، والولوع ببلادنا ؟ من ~~اجل أننا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا فقال النعمان بن مقرن لأصحابه : إن ~~شئتم تكلمت عنكم ، ومن شاء آثرته . قالوا : بل تكلم ؛ فقال : إن الله رحمنا ~~، فارسل إلينا رسولا يأمرنا بالخير ، وينهانا عن الشر ، ووعدنا على إجابته ~~خير الدنيا والآخرة ، فلم يدع قبيلة إلى وقاربه منه فرقة ، وتباعد عنه فرقة ~~، ثم أمر أن نبتدي إلى من خالفه من العرب فبدأنا بهم ، فدخلوا معه على ~~وجهين ؛ مكره عليه فاغتبط ، وطائع فازداد ، فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على ~~الذي كنا عليه من العداوة والضيق ، ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم ~~فندعوهم إلى الإنصاف ، فنحن ندعوكم إلى ديننا ، وهو بن حسن الحسن ، وقبح ~~القبيح كله ، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه ، الجزية ، فإن ~~أبيتم فالمناجزة ، وإن أجبتم إلى جيننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمنا عليه ، ~~على أن تحكموا بأحكامه ، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم . وإن بذلتم الجزية ~~قبلنا ومنعناكم ، وإلا قاتلناكم . فتكلم يزدجرد فقال : إني لا أعلم أمة في ~~الأرض أشقى ولا أقل عددا ، ولا اسوأ ذات بين منكم ، قد كنا نوكل بكم قرى ~~الضواحي فيكفوننا أمركم ، ولا تطمعوا أن تقوموا لفارس ، فإن كان ms4117 غدر لحقكم ~~فلا يغرنكم منا ، وإن كان الجهد فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم ، وأكرمنا وجوهكم ~~وكسوناكم ، وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم . فاسكت القوم . فقام المغيرة بن ~~زرارة فقال : أيها الملك ؛ إن هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم ، وهم أشراف ~~يستحيون من الأشراف ، وليس كل ماأرسلوا له قالوه ، ولا كل ما PageV19P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" تكلمت به أجابوك عليه ، فجاوبني لأكون الذي ~~ابلغك وهم يشهدون على ذلك . وأما ماذكرت من سوء الحال فهي على ماوصفت أو ~~اشد ، ثم ذكر من سوء عيش العرب ، وإرسال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إليهم نحو قول النعمان ، وقتال من خالفهم أو الجزية ؛ ثم قال : اختر ماشئت ~~الجزية عن يد وأنت صاغر ، وإن شئت السيف ، أو تسلم فتنجي نفسك . فقال : ~~لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم ، ثم قال : لاشيء لكم عندي ؛ واستدعى بوقر ~~من تراب ، فقال : احملوه على اشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدينة ~~. ارجعوا إلى صاحبكم فاعملوه أني مرسل إليكم رستم حتى يدفنكم ويدفنه معكم ~~في خندق القادسية ، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم ~~من سابور . فقام عاصم بن عمرو ليأخذ التراب ، وقال : أنا أشرفهم ، أنا سيد ~~هؤلاء ؛ فحمله على عنقه وخرج إلى راحلته فركبها وأخذ التراب ، وقال لسعد ~~عند عوده : أبشر فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم . وقال يزدجرد لرستم : ~~ماكنت ارى أن في العرب مثل هؤلاء ، ما أنتم بأحسن جوابا منهم ، ولقد صدقني ~~القوم ، لقد وعدوا أمرا ليدركنه أو ليموتن عليه ، على أنى وجدت أفضلهم ~~أحمقهم حيث حمل التراب على رأسه . فقال رستم : أيها الملك ؛ إنه أعقلهم . ~~وخرج رستم وبعث في أثر الوفد ، وقال لثقته : إن أدركهم الرسول تلافينا ~~أرضنا ، وإن أعزوه سلبكم الله أرضكم . فرجع الرسول من الحيرة بقواتهم ، ~~فقال : ذهب القوم بأرضكم من غير شك ، وكان منجما كاهنا . ولما سار الوفد ~~أغار سواد بن مالك التميمي على النجاف والفراض ، فاستاق ثلثمائة دابة من ~~بعير وحمار وثور ، وأوقرها سمكا ، وصبح العسكر ، فقسمه سعد بين الناس ؛ ~~فسمي يوم الحيتان ms4118 . وكانت السرايا تسري إلى طلب اللحوم ، فإن الطعام كان ~~كثيرا عندهم ، وكانوا يسمون الأيام بها ، منها يوم الأباقر ويوم الحيتان . ~~وبعث سعد سرية أخرى ، فأغاروا فأصابوا إبلا لبنى تغلب والنمر فاستاقوها . ~~PageV19P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" وسار رستم من ساباط ، وبعث على مقدمته ~~الجالينوس في أربعين ألفا ، وخرج هو في ستين ألفا ، وساقته في عشرين ألفا ، ~~وجعل في الميمنة الهرمزان ، وفي الميسرة مهران بن بهرام الرازي . وأرسل سعد ~~السرايا ورستم بالنجف ، والجالينوس بين النجف والسيلحين . وطاف في السواد ، ~~فبعث سوادا وحميضة كل منهما في مائة ، فأغاروا على النهرين ، وبلغ رستم ~~الخبر ، فارسل إليهم خيلا ، وسمع سعد أن خيله قد وغلت ، فأرسل عاصم بن عمرو ~~وجابرا الأزدي في آثارهم ، فلحقهم عاصم وخيل فارس تحوشهم ليخلصوا ما ~~بأيديهم ، فلما رأته الفرس هربوا ، ورجع المسلمون بالغنائم . ارسل سعد عمرو ~~بن معدي كرب وطليحة الأسدي طليعة ، فسار في عشرة ، فلم يسيروا إلا فرسخا ~~وبعض آخر حتى رأوا مسالحهم وسرحهم على الطفوف قد ملئوها ، فرجع عمرو ومن ~~معه ، فهتك أطناب بيت رجل وأقتاد فرسه ، ثم هتك على آخر بيته وحل فرسه ، ثم ~~فعل لآخر كذلك ، ثم خرج يعدو به فرسه ، ونذر به الناس ، فركبوا في طلبه ، ~~فأصبح وقد لحقه فارس من الجند فقتله طليحة ، ثم آخر فقتله ، ثم ثالث ، فرأى ~~مصرع صاحبيه وهما ابنا عمه ، فازداد حنقا ، فلحق به طليحة ، فكر عليه طليحة ~~فأسره ولحق الناس ، فرأوا فارسي الجند قد قتلا وأسر الثالث ، وقد شارف ~~طليحة عسكره فأحجموا عنه ، ودخل طليحة على سعد ومعه الفارس وأخبره الخبر ، ~~فسأل الترجمان الفارسي فطلب الأمان ، فأمنه سعد ، فقال : أخبركم عن صاحبكم ~~هذا قبل أن أخبركم عمن قتل ؛ باشرت الحروب منذ أنا غلام إلى الآن ، وسمعت ~~بالأبطال ، ولم أسمع بمثل هذا ، إن رجلا قطع عسكرين إلى عسكر فيه سبعون ~~ألفا يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة ، فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب ~~فرسان الجند ، وهتك عليهم البيوت ، فلما أدركناه قتل الأول ، وهو يعد بألف ~~فارس ، ثم الثاني وهو نظيره ، ثم ms4119 أدركته أنا ، وما خلفت بعدي من يعدلني ، ~~وأنا الثائر بالقتيلين ، فرأيت الموت واستؤسرت ، ثم أخبره عن الفرس . واسلم ~~ولزم طليحة ، وكان من أهل البلاء بالقادسية ، وسماه سعد مسلما . ثم سار ~~رستم وقد الجالينوس وذا الحاجب حتى وصل إلى القادسية ، كان بين مسيره من ~~المدائن ووصوله أربعة أشهر ، رجاء أن يضجروا فينصرفوا ، ووقف على العتيق ~~بحيال عسكر سعد ، وكان معه ثلاثة وثلاثون فيلا ، منها فيل سابور الأبيض ، ~~PageV19P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" وكانت الفيلة تالفه . وبات رستم ليلته . ثم ~~أصبح وارسل إلى سعد أن أرسل إلينا رجلا نكلمه ويكلمنا ، فارسل إليه ربعي بن ~~عامر ، فأظهر رستم زينته ، وجلس على سرير من ذهب ، وبسط البسط والنمارق ~~والوسائد المنسوجة بالذهب ، وأقبل ربعي على فرسه ، وسيفه في خرقه ، ورمحه ~~مشدود بعصب وقد ، فلما انتهى إلى البسط قيل له : انزل ، فحمل فرسه عليها ، ~~ونزل وسطها بوسادتين شقهما ، وأدخل الحبل فيهما ، فلم ينهوه وأروه التهاون ~~، وعليه درع ؛ وأخذ عباءة بعيره فتدرعها وشدها على وسطه ، فقالوا له : ضع ~~سلاحك ؛ فقال : لم آتكم فأضع سلاحي بأمركمن أنتم دعوتموني ، فأخبروا رستم ؛ ~~فقال : ائذنوا له . فأقبل يتوكل على رمحه ويقارب خطوة ، فلم يدع نمرقة ولا ~~بساطا إلا أفسده وهتكه ، فلما دنا من رستم جلس على الأرض ، وأركز رمحه على ~~البسط ؛ فقيل له : ما حملك على هذا ؟ فقال : إنا لا نستحل القعود على ~~زينتكم ، فقال له الترجمان - واسمه عبود من اهل الحيرة - ماجاء بكم ؟ قال : ~~الله ، وهو بعثنا لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن ~~جور الأديان إلى عدل الإسلام ، فأرسلنا بدينه إلى خلقه ، فمن قبل ذلك قبلنا ~~منه ، ورجعنا عنهن وتركناه وأرضه ، ومن اباه قاتلناه حتى يقضي الله إلى ~~الجنة أو الظفر . فقال رستم : قد سمعنا قولكم ، فهل لكم أن تؤخروا هذا ~~الأمر حتى ننظر فيه ؟ قال : نعم ، وإن مما سن لنا رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ألا نمكن الاعداء أكثر من ثلاث ، فنحن مترددون عنكم ثلاثا ~~فانظر في أمرك ، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل : إما ms4120 الإسلام وندعك وأرضك ~~، أو الجزية فتقبل فنكف عنك ، وإن احتجت إلينا نصرناك ؛ أو المنابذة في ~~اليوم الرابع إلا أن تبدأنا ، وأنا كفيل بذلك عن أصحابي . فقال : أسيد ~~أصحابك أنت ؟ قال : لا ، ولكنا كالجسد الواحد ، بعضنا من بعض ، يجير أدنانا ~~على أعلانا . فخلا رستم برؤساء قومه ، فقال : هل رأيتم أوسمعتم كلاما قط ~~أعز وأوضح من كلام هذا الرجل ؟ فقالوا : معاذ الله أن نميل إلى دين هذا ~~الكلب ، أما ترى إلى ثيابه فقال : ويحكم لا تنظروا إلى الثياب ، ولكن ~~انظروا إلى الرأي والكلام والسيرة ؛ إن العرب تستخف باللباس ، وتصون ~~الأحساب ؛ ليسوا مثلكم . PageV19P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" فلما كان من الغد أرسل رستم إلى سعد : أن ~~أبعث إلينا ذلك الرجل ، فبعث إليهم حذيفة بن محصن ، فأقبل في نحو من ذلك ~~الزي ، فلم ينزل عن فرسه حتى وقف على رستم . فقال له : انزل ، قال : لا ~~أفعل ، فقال : ماجاء بك ولم يأت الأول ؟ قال : إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا ~~في الشدة والرخاء ، وهذه نوبتي . فقال : ماجاء بكم ؟ فأجابه نحو الأول . ~~فطلب رستم الموادعة إلى يوم ما . فقال : نعم ، ثلاثا من أمس ، فرده . وأقبل ~~رستم على أصحابه فقال : ويحكم ألا ترون ما أرى ؟ جاءنا الأول بالأمس فغلبنا ~~على أرضنا ، وحقر مانعظم ، وأقام فرسه على زبرجنا ؛ وجاء هذا اليوم فوقف ~~علينا وهو في يمن الطائر ، يقوم على أرضنا دوننا . فلما كان الغد أرسل أن ~~ابعثوا لنا رجلا ، فبعث إليهم المغيرة بن شعبة ، فأقبل عليهم ، وعليهم ~~التيجان والثياب المنسوجة بالذهب ، وبسطهم على غلوة سهم ، لا يوصل إلى ~~صاحبهم حتى يمشي عليها ، فأقبل المغيرة حتى جلس مع رستم على سريره ، فوثبوا ~~عليه وأنزلوه ومعكوه ؛ فقال : قد كان يبلغنا عنكم الأحلام ، ولا أرى قوما ~~أسفة منكم ؛ إ ، ا معشر العرب لا يستعبد بعضنا بعضا ، فظننت أنكم تواسون ~~قومكم كما نتواسى ، فكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض ~~، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم ولا يصنعه أحد ، وأنا لم آتكم ولكن ~~دعوتموني ، اليوم علمت أنكم مغلوبون ، وأن ms4121 ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا ~~على هذه العقول . فقالت السفلة : صدق والله الأعرابي . قال الدهاقين : ~~والله لقد رمى بكلام لا يزال عبيدنا ينزعون إليه ، قاتل الله أولينا حين ~~كانوا يصغرون أمره هذه الأمة ثم تكلم رستم ، فحمد قوته ، وعظم أمرهم ، وذكر ~~تمكنهم في البلاد ، وقوة سلطانهم ، وذكر معيشة العرب وما هو عليه من الفاقة ~~، وقال : كنتم تقصدوننا إذا قحطت بلادكم ، فنأمر لكم بشيء من التمر والشعير ~~، ثم نردكم ، وقد علمت أنه لم PageV19P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" يحملكم على ماصنعتم إلا الجهد في بلادكم ، ~~فأنا أمر لأميركم بكسوة وبغل والف درهم ، وآمر لكل رجل منكم بوقر تمر ~~وتنصرفون عنا ؛ فإنى لست أشتهي أن أقتلكم . فتكلم المغيرة ، فحمد الله ~~وأثنى عليه ، وقال : إن الله خلق كل شيء ورزقه ، فمن صنع شيئا فإنما هو ~~بصنعه . فأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك فنحن نعرفه ، والله صنعه بكم ، ~~ووضعه فيكم ، وهو له دونكم ؛ وأما الذي ذكرت فينا من سوء الحال والضيق ~~فلسنا ننكره ، والله ابتلانا به ، والدنيا دول ، ولم يزل أهل الرخاء ~~يتوقعون الشدائد حتى تنزل بهم ، ولو شكرتم ما آتاكم الله تعالى لكان شكركم ~~يقصر عما أوتيتم ، فأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال ، ولو كنا فيما ~~ابتلينا به أهل الكفر لكان عظيم ما ابتلينا به مستجلبا من الله رحمة يرده ~~بها عنا ؛ إ ، الله تبارك وتعالى بعث فينا رسولا ؛ ثم ذكر مثل ما تقدم من ~~ذكر الإسلام ، أو الجزية ، أو القتال ، وقال : إن عيالنا قد ذاقوا طعام ~~بلادكم ، فقالوا : لاصبر لنا عنه . فقال رستم إذا تموتون دونه فقال المغيرة ~~: يدخل من قتل منا الجنة ، ومن قتل منكم النار ، ويظفر من بقي منا بمن بقي ~~منكم . فاستشاط رستم غضبا ، ثم حلف ألا يرتفع الصبح غدا حتى أقتلكم أجمعين ~~. وانصرف المغيرة ، وخلا رستم بأهل فارس وقال : أين هؤلاء منكم هؤلاء والله ~~الرجال ، صادقين كانوا أم كاذبين والله لئن أرادوا منهم ، وإن كانوا صادقين ~~فما يقوم لهؤلاء شيء . فلجوا وتجلدوا ، فقال : أطيعوني يا أهل فارس ms4122 ؛ إني ~~لأرى لله فيكم نقمة لاتستطيعون ردها . ثم أرسل إليه سعد ثلاثة من ذوي الرأي ~~، فقالوا له : إن أميرنا يدعوك لما هو خير لنا ولك ؛ والعافية أن تقبل ما ~~دعاك إليه ، ونرجع إلى ارضنا وترجع إلى أرضك ، وداركم أن تقبل ما دعاك إليه ~~، ونرج إلى أرضنا وترجع إلى أرضك ، وداركم لكم وأمركم فيكم ، وما أصبتم كان ~~زيادة لكم دوننا ، وكنا عونا لكم على من أرادك ، فاتق الله ولا يكونن هلاك ~~قومك على يديك ، وليس بينك وبين أن نغتبط بهذا الأمر إلا أن تدخل فيه ، ~~وتطرد به الشيطان عنك ؛ فقال لهم : إن الأمثال أوضح من PageV19P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" كثير من الكلام ، إنكم كنتم أهل جهد وقشف ، ~~لاتنتصفون ولا تمتنعون ، فلم نسئ جواركم ، وكنا نميركم ونحسن إليكم ، فلما ~~طعمتم طعامنا ، وشربتم شرابنا ، وصفتم لقومكم ذلك ، ووعدتموهم ثم أتيتمونا ~~، وإنما مثلكم ومثلنا كمثل رجل كان له كرم ، فرأى فيه ثعلبا ، فقال : وما ~~ثعلب فانطلق الثعلب فدعا الثعالب إلى ذلك الكرم ، فلما اجتمعوا إليه شد ~~صاحب الكرم النقب الذي كن يدخلن منه فقتلهن . فقد علمت أن الذي حملكم على ~~هذا الحرص والجهد ، فارجعوا ونحن نميركم ؛ فإنى لا أشتهي أن أقتلكم . ~~ومثلكم أيضا كالذباب يرى العسل فيقول : من يوصلني إليه وله درهمان ، فإذا ~~دخله غرق ونشب ، فيقول من يخرجني وله أربعة دراهم ؟ وقال : ما دعاكم إلى ~~ماصنعتم ، ولا أرى عددا ولا عدة قال : فتكلم القوم ، وذكروا سوء حالهم ، ~~وما من الله تعالى عليهم من إرسال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~واختلافهم أولا ، واجتماعهم على الإسلام ، وما أمرهم به من الجهاد ، وقالوا ~~: وأما ما ضربت لنا من الأمثال فليس كذلك ، ولكن إنما مثلكم كمثل رجل غرس ~~أرضا وأختار لها الشجر ، وأجرى إليها الأنهار وزينها بالقصور ، أقام فيها ~~فلاحين يسكنون قصورها ويقومون على جناتها ، فخلا الفلاحون القصور على مالا ~~يحب ، فأطال إمهالهم فلم يستجيبوا ، فدعا إليها غيرهم وأخرجهم منها ، فأن ~~ذهبوا عنها يختطفهم الناس ، وإن أقاموا فيها صاروا خولا لهؤلاء ، فيسومونهم ~~الخسف أبدا ، والله لو لم ms4123 يكن ما نقول حقا ولم يكن إلا الدنيا لما صبرنا عن ~~الذي نحن فيه من لذيذ عيشكم ، ورأينا من ذبرجكم ، ولقارعناكم عليه ؛ فقال ~~رستم : أتعبرون إلينا أم نعبر إليكم ؟ فقالوا : بل أعبروا إلينا . ورجعوا ~~من عنده عشيا ، وأرسل سعد إلى الناس أن يقفوا مواقفهم ، وأرسل إليهم شأنكم ~~والعبور ، فأرادوا الجواز على القنطرة فمنعهم المسلمون ، وقالوا : أما شيء ~~غلبناكم عليه فلا نرده عليكم ، فباتوا يسكرون العتيق بالتراب والقصب ~~والبراذع حتى الصباح ، وجعلوا طريقا ، واستتم بعد ما ارتفع النهار . ورأى ~~رستم من الليل كأن ملكا نزل من السماء ، فأخذ قسي أصحابه فختم عليها ، ثم ~~صعد بها إلى السماء ، فاستيقظ مهموما ، واستدعى خاصته فقصها عليهم ، وقال : ~~إن الله ليعظنا لو اتعظنا ، ثم ركب ، وعبر PageV19P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" وعليه درعان ومغفر ، وأخذ سلاحه وعبر الفرس ~~العتيق ، ثم كانت الحرب . والله تعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب ~~. ذكر يوم أرماث كان يوم أرماث يوم الاثنين من المحرم سنة أربع عشرة ، وذلك ~~أن الفرس لما عبروا العتيق ، جلس رستم على سريره وضرب عليه طياره ، وعبى في ~~القلب ثمانية عشر فيلا ، وعليها الصناديق والرجال ، وفي المجنبتين خمسة عشر ~~؛ ثمانية وسبعة ، وأقام الجالينوس بينه وبين ميمنته ، والفيرزان بينه وبين ~~ميسرته ، وكان يزدجرد قد وضع بينه وبين رستم رجالا على كل دعوة رجلا ، ~~أولهم على باب إيوانه ، وآخرهم مع رستم ، فكلما فعل شيئا قال الذي معه للذي ~~يليه : كان كذا وكذا ، ثم يقول الثاني ذلك للثالث ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى ~~يزدجرد في أسرع وقت . قال : وأخذ المسلمون مواقفهم ، وكان بسعد دماميل وعرق ~~النساء ، فلا يستطيع الجلوس ؛ إنما هو مكب على وجهه ، وفي صدره وسادة ، وهو ~~على سطح القصر يشرف على الناس ، فذكر الناس ذلك ، وعابه بعضهم فقال في ذلك ~~شعرا : نقاتل حتى أنزل الله نصره . . . وسعد بباب القادسية معصم فأبنا وقد ~~آمت نساء كثيرة . . . ونسوة سعد ليس فيهم أيم فبلغت أبياته سعدا فقال : ~~اللهم إن كان كاذبا وقال الذي قاله رياء وسمعه فاقطع عني لسانه ، فإنه ~~لواقف في ms4124 الصف يومئذ أتاه سهم غرب ، فأصاب لسانه ، فما تكلم بكلمة حتى لحق ~~بالله تعالى . ونزل سعد إلى الناس فاعتذر إليهم ، وأراهم ما به من القروح ~~في فخذيه وأليتيه ، فعذره الناس وعلموا حاله . ولما عجز عن الركوب استخلف ~~خالد بن عرفطة على الناس ، فاختلف عليه ، فأخذ نفرا ممن شغب عليه فحبسهم في ~~القصر ، منهم أبو محجن الثقفي ، وقيل : بل كان قد حبس في الخمر . ~~PageV19P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" وأعلم سعد الناس أنه قد استخلف خالدا ، وإنما ~~يأمرهم خالد بأمره ، فسمعوا وأطاعوا . وأرسل سعد نفرا من ذوي الرأي والنجدة ~~، منهم المغيرة ، وحذيفة ، وعاصم ، وطليحة ، وقيس الأسدي ، وغالب ، وعمرو ~~بن معدي كرب وأمثالهم ، ومن الشعراء : الشماخ ، والحطيئة وأوس بن معراء ، ~~وعبد بن الطبيب وغيرهم ، وأمرهم بتحريض الناس على القتال ففعلوا ، وكان صف ~~المشركين على شفير العتيق ، وصف المسلمين على حائط قديس ، والخندق من ~~ورائهم ، وكان المسلمون والمشركون بين الخندق والعتيق ، وأمر سعد الناس ~~فقرءوا سورة الجهاد ، وهي الأنفال ، فلما فرغ القراء منها قال سعد : الزموا ~~مواقفكم حتى تصلوا الظهر فإذا صليتم فإني مكبر فكبروا واستعدوا ، فإذا ~~سمعتم الثانية فكبروا ولتستتم عدتكم ، ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا ، ولينشط ~~فرسانكم الناس ، فإذا كبرت الرابعة فازحفوا حتى تخالطوا عدوكم ، وقولوا : ~~لا حول ولا قوة إلا بالله . فلما كبر سعد الثالثة برز أهل النجدات فانشبوا ~~القتال ، وخرج إليهم من الفرس أمثالهم . فبرز غالب بن عبد الله الأسدي ، ~~فخرج إليه هرمز ، وكان من ملوك الباب ، وكان متوجا ، فاسره غالب وأتى به ~~سعدا ، وخرج عاصم بن عمر فطارد فارسيا ، فانهزم ، فاتبعه عاصم حتى خالط ~~صفهم فحموه ، فأخذ عاصم رجلا على بغل وعاد به ، فإذا هو خباز الملك ن معه ~~طعام من طعام الملك وخبيصة ، فأتى به سعدا فنفله أهل موقفه . وخرج فارسي ~~يطلب البراز ، فبرز إليه عمرو بن معدي كرب ، فأخذه وجلد به الأرض وذبحه ، ~~وأخذ سواريه ومنطقته . PageV19P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" وحملت الفيلة على المسلمين ، ففرقت بين ~~الكتائب ، فنفرت الخيل ، وكانت الفرس قد قصدت بجيلة بسبعة عشر فيلا ، فنفرت ~~خيل ms4125 بجيلة ، فكادت بجيلة تهلك لنفار خيلها عنها وعمن معها . فأرسل سعد إلى ~~بني أسد أن دافعوا عن بجيلة ومن معها ، فخرج طليحة بن خويلد ، وحمال بن ~~مالك في كتائبهما ، فباشروا الفيلة حتى عدلها ركبانها ، وخرج إلى طليحة ~~عظيم منهم ، فقتله طليحة . وقام الأشعث بن قيس في كندةن فأزالوا من بإزائهم ~~من الفرس ، ثم حمل الفرس ، وفيهم ذو الحاجب والجالينوس ، والمسلمون ينتظرون ~~التكبيرة الرابعة من سعد ، فاجتمعت الفرس على اسد ومعهم تلك الفيلة فثبتوا ~~لهم ، وكبر سعد الرابعة ، فزحف المسلمون إليهم ، ورحا الحرب تدور على أسد ، ~~وحملت الفيول على الميمنة والميسرة ، فحادث الخيول عنها ، فارسل سعد إلى ~~عاصمبن عمرو ، فقال : يا معشر بني تميم ، أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة ؟ ~~قالوا : بلى والله . ثم نادى عاصم في رجال من قومه رماة وآخرين ، لهم ثقافة ~~، فقال : يا معشر الرماة ، ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل ، ويا معشر أهل ~~الثقافة ؛ استدبروا الفيلة ، فقطعوا وضنها . وخرج يحميهم وقد جالت الميمنة ~~والميسرة ، وأقبل أصحاب عاصم ، فأخذوا بأذناب الفيلة فقطعوا وضنها ، وارتفع ~~عواوهم ، فما بقي فيل إلا عوى ، وقتل أصحابها ، ونفس عن أسد ، ورد الفرس ~~عنهم إلى مواقفهم ، ودام القتال حتى غربت الشمس ، حتى ذهبت هدأة من الليل ، ~~ثم رجع هؤلاء وهؤلاء ، وقد أصيب من أسد تلك الليلة خمسمائة ، وكانوا ردءا ~~للناس ، وكان عاصم حامية للناس . وكان سعد تزوج سلمى امرأة المثنى بن حارثة ~~بعده ، فلما جال الناس في هذا اليوم ، جعل سعد يتململ جزعا على الناس وهو ~~لا يطيق الجلوس ، فلما رأت ما يصنع الفرس ، قالت : وامثناه ، ولا مثنى ~~للخيل اليوم فلطم وجهها وقال : أين المثنى عن هذه الكتيبة التي تدور عليها ~~الرحا ؟ يعني أسدا وعاصما ؛ فقالت : أغيره وجبنا فقال : والله لا يعذرني أح ~~أن لم تعذرني أحد أن لم تعذريني ، وأنت لا ترين ما بي . . . والله تعالى ~~اعلم بالصواب ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم . PageV19P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" ذكر أغواث قال : لما اصبح سعد وكل بالقتلى من ~~ينقلهم ms4126 ليدفنوا ، وأسلم الجرحى إلى النساء يقمن عليهم ، فبينا الناس على ~~ذلك إذ طلعت نواصي الخيل من الشام ، وكان عمر لما فتحت دمشق قد كتب إلى أبي ~~عبيدة يأمره بإرسال أهل العراق ، فأرسلهم وأمر عليهم هاشم بن عتبة بن أبي ~~وقاص . وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو ، فتعجل القعقاع ، فقدم على الناس ~~صبيحة هذا اليوم ، وقد عهد إلي أصحابه أن يتقطعوا اعشار وهم الف ، كلما بلغ ~~عشرة مد البصر سرحوا عشرة ، وتقدم هو في عشرة ، فأتى الناس فسلم عليهم ، ~~وبشرهم الجنود ، وحرضهم على القتال ، وقال : اصنعوا كما اصنع ، وطلب البراز ~~، فخرج إليه ذو الحاجب ، فعرفه القعقاع ، ونادى : بالثارات أبي عبيد وسليط ~~وأصحاب الجسر واقتتلا ، فقتله القعقاع . وجعلت خيله ترد إلى الليل ، ونشط ~~الناس ، وكأن لم تكن بالأمس مصيبة ، وانكسرت الأعاجم لقتل ذي الحاجب ، فطلب ~~القعقاع البراز ، فخرج إليه الفيرزان والبندوان ، فانضم إلى القعقاع الحارث ~~بن ظبيان ، ونادى القعقاع : يامعشر المسلمين ، باشروهم بالسيوف ، فإنما ~~يحصد الناس بها ، فاقتتلوا حتى المساء ، فلم ير أهل فارس في هذا اليوم ماي ~~يعجبهم ، وأكثر المسلمون فيهم القتل ، ولم يقاتلوا في هذا اليوم على فيلة ؛ ~~كانت توابيتها قد تكسرت بالأمس ، فاستأنفوا عملها ، وحمل بنو عم القعقاع ~~عشرة عشرة على إبل قد أليسوها وجللوها وبرقعوها ، وطافت بهم خيولهم تحميهم ~~، وأمرهم القعقاع أن يحملوا على خيل الفرس يتشبهون بالفيلة ، ففعلوا في يوم ~~أغواث ، كما فعل الفرس في يوم أرماث ، فنفرت خيل الفرس من الإبل ، فلقوا ~~منها أعظم مالقي المسلمون من الفيلة ، وحمل القعقاع يومئذ ثلاثين حملة ، ~~كلما طلعت قطعة حمل حملة ، وأصاب فيها ، وقيل : وكان آخرهم بزرجمهر ~~الهمذاني . وكان أبو محجن الثقفي ، واسمه مالك بن حبيب ، وقيل : عبد الله ~~بن حبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غبرة بن عوف بن قسي ، وهو ثقيف ~~، قد حبس في القصر وقيد . PageV19P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" واختلف في سبب ذلك ؛ فقيل : كان قد خالف على ~~خالد بن عرفطة خليفة سعد ، وقيل : بل كان عمر قد جلده في الخمر مرارا ~~ثمانية وهو ms4127 لا يتوب ولا يقلع ، فنفاه إلى جزيرة في البحر ، وبعث معه رجلا ، ~~فهرب منه ولحق بسعد ، فكتب إليه عمر بحبسه . وقيل : بل كان مع سعد ، فأتى ~~به وهو سكران ، فأمر به إلى القيد ، فلما التجم القتال قال : كفى حزنا أن ~~تردي الخيل بالقنا . . . وأترك مشدودا على وثاقيا إذا قمت عناني الحديد ~~وأغلقت . . . مصارع من دوني تقيم المناديا وقد كنت ذا مال كثير وأخوه . . . ~~فقد تركوني واحدا لا أخاليا وقد شف جسمي انني كل شارق . . . أعالج كبلا ~~مصمتا قد برانيا فلله درى يوم أترك موثقا . . . وتذهل عني أسرتي ورجاليا ~~حبيسا عن الحرب العوان وقد بدت . . . وإعما غيري يوم ذاك العواليا ولله عهد ~~لا أخيس بعهده . . . لئن فرجت ألا أزور الحوانيا ثم قال لسلمى انبة خصفة ~~امرأة سعد : ويحك خليني ، ولك عهد الله إن سلمني الله أن اجيء حتى أضع رجلي ~~في القيد ، وإن قتلت استرحتم مني ، فحلت عنه ، فوثب على فرس لسعد يقال لها ~~: البلقاء ، ثم أخذ الرمح وانطلق حتى كان بحيال الميمنة كبر ، ثم حمل على ~~ميسرة الفرس ، ثم رجع من خلف المسلمين وحمل على ميمنتهم ، وكان يقصف الناس ~~قصفا منكرا ، فتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ، فقال بعضهم : هو من أصحاب ~~هاشم ، أو هاشم نفسه . وقال بعض الناس : هو الخضر . وقال بعضهم : لولا أن ~~الملائكة لا تباشر الحرب لقلنا إنه ملك . وجعل سعد يقول حين ينظر إليه وإلى ~~الفرس : الصبر صبر البلقاء ، والطعن طعن أبي المحجن . وأبو محجن في القيد ، ~~فلما انتصف الليل وتراجع المسلمون والفرس ، أقبل أبو محجن فدخل القصر ، ~~وأعاد رجليه في القيد ، وقال : لقد علمت ثقيف غير فخر . . . بأنا نحن ~~أكرمهم سيوفا أكثرهم دروعا سابغات . . . أصبرهم إذا كرهوا الحتوفا ~~PageV19P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" وأنا وفدهم في كل يوم . . . فإن عميوا فسل ~~بهم عريفا وليلة قادس لم يشعروا بي . . . ولم أشعر بمخرجي الزحرفا فإن أحبس ~~فذلكم بلائي . . . وإن أترك اذيقهم الحتوفا فقالت له سلمى : في أي شيء حبسك ~~؟ فقال : أما والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته ؛ ولكني ms4128 صاحب شراب في ~~الجاهلية ، وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني ، فقلت مرتجلا في ذلك ~~أبياتا : إذا مت فادفني إلى أصل كرمة . . . تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا ~~تدفههي بالفلاة فإنني . . . أخاف إذا مامت ألا أذوقها فلذلك حبسني ، فلما ~~اصبحت أتت سعدا فصالحته واخبرته بخبر أبي محجن ، فأطلقه ، وقال : اذهب ، ~~فما أنا بمؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله ، قال : لاجرم والله لا اجيب لساني ~~إلا قبيح أبدا . وقد قيل : إن سعدا لما أخبر بأمره دعاه وحل قيوده ، وقال : ~~لاتجلدن على الخمر ابدا : فقال أبو محجن : وأنا ولله لا أشربها أبدا ، فقد ~~كنت آنف أن أدعها من اجل جلدكم . وقيل : بل قال : قد كنت أشربها إذ يقام ~~على الحد وأطهر منها ، فأما إذا بهرجتني فوالله لا أشربها أبدا . ذكر يوم ~~عماس وهو اليوم الثالث قال : وأصبح الناس في هذا اليوم وبين الصفين من صرعي ~~المسلمين ألفان من جريح وقتيل ، ومن المشركين عشرة آلاف ، فنقل المسلمون ~~قتلاهم إلى المقابر ، وجرحاهم إلى النساء ، وكان النساء والصبيان يحفرون ~~القبور ويداوون الجرحى ، وأما قتلى المشركين فبين الصفين لم ينقلوا ، وبات ~~القعقاع تلك الليلة بسرب أصحابه إلى المكان الذي كان فارقهم فيه ، وقال : ~~إذا طلعت الشمس فاقتلوا مائة مائة ، فإن جاء هاشم فذاك ، وإلا جددتم للناس ~~رجاء جديدا . ولم يشعر به أحد ، وأصبح الناس على مواقفهم . PageV19P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" فلما بزغت الشمس أقبل أصحاب القعقاع ، فحين ~~رآهم كبر وكبر المسلمون ، وتقدموا وتكتبت الكتائب ، واختلف الطعن والضرب ، ~~والمدد متتابع ، فما جاء آخر أصحابه حتى انتهى إليهم هاشم ، فأخبر بما صنع ~~القعقاع ، فعبى أصحابه سبعين سبعين ، وكان فيهم قيس بن هبيرة المعروف بابن ~~المكشوح المرادي ، فكبر وكبر المسلمون ، ثم حمل على الفرس فقاتلهم حتى خرق ~~صفهم إلى العتيق ثم عاد ، وكانت الفرس فقاتلهم حتى خرق صفهم إلى العتيق ثم ~~عاد ، وكانت الفرس قد أصلحوا توابيتهم وأعادوها على الفيلة ، وأقبلت ~~الرجالة حول الفيلة يحمونها أن تقطع وضنها ، ومع الرجالة فرسان يحمونهم ، ~~فلم تنفر الخيل منهم كما كانت ؛ لاختلاط خيل الفرس ms4129 ورجالها بها . قال : ~~ولما رأى سعد الفيول ، وقد فرقت الكتائب وعادت لفعلها ، أرسل إلى القعقاع ~~وعاصم بني عمرو : أن أكفياني الفيل الأبيض ، وكان بإزائهما والفيول كلها ~~آلفة له . وقال لحمال والربيل : أكفياني الفيل الأجرب وكان بإزائهما ، فحمل ~~القعقاع وعاصم برمحيهما وتقدما في خيل ورجل حتى وضعاهما في عيني الفيل ~~الأبيض ، فنفض رأسه ، وطرح ساسته ، ودلى مشفرة . فضربه القعقاع ، فرمى به ~~ووقع لجنبه ، وقتلوا من كان عليه ، وحمل حمال والربيل الأسديان على الفيل ~~الأجرب ، فطعنه حمال في عينه فاقعى ، ثم استوى ، وضربه الربيل فأبان مشفرة ~~، فتحير الفيل ؛ إذا جاء إلى صف المسلمين زجروه بالرماح ليرجع ، وإذا أتى ~~صف الفرس نخسوه ليتقدم ، فولى الفيل وألقى نفسه في العتيق ، وتبعته الفيلة ~~فخرقت صفوف الأعاجم . واقتتل الفريقان حتى المساء وهم على السواء ، فلما ~~أمسى الناس اشتد القتال ، وصبر الفريقان فخرجا على السواء ، ثم كانت ليلة ~~الهرير . والله سبحانه وتعالى أعلم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، وصلى الله ~~على سيدنا محمد . ذكر ليلة الهرير قيل : وإنما سميت بذلك لتركهم الكلام ، ~~وإنما كانوا يهرون هريرا ، وهي الليلة التي تلي يوم عماس . قال : وخرج ~~مسعود بن مالك الأسدي ، وعاصم بن عمرو ، وقيس بن هبيرة وأشباههم ، فطاردوا ~~القوم ، فإذا هم لا يشدون ولا يريدون غير الزحف ، PageV19P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" فقدموا صفوفهم ، وزاحفهم الناس بغير إذن سعد ~~، فكان أول من زاحفهم القعقاع ، فقال سعد : اللهم اغفرها له وانصره ، قد ~~أذنت له إذ لم يستأذني ، ثم قال : أرى الأمر مافيه هذا ، فإذا كبرت ثلاثا ~~فاحملوا ، فكبر واحدة ، فحملت اسد ثم النخع ، ثم بجيلة ، ثم كندة ، وسعد ~~يقول عند حملة كل منهم : اللهم اغفرها لهم ، وانصرهم ، ثم زحف الرؤساء ، ~~ورحا الحرب تدور على القعقاع ، ولما كبر الثالثة لحق الناس بعضهم بعضا ، ~~وخالطوا القوم ، فاستقبلوا الليل بعد ما صلوا العشاء ، واقتتلوا ليلتهم إلى ~~الصباح ، فلما كان عند الصبح انتهى الناس ، فاستدل سعد بذلك على أنهم ~~الأعلوان . ذكر يوم القادسية وقتل رستم وهزيمة الفرس قال : وأصبح الناس من ~~ليلة الهرير - وتسمى ليلة القادسية - وهم ms4130 حسرى ، لم يغمضوا ليلتهم كلها ؛ ~~فسار القعقاع فقال : إن الدائرة بعد ساعة لمن بدأ القوم ، فاصبروا ساعة ~~واحملوا ؛ فإن النصر مع الصبر . فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء صمدوا لرستم ~~حتى خالطوا الذين دونه ، فلما رأت ذلك القبائل قام فيهم رؤسائهم ، وقالوا : ~~لا يكونن هؤلاء أجد في أمر الله منكم ، ولا هؤلاء - يعني الفرس - أجرأ على ~~الموت منكم ، وحملوا وخالطوا من بإزائهم ، فاقتتلوا حتى قام قائم الظهيرة ، ~~فكان أول من زال الفيرزان والهرمزان ، فتأخرا وثبتا حيث انتهيا ، وانفرج ~~القلب وركد عليهم النقع ، وهبت ريح عاصف دبور ، فقلعت طيار رستم عن سريره ، ~~فهوى في العتيق ، ومال الغبار على الفرس ، وانتهى القعقاع ومن معه إلى ~~السرير فعثروا به ، وقد قام رستم عنه حين أطارت الريح الطيار ، واستظل بظل ~~بغل من بغال كانت قد قدمت عليها حمول ، فضرب هلال بن علفة حمل البغل الذي ~~تحت رستم ، فقطع حباله وسقط عليه ، فأزاله رستم عن ظهره ، ثم ضربه هلال ~~ضربة ، ففر نحو العتيق ، وألقى نفسه فيه ، فاقتحمه هلال عليه ، وأخذ يرجله ~~، ثم خرج به ، وضرب جبينه بالسيف حتى قتله ، ثم صعد على السرير وقال : قتلت ~~رستم ورب الكعبة ؛ إلى إلى فنفله سعد سلبه ، وكان قد أصابه الماء ، ولم ~~يظفر بقلنسوته ، وكانت بمائة ألف . PageV19P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" وقيل : إن هلال بن علفة لما قصد رستم رماه ~~بنشابة أثبتت قدمه بالركاب ، فحمل عليه هلال فضربه فقتله ، ثم احتز رأسه ~~فعلقه ونادى : قتلت رستم فانهزم قلب المشركين ، وقام الجالينوس على الردم ، ~~ونادى الفرس إلى العبور ، وانهزموا وأخذهم السيف والإسار ، وأخذ ضرار بن ~~الخطاب الدرفس ، وهو العلم الأكبر الذي كان للفرس ، فعوض عنه بثلاثين ألفا ~~، وكانت قيمته ألف ألف ومائتي ، وجعل في بيت المال . وقتل في هذه المعركة ~~من الفرس عشرة آلاف سوى من قتل قبلها ، وأما المقترنون فما أفلت منهم مخبر ~~، وهم ثلاثون ألفا . وقتل من المسلمين قبل ليلة الهرير ألفان وخمسمائة ، ~~وقتل في ليلة الهرير ويوم القادسية ستة آلاف ، فدفنوا بالخندق ، ودفن من ~~كان قبل ليلة الهرير على ms4131 مشرق . وكان ممن استشهد في حرب القادسية بنو خنساء ~~الأربعة ، وكان من خبرهم أن أمهم الخنساء الشاعرة بنت عمرو بن الشريد ~~السلمية حضرت القادسية ومعها بنوها الأربعة ، وهم رجال ، فقالت لهم من أول ~~الليل : يابني ، إنكم أسلمتم طائعين ، وهاجرتم مختارين ، والله الذي لا إله ~~إلا هو ، إنكم لبنو رجل واحد ، كما أنكم بنو امرأة واحدة ، ماخنت أباكم ، ~~ولا فضحت خالكم ، ولا هجنت حسبكم ، ولا غيرت نسبكم ؛ وقد تعلمون ما أعد ~~الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين ، وأعلموا أن الدار ~~الباقية ، خير من الدار الفاتنة ؛ يقول الله عز وجل : " ياأيها الذين آمنوا ~~اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " فإذا أصبحتم غدا إن شاء ~~الله سالمين ، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين ، وبالله على أعدائه ~~مستنصرين ، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها ، واضطرمت لظى على سباقها ، ~~وجللت نارا على أوراقها ، فتيمموا وطيسها ، وجالدوا رئيسها ؛ عند احتدام ~~خميسها ، تظفروا بالغنم والكرامة ، في دار الخلد والمقامة . فخرج بنوها ~~قابلين لنصحها ، عازمين على قولها ، فلما اضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم ، ~~وأنشأ أولهم يقول : ياأخوتي إن العجوز الناصحة . . . قد نصحتنا إذ دعتنا ~~البارحة PageV19P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" مقالة ذات تبيان واضحة . . . فباكروا الحرب ~~الضروس الكالحة وإنما تلقون عند الصائحة . . . من آل ساسان كلابا نابحة قد ~~أيقنوا منكم بوقع الجائحة . . . وأنتم بين حياة صالحة " أو موتة تورث غنما ~~رابحة " وتقدم فقاتل حتى قتل ، ثم حمل الثاني وهو يقول : إن العجوز ذات حزم ~~وجلد . . . والنظر الأوفق والرأي السدد قد أمرتنا بالسداد والرشد . . . ~~نصيحة منها وبرا بالولد فبادروا الحرب حماة في العدد . . . إما لفوز بارد ~~على الكبد أو ميتة تورثكم غنم الأبد . . . في جنة الفردوس والعيش الرغد ~~وقاتل حتى استشهد . ثم حمل الثالث وهو يقول : والله لا نعصى العجوز حرفا . ~~. . قد أمرتنا حدبا وعطفا نصحا وبرا صادقا ولطفا . . . فباكروا الحرب ~~الضروس زحفا حتى تلفوا آل كسرى لفا . . . أو تكشفوهم عن حماكم كشفا وقاتل ~~حتى استشهد . ثم حمل الرابع وهو يقول : لست لخنساء ولا للأخرم . . . ولا ~~لعمرو ذي ms4132 السناء الأقدم إن لم أرد في الجيش جيش الأعجم . . . ماض على الهول ~~خضم خضرم إما لفوز عاجل ومغنم . . . أو لوفاة في السبيل الأكرم وقاتل حتى ~~قتل ؛ رحمهم الله . فبلغها الخبر ، فقالت : الحمدلله الذي شرفني بقتلهم ، ~~وأرجو من ربي ان يجمعني بهم في مستقر رحمته . PageV19P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" فكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يعطي ~~الخنساء أرزاق أولادها الأربعة ؛ لكل واحد مائتي درهم ؛ حتى قبض رضي الله ~~عنه . حكاه أبو عمر بن عبد البر في ترجمة الخنساء تعود إلى بقية أخبار ~~القادسية ؛ قال : وجمع من الأسلاب والأموال مالم يجمع قبله مثله ، وأمر سعد ~~القعقاع وشرحبيل بأتباعهم ، وخرج زهرة بن الحوية التميمي في آثارهم في ~~ثلثمائة فارس ، فلحق الجالينوس ، فقتله زهرة وأخذ سلبه ، وقتلوا أكثر الفرس ~~وأسروهم . قيل : رثى شاب من النخع وهو يسوق ثمانين أسيرا من الفرس ، وكان ~~الرجل يشير إلى الفارسي فياتيه فيقتله ؛ وربما أخذ سلاحه فقتله به ؛ وربما ~~أمر الرجل فقتل صاحبه . ولحق سلمان بن ربيعة الباهلي وعبد الرحمن بن ربيعة ~~بطائفة من الفرس قد نصبوا راية وقالا : لا نبرح حتى نموت . فقتلهم سلمان ~~ومن معه ، وكان قد ثبت بعد الهزيمة بضعة وثلاثون كتيبة من الفرس ، استحيوا ~~من الفرار ، فقصدهم بضعة وثلاثون من رؤساء المسلمين ، لكل كتيبة منها رئيس ~~، فقتلهم المسلمون . وكتب سعد إلى عمر بالفتح ، وبعده من قتلوا ، ومن أصيب ~~من المسلمين ، وسمي من يعرف ، وبعث ذلك سعد بن عميلة الفزاري ، واستأذنه ~~فيما يفعل . وأقام بالقادسية ينتظر جوابه ، فأمره بالمسير إلى المدائن ، ~~وأن يخلف النساء والصبيان بالعتيق ، ويجعل معهم جندا كثيفا ، ويشركهم في كل ~~مغنم ؛ ماداموا يخلفون المسلمين في عيالاتهم ؛ ففعل . قيل : وكانت وقعة ~~القادسية في سنة ست عشرة . وقيل : في سنة خمس عشرة ، أوردها أبو جعفر ~~الطبري في سنة أربع عشرة ، وأوردهاا أبو الحسن بن الاثير في تاريخه الكامل ~~، في حوادث سنة أربع عشرة ؛ وذكر الخلاف فيهمان والله سبحانه وتعالى أعلم ~~فنذكر ما كان بعد القادسية والله تعالى أعلم . PageV19P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" ذكر ما كان بعد ms4133 القادسية من الحروب والأيام ~~يوم برس ، ويوم بابل ، ويوم كوثى . وهذه الوقائع والأيام التي نذكرها في ~~هذا الموضع تحت هذه الترجمة ، قد أوردها أبو الحسن علي بن الأثير - رحمه ~~الله - في تاريخه الكامل في حوادث سنة خمس عشرة ، كأنه رجح قول أهل الكوفة ~~: إن وقعة القادسية كانت في سنة خمس عشرة . قال : لما فرغ سعد من القادسية ~~أقام بها بعد الفتح شهرين ، وكاتب عمر فيما يفعل ، فكتب إليه بالمسير إلى ~~المدائن كما قدمنا ، فسار من القادسية لأيام بقين من شوال ، وكل الناس فارس ~~، قد تقل الله إليهم ما كان في عسكر الفرس ، فوصلت مقدمة المسلمين برس ~~عليها عبد الله بن المعتم ، وزهرة بن الحوية وشرحبيل بن السمط ، فلقيهم بها ~~بصبهري في جمع من الفرس ، فهزمهم المسلمون إلى بابل ، وبها رؤساء القادسية ~~: النخيرجان ، ومهران الرازي ، والهرمزان وأشباههم . وقد استعملوا عليهم ~~الفيرزان ، وقدم عليهم بصبهري منهزما من برس ، فوقع في النهر ، ومات من ~~طعنة ، كان طعنه زهرة ، ولما هزم بصبهري أقبل بسطام دهقان برس ، فصالح زهرة ~~، وعقد للمسلمين الجسور ، وأخبرهم بمن اجتمع ببابل من الفرس ، فأرسل زهرة ~~إلى سعد يعرفه بذلك ، فقدم سعد إلى برس ، وسير زهرة في المقدمة ، وأتبعه ~~عبد الله وشرحبيل وهاشما ، فنزلوا على الفيرزان ببابل ، واقتتلوا ، وانهزم ~~الفرس ، وانطلقوا على وجهين : فسار الهرمزان نحو الأهواز ، فأخذها ، فأخذها ~~، وأخرج الفيرزان نحو نهاوند ، فأخذها وبها كنوز كسرى . وسار النخيرجان ~~ومهران إلى المدائن ، وقطع الجسر ، وأقام سعد ببابل ، وقدم زهرة بين يديه ~~بكير بن عبد الله الليثي ، وكثير بن شهاب السعدي حين عبرا الصراة ، ~~PageV19P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" فلحقا بأخريات القوم وفيهم فيومان والفرخان ~~فقتلاهما ، وجاء زهرة فجاز سورا ، وتقدم نحو الفرس وقد نزلوا بين كوثى ~~والدير ، وقد استخلف النخيرجان ومهران على جنودهما شهريار ، فنازلهم زهرة ، ~~فبرزوا لقتاله ، وطلب شهريار المبارزة ، فخرج إليه أبو نباتة نايل بن جعتم ~~الأعرجي ، وكان من شجعان تميم ، فظفر به وقتله ، وأخذ فرسه وسواريه وسلبه ، ~~وانهزم أصحابه ، وأقام زهرة بكوثى حتى قدم عليه سعد ، فقدم إليه نايلا ~~وألبسه ms4134 سلاح وسواريه ، وأركبه برذونه ، فكان أول عربي سور بالعراق . وأقام ~~سعد بها أياما . وقيل : كانت هذه الوقائع في سنة ست عشرة . والله أعلم ~~بالصواب وإليه المرجع والمآب . ذكر خبر بهرسير وهي المدينة الغربية قال : ~~ثم مضى زهرة إلى بهرسير في المقدمات ، فتلقاه شيرزاد دهقان ساباط بالصلح ، ~~فارسله إلى سعد فصالحه على الجزية ، ولقي سعد كتيبة كسرى التي تدعى بوران ، ~~وكانوا يحلفون كل يوم ألا يزول ملك فارس ماعشنا ، فهزمهم ، فقتل هاشم بن ~~عتبة المقرط ، وهو أسد كان كسرى قد ألفه ، فقبل سعد راس هاشم وبعثه في ~~المقدمة إلى بهرسير ، ووصلها سعد والمسلمون ، فلما رأوا غيوان كسرى ، كبر ~~ضرار بن الخطاب ، وقال : هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وكبر الناس معه ، ~~فكانوا كلما وصلت طائفة كبروا ، ثم نزلوا على المدينة ، وكان نزولهم في ذي ~~الحجة سنة خمس عشرة والله أعلم ذكر فتح المدائن الغربية وهي بهرسير كان ~~فتحها في صفر سنة ست عشرة . وذلك أن سعد بن أبي وقاص نزل عليها وحاصرها ~~شهرين ، ونصب عليها عشرين منجنيقا ، وقاتل أهلها قتالا شديدا ، وأرسل سعد ~~الخيول ، فأغازت على من ليس له عهد ، فأصابوا مائة الف فلاح ، فارسل سعد ~~إلى عمر يستأذنه ، فقال : من جاءكم ممن يعين عليكم فهو أمانهم ، ومن هرب ~~فأدركتموه فشأنكم به ، فخلى سعد عنهم ، وأرسل إلى الدهاقين ودعاهم إلى ~~الإسلام أو الجزية ولهم الذمة ؛ فتراجعوا . PageV19P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" قال : واشتد الحصار على أهل المدائن الغربية ~~، حتى أكلوا السنانير والكلاب ، فبينما هم يحاصرونهم إذا أشرف عليهم رسول ، ~~فقال : يقول لكم الملك : هل لكم إلى المصالحة على أن لنا مايلينا من دجلة ~~إلى جبلنا ، ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم ؟ أما شبعتم لا أشبع الله ~~بطونكم فقال : له أبو مفزر الأسود بن قطبة ، وقد أنطقه الفرس دجلة إلى ~~المدائن الشرقية التي فيها الإيوان ، فقال له من معه : يا أبا مفزر ، ماقلت ~~للرسول ؟ قال : والله ما أدري ، وأرجو أن أكون قد نطقت بالذي هو خير ، ~~فنادى سعد في الناس ، فنهدوا إليهم ، فما ظهر ms4135 على المدينة أحد ولا خرج إلا ~~رجل ينادي بالأمان ، فأمنوه ؛ فقال لهم : مابقي في المدينة أحد يمنعكم ؛ ~~فدخلوا فما وجدوا فيها غير الاساري وذلك الرجل ، فسألوه : لأي شيء هربوا ؟ ~~فقال : بعث إليكم الملك بالصلح فأجبتموه : ألا صلح بيننا وبينكم أبدا حتى ~~نأكل عسل أفريدون بأترج كوثى ؛ فقال الملك : ياويلتيه ، إن الملائكة تكلم ~~على ألسنتهم ترد علينا ، فساروا إلى المدينة القصوى ، ودخل المسلمون ~~المدينة ، وأنزلهم سعد المنازل ، والله أعلم . ذكر فتح المدائن الشرقية ~~التي فيها إيوان كسرى قال : وأقام سعد ببهرسير أياما من صفر ، ثم قصد ~~المدائن ، وقطع دجلة ، وهي تقذف بالزبد لكثرة المد ؛ وكان سبب عبوره أن ~~علجا جاءه فقال : ما مقامك ؟ لايأتي عليك ثالث حتى يذهب يزدجرد بكل شيء في ~~المدائن ، فهيجه ذلك على العبور ، فقام وخطب الناس ، وقال : إن عدوكم قد ~~اعتصم منكم بهذا البحر ، فل PageV19P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" ا تخلصون إليه معه ، ويخلصون إليكم في سفنهم ~~إذا شاءوا ، وليس ورائكم ما تخافون منه ، فقد كفاكم الله أهل الأيام ، وقد ~~رأيت من الرأي أن تجاهدوا العدو ؛ إلا أني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم ~~؛ فقالوا : جميعا : عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل . فندب الناس على ~~العبور ، وقال : من يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس ، لكيلا ~~يمنعوهم من العبور ؟ فانتدب له عاصم بن عمرو ذو البأس في ستمائة من أهل ~~النجدات ، فاستعمل عليهم عاصما ، فتقدمهم عاصم في ستين فارسا ، قد اقتحموا ~~دجلة ، فلما رآهم الأعاجم ، وما صنعوا أخرجوا للخيل التي تقدمت مثلها ~~فاقتحموا عليهم دجلة ، فلقوا عاصما وقد دنا من الفراض ، فقال عاصم : الرماح ~~الرماح أشرعوها ، وتوخوا العيون ، فالتقوا ، فطعنهم المسلمون في عيونهم ، ~~فولوا ولحقهم المسلمون ، فقتلوا أكثرهم ، ومن نجا صار أعور ، وتلاحق ~~الستمائة بالستين . ولما رأى سعد عاصما على الفراض قد منعها ؛ أذن للناس في ~~الاقتحام ، وقال : نستعين بالله ، ونتوكل عليه ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، ~~ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم . واقتحم الناس دجلة يتحدثون كما ~~يتحدثون في البر ، وطبقوا دجلة حتى ما ms4136 يرى من الشاطئ شيء . قال : ولم يكن ~~بالمدائن أعجب من دخول الماء ، وكان يدعى يوم الجراثيم ، لا يبقى أحد ~~إلاانتشرت له جرثومة من الأرض يستريح عليها ؛ حتى ما يبلغ الماء حزام فرسه ~~، فعبروا سالمين ، لم يعدم منهم أحد ، ولا عدم لأحد شيء إلا قدح لمالك بن ~~عامر سقط منه فجرى في الماء ، ثم ألقته الريح إلى الشاطئ ، فأخذه صاحبه ، ~~فلما رأى الفرس عبورهم خرجوا هرابا نحو حلوان ، وكان يزدجرد قد قدم عياله ~~إليها قبل ذلك . ولما هرب حمل أصحابه من بيت المال ما قدروا عليه مما خف ، ~~ومن النساء والذراري ، وتركوا في الخزائن من المتاع والثياب والألطاف مالا ~~تدرك قيمته ، وتركوا ما قد أعدوه للحصار من الأطعمة والغنم والبقر ، وكان ~~في بيت المال ثلاثة آلاف ألف ، أخذ منها رستم عند مسيره إلى القادسية النصف ~~، وبقي النصف . PageV19P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" وكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال ، وهي ~~كتيبة عاصم بن عمرو ، ثم كتيبة الخرساء وهي كتيبة القعقاع بن عمرو ، فأخذوا ~~في سككها وأحاطوا بالقصر الأبيض وبه من بقي من الفرس ، فأجابوا إلى الجزية ~~والذمة ، فتراجع إليهم أهل المدائن على مثل عهدهم ، ونزل سعد القصر الأبيض ~~، وسرح زهرة في آثارهم إلى النهروان ، وسرح مقدار ذلك في كل جهة . وكان ~~سلمان الفارسي رائد المسلمين وراعيهم . دعا أهل بهرسير ثلاثا ، وأهل القصر ~~الأبيض ثلاثا . واتخذ سعد إيوان كسرى مصلى ، ولم يغير ما فيه من التماثيل ، ~~ولما دخل الإيوان ، قرأ : " كم تركوا من جنات وعيون ، وزروع ومقام كريم ، ~~ونعمة كانوا فيها فاكهين ، كذلك أورثناها قوما آخرين " وصلى فيه صلاة الفتح ~~ثماني ركعات لايفصل بينهن ، وأتم الصلاة لأنه نوى الإقامة ، وكانت أول جمعة ~~أقيمت بالمدائن في صفر سنة ست عشرة . ذكر ما جمع من غنائم أهل المدائن ~~وقسمتها قال : وجعل سعد على الأقباض عمرو بن مقرن ، وعلى القسمة سلمان بن ~~ربيعة الباهلي ، فجمع ما في القصر والإيوان والدور ، وأحصى مايأتيه به أهل ~~الطلب ، ووجدوا بالمدائن قبابا تركية مملؤءة سلالا مختومة برصاص فيها آنية ~~الذهب والفضة ms4137 ، فكان الرجل يطوف ويبيع الذهب بالفضة مثلا بمثل ، ورأوا ~~كافورا كثيرا فحسبوه ملحا فعجنوا به وجدوه مرا . وأدرك الطلب مع زهرة جماعة ~~من الفرس على جسر النهروان فازدحموا عليهم ، فوقع منهم بغل في الماء فأخذه ~~المسلمون وفيه حلية كسرى وثيابه ، وخرزاته ووشاحه ، ودرعه المجوهر . ولحق ~~بعض المسلمين بغلين مع فارسين فقتلهما ، وأخذ البغلين فأوصلهما إلى صاحب ~~الأقباض ، وهو يكتب ما يأتيه به الناس ، فاستوقفه حتى ينظر ماجاء به ؛ فإذا ~~على أحدهما سفطان فيهما تاج كسرى مفسخا ، وكان حمله على اسطوانتين ، وفيه ~~الجوهر ، وعلى البغل الثاني سفطان فيهما ثياب كسرى من الديباج المنسوج ~~بالذهب المنظوم بالجوهر ، وغير الديباج منسوجا منظوما . وأدرك القعقاع ~~فارسيا فقتله وأخذ منه عيبتين في إحدهما PageV19P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" خمسة اسياف ، وفي الأخرى ستة أسياف ، وأدرع ~~منها درع كسرى ، ومغافره وسيفه ، ودرع هرقل وسيفه ، ودرع شوبين وسيفه ، ~~ودرع سياوخش وسيفه ، ودرع النعمان وسيفه ، وبقية السيوف لهرمز وقباذ وفيروز ~~. وكان الفرس قد استلبوا أدراع ملوك الهند والترك والروم وسيوفهم لما غزوهم ~~، فأحضر القعقاع ذلك إلى سعد فخيره في الأسياف فاختار سيف هرقل ، وأعطاه ~~درع بهرام ، ونفل سائرها إلا بسيف كسرى وسيف النعمان ، فبعث بهما إلى عمر ~~بن الخطاب ؛ لتسمع العرب بذلك بعد أن حسبهما في الأخماس ، وبعث بتاج كسرى ~~وحليته وثيابه إلى عمر ليراه المسلمون . قال : وأدرك عصمة بن خالد الضبي ~~رجلين معهما حماران ، فقتل أحدهما وهرب الآخر ، وأخذ الحمارين وأتى بهما ~~إلى صاحب الأقباض ، فإذا على أحدهما سفطان في أحدهما فرس من ذهب بسرج من ~~فضة على ثفره ولبته الياقوت والزبرجد ، ولجام كذلك ، وفارس من فضة مكللة ~~بالجوهر ، وفي الآخر ناقة من فضة عليها شليل من ذهب ، كل ذلك منظوم ~~بالياقوت ، وعليها رجل من ذهب مكلل بالجوهر ، كان كسرى يصنعها على اسطوانتي ~~التاج . وأدى المسلمون الأمانة في المغنم ، ولما جمعت الغنائم خمسها سعد ، ~~وقسم مابقي من الخمس والنفل بين الناس ، وكانوا ستين ألفا كلهم فارس ، أصاب ~~كلا منهم أثنا عشر ألفا ، ونفل من الأخماس في أهل البلاء ، وقسم ms4138 المنازل ~~بين الناس ، وأحضر العيالات فأنزلهم في الدور ، فاقاموا بالمدائن ؛ حتى ~~نزلوا إلى الكوفة بعد فراغهم من جلولاء ، وتكريت والموصل . قال : وأرسل سعد ~~في الخمس كل شيء يتعجب منه العرب ، وأراد أن يخرج خمس القطيف فلم تعتدل ~~قسمته ، فقال المسلمين : هل تطيب نفوسكم بأربعة أخماسه ، ونبعق به إلى أمير ~~المؤمنين يضعه حيث يشاء ؟ قالوا : نعم ، فبعث به إلى عمر . PageV19P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" والقطيف : بساط واحد طوله ستون دراعا ، وعرضه ~~مثل ذلك مقدار جريب . كانت الأكاسرة إذا دهبت الرياحين بعد الشتاء شربوا ~~عليه ، فكأنهم في رياض ، فيه طرق كالقصور ، وفصوص كالأنهار ، أرضه مذهبة ، ~~وخلال ذلك فصوص كالدر ، وفي حافاته كالأرض المزروعة والمبقلة بالنبات ~~والورق من الحرير على قضبان الذهب ، وأزهاره الذهب والفضة ، وثماره الجوهر ~~واشباه ذلك . فلما وصل إلى عمر استشار المسلمين فيه ، فأشاروا بقطعه ، ~~فقطعه بينهم ، فاصاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه قطعة منه ، فباعها ~~بعشرين الفا ، ولم تكن أجود من غيرها . ذكر وقعة جلولاء وفتح حلوان كانت ~~وقعة جلولا في اول ذي القعدة سنة ست عشرة ، بينها وبين المدائن تسعة اشهر ، ~~وسببها ان الفرس لما هربوا من المدائن انتهوا إلى جلولاء ، فافترقت الطرق ~~بأهل أذربيجان والباب ، وأهل الجبال وفارس ، فقالوا : إن افترقتم لم ~~تجتمعوا أبدا ، وهذا مكان يفرق بيننا ، فهلموا فلنجتمعوا للعرب به ، ~~ولنقاتلهم فإن كانت لنا فهو الذي نحب ، وإن كانت الأخرى كنا قضينا الذي ~~علينا ، وابلينا عذرا . فاجتمعوا واحتفروا خندقا ، واجتمعوا فيه على مهران ~~الرازي ، وتقدم يزدجرد إلى حلوان ، فبلغ ذلك سعدا ، فارسل إلى عمر ، فبعث ~~إليه أن سرح هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى جلولاء ، وأجعل على مقدمته ~~القعقاع بن عمرو ، إن هزم الله الفرس فاجعل القعقاع بين السواد والجبل ، ~~وليكن الجند اثني عشر ألفا . ففعل سعد ذلك . وسار هاشم من المدائن في وجوه ~~المهاجرين والأنصار وأعلام العرب ، فمر ببابل مهروذ ، فصالحه دهقانها ؛ على ~~أن يفرش له جريب الأرض دراهم ففعل ، ثم قدم جلولاء فحاصرهم في خنادقهم ، ~~وأحاط بهم ، وطاولهم الفرس وجعلوا لا ms4139 يخرجون إلا إذا أرادوا ، وراجعهم ~~المسلمون نحو ثمانين يوما ، كل ذلك ينصر المسلمون عليهم ، وجعلت الأمداد ~~ترد من يزدجرد إلى مهران ، ومن سعد إلى المسلمين . PageV19P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" وخرج الفرس يوما فقاتلوا قتالا شديدا ، وأرسل ~~الله عليهم ريحا حتى أظلمت عليهم البلاد ، فسقط فرسانهم في الخندق ، فجعلوا ~~فيه طرقا تصعد منها خيلهم ، ففسد الخندق ، فنهض المسلمون واقتتلوا قتالا ~~شديدا لم يقتتلوا مثله ، ولا ليلة الهرير ، إلا أنه كان أعجل . وانتهى ~~القعقاع من الوجه الذي زحف منه إلى باب الخندق ، وأمر مناديا فنادى : ~~يامعشر المسلمين ، هذا أميركم قد دخل الخندق ، فأقبلوا إليه ، ولا يمنعكم ~~من بينكم وبينه من دخوله ، فحملوا وهم لا يشكون أن هاشما في الخندق ، فإذا ~~هم بالقعقاع ، فانهزم الفرس يمنة ويسر ، وأتبعهم المسلمون ، فلم يفلت منهم ~~إلا القليل ، وقتل منهم يومئذ مائة ألف ، فجللت القتلى المجال ، ومابين ~~يديه وما خلفه فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم ، وسار القعقاع في الطلب ~~حتى بلغ خانقين ، فأدرك مهران الرازي فقتله ، وأدرك الفيرزان ، فنزل وتوفل ~~في الجبل فنجا ، وأصاب القعقاع سبايا فأرسلهن إلى هاشم فقسمهن ، فاستولدهن ~~المسلمون ، وممن ينسب إلى ذلك السبي أم الشعبي . قال : ولما بلغت الهزيمة ~~يزدجرد سار من حلوان نحو الري ، واستخلف على حلوان خسر شنوم ، فلما وصل ~~القعقاع قصر شيرين خرج إليه خسر شنوم ، وقدم إليه الزينبي دهقان حلوان ، ~~وكان فتحها في ذي القعدة ، وبقي القعقاع بها إلى أن تحول سعد إلى الكوفة ، ~~فلحقه ، واستخلف على حلوان قباذ ، وكان أصله خراسانيا ، وكتبوا إلى عمر ~~بالفتح ، واستأذنوه في العبور فأبى ، وقال : لوددت أن بين السواد والجبل ~~سدا لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم ، حسبنا من الريف السواد ، وإني آثرت ~~سلامة المسلمين على الأنفال . قال : وجمعت الغنائم وقسمت بعد الخمس ، فأصاب ~~كل فارس تسعة آلاف ، وتسعة من الدواب ، وقسم الفئ على ثلاثين ألفا . وقيل : ~~إن الغنيمة كانت ثلاثين ألف الف ، وبعث سعد بالخمس إلى عمر ، وستة آلاف ألف ~~، وبعث الحساب مع زياد بن أبيه ، فكلمه عمر فيما جاء له ، فوصفه ms4140 له ، فقال ~~له عمر : هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل ما كلمتني ؟ فقال : والله ما على ~~الأرض شخص أهيب في صدري منك ، فكيف لا أقوى على هذا مع غيرك فقام في الناس ~~فتكلم بما أصابوا وبما صنعوا ، وبما يستأنفون من الانسياح في البلاد . ~~PageV19P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" فقال عمر : هذا الخطيب المصقع ، فقال : إن ~~جندنا بالفعال أطلقوا ألسنتنا . قال : ولما قدم الخمس على عمر قال : والله ~~لا يجنه سقف حتى أقسمه ، فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن الأرقم ~~يحرسانه في المسجد ، فلما أصبح عمر جاء في الناس فكشف عنه ، فلما جاء ونظر ~~إلى ياقوته وزبر جده وجوهره بكى ، فقال عبد الرحمن بن عوف : ما يبكيك يا ~~أمير المؤمنينظ فوالله أن هذا لموطن شكر . فقال عمر : والله ماذاك يبكيني ، ~~وبالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا ، ولا تحاسدوا إلا القى ~~الله بأسهم بينهم . ومنع عمر رضي الله عنه من قسمة السواد لتعذر ذلك بسبب ~~الآجام والغياض ، ومفيض المياه ، وما كان لبيوت النار ، ولسكك البرد ، وما ~~كان لكسرى ومن معه ، وخاف الفتنة بين المسلمين فلم يقسمه ، ومنع من بيعهن ~~فلا يحل بيع شيء من أرض السواد ما بين حلوان والقادسية . قال : واشترى جرير ~~ارضا على شاطئ الفرات ، فرد عمر ذلك الشراء وكرهه . والله تعالى أعلم ~~بالصواب ، و إليه المرجع والمآب ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . ذكر ولاية ~~عتبة بن غزوان البصرة وفتحه الأبلة قد اختلف المؤرخون في وقت ولايته البصرة ~~، وهل كانت من قبل عمر بن الخطاب أو قبل سعد بن أبي وقاص بأمر عمر . فأما ~~من يقول : إن ولايته من قبل عمر ، فإنه جعلها في سنة أربع عشرة ، وأن نزوله ~~البصرة كان في شهر ربيع الأول أو الأخر ، بعثه عمر إليها ، وكان بالبصرة ~~قطبة بن قتادة السدوسي يغير بتلك النواحي ، كما يغير المثنى بالحيرة ، فكتب ~~إلى عمر يعلمه مكانه ؛ وأنه لو كان معه عدد يسير لظفر بمن قبله من العجم ، ~~فنفاهم عن بلادهم . فكتب إليه عمر يأمره بالمقام ms4141 والحذر ، ووجه إليه شريح ~~بن عامر أحد بنى سعد بن بكر ، فأقبل إلى البصرة ونزل بها قطبة ، ومضى إلى ~~الأهواز حتى انتهى إلى دارس ، وفيها مسلحة الأعاجم ، فقتلوه . فبعث عمر ~~عتبة بن غزوان ، وقال له : إني قد استعملتك على ارض الهند وهي حومة من ~~حوامات العدو ، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها ، ويعينك عليها . وقد ~~PageV19P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" كتبت إلى العلاء بن الحضرمي أن يمدك بعرفجة ~~بن هرثمة ، وهو ذو مجاهدة ومكايدة للعدو ، فإذا قدم عليك فاستشاره وأدع إلى ~~الله ، فمن أجابك فأقبل منه ، ومن أبى بالجزية ، وإلا فالسيف ، وأوصاه ثم ~~قال له : انطلق أنت ومن معك ؛ حتى إذا كنتم في أقصى أرض العرب ، وأدنى ارض ~~العجم فاقيموا . فسار عتبة ومن معه حتى إذا كانوا بالمربد تقدموا حتى بلغوا ~~حيال الجسر ، فنزلوا ، فبلغ صاحب الفرات خبرهم ، فاقبل في اربعة آلاف ، ~~فالتقوا فقاتلهم ، عتبة بعد الزوال وهو خمسمائة ، فقتلهم أجمعين ، ولم يبق ~~إلا صاحب الفرات ، فأخذ أسيرا . وأما من يقول : إن سعد بن أبي وقاص ارسله ، ~~فقال : إن البصرة مصرت في سنة ست عشرة بعد جلولاء وتكريت ، فأرسله سعد ~~إليها بأمر عمر ، وإن عتبة لما نزل البصرة أقام بها نحو شهر ، فخرج إليه ~~أهل الأبلة ، وكان بها خمسمائة أسوار يحمونها ، وكانت مرفأ السفن من الصين ~~، فقاتلهم عتبة فهزمهم ؛ حتى دخلوا المدينة ورجع عتبة إلى عسكره ، والقى ~~الله الرعب في قلوب الفرس ، فخرجوا عن المدينة وحملوا ماخف ، وعبروا الماء ~~، وأخلوا المدينة ودخلها المسلمون وأصابوا متاعا وسلاحا وسبيا ، فاقتسموه ~~بعد أن خمسة عتبة ، وكان المسلمون ثلثمائة ، وكان فتحها في شهر رجب إو ~~شعبان ، ثم نزل موضع المدينة الرزق ، وخط موضع المسجد ، وبناه بالقصب . ~~وكان أول مولود ولد بالبصرة عبد الرحمن بن أبي بكرة ، فلما ولد نحر أبوه ~~جزورا فكفتهم لقلة الناس ثم جمع الله أهل دستميسان ، فلقيهم عتبة فهزمهم ~~وأخذ مرزبانها اسيرا ، وأخذ قتادة منطقته فبعث بها إلى عمر مع أنس بن حجية ~~. فقال له عمر : كيف ؟ فقال : انهالت عليهم الدينا ، فهم يهيلون ms4142 الذهب ~~والفضة ، فرغب الناس في البصرة فأتوها ، واستعمل عتبة مجاشع بن مسعود على ~~جماعة وسيرهم إلى الفرات استخلف المغيرة بن شعبة على الصلاة ؛ إلى أن يقدم ~~مجاشع فإذا قدم فهو الأمير . وسار عتبة إلى عمر ، فطفر مجاشع بأهل الفرات . ~~وجمع الفيلكان ) عظيم من الفرس ( ، فخرج إليه المغيرة بن شعبة ، فلقيه ~~بالمرغاب فاقتتلوا . فقال نساء المسلمين : لو لحقنا بهم ، بكنا معهم ؛ ~~فاتخذن من خمرهن رايات ، وسرن إلى المسلمين . PageV19P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" وكتب المغيرة إلى عمر بالفتح ، فقال عمر ~~لعتبة : من استعملت بالبصرة ؟ فقال : مجاشع بن مسعود قال : أتستعمل رجلا من ~~أهل الوبر على أهل المدر وأخبره ما كان من المغيرة ، وأمره أن يرجع إلى ~~عمله ، فمات بالطريق . وقيل في وفاته غير ذلك . وكان ممن سبي من ميسان يسار ~~أبو الحسن البصري ، وأرطبان جد عبد الله بن عون بن أرطبان . والله سبحانه ~~وتعالى اعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . ذكر فتح ~~تكريت والموصل وفي سنة ست عشر في جمادى فتحت تكريت ؛ وذلك أن الأنطاق سار ~~من الموصل إلى تكريت ، وخندق عليه ليحمي أرضه ومعه الروم وإياد ، وتغلب ~~والنمر والشهارجة ، فبلغ ذلك سعدا فكتب إلى عمر ، فأمرهك أن سرح عبد الله ~~بن المعتم ، واستعمل على مقدمته ربعي بن الأفكل ، وعلى الخيل عرفجة بن ~~هرثمة . فسار عبد الله إلى تكريت ، وحصر الأنطاق ومن معه اربعين يوما ، ~~وتزاحفوا في المدة أربعة وعشرين زحفا ، ثم ارسل عبد الله إلى العرب الذين ~~مع الأنطاق يدعونهم إلى الإسلام ، فأسلموا ، وأعلموا أن الروم قد نقلوا ~~متاعهم إلى السفن ، فأرسل إليهم : إذا سمعتم التكبير فاعلموا أنا على أبواب ~~الخندق ، فخذوا الأبواب التي تلي دجلة ، وكبروا ، واقتلوا من قدرتم عليه ، ~~ففعلوا ذلك ، وأخذت الروم السيوف من كل جانب . وارسل عبد الله ربعي بن أفكل ~~إلى الحصنين وهما نينوى وهو الحصن الشرقي ، والموصل وهو الحصن الغربي ، ~~وقال : اسبق الخبر ، وسرح معه تغلب ، وإياد ، والنمر ، فاظهروا الظفر ~~والغنيمة ، وبشروهم ، ووقفوا بالأبواب . وأقبل بن الأفكل فاقتحم الحصن ~~فسألوا الصلح ، وصاروا ms4143 ذمة ، وقسمت الغنيمة ، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف ، ~~وسهم الراجل ألف درهم ، وبعثوا بالأخماس إلى عمر ، وولى الموصل ربعي بن ~~الأفكل ، والخراج عرفجة بن هرثمة . PageV19P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" وقيل : إن فتح الموصل كان في سنة عشرين لما ~~استعمل عمر عتبة بن فرقد لقصدها ، وأنه فتح المرج ، وبانهذرا ، وباعذرا ، ~~وحبتون ، وداسن وجميع معاقل الأكراد ، وقرى وبازبدي ، وجميع أعمال الموصل . ~~وقيل : إن عياض بن غنم لما فتح بلد أتى الموصل ففتح أحد الحصنين ، وبعث ~~عتبة بن فرقد إلى الحصن الآخر ، ففتحه على الجزية والخراج ، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم . ذكر فتح ماسيذان لما رجع هاشم بن عتبة بن أبي وقاص من جلولاء ~~إلى المدائن بلغ سعدا أن آذين بن الهرمزان قد جمع جمعا وخرج بهم إلى السهل ~~، فأرسل إليهم ضرار بن الخطاب في جيش ، فالتقوا بسهل ما سبذان واقتتلوا ، ~~فأسرع المسلمون في المشركين ، وأخذ ضرار آذين أسيرا فقتله ، ثم خرج في ~~الطلب حتى انتهى إلى السيروان ، فأخذ ماسبذان عنوة ، وهرب أهلها في الجبال ~~، فدعاهم فاستجابوا له ، وأقام بها حتى تحول سعد إلى الكوفة ، فسار إليه ، ~~واستخلف على ماسبذان بن الهذيل الأسدي ، فكانت أحد فروج الكوفة . وقيل : إن ~~فتحها كان بعد وقعة نهاوند ، والله أعلم . ذكر فتح قرقيسيا وفي سنة ست عشرة ~~أيضا ، أرسل سعد بن أبي وقاص عمر بن مالك بن عتبة في جند ، وجعل على مقدمته ~~الحارث الحارث بن يزيد العامري ، فخرج نحو هيت ، فنازل من بها ، وقد خندقوا ~~عليهم ، وكان أهل الجزيرة لما أمدوا هرقل على أهل حمص كما ذكرنا ، بعثوا ~~جندا إلي . أهل هيت ، فلما رأى عمر اعتصامهم بخندقهم ، ترك الأخبية على ~~حالها ، وخلف عليهم الحارث في نصف الناس ، وسار بالنصف الثاني إلى قرقيسيا ~~، فجاءها على غرة فأخذها عنوة ، فأجابوا إلى الجزية . وكتب إلى الحارث : إن ~~هم استجابوا فخل عنهم فليخرجوا وإلا خندق على خندقهم خندقا ، وأجعل أبوابه ~~مما يليك حتى أرى رأيي . فراسلهم ، فأجابوا إلى العود إلى بلادهم ، فتركهم ~~، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب . PageV19P0152 # """""" صفحة رقم ms4144 153 """""" ذكر فتح الأهواء ومناذر ونهر تيري وفي سنة ~~سبع عشرة فتحت الأهواز ، ومناذر ونهرتيري ، وقيل : كان في سنة ست عشرة ، ~~وكان سبب هذا الفتح : أن الهرمزان ، وهو أحد البيوتات السبعة من أهل فارس ~~لما انهزم يوم القادسية قصد خوزستان فملكها ، وكان يغير على أهل بيسان ، ~~ودستميسان من مناذر ، ونهر تيري ، فاستمد عتبة بن غزوان أمير البصرة سعدا ، ~~فأمده بنعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود ، وأمرهما أن يأتيا أعلى ميسان ~~ودستميسان حتى يكونا بينهم وبين نهري تيري ، ووجه عتبة بن غزوان سلمى بن ~~القين ، وحرملة بن مريطة - وكان من المهاجرين - فنزلا على حدود ميسان ، ~~ودستميسان بينهم وبين مناذر ، ودعوا بنى العم ، فخرج إليها غالب الوائلى ، ~~وكليب ابن وائل والكليبي ، تواعدوا في يوم ، أن سلمى وحرملة يخرجان إلى ~~الهرمزان ، وأن غالبا وكليبا يثور أحدهما بمناذر ، والآخر بنهرتيري ، فلما ~~كان في ليلة الموعد خرج سلمى وحرملة صبيحتها ، وانهضا نعيما ومن معه ، ~~والتقوا هم والهم مزان بين دلث ونهر نيري ، واقتتلوا ؛ فبنما هم على ذلك ~~أقبل المدد من قبل غالب وكليب ، وأتى الهرمزان الخبر بأخذ مناذر ونهرتيري ، ~~فانهزم بمن معه ، فقتل المسلمون منهم ماشاءوا ، واتبعوهم حتى وقفوهم على ~~شاطئ دجيل ، وأخذوا مادونه ، وعسكروا بجبال سوق الاهواز ، وصار دجيل ، ~~وأخذوا مادونه ، وعسكروا بجبال سوق الأهواز ، وصار دجيل بين الهرمزان ~~والمسلمين ، فعندها طلب الهرمزان الصلح ، فاستأمروا عتبة ، فأجاب إلى ذلك ~~على الأهواز كلها مهرجان قدق ما خلا نهر تيري مناذر ، وما غلبوا عليه من ~~سوق الأهواز ؛ فإنه لايرد عليهم ، وجعل عتبة سلمى بن القين على مناذر مسلحة ~~، وأمرها إلى غالب ، وجعل حرملة على نهر تيري ، وأمرها إلى كليب ، فكان ~~سلمى وحرملة على مسالح البصرة ، ثم وقع بين غالب وكليب وبين الهرمزان ~~اختلاف في حدود الأرضين ، فحضر سلمى وحرملة لينظرا فيما بينهم ، فوجدا الحق ~~بيد غالب وكليب فحالا بينه وبينهما ، فكفر الهرمزان ومنع ما قبله ، واستعان ~~بالأكراد وكثف جنده . PageV19P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" فكتب سلمى ومن معه إلى عتبه بذلك ، فكتب إلى ~~عمر فأمره بقصده ، وأمد المسلمين ms4145 بحرقوص بن زهير السعدي ، وكانت له صحبة ، ~~وأمره على القتال ، وما غلب عليه . وسار الهرمزان ومن معه ، وسار المسلمون ~~إلى جسر سوق الأهواز وأرسلوا إليه : إما أن تعبر إلينا أو تعبر إليك . قال ~~: اعبروا إلينا ، فعبروا فوق الجسر ، واقتتلوا ممايلي سوق الأهواز ، فانهزم ~~الهرمزان وسار إلى رامهرمز ، وفتح حرقوص سوق الأهواز ونزل بها ، واتسقت له ~~بلادها إلى تستر ، ووضع الجزية ، وكتب بالفتح إلى عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - وبعث إليه بالأخماس . ذكر صلح الهرمزان وأهل تستر مع المسلمين : ولما ~~انهزم الهرمزان من سوق الأهواز ، جهز حرقوص جزء ابن معاوية في أثره ، ~~فأتبعه وقتل من أصحابه حتى انتهى إلى قرية الشغر ، فأعجزه الهرمزان ، فمال ~~جزء إلى دورق ، وهي مدينة سرق ، فأخذها صافية ، ودعا من هرب إلى الجزية ، ~~فأجابوه . وكتب إلى عمر وعتبه بذلك ، فكتب عمر إليه وإلى حرقوص بالمقام ~~فيما غلبا عليه حتى يأمرهما بأمره ، فعمر جزء البلاد ، وشق الأنهار ، وأحيا ~~الأموات ، وراسلهم الهرمزان في طلب الصلح ، فأجاب عمر إلى ذلك ، وأن يكون ~~ما أخذه المسلمون بأيديهم ، فاصطلحوا على ذلك . ونزل حرقوص جبل الأهواز ، ~~فشق على الناس الاختلاف إليه ، فبلغ ذلك عمر ، فأمره بنزول السهل ، وألا ~~يشق على مسلم ولا معاهد ، وبقي حرقوص إلى يوم صفين ، ثم صار حروريا وشهد ~~النهروان مع الخوارج . والله تعالى أعلم بالصواب ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ~~. PageV19P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" ذكر فتح رامهرمز قد اختلف الناس في وقت هذا ~~الفتح ، فقيل : كان في سنة سبع عشرة . وقيل : سنة تسع عشرة . وقيل : في سنة ~~عشرين . وكان سببه أن يزدجرد وهو بمرو لم يزل يثير أهل فارس ، أسفا على ما ~~خرج من ملكهم ، فتحركوا وتكاتبوا هم وأهل الأهواز وتعاقدوا على النصرة ، ~~فنمى الخبر إلى حرقوص بن زهي ، وجزء وسلمى وحرمله ، فكتبوا إلى عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه بذلك . فكتب عمر إلى سعد : أن أبعث إلى الأهواز جندا ~~كثيفا مع النعمان ابن مقرن وعجل ، فلينزلوا بإزاء الهرمزان ويتحققوا أمره . ~~وكتب إلى أبو موسى الأشعري ، وهو على البصرة : أن ms4146 أبعث إلى الأهواز جندا ~~كثيفا ، وأمر عليهم سهل بن عدي ، أخا سهيل ، وأبعث معه البراء بن مالك ، ~~وعرفجة بن هرثمة وغيرهم ، وعلى أهل الكوفة والبصرة جميعا أبو سبرة بن أبي ~~رهم . فخرج النعمان بن مقرن في أهل الكوفة ، وسار إلى الأهواز على البغال ، ~~ويجنبون الخيل ، فخلف حرقوصا وسلمة وحرمله ، وسار نحو الهرمزان وهو ~~برامهرمز . فلما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه ، بادر رجاء أن يقتطعه ، ~~فالتقيا بأربك ) موضع الأهواز ( ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فهزم الله عز وجل ~~الهرمزان ، فترك رامهرمز ، ونزل تستر ، وسار النعمان إلى رامهرمز فنزلها ~~وصعد على إيذج فصالحه تيرويه عليها ورجع إلى رامهرمز ، وأقام بها ، ووصل ~~أهل البصرة فنزلوا سوق الأهواز ، وهم يريدون رامهرمز . فأتاهم خبر الوقعة ~~ومسير الهرمزان إلى تستر ، فسارو نحوه ، وسار أيضا النعمان وحرقوص وسلمى ~~وحرمله وجزء ، فاجتمعوا على تستر ، وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس ~~والجبال والأهواز ، وهم في الخنادق ، وأمدهم عمر رضي الله عنه بأبي موسى ~~الأشعري ، وجعله على أهل البصرة ، وعلى جميع الناس أبوسبرة ، فحاصروهم ~~أشهرا ، وأكثروا فيهم القتل . PageV19P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" وقتل البراء بن مالك في هذا الحصار مائة ~~مبارز سوى من قتل في غير المبارزة ، وقتل مثله مجزأة بن ثور وكعب بن ثور ، ~~وزاحفهم المسلمون أيام تستر ثمانين زحفا يكون مره لهم ومرة عليهم ، فلما ~~كان آخر زحف فيها ، واشتد القتال ، قال المسلمون : يا براء ، أقسم على ربك ~~ليهزمنهم ، وكان مجاب الدعوة فقال : اللهم أهزمهم لنا ، واستشهدني ، ~~فهزموهم حتى أدخلوا خنادقهم ، ثم اقتحموها عليهم ، فدخلوا مدينتهم ، وأحاط ~~بها المسلمون ، فضاقت المدينة بهم . فبينما هم كذلك إذ خرج إلى النعمان رجل ~~يستأمنه على أن يدله على مدخل يدخلون منه ، ورمى في ناحية أبي موسى بسهم ~~مكتوب عليه : إن أمنتموني دللتكم على مكان تأتون منه المدينة ، فأمنوه في ~~سهم ، ورمى إليهم بسهم آخر وقال : أسلكوا من قبل مخرج الماء ؛ فإنكم ~~ستفتحونها . فندب أبو موسى الناس فانتدبوا ، وندب النعمان أصحابه مع الرجل ~~الذي جاءهم ، فالتقوا هم وأهل البصرة على مخرج الماء ، فدخلوا في السرب ms4147 ، ~~ولما دخلوا المدينة كبروا وكبر المسلمون من خارج ، وفتحت الأبواب فاجتلدوا ~~فيها ، فأناموا كل مقاتل . وقصد الهرمزان القلعة ، فتحصن بها ، ولحق به ~~جماعة ، وطاف به الذين دخلوا البلد ، فنزل إليهم على حكم عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه ، فأوثقوه واقتسموا ما أفاء الله عليهم ، فكان قسم الفارس ثلاثة ~~آلاف ، والراجل ألفا . وجاء صاحب السهم والرجل الذي خرج بنفسه فأمنوهما ومن ~~أغلق بابه معهما . وخرج أبوسبرة في أثر المنهزمين إلى السوس ، فنزل عليها ، ~~ومعه النعمان وأبو موسى ، وكتبوا إلى عمر ، فكتب برد أبي موسى إلى البصرة ، ~~فانصرف إليها ، وأرسل أبو سبرة وفدا إلى عمر رضي الله عنه ، فيهم : أنس بن ~~مالك والأحنف بن قيس ، ومعهم الهرمزان فقدموا به المدينة وألبسوه كسوته من ~~الديباج المذهب ، وتاجه كان مكللا بالياقوت وعليه حليته ؛ ليراه عمر ~~والمسلمون . فوجدوا عمر في المسجد متوسدا برنسه ، وكان قد لبسه لوفد قدم ~~عليه من الكوفة ، فلما انصرفوا توسده ونام ، فجلسوا وهو نائم والدرة في يده ~~. فقال الهرمزان : أين عمر ؟ فقالوا : هو ذا ، فقال : أين حرسه وحجابه ؟ ~~فقالوا : ليس له حارس ولا حاجب ولا كاتب . فقال : ينبغي أن يكون نبيا ، ~~قالوا : بل يعمل بعمل الأنبياء وكثر الناس PageV19P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" فاستيقظ عمر واستوى جالسا ، ثم نظر إليه ، ~~وقال : الهرمزان ؟ قالوا : نعم ، فقال : الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا ~~واشباهه ، فأمر بنزع ما عليه ، فنزعوه وألبسوه ثوبا صفيقا . فقال له عمر : ~~كيف رأيت عاقبة الغدر ، وعاقبة أمر الله فقال : يا عمر ، إنا وإياكم في ~~الجاهلية ، كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم ، فلما كان الأمر معكم ~~غلبتمونا . ثم قال له عمر : ما حجتك وما عذرك في انتفاضك مرة بعد أخرى ؟ ~~قال : أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك . قال : لا تخف ذلك ، واستسقى ماء ، ~~فأتى به في قدح غليظ . فقال : لو مت عطشا لم أستطع أن أشرب في مثل هذا ، ~~فأتى به في إناء يرضاه . فقال : إنى أخاف أن أقتل وأنا أشرب . فقال له عمر ~~: لا بأس عليك حتى تشربه ، فأكفاه ؛ فقال ms4148 عمر : أعيدوا عليه ولا تجمعوا ~~عليه بين القتل والعطش . فقال : لا حاجة لي في الماء ؛ وإنما أردت أن ~~أستأمن به . قال : فإنى قاتلك ، قال : قد أمنتني . قال : كذبت ، قال أنس : ~~صدق يا أمير المؤمنين ، قد أمنته . فقال : يا أنسك أنا أؤمن قاتل مجزأه أبن ~~ثور والبراء بن مالك وكان الهرمزان قتلهما بيده في هذه الوقعة ، ثم قال ، ~~والله لتأتيني بمخرج أو لأعاقبنك ، قال : قد قلت لا بأس عليك حتى تخبرني ~~وحتى تشرب ، فقال عمر رضي الله عنه : خدعتني ، والله لا أنخدع إلا أن تسلم ~~، فأسلم ، ففرض له ألفين في كل سنة ، وأنزله المدينة والله أعلم . ذكر فتح ~~السوس ولما نزل أبو سبرة على السوس في سنة سبع عشرة بعد فتح تستر كان بها ~~شهريار أخو الهرمزان ، فأحاط المسلمون بها وناوشوهم القتال مرات ، كل ذلك ~~يصيب أهل السوس في المسلمين ، فأشرف عليهم الرهبان والقسيسون ، فقالوا : يا ~~معشر العرب ، أم مما عهد إلينا علماؤنا أن السوس لا يفتحها إلا الدجال ، أو ~~قوم فيهم الدجال ، فإن كان فيكم فستفتحونها ، وكان صاف بن صياد مع المسلمين ~~في PageV19P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" خيل النعمان . ثم ناوش أهلها المسلمين مرة ، ~~وصاحوا بهم وغاظوهم ، فأتى صاف باب السوس فدقه برجله ، فقال : أتفتح ، وهو ~~غضبان فتقطعت السلاسل ، وتكسرت الأغلاق ، وتفتحت الأبواب ، ودخل المسلمون ، ~~وألقى المشركون بأيديهم ، وتنادوا : الصلح الصلح فأجابهم المسلمون إلى ذلك ~~بعد أن دخلوها عنوة واقتسموا ما أصابوا ، ثم افترقوا . فسار النعمان حتى ~~أتى أهل نهاوند ، وكان كتاب عمر قد ورد بصرفه إليها لما تجمعت الأعاجم بها ~~، وسار المقترب ، فنزل على جند يسابور ، والله سبحانه تعالى أعلم ، وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل . ذكر مصالحة جند يسابور قال : وسار المسلمون عن السوس في ~~سنة سبع عشرة ، فنزلوا جند يسابور وزر بن عبد الله يحاصرهم ، فأقاموا بها ، ~~فلم يفاجأ الناس إلا وقد فتحت الأبواب ، وأخرجوا أسواقهم ، وخرج أهلها ، ~~فسألهم المسلمون ، فقالوا : أرسلتم إلينا بالأمان فقبلناه وأقررنا بالجزية ~~على أن تمنعونا فقالوا : ما فعلنا ، فإذا عبد يدعى مكنفا كان أصله منها ms4149 ، ~~فعل هذا ، فقال المسلمون ، هو عبد ؟ قالوا : نعم ، قالوا : نحن لا نعرف ~~العبد من الحر ، فإن شئتم فأغدروا ، فكتبوا بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه ، فأجاز ذلك ، وانصرفوا عنهم ، والله تعالى أعلم وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل . ذكر انسياح الجيوش الإسلامية في بلاد الفرس : وسنة سبع عشرة أذن ~~عمر رضي الله عنه للمسلمين في الانسياج في بلاد فارس ، وكان سبب ذلك أن عمر ~~لما أتى بالهرمزان قال للوفد : لعل المسلمين يؤذون أهل الذمة ، فلهذا ~~ينتقضون بكم قالوا : ما نعلم لا وفاء . قال : فكيف هذا فلم يشفه أحد ، قال ~~له الأحنف : يا أمير المؤمنين ، إنك نهيتنا عن الانسياج في البلاد ، وإن ~~ملك فارس بين أظهرهم ، ولا يزالون يقاتلوننا مادام ملكهم فيهم ، ولم يجتمع ~~ملكان متفقان حتى يخرج أحدهما صاحبه ، وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئا بعد شيء ~~إلا بانبعاثهم وغدرهم ، وأن ملكهم هو الذي يبعثهم ، ولا يزال هذا دابهم حتى ~~تأذن لنا PageV19P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" فنيسح في بلادهم ، ونزيل ملكهم ، فهناك ينقطع ~~رجاء أهل فارس . فقال : صدقتني والله ، ورجع إلى قوله ، وانتهى إلى رأيه ، ~~وأذن للمسلمين في الانسياح . فأمر أبا موسى الأشعري أن يسير من البصرة إلى ~~منقطع ذمة البصرة ، فيكون هنالك حتى يأتيه أمره ، وبعث بألوية من ولاة مع ~~سهيل بن عدي ، فدفع لواء خراسان إلى الأحنف بن قيس ، ولواء أزدشير خرة ~~وسابور إلى مجاشع بن مسعود السلمي ، ولواء إصطخر إلى عثمان بن أبي العاص ~~الثقفي ولواء فساودرا بجرد إلى سارية ابن زنيم الكناني ، ولواء كرمان إلى ~~سهيل بن عدي ، ولواء سجسنان ، إلى عاصم بن عمرو ، ولواء مكران إلى الحكم بن ~~عمير التغلبي ، فخرجوا ولم يتهيأ مسيرهم إلى سنة ثماني عشرة ، وأمدهم عمر ~~بنفر من أهل الكوفة ، فأمد سهيل بن عدي بعبد الله بن عبد الله بن عتبان ، ~~وأمد الأحنف بعلقمة بن النضر وبعبد الله بن عقيل وبربعي بن عامر ، وأمد ~~عاصم بن عمرو بعبد الله بن عمير الأشجعي ، وأمد الحكم بن عمير بشهاب بن ~~المخارق . وقيل : كان ذلك ms4150 في سنة إحدى وعشرين . وقيل : في سنة اثنتين ~~وعشرين ، وسنذكره إن شاء الله تعالى عند ذكرنا الفتوح هذه الجهات والمسير ~~إليها ، والله تعالى أعلم . ذكر غزوة فارس من البحرين كانت هذه الغزوة في ~~سنة سبع عشرة ، وكان عمر رضي الله عنه يقول لما أخذت الأهواز وما يليها : ~~وددت أن بيننا وبين فارس جبلا من نار لا نصل إليهم منه ، ولا يصلون إلينا . ~~وكان العلاء بن الحضرمي على البحرين في خلافة أبي بكر رضي الله عنه فعزله ~~عمر ، ثم أعاده ، وكان يناوئ سعد بن أبي وقاص ، ففاز العلاء في قتال أهل ~~الردة بالفضل ، فلما ظفر سعد بأهل القادسية ، وأزاح الأكاسرة جاء بأعظم مما ~~فعله العلاء . فأراد العلاء أن يصنع في الفرس شيئا ، فلم ينظر في الطاعة ~~والمعصية بجد ، وكان عمر رضي الله عنه نهاه وغيره عن الغزو في البحر . فندب ~~العلاء الناس إلى فارسن فأجابوه ، وفرقهم جندا ، فجعل على أحدها الجارود بن ~~المعلى ، وعلى الآخر سوار بن همام ، وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوي ، ~~وخليد على جميع الناس ، وحملهم في البحر إلى فارس ، فخرجوا من البحر ~~PageV19P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" إلى اصطخر ، وبإزائهم أهل فارس ، وعليهم ~~الهربذ ، فحالت الفرس بين المسلمين وبين سفنهم ، فاقتتلوا قتالا شديدا ~~بمكان يدعى طاوس ، فقتل ابن السوار والجارود ، وكان خليد أمر أصحابه أن ~~يقاتلوا رجالة ، فقتلوا من الفرس مقتلة عظيمة ، ثم خرجوا يريدون البصرة ، ~~ولم يجدوا في الرجوع إلى البحر سبيلا ، وأخذت الفرس عليهم طريقهم ، فعسكروا ~~وامتنعوا . فلما بلغ عمر ماصنع العلاء ، أرسل إلى عتبة بن غزوان يأمره ~~بإنفاذ جيش كثيف إلى المسلمين بفارس قبل أن يهلكوا ، وقال : إنى قد ألقى في ~~روعى كذا وكذا ، نحو الذي وقع ، وأمر العلاء بأثقل الأشياء عليه ، وهو ~~تأمير سعد عليه . فشخص العلاء إلى سعد بمن معه ، وأرسل عتبة أثني عشر ألف ~~مقاتل ، فيهم : عاصم بن عمرو ، وعرفجة بن هرثمة والأحنف ابن قيس وغيرهم ، ~~فخرجوا على البغال يجنبون الخيل ، وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم حتى التقى ~~بخليد ، وتوالت الأمداد ms4151 ، ففتح الله على المسلمين ، وأصابوا من المشركين ما ~~شاءوا . والله تعالى أعلم . ذكر وقعة نهاوند وفتحها كانت هذه الوقعة في سنة ~~إحدى وعشرين ، وقيلك في سنة ثماني عشرة . وقيل : في سنة تسع عشرة . وكان ~~الذي هيج أمر نهاوند أن المسلمين لما خلصوا جند العلاء ، وفتحوا الأهواز ، ~~وكاتب الفرس ملكهم ، وهو بمرو ، وحركوه ، فكاتب الملوك ما بين الباب والسند ~~وخراسان وحلوان ، فاجتمعوا بنهاوند ، ولما وصلها أوائلهم بلغ سعدا الخبر ، ~~فكتب به إلى عمر ، وثار بسعد أقوام ووشوا به ، والبوا عليه ، وسعوا إلى عمر ~~ولم يشغلهم ما نزل بالناس عنه . فقال عمر : والله لا يمنعني ما نزل بكم من ~~النظر فيما لديكم ، وكان من عزل سعد مانذكره إن شاء الله تعالى في حوادث ~~السنين . PageV19P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" وقدم سعد على عمر ، وقد استخلف على الكوفة ~~عبد الله بن عبد الله عتبان ، فأقره عمر . قال : ونفرت ملوك الأعاجم لكتاب ~~يزدجرد ، واجتمعوا بنهاوند على الفيرزان في خمسين ومائة ألف مقاتل . وكان ~~سعد قد كاتب عمر بالخبر كما ذكرنا ، ثم شافهه به لما قدم عليه ، وقال له : ~~إن أهل الكوفة يستأذنونك في الانسياح : وأن يبدءوهم ليكون أهيب لهم على ~~عدوهم . فجمع عمر الناس واستشارهم ، وقال : هذا يوم له ما بعده ، وقد هممت ~~أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه ، فأنزل منزلا وسطا بين هذين المصرين ، ثم ~~استنفرهم فأكون لهم ردءا ، حتى يفتح الله عليهم ويقضي ما أحب ؛ فإن فتح ~~الله تعالى عليهم صببتهم في بلدانهم . فقال له طلحة بن عبيد الله : ياأمير ~~المؤمنين ، قد أعلمتك الأمور ، وعجمتك البلايا ، وأحتنكتك التجارب ، وأنت ~~وشأنك ، وأنت ورأيك ، لا ننبو في يديك ، ولا نكل عليك ، إليك هذا الأمر ، ~~فمرنا نطع ، ودعنا نجب ، وأحملنا نركب ، وقدنا ننقذ ؛ فإنك ولي هذا الأمر ؛ ~~وقد بلوت وجربت واختبرت ، فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيار ~~. ثم عاد . فعاد عمر لمقالته ، فقام عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فقال ارى ~~أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم ms4152 ، وإلى أهل اليمن ~~فيسيروا من يمنهم ، ثم تسير أنت بأهل الحرمين إلى الكوفة والبصرة ، فتلقى ~~جمع المشركين بجمع المسلمين ؛ فإنك إذا سرت قل عندك ما قد تكاثر من عدد ~~القوم . وقد كنت أعز عزا ، وأكثر . ياأمير المؤمنين إنك لا تستبقي بعد نفسك ~~من العرب باقية ولا تمتنع من الدنيا بعزيز ، ولا تلوذ منها بحريز . إن هذا ~~يوم له مابعده من الأيام ، فأشهده برأيك وأعوانك ، ولا تغب عنه . وجلس . ~~فعاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمقالته ، فقام إليه علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه ، فقال : أما بعد ، ياأمير المؤمنين ، فإنك إن أشخصت أهل الشام من ~~شامهم ، سارت الروم إلى ذراريهم ، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم ، سارت ~~الحبشة إلى ذراريهم ، وإن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من ~~PageV19P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" اطرافها ، وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك ~~أهم إليك مما بين يديك من العورات ، والعيالات . أقرر هؤلاء في أمصارهم ، ~~وأكتب لأهل البصرة أن يتفرقوا ثلاث فرق ، فرقة في حرمهم وذراريهم ، وفرقة ~~في أهل العهد ؛ حتى لا ينتقضوا ، ولتسر فرقة إلى أخوانهم بالكوفة مددا لهم ~~. إن الأعاجم إ ، ينظروا إليك قالوا : هذا أمير العرب في أصلها ، فكان ذلك ~~أشد لكلبهم عليك . وأما ماذكرت من مسير القوم فالله هو أكره لمسيرهم منك ، ~~وهو أقدر على تغيير ما تكره . وأما عددهم ، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى ~~بالكثرة ؛ ولكن بالنصر فقال عمر : هذا هو الرأي ، وكنت أحب أن أتابع عليه . ~~وقيل : إن طلحة وعثمان أشارا عليه بالمقام ، والله تعالى أعلم . ثم قال عمر ~~: أشيروا على برجل أوليه ذلك الثغر ، وليكن عراقيا . فقالوا : أنت أعلم ~~بجندك ، وقد وفدوا عليك . فقال : والله لأولين أمرهم رجلا ليكون ، أول ~~الأسنة إذا لقيها غدا . فقيل من هو ؟ قال : النعمان بن مقرن المزني . ~~فقالوا : هو لها . وكان النعمان يومئذ معه جمع من أهل الكوفة قد افتتحوا ~~جند يسابور والسوس كما قدمنا ، فكتب إليه عمر رضي الله عنه يأمره بالمسير ~~إلى ماه ، فيجمع الجيوش عليه ، فإذا اجتمعوا ms4153 سار بهم إلى الفيرزان ومن معه ~~. وقيل : بل كان النعمان بكسكر ، فسأله أن يعزله ويبعثه إلى جيش من ~~المسلمين ، فكتب إليه عمر يأمره بنهاوند ، فسار ، وكتب عمر إلى عبد الله بن ~~عبد الله بن عتبان أن يستنفر الناس مع النعمان . فندب الناس ، فخرجوا ~~وعليهم حذيفة بن اليمان ، ومعه نعيم ابن مقرن ، فقدموا على النعمان ، وتقدم ~~عمر إلى الجند الذين كانوا بالأهواز أن يشغلوا الفرس عن المسلمين ، وعليهم ~~المقترب ، وحرمله ، وورقاء ، فأقاموا بتخوم أصفهان ، وقطعوا أمداد فارس عن ~~أهل نهاوند ، واجمع الناس على النعمان ، وفيهم حذيفة بن اليمان ، وابن عمر ~~، وجرير بن عبد الله البجلي والمغيرة بن شعبة ، وغيرهم . فرحل النعمان وعبى ~~أصحابه وهم ثلاثون ألفا ، فجعل على مقدمته نعيم بن مقرن ، وعلى مجنبته ~~حذيفة وسويد بن مقرن ، وعلى المجردة القعقاع بن عمرو ، PageV19P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" وعلى الساقة مجاشع بن مسعود . وقد توافت إليه ~~أمداد المدينة ، فيهم المغيرة بن شعبة ، فانتهوا إلى الأسبيذهان ، والفرس ~~وقوف على تعبيتهم ، وأميرهم الفيرزان ، وعلى مجنبته الزردق ويهمن جاذويه ، ~~وقد توافى إليه بنهاوند كل من غاب عن القادسية . فلما رآهم النعمان كبر ~~وكبر معه الناس ، فتزلزلت الأعاجم ، وحطت العرب الاثقال ، وضرب فسطاط ~~النعمان ، فابتدره أصحاب الكوفة ، من كان من أشرافها ، فضربوه ، منهم : ~~حذيفة ابن اليمان وعقبة بن عمرو ، والمغيرة بن شعبة ، وبشير بن الخصاصية ، ~~وحنظلة الكاتب ، وجرير بن عبد الله البجلي ، والأشعث بن قيس الكندي وسعيد ~~بن قيس الهمذاني ، ووائل ابن حجر وغيرهم ، فلي ير بناة فسطاط بالعراق ~~كهؤلاء ، وأنشب النعمان القتال بعد حط الأثقال فاقتتلوا يومي الأربعاء ~~والخميس ، والحرب بينهم سجال ، ثم أنجزوا في خنادقهم يوم الجمعة وحصرهم ~~المسلمون ، وأقاموا عليهم ماشاء الله ، والفرس بالخيار إن شاءوا خرجوا ، ~~وإن شاءوا أقاموا ، فخاف المسلمون أن يطول أمرهم ؛ حتى إذا كان يوم الجمعة ~~تجمع أهل الرأي من المسلمين ، وقالوا : نراهم علينا بالخيار ، وأتوا ~~النعمان في ذلك ، وهو يروي في الذي رأوا فيه ، فأخبروه ، فبعث إلى من بقي ~~من أهل النجدات والرأي ، فأحضرهم ، وقال : قد ترون المشركين واعتصامهم ms4154 ~~بخنادقهم ومدنهم ، وأنهم لا يخرجون إلينا إلا إذا شاءوا ، ولا يقدر المسلمن ~~على إخراجهم ، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق ، فما الرأي الذي به ~~نستخرجهم إلى المناجزة ، وترك التطويل ؟ فتكلم عمرو بن ثبى ، وكان اكبر ~~الناس يومئذ سنا وكانوا يتكلمون على الاسنان ، فقال : التحصن عليهم أشد من ~~المطاولة عليكم ، فدعهم وقاتل من أتاك منهم ، فردوا عليه رأيه جميعا . ~~وتكلم عمر بن معدي كرب فقال : ناهدهم وكاثرهم ولا تخفهم ، فردوا جميعا عليه ~~رأيه ، وقالوا : إنما تناطح بنا الجدران ، وهي أعوان علينا . فقال طليحة بن ~~خويلد الاسدي : أرى أن تبعث خيلا مؤدية لينشبوا القتال ، فإذا اختلطوا بهم ~~رجعوا إلينا استطراد ، فإنا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم ، فإذا رأوا ~~ذلك طمعوا وخرجوا علينا فقاتلناهم حتى يقضي الله فيهم وفينا ماأحب ، فأمر ~~PageV19P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" النعمان القعقاع بن عمرو ، وكان على المجردة ~~، فأنشب القتال ، وأخرجهم من خنادقهم كأنهم جبال من حديد ، وقد تواثقوا ألا ~~يفروا وقرن بعضهم ؛ لئلا ينهزموا ، فلما خرجوا نكص القعقاع ، فاغتنمها ~~الأعاجم ففعلوا كما ظن طليحة . وقالوا : هي هي . ولحق القعقاع بالناس ، ~~وانقطع الفرس عن حصنهم ، وأمر النعمان أصحابه أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوا ~~حتى يأذن لهم ، ففعلوا ، واستتروا بالحجف من الرمي ، وأقبل المشركون ~~يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراح ، والنعمان ينتظر بالقتال أحب الساعات كانت ~~إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ ذلك عند الزوال ، فلما كان قريبا ~~من تلك الساعة ركب النعمان فرسه ، وسار في الناس يرضهم على القتال ، ~~ويذكرهم يمنيهم الظفر ، وقال : إنى مكبر ثلاثا ، فإذا كبرت الثالثة فإنى ~~حامل ، فأحملوا ، فإن قتلت فالأمير بعدي حذيفة ، فإن قتل ففلان ، حتى عد ~~سبعة أخرهم المغيرة ، ثم قال : اللهم أعزز دينك بنصر عبادك . وقيل : بل قال ~~: اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام ، وأقبضني ~~شهيدا . فبكى الناس ثم رجع إلى موقفه ، فكبر ثلاثا ، والناس سامعون مطيعون ~~مستعدون للقتال ، وحمل وحمل الناس ، وانقضت رايته نحوهم انقضاض العقاب ، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع بوقعة كانت ms4155 أشد منها ، وصبر المسلمون صبرا ~~عظيما ، وانهزم الأعاجم ، وقتل منهم ما بين الزوال والإعتام ما طبق أرض ~~المعركة حتى زلق الناس والدواب في الدماء ، فلما أقر الله عين النعمان ~~بالفتح استشهد ، زلق به فرسه فصرع . وقيل : بل رمي بمسهم في خاصرته فمات ، ~~فسجاه أخوه نعيم بن مقرن بثوب ، وأخذ الراية وناولها حذيفة ، وتقدم إلى ~~موضع النعمان . وقال المغيرة : اكتموا مصاب أميركم ، لئلا يهن الناس ، ودام ~~القتال في الفرس حتى أظلم الليل ، فانهزموا ، ولزمهم المسلمون وعمي عليهم ~~قصدهم ، فأخذوا نحوا اللهب الذي كان دونه ، فوقعوا فيه ، فكان الواحد منهم ~~يقع عليه ستة ، بعضهم على بعض في قياد واحد فيقتلون جميعا ، وعقرهم حسك ~~الحديد ، فمان منهم في اللهب مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل منهم في ~~المعركة . PageV19P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" وقيل : قتل في اللهب ثمانون ألفا ، وفي ~~المعركة ثلاثون ألفا سوي ن قتل في الطلب ، ولم يفلت إلا الشريد ، نجا ~~الفيرزان من الصرعى ، فهرن نحو همذان ، وأتبعه نعيم بن مقرن ، وقدم القعقاع ~~أمامه ، فأدركه بثينة همذن ، وهي إذ ذاك مشحونة من بغال وحمر موقرة عسلا . ~~فحبسه الدواب فلما لم يجد طريقا نزل عن دابته ، وصعد في الجبل ، فأدركه ~~القعقاع ، فقتله المسلمون على الثنية ، وقالوا : إن لله جنودا منها العسل ، ~~واستاقوا تلك الدواب بأحمالها ، وسميت الثنية ثنية العسل ، ودخل المنهزمون ~~همذان ، والمسلمون في آثارهم ، فنزلوا عليها ، وأخذوا ما حولها ، فلما رأى ~~ذلك خسر شنوم استأمتهم . ولما تم الظفر للمسمين جعلوا يسألون عن أميرهم ~~النعمان ، فقال لهم أخوه معقل : قد أقر الله عينه بالفتح وختم له بالشهادة ~~، فأتبعوا حذيفة ، ودخل المسلمون نهاوند يوم الوقعة بعد الهزيمة واحتووا ~~على مافيها من الأمتعة وغيرها وما حولها من الأسلاب والأثاث وجمعوه إلى ~~صاحب الأقباض ، وهو السائب بن الأقرع . وانتظروا إخوانهم الذي على همذان مع ~~نعيم والقعقاع ، فأتاهم الهربذ صاحب بيت النار ، وقال لحذيفة ، أتؤمنني ومن ~~شئت ، على أن أخرج لك ذخيرة لكسرى تركت عندي لنوائب الزمان ؟ قال : نعم ، ~~فأحضر جوهرا نفيسا في سفطين ، فأرسلوهما مع الأخماس ms4156 إلى عمر رضي الله عنه ~~بعد أن نفل حذيفة منها ، وأرسل مابقي مع السائب بن الأقرع الثقفي . قال ~~السائب : فلما فرغت القسمة احتملت السفطين ، وجئت بهما إلى عمر ، فإذا هو ~~قد خرج يتوقع الأخبار ، وكان قد رأى الواقعة فبات يتململ ، فقال ماوراءك ؟ ~~فقلت : فتح الله على المسلمين ، واستشهد النعمان بن مقرن ، فأعظم الفتح ، ~~واسترجع على النعمان وبكى حتى نشج ، ثم أخبرته بالسفطين فقال لي : أدخلهما ~~بيت المال حتى ننظر في شأنهما ، وألحق بجندك . قال : ففعلت ، وخرجت مسرعا ~~إلى الكوفة ، وبات عمر ، فلما أصبح بعث في أثري رسولا ، فما أدركني حتى ~~دخلت الكوفة ، فأنخت بعيري ، وأناخ بعيره على عرقوب بعيري ، وقال ، الحق ~~بأمير المؤمنين . PageV19P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" قال : فركبت معه ، وقدمت على عمر ، فلما رآني ~~قال : مالي وللسائب قلت : وماذا ؟ قال : ويحك ، والله ماهو إلا نمت الليلة ~~التي خرجت فيها ، فأتت الملائكة تستحثني إلى السفطين يشتعلان نارا ، يقولون ~~، لنكوينك بهما ، فأقول : إني سأقسمهما بين المسلمين ، فخذهما عني فبعهما ~~في أعطية المسلمين وأرزاقهم . قال : فخرجت بهما فوضعتهما في مسجد الكوفة ، ~~فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف درهم ، ثم خرج بهما إلى أرض ~~الأعاج فباعهما بأربعة آلاف ألف ، فما زال أكثر أهل الكوفة مالا . قال : ~~وكان سهم الفارس بنهاوند ستة آلاف ، والراجل ألفين . ولما قدم سبي نهاوند ~~المدينة ، جعل أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لا يلقى منهم صغيرا إلا مسح ~~رأسه وبكى ، وقال : أكل عمر كبدي ، وكان من نهاوند ، فأسرته الروم ، وأسره ~~المسلمون . وكان المسلمون يسمون فتح نهاوند فتح الفتوح ؛ لأنه لم يكن للفرس ~~بعده اجتماع ، وملك المسلمون بلادهم . والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد لله ~~وحده . ذكر فتح دينور والصيمرة وغيرهما : لما انصرف أبو موسى الأشعري من ~~نهاوند ، وكان قد جاء مددا على بعث أهل البصرة ، فمر بالدينور ، فأقام ~~عليهما خمسة أيام ، وصالحه أهلها على الجزية ، ومضى ، فصالحه أهل الشيروان ~~على مثل صلحهم ، وبعث السائب الأقرع إلى الصيمرة وهي مدينة مهرجان قذق ~~ففتحها صلحا ، والحمد لله وحده ، وصلى الله علي ms4157 سيدنا محمد . ذكر فتح همذان ~~والماهين وغيرهما : لما انهزم المشركون من نهاوند دخل من سلم منهم همذان ، ~~فحاصرهم نعيم بن مقرن والقعقاع بن عمرو ، فلما رأى ذلك خسرشنوم استأمنهم ، ~~وقبل الجزية على أن يضمن همذان ودستي ، وألا يؤتي المسلمون منهم ، فأجابوه ~~إلى ذلك وأمنوه هو ومن PageV19P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" معه من الفرس ، وأقبل كل من كان هرب ، وبلغ ~~الخبر أهل الماهين ، فاقتدوا بخسر شنوم ، وراسلوا حذيفة ، فأجابهم ، ودخل ~~ماه دينار ، وبهراذان على مثل ذلك . وكان قد وكل النسير بن ثور بقلعة قد ~~لجأ إليها قوم ، فحاصرهم وافتتحها ، فنسبت إلى النسير . ولما رجع نعيم ~~والقعقاع ، كفر أهل همذان مع خسر شنوم ، فخرج نعيم بن مقرن غليها في سنة ~~اثنتين وعشرين ، واستولى على جميع بلادها وحاصرها ، فسأله أهلها الصلح ففعل ~~، وفتحها الثانية ، وقبل منهم الجزية . وقيل إن فتحها كان في سنة اربع ~~وعشرين ، بعد وفاة عمر بستة أشهر . والله أعلم . قال : وبينما نعيم بهمذان ~~في الفتح الثاني ، وهو في أثني عشر ألفا من الجند ، فكاتب الديلم ، وأهل ~~الري ، وأذربيجان ، إذ خرج موتى في الديلم ، ونزل بواج الروذ ، وأقبل ~~الزيني أبو الفرخان في أهل الري وأقبل إسفنديار أخو رستم في أهل أذربيجان ، ~~فاجتمعوا وتحصن منهم أمراء المسالح ، وبعثوا إلى نعيم بالخبر ، فاستخلف ~~يزيد بن قيس الهمذاني ، وخرج إليهم ، فاقتتلوا بواج الروذ قتالا شديدا ، ~~وكان وقعة عظيمة تعدل وقعة نهاوند ، فانهزم الفرس أقبح هزيمة ، وقتل منهم ~~مقتلة عظيمة ، وأرسل نعيم إلى عمر بقصد الري ، وقتال من بها ، والمقام بها ~~بعد فتحها . وقيل : إن المغيرة بن شعبة ، وهو عامل الكوفة أرسل جرير ابن ~~عبد الله إلى همذان ، فقاتله أهلها ، وأصيب بسهم في عينه ، فقال : أحتسبها ~~عند الله زين بها وجهي . وقيل : كان فتحها على يد المغيرة نفسه . وقيل : ~~فتحها قرظة ابن كعب الأنصاري رضي الله عنه ، والله تعالى أعلم وهو حسبنا ~~ونعم الوكيل . ذكر فتح أصبهان وقم وقاشان وفي سنة إحدى وعشرين بعث عمر رضي ~~الله عنه عبد الله ابن عبد الله بن عبتان إلى ms4158 أصبهان ، وكان شجاعا من أشراف ~~الصحابة ، ووجوه الأنصار ، وأمده بأبي موسى الأشعري ، وجعل على مجنبتيه عبد ~~الله بن ورقاء الرياحي وعصمة بن عبد الله ، فسار إلى PageV19P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" نهاوند ورجع حذيفة إلى عمله على ماسقت دجلة ~~وما وراءها . وسار عبد الله فيمن كان مته ومن تبعه من جند النعمان الذين ~~بنهاوند نحو أصبهان ، وعلى جندها الأسبيذان ، وعلى مقدمته شهريار بن جاذويه ~~) شيخ كبير ( في جمع عظيم ، فالتقى المسلمون ومقدمه المشركين برستاق ~~لأصبهان ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فبرز الشيخ ودعا إلى البراز ، فبرز له ~~عبد الله بن ورقاء فقتله عبد الله ، وانهزم الفرس ؛ فسمي ذلك الرستاق ~~برستاق الشيخ ، وصالحهم الأسبيذان على الرستاق ، وهو أول رستاق أخذ من ~~أصبهان . ثم سار عبد الله إلى مدينة جي ، وهي مدينة أصبهان ، والملك ~~بأصبهان الفاذوسفان ، فنزل بها ، وحاصرها ، فصالحه الملك عليها ، على ~~الجزية على من أقام ، وأن يجزي من أخذت أرضه عنوة مجزاهم ومن أبي ذهب كان ~~أرضه للمسلمين . وقدم أبو موسى على عبد الله من ناحية الأهواز ، وقد صالح ~~القوم ، وفدخل القوم في الذمة إلا ثلاثين رجلا من أهل أصبهان لحقوا بكرمان ~~، ودخل عبد الله ومن معه المدينة ، وكتب بذلك إلى عمر ، فكتب إليه : أن سر ~~حتى تقدم على سهيل بن عدي ؛ حتى تكون معه على قتال من بكرمان . فاستخلف على ~~أصبهان السائب بن الأقرع ، ولحق بسهيل قبل وصوله إلى كرمان ، وافتتح أبو ~~موسى قم وقاشان . ذكر فتح قزوين وأبهر وزنجان وفي سنة اثنتين وعشرين بعث ~~المغيرة بن شعبة وهو أمير الكوفة البراء بن عازب في جيش إلى قزوين ، وأمره ~~فتحها أن يغزو الديلم . فسار حتى أتى أبهر ، وهو حصن ، فقاتلوه ، ثم طلبوا ~~الأمان ، فأمنهم وصالحهم ، ثم غزا قزوين ، فأرسل أهلها إلى الديلم يطلبون ~~النصرة منهم ، فوعدهوهم ، فوصل المسلمون إليهم ، فخرجوا لقتالهم الديلم ~~وقوف على الجبل لا يمدون يدا ، فلما رأى أهل قزوين ذلك طلبوا الصلح ، ~~فصالحهم على مثل صلح أبهر . وغزا الديلم حتى أدوا إليه الأتاوة ، وغزا ~~جيلان والطيلسان ، وفتح زنجان عنوة . ولما ms4159 ولى الوليد بن عقبة الكوفة ، غزا ~~الديلم ، وجيلان وموقان ، والبير والطيلسان ، والله سبحانه وتعالى أعلم . ~~PageV19P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" ذكر فتح الري قال : وسار نعيم بن مقرن من واج ~~الروذ بأمر عمر حتى قدم الري ، وخرج الزيني أبو الفرخان منها ، فلقى نعيما ~~طالبا ومسالما ومحالفا لملك الري وهو سياوخش بن مهران بن بهرام بن جوبين ، ~~فاستمد سياوخش أهل دنباوند وطبرستان وقومس ، وجرجان ، فأمدوه ، والتقوا مع ~~المسلمين في سفح جبل الري الذي بجانب مدينتها ، فاقتتلوا . وكان الزينبي ~~قال لنعيم : إن القوم قد كثروا وأن في قلة ، فأبعث معي خيلا لأدخل بها ~~مدينتهم من مدخل لا يشعرون به ، وناهدهم أنت ، فإذا خرجنا نحن عليهم فإنهم ~~لا يثبتون لك . فبعث معه خيلا من الليل ، عليهم ابن أخيه المنذر بن عمرو ، ~~فأدخلهم الزيني المدينة ، والقوم لا يشعرون ، وبيتهم نعيم ، فشغلهم عن ~~مدينتهم ، واقتتلوا وصبروا حتى سمعوا التكبير من روائهم ، فانهزموا ، وقتل ~~منهم مقتلة عظيمة ، وأفاء الله تعالى على المسلمين بالري نحو مما في ~~المدائن ، وصالحهم الزيني على الري ، وأخرب نعيم مدينتهم ، وهي التي يقال ~~لها : العتيقة . فأمر الزيني فبنى مدينة الري ، وكتب نعيم إلى عمر بالفتح ، ~~وبعث بالأخماس ، وراسله المصمغان في الصلح على شيء يفتدي به منه على ~~دنباوند ، فأجابه على ذلك . وقد قيل : إن فتح الري كان على يد قرظة بن كعب ~~بن ثعلبة الخزرجي في سنة ثلاث ، حكاه أبو عمر عبد البر . وقيل : في سنة ~~إحدى وعشرين . وقيل غير ذلك ، والله تعالى أعلم . بالصواب ، وإليه المرجع ~~والمآب . ذكر فتح قومس وجرجان وطبرستان : قال : لما ارسل نعيم بن مقرن إلى ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالفتح والأخماس كتب إليه عمر رضي الله عنه ~~بإرسال سريد بن مقرن ومعه هند بن عمرو PageV19P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" وغيره إلى قومس ، وفسار سويد نحوها ، فلم يقم ~~له أحد ، فأخذها سلما ، وعسكر بها ، وكاتبه الذين لجئوا إلى طبرستان منهم ، ~~والذين أخذوا المفاوز ، فأجابهم إلى الصلح والجزية ، وكتب لهم بذلك . ثم ~~سار سويد إلى جرجان ، فعسكر ببسطام ، وكتب إلى ms4160 ملك جرجان وهو رزبان صول ، ~~فصالحه على الجزية وكفاية جرب جرجان ، وأن يعينه سويد إن غلب ، فأجابه سويد ~~إلى ذلك ، وتلقاه رزبان قبل دخوله جرجان ، ودخل معه ، وعسكر سويد بها حتى ~~جبى الخراج ، وسد فروجها بترك دهستان ، ورفع الجزية عمن قام معه بمنعها ، ~~وأخذها من الباقين . وقيل : كان فتحها في سنة ثماني عشرة ، وقيل : في سنة ~~ثلاثين في خلافة عثمان . قال : وأرسل الإصبهبذ صاحب طبرستا إلى سويد في ~~الصلح ، على أن يتوادعا بها ويجعل له شيئا على غير نصر ولا معونة على أحد ، ~~فقبل ذلك منه ، وكتب له كتابا ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه ~~المرجع والمآب . ذكر فتح أذربيجان كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، بعث ~~بكير بن عبد الله إلى أذربيجان ، وأمر نعيم بن مقرن أن يمده بسماك بن خرشة ~~، فأمده به بعد فتح الري ، فسار بكير حتى طلع بجبال جرميذان ، فطلع عليه ~~إسفنديار بن الفرخزاذ مهزوما من واج الروذ ، فاقتتلوا ، فهزم الله الفرس ~~وأخذ إسفنديار اسيرا ، فقال له إسفنديار : الصلح أحب إليك أم الحرب ؟ قال : ~~بل الصلح . قال : أمسكني عندك ؛ فإن أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم ، أو ~~أجئ لهم لم يقوموا لك ، وجلوا إلى الجبال التي حولها ، ومن كان على التحصين ~~تحصن ليوم مائن فأمسكه عنده وصارت إليه البلاد إلا ما كان من حصن . وقدم ~~عليه سماك بن خرشة ، وإسفنديار في أسره ، وقد افتتح مايليه ، وافتتح عتبة ~~بن فرقد ما يليه . PageV19P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" وكتب بكير إلى يستأذنه في التقدم ، فأذن له ~~أن يتقدم نحو الباب ، وأن يستخلف على ماافتتحه ، فاستخلف عتبة بن فرقد ، ~~فأقر عتبة سماك بن خرشة على عمل بكير الذي كان افتتحه ، وجمع عمر أذربيجان ~~كلها لعتبة بن فرقد . وكان بهرام بن الفرخز إذ قصد طريق عتبة ، فاقتتلوا ، ~~فانهزم بهرام ، فلما بلغ خبره إسفنديار وهو في الإسار عند بكير ، قال : ~~الآن تم الصلح ، وطفئت نيران الحرب ، فصالحه وأجاب أهل اذربيجان إلى ذلك ، ~~وعادت سلما ، وكتب بكير وعتبة بذلك إلى عمر ، وبعثا بالخمس ms4161 . ولم اجمع عمر ~~لعتبة عمل بكير ، كتب لأهل أذربيجان كتابا بالصلح . ذكر فتح الباب كان فتح ~~الباب في اثنتين وعشرين ، وكان عمر رضي الله عنه تعالى عنه رد أبا موسى ~~الأشعري إلى البصرة ، وبعث سرقة بن عمرو ، وكان يدعى ذا النور إلى الباب ، ~~وجعل على مقدمته عبد الرحمن ابن ربيعة ، وكان يدعى ذا النور أيضا ، وعلى ~~مجنبتيه حذيفة بن أسيد الغفاري وبكير بن عبد الله الليثي وكان بكير قد سبقه ~~إلى الباب عند منصرفه من أذربيجان ، وجعل على المقاسم سلمان بن ربيعة ~~الباهلي . وكان عمر قد أمد سراقة بحبيب بن مسلمة من الجزيرة ، وجعل مكانه ~~زياد بن حنظلة ، فسار سراقة وعبد الرحمن بن أمامه ، فلما أطل عبد الرحمن ~~على الباب كاتبه ملكها شهريار ، من ولد شهريار الملك ، واستأمنه على أ ، ~~يأتيه ، ففعل فأتاه فقال له : إني نازل بإزاء عدو كلب ، وأمم مختلفة ليس ~~لهم أحساب ، ولا ينبغي لذى الحسب والعقل أن يعينهم على ذي الحسب ، وأنتم قد ~~غلبتم على بلادي وأنا منكم ، ويدي في أيديكم ، وجزيتي إليكم ، والنصر لكم ، ~~والقيام مما تحبون ، لا تسومونا الجزية ، فتوهنونا لعدوكم ، فسيره عبد ~~الرحمن إلى سراقة ، فلقيه بمثل ذلك ، وقال : لا بد من الجزية ممن يقيم ولا ~~يحارب العدو ، فاتفقا على ذلك ، وأجازه عمر رضي الله عنه وأرضاه واستحسنه . ~~PageV19P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" ذكر فتح موقان ولما فرغ سراقة من الباب ارسل ~~بكير بن عبد الله ، وسلمان ابن ربيعة ، وحبيب بن مسلمة وحذيفة بن أسيد إلى ~~أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية ، فوجه بكيرا إلى موقان ، وحبيبا إلى ~~تفليس ، وحذيفة إلى جبال اللان ، وسلمان إلى الوجه الآخر ، وكتب سراقة ~~بالفتح وبإرسالهم إلى عمر ، فسر بذلك . ثم مات سراقة بعد أن استوثق له ~~الأمر ، واستخلف عبد الرحمن ابن ربيعة ، ولم يفتح أحد من القواد إلا بكير ~~بن عبد الله ؛ فإنه صالح أهل موقان على الجزية ؛ على كل محتلم دينار ، وذلك ~~بعد أن فض أهل موقان ، ثم تراجعوا . وقيل : كان الفتح في سنة إحدى وعشرين ، ~~وأقر عمر عبد ms4162 الرحمن على فرج الباب ، وأمره بغزو الترك . والله تعالى أعلم ~~، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل . ذكر غزو الترك قال : ولما أمر عمر رضي الله عنه عبد الرحمن بن ~~ربيعة بغزو الترك خرج بالناس حتى قطع الباب فقال له شهريار : ما تريد أن ~~تصنع ؟ قال : أريد بلنجر والترك . قال : إنا لنرضى منهم أن يدعونا من دون ~~الباب . قال عبد الرحمن : لكنا لا نرضى حتى نغزوهم في ديارهم ، وتالله إن ~~معنا أقواما لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الروم . قال : وماهم ~~؟ قال : أقوام صحبوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ودخلوا في هذا ~~الأمر بنية فلا يزال النصر معهم ، فغزا بلنجر ، فقالوا : مااجترأ علينا غلا ~~ومعه الملائكة تمنعهم من الموت ، فهربوا وتحصنوا ، ورجع بالغنيمة والظفر . ~~وقد بلغت خيلة البيضاء على رأس مائتي فرسخ من بلنجر ، وعاد ولم يقتل منهم ~~أحد ، ثم غزاها أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه غزوات ، فظفر كما كان يظفر ~~. PageV19P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" ثم غزاهم بعد أن كان من أهل الكوفة في حق ~~عثمان رضي الله عنه ما نذكره ، فتذامرت الترك واجتمعوا في الغياض ، فرمى ~~رجل منهم رجلا من المسلمين بسهم وقد قتل خرجوا على عبد الرحمن ومن معه ، ~~واقتتلوا أشد القتال ، ونادى مناد من الجو : صبرا عبد الرحمن ، وموعدكم ~~الجنة فقاتل حتى قتل ، وانكشف أصحابه ، واخذ الراية أخوه سلمان بن ربيعةن ~~فنادى من الجو ، صبرا أبا سلمان . فقال سلمان : أوترى جزعا وخرج بالناس على ~~جيلان إلى جرجان ، ولم تمنعهم هذه الحرب من اتخاذ جسد عبد الرحمن ، فهم ~~يستسقون به حتى الآن . والحمد لله وحده ، وصلى الله على من لا نبي بعده . ~~ذكر غزو خراسان وفي سنة اثنتين وعشرين غزا الأحنف بن قيس خراسان ، على قول ~~بعضهم . وقيل : بل كان في سنة ثمان عشرة وسبب ذلك أن يزدجرد لما سار إلى ~~الري بعد هزيمة أهل جلولاء ، انتهى إليها ، وبها أبان جاذوية ، فوثب أبان ~~عليه وأخذه . فقال يزدجرد : يا ms4163 أبان ، تغدر بي قال : لا ؛ ولكن قد تركت ~~ملكك ، فصار في يد غيرك ، فأحببت أن أكتب على ماكان لي من شيء ، وأخذ خاتم ~~يزدجرد وأكتتب الصكاك بكل ما أعجبه ، وختم عليها ورد الخاتم ، ثم أتى بعد ~~ذلك سعدا فرد عليه كل شيء في كتابه . وسار يزدجرد من الري إلى أصبهان ، ثم ~~إلى كرمان والنار معه ، ثم قصد خراسان والنار معه ، فنزل مرو ، وبنى للنار ~~بيتا ، واطمأن وأمن أن يؤتى ، ودان له من بقي من العجم . وكاتب الهرمزان ، ~~وأثار أهل الجبال والفيرزان ، فنكثوا ، فأذن عمر رضي الله عنه للمسلمين ~~فدخلوا بلاد الفرس ، فسار الأحنف إلى خراسان فدخلها من الطبسين ، فافتتح ~~هراة عنوة ، واستخلف عليها صحار بن صخر العبدي . وقيل فيه : صحار بن عباس ~~بن شراحبيل ، ثم سار نحو مرو الشاهجان ، فأرسل إلى نيسابور مطرف بن عبد ~~الله ابن الشخير ، وإلى سرخس الحارث بن حسان . PageV19P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" فلما دنا الأحنف من مرو ، خرج يزدجرد منها ~~إلى مرو الروذ ، ونزل الأحنف مرو الشاهجان . وكتب يزدجرد إلى خاقان ملك ~~الترك وإلى ملك الصغد وإلى ملك الصين يستمدهم . وخرج الأحنف من مرو ~~الشاهجان ، واستخلف عليها خالد ابن النعمان الباهلي بعد أن لحقته أمداد ~~الكوفة . فلما سمع به بزدجرد سار من مرو الروذ إلى بلخ ، ونزلها الأحنف ، ~~والتقى أهل الكوفة ويزدجرد ببلخ ، فانهزم يزدجرد ، وعبر النهر ، ولحق ~~الأحنف بأهل الكوفة ، قد فتح الله عليهم ، وافتتح ما بين نيسابور إلى ~~طخارستان ، وعاد إلى مرو الروذ ، واستخلف على طخارستان ربعي ابن عامر ، ~~وكتب على عمر بالفتح . فقال عمر : وددت أن بيننا وبينها سينقضون منها ثلاث ~~مرات ، وكتب إلى الأحنف أن يقتصر على مادون النهر ولا يجوزه . قال : ولما ~~عبر يزدجرد مهزوما ، انجده خاقان الترك ، وأهل فرغانة والصغد ، فرجع يزدجرد ~~وخاقان إلى خراسان ، فنزلا بلخ . ورجع أهل الكوفة إلى الأحنف بمرو الروذ ، ~~فنزل المشركون عليه بها ، وكان الأحنف لما بلغه خبر عبور يزجرد وخاقان ~~النهر إليه ، خرج ليلا يتسمع ؛ لعله يسمع برأي ينتفع به ، فمر برجلين ~~ينقيان علفا ms4164 ، وأحدهما يقول لصاحبه : أسندنا الأمير إلى هذا الجبل ؛ فكان ~~النهر بيننا وبين عدونا خندقا ، وكان الجبل في ظهورنا ، فلا يأتونا من ~~خلفنا ، وكان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا الله عز وجل . فرجع ، فلما ~~أصبح جمع الناس ورحل بهم إلى سفح الجبل ، وكان معه من البصرة عشرة آلاف ، ~~ومن الكوفة نحو منهم . واقبلت الترك ومن معها فنزلوا بهم ، وجعلوا ينادونهم ~~ويراوحونهم وينجحرون في الليل . فخرج الأحنف ليلة طليفة لأصحابه ؛ حتى إذا ~~كان قريبا من عسكر خاقان وقف ، فلما كان وجه الصبح خرج فارس من الترك وهو ~~مطوق ، فضرب بطبلة ، ثم وقف ، فحمل عليه الأحنف ، فاقتتلا ، فقتله الأحنف ، ~~وأخذ طوقه ، ووقف واحد آخر وآخر بعده ، ففعل بهما كذلك ، ثم انصرف إلى ~~عسكره . PageV19P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" وكانت عادة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ~~ثلاثة من رجالهم أكفاء ، كلهم يضرب بطبله ، ثم يخرجون بعدهم ، فلما خرجوا ~~وجدوا فرسانهم ، فتطير خاقان من ذلك ، وقال : قد طال مقامنا ، وأصيب ~~فرساننا ، وليس لنا في قتال هؤلاء القوم خير ، ورجع . وارتفع النهار ولم ير ~~المسلمون أحدا ، وأتاهم الخبر بانصراف الترك إلى بلخ ، وكان يزدجرد ترك ~~خاقان يقاتل بمرو الروذ ، وانصرف إلى مرو الشاهجان ، فلما وصلها تحصن حارثة ~~بن النعمان ومن معه ، فحصرهم ، واستخرج خزانته من موضعها . وأراد أن يلحق ~~خاقان لما بلغه انصرافه عن مرو الروذ إلى بلخ ؛ فأشار عليه أهل فارس ~~بمصالحة المسلمين ، فأبى ذلك ، فاعتزلوه وقاتلوه ، فانهزم ، واستولوا على ~~خزائنه ، وتوجه هو نحو خاقان وعبر النهر إلى فرغانة ، وأقام ببلد الترك مدة ~~خلافة عمر رضي الله عنه إلى أن كفر اهل خراسان في زمن عثمان ، فكاتبوه ~~وكاتبهم ، ثم قتل على ماسنذكره إن شاء الله تعالى في خلافة عثمان . قال : ~~ثم أقبل أهل فارس بعد انهزام يزدجرد على الأحنف ، وصالحوه ودفعوا له ~~الخزائن ، وتراجعوا إلى بلادهم ، واغتبطوا بالمسلمين ، فأصاب الفارس يوم ~~يزدجرد كسهمه يوم القادسية . وسار الأحنف إلى بلخ ونزلها ، ثم رجع إلى مرو ~~الروذ ، وكتب بهذا الفتح إلى عمر . قال : ولما عبر خاقان ms4165 ويزدجرد إلى النهر ~~، لقيا رسول يزدجرد الذي كان ارسله إلى ملك الصين قال له : صف لي هؤلاء ~~القوم الذين أخرجوكم من بلادكم ، فإنى أراك تذكر قلة منهم ، وكثرة منكم ، ~~ولا يبلغ امثال هؤلاء القليل منكم مع كثرتكم إلا بخير عندهم وشر فيكم . ~~فقال : سلني عما أحببت . فقال : أيوفون العهد ؟ قال : نعم . قال : ~~ومايقولون لكم قبل القتال ؟ اقال : يدعوننا إلى واحدة من ثلاث : إما دينهم ~~فإن أحببنا أجرونا مجراهم ، أو الجزية ، أو المنابذة . قال : فكيف طاعتهم ~~في أمرائه ؟ قلت : أطوع قوم لرشيدهم . قال : فما يحلون وما PageV19P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" يحرمون ؟ فأخبره . قال : هل يحلون ما حرم ~~عليهم ، أو يحرمون ما أحل لهم ؟ قال : لا . قال : هؤلاء القوم لا يزالون ~~على الظفر حتى يحلوا حرامهم ويحرموا حلالهم ، ثم قال : أخبرني عن لباسهم ، ~~فأخبره ، وعن مطاياهم . قال : نعم الحصون ووصف له الإبل وبركها وقيامها . ~~فقال : هذه صفة دواب طوال الأعناق . وكتب معه إل يزدجرد : أنه لم يمنعني أن ~~أبعث إليك بجند أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق على ، ولكن هؤلاء ~~القوم الذين وصف لي رسولك لو يحاولون الجبال لهدوها ، ولو خلا لهم سربهم ~~أزالوني ما داموا على وصف ، فسالمهم وارض منهم بالمسالمة ، ولا تهجهم مالم ~~يهيجوك . فأقام بزدجرد بفرغانة ومعه آل كسري بعهد من خاقان . قال : ولما ~~وصل كتساب الفتح إلى عمر رضي الله عنه ، جمع الناس وخطبهم ، وقرأه عليهم ، ~~وحمد الله على إنجاز وعده ، ثم قال : ألا وإن ملك المجوسية قد هلك ، فليسوا ~~يملكون من بلادهم شبرا يضر بمسلم ، ألا وإن الله تعالى قد أورثكم أرضهم ~~وديارهم وأموالهم وأبناءهم ، لينظر كيف تعملون ، فلا تبدلوا فيستبدل الله ~~بكم غيركم ؛ فإنى لا اخاف على هذا الأمة إلا من قبلكم . وقيل : إن فتح ~~خراسان كان في زمن عثمان رضي الله عنه ، وسنذكره إن شاء الله سبحانه تعالى ~~في موضعه . ذكر فتح شهرزور والصامغان وفي سنة اثنتين وعشرين كان فتح شهرزور ~~؛ فتحها عتبة بن فرقد صلحا على مثل صلح حلوان بعد قتال ، وصالح أهل ~~الصامغان ms4166 ، ودار أباذ على الجزية والخرادج ، وقتل خلقا كثيرا من الأكراد ، ~~وكتب إلى عمر : إن فتوحي قد بلغت أذربيجان ، فولاه إياها ، وولى هرثمة بن ~~عرفجة الموصل ، ولم تزل شهرزور وأعماله مضمومة إلى الموصل حتى أفردت عنها ~~في آخر خلافة الرشيد . والله تعالى أعلم وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ونعم ~~المولى ونعم النصير ، والحمد لله وحده . PageV19P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" ذكر فتح توج كان فتحها في سنة ثلاث وعشرين ، ~~وذلك أنه لما خرج أهل البصرة الذين توجهوا إلى بلاد فارس أمراء عليها ، كان ~~معهم سارية بن زنيم ، فساروا ، وأهل فارس مجتمعون بتوج ، فلم يقصدهم ~~المسلمون ، وتوجه كل أمير إلى الجهة التي أمر بها ، وبلغ ذلك أهل فارس ، ~~فافترقوا إلى بلدانهم ، كما افترق المسلمون ، فكانت تلك هزيمتهم وتشتت ~~أمورهم ، فقصدهم مجاشع بن مسعود بسابور وآذدشير فالتقوا بتوج ، واقتتلوا ما ~~شاء الله ، ثم انهزم الفرس وقتلهم المسلمون شر قتلة ، وغنموا ما في عسكرهم ~~، وحصروا توج فافتتحوها ، فقتلوا منهم خلقا كثيرا ، وغنموا ما فيها . وتوج ~~هي التي استنقذتها جيوش العلاء بن الحضرمي ايام طاوس ، ثم دعوا إلى الجزية ~~فرجعواوأقروا بها ، وأرسل مجاشع ابن مصعود بالبشارة والأخماس إلى عمر رضي ~~الله عنه ، والله تعالى أعلم بالصواب . ذكر فتح اصطخر وجور وكازرون ~~والنوبندجان : ومدينة شيراز وأرجان وسينيز وجنابا وجهرم . وفي سنة ثلاث ~~وعشرين قصد عثمان بن أبي العاص إصطخر فالتعقى هو وأهلها بجور ، فاقتتلوا ، ~~وانهزم الفرس ، وفتح المسلمون جور ، ثم إصطخر ، وقتلوا ما شاء الله ، وفر ~~منهم من فر . فدعاهم عثمان إلى الجزية والذمة ، فأجابه الهربذ إليهان ~~وتراجعوا . وكان عثمان قد جمعالغنائم وخمسها ، وبعث الخمس إلى عمر ، وفتح ~~كازرون والنوبندجان وغلب على أرضها . PageV19P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" وفتح هو وأبو موسى مدينة شيراز ، وأرجان ، ~~وفتحا سينيز على الجزية والخراج . وقصد عثمان أيضا جنابا ففتحها ، وفتح هو ~~وأبو موسى مدينة شيراز ، ولقيه جمع من الناس من الفرس بناحية جهرم فهزمهم ~~وفتحها . وقيل إن فتح إصطخر كان في سنة ثمان وعشرين ، واله سبحانه وتعالى ~~أعلم . ذكر فتح فسا ودرابجرد وفي سنة ثلاث ms4167 وعشرين أيضا قصد سارية بن زنيم ~~الديلي فساودرا بجرد ، وانتهى إلى عسكرهم وحاصرهم ما شاء الله تعالى ثم ~~استمدوا وتجمعوا ، وتجمعت إليهم الأكراد من فارس ، فدهم المسلمين أمر عظيم ~~، وأتاهم الفرس من كل جانب ، فرأى عمر رضي الله عنه فيما يرى النائم تلك ~~الليلة معركتهم وعددهم في السعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم ، وكان قد ~~رآهم والعدو في صحراء ، إن أقام المسلمون فيها أحيط بهم ، وإن استندوا إلى ~~الجبل لم يؤتوا إلا من وجه واحد . فقام عمر فقال : يا أيها الناس ، إنى ~~رأيت هذه الجمعين . . . وأخبر بحالهما ، وصاح عمر رضي الله عنه وهو يخطب : ~~يا سارية ، الجبل الجبل ثم أقبل عليهم وقال : إن لله جنودا ؛ ولعل بعضهم أن ~~يبلغ . فسمع سارية ومن معه الصوت ، فلجئوا إلى الجبل ، ثم قاتلوهم فهزمهم ~~الله . وأصاب المسلمون مغانم ، وأصابوا سفطا فيه جوهر ، فاستوهبه منهم ~~سارية ، وبعث به وبالفتح مع رجل إلى عمر ، فقدم عليه ، وأخبره ، وقصة ~~الجوهر ، فصاح به عمر وقال : لا ولا كرامة أقسمه بين الجند ، وطرده ، ورد ~~السفط . وسأل أهل المدينة الرسول ، هل سمعوا يوم الوقعة شيئا ؟ قال : سمعنا ~~: ياسارية الجبل . وقد كدنا نهلك ، فلجأنا إليه ، ففتح الله سبحانه وتعالى ~~علينا . والله أعلم بالصواب ، وصلى الله على سيدنا محمد و على آله وصحبه ~~وسلم . ذكر فتح كرمان وفيها قصد سهيل بن عدي كرمان ، ولحقه عبد الله بن عبد ~~الله بن عتبان ، وحشد له أهلها واستعانوا بالقفص ، فاقتتلوا في أدنى أرضهم ~~، فقتل النسير بن عمرو العجلي مرزبانها ، وفتحها المسلمون . PageV19P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" وقيل : إن الذي فتحه عبد الله بن بديل بن ~~ورقاءالخزاعي في خلافة عمر ، ثم أتر الطبسين من كرمان ، ثم قدم على عمر ~~فقال : أقطعني الطبسين ، وأراد أن يفعل . فقيل : إنها رستاق ، فامتنع . ذكر ~~فتح سجستان في سنة ثلاث وعشرين أيضا قصد عاصم بن عمرو سجستان ، ولحقه عبد ~~الله بن عمير ، فاستقبلهم أهلها فالتقوا في أدنى ارضهم ، فهزمهم المسلمون ~~وأتبعوهم حتى حاصروهم بزرنج ، فطلبوا الصلح على زرند وما سادوا عليه ms4168 من ~~الأرضيين ، واصطلحوا على الخراج ، فكانت سجستان أعظم من خراسان وأبعد فروجا ~~، يقاتلون القندهار والترك ، وأمما كثيرة . وقيل في فتح سجستان غير هذا ، ~~وسنذكره إن شاء الله تعالى في موضعه . ذكر فتح مكران وفيها قصد الحكم بن ~~عمرو التغلبي مكران ، ولحق به شهاب بن المخارق وسهيل بن عدي وعبد الله بن ~~عبد الله بن عتبان ، فانتهوا إلى دوين النهر ، وأهل مكران على شاطئه ، ~~فاستمد ملكهم ملك السند ، فأمده بجيش كثيف ، فالتقوا مع المسلمين فهزموا ، ~~وقتل منهم في المعركة مقتلة عظيمة ، وأتبعهم المسلمون يقتلونهم أياما ؛ حتى ~~انتهوا إلى النهر ، ورجع المسلمون إلى مكران فأقاموا بها ، وكتب الحكم إلى ~~عمر بالفتح ، وبعث إليه بالأخماس مع صحار العبدى . فلما قدم المدينة سأله ~~عمر عن مكران ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هي أرض سهلها جبل ، وماوها وشل ، ~~وتمرها دقل ، وعدوها بطل ، وخيرها قليل ، وشرها طويل ، والكثير منه قليل ، ~~والقليل بها ضائع ، وما وراءها شر منها . فقال عمر : أشجاع أنت أم مخبر لا ~~والله لا يغزوها لي جيش أبدا ، وكتب إلى سهيل والحكم ألا يجوزن مكران أحد ~~من جنود كما ، وأمرهما ببيع الفيلة التي غنمها المسلمون ، وقسم أثمانها على ~~الغانمين . PageV19P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" ذكر فتح بيروذ من الأهواز وهي بفتح الباء ~~الموحدة ، وسكون الياء المثناة من أسفل ، وضم الراء وسكون الواو وذال معجمة ~~. قال : لما فصلت الخيول إلى الكور اجمع ببيروذ جمع كبير من الأكراد وغيرهم ~~، وكان عمر رضي الله عنه قد عهد إلى أبي موسى أن يسير إلى أقصى ذمة البصرة ~~كما ذكرنا ؛ حتى لا يؤتى المسلمون في أعقابهم . فسار أبو موسى والتقى معهم ~~في شهر رمضان ، سنة ثلاث وعشرين ببيروز من بين نهر تيري ومناذر ، فقام ~~المهاجر ابن زياد وقد تحنط ، فقاتل حتى قتل ، واشتد جزع الربيع بن زياد على ~~أخيه المهاجر ، وعظم عليه فقده ، فرق له أبو موسى واستخلفه على جنده . وخرج ~~أبو موسى حتى بلغ أصبهان ، وكان مع المسلمين بها حتى فتحت ثم رجع إلى ~~البصرة ، وفتح الربيع بن زياد بيروذ ، وغنم ms4169 ماكان تجمع بها . وأوفد أبو ~~موسى وفدا إلى عمر بالأخماس ، وطلب ضبة بن محصن الغنوي أن يكون في الوفد ، ~~فلم يجبه أبو موسى ، وكان أبو موسى قد اختار من سبي بيروذ ستين غلاما . ~~فانطلق ضبة إلى عمر شاكيا ، وكتب أبو موسى إلى عمر يخبره ، فلما قدم ضبة ~~على عمر سلم عليه ، فقال : من أنت ؟ فأخبرهن فقال : لا مرحبا ولا أهلا فقال ~~: إن أبا موسى انتقى ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه ، وله جارية تغدى ~~جفنة ، وتعشى جفنة تدعى عقيلة ، وله فقيزان ، وله خاتمان ؛ وفوض إلى زياد ~~بن أبي سفيان أمور البصرة ، وأجاز الحطيئة بألف . فاستدعى عمر أبا موسى ، ~~فلما قدم عليه حجبه أياما ، ثم استدعاه ، فسأل عمر ضبة عما قال : فقال أخذ ~~ستين غلاما لنفسه . فقال أبو موسى : دللت عليهم ، وكان لهم فداء ، ففديتهم ~~وقسمته بين المسلمين ، فقال ضبة : ما كذب ولا كذبت ، وقال : له قفيزان ، ~~فقال أبو موسى : قفيز لأهلي أقوتهم به ، وقفيز للمسلمين في أيديهم يأخذون ~~به أرزاقهم . فقال ضبة : ما كذب ولا كذبت . PageV19P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" فلما ذكر عقيلة سكت أبو موسى ولم يعتذر ، ~~فعلم أن ضبة قد صدقه . قال : وولي زياد ، قال : رأيت له رايا ونبلا فاسندت ~~إليه عملي . قال : وأجاز الحطيئة بألف ، قال : سددت فمه بمالي أن يشتمني ، ~~فرده عمر ، وأمره أن يرسل غليه زيادا وعقيلة ، ففعل . فلما قدم عليه زياد ~~سأله عن حاله وعطائه والفرائض والسنن ، والقرآن ، فرآه فقيها ، فرده وأمر ~~أمراء البصرة أن يسيروا برأيه ، وحبس عقيلة بالمدينة ، وقال عمر : الا إن ~~ضبة غضب على أبي موسى ورده مراغما ، إن فاته أمر من أمر الدنيا يصدق عليه ، ~~وكذب فأفسد كذبه صدقه . فإياكم والكذب فإنه يهدي إلى النار . ذكر خبر سلمة ~~بن قيس الأشجعي والأكراد قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا اجتمع ~~إليه جيش من المسلمين ، أمر عليهم اميرا من أهل العلم ، فاجتمع إليه جيش ، ~~فبعث عليهم سلمة بن قيس الأشجعي وقال له : سر باسم الله تعالى ، وقاتل في ~~سبيل الله ms4170 من كفر بالله ؛ فإذا لقيتم عدوكم فادعوهم إلى الإسلام ، فإن ~~أجابوا وأقاموا بدارهم فعليهم الزكاة ، وليس لهم من الفئ نصيب ، وإن ساروا ~~معكم فلهم مثل الذي لكم ، وعليهم مثل الذي عليكم ، فإن أبوا فأدعوهم إلى ~~الجزية ، فإن أجابوا فأقبلوا منهم ، وإن أبو فقاتلوهم ، وإن تحصنوا منكم ~~وسألوا أن ينزلوا على حكم الله ورسوله ، أو ذمة الله ورسوله ، فلا تجيبوهم ~~؛ فإنكم لا تدرون ما حكم الله رسوله ، وذمتهما ، ولاتغدروا ، ولا تقتلوا ~~وليدا ، ولا تمثلوا . فساروا حتى رأوا عدوا من الأكراد المشركين ، فدعوهم ~~إلى الإسلام أو الجزية ، فأبوا فقاتلوهم وهزموهم ، وقتلوا المقاتلة ، وسبوا ~~الذرية فقسمها بينهم ، ورأى سلمة جوهرا في سفط ، فاسترضى عنه المسلمين ~~وبعثه إلى عمر ، فغضب ووجأه في عنق رسوله وأعاده ، فباعه سلمة ، وقسم ثمنه ~~في المسلمين ، فكان الفص يباع بخمسة دراهم ، وقيمته عشرون ألفا . ذكر فتوح ~~مصر وما والاها كان فتح مصر على يد عمر بن العاص والزبير بن العوام رضي ~~الله عنهما ، وقد اختلف في السنة التي فتحت مصر فيها ، فقيل : في سنة عشرين ~~. وقيل : سنة ست عشرة . والصحيح أنها فتحت قبل عام الرمادة ، وكان عام ~~الرمادة في سنة ثماني PageV19P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" عشرة ؛ فإن عمرو بن العاص حمل منها الطعام ~~إلى المدينة في بحر القلزم على مانذكره إن شاء الله تعالى في حوادث السنين ~~. وقد اختلف أيضا في سبب مسير عمرو إليها ، واختلف في كيفية الفتح ، وكيف ~~كان . وقد روى الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم رحمه ~~الله في فتوح مصر أخبارا بأسانيد متصلة إلى جماعة ممن شهدوا الفتح وغيرهم ، ~~اختصرنا ذكرها ، مدارها على ابن لهيعة عن عبد الله بن أبي جعفر وعياش بن ~~عباس العتباني وعلى بن يزيد ابن أبي حبيب ، والليث بن سعد وغيرهمن دخل حديث ~~بعضهم في حديث بعض . والله سبحاه وتعالى أعلم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ~~والحمد لله وحده . ذكر مسير عمرو إلى مصر قالوا : لما قدم عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه إلى الجابية ، قام إليه عمرو ms4171 بن العاص رضي الله عنه ، وخلا به ~~فقال : يا امير المؤمنين ، أئذن لي أن أسير إلى مصر ، وحرضه عليها وقال : ~~إنك إن فتحتها كانت قوة المسلمين وعونا لهم ، وهي أكثر الأرض اموالا ، ~~وأعجز عن القتال والحرب . فتخوف عمر على المسلمين وكره ذلك ، فلم يزل عمرو ~~يعظم أمرها عنده ، ويهون عليه فتحها ، حتى ركن لذلك ، فعقد له على أربعة ~~آلاف رجل كلهم من عك ، ويقال : ثلاثة آلاف وخمسمائة . وقيل : ثلثهم من غافق ~~، وقال له : سر وأنا مستخير الله في مسيرك ، وسيأتيك كتابي سريعا إن شاء ~~الله تعالى ، فإذا أدركك كتابي بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها ، أوشيئا من ~~أرضها فانصرف ، وإن أنت وصلتها قبل ذلك فامض لوجهك ، واستعن بالله واستنصره ~~. فسار عمرو من جوف الليل ، ولم يشعر به أحد من الناس واستخار عمر الله ~~تعالى ، فكأنه تخوف على المسلمين في وجههم ذلك . PageV19P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" فكتب إلى عمرو أن ينصرف بمن معه ، فأدركه ~~الكتاب وهو برفح ، فتخوف إن هو اخذ الكتاب ، وفتحه أن يجد في الانصراف ، ~~فلم يأخذه من الرسول ، ودافعه حتى انتهى إلى ثرية فيما بين رفح والعريش ، ~~فسأل عنها فقيل : إنها من ارض مصر فأخذ الكتاب وقرأه على المسلمين ، وقال ~~لمن معه : الستم تعلمون أن هذه القرية من مصر ؟ قالوا : بلى قال : فإن أمير ~~المؤمنين عهد إلي وأمرني إن لحقني كتابه ولم أدخل مصر أن أرجع ؛ ولم يلحقني ~~كتابه حتى دخلنا ارض مصر ، فسيروا وامضوا على بركة الله عز وجل . وقد قيل : ~~إن عمرو بن العاص كان بفلسطين فقدم بأصحابه إلى مصر بغير إذن عمر ، وكتب ~~إليه يعلمه ، فكتب عمر غليه فأتاه كتابه وهو دون العريش ، فلم يقرأ كتابه ~~حتى بلغ العريش فقراهن فإذا فيه : من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص : ~~أما بعد ، فإنك سرت إلى مصر ومن معك ، وبها جموع الروم ؛ وإنما معك نفر ~~يسير ، ولعمري لو كانوا بكل أمتك ما كانوا لذلك ، وماسرت بهم ، فإن تم تكن ~~بلغت مصر فارجع . فقال عمرو : الحم دلله ، أية ms4172 أرض هذه ؟ قالوا : من مصر ~~فتقدم كما هو . ويقال : بل كان عمرو في جنده بقيساريه ، فكتب إلى عمر بن ~~الخطاب ، وعمر إذ ذاك بالجابية ، وهو يستأذنه على المسير إلى مصر ، وأمر ~~أصحابه فتنحوا من منزلتهم كأنهم يريدون أن يتحولوا من منزل إلى منزل ، فسار ~~بهم ليلا ، فلما فقده أمراء الأجناد استنكروا فعله ، ورأوا أن قد غرر ، ~~فرفعوا ذلك إلى عمر ، فكتب إليه : إلى العاصي ابن العاص ، أما بعد ، فإنك ~~قد غررت بمن معك ، فإن أدركك كتابي ولم تدخل مصر فارجع ، وإن أدركك وقد ~~دخلت فامض ، واعلم أني ممدك . ويقال : إن عمر رضي الله عنه كتب إلى عمرو ~~بعد فتح الشام : أن أندب الناس إلى المسير معك ، فمن خف معك فسر به . وبعث ~~بالكتاب مع شريك بن عبدة ، فندبهم عمرو ، وأسرع في الخروج ، ثم دخل عثمان ~~بن عفان رضي الله عنه على عمر ، فأخبره عمر بذلك فقال : يا أمير المؤمنين ، ~~إن عمرا في إقدام وحب للإمارة ، فأخشى أن يخرج في غير ثقة ولا جماعة ؛ ~~فيعرض المسلمين للتهلكة رجاء فرصة لا يدري تكون أم لا PageV19P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" فندم عمر على كتابه إلى عمرو ، وكتب إليه أن ~~ينصرف إن كان لم يدخل ارض مصر على ما تقدم . قالوا : ونفرت راشدة وقبائل من ~~العرب مع عمرو ، فسار بهم ، فأدركه عيد النحر بالعريش ، فضحى هناك . ولما ~~بلغ المقوقس مسير عمرو إلى مصر ، توجه إلى الفسطاط ، وكان يجهز الجيوش على ~~عمرو ، وكان على القصر رجل من الروم ، يقال له : الأعيرج واليا تحت يد ~~المقوقس . وتقدم عمر فكان أول موضع قوتل به الفرما ، قاتله الروم هناك ~~قتالا شديدا . قال : وكان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له : أبو ميامين ، ~~فلما بلغه قدوم عمرو كتب إلى القبط يعلمهم أنه لا يكون للروم دولة ، وأن ~~ملكهم قد انقطع ، ويأمرهم بتلقي عمرو . فيقال : إن القبط الذين كاوا ~~بالفرما كانوا يومئذ لعمرو أعوانا ، ثم سار عمرو من الفرما لا يدافع إلا ~~بالأمر الخفيف ، حتى نزل بلبيس فقاتلوه بها نحوا من شهر حتى ms4173 فتح الله عليه ~~، ثم مضى حتى أتى أم دمين فقاتلوه بها قتالا شديدا ، وأبطأ عليه الفتح ، ~~فكتب إلى عمر يستمده ، فأمده بأربعة آلاف تمام ثمانية آلاف ، فقاتلهم ، ~~وجاء من لخم - قيل : هو خارجة بن حذافة إلى - عمر ، فقال له : اندب معي ~~خيلا حتى آتى من ورائهم عند القتال ، فأخرج معه خمسمائة فارس ، فسار بهم من ~~وراء الجبل حاتى دخلوا مغار بني وائل قبيل الصبح ، وكانت الروم قد خندقوا ~~خندقا ، وجعلوا له أبوابا ، وبثوا في أفنيتها حسك الحديد ، فالتقى القوم ~~حين أصبحوا ، وخرجت الخيل من ورائهم فانهزموا حتى دخلوا الحصن ، وهو القصر ~~الذي يقال له : بابليون . PageV19P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" ذكر حصار القصر وما قيل في كيفية الاستيلاء ~~عليه وانتقال الروم والقبط إلى الجزيرة قال : ولما انهزموا إلى القصر حصرهم ~~عمرو بن العاص ومن معه حينا ، وقاتلهم قتالا شديدا صباحا ، ثم كتب إلى عمر ~~يستمده ، فأمده بأربعة آلاف رجل ، على كل الف منهم رجل وكتب إليه قد أمددتك ~~بأربعة آلاف على كلف ألف رجل : الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو ، وعبادة ~~بن الصامت ، وسلمه بن مخلد ، ومنهم من جعل بدل سلمة خارجة بن حذافة . وقال ~~عمر له في كتابه : أعلم أن معك اثني عشر الفا ، ولا يغلب اثنا عشر ألفا من ~~قلة . وقيل : إنه لما أشفق عمر ، أرسل الزبير في اثني عشر ألفا ، فلما قدم ~~تلقاه عمرو ، ثم أقبلا ، فركب الزبير وطاف بالخندق ، وفرق الرجال حوله ، ~~وألح عمرو إلى القصر ، ونصب عليه المنجنيق ، وأبطأ الفتح . فقال الزبير : ~~إني أهب نفسي لله وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين ، فوضع سلما إلى ~~جانب الحصن من ناحية سوق الحمام ، ثم صعد ، وأمرهم أنهم إذا سمعوا التكبير ~~أن يجيبوه جميعا ، فلم يشعر الروم إلا والزبير على الحصن يكبر وبيده السيف ~~، وتحامل الناس على السلم حتى خشي عمرو أن ينكسر بهم ، فنهاهم ، ولما صاروا ~~بأعلى الحصن كبروا جميعا ، وأجابهم المسلمون من خارج الحصن ، فما شك أهل ~~الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعا ، فهربوا ، فعمد الزبير وأصحابه ms4174 إلى باب ~~الحصن ففتحوه ، واقتحمه المسلمون ؛ فحينئذ سأل المقوقس الصلح على نفسه ومن ~~معه ؛ على أ ن يفرض للعرب على القبط دينارين على كل رجل منهم ، فأجابهم ~~عمرو إلى ذلك . وكان مكثهم على باب القصر حتى فتحوه سبعة أشهر ، والله ~~تبارك وتعالى أعلم . قال ابن عبد الحكم : وقد سمعت في فتح القصر وجها آخر ، ~~ورواه بسنده إلى خالد بن يزيد ، عن جماعة من البابعين ، يزيد حديث بعضهم ~~على حديث بعض ، قالوا : لما حصر المسلمون بابليون ، وبه جماعة من الروم ، ~~وأكابر القبط وعليهم المقوقس ، فقاتلهم شهرا ، فلما رأى القوم الجد من ~~المسلمين تنحى المقوقس وجماعة من أكابر القبط ورؤسائهم ، وخرجوا من باب ~~القصر القبلي ، ودونهم جماعة يقاتلون العرب ، فلحقوا بالجزيرة . ~~PageV19P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" قال : وهي موضع الصناعة اليوم ، وأمروا بقطع ~~الجسر ، وذلك في زمن زيادة النيل ، وتخلف الأعيرج بالقصر بعد المقوقس ، ثم ~~تحول إلى الجزيرة في السفن . والله أعلم . ذكر إرسال المقوقس إلى عمرو في ~~طلب الصلح وجواب عمرو له واجتماع المقوقس وعبادة بن الصامت وما وقع بينهما ~~من الكلام وقبول المقوقس الجزية . قال : وأرسل المقوقس إلى عمرو يقول : ~~إنكم قد ولجتم بلادنا ، وألححتم على قتالنا ، وطال مقامكم في أرضنا ؛ وإنما ~~أنتم عصبة يسيرة ، وقد أظلتكم الروم ومعهم من العدد والسلاح ، وقد أحاط بكم ~~هذا النيل ، وإنما أنتم اساري في أيدينا ، فابعثوا إلينا رجالا منكم يسمع ~~منهم ؛ فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب ، وينقطع ~~عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم ؛ فلا ينفعنا الكلام ولا ~~نقدر عليه ، ولعلكم أن تندموا ونحو ذلك من الكلام . فلما أتت رسل المقوقس ~~عمرا حبسهم عنده يومين وليلتين ؛ حتى خاف عليهم المقوقس وقال لأصحابه : ~~أترون انهم يقتلون الرسل ويحبسونهم ، ويستحلون ذلك في دينهم ؟ وإنما أراد ~~عمرو بذلك أن يروا حال المسلمين ، ثم ردهم عمرو . وأجابه مع رسله : إنه ليس ~~بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال : إما أن دخلتم الإسلام وكنتم إخواننا ، ~~وكان لكم مالنا ، وعليكم ما علينا ، وإن أبيتم ms4175 فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم ~~صاغرون . وإما أن جاهدنا كم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم ؛ ~~وهو خير الحاكمين . فلما جاءت رسل المقوقس إليه ، قال : كيف رأيتم هؤلاء ؟ ~~قالوا : رأينا قوما ، الموت أحب إلى أحدهم من الحياة ، والتواضع أحب إليهم ~~من الرفعة ، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة ؛ إنما جلوسهم على التراب ~~، وأكلهم على الركب ، وأميرهم كواحد منهم ، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم . ولا ~~السيد فيهم من العبد ، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد ، يغسلون ~~أطرافهم بالماء ، ويتخشعون في صلاتهم . PageV19P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" فقال المقوقس : والذي يحلف به ، لو ان هؤلاء ~~استقبلوا الجبال لازالوها ، وما يقوى على قتال هؤلاء أحد ؛ ولئن لم نغتنم ~~صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل لم يجيبونا بعد اليوم ، إذا أمكنتهم ~~الأرض وقووا على الخروج من موضعهم . ثم رد رسله إلى المسلمين ، أن ابعثوا ~~إلينا رسلا منكم ، تعاملهم وتتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح ~~لنا ولكم . فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر ، أحدهم عبادة بن الصامت ، وأمره ~~أن يكون متكلم القوم ، وألا يجيبهم إلى شيء دعوة إليه إلا إلى أحدى هذه ~~الثلاث خصال . فلما دخلوا على المقوقس تقدم عبادة ، فهابه المقوقس لسواده ، ~~فقال : نحن أعنى هذا الأسود . وقدموا غيره يكلمني . فقالوا جميعا : إن هذا ~~الأسود أفضلنا رأيا وعلما ، وهو سيدنا وخيرنا ، والمقدم علينا ، وإنما نوضع ~~جميعا إلى قوله ورأيه ، وقد أمره الأمير دونتا بما أمره به ، وأمرنا ألا ~~نخالف رايه وقوله ، قال : وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم ، وإنما ~~ينبغي أن يكون دونكم ، قالوا : إنه وإن كان أسود كما ترى ، فإنه من أفضلنا ~~موضعا ، وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيا ، وليس ينكر السواد فينا . فقال المقوقس ~~لعباده : تقدم يا أسود وكلمني برفق ، فإني أهاب سوادك ، و إن اشتد كلامك ~~علي ازددت لذلك هيبة ، فتقدم إليه عبادة فقال : قد سمعت مقالك ، وإن فيمن ~~خلفت من أصحابي الف رجل كلهم أشد سوادا مني ، وأفظع منظرا ؛ ولم سمعتهم ~~ورأيتهم لكنت أهيب لهم ms4176 منك لي ، وأنا قد وليت وأدبر شبابي ، وإنى بحمد الله ~~مع ذلك ما أهاب مائة رجل من عدوى لو استقبلوني جميعا ، وكذلك أصحابي ، وذلك ~~إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد في سبيل الله واتباع رضوانه ، وليس غزونا ممن ~~حارب الله لرغبة في دنيا ولا طلبا للاستكثار منها ؛ إلا أن الله عز وجل أحل ~~ذلك لنا ، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالا ، وما يبالى أحدنا أكان له قنطار من ~~ذهب أم كان لا يملك إلا درهما ؛ لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسد ~~به جوعته لليله أو نهاره ، وشملة يلتحفها . فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك ~~كفاه ؛ وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله تعالى ، واقتصر على هذا ~~الذي بيده ، وبلغه ما كان في الدنيا ؛ لأن الدنيا ليست بنعيم ، ورخاؤها ليس ~~برخاء ، وإنما النعيم والرخاء في الآخرة ؛ وبذلك أمرنا ربنا عز وجل ، ~~وأمرنا به نبينا ، وعهد ألا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته ، ~~ويستر عورته ، وتكون همته وشغله في رضا ربه ، وجهاد عدوه . PageV19P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" فلما سمع المقوقس ذلك منه ، قال لمن حوله : ~~هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط ؟ لقد هبت منظره ، وإن قوله لا هيب عندي من ~~منظره ، إن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض ، ما أظن ملكهم إلا سيغلب ~~على الأرض كلها . ثم أقبل على عباده فقال : أيها الرجل الصالح ، قد سمعت ~~مقالتك ، وما ذكرت عنك وعن أصحابك ، ولعمري ما بلغتم إلا بما ذكرت ، وما ~~ظهرتم على من كان إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها ، وقد توجه إلينا لقتالكم ~~من جمع الروم مالا يحصى عدده ، قوم معروفون بالنجدة والشدة ، لا يبالى ~~أحدهم من لقي ولا من قاتل ، وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم ولن تطيقوهم ~~لضعفكم وقلتكم ، وقد أقمتم بين أظهرينا أشهرا ، وأنتم في ضيق وشدة من ~~معاشكم وحالكم ، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم ، وقلة مابأيديكم ، ونحن ~~تطيب أنفسنا أن نصالحكم ، على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين ، ولأميركم ~~مائة دينار ، ولخليفتكم ms4177 ألف دينار ، و تقبضونها تنصرفون إلى بلادكم ، قبل ~~أن يغشاكم ما لا قوام لكم به . فقال عبادة : يا هذا ، لا تغرن نفسك ولا ~~أصحابك ، أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم ، وأنا لا نقوى ~~عليهم ؛ فلعمري ما هذا بالذي تخوفنا به ، ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه ؛ ~~إن كان ما قلتم حقا ؛ فذلك والله أرغب ما يكون في قتالهم ، وأشد تحريضا ~~عليهم ؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه ؛ إن قتلنا عن آخرنا كان ~~أمكن لنا في رضوانه وجنته ، وما من شيء أقر لا عيننا ولا أحب إلينا من ذلك ~~، وإنا منكم حينئذ لعلى إحدى الحسنيين : إما تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ~~ظفرنا بكم ، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا ؛ وإنها لأحب الخصلتين إلينا بعد ~~الاجتهاد منا ، وإن الله عز و جل قال لنا في كتاله : ) كم من فئة قليلة ~~غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ( وما منا رجل إلا وهو يدعو ~~ربه صباحا ومساء أن يرزقه الله الشهادة وألا يرده إلى بلده ، ولا إلى أرضه ~~، ولا إلى أهله وولده ، ليس لأحد منا هم فيما خلفه ، وقد استودع كل منا ربه ~~أهله وولده ، و إنما همنا ما أمامنا . وأما قولك : أنا في ضيق وشدة من ~~معاشنا وحالنا ، وفنحن في أوسع السعة ؛ لو كانت الدنيا كلها ملك لنا ما ~~أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه ؛ فانظر الذي تريد فبينه لنا ؛ فليس ~~بيننا وبينكم خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث ، فاختر ~~ايها شئت ، ولا تطمع نفسك بالباطل ، بذلك أمرني أميري ، وبها أمره أمير ~~المؤمنين ، و هو عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من قبل إلينا . ~~PageV19P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" إما أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا ~~يقبل الله تعالىغيره ، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته . أمرنا الله أن ~~نقاتل من خالفه ورغب عنه ؛ حتى يدخل فيه ، فإن فعل فإن له مالنا ، وعليه ما ~~علينا ، وكان أخانا في دين الله ms4178 . فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك فقد سعدتم في ~~الدنيا والآخرة ، ورجعنا عن قتالكم ، ولم نستحل أذاكم ، ولا التعرض لكم ، ~~وإن أبيتم إلا الجزية ، فأدوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون ، نعاملكم ~~على شيئ نرضى به نحن وأنتم في كل عام أبدا ، ما بقينا وبقيتم ، ونقاتل من ~~ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم وبلادكم وأموالكم ، نقوم بذلك إن كنتم في ~~ذمتنا ، وكان لكم به عهد الله إلينا ، وإ ، أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا ~~المحاكمو بالسيف حتى نموت عن آخرنا ، وأة نصيل ما نريد منكم ، هذا ديننا ~~الذي ندين الله تعالى له ، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره ، فانظروا ~~لأنفسكم . فقال له القوقوس : هذا مالا يكون أبدا ، ما تريدون إلا أن ~~تتخذونا خولا أو نكون لكم عبيدا ما كانت الدنيا . فقال عبادة : هو ذاك ، ~~فاختر ماشئت . قال : أفلا تجيبوننا إلى خصلة غير هذه الخصال ؟ فرفع عبادة ~~يديه فقال : لا ورب هذه السماء ، ورب هذه الأرض ، وربنا ورب كل شيء ، مالكم ~~عندنا خصلة غيرها ، فاختاروا لأنفسكم . فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه ~~فقال : قد فرغ القوم ، فما تريدون ؟ فقالوا : أو يرضى أحد بهذا الذل أما ~~ماأرادوا من دخولنا في دينهم فهذا مالا يكون أبدا ؛ أن تترك دين المسيح بن ~~مريم ، وندخل في دين غيره ولا نعرفه . وأما ما أرادوا من أن يسبونا ~~ويجعلونا عبيدا أبدا ، فالموت أيسر من ذلك ، لو رضوا منا أن نضعف لهم ما ~~أعطيناهم مرارا كان أهون علينا . فقال المقوقس لعباده : قد أبى القوم ، فما ~~ترى ؟ فراجع صاحبك على أن نعطيكم من مرتكم هذه ما تمنيتم وتنصرفون . فقام ~~عبادة وأصحابه ، فقال المقوقس لمن حوله : أطيعوني وأجيبوا القوم إلى خصلة ~~من هذه الثلاث ، فوالله ما لكم بهم طاقة ، ولئن لم تجيبوا إليها طائعين ~~لتجيبنهم إلى ماهو أعظم كارهين . قالوا : وأي خصلة تجيبهم إليها ؟ قال : ~~إذا أخبركم ؛ أما دخولكم في غير دينكم فلا آمركم به ، وأما قتالكم فأنا ~~أعلم أنكم لن تقووا عليهم ، ولن تصبروا صبرهم ، PageV19P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" ولابد ms4179 من الثالثة . قالوا : أفنكون لهم ، ~~آمنين على أنفسكم ، وأموالكم وذراريكم ، خيرا لكم من أن تموتوا عن آخركم ، ~~وتكونوا عبيدا تباعون وتمزقون في البلاد ، مستعبدين أبدا في البلاد . أنتم ~~وأهلوكم وذراريكم . قالوا : فالموت أهون علينا . فأمروا بقطع الجسر بين ~~الفسطاط والجيزة ، وبالقصر من القبط والروم جمع كثير ، فألح عليهم المسلمون ~~عند ذلك بالقتال ؛ حتى ظفروا بمن في القصر ، فقتلوا منهم خلقا كثيرا ، ~~وأسروا من أسروا ، وانحازت السفن كلها إلى الجزيرة . هذا والمسلمون قد أحدق ~~بهم الماء من كل وجه ، لا يقدرون على أن يتقدموا نحو الصعيد ولا غيره من ~~المدائن والقرى ، والمقوقس يقول لأصحابه : ألم أعلمكم هذا وأخافه عليكم ؟ ~~ما تنتظرون ؟ فوالله لنجيبنهم إلى ما أرادوا طوعا ، أو لنجيبنهم إلى ما هو ~~أعظم منه كرها ، فأطيعوني من قبل أن تندموا ؛ فعند ذلك أذعنوا إلى الجزية ~~ورضوا بها على صلح يكون بينهم يعرفونه . فأرسل المقوقس إلى عمرو يقول له : ~~إنى لم أزل حريصا على إجابتك إلى خصلة من تلك الخصال التي ارسلت إلي بها ، ~~فأبى ذلك على من حضرني من الروم والقبط ، فلم يكن لي أن أفتات عليهم في ~~أموالهم ، وقد عرفوا نصحي لهم ، وحبى صلاحهم ، ورجعوا إلى قولي ، فأعطني ~~أمانا أجتمع أنا وأنت في نقر نم أصحابي وأصحابك ؛ فإن استقام الأمر بيننا ~~تم ذلك لنا جميعا وإن لم يتم رجعنا إنى ما كنا عليه . فاستشار عمر و أصحابه ~~في ذلك فقالوا : لا تجبهم إلى شيء من الصلح ولا الجزية حتى يفتح الله علينا ~~، وتصير كلها لنا فيئا وغنيمة كما صار القصر لنا وما فيه . فقال عمرو : قد ~~علمتم ما عهد إلى أمير المؤمنين في عهده ، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال ~~الثلاث التي عهد إلى فيها أجبتهم إليها ، وقبلت منهم مع ما قد حال هذا ~~الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم . فاجتمعوا على عهد بينهم ، واصطلحوا ~~على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها واسفلها من القبط دينارين عن كل نفس : ~~PageV19P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" شريفهم ووضيعهم ، ومن بلغ الحلم منهم ms4180 ، ليس ~~على الشيخ الفاني ، ولا على الصغير الذي لم يبلغ الحلم ، ولا النساء شيء ، ~~وعلى ان المسلمين عليهم النزل لجماعتهم حيث نزلوا ، ومن نزل عليه ضيف واحد ~~من المسلمين ، أو أكثر من ذلك كانت لهم ضيافة ثلاثة أيام ، مفترض ذلك عليهم ~~، وأن لهم ارضهم وأموالهم لا يتعرض لهم في شيء منها ، فشرط هذا كله على ~~القبط خاصة ، وأحصوا عدد القبط يومئذ خاصة من بلغ منهم الجزية ، وفرض عليه ~~الديناران ، رفع ذلك عرفائهم بالإيمان المؤكدة ، فكان جميع من أحصى منهم ~~بمصر أكثر من ستة آلاف ألف نفس ، فكانت فريضتهم يومئذ اثني عشر ألف دينار ~~في كل سنة . وروى عن يحيى بن ميمون الحضرمي ، قال بلغت عدتهم ثمانية آلاف ~~ألف . قال : وشرط المقوقس للروم أن يخيروا ، فمن أحب منهم أن يقيم على مثل ~~هذا المقام أقام على ذلك لازما له ، مفترضا عليه ممن أقام بالإسكندرية ، ~~وما حولها من أرض مصر كلها ، ومن أراد الخروج منها إلى ارض الروم خرج ، ~~وعلى أن للمقوقس الخيار في الروم خاصة ، حتى يكتب إلى ملك الروم يعلمه ما ~~فعل ، فإن قبل ذلك ورضية جاز عليهم ، وإلا كانوا جميعا عليه ، وكتبوا به ~~كتابا ، وكتب المقوقس إلى ملك الروم كتابا يعلمه بالأمر كله . فكتب إليه ~~يقبح رأيه ويعجزه ويرد عليه ما فعل ، وأمره بقتال المسلمين بالروم إن إبى ~~القبط القتال ، وكتب إلى جماعة الروم بمثل ذلك . فجمع المقوقس الروم وقال : ~~أعلموا يا معشر الروم أنى والله لا أخرج مما دخلت فيه ، بعد أن ذكر لهم ~~شجاعة العرب وصبرهم وجلدهم وحبهم الموت وغير ذلك من حالهم ، ثم قال : والله ~~إنى لأعلم أنكم سترجعون غدا إلى قولي ورأيي ، وتتمنون أن لو كنتم أطعتموني ~~؛ وذلك أنى قد عاينت ورأيت ، وعرفت ما لم يعاين الملك ، ولم يره ولم يعرفه ~~. أما يرضى أحدكم أن يكون آمنا في دهره على نفسه وماله وولده بدينارين في ~~السنة ثم أقبل المقوقس على عمرو بن العاص فقال له : إن الملك قد كره ما ~~فعلت ، وعجزني ، و كتب إلى ms4181 وإلى جماعة الروم ألا نرضى بمصالحتك ، وأمرهم ~~بقتالك حتى يظفروا بك ، أو تظفر بهم ، ولم أكن أخرج مما دخلت فيه ، وعاقدتك ~~عليه ؛ وإنما سلطاني على نفسي ومن أطاعني ، فقد تم صلح القبط فيما بينك ~~وبينهم ، ولم يأت من قبلهم نقض . PageV19P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" وأما الروم فأنا منهم بريء ، وأنا أطلب إليك ~~أن تعطيني ثلاث خصال ، قال عمرو : وما هي ؟ قال : لا تنقض القبط ، وأدخلني ~~معهم ، واولزمني ما ألزمتهم ، وقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ماعاهدتك عليه ~~، فهم مقيمون لك على ماتحب . وأما الثانية ، فإن سألك الروم بعد اليوم أن ~~تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئا وعبيدا ؛ فإنهم أهل ذلك ؛ فإنى نصحتهم ~~فاستغشوني . أما الثالثة : فأطلب إليك إن أنا مت أن تأمرهم يدفنوني في أبي ~~يحنس بالإسكندرية . فأجابه عمرو إلى ما طلب على أن يقيموا له الجسرين جميعا ~~، والجسور ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية ، ويقيموا لهم الأنزال والضيافة ~~والأسواق ، ففعلوا ذلك ، وسارت القبط أعوانا للمسلمين على الروم . ذكر مسير ~~عمرو لقتال الروم وما كان من الحروب بينهم إلى أن فتحت الإسكندرية : قال : ~~واستعدت الروم واستجاشت ، وقدمت عليهم مراكب كثيرة من أرض الروم ، فيها جمع ~~من الروم عظيم بالعدة والسلاح ، فخرج إليهم عمرو بن العاص ، ومن معه ، وذلك ~~حين أمكنه الخروج ، وخرج معه جماعة من رؤساء القبط وقد أصلحوا لهم الطرق ، ~~وأقاموا الجسور والأسواق ، وخرج عمرو فلم يلق من الروم أحدا حتى بلغ ترنوط ~~، فلقي بها طائفة من الروم ، فقاتلوه قتالا خفيفا ، فهزمهم ، ومضى بمن معه ~~حتى لقي جمع من الروم بكوم شريك ، فاقتتلوا به ثلاثة أيام ، ثم فتح الله ~~على المسلمين ، وانهزم الروم . وقيل : بل لما انهزموا من ترنوط ، بعث عمرو ~~بن العاص شريك ابن سمى في آثارهم ، وكان على مقدمة عمرو ، فأدركهم شريك عند ~~الكوم ، فقاتلهم ، فمن الناس من يقول : إنه هزمهم ، ومنهم من يقول : إنه ~~قاتلهم إلى الكوم ، فاعتصم به ، وأحاطت به الروم ، فأمر شريك أبا ناعمة ملك ~~بن ناعمة الصدفي ، وهو صاحب الفرس الأشقر PageV19P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" الذي يقال ms4182 له : أشقر صدف ، وكان لا يجارى ، ~~فانحط عليهم من الكوم ، وطلبته الروم فلم تدركه ، فأنى عمرا فأخبره ، فاقبل ~~نحو الروم فانهزموا ، وبالفرس الأشقر هذا سميت خوخة الأشقر التي بمصر ؛ ~~وذلك أنه نفق فدفنه صاحبه هناك ، فسمي المكان به . قال : ثم التقى عمرو ~~والروم لسليطس ، فاقتتلوا بها قتالا شديدا ، ثم هزمهم الله . ثم التقوا ~~بالكريون فاقتتلوا هناك بضعة عشر يوما ، وكان ابنه عبد الله بن عمرو على ~~المقدمة ، ففشت فيه الجراحة وصلى عمرو بالناس صلاة الخوف ، بكل طائفة ركعة ~~وسجدتين . ثم فتح الله على المسلمين ، وقتلوا من الروم مقتلة عظيمة ، ~~وأتبعوهم حتى بلغوا الإسكندرية فتحصن بها الروم ، وكانت عليهم حصون منيعة ، ~~حصن دون حصن ، فنزل المسلمون ما بين حلوة إلى قصر فارس ، إلى ماوراء ذلك ، ~~ومعهم رؤساء القبط ، يمدونهم بما احتاجوا من الأطعمة والأعلاف . هذا ورسل ~~ملك الروم تختلف إلى الإسكندرية في المراكب ، والأمداد تأتيهم من قبله . ~~وكان يقول لئن ظهرت العرب على الإسكندرية كان ذلك انقطاع ملك الروم وهلاكهم ~~؛ لأنه ليس للروم كنائس أعظم من كنائس الإسكندرية ، ونجهز الملك ليباشر ~~القتال بنفسه ، وأمر ألا يتخلف عليه أحد من الروم . وقال : مابقاء ما بقاء ~~الروم بعد الاسكندرية فلما فرغ من جهازه أهلكه الله فمات وكفى الله ~~المسلمين مؤنته . وكان موته في سنة تسع عشرة ، فكسر الله بموته شوكة الروم ~~، ورجع جمع كبير ممن كان توجه لإعانة أهل الإسكندرية ، فاستأسدت العرب عند ~~ذلك ، وألحت بالقتال ، فقاتلوا قتالا شديدا ، فبرز رجل من الروم ، وبرز له ~~مسلمة بن مخلد ، فصرعه الرومي وألقاه عن فرسه ، وأهوى إليه ليقتله حتى حماه ~~رجل من أصحابه ، وكان مسلمة لا يقام له ، ولكن غلبته المقادير ، فشق ذلك ~~على المسلمين . وكان مسلمة ثقيل البدن ، كثير اللحم ، فاشتد غضب عمرو ، ~~وقال : مابال الرجل المسته الذي يشبه النساء يتعرض إلى مداخل الرجال ويتشبه ~~بهم فغضب مسلمة من ذلك ولم يراجعه ، ثم اشتد القتال حتى اقتحم المسلمون حصن ~~الإسكندرية ، وقاتلوا فيه ، ثم جاشت الروم حتى أخرجوهم جميعا من الحصن ، ~~إلا أربعة ، متهم عمرو ms4183 بن العاص ، ومسلمة بن مخلد ، فأغلقوا الحصن عليهم ، ~~والتجئوا PageV19P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" إلى ديماس من حمامات الروم ، فأنزل الروم ~~روميا يتكلم بالعربية ، فقال لهم : إنكم قد سرتم أساري في أيدينا ، ~~فاستأسروا ولا تقتلوا أنفسكم . ثم قال لهم : أن في أيدي أصحابكم منا رجالا ~~أسروهم ، ونحن نعطيكم العهود بكم أصحابنا ، ولا نقتلكم ، فأبوا عليهم . ثم ~~قال لهم الرومي : فهل لكم إلى خصلة وهي نصف فما بيننا وبينكم ، أن تعطونا ~~العهد ونعطيكم مثله ؛ على أن يبرز منا رجل ، ومنكم رجل ، فإن غلب صاحبنا ~~صاحبكم استأسرتم لنا ، وأمكنتمونا من أنفسكم ، وإن غلب صاحبكم صاحبنا خلينا ~~سبيلكم . فرضوا بذلك وتعاهدوا عليه . فبرز رجل من الروم وقد وثقت الروم ~~بنجدته وشدته ، فأراد عمرو أن يبرز فمنعه مسلمة وقال : أنا أكفيكإن شاء ~~الله ، فقال عمرو : دونك ؛ فربما فرجها الله بك . فبرز مسلمة للرومي ~~فتجاولا ساعة ، ثم أعان الله مسلمة فقتله ، وكبر وكبر اصحابه ، ووفى لهم ~~الروم بماء عاهدوهم عليه ، ففتحوا لهم باب الحصن ، فخرجوا ، والروم لا ~~يدرون أم أمير القوم فيهم ، ثم بلغهم ذلك ، فاسفوا على ما فاتهم منه ، وندم ~~عمرو واستحيا من مقاله لمسلمة ما قال ، فاستغفر له عمرو . قال : ولم أبطأ ~~الفتح على عمر ، كتب إلى عمرو : أما بعد ، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر ، ~~وأنكم تقاتلونهم منذ سنتين ؛ وما ذاك إلا لما أخذتم وأحببتم من الدنيا ما ~~أحب عدوكم ، وإن الله تعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم . وقد كنت وجهت ~~إليك أربعة نفر ، وأعملتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ماكنت أعرف ؛ إلا ~~أن يكونوا غيرهم ما غير غيرهم ، فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس وحضهم على ~~قتال عدوهم ، ورغبهم في الصبر والنية ، وقدم أولئك الاربعة في صدور الناس ، ~~ومر الناس جميعا أن تكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد وليكن ذلك عند الزوال يوم ~~الجمعة ؛ فإنها ساعة نزول الرحمة ، ووقت الإجابة ، وليعج الناس إلى الله ~~ويسألوه النصر . ففعلوا ففتح الله عليهم . قال : ويقال : إن عمرو بن العاص ~~استشار مسلمة بن مخلد ms4184 في قتال الروم ، فقال له مسلمة : أرى أن تنظر إلى رجل ~~له معرفة وتجارب من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فتعقد له على ~~الناس ، فيكون هو الذي يباشر القتال ويكفيكه . فقال عمرو : وما ذاك ؟ ~~PageV19P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" قال : عبادة بن الصامت . فدعا عمرو عبادة ، ~~فأتاه وهو راكب على فرسه ، فلما دنا منه أراد النزول ، فعزم عمرو عليه ألا ~~يفعل ، وقال : ناولني سنان رمحك ، فناوله عبادة إياه ، فنزع عمرو عمامته عن ~~رأسه وعقد له وولاه قتال الروم . فتقدم عبادة فصاف الروم وقاتلهم ، ففتح ~~الله على يديه الإسكندرية من يومه ذلك ، وكان حصارهم الإسكندرية اربعة عشر ~~شهرا ، خمسة أشهر في حياة هرقل ، وتسعة أشهر بعد موته ، وفتحت يوم الجمعة ~~مستهل المحرم ، سنة عشرين ، وقتل من المسلمين على الإسكندرية في طول هذه ~~المدة اثنان وعشرون رجلا . ذكر الفتح الثاني وما وجد بالإسكندرية وعدة من ~~ضربت عليه الجزية قال : ولما فتحت ، الإسكندرية هرب الروم منها في البر ~~والبحر ، فخلف عمرو من أصحابه بها ألف رجل ، ومضى في طلب من انهزم من الروم ~~في البر ، فرجع من كان هرب منهم في البحر إلى الإسكندرية ، فقتلوا من كان ~~بها من المسلمين إلا من هرب منهم وبلغ ذلك عمرا ، فكر راجعا إليها ، فأباه ~~رجل يقال له ابن بسامة ، كان بوابا بالإسكندرية ، فسأل عمرا أن يؤمنه على ~~نفسه وارضه وأهل بيته ويفتح له الباب ، فأجابه عمرو إلى ذلك ، ففتح له ابن ~~بسامة ، فدخل عمرو ، وكان مدخله من ناحية القنطرة التي يقال لها قنطرة ~~سليمان ، وكان مدخله الأول من باب المدينة الذي من ناحية كنيسة الذهب ، ~~ووفي عمرو لابن بسامة . وبعث عمرو إلى عمر بن الخطاب معاوية بن حديج بشيرا ~~بالفتح ، فقال معاويةك ألا تكتب معي كتابا ؟ فقال عمرو : وما أصنع بالكتاب ~~ألست رجلا عربيا تبلغ الرسالة ، وما رأيت وحضرت فقدم على عمر فأخبره الخبر ~~، فخر ساجدا ، وجمع الناس وأخبرهم ، ثم كتب عمرو بعد ذلك إلى عمر : أما بعد ~~فإنى فتحت مدينة لا أصف ما فيها ؛ غير ms4185 أنى أصبت فيها أربعة آلاف بنية ، ~~بأربعة آلاف حمام ، وأربعين ألف يهودي عليهم الجزية ، وأربعمائة ملهى ~~للملوك . قال بان عبد الحكم : لما فتح عمرو الإسكندرية وجد فيها أثني عشر ~~ألف بقال يبيعون البقل الأخضر . PageV19P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" قال : ورحل منها في الليلة التي دخل فيها ~~عمرو بن العاص ، أو في الليلة التي خافوا فيها دخوله سبعون ألف يهودي . قال ~~: وقال حسين بن شفي بن عبيد : كان بالإسكندرية فيما أحصى من الحمامات اثنا ~~عشر ديماسا ، أصغر ديماس منها يسع ألف مجلس ، كل مجلس منه يسع جماعة نفر . ~~وكان عدة من بالاسكندرية من الروم مائتي ألف من الرجال ، فلحق بارض الروم ~~أهل القوة ، وركبوا السفن ، وكان بها مائة مركب من المراكب الكبار ، فحمل ~~فيها ثلاثون ألفا مع ماقدروا عليه من المال والمتاع والأهل ، وبقي من بقي ~~من الأساري ممن بلغ الخراج ، فأحصى يومئذ ستمائة ألف سوى النساء والصبيان ، ~~فاختلف الناس على عمرو في قسمهم ، وكان أكثر الناس يريدون قسمها . فكتب ~~عمرو إلى عمر يستأذنه في ذلك ، فكتب إليه عمر : لا تقسمها ، وذرهم يكون ~~خراجهم فيئا للمسلمين وقوة لهم على جهاد عدوهم ، فأقرها عمرو ، وكانت مصر ~~كلها صلحا بفريضة دينارين على كل رجل لا يزاد على أحد منهم في جزية رأسه ~~أكثر من ذلك إلا أنه يلزم بقدر ما يتوسع فيه من الأرض والزرع ، إلا ~~الإسكندرية ، فإنهم كانوا يؤدون الجزية والخراج على قدر مايرى من وليهم ؛ ~~لأن الإسكندرية فتحت عنوة من غير عهد ولا عقد ، ولم يكن لهم صلح ولا ذمة . ~~قال : وكانت قرى من مصر قاتلت المسلمين ، وظاهروا الروم عليهم ، وهي : ~~بلهيب ، وقرية الخيس ، وسلطيس ، وقرسطا ، وسخا . فسبوا ، وفوقعت سباياهم ~~بالمدينة ، فردهم عمر بن الخطاب إلى قراهم ، وصيرهم وجماعة القبط ذمة وكتب ~~بردهم . PageV19P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" وقيل : إنما كتب عمر في أهل سلطيس خاصة يقول ~~: من كان منهم في أيديكم ، فخيروه بين الإسلام ، فإن أسلم فهو من المسلمين ~~، له مالهم ، وعليه ماعليهم ، وإن اختار دينه فخلوا بينه وبين قريته ، وأن ~~تجعل القرى ms4186 التي ظاهرت مع الإسكندرية ذمة المسلمين ، يضربون عليها الخراج . ~~ذكر من قال إن مصر فتحت عنوة . قال : وقد ذهب آخرون إلى أن مصر فتحت عنوة ~~بغير عهد ولا عقد . روى عن سفيان بن وهب الخولاني ، قال : لما فتحنا مصر ~~بغير عهد قام الزبير بن العوام ، فقال : أقسمها يا عمرو ، فقال عمرو : ~~والله لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين . فكتب إلى عمر ، فأجابه أن ~~أقرها حتى يغزو منه حبل الحبلة . وقيل : إن الزبير صولح على شيء أرضى به . ~~وروى ابن لهيعة بسنده إلى عمرو بن العاص أنه قال : لقد قعدت مقعدي هذا وما ~~لأحد من قبط مصر على عهد ، إن شئت قتلت ، وإن شئت خمست ، وإن شئت بعت إلا ~~أهل انطابلس ؛ فإن لهم عهدا نوفي لهم به . وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن ~~عمرو بن العاص فتح مصر بغير عهد ولا عقد ، وأن عمر بن الخطاب حبس درها ~~وضرعها ؛ أن يخرج منه شيء نظرا للإسلام وأهله . وعن عروة بن الزبير : أن ~~مصر فتحت عنوة . وعن عبد الملك بن جنادة قال : كتب حيان بن شريح - وكان من ~~أهل مصر من موالي قريش - إلى عمر بن عبد العزيز يسأله أن يجعل جزية موتى ~~القبط على أحيائهم . فسأل عمر عراك بن مالك ، فقال عراك : ما سمعت لهم بعهد ~~ولا عقد . فكتب عمر بن عبد العزيز إلى حيان ، أن يجعل جزية مولى القبط على ~~أحيائهم . وعن عبد الله بن بكير قال : خرج أبو سلمة بن عبد الرحمن يريد ~~الاسكندرية في سفينة ، فاحتاج إلى رجل يجذف به ، فسخر رجلا من القبط ، فكلم ~~في ذلك فقال : إنهم بمنزلة العبيد إن احتجت إليهم . PageV19P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" وعن أبن شهاب أنه قال : كان فتح مصر ، بعضها ~~بعهد وذمة ، وبعضها عنوة ، فجعلها عمر بن الخطاب جميعا ذمة ، وحملهم على ~~ذلك ، ومضى ذلك فيهم إلى اليوم . ذكر اخبار الاسكندرية وبنائها وما اتفق في ~~ذلك من الإعاجيب . لما رأيت جماعة من المؤرخين اقتصروا في أخبار الإسكندرية ~~عند ذكرهم لفتوحها على ms4187 ماذكرت أو نحوه ، ومنهم من اختصر ذلك ، واقتصر على ~~مجرد الفتحن ولم يتعرضوا إلى ماسواه من أخبارها ، آثرت أن أضم إلى ما شرحته ~~من أخبار فتحها ذكر أخبار بنائها ، وسببه وما شاهدوه بأبنيتها من العجائب ، ~~وكيف تحيل على وضعها حتى تمت ، ودفع ظلمة الضرر عن سكانها لما ادلهمت ، لأن ~~مثل هذا الثغر العظيم الذي شاع في الآفاق ذكره واشتهر ، وحمد من التجأ إليه ~~ممن نبت به الغربة وعاقبه السفر ، وحقق باختياره صدق الخبر وتيقن الخبر ، ~~لا يقتصر فيه إلى هذه النبذة التي ذكرناها ، واللمعة التي أوردناها ؛ بل ~~يتعين بسط القول فيه وأن يتكلم المؤلف إذا انتهى إليه بملء ما فيه . وربما ~~أعترض على معترض لم يطالع مجموع ما ألفت ، ولا وقف على جملة ما صنفت ، ~~فيقول : كيف اقتصر على فتوح مصر على مجرده وهي أصل بلاده ، وقاعدة عباده ، ~~وبسط القول في الإسكندرية وهي على الحقيقة من مضاتها ، وولاية من جملة ~~ولاياتها وقد تجول فيه خيل الاعتراض ، ويعدل عن الانشراح إلى الانقباض ، ~~ويتوهم أن ذلك عن عجز أو قصر ، وإن بسط العذر فيقول : عن ملال وضجر . وليس ~~الأمر - ولله الحمد - كذلك ؛ لأنا ذكرنا أخبار مصر في كتابنا هذا في اربعة ~~موضع سلفت منه ، فذكرنا خصائصها وما فضلت به على غيرهافي الباب الثاني من ~~القسم الخامس من الفن الأول ، وكل ذلك في السفر الأول من كتابنا في خصائص ~~البلاد ، وذكرنا اخبار نيلها في الباب السابع من القسم الرابع من الفن ~~الأول من الانهار ، وذكرنا أخبار ما بها من المباني القديمة والآثار ~~العظيمة ، في الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الأول . وذكرنا أخبار ~~من ملكها من ملوك الأمم قبل الطوفان وبعده ، وما بنوه بها من المدن ، وما ~~أقاموه من المنارات والأهرام PageV19P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" والبرابي وغير ذلك من المباني ، وما وضعوه ~~بها من العجائب والطلمسات والحكم ، وماأثاروا من المعادن وما دبروه من ~~الصنعة وما شقوه وانبطوه من الأنهار ، وغير ذلك من أخبارها وعجائبها ، وذلك ~~في الباب الثاني من القسم الرابع م الفن ms4188 الخامس ، وهو في السفر الثاني عشر ~~، والثالث عشر من هذا الكتاب ، فلا اعتراض بعد ذلك على ولا تقصير تنتسب ~~نسبته إلى . ولنأخذ الآن في أخبار الإسكندرية ، قال أبو الحسن على بن عبد ~~الله المسعودي رحمه الله في كتابه المترجم ) بمروج الذهب ( . ذكر جماعة من ~~أهل العلم أن الإسكندر المقدوني لما استقام ملكه في بلاده ، سار يختار أرضا ~~صحيحة الهواء ، والتربة والماء ، فانتهى إلى موضع الإسكندرية ، فأصاب في ~~موضعها أثار بنيان وعمدا كثيرة من الرخام ، وفي وسطها عمود عظيم مكتوب عليه ~~بالقلم المسند وهو القلم الأول من أقلام حمير وملوك عاد : ) إنا شداد بن ~~عاد ، شددت بساعدي البلاد ، وقطعت عظيم العماد ، من الجبال والأطواد ، وأنا ~~بنيت إرم ذات العماد ، والتي لم يبن مثلها في البلاد ، وأردت أن أبني هاهنا ~~كإرم ، وأنقل إليها كل ذي قدم وكرم ، من جميع العشائر والأمم ، وذلك إذ ~~لاخوف ولا هرم ، ولا اهتمام ولا سقم ، فأصابني ما أعجلني ، وعما أردت إليه ~~قطعني مع وقوع ما أطال همي وشجني ، وقل نومي وسكني ، فارتحلت بالأمس عن ~~داري ، لا لقهر ملك جبار ، ولا خوف جيش جرار ، ولا عن رغبة ولا صغار ؛ ولكن ~~لتمام الأقدار ، وانقطاع الآثار ، وسلطان العزيز الجبار ، فمت رأى أثري ، ~~وعرف خبري ، وطول عمري ، ونفاذ بصري ، وشدة حذري ، فلا يغتر بالدنيا بعدي ( ~~. . . وكلام كثير يرى فيه فناء الدنيا ، ويمنع من الاغترار بها ، والسكون ~~إليها ، لم يذكره المسعودي . PageV19P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" قال : فنزل الأسكندر مفكرا يتدبر هذا الكلام ~~ويعتبر ، ثم بعث بحشر الصناع من البلاد ، خط الأساس ، وجعل طولها وعرضها ~~أميالا ، وأمر بنقل الرخام والمرمر والأحجار من جزيرة صقلية ، وبلاد ~~إفريقية ، وأقريطيش ، وأقاصي بحر الروم ، وجزيرة رودس وغيرها ، فنقلت في ~~المراكب ، وأمر الصناع والفعلة أن يدوروا بما رسم لهم من أساس المدينة ، ~~وعمل على كل قطعة من الأرض خشبة قائمة ، وجعل من الخشبة إلى الخشبة حبالا ~~منوطة بعضها ببعض ، وأوصل جميع ذلك بعمود من الرخام كان أمام مضربه ، وعلق ~~على العمود جرسا عظيما مصوتا ، وأمر الناس والقوام على ااصناع ms4189 والبنائين ~~والفعلة ، أنهم إذا سمعوا صوت ذلك الجرس أن يضعوا أساس المدينة دفعة واحدة ~~من سائر أقطارها . وأحب الأسكندر أن يجعله في وقت يختاره ، وطالع سعد يأخذه ~~، فخفق الإسكندر يوما برأسه ، فأخذته سنة في حال ارتقابه للوقت . فجاء غراب ~~فجلس على حبل الجرس الكبير فحركه ، وخرج صوت الجرس ، وتحركت الحبال ، وخفق ~~ما عليها من الأجراس الصغار ، وكان قد عمل ذلك بحركات الحبال ، وخفق ما ~~عليها من الأجراس الصغار وكان قد عمل ذلك بحركات فلسفية . فلما سمع الصناع ~~حس أصوات الجرس وصنعوا الأساس دفعة واحدة وارتفع الضجيج بالتحميد والتقديس ~~، فاستيقظ الإسكندر من رقدته ، وسأل عن الخبر ، فأخبر به ، فقال : أردت ~~أمرا والله أراد غيره ، ويأبى الله إلا مايريده ، أردت طول بقائها ، وأراد ~~الله سرعة فنائها وخرابها ، وتداول الملوك إياها . قال : ولما أحكم بناؤها ~~، وثبت أساسها ، وجن الليل عليهم ، خرجت دواب من البحر أتت على جميع ذلك ~~البنيان ، فقال الإسكندر حين أصبح : هذا بدء الخراب في عمرانها ، وتحقق ~~مراد الباري في زوالها . وتطير من فعل الدواب ، وتكرر ذلك من فعل الدواب في ~~كل يوم ، والإسكندر يوكل به من يحرسه ، وهو يصبح خرابا ، فقلق لذلك ، وراعه ~~ما رأى ، ففكر ما الذي يصنع وأي حيلة يعمل في رفع أذى الدواب عن المدينة ، ~~فستحت له الفكرة ليلة ، فلما اصبح أمر الصناع أن يتخذوا تابوتا من الخشب ~~طوله عشرة أذرع في عرض خمسة أشبار ، وجعل في جامات من الزجاج ، ~~PageV19P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" وطليت بالقار وغيره من الأطلية التي تمنع ~~الماء أن يدخل التابوت ، وجعل فيه مواضع للحبال ، ودخل فيه ومعه رجلان من ~~كتابه ممن له علم بإتقان التصوير ، وأمر أن يستر عليه ، وعليهم باب التابوت ~~، ويطلة بتلط الأطلية ، وأمر بمركبين ، فعلق التابوت بينهما وجعف في أسفله ~~من الخارج مثقلات الرصاص والحدي ، وسد حباله إلى المركبين ، وأخرجهما إلىلا ~~اللجة ، وسمر بعضها بخشب إلى بعض بئلا يفترقان وارخوا التابوت في البحر ، ~~فاستقر تب 4 قرارة ، فنظر من تلك الجامات إلى دواب البحر وحيواناته ؛ فإذا ~~بصور شياطين على أمثال ms4190 الناس ، رؤوسهم كرؤوس السباع ، وفي أيديهم الفئوس ~~والمقامع والمناشير ، يحاكون بذلك صناع المدينة ، فأثبت الإسكندر ومن معه ~~تلك الصور ، وأحكموها في القراطيس على هيئاتها وأشكالها وقدودها ، ثم حرك ~~الحبال ، فرفعه من بالمركب . فلما خرج أمر المصورين بتصوير تلك الصور ، ~~وصنعها من النحاس والحديد والحجارة ، فعملت تماثيلها ، ثم نصبها على ~~الأعمدة بشاطئ البحر ، وأمر بالبناء فبنى ، فلما جن الليل ، وظهرت تلك ~~الدواب من البحر ، نظرت إلى أشكال صورها على العمد فرجعت إلى البحر ولم تعد ~~، فتم بناء الإسكندرية ، وشيدت ، فأمر أن يكتب على أبوابها ) هذه ~~الاسكندرية ، أردت أن ابنيها على الفلاح والنجاح واليمن والسرور ، والثبات ~~على الدهور ، فلم يرد الباري ملك السموات والأرض ومفنى الأمم أن أبنيها ~~كذلك ، فبنيتها وأحكمتها ، وشيدت سورها ، وآتى بي الله من كل شيء علما ~~وحكما ، وسهل لي وجوه الأسباب ، فلم يتعذر على في العالم شيء مما أردته ، ~~ولا أمتنع على شيء مما طلبته ، لطفا من الله عز وجل وصنعا لي ، وصلاحا ~~لعباده من أهل عصري ، والحمد لله رب العالمين ، لا إله إلا الله هو رب كل ~~شيء . ورسم هذه الكتابة كل ما يحدث ن العمران والخراب ، وما يؤول أمرها ~~إليه إلا آخر وقت دثور العالم . وكان بناؤها طبقات ، وتحتها قناطر مقنطرة ~~تدورها ، ويسير تحتها الفارس ، وبيده رمح لا يطيق به حتى يدور جميع أبراجها ~~وقناطرها ، وعمل لتلك العقود والأبرج مخاريق للضياء ، ومنافذ للهواء . ~~PageV19P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" قال : وكانت الإسكندرية تضيء بالليل من غير ~~مصباح لشدة بياض الرخام والمرمرن وأسواقها وأزقتها وشوارعها مقنطرة بها ~~لئلا يصيب أهلها المطر . قال : وكان عليها سبعة اسوار من أحجار مختلفة ~~الألوان ، بينها خنادق ، بين كل خندق وسور فصل . قال : وبما علق فيها شقاق ~~الحرير الأخضر لاختطاف بياض السور أبصار الناس لشدة بياضه ، فلما سكنه ~~أهلها كانت آفات البحر تخطف أهل المدينة بالليل ، فيصبحون وقد فقد منهم ~~العدد الكثير ، فأهم ذلك الإسكندر ، فاتخذ الطلمسات على أعمدة هنالك ، تدعى ~~المسال ، وهي باقية إلى هذا العصر ، فامتنع الدواب من التعرض إلى أهلها بعد ~~ذلك ms4191 ، فأمنوا . وأما المنارة فقد ذكرناها في الباب الثالث من القسم الخامس ~~من الفن الأول من السفر الاول ، فلاحاجة إلى إعادة ذكرها ثانيا . نعود إلى ~~أخبار فتوح مصر إن شاء الله . ذكر تحول عمرو بن العاص من الإسكندرية إلى ~~الفسطاط واختطافه قال ابن لهيعة : إن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية ~~ورأى بيوتها وبناءها ، قم أن يسكنها ، وقال : مساكن قد لقيناها . قكتب إلى ~~عمر يستأذنه في ذلك ، فسأل عمر الرسول : هل يحول بيني وبين المسلمين ماء ؟ ~~قال : نعم يا أمير المؤمنين ؛ إذا جرى النيل . فكتب عمر إلى عمرو : إني ~~لاأحب أن ينزل المسلمون منزلا يحول بيني وبينهم الماء في شتاء ولا صيف . ~~فتحول عمرو من الإسكندرية إلى الفسطاط ؛ وإنما سميت الفسطاط لأن عمرو بن ~~العاص لما توجه إلى الإسكندرية ، أمر بنزع فسطاطه ، فإذا فيه يمام قد فرخ . ~~فقال عمرو : لقد تحرم منا بمتحرم ، فأمر به فأقر في PageV19P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" موضعه ، وأوصى به صاحب القصر . فلما قفل ~~المسلمون من الإسكندرية قالوا : أين ننزل ؟ قالوا : الفسطاط - يريدون فسطاط ~~عمرو ، وكان مضروبا في موضع دار عمرو بن العاص الت عمرت بعد - واختلط عمر ~~والمسجد الجامع العمري ، وكان ما حوله حدائق وأعناب ، فنصبوا الحبال حتى ~~استقامت لهم ، ووضعوا أيديهم ، فلم يزل عمرو قائما حتى وضعوا القبلة ، ~~واتخذ عمرو في المسجد منبرا . فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أما ~~بعد ، فإنه بلغني أنك اتخذت منبرا ترقى به على رقاب المسلمين ، أما يحسبك ~~أن تقوم قائما ، والمسلمون تحت قدميك فعزمت علك لما كسرته . قال : واختلط ~~الناس بعد ذلك . فكتب عمرو إلى عمر : إنا قد أختططنا لك دارا عند المسجد ~~الجامع . فكتب إليه عمر : أني لرجل بالحجاز تكون له دار بمصر وأمره أن ~~يجعلها سوقا للمسلمين ، ففعل ، فكان يباع بها الرقيق . قال : ولما اختط ~~المسلمون تزكوا بينهم وبين البحر والحصن فضاء لتغريق دوابهم وإبادتها ، فلم ~~يزل كذلك حتى ولي معاوية ابن أبي سفيان ، فاشترى دور قوم منهم ، وأقطعهم من ~~ذلك الفضاء ، فسميت القطائع ، وبناها أولئك ms4192 دورا لهم بدل دورهم . قال : ~~واختطت همدان ومن والاها الجيزة ، فكتب عمرو إلىعمر يعرفه أمر الخطط . فكتب ~~إليه عمر يقول له : كيف رضيت أن تفرق اصحابك ولم يكن ينبغي لك أن ترضى لأحد ~~من أصحابك ، أن يكون بينك وبينه بحر لا تدري ما يفجؤهم . فلعلك لا تقدر على ~~غياثهم حتى ينزل بهم ما تكره ، فأجمعهم إليك ، فإن أبوا عليك وأعجبتهم ~~موضعهم ، فابن عليهم من في المسلمين حصنا . فعرض عمرو ذلك عليهم ، فأبوا ، ~~وأعجبهم موضعهم بالجزيرة ، فبنى لهم عمرو بن العاص الحصن الذي بالجيزة ، في ~~سنة إحدى وعشرين ، وفرغ من بنائه في سنة اثنتين وعشرين . والله سبحانه ~~وتعالى أعلم وحسبنا الله ونعم الوكيل . PageV19P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" ذكر خبر أصل النيل وكيف كانت عادة القبط ~~وإبطال عمرو تلك العادة قال ابن لما فتح عمرو بن العاص مصر أتاه أهلها حين ~~دخل بؤونة من أشهر القبط ، فقالوا : أيها الأمير ، إن لنيلنا هذا سنة لا ~~يجري إلا بها ، فقال لهم : وما ذاك ؟ قالوا : إذا كان لثنتي عشرة ليلة تخلو ~~من هذا الشهر ، عمدنا إلى جارية بكر من أبوابها فأرضيناها ، وجعلنا عليها ~~من الحلي والثياب افضل ما يكون ، ثم ألقيناها في هذ االنيل . فقال لهم عمرو ~~: إن هذا لم يكون في الإسلام ، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله . قأقاموا ~~بؤونة وأبيب ومسرى ، لا يجرى كثيرا ولا قليلا ؛ حتى هموا بالجلاء ، فلما ~~رأى عمرو ذلك كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلكن فكتب إليه : قد ~~أصبت ، إن الإسلام يهدم ما كان قبله ، وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها في داخل ~~النيل إذا أتاك كتابي . فلما قدم الكتاب على عمرو فتح البطاقة ؛ فإذا فيها ~~: من عبد الله عمر أمير المؤمنين ، إلى نيل أهل مصر : أما بعد ، فإن كنت ~~تجري ن قبلك فلا تجر ، وإن كان الله الواحد القهار الذي يجريك ، فنسأل الله ~~الواحد القهار أن يجريك . فألقى عمرو البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم ~~، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء ، فأصبحوا وقد أجرى الله عز وجل ms4193 النيل ستة عشر ~~ذراعا في ليلة ، وانقطعت تلك السنة السيئة عن أهل مصر . ذكر ما قرر في أمر ~~الجزية من الخراج قال : وكانت فريضة مصر لحفر خلجانها ، وإقامة جسورها ، ~~وعمارة قناطرها ، وقطع جزائرها مائة ألف وعشرين ألفا ، معهم الطور والمساحي ~~والأداة يعتقبون ذلك لا يدعونه شتاء ولا صيفا . ثم كتب عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه إلى عمرو أن يختم على رقام أهل الذمة بالرصاص ، ويظهر مناطقهم ، ~~ويجزوا نواصيهم ، ويركبوا على الأكف عرضا ، PageV19P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" وألا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه ~~المواسي ، ولا يضربوا على النساء ، ولا على الولدان ، ولا يدعوهم يتشبهون ~~بالمسلمين في لبوسهم . قال : ولما استوسق لعمر بن العاص الأمر ، وأقر قبط ~~مصر على جباية الروم ، وكان جبايتهم بالعدل : إذا عمرت القرية ، وكثر أهلها ~~زيد عليهم ، فإذا قل أهلها وخربت نقصوا . فكانوا يجمعون خراج كل قرية وما ~~فيها من الأرض العامرة . فيبدرون فيخرجون من الأرض فدادين لكنائسهم ~~وحماماتهم ، ثم يخرج منهم عدد لضيافة المسلمين . ونزول السلطان ، فإذا ~~فرغوا ، نظروا إلى ما في كل قرية من الصناع والأجراء فقسموا عليهم بقدر ~~احتمالهم ؛ فإن كانت فيها جالية قسموا عليها بقدر احتمالها ، وقلما كانت ~~تكون إلا للرجل المنتاب أو المتزوج ، ثم ينظر ما بقي من الخراج فيقسمونه ~~بينهم على عدد الأرض ، ثم يقسمون ذلك بين من يريد الزرع منهم على قدر ~~طاقتهم ، فإن عجز عنه على الاحتمال ، وإن كان منهم من يريد الزيادة ، أعطى ~~ما عجز عنه أهل الضعف فإن تشاحوا قسموا ذلك على عدتهم ، وكانت قسمتهم على ~~قراريط ، الدينار بأربعة وعشرين قيراطا ، يقسمون هذه الأرض على ذلك . قال : ~~وكذلك روى عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ) انكم ستفتحون أرضا ~~يذكر فيها القيراط ، فاستوصوا بأهلها خيرا ( . قال : وجعل عليهم لكل فدان ~~نصف إرد قمحا ، وويبتين من شعير إلا القرط فلم تكن عليه ضريبة ، والويبة ~~يومئذ ستة أمداد كأنه يريد بذلك البدار . قال : وروى عن الليث بن سعد رحمه ~~الله ، أن عمرو بن العاص جبى مصر أثني ms4194 عشر ألف ألف دينار . وقال غير الليث ~~: جباها المقوقس قبله بسنة عشرين ألف ألف دينار . قال الليث : وجباها عبد ~~الله بن سعد حين استعمله عليها عثمان أربعة عشر ألف ألف دينار . فقال عثمان ~~لعمرو : يا أبا عبد الله : درت بعدك اللقحة بأكثر من درها الأول . فقال ~~عمرو : أضررتم بولدها . PageV19P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" وكتب عمر إلى عمرو أن يسأل المقوقس عن مصر ، ~~من أي شيء تأتي عمارتها وخرابها ؟ فسأله عمرو ، فقال : تأتي عمارتها ~~وخرابها من وجوه خمسة ، أن يستخرج خراجها في أبان واحد ، عند فراغ أهلها من ~~زرعهم ، ويرفع خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومهم ، وتحفر ~~في كل سنة خلجها ، وتسد ترعها وجسورها . ولا يقبل محل أهلها ، يريد البغي ، ~~فإن فعل هذا فيها عمرت ، وإن فعل بخلاف هذا خربت ، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم بالصواب . ذكر خبر المقطم روى عن الليث بن سعد ، قال : سأل المقوقس ~~عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين الف دينار ، فعجب عمرو من ذلك . ~~وقال أكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين ، فكتب بذلك إلى عمر ، فكتب إليه ، ~~أسأله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزرع ولا يستنبط بها ماء ولا ينتفع به ؛ ~~فسأله ، فقال : إنا لنجد صفتها في الكتب ، أن فيها غراس الجنة . فكتب بذلك ~~إلى عمر فكتب عمر إلى عمرو : إنا لا نعلم غراس الجنة إلا للمؤمنين ، فأقبر ~~فيها من مات قبلك من المسلمين ، ولا تبعه بشيء ، فكان أول رجل دفن فيها رجل ~~من المعافر يقال له : عامر . قالوا : والمقطم ما بين القصير إلى مقطع ~~الحجارة ، وما بعد ذلك فمن اليحموم . وقد اختلف في القصيرن فقال ابن لهيعة ~~: ليس بقصير موسى النبي عليه السلام ؛ ولكنه موسى الساحر . وقال كعب ~~الأحبار : هو قصير عزيز مصر ، كان إذا جرى النيل يترفع فيه . ويقال : بل ~~كان موقدا يوقد فيه لفرعون إذا هو ركب من منف إلى عين شمس ، وكان على ~~المقطم موقد آخر ؛ فإذا رأوا النار علموا بركوبه ، فأعدوا له مايريد ، ~~وكذلك إذا ms4195 انصرف والله تعالى أعلم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . ~~PageV19P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" ذكر خبر خليج أمير المؤمنين وهذا الخليج كانت ~~السفن تسير فيه من مصر إلى بحر القلزم ، تحمل الطعام والأصناف إلى مكة ~~والمدينة . وكان من خبره على ماروى عن الليث بن سعد أن الناس بالمدينة ~~أصابهم جهد شديد في خلافة عمر بن الخطاب في عام الرمادة ، فكتب إلى عمرو : ~~من عبد الله أمير المؤمنين ، إلى العاصي ابن العاص . سلام عليك ، أما بعد ؛ ~~فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك أن أهلك أنا ومن معي ، فيا ~~غوثاه ، ثم ياغوثاه يردد قوله . فكتب إليه عمرو : لعبد الله عمر أمير ~~المؤمنين ، من عمرو بن العاص أما بعد . فيا لبيك ثم يا لبيك ، وقد بعثت ~~إليك بعير أولها عنك وآخرها عندي ، والسلام عليك ورحمة الله . وبعث إليه ~~بعير عظيمة ، فكان أولها بالمدينة ، وأخرها بمصر يتبع بعضها بعضا ، فلما ~~قدمت على عمر وسع بها على الناس ، ودفع إلى أهل كل بيت بالمدينة وماحولها ~~بعيرا بما عليه من الطعام . وبعث عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد ~~بن أبي وقاص أن يقسموها على الناس ، ويدفعوا إلى اهل كل بيت بعيرا بما عليه ~~، وأن يأكلوا الطعام ، وينحروا البعير فيأكلوا لحمة ، ويأتدموا شحمه ، ~~ويحتذوا جلده ، وينتفعوا بالوعاء الذي كان فيه الطعام لما أرادوا . فوسع ~~الله بذلك على الناس ، فلما رأى ذلك عمر حمد الله ، وكتب إلى عمرو أن يقدم ~~عليه ، هو وجماعة أهل مصر ، فقدموا عليه . فقال عمر : يا عمرو ، إن الله ~~تعالى قد فتح على المسلمين مصر ، وهي كثيرة الخير والطعام ، وقد ألقى ف ~~روعي لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين والتوسعة عليهم ، أن أحفر خليجا من ~~نيل مصر حتى يسيل في البحر ، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ~~ومكة ، فإن حمله على الظهر يتعذر ، ولا نبلغ منه ما PageV19P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" نريد ، فانطلق أنت وأصحابك ، فتشاوروا في ذلك ~~حتى يعتدل فيه رأيكم ، فانطلق عمرو فأخبر من كان معه من ms4196 اهل مصر ، فثقل ذلك ~~عليهم ، وقالوا : نتخوف أن يدخل في هذا ضرر على مصر ، فنرى أن تعظم ذلك على ~~أمير المؤمنين وتقول له : إن هذا الأمر لا يعتدل ولا يكون ، و لا نجد إليه ~~سبيلا . فرجع عمرو بذلك إلى عمر ، فلما ره ضحك وقال : والذي نفسي بيده ~~لكأني أنظر أليك يا عمرو ، وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرت به ، فثقل ذلك ~~عليهم ، وقالوا لك كذا وكذا . للذي كان منهم فقال : صدقت والله يا أمير ~~المؤمنين ، لقد كان الامر على ماذكرت . فقال عمرو : يا عمرو ، انطلق بعزيمة ~~منى حتى تجد في ذلك ، ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء الله تعالى ~~. فانصرف عمرو ، ثم احتفر الخليج الذي كان في حاشية الفسطاط الذي يقال له : ~~خليج أمير المؤمنين ، فساقه من النيل إلى القلزم ، فلم يأت الحول حتى جرت ~~فيه السفن ، فحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة ، فنفع الله بذلك ~~أهل الحرمين ، سمى خليج أمير المؤمنين ، ثم لم يزل يحمل فيه الطعام إلى زمن ~~عمر بن عبد العزيز ، ثم ضيعه الولاة بعد ذلك فترك وغلب فيه الرمل ، فانقطع ~~، فصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية طحا القلزم . قال : ويقال : إن ~~عمرو بن العاص قال لعمر بن الخطاب . لما قدم عليه : ياأمير المؤمنين ، قد ~~عرفت أنه كانت تأتينا سفن فيها تجار من أهل مصر قبل الإسلام ، فلما فتحنا ~~مصر انقطع ذلك الخليج ، واستد ، وتركته التجار ؛ فإن شئت أن تحفره فننشئ به ~~سفنا يحمل فيها الطعام إلى الحجاز فعلته . فقال له عمر : نعم ، فافعل . ~~فلماذكر عمر ذلك لأصحابه كرهوه على ما تقدم ، فعزم عمر على عمرو أن يحفره ~~فحفره . ويقال : إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كتب إلى عمر بما كتب ~~واستغاثه ، كتب عمرو إليه : أما بعد ، فيالبيك ثم يا لبيك ، أتتك عير أولها ~~عند وآخرها عندي ، مع أني أرجو أن أجد السبيل إلى أن أحمل إليك في البحر . ~~ثم إن عمر ندم على كتابه في الحمل إلى ms4197 المدينة ، وقال : إن أمكنت عمر من ~~هذا خرب مصر ونقلها إلى المدينة ، فكتب إليه : إني نظرت في أمر البحر ، ~~فإذا هو عسر لا يلتأم ولا يستطاع . فكتب إليه PageV19P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" عمر : إلى العاصي بن العاص : قد بلغني كتابك ~~، تعتل في الذي كنت كتبت إلى به من أمر البحر ، وأيم الله لتفعلن أو ~~لأقلعنك بأذنك ولأبعثن من يفعل ذلك . فعرف عمرو أنه الجد من عمر ، ففعل ، ~~فبعث إليه عمر ألا تدع بمصر شيئا من طعامها وبصلها وعدسها وخلها إلا بعثت ~~إلينا منه . ويقال : إنما دل عمرو بن العاص على الخليج رجل من قبط مصر ، ~~أتاه فقال له : أرأيت إن دللتك على مكان تجري فيه السفن حتى تنتهي إلى ~~المدينة ومكة ، أتضع عني الجزية . وعن أهل بيتي ؟ قال نعم ، وكتب إلى عمر ، ~~فقال : افعل . والله سبحانه وتعالى أعلم . ذكر الخبر عن فتح الفيوم روى عن ~~سعيد بن غفير وغيره ، قالوا : لما تم الفتح للمسلمين ، بعث عمرو بن العاص ~~جرائد الخيل إلى القرى التي حولها ، فأقامت بالفيوم سنة لم يعلم المسلمون ~~بمكانها ؛ حتى أتاهم رجل فذكرها لهم ، فبعث عمرو معه ربيعة بن حبيش بي ~~عرفطة الصدفي ، فلما سلكوا في المجابة لم يروا شيئا ، فهموا بالانصراف فقال ~~: لا تعجلوا ، سيروا ، فلم يسيروا إلا قليلا حتى طلع لهم سواد الفيوم ، ~~فهجموا عليها ، فلم يكن عند أهلها قتال ، وألقوا بأيديهم . قال : ويقال : ~~بل خرج مالك بن ناعمة الصدفي وهو صاحب الفرس الأشقرعلى فرسه ينفض المجابة ، ~~ولا علم له بما خلفها من الفيوم ، فلما رأى سوادها رجع إلى عمرو ، فأخبره ~~بذلك . ويقال : بل بعث عمرو بن العاص قيس بن الحارث إلى الصعيد ، فسار حتى ~~أتى القيس فنزل بها ، وبه سميت ، وفذكر ذلك لعمرو . فقال ربيعة بن حبيش : ~~كفيت ، فركب فرسه ، فأجاز عليه البحر ، وكانت انثى ، فأتاه بالخبر ، ويقال ~~: إنه أجاز من ناحية الشرقية حتى انتهى إلى الفيوم . والله تعالى أعلم ، ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل . PageV19P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" ذكر فتح زويلة وطرابلس الغرب . وبرقة وحصن ~~سبرت . كان ms4198 فتح زويلة في سنة إحدى وعشرين ؛ وذلك أن عمرو بن العاص بعث عقبة ~~بن نافع العقري إليهان فافتتحا صلحا ، وما بين برقة وزويلة سلما للمسلمين . ~~وقيل : فتحها في سنة عشرين ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، والحمدلله وحده . ~~ثم سار عمرو بن العاص من مصر في سنة اثنتين وعشرين إلى برقة ، فصالح أهلها ~~على الجزية ، وأن يبيعوا من أبنائهم من أرادوا بيعه ، فلما فرغ من برقة سار ~~إلى طرابلس الغرب ، فحاصرها شهرا ، فلم يظفر بها ، وكان قد نزل شرقيها ، ~~فخرج رجل من بني مدلج يتصيد في سبعة نفر فسلكوا غرب المدينة ، فلما رجعوا ~~اشتد عليهم الحر ، فأخذوا على جانب البحر ولم يكن السور متصلا بالبحر ، ~~وكانت سفن الروم في مرساها تقابل بيوتهم ، فرأى المدلجي وأصحابه مسلكا في ~~البحر إلى البلد ، فدخلوا منه ، وكبروا ، فلجأ الروم إلى سفنهم ؛ لأنهم ~~ظنوا أن المسلمين قي دخلوا المدينة ، فنظر عمرو ومن معه ، فرأى السيوف في ~~المدينة ، وسمعوا الصياح ، فأقبل الجيش حتى دخل المدينة ، فلم يفلت من ~~الروم إلا بما خف حمله في مراكبهم . وكان أهل حصن سبرت قد اطمأنوا ، فجهز ~~إليهم جيشا كثيفا ، فصبحوها وقد فتح أهلها الباب ، وسرحوا مواشيهم فدخلها ~~المسلمون مغالبة وغنموا ما في الحصن ، وعادو إلى عمر . ثم سار عمرو إلى ~~برقة وبها لواتة ، وهم من البربر ، فصالحه أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار ~~يؤدونها جزية ، وشرطوا أن يبيعوا من أرادوا بيعه من اولادهم في جزيتهم . ~~قال المؤرخ : وكان سبب مسير البربر إليها وإلى غيرها من بلاد الغرب ؛ أنهم ~~كانوا بنواحي فلسطين ، فلما قتل ملكهم جالوت ، ساروا نحوا الغرب ، وتفرقوا ~~، فسارت زناتة ومغيلة ، وهما قبيلتان من البربر ، فسكنوا الجبال ، وسكنت ~~لواتة برقة ، PageV19P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" وتعرف قديما بأنطابلس - وقيل فيها : أنطابلس ~~- وانتشروا فيها حتى بلغوا السوس ، و نزلوا ونزلت هوارة مدينة لبدة ، ونزلت ~~نفوسة مدينة سبرت ، وجلا من كان بها من الروم على صلح يؤدونه لمن غلب على ~~بلادهم . انتهت الفتوحات في خلافة عمر رضي الله عنه . والله سبحانه وتعالى ~~أعلم ، وحسبنا الله ms4199 ونعم الوكيل . ذكر الغزوات إلى أرض الروم كان أول من ~~غزا أرض الروم من المسلمين أبو بحرية عبد الله ابن قيس في سنة عشرين ، وقيل ~~: أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسي ، فسلم وغنم ، ثم غزاها معاوية بن ~~أبي سفيان في سنة اثنتين وعشرين ، ودخلها في عشرة آلاف فارس من المسلمين . ~~وفي سنة ثلاث وعشرين غزا معاوية الصائفة ، ومعه عبادة بن الصامت وأبو أيوب ~~الأنصاري وأبو ذر وشداد بن اوس . وفيها فتح معاوية رضي الله عنه عسقلان على ~~صلح . ذكر ما اتفق في خلافة عمر بن الخطاب غير الفتوحات والغزوات سنة ثلاث ~~عشر : في هذه السنة ، توفي الأرقم بن أبي الأرقم يوم مات أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنهما ، وهو الذي كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مستخفيا ~~بداره بمكة أول ما أرسل ( صلى الله عليه وسلم ) . سنة أربع عشرة : في هذه ~~السنة أمر عمر رضي الله عنه بالقيام في شهر رمضان في المساجد ، وجمعهم على ~~أبي كعب ، وكتب إلى الأمصار بذلك . PageV19P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" وفيها ضرب عمر رضي الله عنه ابنه عبد الله ~~وأصحابه في شراب شربوه ، وضرب أيضا أبا محجن الثقفي في الشراب . وفيها حج ~~عمر رضي الله عنه بالناس . وكان العمال على مكة : عتاب بن أسيد وفي قول ، ~~وعلى اليمن يعلى ابن منية ، وعلى الكوفة سعد بن أبي وقاص ، وعلى الشام أبو ~~عبيدة بن الجراح ، وعلى البحر عثمان بن أبي العاص ، وقيل : العلاء بن ~~الحضرمي ، وعلى عمارة حذيفة بن محصن . وفيها مات أبو قحافة . والد أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنهما ، ومات سعد بن عبادة الأنصاري ، وكان أسن من أسلم ~~ممن بني هاشم رضي الله عنه . ذكر فرض العطاء وعمل الديوان سنة خمس عشرة : ~~وفي هذه السنة فرض عمر رضي الله عنه للمسلمين الفروض ، ودون الدواوين ، ~~وأعطى العطايا على السابقة في الإسلام لا على البيوت . قال : ولما فرض ~~العطايا أعطى صفوان بن امية والحارث بن عشام وسهيل بن عمرو في أهل الفتح ~~أقل مما أعطى من ms4200 قبلهم ، فامتنعوا من أخذه ، وقالوا : لا نعترف أن يكون أحد ~~أكرم منا ، فقال : إنى إنما أعطيتهم على السابقة في الإسلام لا في الأحساب ~~، فقالوا : نعم إذن ، وأخذوا . وخرج الحارث وسهيل بأهليهما نحو الشام ، فلم ~~يزالا مجاهدين حتى أصيبا في بعض تلك الدروب . وقيل : ماتا في طاعون عمواس . ~~وقيل : لما أراد عمر وضع الديوان ، قال له علي بن أبي طالب ، كرم الله وجهه ~~وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهم : أبدأ بنفسك . فقال : لا ، بل ~~أبدأ بعم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم الأقرب فالأقرب ، ففرض ~~للعباس ، وبدأ به ، وجعل له خمسة وعشرين ألفا ، وقيل : فرض له اثني عشر ~~ألفا ثم فرض لأهل بدر لكل منهم خمسة آلاف ، وألحق بهم أربعة لم يكونوا منهم ~~وهم : الحسن والحسين . أبو ذر وسلمان رضي الله تعالى عنهم . PageV19P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" وفرض لمن بعد بدر إلى الحديبية لكل منهم ~~أربعة آلاف ، وفرض لمن بعد الحديبية إلى قتال الردة ، لكل منهم ثلاثة آلاف ~~، كان منهم من شهد الفتح . وفرض لأهل الأيام قبل القادسية ، وأهل الشام ، ~~في ألفين ألفين . وفرض لأهل البلاء منهم في ألفين وخمسمائة ، فقيل له : لو ~~ألحقت أهل القادسية بأهل الأيام قال : لم أكن لألحقهم بدرجة من لم يدركوا . ~~وقيل له : قد سويت من بعدت داره بمن قربت داره ، وقاتلهم عن فنائه ، فقال : ~~من قربت داره أحق بالزيادة ، لأنهم كانوا ردءا للحتوف ، وشحى للعدو ، فهلا ~~قال المهاجرون مثل قولكم حين سوينا بين السابقين منهم والأنصار فقد كانت ~~نصرة الأنصار بفنائهم وهاجر إليهم المهاجرون من بعد . والله أعلم . وفرض ~~لمن بعد القادسية واليرموك ألفا ألفا . وفرض للروادف التي في خمسمائة ~~خمسمائة ، وللروادف الثلث في ثلثمائة ، سوى كل طبقة في العطاء ، قويهم ~~وضعيفهم ، عربيهم وعجميهم . وفرض للروادف الربع فيها مائتين وخمسين . وفرض ~~لمن بعدهم وهم أهل هجر والعباد على مائتين . وأعطى نساء رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) رضي الله عنهن عشرة آلاف عشرة آلاف إلا من جري عليها ~~الملك . فقال نسوة رسول الله ms4201 ( صلى الله عليه وسلم ) : ما كان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) يفضلنا عليهن في القسمة ، فسو بيننا ؛ ففعل ، وفضل ~~عائشة رضي الله عنها بألفين لمحبة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إياها ~~، فلم تأخذها . وجعل لنساء أهل بدر خمسمائة خمسمائة ، ونساء من بعدهم إلى ~~الحديبية أربعمائة أربعمائة ، ونساء من بعدهم إلى الأيام ثلثمائة ثلثمائة ، ~~ونساء أهل القادسية مائتين مائتين ، ثم سوى بين النساء بعد ذلك . وجعل ~~الصبيان سواء على مائة مائة ، ثم جمع ستين مسكينا وأطعمهم الخبز ، فأحصوا ~~ما أكلوا ، فوجدوه يخرج من جريبين ، ففرض لكل إنسان منهم ولعياله جريبين في ~~الشهر . وقال عمر رضي الله عنه قبل موته : لقد هممت أن أجعل العطاء أربعة ~~آلاف أربعة آلاف ، ألف يجعلها الرجل في أهله ، وألف يتزودها معه ، وألف ~~يتجهز بها ، وألف يرتفق بها ، فمات قبل أن يفعل . PageV19P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" وقال له رجل عند فرض العطاء : يا أمير ~~المؤمنين ، لو كنت تركت في بيوت الأموال عدة لكون إن كان فقال : كلمة ~~ألقاها الشيطان على فيك ، فإنى الله شرها ، وهي فتنة لمن بعدي ، بل أعد لهم ~~ماأعد الله ورسوله ، طاعة الله ورسوله ، هما عدتنا التي بهما أفضينا إلى ~~ماترون ؛ فإذا كان المال ثمن دين أحدكم هلكتم . وقال عمر رضي الله عنه ~~للمسلمين : إنى كنت أمرأ تاجرا يغني الله عيالي بتجارتي ، وقد شغلتموني ~~بأمركم هذا ما ترون أنه يحل لي في هذا المال ؟ فأكثر القوم ، وعلي رضي الله ~~عنه ساكت ، فقال : ماتقول يا علي ؟ فقال : ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف ، ~~ليس لك غيره . فقال القوم : القول ما قال علي . فأخذ قوته ، واشتدت حاجة ~~عمر رضي الله عنه . فاجتمع نفر من الصحابة منهم عثمان ، وعلي ، وطلحة ، ~~والزبير ، فقالوا : لو قلنا لعمر في زيادة يزيدها إياه في رزقه ؟ فقال ~~عثمان رضي الله عنه : هلموا فلنستبري ما عنده من وراء وراء . فأتوا حفصة ~~ابنته فأعلموها الحال ، واستكتموها ألا تخبر بهم عمر . فلقيت عمر في ذلك ، ~~فغضب وقال : من هؤلاء لاسؤنهم ؟ قالت : لا سبيل إلى علمهم ms4202 . قال : أنت بيني ~~وبينهم ، ما أفضل ما أقتني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في بيتك من ~~الملبس ؟ قالت : ثوبين ممشقين كان يلبسهما للوفد والجمع ، قال : فاي الطعام ~~ناله عندك أرفع ؟ قالت : خبزنا خبز شعير ، فصببنا عليه وهو حار أسفل عكة ~~لنا ، فجعلتها دسمة حلوة ، فأكل منها ، فقال : أي ط كان يبسط عندك كان أوطأ ~~؟ قالت : كساء ثخين كنا نرقعه برقعة في الصيف فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه ، ~~وتدثرنا بنصفه . قال : يا حفصة فأبلغيهم أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) قد فوضع الفضول مواضعها ، وتبلغ بالترجية ، فوالله لأضعن الفضول مواضعها ~~، ولأتبلغن بالترجية ؛ وإنما مثلي ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقا ، فمضى ~~الأول وقد تزود فبلغ المنزل ، وتبعه الآخر فسلك طريق فأفضى إليه ، ثم أتبعه ~~الثالث ؛ فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما ، وإن سلك غير طريقهما لم ~~يجامعهما . PageV19P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" سنة ست عشرة : وفي هذه السنة حج عمر رضي الله ~~عنه بالناس ، وفيها غرب عمر رضي الله عنه أبا محجن الثقفي إلى ناصع . وفيها ~~حمى الربذة بخيل المسلمين . وفيها ماتت مارية أم إبراهيم بن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وصلى عليها عمر ، ودفنها بالبقيع ؛ وذلك في المحرم ~~. وفيها كتب عمر التاريخ بمشورة علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وفيها حج ~~عمر بالناس ، واستخلفعلى المدينة زيد بن ثابت . والله تعالى أعلم بالصواب ، ~~وإليه المرجع والمآب ، وهو حسبي ونعم الوكيل . ذكر بناء الكوفة والبصرة سنة ~~سبع عشرة في هذه السنة اختطت الكوفة والبصرة ، وتحول سعد بن أبي وقاص من ~~المدائن إلى الكوفة ، وكان سبب ذلك أن سعدا أرسل عمر بما فتح الله عليه ، ~~فلما رأى الوفد سألهم عن تغير الوانهم وحالهم ؛ فقالوا : وخومة البلاد ~~غيرتنا فأمرهم أن يرتادوا منزلا ينزله الناس . وقيل : بل كتب حذيفة إلى عمر ~~: إن العرب قد نزفت بطونه ، وخفت أعضاؤها ، وتغيرت ألوانها . وكان مع سعد ، ~~فكتب عمر إلى سعد : أخبرني ما الذي غير ألوان العرب ولحومهم ؟ فكتب إليه : ~~إن الذي غيرهم وخومة البلاد ، وأن العرب ms4203 لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من ~~البلدان . فكتب إليه أن أبعث سلمان وحذيفة فيرتادوا منزلا بريا بحريا ، ليس ~~بيني وبينكم بحر ولا جسر ، فارسلهما سعد . PageV19P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" فخرج سلمان حتى أتى الأنبار ، فسار في غربي ~~الفرات لا يرضى شيئا حتى أتى الكوفة - وخرج حذيفة في شرقي الفرات لا يرضى ~~شيئا حتى أتى الكوفة - وكل رملة وحصباء مختلطين فهو كوفة - فاتيا عليها ~~وفيها ديرات ثلاثة : دير حرقة ، ودير أم عمرو ، ودير سلسلة وخصائص خلال ذلك ~~، فأعجبتهما البقعة ، فنزلا وصليا ، ودعوا الله تعالى أن يجعلها منزلا ~~مباركا . فلما رجعا إلى سعد بالخبز ، وقدم كتاب عمر أيضا عليه ، كتب سعد ~~إلى القعقاع بن عمرو وعبد الله بن المعتمر ، أن يستخلفا على جندهما ويحضرا ~~عنده ، ففعلا . فارتحل سعد من المدائن حتى نزل الكوفة في المحرم سنة سبع ~~عشرة ، فلما نزلها سعد كتب إلى عمر : إنى قد نزلت بكوفة ، منزلا بين الحيرة ~~والفرات ، بريا بحريا ، ينبت الحلفاء والنصى ، وخيرت المسلمين بينها وبين ~~المدائن ، فمن أعجبه المقام بالمدائن تركته فيها كالمسلحة . ولما استقروا ~~بها عرفوا أنفسهم ، ورجع إليهم ما كانوا فقدوا من قوتهم . واستأذن أهل ~~الكوفة في بنيان القصب ، واستأذن فيه أهل البصرة ، فاستقر منزلهم فيها في ~~الشهر الذي نزل أهل الكوفة بعد ثلاث نزلات فيها قبلها . فكتب إليهم عمر : ~~إن العسكرة أشد لحربكم ، وأذكر لكم ، وما أحب أن أخالفكم ، فابتني أهل ~~المصرين بالقصب . ثم إن الحريق وقع بالكوفة والبصرة ، وكانت الكوفة أشد ~~حريقا ، وكان الحريق في شوال . فبعث سعد نفرا منهم إلى عمر يستأذنه في ~~البنيان باللبن ، فقدموا عليه بخبر الحريق ، واستأذنوه ، فقال : أفعلوا ، ~~ولا يزيد بناء أحدكم عن ثلاثة أبيات ، ولا تطاولوا بالبنيان ، وألزموا ~~السنة تلزمكم الدولة . فرجع القوم إلى الكوفة بذلك ، وكتب عمر إلى أهل ~~البصرة بمثل ذلك ، وكان على تنزيل الكوفة أبو هياج بن مالك ، وعلى تنزيل ~~البصرة عاصم بن الدلف أبو الجرباء ، وقدر المناهج أربعين ذراعا ، ومابين ~~ذلك عشرين ذراعا ، والأزقة سبعة أذرع ، والقطائع سبعين ذراعا . وأول شيء خط ms4204 ~~فيهما مسجداهما ، وقام في وسطهما رجل شديد النزع ، فرمى في كل ناحية بسهم ، ~~وأمر أن يبني ماوراء ذلك . وبني PageV19P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" ظلة في مقدمة مسجد الكوفة على أساطين رخام من ~~بناء الأكاسرة في الحيرة ، وجعلو على الصحن خندقا لئلا يقتحمه أحد ببنيان ، ~~وبنوا لسعد دارا بحياله ، وهي قصر الكوفة ، بناه روزبه من آجر بنيان ~~الأكاسرة بالحيرة ، وجعل الأسواق على سنة المساجد ، من سبق إلى مقعد فهو له ~~، حتى يقوم منه إلى بيته ، ويفرغ من بيعه . قال : وبلغ عمر أن سعدا قال : ~~وقد سمع أصوات الناس من السوق : سكتوا عنى التصويت ، وإن الناس يسمونه قصر ~~السعد . فبعث محمد بن مسلمة إلى الكوفة ، وأمره أن يحرق باب القصر ، ثم ~~يرجع ، ففعل وبلغ سعدا ذلك ، فقال : هذا رسول أرسل لهذا فاستدعاه ، فابى أن ~~يدخل إليه ، فخرج إليه سعد ، وعرض عليه نفقة ، فأبى أن يأخذها ، وأبلغه ~~كتاب عمر إليه وفيه : بلغني أنك اتخذت قصرا جعلته حصنا ، ويسمى قصر سعد ، ~~وبينك وبين الناس باب ، فليس بقصرك ؛ ولكنه قصر الخيال ، أنزل منه مما يلي ~~بيوت الأموال ، وأغلقه ، ولا تجعل على القصر بابا يمنع الناس من دخوله . ~~فحلف له سعد ما قال الذي قالوا ، ورجع محمد ، وأبلغ عمر قوله ، فصدقه . ~~وكانت ثغور الكوفة أربعة : حلوان وعليها القعقاع بن عمرو ، وما سبذان ~~وعليها ضرار بن الخطاب ، قرقيسياء وعليها عمرو بن مالك ، أو عمرو بن عقبة ~~بن نوفل ، والموصل وعليها عبد الله بن المعتمر . وكان بها خلفاؤهم إذا ~~غابوا عنها . وولى سعد الكوفة بعدما اختطت ثلاث سنين ونصفا ، سوى ماكان ~~بالمدائن قبلها ، والله تعالى أعلم . ذكر عزل خالد بن الوليد وفي هذه السنة ~~عزل خالد بن الوليد عما كان عليه من التقدم على الجيوش ، وسبب ذلك أنه أدرب ~~هو وعياض بن غنم ، فأصابا أموالا عظيمة ، وكانا توجهها من الجابية بعد رجوع ~~عمر إلى المدينة . وقيل : إن مسير خالد مع عياض كان لفتح الجزيرة ، فبلغ ~~الناس ما أصاب خالد فانتجعه رجال وكان فيهم الأشعث بن قيس ، فأجازه بعشرة ~~آلاف ms4205 ، ودخل خالد الحمام ؛ قيل : حمام آمد ، فتدلك بغسل فيه خمر ، فكتب ~~إليه عمر : PageV19P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" بلغني أنك تدلكت بخمر ، والله قد حرم ظاهر ~~الخمر وباطنه منه ، فلا تمسها أجسادكم . فكتب إليه : إنا قتلناها فعادت ~~غسولا غير خمر . فكتب إليه عمر : إن آل المغيرة ابتلوا بالجفاء ، فلا ~~أماتكم الله عليه . فلما فرق خالد في الذين انتجعوه الأموال ، سمع بها عمر ~~، فكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح مع البريد أن يقيم خالدأ ويعقله بعمامته ، ~~وينزع عنه قلنسوته حتى يعلمكم من أين أجاز الأشعث ، أمن ماله أم من إصابة ~~أصابها ؟ فإن زعم أنها من ماله فقد أسرف ، وإن زعم أنها من إصابة ، فقد أقر ~~بخيانة . وأعزله على كل حال ، وأضمم إليك عمله . وكان خالد على قنسرين من ~~قبل أبي عبيدة ، فكتب أبو عبيدة إلى خالد ، فقدم عليه ، ثم جمع الناس وجلس ~~على المنبر ، وقام البريد قبالة خالد ، فسأل خالد من أين أجاز الأشعث ؟ فلم ~~يجبه ، وأبو عبيدة ساكت لا يتكلم . فقال بلال : إن أمير المؤمنين أمر فيك ~~بكذا وكذا ، ونزع عمامته فلم يمنعه ، ووضع قلنسوته ، وأقامه وعقله بعمامته ~~، وقال له : أمن مالك أجزت ؟ أم من إصابة أصبتها ؟ فقال : لا ، بل من مالي ~~، فأطلقه ، وأعاد قلنسوته ، ثم عممه بيده ، ثم قالك نسمع ونطيع لولاتنا ، ~~ونفخم ونخدم موالينا . قال : فأقام خالد متحيرا لا يدري : أمعزول هو أم غير ~~معزول ولم يشافهه أبو عبيدة بذلك تكرمه له . فلما تأخر قدومه على عمر ظن ~~الذي كان ، فكتب إلى خالد بالإقبال إليه ، فرجع خالد إلى قنسرين فخطب الناس ~~، وودعهم ، ثم رجع إلى حمص ففعل مثل ذلك ، ثم سار إلى المدينة . فلما قدم ~~على عمر شكاه وقال : شكوتك إلى المسلمين ، وبالله إنك في أمري لغير مجمل ، ~~فقال له عمر : من أين هذا الثراء ؟ فقال : من الأنفال والسهمان ، ما زاد ~~على ستين ألفا فلك . فقوم عمر ماله ، فرآه عشرين ألفا ، فجعلهاعمر في بيت ~~المال ، ثم قال : يا خالد ، والله إنك على لكريم ، وإنك إلي لحبيب . وكتب ~~إلى الأمصار : إنى ms4206 لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة ، ولكن الناس فخموه ~~وفتنوا به ، فخفت أن يوكلوا إليه ، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع ، ~~ولا يكونوا بعرض فتنة ، وعوضه عما أخذ منه . والله تعالى أعلم ، وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل . PageV19P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" ذكر بناء المسجد الحرام وفي هذه السنة ~~اعتمرعمر بن الخطاب رضي الله عنه وبنى المسجد الحرام ، ووسع فيه ، وأقام ~~بمكة عشرين ليلة ، وهدم على أقوام أبوا أن يبيعوا ، ووضع أثمان دورهم في ~~بيت المال حتى اخذوا ، وكانت عمرته في شهر رجب ، واستخلف على المدينة زيد ~~بن ثابت ، واستأذنه فإذن لهم وشرط عليهم ، أن ابن السبيل أحق بالظل والماء ~~. ذكر عزل المغيرة بن شعبة وفي هذه السنة عزل عمر رضي الله عنه المغيرة بن ~~شعبة عن البصرة ، واستعمل عليها أبا موسى الأشعري ، وكان سبب ذلك أنه كان ~~بينه أو بين أبي بكرة منافرة ، وكانا متجاورين بينهما طريق ، وكانا في ~~مشربتين ، في كل واحدة منهما كوة مقابلة للأخرى ، فاجتمع إلى أبي بكرة ~~نفريتحدثون في مشربته ، فهبت الريح ، ففتحت باب الكوة ، فقام أبو بكرة ~~ليرده ، فبصر بالمغيرة ، وقد فتحت الريح باب كوته ، وهو بين رجلي أمرأة ، ~~فقال للنفر : قوموا وانظروا ، فنظروا ، وهم : أبو بكرة ونافع بن كلدة ، ~~وزياد بن أبيه ، وهو أخو أبي بكرة لأمه ، وشبل بن معبد البجلي ، فقال لهم : ~~اشهدوا . قالوا : ومن هذه ؟ قال : أم جميل بنت الأفقم ، وكانت من بني عامر ~~بن صعصعة ، زكانت تغشى المغيرة والأمراء . وكان بعض النساء يفعلن ذلك ف ~~زمانها ، فلما قامت عرفوها . فلما خرج المغيرة إلى الصلاة منها أبو بكرة . ~~وروى أبو الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني في كتابه يسند رفعه إلى أنس بن مالك ~~وغيره : أن المغيرة بن شعبة كان يخرج من دار الإمارة وسط النهار ، وكان أبو ~~بكرة يلقاه فيقول : أين يذهب الأمير ؟ فيقول : آتي حاجة . فيقول له : حاجة ~~ماذا إ ، الأمير يزار ولا يزور . قال : وكانت المرأة التي يأتيها جاره لأبي ~~بكرة . قال : فبينا أبو بكرة في غرفة له مع أخويه نافع ms4207 ، وزياد ورجل آخر ~~يقال له : شبل بن معبد ، وكانت غرفة جارته تحت غرفة أبي بكرة ، فضربت الريح ~~باب المرأة ففتحته ، فنظر القوم ؛ فإذا هم بالمغيرة ينكحها ، فقال أبو بكرة ~~: هذه بلية ابتليتم بها ، فانظروا ، فنظروا ؛ فإذا أبو بكرة نزل ، فجلس حتى ~~خرج إليه المغيرة من بيت المرأة ، فقال له : إنه قد كان من أمرك ما قد علمت ~~، فاعتزلنا . PageV19P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" قال : وذهب ليصلي بالناس الظهر ، فمنعه أبو ~~بكرة ، فقال : والله ما تصلي بنا وقد فعلت ما فعلت . فقال الناس : دعوه ~~فليصل ، فإنه الأمير . ثم تقاربوا في الرواية فقاموا : وكتبوا إلى عمر ، ~~فبعث أبا موسى أميرا على البصرة ، وأمره بلزوم السنة ، فقال : أعني بعدة من ~~أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فإنهم في هذه الأمة كالملح . قال ~~: خذ من اخترت ، فأخذ تسعة وعشرين رجلا ، منهم أنس بن مالك ، وعمران بن ~~حصين ، وهشام ابن عامر ، وخرج بهم فقدم البصرة ، ودفع كتاب إمرته إلى ~~المغيرة وفيه : أما بعد : فإنه بلغني نبأ عظيم ، فبعثت أبا موسى أميرا ، ~~فسلم إلي ما في يدك ، والعجل . فرحل المغيرة ومعه أبو بكرة والشهود ، ~~فقدموا على عمر ، فقال له المغيرة : سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني ، أمستقبلهم ~~أم مستدبرهم ؟ وكيف رأوا المرأة فعرفوها ؟ فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر ~~وإن كانوا مستدبري فبأي شيء استحلوا النظر في منزلي على أمرأتي والله ما ~~أتيت إلا أمرأتي ، وكانت تشبهها . فشهد أبو بكرة أنه رآه على أم جميل ، ~~يدخله كالميل في المكحلة ، وأنه رآهما مستدبرين ، وشهد شبل ونافع مثل ذلك . ~~وأما زياد فإنه قالك رأيته جالسا بين رجلي أمرأة ، فرأيت قدمين مخضوبتين ~~تخفقان ، واستين مكشوفتين ، وسمعت حفزانا شديدا . قال : هل رأيت الميل في ~~المكحلة ؟ قال : لا ، قال : هل تعرف المرأة ؟ قال : لا ، ولكن أشبهها . قال ~~: ففتح ، وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد ، فقال المغيرة : أشفني من الأعبد . ~~قال : اسكت أسكت الله نأمتك ، أما والله لو تمت الشهادة لرجمتك بأحجارك . ~~وفي هذه السنة تزوج عمر أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ، وهي بنت ms4208 فاطمة بنت ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ودخل بها في ذي القعدة . وحج عمر رضي ~~الله عنه بالناس في هذه السنة . وفي هذه السنة أسلم كعب الأحبار . وفيها ، ~~في ذي الحجة حول عمر رضي الله عنه المقام إلى موضعه اليوم ، وكان ملصقا ~~بالبيت . PageV19P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" سنة ثمان عشرة : وفيها استقضى عمر شريح بن ~~الحارث الكندي على الكوفة ، وكعب بن سور على البصرة ، وكعب هذا ممن اسلم ~~على عهد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يره ، وكان لولايته القضاء سبب ~~نذكره . سبب ولاية كعب بن سور قضاء البصرة . حكى عن الشعبي ، أنه كان جالسا ~~عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فجاءت امرأة فقالت : ما رأيت رجلا قط ~~أفضل من زوجي ، إنه ليبيت ليلة قائما ، ونهاره صائما في اليوم الحار ما ~~يفطر ، فاستغفر لهاعمر ، وأثنى عليهما ، وقال : مثلك اثني بالخير وقاله ، ~~فاستحيت المرأة وقامت راجعة . فقال كعب بن سور : يا أمير المؤمنين ، قال ~~أعدت المرأة على زوجها إذ جاءتك تستعديك فقال : أكذلك أرادت ؟ قال : نعم ، ~~قال : ردوا على المرآة ، فردت . فقال لها : لا بأس بالحق أن تقوليه ، إن ~~هذا زعم أنك جئت تشتكين أنه يجتنب فراشك ، قالت أجل ، إني امرأة شابة ، ~~وإني أبتغي ما تبتغي النساء ، فأرسل زوجها فجاء ، فقال لكعب : أقض بينها ، ~~فقال : أمير المؤمنين أحق أن يقضي بينها ، فقال : عزمت عليك لتقضين بينها ؛ ~~فإنك فهمت من أمرهما مالم أفهم قال : فإني أرى أن لها يوما من أربعة أيام ؛ ~~وكان زوجها له أربع نسوة ، فإذا لم يكن له غيرها فإنى أقضى لها بثلاثة أيام ~~ولياليهن يتعبد فيهن ، ولها يوم وليلة . فقال عمر : والله جاء رأيك الأول ~~أعجب إلى من الآخر ، أذهب فأنت قاض على أهل البصرة . فلم يزل قاضيا على ~~البصرة إلى أن قتل يوم الجمل ؛ وذلك أنه لما اصطف الناس للقتال خرج وبيده ~~المصحف فنشره ، وجال بين الصفين يناشد الناس في دمائهم ، فأتاه سهم غرب ~~فقتله . وقد قيل : إن المصحف كان في عنقه ، وعليه برنس وبيده عصا ms4209 وهو آخذ ~~بخطام الجمل ، فأتاه فقتله . PageV19P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" وروى أبو عمر بن عبد البر رحمه الله بسنده ~~إلى محمد بن سيرين ، قال : جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ~~فقالت إن زوجي يصوم النهار ، ويقوم الليل ، فقال ما تريدين ؟ أتريدين أن ~~أنهاه عن صيام النهار ، وقيام الليل قال ثم رجعت إليه فقالت مثل ذلك ، ~~فأجابها بمثل جوابه ، ثم جاءت الثالثة فقالت له كما قالت ، فأجابها بمثل ~~جوابه . وكان عنده كعب بن سور ، فقال كعب : إنها امرأة تشتكي زوجها . فقال ~~عمر : أما إذا فطنت لها فاحكم بينهما ، فقام كعب : وجاءت يزوجها فقالت : ~~ياأيها القاضي الفقيه أرشده . . . ألهى حليلي عن فراشي مسجده زهده في مضجعي ~~وتعبده . . . نهاره وليله ما يرقده ولست من أمر النساء أحمده . . . فامض ~~القضا يا كعب لا تردده فقال الزوج : إنى امرو قد شفني ما قد نزل . . . في ~~سوره النور وفي السبع الطول وفي كتاب الله تخويف جلل . . . فردها عنى وعن ~~سوء الجدل فقال كعب : إن السعيد بالقضاء من فصل . . . ومن قضى بالحق حقا ~~وعدل إن لها عليك حقا يا بعل . . . من أربع واحدة لمن عقل امض لها ذاك ودع ~~عنك العلل ثم قال : أيها الرجل إن لك أن تتزوج من النساء مثنى وثلاث ورباع ~~، فلك ثلاثة أيام ، ولأمرأتك هذا اليوم ، ومن أربع ليال ليلة ، فلا تصل في ~~ليلتها إلا الفريضة . فبعثه عمر قاضيا على البصرة . والله تعالى أعلم . ذكر ~~القحط وعام الرمادة وفي هذه السنة أصاب الناس مجاعة شديدة وجدب وقحط ، وهو ~~عام الرمادة ، وكانت الريح تسفي ترابا كالرماد ، فسمى لذلك عام الرمادة ، ~~واشتد الجوع حتى كان PageV19P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" الوحش يأوى إلى الإنس ، وكان الرجل يذبح ~~الشاه فيعافها من فيحها ، وأقسم عمر لا يذوق سمنا ولا لبنأ ، ولا لحما ؛ ~~حتى يحيا الناس . وكتب إلى الأمراء المقيمين بالأمصار يستغيثهم لأهل ~~المدينة ومن حولها ، فكان أول من قدم عليه أبو عبيدة بن الجراح بأربعة آلاف ~~راحلة من طعام ، فولاه عمر قسمتها فيمن حول المدينة ، فقسمها وانصرف ms4210 إلى ~~عمله ، وتتابع الناس ، واستغنى أهل الحجاز . وأرسل عمرو بن العاص الطعام من ~~مصر في البر والبحر ، فصار الطعام في المدينة كسعر مصر . واستسقى عمر رضي ~~الله عنه بالعباس بن عبد المطلب عم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ ~~وذلك أن أهل البيت من مزينة ، قالوا لصاحبهم وهو بلال بن الحارثك قد هلكنا ~~، فاذبح شاة ، فقال : ليس فيهن شيء ، فلم يزالوا به حتى ذبح فسلخ عن عظم ~~أحمر ، فنادى يامحمداه فأرى ف المنام أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أتاه ، فقال أبشر بالحياة ، أنت عمر فأقرأه منى السلام ، وقل له : إني ~~عهدتك ، وأ ، ت في العهد شديد العقد ، فالكيس الكيس يا عمر . فجاء بلال حتى ~~أتى باب عمر ، فقال لغلامه : استأذن لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فأتى عمر فأخبره ففزع وقال : رأيت مسا ؟ قال : لا . قال : فأدخله ، فأدخله ~~فأخبره الخبر ، فخرج عمر فنادى في الناس ، وصعد المنبر ، قال : نشدتكم الله ~~الذي هداكم للإسلام ، هل رأيتم شيئاتكرهو ؟ قالوا : اللهم لا ، ولم ذاك ؟ ~~فأخبرهم ففطنوا ولم يفطن عمر ، فقالوا : إنما استبطأناك في الاستسقاء ، ~~فاستسق بناك فنادى في الناسن فخرج وخرج معه العباس ماشيا ، فخطب وأوجز ، ~~وصلى ، ثم جثا لوكبتيه وقال : اللهم عجزت عنا أنصارنا ، وعجز عنا حولنا ~~وقوتنا ، وعجزت عنا أنفسنا ، ولا حول ولا قوة إلا بك ، اللهم فاسقنا ، وأحي ~~العباد والبلاد . وأخذ بيد العباس ، وإن دموع العباس تتحادر على لحيته ، ~~فقال : اللهم إننا نتقرب إليك بعم نبيك ، وبقية آبائه ، وأكبر رجاله ، فإنك ~~تقول - وقولك الحق : " وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة " ~~فحفظتهما بصلاح أبيهما ، فاحفظ اللهم نبيك في عمه ، فقد دنونا إليك ~~مستشفعين ومستغفرين ، ثم أقبل على الناس ؛ فقال : استغفروا ربكم إنه كان ~~غفارا . PageV19P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" والعباس يقول وعيناه تذرفان ، ولحيته تجول ~~على صدره : اللهم أنت الراعي فلا تهمل الضالة ، ولا تدع الكبير بدار مضيعة ~~؛ فقد ضرع الصغير ، ورق الكبير ، وارتفعت الشكوى ، وأنت تعلم السر وأخفى . ~~اللهم فأغنهم بغناك قبل أن يقنطوا فيهلكوا ؛ فإنه لا يبشر إلا ms4211 القوم ~~الكافرون . فنشأت طريرة من سحاب ، فقال الناس : ترون ، ترون ثم مشت فيها ~~ريح ، ثم هدرت ودرت ، فوالله ما برحوا حتى اعتلقوا الحذاء ، وقلصوا المآزر ~~، فطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه ، ويقولون : هنيئا لك ساقي الحرمين ~~فقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب في ذلك : بعمي سقي الله الحجاز ~~وأهله . . . عشية يستسقي بشيبته عمر توجه بالعباس في الجدب راغبا . . . ~~إليه ، فما إن رام حتى أتى المطر ومنا رسول الله فينا تراثه . . . فهل فوق ~~هذا للمفاخر مفتخر ذكر طاعون عمواس وتسمية من مات فيه . وفي هذه السنة كان ~~طاعون عمواس بالشام ، وعمواس قرية بين الرملة وبيت المقدس . وقال ابن عبد ~~البر : وقيل : إن ذلك لقولهم : عم واس . قال الأصمعي . مات فيه خمسة وعشرون ~~ألفا ، منهم : أبو عبيدة بن الجارح ، وأسمه عامر بن الجراح . وقيل عبد الله ~~بن عامر بن الجراح . قال أبو عمر : والصحيح أن اسمه بن عبد الله ابن الجراح ~~بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي ~~الفهري . شهد بدرا وما بعدها من المشاهد كلها مع رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وهاجر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة ، وكان نحيفا معروف الوجه ، ~~طوالا أجنأ وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وكان رضي الله عنه من كبار ~~الصحابة وفضلائهم ، وأهل السابقة منهم . قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : لكل أمة أمين ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح . ~~PageV19P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" وقد تقدم في أثناء السيرة النبوية خبر وفد ~~نجران ، وسؤالهم أن يبعث معهم ما يحكم بينهم ، فقال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " ائتوني العشية أبعث معكم القوى الأمين " ، فبعثه معهم . ~~وروى عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فقالوا : أبعث معنا رجلا يعلمنا . فأخذ بيد أبي ~~عبيدة ، وقال : هذا أمين هذه الأمة . وقال أبو بكر رضي الله عنه يوم ~~السقيفة : قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ms4212 ، يعني عمر وأبا عبيدة . وقال له ~~عمر رضي الله عنهما ، إذ دخل عليه الشام ، وهو أميرها : كلنا غيرته الدنيا ~~غيرك . وكانت سنة يوم توف ثمانيا و خمسين سنة ، وكانت وفاته رضي الله عنه ~~بالأردن ، وصلى عليه معاذ بن جبل ، ونزل في قبره هو وعمرو ابن العاص ، ~~والضحاك بن قيس . وقبر أبي عبيدة بالقرب من قربة عميا من غور الشام معروف ~~هناك ، قد زرته أنا غير مرة رضي الله عنه . ومنهم : معاذ بن جبل ، وهو أبو ~~عبد الرحمن معاذ بن جبل ابن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن ~~إدي بن سعد بن علي بن أسد بن شاردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج الأنصاري ~~الخزرجي ثم الجشمي . وقد نسبه بعضهم في نسب بني سلمة بن سعد بن علي ، قال ~~ابن اسحاق : معاذ بن جبل من بني جشم بن الخزرج ، وإنما ادعته بنو سلمة ، ~~لأنه كان أخا سهل بن محمد بن الجد بن قيس لأمه . قال الواقدي وغيره : كان ~~معاذ بن جبل طوالا ، حسن الشعر عظيم العينين ، أبيض ، براق الثنايا ، لم ~~يولد له قط . وقال ابن الكلبي ، عن أبيه : إنه ولد له عبد الرحمن بن معاذ . ~~مات بالشام في الطاعون أيضا ، فانقرض بنو إدي بموته . PageV19P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" وقيل : إن عبد الرحمن قاتل مع أبيه يوم ~~اليرموك . ومعاذ بن جبل أحد السبعين الذين شهدوا بيعة العقبة ، وآخى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) . بينه وبين عبد الله بن مسعود ، قاله الواقدي ~~، وقال : هذا مالاخلاف عندنا فيه . وقال ابن اسحاق : آخي رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بينه وبين جعفر بن أبي طالب . شهد معاذ بدرا والمشاهد ~~كلها ، وبعثة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قاضيا إلى الجند من ارض ~~اليمن ، يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ، ويقضي بينهم ، وجعل إليه قبض ~~الصدقات من العمال الذين باليمن ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قد قسم اليمن على خمسة رجال : خالد بن سعيد على صنعاء ، والمهاجر بن أبي ms4213 ~~أمية على كندة ، وزياد بن لبيد على حضرموت ، ومعاذ بن جبل على الجند ، وأبي ~~موسى الأشعري على زبيد وزمعة وعدن والساحل . وقال له رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) حين وجهه إلى اليمن ، بم تقضي ؟ قال : بما في كتاب الله عز وجل ~~. قال : فإن لم تجده ؟ قال بما في سنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~قال : فإن لم تجده ؟ قال : بما في سنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~قال : فإن لم تجد ؟ قال : أجتهد برأيي . فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : " الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يحب رسول الله " وروى أبو عمر ~~بن عبد البر بسنده عن كعب بن مالك ، قال : كان معاذ بن جبل شابا جميلا ، من ~~أفضل شباب قومه ، سمحا ، لا يمسك ؛ فلم يدان حتى أغلق ماله كله من الدين ، ~~فأتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فطلب إليه أن يسأل عرماءه أن يضعوا له ~~، فأبوا ، ولو تركوا لأحد من أجل أحد لتركوا لمعاذ بن جبل من أجل رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، فباع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ماله ~~كله في دينه ، حتى قام معاذ بغير شيء ، حتى إذا كان عام فتح مكة ، بعثه ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى طائفة من أهل اليمن ليجبره فمكث معاذ ~~باليمن أميرا . وكان أول من أتجر في مال الله هو ، فمكث حتى أصاب وحتى قبض ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فلما قدم قال عمر لابي بكر : أرسل إلى ~~هذا الرجل فدع له مايعيشه ، وخذ سائره منه ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : ~~إنما بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليجبره ، ولست بآخذ منه شيئا ؛ ~~إلا أن يعطيني . فانطلق عمر إليه إذ لم يطعه أبو بكر ، فذكر ذلك لمعاذن ~~فقال معاذك إنما أرسلني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليجبرني ، ولست ~~بفاعل ، ثم أتى معاذ عمر وقال : قد أطعتك ، وأنا فاعل ما أمرتني به ، إني ~~رأيت في المنام أني في حومة ماء ؛ قد ms4214 خشيت الغرق فخلصني منه يا عمر . ~~PageV19P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" فأتى معاذ أبا بكر ، فذكر ذلك لهن وحلف له ~~أنه لا يكتمه شيئا فقال أبو بكر : لا آخذ منك شيئا ، قد وهبته لك ، فقال : ~~هذا خير حل ، وطاب ، فخرج معاذ عند ذلك إلى الشام . قال أبو عمر : كان عمر ~~قد استعمله في الشام حين مات أبو عبيدة ولما ماتأبو عبيدة ، استعمل عمر بن ~~الخطاب معاذ بن جبل على الشام ، فمات من عامه ؛ وذلك في الطاعون ، فاستعمل ~~موضعه عمرو بن العاص . وقال المدائني : مات معاذ بناحية الأردن في طاعون ~~عمواس في سنة ثماني عشرة ، وهو بن ثمان وثلاثين . وقال غيره : كان سنة يوم ~~مات ثلاثا وثلاثين سنة . وقبر معاذ بغور الشام ، بالقرب من قرية القصير من ~~شرقيها معروف هناك ، قد زرته غير مرة ، وبينه وبين قبر أبي عبيدة نحو مرحلة ~~. ومنهم يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف ، كان ~~أفضل بني سفيان ، وكان يقال له يزيد الخير . أسلم يوم فتح مكة ، وشهد حنينا ~~، واستعمله أبو بكر رضي الله عنه تعالى عنه وأوصاه ، وخرج يشيعه راجلا . ~~وروى أبو بشر الدولابي : أنه مات سنة تسع عشرة بعد أن افتتح قيسارية . ~~ومنهم الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي ~~المخزومي ، وهو أخو أبي جهل لأبويه . أسلم بوم الفتح ، وحسن إسلامه ، وشهد ~~حنينا ، وأعطاه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مائة من الإبل ، وأعطى ~~المؤلفة قلوبهم ، ثم خرج إلى الشام ف خلافة عمر رضي الله عنه راغبا في ~~الرباط والجهاط فتبعه أهل مكة يبكون فراقه ، فقال : إنها النقلة إلى الله ~~تعالى ، وما كنت لأوثر عليكم أحدا ، فلم يزل بالشام يجاهد حتى مات في طاعون ~~عمواس . PageV19P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" وقال المدائني : إنه قتل يوم اليرموك ، في ~~شهر رجب سنة خمس عشرة ، والله سبحانه وتعالى أعلم . ومنهم سهيل بن عبد شمس ~~بن عبد ود بن نضر بن مالك بن جبل بن عامر بم لؤي بن ms4215 غالب القرشي العامري . ~~يكنى أبا يزيد ، وكان أحد الأشراف من قريش وسادتهم ، وهو الذي عاقد رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم الحديبية و قاضاه كما تقدم . أسلم يوم ~~الفتح وحسن إسلامه ، وثال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعمر بن الخطاب ~~في سهيل بن عمرو : " دعه فعسى أن يقوم مقاما نحمده " ، فكان المقام الذي ~~قامه في الإسلام أنه لما ماج أهل مكة عند وفاة رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وارتد ارتد من العرب ، قام سهيل خطيبا فقال : والله إني لأعلم أن ~~هذا الدين سيمتد امتداد الشمس من طلوعها إلى غروبها ، فلا يغرنكم هذا عن ~~أنفسكم ، - يعني أبا سفيان - فإنه يعلم من هذا الأمر ما أعلم ؛ ولكنه قد ~~جثم على صدره بحسد بني هاشم . وأتى في خطبته بمثل ما جاء به أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه بالمدينة . وروى ابن المبارك عن جرير بن حازم ، قال : سمعت ~~الحسن يقول : حضر الناس باب عمر بن الخطاب ، وفيهم سهيل بن عمرو ، وأبو ~~سفيان بن حرب ، واولئك الشيوخ من قريش ، فخرج آذنه فجعل يأذن لأهل بدر ، ~~لصهيب وبلال : فقال أبو سفيان : ما رأيت كاليوم قط ؛ إنه ليؤذن لهؤلاء ~~العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا فقال سهيل : أيها القوم : إنى والله قد ~~أرى الذي في وجوهكم ، فإن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم ، دعي القوم ~~ودعيتم ، فأسرعوا وأبطأتم . أما والله لما سبقوا كم به من الفضل أشد عليكم ~~فوتا من بابكم هذا الذي تنافسون عليه ، ثم قال : أيها القوم ، إن هؤلاء ~~القوم قد سبقوكم بما ترون ، ولا سبيل إلى ماسبقوكم إليه ، فانظروا هذا ~~الجهاد فالزموه ، عسى أن الله يرزقكم شهادة ثم . نفض ثوبه فقام ولحق بالشام ~~. وقال المدائني : إنه قتل باليرموك ، والله تعالى أعلم . PageV19P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" ومنهم : عتبة بن سهيل ، وعامر بن غيلان ~~الثقفي ، مات وأبوه حي ، ومات غير هؤلاء ، رحمهم الله تعالى . ذكر قدوم عمر ~~إلى الشام بعد الطاعون . قال : لما هلك الناس بالطاعون ، كتب أمراء الأجناد ~~إلى عمر رضي الله عنه ms4216 بما في أيديهم من المواريث ، فجمع الناس واستشارهم ~~وقال لهم : قد بدا لبي أن أطوف على المسلمين في بلدانهم ؛ لأنظر في آثارهم ~~، فأشيروا على ، وكما أراد أن يبدأ بالعراق ، فصرف كعب الأحبار رأيه عن ذلك ~~، فخرج إلى الشام ، واستخلف على المدينة على بن أبي طالب ، وجعل طريقه على ~~أيله ، فلما دنا منها ركب بعيره وعلى رحلة فرو مقلوب ، وأعطى غلامه مركبه ، ~~فلما تلقاه الناس قالوا : أين أميرا المؤمنين ؟ قال : أمامكم - يعن نفسه - ~~فسارو أمامه ، وانتهى هو إلى أيله فنزلها . وقيل للمتلقين : قد دخل أمير ~~المؤمنين ، فرجعوا ، وأعطى عمر الأسقف بها قميصه وقد تخرق ظهره ؛ ليغسله ~~ويرقعه ، ففعل وأخذه ولبسه ، وخلط له الأسقف قميصا غيره ، فلم يأخذه فلما ~~قدم إلى الشام قسم فيها الأرزاق ، وسمى الشواتي والصوئف ، وسد فروج الشام ~~ومسالحها ، وأخذ يدور بها ، واستعمل عبيد الله بن قيس على السواحل من كل ~~كورة ، واستعمل معاوية على دمشق وخراجها بعد وفاة أخيه يزيد بن أبي سفيان ، ~~وعزل شرحبيل بن حسنة ، وقام بعذره في الناس ، وقال : إني لم أعزله عن سخطة ~~، ولكني أريد رجلا أقوى من رجل ، وكان شرحبيل على خيل الأردن ، فضم ذلك إلى ~~معاوية . قال : ولما قدم عمر رضي الله عنه تلقاه معاوية في موكب عظيم ، ~~فلما رآه عمر قال : هذا كسرى العرب ، فلما دنا منها قال : أنت صاحب الموكب ~~العظيم قال : نعم ، يا أمير المؤمنين ، قال : مع ما بلغني من وقوف ذي ~~الحاجات ببابك قال : مع ما يبلغك م ذلك ، قال : ولم تفعل هذا ؟ قال : نحن ~~بأرض ، جواسيس العدو بها كثيرة ، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يرهبهم ، ~~فإن أمرتني فعلن ، وإن نهيتني أنتهيت . فقال عمر : يا معاوية ، ما اسألك عن ~~شيء ألا تركتني في مثل PageV19P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" رواجب الفرس ، لئن كان ماقلت حقا ، إنه لرأي ~~لبيب ، وإن كان باطلا إنه لخدعة أريب . قال : فمرني يا أمير المؤمنين . قال ~~: لا آمرك ولا أنهاك . قال عمرو بن العاص : يا أمير المؤمنين ، ما أحسن ما ~~صدر هذا الفتى عما ms4217 أوردته فيه . قال : لحسن مصادره وموارده جشمنا ما جشمناه ~~. وروى أبو عمر بن عبد البر : أن عمر بن الخطاب رزق معاوية على عمله بالشام ~~عشرة آلاف دينار في كل سنة . قال المؤرخ : واستعمل عمر رضي الله عنه عمرو ~~بن عنبسة على الأهراء ، وقسم مواريث أهل عمواس ، فورث بعض الورثة من بعض ، ~~وأخرجها إلى الأحياء ، من ورثة كل منهم ، ورجع عمر إلى المدينة في ذي ~~القعدة من السنة . قال : ولما كان بالشام وحضرت الصلاة قال له الناس : لو ~~أمرت بلالا فأذن فأمره ، فأذن ، فما بقي أحد ممن أدرك النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وبلال يؤذن إلا بكى حتى بل لحيته ، وعمر أشدهم بكاء ، وبكى من ~~لم يدركه لبكائهم . وحج عمر رضي الله عنه بالناس في هذه السنة . سنة تسع ~~عشرة : في هذه السنة سالت حرة ليلى وهي بالقرب من المدينة نارا ، فأمر عمر ~~بالصدقة ، فتصدق الناس ، فانطفأت . وفيها مات أبي بن كعب . وقيل : مات سنة ~~عشرين وقيل اثنتين وعشرين . وقيل : اثنتين وثلاثين ، والله تعالى أعلم . ~~وحج عمر رضي الله عنه بالناس في هذه السنة . PageV19P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" سنة عشرين من الهجرة : في هذه السنة عزل عمر ~~رضي الله عنه قدامة بن مظعون عن البحرين ، وولى عثمان بن أبي العاص . وقيل ~~: بل استعمل أبا هريرة على البحرين ، واليمامة ، وقيل : استعمل أبا بكرة ~~على البحرين واليمامة . وكان سبب عزل قدامة ، أن الجارود بن المعلى سيد عبد ~~القيس قدم على عمر من البحرين ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن قدامة شرب ~~فسكر ، وإني رأيت حدا من حدود لله حقا على أن أرفعه إليك فقال عمر : من ~~يشهد معك ؟ فقال : أبو هريرة ، فدعا أبا هريرة فقال بم تشهد ؟ قال : لم أره ~~يشرب ، ولكن رأيته سكران يقئ . فقال عمر : لقد تنطعت في الشهادة . ثم كتب ~~إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين ، فقدم ، فقال الجارود : أقم على هذا حد ~~الله فقل عمر : ما أراك إلا خصما ، وما شهد أحد بعد إلا رجلا واحدا . فقال ~~الجارود : إني أنشدك ms4218 الله فقال عمر : لتمسكن عني لسانك وإلا سؤتك . فقال : ~~يا عمر ، أما والله ماذاك بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوءني ثم قال : ~~ياعمر : ، إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها ، وهي امرأة ~~قدامة . فأرسل عمر إلى هند ابنة الوليد ينشدها ، فأقامت الشهادة على زوجها ~~، فقال عمر لقدامة : إني حادك ، فقال : لو شربت كما يقولون ما كان لكم أن ~~تجدوني ، فقال عمر : لم ؟ قال قدامة : قال الله عز وجل : " ليس على الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا " . فقال عمر : ~~أخطأت التأويل ، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرمه عليك ، ثم أقبل عمر على ~~الناس فقال : ما ترون في جلد قدامة ؟ فقالوا : ما نرى أن تجلده ما كان ~~مريضا ، فسكت على ذلك أياما ، ثم أصبح يوما قد عزم على جلده ، فقال لأصحابه ~~: ما ترون في جلد قدامة ؟ فقالوا : ما نرى أ ، تجلده ما كان وجعا ، فقال ~~عمر : لأن يلقى الله تحت السياط أحب إلى من أن ألقاه وهو في عنقي . ائتوني ~~بسوط تام ، وأمر PageV19P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" بقدامة فجلد ، فغاضب قدامة عمر وهجره ، فلم ~~يزل كذلك حتى حج عمر وقدامة معه ، فلما قفلا من حجهما ، ونزل عمر بالسقيا ~~نام ، فلما استيقظ قال : عجلوا على بقدامة ، فوالله لقد أتاني آت في منامي ~~فقال : يالم قدامة فإنه أخوك . فلما أتوه أبي أن يأتي ، فأمر عمر به إن أبي ~~أن يجروه إليه ، فجاءه فاستغفر له عمر وكلمه ، فكان ذلك أول صلحهما . حكاه ~~أبو عمر : قال : وكان قدامة خال عبدالله وحفصة ابني عمر رضي الله عنهم . ~~ذكر إجلاء يهود خيبر وفي هذه السنة أجلى عمر رضي الله عنه يهود خيبر ، وكان ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما فتح الله عليه خيبر ، دعا أهلها فقال ~~لهم : إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها ، وتكون ثمارها بيننا ~~وبينكم ، وأقركم على ما أقره الله عز وجل . فقبلوا ذلك واشترط عليهم ، أنا ~~متى شئنا أن نخرجكم أخرجناكم ، وقد ms4219 تقدم ذكر ذلك مستوفي في السيرة النبوية ~~، في غزاة خيبر . فلما قبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أقرهم أبو بكر ~~رضي الله عنه على ما اقرهم عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأقرهم ~~عمر رضي الله عنه بعده إلى هذه السنة . ثم بلغه أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال في وجعه الذي قبضه الله فيه : " لا يجتمعه في جزيرة العرب ~~دينان " ، ففحص عن ذلك حتى أتاه الثبت ، فأرسل إلى يهود فقال : إن الله قد ~~أذن لي في إجلائكم ، وقد بلغني أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال ~~: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان ، فمن كان عنده عهد من رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فليأتني به أنفذه له ، ومن لم يكن عنده عهد فليتجهز ~~للجلاء ، فأجلى من لم يكن عنده عهد من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~وقال ابن إسحاق : حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر ، عن عبد الله بن عمر ~~PageV19P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" قال : خرجت أنا والزبير بن العوام ، والمقداد ~~بن الأسود إلى أموالنا بخيبر نتعهدها ، فلما قدمنا تفرقنا في أموالنا . قال ~~عبد الله : فعدا على تحت الليل شيء وأنا نائم على فراشي ، فنزعت يداي من ~~فرقي ، فلما أصبحت استصرخت على صاحباي ، فأتياني فسألاني : من صنع بك هذا ؟ ~~فقلت : لا أدري ، فأصلحاني ثم قدما بي على عمر ، فقال : هذا عمل اليهود . ~~ثم قام في الناس خطيبا فقال : أيها الناس ، إن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) كان عامل يهود خيبر على أ ، ا نخرجهم إذا شئنا ، وقد عدوا على عبد ~~الله بن عمر ، فقدعوا يديه كما بلغكم ، مع عدوتهم على الأنصاري قبله ، لا ~~نشك أنهم أصحابه ، ليس هناك عدو غيرهم ، فمن كان له مال بخيبر فليلحق به ، ~~فإني مخرج اليهود ، فأخرجهم . قال : وركب عمر في المهاجرين والأنصار ، ~~واخرج معه جبار ابن صخر بن أمية - وكان خارص أهل المدينة وحاسبهم - وزيد ~~ابن ثابت ، وهما قسما خيبر على أهلها على أصل جماعة السهمان التي كانت ms4220 ~~عليها . وفيها أيضا أجلي نصارى نجران إلى الكوفة . وفيها بعت عمر علقمة بن ~~مجزز المدلجي إلى الحبشة ، وكانت تطرفت بلاد الشام ، فأصيب المسلمون ، فجعل ~~عمر على نفسه ألا يحمل في البحر أحدا أبدا - يعني للغزو . وقيل : كان ذلك ~~في سنة إحدى وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه . ذكر عزل سعد بن أبي ~~وقاص عن الكوفة ومن ولي بعده في هذه السنة سنة إحدى وعشرين : وفي هذه السنة ~~عزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعد بن أبي وقاص عن الكوفة ؛ حين شكاه ~~أهلها ، وولى عمار بن ياسر الصلاة ، وعبد الله بن مسعود بيت المال ، وعثمان ~~ابن حنيف مساحة الأرض ، ثم عزل عمارا ؛ لأن أهل الكوفة شكوه ، فاستعفى . ~~PageV19P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" وأعاد سعدا على الكوفة ثانية ، ثم عزله ، ~~وولى جبير بن مطعم ، ثم عزله قبل أن يخرج إليها ، وكان سبب عزله أن عمر رضي ~~الله عنه ولاه ، وقال له : لا تذكره لأحد ، فسمع المغيرة بن شعبة أن عمر ~~خلا بجبير بن مطعم ، فأرسل امرأته إلى امرأة جبير لتعرض عليها طعام السفر ، ~~فقالت : نعم ، جيئيني به . فلما علم المغيرة جاء إلى عمر ، فقال : بارك ~~الله لك فيمن وليت . وأخبره الخبر ، فعزله ، وولى المغيرة بن شعبة الكوفة ، ~~فلم يزل عليها إلى أن قتل عمر : وقيل : إن عمر رضي الله عنه لما أراد أن ~~يعيد سعدا إلى الكوفة أبى عليه ، وقال : أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون ~~أنى لا أحسن أن أصلي ، فتركه وولى خالد بن الوليد . وقيل : في سنة اثنتين ~~وعشرين ، قيلك كانت وفابه بحمص ، ودفن في قرية على ميل منهما . وقيل : بل ~~توفي بالمدينة . ولما حضرته الوفاة قال : لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما ~~في جسدي موضع شبر ألا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية ، ثم هاأنذا أموت على ~~فراشي كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء . حكى أبو عمر : انه لم تبق ~~امرأة من بني المغيرة إلا وضعت لمتها على قبر خالد بن الوليد ، أي حلقت ~~رأسها . قال المؤرخ ms4221 : وكان الأمراء في هذه السنة على الأمصار ، عمير بن سعد ~~على دمشق وحوران وحمص وقنسرين والجزيرة . ومعاوية بن أبي سفيان على البلقاء ~~والأردن وفلسطين والسواحل وأنطاكية وقلقية ومعرة مصرين ، والعمال على بقية ~~الأمصار من ذكرنا . وفيها ولد الحسن البصري والشعبي . وفيها مات العلاء ابن ~~الحضرمي أمير البحرين ، فاستعمل عمر رضي الله عنه مكانه أبا هريرة . وحج ~~عمر رضي الله عنه بالناس ، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت . PageV19P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" سنة اثنتين وعشرين : في هذه السنة ولد يزيد ~~بن معاوية ، وعبد الملك بن مروان ، وكان عماله على الأمصار من ذكرنا إلا ~~الكوفة والبصرة ؛ فإن عامله على الكوفة المغيرة بن شعبة ، وعلى البصرة أبو ~~موسى . سنة ثلاث وعشرين : وفي هذه السنة حج عمر رضي الله عنه بالناس ، وحج ~~معه أزواج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهي آخر حجة حجها . فيها كان ~~مقتل عمر رضي الله عنه وأرضاه بمنه وكرمه . ذكر خبر مقتل عمر بن الخطاب ~~ومدة خلافته . قد اختلف في تاريخ مقتل رضي الله عنه ، فقال الواقدي : لثلاث ~~بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ، وقال الزبير : لأربع بقين من ذي الحجة ~~. وروى عن معدان بن أبي طلحة اليعمري ، قال : قتل عمر بوم الأربعاء لأربع ~~بقين من ذي الحجة . وكانت خلافته رضي الله تعالى عنه عشر سنين ونصفا وخمس ~~ليال وعمره ثلاث وستون سنة على الصحيح . وقتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن ~~شعبة ؛ وذلك أن عمر رضي الله عنه خرج بوما يطوف في الأسواق ، فلقيه أبو ~~لؤلؤة فيروز - وكان نصرانيا ، وقيل : مجوسيا - وقد ذكرنا ما كان يقوله لما ~~قدم سبي نهاوند : أكل عمر كبدي ، فلما لقيه قال : يا أمير المؤمنين ، أعدني ~~على المغيرة بن شعبة ؛ فإنه يكلفني خراجا كثيرا ، قال : كم يحملك ؟ قال : ~~مائتي درهم في الشهر : وقيل : إنه قال : درهمان في كل يوم ، قال : وما ~~صناعتك ؟ قال : نجار نقاش حداد ، قال : فما أرى خراجك كثيرا على ما تصنع من ~~الأعمال ، وقد بلغني أنك تقول . لو أردت أن أصنع رحا ms4222 نطحن بالري لفعلت . ~~قال : نعم ، قال : فاعمل لي رحا . قال : إن سلمت لأعملن لك رحا يتحدث بها ~~أهل المشرق والمغرب . PageV19P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" فقال عمر : قد أوعدني العلج الآن ، ثم انصرف ~~عمر إلى منزله . فلما كان من الغد جاء كعب الأحبار إلى عمر ، فقال : يا ~~أمير المؤمنين أعهد فإنك ميت في ثلاث ، قال : وما يدريك ؟ قال : أجده في ~~كتاب التوراة ، قال عمر : إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة ؟ قال : اللهم ~~لا ؛ ولكني أجد صفتك وحليتك . قال : وعمر لا يجد وجعا ، ثم جاءه من الغد ~~وقال : بقي يومان ، ثم جاءه من غد الغد وقال : قد مضى يومان ، وقد بقي يوم ~~. فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة ، وكان يوكل بالصفوف رجلا ، فإذا استوت كبر ~~، ودخل أبو لؤلؤة في الناس ، وفي يده خنجر له رأسان ، نصابه في وسطه ، فضرب ~~عمر ست ضربات ، إحداهن تحت سرته ، وهي التي قتلته ، قتل معه كليب بن بكير ~~الليثي وجماعة غيره . روى أنه طعن معه اثنا عشر رجلا ، وقيل : ثلاثة عشر ~~مات منهم ستة ، فلما وجد عمر حر السلاح سقط ، وأمر عبد الرحمن بن عوف فصلى ~~بالناس وهو طريح ، فاحتمل ، فأدخل بيته ودعا عبد الرحمن ، فقال : إنى أريد ~~أن أعهد إليك ، قال : أتشير علي بذلك ؟ قال : عمر اللهم لا ، فقال : والله ~~لا أدخل فيه أبدا قال : فهبني صمتا ؛ حتى أعهد إلى النفر الذين توفي رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو عنه راض ، ثم دعا عليا ، وعثمان ، والزبير ~~وسعدا ، وقال : انتظروا أخاكم طلحة ثلاثا ، فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم . ~~أنشدك الله ياعلي ، إن وليت من أمور الناس شيئا على ألا تحمل بني هاشم على ~~رقاب الناس . أنشدك الله يا عثمان ، إن وليت من أمور الناس شيئا ألا تحمل ~~بني أبي معيط على رقاب الناس . أنشدك الله يا عثمان ، إن وليت من أمور ~~الناس شيئا ألا تحمل أقاربك على رقاب الناس . قوموا فتشاوروا ، ثم أقضوا ~~أمركم ، وليصل بالناس صهيب ، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فقال : قم على بابهم ms4223 ~~فلا تدع أحدا يدخل إليهم ، وأوص الخليفة من بعدي بالأنصار الذين تبوءوا ~~الدار والإيمان ، أن يحسن إلى محسنهم ، وأن يعفو عن مسيئهم ، وأوص الخليفة ~~بالعرب ؛ فإنهم مادة الإسلام ، أن تؤخذ من صدقاتهم حقها ، فتوضع في فقرائهم ~~، وأوص الخليفة بذمة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يوفي لهم بعهدهم ~~. PageV19P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" اللهم هل بلغت لقد تركت الخليفة من بعدي على ~~أنقى من الراحة ، ثم قال لأبنه عبد الله : أنظرمن قتلني ؟ فقال : قتلك أبو ~~لؤلؤة ، فقال : الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يد رجل سجد لله سجدة ~~واحدة ، وأرسل عبد الله ابنه إلى عائشة ، فاستأذنها أن يدفن مع النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وأبي بكر رضي الله عنه ، ثم قال : يا عبد الله ، إن اختلف ~~القوم فكن مع الأكثر ، فإن تساووا فكن مع الحزب الذي فيه عبد الرحمن بن عوف ~~. يا عبد الله ، ائذن للناس ، فدخل عليه المهاجرون والأنصار ، فجعلوا ~~يسلمون عليه ، فيقول لهم : هذا عن ملأ منكم ؟ فيقولون : معاذ الله ودخل كعب ~~الأحبار مع الناس ، فلما رآه عمر رضي الله تعالى عنه قال : وأوعدني كعب ~~ثلاثا أعدها . . . ولا شك أن القول ما قاله كعب ومابي حذار الموت إني لميت ~~. . . ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب قال : ولما طعن أبو لؤلؤة عمر ، ومنطكعن ~~معه ، رمي عليه رجل من أهل العراق برنسا ، ثم نزل عليه ، فلما رأى أنه لا ~~يستطيع أن يتحرك ، وجأ نفسه فقتلها . قال أبو عمر بن عبد البر : ومن أحسن ~~شيء يروي في مقتل عمر وأصحه ما رواه بسنده إلى عمرو بن ميمون ، قال : شهدت ~~عمر يوم طعن ومات ، وما منعني أن أكون في الصف المقدم إلا هيبته - وكان ~~رجلا مهيبا - فكنت في الصف الذي يليه ، فأقبل عمر ، فعرض له أبو لؤلؤة غلام ~~المغيرة بن شعبة ، ففاجأ عمر قبل أن تستوي الصفوف ، ثم طعنه ثلاث طعنات ، ~~فسمعت عمر وهو يقول : دونكم الكلب فإنه قد قتلني ، وماج الناس وأسرعوا إليه ~~، فجرح ثلاثة عشر رجلا ، فانكفأ عليه رجل من خلفه ms4224 فأحتضنه ، وحمل عمر ، ~~فماج الناس بعضهم في بعض حتى قال قائل : الصلاة يا عباد الله ، طلعت الشمس ~~. فقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بنا بأقصر سورتين في القرآن ، " إذا جاء ~~نصر الله والفتح " " و إنا أعطيناك الكوثر " ، واحتمل عمر ، ودخل الناس ~~عليه ، فقال : يا عبد الله بن عباس ، أخرج فناد في الناس : أعن ملأ منكم ~~هذا ؟ فقالوا : معاذ الله والله ما علمنا ولا أطلعنا . وقال : أدعوا ~~PageV19P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" إلى الطبيب فدعى الطبيب فقال : أي الشراب أحب ~~إليك ؟ فقال : النبيذ فسقي نبيذا فخرج من بعض طعناته ، فقال الناس : هذا دم ~~، هذا صديد ، فقال : اسقوني لبنا ، فسقى لبنا ، فخرج من الطعنة ، فقال له ~~الطبيب : لا أرى أن تمسي ، فما كنت فاعلا فافعل . وروى أبو عمر أيضا بسنده ~~إلى عوف بن عوف بن مالك الأشجعي : أنه رأى في المنام ، كأن الناس جمعوا ، ~~فإذا فيهم رجل فرعهم فهو فوقهم بثلاثة أذرع . قال : فقلت : من هذا ؟ فقالوا ~~: عمر . قلت : ولم ؟ قالوا : لأن فيه ثلاث خصال ، لأنه لا يخاف في الله ~~لومة لائم ، وأنه خليفة مستخلف ، وأنه شهيد مستشهد . قال : فأتى أبو بكر ~~فقصها عليه ، فأرسل إلى عمر فدعاه ليبشره ، فجاء عمر فقال لي أبو بكرك اقصص ~~، قال ك فلم بلغت خليفة مستخلفن درني عمر وانتهرني ، وقال : اسكت ، تقول ~~هذا وهو حي قال : فلما كان هذا بعد ، وولى عمر ، مررت بالمسجد وهو على ~~المنبر ، فدعاني وقال : اقصص علي روياك ، فقصصتها ، فلما قلت : إنه لا يخاف ~~في الله لومة لائم قال : إني لأرجو أن يجعلني الله منهم ، قال : فلما قلت : ~~" خليفة مستخلف " قال : قد استخلفني الله ، وأسأله أن يعينني على ما ولاني ~~، فلما أن ذكرت : " شهيد مستشهد " ، قال : أني لي بالشهادة وأنا بين أظهركم ~~تغزون ولا أغزو ثم قال : بلى يأتي الله بها إن شاء ، يأتي الله بها إن شاء ~~. وقد روي معمر عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم : أن ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) رأى على عمر قميصا أبيض ، فقال ms4225 : أجديد قميصك ~~هذا ، أم غسيل ؟ قال : بل غسيل قال : " ألبس جديدا ، وعش حميدا ، مت شهيدا ~~، ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة " ، قال : وإياك يا رسول الله . ~~وروى عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : ناحت الجن على عمر قبل أن يقتل بثلاث ~~، فقالت : أبعد قتيل بالمدينة أظلمت . . . له الأرض تهتز العضاة بأسوق جزي ~~الله خيرا من إمام وباركت . . . يد الله في ذاك الأديم الممزق PageV19P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" فمن يسع أو يركب جناحي نعامة . . . ليدرك ما ~~قدمت بالأمس يسبق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها . . . بوائق من أكمامها لم ~~تفتق وما كنت أخشى أن تكون وفاته . . . بكف سبنتي أزرق العين مطرق والله ~~سبحانه وتعالى أعلم . ذكر قصة الشورى قال : وقيل لعمر : لو استخلفت يا أمير ~~المؤمنين ؟ قال : لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته ، وقلت لربي إن سألني : ~~سمعتك وسمعت نبيك يقول : إنه أمين هذه الأمة ، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة ~~حيا لاستخلفته ، وقلت لربي إن سألني : سمعت نبيك يقول : " إن سالما شديد ~~الحب لله " . فقال له رجل : أدلك على عبد الله بن عمر ؟ فقال : قاتلك الله ~~ما أردت بهذا ويحك كيف استخلف من عجز عن طلاق امرأته لاأرب لنا في أموركم ، ~~ما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بتي ، إن كان خيرا قد أصبنا منه ، وإن ~~كان شرا قد صرف عنا ، بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ، ويسأل عن أمة ~~محمد أما لقد جهدت نفسي ، وحرمت أهلي ، وإن نجوت كفافا لا أجر ولا وزر ، ~~إني لسعيد . انظر فإن استخلفت ، فقد استخلف من هو خير مني ، وإن أترك فقد ~~ترك من هو خير مي ، ولن يضيع الله دينه . فخرجوا ، ثم راحوا فقالوا : يا ~~أمير المؤمنين ، لو عهدت عهدا فقال : قد كنت أجمعت بعد مقالتي أن أنظر ~~فأولي رجلا أمركم ، وهو أحراكم أن يحملكم على الحق - وأشار إلى علي - ~~فرهقتني غشية ، فرأيت رجلا دخل الجنة ، فجعل يقطف كل غضة ويانعة فيضمه إليه ~~، ويصيره تحته ، فعلمت أن الله بالغ أمره ، فما أردت ms4226 أن اتحملها حيا وميتا ~~. عليكم هؤلاء الرهط الذين قالوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : إنهم ~~من أهل الجنة ، وهم : علي وعثمان وعبد الرحمن وسعد ، والزبير بن العوام ، ~~وطلحة بن عبيد الله ، فلتختاروا منهم رجلا ، فإذا ولوا واليا فاحسنوا ~~موازرته وأعينوه ، وخرجوا . PageV19P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" فقال العباس لعلي : لا تدخل معهم ، إني أكره ~~الخلاف ، قال : إذن ترى ما تكره ، فلما أصبح عمر دعا عليا ، وعثمان ، وسعدا ~~، وعبد الرحمن ، والزبير ، فقال : إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ، ~~ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم ، وقد قبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وهو عنكم راض . إني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم ؛ ولكني أخافكم فيما ~~بينكم ، فيختلف الناس ، فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذنها ، فتشاوروا فيها . ~~ووضع رأسه وقد نزفه الدم ، فدخلوا فتناجوا ؛ حتى ارتفعت أصواتهم . فقال عبد ~~الله بن عمر : سبحان الله إن أمير المؤمنين لم يمت بعد ، فسمعه عمرك فانتبه ~~، وقال : أعرضوا عن هذا ، فإذا أنا مت فتشاوروا ثلاثة أيام ، وليصل بالناس ~~صهيب ، ولا يأتين اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم ، ويحضر عبد الله بن ~~عمر مشيرا ، ولا شيء له من الأمر ، وطلحة شريككم في الأمر ، فإن قدم في ~~الأيام الثلاثة فأحضروه ، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فامضوا لأمركم ~~. ومن لي بطلحةظ فقال سعد بن أبي وقاص : أنا لك به ، ولا يخالف إن شاء الله ~~تعالى . فقال عمر رضي الله عنه : أرجوا ألا يخالف إن شاء الله ، وما أظن أن ~~يلي هذا الأمر إلا أحد هذين الرجلين : علي أو عثمان . فإن ولي عثمان ، فرجل ~~فيه لين ، وإن ولي علي ففيه دعابة وأحر به أن يحملهم على الحق ، وإن تولوا ~~سعدا فأهلها هو وإلا فليستعن به الوالي ، فإني لم أعزله عن ضعف ولا جناية ، ~~ونعم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف فاسمعوا منه . وقال لأبي طلحة الأنصاري : ~~يا أبا طلحة ، إن الله تعالى طالما أعز بكم الإسلام ، فاختر خمسين رجلا من ~~الأنصا ، فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم . وقال للمقداد ms4227 بن ~~الأسود : إذا وضعتموني في حفرتي ، فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا ~~رجلا . وقال لصهيب : صل بالناس ثلاثة أيام ، وأدخل هؤلاء الرهط . بيتا ، ~~وقم على رؤوسهم ، فإن اجتمع خمسة وأبي واحد فأشدخ رأسه بالسيف ، وإن أنفق ~~أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما ، وإن رضي اثنان رجلا ، واثنان رجلا ، ~~فحكموا عبد الله بن عمر ، فإن لم ترضوا بحكمة فكونوا مع الذين فيهم عبد ~~الرحمن بن عوف واقتلوا PageV19P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" الباقين إن رغبوا عما اجتمع فيه الناس ، ~~فخرجوا ، فقال علي لقوم معه من بني هاشم : إن أطع فيكم قومكم لم تؤمروا ~~أبدا ، وتلقاه عمه العباس فقال : عدلت عنا ، قال : وما علمك ؟ قال : قرن بي ~~عثمان ، وقال : كونوا مع الأكثر ، فإن رضي رجلان رجلا ، ورجلان رجلا فكونوا ~~مع الذين فيهم عبد الرحمن ، فسعد لا يخالف ابن عمه ، وعبد الرحمن صهر عثمان ~~لا يختلفان فيوليها أحدهما الآخر ، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني . فقال ~~له العباس : لم أدفعك في شيء إلا رجعت إلى مستأخرا لما أكره ، أشرت عليك ~~عند وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن تسأله فيمن هذا الأمر ، ~~فأبيت ، وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت ، وأشرت عليك حين سماك ~~عمر في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت . احفظ عني واحدة ، كلما عرض عليك القوم ~~، فقل : لا ، إلا أن يولوك ، واحذر هؤلاء الرهط ؛ فإنهم لا يبرحون يدفعوننا ~~عن هذا حتى يقوم به لنا غيرنا . وآيم الله لا تناله إلا بشر لا ينفع معه ~~خير . فلما مات عمر ودفن ، جمع المقداد أهل الشورى في بيت المسور ابن مخرمة ~~، وقيل : في بيت المال . وقيل : في حجرة عائشة بإذنها ، وطلحة غائب ، ~~وأمروا أبا طلحة أن يحجبهم . وجاء عمر بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا ~~بالباب ، فحصبهما سعد وأقامهما ، وقال : تريدان أن تقولا مضنا وكنا في أهل ~~الشورى فتنافس القوم في الأمر وكثر بينهم الكلام ، فقال أبو طلحة : أنا كنت ~~لأن تدفعوها أخوف مني لأن تنافسوها ، لا والذي ذهب بنفس عمر لا أزيدكم عل ms4228 ~~الأيام الثلاثة التي أمر ، ثم أجلس في بيتي فأنظر ما تصنعون . فقال عبد ~~الرحمن : أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن نوليها أفضلكم ، فلم يجبه ~~أحد ، فقال : أنا أنخلع منها . قال عثمان : أنا أول من رضي ، قال : القوم : ~~قد رضينا ، وعلي ساكت ، فقال : ما تقول أبا الحسن ؟ قال : أعطني وثقا ~~لتؤثرن الحق ولا تتبع الهوى ، ولا تخص ذا رحم لرحمه ، ولا تألوا الأمة ، ~~فقال : أعطوني مواثقكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير ، وأن ترضوا من ~~اخترت لكم ، وعلى ميثاق الله ألا أخص ذا رحم لرحمه ولا آلو المسلمين قال : ~~فأخذ منهم ميثاقا ، وأعطاهم مثله . PageV19P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" فقال لعلي : تقول : إنى أحق من حضر هذا الأمر ~~، لقرابتك من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ وسابقتك وحسن أثرك في ~~الدين ، ولم تبعد ؛ ولكن أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك ولم تحضر إلى هؤلاء ~~الرهط ، من تراه أحق به ؟ قال : عثمان ، وخلا بعثمان فقال : تقول : شيخ من ~~بني عبد مناف وصهر رسول الله وابن عمه ولي سابقه وفضل ، فأين يصرف هذا ~~الأمر عني ؟ ولكن لو لم تحضر ، أي هؤلاء أحق به ؟ قال علي . ولقي علي سعدا ~~فقال : أتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ، أسألك برحم ابني هذا من رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبرحم عمي حمزة ألا تكون مع عبد الرحمن ظهيرا ~~لعثمان علي . ودار عبد الرحمن ليلقى أصحاب رسول الله ومن وافى المدينة من ~~أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم ؛ حتى إذا كانت الليلة التي صبيحتها ~~يستكمل الأجل ، أتى منزل المسور بن مخرمة فأيقظه وقال له : لم أذق غيب هذه ~~االليلة كثير غمض ، انطلق فاجع الزبير وسعدا ؛ فدعاهما ، فبدأ بالزبير فقال ~~له : خل عبد بني مناف ، وهذا الأمر ، قال : نصيبي لعلي . وقال لسعد : اجعل ~~نصيبك لي ، فقال : إن اخترت نفسك فنعم ، وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي ، ~~أيها الجل ، بايع لنفسك وارحنا وارفع رؤوسنا . فقال : قد خلعت نفي على أن ~~أختار ، ولو لم أفعل لم أردها ، إني رأيت روضة ms4229 خضراء كثيرة العشب ، فدخل ~~فحل ما رأيت أكرم منه ، فمر كأنه سهم لم يلتفت إلى شيء منها ؛ حتى قطعها ، ~~لم يعرج . ودخل بعير يتلوه ، فاتبع أثره حتى خرج منها ، ثم دخل عبقري يجر ~~خطامه ومضى قصد الأولين ، ثم دخل بعير رابع فوقع في الروضة ، ولا والله لا ~~أكون الراتع الرابع ، ولا يقوم مقام أبي بكر وعمر بعدهما أحد فيرضى الناس ~~عنه . قال : وأرسل المسور ، فاستدعي عليا فناجاه طويلا وهو لا يشك أنه صاحب ~~الأمر ، ثم نهض ، ثم أرسل إلى عثمان فتناجيا حتى فرق بينهما الصبح ، فلما ~~صلوا الصبح جمع الرهط ، وبعث إلى من حضره من المهاجرين واهل السابقة والفضل ~~من الأنصار ، وإلى أمراء الأجناد ، فاجتمعوا حتى التحم المسجد بأهله ، فقال ~~: أيها الناس ، إن الناس قد أحبوا أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم ، وقد ~~علموا من أميرهم ، فأشيروا علي . فقال عمار بن ياسر : إذا أردت ألا يختلف ~~المسلمون فبايع عليا . فقالع المقداد بن الأسود : صدق عمار إن بايعت عليا ، ~~قلنا : سمعنا وأطعنا . وقال ابن أبي سرح : إذا أردت ألا تختلف قريش فبايع ~~عثمان . فقال عبد الله بن أبي ربيعة : صدقت ، إن بايعت عثمان قلنا : سمعنا ~~وأطعنا . PageV19P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" فشتم عمار بن أبي سرح ، وقال : متى كنت تنصح ~~المسلمين فتكلم بنو هاشم وبنو أمية ، فقال عمار : أيها الناس ، إن الله ~~أكرمنا بنبيه ، وأعزنا بدينه ، فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ~~فقال رجل من بني مخزوم : لقد عدوت طورك يابن سمية ، وما أنت وتأمير قريش ~~لأنفسها فقال سعد بن أبي وقاص : يا عبد الرحمن ، أفرغ قبل أن يفتن الناس ، ~~فقال عبد الرحمن : إنى قد نظرت وشاورت ، فلا تجعلن فيها أيها الرهط على ~~أنفسكم سبيلا ، ودعا عليا ، فقال : عليك عهد الله وميثاقه ، لتعملن بكتاب ~~الله وسنة رسوله ، وسيرة الخليفتين من بعده ؟ فقال : أرجو أن أفعل ، فأعمل ~~بمبلغ علمي وطاقتي . ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي ، فقال : نعم ، ~~فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان ، فقال : اللهم اسمع ms4230 واشهد ، ~~اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان ، فبايعه . وقيل : ~~وخرج عبد الرحمن بن عوف وعليه عمامته التي عممه رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) متقلدا سيفه ؛ حتى ركب المنبر . فوقف وقوفا طويلا ، ثم دعا دعاء لا ~~يسمعه الناس ، ثم تكلم فقال : أيها الناس ، إنى قد سألتكم سرا وجهرا عن ~~إمامكم ، فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين : إما علي ، وإما عثمان . فقم ~~إلى يا علي ، فقام إليه فوقف تحت المنبر ، وأخذ عبد الرحمن بيده فقال : هل ~~أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وفعل ~~أبي بكر وعمر ؟ قال : اللهم لا ، ولكن على جهدي من ذاك وطاقتي . قال : ~~فأرسل يده ثم نادي : قم إلى يا عثمان ، فأخذ بيده ، وهو في موقف على الذي ~~كان فيه ، فقال : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر ~~؟ فقال : اللهم نعم ، قال : فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان ، ~~فقال : اللهم اسمع واشهد ثلاثا ، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في ~~رقبة عثمان ، قال : فازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه عند المنبر ، فقعد ~~عبد الرحمن مقعد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من المنبر ، وأقعد عثمان على ~~الدرجة الثانية ، فجعل الناس يبايعونه ، وتلكأ علي . PageV19P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" فقال عبد الرحمن : " فمن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه ، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما " فرجع علي يشق ~~الناس حتى بايع عثمان وهو يقول : خدعة ، وأي خدعة وقيل لما بايع عبد الرحمن ~~عثمان قال علي : ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل ، والله ~~المستعان على ما تصفون ، والله ماوليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك ، والله ~~كل يوم هو في شأن . فقال عبد الرحمن : يا علي ، لا نجعل على نفسك حجة ولا ~~سبيلا ، فخرج علي وهو يقولك سيبلغ الكتاب أجله . فقال المقداد : يا عبد ~~الرحمن ، أما والله لقد تركته ، وإنه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون ms4231 . ~~فقالع : يا مقداد : ما رأيت مثل ما أتى إلى اهل هذا البيت بعد نبيهم ، وإني ~~لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ، لا أقول ولا أعلم أن رجلا أقضى بالعدل ، ~~ولا أعلم منه ، أما والله لو أجد أعوانا عليه فقال عبد الرحمن : يا مقداد ، ~~اتق الله ؛ فإنى خائف عليك الفتنة . فقال رجل للمقداد : رحمك الله من أهل ~~هذا البيت ؟ ومن هذا الرجل ؟ قال : أهل البيت بنو عبد المطلب ، والرجل علي ~~بن أبي طالب . فقال علي : إن الناس ينظرون إلى قريش ، وقريش تنظر بينها : ~~فتقول : إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا ، وإن كانت في غيرهم ~~تداولتموها بينكم . قال : وقدم طلحة في ليوم الرابع الذي بويع فيه عثمان ~~فقيل له : بايعوا لعثمان ، فقال : كل قريش راض به ؟ قالوا : نعم . فأتى ~~عثمان فقال له عثمان : أنت على رأس أمرك ، إن أبيت رددتها . قال : أتردها ؟ ~~قال : نعم . ثم قال أكل الناس بايعوك ؟ قال ، نعم قال : قد رضيت ، لا أرغب ~~عما أجمعوا عليه ، وبايعه . حكاه ابن الأثر في تاريخه الكامل ، عن عمر وبن ~~ميمون . وفيه زيادة عن الطبري . وروى أبو جعفر الطبري رحمه الله في قصة ~~الشورى ، عن المسور بن مخرمة محو مات تقدم ؛ إلا أنه ذكر زيادات ذكرنا ~~بعضها في أثناء هذه القصة ، ونذكر بقيتها الآن . PageV19P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" قال : لما دفن رضي الله عنه جمعهم عبد الرحمن ~~وخطبهم ، وأمرهم بالاجتماع وترك التفرق . فتكلم عثمان رضي الله عنه ، فقال ~~: الحمد لله الذي اتخذ محمدا نبيا وبعثه رسولا وصدقه وعده ، ووهب له نصره ~~على كل من بعد نسيا ، أو قرب رحما ، صلى الله عليه ، وجعلنا الله تابعين ~~وبأمره مهتدين ، فهو لنا نور ونحن بأمره نقوم ، عند تفرق الأهواء ، ومجادلة ~~الأعداء ، جعلنا الله بفضله أئمة ، وبطاعته أمراء ، لا يخرج أمرنا منا ، ~~ولا يدخل علينا غيرنا إلا من سفه الحق ، ونكل عن القصد ، وأحر بها يابن عوف ~~أن تترك ، وأجدربها أن تكون إن خولف أمرك ، وترك دعاؤك ، فأنا مجيب وداع ~~إليك ، وكفيل بما أقول زعيم ms4232 ، واستغفر الله لي ولكم . ثم تكلم الزبير بعده ~~، فقال : أما بعد ، فإن داعي الله لا يجهل ومجيبه لا يخذل ، عند تفرق ~~الأهواء ، ولي الأعناق ، ولن يقصر عما قلت إلا غوي ، ولن يترك ما دعوت غليه ~~وإلا شقي ، ولولا حدود لله فرضتن وفرائض لله حدت ، تراح على أهلها ، وتحيا ~~لا تموت ؛ لكان الموت من الإمارة نجاه ، والفرار من الولاية 2 صمة ، ولكن ~~لله علينا إجابة الدعوة ، و إظهار السنة ، لئلا نموت موتة عمية ، ولا نعمي ~~عمي جاهلية ، فأنا مجيبك إلى مادعوت ، ومعينك على ماأمرت ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم ، واستغفر الله لي ولكم . ثم تكلم سعد فقال . الحمد ~~لله بديئا ، بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) أنارت الطرق ، واستقامت السبل ، ~~وظهر الحق ، ومات كل باطل ، إياكم أيها النفر وقول الزور ، وأمنية أهل ~~الغرور ؟ فقد سلبت الأماني قوما قبلكم ، ورثوا ما ورثتم ، ونالوا ما نلتم ، ~~فاتخذوا الله عدوا ، ولعنهم لعنا كثيرا ، قال ، قال الله تعالى : " لعن ~~الذين كفروا من بني إسرائيل . . . " . إلى قوله : " لبئس ما كانوا يفعلون . ~~" إني نكبت قرني وأخذت سهمي الفالج ، وأخذت لطلحة بن ابن عبيد الله ما ~~ارتضيت لنفسي ، فأنا كفيل به ، وبما أعطيت عنه زعيم ، والأمر إليك يا بن ~~عوف ، بجهد النفس ، وقصد النصح ، وعلى الله قصد السبيل وإليه الرجوع ، ~~واستغفر الله لي ولكم ، وأعوذ بالله في مخالفتكم . PageV19P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" ثم تكلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال ~~: الحمد لله الذي بعث محمدا منا نبيا ، وبعثه إلينا رسولا ، فنحن بيت ~~النبوة ، ومعدن الحكمة ، وأمان أهل الأرض ، ونجاة لمن طلب ؛ لنا حق إن نعطه ~~نأخذه ، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ، ولو طال السري . لو عهد إلينا رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) عهدا لأنفذنا عهده ، ولو قال لنا قولا لجادلنا ~~عليه حتى نموت ، لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق ، وصلة رحم ، ولا قوة وإلا ~~بالله . اسمعوا كلامي ، وعوا منطقي ، عسى أن تروا هذا الأمر بعد هذا ~~المجتمع تنتضي فيه سيوف ، وتخان في العهود ms4233 ، حتى تكونوا جماعة ، ويكون ~~بعضكم أئمة لأهل الضلالة ، وشيعة لأهل الجهالة . ثم قال : فإن تك جاسم هلكت ~~فإني . . . بما فعلت بنو عبد بن ضخم مطيع في الهواجر كل عي . . . بصير ~~بالنوى من كل نجم فقال عبد الرحمن : أيكم يطيب نفسا أن يخرج نفسه من هذا ~~الأمر ، ويوليه غيره ؟ قال : فأمسكوا عنه . وذكر نحو ماتقدم . فلنرجع إلى ~~بقية أخبار عمر رضي الله عنه . قال : ومات عمر لأربع بقين من ذي الحجة ، ~~قاله الواقدي . وقال غيره : يوم الأثنين الميلتين بقيتا منه ، وقيل : طعن ~~يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة ، سنة ثلاث وعشرين ، ودفن يوم الأحد ~~هلال المحرم ، سنة أربع وعشرين في حجرة عائشة رضي الله عنها ، ورأسه قبالة ~~كتفي أبي بكر رضي الله عنهما ، وصلى عليه صهيب الرومي . والله سبحان وتعالى ~~اعلم بالصواب . PageV19P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" ذكر أولاد عمر بن الخطاب رصي الله عنه ~~وأزواجه تزوج رضي الله عنه في الجاهلية زينب بنت مظعون بن حبيب ابن وهب بن ~~حذافة بن جمح ، فولدت له عبد الله وعبد الرحمن الأكبر وحفصة أم المؤمنين ~~رضي الله عنهم . وتزوج مليكة بنت جرول الخزاعي في الجاهلية فولدت له عبيد ~~الله ففارقها في الهدنة ، وقيل : كانت أم عبد الله وأم زيد الأصغر أم كلثوم ~~بنت جرول الخزاعي . وكان الإسلام فرق بينها وبين عمر . وتزوج قريبة بنت أبي ~~أمية المخزومي في الجاهلية ، ففارقها في الهدنة أيضا ، فتزوجها بعده عبد ~~الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وفريبة أخت أم سلمة زوج النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . وتزوج أم حكيم بنت الحارث بن هشام المخزومي في ~~الإسلام ، فولدت له فاطمة ، فطلقها ، وقيل : لم يطلقها . وتزوج جميلة بنت ~~عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأوسي في الإسلام ، فولدت له عاصما فطلقها ، ~~وقيل : لم يطلقها . وتزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ~~وأمها فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأصدقها أربعين ألفا ~~فولدت رقية وزيدا . وتزوج لهية ، امرأة اليمن ، فولد له عبد الرحمن ms4234 الأوسط ~~، وقيل الأصغر . وقيل : كانت أم ولد ، وكانت عنده فكيهبة أم ولد فولدت له ~~زينب ، وهي أصغر ولد عمر . وتزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ، وقد تقدم ~~خبرها عند ذكر عبد الله بن أبي بكر . ومن أولاده رضي الله عنه : عبد الرحمن ~~، وكنيته أبو شحمة ؛ وقيل : إنه كان له ولد يقال له : مجبر . PageV19P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" ولنفصل هذا الفصل لذكر شيء من أخبار من أدرك ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من أولاد عمر ، ومن ولد في حياته أما عبد ~~الله بن عمر رضي الله عنهما فإنه أسلم مع أبيه ، وهو صغير لم يبلغ الحلم ~~وكان أول مشاهده الخندق . وقيل : أحد ؛ لأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ردد يوم بدر لصغر سنه ، وشهد الحديبية ، وكان رضي الله عنه من أهل الورع ~~والعلم ، كثير الاتباع لآثار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، شديد ~~التحري والاحتياط في فتواه . وكان لا يتخلف عن السرايا على عهد رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، ثم كان بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~كثيرالحج . وقال رسول الله صلى الله وسلم لحفصة بنت عمر : " إن أخاك عبد ~~الله رجل صالح لو كان يقوم من الليل " ، فما ترك بعدها قيام الليل . وقعد ~~عن حرب علي لما أشكلت عليه لورعه ، ثم ندم على ذلك حين حضرته الوفاة ، فقال ~~: ما أجد في نفسي من أمر الدنيا شيئا إلا أنى لم أقاتل مع علي الفئة ~~الباغية . قال ميمون بن مهران : ما رأيت أورع من أبن عمر ، ولا أعمل من ابن ~~عباس . وأفتى من الإسلام ستين سنة ، ونشر نافع عنه علما جما . وروى عن يوسف ~~بن الماجشون ، عن أبيه وغيره : أن مروان بن الحكم دخل في نفر على عبد الله ~~بن عمر بعد ما قتل عثمان ، فعرضوا عليه أن يبايعوا له ، فقال : كيف لي ~~بالناس ؟ قال : تقاتلهم ونقاتل معك ، قال : والله لو اجتمع على أهل الأرض ، ~~إلا أهل فدك ما قاتلتهم فخرجوا من عنده ومروان يقول : إني أرى ms4235 فتنة تغلي ~~مراجلها . . . والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا قال : وكانت وفاة عبد الله ~~بمكة سنة ثلاث وسبعين ، بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر أو نحوها ، وقيل : ~~ستة أشهر ، وأوصى أن يدفن في الحل ، فلم يقدر على ذلك من أجل الحجاج ، فدفن ~~بذي طوى بمقبرة المهاجرين . وكان الحجاج قد أمر رجلا فسم زج رمحه ، وزحمه ~~في الطريق ، ووضع الزج في ظهر قدمه ؛ ذلك أن الحجاج خطب يوما ، وأخر الصلاة ~~، فقال ابن عمر : إن الشمس لا تنتظرك ، فقال الحجاج : لقد هممت أن أضرب ~~الذي فيه عيناك . فقال : إن تفعل فإنك سفيه سلط . وقيل : إنه أخفى قوله ذلك ~~عن الحجاج فلم يسمعه . PageV19P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" وكان عبد الله يتقدم في المواقف بعرفة وغيرها ~~إلى المواضع التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلام يقف فيها ، فكان ذلك ~~يعز على الحجاج ، فأمر الحجاج رجلا معه حزبه مسمومة ، فلما دفع الناس من ~~عرفة ، لصق به ذلك الرجل ، فأمر الحربة على قدمه وهو فيغرز راحلته ، فمرض ~~منها إياما ، فدخل عليه الحجاج يعوده ، فقال : من فعل ذلك بك يا أبا عبد ~~الرحمن وخرج عنه . وقيل إنه قال للحجاج : إذ قال : من فعل بك ؟ قال : أنت ~~الذي أمرت بإدخال السلاح في الحرم ، فلبث أياما ثم مات رضي الله عنه ، وصلى ~~عليه الحجاج . وأما عبد الرحمن الأكبر ، فإنه أدرك لسنه رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ولم يخف عنه . وعبد الرحمن الأوسط وهو أبو شحمة هو ؛ الذي ~~ضربه عمرو ابن العاص بمصر في الخمر ، ثم حمله إلى المدينة فضربه أبوه أدب ~~الوالد ، ثم مرض ومات بعد شهر . كذا رواه معمر عن الزهري ، عن سالمن عن ~~أبيه ، وأهل العراق يقولون : إنه مات تحت سياط عمر . قال ابن عبد البر : ~~وذلك غلط . وقال الزبير : أقام عليه عمر حد الشراب ، فمرض ومات . وعبد ~~الرحمن الأصغر ، هو أبو المجبر ، واسم المجبر عبد الرحمن ابن عبد الرحمن بن ~~عمر : سمي المجبر لأنه وقع وهو غلام فتكسر ، فأتى به إلى عمته حفصة أم ~~المؤمنين ms4236 ، فقيل لها : انظري إلى ابن أخيك المكسر فقالت : ليس بالمكسر ~~ولكنه المجبر . وقال الزبير : هلك عبد الرحمن الأصغر و ترك ابنا صغيرا ، أو ~~حملان فسمته حفصة : عبد الرحمن ، ولقبته المجبر ، وقالت : لعل الله يجبره . ~~PageV19P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" وعبيد الله بن عمر ولد على عهد رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، ولم ينقل أنه روى عنه ، ولاسمع منه ، وهو الذي حده ~~عمر في شرب الخمر ، وهو الذي وثب على الهرمزان فقتله ، وقتل معه نصرانيا ~~اسمه جفينة من أهل الحيرة ، وقد اتهمهما أنهما أغريا أبا لؤلؤة بقتل عمر . ~~وقتل أيضا ابنة لأبي لؤلؤة طفلة ، ولما ضرب الهرمزان بالسيف قال : لا إله ~~إلا الله ، فلما قتل هؤلاء أخذه سعد بن أبي وقاص وحبسه في داره ، وأحضره ~~عند عثمان . وكان عبيد الله يقول : والله لأقتل : رجالا ممن شرك في دم أبي ~~، يعرض بالمهاجرين والأنصار . قالوا : وإنما قتل هؤلاء ، لأن عبد الرحمن ~~أبي بكر قال غداة قتل عمر : رأيت عشية أمس الهرمزان ، وأبا لؤلؤة ، وجفينة ~~، وهم يتناجون ، فلما رأوني ثاروا ، وسقط منهم خنجر له رأسان ، نصابه في ~~وسطه ، وهو الخنجر الذي ضرب به عمر ، فقتلهم عبيد الله . فلما أحضره عثمان ~~قال : أشيروا على في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق ، فقال علي : أرى أن ~~تقتله . فقال بعض المهاجرين : قتل عمر أمس ، ونقتل ابنه اليوم فقال عمرو بن ~~العاص : إن الله قد أعفاك أن يكون لك هذا الحدث ، ولك على المسلمين سلطان . ~~فقال عثمان : أنا وليه ، وقد جعلها دية ، واحتلتها في مالي . وقيل في فداء ~~عبيد الله غير ذلك . قال القماذيان بن الهرمزان : كانت العجم بالمدينة ~~يستروح بعضها إلى بعض ، فمر فيروز بأبي ، ومعه خنجر له رأسان ، فتناوله منه ~~، وقال له : ما تصنع به ؟ قال : أسن به ، فرآه رجل ، فلما أصيب عمر قال : ~~رأيت الهرمزان دفعه إلى فيروز ، فأقبل عبيد الله فقتله . فلما ولي عثمان ~~أمكنني منه ، فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي ، وإلا أنهم يطلبون إلى ~~فيه ، فقلت لهم : ألي قتله ؟ قالوا ms4237 : نعم ، وسبوا عبيد الله ، قلت : أفلكم ~~منعه ؟ قالوا : لا وسبوه ، فتركته لله ولهم ، فحملوني ، فوالله ما بلغت ~~المنزل إلا على رؤوس الناس . والأول أصح وأشهر ؛ لأعليا لما ولي الخلافة ~~أراد قتل عبيد الله ، فهرب منه إلى معاوية بالشام ، ولو كان إطلاقه بأمر ~~ولي الدم لم يعرض له علي رضي الله عنه . PageV19P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" قال أبو عمر : وكان عبيد الله من أنجاد قريش ~~وفرسانهم ، قتل بصفين مع معاوية ، وكان يومئذ على الخيل ، فرماه أبو زبيد ~~الطائي . وقيل : كان قد خرج في اليوم الذي قتل فيه ، وجعل امرأتين له بحيث ~~تنظران إلى فعله وهما : أسماء بنت عطارد بن حاجب التميمي ، وبحرية بنت هاني ~~بن قبيصة ، فلما برز شدت عليه ربيعة فنشب بينهم فقتلوه ، وكان على ربيعة ~~يومئذ زياد بن خصفة التميمي ، فقيل له : إن هذه بحرية ، فسقط عبيد الله ~~ميتا قرب فسطاطة ، وقد بقي طنب في طنبة الفسطاط لا وتد له ، فجروه ، وشدوا ~~الطنب برجله ، وأقبلت امرأتاه حتى وقفتا عليه ، فبكتا وصاحتا ، فخرج زياد ~~بن خصفة فقيل له : إن هذه بحرية بنت هانئ . فقال : ما حاجتك يا بنت أخي ؟ ~~فقالت : زوجي قتل ، تدفعه إلي ، قال : نعم ، فخذيه ، فحملته على بغل ، فذكر ~~أن يديه ورجليه خطتا على الأرض من فوق البغل والله سبحانه وتعالى أعلم ~~بالصواب وهو حسبي ونعم الوكيل ، وصلى الله على سيدنا محمد . ذكر عمال عمر ~~رضي الله عنه وعنهم وعلى الأمصار قد ذكرنا عما له في حوادث السنين ، ورأينا ~~أن نجمعهم في هذا الموضع فنقول : كان عماله رضي الله عنهم : على مكة عتاب ~~ابن أسيد ، وعلى اليمن والطائف يعلى بن منية ، وعلى البحرين واليمامة ~~العلاء بن الحضرمي ، ثم عثمان بن أبي العاص ، ثم دثامة ابن مظعون ، ثم أبا ~~بكرة ، وعلى عمان حذيفة بن محصن ، وعلى البصرة - أول من كان بها - قطبة بن ~~قتادة السدوسي ، يغزو بتلك الناحية ، كما كان المثني يفعل بناحية الحيرة . ~~ثم كتب إلى عمر بن بكر ، فسار إلى الأهواز ، فقتله الأعاجم بدارس ، فاستعمل ~~عمر عتبة بن ms4238 غزوان ، ففتح الأبلة ، ثم سار إلى عمر ، فأعاده إلى عمله ، ~~فمات في الطريق ، فكانت إمارته ستة أشهر ، فاستعمل بعده أبا سبرة بن أبي ~~رهم على أحد الأقوال ، ثم المغيرة بن شعبة ، ثم عزله كما تقدم بيانه ، ~~فاستعمل أبا موسى الأشعري ، ثم صرفه إلى الكوفة ، واستعمل عمر بن سراقة ، ~~ثم صرفه إلى الكوفة ، وصرف أبا موسى إلى البصرة فعمل عليه ثانية ، ثم صرفه ~~و أعاده ثالثة . PageV19P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" وعلى مضافات البصرة جماعة فكان على مناذر ~~غالب الوائلي ، وعلى نهر تيري حرملة بن مريطة ، وعلى سوق الأهواز حرقوص بن ~~زهير . وعلى الكوفة وما يليها . أول من استعمل عليها سعد بن أبي وقاص ، ~~فكان عليها إلى سنة عشرين ، فعزله لشكاية أهلها ، وأقر خليفته على الكوفة ، ~~وهو عبد الله بن عبد الله بن عتبان ، ثم استعمل عمر عمار بن ياسر بن مسعود ~~كما تقدم ، ثم المغيرة بن شعبة . وعلى ثغور الكوفة م قدمنا ذكره ، وعلى ~~الجزيرة وما يليها عياض بن غنم ، ثم ضمه عمر إلى أبي عبيدة ، واستعمل حبيب ~~ابن مسلمة على خراج الجزيرة وعجمها ، والوليد بن عقبة على عربها ، وعلى ~~الموصل من كان على حربها ربعي بن الأفكل ، وعلى خراجها عرفجة ابن هرثمة ؛ ~~وذلك في سنة ست عشرة . وقيل : كان على الحربو الخراج بها عتبة بن فرقد ، ~~وقيل كان ذلك إلى عبد الله بن غنم ، وعلى الشام أبو عبيدة بن الجراح وكان ~~تحت يده جماعة على الأعمال ، فكان خالد بن الوليد على قنسرين وحمص ، ويزيد ~~بن أبي سفيان على دمشق ومعاوية على الأردن ، وعلقمة بن مجزز على فلسطين ~~وعبد الله بن قيس على السواحل . فلما مات أبو عبيدة استعمل عمر معاذ بن جبل ~~فمات من عامه ، فاستعمل يزيد بن أبي سفيان فمات ، فاستعمل معاوية على دمشق ~~والاردن ، ثم استقر في سنة إحدى وعشرين عمير بن سعد على دمشق وحوران وحمص ~~وقنسرين والجزيرة ، ومعاوية بن أبي سفيان على البلقاء والأردن وفلسطين ، ~~والسواحل ، وانطاكية ، وقلقية ، ومعرة مصرين . وعلى مصر عمرو بن العاص ، ~~وكان العمال ms4239 في سنة وفاته إلى آخر سنة ثلاث وعشرين . وعلى مكة نافع بن عبد ~~الحارث الخزاعي ، وعلى الطائف سفيان بن عبد الله الثقفي . وعلى صنعاء يعلى ~~بن منية ، وقال الجند عبد الله بن أبي ربيعة ، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة ~~، وعلى البصرة أبا موسى الأشعري ، وعلى مصر عمرو بن العاص ، وعلى حمص : ~~عمير بن سعد ، وعلى دمشق معاوية ، وعلى البحرين وما والاها عثمان ابن أبي ~~العاص الثقفي . كتابه عبد الله بن خلف الخزاعي وزيد بن ثابت ، وعلى بيت ~~المال زيد ابن أرقم . PageV19P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" قضاته : يزيد بن أخت النمر بالمدينة : وأبو ~~أمية شريح بن الحارث الكندي بالكوفة ، ويقال : إن شريحا أقام قاضيا ستين ~~سنة إلى أيام الحجاج ، فعطل ثلاث سنين ، وامتنع من الحكم ، وذلك في أيام ~~فتنة ابن الزبير . ولما ولى الحجاج استعفاه ، فأعفاه ، ومات سنة سبع ~~وثمانين وله مائة وعشرون سنة . وقيل : مائة سنة ، وليس هو في عداد الصحابة ~~رضي الله عنهم ، بل من كبار التابعين . وعلى قضاء البصرة كعب بن سور . وعلى ~~قضاء مصر قيس بن العاص السهمي ، ثم كعب بن سيار بن ضبة ، ثم عثمان بن أبي ~~العاص . وكان حاجبه يرفأ مولاه ، وخاتمه خاتم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وقال أبو عمر بن عبد البر : كان نقش خاتمة : " كفى بالموت واعظا يا ~~عمر . ذكر خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه هو أبو عبد الله ، وقيل : أبو ~~عمرو ، وقيلك في تكنيته بابي عبد الله . إن رقية بنت رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، ولدت له ابنا فسماه عبد الله ، فاكتنى به ، ومات ، ثم ولد له ~~عمرو ، فاكتنى به إلى أن مات . وقيل : أنه كان يكنى أبا ليلى عثمان بن عفان ~~بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، ويجتمع مع نسب رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في عبد مناف ، ولقب بذي النورين ، لأنه تزوج ابنتي ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رقية وأم كلثوم . وقيل للمهلب بن أبي ~~صفرة : لم قيل : عثمان ms4240 ذو النورين ؟ قال : لأنه لا نعلم أن أحدا أرسل سترا ~~على ابنتي نبي غيره . PageV19P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بنت عبد ~~شمس بن عبد مناف ، وأمها البيضاء ، أم حكيم بنت عبد المطلب ، عمة رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) . ولد في السنة السادسة بعد عام الفيل والله سبحانه ~~وتعالى أعلم . بالصواب ، وهو حسبي ونعم الوكيل ، وصلى الله على سيدنا محمد ~~. ذكر صفته ونبذة من فضائله كان رضي الله عنه طويل القامة ، حسن الوجه وقيل ~~: كان ربعه ، ليس بالقصير ولا بالطويل ، حسن الوجه رقيق البشرة ، كبير ~~اللحية ، عظيما أسمر اللون ، كثير الشعر ، ضخم الكراديس ، بعيد ما بين ~~المنكبين ، وكان يصفر لحيته ، ولما كبر شد أسنانه بالذهب ، وهو رضي الله ~~عنه أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالجنة ، ~~ومات وهو عنهم راض . وله رضى الله عنه فضائل ومآثر وسابقة في الإسلام وقال ~~علي رضي الله عنه : كان عثمان أوصلنا للرحم ، وكان من الذين آمنوا واتقوا ~~وأحسنوا ، والله يحب المحسنين . واشترى رضي الله عنه بئر رومة ، وكانت ركية ~~ليهودي ، يبيع للمسلمين ماءها ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~من يشتري بئر رومة فيجعلها للمسلمين ، يضرب بدلوه في دلائهم ، وله بها مشرب ~~في الجنة ؟ " فأتى عثمان اليهودي فساومه بها ، فأبى أن يبيعها كلها ، ~~فاشترى منه نصفها باثني عشر ألف درهم فجعله للمسلمين ، فقال له عثمان : إن ~~شئت جعلت على نصيبي يومين ، وإن شئت على يوم ولك يوم ، قال : لا ، بل لك ~~يوم ولي يوم . فكان إذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يومين فلما ~~رأى اليهودي ذلك ، قال : أفسدت على ركبتي ، فاشتر النصف الآخر ، فاشتراه ~~بثمانية آلاف . قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : من يزيد في مسجدنا ~~؟ فاشترى عثمان رضي الله عنه موضع خمس سوار ، فزاده في المسجد . وجهز رضي ~~الله عنه جيش العسرة بتسعمائة وخمسين بعيرا ، وأتم الألف بخمسين فرسا . ~~PageV19P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" وعن قتادة رضي الله عنه ، قال ms4241 : حمل عثمان ما ~~في جيش العسرة على ألف بعير ، وسبعين فرسا . وعن محمد بن بكير : أن عثمان ~~رضي الله عنه ، كان يحيى الليل : أن عثمان رضي الله عنه ، كان يحيى الليل ~~يركعه يقرأ فيها القرآن . وروى أنه كان يصوم الدهر رضي الله عنه . ذكر بيعة ~~عثمان رضي الله عنه . بويع له بالخلافة كما تقدم في قصة الشورى ، وقد اختلف ~~في يوم بيعته ، وهو مرتب على الخلاف في تاريخ وفاة عمر رضي الله عنهما ، ~~فقيل : في يوم السبت غرة المحرم ، سنة أربع وعشرين . ولم يذكر أبو عمر بن ~~عبد البر غيره . وقيل : يوم الأثنين لليلة بقيت من ذي الحجة ، سنة ثلاث ~~وعشرين ، فاستقبل بخلافته شهر المحرم ، سنة أربع وعشرين ، قاله أبو جعفر . ~~قال : وقيل : لعشر خلون من المحرم معد مقتل عمر بثلاث ليال . قال : استخلف ~~وقد دخل وقت العصر ، وقد أذن مؤذن صهيب ، واجتمعوا في ذلك بين الأذان ~~والإقامة ، فخرج فصلى بالناس ، وزادهم مائة مائة ، ووفد أهل الأنصار ، وهو ~~أول من صنع ذلك . قال : وقيل : لما بايع أهل الشورى عثمان رضي الله عنهن ~~خرج وهو أشدهم كآبة ، فأتى منبر النبري ( صلى الله عليه وسلم ) فخطب فحمد ~~الله واثني عليه وصلى على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : أيها الناس ، ~~إنكم في دار قلعة ، وفي بقية أعمار ، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون علي ، ~~فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم ، ألا وإن الدنيا طويت على الغرور " فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ؟ واعتبروا بمن مضى ، ثم جدوا ولا ~~تغفلوا ؛ فإنه لا يغفل عنكم . أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها ~~وعمروها ، ومتعوا بها طويلا ألم تلفظهم رموا بالدنيا حيث رمى الله بها . ~~واطلبوا الآخرة ؛ فإن الله عز وجل قد ضرب لها مثلا والذي هو خير ، فقال : " ~~واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء . . . " إلى قوله : " ~~والباقيات الصالحات خير عن ربك ثوابا وخير أملا " PageV19P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" وكان أول كتاب كتبه إلى عماله : أما بعد ؛ ~~فإن الله تعالى أمر الأئمة أن يكونوا ms4242 رعاة ، ولم يتقدم إليهم أن يكونوا ~~جباة ، وأن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة ، ولم يخلقوا جباة ، وليوشكن أئمتكم ~~أن يصيروا جباة ، ولا يكونوا رعاة ؛ فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة ~~والوفاء . ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين فيما عليهم ~~فتعطوهم مالهم ، وتأخذوهم بما عليهم ، ثم تثنوا بالذمة فتعطوهم الذي لهم ، ~~وتأخذوهم بالذي عليهم ، ثم العدة الذي تنتابون ، فاستفتحوا عليهم بالوفاء . ~~كان أول كتاب كتبه إلى أمراء الأجناد في الفروج : أما بعد ، فإنكم حماة ~~المسلمين وذادتهم ، وقد وضع لكم عمر رضي الله عنه ما لم يغب عنا ، بل كان ~~عن ملأ منا ، ويستبدل بكم غيركم . فانظروا كيف تكونون ، فإنى أنظر فيما ~~ألزمني الله النظر فيه والقيام عليه . ذكر الفتوحات والغزوات في خلافة ~~عثمان ذكر خلاف أهل الاسكندرية وفي سنة خمس وعشرين نقض أهل الاسكندرية ~~الصلح ؛ وذلك أن الروم حضروا إليهم من القسطنطينية ، ونفذ منهم منويل الخصى ~~، واتفقوا مع من بها من الروم ، ولم يوافقهم المقوقس ، وثبت على صلحه ، ~~فثبت لذلك . وسار عمرو بن العاص إليهم ، وسار إليه الروم ، واقتتلوا أشد ~~قتال ، فانهزم الروم وتبعهم المسلمون إلى أن أدخلوهم الإسكندرية ، وقتلوا ~~منهم في البلدة مقتلة عظيمة ، وقتل منويل الخصى . وكان الروم لما خرجوا من ~~الإسكندرية أخذوا أموال أهل تلك القرى ، من وافقهم ومن خالفهم ، فلما ظفر ~~بهم المسلمون جاء أهل القرى الذين خالفوهم فقالوا لعمرو بن العاص : إن ~~الروم أخذوا اموالنا ودوابنا ، ولم نخالف نحن عليكم ، وكنا على الطاعة ، ~~فردع عليهم ما غرموا من أموالهم بعد إقامة البينة . وهدم عمرو سور ~~الإسكندرية PageV19P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" ذكر غزو أرمينية وغيرها وما وقع من الصلح . ~~كان عثمان رضي الله عنه قد استعمل سعد بن أبي وقاص على الكوفة ، ثم عزله ، ~~واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط - وهو أخو عثمان لأمه - فعزل الوليد ~~عتبة بن فرقد عن أذربيجان ، فنقضوا العهد فغزاهم الوليد في سنة خمس وعشرين ~~، وجعل على مقدمته ابن شبيل الأحمسي ، وأغار على أهل موقان وما جاورها ، ~~ففتح وغنم وسبى ms4243 ، وطلب أهل كور أذربيجان الصلح ، فصالحهم على صلح حذيفة ، ~~وهو ثمانمائة ألف درهم ، فقبض المال ثم بث سراياه ، وبعث سلمان بن ربيعة و ~~الباهلي إلى أهل أرمينية في أثني عشر ألف فقتل وسبى وغنم ، ثم انصرف وقد ~~ملأ يده حتى أتى الوليد . وعاد الوليد وجعل طريق إلى الموصل ، ثم أتى ~~الحديثة . قال : ولما نزل الوليد بن عقبة الحديثة ، أتاه كتاب عثمان رضي ~~الله عنه يقول : إن معاوية كتب إلى أن الروم قد أجلبت على المسلمين في جموع ~~كثيرة ، وقد رأيت أن يمدهم أخوانهم من أهل الكوفة . فابعث إليهم رجلا له ~~نجدة وبأس في ثمانية آلاف ، أو تسعة آلاف ، أو عشرة آلاف من المكان الذي ~~يأتيك كتابي فيه ، والسلام . فقام الوليد في الناس ، وأعلمهم الحال ، ~~وندبهم مع سلمان ابن ربيعة الباهلي ، فانتدب معه ثمانية آلاف ، فمضوا حتى ~~دخلوا مع أهل الشام إلى أرض الروم ، فشنوا الغارات ، فأصاب الناس ما شاءوا ~~، وافتتحوا حصونا كثيرة . وقيل : إن الذي أمد حبيب بن مسلمة بسلمان بن ~~ربيعة ، كان سعيد بن العاص لما كان على الكوفة ؛ وكان سبب ذلك أن عثمان كتب ~~إلى معاوية يأمره أن يغزى حبيب بن مسلمة في أهل الشام أرمينية ، فوجهه ~~إليها ، فأتى قاليقلا فحصرها ، وضيق على من كان بها ، فطلبوا الأمان على ~~الجلاء أو الجزية ، فجلا كثير منهم ، فلحقوا ببلاد الروم ، وأقام حبيب بها ~~فيمن معه أشهرا ، ثم بلغه أن بطريق أرمنياقس - وهي ملطية ، وسيواس وقونية ، ~~وما ولاها من البلاد إلى خليج القسطنطينية - واسمه الموريان ، قد توجه نحوه ~~في ثمانين ألفا من الروم . فكتب إلى معاوية بذلك ، فكتب PageV19P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" معاوية إلى عثمان ، فأرسل عثمان إلى سعيد بن ~~العاص ، يأمره بإمداد حبيب ، فأمده بسلمان في ستة آلاف ، فأجمع حبيب على ~~تبييت الروم ، فسمعته امرأته أم عبد الله بنت يزيد الكبيبة ، فقالت : أين ~~موعدك ؟ فقال : سرادق الموريان ، ثم بيتهم ، فقتل من وقف له ، ثم أتى ~~السرادق فوجد امرأته قد سبقته إليه ، ولما انهزمت الروم عاد حبيب إلى ~~قاليقلا ، ثم سار فيها ms4244 فنزل مريالا ، فأتاه بطريق خلاط بكتاب عياض بن غنم ~~بأمانه فأجراه عليه ، وحمل إليه البطريق ما عليه من المال . ونزل حبيب خلاط ~~، ثم سار منها ، فلقيه صاحب مكس ، وهي من البسفرجان ، فقاطعه على بلاده ، ~~ثم سار منها إلى أزدشاط وهي القرية التي يكون بها القرمز الذي يصبغ به ، ~~فنزل على نهر دبيل ، وسرح الخيول إليها وحصرها ، فتحصن أهلها ، فنصب عليهم ~~منجنيقا ، فطلبوا الأمان ، فأجابهم إليه ، وبث السرايا فبلغت خيله ذات ~~اللجم ؛ وإنما سميت ذات اللجم لأن المسلمين أخذوا لجم خيلهم ؛ وإنما سميت ~~ذات اللجم لأن المسلمين أخذوا لجم خيلهم ، فكبسهم الروم من قبل أن يلجموها ~~، ثم ألجموها وقاتلوهم فظفروا بهم . ثم وجه سرية إلى سراج طير وبغروند ، ~~فصالحه بطريقها على إتاوة ، وقدم عليه بطريق البسفرجان ، فصالحه على بلاده ~~، وأتى السيسبان فحاربه أهلها فهزمهم ، وغلب على حصونهم . وسار جرزان ، ~~وفتح عدة حصون ومدن تجاورها صلحا . وسار سلمان بن ربيعة إلى أران ، ففتح ~~البيلقان صلحا ، على أن يؤمنهم على دمائهم وأموالهم ، وحيطان مدنهم ، ~~واشترط عليهم ، الجزية والخراج ، ثم أتى سلمان مدينة برذعة فعسكر على ~~الثرثور ) نهر بينه وبينها نحو فرسخ ( فقاتله أهلها أياما ، وشن الغارات ~~على قراها ، فصالحوه على مثل صلح البيلقان ، ودخلها ، ووجه خيله ففتحت ~~رساتيق الولاية ، ودعا أكراد البلاشجان إلى الإسلام ، فقاتلوه ، فظفر بهم ، ~~فأقرهم على الجزية ، وأدى بعضهم الصدقة وهم قليل ، ووجه سرية إلى شمكور ~~ففتحوها ، وهي مدينة قديمة ، ولم تزل معمورة حتى أخر به الساوردية ، وهم ~~قوم تجمعوا لما انصرف يزيد بن أسيد عن أرمينية ، فعظم أمرهم ، ثم عمرها بغا ~~في سنة أربعين ومائتين ، وسماها المتوكلية ، نسبة إلى المتوكل . ~~PageV19P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" وسار سلمان إلى مجمع الرس والكر ، ففتح قبلة ~~، وصالحه صاحب شكى وغيرها على الإتاوة ، وصالحه ملك شروان ، وسائر ملوك ~~الجبال فأهل مسقط والشابران ، ومدينة الباب . والله تعالى أعلم بالصواب . ~~ذكر غزو معاوية الروم وفي سنة خمس وعشرين ، غزا معاوية بن أبي سفيان الروم ~~، فبلغ عمورية فوجد الحصون التي بين انطاكية وطرسوس خالية ، فجعل عندها ~~جماعة كثيرة ms4245 من أهل الشام والجزيرة ؛ حتى انصرف من غزاته . ثم أغزى بعد ذلك ~~يزيد بن الحر العبسي الصائفة وأمره أن يفعل مثل ذلك ، ولما خرج هدم الحصون ~~إلى انطاكية . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب . ذكر فتح كابل وفي سنة ~~خمس وعشرين بعث عثمان بن عفان رضي الله عنه عبد الله بن عامر إلى كابل ، ~~فبلغها في قول ، وكانت أعظم من خراسان ولم يزل إلى أن مات معاوية ، فامتنع ~~أهلها . والله سبحانه وتعالى أعلم . ذكر غزو إفريقية وفتحها وفيها بعث عمرو ~~بن العاص عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى أطراف إفريقية غازيا بأمر عثمان ~~فغنم وعاد ، وكتب إلى عثمان يستأذنه في غزوها ، فأذن له ، وعزل عمرو بن ~~العاص عن خراج مصر . واستعمل عبد الله بن سعد في سنة ست وعشرين ، فتنازعا ~~الأمر . فكتب عبد الله إلى عثمان أن عمرا كسر على الخراج ، وكتب عمرو إن ~~عبد الله كسر على مكيدة الحرب . فعزل عثمان عمرا واستقدمه ، استعمل عبد ~~الله على حرب مصر وخراجها ، وأمره أن يغزو إفريقية وقال : إن فتح الله عليك ~~فلك خمس الخمس نفلا . PageV19P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" وأمر عثمان عبد الله بن نافع بن عبد القيس ~~وعبد الله بن نافع ابن الحارث على جند ، وسرحهما ، وأمرهما بالاجتماع مع ~~عبد الله بن سعد على صاحب إفريقية ، ثم يقيم عبد الله في عمله فخرجوا ~~ووصلوا إلى أرض إفريقية في عشرة آلاف من شجعان الإسلام ، فصالحهم أهل ~~إفريقية على مال يؤدونه ، ولم يقدموا على دخول إفريقية والتوغل فيه لكثرة ~~أهلها . ثم أرسل عبد الله إلى عثمان يستشيره في قصد إفريقية ، وفتحها ، ~~فجهز إليه عثمان جماعة من أعيان الصحابة ، منهم عبد الله بن عباس وغيره ، ~~فسار بهم ابن سعد إلى افريقية . فكان من أمر فتح إفريقية مانذكره إن شاء ~~الله تعالى في الباب السادس من القسم الخامس من هذا الفن في أخبار إفريقية ~~، وبلاد المغرب بما هو أبسط من هذا القول ، وهو السفر الثاني والعشرون من ~~هذه النسخة . قال : لما فتحت سبيطلة وهي ms4246 دار الملك ، وجد فيها من الأموال ~~مالم يكن في غيرها ، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار ، وسهم الراجل ألف ~~دينار . وبعث عبد الله بن سعد جيوشه في البلاد ، فبلغت قفصة ، فسبوا وغنموا ~~، وبعث عسكرا إلى حصن الأجم ، وقد احتمى به أهل البلاد ، فحصره وفتحه ~~بالأمان ، فصالحه أهل إفريقية على الفئ ، ألف وخمسمائة ألف دينار . وسار ~~عبد الله بن الزبير إلى عثمان بالبشارة ، وتنفل بابنه الملك ، ثم عاد عبد ~~الله بن سعد من إفريقية إلى مصر ، وكان مقامه بها سنة وثلاثة أشهر ، ولم ~~يفقد من المسلمين إلا ثلاثة عشر رجلا ، وحمل خمس إفريقية إلى المدينة ، ~~فابتاعه مروان بن الحكم بخمسمائة ألف دينار ، فوضعها عنه عثمان وهو مما أخذ ~~عليه ، وأنكره الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وقال في ذلك عبد الرحمن بن ~~حنبل أحد الصحابة رضي الله عنهم : أحلف بالله اليمين . . . ماترك الله أمرا ~~سدى ولكن جعلت لنا فتنة . . . لكي نبتلي بك أو تبتلي دعوت الطريد فأدنيته . ~~. . خلافا لما سنه المصطفى ووليت قرباك أمر العباد . . . خلافا لسنة من قد ~~مضى وأعطيت مروان خمس الغنيم . . . ة آثرته وحميت الحمى PageV19P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" ومالا أتاني به الأشعري . . . من الفئ أعطيته ~~من دنا فإن الأمينين قد بينا . . . منار الطريق عليه الهدى فما أخذا غيلة ~~درهما . . . ولا قسما درهما في هوى قال : ولما فتحت إفريقية أمر عثمان عبد ~~الله بن نافع بن عبد القيس أن يسير إلى الأندلس ، فأتاها من البحر ، ففتح ~~الله تعالى على المسلمين . وفي سنة سبع وعشرين فتحت اصطخر ، وهو الفتح ~~الثاني ، وكان فتحها الآن على يد عثمان بن أبي العاص . وقد ذكرنا الأول في ~~خلافة عمر . وفيها غزا معاوية بن سفيان رضي الله عنه تعالى عنه قبرس . ذكر ~~فتح جزيرة قبرس كان فتحها على يد معاوية بن أبي سفيان ، واختلف في وقته ، ~~فقيل : فتحت في سنة ثمان وعشرين ، وقيل : في سنة تسع وعشرين ، وقيل : وفي ~~سنة ثلاث وثلاثين وكان قد ألح على عمر رضي الله عنه في غزو البحر ، وذكر ~~قرب الروم ms4247 من حمص ، وقال : إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلاب وصياح ~~دجاجهم . فكتب عمرو إلى عمرو بن العاص : أن صف لي البحر وراكبه ، فكتب إليه ~~عمرو بن العاص : أني رأيت خلقا كثيرا يركبه خلق صغير ، ليس إلا السماء ~~والماء ، إن ركد خرق القلوب ، وإن تحرك أزاغ العقول ، يزداد فيه اليقين قلة ~~، والشك كثرة ، هم فيه كدود على عود ، إن مال غرق ، وإن نجا برق . فلما قرأ ~~كتاب عمرو ، كتب إلى معاوية : والذي بعث محمدا بالحق لا أحمل فيه مسلما ~~أبدا ، وقد بلغني أن بحر الشام يشرف على أطول شيء من الأرض ، فيستأذن الله ~~كل يوم وليلة في أن يغرق الأرض ، فكيف أحمل الجنود على هذا الكافر ، لمسلم ~~أحب إلي مما حوت الروم ، فإياك أن تعرض علي ، فقد علمت ما لقي العلاء مني . ~~وترك ملك الروم الغزو ، وكاتب عمر وقاربه ، فلما كان زمن عثمان كتب معاوية ~~إليه يستأذنه في غزو البحر مرارا ، فأجابه إلى ذلك وقال : لا تنتخب الناس ~~ولا تقرع بينهم ، خيرهم ، فمن اختار الغزو طائعا ، فاحمله وأعنه ، ففعل . ~~PageV19P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" واستعمل عبد الله بن قيس الحارثي حليف بني ~~فزارة ، وسار المسلمون إلى قبرس ، وسار إليها عبد الله بن سعد من مصر ، ~~فاجتمعوا عليه فصالحهم أهلها على جزية ، وهي سبعة آلاف دينار في كل سنة ، ~~ويؤدون للروم مثلها ، لا يمنعهم المسلمون من ذلك ، وليس على المسلمين منعهم ~~ممن أرادهم من ورائهم . وعليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوهم من الروم ، ~~ويكون طريق المسلمين إلى العدو عليهم ، فقبلوا ذلك منهم ، وعادوا عنهم . ~~وشهد هذه الغزاة جماعة من الصحابة ، منهم : أبو ذر الغفاري ، وعبادة بن ~~الصامت ، ومعه زوجته أم حرام بنت ملحان ، وأبو الدرداء شداد بن أوس . وفي ~~هذه الغزاة ماتت أم حرام ، ألقتها بغلتها بجزيرة قبرس فاندق عنقها ، وكان ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أخبرها أنها من أول من يغزو في البحر . ~~قال : وبقي عبد الله بن قيس على البحر ، فغزا خمسين غزاة في البحر ، من بي ~~شاتيه ms4248 ، وصائفة ، لم ينكب أحد من جنده ، وكان يدعوا الله أن يعافيه في جنده ~~، ثم خرج هو في قارب طليعة ، فانتهى إلى المرفأ من أرض الروم ، وفيه مساكين ~~يسألون ، فتصدق عليهم ، فرجعت امرأة منهم إلى قريتها ، فقالت : هذا عبد ~~الله بن قيس في المرفأ فبادروا إليه ، وهجموا عليه ، فقتلوه ، بعد أن ~~قاتلهم ، فأصيب وحده ، ونجا الملاح حتى أتى أصحابه فأعلمهم ، فجاءوا حتى ~~رسوا بالمرفأ وعليهم سفيان بن عوف الأزدي ، فخرج إليهم فقاتلهم . وقيل لتلك ~~المرأة بعد ذلك : بأي شيء عرفت عبد الله بن قيس ؟ قالت : كان كالتاجر ، ~~فلما سألته أعطاني كالملك ، فعرفته بهذا . ولما كانت سنة اثنتين وثلاثين ~~أعان أهل قبرس الروم على غزو المسلمين بمراكب أعطوهم إياها ، فغزاهم معاوية ~~في سنة ثلاث وثلاثين ففتحها عنوة ، فقتل وسبى ، ثم أقرهم على صلحهم ، وبعث ~~إليهم أثني عشر ألفا فبنوا المساجد ، وبنى بها مدينة . وقيل : كانت الغزوة ~~الثانية في سنة خمس وثلاثين . وفي سنة ثمان وعشرين غزا حبيب بن مسلمة سورية ~~من أرض الروم . والله تعالى أعلم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . PageV19P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" ذكر نقض أهل فارس وغيرهم وفتح اصطخر ودرابجرد ~~وفي سنة تسع وعشرين نقض أهل فارس بعبيد الله بن معمر ، فسار إليهم ، ~~فالتقوا على باب إصطخر ، فقتل عبيد الله ، وانهزم المسلمون . فبلغ الخبر ~~عبد الله بن عامر أمير البصرة ، فاستنفر أهل البصرة وسار إلى فارس ، ~~فالتقوا بإصطخر ، واشتد القتال ، فهزم المسلمون الفرس ، وقتل منهم مقتلة ~~عظيمة ، وفتحت إصطخر عنوة ، وأتى درابجرد ، وقد غدر أهلها ، ففتحها وسار ~~إلى مدينة جور ، فانتفضت إصطخر ، فلم يرجع إليها ، وتمم السير إلى جور ~~فحاصرها ، وكان هرم بن حيان محاصرا لها ، وكان المسلمون يحاصرونها وينصرفون ~~عنها فيأتون إصطخر ، ويغزون نواحي كانت تنتفض عليهم ، فلم يزل عبد الله بن ~~عامر عليها حتى فتحها . وكان سبب فتحها أن بعض المسلمين قام يصلي ذات ليلة ~~، وإلى جانبه جراب له فيه خبز ولحم ، فجاء كلب فجره وعدا به حتى دخل ~~المدينة من مدخل خفي ، فلزم المسلمون ذلك المدخل حتى دخلوها ms4249 منه وفتحوها ~~عنوة ، فلما فرغ ابن عامر منها عاد إلى اصطخر وفتحها عنوة بعد أن حاصرها ~~ورماها بالمجانيق ، وقتل بها خلقا كثيرا من الأعاجم ، وأفنى أكثر أهل ~~البيوتات ، ووجوه الأساورة ، وكانو قد لجئوا إليها . وقيل : إن أهل إصطخر ~~لما نطثوا عاد إليها بن عامر قبل وصوله إلى جور ، فملكها عنوة ، وعاد إلى ~~جور ، وأتى درابجرد فملكها ، وكان منتفضة أيضا ، ووطئ أهل فارس وطأة لم ~~يزالوا منها في ذل . وكتب إلى عثمان بالخبر ، فكتب إليه أن استعمل على بلاد ~~فارس هرم بن حيان اليشكري ، وهرم بن حيان العبدي ، والخربت بن راشد ، ~~والترجمان الهجيمي . وأمره أن يفرق كور خراسان على جماعة ، فيجعل الأحنف بن ~~قيس على المروين ، وحبيب بن قرة اليربوعي على بلخ ، وخارجه بن عبد الله بن ~~زهير على هراة ، وأمير بن أحمر على طوس ، وقيس ابن هبيرة وقيسا السلمى على ~~نيسابور ، والله أعلم . PageV19P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" ذكر غزو طبرستان في سنة ثلاثين غزا سعد وبن ~~عباس ، وابن عمر ، وعبد الله بن عمرو بن العاص وحذيفة بن اليمان ، وابن ~~الزبير وغيرهم ، ولم يغزها غيره أحد على أصح الأقوال . وقد ذكرنا فيما تقدم ~~في خلافة عمر رضي الله عنه فتحها ، والخلاف فيه . قال : فأتى سعيد جرجان ، ~~فصالحوه على مائتي ألف ، ثم أتى طميسة وهي كلها من طبرستان ، متاخمة جرجان ~~على البحر ، فقاتله أهلها ، فصلى صلاة الخوف وحاصرهم ، فسألوه الأمان ~~فأعطاهم ، على ألا يقتل منهم رجلا واحدا ، واحتوى على مافي الحصن ، وفتح ~~سعيد نامية ، وليست مدينة ، هي صحارى . والله أعلم . ذكر غزو الصواري كانت ~~هذه الغزوة في سنة إحدى وثلاثين ، وقيل في سنة أربع وثلاثين ، وكان سببها ~~أن المسلمين لما فعلوا بأهل إفريقية ما فعلو عند فتحها ، عظم ذلك على ~~قسطنطين ين هرقل ، فخرج في جمع لم يجمع الروم مثله مذ كان الإسلام . قيل : ~~خرج في خمسمائة مركب ، وقيل : في ستمائة ، وخرج المسلمون ، وعلى أهل الشام ~~معاوية بن سفيان ، وعلى البحر عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، فالتقوا ، ~~وقربوا السفن بعضها إلى ms4250 بعض ، فاقتتلوا بالسيوف والخناجر ، فأنزل الله نصرة ~~على المسلمين ، فانهزم قسطنطين جريحا ، ولم ينج من الروم إلا الشريد ، ~~وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري بعد الهزيمة أياما ورجع . وأما قسطنطين ~~فإنه وصل في مركبه إلى صقلية ، فقال أهلها : أهلكت النصرانية ، وأفنيت ~~رجالها ، لو أتانا أهل المغرب لم يكن عندنا من يمنعهم ، ثم أدخلوه الحمام ~~وقتلوه . والله سبحانه وتعالى أعلم . ذكر مقتل يزدجرد آخر ملوك بني ساسان ~~قال : لما فتح عبد الله بن عامر بلاد فارس على ماقدمناهن هرب يزدجرد إلى ~~خراسان ، فوجه عبد الله في طلبه مجاشع بن مسعود وقيل : غيره ، فأتبعه إلى ~~كرمان ، وكثر الثلج والبرج ، فهلك جيش مجاشع ، ورجع هو . PageV19P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" واختلف في قتل يزدجرد ، فقيلك هرب من كرمان ~~إلى مرو ومعه خرزاذ أخو رستم ، فرجع عنه إلى العراق ، وأوصى به ما هويه ~~مرزبان مرو ، فسأله يزدجرد مالا فمنعه مخافة أهل مرو على أنفسهم فأرسلوا ~~إلى الترك يستنصرونهم عليه ، فأتوه فبيتوه وقتلوا أصحابه ، فخرج ماشيا إلى ~~وسط المرغاب ، فأوى إلى بيت رجل ينقر الأرحاء ، فلما نام قتله . وقيل : بل ~~قتله أهل مرو ، ولم يستنصروا بالترك . وقيل : غير ذلك ، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم ، وهو حسبي . ذكر فتح خراسان قال : كان أهل خراسان قد غدروا ~~لما قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ونقضوا ، فلما افتتح عبد الله بن ~~عامر بلاد فارس عاد إلى البصرة ، واستخلف على إصطخر شريك بن الأعور الحارثي ~~، فبنى شريك مسجد إصطخر ، ثم تجهزا بن عامر من البصرة ، واستخلف عليها زياد ~~بن أبيه ، وسار إلى كرمان واستعمل عليها مجاشع بن مسعود السلمي ، وله صحبة ~~، وأمره بمحاربه أهلها ، وكانوا قد نكثوا . واستعمل عل سجستان الربيع بن ~~زياد الحارثي ، وكانوا قد أعدوا له أيضا ، ونقضوا الصلح . وسار عبد الله بن ~~عامر إلى نيسابور ، وعلى مقدمته الأحنف بن قيس ، فأتى الطبسين ، وهما حصنان ~~، وهما بابا خراسان ، فصالحه أهلها ، وسار إلى قوهستان فقاتله أهلها ، ~~فقاتلهم حتى ألجأهم إلى حصنه ، وقدم عليه ابن عامر ، فصالحه أهلها على ~~ستمائة ms4251 ألف درهم وبث سراياه ففتحت البلاد ، وفتح بهق ، وبشت وهي بالشين ~~المعجمة ، وليست بست المعروفة ، ثم فتح نيسابور بعد أن استولى على أعمالها ~~، وبعد أن حاصرها اشهرا . PageV19P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" وكان لكل ربع منها مرزبان من القرى يحفظه ، ~~فطلب أحدهم الأمان والصلح على جميع نيسابور ، فصالحه على ألف ألف درهم ، ~~وولى نيسابور قيس بن الهيثم السلمي ، وسير جيشا إلى نسا وبيورد ففتحوهما ~~صلحا ، وسير سرية أخرى إلى سرخس ، فقاتل أهلها ، ثم طلبوا الأمان والصلح ~~على مائة رجل ، فصالح مرزبانه على ذلك ، فأحبيب إلى ذلك ، وسمى مائة رجل ، ~~ولم يذكر نفسه ، فقتله ، ودخل سرخس عتوة ، وأتى مرزبان وس إلى عبد الله ، ~~فصالحه على ستمائة ألف درهم . وبعث جيشا إلى هراة عليهم عبد الله بن خازم ، ~~وقيل غيره ، فسار مرزبانها إلى ابن عامر وصالحه على هراة ، وباذ غيس وبوشنج ~~على ألفي ألف درهم ، ومائتي الف درهم . وكانت مرو كلها صلحا إلا قرية السنج ~~، وهي بكسر السين مهملة ، فإنها فتحت عنوة . ووجه الأحنف بن قيس إلى ~~طخارستان ، فمر برستاق يعرف برستاق الأحنف ، فصالحوه على ثلثمائة ألف درهم ~~، ومضى إلى مرو الروذ ، فقاتله أهلها ، فهزمهم ، ثم صالحهم مرزبانها على ~~ستمائة ألف درهم . فاجتمع أهل طخارستان الجوزجان والطالقان ، والفارياب ومن ~~حولهم ، فلقوه في خلق كثير ، فالتقوا واقتتلوا ، وفهزمهم المسلمون وقتلوا ~~منهم قتلا ذريعا ، وعاد إلى مرو الروذ ، ولحق بعض العدو بالجوزجان ، فوجه ~~إليهم الأحنف بن قيس الأقرع بن حابس التميمي في جيش ، وقال : يا بني تميم ، ~~تحابوا وتبادلوا تعتدل أموركم ، وابدءوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح لكم ~~دينكم ، ولا تغلوا فيسلم لكم جهادكم . فسار الأقرع فلقي العدو بالجوزجان ، ~~فكانت بالمسلمين جولة ، ثم عادوا PageV19P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" فهزموا المشركين وفتحوا الجوزجان عنوة ، وفتح ~~الأحنف الطالقان صلحا ، وفتح الفارياب ، ، وقيل بل فتحها أمير بن أحمر . ثم ~~سار الأحنف إلى بلخ ، وهي مدينة طخارستان ، فصالحه أهلها على أربعين ألف . ~~وقيل : سبعمائة ألف . فاستعمل على بلخ أسيد بن المتشمس ، ثم سار إلى خوارزم ~~، وهي على نهر جيحون ، فلم يقدر عليها ms4252 ، فعاد إلى بلخ . ولما تم هذا الفتح ~~لعبد الله بن عامر ، قال الناس : ما فتح لأحد ما فتح عليك فارس ، وكرمان ، ~~وسجستان ، وخراسان ، فقال : لأجعلن شكري لله على ذلك ؛ أن أخرج محرما من ~~موقفي هذا . فأحرم بعمرة من نيسابور . وقدم على عثمان ، واستخلف على خراسان ~~قيس بن الهيثم ، فسار قيس في ارض طخارستان ، فلم يأت بلدا منها إلا صالحه ~~أهلها ، وأذعنوا له ، إلا سمنجان ، فإنه فتحها عنوة والله سبحانه وتعالى ~~أعلم وحسبنا الله ونعم الوكيل . ذكر فتح كرمان قال : لما سار عبد الله إلى ~~خراسان استعمل مجاشع بن مسعود السلمي على كرمان كما ذكرنا ، وأمره أن ~~يفتتحها ، وكان أهلها قد نكثوا غدروا ، ففتح هميد عنوة ، واستبقى أهلها ~~وأمنهم ، وبنى بها قصرا يعرف بقصر مجاشع ، وأتى السيرجان ، وهي مدينة كرمان ~~فأقام عليها أياما يسرة ، وقد تحصن أهلها فقاتلهم وفتحها عنوة ، فجلا كثير ~~من أهلها . وقتح جيرفت عنوة ، وسار في كرمان فدوخ أهلها ، وأتى القفص وقد ~~تجمع له خلق كثير من الأعاجم الذين جلوا ، فقاتلهم ، فظفر بهم وظهر عليهم ، ~~وهرب كثير من أهل كرمان ، فركبوا البحر ولحق بعضهم بمكران ، وبعضهم بسجستان ~~، فأقطعت العرب منازلهم وأراضيهم ، وواحتفروا لها القنى في مواضع منعها ، ~~وأدوا العشر منها والله تعالى أعلم ، وصلى الله على سدنا محمد وصحبه وسلم . ~~PageV19P0267 # """""" صفحة رقم 268 """""" ذكر فتح سجستان وكابل وغيرها قد ذكرنا أن عبد ~~الله بن عامر استعمل على سجستان الربيع بن زياد الحارثي ، وسجستان من ~~الفتوحات في خلافة عمر ، ولما نقض أهلها ؛ سار الربيع وقطع المفازة حتى حصن ~~زالق ، فأغار على أهلها في يوم مهرجان وأخذ الدهقان ، فافتدى نفسه بأن ركز ~~عنزة وغمرها ذهبا وفضة ، وصلحه على صلح فارس ، ثم أتى بلدة يقال لها : ~~كركوية فصالحه أهلها ، وسار إلى زرنج ، فنزل على مدينة روشت بقرب زرنج ، ~~فقاتله أهلها وأصيب رجال من المسلمين ، ثم انهزم المشركون ، وقتل منهم ~~مقتلة عظيمة ، وأتى الربيع ناشروذ ففتحهان ثم أتى شرواذ فغلب عليها ، وسار ~~منها إلى زرنج فنازلها ، وقاتله أهلها ، وأصيب رجال من المسلمين ms4253 ، ثم انهزم ~~المشركون ، وقتل منهم مقتلة عظيمة . وأتى الربيع ناشروذ ففتحها ، ثم شرواذ ~~فغلب عليها ، وسار إلى زرنج فنازله أهلها وحصرهم ، فأرسل إليه مرزبا بها ~~ليصالحه واستأمنه ليحضر عنده ، فأمنه ، وجلس الربيع على جسد من أجساد ~~القتلى ، واتكأ على آخر ، وامر أصحابه ففعلو مثله ، فلما رآهم المرزبان هله ~~ذلك ، فصالحه على ألف وصيف مع كل وصيف جام من ذهب ودخل المسلمون المدينة . ~~ثم سار منها إلى سناروذ ، وهو واد ، فعبره ، وأتى القرية التي بها مربض فرس ~~رستم الشديد ، فقاتله أهلها فظفر بهم ، ثم عاد إلى زرنج وأقام بها نحو سنة ~~، وعاد إلى ابن عامر ، واستخلف عليها عاملا ، فأخرج أهلها العامل ، ~~وامتنعوا . فكانت ولاية الربيع سنة ونصفا ، سبى فيها أربعين ألف رأس . وكان ~~كاتبه الحسن البصري ، فاستعمل ابن عامر بعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد ~~شمس على سجستان ، فسار إليها ، فحصر زرنج ، فصالحه مرزبانها على ألفي ألف ~~درهم وألف وصيف . وغلب عبد الرحمن على مابين زرنج والكش من ناحية الهند ، ~~وغلب من ناحية الرخج على ما بينه وبين الداون ، فلما انتهى إلى بلد الداون ~~وحصرهم في جبل PageV19P0268 # """""" صفحة رقم 269 """""" الزوز ، ثم صالحهم ودخل الزوز ، وهو صنم من ~~ذهب عيناه ياقوتتان ، فقطع يده وأخذ الياقوتيين وقال للمرزبان : دونك الذهب ~~والجوهر ، وإنما أردت أن أعلمك أنه لا يضر ولا ينفع . وفتح كابل ، ~~وزابلستان ، وهي ولاية غزنة ، ثم عاد إلى زرنج ، فأقام بها حتى اضطرب أمر ~~عثمان ، فاستخلف عليها أمير بن أحمر ، وانصرف فأخرج أهلها أميرا وامتنعوا ~~وفي سنة اثنتين وثلاثين غزا معاوية بن أبي سفيان وضيق القسطنطينية ومعه ~~زوجته عاتكة بنت قرظة ، وقيل : فأخته . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، ~~وإليه المرجع والمآب . ذكر خروج قارن ببلاد خراسان وقتله في سنة اثنتين ~~وثلاثين جمع قارن جمعا كثيرا من ناحية الطبسين وأهل باذغيس وهراة وقهستان ، ~~وأقبل في أربعين ألفا . وقال قيس ين الهيثم أمير خراسان من قبل ابن عار ~~لعبد الله بن خازم : ما ترى ؟ فقال : أرى أن تخلى البلاد ؛ فإنى أميرها ms4254 ، ~~ومعي عهد بن عامر ؛ إن كانت حرب بخراسان فأنا أميرها ، وأخرج كتابا كان قد ~~افتعله ، فكره قيس منازعته وخلاه والبلاد . وأقبل إلى بن عامر فلامه ، وقال ~~: تركت البلاد خرابا ، وأقبلت فقال : جاءني تعهدك . ولما توجه قيس بن خازم ~~إلى قارن في أربعة آلاف ، أمرهم أن يحملوا الودك ، فلما قربوا من ذلك ، ~~وقرب من الودك ، أمر الناس أن يدرج كل رجل منهم على زج رمحه خرقة أو قطنا ، ~~ثم يكثروا دهنه ، ثم سار حتى أمسى ، فقدم أمامه ستمائة من أصحابه ، ثم ~~أتبعه ، وأمر الناس أن يشعلوا النيران في أطراف الرماح ، وانتهت مقدمته إلى ~~معسكر قارن نصف الليل فناوشوهم ، وهاج الناس على دهش ، وكانوا قد أمنوا من ~~البيات ، ودنا بن خازم منهم ، فرأوا النيران يمنة ويسرة تتقدم وتتأخر ، ~~وترتفع وتتخفض ، فهالهم ذلك وأهل المقدمة يقاتلونهم ثم غشيهم بن خازم ~~بالمسلمين ، فقتل قارن وانهزم المشركون ، واتبعوهم يقتلونهم كيف شاءوا ، ~~وأصابوا سبيا كثيرا . PageV19P0269 # """""" صفحة رقم 270 """""" وكتب بن خازم بالفتح إلى بن عامر ، فرضي ~~وأقره على خراسان ، فكان عليها حتى انقضت حرب الجمل . وقيل : لما جمع قارن ~~اسشار قيس بن عبد الله عبد بن خازم فيما يصنع ؟ فأشار عليه أن يلحق بابن ~~عامر ، فيخبره بكثرة العدة ، وقال له : إنك لا تطيق كثرة من قد أتاك ، ~~فأخرج بنفسك ونقيم نحن بالحصون ونظاولهم حتى يأتينا مددكم . فخرج قيس ، ~~فلما أبعد أظهر بن خازم عهدا ، وقال : قد ولاني بن عامر خراسان ، وسار إلى ~~قارن فظفر به كما تقدم . وفي سنة ثلاث وثلاثين غزا معاوية حصن المرأة من ~~أرض الروم ، بناحية ملطية . وفيها سار الأحنف بن قيس إلى خراسان ، وفتح ~~المروين : مرو الروذ ومرو الشاهجان . انتهت الفتوحات والغزوات والله سبحانه ~~وتعالى أعلم بالصواب . وإليه المرجع والمآب ، وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى ~~الله على سيدنا محمد . ذكر ما وقع في خلافة عثمان غير الغزوات والفتوحات ~~على حكم السنين سنة أربع وعشرين في هذه السنة كثر الرعاف بالناس ، فسمي عام ~~الرعاف وفيها استعمل عثمان سعد بن أبي وقاص على الكوفة ms4255 ، وعزل المغيرة بن ~~شعبة عنها ، فعمل سعد عليها سنة وبعض أخرى . قيل : بل أقر عثمان عمال عمر ~~رضي الله عنه سنة ؛ لأن عمر رضي الله عنه أوصى بذلك ، ثم عزل المغيرة ، ~~واستعمل سعدا وحج عثمان بالناس . PageV19P0270 # """""" صفحة رقم 271 """""" سنة خمس وعشرين في هذه السنة عزل عثمان سعد ~~بن أي وقاص عن الكوفة في قول بعضهم ، واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط ~~بن أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس ، وهو أخو عثمان لأمه ، وسبب ذلك أن ~~سعدا رضي الله عنه اقترض من عبد الله بن مسعود قرضا ، فلما تقاضاه بن مسعود ~~رضي الله عنه لم يتيسر له قضاؤه ، فارتفع بينهما الكلام فقال سعد : ما أراك ~~إلا ستلقى شرا ، هل أنت إلا ابن مسعود ، عبد من هذيل فقال : أجل ، والله ~~إني لابن مسعود ، وإنك لابن حمينة وكان هاشم بن عتبة بن أبي وقاص حاضرا ~~فقال : إنكما لصاحبا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ينظر إليكما . ثم ~~ولى عبد الله ، فخرج واستعان بأناس على استخراج المال من سعد ، واستعان سعد ~~بأناس على إنظاره ، فافترقوا وبعضهم يلوم بعضا . فكان ذلك أول ما نزع به ~~الشيطان بين أهل الكوفة ، وأول مصر نزغ الشيطان بين أهله الكوفة . وبلغ ~~الخبر عثمان ، فغضب وعزل سعدا ، وأقر عبد الله ، واستعمل الوليد بن عقبة ~~مكان سعد ، وكان على عرب الجزيرة عاملا لعمر ، وعثمان بعده ، فلما قدم ~~الكوفة قال له سعد : أكست بعدنا أم حمقنا بعدك قال : لا نجز عن أبا إسحاق ، ~~كل ذلك لم يكن ؛ وإنما هو الملك يتغداه قوم ويتعشاه قوم آخرون قال سعد : ~~أراكم والله ستجعلونها ملكا . وقيل : لما قدم الوليد أميرا على الكوفة ، ~~أتاه ابن مسعود فقال : ما جاء بك ؟ فقال : جئت أميرا قال بن مسعود : ما ~~أدري صلحت بعدنا أم فسد الناس وفيها ولد يزيد ين معاوية ، وقيل : في سنة ~~اثنتين وعشرين وقد تقدم . وحج بالناس عثمان PageV19P0271 # """""" صفحة رقم 272 """""" سنة ست وعشرين وفي هذه السنة زاد عثمان بن ~~عفان رضي الله ms4256 عنه في المسجد الحرام ووسعه ، وابتاع أملاك قوم وامتنع آخرون ~~، فهدم عليهم ، ووضع الإيراد في بيت المال ، فصاحوا بعثمان فحبسهم ، وقال : ~~قد فعل بكم عمر هذا فلم تصيحوا فكلمة فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد ~~فأطلقهم . وفيها استعمل عثمان رضي الله عنه عبد الله بن أبي سرح على مصر ، ~~وكان أخا عثمان من الرضاعة ، وعزل عمرو بن العاص . في سنة سبع وعشرين في ~~هذه السنة حج عثمان بالناس . وفيها من الغزوات ما تقدم بيانه . سنة ثمان ~~وعشرين في هذه السنة تزوج عثمان نائلة بنت القرافصة ، وكانت نصرانية فأسلمت ~~قبل أن يدخل بها . وفيها بنى عثمان رضي الله عنه الزوراء . وحج بالناس ~~عثمان رضي الله عنه في هذه السنة . سنة تسع وعشرين ذكر عزل أبي موسى ~~الأشعري عن البصرة وعثمان بن العاص عن عمان والبحرين واستعمال عبد الله بن ~~عامر على ذلك قيل : كان عزل أبي موسى الأشعري عن البصرة ، وعزل عثمان بن ~~أبي العاص عن عمان والبحرين ، واستعمال عبد الله بن عامر على أعمالها في ~~هذه السنة وقيل : كان لثلاث سنين مضت من خلافة عثمان وكان سبب عزل أبي موسى ~~أن PageV19P0272 # """""" صفحة رقم 273 """""" أهل إيذج والأكراد كفروا في السنة الثالثة من ~~خلافة عثمان فنادى أبو موسى في الناس وحضهم على الجهاد ، وذكر من فضل ~~الماشي للجهاد ما ذكر ، فحمل قوم على دوابهم ، وأجمعوا على أن يخرجوا رجاله ~~لينالوا فضل الماشي . قال آخرون : لا نعجل حتى ننظر مايصنع ، فإن أشبه قوله ~~فعله فعلنا كما يفعل ، فلما خرج أخرج ثقله على أربعين بغلا ، فعلقوا بعنان ~~دابته ، فقالوا : احملنا على بعض هذه الفضول ، وارغب في المشي كما رغبتنا ، ~~فضربهم بسوط ، وتركوا دابته ، وأتوا عثمان فاستعفوه منه ، وقالوا : ما كل ~~ما نعلم نحب أن تسألنا عنه ، فأبدلنا ما سواه ، فقال : من تحبون ؟ فقال : ~~غيلان بن خرشة ، وفي كل أحد عوض من هذا العبد الذي قد أكل أرضنا . أما منكم ~~خسيس فترفعونه أما منكم فقير فتجبرونه . يا معشر قريش حتى متى ياكل هذا ms4257 ~~الشيخ الأشعري هذه البلاد فعزل عثمان أبا موسى ؛ وأمر عبد الله بن عامر بن ~~كريز بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي العبشمي ، وهو بن خال ~~عثمان ، وممن ولد على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . وعزل أيضا عثمان بن ~~أبي العاص عن عمان والبحرين ، واستعمل عبد الله على ذلك كله ، وكان إذ ذاك ~~بن خمس وعشرين سنة . واستعمل عثمان رضي الله عنه على خراسان عمير بن عثمان ~~بن سعد ، فأثخن في خراسان حتى بلغ فرغانة ، فلم يدع دونها كورة إلا أصلحها ~~. واستعمل على سجستان عبد الله بن عمير الليثي ، فأثخن فيها إلى كابل . ~~وبعث إلى مكران عبيد الله بن معمر ، فأثخن فيها حتى بلغ النهر وبعث على ~~كرمان عبد الرحمن بن عبيس . ثم عزل عبد الله بن عمير عن سجستان . واستعمل ~~عبد الله بن عامر فأقره عليها سنة ثم عزله . واستعمل عاصم بن عمرو ، وعزل ~~عبد الرحمن بن عبيس ، وأعاد عدي بن سهيل ، وصرف عبد الله بن معمر إلى فارس ~~، واستعمل مكانه عمير بن عثمان ، واستعمل على خراسان أمير بن أحمر اليشكري ~~، واستعمل على سجستان في سنة أربع عمران بن الفضل البرجمي . PageV19P0273 # """""" صفحة رقم 274 """""" ذكر الزيادة في مسجد النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وفي سنة تسع وعشرين أيضا في شهر ربيع الأول ، زاد عثمان رضي الله ~~عنه في مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فجعل طوله ستين ومائة ذراع ~~وعرضه خمسين ومائة ذراعن وجعل أبوابه على ما كانت أيام عمر ستة أبواب ، ~~وبناه بالحجارة المنقوشة ، وجعل عمده من حجارة فيها رصاص ، والله تعالى ~~أعلم وهو حسبي . ذكر إتمام عثمان الصلاة وما تكلم الناس به في ذلك وفي هذه ~~السنة حج عثمان رضي الله عنه بالناس ، وضرب فسطاطة بمني ، وهو أول فسطاط ~~ضرب بمني ، وأتم الصلاة بها وبعرفة ، فكان أول ماتكلم به الناس في عثمان ~~ظاهرا حين أتمها ، فعاب عليه ذلك غير واحد من الصحابةن وقال علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه : ماحدث أمر ms4258 ، ولا قدم عهد ، ولقد عهدت النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وأبا بكر وعمر يصلون ركعتين ، وأنت صدرا من خلافتك . فقال : ~~رأى رأيته . وبلغ الخبر عبد الرحمن بن عوف ، وكان معه ، فجاءه وقال : ألم ~~تصل في هذا المكان ركعتين مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأبي بكر ~~وعمر ، وصليتهما أنت قال : بلى ؛ ولكني أخبرت من بعض الناس أن بعض من حج من ~~اليمن وجفاة الناس قالوا : إن الصلاة للمقيم ركعتان ، واحتجوا بصلاتي ، وقد ~~اتخذت بمكة أهلا ولي بالطائف مال . فقال له عبد الرحمن : ما في هذا غدر ، ~~أما قولك : اتخذت بها أهلا ، فإن زوجك بالمدينة تخرج إذا شئت ، وإنما تسكن ~~بسكناك . أما مالك بالطائف فبينك وبينه مسيرة ثلاث ليال . وأما قولك عن حاج ~~اليمن وغيرهم فقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ينزل عليه الوحي ~~والإسلام قليل ، ثم أبو بكر وعمر ، فصلوا ركعتين ، وقد ضرب الإسلام بجرانه ~~. فقال عثمان : هذا رأي رأيته . وقيل : كان ذلك سنة ثلاثين ، والله أعلم . ~~PageV19P0274 # """""" صفحة رقم 275 """""" سنة ثلاثين ذكر عزل الوليد بن عقبة عن الكوفة ~~وولاية سعيد بن العاص في هذه السنة ، عزل عثمان رضي الله عنه الوليد بن ~~عقبة عن الكوفة ، واستعمل عليها سعيد بن العاص ، وكان سبب عزله أن أهل ~~الكوفة نسبوه أنه يشرب الخمر ، وذكروا ذلك لعثمان ، فاستدعاه وطلب من ذكر ~~ذلك عنه ، فقال : أتشهدون أنه يشرب الخمر ؟ فقالوا لا فكيف قلتم عنه أنه ~~يشربها ؟ فقالوا اعتصرناها من لحيته ، وهو يقيئ الخمر ، فأمر بجلده ، فجلده ~~عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أربعين . وقيل : إن الوليد سكر وصلى بأهل ~~الصبح أربعا ، ثم التفت إليهم وقال : أزيدكم ؟ فقال بن مسعود : ما زلنا معك ~~في زيادة منذ اليوم ، فقال الحطيئة : شهد الحطيئة يوم يلقى ربه . . . أن ~~الوليد أحق بالعذر نادى وقد تمت صلاتهم . . . أأزيدكم ؟ سكرا وما يدري ~~فأبوا أبا وهب ولو أذنوا . . . لقرنت بين الشفع والوتر وقال أيضا تكلم في ~~الصلاة وزاد فيها . . . علانية وجاهر بالنفاق ومج الخمر في سنن المصلى . . ~~. ونادى ms4259 والجميع إلى افتراق أزيدكم على أن تحمدوني . . . فما لكم وما لي من ~~خلاق قالوا : ولما استعمل سعيد بن العاص ، قال بعض شعرائهم : فررت من ~~الوليد إلى سعيد . . . كأهل الحجر إذ جزعوا فباروا يلينا من قريش كل يوم . ~~. . أمير محدث أو مستشار لنا نار نخوفها فنخشى . . . وليس لهم ولا يخشون ~~نار قال : واستعمل عثمان سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية وهو والد ~~عمرو بن سعيد الأشدق ، فسار إلى الكوفة ومعه من كان قد شخص من أهل الكوفة ~~مع الوليد ، فلما وصلها صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : والله ~~لقد بعثت PageV19P0275 # """""" صفحة رقم 276 """""" إليكم وإني لكاره ؛ ولكني لم أجد بدا إذ أمرت ~~أن أأتمر . ألا إن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها ، والله لأضربن وجهها حتى ~~أقمعها أو تعييني ، وإني لرائد نفسي اليوم . ونزل . وسأل عن أهل الكوفة ، ~~فعرف حالأ أهلها ، فكتب إلى عثمان : إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم ، وغلب ~~أهل الشرف منهم والبيوتات والسابقة ، والغالب على تلك البلاد روادف قدمت ، ~~وأعراب لحقت حتى لا ينظر إلى ذي شرف ولا بلاء من نازلتها ولا نابتتها . ~~فكتب إليه عثمان : أما بعد ، ففضل أهل السابقة والقدمة ، ممن فتح الله عليه ~~تلك البلاد ؛ وليكن من نزلها غيرهم تبعا لهم إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق ~~، وتركوا القيام به ، وقام به هؤلاء . واحفظ لكل منزلته ، وأعطهم جميعا ~~بقسطهم من الحق ، فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل . فأرسل سعيد إلى أهل ~~الأيام والقادسية ، فقال : أنتم وجوه الناس ، والوجه ينبئ عن الجسد ، ~~فأبلغونا حاجة ذي الحاجة . وأدخل معهم من يحتمل من اللواحق والروادف ، وجعل ~~القراء في سمره ، ففشت القالة في أهل الكوفة . فكتب سعيد إلى عثمان بذلك ، ~~فجمع الناس وأخبرهم بما كتب ، فقالوا له : أصبت لا تطمعهم ، هم ليسوا له ~~بأهل ؛ فإنه إذا نهض في الأمور من ليس لها بأهل لها لم يحتملها وأفسدها . ~~فقال عثمان : يا أهل المدينة ، استعدوا واستمسكوا ، فقد دبت إليكم الفتن . ~~الله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع ms4260 والمآب . ذكر جمع القرآن ~~كان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان كان قد توجه مددا لعبد الرحمن بن ربيعة ~~لحصار الباب ، وكان مع سعيد بن العاصي عامل الكوفة ، فخرج معه سعيد بن ~~العاص حتى بلغ أذربيجان ، فأقام حتى عاد حذيفة ، فلما عادا ورجعا ، قال ~~لسعيد بن العاص : لقد رأيت في سفرتي هذه أمرا لئن نزل بالناس ليختلفن في ~~القرآن ، ثم لا يقومون عليه أبدا . PageV19P0276 # """""" صفحة رقم 277 """""" قال : وما ذلك ؟ قال : رأيت أناسا من أهل حمص ~~يزعمون أن قراءتهم خير من قراءة غيرهم ، وانهم أخذوا القرآن عن المقداد ، ~~ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك ، وأنهم قرءوا على بن مسعود ، وأهل البصرة ~~يقولون مثل ذلك ، وأنهم قرءوا على أبي موسى ، ويسمون مصحفه لباب القلوب . ~~فلما وصلوا إلى الكوفة أخبر حذيفة الناس بذلك ، وحذرهم مايخاف ، فوافقه ~~أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكثير من التابعين . فتفاوض ~~حذيفة ، وبن مسعود ، فغضب سعيد وقام ، وتفرق الناس وسار حذيفة إلى عثمان ، ~~وأخبره بما رأى ، وقال : أنا النذير العريان ، فأدرك الأمة . فجمع عثمان ~~الصحابة أخبرهم الخبر ، فأعظموه ، فأرسل إلى حفصة بنت عمر رضي الله عنهما : ~~أن أرسلى إلينا بالصحف لننسخها وكانت هذه الصحف هي التي كتبت في أيام أبي ~~بكر رضي الله عنهن وكانت عنده ثم عند عمر ، ثم كانت عند حفصة ، فأخذها ~~عثمان منها ، وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وبن عباس وسعيد بن ~~العاص وبعد الله بن عمرو بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها ~~في المصاحف . وقال عثمان : إن اختلفتم فاكتبوا بلغة قريش ؛ فإنما نزل ~~بلسانها . قال زيد : فجعلنا نكتب ؛ فإذا اختلفنا في شيء جمعنا في أمرنا على ~~رأي واحد ، فاختلفنا في التابوت ، فقلتك التابوه . وقال النفر القرشيون ~~التابوت . فأبيت أن أرجع إليهم ، وأبو أن يرجعوا إلي فرفعنا ذلك إلى عثمان ~~، فقال : أكتبوا التابوت . قال زيد : وذكرت آية كنت سمعتها من رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) لم أجدها عند أحد حتى وجدتها عند خزيمة بن ثابت ~~الأنصاري ms4261 وهي : ) لقد جاء رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رؤف رحيم ، فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت ~~وهو رب العرش العظيم ( قال : وكتبت أربع نسخ ، فبعث نسخة إلى الكوفة ، ~~وأخرى إلى البصرة ، وأخرى إلى الشام ، وأمسك واحدة لنفسه ، وأعاد الصحف إلى ~~حفصة ، وأمر أن يحرق ما سوى ذلك . وقيل : إن النسخ كانت سبعة ، وأنه وجه ~~نسخة إلى مكة ، وأخرى إلى اليمن ، وأخرى إلى البحرين ، والأول أصح . ~~PageV19P0277 # """""" صفحة رقم 278 """""" قال : فعرف الناس فضل عثمان إلا أهل الكوفة ، ~~فإن المصحف لما قدم عليهم فرح به الصحابة ، وامتنع عبد الله بن مسعود ومن ~~وافقهم . فقام بن مسعود . فيهم فقال : ولا كل ذلك ، فإنكم قد سبقتم سبقا ~~بينا ، فاربعوا على ظلعكم . ولما قدم علي رضي الله عنه إلى أهل الكوفة ، ~~قام إليه رجل ، وعاب عثمان بجمعة الناس على الصحف ، فنهاه ، وقال : لو وليت ~~منه ما ولى عثمان سلكت سبيله رضي الله عنهما . وفيها زاد عثمان رضي الله ~~عنه النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء ، الله سبحانه وتعالى أعلم . ذكر ~~سقوط خاتم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وفيها سقط خاتم النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) من يد عثمان في بئر أريس وهي على ميلين من المدينة ، وكانت ~~قليلة الماء ، فما أدرك قعرها بعد ، ولما سقط من يده ، نزحوا فيها من الماء ~~فما قدروا عليه ، فلما أيس منه صنع خاتما آخر على مثاله ونقشه ، فكان في ~~إصبعه حتى قتل . وقيل : إنه نقش عليه : " آمنت بالذي خلق فسوى " وقيل : كان ~~عليه " لتنصرن أو لتندمن " ، والله تعالى أعلم . ذكر خبر أبي ذر الغفاري في ~~إخراجه إلى الربدة وما تكلم الناس به في ذلك ووفاة أبي ذر رضي الله عنه . ~~وفي سنة ثلاثين أخرج عثمان رضي الله عنه أبا ذر الغفاري ، وأسمه جندب بن ~~جنادة . وقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة ، منها ما أورده أبو أحمد يحيى بن ~~جابر البلاذري ، في كتاب " جمل أنساب الأشراف " وغيره . PageV19P0278 # """""" صفحة رقم ms4262 279 """""" قال البلاذري : لما أعطى عثمان رضي الله عنه ~~مروان بن الحكم ما أعطاه ، وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص - وهو أخو ~~مروان - ثلثمائة ألف درهم ، وأعطى زيد بن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم ، ~~جعل أبو ذر يقول : بشر الكافرين بعذاب أليم : ويتلو قوله تعالى : " واللذين ~~يكنزون الذهب والفضة " الآية . فرفع مروان ذلك إلى عثمان ، فأرسل إلى أبي ~~ذر ، أن انته عما يبلغني عنك ، فقال : أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله ، ~~وعيب من ترك أمر الله فوالله لأن أرضى الله بسخط عثمان أحب إلي ن أن أسخط ~~الله برضاه ، فأغضب ذلك عثمان ، وصبر وكف عنه ، ثم قال عثمان يوما : أيجوز ~~للإمام أي يأخذ من المال ، فإذا ايسر قضى ؟ فقال : كعب الأحبار : لا بأس ~~بذلك . فقال : أبو ذر : يا بن اليهوديين أتعلمنا ديننا ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ~~؟ ؟ ؟ فقال عثمان : ما أكثر ذاك لي وأولعك بأصحابي الحق بمكتبك ، وكان ~~مكتبه بالشام ، إلا أنه كان يقدم حاجا ، ويسأل عثمان الإذن له في مجاورة ~~قبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأذن له في ذلك . وقيل : إنه إنما ~~صار إلى الشام لأنه رأى البناء قد بلغ سلعا ، فقال لعثمان : إني سمعت رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) . يقول : " إذا بلغ البناء سلعا فالهرب " ، ~~فأذن لي أتى الشام فاغزو هناك . فأذن له ، فكان أبو ذر ينكر على معاوية ~~أشياء يفعلها ، فبعث إليه معاوية ثلثمائة دينار ، فقالك إن كانت صلة فلا ~~حاجة لي فيها . وبنى معاوية الخضراء بدمشق ، فقال : يامعاوية إن كان هذه من ~~مال الله فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك فهي الإسراف ، فسكت معاوية . وكان ~~أبو ذر يقول : والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ماهي في كتاب الله ، ~~ولا سنة نبيه ، والله إني لأرى حقا يطفأ ، وباطلا يحيا ، وصدقا مكذبا وأثره ~~بغير تقى . فقال حبيب بن مسلمة لمعاوية : إن أبا ذر مفسد عليك الشام ، ~~فتدارك أهله إن كانت لك بهم حاجة . فكتب معاوية إلى عثمان فكتب إليه عثمان ~~، فاحمل جندبا إلى على أغلط مركب وأوعره . فوجه ms4263 معاوية مع أبي ذر من سار ~~معه الليل والنهار ، فلما قدم المدينة جعل يقول : تستعمل الصبيان ، وتحمي ~~الحمى ، وتقرب أولاد الطلقاء PageV19P0279 # """""" صفحة رقم 280 """""" فبعث إليه عثمان : الحق بأي أرض شئت . فقال : ~~بمكة ؟ فقال : لا ، قال : فبيت المقدس ؟ قال : لا : فبأحد المصرين ؟ قال : ~~لائ ، قال : ولكني مسيرك إلى الربذة ، فسيره إليها ، فلم يزل بها حتى مات . ~~وذكر البلاذري فيما حكاه كلاما كثيرا ، وقع بين عثمان بن عفان وعلي بن أبي ~~طالب رضي الله عنهما بسبب ذلك أغضينا عن ذكره وحكى أن أبا ذر بلغه أن ~~معاوية يقول : إن المال مال الله ، ألا إن كل شيء فلله ، وأنه يريد أن ~~يحتجبه دون الناس ، ويمحوا اسم المسلمين : فأتاه أبو ذر فقال : مايدعوك إلى ~~أن تسمي مال المسلمين مال الله فقال : يرحمك الله يا أبا ذر ألسنا عباد ~~الله ، والمال ماله قال : فلا تقله قال سأقول مال المسلمين وكان أبو ذر ~~يذهب إلى أن المسلم لا ينبغي أن يكون في ملكه أكثر من قوت يرمه وليلته إلا ~~شيء ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريم ، ويأخذ بظاهر القرآن : " والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله " الآية ، وكان يقوم بالشام ~~ويقول : يا معشر الأغنياء ، وأسو الفقراء ، بشروا الذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم . فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك ، وأوجبوه على الأغنياء . وشكا ~~الأغنياء ما يلقون منهم إلى معاوية فأرسل معاوية إليه بألف دينار في جنح ~~الليل ، فانفقها ، فلما صلى معاوية الصبح دعا معاوية رسوله الذي ارسله إليه ~~، فقال : اذهب إلى أبي ذر ، فقل له : أنقذ جسدي من عذاب معاوية ، فإنه ~~أرسلني إلى غيرك ، وأني أخطأت بك ، ففعل ذلك . فقال له أبو ذر يا بني ، قل ~~له : والله ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار ، ولكن أخرنا ثلاثة أيام حتى ~~نجمعها . فلما رأى معاوية أن فعله صدق قوله كتب إلى عثمان : إن أباذر قد ~~ضيق علي ، وقد كان كذا وكذا ، الذي ms4264 يقوله الفقراء . فكتب إليه عثمان : إن ~~الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها ، ولم يبق إلا أن تثب ، فلا تنكا القرص ، ~~وجهز أبا ذر ، وابعث معه دليلا ، وكفكف الناس ونفسك ما استطعت . ~~PageV19P0280 # """""" صفحة رقم 281 """""" فبعث له بأبي ذر ، فلما قدم المدينة ورأى ~~المجالس في أصل جبل سلع قال . بشر أهل المدينة بغارة شعواء ، وحرب مذكار ~~ودخل على عثمان فقال له : ما بال أهل الشام يشكون ذرب لسانك فأخبره . فقال ~~: يا أبا ذر ، علي أن اقضي ما علي ، وأن أدعو الرعية إلى الاجتهاد ~~والاقتصاد ، وما على أن أجبرهم على الزهد . فقال أبا ذر : لا ترضوا من ~~الأغنياء حتى يبذلوا المعروف ، ويحسنوا إلى الجيران والإخوان ، ويصلوا ~~القرابات ، فقال : كعب الأحبار - وكان حاضرا : من أدى الفريضة فقد قضى ما ~~عليه ، فضربه أبو ذر فشجه ، وقال : يا بن اليهودية ، ما أنت و ما هاهنا ~~فاستوهب عثمان كعبا شجته ، فوهبه ، فقال أبو ذر لعثمان : تأذن لي بالخروج ~~من المدينة فإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أمرني بالخروج منها إذا ~~بلغ البناء سلعا ؟ فأذن له فبلغ الربذة ، وبنى بها مسجدا ، وأقطعه عثمان ~~صرمة من الإبل ، وأعطاه مملوكين ، وأجرى عليه في كل يوم عطاء ، وكذلك أجرى ~~على رافع بن حديج ، وكان قد خرج أيضا من المدينة لشيء سمعه . قال : وكان ~~أبو ذر يتعاهد المدينة مخافة أن يعود أعرابيا ، وأخرج معاوية إليه أهله ، ~~فخرجوا ومعهم جراب يثقل يد الرجل فقال : انظروا إل هذا الذي يزهد في الدنيا ~~ما عنده ؟ فقالت امرأته : والله ماهو دينار ولا درهم ولكنها فلوس كان إذا ~~خرج عطاؤه ابتاع منه فلوسا لحوائجنا . وروى البخاري رحمه الله في صحيحه ~~بسنده إلى زيد بن وهب قال : مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر - رضي الله عنه ~~، فقلت له . ما أنزلك منزلك هذا ؟ قال : كنت في الشام ، فاختلفت أنا ~~ومعاوية في الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله . قال : ~~معاوية : نزلت في أهل الكتاب ، فقلت : نزلت فينا وفيهم ، فكان بيني وبينه ~~في ذاك كلام ، وكتب إلى ms4265 عثمان رضي الله عنه يشكوني ، فكتب إلى عثمان أن ~~أقدم المدينة ، فقدمتها ، فكثر على الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك ، ~~فذكرت ذلك لعثمان رضي الله عنه فقال لي : إن شئت تنحيت فكنت قريبا ؛ فذلك ~~الذي أنزلني هذا المنزل ، ولو أمروا على حبشيا لسمعت وأطعت . PageV19P0281 # """""" صفحة رقم 282 """""" وأقام أبو ذر بالربذة إلى سنة اثنتين وثلاثين ~~، فمات به رضي الله عنه ، ولما حضرته الوفاة قال لابنته : استشرفي يا بنية ~~، هل ترين أحدا ؟ قالت : لا ، قال : فما جاءت ساعتي بعد ، ثم أمرها فذبحت ~~شاه ثم طبختها ، ثم قال : إذا جاءك الذين يدفنوني - فإنه سيشهدني قوم ~~صالحون - فقولي لهم : يقسم عليكم أبو ذر ألا تركبوا حتى تأكلوا ؛ فلما نضجت ~~قدرها قال لها : انظري ، هل ترين أحدا ؟ قالت : نعم ، هؤلاء ركب . قال : ~~استقبلي الكعبة ، ففعلت . فقال : بسم الله ، وبالله ، وعلى ملة رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، ومات . فخرجت ابنته ، فتلقتهم وقالت : رحمكم الله . ~~اشهدوا أبا ذر قالوا : وأين هو ؟ فأشارت إليه ، قالوا : نعم ، ونعمة عين ، ~~لقد أكرمنا الله بذلك . وكان فيهم ابن سعود رضي الله عنه فبكى ، وقال صدق ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : " يموت وحده ويبعث وحده " . ~~فغسلوه وكفنوه ، وصلوا عليه ودفنوه ، فقالت لهم ابنته : إن أبا ذر يقرأ ~~عليكم السلام ، وأقسم ألا تركبوا حتى تأكلوا ، ففعلوا ، وحملوا أهله معهم ~~حتى أقدموهم مكة ، ونعوه إلى عثمان فضم ابنته إلى عياله . وقيل : كانت ~~وفاته في سنة إحدى وثلاثين . . وقيل : إن بن مسعود لم يحمل أهل أبي ذر معه ~~، إنما تركهم حتى قدم على عثمان بمكة فأعلمه بموته ، فجعل عثمان طريقه ~~عليهم ، فحملهم معه . سنة إحدى وثلاثين فيها حج عثمان رضي الله عنه بالناس ~~. وفيها مات أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وصخر ابن حرب ، وهو بن ~~ثمان وثمانين وسنة . سنة اثنتين وثلاثين . وفي هذه السنة مات العباس بن عبد ~~المطلب ، وكان قد كف بصره ، وله من العمر ثمان وثمانون سنة . PageV19P0282 # """""" صفحة رقم 283 """""" ومات عبد الله بن مسعود ، وصلى ms4266 عليه عمار بن ~~ياسر ، وقيل : عثمان . وتوفي عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أري أمر ~~الأذان . وتوفي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه . والله سبحانه وتعالى أعلم ~~. ذكر وفاة عبد الرحمن بن عوف وشيء من أخباره ونسبه هو أبو محمد عبد الرحمن ~~بن عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي ~~الزهري . وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو ، وقيل : عبد الكعبة ، فسماه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) عبد الرحمن . ولد بعد عام الفيل بعشر سنين ، ~~واسلم قبل أن يدخل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دار الأرقم ، وكان من ~~المهاجرين الأولين ، جمع الهجرتين جميعا ؛ إلى أرض الحبشة ، ثم قدم قبل ~~الهجرة مهاجرا إلى المدينة ، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأحد ~~الستة الذين جعل عمر رضي الله عنه الشورى فيهم . وشهد عبد الرحمن بدرا ، ~~والمشاهد كلها مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى دومة الجندل ، ~~وعممه بيده ، وأسدلها بين كتفيه ، وقال له : سر باسم الله ، وأوصاه بوصايا ~~الأمراء ، ثم قال : إن فتح الله عليك فتزوج بنت ملكهم أو شريفهم . وكان ~~الأصبغ بن ثعلبة بن ضمضم الكلبي شريفهم ، فتزوج عبد الرحمن ابنته تماضر بنت ~~الأصبغ ، فهي أم أبي سلمة الفقيه ابن عبد الرحمن ، وكان له من الولد سالم ~~الأكبر ، مات قبل الإسلام ، وإبراهيم وحميد ، وإسماعيل ، وعروة قتل ~~بإفريقية ، وسالم الأصغر ، وأبو بكر ، وعبد الله الأكبر قتل بإفريقية ، ~~والقاسم ، وعبد الله الأصغر ، هو أبو سلمة الفقيه ، وعبد الرحمن بن عبد ~~الرحمن ، ومصعب ، وعثمان ، ومحمد ، ومعن وزيد ، وأم القاسم ولدت في ~~الجاهلية ، وجويرية ، وهم لأمهات أولاد شتى ذكرهن الزبير بن بكار . ~~PageV19P0283 # """""" صفحة رقم 284 """""" ولعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ، فضائل ~~كثيرة ، ومناقب جمة ، منها أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خلفه في ~~سفر . وروى عنه ( صلى الله عليه وسلم ) . انه قال : " عبد الرحمن بن عوف ~~سيد من سادات المسلمين " وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " عبد ms4267 ~~الرحمن بن عوف أمين في السماء ، وأمين في الأرض " . كان رضي الله عنه رجلا ~~طويلا ، أجنأ ، أبيض مشربا بحمرة ، حسن الوجه ، رقيق البشرة ، لا يغير ~~لحيته ولا رأسه . وروى عن سهلة بنت عاصم زوجته قالت : كان عبد الرحمن أبيض ~~العينين ، أهدب الأشفار ، أقنى ، طويل النابين الأعليين ، وربما أدميا شفته ~~، له جمة ، ضخم الكفين ، غليظ الأصابع ، جرح يوم أحد إحدى وعشرين جراحة ، ~~وجرح في رجله ، فكان يعرج منها . وقال عمر بن عبد البر : كان عبد الرحمن ~~تاجرا مجدودا في التجارة وكسب مالا كثيرا ، وخلف ألف بعير ، وثلاثة آلاف ~~شاة ، ومائة فرس ترعى بالبقيع ، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحا فكان ~~يأخذ من ذلك قوت أهله سنة ، وخلف مالا كثيرا جدا . روى عمرو بن دينار ، عن ~~صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال : صالحنا أمرأة عبد الرحمن بن ~~عوف التي طلقها في مرضه عن ثلث الثمن ، بثلاث وثمانين ألفا . وروى غيره ~~أنها صولحت بذلك على ربع الثمن من ميراثه . وحكى بن الأثير في تاريخه ~~الكامل : أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أوصى لكل رجل بقي من أهل بدر ~~باربعمائة دينار ، وكان عدتهم يومئذ مائة رجل ، وقسم ماله على ستة عشر سهما ~~، فكان كل سهم ثمانين وألف دينار . PageV19P0284 # """""" صفحة رقم 285 """""" وقال أبو عمر : وروى أنه أعتق في يوم واحد ~~ثلاثين عبدا . ولما حضرته الوفاة بكى بكاء شديدا ، فسئل عن بكائه فقال : إن ~~مصعب بن عمير كان خيرا مني ، توفي على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ولم يكن له ما يكفن فيه ، وإن حمزة بن عبد المطلب كان خيرا مني لم نجد له ~~كفنا ، وإني أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته في حياته الدنيا ، أو أخاف أن ~~أحتبس عن أصحابي بكثرة مالي . وقد تقدم أن هذا المال الذي أكتسبه كان ببركة ~~دعاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وكانت وفاته رضي الله عنه ~~بالمدينة . في هذه السنة . وقيل : في سنة إحدى وثلاثين ، وصلى عثمان رضي ~~الله ms4268 عنه عليه بوصية منه ، ودفن بالبقيع . واختلف في مبلغ سنة ، فقيل : ~~توفي وهو بن خمس وسبعين ، وقيل : اثنتين وسبعين ، وقيل : ثمان وسبعين . ~~والله أعلم . سنة إحدى وثلاثين ذكر خبر من سار من أهل الكوفة إلى الشام وما ~~كان من أمرهم في هذه السنة سير عثمان رضي الله عنه نفرا من أهل الكوفة إلى ~~الشام ، وكان سبب ذلك إن سعيد بن العاص لما ولاه عثمان الكوفة اختار وجوه ~~الناس ، وأهل القادسية ، وقراء أهل الكوفة ، فكان هؤلاء يدخلون عليه منزله ~~، وإذا خرج فكل الناس يدخلون عليه ، فدخلوا عليه يوما ، فبينما هم يتحدثون ~~، قال حبيش بن فلان : ما أجود طلحة بن عبيد الله فقال سعيد : إن من له مثل ~~النشاستج لحقيق أن يكون جواد ، والله لو كان لي مثله لأعاشكم الله به عيشا ~~رغدا فقال عبد الرحمن بن حبيش ، وهو حدث : والله لوددت أن هذا الملطاط . لك ~~، وهو ما كان للأكاسرة على جانب الفرات الذي يلي الكوفة ، فقالوا : فض الله ~~فاك ، والله لقد هممنا بك ، فقال أبوه : غلام فلا تجاوزه ، فقالوا : يتمنى ~~سوادنا ، PageV19P0285 # """""" صفحة رقم 286 """""" ويتمنى لكم أضعافه . فثار به الأشتر وجندب ~~وبن ذي الحنكة ، وصعصعة ، وابن الكواء ، وكميل ، وعمير بن ضابئ ، فأخذوه ، ~~فثار أبوه ليمنع عنه ، فضربوهما حتى غشي عليها ، وجعل سعيد يناشدهم ويأبون ~~، حتى قضوا منهما وطرأ ، فسمعت بذلك بنو أسد ، فجاءوا وفيم طليحة ، فأحاطوا ~~بالقصر ، وركبت القبائل فعادوا بسعيد ، فخرج سعيد إلى الناس ، فقال : أيها ~~الناس ، قوم تنازعوا ، وقد رزق الله العافية . فردهم ، فتراجعوا . وأفاق ~~الرجلان ، فقالا : قاتلنا غاشيتك ، فقال : لا يغشوني أبدا ، فكفأ ألستنكما ~~ولا تجرئا الناس ، ففعلا ، وقعد أولئك النفر في بيوتهم ، وأقبلوا يقعون في ~~عثمان رضي الله عنه . وقيل : بل كان السبب في ذلك أنه كان يسمر عند سعيد ~~وجوه أهل الكوفة ، منهم : مالك بن كعب الأرحبي ، والأسود بن يزيد وعلقمة بن ~~قيس النخعيان ، ومالك بن الأشتر ، وغيرهم فقال سعيد : إنما هذا السواد ~~بستان قريش ، فقال الأشتر : تزعم أن السواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا ~~بستان ms4269 لك ولقومك وتكلم القوم معه ، فقال عبد الرحمن الأسدي ، وكان على شرطة ~~سعيد : أتردون على الأمير مقالته وأغلظ لهم ، فقال الأشتر : من هاهنا لا ~~يفوتنكم الرجل ، فوثبوا عليه فوطئوه وطئا شديدا حتى غشي عليه ، ثم جروا ~~برجله فنضح بماء فأفاق ، وقال : قتلني من انتخبت ، فقال : والله لا يسمر ~~عندي أحد أبدا ، فجعلوا يجلسون في مجالسهم يشتمون عثمان وسعيدا ، واجتمع ~~إليهم الناس حتى كثروا . فكتب سعيد وأشراف أهل الكوفة إلى عثمان في إخراجهم ~~، فكتب إليهم أن يلحقوهم بمعاوية ، وكتب إلى معاوية : إن نفرا قد خلقوا ~~للفتنة ، فقم عليهم وانههم ، فإن آنست منهم رشدا فأقبل منهم وإن أعيوك ~~فارددهم علي . فلما قدموا على معاوية أنزلهم كنيسة مريم ، وأجرى عليهم ما ~~كان بالعراق بأمر عثمان وكان يتغدى ويتعشى معهم . فقال لهم يوما : إنكم قوم ~~من العرب لكم أسنان وألسنة ، وقد أدركتم بالإسلام شرفا ، وغلبتم الأمم ، ~~وحزتم مراتبهم ومواريثهم ، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشا ؛ لو لم تكن قريش ~~كنتم أذلة ، إن أئمتكم لكم جنة ، فلا تفترقوا عن جنتكم ، وإن أئمتكم يصبرون ~~لكم على الجور ، ويحملون عنكم المئونة ، والله لتنتهن أوليبتلينكم ~~PageV19P0286 # """""" صفحة رقم 287 """""" الله بمن يسومكم ولا يحمدكم على الصبر ، ثم ~~تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد وفاتكم . فقال صعصعة ~~: أما ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثر الناس ، ولا أرفقها ، ولا أمنعها ~~في الجاهلية فتخوفنا ، وأما ما ذكرت من الجنة ؛ فإن الجنة إن اخترقت خلص ~~إلينا . فقال معاوية : عرفتكم الآن ، وعلمت أن الذي أغراكم على هذا قلة ~~العقول ؛ وأنت خطيبهم ، ولا أرى لك عقلا ، أعظم عليك أمر الإسلام وتذكرني ~~الجاهلية ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ أخزى الله قوما أعظموا أمركم . أفقهوا عني - ولا ~~أظنكم تفقهون - أن قريشا لم تعز في جاهلية ولا إسلام إلا بالله تعالى ، لم ~~تكن بأكثر العرب ولا بأشدهم ؛ ولكنهم كانوا أكرمهم أحسابا ، وأمحضهم أنسابا ~~، وأكملهم مروءة ، ولم يمتنعوا في جاهلية - والناس يأكل بعضهم بعضا - إلا ~~بالله ، فبوأهم حرما آمنا ، يتخطف الناس من حولهم ، هل تعرفون عربا أو عجما ~~أو سودا ms4270 أو حمرا ، إلا وقد أصابه الدهر في بلده وحرمته ؛ إلا ماكان من قريش ~~؛ فإنهم لم يردهم أحد من الناس بكيد إلا جعل الله خده الأسفل ؛ حتى أراد ~~الله أن يستنقذ من أكرم ، واتبع دينه من هو أن الدنيا وسوء مرد الآخرة ، ~~فارتضى لذلك خير خلقه ، ثم ارتضى له أصحابا فكان خيارهم قريشا ، ثم بنى هذا ~~الملك عليهم ، وجعل هذه الخلافة فيهم ، فلا يصلح ذلك إلا عليهم ، فكان الله ~~تعالى يحوطهم في الجاهلية ، وهم على كفرهم ، افتراه لا يحوطهم وهم على دينه ~~أف لك ولأصحابك أما أنت يا صعصعة ، فإن قريتك شر القرى ، أنتنها نبتا ، ~~وأعمقها واديا ، وأعرفها بالشر وألامها ، ألام العرب ألقابا وأصهارا ، نزاع ~~الأمم ، وأنتم جيران الخط ، وفعلة فارس ، حتى أصابتكم دعوة النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . فأنت شر قومك ، حتى إذا أبرزك الإسلام وخلطك بالناس ~~أقبلت تبتغي دين الله عوجا ، وتنزع إلى الذلة ، ولا يضر ذلك قريشا ، ولا ~~يضعهم ولن يمنعهم من تأدية ما عليهم ، إن الشيطان عنكم غير غافل ، قد عرفكم ~~بالشر فأغرى بكم الناس وهو صارعكم ، ولا تدركون بالشر أمرا أبدا ؛ إلا فتح ~~الله عليكم شرا منه وأخزى . ثم أقام وتركهم ، فتقاصرت إليهم أنفسهم . ~~PageV19P0287 # """""" صفحة رقم 288 """""" فلما كان بعد ذلك أتاهم وتركهم فقال : إني قد ~~أذنت فاذهبوا حيث شئتم ، لا ينفع الله بكم أحدا أبدا ولا يضره ، ولا أنتم ~~برجال منفعة ولا مضرة فإن أردتم النجاة فالزموا جماعتكم ، ولا يبطر الإنعام ~~، فإن البطر لا يعتري الخيار ، فاذهبوا حيث شئتم ، فسأكتب إلى أمير ~~المؤمنين فيكم . فلما خرجوا دعاهم وكلمهم نحو كلامه الأول ، وكتب إلى عثمان ~~أنه قدم على أقوام ليست لهم عقول ولا أديان ، أضجرهم العدل ، لا يريدون ~~الله بشيء ، ولا يتكلمون بحجة ؛ إنما همهم الفتنة ، وأموال أهل الذمة ، ~~والله متبليهم ومختبرهم ، ثم فاضحهم ومخزيهم ، وليسوا بالذين ينكئون أحدا ~~إلا مع غيرهم ، فإن سعيدا ومن عنده عنهم ؛ فإنهم ليسوا لأكبر من شغب أو ~~نكير . قال : ولما خرجوا من دمشق قالوا : لا نرجع إلى الكوفة ، فإنهم ~~يشمتون ms4271 بنا ، ولكن ميلوا إلى الجزيرة ، فسمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن ~~الوليد وكان على حمص ، فدعاهم وقال : ياآله الشيطان ، لا مرحبا بكم ولا ~~أهلا قد رجع الشيطان محسورا ، وأنتم بعد نشاط ، خسر الله عبد الرحمن إن لم ~~يؤدبكم ، يا معشر من لا أدري ، أعرب أم عجم لا تقولوا لي ما يبلغني أنكم ~~قلتم لمعاوية : أنا ابن خالد بن الوليد ، انا ابن من عجمته العاجمات ، أنا ~~بن فاقي الرده . والله لمن بلغني يا صعصعة أن احدا من معي دق أنفك ، ثم ~~أمضك ، لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى . وأقامهم شهرا ، كلما ركب أمشاهم . ~~فلما مربه صعصعة قال : يا بن الخطيئة ، اعلمت أن من لم يصلحه الخير أصلحه ~~الشر ، مالك لا تقول لما بلغني أنك قلت لسعيد ومعاوية فيقولون : نتوب إلى ~~الله ، أقلنا أقالك الله ، فما زالوا به حتى قال : تاب الله عليكم . وسرح ~~الأشتر إلى عثمان ، فقدم إليه ثانيا ، فقال له عثمان ؛ أحلل حيث شئت ، قال ~~: مع عبد الرحمن بن خالد ؟ فقال ، ذاك إليك ، فرجع إليه . وقد حكى بعض ~~المؤرخين من أخبارهم نحو ما تقدم ، وزاد فيه : إن معاوية لما عاد إليهم من ~~القابلة وذكرهم ، كان مما قال لهم : والله إني لا آمركم بشيء إلا قد بدأت ~~فيه بنفسي ، وأهل بيتي ، وقد عرفت قريش أن أبا سفيان كان أكرمها ، وابن ~~أكرمها ؛ إلا ماجعل الله لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ، فإن انتخبه وأكرمه ~~، وإني لأظن أن أبا سفيان لو ولد الناس لم يلد إلا حازما . PageV19P0288 # """""" صفحة رقم 289 """""" قال : صعصعة : كذبت ، لقد ولدهم خير من أبي ~~سفيان ، من خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا له ، ~~وكان فيهم البر والفاجر ، والأحمق والكيس . فخرج تلك الليلة من عندهم ، ثم ~~أتاهم من القابلة فتحدث عندهم طويلا ثم قال : أيها القوم ، ردوا خيرا أو ~~اسكتوا ، وتفكروا وانظروا فيما ينفعكم وينفع أهاليكم المسلمين فاطلبوه . ~~فقال صعصعة : لست بأهل ذلك ولا كرامة ، لك أن تطاع في معصية الله عز وجل ~~فقال : أليس أول ما ms4272 ابتدأتكم به أن أمرتكم بتقوى الله وطاعته وأن تعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا . قالوا : بل أمرت بالفرقة وخلاف ماجاء به ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . قال : فإني آمركم الآن ، إن كنت فعلت فإني ~~أتوب إلى الله وآمركم بتقواه وطاعته ، وطاعة نبيه ، ولزوم الجماعة ، وأن ~~توقروا أئمتكم ، وتدلوهم على أحسن ما قدرتم عليه . فقال صعصعة : فإنا نأمرك ~~أن تعتزل عملك ، فإن في المسلمين من هو أحق به منك ؛ من كان أبوه أحسن قدما ~~من أبيك في الإسلام وهو أحسن قدما في الإسلام من أبيك . فقال : والله إن لي ~~في الإسلام قدما ، ولغيري كان أحسن قدما مني ، ولكن ليس في زماني أحد أقوى ~~على ما أنا فيه مني ، ولقد رأى ذلك عمر بن الخطاب ، فلو كان غيري أقوى مني ~~لم تكن عند عمر هوادة لي ولالغيري ، ولم أحدث من الحدث ما ينبغي أن أعتزل ~~عمل ، ولو رأى ذلك أمير المؤمنين لكتب إلى فاعتزلت عمله ، فمهلا فإن في ذلك ~~وأشباهه ما يتمنى الشيطان ويأمر . ولعمري ، لو كانت الأمور تقضي على رأيكم ~~وأمانيكم ، مااستقامت لأهل الإسلام يوما وليلة ، فعاودوا الخير وقولوه ، ~~وإن لله لسطوات وإني لخائف عليكم أن تتابعوا في متابعة الشيطان ، ومعصية ~~الرحمن فيحلكم بذلك دار الهوان في العاجل والآجل . فوثبوا عليه ، وأخذوا ~~رأسه ولحيته . فقال : مه إن هذه ليست بارض الكوفة ، والله لو رأى أهل الشام ~~ما صنعتم في ما ملكت أن أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم ، فلعمري إن صنيعكم ليشبه ~~بعضه بعضا ، ثم قام من عندهم . PageV19P0289 # """""" صفحة رقم 290 """""" فكتب إلى عثمان نحو ما تقدم ، فكتب إليه ~~يأمره أن يردهم إلى سعيد بن العاص إلى الكوفة ، فردهم ، فأطلقوا ألسنتهم ، ~~فضج سعيد منهم إلى عثمان ، فكتب إليه أن يسيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد ~~بحمص ، فسيرهم إليه ، فأنزلهم وأجرى عليهم رزقا . وكانوا : الأشتر ، وثابت ~~بن قيس الهمذاني ، وكميل بن زياد ، وزيد وصعصعة ابنا صوحان ، وجندب بن زهير ~~الغامدي ، وجندب بن كعب الأزدي ، وعروة بن الجعد ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ~~، وابن الكواء . وفيها ms4273 مات المقداد بن عمرو ، المعروف بابن الأسود ، وتوفي ~~الطفيل والحصين ابنا الحارث بن عبد المطلب بن هاشم . وحج عثمان بالناس . ~~سنة أربع وثلاثين ذكر خبر يوم الجرعة وعزل سعيد وخروجه عن الكوفة واستعمال ~~أبي موسى الأشعري وفي هذه السنة توجه سعيد بن العاص أمير الكوفة إلى عثمان ~~، وقد استعمل على أعماله قبل مسيرة بسنة وبعض أخرى على أذربيجان الأشعث بن ~~قيس ، وعلى الري سعيد بن قيس ، وعلى همذان النسير العجلي ، وعلى أصبهان ~~السائب بن الأقرع ، وعلى ماه مالك بن حبيب ، وعلى الموصل حكيم بن سلام ~~الحراني ، وعلى قرقيسيا جرير ابن عبد الله ، وعلى الباب سليمان بن ربيعة ، ~~وعلى حلوان عتيبة ابن النهاس . وجعل القعقاع بن عمرو على الحرب ، وخلت ~~الكوفة من الرؤساء . فخرج يزيد بن قيس وهو يريد خلع عثمان ، ومعه الذين كان ~~ابن السوداء يكاتبهم ، فأخذه القعقاع بن عمرو فقال : إنما نستعفي من سعيد . ~~فتركه ، وكاتب يزيد النفر الذين كانوا سيروا من الكوفة إلى الشام في القدوم ~~عليه ، فسار الأشتر . فلم يفجأ الناس بالكوفة يوم جمعة إلا والأشتر على باب ~~المسجد يقول : جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان ، وتركت سعيدا يريده على ~~نقصان نسائكم على مائة درهم ، ورد أولى البلاء منكم إلى ألفين ، ويزعم أن ~~فيكم بستان قريش ، فاستخلف الناس ، وجعل أهل الرأي ينهونهم فلا يسمعون منهم ~~. PageV19P0290 # """""" صفحة رقم 291 """""" فخرج يزيد ، وأمر مناديا ينادي : من شاء أن ~~يلحق بيزيد لرد سعيد فليفعل ، فبقي أشراف الناس وحلماؤهم في المسجد ، وعمرو ~~بن حريث يومئذ خليفة سعيد ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه وأمر الناس ~~بالاجتماع والطاعة . فقال له القعقاع بن عمرو : أترد السيل عن أدراجه ؟ ~~هيهات لا والله لا يسكن الغوغاء إلا المشرفية ويوشك أن تنتضي ، ثم يعجون ~~عجيج العدان ، ويتمنون ما هم فيه اليوم ، فلا يرده الله عليهم أبدا ، فاصبر ~~. قال : أصبر ، وتحول إلى منزله . وخرج يزيد بن قيس فنزل الجرعة ، وهي قريب ~~من القادسية ، معه الأشتر ، ووصل إليهم سعيد بن العاص ، فقالوا : لا حاجة ~~لنا بك ، فقال : إنما ms4274 كان يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلا وإلى ~~رجلا ، وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل . ثم انصرف عنهم ، ومضى حتى قدم ~~على عثمان فأخبره الخبر ، وأن القوم يريدون البدل ، وأنهم يختارون أبا موسى ~~. فولاه عثمان ، وكتب إليهم : أما بعد ، فقد أمرت عليكم من اخترتم ، ~~وأعفيتكم من سعيد ، والله لأقرضنكم عرضي ، ولأبذلنكم صبري ، ولأصلحنكم جهدي ~~، فلا تدعوا شيئا أحببتموه لا يعصي الله فيه إلا سألتموه ، ولا شيئا ~~كرهتموه لا يعصي الله فيه إلا مااستعفيتم منه . أنزل فيه عندما أحببتم ؛ ~~حتى لا تكون لكم على الله حجة ، ولنصبرن كما ما أمرنا ؛ حتى تبلغوا ما ~~تريدون . ورجع الأمراء من قرب الكوفة ، فرجع جرير من قرقيسياء ، وعتيبة بن ~~النهاس من حلوان ، وخطبهم أبو موسى ، وأمرهم بلزوم الجماعة وطاعة عثمان . ~~فأجابوه إلى ذلك ، وقالوا : صل بنا . فقال : لا ، إلا على السمع والطاعة ~~لعثمان ، قالوا : نعم ، فصلى بهم ، وأتاه ولاته فولاهم . والله سبحانه ~~وتعالى أعلم ، وهو حسبي . PageV19P0291 # """""" صفحة رقم 292 """""" ذكر ابتداء الخلاف على عثمان ومن ابتدأ ~~بالجرأة عليه كان أول من ابتدأ بالجرأة عليه عبد الرحمن بن عوف ؛ وذلك أن ~~أبلا من إبل الصدقة جيء بها إلى عثمان ، فوهبها لبعض بني الحكم ، فبلغ ذلك ~~عبد الرحمن ، فأخذها وقسمها بين الناس ، وعثمان في الدار . وكان أول من ~~أجترأ عليه في المنطق جبلة بن عمرو الساعدي ، مر به عثمان وهو في نادي ~~وبيده جامعة ، فسلم عثمان فرد القوم ، فقال جبلة : لم تردون على رجل فعل ~~كذا وكذا ثم قال لعثمان : والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك ، أو لتتركن ~~بطانتك هذه الخبيثة ؛ مروان وبن عامر وبن سعد ، ومنهم من نزل القرآن بذمة ، ~~وأباح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دمه . وحكى أبو جعفر الطبري : أنه ~~مر به وهو بفناء داره ومعه جامعة ، فقال يا نعشل والله لأقتلنك ولأحملنك ~~على قلوص جرباء ، ولأحملنك إلى حرة النار . قال : ثم جاءه مرة أخرى ، ~~وعثمان على المنبر ، فأنزله عنه قال أبو جعفر وعن أبي حبيبة ، قال : خطب ~~عثمان الناس في ms4275 بعض أيامه ، فقال عمرو بن العاص : يا أميرالمؤمنين ، إنك قد ~~ركبت نهابير ، وركبنا معك ، فتب نتب . فاستقبل عثمان القبلة ، وشهر يديه ~~قال أبو حبيبة : فلم أر يوما أكثر باكيا ولا باكية من يومئذ . قال : ثم خطب ~~الناس بعد ذلك ، فقام إليه جهجاه الغفاري فصاح : ياعثمان ، ألا إن هذه شارف ~~، قد جئنا بها ، عليها عباءة وجامعة ، فأنزل فلندرعك العباءة ، ولنطرحك في ~~الجامعة ، ولنحملنك على الشارف ، ثم نطرحك في جبل الدخان . فقال عثمان : ~~قبحك الله ، وقبح ما جئت به PageV19P0292 # """""" صفحة رقم 293 """""" قال أبو حبيبة : ولم يكن ذلك منه إلا عن ملإ ~~من الناس ، وقام إلى عثمان شيعته من بني أمية ، فحملوه فأدخلوه الدار . ~~وروى عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه ، قال : أنا أنظر إلى عثمان ~~يخطب على عصا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) التي كان يخطب عليها أبو بكر ، ~~فقال له جهجاه : قم يا نعشل ، فانزل عن هذا المنبر ، وأخذ العصا فكسرها على ~~ركبته اليمنى ، فدخلت شظية منها فيها ، فبقي الجرح متى أصابته الأكلة ، ~~فرأيتها تدود . ونزل عثمان وحملوه ، وأمر بالعصا فشدوها ، فكانت مضببة ، ~~فما خرج بعد ذلك اليوم إلى خرجة أو خرجتين حتى حصر ، فقتل . هذا ما كان من ~~أمر أهل المدينة . وأما ما كان من أهل الأمصار ، فكان سبب خلافهم أن عبد ~~الله ابن سبأ المعروف بابن السوداء ، كان يهوديا ، فأسلم أيام عثمان ، ثم ~~تنقل في الحجاز ، ثم بالبصرة ، ثم بالكوفة ، ثم بالشام ، يريد إضلال الناس ~~، فلم يقدر منهم على ذلك ، وأخرجه أهل الشام فأتى مصر ، فأقام فيهم ، وقال ~~لهم : العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع ، ويكذب أن محمدا يرجع ، ووضع لهم ~~الرجعة ، فقبلوا ذلك معه ، ثم قال لهم بعد ذلك إنه كان لكل نبي وصي ، وعلى ~~وصي محمد ، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ، ووثب على وصية وإن عثمان ~~أخذها بغير حق ، فانهضوا في هذا الأمر ، وابدءوا بالطعن على أمرائكم ، ~~وأظهروا الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر تستميلوا به الناس . وبث دعاته ~~، وكاتب من ms4276 استفسد في الأمصار ، وكاتبوه ، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم ~~. ثم كان أهل الكوفة أول من قام في ذلك ، فاجتمع ناس منهم فتذاكروا أعمال ~~عثمان ، فاجتمع رأيهم أن يرسلوا إليه عامر بن عبد الله التميمي ، ثم ~~العنبري ، وهو الذي يدعى عامر بن عبد القيس ، فأتاه ، فدخل عليه فقال : إن ~~ناسا من المسلمين اجتمعوا ونظروا في أعمالك ، فوجدوك قد ارتكبت أمورا عظاما ~~، فاتق الله وتب إليه . فقال عثمان : أنظروا إلى هذا ، فإن الناس يزعمون ~~أنه قارئ ، ثم هو يجئ فيكلمني في المحقرات ، ووالله ما يدري أين الله ؟ ~~فقال عامر : بل والله إني لأدري أن الله لبالمرصاد . PageV19P0293 # """""" صفحة رقم 294 """""" فأرسل عثمان إلى معاوية ، وعبد الله بن سعد ، ~~وسعيد بن العاص ، وعمرو بن العاص ، وعبد الله بن عامر ، فجمعهم وشاروهم ، ~~وقال لهم : إن لكل أمير وزراء ونصحاء وإنكم وزرائي ونصحائي ، وأهل ثقتي ، ~~وقد صنع الناس ما قد رأيتم ، وطلبوا إلى أن أعزل عمالي ، وأن أرجع عن جميع ~~ما يكرهون إلى مايحبون ، فاجتهدوا رأيكم . فقال بن عامر : أرى يا أمير ~~المؤمنين أن تشغلهم بالجهاد عنك حتى يذلوا لك ، ولاتكون همة أحدهم إلا في ~~نفسه وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته . وقال سعيد : أحسم عنك الداء ~~فاقطع عنك الذي تخاف ، فإن لكل قوم قادة ، متى تهلك تفرقوا ولا يجتمع لهم ~~أمر ، فقال عثمان : هذا هو الرأي لولا مافيه . وقال معاوية : أشير عليك أن ~~تامر أمراء الاجناد فيكفيك كل رجل منهم ما قبله ، وأكفيك أنا أهل الشام . ~~وقال أبن سعد : إن الناس أهل طمع ، فاعطهم من هذا المال ، تعطف عليك قلوبهم ~~. ثم قام عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين ، أنك قد ركبت الناس بمثل ~~بني أمية . فقلت وقالوا ، وزغت وزاغوا ، فاعتدل أو اعتزل ، فإن أبيت فاعتزم ~~عزما ، وامض قدما . فقال له عثمان : مالك قمل فروك ، أهذا الجد منك فسكت ~~عمرو حتى تفرقوا ، فقال : والله يا أمير المؤمنين لأنت أكرم على من ذلك ؛ ~~ولكني علمت أن بالباب من يبلغ الناس قول كل ms4277 رجل منا ، فأردت أن يبلغهم قولي ~~، فيثقوا بي ، فأقود إليك خيرا ، وأدفع عنك شرا . ثم رد عثمان عماله إلى ~~أعمالهم ، وأمرهم بتجهيز الناس في البعوث ، ورد سعيد بن العاص إلى الكوفة ، ~~فلقيه الناس من الجرعة فردوه كما تقدم ، وتكاتب أهل الأمصار ، لما أفسد ~~أمرهم بن السوداء ، وصار أهل كل مصر يكتب إلى أهل مصر الآخر بعيوب يضعونها ~~لولاتهم ، وينالون منهم حتى ذاع ذلك في سائر البلاد ، ووصل إلى المدينة . ~~PageV19P0294 # """""" صفحة رقم 295 """""" فيقول أهل كل مصر : إنا لفي عافية مما ابتلي ~~به هؤلاء . ثم تكاتب نفر من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وغيرهم ~~، بعضهم إلى بعض في سنة اربع وثلاثين أن أقدموا فإن الجهاد عندنا ، ونال ~~الناس من عثمان ، وعظموا عليه ، وليس أحد من الصحابة ينهي ولا يذب ، إلا ~~نفر ، منهم زيد بن ثابت ، وأبو أسيد الساعدي ، وكعب بن مالك ، وحسان بن ~~ثابت ، فاجتمع الناس ، فكلموا على بن أبي طالب رضي الله وأرضاه وكرم وجهه . ~~ذكر كلام علي لعثمان وجوابه له قال : ولما اجتمع الناس إلى علي رضي الله ~~عنه ، وكلموه ، دخل إلى عثمان فقال : إن الناس ورائي ، وقد كلموني فيك ، ~~والله ما أدري ما أقول لك ، ولا أعرف شيئا تجهله ، ولا أدلك على أمر لا ~~تعرفه ، إنك لتعلم ما نعلم ، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ولا خلونا بشيء ~~فنبلغك ، وما خصصنا بأمر دونك ، وقد رأيت وصحبت رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وسمعت منه ، ونلت صهره ، وما أبنأبي قحافة بأولى بالعمل منك ، ولا ~~بن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك وأنت أقرب إلى رسول الله صىل الله عليه ~~وسلم رحما ، ولقد نلت من صهر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مالم تنالا ~~، ولا سبقاك إلى شيء ، فالله ، الله في نفسك ، فإنك والله ما تبصر عن عمي ، ~~وما تعلم من جهالة ، وإن الطريق لواضح بين ، وإن أعلام الدين لقائمة . أعلم ~~يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل ؛ هدى وهدى ، وأقام سنة ~~معلومة ، وأمات بدعة ms4278 مكروهة ، فو الله إن كلا لبين ، وإن السنن لقائمة لها ~~أعلام ، وإن البدع لقائمة لها أعلام ، وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل ~~وأضل ، فأمات سنة معلومة وأحيا بدعة متروكة ، وإني أحذرك الله وسطواته ~~ونقماته ، فإن عذابه شديد أليم ، أحذرك أن تكون إمام هذه الأمة الذين يقتل ~~فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ، وتلبس أمورها وتتركهم شيعا ؛ ~~لا يبصرون الحق لعلو الباطل ، يموجون فيها موجا ، ويمرجون فيها مرجا . فقال ~~عثمان : قد علمت والله ليقولن الذي قلت ، أما والله لو كنت مكان ما عنفتك ~~ولا أسلمتك ، ولا عبت عليك ، ولا جئت منكرا ، أن وصلت رحما ، وسددت خلة ، ~~وآويت ضائعا ، ووليت شبيها بمن كان عمر ولي . أنشدك الله يا علي ، هل تعلم ~~أن المغيرة بن شعبة ليس هناك قال : نعم ، قال : فتعلم أن عمر ولاه ؟ قال : ~~نعم ، قال : فلم تلومني أن وليت بن عامر في رحمه وقرابته ؟ قال علي : إن ~~عمر كان يطأ PageV19P0295 # """""" صفحة رقم 296 """""" على صماخ من ولي إن بلغه عنه حرف جلبه ، ثم ~~بلغ به أقصى العقوبة ، وأنت لا تفعل ، ضعفت ورفقت على أقربائك . قال عثمان ~~. : وهم أقرباؤك أيضا . قال : أجل ، إن رحمهم مني لقريبة ؛ ولكن الفضل في ~~غيرهم . قال عثمان : هل تعلم أن عمر ولي معاوية ، فقد وليته ؟ قال علي : ~~أنشدك الله هل تعلم أن عمر ولي معاوية ، فقد وليته ؟ قال علي ؟ أنشدك الله ~~هل تعلم أن معاوية كان أخوف لعمر من يرفأ ) غلام له ( ؟ قال : نعم ، قال : ~~فإن معاوية يقطع الأمور دونك ، ويقول للناس : هذا أمر عثمان ، وأنت تعلم ~~ذلك ، فلا تغير عليه . ثم خرج علي من عنده ، وخرج عثمان على أثره ، فجلس ~~على المنبر ثم قال . أما بعد ، فإن لكل شيء آفة ، ولكل عاهة ، وإن آفة هذه ~~الأمة ، وعاهة هذه النعمة ، طعانون يرونكم ما تحبون ، يسترون عنكم ما ~~تكرهون ، ويقولون لكم ويقولون ، أمثال النعام ، يتبعون أول ناعق ، أحب ~~مواردها إليها البعيد ، لا يشربون إلا نغصا ، ولا يردون إلا عكرا ، لا يقوم ~~لهم رائد ، وقد ms4279 أعيتهم الأمور ، إلا فقد عبتم على والله بما أقررتم لابن ~~الخطاب بمثله ؛ لكن وطئكم برجله ، وضربكم بيده ، وقمعكم بلسانه ، فدنتم له ~~على ما أحببتم أو كرهتم ، ولنت لكم ، وأوطأتكم كتفي ، وكففت يدي ولساني ~~عنكم ، فاجترأتم علي . أما والله لأنا أعز نفرا ، وأقرب ناصرا ، وأكثر عددا ~~، وأحرى إن قلت هلم أتي إلى ، ولقد أعددت لكم أقرانكم ، وأفضلت عليكم فضولا ~~، وكشرت لكم عن نابي ، وأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه ، ومنطقا لم أنطق به ~~، فكفوا عني ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم ، فإني كففت عنكم من لو كان ~~الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا ، ألا فما تفقدون من حقكم ؟ والله ~~ماقصرت عن بلوغ ما بلغ من كان قبلي ، ولم يكونوا يختلفون عليه . فقام مروان ~~بن الحكم فقال : إن شئتم حكمنا والله بيننا وبينكم السيف ، ونحن والله ~~وأنتم كما قال الشاعر : فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم . . . مغارسكم تبنون في ~~دمن الثري فقال له عثمانك اسكت لأسكت ، دعني وأصحابي ، ما منطقك في هذا ؟ ~~الم أتقدم إليك ألا تنطق فسكت مروان ، ونزل عثمان PageV19P0296 # """""" صفحة رقم 297 """""" ذكر إرسال عثمان إلى الأمصار ليأتوه بأخبار ~~عماله وما يقول الناس فيهم قال : لما تكاتب أهل الأمصار بعيوب ولاتهم التي ~~وضعوها ، وشاع ذلك ، وأتت الأخبار إلى المدينة ، أتى أهل المدينة إلى عثمان ~~وقالوا : يا أمير المؤمنين إنا نخبرك عن الناس بما ياتينا ، وأخبروه ، ~~فاستشارهم فأشاروا أن يبعث رجالا ممن يثق بهم إلى الأمصار ، ليأتوه بأخبار ~~العمال ، فارسل محمد بن سلمة إلى الكوفة ، وأسامة بن زيد إلى البصرة ، ~~وعمار بن ياسر إلى مصر ، وعبد الله بن عمر إلى الشام . وفرق رجالا سواهم ، ~~فرجعوا جميعا قبل عمار ، فقالوا : ما أنكرنا شيئا ولا نكره أعلام الناس ولا ~~عوامهم . وتأخر عمار حتى ظنوا أنه اغتيل ، فجاء كتاب عبد الله بن أبي سرح ~~يذكر أن عمارا قد استماله قوم وانقطعوا إليه ، منهم عبد الله بن السوداء ، ~~وخالد بن ملجم ، وسودان بن حمران ، وكنانة بن بشر . فكتب عثمان إلى أهل ~~الأمصار : إني آخذ عمالي بموافاتي ms4280 في كل موسم ، وقد رفع إلى أهل المدينة أن ~~أقواما يضربون ويشتمون ، فمن أدعى شيئا من ذلك فليواف الموسم ، ليأخذ بحقه ~~مني أو من عمالي ، أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين . فلما قرأ كتابه في ~~الأمصار بكى الناس بكاء شديدا ، ودعوا عثمان رضي الله عنه . وقدم عمال ~~الامصار إلى مكة في الموسم : عبد الله عامر أمير البصرة ، وعبد الله بن سعد ~~أمير مصر ، ومعاوية أمير الشام وأدخل معهم في المشورة سعيد بن العاص ، ~~وعمرو بن العاص . فقال عثمان رضي الله عنه : ويحكم ماهذه الشكاية وما هذه ~~الإذاعة إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم ، وما يعصب هذا إلا بي ، ~~فقالوا : ألم تبعث ؟ ألم نرجع إليك الخبرعن القوم ؟ ألم ترجع رسلك ولم ~~يشافههم أحد بشيء ، والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلا ، ~~ولا يحل الأخذ بهذه الإذاعة . فقال : أشيرواعلي . فقال سعيد : هذا أمر ~~مصنوع يلقى في السر فيتحدث به الناس ، ودواء ذلك طلب هؤلاء ، وقتل الذين ~~يخرج هذا من عندهم . وقال عبد الله بن سعد : خذ من الناس الذي عليهم إذا ~~أعطيتهم الذي لهم ، فإنه خير من أن تدعهم . PageV19P0297 # """""" صفحة رقم 298 """""" وقال معاوية : قد وليتني فوليت قوما لايأتيك ~~عنهم إلا الخير ، والرجلان أعلم بناحيتيهما ، والرأي حسن الأدب . قال عمر : ~~أرى أنك قد لنت لهم ، وتراخيت عليهم ، وزدتهم على ماكان يصنع عمر ، فأرى أن ~~تلزم طريق صاحبيك ، فتشتد في موضع الشدة ، وتلين في موضع اللين . فقال ~~عثمان : قد سمعت كل ما أشرتم به علي ، ولكل أمر باب يؤتى منه . إن هذا ~~الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن ، وإن بابه الذي يغلق عليه فيكفكف بهن ~~اللين والمؤاتاة إلا في حدود الله ، فإن فتح فلا يكون لأحد على حجة حق . ~~وقد علم الله أنى لم آل الناس خيرا ، وأن رحا الفتنة لدائرة ، فطوبى لعثمان ~~إن مات ولم يحركها . سكنوا الناس ، وهيئوا لهم حقوقهم ؛ فإذا تعوطيت حقوق ~~الله عز وجل فلا تدهنوا فيها . وكان هذا بمكة . فلما قدم عثمان المدينة ms4281 دعا ~~عليا وطلحة والزبير ، وعنده معاوية ، فحمد معاوية الله ، ثم قال أنتم أصحاب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وخيرته من خلقه ، وولاه أمر هذه الأمة ، ~~لايطمع فيه أحد غيركم ، اخترتم صاحبكم عن غير غلبة ولا طمع ، وقد كبر وولى ~~عمره ، ولو انتظرتم به الهرم لكان قريبا ؛ مع أني أرجو أن يكون أكرم على ~~الله أن يبلغه ذلك ، وقد فشت مقالة أخفتها عليكم ، فما عتبتم فيه من شيء ~~فهذه يدي لكم به ، ولا تطمعوا الناس في أمركم ، فوالله إن طمعوا فيه لرأيتم ~~منها أبدا إدبارا . فقال علي بن أبي طالب : مالك وذاك لا أم لك قال : دع ~~امي فإنها ليست بشر أمهاتكم ، قد اسلمت وبايعت النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) ، وأجبني عما أقول لك . فقال عثمان : صدق ابن أخي ، أنا أخبركم عني وعما ~~وليت ، إن صاحبي اللذين كانا قبلي أنفسكما ، ومن كان منهما بسبيل احتسابا ، ~~وإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يعطي قرابته ، فأنا في رهط أهل ~~عيلة ، وقلة معاش ، فبسطت يدي في شيء من ذلك المال لما أقوم به فيه ، فإن ~~رأيتم ذلك خطأ فردوه ، فأمري لأمركم تبع . فقالوا : أصبت وأحسنت ، قد أعطيت ~~عبد الله بن خالد بن أسيد خمسين ألفا ، وأعطيت مروان خمسة عشر ألفا . فأخذ ~~منهما ذلك ، فرضوا وخرجوا راضين . ولما رأى معاوية ما الناس فيه قال لعثمان ~~: أخرج معي إلى الشام فإنهم على الطاعة قبل أن يهجم عليك مالا قبل لك به ، ~~فقال : لا أبيع جوار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ وإن كان فيه قطع ~~خيط عنقي ، PageV19P0298 # """""" صفحة رقم 299 """""" قال : فابعث إليك جندا منهم يقيمون معك ~~لنائبة إن نابت المدينة ، فقال : لا أضيق على جيران رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فقال : والله إنك لتغتالن ، فقال : حسبي الله ونعم الوكيل . ~~وخرج معاوية فمر بنفر من المهاجرين ؛ فيهم علي و طلحة والزبير وعلى معاوية ~~ثياب سفره ، فقام عليهم ، فقال : إنكم قد علمتم أن هذا الأمر كان الناس ~~يتغالبون فيه حتى بعث الله نبيه ms4282 ، فكانوا متفاضلين بالسابقة والقدمة ~~والاجتهاد ، فإن أخذوا بذلك فالأمر أمرهم ، والناس لهم تبع ، وإن طلبوا ~~الدنيا بالتغلب سلبوا ذلك ورده الله إلى غيرهم ، وإن الله على البدل القادر ~~، وإني قد خلفت فيكم شيخا فاستوصوا به خيرا ، وكاتفوه تكونوا أسعد منه بذلك ~~. وودعهم ومضى إلى الشام . فقال علي رضي الله عنه : كنت أرى في هذا خيرا . ~~فقال الزبير : والله ماكان قط أعظم في صدرك وصدورنا منه اليوم . والله ~~سبحانه وتعالى أعلم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . سنة خمس وثلاثين ذكر مسير ~~من سار إلى عثمان رضي الله عنه من أهل الأمصار قال : ولما فصل الأمراء عن ~~المدينة ، وقدموا على أمصارهم وذلك في سنة خمس وثلاثين ، وكان المنحرفون عن ~~عثمان قد اتعدوا يوما يخرجون فيه بالأمصار جميعا إذا سار عنها الأمراء ، ~~فلم يتهيأ لهم ذلك . ولما رجع الأمراء ولم يتم لهم الوثوب تكاتبوا في ~~القدوم إلى المدينة ، لينظروا فيما يريدون ويسألوا عثمان عن أشياء ، لتطير ~~في الناس . فخرج المصريون وفيهم عبد الرحمن بن عديس البلوي في خمسمائة . ~~وقيل : ستمائة ، وقيل : في ألف ، وفيهم كنانة بن بشر الليثي ، وسودان بن ~~حمران السكوني ، وعليهم جميعا الغافقي بن حرب العكي . وخرج أهل الكوفة ~~وفيهم زيد بن صوحان العبدي ، والأشتر النخعي ، وزياد بن النضر الحارثي ، ~~وعبد الله بن الأصم العامري ، وهم عداد أهل مصر . PageV19P0299 # """""" صفحة رقم 300 """""" وخرج أهل البصرة وفيهم حكيم بن جبلة العبدي ، ~~وذريج بن عباد العبدي ، وبشر بن شريح القيسي ، وابن المحترش ، وهم بعداد ~~أهل مصر ، وأميرهم حرقوص بن زهير السعدي . فخرجوا جيمعا في شوال ، وأظهروا ~~أنهم يريدون الحج ، فلما كانوا من المدينة على ثلاث ، تقدم ناس من أهل ~~البصرة ، فنزلوا ذا خشب ، وكان هواهم في طلحة ، وتقدم ناس من أهل الكوفة ~~فنزلوا على الأعوص وهو أهم في الزبير ، وجاءهم ناس من أهل مصر وهواهم في ~~علي ، ونزل عامتهم بذي المروة فاجتمع نفر من أهل مصر وأتوا عليا ، ونفر من ~~أهل البصرة ، وأتوا طلحة ، ونفر من أهل الكوفة فأتوا الزبير ، واجتمعوا بهم ~~فكل طردهم ms4283 وأبعدهم ، فعادوا إلى أصحابهم . وقيل : إن عثمان لما بلغه نزولهم ~~بذي خشب ، جاء إلى علي وكلمة في ردهم ، فقال علي : على أي شيء أردهم ؟ فقال ~~عثمان : على أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي . فركب علي ومحمد بن مسلمة ~~وأبو المضرس وكلموهم في الرجوع ، فرجعوا ، فعاد علي إلى عثمان برجوعهم ، ~~فسر بذلك . فلما فارقه مروان بن الحكم إلى عثمان من الغد فقال له : تكلم ~~أعلم الناس أن أهل مصر رجعوا ، وأن ما بلغهم عن أميرهم كان باطلا قبل أن ~~يأتي الناس من أمصارهم ، ويأتيك حالا تستطيع رده ، ففعل عثمان ، فلما خطب ~~الناس قال عمرو بن العاص : اتق الله يا عثمان ، فإنك قدركبت أمورا وركبناها ~~معك ، فتب إلى الله نتب . فناداه عثمان : وإنك هنالك قملت والله جبيتك ، ~~منذ عزلتك عن العمل . فنودي من ناحية أخرى : تب إلى الله ، فرفع راسه وقال ~~: الله إني أول تائب . وخرج عمرو بن العاص حتى أتى فلسطين . وفي رواية عن ~~علقمة بن وقاص : إن عمرو بن العاص قام إلى عثمان وهو يخطب ، فقال : يا ~~عثمان ، إنك قد ركبت بالناس النهابير وركبوها ، فتب إلى الله وليتوبوا . ~~فالتفت إليه عثمان وقال : وإنك لهنا يابن النابغة ثم رفع يديه واستقبل ~~القبلة وقال : أتوب إلى الله ، اللهم أنا أول تائب إليك . PageV19P0300 # """""" صفحة رقم 301 """""" قال ابن الأثير الجزري : وقيل : إن عليا لما ~~رجع من عند المصريين بعد رجوعهم أتى عثمان ، فقال : تكلم كلاما يسمعه الناس ~~منك ، ويشهدون عليك ويشهد الله على مافي قلبك من النزوع والإنابة ؛ فإن ~~البلاد قد تمخضت عليك ، فلا آمن أن يجيء ركب آخر من الكوفة والبصرة ، فتقول ~~: يا علي ، أركب إليهم ، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك ، واستخففت بحقك ~~. فخرج عثمان فخطب خطبة نزع فيها ، وأعطى الناس من نفسه التوبة ، وقال : ~~أنا أول من اتعظ ، استغفر الله مما فعلت وأتوب إليه ، فمثلي نزع وتاب ، ~~فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروا رأيهم ، فوالله لئن ردني الحق عبدا لأستن ~~بسنة العبد ، ولأذلن ذل العبد ، وما عن الله ms4284 مذهب إلا إليه ، فوالله ~~لأعطينكم الرضا ، ولأنحين مروان وذويه ، ولا أحتجب عنكم . فرق الناس وبكوا ~~حتى أخضلت لحاهم ، وبكى هو أيضا ، فلما نزل وجد مروان وسعيد ونفرا من بني ~~أمية في منزله ، لم يكونوا شهدوا خطبته . فلما جلس قال مروان : يا أمير ~~المؤمنين ، أتكلم أم أسكت ؟ فقالت : نائلة ابنة الفرافصة أمراة عثمان لا ، ~~بل أصمت ، فإنهم والله قاتلوه ومؤثموه ، إنه قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع ~~عنها . فقال لها مروان : ما أنت وداك ؟ فوالله لقد مات أبوك وما يحسن يتوضأ ~~، فقالت : مهلا يا مروان عن ذكر الآباء ، تخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه ~~وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عنه . أما والله لولا أنه عمه ، وأنه يناله عمه ~~لأخبرتك عنه بما لم أكذب . قال : فاعرض عنها مروان ، وقال : يا أمير ~~المؤمنين ، أتكلم أم أسكت ؟ قال : تكلم فقال : بأبي أنت وأمي والله لوددت ~~أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع ، فكنت أول من رضي بها ، وأعان عليها ؛ ~~ولكنك قلت ما قلت حين قد بلغ الحزام الطبيبين ، وبلغ السيل الزبى ، وحين ~~أعطى الخطة الذليلة الذليل ، والله لإقامة على خطيئة يستغفر منها ، أحسن من ~~توبه يخاف عليها ، وأنت إن شئت تقر بالتوبة ، ولم تقر بالخطيئة ، وقد اجتمع ~~بالباب أمثال الجبال من الناس . PageV19P0301 # """""" صفحة رقم 302 """""" فقال عثمان : فأخرج إليهم وكلمهم ، فإنى ~~استحي أن أكلمهم ، فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضا ، فقال : ~~ما شأنكم ؟ قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهب ، شاهت الوجوه إلا من أريد ، ~~جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا ، أخرجوا عنا ، والله لئن رمتمونا ~~ليمرن عليكم منا أمر لا يسركم ، ولا تحمدوا غب رأيكم ، ارجعوا إلى منازلكم ~~، فإنا والله مانحن بمغلوبين على ما في أيدينا . فرجع الناس ، وأتى بعضهم ~~عليا فأخبره الخبر ، فأقبل الناس على عبد الرحمن بن الأسود بن عبد بغوث ~~فقال : أحضرت خطبة عثمان ؟ قال : نعم ، قال : أفحضرت مقالة مروان للناس ؟ ~~قال : نعم ، فقال علي : أي عباد الله ، ياللمسلمين إني إن قعدت في بيتي قال ~~لي ms4285 : تركتني وقرابتي قرابتي وحقي وإني إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان ~~، فصار سيقه له يسرقه حيث يشاء ، بعد كبر السن ، وصحبة الرسول ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . وقام مغضبا حتى دخل على عثمان فقال له : أما رضيت من مروان ~~ولا رضى منك إلا بتحرفك عن دينك ، وعن عقلك ، مثل جمل الظعينة . يقاد حيث ~~يشاء ربه . والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه ، ولا وايم الله إنى ~~لأراه يوردك ثم لا يصدرك ، وما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، أذهبت ~~شرفك ، وغلبت على رأيك . فلما خرج علي دخلت على عثمان امرأته نائلة فقالت : ~~قد سمعت قول علي لك ، وليس يعاودك ، وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء قال : ~~فما أصنع ؟ قالت : تتقي الله ، وتتبع سنة صاحبيك ؛ فإنك متى أطعت مروان ~~قتلك ، ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبة ؛ وإنما تركك الناس ~~لمكانه ، فأرسل إلى علي فاستصلحه فإن له قرابة منك ، وهو لا يعصى . فأرسل ~~عثمان إلى علي فلم يأته وقال : قد أعلمته أني غير عائد ، فبلغ مروان مقالة ~~نائلة فيه ، فجلس بين يدي عثمان فقال : ياابنة الفرافصة ، فقال عثمان : لا ~~تذكرنها بحرف ، أسوي وجهك ، فهي والله انصح لي منك ، فكف مروان . وأتى ~~عثمان إلى علي بمنزله ليلا وقال له : إني غير عائد ، وإني فاعل ، فقال له ~~علي : بعد ما تكلمت على منبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأعطيت من ~~نفسك ، ثم دخلت بيتك . فخرج مروان إلى الناس يشتمهم على بابك ويؤذيهم ~~PageV19P0302 # """""" صفحة رقم 303 """""" فخرج عثمان من عنده وهو يقول : خذلتني وجرأت ~~الناس علي ، فقال له علي : والله إني لأكثر الناس ذنبا عنك ؛ ولكني جئت ~~بشيء أظنه لك رضا ، جاء مروان بأخرى ، فسمعت قوله ، وتركت قولي ، ولم يعد ~~علي يعمل ما كان يعمل إلى منع عثمان الماء . فغضب غضبا شديدا حتى دخلت ~~الروايا على عثمان رضي الله عنه . والله أعلم . ذكر مقتل عثمان رضي الله ~~عنه ولم عاد المصريون وغيرهم ، ظن أن الفتنة قد ركدت ms4286 ، والبلية قد سكنت ، ~~فلم يفجأ أهل المدينة إلا والتكبير في نواحيها ، وقد عاد القوم ، فجاءهم ~~أهل المدينة وفيهم علي ، فقال : ما ردكم بعد ذهابكم وقيل : إن الذي سألهم ~~محمد بن مسلمة ، فأخرجوا صحيفة في انبوبة رصاص وقالوا : وجدنا غلام عثمان ~~بالبويب على بعير من إبل الصدقة ، ففتشنا متاعه ، فوجدنا فيه هذه الصحيفة ، ~~يأمر فيها عامل مصر بجلد عبد الرحمن بن عديس وغيره ، وصلب بعضنا . قيل وكان ~~الذي أخذت منها الصحيفة أبو الأعور السلمي فدخل علي محمد بن مسلمة على ~~عثمان وأعلموه بما قال القوم ، فأقسم بالله ما كتبه ولا علم به . فقال محمد ~~: هذا من فعل مروان ، ودخل عليه المصريون ، فلم يسلموا عليه بالخلافة ، ~~وتكلموا فذكر بن عديس ما فعل بعبد الله بن سعد بالمسلمين وأهل الذمة ، وأنه ~~استأثر بالغنائم ، فإن قيل له في ذلك قال : هذا كتاب أمير المؤمنين ، وذكر ~~أشياء مما أحدثها عثمان بالمدينة . وقال : خرجنا من مصر نريد قتلك ، فردنا ~~علي ومحمد بن مسلمة ، وضمنا لنا النزوع عن كل ما تكلمنا فيه ، فرجعنا إلى ~~بلادنا ، فرأينا غلامك وكتابك وعليه خاتمك ، تامر بجلدنا والمثلة بنا ، ~~وطول حبسنا . فحلف أنه ما كتب ولا أمر ولا علم . PageV19P0303 # """""" صفحة رقم 304 """""" فقال محمد وعلي : صدق عثمان . قال المصريون : ~~فمن كتبه ؟ قال : لا أدري قالوا : فيجترأ عليك ، ويبعث غلامك وجمل الصدقة ، ~~وينقش على خاتمك ، ويبعث إلى عاملك بهذه الأمور العظيمة وأنت لا تعلم قال : ~~نعم . قالوا : ما انت إلا صادق أو كاذب فإن كنت كاذبا فقد استحققت الخلع ~~لما أمرت به من قتلنا بغير حق ، وإن كنت صادقا فقد استحققت الخلع . لضعفك ~~عن هذا الأمر ، وغفلتك ، وخبث بطانتك ، ولا نترك هذا الأمر بيد من يقطع ~~الأمر دونه . فقال : لا أنزع قميصا ألبسنيه الله ؛ ولكنني أتوب وأنزع . ~~قالوا : قد رأيناك تتوب ، ثم تعود ، ولسنا منصرفين حتى نخلعك ، أو نقتلك ، ~~أو تلحق أرواحنا بالله ، وإن منعك أهلك وأصحابك قاتلناهم . فقال : أما أن ~~أتبرأ من خلافة الله فالقتل أحب إلى من ذلك ، أما قتالكم من ms4287 منعني فإني لا ~~آمر بقتل أحد بقتالكم ، فمن قاتل فبغير أمري . وكثرت الأصوات واللغط ، فقام ~~علي وأخرج القوم ومضى إلى منزله . قال : لما رجع أهل مصر ، رجع أهل الكوفة ~~وأهل البصرة فكأنما كانوا على ميعاد واحد ؛ فقال لهم علي رضي الله عنه : ~~كيف علمتم يا أهل الكوفة ، ويا أهل مصر بما لقي أهل مصر ، وقد سرتم مراحل ~~حتى رجعتم هذا والله أمر بليل فقالوا : ضعوه كيف شئتم ، لا حاجة لنا في هذا ~~الرجل ، ليعتزلنا . قال : ثم أحاط القوم بعثمان ، ولم يمنعوه من الصلاة ، ~~ولا منعوا من اجتماع الناس به . وكتب عثمان إلى أهل الامصار يستنجدهم ، ~~ويأمرهم بالحث للمنع عنه ، يعرفهم ما الناس فيه ، فخرج أهل الأمصار على ~~الصعب والذلول . فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري ، وبعث عبد الله بن سعد ~~معاوية بن حديج . وخرج من الكوفة القعقاع بن عمرو . وقام بالكوفة نفر يحضون ~~على إعانة أهل المدينة ، منهم عقبة بن عمرو ، وعبد الله بن أبي أوفى ، ~~وحنظلة الكاتب وغيرهم من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ومن ~~التابعين مسروق الأسود وشريح وعبد الله بن عليم وغيرهم . PageV19P0304 # """""" صفحة رقم 305 """""" وقام بالبصرة عمران بن حصين ، وأنس بن مالك ، ~~وهشام بن عامر وغيرهم من الصحابة . وقام بالشام جماعة من الصحابة والتابعين ~~، وكذلك بمصر . قال : ولما جاءت الجمعة التي على اثر دخولهم المدينة ، خرج ~~عثمان فصلى بالناس ، ثم قام على المنبر وقال : يا هؤلاء ، الله الله ، ~~فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ، فأمحوا الخطأ ~~بالصواب . وقام محمد بن سلمة قال : أنا أشهد بذلك ، فأقعده حكيم بن جبلة ، ~~وقام زيد بن ثابت ، فأقعده محمد بن أبي قتيرة ، وثار القوم بأجمعهم : ~~فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد ، وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر ~~مغشيا عليه ، فأدخل داره ، واستقتل نفر من أهل المدينة معه ، منهم سعد بن ~~أبي وقاص ، والحسن بن علي وزيد بن ثابت وأبو هريرة ، فعزم عليهم عثمان ~~بالانصراف ، فانصرفوا ، وجاءه علي وطلحة والزبير يعودونه ، وعنده جماعة من ~~بني ms4288 امية ، منهم مروان بن الحكم ، فقالوا : كلهم لعلي : أهلكتنا وصنعت هذا ~~الصنع والله لئن بلغت الذي تريد لنمرن عليك الدنيا ، فقام مغضبا ، وعاد هو ~~والجماعة إلى منازلهم . قال : وصلى عثمان بالناس في المسجد بعدما نزلوا به ~~ثلاثين يوما ثم منعوه الصلاة ، وصلى بالناس أميرهم الغافقي ، وتفرق أهل ~~المدينة في حيطانهم ، ولزموا بيوتهم ، لا يجلس أحد ولا يخرج إلا بسيفه ؛ ~~ليمتنع به . قال : وفي أثناء ذلك استشار عثمان نصحاءه في أمره ، فأشاروا ~~عليه بالإرسال إلى علي في ردهم ، ويعطيهم ما يرضيهم ؛ ليطاولهم حتى تأتيه ~~أمداده ، فقال : إنهم لا يقبلون التعلل ، وقد كان مني في المرة الأولى ~~ماكان . فقال مروان : أعطهم ما سألوك ، وطاولهم ما طاولوك ؛ فإنهم قوم بغوا ~~عليك ولا عهد لهم . فدعا عليا وقال له : قد ترى ما كان من أمر الناس ، ولا ~~آمنهم على دمي ، فأرددهم فإنى أعطيهم ما يريدون من الحق مني ومن غيري . ~~فقال علي : الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك ، وقد كنت أعطيتهم عهدا فلم ~~تف به فلا تفردني هذه المرة فإنى معطيهم عليك بالحق . PageV19P0305 # """""" صفحة رقم 306 """""" قال : أعطهم ، فوالله لأفين لهم . فخرج على ~~إلى الناس فقال لهم : إنما طلبتم الحق وقد أعطيتموه ، وقد زعم أنه منصفكم ~~من نفسه ومن غيره ، فقال الناس : قبلنا ، فاستوثق منه لنا ؛ فإنا لنا نرضى ~~بقول دون فعل ، فدخل عليه على فأعلمه ، فقال : أضرب بيني وبينهم أجلا يكون ~~لي فيه مهلة ، فإنه لا أقدر على رد ما كرهوا في يوم واحد منك . فقال له علي ~~: أما ما كان بالمدينة فلا أجل لك فيه ، وما غاب فأجله وصول أمرك . قال : ~~نعم ، فأحلني فيما في المدينة ثلاثة أيام ، فأجابه إلى ذلك . وكتب بينهم ~~كتابا على رد كل مظلمة ، وعزل كل عامل كرهوه ، فكف الناس عنه ، فجعل يتأهب ~~للقتال ، ويستعد بالسلاح ، واتخذ جندا . فلما مضت الأيام الثلاثة ولم يغير ~~شيئا ثار به القوم . وخرج عمرو بن حزم إلى المصريين فأعلمهم الخبر ، وهم ~~بذى خشب ، فقدموا المدينة وطلبوا منه عزل عماله ، ورد مظالمهم ms4289 . فقال : إن ~~كنت استعمل من أردتم ، وأعزل من كرهتم ، فلست في شيء من الأمر ، والأمر ~~أمركم . فقالوا : والله لتفعلن أو لتخلعن أو لتقتلن . فأبى عليهم ، فحصروه ~~، واشتد الحصار ، فأرسل إلى علي وطلحة والزبير فحضروا ، فأشرف عليهم وقال ~~يا أيها الناس ، أجلسوا ، فجلس المحارب والمسالم ، ثم قال : يا أهل المدينة ~~، استودعكم الله ، واسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي ، ثم قال : أنشدكم ~~بالله هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب عمر أن يختار لكم ، وأن يجمعكم ~~على خيركم أتقولون إن الله لم يستجب لكم ، وهنتم عليه ، وأنتم أهل حقه أم ~~تقولون : هان على الله دينه ، فلم يبال من ولي ، والذين لم يتفرق أهله ~~حينئذ ؟ أم تقولون : لم يكن أخذ عن مشورة ، إنما كان عن مكابرة فوكل الله ~~الأمة إذ عصته ولم يشاوروا في الإمامة أم تقولون : إن الله لم يعلم عاقبة ~~أمري وأنشدكم بالله أتعلمون لي سابقة خير وقدم خير قدم الله لي ما يوجب على ~~كل من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها ، فمهلا لا تقتلوني فإنه لا يحل إلا قتل ~~ثلاثة رجل زنى بعد أحصانه ، أو كفر بعد إيمانه ، أوقتل نفسا بغير حق . ~~فإنكم إن قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم ، ثم لم يرفع الله عنكم الاختلاف ~~أبدا . قالوا : أما ما ذكرت من استخارة الناس بعد عمر ، ثم ولوك فإن كل ما ~~صنع الله الخيرة ، ولكن الله جعلك بلية ابتلى بها عبادة . وأما ما ذكرت من ~~قدمك وسلفك مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقد كنت كذلك ، وقد كنت ~~أهلا للولاية ، ولكن أحدثت ما علمته ، ولا نترك إقامة الحق عليك مخافة ~~الفتنة عاما قابلا . PageV19P0306 # """""" صفحة رقم 307 """""" وأما قولك : إنه لا يحل إلا قتل ثلاثة ، فإنا ~~نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سميت ، قتل من سعى في الأرض فسادا ~~، أو قتل من بغي ، ثم قاتل على بغيه ، قتل من حال دون شيء من الحق ومنعه ~~وقال دونه وقد بغيت ومنعت الحق وحلت دونه ، وكابرت عليه ، ولم تقد ms4290 من نفسكم ~~من ظلمت ، وقد تمسكنت الإمارة عليها فإن زعمت أنك لم تكابرنا عليه فإن ~~الذين قاموا دونك ومنعوك منا إنما يقاتلون لتمسكك بالإمارة ، فلو خلعت نفسك ~~لانصرفوا عن القتال معك . فسكت عثمان ولزم الدار ، وأمر أهلا المدينة ~~بالرجوع ، وأقسم عليهم فرجعوا ، إلا الحسن بن علي ، ومحمد بن طلحة ، وعبد ~~الله بن الزبير وأشباها لهم ، واجتمع إليهم ناس كثير ، وكانت مدة الحصار ~~أربعين يوما ، فلما مضت ثماني عشرة ليلة ، قدم ركبان من الأمصار فأخبروا ~~خبر من تهيأ لهم من الجنود ، فحالوا بين الناس وبينه ، ومنعوه كل شيء حتى ~~الماء ، فارسل إلى علي سرا ، وإلى طلحة والزبير ، و إلى أزواج رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، يقول لهم : إنهم قد منعوني الماء ، فإن قدرتم أن ~~ترسلوا إلينا ماء فافعلوا ، فكان أولهم إجابة علي ، وأم حبيبة ، فجاء علي ~~في الناس فقال : ياأيها الناس ، إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين ، ولا ~~أمر الكافرين ، فلا تقطعوا عن هذا الرجل الماء ولا المادة فإن الروم وفارس ~~لتأسر فتطعم ، وتسقي . فقالوا : لا والله ولا نعمة عين ، فرمى بعمامته في ~~الدار بأنى قد نهضت ورجع ، وجاءت أم حبيبة على بغلة لها إداوة ، فضربوا وجه ~~بغلتها فقالت : إن وصايا بني أمية عند هذا الرجل ، فأحببت أن أساله عنها ~~لئلا تهلك أموال الأيتام والأرامل ، فقالوا : كاذبة ، وقطعوا حبل البغلة ~~بالسيف ، فنفرت ، وكادت تسقط عنها ، فتلقاها الناس ، ثم ذهبوا بها إلى ~~منزلها . فاشرف عثمان يوما ، فسلم عليهم ، ثم قال : أنشدكم الله ، هل ~~تعلمون أني اشتريت بئر رومة من مالي ليستعذب بها ، فجعلت رشائي فيها كرجل ~~من المسلمين ؟ قالوا : نعم ، قال : فلم تمنعوني أن اشرب منها حتى أفطر على ~~ماء الملح ثم قال : أنشدكم الله هل تعلمون أني اشتريت أرض كذا وكذا فزدتها ~~في المسجد ؟ قيل : نعم . قال : فهل علمتم أن أحدا منع أن يصلي فيه قبلي ؟ ~~ثم قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال عني ~~كذا وكذا أشياء في شأنه ؟ PageV19P0307 # """""" صفحة رقم 308 """""" ففشا ms4291 النهي في الناس ، يقولون : مهلا عن أمير ~~المؤمنين فقام الأشتر : فقال : لعله قد مكر به وبكم . قال : وبلغ طلحة ~~والزبير مالقى على وأم حبيبة ، فلزموا بيوتهم ، وبقي عثمان يسقيه آل حزم في ~~الغفلات . قال : وخرجت عائشة رضي الله عنها إلى الحج ، فاستتبعت أخاها ~~محمدا ، فأبى ، فقالت : والله لئن استطعت أن يحرمهم الله مايحاولون لأفعلن ~~. فقال له حنظلة الكاتب : تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها ، وتتبع ذؤبان ~~العرب إلى مالا يحل وإن هذا الأمر إن صار إلى التغالب غلبتك عليه بنو عبد ~~مناف ، ثم رجع حنظلة إلى الكوفة وهو يقول بالله المستعان ، وعليه التكلان : ~~عجبت لما يخوض الناس فيه . . . يرومون الخلافة أن تزولا ولو زالت لزال ~~الخير عنهم . . . ولاقوا بعدها ذلا ذليلا وكانوا كاليهود أو كالنصارى . . . ~~سواء كلهم ضلوا السبيلا قال : ثم أشرف عثمان على الناس ، واستدعى عبد الله ~~بن عباس ، فأمره أن يحج بالناس ، وكان ممن لزم الباب ، فانطلق . قال : ولما ~~رأى المصريون أن أهل الموسم يريدون قصدهم بعد الحج مع مايليهم من مسير أهل ~~الأمصار ، قالوا : لا يخرجنا من هذا الأمر الذي وقعنا فيه إلا هذا الرجل ، ~~فيشتغل الناس عنا . فتقدموا إلى الباب ، فمنعهم الحسن ، وابن الزبير ، ~~ومحمد بن طلحة ، ومروان وسعيد بن العاص ومن معهم من أبناء الصحابة ، ~~واجتلدوا فزجرهم عثمان ، وقال : أنتم في حل من نصرتي ، فأبوا ، ففتح الباب ~~ليمنعهم ، فلما خرج ورآه المصريون رجعوا ، فركبهم هؤلاء ، واقسم عثمان على ~~الصحابة ليدخلن ، فدخلوا ، فأغلق الباب دون المصريين فثاروا إلى الباب ، ~~وجاءوا بنار ، فأحرقوا السقيفة التي على الباب وثار بهم أهل الدار ، وعثمان ~~يصلي ، قد افتتح طه ، فما شغله ماسمع حتى أتى عليها ، فلما فرغ جلس إلى ~~المصحف فقرأ : " الذي قال لهم الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ~~وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل " PageV19P0308 # """""" صفحة رقم 309 """""" قال : ثم قال عثمان للحسن : إن أباك الآن لفي ~~أمر عظيم من أمرك ، فأقسمت عليك لما خرجت عليه ، فتقدموا فقاتلوا ، ولم ~~يستمعوا قوله ، فبرز المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني ms4292 زهرة وكان ~~تعجل الحج في عصابه لينصروا عثمان وهو معه في الدار ، وارتجز . قد علمت ~~القرون الميل . . . والحلى والأنامل الطفول لتصدقن بيعتي خليلي . . . بصارم ~~ذي رونق مصقول لا أستقيل إذ أقلت قيلي وحكى أبو عمر أن المغيرة بن الأخنس ~~قال لعثمان حين أحرقوا بابه : والله لا قال الناس عنا : إنا خذلناك ، وخرج ~~بسيفه وهو يقول : لما نهدمت الأبواب واحترقت . . . تيممت منهن بابا غير ~~محترق حقا أقول لعبد الله آمره . . . إن لم تقاتل لدى عثمان فانطلق والله ~~أتركه مادام بي رمق . . . حتى يزايل بين الرأس والعنق هو الإمام فلست اليوم ~~خاذله . . . إن الفرار على اليوم كالسرق وحمل على الناس فضربه رجل على ساقه ~~فقطعها ، ثم قتله ، فقيل إن الذي قتله تقطع جذاما بالمدينة . وقال قتادة : ~~لما أقبل أهل مصر إلى المدينة في شأن عثمان رأى رجل في المنام كأن قائلا ~~يقول له : بشر قاتل المغيرة بن الأخنس بالنار ، وهو لا يعرف المغيرة ، رأى ~~ذلك ثلاث ليال ، فجعل يحدث أصحابه . فلما كان يوم الدار . خرج المغيرة ~~فقاتل ، والرجل ينظر إليه فقتل ثلاثة ، فلما قتلهم وثب إليه الرجل فحذفه ، ~~فأصاب رجله ، ثم ضربه حتى قتله ، ثم قال من هذا ؟ فقالوا : المغيرة بن ~~الأخنس ، فقال : لا أراني إلا صاحب الرؤيا المبشر بالنار ، فلم يزل بشر حال ~~حتى هلك . وخرج الحسن بن علي وهو يقول : لأدينهم ديني ولا أنا منهم . . . ~~حتى يسير إلى طمار شمام PageV19P0309 # """""" صفحة رقم 310 """""" وخرج محمد بن طلحة وهو يقول : أنا ابن من ~~حامي عليه بأحد . . . ورد أحزابا على رغم معد وخرج سعيد بن العاص وهو يقول ~~: صبرنا غداة الدار والموت واقف . . . بأسيافنا دون ابن أروى نضارب وكنا ~~غداة الروع في الدار نصرة . . . نشافههم بالضرب والموت ثاقب وكان آخر من ~~خرج عبد الله بن الزبير ، وأقبل أبو هريرة والناس محجمون ، فقال : هذا يوم ~~طاب فيه الضرب ، ونادى : " ياقوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى ~~النار " وجاء عبد الله بن سلام ينهاهم عن قتله ، فقال : يا قوم ، لا تسلوا ~~سيف الله فيكم ms4293 ، فوالله إن سللتموه لا تغمدوه ، ويلكم إن سلطانكم اليوم ~~يقوم بالدرة ، فإن قتلتموه لا يقوم إلا بالسيف ، ويلكم مدينتكم محفوفة ~~بالملائكة ، فإن قتلتموه ليتركنها . فقالوا : يابن اليهودية ، ماأنت وهذا ~~فرجع عنهم . قال : ثم اقتحموا على عثمان داره من دار عمرو بن حازم حتى ~~ملئوها ولم يشعر من بالباب منهم ، ففي ذلك يقول الأحوص يهجو آل حزم لا ~~ترثين لحزمي رأيت به . . . ضرا ولو طرح الحزمي في النار الباخسين لمروان ~~بذي خشب . . . والمدخلين على عثمان في الدار قال : ولما صاروا في الدار ~~ندبوا رجلا ليقتله ، فدخل عليه فقال : اخلعها ونتركك . قال : لست خالعا ~~قميصك كساينة الله تعالى حتى يكرم الله أهل السعادة ، ويهين أهل الشقاوة ، ~~فخرج عنه ، فأدخلوا عليه رجلا من بني ليث ، فقال : لست بصارحبي لأن النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) دعا لك أن تحفظ يوم كذا وكذا ، ولن تضيع ، فرجع عنه ~~PageV19P0310 # """""" صفحة رقم 311 """""" وفارق القوم . ودخل عليه رجل من قريش فقال له ~~: إن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) استغفر لك يوم كذا وكذا فلن تقارب دما ~~حراما ، فرجع وفارق أصحابه . ودخل عليه جماعة كلهم يرجع ، آخرهم محمد بن ~~أبي بكر ، فلما خرج ثار قتيرة وسودان بن حمران والغافقي ، فضربه الغافقي ~~بحديدة ، وضرب المصحف برجله : فدار المصحف ، واستقر بين يديه ، وجاء سودان ~~ليضربه فأكبت عليه نائلة بنت الفرافصة ، واتقت السيف بيدها فقطع أصابعها ~~وشيئا من الكف ، ونصف الإبهام فولت ، فغمز أوراكها ، وقال : إنها لكبيرة ~~العجز ، وضرب عثمان فقتله . وقيل : إن الذي قتله كنانة بن بشر التجيبي ، ~~وكان عثمان قد رأى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في تلك الليلة وهو يقول له ~~: إنك تفطر الليلة عندنا . ولما قتل قطر من دمه على المصحف على قوله تعالى ~~: " فسيكفيكم الله " قال : ودخل غلمة لعثمان من القوم لينصروه ، فقال عثمان ~~: من كف يده فهو حر ، فلما ضربه سودان ضرب بعض الغلمان رقبة سودان فقتله ، ~~ووثب قتيرة على الغلام فقتله ، وانتهبوا ما في البيت ، وخرجوا ، وأغلقوا ~~الباب على ثلاثة قتلى . فلما خرجوا وثب غلام ms4294 لعثمان على قتيره فقتله ، وثار ~~القوم فأخذوا ما وجدوا حتى أخذوا ما على النساء ، وأخذ كلثوم التجيبي ملاءة ~~كانت على نائلة فضربه غلام لعثمان فقتله ، وانتهب القوم بيت لمال . قال : ~~ووثب عمرو بن الحمق على صدر عثمان وبه رمق ، فطعنه تسع طعنات ، واراد قطع ~~رأسه ، فوقعت نائلة وأم البنين عليه فصحن وضربن الوجوه ، فقال ابن عديس ~~اتركوه وأقبل عمير بن ضابئ البرجمي فوثب على عثمان ، فكسر ضلعا من أضلاعه ، ~~وقال له : سجنت أبي حتى مات في السجن . وكان قتله يوم الجمعة لثماني عشرة ، ~~أو سبع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ، سنة خمس وثلاثين . ذكره المدائني عن ~~أبي معشر عن نافع ، وعن أبي عثمان النهدي ؛ إنه قتل وسط أيام التشريق . ~~وقال بن إسحاق : قتل عثمان على رأس إحدى عشرة سنة ، وأحد عشر شهرا ، ~~واثنتين وعشرين يوما من مقتل عمر بن الخطابن وعلى رأس خمس وعشرين سنة من ~~متوفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . PageV19P0311 # """""" صفحة رقم 312 """""" وقال الواقدي رحمه الله : قتل يوم الجمعه ~~لثمان ليال خلت من ذي الحجة يوم الترويه . وقد قيل : إنه قتل يوم الجمعة ~~لليلتين بقيتا من ذي الحجة . روى هذه الأقوال كلها أبو عمر بن عبد البر . ~~واختلف في مدة الحصار : فقال الواقدي : حاصروه تسعة وأربعين يوما . وقال ~~الزبير بن بكار : حاصروه شهرين وعشرين يوما ؛ وقيل غير ذلك . وقد تقدم أنه ~~رضي الله عنه صلى بالناس بعد ان نزلوا به ثلاثين يوما ، ثم منعوه الصلاة ، ~~وصلى بالناس أميرهم الغافقي . وقد قيل : إنه منع عثمان الصلاة جاء سعد ~~القرظ وهو المؤذن إلى علي بن أبي طالب ، فقال : من يصلي بالناس ؟ فقام : ~~خالد بن زيد ، وهو أبو أيوب الأنصاري ، فصلى أياما ثم صلى بعد ذلك بالناس . ~~وقيل : بل أمر علي سهل بن حنيف فصلى بالناس من أول ذي الحجة إلى يوم العيد ~~، ثم صلى علي بالناس العيد ، وصلى بهم حتى قتل عثمان . والله أعلم . حكى ~~أبو عمر بن عبد البر في مقتل عثمان . قال : كان أول من ms4295 دخل عليه محمد بن ~~أبي بكر ، فأخذ بلحيته فقال : دعها يابن أخي ، فوالله لقد كان أبوك يكرمها ~~، فاستحيا وخرج ، ثم دخل عليه رومان بن سرحان ، رجل أزرق قصير مجدور ، ~~عداده في مراد ، وهو من ذي أصبح ، معه خنجر ، فاستقبله به ، وقال : على أي ~~دين أنت يا نعثل ؟ فقال : لست بنعثل ولكني عثمان بن عفان ، وأن على ملة ~~إبراهيم حنيفا مسلما وما أنا من المشركين . قال : كذبت ، وضربه على صدغه ~~فقتله ، فخر ، فأدخلته امرأته نائلة بينها وبين ثيابها ، وكانت امرأة جسيمة ~~. ودخل رجل من أهل مصر معه السيف مصلتا فقال : والله لأقطعن أنفك ، فعالج ~~المرآة فكشفت عن ذراعيها ، وقبضت على السيف فقطع إبهامها ، فقالت لغلام ~~لعثمان يقال له رباح ، ومعه سيف عثمانك أعني على هذا ، وأخرجه ، فضربه ~~الغلام بالسيف فقتله . قال : وأقام عثمان يومه ذلك مطروحا إلى الليل ، ~~فحمله رجال على باب ليدفنوه ، فعرض لهم ناس ليمنعوهم من دفنه ، فوجدوا قبر ~~قد حفر لغيره فدفنوه فيه ، وصلى عليه جبير بن مطعم . PageV19P0312 # """""" صفحة رقم 313 """""" وقال محمد بن طلحة : حدثني كنانة مولى صفية ~~بنت حيى بن أخطب ، فقال : شهدت مقتل عثمان ، فخرج من الدار أمامي أربعة من ~~شباب قريش مضرجين بالدم ، محمولين ، كانوا يذودون عثمان وهم الحسن بن علي ، ~~وعبد الله بن الزبير ، ومحمد بن حاطب ، ومروان بن الحكم . قال محمد بن طلحة ~~: فقلت له : هل ندى محمد بن أبي بكر بشيء من دمه ؟ فقال : معاذ الله ، دخل ~~عليه فقال له عثمان يابن أخي لست بصاحبي وكلمة كلاما فخرج ، ولم يند بشيء ~~من دمه . قال : فقلت لكنانة : من قتله ؟ قال : رجل من أهل مصر ، يقال له : ~~جبلة بن الأيهم ، ثم طاف بالمدينة ثلاثا يقول : أنا قاتل نعثل . وروى أبو ~~عمر أيضا بسنده إلى مالك بن أنس ، قال : لما قتل عثمان ألقى على المزبلة ~~ثلاثة أيام ، فلما كان في الليل أتاه اثنا عشر رجلا ، منهم حويطب بن عبد ~~العزي وحكيم بن حزام ، وعبد الله بن الزبير ، وجدى بن مالك بن أبي عامر ، ~~فاحتملوه ms4296 ، فلما صاروا به إلى المقبرة ليدفنوه ناداهم قوم من بني مازن : ~~والله لئن دفنتموه هاهنا ، لنخبرن الناس غدا ، فاحتملوه ، وكان على باب ، ~~وإن راسه كان على الباب يقول : طق طق حتى صاروا به إلى حش كوكب فاحتفروا له ~~، وكانت عائشة بنت عثمان معها مصباح في حق ، فلما أخرجوه ليدفنوه صاحت ، ~~فقال لها بن الزبير والله لئن لم تسكتي لأضربن الذي في عيناك ، فسكتت ، ~~فدفن . قال مالك : وكان عثمان يمر بحش كوكب فيقول : إنه سيدفن هاهنا رجل ~~صالح . وعن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : أرادوا أن يصلوا على عثمان رضي ~~الله عنه فمنعوه ، فقال أبو جهم بن حذيفة : دعوه ، فقد صلى عليه الله ~~ورسوله . وقد قيل : إن علي بن أبي طالب ، وطلحة ، والزبير ، وزيد بن ثابت ، ~~وكعب بن مالك ، وعامر بن نمير من أصحابه شهد واجنازته . وقيل : إنه كفن في ~~ثيابه ولم يغسل . واختلف في سنة يوم قتل . PageV19P0313 # """""" صفحة رقم 314 """""" فقال ابن إسحاق : قتل وهو ابن ثمانين سنة . ~~وقال غيره : قتل وهو بن ثمان وثمانين ، وقيل : تسعين . وقال قتادة : قتل ~~وهو بن ست وثمانين سنة . وقال الوافدي لا خلاف عندنا أنه قتل ، وهو بن ~~اثنتين وثمانين سنة ، وهو قول أبي اليقظان . ودفن ليلا بموضع يقال له : حش ~~كوكب ، وكوكب رجل من الأنصار ) الحش : البستان ( ، وكان عثمان قد اشتراه ~~وزاده في البقيع ، وهو أول من قبر فيه . قال : وقد قيل : إنه صلى عليه عمرو ~~بن عثمان ابنه ، وقيل : بل صلى عليه حكيم بن حزام ، وقال : بل صلى عليه ~~المسور بن مخرمة . وقيل : بل جبير بن مطعم . وقيل : بل مروان بن الحكم ، ~~وقيل : كانوا خمسة أوستة وهم : جبير بن مطعم ، وحكيم بن حزام ، وأبو جهم بن ~~حذيفة ، ونيار بن مكرم ، وزوجتاه نائلة وأم البنين بنت عيينة . ونزل قبره ~~دينار ، وأبو جهم ، وجيبر ، وكان حكيم ونائلة وأم البنين يدلونه ، فلما ~~دفنوه غيبوا قبره . وروى أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه إلى نائلة بنت ~~الفرافصة : كتبت إلى معاوية ، وبعثت بقميص عثمان رضي الله عنه ms4297 مع النعمان ~~بن بشير وعبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة : من نائلة بنت الفرافصة ، إلى ~~معاوية بن أبي سفيان : أما بعد بنت الفرافصة ، إلى معاوية بن أبي سفيان : ~~أما بعد ، فإني أذكركم بالله الذي أنعم عليكم ، وعلمكم الإسلام وهداكم من ~~الضلالة ، وأنقذكم من غواية الكفر ، ونصركم على العدو ، واسبغ عليكم النعمة ~~، فأنشدكم الله تعالى ، وأذكركم حقه وحق خليفته أن تنصروه بعزمة الله عليكم ~~، فإنه قال تعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما ، ~~فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " وإن ~~أمير المؤمنين بغي عليه ، ولو لم يكن له عليكم حق إلا حق الولاية ثم أتى ~~لحق على كل مسلم يرجو أيام الله أن ينصره لقدمه في الإسلام ، وحسن بلائه ؛ ~~فإنه أجاب داعي الله ، وصدق كتابه ورسوله ، والله أعلم به إذا انتجبه ، ~~فأعطاه شرف الدنيا ، وشرف الآخرة . PageV19P0314 # """""" صفحة رقم 315 """""" وإني أقص عليكم خبره لأنى مشاهدة أمره كله ~~حتى أفضى إليه . إن أهل المدينة حصروه في داره يحرسونه ليلهم ونهارهم ، ~~قياما على أبوابه بسلاحهم يمنعونه كل شيء قدروا عليه حتى منعوه الماء ~~يحضرونه الأذى ، ويقولون له الإفك . فمكث هو ومن معه خمسين ليلة ، وأهل مصر ~~قد أسندوا أمرهم إلى محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر ، وكان على مع المحرضين ~~للمصريين في أهل المدينة ، ولم يقاتل مع أمير المؤمنين ولم ينصره ، ولم ~~يأمر بالعدل الذي امر الله تبارك وتعالى به ، فظلت تقاتل خزاعة ، وبكر ، ~~وسعد بن أبي بكر ، وهذيل وطوائف من مزينة ، وجهينة ، وأنباط يثرب ، ولا أرى ~~سائرهم ، ولكني قد سميت الذين كانوا أشد الناس عليه في اول أمره وآخره ثم ~~إنه رمي بالنبل والحجارة ، فقتل ممن كان في الدار ثلاثة نفر ، فأتوه يصرخون ~~إليه ليأذن لهم في القتال ، فنهاهم عنه ، وأمرهم أن يردوا إليهم نبلهم ~~فردوها إليهم ، فلم يزدهم ذلك على القتال جرأة في الأمر وإغراقا ، ثم ~~أحرقوا باب الدار . فجاءه نفر من أصحابه وقالوا : إن في المسجد ناسا يريدون ~~أن يأخذوا ms4298 أمر الناس بالعدل ، فأخرج إلى المسجد حتى يأتوك ، فانطلق ، وقد ~~كان نفر من قريش على عامتهم السلاح ، فلبس درعه ، وقال لأصحابه : لولا أنتم ~~مالبست درعا ، فوثب عليه القوم ، فكلمهم الزبير ، واخذ عليهم الميثاق في ~~صحيفة ، بعث بها إلى عثمان رضي الله عنه : إن عليكم عهد الله وميثاقه ألا ~~تعروه بشيء فكلموه وتخرجوا ، فوضع السلاح فلم يكن إلا وضعه حتى دخل عليه ~~القوم يقدمهم بن أبي بكر ؛ حتى أخذوه بلحيته ودعوه باللقب ، فقال : أنا عبد ~~الله وخليفته ، فضربوه في رأسه ثلاث ضربات ، وطعنوه في صدره ثلاث طعنات ، ~~وضربوه على مقدم الجبين فوق الأنف ضربة أسرعت في العظم ، فسقطت عليه ، وقد ~~اثخنوه وبه حياة ، وهم يريدون قطع رأسه ليذهبوا به فأتتني بنت شيبة بن ~~ربيعة ، فألقت بنفسها معي عليه ، فوطئنا وطئا شديدا أو عريبا من ثيابنا ، ~~وحرمه أمير المؤمنين أعظم ، فقتلوه رحمة الله في بيته ، وعلى فراشه . وقد ~~أرسلت إليكم بثوبه ، وعليه دمه ، وإنه والله لئن كان أثم من قتله لا يسلم ~~من خذله ، فانظروا اين أنتم من الله عز وجل ، فإنا تشتكي مامسنا إليه ~~ونستنفر وليه ، وصالح عباده . ورحمة الله على عثمان ، ولعن الله من قتله ، ~~وصرعهم في الدنيا والآخرة مصارع الخزي والمذلة ، وشفى منهم الصدور . ~~PageV19P0315 # """""" صفحة رقم 316 """""" فحلف رجال من أهل الشام ألا يطئوا النساء حتى ~~يقتلوا قتلة عثمان ، أو تذهب ارواحهم ، وكان امرهم في القتال ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى . وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما ، قاله بن ~~إسحاق . وقال غيره : إلا ثمانية أيام . وقيل : إلا ستة عشر يوما . روى عن ~~عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، أنها قالت ، قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : ادعوا لي بعض أصحابي ، فقلت : أبو بكر ؟ قال : لا ، فقلت : ~~عثمان ؟ قال : نعم . فلما جاء قال لي بيده فتنحيت ، فجعل رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يساره ولون عثمان متغير ، فلما كان يوم الدار وحصر قيل ~~لهن الا تقاتل ؟ قال : لا ، إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ms4299 ) عهد إلي ~~عهدا ، وأنا صابر نفسي عليه . وعن موسى بن طلحة ، قال : أتينا عائشة رضي ~~الله عنها لنسألها عن عثمان فقالت : أجلسوا أحدثكم عما جئتم له : إنا عتبنا ~~على عثمان رضي الله عنه في ثلاث خلال - ولم تذكرهن - فعمدوا إليه حتى إذا ~~ماصوه كما يماص الثوب اقتحموا عليه الفقر الثلاثة : حرمة البيت الحرام ، ~~والشهر الحرام ، وحرمة الخلافة ، ولقد قتلوه وإنه لمن أوصلهم للرحم وأتقاهم ~~لربه . وعن أبي جعفر الأنصاري قال : دخلت مع المصريين على عثمان ، فلما ~~ضربوه خرجت اشتد ، حتى ملأت فروجي عدوا ، حتى دخلت المسجد ؛ فإذا رجل جالس ~~في نحو عشرة ، فيه عمامة سوداء ، فقال : ويحك ؟ ماوراءك ؟ قال : قلت : قد ~~والله فرغ من الرجل ، قال : تبا لكم آخر الدهر ؟ فنظرت ، فإذا هو علي رضي ~~الله عنه . وروى عن مبارك بن فضالة قال : سمعت الحسن يقول : سمعت عثمان ~~يخطب يقول ياأيها الناس ، ما تنتقمون علي ، وما من يوم إلا وأنتم تقسمون ~~فيه خيرا ؟ قال الحسن : وسمعت مناديا ينادي : ياأيها الناس ، اغدوا علي ~~أعطياتكم ، فيغدون فيأخذونها وافرة ، حتى والله سمعته يقول : اغدوا على ~~كسوتكم فيأخذون الحلل ، واغدوا على السمن والعسل . قال الحسن : أرزاق داره ~~، وخير كثير ، ما على الأرض مؤمن يخاف مؤمنا إلا يوده وينصره ، فلو صبر ~~الأنصار على الأثرة لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والأرزاق ، ولكن لم ~~يصبروا ، وسلوا السيف مع من سل ، فصار عن الكفار مغمدا ، وعلى المسلمين ~~مسلولا إلى يوم القيامة . PageV19P0316 # """""" صفحة رقم 317 """""" وعن محمد بن سيرين ، قال : كثر المال في زمن ~~عثمان حتى بيعت جارية بوزنها ، وفرس بمائة ألف درهم ، ونخلة بألف درهم . ~~وقد ذكر بعض من ارخ أسبابا كثيرة ، جعلها من أقدم على قتل عثمان ذريعة له ، ~~وتمسك بها ، أغضينا عن ذكرها ، وهو رضي الله عنه مبرا من كل سوء ونقص ، ~~فلنذكر خلاف ذلك . ذكر أزواج عثمان وأولاده تزوج رضي الله عنه رقية ، وأم ~~كلثوم ابنتي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فولدت له رقية عبد الله ، ~~وتزوج فاخته بنت غزوان ، فولدت له رقية ms4300 عبد الله الأصغر ، وتزوج أم عمرو ~~بنت جندب الدوسية ، فولدت له عمرا ، وخالدا ، وأبانا ، وعمر ، ومريم ، ~~وتزوج فاطمة بنت الوليد بن المغيرة المخزومية ، ولدت له الوليد ، وسعيدا ، ~~وأم سعيد ، وتزوج أم البنين بنت عيينة بن حصن الفزارية ، فولدت له عبد ~~الملك ، هل . وتزوج رملة بنت شيبة بن ربيعة ، ولدت له عائشة وأم أبان ، وأم ~~عمرو ، وتزوج نائلة بنت الفرافصة الكلبية . وقد روى أبو الفرج الأصفهاني في ~~سبب زواج عثمان نائلة سندا رفعة إلى خالد بن سعيد ، عن أبيه ، قال : تزوج ~~سعيد بن العاص وهو على الكوفة هندا بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ~~ثعلبة ، فبلغ ذلك عثمان ، فكتب إليه : قد بلغني أنك تزوجت امرأة ، فاكتب ~~إلى نسبها وجمالها ، فكتب إليه : أما بعد ، فإن نسبتها أنها بنت الفرافصة ~~بن الأحوص ، وجمالها ، فكتب إليه : أما بعد ، فإن نسبها أنها بنت الفرافصة ~~بن الأحوص ، وجمالها أنها بيضاء مديدة . فكتب إليه : إن كان لها أخت ~~فزوجنيها ، فكتب سعيد ، وبعث إلى الفرافصة يخطب إحدى بناته على عثمان رضي ~~الله عنه ، فأمر الفرافصة ابنه ضبا فزوجها إياه ، وكان ضب مسلما ، والفرفصة ~~نصرانيا ، فلما أرادوا حملها ، قال لها أبوها : يابني إنك تقدمين على نساء ~~من نساء قريش ، هن أقدر على الطيب منك ، فاحفظي عني خصلتين : تكحلي وتطيبي ~~بالماء حتى تكون ريحك ريح من أصابه مطر . PageV19P0317 # """""" صفحة رقم 318 """""" فلما قدمت على عثمان قعد على سريره ، ووضع ~~لها سريرا حياله ، فجلست عليه ، فوضع عثمان قلنسيته فبدأ الصلع ، فقال : يا ~~بنت الفرافصة ، لا يهولنك ما ترين من صلعي ، فإن وراءه ما تحبين ، وقال : ~~إما أن تقومي إلي ، وإما أن أقوم إليك . فقالت : أما ذكرت من الصلع فإني من ~~نساء أحب بعولتهن إليهن السادة الصلع ، وأما قولك : إما أن تقومي إلي ، ~~وإما أن أقوم إليك ، فوالله ما تجشمت من جنبات السماوة أبعد مما بيني وبينك ~~، بل أقوم إليك : فقامت فجلست إلى جنبه ، فمسح راسها ودعا لها بالبركة ، ثم ~~قال لها : اطرحي عنك رداءك ، فطرحته ، ثم قال لها : خمارك ، فطرحته ms4301 ، ثم ~~قال لها : انزعي درعك . فنزعته ، ثم قال لها : حلي إزارك . فقالت : ذا إليك ~~، فحل إزارها ، وكانت من أحظى النساء عنده . ولدت مريم . وقيل : ولدت له أم ~~البنين بنت عيينة عبد الملك ، وعثمة وولدت له نائلة عنبسة ، وكان له منها ~~أيضا ابنة تدعى أم المؤمنين وأم البنين ، كانت عند عبد الله بن يزيد بن أبي ~~سفيان . وقتل عثمان وعنده رملة بنت شيبة ، ونائلة أم البنين ، وفاخته ، غير ~~أنه طلق أم البنين ، وهو محصور . فهؤلاء أزواجه في الجاهلية والإسلام ، ~~وأولاده رضي الله عنه . كتابه وقضاته وحجابه وأصحاب شرطته . كاتبه مروان بن ~~الحكم ، وقاضيه كعب بن سور ، وحاجبه عمران ، مولاه ، وصاحب شرطته عبد الله ~~بن قيفذ التميمي ، وهو أول من اتخذ صاحب شرطة ، وكان على الديوان وبيت ~~المال زيد بن ثابت . والله تعالى أعلم بالصواب ، وهو حسبي ونعم الوكيل . ~~ذكر عماله على الأمصار في سنة مقتله . كان عماله في هذه السنة على مكة عبد ~~الله بن الحضرمي ، وعلى الطائف القاسم بن ربيعة الثقفي ، وعلى صنعاء يعلى ~~بن منية ، وعلى الجند عبد الله بن ربيعة ، وعلى البصرة عبد الله بن عامر ، ~~وكان قد خرج منها ولم يول عثمان عليها أحدا ، وعلى الكوفة أبو موسى الأشعري ~~، وعلى الصلاة ، وعلى خراج السواد جابر بن فلان PageV19P0318 # """""" صفحة رقم 319 """""" المزني وسماك الأنصاري ، وعلى حربها القعقاع ~~بن عمرو ، وعلى قرقيسيا جرير بن عبد الله ، وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس ~~الكندي ، على النسير وعلى حلوان عتيبة بن النهاس وعلى حال مائل بن حبيب ~~وعلى همذان النسير ، وعلى الري وأصفهان السائب بن الأقرع ، وعلى ماسبذان ~~حبيش ، وعلى بيت المال عقبة بن عمرو ، وعلى الشام معاوية بن أبي سفيان . ~~ولمعاوية عمال وهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد على حمص ، وحبيب بن مسلمة ~~الفهري على قنسرين ، وأبو الأعور السلمي على الأردن ، وعلقمة بن حكيم على ~~فلسطين وعبد الله بن قيس الفزاري على البحر ، وكان عامل عثمان على مصر عبد ~~الله بن سعد بن أبس سرح ، ثم سار إلى عثمان في ms4302 رجب سنة خمس وثلاثين ، ~~واستخلف عنه بمصر عقبة بن عامر ، فقام محمد بن أبي حذيفة في شوال ، وأخرج ~~عقبة ، وتأمر بمصر ، وعاد عبد الله بن سعد فلم يمكنه ، فتوجه إلى عسقلان ، ~~ومات بها . وكان القاضي بمصر عمار بن قيس بن أبي العاص ، ثم مات بعد مقتل ~~عثمان فلم يكن بمصر قاض إلى أيام معاوية أبي سفيان رضي الله تعالى عنهم . ~~والله تعالى أعلم ، وهو حسبي ونعم الوكيل . ذكر شيء مما رثى به عثمان من ~~الشعر ولما قتل رضي الله عنه رثاه جماعة ، منهم : حسان بن ثابت وغيره فكان ~~مماقال حسان بن ثابت : إن تمس دار ابن أروى اليوم خالية . . . باب صريع ~~وباب مخرق خرب فقد يصادف باغي الخير حاجته . . . فيها ويأوي إليها الجود ~~والحسب وقال أيضا ممارثاه به في أبيات أخرى : من سره الموت صرفا لا مزاج له ~~. . . فيليأت مأدبة في دار عثمانا ضحوا بأشمط عنوان السجود به . . . يقطع ~~الليل تسبيحا وقرآنا صبرا فدى لكم أمي وما ولدت . . . قد ينفع الصبر في ~~المكروه أحيانا . لتسمعن وشيكا في ديارهم . . . الله أكبر واثارات عثمانا ~~PageV19P0319 # """""" صفحة رقم 320 """""" وقد قيل : إن البيت الثاني من هذه الأبياتن " ~~ضحوا بأشمط " وليس له ، وقال بعضهم : و لعمران بن حطان وقال أبو عمر : وقد ~~زاد أهل الشام فيها أبياتا لم أر لذكرها وجها وقال أبن الأثير يعني ما فيها ~~من ذكر على رضي الله عنه ، وهو : ياليت شعري وليت الطيرتخبرني . . . ماكان ~~شأن على وابن عفانا وقال أيضا : قتلتم ولي الله في جوف داره . . . وجئتم ~~بأمر جائر غير مهتد فلا ظفرت أيمان قوم تعاونوا . . . على قتل عثمان الرشيد ~~المسدد وقال كعب بن مالك : ياللرجال لأمر هاج لي حزنا . . . لقد عجبت لمن ~~يبكي على الدمن إني رأيت قتيل الله مضطهدا . . . عثمان يهدي إلى الأجداث في ~~كفن ياقاتل الله قوما كان أمرهم . . . قتل الإمام الذكي الطيب الردن لم ~~يقتلوه على ذنب ألم به . . . إلا الذي نطقوا زورا ولم يكن وقال أيضا ونسبت ~~لحسان وقيل : للوليد بن عقبة ، والله تعالى أعلم ms4303 : وكف يديه ثم أغلق بابه . ~~. . وأيقن أن الله ليس بغافل وقال لأهل الدار لا تقتلوهم . . . عفا الله عن ~~ذنب أمري لم يقاتل فكيف رأيت الله ألقى عليهم ال . . . عداوة و البغضاء بعد ~~التواصل وكيف رأيت الخير أدبر بعده . . . عن الناس إدبار السحاب الحوافل ~~وقال حميد بن ثور الهلالي : إن الخلافة لما ظعنت . . . من أهل يثرب إذغير ~~الهدى سلكوا صارت إلى أهلها منهم ووارئها . . . لما رأى الله في عثمان ما ~~انتهكوا وقال قاسم بن أمية بن أبي الصلت : لعمري لبئس الذبح ضحيتم به . . . ~~وخنتم رسول الله في مقتل صاحبه PageV19P0320 # """""" صفحة رقم 321 """""" وقالت زينب بنت الزبير بن العوام : أعطشتم ~~عثمان في جوف داره . . . شربتم كشرب الهيم شرب حميم وكيف بنا أم كيف بالنوم ~~بعدما . . . أصيب بن أروى وابن أم حكيم وقالت ليلى الأخيلية : قتل ابن عفان ~~الإما . . . م وضاع أمر المسلمينا وتشتت سبل الرشا . . . د لصادرين ~~وواردينا فانهض معاوي نهضة . . . تشفى بها الداء الدفينا أنت الذي من بعده ~~. . . تدعى أمير المؤمنينا وقال أيمن بن خريم : ضحوا بعثمان في الشهر ~~الحرام ضحى . . . فأي ذبح حرام ويلهم ذبحوا وأي سنة كفر سن أولهم . . . ~~وباب شر على سلطانهم فتحوا ما أرادوا أضل الله سعيهم . . . بسفك ذاك الدم ~~الذاكي الذي سفحوا ورثاه غيرهم ممن لو ذكرنا شعرهم لانبسط به الخبر . ~~PageV19P0321 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء العشرون PageV20P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" بسم الله الرحمن الرحيم وبه توفيقي ### | AUT ذكر خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه # هو أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، أمه فاطمة بنت ~~أسد بن هاشم ، أسلمت ، وهاجرت ، وهي أول هاشمية ولدت هاشميا ، وهو أول ~~خليفة أبواه هاشميان ، ثم ابنه الحسن ، ثم محمد الأمين ، رضي الله عنهم . ~~ذكر صفته رضي الله تعالى عنه قال ابن الأثير الجزري في تاريخه : كان - رضي ~~الله عنه - شديد الأدمة ، قصير القامة ، كبير البطن ، أصلع الرأس ، عريض ~~اللحية . PageV20P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" وقال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله : أحسن ما ~~رأيت في صفته ms4304 رضي الله تعالى عنه - أنه حسنا ، ضخم البطن عريض المنكبين ، ~~شثن الكفين ، أغيد ، كأن عنقه إبريق فضة ، أصلع ليس في رأسه شعر إلا من ~~خلفه ، كبير اللحية ، لمنكبيه مشاش كمشاش السبع الضاري ، لا يبين عضده من ~~ساعده ، قد ادمجت ادماجا إذا مشى تكفأ ، وإن أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلا ~~يستطيع أن يتنفس ، وهو إلى السمن ما هو ، شديد الساعد واليد ، إذا مشى إلى ~~الحرب هرول ، ثبت الجنان قوي شجاع ، منصور على من لاقاه ، رضي الله عنه . ~~ذكر نبذة من فضائله رضي الله عنه هو - رضي الله عنه - أول من أسلم ، عند ~~بعضهم ، على ما في ذلك من الاختلاف فيه وفي أبي بكر ، رضي الله عنهما ، ~~وأيهما سبق إلى الإسلام . . . وقد ذكرنا ذلك كله في ابتداء السيرة النبوية ~~، في السفر الرابع عشر من هذه النسخة ، فلا فائدة في إعادته ، فلنذكر من ~~فضائله خلاف ذلك : أجمعوا على أنه - رضي الله عنه - صلى إلى القبلتين ، ~~وهاجر وشهد جميع المشاهد مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، إلا غزوة ~~تبوك ، فإن رسول الله عليه الصلاة والسلام PageV20P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" خلفه بالمدينة على عياله ، وقال له : أنت مني ~~بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي . رواه جماعة من الصحابة . وروي ~~أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما آخى بين المهاجرين ، ثم آخى بين ~~المهاجرين والأنصار ، قال في كل واحد منهما لعلي : " أنت أخي في الدنيا ~~والآخرة " ، وآخى بينه وبين نفسه . ولذلك قال علي لأصحاب الشورى : أنشدكم ~~الله ، هل فيكم أحد آخى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بينه وبينه - إذ ~~آخى بين المسلمين - غيري ؟ قالوا : اللهم لا وربنا . وكان يقول أنا عبد ~~الله وأخو رسول الله ، لا يقولها أحد غيري إلا كذاب . وروى بريدة وأبو ~~هريرة وجابر والبراء بن عازب وزيد بن أرقم ، كل منهم ، عن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أنه قال يوم غدير خم : " من كنت مولاه فعلي مولاه " وفي ~~رواية بعضهم " اللهم وال من والاه ، وعاد من ms4305 عاداه " . وقد ذكرنا في غزوة ~~خيبر أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " لأعطين الراية غدا رجلا ~~يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ليس بفرار ، يفتح الله على يديه " ~~وأنه أعطى الراية لعلي ، ففتح الله على يديه . وبعثه رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إلى اليمن ، وهو شاب ، ليقضي بينهم ، فقال : يا رسول الله إني ~~لا أدري ما القضاء ؟ فضرب رسول الله عليه الصلاة والسلام صدره بيده وقال : ~~" اللهم اهد قلبه وسدد لسانه " قال علي فوالله ما شككت بعدها في قضاء بين ~~اثنين . ولما نزل قوله تعالى : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا " دعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فاطمة وعليا ~~وحسنا وحسينا في PageV20P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" بيت أم سلمة وقال : اللهم إن هؤلاء أهل بيتي ~~فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . قال أبو عمر : وروت طائفة من الصحابة أن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال لعلي : " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك ~~إلا منافق . وقال له رسول الله عليه الصلاة والسلام : " يهلك فيك رجلان : ~~محب مطر ، وكذاب مفتر " وقال له : " تفترق فيك أمتي كما افترقت بنو إسرائيل ~~في عيسى " . وروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أنا مدينة العلم ~~، وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأته من بابه " . وقال في أصحابه : " ~~أقضاهم علي " وقال عمر رضي الله عنه : " علي أقضانا " . وكان عمر يتعوذ ~~بالله من معضلة ليس لها أبو حسن وقال علي في التي وضعت لستة أشهر ، فأراد ~~عمر رجمها : إن الله تبارك وتعالى يقول : " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " ~~ويقول : " وفصاله في عامين " . وكان - رضي الله عنه - أعلم الناس بالفرائض ~~، وله في ذلك أخبار . PageV20P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" منها ما رواه أبو عمر ابن عبد البر بسنده عن زر ~~بن حبيش قال : جلس رجلان يتغذيان ، مع أحدهما خمسة أرغفة ، ومع الآخر ثلاثة ~~أرغفة ، فلما وضعا الغذاء بين أيديهما مر بهما رجل ، فسلم ، فقالا له : ~~اجلس للغداء . فجلس وأكل معهما ، واستوفوا في أكلهم الأرغفة الثمانية ms4306 ، ~~فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم ، وقال خذا هذه عوضا مما أكلت لكما ~~ونلته من طعامكما . فتنازعا ، وقال صاحب الخمسة أرغفة : لي خمسة دراهم ولك ~~ثلاثة . فقال صاحب الأرغفة الثلاثة : لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا ~~نصفين . فارتفعا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فقصا عليه قصتهما ، ~~فقال لصاحب الثلاثة الأرغفة : قد عرض عليك صاحبك ما عرض وخبزه أكثر من خبزك ~~فارض بالثلاثة . فقال : لا والله لا رضيت منه إلا بمر الحق . فقال علي : ~~ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد وله سبعة . فقال الرجل : " سبحان الله يا ~~أمير المؤمنين هو يعرض علي ثلاثة فلم أرض وأشرت علي بأخذها فلم أرض ، وتقول ~~لي الآن : إنه لا يجب لك إلا درهم واحد " فقال له علي : " عرض عليك صاحبك ~~أن تأخذ الثلاثة صلحا ، فقلت : لا أرضى إلا بمر الحق ، ولا يجب لك في مر ~~الحق إلا واحد . " فقال : " أليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثا ؟ ~~أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس ، ولا نعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقل ، ~~فتحملون في أكلكم على السواء . " قال : بلى . قال : فأكلت أنت الثمانية ~~أثلاث ، وإنما لك تسعة أثلاث ، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث ، وله خمسة عشر ~~ثلثا ، أكل منها ثمانية وتبقى له سبعة ، وأكل لك واحدا من تسعة ، فلك واحد ~~بواحدك ، وله سبعة بسبعته . فقال له الرجل : رضيت الآن . وأتته امرأة وهو ~~على المنبر فقالت : ترك أخي ستمائة دينار وأعطيت دينارا وتظلمت من ذلك فقال ~~: لعل أخاك ترك زوجة وأما وبنتين واثني عشر أخا وأنت . قالت : نعم . فقال : ~~قد استوفيت حقك . وهذه المسألة مشهورة مسطورة في كتب الفقه ، وتسمى " ~~الدينارية " و " المنبرية " . وهو - رضي الله عنه ممن جمع القرآن على عهد ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، هو وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود ~~وسالم مولى أبي حذيفة بن عتبة بي ربيعة . PageV20P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" وعن محمد بن سيرين قال : لما بويع أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه أبطأ علي عن بيعته وجلس في بيته ، فبعث إليه ms4307 أبو بكر : ~~ما بطأ بك عني ؟ أكرهت إمارتي ؟ فقال ؛ : ما كرهت إمارتك ، ولكني أليت أن ~~لا أرتدي ردائي - إلا إلى صلاة - حتى أجمع القرآن : قال ابن سيرين : فبلغني ~~أنه كتبه على تنزيله ، ولو وجد ذلك الكتاب لوجد فيع علم كثير . وفي علي - ~~رضي الله عنه - يقول إسماعيل بن محمد الحميري من أبيات : سائل قريشا بها إن ~~كنت ذا عمه : . . . من كان أثبتها في الدين أوتادا ؟ من كان أقدمها سلما ~~وأكثرها . . . علما وأطهرها أهلا وأولادا ؟ من وحد الله إذ كانت مكذبة . . ~~. تدعو مع الله أوثانا وأندادا ؟ من كان يقدم في الهيجاء إن نكلوا . . . ~~عنها وإن بخلوا في أزمة جادا ؟ من كان أعدلها حكما وأبسطها . . . علما ~~وأصدقها وعدا وإيعادا ؟ إن يصدقوك فلن يعدوا أبا حسن . . . إن أنت لم تلق ~~للأبرار حسادا إن أنت لم تلق أقواما ذوي صلف . . . ذوي عناد لحق الله جحادا ~~وفضائله - رضي الله عنه - ومآثره كثيرة ، وفيما أوردناه منها وما نورده بعد ~~- إن شاء الله - كفاية عن بسط . . . فلنذكر بيعته رضي الله عنه . ~~PageV20P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" ذكر بيعة علي رضي الله تعالى عنه بويع له - رضي ~~الله عنه - بالخلافة يوم قتل عثمان وقيل : بل بويع له يوم الجمعة لخمس بقين ~~من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وقد اختلف في كيفية بيعته : فقيل : إنه لما ~~قتل عثمان - رضي الله عنه - اجتمع أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، من المهاجرين والأنصار ، فأتوا عليا ، وقالوا له : إنه لا بد للناس من ~~إمام ، فقال : لا حاجة لي في أمركم ، من اخترتم رضيته . قالوا : لا نختار ~~غيرك . قال : لا تفعلوا ، فإني أكون وزيرا خيرا من أن أكون أميرا . فقالوا ~~: والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك . قال : ففي المسجد ، فإن بيعتي لا تكون ~~خفيا ، ولا تكون إلا عن رضى المسلمين . وكان في بيته ، وقيل : في حائط لبني ~~عمرو بن مبذول ، فخرج إلى المسجد يتوكأ على قوس ، فبايعه الناس . وكان أول ~~من بايعه طلحة بن عبيد الله ، فنظر إليه حبيب بن ذؤيب ، فقال : " إنا لله ms4308 ~~أول من بدأ البيعة يد شلاء لا يتم هذا الأمر " . وبايعه الزبير ، فقال لهما ~~: إن أحببتما أن تبايعاني وإن أحببتما بايعتكما . فقالا : بل نبايعك . ~~وقالا بعد ذلك : إنما فعلنا ذلك خشية على نفوسنا ، وعرفنا أنه لا يبايعنا . ~~وبايعه الناس ، وجاؤوا ، بسعد بن أبي وقاص ، فقال له علي : بايع . فقال : " ~~لا ، حتى يبايع الناس ، والله ما عليك مني باس " قال : خلوا سبيله . وجاؤوا ~~بابن عمر ، فقال مثل قوله ، فقال : ائتني بكفيل ، فقال : لا أرى كفيلا . ~~قال الأشتر : دعني أضرب عنقه قال علي : " دعوه أنا كفيله ، - إنك - ما علمت ~~- سيء الخلق صغيرا أو كبيرا " . PageV20P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" وبايعه الأنصار إلا نفرا يسيرا ، منهم حسان بن ~~ثابت ، وكعب بن مالك ، ومسلمة بن مخلد ، وأبو سعيد الخدري ومحمد بن مسلمة ، ~~والنعمان بن بشير ، وزيد بن ثابت ورافع بن خديج ، وفضالة بن عبيد ، وكعب بن ~~عجرة ، كانوا عثمانية . ولم يبايع أيضا عبد الله بن سلام ، وصهيب بن سنان ، ~~وسلمة ابن سلامة بن وقش ، وأسامة بن زيد ، وقدامة بن مظعون ، والمغيرة ابن ~~شعبة . وأخذ النعمان بن بشير قميص عثمان الذي قتل فيه وأصابع امرأته نائلة ~~، وسار بهم إلى الشام . وقيل في بيعته : إن عثمان لما قتل بقيت المدينة ~~خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب ، وهم يلتمسون من يجيبهم إلى القيام ~~بالأمر فلا يجدونه ، فأتى المصريون عليا فباعدهم ، وأتى الكوفيون الزبير ~~فباعدهم ، وأتى البصريون طلحة فباعدهم ؛ وكانوا مجتمعين على قتل عثمان ~~مختلفين فيمن يلي الخلافة ، فأرسلوا إلى سعد يطلبونه فقال : إني وابن عمر ~~لا حاجة لنا فيها ، وأتوا ابن عمر فلم يجبهم ، فبقوا حيارى ، وقال بعضهم ~~لبعض : لئن رجع الناس إلى أمصارهم بغير إمام لم نأمن الاختلاف وفساد الأمة ~~، فجمعوا أهل المدينة وقالوا لهم : يا أهل المدينة ، أنتم أهل الشورى ، ~~وأنتم تعقدون الإمامة ، وحكمكم جائز على الأمة ، فانظروا رجلا تنصبونه ، ~~ونحن لكم تبع ، وقد أجلناكم يومكم ، فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن عليا ~~وطلحة والزبير وأناسا كثيرا . فغشي الناس عليا ، فقالوا : نبايعك فقد ترى ~~ما نزل بالإسلام وما ms4309 ابتلينا به من بين القرى فقال علي : " دعوني والتمسوا ~~غيري ، فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وله ألوان ، لا تقوم به القلوب ، ولا ~~تثبت عليه العقول " فقالوا : " نشهدك الله ، ألا ترى ما نحن فيه ؟ ألا ترى ~~الإسلام ألا ترى الفتنة ؟ ألا تخاف الله ؟ " قال : " قد أجبتكم ، واعلموا ~~أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم إلا أني ~~من أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه " . . . ثم افترقوا على ذلك ، واتعدوا الغد ~~. PageV20P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" وتشاور الناس فيما بينهم ، وقالوا إن دخل طلحة ~~والزبير فقد استقامت ، فبعث البصريون إلى الزبير حكيم بن جبلة ، ومعه نفر ~~فجاؤوا به يحدوه بالسيف ، فبايع . وبعثوا إلى طلحة الأشتر في نفر ، فأتاه ~~فقال : دعني أنظر ما يصنع الناس . فلم يدعه ، فجاء به يتله تلا عنيفا فبايع ~~. . . فكان الزبير يقول : جاءني لص من لصوص عبد القيس فبايعت والسيف على ~~عنقي وأهل مصر فرحون لما اجتمع عليه أهل المدينة ، وقد خشع أهل الكوفة ~~والبصرة أن صاروا تبعا لأهل مصر ، وازدادوا بذلك على طلحة والزبير غيظا . ~~قال : ولما أصبحوا يوم البيعة - وهو يوم الجمعة - حضر الناس المسجد ، وجاء ~~علي رضي الله عنه ، فصعد المنبر وقال : " أيها الناس عن ملاء وإذن إن هذا ~~أمركم ، ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم ، وقد افترقنا بالأمس على أمر ، وكنت ~~كارها لأمركم ، فأبيتم إلا أن أكون عليكم ، ألا وإنه ليس لي دونكم إلا ~~مفاتيح ما لكم معي وليس لي أن آخذ درهما دونكم ، فإن شئتم قعدت لكم ، وإلا ~~فلا أحد على أحد . " فقالوا : نحن على ما فارقناك عليه بالأمس . فقال : ~~اللهم اشهد . قال : ولما جاءوا بطلحة ليبايع قال : إنما أبايع كرها . فبايع ~~. . ثم جيء بالزبير ، فقال مثل ذلك وبايع ، وفي الزبير اختلاف . . ثم جيء ~~بعده بقوم كانوا قد تخلفوا ، فقالوا : نبايع على إقامة كتاب الله في القريب ~~والبعيد والعزيز والذليل . فبايعهم . . . ثم قام العامة فبايعوا . . ~~وتفرقوا إلى منازلهم . ورجع على بيته ، فدخل عليه طلحة والزبير في عدد من ~~الصحابة ، فقالوا : " يا علي ، إنا ms4310 قد اشترطنا إقامة الحدود ، وإن هؤلاء ~~القوم قد اشتركوا في قتل هذا الرجل . " فقال " يا إخوتاه ، إني لست أجهل ما ~~تعلمون ، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم ؟ هاهم هؤلاء قد ثارت ~~معهم عبدانكم ، وثابت إليهم أعرابكم وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا ، فهل ~~ترون موضعا لقدرة على شيء مما تريدون ؟ " قالوا : لا . قال : " فلا والله ~~لا أرى إلا رأيا ترونه أبدا إلا أن يشاء الله ، PageV20P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" إن هذا الأمر أمر جاهلية ، وإن لهؤلاء القوم ~~مادة . إن الناس من هذا الأمر - إن حرك - على أمور : فرقة ترى ما ترون ، ~~وفرقة ترى ما لا ترون ، وفرقة لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس ، وتقع ~~القلوب مواقعها ، وتؤخذ الحقوق . فاهدءوا عني ، وانظروا ماذا يإتيكم ، ثم ~~عودوا " . واشتد على قريش ، وحال بينهم وبين الخروج وتركها على حالها ، ~~وإنما هيجه على ذلك هرب بنى أمية وتفرق القوم . وحكى أبو عمر ابن عبد البر ~~قال : لما بايع الناس علي بن أبي طالب دخل عليه المغيرة بن شعبة ، فقال له ~~: " يا أمير المؤمنين ، إن لك عندي نصيحة " قال : وما هي ؟ قال : إن أردت ~~أن يستقيم لك الأمر فاستعمل طلحة على الكوفة ، والزبير على البصرة ، وابعث ~~إلى معاوية بعهده على الشام حتى تلزمه طاعتك ، فإذا استقرت لك الخلافة ~~فادرأهم كيف شئت برأيك " فقال علي : " أما طلحة والزبير فسأرى رأيي فيهما ، ~~وأما معاوية فلا يراني الله مستعملا له ولا مستعينا به مادام على حاله ، ~~ولكني أدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس ، فإن أبى حاكمته إلى الله ~~تعالى " . فانصرف عنه المغيرة مغضبا لما لم يقبل منه نصيحته . . فلما كان ~~الغد أتاه فقال : " يا أمير المؤمنين ، نظرت فيما قلت بالأمس وما جاوبتني ~~به ، فرأيت أنك قد وفقت للخير وطلبت الحق " . ثم خرج عنه ، فلقيه الحسن وهو ~~خارج ، فقال لأبيه : ما قال هذا الأعور ؟ يعني المغيرة ، وكان المغيرة قد ~~أصيبت عينه يوم اليرموك قال : أتاني أمس بكذا وأتاني اليوم بكذا . قال : ~~نصحك والله أمس وخدعك اليوم . فقال له ms4311 علي : إن أقررت معاوية على ما في يده ~~كنت متخذ المضلين عضدا . وقال المغيرة في ذلك : نصحت عليا في ابن هند نصيحة ~~. . . فرد فلا يسمع الدهر لها ثانيه وقلت له : أرسل إليك بعهده . . . على ~~الشام حتى يستقر معاويه ويعلم أهل الشام أن قد ملكته . . . فأم ابن هند بعد ~~ذلك هاويه PageV20P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" وتحكم فيه ما تريد فإنه . . . لداهية فارفق به ~~وابن داهيه فلم يقبل النصح الذي جئته به . . . وكانت له تلك النصيحة كافيه ~~وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - نحوه ، إلا أنه قال " أتيت عليا بعد ~~قتل عثمان ، عند عودي من مكة ، فوجدت المغيرة بن شعبة مستخليا به ، فخرج من ~~عنده ، فقلت له : ما قال لك هذا ؟ فقال : قال لي قبل مرته هذه " إن لك حق ~~الطاعة والنصيحة ، وأنت بقية الناس ، وإن الرأي اليوم يحرز به ما في غد ، ~~وإن الضياع اليوم يضيع به ما في غد ، أقرر معاوية وابن عامر وعما لعثمان ~~على أعمالهم ، حتى تأتيك بيعتهم ويسكن الناس ثم اعزل من شئت " فأبيت عليه ~~ذلك ، وقلت : لا أداهن في ديني ولا أعطى الدينة في أمري . قال " فإن كنت ~~أبيت علي فاعزل من شئت واترك معاوية ، فإن في معاوية جرأة ، وهو في أهل ~~الشام يستمع منه ، ولك حجة في إثباته ، فإن عمر بن الخطاب كان قد ولاه ~~الشام " فقلت ؛ لا والله لا أستعمل معاوية يومين . ثم انصرف من عندي وأنا ~~أعرف أنه يرى أني مخطئ ، ثم عاد إلى الآن فقال : " إني أشرت عليك أول مرة ~~بالذي أشرت ، وخالفتني فيه ، ثم رأيت بعد ذلك أن تصنع الذي رأيت ، فتعزلهم ~~وتستعين بمن تثق به ، فقد كفى الله ، وهم أهون شوكة مما كان " . . قال ابن ~~عباس : فقلت لعلي : أما المرة الأولى فقد نصحك ، وأما المرة الثانية فقد ~~غشك . قال : ولم نصحني ؟ قلت : لأن معاوية وأصحابه أهل دنيا ، فمتى تثبتهم ~~لا يبالوا من ولي هذا الأمر ، ومتى تعزلهم يقولوا " أخذ هذا الأمر بغير ~~شورى ، وهو قتل صاحبنا " ويؤلبوا عليك ، فينتقص عليك ms4312 أهل الشام وأهل العراق ~~، مع أني لا آمن طلحة والزبير أن يكرا عليك وأنا أشير عليك أن تثبت معاوية ~~، فإن بايع لك فعلي أن أقلعه من منزله . قال علي : والله لا أعطيه إلا ~~السيف ثم تمثل : وما ميتة إن متها غير عاجز . . . بعار إذا ما غالت النفس ~~غولها فقلت : يا أمير المؤمنين ، أنت رجل شجاع ، لست صاحب رأي في الحرب ، ~~أما سمعت رسول الله صلى الله عليه ويلم يقول : " الحرب خدعة " ؟ فقال : بلى ~~. فقلت : أم والله PageV20P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" لئن أطعتني لأصدرنهم بعد ورود ، ولأنظرنهم ~~ينظرون في دبر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها ، في غير نقصان عليك ولا إثم ~~لك . فقال : يا ابن عباس ، لست من هنياتك ولا من هنيات معاوية في شيء ، ~~فقلت له : أطعني ، والحق بمالك بينبع ، وأغلق بابك عليك ، فإن العرب تجول ~~جولة وتضطرب ولا تجد غيرك ، فإنك والله لئن نهضت مع هؤلاء اليوم ليحملنك ~~الناس دم عثمان غدا . . فأبى علي ، وقال : تشير علي وأرى فإذا عصيتك فأطعني ~~قال : فقلت " أفعل ، إن أيسر مالك عندى الطاعة " . فقال له علي : تسير إلى ~~الشام فقد وليتكها . فقال ابن عباس : " ما هذا برأي ، معاوية رجل من بني ~~أمية ، وهو ابن عم عثمان ، وعامله ، ولست آمن أن يضرب عنقي بعثمان ، وإن ~~أدنى ما هو صانع أن يحبسني فيتحكم علي لقرابتي منك . وإن كل ما حمل علي حمل ~~عليك ، ولكن اكتب إلى معاوية فمنه وعده " . فقال : لا والله لا كان هذا ~~أبدا وخرج المغيرة فلحق بمكة . ذكر تفريق علي عماله وخلاف معاوية رضي الله ~~عنهما وفي سنة ست وثلاثين فرق علي - رضي الله عنه - عماله على الأمصار ، ~~فبعث عثمان بن حنيف على البصرة ، وعمارة بن شهاب على الكوفة ، وعبيد الله ~~بن عباس على اليمن ، وقيس بن علي مصر ، وسهل بن حنيف على الشام . فأما سهل ~~فإنه خرج ، حتى إذا كان بتبوك لقيته خيل فقالوا : من أنت ؟ قال : أمير . ~~قالوا : على أي شيء ؟ قال : على الشام . قالوا : إن كان عثمان بعثك فحي ms4313 هلا ~~بك ، وإن كان بعثك غيره فارجع . قال : أو ما سمعتم بالذي كان ؟ قالوا : بلى ~~. . . فرجع إلى علي . PageV20P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" وأما عمارة فلما بلغ زبالة لقيه طليحة بن ~~خويلد ، وكان قد خرج يطلب بثأر عثمان ، فقال له : ارجع فإن القوم لا يريدون ~~بأميرهم بدلا ، فإن أبيت ضربت عنقك . . . فرجع إلى علي . وأما قيس بن سعد ~~فإنه لما انتهى إلى أيلة لقيته خيل ، فقالوا : من أنت ؟ قال : قيس بن سعد . ~~قالوا امض . فمضى حتى دخل مصر ، فافترق أهل مصر فرقا : فرقة دخلت في ~~الجماعة فكانوا معه ، وفرقة اعتزلت بخرنبا ، وقالوا : " إن قتل قتله عثمان ~~فنحن معكم ، وإلا فنحن على جديلتنا حتى نحرك أو نصيب حاجتنا " ، وفرقة قالت ~~نحن مع علي ما لم يقد من إخواننا وهم في ذلك مع الجماعة . . . فكتب قيس إلى ~~علي بذلك . وأما عثمان بن حنيف فسار حتى دخل البصرة ، ولم يرده أحد ولا وجد ~~لابن عامر في ذلك رأيا ولا استقلالا بحرب ، وافترق الناس بها : ففرقة دخلت ~~في الجماعة ، وفرقة اتبعت القوم ، وقالت فرقة " ننظر ما يقول أهل المدينة ~~فنصنع ما صنعوا " . وأما عبيد الله بن عباس فانطلق إلى اليمن ، فخرج يعلى ~~بن منية بعد أن جمع المال - ولحق بمكة ، وأنفق المال في حرب الجمل . ~~PageV20P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" قال : ولما رجع سهل بن حنيف دعا علي طلحة ~~والزبير فقال " إن الأمر الذي كنت أحذركم قد وقع ، وإن الذي قد وقع لا يدرك ~~إلا بإماتة ، وإنها فتنة كالنار كلما سعرت ازدادت اضراما ، واستثارت " . ~~فقالا : - ائذن لنا نخرج من المدينة ، فإما أن نكاثر ، وإما أن تدعنا . ~~فقال : سأمسك الأمر ما أستمسك ، فإذا لم أجد بدا فآخر الداء الكي . وكتب ~~إلى معاوية وإلى أبي موسى ، فأجابه أبو موسى بطاعة أهل الكوفة ، وبين ~~الكاره منهم للذي كان والراضي ومن بين ذلك ، حتى كان علي كأنه يشاهدهم . . ~~وكان رسوله إلى أبي موسى معبد الأسلمي . وكان رسوله إلى معاوية سبرة الجهني ~~، فلم يجبه معاوية بشيء وكلما تنجز جوابه لم يزده على قوله ms4314 : أدم إدامة حصن ~~أو خذا بيدي . . . حربا ضروسا تشب الجزل والضرما في جاركم وابنكم إذ كان ~~مقتله . . . شنعاء شيبت الأصداغ واللمما أعيى المسود بها والسيدون فلم . . ~~. يوجد لها غيرنا مولى ولا حكما حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان في ~~صفر دعا معاوية رجلا من بني عبس ، اسمه قبيصة ، فدفع إليه طومارا مختوما ، ~~عنوانه " من معاوية إلى علي " وقال له : إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل ~~الطومار . وأوصاه بما يقول ، وأعاد رسول علي معه ، فقدما المدينة في شهر ~~ربيع الأول ، ودخل العبسي كما أمره معاوية ، والناس تنظر إلى الطومار ، حتى ~~دفعه إلى علي ، ففضه ، فلم يجد فيه كتابا فقال للرسول : ما وراءك ؟ قال : ~~وأنا آمن ؟ قال : نعم ، إن الرسل لا تقتل . قال تركت قوما لا يرضون إلا ~~بالقود . قال : ممن ؟ قال " من خيط رقبتك وتركت ستين ألف PageV20P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" شيخ يبكي تحت قميص عثمان ، وهو منصوب لهم ، قد ~~ألبسوه منبر دمشق " قال : " أمني يطلبون دم عثمان ؟ ألست موتورا بترة عثمان ~~؟ اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان نجا - والله - قتلة عثمان إلا أن يشاء ~~الله فإنه إذا أراد أمرا أصابه اخرج . " قال وأنا آمن ؟ قال : وأنت آمن . ~~فخرج العبسي ، فقالوا : " هذا الكلب رسول الكلب اقتلوه " فنادى : يا آل مضر ~~. يا آل قيس ، الخيل والنبل ، وبالله أقسم ليردنها عليكم أربعة آلاف خصي ~~فانظروا كم الفحول والركاب ؟ " وتعاووا عليه ، فمنعته مضر ، وجعلوا يقولون ~~له : " اسكت " فيقول : " لا والله ، والله لا يفلح هؤلاء أبدا ، أتاهم ما ~~يوعدون ، لقد حل بهم ما يحذرون ، انتهت والله أعمالهم وذهبت ريحهم . قال ~~وأظهر علي العزم على قتال معاوية ، وكتب إلى عماله أن ينتدبوا الناس إلى ~~الشام . ثم استأذنه طلحة والزبير في العمرة ، فأذن لهما . ودعا على ابنه ~~محمد ابن الحنفية ، فدفع إليه اللواء ، وولى عبد الله بن عباس ميمنته ، ~~وعمرو ابن أبي سلمة - أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد - ميسرته ، وجعل أبا ~~ليلى بن عمر بن الجراح ابن أخي أبي عبيدة على مقدمته ، واستخلف ms4315 على المدينة ~~قثم بن العباس . ذكر ابتداء وقعة الجمل ومسير عائشة وطلحة والزبير ومن معهم ~~إلى البصرة وما كان من الحرب إلى أن استقروا بها وإخراج عثمان بن حنيف عامل ~~علي رضي الله عنه كان ابتداء وقعة الجمل أن عائشة رضي الله عنها كانت قد ~~خرجت إلى الحج وعثمان محصور - كما ذكرنا - فلما قضت الحج وعادت أتاها الخبر ~~بقتله وخلافة علي ، وهي بسرف ، فرجعت إلى مكة وهي تقول : " قتل - والله - ~~عثمان مظلوما والله لأطلبن بدمه " وطلبت مكة ، فقصدت الحجر ، فسمرت فيه ، ~~واجتمع الناس PageV20P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" إليها ، فقالت : " أيها الناس ، إن الغوغاء من ~~أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ~~ظلما بالأمس ، ونقموا عليه استعمال من حدثت سنه ، وقد استعمل أمثالهم من ~~قبله ، ومواضع من الحمى حماها لهم ، وهي أمور قد سبق بها لا يصلح غيرها ، ~~فتابعهم ، ونزع لهم عنها استصلاحا لهم ، فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا بادروا ~~بالعدوان ، فسفكوا الدم الحرام ، واستحلوا البلد الحرام والشهر الحرام ، ~~وأخذوا المال الحرام ، والله لإصبع من عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم ~~ووالله لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من ~~خبثة أو الثوب من درنه إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء " فقال عبد الله بن ~~عمرو بن الحضرمي وكان عام لعثمان على مكة : " ها أنا ذا أول طالب " ، فكان ~~أول مجيب ، وتبعه بنو أمية على ذلك ، وكانوا قد هربوا من المدينة إلى مكة ~~بعد قتل عثمان ، وتبعهم سعيد بن العاص والوليد ابن عقبة . وقدم عليهم عبد ~~الله بن عامر من البصرة بمال كثير ويعلى ابن أمية وهو ابن منية من اليمن ~~ومعه ستمائة بعير وستمائة ألف ، فأناخ بالأبطح . وقدم طلحة والزبير من ~~المدينة ، فلقيا عائشة : فقالت : ما وراءكما ؟ فقالا : " إنا تحملنا هرابا ~~من المدينة من غوغاء وأعراب ، وفارقنا قوما حيارى لا يعرفون حقا ولا ينكرون ~~باطلا ولا يمنعون أنفسهم " ، فقالت : انهضما إلى هذه الغوغاء . فقالوا : ~~نأتي الشام . فقال ابن عامر ms4316 : " قد كفاكم معاوية الشام ، فأتوا البصرة ، ~~فإن لي بها صنائع ، ولهم في طلحة هوى " ، قالوا : " قبحك الله فوالله ما ~~كنت بالمسالم ولا بالمحارب ، فهلا أقمت كما أقام معاوية فنكتفي بك ، ثم ~~نأتي الكوفة فنسد على هؤلاء القوم مذاهبهم " . فلم يجدوا عنده جوابا مقبولا ~~. حتى إذا استقام لهم الرأي على البصرة قالوا : " يا أم المؤمنين ، دعي ~~المدينة ، فإن من معنا لا يطيق من بها من الغوغاء ، واشخصي معنا إلى البصرة ~~فإنا نأتي بلدا مضيعا ، وسيحتجون علينا فيه ببيعة علي فتنهضينهم كما أنهضت ~~أهل مكة ، فإن PageV20P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" أصلح الله الأمر كان الذي أردنا ، وإلا دفعنا ~~عن هذا الأمر بجهدنا ، حتى يقضي الله ما أراد " . فأجابتهم إلى ذلك . ودعوا ~~عبد الله بن عمر ليسير معهم ، فأبى ، وقال : " أنا رجل من أهل المدينة ، ~~أفعل ما يفعلون " . فتركوه . وكان أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مع ~~عائشة على قصد المدينة ، فلما تغير رأيها إلى البصرة تركن ذلك . وأجابتها ~~حفصة على المسير معها ، فمنعها أخوها عبد الله . وجهزهم يعلى بن منية ~~بستمائة بعير ، وجهزهم ابن عامر بمال كثير . ونادى مناديها : " إن أم ~~المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة ، فمن أراد إعزاز الإسلام وقتال ~~المحلين والطلب بثأر عثمان وليس له مركب ولا جهاز فليأت " . فحملوا ستمائة ~~على ستمائة بعير ، وساروا في ألف - وقيل في تسعمائة - من لأهل المدينة ومكة ~~، وتلاحقت بهم الناس ، فكانوا في ثلاثة آلاف رجل . وأعان يعلى بن منية ~~الزبير بأربعمائة ألف ، وحمل سبعين من قريش ، وأعطى عائشة جملا ، اسمه " ~~عسكر " ، واشتراه بمائتي دينار ، وقيل : بثمانين دينارا ، وقيل : كان لرجل ~~من عرينة ، فابتيع منه بمهرية وأربعمائة درهم أو ستمائة درهم . وخرجت عائشة ~~من مكة ومعها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق فبكوا على الإسلام ، فلم ير يوم ~~كان أكثر باكيا وباكية من ذلك اليوم ، وكان يسمى " يوم النحيب " . . . ~~وكتبت أم الفضل بنت الحارث أم عبد الله بن عباس إلى علي بالخبر . ولما خرجت ~~عائشة من مكة أذن مروان بن الحكم ، ثم جاء حتى وقف ms4317 على طلحة والزبير فقال : ~~على أيكم أسلم بالإمرة وأؤذن بالصلاة فقال عبد الله بن الزبير : على أبي ~~عبد الله يعني أباه . وقال محمد ابن طلحة : على أبي محمد يعني أباه . ~~فأرسلت PageV20P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" عائشة إلى مروان فقالت : أتريد أن تفرق أمرنا ~~، ليصل بالناس ابن أختي تعني عبد اله بن الزبير . وقيل بل صلى بالناس عبد ~~الرحمن بن عتاب بن أسيد حتى قتل . ولما انتهوا إلى ذات عرق لقي سعيد بن ~~العاص مروان بن الحكم وأصحابه فقال : أين تذهبون وتتركون ثأركم على أعجاز ~~الإبل وراءكم ؟ يعني عائشة وطلحة والزبير اقتلوهم ثم ارجعوا إلى منازلكم ~~فقالوا نسير فعلنا نقتل قتلة عثمان . . فخلا سعيد ابن العاص بطلحة والزبير ~~، فقال : اصدقاني إن ظفرتما لمن تجعلان الأمر ؟ قالا نجعله لأحدنا أينا ~~اختاره الناس . قال : بل تجعلونه لولد عثمان فإنكم خرجتم تطلبون بدمه فقالا ~~: ندع شيوج المهاجرين ونجعلها لأبنائهم قال : فلا أراني أسعى إلا لإخراجها ~~من بني مناف فرجع ، ورجع عبد الله بن خالد بن أسيد فقال المغيرة بن شعبة : ~~" الرأي ما قال سعيد ، من كان ها هنا من ثقيف فليرجع " ، ورجع . ومضى القوم ~~، ومعهم ابان والوليد ابنا عثمان ، وكان دليلهم رجلا من عرينة ، وهو الذي ~~ابتيع منه الجمل على أحد الأقوال ، قال العرني : فسرت معهم ، فلا أمر على ~~واد إلا سألوني عنه ، حتى طرقنا الحوأب - وهو ماء - فنبحتنا كلابه فقالوا : ~~أي ماء هذا ؟ قلت : هذا ماء الحوأب ، فصرخت عائشة بأعلى صوتها ، واسترجعت ~~مقالت : إني لهيه سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول لنسائه : " ~~ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب " ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته ، وقالت : ~~" ردوني أنا والله صاحبة ماء الحوأب " فأناخوا حولها يوما وليلة ، فقال لها ~~عبد الله بن الزبير : " إنه كذب ، وليس هو ماء الحوأب " ولم يزل بها وهي ~~تمتنع حتى قال لها : النجاء النجاء قد أدرككم علي بن أبي طالب . " فارتحلوا ~~نحو البصرة ، فلما كانوا بفنائها لقيهم عمير بن عبد الله التميمي فقال : يا ~~أم المؤمنين ، أنشدك الله أن تقدمي ms4318 اليوم على قوم لم تراسلي منهم أحدا ، ~~فعجلي ابن عامر فإن له بها صنائع ، فليذهب إليهم " فأرسلته . PageV20P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" وكتبت عائشة إلى رجال من أهل البصرة ، وإلى ~~الأحنف بن قيس وأمثاله ، وأقامت بالحفير تنتظر الجواب . ولما بلغ ذلك أهل ~~البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلي وقال : انطلقا ~~إلى عائشة واعلما علمها وعلم من معها ، فأتياها وقالا : إن أميرنا بعثنا ~~إليك ليسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا ؟ فقالت : " والله ما مثلي يسير ~~بالأمر المكتوم إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم الرسول ~~عليه الصلاة والسلام وأحدثوا فيه الأحداث ، وآووا فيه المحدثين ، فاستوجبوا ~~لعنة الله ولعنة الرسول ، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ، ولا ~~عذر ، فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه ، وانتهبوا المال الحرام ، وأحلوا البلد ~~الحرام والشهر الحرام ، ومزقوا الأعراض والجلود ، وأقاموا في دار قوم ~~كارهين لمقامهم ضارين مضرين غير نافعين ولا منتفعين ، لا يقدرون على امتناع ~~ولا يأمنون ، فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء ، وما فيه الناس ~~وراءنا ، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذه القصة " وقرأت : " لا خير في ~~كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس " ثم قالت : ~~" نهض في الإصلاح فيمن أمر الله وأمر رسوله الصغير والكبير والذكر والأنثى ~~، فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ونحضكم عليه ، ومنكر ننهاكم عنه ونحثكم ~~على تغييره فخرجا من عندها ، فأتيا طلحة فقالا له : ما أقدمك ؟ قال : الطلب ~~بدم عثمان . فقالا : ألم تبايع عليا ؟ قال : " بلى ، والسيف على عنقي ، وما ~~أستقيل عليا البيعة إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان " . ثم أتيا الزبير ~~فقالا له وقال مثل ذلك . فرجعا إلى عائشة فودعاها ، فودعت عمران ، وقالت يا ~~أبا الأسود ، إياك أن يقودك الهوى إلى النار " كونوا قوامين لله شهداء ~~بالقسط " الآية وسرحتهما ، ونادى مناديها بالرحيل . ومضيا حتى أتيا عثمان ~~بن حنيف ، فبدر أبو الأسود عمران فقال : يا ابن حنيف قد أتيت فانفر وطاعن ~~القوم وجالد ms4319 واصبر وابرز لهم مستلئما وشمر PageV20P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" فاسترجع عثمان ، وقال : دارت رحى الإسلام ورب ~~الكعبة ونادى في الناس ، وأمرهم بلبس السلاح . وأقبلت عائشة فيمن معها حتى ~~انتهوا إلى المربد ، فدخلوا من أعلاه ، ووقفوا حتى خرج عثمان بن حنيف ، ~~فيمن معه ، وخرج إلى عائشة من أهل البصرة من أراد أن يكون معها ، فاجتمع ~~القوم كلهم بالمربد : عائشة ومن معها في ميمنته ، وعثمان ومن معه في ميسرته ~~. فتكلم طلحة ، فأنصتوا له ، فحمد الله وأثنى عليه وذكر عثمان وفضله وما ~~استحل منه ، ودعا إلى الطلب بدمه ، وحثهم عليه . وتكلم الزبير بمثل ذلك . ~~فقال من في ميمنة المربد : صدقا وبرا وقال من في ميسرته : " فجرا ، وغدرا ، ~~وأمرا بالباطل بايعا عليا ثم جاءا يقولان ما يقولان " وتحاثى الناس ~~وتحاصبوا . فتكلمت عائشة فحمدت الله وأثنت عليه ، وقالت : كان الناس يتجنون ~~على عثمان ، ويزرون على عماله ، ويأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما ~~يخبروننا عنهم ، ويرون حسنا من كلامنا في إصلاح بينهم ، فننظر في ذلك فنجده ~~بريا تقيا وفيا ، ونجدهم فجرة غدرة كذبه ، وهم يحولون غير ما يظهرون ، فلما ~~قدروا على المكاثرة كاثروه ، فاقتحموا عليه داره ، واستحلوا الدم الحرام ~~والمال الحرام ، والبلد الحرام ، بلا ترة ولا عذر ، ألا إن فيما ينبغي - لا ~~ينبغي لكم غيره - أخذ قتلة عثمان ، وإقامة كتاب الله ، " ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من المتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم " الآية . فافترق ~~أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين : فقالت فرقة : صدقت والله وبرت وجاءت بالمعروف ~~، وقالت فرقة خلاف ذلك . فتحاثوا وتحاصبوا وأرهجوا ، فلما رأت عائشة ذلك ~~انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقين لعثمان بن حنيف ، حتى وقفوا ~~PageV20P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" في المربد في موضع الدباغين ، وبقي أصحاب ~~عثمان على حالهم ، يتدافعون حتى تحاجزوا ، ومال بعضهم إلى عائشة . وأقبل ~~حكيم بن جبلة ، وهو على خيل ابن حنيف ، فأنشب القتال ، فأشرع أصحاب عائشة ~~رماحهم ، وأمسكوا اليمسك ، فلم ينته ولم ينثن ، وأصحاب عائشة كافون إلا ما ~~دافعوا عن أنفسهم ثم اقتتلوا على فم السكة ، وأشرف أهل الدور ممن كان ms4320 له في ~~أحد الفريقين هوى ، فرموا في الأخرى بالحجارة . وأمرت عائشة أصحابها ~~فتيامنوا ، حتى انتهوا إلى مقبرة بني مازن ، فوقفوا بها مليا ، وثاب إليهم ~~الناس ، فحجز الليل بينهم . ورجع عثمان إلى القصر ، ورجع الناس إلى قبائلهم ~~، وأتى أصحاب عائشة إلى ناحية دار الرزق وباتوا يتأهبون ، وبات الناس ~~يأتونهم ، واجتمعوا بساحة دار الرزق . وأصبح عثمان فغاداهم ، وخرج حكيم ، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا من حين بزغت الشمس إلى أن زالت ، وقد كثر القتل في ~~أصحاب ابن حنيف ، وفشت الجراحة في الفريقين ، ومنادي عائشة يناشدهم ويدعوهم ~~إلى الكف ، فيأبون ، حتى إذا مسهم الشر وعضتهم الحرب نادوا أصحاب عائشة إلى ~~الصلح ، فأجابوهم . وتداعوا وكتبوا بينهم كتابا على أن يبعثوا رسولا إلى ~~المدينة يسأل أهلها ، فإن كان طلحة والزبير أكرها على مبايعة علي خرج ابن ~~حنيف عن البصرة وأخلاها لهم ، وإن كانا لم يكرها على البيعة خرج طلحة ~~والزبير . فسار كعب بن سور حتى أتى المدينة ، فقدمها يوم جمعة فسأل أهلها ~~هل أكره طلحة والزبير على بيعة علي أم أتيا طائعين ؟ فلم يجبه أحد إلا ~~أسامة ابن زيد فإنه قال : اللهم إنهما لم يبايعا إلا وهما مكرهان . فواثبه ~~سهل بن حنيف والناس ، وثار صهيب وأبو أيوب في عدة من الصحابة ، منهم محمد ~~بن مسلمة ، حين خافوا أن يقتل أسامة ، فقالوا : اللهم نعم . فتركوه وأخذ ~~صهيب أسامة بيده إلى منزله . وبلغ عليا الخبر فكتب إلى عثمان بن حنيف أنهما ~~لم يكرها على البيعة . PageV20P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" فلما عاد كعب بن سور أمر عثمان بالخروج عن ~~البصرة ، فامتنع ، واحتج بكتاب علي ، فجمع طلحة والزبير الرجال في ليلة ~~مظلمة ذات رياح ومطر ، وقصدوا المسجد واقتلوا ، فقتل من أصحاب ابن حنيف ~~أربعون رجلا ، ودخل الرجال على ابن حنيف فأخرجوه إليهما ، فما وصل وفي وجهه ~~شعرة ، فاستعظما ذلك ، وأرسلا إلى عائشة في أمره ، فأرسلت أن خلوا سبيله ، ~~وبقي طلحة والزبير بالبصرة ومعهما بيت المال والحرس ، واستتر من لم يكن ~~معهما . وبلغ حكيم بن جبلة ما حل بعثمان بن حنيف فقال : لست ms4321 أخاف الله إن ~~لم أنصره . فجاء في جماعة من عبد القيس ومن تبعه من ربيعة - وكان بينه وبين ~~عبد الله بن الزبير محاورات - ثم التقوا واقتتلوا قتالا شديدا ، فكان حكيم ~~بحيال طلحة ، وذريح بحيال الزبير ، وابن المحرش بحيال عبد الرحمن بن عتاب ، ~~وحرقوص بن زهير بحيال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فقتل حكيم وابنه ~~وأخوه ، وقتل ذريح ، وأفلت حرقوص في نفر من أصحابه وجيء إلى طلحة والزبير ~~بمن كان فيهم ممن غزا المدينة ، فقتلوا . وكانت هذه الوقعة لخمس بقين من ~~شهر ربيع الآخر من السنة وبايع أهل البصرة طلحة والزبير . ذكر مسير علي إلى ~~البصرة وما اتفق له في مسيره ومن انضم إليه ومراسلته أهل الكوفة قال : وكان ~~علي رضي الله عنه قد تجهز لقصد الشام لقتال معاوية ، لما أظهر الخلاف عليه ~~، كما تقدم ، فبينما هو على ذلك أتاه الخبر عن طلحة والزبير وعائشة من مكة ~~بما عزموا عليه ، فلما بلغه ذلك وأنهم يريدون البصرة سره ذلك ، وقال : إن ~~الكوفة فيها رجال من العرب وبيوتاتهم . فقال له ابن عباس - رضي الله عنهما ~~- : " إن الذي سرك من ذلك ليسوءني ، إن الكوفة فسطاط فيه من أعلام العرب ~~ولا يزال فيها PageV20P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" من يسمو إلى أمر لا يناله ، فإذا كان كذلك شغب ~~على الذي قد نال ما يريد ، حتى يكسر حدته . " فقال علي : إن الأمر ليشبه ما ~~تقول . وتهيأ للخروج إليهم ، فندب أهل المدينة للمسير معه ، فتثاقلوا فبعت ~~إلى عبد الله بن عمر كميلا النخعي ، فجاء به ، فدعاه إلى الخروج معه ، فقال ~~: " إنما أنا من أهل المدينة ، وقد دخلوا في هذا الأمر ، فدخلت معهم ، فإن ~~يخرجوا أخرج معهم وإن يقعدوا أقعد . " قال : فأعطني كفيلا . قال : لا أفعل ~~. فقال له علي : لولا ما أعرف من سوء خلقك صغيرا وكبيرا لأنكرتني دعوه فأنا ~~كفيله . فرجع ابن عمر إلى أهل المدينة وهم يقولون : " والله ما ندري كيف ~~نصنع ؟ إن الأمر لمشتبه علينا ، ونحن مقيمون حتى يضيء " فخرج من تحت ليلته ~~، وأخبر أم كلثوم ms4322 ابنة علي ، وهي زوجة عمر بالذي سمع وأنه يخرج معتمرا ~~مقيما على طاعة علي ما خلا النهوض . فأصبح علي فقيل له : حدث الليلة حدث هو ~~أشد من أمر طلحة والزبير وعائشة ومعاوية قال : وما ذاك ؟ قالوا : خرج ابن ~~عمر إلى الشام فأتى السوق ، وأعد الظهر والرحال ، وأعد لكل طريق طلابا ، ~~وماج الناس ، فسمعت أم كلثوم ، فأتت عليا فأخبرته الخبر ، فطابت نفسه ، ~~وقال : " انصرفوا ، والله ما كذبت ولا كذب ، وإنه عندي ثقة " . فانصرفوا . ~~ثم أتى عليا الخبر بمسير طلحة والزبير وعائشة من مكة نحو البصرة ، فدعا ~~وجوه أهل المدينة وخطبهم ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : " إن آخر هذا الأمر ~~لا يصلح إلا بما صلح أوله ، فانصروا الله ينصركم ويصلح لكم أمركم . " ~~فتثاقلوا ، فلما رأى زياد بن حنظله تثاقل الناس انتدب إلى علي رضي الله عنه ~~وقال له : من تثاقل عنك فإنا نخف معك فنقاتل دونك . وقال أبو الهيثم ابن ~~التيهان وخزيمة بن ثابت . قال PageV20P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" ابن الأثير : " قال الحكم : ليس بذي الشهادتين ~~، مات ذو الشهادتين أيام عثمان رضي الله عنه " . وقال أبو عمر ابن عبد البر ~~في ترجمته خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين : إنه شهد مع علي حرب الجمل وصفين ~~فدل على أنه هو ، والله أعلم . فأجابا عليا إلى نصرته . وقال أبو قتادة ~~الأنصاري لعلي : " يا أمير المؤمنين ، إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قلدني هذا السيف ، وقد أغمدته زمانا ، وقد حان تجريده على هؤلاء القوم ~~الظالمين الذين لم يألوا الأمة غشا ، وقد أحببت أن تقدمني ، فقدمني " . قال ~~: ولما أراد علي المسير إلى البصرة وكان يرجو أن يدرك طلحة والزبير فيردهما ~~قبل وصولهما إلى البصرة ، فلما سار استخلف على المدينة تمام ابن العباس ، ~~وعلى مكة قثم بن العباس ، وقيل : أمر على المدينة سهل بن حنيف ، وسار في ~~تعبئته التي كانت لأهل الشام ، وذلك في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ~~. وخرج معه من نشط من الكوفيين والبصرين متخففين في تسعمائة ، فلقيه عبد ~~الله بن سلام فأخذ بعنانه ms4323 ، وقال : " يا أمير المؤمنين ، لا نخرج منها ، ~~فوالله لئن خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسمين أبدا " فسبوه فقال : " ~~دعوه ، نعم الرجل من أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) " . وسار حتى انتهى ~~إلى الربذة ، فأتاه خبر سبقهم إلى البصرة ، فأقام بها يأتمر ما يفعل . ذكر ~~إرسال علي إلى أهل الكوفة وعود رسله وإرسال غيرهم وما كان من إخراج أبي ~~موسى الأشعري عن الكوفة وانضمام أهل الكوفة إلى علي وما كان في خلال ذلك من ~~الأخبار قال : ولما أقام علي - رضي الله عنه - بالربذة أرسل منها محمد بن ~~أبي بكر الصديق ومحمد بن جعفر رضي الله عنهم إلى أهل الكوفة ، وكتب إليهم : ~~" إني قد PageV20P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" اخترتكم على الأمصار ، وفزعت إليكم لما حدث ، ~~فكونوا لدين الله أعوانا وأنصارا ، وانهضوا إلينا ، فالإصلاح نريد ، لتعود ~~هذه الأمة إخوانا " . فمضيا . وأقام بالربذة ، وأرسل إلى المدينة ، فأتاه ~~ما يريد من دابة وسلاح . ثم قام في الناس فخطبهم وقال : إن الله تبارك ~~وتعالى أعزنا بالإسلام ورفعنا به ، وجعلنا إخوانا بعد ذلة وقلة وتباغض ~~وتباعد ، فجرى الناس على ذلك ما شاء الله ، الإسلام دينهم ، والحق فيهم ، ~~والكتاب إمامهم ، حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم ~~الشيطان ، لينزغ بين هذه الأمة ، ألا وإن هذه لا بد مفترقة كما افترقت ~~الأممم قبلها ، فنعوذ بالله من شر ما هو كائن ثم عاد ثانية فقال : إن لا بد ~~مما هو كائن أن يكون ، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة ، ~~شرها فرقة تنتحلني ولا تعمل بعملي ، وقد أدركتم ورأيتم ، فالزموا دينكم ، ~~واهدوا بهديي ، فإنه هدي نبيكم ، واتبعوا سنته ، وأعرضوا عما أشكل عليكم ~~حتى تعرضوه على القرآن ، فما عرفه القرآن فالزموه ، وما أنكره فردوه ، ~~وارضوا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، وبالقرآن حكما وإماما . ~~قال : ثم أتاه جماعة من طييء ، وهو بالربذة ، فقيل له : هذه جماعة قد أتتك ~~، منهم من يريد الخروج معك ، ومنهم من يريد التسليم عليك . فقال : جزى الله ~~كلا خيرا " وفضل الله المجاهدين على ms4324 القاعدين أجرا عظيما " . فلما دخلوا ~~عليه قال لهم : ما شهدتمونا قال به ؟ قالوا : شهدناك بكل ما تحب . فقال : " ~~جزاكم الله خيرا قد أسلمتم طائعين ، وقاتلتم المرتدين ، ووافيتم بصدقاتكم ~~المسلمين " . فنهض سعيد بن عبيد الطائي فقال : " يا أمير المؤمنين ، إن من ~~الناس من يعبر لسانه عن قلبه ، وإني - والله - ما كل ما كل ما أجد في قلبي ~~يعبر عنه لساني ، وسأجهد وبالله التوفيق ، أما أنا فسأنصح لك في السر ~~والعلانية ، وأقاتل عدوك في كل موطن ، وأرى من الحق لك ما لا أراه لأحد من ~~أهل زمانك لفضلك وقرابتك " . فقال : " يرحك الله قد أدى لسانك عما يجن ~~ضميرك " . قال : ثم سار علي - رضي الله عنه - من الربذة ، وعلى مقدمته أبو ~~ليلى بن عمرو بن الجراح ، والراية مع ابنه محمد ابن الحنفية ، وعلى ناقة ~~حمراء يقود فرسا PageV20P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" كميتا ، فلما نزل بفيد أتته أسد وطييء ، ~~فعرضوا عليه أنفسهم فقال : في المهاجرين كفاية . وعرضت عليه بكر بن وائل ~~أنفسها ، فقال لها كذلك . قال : وانتهى إلى ذي قار أتاه عثمان بن حنيف وليس ~~في وجهه شعرة - وقيل : إنه أتاه بالربذة - فقال : يا أمير المؤمنين نعثتني ~~ذا لحية وقد جئتك أمرد قال : أصبحت أجرا وخيرا . وأقام بذي قار ينتظر جواب ~~أهل الكوفة . وكان من خبر محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر أنهما أتيا أبا ~~موسى الأشعري بكتاب علي ، وقاما في الناس بأمره ، فلم يجابا بشيء ، فلما ~~أيسوا دخل ناس من أهل الحجا على أبي موسى فقالوا : ما ترى في الخروج ؟ فقال ~~: " كان الرأي بالأمس ليس اليوم ، إن الذي تهاونتم به فيما مضى هو الذي جر ~~عليكم ما ترون ، إنما هما أمران القعود سبيل الآخرة ، والخروج سبيل الدنيا ~~، فاختاروا " فلم ينفر إليه أحد ، فغضب محمد ، فأغلظا لأبي موسى ، فقال ~~لهما : " والله إن بيعة عثمان في عنقي وعنق صاحبكما ، فإن لم يكن بد من ~~قتال لا نقاتل أحدا حتى نفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا " . فانطلقا إلى علي ~~فأخبراه الخبر وهو بذي قار ، فقال للأشتر ms4325 وكان معه : " أ ، ت صاحبنا في أبي ~~موسى والمعترض في كل شيء ، اذهب أنت وابن عباس فأصلح ما أفسدت " . فخرجا ~~فقدما الكوفة ، فكلما أبا موسى ، واستعانا عليه بنفر من أهل الكوفة ، ~~فخطبهم أبو موسى فقال " أيها الناس ، إن صحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~الذين صحبوه في المواطن أعلم بالله ورسوله ممن لم يصحبه ، وإن لكم علينا ~~حقا ، وأنا مؤد إليكم نصيحة ، كان الرأي أن لا تستخفوا بسلطان الله ، وألا ~~تجترئوا على الله ، وأن تأخذوا من قدم عليكم من المدينة فتردوهم إليها حتى ~~يجتمعوا فهم أعلم بمن تصلح له الإمامة PageV20P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" منكم ، وهذه فتنة صماء ، النائم فيها خير من ~~اليقظان ، واليقظان خير من القاعد ، والقاعد خير من القائم ، والقائم خير ~~من الراكب ، والراكب خير من الساعي ، فكونوا جرثومة من جراثيم العرب ، ~~فأغمدوا السيوف ، وأنصلوا الأسنة ، واقطعوا الأوتار ، وآووا المظلوم ~~والمضطهد ، حتى يلتئم هذا الأمر وتنجلي هذه الفتنة " . فرجع ابن عباس ~~والأشتر إلى علي ، فأخبراه الخبر . فأرسل ابنه الحسن وعمار ابن ياسر ، رضي ~~الله عنهما ، وقال لعمار : انطلق فأصلح ما أفسدت . فأقبلا حتى دخلا مسجد ~~الكوفة ، فكان أول من رآهما مسروق بن الأجدع ، فسلم عليهما ، وأقبل على ~~عمار فقال : يا أبا اليقظان علام قتلتم عثمان ؟ قال : على شتم أعراضنا وضرب ~~أبشارنا ؟ قال : والله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به ولا صبرتم فكان خيرا ~~للصابرين . فخرج أبو موسى فلقي الحسن فضمه إليه ، وأقبل على عمار فقال : يا ~~أبا اليقظان أعدوت على أمير المؤمنين فيمن عدا فأحللت نفسك مع الفجار ؟ ~~فقال : لم أفعل ولم يسؤني فقطع الحسن عليهما الكلام ، وأقبل على أبي موسى ~~فقال له : " لم تثبط الناس عنا ؟ فو الله ما أردنا إلا الإصلاح ، ولا مثل ~~أمير المؤمنين يخاف على شيء " قال : صدقت ، بأبي أنت وأمي ولكن " المستشار ~~مؤتمن ، سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول " إنها ستكون فتنة ، ~~القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من ~~الراكب " وقد جعلنا الله إخوانا ، وحرم علينا دماءنا ms4326 وأموالنا . فغضب عمار ~~، وسبه ، وقام فقال : يا أيها الناس إنما قال له وحده " أنت فيها قاعدا خير ~~منك قائما " . PageV20P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" فقام رجل من بني تميم ، فسب عمارا وقال : أنت ~~أمس مع الغوغاء واليوم تسافه أميرنا . وثار زيد بن صوحان وأمثاله ، وثار ~~الناس ، وقام زيد على باب المسجد ، ومعه كتاب من عائشة إليه تأمره بملازمة ~~بيته أو نصرتها ، وكتاب إلى أهل الكوفة بمعناه ، فأخرجهما فقرأهما على ~~الناس ، فلما فرغ منهما قال : " أمرت أن تقر في بيتها ، وأمرنا أن نقاتل ~~حتى لا تكون فتنة ، فأمرتنا بما أمرت به ، وركبت ما أمرنا به " . فقال له ~~شبث بن ربعي : يا عماني ، سرقت بجلولاء فقطعت يدك وعصيت أم المؤمنين فقتلك ~~الله . وتهاوى الناس . قام أبو موسى فقال : أيها الناس ، أطيعوني ، وكونوا ~~جرثومة من جراثيم العرب ، يأوي إليكم المظلوم ، ويأمن فيكم الخائف إن ~~الفتنة إذا أقبلت شبهت ، وإذا أدبرت بينت وإن هذه الفتنة باقرة كداء البطن ~~، تجري بها الشمال والجنوب والصبا والدبور ، تذر الحكيم وهو حيران كابن أمس ~~، شيموا سيوفكم ، واقصدوا رماحكم ، وقطعوا أوتاركم والزموا بيوتكم ، خلوا ~~قريشا إذ أبو إلا الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم ، استنصحوني ولا ~~تستغشوني ، أطيعوني يسلم لكم دينكم ، ودنياكم ويشقى بحر هذه الفتنة من ~~جناها . فقام زيد ، فشال يده المقطوعة ، فقال : يا عبد الله بن قيس رد ~~الفرات عن أدراجه ، اردده من حيث يجيء حتى يعود كما بدأ فإن قدرت على ذلك ~~فستقدر على ما تريد ، فدع عنك ما لست مدركه ، سيروا إلى أمير المؤمنين وسيد ~~المسلمين ، انفروا إليه أجمعين تصيبوا الحق . فقام القعقاع بن عمرو فقال : ~~" إني لكم ناصح ، وعليكم شفيق ، أحب لكم PageV20P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" أن ترشدوا ، ولأقولن لكم قولا هو الحق ، أما ~~ما قال الأمير فهو الحق لو أن إليه سبيلا ، وأما ما قال زيد فزيد عدو هذا ~~الأمير فلا تستنصحوه ، والقول الذي هو الحق أنه لا بد من إمارة تنظم الناس ~~، وتزع الظالم ، وتعز المظلوم وهذا أمير المؤمنين مليء بما ولي ، وقد أنصف ms4327 ~~في الدعاء ، وإنما يدعو إلى الإصلاح ، فانفروا وكونوا من هذا الأمر بمرأى ~~ومسمع " . وقال عبد خير الخيواني : يا أبا موسى هل بايع طلحة والزبير عليا ~~؟ قال : نعم قال : هل أحدث علي ما يحل به نقض بيعته ؟ قال : لا أدري . قال ~~: " لا دريت نحن نتركك حتى تدرك هل تعلم أحدا خارجا من هذه الفتنة ؟ إنما ~~الناس أربع فرق : علي بظهر الكوفة ، وطلحة والزبير بالبصرة ، ومعاوية ~~بالشام ، وفرقة بالحجاز لا غناء بها ولا يقاتل بها عدو . " فقال أبو موسى : ~~أولئك خير الناس وهي فتنة فقال عبد خير : غلب عليك غشك يا أبا موسى فقال ~~سيحان بن صوحان : إنه لا بد لهذا الأمر وهؤلاء الناس من وال ، يدفع الظلم ~~ويعز المظلوم ، ويجمع الناس ، وهذا وليكم وهو يدعوكم لتنظروا فيما بينه ~~وبين صاحبيه ، وهو المأمون على الأمة ، الفقيه في الدين ، فمن نهض إليه ~~فإنا سائرون معه . فلما فرغ سيحان قال عمار : " هذا ابن عم رسول الله عليه ~~الصلاة والسلام ، يستنفركم إلى زوجة رسول الله وإلى طلحة والزبير ، وإني ~~أشهد أنها زوجته في الدنيا والآخرة ، فانظروا ثم انظروا في الحق ، فقاتلوا ~~معه " . فقال له رجل : أنا مع من شهدت له بالجنة على من لم تشهد له فقال له ~~الحسن : اكفف عنا يا عمار فإن للإصلاح أهلا . وقام الحسن رضي الله عنه ، ~~فقال : أيها الناس أجيبوا دعوة أميركم ، وسيروا إلى إخوانكم ، فإنه سيوجد ~~لهذا الأمر من ينفر غليه ، ووالله لأن يليه أولو النهى أمثل في العاجل ~~والآجل ، وخير في العاقبة ، أجيبوا دعوتنا ، وأعينونا على ما ابتلينا به ~~وابتليتم ، وإن أمير المؤمنين يقول : " قد خرجت مخرجي هذا ظالما أو مظلوما ~~، وإني أذكر الله رجلا رعى حق الله إلا نفر ، فإن كنت مظلوما أعانني ، وإن ~~كنت ظالما أخذ منين والله إن طلحة والزبير لأول من بايعني وأول من عذر فهل ~~استأثرت بمال أو بدلت حكما ؟ " فانفروا ، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ~~. PageV20P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" فسامح الناس وأجابوا ورضوا ، وتكلم عدي بن ~~حاتم ، وهند بن عمرو ، وحجر بن عدي ms4328 ، وحثوا الناس على اللحاق بعلي وإعانته ~~، فأذعن الناس للمسير . فقال الحسن رضي الله عنه : " أيها الناس ، إني غاد ~~، فمن شاء منكم أن يخرج على الظهر ، ومن شاء في الماء " ، فنفر معه تسعة ~~آلاف ، أخذ في البر ستة آلاف ومائتان ، وبقيتهم في الماء . وقيل : إن عليا ~~- رضي الله عنه - أرسل الأشتر بعد ابنه الحسن وعمار - إلى الكوفة ، فدخلها ~~والناس في المسجد ، وأبو موسى يخطبهم ويثبطهم ، والحسن وعمار معه في منازعة ~~، وكذلك سائر الناس ، كما تقدم ، فجعل الأشتر لا يمر في بقبيلة فيها جماعة ~~إلا دعاهم ويقول : اتبعوني إلى القصر ، فانتهى إلى القصر في جماعة من الناس ~~، فدخلوا وأبو موسى في المسجد يخطبهم ويثبطهم ، والحسن يقول له : اعتزل ~~عملنا لا أم لك وتنح عن منبرنا وعمار ينازعه فأخرج الأشتر غلمان أبي موسى ~~من القصر ، فخرجوا يعدون وينادون : " يا أبا موسى ، الأشتر قد دخل القصر ، ~~فضربنا ، وأخرجنا " فنزل أبو موسى ، فدخل القصر ، فصاح به الأشتر : " اخرج ~~لا أم لك أخرج الله نفسك " فقال : أجلني هذه العشية . فقال هي لك ولا تبيتن ~~في القصر الليلة . ودخل الناس ينهبون متاع أبي موسى ، فمنعهم الأشتر ، قال ~~: أنا له جار . فكفوا عنه . فنفر الناس في العدد المذكور . وقيل : إن عدد ~~من سار من الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجل ، قال أبو الطفيل : سمعت عليا رضي ~~الله عنه يقول ذلك قبل وصولهم ، فقعدت فأحصيتهم ، فما زادوا رجلا وما نقصوا ~~رجلا . وكان على كنانه وأسد وتميم والرباب ومزينة معقل بن يسار الرياحي ، ~~وعلى سبع قيس سعد بن مسعود الثقفي عم المختار ، وعلى بكر وتغلب وعلى بن ~~محدوج الذهلي ، وعلى مذحج والأشعريين حجر بن عدي ، وعلى بجيلة وأنمار وخثعم ~~والأزد مخنف بن سليم الأزدى ، فقدموا على علي رضي الله عنه بذي قار ، ~~فلقيهم في ناس فرحب بهم ، وقال : " يا أهل الكوفة ، وليتم ملوك العجم ~~وفضضتم جموعهم ، حتى صارت إليكم مواريثهم ، فأغنيتم حوزتكم ، وأعنتم الناس ~~على عدوهم ، وقد PageV20P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة ، ~~فإن يرجعوا فذاك ms4329 الذي نريد ، وإن يلجوا داويناهم بالرفق حتى يبدءونا بظلم ، ~~ولم ندع أمرا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد ، إن شاء الله تعالى " ~~. قال : وكان رؤساء الجماعة من الكوفيين : القعقاع بن عمرو وسعد بن مالك ~~وهند بن عمرو والهيثم بن شهاب ، وكان رؤساء النفار زيد بن صوحان والأشتر ~~وعدي بن حاتم والمسيب بن نجبه ويزيد ابن قيس وأمثال لهم ليسوا دونهم إلا ~~أنهم لم يؤمروا ، منهم حجر بن عدي . ذكر مراسلة علي طلحة والزبير وأهل ~~البصرة في الصلح وإجابتهم إليه وانتظام الصلح وكيف أفسده قتلة عثمان قال : ~~وأقام علي - رضي الله عنه - بذي قار ، فأرسل القعقاع بن عمرو إلى أهل ~~البصرة وقال له : الق هذين الرجلين وادعهما إلى الألفة والجماعة وعظم فيهما ~~الفرقة . وكان العقعاع من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . فخرج حتى ~~قدم البصرة ، فبدأ بعائشة فسلم عليها وقال : أي أمه ، ما أشخصك وما أقدمك ~~على هذا البلد ؟ قال : أي بني ، الإصلاح بين الناس . قال : فابعثي إلى طلحة ~~والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما ، فبعثت إليهما ، فجاءا ، فقال لهما : ~~إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها ؟ فقالت الإصلاح ، فما تقولان أنتما ؟ ~~أمتابعان أم مخالفان ؟ قالا : متابعان . قال فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح ~~فوالله لئن عرفناه ليصلحن ولئن أنكرناه لا يصلح . قالا : قتلة عثمان ، فإن ~~هذا إن ترك كان تركا للقرآن قال : " قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة ، ~~وأنتما قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم قتلتم ستمائة رجل فغضبت ~~لهم ستة آلاف واعتزلوكم ، وخرجوا من بين أظهركم ، وطلبتم حرقوص بن زهير ~~فمنعه ستة آلاف فارس ، فإن تركتموهم كنتم تاركين لما تقولون ، وإن ~~قاتلتموهم والذين اعتزلوكم فأديلو عليكم فالذي حذرتم وقويتم به هذا الأمر ~~أعظم مما أراكم تكرهون ، وإن أنتم منعتم مضر وربيعة من هذه البلاد اجتمعوا ~~على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء ، كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم ~~والذنب PageV20P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" الكبير " قالت عائشة فما تقول أنت قال " إن ~~هذا الأمر دواؤه التسكين ، فإذا سكن اختلجوا ، فإن ms4330 أنتم بايعتمونا فعلا خير ~~وتباشير رحمة ودرك بثأر ، وإن أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت ~~علامة شر وذهاب هذا الثأر ، فآثروا العافية ترزقوها ، وكونوا مفاتيح خير ~~كما كنتم ، ولا تعرضونا للبلاء فتتعرضوا له فيصرعنا وإياكم ، وايم الله إني ~~لأقول هذا القول وأدعوكم إليه وإني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ الله حاجته من ~~هذه الأمة التي قل متاعها ونزل بها ما نزل ، فإن هذا الأمر الذي حدث أمر ~~ليس يقدر ، وليس كقتل الرجل الرجل ولا النفر الرجل ولا القبيلة الرجل قالوا ~~: " قد أصبت وأحسنت ، فارجع ، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر ~~" . فرجع إلى علي ، فأخبره ، فأعجبه ذلك ، وأشرف القوم على الصلح ، كره ذلك ~~من كرهه ، ورضيه من رضيه . وأقبلت وفود العرب من أهل البصرة نحو علي بذي ~~قار ، قبل رجوع القعقاع ، لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة ، وعلى أي ~~حال نهضوا إليهم ، وليعلموهم أن الذي عليه رأيهم الإصلاح ، ولا يخطر لهم ~~قتالهم على بال . فلما لقوا عشائرهم من أهل الكوفة قال لهم الكوفيون مثل ~~مقالتهم ، وأدخلوهم على علي فأخبروه بخبرهم . ورجعت وفود أهل البصرة برأي ~~أهل الكوفة ، ورجع القعقاع من البصرة . فقام علي رضي الله عنه خطيبا ، فحمد ~~الله وأثنى عليه ، وذكر الجاهلية وشقاءها ، والإسلام والسعادة ، وإنعام ~~الله على الأمة والجماعة بالخليفة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~ثم الذي يليه ، ثم الذي يليه ، ثم حدث هذا الحدث الذي جره على هذه الأمة ~~أقوام طلبوا هذه الدنيا وحسدوا من أفاءها الله عليه وعلى الفضيلة التي من ~~الله بها ، وأرادوا رد الإسلام والأشياء على أدبارها ، والله بالغ أمره . ~~ثم قال : ألا وإني راحل غدا ، فارتحلوا ، ولا يرتحل معنا أحد أعان على ~~عثمان بشيء من أمور الناس ، وليغن السفهاء عني أنفسهم . والله أعلم بالصواب ~~. ذكر اجتماع قتلة عثمان بذي قار وتشاورهم وما اتفقوا عليه من المكيدة التي ~~اقتضت نقض الصلح ووقوع الحرب قال : ولما قال علي رضي الله عنه مقالته بذي ~~قار ، وأمر أن لا ms4331 يرتحل معه أحد PageV20P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" ممن أعان على عثمان بشيء اجتمع نفر منهم علباء ~~بن الهيثم وعدي ابن حاتم وسالم بن ثعلبة القيسي وشريح بن أبي أوفي والأشتر ~~، في عدة ممن سار إلى عثمان أو رضي بسير من سار إليه وجاء معهم المصريون ~~وابن السوداء وخالد ابن ملجم ، فتشاوروا فقالوا " ما الرأي ؟ هذا علي وهو ~~والله أبصر بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان ، وأقرب إلى العمل بذلك ، وهو ~~يقول ما يقول ، ولم ينفر إليه إلا هم والقليل من غيرهم ، فكيف به إذا شام ~~القوم وشاموه ورأوا قلتنا في كثرتهم ؟ وأنتم والله ترادون ، وما أنتم بالحي ~~من شيء " فقال الأشتر : " قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا ، وأما رأي علي ~~فلم نعرف رأيه إلى اليوم ، ورأى الناس فينا واحد ، فإن يصطلحوا مع علي فعلى ~~دمائنا ، فهلموا بنا نثب على علي فنلحقه بعثمان ، فتعود فتنه يرضى منا فيها ~~بالسكون . " فقال عبد الله بن السوداء " بئس الرأي والله رأيت ، أنتم يا ~~قتلة عثمان بذي قار ألف وخمسمائة ، أو نحو من ستمائة ، وهذا ابن الحنظلية - ~~يعني طلحة - وأصحابه في نحو خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى قتالكم ~~سبيلا " فقال علباء بن الهيثم " انصرفوا بنا عنهم ، ودعوهم ، فإن قلوا كان ~~لعدوهم عليهم ، وإن كثروا كان أحرى أن يصطلحوا عليكم ، ودعوهم فرجعوا ~~فتعلقوا ببلد من البلدان حتى يأتيكم فيه من تقوون به ، وامتنعوا من الناس . ~~" فقال ابن السوداء " بئس والله ما رأيت ، ود والله الناس أنكم انفردتم ولم ~~تكونوا مع أقوام برآء ، ولو انفردتم لتخطفكم الناس وكل شيء " فقال عدي بن ~~حاتم : " والله ما رضيت ولا كرهت ، ولقد عجبت من تردد من تردد عن قتله في ~~خوض الحديث ، فأما إذ وقع ما وقع ونزل من الناس بهذه المنزلة فإن لنا عتادا ~~من خيول وسلاح ، فإن أقدمتم أقدمنا ، وأن أمسكتم أمسكنا " فقال ابن السوداء ~~: أحسنت وقال سالم ابن ثعلبة : " من كان أراد بما أتى الدنيا فإني لم أرد ~~ذلك ، ووالله لئن لقيتهم غدا لا أرجع إلى ms4332 شيء وأحلف بالله إنكم لتفرقون ~~الناس بالسيف فرق قوم لا تصير أمورهم إلا إلى السيف " فقال ابن ~~PageV20P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" السوداء : قد قال قولا . وقال شريح بن أبي ~~أوفي : " أبرموا أمركم قبل أن يخرجوا ، ولا تؤخروا أمرا ينبغي لكم تعجيله ، ~~ولا تعجلوا أمرا ينبغي لكم تأخيره ، فإنا عند الناس بشر المنازل ، ولا أدري ~~ما الناس صانعون إذا ما هم التقوا " وقال ابن السوداء : " يا قوم ، إن عزكم ~~في خلط الناس ، فإذا التقى الناس غدا فأنشبوا القتال ، ولا تفرغوهم للنظر ، ~~فمن أنتم معه لا يجد بدا من أن يمتنع ، ويشغل الله عليا وطلحة والزبير ومن ~~رأى رأيهم عما تكرهون " فأبصروا الرأي ، وتفرقوا عليه ، والناس لا يشعرون . ~~ذكر مسير علي رضي الله عنه ومن معه من ذي قار إلى البصرة ووقعة الجمل قال : ~~ولما أصبح علي رضي الله عنه سار من ذي قار وسار معه الناس حتى نزل على عبد ~~القيس ، فانضموا إليه ، ثم سار فنزل الزاوية ، وسار من الزاوية يريد البصرة ~~، وسار طلحة والزبير وعائشة من الفرضة ، فالتقوا عند موضع قصر عبيد الله بن ~~زياد ، وذلك في النصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين ، حكاه ابن الأثير ، ~~وقال أبو جعفر : كانت وقعة الجمل في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخر ~~سنة ست وثلاثين . وسبق علي أصحابه ، وهم يتلاحقون به ، فلما نزل قال أبو ~~الجرباء للزبير : الرأي أن تبعث الآن ألف فارس إلى علي قبل أن يتوافى إليه ~~أصحابه . فقال : " إنا لنعرف أمور الحرب ، ولكنهم أهل دعوتنا ، وهذا أمر ~~حدث لم يكن قبل اليوم ، من لم يلق الله فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامة ~~وقد فارقنا وافدهم على أمر ، وأنا أرجو أن يتم لنا النصح ، فأبشروا ، ~~واصبروا . " . وأقبل صبرة بن شيمان وقال لطلحة والزبير : انتهزا بنا هذا ~~الرجل ، فإن الرأي PageV20P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" في الحرب خير من الشدة فقالا : " إنا وهم ~~مسلمون ، إن هذا أمر لم يكن قبل اليوم فينزل فيه قرآن أو تكون فيه سنة رسول ~~الله ( صلى الله عليه ms4333 وسلم ) ، وقد زعم قوم أنه لا يجوز تحريكه اليوم ، وهم ~~علي ومن معه ، وقلنا نحن : لا ينبغي لنا أن نتركه اليوم ولا نؤخره ، وقد ~~قال علي : ترك هؤلاء القوم شر وهو خير من شر منه ، وقد كاد يبين لنا ، وقد ~~جاءت الأحكام بين المسلمين بإيثار أعمها منفعة . وقال كعب بن سور : يا قوم ~~اقطعوا هذا العنق من هؤلاء القوم . فأجاباه بنحو ما تقدم . قال : ولما نزل ~~علي ونزل الناس أرسل شقيق بن ثور إلى عمرو بن مرحوم العبدي أن اخرج فإذا ~~خرجت فمل بنا إلى عسكر علي ، فخرجا في عبد القيس وبكر بن وائل ، فعدلوا إلى ~~عسكر علي ، فقال الناس من كان هؤلاء معه غلب . وأقاموا ثلاثة أيام لم يكن ~~بينهم قتال ، إنما يرسل علي إليهم يكلمهم ويدعوهم . قال : وقام علي فخطب ~~الناس ، فقام إليه الأعور بن بنان المنقري فسأله عن إقدامهم على أهل البصرة ~~، فقال له علي : على الإصلاح وإطفاء النار لعل الله يجمع شمل هذه الأمة بنا ~~ويضع حربهم . قال : فإن لم يجيبوا . قال : تركناهم ما تركونا . وقال : فإن ~~لم يتركونا . قال : دفعناهم عن أنفسنا . قال : فهل لهم في هذا مثل الذي ~~عليهم ؟ قال : نعم . وقام إليه أبو سلام الدالاني فقال : أترى لهؤلاء القوم ~~حجة فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله بذلك ؟ قال : نعم . قال : ~~فترى لك حجة بتأخيرك ذلك ؟ قال : نعم ، إن الشيء إذا كان لا يدرك فالحكم ~~فيه أحوط وأعمه نفعا . قال : فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدا ؟ قال : إني ~~لأرجو ألا يقتل منا ومنهم أحد نقى قلبه لله إلا أدخله الله الجنة . . وقال ~~في خطبته : " أيها الناس املكوا أنفسكم ، وكفوا عن هؤلاء القوم أيديكم ~~وألسنتكم ، وإياكم أن تسبقونا ، فإن المخصوم غدا من خصم اليوم " . وبعث ~~إليهم حكيم بن سلام ومالك بن حبيب ، يقول : إن كنتم على ما فارقتم عليه ~~القعقاع فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر . PageV20P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" وخرج إليه الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمرين ، قد ~~منعوا حرقوص بن ms4334 زهير وهم معتزلون . وكان الأحنف قد بايع عليا بالمدينة بعد ~~قتل عثمان ، لأنه كان قد عاد من الحج فبايع ، فلما قدم طلحة والزبير اعتزل ~~بالجلحاء ومعه زهاء ستة آلاف والجلحاء من البصرة على فرسخين فقال لعلي : إن ~~قومنا بالبصرة يزعمون أنك إن ظفرت عليهم غدا قتلت رجالهم وسبيت نساءهم قال ~~: " ما مثلي يخاف هذا منه وهل يحل هذا إلا لمن تولى وكفر ؟ وهم قوم مسلمون ~~. " قال : اختر مني واحدة من اثنتين : إما أن أقاتل معك ، وإما أن أكف عنك ~~عشرة آلاف سيف . قال : اكفف عنا عشرة آلاف سيف . فرجع إلى الناس ، فدلهم ~~إلى القعود ، ونادى : " يا آل خندف " ، فأجابه ناس ، ثم نادى : " يا آل ~~تميم " فأجابه ناس ، ثم نادى : " يا آل سعد " ، فلم يبق سعدي إلا أجابه ، ~~فاعتزل بهم ، ونظر ما يصنع الناس ، فلما كان القتال وظفر علي دخلوا فيما ~~دخل فيه الناس وافرين . قال : ولما تراءى الجمعان خرج الزبير على فرس وعليه ~~سلاح ، فقيل لعلي : هذا الزبير فقال : أما إنه أحرى الرجلين إن ذكر بالله ~~أن يذكر وخرج طلحة ، فخرج إليهما علي ، فدنا منهما حتى ، اختلفت أعناق ~~دوابهم ، فقال لعمري لقد أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا ، إن كنتما أعددتما ~~عذرا عند الله فاتقيا الله ، ولا تكونا " كالتي نقضت عزلها من بعد قوة ~~أنكاثا " ، ألم أكن أخاكما في دينكما تحرمان دمي وأحرم دماءكما ؟ فهل من ~~حدث أحل آدمي ؟ فقال طلحة : اللبث على دم عثمان . فقال علي رضي الله عنه : ~~" يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق " يا طلحة ، تطلب بدم عثمان فلعن الله قتلة ~~عثمان يا طلحة ، أتيت بعرس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تقاتل بها ~~وخبأت عرسك في البيت أما بايعتني ؟ قال : بايعتك والسيف على عنقي . ثم قال ~~للزبير : ما أخرجك ؟ قال أنت ، ولا أراك لهذا الأمر أهلا ولا أولى به منا . ~~فذكره علي رضي الله عنه بأشياء ، ثم قال : أتذكر يوم مررت مع رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في بني غنم ، فنظر إلي ، فضحك وضحكت إليه ، فقلت : لا ~~يدعو ms4335 ابن أبي طالب زهوه فقال لك رسول الله عليه الصلاة والسلام : " إنك ~~لتقاتله وأنت ظالم له " ؟ فقال : اللهم نعم ولقد كنت أنسيتها ولو ذكرت ما ~~سرت مسيري هذا ، والله لا أقاتلك أبدا . PageV20P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" وقيل إنه قال له كيف أرجع وقد التقت حلقتا ~~البطان ؟ هذا والله العار الذي لا يغسله الدهر قال يا زبير ارجع بالعار خير ~~من أن ترجع بالعار وبالنار . فرجع الزبير إلى عائشة فقال لها : يا أماه ، ~~ما شهدت موطنا إلا ولي فيه رأي وبصيرة غير موطني هذا قالت : وما تريد أن ~~تصنع قال : أدعهم وأذهب ، ثم قال لابنه عبد الله : عليك بحربك وأما أنا ~~فأرجع إلى بيتي . فقال له : ما يردك ؟ قال : ما لو علمته لكسرك . فقال له ~~ابنه : بل رأيت عيون بني هاشم تحت المغافر فراعتك ، وعلمت أن سيوفهم حداد ~~تحملها فتية أنجاد . فغضب الزبير ثم قال : أمثلي يفزع بهذا ؟ وأحفظه ذلك ، ~~وقال إني حلفت إلا أقاتله . قال : فكفر عن يمينك وقاتله ، فأعتق غلامه ~~مكحولا ، وقيل : أعتق سرجس . ففي ذلك يقول عبد الرحمن بن سليمان التميمي : ~~لم أر كاليوم أخا إخوان . . . أعجب من مكفر الأيمان في أبيات أخر . وقيل : ~~إن الزبير نزع سنان رمحه ، وحمل على جيش علي ، فقال علي لأصحابه : أفرجوا ~~له فإنه قد أغضب ، وإنه منصرف عنكم فقالوا : إذن والله لا نبالي بعد رجوعه ~~بجمعهم وما كنا نتقي سواه . وقيل : إنما الزبير عاد عن القتال لما سمع أن ~~عمار بن ياسر مع علي ، فخاف أن يقتل عمار ، وقد قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : " يا عمار تقتلك الفئة الباغية " فرده ابنه عبد الله . ~~وافترق أهل البصرة ثلاثة فرق : فرقة مع طلحة والزبير وفرقة مع علي ، وفرقة ~~لا ترى القتال ، منهم الأحنف بن قيس وعمران بن حصين . PageV20P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" وجاءت عائشة فنزلت في مسجد الحدان في الأزد ، ~~ورأس الأزد يومئذ صبرة بن شيمان ، فقال له كعب بن سور : إن الجموع إذا ~~تراءت لم تستطع ، إنما هي بحور تدفق ، فأطعني ولا تشهدهم ms4336 واعتزل بقومك ، ~~فإني أخاف أن لا يكون صلح ، ودع مضر وربيعة فهما أخوان ، فإن اصطلحا فالصلح ~~أردنا ، وإن اقتتلا كنا حطاما عليهم غدا . وكان كعب في الجاهلية نصرانيا ~~فقال صبرة : أخشى أن يكون فيك شيء من النصرانية أتأمرني أ ، أغيب عن إصلاح ~~بين الناس ، وأن أخذل أم المؤمنين وطلحة والزبير إن ردوا عليهم الصلح ، ~~وأدع الطلب بدم عثمان ، والله لا أفعل هذا أبدا . فأطبق أهل اليمن على ~~الحضور . وحضر مع عائشة المنجاب بن راشد في الرباب وهم تيم وعدي وثور وعكل ~~، بنو عبد منادة بن أد بن طابخة بن إلياس ، مضر ، وضبة ابن أد بن طابخة ، ~~وحضر أيضا أبو الجرباء في بني عمرو بن تميم ، وهلال بن وكيع في بني حنظلة ، ~~وصبرة بن شيمان على الأزد ، ومجاشع بن مسعود السلمي على سليم ، وزفر بن ~~الحارث في بني عامر وأعصر بن النعمان على غطفان ، ومالك بن مسمع على بكر ، ~~والخريت بن راشد على بني ناجية ، وعلى اليمن ذو الأجرة الحميري . قال : ~~ولما خرج طلحة والزبير نزلت مضر جميعها وهم لا يشكون في الصلح ، ونزلت ~~ربيعة فوقهم وهم لا يشكون في الصلح ، ونزلت اليمن أسفل منهم وهم كذلك ، ~~ونزلت عائشة في الحدان ، والناس بالزابوقة على رؤسائهم . هؤلاء - وهم أصحاب ~~عائشة - ثلاثون ألفا ، وهؤلاء - وهم أصحاب علي - عشرون ألفا . وردوا حكيما ~~ومالكا : " أنا على ما فارقنا عليه القعقاع " . ونزل علي بحيالهم ، ونزلت ~~مضر إلى مضر ، وربيعة إلى ربيعة ، واليمن إلى اليمن ، وكان بعضهم يخرج ~~PageV20P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" إلى بعض لا يذكرون إلا الصلح ووضع الحرب ، ~~فافترقوا على ذلك . وبعث علي رضي الله عنه من العشي عبد الله بن عباس إلى ~~طلحة والزبير ، وبعثا إليه محمد بن طلحة ، وأرسل علي وطلحة والزبير إلى ~~رؤساء أصحابهم بأمر الصلح ، فباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية التي ~~أشرفوا عليها والصلح ، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة ، وباتوا ~~يتشاورون ، فاجتمعوا على إنشاب الحرب ، فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم أحد ، ~~فخرجوا متسللين ، فقصد مضرهم إلى مضرهم ، وربيعتهم ms4337 إلى ربيعتهم ، ويمنهم ~~إلى يمنهم ، فوضعوا فيهم السلاح ، فثار أهل البصرة ، وثار كل قوم في وجوه ~~أصحابهم الذين أتوهم ، وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة . قال ~~: وبعث طلحة والزبير إلى الميمنة وهم ربيعة أميرا عليها عبد الرحمن بن ~~الحارث بن هشام ، وإلى الميسرة عبد الرحمن بن عتاب ، وثبتا في القلب ، ~~وقالا : ما هذا ؟ قالوا : طرقنا أهل الكوفة ليلا قالا وقد علمنا أن عليا ~~غير منته حتى يسفك الدماء وأنه لن يطاوعنا فرد أهل البصرة أولئك الكوفيين ~~إلى عسكرهم ، فسمع علي وأهل الكوفة الصوت - وقد وضع السبيئة رجلا قريبا منه ~~- فلما قال علي ما هذا قال ذلك الرجل : ما شعرنا إلا وقوم منهم قد بيتونا ~~فرددناهم فوجدنا القوم على رجل ، فركبوا ، وثار الناس ، فأرسل علي صاحب ~~الميمنة إلى الميمنة ، وصاحب الميسرة إلى الميسرة ، وقال : لقد علمت أن ~~طلحة والزبير غير منتهيين حتى يسفكا الدماء وأنهما لن يطاوعانا . والسبيئة ~~لا تفتر ، ونادى علي في الناس : كفوا فلا شيء . وكان من رأيهم جميعا في تلك ~~الفتنة ألا يقتتلوا حتى يبدءوا يطلبون بذلك الحجة وألا يقتلوا مدبرا ، ولا ~~يجهزوا على جريح ، ولا يستحلوا سلبا ، ولا يرزءوا بالبصرة سلاحا ولا ثيابا ~~ولا متاعا . وأقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة فقال : " يا أم المؤمنين ، ~~أدركي الناس ، فقد أبى القوم إلا القتال ، لعل الله يصلح بك " . فركبت ~~وألبسوا هودجها الأدراع ، فلما برزت من البيوت وهي على الجمل وكانت بحيث ~~تسمع الغوغاء وقفت ، واقتتل الناس وقاتل الزبير ، فحمل عليه عمار بن ياسر ، ~~فجعل يحوزه بالرمح والزبير كاف عنه ، PageV20P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" وقال له : أتقتلني يا أبا اليقظان ؟ قال : لا ~~يا أبا عبد الله وإنما كف الزبير عنه لقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) " تقتل عمار بن ياسر الفئة الباغية " ، ولولا ذلك لقتله . قال : ثم اعتزل ~~الزبير الحرب وانصرف ، وصليها طلحة ، فأصابه سهم غرب شك رجله بصفحة الفرس ، ~~ثم دخل البصرة ومات بها . وسنذكر إن شاء الله أخباره وأخبار الزبير بعد ~~نهاية وقعة الجمل ms4338 . وانهزم القوم يريدون البصرة ، فلما رأوا الخيل أطافت ~~بالجمل عادوا قلبا كما كانوا حيث التقوا وعادوا في أمر جديد . فقالت عائشة ~~لكعب بن سور وهو آخذ بخطام الجمل : خل عن الجمل وتقدم بالمصحف فادعهم إليه ~~. وناولته مصحفا من هودجها فاستقبل القوم بالمصحف ، والسبئية أمامهم يخافون ~~أن يجري الصلح ، فرشقوه رشقا واحدا ، فقتلوه ورموا أم المؤمنين في هودجها ، ~~فجعلت تنادي : " البقية البقية يا بني " ويعلو صوتها " الله الله اذكروا ~~الله والحساب " فيأبون إلا إقداما ، فكان أول شيء أحدثته حين أبوا أن قالت ~~: " أيها الناس العنوا قتلة عثمان وأشياعهم " وأقبلت تدعو ، فضج الناس ~~بالدعاء ، فسمع علي فقال : ما هذه الضجة ؟ قالوا : عائشة تدعو على قتلة ~~عثمان وأشياعهم . فقال : اللهم العن قتلة عثمان وأرسلت إلى عبد الرحمن بن ~~عتاب وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام : أن اثبتا مكانكما . وحرضت الناس حين ~~رأت القوم يريدونها ولا يكفون ، فحملت مضر البصرة حتى قصفت مضر الكوفة ، ~~حتى زحم علي ، فنخس قفا محمد ابنه ، وكانت الراية معه ، وقال له : احمل . ~~فتقدم حتى لم يجد متقدما إلا على سنان رمح ، فأخذ علي الراية من يده ، وقال ~~: يا بني بين يدي . وحملت مضر الكوفة فاجتلدوا قدام الجمل حتى ضرسوا ، ~~والمجنبات على حالها لا تصنع شيئا ، واشتدت الحرب ، فأصيب زيد بن صوحان ، ~~وأخوه سيحان ، وارتث أخوهما صعصعة ، فلما رأى علي ذلك بعث إلى ربيعة وإلى ~~اليمن : أن اجمعوا من يليكم . PageV20P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" فقام رجل من عبد القيس من أصحاب علي فقال : ~~ندعوكم إلى كتاب الله : فقالوا : كيف يدعونا إليه من لا يستقيم ولا يقيم ~~حدود الله ؟ وقد قتل كعب بن سور داعي الله ورمته ربيعة رشقا واحدا فقتلوه ~~ودعت يمن الكوفة يمن البصرة فرشقوهم ، وأبى أهل الكوفة إلا القتال ، ولم ~~يريدوا إلا عائشة ، فذكرت أصحابها ، فاقتتلوا ، حتى تنادوا فتحاجزوا ، ثم ~~رجعوا فاقتتلوا ، وتزاحف الناس ، فظهرت يمن البصرة على يمن الكوفة فهزمتهم ~~وربيعة البصرة على ربيعة الكوفة فهزمتهم ، ثم عاد يمن الكوفة فقتل على ~~رايتهم عشرة : خمسة من همدان وخمسة ms4339 من سائر اليمن ، فلما رأى ذلك يزيد بن ~~قيس أخذها فثبتت في يده . ورجعت ربيعة الكوفة فاقتتلوا قتالا شديدا ، فقتل ~~على رايتهم وهم في الميسرة زيد وعبد الله بن رقبة وأبو عبيدة ابن راشد بن ~~سلمى وهو يقول : " اللهم أنت هديتنا من الضلالة ، واستنقذتنا من الجهالة ، ~~وابتليتنا بالفتنة ، فكنا في شبهة وعلى ريبة " حتى قتل . واشتد الأمر حتى ~~لزقت ميمنة أهل الكوفة بقلبهم ، وميسرة أهل البصرة بقلبهم ، ومنعوا ميمنة ~~أهل الكوفة أن يختلطوا بقلبهم وإن كانوا إلى جنبهم ، وفعل مثل ذلك ميسرة ~~أهل الكوفة بميمنة أهل البصرة . فلما رأى الشجعان من مضر الكوفة والبصرة ~~الصبر تنادوا : طرفوا إذا فرغ الصبر . فجعلوا يقصدون الأطراف الأيدي ~~والأرجل فما رؤى وقعة كانت أعظم منها قبلها ولا بعدها ولا أكثر ذراعا ~~مقطوعة ورجلا مقطوعة وأصيبت يد عبد الرحمن بن عتاب قبل قتله . فنظرت عائشة ~~عن يسارها ، فقال : من القوم عن يساري ؟ فقال صبرة بن شيمان : بنوك الأزد . ~~قالت : يا آل غسان حافظوا اليوم فجلادكم الذي كنا نسمع به وتمثلت : وجالد ~~من غسان أهل حفاظها . . . وهنب وأوس جالدت وشبيب فكانت الأزد يأخذون بعر ~~الجمل فيشمونه ويقولون : بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك . وقال لمن عن يمينها ~~: من القوم عن يميني ؟ قالوا بكر بن وائل . قالت : لكم يقول القائل : ~~وجاءوا إلينا في الحديد كأنهم . . . من العزة القعساء بكر بن وائل ~~PageV20P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" إنما بإزائكم عبد القيس . فاقتتلوا أشد من ~~قتالهم قبل ذلك . وأقبلت على كتيبة بين يديها فقالت : ويها جمرة الجمرات ~~فلما رقوا خالطهم بنو عدي بن عبد مناه ، وكثروا حولها ، فقالت : من أنتم ؟ ~~قالوا : بنو عدي خالصنا إخواننا ، فأقاموا رأس الجمل ، وضربوا ضربا ليس ~~بالتعذير ، ولا يعدلون بالتطريف ، حتى إذا كثر ذلك وظهر في العسكريين جميعا ~~راموا الجمل ، وقالوا : لا يزول القوم أو يصرع الجمل . وصارت مجنبتا علي ~~إلى القلب ، وفعل ذلك أهل البصرة ، وكره القوم بعضهم بعضا . وأخذ عميرة ابن ~~يثربي رأس الجمل ، وكان قاضي البصرة ، فقال علي : من يحمل على الجمل ؟ ~~فانتدب ms4340 له هند بن عمرو الجملي المرادي ، فاعترضه ابن يثرب ، فاختلفا ضربتين ~~، فقتله ابن يثربي ، وقتل سيحان ابن صوحان ، وارتث صعصعه ، فنادى عمار بن ~~ياسر ابن يثربي : لقد عذت بحريز وما إليك من سبيل فإن كنت صادقا فاخرج من ~~هذه الكتيبة إلي . فترك الزمام في يد رجل من بني عدي وخرج ، حتى إذا كان ~~بين الصفين تقدم عمار ، وهو ابن تسعين سنة ، وقيل أكثر من ذلك ، وعليه فرو ~~قد سد وسطه بحبل من ليف ، وهو أضعف من بارزه ، فاسترجع الناس وقالوا : هذا ~~لاحق بأصحابه فضربه ابن يثربي ، فاتقاه عمار بدرقته ، فنشب سيفه فيها ، ~~فعالجه فلم يخرج ، وأسف عمار لرجليه فضربه فقطعهما ، فوقع على استه وأخذ ~~أسيرا ، فأتي به إلى علي ، فقال : استبقني فقال : أبعد ثلاثة تقتلهم ؟ وأمر ~~به فقتل ، وقيل إن المقتول عمرو بن يثربي وإن عميرة بقي حتى ولي قضاء ~~البصرة من قبل معاوية . PageV20P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" قال : ولما قتل ابن يثربي ترك العدوي الزمام ~~بيد رجل من بني عدي ، وبرز ، فخرج إليه ربيعة العقيلي ، فاقتتلا ، فأثخن كل ~~واحد منهما صاحبه ، فماتا جميعا . وقام مقام العدوي الحارث الضبي ، فما رؤي ~~أشد منه ، وجعل يقول : نحن بني ضبة أصحاب الجمل نبارز القرن إذا القرن نزل ~~ننعى ابن عفان بأطراف الأسل الموت أحلى عندنا من العسل ردوا علينا شيخنا ثم ~~بجل وارتجز غير ذلك . فلم يزل الأمر كذلك حتى قتل على خطام الجمل أربعون ~~رجلا ، قالت عائشة : ما زال جملي معتدلا حتى فقدت أصوات بني ضبة . قال : ~~وأخذ الخطام سبعون رجلا من قريش ، كلهم يقتل وهو آخذ بخطام الجمل . وكان ~~محمد بن طلحة ممن أخذ بخطامه ، وقال : يا أماه مريني بأمرك . قالت : آمرك ~~أن تكون كخير ابني آدم إن تركت . فجعل لا يحمل عليه أحد إلا حمل وقال : " ~~حم لا ينصرون " واجتمع عليه نفر كما ادعى قتله ، فأنفذه بعضهم بالرمح ، ففي ~~ذلك يقول : وأشعث قوام بآيات ربه . . . قليل الأذى فيما ترى العين مسلم ~~PageV20P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" هتكت له بالرمح جيب قميصه . . . فخر ms4341 صريعا ~~لليدين وللفم يذكرني حاميم والرمح شاجر . . . فهلا تلا حاميم قبل التقدم ~~على غير شيء غير أن ليس تابعا . . . عليا ، ومن لا يتبع الحق يندم قال : ~~وأخذ الخطام عمرو بن الأشرف ، فجعل لا يدنو منه أحد إلا خبطه بالسيف ، ~~فأقبل إليه الحارث بن زهير وهو يقول : يا أمنا يا خير أم نعلم أما ترين كم ~~شجاع يكلم وتختلى هامته والمعصم فاختلفا ضربتين ، فقتل كل واحد منهما صاحبه ~~. وأحدق أهل النجدات والشجاعة بعائشة ، فكان لا يأخذ الخطام أحد إلا قتل ، ~~وكان لا يأخذه والراية إلا معروف ، فينتسب : " أنا فلان بن فلان " ، فإن ~~كانوا ليقاتلون عليه وإنه للموت لا يوصل إليه إلا بطلبة وما رامه أحد من ~~أصحاب علي إلا قتل أو أفلت ثم لم يعد ، وحمل عدي بن حاتم عليهم ففقئت عينه ~~. وجاء عبد الله بن الزبير ولم يتكلم ، فقالت عائشة : من أنت ؟ قال ابنك ~~وابن أختك . قالت : واثكل أسماء فانتهى إليه الأشتر فضربه الأشتر على رأسه ~~، فجرحه جرحا شديدا ، وضربه عبد الله ضربة خفيفة ، واعتنق كل واحد منهما ~~صاحبه ، وسقطا على الأرض يعتركان ، فقال عبد الله بن الزبير : " اقتلوني ~~ومالكا " فلو يعلمون من " مالك " لقتلوه ، إنما كان يعرف بالأشتر ، فحمل ~~أصحاب علي وعائشة فخلصوهما . PageV20P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" قال : وأخذ الخطام الأسود بن أبي البختري ~~القرشي فقتل ، وأخذه عمرو بن الأشرف الأزدي فقتل ، وقتل معه ثلاثة عشر رجلا ~~من أهل بيته ، وجرح عبد الله بن الزبير سبعا وثلاثين جراحة من كعنة ورمية ~~وضربة ، وجرح مروان بن الحكم . فنادى علي : اعقروا الجمل فإنه إن عقر ~~تفرقوا . فضربه رجل ، فسقط ، فما سمع صوت أشد من عجيجه . وقيل في عقر الجمل ~~: إن القعقاع لقي الأشتر وقد عاد من القتال عند الجمل ، فقال : هل لك في ~~العود ؟ فلم يجبه ، فقال : يا أشتر بعضنا أعلن بقتال بعض منك . وحمل ~~القعقاع ، والزمام مع زفر بن الحارث الكلابي ، وكان آخر من أخذ الخطام ، ~~فلم يبق شيخ من بني عامر إلا أصيب قدام الجمل ، وزحف القعقاع إلى زفر ن ms4342 ~~الحارث ، وقال لبجير بن دلجه - وهو من أصحاب علي - : يا بجير صح بقولك ~~فليعقروا الجمل قبل أن يصابوا أو تصاب أم المؤمنين . فقال بجير : " يا آل ~~ضبة ، يا عمرو بن دلجة ، ادع بي إليك " فدعاه ، فقال : أنا آمن حتى أرجع ~~عنكم ؟ . قالوا : نعم . فاجتث ساق البعير ، فرمى بنفسه على شقه وجرجر ~~البعير ، قال القعقاع لمن يليه : أنتم آمنون واجتمع هو وزفر على قطع بطان ~~الجمل وجملا الهودج فوضعاه ، وإنه كالقنفذ لما فيه من السهام ، ثم أطافا به ~~، وفر من وراء ذلك من الناس . فلما انهزموا أمر علي مناديا فقال : ألا لا ~~تتبعوا مدبرا ، ولا تجهزوا على جريح ولا تدخلوا الدور . وأمر علي نفرا أن ~~يحملون الهودج من بين القتلى ، وأمر أخاها محمد بن أبي بكر أن يضرب عليها ~~قبة ، وقال انظر : هل وصل إليها شيء من جراحة ؟ فأدخل رأسه هودجها ، فقالت ~~: من أنت ؟ فقال : أبغض أهلك إليك . قالت ابن الخثعمية ؟ قال : نعم . ~~PageV20P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" وقيل : لما سقط الجمل أقبل محمد بن أبي بكر ~~وعمار بن ياسر إليه ، فاحتملا الهودج ، فنحياه ، فأدخل محمد يده فيه ، ~~فقالت : من هذا ؟ قال : أخوك البر قالت : عقق قال : يا أخية هل أصابك شيء ؟ ~~قالت : ما أنت وذاك ؟ قال : فمن إذا الضلال ؟ قالت : بل الهداة وقال لها ~~عمار : كيف رأيت بنيك اليوم يا أماه ؟ قالت : لست لك بأم قال : بلى وإن ~~كرهت . قالت : فخرتم أن ظفرتم وأتيتم مثل الذي نقمتم هيهات والله لن يظفر ~~من كان هذا دأبه فأبرزوا هودجها ، فوضعوها ليس قربها أحد . وأتاها علي فقال ~~: كيف أنت يا أمه ؟ قالت : بخير . قال : يغفر الله لك . قالت : ولك . وجاء ~~أعين بن ضبيعة المجاشعي حتى اطلع في الهودج ، فقالت إليك لعنك الله فقال : ~~والله ما أرى إلا حميراء . فقالت هتك الله سترك وقطع يدك وأبدى عورتك فقتل ~~بالبصرة وسلب وقطعت يده ورمي عريانا في خربة من خربات الأزد . ثم أتى وجوه ~~الناس إلى عائشة ، وفيها القعقاع بن عمرو ، فسلم عليها ، فقالت : والله ~~لوددت أنى مت ms4343 قبل هذا اليوم بعشرين سنة وكان علي يقول بعد الفراغ من القتال ~~: إليك أشكو عجري وبجري ومعشرا أعشوا علي بصري قتلت منهم مضري بمضري شفيت ~~نفسي وقتلت معشري قال : ولما كان الليل أدخل محمد بن أبي بكر عائشة البصرة ~~، فأنزلها في دار عبد الله بن خلف الخزاعي - وهي أعظم دار في البصرة - على ~~صفية بنت الحارث بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى ، وهي أم طلحة الطلحات ~~بن عبد الله بن خلف . وتسلل الجرحى من بين القتلى فدخلوا البصرة . ~~PageV20P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" وأقام علي بظاهر البصرة ثلاثا ، وأذن للناس في ~~دفن موتاهم ، فخرجوا إليهم فدفنوهم ، وطاف علي في القتلى ، فلما أتى كعب بن ~~سور قال : " أزعمتم أنما خرج معهم السفهاء وهذا الحبر قد ترون " وجعل كلما ~~مر برجل فيه خير قال : " زعم من زعم أنه لم يخرج إلينا إلا الغوغاء وهذا ~~العابد المجتهد فيهم " وصلى علي على القتلى من بين الفريقين ، وأمر فدفنت ~~الأطراف في قبر عظيم ، وجمع ما كان في العسكر من شيء وبعث به إلى مسجد ~~البصرة ، وقال : من عرف شيئا فليأخذه إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سمة ~~السلطان . قال : وكان جميع القتلى عشرة آلاف ، نصفهم من أصحاب علي ، ونصفهم ~~من أصحاب عائشة ، حكاه أبو جعفر الطبري ، وقال غيره : ثمانية آلاف . وقيل : ~~سبعة عشر ألفا . قال أبو جعفر : وقتل من ضبة ألف رجل ، وقتل من عدي حول ~~الجمل سبعون كلهم قد قرأ القرآن سوى الشباب ومن لم يقرأ . قال : ولما فرغ ~~علي من الواقعة أتاه الأحنف بن قيس في بني سعد ، وكانوا قد اعتزلوا القتال ~~، كما ذكرنا ، فقال له عليك لقد تربصت . فقال : ما كنت أراني إلا قد أحسنت ~~، وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين ، فارفق ، فإن طريقك الذي سلكت بعيد ~~، وأنت إلي غدا أحوج منك أمس ، فاعرف إحساني ، واستصف مودتي لغد ، ولا تقل ~~مثل هذا فإني لم أزل لك ناصحا . ثم دخل علي البصرة يوم الاثنين ، فبايعه ~~أهلها ، حتى الجرحى والمستأمنة ، واستعمل علي عبد ms4344 الله بن عباس على البصرة ~~، وولى زيادا الخراج وبيت المال ، وأمر ابن عباس أن يسمع منه ويطيع وكان ~~زياد معتزلا . ثم راح علي رضي اله عنه إلى عائشة في دار عبد الله بن خلف ~~الخزاعي ، فوجد النساء يبكين على عبد الله وعثمان ابني خلف ، وكان عبد الله ~~قتل مع عائشة ، وعثمان قتل مع علي ، وكانت صفية زوجة عبد الله مختمرة تبكي ~~، فلما رأته قالت له : يا علي ، يا قاتل الأحبة ، يا مفرق الجمع ، أيتم ~~الله منك بنيك كما أيتمت ولد عبد الله منه . فلم يرد عليها شيئا ، ودخل على ~~عائشة فسلم عليها وقعد عندها ، ثم قال : جبهتنا صفية . أما إني لم أرها منذ ~~كانت جارية فلما خرج أعادت عليه القول ، فكف بغلته ، وقال : لقد هممت أن ~~أفتح هذا الباب وأشار إلى باب في الدار وأقتل من فيه وكان فيه ناس من ~~الجرحى فأخبر بمكانهم ، فتغافل عنه . PageV20P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" قال : ولما خرج من عند عائشة قال له رجل من ~~الأزد : والله لا تغلبنا هذه المرأة فغضب وقال : " مه لا تهتكن سترا ، ولا ~~تدخلن دارا ، ولا تهيجن امرأة بأذى ، وإن شتمن أعراضكم ، وسفهن أمراءكم ~~وصلحاءكم ، فإن النساء ضعيفات ، ولقد كنا نؤمر بالكف عنهن وهن مشركات ، ~~فكيف إذا كن مسلمات ؟ " ومضى ، فلحقه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، قام ~~رجلان على الباب فتناولا من هو أمض شتيمة لك من صفية . فقال : ويحك لعلها ~~عائشة قال : نعم ، قال أحدهما : " جزيت عنا أمنا عقوقا " . وقال الآخر : " ~~يا أمتا توبي فقد خطيت " . فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب ، فأقبل على من ~~كان عليه ، فأحالوا على رجلين من أزد الكوفة ، وهما عجلان وسعد ابنا عبد ~~الله فضربهما مائة سوط ، وأخرجهما من ثيابهما . قال : وسألت عائشة رضي الله ~~عنها عمن قتل من الناس معها وعليها ، فكلما نعي واحد من الجميع قالت : رحمه ~~الله فقيل لها كيف ذلك ؟ قالت : كذلك قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فلان في الجنة وفلان في الجنة . ثم جهز علي رضي الله عنه ms4345 عائشة بكل ما ~~ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك ، وبعث معها كل من نجا ممن خرج معها ~~إلا من أحب المقام ، واختار لها أربعين امرأة من نساء البصرة المعروفات ، ~~وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر رضي الله عنهم . فلما كان اليوم الذي ~~ارتحلت فيه أتاها علي فوقف لها ، وحضر الناس ، فخرجت وودعوها وودعتهم وقالت ~~: يا بني ، لا يعتب بعضنا على بعض ، إنه والله ما كان بيني وبين علي في ~~القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها ، وإنه على معتبتي لمن الأخيار . ~~فقال علي رضي الله عنه : صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك ، وإنها ~~لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة . وكان خروجها من البصرة يوم السبت غرة شهر ~~رجب سنة ست وثلاثين ، وشيعها علي أميالا ، وسرح بنيه معها يوما . وتوجهت ~~إلى مكة ، فأقامت إلى الحج ، فحجت ، ثم رجعت إلى المدينة . PageV20P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" قال : ولما فرغ علي من بيعة أهل البصرة نظر في ~~بيت المال ، فرأى فيه ستمائة ألف وزيادة ، فقسمها على من شهد معه ، فأصاب ~~كل رجل منهم خمسمائة درهم ، فقال لهمك إن أظفركم الله بالشام فلكم مثلها ~~إلى أعطياتكم ، فخاض في ذلك السبئية ، وطعنوا على علي من وراء وراء ، ~~وطعنوا فيه أيضا حين نهاهم عن أخذ أموالهم ، فقالوا : يحل لنا دماءهم ويحرم ~~علينا أموالهم قال : وأراد علي رضي الله عنه المقام بالبصرة لإصلاح حالها ، ~~فأعجلته السبئية عن المقام ، فإنهم ارتحلوا بغير إذنه ، فارتحل في آثارهم ، ~~ليقطع عليهم أمرا إن أرادوه . فلنرجع إلى مقتل طلحة والزبير . ذكر مقتل ~~طلحة رضي الله عنه وشيء من أخباره هو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان ~~بن عمرو بن كعب بن مسعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي ~~. وهو أقرب العشرة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، يجتمع نسبه مع نسب ~~أبي بكر في عمرو بن كعب بن سعد . ويجتمع نسبه ونسب رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، في مرة ابن ms4346 كعب . وأم طلحة : الحضرمية ، وهي الصعية بنت عبد ~~الله بن عباد ابن مالك بن ربيعة بن أكبر بن مالك بن عويف بن مالك بن الخزرج ~~ابن إياد بن الصدف من حضرموت من كندة ، يعرف أبوها عبد الله ب " الحضرمي " ~~. ويعرف طلحة ب " طلحة الخير " و " طلحة الفياض " . قيل سمي بالفياض لأنه ~~اشترى مالا بموضع يقال له " بيسان " ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) : " ما أنت إلا فياض " ، فسمي بذلك من يومئذ . PageV20P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" وهو رضي الله عنه أحد العشرة المشهود لهم ~~بالجنة ، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين مات رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وهو عنهم راض . وآخى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بينه وبين ~~كعب بن مالك حين آخى بين المهاجرين والأنصار ، وقسم له سهمه وأجره يوم بدر ~~. وقد تقدم خبره في ذلك . ثم شهد أحدا وما بعدها ، وأبلى يوم أحد بلاء حسنا ~~، ووقى رسول الله عليه الصلاة والسلام بنفسه ، اتقى عنه النبل بيده حتى شلت ~~إصبعه وضرب في رأسه ، وحمل رسول الله عليه الصلاة والسلام على ظهره حتى صعد ~~الصخرة ، فقال عليه السلام لأبي بكر رضي الله عنه : " اليوم أوجب طلحة يا ~~أبا بكر " . ويروى أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نظر إليه فقال : " ~~من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة " . وحكى أبو ~~عمر ابن عبد البر رحمه الله فقال : زعم بعض أهل العلم أن عليا رضي الله عنه ~~دعاه يوم الجمل ، فذكره أشياء من سوابقه وفضله ، فرجع طلحة عن قتاله ، على ~~نحو ما صنع الزبير واعتزل في بعض الصفوف ، فرمى بسهم ، فقطع من رجله عرق ~~النسا ، فلم يزل دمه ينزف حتى مات . ويقال : إن السهم أصاب ثغرة نحره ، وغن ~~الذي رماه مروان بن الحكم وقال : لا أطلب بثأري بعد اليوم . وذلك أن طلحة - ~~فيما زعموا - كان ممن حاصر عثمان واشتد عليه . قال ابن عبد البر : ولا ~~يختلف العلماء في أن مروان بن الحكم قتل طلحة يومئذ ، واستدل ms4347 على ذلك ~~بأخبار رواها من قول مروان تدل على أنه قاتله . قال : وقد روى عن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : والله لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة ~~والزبير ممن قال الله تبارك وتعالى فيهم : ونزعنا ما في صدورهم من غل ~~إخوانا على سرر متقابلين . PageV20P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" وروى أبو عمر بسنده إلى قيس بن أبي حازم قال : ~~رمى مروان طلحة يوم الجمل بسهم في ركبته ، فجعل الدم يسيل ، فإذا أمسكوه ~~استمسك وإذا تركوه سال ، فقال : دعوه فإنما هو سهم أرسله الله . قال فمات ، ~~فدفناه على شاطئ الكلاء ، فرأى بعض أهله أنه أتاه في المنام فقال : " ألا ~~تريحونني من هذا الماء فإني قد غرقت " ثلاث مرار يقولها ، قال : فنبشوه ~~فإذا هو أخضر كأنه السلق فنزحوا عنه الماء ، فاستخرجوه ، فإذا ما يلي الأرض ~~من لحيته ووجهه قد أكلته الأرض ، فاشتروا له دارا من دور آل أبي بكر بعشرة ~~آلاف ، فدفنوه فيها . وروى أيضا بسنده إلى علي بن زيد عن أبيه أن رجلا رأى ~~فيما يرى النائم أن طلحة بن عبيد الله قال : " حولوني عن قبري فقد آذاني ~~الماء ؟ " ثم رآه ، حتى رآه ثلاث ليال ، فأتى ابن عباس فأخبره ، فنظروا ~~فإذا شقة الذي يلي الأرض في الماء فحولوه ، قال : فكأني أنظر إلى الكافور ~~في عينيه لم يتغير إلا عقيصته فإنها مالت عن موضعها . وقتل رضي الله عنه ~~وهو ابن ستين سنة ، وقيل : ابن اثنتين وستين ، وذلك يوم الجمل ، لعشر خلون ~~من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين . وكان رضي الله عنه رجلا آدم ، حسن الوجه ~~، كثير الشعر ، ليس بالجعد القطط ولا بالسبط وكان لا يغير شعره . وسمع علي ~~رجلا ينشد : فتى كان يدنيه الغنى من صديقه . . . إذا ما هو استغنى ، ويبعده ~~الفقر فقال : ذاك أبو محمد طلحة بن عبيد الله . وحكى الزبير أنه سمع سفيان ~~بن عيينة يقول : كانت غلة طلحة بن عبيد الله ألفا وافيا كل يوم ؟ ؟ ؟ قال : ~~والوافي وزنه وزن الدينار ، وعلى ذلك وزن دراهم فارس التي تعرف ms4348 بالبغلة . ~~PageV20P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" ذكر مقتل الزبير بن العوام رضي الله عنه وشيء ~~من أخباره هو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن ~~قصي ، القرشي الأسدي . وأمه صفية بنت عبد المطلب ، عمة رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأحد الستة أصحاب ~~الشورى ، وهو قديم الإسلام ، واختلف في سنه يوم أسلم ، فقيل خمس عشرة سنة ، ~~وقيل ست عشرة ، وقيل اثنتي عشرة وقيل : ثماني سنين . والأول أصح . وآخى ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بينه وبين عبد الله بن مسعود حين آخى بين ~~المهاجرين ، ولما آخى بين المهاجرين والأنصار آخى بينه وبين سلمة بن سلامة ~~بن وقش وكان رضي الله عنه من الولد - فيما حكاه بعضهم - عشرة ، وهم : عبد ~~الله وعروة ومصعب والمنذر وعمرو وعبيدة وجعفر وعامر وعمير وحمزة . وكان ~~الزبير رضي الله عنه أول من سل سيفا في سبيل الله ، وذلك أنه نفخت فيه نفخة ~~من الشيطان : " أخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام " ، فأقبل يشق الناس ~~بسيفه ، والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) بأعلى مكة ، فقال له رسول الله : ~~مالك يا زبير ؟ قال : أخبرت أنك أخذت ؟ ؟ فصلى عليه ودعا له . وروي عن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " الزبير ابن عمي وحواريي من أمتي " ~~. وقال : " لكل نبي حواري ، وحواريي الزبير " . وسمع ابن عمر رضي الله عنه ~~رجلا يقول : " أنا ابن الحواري " ، فقال إن كنت ابن الزبير وإلا فلا . وذكر ~~في معنى " الحواري " : الخالص ، وقيل الخليل ، ولذلك قال جرير : أفبعد ~~مقتلهم خليل محمد . . . ترجو القيون مع الرسول سبيلا PageV20P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" وقيل : الحواري : الناصر . وقيل : الصاحب ~~المستخلص . وجمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أبويه للزبير مرتين : ~~يوم أحد ويوم بني قريظة ، فقال : " ارم فداك أبي وأمي " . قال أبو عمر ابن ~~عبد البر : وكان الزبير تاجرا مجدودا في التجارة ، قيل له يوما : بم أدركت ~~في التجارة ما أدركت ؟ فقال : لأني لم أشتر غبنا ولم أردد ربحا والله يبارك ~~لمن ms4349 يشاء . وروي عن كعب قال : كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فما ~~يدخل بيته منه درهما واحدا . يعني أنه كان يتصدق بذلك . وكان سبب قتله رضي ~~الله عنه أ ، ه لما انصرف من وقعة الجمل وفارق الحرب مر بالأحنف فقال : هذا ~~الذي جمع بين المسلمين حتى ضرب بعضهم بعضا ثم لحق ببيته ثم قال للناس : من ~~يأتيني بخبره ؟ فقال عمرو بن جرموز : أنا . وقيل : إن الزبير لما انصرف نزل ~~بعمرو بن جرموز ، فقال له : " يا أبا عبد الله ، جنيت حربا ظالما أو مظلوما ~~ثم تنصرف أتائب أم عاجز ؟ " فسكت عنه الزبير ، ثم عاوده ، فقال : ظن في كل ~~شيء غير الجبن . فانصرف عنه ابن جرموز وهو يقول : " والهفى على ابن صفية ~~أضرمها نارا ثم أراد أن يلحق بأهله قتلني الله إن لم أقتله " ثم رجع إليه ~~كالمتنصح ، فقال : " يا أبا عبد الله دون أهلك فياف ، فخذ نجيبي هذا وخل ~~فرسك ودرعك ، فإنهما شاهدان عليك بما نكره " . وأراد بذلك أن يلقاه حاسرا ، ~~ولم يزل به حتى تركهما عنده وأخذ نجيبه ، وسار معه ابن جرموز كالمشيع له ، ~~حتى انتهيا إلى وادي السباع ، فاستغفله ابن جرموز وطعنه . وقيل : إنه اتبعه ~~إلى الوادي فقتله وهو في الصلاة . وقيل : بل قتله وهو نائم . PageV20P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" وفي ذلك تقول عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ~~العدوية زوجته ترثيه : غدر ابن جرموز بفارس بهمة . . . يوم اللقاء وكان غير ~~معرد يا عمرو لو نبهته لوجدته . . . لا طائشا رعش الجنان ولا اليد كم غمرة ~~قد خاضها لم يثنه . . . عنه طرادك يا ابن فقع القردد ثكلتك أمك إن ظفرت ~~بمثله . . . فيما مضى ممن يروح ويغتدي والله ربك إن قتلت لمسلما . . . حلت ~~عليك عقوبة المتعمد قال : فلما رجع برأسه وسلبه قال له رجل من قومه : " ~~فضحت والله اليمن أولها وآخرها بقتلك الزبير رأس المهاجرين وفارس رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) وحواريه وابن عمته والله لو قتلته في حرب لعز ذلك ~~علينا ولمسنا عارك فكيف في جوارك وحرمك ؟ " قال ms4350 : وأتى ابن جرموز عليا ، ~~فقال لحاجبه : استأذن لقاتل الزبير . فقال علي رضي الله عنه ائذن له وبشره ~~بالنار ، قد سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : بشر قاتل ابن ~~صفية بالنار فقال ابن جرموز : أتيت عليا برأس الزبي . . . ر أرجو لديه به ~~الزلفه فبشر بالنار إذ جئته . . . فبئس بشارة ذي التحفه وسيان عندي قتل ~~الزبير . . . وضرطة عير بذي الجحفه وحكى أبو عمر ابن عبد البر في كتابه ~~المترجم ب " الاستيعاب " من رواية عمرو بن جاوان عن الأحنف بن قيس قال : ~~لما بلغ الزبير سفوان موضعا بالبصرة PageV20P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" كمكان القادسية من الكوفة لقيه النعر رجل من ~~بني مجاشع فقال : " أين تذهب يا حواري رسول الله ؟ إلي ، فأنت في ذمتي لا ~~يوصل إليك " ، فأقبل معه ، وأتى إنسان الأحنف فقال : هذا الزبير قد لقي ~~بسفوان ، فقال الأحنف : " ما شاء الله كان ، قد جمع بين المسلمين حتى ضرب ~~بعضهم حواجب بعض بالسيوف ، ثم يلحق ببيته وأهله " فسمعه عميرة بن جرموز ~~وفضالة بن حابس ونفيع في غواة من غواة بني تميم ، فركبوا في طلبه ، فلقوه ~~مع النعر ، فأتاه عميرة بن جرموز من خلفه وهو على فرس له ضعيفة فطعنه طعنة ~~خفيفة ، وحمل عليه الزبير على فرس له يقال له " ذو الخمار " ، حتى إذا ظن ~~أنه قاتله نادى صاحبيه : " يا نفيع يا فضالة " فحملوا عليه حتى قتلوه . . . ~~قال : وهذا أصح مما تقدم . وكان مقتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى ~~الآخرة سنة ست وثلاثين . وكانت سنه يوم قتل سبعا وستين سنة ، وقيل ستا ~~وستين . وكان الزبير رضي الله أسمر ربعة معتدل اللحم خفيف اللحية . وقال ~~حسان بن ثابت يمدح الزبير ويفضله : أقام على عهد النبي وهديه . . . حواريه ~~والقول بالفعل يعدل أقام على منهاجه وطريقه . . . يوالي ولي الحق والحق ~~أعدل هو الفارس المشهور والبطل الذي . . . يصول إذا ما كان يوم محجل وإن ~~امرأ كانت صفية أمه . . . ومن أسد في بيته لمرفل له من رسول الله قربى ~~قريبة . . . ومن نصرة الإسلام مجد مؤثل فكم كرة ms4351 ذب الزبير بسيفه . . . عن ~~المصطفى والله يعطي ويجذل إذا كشفت عن ساقها الحرب حشها . . . بأبيض سباق ~~إلى الموت يرقل فما مثله فيهم ولا كان قبله . . . وليس يكون الدهر ما دام ~~يذبل PageV20P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" وروي عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ~~أنه قال : لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني ، فقمت إلى جنبه ، فقال : " يا ~~بني ، إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم ، وإني لا أراني إلا سأقتل ~~اليوم مظلوما ، وإن من أكبر همي لديني ، أفترى ديننا يبقي من مالنا شيئا ؟ ~~وقال : يا بني بع مالنا واقض ديني . وأوصى بالثلث وثلثه لبنيه يعني بني عبد ~~الله بن الزبير يقول : الثلث إليك فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين ~~فثلثه لولدك . قال هشام وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير : ~~خبيب وعباد ، وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات . قال عبد الله فجعل يوصيني ~~بدينه ويقول : يا بني إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه مولاي . قال : فوالله ~~ما دريت ما أراد ، حتى قلت : يا أبت من مولاك ؟ قال : الله تعالى . فوالله ~~ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت : " يا مولى الزبير اقض عنه دينه " فيقضيه ~~. فقتل الزبير رضي الله عنه ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين منها ~~الغابة وإحدى عشرة دارا بالمدينة ودارين بالبصرة ودارا بالكوفة ودارا بمصر ~~. قال : وإنما كان دينه الذي عليه أ ، الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه ~~إياه ، فيقول الزبير رضي الله عنه لا ، ولكنه سلف ، فإني أخشى عليه الضيعة ~~. وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج ولا شيئا إلا أن يكون في غزوة مع النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) أو مع أبي بكر أو عمر أو عثمان رضي الله عنهم . قال ~~عبد الله بن الزبير : فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف . ~~قال : فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال : يا ابن أخي كم على أخي ~~من الدين ؟ فكتمه وقال : مائة ألف . فقال حكيم ms4352 : والله ما أرى أموالكم تسه ~~لهذه . فقال له عبد الله : أفرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف ؟ قال : ما ~~أراكم تطيقون هذا فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي . قال : وكان الزبير ~~رضي الله عنه اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف ، فباعها عبد الله بألف ألف ~~وستمائة ألف ، ثم قام فقال : من كان له على الزبير حق فليوافنا بالغابة . ~~فأتاه عبد الله بن جعفر ، وكان له على الزبير أربعمائة ألف ، فقال لعبد ~~الله : إن شئتم تركتها لكم . قال عبد الله : لا . قال : فإن شئتم جعلتموها ~~فيما تؤخرون إن أخرتم . PageV20P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" فقال عبد الله : لاز قال : فاقطعوا لي قطعة . ~~فقال عبد الله لك من ههنا إلى ههنا . فباع منها فقضى دينه فأوفاه ، وبقي ~~منها أربعة أسهم ونصف ، فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن ~~الزبير وابن زمعة ، فقال له معاوية : كم قومت الغابة ؟ قال : كل سهم بمائة ~~ألف . قال : كم بقي قال : أربة أسهم ونصف . فقال المنذر بن الزبير : قد ~~أخذت سهما بمائة ألف . وقال ابن زمعة : قد أخذت سهما بمائة ألف . فقال ~~معاوية : كم بقي فقال : سهم ونصف . قال : أخذته بخمسين ومائة ألف . قال ~~وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف قال : فلما فرغ ابن ~~الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير : اقسم بيننا ميراثنا . قال : لا والله ~~لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين : " ألا من كان له على الزبير ~~دين فليأتنا فلنقضه " . قال : فجعلى كل سنة ينادي بالموسم ، فلما مضى أربع ~~سنين قسم بينهم . قال : وكان للزبير أربع نسوة ، ورفع الثلث ، فأصاب كل ~~امرأة ألف ألف ومائتا ألف ، فجميع ماله خمسون ألف ومائتا ألف . هكذا أورده ~~البخاري رحمه الله في صحيحه ، وعقد جملة المال في آخره على ما ذكرنا . ~~والذي دل عليه الحساب أن جملة المال تسعة وخمسون ألف ألف وثمانمائة ألف ، ~~وذلك أن نصيب الزوجات الأربع وهو الثمن بعد وفاء الدين ورفع الثلث الذي ~~أوصى به لبني عبد الله اشتمل ms4353 على أربعة آلاف ألف وثمانمائة ألف ، يضرب في ~~ثمانية فتكون ثمانية وثلاثين ألف ألف وأربعمائة ألف ، ويكون ثلث الوصية وهو ~~نصف هذه الجملة تسعة عشر ألف ألف ومائتي ألف ، والدين ألفي ألف ومائتي ألف ~~، فتخرج الجملة على ما ذكرناه . ذكر وقعة صفين وابتداء أمرها كانت وقعة ~~صفين في أواخر سنة ست وثلاثين وأوائل سنة سبع وثلاثين . PageV20P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" وذلك أنه لما فرغ على رضي الله عنه من حرب ~~الجمل أقام بالبصرة ، ثم انتقل إلى الكوفة ، وأرسل إلى جرير بن عبد الله ~~البجلي - وكان عثمان قد استعمله على همذان - وإلى الأشعث بن قيس - وكان على ~~أذربيجان - فأمرهما بأخذ البيعة والحضور إليه ، ففعلا ذلك . وأراد علي أن ~~يرسل إلى معاوية رسولا ، فقال جرير : أرسلني إليه فقال الأشتر لعليك لا ~~تفعل فإن هواه مع معاوية فقال علي دعه حتى ننظر ما يرجع به . فبعثه ، وكتب ~~معه إلى معاوية يعلهم باجتماع المهاجرين والأنصار عليه ، وما كان من نكث ~~طلحة والزبير وحرب الجمل ، ودعاه إلى البيعة والدخول فيما دخل فيه ~~المهاجرون والأنصار . فلما قدم جرير على معاوية ماطله بالجواب ، واستشار ~~عمرو بن العاص ، وكان قد قدم عليه وانضم إليه ، على ما نذكر ذلك إن شاء ~~الله في أخبار معاوية ، فأشار عمرو عليه أن يجمعه أهل الشام ويلزم عليا دم ~~عثمان ، ففعل ، فأجمع أهل الشام على حرب علي . فعاد جرير إلى علي وأعلمه ~~ذلك ، وأن أهل الشام يبكون على عثمان ويقولون : إن عليا قتله ، وآوى قتلته ~~، وإنهم لا ينتهون عنه حتى يقتلهم أو يقتلوه . فقال الأشتر لعلي : كنت ~~نهيتك عن إرسال جرير ، وأخبرتك بعداوته وغشه ، فأبيت إلا إرساله . ثم تقاول ~~الأشتر وجرير مقاولة أدت إلى مفارقة جرير لعلي ولحاقه بمعاوية . قال : وخرج ~~علي رضي الله عنه ، فعسكر بالنخيلة ، وتخلف عنه نفر من أهل الكوفة ، منهم ~~ميسرة الهمداني ومسعود أخذا أعطياتهما وقصدا قزوين . وقدم عليه عب الله بن ~~عباس في أهل البصرة . وبلغ ذلك معاوية ، فاستشار عمرو بن العاص ، فقال له : ~~" أما إذا سار علي بنفسه ms4354 في الناس فسر بنفسك ، ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك . ~~" فتجهز معاوية بأهل الشام ، وقد حرضهم عمرو وضعف عليا وأصحابه ، وقال : " ~~إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم ووهنوا شوكتهم ، وفلوا حدهم ، زأهل البصرة ~~مخالفون لعلي بمن قتل منهم ، PageV20P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم ~~الجمل ، وإنما سار على في شرذمة قليلة ، وقد قتل خليفتكم ، فالله الله في ~~حقكم أن تضيعوه ، وفي دمكم أن تطلوه " وكتب معاوية في أجناد أهل الشام ، ~~وعقد لواء لعمرو ، ولواء لابنيه : عبد الله ومحمد ، ولواء لغلامه وردان . ~~وسار معاوية وتأنى في مسيره . قال : وبعث على رضي الله عنه زياد بن النضر ~~الحارثي في ثمانية آلاف ، وبعث شريح بن هانئ في أربعة آلاف ، وسار علي من ~~النخيلة ، وأخذ معه من بالمدائن من المقاتلة ، وولى على المدائن سعد بن ~~مسعود عم المختار بن أبي عبيد الثقفي ، ووجه من المدائن معقل ابن قيس في ~~ثلاثة آلاف ، وأمره أن يأخذ على الموصل حتى يوافيه على الرقة . فلما وصل ~~علي الرقة قال لأهلها ليعملوا جسرا يعبر عليه إلى أهل الشام ، فأبوا ، ~~وكانوا قد ضموا سفنهم إليهم ، فنهض من عندهم ليعبر على جسر منبج ، وخلف ~~عليهم الأشتر ، فناداهم الأشتر : " أقسم بالله لئن لم تعملوا جسرا لأمير ~~المؤمنين يعبر عليه لأجردن فيكم السيف ، ولأقتلن الرجال ولآخذن الأموال " ~~فلقي بعضهم بعضا وقالوا : " إنه الأشتر ، وإنه قمن أن يفي لكم بما حلف عليه ~~أو يأتي بأكثر منه " فنصبوا جسرا فعبر عليه علي وأصحابه . قال : ولما بلغ ~~علي الفرات دعا زياد ابن النضر وشريح بن هانئ فيمن معهما فسرحهما أمامه نحو ~~معاوية على حالهما التي خرجا عليها من الكوفة ، وكان سبب PageV20P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" عودهما أنهما أخذا من الكوفة على شاطئ الفرات ~~مما يلي البر ، فلنا بلغا " عانات " بلغهما أن معاوية قد أقبل في جنود ~~الشام ، فقالا : " والله ما هذا لنا برأي ، أن نسير وبيننا وبين المسلمين ~~وأمير المؤمنين هذا البحر ، وما لنا خير أن نلقى جنود الشام بقلة من معنا " ~~فذهبوا ليعبروا ms4355 من عانات ، فمنعهم أهلها ، فرجعوا حتى عبروا من هيت ، ~~فلحقوا عليا دون قرقيسيا ، فقال علي : مقدمتي تأتيني من ورائي فأخبره شريح ~~وزياد بما كان ، فقال : سددتما . فلما عبر الفرات سيرهما أمامه . فلما ~~انتهيا إلى سور الروم ليقيهما أبو الأعور السلمي في جند من أهل الشام ، ~~فأرسلا إلى علي فأعلماه . فأرسل علي إلى الأشتر ، وأمره بالسرعة ، وقال : " ~~إذا قدمت فأنت عليهم ، وإياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدؤوك ، حتى ~~تلقاهم فتدعوهم ، وتسمع منهم ، ولا يحملك بغضهم على قتالهم قبل دعائهم ~~والإعذار إليهم مرة بعد مرة ، واجعل على ميمنتك زيادا ، وعلى ميسرتك شريحا ~~، ولا تدن منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب ، ولا تباعد تباعد من يهاب البأس ~~، حتى أقدم عليك ، فإني حثيث السير في أثرك إن شاء الله تعالى " . وكتب إلى ~~شريح وزياد بذلك ، وأمرهما بطاعة الأشتر . . فسار الأشتر حتى قدم عليهم ، ~~وكف عن القتال ، ولم يزالوا متوقفين حتى إذا كان المساء حمل عليهم أبو ~~الأعور ، فثبتوا له واضطربوا ساعة ، ثم انصرف أهل الشام ، وخرج إليهم من ~~الغد هاشم بن عتبة المرقال ، وخرج إليه أبو الأعور ، فاقتتلوا يومهم ، وصبر ~~بعضهم لبعض ، ثم انصرفوا ، محمل عليهم الأشتر ، وقال أروني أبا الأعور ~~فتراجعوا ، ووقف أبو الأعور وراء المكان الذي كان فيه أول مرة ، ~~PageV20P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" وجاء الأشتر فصف أصحابه مكان أصحاب أبي الأعور ~~بالأمس ، وقال الأشتر لسنان بن مالك النخعي : انطلق إلى أبي الأعور فادعه ~~إلى البراز . فقال : إلى مبارزتي أو مبارزتك ؟ فقال : للأشتر لو أمرتك ~~بمبارزته لفعلت . قال : " نعم والله لو أمرتني أن أعترض صفهم بسيفي لفعلت . ~~فدعا له ، وقال : إنما تدعو لمبارزتي . فخرج إليهم فقال : أمنوني فإني رسول ~~. فأمنوه ، فانتهى إلى أبي الأعور فقال له : إن الأشتر يدعوك إلى أن تبارزه ~~. فسكت طويلا ثم قال : إن خفة الأشتر وسوء رأيه حملاه على إجلاء عمال عثمان ~~عن العراق وتقبيح محاسنه ، وعلى أن سار إليه في داره حتى قتله وأصبح متعبا ~~بدمه ، لا حاجة لي في مبارزته . فقال له سنان : قد ms4356 قلت فاستمع مني أجبك . ~~قال : لا حاجة لي في جوابك ، اذهب عني . فصاح به أصحابه ، فانصرف عنه ، ~~ورجع إلى الأشتر فأخبره ، فقال : لنفسه نظر . فوقفوا حتى حجز الليل بينهم ~~وعاد ، الشاميون من الليل . وأصبح علي رضي الله عنه غدوة عند الأشتر ، ~~وتقدم الأشتر ومن معه فانتهى إلى معاوية ، فوافقه ، ولحق به معلي ، ~~فتواقفوا طويلا . ثم إن عليا طلب لعسكره موضعا ينزل فيه ، فكان معاوية قد ~~سبق فنزل منزلا اختاره بسيطا واسعا أفيح ، أخذ شريعة الفرات ، وليس في ذلك ~~الموضع شريعة غيرها ، وجعل معاوية على الشريعة أبا الأعور . فأتى الناس ~~عليا ، فأخبروه بفعلهم ، وتعطش الناس ، فدعا صعصعة بن صوحان ، فأرسله إلى ~~معاوية يقول : " إنا سرنا مسيرنا هذا ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم ، ~~فقدمت إلينا خيلك ورجالك فقاتلنا قبل أن نقاتلك ، وبدأتنا بالقتال ونحن ما ~~رأينا الكف حتى ندعوك ونحتج عليك ، وهذه أخرى قد فعلتموها ، منعتم الناس من ~~الماء ، والناس غير منتهين أو يشربوا ، فابعث إلى أصحابك فليخلوا بين الناس ~~وبين الماء ، وليكفوا لننظر فيما بيننا وبينكم وفيما قدمنا له ، فإن أردت ~~أن نترك ما جئنا له ونقتتل على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا " . ~~فجاء صعصعة إلى معاوية وقص عليه الرسالة ، فاستشار معاوية أصحابه وقال : ما ~~ترون ؟ فقال الوليد بن PageV20P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" عقبة وعبد الله بن سعد : امنعهم الماء كما ~~منعوه ابن عفان ، اقتلهم عطشا قتلهم الله فقال عمرو بن العاص : " خل بين ~~القوم وبين الماء فإنهم لن يعطشوا وأنت ريان ، ولكن بغير الماء فانظر فيما ~~بينك وبينهم " . فأعاد الوليد وابن سعد مقالتهما ، قالا : " امنعهم الماء ~~إلى الليل ، فإن هم لم يقدروا عليه رجعوا ، وكان رجوعهم هزيمة ، امنعهم ~~الماء منعهم الله يوم القيامة قال صعصعة : إنما يمنعه الله الفجرة وشربة ~~الخمر ، لعنك الله ولعن هذا الفاسق يعني الوليد ابن عقبة . فشتموه وتهددوه ~~. وقد قيل : إن الوليد وابن أبي سرح لم يشهدا صفين . ورجع صعصعة فأخبر بما ~~كان . . . وسير معاوية الخيل إلى أبي الأعور ليمنعهم الماء . فلما سمع علي ms4357 ~~ذلك قال لأصحابه : قاتلوهم على الماء . فقال الأشعث بن قيس الكندي : أ ، ا ~~أسير إليهم . فسار إليهم ، فلما دنوا منهم ثاروا إلى وجوههم يرمونهم بالنبل ~~، فتراموا ساعة ، ثم تطاعنوا بالرماح ، ثم صاروا إلى السيوف فاقتتلوا بها ~~ساعة . وأرسل معاوية يزيد بن أسد البجلي القسري جد خالد بن عبد الله في ~~الخيل إلى أبي الأعور ، فاقتتلوا . . وأرسل علي شبث بن ربعي الرياحي ، ~~فازداد القتال . PageV20P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" فأرسل معاوية عمرو بن العاص في جند كثير ، ~~فأخذ يمد أبا الأعور ويزيد بن أسد . . وأرسل علي الأشتر في جمع عظيم وجعل ~~يمد الأشعث وشبثا . . فاشتد القتال حتى خلوا بينهم وبين الماء ، وصار في ~~أيدي أصحاب علي ، فقالوا : والله لا نسقيه أهل الشام ، فأرسل علي إلى ~~أصحابه أن خذوا من الماء حاجتكم ، وخلوا عنهم ، فإن الله تعالى نصركم عليهم ~~ببغيهم وظلمهم . ومكث علي رضي الله عنه يومين لا يرسل إليهم أحدا ولا يأتيه ~~منهم أحد . ذكر إرسال علي إلى معاوية وجوابه قال : ثم دعا علي رضي الله عنه ~~أبا عمرة بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري وسعيد بن قيس الهمذاني وشبث بن ~~ربعي التميمي ، فقال لهم : ائتوا هذا الرجل وادعوه إلى الله تعالى وإلى ~~الطاعة والجماعة . فقال له شبث يا أمير المؤمنين ألا نطمعه في سلطان توليه ~~إياه ومنزلة يكون له بها عندك أثرة إن هو بايعك ؟ قال انطلقوا إليه واحتجوا ~~عليه وانظروا ما رأيه . وكان ذلك أول ذي الحجة من سنة ست وثلاثين . فأتوه ~~فدخلوا عليه ، فابتدأ بشير بن عمرو الأنصاري فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال ~~: " يا معاوية إن الدنيا عنك زائلة ، وإنك راجع إلى الآخرة ، وإن الله ~~محاسبك بعملك ومجازيك عليه ، وإني أنشدك الله أن لا تفرق جماعة هذه الأمة ~~وأن لا تسفك دماءها بينها " . فقطع عليه معاوية الكلام وقال : هلا أوصيت ~~بذلك صاحبك ؟ فقال : " صاحبي ليس مثلك ، إن صاحبي أحق البرية كلها بهذا ~~الأمر في الفضل والدين والسابقة في الإسلام والقرابة بالرسول ( صلى الله ~~عليه وسلم ) " قال : فماذا تقول ؟ قال ms4358 نأمرك بتقوى الله وإجابة ابن عمك إلى ~~ما يدعو إليه من الحق فإنه أسلم لك في دنياك وخير لك في عاقبة أمرك . قال ~~معاوية : " ونترك دم عثمان لا والله لا أفعل ذلك أبدا " PageV20P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" قال : فذهب سعيد بن قيس يتكلم ، فبادره شبث بن ~~ربعي ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " يا معاوية ، قد فهمت ما رددت على ~~ابن محصن ، وإنه والله لا يخفى علينا ما تطلب ، إنك لم تجد شيئا تستغوي به ~~الناس ، وتستميل به أهواءهم ، وتستخلص به طاعتهم ، إلا قولك : قتل إمامكم ~~مظلوما فنحن نطلب بدمه ، فاستجاب لك سفهاء طغام ، وقد علمنا أنك أبطأت عليه ~~بالنصر ، وأحببت له القتل ، لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب ، ورب متمني أمر ~~وطالبه يحول الله دونه ، وربما أوتي المتمني أمنيته وفوق أمنيته ، ووالله ~~مالك في واحدة منها خير ، والله إن أخطأك ما ترجو إنك لشر العرب حالا ، وإن ~~أصبت ما تتمناه لا تصيبه حتى تستحق من ربك صلي النار ، فاتق الله يا معاوية ~~، ودع ما أنت عليه ، ولا تنازع الأمر أهله " . قال : محمد الله معاوية ، ثم ~~قال : " أما بعد ، فإن أول ما عرفت به سفهك وخفة حلمك أ ، ك قطعت على هذا ~~الحسيب الشريف سيد قوم منطقه ، ثم اعترضت بعد فيما لا علم لك به ، فقد كذبت ~~ولؤمت أيها الأعرابي الجلف الجافي في كل ما ذكرت ووصفت . انصرفوا من عندي ~~فليس بيني وبينكم إلا السيف " وغضب ، وخرج القوم ، فقال له شبث " أتهول ~~بالسيف ؟ أقسم بالله لنعجلنها إليك " . فأتوا عليا رضي الله عنه فأخبروه ~~بذلك . فكان علي يأمر الرجل ذا الشرف فيخرج ومعه جماعة من أصحابه ، ويخرج ~~إليه آخر من أصحاب معاوية ومعه جماعة ، فيقتتلان في خيلهما ، ثم ينصرفان . ~~وكرهوا أن يلقوا جمع أهل العراق بجمع أهل الشام خشية الاستئصال والهلاك . ~~فكان علي يخرج مرة الأشتر ، ومرة حجر بن عدي الكندي ، ومرة شبث بن ربعي ، ~~ومرة خالد بن المعمر ، ومرة زياد بن النضر الحارثي ، ومرة زياد بن خصفة ~~PageV20P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" التيمي ، ومرة ms4359 سعيد بن قيس الهمداني ، ومرة ~~معقل بن قيس الرياحي ، ومرة قيس بن سعيد الأنصاري . وكان الأشتر أكثر خروجا ~~. وكان معاوية يخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وأبا الأعور ~~السلمي ، وحبيب بن مسلمة الفهري ، وابن ذي الكلاع الحميري ، وعبيد الله بن ~~عمر بن الخطاب ، وشرحبيل بن السمط الكندي ، وحمزة بن مالك الهمداني . ~~فاقتتلوا أيام ذي الحجة كلها ، وربما اقتتلوا في اليوم الواحد مرتين . ذكر ~~الموادعة بين علي ومعاوية في شهر المحرم وما كان بينهما من المراسلة ~~والأجوبة في الشهر قال : وفي شهر محرم سنة سبع وثلاثين جرت موادعة بين علي ~~رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان ، توادعا على ترك الحرب بينهما حتى ~~ينقضي الشهر ، طمعا في الصلح . . واختلفت فيه بينهما الرسائل . فبعث علي ~~رضي الله عنه عدي بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وشبث بن ربعي وزياد بن خصفة ~~. فتكلم عدي بن حاتم ، فحمد الله ، فقال : " أما بعد ، فقد جئناك ندعوك إلى ~~أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا ، ويحقن به الدماء ، ويصلح به ذات البين ، ~~إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة ، وأحسنها في الإسلام أثرا ، وقد ~~استجمع له الناس ، ولم يبق أحد غيرك وغير من معك ، فاحذر يا معاوية لا ~~يصيبك وأصحابك مثل يوم الجمل " . فقال له معاوية : " كأنك جئت مهددا لم تأت ~~مصلحا ، هيهات يا عدي ، كلا والله إني لابن حرب ، ما يقعقع لي بالشنان وإنك ~~والله لمن المجلبين على عثمان ، وإنك من قتلته ، وإني لأرجو أن تكون ممن ~~يقتله الله به " . PageV20P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" فقال شبث وزياد بن خفصة جوابا واحدا : أتيناك ~~فيما يصلحنا وإياك ، فأقبلت تضرب لنا الأمثال ، دع ما لا ينفع ، وأجبنا ~~فيما يعم نفعه . وقال يزيد بن قيس : إنا لم نأت إلا لنبلغك ما أرسلنا به ~~إليك ونؤدي عنك ما سمعنا منك ، ولم ندع أن ننصح لك ، وأن نذكر ما تكون به ~~الحجة عليك ، ويرجع إلى الألفة والجماعة ، إن صاحبنا من قد عرف المسلمون ~~فضيله ، ولا يخفى عليك ، فاتق الله يا معاوية ms4360 ولا تخالفه ، فإنا والله ما ~~رأينا في الناس رجلا قط أعمل بالتقوى ولا أزهد في الدنيا ولا أجمع لخصال ~~الخير كلها منه " . فحمد الله معاوية ، ثم قال : أما بعد ، فإنكم دعوتم إلى ~~الطاعة والجماعة ، فأما الجماعة التي دعوتم إليها فنعما هي ، وأما الطاعة ~~لصاحبكم فإنا لا نراها ، لأن صاحبكم قتل خليفتنا ، وفرق جماعتنا ، وآوى ~~ثأرنا ، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله ، فنحن لا نرد عليه ذلك ، فليدفع إلينا ~~قتلة صاحبنا لنقتلهم ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة . فقال شبث بن ربعي : ~~يا معاوية أيسرك أن تقتل عمارا ؟ قال " وما يمنعني من ذلك ؟ والله لو تمكنت ~~من ابن سمية لقتلته بمولى عثمان " فقال شبث : " والذي لا إله غيره لا تصل ~~إلى ذلك حتى تندر الهام عن الكواهل وتضيق الأرض الفضاء عليك " فقال معاوية ~~: " لو كان كذلك لكانت عليك أضيق " . وتفرق القوم . وبعث معاوية إلى زياد ~~بن خفصة ، فخلا به ، وقال له : " يا أخا ربيعة ، إن عليا قطع أرحامنا ، ~~وقتل إمامنا ، وآوى قتلة صاحبنا ، وإني أسألك النصر عليه بعشيرتك ، ثم لك ~~عهد الله وميثاقه أن أوليك إذا ظهرت أي المصرين أحببت " . فقال زياد : " ~~أما بعد ، فإني على بينة من ربي ، وربما أنعم الله علي فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين " وقام فقال معاوية لعمرو بن العاص : ليس نكلم رجلا منهم فيجيب ~~إلى خير ، ما قلوبهم إلا كقلب واحد . وبعث معاوية إلى علي حبيب بن مسلمة ~~الفهري وشرحبيل بن السمط PageV20P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" ومعن بن يزيد بن الأخنس ، فدخلوا عليه ، فحمد ~~الله حبيب وأثنى عليه ، ثم قال : " أما بعد فإن عثمان كان خليفة مهديا ، ~~يعمل بكتاب الله وينيب إلى أمره ، فاستثقلتم حياته ، واستبطأتم وفاته ، ~~فعدوتم عليه فقتلتموه ، فادفع إلينا قتلة عثمان إن زعمت أنك لم تقتله ، ثم ~~اعتزل أمر الناس ، فيكون أمرهم شورى بينهم ، يولونه من أجمعوا عليه " . ~~فقال له علي رضي الله عنه : " ما أنت - لا أم لك - والعزل وهذا الأمر ؟ ~~اسكت لست هنالك ولا بأهل له " . فقال ؛ : والله لتريني بحيث تكره فقال علي ~~: " وما أنت ms4361 ؟ لا أبقى الله عليك إن أبقيت علينا ، اذهب فصوب وصعد ما بدا ~~لك " وقال شرحبيل ؛ " ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي ، فهل عندك جواب غير هذا ~~" فقال علي نعم ، عندي جواب غيره : ثم حمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد ~~، فإن الله تعالى بعث محمدا بالحق ، فأنقذ به من الضلالة والهلكة ، وجمع به ~~من الفرقة ، ثم قبضه الله إليه ، فاستخلف الناس أبا بكر ، ثم استخلف أبو ~~بكر عمر ، فأحسنا السيرة ، وعدلا في الأمة ، وقد وجدنا عليهما أن توليا ~~الأمور دوننا ونحن آل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فغفرنا لهما ذلك ~~، وولى الناس عثمان ، فعمل بأشياء عابها الناس ، فساروا إليه فقتلوه ، ثم ~~أتاني الناس وأنا معتزل أمورهم ، فقالوا لي : بايع . فأبيت ، فقالوا : بايع ~~فإن الأمة لا ترضى إلا بك ، وإنا نخاف إن لم تفعل أن يتفرق الناس . ~~فبايعتهم ، فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني وخلاف معاوية الذي لم يجعل ~~الله عز وجل له سابقة في الدين ، ولا سلف صدق في الإسلام ، طليق ابن طليق ، ~~وحزب من الأحزاب ، لم يزل حربا لله ورسوله هو وأبوه حتى خلا في الإسلام ~~كارهين ، ولا عجب إلا من خلافكم معه ، وانقيادكم له ، وتتركون آل بيت نبيكم ~~الذي لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم ، ألا إني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة ~~نبيه ، وإماتة الباطل وإحياء الحق ومعالم الدين ، أقول قولي هذا وأستغفر ~~الله لي ولكم وللمؤمنين " . فقالا : تشهد أن عثمان قتل مظلوما . قال : لا ~~أقول " إنه قتل ظالما أو مظلوما " . قالا : من لم يزعم أنه قتل مظلوما فنحن ~~منه براء . واصرفا فقال علي رضي الله عنه : PageV20P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" " إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء ~~إذا ولوا مدبرين ، وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ، إن تسمع إلا من يؤمن ~~بآياتنا فهم مسلمون " . ثم قال لأصحابه : لا يكن هؤلاء في الجد في ضلالهم ~~أجد منكم في الجد في حقكم . قال : ولما انسلخ شهر الله المحرم وانقضت مدة ~~الموادعة أمر علي رضي الله عنه مناديا ms4362 فنادى : " يا أهل الشام ، يقول لكم ~~أمير المؤمنين : قد استدمتكم لتراجعوا الحق وتنيبوا إليه ، فلم تنتهوا عن ~~الطغيان ، ولم تجيبوا إلى الحق ، وإني قد نبذت إليكم على سواء ، إن الله لا ~~يحب الخائنين " . قال : واجتمع أهل الشام إلى أمرائهم ورؤسائهم ، وخرج ~~معاوية وعمرو بن العاص يكتبان الكتائب ويعبئان الناس ، وكذلك فعل علي رضي ~~الله عنه . وقال علي للناس : لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم ، فأنتم بحمد الله ~~على حجة ، وترككم قتالهم حتى يبدءوكم حجة أخرى فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا ~~مدبرا ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تمثلوا بقتيل ، فإذا ~~وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ، ولا تدخلوا دارا إلا بإذن ، ولا ~~تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم ، ولا تهيجوا امرأة بأذى ، ~~وإن شتمن أعراضكم ، وسببن أمراءكم وصلحاءكم ، فإنهن ضعاف القوى ، والأنفس . ~~وحرض أصحابه فقال رضي الله عنه : عباد الله ، اتقوا الله ، وغضوا الأبصار ، ~~واخفضوا الأصوات ، وأقلوا الكلام ، ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمجادلة ~~والمزاولة والمناضلة والمعانقة والمكادمة والملازمة ، " فاثبتوا واذكروا ~~الله كثيرا لعلكم تفلحون ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله ~~مع الصابرين " اللهم ألهمهم الصبر ، وأنزل عليهم النصر ، وأعظم لهم الأجر . ~~PageV20P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" وأصبح علي رضي الله عنه فجعل على خيل الكوفة ~~الأشتر ، وعلى خيل البصرة سهل بن حنيف ، وعلى رجالة الكوفة عمار بن ياسر ، ~~وعلى رجالة البصرة قيس بن سعد بن عبادة ، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص ~~المعروف بالمرقال وجعل معه الراية ، وجعل مسعر بن فدكي على قراء أهل الكوفة ~~وأهل البصرة . وبعث معاوية على ميمنته ابن ذي الكلاع الحميري ، وعلى ميسرته ~~حبيب بن مسلمة الفهري ، وعلى مقدمته أبا الأعور السلمي وكان على خيل دمشق ، ~~وعمرو بن العاص على خيول الشام كلها وعلى رجالة دمشق مسلم بن عقبة الفهري ، ~~وعلى رجالة الناس كلهم الضحاك بن قيس . . وبايع رجال من أهل الشام على ~~الموت ، فعلقوا أنفسهم بالعمائم ، فكانوا خمسة صفوف . والتقوا أول يوم من ~~صفر سنة سبع وثلاثين ، وكان الذي خرج في هذا ms4363 اليوم الأشتر على أهل الكوفة ، ~~وحبيب بن مسلمة على أهل الشام ، فاقتتلوا عامة النهار ، ثم تراجعوا وقد ~~انتصف بعضهم من بعض . ثم خرج في اليوم الثاني هاشم بن عتبة في خيل ورجال ، ~~وخرج إليه من أهل الشام أبو الأعور السلمي ، فاقتتلوا يومهم ذلك ، ثم ~~انصرفوا . وخرج في اليوم الثالث عمار بن ياسر ، وخرج إليه عمرو بن العاص ، ~~فاقتتلوا أشد قتال ، وقال عمار لزياد بن النضر وهو على الخيل : احمل على ~~أهل الشام ، فحمل ، وقاتله الناس وصبروا له ، وحمل عمار فأزال عمرو بن ~~العاص عن موضعه ، وبارز يومئذ زياد بن النضر أخاه لأمه واسمه : عمرو بن ~~معاوية من بني المنتفق ، فلما التقيا تعارفا ، فانصرف كل واحد منهما عن ~~صاحبه ، وتراجع الناس PageV20P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" وخرج من الغد في اليوم الرابع محمد بن علي ، ~~هو " لابن الحنفية " وخرج إليه عبيد الله بن عمر بن الخطاب ، في جمعين ~~عظيمين ، فاقتتلوا أشد القتال ، وأرسل عبيد الله إلى محمد يدعوه للمبارزة ، ~~فخرج إليه ، فحرك على دابته ، ورد ابنه ، وبرز علي إلى عبيد الله ، فرجع ~~عبيد الله ، وتراجع الناس . وخرج في اليوم الخامس عبد الله بن عباس ، خرج ~~إليه الوليد ابن عقبة ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وطلب الوليد ليبارزه فأبى ، ~~ثم انصرفا . وخرج في اليوم السادس قيس بن سعد الأنصاري وخرج إليه ابن ذي ~~الكلاع الحميري ، فاقتتلوا قتالا شديد ، ثم انصرفوا . قال : ثم عاد الأشتر ~~يوم الثلاثاء ، وخرج إليه حبيب ، فاقتتلا قتالا شديدا ، وانصرفا عند الظهر ~~. ثم إن عليا رضي الله عنه قال : حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا ؟ ~~فقام في الناس عشية الثلاثاء ليلة الأربعاء خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ~~وقال : الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض ، وما أبرم لم ينقضه الناقضون ، ولو ~~شاء الله ما اختلف اثنان من خلقه ، ولا اختلفت الأمة في شيء ، ولا جحد ~~المفضول ذا الفضل فضله ، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار ، فنحن بمرأى من ~~ربنا ومسمع ، فلو شاء عجل النقمة ، وكان منه التغيير ، حتى يكذب الظالم ، ~~ويعلم المحق أين ms4364 مصيره ، ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال ، وجعل الآخرة دار ~~القرار ، " ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى " ، ~~ألا وإنكم لاقو القوم غدا ، فأطيلوا الليلة القيام ، وأكثروا تلاوة القرآن ~~، واسألوا الله النصر والصبر ، والقوهم بالجد والحزم ، وكونوا صادقين . ~~PageV20P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" فقام القوم يصلحون سلاحهم ، فمر بهم كعب بن ~~جعيل فقال : أصبحت الأمة في أمر عجب . . . والملك مجموع غدا لمن غلب فقلت ~~قولا صادقا غير كذب : . . . إن غدا تهلك أعلام العرب ذكر الحروب التي كانت ~~بصفين بعد الأيام الستة في يومي الأربعاء والخميس وليلة الهرير ويوم الجمعة ~~إلى أن رفعت المصاحف وتقرر أمر الحكمين . قال : وعبأ علي رضي الله عنه ~~الناس ليلته حتى الصباح ، وزحف بالناس ، وخرج إليه معاوية في أهل الشام ، ~~فسأل علي عن القبائل من أهل الشام ، فعرف مواقفهم ، فقال للأزد : اكفونا ~~الأزد ، وقال لخثعم : اكفونا خثعم ، وأمر كل قبيلة أن تكفيه أختها من الشام ~~، إلا أن تكون قبيلة ليس منها أحد فيصرفها إلى قبيلة أخرى ليس بالعراق منهم ~~أحد ، مثل بجيلة ، لم يكن بالشام منها أحد إلا القليل ، فصرفهم إلى لخم . ~~فتناهض الناس يوم الأربعاء ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، ثم انصرفوا عند المساء ~~وكل غير غالب . فلما كان يوم الخميس صلى علي بغلس ، وخرج بالناس إلى أهل ~~الشام ، وجعل علي رضي الله عنه على ميمنته عبد الله بن بديل بن ورقاء ~~الخزاعي وله صحبة ، وكان ممن أسلم يوم الفتح ، وقيل : قبله ، وجعل على ~~ميسرته عبد الله بن عباس ، والقراء مع ثلاثة نفر : عمار بن ياسر وقيس بن ~~سعد وعبد الله بن بديل ، والناس على راياتهم ومراكزهم ، وعلي رضي الله عنه ~~في القلب في أهل المدينة بين PageV20P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" أهل الكوفة والبصرة ، وأكثر من معه من أهل ~~المدينة الأنصار ، ومعه عدد من خزاعة وكنانة وغيرهم من أهل المدينة . وزحف ~~علي رضي الله عنه بهم إلى أهل الشام ، ورفع معاوية قبة عظيمة ، وألقى عليها ~~الثياب ، وبايعه أكثر أهل الشام على الموت ، وأحاط بقبته خيل دمشق ، وزحف ~~عبد الله ms4365 بن بديل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة وهو في الميسرة ، فلم يزل ~~يحوزهم ويكشف خيلهم حتى اضطرهم إلى قبة معاوية عند الظهر . وحرض عبد الله ~~بن بديل أصحابه ، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي عليه ~~الصلاة والسلام : ألا إن معاوية ادعى ما ليس له ، ونازع الحق أهله ، وعاند ~~من ليس مثله ، وجادل بالباطل ليدحض به الحق ، وصال عليكم ، بالأعراب ~~والأحزاب الذين زين لهم الضلالة ، وزرع في قلوبهم حب الفتنة ، ولبس عليهم ~~الأمر ، وزادهم رجسا إلى رجسهم ، وأنتم والله على الحق ، على نور من ربكم ~~وبرهان مبين ، فقاتلوا الطغاة الجفاة " قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين " ، قاتلوا الفئة الباغية الذين نازعوا ~~الأمر أهله ، وقد قاتلتموهم مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فوالله ~~ما هم في هذه بأزكى ولا أتقى ولا أبر ، قوموا إلى عدو الله وعدوكم رحمكم ~~الله . وقال الشعبي : كان عبد الله بن بديل رحمه الله في صفين عليه درعان ~~وسيفان ، وكان يضرب أهل الشام ويقول : لم يبق إلا الصبر والتوكل . . . مع ~~التمشي في الرعيل الأول مشى الجمال في حياض المنهل . . . والله يقضي ما ~~يشاء ويفعل ولم يزل يضرب بسيفه حتى انتهى إلى معاوية فأزاله عن موقفه وأزال ~~أصحابه الذين كانوا معه . وسنذكر خبر مقتله في هذا اليوم في موضعه إن شاء ~~الله تعالى . PageV20P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" قال : وحرض علي رضي الله عنه أصحابه ، فقال ~~رضي الله عنه في كلام له : فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص ، وقدموا الدراع ~~، وأخروا الحاسر ، وعضوا على الأضراس ، فإنه أنبى للسيوف عن الهام ، ~~والتووا في أطراف الرماح ، فإنه أمور للأسنة ، وغضوا الأبصار فإنه أربط ~~للجأش ، وأسكن للقلوب ، وأميتوا الأصوات ، فإنه أطرد للفشل ، وأولى بالوقار ~~، راياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم ، ~~واستعينوا بالصدق والصبر ، فإن بعد الصبر ينزل النصر . قال : وقام يزيد بن ~~قيس الأرحبي يحرض الناس ، فقال : إن المسلم من سلم في دينه ورأيه ، وإن ~~هؤلاء القوم والله ما يقاتلوننا إلا ms4366 على هذه الدنيا ليكونوا جبارين فيها ~~ملوكا ، فلو ظهروا عليكم - لا أراهم الله ظهورا ولا سرورا - لرموكم بمثل ~~سعيد والوليد وابن عامر السفيه الضال ، يجيز أحدهم بمثل ديته ودية أبيه ~~وجده في مجلسه ، ثم يقول : " هذا لي ولا إثم علي " ، كأنما أعطي تراثه عن ~~أبيه وأمه ، وإنما هو مال الله أفاءه الله علينا بأرماحنا وسيوفنا ، ~~فقاتلوا عباد الله القوم الظالمين ، فإنهم إن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم ~~دينكم ودنياكم ، وهم من قد عرفتم وخبرتم ، والله ما ازدادوا إلى يومهم إلا ~~شرا . قال : ولما انتهى عبد الله بن بديل ومن معه إلى قبة معاوية ، أقبل ~~الذين تبايعوا على الموت إلى معاوية ، فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل في ~~الميمنة ، وبعث إلى حبيب بن مسلمة فحمل بالميسرة على ميمنة علي فهزمهم ، ~~وانكشف أهل العراق من PageV20P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" قبل الميمنة حتى لم يبق إلا ابن بديل في ~~مائتين أو ثلاثمائة من القراء ، قد استند بعضهم إلى بعض ، وانجفل الناس . ~~وأمر علي سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان معه من أهل المدينة ، فاستقبلتهم ~~جموع عظيمة لأهل الشام فاحتملتهم حتى أوقفتهم في الميمنة ، وكان أهل اليمن ~~فيما بين الميمنه إلى موقف علي في القلب ، فلما انكشفوا انتهت الهزيمة إلى ~~علي رضي الله عنه ، فانصرف يمشي نحو الميسرة ، وثبتت ربيعة ، ودنا أهل ~~الشام منه فما زاده قربهم إلا سراعا . وكان الحسن والحسين ومحمد بنو علي ~~رضي الله عنه معه ، والنبل يمر بين عاتقه ومنكبيه ، وما من بنيه أحد إلا ~~يقيه بنفسه ، فبصر به أحمر مولى أبي سفيان أو عثمان ، فأقبل نحوه ، فخرج ~~إليه كيسان مولى علي فاختلفا ضربتين ، فقتله أحمر ، فأخذ علي بجنب درع أحمر ~~فجذبه وحمله على عاتقه ثم ضرب به الأرض فكسر منكبيه وعضديه . قال : ولما ~~دنا نمه أهل الشام قال له الحسن رضي الله عنه : ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي ~~إلى هؤلاء القوم من أصحابك ؟ فقال : يا بني إن لأبيك يوما لا يعدوه ولا ~~يبطئ به عنه السعي ، ولا يعجل به إليه المشي ms4367 ، إن أباك والله لا يبالي أوقع ~~على الموت أم وقع الموت عليه قال : ولما وصل إلى ربيعة نادى بصوت عال كغير ~~المكترث لما فيه الناس : لمن هذه الرايات ؟ قالوا : رايات ربيعة . قال : بل ~~رايات عصم الله أهلها ، فصبرهم وثبت أقدامهم . . . وقال لحضين بن المنذر : ~~يا فتى ألا تدني رايتك هذه ذراعا ؟ قال ؛ والله عشرة أذرع . فأدناها حتى ~~قال علي رضي الله عنه : حسبك مكانك . قال : ولما انتهى علي إلى ربيعة ~~تنادوا بينهم : إن أصيب فيكم أمير المؤمنين وفيكم رجل حي افتضحتم في العرب ~~فقاتلوا قتالا شديدا ما قاتلوا مثله ، فلذلك قال علي رضي الله عنه : لمن ~~راية سوداء يخفق ظلها . . . إذا قيل " قدمها حضين " تقدما PageV20P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" ويقدمها في الموت حتى يزيرها . . . حياض ~~المنايا تقطر الموت والدما أذقنا ابن حرب طعننا وضرابنا . . . بأسيافنا حتى ~~تولى وأحجما جز الله قوما صابروا في لقائهم . . . لدى الموت قوما ما أعف ~~وأكرما وأطيب أخبارا وأكرم شيمة . . . إذا كان أصوات الرجال تغمغما ربيعة ~~أعني أهل بأس ونجدة . . . إذا ما همو لاقوا خميسا عرمرما قال : ومر الأشتر ~~بعلي وهو يقصد الميسرة ، والأشتر يركض نحو الفزع قبل الميمنة ، فقال له علي ~~: إيت هؤلاء القوم فقل لهم " أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه إلى ~~الحياة التي لا تبقى لكم ؟ " . فمضى الأشتر فاستقبل الناس منهزمين ، فقال ~~لهم ما قال علي ، ثم قال : " أيها الناس أنا الأشتر ، إلي أنا الأشتر ، إلي ~~أنا الأشتر " ، فأقبل إليه بعضهم وذهب البعض ، فنادى : " أيها الناس ، ما ~~أقبح ما قاتلتم منذ اليوم أخلصوا إلي مذحجا " فأقبلت مذحج إليه ، فقال لهم ~~: " ما أرضيتم ربكم ، ولا نصحتم له في عدوكم ، وكيف ذلك وأنتم أبناء الحرب ~~، وأصحاب الغارات ، وفتيان الصياح ، وفرسان الطراد ، وحتوف الأقران ، ومذحج ~~الطعان الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم ، ولا تطل دماؤهم ، وما تفعلون هذا ~~اليوم فإنه مأثور عنكم بعده ، فانصحوا واصدقوا عدوكم اللقاء ، فإن الله مع ~~الصادقين ، والذي نفسي ما من هؤلاء - وأشار إلى أهل الشام - رجل على مثل ~~جناح بعوضة من محمد ms4368 ، اجلوا سواد وجهي يرجع فيه دمه ، عليكم بهذا السواد ~~الأعظم ، فإن الله لو قد فضه تبعه من بجانبيه " . قالوا : تجدنا حيث أحببت ~~. فقصد نحو عظمهم مما يلي الميمنة يزحف إليهم ويردهم . واستقبله شباب من ~~همدان ، وكانوا ثمانمائة مقاتل يومئذ ، وكانوا صبروا في الميمنة حتى أصبب ~~منهم ثمانون ومائة رجل ، وقتل منهم أحد عشر رئيسا : كان أولهم PageV20P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" ذؤيب بن شريح ، ثم شرحبيل ، ثم مرثد ، ثم ~~هبيرة ، ثم يريم ، ثم سمير ، أولاد شريح قتلوا ، ثم أخذ الراية عميرة ثم ~~الحارث ابنا بشير فقتلا ، ثم أخذها سفيان وعبد الله وبكر بنو زيد فقتلوا ~~جميعا ، ثم أخذ الراية وهب بن كريب فانصرف هو وقومه وهم يقولون : " ليت لنا ~~عدتنا من العرب ، يحالفوننا على الموت ، ثم نرجع ، فلا ننصرف أو نقتل أو ~~نظفر " ، فسمعهم الأشتر فقال لهم : أنا أحالفكم على ألا نرجع أبدا حتى نظفر ~~أو نهلك جميعا فوقفوا معه . قال : وزحف الأشتر نحو الميمنة ، وثاب إليه ~~الناس وتراجعوا من أهل البصرة وغيرهم ، فلم يقصد كتيبة إلا كشفها ، ولا ~~جمعا إلا حازه ورده ، وقاتل قتالا شديدا ، ولزمه الحارث بن جمهان الجعفي ، ~~فما زال هو ومن رجع إليه يقاتلون حتى كشف أهل الشام ، وألحقهم بمعاوية ~~والصف الذي معه ، وذلك بين صلاة العصر والمغرب ، وانتهى إلى عبد الله بن ~~بديل بن ورقاء وهو في عصابة من القراء نحو المائتين أو الثلاثمائة قد لصقوا ~~بالأرض كأنهم جثا ، فكشف عنهم أهل الشام فأبصروا إخوانهم ، فقالوا : ما فعل ~~أمير المؤمنين قال : حي صالح في المسيرة يقاتل الناس أمامه . فقالوا : ~~الحمد لله قد كنا ظننا أن قد هلك وهلكتم . ثم قال عبد الله بن رحمه الله ~~لأصحابه : استقدموا بنا . فقال له الأشتر : " لا تفعل ، واثبت مع الناس ، ~~فقاتل ، فإن خير لهم وأبقى لك ولأصحابك " ، فأبى ، ومضى نحو معاوية وحوله ~~كأمثال الجبال ، وخرج عبد الله أمام أصحابه فقتل من دنا منه ، حتى قتل ~~الجماعة ، ودنا من معاوية ، فنهض إليه الناس من كل جانب ، وأحيط به وبطائفة ~~من أصحابه ، فقاتل ms4369 حتى قتل ، وقتل ناس من أصحابه ، ورجعت طائفة منهم مجرحين ~~، فبعث الأشتر الحارث بن جهمان الجعفي ، فحمل على أهل الشام الذين يتبعون ~~من انهزم من أصحاب عبد الله ، حتى نفسوا عنهم ، وانتهوا إلى الأشتر . وحكى ~~أبو عمر ابن عبد البر عن الشعبي في قتل عبد الله : أنه لما انتهى إلى ~~معاوية أزاله وأزال أصحابه عن مواقفهم ، وكان مع معاوية يومئذ عبد الله بن ~~عامر ، فأقبل أصحاب معاوية على عبد الله بن بديل يرجمونه بالحجارة حتى ~~أثخنوه ، وقتل ، فأقبل معاوية وعبد الله بن عامر معه ، فألقى عليه ابن عامر ~~عمامته غطى بها وجهه ، PageV20P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" وترحم عليه ، فقال معاوية : اكشفوا وجهه . ~~فقال ابن عامر : والله لا تمثل به وفي روح فقال معاوية : اكشفوا عن وجهه ~~فقد وهبناه لك . ففعلوا ، فقال معاوية : هذا كبش القوم ورب الكعبة ، اللهم ~~أظفر بالأشتر والأشعث بن قيس ، والله ما مثل هذا إلا كما قال الشاعر : أخو ~~الحرب إن عضت به الحرب عضها . . . وإن شمرت يوما به الحرب شمرا كليث هزبر ~~كان يحمي ذماره . . . رمته المنايا قصدها فتقطرا ثم قال معاوية : إن نساء ~~خزاعة لو قدرت أن تقاتلني فضلا عن رجالها لفعلت . انتهى كلام الشعبي . قال ~~: وزحف الأشتر لعك والأشعريين ، وقال لمذحج : اكفونا عكا . ووقف في همدان ~~وقال لكندة : اكفونا الأشعريين . فاقتتلوا قتالا شديدا إلى المساء ، ~~وقاتلهم الأشتر في همدان وطوائف من الناس ، فما زال أهل الشام عن مواضعهم ~~حتى ألحقوهم بالصفوف الخمسة المعلقة بالعمائم حول معاوية ، ثم حمل عليهم ~~حملة أخرى فصرع أربعة صفوف من المعقلين بالعمائم . ودعا معاوية بفرسه فركبه ~~، وكان يقول : أردت أن أنهزم فذكرت قول ابن الإطنابة وكان جاهليا : أبت لي ~~عفتي وأبى بلائي . . . وإقدامي على البطل المشيح وإعطائي على المكروه مالي ~~. . . وأخذي الحمد بالثمن الربيح وقولي كلما جشأت وجاشت : . . . مكانك ~~تحمدي أو تستريحي PageV20P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" قال : فمنعني هذا القول من الفرار ، ونظر إلى ~~عمرو فقال له : " اليوم صبر ، وغدا فخر " . فقال : صدقت . قال : وتقدم عقبة ~~بن حديد النميري وهو يقول ms4370 : " ألا إن مرعى الدنيا أصبح هشيما ، وشجرها ~~حصيدا ، وجديدها سملا ، وحلوها مر المذاق ، وإني قد سئمت الدنيا ، وإني ~~أتمنى الشهادة وأتعرض لها في كل جيش وغارة ، فأبى الله إلا أن يبلغني هذا ~~اليوم ، وإني معترض لها من ساعتي هذه ، وقد طمعت ألا أحرمها ، فما تنتظرون ~~عباد الله بجهاد من عادى الله في كلام طويل ، وقال : يا إخوتي ، قد بعت هذه ~~الدار بالتي أمامها ، وهذا وجهي إليها فتبعه إخوته عبيد الله وعوف ومالك ، ~~وقالوا : لا نطلب رزق الدنيا بعدك فقاتلوا حتى قتلوا ، وهم من أصحاب علي . ~~وكان ممن قتل في هذا اليوم من أصحاب علي أبو شداد قيس بن المكشوح ، واسم ~~المكشوح : هبيرة بن هلال عند أكثرهم ، وكان قيس يومئذ صاحب راية بجلية ، ~~وذلك أن بجلية قالت له : يا أبا شداد خذ رايتنا اليوم . فقال : غيري خير ~~لكم . قالوا : ما نريد غيرك . قال فوالله لئن أعطيتمونيها لا أنتهي بكم دون ~~صاحب الترس المذهب وكان على رأس معاوية رجل قائم معه ترس مذهب يستر به ~~معاوية من الشمس ، قالوا : اصنع ما شئت . فأخذ الراية ثم زحف بها ، فجعل ~~يطاعنهم حتى انتهى إلى صاحب الترس ، وكان في خيل عظيمة ، فاقتتل الناس ~~قتالا شديدا ، وشد أبو شداد على صاحب الترس - وقيل : كان صاحب الترس المذهب ~~عبد الرحمن بن خالد بن الوليد - فاعترضه دونه مولى رومي لمعاوية ، فضرب قدم ~~أبي شداد فقطعها ، وضربه أبو شداد فقتله ، وأشرعت إليه الرماح فقتلوه ، ~~وأخذ الراية عبد الله بن قلع الأحمسي ، فقاتل حتى قتل ، ثم أخذها عفيف بن ~~إياس فلم تزل في يده حتى تحاجز الناس . . وقتل غير هؤلاء ممن له صحبة . ~~PageV20P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" قال : وخرجت حمير في جمعها ومن انضم إليها من ~~أهل الشام ، وتقدمهم ذو الكلاع ، ومعهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب وهم ~~ميمنة أهل الشام ، فقصدوا ربيعة من أهل العراق ، وكانت ربيعة ميسرة أهل ~~العراق ، وفيهم ابن عباس ، فحملوا على ربيعة حملة شديدة ، فتضعضعت راية ~~ربيعة ، وكانت الراية مع أبي ساسان حضين بن المنذر ms4371 ، فانصرف أهل الشام عنهم ~~، ثم كر عبيد الله بن عمر وقال : يا أهل الشام ، إن هذا الحي من أهل العراق ~~قتلة عثمان وأنصار علي ، فشدوا على الناس شدة عظيمة ، فثبتت ربيعة وصبرت ~~صبرا حسنا إلا قليلا من الضعفاء والفشلة ، وثبت أهل الرايات وأهل الصبر ~~والحفاظ وقاتلوا قتالا حسنا ، ثم تراجع من انهزم من ربيعة ، واشتد القتال ~~حتى كثرت القتلى ، فقتل سمير بن الريان العجلي ، وكان شديد البأس ، وأتى ~~زياد بن خصفة عبد القيس فأعلمهم بما لقيت بكر بن وائل من حمير ، وقال : يا ~~عبد القيس لا بكر بعد اليوم فقاتلوا معهم ، فقتل ذوا الكلاع الحميري وعبيد ~~الله بن عمر بن الخطاب ، وجرح عمار ابن ياسر فقال : " اللهم إنك تعلم أني ~~لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم أنحني عليها حتى تخرج من ~~ظهري لفعلته وإني لا أعلم اليوم عملا هو أرضى إليك من جهاد هؤلاء الفاسقين ~~، ولو أعلم عملا هو أرضى لك منه لفعلته والله إني لأرى قوما ليضربنكم ضربا ~~يرتاب منه المبطلون ، وايم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت ~~أننا على الحق وأنهم على الباطل " ثم قال : " من يبتغي رضوان ربه فلا يرجع ~~إلى مال ولا ولد " فأتاه عصابة فقال : " اقصدوا بنا هؤلاء القوم الذين ~~يطلبون دم عثمان ، والله ما أرادوا الطلب بدمه ، ولكنهم ذاقوا الدنيا ~~واستحبوها ، وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه منها ~~، ولم تكن لهم سابقة يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم ، فخدوا ~~أتباعهم أن قالوا : إمامنا قتل مظلوما ، ليكونوا بذلك جبارة ملوكا ، فبلغوا ~~ما ترون ، ولولا هذه ما تبعهم من الناس رجلان ، اللهم إن تنصرنا فطال ما ~~نصرت ، وإن جعلت لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم " ~~ثم PageV20P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" مضى ومعه تلك العصابة ، فكان لا يمر بواد من ~~أودية صفين إلا تبعه من كان هناك من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~ثم جاء إلى هاشم بن عتبة ms4372 بن أبي وقاص - وهو المرقال - وكان صاحب راية علي ~~رضي الله عنه ، فقال : " يا هاشم ، أعورا وجبنا " لا خير في أعور لا ~~يغشىالبأس ، اركب يا هاشم " . فركب معه وهو يقول . أعور يبغي أهله محلا . . ~~. قد عالج الحياة حتى ملا لا بد أن يفل أو يفلا . . . يتلهم بذي الكعوب تلا ~~وعمار يقول : " تقدم يا هاشم ، الجنة تحت ظلال السيوف ، والموت في أطراف ~~الأسل ، وقد فتحت أبواب السماء ، وتزينت الحور العين ، اليوم ألقى الأحبه ، ~~محمدا وحزبه " وتقدم حتى دنا من عمرو بن العاص ، فقال له : " يا عمرو ، بعت ~~دينك بمصر تبا لك تبا لك " فقال : لا ولكن أطلب دم عثمان . قال : " أشهد ~~على علمي فيك إنك لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله ، وأنك إن لم تقتل اليوم ~~تمت غدا ، فانظر إذا أعطي الناس على نياتهم ما نيتك ؟ لقد قاتلت صاحب هذه ~~الراية ثلاثا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهذه الرابعة ما هي ~~بأبر ولا أتقى " . ثم قاتل عمار فلم يرجع ، وقتل ، وقال قبل أن يقتل : ~~إيتوني بآخر زرق لي من الدنيا فأتي بضياح من لبن في قدح ، وكان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قال : " تقتل عمار الفئة الباغية ، وإن آخر رزقه ضياح ~~من لبن " والضياح ؛ الممزوج بالماء من اللبن . PageV20P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" قال : وقتلة أبو الغادية ، واحتز رأسه ابن حوى ~~السكسكي ، وقد كان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول : قال رسول الله عليه ~~الصلاة والسلام لعمار " تقتلك الفئة الباغية وآخر شربة تشربها ضياح من لبن ~~" . فكان ذو الكلاع يقول لعمرو : ما هذا ويحك يا عمرو فيقول إنه يرجع إلينا ~~، فقتل ذو الكلاع قبل عمار مع معاوية ، وأصيب عمار بعده مع علي ، فقال عمرو ~~لمعاوية : " والله ما أدري بقتل أيهما أنا أشد فرحا : بقتل عمار أو بقتل ذي ~~الكلاع ، والله لو بقي بعد قتل عمار لمال بعامة أهل الشام إلى علي " . فأتى ~~جماعة إلى معاوية ، كلهم يقول : " أنا قتلت عمارا " فيقول عمرو : فما سمعته ~~يقول ؟ فيخلطون ، فأتاه ابن ms4373 حوى فقال : أنا قتلته فسمعته يقول " اليوم ألقى ~~الأحبة ، محمدا وحزبه " . فقال له عمرو : أنت صاحبه . ثم قال " رويدا ، ~~والله ما ظفرت يداك ، ولقد أسخطت ربك " . وقيل : إن أبا الغادية قتل عمارا ~~وعاش إلى زمن الحجاج ، فدخل عليه ، فأكرمه الحجاج وقال : أنت قتلت ابن سمية ~~؟ يعني عمارا قال : نعم . قال : من سره أن ينظر إلى عظيم الباع يوم القيامة ~~فلينظر إلى هذا الذي قتل ابن سمية . ثم سأله أبو الغادية حاجة فلم يجبه ~~إليها ، فقال : نوطئ لهم الدنيا ولا يصلونا منها ويزعم أني عظيم الباع يوم ~~القيامة فقال الحجاج : أجل والله من كان ضرسه مثل أحد ، وفخذه مثل جبل ~~ورقان ، ومجلسه مثل المدينة والربذة ، لعظيم الباع يوم القيامة ، والله لو ~~أن عمارا قتله أهل الأرض لدخلوا كلهم النار . وقال أبو عبد الرحمن السلمي : ~~لما قتل عمار دخلت عسكر معاوية لأنظر هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا - ~~وكنا إذا تركنا القتال تحدثوا إلينا وتحدثنا إليهم - فإذا معاوية وعمرو ~~وأبو الأعور وعبد الله بن عمرو يتسايرون ، فأدخلت فرسي بينهم لئلا يفوتني ~~ما يقولون ، فقال عبد الله بن عمرو لأبيه : يا أبت قتلتم هذا الرجل في ~~يومكم هذا وقد قال رسول الله ما قال قال وما قال ؟ قال : ألم يكن المسلمون ~~ينقلون في بناء مسجد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لبنة لبنة وعمار ينقل ~~لبنتين لبنتين ؟ فغشي عليه ، فأتاه رسول الله PageV20P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" عليه الصلاة والسلام ، فجعل يمسح التراب عن ~~وجهه ويقول " ويحك يا ابن سمية الناس ينقلون لبنة لبنة ، وأنت تنقل لبنتين ~~لبنتين رغبة في الأجر ، وأنت مع ذلك تقتلك الفئة الباغية " . فقال عمرو ~~لمعاوية : أما تسمع ما يقول عبد الله ؟ قال : وما يقول ؟ فأخبره ، فقال ~~معاوية : أنحن قتلناه ؟ إنما قتله من جاء به قال فخرج الناس من أخبيتهم ~~وفساطيطهم يقولون . إنما قتله من جاء به . فلا أدري من كان أعجب ؟ : أهو أم ~~هم ؟ . قال : ولما قتل عمار قال علي رضي الله عنه لربيعة : أنتم درعي ورمحي ~~. فانتدب إليه ms4374 نحو من اثني عشر ألفا ، وتقدمهم علي على بغلة ، فحملوا معه ~~حملة رجل واحد ، فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقص ، وقتلوا كل من انتهوا ~~إليه ، حتى بلغوا معاوية ، فناداه علي : فقال علام يقتل الناس بيننا ؟ هلم ~~أحاكمك إلى الله ، فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور . فقال عمرو : أنصفك ~~. فقال معاوية لعمرو : ما أنصفت ، إنك لتعلم أنه لم يبرز إليه أحد إلا قتله ~~. فقال عمرو ما يحسن بك ترك مبارزته ، فقال معاوية : طمعت فيها بعدي . قال ~~: وكان أصحاب علي قد وكلوا به رجلين يحفظانه ، لئلا يقاتل ، فكان يحمل إذا ~~غفلا فلا يرجع حتى يخضب سيفه ، وإنه حمل مرة فلم يرجع حتى انثنى سيفه ، ~~فألقاه إليهم ، وقال : لولا أنه انثنى ما رجعت إليكم . فقال الأعمش لأبي ~~عبد الرحمن : هذا والله ضرب غير مرتاب . قال : وأما هاشم بن عتبة بن أبي ~~وقاص فإنه دعا الناس عند المساء وقال : ألا من كان يريد الله والدار الآخرة ~~فإلي . فأقبل إليه الناس ، فحمل على أهل الشام مرارا ، ويصبرون له ، وقاتل ~~قتالا شديدا وقال لأصحابه : " لا يهولنكم ما ترون من صبرهم ، فوالله ما هو ~~إلا حمية العرب وصبرها تحت راياتها ، وإنهم لعلى الضلال وإنكم لعلى الحق " ~~ثم حرض أصحابه ، وحمل في عصابة من القراء وقاتل قتالا شديدا ، فقتل يومئذ ~~تسعة أو عشرة ، وحمل عليه الحارث بن المنذر التنوخي ، فطعنه فسقط ، وأرسل ~~إليه علي : أن قدم لواءك ، فقال لرسوله : انظر إلى بطني فنظر إليه ، فإذا ~~هو قد انشق PageV20P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" قال : ومر علي بكتيبة من أهل الشام فرآهم لا ~~يزولون عن موقفهم - وهم غسان - فقال : " إن هؤلاء لا يزولون إلا بطعن وضرب ~~يفلق الهام ويطيح العظام ، وتسقط منه المعاصم والأكف ، وحتى تقرع جباههم ~~بعمد الحديد ، أين أهل النصر والصبر وطلاب الأجر ؟ " فأتاه عصابة من ~~المسلمين ، فدعا ابنه محمدا فقال : " تقدم نحو هذه الراية مشيا رويدا على ~~هينتك ، حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح فأمسك حتى يأتيك مري " . ففعل وأعد ~~لهم على مثلهم وسيرهم إلى ابنه محمد ms4375 ، وأمره بقتالهم ، فحمل عليهم فأزالهم ~~عن مواقفهم ، وأصابوا منهم رجالا . قال : ومر الأسود بن قيس المرادي بعبد ~~الله بن كعب المرادي وهو صريع ، فقال له عبد الله : يا أسود . قال : لبيك . ~~وعرفه ونزل إليه وقال : " عز على مصرعك إن كان جارك ليأمن بوائقك ، وإن كنت ~~لمن الذاكرين له كثيرا أوصني رحمك الله " قال : " أوصيك بتقوى الله ، وأن ~~تناصح أمير المؤمنين ، وتقاتل معه المخلين ، حتى يظهر أو يلحق بالله ، ~~وأبلغه عني السلام وقل له : قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك ، فإنه ~~من أصبح غدا والمعركة خلف ظهره كان العالي " . ثم لم يلبث أن مات ، فأقبل ~~الأسود إلى علي فأخبره ، فقال : " رحمه الله جاهد عدونا في الحياة ، ونصح ~~لنا في الوفاة " . . وقيل : إن الذي أشار على علي بهذا عبد الرحمن بن حنبل ~~الجمحي . قال : فاقتتل الناس تلك الليلة كلها إلى الصباح ، وهي ليلة الهرير ~~، فتطاعنوا حتى تقصفت الرماح ، وتراموا حتى نفذ النبل ، وأخذوا السيوف ، ~~وعلي يسير بين الميمنة والميسرة ، ويأمر كل كتيبة أن تقدم على التي تليها ، ~~فلم يزل يفعل ذلك حتى أصبح ، والمعركة كلها خلف ظهره ، والأشتر في الميمنة ~~، وابن عباس ، في الميسرة وعلي في القلب ، والناس يقتتلون من كل جانب وذلك ~~يوم الجمعة وأخذ الأشتر PageV20P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" يزحف بالميمنة ، وكان قد تولاها عشية الخميس ~~وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى ، وهو يقول لأصحابه : ازحفوا قيد هذا الرمح ~~. ويزحف بهم نحو أهل الشام ، فإذا فعل ذلك بهم قال : ازحفوا قيد هذا القوس ~~. فإذا فعلوه سألهم مثل ذلك ، حتى مل أكثر الناس الإقدام ، فلما رأى الأشتر ~~ذلك دعا بفرسه فركبه وترك رايته مه حيان بن هوذة النخعي ، وخرج يسير في ~~الكتائب ويقول : من يشري نفسه ويقاتل مع الأشتر حتى يظهر أو يلحق بالله ؟ ~~فاجتمع إليه جمع كثير ، فيهم حيان بن هوذة النخعي وغيره ، فرجع بهم إلى ~~المكان الذي كان فيه ، وقال لهم : " شدوا شدة - فدى لكم خالي وعمي - ترضون ~~بها الرب ، وتعزون بها الدين " ثم نزل فضرب وجه دابته ، وقال لصاحب ms4376 رايته : ~~أقدم بها . وحمل بالقوم فضرب أهل الشام حتى انتهى بهم إلى عسكرهم ، فقاتلوه ~~عند العسكر قتالا شديدا ، وقتل صاحب رايته ، فلما رأى علي الظفر من ناحيته ~~أمده بالرجال . فقال عمرو لوردان : تدري ما مثلي ومثلك ومثل الأشتر ؟ قال : ~~لا . قال " كالأشقر إن تقدم عقر وإن تأخر عقر ؟ لئن تأخرت لأضربن عنقك " ~~قال : أما والله يا أبا عبد الله لأوردنك حياض الموت ضع يدك على عاتقي . ثم ~~جعل يتقدم ويتقدم ويقول : والله لأوردنك حياض الموت . واشتد القتال . فلما ~~رأى عمرو أن أمر أهل العراق قد اشتد ، وخاف الهلاك ، قال لمعاوية : هل لك ~~في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا فرقة ؟ قال : نعم ~~. قال : " نرفع المصاحف ، ثم نقول لما فيها هذا حكم الله بيننا وبينكم ، ~~فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول : ينبغي لنا أن نقبل . فتكون ~~فرقة بينهم ، فإن قبلوا ما فيها رفعنا القتال عنا إلى أجل " . ذكر رفع أهل ~~الشام المصاحف وما تقرر من أمر التحكيم وكتاب القضية قال : ولما أشار عمرو ~~بن العاص على معاوية برفع المصاحف أمر برفعها ، فرفعت بالرماح ، وقال : " ~~هذا كتاب الله بيننا وبينكم ، من لثغور الشام بعد أهله ؟ من لثغور العراق ~~بعد أهله ؟ " . فلما رآها الناس قالوا : نجيب إلى كتاب الله فقال لهم علي ~~رضي الله عنه : PageV20P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" " عباد الله ، امضوا على حقكم وصدقكم قتال ~~عدوكم ، فإن معاوية وعمرا وابن أبي معيط وحبيبا وابن أبي سرح والضحاك ليسوا ~~بأصحاب دين ولا قرآن ، أنا أعرف بهم منكم ، قد صحبتهم أطفالا ثم رجالا ، ~~فكانوا شر أطفال وشر رجال ويحكم والله ما رفعوها إلا خديعة ووهنا ومكيدة " ~~فقالوا له : لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله فقال لهم علي ~~رضي الله عنه : " فإني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الله ، فإنهم قد عصوا ~~الله فيما أمرهم ، ونسوا عهده ، ونبذوا كتابه " . فقال معسر بن فدكي ~~التميمي وزيد بن حصين الطائي في عصابة من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك ms4377 ~~: " يا علي ، أجب إلى كتاب الله عز وجل إذا دعيت إليه ، وإلا دفعناك برمتك ~~إلى القوم أو ونفعل بك كما فعلنا بابن عفان " : قال : " فاحفظوا عني نهيي ~~إياكم ، واحفظوا مقالتكم لي ، فإن تطيعوني فقاتلوا ، وإن تعصوني فاصنعوا ما ~~بدا لكم " . قالوا : ابعث إلى الأشتر فليأتيك . فبعث علي يزيد بن هانئ إلى ~~الأشتر يستدعيه ، فقال : " ليست هذه الساعة بالساعة التي ينبغي لك أن ~~تزيلني فيها عن موقفي ، إني رجوت أن يفتح الله لي " . فرجع يزيد فأخبره ، ~~وارتفعت الأصوات ، وارتفع الرهج من ناحية الأشتر ، فقالوا : والله ما نراك ~~إلا أمرته أن يقاتل فقال : " هل رأيتموني ساررته ؟ أليس كلمته على رؤوسكم ~~وأنتم تسمعون ؟ " فقالوا : " ابعث إليه فليأتك ، وإلا والله اعتزلناك " ~~فقال : " ويلك يا يزيد قل له أقبل إلي ، فإن الفتنة قد وقعت " فأبلغه ذلك ، ~~فقال الأشتر ألرفع المصاحف ؟ قال : نعم . قال : " والله لقد ظننت أنها ~~ستوقع اختلافا وفرقة ، إنها مشورة ابن العاص ، ألا ترى إلى الفتح ؟ ألا ترى ~~ما يلقون ؟ ألا ترى ما صنع الله لنا ؟ أينبغي أن أدع هؤلاء وأنصرف عنهم ؟ " ~~فقال له يزيد : أتحب أ ، تظفر وأمير المؤمنين يسلم إلى عدوه أو يقتل ؟ قال ~~: " لا والله سبحان الله " فأعلمه بقولهم ، فأقبل إليهم الأشتر وقال : " يا ~~أهل العراق ، يا أهل الذل والوهن ، أحين علوتم القوم وظنوا أنكم لهم قاهرون ~~رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها ؟ وهم والله تركوا ما أمر الله به فيها ~~وسنة من أنزلت عليه فأمهلوني PageV20P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" فواقا فإني قد أحسست بالفتح ، قالوا : لا . ~~قال : أمهلوني عدو الفرس فإني قد طمعت في النصر قالوا : إذن ندخل معك في ~~خطيئتك قال : " فخبروني عنكم متى كنتم محقين ؟ : أحين تقاتلون وخياركم ~~يقتلون ؟ فأنتم الآن إذا أمسكتم عن القتال مبطلون أم أنتم الآن محقون ؟ ~~فقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم وهم خير منكم في النار " فقالوا : " دعنا ~~منك يا أشتر ، قاتلناهم لله ، وندع قتالهم لله " فقال : " خدعتم فانخدعتم ~~ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم ، يا أصحاب الجباه السود ، كنا نظن صلاتكم ~~زهادة في الدنيا ms4378 وشوقا إلى لقاء الله ، فلا أرى مرادكم إلا الدنيا ، ألا ~~قبحا يا أشباه النيب الجلالة ، ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا ، فابعدوا ~~كما بعد القوم الظالمون " فسبوه وسبهم ، وضربوا وجه دابتهم بسياطهم ، وضرب ~~وجوه دوابهم بسوطه ، فصاح به وبهم علي رضي الله عنه ، فكفوا . وقال الناس : ~~قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما . فجاء الأشعث بن قيس إلى علي ~~فقال له : أرى الناس قد رضوا بما دعوهم إليه من حكم القرآن ، فإن شئت أتيت ~~معاوية فسألته ما يريد . قال : إيته . فأتاه فقال : يا معاوية لأي شيء ~~رفعتم هذه المصاحف ؟ قال : " لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه ~~، تبعثون رجلا ترضون ، ونبعث رجلا نرضى به ، نأخذ عليهما أن يعملا بما في ~~كتاب الله لا يعدوانه ، ثم نتبع ما اتفقا عليه " . فقال له الأشعث : " هذا ~~الحق ، هذا الحق " . فعاد إلى علي فأخبره ، فقال الناس : قد رضينا وقبلنا . ~~فقال أهل الشام : قد رضينا عمرا . فقال الأشعث وأولئك القوم الذين صاروا ~~خوارج : فإنا قد رضينا بأبي موسى الأشعري . فقال علي رضي الله عنه : " قد ~~عصيتموني في أول الأمر ، فلا تعصوني الآن ، لا أرى أن أولى أبا موسى " . ~~فقال الأشعث وزيد بن حصين ومسعر بن فدكي : لا نرضى إلا به فإنه قد حذرنا ما ~~وقعنا فيه قال علي " فإنه ليس لي بثقة ، قد فارقني وخذل الناس عني ، ثم هرب ~~مني حتى آمنته بعد أشهر ، ولكن هذا ابن عباس أوليه ذلك " . قالوا " والله ~~ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس ، لا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء " ~~. قال علي : فإني أجعل الأشتر . قالوا : وهل سعر الأرض غير الأشتر ؟ قال : ~~قد أبيتم إلا أبا موسى . قالوا : PageV20P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" نعم : قال : فاصنعوا ما أردتم فبعثوا إليه وقد ~~اعتزل القتال وهو بغرض فأتاه مولى له فقال : إن الناس قد اصطلحوا . فقال ~~الحمد لله . قال : قد جعلوك حكما . قال : إنا لله وإنا إليه راجعون وجاء ~~أبو موسى حتى دخل في العسكر . وجاء الأشتر ms4379 عليا فقال : ألزني بعمرو بن ~~العاص ، فوالله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه . وجاء الأحنف بن قيس فقال : " ~~يا أمير المؤمنين ، إنك قد رميت بحجر الأرض ، وإني قد عجمت أبا موسى وحلبت ~~أشطره ، فوجدته كليل الشفرة قريب القعر ، وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا ~~رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ويبعد عنهم حتى يصير بمنزلة النجم منهم ، ~~فإن أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا أو ثالثا ، فإنه لن يعقد عقدة إلا ~~حللتها ، ولا يحل عقدة أعقدها إلا عقدت لك أخرى أحكم منها " . فأبى الناس ~~إلا أبا موسى والرضا بالكتاب ، فقال الأحنف بن قيس : إن أبيتم إلا أبا موسى ~~فأدفئوا ظهره بالرجال . وحضر عمرو بن العاص عند علي لتكتب القضية بحضوره ، ~~فكتبوا " بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين " فقال ~~عمرو : هو أميركم أما أميرنا فلا . فقال له الأحنف : لا تمح اسم أمير ~~المؤمنين فإني أتخوف إن محوتها ألا ترجع إليك أبدا ، لا تمحها وإن قتل ~~الناس بعضهم بعضا ، فأبى ذلك علي مليا من النهار ، ثم قال الأشعث بن قيس : ~~امح هذا الاسم . فمحي ، فقال علي رضي الله عنه : " الله أكبر سنة بسنة ، ~~والله إني لكاتب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم الحديبية ، فكتبت ، ~~" محمد رسول الله " فقالوا : لست برسول الله ولكن اكتب اسمك واسم أبيك ، ~~فأمرني رسول الله عليه الصلاة والسلام بمحوه ، فقلت : لا أستطيع . فقال ~~أرنيه . فأريته فمحاه بيده وقال : إنك ستدعى إلى مثلها فتجيب " . فقال عمرو ~~: " سبحان الله أنشبه بالكفار ونحن مؤمنون ؟ " فقال علي رضي الله عنه : يا ~~ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليا وللمؤمنين عدوا ؟ فقال عمرو : والله ~~لا يجمع بيني وبينك مجلس أبدا فقال علي : إني لأرجو أن يطهر الله مجلسي منك ~~ومن أشباهك . PageV20P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" وكتب الكتاب : هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي ~~طالب ومعاوية بن أبي سفيان ، قاضى علي على أهل الكوفة ومن معهم وقاضى ~~معاوية على أهل الشام ومن معهم ، أنا ننزل عند حكم الله وكتابه ms4380 ، وألا يجمع ~~بيننا غيره ، وأن كتاب الله بيننا من فاتحته إلى خاتمته ، نحيي ما أحيا ~~ونميت ما أمات ، فما وجد الحكمان في كتاب الله - وهما أبو موسى عبد الله بن ~~قيس وعمرو بن العاص - عملا به ، وما لم يجداه في كتاب الله تعالى فالسنة ~~العادلة الجامعة غير المفرقة . وأخذ الحكمان من علي رضي الله عنه ومن ~~معاوية ومن الجند من العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وعلى أهلهما ~~، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه ، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو ~~بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة ولا يرداها في حرب ولا ~~فرقة حتى يعصيا ، وأجلا القضاء إلى رمضان ، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه ، ~~وإن مكان قضيتهما مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام . وشهد جماعة من ~~الطائفتين . وقيل للأشتر لتكتب فيها . فقال : " لا صحبتني يميني ولا نفعتني ~~بعدها شمالي إن خط لي في هذه الصحيفة خط أولست على بينة من ربي من ضلال ~~عدوي ؟ أولستم قد رأيتم الظفر ؟ " . فقال له الأشعث : ما رأيت ظفرا هلم ~~إلينا فإنه لا رغبة بك عنا . فقال : " بلى والله الرغبة عنك في الدنيا ~~للدنيا وفي الآخرة للآخرة ولقد سفك الله بسيفي دماء رجال ما أنت عندي خير ~~منهم ولا أحرم دما " . قال : وخرج الأشعث بالكتاب يقرأه على الناس حتى مر ~~على طائفة من بني تميم ، فيهم عروة بن أدية أخو أبي بلال فقرأه عليهم ، ~~فقال عروة : تحكمون في أمر الله الرجال ، لا حكم إلا لله . ثم شد بسيفه ~~فضرب به عجز دابة الأشعث ضربة خفيفة ، فاندفعت الدابة ، فصاح به أصحاب ~~الأشعث فرجع . وكتب الكتاب يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع ~~وثلاثين . . PageV20P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" واتفقوا أن يكون اجتماع الحكمين بدومه الجندل ~~أو بأزرخ ، في شهر رمضان . قال : وقيل لعلي : إن الأشتر لا يقر بما في ~~الصحيفة ولا يرى إلا قتال القوم . فقال علي رضي الله عنه : " وأنا والله ما ~~رضيت ولا أحببت أن ترضوا ، فإذ أبيتم ms4381 إلا أن ترضوا فقد رضيت ، وإذ رضيت فلا ~~يصلح الرجوع بعد الرضى ولا التبديل بعد الإقرار ، إلا أن يعصى الله ويتعدى ~~كتابه ، فتقاتلوا من ترك أمر الله . وأما الذي ذكرتم من تركه أمري وما أنا ~~عليه فليس من أولئك ، ولست أخافه على ذلك ، يا ليت فيكم مثله اثنين ، يا ~~ليت فيكم مثله واحد يرى في عدوي ما أرى ، إذن لخفت على مؤنتكم ، ورجوت أن ~~يستقيم لي بعض أودكم ، وقد نهيتكم فعصيتموني فكنت أنا وأنتم كما قال أخو ~~هوازن : وهل أنا إلا من غزية إن غوت . . . غويت وإن ترشد غزية أرشد والله ~~لقد فعلتم فعلة ضعضعت قوة ، وأسقطت منة ، وأورثت وهنا وذلة ، ولما كنتم ~~الأعلين ، وخاف عدوكم الاجتياح ، واستحر بهم القتل ، ووجدوا ألم الجراح ، ~~رفعوا المصاحف فدعوكم إلى ما فيها ليفتنوكم عنه ، ويقطعوا الحرب ، ويتربصوا ~~بكم ريب المنون ، خديعة ومكيدة ، فأعطيتموهم ما سألوا ، وأبيتم إلا أن ~~تدهنوا وتحيروا ، وايم الله ما أظنكم بعدها توفقون لرشد ، ولا تصيبون باب ~~حزم " . قال : ثم تراجع الناس عن صفين . هذا ما أورده أبو جعفر محمد بن ~~جرير الطبري في تاريخه ، وهو الذي اعتمد عليه عز الدين علي بن محمد بن ~~الأسير الموصلي في تاريخه الكامل ، من حرب صفين ، وقد أسقطنا بعض ما أورداه ~~، وأتينا بألفاظ لم يأتيا بها نسبناها إلى من حكاها : وأخبار أيام صفين ~~كثيرة ، قد بسط أهل التاريخ فيها القول ، وذكروا ما اتفق PageV20P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" في أيامها يوما يوما ، رأينا ترك ذلك والإغضاء ~~عنه أولى ، وكنا نؤثر ألا نلم بذكر أيام صفين ولا وقعة الجمل ، وإنما ضرورة ~~التاريخ دعت إلى ذلك . وحكى أبو عمر بن عبد البر في ترجمة بسر بن أرطاة من ~~كتابه الاستيعاب : أن معاوية أأ أمر بسر بن أرطاة بن أبي أرطاة ، وكان معه ~~بصفين على أن يلقى عليا في القتال ، وقال له : " سمعتك تتمنى لقاءه ، فلو ~~أظفرك الله فصرعته حصلت على دنيا وآخرة " ، ولم يزل يشجعه ويمنيه حتى رآه ~~فقصده في الحرب ، قال : وكان بسر بن أرطاة من ms4382 الأبطال الطغاة ، فالتقيا ، ~~فصرعه علي وعرض له معه مثل ما عرض - فيما ذكر - لعلي مع عمرو بن العاص . ~~قال وذكر ابن الكلبي في كتابه في أخبار صفين أن بسر بن أرطاة بارز عليا يوم ~~صفين فطعنه علي فصرعه ، فانكشف له ، فكف عنه ، كما عرض له - فيما ذكروا - ~~مع عمرو بن العاص ، ولهم فيها أشعار مذكورة في موضعها من ذلك الكتاب ، منها ~~فيما ذكر ابن الكلبي والمدائني قول الحارث بن النضر السهمي - وكان عدوا ~~لعمرو بن العاص وبسر بن أرطاة - : أفي كل يوم فارس ليس ينتهي . . . وعورته ~~بين العجاجة باديه يكف لها عنه علي سنانه . . . ويضحك منه في الخلاء معاويه ~~بدت أمس من عمرو فقنع رأسه . . . وعورة بسر مثلها حذو حاذيه PageV20P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" فقولا لعمرو ثم بسر : ألا انظرا . . . سبيلكما ~~، لا تلقيا الليث ثانيه ولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما . . . هما كانتا والله ~~للنفس واقيه ولولاهما لم تنجوا من سنانه . . . وتلك بما فيها عن العود ~~ناهيه وكونا بعيدا حيث لا تبلغ القنا . . . نحوركما إن التجارب كافيه قال ~~أبو عمر : إنما كان انصراف علي عنهما وعن أمثالهما من مصروع أو منهزم ، ~~بأنه كان لا يرى في قتال الباغين عليه من المسلمين أن يتبع مدبرا ولا يجهز ~~على جريح ولا يقتل أسيرا ، وتلك عادته في حروبه في الإسلام ، رضي الله عنه ~~. وروى أبو عمر ابن عبد البر أيضا بسند يرفعه إلى يزيد ابن حبيب قال : ~~اصطحب قيس بن خرشة ، وكعب الأحبار ، حتى إذا بلغا صفين وقف كعب ثم نظر ساعة ~~فقال : " لا إله إلا الله ، ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لم ~~يهرق ببقعة من الأرض " فغضب قيس وقال : " وما يدريك يا أبا إسحاق ؟ فإن هذا ~~من الغيب الذي استأثر الله به " فقال كعب : ما من شبر من الأرض إلا وهو ~~مكتوب في التوراة التي أنزل الله على نبيه موسى بن عمران عليه السلام ما ~~يكون عليه إلى يوم القيامة . واختلف في عدة من شهد صفين ، فقيل كان جيش علي ~~رضي الله ms4383 عنه تسعين ألفا ، وجيش معاوية مائة وعشرين ألفا وقيل أقل من ذلك . ~~وقتل من العراق خمسة وعشرون ألفا منهم عمار بن ياسر وخمسة وعشرون بدريا ، ~~وقتل من عسكر معاوية خمسة وأربعون ألفا . قال ، ولما رجع علي رضي الله عنه ~~إلى الكوفة خالفه الحرورية وأنكروا تحكيم الرجال ، وكان من أمرهم ما نذكره ~~إن شاء الله في أخبار الخوارج على علي ، وكان فيما بين رجوع علي واجتماع ~~الحكمين ما نذكره إن شاء الله تعالى في حوادث السنين . PageV20P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" ذكر اجتماع الحكمين قال : ولما جاء وقت اجتماع ~~الحكمين أرسل علي رضي الله عنه أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانئ الحارثي ، ~~وأرسل عبد الله بن عباس يصلي بهم ويلي أمورهم ، ومعهم أبو موسى الأشعري . ~~وأرسل معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام ، حتى توافوا من دومة ~~الجندل بأزرح وكان عمرو إذا أتاه كتاب من معاوية لا يدري أحد ما جاء فيه ، ~~ولا يسأله أهل الشام عن شيء ، وكان أهل العراق يسألون ابن عباس عن كل كتاب ~~يصل إليه من علي ، فإن كتمه ظنوا به الظنون وقالوا : نراه كتب بكذا وكذا ، ~~فقال لهم ابن عباس رضي الله عنه : " أما تعقلون ، أما ترون رسول معاوية ~~يجيء فلا يعلم أحد بما جاء به ولا يسمع لهم صياح ؟ وأنتم عندي كل يوم تظنون ~~الظنون " . قال وحضر معه عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن ابن أبي ~~بكر الصديق ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن الحارث بن هشام ، وعبد ~~الرحمن بن عبد يغوث الزهري ، وأبو جهم بن حذيفة العدوي ، والمغيرة بن شعبة ~~. وكان سعد بن أبي وقاص على ماء لبني سليم بالبادية ، فأتاه ابنه عمر فقال ~~له : " إن أبا موسى وعمرا قد شهدهم نفر من قريش فاحضر معهم ، فإنك صاحب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأحد أصحاب الشورى ، ولم تدخل في شيء ~~كرهته هذه الأمة ، وأنت أحق الناس في الخلافة " فلم يفعل ، وقيل : بل حضرهم ~~سعد وندم على حضوره ، فأحرم بعمرة من بيت ms4384 المقدس . قال : ولما اجتمع ~~الحكمان قال عمرو بن العاص ، يا أبا موسى ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوما ، ~~قال أشهد . قال : ألست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه ؟ قال : بلى . . ~~قال : " فما يمنعك منه وبيته في قريش كما قد علمت ؟ فإن خفت أن يقول الناس ~~ليست له سابقة فقل : وجدته ولي عثمان الخليفة المظلوم ، والطالب بدمه ، ~~الحسن السياسية والتدبير ، وهو أخو أم حبيبة زوج النبي عليه الصلاة والسلام ~~وكاتبه ، وقد صحبه " وعرض له عمرو بسلطان ، فقال أبو موسى : " يا عمرو ، ~~اتق الله أما ما ذكرت من شرف معاوية فإن هذا ليس على الشرف يولاه أهله ، ~~ولو كان على الشرف لكان لآل أبرهة بن الصباح ، إنما هو لأهل الدين والفضل ، ~~مع أني لو كنت معطيه أفضل قريش شرفا أعطيته علي بن أبي طالب ، وأما قولك إن ~~معاوية ولي دم عثمان فوله هذا الأمر ، فلم أكن لأوليه معاوية وأدع ~~المهاجرين الأولين ، وأما تعريضك لي بالسلطان ؛ فوالله لو خرج لي معاوية من ~~سلطانه كله ما وليته ، وما كنت لأرتشي في حكم الله ، ولكنك إن شئت أن تحيي ~~اسم عمر بن الخطاب " قال له عمرو : فما PageV20P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" يمنعك من ابني عبد الله وأنت تعلم فضله وصلاحه ~~؟ فقال له : إن ابنك رجل صدق ، ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة . فقال عمرو : ~~إن هذا الأمر لا يصلح إلا لرجل يأكل ويطعم . كانت في ابن عمر غفلة ، فقال ~~له : ابن الزبير : افطن وانتبه ، فقال : والله لا أرشو عليها شيئا أبدا . ~~وقال : يا ابن العاص إن العرب قد أسندت إليك أمرها بعدما تقارعوا بالسيوف ~~فلا تردنهم في فتنة . وكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في الكلام ، يقول ~~له : أنت صاحب رسو الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأسن مني فتكلم . فتعود ذلك ~~أبو موسى ، وأراد عمرو بذلك كله أن يقدمه في خلع علي . فلما أراده عمرو على ~~ابنه وعلى معاوية فأبى ، وأراد أبو موسى عمرا على ابن عمر فأبى عمر ، قال ~~له عمرو : خبرني ما ms4385 رأيك ؟ قال : " أرى أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر ~~شورى ، فيختار المسلمون لأنفسه ممن أحبوا " . فقال عمرو : الرأي ما رأيت . ~~فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون ، فقال عمرو : يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا ~~قد اتفق . فتكلم أبو موسى فقال : إن رأينا قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح ~~الله به أمر هذه الأمة . فقال عمرو : صدق وبر ، تقدم يا أبا موسى . فتقدم ~~أبو موسى ، فقال له ابن عباس : " ويحك والله إني لأظنه قد خدعك ، إن كنتما ~~قد اتفقتما على أمر فتقدمه فليتكلم به قبلك ، فإنه رجل غادر ، ولا آمن أن ~~يكون قد أعطاك الرضى بينكما ، فإذا قمت في الناس خالفك " وكان أبو موسى ~~مغفلا ، فقال : إنا قد اتفقنا ، فتقدم فقال : " أيها الناس ، إنا قد نظرنا ~~في أمر هذه الأمة ، فلم نرى أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع ~~رأيي ورأي عمرو عليه ، وهو أن نخلع علي ومعاوية ويولي الناس أمرهم من أحبوا ~~، وإني خلعت عليا ومعاوية ، فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه أهلا " ~~. ثم تنحى ، وأقبل عمر فقام وقال : " إن هذا قد قال ما سمعتموه ، وخلع ~~صاحبه ، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه ، وأثبت صاحبي معاوية ، فإنه ولي عثمان ~~بن عفان ، والطالب بدمه ، وأحق الناس بمقامه " ، فقال سعد : ما أضعفك يا ~~أبا موسى عن عمرو ومكايده وقال أبو موسى : فما أصنع ؟ وافقني على أمر ثم ~~نزع عنه PageV20P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" فقال ابن عباس : لا ذنب لك يا أبا موسى الذنب ~~لمن قدمك في هذا المقام قال : غدر فما أصنع ؟ قال ابن عمر انظروا إلى ما ~~صار أمر هذه الأمة : إلى رجل لا يبالي ما صنع وآخر ضعيف . وقال عبد الرحمن ~~ابن أبي بكر : لو مات الأشعري قبل هذا اليوم كان خيرا له . وقال أبو موسى ~~لعمرو : " لا وفقك الله ، غدرت وفجرت ، إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه ~~يلهث أو تتركه يلهث " فقال له عمرو : إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا . ~~قال : والتمس أهل الشام أبا موسى فهرب إلى ms4386 مكة ، ثم انصرف عمرو وأهل الشام ~~إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة ، ورجع ابن عباس وشريح إلى علي رضي الله ~~عنه ، وكان علي إذا صلى الغداة يقنت فيقول ، اللهم العن معاوية وعمرا وأبا ~~الأعور وحبيبا وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد . فبلغ ذلك ~~معاوية ، فكان إذا قنت لعن عليا وابن عباس والحسن والحسين والأشتر . وقيل : ~~إن معاوية حضر الحكمين ، وأنه قام عشية في الناس فقال : أما بعد ، من كان ~~متكلما في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه . قال ابن عمر : فأطلقت حبوتي وأردت ~~أن أقول : " يتكلم فيه رجال قاتلوك وأباك على الإسلام " فخشيت أن أقول كلمة ~~تفرق الجماعة ويسفك بها دم ، فكان ما وعد الله في الجنان أحب إلي من ذلك ، ~~فلما انصرفت إلى المنزل جاءني حبيب بن مسلمة فقال : ما منعك أن تتكلم حين ~~سمعت هذا الرجل يتكلم ؟ قلت : أردت ذلك ثم خشيت . فقال حبيب : وفقت وعصمت . ~~وقد ورد ذلك في الصحيح . ذكر أخبار الخوارج الذين خرجوا على عهد علي وما ~~كان من أمرهم كان أول من خرج على علي رضي الله عنه حسكة بن عتاب الحبطي ، ~~وعمران بن فضيل البرجمي ، خرجا في صعاليك من العرب بعد الفراغ من وقعة ~~الجمل ، حتى نزلوا زالق من سجستان ، وقد نكبوا أهلها فأصابوا منها مالا ، ~~ثم أتوا PageV20P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" زرنج وقد خافهم مرزبانها فصالحهم ودخلوها ، ~~فبعث علي عبد الرحمن ابن جرو الطائي فقتله حسكة ، فكتب علي إلى عبد الله بن ~~عباس يأمره أن يولي سجستان رجلا ، ويسيره إليها في أربعة آلاف ، فوجه ربعي ~~بن كأس العنبري ، ومعه الحصين بن أبي الحر العنبري ، فلما ورد سجستان ~~قاتلهم حسكة فقتلوه وضبط ربعي البلاد . قال ابن الأثير وكان فيروز حصين ~~ينسب إلى الحصين ابن أبي الحر هذا ، وهو من سجستان . ذكر خبرهم بعد صفين قد ~~ذكرنا في وقعة صفين أنه لما رفعت المصاحف ، تكلم أولئك القوم مع علي بما ~~ذكرناه ، وأبوا إلا ترك الحرب والرجوع إلى كتاب الله ، وموافقة علي رضي ~~الله عنه لهم ms4387 فيما رأوه ، على كره منه . فلما رجع علي فن صفين بعد كتابة ~~الصحيفة ، خالفت عليه الحرورية وأنكروا تحكيم الرجال ، ورجعوا على غير ~~الطريق الذي أقبلوا فيه ، أخذوا على طريق البر وعادوا وهم أعداء متباغضون ، ~~يقطعون الطريق بالتشاتم والتضارب بالسياط ، يقول الخوارج : يا أعداء الله ~~أدهنتم في أمر الله ويقول الآخرون : فارقتم إمامنا وفرقتم جماعتنا فلما ~~انتهى علي إلى الكوفة فارقته الخوارج وأتت حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر ~~ألفا ، ونادى مناديهم : " إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي ، وأمير ~~الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري ، والأمر شورى بعد الفتح ، والبيعة لله ~~عز وجل ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " . فلما سمع علي رضي الله عنه ~~وأصحابه ذلك ، قامت إليه الشيعة فقالوا له : " في أعناقنا بيعة ثابتة نحن ~~أولياء من واليت وأعداء من عاديت " ز فقالت الخوارج : " استبقتم أنتم وأهل ~~الشام إلى الكفر كفرسي رهان ، بايع أهل الشام معاوية على ما أحب وكرهوا ، ~~وبايعتم أنتم عليا أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى " فقال لهم زياد بن ~~النضر : " والله ما بسط علي يده فبايعناه قط إلا على كتاب الله تعالى وسنة ~~نبيه عليه الصلاة والسلام ، ولكنكم لما خالفتموه جاءته شيعته فقالوا : نحن ~~أولياء من واليت وأعداء من عاديت ، ونحن PageV20P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" كذلك ، وهو على الحق والهدى ، ومن خالفه ضال ~~مضل " . قال : وبعث علي رضي الله عنه عبد الله بن العباس إلى الخوارج ، ~~وقال له لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك . فخرج إليهم ، فأقبلوا ~~يكلمونه ، فلم يصبر حتى راجعهم ، فقال ، " ما نقمتم من الحكمين ، وقد قال ~~الله عز وجل : إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما فكيف بأمة محمد ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ؟ " . فقالت الخوارج : " أما ما جعل الله حكمه إلى الناس ~~وأمرهم بالنظر فيه فهو إليهم ، وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه ، ~~حكم في الزاني مائة جلدة ، وفي السارق القطع ، فليس للعباد أن ينظروا في ~~هذا " . قال ابن عباس : فإن الله تعالى يقول يحكم به ذوا عدل منكم فقالوا ms4388 : ~~وتجعل الحكم في الصيد والحدث بين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين ؟ ~~وقالوا له : أعدل عندك عمرو بن العاص وهو بالأمس يقاتلنا ؟ فإن كان عدلا ~~فلسنا بعدول ، وقد حكمتم في أمر الله الرجال ، وقد أمضى الله حكمه في ~~معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يرجعوا ، وقد كتبتم بينكم وبينهم كتابا وجعلتم ~~بينكم الموادعة ، وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت ~~" براءة " إلا من أقر بالجزية . وبعث علي رضي الله عنه زياد بن النضر فقال ~~: انظر بأي رؤوسهم هم أشد إطافة . فأخبره أنه لم يرهم عند رجل أكثر منهم ~~عند يزيد ابن قيس ، فخرج علي رضي الله عنه في الناس حتى أتى فسطاط يزيد ابن ~~قيس ، فدخله ، فصلى فيه ركعتين ، وأمره على أصبهان والري ، ثم خرج حتى ~~انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس ، فقال له : ألم أنهك عن كلامهم ؟ ثم ~~تكلم فقال : اللهم هذا مقام من يفلج فيه كان أولى بالفلج يوم القيامة . ثم ~~: قال لهم : من زعيمكم ؟ قالوا : ابن الكواء قال : فما أخرجكم علينا ؟ ~~قالوا : حكومتكم يوم صفين . قال : " أنشدكم الله ، أتعلمون أنهم حيث رفعوا ~~المصاحف ، وقلتم نجيبهم ، قلت لكم : إني أعلم بالقوم منكم ، إنهم ليسوا ~~بأصحاب دين " وذكر ما كان قال لهم ، ثم قال " وقد اشترطت على الحكمين أن ~~يحييا ما أحيى القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن ، فإن حكما بحكم القرآن ~~فليس لنا أن نخالف ، وإن أبيا فنحن من حكمهما براء " . قالوا : فخبرنا ~~أتراه عدلا تحكيم الرجال في PageV20P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" الدماء ؟ فقال : " إنا لسنا حكمنا الرجال ، ~~إنما حكمنا القرآن ، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين ، لا ينطق ، ~~إنما يتكلم به الرجال " قالوا : فأخبرنا عن الأجل لم جعلته بينكم ؟ قال : " ~~ليعلم الجاهل ، ويثبت العالم ، ولعل الله عز وجل يصلح في هذه الهدنة هذه ~~الأمة ، ادخلوا مصركم رحمكم الله " . فدخلوا من عند آخرهم . ذكر خبرهم عند ~~توجيه الحكمين قال : لما أراد علي رضي الله عنه أن يبعث أبا موسى للحكومة ~~أتاه رجلان من الخوارج ، وهما ms4389 زرعة بن برج الطائي وحرقوص ابن زهير السعدي ، ~~فقالا له : لا حكم إلا لله تعالى ، فقال علي رضي الله عنه : لا حكم إلا لله ~~تعالى ، قال حرقوص : " تب من خطيئتك ، وارجع عن قضيتك ، وارجع بنا إلى ~~عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا " . فقال علي : قد أردتكم على ذلك فعصيتموني ، ~~وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا ، وشرطنا شروطا ، وأعطينا عليها عهودا ، ~~وقد قال الله تعالى : " وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم " فقال حرقوص : ذلك ~~ذنب ينبغي أن تتوب منه . فقال علي رضي الله عنه : ما هو ذنب ولكنه عجز من ~~الرأي ، وقد نهيتكم ، فقال زرعة : يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال لأقاتلنك ~~أطلب وجه الله . فقال علي : " بؤسا لك ما أشقاك كأني بك قتيلا تسفي عليك ~~الرياح " قال : وددت لو كان ذلك ، فخرجا من عنده يحكمان . وخطب علي رضي ~~الله عنه يوما ، فحكمت المحكمة في جوانب المسجد ، فقال علي : " الله أكبر ~~كلمة حق أريد بها باطل إن سكتوا غممناهم ، وإن تكلموا حججناهم وإن خرجوا ~~علينا قاتلناهم " . فوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال : " الحمد لله غير ~~مودع ربنا ولا مستغني عنه ، اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا ، ~~فإن إعطاء الدنية في الدين إدهان في أمر الله وذل راجع بأهله إلى سخط الله ~~، يا علي PageV20P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" أبالقتل تخوفنا ؟ أما إني لأرجو أن نضربكم ~~بها عما قليل غير مصفحات ، ثم لتعلم أينا أولى بها صليا " . ثم خرج هو ~~وإخوة له ثلاثة ، فأصيبوا مع الخوارج بالنهروان ، وأصيب أحدهم بعد ذلك ~~بالنخيلة . ثم خطب علي رضي الله عنه يوما آخر ، فقام رجل فقال : لا حكم إلا ~~لله ، ثم توالى عدة رجال يحكمون ، فقال علي : " الله أكبر كلمة حق أريد بها ~~باطل ، أما إن لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا : لا نمنعكم مساجد الله أن ~~تذكروا فيها اسمه ، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا ، ولا ~~نقاتلكم حتى تبدأونا ، وإنما ننظر فيكم أمر الله " . ثم رجع إلى مكانه من ~~الخطبة . ذكر اجتماع الخوارج ms4390 بعد الحكمين وتوليتهم أمرهم عبد الله بن وهب ~~وخروجهم عن الكوفة ، وانضمام خوارج البصرة إليهم ، وما كاتبهم علي به ~~وجوابهم وغير ذلك قال : ولما كان من أمر الحكمين ما ذكرناه ، لقي بعض ~~الخوارج بعضا واجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي ، فخطبهم ، فزهدهم ~~في الدنيا ، وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ثم قال اخرجوا بنا ~~من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو بعض هذه المدائن منكرين ~~لهذه البدع المضلة ، فقال حرقوص بن زهير : " إن المتاع بهذه الدنيا قليل ، ~~وإن الفراق لها وشيك ، فلا تدعونكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها ، ولا ~~تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم ، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون " وقال حمزة بن سنان الأسدي : " يا قوم ، إن الرأي ما رأيتم فولوا ~~أمركم رجلا منكم ، فإنه لا بد لكم من عماد وسناد وراية تحفون بها ، وترجعون ~~إليها " فعرضوها على زيد بن حصين الطائي فأبى ، وعرضوها على حرقوص فأبى ، ~~وعلى حمزة بن سنان وشريح ابن أوفى العبسي فأبيا ، وعرضوها على عبد الله بن ~~وهب فقال : PageV20P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" " هاتوها ، وأما لا آخذها رغبة في الدنيا ، ~~ولا أدعها فرقا من الموت " فبايعوه لعشر خلون من شوال سنة سبع وثلاثين ، ~~وكان يقال : له ذو الثفنات . ثم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفي العبسي ، ~~فقال ابن وهب : اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكم الله فإنكم أهل ~~الحق . قال شريح : " نخرج إلى المدائن ، فننزلها ، ونأخذ بأبوابها ، ونخرج ~~منها سكانها ، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا " . فقال زيد ~~بن حصن : " إنكم إن خرجتم مجتمعين تتبعتم ، ولكن اخرجوا واحدنا مستخفين ، ~~فأما المدائن فإن بها من يمنعكم ، ولكن سيروا حتى تنزلوا من جسر النهروان ، ~~وتكاتبوا إخوانكم من أهل البصرة " . قالوا : هذا الرأي . وكتب عبد الله بن ~~وهب إلى من بالبصرة منهم يعلمهم ما اجتمعوا عليه ، ويحثهم على اللحاق بهم ، ~~وسير الكتاب إليهم ، فأجابوا . قال : ولما غزم من بالكوفة من الخوارج على ~~الخروج ، تعبدوا ليلتهم - وكانت ليلة ms4391 الجمعة - ويوم الجمعة ، وساروا يوم ~~السبت ، فخرج شريح بن أوفي العبسي وهو يتلو قول الله تعالى : " فخرج منها ~~خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين ، ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ~~ربي أن يهديني إلى سواء السبيل " . قال : وخرج معهم طرفة بن عدي بن حاتم ~~الطائي ، فأتبعه أبوه ليرده فلم يقدر عليه ، فانتهى إلى المدائن ثم رجع . ~~وأرسل عدي إلى سعد بن مسعود عامل علي على المدائن يحذره أمرهم ، فحذر ، ~~وأخذ أبواب المدائن ، وخرج في الخيل ، واستخلف بها أخيه المختار بن أبي ~~عبيد ، وسار في طلبهم فأخبر عبد الله ابن وهب خبره ، فترك طريقه وسار على ~~بغداد ، ولحقهم سعد بن مسعود بالكرج في خمسمائة فارس عند المساء ، فانصرف ~~إليهم عبد الله في ثلاثين فارسا ، فاقتتلوا ساعة وامتنع القوم منهم ، وقال ~~أصحاب سعد لسعد . " ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر ، خلهم ~~فليذهبوا ، واكتب إلى أمير المؤمنين ، فإن أمرك باتباعهم فاتبعهم ، وإن ~~كفاكهم غيرك كان في ذلك عافية لك " فأبى عليهم ، فلما جن عليهم الليل عبر ~~عبد الله بن وهب دجلة إلى أرض جوخى ، وسار إلى النهروان ، فوصل إلى أصحابه ~~وقد أيسوا منه . PageV20P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ~~ليكونوا معهم ، فردهم أهلوهم كرها ، منهم القعقعاع بن قيس الطائي عم ~~الطرماح ابن حكيم ، وعبد الله بن حكيم بن عبد الرحمن البكائي . قال : ولما ~~خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليا أصحابه وشيعته فبايعوه ، وقالوا : نحن ~~أولياء من واليت وأعداء من عاديت . فشرط لهم فيه سنة رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . وأما خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل ، وجعلوا ~~عليهم مسعر بن فدكي التميمي ، فعلم بهم ابن عباس ، فأتبعهم أبا الأسود ~~الدؤلي ، فلحق بهم بالجسر الأكبر ، فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل ، وأدلج ~~مسعر بأصحابه ، وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب . قال : ولما خرجت الخوارج ~~وهرب أبو موسى الأشعري إلى مكة ، ورد علي ابن عباس رضي الله عنهما إلى ~~البصرة ، قام علي بالكوفة خطيبا ms4392 فقال : " الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب ~~الفادح والحدثان الجليل ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ~~أما بعد ، فإن المعصية تورث الحسرة ، وتعقب الندم ، وقد كنت أمرتكم في هذين ~~الرجلين وفي هذه الحكومة أمري ، ونحلتكم رأيي ، لو كان لقصير أمر ، ولكن ~~أبيتم إلا ما أردتم ، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازان : أمرتهمو أمري ~~بمنعرج اللوى . . . فلم يستبينوا الرشيد إلا ضحى الغد ألا إن هذين الرجلين ~~الذين اخترتموهما حكمين ، قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما ، وأحييا ما ~~أمات القرآن ، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله ، فحكما بغير حجة ~~بينة ولا سنة ماضية ، واختلفا في حكمهما وكلاهما لم يرشد ، فبرئ الله منهما ~~ورسوله وصالح المؤمنين ، استعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام ، وأصبحوا في ~~معسكركم إن شاء الله يوم الإثنين " . ثم نزل . وكتب إلى الخوارج بالنهروان ~~: " بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زيد بن ~~حصن وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس ، أما بعد فإن الرجلين الذين ~~ارتضينا حكمين قد خالفا كتاب الله تعالى ، واتبعا أهواءهما بغير ~~PageV20P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" هدى من الله ، فلم يعملا بالسنة ، ولم ينفذا ~~للقرآن حكما ، فبرئ الله منهما ورسوله والمؤمنون ، فإذا بلغكم كتابي هذا ~~فأقبلوا إلينا ، فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم ، ونحن على الأمر الأول الذي ~~كنا عليه " . فكتبوا إليه : " أما بعد فإنك لم تغضب لربك ، وإنما غضبت ~~لنفسك ، فإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة ، نظرنا فيما بيننا ~~وبينك ، وإلا فقد نابذناك على سواء إن الله لا يحب الخائنين " . فلما قرأ ~~كتابهم أيس منهم ، ورأى أن يدعهم ويمضي بالناس حتى يناجز أهل الشام فقام في ~~أهل الكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " أما بعد فإنه من ترك الجهاد في ~~الله وداهن في أمره كان على شفا هلكة ، إلا أن يتداركه الله بنعمته ، ~~فاتقوا الله تعالى ، وقاتلوا من حاد الله ، وحاول أن يطفئ نور الله ، ~~وقاتلوا الخاطئين الضالين القاسطين ، الذين ليسوا بقراء القرآن ولا ms4393 فقهاء ~~في الدين ، ولا علماء بالتأويل ، ولا لهذا الأمر بأهل في سابقة الإسلام ، ~~والله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل ، تيسروا للمسير إلى ~~عدوكم من أهل المغرب ، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم ~~، فإذا اجتمعتم أيس أ شخصنا إن شاء الله تعالى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~" . وكتب إلى ابن عباس رضي الله عنه : " أما بعد فإنا خرجنا إلى معسكرنا ~~بالنخيلة ، وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب ، فاشخص إلى ~~الناس حتى يأتيك رسولي ، وأقم حتى يأتيك أمري ، والسلام عليك " . فقرأ ابن ~~عباس الكتاب على الناس ، وندبهم مع الأحنف بن قيس ، فشخص ألف وخمسمائة ، ~~فخطبهم وقال : " يا أهل البصرة ، أتاني كتاب أمير المؤمنين ، فأمرتكم ~~بالنفير إليه ، فلم يشخص منكم إلا ألف وخمسمائة ، وأنتم ستون ألف مقاتل سوى ~~أبنائكم وعبيدكم . ألا انفروا مع جارية ابن قدامة السعدي ، ولا يجعلن رجل ~~على نفسه سبيلا ، فإني موقع بكل من وجدته متخلفا عن دعوته ، عاصيا لإمامه ، ~~فلا يلومن رجل إلا نفسه " . فخرج جارية واجتمع إليه ألف وسبعمائة ، فوافوا ~~عليا وهم ثلاثة آلاف ومائتان . PageV20P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" فجمع علي رضي الله عنه رؤوس أهل الكوفة ورؤوس ~~الأسباع ووجوه الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " يا أهل الكوفة ، ~~أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق ، وأصحابي إلى جهاد المخلين ، بكم ~~أضرب المدبر ، وأرجو تمام طاعة المقبل ، وقد استنفرت أهل البصرة ، فأتاني ~~منهم ثلاثة آلاف ومائتان ، فليكتب لي رئيس كل قبيلة ما في عشيرته من ~~المقاتلة وأبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال ، وعبدان عشيرته ومواليهم ، ~~ويرفع ذلك إلينا . فقام إليه سعيد بن قيس الهمداني فقال : يا أمير المؤمنين ~~، سمعا وطاعة ، أنا أول الناس أجاوب بما طلبت . وقام معقل بن قيس ، وعدي بن ~~حاتم ، وزياد بن خفصة ، وحجر بن عدي ، وأشراف الناس والقبائل ، فقالوا مثل ~~ذلك ، وكتبوا له ما طلب ، وأمروا أبناءهم وعبيدهم ومواليهم أن يخرجوا معهم ~~، فرفعوا له أربعين ألف مقاتل وسبعة عشر ألفا من الأبناء ممن أدرك ، ~~وثمانية آلاف ms4394 من مواليهم وعبيدهم ، فكان جميع أهل الكوفة خمسة وستين ألفا ، ~~سوى أهل البصرة وهم ثلاثة آلاف ومائتا رجل . وكتب إلى سعد بن مسعود ~~بالمدائن يأمره بإرسال من عنده من المقاتلة ، وبلغ عليا رضي الله عنه أن ~~الناس يقولون : " لو سار بنا إلى قتال هذه الحرورية فإذا فرغنا منهم توجهنا ~~إلى قتال المخلين " . فقال لهم : " بلغني أنكم قلتم كيت وكيت وإن غير هؤلاء ~~الخارجين أهم إلينا ، فدعوا ذكرهم ، وسيروا إلى قوم يقاتلونكم ، كيما ~~يكونوا جبارين ملوكا ، ويتخذوا عباد الله خولا " . . فناداه الناس أن سر ~~بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت . وقام إليه صيفي بن نشيل الشيباني فقال : ~~" يا أمير المؤمنين ، نحن حزبك وأنصارك ، نعادي من عاداك ، ونشايع من أناب ~~إلى طاعتك ، فسر بنا إلى عدوك من كانوا وأينما كانوا ، فإنك إن شاء الله لن ~~تؤتى من قلة عدد ، ولا ضعف نية أتباع " . وقام إليه محرز بن شهاب التميمي ~~فقال : " يا أمير المؤمنين ، إن قلب شيعتك كقلب رجل واحد في الاجتماع على ~~نصرتك ، والجد في جهاد عدوك ، فأبشر بالنصر ، وسر بنا إلى أي الفريقين ~~أحببت ، فإنا شيعتك الذين نرجو في طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب ، ~~ونخاف في خذلانك والتخلف عنك شدة الوبال " . . PageV20P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" وأجمع على المسير علي إلى الشام ، فشغله عن ~~ذلك أمر الخوارج وقتالهم على ما نذكره . ذكر قتال الخوارج قيل : كان سبب ~~ذلك أن الخوارج من البصرة لما دنوا من النهروان رأوا رجلا يسوق بامرأة على ~~حمار ، فدعوه وانتهروه فأفزعوه ، وقالوا له : من أنت ؟ قال : أنا عبد الله ~~بن خباب صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فقالوا له : أفزعناك قال ~~: نعم قالوا لا روع عليك ، حدثنا عن أبيك حديثا سمعه من رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) تنفعنا به ، فقال : حدثني أبي عن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أنه قال : تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه ، ~~يمسي فيها مؤمنا ويصبح كافرا ، ويصبح مؤمنا ويمسي كافرا ، قالوا : لهذا ~~الحديث سألناك ، فما تقول ms4395 في أبي بكر وعمر ؟ فأثنى عليهما خيرا . فقالوا : ~~ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها ؟ قال : إنه كان محقا في أولها ~~وآخرها ، قالوا : فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده ؟ قال : أقول إنه أعلم ~~بالله منكم ، وأشد توقيا على دينه ، وأنفذ بصيرة . قالوا : إنك تتبع الهوى ~~وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها ، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها ~~أحدا ، فأخذوه وكتفوه ، ثم أقبلوا بامرأته وهي حبلى متم حتى نزلوا تحت نخل ~~مواقر ، فسقطت رطبة ، فأخذها أحدهم فتركها في فيه ، فقال له آخر : أخذتها ~~بغير حلها وبغير ثمن . فألقاها ثم مر بهم خنزير لأهل الذمة ، فضربه أحدهم ~~بسيفه ، فقالوا له : هذا فساد في الأرض . فلقي صاحب الخنزير فأرضاه . فلما ~~رأى عبد الله بن خباب ذلك منهم قال : " إن كنتم صادقين فيما أرى فما علي ~~منكم من بأس ، إني مسلم ما أحدثت في الإسلام حدثا ، ولقد أمنتموني ، فقلتم ~~: لا روع عليك " فأضجعوه فذبحوه ، وأقبلوا إلى المرأة فقالت : أنا امرأة ، ~~ألا تتقون الله . فبقروا بطنها وقتلوا ثلاث نسوة من طيء ، وقتلوا أم سنان ~~الصيداوية . فلما بلغ عليا رضي الله عنه ذلك بعث إليهم الحارث بن مرة ~~العبدي ليأتيهم ، وينظر ما بلغه عنهم ، ويكتب به إليه ، فلما دنا منهم ~~يسألهم قتلوه . وأتى الخبر إلى علي ، فقال له الناس : " يا أمير المؤمنين ~~علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا سر بنا إلى القوم فإذا ~~فرغنا منهم سر بنا إلى عدونا من أهل الشام " . فأجمع PageV20P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" علي رضي الله عنه على ذلك ، وخرج وسار إليهم ~~. فأرسل إليهم أ ، ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم أقتلهم بهم ، ثم أنا ~~تارككم وكاف عنكم حتى ألقى أهل المغرب ، فلعل الله يقبل بقلوبكم ، ويردكم ~~إلى خير مما أنتم عليه من أمركم فقالوا : كلنا قتلهم ، وكلنا مستحل لدمائكم ~~ودمائهم . فراسلهم مرة بعد أخرى . وخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة ، فكلمهم ~~ونصحهم ، وأشار عليهم بالمراجعة والدخول فيما خرجوا منه ، فأبوا . وخطبهم ~~أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه ms4396 وحذرهم تعجيل الفتنة . وأتاهم علي رضي الله ~~عنه فكلمهم ووعظهم وذكرهم ، فتنادوا : " لا تخاطبوهم ولا تكلموهم ، وتهيئوا ~~للقاء الله ، الرواح الرواح إلى الجنة " . فعاد علي عنهم . ثم إن الخوارج ~~قصدوا الجسر ، فقال أصحاب علي له : إنهم عبروا النهر ، فقال : لن يعبروه ، ~~فأرسلوا طليعة ، فعاد . وأخبر أنهم عبروا النهر ، وكان بينهم وبينه عطفة من ~~النهر ، فلخوف الطليعة منهم لم يقربهم فعاد ، فقال : قد عبروا النهر . فقال ~~علي رضي الله عنه : " والله ما عبروه ، وإن مصارعهم لدون الجسر ، ووالله لا ~~يقتل منكم عشرة ، ولا يسلم منهم عشرة " . وتقدم علي إليهم فرآهم عند الجسر ~~لم يعبروه ، وكان الناس قد شكوا في قوله وارتاب به بعضهم ، فلما رأوهم لم ~~يعبروا كبروا وأخبروا عليا رضي الله عنه بحالهم ، فقال والله ما كذبت ولا ~~كذبت . ثم عبأ أصحابه ، فجعل على ميمنته حجر بن عدي ، وعلى ميسرته شبث بن ~~ربعي أو معقل بن قيس الرياحي ، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه ~~، وعلى الرجالة أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه ، وعلى أهل المدينة - وهم ~~سبعمائة أو ثمانمائة . قيس ابن سعد ابن عبادة رضي الله عنه . PageV20P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" وعبأت الخوارج فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصن ~~الطائي ، وعلى الميسرة شريح بن أبي أوفى العبسي ، وعلى خيلهم حمزة بن سنان ~~الأسدي ، وعلى رجالتهم حرقوص بن زهير السعدي . وأعطى علي رضي الله عنه أبا ~~أيوب الأنصاري راية أمان ، فناداهم أبو أيوب فقال : " من جاء هذه الراية ~~فهو آمن ممن لم يقتل ولم يتعرض ، ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن ~~وخرج من هذه الجماعة فهو آمن ، لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم ~~في سفك دمائكم " . فقال فروة بن نوفل الأشجعي : " والله ما أدري على أي شيء ~~نقاتل عليا ؟ : أرى أن أنصرف حتى تتضح لي بصيرتي في قتاله ، أو أتابعه " . ~~فانصرف في خمسمائة فارس ، حتى نزل البندنيجين والدسكرة ، وخرجت طائفة أخرى ~~متفرقين فنزلوا الكوفة . وخرج إلى علي رضي الله عنه نحو مائة ، وكان ~~الخوارج في ms4397 أربعة آلاف ؛ فبقي مع عبد الله بن وهب ألف وثمانمائة ، فزحفوا ~~إلى علي رضي الله عنه وكان قد قال لأصحابه : كفوا عنهم حتى يبدءوكم . ~~فتنادوا . الرواح إلى الجنة . فحملوا على الناس فافترقت خيل علي فرقتين ، ~~فرقة نحو الميمنة ، وفرقة نحو الميسرة ، فاستقبلت الرماة وجوههم بالنبل ، ~~وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة ، ونهض إليهم الرجال بالرماح ~~والسيوف فما لبثوا أن أناموهم ، فلما رأى حمزة بن سنان الهلاك نادى أصحابه ~~أن انزلوا ، فذهبوا لينزلوا فلم يلبثوا حتى حمل عليهم الأسود بن قيس ، ~~وجاءتهم الخيل من نحو علي فأهلكوا في ساعة ، فكأنما قيل لهم موتوا فماتوا . ~~قال : وأخذ علي ما في عسكرهم من شيء ، فأما السلاح والدواب وما شهر عليه ~~فقسمه بين المسلمين ، وأما المتاع والعبيد والإماء فإنه رده على أهله حين ~~قدم . وطاف عدي بن حاتم في القتلى على ابنه طرفة ، فدفنه ودفن رجال قتلاهم ~~، فقال علي حين بلغه ذلك تقتلونهم ثم تدفنونهم ارتحلوا . فارتحل الناس ولم ~~يقتل من أصحاب علي إلا سبعة ؛ منهم يزيد بن نوبرة وله صحبة وسابقة . ~~PageV20P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" وهؤلاء الخوارج هم الذين ورد في أمرهم في ~~الصحيح الحديث عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن قوما يخرجون ~~يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية علامتهم رجل مخدج اليد " فالتمسه ~~علي في القتلى فوجده ، فنظر في عضده فإذا لحم مجتمع كثدي المرأة ، وحلمة ~~عليها شعرات سود ، فإذا مدت امتدت حتى تحاذي يده الطولى ، ثم تترك فتعود ~~إلى منكبه . وكان علي رضي الله عنه يحدث الناس بهذا الحديث قبل وقعة ~~الخوارج . وقيل كانت هذه الوقعة في سنة ثمان وثلاثين . قال : ولما فرغ علي ~~رضي الله عنه من هذه الوقعة حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله قد ~~أحسن بكم ، وأعز نصركم ، فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم . قالوا : : " يا ~~أمير المؤمنين ، نفدت سهامنا ، وكلت سيوفنا ، ونصلت أسنة رماحنا وعاد ~~أكثرها قصدا ، فارجع إلى مصرنا ، فلنستعد بأحسن عدتنا ولعل أمير المؤمنين ~~يزيد في عدتنا فإنه أقوى لنا ms4398 على عدونا " . وكان الذي تولى كلامه الأشعث بن ~~قيس ، فأقبل حتى نزل النخيلة ، فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم ، ويوطنوا على ~~الجهاد لعدوهم أنفسهم ، وأن يقلوا زيارة أبنائهم ونسائهم حتى يسيروا إلى ~~عدوهم . فأقاموا فيه أياما ثم تسللوا من معسكرهم ، فدخلوا رجالا من وجوه ~~الناس وترك العسكر خاليا . فلما رأى علي ذلك دخل الكوفة ، وانكسر عليه رأيه ~~في المسير . وخطبهم مرة بعد أخرى ، وحثهم على الخروج إلى الشام فلم يتهيأ ~~له ذلك ، وحيث ذكرنا أخبار الخوارج فلنذكر أخبار من خرج بعد أصحاب النهروان ~~. والله الموفق للصواب . ذكر أخبار من خرج بعد أصحاب النهروان قال : ولما ~~قتل أهل النهروان خرج أشرس بن عوف الشيباني على علي رضي الله عنه بالدسكرة ~~في مائتين ، ثم سار إلى الأنبار فوجه إليه علي رضي الله عنه PageV20P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" الأبرش بن حسان في ثلثمائة فواقعه ، فقتل ~~الأشرس في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين . ثم خرج هلال بن علقمة من تيم ~~الرباب ومعه أخوه مجالد ، فأتى ما سبذان ، فوجه إليه علي معقل بن قيس ~~الرياحي فقتله وقتل أصحابه وهم أكثر من مائتين ، وكان قتلهم في جمادى ~~الأولى منها . ثم خرج الأشهب بن بشر ، وقيل الأشعث ، وهو من بجيلة في مائة ~~وثمانين رجلا ، فأتى المعركة التي أصيب فيها هلال وأصحابه فصلى عليهم ، ~~ودفن من قدر عليه منهم ، فوجه علي إليه جارية بن قدامة السعدي ، وقيل حجر ~~بن عدي ؛ فاقتتلوا بجرجرايا من أرض جوخى فقتل الأشهب وأصحابه في جمادى ~~الآخرة منها . ثم خرج سعيد بن قفل التيمي من تيم الله بن ثعلبة في شهر رجب ~~بالبندنيجين ومعه مائتا رجل ، فأتى درزيجان وهي من المدائن على فرسخين ، ~~فخرج إليهم مجيعد بن مسعود فقتلهم في الشهر المذكور . ثم خرج أبو مريم ~~السعدي التميمي فأتى شهر ذور وأكثر من معه من الموالي . وقيل : لم يكن معه ~~من العرب غير خمسة نفر ، واجتمع معه مائتا رجل ، وقيل : أربعمائة . وجاء ~~حتى نزل على خمسة فراسخ من الكوفة ، فأرسل علي إليه يدعوه إلى بيعته ms4399 ودخول ~~الكوفة ، فلم يفعل ، وقال : ليس بيننا غير الحرب فبعث إليه شريح بن هانئ في ~~سبعمائة ، فحمل الخوارج على شريح وأصحابه فانكشفوا وبقي شريح في مائتين ، ~~فانحاز إلى قرية فرجع إليه بعض أصحابه ، ودخل الباقون الكوفة ، فخرج علي ~~بنفسه ، وقدم بين يديه جارية بن قدامه السعدي ، فدعاهم جارية إلى طاعة ~~PageV20P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" علي وحذرهم القتل ، فلم يجيبوا ، ودعاهم علي ~~أيضا فأبوا عليه ، فقتلهم أصحاب علي ولم يسلم منهم غير خمسين رجلا استأمنهم ~~فأمنهم . وكان في الخوارج أربعون رجلا جرحى فأمر علي بإدخالهم الكوفة ~~ومداواتهم حتى برئوا . وكان قتلهم في شهر رمضان المعظم سنة ثمان وثلاثين . ~~ذكر خلاف الخريت بن راشد التميمي وبني ناجية على علي رضي الله عنه وما كان ~~من أمرهم قال وفي سنة ثمان وثلاثين أظهر الخريت بن راشد الناجي الخلاف على ~~علي رضي الله عنه ، وكان قد شهد مع علي الجمل وصفين في ثلثمائة من بني ~~ناجية خرجوا إليه من البصرة ، وأقاموا معه بالكوفة إلى هذه السنة ، فجاء ~~إلى علي في ثلاثين راكبا ، فقال له : " يا علي والله لا أطيع لك أمرا ، ولا ~~أصلي خلفك ، وإني غدا مفارق لك " . فقال له علي : " ثكلتك أمك إذا تعضي ربك ~~، وتنكث عهدك ، ولا تضر إلا نفسك ؛ خبرني لم تفعل ذلك ؟ " قال : " إنك حكمت ~~الرجال ، وضعفت عن الحق ، وركنت إلى القوم الذين ظلموا ، فأنا عليك زار ~~وعليهم ناقم ، ولكم جميعا مباين " . فقال له علي : " هلم أدارسك الكتاب ، ~~وأناظرك في السنن ، وأفاتحك أمورا أنا أعلم بها منك ، فلعلك تعرف ما أنت له ~~الآن منكر " . قال : فإني عائد إليك . قال : " لا تستهوينك الشياطين ، ولا ~~يستخفنك الجهال ، والله لئن استرشدتني وقبلت مني لأهدينك سبيل الرشاد " . ~~فخرج من عنده منصرفا إلى أهله ، وسار من ليلته هو وأصحابه . فقال زياد بن ~~خصفة البكري : " يا أمير المؤمنين ، إنه لم يعظم علينا فقدهم فنأسى عليهم ، ~~إنهم قلما يزيدون في عددنا لو أقاموا ، ولقلما ينقصون من عددنا بخروجهم عنا ~~، ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يقدمون ms4400 عليه من أهل طاعتك ، ~~فأذن لي في اتباعهم حتى أردهم عليك " . فقال : تدري أين توجهوا ؟ قال : لا ~~، ولكني أسأل وأتبع الأثر ، فقال له : اخرج يرحمك الله ، وأنزل دير أبي ~~موسى ، وأقم حتى يأتيك أمري . PageV20P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" فخرج زياد فأتى داره وجمع أصحابه من بكر وائل ~~، وأعلمهم الخبر فسار معه منهم مائة وثلاثون رجلا . فقال : حسبي . ثم سار ~~فأتى دير أبي موسى فنزله ينتظر أمر علي . وأتى عليا كتاب من قرظة بن كعب ~~الأنصاري يخبره أنهم توجهوا نحون نفر ، وأنهم قتلوا رجلا من الدهاقين ، كان ~~قد أسلم ، فأرسل علي رضي الله عنه إلى زياد يأمره باتباعهم ويخبره خبرهم ، ~~وأنهم قتلوا رجلا مسلما ، ويأمره بردهم إليه ، فإن أبو يناجزهم . وسير ~~الكتاب مع عبد الله بن وأل ، فاستأذنه في المسير مع زياد ، فأذن له ، وسار ~~بالكتاب إلى زياد . وساروا حتى أتوا نفر ، فقيل : إنهم ساروا نحو جرجرايا ، ~~فتبعوا آثارهم حتى أدركوهم بالمذاد وهم نزول ، قد أقاموا يومهم وليلتهم ~~واستراحوا ، فأتاهم زياد وقد تقطع أصحابه وتعبوا ، فلما رأوهم ركبوا خيولهم ~~، وقال لهم الخريت : أخبروني ما تريدون ؟ فقال له زياد - وكان مجربا رفيقا ~~- : " قد ترى ما بنا من التعب ، والذي جئناك له لا يصلحه الكلام ، ولكن ~~ننزل ثم نخلو جميعا ، فنتذاكر أمرنا ، فإن رأيت ما جئناك به حظا لنفسك ~~قبلته ، وإن رأينا فيما نسمع منك أمرا نرجو فيه العافية لم نرده عليك " . ~~قال : فانزل . فنزل زياد ومن معه على ماء هناك ، فأكلوا شيئا وعلفوا دوابهم ~~، ووقف زياد في خمسة فوارس بين أصحابه وبين القوم وقال : إن عدتنا كعدتهم ، ~~وأرى أمرنا يصير إلى القتال فلا تكونوا أعجز الفريقين . وخرج زياد إلى ~~الخريت ، فسمعهم يقولون : جاءنا القوم وهم كالون يعبون فتركناهم حتى ~~استراحوا ، هذا والله سوء الرأي . فدعاه زياد وقال : ما الذي نقمته على ~~أمير المؤمنين وعلينا حتى فارقتنا ؟ " فقال : " لم أرض صاحبكم إماما ، ولا ~~سيرتكم سيرة ، فرأيت أن أعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشورى " . فقال له ~~زياد : " وهل يجتمع الناس على رجل يداني صاحبك ms4401 الذي فارقته علما بالله ~~وسنته وكتابه . مع قرابته من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وسابقته في ~~PageV20P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" الإسلام " ؟ فقال له : " ذلك ما قال لك " . ~~فقال له زياد : ففيم قتلت ذلك الرجل المسلم ؟ قال : ما أنا قتلته إنما قتله ~~طائفة من أصحابي . وقال فادفعهم إلينا . قال : ما إلى ذلك سبيل . فدعا زياد ~~أصحابه ، ودعا الخريت أصحابه ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فتطاعنوا بالرماح ~~حتى لم يبق رمح ، وتضاربوا بالسيوف ، حتى انحنت ، وعقرت عامة خيولهم ، ~~وكثرت الجراحة فيهم ، وقتل من أصحاب زياد رجلان ، ومن أولئك خمسة ، وجاء ~~الليل فحجز بينهم ، وقد كره بعضهم بعضا ، وجرح زياد . فسار الخريت من الليل ~~، وسار زياد إلى البصرة . وأتاهم خبر الخريت أنه أتى الأهوز فنزل بجانب ~~منها ، وتلاحق به ناس من أصحابه فصاروا نحم مائتين ، وكتب زياد إلى علي رضي ~~الله عنه بخبرهم ، وأنه مقيم يداوي الجرحى وينتظر أمره . فلما قرأ علي ~~كتابه قام معقل بن قيس فقال : " يا أمير المؤمنين ، كان ينبغي أن يكون مع ~~من يطلب هؤلاء مكان كل واحد عشرة ، فإذا لحقوهم استأصلوهم وقطعوا دابرهم ، ~~فأما أن يلقاهم عددهم فلعمري ليصبرن لهم ، فإن العدة تصبر للعدة " . فقال ~~على تجهز يا معقل إليهم ، وندب معه ألفين من أهل الكوفة منهم يزيد بن معقل ~~الأزدي وكتب علي إلى ابن عباس يأمره أن يبعث من أهل البصرة رجلا شجاعا ~~معروفا بالصلاح في ألفي رجل إلى معقل ، وهو أمير أصحابه حتى يأتي معقلا ، ~~فإذا لقيه كان معقل الأمير ، وكتب زياد بن خصفة يشكره ويأمره بالعود . قال ~~: واجتمع عل الخريت علوج كثير من أهل الأهوز أرادوا كسر الخراج ، ولصوص ~~وطائفة أخرى من العرب ترى رأيه ، وطمع أهل الخراج في كسره ، فكسروه ، ~~وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس وكان عاملا لعلي في قول من يزعم أنه لم يمت في ~~سنة سبع وثلاثين . فقال ابن عباس لعلي : أنا أكفيك فارس بزياد ، يعني ابن ~~أبيه ، فأمره بإرساله إليها ، فأرسله في جمع كثير ، فوطىء بلاد فارس ، ~~فأدوا الخراج واستقاموا . PageV20P0112 # """""" صفحة رقم ms4402 113 """""" قال : وسار معقل بن قيس ، وقدم الأهواز ، ~~وأقام ينتظر مدد البصرة ، فأبطئوا عليه ، فسار يطلب الخريت ، فلم يسر يوما ~~حتى أدركه المدد مع خالد بن معدان الطائي ، فساروا جميعا فلحقوهم بقرب جبل ~~من جبال رامهرمز ، فصف معقل أصحابهن فجعل على ميمنته يزيد بن المغفل ، وعلى ~~ميسرته منجاب بن راشد الضبي من أهل البصرة . وصف الخريت أصحابه ، فجعل من ~~معه من العرب ميمنة ، ومن معه من أهل البلد والعلوج ميسرة ومعهم الأكراد ، ~~فحرك معقل دابته مرتين ، ثم حمل في الثالثة فصبروا له ساعة ثم انهزموا ، ~~فقتل أصحاب معقل منهم سبعين من بني ناجية ومن معهم من العرب ، وقتلوا نحوا ~~من ثلاثمائة من العلوج والأكراد . وانهزم الخريت فلحق بأسياف البحر وبها ~~جماعة كبيرة من قومه ، فما زال يسير فيهم ويدعوهم إلى خرف علي ، ويخبرهم أن ~~الهدى في حربه ، حتى اتبعه منهم ناس كثير . وأقام معقل بأرض الأهواز ، وكتب ~~إلى علي رضي الله عنه بالفتح فقرأ علي الكتاب على أصحابه واستشارهم ، ~~فقالوا كلهم : نرى أن تأمر معقلا يتبع آثار الفاسق حتى يقتله أو ينفيه ، ~~فإنا لا نأمن أن يفسد عليك الناس . فكتب إلى معقل يثني عليه وعلى من معه ، ~~ويأمره باتباعه وقتله أو نفيه . فسأل معقل عنه فأخبر بمكانه بالأسياف ، ~~وأنه قد رد قومه عن طاعة علي وأفسد من عنده من عبد القيس وسائر العرب . ~~وكان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين وذلك العام ، فسار إليهم معقل وأخذ على ~~فارس فانتهى إلى أسياف البحر ، فلما سمع الخريت بمسيره قال لمن معه من ~~الخوارج : أنا على رأيكم وإن عليا لم ينبغ له أن يحكم . وقال للآخرين من ~~أصحابه : إن عليا حكم ورضي فخلعه حكمه الذي ارتضاه . وقال سرا للعثمانية : ~~أنا والله على رأيكم ، قد والله قتل عثمان مظلوما . فأرضى كل صنف منهم . ~~وقال لمن منع الصدقة : شدوا أيديكم على صدقاتكم ، وصلوا بها أرحامكم ، وكان ~~فيها نصارى كثير قد أسلموا ، فلما اختلف الناس قالوا : والله لديننا الذي ~~خرجنا منه خير من دين هؤلاء الذي ms4403 لا ينهاهم دينهم عن سفك الدماء ، فقال لهم ~~الخريت ، ويلكم ، لا ينجيكم من القتل إلا قتال هؤلاء القوم PageV20P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" والصبر ، فإن حكمهم فيمن أسلم ثم ارتد أن ~~يقتل ولا يقبلون منه توبة ولا عذرا . فخدعهم وجمعهم وأتاهم من كان من بني ~~ناجية وغيرهم خلق كثير . فلما انتهى معقل إليه نصب راية أمان ، وقال : " من ~~أتاها من الناس فهو آمن إلا الخريت وأصحابه الذين حاربونا أول مرة " . ~~فتفرق عن الخريت جل من كان معه من غير قومه . وعبأ معقل أصحابه وزحف بهم ~~نحو الخريت ومعه أصحابه مسلمهم ونصرانيهم ومانع الزكاة منهم ، وحرض كل واحد ~~منهما أصحابه ، ثم حمل معقل ومن معه فقاتلوا قتالا شديدا وصبروا ، ثم إن ~~العمان بن صهبان الراسبي بصر بالخريت ، فحمل عليه فطعنه ، فصرع عن دابته ، ~~ثم اختلفا ضربتين ، فقتله النعمان ، وقتل معه في المعركة سبعون ومائة رجل ، ~~وذهب الباقون يمينا وشمالا ، وسبى معقل من أدركه من حريمهم ذراريهم ، وأخذ ~~رجالا كثيرا ، فأما من كان مسلما فخلاه وأخذ بيعته وترك له عياله ، وأما من ~~كان ارتد فعرض عليهم الإسلام ، فرجعوا ، فخلى سبيلهم وسبيل عيالهم ، إلا ~~شيخا نصرانيا منهم يقال له الرماحس لم يسلم فقتله . وجمع من منع الصدقة ، ~~وأخذ منهم صدقة عامين . واحتمل الأسارى وعيالهم وأقبل بهم ، وشيعهم ~~المسلمون ، فلما ودعوهم بكى الرجال والنساء بعضهم إلى بعض حتى رحمهم الناس ~~. ثم مر بهم حتى أقبل على مصقلة بن هبيرة الشيباني ، وهو عامل علي على ~~أردشير خره ، وهم خمسمائة إنسان ، فبكى النساء والصبيان وصاح الرجال : " يا ~~أبا الفضل ، يا حامي الرجال ، ومأوى الرجال ، ومأوى العضب وفكاك العناة ، ~~امنن علينا فاشترنا وأعتقنا " . فقال مصقلة : أقسم بالله لأتصدقن عليكم إن ~~الله يجزي المتصدقين . فاشتراهم من معقل بخمسمائة ألف ، فقال له معقل : عجل ~~المال إلى أمير المؤمنين . فقال أنا باعث الآن بعضه ثم أبعث كذلك حتى لا ~~يبقى منه شيء ؛ وأقبلي معقل إلى علي فأخبره بما كان منه فاستحسنه . ~~PageV20P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" وبلغ عليا أن مصقلة أعتق الأسارى ولم يسألهم ms4404 ~~أن يعينوه بشيء ، فقال : ما أظن مصقلة إلا قد تحمل حمالة سترونه عن قريب ~~منها ملبدا ، وكتب إليه بحمل المال أو يحضر عنده ، فحضر عنده ، وحمل من ~~المال مائتي ألف . قال ذهل ابن الحارث : فاستدعاني مصقلة ليلة فطعمنا ، ثم ~~قال : إن أمير المؤمنين يسألني هذا المال ولا أقدر عليه . فقلت : " والله ~~ما كنت لأحملها قومي ؛ أما والله لو كان ابن هند ما طالبني بها ، ولو كان ~~ابن عفان لوهبها لي " . قال فقلت : إن هذا لا يرى ذلك الرأي ، لا يترك منها ~~شيئا . فهرب مصقلة من ليلته فلحق بمعاوية . وبلغ عليا ذلك فقال : ما له ~~أقرحه الله فعل فعل السيد وفر فرار العبد ، وخان خيانة الفاجر ، أما إنه لو ~~أقام فعجز ما زدنا على دينه ، فإن وجدنا له شيئا أخذناه وإلا تركناه " . ثم ~~سار علي إلى داره فهدمها ، وأجاز عتق السبي ، وقال : أعتقهم مبتاعهم وصارت ~~أثمانهم وكان أخوه نعم بن هبيرة شيعة لعلي ، فكتب إليه مصقلة من الشام مع ~~رجل من نصارى تغلب ، اسمه حلوان يقول له : " إن معاوية قد وعدك الإمارة ~~والكرامة ، فأقبل ساعة يلقاك رسولي والسلام عليك فأخذه مالك بن كعب الأرحبي ~~فسرحه إلى علي رضي الله عنه ، فقطع على يده ، فمات . وكتب نيم إلى أخيه ~~يلومه على لحاقه بالشام ، وما فعله من هربه . . وأتاه التغلبيون فطلبوا منه ~~دية صاحبهم فوداه لهم . وقال مصقلة : لعمري لئن عاب أهل العراق . . . علي ~~انتعاش بني ناجيه لأعظم من عتقهم رقهم . . . وكفي بعتقهمو حاليه وزايدت ~~فيهم لإطلاقهم . . . وغاليت إن العلا غاليه وحيث ذكرنا من أخبار على ما ~~قدمناه ، فلنذكر ما وقع في مدة خلافته خلاف ذلك على حكم السنين . ~~PageV20P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" ذكر ما اتفق في مدة خلافته رضي الله عنه خلاف ~~ما قدمنا ذكره على حكم السنين مما هو متعلق به خاصة ، خلاف ما هو مختص ~~بمعاوية فإنا نذكره في أخباره إن شاء الله تعالى سنة ست وثلاثين ذكر ولاية ~~قيس بن سعد مصر وما كان بينه وبين معاوية من المكاتبة وما ms4405 أشاعه معاوية عنه ~~حتى عزله علي رضي الله عنه عن مصر واستعمل محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنهما . قال : وفي سنة ست وثلاثين في ثالث صفر بعث علي رضي الله عنه قيس بن ~~سعد بن عبادة أميرا على مصر ، وقال له : " سر إلى مصر قد وليتكها واخرج إلى ~~رحلك ، واجمع إليك ثقاتك ومن أحببت أن يصبحك حتى تأتيها ومعك جند ؛ فإن ذلك ~~أرعب لعدوك وأعز لوليك ، وأحسن إلى المحسن ، واشدد على المريب ، وارفق ~~بالعامة والخاصة ، فإن الرفق يمن " . فقال له قيس : " أما قولك أخرج إليها ~~بجند فوالله لئن لم أدخلها إلا بجند آتيها به من المدينة لا أدخلها أبدا ، ~~فأنا فأنا أدع ذلك الجند لك ، فإن كنت احتجت إليهم كانوا قريبا منك وإن ~~أردت أن تبعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا عدة " . وخرج قيس حتى دخل مصر في ~~سبعة من أصحابه كما ذكرنا ذلك . ولما قدم صعد المنبر وجلس عليه ، وأمر ~~بكتاب علي رضي الله عنه فقريء على أهل مصر بإمارته عليهم ، ويأمرهم ~~بمتابعته ومساعدته وإعانته على الحق . ثم قام قيس فقال : " الحمد لله الذي ~~جاء بالحق ، وأمات الباطل وكبت الظالمين ، أيها الناس : إنا قد بايعنا خير ~~من نعلم بعد نبينا ، فقوموا أيها الناس فبايعوه على كتاب الله وسنة رسوله ~~رضي الله عنه ، فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم " . فقام ~~الناس فبايعوه . واستقامت مصر ، وبعث عليها عماله إلا قرية يقال لها خربتا ~~فيها ناس قد أعظموا قتل عثمان ، عليهم رجل من بني كنانة ثم من بني مدلج ~~اسمه يزيد بن الحارث . وكان مسلمة بن مخلد أيضا قد أظهر الطلب بدم عثمان ، ~~فأرسل إليه قيس " : PageV20P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" ويحك . أعلي تثب ؟ فوالله ما أحب أن لي ملك ~~الشام إلى مصر وأني قتلتك " . فبعث إليه مسلمة : إني كاف عنك ما دمت أنت ~~والي مصر . وبعث قيس إلى أهل خربتا إني لا أكرهكم على البيعة ، وإني أكف ~~عنكم . فهادنم وجبى الخراج ، ليس أحد ينازعه . فكان قيس أثقل ms4406 خلق الله على ~~معاوية ، لقربه من الشام ومخافة أن يقبل علي في أهل العراق ، وقيس في أهل ~~مصر ، فيقع بينهما ، فكتب معاوية إلى قيس : " سلام عليكم ؛ أما بعد ، فإنكم ~~نقمتم على عثمان ضربة بسوط ، أو شتمة لرجل ، أو تسيير آخر ، أو استعمال فتى ~~، وقد علمتم أن دمه لا يحل لكم فقد ركبتم عظيما وجئتم أمرا إدا ، فتب إلى ~~الله يا قيس ، فإنك من المجلبي على عثمان ، فأما صاحبك ، فإذا استيقنا أنه ~~أغرى به الناس ، وحملهم حتى قتلوه ، وأنه لم يسلم من دمه عظم قومك ، فإن ~~استطعت يا قيس أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل ، وتابعنا على أمرنا ، ولك ~~سلطان العراقين إذا ظهرت ما بقيت ، ولمن أحببت من أهلك سلطان الحجاز ما دام ~~لي سلطان ، وسلني ما شئت فإني أعطيكه ، واكتب إلي برأيك " . فلما أتاه ~~الكتاب أحب أن يدافعه ولا يبدي له أمره ، ولا يتعجل إلى حربه ، فكتب إليه : ~~" أما بعد ، فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرته فيه ، فأما ما ذكرت من قتل ~~عثمان ، فذلك شيء لم أقارفه ، وذكرت أن صاحبي هو الذي أغرى به حتى قتلوه ~~فهذا ما لم أطلع عليه ، وذكرت أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان فأول ~~الناس كان فيها قياما عشيرتي ، وأما ما عرضته من متابعتك فهذا أمر لي فيه ~~نظر وفكرة ، وليس هذا مما يسرع إليه ، وأنا كاف عنك ، وليس يأتيك من قبلي ~~ما تكرهه حتى ترى ونرى إن شاء الله تعالى " . فلما قرأ معاوية كتابه رآه ~~مقاربا مباعدا ، فكتب إليه : " أما بعد ، فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو ~~فأعدك سلما ، ولا تتباعد فأعدك حربا ، وليس مثلي يصانع المخادع وبنخدع ~~للمكايد ومعه عدد الرجال وأعنة الخيل ، والسلام . فلما قرأ قيس كتابه ورأى ~~أنه لا تفيد معه المدافعة والمماطلة أظهر له ما في نفسه ، فكتب إليه : " ~~أما بعد ، فالعجب من اغترارك بي وطمعك في ، واستسقاطك رأيي ، أتسومني ~~الخروج من طاعة أولى الناس بالإمارة ، وأقولهم بالحق ، وأهداهم ~~PageV20P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" سبيلا ، وأقربهم من رسول الله ms4407 ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وسيلة ، وتأمرني بالدخول في طاعتك ، طاعة أبعد الناس من هذا ~~الأمر ، وأقولهم بالزور ، وأضلهم سبيلا ، ولد ضالين مضلين ، طاغوت من ~~طواغيت إبليس . وأما قولك : إني مالئ عليك مصر خيلا ورجالا ، فوالله إن لم ~~أشغلك بنفسك حتى تكون أهم إليك إنك لذو وجد ، والسلام . فلما رأى معاوية ~~كتابه أيس منه ، وثقل عليه مكانه ، ولم تنجح حيله فيه فكاده ، من قبل علي ، ~~فقال لأهل الشام : لا تسبوا قيس بن سعد ، ولا تدعوا إلى غزوه ، فإنه لنا ~~شيعة ، تأتينا كتبه ورسله ونصيحته لنا سرا ، ألا ترون ما يفعل بإخوانكم ~~الذين عنده من أهل خربتا ، يجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم ، ويحسن إليهم . ~~وافتعل كتابا عن قيس بالطلب بدم عثمان ، والدخول معه في ذلك ، وقرأه على ~~أهل الشام . فبلغ ذلك عليا فأعظمه وأكبره ، ودعا ابنيه وعبد الله بن جعفر ~~فأعلمهم ذلك ، فقال ابن جعفر : يا أمير المؤمنين ، دع ما يريبك إلى ما لا ~~يريبك اعزل قيسا عن مصر . فقال : والله إني لا أصدق بهذا عنه . فقال عبد ~~الله : اعزله ، فإن كان هذا حقا لا يعتزل لك . فبينما هم كذلك إذ جاء كتاب ~~قيس يخبر بحال المعتزلين وكفه عن قتالهم ، فقال ابن جعفر : ما أخوفني أن ~~يكون ذلك ممالأة منه ، فمره بقتالهم ، فكتب إليه يأمره بقتالهم ، فأجابه : ~~" أما بعد ، فقد عجبت لأمرك تأمرني بقتال قوم كافين عنك ، مفرغيك لعدوك ~~ومتى حاددناهم ساعدوا عليك عدوك ؛ فأطعني يا أمير المؤمنين ، واكفف عنهم ، ~~فإن الرأي تركهم ، والسلام . فلما قرأ الكتاب قال ابن جعفر : يا أمير ~~المؤمنين ؛ ابعث محمد ابن أبي بكر على مصر واعزل قيسا . فبعث محمدا إلى مصر ~~- وقيل : بعث الأشقر النخعي فمات بالطريق فبعث محمدا - فقدم محمد على قيس ~~بمصر ، فقال له قيس : " ما بال أمير المؤمنين ؟ ما غيره ؟ أدخل أحد بيني ~~وبينه ؟ " قال : لا ، وهذا السلطان سلطانك . قال ، لا : والله لا أقيم . ~~PageV20P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" وخرج إلى المدينة وهو غضبان ، فأخافه مروان ~~بن الحكم فخرج من المدينة هو وسهيل بن حنيف إلى علي ms4408 رضي الله عنه فشهدا معه ~~صفين ، فبعث معاوية إلى مروان يتغيظ عليه ويقول له : لو أمددت عليا بمائة ~~ألف مقاتل كان أيسر عندي من قيس بن سعد في رأيه ومكانه . ولما قدم قيس على ~~علي وأخبره الخبر ، علم أنه كان يقاسي أمورا عظاما من المكايد وعظم محل قيس ~~عنده وأطاعه في الأمر كله . وأما محمد ابن أبي بكر فإنه لما قدم مصر قرأ ~~كتاب علي رضي الله عنه إلى أهل مصر عليهم ، ثم قام فقال : " الحمد لله الذي ~~هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق ، وبصرنا وإياكم كثيرا مما كان عمي عنه ~~الجاهلون ، ألا إن أمير المؤمنين ولاني أمركم ، وعهد إلي ما سمعتم ، وما ~~توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وإليه أنيب ، فإن يكن ما ترون من إمارتي ~~وأعمالي طاعة لله فاحمدوا الله على ما كان من ذلك ، فإنه هو الهادي له ، ~~وإن رأيتم عاملا لي بغير الحق فارفعوه إلي وعاتبوني فيه ، فإني بذلك أسعد ~~وأنتم جديرون ، وفقنا الله وإياكم لصالح الأعمال برحمته " . ثم نزل . فلم ~~يلبث إلا شهرا حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كانوا قد وادعهم ~~قيس بن سعد ، فقال لهم : إما أن تدخلوا في طاعتنا وإما أن تخرجوا عن بلادنا ~~. فأجابوه : إنا لا نفعل ، فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير أمرنا إليه ، ولا ~~تعجل بحربنا . فأبى عليهم ، فامتنعوا وأخذوا حذرهم ، وكانت وقعة صفين وهم ~~هائبون لمحمد ، فلما رجع على معاوية وصار الأمر إلى التحكيم طمعوا فيه ، ~~وأظهروا له المبارزة ، فبعث محمد الحارث بن جهمان الجعفي إلى أهل خربتا ~~فقاتلهم فقتلوه ، فبعث إليهم رجلا من كلب يدعى ابن مضاهم فقتلوه . ثم كان ~~من خبر محمد بن أبي بكر ما نذكره إن شاء الله تعالى . وفي هذه السنة قدم ~~أبراز مرزبان مرو إلى علي رضي الله عنه بعد الجمل مقرا بالصلح ، فكتب له ~~كتابا إلى دهاقين مرو والأساورة ومن بمرو ، ثم إنهم كفروا وأغلقوا نيسابور ~~، فبعث علي خليد بن قرة - وقيل : ابن طريف - اليربوعي إلى خراسان . وفيها ~~مات حذيفة ms4409 بن اليمان قبل وقعة الجمل PageV20P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" . وفيها مات سلمان الفارسي في قول بعضهم ، ~~وكان عمره مائتين وخمسين سنة هذا أقل ما قيل فيه ، وقيل : ثلاثمائة وخمسين ~~سنة ، وكان قد أدرك بعض أصحاب المسيح عليه الصلاة والسلام . وفيها استعمل ~~علي رضي الله عنه على الري يزيد بن حجية التيمي تيم اللات فكسر من خراجها ~~ثلاثين ألفا ، فكتب إليه علي يستدعيه ، فحضر فسأله عن المال ، وقال : أين ~~ما غللته من المال ؟ فقال : ما أخذت شيئا ، فخفقه بالدرة خفقات وحبسه ، ~~فوكل له سعدا مولاه فهرب منه يريد الشام ، فسوغه معاوية المال ، فكان ينال ~~من علي ، وبقي بالشام إلى أن اجتمع الأمر لمعاوية ، فسار معه إلى العراق ~~فولاه الري . وقيل : إنه شهد مع علي الجمل وصفين والنهروان ، ثم ولاه بعد ~~ذلك الري وهو الصحيح . سنة سبع وثلاثين فيها بعث علي رضي الله عنه جعدة بن ~~هبيرة المخزومي إلى خراسان بعد عودته من صفين ، فانتهى إلى نيسابور ، وقد ~~كفروا وامتنعوا فرجع إلى علي ، فبعث خليد بن قرة اليربوعي ، فحاصر أهلها ~~حتى صالحوه وصالحه أهل مرو . سنة ثمان وثلاثين في هذه السنة ملك عمرو بن ~~العاص مصر ، وقتل محمد بن أبي بكر على ما نذكر ذلك عن شاء الله تعالى في ~~أخبار معاوية . ذكر خبر عبد الله بن الحضرمي حين بعثه معاوية إلى البصرة ~~وما كان من أمره إلى أن قتل وفي هذه السنة بعد مقتل محمد بن أبي بكر بعث ~~معاوية عبد الله ابن عمرو الحضرمي إلى البصرة ، وقال له : إن جل أهلها يرون ~~رأينا في عثمان ، وقد قتلوا في الطلب بدمه ، فهم لذلك حنقون يودون أن ~~يأتيهم من يجمعهم ، وينهض بهم في الطلب بثأرهم ودم إمامهم ، فانزل في مصر ~~وتودد للأزد فإنهم كلهم معك ، وادع ربيعة فلن ينحرف عنك أحد سواهم ، لأنهم ~~ترابية كلهم وأحذرهم . PageV20P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" فسار ابن الحضرمي حتى قدم البصرة ، وكان ابن ~~عباس قد خرج إلى علي بالكوفة ، واستخلف زياد ابن أبيه على البصرة ، فنزل ~~ابن الحضرمي في ms4410 بني تميم ، فأتاه العثمانية وحضره غيرهم ، فخطبهم وقال : " ~~إن إمامكم إمام الهدى قتل مظلوما ، قتله علي فطلبتم بدمه ، فجزاكم الله ~~خيرا " . فقام الضحاك بن قيس الهلالي وكان عل شرطة ابن عباس فقال : قبح ~~الله ما جئتنا به ، وما تدعونا إليه ، وسبه ، وذكر فضل علي رضي الله عنه ، ~~. فقال عبد الله بن خازم السلمي للضحاك : اسكت ، فلست بأهل أن تتكلم ، ثم ~~أقبل على ابن الحضرمي فقال : نحن أنصارك ويدك ، والقول قولك ، اقرأ كتابك . ~~فأخرج كتاب معاوية إليهم يذكرهم فيه آثار عثمان ، ويدعوهم إلى الطلب بدمه ، ~~ويضمن أنه يعمل فيهم بالسنة ، ويعطيهم عطاءين في كل سنة . فلما فرغ من ~~قراءته قام الأحنف ، فقال : لا ناقتي في هذا ولا جملي . واعتزل القوم . ~~وقام عمرو بن مرجوم العبدي فقال : أيها الناس ، الزموا طاعتكم وجماعتكم ، ~~ولا تنكثوا بيعتكم فتقع بكم الواقعة . وكان العباس بن صحار العيدي مخالفا ~~لقومه في حب علي ، فقام وقال : لننصرنك بأيدينا وألسنتنا . فقال له المثنى ~~بن مخربة العبدي : والله لئن لم ترجع إلى المكان الذي جئتنا منه لنجاهدنك ~~بأسيافنا ورماحنا ، ولا يغرنك هذا الذي تكلم . يعني ابن صحار . فقال ابن ~~الحضرمي لصبرة بن شيمان : أنت ناب من أنياب العرب فانصرني . فقال : لو نزلت ~~في داري لنصرتك . فلما رأى زياد ذلك خاف ، فاستدعى حضين بن المنذر ومالك ~~ابن مسمع ، وقال : أنتم يا معشر بكر بن وائل أنصار أمير المؤمنين وثقاته ، ~~وقد كان من ابن الحضرمي ما ترون ، وأتاه من أتاه ، فامنعوني حتى يأتي أمر ~~أمير المؤمنين " . فقال PageV20P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" حضين بن المنذر : نعم . وقال مالك - وكان ~~يميل إلى بني أمية - . هذا أمر لي فيه شركاء أستشير فيه وأنظر . فلما رأى ~~زياد تثاقل مالك أرسل إلى صبرة بن شيمان الحداني الأزدي يطلب أن يجيره وبيت ~~مال المسلمين ، فقال : إن حملته إلى داري أجرتكما ، فنقله إلى داره بالحدان ~~ونقل المنبر ، فكان يصلي الجمعة بمسجد الحدان . وكتب زياد إلى علي رضي الله ~~عنه بالخبر ، فأرسل إليه أعين ابن ضبييعة المجاشعي ثم التميمي ، ليفرق قومه ms4411 ~~عن ابن الحضرمي ، فإن امتنعوا قاتل بمن أطاعه من عصاه ، وكتب إلى زياد ~~يعلمه ذلك . فقدم أعين فأتى زيادا فنزل عنده ، وجمع رجالا وأتى قومه ، ونهض ~~إلى ابن الحضرمي ومن معه فدعاهم فشتموه ، ووافقهم نهاره ، ثم انصرف عنهم ، ~~فدخل عليه قوم ، قيل : إنهم من الخوارج ، وقيل : وضعهم ابن الحضرمي على ~~قتله ، فقتلوه غيلة ، فلما قتل أعين أراد زياد قتالهم ، فأرسلت تميم إلى ~~الأزد : إنا لم نتعرض لجاركم فما تريدون إلى جارنا ؟ فكرهت الأزد قتالهم ، ~~وقالوا إن عرضوا لجارنا منعناه . وكتب زياد إلى علي بخبر أعين وقتله ، ~~فأرسل علي جارية بن قدامة السعدي وهو من بني سعد من تميم ، وبعث معه خمسين ~~رجلا من تميم ، وقيل : خمسمائة رجل ، وكتب إلى زياد يأمره بمعونته والإشارة ~~عليه . فقدم جارية البصرة ، فحذره زياد ما أصاب أعين ، فقام جارية في الأزد ~~وجزاهم خيرا ، وقال : عرفتم الحق إذ جهله غيركم . وقرأ كتاب علي إلى أهل ~~البصرة يوبخهم ويتهددهم ويعنفهم ويتوعدهم بالمسير إليهم والإيقاع بهم وقعة ~~تكون وقعة الجمل عندها هباء . فقال صبرة ابن شيمان : سمعا لأمير المؤمنين ~~وطاعة : نحن حرب لمن حاربه ، وسلم لمن سالمه . وصار جارية إلى قومه فقرأ ~~عليهم كتاب علي رضي الله عنه ووعدهم ، فأجابه أكثرهم . فسار إلى الحضرمي ~~ومعه الأزد ومن تبعه من قومه ، وعلى خيل ابن الحضرمي عبد الله بن حازم ~~السلمي ، فاقتتلوا ساعة ، وأقبل شريك ابن الأعور فصار مع PageV20P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" جارية ، فانهزم ابن الحضرمي فتحصن بقصر سنبيل ~~ومعه ابن حازم ، فأتته أمه عجلى وكانت حبشية ، فأمرته بالنزول فأبى ، فقالت ~~: والله لتنزلن أو لأنزعن ثيابي ، فنزل ونجا ، وأحرق جارية القصر بمن فيه ، ~~فهلك ابن الحضرمي وسبعون رجلا منهم معه ، وعاد زياد إلى القصر . قال وكان ~~قصر سنبيل لفارس وصار لسنبيل السعدي ، وحوله خندق . وكان فيمن احترق دراع ~~بن بدر أخو حارثة بن بدر ، فقال عمرو بن العرندس : رددنا زيادا إلى داره . ~~. . وجار تميم دخانا ذهب لحا الله قوما شووا جارهم . . . ولم يدفعوا عنه حر ~~اللهب وقال جرير : غدرتم بالزبير ms4412 فما وفيتم . . . وفاء الأزد إذ منعوا ~~زيادا فأصبح جارهم بنجاة عز . . . وجار مجاشع أمسى رمادا فلو عاقدت حبل أبي ~~سعيد . . . لذاذ القوم ما حمل النجادا وأدنى الخيل من رهج المنايا . . . ~~وأغشاها إلا سنة والصعادا قال : وحج بالناس في هذه السنة قثم بن العباس من ~~قبل علي رضي الله عنهم . سنة تسع وثلاثين في هذه السنة بث معاوية سراياه في ~~بلاد علي رضي الله عنه ، فكان من خبرهم ما نذكره إن شاء الله تعالى في ~~أخبار معاوية . PageV20P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" وفيها استعمل علي رضي الله عنه زياد بن أبيه ~~على كرمان وفارس فضبطها بعد أن اضطربت أمورها . وحج بالناس في هذه السنة ~~عبيد الله بن عباس من قبل علي ، وقيل : قثم بن العباس ، وقيل : إن معاوية ~~بعث يزيد بن شجرة الرهاوي ليحج بالناس فاختلف هو وعبيد الله بن عباس ، ثم ~~اتفقا على أن يحج بالناس شيبة بن عثمان فحج . والله أعلم . وفيها توجه ~~الحارث بن مرة العبدي إلى بلاد السند غازيا متطوعا بأمر علي رضي الله عنه ~~فغنم وأصاب سبيا كثيرا ، وقسم في يوم واحد ألف رأس وبقي غازيا إلى أن قتل ~~بأرض القيقان هو ومن معه إلا قليلا في سنة اثنتين وأربعين . سنة أربعين في ~~هذه السنة بعث معاوية بسر بن أرطاة إلى الحجاز واليمن ، ففعل من الأفعال ~~القبيحة وسفك من الدماء المحرمة ما نذكره في أخبار معاوية . وفيها جرت ~~مهادنة بين علي ومعاوية بعد مكاتبات طويلة على وضع الحرب ، ويكون لعلي ~~العراق ولمعاوية الشام لا يدخل أحدهما بلد الآخر بغارة ، واتفقا على ذلك . ~~وفيها فارق عبد الله بن عباس البصرة ولحق بمكة في قول أكثر أهل التاريخ ، ~~وسبب ذلك أنه مر بأبي الأسود فقال له : " لو كنت من البهائم لكنت جملا ، ~~ولو كنت راعيا لما بلغت المرعى " . فكتب أبو الأسود إلى علي رضي الله عنه : ~~" . . . إن ابن عمك قد أكل ما تحت يده بغير علمك ، ولم يسعني كتمانك رحمك ~~الله ، فانظر فيما هناك واكتب إلي برأيك فيما أحببت والسلام ms4413 " . فكتب إليه ~~علي : " أما بعد فمثلك من نصح الإمام والأمة ، ووالى على الحق ، وقد كتبت ~~إلى صاحبك فيما كتبت إلي ، ولم أعلمه بكتابك فلا تدع إعلامي بما يكون ~~بحضرتك مما النظر فيه للأمة صلاح ، فإنك بذلك جدير ، وهو حق واجب عليك ~~والسلام . PageV20P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" وكتب إلى ابن عباس في ذلك ، فكتب إليه ابن ~~عباس : " أما بعد فإن الذي بلغك باطل ، وإني لما تحت يدي ضابط ، وله حافظ ، ~~فلا تصدق الظنين والسلام . فكتب إليه علي : أما بعد ، فأعلمني ما أخذت من ~~الجزية ، ومن أين أخذت ، وفيما وضعت " . فكتب إليه ابن عباس : " أما بعد ، ~~فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك أني رزأته من أهل هذه البلاد ، فابعث إلى ~~عملك من أحببت فإني ظاعن عنه والسلام " . استدعى أخواله بني هلال بن عامر ، ~~فاجتمعت معه قيس كلها ، فحمل مالا وقال : هذه أرزاقنا اجتمعت ، فتبعه أهل ~~البصرة ، فلحقوه بالطف يريدون أخذ المال فقال قيس : والله لا يوصل إليه ~~وفينا عين تطرف . فقال صبرة بن شيمان الحداني : " يا معشر الأزد إن قيسا ~~إخواننا وجيراننا وأعواننا على العدو ، وإن الذي يصيبكم من هذا المال ~~القليل ، وهم لكم خير من المال " . فأطاعوه ، فانصرفوا وانصرف معهم بكر ~~وعبد القيس . . وقاتلهم بنو تميم فنهاهم الأحنف ، فلم يسمعوا منه ، ~~فاعتزلهم ، وقاتلهم بنو تميم فحجز الناس بينهم . . ومضى ابن عباس إلى مكة ~~المشرفة . وقيل بل أقام بالبصرة إلى أيام الحسن - رضي الله عنه وأرضاه ، ~~وشهد صلح الحسن ومعاوية . والأول أصح ، والذي شهد الصلح عبيد الله بن عباس ~~. ذكر مقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وشيء من سيرته كان مقتله في شهر ~~رمضان سنة أربعين ليلة الجمعة . قيل : لسبع عشر ليلة خلت منه ، وقيل : ~~لإحدى عشرة ليلة . وقيل : في شهر ربيع الآخر . والأول أصح . وقاتله عبد ~~الرحمن بن ملجم المرادي ثم التجوبي ، وأصله من حمير ، ولم يختلفوا في أنه ~~حليف لمراد ، وعداده فيهم . PageV20P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" وكان سبب قتله أن عبد الرحمن هذا ، والبرك بن ~~عبد الله التميمي الصريمي واسمه ms4414 الحجاج ، وعمرو بن بكر التميمي السعدي وهم ~~من الخوارج ، اجتمعوا فتذاكرو أمر الناس ، وعابوا ولاتهم ، ثم ذكروا أهل ~~النهروان ، وقالوا : " ما نصنع بالبقاء بعدهم ؟ فلو شرينا نفوسنا ، وقتلنا ~~أئمة الضلالة ، وأرحنا منهم البلاد " . فقال ابن ملجم : أنا أكفيكم عليا . ~~وقال البرك : أنا أكفيكم معاوية وقال عمرو بن بكر : أنا أكفيكم عمرو بن ~~العاص . فتعاهدوا على ذلك ، وسموا سيوفهم واتعدوا لسبع عشرة من رمضان ، ~~وقصد كل منهم الجهة التي يريدها . فأما البرك بن عبد الله فإنه توجه إلى ~~معاوية ، فلما خرج للصلاة ضربه بالسيف فوقع في إليته ، وأخذ فقتل . وقيل : ~~لم يقتله وإنما قطع يده ورجله . وبعث معاوية إلى الساعدي ، وكان طبيبا ، ~~فقال له : " اختر إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف ، وإما أن أسقيك ~~شربة تقطع منك الولد " . فقال : " أما النار فلا صبر لي عليها ، وأما الولد ~~ففي يزيد وعبد الله ما تقر به عيني . فسقاه شربة فبرئ ولم يولد له بعدها . ~~وأما عمرو بن بكر - فإنه جلس لعمرو بن العاص في تلك الليلة ، فما خرج ~~لشكاية نالته في بطنه ، فأمر خارجة ابن حبيبة - وكان صاحب شرطته - أن يصلي ~~بالناس ، فخرج ليصلي ، فشد عليه وهو يرى أنه عمرو بن العاص فقتله . فأتى به ~~إلى عمرو فقال : من هذا ؟ . قالوا : عمرو . قال ومن قتلت ؟ قالوا : خارجة . ~~قال : أما والله ما ظننته غيرك . فقال : أردتني وأراد الله خارجة ؛ وقتله ~~عمرو . هكذا نقل ابن الأثير في تاريخه الكامل في هذه الواقعة في القاتل ~~وقال أبو عمر بن عبد البر : إن القاتل اسمه زادويه رجل من بني العنبر بن ~~عمرو بن تميم ، قال وقيل : مولى لبني العنبر . وفي المقتول إنه خارجة بن ~~حذافة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد ابن عويج بن عدي بن كعب القرشي ~~العدوي ، وأمه فاطمة بن عمرو بن بجرة العدوية . وقال في ترجمته : كان أحد ~~فرسان قريش ، يقال : إنه كان يعدل بألف فارس ، قال : وذكر بعض أهل النسب ~~والأخبار أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر ليمده ms4415 بثلاثة آلاف فارس ، فأمده ~~بالزبير بن العوام ، والمقداد بن الأسود ، وخارجة بن حذافة هذا ، وقال : ~~إنه لما قتل وأدخل القاتل على عمرو فقال : من هذا الذي تدخلوني عليه ؟ ~~فقالوا : عمرو بن العاص ، فقال : ومن قتلته ؟ قيل : PageV20P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" خارجة ، فقال : أردت عمرا وأراد الله خارجة ، ~~وقيل : إن ذلك من كلام عمرو كما تقدم . وفي ذلك يقول عبد الجيد بن عبدون : ~~وليتها إذ فدت عمرا بخارجة . . . فدت عليا بمن شاءت من البشر وأما عبد ~~الرحمن بن ملجم - لعنه الله تعالى آمين - فإنه أتى الكوفة واشترى سيفا بألف ~~، وسقاه السم حتى لقطه ، وكان في خلال ذلك يأتي عليا رضي الله عنه فيسأله ~~فيعطيه ، ويستحمله فيحمله ، إلى أن وقعت عينه على قطام بنت علقمة ، وهي تيم ~~الرباب ، وقيل هي من بني عجل بن لجيم ، وكانت ترى رأي الخوارج ، وكان علي ~~قد قتل أباها وإخوتها بالنهروان ، وكانت امرأة رائعة جميلة ، فأعجبته وأخذت ~~بمجامع قلبه ، فخطبها ، فقال : لقد آليت أن لا أتزوج إلا على مهر لا أريد ~~سواه . فقال : وما هو ؟ فقالت : ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة وقتل علي بن ~~أبي طالب . فقال : " والله لقد قصدت لقتل علي بن أبي طالب والفتك به ، وما ~~أقدمني إلى هذا المصر غير ذلك ، ولكني لما رأيتك آثرت تزويجك " . فقالت : ~~ليس إلا الذي قلت . فقال لها : " وما يعنيك أو يعنيني منك قتل علي ؟ وأنا ~~أعلم أني إن قتلته لم أفت " . فقالت : " إن قتلته ونجوت فهو الذي أردت ، ~~تبلغ شفاء نفسي ويهنيك العيش معي ، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا ~~وما فيها " . فقال لها : لك ما اشترطت ففي ذلك يقول ابن ملجم : ثلاثة آلا ~~وعبد وقينة . . . وضرب علي بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من علي وإن غلا . . ~~. ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم وقد رويت هذه لغيره ، وأوولها : فلم أر ~~مهرا ساقه ذو سماحة . . . كمهر قطام من فصيح وأعجم وقالت قطام له : إني ~~سألتمس لك من يشد ظهرك . فبعثت إلى ابن عم لها يدعى وردان بن ms4416 مجالد ، ~~فأجابها . ولقي ابن ملجم شبيب بن بجرة الأشجعي فقال له : يا شبيب هل لك في ~~شرف PageV20P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" الدنيا والآخرة ؟ قال : وما هو ؟ قال : ~~تساعدني على قتل علي بن أبي طالب ، فقال : " ثكلتك أمك لقد جئت شيئا إدا ، ~~كيف تقدر على ذلك ؟ " قال : " إنه رجل لا حرس له ، ويخرج إلى المسجد منفردا ~~دون من يحرسه ، فنكمن له في المسجد ، فإذا خرج إلى الصلاة قتلناه ، فإن ~~نجونا نجونا ، وإن قتلنا سعدنا بالذكر في الدنيا وبالجنة في الآخرة " . ~~فقال : " ويلك إن عليا ذو سابقة في الإسلام وفضل ، والله ما تنشرح نفسي ~~لقتله " . قال : " ويلك إنه حكم الرجال في دين الله ، وقتل إخواننا ~~الصالحين ، فنقتله ببعض ما قتل ، فلا تشكن في دينك " . فأجابه ، وأقبلا حتى ~~دخلا على قطام ، وهي معتكفة في المسجد الأعظم في قبة ضربتها لنفسها ، فدعت ~~لهم . وأخذوا أسيافهم وجلسوا قبالة السدة التي يخرج منها علي رضي الله عنه ~~، فخرج إلى صلاة الصبح يوم الجمعة ، فبدره شبيب فضربه فأخطأه ، ووقع سيفه ~~بعضادة الباب ، وضربه عبد الرحمن بن ملجم على رأه ، وقال : الحكم لله يا ~~علي لا لك ولأصحابك . فقال علي رضي الله عنه : فزت ورب الكعبة لا يفوتنكم ~~الكلب . وهرب شبيب خارجا من باب كندة ، فلحقه رجل من حضرموت يقال له : ~~عويمر ، فصرعه ، وأخذ سيفه ، وجلس على صدره فصاح الناس : عليكم بصاحب السيف ~~، فخاف عويمر على نفسه فتركه ونجا ، فهرب شبيب في غمار الناس . وهرب وردان ~~إلى منزله ، فأتاه رجل من أهله ، فأخبره وردان بما كان ، فانصرف وجاء بسيفه ~~وقتل وردان . وأما ابن فإنه لما ضرب عليا حمل على الناس ، فأفرجوا له ، ~~فتلقاه المغيرة بن الحكم بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب ، فرمى عليه ~~قطيفة واحتمله وصرعه وقعد على صدره . واختلفوا : هل ضربه في الصلاة ؟ أو ~~قبل الدخول فيها ؟ وهل استخلف من أتم بهم الصلاة أو هم أتمها ؟ قال أبو عمر ~~ابن عبد البر : والأكثر أنه استخلف جعدة بن هبيرة ، فصلى بهم تلك الصلاة . ~~قال : ثم قال علي ms4417 رضي الله عنه لأصحابه حين أخذوا ابن ملجم : احبسوه فإن مت ~~فاقتلوه ولا تمثلوا به ، وإن لم أمت فالأمر إلي في العفو أو القصاص . ~~PageV20P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" وقيل : إنه قال لهم : " النفس بالنفس ، إن ~~هلكت فاقتلوه وإن بقيت رأيت فيه رأيي ، يا بني عبد المطلب لا ألفيتكم ~~تخوضون دماء المسلمين ، تقولون : قتل أمير المؤمنين ، ألا لا يقتلن إلا ~~قاتلي " . وأتت أم كلثوم ابنة علي رضي الله عنهما إلى ابن ملجم وهو مكتوف ~~فقالت : " أي عدو الله ، إنه لا بأس على أبي ، والله مخزيك " . قال : فعلى ~~من تبكين ؟ والله لقد شريته بألف وسممته بألف ، ولو كانت الضربة بأهل مصر ~~ما بقي منهم أحد . قال : ثم أوصى علي رضي الله عنه أولاده بتقوى الله ، ولم ~~ينطق إلا بقول " لا إله إلا الله " حتى مات رضي الله عنه وأرضاه . روي عن ~~صهيب أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال لعلي رضي الله عنه : من أشقى ~~الأولين ؟ : قال : الذي عقر الناقة . قال : فمن أشقى الآخرين ؟ قال ؟ لا ~~أدري . قال : " الذي يضربك على هذا " يعني يافوخه ، " فيخضب هذه " يعني ~~لحيته . وعن ثعلبة الجماني قال : سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : ~~والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه يعني لحيته من دم هذا يعني رأسه . ~~وروى النسائي من حديث عمار بن ياسر عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه ~~قال : أشقى الناس الذي عقر الناقة والذي يضربك على هذا - ووضع يده على رأسه ~~- حتى تخضب هذه ، يعني لحيته . وعن ابن سيرين عن عبيدة قال : كان علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه إذا رأى ابن ملجم قال : أريد حياته ويريد قتلي . . . ~~عذيرك من خليلك من مراد PageV20P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" وكان علي رضي الله عنه كثيرا ما يقول : ما ~~يمنع أشقاها - أو ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه من دم هذا - ويشير إلى لحيته ~~ورأسه - خضاب دم لا خضاب عطر ولا عبير ؟ . وروى عمرو بن شبة عن أبي عاصم ~~النبيل وموسى بن إسماعيل ms4418 عن سكين بن عبد العزيز العبدي ، أنه سمع أباه يقول ~~: جاء عبد الرحمن بن ملجم يستحمل عليا فحمله ، ثم قال : أريد حياته ويريد ~~قتلي . . . عذيرك من خليلك من مراد أما إن هذا قاتلي . قيل : فما يمنعك منه ~~؟ قال : إنه لم يقتلني بعد . وأتى علي رضي الله عنه فقيل له : ابن ملجم يسم ~~سيفه ، ويقول إنه سيفتك بك فتكة يتحدث بها العرب . فبعث إليه فقال له : لم ~~تسم سيفك ؟ قال لعدوي وعدوك . فخلى عنه . وفي كلام علي رضي الله عنه يقول ~~بكر بن حماد : وهز علي بالعراقين لحية . . . مصيبتها حلت على كل مسلم فقال ~~: سيأتيها من الله حادث . . . ويخضبها أشقى البرية بالدم فباكره بالسيف شلت ~~يمينه . . . لشؤم قطام عند ذاك ابن ملجم فيا ضربة من خاسر ضل سعيه . . . ~~تبوأ منها مقعدا في جهنم ففاز أمي المؤمنين بحظه . . . وإن طرقت فيه الخطوب ~~بمعظم ألا إنما الدنيا بلاء وفتنة . . . حلاوتها شيبت بصاب وعلقم وحكي عن ~~عثمان بن المغيرة قال : لما دخل رمضان ، كان علي رضي الله عنه يتعشى ليلة ~~عند الحسن رضي الله عنه ، وليلة عند الحسين ، وليلة عند ابن PageV20P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" جعفر رضي الله عنهم ، لا يزيد على ثلاث لقم ، ~~ثم يقول رضي الله عنه : يأتيني أمر الله وأنا خميص ، وإنما هي ليلة أو ~~ليلتان ، فلم يمض قليل حتى قتل . وقال الحسن ابن كثير عن أبيه قال : خرج ~~علي رضي الله عنه من الفجر ، فأقبل الإوز يصحن في وجهه ، فطردوهن عنه ، ~~فقال : ذروهن فإنهن نوائح ، فضربه ابن ملجم في ليلته . وقال الحسن بن علي ~~رضي الله عنهما يوم قتل علي : خرجت البارحة وأبي يصلي في مسجد داره ، وقال ~~لي : " يا بني إني بت أوقظ أهلي لأنها ليلة الجمعة صبيحة بدر فملكتني عيناي ~~فنمت ، فسنح لي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقلت : يا رسول الله ماذا ~~لقيت من أمتك من الأود واللدد ، فقال لي : ادع عليهم ، فقلت : اللهم أبدلني ~~بهم من هو خير منهم وأبدلهم بي من هو شر مني " فجاء ms4419 ابن النباح فآذنه ~~بالصلاة فخرج ، وخرجت خلفه ، فضربه ابن ملجم فقتله . وروى أبو عمر ابن عبد ~~البر بسنده إلى عبد الله ابن مالك قال : جمع الأطباء لعلي رضي الله عنه يوم ~~جرح ، وكان أبصرهم بالطب أثير بن عمر السكوني ، وكان يقال له : أثير بن ~~عمريا ، وكان صاحب كسرى يتطبب له ، وهو الذي ينسب إليه صحراء أثير ، فأخذ ~~أثير رئة شاة حارة ، فتتبع عرقا منها فاستخرجه فأدخله في جراحة علي ، ثم ~~نفخ العرق فاستخرجه فإذا عليه بياض دماغ ، وإذا لضربة قد وصلت إلى أم رأسه ~~، فقال : يا أمير المؤمنين اعهد عهدك فإنك ميت . وفي ضربة ابن ملجم يقول ~~عمران بن حطان الخارجي يمدح ابن ملجم : لله در المرادي الذي سفكت . . . ~~كفاه مهجة شر الخلق إنسانا أمسى عشية غشاه بضربته . . . مما جناه من الآثام ~~عريانا يا ضربة من تقي ما أراد بها . . . إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني ~~لأذكره حينا فأحسبه . . . أوفى البرية عند الله ميزانا PageV20P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" فقال بكر بن حماد التاهرتي معارضا له : قل ~~لابن ملجم والأقدار غالبة . . . هدمت ويحك للإسلام أركانا قتلت أفضل من ~~يمشي على قدم . . . وأول الناس إسلاما وإيمانا وأعلم الناس بالقرآن ثم بما ~~. . . سن الرسول لنا شرعا وتبيانا صهر النبي ومولاه وناصره . . . أضحت ~~مناقبه نورا وبرهانا وكان منه على رغم الحسود له . . . مكان هارون من موسى ~~بن عمران وكان في الحرب سيفا صارما ذكرا . . . ليس إذا لقي الأقران أقرانا ~~ذكرت قاتله والدمع منحدر . . . فقلت : سبحان رب الناس سبحانا إني لأحسبه ما ~~كان من بشر . . . يخشى المعاد ولكن كان شيطانا أشقى مراد إذا عدت قبائلها . ~~. . وأخسر الناس عند الله ميزانا كعاقر الناقة الأولى التي جلبت . . . على ~~ثمود بأرض الحجر خسرانا قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها . . . قبل المنية ~~أزمانا فأزمانا فلا عفا الله عنه ما تحمله . . . ولا سقى قبل عمران بن ~~حطانا لقوله في شقي ظل مجترما . . . ونال ما ناله ظلما وعدوانا : " يا ضربة ~~من تقي ما أراد بها . . . إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا ms4420 " بل ضربة من غوي ~~أوردته لظى . . . فسوف يلقى بها الرحمن غضبانا كأنه لم يرد قصدا بضربته . . ~~. إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا وقالت أم الهيثم بنت العريان النخعية ، ~~ومنهم من يرويها لأبي الأسود الدؤلي : ألا يا عين ويحك أسعدينا . . . ألا ~~تبكي أمير المؤمنينا PageV20P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" تبكي أم كلثوم عليه . . . بعبرتها فقد رأت ~~اليقينا ألا قل للخوارج حيث كانوا . . . فلا قرت عيون الشامتينا أفي شهر ~~الصيام فجعتمونا . . . بخير الناس ضرا أجمعينا قتلتم خير من ركب المطايا . ~~. . وذللها ومن ركب السفينا ومن لبس النعال ومن حذاها . . . ومن قرأ ~~المثاني والمبينا وكل مناقب الخيرات فيه . . . وحب رسول رب العالمينا لقد ~~علمت قريش حين كانت . . . بأنك خيرهم حسبا ودينا إذا استقبلت وجه أبي تراب ~~. . . رأيت البدر فوق الناظرينا وكنا قبل مقتله بخير . . . ترى مولى رسول ~~الله فينا يقيم الحق لا يرتاب فيه . . . ويعدل في العدا والأقربينا وليس ~~بكاتم علما لدينا . . . ولم يخلق من المتجبرينا كأن الناس إذ فقدوا عليا . ~~. . نعام حار في بلد سنينا فلا تشمت معاوية بن صخر . . . فإن بقية الخلفاء ~~فينا قال ولما مات علي رضي الله عنه غسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن ~~جعفر ، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ، وصلى عليه ابنه الحسن وكبر سبع ~~تكبيرات . قال : ولما قبض رضي الله عنه بعث الحسن رضي الله عنه إلى ابن ~~ملجم فأحضره ، فقال للحسن : " هل لك في خصلة ؟ إني والله أعطيت الله عهدا ~~أن لا أعاهد عهدا إلا وفيت به ، وإني عاهدت الله عند الحطيم أن أقتل عليا ~~ومعاوية أو أموت دونهما ، فإن شئت خليت بيني وبينه ، ولك عهد الله على أني ~~إن لم أقتله أو قتلته ثم بقيت أن آتيك حتى أضع يدي في يدك " . فقال له ~~الحسن : لا والله . ثم قدمه فقتله ، فأخذه الناس فأدرجوه في بواري وحرقوه ~~بالنار . PageV20P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" واختلف في موضع قبر علي رضي الله عنه ، فقيل ~~: دفن في قصر الإمارة بالكوفة ، وقيل : في رحبة الكوفة ، وقيل : دفن بنجف ~~الحيرة في موضع بطريق ms4421 الحيرة ، وقيل : عند مسجد الجماعة ، وقال الواقدي : ~~دفن ليلا وأخفي قبره . وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ، وقيل : ~~أربع سنين وتسعة أشهر وستة أيام ، وقيل : وثلاثة أيام ، وقيل : وأربعة عشر ~~يوما . وكان عمره ثلاثا وستين سنة ، وقيل : خمسا وستين ، وقيل : تسعا ~~وخمسين ، والأول أصح . وأما سيرته رضي الله عنه في خلافته فقد تقدم من ~~فضائله ما قدمناه في صدر هذا الفصل . وكان من سيرته رضي الله عنه أنه يسير ~~في الفيء بسيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في القسم ، وإذا ورد عليه مال ~~لم يبق منه شيئا إلا قسمه ، ولا يترك في بيت المال إلا ما يعجز عن قسمته في ~~يومه ذلك ، ويقول : يا دنيا غري غيري ، ولم يكن يستأثر من الفيء بشيء ، ولا ~~يخص به حميما ولا قريبا . وروى أبو عمر بسنده إلى مجمع التميمي أن عليا رضي ~~الله عنه قسم ما في بيت المال بين المسلمين ، ثم أمر به فكنس ، ثم صلى فيه ~~رجاء أن يشهد له يوم القيامة . وبسنده إلى سفيان بن عاصم بن كليب عن أبيه ~~قال : قدم على علي المال من أصبهان ، فقسمه سبعة أسباع ، ووجد فيه رغيفا ~~فقسمه سبع كسر ، وجعل على كل جزء كسرة ، ثم أقرع بينهم : أيهم يعطي أولا . ~~وعن معاذ بن العلاء عن أبيه عن جده قال : سمعت علي بن أبي طالب يقول : ما ~~أصبت فيكم إلا هذه القارورة أهداها إلى الدهقان ، ثم نزل إلى بيت المال ~~ففرق كل ما فيه ، ثم جعل يقول : أفلح من كانت له قوسره . . . يأكل منها كل ~~يوم تمره PageV20P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" وعن عنترة الشيباني قال : كان علي رضي الله ~~عنه يأخذ الجزية والخراج من أهل كل صناعة من صناعته وعمل يده ، حتى يأخذ من ~~أهل الإبر والمسال والخيوط والحبال ، ثم يقسمه بين الناس ، ولا يدع في بيت ~~المال مالا يبيت فيه حتى يقسمه إلا أن يغلبه شغل ، فيصبح إليه وهو يقول . ~~يادنيا لا تغريني وغري غيري . وكان رضي الله عنه لا يخصص ms4422 بالولايات إلا أهل ~~الديانات والأمانات ، وإذا بلغه عن أحدهم خيانة كتب إليه : " قد جاءكم ~~موعظة من ربكم " " وأوفوا الكيل والميزان بالقسط " " ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين . بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما ~~أنا عليكم بحفيظ " إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى ~~نبعث إليك من يتسلمه منك . ثم يرفع طرفه إلى السماء فيقول : اللهم إنك تعلم ~~أني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك . ومواعظه رضي الله عنه ووصاياه ~~لعماله إذ كان يخرجهم إلى أعماله كثيرة مشهورة ، وقد قدمنا منها في الباب ~~الرابع من القسم الخامس ، من الفن الثاني ، من كتابنا هذا ما تقف عليه هناك ~~، وهو في السفر السادس من هذه النسخة . قال أبو عمر ابن عبد البر : قد ثبت ~~عن الحسن بن علي رضي الله عنهما من وجوه أنه قال : لم يترك أبي إلا ~~ثمانمائة درهم أو سبعمائة درهم فضلت من عطائه ، كان يعدها بخادم يشتريها ~~لأهله وأما تقشفه في لباسه ومطعمه ، فكان من ذلك على الغاية القصوى . روي ~~عن عبد الله ابن أبي الهزيل قال : رأيت عليا رضي الله عنه خرج وعليه قميص ~~غليظ دارس ، إذا مد كمه بلغ إلى الظفر ، وإذا أرسله صار إلى نصف الساعد . ~~وعن الحسن بن جرموز عن أبيه قال : رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخرج ~~من مسجد الكوفة وعليه قطريتان ، مؤتزرا بالواحدة مرتديا بالأخرى ، وإزاره ~~إلى نصف الساق ، وهو يطوف في الأسواق ، ومعه درة يأمرهم بتقوى الله وصدق ~~الحديث ، وحسن البيع ، والوفاء بالكيل والميزان . وعن إسحاق بن كعب بن عجرة ~~عن أبيه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " علي مخشوشن في ذات ~~الله تعالى " . PageV20P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" ذكر أزواج علي رضي الله عنه وأولاده وكاتبه ~~وقاضيه وحاجبه أول زوجة تزوجها فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ورضي عنها ، ولدت له الحسن والحسين رضي الله عنهما ، وقد قيل : إنها أزو ~~ولدت ابنا اسمه محسن توفي صغيرا ms4423 ، وزينب الكبرى ، وأم كلثوم الكبرى . وتزوج ~~بعدها أم البنين ابنة حرام الكلابية ، فولدت له العباس وجعفر وعبد الله ~~وعثمان ، قتلوا مع الحسين بالطف . وتزوج ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلية ~~التميمية ، فولدت عبيد الله وأبا بكر قتلا مع الحسين ، وقيل : إن عبيد الله ~~قتله المختار ابن أبي عبيد . وتزوج أسماء بنت عميس الخسعمية ، فولدت له ~~محمدا الأصغر ويحيى ، وقيل : إن محمدا لأم ولد ، وقيل إنها ولدت عونا . وله ~~من الصهباء بنت ربيعة التغلبية - وهي من السبي الذي أغار عليهم خالد بن ~~الوليد بعين التمر في خلافة أبي بكر - عمر ورقية ، فعمر عمر هذا حتى بلغ ~~خمسا وثمانين سنة ، وحاز نصف ميراث علي رضي الله عنه ، ثم مات بينبع . ~~وتزوج علي رضي الله عنه أمامة بنت أبي العاص بن الربيع ، وأمها زينب بنت ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فولدت له محمدا الأوسط . وله محمد الأكبر ، ~~وهو ابن الحنفية ، أمه خولة بنت جعفر ، من بني حنيفة . وتزوج أم سعيد ابنة ~~عروة بن مسعود فولدت له أم الحسن ورملة الكبرى . وكانت له بنات من أمهات ~~شتى ، وهن : أم هانئ وميمونة وزينب الصغرى ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى ~~وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وجمانة ونفيسة ، وكلهن ~~لأمهات أولاد . وتزوج محياة ابنة امرؤ القيس بن عدي الكلبية ، فولدت له ~~جارية هلكت صغيرة . PageV20P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" فجميع أولاد علي رضي الله عنه خمسة عشر ذكرا ~~، وهم الحسن والحسين ومحسن - على خلاف فيه - والعباس وجعفر وعبد الله ~~وعثمان وعبيد الله وأبو بكر ومحمد بن الحنفية ومحمد الأوسط ومحمد الأصغر ~~ويحيى وعون وعمر ، والنسل منهم للحسين والحسن ومحمد بن الحنفية والعباس بن ~~الكلابية عمر بن التغلبية . ومن البنات تسع عشرة ، وهن : زينب الكبرى وأم ~~كلثوم الكبرى ورقية وأم الحسن ورملة الكبرى وأم هانئ وميمونة وزينب الصغرى ~~ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة ~~وأم جعفر وجمانة ونفيسة وجارية ابنة الكلبية . وكان كاتبه عبد الله بن أبي ~~رافع مولى رسول ms4424 الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكتب له سعد بن نمران ~~الهمداني . قاضيه شريح بن الحارث . صاحب شرطته معقل بن قيس الرياحي ، وقيل ~~: سليمان بن صرد الخزاعي . حاجبه قنبر مولاه ، وكان قبله بشر مولاه . نقش ~~خاتمه : " الملك لله الواحد القهار " . وتقدم ذكر عماله . ذكر خلافة الحسن ~~بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب ~~بن عبد المطلب ، وأمه فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وسنذكر ~~إن شاء الله نبذة من فضائله وأخباره عند ذكرنا لوفاته ، ونذكر في هذا ~~الموضع ما يختص بالخلافة دون غيره . PageV20P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" بويع له يوم وفاة أبيه في شهر رمضان سنة ~~أربعين ، وأول من بايعه قيس بن سعد بن عبادة ، وقال له : ابسط يدك أبايعك ~~على كتاب الله وسنة رسوله وقتال المحلين . فقال له الحسن : على كتاب الله ~~وسنة رسوله ، فإنهما يأتيان على كل شرط . فبايعه الناس ، وكان الحسن يشرط ~~عليهم : " إنكم سامعون مطيعون ، تسالمون من سالمت ، وتحاربون من حاربت " . ~~فارتابوا بذلك وقالوا : ما هذا لكم بصاحب وما يريد هذا إلا القتال . . وكان ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، لما ضربه ابن ملجم دخل عليه جندب بن عبد ~~الله فقال : " إن فقدناك - ولا نفقدك - أفنبايع الحسن ؟ " فقال علي رضي ~~الله عنه : " ما آمركم ولا أنهاكم ، أنتم أبصر " . فلما مات بايعه الناس ، ~~ولم تطل مدته حتى سلم الأمر لمعاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه ؛ لأسباب ~~نذكرها إن شاء الله تعالى . ذكر تسليم الحسن بن علي الخلافة إلى معاوية بن ~~أبي سفيان قال : كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد بايعه أربعون ألفا من ~~عسكره على الموت ، وتجهز لقصد الشام لقتال معاوية فقتل قبل ذلك . فلما بايع ~~الناس الحسن تجهز بهذا الجيش ، وسار من الكوفة في شهر ربيع الأول سنة إحدى ~~وأربعين ، وذلك عندما بلغه مسير معاوية إليه في أهل الشام . ووصل الحسن إلى ~~المدائن ، وجعل قيس بن سعد بن عيادة على مقدمته ms4425 في اثني عشر ألفا ، وقيل : ~~بل كان الحسن قد جعل على مقدمته عبيد الله بن عباس ، فجعل عبيد الله على ~~مقدمته في الطلائع قيس بن سعد . ووصل معاوية مسكن . فلما نزل الحسن المدائن ~~نادى مناد في العسكر : ألا إن قيس ابن سعد قتل فانفروا . فنفروا . وأتوا ~~سرادق الحسن ، وانتهبوا ما فيه ، حتى نازعوه بساطا كان PageV20P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" تحته ، وأخذوا رداءه من ظهره ، ووثب عليه رجل ~~من الخوارج من بني أسد يقال له ابن أقيصر بخنجر مسموم فطعنه به في إليته ، ~~ووثب الناس على الأسدي فقتلوه . فازداد لهم بغضا ومنهم ذعرا ، ودخل ~~المقصورة البيضاء بالمدائن ، وكان الأمير على المدائن سعد بن مسعود الثقفي ~~، عم المختار بن أبي عبيد ، فقال له المختار وهو شاب : هل لك في الغنى ~~والشرف ؟ قال : وما ذاك ؟ قال : تستوثق من الحسن وتستأمن به إلى معاوية . ~~فقال له عمه : " عليك لعنة الله أثب على ابن بنت رسول الله وأوثقه ؟ بئس ~~الرجل أنت " فلما رأى الحسن رضي الله عنه تفرق الناس عنه كتب إلى معاوية ~~وشرط شروطا ، وقال : إن أعطيتني هذا فأنا سامع مطيع ، وعليك أن تفي لي به . ~~وقال لأخيه الحسين وعبد الله ابن جعفر : إنني قد أرسلت إلى معاوية في الصلح ~~. فقال له الحسين : أنشدك الله أن لا تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة أبيك ~~فقال له الحسن : اسكت أنا أعلم بالأمر منك . فلما انتهى كتاب الحسن إلى ~~معاوية أمسكه ، وكان قد أرسل عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة بن جندب ~~إلى الحسن قبل وصول الكتاب إليه ، ومعهما صحيفة ، بيضاء مختوم على أسفلها ، ~~وكتب إليه : أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك . ~~فلما أتت الصحيفة إلى الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك ، ~~وأمسكها عنده . فلما سلم الحسن رضي الله عنه الأمر لمعاوية ، طلب الحسن أن ~~يعطيه الشروط التي اشترطها في الصحيفة التي ختم عليها معاوية فأبى ذلك ، ~~قال : قد أعطيتك ما كتبت تطلب . قال : ولما اصطلحا قام ms4426 الحسن رضي الله عنه ~~في أهل العراق فقال : " يا أهل العراق إنه سخي بنفسي عنكم ثلاث : قتلكم أبي ~~وطعنكم إياي وانتهابكم متاعي " . . قال : وكان الذي طلب الحسن من معاوية أن ~~يعطيه ما في بيت مال الكوفة ومبلغه خمسة آلاف ألف . وقيل : سبعة آلاف ألف ~~وخراج داره بجرد من فارس وأن لا يشتم علي . فلم يجبه إلى الكف عن شتم علي ، ~~فطلب أن لا يشتم PageV20P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" وهو يسمع ، فأجابه إلى ذلك ، ثم لم يف له به ~~أيضا . فأما خراج دار بجرد فإن أهل البصرة منعوه منه وقالوا : هو فيئنا ، ~~لا نعطيه أحدا . وقيل : كان منعهم بأمر معاوية أيضا . وقيل : إن معاوية ~~أجرى على الحسن رضي الله عنه بعد ذلك في كل سنة ألف ألف درهم . وتسلم ~~معاوية الأمر لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين . وقيل : في ~~شهر ربيع الآخر . وقيل : في جمادى الأولى في النصف منه . وقيل : إنما سلم ~~الحسن الأمر إلى معاوية ؛ لأنه لما راسله معاوية في تسليم الخلافة إليه خطب ~~الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال : " إنا والله ما يثنينا عن أهل الشام شك ~~ولا ندم ، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر ، فشيبت السلامة ~~بالعداوة والصبر بالجزع ، وكنتم في مسيركم إلى صفين ودينكم أما دنياكم ، ~~وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم ، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين : قتيل ~~بصفين تبكون له ، وقتيل بالنهروان تطلبون ثأره ، وأما الباقي فخاذل ، وأما ~~الباكي فثائر ، ألا وإن معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفه ، فإذا ~~أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عز وجل بظبا السيوف ، فإن أردتم ~~الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا " . فناداه الناس من كل جانب : البقية ~~البقية ، فأمضى الصلح . فلما عزم على تسليم الأمر إلى معاوية خطب الناس ~~فقال : " أيها الناس ، إنما نحن أمراؤكم وضيفانكم ، ونحن أهل بيت نبيكم ~~عليه الصلاة والسلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " وكرر ذلك ~~حتى ما بقي في المجلس إلا من بكى حتى سمع نشيجه ، وأرسل إلى ms4427 معاوية وسلم ~~إليه الأمر . فكانت خلافة الحسن على قول من يقول " سلم الأمر في ربيع الأول ~~" خمسة أشهر ونصف شهر ، وعلى قول من يقول " في ربيع الآخر " ستة أشهر ~~وأياما ، وعلى قول من يقول " في جمادى الأولى " سبعة أشهر وأياما . وحكى ~~أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله أن الحسن رضي الله عنه لما قتل أبوه بايعه ~~أكثر من أربعين ألفا ، كلهم قد كانوا بايعوا أباه عليا قبل موته على الموت ~~، ثم خرج لقتال معاوية وخرج معاوية لقتاله ، فلما تراءى الجمعان - وذلك ~~بموضع يقال له PageV20P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" مسكن من أرض السواد بناحية الأنبار - علم أنه ~~لن تغلب إحدى الفئتين حتى يذهب أكثر الأخرى ، فكتب إلى معاوية أنه يصير ~~الأمر إليه ، على أن يشترط عليه أن لا يطالب أحدا من أهل المدينة والحجاز ~~ولا أهل العراق بشيء مما كان في أيام أبيه ، فأجابه معاوية وكاد يطير فرحا ~~إلا أنه قال : أما عشرة أنفس فلا أؤمنهم ، فراجعه الحسن فيهم ، فكتب إليه ~~يقول : إني آليت أني متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده . فراجعه ~~الحسن : أني لا أبايعك أبدا وأنت تطلب قيسا أو غيره ، بتبعة قلت أو كثرت ، ~~فبعث إليه معاوية يومئذ برق أبيض وقال : اكتب ما شئت فيه وأنا ألتزمه . ~~فاصطلحا على ذلك ، واشترط عليه الحسن رضي الله عنه : أن يكون له الأمر من ~~بعده ، فالتزم ذلك كله معاوية ، فقال له عمرو بن العاص : إنه قد انفل حدهم ~~وانكسرت شوكتهم . فقال له معاوية : " أما علمت أنه قد بايع عليا أربعون ~~ألفا على الموت ؟ فوالله لا يقتلون حتى يقتل أعدادهم من أهل الشام ، ووالله ~~ما في العيش خير بعد ذلك " . فاصطلحا على ما ذكرناه . وكان الحسن رضي الله ~~عنه كما قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن ابني هذا سيد يصلح ~~الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " قال : ولما بايع الحسن معاوية كان ~~أصحاب الحسن يقولون له : يا عار المؤمنين . فيقول : العار خير من النار . ~~وروى أبو عمر ms4428 بسنده إلى أبي الغريف قال : كنا في مقدمه الحسن بن علي رضي ~~الله عنهما على اثني عشر ألفا بمسكن مستميتين ، تقطر أسيافنا من الجد ~~والحرص على قتال أهل الشام ، وعلينا أبو العمر طه ، فلما جاءنا صلح الحسن ~~كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ والحزن ، فلما جاء الحسن رضي الله عنه الكوفة ~~أتاه شيخ منا يكنى أبا عامر سيفان بن ليلى ، فقال : السلام عليك يا مذل ~~المؤمنين . فقال : " لا تقل هذا يا أبا عامر ، فإني لم أذل المؤمنين ، ~~ولكني كرهت أن أطلبهم في طلب الملك " . PageV20P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" قال أبو عمر : ولا خلاف بين العلماء أن الحسن ~~إنما سلم الخلافة لمعاوية حياتة ، لا غير ، ثم تكون له من بعده ، وعلى ذلك ~~انعقد بينهما ما انعقد في ذلك الوقت ، ورأى الحسن ذلك خيرا من إراقة الدماء ~~في طلبها ، وإن كان عند نفسه أحق بها . قال : ودخل معاوية الكوفة وبايعه ~~الناس ، فأشار عليه عمرو بن العاص أن يأمر الحسن بن علي فيخطب الناس ، فكره ~~ذلك معاوية وقال : لا حاجة لنا بذلك : فقال عمرو : " ولكني أريد ذلك ليبدو ~~للناس عيه ، فإنه لا يدري هذه الأمور ما هي " ولم يزل بمعاوية حتى أمر ~~الحسن رضي الله عنه أن يخطب ، وقال له : يا حسن قم فكلم الناس فيما جرى ~~بيننا . فقام الحسن رضي الله عنه فتشهد وحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال في ~~بديهته : أما بعد أيها الناس فإن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا ، ~~وإن لهذا الأمر مدة ، والدنيا دول ، وإن الله عز وجل يقول : " وإن أدري ~~أقريب أم بعيد ما توعدون . إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون وإن ~~أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " . فلما قالها ، قال له معاوية : أجلس . ~~ثم قام معاوية فخطب الناس ، ثم قال لعمرو : هذه من رأيك . ومن رواية عن ~~الشعبي أن الحسن خطب فقال : " الحمد لله الذي هدا بنا أولكم وحقن بنا دماء ~~آخركم ، ألا إن أكيس الكيس التقى ، وأعجز العجز الفجور ، وإن هذا الأمر ~~الذي اختلفت ms4429 فيه أنا ومعاوية إما أن يكون أحق به مني ، وإما أن يكون حقي ~~فتركته لله تعالى وإصلاح أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وحقن دمائهم " . ~~ثم التفت إلى معاوية فقال : " وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " . ثم ~~نزل ، فقال معاوية لعمرو : ما أردت إلا هذا . وحقدها معاوية على عمرو . ~~ولحق الحسن رضي الله عنه بالمدينة ، بأهل بيته وحشمه ، والناس يبكون عند ~~مسيرهم من الكوفة . PageV20P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" والحسن رضي الله عنه آخر الخلفاء حقيقة ، ~~لقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " الخلافة ثلاثون ثم تكون ملكا ~~وملوكا " فكانت هذه المدة من خلافة أبي بكر رضي الله عنه وإلى آخر أيام ~~الحسن . ولم يزل الحسن رضي الله عنه مقيما بالمدينة إلى أن مات على ما ~~نذكره إن شاء الله في حوادث سنة تسع وأربعين . وحيث ذكرنا الخلفاء الراشدين ~~رضي الله عنهم ، وذكرنا أخبار من مات أو استشهد من العشرة ، أصحاب رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) في أثناء أخبار الخلفاء ، فلنصل هذا الباب ~~بذكر من بقي من العشرة ، وهما : سعد بن أبي وقاص وسعيد بت زيد ، ليكمل عدة ~~العشرة في هذا الباب ، وإن كانت وفاتهما في غير أيام الخلفاء . ذكر أخبار ~~سعد بن أبي وقاص ووفاته رضي الله عنه هو أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص ، واسم ~~أبي وقاص مالك ابن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري . كان ~~رضي الله عنه سابع سبعة في الإسلام ، أسلم بعد ستة ، وهو ابن تسع عشرة سنة ~~. وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالجنة ، ~~وأحد الستة الذين جعل عمر رضي الله عنه الشورى فيهم ، وأخبر أن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) مات وهو عنهم راض . وكان رضي الله عنه مجاب الدعوة ~~مشهورا بذلك ، تخاف دعوته وترجى لاشتهار إجابتها ، وذلك أن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال فيه : " اللهم سدد سهمه وأجب دعوته " . وهو أول من ~~رمى بسهم في سبيل الله ، وذلك ms4430 في سرية عبيدة بن الحارث ، وقد تقدم ذكره في ~~السيرة النبوية في الغزوات والسرايا . PageV20P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" وجمع رسول الله عليه الصلاة والسلام له بين ~~أبويه في قوله ( صلى الله عليه وسلم ) " ارم فداك أبي وأمي " ولم يقل ذلك ~~إلا له وللزبير بن العوام . وكان أحد الفرسان الشجعان من قريش ، وهو الذي ~~كوف الكوفة ونفى الأعاجم وتولى قتال الفرس كما تقدم ذكر ذلك في خلافة عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه . وكان أميرا على الكوفة ، فشكاه أهلها ورموه ~~بالباطل ، فدعا على الذي واجهه بالكذب دعوة ظهرت إجابته فيها . ولما جعله ~~عمر بن الخطاب في أصحاب الشورى قال : إن وليها سعد فذاك وإلا فليستعن به ~~الوالي فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة . وكلمه ابنه عمر بن سعد أن يدعو ~~لنفسه بعد مقتل عثمان فأبى . وكان رضي الله عنه ممن لزم بيته وقعد في ~~الفتنة ، وأمر أهله أن لا يخبروه من أخبار الناس بشيء حتى تجتمع الأمة على ~~إمام ، فطمع معاوية فيه وفي عبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة ، فكتب إليهم ~~يدعوهم إلى عونه على الطلب بدم عثمان ، ويقول لهم إنهم لا يكفرون ما أتوه ~~من قتله وخذلانه إلا بذلك ، وقال : إن قاتله وخاذله سواء ، في نثر ونظم كتب ~~به إليهم ، فأجابه كل واحد منهم يرد عليه ما جاء به من ذلك ، وينكر عليه ~~مقالته ، ويعرفه أنه ليس بأهل لما يطلبه ، وكان في جواب سعد : معاوي داؤك ~~الداء العياء . . . وليس بما تجيء به دواء أيدعوني أبو حسن علي . . . فلم ~~أردد عليه ما يشاء وقلت له اعطني سيفا قصيرا . . . تماز به العداوة والولاء ~~فإن الشر أصغره كبير . . . وإن الظهر مثقله الدماء أتطمع في الذي أعيا عليا ~~. . . على ما قد طمعت به العفاء ليوم منه خير منك حيا . . . وميتا أنت ~~للمرء الفداء وأما أمر عثمان فدعه . . . فإن الرأي أذهبه البلاء ~~PageV20P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" وكانت وفاة سعد رضي الله عنه في قصره بالعقيق ~~، على عشرة أميال من المدينة ، وحمل إلى المدينة على رقاب ms4431 الرجال ، ودفن ~~بالبقيع وصلى عليه مروان بن الحكم ، واختلف في وقت وفاته ، فقال الواقدي : ~~توفي في سنة خمس وخمسين ، وهو ابن بضع وسبعين سنة ، وقال أبو نعيم مات سنة ~~ثمان وخمسين ، وقال الزبير والحسن بن عثمان وعمرو بن علي الغلاس : توفي في ~~سنة أربع وخمسين ، وهو ابن بضع وسبعين ، وذكر أبو زرعة عن أحمد بن حنبل رضي ~~الله عنه قال : توفي وهو ابن ثلاث وثمانين سنة ، وروي عن ابن شهاب أن سعد ~~ابن أبي وقاص رضي الله عنه : لما حضرته الوفاة دعا بخلق جبة له من صوف ، ~~فقال كفنوني فيها فإني كنت لقيت المشركين فيها يوم بدر وهي علي وإنما كنت ~~أخبؤها لهذا اليوم ، رضي الله عنه وأرضاه . ذكر أخبار سعيد بن زيد رضي الله ~~عنه ووفاته هو أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن ~~رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي ابن غالب القرشي ~~العدوي . وأمه فاطمة بنت بعجة بن مليح الخزاعية . وهو ابن عم عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه وصهره ، كانت تحته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر ، وكانت أخته ~~عاتكة بنت يزيد تحت عمر . وكان سعيد رضي الله عنه من المهاجرين الأولين ، ~~قديم الإسلام لم يشهد بدرا ، وضرب له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بسهمه وأجره ، وقد قدمنا ذكر ذلك في غزوة بدر ، وشهد ما بعد بدر من المشاهد ~~، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة . PageV20P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" وكان أبوه زيد بن عمرو يطلب دين الحنيفية - ~~دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام - قبل أن يبعث رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وكان لا يذبح للأنصاب ، ولا يأكل مما ذبح لها ، ولا يأكل الميتة ~~ولا الدم ، وخرج في الجاهلية يطلب الدين هو وورقة بن نوفل ، فعرضت عليهم ~~اليهود دينهم فتهود ورقة ، ثم لقيا النصارى فترك ورقة اليهودية وتنصر ، ~~وأبى زيد أن يأتي شيئا من ذلك ، وقال : ما هذا إلا كدين قومنا تشركون ~~ويشركون ، ولكنكم عندكم ms4432 من الله ذكر ولا ذكر عندهم . فقال له راهب : إنك ~~تطلب دينا ما هو على الأرض اليوم . قال : وما هو ؟ قال : دين إبراهيم عليه ~~السلام . قال : وما كان عليه إبراهيم ؟ قال : كان يعبد الله لا يشرك به ~~شيئا ، ويصلي إلى الكعبة . فكان زيد على ذلك حتى مات . ومن رواية أخرى قال ~~: خرج ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو يطلبان الدين حتى مرا بالشام ، فأما ورقة ~~فتنصر ، وأما زيد فقيل له : إن الذي تطلب أمامك ، فانطلق حتى أتى الموصل ~~فإذا هو براهب فقال : من أين أقبل صاحب الراحلة ؟ قال من بيت إبراهيم . قال ~~: ما تطلب ؟ قال : الدين . قال : فعرض عليه النصرانية ، فقال : لا حاجة لي ~~فيها ، وأبى أن يقبل ، فقال : إن الذي تطلب سيظهر بأرضك . فأقبل وهو يقول : ~~لبيك حقا حقا . تعبد ورقا . وقال : مهما تجشمني فإني جاشم . عذت بما عاذ به ~~إبراهيم . قال : وأتى سعيد بن زيد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ~~يا رسول الله إن زيدا كان كما قد رأيت وبلغك فاستغفر له . قال عليه الصلاة ~~والسلام : " نعم ، فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده " فاستغفر له . قال أبو ~~عمر : وكان عثمان ابن عفان رضي الله عنه قد أقطع سعيد بن زيد أرضا بالكوفة ~~فنزلها وسكنها إلى أن مات ، وسكنها من بعده من بنيه الأسود بن سعيد . وكانت ~~وفاة سعيد في سنة خمسين أو سنة إحدى وخمسين ، وهو ابن بضع وسبعين سنة رضي ~~الله عنه وأرضاه . PageV20P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الخامس ~~في أخبار الدولة الأموية معاوية بن أبي سفيان أول من ملك من ملوك هذه ~~الدولة معاوية بن أبي سفيان ، هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر ~~بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ، يجتمع نسبه ونسب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في عبد مناف بن قصي . وأمه هند بنت عتبة ~~بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف . ولي معاوية دمشق ms4433 عاملا لعمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه ، في سنة ثماني عشرة كما ذكرنا ذلك في خلافة عمر ، وأقام بقية ~~أيام عمر وأيام عثمان بن عفان رضي الله عنهما بكمالها إلى أن قتل . فلما ~~بويع علي رضي الله عنه امتنع من مبايعته ، وكان بينهما من الحروب ما ذكرناه ~~في خلافة علي . وسلم عليه بالإمارة بعد اجتماع الحكمين في سنة سبع وثلاثين ~~، وبويع له بعد وفاة علي رضي الله عنه في ذي الحجة سنة أربعين ببيت المقدس ~~، قاله أبو بشر الدولابي رحمة الله عليه ، ثم بويع له البيعة العامة ~~بالكوفة بعد أن خلص له الأمر وتسلمه من الحسن بن علي رضي الله عنهما ، على ~~ما تقدم ، في سنة إحدى وأربعين ، في شهر ربيع الأول لخمس بقين منه وقيل : ~~في ربيع الآخر . وقيل : جمادى الأولى . . ولنبدأ من أخباره بما كان منها في ~~خلافة علي رضي الله عنه ، مما لم نذكره هناك ثم نذكر من أخباره بعد أن خلص ~~له الأمر ، فنبدأ هناك بما وقع في أيامه من الغزوات والفتوحات ، ثم نذكر ~~أخبار الخوارج عليه ، ثم حوادث السنين خلاف ذلك على نحو ما قدمناه في أخبار ~~غيره ، إن شاء الله تعالى . PageV20P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" ذكر قدوم عمرو بن العاص على معاوية وصلحه معه ~~كان عمرو بن العاص قد فارق المدينة وقدم إلى فلسطين في آخر أيام عثمان ، ~~فأقام هناك حتى قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وقد ذكرنا في خلافة عثمان ~~سبب خروج عمرو ، فلما أتاه الخبر بقتل عثمان قال : " أنا أبو عبد الله ، ~~أنا قتلته وأنا بوادي السبع إن يل هذا الأمر طلحة فهو فتى العرب سيبا ، وإن ~~يله ابن أبي طالب فهو اكره من يليه إلي " . فأتاه الخبر ببيعة علي ، فاشتد ~~عليه ، فأقام ينتظر ما يصنع الناس ، فأتاه خبر مسير عائشة وطلحة والزبير ، ~~فأقام ينتظر ما يصنعون ، فأتاه خبر وقعة الجمل ، فأرتج عليه . فسمع أن ~~معاوية امتنع من بيعة علي رضي الله عنه وأنه يعظم شأن عثمان ، فدعا ابنيه ، ~~فاستشارهما ، وقال ms4434 : " ما تريان ؟ أما علي فلا خير عنده ، وهو يدل بسابقته ~~، وهو غير مشركي في أمره " . فقال له ابنه عبد الله : " يا أبت ، توفي ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأبو بكر وعمر وهم عنك راضون ، فأرى أن تكف ~~يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس " . وقال له محمد : " يا أبت ، أنت ناب ~~من أنياب العرب ، ولا أرى أن يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صوت " . فقال ~~عمرو : " أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في ديني ، وأما أنت يا ~~محمد فأمرتني بما خير لي في دنياي وشر لي في آخرتي " . ثم خرج ومعه ابناه ~~حتى قدم على معاوية وقيل : إنه ارتحل من فلسطين وهو يبكي كما تبكي المرأة ، ~~ويقول : واعثماناه أنعى الحياء والدين ، حتى قدم دمشق فوجد أهل الشام يحضون ~~معاوية على الطلب بدم عثمان . فقال لهم : أنتم على الحق اطلبوا بدم الخليفة ~~المظلوم . ومعاوية لا يلتفت إليه ، فقال له ابناه : ألا ترى إلى معاوية لا ~~يلتفت إليك ، انصرف إلى غيره ، فدخل عليه فقال : " والله لعجب لك أني أرفدك ~~بما أرفدك وأنت معرض عني ، إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إن في النفس ما ~~فيها ، حيث تقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته ، ولكنا إنما أردنا هذه ~~PageV20P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" الدنيا " . فصالحه معاوية وعطف عليه واقتدى ~~بآرائه ، وشهد عمرو معه صفين ، وحكمه ، وكان من أمره معه ما تقدم ، والله ~~أعلم ذكر مقتل محمد بن أبي حذيفة وشيء من أخباره كان أبوه حذيفة بن عتبة بن ~~ربيعة بن عبد شمس ، قتل يوم اليمامة وترك ابنه محمدا هذا ، فكفله عثمان ~~وأحسن تربيته . وكان فيما قيل قد أصاب شرابا فحده عثمان ، ثم تنسك بعد ذلك ~~وأقبل على العبادة . وطلب من عثمان أن يوليه عملا فقال له : لو كنت أهلا ~~لذلك لوليتك ، فقال له : إلي قد رغبت في غزو البحر فأذن لي في إتيان مصر . ~~فأذن له وجهزه ، فلما قدمها رأى الناس عبادته فلزموه وعظموه . وغزا مع عبد ~~الله بن سعد غزوة الصواري ms4435 ، وكان محمد يعيب ابن سعد ، ويعيب عثمان بتوليته ~~، ويقول : استعمل رجلا أباح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دمه . وكتب ~~عبد الله إلى عثمان : إن محمدا قد أفسد علي البلاد هو ومحمد بن أبي بكر . ~~فكتب عثمان رضي الله عنه إليه : أما ابن أبي بكر فإنه يوهب لأبيه وعائشة ، ~~وأما ابن أبي حذيفة فإنه ابني وابن أخي وتربيتي وهو فرخ قريش . فكتب إليه : ~~إن هذا الفرخ قد استوى ريشه ولم يبق إلا أن يطير . فبعث عثمان إلى ابن أبي ~~حذيفة ثلاثين ألف درهم ومحملا عليه كسوة . فوضعهما محمد في المسجد وقال : ~~يا معشر المسلمين ألا ترون إلى عثمان يخادعني PageV20P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" عن ديني ويرشوني ، عليه . فازداد أهل مصر ~~تعظيما له وطعنا على عثمان ، وبايعوه على رئاستهم . فكتب إليه عثمان يذكره ~~بره به وتربيته إياه وقيامه بشأنه ، ويقول له : كفرت إحساني أحوج ما كنت ~~إلى شكرك . فلم يرده ذلك عن ذمه وتأليب الناس عليه ، وحثهم إلى المسير إلى ~~حصره ومساعدة من يريد ذلك . فلما سار المصريون إلى عثمان أقام هو بمصر ، ~~وخرج عنها عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، فاستولى عليها وضبطها ولم يزل ~~مقيما بها حتى قتل عثمان وبويع علي رضي الله عنه ، واتفق معاوية وعمرو بن ~~العاص على خلاف علي فسار عمرو بن العاص إليه وقتله . وقد اختلف في قتله ، ~~فمن المؤرخين من قال : إن عمرو بن العاص سار إلى مصر هو ومعاوية قبل مقدم ~~قيس بن سعد إليها ، وأراد دخول مصر فلم يقدرا على ذلك ، فخدعا محمدا حتى ~~خرج إلى العريش في ألف رجل فتحصن بها ، فنصبا عليه المنجنيق حتى نزل في ~~ثلاثين من أصحابه فقتل . وهذا القول ليس بشيء يعتمد عليه ، وهو بعيد جدا ، ~~لأن علي بن أبي طالب استعمل قيس بن سعد على مصر أول ما بويع ، ولو كان قتل ~~محمد بن أبي حذيفة قبل وصول قيس بن سعد إلى مصر لاستولى معاوية على مصر ، ~~ولا خلاف أن استيلاء معاوية على مصر كان بعد ms4436 صفين ، وإنما ذكرنا هذا القول ~~لنبين بطلانه ، وقد علله بعض المؤرخين بنحو هذا التعليل ، واستدل على ~~بطلانه . وقد قيل غير ذلك وهو أن محمد بن أبي حذيفة سير المصريين إلى عثمان ~~، فلما حضروه أخرج محمد عبد الله بن سعيد بن أبي سرح عن مصر وهو عامل عثمان ~~واستولى عليها ، فنزل عبد الله على تخوم مصر وانتظر أمر عثمان ، فطلع عليه ~~PageV20P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" راكب ، فسأله ، فأخبره بقتل عثمان وببيعة علي ~~رضي الله عنه ، فاسترجع ، وأخبره بولاية قيس بن سعد على مصر ، وأنه قادم ~~بعده فقال عبد الله : " أبعد الله محمد بن أبي حذيفة فإنه بغى على ابن عمه ~~وسعى عليه ، وقد كفله ورباه وأحسن إليه ، فأساء جواره ، وجهز إليه الرجال ، ~~حتى قتل ، ثم ولى علي من هو أبعد منه ومن عثمان ، ولم يمتعه بسلطان بلاده ~~شهرا ولم يره لذلك أهلا " . وخرج عبد الله هاربا حتى قدم على معاوية . وقيل ~~: إن عمرو بن العاص سار إلى مصر بعد صفين ، فلقيه محمد بن أبي حذيفة في جيش ~~كثير ، فلما رأى عمرو كثرة من معه أرسل إليه فاجتمعا ، فقال له عمرو : " ~~إنه قد كان ما ترى ، وقد بايعت هذا الرجل - يعني معاوية - وما أنا راض ~~بكثير من أمره ، وإني لأعلم أن صاحبك عليا أفضل من معاوية نفسا وقدما ، ~~وأولى بهذا الأمر ، فواعدني موعدا ألتقي معك فيه في غير جيش ، تأتي في مائة ~~وآتي في مثلها ، وليس معنا إلا السيوف في القرب " . فتعاهدا وتعاقدا على ~~ذلك واتعدا العريش ، ورجع عمرو إلى معاوية فأخبره الخبر ، فلما جاء الأجل ~~سار كل واحد منهما في مائة ، وجعل عمرو جيشا خلفه ، فلما التقيا بالعريش ، ~~قدم جيش عمرو على أثره فعلم محمد أنه قد غدر به ، فدخل قصرا بالعريش فتحصن ~~به ، وحصره عمرو ، ورماه بالمنجنيق حتى أخذ أسيرا ، فبعث به إلى معاوية ~~فسجنه ، وكانت ابنة قرظة امرأة معاوية ابنة محمد عمة أبي حذيفة ، أمها ~~فاطمة بنت عتبة ، فكانت تصنع له طعاما ترسله إليه ، فأرسلت إليه يوما في ~~الطعام مبارد ms4437 ، فبرد بها قيوده ، وهرب ، فاختفى في غار ، فأخذ وقتل . وقيل ~~: إنه بقي محبوسا إلى أن قتل حجر بن عدي ، ثم هرب فطلبه مالك بن هبيرة ~~السكوني ، فظفر به فقتله غضبا لحجر ، وكان مالك قد شفع إلى معاوية في حجر ~~فلم يشفعه . PageV20P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" وقيل : إن محمد بن أبي حذيفة - لما قتل محمد ~~بن أبي بكر - خرج في جمع كثير على عمرو ، فأمنه عمرو ، ثم غدر به ، وحمله ~~إلى معاوية ، فحبسه ، ثم إنه هرب ، فأظهر معاوية للناس أنه كره هربه ، وأمر ~~بطلبه فسار في طلبه عبيد الله بن عمر بن ظلام الخثعمي فأدركه بحوران في غار ~~، وجاءت حمر تدخل الغار ، فلما رأت محمدا نفرت منه ، وكان هناك ناس يحصدون ~~، فقالوا : والله إن لنفرة هذه الحمر لشأنا ، فذهبوا إلى الغار فرأوه ، ~~وخرجوا من عنده ، فوافقهم عبيد الله فسألهم عنه ووصفه لهم ، فقالوا : هو في ~~الغار ، فأخرجه ، وكره أن يأتي به معاوية فيخلى سبيله ، فضرب عنقه . والله ~~أعلم . ذكر ملك عمرو بن العاص مصر ومقتل محمد بن أبي بكر ووفاة الأشتر وما ~~يتصل بذلك قد ذكرنا في أخبار علي رضي الله عنه استعماله محمد بن أبي بكر ~~على مصر ، وما كان بينه وبين أهل خربتا وقتلهم ابن مضاهم ، ثم خرج معاوية ~~ابن حديج السكوني ، ودعا إلى الطلب بدم عثمان فأجابه ناس وفسدت مصر على ~~محمد بن أبي بكر ، فبلغ ذلك عليا فاستدعى الأشتر ، وكان قد توجه إلى نصيبين ~~بعد صفين ، فحضر إليه فأخبره خبر أهل مصر ، وقال له : " ليس لها غيرك ، ~~فاخرج غليها ، فإني لو لم أوصيك اكتفيت برأيك ، فاستعن بالله ، واخلط الشدة ~~باللين ، وارفق ما كان الرفق أبلغ ، وتشدد حين لا يغني إلا الشدة " فخرج ~~الأشتر إلى مصر ، فبلغ معاوية ذلك ، فعظم عليه ، وكان قد طمع في مصر ، فعلم ~~أن الأشتر إن قدمها كان عليه أشد من محمد بن أبي بكر رضي الله عنه ، فبعث ~~معاوية إلى المقدم على أهل الخراج بالقلزم وهو الجابستار وقال له : إن ~~الأشتر قد ولي مصر ms4438 فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقيت . فخرج ~~الجابستار حتى أتى القلزم وأقام به . PageV20P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" وخرج الأشتر من العراق إلى مصر ، فلما انتهى ~~إلى القلزم استقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول ، فنزل عنده ، فأتاه بطعام ~~فأكل وأتاه بشربة من عسل قد جعل فيه سما فسقاه إياه ، فلما شربها وأقبل ~~معاوية يقول لأهل الشام : إن عليا قد وجه الأشتر إلى مصر فادعوا الله عليه ~~فكانوا يدعون عليه . وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر ، ~~فقام معاوية خطيبا ، ثم قال : أما بعد ، فإنه كانت لعلي يمينان ، قطعت ~~إحداهما يوم صفين - يعني عمار بن ياسر - وقطعت الأخرى اليوم - يعني الأشتر ~~- . فلما بلغ ذلك عليا قال : لليدين وللفم وكان ثقل عليه لأشياء نقلت عنه ، ~~وقيل : إنه لما بلغه قتله استرجع وقال : " مالك وما مالك ؟ وهو موجود مثل ~~ذلك ؟ لو كان من حديد لكان قيدا ، أو من حجر لكان صلدا ، على مثله فلتبك ~~البواكي " . ثم كتب إلى محمد بن أبي بكر باستقراره على عمله ، وأوصاه وقيل ~~: إنه إنما ولى الأشتر بعد قتل محمد بن أبي بكر . قال : ولما كان من ~~الحكمين ما كان ، وبايع أهل الشام معاوية بالخلافة ، لم يكن لهم هم إلا مصر ~~، وكان يعاب أهلها لقربهم منه ولشدتهم وما كان من رأيهم في عثمان ، وكان ~~يرجو أنه إذا ظهر عليها ظهر على حرب علي رضي الله عنه لعظم خراجها ، فدعا ~~معاوية عمرو بن العاص ، وحبيب بن أبي سلمة ، وبسر بن أرطاة ، PageV20P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" والضحاك بن قيس ، وعبد الرحمن بن خالد ، وأبا ~~الأعور والسلمى ، وشرحبيل بن السمط الكندي ، فقال لهم : أتدرون لم جمعتكم ؟ ~~فإني جمعتكم لأمر مهم . فقالوا : لم يطلع الله على الغيب أحدا ، ولم نعلم ~~ما تريد . فقال عمرو بن العاص : لتسألنا عن رأينا في مصر ، فإن كنت جمعتنا ~~لذلك ، فاعزم واصبر ، فنعم الرأي رأيت في افتتاحها ، فإن فيه عزك وعز ~~أصحابك ، وكبت عدوك ، وذل أهل الشقاق عليك . فقال معاوية : أهمك يا ابن ~~العاص ما أهمك . وذلك ms4439 أن عمرا صالح معاوية على قتال علي رضي الله عنه على ~~أن له مصر طعمة ما بقي . وأقبل معاوية على أصحابه وقال : أصاب أبو عبد الله ~~، فما ترون ؟ قالوا : ما نرى إلا ما رأى عمرو . ثم كتب معاوية إلى مسلمة ~~ابن مخلد ومعاوية بن حديج السكوني - وكانا قد خالفا عليا - يشكرهما على ذلك ~~، ويحثهما على الطلب بدم عثمان ، ويعدهما المواساة في سلطانه . وبعثه مع ~~مولاه سبيع . فلما وقفا عليه أجاب مسلمة بن مخلد الأنصاري عن نفسه وعن ابن ~~حديج : " أما بعد ، فإن الأمر الذي بذلنا له أنفسنا ، واتبعنا أمر الله ~~نرجو به ثواب ربنا ، والنصر على من خالفنا ، وتعجيل النقمة على من سعى على ~~إمامنا ، وأما ما ذكرت من المواساة في سلطانك ، فبالله إن ذلك أمر ماله ~~نهضنا ، ولا إياه أردنا ، فعجل علينا بخيلك ورجالك ، فإن عدونا قد أصبحوا ~~لنا هائبين ، فإن يأتنا مدد يفتح الله عليك ، والسلام . فجاءه الكتاب وهو ~~بفلسطين ، فدعا أولئك النفر وقال لهم : ما ترون ؟ قالوا : نرى أن تبعث جندا ~~. فأمر عمرو بن العاص ليتجهز إليها ، وبعث معه ستة آلاف رجل ، وأوصاه ~~بالتؤدة وترك العجلة . وسار عمرو حتى نزل أداني أرض مصر ، فاجتمعت ~~العثمانية إليه ، فأقام بهم ، وكتب إلى محمد بن أبي بكر : " أما بعد ، فتنح ~~عني بدمك يا بن أبي بكر ، فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر ؛ إن الناس بهذه ~~البلاد قد أجمعوا على خلافك وهم PageV20P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" مسلموك فاخرج منها ، إني لك من الناصحين " ~~وبعث إليه بكتاب معاوية في المعنى ، ويتهدده بقصده حصار عثمان . فأرسل محمد ~~الكتابين إلى علي رضي الله عنه ، ويخبره بنزول عمرو بأرض مصر ، وأنه رأى ~~التثاقل ممن عنده ، ويستمده . فكتب إليه يأمره أ ، يضم شيعته إليه ، ويعده ~~إنفاذ الجيوش إليه ويأمره بالصبر لعدوه وقتاله . وقام محمد في الناس فندبهم ~~إلى الخروج إلى عدوهم مع كنانة بن بشر ، فانتدب معه ألفان ، وخرج محمد بن ~~أبي بكر بعده في ألفين ، وأقبل عمرو نحو كنانة ، فلما دنا منه سرح الكتائب ~~كتيبة ms4440 بعد كتيبة ، فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة إلا حمل عليها ، فألحقها ~~بعمرو ، فلما رأى ذلك بعث إلى معاوية بن حديج ، فأتاه في مثل الدهم ، ~~فأحاطوا بكنانة وأصحابه ، واجتمع أهل الشام عليهم من كل جانب ، فنزل كنانة ~~عن فرسه ونزل معه أصحابه ، فقالت بسيفه حتى قتل ، وبلغ قتله محمد بن أبي ~~بكر ، فتفرق عنه أصحابه ، وأقبل عمرو بجمع ، ولم يبق مع محمد أحد . فخرج ~~محمد يمشي في الطريق ، فانتهى إلى خربة فأوى إليها ، وسار عمرو بن العاص ~~حتى دخل الفسطاط ، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد بن أبي بكر ، فانتهى ~~إلى جماعة على قارعة الطريق فسألهم عنه ، فقال أحدهم : دخلت تلك الخربة ~~فرأيت فيها رجلا جالسا ، فقال ابن حديج : هو هو . فدخلوا فاستخرجوه وكاد ~~يموت عطشا ، وأقبلوا به نحو الفسطاط . ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر رضي ~~الله عنهم إلى عمرو وكان في جنده ، وقال : أيقتل أخي صبرا ؟ ابعث إلى ابن ~~حديج فانهه عنه . فبعث إليه يأمره أن يأتيه بمحمد ، فقال : قتلتم كنانة بن ~~بشر وأخلي أنا محمدا " أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر " ~~هيهات هيهات PageV20P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" فقال لهم محمد بن أبي بكر رضي الله عنه : ~~اسقوني ماء . فقال ابن حديج : " لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبدا ؛ إنكم ~~منعتم عثمان شرب الماء ، والله لأقتلنك حتى يسقيك الله من الحميم والغساق " ~~. فقال له محمد : " يا ابن اليهودية النساجة ، ليس ذلك إليك ، لإنما ذلك ~~إلى الله ، يسقي أولياءه ، ويظمئ أعداءه ، أنت وأمثالك ، أما والله لو كان ~~سيفي بيدي ما بلغتم مني هذا " . قال له : أتدري ما أصنع بك ؟ أدخلك جوف ~~حمار ثم أحرقه عليك بالنار . فقال محمد : " إن فعلت بي ذلك فطالما فعلتم ~~ذلك بأولياء الله ، وإني لأرجو أن يجعلها الله عليك وعلى أوليائك ومعاوية ~~وعمرو نارا تلظى ، كلما خبت زادها الله سعيرا " . فغضب منه وقتله ، ثم ~~ألقاه في جيفة حمار ، ثم أحرقه بالنار . فلما بلغ ذلك عائشة رضي الله عنها ~~جزعت عليه جزعا شديدا ms4441 ، وقنتت في وتر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو ، وأخذت ~~عيال محمد إليها ، وامتنعت عائشة بعد ذلك أ ، تأكل شواء حتى ماتت . وقد قيل ~~: إن محمد بن أبي بكر قاتل عمرا ومن معه قتالا شديدا ، فقتل كنانة وانهزم ~~محمد ، فاختبأ عند جبلة بن مسروق ، فدل عليه معاوية ابن حديج ، فأحاط به ، ~~فخرج إليه محمد فقاتل حتى قتل . وكان ذلك في سنة ثمان وثلاثين . قال : وأما ~~علي رضي الله عنه ، فإنه لما أتاه كتاب محمد ندب الناس إلى الخروج ، ~~فتثاقلوا فخطبهم وحثهم على الخروج ووبخهم على التثاقل ، فقام إليه كعب بن ~~مالك الأرحبي فقال : يا أمير المؤمنين : اندب الناس ؛ لهذا اليوم كنت أدخر ~~نفسي ، ثم قال : أيها الناس ، اتقوا الله وأجيبوا إمامكم ، وانصروا دعوته ، ~~وقاتلوا عدوه وأنا أسير إليه ، فخرج معه ألفان . فقال له علي رضي الله عنه ~~: سر فوالله ما أظنك تدركهم حتى ينقضي أمرهم ، فسار بهم خمسا . ثم قدم ~~الحجاج بن غزية من مصر فأخبره بالخبر ، وأتاه عبد الرحمن بن شبيب الفرازي ~~من الشام وكان عينه هناك فأخبره أن البشارة من عمرو وردت بقتل محمد وملك ~~مصر وسرور أهل الشام بقتله ، فقال علي ؛ أما إن حزننا عليه بقدر سرورهم به ~~، لا بل يزيد أضعافا : وأرسل إلى الجيش فأعادهم . PageV20P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" وقام في الناس خطيبا فقال : " ألا إن مصر قد ~~افتتحتها الفجرة أولو الجور والظلم ، الذين صدوا عن سبيل الله ، وبغوا ~~الإسلام عوجا ، ألا وإن محمد بن أبي بكر استشهد ، فعند الله نحتسبه ، أما ~~والله إنه كان - ما علمت - لمن ينتظر القضاء ، ويعمل للجزاء ، ويبغض شكل ~~الفاجر ، ويحب هدي المؤمن ، والله لا ألوم نفسي على تقصير ، وإني بمقاساة ~~الحرب لجد خبير ، وإني لأقدم على الأمر ، وأعرف وجه الحزم ، وأقوم فيكم ~~بالرأي المصيب ، وأستصرخكم معلنا ، وأناديكم نداء المستغيث ، فلا تسمعون لي ~~قولا ، ولا تطيعون لي أمرا ، حتى تصير الأمور إلى عواقب المساءة ، فأنتم ~~القوم لا يدرك بكم الثأر ، ولا تنقص بكم الأوتار ، ودعوتكم إلى غياث ~~إخوانكم منذ بضع مخمسين ليلة ، فتجرجرتم ms4442 جرجرة الجمل الأشدق ، وتثاقلتم إلى ~~الأرض تثاقل من ليست له نية في جهاد العدو ، ولا اكتساب الأجر ، ثم خرج إلي ~~منكم جنيد متثائب ، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ، فأف لكم " . ثم ~~نزل رضي الله عنه . ذكر سرايا معاوية إلى بلاد علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه لما كان من أسر الحكمين ما ذكرنا ، وملك معاوية مصر ، استشرفت نفسه إلى ~~غير ذلك ، فلما كان في سنة تسع وثلاثين بث سراياه في أطراف بلاد علي رضي ~~الله عنه . فبعث النعمان بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر وفيها مالك بن ~~كعب مسلحة لعلي في ألف رجل ، وكان مالك قد أذن لأصحابه فأتوا الكوفة ، ولم ~~يبق PageV20P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" معه إلا مائة رجل ، فلما سمع خبر النعمان كتب ~~إلى علي رضي الله عنه يستمده ، فندب الناس إلى الخروج ، فتثاقلوا ، وواقع ~~مالك النعمان ، وجعل وراء القرية في ظهر أصحابه ، وكتب مالك إلى مخنف بن ~~سليم يستغيثه وهو قريب منه ، فوجه مخنف ابنه عبد الرحمن في خمسين رجلا ، ~~فانتهوا إلى مالك وقد كسروا جفون سيوفهم واستقتلوا ، وذلك بعد أن قاتلوا ~~قتالا شديدا ، فلما رآهم أهل الشام انهزموا بعد العشاء ، وظنوا أن لهم مددا ~~، وتبعهم مالك فقتل منهم ثلاثة نفر . وبعث سفيان بن عوف في ستة آلاف ، ~~وأمره أن يأتي هيت فيقطعها ، ثم يأتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها ، فأتى ~~هيت فلم يجد بها أحدا ، ثم أتى الأنبار وفيها مسلحة لعلي تكون خمسمائة رجل ~~، وقد تفرقوا فلم يبق منهم إلا مائتا رجل ، وكان سبب تفرقهم أن أميرهم كميل ~~بن زياد بلغه أن قوما بقرقيسيا يريدون الغارة على هيت ، فسار إليهم ، فأتى ~~أصحاب سفيان وكميل غائب ، فقاتل سفيان من وجد هناك فصبروا له ، ثم قتل ~~صاحبهم وهو أشرس ابن حسان البكري وثلاثون رجلا ، واحتمل أصحاب سفيان ما في ~~الأنبار من أموال أهلها ورجعوا إلى معاوية ، وبلغ الخبر عليا فأرسل في ~~طلبهم فلم يدركوا . وبعث عبد الله بن مسعدة بن حكيم بن مالك بن بدر الفزاري ms4443 ~~في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء وأمره أن يأخذ صدقة من مر به من أهل البوادي ~~ويقتل من امتنع ، ففعل ذلك ، وبلغ مكة والمدينة ، واجتمع إليه بشر كثير من ~~قومه . وبلغ ذلك عليا فأرسل المسيب بن نجبة الفزاري في ألفي رجل ، فلحق عبد ~~الله بتيماء فاقتتلوا قتالا شديدا حتى زالت الشمس ، وحمل المسيب على ابن ~~مسعدة فضربه ثلاث ضربات لا يريد قتله ، ويقول له : النجاء النجاء . فدخل ~~ابن مسعدة وجماعة من أصحابه الحصن وهرب الباقون نحو الشام ، وانتهب الأعراب ~~إيل الصدقة التي كانت مع ابن مسعدة وحصره ثلاثة أيام ، ثم ألقى الحطب في ~~الباب وحرقه ، فلما رأوا الهلاك أشرفوا عليه PageV20P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" وقالوا : قومك يا مسيب : فرق لهم وأمر بالنار ~~فأطفئت ، وقال لأصحابه : قد جاءني عيون فأخبروني أن جندا قد أتوكم من الشام ~~. وبعث معاوية أيضا الضحاك بن قيس في ثلاثة آلاف رجل ، أمره أن يمر بأسفل ~~واقصة ، ويغير على كل من مر به ممن هو في طاعة علي من الأعراب ، فسار وقتل ~~الناس وأخذ الأموال ، ومضى إلى الثعلبية فأغار على مسلحة علي وانتهى إلى ~~القطقطانة ، فلما بلغ ذلك عليا أرسل حجر بن عدي إليه في أربعة آلاف وأعطاهم ~~خمسين درهما ، فلحق الضحاك بتدمر فقتل من أصحابه تسعة عشر رجلا ، وقتل من ~~أصحابه رجلان ، وحجز بينهما الليل فهرب الضحاك وأصحابه ، ورجع حجر ومن معه ~~. وسار معاوية بنفسه حتى شارف دجلة ثم رجع . وبعث معاوية يزيد بن شجرة ~~الرهاوي إلى مكة لأخذ البيعة له ، وإقامة الحج بالناس ، ومعه ثلاثة آلاف ، ~~فسار إلى مكة وبها قثم بن العباس من قبل علي ، فأراد مفارقتها ، واللحاق ~~ببعض شعابها ، فنهاه أبو سعيد الخدري ، وكتب قثم إلى علي يستمده ، ووصل ~~يزيد إلى مكة قبل التروية بيومين ، فما تعرض للقتال ، ونادى في الناس ، أتم ~~آمنون إلا من قاتلنا ونازعنا . واتفق قثم ويزيد أن يعتزلا الصلاة بالناس ، ~~واختارا شيبه بن عثمان ، فصلى بالناس وحج بهم ، ولما انقضى الحج رجع يزيد ~~إلى الشام ، وأقبلت خيل علي مددا لقثم ms4444 ، وفيهم الريان ابن ضمرة الحنفي ، ~~وأبو الطفيل ، وعليهم معقل بن قيس ، فتبعوه فأدركوه وقد دخل وادي القرى ، ~~وظقروا بنفر من أصحابه فأخذوهم أسارى ورجعوا بهم إلى علي ، ففادى بهم أسارى ~~كانت لهم عند معاوية . وبعث معاوية عبد الرحمن بن قباس بن أشيم إلى بلاد ~~الجزيرة وبها شبيب بن عامر بنصيبين ، فكتب إلى كميل بن زياد وهو بهيت يعلمه ~~خبرهم ، فسار كميل إليهم نجدة له في ستمائة فارس ، فأدركوا عبد الرحمن ومعه ~~معن بن يزيد السلمي فقاتلهما كميل فهزمهما ، وغلب على عسكرهما ، وأكثر ~~القتل في أهل الشام ، وقتل من PageV20P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" أصحاب كميل رجلان ، وأقبل شبيب بن عامر من ~~نصيبين فرأى كميلا قد أوقع بالقوم فهنأه بالظفر ، واتبع الشاميين فلم ~~يدركهم ، فعبر الفرات وبث خيله فأغار على نواحي الرقة ، فلم يدع للعثمانية ~~بها ماشية إلا استقاها ، ولا خيلا ولا سلاحا إلا أخذه ، وعاد إلى نصيبين . ~~وكتب إلى علي رضي الله عنه فكتب إليه ينهاه عن أخذ أموال الناس إلا الخيل ~~والسلاح الذي يقاتلون به ، وقال : رحم الله شبيبا ، لقد أبعد الغارة ، وعجل ~~الانتصار . ولما فعل شبيب ذلك وقدم يزيد بن شجرة على معاوية بعث معاوية ~~الحارث بن نمر التنوخي إلى الجزيرة ليأتيه بمن كان في طاعة علي ، فأخذ من ~~أهل دارا سبعة نفر من بني تغلب ، وكان جماعة من نبي تغلب قد فارقوا عليا ~~إلى معاوية فسألوه في إطلاق أصحابهم فلم يفعل فاعتزلوه أيضا ، وفادى معاوية ~~بهم من كان أسرهم معقل بن قيس من أصحاب ابن شجرة . وبعث معاوية زهير بن ~~مكحول العامري إلى السماوة ليأخذ صدقات الناس ، فبلغ ذلك عليا فبعث ثلاثة ~~نفر ، وهم : جعفر بن عبد الله الأشجعي ، وعروة بن عشبة والجلاس بن عمير ~~الكلبيين ، ليأخذوا صدقه من في طاعته من كلب وبكر بن وائل ، فوافوا زهيرا ~~فاقتتلوا ، فانهزم أصحاب علي رضي الله عنه ، وقتل جعفر ، ولحق ابن العشبة ~~بعلي فعنفه وعلاة بالدرة ، فغضب ولحق بمعاوية . وأما ابن الجلاس فإنه مر ~~براع فأخذ جبته وأعطاه جبة خز فأدركته ms4445 الخيل ، فقالوا : أين أخذ هؤلاء ~~الترابيون ؟ فأشار إليهم : أخذوا هاهنا . ثم أقبل إلى الكوفة . وبعث أيضا ~~مسلم بن عقبة المري إلى دومه الجندل ، وكان أهلها قد امتنعوا من بيعة علي ~~ومعاوية جميعا ، فدعاهم إلى طاعة معاوية وبيعته ، فامتنعوا ، وبلغ ذلك ~~PageV20P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" عليا ، فبعث مالك بن كعب الهمذاني في جمع إلى ~~دومه الجندل ، فلم يشعر مسلم إلا وقد وافاه مالك ، فاقتتلوا يوما ثم انصرف ~~مسلم منهزما ، وقام مالك أياما يدعو أهل دومه الجندل إلى بيعة علي ، فأبوا ~~وقالوا : لا نبايع حتى يجتمع الناس على إمام ، فانصرف عنهم وتركهم . ذكر ~~مسير بسر بن أرطأة إلى الحجاز واليمن وما فعله وفي سنة أربعين بعث معاوية ~~بسر بن أرطاة بن أبي أرطاة - واسم أبي أرطاة عمير ، وقيل عويمر الشامي من ~~بني عامر بن لؤي - إلى الحجاز واليمن في ثلاثة آلاف فارس ، فسار من الشام ~~حتى قدم المدينة ، وعامل المدينة يومئذ أبو أيوب الأنصاري من قبل على رضي ~~الله عنهما ، ففر أبو أيوب ولحق بعلي ، ودخل بسر المدينة ولم يقاتله أحد ، ~~فصعد منبرها فنادى : يا دينار ، يا نجار ، يا زريق وهذه بطون من الأنصار ~~شيخي شيخي ، عهدته ههنا بالأمس ، فأين هو ؟ يعني عثمان . ثم قال : والله ~~لولا ما عهد إلى معاوية ما تركت بها محتلما إلا قتلته . ثم أمر أهل المدينة ~~بالبيعة لمعاوية ، وأرسل إلى بني سلمة فقال : مالكم عندي أمان ولا مبايعة ~~حتى تأتوني بجابر بن عبد الله . فأخبر ، فانطلق إلى أم سلمة زوج النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فقال لها : " ماذا ترين ؟ فإني خشيت أن أقتل ، وهذه ~~بيعة ضلالة " فقالت : " أرى أن تبايع ، وقد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة ~~وختني بن زمعة أن يبايعا " ، وكانت ابنتها زينب تحت ابن زمعه ، فأتى جابر ~~إلى بسر فبايعه لمعاوية ، وهدم بسر دورا بالمدينة . ثم انطلق حتى أتى مكة ، ~~وفيها أبو موسى الأشعري ، فخافه أبو موسى على نفسه أن يقتله ، فهرب ، فقيل ~~ذلك لبسر ، فقال : ما كنت لأطلبه وقد خلع عليا . ولم يطلبه . PageV20P0161 # """""" صفحة ms4446 رقم 162 """""" وكتب أبو موسى إلى اليمن : أن خيلا مبعوثة من ~~عند معاوية تقتل الناس ممن أبى أن يقر بالحكومة . ثم مضى بسر إلى اليمن ، ~~وعامل اليمن من قبل علي رضي الله عنه عبد الله بن عباس ، فلما بلغه أمر بسر ~~فر إلى الكوفة حتى أتى عليا ، واستخلف على اليمن عبد الله بن عبد المدان ~~الحارثي ، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه ، ولقي ثقل عبيد الله بن العباس رضي ~~الله عنه وفيه ابنان صغيران لعبيد الله بن العباس فقتلهما ، وهما عبد ~~الرحمن وقثم . وقيل : إنهما كانا عند رجل من بني كنانة بالبادية ، فلما ~~أرادا قتلهما قال له الكناني : " لم تقتل هذين ولا ذنب لهما ؟ فإن كنت ~~قاتلهما فاقتلني معهما " ، فقتله ، وقتلهما بعده . وقيل : إن الكناني أخذ ~~سيفه وقاتل على الغلامين وهو يقول : الليث من يمنع حافات الدار . ولا يزال ~~مصلتا دون الجار . فقاتل حتى قتل وأخذ بسر الغلامين فذبحهما ، فخرج نسوة من ~~بني كنانة ، فقالت امرأة منهن : " ما هذا ؟ قتلت الرجال فعلام تقتل الولدان ~~؟ والله ما كانوا يقتلون في جاهلية ولا إسلام والله إن سلطانا لا يقوم إلا ~~بقتل الضرع الصغير والشيخ الكبير وبرفع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء " ~~فقال لها بسر : والله لقد هممت أن أضع فيكن السيف . فقالت له : تالله إنها ~~لأخت التي صنعت وما أنا لها منك بآمنة ثم قالت للنساء التي حولها : ويحكن ~~تفرقن . وقتل بسر في مسيره جماعة من شيعة علي باليمن . وبلغ عليا الخبر ، ~~فأرسل جارية بن قدامة في ألفين ، ووهب ابن مسعود في PageV20P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" ألفين ، فسار جارية حتى أتى نجران ، فقتل بها ~~ناسا من شيعة عثمان ، وهرب بسر منه ، واتبعه جارية إلى مكة ، فقال : بايعوا ~~أمير المؤمنين . فقالوا : قد هلك فلمن نبايع ؟ قال : لمن بايع له أصحاب علي ~~فبايعوا خوفا منه . ثم سار حتى أتى المدينة ، وأبو هريرة يصلي بالناس ، ~~فهرب منه ، فقال جارية : لو وجدت أبا سنور لقتلته . ثم قال لأهل المدينة : ~~بايعوا الحسن بن علي ، فبايعوا ، وأقام يومه ، ثم عاد ms4447 إلى الكوفة ، ورجع ~~أبو هريرة يصلي بهم . وكانت أم ابني عبيد الله أم الحكم جويرية بنت خويلد ~~بن قارظ ، وقيل : عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان ، فلما قتل ولداها ولهت ~~عليها ، فكانت لا تعقل ولا تصغي ، ولا تزال تنشدهما في المواسم وتقول : ها ~~ما أحسن بنيي اللذين هما . . . كالدرتين تشظى عنهما الصدف ها من أحس بنيي ~~اللذين هما . . . سمعي وعقلي فقلبي اليوم مختطف ها من أحس بنيي اللذين هما ~~. . . مخ العظام فمخي اليوم مزدهف من ذل والهة حيرى مدلهة . . . على صبيين ~~ذلا إذ غدا السلف نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا . . . من قتلهم ومن الإثم ~~الذي اقترفوا أحني على ودجي إبني مرهفة . . . مشحوذة وكذاك الإثم يقترف قال ~~: فلما سمع علي بقتلهما جزع جزعا شديدا ، ودعا على بسر فقال : اللهم اسلبه ~~دينه وعقله . فأصابه ذلك ، وفقد عقله ، فكان يهذي بالسيف فيطلبه ، فيؤتى ~~بسيف من خشب ، ويجعل بين يديه زق منفوخ ، فلا يزال يضربه ، فلم يزل كذلك ~~إلى أن مات . PageV20P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" قال : ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه ~~عبيد الله بن عباس وعنده بسر ، فقال لبسر : وددت أن الأرض أنبتتني عندك حين ~~قتلت ولدي . فقال بسر : هاك سيفي . فأهوى عبيد الله ليتناوله ، فأخذه ~~معاوية وقال لبسر : " أخزاك الله شيخا قد خرفت والله لو تمكن منه لبدأ بي " ~~قال عبيد الله : أجل ثم ثنيت به . وقيل : إن مسير بسر إلى الحجاز كان في ~~سنة اثنتين وأربعين ، وإنه أقام بالمدينة شهرا يستعرض الناس ، لا يقال له ~~عن أحد " إنه شرك في دم عثمان " إنه قتله . وحكى أبو عمر بن عبد البر عن ~~أبي عمرة الشيباني قوله : لما وجه معاوية بن أبي سفيان بسر بن أرطاة الفهري ~~لقتل شيعة علي ، قام إليه معن أو عمرو بن يزيد بن الأخنس السلمي وزياد بن ~~الأشهب الجعدي فقالا : " يا أمير المؤمنين نسألك بالله والرحم ألا تجعل ~~لبسر على قيس سلطانا ، فيقتل قيسا بما قتلت بنو سليم من بني فهر وكنانة يوم ~~دخل رسول الله ( صلى ms4448 الله عليه وسلم ) مكة " . فقال له معاوية : يا بسر ، ~~لا أمر لك على قيس . فسار حتى أتى المدينة فقتل ابني عبيد الله بن عباس ، ~~وفر أهل المدينة ودخلوا الحرة : حرة بني سليم . هكذا قال السيباني : إنه ~~قتل ابني عبيد الله بالمدينة . والأكثر أنه قتلهما باليمن على ما ذكرنا . ~~قال : وفي هذه الخرجة أغار بسر على همدان وقتل وسبى نساءهم ، فكن أول ~~مسلمات سبين في الإسلام . وقتل أحياء من بني سعد . وروى أبو عمر بسنده عن ~~أبي الرباب وصاحب له أنهما سمعا أبا ذر يدعو ويتعوذ في صلاة صلاها طال ~~قيامها وركوعها وسجودها ، قال : فسألناه : مم تعوذت ؟ وفيم دعوت ؟ فقال : ~~تعوذت بالله من يوم البلاء أن يدركني ويوم العورة أن أدركه . فقلنا : وما ~~ذاك ؟ فقال : أما يوم البلاء فتلتقي فئتان من المسلمين فيقتل بعضهم بعضا ، ~~وأما يوم العورة فإن نساء من المسلمات يسبين فيكشف عن سوقهن فأيتهن كانت ~~أعظم ساقا اشتريت على عظم ساقها ، فدعوت الله ألا يدركني هذا الزمان ~~ولعلكما تدركانه . قال : فقتل عثمان ثم أرسل معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن ~~فسبى نساء مسلمات فأقمن في السوق . PageV20P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" هذا ما كان من أخباره في خلافة علي رضي الله ~~عنه مما يدخل فيما نحن بصدده ، فلنذكر الآن ما اتفق له في مدة ولايته بعد ~~أن خلص له الأمر ، ونبدأ بالغزوات والفتوحات . ذكر الغزوات والفتوحات في ~~أيام معاوية بعد أن استقل بالأمر في سنة اثنتين وأربعين كان غزو الروم ، ~~فهزموا ، وقتل جماعة كبيرة من بطارقتهم . وفيها كان غزو اللان . وفي سنة ~~ثلاث وأربعين غزا بسر بن أرطاة الروم حتى بلغ القسطنطينية ، وشتى بأرضهم ، ~~حكاه الواقدي ، وأنكره غيره وقال : لم يشت بسر بأرضهم ، حكاه الواقدي ، ~~وأنكره غيره وقال : لم يشت بسر بأرض الروم قط ، وكان بسر إذ ذاك يلي البصرة ~~من قبل معاوية على ما نذكره في حوادث السنين . وفيها استعمل عبد الله بن ~~عامر عبد الرحمن بن سمرة على سجستان ، فأتاها ، فكان يغزو البلد وقد كفر ~~أهله فيفتحه ، حتى ms4449 بلغ كابل ، فحصرها أشهرا ، ونصب عليها مجانيق فثلمت ~~سورها ثلمة عظيمة ، فبات عليها عباد بن الحصين الحبطي ليلة - وكان على ~~الشرطة - فما زال يطاعن المشركين حتى أصبح ، فلم يقدروا على سدها وخرجوا من ~~الغد يقاتلون فهزمهم المسلمون ، ودخلوا البلد عنوة . وساروا إلى زروان ، ~~فهرب أهلها ، فغلب عليها ، ثم سار إلى خشك ، فصالحه أهلها . ثم أتى الرخج ، ~~فقاتلوه ، فظفر بهم وفتحها ، ثم صار إلى زابلستان - وهي غزنة وأعمالها - ~~وكانوا قد نكثوا ففتحها . وعاد إلى كابل ، وقد نكث أهلها ففتحها . ~~PageV20P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" ذكرغزو السند قال : وفي سنة ثلاث وأربعين ~~استعمل عبد الله بن عامر - وكان على البصرة وخراسان وسجستان - عبد الله بن ~~سوار العبدي على ثغر السند - ويقال : بل كان ابن سوار من قبل معاوية - فغزا ~~القيقان ، فأصاب مغنما ، ووفد على معاوية وأهدى له خيلا ، ثم غزا القيقان ~~مرة ثانية ، فاستنجدوا بالترك ، فقتلوه وكان كريما ، لم يوقد أحد في عسكره ~~نارا ، فرأى ذات ليلة في عسكره نارا ، فقال : ما هذه ؟ قالوا : امرأة نفساء ~~يعمل لها الخنبيص ، فأمر أن يطعم الناس الخنبيص ثلاثة أيام . وفي سنة أربع ~~وأربعين دخل المسلمون بلاد الروم مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وشتوا ~~بها . . . وغزا بسر بن أرطاة في البحر . وفيها غزا الملهب بن أبي صفرة ثغر ~~السند ، وقاتلهم ، ولقي المهلب ببلاد القيقان ثمانية عشر فارسا من الترك ، ~~فقاتلوه قتالا شديدا ، فقتلوا جميعا . وفي سنة ست وأربعين كان مسشتى مالك ~~بن عبد الله بأرض الروم ، وقيل : بل كان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، ~~وقبل : بل كان مالك بن هبيرة السكوني . وفي سنة سبع وأربعين كان مشتى مالك ~~بن هبيرة بأرض الروم ومشتى أبي عبد الرحمن القيني بأنطاكية . وفيها غزا ~~الحكم بن عمرو بعض جبال الترك ، ومعه المهلب بن أبي صفرة فغنموا ، وأخذ ~~الترك عليهم الشعاب والطرق ، فعيي الحكم بالأمر فولى المهلب الحرب ، فلم ~~يزل المهلب يحتال حتى أخذ عظيما من عظماء الترك ، فقال له : إما أن ~~PageV20P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" تخرجنا من هذا المضيق أو ms4450 أقتلك ، فقال له ~~التركي : " أوقد النار حيال طريق من هذه الطرق وسير الأثقال نحوه ، فإنهم ~~سيجتمعون فيه ويخلون ما سواه من الطرق ، فبادرهم إلى طريق آخر ، فما ~~يدركونكم حتى تخرجوا منه " . ففعل ذلك ، فسلم الناس بما معهم من الغنائم . ~~وفيها أيضا سار الحكم أيضا إلى بلاد الغور فغزا من بها وكانوا قد ارتدوا ، ~~فأخذهم عنوة بالسيف ، وفتحها ، وأصاب منها مغانم كثيرة وسبايا ، ولما رجع ~~الحكم من هذه الغزاة مات بمرو ، في قول بعضهم ، وكان الحكم قد قطع النهر في ~~ولايته ولم يفتح ، وكان أول المسلمين شرب من النهر مولى للحكم ، اغترف ~~بترسه فشرب ، وناول الحكم فشرب وتوضأ وصلى ركعتين ، وكان أول المسلمين فعل ~~ذلك . وفي سنة ثمان وأربعين كان مشتى عبد الرحمن القيني بأنطاكية وصائفة ~~عبد الله بن قيس الفزاري ، وغزوة مالك بن هبيرة السكوني البحر ، وغزوة عقبة ~~بن عامر الجهني بأهل مصر في البحر وبأهل المدينة . ذكر غزوة القسطنطينية ~~وفي تسع وأربعين - وقيل : في سنة خمسين - بعث معاوية جيشا كثيفا إلى بلاد ~~الروم عليهم سفيان بن عوف وكان في هذا الجيش عبد الله بن عباس وعبد الله بن ~~عمر وعبد الله بن الزبير وأبو أيوب الأنصاري ، وعبد العزيز بن زرارة ~~الكلابي وغيرهم . وأمر معاوية ابنه يزيد بالغزاة معهم ، فتثاقل واعتل ، ~~فأمسك عنه أبوه ، فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض شديد ، فقال يزيد : ما إن ~~أبالي بما لاقت جموعهمو . . . بالغذقذونة من حمى ومن موم إذا اتكأت على ~~الأنماط مرتفقا . . . بدير مران عندي أم كلثوم PageV20P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" " وأم كلثوم : امرأته ، وهي ابنة عبد الله بن ~~عامر " فبلغ معاوية شعره ، فأقسم عليه : ليلحقن بسفيان في أرض الروم ليصيبه ~~ما أصاب الناس . فسار ومعه جمع كثير أضافهم إليه أبوه ، فلحق بهم . وأوغل ~~المسلمون في بلاد الروم ، حتى بلغوا القسطنطينية ، والتقوا بالروم ، ~~واقتتلوا فاشتدت الحرب بينهم في بعض الأيام فلم يزل عبد العزيز بن زراره ~~يتعرض للشهادة ، فلم يقتل ، فأنشأ يقول : قد عشت في الدهر أطوارا على طرق . ~~. . شتى ، فصادفت منها اللين والبشعا ms4451 كلا بلوت ، فلا النعماء تبطرني . . . ~~ولا تخشعت مز لأوائها جزعا لا يملأ الأمر صدري قبل موقعه . . . ولا أضيق به ~~ذرعا إذا وقعا ثم حمل من يليه ، فقتل فيهم ، وانغمس بينهم ، فشجره الروم ~~برماحهم ، حتى قتلوه ، رحمه الله ، فبلغ قتله وعاوية ، فقال لأبيه : هلك ~~والله فتى العرب فقال : ابني أو ابنك ؟ قال ابنك فآجرك الله فقال : فإن يكن ~~الموت أودى به . . . وأصبح مخ الكلابي ريرا فكل فتى شارب كأسه . . . فإما ~~صغيرا وإما كبيرا قال : ثم رجعوا إلى الشام ، وتوفي أبو أيوب الأنصاري عند ~~القسطنطينية ، فدفن بالقرب من سورها ، فأهلها يستسقون به . وفي سنة خمسين ~~غزا بسر بن أرطاة وسفيان بن عوف الأزدي أرض الروم ، وغزا فضالة بن عبيد ~~الأنصاري في البحر . وفي سنة إحدى وخمسين كان مشتى فضالة بن عبيد بأرض ~~الروم ، وغزوة بسر بن أرطاة الصائفة . وفي سنة اثنتين وخمسين غزا سفيان بن ~~عوف الأزدي الروم ، وشتي بأرضهم ، وتوفي بها في قول ، فاستخلف عبد الله بن ~~مسعدة الفزاري ، وقيل : إن الذي شتى في هذه السنة بأرض الروم بسر بن أرطاة ~~ومعه سفيان بن عوف . وغزا الصائفة محمد بن عبد الله الثقفي . PageV20P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" ذكر فتح جزيرة أرواد وفي سنة أربع وخمسين فتح ~~المسلمون يقدمهم جنادة بن أبي أمية جزيرة أرواد بالقرب من القسطنطينية ، ~~وأقاموا بها سبع سنين ، فلما مات معاوية وولي ابنه يزيد أمرهم بالعودة ~~فعادوا . وفيها استعمل معاوية عبيد الله بن زياد بن أبيه على خراسان ، فقطع ~~النهر إلى جبال بخارى على الإبل ، فكان أول من قطع جبال بخارى في جيش ، ~~ففتح رامني ، ونسف ، وبيكند . وسنذكر ذلك إن شاء الله في حوادث سنة أربع ~~وخمسين . وفي سنة خمس وخمسين كان مشتى سفيان بن عوف الأزدي بأرض الروم ، في ~~قول ، وقيل : بل شتى في هذه السنة عمرو بن محرز ، وقيل : عبد الله بن قيس ~~الفزاري ، وقيل : بل مالك بن عبد الله . وفي سنة ست وخمسين كان مشتى جنادة ~~بن أبي أمية بأرض الروم ، وقيل : عبد الرحمن بن مسعود ، وقيل ms4452 : غزا فيها في ~~البحر يزيد بن شجرة وفي البر عياض بن الحارث . وفيها قطع سعيد بن عثمان بن ~~عفان النهر إلى سمرقند ، فخرج إليه أهل الصغد ، فقاتلهم ، وسنذكر ذلك إن ~~شاء الله في حوادث سنة ست وخمسين . وفي سنة سبع وخمسين كان مشتى عبد الله ~~بن قيس بأرض الروم . وفي سنة ثمان وخمسين غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض ~~الروم ، وعمرو بن زيد الجهني في البحر ، وقيل : جنادة بن أبي أمية . وفي ~~سنة تسع وخمسين كان مشتى عمرو بن مرة الجهني بأرض الروم في البر ، وغزا في ~~البحر جنادة بن أبي أمية ، وقيل لم يكن في البحر غزاة في هذه السنة . ~~PageV20P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" وفيها غزا المسلمون حصن كمخ ومعهم عمير بن ~~الحباب السلمي فصعد عمير السور ، ولم يزل يقاتل عليه وحده حتى كشف الروم ~~وصعد المسلمون ، ففتحه بعمير . وفي سنة ستين كانت غزوة مالك بن عبد الله ~~سورية ، ودخول جنادة رودس ، وهدمه مدينتها في قول بعضهم . فهذه الغزوات ~~والفتوحات التي كانت في أيام معاوية . فلنذكر أخبار الخوارج عليه وما كان ~~من أمرهم . ذكر أخبار الخوارج في أيام معاوية وما كان من أمرهم كان أول من ~~خرج بعد أن استقل معاوية بالأمر فروة بن نوفل الأشجعي ، وكان قد اعتزل في ~~خمسمائة من الخوارج ، وسار إلى شهرزور ، وترك قتال علي والحسن . فلما ولي ~~معاوية قال : " جاء الآن مالا شك فيه ، سيروا إلى معاوية فجاهدوه " . فسار ~~بهم حتى نزل النخيلة عند الكوفة . وكان الحسن بن علي قد سار يريد المدينة ، ~~فكتب إليه معاوية يدعوه إلى قتال فروة بن نوفل ، فلحقه رسوله بالقادسية ، ~~أو قريبا منها ، فلم يرجع ، وكتب إلى معاوية يقول : " لو آثرت أن أقاتل ~~أحدا من أهل القبلة لبدأت بقتالك ، فإني تركته لصلاح الأمة وحقن دمائها " ~~فأرسل إليهم معاوية جمعا من أهل الشام ، فقاتلوهم ، فانهزم أهل الشام . ~~فقال معاوية لأهل الكوفة : والله لا أمان لكم عندي حتى تكفونيهم فخرج أهل ~~الكوفة إليهم ، فقاتلوهم ، فقالت الخوارج لهم : أليس معاوية عدونا وعدوكم ms4453 ؟ ~~دعونا حتى نقاتله ، فإن أصبناه كنا قد كفيناكم عدوكم ، وإن أصابنا كنتم قد ~~كفيتمونا . فقالوا : لا بد لنا من قتالكم ، فأخذت أشجع صاحبهم فروة ، ~~فوعظوه ، فلم يرجع ، فأدخلوه الكوفة قهرا . PageV20P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" فاستعمل الخوارج عليهم عبد الله بن أبي ~~الحوساء " رجل من طيئ " فقاتلهم أهل الكوفة ، فقتلوهم في شهر ربيع الأول ، ~~أو ربيع الآخر ، سنة إحدى وأربعين . وقتل ابن الحوساء ، وكان حين ولي أمر ~~الخوارج قد خوف من السلطان أن يصلبه إذا ظفر بهم ، فقال : ما إن أبالي إذا ~~أرواحنا قبضت . . . ماذا فعلتم بأوصال وأبشار تجري المجرة والنسران عن قدر ~~. . . والشمس والقمر الساري بمقدار وقد علمت وخير القول أنفعه . . . أن ~~السعيد الذي ينجو من النار ثم خرج حوثرة بن وداع ، وذلك أنه لما قتل ابن ~~أبي الحوساء اجتمع الخوارج فولوا أمرهم حوثرة بن وداع بن مسعود الأسدي ، ~~فقام فيهم ، فعاب فروة بن نوفل في شكه في قتال علي رضي الله عنه ، ودعا ~~الخوارج وسار بهم من براز الروز - وكان بها - حتى قدم النخيلة في مائة ~~وخمسين ، وانضم إليهم فل ابن أبي الحوساء ، وهم قليل . فدعا معاوية أبا ~~حوثرة فقال له : اخرج إلى ابنك لعله يرق إذا رآك ، فخرج إليه وكلمه وناشده ~~وقال له : ألا آتيك بابنك لعلك إذا رأيته كرهت فراقه فقال : أنا إلى طعنة ~~برمح من يد كافر أتقلب فيه ساعة أشوق مني إلى ابني فرجع أبوه فأخبر معاوية ~~بمقالته . فسير إليه عبد الله بن عوف بن أحمر في ألفين ، وخرج أبو حوثرة ~~فيمن خرج ، فدعا ابنه إلى البراز ، فقال له : يا أبت لك في غيري سعة ، ~~فقاتله ابن عوف وقتله مبارزة ، وقتل أصحابه إلا خمسين رجلا دخلوا الكوفة ، ~~وذلك في جمادى الآخرة من السنة . ورأى ابن عوف بوجه حوثرة أثر السجود ، ~~وكان صاحب عبادة فندم على قتله ، وقال : قتلت أخا بني أسد سفاها . . . لعمر ~~أبي فما لقيت رشدي قتلت مصليا محياه ليل . . . طويل الحزن ذا بر وقصد ~~PageV20P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" قتلت أخا تقى لأنال دنيا . . . وذاك لشقوتي ms4454 ~~وعثار جدي فهب لي توبة يا رب واغفر . . . لما قارفت من خطأ وعمد ثم خرج ~~فروة بن نوفل الأشجعي على المغيرة بن شعبة ، وذلك بعد مسير معاوية ، فوجه ~~إليه المغيرة خيلا عليها شبث بن ربعي ، وقيل : معقل بن قيس ، فلقيه بشهرزور ~~، وقيل بالسواد . وخرج شبيب بن بحرة ، وكان شبيب مع ابن ملجم حين قتل عليا ~~، كما ذكرنا ، فلما دخل معاوية أتاه شبيب كالمتقرب إليه ، فقال : أنا وابن ~~ملجم قتلنا عليا . فوثب معاوية مذعورا من مجلسه حتى دخل منزله ، وبعث إلى ~~أشجع وقال : لئن رأيت شبيبا أو بلغني أنه ببابي لأهلكنكم أخرجوه عن بلدكم . ~~فكان شبيب إذا جن عليه الليل خرج فلم يلق أحدا إلا قتله . فلما ولي المغيرة ~~خرج عليه بالطف بقرب الكوفة ، فبعث المغيرة خيلا عليها خالد بن عرفطة ، ~~وقيل : معقل بن قيس ، فاقتتلوا ، فقتل شبيب وأصحابه . وبلغ المغيرة أن معين ~~بن عبد الله - وهو رجل من محارب - يريد الخروج ، فأخذه وحبسه وبعث إلى ~~معاوية يخبره ، فكتب إليه : إن شهد أني خليفة فخل سبيله ، فأحضره المغيرة ، ~~فأبى أن يشهد بخلافة معاوية ، فقتله . ثم خرج أبو مريم مولى بني الحارث بن ~~كعب ، ومعه امرأتان : قطام وكحيلة ، وكان أول من أخرج معه النساء ، فعاب ~~عليه ذلك أبو بلال بن أدية ، فقال : قد قاتل النساء مع رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ومع المسلمين بالشام ، وسأردهما فردهما . فوجه إليه ~~المغيرة جابرا البجلي ، فقاتله أبو مريم وأصحابه ببادوريا . وخرج أبو ليلى ~~- وكان أسود طويلا - ومعه ثلاثون من الموالي فبعث إليه المغيرة معقل بن قيس ~~الرياحي ، فقتله بسواد الكوفة في سنة اثنتين وأربعين . وخرج سهم بن غالب ~~الهجيمي في سنة إحدى وأربعين بالبصرة على عبد الله بن عامر ، في سبعين رجلا ~~، منهم الخطيم الباهلي واسمه زياد بن مالك ، وإنما قيل له " الخطيم " لضربة ~~ضربها على وجهه . فنزلوا بين الجسرين والبصرة ، فمر بهم عبادة بن ~~PageV20P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" قرص الليثي ، وقد انصرف من الغزو ومعه ابنه ~~وابن أخيه ، فقال لهم الخوارج : من أنتم ؟ قالوا : قوم ms4455 مسلمون ، قالوا : ~~كذبتم . قال عبادة : سبحان الله اقبلوا منا ما قبل النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) مني ، قالوا : أنت كافر ، وقتلوه وقتلوا ابنه وابن أخيه ، فخرج ~~إليهم ابن عامر فقاتلهم ، فقتل منهم عدة ، وانحاز بقيتهم إلى أجمة ، وفيهم ~~سهم والخطيم ، فأمنهم ابن عامر ورجعوا ، وكتب إلى معاوية ، فأمره بقتلهم ، ~~فلم يقتلهم ، وكتب إلى معاوية : إني جعلت لهم ذمتك . فلما أتى زياد بن أبيه ~~البصرة في سنة خمس وأربعين هرب الخطيم إلى الأهواز ، واجتمع إلى سهم جماعة ~~، فأقبل بهم إلى البصرة ، فتفرق عنه أصحابه ، فاختفى وطلب الأمان ، فلم يزل ~~يؤمنه زياد ، وبحث عنه وأخذه فقتله وصلبه في داره . . وقيل : إنه لم يزل ~~مستخفيا حتى مات زياد ، فأخذه عبيد الله بن زياد وصلبه في سنة أربع وخمسين ~~، فقال رجل من الخوارج : فإن تكن الأحزاب باءوا بصلبه . . . فلا يبعدن الله ~~سهم بن غالب وأما الخطيم فإن زيادا سأله عن قتل عبادة ، فأنكره ، فسيره إلى ~~البحرين ، ثم أعاده ، بعد ذلك ، وقيل : إنه قتله . ذكر خبر المستورد ~~الخارجي وفي سنة اثنتين وأربعين تحرك الخوارج الذين كانوا انحازوا عمن قتل ~~يوم النهروان ، واجتمعوا في أربعمائة وأمروا عليهم المستورد بن علفة التيمي ~~، من تيم الرباب ، وبايعوه في جمادى الآخرة ، واستعدوا للخروج فخرجوا في ~~غرة شعبان سنة ثلاث وأربعين . فبلغ أنهم اجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان ~~السلمي وتواعدوا للخروج ، فأرسل صاحب شرطته ، وهو قبيصه بن الدمون ، فأحاط ~~بدار حيان ، وإذا عنده معاد بن جوين وهو من رءوس الخوارج ونحو عشرين رجلا ، ~~وثارت امرأته وهي أم ولد كانت له كارهة فأخذت سيوفهم وألقتها تحت الفراش ، ~~وقاموا ليأخذوا سيوفهم فلم يجدوها فاستسلموا ، فجيء بهم إلى المغيرة ، ~~فحبسهم بعد أن قررهم فلم يعترفوا بشيء قالوا : PageV20P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" وإنما اجتمعنا لقراءة القرآن ، ولم يزالوا في ~~السجن نحو سنة ، وسمع إخوانهم فحذروا . وخرج صاحبهم المستورد فنزل الحيرة ، ~~واختلف الخوارج إليه ، ثم تحول إلى دار سليم بن مجدوع العبدي ، وهو مهره . ~~وبلغ المغيرة الخبر وأنهم عزموا على الخروج في تلك الأيام ، فجمع ms4456 الرؤساء ~~فخطبهم وقال لهم : ليكفني كل رجل منكم قومه ، وإلا والله تحولت عما تعرفون ~~إلى ما تنكرون ، وعما تحبون إلى ما تكرهون . فرجعوا إلى قومهم فناشدوهم ~~الله والإسلام إلا دلوهم على من يريد تهييج الفتنة . فبلغ المستورد ذلك ~~فخرج من دار سليم بن محدوج ، وأرسل إلى أصحابه فأمرهم فخرجوا متفرقين ، ~~واجتمعوا في نحو ثلاثمائة رجل وساروا إلى الصراة . وبلغ المغيرة بن شعبة ~~خبرهم ، فندب معقل بن قيس في ثلاثمائة آلاف فارس اختارهم من الشيعة . وأما ~~الخوارج فإنهم ساروا إلى أن بلغوا المذار فأقاموا بها . وبلغ ابن عامر ~~بالبصرة خبرهم ، فندب شريك بن الأعور الحرثي ، وانتخب معه ثلاثة آلاف فارس ~~أكثرهم من ربيعة ، فسار بهم إلى المذار . وسار معقل وقدم أمامه أبا الرواغ ~~في ثلاثمائة ، فأتى بهم إلى المذار وقاتل الخوارج عامة نهاره وهم يهزمونه ~~ويعود إلى القتال ، ثم أدركه معقل في سبعمائة من أهل القوة ، فجاء وقد غربت ~~الشمس فصلوا المغرب ، وحملت الخوارج عليهم فانهزم أصحاب معقل ، وثبت هم في ~~نحو مائتين ونزل إلى الأرض فتراجع إليه أصحابه وأتاه بقية الجيش . فبينما ~~هم على ذلك بلغ الخوارج أن شريك بن الأعور قد أقبل من البصرة في ثلاثة آلاف ~~، فأشار المستورد على أصحابه بالرجوع من حيث جاءوا ، وقال : إنا إذا رجعنا ~~نحو الكوفة لم يتبعنا أهل البصرة ، ويرجعوا عنا فنقاتل طائفة أسهل من قتال ~~PageV20P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" طائفتين . فانحاز بأصحابه إلى البيوت ، وخرج ~~من الجانب الآخر وسار ليلته ، ولم يعلم الجيش بمسيرهم ، وبات معقل وأصحابه ~~يتحارسون إلى الصباح ، فأتاهم خبر مسيرهم . وجاء شريك ، فدعاه معقل أن يسير ~~معه ، فأبى أصحاب شريك اتباعهم ، فاعتذر إليه لمخالفة أصحابه ورجع . ودعا ~~معقل أبا الرواغ ، وأمره باتباعهم ، في ستمائة فارس ، فاتبعهم ، فأدركهم ~~نحو جرجرايا مع طلوع الشمس ، فحمل المستورد على أبي الرواغ ، فانهزم أصحابه ~~وثبت في مائة فارس وقاتلهم طويلا ، ثم عطف أصحابه من كل جانب ، وصدقوهم ~~القتال ، فلما رأى المستورد ذلك علم أن معقلا إن أتاهم بمن معه هلكوا ، ~~فمضى بأصحابه وعبر دجلة إلى ms4457 بهرسير ، وتبعهم أبو الرواغ حتى نزل بهم إلى ~~ساباط ، فقال المستورد : هؤلاء حماة معقل وفرسانه ولو علمت أني أسبقهم إليه ~~بساعة لسرت إليهم فواقعته ، ثم ركب بأصحابه حتى انتهى إلى جسر ساباط ، ~~فقطعه ، ووقف أبو الرواغ ينتظرهم للقتال وقد عبأ أصحابه . وسار المستورد ~~حتى أتى ديلمان ، وبها معقل فلما رآهم نصب رايته ونزل وقال : يا عباد الله ~~الأرض الأرض ، فنزل معه نحو مائتي رجل ، فحملت الخوارج عليهم ، فاستقبلوهم ~~بالرماح جثاة على الركب ، فلم يقدروا عليهم ، فتركوهم ، وعدلوا إلى خيولهم ~~فحالوا بينهم وبينها وقطعوا أعنتها فذهبت ، ثم رجعوا إلى معقل وأصحابه ~~فحملوا عليهم ، واشتد الأمر على معقل ومن معه . فبينما هم كذلك أقبل أبو ~~الرواغ بمن معه ، وكان سبب عوده أنه أقام ينتظر عودة الخوارج إليه ، فلما ~~أبطأوا عليه أرسل من يأتيه بخبرهم فرأوا الجسر مقطوعا ففرحوا بذلك ظنا منهم ~~أن الخوارج فعلوا ذلك هيبة ، فرجعوا إلى أبي الرواغ فأخبروه أنهم لم يروهم ~~، وأن الجسر قد قطعوه هيبة لهم ، فقال أبو الرواغ : لعمري ما فعلوا هذا إلا ~~مكيدة ، وما أراهم إلا قد سبقوكم إلى معقل حيث علموا أن فرسان أصحابه معي ، ~~وقد قطعوا الجسر ليشغلوكم به عن لحاقهم ، فالنجاء النجاء في الطلب . ثم أمر ~~أهل PageV20P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" القرية فعقدوا الجسر ، فعبر عليه ، واتبع ~~الخوارج ، فلقيه أوائل الناس منهزمين ، فصاح بهم : إلي إلي ، فرجعوا إليه ، ~~وأخبروه الخبر وأنهم تركوا معقلا يقاتلهم ، وما يظنونه إلا قتيلا ، فجد في ~~السير ، ورد معه من لقيه من المنهزمين ، وانتهى إلى العسكر ، فرأى راية ~~معقل منصوبة والناس يقتتلون ، فحمل أبو الرواغ وأصحابه على الخوارج فأزالهم ~~غير بعيد . ووصل أبو الرواغ إلى معقل فإذا هو متقدم يحرض أصحابه ، فشدوا ~~على الخوارج شدة منكرة ، ونزل المستورد ومن معه إلى الأرض ونزل أصحاب معقل ~~أيضا ، ثم اقتتلوا طويلا من النهار بالسيوف أشد قتال ، ثم إن المستورد نادى ~~معقلا ليبرز إليه ، فبرز إليه ، فمنعه أصحابه ، فلم يقبل منهم ، وكان معه ~~ومع المستورد رمحه ، فقال أصحاب معقل له : خذ رمحك . فأبى ms4458 ، وأقدم على ~~المستورد ، فطعنه المستورد برمحه ، فخرج السنان من ظهره ، وتقدم معقل ~~والرمح فيه إلى المستورد ، فضربه بسيفه فخالط دماغه فماتا جميعا . وكان ~~معقل قال لأصحابه : إن قتلت فأميركم عمرو بن محرز بن شهاب التميمي ، فلما ~~قتل معقل أخذ عمرو الراية ، وحمل هو وأصحابه على الخوارج فقتلوهم ، فلم ينج ~~منهم غير خمسة أو ستة ، وانكفت الخوارج بعد ذلك مدة ولاية زياد بن أبيه إلى ~~سنة خمسين . فخرج قريب الأزدي وزحاف الطائي بالبصرة وهما ابنا خالة ، وكان ~~زياد يومئذ بالكوفة ، وسمرة بالبصرة فأتى الخوارج بني ضبيعة وهم سبعون رجلا ~~فقتلوا منهم شيخا ، فاشتد زياد في أمر الخوارج فقتلهم وأمر سمرة بذلك ، ~~فقتل منهم بشرا كثيرا ، وخطب زياد على المنبر فقال : يا أهل البصرة والله ~~لتكفنني هؤلاء . أو لأبدأن بكم ، والله لئن أفلت رجل منهم لا تأخذون العام ~~من عطاياكم درهما . فسار الناس إليهم فقتلوهم . ثم خرج زياد بن خراش العجلي ~~في سنة اثنتين وخمسين في ثلاثمائة فأتى مسكن من السواد ، فسرح إليه زياد بن ~~أبيه خيلا عليها سعد بن حذيفة ، أو غيره ، فقتلوهم وقد صاروا إلى ماه وخرج ~~رجل من طئ اسمه معاذ في ثلاثين رجلا فبعث إليه زياد من قتله وقتل أصحابه ، ~~ويقال بل حل لواءه واستأمن . PageV20P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" وخرج طواف بن غلاق في سنة ثمان وخمسين ~~بالبصرة ، وكان سبب خروجه أن قوما من الخوارج بالبصرة كانوا يجتمعون إلى ~~رجل اسمه حرار فيتحدثون عنده ويعيبون السلطان ، فأخذهم عبيد الله بن زياد ~~فحبسهم ، ثم أحضرهم ، وعرض عليهم أن يقتل بعضهم بعضا ويخلى سبيل القاتلين ، ~~ففعلوا ، فأطلقوا ، وكان طواف ممن قتل ، فعذلهم أصحابهم وقالوا : قتلتم ~~إخوانكم ، قالوا أكرهنا وقد يكره الرجل على الكفر وهو مطمئن بالإيمان ، ~~وندم طواف وأصحابه ، وقال أما من توبة ؟ فكانوا يبكون ، وعرضوا على أولياء ~~من قتلوا الدية ، فأبوا قبولها ، وعرضوا عليهم القود ، فأبوا . ولقي طواف ~~الهثهاث بن ثور السدوسي ، فقال له : ما ترى لنا من توبة فقال : ما أجد لك ~~إلا آية في كتاب الله عز وجل ms4459 : " ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ~~ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم " . فدعا طواف أصحابه إلى ~~الخروج على أن يفتكوا بابن زياد ، فبايعوه في هذه السنة ، وهم سبعون رجلا ~~من عبد القيس بالبصرة ، فسعى بهم رجل من أصحابهم إلى ابن زياد ، وبلغ ذلك ~~طوافا فعجل الخروج ، فخرجوا من ليلتهم ، فقتلوا رجلا ، ومضوا إلى الجلحاء ، ~~فندب ابن زياد الشرط والبخارية فقاتلوهم ، فانهزم الشرط حتى دخلوا البصرة ، ~~واتبعوهم ، وذلك يوم الفطر فكاثرهم الناس ، فقاتلوا فقتلوا ، وبقي طواف في ~~ستة نفر وعطش فرسه ، فاقتحم به الماء ، فرماه البخارية بالنشاب حتى قتلوه ~~وأخذ فصلب ، ثم دفنه أهله . ذكر عروة ابن أدية وأخيه مرداس ابن أدية ~~وغيرهما من الخوارج قال : وفي سنة ثمان وخمسين اشتد عبيد الله بن زياد على ~~الخوارج ، فقتل منهم جماعة كثيرة ، منهم عروة بن أدية . PageV20P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" وكان سبب قتله أن عبيد الله بن زياد خرج في ~~رهان له ، فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع الناس إليه ، وفيهم عروة بن أدية وهو ~~أخو مرداس بن أدية ، وأدية أمهما وأبوهما جدير ، وهو تميمي ، فأقبل عروة ~~على زياد يعظه ، فكان مما قال له : " أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون ~~مصانع لعلكم تخلدون ، وإذا بطشتم بطشتم جبارين " . قال : فلما قال له ذلك ~~ظن ابن زياد أنه لم يقله إلا ومعه جماعة فركب وترك رهانه ، فقيل لعروة : ~~ليقتلنك . فاختفى ، فطلبه ابن زياد فأتى الكوفة فأخذ وأتي به إلى ابن زياد ~~فقطع يديه ورجليه وقتله وقتل ابنته . وأما أخوه أبو بلال مرداس فكان عابدا ~~مجتهدا عظيم القدر في الخوارج وشهد صفين مع علي فأنكر التحكيم . وشهد ~~النهروان مع الخوارج ، وكانت الخوارج كلها تتولاه . وكانت البثخاء امرأة من ~~بني يربوع - تحرض على ابن زياد وتذكر تجبره وسوء سيرته ، وكانت من ~~المجتهدات ، فذكرها ابن زياد ، فقال لها أبو بلال : إن التقية لا بأس بها ~~فتغيبي فإن هذا الجبار قد ذكرك . فقالت : أخشى أن يلقى أحد بسببي مكروها ، ~~فأخذها ابن زياد فقطع يديها ms4460 ورجليها ورماها في السوق ، فمر بها أبو بلال ~~فعض على لحيته وقال : لهذه أطيب نفسا بالموت منك يا مرداس ما ميتة أموتها ~~أحب إلي من ميتة البثخاء . ومر أبو بلال ببعير قد طلي بقطران فغشي عليه ، ~~ثم أفاق فتلا : " سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار " . ثم إن ابن زياد ~~ألح في طلب الخوارج حتى ملأ منهم السجون . وحبس أبا بلال مرداس بن أدية ، ~~فرأى السجان عبادته ، فأذن له كل ليلة في إتيان أهله ، فكان يأتيهم ليلا ~~ويعود إلى السجن مع الصبح ، وكان لمرداس صديق يسامر ابن زياد ، فانطلق صديق ~~مرداس إليه وأعلمه الخبر ، وبات السجان بليلة سوء خوفا أنه لا يرجع ، فعاد ~~على عادته ، فقال له السجان : أما بلغك ما عزم عليه الأمير ؟ قال : بلى ، ~~قال : وكيف أتيت ؟ قال : لم يكن جزاؤك مع إحسانك أن تعاقب بسببي ، وأصبح ~~ابن زياد فقتلهم ، PageV20P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" فلما أحضر مرداس قام السجان - وكان ظثرا ~~لعبيد الله - فشفع فيه وقص عليه قصته ، فوهبه له وخلى سبيله . ثم خاف من ~~ابن زياد ، فخرج في أربعين رجلا إلى الأهواز ، فكان إذا اجتاز به مال لبيت ~~المال أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه ، ثم يرد الباقي ، فلما سمع ابن زياد ~~خبرهم بعث إليهم أسلم بن زرعة الكلابي ، وقيل : أبو الحصين التيمي ، وكان ~~الجيش ألفي رجل ، وذلك في سنة ستين ، فلما أتوه ناشدهم أبو بلال الله أن ~~ينصرفوا عنه ، فأبوا ودعاهم أسلم إلى معاودة الجماعة ، فقالوا أتردنا إلى ~~ابن زياد الفاسق ؟ فرمى أصحاب أسلم رجلا من الخوارج فقتلوه ، فقال أبو بلال ~~: قد بدءوكم بالقتال . فشد الخوارج على أسلم وأصحابه شدة رجل واحد ، ~~فهزموهم ، فقدموا البصرة ، فلامه ابن زياد على ذلك ، وقال : هزمك أربعون ~~وأنت في ألفين ؟ لا خير فيك . فقال : لأن تلومني وأنا حي خير من أن تثني ~~علي وأنا ميت وكان الصبيان إذا رأوا أسلم صاحوا به : أبو بلال وراءك . فشكا ~~ذلك إلى ابن زياد ، فنهاهم ، فانتهوا . وقال رجل من الخوارج : أألفا مؤمن ~~منكم زعمتم . . . ويقتلهم بآسك أربعونا ms4461 كذبتم ليس ذاك كما زعمتم . . . ولكن ~~الخوارج مؤمنونا هم الفئة القليلة قد علمتم . . . على الفئة الكثيرة ~~ينصرونا هذا ما كان من أخبار الخوارج ، فلنذكر حوادث السنين . ذكر الحوادث ~~في أيام معاوية بن أبي سفيان غير ما تقدم ، على حكم السنين منذ خلص له ~~الأمر إلى أن توفي إلى رحمة الله سنة احدى وأربعين في هذه السنة خلص الأمر ~~لمعاوية بن أبي سفيان ؛ بمبايعة الحسن ابن علي PageV20P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" رضي الله عنهما له كما تقدم ، فسمي هذا العام ~~عام الجماعة وذلك لاجتماع الناس على إمام واحد ، وهو معاوية . وروي أنه لما ~~سار الحسن رضي الله عنه عن الكوفة عرض له رجل فقال : يا مسود وجه المؤمنين ~~. فقال : لا تعذلني فإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أري بني أمية ~~ينزون على منبره رجلا رجلا ، فساءه ذلك ، فأنزل الله تعالى : " إنا أعطيناك ~~الكوثر " وهو نهر في الجنة ، و " إنا أنزلناه في ليلة القدر ، وما أدراك ما ~~ليلة القدر ، ليلة القدر خير من ألف شهر " يملكها بعدك بنو أمية ، وقد خرج ~~هذا الحديث أهل الصحة . وكانت دولة بني أمية ألف شهر . ذكر صلح معاوية وقيس ~~بن سعد بن عبادة في هذه السنة تم الصلح بين معاوية وقيس بن سعد ، وكان قيس ~~قد خرج على مقدمة الحسن في اثني عشر ألفا كما ذكرنا . وقيل : إن عبيد الله ~~بن عباس كان على مقدمته ، وكان قيس بن سعد على مقدمة عبيد الله ، فلما علم ~~عبيد الله ما عزم عليه الحسن من تسليم الأمر إلى معاوية كتب إليه يسأل ~~الأمان لنفسه وعلى ما أصاب من مال وغيره ، فأجابه إلى ذلك ، وفارق عبيد ~~الله جنده وتركهم بغير أمير ، فأمروا عليهم قيس بن سعد ، وتعاقدوا على قتال ~~معاوية حتى يشترط له ولهم على ما أصابوا من الدماء والأموال ، فراسله ~~معاوية في الدخول في طاعته ، وأرسل إليه بسجل وختم أسفله ، وقال : اكتب فيه ~~ما شئت فهو لك ، فاشترط لنفسه ولشيعة على الأمان على ما أصابوا من الدماء ~~والأموال ، ولم ms4462 يشترط مالا ، فأعطاه ذلك ، ودخل قيس في طاعة معاوية . ذكر ~~استعمال معاوية المغيرة بن شعبة على الكوفة وفي هذه السنة استعمل معاوية ~~المغيرة بن شعبة على الكوفة . وكان قد استعمل عليها عبد الله بن عمرو بن ~~العاص ، فأتاه المغيرة وقال : " استعملت عبد الله على الكوفة ، وأباه بمصر ~~، فتكون أميرا بين نابي أسد " . فعزله ، واستعمل المغيرة . PageV20P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" وبلغ عمرو بن العاص ما قاله المغيرة ، فدخل ~~على معاوية وقال : " استعملت المغيرة على الخراج ، فيغتال المال ، ولا ~~تستطيع أن تأخذه منه ، استعمل على الخراج رجلا يخافك ويتقيك " فعزله عن ~~الخراج رجلا يخافك ويتقيك " فعزله عن الخراج وأقره على الصلاة . ولما ولي ~~المغيرة استعمل كثير بن شهاب على الري ، وكان يكثر سب علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه على المنبر . ذكر استعمال بسر بن أرطاة على البصرة وعزله ، ~~واستعمال عبد الله بن عامر عليها وفي هذه السنة استعمل معاوية بسر بن أرطاة ~~بن أبي أرطاة على البصرة ، وكان سبب ذلك أن الحسن لما صالح معاوية وثب ~~حمران بن أبان على البصرة ، فأخذها وغلب عليها ، فبعث إليه معاوية بسر بن ~~أرطاة ؛ وأمر بقتل بني زياد بن أبيه ، وكان زياد على فارس ، قد أرسله عليها ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما تقدم . فلما قدم بسر البصرة خطب على ~~منبرها فشتم عليا ، ثم قال : نشدت الله رجلا يعلم أني صادق إلا صدقني أو ~~كاذب إلا كذبني ، فقال أبو بكرة ؛ اللهم إنا لا نعلمك إلا كاذبا فأمر به ~~فخنق ، فقام أبو لؤلؤة الضبي فرمى نفسه عليه فمنعه ، فأقطعه أبو بكرة مائة ~~جريب ، وقيل لأبي بكرة : ما حملك على ما قلت ؟ فقال : يناشدنا الله ثم لا ~~نصدقه . وكان معاوية قد كتب إلى زياد : أن في يديك مالا من مال الله فأد ما ~~عندك منه . فكتب إليه زياد : " أنه لم يبق عندي شيء ، وقد صرفت ما كان عندي ~~في وجهه ، واستودعت بعضه لنازلة إن نزلت ، وحملت ما فضل إلى أمير المؤمنين ~~رحمه الله تعالى " . فكتب ms4463 إليه معاوية أن أقبل ننظر فيما وليت ، فإن استقام ~~بيننا أمر وإلا رجعت إلى مأمنك . فامتنع زياد . فأخذ بسر أولاده الأكابر ، ~~منهم عبد الرحمن وعبيد الله وعباد وكتب إليه : لتقدمن على أمير المؤمنين أو ~~لأقتلن بنيك ، فكتب إليه زياد : لست بارحا مكاني حتى PageV20P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" يحكم الله بيني وبين صاحبك ، وإن قتلت ولدي ~~فالمصير إلى الله تعالى ، ومن ورائنا الحساب " وسيعلم الذين ظلموا إي منقلب ~~ينقلبون " فأراد بسر قتلهم وأتاه أبو بكرة فقال له : قد أخذت ولد أخي بلا ~~ذنب ، وقد صالح الحسن معاوية على ما أصاب أصحاب علي رضي الله عنه حيث كانوا ~~، فليس عليهم ولا على أبيهم سبيل ، وأجله أياما حتى يأتي بكتاب معاوية ، ~~فركب أبو بكرة إلى معاوية وهو بالكوفة ، فلما أتاه قال له : يا معاوية إن ~~الناس لم يعطوك بيعتهم على قتل الأطفال قال : وما ذاك يا أبا بكرة ؟ قال : ~~بسر يريد قتل بني أخي زياد ، فكتب إليه بتخليتهم ، فأخذ كتابه وعاد ، فوصل ~~البصرة يوم الميعاد ، وقد أخرج بسر أولاد زياد مع طلوع الشمس ، ينتظر بهم ~~الغروب ليقتلهم ، واجتمع الناس لذلك وهم ينتظرون أبا بكرة ؛ إذ رفع على ~~نجيب أو برذون يكده ، فوقف فنزل عنه وألاح بثوبه ، وكبر وكبر الناس معه ، ~~وأقبل يسعى على رجليه ، فأدرك بسرا قبل أن يقتلهم ، فدفع إليه الكتاب ، ~~فأطلقهم . وكان زياد قد تحصن بالقلعة التي تسمى قلعة زياد . وأما بسر فلم ~~يطل مقامه بالبصرة ، بل عزله معاوية في بقية سنة إحدى وأربعين ، وأراد أن ~~يستعمل عتبة بن أبي سفيان ، فكلمه ابن عامر وقال له : إن لي بالبصرة ودائع ~~وأموالا ، فإن لم تولني عليها ذهبت . فولاه البصرة ، فقدمها في آخر سنة ~~إحدى وأربعين ، وجعل إليه خراسان وسجستان ، فجعل على شرطته حبيب بن شهاب ~~وعلى القضاء عميرة بن يثربي أخا عمرو ، وقد تقدم في وقعة الجمل أن عميرة ~~قتل فيها ، وقيل : المقتول عمرو . واستعمل ابن عامر قيس بن الهيثم على ~~خراسان ، وكان أهل باذغيس وهراة وبوشنج قد نكثوا ، فسار إلى بلخ ، فأخرب ms4464 ~~نوبهارها ، وكان الذي PageV20P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" تولى ذلك عطاء بن السائب مولى بني ليث ، ~~واتخذ قناطر على ثلاثة أنهار من بلخ على فرسح ، فقيل : قناطر عطاء ، فسأل ~~أهلها الصلح ومراجعة الطاعة ، فصالحهم قيس ، وقيل : إنما صالحهم الربيع ابن ~~زياد سنة إحدى وخمسين ، ثم قدم قيس على ابن عامر فضربه وحبسه ، واستعمل عبد ~~الله بن خازم ، فأرسل إليه أهل هراة وباذغيس وبوشنج يطلبون الأمان والصلح ، ~~فصالحهم وحمل إلى ابن عامر مالا . وفيها ولد علي بن عبد الله بن العباس ، ~~وقيل : ولد سنة أربعين قبل قتل على رضي الله عنه ، والأول أصح . وحج بالناس ~~في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان ، وقيل عنبسة بن أبي سفيان . سنة اثنتين ~~وأربعين في هذه السنة ولي معاوية بن الحكم المدينة ، وخالد بن العاص بن ~~هشام مكة ، فاستقصى مروان عبد الله بن الحارث ابن نوفل . ذكر قدوم زياد بن ~~أبيه على معاوية بن أبي سفيان في هذه السنة قدم زياد بن أبيه على معاوية ، ~~وكان معاوية قد كتب إليه يتهدده ، حين قتل علي رضي الله عنه ، فقام زياد ~~خطيبا فقال : العجب من ابن آكلة الكبود ، وكهف النفاق ، ورئيس الأحزاب ~~يتهددني وبيني وبينه ابنا عم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) - يعني ابن ~~عباس والحسن بن علي رضي الله عنهم - في سبعين ألفا ، واضعي سيوفهم على ~~عواتقهم ، أما والله لئن خلص إلي ليجدني أحمر ضرابا بالسيف . فلما صالح ~~الحسن معاوية اعتصم زياد بقلعته كما تقدم ثم كان من خبر بنيه مع بسر بن ~~أرطأة ما ذكرناه ، فأهم معاوية أمره ، وكان زياد قد استودع عبد الرحمن بن ~~أبي بكرة ماله ، فبلغ معاوية ذلك ، فبعث إليه المغيرة بن شعبة لينظر في ~~أموال زياد ، فأخذ عبد الرحمن فقال له لئن كان أبوك أساء إلي لقد أحسن عمك ~~- يعني زيادا - فكتب إلى معاوية : إني لم أجد في يد عبد الرحمن مالا يحل لي ~~أخذه . فكتب إليه PageV20P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" معاوية : أن عذب عبد الرحمن . فقال لعبد ~~الرحمن : احتفظ بما في يدك ms4465 ، وألقى على وجهه حريرة ونضحها بالماء فغشي عليه ~~، فعل ذلك ثلاث مرات ، ثم خلاه ، وكتب إلى معاوية : إني عذبته فلم أجد عنده ~~شيئا . ثم دخل المغيرة على معاوية فقال له : ذكرت زيادا واعتصامه بفارس فلم ~~أنم ليلتي . فقال المغيرة : ما زياد هناك ؟ فقال معاوية : " داهية العرب ~~معه أمول فارس ، يدبر الحيل ، ما يؤمنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت ، ~~فإذا هم قد أعادوا الحرب جذعة " واستكتمه معاوية ذلك ، فقال المغيرة : ~~أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه ؟ قال : نعم وتلطف له ، فأتاه المغيرة ~~وقال له : إن معاوية استخفه الوجل حتى بعثني إليك ، ولم يكن أحد يمد يده ~~إلى هذا الأمر غير الحسن ، وقد بايع فخذ لنفسك قبل التوطين فيستغني معاوية ~~عنك . قال : أشر علي وارم الغرض الأقصى فإن المستشار مؤتمن . فقال المغيرة ~~: أرى أن تصل حبلك بحبله وتشخص إليه . قال : أرى ويقضي الله . وكتب إليه ~~معاوية بأمانه بعد عود المغيرة عنه . فخرج زياد من فارس نحو معاوية ، وعه ~~المنجاب بن الضبي ، وحارثة بن بدر ، وقدم على معاوية فسأله عن أموال فارس ~~فأخبره بما حمل منها إلى أرض علي رضي الله عنه ، وما أنفق منها في الوجوه ~~التي تحتاج إلى النفقة ، وما بقي عنده وأنه مودع للمسلمين ، فصدقه معاوية ~~فيما أنفق وفيما بقي عنده وقبضه منه ، وقيل : إن زيادا لما قال لمعاوية ، ~~قد بقيت بقية من المال ، وقد أودعتها قوما فمكث معاوية يروده ، فكتب زياد ~~كتبا إلى قوم يقول : قد علمتم مالي عندكم من الأمانة ، فتدبروا كتاب الله " ~~إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال " الآية فاحتفظوا بما عندكم ~~. وسمى في الكتب المال الذي أقر به لمعاوية ، وأمر رسوله أن يتعرض لبعض من ~~يبلغ ذلك معاوية ، ففعل رسوله ، وانتشر ذلك ، فقال معاوية لزياد حين وقف ~~على الكتب : أخاف أن تكون مكرت بي فصالحني على ما شئت ، فصالحه على ألفي ~~ألف درهم ، وحملها زياد إليه ، واستأذنه زياد في نزول الكوفة فأذن له ، ~~فكان المغيرة يكرمه ويعظمه ، وكتب معاوية إلى المغيرة ليلزم ms4466 زيادا وحجر ابن ~~عدي PageV20P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" وسليمان بن صرد وشبيب بن ربعي وابن الكواء ~~وابن الحمق بالصلاة في الجماعة ، فكانوا يحضرون معه الصلاة . وحج بالناس في ~~هذه السنة عنبسة بن أبي سفيان . سنة ثلاث وأربعين فيها استعمل عبد الله بن ~~عامر عبد الرحمن بن سمرة على سجستان واستعمل عبد الله بن خازم على خراسان ~~وعزل قيس بن الهيثم عنها . وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم وكان ~~على المدينة . وفيها توفي محمد بن مسلمة الأنصاري ، وعبد الله بن سلام ، ~~وعمرو العاص . ذكر وفاة عمرو بن العاص وشيء من أخباره واستعمال عبد الله ~~ابن عمرو على مصر كانت وفاته بمصر يوم عيد الفطر من هذه السنة على الأصح ~~وكان له يوم مات تسعون سنة ، ودفن بالمقطم من ناحية السفح ، وصلى عليه ابنه ~~عبد الله ، ثم رجع فصلى بالناس صلاة العيد . وكان عمرو بن العاص من فرسان ~~قريش وأبطالهم في الجاهلية مذكورا بذلك فيهم . PageV20P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" وكلن حسن الشعر ، فمن شعره يخاطب عمارة بن ~~الوليد بن المغيرة عند النجاشي : إذا المرء لم يترك طعاما يحبه . . . ولم ~~ينه قلبا غاويا حيث يمما قضى وطرا منه وغادر سبة . . . إذا ذكرت أمثالها ~~تملأ الفما وكان أحد الدهاة في أمور الدنيا المقدمين في الرأي ، وكان عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه إذا استضعف رجلا في رأيه قال : أشهد أن خالقك وخالق ~~عمرو واحد . يريد خالق الأضداد . حكي أنه جعل لرجل ألف درهم على أن يسأل ~~عمرو بن العاص وهو على المنبر عن أمه ، فسأله ، فقال : أمي سلمى بنت حرملة ~~تلقب النابغة من بني عنزة ، ثم أحد بني جلان ، أصابتها رماح العرب فبيعت ~~بعكاظ ، فاشتراها الفاكه بن المغيرة ، ثم اشتراها منه عبد الله بن جدعان ، ~~ثم صارت إلى العاص بن وائل فولدت له ، فأنجبت ، فإن كان جعل لك شيء فخذه . ~~قالوا : ولما حضرته الوفاة قال : " اللهم أمرتني فلم آتمر ، وزجرتني فلم ~~أنزجر " ووضع يده في موضع الغل ثم قال : " اللهم لا قوي فأنتصر ، ولا ms4467 بريء ~~فأعتذر ، ولا مستكبر بل مستغفر ، لا إله إلا أنت " . فلم يزل يرددها حتى ~~مات . وروى أبو عمر ابن عبد البر بسنده إلى الشافعي رضي الله عنه أنه قال : ~~دخل ابن عباس رضي الله عنهما على عمرو بن العاص في مرضه فسلم عليه وقال : ~~كيف أصبحت يا أبا عبد الله ؟ قال : " أصبحت وقد أصلحت من دنياي قليلا ، ~~وأفسدت من ديني كثيرا ، فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدت ، والذي أفسدت هو ~~الذي أصلحت لفزت ، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت ، ولو كان ينجيني أن أهرب ~~هربت ، فصرت كالمنجنيق بين السماء والأرض ، لا أرقى بيدين ولا أهبط برجلين ~~، فعظني بعظة أنتفع بها يا بن أخي " . فقال ابن عباس : " هيهات يا أبا عبد ~~الله ، صار ابن أخيك أخاك ، ولا نشاء أن تبكي إلا بكيت ، كيف يؤمر برحيل من ~~هو مقيم ؟ " . فقال عمرو على حينها من حين ابن بضع وثمانين سنة تقنطني من ~~رحمة ربي ، اللهم إن ابن عباس يقنطني من رحمتك فخذ مني حتى ترضى . فقال ابن ~~عباس : هيهات يا أبا عبد الله أخذت جديدا وتعطي خلقا ، قال : ما لي ولك يا ~~بن عباس ما أرسل كلمة إلا أرسلت نقيضها . PageV20P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" وروى بسنده إلى يزيد بن أبي حبيب : أن عبد ~~الرحمن بن شماسة حدثه قال : لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى ، فقال له ~~ابنه عبد الله : " لم تبكي ؟ أجزعا من الموت ؟ " قال : لا والله ولكن لما ~~بعده ، فقال له : لقد كنت على خير ، وجعل يذكره صحبة رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وفتوحه الشام . فقال عمرو : " تركت أفضل من ذلك كله ، شهادة أن ~~لا إله إلا الله ، إني كنت على ثلاثة أطباق ، ليس منها طبق إلا عرفت نفسي ~~فيه ، كنت أول شيء كافرا ، فكنت أشد الناس على رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فلو مت حينئذ وجبت لي النار ، فلما بايعت رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) كنت أشد الناس حياء منه ، فما ملأت عيني من رسول الله ( صلى ms4468 ~~الله عليه وسلم ) حياء منه ، فلو مت يومئذ قال الناس : هنيئا لعمرو أسلم ~~وكان على خير ومات على خير أحواله فترجى له الجنة ، ثم تلبست بعد ذلك ~~بالسلطان وأشياء فلا أدري أعلي أم لي ؟ فإذا مت فلا تبكين علي باكية ، ولا ~~يتبعني مادح ولا زار ، وشدوا علي إزاري فإني مخاصم ، وشنوا علي التراب فإن ~~جنبي الأيمن ليس بأحق من جنبي الأيسر ، ولا تجعلن في قبري خشبة ولا حجرا ، ~~وإذا واريتموني فاقعدوا عندي قدر نحر جزور وتقطيعها بينكم أستأنس بكم . ~~ولما مات استعمل معاوية بعده على مصر ابنه عبد الله بن عمرو . سنة أربع ~~وأربعين في هذه السنة حج معاوية بالناس . وفيها عمل مروان بن الحكم ~~المقصورة ، وهو أول من عملها بالمدينة ، وكان معاوية قد عملها بالشام لما ~~ضربه الخارجي . ذكر عزل عبد الله بن عامر عن البصرة واستعمال الحارث بن عبد ~~الله في هذه السنة عزل معاوية عبد الله بن عامر عن البصرة ، وشبب ذلك أنه ~~كان كريما حليما لينا لا يأخذ على أيدي السفهاء ، ففسدت البصرة في أيامه ، ~~فشكا ذلك PageV20P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" إلى زياد ، فقال له : جرد فيهم السيف ، قال : ~~إني أكره أن أصلحهم بفساد نفسي . فلما علم معاوية حال البصرة أراد عزل ابن ~~عامر ، فأرسل إليه يستزيره ، فجاء إليه ، فرده إلى عمله ، فلما ودعه قال له ~~معاوية : " إني سائلك ثلاثا فقل : هن لك " . قال : هن لك وأنا ابن أم حكيم ~~فقال : ترد علي عماي ولا تغضب . قال : قد فعلت . قال : وتهب لي مالك بعرفة ~~. قال : قد فعلت . قال : وتهب لي دورك بمكة . قال : قد فعلت . قال : وصلتك ~~رحم قال بان عامر : " يا أمير المؤمنين إني سائلك ثلاثا ، فقل هن لك " قال ~~هن لك وأنا ابن هند ، قال : ترد علي مالي بعرفة . قال : قد فعلت . قال : ~~ولا تحاسب لي عاملا ولا تتبع لي أثرا . قال : قد فعلت . قال : وتنكحني ~~ابنتك هند . قال : قد فعلت . ويقال : إن معاوية قال له : " اختر إما أن ~~أتبع أثرك وأحاسبك بما صار إليك ms4469 وأردك إلى العمل ، أو أعزلك وأسوغك ما أصبت ~~" . فاختار العزل وأن يسوغه ما أصاب ، فعزله ، واستعمل الحارث ابن عبد الله ~~الأزدي ، وكان ابن عامر قد استعمل على خراسان ، قبل مقدمه عبد الله ابن أبي ~~شيخ اليشكري ، وقيل : بل استعمل عليها طفيل بن عوف اليشكري . ذكر استلحاق ~~معاوية بن أبي سفيان زياد بن أبيه وهو ابن سمية وفي هذه السنة استلحق ~~معاوية زياد بن أبيه ، وقد ذكر عز الدين أبو الحسن علي بن الأثير في تاريخه ~~الكامل سبب ذلك وكيفيته ، وابتدأ حال سمية فقال : كانت سمية أم زياد لدهقان ~~زندورد ، بكسكر فمض الدهقان ، فدعا الحارث بن كلدة الطبيب الثقفي ، فعالجه ~~، فبرأ ، فوهبه سمية ، فولدت عند الحارث أبا بكرة واسمه أبو بكرة إلى النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) حين حضر الطائف ، قال الحارث لنافع : أنت ولدي ، ~~وكان قد زوج سمية من غلام له اسمه عبيد ، وهو رومي ، فولدت له زيادا . ~~PageV20P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" قال : وكان أبو سفيان بن حرب سار في الجاهلية ~~إلى الطائف فنزل على خمار يقال له أبو مريم السلولي - وأسلم أبو مريم بعد ~~ذلك ، وصحب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) - فقال أبو سفيان لأبي مريم : قد ~~اشتهيت النساء فالتمس لي بغيا ، فقال هل لك في سمية ؟ فقال : هاتها على طول ~~ثدييها وذفر بطنها . فأتاه بها ، فوقع عليها ، فوقعت بزياد ، ثم وضعته سنة ~~إحدى من الهجرة . فلما كبر ونشأ استكتبه أبو موسى الأشعري حين ولي البصرة . ~~ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استكفى زيادا أمرا ، فقام فيه مقاما ~~مرضيا ، فلما عاد إليه حضر وعند عمر المهاجرون والأنصار ، فخطب خطبة لم ~~يسمعوا بمثلها ، فقال عمرو بن العاص : " لله در هذا الغلام . لو كان أبوه ~~من قريش لساق العرب الناس بعصاه " . فقال أبو سفيان وهو حاضر : والله إني ~~لأعرف أباه ومن وضعه في رحم أمه . فقال له علي بن أبي طالب : ومن هو يا أبا ~~سفيان ؟ قال : أنا . قال : " مهلا يا أبا سفيان ، اسكت ، فإنك تعلم أن عمر ~~لو سمع ms4470 هذا القول منك لكان إليك سريعا " . وروى أبو عمر ابن عبد البر بسنده ~~إلى ابن عباس : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث زيادا في إصلاح فساد وقع ~~باليمن ، فرجع من وجهه ، وخطب خطبة لم يسمع الناس مثلها " وذكر كلام عمرو ~~بن العاص ومقالة أبي سفيان وكلام علي رضي الله عنه بنحو ما تقدم " قال : ~~فقال أبو سفيان : أما والله لولا خوف شخص . . . يراني يا علي من الأعادي ~~لأظهر أمره صخر بن حرب . . . ولم يكن المقالة عن زياد وقد طالت مجاملتي ~~ثقيفا . . . وتركي فيهمو ثمر الفؤاد نعود إلى ما حكاه ابن الأثير قال : ~~فلما ولي علي رضي الله عنه الخلافة استعمل زيادا على فارس فضبطها وحمى ~~قلاعها ، واتصل الخبر بمعاوية فساءه ذلك ، فكتب إلى زياد يتهدده ، ويعرض له ~~بولادة أبي سفيان إياه ، فلما قرأ زياد كتابه قام في الناس PageV20P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" فقال : " العجب كل العجب من ابن آكلة الأكباد ~~، ورأس النفاق ، يخوفني بقصده إياي وبيني وبينه ابن عم رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في المهاجرين والأنصار . أما والله لو أذن لي في لقائه ~~لوجدني أحمر مخشيا ضرابا بالسيف " . وبلغ ذلك عليا رضي الله عنه فكتب إليه ~~: " إني قد وليتك ما وليتك وأنا أراك له أهلا ، وقد كان من أبي سفيان فلتة ~~من أماني الباطل وكذب النفس ، لا توجب له ميراثا ولا تحل لك نسبا ، وإن ~~معاوية يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلف ، وعن يمينه وعن شماله فاحذر ثم ~~احذر ، والسلام " . فلما قتل علي رضي الله عنه وكان من أمر زياد ومصالحة ~~معاوية ما ذكرناه ، وضع زياد مصقلة بن هبيرة الشيباني ، وضمن له عشرين ألف ~~درهم ؛ ليقول لمعاوية : " إن زيادا قد أكل فارس برا وبحرا ، وصالحك على ~~ألفي ألف درهم ، والله ما أرى الذي يقال إلا حقا " فإذا قال لك يقال : وما ~~يقال ؟ فقل : إنه ابن أبي سفيان . ففعل مصقل ذلك . ورأى معاوية أن يستصفي ~~مودته باستلحاقه ، فاتفقا على ذلك ، وأحضر الناس وحضر من شهد لزياد ، وكان ms4471 ~~فيمن حضر أبو مريم السلولي ، فقال له معاوية : بم تشهد يا أبا مريم ؟ فقال ~~: أشهد أن أبا سفيان حضر عندي وطلب مني بغيا ، فقلت ليس عندي إلا سمية فقال ~~: ايتني بها على قذرها ووضرها . فأتيته بها فخلا معها ، ثم خرجت من عنده ~~وإن إسكتيها ليقطران منيا . فقال له زياد : مهلا أبا مريم إنما بعثت شاهدا ~~ولم تبعث شاتما . فاستلحقه معاوية . وكان استلحاقه أول ما ردت فيه أحكام ~~الشريعة علانية ، فإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قضى بالولد للفراش ~~وللعاهر الحجر . قال : وقد اعتذر الناس عن معاوية في استلحاقه إياه ، ~~فقالوا : إن أنكحة PageV20P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" الجاهلية كانت أنواعا ، منها أن الجماعة ~~يجامعون البغي فإذا حملت وولدت ألحقت الولد بمن شاءت منهم ، فلما جاء ~~الإسلام حرم هذا النكاح ، إلا أنه أقر نسب كل ولد إلى من كان ينسب إليه من ~~أي نكاح كان ، فتوهم معاوية أن ذلك جائز له ، ولم يفرق بين ما استلحق في ~~الجاهلية والإسلام . قال أبو عمر ابن عبد البر : ولما ادعى معاوية زيادا ~~دخل عليه بنو أمية ، وفيهم عبد الرحمن بن الحكم ، فقال : يا معاوية لو لم ~~تجد إلا الزنج لاستكثرت بهم علينا قلة وذلة ، فأقبل معاوية على مروان ، ~~وقال : أخرج عنا هذا الخليع ، فقال مروان : والله إنه لخليع ما يطاق . فقال ~~معاوية : " والله لولا حلمي وتجاوزي لعلمت أنه لا يطاق ، ألم يبلغني شعره ~~في وفي زياد ؟ " . ثم قال لمروان أسمعنيه ، فقال : ألا بلغ معاوية بن صخر . ~~. . لقد ضاقت بما تأتي اليدان أتغضب أن يقال : أبوك عف . . . وترضى أن يقال ~~: أبوك زاني فأشهد أن رحمك من زياد . . . كرحم الفيل من ولد الأتان وأشهد ~~أنها حملت زيادا . . . وصخر من سمية غير دان قال : وهذه الأبيات تروى ليزيد ~~بن ربيعة بن مفرغ الحميري الشاعر ، ومن رواها له جعل أولها : ألا بلغ ~~معاوية بن صخر . . . مغلغلة من الرجل اليماني قال أبو عمر : وروى عمر بن ~~شبة وغيره أن ابن مفرغ لما شفعت فيه اليمانية إلى معاوية أو ابنه يزيد ms4472 ، ~~وكان قد لقي من عباد بن زياد وأخيه عبد الله ما لقي من النكال مما يطول ~~شرحه ، فلما وصل إلى معاوية بكى وقال : " يا أمير المؤمنين ركب مني ما لم ~~يركب من مسلم قط ، على غير حدث في الإسلام ولا خلع يد من طاعة " . ~~PageV20P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" وكان عبيد الله ابن زياد قد أمر به فسقي دواء ~~، ثم حمل على حمار وطيف به وهو يسلح في ثيابه ، فقال معاوية : ألست القائل ~~؟ : ألا بلغ معاوية بن صخر . . . . . وذكر الأبيات . فقال ابن مفرغ : " لا ~~والذي عظم حقك ورفع قدرك يا أمير المؤمنين ما قلتها قط وقد بلغني أن عبد ~~الرحمن بن الحكم قالها ونسبها إلي " قال ألست القائل ؟ : شهدت بأن أمك لم ~~تتباشر . . . أبا سفيان واضعة القناع ولكن كان أمر فيه لبس . . . على وجل ~~شديد وارتياع أولست القائل أيضا ؟ : إن زيادا ونافعا وأبا . . . بكرة عندي ~~من أعجب العجب همو رجال ثلاثة خلقوا . . . في رحم أنثى ما كلهم لأب ذا قرشي ~~كما يقول وذا . . . مولى وهذا بزعمه عربي في أشعار قلتها لزياد وبنيه ~~تهجوهم أغرب لا عفا الله عنك فقد عفوت عن جرمك ، ولو صحبت زيادا لم يكن شيء ~~مما كان ، اذهب فاسكن أي أرض أحببت " . فاختار الموصل . قال أبو عمر : ~~وليزيد بن مغرف في هجو زياد وبنيه - من أجل ما لقي من عباد بن زياد بخراسان ~~- أشعار كثيرة منها : أعباد ما للؤم عنك محول . . . وما لك أم في قريش ولا ~~أب وقل لعبيد الله ما لك والد . . . بحق ولا يدري امرء كيف تنسب وقوله في ~~زياد : فكر ففي ذاك إن فكرت معتبر . . . هل نلت مكرمة إلا بتأمير عاشت سمية ~~ما عاشت وما علمت . . . أن ابنها من قريش في الجماهير قال : وكان أبو بكرة ~~أخا زياد لأمه ، فلما بلغه أن معاوية استلحقه وأنه رضي بذلك آلى يمينا لألا ~~يكلمه أبدا ، وقال : " هذا زنى أمه وانتفى من أبيه ، لا والله ما ~~PageV20P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" علمت سمية رأت أبا سفيان قط ؛ ويله ما يصنع ~~بأم ms4473 حبيبة زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ أيريد أن يراها ؟ فإن حجبته ~~فضحته ، وإن رآها يالها مصيبة ، يهتك من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~حرمة عظيمة " . فلما حج زياد ودخل المدينة أرادوا الدخول على أم حبيبة ، ثم ~~ذكر قول أبي بكرة فانصرف عن ذلك . وقيل : إن أم حبيبة حجبته ولم تأذن له في ~~الدخول عليها ، قيل : وإنه حج ولم يزرها من أجل قول أبي بكرة ، وقال : جزى ~~الله أبا بكرة خيرا لم يدع النصيحة على كل حال . قالوا : وكتب زياد إلى ~~عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : من زياد بن أبي سفيان وهو يريد أن تكتب ~~إليه إلى زياد بن أبي سفيان فكتبت إليه من عائشة أم المؤمنين إلى ولدها ~~زياد . وكان يقال لزياد قبل الاستلحاق زياد بن أبيه وزياد بن أمه وزياد بن ~~سمية وزياد بن عبيد المثقفي . وروى أبو عمر بسنده إلى أبي عثمان النهدي ~~ويقال : اشترى زياد أباه عبيدا بألف درهم فأعتقه . . فكنا نغيظه بذلك . سنة ~~خمس وأربعين ذكر ولاية زياد البصرة وخراسان وسجستان وما تكلم به زياد عند ~~مقدمه ومن استعمله زياد من العمال وفي هذه السنة عزل معاوية الحارث بن عبد ~~الله الأزدي عن البصرة وكان قد استعمله عليها في أول هذه السنة ، ثم عزله ، ~~فكانت ولايته أربعة أشهر ، واستعمل زيادا على البصرة وخراسان وسجستان ، ثم ~~جمع له الهند والبحرين وعمان . فقدم زياد البصرة في آخر شهر ربيه الآخر من ~~السنة ، فدخلها والفسق فيها ظاهر فاش . فخطب خطبة بتراء لم يحمد الله فيها ~~وقيل : بل حمد الله فقال : الحمد لله على إفضاله وإحسانه ، ونسأله المزيد ~~من نعمه وإكرامه ، اللهم كما زدتنا نعما فألهمنا PageV20P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" شكرا على نعمك فينا . أما بعد فإن الجهالة ~~الجهلاء والضلالة العمياء والفجر الموقد لأهله النار الباقي عليهم سعيرها ، ~~ما يأتيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام ، فيثب فيها الصغير ~~، ولا ينحاش عنها الكبير كأن لم يسمعوا نبي الله ، ولم يقرءوا كتاب الله ، ~~ولم يعلموا ما أعد الله ms4474 من الثواب الكريم لأهل طاعته ، والعذاب الأليم لأهل ~~معصيته في الزمن السرمدي الذي لا يزول ، أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا وسدت ~~مسامعه الشهوات واختار الفانية على الباقية ؟ ولا تذكرون أنكم أحدثتم في ~~الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه وفي نسخه بعد قوله " لم تسبقوا إليه " ~~قال : من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله والضعيفة المسكينة في النهار المبصر ~~والعدد غير قليل ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار ~~؟ قربتم القرابة وباعدتم الدين تعتذرون بغير العذر وتغطون على المختلس كل ~~امرئ منكم يذب عن سفيهه صنع من لا يخاف عاقبة ولا يخشى معادا ما أنتم ~~بالحلماء ، ولقد اتبعتم السفهاء ، فلم يزل بهم ما ترون من قيامكم دونهم حتى ~~انتهكوا حرم الله الإسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب . حرام ~~على الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا إني رأيت هذا الأمر لا ~~يصلح إلا بما صلح به أوله : لين في غير ضعف ، وشدة في غير جبرية وعنف . ~~وإني أقسم بالله لأخذن الولي بالولي والمقيم بالظاعن ، والمقبل بالمدبر ، ~~والصحيح منكم في نفسه بالسقيم ، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول : انج سعد ~~فقد هلك سعيد ، أو تستقيم لي قناتكم إن كذبة المنبر مشهودة ، فإذا تعلقم ~~علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي من بيت منكم فأنا ضامن لما ذهب له ، إياي ~~ودلج الليل ، فإني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه ، وقد أجلتكم فيه ذلك بقدر ~~ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع PageV20P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" إليكم . وإياي ودعوى الجاهلية ، فإني لا أجد ~~أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه ، وقد أحدثتم إحداثا لم تكن وقد أحدثنا لكل ~~ذنب عقوبة ، فمن غرق قوما غرقناه ، ومن حرق قوما حرقناه ، ومن نقب بيتا ~~نقبت عن قلبه ، ومن نبش قبرا دفنته فيه حيا فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف ~~عنكم يدي ولسانس ، ولا يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه ~~وقد كانت بيني وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي ، فمن كان ms4475 منكم ~~محسنا فليزدد إحسانا ، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته ، إني لو علمت أن ~~أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي ~~صفحته فإذا فعل لم أناظره . فاستأنفوا أموركم ، وأعيني على أنفسكم ، فرب ~~مبتئس بقدومنا سيسر ومسرور بقدومنا سيبتئس أيها الناس ، إنا أصبحنا لكم ~~ساسة ، وعنكم زادة ، نسسوسكم بسلطان الله الذي أعطاناه ، ونزود عنكم بفيء ~~الله الذي خولناه ، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا ، ولكم علينا ~~العدل فيما ولينا ، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا . واعلموا أني ~~مهما قصرت عنكم فإني لا أقصر عن ثلاث : لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو ~~أتاني طارقا بليل ، ولا حابسا رزقا ولا عطاء عن إبانه ، ولا مخمرا لكم بعثا ~~، فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم ، فإنهم ساستكم المؤدبون ، وكهفكم الذي إليه ~~تأوون ، ومتى يصلحوا تصلحوا ، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم ، فيشتد لذلك غيظكم ~~، ويطول له حزنكم ، ولا تدركوا حاجتكم ، مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان ~~شرا لكم ، أسأل الله أن يعين كلا على كل ، فإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر ~~فأنفذوه على أذلاله . وأيم PageV20P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة ، فليحذر كل ~~امرئ منكم أن يكون من صرعاي فقام إليه عبد الله بن الأهتم فقال : أشهد أيها ~~الأمير أنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب . فقال : " كذبت ، ذاك نبي الله داود ~~عليه الصلاة والسلام " . فقال الأحنف : " قد قلت فأحسنت ، أيها الأمير ~~والثناء بعد البلاء ، والحمد بعد العطاء ، إنا لا نثني حتى نبتلى ، ولا ~~نحمد حتى نعطى " . فقال زياد : صدقت . فقام أبو بلال مرداس بن أدية وهو ~~يقول : أنبأنا الله بغير ما قلت ، قال الله تعالى : " وإبراهيم الذي وفى ، ~~ألا تزر وازرة وزر أخر ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ، ثم ~~يجزاه الجزاء الأوفى " فأوعدنا الله خيرا مما أوعدتنا يا زياد فقال زياد : ~~إنا لا نجد إلى ما نريد منك ومن أصحابك سبيلا حتى نخوض إليكم الباطل خوضا ~~وقيل : إنه قال : حتى نخوض إليها ms4476 الدماء . وقيل : إنه لما قدم العراق خطب ، ~~فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " إن معاوية غير مخوف على قومه ، ولك يكن ~~ليلحق بنسبه من ليس منه ، وقد شهدت الشهود بما قد بلغكم ، والحق أحق أن ~~يتبع ، والله حيث وضع البينات كان أعلم ، وقد رحلت عنكم وأنا أعرف صديقي من ~~عدوي ، وقد قدمت عليكم ، وصار العدو صديقا مناصحا ، والصديق عدوا مكاشحا ، ~~فاشتمل كل امرئ على ما في صدره ، فلا يكونن لسانه شفرة تجري على ودجه ، ~~وليعلم أحدكم إذا خلا بنفسه إني قد حملت سيفي بيده ، فإن شهره لم أغمده ، ~~وإن أغمده لم أشهره " . ثم نزل . واستعمل على شرطته عبد الله بن حصن . . ~~وأجل الناس حتى بلغ الخبر الكوفة وعاد إليه وصول الخبر ، وكان يؤخر العشاء ~~الآخرة ، ثم يصلي ويأمر رجلا فيقرا سورة البقرة أو مثلها يرتل القرآن ، ~~فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أن إنسانا يبلغ أقصى البصرة ، ثم يأمر صاحب ~~شرطته بالخروج فيخرج فلا يرى إنسانا إلا قتله . فخرج ذات ليلة ، فأخذ ~~أعرابيا ، فأتى به زيادا ، فقال : هل سمعت النداء ؟ قال : " لا والله قدمت ~~بحلوبة لي ، وغشيني الليل ، فاضطررتها إلى موضع ، وأقمت لأصبح ولا علم لي ~~بما كان من الأمير " . قال : أظنك والله صادقا ولكن في قتلك صلاح الأمة . ~~ثم أمر به فضربت عنقه . PageV20P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" وكان زياد أول من شدد أمر السلطان ، وأكد ~~الملك لمعاوية ، وجرد السيف ، وأخذ على الظنة ، وعاقب بالشبهة ، وخافه ~~الناس خوفا شديدا ، حتى أمن بعضهم بعضا ، وحتى كان الشيء يسقط من الرجل أو ~~المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأتيه صاحبه فيأخذه ، ولا يغلق أحد بابه ، وأدر ~~العطاء ، وبنى مدينة الرزق ، وجعل الشرط أربعة آلاف . وقيل له ، إن السبيل ~~مخوفة فقال : " لا أعاني شيئا وراء المصر حتى أصلح المصر ، فإن غلبني فغيره ~~أشد غلبة منه " . فلما ضبط المصر وأصلحه تكلف ما وراء ذلك وأحكمه ، وهو أول ~~من سير بين يديه بالحراب والعمد ، واتخذ الحرس خمسمائة لا يفارقون المسجد . ~~والله أعلم . ذكر عمال زياد بن ms4477 أبيه قال : ولما ولي زياد استعان بعدة من ~~أصحاب الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ورصي عنهم ، منهم عمران بن حصين ~~الخزاعي ولاه قضاء البصرة ، وأنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وسمرة بن ~~جندب . فأما عمران فاستعفاه من القضاء فأعفاه ، واستقضى عبد الله بن فضالة ~~الليثي ، ثم أخاه عاصم ، ثم زرارة بن أوفة . وجعل خراسان أرباعا ، فاستعمل ~~على مرو أمير بن أحمر اليشكري وعلى نيسابور خليد بن عبد الله الحنفي ، وعلى ~~مرو الرود والفارياب والطالقان قيس بن الهيثم ، وعلى هراة وباذغيس وبوشنج ~~نافع بن خالد الطائي ، ثم عزله واستعمل الحكم بن عمرو الغفاري ، وكانت له ~~صحبته ، وكان زياد قد قال لحاجبه : ادع لي الحكم يريد الحكم بن أبي العاص ~~الثقفي ليوليه خراسان ، فجاء بالحكم الغفاري ، وقال له زياد : ما أردتك ~~ولكن الله أرادك ، فولاه خراسان وجعل معه رجالا على جباية الخراج ، منهم ~~أسلم بن زرعة الكلابي وغيره ، وغزا الحكم طخارستان فغنم غنائم كثيرة ثم مات ~~، واستخلف أنس بن أبي أناس بن زنيم فعزله زياد ، وكتب إلى خليد بن عبد الله ~~الحنفي لولاية خراسان ، ثم بعث الربيع بن زياد الحارثي رضي الله تعالى عنه ~~إلى خراسان في خمسين ألفا من البصرة والكوفة . وحج بالناس في هذه السنة ~~مروان بن الحكم ، وكان على المدينة . PageV20P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" سنة ست وأربعين ذكر وفاة عبد الرحمن بن خالد ~~بن الوليد وفي هذه السنة مات عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وكان قد عظم ~~أمره عند أهل الشام ومالوا إليه لغنائه بالروم ولآثار أبيه ، فخافه معاوية ~~، فأمر ابن أثال النصراني أن يحتال في قتله ، ضمن له أن ويضع عنه خراجه مال ~~عاش ، ويوليه خراج حمص . فلما قدم عبد الرحمن من الروم دس إليه ابن أثال ~~شربة مسمومة مع بعض مماليكه ، فشربها ، فمات بحمص ، فوفى له معاوية . ثم ~~قدم خالد بن عبد الرحمن المدينة ، فجلس يوما إلى عروة بن الزبير فقال له ~~عروة : ما فعل ابن أثال ؛ فقام من عنده وسار إلى حمص فقتل ابن أثال ms4478 ، فحمل ~~إلى معاوية فحبسه أياما وغرمه ديته ، ورجع إلى المدينة فأتى عروة فقال له ~~ما فعل ابن أثال ؟ فقال : قد كفيتكه ولكن ما فعل ابن جرموز ؟ يعني قاتل ~~الزبير فسكت عروة . وقد روى في خبر عبد الرحمن بن خالد أن معاوية لما أراد ~~البيعة ليزيد خطب أهل الشام وقال : " يا أهل الشام ، إني قد كبرت سني وقرب ~~أجلي ، وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظاما لكم ، وإنما أنا رجل منكم ، ~~فارتؤا رأيكم " . فأصفقوا واجتمعوا . وقالوا : رضينا عبد الرحمن بن خالد . ~~فشق ذلك على معاوية وأسرها في نفسه ، ثم مرض عبد الرحمن فأمر معاوية طبيبا ~~عنده مكينا أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها ، فأتاه فسقاه فانخرق بطنه فمات ~~. ثم دخل أخوه المهاجر بن خالد دمشق مستخفيا ، هو وغلام له ، فرصدا ذلك ~~اليهودي ، فخرج ليلا من عند معاوية ، ومعه قوم ، فهجم عليه المهاجر فهربوا ~~عنه فقتله المهاجر . وقد قيل إن الذي قتل ابن أثال أو اليهودي خالد بن ~~المهاجر بن خالد ، وأن عروة بن الزبير ، كان يعيره بترك الطلب بثأر عمه ، ~~فخرج خالد ونافع ملاه من المدينة حتى أتيا دمشق ، فرصد الطبيب ليلا عند ~~مسجد دمشق ، وكان يسهر عند معاوية ، فلما PageV20P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" انتهى إليهما ومعه قوم من حشم معاوية حملا ~~عليه ، فانفرجوا ، وضرب خالد بن المهاجر اليهودي فقتله ، ثم انصرف إلى ~~المدينة ، وقال لعروة بن الزبير : قضى لابن سيف الله بالحق سيفه . . . وعري ~~من حمل الذحول رواحل سل ابن أثال هل ثأرت ابن خالد ؟ . . . فهذا ابن جرموز ~~فهل أنت قاتله ؟ وحج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان . سنة سبع ~~وأربعين في هذه السنة عزل عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر ، واستعمل ~~عليها معاوية ابن حديج وكان عثمانيا ، فمر به عبد الرحمن بن أبي بكر رضي ~~الله عنهما فقال : " يا معاوية ، قد أخذت جزاءك من معاوية ، قد قتلت أخي ~~محمدا لتلي مصر فقد وليتها " . فقال : ما قتلت محمدا إلا بما صنع بعثمان ، ~~فقال عبد الرحمن : فلو كنت ms4479 إنما تطلب بدم عثمان ما شاركت معاوية فيما صنع ، ~~حيث عمل عمرو بالأشعري ما عمل ، فوثبت أول الناس فبايعته . وحج بالناس في ~~هذه السنة عتبة بن أبي سفيان ، وقيل عنبسة ابن أبي سفيان . سنة ثمان ~~وأربعين في هذه السنة استعمل زياد غالب ابن فضال الليثي على خراسان وكانت ~~له صحبة . وحج بالناس مروان بن الحكم وهو يتوقع العزل لموجدة كانت من ~~معاوية عليه ، وارتجع معاوية منه فدك وكان وهبها له . سنة تسع وأربعين في ~~هذه السنة عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة ، في شهر ربيع الأول ، ~~PageV20P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" وأمر سعيد بن العاص ، فكانت ولاية مروان ~~المدينة ثماني سنين وشهرين ، وكان على قضاء المدينة عبد الله بن الحارث بن ~~نوفل ، فعزله سعيد حين ولي ، واستقضى أبا سلمة عبد الرحمن . ذكر وفاة الحسن ~~بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد اختلف في وقت وفاته رضي الله عنه ، ~~فقيل : في سنة تسع وأربعين ، وقيل : بل مات في شهر ربيع الأول في سنة خمسين ~~، وقيل مات في سنة إحدى وخمسين ، ودفن في بقيع الغرقد ، وصلى عليه سعيد بن ~~العاص أمير المدينة ، قدمه الحسين للصلاة عليه ، وقال له لولا أنها سنة ما ~~قدمتك . قال أبو عمر بن عبد البر : وقد كانت عائشة رضي الله عنها أباحت له ~~أن يدفن مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في بيتها ، وكان قد سألها ذلك ~~في مرضه ، فلما مات منع من ذلك مروان بن الحكم وبنو أمية . وروى أبو عمر : ~~أن الحسن لما حضرته الوفاة قال للحسين أخيه : " يا أخي إن أباك رحمه الله ~~لما قبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) استشرف لهذا الأمر رجاء أن يكون ~~صاحبه ، فصرفه الله عنه ، وولاها أبا بكر ، فلما حضرت أبا بكر الوفاة تشوف ~~لها أيضا ، فصرفت عنه إلى عمر ، فلما احتضر عمر جعلها شورى بين ستة هو ~~أحدهم ، فلم يشك أنها لا تعدوه ، فصرفت عنه إلى عثمان ، فلما هلك عثمان ~~بويع له ، ثم نوزع حتى جرد ms4480 السيف ، وطلبها ، فما صفا له شيء منها ، وإني ~~والله ما أرى أن يجمع الله فينا أهل البيت النبوة والخلافة ، فلا أعرفن ما ~~استخفك سفهاء أهل الكوفة : فأخرجوك ، وإني قد كنت طلبت إلى عائشة إذا مت أن ~~تأذن لي فأدفن في بيتها مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . قالت : نعم ~~، وإني لا أدري لعلها كان ذلك منها حياء ، فإن طابت نفسها فادفني في بيتها ~~، وما أظن إلا أن القوم سيمنعونك إذا أردت ذلك ، PageV20P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" فإن فعلوا فلا تراجعهم في ذلك ، وادفني في ~~بقيع الغرقد ، فإن لي بمن فيه أشوة ، فلما مات الحسن رضي الله عنه أتى ~~الحسين عائشة فطلب ذلك إليها فقالت : نعم وكرامة . فبلغ ذلك مروان بن الحكم ~~فقال : " كذب وكذبت ، والله لا يدفن هناك أبدا ، منعوا عثمان من دفنه في ~~المقبرة ويريدون دفن الحسن في بيت عائشة " . فبلغ ذلك الحسين فدخل هو ومن ~~معه في السلاح ، واستلأم مروان في الحديد أيضا ، فبلغ ذلك أبا هريرة رضي ~~الله عنه فقال : " والله ما هو إلا ظلم ، يمنع الحسن أن يدفن مع أبيه والله ~~إنه لأبن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " . ثم انطلق إلى الحسين فكلمه ~~وناشده الله وقال له : " أليس قد قال أخوك : إن خفت أن يكون قتال فردني إلى ~~مقبرة المسلمين ؟ فلم يزل به حتى فعل ، فقدمه الحسين للصلاة ، وقال : هي ~~للسنة . وشهدها خالد بن الوليد بن عقبة بعد أن ناشد بني أمية أن يخلوه يشهد ~~الجنازة فتركوه فشهد دفنه في المقبرة ، ودفن إلى جانب أمه فاطمة رضي الله ~~عنهما . قال : وقال أبو قتادة وأبو بكر بن حفص : سم الحسن ابن علي رضي الله ~~عنهما : سمته امرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي . قال : وقالت طائفة ~~كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل في لها ذلك ، وكان لها ضرائر ~~وأنه وعدها بخمسين ألف درهم ، وأن يزوجها من يزيد ، فلما فعلت وفى لها ~~بالمال ، وقال : حبنا ليزيد يمنعنا من الوفاء لك بالشرط الثاني . ~~PageV20P0201 # """""" صفحة رقم 202 ms4481 """""" وروى قتادة قال : دخل الحسين على أخيه الحسن ~~رضي الله عنهما فقال : " يا أخي إني سقيت السم ثلاث مرات ، ولم أسق مثل هذه ~~المرة ، إني لأضع كبدي " . فقال الحسين : من سقاك يا أخي ؟ قال : " ما ~~سؤالك عن هذا ؟ أتريد أن تقاتله ؟ أكلهم إلى الله " . فلما مات ورد البريد ~~بموته على معاوية فقال : " يا عجبا من الحسن شرب شربة من عسل بماء رومة ~~فقضى نحبه " . وأتى ابن عباس معاوية فقال له : يا بن عباس احتسب الحسن لا ~~يحزنك الله ولا يسوءك . قال : أما ما أبقاك الله يا أمير المؤمنين فلا ~~يحزنني الله ولا يسوؤني ، فأعطاه على كلمته ألف ألف درهم وعروضا وأشياء . ~~وقال خذها فاقسمها على أهلك . ومات الحسن رضي الله عنه وله من السن يومئذ ~~سبع وأربعون سنة . وقيل : ست وأربعون سنة . وكان رضي الله عنه وأرضاه ورعا ~~فاضلا ، دعاه ورعه وفضله إلى ترك الخلافة رغبة فيما عند الله ، وقال : واله ~~ما أحببت منذ علمت ما ينفعني ويضرني أن لي أمر أمة محمد ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، على أن يراق في ذلك محجمة دم . وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن ~~العاص . سنة خمسين ذكر وفاة المغيرة بن شعبة في هذه السنة توفي المغيرة بن ~~شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف ~~بن قيس وهو ثقيف . وكان الطاعون قد وقع بالكوفة فهرب المغيرة منه ، فلما ~~ارتفع عاد إلى الكوفة وطعن ، فمات في شعبان من السنة ، وكان طوالا أعور ، ~~ذهب عينه يوم اليرموك ، وتوفي وهو ابن سبعين سنة . PageV20P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" وكان المغيرة من الدهاة ، روي عن الشعبي قال ~~: كان دهاة العرب أربعة : معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص والمغيرة بن ~~شعبة وزياد بن أبيه ، فأما معاوية فللأناة والحلم ، وأما عمرو فللمعضلات ، ~~وأما المغيرة فللمبادهة ، وأما زياد فللكبيرة والصغيرة . وحكى الرياشي عن ~~الأصمعي قال : كان معاوية يقول : أنا للأناة ، وعمرو للبديهة ، وزياد ~~للصغار والكبار ، والمغيرة للأمر العظيم . ولما دفن ms4482 وقف على قبره مصقله بن ~~هبيرة الشيباني وقال : إن تحت الأحجار حزما وجودا . . . وخصيما ألد ذا ~~معلاق حية في الوجار أربد لا ين . . . فع منه السليم نفث الراقي ثم قال ، ~~أما والله لقد كنت شديد العداوة لمن عاديت ، شديد الأخوة لمن آخيت . وكان ~~المغيرة كثير الزواج ، قال أبو عمر : قال نافع أحصن المغيرة ثلاثمائة امرأة ~~في الإسلام . قال : وغيره يقول : ألف امرأة . ولما حضرته الوفاة استخلف على ~~الكوفة ابنه عروة ، وقيل : استخلف جريرا ، فولى معاوية زيادا . ذكر ولاية ~~زياد الكوفة قال : ولما مات المغيرة استعمل معاوية زيادا على الكوفة ، وهو ~~أول من جمع له بين الكوفة والبصرة ، فسار إلى الكوفة ، واستخلف على البصرة ~~سمرة بن جندب ، فكان زياد يقيم بالكوفة ستة أشهر ، وبالبصرة ستة أشهر . ~~PageV20P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" ولما وصل الكوفة خطبهم ، فحصب وهو على المنبر ~~، فجلس حتى أمسكوا ، ثم دعا قوما من خاصته فأمرهم فأخذوا أبواب المسجد ثم ~~قال : ليأخذن كل رجل منكم جليسه ، ولا يقولن لا أدري من جليسي . ثم أمر ~~بكرسي فوضع على باب المسجد ، ثم دعاهم أربعة أربعة يحلفون : ما منا من حصبك ~~، فمن حلف خلاه ، ومن لم يحلف حبسه ، حتى صاروا ثلاثين ، وقيل : ثمانين ، ~~فقط أيديهم ، واتخذ زياد المقصورة حين حصب . قال : وأما سمرة فإنه أكثر ~~القتل بالبصرة لما استخلفه زياد عليها ، قال ابن سيرين : قتل سمرة في غيبة ~~زياد هذه ثمانية آلاف . فقال زياد : أتخاف أن تكون قتلت بريئا ؟ قال : لو ~~قتلت معهم مثلهم ما خشيت . وقال أبو السوار العدوي : قتل سمرة من قومي في ~~غداة واحدة سبعة وأربعين ، كلهم قد جمعوا القرآن . وركب سمرة يوما ، فلقيت ~~أوائل خيله رجلا فقتلوه ، فمر به سمرة وهو يتشحط في دمه ، فقال : ما هذا ؟ ~~قيل : أصابه أوائل خيلك ، فقال إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا . ذكر ~~ما قصده معاوية من نقل المنبر من المدينة إلى الشام ومن قصد ذلك بعده من ~~الأمراء في هذه السنة أمر معاوية بمنبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أن يحمل ms4483 إلى الشام ، وقال : لا يترك هو وعصا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بالمدينة ، وهم قتلة عثمان . فطلب العصا ، وهي عند سعد القرظ وحرك المنبر ، ~~فكسفت الشمس حتى رؤيت النجوم بادية ، فأعظم الناس ذلك فتركه . وقيل أتاه ~~جابر وأبو هريرة فقالا : يا أمير المؤمنين لا يصلح أن تخرج منبر رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) من موضع وضعه ، وتنقل عصاه إلى الشام فانقل المسجد ~~، فتركه وزاد فيه ست درجات ، واعتذر مما صنع . PageV20P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" فلما ولي عبد الملك بن مروان هم بالمنبر ، ~~فقال قبيصة بن ذؤيب أذكرك الله أن لا تفعل ، إن معاوية حركه فكسفت الشمس ، ~~وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من حلف على منبري آثما فليتبوأ ~~مقعده من النار " وهو مقطع الحقوق بينهم بالمدينة . فتركه عبد الملك . فلما ~~ولى الوليد ابنه وحج هم بدلك ، فأرسل سعيد بن المسيب إلى عمر بن عبد العزيز ~~فقال : كلم صاحبك لا يتعرض للمسجد ولا لله والسخط له ، فكلمه عمر فتركه . ~~فلما حج سليمان بن عبد الملك أخبره عمر بما كان من الوليد ، فقال سليمان : ~~" ما كنت أحب أن يذكر عن أمير المؤمنين عبد الملك هذا ، ولا عن الوليد ، ما ~~لنا ولهذا ؟ أخذنا الدنيا فهي في أيدينا ، ونريد أن نعمد إلى علم من أعلام ~~الإسلام يوفد إليه فنحمله ، هذا ما لا يصلح " . وفيها عزل معاوية معاوية بن ~~حديج عن مصر ، واستعمل عليها مسلمة بن مخلد مع إفريقية وكان على إفريقية ~~عقبة بن نافع ، وكان قد اختط قيروانها ، وكان موضعه غيضة لا ترام من السباع ~~والحيات فدعا الله عليها ، فلم يبق منها شيء إلا خرج هاربا ، حتى إن كانت ~~السباع لتحمل أولادها ، وبنى الجامع ، فلما عزله معاوية عن إفريقية وأضافها ~~إلى مسلمة بن مخلد استعمل على إفريقية مولى له يقال له : أبو المهاجر ، فلم ~~يزل عليها حتى هلك معاوية . وقيل : إن عقبة بن نافع ولي إفريقية في هذه ~~السنة وعمر مدينة القيروان ، وكانت غيضة على ما تقدم ، فدعا الله تعالى ، ~~وكان مستجاب الدعوة ms4484 ، ثم نادى : " أيتها الحيات والسباع ، إنا أصحاب رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ارحلوا عنا فإنا نازلون ، ومن وجدناه بعد ذلك ~~قتلناه " . فنظر الناس إلى الدواب تحمل أولادها وتنتقل ، فأسلم كثير مكن ~~البربر ، وقطع الأشجار وأمر ببناء المدينة ، فبنيت وبنى المسجد الجامع ، ~~وبنى الناس مساجدهم ومساكنهم ، وكان دور القيروان ثلاثة آلاف باع وستمائة ~~باع . وسنذكر إن شاء الله تعالى ذلك بما هو أبسط من هذا في أخبار إفريقية ~~وبلاد الغرب . PageV20P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" ذكر وفاة الحكم بن عمرو الغفاري وفي هذه ~~السنة توفي الحكم بن عمرو الغفاري بمرو ، على أحد الأقوال ، وله صحبة ، ~~وكان زياد قد كتب إليه : " إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أصطفي له ~~الصفراء والبيضاء ، فلا تقسم بين الناس ذهبا ولا فضة " . فكتب إليه الحكم : ~~" بلغني ما أمر به أمير المؤمنين ، وإني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير ~~المؤمنين ، وإنه والله لو أن السماوات والأرض كانتا رتقا على عبد ثم اتقى ~~الله لجعل له فرجا ومخرجا ، والسلام عليك " . ثم قال للناس : اغدوا على ~~أعطياتكم وما لكم ، فقسمه بينهم ، ثم قال : اللهم إن كان لي عندك خير ~~فاقبضني إليك . فمات ، واستخلف لما حضرته الوفاة أنس بن أبي أناس . وحج ~~بالناس في هذه السنة معاوية ، وقيل : بل حج ابنه يزيد . وفيها توفي عثمان ~~بن أبي العاص الثقفي ، وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس ، وأبو موسى ~~الأشعري ، وقيل : سنة اثنتين وخمسين ، وتوفي غيرهم من الصحابة رضي الله ~~عنهم . سنة إحدى وخمسين في هذه السنة استعمل زياد بن أبيه الربيع بن زياد ~~الحارثي على خراسان بعد وفاة الحكم ، وكان الحكم قد استخلف أنس بن أبي أناس ~~كما ذكرنا فعزله زياد ، وولى خليد بن عبد الله الحنفي ، ثم عزله ، وولى ~~الربيع في أول سنة إحدى وخمسين ، وسير معه خمسين ألفا بعيالهم من أهل ~~الكوفة والبصرة ، منهم بريدة بن الحصيب وأبو برزة ، ولهما صحبة ، فسكنوا ~~خراسان ، فلما قدمها غزا بلخ ففتحها صلحا ، وكانت قد أغلقت بعدما صالحهم ~~الأحنف ، وفتح قهستان ms4485 عنوة وقتل من بناحيتها من الأتراك ، وبقي منهم نيزك ~~طرخان فقتله قتيبة بن مسلم في لايته . والله ولي التوفيق . ذكر مقتل حجر بن ~~عدي وعمرو بن الحمق وأصحابهما ومن هذه السنة كان مقتل حجر بن عدي وأصحابه ، ~~وسبب ذلك أن معاوية لما استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة ، أمر بشتم علي ~~رضي الله عنه وذمه والترحم PageV20P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" على عثمان والاستغفار له وعيب أصحاب علي ، ~~فأقام المغيسرة على الكوفة وهوأحسن الناس سيرة ، غير أنه لا يدع شتم علي ~~والوقوع فيه والدعاء لعثمان والاستغفار له ، فلما سمع ذلك حجر بن عدي قال : ~~بل إياكم قد ذم الله ولعن ثم قام فقال : أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل ، ~~ومن تزكون أولى بالذم فيقول له المغيرة يا حجر اتق هذا السلطان وغضبه ~~وسطوته ، فإن غضب السلطان يهلك أمثالك ، ثم يكف عنه . فلما كان في آخر ~~إمارته قال في علي وعثمان ما كان يقول ، فقام حجر فصاح بالمغيرة صيحة سمعها ~~كل من في المسجد ، وقال له : مر لنا أيها الإنسان بأرزاقنا فقد حبستها عنا ~~، وليس ذلك لك وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين . فقام أكثر من ثلثي ~~الناس يقولون : صدق حجر وبر ، مر لنا بأرزاقنا فنزل المغيرة ودخل القصر ، ~~فجاءه أصحابه وقالوا علام تتركك هذا الرجل يجترئ عليك في سلطانك ؟ فقال لهم ~~: قد قتلته ، سيأتي بعدي أمير يحسبه مثلي ، فيصنع به ما ترونه ، فيقتله ، ~~إني قد قرب أجلي ، ولا أحب أن أقتل خيار أهل هذه المصر فيسعد وأشقى ، ويعز ~~يفي الدنيال معاوية ويشقى في الآخرة المغيرة ، ثم توفي المغيرة . وولي زياد ~~، فقام في الناس فخطبهم عند قدومه فترحم على عثمان وأثنى على أصحابه ، ولعن ~~قاتليه ، فقام حجر ففعل كما كان يفعل بالمغيرة . ورجع زياد إلى البصرة ، ~~واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث فبلغه أن حجرا يجتمع إليه شيعة علي رضي ~~الله عنه ، ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه ، وأنهم حصبوا عمرو بن حريث . ~~فشخص إلى الكوفة ، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، وحجر ms4486 جالس ، ثم قال ~~: " أما بعد ، لإن غب البغي والغي وخيم ، إن هؤلاء جموا فأشروا ، وأمنوني ~~فاجترأوا على الله ، لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم ، ولست بشيء إن لم ~~أمنع الكوفة من حجر وأدعه نكالا لمن بعده ويل أمك يا حجر ، سقط العشاء بك ~~على سرحان " وأرسل إلى حجر يدعوه وهو في ناحية المسجد ، فأتاه الرسول يدعوه ~~إليه ، فقال أصحابه ، لا يأتيه ولا كرامة فرجع السول فأخبر زيادا ، فأمر ~~صاحب شرطته - وهو شداد بن الهيثم الهلالي - أن يبعث إليه جماعة ، ففعل ، ~~فسبهم أصحاب حجر فرجعوا فأخبروا زيادا . PageV20P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" فجمع أهل الكوفة وقال : " تشجون بيد وتأسون ~~بأخرى ، أبدانكم معي وقلوبكم مع حجر الأحمق ، هذا والله من دحسكم ، والله ~~لتظهرن لي براءتكم ، أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم " . فقالوا : ~~معاذ الله أن يكون لنا رأي إلا طاعتك وما فيه رضاك . قال : فليقم كل رجل ~~منكم فليدع من عند حجر من عشيرته وأهله . ففعلوا ذلك ، وأقاموا أكثر أصحابه ~~عنده . وقال زياد لصاحب شرطته : انطلق إلى حجر فإن تبعك فأتني به ، وإلا ~~فشدوا عليهم بالسيوف حتى تأتوني به . فأتاه صاحب الشرطة يدعوه ، فمنعه ~~أصحابه من إجابتهم ، فحمل عليهم ، فقال أبو العمرطة الكندي لحجر : " إنه ~~ليس معك من معه سيف غيري ، وماذا يغني عنك سيفي ؟ قم فالحق بأهلك يمنعك ~~قومك " . وزياد ينظر إليهم وهو على المنبر ، فغشيهم أصحاب زياد ، وضرب رجل ~~رأس عمرو ابن الحمق بعمود فوقع ، وحمله أصحابه إلى الأزد فاختفى عندهم حتى ~~خرج ، وانحاز أصحاب حجر إلى أبواب كندة ، وضرب بعض الشرطة يد عائد بن حملة ~~التميمي وكسر نابه ، فأخذ عمودا من بعض الشرط فقاتل به ، وحمى حجرا وأصحابه ~~حتى خرجوا من أبواب كندة ، وأتى حجر ببغلته فقال له أبو العمرطة : اركب فقد ~~قتلتنا ونفسك . وحمله حتى أركبه ، وركب أبو العمرطة فرسه ، ولحقه يزيد بن ~~ظريف المسلي فضرب أبا العمرطة بالعمود على فخده ، وأخذ أبو العمرطة سيفه ~~فضرب به رأسه فسقط . فكان ذلك السيف أول سيف يضرب به في الكوفة في اختلاف ms4487 ~~بين الناس . ومضى حجر وأبو العمرطة إلى دار حجر ، واجتمع واجتمع إليهما ناس ~~كثير ، ولم يأته من كندة كثير أحد ، ثم اختفى حجر ، وتنقل من مكان إلى آخر ~~، والطلب خلفه ، حتى أتى الأزد ، واختفى عند ربيعة بن ناجد . فلما أعياهم ~~طلبه دعا زياد محمد بن الأشعث ، وقال له : والله لتأتيني به أو لأقطعن كل ~~نخلة لك ، وأهدم دورك ، ثم أقطعك إربا إربا ، فاستمهله ، فأمهله ثلاثا ، ~~وأقام حجر ببيت ربيعة يوما وليلة ، فأرسل إلى محمد بن الأشعث يقول له : ~~ليأخذ له أمانا من زياد حتى يبعث به إلى معاوية ، فجمع محمد جماعة ، منهم ~~جرير ابن عبد الله ، وحجر بن يزيد ، وعبد الله بن الحارث أخو الأشتر ، ~~فدخلوا على زياد فاستأمنوا له أن يرسله إلى معاوية فأجابهم ، فأرسلوا إلى ~~حجر فحضر عند زياد ، فلما PageV20P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" رآه قال : " مرحبا أبا عبد الرحمن ، حرب أيام ~~الحرب ، وحرب وقد سالم الناس على أهلها تجني براقش " . فقال حجر : " ما ~~خلعت طاعة ، ولا فارقت جماعة ، وإن يعلى بيعتي " . فأمر به إلى السجن ، ~~فلما ولي قال زياد : والله لأحرضن على قطع خيط رقبته . . . وطلب أصحابه . ~~فخرج عمرو بن الحمق حتى أتى الموصل ومعه رفاعة بن شداد ، فاختفيا بجبل هناك ~~، فرفع خبرهما إلى عامل الموصل ، وهو عبد الرحمن ابن عبد الله عثمان الثقفي ~~، ويعرف بابن أم الحكم وهو ابن أخت معاوية ؛ فسار إليهما فخرجا إليه ، وكان ~~عمرو قد استسقى بطنه ، فأمسك ، وركب رفاعة فرسه وحمل على القوم ، فأفرجوا ~~له ، فنجا ، وكتب عامل الموصل إلى معاوية بخبر عمرو بن الحمق ، فكتب إليه ~~معاوية : " إنه يزعم أنه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص معه ، فاطعنه كما طعن ~~عثمان " . فطعنه فمات في الأولى منها أو الثانية . وجد زياد في طالب أصحاب ~~حجر ، فهربوا منه ، وأخذ من قدر عليه منهم ، فاجتمع له اثنا عشر رجلا في ~~السجن . ثم دعا رؤساء الأرباع يومئذ ، وهم عمرو بن حريث على ربع أهل ~~المدينة ، وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان ، وقيس بن الوليد على ربع ms4488 ~~ربيعة وكندة ، وأبو بردة بن أبي موسى على ربع مذحج وأسد ، فشهد هؤلاء أن ~~حجر بن عدي جمع الجموع ، وأظهر شتم الخليفة ، ودعا إلى حربه ، وزعم أن هذا ~~الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب ، وأنه وثب بالمصر وأخرج عامل أمير ~~المؤمنين ، وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه والبراءة من عدوه وأهل حزبه ، ~~وشهدوا أن هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه على مثل رأيه وأمره . ونظر ~~زياد في شهادة الشهود فقال : إني أحب أن يكونوا أكثر من أربعة ، فدعا الماس ~~ليشهدوا فشهد إسحاق وموسى ابنا طلحة ابن عبيد الله ، والمنذر بن الزبير ، ~~وعمارة بن عقبة بن أبي معيط ، وعمر بن سعد بن أبي وقاص وغيرهم . ~~PageV20P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" وكتب في الشهود شريح بن الحارث القاضي وشريح ~~بن هانئ ، فكان شريح بن هانئ يقول : ما شهدت . ثم دفع زياد حجر بن عدي ~~الكندي وأصحابه وهم الأرقم بن عبد الله الكندي ، وشريك بن شداد الحضرمي ، ~~وصيفي بن فسيل الشيباني ، وقبيصة بن ضبيعة العبسي ، وكريم بن عفيف الخثعمي ~~وعاصم بن عوف البجلي ، وورقاء بن سمي البجلي ، وكدام بن حيان ، وعبد الرحمن ~~بن حسان ؛ العنزيان التميميان ، ومحرز بن شهاب التميمي ، وعبد الله بن حوية ~~السعدي التميمي إلى وائل ابن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب ، وأمرهما أن يسيرا ~~بهم إلى الشام ، فلحقهم شريح بن هانئ بعد مسيرهم ، وأعطى وائلا كتابا وقال ~~: أبلغه أمير المؤمنين . فساروا حتى انتهوا إلى مرج عذراء بالقرب من دمشق ، ~~وأبعهم زياد برجلين وهما عتبة بن الأخنس من سعد بن بكر ، وسعد بن نمران ~~الهمداني ، فكملوا أربعة عشر رجلا ، فلما انتهوا إلى مرج عذراء بعث معاوية ~~إلى وائل بن حجر ، وكثير بن شهاب فأدخلهما ، وأخذ كتابهما فقرأه ، ثم قرأ ~~كتاب شريح فإذا فيه : " بلغني أن زيادا كتب شهادتي ، وإن شهادتي على حجر ~~أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويديم الحج والعمرة ، ويأمر بالمعروف ~~وينهى عن المنكر ، حرام الدم والمال ، فإن شئت فاقتله ، وإن شئت فدعه " . ~~فقال معاوية : ما أرى هذا ms4489 إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم . فقام يزيد بن أسد ~~البجلي فاستوهبه ابني عمه وهما عاصم وورقاء ، وكان جرير بن عبد الله البجلي ~~قد كتب بتزكيتهما وبراءتهما فأطلقهما معاوية ، وشفع وائل بن حجر بالأرقم ~~فتركه له ، وشفع ابن الأعور السلمي في عتبة فتركه له ، وشفع حمرة بن مالك ~~الهمداني في سعد بن نمران فوهبه له ، وشفع حبيب بن مسلمة في عبد الله بن ~~حوية فتركه له ، وقام مالك بن هبيرة السكوني ، فقال : دع لي ابن عمي حجرا ، ~~فقال : " هو رأس القوم ، وأخاف إن خليت سبيله أن يفسد علي PageV20P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" مصره ، فأحتاج أن أشخصك إليه بالعراق " فقال ~~: " والله ما أنصفتني يا معاوية قاتلت معك ابن عمك يوم صفين حتى ظفرت وعلا ~~كعبك ، ولم تخف الدوائر ، ثم سألتك ابن عمي فمنعتني إياه " . ثم انصرف فجلس ~~في بيته . فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي ، والحصين بن عبد الله الكلابي ~~وأبا شريف البدي إلى حجر وأصحابه ؛ ليقتلوا من أمروا بقتله ، فأتوهم عند ~~المساء ، فلما رأى الخثعمي أحدهم أعور قال : يقتل نصفنا ويترك نصفنا فكان ~~كذلك ، وعرضوا عليهم قبل القتل البراءة من علي ولعنه ويتركوهم ، فامتنعوا ~~من ذلك ، فحفرت القبور وأحضرت الأكفان . فقام حجر بن عدي وأصحابه يصلون ~~عامة الليل ، فلما كان من الغد قدموا للقتل ، فقال لهم حجر : اتركوني حتى ~~أتوضأ وأصلي فإني ما توضأت إلا صليت . فتركوه ، فصلى ثم انصرف ، وقال : ~~والله ما صليت صلاة قط أخف منها ، ولولا أن تظنوا بي جزعا من الموت ~~لاستكثرت منها . ثم قال : " اللهم إنا نستعديك على أمتنا ، فإن أهل الكوفة ~~شهدوا علينا ، وإن أهل الشام يقتلوننا ، أما والله لئن قتلتموني بها إني ~~لأول فارس من المسلمين هلك في واديها ، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها ~~" . ثم مشى إليه هدبة بن فياض بالسيف ، فارتعد ، فقالوا له : زعمت أنك لا ~~تجزع من الموت فابرأ من صاحبك وندعك . فقال : " ومالي لا أجزع وأرى قبرا ~~محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا . وإني والله إن جزعت من القتل لا أقول ms4490 ~~ما يسخط الرب " . فقتلوه وقتلوا خمسة . فقال عبد الرحمن بن حسان - وكريم ~~الخثعمي : ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته ~~. فاستأذنوا معاوية فيهما ، فأذن بإحضارهما ، فلما دخلوا عليه قال كريم : " ~~الله الله يا معاوية فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة ~~الدائمة ، ثم مسئول عما أردت بسفك دمائنا . فقال : ما تقول في علي ؟ قال : ~~أقول فيه قولك . قال : أتبرأ من دينه الذي يدين الله به ؟ فسكت ، وقام شمر ~~ابن عبد الله من بني قحافه بن خثعم ، فاستوهبه إياه ، فوهبه له على ألا ~~يدخل الكوفة . PageV20P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" ثم قال لعبد الرحمن : ما تقول في علي يا أخا ~~ربيعة ؟ قال : دعني لا تسألني فهو خير لك . قال : والله لا أدعك . قال : " ~~أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيرا ، من الآمرين بالحق والقائمين بالقسط ~~والعافين عن الناس رضي الله عنه " . قال : فما تقول في عثمان ؟ قال : هو ~~أول من فتح أبواب الظلم ، وغلق أبواب الحق . قال : قتلت نفسك . قال : بل ~~إياك قتلت ولا ربيعة بالوادي . يعني ليشفعوا فيه فرده إلى زياد وأمره أن ~~يقتله شر قتلة ، فدفنه حيا . وكان عدة من قتل سبعة وهم : حجر بن عدي ، ~~وشريك بن شداد ، وصيفي بن فسيل ، وقبيصة بن ضبيعة ، وحرز بن شهاب ، وكدام ~~بن حيان ، وعبد الرحمن بن حسان الذي دفن حيا . قال : وأما مالك بن هبيرة ~~السكوني حين لم يشفعه معاوية في حجر ، فإنه جمع قومه وسار بهم إلى عذراء ~~ليخلص حجرا وأصحابه ، فلقيه قتلتهم ، فلما رأوه علموا أنه جاء ليخلص حجرا ، ~~فقال لهم : ما وراءكم ؟ قالوا : قد تاب القوم وجئنا لنخبر أمير المؤمنين . ~~فسكت وسار إلى عذراء فلقيه بعض من جاء منها فأخبره بقتل القوم ، فأرسل ~~الخيل في قتلهم فلم يدركوهم ، ودخلوا على معاوية فأخبروه ، فقال لهم : إنما ~~هي حرارة يجدها في نفسه ، فكأنها قد طفئت . وعاد مالك إلى بيته ولم يأت ~~معاوية ، فلما كان الليل أرسل إليه معاوية مائة ألف درهم ، وقال : " ما ~~منعني أن ms4491 أشفعك إلا خوف أن تعيدوا لنا حربا ، فيكون ذلك من البلاء على ~~المسلمين ما هو أعظم من قتل حجر " . فأخذها وطابت نفسه . قال : ولما بلغ ~~الحسن البصري قتل حجر وأصحابه قال : أصلوا عليهم وكفنوهم ودفنوهم واستقبلوا ~~بهم القبلة ؟ قالوا : نعم . قال : حجوهم ورب الكعبة " . قال : ولما بلغ خبر ~~حجر عائشة رضي الله عنها ، أرسلت عبد الرحمن ابن الحارث إلى معاوية فيه وفي ~~أصحابه ، فقدم عليه وقد قتلهم ، فقال له عبد الرحمن : أين غاب عنك حلم أبي ~~سفيان ؟ قال : " حين غاب عني مثلك من حلماء قومي ، وحملني ابن سمية فاحتملت ~~" . PageV20P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" وقالت عائشة : " لولا إنا لم نغير شيئا إلا ~~صارت بنا الأمور إلى ما هو أشد منه لغيرنا قتل حجر أما والله إن كان ما ~~علمت لمسلما حجاجا معتمرا " . وقال الحسن البصري رحمه الله : " أربع خصال ~~كن في معاوية ، لو لم تكن فيه إلا واحدة منهن لكانت موبقة : انتزاؤه على ~~هذه الأمة بالسيف ، حتى أخذ الأمر عن غير مشورة ، وفيهم بقايا الصحابة وذوو ~~الفضيلة ، واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير ، ~~وادعاؤه زيادا ، وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : الولد للفراش ~~وللعاهر الحجر . وقتله حجرا وأصحاب حجر ، فيا ويلا له من حجر وأصحاب حجر " ~~. قيل : وكان الناس يقولون : أول ذل دخل الكوفة موت السن ابن علي ، وقتل ~~حجر بن عدي ، ودعوة زياد . وقالت هند بنت زيد الأنصارية ترثي حجرا وكانت ~~تتشيع . ترفع أيها القمر المنير . . . تبصر هل ترى حجرا يسير يسير إلى ~~معاوية بن حرب . . . ليقتله كما زعم الأمير تجبرت الجبابر بعد حجر . . . ~~وطاب لها الخورنق والسدير وأصبحت البلاد له محولا . . . كأن لم يحيها مزن ~~مطير ألا يا حجر حجر بني عدي . . . تلقتك السلامة والسرور أخاف عليك ما ~~أردى عديا . . . وشيخا في دمشق له زئير فإن يهلك فكل زعيم قوم . . . من ~~الدنيا إلى هلك يصير وقد قيل في قتل حجر غير ما تقدم ، وهو أن زيادا خطب ~~يوم جمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة ، فقال له ms4492 حجر بن عدي : الصلاة . فمضى ~~في خطبته فقال له : الصلاة . فمضى في خطبته ، فلما خشي حجر فوت الصلاة ضرب ~~بيده إلى كف من حصى ، وقال إلى الصلاة وقام الناس معه ، فلما رأى زياد ذلك ~~نزل فصلى بالناس ، وكتب إلى معاوية وكبر عليه ، فكتب إليه معاوية ليشده في ~~الحديد ويرسله إليه ، PageV20P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" فلما أراد أخذه قام قومه ليمنعوه ، فقال حجر ~~: لا ولكن سمعا وطاعة . فشد في الحديد ، وحمل إلى معاوية ، فلما دخل عليه ~~قال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، فقال معاوية : " أأمير المؤمنين أنا ~~؟ والله لأقتلنك ولا أستقيلك أخرجوه فاضربوا عنقه " . فقال حجر للذين يلون ~~أمره : دعوني حتى أصلي ركعتين . فقالوا : فصلى ركعتين خفف فيهما ثم قال : ~~لولا أن تظنوا بي غير الذي أردت لأطلتهما ، وقال لمن حضره من قومه : لا ~~تطلقوا عني حديدا ولا تغسلوا عني دما ، فإني ملاق معاوية غدا على الجادة ؟ ~~" . وضربت عنقه . فال : فلقيت عائشة معاوية فقالت : أين كان حلمك عن حجر ؟ ~~فقال لم يحضرني رشد ؟ وقال ابن سيرين : بلغنا أن معاوية لما حضرته الوفاة ~~جعل يقول : يومي منك يا حجر طويل وحج بالناس في هذه السنة يزيد بن معاوية . ~~سنة اثنتين وخمسين كان فيها من الغزاة وأمر الخوارج ما قدمن ذكره . وحج ~~بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص . سنة ثلاث وخمسين في هذه السنة توفي ~~عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ، على أحد الأقوال ، وقيل بعد ~~ذلك . ذكر وفاة زياد بن أبيه كانت وفاته بالكوفة يوم الثلاثاء لأربع خلون ~~من شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين ، واختلف في مولده ، فقيل : ولد عام الهجرة ، ~~وقيل : قبل الهجرة وقيل ولد يوم بدر . وقال المدائني : ولد عام التاريخ . ~~وكان يكنى أبا المغيرة حكاه أبو عمر قال : وليست له صحبة ولا رواية ، قال : ~~وكان رجلا عاقلا في دنياه ، داهية ، خطيبا ، له قدر وجلالة عند أهل الدنيا ~~. قال أبو جعفر الطبري رحمه الله : وكان زياد كتب إلى معاوية : " إني قد ~~ضبطت لك العراق بشمالي ، ويميني فارغة ms4493 ، فأشغلها بالحجاز " . ففعل . فلما ~~بلغ ذلك أهل الحجاز أتى نفر منهم عبد الله ابن عمر بن الخطاب فذكروا ذلك له ~~، فقال : ادعوا الله PageV20P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" عليه يكفيكموه . فاستقبل القبلة واستقبلوها ، ~~فدعوا ودعا ، وكان من دعائه أن قال : اللهم اكفنا يمين زياد فخرجت طاعونة ~~على إصبع يمينه ، فمات منها . فلما حضرته الوفاة دعا شريحا القاضي فقال : ~~قد حدث بي ما ترى ، وقد أمرت بقطعها فأشر علي . فقال شريح : إني أخشى أن ~~يكون الأجل قد دنا فتلقى الله أجذم ، وقد قطعت يدك كراهية لقائه ، أو أن ~~يكون في الأجل تأخير ، فتعيش أجذم ويعير ولدك " فقال : لا أبيت والطاعون في ~~سجاف واحد ، وخرج شريح من عنده فسأله الناس ، فأخبرهم فلاموه ، وقالوا : ~~هلا أشرت بقطعها ؟ فقال : " المستشار مؤتمن " . وقيل أراد زياد قطعها ، ~~فلما رأى النار والمكاوي جزع وتركها وقيل : تركها لما أشار عليه شريح . ~~ولما حضرته الوفاة قال له ابنه : هلا هيأت لك ستين ثوبا أكفنك بها ، فقال : ~~يا بني قد دنا من أبيك لباس خير من لباسه أو سلب سريع فمات ودفن بالثوية ~~إلى جانب الكوفة ، وهو موضع فيه مقبرة الكوفة . فلما موته ابن عمر قال : " ~~اذهب ابن سمية لا الآخرة أدركت ، ولا الدنيا أبقيت عليك " . قال : وكان ~~زياد فيه حمرة ، وفي عينه اليمنى انكسار ، أبيض اللحية مخروطها ، عليه قميص ~~ربما رقعه . وفيها مات الربيع بن زياد الحارثي عامل خراسان قبل وفاة زياد ، ~~وكان سبب موته أنه سخط قتل حجر بن عدي ، حتى إنه قال : " لا تزال العرب ~~تقتل بعده صبرا ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم صبرا ، ولكنها أقرت ~~فذلت " ثم مكث بعد هذا الكلام جمعة ، ثم خرج يوم الجمعة فقال : " أيها ~~الناس ، إني قد مللت الحياة ، وإني داع بدعوة فأمنوا " . ثم رفع يديه بعد ~~الصلاة فقال : اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك عاجلا وأمن الناس ، ~~ثم خرج ، فما توارت ثيابه حتى سقط ، وحمل إلى بيته ، واستخلف ابنه عبد الله ~~، ومات من يومه ، ثم مات ابنه بعده ms4494 بشهرين ، PageV20P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" واستخلف خليد بن يربوع الحنفي ، فأقره زياد ، ~~ولما مات زياد كان على البصرة سمرة بن جندب ، وعلى الكوفة عبد الله بن خالد ~~بن أسيد ، فأقر معاوية سمرة على البصرة ثمانية عشر شهرا ، وقيل ستة أشهر ثم ~~عزله ، فقال سمرة : " لعن الله معاوية والله لو أطعت الله كما أطعته ما ~~عذبني أبدا " . وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص . سنة أربع وخمسين ~~ذكر عزل سعيد بن العاص عن المدينة واستعمال مروان في هذه السنة عزل معاوية ~~سعيد بن العاص عن المدينة ، واستعمل مروان بن الحكم . وكان سبب ذلك أن ~~معاوية كتب إلى سعيد بن العاص أن يهدم دار مروان ، ويقبض أمواله كلها ~~فيجعلها صافية ويقبض منه فدك ، وكان وهبها له ، فراجعه سعيد في ذلك ، فأعاد ~~معاوية الكتاب بذلك ، فلم يفعل سعيد ، ووضع الكتابين عنده ، فعزله معاوية ~~وولى مروان ، وكتب إليه يأمره بقبض أموال سعيد وهدم داره فأخذ الفعلة وسار ~~إلى دار سعيد ليهدمها ، فقال له سعيد : يا أبا عبد الملك أتهدم داري ؟ قال ~~: نعم كتب إلي أمير المؤمنين ولو كتب إليك في هدم داري لفعلت . فقال : ما ~~كنت لأفعل : قال : بلى والله قال : كلا . وقال سعيد لغلامه : ائتني بكتابي ~~معاوية ، فجاء بالكتابين ، فلما رآهما مروان قال : كتب إليك فلم تفعل ، ولم ~~تعلمني فقال سعيد : ما كنت لأمن عليك وإنما أراد معاوية ليحرض بيننا فقال ~~مروان : والله أنت خير مني ولم يهدم داره . وكتب سعيد إلى معاوية : " العجب ~~لما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا ، إنه يضغن بعضنا على بعض ، فأمير ~~المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأخبثين وعفوه ، وإدخاله القطعة ~~بيننا والشحناء ، وتوارث الأولاد ذلك ، فوالله لو لم نكن بني أب واحد إلا ~~لما جمعنا الله عليه من نصرة الخليفة المظلوم ، وباجتماع كلمتنا لكان حقا ~~عليك أن ترعى ذلك " فكتب إليه معاوية يعتذر من ذلك ويتنصل ، وأنه عائد إلى ~~أحسن ما يعهده . PageV20P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" وقدم سعيد على معاوية فسأله عن مروان فأثنى ~~عليه ms4495 خيرا . وفي هذه السنة عزل معاوية سمرة بن جندب عن البصرة ، واستعمل ~~عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان ستة أشهر . ذكر استعمال عبيد الله بن زياد ~~على خراسان ومسيره إلى جبال بخارى وفي هذه السنة استعمل معاوية عبيد الله ~~بن زياد على خراسان وسبب ذلك أنه قدم عليه بعد وفاة أبيه ، فسأله معاوية عن ~~عمال أبيه ، فأخبره بهم ، فقال : لو استعملك أبوك لاستعملتك . فقال عبيد ~~الله : أنشدك الله أن يقولها لي أحد بعدك " لو استعملك أبوك وعمك استعملتك ~~" . فولاه خراسان وكان عمره خمسا وعشرين سنة . فسار إليها ، وقطع النهر إلى ~~جبال بخارى على الإبل ، فكان أول من قطع جبال بخارى في جيش ، ففتح رامني ~~ونسف وبيكند ، وهي من بخارى ، ومن ثم أصاب البخارية وغنم منهم غنائم كثيرة ~~، ولما لقي الترك وهزمهم ، كان مع ملكهم زوجته ، فأعجلوها عن لبس خفيها ، ~~فلبست أحدهما وبقي الآخر ، فأخذه المسلمون فقوم بمائتي ألف درهم . وظهر منه ~~بأس شديد . وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم وكان على المدينة وكان ~~على الكوفة عبد الله بن خالد ، وقيل : الضحاك بن قيس وعلى البصرة عبد الله ~~بن عمرو بن غيلان ، والله أعلم . سنة خمس وخمسين ذكر ولاية عبيد الله بن ~~زياد على البصرة في هذه السنة عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان عن ~~البصرة ، وولاها عبيد الله بن زياد . وسبب ذلك أن عبد الله خطب على منبر ~~البصرة ، فحصبه رجل من بني ضبه ، PageV20P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" فقطع يده ، فأتاه بنو ضبة وقالوا : " إن ~~صاحبنا جنى ما جنى وقد عاقبته ، ولا نأمن أن يبلغ خبره أمير المؤمنين ~~فيعاقب عقوبة تعم ، فاكتب لنا كتابا إلى أمير المؤمنين ، يخرج به أحدنا ~~إليه ، تخبره أنك قطعته على شبهة وأمر لم يصح " فكتب لهم ، فلما كان رأس ~~السنة توجه عبد الله إلى معاوية ، ووافاه الضبيون بالكتاب ، وادعوا أنه قطع ~~صاحبهم ظلما ، فلما رأى معاوية الكتاب قال : " أما القود من عمالي فلا سبيل ~~إليه ، ولكني أدي صاحبكم من بيت المال ms4496 " . وعزل عبد الله عن البصرة ، ~~واستعمل ابن زياد عليها ، فولى ابن زياد علة خراسان أسلم بن زرعة الكلابي . ~~وفيها عزل معاوية عبد الله بن خالد عن الكوفة ، وولاها الضحاك بن قيس ، ~~وقيل : كان قبل ذلك كما تقدم . وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم وهو ~~أمير المدينة . سنة ست وخمسين ذكر البيعة ليزيد بن معاوية بولاية العهد في ~~هذه السنة بايع الناس يزيد بن معاوية لولاية العهد ، قال : وكان ابتداء ذلك ~~وأوله أن معاوية لما أراد أن يعزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة ، ويستعمل ~~سعيد بن العاص عليها ، فبلغه ذلك ، فشخص إلى معاوية ليستعفيه حتى تظهر ~~للناس كراهيته للولاية ، فجاء إلى يزيد وقال له : " إنه قد ذهب أعيان أصحاب ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وكبراء قريش ، وإنما بقي أبناؤهم ، وأنت من ~~أفضلهم ، وأحسنهم رأيا ، وأعلمهم بالسياسة ، وإني لا أدري ما يمنع أمير ~~المؤمنين أن يعقل لك البيعة " . قال : أوترى ذلك يتم ؟ قال : نعم فدخل يزيد ~~على أبيه وأخبره بما قال المغيرة ، فلما حضر المغيرة عند معاوية قال له ~~معاوية : ما يقول يزيد ؟ فقال : " يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك ~~الدماء ، والاختلاف بعد عثمان ، وفي يزيد منك خلف ، فاعقد له البيعة ، فإن ~~حدث بك حدث كان كهفا للناس ، ولا تسفك الدماء ولا تكون فتنة ، قال : ومن لي ~~بهذا ؟ قال : " أنا أكفيك أهل الكوفة ، ويكفيك زياد أهل البصرة وليس بعد ~~هذين المصرين من يخالفك " . قال : " فارجع إلى عملك وتحدث مع من تثق إليه ~~في ذلك وترى ونرى " . فودعه ورجع إلى أصحابه فقال : لقد وضعت رجل معاوية في ~~غرز بعيد الغاية على أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . PageV20P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" ورجع المغيرة ، فلما قدم الكوفة ذاكر من يثق ~~إليه من شيعة معاوية فأجابوا إلى بيعته ، فأوفد منهم عشرة ، ويقال أكثر ، ~~وأعطاهم ثلاثين ألف درهم ، وجعل عليهم ابنه موسى ، فقدموا على معاوية ~~وزينوا له بيعة يزيد ، ودعوه إلى عقدها ، فقال : لا تعجلوا بإظهار هذا ~~وكونوا على رأيكم ، ثم قال ms4497 لموسى ، بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟ قال : ~~بثلاثين ألفا ، فقال : لقد هان عليهم دينهم . وقيل : أرسل أربعين ، وجعل ~~عليهم ابنه عروة بن المغيرة ، فلما دخلوا على معاوية قاموا خطباء فقالوا : ~~إنما أشخصنا إليك النظر لأمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . وقالوا : " يا ~~أمير المؤمنين ، كبرت سنك ، وخفنا انتشار الحبل ، فانصب لنا علما وحد لنا ~~حدا ننهي إليه " . فقال : أشيروا علي . فقالوا : نشير بيزيد بن أمير ~~المؤمنين ، فقال : أوقد رضيتموه ؟ قالوا : نعم . قال : وذاك رأيكم ؟ قالوا ~~: نعم ورأي من ورائنا . فقال معاوية لعروة سرا عنهم : بكم اشترى أبوك من ~~هؤلاء دينهم ؟ قال : بأربعمائة دينار . قال : لقد وجد دينهم عندهم رخيصا ، ~~وقال لهم : " ننظر ما قدمتم له ، ويقضي الله تعالى ما أراد ، والأناة خير ~~من العجلة " . فرجعوا وقد قوي عزم معاوية على البيعة ليزيد . ذكر مراسلة ~~معاوية زيادا في شأن البيعة وما دار بين زياد وبين عبيد بن كعب النميري من ~~الرأي وما اتفقا عليه قال : ولما قوي عزم معاوية على البيعة ليزيد ، كتب ~~إلى زياد بن أبيه يستشيره ، وزياد إذ ذاك يلي البصرة ، فلما ورد عليه كتاب ~~معاوية أحضر عبيد بن كعب النميري وقال له : " إن لكل مستشير ثقة ، ولكل سر ~~مستودع ، وإن الناس قد أبع بهم خصلتان : إذاعة السر وإخراج النصيحة إلى غير ~~أهلها ، وليس موضع السر إلا أحد رجلين : رجل آخرة يرجو ثوابا ، ورجل دنيا ~~له شرف في نفسه وعقل يصون حسبه ، وقد خبرتهما منك ، وقد دعوتك إلى أمر ~~أبهمت عليه بطون الصحف ، إن أمير المؤمنين كتب إلي يستشيرني في كذا وكذا ، ~~وإنه يتخوف نفرة الناس ويرجو طاعته ، وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم ، ~~ويزيد صاحب رسلة وتهاون ، مع ما قد أولع به من حب الصيد فالق أمير المؤمنين ~~وأد إليه عني فعلات يزيد ، وقل له رويدك بالأمر PageV20P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" وأحرى أن يتم لك ، ولا تعجل فإن دركا في ~~تأخير خير من فوت في عجلة " . فقال له عبيد : أفلا غير هذا ؟ قال : وما هو ~~؟ قال : " لا تفسد على ms4498 معاوية رأيه ، ولا تبغض إليه ابنه ، وألقى أنا يزيد ~~وأخبره أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في البيعة له ، وأنك تتخوف خلاف ~~الناس ، لهنات ينقمونها عليه ، وأنك ترى له ترك ما ينقم عليه ، لتستحكم له ~~الحجة على الناس ويتم ما تريد ، فتكون قد نصحت أمير المؤمنين ، وسلمت مما ~~يخاف من أمر الناس " . فقال زياد : " لقد رميت الأمر بحجره اشخص على بركة ~~الله ، فإن أصبت فما لا ينكر ، وإن يكن خطأ فغير مستغش ، ونقول ما ترى ~~ويقضي الله بغيب ما يعلم " . فقدم عبيد على يزيد ، فذكر ذلك له ، فكف عن ~~كثير مما كان يصنع . وكب زياد إلى معاوية يشير عليه بالتؤدة وألا يعجل . ~~فتأخر الأمر حتى مات زياد ثم عزم معاوية على البيعة . ذكر إرسال معاوية إلى ~~مروان بن الحكم وأمر البيعة وإنكار أهل المدينة ذلك وما وقع بسببه قال : ~~ولما عزم معاوية على البيعة ليزيد أرسل إلى عبد الله بن عمر بمئة ألف درهم ~~، فقبلها ، فلما ذكر البيعة ليزيد قال ابن عمر رضي الله عنه : " هذا أراد ؟ ~~إن ديني إذا عندي لرخيص " وامتنع . ثم كتب معاوية بعد ذلك إلى مروان بن ~~الحكم ، وهو على المدينة يومئذ ، يقول : " إني قد كبرت سني ، ورق عظمي ، ~~وخشيت الاختلاف على الأمة بعدي ، وقد رأيت أن أتخير لهم من يقوم بعدي ، ~~وكرهت أن أقطع أمرا دون مشورة من عندك ، فاعرض ذلك عليهم ، وأعلمني بالذي ~~يردون عليك " . فقام مروان في الناس وأخبرهم ، فقال الناس : أصاب ووفق ، ~~وقد أحببنا أن يتخير لنا فلا يألو . فكتب مروان إلى معاوية بذلك ، فأعاد ~~عليه الجواب بذكر يزيد ، فقام مروان في الناس فقال : إن أمير المؤمنين قد ~~اختار لكم فلم يأل ، وقد استخلف ابنه يزيد بعده . فقام عبد الرحمن بن أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنهما فقال : " كذبت والله يا PageV20P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" مروان ، وكذب معاوية ، ما الخيار أردتما لأمة ~~محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولكنكم أردتم أن تجعلوها هرقلية ، كلما مات ~~هرقل قام هرقل " . فقال مروان : هذا الذي أنزل الله ms4499 فيه : " والذي قال ~~لوالديه أف لكما " الآية . فسمعت عائشة رضي الله عنها مقالته ، فقامت من ~~وراء الحجاب وقالت : يا مروان فأنصت الناس وأقبل مروان بوجهه ، فقالت : " ~~إن القائل لعبد الرحمن إنه نزل فيه القرآن كذب ، والله ما هو فيه ، ولكنه ~~فلان بن فلان ، ولكنك أنت فضض من لعنة نبي الله ( صلى الله عليه وسلم ) " . ~~وقام الحسين بن علي رضي الله عنهما فأنكر ذلك ، وفعل مثله عبد الله بن عمر ~~، وعبد الله بن الزبير . فكتب مروان إلى معاوية بذلك ، فأوجب ذلك مسيره إلى ~~الحجاز بعد أن أخذ بيعة أهل العراق والشام . ذكر من وفد إلى معاوية من أهل ~~الأمصار في شأن البيعة . وما تكلم به بعضهم وبيعة أهل العراق والشام ليزيد ~~قال : وكان معاوية قد كتب إلى عماله بتقريظ يزيد ووصفه ، وأن يوفدوا إليه ~~الوفود من الأمصار ، فكان فيمن أتاه محمد بن عمرو بن حزم من المدينة ، ~~والأحنف بن قيس في وفد أهل البصرة ، فقال محمد بن عمرو لمعاوية : إن كل راع ~~مسئول عن رعيته فانظر من تولى أمر أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأخذ ~~معاوية يهتز حتى جعل يتنفس في يوم شات ، ثم وصله وصرفه . وأمر معاوية ~~الأحنف بن قيس أن يدخل على يزيد فدخل عليه ، فلما خرج من عنده قال له : كيف ~~رأيت ابن أخيك ؟ قال : رأيت شبابا ونشاطا وجلدا ومزاحا . ثم إن معاوية قال ~~للضحاك بن قيس الفهري لما اجتمع الوفود عنده : إني PageV20P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" متكلم فإذا سكت فكن أنت الذي تدعو إلى بيعة ~~يزيد وتحثني عليها ، فلما جلس معاوية للناس تكلم فعظم أمر الإسلام وحرمة ~~الخلافة وحقها ، وما أمر الله تعالى به من طاعة ولاة الأمر ، ثم ذكر يزيد ~~وفضله وعلمه بالسياسة ، وعرض ببيعته . فعارضه الضحاك ، فحمد الله وأثنى ~~عليه ثم قال : " يا أمير المؤمنين ، إنه لابد للناس من وال بعدك وقد بلونا ~~الجماعة والألفة فوجدناهما أحقن للدماء ، وأصلح للدهماء ، وآمن للسبيل ، ~~وخيرا في العافية ، والأيام عوج رواجع ، والله كل يوم في شأن ، ويزيد بن ms4500 ~~أمير المؤمنين في حسن هديه وقصد سيرته على ما علمت ، وهو من أفضلنا علما ~~وحلما ، وأبعدنا رأيا ، فوله عهدك ، واجعله لنا علما بعدك ، ومفزعا نلجأ ~~إليه ونسكن إلى ظله " . وتكلم عمرو ابن سعيد الأشدق بنحو من ذلك . ثم قام ~~يزيد بن المقنع العذري فقال : هذا أمير المؤمنين - وأشار إلى معاوية - فغن ~~هلك فهذا - وأشار إلى يزيد - ومن أبى فهذا - وأشار إلى سيفه - فقال معاوية ~~: اجلس فأنت سيد الخطباء . وتكلم من حضر من الوفود ، فقال معاوية للأحنف : ~~ما تقول يا أبا بحر ؟ فقال : " نخافكم إن صدقنا ، ونخاف الله إن كذبنا ، ~~وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره ، وسره وعلانيته ومدخله ~~ومخرجه ، فإن كنت تعلمه لله تعالى ولهذه الأمة رضى فلا تشاور فيه ، وإن كنت ~~تعلم منه غير ذلك فلا تزوده الدنيا ، وأنت صائر إلى الآخرة ، وإنما علينا ~~أن نقول : سمعنا وأطعنا " . وقام رجل من أهل الشام فقال : " ما ندري ما ~~تقول هذه المعدية العراقية ، وإنما عندنا سمع وطاعة وضرب وازدلاف . فافترق ~~الناس يحكون قول الأحنف . قال : وكان معاوية يعطي المقارب ، ويداري المباعد ~~ويلطف به ، حتى استوثق له أكثر الناس ، وبايعوه ، فلما بايعه أهل العراق ~~والشام سار إلى الحجاز . ذكر مسير معاوية إلى الحجاز وكيف أخذ البيعة ليزيد ~~على أهل الحجاز قال : وفي هذه السنة اعتمر معاوية في شهر رجب ، وسار إلى ~~الحجاز في ألف فارس ، فلما دنا من المدينة لقيه الحسن بن علي رضي الله ~~عنهما أول الناس ، فلما PageV20P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" نظر إليه معاوية قال : " لا مرحبا ولا أهلا ~~بدنة يترقرق دمها والله مهريقه " قال : مهلا فإني لست بأهل لهذه المقالة . ~~قال بلى ولشر منها . ثم لقيه عبد الله بن الزبير فقال له : " لا مرحبا ولا ~~أهلا خب ضب ، تلعة يدخل رأسه فيضرب بذنبه ، ويوشك والله أن يؤخذ بذنبه ويدق ~~ظهره ، نحياه عني " فضرب وجه راحلته . ثم لقيه عبد الرحمن بن أبي بكر ~~الصديق فقال له معاوية : " لا مرحبا ولا أهلا شيخ قد خرف وذهب عقله " ثم ~~أمر ms4501 بضرب وجه راحلته : ثم فعل بابن عمر نحو ذلك . فأقبلوا معه لا يتلفت ~~إليهم حتى دخل المدينة ، فحضروا بابه فلم يؤذن لهم على منازلهم ، ولم يروا ~~منه ما يحبون ، فخرجوا إلى مكة ، فأقاموا بها . وخطب معاوية بالمدينة ، ~~فذكر يزيد فمدحه ، وقال : " من أحق منه بالخلافة في فضله وعقله ؟ وموضعه ؟ ~~وما أظن قوما بمنتهين حتى يصيبهم بوائق تجتث أصولهم ، ولقد أنذرت إن أغنت ~~النذر " ثم أنشأ متمثلا : قد كنت حذرتك آل المصطلق . . . وقلت يا عمرو ~~أطعني وانطلق إنك إن كلفتني ما لم أطق . . . ساءك ما سرك مني من خلق دونك ~~ما استسقيته . . . فاحس وذق ثم دخل على عائشة رضي الله عنها وقد بلغها أنه ~~ذكر الحسين وأصحابه ، فقال : " لأقتلنهم إن لم يبايعوا " فشكاهم إليها ، ~~فوعظته عائشة وقالت : بلغني أنك تهددهم بالقتل ، فقال : " يا أم المؤمنين ، ~~هم أعز من ذلك ، ولكني بايعت ليزيد ، وبايعه غيرهم ، أفترين أن أنقض قد تمت ~~؟ " . قالت : فارفق بهم فإنهم يصيرون إلى ما تحب إن شاء الله . قال : أفعل ~~. وكان في قولها له : ما يؤمنك أن أقعد لك رجلا يقتلك وقد فعلت بأخي ما ~~فعلت ؟ تعني محمدا فقال لها : كلا يا أم المؤمنين إني في بيت أمن . قالت : ~~أجل . PageV20P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" ومكث معاوية بالمدينة ما شاء الله ، ثم خرج ~~إلى مكة ، فلقيه الناس ، فقال أولئك النفر : نتلقاه لعله قد ندم على ما كان ~~منه ، فلقوه في بطن مر ، فكان أول من لقيه الحسين رضي الله عنه ، فقال له ~~معاوية : مرحبا وأهلا بابن رسول الله وسيد شباب المسلمين . وأمر له بدابة ~~وركب وسايره ، ثم فعل بالباقين مثل ذلك ، وأقبل يسايرهم ولا يسير معه غيرهم ~~حتى دخل مكة ، فكانوا أول داخل عليه وآخر خارج ، ولا يمضي يوم إلا ولهم منه ~~صلة ، ولا يذكر لهم شيئا ، حتى قضى نسكه وحمل أثقاله وقرب مسيره ، فقال ~~بعضهم لبعض : " لا تخدعوا فما صنع هذا لحبكم ، وما صنعه إلا لما يريد أن ~~يفعل ، فأعدوا له جوابا " فاتفقوا على أن يكون المخاطب له عبد الله ms4502 ابن ~~الزبير . فأحضرهم معاوية وقال : " قد علمتم سيرتي فيكم ، وصلتي لأرحامكم ~~وحملي ما كان منكم ، ويزيد أخوكم وابن عمكم ، وأردت أن تقدموه باسم الخلافة ~~، وتكونوا أنتم تولون وتعزلون وتؤمرون ، وتجبون المال وتقسمونه ، ولا ~~يعارضكم في شيء م ذلك " . فسكتوا ، فقال : ألا تجيبون ؟ مرتين . ثم أقبل ~~على عبد الله بن الزبير ثم قال : هات فلعمري إنك خطيبهم . قال : نعم ، ~~نخيرك بين ثلاث خصال . قال : اعرضهن . قال : تصنع كما صنع رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، أو كما صنع أبو بكر ، أو كما صنع عمر رضي الله عنهما ، ~~قال معاوية : ما صنعوا ؟ قال : قبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولم ~~يستخلف أحدا ، فارتضى الناس أبا بكر . قال : ليس فيكم مثل أبي بكر وأخاف ~~الاختلاف . قالوا : " صدقت فاصنع كما صنع أبو بكر ، فإنه عمد إلى رجل من ~~قاصية قريش ليس من بني تميم فاستخلفه ، أو كما صنع عمر ، جعل الأمر شورى في ~~ستة نفر ، ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه " . قال معاوية : هل عندك ~~غير هذا ؟ قال : لا ، قال : فأنتم ؟ قالوا : قولنا قوله . قال : " فإني ~~أحببت أن أتقدم إليكم ، إنه قد أعذر من أنذر ، إني كنت أخطب ، فيقوم إلي ~~القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس ، فأحمل ذلك وأصفح ، وإني قائم لمقالة ~~فأقسم بالله لئن رد علي أحد منكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة ~~غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه ، فلا يبقين رجل إلا على نفسه " . ~~PageV20P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" ثم دعا صاحب حرسه حضرتهم فقال له : أقم على ~~رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ، ومع كل واحد سيف ، فإن ذهب رجل منهم يرد علي ~~كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفيهما . ثم خرج وخرجوا معه حتى رقى ~~المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين ~~وخيارهم ، لا يبرم أمر دونهم ولا يقضى إلا عن مشورتهم ، وإنهم قد رضوا ~~وبايعوا ليزيد ، فبايعوا على اسم الله " . فبايع الناس وكانوا يتربصون بيعة ~~هؤلاء النفر ، ثم ركب معاوية ms4503 رواحله وانصرف إلى المدينة . فلقى الناس أولئك ~~النفر فقالوا لهم : زعمتم أنكم لا تبايعون فلما أرضيتم وأعطيتم بايعتم ~~قالوا : والله ما فعلنا . قالوا : فما منعكم أن تردوا على الرجل ؟ قالوا : ~~كادنا وخفنا القتل . وبايعه أهل المدينة ، ثم انصرف إلى الشام ، وجفا بني ~~هاشم ، فأتاه ابن عباس فقال له : ما بالك جفوتنا ؟ قال : إن صاحبكم لم ~~يبايع ليزيد فلم تنكروا ذلك عليه . فقال : " يا معاوية ، إني لخليق أن ~~أنحاز إلى بعض السواحل ، فأقيم ، ثم أنطلق بما تعلم حتى أدع الناس كلهم ~~خوارج عليك " . قال يا أبا العباس تعطون وترضون وترادون . وقيل : إن ابن ~~عمر قال لمعاوية : " أبايعك على أني داخل فيما تجتمع عليه الأمة ، فوالله ~~لو اجتمعت على حبشي لدخلت معها " . ثم عاد إلى منزله ، فأغلق بابه ، فلم ~~يأذن لأحد . وقد ذكرنا وفاة عبد الرحمن بن أبي بكر في سنة ثلاث وخمسين ، ~~والمشهور أنه كان في هذه الحادثة باق ، وقد ورد خبره مع مروان ابن الحكم ~~وما قالته عائشة رضي الله عنها في الصحيح . ذكر استعمال سعيد بن عثمان بن ~~عفان على خراسان وغزوه في هذه السنة استعمل معاوية سعيد بن عثمان بن عفان ~~على خراسان وعزل ابن زياد عنها ، وكان سبب ذلك أنه سأل معاوية أن يستعمله ~~على خراسان ، فقال : إن بها PageV20P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" عبيد الله بن زياد . فقال : " والله لقد ~~اصطنعك أبي حتى بلغت باصطناعه المدى الذي لا تجارى إليه ولا تسامى ، فما ~~شكرت بلاءه ولا جازيته بآلائه ، وقدمت على هذا - يعني يزيد - وبايعت له ، ~~والله لأنا خير أبا وأما ونفسا " فقال معاوية : أما بلاء أبيك فقد يحق على ~~الجزاء به ، وقد كان من شكري لذلك أني قد طلبت بدمه ، وأما فضل أبيك على ~~أبيه فهو والله خير مني ، وأما فضل أمك على أمه فلعمري امرأة من قريش خير ~~من امرأة من كلب ، وأما فضلك عليه فوالله ما أحب أن الغوطة ملئت به رجالا ~~مثلك " فقال له يزيد : " يا أمير المؤمنين ، ابن عمك ، وأنت أحق من نظر في ms4504 ~~أمره ، قد عتب عليك فأعتبه " . فولاه حرب خراسان ، وولى إسحاق ابن طلحة ~~خراجها ، فمات إسحاق بالري فولى سعيد حربها وخراجها . فلما قدم خراسان قطع ~~النهر إلى سمرقند ، فخرج إليه أهل الصغد ، فتواقفوا يوما إلى الليل ولم ~~يقتتلوا ، ثم اقتتلوا من الغد ، فهزمهم سعيد ، وحصرهم في مدينتهم ، فصالحوه ~~وأعطوه رهنا منهم خمسين غلاما من أبناء عظمائهم ، فسار إلى الترمذ ففتحها ~~صلحا ، ولم يف لأهل سمرقند ، وجاء بالغلمان معه إلى المدينة . وفي هذه ~~العزوة قتل قثم بن العباس بن عبد المطلب . وحج في الناس في هذه السنة ~~الوليد بن عتبة بن أبي سفيان . سنة سبع وأربعين في هذه السنة عزل معاوية ~~مروان بن الحكم عن المدينة ، واستعمل الوليد بن عتبة بن أبي سفيان . وقيل : ~~لم يعزل مروان في هذه السنة . وحج بالناس الوليد بن عتبة . PageV20P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" سنة ثمان وأربعين في هذه السنة توفيت عائشة ~~أم المؤمنين رضي الله عنها ، وتوفي عميرة بن يثربي قاضي البصرة ، فاستقضى ~~مكانه هشام بن هبيرة . وحج بالناس الوليد بن عتبة . ذكر عزل الضحاك عن ~~الكوفة واستعمال عبد الرحمن بن أم الحكم وطرده عنها واستعماله على مصر ~~وطرده عنها أيضا في هذه السنة عزل معاوية الضحاك بن قيس عن الكوفة ، ~~واستعمل عليها عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي ، وهو ابن أم الحكم ~~، وأم الحكم أخت معاوية ، فخرج الخوارج بالكوفة في ولايته على ما قدمناه من ~~خبرهم . ثم طرد أهل الكوفة عبد الرحمن لسوء سيرته ، فلحق بخاله معاوية ، ~~فولاه مصر ، فاستقبله معاوية بن حديج على مرحلتين من مصر ، فقال له : ارجع ~~إلى خالك فلعمري لا تسير فينا سيرتك في إخواننا من أهل الكوفة ، فرجع . ثم ~~وفد معاوية بن حديج إلى معاوية ، وكان إذا قدم زينت له الطرق بقباب الريحان ~~تعظيما لشأنه ، فدخل على معاوية وعنده أخته أم الحكم فقالت : من هذا يا ~~أمير المؤمنين ؟ قال : " بخ بخ هذا معاوية بن حديج " فقالت : " لا مرحبا ~~تسمع بالمعيدي خير من أن تراه " . فسمعها ابن حديج ، فقال : " على ms4505 رسلك يا ~~أم الحكم ، والله لقد تزوجت فما أكرمت ، وولدت فما أنجبت ، أردت أن يلي ~~ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في إخواننا من أهل الكوفة ، ما كان ~~الله ليريه ذلك ، ولو فعل لضربناه ضربا يطأطىء منه ولو كره هذا القاعد " ~~يعني معاوية ، فالتفت إليها معاوية فقال : كفى . فكفت . PageV20P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" سنة تسع وخمسين في هذه السنة استعمل معاوية ~~النعمان بن بشير الأنصاري على الكوفة ، بعد ابن أم الحكم . واستعمل معاوية ~~عبد الرحمن بن زياد على خراسان فبقي عليها إلى أن قتل الحسين ، ثم قدم على ~~يزيد ومعه عشرون ألف ألف درهم ، فقال له يزيد : " إن شئت حاسبناك وأخذنا ما ~~معك ورددناك إلى خمسمائة ألف درهم " قال بل تعطيني ما معي وتعزلني . ففعل ، ~~وأرسل عبد الرحمن إلى ابن جعفر بألف ألف ، وقال : هذه خمسمائة ألف من يزيد ~~وخمسمائة ألف مني . ذكر عزل عبيد الله بن زياد عن البصرة وعوده إليها وفي ~~هذه السنة عزل معاوية عبيد الله بن زياد عن البصرة وأعاده إليها ولم يول ~~غيره . وسبب ذلك أن ابن زياد وفد على معاوية في وجوه أهل البصرة وفيهم ~~الأحنف بن قيس ، وكان ابن زياد لا يكرمه ، فلما دخلوا على معاوية رحب ~~بالأحنف وأجلسه معه على سريره ، فأحسن الوفد الثناء على عبيد الله بن زياد ~~والأحنف ساكت ، فقال له معاوية : ما بالك يا أبا بحر لا تتكلم ؟ فقال : إن ~~تكلمت خالفت القوم . فقال معاوية : انهضوا ، عزلته عنكم واطلبوا واليا ~~ترضونه ، فلم يبق من القوم رجل إلا أتى رجلا من بني أمية أو من أهل الشام ، ~~والأحنف لم يبرح من منزله ولم يأت أحدا ، فلبثوا أياما ، ثم جمعهم معاوية ، ~~وقال لهم : من اخترتم فاختلفت كلمتهم ، والأحنف ساكت ، فقال : مالك لا ~~تتكلم ؟ فقال : " إن وليت علينا أحدا من أهل بيتك لم نعدل بعبيد الله أحدا ~~، وإن وليت غيرهم فانظر في ذلك " . فرده معاوية عليهم ، وأوصاه بالأحنف ~~وقبح رأيه في مباعدته . وحج بالناسفي هذه السنة عثمان بن محمد بن أبي سفيان ms4506 ~~، وفيها توفي سعيد بن العاص . PageV20P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" سنة ستين ذكر وفاة معاوية بن أبي سفيان وما ~~أوصى به عند وفاته كانت وفاته بدمشق في شهر رجب من هذه السنة ، قيل : في ~~مستهله ، وقيل : في النصف منه ، وقيل : لأربع بقين منه ، وقيل : في يوم ~~الخميس لثمان بقين من شهر رجب سنة تسع وخمسين قال : وكان معاوية قد خطب ~~الناس قبل موته فقال : " إني لزرع مستحصد وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ~~ومللتموني ، وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي ، لن يأتيكم بعدي إلا من أنا خير ~~منه ، كما أن من كان قبلي كان خيرا مني ، وقد قيل : من أحب لقاء الله أحب ~~الله لقاءه ، اللهم إني أحببت لقاءك فأحبب لقائي وبارك لي فيه " . فلم يمض ~~غير قليل حتى ابتدأ به مرضه الذي مات فيه . قال ولما مرض دعا ابنه يزيد ~~وقال : " يا بني إني قد كفيتك الشد والترحال ، ووطأت لك الأمور ، وذللت ~~الأعداء ، وأخضعت ، لك رقاب العرب ، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد ، فانظر أهل ~~الحجاز فإنهم أصلك ، فأكرم من قدم عليك منهم ، وتعاهد من غاب وانظر أهل ~~العراق ، فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل ، فإن عزل عامل أيسر ~~من أن يشهر عليك مائة ألف سيف ، وانظر أهل الشام ، فليكونوا بطانتك وعيبتك ~~، فإن رابك من عدوك شيء فانتصر بهم ، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى ~~بلادهم ، فإنهم إن أقاموا بغيرها تغيرت أخلاقهم ، وإني لست أخاف عليك أن ~~ينازعك هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش : الحسن بن علي وعبد الله بن عمر ~~وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر ، فأما ابن عمر فرجل قد وقذته ~~العبادة ، فإذا لم يبق أحد غيره بايعك ، وأما الحسين فإنه رجل خفيف ، ولن ~~يتركه أهل العراق حتى يخرجوه ، فإن خرج فظفرت به فاصفح عنه ، فإن له رحما ~~ماسة وحقا عظيما وقرابة من محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأما ابن أبي بكر ~~فإن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله ليست له همة إلا في ms4507 النساء واللهو ، ~~وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ، ويراوغك مراوغة الثعلب ، فإن أمكنته فرصة ~~وثب ، فذاك ابن الزبير ، فإن هو فعلها بك فظفرت PageV20P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" به فقطعه إربا إربا ، واحقن دماء قومك ما ~~استطعت " . هكذا في هذه الرواية ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر ، والصحيح أنه ~~مات قبل معاوية . وقيل إن يزيد كان غائبا في مرض أبيه وموته ، وأن معاوية ~~أحضر الضحاك بن قيس ومسلم بن عقبة المري وأمرهما أن يؤديا عنه هذه الرسالة ~~إلى يزيد ابنه . وصححه ابن الأثير . قيل : ولما اشتدت علته وأرجف به قال ~~لأهله : احشوا عيني إثمدا وادهنو رأسي ، ففعلوا وبرقوا وجهه ، ثم مهد له ~~مجلس وأذن للناس ، فدخلوا وسلموا قياما ولم يجلس أحد ، فلما خرجوا تمثل ~~بقول الأول وهو الهذلي : وتجلدي للشامتين أريهمو . . . أني لريب الدهو لا ~~أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها . . . ألفيت كل تميمة لا تنفع ومات في ~~يومه . وكان يتمثل - وقد احتضر - : فهل من خالد إما هلكنا ؟ . . . وهل ~~بالموت للناس عار ؟ وروى محمد بن عبد الله بن الحكم قال : سمعت الشافعي رضي ~~الله عنه يقول : لما ثقل معاوية كان يزيد غائبا ، فكتب إليه بحاله فلما ~~أتاه الرسول أنشأ يقول : جاء البريد بقرطاس يخب به . . . فأوجس القلب من ~~قرطاسه فزعا قلنا : لك الويل ماذا في صحيفتكم . . . قال : الخليفة أمسى ~~مثبتا وجعا فمادت الأرض أو كادت تميد بنا . . . كأن ثهلان من أركانه انقلعا ~~أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه . . . كانا جميعا وظلا يسريان معا ~~PageV20P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" لا يرفع الناس ما أوهى وإن جهدوا . . . أن ~~يرفعوه ، ولا يوهون ما رفعا أغر أبلج يستسقى الغمام به . . . لو قارع الناس ~~عن أحلامهم قرعا والبيتان الأخيران للأعشى . قال : فلما وصل إليه وجده ~~مغمورا فأنشأ يقول : لو عاش حي إذا لعاش إما . . . م الناس لا عاجز ولا وكل ~~الحول القلب الأريب ولن . . . يدفع ريب المنية الحيل قال فأفاق معاوية وقال ~~: يا بني إني صحبت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فخرج لحاجته ، فاتبعته ~~بإدواة ، فكساني أحد ثوبيه الذي ms4508 يلي جلده ، فخبأته لهذا اليوم ، وأخذ رسول ~~الله عليه الصلاة والسلام من أظافره وشعره ذات يوم ، فأخذته وخبأته لهذا ~~اليوم ، فإذا أنا مت فاجعل ذلك القميص دون كفني مما يلي جلدي ، وخذ ذلك ~~الشعر والأظافر فاجعله في فمي وعلى عيني ومواضع السجود مني ، فإن نفع شيء ~~فذاك ، وإلا فإن الله غفور رحيم . وهذه الرواية تدل على أن يزيد أدركه قبل ~~وفاته ، وقد قيل : إنه أوصى فيها غير يزيد والله أعلم . قال ابن الأثير : ~~وتمثل معاوية عند موته بشعر الأشهب بن زميلة النهشلي : إذا مت مات الجود ~~وانقطع الندى . . . من الناس إلا من قليل مصرد وردت أكف السائلين وأمسكوا . ~~. . من الدين والدنيا بخلف مجدد PageV20P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" فقالت إحدى بناته : كلا يا أمير المؤمنين بل ~~يدفع الله عنك . فقال متمثلا : وإذا المنية أنشبت أظفارها " البيت " وقال ~~لأهله : اتقوا الله فإنه لا واقي لمن لا يتقي الله ثم قضى . وأوصى أن يرد ~~نصف ماله إلى بيت المال . وأنشد لما حضرته الوفاة : إن تناقش يكن نقاشك يا ~~رب . . . ب عذابا ، ولا طوق لي بالعذاب أو تجاوز فأنت رب صفوح . . . عن ~~مسيء ذنوبه كالتراب قال : ولما مات خرج الضحاك بن قيس حتى صعد المنبر ، ~~وأكفان معاوية على يديه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " إن معاوية كان ~~عود العرب ، وحد العرب ، وجد العرب ، قطع الله به الفتنة ، وملكه على ~~العباد ، وفتح به البلاد ، ألا إنه قد مات ، وهذه أكفانه ونحن مدرجوه فيها ~~، ومدخلوه قبره ، ومخلون بينه وبين عمله ، ثم هو البرزخ إلى يوم القيامة ~~فمن كان يريد أن يشهده فعند الأولى " . قال : وصلى عليه الضحاك لغيبة يزيد ~~، وكان بحوارين فقدم بعد دفنه فصلى على قبره . وكان ملكه تسع عشرة سنة ~~وثلاثة أشهر وأياما تقريبا منذ خلص له الأمر . وكان عمره خمسا وسبعين سنة ، ~~وقيل : ثلاث وسبعين ، وقيل : ثمان وسبعين ، وقيل توفي وهو ابن خمس وثمانين ~~سنة . وكان أول من اتخذ الخدام الملازمة في الإسلام . وأول من علق الستور ~~واتخذ الحرس وأرباب الشرط . واستخدم الحجاب ms4509 وركب الهماليج ، وقيدت بين يديه ~~الجنائب ولبس الخز والوشي الخفيف ، وعمل الطراز بمصر واليمن والرهاو ~~الإسكندرية . وأول من قتل مسلما صبرا ، قتل حجر بن عدي وأصحابه كما تقدم . ~~PageV20P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" وهو أول من اقتنى الضياع ، وأحدث في أيامه ~~ديوان الخاتم ، وكان سبب ذلك أنه أمر لعمرو بن الزبير بمائة ألف درهم ، ~~وكتب له بها على زياد ، فصير عمرو المائة مائتين ، فلما رفع حساب زياد ~~أنكرها معاوية ، وأخذ عمرا بردها ، فوفاها عنه أخوه عبد الله . ثم أمر ~~معاوية بختم الكتب وحزمها . وزاد في منبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، فجعله ثماني درجات ، وأول من جعل درجات المنبر خمس عشرة مرقاة ، واتخذ ~~المقصورة في المسجد . وأول خليفة بايع لابنه ، وأول من وضع البريد ، وأول ~~من سمى الغالية التي يطيب بها " غالية " . وكان يقول : أنا أول الملوك . ~~ذكر شيء من سيرته وأخباره كان يضرب بحلم معاوية المثل ، ولم يعرف له زلة ~~تنافي الحلم إلا قتل حجر ابن عدي وأصحابه . وقد نقل من كلامه ألفاظ ، منها ~~أنه قال : إنني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أعظم من عفوي ، وجهل أكثر من حلمي ، ~~وعورة لا أواريها بستري ، أو إساءة أكثر من إحساني . وقال : العقل والحلم ~~أفضل ما أعطي العبد ، فإذا ذكر ذكر ، وإذا أعطي شكر ، وإذا ابتلي صبر ، ~~وإذا غضب كظم ، وإذا قدر غفر ، وإذا أساء استغفر ، وإذا وعد أنجز . قال عبد ~~الله بن عمير : أغلظ رجل لمعاوية ، فأكثر ، فقيل له : أتحلم عن هذا ؟ فقال ~~: إني لا أحول بين الناس وألسنتهم . ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا . وروى ~~ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن قال : أخبرنا المسور ابن PageV20P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" مخرمة أنه وفد على معاوية ، قال : فلما دخلت ~~عليه سلمت ، فقال : ما فعل طعنك على الأمة يا مسور ؟ قلت : دعنا من هذا ~~وأحسن فيما قدمنا له ، قال : والله لتكلمني يذات نفسك . قال فلم أدع شيئا ~~أعيبه إلا أخبرته به . فقال : " لا أبرأ من الذنوب أفمالك يا مسور ذنوب ~~تخاف أن تهلك إن ms4510 لم يغفرها الله لك ؟ فوالله لما أنا ألي من الإصلاح بين ~~الناس وإقامة الحدود والجهاد في سبيل الله والأمور العظام التي ليست أحصيها ~~ولا تحصيها أكثر مما تلي . وإني لعلي دين يتقبل الله فيه الحسنات ويعفو عن ~~السيئات ، ووالله لعلي ذلك ما كنت لأخير بين الله وبين ما سواه إلا اخترت ~~الله على ما سواه . قال المسور : ففكرت حين قال ما قال فعرفت أنه خصمني قال ~~: فكان إذا ذكر بعد ذلك دعا له بخير . قال أبو عمر : هذا الخبر من أصح ما ~~يروى عن ابن شهاب . وقد نسب معاوية إلى بخل مع كثرة عطاياه ، فمن ذلك ما ~~حكي أن عبيد الله بن أبي بكرة دخل على معاوية ، ومعه ولد له ، فأكثر من ~~الأكل ، فلحظه معاوية ، وفطن عبيد الله ، فأراد أن يغمز ابنه فلم يمكنه فلم ~~يرفع رأسه حتى فرغ من أكله ، ثم عاد عبيد الله وليس معه ابنه ، فقال معاوية ~~ما فعل ابنك التلقامة ؟ قال : اشتكى . ذكر صفة معاوية وأولاده وأزواجه ~~وكتابه وقضاته وحجابه وشرطه وعماله كان معاوية طويلا أبيض اللون إذا ضحك ~~تقلصت شفته العليا ، وكان يخضب بالحناء والكتم . وأما نساؤه وولده : فمن ~~نسائه ميسون ابنة بحدل بن أنيف الكلبية ، وهي أم يزيد ، وقيل ، ولدت له ~~بنتا اسمها " أمة رب المشارق " فماتت صغيرة . ومنهن فاختة ابنة قرظة بن عبد ~~عمرو بن نوفل بن عبد مناف ، ولدت له عبد الرحمن وعبد الله ، وكان عبد الحق ~~أحمق ، وعبد الرحمن مات صغيرا . PageV20P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" ومنهن نائلة ابنة عمارة الكلبية ، تزوجها ~~وقال لميسون : انظري إليها ، فنظرت إليها وقالت : " رأيتها جميلة ، ولكني ~~رأيت تحت سرتها خالا ، ليوضعن رأس زوجها في حجرها " فطلقها معاوية ، ~~فتزوجها حبيب بن مسلمة الفهري ، ثم خلف عليها بعده النعمان ابن بشير ، فقتل ~~ووضع رأسه في حجرها . ومنهن كتوة ابنة قرظه ، أخت فاختة ، غزا قبرص وهي معه ~~فماتت هناك . وأما كتابه فكان كاتبه وصاحب أمره سرجون الرومي ، وكتب له ~~عبيد الله بن أويس الغساني . وقضاته . كان على القضاء فضالة بن ms4511 عبيد ~~الأنصاري ، فمات فاستقضى أبا إدريس الخولاني . وكان على ديوان الخاتم عبد ~~الله بن محصن الحميري ، ونقش خاتمه " لكل عمل ثواب " ، وقيل : كان نقشه " ~~لا حول ولا قوة إلا بالله " . وحاجبه سعد مولاه ، ثم صفوان مولاه . وكان ~~على شرطته قيس بن حمزة الهمداني ثم عزله ، واستعمل زمل ابن عمرو العذري ، ~~وقيل : السكسكي . وكان على حرسه رجل من الموالي يقال له الختار ، وقيل : ~~أبو المخارق مالك مولى حمير . وأما عماله فقد تقدم ذكرهم ، وكان العمال عند ~~وفاته : على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، على مكة عمرو بن سعيد ~~الأشدق ، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد ، وعلى الكوفة النعمان بن بشير ، ~~وعلى خراسان عبد الرحمن بن زياد ، وعلى سجستان عباد بن زياد ، وعلى كرمان ~~شريك بن الأعور ، وعلى مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري ، وكان القاضي بمصر ~~سليمان بن عمير عشرين سنة . ذكر بيعة يزيد بن معاوية هو أبو خالد يزيد ابن ~~معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ، ~~وأمه ميسون بنت بحدل الكلبية . PageV20P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" وهو الثاني من ملوك بني أمية ، بويع له بعد ~~وفاة أبيه في شهر رجب سنة ستين . فكان أول ما بدأ به يزيد أن كتب إلى ~~الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، وهو عامل المدينة ، يخبره بموت معاوية ، ~~وكتابا آخر صغيرا فيه : " أما بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وابن الزبير ~~بالبيعة أخذا ليس فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام " . فلما أتاه نعي معاوية ~~استدعى مروان بن الحكم ، وكان قبل ذلك قد صارمه وانقطع عنه ، فلما جاءه ~~وقرأ عليه الكتاب بموت معاوية استرجع وترحم عليه ، واستشاره الوليد كيف ~~يصنع ، قال : " أرى أن تدعوهم الساعة وتأمرهم بالبيعة ، فإن فعلوا قبلت ~~منهم وكففت عنهم ، وإن أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية ، ~~فإنهم إن علموا بموته وثب كل رجل بناحية ، وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه ، ~~أما ابن عمر فلا يرى القتال ، ولا يحب أن يلي على ms4512 الناس إلا أن يدفع إليه ~~هذا الأمر عفوا " . ذكر إرسال الوليد بن عتبة إلى الحسين بن علي وعبد الله ~~بن الزبير ، وما كان بينهم في أمر البيعة وخروجهما إلى مكة رضي الله عنهما ~~قال وأرسل الوليد عبد الله بن عمرو بن عثمان ، وهو غلام حدث ، إلى الحسين ~~وابن الزبير يدعوهما ، فوجدهما في المسجد ، فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد ~~يجلس فيها للناس ، فقال : أجيبا الأمير فقالا : انصرف الآن نأتيه . فقال ~~ابن الزبير للحسين : ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس ~~فيها ؟ فقال الحسين رضي الله عنه : أظن طاغيتهم هلك فبعث إلينا ليأخذنا ~~بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر . فقال : وأنا ما أظن غيره ، فما تريد ~~أن نصنع ؟ قال الحسين : أجمع فتياني الساعة ثم أمشي إليه وأجلسهم على الباب ~~وأدخل عليه . قال : فإني أخاف عليك إذا دخلت . قال : لا آتيه إلا وأنا قادر ~~على الامتناع . فقام الحسين رضي الله عنه فجمع إليه أصحابه وأهل بيته ، ثم ~~أقبل إلى باب الوليد ، وقال لأصحابه : " إني داخل ، فإذا دعوتكم أو سمعتم ~~صوتي قد علا فادخلو علي بأجمعكم ، وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم " . ~~PageV20P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" ثم دخل فسلم ومروان عنده ، فقال الحسين : " ~~الصلة خير من القطيعة ، والصلح خير من الفساد ، وقد آن لكما أن تجتمعا ، ~~أصلح الله ذات بينكما " وجلس ، فأقرأه الوليد الكتاب ، ونعى إليه معاوية ، ~~ودعاه إلى البيعة ، فاسترجع الحسين وترحم على معاوية ، وقال : " أما البيعة ~~فغن مثلي لا يبايع سرا ، ولا تجتزي بها مني سرا ، فإذا خرجت إلى الناس ~~ودعوتهم إلى البيعة دعوتنا معهم فكان الأمر واحد " فقال له الوليد - وكان ~~يحب العافية - انصرف . فقال له مروان : " لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا ~~قدرت منه على مثلها أيدا حتى تكثر القتلى بينك وبينه ، احبسه ، فإن بايع ~~وإلا ضربت عنقه " . فوثب الحسين عند ذلك وقال : " يا ابن الزرقاء أنت ، ~~تقتلني أو هو ؟ كذبت والله ولؤمت ثم خرج حتى أتى منزله . فقال مروان للوليد ~~: عصيتني لا والله لا ms4513 يمكنك من نفسه بمثلها أبدا ، فقال الوليد : " ويح ~~غيرك يا مروان ، والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال ~~الدنيا وملكها وأني قتلت حسينا إن قال لا أبايع والله إني لأظن أمرا يحاسب ~~بدم الحسين خفيف الميزان عند الله يوم القيامة " قال مروان : قد أصبت بقولك ~~هذا يقول وهو غير حامد له على رأيه . وأما ابن الزبير فإنه أتى داره وجمع ~~أصحابه واحترز ، فألح الوليد في طلبه وهو يقول " أمهلوني " . فبعث الوليد ~~إليه مواليه فشتموه ، وقالوا له : يا ابن الكاهلية لتأتين الأمير أو ~~ليقتلنك فقال لهم : والله لقد استربت لكثرة الإرسال ، فلا تعجلوني حتى أبعث ~~إلى الأمير من يأتيني برأيه . فبعث أخاه جعفر بن الزبير فقال له : " رحمك ~~الله ، كف عن عبد الله فإنك قد أفزعته وذعرته ، وهو يأتيك غدا إن شاء الله ~~تعالى ، فمر رسلك فلينصرفوا عنا " فبعث إليهم ، فانصرفوا وخرج ابن الزبير ~~من ليلته هو وأخوه جعفر ليس معهما ثالث فسارا نحو مكة فسرح الوليد الرجال ~~في طلبه فلم يدركوه ، فرجعوا ، وتشاغلوا به عن الحسين يومهم . ثم أرسل ~~الوليد الرجال إلى الحسين فقال لهم : أصبحوا ثم ترون ونرى . فكفوا عنه ، ~~فسار من ليلته نحو مكة ، وأخذ معه بنيه وإخوته وبني أخيه وجل أهل بيته إلا ~~محمد بن الحنفية فإنه قال للحسين رضي الله عنهما : " يا أخي أنت أحب الناس ~~إلي وأعزهم علي ، ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك ، تنح ~~ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت ، وابعث رسلك إلى الناس فادعوهم إلى ~~نفسك فإن بايعوك حمدت الله على ذلك ، وإن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص ~~الله بذلك دينك ولا PageV20P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" عقلك ، ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك ، إني ~~أخاف أن تأتي مصر وجماعة من الناس فيختلفون عليك ، فمنهم طائفة معك ، وأخرى ~~عليك ، فيقتتلون ، فتكون لأول الأسنة ، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا وأبا ~~وأما ، أضيعها دما وأذلها أهلا " قال الحسين : فأين أذهب يا أخي ؟ قال : " ~~انزل مكة ms4514 ، فغن اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك ، وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف ~~الجبال وخرجت من بلد إلى أخرى ، حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس ، ويفرق لك ~~الرأي ، فإنك أصوب ما تكون رأيا وأخرمه عملا حين تستقبل الأمور استقبالا ، ~~ولا تكون الأمور أبدا أشكل منها حين تستدبرها " قال : قد نصحت وأشفقت وأرجو ~~أن يكون رأيك سديدا موفقا إن شاء الله . ثم دخل المسجد وهو يتمثل بقول يزيد ~~بن مفرغ : لا ذعرت السوام في شفق الصبح . . . مغيرا ولا دعيت يزيدا يوم ~~أعطي من المهابة ضيما . . . والمنايا يرصدنني أن أحيدا ثم خرج نحو مكة وهو ~~يتلو " فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين " ، ولما دخل ~~مكة قرأ " ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " . قال ~~: وأما ابن عمر فإن الوليد أرسل إليه ليبايع ، فقال : إذا بايع الناس بايعت ~~. فتركوه ، وكانوا لا يخافونه . وقيل : إن ابن عمر كان بمكة هو وابن عباس ، ~~فعاد إلى المدينة ، فلقيا الحسين وابن الزبير ، فقالا لهما : ما وراءكما ؟ ~~قالا : موت معاوية وبيعة يزيد ، قال ابن عمر : لا تفرقا جماعة المسلمين . ~~وقدم هو وابن عباس المدينة ، فلما بايع الناس بايعا . قال : ودخل ابن ~~الزبير مكة وعليها عمرو بن سعيد فقال : أنا عائذ بالبيت . ولم يكن يصلي ~~بصلاتهم ، ولا يفيض بإفاضتهم ، وكان يقف هو وأصحابه ناحية . PageV20P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" ذكر استعمال عمرو بن سعيد على المدينة وإرسال ~~عمرو ابن الزبير بالجيش إلى مكة لقتال أخيه عبد الله ابن الزبير وهزيمة ~~جيشه ، ووفاة عمرو ابن الزبير تحت السياط . وفي هذه السنة عزل يزيد بن ~~معاوية الوليد بن عتبة عن المدينة ، واستعمل عليها عمرو بن سعيد الأشدق ، ~~فقدمها في رمضان ، واستعمل على شرطته عمرو ابن الزبير ، لما كان بينه وبين ~~أخيه من البغضاء ، فأرسل إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضربا شديدا : ~~لهواهم في أخيه عبد الله ، منهم أخوه المنذر بن الزبير وابنه محمد بن ~~المنذر وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ، وعثمان بن ms4515 عبد الله بن حكيم بن ~~حزام ، ومحمد بن عمار بن ياسر ، وغيرهم ، فضربهم الأربعين إلى الخمسين إلى ~~الستين . فاستشار عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير فيمن يرسله إلى أخيه فقال : ~~لا توجه إليه رجلا أنكأ له مني ، فجهز معه سبعمائة فيهم أنيس بن عمرو ~~الأسلمي . فجاء مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد فقال له : " لا تغز مكة ، ~~واتق الله ولا تحل حرمة البيت ، وخلوا ابن الزبير فقد كبر ، له ستون سنة " ~~فقال عمرو بن الزبير : والله لنغزونه في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم . ~~وأتى أبو شريح الخزاعي إلى عمرو فقال له : لا تغز مكة فإني سمعت رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) يقول " إنما أذن لي في القتال فيها ساعة من نهار ثم ~~عادت كحرمتها بالأمس " فقال له عمرو : نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ . ~~فسار عمرو بن الزبير وسار أنيس في مقدمته . وقيل إن يزيد كتب إلى عمرو بن ~~سعيد أن يرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه عبد الله ، فأرسله ومعه جيش نحو ألفي ~~رجل ، فنزل أنيس بذي طوى ، ونزل عمرو PageV20P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" بالأبطح ، فأرسل عمرو إلى أخيه : بر يمين ~~يزيد - وكان قد حلف أنه لا يقبل بيعته إلا أن يؤتى به في جامعة - تعال حتى ~~أجعل في عنقك جامعة من فضة لا ترى ، ولا يضرب الناس بعضهم ببعض ، فإنك في ~~بلد حرام . فأرسل عبد الله بن الزبير عبد الله بن صفوان نحو أنيس فيمن معه ~~من أهل مكة ممن اجتمع إليه ، فهزمه بذي طوى ، وقتل أنيس . وسار مصعب بن عبد ~~الرحمن إلى عمرو بن الزبير ، فتفرق عن عمرو أصحابه ، فدخل دار ابن علقمة ، ~~فأتاه أخوه عبيدة فأجاره ، ثم أتى عبد الله فقال : قد أجرت عمرا . فقال : " ~~أتجير من حقوق الناس هذا مالا يصلح ، وما أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحل ~~لحرمات الله " . ثم أقاد عمرا من كل من ضربه إلا المنذر وابنه فإنهما أبيا ~~أن يستقيدا ، ومات عمرو بن الزبير تحت السياط . ولنرجع إلى ms4516 أخبار الحسين ~~رضي الله عنه . ذكر مقدم الحسين إلى مكة وما ورد عليه من كتب أهل الكوفة ، ~~وإرساله مسلم بن عقيل إليهم وما كان في خلال ذلك قال : لما خرج الحسين من ~~المدينة إلى مكة لقيه عبد الله بن مطيع ، فقال له : جعلت فداك أين تريد ؟ ~~قال : أما الآن فمكة وأما بعد فإني أستخير الله . فقال : خار الله لك ~~وجعلنا فداك ، فإذا أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة فإنها بلد مشئومة ، بها ~~قتل أبوك وخذل أخوك ، واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه ، الزم فإنك سيد ~~العرب ، لا يعدل بك أهل الحجاز أحدا ويتداعى إليك الناس من كل جانب ، ولا ~~تفارق الحرم فداك عمي وخالي ، فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك . فأقبل حتى ~~نزل مكة ، وأهلها يختلفون إليه ويأتونه ون بها من المعتمرين PageV20P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" وأهل الآفاق ، وابن الزبير يأتي إليه ويشير ~~عليه بالرأي ، وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير ، لأن أهل الحجاز لا ~~يبايعونه ما دام الحسين بمكة . قال : ولما بلغ أهل الكوفة موت معاوية ~~وامتناع الحسين وابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم من البيعة ، أرجفوا ~~بيزيد ، واجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد ، فذكروا مسير الحسين رضي ~~الله عنه إلى مكة ، وكتبوا إليه عن نفر منهم : سليمان بن صرد والمسيب بن ~~نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظهر : " بسم الله الرحمن الرحيم ، وسلام ~~عليك ، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فالحمد لله الذي ~~قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها وغصبها ~~فيئها وتأمر عليها بغير رضا منها ، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها ، وإنه ~~ليس علينا إمام ، فأقبل ، لعل الله يجعلنا بك على حق ، والنعمان بن بشير في ~~قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا عيد ، ولو بلغنا إقبالك إلينا ~~أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله تعالى ، والسلام عليك ورحمة الله ~~وبركاته " . وسيروا الكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وائل ~~. ثم كتبوا إليه ms4517 كتابا آخر وسيروه بعد ليلتين ، فكتب الناس معه نحو من مائة ~~وخمسين صحيفة ثم أرسلوا إليه رسولا ثالثا يحثونه على المسير إليهم ، ثم كتب ~~إليه شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعزرة بن ~~قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن عمير التميمي بذلك . فلما اجتمعت ~~كتبهم عنده كتب إليهم : " أما بعد فقد فهمت كل الذي اقتصصتم ، وقد بعثت ~~إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل ، وأمرته أن ~~PageV20P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم ، فإن كتب إلي ~~أنه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم ، أقدم ~~عليكم وشيكا إن شاء الله تعالى ، فلعمري ما الإمام إلا العالم بالكتاب ، ~~والقائم بالقسط والدائن بدين الحق والسلام " . وقدم على الحسين رضي الله ~~عنه من البصرة يزيد بن أبي نبيط وابناه عبد الله وعبيد الله إلى مكة ، ~~فكانوا معه حتى قتل وقتلوا معه . ثم دعا الحسين مسلم بن عقيل فسيره إلى ~~الكوفة ، وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف فإن رأى الناس مجتمعين له ~~عجل إليه بذلك . فسار مسلم إلى المدينة ، فصلى في مسجد رسول النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وسلم ، وودع أهله ، وسار حتى بلغ الكوفة ، فنزل في دار ~~المختار وأقبلت الشيعة تختلف إليه ، فكلما اجتمع إليه جماعة منهم قرأ عليهم ~~كتاب الحسين ، فيبكون ويعدونه النصرة والقتال ، فبلغ النعمان بن بشير أمير ~~الكوفة ذلك ، فصعد المنبر فقال : " أما بعد فلا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة ~~، فإن فيهما تهلك الرجال وتسفك الماء وتغصب الأموال " ثم قال : " إني لا ~~أقاتل من لم يقاتلني ، ولا أثب على من لا يثب علي ولا أنبه نائمكم ولا ~~أتحرش بكم ، ولا آخذ بالقرف ولا الظنة ولا التهمة ، ولكنكم إن أبديتم ~~صفحتكم ونكثتم بيعتكم ، وخالفتم إمامكم ، فوالله الذي لا إله إلا هو ~~لأضربنكم بسيفي ما دام قائمه في يدي ، ولو لم يكن لي منكم ناصر ولا معين . ~~أما إني لأرجو أن يكون من يعرف الحق ms4518 منكم أكثر ممن يرديه الباطل " فقام ~~إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال : " إنه لا يصلح ~~ما ترى إلا الغشم ، إن هذا الذي أنت عليه رأى المستضعفين " . فقال : لأن ~~أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية ~~الله " . ثم نزل . وكان حليما ناسكا يحب العافية . وقيل : إنه لم يقل ذلك ، ~~وإنما قال : يا أهل الكوفة إن ابن بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أحب إلي من ابن بنت بحدل . PageV20P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" ذكر استعمال عبيد الله بن زياد على الكوفة ~~وقدومه إليها وخبره مع هانئ بن عروة قال : ولما تكلم النعمان بن بشير بما ~~تكلم به ، كتب عبد الله بن مسلم إلى يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل إلى ~~الكوفة ، ومبايعة الناس له ، ويقول : " إن كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها ~~رجلا قويا ينفذ أمرك ، ويعمل مثل عمل عدوك ، فإن النعمان رجل ضعيف أو هو ~~يتضعف " ثم كتب إليه بعده عمارة بن الوليد بن عقبة وعمر بن سعد بن أبي وقاص ~~بنحو ذلك . فلما اجتمعت الكتب عند يزيد دعا سرجون مولى معاوية ، فأقرأه ~~الكتب ، واستشاره فيمن يوليه أمر الكوفة ، وكان يزيد عاتبا على عبيد الله ~~بن زياد ، فقال له سرجون : أرأيت لو نشر لك معاوية أكنت تأخذ برأيه ؟ قال : ~~نعم . فأخرج له عهد عبيد الله على الكوفة ، فقال : هذا رأي معاوية ومات وقد ~~أمر بهذا الكتاب ، فأخذ يزيد برأيه ، وجمع له بين الكوفة والبصرة ، وكتب له ~~بعهده وسيره إليه مع مسلم بن عمرو الباهلي والد قتيبة ، وأمره بطلب مسلم بن ~~عقيل وقتله أو نفيه . فلما وصل كتابه إلى عبيد الله تجهز ليسير من الغد . ~~وكان الحسين قد كتب إلى أشراف البصرة ، منهم مالك بن مسمع ، والأحنف بن قيس ~~والمنذر بن الجارود ، ومسعود بن عمرو وقيس بن الهيثم ، وعمر بن عبيد الله ~~بن معمر . يدعوهم إلى كتاب الله وسنة رسوله ، فإن السنة قد ماتت ، والبدعة ~~قد أحييت ، فكلهم ms4519 كتم كتابه إلا المنذر بن الجارود ، فإنه خشي أن يكون ~~دسيسا من ابن زياد ، فأتاه بالرسول والكتاب ، فضرب عنق الرسول ، وخطب الناس ~~ثم قال في آخر كلامه : " يا أهل البصرة ، إن أمير المؤمنين ولا ني الكوفة ، ~~وأنا غاد إليها بالغد ، وقد استخلفت عليكم أخي عثمان بن زياد ، فإياكم ~~والخلاف والإرجاف ، فوالله لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ~~ووليه ، ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تستقيموا ولا يكون فيكم خلاف ولا شقاق ~~إني أنا ابن زياد ، أشبهته من بين من وطئ الحصى ، فلم ينتزعني شبه خال ولا ~~ابن عم " . PageV20P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" ثم خرج من البصرة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي ~~وشريك ابن الأعور الحارثي وحشمه وأهل بيته ، وكان شريك شيعيا . وقيل : كان ~~معه خمسمائة فتساقطوا عنه ، وكان أول من سقط شريك ، ورجوا أن يقف عليهم ~~فيسبقه الحسين إلى الكوفة ، فلم يقف على أحد منهم حتى دخل الكوفة وحده ، ~~فجعل يمر بالمجالس فلا يشكون أنه الحسين بن علي فيقولون : مرحبا بك يا ابن ~~رسول الله ، وهو لا يكلمهم ، وخرج إليه الناس من دورهم ، فساءه ما رأى منهم ~~. وسمع به النعمان ، فأغلق عليه الباب ، وهو لا يشك أنه الحسين ، وانتهى ~~إليه عبيد الله ومعه الخلق يصيحون ، فقال له النعمان : " أنشدك الله إلا ~~تنحيت عني ، فوالله ما أنا مسلم إليك أمانتي ، ومالي في قتالك من حاجة " ~~فدنا منه عبيد الله وقال : " افتح لا فتحت " فسمعها إنسان خلفه فرجع إلى ~~الناس فقال : إنه ابن مرجانة " ففتح له النعمان فدخل ، وأغلقوا الباب وتفرق ~~الناس . وأصبح فجلس على المنبر ، وقيل بل خطبهم من يومه ، فقال : أما بعد ، ~~فإن أمير المؤمنين ولاني مصركم وثغركم وفيئكم وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء ~~محرومكم ، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم وبالشدة على مريبكم وعاصيكم ، وأنا ~~متبع فيكم أمره ، ومنفذ فيكم عهده ، فأنا لمحسنكم كالوالد البر ، ولمطيعكم ~~كالأخ الشقيق ، وسيفي وسوطي على من ترك أمري وخالف عهدي فليبق امرؤ على ~~نفسه " . ثم نزل . وأخذ العرفاء والناس أخذا شديدا ، وقال : " اكتبوا إلي ~~الناس الغرباء ، ومن ms4520 فيكم من طلبة أمير المؤمنين ، ومن فيكم من الحرورية ~~وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق ، فمن كتبهم لي فقد برئ ، ومن لم ~~يكتب لنا أحدا فليضمن لنا ما في عرافته لا يخالفنا فيهم مخالف ، ولا يبغي ~~علينا منهم باغ ، فمن لم يفعل فبرئت منه الذمة ، وحلال لنا ماله ودمه ، ~~وأيما عريف وجد في عرافته أحد من بغية أمير المؤمنين لم يرفعه إلينا صلب ~~على باب داره ، وألغيت تلك العرافية من العطاء وسير إلى موضع بعمان " . ثم ~~نزل . قال : وسمع مسلم بن عقيل بمقالة عبيد الله فخرج من دار المختار وأتى ~~دار PageV20P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" هانئ بن عروة المرادي فدخل بابه واستدعاه ، ~~فخرج إليه ، فلما رآه كره مكانه ، فقال له مسلم : أتيتك لتجيرني وتضيفني . ~~فقال هانئ . " لقد كلفتني شططا ، ولولا دخولك داري لأحببت أن تنصرف عني ، ~~غير أنه يأخذني من ذلك ذمام ، ادخل " فآواه ، واختلفت الشيعة إليه في دار ~~هانئ . قال ومرض هانئ ، فأتاه عبيد الله يعوده ، فقال له عمارة بن عمير ~~السلولي : دعنا نقتل هذا الطاغية ، فقد أمكن الله منه ، فقال هانئ ما أحب ~~أن يقتل في داري ، وجاء ابن زياد فجلس عنده ثم خرج ، فما مكث إلا جمعة حتى ~~مرض شريك بن الأعور ، وكان شديد التشيع ، فأرسل إليه ابن زياد : إني رائح ~~إليك العشية . فقال لمسلم ابن عقيل : " إن هذا الفاجر عائدي العشية فإذا ~~جلس فاقتله ثم اقصد القصر ليس أحد يحول بينك وبينه ، فإن بريت من وجعي سرت ~~إلى من بالبصرة فكفيتك أمرهم " . فلما كان من العشي أتاه عبيد الله فقام ~~مسلم بن عقيل ليدخل ، فقال له شريك لا يفوتنك إذا جلس . فقال هانئ بن عروة ~~: إني لا أحب أن يقتل في داري . وجاء عبيد الله فجلس عند شريك وأطال ، فلما ~~رأى شريك أن مسلما لا يخرج خشي أن يفوته ، فأخذ يقول : " ما تنظرون بسلمى ~~أن تحيوها اسقونيها وإن كانت فيها نفسي " يقول ذلك مرتين أو ثلاثا ، فقال ~~عبيد الله : " ما شأنه ؟ ترونه يخلط " فقال هانئ : " نعم ، ما ms4521 زال هذا دأبه ~~قبيل الصبح حتى ساعته هذه " . فانصرف . وخرج مسلم ، فقال له شريك : ما منعك ~~من قتله ؟ فقال : " أمران : أحدهما كراهية هانئ أن يقتل في منزله ، والثاني ~~حديث حدثه علي رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " الإيمان ~~قيد الفتك فلا يفتك مؤمن " . فقال هانئ : لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا ~~غادرا . PageV20P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" ومات شريك بعد ذلك بثلاث ، فصلى عليه عبيد ~~الله ، فلما علم أنه كان يحرض مسلما على قتله قال : واله لا أصلي على جنازة ~~عراقي أبدا . قال : وكان عبيد الله بن زياد قد أعطى مولى له ثلاثة آلاف ~~درهم وأمره أن يتلطف في الدخول على مسلم بن عقيل وأصحابه ، وقال : أعطهم ~~هذا المال وأعلمهم أنك منهم واعلم أخبارهم . ففعل ، وأتى مسلم بن عوسجة ~~الأسدي فقال له : " يا عبد الله ، إني امرؤ من أهل الشام ، انعم الله علي ~~بحب أهل البيت ، وهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه ~~قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإني أتيتك ~~ليقبض المال وتدخلني على صاحبك أبايعه ، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه " ~~. فقال : " لقد سرني لقاؤك إياي لتنال الذي تحب ، وينصر الله بك أهل بيت ~~نبيه وقد ساءني معرفة الناس هذا الأمر من قبل أن يتم ، مخافة هذا الطاغية ~~وسطوته " فأخذ بيعته والمواثيق المعظمة ليناصحن وليكتمن . واختلف إليه ~~أياما ، حتى أدخله على مسلم بن عقيل ، فأخذ بيعته وقبض ماله ، وذلك بعد موت ~~شريك ، وجعل يختلف إليهم ويعلم أسرارهم وينقلها إلى ابن زياد . وكان هانئ ~~قد انقطع عن عبيد الله بعذر المرض ، فدعا عبيد الله محمد بن الأشعث وابن ~~أسماء بن خارجة ، وعمر بن الحجاج الزبيدي ، فسألهم عن هانئ وانقطاعه ، ~~فقالوا إنه مريض . قال : بلغني أنه يجلس على باب داره وقد برئ ، فأتوه ~~فمروه لا يدع ما عليه في ذلك من الحق . فاتوه فقالوا له : " الأمير قد سأل ~~عنك ، وقال : لو أعلم أنه شاك لعدته ، وقد بلغه أنك تجلس ms4522 على باب دارك ، ~~وقد استبطأك ، والجفا لا يحتمله السلطان ، أقسمنا عليك لما ركبت معنا " . ~~ففعل فلما دنا من القصر أحست نفسه بالشر ، فقال لحسان بن أسماء بن خارجة : ~~يا ابن أخي إني لهذا الجل لخائف ، فما ترى ؟ فقال ما أتخوف عليك شيئا ، فلا ~~تجعل على نفسك سبيلا ، ولا يعلم أسماء مما كان شيئا . PageV20P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" قال : فدخل القوم على ابن زياد ، فلما رأى ~~هانئ بن عروة قال لشريح القاضي : أتتك بحائن رجلاه . فلما دنا منه قال عبيد ~~الله : أريد حياته ويريد قتلي . . . عذيرك من خليلك من مراد فقال له هانئ ~~وما ذاك ؟ فذكر له خبر مسلم بن عقيل ، وأنه في داره ، فأنكر ذلك ، وطال ~~بينهما النزاع ، فاستدعى عبيد الله مولاه الذي كان يأتيهم ، فجاء فوقف بين ~~يديه ، فقال : أتعرف هذا فقال : نعم . وعلم هانئ أنه كان عينا عليهم ، فسقط ~~في يده ساعة ، ثم راجعته نفسه فقال : " اسمع مني وصدقني ، فوالله لا أكذبك ~~، والله ما دعوته ولا علمت بشيء من أمره حتى رأيته جالسا على بابي يسألني ~~النزول علي ، فاستحييت من رده ودخلني من ذلك ذمام ، فأدخلته داري وضفته ، ~~وقد كان من أمره الذي بلغك ، فإن شئت أعطيتك الآن موثقا تطمئن إليه ، ~~ورهينة تكون في يدك حتى أنطلق وأخرجه من داري وأعود إليك " . فقال : لا ~~والله لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به . قال لا آتيك بضيفي لتقتله أبدا ، ~~فقال ابن زياد : والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك . قال إذا والله تكثر ~~البارقة حول دارك . فقال : أبالبارقة تخوفني ؟ . وقيل إن هانئا لما رأى ذلك ~~اللعين قال : أيها الأمير إنه قد كان الذي بلغك ، ولم أضيع يدك عندي ، فأنت ~~آمن وأهلك فسر حيث شئت ، فأطرق عبيد الله عند ذلك ومهران قائم على رأسه ، ~~فقال واذلاه هذا الحائك يؤمنك في سلطانك فقال : خذه ، فأخذ مهران ضفيرتي ~~هانئ ، وأخذ عبيد الله القضيب ولم يزل يضرب به أنفه وجبينه وخديه حتى كسر ~~أنفه ، وسيل الدماء على ثيابه ، ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر ms4523 ~~القضيب ، وضرب هانئ يده إلى قائم سيف شرطي وجبذه فمنع منه ، فقال عبيد الله ~~: أحروري أحللت بنفسك وحل لنا قتلك ، ثم أمر به فألقي في بيت وأغلق ، فقام ~~إليه أسماء بن خارجة وقال : " يا غادر أرسله ، أمرتنا أن نجيئك بالرجل فلما ~~أتيناك به هشمت وجهه ، وسيلت دمه ، وزعمت أنك تقتله " . فأمر به عبيد الله ~~فلهز وتعتع ثم ترك فجلس . وأما ابن الأشعث فقال : رضينا بما رأى الأمير ، ~~لنا كان أو علينا . PageV20P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئا قد قتل ، فأقبل ~~في مذحج حتى أحاطوا بالقصر ، ونادى : " أنا عمرو بن الحجاج ، هذه فرسان ~~مذحج ووجوهها ، لم نخلع طاعة ، ولم نفارق جماعة . فقال ابن زياد لشريح ~~القاضي : " ادخل على صاحبهم ، فانظر إليه ، ثم اخرج إليهم فأعلمهم أنه حي ~~لم يقتل وأنك قد رأيته " فدخل عليه ، وخرج إليهم فقال : قد نظرت إلى صاحبكم ~~وأنه حي لم يقتله ، فقالوا : إذ لم يقتله فالحمد لله ، ثم انصرفوا . ذكر ~~ظهور مسلم بن عقيل واجتماع الناس عليه ، ومحاصرته عبيد الله بن زياد بالقصر ~~وكيف خذله من اجتمع إليه وتفرقوا عنه وخبر مقتله ومقتل هانئ بن عروة قال : ~~ولما أتى الخبر مسلم بن عقيل خرج من دار هانئ ، ونادى في أصحابه : " يا ~~منصور أمت " وكان قد بايعه ثمانية عشر ألفا ، وحوله في الدور أربعة آلاف ، ~~فاجتمع إليه ناس كثير ، فعقد لعبد الله بن عوسجة على ربع مذحج وأسد ، وعقد ~~لأبي ثمامة الصائدي على ربع تميم وهمدان ، وعقد لعباس بن جعدة الجدلي على ~~ربع المدينة ، وأقبل نحو القصر . فلما بلغ ابن زياد إقاله تحرز بالقصر ~~وأغلق الباب ، وأحاط مسلم بالقصر ، وامتلأ المسجد والسوق بالناس ، وما ~~زالوا يجتمعون حتى المساء ، وضاق بعبد الله أمره ، وليس معه في القصر ~~الإثلاثون رجلا من الشرط ، وعشرون من الأشراف وأهل بيته ومواليه ، وأقبل ~~أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذي يلي دار الروميين ، والناس ~~يسبون ابن زياد وأباه . فدعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي ، وأمره أن ~~يخرج فيمن ms4524 أطاعه من مذحج فيخذل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم ، وأمر محمد بن ~~الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كنده وحضرموت فيرفع راية الأمان لمن جاءه من ~~الناس ، وقال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلي ، وشبث بن ربعي التيمي ، وحجار ~~بن أبحر العجلي ، PageV20P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" وشمر بن ذي جوشن الضبابي وترك وجوه الناس ~~عنده استئناسا بهم ، لقلة من معه . وخرج أولئك النفر على الناس من القصر ، ~~فمنوا أهل الطاعة ، وخوفوا أهل المعصية ، فلما سمع الناس مقالة أشرافهم ~~تفرقوا ، حتى إن المرأة لتأتي ابنها وأخاها ، فتقول : " انصرف ، الناس ~~يكفونك " ، ويفعل الرجل مثل ذلك . فما زالوا يتفرقون حتى بقي مسلم بن عقيل ~~في المسجد في ثلاثين رجلا ، فلما رأى ذلك خرج نحو أبواب كندة ، فلما وصل ~~إلى الباب لم يبق معه أحد ، فمضى في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب . فانتهى ~~إلى باب امرأة من كندة يقال لها طوعة - أم ولد كانت للأشعث ، فأعتقها ، ~~فتزوجها أسيد الحضرمي ، فولدت له بلالا وكان بلال قد خرج مع الناس ، وهي ~~تنتظره - فسلم عليها ، وطلب منها ماء فسقته ، فجلس ، فقالت : يا عبد الله ~~ألم تشرب ؟ قال : بلى ، فقالت ، فاذهب إلى أهلك ، فسكت ، فكرت ذلك عليه ~~ثلاثا فلم يبرح ، فقالت : سبحان الله إني لا أحل لك الجلوس على بابي . فقال ~~: ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ، فهل لك في أجر معروف ، ولعلي ~~أكافئك به بعد اليوم . قالت وما ذاك ؟ قال : أنا مسلم بن عقيل ، كذبني ~~هؤلاء القوم وغروني . قالت : ادخل ، فأدخلته بيتا في دارها غير البيت الذي ~~تكون فيه وعرضت عليه العشاء فلم يتعش ، وجاء ابنها فرآها تكثر الدخول في ~~ذلك البيت ، فسألها ، فلم تخبره ، فألح عليها ، فأخبرته ، واستكتمته وأخذت ~~عليه الأيمان بذلك . قال : وأما ابن زياد ، فلما سكنت الأصوات قال لأصحابه ~~: انظروا هل ترون منهم أحدا ؟ فنظروا فلم يروا أحدا فنزل إلى المسجد قبل ~~العتمة ، وأجلس أصحابه حول المنبر ، وأمر فنودي : " برئت الذمة من رجل من ~~الشرط والعرفاء والمناكب والمقاتلة صلى العتمة إلا في ms4525 المسجد ، فامتلأ ~~المسجد ، فصلى بالناس ، ثم قام فحمد ثم قال : " أما بعد ، فإن ابن عقيل ~~السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف والشقاق ، فبرئت الذمة من رجل ~~وجدناه في داره ، ومن أتانا به فله ديته " وأمرهم PageV20P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" بالطاعة ولزومها ، وأمر الحصين ابن تميم أن ~~يمسك أبواب السكك ، ثم يفتش الدور . وأصبح ابن زياد فجلس ، فأتى بلال إلى ~~عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وأخبره بمكان ابن عقيل ، فأتى عبد الرحمن ~~أباه وهو عند ابن زياد فساره بذلك ، فأخبر محمد ابن الأشعث ابن زياد ، فقال ~~له : قم فأتني به الساعة ، وبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي في ~~سبعين من قيس ، فأتوا الدار ، فخرج ابن عقيل إليهم بسيفه حتى أخرجهم من ~~الدار ، ثم عادوا إليه فحمل عليهم فأخرجهم مرارا ، وضربه بكر بن حمران ~~الأحمري فقطع شفته العليا وسقط سنتاه ، وضربه مسلم على رأسه وثنى بأخرى على ~~حبل العاتق فكادت تطلع على جوفه ، فلما رأوا ذلك أشرفوا على سطح البيت ، ~~وجعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في القصب ويلقونها عليه ، فلما رأى ~~ذلك خرج عليهم بسيفه فقاتلهم في السكة ، فقال له محمد بن الأشعث لك الأمان ~~فلا تقتل نفسك ، فأقبل يقاتلهم ويقول : أقسمت لا أقتل إلا حرا . . . وإن ~~رأيت الموت شيا نكرا ويخلط البارد سخنا مرا . . . رد شعاع النفس مستقرا كل ~~امرئ يوما ملاق شرا . . . أخاف أن أكذب أو أغرا فقال له محمد بن الأشعث : ~~إنك لا تكذب ولا تخدع ، القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك ، وكان قد ~~أثخن بالحجارة ، وعجز عن القتال ، وأسند ظهره إلى حائط تلك الدار ، فأمنه ~~ابن الأشعث والناس غير عمرو بن عبيد الله السلمي فإنه قال : لا ناقتي فيها ~~ولا جملي . وأتى ببغلة فحمل عليها ، وانتزعوا سيفه ، فكأنه أيس من نفسه ~~فدمعت عيناه وقال : هذا أول الغدر . قال محمد : أرجو ألا يكون عليك بأس . ~~قال : وما هؤلاء إلا الرجاء أين أمانكم ثم بكى ، فقال له عمرو بن عبيد الله ~~: من يطلب الذي ms4526 تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك ، فقال : ما أبكي ~~لنفسي ، ولكن أبكي لأهلي المنقلبين إليكم : أبكي للحسين وآل الحسين . ثم ~~قال لمحمد بن الأشعث : " إني PageV20P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" أراك تعجز عن أماني ، فهل تستطيع أن تبعث من ~~عندك رجلا يخبر الحسين بحالي ، ويقول له عني : ليرجع بأهل بيته ولا يغره ~~أهل الكوفة ، فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل ؟ " ~~فقال ابن الأشعث : والله لأفعلن . وفعل وأبى الحسين الرجوع . قال : وجاء ~~محمد بمسلم إلى القصر فأجلسه على بابه ودخل هو إلى ابن زياد فأخبره بأمانه ~~، فقال له : ما أنت والأمان ما أرسلناك لتؤمنه ، إنما أرسلناك لتأتينا به . ~~قال : ولما جلس مسلم على باب القصر رأى جرة فيها ماء بارد فقال اسقوني من ~~هذا الماء ، فقال له مسلم بن عمرو الباهلي : أتراها ما أبردها والله لا ~~تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميمفي نار جهنم فقال له ابن عقيل : من أنت ؟ ~~قال : " أنا من عرف الحق إذ أنكرته ، ونصح الأمة وإمامه إذ غششته ، وسمع ~~وأطاع إذ عصيته ، أنا مسلم بن عمرو . فقال له ابن عقيل : لأمك الثكل ، ما ~~أجفاك وأفظك وأقسى قلبك وأغلظك أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في ~~نار جهنم مني " قال : فدعا عمارة بن عقبة بماء بارد فصب له في قدح ، فأخذ ~~يشرب فامتلأ القدح دما : فعل ذلك ثلاثا ، ثم قال : لو كان من الرزق المقسوم ~~لشربته . وأدخل على ابن زياد ، فلم يسلم عليه بالإمرة ، فقال له الحرسي : ~~ألا تسلم على الأمير . فقال إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه وإن كان لا ~~يريده فليكثرن تسليمي عليه . فقال ابن زياد : لعمري لتقتلن . قال فدعني ~~أوصي إلى بعض قومي . قال : افعل . فقال لعمر بن سعد بن أبي وقاص : " إن ~~بيني وبينك قرابة ، ولي إليك حاجة وسر " . فلم يمكنه من ذكرها ، فقال له ~~ابن زياد : لا تمتنع من حاجة ابن عمك . فقام معه ، فقال : " إن علي بالكوفة ~~دينا استدنته أنفقته : سبعمائة درهم ، فاقضها عني ms4527 ، وانظر جثتي فاستوهبها ~~فوارها ، وابعث إلى الحسين فاردده " . فقال عمر لابن زياد أتدري ما سارني ؟ ~~فقال : أكثرتم على ابن عمك ، فقال : الأمر أكبر من هذا . قال : اكتم على ~~ابن عمك ، قال : الأمر أكبر من هذا ، وأخبره بما قال . فقال ابن زياد لا ~~يخونك الأمين ، ولكن قد يؤتمن الخائن . أما مالك فهو لك تصنع به ما شئت ، ~~وأما حسي فإن لم يردنا لم نرده ، وإن أرادنا لم نكف عنه ، وأما جثته فإنا ~~لا نشفعك فيها " وقيل : إنه قال : وأما جثته فإذا قتلناه لا نبالي ما صنع ~~بها . PageV20P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" ثم قال : يا ابن عقيل ، أتيت الناس وأمرهم ~~جميع وكلمتهم واحدة لتشتيت بينهم ، وتفريق كلمتهم . قال : " كلا ولكن أهل ~~هذا المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم ، وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى ~~وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل ، وندعو إلى حكم الكتاب . فقال وما أنت وذاك ؟ ~~ثم كانت بينهما مقاولة قال له ابن زياد في آخرتها : قتلني الله إن لم أقتلك ~~قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام ، فقال : " أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ~~ما ليس فيه ، أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم ~~الغلبة لأحد من الناس أحق بها منك " فشتمه ابن زياد وشتم حسينا وعليا ~~وعقيلا ولم يكلمه مسلم . ثم أمر به ، فأصعد فوق القصر وهو يستغفر الله ~~تعالى ويسبح ، وأشرف به على موضع الحدادين فضربت عنقه ، وكان الذي قتله ~~بكير بن حمران ثم أتبع رأسه جسده . قال وقام محمد بن الأشعث فكلم ابن زياد ~~في هانئ بن عروة ، وقال قد عرفت منزلته من المصر وبيته ، وقد علم قومه أني ~~أنا وصاحبي . سقناه إليك ، فأنشدك الله لما وهبته ، فإني أكره عداوة قومه " ~~. فوعد أن يفعل ، ثم بدا له فأمر به حين قتل مسلم فأخرج إلى السوق فضربت ~~عنقه . وبعث عبيد الله بن زياد برأسيهما إلى يزيد ، فكتب إليه يزيد يشكره ، ~~ويقول له : " قد بلغني أن الحسين بن علي توجه نحو العراق ، فضع المراصد ~~والمسالح واحترس ، واحبس ms4528 على التهمة ، وخذ بالظنة ، غير ألا تقتل إلا من ~~قاتلك " . قال : وكان مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة لثمان ليال مضين من ذي ~~الحجة سنة ستين . وقيل : لتسع مضين منه . PageV20P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" وكان فيمن خرج معه المختار بن أبي عبيد ، ~~وعبد الله بن الحارث بن نوفل ، وطلبهما ابن زياد وحبسهما . وكان فيمن قاتل ~~مسلما محمد بن الأشعث ، وشبث بن ربعي - وهو أحد من كتب إلى الحسين - ~~والقعقاع بن شور ، وجعل شبث يقول : انتظروا بهم إلى الليل يتفرقوا . فقال ~~له القعقاع : إنك قد سددت عليهم وجه مهربهم ، فافرج لهم يتفرقوا . وحج ~~بالناس في هذه السنة عمرو بن سعيد الأشدق ، وهو عامل مكة والمدينة . وفيها ~~مات أبو أسيد الساعدي ، واسمه مالك ابن ربيعة ، وهو آخر من مات من البدريين ~~، وقيل : مات سنة خمس وستين . ومات حكيم بن حزام وله مائة وعشرون سنة ، ~~ستون في الجاهلية وستون في الإسلام . ومات جماعة ممن لهم صحبة في هذه السنة ~~. سنة إحدى وستين ذكر مسير الحسين بن علي رضي الله عنهما وخبر من نهاه عن ~~المسير كان مقتله بالطف على شاطئ الفرات من أرض كربلاء ، وذلك في يوم ~~الجمعة لعشر خلون من المحرم من هذه السنة . ولنبدأ بخبر مسيره من مكة شرفها ~~الله تعالى ، وسبب مسيره ومن أشار عليه بالمقام بمكة وترك المسير إلى ~~الكوفة ، ثم نذكر ما كان من خبره في مسيره إلى أن قتل رضي الله عنه ، فنقول ~~: كان مسيره من مكة لقصد الكوفة يوم التروية ، وكان سبب مسيره إلى الكوفة ~~ما ورد عليه من كتب أهلها كما تقدم ، ثم أكد ذلك عنده وحمله عليه وقوى عزمه ~~PageV20P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" ورود كتاب مسلم بن عقيل بن أبي طالب عليه ~~يخبره أنه بايعه بالكوفة ثمانية عشر ألفا ، ويستحثه على المسير إليها ، ~~وكان هذا من مسلم في ابتداء أمره . قال : ولما عزم الحسين رضي الله عنه على ~~المسير إلى الكوفة أتاه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له : " ~~إني أتيتك لحاجة أريد ذكرها ms4529 نصيحة لك ، فإن كنت ترى أنك تستنصحني قلتها ~~وأديت ما علي من الحق فيها ، وإن ظننت أنك لا تستنصحني كففت عما أريد " ~~فقال له : قل فوالله ما أستغشك ولا أظنك بشيء من الهوى قال : " قد بلغني ~~أنك تريد العراق ، وإني مشفق عليك أنك تأتي بلدا فيه عماله وأمراؤه ومعهم ~~بيوت الأموال ، والناس عبيد الدينار والدرهم ، فلا آمن عليك أن يقاتلك من ~~وعدك نصره ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه " فقال له الحسين رضي الله عنه ~~: جزاك الله خيرا يا ابن عم ، فقد علمت أنك مشيت بنصح ، وتكلمت بعقل ، ~~ومهما يقض من أمر يكن ، أخذت برأيك أو تركته ، فأنت عندي أحمد مشير ، وأنصح ~~ناصح . وأتاه عبد الله بن عباس فقال له : قد أرجف الناس أنك سائر إلى ~~العراق ، فبين لي ما أنت صانع فقال له : قد أجمعت السير في أحد يومي هذين ~~إن شاء الله تعالى . فقال له ابن عباس : " فإني أعيذك بالله من ذلك ، خبرني ~~رحمك الله ، أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم ، وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم ؟ فإن ~~كانوا قد فعلوا فسر إليهم ، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم ، ~~قاهر لهم ، وعماله تجبى بلادهم ، فإنما دعوك إلى الحرب ، ولا آمن عليك أن ~~يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك ويستنفروا إليك ، فيكونوا أشد الناس عليك " ~~فقال الحسين : فإني أستخير الله وأنظر ما يكون . فخرج ابن عباس . وأتاه عبد ~~الله بن الزبير فحدثه ساعة ، ثم قال : " ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم ، ~~وكفنا عنهم ، ونحن أبناء المهاجرين ، وولاة هذا الأمر دونهم ، خبرني ما ~~تريد أن تصنع ؟ " فقال الحسين : " لقد حدثت نفسي بإتياني الكوفة ، ولقد كتب ~~إلي شيعتي بها ، وأشراف الناس وأستخير الله " . فقال ابن الزبير : أما إنه ~~لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها . ثم خشي أن يتهمه ، فقال أما إنك لو ~~أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر هاهنا ما خالفنا عليك وساعدناك وبايعناك ~~ونصحناك . فقال له الحسين PageV20P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" رضي الله عنه : " إن أبي حدثني أن لها كبشا ~~به ms4530 تستحل حرمتها ، فما أحب أن أكون ذلك الكبش " قال : فأقم إن شئت وتوليني ~~أنا الأمر فتطاع ولا تعصى ، قال : ولا أريد هذا الأمر أيضا . ثم إنهما ~~أخفيا كلامهما ، فالتفت الحسين إلى من هناك وقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا ~~لا قال : فإنه يقول قم في هذا المسجد أجمع لك الناس ، ثم قال الحسين : " ~~والله لأن أقتل خارجا منها بشبر أحب إلي من أن أقتل فيها ، ولأن أقتل خارجا ~~منها بشبرين أحب إلي من أن أقتل خارجا منها بشبر ، ويم الله ، لو كنت في ~~حجر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا في حاجتهم ، والله ليعتدن علي ~~كما اعتدت اليهود في السبت " فقام ابن الزبير وخرج من عنده . فلما كان من ~~العشي أو من الغد أتاه ابن عباس فقال : " يا ابن عم ، إني أتصبر ولا أصبر ، ~~إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال ، إن أهل العراق قوم غدر ~~فلا تنفر إليهم ، أقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز ، فإن كان أهل العراق ~~يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم لينفروا عاملهم وعدوهم ، ثم قدم عليهم ، فإن ~~أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصونا وشعابا ، وهي أرض عريضة ~~طويلة ، ولأبيك بها شيعة ، وأنت على الناس في عزلة فتكتب إلى الناس وترسل ~~وتبث دعاتك ، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية " فقال له ~~الحسين : " يا ابن عم ، إني والله لأعلم أنك ناصح مشفق ، وقد أزمعت وأجمعت ~~المسير " فقال ابن عباس : " فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيانك ، فإني ~~لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه " ثم قال له ابن ~~عباس : " لقد أقررت عين ابن الزبير بالخروج من الحجاز ، وهو اليوم لا ينظر ~~إليه أحد معك ، والله لو أعلم أني إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علينا ~~الناس أطعتني فأقمت لفعلت ذلك " . ثم خرج من عنده . فمر بابن الزبير فقال : ~~قرت عينك يا ابن الزبير ، ثم قال : PageV20P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" يا لك من قبرة بعمر . . . خلا لك ms4531 الجو فبيضي ~~وأصفري ونقري ما . . . شئت أن تنقري هذا حسين يخرج إلى العراق ويخليك ~~والحجاز . قال وخرج حسين من مكة يوم التروية ، فاعترضه رسل عمرو بن سعيد مع ~~أخيه يحيى يمنعونه ، فأبى عليهم ومضى ، وسار فمر بالتنعيم فرأى عيرا قد ~~أقبلت من اليمن ، بعث بها بحير بن ريسان الحميري عامل اليمن إلى يزيد ، ~~وعليها الورس والحلل ، فأخها الحسين ثم سار ، فلما انتهى إلى الصفاح لقيه ~~الفرزدق الشاعر فقال له الحسين : بين لي خبر الناس خلفك فقال : " الخبير ~~سألت ، قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية ، والقضاء ينزل من السماء ، ~~والله يفعل ما يشاء " فقال الحسين صدقت ، لله الأمر يفعل ما يشاء ، وربنا ~~كل يوم في شأن ، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه ، هو ~~المستعان على أداء الشكر ، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعد من كان الحق ~~نيته ، والتقوى سريرته . قال وأدرك الحسين كتاب عبد الله بن جعفر مع ابنيه ~~عون ومحمد بقول : " أما بعد ، فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تقرأ كتابي ~~هذا فإني مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك ، إن ~~هلكت الآن طفئ نور الأرض فإنك علم المهتدين ، ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل ~~بالسير ، فإني في إثر كتابي ، والسلام " . وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو ~~بن سعيد وقال : " اكتب للحسين كتابا تجعل له فيه الأمان ، وتمنيه فيه البر ~~والصلة ، وترفق في كتابك ، وتسأله الرجوع لعله يطمئن إلى ذلك فيرجع . فقال ~~له عمرو اكتب ما شئت ، وأتني به حتى أختمه . فكتب PageV20P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" عبد الله بن جعفر الكتاب ، ثم أتى به عمر بن ~~سعيد : فقال : اختمه وابعث به مع أخيك يحيى فإنه أحرى أن تطمئن به نفسه ، ~~ويعلم أنه الجد منك ففعل . وكان مضمون الكتاب : " بسم الله الرحمن الرحيم ~~من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي ، أما بعد ، فإني أسأل الله أن يصرفك ~~عما يوبقك ، وأن يهديك لما يرشدك . بلغني أنك قد توجهت إلى العراق ، وإني ~~أعيذك بالله ms4532 من الشقاق ، فإني أخاف عليك فيه الهلاك ، وقد بعثت إليك عبد ~~الله ابن جعفر ويحيى بن سعيد ، فأقبل إلي معهما ، فإن لك عندي الأمان ~~والصلة والبر وحسن الجوار ، لك الله على بذلك شهيد وكفيل ، وراع ووكيل ، ~~والسلام عليك " . فأخذا الكتاب ولحقا حسينا ، فأقرأه يحيى الكتاب . وكان ~~مما اعتذر به أن قال : إني رأيت رؤيا ، رأيت فيها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وأمرت بأمر أنا ماض له ، فقالا له : ما تلك الرؤيا ؟ قال : ما ~~حدثت أحدا بها ولا أنا محدث أحدا بها حتى ألقى ربي . وكتب الحسين إلى عمرو ~~بن سعيد : " أما بعد ، فإنه لم يشاقق الله ورسوله من دعا إلى الله وعمل ~~صالحا وقال إنني من المسلمين ، وقد دعوت إلى الأمان والبر والصلة ، فخير ~~الأمان أمان الله ، ولن يؤمن بالله يوم القيامة من لم يخفه في الدنيا ، ~~فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمانه يوم القيامة ، فإن كنت نويت ~~بالكتاب صلتي وبري فجزيت خيرا في الدنيا والآخرة ، والسلام " . قال : ولما ~~بلغ ابن زياد مسير الحسين من مكة بعث الحصين بن نمير التميمي صاحب شرطته ، ~~فنزل القادسية ، ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفان ، وما بين القادسية ~~إلى القطقطانة وإلى جبل لعلع . وأقبل الحسين حتى إذا بلغ الحاجز من بطن ~~الرمة بعث قيس بن مسهر الأسدي ثم الصيداوي إلى أهل الكوفة ، وكتب معه إليهم ~~: " بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين ~~والمسلمين ، سلام عليكم ، فإني أحمد إليكم PageV20P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد ، فإن ~~كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم ، واجتماع ملئكم على نصرنا ~~والطلب بحقنا ، فنسأل الله أن يحسن لنا الصنع ، وأن يثيبكم على ذلك أعظم ~~الأجر ، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم ~~التروية ، فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدوا ، فإني قادم عليكم ~~في أيامي هذه إن شاء الله ، والسلام عليكم ورحمة الله " . وكان مسلم بن ms4533 ~~عقيل قد كتب إلى الحسين قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة ، أما بعد ، فإن ~~الرائد لا يكذب أهله ، إن جميع أهل الكوفة معك ، فأقبل حين تقرأ كتابي ~~والسلام . قال : وأقبل قيس بن مسهل بكتاب الحسين إلى أهل الكوفة ، فلما بلغ ~~القادسية أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى ابن زياد ، فقال له عبيد الله : ~~اصعد القصر فسب الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي . فصعد قيس فحمد الله ~~وأثنى عليه ، ثم قال : " أيها الناس ، إن الحسين بن علي رضي الله عنهما خير ~~خلق الله ، ابن فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأنا رسوله ~~إليكم ، وقد فارقته بالحجاز فأجيبوه " ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه ، ~~واستغفر لعلي ، فأمر به عبيد الله فرمي من فوق القصر فتقطع فمات . قال : ثم ~~أقبل الحسين رضي الله عنه يسير نحو الكوفة ، فانتهى إلى ماء مياه العرب ، ~~فإذا عليه عبد الله بن مطيع العدوي فلما رأى الحسين قام إليه ، فقال : بأبي ~~أنت وأمي يا ابن رسول الله ، ما أقدمك ؟ واحتمله فأنزله فقال له الحسين : ~~إنه كان من موت معاوية ما قد بلغك ، فكتب إلى أهل العراق يدعونني إلى ~~أنفسهم . فقال : " أذكرك بالله يا ابن رسول الله وحرمة الإسلام أن تنتهك ، ~~وأنشدك الله في حرمة قريش ، أنشدك الله في حرمة العرب ، فوالله لئن طلبت ما ~~في أيدي بني أمية ليقتلنك ، ولئن قتلوك لا يهابون بعد أحدا أبدا ، والله ~~إنها لحرمة الإسلام تنتهك ، فلا تفعل ولا تأتي الكوفة ، ولا تعرض نفسك لبني ~~أمية " فأبى إلا أن يمضي . PageV20P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" فلما نزل بزرود أتاه خبر بقتل مسلم بن عقيل ~~وهانئ بن عروة ، فاسترجع مرارا ، فقال له عبد الله بن سليم والمذري بن ~~المشمعل الأسديان ، وكانا قد لحقاه حين قضيا حجهما : " ننشدك الله في نفسك ~~وأهل بيتك إلا انصرفت من مكانك هذا ، فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة ، ~~بل نتخوف أن يكونوا عليك " فوثب بنوا عقيل فقالوا لا : والله لا نبرح حتى ~~ندرك ثأرنا أو نذوق ms4534 ما ذاق أخونا . فقال الحسين رضي الله عنه : لا خير في ~~العيش بعد هؤلاء . فقال له بعض أصحابه : إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل ~~، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع . فانتظر الحسين حتى إذا كان السحر ~~لفتيانه وغلمانه : أكثروا من الماء . فاستقوا فأكثروا ، ثم ارتحلوا حتى ~~انتهوا إلى زبالة . وقيل : كان الحسين لا يمر بماء إلا اتبعه أهل ذلك الماء ~~، حتى إلى زبالة فأتاه خبر مقتل أخيه من الرضاعة عبد الله بن بقطر ، وكان ~~سرحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق ، وهو لا يدري أنه أصيب فأخذه الحصين ~~بالقادسية ، فبعث به إلى زياد فقال له : اصعد فوق القصر فالعن الكذاب ابن ~~الكذاب ثم انزل حتى أرى فيك رأيي ، فصعد فلما أشرف على الناس قال : " أيها ~~الناس ، إني رسول الحسين بن فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إليكم ، لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة ابن سمية الدعي " فأمر به عبيد ~~الله فألقي من فوق القصر إلى الأرض فتكسرت عظامه وبقي به رمق ، فأتاه رجل ~~يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه ، فلما عيب عليه ذلك قال : إنما ~~أردت أن أريحه . فلما بلغ الحسين الخبر قال لأصحابه : من أحب منكم الإنصراف ~~فلينصرف غير حرج ، ليس عليه منا ذمام ، فتفرق الناس عنه حتى بقي في أصحابه ~~الذين خرجوا معه من المدينة . قال : وإنما فعل ذلك لأنه علم أن الأعراب ظنت ~~أنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهله ، فأراد أن يعلموا علام يقدمون . ~~قال ثم ارتحل الحسين وسار حتى مر ببطن العقبة فنزل بها ، فأتاه بعض ~~PageV20P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" الأعراب فسأله عن مقصده فأخبره ، قال : " إني ~~أنشدك الله فلما انصرفت ، فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف ، إن ~~هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطئوا لك الأشياء فقدمت ~~عليهم ، كان ذلك رأيا ، فأما على هذه الحال التي تذكر فإني لا أرى لك أن ~~تفعل " فقال الحسين : يا عبد الله ، إنه ليس يخفى على ما ms4535 رأيت ، ولكن الله ~~لا يغلب على أمره . ثم ارتحل منها وقد استهلت إحدى وستين ، وسار حتى نزل ~~شراف فلما كان في السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء وأكثروا ، ثم ساروا ~~منها صدر يومهم حتى انتصف النهار ، فكبر رجل من أصحابه فكبر الحسين ، وقال ~~: مما كبرت ؟ قال : رأيت النخل ، فقال عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل ~~الأسديان : والله عن هذا المكان ما رأينا فيه نخلة قط ، فقال : فما تريان . ~~قالا : نراه والله رأى هوادي الخيل . فقال الحسين : وأنا والله أرى ذلك ، ~~ما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد ؟ فقيل ~~له : " بلى هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك ، فإذا سبقت القوم إليه ~~فهو كما تريد ، فمال إليه ، فما كان بأسرع من أن طلعت هوادي الخيل ، فلما ~~رأوهم قد عدلوا عن الطريق عدلوا عنها إلى قصدهم ، فسبق الحسين إلى ذي حسم ~~فنزل وأمر بأبنية فضربت ، وجاء القوم وهم ألف فارس عليهم الحر بن يزيد ~~التميمي ، فجاءوا حتى وقفوا مقابل الحسين رضي الله عنه : وكان مسير الحر ~~ومن معه من القادسية من قبل الحصين بن نمير التميمي . فلم يزل الحر مواقفا ~~حسينا حتى حضرت صلاة الظهر فأمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفي أن يؤذن ، ~~فأذن ، فلما حضرت الإقامة خرج الحسين رضي الله عنه ، في إزار ورداء ونعلين ~~، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " أيها الناس ، PageV20P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" معذرة إلى الله وإليكم إني لم آتكم حتى أتتني ~~كتبكم ، وقدمت على رسلكم أن اقدم علينا فإنه ليس لنا إمام لعل الله يجمعنا ~~بك على الهدى والحق ، إن كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فإن تعطوني ما أطمئن ~~إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم ، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين ~~انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه إليكم " فسكتوا عنه ، وقال للمؤذن ~~أقم . فأقام الصلاة ، فقال الحسين للحر : أتريد أن تصلي بأصحابك ؟ فقال : ~~لا ، بل صلي أنت ونصلي بصلاتك فصلى بهم الحسين ، ثم دخل واجتمع إليه أصحابه ms4536 ~~. وانصرف الحر ودخل خيمة قد ضربت له ، واجتمع عليه جماعة من أصحابه ، وعاد ~~بعض أصحابه إلى صفهم الذي كانوا فيه ، ثم أخذ كل رجل بعنان دابته وجلس في ~~طلبها . فلما كان وقت العصر أمر الحسين أصحابه أن يتهيئوا للرحيل ففعلوا ، ~~ثم خرج فأمر مناديه فنادى بالعصر وأقامه ، وصلى الحسين بالقوم جميعا ، ثم ~~سلم وانصرف إليهم بوجهه ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " أما بعد ، أيها ~~الناس ، فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله ، ونحن أهل ~~البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم ، ~~والسائرين فيكم بالجوار والعدوان ، فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان ~~رأيكم غير ما أتتني به كتبكم ، وقدمت علي به رسلكم ، انصرفت عنكم " ، فقال ~~له الحر : إنا والله لا ندري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر . فأمر الحسين ~~رضي الله عنه بإخراج كتبهم فأخرجت في خرجين مملوءين ، فنثرهما بين أيديهم ، ~~فقال الحر : إنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك ، وقد أمرنا إذا نحن ~~لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد . فقال له ~~الحسين : الموت أدنى إليك من ذلك ، ثم قال لقومه : قوموا فاركبوا ، وركب ~~نساؤهم . فلما أرادوا الانصراف حال القوم بينهم وبين المسير ، فقال الحسين ~~للحر : ثكلتك أمك ما تريد ؟ قال له : " أما والله لو غيرك من العرب يقولوها ~~وهو على مثل الحال التي عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله كائنا من ~~كان ، ولكن والله ما إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه " ، فقال ~~له الحسين : ما تريد ؟ قال : أريد أن أنطلق بك إلى عبيد الله بن زياد . ~~فقال له الحسين : إذن والله لا أتبعك ، فقال الحر : إذن والله لا أدعك . ~~فترادا القول ثلاث مرات فلما كثر الكلام بينهما قال الحر : " إني لم أومر ~~بقتالك ، إنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة ، فإذا أبيت فخذ طريقا ~~لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة يكون بيني وبينك نصفا ، حتى أكتب إلى ms4537 ~~ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أردت أن تكتب إليه ، أو إلى ~~PageV20P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" عبيد الله إن شئت ، فلعل الله أن يرزقني ~~العافية من أن أقتل بشيء من أمرك " قال : فتياسر عن طريق العذيب والقادسية ~~، وبينه حينئذ وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلا . ثم سار والحر يسايره . ~~قال : ثم إن الحسين خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ، إن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " من رأى سلطانا جائرا ، مستحلا ~~لحرم الله ، ناكسا لعهده ، مخالفا لسنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول ، كان حقا ~~على الله أن يدخله مدخله " . ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا ~~طاعة الرحمن ، وأظهرو الفساد ، وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء ، وأحلوا ~~حرام الله ، وحرموا حلاله ، وأنا أحق من غيري ، وقد أتتني كتبكم ورسلكم ~~ببيعتكم وأنكم لا تسلموني ولا تخذلوني ، فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم ~~، وأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~نفسي مع أنفسكم ، وأهلي مع أهلكم ، فلكم بي أسوة ، وإن لم تفعلوا ونقضتم ~~عهدي وخلعتم بيعتي فلعمري ما هي لكم بنكر ، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن ~~عمي مسلم ، والمغرور من اغتربكم ، وحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم ، ومن نكث ~~فإنما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم ، والسلام . قال له الحر : إني أذكرك ~~الله في نفسك ، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن ، قال الحسين رضي الله عنه : ~~أبالموت تخوفني ؟ وهل يعدوا بكم الخطب أن تقتلوني وما أدري ما أقول لك ؟ ~~ولكني أقول كما قال أخو الأوس لابن عمه ، لقيه وهو يريد نصرة النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، له فقال أين تذهب فإنك مقتول ؟ فقال : سأمضي وما بالموت ~~عار على الفتى . . . إذا ما نوى خيرا وجاهد مسلما وآسى الرجال الصالحين ~~بنفسه . . . وفارق مثبورا وخالف مجرما فإن عشت لم أندم وإن مت لم ألم . . . ~~كفى بك ذلا أن تعيش وترغما PageV20P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" قال : فلما ms4538 سمع الحر ذلك تنحى عنه ، فكان ~~يسير ناحية عنه ، حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات ، فإذا هم بأربعة نفر قد ~~أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل ، ~~ومعهم دليلهم الطرماح وهو يقول : يا ناقتا لا تذعري من زجري . . . وشمري ~~قبل طلوع الفجر بخير ركبان وخير سفر . . . حتى تجلى بكريم النحر الماجد ~~الحر رحيب الصدر . . . أتى به الله لخير الأمر ثمت أبقاه بقاء الدهر فلما ~~انتهوا إلى الحسين رضي الله عنه والتحقوا به ، فقال الحر : إن هؤلاء النفر ~~الذين من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبلوا معك ، وأنا حابسهم أو رادهم ، فقال ~~الحسين رضي الله عنه : " لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي ، إنما هؤلاء أعواني ~~وأنصاري وقد كنت أعطيتني أن لا تعرض لي حتى يأتيك كتاب من ابن زياد " ، قال ~~: أجل ولكن هؤلاء لم يأتوا معك . فقال : " هم أصحابي وهم بمنزلة من جاء معي ~~، فإن تممت علي ما كان بيني وبينك وإلا ناجزتك " . فكف عنهم الحر . وسألهم ~~الحسين عن خبر أهل الكوفة ، فقال له مجمع بن عبد الله العائذي وهو أحد ~~الأربعة : " أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم ، فهم إلب ~~واحد عليك ، وأما سائر الناس بعد فإن أفئدتهم تهوى إليك وسيوفهم غدا مشهورة ~~عليك " . فقال : هل لكم برسولي إليكم علم ؟ فقالوا : من هو ؟ قال : قيس بن ~~مسهر الصيداوي . قالوا : نعم ، وأخبروه بمقتله ، قفترقرقت عينا حسين ولم ~~يملك دمعه ، ثم قال : " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ~~" PageV20P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" اللهم اجعل لنا ولهم الجنة نزلا ، واجمع ~~بيننا وبينهم في مستقر رحمتك ورغائب مذخور ثوابك . قال : ودنا الطرماح من ~~الحسين ، فقال له : " والله إني لأنظر فما أرى معك أحدا ، ولو لم يقاتلك ~~إلا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفوا لهم ، وقد رأيت قبل خروجي من ~~الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناي في صعيد واحد ~~جمعا أكثر منه ، فسألت عنهم ، فقيل : اجتمعوا ليعرضوا ثم يسيروا إلى الحسين ~~، فأنشدك ms4539 الله إن قدرت على ألا تقدم إليهم شبرا إلا فعلت ، وإن أردت أن ~~تنزل بلدا يمنعك الله به حتى ترى من رأيك ويستبين لك ما أنت صانع فسر حتى ~~أنزلك مناع جبلنا الذي امتنعنا به من ملوك غسان وحمير ومن النعمان بن ~~المنذر ومن الأسود والأحمر ، فأسير معك حتى أنزلك القرية ، ثم لتبعث إلى ~~الرجال ممن بأجأ وسلمى من طيئ ، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى يأتيك ~~طيئ رجالا وركبانا ، ثم أقم فينا ما بدا لك ، فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك ~~بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم ، ووالله لا يوصل إليك أبدا ~~وفيهم عين تطرف " . فقال له : جزاك الله وقومك خيرا ، إنه قد كان بيننا ~~وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف ، ولا ندري علام تتصرف ~~بنا وبهم الأمور . قال الطرماح : فودعته وقلت : " إني قد امترت لأهلي ميرة ~~، ومعي نفقة لهم فآتيهم فأصنع ذلك فيهم ، ثم أقبل إليك إن شاء الله ، فإن ~~ألحقك فوالله لأكونن من أنصارك " . فقال لي : فإن كنت فاعلا فعجل رحمك الله ~~. قال الطرماح : فلما بلغت إلى أهلي وضعت عندهم ما يصلحهم ، وأوصيت ، ~~وأخبرتهم بما أريد ، وأقبلت حتى دنوت من عذيب الهجانات ، فأتاني نعي الحسين ~~هناك . PageV20P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" قال المؤرخ : ثم مضى الحسين إلى قصر بني ~~مقاتل ، فنزل به . قال عقبة بن سمعان : فلما كان آخر الليل أمر الحسين ~~بالاستقاء من الماء ، ثم أمرنا بالرحيل ، ففعلنا ، فلما سرنا ساعة خفق ~~الحسين برأسه خفقة فقال : " إنا لله وإنا إليه راجعون . الحمد لله رب ~~العالمين " يعيدها مرتين أو ثلاثا ، فأقبل عليه ابنه علي بن الحسين ، ~~فاسترجع وحمد الله وقال : " يا أبت ، جعلت فداك ، مم حمدت الله واسترجعت ؟ ~~" . قال : " يا بني ، إني خفقت برأسي خفقة ، فعن لي فارس على فرس فقال : ~~القوم يسيرون والمنايا تسير بهم . فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا " قال : يا ~~أبت ، ألسنا على الحق ؟ قال : بلى والذي إليه مرجع العباد . قال : يا أبت ~~إذن لا نبالي أن نموت محقين . فقال له ms4540 : جزاك الله خير ما يجزي ولدا عن ~~والده . فلما أصبح نزل فصلى الغداة ، ثم عجل الركوب ، وسار حتى انتهى إلى ~~نينوى ، والحر ومن معه يسايرونه فإذا راكب على نجيب عليه السلاح يمسك قوسا ~~مقبل من الكوفة ، فوقفوا جميعا ينتظرونه ، فلما انتهى إليهم سلم على الحر ~~وأصحابه ، ولم يسلم على الحسين ، ودفع إلى الحر كتابا من عبيد الله بن زياد ~~: " أما بعد ، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي ، فلا تنزله ~~بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء ، وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى ~~يأتيني بإنفاذك أمري ، والسلام " . فقال الحر : هذا كتاب الأمير عبيد الله ~~بن زياد ، يأمرني فيه أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه ، وهذا ~~رسوله ، وقد أمره ألا يفارقني حتى أنفذ رأيه وأمره . PageV20P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" قال : فأخذهم الحر بالنزول في ذلك المكان على ~~غير ماء ولا قرية ، فقالوا : دعنا ننزل في هذه القرية يعنون نينوي أو هذه ~~القرية يعنون الغاضرية أو هذه الأخرى يعنون شفية . فقال : لا والله ما ~~أستطيع ذلك ، هذا رجل بعث عينا علي . فقال زهير بن القين للحسين : " يا ابن ~~بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من ~~قتال من يأتينا من بعدهم ، فلعمري ليأتينا من بعدما نرى ما لا قبل لنا به " ~~فقال له الحسين : ما كنت لأبدأهم بالقتال . فقال له زهير : " سربنا إلى هذه ~~القرية حتى ننزلها فإنها حصينة وعلى شاطئ الفرات ، فإن منعونا قاتلناهم ، ~~فقتالهم أهون علينا من قتال من يجئ بعدهم " . فقال له الحسين : أية قرية هي ~~؟ قال : العقر . فقال الحسين : اللهم إني أعوذ بك من العقر ثم نزل ، وذلك ~~يوم الخميس الثاني من المحرم سنة إحدى وستين . فلما كان الغد قدم عليهم عمر ~~بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة . وكان سبب مسيره لقتال الحسين أن عبيد الله ~~بن زياد كان قد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة ، يسير بهم إلى دستبى ، ~~وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا ms4541 عليها ، فكتب ابن زياد له عهده على ~~الري ، وأمره بالخروج ، فخرج وعسكر بالناس ، فلما كان من أمر الحسين فإذا ~~فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك . فاستعفاه ، فقال : نعم ، على أن ترد ~~علينا عهدنا . فلما قال له ذلك قال : أمهلني اليوم حتى أنظر . فاستشار عمر ~~نصحاءه ، فكلهم نهاه ، وأتاه حمزة بن المغيرة بن شعبة - وهو ابن أخته - ~~فقال له : " أنشدك الله يا خالي ألا تسير إلى الحسين فتأثم بربك وتقطع رحمك ~~فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلها - لو كان لك - خير من أن ~~تلقى الله بدم الحسين " فقال : أفعل إن شاء الله . وبات ليلته مفكرا في ~~أمره فسمع وهو يقول : أأترك ملك الري والري رغبتي . . . أم ارجع مذموما ~~بقتل حسين وفي قتله النار التي ليس دونها . . . حجاب ، وملك الري قرة عين ~~PageV20P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" ثم أتى ابن زياد فقال له : إنك قد وليتني هذا ~~العمل وسمع الناس به ، فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك وتبعث إلي الحسين من أشراف ~~الكوفة من لست أغنى ولا أجزأ عنك في الحرب منه - وسمى له أناسا - ، فقال له ~~ابن زياد : لا تعلمني بأشراف الكوفة ، فلست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث ، ~~فإن سرت بجندنا وإلا فابعث إلينا بعهدنا ، قال إني سائر . فأقبل في ذلك ~~الجيش حتى نزل بالحسين فلما نزل به بعث إليه عزرة بن قيس الأحمسي ، فقال له ~~: ائته فاسأله : ما الذي جاء بك ؟ وماذا تريد ؟ وكان عزرة ممن كتب إلى ~~الحسين ، فاستحيى منه أن يأتيه ، فعرض عمر ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه ، ~~فكلهم أباه وكرهه . فقام إليه كثير بن عبد الله ، وكان فارسا شجاعا ، فقال ~~: أنا ذاهب إليه ووالله إن شئت لأفتكن به . فقال عمر : ما أريد أن يفتك به ~~ولكن أن تسأله : ما الذي جاء به ؟ فأقبل إليه ، فلما رآه أبو ثمامة الصائدي ~~قال للحسين : أصلحك الله ، قد جاءك شر أهل الأرض وأجرؤه على دم وأفتكه . ~~فقام إليه ، فقال له : ضع سيفك . قال لا والله ولا كرامة ، إنما أنا ms4542 رسول ~~فإن سمعتم أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ، وإن أبيتم انصرفت عنكم . فقال له ~~رجل : فإني آخذ بقائم سيفك ثم تكلم بحاجتك . قال : لا والله لا تمسه . فقال ~~له : أخبرني ما جئت به وأنا أبلغه عنك ولا أدعك تدنو منه فإنك فاجر . ~~فاستبا ، ثم انصرف إلى عمر فأخبره الخبر . فدعا عمر قرة بن قيس الحنظلي ، ~~فقال له : ويحك يا قرة ، الق حسينا فاسأله : ما جاء به ؟ وماذا يريد ؟ ~~فأتاه فأخبره رسالة ابن سعد ، فقال له الحسين : كتب إلى أهل مصركم أن أقدم ~~عليهم ، فأما إذ كرهتموني فإني أنصرف عنهم . فانصرف قرة إلى عمر فأخبره ~~الخبر ، فقال عمر : إني لأرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله . ثم كتب إلى ~~عبيد الله بن زياد : " أما بعد ، فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي ، ~~فسألته عما أقدمه وماذا يطلب وماذا يسأل ، فقال : كتب إلي أهل هذه البلاد ~~وأتتني رسلهم فسألوني القدوم ففعلت ، فأما إذ كرهوني وبدا لهم غير ما أتتني ~~رسلهم فأنا منصرف عنهم " . فلما قرئ الكتاب على ابن زياد قال : الآن إذ ~~علقت مخالبنا به . . . يرجو النجاة ولات حين مناص PageV20P0267 # """""" صفحة رقم 268 """""" وكتب إلى عمر بن سعد : " بسم الله الرحمن ~~الرحيم ، أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت ، فاعرض على الحسين أن ~~يبايع يزيد بن معاوية أمير المؤمنين هو وجميع أصحابه ، فإذا هو فعل رأينا ~~والسلام " فلما قرأ عمر الكتاب قال : قد أحسست ألا يقبل ابن زياد العافية . ~~قال : وكتب ابن زياد إلى عمر بن سعد : " أما بعد ، فحل بين الحسين وأصحابه ~~وبين الماء ، فلا يذوقوا منه قطرة ، كما صنع بالتتقي الزكي المظلوم أمير ~~المؤمنين عثمان بن عفان " . فبعث عمر عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس ، ~~فنزلوا على الشريعة ، وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، ومنعوهم أن ~~يسقوا منه قطرة ، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث . وناداه عبد الله بن أبي حصين ~~الأزدي : " يا حسين ، ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء والله لا تذوق ~~منه قطرة حتى تموت عطشا " . فقال ms4543 الحسين : " اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له ~~أبدا " . قال أبو جعفر الطبري في تاريخه : قال حميد بن مسلم " والله لقد ~~عدته بعد ذلك في مرضه ، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته يشرب حتى يبغر ~~، ثم يقيء ، ثم يعود فيشرب حتى يبغر ، فما يروى ، فما زال ذلك دأبه حتى لفظ ~~غصته " يعني نفسه . قال : فلما اشتد على الحسين ومن معه العطش دعا أخاه ~~العباس بن علي ، فبعثه في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا ، وبعث معهم بعشرين ~~قربة ، فدنوا من الماء ، وقاتلوا عليه ، حتى ملئوا القرب وعادوا بها إلى ~~الحسين . قال : ثم بعث الحسين إلى عمربن سعد أن القني الليلة بين عسكري ~~وعسكرك . وكان رسوله إليه عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري ، فخرج عمر في نحو ~~من عشرين فارسا ، وأقبل الحسين في مثل ذلك ، فلما التقيا أمر الحسين أصحابه ~~أن يتنحوا عنه ، وأمر عمر بمثل ذلك ، فتكلما ، فأطالا حتى ذهب من الليل ~~جانب ، ثم انصرف كل منهما إلى عسكره . قال : وتحدث الناس فيما بينهم ظنا ~~يظنونه أن الحسين قال لعمر بن سعد : اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع ~~العسكرين . فقال له عمر : إذن تهدم داري . قال : إذن أبنيها لك . قال : إذن ~~نؤخذ ضياعي . قال : إذن أعطيك خيرا منها في الحجاز . فكره ذلك عمر بن سعد . ~~فتحدث الناس بذلك من غير أن يكونوا سمعوه . PageV20P0268 # """""" صفحة رقم 269 """""" قال : وذكر جماعة من المحدثين أن الحسين قال ~~: اختاروا مني خصالا ثلاثا : إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه ، وإما ~~أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه ، وإما أن أسير ~~إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلا من أهله لي ما لهم وعلي ما ~~عليهم . وأنكر عقبة بن سمعان هذه المقالة وقال : " صحبت الحسين ، فخرجت معه ~~من المدينة إلى مكة ، ومن مكة إلى العراق ، ولم أفارقه حتى قتل ، وليس من ~~مخاطبته الناس كلمة إلا وقد سمعتها ، ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس ~~ويزعمون من ms4544 أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ولا أن يسيره إلى ثغر من ثغور ~~المسلمين ، ولكنه قال : دعوني أرجع من المكان الذي أقبلت منه ، أو دعوني ~~أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر : إلام يصير أمر الناس ؟ . وقيل : ~~التقى الحسين وعمر بن سعد مرارا ثلاثا أو أربعا ، فكتب عمر إلى عبيد الله ~~بن زياد : " أما بعد ، فإن الله قد أطفأ النائرة وجمع الكلمة ، وأصلح أمر ~~الأمة ، هذا الحسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى ، أو أن ~~نسيره إلى ثغر من الثغور شئنا فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما ~~عليهم ، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده فيرى فيما بينه ~~وبينه رأيه ، وفي هذا لكم رضى وللأمة صلاح " . فلما قرأ عبيد الله الكتاب ~~قال : هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق على قومه ، نعم ، قد قبلت . فقام إليه ~~شمر بن ذي الجوشن فقال : " أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك ، والله ~~لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن ~~أولى بالضعف والعجز ، فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن ، ولكن لينزل ~~على حكمك هو وأصحابه ، فإن عاقبت فأنت ولي العقوبة ، وإن عفوت كان ذلك لك ، ~~والله لقد بلغني أن الحسين وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة ~~الليل " . فقال له ابن زياد : " نعم ما رأيت ، اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن ~~سعد ، فليعرض على حسين وأصحابه النزول على حكمي ، فإن فعلوا فليبعث بهم إلى ~~سلما ، PageV20P0269 # """""" صفحة رقم 270 """""" وإن هم أبوا فليقاتلهم ، فإن فعل فاسمع له ~~وأطع ، وإن هو أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الناس وثب عليه فاضرب عنقه وابعث ~~إلي برأسه " . وكتب ابن زياد إلى عمر بن سعد : " أما بعد ، فإني لم أبعثك ~~إلى الحسين لتكف عنه ، ولا لتطاوله ، ولا لتمنيه السلامة والبقاء ، ولا ~~لتقعد له عندي شافعا ، انظر ، فإن نزل الحسين وأصحابه على الحكم واستسلموا ~~فابعث بهم إلى سلما ، وإن أبوا فازحف ms4545 إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم ، فإنهم ~~لذلك مستحقون ، فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره ، فإنه عاق مشاق ~~قاطع ظلوم ، فإن أنت ، مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن ~~أنت أبيت فاعتزل عملنا وجندنا ، وخل بين شمر وبين العسكر ، فإنا قد أمرناه ~~بأمرنا ، والسلام " . فأقبل شمر بكتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد ، فقرأه ، ~~فقال له عمر : " مالك ؟ ويلك لا قرب الله دارك ، وقبح الله ما قدمت به علي ~~والله إني لأظنك أنت الذي ثنيته أن يقبل ما كتبت به إليه ، أفسدت علينا ~~أمرا كنا نرجو أن يصلح ، لا يستسلم والله حسين أبدا ، والله إن نفسا أبية ~~لبين جنبيه " . فأقبل له شمر : أخبرني ما أنت صانع : أتمضي لأمر أميرك ~~وتقاتل عدوه وإلا فخل بيني وبين الجند والعسكر ؟ فقال : لا ، ولا كرامة لك ~~، ولكن أنا أتولى ذلك . فنهض إليه عشية الخميس لتسع مضين من المحرم . وكان ~~شمر لما قبض كتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد قام هو وعبد الله بن أبي المحل ، ~~وكانت عمته أم البنين ابنة حزام عند علي بن أبي طالب فولدت له العباس وعبد ~~الله وجعفرا وعثمان . قال عبد الله : " أصلح الله الأمير ، إن بني أختنا مع ~~الحسين ، فإن رأيت أن تكتب لهم أمانا فعلت " . فقال : نعم ونعمة عين فأمر ~~كاتبه فكتب له أمانا . فلما نهض عمر إلى الحسين جاء شمر حتى وقف على أصحاب ~~الحسين فقال : أين بنو أختنا ؟ فخرج إليه العباس وعبد الله وجعفر وعثمان ~~بنو علي ، فقالوا : مالك ؟ وما تريد ؟ قال : أنتم يا بني أختي آمنون ، ~~فقالوا له : لعنك الله ولعن أمانك لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا ~~أمان له PageV20P0270 # """""" صفحة رقم 271 """""" قال : ثم إن عمر بن سعد نادى : يا خيل الله ~~اركبي وأبشري . فركب الناس ، ثم زحف بهم نحوهم بعد صلاة العصر ، والحسين ~~جالس أمام بيته محتبيا بسيفه ، إذ خفق برأسه على ركبتيه ، وسمعت أخته ~~الصيحة . فدنت منه فأيقظته وقالت : أما تسمع الأصوات قد اقتربت فرفع الحسين ~~رأسه فقال ms4546 : إني رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في المنام ، فقال ~~لي : إنك تروح إلينا . فلطمت وجهها وقالت : واويلتاه فقال : ليس لك الويل ~~يا أخيه ، اسكتي رحمك الله وقال له العباس : يا أخي أتاك القوم . نهض ثم ~~قال : يا عباس أركب بنفسي . فقال له العباس : بل أروح أنا . فقال : اركب ~~أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم : مالكم ؟ وما بدا لكم ؟ وتسألهم عما جاء ~~بهم . فأتاهم العباس فاستقبلهم في نحو عشرين فارسا ، فقال لهم : ما بدا لكم ~~؟ وما تريدون ؟ قالوا : جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه ~~أو نناجزكم . قال : فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ~~ذكرتم . فوقفوا ، وانصرف راجعا يركض إلى الحسين فأخبره الخبر ، فقال له ~~الحسين : ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة لعلنا نصلي لربنا ~~الليلة وندعوه ونستغفره . فرجع العباس إليهم فقال : " يا هؤلاء ، إن أبا ~~عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه الليلة ، حتى ينظر في هذا الأمر ، فإن هذا ~~الأمر لم يجري بينكم وبينه فيه منطق ، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله ، ~~فإما رضيناه فأتينا الأمر الذي تسألوننا وتسومونناه ، أو كرهناه فرددناه " ~~. قال : وإنما أراد الحسين أن يردهم عنه تلك العشية حتى يأمر بأمره ويوصي ~~أهله . فاستشار عمر بن سعد شمر بن ذي الجوشن في ذلك ، فقال شمر أنت الأمير ~~والرأي رأيك : فأقبل عمر على الناس فقال : ماذا ترون ؟ فقال له عمرو بن ~~الحجاج الزبيدي : سبحان الله والله لو كان من الديلم ثم سألوك هذه المنزلة ~~لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليها . وقال قيس بن الأشعث : أجبهم إلى ما سألوك ~~فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة . فقال : والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخرتهم ~~العشية . ثم رجع عنهم . قال : وجمع الحسين أصحابه بعد ما رجع عمر بن سعد ~~عنهم فقال : " أثني على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء ، وأحمده على السراء ~~والضراء ، اللهم إني أحمدك على PageV20P0271 # """""" صفحة رقم 272 """""" أن أكرمتنا بالنبوة ، وعلمتنا القرآن ، ~~وفقهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعا ms4547 وأبصارا وأفئدة ، فاجعلنا لك من ~~الشاكرين ، أما بعد ، فإني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي ولا أهل ~~بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله جميعا عني خيرا ، ألا وإني ~~لأظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا ، ألا وإني قد أذنت لكم ، فانطلقوا جميعا ~~في حل ، ليس عليكم مني ذمام ، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ، ثم ليأخذ ~~كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ، ثم تفرقوا في البلاد ، في سوادكم ~~ومدائنكم ، حتى يفرج الله ، فإن القوم إنما يطلبونني ولو قد أصابوني لهوا ~~عن طلب غيري " . فقال له أخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر ~~: " لم نفعل ذلك ؟ لنبق بعدك لا أرانا الله ذلك أبدا " . بدأهم بهذا القول ~~العباس بن علي ، ثم تكلموا بهذا ونحوه ، فقال الحسين : يا بني عقيل ، حسبكم ~~من الفتك بمسلم ، فاذهبوا فقد أذنت لكم . قالوا : " فماذا يقول الناس ؟ ~~يقولون : أنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ، لم نرمي معهم ~~بسهم ، ولم نطعن معهم برمح ، ولم نضرب معهم بسيف ، ولا ندري ، ما صنعوا لا ~~والله لا نفعل ، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتى نرد ~~موردك فقبح الله العيش بعدك " . وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدى ، فقال : " ~~أنحن نتخلى عنك ولم نعذر إلى الله في أداء حقك ؟ أما والله لا أفارقك حتى ~~أكسر في صدورهم رمحي واضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي والله لو لم يكن ~~معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت " . وقال له سعد بن ~~عبد الله الحنفي : " والله لا نخليك ، حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيك ، والله لو علمت أني أحيا ثم أحرق ~~حيا ثم أذرى - يفعل بي PageV20P0272 # """""" صفحة رقم 273 """""" ذلك سبعين مرة - ما فارقتك حتى ألقى حمامي ~~دونك فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء ~~لها أبدا " . وقال زهير بن القين : " والله لوددت أني قتلت ثم نشرت ms4548 ثم قتلت ~~، حتى أقتل هكذا ألف قتلة ، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس ~~هؤلاء الفتية من أهل بيتك " . وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا في ~~وجه واحد ، فقالوا : " والله لا نفارقك ، ولكن أنفسنا لك الفداء ونقيك ~~بنحورنا وجباهنا وأيدينا وأبداننا فإذا نحن قتلنا وفينا وقضينا ما علينا " ~~. وهذا القول من كلام الحسين وكلامهم مروي عن زين العابدين علي بن الحسين ~~رضي الله عنهما . قال : وسمعته زينب أخته في تلك الليلة وهو في خباء له ~~يقول - وعنده حوى مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه - : يا دهر أف ~~لك من خليل . . . كم لك بالإشراق والأصيل من صاحب أو طالب قتيل . . . ~~والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الأمر إلى الجليل . . . وكل حي سالك السبيل ~~فأعاد ذلك مرتين أو ثلاثا ، فلما سمعته لم تملك لنفسها أن وثبت تجر ثوبها ~~وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت : " واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة ~~اليوم ماتت فاطمة أمي وعلي أبي وحسن أخي يا خليفة الماضي وثمال الباقي " . ~~فنظر إليها وقال : يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان . قالت : بأبي وأمي أنت ~~استقتلت نفسي فداؤك فردد غصته ، وترقرقت عيناه ، ثم قال : " لو ترك القطا ~~ليلا لنام " . PageV20P0273 # """""" صفحة رقم 274 """""" فقالت : " يا ويلتاه أفتغضب نفسك اغتصابا ؟ ~~فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي " . ثم لطمت وجهها وأهوت إلى جيبها فشقته ، ~~ثم خرت مغشيا عليه ، فقام إليها الحسين فصب على وجها الماء وقال لها : " يا ~~أخيه ، اتق الله ، وتعزي بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون ، وأن أهل ~~السماء لا يبقون ، وأن كل شيء هالك إلا وجهه ، الذي خلق الأرض بقدرته ، ~~ويبعث الخلق فيعودون وهو فرد وحده ، وأبي خير مني ، وأمي خير مني ، وأخي ~~خير مني ، ولي ولهم ولكل مسلم أسوة برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " . ~~فعزاها بهذا ونحوه ، وقال لها : " يا أخيه ، إني أقسم عليك فأبري قسمي ، أن ~~لا تشقي علي جيبا ، ولا تخمشي علي وجها ، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا ~~أنا هلكت " . ثم خرج ms4549 إلى أصحابه ، فأمرهم أن يقربوا بيوتهم بعضها إلى بعض ، ~~وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض ، وأن يكونوا هم بين البيوت ، فيستقبلوا ~~القوم من وجه واحد ، والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم . قال : ~~وقاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون . فلما صلى عمر بن سعد ~~الغداة ، وذلك يوم السبت ، وهو يوم عاشوراء ، وقيل : يوم الجمعة ، خرج فيمن ~~معه من الناس . وعبأ الحسين أصحابه بالغداة ، وكان معه اثنان وثلاثون فارسا ~~وأربعون راجلا ، فجعل زهير بن القين في ميمنته ، وحبيب بن مظهر في ميسرته ، ~~وأعطا رايته العباس أخاه ، وأمر بحطب وقصب فألقي في مكان مخفض من ورائهم ~~كأنه ساقيه كانوا عملوه في ساعة من الليل ، وأضرم فيه نارا ، لئلا يؤتوا من ~~ورائهم ، فنفعهم ذلك . وجعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي ~~، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن ، وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي ، وعلى ~~الرجال شبث بن ربعي ، وأعطى الراية ذويدا مولاه ، وجعل على ربع المدينة عبد ~~الله بن زهير الأزدي ، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس ، وعلى ~~ربع مذحج وأسد PageV20P0274 # """""" صفحة رقم 275 """""" عبد الرحمن بن أبي سبرة الحنفي ، وعلى ربع ~~تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي . فشهد هؤلاء كلهم مقتل الحسين إلا الحر ~~بن يزيد ، فأنه عدل إلى الحسين وقتل على ما نذكره . قال : ولما أقبلوا إلى ~~الحسين أمر بفسطاط فضرب ، ثم أمر بمسك ، فميث في جفنة عظيمة ، ثم دخل ~~الحسين ذلك الفسطاط واستعمل النورة ، ثم خرج فركب دابته ، ودعا بمصحف فوضعه ~~أمامه ، ورفع يديه فقال : " اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدة ، ~~وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كم من هم يضعف فيه الفؤاد ، وتقل فيه ~~الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو أنزلته بك وشكوته إليك ، رغبة ~~مني إليك عمن سواك ، ففرجته وكشفته وكفيتنيه ، فأنت ولي كل نعمة ، وصاحب كل ~~حسنة ، ومنتهى كل رغبة " . وأقبلوا نحو الحسين ، فنظروا إلى النار تضطرم في ~~الحطب والقصب ، فقال شمر ms4550 بن ذي الجوشن : يا حسين استعجلت النار في الدنيا ~~قبل يوم القيامة . فقال له الحسين : يا ابن راعية المعزة أنت أولى بها صليا ~~. ثم ركب الحسين راحلته ، وحمل ابنه عليا على فرسه " لاحق " . ذكر ما تكلم ~~به الحسين رضي الله عنه قبل إنشاب الحرب وما وعظ به الناس وما أجابوه وما ~~تكلم به أصحابه وما أجيبوا به وخبر مقتله قال : ولما ركب الحسين راحلته ~~نادى بأعلى صوته نداء يسمع جل الناس : أيها الناس ، اسمعوا قولي ، ولا ~~تعجلوني حتى أعظكم بما يحق لكم ، وحتى أعتذر لكم من مقدمي عليكم ، فإن ~~قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف كنت بذلك أسعد ولم يكن لكم على ~~سبيل ، وإن لم تقبلوا مني العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم " فأجمعوا أمركم ~~وشركاءكم ، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون " ، " إن - ~~ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين " . PageV20P0275 # """""" صفحة رقم 276 """""" ثم حمد الله وأثنى عليه ، وصلى على محمد ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وعلى ملائكة الله وأنبيائه ، ثم قال : أما بعد ، ~~فانسبوني وانظروا من أنا ؟ ثم ارجعوا إلى أنفسكم ، وعاتبوها ، فانظروا هل ~~يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول ~~المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربه ؟ أوليس حمزة سيد ~~الشهداء عم أبي ؟ أوليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين بعمي ؟ أولم يبلغكم ~~قول مستفيض فيكم أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال لي ولأخي : " ~~هذان سيدا شباب أهل الجنة " ؟ فإن صدقتموني بما أقول ، وهو الحق ، وما ~~تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله ويضر به من اختلقه ، وإن ~~كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم ، سلوا جابر بن عبد الله ~~الأنصاري أو أبا سعيد الخدري أو سهل بن سعد الساعدي أو زيد بن أرقم أو أنس ~~بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) لي ولأخي ، أما في هذا حاجز لكم عن ms4551 سفك دمي ؟ . فقال له شمر : هو يعبد ~~الله على حرف إن كان يدري ما يقول . فقال له حبيب بن مظهر : " والله إني ~~لأراك تعبد الله على سبعين حرفا ، وإني أشهد أنك صادق وأنك لا تدري ما تقول ~~، قد طبع الله على قلبك " . ثم قال الحسين : فإن كنتم في شك من هذا القول ~~أفتشكون أني ابن بنت نبيكم ؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غير ~~منكم ولا من غيركم أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ، أو مال لكم ~~استهلكته ، أو بقصاص من جراحة ؟ . PageV20P0276 # """""" صفحة رقم 277 """""" فلم يكلموه ، فنادى : " ياشبث بن ربعي ، ويا ~~حجار بن أبحر ، ويا قيس بن الأشعث ، ويا يزيد بن الحارث ، أم تكتبوا إلي أن ~~قد أينعت الثمار ، واخضر الجناب ، وطمت الجماجم ، وإنما تقدم على جند لك ~~مجند ، فاقبل . ؟ " قالوا : لم نفعل قال : " سبحان الله بلى والله لقد ~~فعلتم " . ثم قال : أيها الناس إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من ~~الأرض . فقال له قيس بن الأشعث : أولا تنزل على حكم بني عمك فإنهم لن يروك ~~إلا ما تحب ولن يصل إليك منهم مكروه . فقال له الحسين " أنت أخو أخيك ، ~~أتريد أن يطلبك بنوها هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل ؟ لا والله لا أعطيهم ~~بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد عباد الله ، إني عذت بربي وربكم أن ~~ترجمون إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب " ثم أناخ ~~راحلته ، ونزل عنها ، وأمر عقبة بن سمعان فعقلها ، وأقبلوا يزحفون نحوه . ~~فخرج زهير بن القين على فرس له شاكي السلاح ، وقال : " يا أهل الكوفة ، ~~نذار لكم من عذاب الله نذار ، إن حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم ، ونحن ~~حتى الآن أخوة ، وعلى دين واحد وملة واحدة ، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ~~، فأنتم للنصيحة أهل ، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية محمد ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لينظر ما نحن وأنتم عاملون ، إنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلا ن ~~الطاغية ابن الطاغية عبيد الله بن زياد ms4552 فإنكم لا تذكرون منهما إلا سوءا ، ~~يسملان أعينكم ، وقطعان أيديكم وأرجلكم ، ويمثلان بكم ، ويرفعانكم على جذوع ~~النخل ويقتلان أماثلكم وقراءكم ، أمثال حجر بن عدي وأصحابه ، وهانئ بن عروة ~~وأشباهه " PageV20P0277 # """""" صفحة رقم 278 """""" قال : فسبوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد ، ~~ودعوا له ، وقالوا : والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه أو نبعث به ~~وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله سلما . فقال لهم : " عباد الله ، إن ولد ~~فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية ، فإن كنتم لم تنصروه فأعيذكم بالله أن ~~تقتلوه ، خلوا بين هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية ، فلعمري إن يزيد ~~ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين " . فرماه شمر بسهم وقال : اسكت ، أسكت ~~الله نأمتك ، أبرمتنا بكثرة الكلام فقال له زهير : " يا ابن البوال على ~~عقبيه ، ما إياك أخاطب ، إنما أنت بهيمة ، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله ~~آيتين ، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم " فقال له شمر : إن الله ~~قاتلك وصاحبك عن ساعة . قال : " أفبالموت تخوفني ؟ فوالله للموت أحب إلي من ~~الخلد معكم " ثم رفع صوته وقال : " عباد الله ، لا يغرنكم من دينكم هذا ~~الجلف الجافي وأشباهه فوالله لا تنال شفاعة محمد قوما هراقوا دماء ذريته ~~وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم " فأتاه رجل من قبل الحسين فقال ~~له : " إن أبى عبد الله يقول لك : أقبل ، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح ~~قومه وأبلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع الصلح والإبلاغ " . ~~قال : ولما زحف عمر بن سعد إلى الحسين أتاه الحر بن يزيد فقال له : " أصلحك ~~الله ، أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ " قال : " إي والله ، قتالا أيسره أن تسقط ~~الرءوس وتتطيح الأيدي " قال : أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم ~~رضى ؟ قال عمر : " أما والله لو كان الأمر لي لفعلت ولكن أميرك قد أبى ذلك ~~" . فأخذ الحر يدنو من الحسين قليلا قليلا ، وأخذته رعدة ، فقال له رجل من ~~قومه يقال له " المهاجر بن أوس " . ما تريد يا ابن ms4553 يزيد ؟ أتريد أن تحمل ؟ ~~فسكت ، وأخذه مثل العرواء ، فقال له : " يا ابن يزيد ، إن أمرك لمريب والله ~~ما رأيت منك في PageV20P0278 # """""" صفحة رقم 279 """""" موقف قط مثل شيء أراه الآن ولو قيل لي : من ~~أشجع أهل الكوفة رجلا ؟ ما عدوتك فما هذا الذي أرى منك ؟ " فقال له : " إني ~~- والله - أخير نفسي بين الجنة والنار ، والله لا أختار على الجنة شيئا ولو ~~قطعت وحرقت " . ثم ضرب فرسه ، فلحق بالحسين ، فقال له : " جعلني الله فداك ~~يا ابن رسول الله ، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع ، وسايرتك في الطريق ، ~~وجعجعت بك في هذا المكان ، ووالله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم ~~يردون عليك ما عرضت عليهم أبدا ولا يبلغون منك هذه المنزلة فقلت في نفسي لا ~~أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون أني خرجت من طاعتهم ، وأما هم ~~فسيقبلون من الحسين بعض هذه الخصال التي يعرض عليهم ، ووالله لو ظننت أنهم ~~لا يقبلونها منك ما ركبتها منك وإني قد جئتك تائبا مما كان مني إلى ربي ~~مواسيا لك بنفسي حتى أموت بين يديك أفترى ذلك لي توبة ؟ " قال : نعم ، يتوب ~~الله عليك ويغفر لك . قال : فتقدم الحر ، ثم قال : " أيها الأمير ، ألا ~~تقبلون من الحسين خصلة من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه ~~وقتاله ؟ " فقال له عمر : " قد حرصت ، لو وجدت إلى ذلك سبيلا فعلت " فقال : ~~" يا أهل الكوفة ، لأمكم الهبل دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم ~~قاتلو أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه أمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم ~~به من كل ناحية ، فمنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة ، حتى يأمن ويأمن ~~أهل بيته ، فأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا ~~ومنعتموه ومن معه من ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والنصراني ~~والمجوسي ، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه ، وهاهم قد صرعهم العطش بئس ما ~~خلفتم محمدا في ذريته لا أسقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عن ms4554 ما ~~أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه " فرموه بالنبل ، فرجع حتى وقف أمام ~~الحسين . وزحف عمر بن سعد ، ثم نادى : " يا ذويد ، أذن رايتك " ثم رمى بسهم ~~وقال : اشهدوا أني أول من رمى بسهم . . ثم ارتمى الناس . PageV20P0279 # """""" صفحة رقم 280 """""" وخرج يسار مولى زياد بن أبيه وسالم مولى عبيد ~~الله بن زياد ، فقالا : من يبارز ؟ فخرج إليهم عبد الله بن عمير الكلبي ، ~~فقالا له : من أنت ؟ فانتسب لهما ، فقالا له : لا نعرفك ، ليخرج إلينا زهير ~~بن القين أو حبيب بن مظهر أو برير بن خضير . وكان يسار أمامك سالم ، فقال ~~له الكلبي : " يا ابن الزانية ، أوبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس ؟ وهل ~~يخرج إليك أحد من الناس إلا وهو خير منك ؟ " ثم حمل عليه فضربه بسيفه حتى ~~برد ، فإنه لمشتغل به يضربه إذا شد عليه سالم فلم يأبى له ، حتى غشيه فبدره ~~الضربة ، فاتقاه الكلبي بيده اليسرى فأطار أصابع كفه اليسرى ، ثم مال عليه ~~الكلبي فضربه حتى قتله . وكان الكلبي هذا قد رأى الناس من أهل الكوفة ~~بالنخيلة وهم يعرضون ليسرحوا إلى الحسين ، فقال : " والله لقد كنت على جهاد ~~أهل الشرك حريصا ، وإني لأرجو أن لا يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت ~~نبيهم أيسر ثوابا عند الله من ثوابه إياي في جهاد المشركين " فدخل على ~~امرأته أم وهب بنت عبد ، فأخبرها بما سمع وأعلمها بما يريد ، فصوبت رأيه ~~وقالت : أخرجني معك فخرج بها ليلا حتى أتى الحسين فأقام معه ، فلما قتل ~~العبدين أقبل يرتجز ويقول : إن تنكروني فأنا ابن كلب حسبي ببيتي في عليم ~~حسبي إني امرؤ ذو مرة وعصب ولست بالخوار عند النكب إني زعيم لك أم وهب ~~بالطعن فيهم مقدما والضرب ضرب غلام مؤمن بالرب فأخذت امرأته أم وهب عمودا ~~ثم أقبلت نحوه تقول له : " فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين ذرية محمد ( صلى ~~الله عليه وسلم ) " فأقبل إليها يردها نحو النساء ، وأخذت تجاذب ثوبه وقالت ~~: لن أدعك دون أن أموت معك فناداها الحسين ms4555 فقال : " جزيتم من أهل بيت خيرا ~~ارجعي رحمك الله إلى النساء فاجلسي معهن ، فإنه ليس على النساء قتال . " ~~فانصرفت إليهن . PageV20P0280 # """""" صفحة رقم 281 """""" وحمل عمرو بن الحجاج ، وهو في الميمنة ، فلما ~~دنا من الحسين جثوا له على الركب ، وأشرعوا الرماح نحوهم ، فلم تقدم خيلهم ~~على الرماح ، فذهبت الخيل لترجع ، فرشقوهم بالنبل ، فصرعوا منهم رجالا ~~وجرحوا آخرين . وجاء عبد الله بن حوزة التميمي حتى وقف أمام الحسين ، فقال ~~له : يا حسين فقال : ما تشاء ؟ قال : أبشر بالنار . قال : " كلا ، إني أقدم ~~على رب رحيم شفيع مطاع من أنت ؟ " . قال أصحابه : هذا ابن حوزة . قال : رب ~~حزه إلى النار فاضطرب به فرسه في جدول ، فوقع فيه ، وتعلقت رجله بالركاب ، ~~ونفر الفرس ، فمر به يضرب برأسه كل شجرة وحجر حتى مات ، وانقطعت فخذه وساقه ~~وقدمه . ثم برز الناس بعضهم إلى بعض ، فصاح عمرو بن الحجاج بالناس : " يا ~~حمقى ، أتدرون من تقاتلون ؟ فرسان المصر قوما مستمتين لا يبرز لهم منكم أحد ~~، فإنهم قليل ، فوالله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم " فقال عمر : " ~~صدقت ، الرأي ما رأيت " . ثم حمل عمرو بن الحجاج على الحسين من نحو الفرات ~~، فاضطربوا ساعة ، فصرع مسلم بن عوسجة الأسدي من أصحاب الحسين ، ثم مات ، ~~فترحم الحسين عليه ثم قال : " فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر وما ~~بدلوا تبديلا " . وحمل شمر بن ذي الجوشن بالميسرة على يليه من أصحاب الحسين ~~، فثبتوا له وطاعنوه ، فقتل الكلبي ، بعد أن قتل رجلين آخرين وقاتل قتالا ~~شديدا ، فكان هو القتيل الثاني من أصحاب الحسين . وقاتل أصحاب الحسين قتالا ~~شديدا ، فكانوا لا يحملون على جانب من خيل الكوفة إلا كشفوه ، فلما رأى ذلك ~~عزرة بن قيس " وهو على خيل الكوفة " بعث إلى عمر بن سعد فقال : " ألا ترى ~~ما تلقى خيلي منذ اليوم من هذه العدة اليسيرة ؟ ابعث إليهم الرجال والرماة ~~" . فقال عمر لشبث بن ربعى : تقدم إليهم . فقال : سبحان الله أتعمد إلى شيخ ~~مضر وأهل المصرعامه تبعثه في الرماة ؟ لم تجد من تندب لهذا ms4556 ويجزى عنك غيري ~~وكان لا يزالون يرون من شبث الكراهة لقتال الحسين . قال : فلما قال شبث ذلك ~~دعا عمر بن سعد الحصين بن نمير وبعث معه PageV20P0281 # """""" صفحة رقم 282 """""" المجففة وخمسمائة من المرامية ، فلما دنوا من ~~الحسين وأصحابه رشقوهم بالنبل ، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم وصاروا رجالة ~~كلهم . و قاتل الناس أشد قتال حتى انتصف النهار ، وهم لا يقدرون على أن ~~ياتوا الحسين وأصحابه إلا من وجه واحد ، لا جتماع أبنيتهم وتقارب بعضها من ~~بعض . فأرسل عمر بن سعد رجالا يقوضونها عن أيمانهم وعن شمائلهم ، ليحيطوا ~~بهم ، فكان النفر من أصحاب الحسين الثلاثة والأربعة يتخللون البيوت فيقتلون ~~الرجل وهو يقوض وينهب . فأمر بها عمر بن سعد فأحرقت ، فقال الحسين : " ~~دعوهم يحرقوها ، فانهم إذا أحرقوها لا يستطيعون أن يجوزوا منكم إليها " . ~~فكان ذلك كذلك ، وجعلوا لا يقاتلونهم إلا من وجه واحد . و خرجت أم وهب ~~امرأة الكلبي تمشي إلى زوجها ، حتى جلست عند رأسه ، فجعلت تمسح التراب عن ~~وجهه وتقول : هنيئا لك الجنة فقال شمر لغلام اسمه رستم : اضرب رأسها ~~بالعمود . فضرب رأسها ، فشدخه ، فماتت مكانها . و حمل شمر حتى بلغ فسطاط ~~الحسين ونادى : " على بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله " . فصاح النساء ~~وخرجن من الفسطاط . و صاح به الحسين ودعا عليه ، فرده شبث بن ربعي عن ذلك ، ~~وحمل زهير بن القين عشرة من أصحابه على شمر ومن معه فكشفهم عن البيوت حتى ~~ارتفعوا عنها وقتلوا أبا عزة الضبابي من أصحاب شمر ، وعطف الناس عليهم ~~فكثروهم فقال أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي للحسين : " يا أبا عبد ~~الله ، نفسي لك الفداء ، اني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك ، ولا والله لا تقتل ~~حتى أقتل دونك إن شاء الله وأحب أن ألقى ربي وقد صليت هذه الصلاة التي قد ~~دنا وقتها " فدعا له الحسين وقال : نعم هذا أول وقتها . ثم قال سلوهم أن ~~يكفوا عنا حتى نصلي . ففعلوا ، فقال لهم الحصين بن نمير : إنها لا تقبل . ~~فسبه حبيب بن مظهر ، فحمل ms4557 عليه الحصين ، وخرج إليه حبيب بن مظهر ، فضرب وجه ~~فرسه بالسيف ، فشب ، فسقط عنه الحصين ، فاستنقذه أصحابه ، وقاتل حبيب قتالا ~~شديدا ، فقتل بديل به صريم التميمي ، وحمل عليه آخر من تميم ، فطعنه ، فوقع ~~، فذهب ليقوم ، فضربه الحصين على رأسه بالسيف ، فوقع ، فنزل إليه التميمي ~~فاحتز رأسه . PageV20P0282 # """""" صفحة رقم 283 """""" فقال حسين عند ذلك : أحتسب نفسي وحماة أصحابي ~~وحمل الحر بن يزيد وزهير بن القين فقاتلا قتالا شديدا ، فقتل الحر ، وقتل ~~أبو ثمامة الصائدي ابن عم له كان عدوه . ثم صلى الحسين صلاة الظهر بأصحابه ~~صلاة الخوف ، ثم اقتتلوا بعد الظهر ، فاشتد قتالهم ، ووصل الحسين فاستقدم ~~سعد بن عبد الله الحنفي لأمامه ، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل حتى سقط ، ~~وقاتل زهير بن القين قتالا شديدا وجعل يقول : أنا زهير وأنا ابن القين ~~أزودهم بالسيف عن حسين و جعل يضرب على منكب الحسين ويقول : أقدم هديت هاديا ~~مهديا فاليوم تلقى جدك النبيا و حسنا والمرتضى عليا و ذا الجناحين الفتى ~~الكميا و أسد الله الشهيد الحيا قال : فحمل على زهير الكثير بن عبد الله ~~الشعبي ومهاجر بن أوس فقتلاه . قال : وكان نافع بن هلال البجلي قد كتب اسمه ~~على أفواق نبله ، وكانت مسمومة ، فقتل بها اثنى عشر رجلا سوى من جرح ، فضرب ~~حتى كسرت عضداه ، وأخذ أسيرا ، فأتى به شمر عمر ابن سعد والدم يسيل على ~~لحيته ، فقال له عمر : " ويحك يا نافع ما حملك على ما صنعت بنفسك ؟ " قال : ~~" ان ربي يعلم ما أردت PageV20P0283 # """""" صفحة رقم 284 """""" والله لقد قتلت منكم اثنى عشر سوى من جرحت ، ~~وما ألوم نفسي ، ولو بقي لي عضد وساعد ما أسرتموني " فقال له شمر : اقتله ~~أصلحك الله . قال : أنت جئت به ان شئت فاقتله ، فانتضى شمر سيفه ، فقال له ~~نافع : " أما والله لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا ~~فالحمد لله الذي جعل منايانا على يد شرار خلقه " فقتله . ثم حمل شمر على ~~أصحاب الحسين ، فلما رأوا أنهم قد كثروا وأنهم لا يقدرون على ms4558 أن يمنعوا ~~الحسين تنافسوا أن يقتلوا بين يديه ، فجاءه عبد الله وعبد الرحمن ابنا عزرة ~~الغفاريان فقالا : قد جازنا العدو إليك فأحببنا أن نقتل بين يديك فرحب بهما ~~، وقال : ادنوا مني فدنوا منه ، فجعلا يقاتلان قريبا منه . و جاءه الفتيان ~~الجابريان : سيف بن الحارث بن سريع ومالك ابن عبد بن سريع ، وهما ابنا عم ~~وأخوان لأم ، وهما يبكيان ، فقال : " ما يبكيكما ؟ والله إني لأرجو أن ~~تكونا عن ساعة قريري عين " قالا : " والله ما على أنفسنا نبكي ، ولكنا نبكي ~~عليك نراك قد أحيط بك ولا نقدر أن نمنعك " . فقال : جزاكما الله خيرا . و ~~جاء حنظلة بن أسعد الشبامي فوقف بين يدي الحسين ، وجعل ينادي : يا قوم ، ~~اني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ، مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود واللذين من ~~بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ، ويا قوم اني أخاف عليكم يوم التناد ، ~~يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ، ومن يضلل الله فما له من هاد ، ~~يا قوم لا تقتلوا الحسين فيسحتكم الله بعذاب " رحمك الله انهم قد استوجبوا ~~العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق ونهضوا إليك ليستبيحوك ، فكيف ~~بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين ؟ " . قال : رح إلى خير من الدنيا وما ~~فيها وإلى ملك لا يبلى . فسلم على الحسين واستقدم فقاتل حتى قتل . ثم ~~استقدم الفتيان الجابريان ، فودعا حسينا ، وقاتلا حتى قتلا . و جاء عابس بن ~~أبي شبيب الشاكري وشوذب مولى شاكر إلى الحسين ، فسلما عليه ، وتقدما فقاتلا ~~، فقتل شوذب ، وتقدم عابس نحوهم بالسيف ، و به ضربة على جبينه ، وكان أشجع ~~الناس ، فجعل ينادي : " ألا رجل لرجل ؟ " . فعرفه ربيع بن تميم الهمداني ، ~~فقال : " أيها الناس ، هذا الأسد الأسود ، هذا ابن أبي شبيب ، لا يخرجن ~~PageV20P0284 # """""" صفحة رقم 285 """""" إليه أحد منكم " . فقال عمر بن سعد : ارضخوه ~~بالحجارة . فرموه من كل جانب ، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره ثم شد على ~~الناس ، فهزمهم بين يديه ، ثم عطفوا عليه من كل جانب ، فقتلوه ، فادعى قتله ~~جماعة وأتوا ms4559 ابن سعد ، فقال : " لا تختصموا هذا لم يقتله إنسان واحد " . ~~ففرق بينهم بهذا القول . و جاء أبو الشعثاء يزيد بن أبي زياد الكندي ، وكان ~~راميا ، فجثا على ركبتيه بين يدي الحسين فرمى بمائة سهم ما سقط منها خمسة ~~أسهم ، وكان يزيد هذا ممن خرج مع عمر بن سعد ، فلما ردوا ما عرض عليهم ~~الحسين عدل إليه ، فقاتل حتى قتل . و كان آخر من تبقى مع الحسين من أصحابه ~~سويد بن عمرو ابن أبي المطاع الخثعمى . و كان أول قتيل من بني أبي طالب ~~يومئذ علي الأكبر ابن الحسين ، وأمه ليلى ابنة أبي مرة بن عروة بن مسعود ~~الثقفية ، وذلك أنه حمل على الناس وهو يقول : أنا علي بن الحسين بن علي نحن ~~ورب البيت أولى بالنبي تا الله لا يحكم فينا ابن الدعي فعل ذلك مرارا وهو ~~يشد على الناس بسيفه ، فاعترضه مرة بن منقذ بن النعمان العبدي ، وطعنه ، ~~فصرع ، وقطعه الناس بأسيافهم ، فقال الحسين : " قتل الله قوما قتلوك يا بني ~~ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفاء " ~~وأقبل الحسين إليه ومعه فتيانه فقال : احملوا أخاكم . فحملوه حتى وضعوه بين ~~يدي الفسطاط الذين كانوا يقاتلون أمامه . وشد عثمان بن خالد الجهني وبشر بن ~~سوط الهمذاني على عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب فقتلاه ، ورمى عبد الله ~~بن عزرة الخثعمي جعفر بن عقيل بن أبي طالب فقتله ، ورمى صبيح الصدائي عبد ~~الله بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع كفه على جبهته فلم يستطيع أن يحركها ثم ~~رماه بسهم آخر فقتله . PageV20P0285 # """""" صفحة رقم 286 """""" وحمل الناس عليهم من كل جانب ، فحمل عبد الله ~~بن قطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر فقتله ، وحمل القاسم بن الحسن ~~بن علي فحمل عليه عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي ، فضرب رأسه بالسيف فوقع ~~القاسم إلى الأرض لوجهه ، وقال : يا عماه فانقض الحسين إليه كالصقر ، ثم شد ~~شدة ليث أغضب ، فضرب عمرا بالسيف ، فاتقاه بالساعد ، فقطع يده من ms4560 المرفق ، ~~فصاح ، وحملت خيل الكوفة ليستنقذوا عمرا ، فاستقبلته بصدورها ، وجالت عليه ~~بفرسانها ، فوطئته حتى مات ، وانجلت الغبرة والحسين قائم على رأس القاسم ~~وهو يفحص برجليه ، والحسين يقول : " بعدا لقوم قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة ~~فيك جدك " ثم قال : " عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك ، وأن يجيبك فلا ~~ينفعك صوت والله كثر واتره وقل ناصره " ثم احتمله على صدره حتى القاه مع ~~ابنه علي ومن قتل من أهل بيته . قال : ومكث الحسين طويلا من النهار ، كلما ~~انتهى إليه رجل من الناس انصرف عنه وكره أن يتولى قتله وعظيم إثمه ، فأتاه ~~رجل من كندة يقال له " مالك بن النسير " فضربه على رأسه بالسيف ، فقطع ~~البرنس ، وأدمى رأسه ، وامتلأ البرنس دما ، فقال له الحسين : " لا أكلت بها ~~ولا شربت وحشرك الله مع القوم الظالمين " وألقى ذلك البرنس ، ثم دعا ~~بقلنسوة فلبسها واعتم ، وجاء الكندي فأخذ البرنس وكان من خز ، فقدم به على ~~امرأته ، وأقبل يغسله من الدم ، فقالت له : " أسلب ابن بنت رسول الله يدخل ~~بيتي ؟ أخرجه عني " فلم يزل ذلك الرجل فقيرا بشر حتى مات . قال : ودعا ~~الحسين بابنه عبد الله وهو صغير ، فأجلسه لفي حجره فرماه رجل من بني أسد ~~بسهم فذبحه ، فأخذ الحسين دمه بيده فصبه بالأرض ، ثم قال : " اللهم ربي إن ~~كنت حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير ، وانتقم من هؤلاء ~~الظالمين " ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا البكر بن الحسين بسهم فقتله ، ~~وقتل إخوة الحسين وهم العباس وعبد الله وجعفر وعثمان . قال : واشتد عطش ~~الحسين ، فدنا من الفرات ليشرب فقال رجل من بني أبان بن درام : " ويلكم ~~حولوا بينه وبين الماء " ، وضرب فرسه ، واتبعه الناس حتى حال بينه وبين ~~الفرات ، فقال الحسين : اللهم أظمئه وانتزع الأبانى سهما فأثبته في حنك ~~الحسين ، PageV20P0286 # """""" صفحة رقم 287 """""" فانتزع الحسين السهم ، ثم بسط كفيه فامتلأ ~~دما ، فقال اللهم إني أشكو إليكما يفعل بابن بنت نبيك ، اللهم أحصهم عددا ~~واقتلهم بددا ، ولا تبق منهم أحدا ، وقيل ms4561 أن الذي رماه حصينا بن نمير ، قال ~~: فما مكث الذي رماه إلا يسيرا ، ثم صب الله عليه الظمأ فجعل لا يروى ، ~~والماء يبرد له فيه السكر ، وعساس فيها لبن ، وقلال فيها الماء ، وإنه ~~ليقول : ويلكم ، اسقوني ، قتلني الظمأ ، فيعطى القلة والعس فيشربه ، فما ~~لبث إلا يسيرا حتى انقد بطنه انقداد بطن البعير . قال : ثم إن شمر بن ذي ~~الجوشن أقبل في نحو عشرة من رجاله أهل الكوفة قبل منزل الحسين الذي فيه ~~أهله وعياله ، فمشى نحوهم فحالوا بينه وبين رحله ، فقال : ويلكم ، إن لم ~~يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا في دنياكم أحرارا ذوي أحساب ~~، امنعوا رحلي وأهلي من طعامكم وجهالكم . قال شمر : ذلك لك يا ابن فاطمة ، ~~وأقدم شمر عليه بالرجالة منهم أبو الجنوب عبد الرحمن الجعفي ، وصالح بن وهب ~~اليزني ، وسنان بن أنس النخعي ، وخولى بن يزيد الأصبحي ، وجعل شمر يحرضهم ~~على الحسين ، وهو يحمل عليهم فينكشفون عنه ، ثم أحاطوا به ، وأقبل إلى ~~الحسين غلام من أهله ، فأخذته زينب بنت علي لتحبسه ، فأبى الغلام ، وجاء ~~يشتد حتى قام إلى جنب الحسين ، وقد أهوى ابن كعب بن عبيد الله " من بني تيم ~~الله بن ثعلبة " إلى الحسين بالسيف ، فقال له الغلام : يا ابن الخبيثة ~~أتقتل عمي ؟ فضربه بالسيف فاتقاه الغلام بيده ، فأطنها إلى الجلدة ، فنادى ~~الغلام : يا أمتاه ، فضمه الحسين إليه وقال : " يا ابن أخي اصبر على ما نزل ~~بك ، واحتسب في ذلك الخير ، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين ، برسول الله ~~صلى عليه وسلم ، وعلى حمزة وجعفر والحسن " ثم قال الحسين : " اللهم أمسك ~~عنهم قطر السماء ، وامنعهم بركات الأرض ، اللهم فإن متعتهم إلى حين ففرقهم ~~فرقا ، واجعلهم طرائق قددا ، ولاترضي عنهم الولاة أبدا ، فإنهم دعونا ~~لينصرونا ، فعدوا علينا فقتلونا " ثم ضارب الرجالة حتى انكشفوا عنهم . ~~PageV20P0287 # """""" صفحة رقم 288 """""" قال : ودنا عمر بن سعد من الحسين فخرجت زينب ~~بنت علي أخت الحسين فقالت : يا عمر أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ؟ ~~فجعلت دموع عمر تسيل على ms4562 خديه ولحيته ، وصرف وجهه عنها . ومكث الحسين طويلا ~~من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا ، ولكنهم كان يتقى بعضهم ببعض ، ~~ويحب هؤلاء أن يكفهم هؤلاء ، فنادى شمر بن أبي الجوشن في الناس ، ويحكم ، ~~ما تنتظرون بالرجل ؟ اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم فحملوا عليه من كل جانب ، فضرب ~~زرعة بن شريك كفه اليسرى ، وضرب على عاتقه ثم انصرفوا عنه وهو يقوم ويكبو ، ~~وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس النخعي فطعنه بالرمح فوقع ، وقال لخولى ~~بن يزيد الأصبحي احتز رأسه ، فأراد أن يفعل فضعف وأرعد ، فقال له سنان : فت ~~الله عضدك ، وأبان يدك ، ونزل إليه فذبحه وأخذ رأسه فدفعه إلى خولى . وسلب ~~الحسين ما كان عليه ، فأخذ سراويله بحر بن كعب ، فكانت يداه في الشتاء ~~تضخان الماء ، وفي الصيف تيبسان كأنهما عود ، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته ~~وهي من خز ، فكان يسمى بعد " قيس قطيفة " . وأخذ نعليه الأسود الأودي ، ~~وأخذ سيفه رجل من بني نهشل . ومال الناس على الورس والحلل والإبل فانتهبوها ~~، وانتهبوا ثقله ومتاعه وما على النساء ، حتى إن كانت المرأة لتنازع ثوبها ~~فيؤخذ منها . ووجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة ، وأربع وثلاثون ضربة ، وكان ~~سويد بن أبي المطاع قد صرع ، فوقع بين القتلى مثخنا بالجراح ، فسمعهم ~~يقولون : قتل الحسين فوجد خفة فوثب ومعه سكين فقاتلهم بها ساعة ، ثم قتله ~~عروة بن بطان الثعلبي ، فكان آخر قتيل من أصحاب الحسين . قال : وانتبهوا ~~إلى علي بن الحسين وهو زين العابدين ، فأراد شمر قتله وكان مريضا فمنعه ~~حميد بن مسلم ، وجاء عمر بن سعد فقال : لايدخلن بيت هؤلاء النسوة أحد ، ~~ولايعرضن لهذا الغلام المريض ، ومن أخذ من متاعهم شيئا فليردده عليهم ، فما ~~رد أحد شيئا ، فقال الناس لسنان بن أنس : " قتلت حسين بن علي وابن فاطمة ~~بنت رسول الله ، قتلت أعظم الناس خطرا ، أراد أن يزيل ملك هؤلاء ، فأت ~~أمراءك فاطلب PageV20P0288 # """""" صفحة رقم 289 """""" ثوابك منهم ، فإنهم لو أعطوك بيوت أموالهم في ~~قتله كان قليلا " فأقبل على فرسه حتى وقف على باب فسطاط ms4563 عمربن سعد ، ثم ~~نادى بأعلى صوته : أوقر ركابي فضة وذهبا . . . أنا قتلت السيد المحجبا قتلت ~~خير الناس أما وأبا . . . وخيرهم إذ ينسبون نسبا فقال عمر بن سعد : أشهد ~~أنك مجنون ، أدخلوه ، فلما دخل حذفه بالقضيب وقال : يا مجنون أتنظم بهذا ~~الكلام ؟ لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك . وقيل : أنه قال ذلك لعبد الله بن ~~زياد ، فقال : فإن كان خير الناس أما وأبا فلم قتلته ؟ وأمر به فضربت عنقه ~~، خسر الدنيا والآخرة . ذكر تسمية من قتل مع الحسين بن علي رضي الله عنهما ~~ومن سلم ممن شهد القتال قال : ولما قتل الحسين جاءت كندة بثلاثة عشر رأسا ~~وصاحبهم قيس بن الأشعث ، وجاءت هوازن بعشرين رأسا ، وصاحبهم شمر بن الجوشن ~~، وجاءت بنو تميم بسبعة عشر رأسا ، وجاءت بنو أسد بستة ، وجاءت مذحج بسبعة ~~، وجاء سائر الجيش بسبعة ، فذلك سبعون راسا . منهم أخوة الحسين ستة ، وهم : ~~العباس ، وجعفر ، وعبدالله ، وعثمان ، ومحمد " وهو ليس ابن الحنفية " ، ~~وأبو بكر ، أولاد علي بن أبي طالب . ومن أولاد الحسين : علي ، وأمه ليلى ~~بنت أبي مرة بن عروة الثقفي ، وعبد الله ، وأمه الرباب ابنة امرئ القيس ~~الكلبي . ومن أولاد الحسن بن علي ثلاثة : وهم أبو بكر ، وعبد الله ، ~~والقاسم . ومن أولاد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب : عون ، ومحمد . ومن ~~أولاد عقيل بن أبي طالب : جعفر ، وعبد الرحمن ، وعبد الله ، ومسلم بالكوفة ~~. ومن موالي الحسين : سليمان ، ومنجح . PageV20P0289 # """""" صفحة رقم 290 """""" وتكملة من قتل ممن اتبعه ، وقد ذكرنا بعضهم ~~بأسمائهم في أثناء هذه القصة . وأما من سلم منهم : فالحسن بن الحسن ، وعمرو ~~بن الحسن لصغرهما ، وعلي بن الحسين لمرضه ، والضحاك بن عبد الله المشرقي ، ~~وذلك أنه جاء إلى الحسين فقال : " يا أبن رسول الله ، قد أني قلت لك : إني ~~أقاتل عنك ما رأيت مقاتلا ، فإذا لم أر مقاتلا فأنا في حل من الانصراف " ~~فقال له الحسين : " صدقت ، وكيف لك بالنجاة ؟ إن قدرت عليه فأنت في حل " ~~وذلك بعد أن فني أصحاب الحسين ، قال الضحاك : فأقبلت إلى فرسي وكنت ms4564 قد ~~تركته في خباء حيث رأيت خيل أصحابنا تعقر ، وقاتلت راجلا ، فقتلت رجلين ، ~~وقطعت يد آخر ، ودعا لي الحسين مرارا قال : فاستخرجت فرسي واستويت عليه ، ~~وحملت على عرض القوم فأفرجوا لي ، وتبعني منهم خمسة عشر رجلا ، ففتهم ، ~~فسلمت . ومنهم عقبة بن سمعان مولى الرباب ابنة امرئ القيس الكلبية امرأة ~~الحسين ، أخذه عمر بن سعد فقال : ما أنت ؟ فقال : أنا عبد مملوك فخلى سبيله ~~، فنجا ومنهم الرقع بن تمامة الأسدي ، وكان قد نثر نبله فقاتل فجاءه نفر من ~~قومه فأمنوه ، فخرج إليهم فلما أخبر بن زيادة به نفاه إلى الزارة . ذكر ما ~~كان بعد مقتل الحسين مما هو متعلق بهذه الحادثة قال ولما قتل الحسين نادى ~~عمر بن سعد في أصحابه : من ينتدب للحسين فيوطئه فرسه ، فانتدب له عشرة ، ~~منهم إسحاق بن حيوة الحضرمي ، وهو الذي سلب قميص الحسين فبرص بعد ذلك ، ~~فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره . قال : ودفن جثة الحسين وجثث ~~أصحابه أهل الغاضرية من بني أسد بعد ما قتلوا بيوم . وقتل من أصحاب بن سعد ~~ثمانية وثمانون رجلا سوى الجرحى ، فصلى عليهم عمر ودفنهم . PageV20P0290 # """""" صفحة رقم 291 """""" قال : وسرح عمر برأس الحسين من يومه ذلك مع ~~خولي بن يزيد وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد ، فأقبل به خولي ~~فوجد باب القصر مغلقا ، فأتى منزله فوضعه تحت إجانة في الدار ، ثم دخل ~~البيت فأوى إلى فراشه ، فقالت له امرأته وهي النوار بنت مالك الحضرمية : ما ~~الخبر ؟ قال : جئتك بغنى الدهر ، هذا رأس الحسين معك في الدار ، قالت : قلت ~~ويلك جاء الناس بالذهب والفضة وجئت برأس ابن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، والله لا يجمع رأسي ورأسك بيت أبدا ، قالت : فقمت من فراشي فخرجت ~~وجلست أنظر ، فو الله ما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى ~~الإجانة ، ورأيت طيرا بيضا ترفرف عليها ، فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيد ~~الله بن زياد . وقيل : بل الذي حمل الرأس شمر بن ذي الجوشن ، وقيس ابن ms4565 ~~الأشعث ، وعمرو بن بن الحجاج ، وعزرة بن قيس ، فجلس بن زياد ، وأذن للناس ~~فأحضرت الرؤوس بين يديه ، فجعل ينكت بقضيب بين ثنيتي الحسين ، فلما رآه زيد ~~بن أرقم لا يرفع قضيبه ، قال له : اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين ، فو ~~الله الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على ~~هاتين الشفتين يقبلهما ثم بكى ، فقال له ابن زياد : أبكى الله عينيك ، ~~فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك . فخرج وهو يقول : أنتم ~~يا معشر العرب العبيد بعد اليوم ، قتلتم ابن فاطمة أمرتم ابن مرجاتة ، فهو ~~يقتل خياركم ويستعبد شراركم ، فرضيتم بالذل فبعدا لمن رضي بالذل قال : ~~وأقام عمر بن سعد يومه هذا والغد ، ثم أذن في الناس بالرحيل إلى الكوفة ، ~~وحمل معه بنات الحسين وأخواته ، ومن كان معه من الصبيان ، لاوعلي بن الحسين ~~مريض ، فاجتازوا به على الحسين وأصحابه صرعى ، فصاح النساء ولطمن الخدود ، ~~وصاحت زينب أخته : " يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء ، هذا حسين بالعراء ~~مرمل بالدماء مقطع الأعضاء يا محمداه وبناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفى عليها ~~الصبى " فأبكت كل عدو وصديق . PageV20P0291 # """""" صفحة رقم 292 """""" قال : ولما أدخلوا على عبيد الله لبست زينب ~~أرذل ثيابها وتنكرت ، وحف بها إماؤها ، فقال عبيد الله : من هذه الجالسة ؟ ~~فلم تكلمه حتى قال ذلك ثلاثا وهي لا تكلمه ، فقال بعض إمائها : هذه زينب ~~بنت فاطمة ، فقال لها ابن زياد : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب ~~أحدوثتكم ، فقالت : الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وطهرنا تطهيرا لا كما تقول ، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، قال : فكيف ~~رأيت صنع الله بأهل بيتك ؟ قالت : كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، ~~وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتخاصمون عنده ، فغضب ابن زياد ~~واستشاط ، ثم قال لها : قد شفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل ~~بيتك ، فبكت ثم قالت : لعمري لقد قتلت كهلي وأبرزت أهلي وقطعت فرعي واجتثثت ~~أصلي ، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت ms4566 ، فقال لها عبيد الله : هذه شجاعة فلعمري ~~لقد كان أبوك شجاعا ، قالت : ما للمرأة والشجاعة ؟ إن لي عن الشجاعة لشغلا ~~، ونظر عبيد الله إلى علي بن الحسين فقال له : ما اسمك ؟ قال أنا علي بن ~~الحسين ، قال : أولم يقتل الله علي بن الحسين ، فسكت ، فقال له ابن زياد ما ~~لك لا تتكلم ؟ قال : قد كان لي أخ يقال له علي فقتله الناس ، قال : إن الله ~~قتله ، فسكت علي ، فقال : مالك لا تتكلم ؟ قال : الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها . وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله . قال : أنت والله منهم ، ثم ~~قال لرجل : والله إني لأحسبه رجلا ، فكشف عنه مري بن معاذ الأحمري فقال : ~~نعم قد أدرك ، قال اقتله ، فقال علي : من توكل بهؤلاء النسوة ، وتعلقت به ~~زينب عمته ، فقالت : يا ابن زياد حسبك منا أما رويت من دمائنا ؟ وهل أبقيت ~~منا أحدا ؟ واعتنقته وقالت : أسألك بالله إن كنت مؤمنا إن قتلته لما قتلتني ~~معه ، وقال علي : يا ابن زياد إن كان بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلا ~~تقيا يصحبهن بصحبة الإسلام . فنظر إليهن ساعة ثم نظر إلى القوم فقال : يا ~~عجبا للرحم والله إني أظنها ودت لو أني قتلته أني قتلتها معه ، دعوا الغلام ~~، انطلق مع نسائك . PageV20P0292 # """""" صفحة رقم 293 """""" ثم نودي : " الصلاة جامعة " فاجتمع الناس في ~~المسجد الأعظم فصعد ابن زياد المنبر ، فقال : الحمد لله الذي أظهر الحق ~~وأهله ، ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه ، وقتل الكذاب ابن الكذاب ~~الحسين بن علي وشيعته ، فوثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ، وكان من شيعة ~~علي ، وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع علي ، والأخرى بصفين معه ، وكان ~~لا يكاد يفارق المسجد الأعظم ، يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف ، فقال : يا ~~ابن مرجانة إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك ، والذي ولاك وأبوه ، يا ابن ~~مرجانة تقتلون أبناء النبيين ، وتكلمون بكلام الصديقين ، فقال ابن زياد : ~~علي به ، فوثبت عليه الجلاوزة فأخذوه ، فنادى بشعار الأزد " يا مبرور " ~~فوثبت إليه فئة من ms4567 الأزد ، فانتزعوه ، وأتوا به أهله ، فأرسل إليه من أتاه ~~به فقتله ، ثم أمر بصلبه في السبخة فصلب . قال : وأمر ابن زياد برأس الحسين ~~فطيف به في الكوفة . قال : ثم أرسل ابن زياد رأس الحسين ورؤوس أصحابه مع ~~زحر ابن قيس إلى يزيد بن معاوية ومعه جماعة ، وقيل : مع شمر وجماعة ، وأرسل ~~معهم النساء والصبيان ، وفيهم علي بن الحسين ، وقد جعل ابن زياد الغل في ~~يديه وعنقه ، وحملهم على الأقتاب ، فلم يكلمهم علي في الطريق ، فدخل زحر بن ~~قيس على يزيد فقال له : ما وراءك ويلك وما عندك ؟ قال : أبشر يا أمير ~~المؤمنين بفتح الله عليك ونصره ، ورد علينا الحسين بن على مع ثمانية عشر من ~~أهل بيته وستين من شيعته ، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على ~~حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال ، فاختاروا القتال ، فغدونا عليهم ~~مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية ، حتى أخذت السيوف مأخذها من هام ~~القوم ، فجعلوا يهربون إلى غير وزر ، ويلوذون منا بالآكام والحفر لواذا كما ~~لاذ الحمائم من صقر ، فو الله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جزر جزور ، أو ~~نومة قائل حتى أتينا على آخرهم ، فهاتيك أجسادهم PageV20P0293 # """""" صفحة رقم 294 """""" مجردة ، وثيابهم مرملة ، وخدودهم معفرة ، ~~تصهرهم الشمس وتسفى عليهم الريح ، زوارهم العقبان والرخم بقي سبسب . قال : ~~فدمعت عينا يزيد وقال : كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين ، لعن الله ابن ~~سمية ، أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه ، فرحم الله الحسين . قال : ولما ~~وصل علي بن الحسين ومن معه والرأس إلى دمشق ، وقف محفر بن ثعلبة العائذي ، ~~وكان عبيد الله قد تركهم معه ومع شمر على باب يزيد بن معاوية ، ثم رفع صوته ~~وقال : هذا محفر ابن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة ، فأجابه يزيد ~~ما ولدت أم محفر شر وألأم ، ولكنه قاطع ظلوم ، ثم دخلوا على يزيد فوضعوا ~~الرأس بين يديه وحدثوه ، فسمعت الحديث هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز ، ~~وكانت تحت يزيد ، فتقنعت بثوبها وخرجت ms4568 فقالت : يا أمير المؤمنين رأس الحسين ~~بن فاطمة بنت رسول الله ؟ قال : نعم فأعولي عليه وحدي على ابن بنت رسول ~~الله وصريحة قريش ، عجل عليه ابن زياد فقتله ، قتله الله ، ثم أذن للناس ~~فدخلوا عليه ، والرأس بين يديه ، ومعه قضيب وهو بنكت في ثغره ، ثم قال : إن ~~هذا وأنا كما قال الحصين بن الحمام : أبي قومنا أن ينصفونا فأنصف . . . ~~قواضب في أيماننا تقطر الدما نفلق هاما من رجال العزة . . . علينا وهم ~~كانوا أعق وأظلما فقال أبو برزة الأسلمي : " أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين ؟ ~~أما لقد أخذ قضيبك في ثغره مأخذا لربما رأيت رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يرشفه ، أما إنك يا يزيد تجئ يوم القيامة وابن زياد شفيعك ويجئ هذا ~~ومحمد شفيعه " ثم قام فولى . فقال يزيد : يا حسين PageV20P0294 # """""" صفحة رقم 295 """""" والله لو أن صاحبك ما قتلتك ، ثم قال : " ~~أتدرون من أين أتى هذا ؟ " قال : أبي خير من جده ، وأمي فاطمة خير من أمه ، ~~وجدي رسول الله خير من جده ، وأنا خير منه ، وأنا أحق بهذا الأمر منه ، ~~فأما قوله : أبوه خير من أبي فقد حاج أبي أباه إلى الله وعلم الناس أيهما ~~حكم له ، وأما قوله : أمي خير من أمه ، فلعمري فاطمة بنت رسول الله خير من ~~أمي ، وأما قوله جدي رسول الله خير من جده ، فلعمري ما أحد يؤمن بالله ~~واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عدلا ولاندا ، ولكنه إنما أتى من قبل ~~فقهه ، ولم يقرأ " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء " . قال : ثم ~~أدخل نساء الحسين عليه والرأس بين يديه ، فجعلت فاطمة وسكينة ابنتا الحسين ~~تتطاولان لتنظرا إلى الرأس ، وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما الرأس ، فلما ~~رأين الرأس صحن ، فصاح نساء يزيد وولولن وبنات معاوية ، فقالت فاطمة بنت ~~الحسين وكانت أكبر من سكينة : أبنات رسول الله سبايا يا يزيد ؟ فقال : يا ~~ابنة أخي أنا لهذا كنت أكره ، فقام رجل من أهل الشام فقال : هب لي هذه ، ~~يعني فاطمة بنت علي ، فأخذت بثياب أختها ms4569 زينب وكانت أكبر منها ، فقالت زينب ~~كذبت ولو مت ، ما ذلك لك ولا له ، فغضب يزيد وقال : كذبت والله إن ذلك لي ، ~~ولو شئت أن أفعله لفعلته ، قالت : كلا والله ما جعل الله ذلك لك ، إلا أن ~~تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا فغضب يزيد واستطار ، ثم قال : إياي ~~تستقبلين بهذا ، إنما خرج من الدين أبوك وأخوك ، قالت زينب : بدين الله ~~ودين أبي وأخي اهتديت أنت وأبوك وجدك ، قال : كذبت عدوة الله ، قالت أنت ~~أمير تشتم ظالما وتقهر بسلطانك ، فاستحى وسكت ، ثم أخرجن وأدخلن دور يزيد ~~فلم تبق امرأة من آل يزيد إلا أتتهن وأقمن المأتم ، وسألهن عما أخذ منهن ~~فأضعفه لهن ، وكانت سكينة تقول : ما رأيت كافرا بالله خيرا من يزيد بن ~~معاوية . قال : ثم أمر بعلي بن الحسين فأدخل مغلولا ، فقال : لو رآنا رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) مغلولين لفك عنا ، قال : صدقت ، وأمر بفك غله ~~عنه ، فقال علي : لو رآنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على بعد لأحب ~~أن يقربنا ، فأمر به فقرب منه ، وقال له يزيد : يا علي أبوك الذي قطع رحمي ~~وجهل حقي ونازعني سلطاني فصنع الله به ما رأيت . فقال علي : " ما أصاب من ~~مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها PageV20P0295 # """""" صفحة رقم 296 """""" إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما ~~فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور " فقال يزيد : " ما ~~أصابكم مصيبة فبما كسبت أيديكم " ثم سكت عنه ، وأمر بإنزاله وإنزال نسائه ~~في دار على حدة ، وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا دعا عليا عليه ، فدعاه ~~يوما فجاء ومعه عمرو بن الحسن وهو غلام صغير ، فقال يزيد لعمرو : أتقاتل ~~هذا ؟ يعني خالدا ابنه ، فقال : أعطني سكينا وأعطه سكينا حتى أقاتله ، فضمه ~~يزيد إليه وقال : شنشنة أعرفها من أخزم ، وهل تلد الحية إلا حية ؟ وقيل : ~~لما وصل رأس الحسين إلى يزيد حسنت حال ابن زياد عنده ، ووصله ، وسره ms4570 ما فعل ~~، ثم لم يلبس إلا يسيرا حتى بلغه بغض الناس له ، ولعنهم إياه ، وسبهم ، ~~فندم على قتل الحسين وكان يقول : " وما علي لو احتملت الأذى وأنزلت الحسين ~~معي في داري وحكمته في ما يريد ، وإن كان علي من ذلك وهن في سلطاني ، حفظا ~~لرسول الله ورعاية لحقه وقرابته ، لعن الله ابن مرجانة ، فإنه اضطره ، وقد ~~سأله أن يضع يده في يدي ، أو يلحق بثغر حتى يتوفاه الله ، فلم يجبه إلى ذلك ~~، وقتله ، فبغضني بقتله إلى المسلمين ، وزرع في قلوبهم العداوة ، فأبغضني ~~البر والفاجر بما استعظموه من قتلي حسينا ، ما لي ولابن مرجانة لعنه الله ~~وغضب عليه " . قال : ثم ندم ابن زياد أيضا على قتله الحسين ، وقال لعمر بن ~~سعد : يا عمر ائتني بالكتاب الذي كتبته إليك في قتل الحسين ؟ قال : مضيت ~~لأمرك وضاع الكتاب ، قلب : لتجئ به ، قال : ضاع ، قال : لتجئ به ، قال : ~~ترك ولله يقرأ على عجائز قريش بالمدينة اعتذارا إليهن ، أما والله نصحتك في ~~حسين نصيحة لو نصحتها أبي سعد ابن أبي وقاص لكنت قد أديت حقه " فقال عثمان ~~بن زياد : " صدق ، والله لوددت لو أنه ليس من بني زياد رجل إلا وفي أنفه ~~خزامة إلى يوم القيامة ، وأن حسينا لم يقتل " فما أنكر عبيد الله بن زياد ~~على أخيه . PageV20P0296 # """""" صفحة رقم 297 """""" ذكر ورود الخبر بمقتل الحسين رضي الله عنه ~~إلى المدينة وعود أهله إليها قال : لما قتل الحسين أمر عبيد الله بن زياد ~~عبد الملك بن الحارث السلمي بالمسير إلى المدينة ، ليبشر عمرو بن سعيد أمير ~~المدينة بقتل الحسين ، فاعتذر عبد الملك ، فزجره ابن زياد ، فخرج حتى قدم ~~المدينة ، فلقيه رجل من قريش فقال : ما الخبر ؟ فقال : الخبر عند الأمير ، ~~فاسترجع القرشي ، وقال : قتل والله الحسين ودخل عبد الملك على عمرو بن سعيد ~~فأخبره بقتل الحسين ، فقال : ناد بقتله ، ففعل ، قال عبد الملك : فلم أسمع ~~واعية قط ، مثل واعية نساء بني هاشم في دورهن على الحسين فلما سمع عمرو بن ~~سعيد أصواتهن ضحك وقال : واعية ms4571 بواعية عثمان وأنشد بيت عمرو بن معدى كرب : ~~عجت نساء بني زياد عجة . . . كعجيج نسوتنا غداة الأرنب والأرنب كان لبني ~~زبيد على بني زياد بني الحارث بن كعب ثم صعد عمرو المنبر فأعلم الناس بقتل ~~الحسين . قال ولما نودي بقتله خرجت زينب بنت عقيل بن أبي طالب ومعها نساء ~~حاسرة ناشرة شعرها ، وهي تقول : ماذا تقولون إن قال النبي لكم : . . . ماذا ~~فعلتم وأنتم آخر الأمم ؟ بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي . . . منهم أسارى وقتلى ~~ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم . . . أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي ~~وقيل : سمع بعض أهل المدينة يوم قتل الحسين مناديا ينادي : أيها القاتلون ~~جهلا حسينا . . . أبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عليكم . . . ~~من نبي وملاك وقبيل قد لعنتم على لسان ابن داو . . . د وموسى وحامل الإنجيل ~~PageV20P0297 # """""" صفحة رقم 298 """""" وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : " ~~رأيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الليلة التي قتل فيها الحسين وبيده ~~قارورة ، وهو يجمع فيها دما ، فقلت : يا رسول الله ما هذا ؟ قال هذه دماء ~~الحسين وأصحابه أرفعها إلى الله تعالى " فأصبح ابن عباس فأعلم الناس بقتل ~~الحسين ، وقص رؤياه . وروي أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أعطى أم سلمة ~~ترابا من تربة الحسين ، حمله إليه جبريل ، فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) : " إذا صار التراب هذا دما فقد قتل الحسين " فحفظت أم سلمة ذلك التراب ~~في قارورة ، فلما قتل الحسين صار ذلك التراب دما فأعلمت الناس بقتله ، وهذا ~~القول يستقيم على قول عن أم سلمة توفيت بعد الحسين . قال : ولما أراد يزيد ~~أن يسير آل الحسين إلى المدينة ، أمر النعمان ابن بشير أن يجهزهم بما ~~يصلحهم ، ويسير معهم رجلا أمينا من أهل الشام ، ومعه خيل تسير بهم إلى ~~المدينة ، ودعا عليا ليودعه وقال : " لعن الله ابن مرجانة ، أما والله لو ~~أني صاحبه ما سألني خصلة أبدا إلا أعطيته إياها ، ولدفعت الحتف عنه بكل ما ~~استطعت ، ولو بهلاك بعض ولدي ، ولكن قضى الله ms4572 بذلك ، كاتبني بأية حاجة تكون ~~لك " وأوصى بهم ذلك الرسول . فخرج بهم ، فكان يسايرهم ليلا فيكونون أمامه ~~بحيث لا يفوتون طرفه ، وإذا نزل تنحى عنهم هو وأصحابه ، فكانوا حولهم كهيئة ~~الحرس ، وكان يسائلهم عن حوائجهم ويلطف بهم حتى دخلوا المدينة . فقالت ~~فاطمة بنت علي لأختها : لقد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن نصله بشيء ؟ ~~فقالت : والله ما معنا ما نصله به إلا حلينا ، فأخرجتا سوارين ودملجين لهما ~~فبعثتا به إليه ، واعتذرتا ، فرد الجميع ، وقال : لو كان الذي صنعته للدنيا ~~لكان في هذا ما يرضيني ، ولكن والله ما فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ذكر ما ورد من الاختلاف في مقر رأس الحسين ~~وأين دفن قد اختلف المؤرخون في مقر رأسه ، فمنهم من قال : إنه دفن بدمشق ، ~~ومنهم من زعم أنه نقل إلى مرو ، ومنهم من يقول : إنه أعيد إلى الجسد ودفن ~~بالطف ، PageV20P0298 # """""" صفحة رقم 299 """""" ومنهم من قال : دفن بعسقلان ، ثم نقل إلى مصر ~~، ومنهم من قال : دفن في المدينة عند قبر أمه فاطمة رضي الله عنهما . وقد ~~رأينا أن نذكر أقوالهم في ذلك ومستحجهم . قال : فأما من قال أنه دفن بدمشق ~~فإنه يقول : إنه لما قتل الحسين رضي الله عنه ، وحمل رأسه إلى عبيد الله بن ~~زياد بالكوفة كما تقدم وحمله إلى دمشق ، طلب من يقوره فلم يجبه إلا طارق بن ~~المبارك مولى بني أمية وكان حجاما ، ففعل ، وقد هجى أبو يعلى الكاتب ، وهو ~~أحد أسباط طارق هذا ، فقيل فيه : شق رأس الحسين جد أبى يع . . . لى وساط ~~الدماغ بالإبهام ثم أرسل ابن زياد به إلى دمشق ، فنصبه يزيد بن معاوية فيها ~~ثلاثة أيام ، ووضع في مسجد عند باب المسجد الجامع ، يعرف بمسجد الرأس ، وهو ~~تجاه باب الساعات ، كان بابه هناك ، ثم سد وفتح من مشهد زين العابدين في ~~سنة ثلاثين وستمائة ونحوها ، ثم كان الرأس في خزانة يزيد بن معاوية . ~~واختلف أيضا القائلون إنه دفن بدمشق في المكان الذي دفن فيه بها ms4573 . فحكى ابن ~~أبي الدنيا في المقتل عن منصور بن جمهور أنه قال : دخلت خزانة يزيد بن ~~معاوية ، فلما فتحت أصبت جونة حمراء فقلت لغلام لي يقال له سليم : احتفظ ~~بهذه الجونة فإنها كنز من كنوز بني أمية ، فلما فتحتها وجدت بها رأسا وورقة ~~مكتوب فيها : " رأس الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) " ، وإذا هو مخضوب بالسواد ، فلفه بثوب ثم دفنه عند باب الفراديس ، ~~عند البرج الثالث مما يلي PageV20P0299 # """""" صفحة رقم 300 """""" المشرق . وحكى الاستربازي في كتابه " الداعي ~~إلى وداع الدنيا " عن أبي سعيد الزاهد أنه قال : قبر الحسين بكربلاء ورأسه ~~بالشام في مسجد دمشق على رأس أسطوانة ، وقال غيره : على عمودين يمين القبلة ~~، وقيل أن يزيد دفنه في قبر أبيه معاوية ، ومنهم من قال : في مقابر ~~المسلمين . وأما من قال : إنه بمرو فإنه يقول : إن أبا مسلم الخرساني لما ~~استولى على دمشق ، أخذ الرأس ونقله إلى مرو ، ودفن بها في دار الإمارة ، ~~وأن الرأس حشي بالمسك وكفن وصلي عليه مرة بعد أخرى . وأما من قال : إنه ~~أعيد إلى الجسد ودفن معه ، فمنهم من يقول : إن يزيد أعاده بعد أربعين يوما ~~، ومنهم من يقول : بل استقر في خزانة السلاح إلى أن ولى سليمان بن عبد ~~الملك فأحضره وقد قحل ، وبقي عظم أبيض فجعل عليه ثوب وجعله في سفط وصلى ~~عليه ودفن في مقابر المسلمين ، فلما ولى عمر بن عبد العزيز بعث إلى خازن ~~السلاح يطلب منه الرأس ، فطالعه بما كان من أمره فأمره بنبشه وأخذه ، فالله ~~أعلم بما صنع به ، لكنهم استدلوا من ديانة عمر بن عبد العزيز وصلاحه وخيره ~~أنه نقله إلى الجسد ودفن معه . وأما من قال : إنه كان بعسقلان ثم نقل إلى ~~مصر فاستنادهم في ذلك إلى رؤيا منام ، وذلك أن رجلا رأى في منامه ، وهو ~~بعسقلان أن رأس الحسين في مكان بها ، عين له في منامه فنبش ذلك الموضع ، ~~وذلك أيام المستنصر بالله العبيدي صاحب مصر ، ووزارة بدر الجمالي ، فابتنى ~~بدر ms4574 الجمالي له مشهدا بعسقلان ، فلم يزل الأمر على ذلك إلى أن تغلب الفرنج ~~على عسقلان ، في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، فحمل إلى القاهرة في البحر . ~~وحكى محمد بن القاضي المكين عبد العزيز بن حسين في سيرة الصالح بن رزيك ، ~~قال : لما ولي عباس بن أبي الفتوح الوزارة بمصر في سنة ثمان وأربعين ~~وخمسمائة ، في مستهل جمادى الآخرة وصل الخبر بتملك الفرنج عسقلان ، فنقل ~~رأس الحسين فيها من المشهد الذي أنشأه أمير الجيوش بدر الجمالي ، وكمله ~~PageV20P0300 # """""" صفحة رقم 301 """""" الأفضل - إلى القاهرة ، فكان وصوله إليها في ~~يوم الأحد ، ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، وكان قد سير ~~أحد الأستاذين الخواص لتلقيه إلى مدينة تنيس ، فوصل في عشارى من عشاريات ~~الخدمة ، ودخل فيه إلى خليج القاهرة ، وأدخل من باب البستان المعروف ~~بالكافوري ، في ليلة الاثنين التاسع من الشهر ، وسلك به إلى القصر الغربي ~~إلى أن وصل إلى القصر الشرقي ، ولم يزل الحال على ذلك إلى أن حدث من عباس ~~وابنه ما حدث ، من قبل الظافر وإخوته وابن أخيه ، على ما نذكر إن شاء الله ~~في كتابنا هذا ، فلما نهض الصالح بن زريك في الطلب بثأرهم ، وولي الوزارة ، ~~لم يقدم شيئا على الشروع في بناء المشهد بالقصر ، في الموضع المعروف بقبة ~~الخراج من دهاليز باب الديلم وكمل المشهد ، فلما كان في ليلة يسفر صباحها ~~عن تاسع المحرم خمس وخمسين وخمسمائة ، خرج ابن رزيك من داره راجلا إلى ~~الإيوان ، فأخرج الرأس فحمله خاشعا مستكينا إلى أن أحله بالضريح ، ومدحه ~~الشعراء ، فمن ذلك قول أحدهم : أدركت من عباس ثأرا دونه . . . ما أدرك ~~السفاح من مروان وحقرت ما فخر بن ذي يزن به . . . لما أقر الملك في غمدان ~~وجمعت أشلاء الحسين وقد غدت . . . بددا فأضحت في أعز مكان وعرفت للعضو ~~الشريف محله . . . وجليل موضعه من الرحمن أكرمت مثواه لديك وقبل في . . . ~~آل الطريد غدا بدار هوان وقضيت حق المصطفى في حمله . . . وحظيت من ذي العرش ~~بالرضوان ونصبته للمسلمين تزوره . . . مهج إليه شديدة الهيمان أسكنته في ms4575 ~~خير مأوى خطه . . . أبناؤه في سالف الأزمان ولو استطعت جعلت قلبك لحده . . ~~. في موضع التوحيد والإيمان حرم تلوذ به الجناة فتنثني . . . محبوة بالعفو ~~والغفران قد كان مغتربا زمانا قبل ذا . . . فالآن عدت به إلى الأوطان وأما ~~من قال : إنه بالمدينة ، فيقول : إنه لما نصب بدمشق وطيف به ، أمر ~~PageV20P0301 # """""" صفحة رقم 302 """""" يزيد بن معاوية النعمان بن بشير الأنصاري أن ~~يحمله إلى المدينة ، ليشاهده الناس ، وليرهب به عبد الله بن الزبير ، فلما ~~وصل إلى المدينة ودخل به على عمرو بن سعيد الأشدق ، قال : وددت أن أمير ~~المؤمنين لم يكن بعث به إلي ، فقال له مروان بن الحكم : اسكت لا سكت ولكن ~~قل كما قال : ضربت دوسي فيهم ضربة . . . أثبتت أوتاد ملك فاستقر ثم أمر به ~~عمرو بن سعيد فكفن ودفن عند قبر أمه فاطمة رضي الله عنهما . وقيل : بل أرسل ~~إلى من بالمدينة من بني هاشم ، أن دونكم رأس صاحبكم ، فأخذوه ، فغسلوه ~~وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه عند قبر أمه رضي الله عنهما ، والله تعالى أعلم ، ~~وقد تكلم عمر بن أبي المعالي أسعد بن عمار بن سعد بن عمار بن علي رحمه الله ~~تعالى في كتابه الذي ترجمه " الفاصل بين الصدق والمين في مقر رأس الحسين " ~~على هذه الأقوال المتقدمة ووهنها وضعفها " واستدل على ضعفها " ، ورجح أنه ~~بالمدينة ، حتى كاد يبلغ فيه مبلغ القطع ، فقال ما معناه : أما قولهم إنه ~~كان في خزائن بني أمية إلى أن ظهرت الخلافة العباسية ، وأن أبا مسلم نقله ~~إلى خراسان ، فهذا بعيد جدا ، وذلك أن أبا مسلم لما فتح الشام كان بخراسان ~~، والذي فتح دمشق عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس ، فكيف يتصور أن ~~ينقله أو يمكن من نقله إلى مولاه بخراسان ؟ ولو ظفر به في خزائن بني أمية ~~لأظهره للناس ليزدادوا لبني أمية بغضا ، وأيضا فقد ولى العبد الصالح عمر بن ~~عبد العزيز الخلافة ، وبعيد أن كان يترك رأس ابن بنت رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في خزائن السلاح ولم يواره ms4576 . أما قولهم إنه كان بعسقلان فلم ~~يوجد ذلك في تاريخ من التواريخ أنه نقل إلى عسقلان أو إلى مصر ، ويقوي ذلك ~~أن الشام ومصر لم يكن بهما شيعة علوية فينقل إليهم ليروه وتنقطع آمالهم من ~~الحسين وتضعف نفوسهم عن الوثوب مع غيره ولانضمام إليه . وأما قولهم إنه ~~بالمدينة عند قبر أمه فقد قاله محمد بن سعد في طبقاته ، وابن أبي الدنيا ~~وأبو المؤيد الخوارزمي خطيب خوارزم في إحدى روايتهما ، وصححه أبو الفرج ابن ~~الجوزي ، والله تعالى أعلم . PageV20P0302 # """""" صفحة رقم 303 """""" وقد أخذ هذا الفصل حقه ، فلنذكر خلاف ذلك من ~~الأخبار التي اتفقت في أيام يزيد بن معاوية على حكم اليقين : ذكر مقتل أبي ~~بلال مرداس ابن حدير الحنظلي الخارجي قد ذكرنا في أيام معاوية خروجه وأن ~~ابن زياد بعث إليه أسلم بن زرعة الكلابي في ألفين ، فهزمهم بآسك . فلما كان ~~في هذه السنة أرسل إليه ابن زياد ثلاثة آلاف ، عليهم عباد بن الأخضر ~~التميمي " والأخضر زوج أمه ، نسب إليه وإنما هو عباد بن علقمة بن عباد " ~~فسار إليه ، واتبعه حتى لحقه بتوج ، فاقتتلوا حتى دخل وقت العصر ، فقال أبو ~~بلال : هذا يوم جمعة ، وهو يوم عظيم ، دعونا حتى نصلي ، فتوادعوا ، فعجل ~~عباد الصلاة وقيل : بل قطعها ، والخوارج يصلون ، فشد عليهم هو وأصحابه ، ~~فقتلوهم وهم ما بين قائم وراكع وساجد ، لم يتغير منهم أحد عن حاله ، فقتلوا ~~عن آخرهم . ورجع عباد إلى البصرة برأس أبي بلال ، فرصده عبيدة بن هلال ومعه ~~ثلاثة نفر ، فأقبل عباد يريد قصر الإمارة ، فقالوا له : قف حتى نستفتيك ، ~~فوقف ، فقالوا : نحن أخوة أربعة قتل أخونا فما ترى ؟ قال : استعدوا الأمير ~~، قالوا استعديناه فلم يعدنا ، قال : فاقتلوه قتله الله ، فوثبوا عليه ~~وقتلوه ، واجتمع الناس على الخوارج فقتلوا . وفيها استعمل يزيد بن معاوية ~~سلم بن زياد على خراسان وسجستان ، وعزل عنهما أخويه : عبد الرحمن وعبادا ~~بني زياد ، فكتب عبيد الله بن زياد إلى أخيه عباد يخبره بولاية سلم ، فقسم ~~عباد ما في بيت المال على عبيدة ، وفضل فضل ms4577 فنادى : من أراد سلفا فليأخذ ، ~~فأسلف كل من أتاه ، وخرج عن سجستان ، فلما كان بجيرفت بلغه مكان أخوه سلم ، ~~وكان بينهما جبل ، فعدل عنه ، فذهب لعباد تلك الليلة ألف PageV20P0303 # """""" صفحة رقم 304 """""" مملوك ، أقل ما مع أحدهم عشرة آلاف ، وسار ~~عباد حتى قدم على يزيد ، فسأله عن المال ، فقال : كنت صاحب ثغر فقسمت ما ~~أصبت بين الناس . قال : ولما سار سلم إلى خراسان كتب يزيد إلى عبيد الله بن ~~زياد معه بنخبة ستة آلاف فارس ، وقيل ألفين ، فكان سلم ينتخب الوجوه ~~والفرسان ، فخرج معه عمران بن الفضيل البرجمي والمهلب بن أبي صفرة وطلحة بن ~~عبد الله بن خلف الخزاعي وغيرهم ، وسار حتى قدم خراسان ، وعبر النهر غازيا ~~، وكان عمال خراسان قبله يغزون ، فإذا دخل الشتاء رجعوا إلى مرو الشاهجان ، ~~فإذا انصرف المسلمون اجتمع ملوك خراسان بمدينة مما يلي خوارزم ، فيتعاقدون ~~ألا يغزو بعضهم بعضا ويتشاورون في أمورهم ، وكان المسلمون يطلبون إلى ~~أمرائهم غزو تلك المدينة ، فيأبون عليهم ، فلما قدم سلم غزا فشتى في بعض ~~مغازيه ، فسأله المهلب أن يوجهه إلى تلك المدينة ، فوجهه في ستة آلاف ، ~~وقيل : في أربعة آلاف فحاصرهم ، فطلبوا الصلح على نيف وعشرين ألف ألف ، ~~فصالحهم ، وكان من صلحهم أن يأخذ منهم عروضا ، فكان يأخذ العروض من الرقيق ~~والدواب والمتاع بنصف قيمتها ، فبلغ ما أخذ منهم خمسين ألف ألف ، فحظي بها ~~المهلب عند سلم ، وأخذ سلم من ذلك ما أعجبه وبعث به إلى يزيد . وغزا سلم ~~سمرقند ، وعبر معه النهر امرأته أم محمد بنت عبد الله ابن عثمان بن أبي ~~العاص الثقفي ، وهي أول امرأة من العرب قطع بها النهر ، فولدت له ابنا سماه ~~" صغدي " واستعارت امرأته من امرأة صاحب الصغد حليها فلم تعده إليها وذهبت ~~به . ووجه جيش إلى خجندة فيهم أعشى همدان ، فهزموا ، فقال الأعشى في ذلك : ~~ليت خيلي يوم الخجندة لم ته . . . زم وغودرت في المكر سليبا تحضر الطير ~~مصرعي وتروح . . . ت إلى الله في الدماء خضيبا وفيها عزل يزيد عمرو بن سعيد ~~، واستعمل ms4578 الوليد بن عتبة ابن أبي سفيان ، وسبب ذلك أن الوليد وناسا من بني ~~أمية قالوا ليزيد : لو شاء عمرو لأخذ ابن الزبير وسرح به إليك ، فعزله ، ~~ولم يكن كذلك ، بل كان ابن الزبير كاده . وحج الوليد في هذه السنة بالناس . ~~PageV20P0304 # """""" صفحة رقم 305 """""" سنة اثنين وستين ذكر وفد أهل المدينة إلى ~~يزيد بن معاوية وخلعهم له عند عودهم وفي هذه السنة وفد جماعة من أهل ~~المدينة إلى يزيد بن معاوية بالشام ، فيهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة ~~وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي ، والمنذر بن الزبير ، ~~ورجال كثير من أشراف أهل المدينة . وكان ابن الزبير قد كتب إلى يزيد لما ~~استعمل الوليد ابن عتبة على الحجاز يقول : " إنك بعثت إلينا رجلا أخرق ، لا ~~بتجه لرشد ، ولايرعوى لعظة الحكيم ، فلو بعثت رجلا سهل الخلق رجوت أن يسهل ~~الأمور ما استوعر منها ، وأن يجتمع ما تفرق " . فعزل يزيد الوليد ، واستعمل ~~عثمان ابن محمد بن أبي سفيان ، وهو فتى غر حدث لم تحنكه التجارب ، ولا يكاد ~~ينظر في شيء من سلطانه ولا عمله . فوفد هذا الوفد إلى يزيد ، فقدموا عليه ، ~~فأكرمهم وأحسن إليهم وأعظم جوائزهم ، فأعطى عبد الله بن حنظلة مائة ألف ~~درهم ، وكان معه ثمانية بنين فأعطى كل واحد منهم عشرة آلاف ، وأجاز المنذر ~~ابن الزبير بمائة ألف كتب له بها على عبيد الله بن زياد فتوجه إلى العراق ~~فقبضها . ورجع الوفد إلى المدينة إلا المنذر ، فلما قدموا المدينة قاموا في ~~الناس فأظهروا شتم يزيد وعيبه ، وقالوا : " قدمنا من عند رجل ليس له دين ، ~~يشرب الخمر ، ويعزف بالطنابير ، وتعزف عنده القيان ، ويلعب بالكلاب ، ويسمر ~~عنده الحزاب " وهم اللصوص " وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه " . وقام عبد الله ~~بن حنظلة فقال : " جئتكم من عند رجل لو لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته ، وقد ~~أعطاني وأكرمني ، وما قبلت منه عطاءه إلا لأتقوى به " . فخلعه الناس ، ~~وبايعوا عبد الله بن حنظلة على خلعه ، وولوه عليهم . ثم قدم المنذر من ~~العراق إلى ms4579 المدينة ، فحرض الناس على يزيد ، وقال : " إنه أجازني بمائة ألف ~~، ولا يمنعني ما صنع بي أن أخبركم خبره ، والله إنه ليشرب الخمر ، وإنه ~~ليسكر حتى يدع الصلاة " وعابه بمثل ما عابه به أصحابه وأشد . PageV20P0305 # """""" صفحة رقم 306 """""" فبعث يزيد النعمان بن بشير الأنصاري وقال له ~~: " إن عدد الناس بالمدينة قومك ، فأتهم فالفتهم عما يريدون ، فإنهم إن لم ~~ينهضوا في هذا الأمر لم يجترئ الناس على خلافي " . فأتى النعمان قومه ، ~~وأمرهم بلزوم الطاعة ، وخوفهم الفتنة ، فعصوه ولم يرجعوا إلى قوله ، فرجع . ~~وبسبب هذه الواقعة كانت وقعة الحرة . وفي هذه السنة كان من الحوادث في بلاد ~~المغرب ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار أفريقية . وحج بالناس في هذه ~~السنة الوليد بن عتبة . وفيها ولد محمد بن عبد الله بن عباس والد السفاح ~~والمنصور . سنة ثلاث وستين ذكر وقعة الحرة كان سبب هذه الوقعة ما قدمناه من ~~خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية ، فلما كان في هذه السنة أخرج أهل المدينة ~~عثمان بن محمد ابن أبي سفيان عامل يزيد ، وحصروا بني أمية ، فاجتمع بني ~~أمية ومواليهم ومن يرى رأيهم في ألف رجل ، ونزلوا دار مروان بن الحكم ، ~~وكتبوا إلى يزيد يستغيثون به ، فلما قرأ الكتاب بعث إلى عمرو بن الأشدق ، ~~فأقرأه الكتاب وأمره بالمسير في الناس ، فقال قد كنت ضبطت لك الأمور ~~والبلاد ، فأما الآن إذ صارت دماء قريش تهراق بالصعيد فلا أحب أن أتولى ذلك ~~. فبعث إلى عبيد الله بن زياد ، فأمره بالمسير إلى المدينة ومحاصرة عبد ~~الله بن الزبير بمكة ، فقال : " والله لا أجمعهما للفاسق ، قتل ابن بنت ~~رسول الله وغزو الكعبة " ثم أرسل إليه يعتذر . فبعث إلى مسلم بن عقبة المري ~~وهو شيخ كبير مريض فأخبره الخبر ، فقال : أما يكون بني أمية " ومواليهم ~~وأنصارهم بالمدينة " ألف رجل ؟ قال بلى ، قال : أما استطاعوا أن يقاتلوا ~~ساعة من نهار ؟ ليس هؤلاء بأهل أن ينصروا فإنهم أذلاء دعهم يا أمير ~~المؤمنين حتى يجهدوا أنفسهم في جهاد عدوهم ، ويتبين لك من يقاتل ms4580 على طاعتك ~~ومن يستسلم ، قال : ويحك إنه لا خير بعدهم فاخرج بالناس . PageV20P0306 # """""" صفحة رقم 307 """""" وقيل : إن معاوية قال ليزيد : إن لك من أهل ~~المدينة يوما ، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة ، فإنه رجل قد عرفت نصيحته ~~، فأمره بالمسير إليهم . منادى في الناس بالتجهيز إلى الحجاز وأن يأخذوا ~~عطاءهم ومعونة مائة دينار لكل رجل ، فانتدب لذلك اثنا عشر ألفا ، وساروا مع ~~مسلم ، فقال له يزيد : إن حدث بك حدث فاستخلف الحصين بن نمير السكوني ، ~~وقال له : " ادع القوم ثلاثا فإن أجابوا وإلا فقاتلهم ، فإذا ظهرت عليهم ~~فأبحها ثلاثا بما فيها من مال أو رقة أو سلاح أو طعام ، فهو للجند ، فإن ~~انقضت الثلاث فاكفف عن الناس ، واكفف عن علي بن حسين ، واستوصي به خيرا ~~فإنه لم يدخل مع الناس ، وقد أتاني كتابه " . قال : ولمل بلغ أهل المدينة ~~خبر الجيش اشتد حصارهم لبني أمية بدار مروان ، وقالوا : " والله لانكف عنكم ~~حتى نضرب أعناقكم أو تعطونا عهد الله وميثاقه أنكم لاتبغونا غائلة ، ولا ~~تدلوا لنا على عورة ، ولا تظاهروا علينا عدونا ، فنكف عنكم ونخرجكم " ، ~~فعاهدوهم على ذلك ، وأخرجوهم من المدينة ، فساروا بأثقالهم حتى لقوا مسلم ~~بن عقبة بوادي القرى ، فدعا عمرو بن عثمان بن عفان أول الناس ، فقال : ~~أخبرني ما وراءك وأشر علي ، قال : لا أستطيع ، قد أخذ علينا العهود ~~والمواثيق ألا ندل على عورة ولا نظاهر عدوا ، فانتهره وقال : " والله لولا ~~أنك ابن عثمان لضربت عنقك ، وايم الله لا أقيلها قرشيا بعدك " . فخرج إلى ~~أصحابه ، فأخبرهم خبره ، فقال مروان بن الحكم لابنه عبد الملك : ادخل عليه ~~قبلي لعله يجتزئ بك عني ، فدخل عبد الملك على مسلم ، فقال " نعم : " هات ما ~~عندك ، فقال " نعم ، أرى أن تسير بمن معك ، فإذا انتهيت إلى أدنى نخلها ~~نزلت ، فاستظل الناس في ظله وأكلوا من صقره ، فإذا أصبحت من الغد مضيت ، ~~وتركت المدينة ذات اليسار ، ثم دري بها حتى تأتيهم من قبل الحرة مشرقا ثم ~~تستقبل القوم ، فإذا استقبلتهم وقد أشرقت عليهم الشمس طلعت من أكناف ms4581 أصحابك ~~فلا تؤذيهم ، ويصيبهم أذاها ويرون من ائتلاق بيضكم وأسنة رماحكم وسيوفكم ~~PageV20P0307 # """""" صفحة رقم 308 """""" ودروعكم مالا ترونه أنتم منهم ، ثم قاتلهم ، ~~واستعن عليهم بالله تعالى " . فقال له مسلم : " لله أبوك . أي أموي " ثم ~~دخل عليه مروان فقال له إيه . قال أليس قد دخل عليك عبد الملك ؟ قال : " ~~بلى ، وأي رجل عبد الملك قلما كلمت من رجال قريش رجلا به شبيه " فقال له ~~مروان : إذا لقيت عبد الملك فقد لقيتني . ثم ارتحل مسلم عن مكانه ، وفعل ما ~~أمره به عبد الملك ، ثم دعاهم فقال : " إن أمير المؤمنين يزعم أنكم الأصل ، ~~وإني أكره إراقة دمائكم ، وإني أؤجلكم ثلاثا ، فمن ارعوى وراجع الحق قبلنا ~~به وانصرفت عنكم إلى هذا الملحد الذي بمكة ، وإن أبيتم كنا قد أعذرنا إليكم ~~" . فلما مضت الثلاث قال مسلم : يا أهل المدينة ما تصنعون ؟ أتسالمون أم ~~تحاربون ؟ فقالوا : بل نحارب ، فقال لهم : " لا تفعلوا ، بل ادخلوا في ~~الطاعة ، ونجعل حدنا وشوكتنا على هذا الملحد الذي قد جمع إليه المراق ~~والفساق من كل أواب " يعني عبد الله بن الزبير ، فقالوا له : يا عدو الله ، ~~لو أردتم أن تجوزوا إليه ما تركناكم : أنحن ندعكم أن تأتوا بيت الله الحرام ~~فتخيفوا أهل مكة وتلحدوا فيه وتستحلوا حرمته ؟ لا والله لا نفعل " . قال : ~~وكان أهل المدينة قد اتخذوا خندقا ، وعليه جمع منهم ، عليهم عبد الرحمن بن ~~أزهر بن عوف وهو ابن عم عبد الرحمن بن عوف وكان عبد الله بن مطيع مع ربع ~~قريش في جانب المدينة ، وكان معقل سنان الأشجعي ، أحد الصحابة على ربع ~~المهاجرين ، وكان أمير جماعتهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري في أعظم ~~تلك الأرباع ، وهم الأنصار . وصمد مسلم بن عقبة فيمن معه ، فأقبل من ناحية ~~الحرة ، حتى ضرب فسطاطه على طريق الكوفة ، وكان مريضا ، فأمر فوضع له كرسي ~~بين الصفين ، فجلس ، ثم حرض أهل الشام على القتال ، فجعلوا لا يقصدون ربعا ~~من تلك الأرباع إلا هزموه ، ثم وجه الخيل نحو ابن الغسيل ، فكشفهم ، حتى ~~انتهوا إلى مسلم ms4582 ، فنهض في وجوههم بالرجال ، وصاح بهم ، فقاتلوا قتالا ~~شديدا . PageV20P0308 # """""" صفحة رقم 309 """""" ثم إن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن ~~عبد المطلب جاء إلى ابن الغسيل ، فقاتل معه في نحو عشرين فارسا قتالا حسنا ~~، ثم قال ابن بن الغسيل : " مر من معك فارسا فليأتني ، فليقف معي ، فإذا ~~حملت فليحملوا ، فوالله لا أنتهي حتى أبلغ مسلما فأقتله أو أقتل دونه " ~~ففعل ، وجمع الجند ، فحمل بهم الفضل على أهل الشام ، فانكشفوا ، ثم حمل ~~وحمل أصحابه حملة أخرى ، فانفرجت خيل الشام عن مسلم ومعه خمسمائة راجل جثاة ~~على الركب مشرعي الأسنة نحو القوم ، ومضى الفضل نحو راية مسلم فضرب رأس ~~صاحبها فقط المغفر وفلق هامته ، فخر ميتا ، وقال : خذها وأنا ابن عبد ~~المطلب ؟ وظن أنه قتل مسلما ، فقال : قتلت طاغية القوم ورب الكعبة ؟ فأخذ ~~مسلم رايته ، وكان المقتول غلاما روميا شجاعا ، وحرض مسلم أهل الشام ، وقال ~~: شدوا مع هذه الراية ، فمشى برايته ، وشدت الرجال أمام الراية ، فصرع ~~الفضل وما بينه وبين " أطناب " فسطاط مسلم إلا نحو عشرة أذرع ، وقتل معه ~~زيد بن عبد الرحمن بن عوف ، وأقبلت خيل مسلم ورجالته نحو ابن الغسيل ، فحرض ~~ابن الغسيل أصحابه ، فنهضوا واقتتلوا أشد قتال ، وأخذ ابن الغسيل يقدم بنيه ~~واحدا واحدا ، حتى قتلوا بين يديه ، ثم قتل وقتل معه أخوه لأمه محمد ابن ~~ثابت بن قيس بن شماس ، وعبد الله بن زيد بن عاصم ، ومحمد بن عمرو بن حزم ~~الأنصاري ، وانهزم الناس . وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثا ، يقتلون ~~الناس ، ويأخذون المتاع والأموال ، فسمي مسلم بعد وقعة الحرة مسرفا " . ~~وقيل إن مسلما لما نزل بأهل المدينة خرج إليه أهلها بجموع كثيرة وهيئة حسنة ~~، فهابهم أهل الشام ، وكرهوا قتالهم ، فلما رآهم مسلم سبهم وذمهم وحرضهم ، ~~وكان شديد الوجع ، فقاتلوا ، فبينما أهل المدينة في قتالهم إذ سمعوا ~~التكبير من خلفهم من جوف المدينة ، وكان سببه أن بني حارثة أدخلوا أهل ~~الشام المدينة ، فانهزم الناس ، فكان من أصيب في الخندق أكثر ممن قتل . ~~ودعا مسلم الناس إلى ms4583 البيعة ليزيد على أنهم خول له يحكم في دمائهم وأموالهم ~~وأهليهم ما شاء ، فمن امتنع من ذلك قتله . PageV20P0309 # """""" صفحة رقم 310 """""" وأتى يومئذ بعمرو بن عثمان بن عفان ، وكان ~~ممن لم يخرج مع بني أمية ، فقال مسلم : يا أهل الشام تعرفون هذا ؟ قالوا : ~~لا ، قال : هذا الخبيث بن الطيب ، هذا عمرو بن عثمان ، هي يا عمرو إذا ظهر ~~أهل الشام قلت ابن أمير المؤمنين عثمان " ، وأمر به فنتف لحيته ، ثم خلى ~~سبيله . وكانت وقعة الحرة لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين ، وقتل ~~مسلم جماعة من أهل المدينة صبرا ، فكان منهم على ما ذكر ابن إسحاق والواقدي ~~وويثمة وغيرهم : الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بت عبد المطلب ، وأبو ~~بكر بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب ، ويعقوب ابن طلحة بن عبيد الله ، وعبد ~~الله بن زيد بن عاصم ، ومعقل ابن سنان الأشجعي ، ومحمد بن أبي الجهم بن ~~حذيفة العدوي ، وقتل أيضا صبرا ابنا زينب بنت أم سلمة ربيبة رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وهما ابنا عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن ~~أسد ابن عبد العزي بن قصي ، ولما قتلا حملا إلى أمهما فوضعا بين يديها ، ~~فاسترجعت وقالت : والله إن المصيبة علي فيهما لكبيرة ، وهي علي في هذا أكبر ~~علي في هذا ، أما هذا فجلس في بيته وكف يده فدخل عليه فقتل مظلوما ، فأنا ~~أرجو له الجنة ، وأما هذا فبسط يده فقاتل حتى قتل ، فلا أدري علام هو في ~~ذلك ؟ فالمصيبة به أعظم منها علي في هذا وقتل أيضا يزيد بن عبد الله بن ~~زمعة . وانتهى القتل يومئذ فيما ذكروا إلى ثلاثمائة ، كلهم من أبناء ~~المهاجرين والأنصار ، ومنهم جماعة ممن صحب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ، وبلغت قتلى قريش يومئذ نحو مائة ، وقتلى الأنصار والحلفاء والموالي نحو ~~مائتين . وقيل إن يزيد بن معاوية لما بلغه ما كان من خبر هذه الوقعة قال : ~~ليت أشياخي ببدر شهدوا . . . جزع الخزرج من وقع الأسل لأهلوا واستهلوا ms4584 فرحا ~~. . . ثم قالوا يا يزيد لا تشل لست من عتبة إن لم أثئر . . . من بني أحمد ~~ما كان فعل PageV20P0310 # """""" صفحة رقم 311 """""" هكذا حكي عن بعض المؤرخين ، والذي أعتقده أن ~~هذه الأبيات مفتعلة عنه ومنسوبة إليه ، فإنها لا تصدر إلا ممن نزع ربقة ~~الإسلام من عنقة ، والله أعلم . وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن ~~الزبير ، وكان يسمى يومئذ " العائد بالبيت " . سنة أربع وستين ذكر مسير ~~مسلم بن عقبة إلى مكة لحصار عبد الله بن الزبير ، ووفاة مسلم والحصار الأول ~~وإحراق الكعبة قال ولما فرغ مسلم من قتال أهل المدينة ونهبها شخص نحو مكة ~~بمن معه لقتال ابن الزبير ، واستخلف على المدينة روح ابن زنباع الجذامي . ~~وقيل : عمرو بن محرز الأشجعي . وكان خبر وقعة الحرة قد أتى عبد الله بن ~~الزبير مع المسور بن مخزمة هلال المحرم ، فاستعد هو وأصحابه للحرب . وسار ~~مسلم حتى انتهى إلى المشلل فمات هناك ، ولما حضرته الوفاة أحضر الحصين بن ~~نمير السكوني وقال له يا برذعة الحمار ، لو كان الأمر لي ما وليتك هذا ~~الجند ، ولكن أمير المؤمنين ولاك ، ثم مات . وسار الحصين فقدم مكة لأربع ~~بقين من المحرم ، وقد بايع أهلها وأهل الحجاز عبد الله بن الزبير ولحق به ~~من انهزم من أهل المدينة وقدم عليه نجدة بن عامر الحنفي من اليمامة في أناس ~~من الخوارج يمنعون البيت . فخرج ابن الزبير للقاء أهل الشام ومعه أخوه ~~المنذر ، فبارز المنذر رجل من أهل الشام ، فضرب كل واحد منهما صاحبه ضربة ~~فماتا جميعا . وقاتل المسور بن مخزمة ، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف قتالا ~~شديدا حتى قتلا ، وصابرهم ابن الزبير إلى الليل ، ثم انصرفوا عنه ، ثم ~~أقاموا عليه فقاتلوه بقية محرم وصفر كله ، حتى إذا PageV20P0311 # """""" صفحة رقم 312 """""" مضت ثلاثة أيام من ربيع الأول سنة أربع وستين ~~قذفوا البيت بالمجانيق ، وحرقوه بالنار ، وهم يرتجزون : خطارة مثل الفنيق ~~المزبد . . . نرمي بها أعواد هذا المسجد واستمروا على القتال والحصار إلى ~~آخر الشهر ، فأتاهم نعي يزيد بن معاوية ms4585 لهلال شهر ربيع الآخر . ذكر وفاة ~~يزيد بن معاوية وشيء من أخباره كانت وفاته بحوارين من قرى حمص لأربع عشرة ~~ليلة خلت من شهر ربيع الأول من سنة أربع وستين ، وقيل : في هذا الشهر من ~~سنة ثلاث وستين ، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة ، وقيل : في هذا الشهر من سنة ~~ثلاث وستين ، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة ، وقيل : تسع وثلاثين ؛ وقيل : أقل ~~من ذلك إلى خمس وثلاثين . وكانت ولايته ثلاث سنين وتسعة أشهر وأياما ، على ~~القول الأول في وفاته . وحمل إلى دمشق ودفن بها في مقبرة باب الصغير ، وصلى ~~عليه ابنه معاوية . وكان له من الأولاد معاوية وخالد وأبو سفيان عبد الله ~~الأكبر أمهم أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة ، وله أيضا عبد الله ~~الأصغر ، وأمه أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر ، وهو الإسوار وله أيضا عبد ~~الله أصغر الأصاغر ، وعمير وأبو بكر وعتبة وحرب ومحمد لأمهات شتى ؛ قيل : ~~وله يزيد والربيع . وكاتبه عتبة بن أوس ثم زمل بن عمرو العذري . وكان نقش ~~خاتمه : " ربنا الله " . حاجبه خالد مولاه ، وقيل : صفوان . قاضيه أبو ~~إدريس الخولاني . عماله على الأمصار من تقدم ذكرهم ، الأمير بمصر مسلمة بن ~~مخلد ، ثم PageV20P0312 # """""" صفحة رقم 313 """""" توفي ، فولاها يزيد سعيد بن يزيد الأزدي من ~~أهل فلسطين . . القاضي بها من قبل مسلمة ويزيد عابس بن سعيد ، وجمع له بين ~~القضاء والشرطة ، وكان أميا لا يكتب ولا يقرأ . ذكر بيعة معاوية بن يزيد بن ~~معاوية وكنيته " أبو عبد الرحمن " و " أبو ليلى " ، وأمه أم هاشم بنت أبي ~~هاشم بن عتبة بن ربيعة ، وهو الثالث من ملوك بني أمية ، بويع له بالشام في ~~النصف من ربيع الأول سنة أربع وستين . قال : ولما كان في آخر إمارته أمر ~~فنودي : " الصلاة جامعة " فاجتمع الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : ~~" أما بعد ، فإني ضعفت عن أمركم ، فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطاب حين ~~استخلفه أبو بكر رضي الله عنهما فلم أجده ، فابتغيت ستة من أهل الشورى فلم ~~أجد ms4586 ، فأنتم أولى بأمركم ، فاختاروا له من أحببتم " . ثم دخل منزله وتغيب ~~حتى مات ، فقيل : مات مسموما ، وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، ثم ~~طعن الوليد فمات من يومه . وقيل إنه لما كبر تكبيرتين مات قبل انقضاء ~~الصلاة ، فتقدم مروان بن الحكم فصلى عليه . وقيل إنه أوصى أن يصلي بالناس ~~الضحاك بن قيس حتى يقوم لهم خليفة . وقيل له عند الموت : اعهد إلى خالد بن ~~يزيد ، فقال : والله ما ذقت حلاوة خلافتكم ، فكيف أتقلد وزرها من بعدي ولم ~~يكن لمعاوية هذا ولد . وكان نقش خاتمه : " الدنيا غرور " . وكانت وفاته ~~لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين . وكانت مدة ولايته إلى حين ~~وفاته أربعين يوما ، وقال المدائني : ثلاثة أشهر ، وقال ابن اسحاق : عشرين ~~يوما . PageV20P0313 # """""" صفحة رقم 314 """""" ومات وله ثلاث وعشرون سنة ، وقال العتبي : ~~سبع عشرة سنة . والله تعالى أعلم . فلنذكر أخبار من بويع بالعراق وخراسان ~~في زمن هذه الفتن ، بعد وفاة يزيد ابن معاوية وابنه معاوية بن يزيد إلى أن ~~خلص الأمر بالحجاز والعراق وخراسان لعبد الله بن الزبير . ذكر أخبار من ~~بويع بالعراق أو لم يتم أمره إلى أن بويع لعبد الله بن الزبير وما كان ~~بالعراق من الوقائع في خلال ذلك كان أول من بويع بالعراق بعد وفاة يزيد بن ~~معاوية عبيد الله بن زياد بن أبيه ، وذلك أنه لما أتاه الخبر بوفاة يزيد ، ~~وبلغه ما الناس فيه بالشام من الاختلاف ، أمر فنودي : " الصلاة جامعة " ، ~~فاجتمع الناس ، فصعد المنبر ، فنعى يزيد وعرض بثلبه ، لأن يزيد كان قد كرهه ~~قبل موته ، وصرح بلعنه بسبب قتل الحسين بن علي ، حتى خافه عبيد الله على ~~نفسه ، ثم قال عبيد الله : " يا أهل البصرة إن مهاجرنا إليكم ، ودارنا فيكم ~~، ومولدي فيكم ، ولقد وليتكم وما أحصي ديوان مقاتلتكم إلا سبعين ألف مقاتل ~~، ولقد أحصى اليوم ثمانين ألف مقاتل ، وما أحصى ديوان عمالكم إلا تسعين ~~ألفا ، ولقد أحصى اليوم مائة ألف وأربعين ألفا ، وما تركت لكم ذا ظنة أخافه ~~عليكم إلا ms4587 وهو في سجنكم ، وإن يزيد قد توفي ، وقد اختلف الناس بالشام ، ~~وأنتم اليوم أكثر الناس عددا ، وأعرضه فناء ، وأغناه عن الناس ، وأوسعهم ~~بلادا ، فاختاروا لأنفسكم رجلا ترضونه لدينكم وجماعتكم ، فأنا أول راض بما ~~رضيتموه لدينكم وجماعتكم ، فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترضونه دخلتم فيما ~~دخل فيه المسلمون ، وإن كرهتم ذلك كنتم على جديلتكم حتى تعطوا حاجتكم ، فما ~~بكم إلى أحد من أهل البلدان جاحة ، وما يستغني الناس عنكم " . فقام خطباؤكم ~~، وقالوا : قد سمعنا مقالتك ، وما نعلم أحدا أقوى عليها منك ، فهلم نبايعك ~~، فقال : لا حاجة لي في ذلك . فكرروا عليه وهو يأبى عليهم ثلاثا ، ثم بسط ~~يده فبايعوه ثم انصرفوا ومسحوا أيديهم بالحيطان ، وقالوا : أيظن ابن مرجانه ~~إنا ننقاد له في الجماعة والفرقة . PageV20P0314 # """""" صفحة رقم 315 """""" قال : ولما بايعوه أرسل إلى أهل الكوفة مع ~~عمرو بن مسمع وسعد بن قرحا التيمي يدعوهم إلى البيعة له ، ويعلمهم ما صنع ~~أهل البصرة ، فلما وصلا إلى الكوفة وكان خليفة عبيد الله عليها عمرو بن ~~حريث ، فجمع الناس ، وقام الرسولان فخطبا وذكرا ذلك للناس ، فقام يزيد بن ~~الحارث بن يزيد الشيباني وهو ابن رويم ، فقال الحمد لله الذي أراحنا من ابن ~~سمية ، أنحن نبايعه ؟ لا ولا كرامة . وحصبهما الناس بعده ، فشرفت هذه ~~المقالة يزيد بن رويم بالكوفة ورفعته ، ورجع الرسولان إلى عبيد الله ، فقال ~~أهل البصرة : أيخلعه أهل الكوفة ونوليه نحن ؟ فضعف سلطانه عندهم ، فكان ~~يأمر بالأمر فلا يقضى ويرى الرأي فيرد عليه ، ويأمر بحبس المخطئ فيحال بين ~~أعوانه وبينه . ثم جاء البصرة سلمة بن ذؤيب الحنظلي التميمي ، فوقف في ~~السوق وبيده لواء ، وقال : أيها الناس ، هلموا إلي ، إني أدعوكم إلى ما لم ~~يدعكم إليه أحد ، أدعوكم إلى العائذ بالحرم ، يعني عبد الله بن الزبير . ~~فاجتمع إليه ناس ، وجعلوا يبايعونه ، فبلغ الخبر ابن زياد ، فجمع الناس ~~فخطبهم وذكرهم بما كان من بيعته وقال : إني بلغني أنكم مسحتم أكفكم ~~بالحيطان وباب المسجد ، وقلتم ما قلتم ، وإني آمر بالأمر فلا ينفذ ، ويرد ~~على رأيي ، ويحال ms4588 بين أعواني وبين طلبتي ، ثم هذا سلمة بن ذؤيب يدعوكم إلى ~~الخلاف عليكم ، ليفرق جماعتكم ، ويضرب بعضكم رقاب بعض " . فقال الأحنف ~~والناس : نحن نأتيك بسلمة ، فأتوه ، فإذا جمعه قد كثف والفتق قد اتسع ، ~~فقعدوا عن ابن زياد فلم يأتوه ، فلما رأى ذلك أرسل إلى الحارث بن قيس بن ~~صهبان الجهضمي الأزدي ، فأحضره وسأله الهرب به ، فقال : يا حارث إن أبي ~~أوصاني إن احتجت إلى الحرب يوما ما أن أختاركم ، فقال الحارث قد اختبرنا ~~أباك فلم نجد عنده ولا عندك مكافأة ، وما أدري كيف أتأتى لك إن أخرجتك ~~نهارا أخاف أن تقتل أو أقتل ، ولكني أقيم معك إلى الليل ، ثم أردفك خلفي ~~لئلا نعرف ، فقال عبيد الله ، نعم ما رأيت ، فأقام عنده ، فلما كان الليل ~~حمله خلفه ، وكان في بيت المال تسعة عشر ألف ففرق ابن زياد بعضها في مواليه ~~، وادخر الباقي لآل زياد . قال : وسار الحارث بعبيد الله ، فكان يمر به على ~~الناس وهم يتحارسون مخافة الحرورية ، حتى انتهوا إلى بني ناجية ، فقال بنو ~~ناجية : من أنت ؟ قال : الحارث بن قيس . وعرف رجل منهم عبيد الله ، فقال : ~~ابن مرجانة وأرسل سهما فوقع في عمامته PageV20P0315 # """""" صفحة رقم 316 """""" ومضى به الحارث حتى أنزله في داره بالجهاضم ، ~~فقال له ابن زياد : " يا حارث ، إنك قد أحسنت ، فاصنع ما أشير به عليك ، قد ~~علمت منزلة مسعود بن عمرو ، وشرفه وسنه ، وطاعة قومه له ، فهل لك أن تذهب ~~بي إليه فأكون في داره ، فهي وسط الأزد ؟ فإنك إن لم تفعل فرق عليك أمر ~~قومك ، فأخذه الحارث فدخلا على مسعود فلم يشعر حتى رآهما ، فقال للحارث : ~~أعوذ بالله من شر ما طرقتني به ، قال : ما طرقتك إلا بخير ، ولم يزل الحارث ~~يلطف بمسعود في أمره حتى قال له : أتخرجه من بيتك بعد ما دخله عليك ؟ فأمره ~~مسعود فدخل بيت أخيه عبد الغافر بن عمرو ، ثم ركب مسعود من ليلته ومعه ~~الحارث وجماعة من قومه ، فطافوا بالأزد فقالوا : إن ابن زياد قد فقد ، وإنا ~~لا نأمن ms4589 أن تلطخوا به ، فأصبحوا في السلاح ، وفقد الناس ابن زياد فقالوا : ~~ما هو إلا في الأزد . وقيل : إن الحارث لم يكلم مسعودا ، بل أمر عبيد الله ~~فحمل معه مائة ألف درهم وأتى بها أم بسطام امرأة مسعود وهي بنت عم الحارث ~~ومعه عبيد الله ، فاستأذن عليها ، فأذنت له . فقال : قد اتيتك بأمر تسودين ~~به نساء العرب ، وتتعجلين به الغنى ، فأخبرها الخبر وأمرها أن تدخل ابن ~~زياد البيت ، وتلبسه ثوبا من ثياب مسعود ، ففعلت ، فلما جاء مسعود أخذ ~~برأسها يضربها ، فخرج عبيد الله والحارث عليه ، وقال ، لقد أجارتني وهذا ~~ثوبك علي ، وطعامك في بطني ، وشهد الحارث ، وتلطفوا به حتى رضي . فلم يزل ~~ابن زياد في بيته حتى قتل مسعود ، فسار إلى الشام على ما نذكره إن شاء الله ~~. قال : ولما فقد ابن زياد بقي أهل البصرة بغير أمير ، فاختلفوا فيمن ~~يؤمرونه عليهم ، ثم تراضوا بقيس بن الهيثم السلمي ، وبنعمان بن سفيان ~~ليختارا من يرتضيان لهم ، وكان رأي قيس في بني أمية ، ورأي النعمان في بني ~~هاشم ، فقال النعمان : ما أرى أحدا أحق بهذا الأمر من فلان ، لرجل من بني ~~أمية . وقيل بل ذكر عبد الله بن الأسود الزهري ، وكان هوى قيس فيه ، وإنما ~~قال النعمان ذلك خديعة ومكرا بقيس ، فقال قيس : قد قلدتك أمري ورضيت من ~~رضيت ، ثم جاء إلى الناس فقال قيس بن الهيثم : قد رضيت من رضى النعمان . ~~ذكر ولاية عبد الله بن الحارث البصرة قال : ولما اتفق قيس والنعمان ، ورضي ~~قيس بمن يؤمره النعمان ، أشهد عليه النعمان بذلك ، وأخذ على قيس وعلى الناس ~~العهود بالرضا . PageV20P0316 # """""" صفحة رقم 317 """""" ثم أتى عبد الله بن الأسود ، وأخذ بيده ~~واشترط عليه ، حتى ظن الناس أنه يبايعه ، ثم تركه . وأخذ بيد عبد الله بن ~~الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وهو الملقب " ببه " واشترط عليه ~~مثل ذلك ، ثم حمد الله وذكر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وحق أهل بيته ~~وقرابته ، ثم قال : " أيها الناس ، ما تنقمون من رجل من بني ms4590 عم نبيكم وأمه ~~هند بنت أبي سفيان ، فإن كان الأمر فيهم فهو ابن أختهم " ، ثم أخذ بيده ~~وقال ، قد رضيت لكم هذا ، فنادوا : قد رضينا ، وبايعوه ، وأقبلوا به إلى ~~دار الإمارة حتى نزلها ، وذلك أول جمادى الآخرة سنة أربع وستين . ذكر مقتل ~~مسعود بن عمرو الأزدي وهرب عبيد الله بن زياد إلى الشام قال : ثم إن الأزد ~~وربيعة جددوا الحلف الذي كان بينهم ، وأنفق ابن زياد مالا كثيرا فيهم حتى ~~تم الحلف ، وكتبوا بينهم بذلك كتابين ، فلما تحالفوا اتفقوا على أن يردوا ~~ابن زياد إلى دار الإمارة ، فساروا ورئيسهم مسعود بن عمرو ، فقال لابن زياد ~~: سر معنا ، فلم يفعل ، وأرسل معه مواليه على الخيل ، وقال لهم لا يحدثن ~~خير ولا شر إلا أنبأتموني به . فجعل مسعود لا يأتي سمة ولا يتجاوز قبيلة ~~إلا أتى بعض أولئك الموالي إلى ابن زياد بالخبر ، وسارت ربيعة وعليهم مالك ~~بن مسمع فأخذوا سكة المربد ، وجاء مسعود فدخل المسجد وصعد المنبر ، وعبد ~~الله بن الحارث في دار الإمارة ، فقيل له ، إن مسعود وأهل اليمن وربيعة قد ~~ساروا وسيهيج بين الناس شر ، فلو أصلحت بينهم وركبت في بني تميم ، فقال : ~~أبعدهم الله ، والله لا أفسدت نفسي في صلاحهم ، وسار مالك بن مسمع نحو دور ~~بني تميم حتى دخل سكة بني العدوية ، فحرق دورهم لما في نفسه منهم . وجاء ~~بنو تميم إلى الأحنف بن قيس فقالوا : يا أبا بحر ، إن ربيعة والأزد قد ~~تحالفوا وقد ساروا إلى الرحبة فدخلوها ، فقال ، لستم بأحق بالمسجد منهم ، ~~فقالوا : PageV20P0317 # """""" صفحة رقم 318 """""" قد دخلوا الدار ، فقال : لستم بأحق بالدار ~~منهم ، فأتته امرأة بمجمر وقالت له : مالك وللرياسة ؟ إنما أنت امرأة تتجمر ~~. ثم أتوه فقالوا : إن امرأة منا قد نزعت خلاخيلها ، وقد قتلوا الصباغ الذي ~~على طريقك ، وقتلوا المقعد الذي كان على باب المسجد ، وقد دخل مالك بن مسمع ~~سكة بني العدوية فحرق ، فقال الأحنف : أقيموا البينة على هذا ، ففي بعض هذا ~~ما يحل به قتالهم فشهدوا عنده على ذلك ، فقال الأحنف ms4591 : أجاء عباد بن حصين ؟ ~~قالوا لا ، ثم قال : أجاء عباد ؟ قالوا لا ، قال : أها هنا عبس بن طلق ~~قالوا : نعم ؛ فدعاه فانتزع معجزا من رأسه فعقده في رمح ثم دفعه إليه ، ~~فقال : سر ، فسار وصاح الناس : هاجت زبراء " وزبراء أمة للأحنف كنوا بها ~~عنه " . فسار عبس إلى المسجد ، فقاتل الأزد على أبوابه ، ومسعود يخطب على ~~المنبر ، ثم أتوه فاستنزلوه وقتلوه ، وذلك أول شوال سنة أربع وستين ، ~~وانهزم أصحابه . وكان ابن زياد قد تهيأ لما صعد مسعود المنبر ليجئ دار ~~الإمارة ، فقيل له إن مسعود قد قتل ، فركب ولحق بالشام . وأما مالك بن مسمع ~~فأتاه ناس من مصر فحصروه في داره وحرقوه ، ولما هرب ابن زياد تبعوه فأعجزهم ~~، فنهبوا ما وجدوا له ، ففي ذلك يقول واقد بن خليفة التميمي : يا رب جبار ~~شديد كلبه . . . قد صار فينا تاجه وسلبه منهم عبيد الله حين تسلبه . . . ~~جياده وبزه وننهبه يوم التقى مقنبنا ومقنبه . . . لو لم ينج ابن زياد هربه ~~وقد قيل في قتل مسعود ومسير ابن زياد غير ما قدمناه ، وهو أنه لما استجار ~~ابن زياد بمسعود بن عمرو وأجاره ، ثم سار ابن زياد إلى الشام وأرسل معه ~~مسعود مائة من الأزد حتى قدموا به إلى الشام ، ولما سار من البصرة استخلف ~~مسعودا عليها ، فقال بنو تميم وقيس : لا نرضى إلا رجلا ترضاه جماعتنا ، ~~فقال مسعود : قد استخلفني ولا أدع ذلك أبدا ، وخرج حتى انتهى إلى القصر ~~فدخله ، واجتمعت تميم إلى الأحنف ، فاقالوا له : إن الأزد قد دخلوا المسجد ~~قال : وخرج حتى انتهى إلى القصر فدخله ، واجتمعت تميم إلى الأحنف ، فاقالوا ~~له : إن الأزد قد دخلوا المسجد قال : إنما هو لهم ولكم ، قالوا : قد دخلوا ~~القصر وصعد مسعود المنبر . PageV20P0318 # """""" صفحة رقم 319 """""" وكانت خوارج قد خرجوا فنزلوا بنهر الأساورة ~~حين خرج عبيد الله إلى الشام ، فزعم الناس أن الأحنف بعث إليهم : إن هذا ~~الرجل الذي قد دخل القصر هو لنا ولكم عدو ، فما يمنعكم منه فجاءت عصابة ~~منهم حتى دخلوا المسجد ومسعود على ms4592 المنبر يبايع من أتاه ، فرماه علج يقال ~~له مسلم من أهل فارس ، كان قد دخل البصرة وأسلم ثم صار من الخوارج ، فأصاب ~~قلبه فقتله ، فقال الناس : قتله الخوارج ، فخرج الأزد إلى تلك الخوارج ، ~~فقتلوا منهم وجرحوا ، وطردوهم عن البصرة ، ثم قيل للأزد : إن تميما قتلوا ~~منهم مسعودا ، فأرسلوا يسألون ، فإذا ناس من تميم تقوله ، فاجتمعت الأزد ~~عند ذلك ، فرأسوا عليهم زياد بن عمرو أخا مسعود ، ومعهم مالك بن مسمع في ~~ربيعة ، فأتته امرأة بمجمر فقالت : اجلس على هذا ، " أي إنما أنت امرأة " ، ~~فخرج الأحنف في بني تميم ومعهم من بالبصرة من قيس ، فالتقوا ، فقتل منهم ~~قتلى كثيرة ، فقال لهم بنو تميم : " يا معشر الأزد ، الله الله في دمائنا ~~ودمائكم ، بيننا وبينكم القرآن ، ومن شئتم من أهل الإسلام ، فإن كانت لكم ~~علينا بينة فاختاروا أفضل رجل فينا فاقتلوه ، وإن لم تكن لكم بينة فإنا ~~نحلف بالله ما قتلنا ولا أمرنا ولا نعلم له قاتل ، وإن لم تريدوا ذلك فنحن ~~ندي صاحبكم بمائة ألف درهم " . وسفر بينهم عبيد الله بن معمر وعبد الرحمن ~~بن الحارث بن هشام ، فطلبوا عشر ديات ، فطلبوا عشر ديات ، فأجابهم الأحنف ~~إلى ذلك ، واصطلحوا عليه . قال : وأما عبد الله بن الحارث " ببه " فإنه ~~أقام يصلي بالناس حتى قدم عليهم عمر بن عبيد الله أميرا من قبل ابن الزبير ~~. وقيل : كتب ابن الزبير إلى عمر بعهده على البصرة ، فأتاه الكتاب وهو ~~متوجه إلى العمرة ، فكتب عمر إلى أخيه عبيد الله يأمره أن يصلي بالناس ، ~~فصلى بهم حتى قدم عمر ، فبقي عمر أميرا شهرا ، ثم قدم الحارث بن عبيد الله ~~بن أبي ربيعة المخزومي فعزله ووليها الحارث . وقيل : بل اعتزل عبد الله بن ~~الحارث " ببه " أهل البصرة بعد قتل مسعود ، فكتب أهل البصرة بعد قتل مسعود ~~إلى ابن الزبير ، وكتب ابن الزبير إلى أنس بن مالك يأمره أن يصلي بالناس ، ~~فصلى بهم أربعين يوما . هذا ما كان من أمر البصرة ، فلنذكر خبر أهل الكوفة ~~. PageV20P0319 # """""" صفحة رقم 320 """""" ذكر خبر أهل ms4593 الكوفة وما كان من أمرهم بعد ابن ~~زياد إلى أن بويع ابن الزبير كان من خبرهم أنهم لما حصبوا رسل ابن زياد على ~~ما ذكرناه عزلوا خليفته عليهم وهو عمرو بن حريث ، واجتمع الناس وقالوا : ~~نؤمر علينا رجلا إلى أن يجتمع الناس على خليفة ، فاجتمعوا عمر بن سعد بن ~~أبي وقاص ، فجاءت نساء همذان يبكين الحسين بن علي رضي الله عنهما ورجالهم ~~متقلدو السيوف ، فأطافوا بالمنبر ، فقال محمد بن الأشعث : جاء أمر غير ~~ماكنا فيه ، وكانت كندة تقوم بأمر عمر بن سعد ، لأنهم أخواله ، فأجمعوا على ~~عامر بن مسعود ابن أمية بن خلف بن وهب الجمحي ، فخطب أهل الكوفة فقال : إن ~~لكل قوم أشربة ولذات فاطلبوها في مظانها ، وعليكم بما يحل ويحمد ، واكسروا ~~شرابكم بالماء ، وتواروا عني بهذه الجدران . فقال ابن همام : اشرب شرابك ~~وانعم غير محسود . . . واكسره بالماء لا تعص ابن مسعود إن الأمير له في ~~الخمر مأربة . . . فاشرب هنيئا مريئا غير تصريد من ذا يحرم ماء المزن خالطه ~~. . . من قعر خابية ماء العناقيد إني لأكره تشديد الرواة لنا . . . فيها ~~ويعجبني قول ابن مسعود وكثير من الناس يظن أن ابن مسعود المذكور في هذا ~~الشعر هو عبد الله بن أم عبد ، صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وليس ~~كذلك . قال : ولما بايعه أهل الكوفة كتبوا بذلك إلى ابن الزبير فأقره عليها ~~، فمكث ثلاثة أشهر من مهلك يزيد بن معاوية ، ثم استعمل عبد الله بن الزبير ~~عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري على الصلاة ، وإبراهيم بن محمد بن طلحة ~~على الخراج ، واستعمل محمد بن الأشعت بن قيس على الموصل . PageV20P0320 # """""" صفحة رقم 321 """""" ذكر خبر خراسان وما كان من أمر سلم بن زياد ~~وبيعته وخبر عبد الله بن خازم كان من خبر خراسان أنه لما بلغ سلم بن زياد ~~وهو العامل عليها موت يزيد بن معاوية كتم ذلك ، فقال له ابن عرادة : يا ~~أيها الملك المغلق بابه . . . حدثت أمور شأنهن عظيم قتلى بحرة والذين بكابل ~~. . . وزيد أعلن شأنه المكتوم أبني ms4594 أمية إن آخر ملككم . . . جسد بجوازين ثم ~~مقيم طرقت منيته وعند وساده . . . كوب وزق راعف مرثوم ومرنة تبكي على ~~نشواته . . . بالصنج تقعد مرة وتقوم فلما ظهر شعره أظهر سلم موت يزيد بن ~~معاوية ومعاوية بن يزيد ، ودعا الناس إلى البيعة على الرضا حتى تستقيم أمور ~~الناس على خليفة ، فبايعوه ، ثم نكثوا به بعد شهرين ، فلما خلعوه خرج عنهم ~~واستخلف المهلب بن أبي صفرة ، فلما كان بسرخس لقيه سليمان بن مرثد أحد بني ~~قيس بن ثعلبة بن ربيعة ، فقال له : أضاقت عليك نزار حتى خلفت على خراسان ~~رجلا من اليمن ، يعني المهلب ، فولاه مرو الروز ، والفارياب والطالقان ، ~~والجزجان ، وولى أوس بن ثعلبة ابن زفرر " وهو صاحب قصر أوس بالبصرة " هراة ~~، فلما وصل سلم إلى نيسابور PageV20P0321 # """""" صفحة رقم 322 """""" لقيه عبد الله بن حازم ، فقال له : من وليت ~~خراسان ؟ فأخبره فقال : أما وجدت من مضر من تستعمله ، حتى فرقت خراسان بين ~~بكر بن وائل واليمن اكتب لي عهدا على خراسان ؛ فكتب له وأعطاه مائة ألف ~~درهم . وسار ابن خازم إلى مرو ، وبلغ خبره المهلب ، فأقبل فاستخلف رجلا من ~~بني جشم بن سعد بن زيد مناه بن تميم ، فلما وصلها ابن خازم منعه الجشمي ، ~~وجرت بينهما مناوشة ، فأصابت الجشمي رمية في جبهته ، وتحاجزا ، ودخلهما ابن ~~خازم ، ومات الجشمي بعد ذلك بيومين . ثم سار ابن خازم إلى مرو فقاتله ~~سليمان بن مرثد أياما ، فقتل سليمان ، ثم سار بن خازم إلى عمرو بن مرثد وهو ~~بالطالقان فاقتتلوا فقتل عمرو بن مرثد ، وانهزم أصحابه ، فلحقوا بهراة بأوس ~~بن ثعلبة ، ورجع ابن خازم إلى مرو . وهرب من كان بمرو الروذ من بكر بن وائل ~~إلى هراة ، وانضم إليها من كان بكور خراسان من بكر ، فكثر جمعهم ، وقالوا ~~لأوس ابن ثعلبة : نبايعك على أن تسير إلى ابن خازم وتخرج مضر من خراسان ، ~~فأبى عليهم ، فهموا بمبايعة غيره ، فأجابهم ، فبايعوه ، فسار إليهم ابن ~~خازم فنزل على واد بينه وبين هراة ، فأشار البكريون بالخروج من هراة وعمل ~~خندق ، فقال أوس ms4595 : بل نلزم المدينة فإنها حصينة ، وأطاول ابم خازم ليضجر ~~ويعطينا ما نريد ، فأبوا عليه ، وخرجوا فخندقوا خندقا ، وقاتلهم ابن خازم ~~نحو سنة . فنادى هلال الضبي وهو من أصحابه فقال : إنما تقاتل إخوتك وبني ~~أبيك ، فإن نلت منهم الذي تريد فما في العيش خير ، فلو أعطيتهم شيئا يرضون ~~به ، وأصلحت هذا الأمر ؟ ؟ فقال : والله لو خرجنا إليهم عن خراسان ما رضوا ~~، فقال هلال : لا والله لا أقاتل معك أنا ولا رجل يطيعني حتى تعذر إليهم ~~قال : فأنت رسولي إليهم فأرضهم . فأتى هلال إلى أوس بن ثعلبة ، فناشده الله ~~والقرابة في نزار ، وأن يحفظ دماءها ، فقال : هل لقيت بني صهيب ، قال : لا ~~، قال : فالقهم ، وبنو صهيب هم موالي بني جحدر ، وهم الذين ألزموا أوس بن ~~ثعلبة بالقتال ، فخرج هلال من عند PageV20P0322 # """""" صفحة رقم 323 """""" أوس فلقي جماعة من رؤساء أصحابه ، فأخبرهم ما ~~أتى له ، فقالوا له : هل لقيت بني صهيب ؟ فقال : لقد عظم أمر بني صهيب ~~عندكم فأتاهم يكلمهم ، فقالوا : والله لولا أنك رسول لقتلناك ، قال : فما ~~يرضيكم شئ ؟ قالوا : واحد من اثنين ؛ إما أن تخرجوا من خراسان ، وإما أن ~~تقيموا وتخرجوا لنا كل سلاح وكراع وذهب وفضة ، فرجع هلال إلى ابن خازم ، ~~فقال : ما عندك ؟ فأخبره الخبر فقال : إن ربيعة لم تزل غضابا على ربها منذ ~~بعث نبيه في مضر . وأقام ابن خازم يقاتلهم ، فلما طال مقامه ناداهم يوما ؛ ~~يا معشر ربيعة ، أرضيتم بنى من خراسان بخندقكم ؟ فأحفظهم ذلك ، فتنادوا ~~للقتال ، فنهاهم أوس عن الخروج بجماعتهم ، فعصوه ، وخرجوا ، فقاتلوا ساعة ، ~~ثم انهزموا ، حتى انتهوا إلى خندقهم ، وتفرقوا يمينا وشمالا ، وسقطوا في ~~الخندق ، وقتلوا قتلا ذريعا ، وهرب أوس بن ثعلبة وبه جراحات ، وحلف ابن ~~خازم لا يؤتى بأسير يومه ذلك إلا قتله وسار أوس بن ثعلبة إلى سجستان فمات ~~بها أو قريبا منها ، وقتل من بكر يومئذ ثمانية آلاف ، وغلب ابن حازم على ~~هراة واستعمل عليها ابنه محمدا وضم إليه شماس بن دثار العطاردي ، وجعل بكير ~~بن وشاح الثقفي على شرطته ، ورجع ms4596 ابن خازم إلى مرو . وفي هذه السنة بعد موت ~~يزيد خالف أهل الري ، وكان عليهم الفرخان الرازي ، فوجه إليهم عامر بن ~~مسعود وهو أمير الكوفة محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس ~~التميمي الدارمي فهزمه أهل الري ، فبعث إليهم عامر عتاب بن ورقاء التميمي ، ~~فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا ، فقتل الفرخان وانهزم المشركون . هذا ما كان ~~من أخبار العراق وخراسان بعد وفاة يزيد ، فلنذكر أخبار عبد الله بن الزبير ~~، وما تخلل أيامه من أخبار غيره التي حدثت في أعماله . ذكر بيعة عبد الله ~~بن الزبير وما حدثت في أيامه من الوقائع والحوادث المتعلقة به والكائن في ~~أعمال ولايته هو أبو خبيب ، وقيل : أبو بكر عبد الله بن الزبير بن العوام ~~بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ، يجتمع نسبه ونسب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في قصي ، وأمه PageV20P0323 # """""" صفحة رقم 324 """""" أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وهي ~~ذات النطاقين ، وهو أول مولود ولد بالمدينة من المسلمين بعد الهجرة . وكان ~~ابتداء أمره في البيعة له ما قدمناه ؛ من خروجه من المدينة لما توفي معاوية ~~بن أبي سفيان ، ووصوله إلى مكة ، وأنه أقام بالبيت وقال : أنا العائد بهذا ~~البيت . فلما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما في سنة إحدى وستين كما ~~ذكرنا ، قامعبد الله في الناس فعظم قتله ، وعاب أهل العراق عامة ، وأهل ~~الكوفة خاصة ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ، وصلى على رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، ثم قال : إن أهل العراق غدر فجر إلا قليلا ، وإن أهل الكوفة ~~شرار أهل العراق ، وإنهم دعوا حسينا لينصروه ويولوه عليهم ، فلما قدم عليهم ~~ثاروا عليه ، فقالوا له : إما أن تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد ~~بن سمية فيمضي فيك حكمه ، وإما أن تحارب ، فرأى والله أنه هو وأصحابه قليل ~~في كثير ، وإن كان الله لم يطلع على الغيب أحدا أنه مقتول ، ولكنه اختار ~~الميتة الكريمة على الحياة الذميمة ، فرحم الله ms4597 حسينا ، وأخزى قاتله . ~~لعمري لقد كان من خلافهم إياه ، وعصيانهم ، ما كان في مثله واعظ وناه عنهم ~~، ولكنه قدر نازل ، وإذا أراد الله أمرا لم يدفع ، أفبعد الحسين يطمأن إلى ~~هؤلاء القوم ، ويصدق قولهم ، ويقبل لهم عهد ؟ لا والله لا نراهم لذلك أهلا ~~، أم والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه ، كثيرا في النهار صيامه ، أحق ~~بما هم فيه منهم وأولى به في الدين والفضل أم الله ما كان يبدل بالقرآن ~~الغناء ، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء ، ولا بالصيام شرب الحرام ، ولا ~~بالمجالس في حلق الذكر الركض في تطلاب الصيد - يعرض بيزيد - " فسوف يلقون ~~غيا " . فثار إليه أصحابه ، وقالوا : أظهر بيعتك ، فإنه لم يبق أحد إذ هلك ~~الحسين ينازعك هذا الأمر ، وقد كان عبد الله قبل ذلك يبايع سرا ، فقال لهم ~~: لا تعجلوا ، هذا وعمرو بن سعيد عامل مكة ، وهو أشد شئ على عبد الله بن ~~الزبير ، وهو مع ذلك يداري ويرفق . فلما استقر عند يزيد ما قد جمع ابن ~~الزبير من الجموع بمكة أعطى الله عهدا ليوثقنه في سلسلة ، فبعث إليه سلسلة ~~من فضة مع ابن عضادة الأشعري ومسعدة وأصحابهما ليأتوه به فيها ، وبعث معهم ~~برنس خز ليلبسه عليها لئلا تظهر للناس . PageV20P0324 # """""" صفحة رقم 325 """""" فاجتاز أبو عضادة بالمدينة وبها مروان بن ~~الحكم ، فأخبره بما قدم له ، فأرسل مروان معه ولدين له ، أحدهما عبد العزيز ~~، وقال : إذا بلغته رسل يزيد الرسالة فتعرضا له ، وليتمثل أحدكما بهذا ~~الشعر : فخذها فليست للعزيز بخطة . . . وفيها مقال لامرئ متذلل أعامر إن ~~القوم ساموك خطة . . . وذلك في الجيران عزلا بمعزل أراك إذا ما كنت للقوم ~~ناصحا . . . يقال له بالدلو أدبر وأقبل فلما بلغه الرسل الرسالة أنشد عبد ~~العزيز الأبيات ، فقال ابن الزبير : يا بني مروان قد سمعت ما قلتما فأخبرا ~~أباكما : إني لمن نبعة صم مكاسرها . . . إذا تناوحت القصباء والعشر فلا ~~ألين لغير الحق أسأله . . . حتى يلين لضرس الماضغ الحجر وامتنع من رسل يزيد ~~. فقال الوليد بن عتبة وناس من بني أمية ليزيد : لو ms4598 شاء عمرو بن سعيد لأخذ ~~ابن الزبير وبعث إليك به ، فعزل يزيد عمرا واستعمل الوليد بن عتبة على ~~الحجاز ، فأقام الوليد يريد غرة عبد الله فلم يجده إلا متحذرا ممتنعا . ~~وثار نجدة بن عامر الحنفي باليمامة حين قتل الحسين ، وكان الوليد يفيض ~~بالناس من المعرف ، ويقف ابن الزبير وأصحابه ونجدة وأصحابه ، ثم يفيض ابن ~~الزبير وأصحابه ، ونجدة بأصحابه ، لا يفيض واحد منهم بلإفاضة أحد . وكان ~~نجدة يلقى عبد الله بن الزبير ويكثر حتى ظن الناس أنه سيبايعه . ثم كتب عبد ~~الله بن الزبير إلى يزيد في شأن الوليد فعزله يزيد كما تقدم ، واستعمل ~~عثمان بن محمد بن أبي سفيان . وكان من خبر أهل المدينة في خلافهم يزيد ، ~~ووقعة الحرة ، والحصار الأول ما قدمناه . فلما مات يزيد بن معاوية بلغ ~~الخبر عبد الله بن الزبير والحصين بن نمير ومن معه من عسكر الشام يحاصرونه ~~، وقد اشتد حصارهم ، فقال لهم عبد الله وأهل مكة : PageV20P0325 # """""" صفحة رقم 326 """""" علام تقاتلون وقد هلك طاغيتكم ؟ فلم يصدقوهم ~~، فلما بلغ الحصين خبر موت يزيد بعث إلى ابن الزبير فقال : موعد ما بيننا ~~الليلة الأبطح ، فالتقيا وتحادثا فراث فرس الحصين ، فجاء حمام الحرم يلتقط ~~روث فرس الحصين ، فكف الحصين فرسه عن الحمام ، وقال : أخاف أن يقتل فرسي ~~حمام الحرم ، فقال الزبير : تتحرجون من هذا وأنتم تقاتلون المسلمين في ~~الحرم ، فكان فيما قال له الحصين : أنت أحق بهذا الأمر ، هلم فلنبايعك ، ثم ~~اخرج معي إلى الشام ، فإن هذا الجند الذين معي هم وجوه أهل الشام وفرسانهم ~~، فوالله لا يختلف عليك اثنان ، وتؤمن الناس ، وتهدر الدماء التي كانت ~~بيننا وبينك ، وبين أهل الحرة ، فقال له أنه لا أهدر الدماء ، والله لا ~~أرضى أن أقتل بكل رجل منهم عشرة . وأخذ الحصين يكلمه سرا وهو يجهر ويقول : ~~والله لا أفعل ، فقال الحصين : قبح الله من يعدك بعد هذا داهيا أو أريبا ، ~~قد كنت أظن لك رأيا ، وأنا أكلمك سرا ، وتكلمني جهرا ، وأدعوك إلى الخلافة ~~، وتعدني القتل والهلكة ، ثم فارقه ورحل هو ms4599 وأصحابه نحو المدينة . وندم ابن ~~الزبير على ما صنع ، فأرسل إلى الحصين يقول : أما المسير إلى الشام فلا ~~أفعله ، ولكن بايعوا لي هناك ، فإني مؤمنكم وعادل فيكم ، فقال الحصين : إن ~~لم تقدم بنفسك لا يمشي الأمر ، فإن هنالك ناسا من بني أمية يطلبون هذا ~~الأمر ، وسار الحصين إلى المدينة فخرج معه بنو أمية إلى الشام . وبويع عبد ~~الله بن الزبير بمكة لسبع بقين من رجب سنة أربع وستين ، واجتمع لعبد الله ~~بن الزبير الحجاز والكوفة والبصرة والجزيرة وأهل الشام ، إلا أهل أردن ومصر ~~. ثم بويع مروان بن الحكم بالشام ، فكان من أمره في وقعة مرج راهط ، ومسيره ~~إلى مصر واستيلائه عليها ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره . ذكر فراق ~~الخوارج عبد الله وما كان من أمرهم وفي سنة أربع وستين فارق الخوارج الذين ~~كانوا قدموا مكة عبد الله بن الزبير ، وكانوا قد قاتلوا معه أهل الشام . ~~PageV20P0326 # """""" صفحة رقم 327 """""" وكان سبب قدومهم عليه أنه لما اشتد عليهم ~~عبيد الله بن زياد بعد قتل أبي بلال ، اجتمعوا وتذاكروا فأشار عليهم نافع ~~بن الأزرق أن يلحقوا بابن الزبير ، وقال : إن كان على رأينا جاهدنا معه ، ~~وإن كان على غير رأينا دافعنا عن البيت ، فلما قدموا عليه سر بمقدمهم ~~وأخبرهم أنه على مثل رأيهم من غير استفسار ، فقاتلوا معه أهل الشام ، ثم ~~اجتمعوا بعد وفاة يزيد وقالوا : إن الذي صنعتم بالأمس لغير رأي ، تقاتلون ~~مع رجل لا تدرون ، لعله ليس على مثل رأيكم ، وقد كان أمس يقاتلكم هو وأبوه ~~، وينادي : يا ثارات عثمان فاجتمعوا إليه فسألوه عن عثمان ، فنظر فإذا ~~أصحابه حوله قليل فقال : إنكم أتيتموني حين أردت القيام ، ولكن ائتوني عشية ~~النهار حتى أعلمكم ، فانصرفوا . وبعث ابن الزبير إلى أصحابه ، فاجتمعوا ~~عنده بأيديهم العهد . فقال ابن الأزرق : إن الرجل قد أزمع خلافكم ، فتقدم ~~إليه نافع بن الأزرق وعبيدة بن هلال ، فقال عبيدة : بعد أن حمد الله وأثنى ~~عليه ، وذكر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأنه عمل بكتاب الله حتى ms4600 ~~قبضه الله ، واستخلف الناس أبا بكر ، واستخلف أبو بكر عمر ، فكلاهما عمل ~~بكتاب الله وسنة رسوله ، ثم إن الناس استخلفوا عثمان ، ونقصه ، وقبح أفعاله ~~، وتبرأ منه ، ووالى قتله ، ثم قال : فما تقول أنت يا ابن الزبير ؟ فحمد ~~ابن الزبير الله وأثنى عليه ، ثم قال : قد فهمت الذي ذكرت به النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فهو فوق ما ذكرت ، وفوق ما وصفت ، وفهمت الذي ذكرت به أبا ~~بكر وعمر وقد وفقت وأصبت ، وفهمت الذي ذكرت به عثمان ، وإني لا أعلم مكان ~~أحد من خلق الله اليوم أعلم بابن عفان وأمره مني ، كنت معه حيث نقم القوم ~~عليه واستعتبوه فلم يدع شيئا إلا أعتبهم منه ، ثم رجعوا إليه بكتاب له ~~يزعمون أنه كتبه يأمر فيه بقتلهم ، فقال لهم : ما كتبته ، فإن شئتم فهاتوا ~~بينتكم ، فإن لم تكن حلفت لكم . فوالله ما جاءوه ببينة ، ولا استحلفوه ، ~~ووثبوا عليه فقتلوه ، وقد سمعت ما عبته فيه ، فليس كذلك ، بل هو لكل خير ~~أهل ، وأنا أشهدكم ومن حضرني أني ولي لابن عفان ، وعدو أعدائه ، قالوا : ~~فبرئ الله منك ، قال : بل برئ الله منكم . وتفرق القوم ، فأقبل نافع بن ~~الأزرق الحنظلي ، وعبد الله بن صفار السعدي ، وعبد الله بن إباض ، وحنظلة ~~بن بيهس ، وبنو الماحوز ، عبد الله وعبيد الله والزبير من PageV20P0327 # """""" صفحة رقم 328 """""" بني سليط بن يربوع ، وكلهم من تميم ، حتى ~~أتوا البصرة ، وانطلق أبو طالوت من بني بكر بن وائل ، وأبو فديك عبد الله ~~بن ثور من قيس بن ثعلبة ، وعطية بن الأسود اليشكري ، إلى يمامة ، فوثبوا ~~بها مع أبي طالوت ، ثم اجتمعوا بعد ذلك على نجدة بن عامر الحنفي وتركوا أبا ~~طالوت . فأما نافع بن الأزرق ومن معه فإنهم قدموا البصرة فتذاكروا الجهاد ~~وفضيلته ، وخرج في ثلثمائة ، وذلك عند وثوب الناس بابن زياد ، وكسر الخوارج ~~باب السجن وخرجوا ، واشتغ الناس عنهم بحرب الأزد وربيعة وتميم ، فلما استقر ~~أمر عبد الله بن الحارث بالبصرة تجرد الناس للخوارج وأخافوهم ، فلحق نافع ~~بالأهواز في شوال سنة أربع ms4601 وستين واشتدت شوكته ، وكثرت جموعه ، وأقام ~~بالأهواز . وحيث ذكرنا الخوارج ، فلنذكر ما كان من أمرهم في أيام عبد الله ~~بن الزبير إلى نهايته ، ثم نذكر ما سوى ذلك . ذكر مقتل نافع بن الأزرق أمير ~~الخوارج وغيره منهم وفي سنة خمس وستين اشتدت شوكة نافع بن الأزرق ، وهو ~~الذي تنسب إليه الأزارقة من الخوارج ، وكثرت جموعه ، وأقبل بهم نحو الجسر ، ~~فبعث إليه عبد الله بن الحارث أمير البصرة مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة ، ~~فخرج إليه فدفعه عن أرض البصرة حتى بلغ دولاب من أرض الأهواز ، فاقتتلوا ~~هناك فقتل مسلم أمير أهل البصرة ونافع بن الأزرق رئيس الخوارج ، وكان ~~مقتلهما في جمادى الآخرة . فأمر أهل البصرة عليهم الحجاج بن باب الحميري ، ~~وأمرت الخوارج عبد الله بن الماحوز التميمي ، فاقتتلوا فقتل الحجاج وعبد ~~الله ، فأمر أهل البصرة ربيعة بن الأجذم التميمي ، وأمرت الخوارج عبيد الله ~~بن الماحوز ، واقتتلوا حتى أمسوا وقد ملوا القتال ، وكره بعضهم بعضا ، ~~فبينما هم كذلك إذ جاءت سرية للخوارج لم تشهد القتال فهزمت جيش البصرة ، ~~وقتل أميرهم ربيعة ، فأخذ الراية حارث بن بدر فقاتل ساعة بعد أن أذهب الناس ~~عنه ، ثم سار ونزل الأهواز ، وبعث ابن الزبير الحارث بن أبي ربيعة على ~~البصرة كما ذكرناه ، فأقبلت الخوارج نحو البصرة حتى قربوا منها ، فأتى ~~أهلها الأحنف بن قيس وسألوه أن يتولى حربهم ، فأشار عليهم بالمهلب بن أبي ~~صفرة . PageV20P0328 # """""" صفحة رقم 329 """""" ذكر محاربة المهلب الخوارج وقتل أميرهم عبيد ~~الله بن الماحوز كان المهلب قد قدم من قبل عبد الله بن الزبير لولاية ~~خراسان فخرج إليه أشراف أهل البصرة وكلموه في حرب الخوارج ، فأبى عليهم ، ~~فكلمه الحارث بن ربيعة ، فاعتذر بولاية خراسان ، فوضع الحارث وأهل البصرة ~~كتابا عن ابن الزبير إلى المهلب يأمره بقتال الخوارج ، وأتوه به ، فلما ~~قرأه ، قال : والله ما أسير إليهم إلا أن يجعلوا إلي ما غلبت عليه ، ~~ويعطوني من بيت المال ما أقوى به من معي ، فأجابوه إلى ذلك . واختار المهلب ~~من أهل البصرة اثني ms4602 عشر ألفا ، منهم محمد بن واسع ، وعبد الله بن رباح ~~الأنصاري ، ومعاوية بن قرة المزني ، وأبو عمران الجوني وغيرهم . وخرج إلى ~~الخوارج وهم عند الجسر الأصغر فحاربهم ودفعهم عنه ، وتبعهم حتى بلغوا ~~الأهواز ، واقتتلوا هناك . ودامت الحرب ، وقتل المعارك بن أبي صفرة أخو ~~المهلب ، ثم هزم جيش المهلب وثبت هو ، فاجتمع عليه جماعة ممن انهزم ، ثم ~~عادوا للقتال ، وأبلى بلاء حسنا فهزموه ، فبلغ بعض من معه البصرة وجاءت ~~أهلها وأسرع المهلب حتى سبق المنهزمين إلى تل عال ، ثم نادى : إلى عباد ~~الله ؛ فاجتمع إليه ثلاثة آلاف أكثرهم من قومه فعاد إلى الخوارج وقد أمنوا ~~، وسار بعضهم خلف الجيش الذي انهزم ، فأوقع بهم المهلب وقتل رئيسهم عبيد ~~الله بن الماحوز ، فاستخلفوا الزبير بن الماحوز ، وعاد الذين تبعوا ~~المنهزمين ، فوجدوا المهلب قد وضع لهم خيلا فرجعوا منهزمين ، وأقام المهلب ~~موضعه حتى قدم مصعب بن الزبير أميرا على البصرة من قبل أخيه عبد الله . ~~وقيل : كانت هذه الواقعة في سنة ست وستين ، وذلك أن المهلب لما دفع الخوارج ~~عن البصرة إلى ناحية الأهواز أقام بقية سنته يجبي كور دجلة ورزق أصحابه ، ~~وأتاه المدد من البصرة حتى بلغ ثلاثين ألفا . قال : ثم استعمل مصعب بن ~~الزبير لما ولى العراق نائبه عمر بن عبيد الله بن معمر على فارس ، وولاه ~~حرب الأزارقة بعد أن توجه المهلب إلى الموصل والجزيرة وأرمينية على ما ~~تذكره إن شاء الله . PageV20P0329 # """""" صفحة رقم 330 """""" فلما بلغ الخوارج ولايته تقدموا إلى إصطخر ، ~~وأميرهم يوم ذاك الزبير بن الماحوز ، فندب إليهم عمر ابنه عبيد الله في خيل ~~، فاقتتلوا فقتل عبيد الله بن عمر ، وقاتل عمر بن عبيد الله الخوارج فقتل ~~من فرسانهم سبعون رجلا ، وانهزم الخوارج وقصدوا نحو أصبهان ، فأقاموا حتى ~~قووا واستعدوا وأقبلوا حتى مروا بفارس وبها عمر ، فقطعوها من غير الموضع ~~الذي هو به حتى أتوا الأهواز . فكتب إليه مصعب يلومه في تمكينهم من قطع ~~جهته ، فسار عمر من فارس في أثرهم ، وخرج مصعب فعسكر عند الجسر الكبير . ~~وبلغ الخوارج ms4603 وهم بالأهواز إقبال عمر عليهم ، فقطعوا أرض جوخى والنهر وأنات ~~وأتوا المدائن ، وبها كردم بن مرثد الفزاري ، فشنوا الغارة على أهل المدائن ~~، يقتلون الرجال والنساء والولدان ، ويشقون أجواف الحوامل ، فهرب كردم ، ~~وأقبلوا إلى ساباط ، ووضعوا السيف ، وأفسدوا إفسادا عظيما . وأتوا أرض ~~الكوفة فخرج إليهم الحارث بن أبي ربيعة أميرها ، فتوجهوا حتى أتوا المدائن ~~فأتبعهم الحارث عبد الرحمن بن مخنف في ستة آلاف ليخرجهم من أرض الكوفة ، ~~فتبعهم حتى وقعوا فيأرض أصبهان ، فرجع ولم يقاتلهم . وقصدوا الري وعليها ~~يزيد بن الحارث بن رويم الشيباني فقاتلهم ، فأعان أهل الري الخوارج ، فقتل ~~يزيد وهرب ابنه حوشب . ولما فرغ الخوارج من الري شخصوا إلى أصبهان فحاصروها ~~وبها عتاب بن ورقاء ، فصبر لهم وقاتلهم ، فكمن له رجل من الخوارج وضربه ~~بالسيف على حبل عاتقه فصرعه ، فاحتمله أصحابه وداووه حتى برئ ، وداوم ~~الخوارج حصارهم حتى نفذت أطعمتهم وأصابهم الجهد ، فقام عتاب في أصحابه ، ~~وحرضهم على أن يصدقوهم القتال ، فأجابوه إلى ذلك ، وخرج بهم إلى الخوارج ~~وهم آمنون ، فقاتلوهم حتى أخرجوهم من معسكرهم ، وقتلوا أميرهم الزبير بن ~~الماحوز . ففرغت الخوارج إلى أبي نعامة قطري بن الفجاءة المازني فبايعوه ، ~~وأصاب PageV20P0330 # """""" صفحة رقم 331 """""" عتاب ومن معه من عسكره ما شاءوا ، وسارت ~~الخوارج عن أصبهان إلى كرمان ، فأقاموا بها حتى اجتمع إلى أميرهم قطرى جموع ~~كثيرة ، وجبى الأموال وقوي ، ثم أقبل إلى أصبهان ، ثم أتى أرض الأهواز ~~فأقام بها ، فبعث مصعب إلى المهلب فأمره بقتال الخوارج ، وبعث إلى عامله ~~بالموصل والجزيرة إبراهيم بن الأشتر ، فقدم المهلب البصرة ، وانتخب الناس ~~وسار نحو الخوارج ، وأقبلوا إليه حتى التقوا بسولاف ، فاقتتلوا ثمانية أشهر ~~أشد قتال رآه الناس ، وذلك في سنة ثمان وستين . هذا ما أمكن إيراده من ~~أخبار الخوارج في أيام ابن الزبير فلنذكر خلاف ذلك . ذكر خبر التوابين وما ~~كان من أمرهم وأخبارها إلى أن قتلوا وإنما ذكرنا خبر التوابين في هذا ~~الموضع في أخبار عبد الله بن الزبير ، لأن ظهورهم ومقتلهم كان في أيامه ، ~~ومن بلد داخل تحت حكمه ، ونحن ms4604 نذكر مبدأ أمرهم ، وقد ذكرهم ابن الأثير ~~الجزري رحمه الله في تاريخه الكامل في حوادث سنة أربع وستين ، وسنة خمس ~~وستين . قال : ولما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما كما ذكرنا تلاقت ~~الشيعة بالتلاوم والندم على ما صدر منهم ، من استدعائهم الحسين وخذلانه حتى ~~قتل ، ورأوا أنهم لا يغسل عنهم العار والإثم الذي ارتكبوه إلا قتل من قتله ~~أو القتل فيه . فاجتمعوا بالكوفة إلى خمس نفر من رءوس الشيعة ، وهم : ~~سليمان بن صرد الخزاعي ، وكانت له صحبة ، والمسيب بن نجبة الفزاري وكان من ~~أصحاب علي وخيارهم ، وعبد الله بن مسعود بن نفيل الأزدي ، وعبد الله بن وال ~~التيمي ، تيم بكر بن وائل ، ورفاعة بن شداد البجلي ، فاجتمعوا في منزل ~~سليمان بن صرد فبدأهم المسيب بن نجبة فقال بعد حمد الله : أما بعد ، فإنا ~~ابتلينا بطول العمر ، والتعرض لأنواع الفتن ، فنرغب إلى ربنا أن لا يجعلنا ~~ممن يقول له غدا : " أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر " وإن أمير المؤمنين ~~قال : العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة ، وليس فينا رجل إلا ~~وقد بلغه ، وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا ، PageV20P0331 # """""" صفحة رقم 332 """""" فوجدنا الله كاذبين في كل موطن من مواطن ابن ~~ابنة نبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقد بلغنا قبل ذلك كتبه ورسله ، ~~وأعذر إلينا فسألنا نصره عودا وبدءا ، وعلانية وسرا ، فبخلنا عنه بأنفسنا ~~حتى قتل إلى جانبنا ، لا نحن نصرناه بأيدينا ولا جدلنا عنه بألستنا ، ولا ~~قويناه بأموالنا ، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا ، فما عذرنا عند ربنا ~~وعند لقاء نبينا ، وقد قتل فينا ولده وحبيبه ، وذريته ونسله لا والله لا ~~عذر دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه أو تقتلوا في طلب ذلك ، فعسى ربنا ~~أن يرضى عنا عند ذلك ، وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن ، أيها القوم ، ولوا ~~عليكم رجلا منكم ، فإنه لا بد لكم من أمير تفزعون إليه ، وراية تحفون بها . ~~فقام رفاعة بن شداد فقال : أما بعد فإن الله قد هداك لأصوب ms4605 القول ، وبدأت ~~بأرشد الأمور بدعائك إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم ، ~~فمسموع منك مستجاب إلى قولك ، وقلت : ولوا أمركم رجلا تفزعون إليه وتحفون ~~برايته ، وقد رأينا مثل الذي رأيت ، فإن تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيا ~~وفينا مستنصحا وفي جماعتنا محبا ، وإن رأيت ورأى ذلك أصحابنا ولينا هذا ~~الأمر شيخ الشيعة صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وذا السابقة ~~والقدم سليمان بن صرد المحمود في بأسه ودينه الموثوق بحزمه . وتكلم عبد ~~الله بن وأل وعبد الله بن سعد بنحو ذلك ، وأثنيا على سليمان والمسيب ، فقال ~~المسيب : قد أصبتم فولوا أمركم سليمان بن صرد . فتكلم سليمان بن صرد بكلام ~~كثير حضهم فيه على القيام وطلب ثأر الحسين وقتل قتلته أو القتل دون ذلك . ~~وكتب إلى سعد بن حذيفة بن اليمان يعلمه بما عزموا عليه ويدعوه إلى مساعدتهم ~~هو ومن معه من الشيعة بالمدائن ، فقرأ سعد الكتاب على من بالمدائن من ~~الشيعة فأجابوا إلى ذلك . وكتب سليمان أيضا إلى المثنى فأجابه : إننا معشر ~~الشيعة حمدنا الله على ما عزمتم عليه ، ونحن موافوك إن شاء الله للأجل الذي ~~ضربت . قال وكان أول ما ابتدءوا به أمرهم بعد قتل الحسين في سنة إحدى وستين ~~، فما زالوا في جمع آلة الحرب ودعاء الناس ، في السر إلى أن هلك يزيد بن ~~معاوية في سنة أربع وستين ، فجاء إلى سليمان أصحابه فقالوا : قد مات هذا ~~الطاغية ، والأمر PageV20P0332 # """""" صفحة رقم 333 """""" ضعيف ، فإن شئت وثبنا على عمرو بن حريث - ~~وكان خليفة ابن زياد على الكوفة - ثم أظهرنا الطلب بدم الحسين وتتبعنا ~~قتلته ثم ندعو الناس إلى أهل هذا البيت . فقال لهم سليمان : لا تعجلوا ، ~~إني قد نظرت فيما ذكرتم ، فرأيت قتلة الحسين هم أشراف الكوفة وفرسان العرب ~~، ومتى علموا ذلك كانوا أشد عليكم ، ونظرت فيمن تبعني منكم فعلمت أنهم لو ~~خرجوا لم يدركوا ثأرهم ولم يشفوا نفوسهم وكانوا جزرا لعدوهم ولكن بثوا ~~دعاتكم وادعوا إلى أمركم . ففعلوا فاستجاب لهم ناس كثير . ثم إن أهل ms4606 الكوفة ~~أخرجوا عمرو بن حريث وبايعوا لابن الزبير ، فلما مضت ستة أشهر من وفاة يزيد ~~قدم المختار بن أبي عبيد إلى الكوفة في النصف من شهر رمضان ، وقدم عبد الله ~~بن زيد الخطمي الأنصاري أميرا على الكوفة من قبل عبد الله بن الزبير لثمان ~~خلون من شهر رمضان ، وقدم إبراهيم بن محمد بن طلحة معه على الخراج . فأخذ ~~المختار بن أبي عبيد يدعو الناس إلى قتال قتلة حسين ويقول : جئتكم من عند ~~المهدي محمد بن الحنفية وزيرا أمينا ، فرجع إليه طائفة من الشيعة ، وكان ~~يقول : إنما يريد سليمان أن يخرج فيقتل نفسه ومن معه ، وليس له خبرة بالحرب ~~. وبلغ الخبر عبد الله بن يزيد أن سليمان يريد الخروج بالكوفة عليه ، وأشير ~~عليه بحبسه ، وخوف عاقبة أمره إن تركه ، فقال عبد الله إن هم قاتلونا ~~قاتلناهم ، وإن تركونا لا نطلبهم ، إن هؤلاء القوم يطلبون قتلة الحسين ، ~~ولست ممن قتله ، لعن الله قاتله ، ثم صعد إلى المنبر فقال بلغني أن طائفة ~~منكم أرادوا أن يخرجوا علينا ، فسألت عنهم فقيل إنهم يطلبون بدم الحسين ، ~~فرحم الله هؤلاء القوم ، فقد والله دللت على مكانهم ، وأمرت بأخذهم ، فأبيت ~~، وقلت إن قاتلوني قاتلتهم ، وعلام يقاتلوني ؟ فوالله ما أنا قتلت حسينا ، ~~ولقد والله أصبت بمقتله رحمة الله عليه ، وإن هؤلاء القوم آمنون ، فليخرجوا ~~ظاهرين ، وليسيروا إلى من قاتل الحسين ، فقد أقبل إليهم - يعني عبيد الله ~~بن زياد - فأنا لهم ظهير ، هذا ابن زياد قاتل الحسين ، وقاتل خياركم ~~وأمثالكم ، فقد توجه إليكم وقد فارقوه على ليلة من جسر منبج ، فقتاله ~~والاستعداد له أولى من أن تجعلوا بأسكم بينكم ، فيقتل بعضكم بعضا ، فيلقاكم ~~عدوكم وقد رققتم PageV20P0333 # """""" صفحة رقم 334 """""" فنهلك ، وتلك أمنيته ، وقد قدم عليكم أعدى ~~خلق الله لكم ، من ولى عليكم هم وأبوه سبع سنين لا يقلعان عن قتل أهل ~~العفاف والدين ، هو الذي قتلكم ومن قبله أتيتم ، والذي قتل من تنادون بدمه ~~، قد جاءكم فاستقبلوه بحدكم وشوكتكم واجعلوها به ولا تجعلوها بأنفسكم إني ~~لكم ناصح . وكان مروان ms4607 بن الحكم قد بويع بالشام على ما نذكره ، وبعث عبيد ~~الله بن زياد إلى الجزيرة ، وأمره إذا فرغ منها أن يسير إلى العراق . قال : ~~فلما فرغ عبد الله بن يزيد من كلامه قال إبراهيم بن محمد بن طلحة : أيها ~~الناس ، لا يغرنكم من السيف والغشم مقالة هذا المداهن ، والله لئن خرج ~~علينا خارج لنقتلنه ، ولئن استقينا أن قوما يريدون الخروج علينا لنأخذن ~~الوالد بولده والمولود بوالده والحميم بالحميم والعريف بما في عرافته ، حتى ~~يدينوا للحق والطاعة . فوثب إليه المسيب بن نجبة فقطع عليه منطقه ، ثم قال ~~: يا ابن الناكثين ، أنت تهددنا بسيفك وحشمك أنت والله أذل من ذلك ، إنا لا ~~نلومك على بغضنا وقد قتلنا أباك وجدك ، وأما أنت أيها الأمير فقد قلت قولا ~~سديدا ، فقال له إبراهيم والله لتقتلن ، وقد داهن هذا ، يعني عبد الله بن ~~يزيد ، فقال عبد الله بن وأل : ما اعتراضك فيما بينا وبين أميرنا ؟ ما أنت ~~علينا بأمير إنما أنت أمير هذه الجزية ، فأقبل على خراجك ، ولئن أفسدت أمر ~~هذه الأمة فقد أفسده والداك ، وكانت عليهما دائرة السوء . فشتمهم جماعة ممن ~~مع إبراهيم ، ونزل الأمير عن المنبر ، وتهدده إبراهيم بأنه يكتب إلى ابن ~~الزبير يشكوه ، فجاءه عبد الله في منزله فاعتذر إليه ، فقبل عذره . ثم خرج ~~أصحاب سليمان بن صرد ينشرون السلاح ظاهرين إلى سنة خمس وستين ، فعزم سليمان ~~على الشخوص ، وبعث إلى رءوس أصحابه وتواعدوا للخروج في مستهل شهر ربيع ~~الآخر ، وخرجوا في ليلة الوعد إلى النخيلة ، فدار سليمان في الناس ، فلم ~~يعجبه عددهم ، فأرسل سليمان إلى حكيم بن منقذ الكندي والوليد بن عضين ~~الكناني فناديا في الكوفة يالثارات الحسين فكانا أول من دعا يا لثارات ~~الحسين . فأصبح من الغد وقد أتاه نحو مما في عسكره ، ثم نظر في ديوانه ~~فوجدهم ستة عشر ألفا بايعه ، فقال : سبحان الله ما وافانا من ستة عشر ألفا ~~إلا أربعة آلاف فقيل له إن المختار يثبط الناس عنك وقد تبعه ألفان ، فقال : ~~بقي عشرة آلاف ما هؤلاء بمؤمنين ms4608 . PageV20P0334 # """""" صفحة رقم 335 """""" فأقام بالنخيلة ثلاثا ، يبعث إلى من تخلف عنه ~~، فخرج إليه نحو من ألف رجل ، فقام المسيب بن نجبة ، فقال : رحمك الله ، ~~إنه لا ينفعك الكلام ، ولا يقاتل معك إلا من أخرجته النية ، فلا تنتظرن ~~أحدا ، وخذ في أمرك ، قال : نعم ما رأيت . ثم قام سليمان في أصحابه فقال : ~~أيها الناس ، من كان إنما خرج إرادة وجه الله وثواب الآخرة فذلك منا ونحن ~~منه ، فرحمة الله عليه حيا وميتا ، ومن كان يريد الدنيا فوالله ما يأتي فيء ~~نأخذه ولا غنيمة نغنمها ، ما خلا رضوان الله ، وما معنا من ذهب ولا فضة ولا ~~متاع ، ما هو إلا سيوفنا على عواتقنا ، وزاد قدر البلغة ، فمن كان ينوي غير ~~هذا فلا يصحبنا . فتنادى أصحابه من كل جانب : إنا لا نطلب الدنيا ، وليس ~~لها خرجنا ، إنما خرجنا لنطلب التوبة والطلب بدم ابن بنت نبينا ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . فلما عزم على المسير قال له عبد الله بن سعد بن نفيل : إني ~~قد رأيت رأيا ، إن يكن صوابا فالله الموفق ، وإن يكن ليس بصواب فالرأي ما ~~تراه ، إنا خرجنا نطلب بدم الحسين ، وقتلته كلهم بالكوفة ، منهم عمرو بن ~~سعد ورءوس الأرباع والقبائل ، فأين تذهب من ههنا وتدع الأوتار . فقال ~~أصحابه : هذا هو الرأي . فقال سليمان : أنا لا أرى ذلك ، إن الذي قتله وعبأ ~~الجنود إليه وقال : لا أمان له عندي دون أن يستسلم فأمضي فيه حكمي ، هذا هو ~~الفاسق ابن الفاسق ، عبيد الله بن زياد ، فسيروا على بركة الله إليه ، فإن ~~يظهركم الله عليه رجونا أن يكون من بعده أهون منه ، ورجونا أن يدين لكم أهل ~~مصركم في عافيته ، فينظرون إلى كل من شرك في دم الحسين فيقتلونه ولا يغشون ~~، وإن تستشهدوا فإنما قاتلتم المحلين ، وما عند الله خير للأبرار ، ~~فاستخيروا الله وسيروا . وبلغ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة ~~خروج ابن صرد ، فأتياه في أشراف أهل الكوفة ، ولم يصحبهم من له شرك في دم ~~الحسين خوفا منهم ، فلما أتياه ms4609 قال له عبد الله بن يزيد : إن المسلم أخو ~~المسلم ، لا يخونه ولا يغشه ، وأنتم إخواننا وأهل بلدنا وأحب أهل مصر خلقه ~~الله إلينا ، فلا تفجعونا في أنفسكم ، ولا تنقصوا عددنا بخروجكم من جماعتنا ~~، أقيموا معنا حتى نتهيأ فإذا سار عدونا إلينا خرجنا إليه بجماعتنا ~~فقاتلناه . وجعل لسليمان وأصحابه خراج جوخى إن أقاموا ، وقال إبراهيم ~~PageV20P0335 # """""" صفحة رقم 336 """""" مثل ذلك ، فقال سليمان قد محضتما النصيحة ~~واجتهدتما في المشورة فنحن بالله وله ، ونسأله العزيمة على الرشد ، ولا ~~نرانا إلا سائرين ، فقال عبد الله : فأقيموا حتى نعبئ معكم جيشا كثيرا ، ~~فتلقوا عدوكم بجمع كثيف ، وكان قد بلغهم إقبال عبيد الله بن زياد من الشام ~~في الجنود . فلم يقم سليمان ، وسار عشية الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع ~~الآخر سنة خمس وستين ، فتخلف عنه ناس كثير ، فقال ما أحب من تخلف منكم معكم ~~ولو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا إن الله كره انبعاثهم فثبطهم وخصكم ~~بفضل ذلك . ثم ساروا فانتهوا إلى قبر الحسين ، فصاحوا صيحة واحدة ، وبكوا ~~بكاء شديدا ، وترحموا عليه ، وتابوا عنده من خذلانه وترك القتال معه ، ~~وأقاموا عنده يوما وليلة يبكون ويتضرعون . ثم ساروا وقد ازدادوا حنقا ، ~~وأخذوا صوب الأنبار ، وساروا حتى أتوا قرقسيا على تعبئة ، وبها زفر بن ~~الحارث الكلابي قد تحصن بها عند فراره من وقعة مرج راهط ، على ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى في أخبار مروان بن الحكم . فبعث إليه سليمان ، وعرفه ما هو ~~وأصحابه عليه من قصد ابن زياد ، فبعث إليهم بجزور ودقيق وعلف ، وخرج إليهم ~~وشيعهم وعرض عليهم أن يقيموا عنده بقرقيسيا ، وقال : ابن زياد في عدد كثير ~~، فأبوا المقام ، وساروا مجدين ، وقال لهم زفران إن ابن زياد قد بعث خمسة ~~أمراء من الرقة فيهم الحصين بن نمير وشرحبيل بن ذي الكلاع وأدهم بن محرز ~~وجبلة بن عبيد الله الخثعمي ، فأبوا إلا المسير . فانتهوا إلى عين الوردة ، ~~فنزلوا غربيها ، وأقاموا خمسا ، واستراحوا وأراحوا . وأقبل أهل الشام في ~~عساكرهم ، حتى كانوا من عين الوردة على ms4610 مسيرة يوم وليلة ، فقام سليمان في ~~أصحابه فخطبهم وحرضهم على القتال وذكرهم الآخرة ثم قال : إن أنا قتلت فأمير ~~الناس المسيب ابن نجبة ، فإن قتل فالأمير عبد الله بن سعد بن نفيل ، فإن ~~قتل فالأمير عبد الله بن وأل ، فإن قتل فالأمير رفاعة بن شداد ، رحم الله ~~امرأ صدق ما عاهد الله عليه . PageV20P0336 # """""" صفحة رقم 337 """""" وبعث المسيب بن نجبة في أربعمائة فارس ، وقال ~~: سر حتى تلقى أول عساكرهم ، فشن عليهم الغارة ، فإن رأيت ما تحب وإلا ~~فارجع . فسار يومه وليلته ، ثم نزل ، فأتى بأعرابي ، فسأله عن أدنى العسكر ~~منه ، فقال : أدناها منك عسكر شرحبيل بن ذي الكلاع ، وهو على ميل ، وقد ~~اختلف هو والحصين ، ادعى كل واحد منهما أنه على الجماعة ، وهما ينتظران أمر ~~عبيد الله . فسار المسيب ومن معه مسرعين ، حتى أشرفوا على القوم ، وهم على ~~غير أهبة ، فحملوا في جانب عسكرهم ، فانهزم العسكر ، فأصاب المسيب منهم ~~رجالا وأكثروا فيهم الجراح ، وأخذوا دواب ، وترك الشاميون معسكرهم وانهزموا ~~، فغنم أصحاب المسيب ما أرادوا ، ثم انصرفوا إلى سليمان . وبلغ الخبر ابن ~~زياد ، فسرح الحصين في اثني عشر ألفا ، فخرج أصحاب سليمان إليه ، لأربع ~~بقين من جمادى الأولى ، وعلى ميمنتهم عبد الله بن سعد ، وعلى ميسرتهم ~~المسيب ، وسليمان في القلب . وجعل الحصين على ميمنته جبلة بن عبد الله ، ~~وعلى ميسرته ربيعة بن المخارق الغنوي . فلما دنا بعضهم من بعض دعاهم أهل ~~الشام إلى الجماعة على مروان بن الحكم ، ودعاهم أصحاب سليمان إلى خلع مروان ~~وتسليم عبيد الله بن زياد إليهم وأنهم يخرجون من بالعراق من أصحاب عبد الله ~~بن الزبير ثم يرد الأمر إلى أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأبى ~~كل منهم ، وحمل بعضهم على بعض ، فانهزم أهل الشام وكان الظفر لأصحاب سليمان ~~إلى الليل . فلما كان الغد صبح الحصين ثمانية آلاف أمده بهم عبيد الله ، ~~فقاتلهم أصحاب سليمان عامة النهار قتالا شديدا لم يحجز بينهم إلا الصلاة ~~حتى حجز بينهم الليل ، وقد كثر الجراح في الفريقين . فلما أصبح ms4611 أهل الشام ~~أتاهم أدهم بن محرز الباهلي في نحو من عشرة آلاف من قبل ابن زياد ، ~~فاقتتلوا يوم الجمعة إلى ارتفاع الضحى ، ثم كثر أهل الشام عليهم ، وعطفوا ~~من كل جانب ، فنزل سليمان ونادى : عباد الله ، من أراد البكور إلى ربه ~~والتوبة من ذنبه فإلي . ثم كسر جفن سيفه ، فنزل معه ناس كثير وفعلوا كفعله ~~، وقاتلوا قتالا شديدا ، فقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة وأكثروا فيهم ~~الجراح ، فبعث الحصين الرجالة ترميهم بالنبل ، واكتنفتهم الخيل ، فقتل ~~سليمان بن صرد ، رماه يزيد بن PageV20P0337 # """""" صفحة رقم 338 """""" الحصين بسهم فوقع ثم وثب ثم وقع ، ومات وهو ~~ابن ثلاث وتسعين سنة ، وكانوا قد سموه " أمير التوابين " . فأخذ الراية ~~المسيب بن نجبة ، وترحم على سليمان ، فتقدم فقاتل حتى قتل بعد أن قتل رجالا ~~كثيرا . فأخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل ، وترحم عليهما ، وقرأ " ~~فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " وحف به من كان منهم ~~معه من الأزد ، فبيناهم في القتال إذ أتاهم فرسان ثلاثة من سعد بن حذيفة ، ~~يخبرون بمسيره في سبعين ومائة من أهل المدائن ، ويخبرون بمسير أهل البصرة ~~مع المثنى بن مخرمة العبدي في ثلاثمائة ، فقال عبد الله بن سعد : لو جاءونا ~~ونحن أحياء ؟ وقاتل حتى قتل ، قتله ابن أخي ربيعة بن مخارق ، وحمل خالد بن ~~سعد بن نفيل على قاتل أخيه يطعنه بالسيف ، فخلصه أصحابه ، وقتل خالد بن سعد ~~. فجيء بالراية إلى عبد الله بن وأل ، وقد اصطلى الحرب في عصابة معه ، ~~فأخذها ، وقاتل مليا ، وذلك وقت العصر ، ومازال يقاتل حتى قتل هو وأصحابه ~~رجالا ، ثم إن أهل الشام تعطفوا عليهم من كل جانب ، فلما كان عند المساء ~~تولى قتالهم أدهم بن محرز الباهلي ، فحمل في خيله ورجله حتى وصل إلى ابن ~~وأل وهو يتلو " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ، بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون " الآيات ، فغاظ ذلك أدهم ، فحمل عليه وضربه فأبان يده ثم تنحى ~~عنه ، وقال : إني أظنك وددت أنك عند ms4612 أهلك ، قال ابن وأل بئس ما ظننت ، ~~والله ما أحب أن يدك مكانها إلا أن يكون لي من الأجر مثل ما في يدي ، ليعظم ~~وزرك وأجري ، فغاظه ذلك فحمل عليه فطعنه فقتله وهو مقبل ما زال عن مكانه ، ~~وكان ابن وأل من الفقهاء العباد . فلما قتل أتوا رفاعة بن شداد البجلي ~~وقالوا خذ الراية ، فقال : ارجعوا بنا لعل الله يجمعنا ليوم شر لهم ، فقال ~~عبد الله بن عوف ابن الأحمر : هلكنا والله لئن انصرفت ليركبن أكتافنا فلا ~~نبلغ فرسخا حتى نهلك عن آخرنا ، وإن نجا منا ناج أخذته الأعراب فتقربوا به ~~إليهم فيقتل صبرا هذه الشمس قد قاربت الغروب فنقاتلهم على خيلنا ، فإذا غسق ~~الليل ركبنا خيولنا أول الليل ، وسرنا حتى نصبح ونسير على مهل ، يحمل الرجل ~~صاحبه وحريمه ونعرف الوجه الذي نأخذه . PageV20P0338 # """""" صفحة رقم 339 """""" فقال رفاعة نعم ما رأيت وأخذ الراية ، ~~وقاتلهم قتالا شديدا وتقدم عبد الله بن عزيز الكناني فقاتل أهل الشام قتالا ~~شديدا ، ومعه ولده محمد وهو صغير ، فسلمه لبني كنانة من أهل الشام ليوصلوه ~~إلى الكوفة ، فعرضوا عليه الأمان ، فأبى ، ثم قاتلهم حتى قتل . وتقدم كريب ~~بن زيد الحمير عند المساء في مائة من أصحابه فقاتل قتالا شديدا ، فعرض ابن ~~ذي الكلاع عليه وعلى أصحابه الأمان ، فقال قد كنا آمنين في الدنيا وإنما ~~خرجنا نطلب أمان الآخرة . وتقدم صخير بن هلال المزني في ثلاثين من مزينة ، ~~فقاتلوا حتى قتلوا . فلما أمسوا رجع أهل الشام إلى معسكرهم ، وسار رفاعة ~~بالناس ليلته ، وأصبح الحصين فلم يرهم ، فما بعث في أثرهم ، وساروا حتى ~~أتوا قرقيسيا فأقاموا عند زفر بن الحارث ثلاثا ، ثم زودهم وساروا إلى ~~الكوفة . وأما سعد بن حذيفة بن اليمان فإنه سار من المدائن بمن معه حتى بلغ ~~هبت ، فأتاه الخبر ، فرجع فلقي المثنى بن مخرمة العبدي في أهل البصرة ، ~~فأخبره ، فأقاموا بصندوداء حتى أتاهم رفاعة ، فاستقبلوه ، وبكى بعضهم إلى ~~بعض ، وأقاموا يوما وليلة ، ثم تفرقوا ، فسارت كل طائفة منهم إلى جهتهم . ~~قال : ولما بلغ رفاعة ms4613 الكوفة كان المختار بن أبي عبيد محبوسا ، فأرسل إليه ~~المختار : " أما بعد فإنكم خرجتم بالعصبة الذين عظم الله لهم الأجر حين ~~انصرفوا ورضي فعلهم حتى قتلوا ، أما ورب البيت ما خطا خاط منكم خطوة ولا ~~ربا ربوة إلا كان ثواب الله له أعظم من الدنيا ، إن سليمان قد قضى ما عليه ~~، وتوفاه الله فجعل روحخ مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، ولم ~~يكن بصاحبكم الذي به تنتصرون إني أنا الأمير المأمور والأمين المأمون ، ~~وقاتل الجبارين ، والمنتقم من أعداء الدين ، والمقيد من الأوتار ، فأعدوا ~~واستعدوا وأبشروا ، وأدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ، والطلب بدم أهل ~~البيت ، والدفع عن الضعفاء ، وجهاد المحلين ، والسلام " . وكان من أمر ~~المختار ما نذكره إن شاء الله تعالى . PageV20P0339 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الحادى والعشرون PageV21P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ### | AUT ذكر أخبار المختار ابن أبي عبيد بن مسعود الثقفي # كان المختار بن أبي عبيد ممن بايع مسلم بن عقيل لما بعثه الحسين علي رضي ~~الله عنهما إلى الكوفة وأنزله في داره ، ودعا إليه . فلما ظهر ابن عقيل كان ~~المختار في قرية تدعى لقفا ، فأتاه الخبر بظهوره ، فأقبل في مواليه إلى باب ~~الفيل بعد المغرب ، وقد أجلس عبيد الله بن زياد عمرو بن حريث بالمسجد ومعه ~~راية ، فبعث إلى المختار وأمنه ، فجاء إليه . فلما كان من الغد ذكر عمارة ~~بن عقبة أمره لعبيد الله ، فأحضره ، وقال له : أنت المقبل في الجموع لتنصر ~~ابن عقيل قال : لم أفعل ، واكني أقبلت ونزلت تحت راية عمرو ، فشهد له عمرو ~~بذلك ، فضرب ابن زياد وجه المختار بقضيب فشتر عينه وقال : لولا شهادته ~~قتلتك . وحسبه إلى أن قتل الحسين . فبعث المختار إلى عبد الله بن عمر بن ~~الخطاب يسأله أن يشفع له فيه ، وكان زوج أخته صفية بنت أبي عبيد ، فكتب ابن ~~عمر إلى يزيد بن معاوية يشفع فيه ، فأمر يزيد ابن زياد بإطلاقه ، فأطلقه ~~وأمره ألا يقيم غير ثلاث . فخرج المختار إلى الحجاز ، واجتمع بعبد الله بن ~~الزبير وأخبره خبر العراق ، وقال له : ابسط يدك ms4614 أبايعك ، وأعطنا ما يرضينا ~~، وثب على الحجاز ، فإن أهله معك ، وكان ابن الزبير يدعو لنفسه سرا ، فكتم ~~أمره عن المختار ففارقه إلى الطائف ، وغاب PageV21P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" عنه سنة ثم سأل عنه ابن الزبير ، فقيل له : إنه ~~بالطائف ، وإنه يزعم أنه صاحب الغضب ومبيد الجبارين ، إن يهلك الله ~~الجبارين يكن المختار أولهم . فبينا هو في حديثه إذ دخل المختار ، فطاف ~~وصلى ركعتين ، وجلس وأتاه معارفه يحدثونه ، وما يأت ابن الزبير ، فوضع ابن ~~الزبير عليه عباس بن سهل بن سعد ، فأتاه ، وسأله عن حاله ، ثم قال له : ~~مثلك يغيب من الذي قد اجتمع عليه الأشراف من قريش والأنصار وثقيف ؟ ولم تبق ~~قبيلة إلا وقد أتاه زعيمها ، فبايع هذا الرجل . فقال : إني أتيه في العام ~~الماضي فكتم عني خبره ، فلما استغنى عني أحببت أن أريه أني مستغن عنه ، ~~فقال له العباس : ألقه الليلة وأنا معك ، فأجابه إلى ذلك ، وحضر عند ابن ~~الزبير بعد العتمة ، فقال له المختار : أبايعك على ألا تقضي الأمور دوني ، ~~وعلى أن أكون أول داخل عليك ، وإذا ظهرت استعنت بي على أفضل عملك . فقال ~~ابن الزبير : أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله . فقال : وشر غلماني تبايعه ~~على ذلك ، والله لا أبايعك أبدا إلا على ذلك ، فبايعه وأقام عنده ، وشهد ~~معه قتال الحصين ، وكان أشد الناس على أهل الشام ، فلما مات يزيد وأطاع أهل ~~العراق عبد الله ابن الزبير ، أقام المختار عنده خمسة أشهر ، فلما رآه لا ~~يستعمله جعل يسأل من يقدم من الكوفة عن حال الناس ، فأخبره هانئ بن أبي حية ~~الوداعي باتفاق أهل الكوفة على طاعة ابن الزبير إلا طائفة من الناس ، لو ~~كان لهم من يجمعهم على رأيهم أكل بهم الأرض إلى يوم ما . فقال المختار ، ~~أنا أبو إسحاق أنا والله لهم ، أنا أجمعهم على الحق ، وأتقي بهم ركبان ~~الباطل ، وأقتل بهم كل جبار عنيد . ثم ركب دابته وسار نحو الكوفة فوصل ~~إليها . و اختلفت الشيعة إليه ، وبلغت خبر سليمان بن صرد وأنه على عزم ~~المسير ، فقام ms4615 في الشيعة فحمد الله ، ثم قال : إن المهدي وابن الرضا ، يعني ~~محمد ابن الحنيفة ، بعثني إليكم أمنينا ووزيرا ومنتخبا وأميرا ، وأمرني ~~بقتال الملحدين ، والطلب بدم أهل بيته . PageV21P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" فبايعه إسماعيل بن كثير وأخوه ، وعبيدة بن عمرو ~~، وكانوا أول من أجابه ، وبعث إلى الشيعة وقد اجتمعوا عند ابن صرد ، وقال ~~لهم نحو ذلك ، وقال : إن سليمان ليس له تجربة بالحرب ولا بالأمور ، إنما ~~يريد أن يخرجكم وفيقتلكم ويقتل نفسه ، وأنا أعمل على مثال مثل لي ، وأمر ~~بين لي ، فيه عز وليكم ، وقتل عدوكم ، وشفاء صدوركم ، فاسمعوا قولي ، ~~وأطيعوا أمري ، ثم ابشروا . فمازال بهذا ونحوه حتى استمال طائفة من الشيعة ~~، فكانوا يختلفون إليه ويعظمونه ، وأكثر الشيعة مع ابن صرد ، وهو أثقل خلق ~~الله على المختار . فلما خرج سليمان بن صرد على ما قدمناه قال عمر بن سعد ، ~~وشبث بن ربعي ، ويزيد بن الحارث بن رويم لعبد الله بن يزيد وإبراهيم بن ~~محمد بن طلحة : إن المختار أشد عليكم من سليمان ، إن سليمان إنما خرج يريد ~~قتال عدوكم ، والمختار يريد أن يثب عليكم في مصركم ، فأتوه ، وأخذوه بغتة ، ~~وحملوه إلى السجن ، فكان يقول في السجن : أما ورب البحار ، والنخيل ~~والأشجار ، والمهامة ، والقفار ، والملائكة الأبرار ، والمصطفين الأخيار ، ~~لأقتلن كل جبار ، بكل لدن خطار ، ومهند بتار ، وجموع الأنصار ، وليسوا بميل ~~أغمار ، ولا بعزل أشرار ، حتى إذا أقمت عمود الدين ، ورأبت شعب صدع ~~المسلمين ، وشفيت غليل المؤمنين ، وأدركت بثأر النبيين ، لم يكبر على زوال ~~الدنيا ، ولم أحفل بالموت إذا أتى . و قيل في خروج المختار إلى الكوفة غير ~~ما تقدم ، وهو أنه قال لعبد الله بن الزبير وهو عنده : إني لأعلم قوما لو ~~أن لهم رجلا له علم بما يأتي ويذر لاستخرج لك منهم جندا يقاتل بهم أهل ~~الشام . قال : من هؤلاء ؟ قال : شيعة علي " رضي الله عنه " بالكوفة ، قال : ~~فكن أنت ذلك الرجل ؛ فبعثه إلى الكوفة ، فنزل ناحية منها يبكي على الحسين ~~ويذكر مصابه حتى ألفه الناس وأحبوه ، فنقلوه إلى وسط الكوفة ، وأتاه ms4616 منهم ~~بشر كثير " والله أعلم " ذكر وثوب المختار بالكوفة كان وثوب المختار ~~بالكوفة في رابع عشر شهر ربيع الأول سنة " 66 ه " ست وستين ، وكان سبب ذلك ~~أنه لما قتل سليمان بن صرد قدم من بقي من أصحابه إلى الكوفة ، وكان المختار ~~محبوسا كما ذكرنا ، فكتب إليهم من السجن يثني عليهم ، ويمنيهم PageV21P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" الظفر ، ويعرفهم أن محمد بن علي بن أبي طالب ~~المعروف بابن الحنفية أمره بطلب الثأر ، فقرأ كتابه رفاعة بن شداد والمثنى ~~بن مخربة العبدي ، وسعد بن حذيفة بن اليمان ، ويزيد بن أنس ، وأحمر بن شميط ~~، وعبد الله بن شداد البجلي ، وعبد الله بن كامل . فلما قرؤوا كتابه بعثوا ~~إليه ابن كامل يقولون : إننا بحيث يسرك ، فأن شئت أن نأتيك ونخرجك من الحبس ~~فعلنا ، فقال : إني أخرج في أيامي هذه . وكان المختار قد أرسل إلى عبد الله ~~ابن عمر يقول : إني حبست مظلوما ، وطلب " منه " أن يشفع فيه إلى عبد الله ~~بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة . فكتب ابن عمر إليهما في أمره ، فشفعاه ~~فيه ، وأخرجاه من السجن ، وحلفاه أن لا يبغيهما غائلة ، ولا يخرج عليهما ~~مادام لهما سلطان ، فإن فعل فعليه ألف بدنة ينحرها عند الكعبة ، ومماليكه ~~أحرار . فلما خرج نزل بداره ، وقال لمن يثق به : قاتلهم الله ، ما أحمقهم ~~حين يرون أني أفي لهم ، أما حلفي بالله فإنني إذا حلفت على يمين فرأيت خيرا ~~منها أكفر عن يميني ، وخروجي عليهم خير من كفي عنهم ، وأما هدي البدن ، ~~وعتق الممليك ، فهو أهون علي من بصقة ، وددت أني تم لي أمي ، ولا أملك بعده ~~مملوكا أبدا . ثم اختلفت إليه الشيعة ، واتفقوا على الرضا به ، ولم يزل ~~أصحابه يكثرون وأمره يقوى ، حتى عزل عبد الله بن الزبير عبد الله ابن يزيد ~~وإبراهيم بن محمد ، واستعمل عبد الله بن مطيع عل عملهما بالكوفة . و قدم ~~ابن مطيع الكوفة لخمس بقين من شهر رمضان سنة " 65 ه " خمس وستين ، ولما قدم ~~صعد النبر ، فخطب الناس وقال : أما بعد ms4617 ، فإن أمير المؤمنين بعثني على ~~مصركم وثغوركم ، وأمرني بجباية فيئكم وألا أحمل فضلة عنكم إلا برضا منكم ، ~~وأن أتبع فيكم وصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته ، وسيرة عثمان ~~بن عفان رضي الله عنهما ، فاتقوا الله واستقيموا ، ولا تختلفوا علي ، وخذوا ~~على أيدي سفهائكم ، فإن لم تفعلوا فلوموا أنفسكم . فقام إليه السائب بن ~~مالك الأشعري ، فقال : أما حمل فينا برضانا فإنا نشهد ألا نرضى أن تحمل عنا ~~فضلة وألا تقسم إلا فينا ، PageV21P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" وألا يسار فينا إلا بسيرة علي بن أبي طالب التي ~~سار بها في بلادنا حتى هلك ، ولا حاجة لنا في سيرة عثمان بن عفان في فيئنا ~~ولا في أنفسنا ، ولا في أنفسنا ، ولا في سيرة في فيئنا ، وإن كانت أهون ~~السيرتين علينا ، وقد كان يفعل بالناس خيرا . فقال يزيد بن أنس : صدق ~~السائب وبر ، فقال ابن مطيع : نسير فيكم بكل سيرة أحببتم ، ثم نزل . و جاء ~~إياس بن مضارب إلى مطيع فقال له : إن السائب بن مالك من رءوس أصحاب المختار ~~، فأبعث إلى المختار ، فإذا جاءك فاحبسه حتى يستقيم أمر الناس ، فإن أمره ~~قد استجمع له ، وكأنه قد وثب بالمصر . فبعث ابن مطيع إلى المختار زائدة بن ~~وحسين بن علي البرسمي ، فقالا له ، أجب الأمير ، فعزم على الذهاب فقرأ ~~زائدة : " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك 000 " ~~الآية . فألقى المختار ثيابه وقال : ألقوا علي قطيفة فإني وعكت ، إني لأجد ~~بردا شديدا ، ارجعا إلى الأمير فأعلماه حالي ، فعادا إليه فأعلماه فتركه . ~~و وجه المختار إلى أصحابه ، فجمعهم حوله في الدور ، وأراد أن يثب في الحرم ~~، فجاء رجل من أصحابه من شبام ، وشبام : حي من همدان ، وكان شريفا ، و اسمه ~~عبد الرحمن بن شريح ، فلقي سعيد بن منقذ الثوري ، وسعر بن أبي سعر الحنفي ، ~~والأسود بن جراد الكندي ، وقدامة بن مالك الجشمي ، فقال لهم : إن المختار ~~يريد أن يخرج بنا ، ولا ندري أرسله بن حنيفة أم لا ؟ فانهضوا بنا إلى محمد ms4618 ~~ابن الحنيفة نخبره بما قدم به علينا المختار ، فإن رخص لنا في اتباعه ~~أتبعناه ، وإن نهانا عنه اجتنبناه ، فو الله ما ينبغي أن يكون شيء من ~~الدنيا آثر عندنا من سلامة ديننا ، فأستصوبوا راية ، وخرجوا إلى ابن ~~الحنفية ، فلما قدموا عليه سألهم عن حال الناس ، فأخبروه وأعلموه حال ~~المختار ، فقال : والله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه ~~، فعادوا . و كان مسيرهم قد شق على المختار ، وخاف أن يعودوا بما يخذل ~~الشيعة عنه ، فلما قدموا الكوفة دخلوا عليه ، فقال : ما وراءكم ؟ فقد فتنتم ~~وأربتم ، فقالوا : قد أمرنا بنصرك ، فقال : الله أكبر ، الله أكبر ، أجمعوا ~~الشيعة ، فجمع من كان قريبا منه ، فقال PageV21P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" لهم : إن نفرا أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به ~~، فرحلوا إلى إمام الهدى ، فسألوه عما قدمت به عليكم ، فنبأهم أني وزيره ~~وظهيره ورسوله ، وآمركم بطاعتي واتباعي فيما دعوتكم إليه من قتال المحلين ، ~~والطلب بدماء أهل بيت نبيكم . فقامعبد الحمن بن شريح وأخبرهم بحالهم ~~ومسيرهم ، وأن ابن النفية أمرهم بمظاهرته ومؤازرته ، وقال لهم : ليبلغ ~~الشاهد منكم الغائب ، واستعدوا وتأهبوا ، وقام جماعة من أصحابه فقالوا نحوا ~~من كلامه . فاجتمعت له الشيعة ، وكان من جملتهم " الشعبي " وأبوه شراحيل ، ~~فلما تهيأ أبوه للخروج قال له بعض أصحابه : إن أشراف الكوفة مجمعون على ~~قتالك مع ابن مطيع ، فإن أجابنا إبراهيم بن الأشتر رجونا القوة على عدونا ، ~~فإنه فتى رئيس وابن رجل شريف ، وله عشيرة ذات عز وعدد . فقال المختار : ~~فالقوه وادعوه ، فخرجوا إليه ومعهم الشعبي ، فاعلموه حالهم ، وسألوه ~~مساعدتهم ، فقال : على أن تولوني الأمر ، فقالوا : أنت لذلك أهل ، ولكن ليس ~~إلى ذلك سبيل ، هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدي ، وهو المأمور بالقتال ~~، وقد أمرنا بطاعته ، فلم يجبهم إبراهيم ، فانصرفوا عنه . و أتوا المختار ، ~~فسكت ثلاثا ، ثم صار إلى إبراهيم في بضعة عشر من أصحابه ، والشعبي وأبوه ~~فيهم ، فدخلوا عليه ، فألقى إليهم الوسائد ، فجلسوا عليها ، وجلس المختار ~~معه على فراشه ، فقال : المختار له : هذا كتاب المهدي ms4619 إليك ، يسألك أن ~~تنصرنا وتآزرنا ، فقرأه ، فإذا هو : " من محمد المهدي إلى إبراهيم بن مالك ~~الأشتر ، سلام عليك ، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، ~~فإني " قد " بعثت إليكم وزيري وأميني الذي ارتضيته لنفسي ، وأمرته بقتال ~~عدوي ، والطلب بدماء أهل بيتي ، فأنهض بنفيك وعشيرتك ومن أطاعك ، فإنك إن ~~نصرتني وأجبت دعوتي كانت لك بذلك عندي فضيلة ، ولك أعنة الخيل ، وكل جيش ~~غاز ، وكل مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد الشام " . ~~فلما فرغ من قراءته تأخر عن صدر الفراش ، وأجلس المختار عليه ، وبايعه . ~~وصار يختلف إلى المختار كل عشية يدبرون أمورهم . PageV21P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" و اجتمع رأيهم على الخروج ليلة الخميس لأربعة ~~عشر ليلة من شهر ربيع الأول ، فلما كان تلك الليلة ، صلى إبراهيم بن الأشتر ~~بأصحابه المغرب ، ثم خرج يريد المختار ، وعليه وعلى أصحابه السلاح ، وكأن ~~إياس بن مضارب قد جاء إلى عبد الله بن مطيع وهو على شرطته ، فقال : إن ~~المختار خارج عليك إحدى هاتين الليلتين ، وقد بعثت بابني إلى الكناسة ، فلو ~~بعثت في كل جبانة عظيمة بالكوفة رجلا من أصحابك في جماعة من أهل الطاعة ~~لهاب المختار وأصحابه الخروج عليك ، فبعث ابن مطيع إلى كل جبانة من يحفظها ~~من أهل الطاعة ، وأمر على كل طائفة أميرا ، وأوصى كلا منهم ألا يؤتى من ~~قبله ، وقال : إذا سمعت صوت القوم فوجه نحوهم ، وكان خروجهم إلى الجبابين ~~يوم الاثنين . و خرج إبراهيم بن الأشتر ليلة الثلاثاء يريد المختار ، وقد ~~بلغه أن الجبابين قد ملئت رجالا ، وأن إياس بن مضارب في الشرطة قد أحاط ~~بالسوق والقصر ، فأخذ معه من أصحابه نحو مائة دارع ، وقد لبسوا عليهم ~~الأقبية ، فقال له " أصحابه " : تجنب الطريق ، فقال : والله لأمرن وسط ~~السوق بجنب القصر ، ولأرعبن عدونا ، ولأرينهم هوانهم علينا ، فسار على باب ~~الفيل ، فلقيهم إياس في الشرط مظهرين السلاح ، فقال : من أنتم ؟ فقال : أنا ~~إبراهيم بن الأشتر . فقال إياس : ما هذا الجمع الذي معك ؟ وإلى أين تريد ؟ ~~ولست بتاركك ms4620 حتى آتي بك الأمير ، فقال إبراهيم : خل سبيلنا ؛ قال لا أفعل ؛ ~~وكان مع إياس رجل من همدان يقال له أبو قطن ، وكان يكرمه ، وكان صديقا لأبن ~~الأشتر ، فقال له ابن الأشتر : أدن مني يا أبا قطن ، فدنا منه وهو يظن أن ~~إبراهيم يستشفع به عند إياس ، فلما دنا منه أخذ رمحا كان معه فطعن به إياس ~~في ثغره ، فصرعه ، وأمر رجلا من أصحابه فقطع رأسه ، وتفرق أصحاب إياس ، ~~ورجعوا إلى ابن مطيع ، فبعث مكانه ابنه راشد بن إياس على الشرط ، وأقبل ~~إبراهيم إلى المختار وقال له : إنا تعدنا للخروج القابلة ، وقد وقع أمر لا ~~بد من الخروج الليلة ، وأخبره الخبر ، ففرح المختار بقتل إياس وقال : هذا ~~أول الفتح إن شاء الله . PageV21P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" ثم قال لسعيد بن منقذ : قم فأشعل النيران ~~وارفعها ، وسر أنت يا عبد الله بن شداد فناد : يا منصور ، أمت ، وأنت يا ~~سفيان بن ليلى ، وأنت يا قدامة بن مالك : ناد يا لثارات الحسين ، ثم لبس ~~سلاحه . و كانت الحرب بين أصحابه وبين الذين ندبهم ابن مطيع لحفظ الجبابين ~~في تلك الليلة ، فكان الظفر لأصحاب المختار ، وخرج المختار في جماعة من ~~أصحابه حتى نزل في ظهر دير هند في السبخة ، وانضم إليه ممن تابعه ثلاثة ~~آلاف وثمانمائة من اثني عشر ألفا ، واجتمعوا له قبل الفجر ، فأصبح وقد فرغ ~~من تعبئته ، وصلى بأصحابه بغلس . و قد جمع ابن مطيع أهل الطاعة إليه ، فبعث ~~شبث بن ربعى في ثلاثة آلاف ، وراشد بن إياس في أربعة آلاف من الشرط ، لقتال ~~المختار ومن معه ، وأردفهم بالعساكر ، واقتتلوا ؛ فكان الظفر لأصحاب ~~المختار ومن معه ، وكان الذي صلي الحرب ودبر الأمر إبراهيم بن الأشتر . ~~فلما رأى بن مطيع أمر المختار وأصحابه قد قوي خرج بنفسه إليهم ، فوقف ~~بالكنائس واستخلف شبث بن ربعى على القصر ، فبرز إبراهيم بن الأشتر لابن ~~مطيع في أصحابه وحمل عليه ، فلم يلبث ابن مطيع أن أنهزم أصحابه ، يركب ~~بعضهم بعضا على أفواه السكك ، وابن الأشتر في آثارهم ، حتى ms4621 بلغ المسجد ، ~~وحصر ابن مطيع ومن معه في أشراف الكوفة في القصر ثلاثا ، فقال شبث لأبن ~~مطيع : انظر لنفسك ولمن معك ؛ فقال : أشيروا علي ؛ فقال شبث : الرأي أن ~~تأخذ لنفسك ولنا أمانا ، وتخرج ولا تهلك نفسك ومن معك ؛ فقال ابن مطيع : ~~إني لأكره أن أخذ منه أمانا ، والأمور لأمير المؤمنين مستقيمة بالحجاز ~~والبصرة ؛ فتخرج ولا تشعر بك أحدا ، فتنزل بالكوفة عند من تثق إليه حتى ~~تلحق بصاحبك . فأقام حتى أمسى ، وخرج وأتى دار أبي موسى ، وترك القصر ، ~~ففتح أصحابه الباب ، وقالوا : يا ابن الأشتر ، آمنون نحن ؟ فقال : أنتم ~~آمنون ؛ فخرجوا ؛ فبايعوا المختار . ودخل " المختار " القصر فبات به ، ~~وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر ، وخرج المختار فصعد المنبر ~~وخطب الناس ، ثم نزل . PageV21P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" و دخل أشراف الكوفة فبايعوه على كتاب الله ~~وسنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، والطلب ، بدماء أهل البيت وجهاد ~~المحلين والدفع عن الضعفاء ، وقتال من قاتلنا ، وسلم من سالمنا . و كان ممن ~~بايعه المنذر بن حسان الضبى وابنه حسان ، فلما خرجا من عنده استقبلهما سعيد ~~بن منقذ الثوري في جماعة من الشيعة ، فقالوا : هذان والله رءوس الجبارين ، ~~فقتلوهما ، ونهاهم سعيد عن قتلهما إلا بأمر المختار ، فلم ينتهوا . فلما ~~سمع المختار ذلك كرهه ، وأقبل يمني الناس ويود الأشراف ، ويحسن السيرة ، ~~فبلغه أن ابن مطيع في دار أبي موسى ، فسكت ، فلما أمسى بعث إليه بمائة ألف ~~درهم ، وقال : تجهز بهذه ، فقد علمت مكانك ، وأنك لم يمنعك الخروج إلا عدم ~~النفقة . و وجد المختار في بيت المال " بالكوفة " تسعة آلاف وخمسة مائة ألف ~~، فأعطى لكل رجل خمسمائة درهم ، وأعطى لستة آلاف من أصحابه أتوه بعد ما ~~أحاط بالقصر ، لكل منهم مائتي درهم ، واستقبل الناس بخير . واستعمل على ~~شرطته عبد الله بن كامل الشاكري ، وعلى حرسه كيسان . " والله أعلم بالصواب ~~" . ذكر عمال المختار بن أبي عبيد كانت أول راية عقدها المختار لعبد الله ~~بن الحارث أخي الأشتر على أرمينية ، وبعث محمد بن عمير بن عطارد على ~~أذربيجان ، وبعث ms4622 عبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل ، وبعث إسحاق ابن ~~مسعود على المدائن ، وأرض جوخى ، وبعث قدامة بن أبي عيسى ابن أبي ربيعة ~~النصري حليف ثقيف على بهقاذ الأعلى ، وبعث محمد بن كعب بن قرظة على بهقاذ ~~الأوسط ، وبعث سعد ابن حذيفة بن اليمان على حلوان ، وأمره بقتال الأكراد ، ~~وإقامة الطرق . وكان ابن الزبير قد استعمل على الموصل محمد بن الأشعث بن ~~قيس ، فلما بعث المختار عبد الرحمن إليها ، سار محمد عنها إلى تكريت ، ~~ينتظر ما يكون من الناس ، ثم سار إلى المختار فبايعه ، فلما PageV21P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" فرغ من ذلك أقبل يجلس للناس ويقضي بينهم ، ثم ~~قال : إن لي فيما أحاول شغلا عن القضاء ، ثم أقام شريحا يقضي بين الناس ، ~~فتمارض ، فجعل المختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود ، ثم مرض ، فجعل ~~مكانه عبد الله بن مالك الطائي . ذكر قتل المختار قتلة الحسين وخروج أهل ~~الكوفة على المختار وقتالهم إياه ووقعة السبيع كان سبب ذلك أن مروان بن ~~الحكم لما أستتب له الأمر بعث عبيد الله بن زياد إلى العراق ، وذكرنا ما ~~كان من أمره مع التوابين . ثم توفي مروان بن الحكم وولى ابن عبد الملك ، ~~فأقر ابن زياد على ولايته ، و أمر بالجد ، فأقبل إلى الموصل ، فكتب عبد ~~الرحمن بن سعيد عامل المختار إليه يخبره بدخول ابن زياد أرض الموصل ، وأنه ~~قد تنحى له عنها إلى تكريت ، فندب المختار يزيد بن أنس الأسدي ، فانتخب ~~ثلاثة آلاف ، وسار بهم نحو الموصل ، وكتب المختار إلى عبد الرحمن : أن خل ~~بين يزيد وبين البلاد ، فسار يزيد حتى بلغ أرض الموصل ، فنزل بنات تلى ، ~~وبلغ خبره ابن زياد ، فقال : لأبعثن إلى كل ألف ألفين ، فأرسل ربيعة بن ~~المخارق الغنوى في ثلاثة آلاف ، وعبد الله بن جملة الخثعمي في ثلاثة آلاف ، ~~فسار ربيعة قبل عبد الله بيوم ، فنزل بيزيد بن أنس بنات تلى فخرج ، وقد ~~اشتد به المرض ، وعبأ أصحابه ، وقال : إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب ~~الأسدي ، فأن هلك فأميركم ms4623 عبد الله بن ضمرة العذري ، فإن هلك فأميركم سعر ~~الحنفي ثم نزل فوضع على سرير ، وقال : قاتلوا عن أميركم إن شئتم أو فروا ~~عنه . و اقتتل القوم ، فأنهزم أصحاب بن زياد ، وقتل ربيعة بن المخارق ، ~~قتله عبد الله بن ورقاء ، فيا المنهزمون ساعة ، ولقيهم عبد الله ابن جملة ~~فردهم معه ، فباتوا ليلتهم ببنات تلى يتحارسون ، فلما أصبحوا خرجوا إلى ~~القتال فاقتتلوا قتالا شديدا ، وذلك في اليوم الأضحى سنة ست وستين ، فانهزم ~~أهل الشام ، ونزل ابن جملة في جماعة ، فقاتل حتى قتل ، وحوى أهل الكوفة ~~عسكرهم ، وقتلوا فيهم قتلا ذريعا ، وأسروا ثلاثمائة ، فأمر يزيد بقتلهم ، ~~وهو بآخر رمق ، فقتلوا ، ثم مات آخر النهار ، فقال ورقاء بن عازب ~~PageV21P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" لأصحابه : إنه بلغني أن عبيد الله بن زياد قد ~~أقبل إليكم في ثمانين ألفا ، وأشار إليهم بالرجوع إلى المختار ، فصوبوا ~~رأيه ، ورجعوا ، فبلغ ذلك أهل الكوفة ، فأرجفوا بالمختار ، وقالوا : إن ~~يزيد قتل ولم يمت ، فندب إبراهيم بن الأشتر في سبعة آلاف ، وقال له : سر ~~فإذا لقيت جيش يزيد فأنت الأمير عليهم ، فأردهم معك حتى تلقى ابن زياد ~~فناجزه . فسار إبراهيم لذلك ، فأجتمع أشراف الكوفة على شبث بن ربعى وقالوا ~~: والله ، إن المختار تأمر بغير رضا منا ، وقد أدنى موالينا ، فحملهم على ~~الدواب ، وأعطاهم فيئنا . فقال : دعوني حتى ألقاه ، فذهب إليه فكلمه ، فلم ~~يدع شيئا أنكره إلا ذكره له ، والمختار يقول في كل خصلة : أنا أرضيهم في ~~هذا وآتي كل ما أحبوه ، فلما ذكر المالي ومشاركتهم في الفيء قال : إن أنا ~~تركت لكم مواليكم وجعلت فيئكم لكم ، أتقاتلون معي بني أمية وابن الزبير ~~وتعطوني على هذا الوفاء عهد الله وميثاقه وما أطمئن إليه من الأيمان . فقال ~~شبث : حتى أخرج إلى أصحابي فأذكر ذلك لهم . فخرج إليهم ولم يعد إلى المختار ~~، وأجتمع رأيهم على قتله ، فأجتمع شبث ، ومحمد بن الأشعث ، وعبد الرحمن بن ~~سعيد بن قيس ، وشمر بن ذي الجوشن ، ودخلوا على كعب بن أبي كعب الخثعمي ، ~~فكلموه في ذلك ، فأجابهم إليه ، فخرجوا ms4624 من عنده ، ودخلوا على عبد الرحمن بن ~~مخنف الأزدي ، فدعوه إلى ذلك ، فقال : إن أطعتموني لم تخرجوا ، فقالوا : لم ~~؟ إني أخاف أن تتفرقوا وتختلفوا ومع الرجل شجعانكم وفرسانكم مثل فلان وفلان ~~، ثم معه عبيدكم ومواليكم ، وكلمة هؤلاء واحدة ، ومواليكم أشد حنقا عليكم ~~من عدوكم ، فهم يقاتلوكم بشجاعة العرب وعداوة العجم ، وإن انتظرتموه قليلا ~~كفيتموه بغيركم ، ولا تجعلوا بأسكم بينكم ؛ فقالوا : ننشدك الله ألا ~~تخالفنا وتفسد علينا رأينا ، وما أجمعنا عليه . فقال : إنما أنا رجل منكم ، ~~فإذا شئتم فأخرجوه ، فوثبوا بالمختار بعد مسير ابن الأشتر ، وخرج كل رئس ~~بجبانة ، فأرسل المختار إلى ابن الأشتر يأمره بسرعة العودة إليه ، وبعث ~~إليهم وهو يلاطفهم ويقول : إني صانع ما أحببتم ، وهو يريد بذلك مداهنتهم ~~حتى يقدم PageV21P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" إبراهيم ابن الأشتر ، فوصل الرسول إليه وهو ~~بساباط ، فرجع لوقته ، وسار حتى أتى الكوفة ومعه أهل القوة من أصحابه ، ~~وأجتمع أهل اليمن بجبانة السبيع ، فلما حضرة الصلاة كره كل رأس من أهل ~~اليمن أن يتقدمه صاحبه ، فقال ابن مخنف : هذا أول الاختلاف ، قدموا الرضى ~~منكم سيد القراء رفاعة بن شداد البجلى ، فلم يزل يصلي بهم حتى كانت الواقعة ~~. ثم نزل المختار فعبأ أصحابه وأمر ابن الأشتر فسار إلى مضر وعليهم شعب بن ~~ربعى ، ومحمد بن عمير ، وهم بالكناسة ، وسار المختار نحو أهل اليمن بجبانة ~~السبيع ، فاقتتلوا أشد قتال ، ثم كانت الغلبة للمختار وأصحابه ، وأنهزم أهل ~~اليمن وأخذ من دور الوادعيين خمسمائة أسير ، فأتى بهم إلى المختار ، فعرضهم ~~، فقتل منهم من شهد مقتل الحسين ، فكانوا مائتين وثمانية وأربعين . و نادى ~~منادي المختار : من أغلق بابه فهو آمن إلا من شرك في دماء آل محمد ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وكان عمر بن الحجاج الزبيدي ممن شهد قتل الحسين ، فركب ~~راحلته وأخذ طريق الواقصة ، فعدم فقيل : أدركه أصحاب المختار ، وقد سقط من ~~شدة العطش ، فذبحوه . و بعث المختار غلاما له يدعى زريبا في طلب شمر ابن ذي ~~الجوشن ، فأدركه فقتله شمر ، وسار حتى نزل قرية يقال لها الكلتانية ms4625 ، فأخذ ~~منها علجا ، فضربه ، وقال : امض بكتابي هذا إلى مصعب بن الزبير ؛ فمضى ~~العلج حتى دخل قرية فيها أبو عمرة صاحب المختار ، فلقي ذلك العلج علجا أخر ~~من تلك القرية ، فشكا إليه ما لقي من شمر ، فبينما هو يكلمه إذ مر رجل من ~~أصحاب أبي عمرة اسمه عبد الرحمن بن أبي الكنود ، فرأى الكتاب ، عنوانه ~~لمصعب بن شمر ، فسألوا العلج عنه ، فأخبرهم PageV21P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" بمكانه ، فإذا هو منهم على مسيرة ثلاثة فراسخ ~~، فساروا إليه وأدركوه ، فهرب أصحابه ، وأعجله القوم عن لبس سلاحه ، فقام ~~وقد أتزر ببرد ، وكان أبرص ، فظهر بياض برصه ، فطاعنهم بالرمح ثم ألقاه ، ~~وأخذ السيف فقاتل به حتى قتل ، والذي قتله عبد الرحمن ابن أبي الكنود ، ~~وألقى جيفته للكلاب . قال : وأقبل المختار إلى القصر من جبانة السبيع ومعه ~~سراقة ابن مرادس البارقي أسيرا ، فناداه سراقة : أمنن على اليوم يا خير معا ~~. . . وخير من حل بشحر والجند و خير من لبى وحيى وسجد فأمر به إلى السجن ، ~~ثم أحضره من الغد ، فأقبل وهو يقول : ألا أبلغ أبا إسحاق أنا . . . نزونا ~~نزوة كانت علينا خرجنا نرى الضعفاء شيئا . . . وكان خروجنا بطرا وحينا ~~لقينا منهم ضربا طلحفا . . . وطعنا صائبا حتى أنثنينا نصرت على عدوك كل يوم ~~. . . نكل كتيبة تنعى حسينا كنصر محمد في يوم بدر . . . ويوم الشعب إذ وافى ~~حينا فأسجح إذ ملكت فلو ملكنا . . . لجرنا في الحكومة واعتدينا تقبل توبة ~~مني فإني . . . سأشكر إذ جعلت النقد دينا فلما انتهى إلى المختار قال : ~~أصلح الله الأمير ، أحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت الملائكة تقاتل ~~معك على الخيول البلق بين السماء والأرض ؛ فقال له المختار : اصعد على ~~المنبر فأعلم الناس ، فصعد ، فأخبرهم بذلك ، ثم نزل فخل به فقال له : إني ~~قد علمت أنك لم تر شيئا ، وإنما أردت ما قد عرفت ، فأذهب " عني " حيث شئت ، ~~لا تفسد علي أصحابي . PageV21P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" فخرج إلى البصرة ، فنزل عند مصعب وقال : ألا ~~أبلغ أبا إسحاق أني . . . رأيت الخيل بلقا مصمتات ms4626 كفرت بوحيكم وجعلت نذرا . ~~. . على قتالكم حتى الممات أرى عيني ما لم تبصراه . . . كلانا عالم ~~بالترهات و قتل يومئذ عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمذاني ، وأدعى قتلة سعر ~~بن أبي سعر ، وأبو الزبير الشبامي ، وشبام من همذان ، وانجلت الوقعة عن ~~سبعمائة وثمانين قتيلا من قومه ، وكانت الوقعة لست ليال بقين من ذي الحجة ~~سنة ست وستين . و خرج أشراف الناس فلحقوا بالبصرة ، وتجرد المختار لقتل ~~قتلة الحسين ، وقال : ما من ديننا أن نترك قتلة الحسين أحياء ، بئس ناصر آل ~~محمد أنا إذا " في الدنيا ، أنا إذا " الكذاب كما سموني ، وإني أستعين ~~بالله تعالى عليهم ، فسموهم لي ثم تتبعوهم حتى تقتلوهم ، فإني لا يسوغ لي ~~الطعام والشراب حتى أطهر الأرض منهم ، فدل على عبد الله بن أسيد الجهني ، ~~ومالك بن النسير البدي وحمل بن مالك المحاربي ، فبعث المختار إليهم ، ~~فأحضرهم من القادسية ، فلما رآهم قال : يا أعداء الله ورسوله ، أين الحسين ~~ابن علي ؟ أدوا إلى الحسين . قتلتم ابن من أمرتم بالصلاة عليهم . فقالوا ~~رحمك الله ، بعثنا كارهين ، فأمنن علينا واستبقنا ، فقال : هلا مننتم على ~~ابن بنت نبيكم واستبقيتموه وسقيتموه ؟ فأمر بمالك ابن النسير البدي فقطع ~~يديه ورجليه وتركه يضطرب حتى مات ، وقتل الآخرين ، وأحضر زياد بن مالك ~~الضبعي ، وعمران بن مالك العنزي ، وعبد الرحمن بن أبي خشكارة البلجي ، وعبد ~~الله بن قيس الخولاني ، فلما رآهم قال : يا قتلة الصالحين ، وقتلة سيد شباب ~~أهل الجنة ، قد أقاد الله منكم اليوم ، لقد جاءكم الورس ، بيوم نحس ، ~~وكانوا نهبوا من الورس الذي كان مع الحسين رضي الله عنه ، ثم أمر بهم ~~فقتلوا . و قتل عبد الله وعبد الرحمن بن صلحت ، وعبد الله بن وهيب الهمداني ~~، وأحضر عثمان بن خالد بن أسيد الدهماني الجهني ، وأبا أسماء بشر بن سوط ~~القابضي ، وكانا قد اشتركا في قتل عبد الرحمن بن عقيل وفي سلبه ، فضرب ~~أعناقهما وأحرقا بالنار . PageV21P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" و أرسل إلى خولي بن يزيد الأصبحي وهو صاحب رأس ~~الحسين فاختبأ في مخرجه ، فدخل أصحاب ms4627 المختار يطلبونه ، فخرجت امرأته ، وهي ~~العيوف بنت مالك ، وكانت تعاديه منذ جاءها برأس الحسين ، فقالت : ما تريدون ~~؟ فقالوا لها : أين زوجك ؟ قالت : لا أدري ، وأشارت بيدها إلى المخرج ، ~~فدخلوا ، فوجدوه وعلى رأسه قوصرة ، فأخرجوه وقتلوه إلى جانب أهله ، وحرقوه ~~بالنار . و قتل عمر بن سعد بن أبي وقاص ، وكان الذي تولى قتله أبو عمرة ، ~~وأحضر رأسه عند المختار ، وعنده ابنه حفص ابن عمر فقال له المختار : أتعرف ~~هذا ؟ قال : نعم ، ولا خير في العيش بعده ، فأمر به فقتل ، وقال : هذا ~~بحسين ، وهذا بعلي ابن حسين ، ولا سواء ، والله لو قتلت به ثلاثة أرباع ~~قريش ما وفوا أنملة من أنامله . وأرسل المختار إلى حكيم بن طفيل الطائي - ~~وكان أصاب صلب سلب العباس بن علي ، ورمى الحسين بسهم ، وكان يقول : تعلق ~~سهمي بسرباله وما ضره ، فأتاه أصحاب المختار فأخذوه ، وذهب أهله فتشفعوا ~~بعدي بن حاتم ، فكلمهم عدي فيه ، فقالوا : ذلك إلى المختار يشفع فيه ، وكان ~~قد شفعه في نفر من قومه أصابهم يوم جبانة السبيع ، فقالت الشيعة : إنا نخاف ~~أن يشفعه فيه ، فقتلوه رميا بالسهام كما رمي الحسين حتى صار كالقنفذ ، ودخل ~~عدي بن حاتم على المختار ، فأجلسه معه ، فشفع فيه ، وقال : إنه مكذوب عليه ~~، إذا ندعه لك ، فدخل ابن كامل فأخبره المختار بقتله . و بعث المختار إلى ~~مرة بن منقذ ، وهو قاتل علي بن الحسين ، وكان شجاعا ، فأحاطوا بداره ، فخرج ~~إليهم على فرسه وبيده رمحه ، فطاعنهم ، فضرب على يده ، فهرب فنجا ، ولحق ~~بمصعب بن الزبير ، وشلت يده بعد ذلك . و بعث المختار إلى زيد بن رقاد ~~الجنبي ، وهو قاتل عبد الله ابن مسلم بن عقيل ، فخرج إليهم بالسيف ، فقال ~~ابن كامل : لا تطعنوه " برمح " ، ولا تضربوه بسيف ، ولكن أرموه بالنبل ~~والحجارة ، ففعلوا ذلك به ، فسقط ، فأحرقوه حيا . و طلب المختار سنان بن ~~أنس الذي كان يدعي قتل الحسين ، فهرب إلى البصرة ، فهدم داره . و طلب عبد ~~الله بن عقبة الغنوي فوجده قد هرب إلى الجزيرة ، فهدم داره . PageV21P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" و ms4628 طلب رجلا من خثعم اسمه عبد الله بن عروة ~~فهرب ولحق بمصعب ، فهدم داره . و طلب عمرو بن صبيح الصدائي ، وكان يقول : ~~لقد طعنت فيهم وجرحت وما قتلت ، فأحضره إلى المختار ، فأمر به فطعن بالرماح ~~حتى مات . و أرسل إلى محمد بن الأشعث وهو في قرية إلى جنب القادسية ، فهرب ~~إلى مصعب فهدم داره ، وبني بلبنها وطينها دار حجر ابن عدي الكندي ، وكان ~~زياد قد هدمها . و كان الذي هيج المختار على قتل قتلتة الحسين أن يزيد بن ~~شراحيل الأنصاري أتى محمد ابن الحنيفة فسلم عليه ، وجرى الحديث إلى أن ~~تذاكروا أمر المختار ، فقال ابن الحنيفة : إنه يزعم أن لنا شيعة ، وقتلة ~~الحسين عنده على الكراسي يحدثونه ، فلما عاد يزيد أخبر المختار بذلك ، فقتل ~~عمر بن سعد ، وبعث برأسه ورأس ابنه إلى الحنيفة ، وكتب إليه يعلمه أنه قتل ~~من قدر عليه ، وأنه في طلب الباقين ممن حضر قتل الحسين ، " رضي الله عنه " ~~. ذكر بيعة المثنى العبدي للمختار بالبصرة وإخراجه منها ولحاقه بالمختار ~~بالكوفة وفي سنة ست وستين دعا المثنى بن مخربة العبدي بالبصرة لبيعة ~~المختار ، وكان قد بايع المختار بعد مقتل سليمان بن صرد ، فسيره المختار ~~إلى البصرة يدعو بها إليه ، ففعل ، فأجابه رجال من قومه وغيرهم . ثم أتى ~~مدينة الرزق فعسكر عندها ، فوجه إليهم الحارث بن أبي ربيعة المعروف بالقباع ~~، وهو أمير البصرة ، عباد بن حصين ، وهو على شرطته ، وقيس بن الهيثم في ~~الشرط والمقاتلة ، فخرجوا إلى السبخة ، ولزم الناس بيوتهم ، فلم يخرج أحد ، ~~وأقبل عباد فيمن معه فتواقف هو والمثنى وأنشبوا القتال ، فأنهزم المثنى ، ~~وأتى PageV21P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" قومه عبد القيس ، وكف عنه عباد ، فأرسل القباع ~~عسكرا إلى عبد القيس ليأتوه بالمثنى ومن معه ، فلما رأى زياد بن عمر العتكي ~~ذلك أقبل إلى القباع فقال : لتردن خيلك عن إخواننا أو لنقاتلهم ، فأرسل ~~القباع الأحنف بن قيس ، وعبد الرحمن المخزومي ليصلحا بين الناس ، فأصلح ~~الأحنف الأمر على أن يخرج المثنى وأصحابه عنهم ، فأجابوه إلى ذلك وأخرجوهم ~~عنهم ، فسار المثنى ms4629 إلى الكوفة في نفر يسير من أصحابه . ذكر مخادعة المختار ~~ومكره بعبد الله بن الزبير وظهور ذلك له قال : لما أخرج المختار ابن مطيع ~~عامل ابن الزبير من الكوفة سار إلى البصرة وكره أن يأتي ابن الزبير مهزوما ~~، فلما أستجمع للمختار أمر الكوفة ، أخذ يخادع ابن الزبير ، فكتب إليه : " ~~قد عرفت مناصحتي إياك ، وجهدي على أهل عداوتك ، وما كنت أعطيتني إن أنا ~~فعلت ذلك ، فلما وفيت لك " وقضيت الذي كان لك على خسة بي ولم تف بما ~~عاهدتني عليه " ، فإن ترد مراجعتي ومناصحتي ، فعلت والسلام " . و إنما قصد ~~المختار بذلك أن يكف ابن الزبير عنه ليتم أمره ، ولم تعلم الشيعة بذلك ، ~~فأراد ابن الزبير أن يعلم حقيقة ذلك ، فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن ~~هشام المخزومي فولاه الكوفة ، وقال : إن المختار سامع مطيع ، فتجهز عمر ~~وسار نحو الكوفة ، وأتى الخبر المختار ، فدعا زائدة بن قدامة وأعطاه سبعين ~~ألف درهم وقال له : هذه ضعف ما أنفق عمر في طريقه إلينا ، وأمره أن يأخذ ~~معه خمسمائة فارس ، ويسير حتى يلقاه بالطريق فيعطيه النفقة ويأمره بالعودة ~~، فإن فعل وإلا فيريه الخيل ، فأخذ زائدة المال والخيل وسار حتى لقي عمر ، ~~فأعطاه المال ، وأمره بالانصراف ، فقال : إن أمير المؤمنين قد ولاني الكوفة ~~، ولا بد من إتيانها ، فدعا زائدة الخيل ، وكان قد أكمنها ؛ فلما رآها عمر ~~قد أقبلت أخذ المال وسار نحو البصرة . م أن عبد الملك بن مروان بعث عبد ~~الملك بن الحارث بن الحكم ابن أبي العاص إلى وادي القرى ، وكان المختار قد ~~وادع ابن الزبير ليكف عنه ويتفرغ لأهل PageV21P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" الشام ، فكتب المختار لأبن الزبير : بلغني أن ~~ابن مروان قد بعث إليك جيشا ، فإن أحببت أمددتك بمدد . فكتب إليه ابن ~~الزبير : " إن كنت على طاعتي فبايع لي الناس قبلك ، وعجل بإنفاذ الجيش ~~ومرهم فليسيروا إلي من بوادي القرى من جند ابن مروان فليقاتلوهم ، والسلام ~~" . فدعا المختار شرحبيل بن ورس الهمذاني ، فسيره في ثلاثة آلاف أكثرهم من ~~الموالي ، وليس فيهم ms4630 إلا سبعمائة من العرب ، وقال له : سر حتى تدخل المدينة ~~، فإن دخلتها فاكتب إلي بذلك حتى يأتيك أمري ، وهو يريد إذا دخل الجيش ~~المدينة أن يبعث عليهم أميرا لمحاصرة ابن الزبير بمكة ، وخشي ابن الزبير أن ~~المختار إنما يكيده ، فبعث من مكة " إلى المدينة " عباس بن سهل بن سعد في ~~ألفين ، وأمره أن يستنفر العرب ، وقال له : إن رأيت القوم في طاعتي وإلا ~~فكايدهم حتى تهلكهم ، فأقبل عباس حتى لقي ابن ورس بالرقيم وقد عبأ أصحابه ، ~~وأتى عباس وقد تقطع أصحابه ، فرأى ابن ورس على الماء في تعبئته فدنا وسلم ~~عليهم ، ثم قال لأبن ورس سرا : ألستم في طاعة ابن الزبير ؟ قال : بلى . ~~وقال : فسر بنا إلى عدوه الذي بوادي القرى ، فقال : إنما أمرت أن أتي ~~المدينة وأكتب إلى صاحبي ، فيأمره بأمره ، فقال عباس : رأيك أفضل ، وفطن ~~لما يريد ، وقال أما أنا فسائر إلى وادي القرى ، ونزل عباس أيضا ، وبعث إلى ~~ابن ورس بجزائر وغنم ، وكانوا قد ماتوا جوعا ، فذبحوا واشتغلوا بها ، ~~واختلطوا على الماء ، وجمع عباس من شجعان أصحابه نحو ألف رجل ، وأقبل إلى ~~فسطاط ابن ورس ، فلما رآهم نادى في أصحابه ، فلم يجتمع إليه مائة رجل ، حتى ~~انتهى إليهم عباس ، فاقتتلوا يسيرا ، فقتل ابن ورس في سبعين من أهل الحفاظ ~~. و رفع عباس راية أمان ، فأتوها إلا نحو ثلاثمائة مع سليمان بن حمير ~~الهمداني ، وعباس بن جعدة الجدلي ، فظفر عباس بن سهل منهم بنحو من مائتين ~~فقتلهم ، وأفلت الباقون فرجعوا ومات أكثرهم في الطريق . PageV21P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" و كتب المختار إلى ابن الحنيفة : " إني أرسلت ~~إليك جيشا ليذلوا لك الأعداء ، ويحرزوا لك البلاد ، فلما قاربوا طيبة فعل ~~بهم كذا وكذا ، فإن رأيت أن أبعث إلى المدينة جيشا كثيفا وتبعث إليهم من ~~قبلك رجلا فافعل " . فكتب إليه ابن الحنفية : " أما بعد ، فقد قرأت كتابك ، ~~وعرفت تعظيمك لحقي ، وما تؤثره من سروري ؛ وإن أحب الأمور كلها إلي ما أطيع ~~الله فيه ، فأطع الله ما استطعت ، وإني لو أردت القتال لوجدت ms4631 الناس إلي ~~سراعا ، والأعوان لي كثيرة ، ولكني أعتز لهم وأصبر حتى يحكم الله " لي " ~~وهو خير الحاكمين " . ذكر امتناع محمد ابن الحنفية من مبايعة عبد الله بن ~~الزبير وما كان من أمره وإرسال المختار الجيش إلى مكة وخبر ابن الحنفية قال ~~: ثم أن عبد الله بن الزبير دعا محمد بن الحنفية ومن معه من أهل بيته ، ~~وسبعة عشر رجلا من وجوه أهل الكوفة منهم أبو الطفيل عامر بن وائلة له صحبة ~~، ليبايعوه فامتنعوا وقالوا : لا نبايع حتى تجتمع الأمة ، فأكثر الوقيعة في ~~ابن الحنفية وذمه ، فأغلظ له عبد الله بن هانئ الكندي ، وقال : لئن لم يضرك ~~إلا تركنا بيعتك لا يضرك شيء ، فلم يراجعه ابن الزبير ، فلما استولى ~~المختار على الكوفة وصارت الشيعة تدعي لأبن الحنفية ، ألح ابن الزبير عليه ~~وعلى أصحابه في البيعة حتى حبسهم بزمزم ، وتوعدهم بالقتل والإحراق إن لم ~~يبايعوا ، وضرب لهم في ذلك أجلا . فكتب ابن الحنفية إلى المختار يعرفه ~~الحال ، ويطلب النجدة . فقرأ المختار كتابه على أهل الكوفة ، وقال : هذا ~~مهديكم وصريح أهل بيت نبيكم قد تركوا محظورا عليهم كما يحظر على الغنم ~~ينتظرون القتل والتحريق في الليل PageV21P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" والنهار ، لست أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصرا ~~مؤزرا ، وإن لم أسر بالخيل في أثر الخيل ، كالسيل يتلوه السيل ، حتى يحل ~~بابن الكاهلية الويل ، يريد عبد الله بن الزبير . فبكى الناس وقالوا : ~~سرحنا إليه وعجل ، فوجه أبا عبد الله الجدلي في سبعين من أهل القوة ، ووجه ~~ظبيان بن عمارة أخا بني تميم في أربعمائة ، وبعث معه أربعمائة ألف درهم ~~لأبن الحنفية ، ووجه أبن المعتمر في مائة ، وهانئ بن قيس في مائة ، وعمير ~~بن طارق في أربعين ، و يونس بن عمران في أربعين ، فوصل أبو عبد الله الجدلي ~~إلى ذات عرق ، فأقام بها حتى أتاه عمير ويونس في ثمانين ، فبلغوا مائة ~~وخمسين راكبا ، فساروا حتى دخلوا المسجد الحرام وهم ينادون : يالثارات ~~الحسين ، حتى انتهوا إلى زمزم ، فكسروا الباب ودخلوا على ابن الحنفية ، ~~فقالوا : خل بيننا ms4632 وبين عدو الله ابن الزبير ، فقال إني لا أستحل القتال في ~~الحرم . فقال ابن الزبير : واعجباه لهذه الخشبية ينعون حسينا كأني أنا ~~قتلته ، والله لو قدرت على قتلهم لقتلتهم ، وإنما سماهم ابن الزبير الخشبية ~~لأنهم دخلوا مكة وبأيديهم الخشب كراهة إشهار السلاح في الحرم ، وقال : ~~أتحسبون أني أخلي سبيلهم ، دون أن نبايع ويبايعوا . فقال : الجدلي : ورب ~~الركن والمقام لتخلين سبيلنا أو لنجالدنك بأسيافنا جلادا يرتاب منه ~~المبطلون ، فكفهم ابن الحنفية وحذرهم الفتنة . ثم قدم باقي الجند ومعهم ~~المال ، فدخلوا المسجد الحرام فكبروا ، وقالوا : يالثارات الحسين ، فخافهم ~~ابن الزبير ، وخرج ابن الحنفية ومعه أربعة آلاف رجل إلى شعب علي ، فعزوا ~~وامتنعوا ، فقسم فيهم المال ، فلما قتل المختار ضعفوا واحتاجوا ، ثم استوثق ~~البلاد لأبن الزبير بعد قتل المختار ، فبعث إلى أبن الحنفية أن أدخل في ~~بيعتي ، وإلا نابذتك . و بلغ الخبر عبد الملك بن مروان ، فكتب إلى ابن ~~الحنفية : أنه إن قدم عليه أحسن إليه ، وإنه ينزل أي الشام أحب حتى يستقيم ~~أمر الناس . PageV21P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" فخرج ابن الحنفية ومن معه إلى الشام ، فلما ~~وصل إلى مدين بلغه غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد ، فندم على إتيانه إلى ~~الشام ونزل أيلة ، وتحدث الناس بفضل ابن الحنفية ، وكثرة عبادته وزهده ، ~~فندم عبد الملك على إذنه في القدوم إلى بلده ، فكتب إليه : " إنه لا يكون ~~في سلطاني من لا يبايعني " . فارتحل إلى مكة ، ونزل شعب أبي طالب ، فأرسل ~~إليه ابن الزبير يأمره بالرحيل عنه ، فسار إلى الطائف وألتحق به عبد الله ~~بن عباس ، ومات بن عباس بالطائف ، حتى قدم الحجاج لحصار ابن الزبير ، فعاد ~~إلى الشعب ، فطلبه الحجاج ليبايع عبد الملك ، فامتنع حتى يجتمع الناس ، ثم ~~بايع بعد قتل ابن الزبير . هذا ما كان من أمره ، فلنعد إلى أخبار المختار ، ~~" والله أعلم " . ذكر مسير إبراهيم بن الأشتر لحرب عبيد الله بن زياد وقتل ~~ابن زياد وفي سنة ست وستين لثمان بقين من ذي الحجة ، سار إبراهيم بن الأشتر ~~لقتال عبيد الله بن زياد ms4633 ، وذلك بعد فراغه من وقعة السبيع بيومين ، وأخرج ~~المختار معه فرسان أصحابه ووجوههم وأهل البصائر منهم ، وشيعه ووصاه ، وخرج ~~معه لتشيعه أصحاب الكرسي بكرسيهم ، وهم يدعون الله له بالنصر ، وسنذكر خبر ~~الكرسي إن شاء الله تعالى . قال : ولما انتهى إبراهيم إلى أصحاب الكرسي وهم ~~عكوف عليه ، " وقد " رفعوا أيديهم إلى السماء يدعون الله ، فقال إبراهيم : ~~اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ، هذه سنة بني إسرائيل ، وسار ~~إبراهيم مجدا ليلقى ابن زياد قبل أن يدخل أرض العراق ، وكان ابن زياد قد ~~سار في عسكر عظيم وملك الموصل كما ذكرنا ، فلما PageV21P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" انتهى إبراهيم إلى نهر الخازر من أرض الموصل ~~نزل بقرية باربيثا ، وأقبل عبيد الله بن زياد حتى نزل قريبا منهم على شاطئ ~~خازر ، وأرسل عمير بن الحباب السلمي إلى ابن الأشتر أن القني ؛ وكانت قيس ~~كلها مضطغنة على بني مروان بسبب وقعة مرج راهط ، وجند عبد الملك يومئذ كلب ~~، واجتمع عمير وابن الأشتر فأخبره عمير أنه على ميسرة بن زياد ، وواعده أن ~~ينهزم بالناس ، وأشار عليه بمناجزة القوم ، وعاد عمير إلى أصحابه ، وصلى ~~بهم صلاة الفجر بغلس ، ثم صفهم وسار بهم رويدا حتى أشرف على تل عظيم مشرف ~~على القوم ، فإذا هم لم يتحرك منهم أحد ، فتقدم ابن الأشتر وهو يحرض أصحابه ~~على القتال ، يذكرهم بمقتل الحسين وسبي أهل بيته ، فلما تدانى الصفان حمل ~~الحصين بن نمير بميمنة أهل الشام على ميسرة ابن الأشتر ، وعليها علي بن ~~مالك الجشمي ، فقتل بن مالك ، فأخذ الراية ابنه قرة بن علي وقاتل بها فقتل ~~في رجال من أهل البأس ، وانهزمت ميسرة إبراهيم ، فأخذ الراية عبد الله بن ~~ورقاء بن جنادة السلولي ، ورد المنهزمين ، وقاتلوا ، وحملت ميمنة إبراهيم ~~وعليها سفيان بن يزيد الأزدي على ميسرة بن زياد ، وهم يظنون أن عمير بن ~~الحباب ينهزم لهم كما زعم ، فقاتلهم أشد قتال ، وأنفت نفسه الهزيمة ، فلما ~~رأى إبراهيم ذلك قال لأصحابه : اقصدوا أهل السواد الأعظم ، فوالله لئن ~~هزمناه لنجعلن من ترون يمنة ويسرة ms4634 ، فتقدم أصحابه وقاتلوا أشد قتال ، ~~وصدقهم إبراهيم القتال ، فأنهزم أصحاب بن زياد ، وبعد أن قتل من الفريقين ~~قتلى كثيرة . وقيل : إن عمير بن الحباب أول من أنهزم ، وإنما كان قتاله ~~أولا تعذيرا . فلما انهزموا قال إبراهيم بن الأشتر : إني قتلت رجلا تحت ~~راية منفردة على شط نهر خازر ، فالتمسوه فإني شممت منه رائحة المسك ، شرقت ~~يداه وغربت رجلاه ، فالتمسوه ، فإذا هو عبيد الله بن زياد ، فأخذ رأسه ~~وحرقت جثته . و أقام إبراهيم بالموصل ، وأنفذ رأس عبيد الله إلى المختار ، ~~ورءوس القواد ، وكانت هذه الوقعة في سنة سبع وستين . PageV21P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" و روى الترمذي رحمه الله قال : لما جاءت ~~الرءوس إلى المختار ألقيت في القصر فجاءت حية دقيقة فتخللت الرءوس حتى دخلت ~~فم عبيد الله وخرجت من منخره ودخلت في منخره وخرجت من فمه ، فعلت ذلك مرارا ~~. ذكر ولاية مصعب بن الزبير البصرة ومسيره إلى الكوفة وقتاله المختار وقتل ~~المختار بن أبي عبيد كانت ولايته البصرة وعزل الحارث بن أبي ربيعة الملقب ~~بالقباع عنها في أول سنة سبع وستين ، قال : فقدمها مصعب ، وصعد المنبر فحمد ~~الله وأثنى عليه ، ثم قال : بسم الله الرحمن الرحيم . " طسم . تلك آيات ~~الكتاب المبين . نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون . إن ~~فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح آبائها ويستحيي ~~نساءهم إنه كان من المفسدين . " ، وأشار بيده نحو الشام ، " ونريد أن نمنن ~~على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين . ونمكن لهم في ~~الأرض " ، وأشار نحو الحجاز ، " ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا ~~يحذرون " ، وأشار نحو الشام ، وقال : يا أهل البصرة ، بلغني أنكم تلقبون ~~أميركم ، وقد لقبت نفسي الجزار . قال : ولما هرب أشراف الكوفة من المختار ~~يوم وقعة السبيع ، أتى منهم جماعة إلى مصعب ، فكان منهم شبث بن ربيعى ، ~~أتاه على بغلة قد قطع ذنبها وطرف أذنها ، وشق قباءه وهو ينادي : واغوثاه ~~وأتاه أشراف الكوفة فدخلوا عليه وسألوه المسير إلى المختار ونصرتهم ، وقدم ~~محمد بن الأشعث ms4635 ، واستحثه على المسير فأدناه وأكرمه ، وكتب إلى المهلب بن ~~أبي صفرة ، وهو عامله على فارس يستدعيه ليشهد معهم قتال المختار ، فقدم في ~~جموع كثيرة وأموال عظيمة ، فبرز مصعب بالجيوش ، وأرسل عبد الرحمن بن مخنف ~~إلى الكوفة ، وأمره أن يخرج إليه من قدر عليه ، ويثبط الناس عن المختار ، ~~ويدعوهم إلى بيعة بن الزبير سرا ، فسار ودخل الكوفة مستترا ، وفعل ما أمر ~~به ، وسار وقدم أمامه عباد بن الحصين الحبطي التميمي ، وجعل عبيد الله بن ~~معمر على ميمنته ، والمهلب على ميسرته ، ومالك بن مسمع على بكر ، ~~PageV21P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" ومالك بن المنذر على عبد القيس ، والأحنف بن ~~قيس على تميم ، وزياد بن عمرو العتكي على الأزد ، وقيس بن الهيثم على أهل ~~العالية ، وبلغ الخبر المختار فقام في أصحابه فندبهم إلى الخروج مع الأحمر ~~بن شميط ، ودعا رءوس الأرباع الذين كانوا مع ابن الأشتر فبعثهم مع ابن شميط ~~، فسار وعلى مقدمته ابن كامل الشاكري ، فوصلوا إلى المذار ، وأقبل مصعب ~~فعسكر بالقرب منه ، وعبأ كل واحد منهما جنده ، فتقدم عباد بن الحصين إلى ~~أحمر وأصحابه ، وقال : إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ، وإلى بيعة ~~أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير ، فقال الآخرون : إنا ندعوكم إلى كتاب ~~الله وسنة رسوله وإلى بيعة المختار ، وأن نجعل هذا الأمر شورى في آل رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فرجع عباد وأخبر مصعبا ، فقال : ارجع فأحمل ~~عليهم ، فرجع وحمل على ابن شميط وأصحابه ، وحمل المهلب على ابن كامل حملة ~~بعد أخرى ، فهزمهم ، وثبت ابن كامل ساعة في رجال من همدان ، ثم انصرف ، ~~وحمل الناس جميعا على ابن شميط ، فقاتل حتى قتل ، وانهزم أصحابه ، وبعث ~~مصعب عبادا على الخيل ، وقال له : أيما أسير أخذته فأضرب عنقه ، وسرح محمد ~~بن الأشعث في خيل عظيمة من أهل الكوفة ، وقال : دونكم ثأركم فكانوا " حيث ~~انهزموا " أشد على المنهزمين من أهل البصرة ، فلم يدركوا منهزما إلا قتلوه ~~، فلم ينج من ذلك الجيش إلا طائفة من أصحاب الخيل . ثم أقبل مصعب حتى قطع ms4636 ~~من تلقاء واسط ، " القصب " ، ولم تكن " واسط " قد بنيت بعد ، فأخذ في كسكر ~~، ثم حمل الرجال أثقالهم والضعفاء في السفن ، فأخذوا في نهر خرشاذ ، ثم ~~خرجوا إلى نهر قوسان ، ثم خرجوا إلى نهر الفرات ، وأتى المختار خبر الهزيمة ~~والقتلى ، فقال : ما من الموت بد ، وما من ميتة أموتها أحب إلي من أن أموت ~~مثل ابن شميط . و لما بلغه أن مصعب قد أقبل إليه في البر والبحر سار حتى ~~نزل السيلحين ، ونظر إلى مجتمع الأنهار ، نهر الخريدة ، ونهر السيلحين ، ~~ونهر القاددسية ، ونهر PageV21P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" يوسف ، فسكر الفرات ، فذهب ماؤها في هذه ~~الأنهار ، وبقيت سفن أهل البصرة في الطين ، فخرجوا من السفن إلى ذلك السكر ~~فأصلحوه ، وقصدوا الكوفة ، وسار المختار فنزل حوراء ، وحال بينهم وبين ~~الكوفة بعد أن حصن القصر والمسجد ، وأقبل مصعب وجعل على ميمنه المهلب ، ~~وعلى ميسرته عمر بن عبيد الله ، وعلى الخيل عباد بن الحصين ، وجعل المختار ~~على ميمنته سليم بن يزيد الكندي ، وعلى ميسرته سعيد بن منقذ الهمداني ، ~~وعلى الخيل عمر بن عبد الله النهدي ، وعلى الرجال مالك بن عبد الله النهدي ~~، وأقبل محمد بن الأشعث فيمن كان قد هرب من أهل الكوفة ، فنزل بين مصعب ~~والمختار ، فلما رأى المختار ذلك بعث إلى كل خمس من أهل البصرة رجلا من ~~أصحابه ، وتدانى الناس ، فحمل سعيد بن المنقذ على بكر وعبد القيس وهم في ~~ميمنة مصعب ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وبعث المختار إلى عبد الله بن جعدة بن ~~هبير المخزومي ، فحمل على من بازائه وهم أهل العالية ، فكشفهم " فانتهوا ~~إلى مصعب فجثا مصعب على ركبتيه ونزل الناس عنده فقاتلوا ساعة وتحاجزوا ثم ~~حمل المهلب على من بازائه فكشفهم " واشتد القتال ، فقتل ابن الأشعث وذلك ~~عند المساء ، قاتل المختار على فم سكة شبث عامة ليلته ، وقاتل معه رجال من ~~أهل البأس ، وقاتلت معه همدان أشد قتال ، ثم تفرق الناس عن المختار ، فقال ~~له من معه : أيها الأمير ، اذهب إلى القصر ، فجاء حتى دخله ، فقال له بعض ~~أصحابه : ألم تكن ms4637 وعدتنا الظفر ، وأنا سنهزمهم ؛ فقال : أما قرأت في كتاب ~~الله : " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " . قال : فلما أصبح ~~مصعب أقبل يسير فيمن معه نحو السبخة ، فمر بالمهلب ، فقال المهلب ، ياله ~~فتحا ما أهناه لو لم يقتل محمد بن الأشعث ، فقال : صدقت ؛ ثم قال مصعب ~~للمهلب : إن عبيد الله بن علي بن أبي طالب قد قتل ، فاسترجع المهلب ، فقال ~~مصعب : إنما قتله من يزعم أنه شيعة لأبيه ، ثم نزل مصعب السبخة فقطع عن ~~المختار ومن معه الماء والميرة ، وقاتل المختار ومن معه قتالا ضعيفا ، ~~واجترأ الناس عليهم ، فكانوا إذا خرجوا رماهم الناس من فوق البيوت ، وصبوا ~~عليهم الماء القذر ، وكان أكثر معاشهم من النساء تأتي المرأة متخفية ومعها ~~القليل من الطعام والشراب ، ففطن مصعب لذلك ، فمنع النساء ، فاشتد على ~~المختار وأصحابه العطش ، PageV21P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" فكانوا يشربون ماء البئر بالعسل ، ثم أمر مصعب ~~أصحابه فاقتربوا من القصر ، واشتد الحصار ، فقال المختار لأصحابه : ويلكم ، ~~إن الحصار لا يزيدكم إلا ضعفا ، فانزلوا بنا نقاتل حتى نقتل كراما إن نحن ~~قتلنا ، واله ما أنا يائس إن صدقتموهم أن ينصركم الله ، فضعفوا ولم يفعلوا ~~، فقال لهم : أما أنا فوالله لا أعطي بيدي ولا أحكمهم في نفسي ، ثم تطيب ~~وتحنط وخرج من القصر في تسعة عشر رجلا منهم السائب بن مالك الأشعري ، فتقدم ~~المختار فقاتل حتى قتل ، قتله رجلان أخوان من بني حنيفة ، وهما طرفة وطراف ~~ابنا عبد الله بن دجاجة ، فلما كان الغد من مقتله ، دعا بجير بن عبد الله ~~المسلي من معه بالقصر إلى ما دعاهم المختار ، فأبوا عليه ، وأمكنوا أصحاب ~~مصعب من أنفسهم ، ونزلوا على حكمه ، فأخرجوا مكتفين ، فاستعطفوه ، فأراد أن ~~يطلقهم ، فقام عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث فقال : أتخلي سبيلهم ؟ اخترنا ~~أو اخترهم . وقال محمد بن عبد الرحمن بن سعيد الهمداني مثله ، وقال أشراف ~~الكوفة مثلهما ، فأمر بقتلهم ، فقالوا : يا ابني الزبير ، لا تقتلنا ~~واجعلنا على مقدمتك إلى أهل الشام غدا ، فما بكم عنا غدا غنى ؛ فإن قتلنا ms4638 ~~لم نقتل حتى نضعفهم لكم ، وإن ظفرنا بهم كان ذلك لكم ، فأبى عليهم وقتلهم ~~برأي أهل الكوفة ، وأمر مصعب بكف المختار فقطعت وسمرت إلى جانب المسجد ~~فبقيت حتى قدم الحجاج فأمر بنزعها . وكتب مصعب إلى إبراهيم بن الأشتر يدعوه ~~إلى طاعته ، ويقول : إن أطعتني فلك الشام وأعنه الخيل وما غلبت عليه من أرض ~~المغرب ما دام لآل الزبير سلطان . وكتب عبد الملك بن مروان إلى ابن الأشتر ~~أيضا يدعوه إلى طاعته ويقول : إن أنت أجبتني فلك العراق . فاستشار إبراهيم ~~أصاحبه في ذلك ، فاختلفوا ، فقال : لو لم أكن أصبت ابن زياد وغيره من أشراف ~~الشام لأجبت عبد الملك ، مع أني لا أختار على أهل مصرى وعشيرتي غيرهم ، ~~فدخل في طاعة مصعب ، وبلغ مصعبا إقباله إليه ، فبعث المهلب على عمله ~~بالموصل والجزيرة وإرمينية وأذربيجان . قال : ثم دعا مصعب بن الزبير أم ~~ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار ، وعمرة بنت النعمان بن بشير الأنصاري ~~امرأته الأخرى ، وسألهما عنه ، فقالت أم ثابت : أقول فيه بقولك أنت فيه ، ~~فأطلقها ؛ وقالت عمرة : رحمة الله عليه ، كان عبدا صالحا . PageV21P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" فكتب إلى أخيه عبد الله : إنها تزعم أنه نبي ، ~~فأمره بقتلها ، فقتلت ليلا بين الحيرة والكوفة ، فقال عمر بن أبي ربيعة ~~المخزومي : إن من أعجب العجائب عندي . . . قتل بيضاء حرة عطبول قتلت هكذا ~~على غير جرم . . . إن لله درها من قتيل كتب القتل والقتال علينا . . . وعلى ~~المحصنات جر الذيول وقيل : إن المختار إنما أظهر الخلاف على ابن الزبير عند ~~قدوم مصعب البصرة ، وإن مصعبا لما سار إليه فبلغه مسيره أرسل إليه أحمر بن ~~شميط ، وأمره أن يواقعه بالمذار ، وقال : إن الفتح بالمذار ، لأنه بلغه أن ~~رجلا من ثقيف يفتح عليه بالمذار فتح عظيم ، فظن أن هو ، وإنما كان الحجاج ~~في فتال عبد الرحمن ابن الأشعث ، وأمر مصعب عبادا الحبطي بالمسير إلى جمع ~~المختار ، فتقدم وتقدم معه عبيد الله بن علي بن أبي طالب ، وبقي مصعب على ~~نهر البصريين ، على شط الفرات ، وخرج المختار في ms4639 عشرين ألفا ، وزحف مصعب ~~ومن معه فوافوه مع الليل ، فقال المختار لأصحابه : لا يبرحن أحد منكم حتى ~~يسمع مناديا ينادي : يا محمد ، فإذا سمعتموه فاحملوا ، فلما طلع القمر أمر ~~مناديا فنادى : يا محمد ؛ فحملوا على أصحاب مصعب فهزموهم وأدخلوهم عسكرهم ، ~~فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا ، وأصبح المختار وليس عنده أحد ، وقد أوغل ~~أصحابه في أصحاب مصعب ، فانصرف المختار منهزما حتى دخل قصر الكوفة ، وجاء ~~أصحابه حين أصبحوا ، فوقفوا مليا ، فلم يروا المختار ، فقالوا : قد قتل ، ~~فهرب منهم من أطاق الهرب ، فاختفوا بدور الكوفة ، وتوجه منهم نحو القصر ~~ثمانية آلاف ، فوجدوا المختار في القصر ، فدخلوا معه وكانوا قد قتلوا تلك ~~الليلة من أصحاب مصعب خلقا كثيرا ، منهم محمد بن الأشعث . PageV21P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" وأقبل مصعب فأحاط بالقصر ، وحاصرهم أربعة أشهر ~~يخرج المختار كل يوم فيقاتلهم في سوق الكوفة ، فلما قتل المختار بعث من في ~~القصر يطلبون الأمان ، فأبى مصعب ، فنزلوا على حكمه ، فقتل من العرب ~~سبعمائة أو نحو ذلك ، وسائرهم من العجم ، فكان عدة القتلى ستة آلاف رجل ، ~~وقيل : سبعة آلاف ، وذلك في سنة سبع وستين ، وكان عمر المختار يوم قتل سبعا ~~وستين سنة ، وكان تارة يدعو لمحمد ابن الحنفية ، وتارة لعبد الله بن الزبير ~~. وحكى عبد الملك بن عبدون في كتابه المترجم كمامة الزهر وصدفة الدرر ، أن ~~المختار ادعى النبوة وقال : إنه يأتيه الوحي من السماء ، وأظهر ذلك في آخر ~~أمره ، وكان له كرسي يستنصر به . ذكر خبر كرسي المختار الذي كان يستنصر به ~~ويزعم أنه في كتاب بني إسرائيل قال الطفيل بن دعدة بن هبيرة : أضقت إضاقة ~~شديدة ، فخرجت يوما فإذا جار لي زيات وعنده كرسي قد ركبه الوسخ ، فقلت في ~~نفسي : لو قلت للمختار في هذا شيئا ، فأخذته من الزيات وغسلته ، فخرج عود ~~نضار قد شرب الدهن وهو أبيض ، فقلت للمختار : إني كنا أكتمك شيئا ، وقد بدا ~~لي أن أذكره لك ، إن أبى جعدة كان يجلس عندنا على كرسي ، ويرى أن فيه أثرا ~~من علم . قال : سبحان الله ms4640 ، أخرته إلى هذا الوقت ابعث به إلي ، فأحضرته ~~وقد غشيته ، فأمر لي اثنى عشر ألفا ، ثم أمر فنودي : الصلاة جامعة ، فاجتمع ~~الناس ، فقال : إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة ~~مثله ، وإنه كان لبني إسرائيل التابوت ، وإن هذا فينا مثله ، فكشفوا عنه ~~وقامت السبائية فكبروا ، ثم لم يلبث أن أرسل المختار الجيش لقتال ابن زياد ~~، وخرج بالكرسي على بغل وقد غشى ، فكان من هزيمة أهل الشام وقتل أشرافهم ما ~~ذكرناه ، فزادهم ذلك فتنة حتى تعاطوا الكفر . قال الطفيل : فندمت على ما ~~صنعت ، فتكلم الناس في ذلك ، فغيبه المختار . PageV21P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" وقيل : إن المختار قال لآل جعدة بن هبيرة - ~~وكانت أم جعدة هي أم هاني بنت أبي طالب أخت على رضي الله عنه لأبويه - ~~ائتوني بكرسي علي ، فقالوا : والله ما هو عندنا ، فقال : لا تكونوا حمقى ، ~~اذهبوا فائتوني به ، فظنوا أنهم لا يأتونه بكرسي إلا قال : هذا هو ، فأتوه ~~بكرسي ، فأخذه وخرجت شبام وشاكر وفودا ، يعني أصحاب المختار ، وقد جعلوا ~~عليه الحرير ، وكان أول من سدنه موسى ابن أبي موسى الأشعري ، فعتب الناس ~~عليه ، فتركه فسدنه حوشب البرسمي حتى هلك المختار . وقال أعشى همدان فيه : ~~شهدت عليكم أنكم سبئية . . . وإني بكم يا شرطة الشرك عارف فأقسم ما كرسيكم ~~بسكينة . . . وإن كان قد لقت عليه اللفائف وأن ليس كالتابوت فينا وإن سعت . ~~. . شبام حواليه ونهد وخارف وإني أمرؤ أحببت آل محمد . . . وتابعت وحيا ~~ضمنته المصاحف وبايعت عبد الله لما تتابعت . . . عليه قريش شمطها والغطارف ~~وقال المتوكل الليثي : أبلغ أبا إسحاق إن جئته . . . أنى بكرسيكم كافر تنزو ~~شبام حول أعواده . . . ويحمل الوحي له شاكر محمرة أعينهم حوله . . . كأنهن ~~الحامض الحازر انتهت أخبار المختار بن أبي عبيدة ، فلنذكر أخبار نجدة ~~الحنفي ، والله ولي التوفيق . PageV21P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" ذكر أخبار نجدة بن عامر الحنفي حيث وثب ~~باليماية وما كان من أمره كان نجدة بن عامر بن عبد الله بن سيار بن مفرج ~~الحنفي مع نافع بن الأزرق ، ففارقه ms4641 وسار إلى اليمامة ، وكان أبو طالوت وهو ~~من بني بكر بن وائل ، وأبو فديك عبد الله بن ثور بن قيس ابن ثعلبة ، وعجية ~~بن الأسود اليشكري ، قد وثبوا بها مع أبي طالوت ، فلما قدمها نجدة دعا أبا ~~طالوت إلى نفسه ، فأجابه بعد امتناع ، ومضى أبو طالوت إلى الخضارم ، فنهبها ~~، وكانت لبني حنيفة ، فأخذها منهم معاوية بن أبي سفيان ، فجعل فيها من ~~الرقيق ما عدتهم وعدة أبنائهم ونسابهم أربعة آلاف ، فغنم ذلك وقسمه بين ~~أصحابه ، وذلك في سنة خمس وستين ، ثم إن عيرا خرجت من البحرين - وقيل من ~~البصرة - تحمل مالا وغيره يراد بها عبد الله بن الزبير ، فاعترضها نجدة ، ~~فأخذها وساقها حتى أتى بها أبا طالوت بالخضارم ، فقسمها بين أصحابه ، وقال ~~: اقتسموا هذا المال - وردوا هذه العبيد ، واجعلوهم يعملون بالأرض لكم ، ~~فإن ذلك أنفع ، فاقتسموا المال ، وقالوا : نجدة خير لنا من أبي طالوت ، ~~وذلك في سنة ست وستين . ولما تمت بيعته بينهم سار في جمع إلى بني كعب بن ~~ربيعة ابن عامر بن صعصعة ، فلقيهم بذى المجاز فهزمهم وقتل فيهم قتلا ذريعا ~~، ثم كثرت جموعه حتى بلغت ثلاثة آلاف ، فسار إلى البحرين في سنة سبع وستين ~~، فقالت الأزد : نجدة أحب إلينا من ولاتنا لأنه ينكر الجور ، وولاتنا تجور ~~؛ فعزموا على مسالمته ، واجتمعت عبد القيس ، وقتل منهم جمع كثير ، وسبى ~~نجدة من قدر عبيه من أهل القطيف ، وأقام بالبحرين . PageV21P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" فلما قدم مصعب إلى البصرة في سنة تسع وستين ~~بعث إليه عبد الله بن عمير الليثي الأعور في أربعة عشر ألفا ، وقيل : في ~~عشرين ألفا ، فجعل يقول : اثبت نجدة فإنا لا نفر ، فقدم ونجدة بالقطيف ، ~~فأتى نجدة إلى ابن عمير وهو غافل فقاتل طويلا ، ثم افترقوا ، وأصبح ابن ~~عمير فهاله ما رأى في عسكره من القتلى والجرحى ، فحمل عليهم نجدة ، فلم ~~يثبتوا ، وانهزموا ، وغنم نجدة ما في عسكرهم . وبعث نجدة بعد هزيمة ابن ~~عمير جيشا إلى عمان ، واستعمل عليهم عظية بن الأسود الحنفي ، وقد غلب عليها ~~عباد بن عبد ms4642 الله وابناه سعيد وسليمان ، فقاتلوه ، فقتل عباد واستولى عظية ~~عليها ، فأقام بها أشهرا ، ثم خرج عنها ، واستخلف رجلا يكنى أبا القاسم ، ~~فقتله سعيد وسليمان ابنا عباد ، فعاد إلى عمان فلم يقدر عليها ، فركب في ~~البحر وأتى كرمان ، وضرب بها دراهم سماها العطوية ، فأرسل إليه المهلب جيشا ~~، فهرب إلى سجستان ، ثم أتى السند ، فقتلته خيل المهلب بقندابيل . وبعث ~~نجدة إلى البوادي من يأخذ صدقة أهلها ، ثم سار نجدة إلى صنعاء في خف من ~~الجيش ، فبايعه أهلها ، وبعث أبا فديك إلى حضرموت فجبى صدقات أهلها ، وحج ~~نجدة سنة ثمان وستين ، وقيل في سنة تسع ، وهو في ثمانمائة وستين رجلا ، ~~وقيل في ألفين وستمائة رجل ، فصالح ابن الزبير على أن يصلي كل واحد بأصحابه ~~، ويقف بهم ، ويكف بعضهم عن بعض ، فلما صدر نجدة عن الحج سار إلى المدينة ، ~~فتأهب أهلها لقتاله ، وتقلد عبد الله ابن عمر سيفا ، فلما أخبر نجدة أن ابن ~~عمر لبس السلاح رجع إلى الطائف ، فلما قرب منها أتاه عاصم بن عروة بن مسعود ~~الثقفي ، فبايعه على قومه ، فرجع نجدة إلى البحرين ، فقطع الميرة عن أهل ~~الحرمين ، فكتب إليه ابن عباس : إن ثمامة بن أثال لما أسلم قطع الميرة عن ~~أهل مكة وهم كفار ، فكتب إليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : إن أهل ~~مكة أهل الله ، فلا تمنعهم الميرة ، فخلاها لهم ، وإنك قطعت الميرة عنا ~~ونحن مسلمون ، فخلاها لهم نجدة ، لم تزل عمال نجدة على النواحي حتى اختلف ~~عليه أصحابه ، على ما نذكره . والله أعلم . PageV21P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" ذكر الخلاف على نجدة وقتله وتولية أبي فديك ~~قال : ثم إن أصحاب نجدة اختلفوا عليه لأسباب نقموها منه ، فخالف عليه عطية ~~بن الأسود ، وسبب ذلك أن نجدة بعث سرية برا وبحرا ، فأعطى سرية البر أكثر ~~من سرية البحر ، فنازعه عطية حتى أغضبه ، فشتمه نجدة ، فغضب عطية وفارقه ، ~~وألب الناس عليه ، فخالفوه وانحازوا عنه ، وولوا أمرهم أبا فديك عبد الله ~~بن ثور ، من بني قيس بن ثعلبة ، فاستخفى نجدة ، وقيل لأبي فديك ms4643 : إن لم ~~تقتله تفرق الناس عنك ، فألح في طلبه حتى ظفر به أصحابه ، فقتلوه ، فلما ~~قتل نجدة سخط قتله جماعة من أصحاب أبي فديك ، ففارقوه وثار به مسلم بن جبير ~~فضربه اثنتي عشرة ضربة بسكين ، فقتل مسلم ، وحمل أبو فديك إلى منزله . هذا ~~ما كان من أمر الخوارج الذين خرجوا على عبد الله بن الزبير في أيام خلافته ~~، فلنذكر خلاف ذلك مما وقع في أيامه بالأعمال الداخلة في ولايته . ذكر ~~الحوادث التي وقعت في أيام عبد الله بن الزبير خلاف ما ذكرناه في الأعمال ~~الداخلة في ولايته على حكم السنين سنة أربع وستين قد ذكرنا بعض حوادث هذه ~~السنة في أخبار يزيد ، فلنذكر من حوادثها خلاف ذلك : فيها حج عبد الله بن ~~الزبير بالناس ، وكان عامله على المدينة أخوه عبيدة بن الزبير ، وعلى ~~الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي ، وعلى قضائها سعيد بن نمران ، وأبي شريح ~~أن يقضي في الفتنة ، وعلى البصرة عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي ، وعلى ~~قضائها هشام بن هبيرة ، وعلى خراسان عبد الله بن خازم . سنة خمس وستين في ~~هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير أخاه عبيدة عن المدينة ، واستعمل أخاه ~~مصعبا ؛ وسبب ذلك أن عبيدة خطب الناس فقال : قد ترون ما صنع الله بقوم في ~~ناقة قيمتها خمسمائة درهم ، فسمى : مقوم الناقة ، فبلغ ذلك أخاه فعزله ، ~~واستعمل مصعبا ، PageV21P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" ذكر بناء ابن الزبير الكعبة كان عبد الله بن ~~الزبير لما احترقت الكعبة - حين غزاه أهل الشام في أيام يزيد بن معاوية ، ~~قد تركها ليشنع بذلك على أهل الشام وقد اختلف في سبب حرق الكعبة ، فقيل : ~~إن ابن الزبير لما حاصره أهل الشام قد وصلوا إليه ، وكانت الليلة ظلماء ذات ~~ريح صعبة ورعد وبرق ، فرفع نارا على رأس رمح لينظر إلى الناس ، فأطارتها ~~الريح ، فوقعت على أستار الكعبة فأحرقتها ، وجهد الناس في إطفائها فلم ~~يقدروا ، فأصبحت الكعبة تتهافت ، وماتت امرأة من قريش ، فخرج الناس كلهم مع ~~جنازتها خوفا من أن ينزل عليهم ms4644 العذاب ؛ وأصبح ابن الزبير ساجدا يدعو ويقول ~~: اللهم إني لم أعتمد ما جرى ، فلا تهلك عبادك بذنبي ، وهذه ناصيتي بين ~~يديك . فلما تعالى النهار أمن وتراجع الناس . حكاه أبو الفرج الأصفهاني ~~بسند رفعه إلى أبي بكر الهذلي ، وقيل في حرقها غير ذلك . فلما مات يزيد ~~واستقر الأمر لابن الزبير ، شرع في بنائها ، فأمر بهدمها حتى ألحقت بالأرض ~~، وكانت حيطانها قد مالت من حجارة المنجنيق ، وجعل الحجر الأسود عنده ، ~~وكان الناس يطوفون من وراء الأساس ، وضرب عليها الستور ، وأدخل فيها الحجر ~~، واحتج بأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال لعائشة رضي الله عنها : ~~لولا حدثان عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام ، وأزيد فيها من الحجر ، فحفر ابن الزبير رضي الله عنهما ، فوجد ~~أساسا أمثال الجمال فحركوا منها صخرة فبرقت بارقة ، فقال : أقروها على ~~أساسها ، وبناها ، وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر . وقيل : ~~كانت عمارتها في سنة أربع وستين . والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع ~~والمآب . ذكر الحرب بين عبد الله بن خازم وبين بني تميم بخراسان في هذه ~~السنة كانت الحرب والفتنة بني عبد الله بن خازم السلمي وبين بني تميم ~~بخراسان ؛ وسبب ذلك أن من كان من بني تميم بخراسان أعانوا ابن خازم على من ~~بها PageV21P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" من ربيعة كما تقدم ، فلما صفت له خراسان جفا ~~بني تميم ، وكان قد جعل ابنه محمدا على هراة ، وجعل على شرطته بكير بن وساج ~~، وضم إليه شماس بن دثار العطاردي وكانت أم محمد تميمية ، فلما جفاهم ابن ~~خازم أتوا ابنه محمدا بهراة ، فكتب إلى أبيه وإلى بكير وشماس ، يأمرهم ~~بمنعهم عن هراة ، فأما شماس فصار مع بني تميم ، وأما بكير فإنه منعهم ، ~~فأقاموا ببلاد هراة ، فأرسل بكير إلى شماس : إني أعطيك ثلاثين ألفا ، وأعطي ~~كل رجل من تميم ألفا ، على أن ينصرفوا ، فأبوا وأقاموا يترصدون محمد بن عبد ~~الله حتى خرج إلى الصيد ، فأخذوه وشدوه وثاقا ، ثم قتلوه ، وولوا عليهم ~~الحريش ، فنادى ابن ms4645 خازم ، وقال : لقد طالت الحرب بيننا ، فعلام يقتل قومي ~~وقومك ، ابرز إلي فأينا قتل صاحبه صارت الأرض له ، فقال ابن خازم : لقد ~~أنصفت ، فبرز إليه ، فالتقيا وتصاولا طويلا ، فغفل ابن خازم ، فضربه الحريش ~~على رأسه فألقى فروة رأسه على وجهه ، وانقطع ركابا الحريش ، ولزم ابن خازم ~~عنق فرسه ، ورجع إلى أصحابه ، ثم غاداهم القتال ، فمكثوا أياما بعد الضربة ~~، ثم مل الفريقان ، فتفرقوا ، فافترقت تميم ثلاث فرق : فرقة إلى نيسابور مع ~~بحير ابن ورقاء ، وفرقة إلى ناحية أخرى ، وفرقة فيها الحريش إلى مرو الروذ ~~، فاتبعه ابن خازم إلى قرية تسمى الملحمة ، والحريش في اثنى عشر رجلا ، وقد ~~تفرق عنه أصحابه وهم في خربة ، فلما انتهى إليه قال له الحريش : ما تريد ~~مني وقد خليتك والبلاد ، قال : إنك تعود إليها ، قال : لا أعود ؛ فصالحه ~~على أن يخرج عن خراسان ولا يعود إلى قتاله ، فأعطاه ابن خازم وضمن له وفاء ~~دينه . وفي هذه السنة سنة 65 وقع طاعون الجارف بالبصرة ، وعليها عبيد الله ~~بن عبد اله بن معمر ، فهلك خلق كثير ، وماتت أم عبيد الله فلم يجدوا لها من ~~يحملها ، حتى استأجروا من تولى حملها . وحج بالناس عبد الله بن الزبير ، ~~وكان على المدينة مصعب ابن الزبير ، وعلى الكوفة عبد الله بن مطيع ، وعلى ~~البصرة الحارث ابن أبي ربيعة المخزومي ، وعلى خراسان عبد الله بن خازم . ~~PageV21P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" وفيها توفي عبد الله بن عمرو بن العاص بمصر ، ~~وكان قد عمي . وقيل : كانت وفاته في سنة ثمان وستين ، وقيل سنة تسع ، والله ~~أعلم . سنة ست وستين ذكر الفتنة بخراسان في هذه السنة حاصر عبد الله بن ~~خازم من كان بخراسان من بني تميم بسبب قتلهم ابنه محمدا ، وذلك أنه لما ~~تفرقت بنو تميم بخراسان على ما تقدم ، أتى قصر قرنبا عدة منهم ما بين ~~السبعين إلى الثمانين ، فولوا أمرهم عثمان بن بشر بن المحتفز المازني ، ~~ومعه شعبة بن ظهير النهشلي ، وورد بن الفلق العنبري ، وزهير بن ذؤيب العدوي ~~، وجيهان بن مشجعة الضبي ، والحجاج ms4646 بن ناشب العدوي ، ورقبة ابن الحر في ~~فرسان بني تميم وشجعانهم ، فحاصرهم ابن خازم ، فكانوا يخرجون إليه ~~فيقاتلونه ، ثم يرجعون إلى القصر ، فخرج ابن خازم يوما في ستة آلاف ، وخرج ~~أهل القصر إليه ، فقال لهم بشر : ارجعوا فلن تطيقوه ، فحلف زهير بن ذويب ~~بالطلاق إنه لا يرجع حتى ينقض صفوفهم ، فاستبطن نهرا قد يبس ، فلم يشعر به ~~أصحاب ابن خازم حتى حمل عليهم ، فحطم أولهم على آخرهم ، واستدار وكر راجعا ~~، واتبعوه يصيحون به ، ولم يجسر أحد ينزل إليه حتى رجع إلى موضعه ، فحمل ~~عليهم ، فأفرجوا له حتى رجع ، فقال ابن خازم لأصحابه : إذا طاعنتم زهيرا ~~فاجعلوا في رماحكم كلاليب ، ثم علقوها في سلاحه ، فخرج إليهم يوما فطاعنهم ~~، فأعلقوا فيه أربعة رماح بالكلاليب ، فالتفت إليهم ليحمل عليهم ، فاضطربت ~~أيديهم ، وخلوا رماحهم ، فعاد يجر أربعة أرماح حتى دخل القصر ، فأرسل ابن ~~خازم إلى زهير ، فضمن له مائة ألف وميسان طعمة ليناصحه ، فلم يجبه ، فلما ~~طال الحصار عليهم أرسلوا إلى ابن خازم أن يمكنهم من الخروج ليتفرقوا ، فأبى ~~إلا على حكمه ، فأجابوه إلى ذلك ، فقال زهير : ثكلتكم أمهاتكم ، والله ~~ليقتلنكم عن آخركم ، فإن طبتم بالموت نفسا فموتوا كراما ، اخرجوا بنا جميعا ~~، فإما أن تموتوا كراما ، وإما أن ينجو بعضكم ويهلك بعضكم ، وأيم الله لئن ~~شددتم عليهم شدة صادقة ليفرجن لكم ، فإن شئتم كنت PageV21P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" أمامكم ، وإن شئتم كنت خلفكم ، فأبوا عليه ، ~~فقال سأريكم ؛ ثم خرج هو ورقبة بن الحر وغلام تركي وابن ظهير ، فحملوا على ~~القوم حملة منكرة فأفرجوا لهم ، فمضوا . فأما زهير فرجع إلى من بالقصر ونجا ~~أصحابه ، فقال زهير لمن بالقصر : قد رأيتم ، أطيعوني ، فقالوا : إنا نضعف ~~عن هذا ونطمع في الحياة ، فقال : والله لا أكون أعجزكم عند الموت ، فنزلوا ~~على حكم ابن خازم ، فأرسل إليهم فقيدهم ، وحملوا إليه رجلا رجلا ، فأراد أن ~~يمن عليهم ، فأبى عليه ابنه موسى ، وقال له : إن عفوت عنهم قتلت نفسي ، ~~فقتلهم إلا ثلاثة ، أحدهم الحجاج ابن ناشب ، شفع فيه بعض من معه فأطلقه ms4647 ، ~~والآخر جيهان بن مشجعة الضبي ، وكان قد منع القوم من قتل محمد عبد الله ، ~~ورمى نفسه عليه ، فأبوا ، فتركه لذلك ، والآخر رجل من بني سعد من تميم ، ~~وهو الذي رد الناس عن ابن خازم يوم لحقوه ، وقال : انصرفوا عن فارس مضر . ~~قال : ولما أرادوا حمل زهير بن ذويب وهو مقيد أبى ، واعتمد على رمحه ، فوثب ~~الخندق ، ثم أقبل إلى ابن خازم يحجل في قيوده ؛ فقال له ابن خازم : كيف ~~شكرك إن أطلقتك وأطعمتك ميسان ؟ قال : لو لم تصنع بي إلا حقن دمى لشكرتك ، ~~فلم يمكنه ابنه موسى من إطلاقه ، فقال له أبوه : ويحك ، تقتل مثل زهير ، من ~~لقتال عدو المسلمين ، من لنساء العرب ؟ فقال : والله لو شركت في دم أخير ~~لقتلتك ، فأمر بقتله ، فقال زهير : إن لي حاجة ، لا تقتلني وتخلط دمي بدماء ~~هؤلاء اللئام ، فقد نهيتهم عما صنعوا ، وأمرتهم أن يموتوا كراما ويخرجوا ~~عليكم مصلتين ، وأيم الله لو فعلوا لذعروا بنيك هذا . وشغلوه بنفسه عن طلب ~~ثأر أخيه ، فأمر به ابن خازم فقتل ناحية . سنة سبع وستين في هذه السنة ~~استعمل عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا على البصرة ، فقتل المختار كما تقدم ~~، قم عزله عن العراق ، واستعمل ابنه حمزة بن عبد الله . وكان حمزة جوادا ~~مخلطا ، يجود أحيانا حتى لا يدع شيئا يملكه ، ويمنع أحيانا ما لا يمنع مثله ~~، وظهر منه بالبصرة خفة وضعف ، فكتب الأحنف إلى أبيه ، وسأله أن يعزله عنهم ~~، ويعيد مصعبا ، فعزله ، فاحتمل مالا كثيرا من مال البصرة ، فعرض له مالك ~~ابن مسمع ، PageV21P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" فقال : لا ندعك تخرج بأعطياتنا ؛ فضمن له عبيد ~~الله ابن عبد الله العطاء ، فكف عنه ، وشخص حمزة بالمال إلى المدينة ، ~~فأودعه رجالا ، فجحدوه ، إلا رجلا واحدا ، فوفى له ، فبلغ ذلك أباه ، فقال ~~: أبعده الله ، أردت أن أباهي به بني مروان فنكص . وقيل : إن مصعبا أقام ~~بالكوفة سنة بعد قتل المختار معزولا عن البصرة ، ثم وفد إلى أخيه فرده إلى ~~البصرة ، وقيل : بل انصرف مصعب إلى البصرة بعد قتل المختار ms4648 ، واستعمل على ~~الكوفة الحارث بن أبي ربيعة ، وكانتا في عمله ، فعزله أخوه ، واستعمل ابنه ~~حمزة ، ثم عزل حمزة بكتاب الأحنف وأهل البصرة ، ورد مصعبا ، وذلك في سنة ~~ثمان وستين . وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير ، وكان العمال من ~~تقدم ذكرهم ، وكان على قضاء الكوفة عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وعلى قضاء ~~البصرة هشام بن هبيرة . سنة ثمان وستين ذكر حصار الري وفتحها وفي هذه السنة ~~أمر مصعب بن الزبير عتاب بن ورقاء الرياحي عامله على أصفهان بالمسير إلى ~~الري وقتال أهلها ، لمساعدتهم الخوارج على يزيد بن الحارث ، كما تقدم ، ~~وامتناعهم في مدينتهم ، فسار إليهم عتاب ، وقاتلهم ، وعليهم الفرخان ففتحها ~~عنوة ، وغنم ما فيها وافتتح سائر قلاعها ونواحيها . والله أعلم . ذكر أخبار ~~عبيد الله بن الحر ومقتله وفي هذه السنة قتل عبيد الله بن الحر الجعفي ، ~~وكان من خيار قومه صلاحا وفضلا واجتهادا ، ولما قتل عثمان حضر إلى معاوية ~~وشهد معه صفين وأقام عند معاوية ، وكانت زوجته بالكوفة ، فلما طالت غيبته ~~عنها زوجها أخوها رجلا ، يقال له عكرمة بن الخنبص ، فبلغ ذلك عبيد الله ، ~~فأقبل من الشام فخاصمه عكرمة إلى علي PageV21P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" رضي الله عنه ، فقال له علي رضي الله عنه : ~~ظاهرت علينا عدونا وفعلت وفعلت . فقال له : أيمنعني ذلك من عدلك ؟ قال : لا ~~، فقص عليه قصته فرد عليه امرأته وكانت حبلى ، فوضعها عند من يثق إليه حتى ~~وضع فألحق الولد بعكرمة ، ودفع المرأة إلى عبيد الله ، وعاد إلى الشام ~~فأقام به حتى قتل علي رضي الله عنه ، فرجع إلى الكوفة ، فلما كان في وقت ~~قتل الحسين تغيب عبيد الله عمدا ، فجعل ابن زياد يتفقد أشراف أهل الكوفة ، ~~فلم ير ابن الحر ثم جاء بعد ذلك فقال : أين كنت يا ابن الحر ؟ قال : كنت ~~مريضا . قال : كذبت ، ولكنك كنت مع عدونا . قال : لو كنت معه لرئي مكاني . ~~وغفل عنه ابن زياد ، فخرج وركب فرسه ، ثم طلبه فقيل له : ركب الساعة ، فبعث ~~الشرط خلفه فأدركوه فقالوا ms4649 : أجب الأمير ، فقال : بلغوه عني أني لا آتيه ~~طائعا أبدا ، وركض فرسه ، وأتى منزل أحمد بن زياد الطائي ، فاجتمع إليه ~~أصحابه ، ثم خرج حتى أتى كربلاء ، فنظر إلى مصارع الحسين رضي الله عنه ، ~~ومن قتل معه ، فاستغفر لهم ثم مضى إلى المدائن . وقال في ذلك : يقول أمير ~~غادر حق غادر . . . ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمه ونفسي على خذلانه ~~واعتزاله . . . وبيعة هذا الناكث العهد لائمه فياندمى ألا أكون نصرته . . . ~~ألا كل نفس لا تسدد نادمه وإني لأني لم أكن من حماته . . . لذو حسرة ما إن ~~تفارق لازمه سقى الله أرواح الذين تآزروا . . . على نصره سقيا من الغيث ~~دائمه وقفت على أجداثهم ومجالهم . . . فكاد الحشى ينقض والعين ساجمه لعمري ~~لقد كانوا مصاليت في الوغى . . . سراعا إلى الهيجا حماة خضارمه تأسوا على ~~نصر ابن بنت نبيهم . . . بأسيافهم آساد غيل ضراغمه فإن يقتلوا فكل نفس تقية ~~. . . على الأرض قد أضحت لذلك واجمه PageV21P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" وما إن رأى الراءون أفضل منهمو . . . لدى ~~الموت سادات وزهرا قماقمه أتقتلهم ظلما وترجو ودادنا . . . فدع خطة ليست ~~لنا بملائمه لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم . . . فكم ناقم منا عليكم وناقمه ~~أهم مرارا أن أسير بجحفل . . . إلى فئة زاغت عن الحق ظالمه فكفوا وإلا ~~زرتكم في كتائب . . . أشد عليكم من زحوف الديالمه قال : وأقام ابن الحر ~~بمنزله على شاطىء الفرات إلى أن مات يزيد ، ووقعت الفتنة ، فقال : ما أرى ~~قرشيا ينصف ، أين أبناء الحرائر ؟ فأتاه كل خليع ، ثم خرج إلى المدائن فلم ~~يدع مالا قدم به للسلطان إلا أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه ، ويكتب لصاحب ~~المال بما أخذ منه ، ثم جعل يتقصى الكور على مثل ذلك ، إلا أنه لم يعترض ~~لمال أحد ولا دمه ، فلم يزل كذلك حتى ظهر المختار وسمع ما يعمله ابن الحر ~~في السواد ، فأخذ امرأته فحبسها ، فأقبل عبيد الله في أصحابه إلى الكوفة ، ~~فكسر باب السجن ، وأخرجها ، وأخرج كل امرأة كانت فيه ، ومضى ، وجعل يعبث ~~بعمال المختار وأصحابه ، فأحرقت داره في همدان ، ونهبت ضيعته ، فسار إلى ms4650 ~~ضياع همذان فنهبها جميعا ، وكان يأتي المدائن فيمر بعمال جوخى فيأخذ ما ~~معهم من المال ، ثم يميل على الجبل ، فلم يزل على ذلك حتى قتل المختار . ~~وقيل : إنه بايع المختار بعد امتناع ، وسار مع إبراهيم بن الأشتر إلى ~~الموصل ، ولم يشهد معه قتال ابن زياد ، وتمارض ، ثم فارق ابن الأشتر ، ~~وأقبل إلى الأنبار في ثلاثمائة ، فأغار عليها ، وأخذ ما في بيت مالها ، ~~فلما فعل ذلك أمر المختار بهدم داره وأخذ امرأته ، ففعل ما تقدم ذكره ، ~~وحضر مع مصعب قتال المختار ، فلما قتل المختار قال الناس لمصعب : إنا لا ~~نأمن أن يثب عبيد الله بن الحر بالسواد كما فعل بابن زياد والمختار ، فحبسه ~~، فكلم قوما من وجوه مذحج ليشفعوا له إلى مصعب ، وأرسل إلى فتيان مذحج ، ~~فقال : البسوا السلاح واستروه ، فإن شفعهم مصعب وإلا فاقصدوا السجن فإنني ~~سأعينكم من داخل . PageV21P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" فلما شفع أولئك النفر شفعهم مصعب فيه ، وأطلقه ~~، فأتى منزله ، وأتاه الناس يهنئونه ، فكلمهم في الخروج على مصعب ، وقال ~~لهم : قاتلوا عن حريمكم ؛ فإني قد قلبت ظهر المجن واظهرت العداوة ولا قوة ~~إلا بالله . وخرج عن الكوفة ، وحارب وأغار ، فأرسل إليه مصعب سيف بن هانىء ~~المرادي ، فعرض عليه خراج بادرويا وغيرها ، ويدخل في الطاعة ، فلم يجب إلى ~~ذلك ، فندب لقتاله الأبرد بن قرة الرياحي ، فقاتله فهزمه عبيد الله وضره ~~على وجهه ، فبعث إليه حريث بن زيد فقتله ، فبعث إليه الحجاج ابن حارثة ~~الخثعمي ، ومسلم بن عمرو ، فلقياه بنهر صرصر . فقاتلهما وهزمهما ، فأرسل ~~إليه يدعوه إلى الأمان والصلة ، وأن يوليه أي بلد شاء ؛ فلم يقبل ذلك وأتى ~~نرسا ، ففر دهقانها بمال إلى عين التمر وعليها بسطام بن مصقلة بن هبيرة ~~الشيباني ، فالتجأ الدهقان إليه ، فتبعه عبيد الله فقاتله بسطام ، ووافاه ~~الحجاج ابن حارثة ، فأسرهما عبيد الله ، وأسر جماعة كثيرة ممن معهما ، وأخذ ~~المال الذي مع الدهقان ، وأطلق الأسارى وأتى تكريت ، فأقام بها يجبي الخراج ~~، فبعث إليه مصعب الأبرد بن قرة الرياحي ، والجون ابن كعب الهمداني في ألف ~~، وأمدهم المهلب ms4651 بيزيد بن المغفل في خمسمائة ، فقاتلهم يومين وهو في ~~ثلاثمائة . فلما كان عند المساء من اليوم الثاني تحاجزوا ، وخرج عبيد الله ~~من تكريت ، وسار نحو كسكر ، فأخذ بيت مالها ، ثم أتى الكوفة فنزل إلى دير ~~الأعور ، فبعث إليه مصعب حجار بن أبجر فانهزم حجار ، فشتمه مصعب ، وضم إليه ~~الجون بن كعب الهمداني وعمر بن عبيد الله بن معمر ، فقاتلوه بأجمعهم ، ~~وكثرت الجراحات في أصحاب ابن الحر ، وعقرت خيولهم ، فانهزم حجار ، ثم رجع ~~فاقتتلوا قتالا شديدا ، حتى أمسوا ، وخرج ابن الحر من الكوفة ، فكتب مصعب ~~إلى يزيد ابن الحارث بن رويم الشيباني وهو بالمدائن يأمره بقتاله ، فقدم ~~ابنه حوشبا ، فقاتله فهزمه عبيد الله ، وأقبل إلى المدائن فتحصنوا منه ، ~~فندب إليه الجون بن كعب الهمداني PageV21P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" وبشر بن عبد الله الأسدي ، فنزل الجون بحولايا ~~، فخرج إليه عبد الرحمن بن عبد الله فقتله ابن الحر وهزم أصحابه ، وخرج ~~إليه بشير بن عبد الرحمن ابن بشير العجلي ، فقاتله بسورا قتالا شديدا ، ~~فرجع عنه بشير ، وأقام ابن الحر بالسواد يغير ويجبى الخراج . ثم لحق بعبد ~~الملك بن مروان ، فلما صار إليه أكرمه وأجلسه معه على السرير ، وأعطاه مائة ~~ألف درهم ، وأعطى لمن معه مالا ، فقال له ابن الحر : وجهني بجند أقاتل بهم ~~مصعبا ، فقال له : سر بأصحابك ، وادع من قدرات عليه ، وأنا ممدك بالرجال ، ~~فسار في أصحابه نحو الكوفة إلى أن انتهى إلى الأنبار ، فنزل بقرية بجوارها ~~، واستأذنه أصحابه في إتيان الكوفة ، فأذن لهم ، وأمرهم أن يعلموا أصحابه ~~بمقدمه ليخرجوا إليه ، فبلغ ذلك القيسية فأتوا الحارث بن عبد الله بن أبي ~~ربيعة معامل ابن الزبير بالكوفة ، فسألوه أن يرسل معهم جيشا يقاتلون به ~~عبيد الله ويغتنمون الفرصة فيه بتفريق أصحابه ، فبعث معهم جيشا كثيفا ، ~~فساروا إليه ، فقال له من بقي معه من أصحابه : نحن في نفر يسير ، ولا طاقة ~~لنا بهذا الجيش ، فقال : كنت لأدعهم ، وحمل علهيم وهو يقول : يالك يوما فات ~~فيه نهبي وغاب عني ثقتي وصحبي فعطفوا عليه فكشفوا أصحابه ، وحاولوا ms4652 أن ~~يأسروه ، فلم يقدروا على ذلك ، وأذن لأصحابه في الذهاب ، فذهبوا فلم يعرض ~~لهم أحد ، وجعل يقاتل وحده وهم يرمونه ولا يدنون منه ، وهو يقول : أهذه نبل ~~أم مغازل فلما أثخنته الجراح خاض إلى معبر فدخله ولم يدخل فرسه ، فركب ~~السفينة ، ومضى به الملاح حتى توسط الفرات ، فأشرفت الخيل عليهم ، وكان في ~~السفينة نبط ، فقالوا لهم : إن في السفينة طلبة أمير المؤمنين ، فإن فاتكم ~~قتلناكم ، فوثب ابن الحر ليرمي نفسه في الماء ، فوثب إليه رجل عظيم الخلق ، ~~فقبض على يديه ، وجراحاته تجري دما ، وضربه الباقون بالمجاديف ، فقبض على ~~الذي أمسكه ، وألقى نفسه في الماء ، فغرقا معا . وقيل في قتله : إنه كان ~~يغثى مصعب بن الزبير بالكوفة فرآه يقدم عليه غيره ، PageV21P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" فكتب إلى عبد الله بن الزبير قصيدة يعاتب فيها ~~مصعبا ويخوفه مسيره إلى عبد الملك بن مروان يقول فيها : أبلغ أمير المؤمنين ~~رسالة . . . فلست على رأي قبيح أواربه أفي الحق أن أجفى ويجعل مصعب . . . ~~وزيره من قد كنت فيه أحاربه فكيف ، وقد أبليتكم حق بيعتي . . . وحقي يلوى ~~عندكم وأطالبه وأبليتكم مالا يضيع مثله . . . وآسيتكم والأمر صعب مراتبه ~~فلما استنار الملك وانقادت العدا . . . وأدرك من مال العراق رغائبه جفا ~~مصعب عني ولو كان غيره . . . لأصبح فيما بيننا لا أعاتبه لقد رابني من مصعب ~~أن مصعبا . . . أرى كل ذى غش لنا هو صاحبه إذا قمت عند الباب أدخل مسلم . . ~~. ويمنعني أن أدخل الباب حاجبه أشار بقوله : وزيره ؛ إلى مسلم بن عمرو والد ~~قتيبة ، والمهلب ابن أبي صفرة ، ويدل على ذلك قوله أيضا في غيرها : بأي ~~بلاء أم بأية نعمة تقدم قبلي مسلم والمهلب قال : فحبسه مصعب ، وله معه ~~معاتبات من الحبس ، وقال في قصيدة يهجو فيها قيس عيلان منها : ألم تر قيسا ~~قيس عيلان برقعت . . . لحاها وباعت نبلها بالمغازل فأرسل زفر بن الحارث ~~الكلابي إلى مصعب يقول : قد كفيتك قتال ابن الزرقاء - يعني عبد الملك . ~~وابن الحر يهجو قيسا ؛ ثم إن نفرا من بني سليم أسروا عبيد الله بن ms4653 الحر ، ~~فقال : إنما قلت : ألم تر قيسا قيس عيلان أقبلت . . . إلينا وسارت في القنا ~~والقنابل فقتله رجل منهم يقال له عياش ، والله أعلم . وفي هذه السنة سنة ~~وافى عرفات أربعة ألوية : PageV21P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" لواء ابن الزبير وأصحابه ، ولواء ابن الحنفية ~~وأصحابه ، ولواء لبني أمية ، ولواء لنجدة الحروري ، ولم يجر بينهم حرب ولا ~~فتنة . وكان العامل على المدينة جابر بن الأسود بن عوف الزهري ، وعلى ~~البصرة والكوفة مصعب بن الزبير ، وعلى قضائهما من ذكرنا قبل ، وعلى خراسان ~~عبد الله بن خازم . وفيها توفي عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، وعدى بن ~~حاتم الطائي . وقيل في سنة ست وستين ، وله مائة وعشرون سنة . سنة تسع وستين ~~في هذه السنة شخص مصعب بن الزبير إلى مكة ومعه أموال عظيمة ودواب كثيرة ، ~~فقسم في قومه وغيرهم ، ونحر بدنا كثيرة . وقيل : كان ذلك في سنة سبعين . ~~وحج بالناس عبد الله بن الزبير ؛ وفيها حكم رجل من الخوارج بمنى ، وسل سيفه ~~، وكانوا جماعة ، فأمسك الله أيديهم ، فقتل ذلك الرجل عند الجمرة . وكان ~~عمال المصار من ذكرنا . سنة سبعين ذكر يوم الجفرة في هذه السنة سار عبد ~~الملك بن مروان يريد مصعب بن الزبير ، فقال له خالد بن عبد الله بن أسيد : ~~إن وجهتني إلى البصرة وأتبعتني خيلا رجوت أن أغلب لك عليها ، فوجهه عبد ~~الملك ، فقدمها مستخفيا في خاصته حتى نزل على عمرو بن أصمع . وقيل : على ~~علي بن أصمع الباهلي ، فأرسل عمرو إلى عباد بن الحصين وهو على شرطة ابن ~~معمر ، وابن معمر خليفة مصعب على البصرة ، ورجا ابن أصمع أن عباد بن الحصين ~~يتابعه ، وقال له : إني قد أجرت خالدا وأحببت أن تعلم ذلك لتكون ظهيرا لي ؛ ~~فوافاه الرسول حين نزل عن فرسه ؛ فقال عباد : قل له : والله لا أضع لبد ~~فرسي حتى آتيك في الخيل ، فقال ابن أصمع لخالد : إن عبادا يأتينا الساعة ، ~~PageV21P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" ولا أقدر أمنعك منه ؛ فعليك بمالك بن مسمع ، ~~فخرج خالد يركض فرسه حتى أتى مالكا ms4654 فقال : أجرني فأجاره ، وأرسل إلى بكر بن ~~وائل والأزد ، فأقبلت إليه ، وأقبل عباد في الخيل ، فتواقفوا ولم يكن بينهم ~~قتال ، فلما كان الغد غدوا إلى جفرة نافع بن الحارث ، ومع خالد رجال من ~~تميم ، منهم صعصعة بن معاوية وعبد الله بن بشر ومرة بن محكان وغيرهم ، وكان ~~من أصحاب خالد ، عبيد الله بن أبي بكرة ، وحمران بن أبان ، والمغيرة بن ~~المهلب . ومن أصحاب ابن معمر ؛ قيس بن الهيثم السلمي ، وأمده مصعب بزحر بن ~~قيس الجعفي في ألف ، وأمده عبد الملك خالدا بعبيد الله بن زياد بن ظبيان ، ~~فبلغه تفرق الناس ، فرجع إلى عبد الملك . والتقى القوم ، واقتتلوا أربعة ~~وعشرين يوما ، ومشت بينهم السفراء ، فاصطلحوا على أن يخرج خالدا من البصرة ~~، فأخرجه مالك ، ولحق مالك بثأج ، وجاء مصعب إلى البصرة ، وطمع أن يدرك ~~خالدا فوجده قد خرج ، فسخط على ابن معمر ، وقال لعبيد الله بن أبي بكرة : ~~يا ابن مسروح ، إنما أنت ابن كلبة تعاورها الكلاب ، فجاءت بأحمر وأصفر ~~وأسود من كل كلب بما يشبهه ، وإنما كان أبوك عبدا نزل إلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من حصن الطائف ، ثم ادعيتم أن أبا سفيان زنى بأمكم ، ~~ووالله لئن بقيت لألحقنكم بنسبكم . ثم دعا حمران فقال له : إنما أنت ابن ~~يهودية علج نبطي سبيت من عين التمر . وقال للحكم بن المنذر بن الجارود ، ~~ولعبد الله ابن فضالة الزهراني ، ولعلي بن أصمع ، ولعبد العزيز بن بشر ~~وغيرهم نحو هذا من التوبيخ والتقريع ، وضربهم مائة مائة ، وحلق رؤسهم ~~ولحاهم وهدم دورهم ، وصهرهم في الشمس ثلاثا ، وحملهم على طلاق نسابهم ، ~~وجهز أولادهم في البعوث ، وطاف بهم في أقطار البصرة ، وأحلفهم ألا ينكحوا ~~الحرائر ، وهدم دار مالك ابن مسمع ، وأخذ ما فيها ؛ فكان فيما أخذ منها ~~جارية ولدت له عمرو بن مصعب . وأقام مصعب بالبصرة ، ثم شخص إلى الكوفة فلم ~~يزل بها حتى خرج لحرب عبد الملك . وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن ~~الزبير . PageV21P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" سنة إحدى وسبعون في هذه السنة ms4655 كان مقتل مصعب ~~بن الزبير واستيلاء عبد الملك ابن مروان على العراق على ما نذكر ذلك إن شاء ~~الله مبينا في أخبار عبد الملك . وفيها عزل عبد الله بن الزبير جابر بن ~~الأسود عن المدينة ، واستعمل عليها طلحة بن عبد الله بن عوف ، وهو آخر وال ~~كان له على المدينة حتى أتاه طارق بن عمرو ولي عثمان فهرب . سنة اثنان ~~وسبعون في هذه السنة قتل عبد الله بن خازم أمير خراسان ، واستولى عبد الملك ~~على خراسان على ما نذكر ذلك إن شاء الله في أخباره وفيها انتزع عبد الملك ~~المدينة من عبد الله بن الزبير ، واستعمل عليها طارق ين عمرو ؛ فلم يبق مع ~~ابن الزبير إلا مكة . سنة ثلاث وسبعون في هذه السنة كان مقتل عبد الله بن ~~الزبير واستقلال عبد الملك ابن مروان بالأمر ، جريا على القاعدة التي ~~قدمناها أن نذكر الواقعة بجملتها ونحيل عليها في أخبار المغلوب ، وعند ~~ذكرنا لمقتل عبد الله ابن الزبير نذكر نبذة من سيرته وأولاده ، فلنرجع إلى ~~أخبار الدولة الأموية . ذكر بيعة مروان بن الحكم هو أبو الحكم ، وقيل أبو ~~عبد الملك ، مروان بن الحكم بن أبي العاص ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ~~بن قصي ، يجتمع نسبه ونسب معاوية في أمية ، وهو الرابع من ملوك بني أمية ، ~~وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) طرد أباه إلى بطن وج ، فنزل الطائف ، ~~وخرج معه ابنه مروان . وقيل : إن مروان ولد بالطف . PageV21P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" واختلف في السبب الموجب لنفي رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) الحكم ، فقيل : كان يتحيل ويستخفي ويسمع ما يسره رسول ~~الله عليه الصلاة والسلام إلى كبار أصحابه في مشركي قريش وسائر الكفار ~~والمنافقين ، وكان يفشى ذلك عنه ، حتى ظهر ذلك عليه ؛ وكان يحكي رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) في مشيته وبعض حركاته ، وكان النبي عليه الصلاة ~~والسلام إذا مشى تكفأ ، فكان الحكم يحكيه ، فالتفت النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يوما فرآه يفعل كذلك ، فقال : فكذلك فلتكن . فكان الحكم ms4656 مخلجا يرتعش ~~من يومئذ ، فعيره عبد الرحمن بن حسان ، فقال في عبد الرحمن بن الحكم يهجوه ~~: إن اللعين أبوك فارم عظامه . . . إن ترم ترم مخلجا مجنونا يمشي خميص ~~البطن من علم التقي . . . ويظل من عمل الخبيث بطينا وروى عن عائشة رضي الله ~~عنها أنها قالت لمروان بن الحكم حين قال في أخيها عبد الرحمن ما قال : أما ~~أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعن أباك وأنت في ~~صلبه . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : يدخل عليكم رجل لعين . قال عبد الله : وكنت قد تركت عمرا يلبس ~~ليقبل إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلم أزل مشفقا أن يكون أول من ~~يدخل ، فدخل الحكم بن أبي العاص ، فلهذا قال عبد الرحمن بن حسان في شعره : ~~إن اللعين أبوك . ولم يزل الحكم طريدا إلى خلافة عثمان بن عفان فرده إلى ~~المدينة ، وقال : إن النبي عليه الصلاة والسلام كان أذن في رده . وكان ~~إسلام الحكم يوم فتح مكة ، ومات في خلافة عثمان قبل القيام عليه بأشهر . ~~وولد مروان على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قبل سنة اثنتين من ~~الهجرة ، وقيل عام الخندق ، وقيل يوم أحد ، وقيل ولد بمكة ، وقيل بالطائف ، ~~ولم ير مروان رسول الله عليه الصلاة والسلام ، لأنه خرج إلى الطائف طفلا لا ~~يعقل ، وقدم لمدينة مع أبيه في خلافة عثمان ، ثم توفي أبوه فاستكتبه عثمان ~~ابن عفان ، وضمه إليه ، فاستولى مروان عليه ، وغلب على رأيه حتى كان سبب ~~قيام الناس على عثمان وقتله . PageV21P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" حكى أبو عمر بن عبد البر في كتابه المترجم ~~بالاستيعاب أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتى مروان يوما ، فقال : ويلك ~~وويل أمة محمد منك ومن بنيك إذا شابت ذراعاك . وكان مروان يقال له خيط باطل ~~، وضرب يوم الدار على قفاه فخر لفيه . وفيه يقول أخوه عبد الرحمن بن الحكم ~~وكان ماجنا شاعرا ، وكان لا يرى رأى ms4657 مروان : فوالله ما أدرى وإني لسائل . . ~~. حليلة مضروب القفا كيف يصنع لحا الله قوما أمروا خيط باطل . . . على ~~الناس يعطى من يشاء ويمنع وقيل : إنه قال ذلك حين ولاه معاوية المدينة ، ~~وكان كثيرا ما يهجوه . وأم مروان آمنه بنت علقمة بن صفوان ، وكان مروان ~~قصيرا رقيقا أو قص ، بويع له بالجابية يوم الخميس لسبع بقين من شهر رجب سنة ~~أربع وستين ، وقيل في ذى القعدة منها . ذكر السبب في بيعة مروان كان سبب ~~بيعته أن عبد الله بن الزبير لما بويع له بالحجاز والعراق استعمل أخاه ~~عبيدة بن الزبير على المدينة ، فأخرج مروان بن الحكم وابنه منها إلى الشام ~~؛ فلما قدم الحصين بن نمير ومن معه إلى الشام أخبر مروان بما كان بينه وبين ~~ابن الزبير ، وقال له ولبني أمية : أقيموا أمركم قبل أن يدخل عليكم شامكم ، ~~فتكون فتنة عمياء صماء . وكان من رأى مروان أن يسير إلى عبد الله بن الزبير ~~فيبايعه ، فلما قدم عبيد الله بن زياد من العراق قال لمروان : لقد استحييت ~~لك من ذلك ، وأنت كبير قريش وسيدها ؛ وقبح ذلك عليه ، فقال : ما فات شيء ~~بعد ، وقام إليه بنو أمية ومواليهم فتجمع إليه أهل اليمن ، فسار إلى دمشق ~~فقدمها والضحاك بن قيس الفهري يصلي بالناس قد بايعوه على ذلك إلى أن يتفق ~~رأى الناس على إمام ، وهو يدعو إلى ابن الزبير سرا ، والنعمان بن بشير ~~الأنصاري بحمص يبايع له أيضا . وكان حسان بن مالك بن بحدل الكلبي غلاما ~~لمعاوية وابنه يزيد بفلسطين وهو يريد بني أمية . PageV21P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" فكتب حسان إلى الضحاك كتابا يعظم فيه حق بني ~~أمية وحسن بلائهم ، ويذم ابن الزبير ، وأنه خلع خليفتين ، وأمره أن يقرأ ~~كتابه على الناس . وكتب كتابا آخر ، وسلمه إلى رسوله واسمه ناغضة ، وقال له ~~: إن قرأ الضحاك كتابي على الناس وإلا فاقرأ هذا الكتاب عليهم . وكتب حسان ~~إلى بني أمية أن يحضروا ذلك ، فقدم ناغضة ، فدفع كتاب الضحاك إليه وكتاب ~~بني أمية إليهم . فلما كان يوم الجمعة ms4658 صعد الضحاك المنبر ، فقال له ناغضة : ~~اقرأ كتاب حسان على الناس . فقال له : اجلس ، فجلس ، ثم قام الثانية ~~والثالثة وهو يأمره بالجلوس ، فأخرج ناغضة الكتاب الذي معه ، وقرأه على ~~الناس ، فقام يزيد بن أبي النمس الغساني ، وسفيان ابن الأبرد الكلبي ، ~~فصدقا حسانا ، وشتما ابن الزبير ، وقام عمرو ابن يزيد الحكمي فشتم حسانا ، ~~وأثنى على ابن الزبير ، واضطرب الناس ، فأمر الضحاك بيزيد وسفيان فحبسا ، ~~ووثبت كلب على عمر بن يزيد فضربوه وخرقوا ثيابه ، وقام خالد بن يزيد ، فسكن ~~الناس ، ونزل الضحاك فصلى الجمعة بالناس ، ودخل القصر فجاءت كلب فأخرجوا ~~سفيان ، وجاءت غسان فأخرجوا يزيد ، وكان أهل الشام يسمون ذلك اليوم يوم ~~جيرون الأول . ثم خرج الضحاك بن قيس إلى المسجد ، وذكر يزيد بن معاوية فسبه ~~، فقام إليه شاب من كلب فضربه بعصا ، فقام الناس بعضهم إلى بعض فاقتتلوا ؛ ~~فقيس تدعو إلى ابن الزبير ونصرة الضحاك ، وكلب تدعو إلى بني أمية . ودخل ~~الضحاك دار الإمارة ، ولم يخرج من الغد لصلاة الفجر ، وبعث إلى بني أمية ~~فاعتذر إليهم ، وأنه لا يريد ما يكرهون ، وأمرهم أن يكتبوا إلى حسان ، ~~ويكتب معهم ليسير من الأردن إلى الجابية ، ويسيرون هم من دمشق إليها ~~فيجتمعون بها ويبايعون لرجل من بني أمية ، فرضوا ، وكتبوا إلى حسان ، وسار ~~الضحاك وبنو أمية نحو الجابية ، فأتاه ثور بن معن السلمي ، فقال : دعوتنا ~~إلى ابن الزبير فبايعنا على ذلك ، وأنت تسير إلى هذا الأعرابي من كلب ~~يستخلف ابن أخته خالد بن يزيد . PageV21P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" قال الضحاك : فما الرأي ؟ قال : الرأي أن نظهر ~~ما كنا نكتم وندعو إلى ابن الزبير ، فرجع الضحاك بمن معه من الناس ، فنزل ~~مرج راهط ودمشق بيده ، واجتمع بنو أمية وحسان وغيرهم بالجابية ، فكان حسان ~~يصلى بهم أربعين يوما والناس يتشاورون ، وكان مالك بن هبيرة السكوني يهوى ~~خالد بن يزيد والحصين بن نمير يميل إلى مروان ، فقال مالك للحصين : هلم ~~نبايع هذا الغلام الذي نحن ولدنا أباه وهو ابن أختنا ، وقد عرفت منزلتنا من ~~أبيه ، فإنه يحملنا على ms4659 رقاب العرب . يعني خالد بن يزيد . فقال الحصين : لا ~~والله لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيها بصبي . فقال مالك : والله لئن استخلفت ~~مروان ليحسدنك على سوطك وشراك نعلك وظل شجرة تستظل بها ، إن مروان أبو عشرة ~~وأخو عشرة وعم عشرة ، فإن بايعتموه كنتم عبيدا لهم ، ولكن عليكم بابن أختكم ~~خالد ، فقال الحصين : إني رأيت في المنام قنديلا معلقا من السماء وأن من ~~يلي الخلافة يتناوله ، فلم ينله إلا مروان ؛ والله لنستخلفنه . وقام روح بن ~~زنباع الجذامى فقال : أيها الناس ، إنكم تذكرون عبد الله بن عمر وصحبته ~~وقدمه في الإسلام ، وهو كما تذكرون ، ولكنه ضعيف ، وليس بصاحب أمة محمد ~~الضعيف ، وتذكرون ابن الزبير وهو كما تذكرون ، إنه ابن حواري رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وأمه ذات النطاقين ، ولكنه منافق قد خلع خليفتين : ~~يزيد ، وابنه معاوية ، وسفك الدماء ، وشق عصا المسلمين ، وليس المنافق ~~بصاحب أمة بمحمد وأما مروان بن الحكم فوالله ما كان في الإسلام صدع إلا كان ~~ممن يشعبه ، وهو الذي قاتل هم أمير المؤمنين عثمان بن عفان يوم الدار ، ~~والذي قاتل علي بن أبي طالب يوم الجمل ، وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير ~~، ويستشبوا الصغير - يعنى بالكبير مروان ، وبالصغير خالد بن يزيد . فأجمع ~~رأيهم على البيعة لمروان ، ثم لخالد ابن يزيد ، ثم لعمرو بن سعيد بن العاص ~~من بعد خالد ، على أن إمرة دمشق لعمرو ، وإمرة حمص لخالد . فدعا حسان خالدا ~~، فقال : يا بن أختي ؛ إن الناس قد أبوك لحداثة سنك ، وإني والله ما أريد ~~المر إلا لك ولأهل بيتك ، وما أبايع مروان إلا نظرا لكم . فقال خالد : بل ~~عجزت عنا . فقال : والله ما أنا عجزت ، ولكن الرأي لك ما رأيت . ثم بايعوا ~~مروان لثلاث خلون من ذى القعدة سنة أربع وستين ، وقال مروان حين بويع له : ~~PageV21P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" لما رأيت الأمر أمرا نهبا . . . يسرت غسان لهم ~~وكلبا والسكسكيين رجالا غلبا . . . وطيئا تأباه إلا ضربا والقين تمشى في ~~الحديد نكبا . . . ومن تنوخ مشمخرا صعبا لا يأخذون الملك إلا غصبا ms4660 . . . ~~فإن دنت قيس فقل لا قربا ذكر موقعة مرج راهط وقتل الضحاك بن قيس بن خالد ~~الفهري والنعمان ابن بشير بن سعيد بن تغلب الأنصاري الخزرجي قال : ولما ~~بويع مروان بن الحكم سار من الجابية إلى مرج راهط ، وبه الضحاك بن قيس ومن ~~معه ؛ وكان الضحاك قد استمد النعمان ابن بشير وهو على حمص ؛ فأمده بشر حبيل ~~بن ذي الكلاع ، واستمد أيضا زفر بن الحارث فأمده بأهل قنسرين ، وأمده ناتل ~~بأهل فلسطين ، وكان ناتل بن قيس قد وثب بفلسطين لما خرج منها حسان بن مالك ~~إلى الأردن ، وأخرج خليفته روح بن زنباع ، وبايع ناتل لابن الزبير ، ~~فاجتمعت هذه الأمداد مع الضحاك . واجتمع إلى مروان كلب ، وغسان ، والسكاسك ~~، والسكون ؛ وجعل على ميمنته عمرو بن سعيد ، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد ~~، وكان يزيد بن أبي النمس الغساني مختفيا بدمشق لم يحضر الجابية ، فغلب على ~~دمشق ، وأخرج عنها عامل الضحاك بن قيس ، واستولى على الخزائن وبيت المال ، ~~وبايع لمروان ، وأمده بالأموال والرجال والسلاح ، فكان ذلك أول فتح - على ~~بني أمية . وتحارب مروان والضحاك بمرج راهط عشرين ليلة ؛ واقتتلوا قتالا ~~شديدا ؛ فقتل الضحاك ، قتله زحنة بن عبد الله الكلبي ، وقتل معه ثمانون ~~رجلا من أشراف الشام ، وقتلت قيس مقتلة عظيمة لم تقتل مثلها في موطن قط ، ~~وكان ممن قتل هانىء بن PageV21P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" قبيصة النميري سيد قومه ، قتله وازع بن ذؤالة ~~الكلبي ، فلما سقط جريحا قال : تعست ابن ذات النوف أجهز على فتى . . . يرى ~~الموت خيرا من فرار وأكرما ولا تتركني بالحشاشة إنني . . . صبور إذا ما ~~النكس مثلك أحجما فعاد إليه وازع فقتله ، وكانت هذه الوقعة في المحرم سنة ~~خمس وستين . وقيل : كانت في آخر سنة أربع وستين . ولما أتى مروان برأس ~~الضحاك ساءه ذلك ، وقال : الآن حين كبرت سني ودق عظمي أقبلت بالكتائب أضرب ~~بعضها ببعض . وقيل : إن الضحاك كان في ستين ألف فارس ومروان في ثلاثة عشر ~~ألفا . حكى المدائني في كتاب المكايد له ، قال : لما التقى مروان والضحاك ~~بمرج ms4661 راهط قال عبيد الله بن زياد لمروان : إن فرسان قيس مع الضحاك فلا ننال ~~منه ما نريد إلا بكيد ، فأرسل إليه فاسأله الموادعة حتى ننظر في أمرك ، على ~~أنك إن رأيت البيعة لابن الزبير بايعت ، ففعل فأجابه الضحاك إلى الموادعة ، ~~وأصبح أصحابه قد وضعوا سلاحهم ، وكفوا عن القتال ، فقال ابن زياد لمروان : ~~دونك . فشد مروان ومن معه على عسكر الضحاك على غفلة منهم وانتشار ، فقتلوا ~~من قيس مقتلة عظيمة ، وقتل الضحاك يومئذ فلم يضحك رجال من قيس بعد يوم ~~المرج حتى ماتوا . وقيل المكيدة كانت من عبيد الله بن زياد ، كاد بها ~~الضحاك . وقال له : مالك والدعاء إلى ابن الزبير وأنت رجل قرشي ومعك الخيل ~~، وأكثر قيس ؟ فادع لنفسك ، فأنت أسن منه وأولى . ففعل الضحاك ذلك ، فاختلف ~~عليه الجند ، فقاتله مروان عند ذلك فقتل . والله أعلم . PageV21P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" قال : ولما انهزم الناس من المرج لحقوا ~~بأجنادهم ، فانتهى أهل حمص إليها وعليها النعمان بن بشير ، فلما بلغه الخبر ~~خرج هاربا ومعه امرأته نائلة بنت عمارة الكلبية وثقله وأولاده ، فتحير ~~ليلته كلها ، فأصبح أهل حمص فطلبوه ، وكان الذي طلبه عمرو بن الخلي الكلاعي ~~فقتله . وقيل : اتبعه خالد بن عدي الكلاعي فيمن خف معه من أهل حمص فلحقه ~~فقتله وبعث برأسه إلى مروان . وقال علي بن المديني : قتل النعمان بن بشير ~~بحمص غيلة قتله أهلها . وقيل : قتل بقرية من قرى حمص يقال لها تيزين . ~~والنعمان من الصحابة ، ولد قبل وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بثماني سنين . قال : ولما بلغت الهزيمة زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين هرب ~~منها ، فلحق بقرقيسيا وعليها عياض الجرشي ، وكان يزيد بن معاوية ولاه إياها ~~، فطلب منه أن يدخل الحمام ويحلف له بالطلاق والعتاق أنه إذا خرج من الحمام ~~لا يقيم بها ، فأذن له ، فدخلها ، فغلب عليها وتحصن بها ، ولم يدخل حمامها ~~، واجتمعت إليه قيس . وهرب ناتل بن قيس الجذامي من فلسطين ، فلحق بابن ~~الزبير بمكة ؛ واستعمل مروان بعده على فلسطين روح بن زنباع ، واستوثق الشام ~~لمروان ms4662 . وقيل : إن عبيد الله بن زياد إنما جاء إلى بني أمية وهم بتدمر ، ~~ومروان يريد أن يسير إلى ابن الزبير فيبايعه ويأخذ منه الأمان لبني أمية ، ~~فرده عن ذلك ، وأمره أن يسير بأهل تدمر إلى الضحاك فيقاتله ، وواقفه عمرو ~~بن سعيد ، وأشار على مروان أن يتزوج أم خالد ابن يزيد ليسقط من أعين الناس ~~، فتزوجها ، وهي فاختة ابنة أبي هاشم ابن عتبة ، ثم جمع بني أمية فبايعوه ، ~~وبايعه أهل تدمر . وسار إلى الضحاك في جمع عظيم ، وخرج الضحاك إليه ، ~~فاقتتلا ، فقتل الضحاك ، وسار زفر بن الحارث إلى قرقيسياء ، وصحبه في ~~هزيمته شابان من بني سليم ؛ فجاءت خيل مروان في طلبه ، فقال الشابان له : ~~انج بنفسك ، فإنا نحن نقتل . فمضى زفر وتركهما فقتلا ، وقال زفر في ذلك : ~~PageV21P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" أريني سلاحي لا أبالك إنني . . . أرى الحرب لا ~~تزداد إلا تماديا أتاني عن مروان بالغيب أنه . . . مقيد دمى أو قاطع من ~~لسانيا ففي العيش منجاة وفي الأرض مهرب . . . إذا نحن رفعنا لهن المثانيا ~~فلا تحسبوني إن تغيبت غافلا . . . ولا تفرحوا إن جئتكم بلقائيا فقد ينبت ~~المرعى على دمن الثرى . . . وتبقى حزارات النوس كماهيا لعمري لقد أبقت ~~وقيعة راهط . . . لحسان صدعا بيننا متنائيا فلم ترمني نبوة قبل هذه . . . ~~فرارى وتركى صاحبي ورائيا عشية أدعو بالقران فلا أرى . . . من الناس إلا من ~~على ولاليا أيذهب يوم واحد إن أسأته . . . بصالح أيامي وحسن بلائيا فلا صلح ~~حتى تنحط الخيل بالقنا . . . ويثأر من نسوان كلب نسائيا فأجابه جواس بن ~~القعطل : لعمري لقد أبقت وقيعة راهط . . . على زفرداء من الداء باقيا مقيما ~~ثوى بين الضلوع محله . . . وبين الحشا أعيا الطبيب المداويا تبكي على قتلى ~~سليم وعامر . . . وذبيان معذورا وتبكي البواكيا دعا بسلاح ثم أحجم إذ رأى . ~~. . سوف جناب والطوال المذايا عيها كأسد الغاب فتيان نجدة . . . إذا أشرعوا ~~نحو الطعان العواليا ذكر مسير مروان إلى مصر واستيلائه عليها قال : ولما ~~قتل الضحاك واستقر الشام لمروان سار إلى مصر فقدمها ، وعليها عبد الرحمن بن ~~حجدر الفهري يدعو لابن ms4663 الزبير ، فخرج إلى مروان فيمن معه ، وبعث مروان عمرو ~~بن سعيد من ورائه ، حتى دخل مصر ، فقيل ذلك لابن حجدر ، فرجع فبايع الناس ~~مروان ، وجاء مروان إلى مصر ، ودخل الدار البيضاء ، ثم سارعنها واستعمل ~~عليها ابنه عبد العزيز ابن مروان ، واستقر مروان بدمشق . PageV21P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" ذكر البيعة لعبد الملك وعبد العزيز ابني مروان ~~ابن الحكم بولاية العهد وفي سنة خمس وستين أمر مروان بالبيعة لابنيه : عبد ~~الملك ، وعبد العزيز ، وكان سبب ذلك أن عمرو بن سعيد كان قد توجه إلى ~~فلسطين ، وقاتل مصعب بن الزبير حين وجهه أخوه عبد الله إليها فهزم مصعبا ، ~~ورجع إلى مروان وهو بدمشق ، وقد غلب على الشام ومصر ، فبلغ مروان أن عمرو ~~بن سعيد يقول : إن الأمر لي من بعد مروان ، فدعا حسان بن مالك بن بحدل ، ~~فأخبره بما بلغه عن عمرو ، فقال : أنا أكفيك عمرا . فلما اجتمع الناس عند ~~مروان قام حسان فقال : إنه بلغني أن رجالا يتمنون أماني ، قوموا فبايعوا ~~لعبد الملك وعبد العزيز من بعده ، فبايعوا من عند آخرهم . وفي هذه السنة ~~بعث مروان بن الحكم بعثين : أحدهما مع عبيد الله بن زياد إلى الجزيرة ~~ومحاربة زفر بن الحارث بقرقيسيا ، واستعمله على كل ما يفتتحه ، فإذا فرغ من ~~الجزيرة توجه لقصد العراق . فلما كان بالجزيرة بلغه موت مروان ، وأتاه عهد ~~عبد الملك بن مروان يستعمله على ما استعمله عليه أبوه ويحثه على المسير إلى ~~العراق . والبعث الثاني مع حبيش بن دلجة القيني ، فسار حتى انتهى إلى ~~المدينة وعليها جابر بن الأسود بن عوف ابن أخي عبد الرحمن بن عوف من قبل ~~ابن الزبير ، فهرب منه جابر . ثم إن الحارث بن أبي ربيعة وجه جيشا من ~~البصرة وجعل عليهم الحنتف بن السجف التميمي لحرب حبيش . فلما سمع بهم حبيش ~~سار إليهم من المدينة ، وأرسل عبد الله بن الزبير عباس ابن سهل الساعدي إلى ~~المدينة أميرا ، وأسره أن يسير في طلب حبيش حتى يوافي جيش البصرة ، فأقبل ~~عباس في آثارهم حتى لحقهم بالربذة ms4664 فقاتلهم حبيش ، فرماه يزيد بن سياه بسهم ~~فقتله ، وكان معه يومئذ يوسف بن الحكم ، وابنه الحجاج بن يوسف ، وهما على ~~جمل واحد ، وانهزم أصحابه فتحرز منهم خمسمائة بالمدينة ، فقال لهم عباس : ~~انزلوا على حكمي ، فنزلوا فقتلهم ، ورجع فل حبيش إلى الشام . PageV21P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" ذكر وفاة مروان بن الحكم كانت وفاته في شهر ~~رمضان سنة خمس وستين . قيل : مات بالطاعون . وقيل : بل كان سبب موته أنه ~~لما بويع بالخلافة أراد حسان بن بحدل أن يجعل الأمر من بعده لخالدبن يزيد ~~بن معاوية ، فبايعه على ذلك ، فقيل لمروان : الرأي أن تتزوج أم خالد تكفل ~~ابنها حتى يصغر شأنه فلا يطلب الخلافة . فتزوجها . وفد ذكرنا ذلك ، فدخل ~~خالد يوما على مروان ، وعنده جماعة فنظر إليه وهو يمشي بين الصفين فقال : ~~إنه والله لأحمق ، تعال : يا بن الرطبة الاست ، يريد بذلك إسقاطه من أعين ~~أهل الشام ، فقال له خالد : مؤتمن خائن . فندم مروان ، ثم دخل خالد على أمه ~~، فقال : هكذا أردت ، يقول لي مروان على رءوس الناس كذا وكذا . فقالت له : ~~لا يعلمن ذلك منك ، فأنا أكفيك ، فوالله لا ترى بعد منه شيئا تكرهه ، ~~وسأقرب عليك ما بعد . ثم دخل مروان عليها ، فقال لها : قال لك خالد في شيئا ~~؟ قالت : إنه أشد تعظيما لك من أن يقول فيك شيئا . فصدقها ، ومكثت أياما ~~بعد ذلك ، فنام مروان عندها في بعض الأيام ، فوضعت على وجهه وسادة ، وجلست ~~عليها حتى مات . وهو معدود ممن قتله النساء . ومولده سنة اثنتين من الهجرة ~~، وكان عمره ثلاثا وستين سنة . واختلف فيه إلى نيف وثمانين سنة . وصلى عليه ~~ابنه عبد الملك ، وكانت ولايته منذ جددت له البيعة عشرة أشهر تقريبا ، وكان ~~سلطانه بالشام ومصر . أولاده : عبد الملك ، ومعاوية ، وعمرو ، وعبيد الله ، ~~وعبد الله ، وأبان ، وداود ، وعبد العزيز ، وعبد الرحمن ، وبشر ، ومحمد ، ~~وأم عمار . كاتبه : سفيان الأحول . وقيل : عبيد اله بن أوس . قاضيه : أبو ~~إدريس الخولاني . حاجبه : أبو سهل مولاه . نقش خاتمه : الله ثقتي ورجائي . ~~PageV21P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" ومروان أول من ms4665 قدم الخطبة قبل صلاة العيد ، ~~وكان يقال له ولولده بنو الزرقاء ، يقول ذلك من يريد ذمهم وعيبهم ، وهي ~~الزرقاء بنت موهب جدة مروان لأبيه ، كانت من ذوات الرايات التي يستدل بها ~~على بيوت البغايا ؛ فلهذا كانوا يذمون بها ، ولعل هذا منها كان قبل أن ~~يتزوجا أبو العاص بن أمية والد الحكم ، فإنه كان من أشراف قريش ، ولا يكون ~~هذا من امرأة وهي عنده . والله أعلم . ذكر بيعة عبد الملك بن مروان هو أبو ~~الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم ، وهو الخامس من ملوك بني أمية . وأمه ~~عائشة بنت المغيرة بن أبي العاص ، وهو أول من سمي عبد الملك في الإسلام ، ~~ولقب رشح الحجر لبخله ، ولقب أيضا بأبي الذبان لبخره . وقيل : إن السبب في ~~بخره أنه كان يتلو القرآن في المصحف ، فأفضت الخلافة إليه وهو يتلو ، فرد ~~المصحف بعضه على بعض ، وقال : هذا فراق بيني وبينك ، يشير بهذا الكلام إلى ~~المصحف فبخر لوقته ، وعجزت الأطباء عن مداواته ، فكان لا يمر ذباب على فيه ~~إلا مات لوقته ؛ وكان أفوه مفتوح الفم مشبك الأسنان بالذهب . بويع له في ~~شهر رمضان سنة خمس وستين بعد وفاة أبيه ، وكان ولي عهده كما تقدم ، وأراد ~~عبد الملك أن يقتل أم خالد ، فقيل له : يظهر عند الناس أن امرأة قتلت أباك ~~، فتركها ، وكان عبد الملك ولد لسبعة أشهر ، فكان الناس يذمونه بذلك . قيل ~~: إنه اجتمع عنده قوم من الأشراف . فقال لعبيد الله ابن زياد بن ظبيان ~~البكري : بلغني أنك لا تشبه أباك فقال : والله إني لأشبه به من الماء ~~بالماء والغراب بالغراب ، ولكن إن شئت أخبرتك بمن لم تنضجه الأرحام ، ولم ~~يولد لتمام ، ولم يشبه الأخوال ولا الأعمام . قال : من ذاك ؟ قال : سويد بن ~~منجوف . فلما خرج عبيد الله وسويد قال له سويد : والله ما يسرني بمقالتك له ~~حمر النعم . فقال عبيد الله : وما يسرني والله باحتمالك إياي وسكوتك عني ~~سودها . قال : وكان أول ما بدأ به عبد الملك أن كتب إلى عبيد الله بن زياد ms4666 ~~واستعمله على ما كان مروان قد استعمله عليه ، فكان من أخبار ابن زياد في ~~مسيره وحروبه ومقتله ما قدمناه في أخبار عبد الله ابن الزبير ، فلا حاجة ~~لنا إلى إعادته ههنا ، فلنذكر من أخبار عبد الملك غير ما قدمنا ذكره : ~~PageV21P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" في سنة ست وستين أرسل عبد الله بن عباس ابنه ~~علي ابن عبد الله إلى عبد الملك ، وقال : لأن يربني بنو عمي أحب إلي من أن ~~يربني رجل من بني أسد - يعني ببني عمه بني أمية ، لأنهم كلهم أولاد عبد ~~مناف ، ويعني بالرجل من بني أسد عبد الله بن الزبير . فلما وصل إلى عبد ~~الملك سأله عن اسمه وكنيته ، فقال : الاسم علي ، والكنية أبو الحسن . فقال ~~عبد الملك : لا يجتمع هذا الاسم وهذه الكنية في عسكري أنت أبو محمد . ذكر ~~مقتل عمرو بن سعيد الأشدق وشيء من أخباره ونسبه هو عمرو بن سعيد بن العاص ~~بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف ، ويسمى عمرو الطيم لميل كان في فمه ، فمن ~~أجل ذلك قيل له لطيم الشيطان ، ويسمى الأشدق لتشادقه في الكلام ، وكان من ~~فصحاء قريش وأهل الخطابة منهم . وقيل في تسميته الأشدق : إنه لما مات سعيد ~~والده دخل عمرو على معاوية فاستنطقه ، فقال : إن أول مركب صعب . فقال له ~~معاوية : إلى من أوصى بك أبوك ؟ فقال : إن أبي أوصاني ولم يوصى بي . قال : ~~فبأي شيء أوصاك ؟ قال : ألا يفقد منه أصحابه غير شخصة . فقال معاوية : إن ~~عمرا هذا لأشدق . ولنذكر سبب مقتله ثم نذكر نبذة من أخبار آبائه : كان سبب ~~مقتله أن عبد الملك بن مروان سار في سنة تسع وستين من دمشق يريد قرقيسياء ، ~~يريد زفر بن الحارث الكلابي ، وصحبه عمرو بن سعيد في سيره ، فلما بلغ بطنان ~~حبيب رجع عمرو ليلا ومعه حميد بن حريث وزهير بن الأبرد الكلبيان ، فأتى ~~دمشق وعليها عبد الرحمن ابن أم الحكم الثقفي خليفة عبد الملك بها ، فهرب ~~عنها ودخلها عمرو ، فغلب عليها وعلى خزائنها ، وهدم دار ابن أم ms4667 الحكم ؛ ~~واجتمع الناس إليه ، فخطبهم ومناهم ووعدهم ، وأصبح عبد الملك وقد فقد عمرا ~~، فسأل عنه فأخبر برجوعه ، فرجع إلى دمشق ، فقاتله أياما ، ثم اصطلحا ، ~~وكتبا بينهما كتابا ، وأمنه عبد الملك ، فجاءه عمرو واجتمعا ، ودخل عبد ~~الملك دمشق . PageV21P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" فلما كان بعد دخوله بأربعة أيام أرسل إلى عمرو ~~يستدعيه ، فأتاه الرسول وعنده عبد الله بن يزيد بن معاوية ، فنهاه أن يأتيه ~~، فقال عمرو : ولم ؟ قال : لأن تبيع ابن امرأة كعب الأحبار قال : إن عظيما ~~من ولد إسماعيل يرجع فيغلق أبواب دمشق ، ثم يخرج منها ، فلا يلبث أن يقتل . ~~فقال عمرو : والله لو كنت نائما ما أنبهني ابن الزرقاء ولا اجترأ علي ، مع ~~أني رأيت البارحة عثمان في المنام ، فألبسني قميصه . ثم قام فلبس درعا ~~وغطاها بالقباء ، وتقلد سيفا ، وذلك بعد أن صرف رسول عبد الملك ، فلما نهض ~~عثر بالبساط ، فقال له حميد ابن حريث : والله لو أطعتني لم تأته ، وقالت له ~~امرأته الكلبية كذلك ، فلم يلتفت ، ومضى في مائة من مواليه . فلما بلغ باب ~~عبد الملك أذن له فدخل فلم يزل أصحابه يحبسون عند كل باب حتى بلغ قاعة ~~الدار ، وليس معه إلا وصيف واحد ، فنظر عمرو إلى عبد الملك وإذا حوله بنو ~~مروان ، وحسان بن بحدل الكلبي ، وقبيصة بن ذويب الخزاعي ، فلما رأى جماعتهم ~~أحس بالشر ، فالتفت إلى وصيفه ، وقال له : انطلق إلى أخي يحيى ، وقل له ~~يأتين ، فلم يفهم الوصيف عنه ، فقال : لبيك فقال عمرو : اغرب في حرق الله ~~وناره ، وأذن عبد الملك لحسان وقبيصة فقاما ، فلقيا عمرا ، فقال عمرو ~~لقبيصة : انطلق إلى يحيى فمره أن يأتيني ، فقال : لبيك فقال : اغرب عني . ~~فلما خرج حسان وقبيصة أغلقت الأبواب ، ودخل عمرو فرحب به عبد الملك ، وقال ~~: ههنا يا أبا أمية فأجلسه معه على السرير ، وحدثه طويلا ، ثم قال : يا ~~غلام ، خذ السيف عنه . فقال عمرو : إنا لله يا أمير المؤمنين فقال عبد ~~الملك : أتطمع أن تجلس معي متقلدا سيفك ؟ فأخذ السيف عنه ، ثم تحدثا ، ثم ~~قال : له عبد ms4668 الملك : يا أبا أمية ، إنك حيث خلعني آليت بيمين إن أنا ملأت ~~عيني منك وأنا مالك لك أن أجعلك في جامعة ، فقال له بنو مروان : ثم تطلقه ~~يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم ، وما عسيت أن أصنع بأبي أمية فقال بنو مروان ~~: أبر قسم أمير المؤمنين . فقال عمرو : قد أبر الله قسمك يا أمير المؤمنين ~~. فأخرج من تحت فراشه جامعة ، ثم قال : يا غلام ، قم فاجمعه فيها . فجمعه ~~الغلام فيها ، فقال عمرو : أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على ~~رءوس الناس ؛ فقال عبد الملك : أمكرا وأنت في الحديد لا والله ما كنا ~~لنخرجك في جامعة على رءوس الناس ، ثم جذبه جذبة أصاب فمه السرير فكسر ~~ثنيتيه ، فقال : أذكرك الله يا أمير المؤمنين ؛ كسر عظم سني ، فلا تركب ~~PageV21P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" ما هو أعظم من ذلك . فقال : والله لو أعلم أنك ~~تبقي علي إن أبقيت عليك لأطلقتك ، ولكن ما اجتمع رجلان قط في بلدة على ما ~~نحن عليه إلا أخرج أحدهما صاحبه ، وأذن المؤذن ، وأقيمت صلاة العصر ، فخرج ~~عبد الملك يصلي بالناس ، وأمر أخاه عبد العزيز أن يقتله ، فقام إليه بالسيف ~~، فقال له عمرو : أذكرك الله والرحم أن تلي قتلي ، ليقتلني من هو أبعد رحما ~~منك ؛ فألقى عبد العزيز السف ، وجلس . وصلى عبد الملك صلاة خفيفة ، ودخل ~~وغلقت الأبواب ، ورأى الناس عبد الملك خرج وتأخر عمرو ، فذكروا ذلك لأخيه ~~يحيى بن سعيد ، فأقبل في الناس ومعه ألف عبد لعمرو ، وخلق كثير ، فجعلوا ~~يصيحون بباب عبد الملك : أسمعنا صوتك يا أبا أمية وأقبل مع يحيى حميد بن ~~حريث وزهير بن الأبرد ، فكسروا باب المقصورة ، وضربوا الناس بالسيوف وضرب ~~الوليد بن عبد الملك على رأسه ، واحتمله إبراهيم بن عربى صاحب الديوان ، ~~فأدخله بيت القراطيس ، ودخل عبد الملك حين صلى فرأى عمرا بالحياة ، فسب ~~أخاه عبد العزيز ، ثم أخذ عبد الملك الحربة فطعن بها عمرا ، فلم تغن شيئا ، ~~ثم ثنى فلم تجز ، فضرب بيده إلى عضده فرأى الدرع ، قال : ودارع أيضا إن كنت ms4669 ~~لمعدا ، وأخذ الصمصامة وأمر بعمرو فصرع ، وجلس على صدره فذبحه ، وهو يقول : ~~يا عمرو إلا تدع شتمى ومنقصتي . . . أضربك حيث تقول الهامة اسقوني وانتفض ~~عبد الملك برعدة ، فحمل عن صدره ، ووضع على سريره . ودخل يحيى بن سعيد ومن ~~معه على بني مروان ومواليهم ، فقاتلوهم ، وجاء عبد الرحمن ابن أم الحكم ~~الثقفي ، فدفع إليه الرأس فألقاه إلى الناس ، وقام عبد العزيز بن مروان ، ~~فأخذ المال في البدر ، فجعل يلقيها إلى الناس ، فلما رأى الناس الرأس ~~والأموال انتهبوا وتفرقوا . ثم أمر عبد الملك بعد ذلك بتلك الأموال فجبيت ~~حتى عادت إلى بيت المال . PageV21P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" قال : وأخرج عبد الملك سريره إلى المسجد ، ~~وخرج ، فجلس عليه ، وفقد الوليد ابنه ، فقال : والله ، لئن كانوا قتلوه لقد ~~أدركوا ثأرهم ، فأتاه إبراهيم بن عربي الكناني ، فقال : الوليد عندي وقد ~~جرح ، وليس عليه بأس . وأتى عبد الملك بيحيى بن سعيد فأمر أن يقتل ؛ فقام ~~إليه عبد العزيز ابن مروان فقال : يا أمير المؤمنين ، أتراك قاتل بني أمية ~~في يوم واحد ، فأمر بيحيى فحبس ، وأراد قتل عنبسه بن سعيد ، فشفع فيه عبد ~~العزيز أيضا ، وشفع في عامر بن الأسود الكلبي ، وأمر ببني عمرو بن سعيد ~~فحبسوا ؛ ثم خرجوا مع عمهم يحيى ، فألحقهم بمصعب . ثم بعث عبد الملك إلى ~~امرأة عمرو الكلبية : ابعثي إلى الصلح الذي كتبت لعمرو . فقالت لرسوله : ~~ارجع إليه فأعلمه أن ذلك الصلح معه في أكفانه ليخاصمك به عند ربه . قال : ~~ولما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير دخل أولاد عمرو عليه وهم أربعة : أمية ، ~~وسعيد ، وإسماعيل ، ومحمد ؛ فلما نظر إليهم عبد الملك قال : إنكم أهل بيت ~~لم تزالوا ترون لكم على جميع قومكم فضلا لم يجعله الله لكم ، وإن الذي كان ~~بيني وبين أبيكم لم يكن حديثا ، بل كان قديما في أنفس أوليكم على أولينا في ~~الجاهلية . فلم يقدر أمية أن يتكلم . وكان الأكبر من أولاد عمرو ، فقام ~~سعيد بن عمرو وكان الأوسط فقال : يا أمير المؤمنين ، ما تنعى علينا أمرا في ~~الجاهلية ، وقد ms4670 جاء الله بالإسلام فهدم ذلك ، ووعد جنة ، وحذر نارا ، وأما ~~الذي كان بينك وبين عمرو فإنه كان ابن عمك وأنت أعلم وما صنعت . وقد وصل ~~عمرو إلى الله ، وكفى بالله حسيبا ؛ ولعمري لئن أخذتنا بما كان بينك وبينه ~~لبطن الأرض خير لنا من ظهرها ، فرق لهم عبد الملك وقال : إن أباكم خيرني ~~بين أن يقتلني أو أقتله ، فاخترت قتله على قتلي ، وأما أنتم فما أرغبني ~~فيكم وأوصلني لقرابتكم ، وأحسن جائزتهم ووصلهم وقربهم . وقد قيل في سبب ~~قتله : إنه قال لعبد الملك حين سار إلى العراق لقتال مصعب : إنك تخرج إلى ~~العراق ، وقد كان أبوك جعل لي الأمر بعده ، وعلى ذلك قاتلت معه ، فاجعل هذا ~~الأمر لي بعدك ، فلم يجبه عبد الملك إلى ذلك ، فرجع إلى دمشق ، وكان من ~~أمره ما تقدم . وقيل : بل كان عبد الملك قد استخلفه على دمشق ، فوثب بها . ~~وقيل : إن عبد الملك لم يقتل عمرو بن سعيد بيده ، وإنما أمر غلامه ابن ~~الزعيزعة ، فقتله وألقى رأسه إلى الناس ورمى يحيى بصخرة في رأسه ، وكان ~~مقتله في سنة تسع وستين . وقيل : في سنة سبعين . والله أعلم . PageV21P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" ذكر نبذة من أخبار عمرو بن سعيد الأشدق في ~~الإسلام والجاهلية كان مولد سعيد بن العاص والد عمرو عام الهجرة . وقيل : ~~سنة إحدى . وقتل جده العاص بن سعيد يوم بدر كافرا ، قتله على ابن أبي طالب ~~رضي الله عنه ، وكان لجد أبيه سعيد بن العاص ابن أمية ثمانية بنين ؛ منهم ~~ثلاثة ماتوا على الكفر ، وهم : أحيحة ، وبه كان يكنى سعيد بن العاص ، وقتل ~~أحيحة يوم الفجار . والعاص ، وعبيدة قتلا يوم بدر كافرين ، قتل العاص علي ، ~~وقتل عبيدة الزبير ؛ وخمسة أدركوا الإسلام ، وصحبوا رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ؛ وهم : خالد ، وعمرو ، وسعيد ؛ وأبان ، والحكم بنو سعيد ابن ~~العاص بن أمية ، وغير رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اسم الحكم ، فسماه ~~عبد الله . وجد هؤلاء العاص بن أمية ذو العصابة ؛ قيل له ذلك ، لأنه كان من ~~شرفه إذا اعتم ms4671 بعمامة بمكة لا يعتم أحد بلونها إجلالا له ، وكان يكنى بأبي ~~أحيحة ، وفي ذلك يقول الشاعر : أبو أحيحة من يعتم عمته . . . يضرب ولو كان ~~ذا مال وذا حسب وكان سعيد بن العاص والد عمرو من أشراف قريش ممن جمع له ~~السخاء والفصاحة ، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان بن عفان رضي الله عنه ~~، واستعمله عثمان على الكوفة ، وغزا بالناس طبرستان فافتتحها . ويقال : إنه ~~افتتح أيضا جرجان في سنة تسع وعشرين أو سنة ثلاثين ، وغز أذربيجان لما ~~انتقضت فافتتحها ، ثم عزله عثمان ، واستعمل الوليد ، فمكث مدة ، ثم شكاه ~~أهل الكوفة ، فعزله ، ورد سعيدا ، فرده أهل الكوفة ، وكتبوا إلى عثمان : لا ~~حاجة لنا في سعيدك ولا وليدك ، وكان في سعيد تجبر وغظ وشدة سلطان . ~~PageV21P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" ولما قتل عثمان بن عفان كان سعيد والد عمرو ~~ممن لزم بيته ، واعتزل حرب الجمل وصفين ، فلما اجتمع الناس على معاوية ولاه ~~المدينة ، ثم عزله وولاها مروان بن الحكم ، وكان يعاقب بينه وبين مروان في ~~ولاية المدينة ، وفيه يقول الفرزدق : ترى الغر الجحاجح من قريش . . . إذا ~~ما المرء في الحدثان غالا قياما ينظرون إلى سعيد . . . كأنهمو يرون به ~~هلالا وحكى الزبير بن بكار قال : لما عزل سعيد عن المدينة انصرف عن المسجد ~~وحده ، فتبعه رجل ، فنظر إليه سعيد رضي الله عنه ، وقال : ألك حاجة قال : ~~لا ، ولكني رأيتك وحدك ، فوصلت جناحك . فقال له : وصلك الله يا ابن أخي ، ~~اطلب لي دواة وجلدا ، وادع لي مولاي فلانا ، فأتاه بذلك ، فكتب له بعشرين ~~ألف درهم ، وقال : إذا جاءت غلتنا دفعنا ذلك إليك ، فمات في تلك السنة ، ~~فأتى بالكتاب إلى ابنه عمرو ، فأعطاه المال . وكان لسعيد بن العاص سبعة ~~بنين ، وهم : عمرو هذا ومحمد ، وعبد الله ، ويحيى ، وعثمان ، وعنبسة ، ~~وأبان . وكانت وفاة سعيد في سنة تسع وخمسين . ولنرجع إلى أخبار عبد الملك : ~~ذكر عصيان الجراجمة بالشام وما كان من أمرهم هذه الحادثة ذكرها ابن الأثير ~~في سنة تسع وستين ، فقال : لما امتنع عمرو بن سعيد على عبد الملك ms4672 خرج قائد ~~من قواد الضواحي في جبل اللكام واتبعه خلق PageV21P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" كثير من الجراجمة والأنباط ، وأباق عبيد ~~المسلمين ، وغيرهم ، وسار إلى لبنان ، فلما فرغ عبد الملك من عمرو أرسل إلى ~~هذا الخارج عليه ، فبذل له في جمع ألف دينار ، فركن إلى ذلك ، ولم يفسد في ~~البلاد ، ثم وضع عليه عبد الملك سحيم بن المهاجر ، فتلطف حتى وصل إليه ~~متنكرا ، وأظهر الميل إليه ، ووعده أن يدله على عورات عبد الملك ، وما هو ~~خير له من الصلح ؛ فوثق به ، ثم أتاه سحيم في جيش من موالي عبد الملك وبني ~~أمية وجند من ثقات جنده والخارج ومن معه على غير أهبة ، فدهمهم ، وأمر ~~فنودي : من أتانا من العبيد يعني الذين كانوا معه فهو حر ، وثبت في الديوان ~~؛ فالتحق به خلق كثير منهم ، وقاتلوا معه ، فقتل الخارج ومن أعانه من الروم ~~، وقتل نفر من الجراجمة والأنباط ، ونادى بالأمان فيمن بقي منهم فتفرقوا ، ~~وعاد إلى عبد الملك ووفى للعبيد . وفي سنة تسع اجتمعت الروم واستجاشوا على ~~من بالشام ، فصالح عبد الملك ملكهم على أن يؤدى إليه في كل جمعة ألف دينار ~~. وفيها كان يوم الجفرة وقد تقدم ذكره في أخبار ابن الزبير رضي الله عنه . ~~ذكر خبر عمير بن الحباب بن جعدة السلمي وما كان بين قيس وتغلب من الحروب ~~إلى أن قتل عمير ابن الحباب وما كان بعد ذلك . كان مقتل عمير بن الحباب في ~~سنة سبعين ، وكان سبب ذلك أن عمير بن الحباب لما انقضى مرج راهط التحق بزقر ~~بن الحارث الكلابي بقرقيسيا ، ثم بايع مروان وفي نفسه ما فيها بسبب قتل قيس ~~بالمرج ، فلما سار عبيد الله بن زياد إلى الموصل كان معه ، وقد ذكرنا ~~اتفاقه مع إبراهيم بن الأشتر وانهزامه ، حتى قتل عبيد الله بن زياد ، ~~وانهزمت جيوش الشام ، فلما كان ذلك أتى عمير ابن الحباب قرقيسيا ، وصار مع ~~زفر بن الحارث ، فجعلا يطبان كلبا واليمانية بمن قتلوا من قيس ، وكان معهما ~~قوم من تغلب يقاتلون معهما ، ويدلونهما ، وشغل ms4673 عبد الملك عنهما ~~PageV21P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" بمصعب ، وتغلب عمير على نصيبين ، ثم مل المقام ~~بقرقيسيا ، فاستأ من إلى عبد الملك ، فأمنه ، ثم غدر به فحبسه عند مولاه ~~الريان ، فسقاه عمير ومن معه من الحرس خمرا حتى أسكرهم ، وتسلق في سلم من ~~الحبال ، وخرج من الحبس ، وعاد إلى الجزيرة ، ونزل على نهر البليخ بين حران ~~والرقة ، فاجتمعت إليه قيس ، فكان يغير بهم على كلب واليمانية ، وكان من ~~معه يسيئون جوار تغلب ، ويسخرون مشايخهم من النصارى ، فهاج ذلك بينهم شرا ، ~~إلا أنه لم يبلغ الحرب . ثم إن عمير أغار على كلب ، ورجع فنزل على الخابور ~~، وكانت منازل تغلب بين الخابور والفرات ودجلة ، وكانت بحيث نزل عمير - ~~امرأة من تميم ناكح في تغلب ، يقال لها أم ذويل ، فأخذ غلام من بني الحريش ~~أصحاب عمير عنزا من إنهما ، فشكت ذلك إلى عمير ، فلم يمنع عنها ، فأخذوا ~~الباقي ، فمانعهم قوم من تغلب ، فقتل منهم رجل يقال له مجاشع التغلبي ، ~~وجاء ذويل فشكت أمه إليه ، وكان من فرسان تغلب ، فسار في قومه وجعل يذكرهم ~~ما يصنع بهم قيس ، فاجتمع منهم جماعة وأمروا عليهم شعيث ابن مليل التغلبي ، ~~فأغاروا على بني الحريش ومعهم قوم من نمير ، فقتل فيهم التغلبيون واستاقوا ~~ذودا لامرأة منهم يقال لها أم الهيثم ، فمانعهم القيسيون ، فلم يقدروا على ~~منعهم ، فكان بينهم أيام مذكورة نن نذكرها على سبيل الاختصار ؛ منها : يوم ~~ماكسين : قال : ولما استحكم الشر بين قيس وتغلب ؛ وعلى قيس عمير ، وعلى ~~تغلب شعيث بن مليل غزا عمير بني تغلب وجماعتهم بماكسين من الخابور فاقتتلوا ~~قتالا شديدا ، وهي أول وقعة كانت بينهم ، فقتل من بني تغلب خمسمائة وقتل ~~شعيث ، وكانت رجله قد قطعت ، فجعل يقاتل حتى قتل ، وهو يقول : PageV21P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" قد علمت قيس ونحن نعلم . . . أن الفتى يقتل ~~وهو أجذم ويوم الثرثار الأول : والثرثار نهر أصل منبعه شرقي مدينة سنجار ~~يفرغ في دجلة . قال : لما قتل من تغلب بماكسين من قتل استمدت تغلب وحشدت ~~واجتمعت إليها النمر بن قاسط ، وأتاها المجشر ms4674 ابن الحارث الشيباني . وكان ~~من ساداتهم بالجزيرة ، وأتاها عبيد الله ابن زياد بن ظبيان منجدا لهم ، ~~واستنجد عمير تميما وأسدا فلم ينجده منهم أحد ، فالتقوا على الثرثار ، وقد ~~جعلت تغلب عليها بعد شعيث زياد بن هوبر ، ويقال يزيد بن هوبر التغلبي ، ~~فاقتتلوا ، فانهزمت قيس ، وقتلت تغلب منها مقتلة عظيمة ، وبقروا بطون ~~ثلاثين امرأة من بني سليم . ويوم الثرثار الثاني : قال : ثم إن قيسا تجمعت ~~واستمدت ، وأتاهم زفر بن الحارث من قرقيسيا ، فالتقوا بالثرثار ، واقتتلوا ~~قتالا شديدا ، فانهزمت تغلب ومن معها . ويوم الفدين : قال : وأغار عمير على ~~الفدين ، وهي قرية على الخابور فقتل من بها من بني تغلب . ويوم السكير : ~~وهو على الخابور ؛ يسمى سكير العباس ؛ قال : ثم اجتمعوا والتقوا واقتتلوا ~~قتالا شديدا ، فانهزمت تغلب والنمر ، وهرب عمير ابن جندل ، وهو من فرسان ~~تغلب ؛ فقال عمير بن الحباب : وأفلتنا يوم السكير ابن جندل . . . على سابح ~~عوج اللبان مثابر ونحن كررنا الخيل قبا شوازبا . . . دقاق الهوادى داميات ~~الدوابر PageV21P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" ويوم المعارك : والمعارك بين الحضر والعقيق من ~~أرض الموصل ، اجتمعت تغلب بهذا المكان فالتقوا هم وقبس ، واقتتلوا به ، ~~فاشتد قتالهم ، فانهزمت تغلب ، فيقال : إن يوم المعارك والحضر واحد هزموهم ~~إلى الحضر ، وقتلوا منهم بشرا كثيرا ، وقيل : هما يومان ، كانا لقيس على ~~تغلب . والتقوا أيضا بلبي فوق تكريت فتناصفوا ، فقيس تقول : كان الفضل إلي ~~، وتغلب تقول : كان لنا . ويوم الشرعبية : ثم التقوا بالشرعبية فكان بينهم ~~قتال شديد كان لتغلب على قيس ، قتل يومئذ عمار بن المهزم السلمي . ~~والشرعبية هذه من بلاد تغلب ليست الشرعبية التي ببلاد منبج . ويوم البليخ : ~~والبليخ : نهر بين حران والرقة اجتمعت تغلب ، وسارت إليه ، وهناك عمير في ~~قيس ، فالتقوا واقتتلوا فانهزمت تغلب ، وكثر القتل فيها وبقرت بطون النساء ~~كما فعلوا يوم الثرثار . والله علم . ذكر يوم الحشاك ومقتل عمير بن الحباب ~~السلمي وابن هوبر التغلبي قال : ولما رأت تغلب إلحاح عمير بن الحباب عليها ~~جمعت حاضرها وباديها ، وساروا إلى الحشاك - وهو نهر قريب من الشرعبية ، ~~فأتاهم عمير في ms4675 قيس ، ومعه زفر بن الحارث الكلابي ، وابنه الهذيل بن زفر ، ~~وعلى تغلب ابن هوبر ، فاقتتلوا عند تل الحشاك أشد قتال حتى جن عليهم الليل ~~، ثم تفرقوا واقتتلوا من الغد إلى الليل ، ثم تحاجزوا وأصبحت تغلب في اليوم ~~الثالث ، فتعاقدوا ألا يفروا ، فلما رأى عمير جدهم وأن نساءهم معهم قال ~~لقيس : يا قوم ؛ أرى لكم أن تنصرفوا عن هؤلاء فإنهم مستقتلون ، فإذا ~~اطمأنوا وساروا وجهنا إلى كل قوم منهم من يغير عليهم . فقال له ~~PageV21P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي : قتلت ~~فرسان قيس أمس وأول أمس ، ثم ملىء سحرك وجبنت . ويقال : إن الذي قال هذه ~~المقالة عيينة بن أسماء بن خارجة الفزاري ، وكان أتاه منجدا ، فغضب عليه ~~عمير ونزل وجعل يقاتل راجلا وهو يقول : أنا عمير وأبو المغلس . . . قد أحبس ~~القوم بضنك فاحبس وانهز زفر بن الحارث في اليوم الثالث ، فلحق بقرقيسا ، ~~وذلك أنه بلغه أن عبد الملك عزم على الحركة إليه بقرقيسيا ، فبارد إليها ، ~~وانهزمت قيس ، وشد على عمير جميل بن قيس من بني كعب بن زهير فقتله . ويقال ~~: بل اجتمع على عمير غلمان من بني تغلب فرموه بالحجارة وقد أعيا حتى أثخنوه ~~، وكر عليه ابن هوبر فقتله ، وأصابت ابن هوبر جراحة ، فلما انقضت الحرب ~~أوصى بني تغلب أن يولوا أمرهم مرار بن علقمة الزهيري . وقيل : إن ابن هوبر ~~جرح في اليوم الثاني من أيامهم هذه ، فأوصى أن يولوا مرارا أمرهم ، ومات من ~~ليلته ، وكان مرار رئيسهم في اليوم الثالث ، فعبأهم على راياتهم ، وأمر كل ~~بني أب أن يجعلوا نساءهم خلفهم ، وكان ما تقدم . وكثر القتل يومئذ في بني ~~سليم وغنى خاصة ، وقتل من قيس أيضا بشر كثير ، وبعث بنو تغلب رأس عمير إلى ~~عبد الملك بن مروان ؛ فأعطى الوفد ، وكساهم . فلما صالح عبد الملك زفر بن ~~الحارث اجتمع الناس عليه ، فقال الأخطل : بني أمية قد ناضلت دونكمو . . . ~~أبناء قوم هم آووا وهم نصروا وقيس عيلان حتى أقبلوا رقصا . . . فبايعوا لك ~~قسرا بعدما قهروا ضجوا من ms4676 الحرب إذ عضت غواربهم . . . وقيس عيلان من ~~أخلاقها الضجر وكان مقتل عمير بن الحباب في سنة سبعين كما تقدم . ~~PageV21P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" ذكرالحرب بعد مقتل عمير بن الحباب السلمي قال ~~: ولما قتل عمير أتى ابنه تميم زفر بن الحارث ، فسأله الطلب بثأره ، فامتنع ~~فقال له ابنه الهذيل بن زفر : والله لئن ظفرت بهم تغلب إن ذلك لعار عليك ، ~~ولئن ظفروا بتغلب وقد خذلتهم إن ذلك لأشد ، فاستخلف زفر على قرقيسياء أخاه ~~أوس بن الحارث ووجه زفر خيلا إلى بني فدوكس ، وهم بطن من تغلب ، فقتل ~~رجالهم ، واستبيحت الأموال والنساء حتى لم يبق منهم غير امرأة واحدة ~~استجارت ، فأجارها يزيد بن حمران ، ووجه ابنه الهذيل في جيش إلى بني كعب بن ~~زهير ، فقتل فيهم قتلا ذريعا ، وبعث أيضا مسلم بن ربيعة العقيلي إلى قوم من ~~تغلب وقد اجتمعوا بالعقيق من أرض الموصل ، فلما أحسوا به ارتحلوا يريدون ~~عبور دجلة ، فلما صاروا بالكحيل وهو من أرض الموصل في جانب دجلة الغربي ، ~~فلحقهم زفر بن الحارث به في القيسية ، فاقتتلوا قتالا شديدا ؛ وترجل أصحاب ~~زفر كلهم ، وبقي زفر على بغلة له فقتلوهم ليلتهم وبقروا بطون نساء منهم ، ~~وغرق في دجلة أكثر ممن قتل بالسيف ، وأتى فلهم لبي فوجه زفر ابنه الهذيل ~~فأوقع بهم إلا من عبر فنجا ، وأسر منهم زفر مائتين فقتلهم صبرا ، فقال في ~~ذلك زفر : ألا يا عين بكى بانسكاب . . . وبكى عاصما وابن الحباب فإن تك ~~تغلب قتلت عميرا . . . ورهطا من إن غنى في الحراب فقد أفنى بني جشم بن بكر ~~. . . ونمرهم فوارس من كلاب قتلنا منهمو مائتين صبرا . . . وما عدلوا عمير ~~بن الحباب وأسر القطامي التغلبي في يوم من أيامهم ، وأخذ ماله ، فقام زفر ~~بأمره حتى رد عليه ماله ووصله ، فقال فيه : إني وإن كان قومي ليس بينهمو . ~~. . وبين قومك إلا ضربة الهادي مثن عيك بما أوليت من حسن . . . وقد تعرض ~~مني مقتل بادي PageV21P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" ذكر خبر يوم البشر كان سبب هذا اليوم أن عبد ~~الملك لما استقر ms4677 له الأمر قدم عليه الأخطل الشاعر التغلبي وعنده الجحاف بن ~~حكيم السلمي ، فقال له عبد الملك : أتعرف هذا يا أخطل ؟ قال : نعم ، هذا ~~الذي أقول فيه : ألا سائل الجحاف هل هو ثائر . . . بقتلى أصيبت من سليم ~~وعامر وأنشد القصيدة حتى فرغ منها ، وكان الجحاف يأكل رطبا فجعل النوى ~~يتساقط من يده غيظا ، ثم أجابه فقال : بلى سوف نبكيهم بكل مهند . . . وننعى ~~عميرا بالرماح الشواجر ثم قال يا ابن النصرانية ؛ ما كنت أظن أن تجترىء علي ~~بمثل هذا . فأرعد من خوفه ، ثم قام إلى عبد الملك فأمسك ذيله ، وقال : هذا ~~مقام العائذ بك . فقال : أنا لك ، ثم قام الجحاف فمشى وهو يجر ثوبه ، ولا ~~يعقل ، فتلطف لبعض كتاب الديوان حتى اختلف له عهدا على صدقات تغلب وبكر ~~بالجزيرة ، وقال لأصحابه : إن أمير المؤمنين ولانى هذه الصدقات ، فمن أراد ~~اللحاق بي فليفعل . ثم سار حتى أتى رصافة هشام ، فأعلم أصحابه ما كان من ~~الأخطل إليه ، وأنه افتعل كتابا وأنه ليس له بوال ، فمن كان يحب أن يغسل ~~عني العار وعن نفسه فليصحبني ، فإني أقسمت ألا أغسل رأسي حتى أوقع ببني ~~تغلب . فرجعوا عنه غير ثلاثمائة قالوا : نموت لموتك ونحيا لحياتك ، فسار ~~ليلته حتى أصبح بالرحوب ، وهو ماء لبني جشم بن بكر بن تغلب ، فصادف عليه ~~جماعة عظيمة منهم ، فقتل منهم مقتلة عظيمة ، وأسر الأخطل وعيه عباءة وسخة ، ~~وظن الذي أسره أنه عبد ، فسأله عن نفسه ، فقال : عبد . فأطلقه فرمى بنفسه ~~في جب ، مخافة أن يراه من يعرفه فيقتله ، وأسرف الجحاف في القتل ، وبقر ~~البطون عن الأجنة ؛ وفعل أمرا عظيما ، فلما عاد عنهم قدم الأخطل على عبد ~~الملك فأنشده : لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة . . . إلى الله منها المشتكي ~~والمعول PageV21P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" فطلب عبد الملك الجحاف فهرب إلى الروم ، فكان ~~يتردد فيها ، ثم بعث إلى بطانة عبد الملك من قيس ، فطلبوا له الأمان ، ~~فأمنه عبد الملك ، فلما جاء ألزمه ديات من قتل ، وأخذ منه الكفلاء ، فسعى ~~فيها حتى جمعها وأعطاها ، ثم تنسك الجحاف ms4678 بعد ، وصلح ، ومضى حاجا فتعلف ~~بأستار الكعبة ، وجعل يقول : اللهم اغفر لي ، وما أظنك تفعل فسمعه محمد ابن ~~الحنفية ، فقال : يا شيخ ، قنوطك شر من ذنبك . وقيل : كان سبب عود الجحاف ~~أن ملك الروم أكرمه وقربه وعرض عليه النصرانية ، ويعطيه ما شاء ، فامتنع ، ~~وقال : ما أتيتك غبة عن الإسلام . ثم هزم الجحاف صائفة المسلمين ، فأخبروا ~~عبد الملك أن الذي هزمهم الجحاف ، فأرسل إليه عبد الملك ، فأمنه ، فسار في ~~بلاد الروم ، وقصد البشر وبه حي من تغلب وقد لبس أكفانه ، وقال : قد جئت ~~إليكم أعطى القود من نفسي ، فأراد شبابهم قتله ، فنهاهم شيوخهم ، وعفوا عنه ~~، فحج ، فسمعه عبد الله بن عمر وهو يطوف ويقول : اللهم اغفر لي وما أظنك ~~تفعل فقال ابن عمر رضي الله عنهما : لو كنت الجحاف مازدت على هذا . قال : ~~فأنا الجحاف . ذكر مسير عبد الملك بن مروان إلى العراق قتل مصعب بن الزبير ~~واستيلاء عبد الملك على العراق وفي جمادي الآخرة سنة إحدى وسبعين كان مقتل ~~مصعب بن الزبير بن العوام واستيلاء عبد الملك على العراق ؛ وسبب ذلك أن عبد ~~الملك بن مروان لما قتل عمروا بن سعيد كما تقدم وضع السيف على من خالفه ، ~~فصفا له الشام ، فلما لم يبق له بالشام مخالف أجمع المسير إلى مصعب بن ~~الزبير بالعراق ، فاستشار أصحابه في ذلك ، فأشار عليه عمه يحيى بن الحكم أن ~~يقنع بالشام ويترك ابن الزبير والعراق ، فكان عبد الملك يقول : من أراد ~~صواب الرأي فليخالف يحيى . وأشار بعضهم أن يؤخر السير هذا العام ، وأشار ~~محمد بن مروان أن يقيم ويبعث بعض أهله ، ويمده بالجنود . فأبى إلا المسير . ~~فلما عزم على المسير ودع زوجته عاتكة بنت يزيد بن PageV21P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" معاوية ، فبكت فبكى جواريها لبكائها ، فقال : ~~قاتل الله كثير عزة ، لكأنه يشاهدنا حين يقول : إذا ما أراد الغزو لم يثن ~~همه . . . حصان عليها عقد در يزينها نهته فلما لم تر النهى عاقه . . . بكت ~~فبكى مما عناها قطينها وسار عبد الملك نحو العراق ، فلما بلغ مصعب ms4679 بن ~~الزبير مسيره وهو بالبصرة أرسل إلى المهلب بن أبي صفرة وهو يقاتل الخوارج ~~يستشيره . وقيل : بل أحضره إليه ، فقال لمصعب : اعلم أن أهل العراق قد ~~كاتبوا عبد الملك وكاتبهم فلا تبعدني عنك . فقال له مصعب : إن أهل البصرة ~~قد أبوا أن يسيروا حتى أجعلك على قتال الخوارج ، وهم قد بلغوا سوق الأهواز ~~، وأنا أكره إذ سار عبد الملك إلي ألا أسير إليه ، فاكفني هذا الثغر . فعاد ~~إليهم ، وسار مصعب إلى الكوفة ومعه الأحنف فتوفي الأحنف بالكوفة ، وأحضر ~~مصعب إبراهيم بن الأشتر ، وكان على الموصل والجزيرة ، فجعله على مقدمته ، ~~وسار حتى نزل باجميرا قريب أوانا فعسكر هناك ، وسار عبد الملك حتى نزل ~~بمسكن على فرسخين أو ثلاثة من عسكر مصعب . وكتب عبد الملك إلى أهل العراق ~~من كاتبه ومن لم يكاتبه ، فجميعهم طلب أصفهان طعمة ، وأخفوا جميعهم كتبهم ~~عن مصعب إلا ابن الأشتر فإنه أحضر كتابه مختوما إلى مصعب ، فقرأه فإذا هو ~~يدعوه إلى نفسه ، ويجعل له ولاية العراق . فقال له مصعب : أتدري ما فيه ؟ ~~قال : لا ، قال : إنه يعرض عليك كذا وكذا ، وإن هذا لما يرغب فيه . فقال ~~إبراهيم : ما كنت لأتقلد الغدر والخيانة ، والله ما عند عبد الملك من أحد ~~من الناس بايأس منه منى ، ولقد كتب إلى جميع أصحابك مثل الذي كتب إلي ، ~~فأطعني واضرب أعناقهم . فقال : إذا لا تناصحني عشائرهم . PageV21P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" قال : فأوقرهم حديدا ، وابعث بهم إلى أبيض ~~كسرى ، واحبسهم هنالك ، ووكل بهم من إن غلبت وتفرقت عشائرهم عنك ضرب رقابهم ~~، وإن ظهرت مننت على عشائرهم بإطلاقهم . فقال : إني لفي شغل عن ذلك . ولما ~~قرب العسكران بعث عبد الملك إلى مصعب يقول : دع الدعاء لأخيك ، وأدع الدعاء ~~إلى نفسي ، ونجعل الأمر شورى . فأبى مصعب إلا السيف . فقدم عبد الملك أخاه ~~محمدا . وقدم المصعب إبراهيم بن الأشتر ، فالتقيا ، فتناوش الفريقان ، فقتل ~~صاحب لواء محمد ، وجعل مصعب يمد إبراهيم ، فأزال محمد بن مروان عن موقفه ، ~~فوجه عبد الملك عبد الله بن يزيد إلى أخيه محمد ، فاشتد ms4680 القتال ، فقتل مسلم ~~بن عمرو الباهلي والد قتيبة ، وهو في أصحاب مصعب ، وأمد مصعب إبراهيم بعتاب ~~بن ورقاء ؛ فساء ذلك إبراهيم ، واسترجع ، وقال : قد قلت له : لا يمدني ~~بعتاب وضربائه . وكان عتاب قد كاتب عبد الملك وبايعه ، فانهزم عتاب بالناس ~~وصبر ابن الأشتر ، وقاتل حتى قتل ، قتله عبيد بن ميسرة مولى بني عذرة ، ~~وحمل رأسه إلى عبد الملك . وتقدم أهل الشام فقاتلهم مصعب ، وقال لقطن بن ~~عبد الله الحارثي : قدم خيلك أبا عثمان . فقال : أكره أن تقتل مذحج في غير ~~شيء . فقال لحجار بن أبجر : أبا أسيد : قدم خيلك . فقال : إلى هؤلاء ~~الأنتان قال : ما نتأخر إليه أنتن . وقال لمحمد بن عبد الرحمن بن سعيد : ~~قدم خيلك . فقال : ما فعل أحد هذا فأفعله . فقال مصعب : يا إبراهيم ، ولا ~~إبراهيم لي اليوم ثم التفت فرأى عروة بن المغيرة بن شعبة فاستدناه ، فقال ~~له : أخبرني عن الحسين بن علي كيف صنع بامتناعه عن النزول على حكم ابن زياد ~~وعزمه على الحرب ؟ فأخبره ، فقال : إن الألى بالطف من آل هاشم . . . تأسوا ~~فسنوا للكرام التأسيا ثم دنا محمد بن مروان من مصعب ، وناداه : أنا ابن عمك ~~محمد ابن مروان ، فاقبل أمان أمير المؤمنين . قال : أمير المؤمنين بمكة ، ~~يعنى أخاه عبد الله . قال : فإن القوم خاذلوك ، فأبى ما عرض عليه . ~~PageV21P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" فنادى محمد عيسى بن مصعب إليه ، فقال له مصعب ~~: انظر ما يريد ، فدنا منه ، فقال له : إني لك ولأبيك ناصح ، ولكما الأمان ~~. فرجع إلى أبيه فأخبره . فقال : إني أظن القوم يفون لك ، فإن أحببت أن ~~تأتيهم ، فافعل . قال : لا تتحدث نساء قريش أني خذلتك ، ورغبت بنفسي عنك . ~~قال : فاذهب أنت ومن معك إلى عمك بمكة ، فأخبره بما صنع أهل العراق ودعني ~~فإني مقتول . فقال : لا أخبر قريشا عنك أبدا ، ولكن يا أبت الحق بالبصرة ~~فإنهم على الطاعة ، أو الحق بأمير المؤمنين . فقال مصعب : لا تتحدث قريش ~~أني فررت . وقال لابنه عيسى : تقدم إذا أحتسبك . فتقدم ومعه ناس ، فقتل ، ~~وقتلوا ، وجاء رجل من ms4681 أهل الشام ليحتز رأس عيسى ، فحمل عليه مصعب فقتله ، ~~وشد على الناس فانفرجوا له ، وعاد ، ثم حمل ثانية فانفرجوا له ، وبذل له ~~عبد الملك الأمان ، وقال : إنه يعز علي أن تقتل ، فاقبل أماني . ولك حكمك ~~في المال والعمل ، فأبى ، فقال عبد الملك : هذا والله كما قال القائل : ~~ومدجج كره الكماة نزاله . . . لا ممعن هربا ولا مستسلم ودخل مصعب سرادقه ~~فتحنط ورمى السرداق ، وخرج فقاتل ، فأتاه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فدعاه ~~إلى المبارزة فقال : يا كلب ، اغرب ، مثلي يبارز مثلك وحمل عليه مصعب فضربه ~~على البيضة فهشمها وجرحه ، فذهب يعصب رأسه ، وترك الناس مصعبا وخذلوه حتى ~~بقي في سبعة أنفس ، وأثخن بالرمي ، وكثرت فيه الجراحات ، فعاد إليه عبيد ~~الله بن زياد بن ظبيان فضربه مصعب ، فلم يصنع شيئا لضعفه ، وضربه ابن ظبيان ~~فقتله . وقيل : بل نظر إليه زائدة بن قدامة الثقفي فحمل عليه ، فطعنه فقال ~~: يالثارات المختار فصرعه وأخذ عبيد الله بن زياد رأسه وحمله إلى عبد الملك ~~، فألقاه بين يديه وأنشد : نعاطى الملوك الحق ما قسطوا لنا . . . وليس ~~علينا قتلهم بمحرم فلما رأى عبد الملك الرأس سجد ، فقال ابن ظبيان : لقد ~~هممت أن أقتل عبد الملك وهو ساجد فأكون قد قتلت ملكي العرب ، وأرحت الناس ~~منهما ، وفي ذلك يقول : PageV21P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" هممت ولم أفعل وكدت وليتني . . . فعلت فأدمنت ~~البكا لأقاربه فأوردتها في النار بكر بن وائل . . . وألحقت من قد خر شكرا ~~بصاحبه وقال عبد الملك : لقد هممت أن أقتل ابن ظبيان فأكون قد قتلت أفتك ~~الناس بأشجع الناس . وأمر عبد الملك لابن ظبيان بألف دينار ، فقال : لم ~~أقتله على طاعتك ، وإنما قتلته بأخي النابي بن زياد ، ولم يأخذ منها شيئا . ~~وكان النابي قد قطع الطريق فقتله مطرف الباهلي صاحب شرطة مصعب . وكان قتل ~~مصعب بدير فقتله مطرف الباهلي صاحب شرطة مصعب . وكان قتل مصعب بدير ~~الجاثليق عند نهر دجيل ، وأمر عبد الملك به وبابنه عيسى فدفنا ، وقال : ~~كانت الحرمة بيننا وبينه قديمة ، ولكن هذا الملك عقيم . قال ms4682 : ثم دعا عبد ~~الملك جند العراق إلى البيعة فبايعوه ، وسار حتى دخل الكوفة ، فأقام ~~بالنخيلة أربعين يوما ، وخطب الناس بالكوفة ، فوعد المحسن وتوعد المسىء ، ~~وقال : إن الجامعة التي وضعت في عنق عمرو بن سعيد عندي ، ووالله لا أضعها ~~في عنق رجل فأنتزعها إلا صعدا لا أفكها عنه فكا ، فلا يبقين امرؤ إلا على ~~نفسه ، ولا يوبقني دمه . والسلام . قال عبد الملك بن عمير : كنت مع عبد ~~الملك بقصر الكوفة حين جىء برأس مصعب فوضعت بين يديه ، فرآني قد ارتعدت ، ~~فقال لي : مالك ؟ فقلت : أعيذك بالله يا أمير المؤمنين كنت بهذا القصر بهذا ~~الموضع مع عبيد الله بن زياد فرأيت رأس الحسين رضي الله عنه بين يديه ، ثم ~~كنت فيه مع المختار بن أبي عبيد فرأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يديه ، ثم ~~رأيت رأس مصعب فيه بين يديك . فقام عبد الملك من مقامه ذلك ، وأمر بهدم ذلك ~~الطاق الذي كنا فيه ، وقال عبد الملك ابن مروان : متى تخلف قريش مثل المصعب ~~ثم قال : هذا سيد شباب قريش . فقيل له : أكان يشرب الطلا ؟ فقال : لو علم ~~المصعب أن الماء يفسد مروءته ما شربه حتى يموت عطشا . PageV21P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" قال : وبعث عبد الملك برأس مصعب إلى أخيه عبد ~~العزيز بن مروان بمصر ، فلما رآه وقد قطع السيف أنفه قال : رحمك الله ، أما ~~والله لقد كنت من أحسنهم خلقا ، وأشدهم بأسا ، وأسخاهم نفسا . ثم سيره إلى ~~الشام فنصب بدمشق ، وأرادوا أن يطوفوا به في نواحي الشام ، فأخذته عاتكة ~~بنت يزيد بن معاوية زوجة عبد الملك بن مروان ، فغسلته وطيبته ودفنته ، ~~وقالت : أما رضيتم بما صنعتم حتى تطوفوا به المدن هذا بغي . وكان عمر مصعب ~~حين قتل ستا وثلاثين سنة . ولما بلغ عبد الله بن خازم مسير مصعب لقتال عبد ~~الملك قال : أمعه عمر بن عبيد الله بن معمر ؟ قيل : لا ، استعمله على فارس ~~. قال : أمعه المهلب ؟ قيل : لا ، استعمله على الخوارج . قال : أمعه عباد ~~بن الحصين ؟ قيل : لا ، استخلفه على البصرة ms4683 . قال : وأنا بخراسان . وأنشد : ~~خذيني فجريني جعار وأبشري . . . بلحم امرىء لم يشهد اليوم ناصره قال : ولما ~~قتل مصعب كان المهلب يحارب الأزارقة بسولاف ثمانية أشهر ، فبلغ الأزارقة ~~قتله قبل أن يبلغ المهلب ، فصاحوا بأصحاب المهلب : ما قولكم في مصعب ؟ ~~قالوا : أمير هدى ؛ وهو ولينا في الدنيا والآخرة ، ونحن أولياؤه . قالوا : ~~فما قولكم في عبد الملك بن مروان قالوا : ذلك ابن اللعين ، نحن نبرأ إلى ~~الله منه ، وهو عندنا حل دما منكم . قالوا : فإن عبد الملك قتل مصعبا ، ~~وسيجعلون غدا عبد الملك إمامكم . فلما كان الغد سمع المهلب وأصحابه قتل ~~مصعب ، فبايع المهلب الناس لعبد الملك ، فصاح بهم الخوارج : يا أعداء الله ~~، ما تقولون في مصعب ؟ قالوا : يا أعداء الله لا نخبركم . وكرهوا أن يكذبوا ~~أنفسهم . قالوا : فما قولكم في عبد الملك ؟ قالوا : خليفتنا . ولم يجدوا ~~بدا إذ بايعوه أن يقولوا ذلك . قالوا : يا أعداء الله ؛ أنتم بالأمس ~~تتبرءون منه في الدنيا والآخرة ، وهو اليوم إمامكم ، وقد قتل أميركم الذي ~~كنتم تتولونه ، فأيهما المهتدي ؟ وأيهما المبطل ؟ قالوا : يا أعداء الله ، ~~رضينا بذاك إذ كان يتولى أمرنا ونرضى بهذا . قالوا : لا ، والله ، ولكنكم ~~إخوان الشياطين وعبيد الدنيا . PageV21P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" قال : ولم يف عبد الملك لأحد بأصبهان ، ~~واستعمل قطن بن عبد الله الحارثي على الكوفة ، ثم عزله ، واستعمل أخاه بشر ~~بن مروان . واستعمل محمد بن عمير على همذان ، ويزيد بن ورقاء بن رويم على ~~الري ، واستعمل خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد على البصرة . وعاد إلى ~~الشام . ذكر خبر عبد الملك بن مروان وزفر بن الحارث وما كان بينهما من ~~القتال وانتظام الصلح بينهما قد ذكرنا أن زفر بن الحارث لما فر من مرج راهط ~~إلى قرقيسياء ، واستولى عليها ، وتحصن بها ، واجتمعت قيس عليه ، وكان في ~~بيعة عبد الله بن الزبير وفي طاعته . فلما مات مروان بن الحكم وولي عبد ~~الملك كتب إلى أبان بن عقبة بن أبي معيط ، وهو على حمص ، يأمره أن يسير إلى ~~زفر ، فسار إليه ، وعلى ms4684 مقدمته عبد الله بن زميت الطائي ، فواقع عبد الله ~~زفر قبل وصول أبان فقتل من أصحابه ثلاثمائة ، فلامه أبان على عجلته ، وأقبل ~~أبان فواقع زفر فقتل ابنه وكيع ابن زفر . فلما سار عبد الملك إلى العراق ~~لقتال مصعب بدأ بقرقيسياء ، فحضر زفر فيها ، ونصب عليها المجانيق ، فأمر ~~زفر أن ينادى في عسكر عبد الملك : لم نصبتم المجانيق علينا ؟ فقالوا : ~~لنثلم ثلمة نقاتلكم عليها . فقال زفر : قولوا لهم : فإنا لا نقاتلكم من ~~وراء الحيطان ، ولكنا نخرج إليكم . وقاتلهم زفر . وكان خالد بن يزيد بن ~~معاوية مجدا في قتال زفر ، فقال رجل من أصحابه من بني كلاب : لأقولن لخالد ~~كلاما لا يعود إلى ما يصنع . فلما كان الغد خرج خالد للمحاربة فقال له ~~الكلابي : ماذا ابتغاء خالد وهمه . . . إذ سلب الملك و . . . أمه فاستحيا ~~وعاد ، ولم يعد لقتالهم . وقالت كلب لعبد الملك : إنا إذا لقينا زفر انهزمت ~~القيسية الذين معك ، فلا تخلطهم معنا . ففعل . فكتبت القيسية على نبلها : ~~إنه ليس يقاتلكم غدا مضرى ، ورموا النبل إلى زفر . فلما أصبح دعا ابنه ~~الهذيل فقال : اخرج إليهم ، فشد عليهم ، PageV21P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" ولا ترجع حتى تضرب فسطاط عبد الملك ، وأقسم ~~لئن رجع دون أن يفعل ذلك ليقتلنه . فجمع الهذيل خيله ، وحمل ، فصبروا قليلا ~~ثم انكشفوا ، وتبعهم الهذيل بخيله حتى وطئوا أطناب الفسطاط ، وقطعوا بعضها ~~، ثم رجعوا . فقبل زفر رأس ابنه الهذيل . فقال : والله لو شئت أن أدخل ~~الفسطاط لفعلت . قال : وكان رجل من كلب يقال له الذيال يخرج فيسب زفر فيكثر ~~، فقال للهذيل ابنه أو لبعض أصحابه : أما تكفيني هذا ؟ قال : أنا آتيك به ، ~~فدخل عسكر عبد الملك ليلا ، فجعل ينادي من يعرف بغلا من صفته كذا وكذا ؟ ~~حتى انتهى إلى خباء الرجل . فقال الرجل : رد الله عليك ضالتك . فقال : يا ~~عبد الله ، إني قد أعييت ، فلو أذنت لي فاسترحت قليلا . قال : ادخل ، فدخل ~~، والرجل وحده في خبائه ، فرمى بنفسه ، ونام صاحب الخباء ، فقام إليه ~~فأيقظه ، وقال : والله ، لئن تكلمت لاقتلنك ، قتلت أو سلمت ms4685 ، فماذا ينفعك ~~قتلي إذا قتلت أنت ؛ ولئن سكت وجئت معي إلى زفر فلك عهد الله وميثاقه أن ~~أردك إلى عسكرك بعد أن يصلك زفر ويحسن إليك ، فخرجا وهو ينادي : من دل على ~~بغل من صفته كذا وكذا حتى أتى زفر . والرجل معه ، فأعلمه أنه قد أمنه ، ~~فوهبه زفر دنانير وحمله على رحال النساء وألبسه ثيابهن ، وبعث معه رجالا ~~حتى دنوا من عسكر عبد الملك ، فنادوا : هذه جارية قد بعث بها زفر إلى عبد ~~الملك ، وانصرفوا فلما رآه أهل العسكر عرفوه ، وأخبروا عبد الملك الخبر ~~فضحك ، وقال : لا يبعد الله رجال مضر ، والله إن قتلهم لذل ، وإن تركهم ~~لحسرة . وكف الرجل فلم يعد يسب زفر . وقيل : إنه هرب من العسكر ، ثم أمر ~~عبد الملك أخاه محمدا أن يعرض على زفر وابنه الهذيل الأمان على أنفسهما ومن ~~معهما وأن يعطيا ما أحبا . ففعل ذلك ، فأجابا على أن لزفر الخيار في بيعته ~~سنة ، وأن يترك حيث شاء ، وألا يعين عبد الملك على قتال ابن الزبير . ~~PageV21P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" فبينما الرسل تختلف بينهم إذ جاء رجل من كلب ، ~~فقال : قد هدم من المدينة أربعة أبراج ، فقال عبد الملك : لا أصالحهم ، ~~وزحف إليهم ، فهزموا أصحابه حتى أدخلوهم عسكرهم ، فقال : أعطوهم ما أرادوا ~~. قال زفر : لو كان قبل هذا لكان أحسن ، واستقر الصلح على أمان الجميع ، ~~ووضع الدماء والأموال ، وألا يبايع عبد الملك حتى يموت اين الزبير للبيعة ~~التي له في عنقه ، وأن يعطى مالا يقسمه في أصحابه ، وخاف زفر أن يغدر به ~~عبد الملك كما غدر بعمرو بن سعيد ، فلم ينزل إليه ، فأرسل إليه بقضيب النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) أمانا له ، فنزل إليه ، فلما دخل عليه أجلسه معه ~~على سريره ، فلم رأى عبد الملك قلة من مع زفر قال : لو لمت بأنه في هذه ~~القلة لحاصرته أبدا حتى نزل على حكمي ، فبلغ قوله زفر فقال : إن شئت رجعنا ~~ورجعت . قال : بلى نفي لك يا أبا الهذيل . وأمر زفر ابنه الهذيل أن يسير مع ~~عبد ms4686 الملك إلى قتال مصعب ، وقال : أنت لا عهد عليك ، فسار معه ، فلما قارب ~~مصعبا هرب إليه ، وقاتل مع ابن الأشتر . فلما قتل ابن الأشتر اختفى الهذيل ~~في الكوفة حتى استؤمن له من عبد الملك فأمنه . قال : وتزوج مسلمة بن عبد ~~الملك الرباب بنت زفر فكان يؤذن لإخوتها : الهذيل والكوثر في أول الناس . ~~وفي هذه السنة ، أعني سنة إحدى وسبعين ، افتتح عبد الملك قيسارية في قول ~~الواقدي رحمه الله . ذكر مقتل عبد الله بن خازم واستيلاء عبد الملك على ~~خراسان ولما قتل مصعب كان عبد الله بن خازم يقاتل بحير بن ورقاء لصريمي ~~التميمي بنيسابور ، فكتب عبد الملك إلى ابن خازم يدعوه إلى البيعة ويطعمه ~~خراسان سبع سنين ، وأرسل الكتاب مع سورة ابن أشيم النميري ، فقال له ابن ~~خازم : لولا أن أضرب بين بني سليم وبين عامر لقتلتك ، ولكن كل كتابه ، ~~فأكله . وقيل : بل كان الكتاب مع سوادة بن عبيد الله النميري . وقيل : مع ~~مكمل الغنوى . فقال له ابن PageV21P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" خازم : إنما بعثك أبو الذبان لأنك من غنى ، ~~وقد علم أني لا أقتل رجلا من قيس ، ولكن كل كتابه وكتب عبد الملك إلى بكير ~~بن وساج ، وكان خليفة ابن خازم على مرو ، بعهده على خراسان ، ووعده ومناه ، ~~فخلع بكير عبد الله ابن الزبير ودعا إلى عبد الملك ، فأجابه أهل مرو ، وبلغ ~~ابن خازم ، فخاف أن يأتيه بكير فيجتمع عليه أهل مرو وأهل نيسابور ، فترك ~~بحيرا وأقبل إلى مرو ، فاتبعه بير فلحقه بقرية على ثمانية فراسخ من مرو ، ~~فقاتله ، فقتل ابن خازم ، وكان الذي قتله وكيع بن عمرو القريعي ، اعتوره ~~وكيع وبحير بن ورقاء وعمار بن عبد العزيز ، فطعنوه ، فصرعوه ؛ وقعد وكيع ~~على صدره فقتله ، وبعث بشيرا بقتله إلى عبد الملك ، ولم يبعث برأسه . وأقبل ~~بكير في أهل مرو ، فوافاهم حين قتل ابن خازم ، فأراد أخذ الرأس وإنفاذه إلى ~~عبد الملك ، فمنعه بحير فضربه بعمود وحبسه ، وسير الرأس إلى عبد الملك ، ~~وذلك في سنة اثنتين وسبعين . وقيل : بل كان مقتله ms4687 بعد قتل عبد الله بن ~~الزبير ، وأن عبد الملك أنفذ إليه رأس ابن الزبير ، ودعاه إلى نفسه فغسله ~~وكفنه ، وبعثه إلى أهله بالمدينة ، وأطعم الرسول الكتاب ، وقال : لولا أنك ~~رسول لقتلتك . وقيل : بل قطع يديه ورجليه وقتله ، وحلف ألا يطيع عبد الملك ~~أبدا . والله أعلم . ذكر مقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وشيء من ~~أخباره قال : لما قتل مصعب بن الزبير تقدم الحجاج بن يوسف الثقفي إلى عبد ~~الملك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد رأيت في المنام أني أخذت ابن الزبير ~~وسلخته ، فابعثني إليه ، وولني حربه ، فبعثه في ألفين ، وقيل في ثلاثة آلاف ~~، فسار في جمادي الأولى سنة اثنتين وسبعين ، ونزل الطائف ، وكان يبعث الخيل ~~إلى عرفة في الحل بعد الطائف ، ويبعث ابن الزبير الخيل فيقتلون فتنهزم خيل ~~ابن الزبير ، وتعود خيل الحجاج بالظفر . ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك ~~يستأذنه في دخول الحرم وحصر ابن الزبير ، ويخبره بضعفه وتفرق أصحابه ، ~~ويستمده ، فأمده بطارق بن عمرو مولى عثمان ، وكان عبد الملك قد بعثه في جيش ~~إلى وادي القرى ليمنع عمال ابن الزبير من الانتشار ، PageV21P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" فقدم المدينة في ذى القعدة سنة اثنتين وسبعين ~~، وأخرج عامل ابن الزبير منها ، وجعل عليها رجلا من أهل الشام اسمه ثعلبة ، ~~وقدم طارق مكة في ذى الحجة منها في خمسة آلاف ، وتقدم الحجاج إلى مكة ، ~~فنزل عند بئر ميمون ، وحج بالناس في تلك السنة . إلا أنه لم يطف بالبيت ، ~~ولا سعى بين الصفا والمروة ؛ منعه عبد الله ابن الزبير من ذلك ؛ ولم يحج ~~ابن الزبير ولا أصحابه في تلك السنة . ونصب الحجاج المنجنيق على أبي قبيس ، ~~ورمى به الكعبة ، فقال عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما للحجاج ، ~~اتق الله واكفف هذه الحجارة عن الناس ، فإنك في شهر حرام في بلد حرام ؛ وقد ~~قدمت وفود الله من أقطار الأرض ليؤدوا فريضة الله ، وقد منعهم المنجنيق عن ~~الطواف . فكف حتى انقضى الحج ، ثم نادى في الناس : انصرفوا إلى بلادكم ، ~~فإنا ms4688 نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد . قال : وأول ما رمى الكعبة ~~بالمنجنيق رعدت السماء وبرقت ، وعلا صوت الرعد على الحجارة ، فأعظم ذلك أهل ~~الشام وأمسكوا أيديهم ، فأخذ الحجاج حجر المنجنيق ووضعه بيده ورمى به ، ~~فجاءت الصواعق فقتلت من أصحابه اثني عشر رجلا ، فانكسر أهل الشام ، فقال ~~الحجاج : أهل الشام ، لا تنكروا هذا ، فإني ابن تهامة ، وهذه صواعقها ، ~~وهذا الفتح قد حضر ، فأبشروا . فما كان الغد جاءت الصاعقة فأصابت من أصحاب ~~ابن الزبير عدة . فقال الحجاج : ألا ترون أنهم يصابون كما تصابون ، وأنتم ~~على الطاعة وهم على خلافها ، وكان الحجر يقع بين يدي عبد الله ابن الزبير ~~وهو يصلي ، فلا ينصرف عن مكانه . وغلت الأسعار عند ابن الزبير حتى ذبح فرسه ~~، وقسم لحمه في أصحابه ، وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم والمد الذرة بعشرين ~~درهما ، وكانت بيوت ابن الزبير مملوءة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا ، وكان أهل ~~الشام ينتظرون فناء ما عنده ، فكان لا ينفق منه إلا ما يمسك الرمق ويقول : ~~نفوس أصحابي قوية ما لم تفن . فلما كان قبيل مقتله تفرق الناس عنه ، وخرجوا ~~إلى الحجاج بالأمان ، فخرج من عنده نحو عشرة آلاف . وكان ممن فارقه ابناه ~~حمزة وخبيب ، أخذا لأنفسهما أمانا ، PageV21P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" فقال عبد الله لابنه الزبير : خذ لنفسك أمانا ~~كما فعل أخواك ، فوالله إني لأحب بقاءكم . فقال : ما كنت لأرغب بنفسي عنك ، ~~فقتل معه . قال : ولما كان في الليلة التي قتل فيها عبد الله في صبيحتها ~~جمع قريشا فقام لهم : ما ترون ؟ فقال رجل من بني مخزوم : والله ، إنا ~~قاتلنا معك حتى ما نجد مقتلا ، والله لئن سرنا معه ما نزيد على أن نموت ، ~~وإنما هي إحدى خصلتين : إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا ولك ، وإما ~~أن تأذن لنا فنخرج . فقال له رجل : اكتب إلى عبد الملك . فقال : كيف أكتب ~~من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الملك بن مروان ؟ فوالله لا يقبل هذا ~~أبدا ، أو أكتب لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين . من عبد الله بن الزبير ms4689 ~~؟ فوالله لأن تقع الخضراء على الغبراء أهون علي من ذلك . فقال له عروة وهو ~~جالس معه على السرير : قد جعل الله لك أسوة في الحسن بن علي رضي الله عنهما ~~، خلع نفسه وبايع معاوية ، فركضه برجله ورماه عن السرير ، وقال : قلبي إذا ~~مثل قلبك ، والله لو قلتها ما عشت إلا قليلا وإن أضرب بسيف في عز خير من أن ~~ألطم في ذل . فلما أصبح دخل على امرأته أم هاشم فقال : اصنعي لي طعاما . ~~فلما صنعته وأتت به لاك منه لقمة ثم لفظها ، وقال : اسقوني لبنا فسقوه ، ثم ~~اغتسل وتطيب وتحنط ، ودخل على أمه ، فقال : يا أماه ، قد خذلني الناس حتى ~~ولدي وأهلي ولم يبق معي إلا اليسير ، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا ، ~~فما رأيك ؟ قالت له : أنت أعلم بنفسك ، إن كنت تعلم أنك على حق وأنت تدعو ~~إليه فامض له ، فقد قتل عليه أصحابك ، ولا تمكن من نفسك يتلعب بك غلمان بني ~~أمية ، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت ، أهلكت نفسك ومن قتل معك ~~، وإن قلت : كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت ، فهذا ليس فعل الأحرار ولا ~~أهل الدين ، كم خلودك في الدنيا ؟ القتل أحسن فقال : يا أماه ، أخاف إن ~~قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني . فقالت : يا بني ، إن الشاة لا ~~تألم السلخ بعد الذبح ، فامض على بصيرتك ، واستعن بالله . فقبل رأسها وقال ~~: هذا رأيي ، والذي خرجت به داعيا إلى يومي هذا . ما PageV21P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" ركنت إلى الدنيا ، ولا أحببت الحياة فيها ، ~~وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله ، وأن تستحل حرماته ؛ ولكني أحببت أن ~~أعلم رأيك ، فقد زدتني بصيرة ، فانظري فإني مقتول في يومي هذا ، فلا يشتد ~~حزنك ، وسلمي لأمر الله ، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ولا عملا بفاحشة ، ~~ولم يجر في حكم الله ، ولم يغدر في أمان ، ولم يتعمد ظلم مسلم أو معاهد ، ~~ولم يبلغني ظلم عن عمالي ، فرضيت به ؛ بل أنكرته ، ولم يكن أي آثر عندي من ~~رضاء ربي ms4690 . اللهم إني لا أقول هذا تزكية لنفسي ، ولكن أقوله تعزية لأمي حتى ~~تسلو عني . فقالت : إني لأرجو أن يكون عزائي فيك جميلا ، إن تقدمتني ~~احتسبتك ، وإن ظفرت سررت بظفرك . اخرج عني حتى أنظر إلى ما يصير أمرك ، ~~فقال : جزاك الله خيرا ؛ فلا تدعي الدعاء لي . قالت : لا أدعه لك أبدا ، ~~فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق . ثم قالت : اللهم ارحم طول ذلك القيام ~~في الليل الطويل ، وذلك النحيب والظمأ في هواجر مكة والمدينة ، وبره بأبيه ~~وبي . اللهم قد سلمته لأمرك فيه ، ورضيت بما قضيت ، فأثبني فيه ثواب ~~الصابرين الشاكرين . فتناول يدها ليقبلها ، فقالت : هذا وداع فلا تبعد . ~~فقال لها : جئت مودعا ، لأني أرى هذا آخر أيامي من الدنيا . قالت : امض على ~~بصيرتك ، وادن مني حتى أودعك ، فدنا منها فعانقها ، وقبل بين عينيها ، ~~فوقعت يدها على الدرع ، فقالت : ما هذا صنيع من يريد ما تريد فقال : ما ~~لبسته إلا لأشد متنك . قالت : فإنه لا يشد متني ، فنزعها ، ثم درج كميه ، ~~وشد أسفل قميصه وجبة خز تحت السراويل ، وأدخل أسفلها تحت المنطقة ، وأمه ~~تقول : البس ثيابك مشمرة . فمخرج من عندها وحمل على أهل الشام حملة منكرة ، ~~فقتل منهم ، ثم انكشف هو وأصحابه ، فقال له بعض أصحابه : لو لحقت بموضع كذا ~~. فقال : بئس الشيخ أنا إذا في الإسلام أن أوقعت قوما فقتلوا ثم فررت عن ~~مثل مصارعهم . ودنا أهل الشام حتى امتلأت منهم الأبواب ، وكانوا يصيحون : ~~يابن ذات النطاقين ، فيقول : وتلك شكاة ظاهر عنك لؤمها . PageV21P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" وجعل أهل الشام على أبواب المسجد رجالا ، فكان ~~لأهل حمص الباب الذي يواجه باب الكعبة ، ولأهل فلسطين باب بني جمح ، ولأهل ~~قنسرين باب بني سهم . وكان الحجاج وطارق بناحية الأبطح إلى المروة ، وابن ~~الزبير يحمل على هذه الناحية مرة وفي هذه أخرى ، وكأنه أسد في أجمة ما تقدم ~~عليه الرجال وهو يعدو في إثر القوم حتى يحرجهم ، ثم يصيح يا أبا صفوان ، ~~ويل أمه فتحا ، لو كان له رجال . لو كان قرني واحدا ms4691 كفيته . فيقول أبو ~~صفوان عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف : أي والله وألف . فقال رجل من أهل ~~الشام اسمه جلبوب : إنما يمكنكم أخذه إذا ولي . قيل : فخذه أنت إذا ولي . ~~قال : نعم ، وتقدم ليحضنه من خلفه ، فعطف عليه فقط ذراعيه فصاح ، فقال : ~~اصبر جلبوب . قال : فلما رأى الحجاج أن الناس لا يقدمون على ابن الزبير غضب ~~وترجل يسوق الناس ويصدم بهم ، فصدم صاحب علم ابن الزبير وهو بين يديه ، ~~فتقدم ابن الزبير على صاحب علمه وقاتلهم حتى انكشفوا ، ورجع فصلى ركعتين ~~عند المقام ، فحملوا على صاحب علمه ، فقتلوه عند باب بني شيبة ، وأخذوا ~~العلم . فلما فرغ من صلاته تقدم فقاتل بغير علم ، وقتل رجلا من أهل الشام ~~وآخر ، وقاتل معه عبد الله بن مطيع ، وهو يقول : أنا الذي فررت يوم الحرة . ~~. . والحر لا يفر إلا مرة واليوم أجزى فرة بكرة وقاتل حتى قتل ، ويقال : ~~أصابته جراحة فمات منها بعد أيام . قال : وقال عبد الله بن الزبير لأصحابه ~~وأهله يوم قتل بعد صلاة الصبح : اكشفوا وجوهكم حتى أنظر إليكم وعليكم ~~المغافر ، ففعلوا ، فقال : يا آل الزبير ، لو طبتم لي نفسا عن أنفسكم كنا ~~أهل بيت من العرب اصطلمنا في الله فلا يرعكم وقع PageV21P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" السيوف ، فإن ألم الدواء للجراح أشد من ألم ~~وقعها ، صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم ، غضوا أبصاركم عن البارقة ، ~~وليشغل كل امرىء قرنه ، ولا تسألوا عني ، فمن كان سائلا عني فإني في الرعيل ~~الأول ، احملوا على بركة الله . ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون فرمي ~~بآجرة ، رماه بها رجل من السكون ، فأصابت وجهه فأرعش لها وسال الدم على ~~وجهه ، فقال رضي الله عنه وأرضاه : فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا . . . ~~ولكن على أعقابنا تقكر الدما وقاتلهم قتالا شديدا ، فتعاونوا عليه ، فقتلوه ~~، قتله رجل من مراد ، وحمل رأسه إلى الحجاج ، فسجد . ووفد السكوني والمرادى ~~إلى عبد الملك بالخبر ؛ فأعطى كل واحد منهما خمسمائة دينار . وقيل في قتله ~~: إنه جاءه حجر المنجنيق وهو يقاتل فصرعه فاقتحم ms4692 عليه أهل الشام ، وذهبوا ~~به إلى الحجاج فحز رأسه بيده . وكان مقتله - رضي الله عنه - في يوم ~~الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادي الأولى سنة ثلاث وسبعين وقيل في ~~جمادى الآخرة منها ، وله ثلاث وسبعون سنة . ولما قتل رضي الله عنه كبر أهل ~~الشام فرحا بقتله ؛ فقال عبد الله ابن عمر : انظروا إلى هؤلاء . انظروا إلى ~~هؤلاء . لقد كبر المسلمون فرحا بولادته ، وهؤلاء يكبرون فرحا بقتله . وبعث ~~الحجاج برأسه ورأس عبد الله بن صفوان ورأس عمارة ابن عمرو بن حزم إلى ~~المدينة . ثم إلى عبد الملك وصلب جثته منكسة على الثنية اليمنى بالحجون ، ~~فأرسلت إليه أسماء تقول : قاتلك الله على ماذا صلبته ؟ قال : استبقت أنا ~~وهو إلى هذه الخشبة ، فكانت له . فاستأذنته في تكفينه ودفنه . فأبى . وكتب ~~إلى عبد الملك يخبره بصلبه ، فكتب إليه يلومه ، ويقول : ألا خليت بينه وبين ~~أمه . فأذن لها الحجاج فدفنته بالجحون . PageV21P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" وكان قبل مقتله بقي أياما يستعمل الصبر والمسك ~~لئلا ينتن إن هو صلب ، فلما صلب ظهر منه ريح المسك ، فقيل : إن الحجاج صلب ~~معه كلبا ميتا . وقيل ، سنورا ، فغلب على ريح المسك . ولما قتل عبد الله ~~ركب أخوه عروة بن الزبير ناقة لم ير مثلها وسار إلى عبد الملك فسبق رسل ~~الحجاج ، فاستأذن على عبد الملك فأذن له ، فلما دخل عليه سلم عليه بالخلافة ~~، فرحب به وأجلسه معه على السرير ، فقال عروة : نمت بأرحام إليك قريبة . . ~~. ولا خير في الأرحام ما لم تقرب وتحدث حتى جرى ذكر عبد الله ، فقال عروة : ~~إنه كان . فقال عبد الملك : وما فعل ؟ قال : قتل ؛ فخر ساجدا . فقال عروة : ~~إن الحجاج صلبه . فهب جثته لأمه . قال : نعم . وكتب إلى الحجاج فعظم صلبه . ~~وكان الحجاج لما فقد عروة كتب إلى عبد الملك : إن عروة كان مع أخيه . فلما ~~قتل عبد الله أخذ مالا من مال الله وهرب . فكتب إليه عبد الملك يقول : إنه ~~لم يهرب ، ولكنه أتاني مبايعا ، وقد أمنته وحللته مما كان منه ، وهو قادم ms4693 ~~عليك ، فإياك وعروة . فعاد عروة إلى مكة فكانت غيبته عنها ثلاثين يوما . ~~فأنزل الحجاج جثة عبد الله عن الخشبة وبعث بها إلى أمه فغسلته . فلما أصابه ~~الماء تقطع فغسلته عضوا عضوا . وصلى عليه عروة وقيل غيره . وقيل : لم يصل ~~عليه أحد ؛ منع الحجاج من الصلاة عليه . وكانت أيام ولايته منذ مات معاوية ~~بن يزيد إلى أن قتل سبع سنين وأياما . وكان له من الأولاد : عبد الله ، ~~وحمزة ، وخبيب ، وثابت ، وعباد ، وقيس ، وعامر ، وموسى . وكاتبه زيد بن ~~عمرو . وحاجبه سالم مولاه والله الموفق بمنه وكرمه . PageV21P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" ذكر نبذة من سيرته رضي الله عنه وأخباره كان ~~كثير العبادة إذا سجد وقعت العصافير على ظهره تظنه حائطا لسكونه وطول سجوده ~~. وقال بعض السلف : قسم عبد الله الدهر على ثلاث حالات فليلة قائم حتى ~~الصباح ، وليلة راكع حتى الصباح ، وليلة ساجد حتى الصباح . وقيل : أول ما ~~علم من همته أنه كان يلعب ذات يوم مع الصبيان وهو صبي ، فمر رجل فصاح عليهم ~~ففروا ، ومشى عبد الله القهقري ، وقال للصبيان : اجعلوني أميركم ، وشدوا ~~بنا عليه . ومر به عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يلعب مع الصبيان ففروا ~~ووقف هو ، فقال له عمر : ما منعك أن لا تفر معهم ؟ فقال : لم أجرم فأخافك ، ~~ولم تكن الطريق ضيقة فأوسع لك . وقال : هشام بن عروة : كان أول ما أفصح به ~~عمي عبد الله ابن الزبير وهو صغير السيف ، فكان لا يضعه من فيه . فكان ~~الزبير رضي الله عنه يقول : والله ليكونن لك منه يوم وأيام . وقال ابن ~~سيرين : قال ابن الزبير : ما كان شيء يحدثنا به كعب إلا وقد جاء على ما قال ~~إلا قوله : فتى ثقيف يقتلني وهذا رأسه بين يدي - يعني المختار . قال : لم ~~يشعر ابن الزبير أن الحجاج قد خبىء له . ومر به عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهم وهو مصاوب ، فقال : يرحمك الله إن كنت لصواما قواما ، ولقد أفلحت قريش ~~إن كنت شرها . وكان الحجاج قد صلبه ثم ألقاه في ms4694 مقابر اليهود ، وأرسل إلى ~~أمه يستحضرها ، فلم تحضر ، فأرسل إليها لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك ~~بقرونك ، فلم تأته فجاء إليها . فقال : كيف رأيتني صنعت بعدو الله ؟ قالت : ~~رأيتك أفسدت على ابني دنياه ، وأفسد عليك آخرتك ؛ وإن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا ، فأما الكذاب فقد رأيناه تعني ~~المختار ، وأما المبير فأنت . PageV21P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" وقال قطن بن عبد الله : كان الزبير يفطر من ~~الشهر ثلاثة أيام ، ومكث أربعين سنة لم ينزع ثوبه عن ظهره . وقال مجاهد : ~~لم يكن باب من أبوا ب العبادة يعجز عنه الناس إلا تكلفه ابن الزبير ، ولقد ~~جاء سيل طبق البيت ، فجعل ابن الزبير رضي الله عنه يطوف سباحة . وماتت ~~أسماء رضي الله عنها بعده بقليل . انتهت أخبار عبد الله بن الزبير رضي الله ~~عنه ، فلنذكر غير ذلك من أخبار أيام عبد الملك ونبدأ بتتمة أخبار الحجاج ~~وما فعل بمكة والمدينة والله أعلم . ذكر مبايعة أهل مكة عبد الملك بن مروان ~~وما فعله الحجاج من هدم الكعبة وبنائها ومسيره إلى المدينة وما فعله فيها ~~بالصحابة رضي الله عنهم قال : ولما فرغ الحجاج من أمر عبد الله بن الزبير ~~دخل مكة فبايعه أهلها لعبد الملك بن مروان ، وأمر بكنس المسجد الحرام من ~~الحجارة والدم ، وهدم الكعبة في المحرم سنة أربع وسبعين ، وأعادها إلى ~~البناء الأول وأخرج الحجر منها ، وكان عبد الملك يقول : كذب ابن الزبير ~~فيما رواه عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~أمر الحجر ، وأنه من البيت . فلما قال له غير ابن الزبير : إن عائشة رضي ~~الله عنها روت ذلك عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : وددت أني ~~تركته وما تحمل . والكعبة في وقتنا هذا على بنائها الذي أعاده الحجاج بن ~~يوسف . قال : ثم سار الحجاج إلى المدينة في سنة أربع وسبعين ، وكان عبد ~~الملك قد عزل طارقا عنها ، واستعمل عليها الحجاج ، فصار معه مكة والمدينة ~~واليمن واليمامة ، فلما قدم ms4695 المدينة أقام بها شهرا أو شهرين ، فأساء إلى ~~أهلها ، واستخف بهم ، وقال : أنتم قتلة أمير المؤمنين عثمان ، وختم أيدي ~~جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافا بهم ، كما يفعل بأهل الذمة ، منهم جابر ~~بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، وسهل بن سعد ، ثم عاد إلى مكة معتمرا ، وقال ~~حين خرج من المدينة : الحمد لله الذي أخرجني من أم نتن ، أهلها أخبث أهل ~~بلد ، وأغشه لأمير المؤمنين ، وأحسدهم له على نعمة الله ، والله لولا ما ~~كانت تأتيني كتب أمير المؤمنين فيها لجعلتها مثل جوف الحمار ، أعواد يعوذون ~~بها ، ورمة قد بليت ، يقولون : منبر رسول الله ، وقبر رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . فبلغ جابر بن عبد الله قوله ، فقال : إن وراءه ما يسوءه . قد ~~قال فرعون ما قال ، فأخذ الله بعد أن أنظره . PageV21P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" وأقام الحجاج بالحجاز إلى أن نقله عبد الملك ~~إلى ولاية العراق ، وذلك في سنة خمس وسبعين على ما نذكره إن شاء الله تعالى ~~. ذكر أخبار الخوارج في أيام عبد الملك بن مروان منذ استقل بالأمر قد ذكرنا ~~أنه لما قتل مصعب بن الزبير كان المهلب بن أبي صفرة يقاتل الخوارج منذ ~~ثمانية أشهر ، وذكرنا مقالتهم لأصحابه حين بلغهم قتل مصعب ، وتبعه عبد ~~الملك ، فلما كان في سنة اثنتين وسبعين استعمل عبد الملك خالد بن عبد الله ~~بن أسيد على البصرة ، فلما قدمها استعمل المهلب على خراج الأهواز ومعونتها ~~، وبعث أخاه عبد العزيز بن عبد الله إلى قتال الخوارج ، وسير معه مقاتل بن ~~مسمع ، فخرجا يطلبان الأزارقة ، فأتت الخوارج من ناحية كرمان إلى درابجرد ~~وأرسل قطري بن الفجاءة المازني أمير الحج سبعمائة فارس مع صالح ابن مخراق ، ~~فأقبل بهم حتى استقبل عبد العزيز وهو يسير ليلا على غير تعبئة ، فانهزم ~~بالناس ، ونزل مقاتل بن مسمع ، فقاتل حتى قتل . ولما انهزم عبد العزيز أخذت ~~امرأته ابنة المنذر بن الجارود ، فأقيمت فيمن يزيد ، فبلغت قيمتها مائة ألف ~~، فجاء رجل من قومها كان من رءوس الخوارج ، فقال : تنحو هكذا ، ما أرى ms4696 هذه ~~المشركة إلا قد فتنتكم ، فضرب عنقها ، ولحق بالبصرة ، فرآه آل المنذر ، ~~فقالوا : والله ما ندري أنحمدك أم نذمك ؟ فكان يقول : ما فعلته إلا غيرة ~~وحمية . وانتهى عبد العزيز إلى رامهرمز ، وأتى المهلب خبره ، فأرسل إلى ~~أخيه خالد بن عبد الله بخبر هزيمته ، فقال للرسول : كذبت فقال : إن كنت ~~كاذبا فاضرب عنقي ، وإن كنت صادقا فأعطني جبتك ومطرفك . قال : ويحك قد رضيت ~~من الخطر العظيم بالخطر اليسير ، ثم حبسه وأحسن إليه لما صح عنده خبر ~~الهزيمة . وفي هذه PageV21P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" الهزيمة وفرار عبد العزيز يقول ابن قيس ~~الرقيات : عبد العزيز فضحت جيشك كلهم . . . وتركتهم صرعى بكل سبيل من بين ~~ذى عطش يجود بنفسه . . . وملحب بين الرجال قتيل هلا صبرت مع الشهيد مقاتلا ~~. . . إذ رحت منتكث القوى بأصيل وتركت جيشك لا أمير عليهمو . . . فارجع ~~بعار في الحياة طويل ونسيت عرسك إذ تقاد سبية . . . تبكي العيون برنة وعويل ~~قال : وكتب خالد إلى عبد الملك بالخبر ، فكتب إليه يقول : قبح الله رأيك ~~حين تبعث أخاك أعرابيا من أهل مكة على القتال ، وتدع المهلب يجبى الخراج ، ~~وهو الميمون النقيبة ، المقاسي للحرب ، ابنها وابن أبنائها . أرسل إلى ~~المهلب يستقبلهم ، وقد بعثت إلى بشر بالكوفة أن يمدك بجيش ، فسر معهم ، ولا ~~تعمل في عدوك برأي حتى يحضره المهلب . والسلام . وكتب عبد الملك إلى أخيه ~~بشر ، وهو أمير الكوفة ، يأمره بإنفاذ خمسة آلاف مع رجل يرضاه لقتال ~~الخوارج ، فإذا قضوا غزوتهم ساروا إلى الري ، فقاتلوا عدوهم ، وكانوا مسلحة ~~، فبعث بشر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فيي خمسة آلاف ، وكتب عهده على ~~الرين وخرج خالد بأهل البصرة حتى قدم الأهواز ؛ وقدمها عبد الرحمن في أهل ~~الكوفة ، وجاءت الأزارقة حتى دنوا من الأهواز ؛ فعبأ خالد أصحابه ، وجعل ~~المهلب على ميمنته ، وداود بن قحذم من بني قيس بن ثعلبة على ميسرته ، ثم ~~زحف خالد إليهم بالناس بعد عشرين ليلة ، فرأوا من كثرة الناس ما ها لهم ، ~~فانصرفوا على حامية ، ولم يقاتلوا ؛ فأرسل خالد داود بن قحذم في آثارهم ms4697 ، ~~وانصرف عبد الرحمن إلى الري ، وأقام المهلب بالأهواز ، وانصرف خالد إلى ~~البصرة ، وكتب إلى عبد الملك بذلك ، فكتب إلى أخيه بشر يأمه أن يبعث أربعة ~~آلاف فارس من أهل الكوفة مع رجل بصير بالحرب إلى فارس في طلب الأزارقة ، ~~ويأمر صاحبه بموافقة داود ابن قحذم إن اجتمعا . PageV21P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" فبعث بشر عتاب بن ورقاء في أربعة آلاف ، ~~فساروا حتى لحقوا داود ، فاجتمعوا ، ثم اتبعوا الخوارج حتى هلكت خيول ~~عامتهم ، وأصابهم الجوع والجهد ، ورجع عامة الجيش مشاة إلى الأهواز ؛ وذلك ~~في سنة اثنتين وسبعين . ذكر مقتل أبي فديك الخارجي قد ذكرنا في أخبار عبد ~~الله بن الزبير قتل نجدة بن عامر وطاعة أصحابه أبا فديك ، فلما كان في سنة ~~اثنتين وسبعين غلب أبو فديك على البحرين ؛ فبعث خالد بن عبد الله أمير ~~البصرة أخاه أمية بن عبد الله في جند كثيف ، فهزمه أبو فديك ، وأخذ جارية ~~له ، فاتخذها لنفسه ، فكتب إلى عبد الملك بذلك ، فأمر عبد الملك عمر ابن ~~عبيد الله بن معمر أن يندب الناس من أهل الكوفة والبصرة ويسير إلى قتاله ، ~~فانتدب معه عشرة آلاف ، وسار بهم ، وجعل أهل الكوفة على الميمنة ، وعليهم ~~محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله ، وأهل البصرة على الميسرة وعليهم عمر ~~بن موسى بن عبيد الله بن معمر ، وهو ابن أخي عمر ، وجعل خيله في القلب ، ~~وساروا حتى انتهوا إلى البحرين ، فالتقوا ، واصطفوا للقتال ، فحمل أبو فديك ~~وأصحابه حملة رجل ، فكشفوا ميسرة عمر حتى أبعدوا إلا المغيرة ابن المهلب ، ~~ومجاعة بن عبد الرحمن ، وفرسان الناس ؛ فإنهم مالوا إلى صف أهل الكوفة ~~بالميمنة ، ثم رجع أهل الميسرة وقاتلوا واشتد قتالهم حتى دخلوا عسكر ~~الخوارج ، وحمل أهل الميمنة حتى استباحوا عسكر الخوارج ، وقتلوا أبا فديك ، ~~وحصروا أصحابه حتى نزلوا على الحكم ، فقتل منهم نحو ستة آلاف ، وأسر ~~ثمانمائة ؛ ووجدوا جارية أمية بن عبد الله حبلى من أبي فديك ، وعادوا إلى ~~البصرة ، وذلك في سنة ثلاث وسبعين . ذكر ولاية المهلب بن أبي صفرة حرب ~~الأزارقة ms4698 في سنة أربع وسبعين أمر عبد الملك أخاه بشرا ، وكان قد أضاف إليه ~~ولاية البصرة مع الكوفة ، أن يبعث المهلب بن أبي صفرة لحرب الأزارقة في أهل ~~البصرة ، وأن ينتخب من أراد منهم ، وأن يتركه في الحرب ورأيه ، وأمره أن ~~يبعث من أهل الكوفة رجلا شريفا معروفا بالبأس والنجدة في جيش كثيف إلى ~~المهلب ، وأن يتتبعوا الخوارج حيث كانوا حتى يستأصلوهم . فأرسل المهلب خديج ~~بن سعيد بن قبيصة ، وأمره أن ينتخب الناس من الديوان ، وشق على بشر أن إمرة ~~المهلب جاءت من قبل عبد الملك ، وبعث بشر عبد الرحمن بن PageV21P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" مخنف على أهل الكوفة ، وأغراه بالمهلب ، وأمره ~~أن يستبد بالأمر ، وسار المهلب حتى نزل رامهرمز ، فلقى بها الخوارج ، فخندق ~~عليه ، وأقبل أهل الكوفة حتى نزلوا على ميل من المهلب ، فلم يلبث العسكر ~~إلا عشرا حتى أتاهم نعي بشر بن مروان فتفرقوا ، وعاد أكثر أهل الكوفة ~~والبصرة إلى أن قدم الحجاج إلى الكوفة في سنة خمس وسبعين ، فأخرج الناس إلى ~~المهلب وابن مخنف على ما نذكر ذلك إن شاء الله في أخبار الحجاج حين قدم ~~الكوفة . ذكر اجلاء الخوارج عن رامهرمز وقتل عبد الرحمن بن مخنف قال : ولما ~~أعاد الحجاج البعوث إلى المهلب كتب إليه وإلى عبد الرحمن بن مخنف يأمرهما ~~بمناهضة الخوارج رجعوا إليهم وقاتلوهم شيئا من قتال ، فانزاحت الخوارج ~~كأنهم على حامية ، وساروا حتى نزلوا بكازرون ، وسار المهلب وابن مخنف حتى ~~نزلوا بهم ، وخندق المهلب على نفسه ، وأشار على ابن مخنف أن يخندق ، فقال ~~أصحابه : نحن خندقنا سيوفنا ، فأتى الخوارج المهلب ليبيتوه ، فوجدوه قد ~~خندق ، فمالوا نحو ابن مخنف ، فقاتلوه ، فانهزم عنه أصحابه ، فنزل فقاتل في ~~ناس من أصحابه ، فقتل وقتلوا رجاله ، فقال شاعرهم : لمن العسكر المكلل ~~بالصر . . . عى فهم بين ميت وقتيل فتراهمو تسفى الرياح عليهمو . . . حاصب ~~الرمل بعد جر الذيول هذا قول أهل البصرة في قتل ابن مخنف . وأما أهل الكوفة ~~فقالوا : إنه لما وصل كتاب الحجاج لمناهضة الخوارج ناهضهم المهلب وابن مخنف ~~، واقتتلوا ms4699 قتالا شديدا ؛ فمالت الخوارج إلى المهلب فاضطروه إلى عسكره ، ~~فاستنجد عبد الرحمن فأمده بالخيل والرجال ، وكان ذلك بعد الظهر لعشر بقين ~~من شهر رمضان سنة خمس وسبعين . PageV21P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" فلما كان بعد العصر ورأت الخوارج من يأتي من ~~عسكر عبد الرحمن من الرجال علموا أنه قد خف أصحابه ، فجعلوا بإزاء المهلب ~~من يشغله ، وانصرفوا بحدهم إلى ابن مخنف ، فنزل ونزل معه القراء ، منهم أبو ~~الأحوص صاحب ابن مسعود ، وخزيمة بن نصر أبو نصر بن خزيمة ، ونزل معه من ~~قومه واحد وسبعون رجلا ، وحملت عليهم الخوارج فقاتلوا قتالا شديدا ، وانكشف ~~الناس عنه ، وبقى في عصابة من أهل الصبر ، فقاتلوا حتى ذهب نحو ثلثي الليل ~~، ثم قتل في تلك العصابة . فلما أصبحوا جاء المهلب فصلى عليه ودفنه ، وكتب ~~بذلك إلى الحجاج ، فبعث إلى عسكر عبد الرحمن عتاب ابن ورقاء ، وأمره أن ~~يسمع إلى المهلب ، فساءه ذلك ، ولم يجد بدا من طاعته ، فجاء وقاتل الخوارج ~~؛ ثم وقع بينه وبين المهلب كلام أغلظ كل منهما لصاحبه ، فرفع المهلب القضيب ~~على عتاب ، فوثب المغيرة بن المهلب فقبض القضيب من يد أبيه وسكته ، وأثنى ~~على عتاب ، وافترقا . فأرسل عتاب إلى الحجاج يشكو المهلب ، ويسأله أن يأمر ~~بالعود ، فوافق ذلك حاجة من الحجاج إليه ، فاستقدمه ، وأمره أن يترك ذلك ~~الجيش مع المهلب ، فجعل المهلب عليهم ابنه حبيبا ، وقاتل المهلب الخوارج ~~على سابور ، نحو سنة بعد مسير عتاب عنه ، وكانت كرمان في يد الخوارج ، ~~وفارس في يد المهلب ؛ فضاق على الخوارج مكانهم ، فخرجوا حتى أتوا كرمان ، ~~وتبعهم المهلب حتى نزل بجيرفت ، وهي مدينة كرمان ، فقاتلهم قتالا شديدا . ~~ثم أرسل إليه الحجاج البراء بن قبيصة يحثه على قتال الخوارج ، ويأمره بالجد ~~، وأنه لا عذر له عنده . فخرج المهلب بالعسكر ، فقاتل الخوارج من الغداة ~~إلى الظهر ، ثم انصرفوا والبراء على تل مشرف يراهم ، فأثنى على المهلب وعلى ~~أصحابه ، وانصرف إلى الحجاج ، وعرفه عذر المهلب ، ثم قاتلهم المهلب ثمانية ~~عشر شهرا لا يقدر منهم على شيء إلى أن وقع بينهم ms4700 الاختلاف . ذكر الاختلاف ~~بين الأزارقة ومفارقة قطري بن الفجاءة إياهم ومبايعتهم عبد رب الكبير ~~والحرب بينه وبين المهلب ومقتله وفي سنة سبع وسبعين وقع الاختلاف بين ~~الخوارج ، فخلعوا قطري بن الفجاءة ، وبايعوا عبد رب الكبير ، واختلف في سبب ~~ذلك ، فقيل : إن عاملا لقطري على ناحية PageV21P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" كرمان ، يدعى المقعطر الضي ، قتل رجلا منهم ، ~~فوثبت الخوارج إلى قطري ، وطلبوا منه أن يقيدهم من عامله ، فلم يفعل ، وقال ~~: إنه تأول فأخطأ التأويل ، وهو من ذوي السابقة فيكم ، ما أرى أن تقتلوه ، ~~فاختلفوا . وقيل : كان السبب في اختلافهم أن رجلا كان في عسكرهم يعمل ~~النصول المسمومة ، فيرمي بها أصحاب المهلب ، فشكا أصحابه منها ، فقال : أنا ~~أكفيكموه ، فوجه رجلا من أصحابه ومعه كتاب ، فأمره أن يلقيه في عسكر قطري ~~ولا يراه أحد ، ففعل ، ووقع الكتاب ؛ إلى قطري ، فإذا فيه : أما بعد فإن ~~نصالك وصلت ، وقد أنفذت إليك ألف درهم ، فأحضر قطري الصانع فسأله . فجحد ، ~~فقتله ، فأنكر عليه عبد رب الكبير قتله ، واختلفوا . ثم وضع المهلب رجلا ~~نصرانيا ، وأمره أن يسجد لقطري . ففعل . فقال الخوارج : إن هذا قد اتخذك ~~إلها . ووثب بعضهم على النصراني فقتله ، فزاد اختلافهم ، ففارق بعضهم قطريا ~~وخلعوه ، وولوا . عبد رب الكبير ، وبقي مع قطري منهم نحو ربعهم أو خمسهم ، ~~واقتتلوا فيما بينهم نحوا من شهر . وكتب المهلب إلى الحجاج بذلك ، فكتب ~~إليه الحجاج يأمره بقتالهم على حال اختلافهم قبل أن يجتمعوا . فكتب إليه ~~المهلب : إني لست أرى أن أقاتلهم ما دام يقتل بعضهم بعضا ، فإن تموا على ~~ذلك فهو الذي نريد ، وفيه هلاكهم . وإن اجتمعوا لم يجتمعوا إلا وقد رقق ~~بعضهم بعضا فأناهضهم حينئذ ، وهم أهون ما كانوا وأضعفهم شوكة إن شاء الله ~~تعالى . والسلام . فسكت عنه . ثم إن قطريا خرج بمن معه نحو طبرستان ، وأقام ~~عند عبد رب الكبير بكرمان ، فنهض إليهم المهلب ، فقاتلوه قتالا شديدا ~~وحصرهم بجيرفت ، وكرر قتالهم وهو لا يبلغ منهم ما يريد . PageV21P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" فلما طال عليهم الحصار خرجوا من جيرفت ~~بأموالهم وحرمهم ms4701 ، فقاتلهم المهلب قتالا شديدا حتى عقرت الخيل وتكسر السلاح ~~، وقتل الفرسان ، فتركهم ، فساروا ؛ ودخل المهلب جيرفت ، ثم سار حتى لحقهم ~~على أربعة فراسخ منها ، فقاتلهم من بكرة النهار إلى الظهر ، ثم كف عنهم ، ~~فجمع عبد رب الكبير أصحابه ، وقال : يا معشر المهاجرين ؛ إن قطريا ومن معه ~~هربوا ، طلب البقاء ، ولا سبيل إليه ، فألقوا عدوكم ، وهبوا أنفسكم لله ، ~~ثم عاود القتال ، فاقتتلوا قتالا شديدا أنساهم ما قبله ، فتبايع جماعة من ~~أصحاب المهلب على الموت ، وترجلت الخوارج ، وعقروا دوابهم ، واشتد القتال ، ~~وعظم الخطب حتى قال المهلب : ما مر بي يوم مثل هذا . ثم هزم الله الخوارج ، ~~وكثر القتل فيهم ، فكان عدد القتلى أربعة آلاف ، منهم ابن عبد رب الكبير ، ~~ولم ينج منهم إلا القليل ، وأخذ عسكرهم وما فيه ، وبعث المهلب إلى الحجاج ~~مبشرا . فلما دخل البشير إليه أخبره عن الجيش وعن الخوارج وذكر حروبهم ، ~~وأخبره عن بني المهلب ، فقال : المغيرة فارسهم وسيدهم ، وكفى بيزيد فارسا ~~شجاعا ، وجوادهم وشجاعهم قبيصة ، ولا يستحي الشجاع أن يفر من مدركه . وعبد ~~الملك سم ناقع ، وحبيب موت ذعاف ، ومحمد ليث غاب ، وكفاك بالمفضل نجدة . ~~قال : فأيهم كان أنجد ؟ قال : كانوا كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفها . ~~استحسن قوله : وكتب إلى المهلب يشكره ، ويأمره أن يولي كرمان من يثق إليه ، ~~ويجعل فيها من يحميها ، ويقدم عليه ، فاستعمل عليها ابنه يزيد . وسار إلى ~~الحجاج . فلما قدم عليه أكرمه وأجلسه إلى جانبه ، وقال : يأهل العراق . ~~أنتم عبيد المهلب . ثم قال له : أنت كمال قال لقيط بن يعمر الإيادي في صفة ~~أمير الجيوش : فقلدوا أمركم لله دركمو . . . رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا ~~لا مترفا إن رخاء العيش ساعده . . . ولا إذا عض مكروه به خشعا مسهد النوم ~~تعنيه ثغوركمو . . . يروم منها إلى الأعداء مطلعا PageV21P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره . . . يكون ~~متبعا طورا ومتبعا وليس يشغله مال يثمره . . . عنكم ولا ولد يبغي له الرفعا ~~حتى استمرت على شزر مريرته . . . مستحكم السن لا قحما ولا ضرعا وأحسن ~~الحجاج إلى أهل البلاء ms4702 من أصحاب المهلب وزادهم والله أعلم . ذكر مقتل قطري ~~بن الفجاءة وعبيدة بن هلال ومن معهما من الأزارقة كان مقتلهم في سنة سبع ~~وسبعين ، وذلك أنه لما تشتت أمرهم بسبب الاختلاف الذي ذكرناه ، وسار قطري ~~نحو طبرستان ندب الحجاج سفيان بن الأبرد في جيش كثيف ، فسار ، واجتمع معه ~~إسحاق بن محمد بن الأشعث في جيش لأهل الكوفة بطبرستان ، فأقبلا في طلب قطري ~~، فأدركوه في شعب من شعاب طبرستان ، فقاتلوه ، فتفرق عنه أصحابه ، وسقط عن ~~دابته فتدهده إلى أسفل الشعب ، وأتاه علج من أهل البلد وهو لا يعرفه فقال ~~له قطري : اسقني الماء . فقال العلج : أعطني شيئا . فقال : ما معي إلا ~~سلاحي ، وإن أتيتني بالماء فهو لك ، فانطلق العلج حتى أشرف على قطري ثم حدر ~~عليه حجرا عظيما من فوقه ، فأصاب وركه فأوهنه ، وصاح بالناس فأقبلوا نحوه . ~~وجاء نفر من أهل الكوفة فقتلوه ، منهم سورة بن أبجر التميمي ، وجعفر بن عبد ~~الرحمن بن مخنف ، والصباح بن محمد بن الأشعث ، وعمر بن أبي الصلت ، وكل ~~هؤلاء ادعى قتله ، فجاءهم أبو الجهم ابن كنانة ، فقال : ادفعوا رأسه إلي ~~حتى تصطلحوا ، فدفعوه إليه ، فأقبل به إلى إسحاق بن محمد ، وهو على أهل ~~الكوفة ، فأرسله معه إلى سفيان بن الأبرد ، فبعثه معه إلى الحجاج ، فسيره ~~معه إلى عبد الملك ، فجعل عطاءه في ألفين ؛ ثم سار سفيان إليهم ، وأحاط بهم ~~وأميرهم عبيدة بن هلال ، فأمر مناديا فنادى : من قتل صاحبه وجاء إلينا فهو ~~آمن ، وحصرهم سفيان حتى أكلوا دوابهم ، ثم خرجوا إليه ، وقاتلوه ، فقتلهم ، ~~وبعث برؤوسهم إلى الحجاج ، وانقرضت PageV21P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" الأزارقة بعد مقتل قطري وعبيدة ، فكان أولهم ~~نافع ابن الأزرق ، وآخرهم قطري وعبيدة . واتصل أمرهم بضعا وعشرين سنة ، ثم ~~دخل سفيان دنباوند وطبرستان ، فكان هناك حتى عزله الحجاج قبل الجماجم . هذا ~~ما كان من أمر الأزارقة ، فلنذكر من سواهم من الخوارج أيام عبد الملك . ذكر ~~خروج صالح بن مسرح التميمي وشبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني قال : كان صالح ~~بن مسرح التميمي رجلا ناسكا ms4703 مصفر الوجه صاحب عبادة ، وكان بدارا وأرض ~~الموصل والجزيرة ، وله أصحاب يقرئهم القرآن والفقه ، ويقص عليهم ، فدعاهم ~~إلى الخروج وإنكار المظالم وجهاد المخالفين لهم ، فأجابوه إلى ذلك ، فبينما ~~هم في ذلك إذ ورد عليهم كتاب شبيب يقول له : إنك كنت تريد الخروج ، فإن كان ~~ذلك من شأنك اليوم فأنت شيخ المسلمين ، ولن نعدل بك أحدا ، وإن أردت تأخير ~~ذلك فأعلمني ؛ فإن الآجال غادية ورائحة ، ولا آمن أن تختر مني المنية ، ولم ~~أجاهد الظالمين . فكتب إليه صالح : إنه لم يمنعني من الخروج إلا انتظارك ، ~~فاخرج إلينا ، فإنك ممن لا يستغنى عن رأيه ، ولا تقضي دونه الأمور . فلما ~~قرأ شبيب كتابه دعا نفرا من أصحابه ؛ منهم أخوه مصاد ابن يزيد ، والمحلل بن ~~وائل اليشكري وغيرهم ، وخرج بهم حتى قدم على صالح بدارا ، فلما لقيه قال : ~~اخرج بنا رحمك الله ، فوالله ما تزداد السنة إلا دروسا ، ولا يزداد ~~المجرمون إلا طغيانا . فبث صالح رسله ، وواعد أصحابه للخروج هلال صفر سنة ~~سبت وسبعين ، فاجتمعوا عنده ليلة الموعد ، فسأله بعض أصحابه عن القتال ؛ ~~أيكون قبل الدعاء أو بعده ؟ فقال : بل ندعوهم ، فإنه أقطع لحجتهم . فقال : ~~كيف ترى فيمن قاتلنا فظفرنا بهم ، ما تقول في دمائهم وأموالهم ؟ فقال : إن ~~قاتلنا فغنمنا فلنا ، وإن عفونا فموسع علينا . PageV21P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" ثم وعظ أصحابه وأمرهم بأمره ، وقال لهم : إن ~~أكثركم رجالة ، وهذه دواب لمحمد بن مروان فابدءوا بها ، فاحملوا عليها ~~راجلكم وتقووا بها على عدوكم . فخرجوا تلك الليلة فأخذوا الدواب ، وأقاموا ~~بأرض دارا ثلاث عشرة ليلة ، وتحصن أهلها منهم وأهل نصيبين وسنجار ، وكان ~~خروجه في مائة وعشرين ، وقيل : وعشرة . وبلغ ذلك محمد بن مروان وهو أمير ~~الجزيرة يومئذ ، فأرسل إليهم عدي بن عدي الكندي في ألف ، فسار من حران ، ~~وكأنه يساق إلى الموت ، وأرسل عدي إلى صالح يسأله أن يخرج من هذه البلد ، ~~ويعلمه أنه يكره قتاله . وكان عدي ناسكا ، فأعاد صالح إليه : إن كنت ترى ~~رأينا خرجنا عنك . فأرسل إليه : إني لا أرى رأيك ، ولكني أكره قتالك ms4704 وقتال ~~غيرك . فقال صالح لأصحابه : اركبوا ، فركبوا ، وحبس الرسول عنده ومضى . ~~فأتى عديا وهو يصلي الضحى ، فلم يشعروا إلا والخيل قد طلعت عليهم ، وهو على ~~غير تعبئة ، فحمل عليهم شبيب وهو على ميمنة صالح ، وسويد بن سليم وهو على ~~ميسرته ؛ فانهزموا ، وأتى عدي بدابته فركبها ، وانهزم . وجاء صالح فنزل في ~~معسكره ، وأخذ ما فيه ، ودخل أصحاب عدي على محمد ابن مروان فغضب على عدي . ~~ثم دعا خالد بن جزء السلمي ، فبعثه في ألف وخمسمائة ، وبعث الحارث بن جعونة ~~في ألف وخمسمائة ، وقال : اخرجا إلى هذه المارقة ، وأغذا السير ، فأيكما ~~سبق فهو الأمير على صاحبه ، فخرجا متساندين يسألان عن صالح ؛ فقيل : إنه ~~نحو آمد ، فقصداه ، فوجه صالح شبيبا في شطر من أصحابه إلى الحارث ، وتوجه ~~هو نحو خالد ، فالتقيا ، واقتتلوا وقت العصر أشد قتال حتى أمسوا ، وقد كثر ~~الجراح في الفريقين ، فلما حال بينهما الليل خرج صالح وأصحابه ، فساروا حتى ~~قطعوا أرض الجزيرة والموصل ، وانتهوا إلى الدسكرة . PageV21P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" فلما بلغ خبرهم الحجاج سرح إليهم الحارث بن ~~عميرة في ثلاثة آلاف من أهل الكوفة ، فلقيهم صالح في تسعين رجلا ، وذلك ~~لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة ، فاقتتلوا . فانهزم سويد بن سليم ~~بميسرة صالح ، وثبت صالح ، فقاتل حتى قتل ، وقاتل شبيب حتى صرع عن فرسه ، ~~فحمل عليهم راجلا فانكشفوا عنه ، فنادى : إلي يا معشر المسلمين ، فلاذوا به ~~. فقال لأصحابه : ليجعل كل واحد منكم ظهره إلى ظهر صاحبه ، وليطاعن عدوه ~~حتى ندخل هذا الحصن ونرى رأينا . ففعلوا ذلك ، ودخلوا الحصن ، وهم سبعون ~~رجلا ، وأحاط بهم الحارث ، وأحرق عليهم الباب ، وقال : إنهم لا يقدرون على ~~الخروج منه . وكانت هذه الوقعة بقرية يقال لها المدبج . ذكر بيعة شبيب بن ~~يزيد الشيباني ومحاربته الحارث بن عميرة وهزيمة الحارث قال : ولما أحرق ~~الحارث الباب على شبيب انصرف إلى عسكره وقال : إنهم لا يقدرون على الخروج ~~منه ؛ فنصبحهم غدا فنقتلهم . فقال شبيب لأصحابه : ما تنتظرون ؟ فوالله لئن ~~صبحكم هؤلاء إنه لهلاككم . فقالوا : مرنا بأمرك . فقال : بايعوني ms4705 أو من ~~شئتم من أصحابكم ، واخرجوا بنا إليهم ، فإنهم آمنون ، فبايعوه ، وأتوا ~~باللبود فبلوها وجعلوها على جمر الباب وخرجوا . فلم يشعر الحارث إلا وهم ~~بينهم بالسيوف ، فصرع الحارث ، فاحتمله أصحابه وانهزموا نحو المدائن ، وحوى ~~شبيب عسكرهم ، فكان ذلك أول جيش هزمه . ذكر الحروب بين أصحاب شبيب وعنزة ~~قال : ثم لقي شبيب سلامة بن سيار التيمي ، تيم شيبان ، بأرض الموصل ، فدعاه ~~إلى الخروج معه فشرط عليه سلامة أن ينتخب ثلاثين فارسا ينطلق بهم نحو عنزة ~~ليوقع بهم ، فإنهم كانوا قتلوا أخاه فضالة ، وكان فضالة قد خرج في ثمانيه ~~عشر رجلا PageV21P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" حتى نزل ماء يقال له الشجرة وبه عنزة نازلون ~~، فنهضت عنزة فقتلوه ومن معه وأتوا برؤوسهم إلى عبد الملك فأنزلهم بانقيا ، ~~وفرض لهم ، وكان خروج فضالة قبل خروج صالح ، فأجابه شبيب فخرج حتى انتهى ~~إلى عنزة ، فجعل يقتل المحلة بعد المحلة حتى انتهى إلى فريق منهم فيه خالته ~~قد أكبت على ابن لها وهو غلام حين احتلم ، فأخرجت ثديها إليه وقالت : أنشدك ~~ترحم هذا يا سلامة . فقال : لا والله ما رأيت فضالة مذ أناخ بأرض الشجرة . ~~لتقومن عنه أو لأجمعنكما بالرمح ، فقامت عنه . فقتله . ذكر مسيرة شبيب إلى ~~بني شيبان وإيقاعه بهم ودخولهم معه قال : ثم أقبل شبيب بخيله نحو راذان ~~فهرب منه طائفة من بني شيبان ، ومعهم ناس قليل من غيرهم ، فأقبلوا حتى ~~نزلوا ديرا خرابا إلى جنب حولايا ، وهم نحو ثلاثة آلاف ، وشبيب في سبعين ~~رجلا أو يزيدون قليلا ، فنزل بهم فتحصنوا منه فجعل أخاه مصاد بن يزيد ~~يحاصرهم ، وتوجه إلى أمه ليأخذها وهو في اثني عشر رجلا ؛ فمر في طريقه ~~بجماعة من بني تيم بن شيبان في أموالهم مقيمين ؛ لا يرون أن شبيبا يمر بهم ~~. ولا يشعر بمكانهم ، فحمل عليهم فقتل ثلاثين شيخا فيهم حوثرة بن أسد ، ~~ومضى إلى أمه ؛ وأشرف رجل من الدير على أصحاب شبيب ، فقال : يا قوم ؛ بيننا ~~وبينكم القرآن ، قال الله تعالى : " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى ~~يسمع كلام ms4706 الله ثم أبلغه مأمنه " . فكفوا عنا حتى نخرج إليكم بأمان وتعرضوا ~~علينا أمركم ، فإن قبلناه حرمت عليكم دماؤنا وأموالنا ، وإن نحن لم نقبله ~~رددتمونا إلى مأمننا ، ثم رأيتم رأيكم . فأجابوهم فخرجوا إليهم ، فعرض ~~عليهم أصحاب شبيب قولهم ، فقبلوه كله ، فنزلوا إليهم ، وجاء شبيب فأخبر ~~بذلك ، فقال : أصبتم ووفقتم . PageV21P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" ذكر الوقعة بين شبيب وسفيان الخثعمي قال : ثم ~~ارتحل شبيب ، وخرج معه طائفة ، وأقامت طائفة ؛ فسار في أرض الموصل نحو ~~أذربيجان . وكتب الحجاج إلى سفيان ابن أبي العالية الخثعمي يأمره بالقفول ، ~~وكان معه ألف فارس يريد أن يدخل بها طبرستان . فلما أتاه كتاب الحجاج صالح ~~صاحب طبرستان ورجع ، فأمره الحجاج أن ينزل الدسكرة حتى يأتيه جيش الحارث بن ~~عميرة الهمداني وتأتيه خيل المناظر ، ثم يسير إلى شبب . فأقام بالدسكرة ~~ونودي في جيش الحارث : الحرب بالكوفة والمدائن ، فخرجوا حتى أتوا سفيان ، ~~وأتته خيل المناظر عليهم سورة ابن أبجر التميمي ، وكتب إليه سورة بالتوقف ~~حتى يلحقه ، فعجل سفيان في طلب شبيب ، فلحقه بخانقين وارتفع شبيب عنهم ، ~~وأكمن له أخاه مصادا في خمسين رجلا ، ومضى في سفح الجبل ، فقالوا : هرب عدو ~~الله ، فاتبعوه ، فقال لهم عدي بن عميرة الشيباني : لا تعجلوا حتى تبصروا ~~الأرض لئلا يكون قد أكمن بها كمينا ، فلم يلتفتوا واتبعوه ، فلما جازوا ~~الكمين عطف عليهم شبيب ، وخرج أخوه في الكمين ، فانهزم الناس بغير قتال ، ~~وثبت سفيان في نحو مائتين ؛ فقاتلهم قتالا شديدا ، ثم نجا حتى انتهى إلى ~~بابل مهروذ وكتب إلى الحجاج بالخبر ، ويعرفه وصول الجند إلا سورة بن أبجر ~~فإنه لم يشهد معي القتال . ذكر الوقعة بين شبيب وسورة قال : ولما وصل كتاب ~~سفيان إلى الحجاج كتب إلى سورة ابن أبجر يلومه ويتهدده ، ويأمره أن ينتخب ~~من المدائن خمسمائة فارس ويسير بهم وبمن معه إلى شبيب ، فسار سورة بهم نحو ~~شبيب ، وشبيب في جوخي ، وسورة في طلبه حتى انتهى إلى المدائن ، فتحصن منه ~~وأخذ منها دواب وقتل من ظهر له ، وخرج حتى PageV21P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" انتهى إلى النهروان ms4707 فصلوا وترحموا على ~~أصحابهم الذين قتلهم علي رضي الله عنه وتبرءوا من علي وأصحابه . وبلغ سورة ~~خبره ، فجمع أصحابه وقال : إن شبيبا لا يزيد على مائة رجل ، وقد رأيت أن ~~أنتخبكم فأسير في ثلاثمائة من شجعانكم وآتيه ، فأجابوه إلى ذلك ، فسار في ~~ثلاثمائة نحو النهروان ، وأذكى شبيب الحرس ، فلما دنا أصحاب سورة علموا بهم ~~، فاستووا على خيولهم ، وتعبئوا تعبئتهم للحرب ؛ فلما انتهى إليهم سورة ~~رآهم قد حذروا ، فحمل عليهم فثبتوا له ، وصاح شبيب بأصحابه فحملوا عليهم ~~وشبيب يقول : من ينك العير ينك نياكا . . . جندلتان اصطكتا اصطكاكا فرجع ~~سورة إلى عسكره وقد هزم الفرسان وأهل القوة ، فتحمل بهم ، وأقبل نحو ~~المدائن ، فتبعه شبيب يرجو أن يدركه ، فوصل إليهم ، وقد دخل الناس المدائن ~~، فمر على كلواذا ، فأصاب بها دواب كثيرة للحجاج ، فأخذها ومضى إلى تكريت ، ~~وأرجف الناس بالمدائن بوصول شبيب إليهم ، فهرب من بها من الجند نحو الكوفة ~~، وحبس الحجاج سورة ثم أطلقه . ذكر الحرب بين شبيب والجزل بن سعيد وقتل ~~سعيد بن مجالد قال : ولما قدم الفل الكوفة سير الحجاج الجزل بن سعيد ابن ~~شرحبيل الكندي ، واسمه عثمان ، نحو شبيب ، وأوصاه بالاحتياط وترك العجلة ، ~~وأخرج معه أربعة آلاف ليس فيهم أحد ممن هزم ، فقدم الجزل بين يديه عياض بن ~~أبي لينة الكندي ، فساروا في طلب شبيب وهو يخرج من رستاق إلى رستاق ، يقصد ~~بذلك أن يفرق الجزل أصحابه فيلقاه وهو على غير تعبئة ، فجعل الجزل لا يسير ~~إلا على تعبئة ، ولا ينزل إلا خندق على نفسه . PageV21P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" فلما طال ذلك على شبيب دعا أصحابه وكانوا ~~مائة وستين رجلا ، ففرقهم أربع فرق كل فرقة أربعين ، فجعل أخاه مصادا في ~~أربعين ، وسويد بن سليم في أربعين ، والمحلل بن وائل في أربعين ، وبقي هو ~~في أربعين . وأتته عيونه ، فأخبروه أن الجزل يريد يزدجرد ، فسار شبيب ، ~~وأمر كل رأس من أصحابه أن يأتي الجزل من جهة ذكرها له ، وقال : إني أريد أن ~~أبيته ، فسار أخوه فانتهى إلى دير الخرارة ، فرأى للجزل مسلحة مع ms4708 ابن أبي ~~لينة ، فحمل عليهم مصاد فيمن معه ، فقاتلوه ساعة ، ثم اندفعوا بين يديه ، ~~وقد أدركهم شبيب ، فقال : اركبوا أكتافهم لتدخلوا عليهم عسكرهم إن استطعتم ~~. فاتبعوهم فانتهوا إلى عسكرهم ، فمنعهم أصحابهم من دخول خندقهم ، وكان ~~للجزل مسالح أخرى فرجعت ، فمنعهم من دخول الخندق ، وجعل شبيب يحمل على ~~المسالح حتى اضطرهم إلى الخندق ، ورشقهم أهل العسكر بالنبل . فلما رأى شبيب ~~أنه لا يصل إليهم سار عنهم وتركهم ، ثم نزل هو وأصحابه فاستراحوا ، ثم أقبل ~~بهم راجعا إلى الجزل ، فأقبلوا وقد أدخل أهل العسكر مسالحهم إليهم وأمنوا ، ~~فما شعروا إلا بوقع حوافر الخيل ، فانتهوا إليهم قبل الصبح ، وأحاطوا ~~بعسكرهم من جهاته الأربع ، ثم انصرف شبيب وتركهم ، ولم يظفر بهم ، فنزل على ~~ميل ونصف ، ثم صلى الغداة وسار نحو جرجرايا ، وأقبل الجزل في طلبهم على ~~تعبئته ، وسار شبيب في أرض الجوخي وغيرها ، فطال ذلك على الحجاج ، فكتب إلى ~~الجزل ينكر عليه إبطاءه ويأمره بمناهضتهم ، فجد في طلبهم وبعث الحجاج سعيد ~~بن المجالد على جيش الجزل ، وأمره بالجد في قتال شبيب وترك المطاولة ، فوصل ~~سعيد إلى الجزل وهو بالنهروان وقد خندق عليه ، فقام في العسكر ووبخهم ~~وعجزهم . ثم خرج ، وأخرج معه الناس ، وضم إليه خيول أهل العسكر ليسير بهم ~~جريدة إلى شبيب ويترك الناس مكانهم ، فنهاه الجزل عن ذلك ، فلم ينته ولم ~~يرجع إليه ، وتقدم ومعه الناس ، وأخذ شبيب إلى قطيطيا ، فدخلها وأغلق الباب ~~، وأمر دهقانها أن يصلح لهم غداء ، فلم يتهيأ الغداء حتى أتاه سعيد في ذلك ~~الجيش ، فأعلم الدهقان شبيبا ، فقال : لاب أس ، قرب الغداء ، فقربه فأكل ~~وتوضأ وصلى ركعتين ، PageV21P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" وركب بغلا ، وخرج إلى سعيد وهو على باب ~~المدينة فحمل عليهم ، وقال : لا حكم إلا للحكم ، فهزمهم وثبت سعيد ، ونادى ~~أصحابه ، فحمل عليه شبيب ، فضربه بالسيف فقتله ، فانهزم ذلك الجيش ، وقفلوا ~~حتى انتهوا إلى الجزل ، وكان قد وقف في بقية العسكر ، فناداهم : أيها الناس ~~، إلي إلي ، وقاتل قتالا شديدا حتى حمل جريحا ، وقدم المنهزمون الكوفة . ~~وكتب الجزل إلى الحجاج ms4709 بالخبر ، وأقام بالمدائن ، فكتب إليه الحجاج يشكره ~~ويثني عليه ، وأرسل إليه نفقة ومن يداوي جراحه ، وسار شبيب نحو المدائن ~~فعلم أنه لا سبيل إلى أهلها ؛ فأقبل حتى أتى الكرخ ، فعبر دجلة إليه ، ~~وأرسل إلى أهل سوق بغداد فأمنهم ، وكان يوم سوقهم ، واشترى أصحابه دواب ~~وغيرها . ذكر مسير شبيب إلى الكوفة قال : ثم سار شبيب إلى الكوفة فنزل عند ~~حمام عمر ابن سعد ، فلما بلغ الحجاج مكانه بعث سويد بن عبد الرحمن السعدي ~~في ألفي رجل ، وقال له : الق شبيبا فإن استطرد لك فلا تتبعه . فخرج وعسكر ~~بالسبخة ، فبلغه أن شبيبا قد أقبل ، فسار نحوه وأمر الحجاج عثمان بن قطن ~~فعسكر بالناس في السبخة ، فبينا سويد يعبيء أصحابه إذ قيل له : أتاك شبيب ؛ ~~فنزل ونزل معه جل أصحابه ، ثم أخبر أنه قد عبر الفرات وهو يريد الكوفة من ~~وجه آخر ، فركب هو ومن معه ، وساروا في آثارهم ، وبلغ من بالسبخة إقبال ~~شبيب فهموا بدخول الكوفة ، ثم قيل لهم : إن سويدا في آثارهم قد لحقهم وهو ~~يقاتلهم ، فثبتوا ، وحمل شبيب على سويد ومن معه حملة منكرة ، ثم أخذ على ~~بيوت الكوفة نحو الحيرة ، وذلك عند المساء ، وتبعه سويد إلى الحيرة ، فرآه ~~قد ترك وذهب ، فتركه سويد وأقام حتى أصبح . وأرسل إلى الحجاج يعلمه الخبر . ~~ذكر محاربة شبيب أهل البادية قال : وكتب الحجاج إلى سويد يأثره باتباعه ، ~~فاتبعه ، ومضى شبيب حتى أغار أسفل الفرات على من وجد من قومه ، وارتفع إلى ~~البر فأصاب رجالا من بني PageV21P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" الورثة ، فقتل منهم ثلاثة عشر رجلا ، منهم : ~~حنظلة بن مالك ، ومالك بن حنظلة ، ومضى حتى أتى بني أمية على اللصف ، وعلى ~~ذلك الماء الفزر بن الأسود ، وهو أحد بني الصلت ، وكان ينهى شبيبا عن رأيه ~~، وكان شبيب يقول : لئن ملكت سبعة أعنة لأغزون الفزر ، فلما بلغهم خبر شبيب ~~ركب الفزر فرسا ، وخرج من البيوت وانهزم . فرجع شبيب ، وقد أخاف أهل ~~البادية ، فأخذ على القطقطانة ثم على قصر بني مقاتل ، ثم على الأنبار ، ~~ومضى حتى ms4710 دخل دقوقاء ، ثم ارتفع إلى أداني أذربيجان ، فلما أبعد سار الحجاج ~~إلى البصرة ، واستخلف على الكوفة عروة بن شعبة ، فأتاه الخبر بإقبال شبيب ~~نحو الكوفة ، فكتب إلى الحجاج بذلك ، فأقبل من البصرة مجدا نحو الكوفة ~~فسابق شبيبا إليها . ذكر دخول شبيب الكوفة قال : وأقبل شبيب إلى الكوفة ~~فسابق الحجاج إليها ، فطوى الحجاج المنازل ، فوصل الكوفة صلاة العصر ، ونزل ~~شبيب السبخة صلاة المغرب ، فأكلوا شيئا ثم ركبوا خيولهم فدخلوا الكوفة ~~وبلغوا السوق ، وضرب شبيب باب القصر بعموده ، فأثر فيه أثرا عظيما ، ووقف ~~عند المصطبة ، ثم قال : عبد دعى من ثمود أصله . . . لا بل يقال أبو أبيهم ~~يقدم يعني الحجاج ، فإن بعض الناس يقول : إن ثقيفا بقايا ثمود ، ومنهم من ~~يقول : هم من نسل يقدم الإيادي . ثم اقتحموا المسجد الأعظم ، وكان لا ~~يفارقه قوم يصلون فيه ، فقتاوا عقيل بن صعب الوادعي ، وعدي بن عمرو الثقفي ~~، وأبا ليث ابن أبي سليم ؛ ومروا بدار حوشب وهو على الشرط - فقالوا : إن ~~الأمير يطلبه ، فأراد الركوب ، ثم أنكرهم فلم يخرج إليهم ، فقتلوا غلامه . ~~ثم مروا بمسجد بني ذهل ، فرأوا ذهل بن الحارث فقتلوه ، ثم خرجوا من الكوفة ~~، فاستقبلهم النضر بن القعقاع بن شور الذهلي ، وكان PageV21P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" قد أقبل مع الحجاج من البصرة ، فتخلف عنه ~~فقتلوه ، ثم خرجوا نحو المردمة ، وأمر الحجاج مناديا فنادى : يا خيل الله ~~اركبي ؛ فأتاه الناس من كل جانب ، فبعث بشر بن غالب الأسدي في ألفي رجل ، ~~وزائدة بن قدامة الثقفي في ألفي رجل ، وأبا الضريس مولى بني تميم في ألفي ~~رجل ، وعبد الأعلى بن عبد الله بن عامر ، وزياد ابن عمرو العتكي ، وسير ~~معهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله ، وكان عبد الملك قد استعمله على ~~سجستان ، وكتب إلى الحجاج أن يجهزه ، فقال له الحجاج : تلقى شبيبا فتجاهده ~~، فيكون الظفر لك ، ويظهر اسمك ثم تمضى إلى عملك . وقال الحجاج لهؤلاء ~~الأمراء : إن كان حرب فأميركم زائدة ابن قدامة . فساروا فنزلوا أسفل الفرات ~~، فترك شبيب الوجه الذي هم فيه ms4711 وأخذ نحو القادسية . ذكر محاربة شبيب زحر بن ~~قيس وهزيمة جيش زحر قال : ووجه الحجاج جريدة خيل اختارهم ألف وثمانمائة ~~فارس مع زحر بن قيس ، وقال له : اتبع شبيبا حتى تواقعه أين أدركته إلا أن ~~يكون ذاهبا فاتركه ما لم يعطف عليك ؛ فخرج زحر حتى انتهى إلى السيلحين ، ~~وأقبل شبيب نحوه فالتقيا ، فجمع شبيب خيله ، ثم اعترض بهم الصف حتى انتهى ~~إلى زحر ، فقاتل زحر حتى صرع ، وانهزم أصحابه وظنوا أنهم قتلوه ، فلما كان ~~السحر قام يمشي حتى دخل قرية فبات بها ، وحمل منها إلى الكوفة وبوجهه ورأسه ~~بضع عشرة جراحة ، فمكث أياما . ثم أتى الحجاج فأجلسه معه على السرير ، وقال ~~: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي في الناس فلينظر إلى هذا . ~~ذكر محاربته الأمراء الذين ندبهم الحجاج لقتاله وقتال محمد بن موسى بن طلحة ~~وزائدة بن قدامة قال : لما هزم شبيب أصحاب زحر قال له أصحابه نصرف بنا الآن ~~وافرين ، PageV21P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" فقد هزمنا لهم جندا . فقال : إن هذه الهزيمة ~~قد أرعبت قلوب الأمراء والجنود الذين في طلبكم ؛ فاقصدوهم ، فوالله لئن ~~قاتلناهم ما دون الحجاج مانع ، ونأخذ الكوفة إن شاء الله . فقالوا : نحن ~~لرأيك تبع ، وسأل عن الأمراء فقيل : إنهم بروذبار على أربعة وعشرين فرسخا ~~من الكوفة ؛ فقصدهم فانتهى إليهم وقد تعبئوا للحرب ، وأمير الجماعة زائدة ~~بن قدامة ، وعلى ميمنته زياد بن عمرو العتكي ، وعلى الميسرة بشر بن غالب ~~الأسدي ، وكل أمير واقف في أصحابه . وأقبل شبيب في ثلاث كتائب : كتيبة فيها ~~سويد بن سليم وقف بإزاء الميمنة ، وكتيبة فيها مصاد أخو شبب وقف بإزاء ~~الميسرة ، ووقف شبيب مقابل القلب . فحمل سويد على زياد فانكشف أهل الميمنة ~~، وثبت زياد في نحو من نصف أصحابه ، ثم ارتفع عنهم سويد قليلا ، ثم حمل ~~ثانية فتطاعنوا ساعة ، واقتتلوا أشد قتال ، ثم ارتفع سويد عنهم ، فتفرق ~~أصحاب زياد بن عمرو من كل جانب ، فحمل عليهم الثالثة فانهزموا وأخذت السيوف ~~زياد بن عمرو من كل جانب فلم تضره للباسه ms4712 ، فانهزم وقد جرح جراحة يسيرة ، ~~وذلك عند المساء ، ثم حملوا على عبد الأعلى بن عبد الله ابن عامر ، فهزموه ~~، ولم يقاتل كثيرا ، ولحق بزياد ؛ فمضيا منهزمين . وحملت الخوارج على محمد ~~بن موسى بن طلحة عند المغرب ، فقاتلوه قتالا شديدا ، وحمل مصاد على بشر بن ~~غالب ، وهو في ميسرة أهل الكوفة ، فصبر بشر ، ونزل ونزل معه نحو خمسين رجلا ~~، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم ، وانهزم أصحابه ، وحملت الخوارج على أبي ~~الضريس مولى بني تميم ، وهو يلي بشر بن غالب ، فهزموه حتى انتهى إلى موقف ~~أعين ، ثم حملوا عليه وعلى أعين ، فهزموهما حتى انتهوا بهما إلى زائدة بن ~~قدامة ، فنادى زائدة : يأهل الإسلام ؛ الأرض ، الأرض ، لا يكونوا على كفرهم ~~أصبر منكم على إيمانكم ، فقاتلهم عامة الليل حتى كان السحر ، ثم إن شيبا ~~حمل عليه في جماعة من أصحابه ، فقتله وقتل أصحابه ، فلما قتل دخل أبو ~~الضريس وأعين جوسقا عظيما ، وقال شبيب لأصحابه : ارفعوا السيف عنهم ، ~~وادعوهم إلى البيعة ، فدعوهم إلى البيعة عند الفجر ، فبايعوه وسلموا عليه ~~بإمرة PageV21P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" المؤمنين ، وكان فيمن بايعه أبو بردة بن أبي ~~موسى الأشعري ، فلما طلع الفجر أمر محمد بن موسى بن طلحة مؤذنه فأذن ، وكان ~~لم ينهزم . فقال شبيب : ما هذا ؟ قالوا : محمد بن موسى لم يبرح ، فقال : قد ~~ظننت أن حمقه وخيلاءه يحمله على هذا . ثم نزل شبيب فأذن هو وصلى بأصحابه ~~الصبح ، ثم ركبوا فحملوا على محمد وأصحابه ، فانهزمت طائفة منهم ، وثبتت ~~معه طائفة ، فقاتل حتى قتل ، وأخذت الخوارج ما في العسكر ، وانهزم الذين ~~كانوا بايعوا شبيبا بجملتهم ، ثم أتى شبيب الجوسق الذي فيه أعين وأبو ~~الضريس فتحصنوا منه ، فأقام عليهم يومه ذلك ، وسار عنهم فأتى خانيجار فأقام ~~بها ، وبلغ الحجاج مسيره ، فظن أنه يريد المدائن ، فهاله ذلك ، فبعث عثمان ~~بن قطن أميرا على المدائن وعزل عنها عبيد الله بن أبي عصيفير . وقيل في ~~مقتل محمد بن موسى : أنه قتله مبارزة ، وذلك أنه كان شهد مع عمر بن عبيد ~~الله بن معمر قتال ms4713 أبي فديك ، وكان شجاعا ذا بأس ، فزوجه عمر ابنته ، وكانت ~~أخته تحت عبد الملك ابن مروان ، فولاه سجستان ، فمر بالكوفة وفيها الحجاج ، ~~فقيل له : صار هذا بسجستان مع صهره لعبد الملك ، فلو لجأ إليه أحد ممن يطلب ~~منعك منه . قال : فما الحيلة ؟ قال : تأتي إليه ، وتسلم عليه ، وتذكر نجدته ~~وبأسه ، وأن شببا في طريقه ، وأنه قد أعياك ، وترجو أن يريح الله منه على ~~يده ، فيكون له ذكره وفخره . ففعل الحجاج ذلك ، فأجابه محمد ، وعدل إلى ~~شبيب ، فأرسل إليه شبيب إنك مخدوع ، وإن الحجاج قد اتقى بك ، وأنت جار لك ~~حق ، فانطلق لما أمرت به ولك الله أني لا أضرك فأبى إلا محاربته ، فواقفه ~~شبيب ، وأعاد عليه الرسول ، فأبى وطلب البراز فبرز إليه شبيب ، وقال له : ~~أنشدك الله في دمك ؛ فإن لك جوارا ، فأبى . فحمل عليه شبيب فضربه بعمود ~~حديد زنته اثنا عشر رطلا بالشامي ، فهشم البيضة ورأسه ، فسقط فكفنه شبيب ~~ودفنه ، وابتاع ما غنمه من عسكره فبعثه إلى أهله واعتذر شبيب إلى أصحابه ، ~~وقال : هو جاري ، ولي أن أهب ما غنمت . ذكر محاربته عبد الرحمن بن محمد بن ~~الأشعث وعثمان بن قطن وقتل ابن قطن قال : ثم إن الحجاج أمر عبد الرحمن بن ~~محمد بن الأشعث أن ينتخب ستة آلاف فارس ويسير بهم في طلب شبيب أين كان ، ~~ففعل ذلك ، وسار نحوه ، فسار PageV21P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" شبيب إلى دقوقاء وشهرزور ، وعبد الرحمن في ~~طلبه حتى انتهى إلى التخوم ، فوقف وقال : هذه أرض الموصل ، فليقاتلوا عنها ~~. فكتب إليه الحجاج : أما بعد فاطلب شببا واسلك في أثره أين سلك حتى تدركه ~~فتقتله أو تنفيه ، فإنما السلطان سلطان أمير المؤمنين والجند جنده . فخرج ~~عبد الرحمن في طلبه ، فكان شبيب يدعه حتى يدنو منه فيبيته فيجده قد خندق ~~على نفسه وحذر ، فيتركه ويسير فيتبعه عبد الرحمن ، فإذا بلغ شبيبا مسيرهم ~~أتاهم وهم سائرون فيجدهم على تبعئة فلا يصيب لهم غرة ، ثم جعل إذا دنا منه ~~عبد الرحمن يسير عشرين فرسخا ، ونحوها ، وينزل في أرض ms4714 خشنة غليظة ، ويتبعه ~~عبد الرحمن ، فإذا دنا منه فعل مثل ذلك حتى أتعب ذلك الجيش ، وشق عليهم ، ~~وأخفى دوابهم . ولم يزل عبد الرحمن يتبعه حتى مر به على خانقين وجلولاء ~~وتامرا ، ثم أقبل إلى البت ، وهي من قرى الموصل ليس بينها وبين سواد الكوفة ~~إلا نهر حولايا ، وذلك في عشر ذي الحجة سنة ست وسبعين ، فأرسل شبيب إلى عبد ~~الرحمن : إن هذه أيام عيد لنا ولكم يعني عيد النحر ، فهل لك في الموادعة ~~حتى تمضي هذه الأيام ؟ فأجابه إلى ذلك ، وكان يحب المطاولة . وكتب عثمان بن ~~قطن أمير المدائن إلى الحجاج يقول : أما بعد فإن عبد الرحمن قد حفر جوخي ~~كلها خندقا واحدا ، وكسر خراجها ، وخلى شبيبا يأكل أهلها . والسلام . فكتب ~~إليه الحجاج يأمره بالمسير إلى الجيش ، وأمره عليهم ، وعزل عنهم عبد الرحمن ~~، وبعث إلى المدائن مطرف بن المغيرة ابن شعبة ، فسار عثمان حتى قدم ~~PageV21P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" على العسكر عشية الثلاثاء يوم التروية ؛ ~~فنادى لانسا - وهو على بغلة : أيها الناس ، اخرجوا إلى عدوكم ، فقالوا : ~~هذا المساء قد غشينا والناس لم يوطنوا أنفسهم على لاحرب ، فبت الليلة ثم ~~اخرج على تعبئة ، فأبى ذلك ، ثم نزل وبات ليلته يحرض أصحابه ، فلما أصبح ~~يوم الأربعاء خرج بالناس كلهم ، فاستقبلتهم ريح شديدة وغبرة ، فقال له ~~أصحابه : ننشدك الله أن تخرج بنا والريح علينا . فأقام بهم ذلك اليوم ، ثم ~~خرج يوم الخميس ، ثم عبأهم ، فجعل في الميمنة خالد بن نهيك بن قيس ، وعلى ~~الميسرة عقيل بن شداد ، ونزل هو في الرجالة ، وعبر شبيب إليهم النهر ، وهو ~~يومئذ في مائة وأحد وثمانين رجلا ، فوقف هو في الميمنة ، وجعل أخاه مصادا ~~في القلب ، وجعل سويد بن سليم في الميسرة ، وزحف بعضهم إلى بعض ، فحمل شبيب ~~على ميسرة عثمان فانهزموا ، ونزل عقيل بن شداد فقاتل حتى قتل ، وقتل مالك ~~ابن عبد الله الهمداني ، ودخل شبيب عسكرهم ، وحمل سويد على ميمنة عثمان ~~فهزمها ، فقاتل خالد بن نهيك قتالا شديدا ، وحمل شبيب من ورائه فقتله ، ~~وتقدم عثمان بن قطن ms4715 وقد نزل معه العرفاء وأشراف الناس والفرسان نحو القلب ~~وفيه مصاد أخو شبيب في نحو من ستين رجلا ، فشد عليهم عثمان فيمن معه فثبتوا ~~له . وحمل شبيب بالخيل من روائهم فما شعروا إلا والرماح في أكتافهم تكبهم ~~لوجوههم ، وعطف عليهم سويد بن سليم في خيله ، وقاتل عثمان بن قطن أحسن قتال ~~، ثم أحاطوا به ، وضربه مصاد بن يزيد ضربة بالسيف استدار لها وقال : وكان ~~أمر الله مفعولا . ثم قتل ، وسقط عبد الرحمن عن فرسه ، فأتاه ابن أبي سبرة ~~الجعفي وهو على بغلة فأركبه معه ، ونادى في الناس : الحقوا بدير أبي مريم ، ~~ثم انطلقا ذاهبين ، ثم أتاه واصل بن الحارث السكوني ببرذون فركبه وسار حتى ~~نزل دير البقار ، وأمر شبيب أصحابه فرفعوا السيف عن الناس ، ودعاهم إلى ~~البيعة فبايعوه ، وقتل يومئذ من كندة مائة وعشرون ، وبات عبد الرحمن بدير ~~البقار ، فأتاه فارسان ، فصعدا إليه فخلا به أحدهما طويلا ثم نزلا ؛ فقيل : ~~إن ذلك الرجل كان شبيبا ، وكان بينه وبين عبد الرحمن مكاتبة ، وسار عبد ~~الرحمن حتى أتى دير أبي مريم ، فاجتمع الناس إليه وقالوا له : إن سمع شبيب ~~بمكانك أتاك فكنت له غنيمة . PageV21P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" فخرج إلى الكوفة واختفى من الحجاج حتى أخذ له ~~الأمان منه ، وكانت هذه الوقاع التي ذكرناها كلها من أخبار شبيب في سنة ست ~~وسبعين . ذكر محاربة عتاب بن ورقاء وزهرة بن حوية وقتلهما وفي سنة سبع ~~وسبعين أتى شبيب ماه بهراذان فصيف بها ثلاثة أشهر ، وكان حين هزم ذلك الجيش ~~حر شديد ، فلما صيف هناك أتاه ناس كثير ممن يطلب الدنيا وممن كان الحجاج ~~يطلبهم بمال أو تبعات . فلما ذهب الحر خرج في نحو ثمانمائة رجل ، فأقبل نحو ~~المدائن ، وعليها مطرف بن المغيرة بن شعبة ، فجاء حتى نزل قناطر حذيفة ابن ~~اليمان ، فكتب مهروذ عظيم بابل إلى الحجاج بذلك ، فقام الحجاج في الناس ~~فقال : أيها الناس ، لتقاتلن عن بلادكم وعن بنيكم أو لأبعثن إلى قوم هم ~~أطوع وأصبر على اللأواء والقيظ منكم ، فيقاتلون عدوكم ويأكلون ms4716 فيئكم . فقام ~~إليه الناس من كل جانب فقالوا : نحن نقاتلهم فليندبنا الأمير إليهم ، وقام ~~زهرة بن حوية - وهو شيخ كبير ، فقال : أصلح الله الأمير ، إنما تبعث إليهم ~~الناس متقطعين ، فاستنفر الناس إليهم كافة ، وابعث إليهم رجلا شجاعا مجربا ~~ممن يرى الفرار هضما وعارا ، والصبر مجدا وكرما . فقال الحجاج : فأنت ذاك ~~الرجل ، فاخرج . فقال : أصلح الله الأمير ، إنما يصلح رجل يحمل الدرع ~~والرمح ، ويهز السيف ، ويثبت على الفرس ، وأنا لا أطيق شيئا من هذا ، وقد ~~ضعف بصرى ، ولكن أخرجني في الناس مع الأمير فأشير عليه برأيي . فقال له ~~الحجاج : جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله في أول أمرك وآخره . ثم قال : ~~أيها الناس ، سيروا بأجمعكم كافة ، فخرج الناس يتجهزون ولا يدرون من أميرهم ~~. PageV21P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" وكتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره أن شبيبا قد ~~شارف المدائن ؛ وأنه يريد الكوفة ، وقد عجز أهلها عن قتاله في مواطن كثيرة ~~، يقتل أمراءهم وبهزم جندهم ؛ وسأله أن يبعث جندا من الشام يقاتلون الخوارج ~~، ويأكلون البلاد . فبعث عبد الملك سفيان بن الأبرد الكلبي في أربعة آلاف ، ~~وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي في ألفين ، وبعث الحجاج إلى عتاب بن ورقاء ~~يستدعيه ، وكان يقاتل الازارفة مع المهلب كما تقدم . واشتشار الحجاج أهل ~~الكوفة فيمن يوليه أمر الجيش ، فقالوا : رأيك أفضل . فقال : قد بعثت إلى ~~عتاب بن ورقاء وهو قادم عليكم الليلة أو القابلة ؛ فقال زهرة : رميتهم ~~بحجرهم ، والله لا يردع إليك حتى يظفر أو يقتل . وقال له قبيصة بن والق : ~~إن الناس قد تحدثوا أن جيشا قد وصل إليك من الشام ، وأن أهل الكوفة قد ~~هزموا وهان عليهم الفرار ، فقلوبهم كأنها ليست فيهم ؛ فإن رأيت أن تبعث إلى ~~أهل الشام ليأخذوا حذرهم ، فإنك تحارب حولا قلبا ظعانا رحالا ، وقد جهزت ~~إليهم أهل الكوفة ولست واثقا بهم كل الثقة ، فإن شبيبا بينا هو في أرض إذا ~~هو في أخرى ، ولا آمن أن يأتي أهل الشام وهم آمنون ؛ فإن يهلكوا تهلك ويهلك ~~أهل العراق . فقال : لله أبوك ، ما أحسن ms4717 ما أشرت به وأرسل إلى أهل الشام ~~يحذرهم ويأمرهم أن يأتوا على عين التمر ، ففعلوا ، وقدم عتاب بن ورقاء تلك ~~الليلة ، فبعثه الحجاج على ذلك الجيش ، فعسكر بحمام أعين ، وأقبل شبيب حتى ~~انتهى إلى كلواذا فقطع منها دجلة ، ثم سار حتى نزل مدينة بهرسير الدنيا ، ~~وهي المدائن الغربية ، فصار بينه وبين مطرف دجلة ، فقطع مطرف الجسر ، وبعث ~~إلى شبيب أن ابعث إلي رجالا من وجوه أصحابك أدارسهم القرآن وأنظر فيما ~~يدعون إليه ، فبعث إليه بمعتب بن سويد والمحلل وغيرهما ، وأخذ منه رهائن ~~على عود أصحابه ، فأقاموا عنده أربعة أيام ، ثم أعادهم ، ولم يتفقوا ، فلما ~~لم يتبعه مطرف تهيأ للمسير إلى PageV21P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" عتاب . وأقبل عتاب حتى نزل بسوق حكمة وقد خرج ~~معه من المقاتلة أربعون ألفا ، ومن الشباب والأتباع عشرة آلاف ، فكانوا ~~خمسين ألفا . وكان الحداد قد قال لهم حين ساروا : ألا إن للسائر المجد ~~الكرامة والأثرة ، وللهارب الهوان والجفوة ، والذي لا إله غيره لئن فعلتم ~~في هذا الموطن كفعلكم في غيره من المواطن لأولينكم كنفا خشنا ، ولأعركمكم ~~بكلكل ثقيل . وسار شبيب من المدائن وأصحابه ألف رجل ، فتخلف عنه بعضهم ، ~~فصلى الظهر بساباط ، وصلى العصر ، وسار حتى أشرف على عتاب وعسكره ، فلما ~~رآهم نزل فصلى المغرب ؛ وكان عتاب قد عبأ أصحابه ، فجعل في الميمنة محمد بن ~~عبد الرحمن بن سعيد بن قيس ، وفي الميسرة نعم بن عليم ، وبعث حنظلة بن ~~الحارث اليربوعي - وهو ابن عمه على الرجالة ، وصفهم ثلاثة صفوف : صف فيهم ~~أصحاب السيوف ، وصف فيهم أصحاب الرماح ، وصف فيهم الرماة ، ثم سار في الناس ~~يحرضهم على القتال ، ورجع فجلس في القلب ، ومعه زهرة بن حوية جالس ، وعبد ~~الرحمن بن محمد بن الأشعث ، وأبو بكر ابن محمد بن أبي جهم العدوي . وأقبل ~~شبيب وهو في ستمائة ، وقد تخلف عنه من أصحابه أربعمائة ؛ فجعل سويد بن سليم ~~في الميسرة في مائتين ، والمحلل بن وائل في القلب في مائتين ، ووقف هو في ~~الميمنة في مائتين ، وذلك بين المغرب والعشاء الآخرة حين ms4718 أضاء القمر ، ~~فناداهم : لمن هذه الرايات ؟ قالوا : لربيعة . قال : طالما نصرت الحق ، ~~وطالما نصرت الباطل ؛ والله لأجاهدنكم محتسبا ، أنا شبيب ، لا حكم إلا ~~للحكم ، اثبتوا إن شئتم . ثم حمل عليهم ففضهم ، فثبت أصحاب رايات قبيصة بن ~~والق ، وعبيد بن الحليس ، ونعيم بن عليم ، فقتلوا ، وانهزمت الميسرة كلها ، ~~ثم حمل شبيب على عتاب بن ورقاء ، وحمل سويد بن سليم على الميمنة وعليها ~~محمد بن عبد الرحمن ، فقاتلهم في رجال من تميم وهمدان ؛ فما زالوا كذلك حتى ~~قيل لهم : قتل عتاب ، فانفضوا . ولم يزل عتاب جالسا على طنفسته في القلب ~~ومعه زهرة بن حوية حتى عشيهم شبيب ، فقال عتاب : يا زهرة ، هذا يوم كثر فيه ~~العدد وقل فيه الغناء ، والهفي PageV21P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" على خمسمائة فارس من تميم من جميع الناس ألا ~~صابر لعدوه ألا مواس بنفسه فانقضوا عنه وتركوه ، فلما دنا منه شبيب وثب في ~~عصابة قليلة صبرت معه ؛ وقاتل ساعة ، فرآه رجل من أصحاب شبيب يقال له عامر ~~بن عمرو التغلبي ، فحمل عليه فطعنه ، وجاء الفضل بن عامر الشيباني إلى زهرة ~~فقتله ، وتمكن شبيب من أهل العسكر والناس ، فقال : ارفعوا السيف . ودعاهم ~~إلى البيعة ، فبايعه الناس وهربوا من ليلتهم ، وحوى ما في العسكر . وأقام ~~شبيب بعد الوقعة ببيت قرة يومين ، ثم سار نحو الكوفة فنزل بسورا . وقتل ~~عاملها ، وكان سفيان بن الأبرد وعسكر الشام قد دخلوا الكوفة فشدوا ظهر ~~الحجاج ، واستعنى بهم عن أهل الكوفة ، وقام على المنبر فقال : يا أهل ~~الكوفة ، لا أعز الله من أرادبكم العز ، ولا نصر من أراد بكم النصر ، ~~اخرجوا عنا فلا تشاهدوا معنا قتال عدونا ، انزلوا الحيرة مع اليهود ~~والنصارى ، ولا يقاتل معنا إلا من لم يشهد قتال عتاب . ذكر قدوم شبيب ~~الكوفة وانهزامه عنها قال : ثم سار شبيب من سورا فنزل حمام أعين ، فدعا ~~الحجاج الحارث بن معاوية الثقفي ، فوجهه في ناس من الشرط وغيرهم لم يشهدوا ~~يوم عتاب ، فخرجوا في ألف فنزلوا زرارة ، فبلغ ذلك شبيبا ، فعجل إلى الحارث ~~، فلما انتهى إليه ms4719 حمل عليه فقتله ، وانهزم أصحابه ، فدخلوا الكوفة ، وجاء ~~شبيب فعسكر بنا حية الكوفة فأقام ثلاثا ، فنزل السبخة ، وابتنى بها مسجدا ، ~~وذلك في اليوم الثاني من الأيام الثلاثة . فلما كان اليوم الثالث أخرج ~~الحجاج أبا الورد مولاه عليه تجفاف ومعه غلمان له ، فقالوا : هذا الحجاج ~~فحمل عيه شبيب فقتله ، فأخرج إليه غلامه طهمان في مثل تلك العدة والحالة ، ~~فقتله شبيب ، وقال : إن كان هذا الحجاج فقد أرحتكم منه . ثم خرج الحجاج عند ~~ارتفاع النهار من القصر ، فركب بغلا ومعه أهل الشام ، فلما رأى الحجاج ~~شبيبا وأصحابه نزل وجلس على كرسي ، وتقدم إليه شبيب وأصحابه فلقوهم بأطراف ~~الأسنة ؛ فكان بينهم قتال شديد عامة النهار ، حتى انتهى الحجاج إلى مسجد ~~شبيب ، فقال : هذا أول الفتح . PageV21P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" ثم قال خالد بن عتاب للحجاج : ائذن لي في ~~قتالهم ، فإني موتور . فأذن له ، فخرج مصادا أخا شبيب ، وقتل امرأته غزالة ~~، هذا وشبيب يقاتل الحجاج ، وأتى الخبر الحجاج فكبر فعندها ركب شبيب وكان ~~قد نزل فقاتل على الأرض ، وقال الحجاج لأصحابه : احملوا عليهم ، فإنه قد ~~أتاهم ما أرعبهم ؛ فشدوا على أصحاب شبيب فهزموهم ، وثبت شبيب في حامية ~~الناس ، فبعث الحجاج إلى خيله أن دعوه ، فتركوه ورجعوا ، ودخل الحجاج ~~الكوفة ، وبعث حبيب بن عبد الرحمن الحكمي في ثلاثة آلاف فارس من أهل الشام ~~، فخرج في أثره حتى نزل إلى الأنبار . وكان الحجاج قد نادى عند انهزام شبيب ~~: من جاءنا منكم فهو آمن ؛ فتفرق عن شبيب ناس كثير من أصحابه . فلما نزل ~~حبيب الأنبار أتاهم شبيب ، فلما دنا منهم نزل فصلى المغرب ، وكان حبيب قد ~~جعل أصحابه أرباعا ، وقال : ليمنع كل ربع منكم جانبه فإن قاتل هذا الربع ~~فلا يعنهم الربع الآخر . وأتاهم شبيب وهو على تعبئته فحمل على ربع ، ~~فقاتلهم طويلا ، فما زالت قدم إنسان عن موضعها فتركهم ، وأقبل إلى ربع آخر ~~، فكانوا كذلك ، وقاتل الربع الثالث والرابع وهم كذلك ، فما برح يقاتلهم ~~حتى ذهب ثلاثة أرباع الليل ، ثم نازلهم راجلا ، فسقطت بينهم الأيدي وكثرت ~~القتلى ms4720 ، وفقئت الأعين ، وقتل من أصحاب شبيب نحو ثلاثين رجلا ، ومن أهل ~~الشام نحو مائة . واستولى التعب والإعياء على الطائفتين حتى إن الرجل ليضرب ~~بسيفه فلا يصنع شيئا ، فلما يئس شبيب منهم تركهم وانصرف عنهم ، ثم قطع دجلة ~~وأخذ في أرض جوخى ثم قطع دجلة مرة أخرى عند واسط ، وأخذ نحو الأهواز إلى ~~فارس ثم إلى كرمان ليستريح وهو ومن معه . ذكر مهلك شبيب كان مهلك شبيب في ~~سنة سبع وسبعين ، وسبب ذلك أن الحجاج أنفق في أصحاب سفيان بن الأبرد مالا ~~عظيما ، وأمرهم بقصد شبيب ، فساروا نحوه مع سفيان بن الأبرد ، وكتب الحجاج ~~إلى الحكم بن أيوب زوج ابنته - وهو عامله على البصرة - أن يرسل أربعة آلاف ~~فارس من أهل البصرة ، ففعل وسيرهم مع زياد بن عمرو العتكي ، فلم يصل إلى ~~سفيان حتى التقى سفيان مع شبيب . وكان شبيب قد PageV21P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" أقام بكرمان حتى استراح وأراح ، ثم أقبل ~~راجعا فالتقى مع سفيان بجسر دجيل الأهواز ، فعبر شبيب الجسر إلى سفيان ~~فوجده قد نزل في الرجال ، وجعل مهاصر بن سيف على الخيل ، وأقبل شبيب في ~~ثلاثة كراديس ، فاقتتلوا أشد قتال ، ورجع شبيب إلى المكان الذي كان فيه ، ~~ثم حمل عليه هو وأصحابه أكثر من ثلاثين حملة ، وأهل الشام على حالهم في ~~ثبات القدم ، ومازالوا يقاتلون الخوارج حتى اضطروهم إلى الجسر . فلما انتهى ~~شبيب إلى الجسر نزل ونزل معه نحو مائة رجل ؛ فقاتلوا حتى المساء ، وأوقعوا ~~بأهل الشام من الضرب والطعن ما لم يروا مثله ، فأمر سفيان الرماة أن يرموهم ~~فتقدموا ، ورموهم ساعة ، فحمل شبيب وأصحابه على الرماة ، فقتلوا منهم أكثر ~~من ثلاثين رجلا ، ثم عطف على سفيان ومن معه فقاتلهم حتى اختلط الظلام ، ثم ~~انصرف ، فقال سفيان لأصحابه : لا تتبعوهم . فلما انتهى شبيب إلى الجسر قال ~~لأصحابه : اعبروا فإذا أصبحنا باكرناهم إن شاء الله . فعبروا أمامه ، وتخلف ~~في آخرهم ، وجاء ليعبر وهو على حصان وبين يديه حجر ، فنزا فرسهعليها وهو ~~على الجسر فاضطربت تحته ، ونزل حافر رجل حصانه على ms4721 حرف السفينة ، فسقط في ~~الماء ، فلما سقط قال : ليقضي الله أمرا كان مفعولا . وانغمس في الماء ، ثم ~~ارتفع ، وقال : ذلك تقدير العزيز العليم . وغرق . قال : وكان أهل الشام قد ~~عزموا على الانصراف ، فأتاهم صاحب الجسر ، فقال لسفيان : إن رجلا منهم وقع ~~في الماء ، فتنادوا بينهم : غرق أمير المؤمنين . ثم انصرفوا راجعين ، ~~وتركوا عسكرهم ليس فيه أحد ، فكبر سفيان وكبر أصحابه ، وأقبل حتى انتهى إلى ~~الجسر ، وبعث إلى المعسكر ، وإذا ليس فيه أحد ، وإذا هو أكثر العساكر خيرا ~~، ثم استخرجوا شبيبا فشقوا جوفه ، وأخرجوا قلبه ؛ فكان صلبا كأنه صخرة ، ~~فكان يضرب به الصخرة فينبو عنها قامة إنسان . قال : وكان شبيب ينعى لأمه ~~فيقال لها : قتل ، فلا تقبل ذلك . فلما قيل لها غرق صدقت ذلك ، وقالت : إني ~~رأيت حين ولدته أنه خرج مني شهاب نار ، فعلمت أنه لا يطفئه إلا الماء ، ~~وكانت أمه جارية رومية اشتراها أبوه فأولدها شبيبا سنة خمس PageV21P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" وعشرين يوم النحر ، وقالت : إني رأيت فيما ~~يرى النائم أنه خرج من قبلي شهاب نار ، فذهب ساطعا إلى السماء ، وبلغ ~~الآفاق كلها ، فبينا هو كذلك إذ وقع في ماء كثير فخبا ، وقد ولدته في يومكم ~~الذي تهريقون فيه الدماء ، وقد أولت ذلك أن ولدي يكون صاحب دماء وأن أمره ~~سيعلو ويعظم سريعا . ذكر خروج مطرف بن المغيرة ابن شعبة ومقتله كان خروجه ~~وقتله في سنة سبع وسبعين ، وذلك أنه لما قدم الحجاج العراق استعمل أولاد ~~المغيرة على أعماله لشرفهم ومنزلتهم من قومهم ، واستعمل عروة بن المغيرة ~~على الكوفة ، ومطرفا على المدائن ، وحمزة على همذان ، فكانوا على أعمالهم ~~أحسن الناس سيرة ، وأشدهم على المريب ، وكان المطرف على المدائن لما خرج ~~شبيب ، وقد ذكرنا أن المطرف أرسل يستدعي منه أن يسير إليه من أصحابه من ~~يدارسه ويسمع منه ، وأنه سير إليه جماعة ، ولم يحصل بينهم اتفاق ، وكان مما ~~تكلموا فيه أن المطرف سألهم عما يدعون إليه ، فقالوا : ندعو إلى كتاب الله ~~وسنة رسوله ، وأن الذي نقمنا على قومنا الاستئثار بالفىء ms4722 وتعطيل الحدود ~~والتسلط بالجبرية ، فقال لهم مطرف : ما دعوتم إلا إلى حق ، وما نقمتم إلا ~~جورا ظاهرا ، أنالكم متابع ، فبايعوني على ما أدعوكم إليه : أن نقاتل هؤلاء ~~الظلمة على أحداثهم ، وندعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين ، يؤمرون من يرضون على مثل ~~الحال التي تركهم عيها عمر بن الخطاب ، فإن العرب إذا علمت أنها إنما يراد ~~بالشورى الرضا من قريش رضوا وكثر تبعكم وأعوانكم . فقالوا : هذا مالا نجيبك ~~إليه ، وفارقوه ، وأحضر مطرف نصحاءه وثقاته ، فذكر لهم ظلم الحجاج وعبد ~~الملك ، وأنه ما زال يؤثر مخالفتهم ومناهضتهم ، وأنه يرى ذلك دينا لو وجد ~~عليه أعوانا ، وذكر لهم ما جرى بينه وبين أصحاب شبيب ، وأنهم لو تابعوه على ~~رأيه لخلع عبد الملك والحجاج ، واستشارهم فيما يفعل . PageV21P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" فقالوا له : أخف هذا الكلام ولا تظهره لأحد . ~~فقال له يزيد ابن أبي زياد مولى أبيه : والله لا يخفى على الحجاج مما كان ~~بينك وبينهم كلمة واحدة وليزادن على كل كلمة عشر أمثالها ، ولو كنت في ~~السحاب لالتمسك الحجاج حتى يهلكك ، فالنجاء النجاء . فوافقه أصحابه على ذلك ~~، فسار عن المدائن نحو الجبال ، ثم دعا أصحابه الذين لم يعلموا بحاله إلى ~~ما عزم عليه ، فبايعه بعضهم ، ورجع عنه بعضهم ، وسار نحو حلوان وبها سويد ~~بن عبد الرحمن السعدي من قبل الحجاج ، فأراد هو والأكراد منعه ليعذر عند ~~الحجاج ، فأوقع مطرف بالأكراد فقتل منهم ، وسار . فلما دنا من همذان وبها ~~أخوه حمزة بن المغيرة تركها ذات اليسار ، وأرسل إلى أخيه حمزة يستمده ~~بالمال والسلاح ، فأرسل إليه ما طلب سرا ، وسار مطرف حتى بلغ قم وقاشان ، ~~وبعث عماله على تلك النواحي ، وأتاه الناس . وكان ممن أتاه سويد بن سرحان ~~الثقفي ، وبكير بن هارون النخعي ، من الري في نحو مائة رجل ، وكتب البراء ~~بن قبيصة - وهو عامل الحجاج على أصفهان - إليه يعرفه حال المطرف ويستمده ، ~~فأمده بالرجال بعد الرجال على دواب البريد . وكتب الحجاج إلى عدي بن ms4723 زياد ~~عامل الري يأمره بقصد مطرف ، وأن يجتمع هو والبراء على محاربته ، فسار عدي ~~من الري واجتمع هو والبراء وعدي الأمير ، واجتمعوا في نحو ستة آلاف مقاتل . ~~وكان حمزة بن المغيرة قد أرسل إلى الحجاج يعتذر ، فأظهر قبول عذره ، وأراد ~~عزله وخاف أن يمتنع عليه ، فكتب إلى قيس بن سعد العجلي ، وهو على شرطة حمزة ~~بعهده على همذان ، ويأمره أن يقبض على حمزة ابن المغيرة ؛ فسار قيس بن سعد ~~إلى حمزة في جماعة من عشيرته فأقرأه العهد بولايته ، وكتاب الحجاج بالقبض ~~عليه ، فقال : سمعا وطاعة . فقبض قيس عليه وسجنه ، وسار عدي والبراء نحو ~~مطرف فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم أصحاب مطرف وقتل هو وجماعة ~~كثيرة من أصحابه ، قتله عمر بن هبيرة الفزاري ، وكان الحجاج يقول : إن ~~PageV21P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" مطرفا ليس بولد المغيرة بن شعبة ، إنما هو ~~ولد مصقلة بن هبيرة الشيباني ، وكان مصقلة والمغيرة بدعيانه ، فألحق ~~بالمغيرة ، وجلد مصقلة الحد ، فلما أظهر ورأى الخوارج قال الحجاج ذلك ، لأن ~~كثيرا من ربيعة كانوا خوارج ولم يكن منهم أحد من قيس عيلان . انتهت أخبار ~~الخوارج فلنذكر الغزوات في خلافة عبد الملك ذكر الغزوات والفتوحات في أيام ~~عبد الملك بن مروان على حكم السنين في سنة إحدى وسبعين افتتح عبد الملك ~~قيسارية في قول الواقدي . وفي سنة ثلاث وسبعين غزا محمد بن مروان الروم ~~صائفة ، فهزمهم ، وفيها كانت وقعة عثمان بن الوليد بالروم من ناحية أرمينية ~~، وهو في أربعة آلاف ، والروم في ستين ألفا ، فهزمهم وأكثر فيهم القتل . ~~وفي سنة أربع وسبعين غزا عبد الله بن أمية رتبيل من سجستان ، وكان رتبيل ~~هائبا للمسلمين ، فلما وصل عبد الله إلى بس راسله رتبيل في طلب الصلح ، ~~وبذل ألف ألف ، وبعث إليه بهدايا ورقيق ، فأبى عبد الله قبول ذلك ، وقال : ~~إن ملأ لي هذا الرواق ذهبا وإلا فلا صلح ، وكان غرا ، فخلى له رتبيل البلاد ~~حتى أوغل فيها ، وأخذ عيه الشعاب والمضايق وطلب أن يخلى عنه وعن المسلمين ، ~~ولا يأخذ منه شيئا ، فأبى رتبيل ms4724 وقال : يأخذ ، ثلاثمائة ألف درهم صلحا ، ~~ويكتب لنا بها كتابا ، ولا يغزو بلادنا ما دمت أسيرا ، ولا يحرق ولا يخرب . ~~ففعل ، وبلغ ذلك عبد الملك فعزله . وفيها غزا محمد بن مروان الروم صائفة ، ~~وبلغ أندولية ، وغزا أيضا في سنة خمس وسبعين صائفة حتى خرجت الروم من قبل ~~مرعش ، وغزا أيضا في سنة ست وسبعين من ناحية ملطية . وفي سنة سبع وسبعين ~~غزا أمية بن عبد الله ما وراء النهر فبلغ بخارى ، وخالف عليه بكير بن وساج ~~، فصالح أهل بخارى على فدية قليلة ، ورجع لقتال بكر . PageV21P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" وفيها غزا أمية أيضا ، وعبر نهر بلخ ، فحوصر ~~حتى جهد هو وأصحابه ، ثم نجوا بعد ما أشرفوا على الهلاك ، ورجعوا إلى مرو . ~~وغزا الوليد بن عبد الملك الصائفة . ذكر غزو عبيد الله بن أبي بكرة رتبيل ~~وفي سنة تسع وسبعين غزا عبيد الله بن أبي بكرة بلاد رتبيل ، وكان الحجاج قد ~~استعمله على سجستان ، وكان رتبيل يؤدي الخراج ، وربما امتنع منه ، فبعث ~~الحجاج إلى عبيد الله ابن أبي بكرة يأمره بمناجزته ، وألا يرجع حتى يستبيح ~~بلاده ، ويهدم قلاعه ، ويقتل رجاله . فسار عبيد الله في أهل البصرة والكوفة ~~، وعلى أهل الكوفة شريح ابن هانيء ؛ فمضى عبيد الله حتى دخل بلاد رتبيل ، ~~فأصاب من الغنائم ما شاء ، وهدم حصونا ، وغلب على أرض من أراضيهم ، وأصحاب ~~رتبيل من الترك يخلون للمسلمين أرضا بعد أرض ، حتى أمعنوا في بلادهم ، ~~ودنوا من مدينتهم ، وكانوا منها على ثمانية عشر فرسخا ، فأخذ الترك عليهم ~~الشعاب والعقاب ، فصالحهم عبيد الله على سبعمائة ألف يوصلها إلى رتبيل ~~ليمكن المسلمين من الخروج ، فلقيه شريح فقال : إنكم لا تصالحون ، على شيء ~~إلا حسبه السلطان من أعطياتكم ، ثم قال : يأهل الإسلام ، تعاونوا على عدوكم ~~، فقال له ابن أبي بكرة : إنك شيخ قد خرفت . فقال شريح : يأهل الإسلام ، من ~~أراد منكم الشهادة فإلي ، فاتبعه ناس من المطوعة غير كثير ، وفرسان الناس ، ~~وأهل الحفاظ ، فقاتلوا حتى أصيبوا إلا قليلا ، وجعل شريح يرتجز ويقول : ~~أصبحت ذابث أقاسي ms4725 الكبرا . . . قد عشت بين المشركين أعصرا ثمث أدركت النبي ~~المنذرا . . . وبعده صديقه وعمرا ويوم مهران ويوم تسترا . . . والجمع في ~~صفينهم والنهرا هيهات ما أطول هذا العمر PageV21P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" وقاتل حتى قتل في ناس من أصحابه ، ونجا من ~~نجا منهم ، وخرجوا مهن بلاد رتبيل ، فاستقبلهم الناس بالأطعمة ، فكان أحدهم ~~إذا أكل وشبع مات ، فحذر الناس وجعلوا يطعمونهم السمن قليلا قليلا حتى ~~استمرءوا . وفيها أصاب الروم أهل أنطاكية وظفروا بهم ، وكان قد أصاب أهل ~~الشام فلم يغز تلك السنة أحد منهم . ذكر مسير عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ~~إلى رتبيل وما ملكه من بلاده كان مسيره في سنة ثمانين ؛ وذلك أنه لما رجع ~~عبيد الله ابن أبي بكرة ومن معه من بلاد رتبيل على الحال التي ذكرنا كتب ~~الحجاج إلى عبد الملك بخبرهم ، ويخبره أنه قد جهز من أهل الكوفة والبصرة ~~جيشا كثيفا ويستأذنه في إرساله إلى بلاد رتبيل ، فأذن له في ذلك ، فجهز من ~~أهل الكوفة عشرين ألف فارس ومن أهل البصرة مثلها ، وأنفق فيهم ألفي ألف سوى ~~أعطياتهم ، وأعطى كل رجل يوصف بشجاعة وغناء ، وبعث عليهم عبد الرحمن بن ~~محمد بن الأشعث . ولما أراد أن يبعثه على الجيش أتاه إسماعيل بن الأشعث ، ~~فقال : لا تبعثه ، والله ما جاز جسر الفرات فرأى لوال عليه طاعة ، وإني ~~أخاف خلافه . فقال الحجاج : هو أهيب لي من أن يخالف أمري . وسيره على الجيش ~~، فسار حتى قدم سجستان ، فجمع أهلها فخطبهم ثم قال : إن الحجاج ولاني ثغركم ~~، وأمرني بجهاد عدوكم الذي استباح بلادكم ، فإياكم أن يتخلف منكم أحد فتسمه ~~العقوبة . فعسكروا مع الناس ، وساروا بأجمعهم ، وبلغ الخبر رتبيل ، فأرسل ~~يعتذر ويبذل الخراج ، فلم يقبل منه ، وسار إليه ، ودخل بلاده ، فترك له ~~رتبيل أرضا أرضا ورستاقا رستاقا وحصنا حصنا ، وعبد الرحمن يحوي ذلك ؛ وكلما ~~حوى بلدا بعث إليه عاملا ، وجعل معه أعوانا ، وجعل الأرصاد على العقاب ~~والشعاب ، ووضع المسالح بكل مكان مخوف ، حتى حاز من أرضه أرضا عظيمة ، وملأ ~~الناس أيديهم من الغنائم العظيمة ms4726 ، ومنع الناس من التوغل ، وقال : نكتفي ~~بما قد أصبناه العام من بلادهم حتى نجيئها ونعرفها ، ويجترئ المسلمون على ~~طرقها ، وفي العام المقبل PageV21P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" نأخذ ما رواءها إن شاء الله تعالى حتى ~~نقاتلهم في آخر ذلك على كنوزهم وذراريهم في أقصى بلادهم حتى يهلكهم الله ~~تعالى . وكتب إلى الحجاج بما فتح الله عليه وبما يريد . فكتب الحجاج إليه ~~ينكر فعله ، ويأمره بالمناجزة ، فأدى ذلك إلى خروج عبد الرحمن على الحجاج ~~على ما نذكره إن شاء الله تعالى . ذكر غزو المهلب بن أبي صفرة ما وراء ~~النهر وفي سنة ثمانين قطع المهلب نهر بلخ ونزل على كش ، وكان الحجاج قد ~~استعمله على خراسان حين ضمها عبد الملك إلى عمله ، فسار وعلى مقدمته أبو ~~الأدهم الزماني في ثلاثة آلاف ، وهم في خمسة آلاف ، ولما نزل المهلب على كش ~~أتاه ابن عم ملك الختل فدعاه إلى غزو الختل ، فوجه معه ابنه يزيد ، وكان ~~اسم ملك الختل السبل ، فسار يزيد وابن عم عم الملك حتى نازلوه ، ونزل كل ~~واحد منهما ناحية ، فبيت الملك ابن عمه ، وأخذه فقتله ، فحصر يزيد القلعة ، ~~فصالحوه على فدية حملت إليه ، ورجع يزيد عنهم . ووجه المهلب ابنه حبيبا ، ~~فوافى صاحب بخارى في أربعين ألفا ، فنزل جماعة من العدو قرية ، فسار إليهم ~~حبيب في أربعة آلاف فقتلهم وأحرق القرية فسبت المحترقة . ورجع حبيب إلى ~~أبيه ، وأقام المهلب بكش سنتين ، فقيل له : لو تقدمت إلى ما وراء ذلك فقال ~~: ليت حظي من هذه الغزوة سلامة هذا الجند ، وعودهم سالمين ، ثم صالح أهل كش ~~على فدية يأخذها منهم . وفي سنة إحدى وثمانين سير عبد الملك ابنه عبيد الله ~~ففتح قاليقلا . ذكر دخول الديلم قزوين وقتلهم كانت قزوين ثغرا للمسلمين من ~~ناحية الديلم ، فكانت العساكر لا تبرح مرابطة بها ، يتحارسون ليلا ونهارا ، ~~فلما كان في سنة إحدى وثمانين كان في جملة من رابط بها محمد ابن أبي سبرة ~~الجعفي ، وكان فارسا شجاعا ، فرأى الناس يتحارسون فلا PageV21P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" ينامون الليل ، فقال : أتخافون ms4727 أن يدخل عليكم ~~العدو مدينتكم ؟ قالوا : نعم . قال : لقد أنصفوكم إن فعلوا ، افتحوا ~~الأبواب ، ولا بأس عليكم . ففتحوها ، وبلغ ذلك الديلم ، فساروا إليهم ~~وبيتوهم ، وهجموا إلى البلد ؛ فقال ابن أبي سبرة : أغلقوا أبواب المدينة ~~علينا وعليهم ، فقد أنصفونا ، وقاتلوهم . فغلقوا الأبواب وقاتلوهم ، وأبلى ~~ابن أبي سبرة بلاء عظيما ، وظفر بهم المسلمون ، فلم يفلت من الديلم أحد ، ~~واشتهر اسمه بذلك ، ولم يقدم الديلم بعدها على مفارقة أرضهم ، فصار محمد ~~فارس ذلك الثغر المشار إليه . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب . ذكر فتح ~~قلعة نيزك بباذغيس وفي سنة أربع وثمانين فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك ، ~~فلما بلغه خروجه عن القلعة سار إليها وحاصرها . فملكها وما فيها من الأموال ~~والذخائر ، وكانت من أحصن القلاع وأمنعها ، وكان نيزك إذا رآها سجد لها ~~تعظيما ، وفيها يقول كعب بن معدان الأشقري : وباذغيس التي من حل ذروتها . . ~~. عز الملوك فإن شا جار أو ظلما منيعة لم يكدها قبله ملك . . . إلا إذا ~~واجهت جيشا له وجما تخال نيرانها من بعد منظرها . . . بعض النجوم إذا ~~ماليلها عتما وهي أبيات عديدة . وقال أيضا يذكر يزيد رحمه الله وفتحها : ~~نفى نيزكا عن باذغيس ونيزك . . . بمنزلة أعيا الملوك اغتصابها محلقة دون ~~السماء كأنها . . . غمامة صيف زل عنها سحابها ولا يبلغ الأروى شماريخها ~~العلا . . . ولا الطير إلا نسرها وعقابها واخوفت بالذئب ولدان أهلها . . . ~~ولا نبحت إلا النجوم كلابها PageV21P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" ذكر فتح المصيصة وفي سنة أربع وثمانين أيضا ~~غزا عبد الله بن عبد الملك الروم ، ففتح المصيصة وبنى حصنها ، وجعل فيها ~~ثلاثمائة مقاتل من ذوي البأس ، ولم يكن المسلمون سكنوها قبل ذلك ، وبنى ~~مسجدها . وغزا محمد بن مروان أرمينية . وفي سنة خمس وثمانين غزا المفضل بن ~~المهلب باذغيس ففتحها وأصاب مغنما فقسمه ، فأصاب كل رجل ثمانمائة ، ثم غزا ~~أخرون وشومان ، فغنم وقسم ما أصاب . وفيها غزا محمد بن مروان أرمينية ، ~~فصاف فيها وشتا . انتهى ذكر الغزوات والفتوحات . ذكر الحوادث الكائنة في ~~أيام عبد الملك بن مروان منذ استقل بالأمر خلاف ما ذكرناه ms4728 ، وذلك على حكم ~~السنين قد ذكرنا حوادث السنين في أخبار عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ~~إلى أن قتل في سنة ثلاث وسبعين ، وذكرنا ما هو متعلق بهذه الدولة الأموية ~~في أثناء أخبار عبد الملك ، فلنذكر خلاف ذلك . سنة ثلاث وسبعين ذكر ولاية ~~محمد بن مروان الجزيرة وأرمينية في هذه السنة استعمل عبد الملك أخاه محمدا ~~على الجزيرة ، وكانت بحيرة PageV21P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" أرمينية مباحة لم يعرض لها أحد ، بل يأخذ ~~منها من شاء ، فمنع من صيدها وجعل عليه من يأخذه ويبيعه ويأخذ ثمنه ، ثم ~~صارت بعده لابنه مروان ، واستمر ذلك بعده . وفيها عزل عبد الملك خالد بن ~~عبد الله عن البصرة ، واستعمل عليها أخاه بشر بن مروان ، فاجتمع له المصران ~~: الكوفة ، والبصرة ، فسار بشر إلى البصرة ، واستعمل على الكوفة عمرو بن ~~حريث . وحج بالناس في هذه السنة الحجاج وهو على مكة واليمن واليمامة ، وكان ~~على قضاء الكوفة شريح بن الحارث ، وعلى قضاء البصرة هشام ابن هبيرة ، وكان ~~على خراسان بكير بن وساج . وفيها مات عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنهما بمكة وكان سبب وفاته أن الحجاج أمر بعض أصحابه ، فضرب ظهر قدمه بزج ~~رمح مسموم ، فمات منها ، وعاده الحجاج في مرضه ، فقال : من فعل بك هذا ؟ ~~فقال : أنت ، لأنك أمرت بحمل السلاح في بلد لا يحل حمله فيه . وكانت وفاته ~~بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر ، وكان عمره سبعا وثمانين سنة ، ومات غيره ~~من الصحابة رضي الله عنهم . أربع وسبعون في هذه السنة عزل عبد الملك طارقا ~~عن المدينة ، واستعمل عليها الحجاج ، ففعل ما قدمنا ذكره . وفيها استقضى ~~عبد الملك أبا إدريس الخولاني . وفيها استعمل عبد الملك أمية بن عبد الله ~~بن خالد بن أسيد ، على خراسان ، وعزل عنها بكير بن وساج ، فسار أمية إليها ~~، فلقيه بحير بن ورقاء بنيسابور ، وأخبره عن خراسان وما يحسن به طاعة أهلها ~~، ورفع على بكير أموالا أخذها وحذره غدره ، وسار معه حتى قدم مرو ، وكان ~~أمية كريما فلم يعرض ms4729 لبكير ولا لعماله ، وعرض عليه شرطته ، فأبى فولاها ~~بحير بن ورقاء ، ثم خير بكيرا أن يوليه ما شاء من خراسان ، فاختار طخارستان ~~. قال : فتجهز لها ، فأنفق مالا كثيرا ؛ فقال بحير لأمية : إن أتى طخارستان ~~خلعك ، وحذره فلم يوله . PageV21P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" وفيها استعمل عبد الملك حسان بن النعمان ~~الغساني على إفريقية ، وسيذكر ذلك إن شاء الله في أخبار إفريقية . وحج ~~بالناس في هذه السنة الحجاج بن يوسف . وفيها توفي بشر بن مروان بالبصرة ، ~~واستخلف قبل وفاته خالد ابن عبد الله بن خالد على البصرة ، وكان خليفته على ~~الكوفة عمرو ابن حريث ؛ فكانوا على ذلك إلى أن قدم الحجاج بن يوسف الثقفي ~~أميرا سنة خمس وسبعين . ذكر ولاية الحجاج بن يوسف العراق وما فعله عند ~~مقدمه وفي هذه السنة استعمل عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي على ~~العراق دون خراسان وسجستان ، وأرسل إليه بعهده وهو بالمدينة ، فسار في اثني ~~عشر راكبا على النجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار ، فبدأ بالمسجد ، ~~فصعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء ، فقال : علي بالناس ، فحسبوه ~~خارجيا ، فهموا به وهو جالس على المنبر ينتظر اجتماعهم ، فاجتمع الناس وهو ~~ساكت قد أطال السكوت ، فتناول عمير بن ضابيء البرجمي حصى وقال : ألا أحصبه ~~لكم فقالوا : أمهل حتى ننظر . وقيل : إن الذي هم بحصبه محمد بن عمير وقال : ~~قاتله الله ما أعياه وأدمه ، والله إني لأحسب خبره كرؤياه . فلما تكلم ~~الحجاج جعل الحصى ينتثر من يده وهو لا يعقل ، فلما رأى عيون الناس إليه حسر ~~الثام عن وجهه ونهض فقال : أنا ابن جلا وطلاع الثنايا . . . متى أضع ~~العمامة تعرفوني أما والله إني لأحمل الشر محمله ، فآخذه بفعله ، وأجزيه ~~بمثله ، وإني لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها ، وإني لصاحبها ، وإني لأنظر ~~إلى الدماء بين العمائم واللحي قد شمرت عن ساقها تشميراه . هذا أوان الشد ~~فاشتدى زيم . . . قد لفها الليل بسواق حطم PageV21P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" ليس براعي إبل ولا غنم . . . ولا بجزار على ~~ظهر وضم مهاجر ليس بأعرابي ms4730 قد شمرت عن ساقها فشدوا . . . وجدت الحرب بكم ~~فجدوا والقوس فيها وتر عرد . . . مثل ذراع البكر أو أشد ليس أوان يكره ~~الخلاط . . . جاءت به والقلص الأعلاط يهوى هوى سابق الغطاط إني والله يأهل ~~العراق ما يقعقع لي بالشنان ، ولا يغمز جانبي تغماز التين ، ولقد فررت عن ~~ذكاء ، وفتشت عن تجربة ، وجريت إلى الغاية القصوى . ثم قرأ : وضرب الله ~~مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأيتها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله ~~فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون . فأنتم أولئك وأشباه ~~أولئك . إن أمير المؤمنين عبد الملك نثر كنانته فعجم عيدانها عودا عودا ، ~~فوجدني أمرها عودا ، وأصلبها مكسرا ، فوجهني إليكم ، ورمى بي في نحوركم ، ~~فإنكم أهل بغي وخلاف وشقاق ونفاق ، طالما أوضعتم في الشر ، واضطجعتم في ~~الضلالة ، وسننتم سنن الغي ، فاستوثقوا واستقيموا ، فوالله لأذيقنكم الهوان ~~ولأمرينكم حتى تدروا ، ولألحونكم لحو العود ، ولأعصبنكم عصب السلم ، حتى ~~تذلوا ، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل حتى تذروا العصيان وتنقادوا ، ولأقرعنكم ~~قرع المروة حتى تلينوا . إني والله ما أعد إلا وفيت ، ولا أهم إلا أمضيت ، ~~ولا أخلق إلا فريت ، فإياي وهذه الجماعات ، فلا يركبن رجل إلا وحده ، ~~PageV21P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" أقسم بالله لتقبلن على الإنصاف ، ولتدعن ~~الإرجاف ، وقيلا وقالا ، وما يقول فلان ، وأخبرني فلان ، أو لأدعن لكل رجل ~~منكم شغلا في جسده ، فيم أنتم وذاك ، والله لتستقيمن على الحق أو لأضربنكم ~~بالسيف ضربا يدع النساء أيامى والولدان يتامى ، وحتى تذروا السمهى وتقلعوا ~~عن هاوها ، ألا إنه لو ساغ لأهل المعصية معصيتهم ما جبى فيء ولا قوتل عدو ، ~~ولعطلت الثغور ، ولولا أنهم يغزون كرها ما غزوا طوعا ، ولقد بلغني رفضكم ~~المهلب وإقبالكم على مصركم عاصين مخالفين وإني أقسم بالله لا أجد أحدا من ~~عسكره بعد ثالثة إلا ضربت عنقه ، وأنهبت داره . ثم أمر بكتاب عبد الملك ~~فقريء ، فلما قال القارئ : بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الملك بن مروان ~~أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين : سلام عليكم ، فإني أحمد الله ~~إليكم - فلم يقل أحد ms4731 شيئا ، فقال : اكفف ، ثم قال : يا عبيد العصا ، يسلم ~~عليكم أمير المؤمنين فلا يرد راد منكم السلام . هذا أدب ابن نهية ، أدبكم ~~به ، والله لأودبنكم غير هذا الأدب ، أو لتستقيمن . ثم قال ، للقاريء : ~~اقرأ . فلما بلغ سلام عليكم قالوا بأجمعهم : وعلى أمير المؤمنين السلام ~~ورحمة الله . ثم نزل ودخل منزلة ، ودعا العرفاء وقال : ألحقوا الناس ~~بالمهلب ، وائتوني بالبراءات بموافاتهم ، ولا تغلقن أبواب الجسر ليلا ولا ~~نهارا حتى تنقضي هذه المدة . قال : فلما كان في اليوم الثالث سمع تكبيرا في ~~السوق ، فخرج وجلس على المنبر ، فقال : يأهل العراق ، يأهل الشقاق والنفاق ~~ومساويء الأخلاق ، إني سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به وجه الله ، ~~ولكنه التكبير الذي يراد به لترهيب ، وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف ، يا ~~بني اللكيعة ، وعبيد العصا ، وأبناء الأيامى ، ألا يربع رجل منكم على ظلعه ~~ويحسن حقن دمه ، ويعرف موضع قدمه ، فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة ~~تكون نكالا لما قبلها وأدبا لما بعدها . فقام إليه عمير بن ضابيء الحنظلي ~~التميمي ، فقال : أصلح الله الأمير ، أنا في هذا البعث وأنا شيخ كبير عليل ~~، وابني هذا هو أقوى مني على الأسفار أفتقبله مني PageV21P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" بديلا ؟ فقال : نفعل . ثم قال : ومن أنت ؟ ~~قال : أنا عمير بن ضابيء . قال : أسمعت كلامنا بالأمس قال : نعم . قال : ~~ألست الذي غزا عثمان بن عفان ؟ قال : بلى . قال : يا عدو الله ، أفلا بعثت ~~بديلا إلى أمير المؤمنين ، وما حملك على ذلك ؟ قال : إنه حبس أبي ، وكان ~~شيخا كبيرا . قال : أولست القائل : هممت ولم أفعل وكدت وليتني . . . تركت ~~على عثمان تبكي حلائله إني لأحسب أن في قتلك صلاح المصرين ، وأمر به فضربت ~~رقبته ، وأنهب ماله ، وأمر مناديا فنادى : ألا إن عمير بن ضابيء أتى بعد ~~ثالثة ، وكان قد سمع النداء ، فأمرنا بقتله ، ألا وإن ذمة الله بريئة ممن ~~بات الليلة من جند المهلب . فخرج الناس فازدحموا على الجسر ، وخرج العرفاء ~~إلى المهلب وهو برامهرمز ، فأخذوا كتبه بالموافاة ، فقال المهلب : قدم ~~العراق اليوم رجل ms4732 ذكر ، اليوم فويل العدو . وقال : ولما قتل الحجاج عميرا ~~لقى إبراهيم بن عامر الأسدي عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما في السوق ، ~~فسأله عن الخبر ، فقال : أقول لإبراهيم لما لقيته . . . أرى الأمر أضحى ~~منصبا متشعبا تجهز فأسرع والحق الجيش لا أرى . . . سوى الجيش إلا في ~~المهالك مذهبا تخير فإما أن تزور ابن ضابيء . . . عميرا وإما أن تزور ~~المهلبا هما خطتا خسف نجاؤك منهما . . . ركوبك حوليا من الثلج أشهبا فحال ~~ولو كانت خراسان دونه . . . رآها مكان السوق أو هي أقربا قال : وكان الحجاج ~~أول من عاقب بالقتل على التخلف عن الوجه الذي يكتب إليه . قال الشعبي : كان ~~الرجل إذا أخل بوجهه الذي يكتب إليه زمن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ~~نزعت عمامته ويقام للناس ، ويشهر أمره ، فلما ولي مصعب قال : ما هذا بشيء ، ~~وأضاف إليه حلق الرؤوس واللحي ، فلما ولي بشر بن مروان زاد PageV21P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" فيه ، فصار يرفع الرجل عن الأرض ويسمر في ~~يديه مسماران في حائط ، فربما مات ، وربما خرق المسمار يده ، فسلم . فلما ~~ولي الحجاج قال : كل هذا لعب ، أضرب عنق من يخل بمكانه من الثغر . قال : ~~وكان قدوم الحجاج في شهر رمضان ، فوجه الحكم بن أيوب الثقفي على البصرة ~~أميرا ، وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله ، فبلغ الخبر خالدا فخرج عن ~~البصرة فنزل الجلحاء وشيعه أهل البصرة فقسم فيهم ألف ألف . ذكر وثوب أهل ~~البصرة بالحجاج قال : ثم خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة ، واستخلف على ~~الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة . فلما قدم البصرة خطبهم بمثل خطبته ~~بالكوفة ، وتوعد من رآه منهم بعد ثالثة ، ولم يلحق بالمهلب ، فأتاه شريك بن ~~عمرو اليشكري وكان به فتق ، فقال : أصلح الله الأمير ، إن بي فتقا ، وقد ~~رآه بشر بن مروان فعذرني ، وهذا عطائي مردود في بيت المال ، فأمر به فضربت ~~عنقه ، فلم يبق بالبصرة أحد من عسكر المهلب إلا لحق به . ثم سار الحجاج إلى ~~رستقباذ ، وبينها وبين المهلب ثمانية عشر فرسخا ، وقال حين ms4733 نزل بها : يأهل ~~المصرين ، هذا المكان والله مكانكم شهرا بعد شهر ، وسنة بعد سنة ، حتى يهلك ~~الله عدوكم ، هؤلاء الخوارج المطلين عليكم . ثم خطب يوما فقال : إن الزيادة ~~التي زادكم إياها ابن الزبير إنما هي زيادة ملحد فاسق منافق ، ولسنا نجيزها ~~- وكان مصعب قد زاد الناس في العطاء مائة مائة - فقال عبد الله بن الجارود ~~: إنها ليست زيادة ابن الزبير ، إنما هي زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد ~~أنفذها وأجازها على يد أخيه بشر . فقال له الحجاج : ما أنت والكلام لتحسنن ~~حمل رأسك أو لأسلبتك إياه . فقال : ولم ؟ إني لك لناصح ، وإن هذا لقول من ~~ورائي . فنزل الحجاج ومكث أشهرا لا يذكر الزيادة ، ثم أعاد القول فيها ، ~~فرد عليه ابن الجارود مثل رده الأول ، فقام مصقلة بن كرب العبدي ، فقال : ~~إنه ليس للرعية أن ترد PageV21P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" على راعيها ، وقد سمعنا ما قال الأمير ، ~~فسمعا وطاعة فيما أحب وكرهنا . فسبه ابن الجارود وقام فأتاه وجوه الناس ~~فصوبوا رأيه وقوله ، وقال الهذيل بن عمران البرجمي وعبد الله بن حكيم بن ~~زياد المجاشعي وغيرهما : نحن معك وأعوانك ، إن هذا الرجل غير كاف حتى ~~ينقصنا هذه الزيادة فهلم نبايعك على إخراجه من العراق ، ثم نكتب إلى عبد ~~الملك أن يولي علينا غيره ، فإن أبى خلعناه ، فإنه هائب لنا ما دامت ~~الخوارج . فبايعه الناس سرا ، وأعطوه المواثيق على الوفاء ، وبلغ الحجاج ما ~~هم فيه ، فأحرز بيت المال . فلما تم لهم أمرهم أظهروه ، وذلك في شهر ربيع ~~الآخر سنة ست وسبعين ، واجتمع الناس على ابن الجارود حتى لم يبق مع الحجاج ~~إلا خاصته وأهل بيته ، وأرسل الحجاج أعين صاحب حمام أعين إلى ابن الجارود ~~يستدعيه ، فقال : لا كرامة لابن أبي رغال ، ولكن ليخرج عنا مذموما مدحورا ، ~~وإلا قاتلناه . قال أعين : فإنه يقول لك : أتطيب نفسا بقتلك وقتل بيتك ~~وعشيرتك والذي نفسي بيده لئن لم تأت لأدعن قومك وأهلك خاصة حديثا للغابرين ~~. وكان الحجاج قد حمل أعين هذه الرسالة ؛ فقال ابن الجارود : لولا أنك رسول ms4734 ~~لقتلتك يا ابن الخبيثة ، وأمر فوجيء في عنقه ، وأخرج . وأقبل ابن الجارود ~~بالناس زحفا نحو الحجاج ، وكان رأيهم أن يخرجوه عنهم ولا يقاتلوه . فلما ~~صاروا إليه نهبوا ما في فسطاطه ، وأخذوا ما قدروا عليه من متاعه ودوابه ، ~~وجاء أهل اليمن فأخذوا امرأته ابنة النعمان بن بشير ، وجاءت مضر فأخذوا ~~امرأته الأخرى أم سلمة بنت عبد الرحمن بن عمرو أخي سهيل بن عمرو . ثم إن ~~القوم انصرفوا عن الحجاج وتركوه . فأتاه قوم من أهل البصرة فصاروا معه خوفا ~~من محاربة الخليفة ، فجعل الغضبان ابن القبعثري الشيباني يقول لابن الجارود ~~: تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك . أما ترى من قد أتاه منكم ؟ ولئن أصبح ~~ليكثرن ناصره ، ولتضعفن منتكم . فقال : قد قرب المساء ، ولكنا نعاجله ~~بالغداة ، وكان مع الحجاج عثمان بن قطن ، وزياد بن عمرو العتكي ، وكان زياد ~~على شرطته بالبصرة ، فقال لهما : ما تريان ؟ PageV21P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" فقال زياد : أرى أن آخذ لك من القوم أمانا ~~وتخرج حتى تلحق بأمير المؤمنين ، فقد ارفض أكثر الناس عنك ، ولا أرى لك أن ~~تقاتل بمن معك . فقال عثمان بن قطن الحارثي : لكني لا أرى ذلك ، إن أمير ~~المؤمنين قد شركك في أمره ، وخلطك بنفسه ، واستنصحك وسلطك ، فسرت إلى ابن ~~الزبير وهو أعظم الناس خطرا فقتلته ، فولاك الله شرف ذلك وسناءه ، وولاك ~~أمير المؤمنين العراقين ، فحيث جريت إلى المدى وأصبت الغرض الأقصى تخرج على ~~قعود إلى الشام ، والله لئن فعلت لا نلت من عبد الملك مثل الذي أنت فيه من ~~السلطان أبدا ، ولكني أرى أن نمشي بسيوفنا معك فنقاتل حتى نلقى ظفرا أو ~~نموت كراما . فقال له الحجاج : الرأي ما رأيت ، وحفظ هذه لعثمان ، وحقدها ~~على زياد ، وجاء عامر بن مسمع إلى الحجاج فقال : إني قد أخذت لك أمانا من ~~الناس ، فجعل الحجاج يرفع صوته ليسمع الناس ويقول : والله لا أؤمنهم أبدا ~~حتى يأتوا بالهذيل وعبد الله بن حكيم . ومر عباد بن الحصين الحبطي بابن ~~الجارود وابن الهذيل وابن حكيم وهم يتناجون ، فقال : أشركونا في نجواكم ms4735 . ~~فقالوا : هيهات أن يدخل في نجوانا أحد من الحبط ، فغضب وسار إلى الحجاج في ~~مائة رجل ، فقال له الحجاج : ما أبالي من تخلف بعدك . وأتاه قتيبة بن مسلم ~~في قومه من بني أعصر ، وكان الحجاج قد يئس من الحياة ، فلما جاءه هؤلاء ~~اطمأن ، ثم جاءه سبرة بن علي الكلابي ، وسعيد بن أسلم بن زرعة ، وجعفر بن ~~عبد الرحمن بن مخنف الأزدي ، وأرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع يقول : إن ~~شئت أتيتك ، وإن شئت أقمت وثبطت الناس عنك . فقال : أقم وثبط الناس عني . ~~فلما اجتمع للحجاج عدد يمنع بمثلهم خرج ، وعبأ أصحابه ، وتلاحق الناس به ، ~~فلما أصبح إذا حوله ستة آلاف ، فقال ابن الجارود لعبيد الله بن زياد بن ~~ظبيان : ما الرأي ؟ قال : تركت الرأي أمس حين قال لك الغضبان : تعش بالجدي ~~قبل أن يتغدى بك . وقد ذهب الرأى وبقي الصبر . فحرض ابن الجارود الناس ، ~~وزحف بهم وعلى ميمنته الهذيل ابن عمران ، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد بن ~~ظبيان ، وتقدم الحجاج وعلى ميمنته قتيبة بن مسلم ، ويقال عباد بن الحصين ، ~~وعلى ميسرته سعيد بن أسلم ، فحمل ابن الجارود PageV21P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" في أصحابه حتى جاوز أصحاب الحجاج ، فعطف ~~الحجاج عليه ، ثم اقتتلوا ساعة وعاد ابن الجارود بظفر ، فأتاه سهم غرب ~~فقتله ، ونادى منادي الحجاج بأمان الناس إلا الهذيل وعبد الله بن حكيم ، ~~وأمر ألا يتبع المنهزمون . فانهزم عبيد الله بن زياد بن ظبيان ، فأتى سعيد ~~ابن عباد الجلندي الأزدي بعمان ، فقيل لسعيد : إنه رجل فاتك فاحذره ، فلما ~~جاء البطيخ بعث إليه بنصف بطيخة مسمومة ، وقال : هذا أول شيء جاءنا منه ، ~~وقد أكلت نصف هذه ، وبعثت إليك بنصفها ؛ فأكلها عبيد الله فأحس بالشر ، ~~فقال : أردت أن أقتله فقتلني . قال : وحمل رأس ابن الجارود وثمانية عشر من ~~وجوه أصحابه إلى المهلب ، فنصبت ليراها الخوارج وييأسوا من الاختلاف . وحبس ~~الحجاج عبيد بن كعب النميري ومحمد بن عميرين عطارد ، فإنه كان قد بعث إلى ~~كل منهما يقول : هلم إلي فامنعنين فقال : إن أتيتني ms4736 منعتك . وحبس الغضبان ~~وقال : أنت القائل : تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك فقال : ما نفعت من قيلت له ~~ولا ضرت من قيلت فيه فكتب عبد الملك إلى الحجاج بإطلاقه . ذكر ما كلم به ~~الحجاج أنس بن مالك رضي الله عنه وشكواه إياه وما كتب به عبد الملك من ~~الإنكار على الحجاج وسبه بسببه قال : كان عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري ~~رضي الله عنه ممن قتل مع ابن الجارود ، فلما دخل الحجاج البصرة أخذ ماله ، ~~فدخل عليه أنس بن مالك رضي الله عنه ، فحين رآه الحجاج قال له : لا مرحبا ~~ولا أهلا ، إيه يا خبثة ؛ شيخ ضلالة ، جوال في الفتن ، مرة مع أبي تراب ، ~~ومرة مع ابن الزبير ، ومرة مع ابن الجارود ؛ أما والله لأجردنك جرد القضيب ~~، ولأعصبنك عصب السلمة ، ولأفلعنك قلع الصمغة . فقال أنس : من يعني الأمير ~~؟ فقال : إياك أعني ، أصم الله صداك . فرجع أنس ، فكتب إلى عبد الملك كتابا ~~يشكو فيه الحجاج وما صنع به . PageV21P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" فكتب عبد الملك إلى الحجاج : أما بعد يا بن ~~أم الحجاج فإنك عبد طمت بك الأمور فغلوت فيها حتى عدوت طورك ، وتجاوزت قدرك ~~، يا بن المستفرمة بعجم الزبيب لأغمزنك غمزة كبعض غمزات الليوث الثعالب ، ~~ولأخبطنك خبطة تود لها لو أنك رجعت في مخرجك من بطن أمك . أما تذكر حال ~~آبائك بالطائف حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم ، ويحفرون الآبار ~~بأيديهم في أوديتهم ومياههم ؛ أم نسيت حال آبائك في اللؤم والدناءة في ~~المروءة والخلق . وقد بلغ أمير المؤمنين الذي كان منك إلى أنس بن مالك جرأة ~~وإقداما ، وأظنك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين في أمره فتعلم إنكاره ~~ذلك وإضغاءه عنك ، فإن سوغك ما كان منك مضيت عليه قدما ، فعليك لعنة الله ~~من عبد أخفش العينين ، أصك الرجلين ، ممسوح الجاعرتين ، ولولا أن أمير ~~المؤمنين ظن أن الكاتب كثر في الكتابة عن الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك ~~لأتاك من يسحبك ظهرا لبطن حتى يأتي بك أنسا فيحكم فيك ، فأكرم أنسا ms4737 وأهل ~~بيته ، واعرف له حقه وخدمته رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولا تقصرن ~~في شيء من حوائجه ، ولا يبلغن أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدم فيه إليك من ~~أمر أنس وبره وإكرامه ، فيبعث إليك من يضرب ظهرك ، ويهتك سترك ، ويشمت بك ~~عدوك ، والقه في منزله متنصلا إليه ، وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك ، ~~إن شاء الله . والسلام . وبعث بالكتاب مع إسماعيل بن عبد الله مولى بني ~~مخزوم ، فأتى إسماعيل أنسا بكتاب عبد الملك فقرأه ، وأتى الحجاج بالكتاب ~~فجعل يقرؤه ووجهه يتغير ويتمعر ، وجبينه يرشح عرقا ، ثم قال : يغفر الله ~~لأمير المؤمنين . ثم اجتمع بأنس فرحب به الحجاج ، وأدناه ، واعتذر إليه ، ~~وقال : أردت أن يعلم أهل العراق إذ كان من ابنك ما كان وإذ بلغت منك ما ~~بلغت أني إليهم بالعقوبة أسرع . فقال أنس : ما شكوت حتى بلغ مني الجهد ، ~~وقد زعمت أنا الأشرار ، وقد سمانا الله الأنصار ، وزعمت أنا أهل النفاق ، ~~ونحن الذين تبوءوا الدار والإيمان ، PageV21P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" وسيحكم الله بيننا وبينك ، فهو أقدر على ~~التغيير ، لا يشبه الحق عنده الباطل ، ولا الصدق الكذب ، وزعمت أنك اتخذتني ~~ذريعة وسلما إلى مساءة أهل العراق باستحلال ما حرم الله عليك مني ، ولم يكن ~~لي عليك قوة ، فوكلتك إلى الله ثم إلى أمير المؤمنين ، فحفظ من حقي ما لم ~~تحفظ ، فوالله لو أن النصارى على كفرهم رأوا رجلا خدم عيسى ابن مريم يوما ~~واحدا لعرفوا من حقه ما لم تعرف أنت من حقي ، وقد خدمت سول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) عشر سنين . وبعد فإن رأينا خيرا حمدنا الله عليه ، وأثنينا ، ~~وإن رأينا غير ذلك صبرنا . والله المستعان . ورد عليه الحجاج ما كان أخذ ~~منه . ذكر ولاية سعيد بن أسلم السند وقتله وولاية مجاعة بن سعر التميمي ~~ووفاته وفي هذه السنة استعمل الحجاج على السند سعيد بن أسلم ابن زرعة ، ~~فخرج عليه معاوية ومحمد ابنا الحارث العراقيان . فقتلاه وغلبا على البلاد ، ~~فأرسل الحجاج مجاعة بن سعر التميمي إلى السند ، فغلب على ms4738 ذلك الثغر ، وغزا ~~وفتح أماكن من قندابيل ، ومات مجاعة بعد سنة بمكران . والله أعلم . ذكر خبر ~~الزنج بالبصرة قال : كان الزنج قد اجتمعوا بفرات البصرة في آخر أيام مصعب ، ~~ولم يكونوا بالكثير ، فأفسدوا . فلما ولي خالد بن عبد الله البصرة كثروا ، ~~فشكا الناس إليه ما ينالهم منهم ، فجمع لهم جيشا ، فلما بلغهم ذلك تفرقوا ، ~~وأخذ بعضهم فقتلهم وصلبهم ، فلما كان من أمر ابن الجارود ما ذكرناه اجتمع ~~من الزنج خلق كثير بالفرات ، وجعلوا عليهم رجلا منهم اسمه رباح ويلقب ~~شيرزنجي يعني أسد الزنج ، فأفسدوا ، فأمر الحجاج زياد بن عمرو وهو على شرطة ~~البصرة أن يرسل إليهم جيشا ، فندب ابنه حفص بن زياد فقتلوه ، وهزموا أصحابه ~~، فسير إليهم جيشا آخر فهزم الزنج وقتلهم ، واستقامت البصرة . وفي هذه ~~السنة حج عبد الملك بالناس فخطب الناس بالمدينة ، فقال بعد حمد الله ~~والثناء عليه : PageV21P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" أما بعد فإني لست بالخليفة المستضعف - يعني ~~عثمان ، ولا بالخليفة المداهن - يعني معاوية ، ولا بالخليفة المأفون - يعني ~~يزيد ، ألا وإني لا أداوي هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم ، ~~وإنكم تكلفونا أعمال المهاجرين الأولين ولا تعملون مثل أعمالهم ، وإنكم ~~تأمروننا بتقوى الله وتنسون ذلك من أنفسكم ، والله لا يأمرني أحد بتقوى ~~الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه ، ثم نزل . سنة ست وسبعين ذكر ضرب ~~الدنانير والدراهم الاسلامية وفي هذه السنة ضرب عبد الملك بن مروان ~~الدنانير والدراهم الإسلامية ، وهو أول من أحدث ضربها في الإسلام ؛ وكان ~~سبب ذلك أنه كتب في صدور الكتب إلى الروم : قل هو الله أحد . وذكر النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) مع التاريخ . فكتب إليه ملك الروم : إنكم قد أحدثتم ~~هذا فاتر كوه ، وإلا أتاكم في دنانيرنا من ذكر نبيكم ما تكرهون . فعظم ذلك ~~على عبد الملك ، واستشار خالد بن يزيد بن معاوية ، فقال : حرم دنانيرهم ، ~~واضرب للناس سكة فيها ذكر الله تعالى . فضرب الدنانير والدراهم ونقش عليها ~~: قل هو الله أحد . فكره الناس ذلك لمكان القرآن ؛ لأن الجنب والحائض تمسها ms4739 ~~، ثم ضربها الحجاج . وقد قيل : إن مصعب بن الزبير ضرب دراهم قليلة أيام ~~أخيه عبد الله ، ثم كسرت بعد ذلك في أيام عبد الملك . والصحيح أن عبد الملك ~~أول من ضرب الدنانير والدراهم في الإسلام . وفيها استعمل عبد الملك أبان بن ~~عثمان على المدينة . وفيها ولد مروان بن محمد بن مروان . وحج بالناس في هذه ~~السنة أبان بن عثمان وهو أمير المدينة ، وكان على العرق الحجاج ، وعلى ~~خراسان أمية بن عبد الله ، وعلى قضاء الكوفة شريح ، وعلى قضاء البصرة زرارة ~~بن أوفى . PageV21P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" سنة سبع وسبعين ذكر مقتل بكير بن وساج وفي ~~هذه السنة قتل أمية بن عبد الله أمير خراسان بكير بن وساج ، وسبب ذلك أن ~~أمية أمر بكيرا أن يتجهز لغزو ما وراء النهر ، فتجهز وأنفق نفقة كبيرة ، ~~فقال بحير بن ورقاء لأمية : إن صار بينك وبينه النهر خلع الخليفة . فأرسل ~~إليه أمية يقول : أقم لعلي أغزو فتكون معي ، فغضب بكير ، وكان قبل ذلك قد ~~ولاه طخارستان ، وأنفق نفقة عظيمة ، فحذره بحير منه فمنعه منها ، ثم إن ~~أمية تجهز للغزو إلى بخارى وتجهز معه الناس ، وفيهم بكير بن وساج ، فلما ~~بلغوا النهر وأرادوا قطعه قال أمية لبكير : إني قد استخلفت ابني على خراسان ~~وأخاف أنه لا يضبطها ، لأنه غلام حدث ، فارجع إلى مرو فاكفنيها ، فقد ~~وليتكها ، فقم بأمر ابني . فانتخب بكير فرسانا كان قد عرفهم ووثق بهم ، ~~ورجع . ومضى أمية إلى بخارى فقال عقاب الغداني لبكير : إنا طلبنا أميرا من ~~قريش ، فجاءنا أمير يلعب بنا ، يحولنا من سجن إلى سجن ، وإني أرى أن نحرق ~~هذه السفن ، ونمضي إلى مرو ، ونخلع أمية ونقيم بمرو ، نأكلها إلى يوم ما ، ~~ووافقه الأحنف بن عبد الله العنبري على هذا ، فقال بكير : أخاف أن يهلك ~~هؤلاء الفرسان الذين معي . قال : إن هلك هؤلاء أنا آتيك من أهل مرو بما شئت ~~. قال : يهلك المسلمون . قال : إنما يكفيك أن ينادي مناد : من أسلم رفعنا ~~عنه الخراج ، فيأتيك خمسون ألفا أسمع من هؤلاء وأطوع ms4740 . قال : فيهلك أمية ~~ومن معه . قال : ولم يهلكون ولهم عدد وعدة ونجدة وسلاح ظاهر ، ليقاتلوا عن ~~أنفسهم حتى يبلغوا الصين . فأحرق بكير السفن ، ورجع إلى مرو ، فحبس ابن ~~أمية وخلع أمية ، وبلغ أمية الخبر ، فصالح أهل بخارى على فدية قليلة ، ورجع ~~وأمر باتخاذ السفن ، وعبر ، وذكر للناس إحسانه إلى بكير مرة بعد أخرى ، ~~وأنه كافأه بالعصيان . وسار إلى مرو ، وأرسل شماس بن دثار في ثمانمائة ، ~~فسار بكير إليهم ، فانهزم شماس ، وأمر أصحابه ألا يقتلوا منهم أحدا ، ~~فكانوا يأخذون سلاحهم ويطلقونهم . وقدم أمية فتلقاه شماس ، فقدم ثابت ابن ~~قطبة فلقيه بكير فأسره ، وفرق جمعه ، ثم أطلقه ليد كانت لثابت عنده . وأقبل ~~أمية وقاتله بكير فكان بينهم وقعات في أيام ، فانكشف أصحاب بكير في بعضها ، ~~فاتبعه حريث بن قطبة حتى بلغ القنطرة وناداه إلى أين يا بكير فرجع فضربه ~~حريث على رأسه فقطع المغفر ، وعض السيف برأسه فقطع فصرع ، واحتمله أصحابه ~~فأدخلوه البلد . PageV21P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" وكان أصحاب بكير يفدون في الثياب المصبغة ~~فيجلسون يتحدثون . وينادي مناديهم من رمي بسهم رمينا إليه برأس رجل من ولده ~~وأهله ، فلا يريهم أحد . وخاف بكير إن طال الحصار أن يخذله الناس ، فطلب ~~الصلح ؛ وأحب ذلك أيضا أصحاب أمية ، فاصطلحوا على أن يقضي عنه أمية ~~أربعمائة ألف ، ويصل أصحابه ويوليه أي كور خراسان شاء ، ولا يسمع قول بحير ~~فيه ، وإن رابه ريب فهو آمن أربعين يوما . ودخل أمية مدينة مرو ، ووفى ~~لبكير ، وعاد إلى ما كان من الكرامة ، وأعطى أمية عقابا عشرين ألفا ، وكان ~~أمية سهلا لينا سخيا ، وكان مع ذلك ثقيلا على أهل خراسان ، وكان فيه زهد . ~~وعزل أمية بحيرا عن شرطته وولاها عطاء بن أبي السائب ، وطالب أمية الناس ~~بالخراج واشتد عليهم ، فجلس بكير في المسجد وعنده الناس ، فذكروا شدة أمية ~~فذموه وبحير ، وضرار بن حصن ، وعبد العزيز بن جارية بن قدامة في المسجد ، ~~فنقل بحير ذلك إلى أمية فكذبه ، فادعى شهادة هؤلاء ، فشهد مزاحم بن أبي ~~المجشر السلمي أنه كان يمزح ، فتركه أمية ms4741 ، ثم إن بحيرا أتى أمية وقال : ~~والله إن بكيرا قد دعاني إلى خلعك ، وقال : لولا مكانك لقتلت هذا القرشي ، ~~وأكلت خراسان . فلم يصدقه أمية ، فاستشهد جماعة ذكر بكير أنهم أعداؤه . ~~فقبض أمية على بكير وعلى ابني أخيه : بدل ، وشمردل ، ثم أمر بعض الرؤساء ~~بقتل بكير ، فامتنعوا فأمر بحيرا بقتله فقتله ، وقتل أمية ابني أخي بكير . ~~وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان . وفيها مات جابر بن عبد الله بن ~~عمرو الأنصاري . سنة ثمان وسبعون في هذه السنة عزل عبد الملك بن مروان أمية ~~بن عبد الله عن خراسان وسجستان ؛ وضمهما إلى أعمال الحجاج ، فاستعمل الحجاج ~~المهلب بن أبي صفرة على خراسان وعبيد الله بن أبي بكرة على سجستان ، فبعث ~~المهلب ابنه حبيبا إلى خراسان ، فلما ودع الحجاج أعطاه بغلة خضراء ، فسار ~~عليها وأصحابه على البريد ، فوصل خراسان في عشرين يوما ، فلما دخل باب مرو ~~لقيه حمل حطب ، فنفرت البغلة فعجبوا من نفارها بعد ذلك التعب وشدة السير ، ~~ولم يعرض لأمية ولا لعماله ، وأقام عشرة أشهر حتى قدم عليه المهلب في سنة ~~تسع وسبعين . PageV21P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" وحج بالناس في هذه السنة . أبان بن عثمان ، ~~وكان العمال من ذكرنا ، وعلى قضاء الكوفة شريح ، وعلى قضاء البصرة موسى بن ~~أنس . سنة تسع وسبعون في هذه السنة استعفى شريح بن الحارث من القضاء فأعفاه ~~الحجاج ، واستعمل على القضا ، أبا بردة بن أبي موسى . وحج بالناس أبان بن ~~عثمان وهو أمير المدينة . سنة ثمانون في هذه السنة حج بالناس أبان بن عثمان ~~، وفيها توفي أبو إدريس الخولاني ، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب . وقيل ~~سنة أربع وثمانين ، وقيل سنة خمس . وقيل سنة ست . وقيل سنة تسعين . والله ~~أعلم . وفيها توفي محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، وهو ابن ~~الحنفية ، ومات جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين . ذكر مقتل ~~بحير بن ورقاء سنة واحد وثمانون بشر القاتل بالقتل لأنه كان سببا وباعثا ~~لقتل بكير بن وساج في هذه ms4742 السنة قتل بحير بن ورقاء الصريمي . وكان سبب قتله ~~أنه لما قتل بكير بن وساج وكلاهما كان تميميا - قال عثمان بن رجاء ابن جابر ~~أحد بني عوف بن سعد من الأبناء ، والأبناء عدة بطون من تميم ، يحرض بعض آل ~~بكير من الأبناء على الطلب بثأره : العمري لقد أغضيت عينا على القذى . . . ~~وبت بطينا من رحيق مروق وخليت ثأرا طل واخترت نومة . . . ومن شرب الصهباء ~~بالوتر يسبق فلو كنت من عوف بن سعد ذؤابة . . . تركت بحيرا في دم مترقرق ~~فقل لبحير نم ولا تخش ثائرا . . . ببكر فعوف أهل شاء حلبق دع الضأن يوما قد ~~سبقتم بوتركم . . . وصرتم حديثا بين غرب ومشرق PageV21P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" وهبوا فلو أمسى بكير كعهده . . . لغاداهمو ~~زحفا بجأواء فيلق وقال أيضا : فلو كان بكر بارزا في أداته . . . وذي العرش ~~لم يقدم عليه بحير ففي الدهر إن أبقاني الدهر مطلب . . . وفي الله طلاب ~~بذاك جدير فبلغ بحيرا أن رهط بكير من الأبناء يتوعدونه ، فقال : توعدني ~~الأبناء جهلا كأنما . . . يرون فنائي مقفرا من بني كعب رفعت له كفى بعضب ~~مهند . . . حسام كلون الملح ذي رونق عضب فتعاقد سبعة عشر من بني عوف على ~~الطلب بدم بكير ، فخرج فتى منهم يقال له شمردل من البادية حتى قدم خراسان ، ~~فرأى بحيرا واقفا ، فحمل عليه فطعنه فصرعه ، وظن أنه قتله ، وركض ، فعثر به ~~فرسه فسقط عنه فقتل . وخرج صعصعة بن حرب العوفي من البادية ، ومضى إلى ~~سجستان ، فجاور قرابة لبحير مدة ، وادعى أنه من بني حنيفة من اليمامة ، ~~وأطال مجالستهم حتى أنسوا به ، ثم قال لهم : إن لي بخراسان ميراثا فاكتبوا ~~لي إلى بحير كتابا ليعينني على حقي . فكتبوا له ، وسار فقدم على بحي فأخبره ~~أنه من من بني حنيفة وأن له مالا بسجستان وميراثا بمرو ، وقدم ليبيعه ويعود ~~إلى اليمامة . فأنزله بحير ، وأمر له بنفقة ، ووعده المساعدة . وكان بحير ~~قد حذر ، فلما قال له : إنه من بني حنيفة أمنه ، وكان إذ ذاك في الغزو مع ~~المهلب . فقال له : أقيم معك حتى ms4743 ترجع إلى مرو ، فأقام شهرا يحضر معه باب ~~المهلب ، فجاء صعصعة يوما وبحير عند باب المهلب وعليه قميص ورداء ، فقعد ~~خلفه ، ودنا منه كأنه يكلمه ، فوجأه بخنجر معه في خاصرته ، فغيبه في جوفه ، ~~ونادى يا لثارات بكير فأخذ وأتي به المهلب ، فقال له : بؤسا لك ما أدركت ~~بثأرك ، وقتلت نفسك ، وما على بحير بأس فقال : لقد طعنته طعنة لو قسمت بين ~~الناس لماتوا . ولقد وجدت ريح بطنه في يدي . فحبسه المهلب ، ومات بحير من ~~الغد ، فقال صعصعة : اصنعوا الآن ما شئتم ، أليس قد خلت خدور نساء بني عوف ~~، وأدركت بثأري . والله لقد أمكنني منه ما صنعت . خاليا غير مرة ، فكرهت أن ~~أقتله سرا . PageV21P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" فقال المهلب : ما رأيت رجلا أسخى نفسا بالموت ~~من هذا ، وأمر بقتله ، فقتل . وقيل : إنه بعثه إلى بحير قبل أن يموت فقتله ~~، وغضبت عوف والأبناء وقالوا : علام قتل صاحبنا ، وإنما أخذ بثأره ، ~~فنازعتهم مقاعس والبطون ، وكلهم بطون من تميم ، حتى خاف الناس أن يعظم ~~الأمر ، فقال أهل الحجا : احملوا دم صعصعة ، واجعلوا دم بحير بواء ببكير ، ~~فودوا صعصعة ، فقال رجل من الأبناء يمدح صعصعة : لله در فتى تجاوز همه . . ~~. دون العراق مفاوزا وبحورا ما زال يدئب نفسه وركابه . . . حتى تناول في ~~الحزون بحيرا ذكر خلاف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج وما كان ~~بينهما من الحروب كان ابتداء خلافه على الحجاج في هذه السنة ، واستمرت ~~الوقائع التي نذكرها بينهما إلى سنة ثلاث وثمانين ، وقد رأينا أن نجمع ~~أخباره بجملتها في هذا الموضع ، ولا نقطعها بغيرها ، ونميز كل وقعة منها ~~بتاريخها . وكان سبب خلافه أن الحجاج لما بعثه في الجنود إلى بلاد رتبيل في ~~سنة ثمانين كما ذكرنا في الغزوات ، وملك ما ملك من من حصون رتبيل ، واستولى ~~على ما استولى عليه من بلاده ، وأقام ، وكتب إلى الحجاج يعرفه أنه رأى ~~التوغل في بلاد رتبيل حتى يعرفوا طرقها ويجبوا خراجها . فلما ورد كتابه على ~~الحجاج كتب إليه : إن كتابك كتاب امريء يحب الهدنة ms4744 ، ويستريح إلى الموادعة ~~، فامض إلى ما أمرتك من الوغول في أرضهم ، والهدم لحصونهم ، وقتل مقاتلتهم ~~، وسبى ذراريهم ، ثم أردفه كتابا آخر بنحو ذلك ، وفيه : أما بعد فمر من ~~قبلك من المسلمين فليحرثوا ويقيموا بها ، فإنها دارهم حتى يفتحها الله ~~عليهم . PageV21P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" ثم كتب إليه كتابا ثالثا كذلك ، ويقول : إن ~~مضيت إلى ما أمرتك وإلا فأخوك إسحاق بن محمد أمير الناس . فدعا عبد الرحمن ~~الناس وقال لهم : أيها الناس ، إني لكم ناصح ولصلاحكم محب ، ولكم في كل ما ~~يحيط به نفعكم ناظر ، وقد كان رأيي فيما بيني وبين عدوي ، مارضيه ذوو ~~أحلامكم وأولو التجربة منكم ، وكتبت بذلك إلى أميركم الحجاج ، فأتاني كتابه ~~يعجزني ويضعفني ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو ، وهي البلاد التي ~~هلك فيها إخوانكم بالأمس ، وإنما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم ، وآبى إذا ~~أبيتم . فثار إليه الناس وقالوا : بل ، نأبى على عدو الله ، ولا نسمع له ~~ولا نطيع . فكان أول من تكلم أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني ، وله صحبة ~~، فقال - بعد حمد الله : أما بعد فإن الحجاج يرى بكم ما رأى القائل الأول ~~إذ قال لأخيه : احمل عبدك على الفرس ، إن هلك هلك ، وإن نجا فلك . إن ~~الحجاج لا يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلايا كثيرة ، ويغشى بكم اللهوب ~~واللصوب ، فإن ظفرتم وغنمتم أكل البلاد وحاز المال ، وكان ذلك زيادة في ~~سلطانه ؛ وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذين لا يبالي عنتهم ، ~~ولا يبقى عليهم ، اخلعوا عدو الله الحجاج ، وبايعوا الأمير عبد الرحمن ، ~~فإني أشهدكم أني أول خالع . فنادى الناس من كل جانب : فعلنا فعلنا ، قد ~~خلعنا عدو الله . وقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعي ثانيا فتكلم ، وندب الناس ~~إلى مبايعة عبد الرحمن ، فبايعوه على خلع الحجاج ونفيه من العراق ، ولم ~~يذكر عبد الملك ، فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه على خلع الحجاج ونفيه ~~وعلى النصرة له ، فصالح عبد الرحمن رتبيل على أنه إن ظهر فلا خراج على ~~رتبيل أبدا ، وإن هزم ms4745 فأراده منعه . ثم جعل عبد الرحمن على بست عياض بن ~~هميان الشيباني وعلى زرنج عبد الله بن عامر التميمي ، وعلى كرمان خرشة بن ~~عمرو التميمي ، ورجع إلى العراق ، وجعل على مقدمته عطية بن عمرو العنبري . ~~PageV21P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" فلما بلغ فارس اجتمع الناس بعضهم إلى بعض ، ~~وقالوا : إذا خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك ، فاجتمعوا ~~إلى عبد الرحمن ، فكان أول الناس خلع عبد الملك تيجان ابن أبجر بن تيم الله ~~بن ثعلبة ، قام فقال : أيها الناس ، إني خلعت أبا ذبان كخلعي خاتمي ، فخلعه ~~الناس إلا قليلا منهم ، وبايعوا عبد الرحمن . وكانت بيعته يبايعون على كتاب ~~الله وسنة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعلى جهاد أهل الضلالة ، وخلعهم ، ~~وجهاد المحلين . فلما بلغ الحجاج خلعه كتب إلى عبد الملك بالخبر ، ويسأله ~~أن يعجل بعثة الجنود إليه . وسار الحجاج حتى بلغ البصرة . ولما وصل كتاب ~~الحجاج إلى عبد الملك هاله ، ودعا خالد بن يزيد فأقرأه الكتاب ، فقال : يا ~~أمير المؤمنين ، إن كان هذا الحدث من سجستان فلا تخفه ، وإن كان من خراسان ~~فإني أتخوف . فجهز عبد الملك الجند على البريد ، فكانوا يصلون من مائة ومن ~~خمسين وأقل من ذلك وأكثر ، وسار الحجاج من البصرة إلى تستر ، وقدم مقدمته ~~إلى دجيل ، فلقوا خيلا لعبد الرحمن ، فانهزم أصحاب الحجاج بعد قتال ، وذلك ~~يوم الأضحى سنة إحدى وثمانين ، وقتل منهم جمع كثير . فلما أتى خبر الهزيمة ~~إلى الحجاج رجع إلى البصرة وتبعه أصحاب عبد الرحمن ، فقتلوا من أصحابه ~~وأصابوا بعض أثقالهم . وأقبل الحجاج حتى نزل الزاوية ، وجمع عنده الطعام ، ~~وفرق في الناس مائة وخمسين ألف درهم ، وأقبل عبد الرحمن حتى دخل البصرة ~~فبايعه جميع أهلها . وكان السبب في سرعة إجابتهم إلى بيعته أن عمال الحجاج ~~كتبوا إليه إن الخراج قد انكسر ، وإن أهل الذمة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار ~~. فكتب إلى البصرة وغيرها : إن من كان له أصل في قرية فليخرج إليها ، فأخرج ~~الناس لتؤخذ منهم الجزية ، فجعلوا يبكون وينادون : يا محمداه ؟ يا محمداه ms4746 ؟ ~~وجعل قراء البصرة يبكون . فلما قدم ابن الأشعث إثر ذلك بايعوه على حرب ~~الحجاج ، وخلع عبد الملك ؛ وخندق الحجاج على نفسه ، وخندق عبد الرحمن على ~~البصرة ، وكان دخوله البصرة في آخر ذي الحجة . PageV21P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" ذكر الحرب بين الحجاج وابن الأشعث وانهزام ~~ابن الأشعث من البصرة إلى الكوفة وفي المحرم سنة اثنتين وثمانين اقتتل عسكر ~~الحجاج وعسكر ابن الأشعث قتالا شديدا ، وكان بينهم عدة وقعات ، فلما كان ~~آخر يوم من المحرم اشتد القتال ، فانهزم أصحاب الحجاج حتى انتهوا إليه ، ~~وقاتلوا على خنادقهم ، ثم تزاحفوا فتقوض أصحاب الحجاج ، فجثا على ركبتيه ، ~~وقال : لله در مصعب ما كان أكرمه حين نزل بن ما نزل ، وعزم على أنه لا يفر ~~. فحمل سفيان بن الأبرد على ميمنة ابن الأشعث فهزمها ، وانهزم أهل العراق ، ~~وأقبلوا نحو الكوفة مع عبد الرحمن ، وقتل منهم خلق كثير ، منهم : عقبة بن ~~عبد الغافر الأزدي وجماعة من القراء . ولما بلغ ابن الأشعث الكوفة تبعه أهل ~~القوة وأصحاب الخيل من البصرة ، واجتمع من بقي بالبصرة مع عبد الرحمن بن ~~عباس ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، فبايعوه ، فقاتل بهم الحجاج خمس ~~ليال أشد قتال رآه الناس ، ثم انصرف فلحق بابن الأشعث ومعه طائفة من أهل ~~البصرة ، وهذه الوقعة تسمى وقعة الزاوية . وقتل الحجاج في هذا اليوم بعد ~~الهزيمة أحد عشر ألفا خدعهم بالأمان ، أمر مناديا فنادى : الأمان لفلان ~~وفلان ، سمى رجالا ، فقال العامة : قد أمن الناس ، فحضروا عنده ، فأمر بهم ~~فقتلوا . قال : وكان الحجاج عند مسيره من الكوفة إلى البصرة استعمل عليها ~~عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي حليف بني أمية ، ~~فقصده مطر بن ناجية اليربوعي ، فتحصن منه ابن الحضرمي في القصر ، فوثب أهل ~~الكوفة مع مطر ، فأخرج ابن الحضرمي ومن معه من أهل الشام ، وكانوا أربعة ~~آلاف ، واستولى مطر على القصر ، واجتمع إليه الناس ، ففرق فيهم لكل إنسان ~~مائتي درهم . فلما وصل ابن الأشعث إلى الكوفة كان مطر بالقصر ، فخرج أهل ~~الكوفة يستقبلونه ms4747 ، فدخل الكوفة ، وقد سبق إليه همدان فكانوا حوله ، فأتى ~~القصر فمنعه مطر بن ناجية ومن معه من بني تميم ، فأصعد عبد الرحمن الناس في ~~السلاليم إلى القصر فأخذوه ، وأتى عبد الرحمن بمطر فحبسه ثم أطلقه . ~~PageV21P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" ذكر وقعة دير الجماجم وانهزام أصحاب ابن ~~الأشعث وعود الحجاج إلى الكوفة كانت وقعة دير الجماجم في شعبان سنة اثنتين ~~وثمانين ، وقيل : كانت في سنة ثلاث وثمانين . والذي يقول : إنها في سنة ~~ثلاث يقول : كان نزولهم بدير الجماجم لليلة مضت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث ~~وثمانين ، والهزيمة لأربع عشرة ليلة مضت من جمادى الآخرة منها ، فكانت مائة ~~يوم وثلاثة أيام . والله أعلم . وكان سبب هذه الوقعة أن الحجاج سار من ~~البصرة إلى الكوفة لقتال عبد الرحمن بن الأشعث ، ونزل دير قرة ، وخرج عبد ~~الرحمن من الكوفة فنزل دير الجماجم ، واجتمع لعبد الرحمن أهل الكوفة وأهل ~~البصرة وأهل الثغور والمسالح والقراء ، وكانوا مائة ألف ممن يأخذ العطاء ~~ومعهم مثلهم ، وجاءت الحجاج أمداد الشام قبل نزوله بدير قرة ، وخندق كل ~~منهما على نفسه ، وكان الناس يقتتلون كل يوم ، ولا يزال أحدهما يدني خندقه ~~من الآخر . فبعث عبد الملك ابنه عبد الله وأخاه محمد بن مروان - وكان محمد ~~بأرض الموصل - في جند كثيف إلى الحجاج ، وأمرهما أن يعرضا على أهل العراق ~~عزل الحجاج ، وأن يجري عليهم أعطياتهم ، كما يجري على أهل الشام ، وأن ينزل ~~عبد الرحمن بن الأشعث أي بلد شاء من العراق ، فإذا نزل كان واليا عليها ما ~~دام حيا ، وعبد الملك خليفة . فإن أجاب أهل العراق إلى ذلك عزلا الحجاج ~~عنهم ، وصار محمد بن مروان أمير العراق ، وإن أبى أهل العراق ذلك فالحجاج ~~أمير الجماعة ووالي القتال ، ومحمد وعبد الله في طاعته ، فلم يأت الحجاج ~~أمر قط كان أشد عليه ولا أوجع لقلبه منه ، وخشى أن يقبل أهل العراق عزله ~~فيعزل عنهم ، فكتب إلى عبد الملك : والله لو أعطيت أهل العراق عزلي لم ~~يلبثوا إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك ، ولا يزيدهم ms4748 ذلك إلا جراءة ~~عليك ، ألم تر ويبلغك وثوب أهل العراق مع الأشتر على عثمان ابن عفان ~~وسؤالهم نزع سعيد بن العاص ، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إلى ~~عثمان فقتلوه ؛ وإن الحديد بالحديد يفلح . PageV21P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" فأبى عبد الملك إلا عرض عزله على أهل العراق ~~، وقال : عزله أيسر من حرب أهل العراق ، ويحقن الدماء . فخرج عبد الله بن ~~عبد الملك وقال : يأهل العراق ، أنا ابن أمير المؤمنين ، وهو يعطيكم كذا ~~وكذا . وخرج محمد بن مروان ، وقال : أنا رسول أمير المؤمنين ، وهو يعرض ~~عليكم كذا وكذا . فقالوا : نرجع للعشية . ورجعوا ، واجتمعوا عند ابن الأشعث ~~، فقال لهم : قد أعطيتم أمرا انتهازكم إياه اليوم فرصة ، وإنكم اليوم على ~~النصف ؛ فإن كانوا اعتدوا عليكم بيوم الزاوية فأنتم تعتدون عليهم بيوم تستر ~~، فاقبلوا ما عرض عليكم ، وأنتم أعزاء أقوياء . فوثبوا وقالوا : لا والله ~~لا نقبل . وأعادوا خلع عبد الملك ثانيا ؛ وكان أول من قام بخلعه بدير ~~الجماجم عبد الله بن ذؤاب السلمي وعمير بن تيحان ، وكان اجتماعهم على خلعه ~~بالجماجم أجمع من الخلع بفارس . فقال عبد الله ومحمد للحجاج : شأنك بعسكرك ~~وجندك ، واعمل برأيك ، فإنا قد أمرنا أن نسمع لك ونطيع ، وكانا يسلمان عليه ~~بالإمرة ويسلم عليهما بالإمرة . قال : ولما اجتمع أهل العراق على خلع عبد ~~الملك قال ابن الأشعث : ألا إن بني مروان يعيرون بالزرقاء ، والله ما لهم ~~نسب أصح منه ، إلا أن بني العاص أعلاج من أهل صفورية ، فإن يكن هذا الأمر ~~في قريش فعنى تقوبت بيضة قريش ، وإن يك في العرب فأنا ابن الأشعث ، ومد بها ~~صوته حتى سمعه الناس . وبرزوا للقتال ، فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن ~~بن سليم الكلبي ، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمين وعلى خيله سفيان ابن ~~الأبرد الكلبي ، وعلى رجاله عبد الله بن حبيب الحكمي ، وجعل ابن الأشعث على ~~ميمنته الحجاج بن جارية الخثعمي ، وعلى ميسرته الأبرد بن قرة التميمي ، ~~وعلى خيله عبد الرحمن ابن العباس بن ربيعة الهاشمي ، وعلى رجاله محمد بن ~~سعد ms4749 ابن أي وقاص ، وعلى مجنبته عبد الله بن رزام الحارثي ، وجعل على القراء ~~زحر بن قيس الجعفي ، وفيهم سعيد بن جبير بن PageV21P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" هشام الشعبي ، واسمه عامر بن شراحيل ، وأبو ~~البختري الطائي ، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى . وأخذوا في القتال في كل يوم ، ~~وأهل العراق تأتيهم موادهم من الكوفة وسوادها ، وهم في خصب . وأهل الشام في ~~ضيق شديد ، قد غلت عندهم الأسعار ، وفقد اللحم ، حتى كأنهم في حصار ، وهم ~~على ذلك يغادون القتال ويراوحون . فعبأ الحجاج في بعض الأيام لكتيبة القراء ~~ثلاث كتائب ، وبعث عليها الجراح بن عبد الله الحكمي ؛ فقام جبلة بن زحر في ~~القراء ، وحرضهم على القتال ، وذم أهل الشام ، وسماهم المحلين المحدثين ~~المبتدعين الذين جهلوا الحق فلا يعرفونه ، وعملوا بالعدوان فلا ينكرونه في ~~كلام كثير قاله . وقال أبو البختري : أيها الناس ، قاتلوهم على دينكم ~~ودنياكم . وقال الشعبي : أيها الناس قاتلوهم قاتلوهم ولا يأخذكم حرج سن ~~قتالهم : فوالله ما أعلم على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور في حكم منهم . ~~وقال سعيد بن جبير نحو ذلك . وقال جبلة : احملوا حملة صادقة ولا تردوا ~~وجوهكم عنهم . فحملوا عليهم فأزالوا الكتائب عن مواقفها وفرقوها وتقدموا ~~حتى واقعوا صفهم ، فأزالوه عن مكانه ؛ ثم رجعوا فوجدوا جبلة بن زحر قتيلا . ~~وكان سبب قتله أن أصحابه لما حملوا على أهل الشام وفرقوهم وقف لأصحابه ~~ليرجعوا إليه ، فافترقت فرقة من أهل الشام ، فنظروا إليه ، فقال بعضهم لبعض ~~: احملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيل بالقتال ، فحملوا عليه فلم يزل ، وحمل ~~عليهم فقتل ؛ قتله الوليد ابن نحيت الكلبي ، وجيء برأسه إلى الحجاج ، فبشر ~~أصحابه بقتله ، فلما رجع أصحاب جبلة ورأوه قتيلا سقط في أيديهم ، وظهر ~~الفشل في القراء وناداهم أهل الشام : يا أعداء الله ، قد هلكتم وقتل ~~طاغيتكم - وقدم عليهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني ، ففرحوا به ، ~~وقالوا : تقوم مقام جبلة ، وكان قدومه من الري ، فجعله عبد الرحمن على ~~ربيعة ، فدخل عسكر الحجاج ، فأخذ من نساء أصحابه ثلاثين امرأة فأطلقهن ، ~~فقال الحجاج : منعوا ms4750 نساءهم لو لم يردوهن لسبيت نساءهم إذا ظهرت عليهم . ~~PageV21P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" قال : وخرج عبد الله بن رزام الحارثي يطلب ~~المبارزة ، فخرج إليه رجل من عسكر الحجاج فقتله عبد الله ، فعل ذلك ثلاثة ~~أيام . فلما كان في اليوم الرابع خرج فقالوا : جاء لا جاء الله به فقال ~~الحجاج للجراح : اخرج إليه . فخرج ، فقال له عبد الله : ما جاء به ؟ ويحك ~~يا جراح وكان له صديقا . فقال : ابتليت بك . قال : فهل لك في خير ؟ قال ~~الجراح : ما هو ؟ قال : أنهزم لك فترجع إلى الحجاج وقد أحسنت عنده وحمدك ، ~~وأحتمل أنا مقالة الناس في انهزامي حبا لسلامتك ، فإني لا أحب قتل مثلك من ~~قومي . قال : افعل . فحمل الجراح عليه فاستطرد له ، وحمل عليه الجراح بجد ~~يريد قتله ، فصاح بعبد الله غلامه وقال : إن الرجل يريد قتلك . فعطف عبد ~~الله على الجراح فضربه بعمود على رأسه فصرعه ، وقال له : يا جراح ، بئسما ~~جزيتني أردت بك العافية ، وأردت قتلي . انطلق فقد تركتك للقرابة والعشيرة . ~~قال : ودام القتال بينهم بدير الجماجم إلى آخر المدة التي ذكرناها ، فلما ~~كان يوم الهزيمة اقتتلوا أشد قتال ، واستظهر أصحاب عبد الرحمن على أصحاب ~~الحجاج ، واستعلوا عليهم ، وهم آمنون أن ينهزموا ، فبينما هم كذلك إذ حمل ~~سفيان بن الأبرد وهو على ميمنة الحجاج على الأبرد بن قرة التميمي ، وهو على ~~ميسرة ابن الأشعث ، فانهزم الأبرد بالناس من غير قتال ، فظن الناس أن ~~الأبرد قد صولح على أن ينهزم بالناس ، فلما انهزم تقوضت الصفوف ، وركب ~~الناس بعضهم بعضا ، وصعد عبد الرحمن بن محمد المنبر ينادي الناس : إلى عباد ~~الله ؛ فاجتمع إليه جماعة ، فثبت حتى دنا أهل الشام ، فقاتل من معه ، ودخل ~~أهل الشام العسكر ، فأتاه عبد الله بن يزيد بن المغفل الأزدي ، فقال له : ~~انزل ، فإني أخاف عليك أن تؤسر ، ولعلك إذا انصرفت أن يجتمع لك جمع يهلكهم ~~الله به . فنزل وانهزم هو ومن معه لا يلوون على شيء . ودخل الحجاج الكوفة ، ~~وعاد محمد بن مروان إلى الموصل ، وعبد الله بن ms4751 عبد الملك إلى الشام ، وأخذ ~~الحجاج يبايع الناس ، وكان لا يبايع أحدا إلا قال له : أتشهد أنك كفرت ، ~~فإن قال نعم بايعه ، وإلا قتله . فأتاه رجل من خثعم كان قد اعتزل الناس ~~جميعا ، فسأله عن حاله فأخبره باعتزاله ، فقال له : أنت متربص ، أتشهد أنك ~~كافر فقال : بئس الرجل أنا إذا ؛ أعبد الله ثمانين سنة ثم أشهد على نفسي ~~بالكفر . قال : إذا أقتلك ، قال : وإن قتلتني ، فقتله . فما بقي أحد من أهل ~~الشام والعراق إلا رحمه . PageV21P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" وقتل كميل بن زياد وكان خصيصا بعلي بن أبي ~~طالب رضي الله عنهما ، وأتي بآخر بعده ، فقال الحجاج : أرى رجلا ما أظنه ~~يشهد على نفسه بالكفر ، فقال له الرجل : أتخادعني عن نفسي ، أنا أكفر أهل ~~الأرض وأكفر من فرعون . فضحك الحجاج وخلى سبيله . قال : وأقام الحجاج ~~بالكوفة شهرا ، وأنزل أهل الشام بيوت أهل الكوفة مع أهلها ، وهو أول من ~~أنزل الجند في بيوت غيرهم ، واستمرت هذه القاعدة بعده . قال : وكان الحجاج ~~لما انهزم الناس أمر مناديا فنادى : من لحق بقتيبة بن مسلم فهو أمانه . ~~وكان قد ولاه الري ، فلحق به ناس كثير منهم الشعبي ، فذكره الحجاج يوما بعد ~~الفراغ من أمر ابن الأشعث ، فقيل له : إنه لحق بقتيبة بالري ؛ فكتب إلى ~~قتيبة يأمره بإرساله . قال الشعبي : فلما قدمت على الحجاج لقيت يزيد بن أبي ~~مسلم وكان صديقا لي ، فقال : اعتذر مهما استطعت . وأشار بمثل ذلك إخواني ~~ونصحائي . فلما دخلت على الحجاج رأيت غير ما ذكروا ، فسلمت عليه بالإمرة ، ~~وقلت : أيها الأمير ، إن الناس قد أمروني أن أعتذر بما يعلم الله أنه غير ~~الحق ، وايم الله لا أقول في هذا المقام إلا الحق : قد والله تمردنا عليك ~~وحرضنا عليك ، وجهدنا ، فما كنا بالأقوياء الفجرة ولا بالأتقياء البررة ، ~~ولقد نصرك الله علينا ، وأظفرك بنا ، فإن سطوت فبذنوبنا ، وما جرت إليه ~~أيدينا ، وإن عفوت عنا فبحلمك . وبعد فالحجة لك علينا . فقال الحجاج : أنت ~~والله أحب إلي قولا ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ثم ms4752 يقول : ما قلت ~~ولا شهدت ، قد أمنت يا شعبي . كيف وجدت الناس بعدنا ، فقلت : أصلح الله ~~الأمير ، اكتحلت بعدك السهر ، واستوعرت الجناب ، وفقدت صالح الإخوان ، ولم ~~أجد من الأمير خلفا . قال : انصرف يا شعبي . فانصرفت . نعود إلى بقية أخبار ~~عبد الرحمن بن الأشعث : PageV21P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" ذكر الوقعة بمسكن قال : ولما انهزم عبد ~~الرحمن من دير الجماجم أتى البصرة ، فاجتمع إليه من المنهزمين جمع كثير ، ~~فاجتمعوا بمسكن ، وبايعوه على الموت ، وخندق عبد الرحمن على أصحابه ، وجعل ~~القتال من وجه واحد ، وقدم إليه خالد بن جرير بن عبد الله من خراسان ، ~~وأتاه الحجاج ، فاقتتلوا خمسة عشر يوما من شعبان أشد قتال ، وبات الحجاج ~~يحرض أصحابه ، فلما أصبحوا باكروا القتال ، واشتدت الحرب ، فانهزم ابن ~~الأشعث ومن معه ، وقتل عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه ، وأبو البختري ~~الطائي ، ومشى بسطام من مصلة بن هبيرة في أربعة آلاف فارس من شجعان أهل ~~الكوفة والبصرة ، وكسروا جفون سيوفهم ، وحملوا على أهل الشام ، فكشفوهم ~~مرارا ، فدعا الحجاج الرماة فرموهم ، وأحاط بهم الناس ، فقتلوهم إلا قليلا ~~. ومضى ابن الأشعث إلى سجستان . وقد قيل في هزيمة ابن الأشعث بمسكن أنه ~~اجتمع هو والحجاج ، وكان العسكران بين دجلة والسيب والكرخ ، فاقتتلوا شهرا ~~أو دونه ، فأتى شيخ فدل الحجاج على طريق من وراء الكرخ في أجمة وضحضاح من ~~الماء ، فأرسل معهم أربعة آلاف ، فسار بهم ، ثم قاتل الحجاج أصحاب عبد ~~الرحمن ، فانهزم الحجاج فعبر السيب ، ورجع ابن الأشعث إلى عسكره آمنا بعد ~~أن نهب عسكر الحجاج ، فأمن أصحابه ، وألقوا السلاح . فلما كان نصف الليل لم ~~يشعروا إلا وقد أخذهم السيف من تلك السرية ، فغرق من أصحاب عبد الرحمن أكثر ~~ممن قتل ، ورجع الحجاج على الصوت يقتل من وجد ، فكان عدة من قتل أربعة آلاف ~~، منهم عبد الله بن شداد ابن الهاد ، وبسطام بن مصقلة ، وعمر بن ضبيعة ~~الرقاشي ، وبشر ابن المنذر بن الجارود ، وغيرهم . PageV21P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" ذكر مسير عبد الرحمن إلى رتبيل وما كان من ~~أمره وأمر أصحابه قال ms4753 : ولما انهزم عبد الرحمن من مسكن سار إلى سجستان ~~فأتبعه الحجاج ابنه محمدا وعمارة بن تميم اللخمي ، وعمارة على الجيش ، ~~فأدركه عمارة بالسوس ، فقاتله ساعة ، ثم انهزم عبد الرحمن ومن معه ، وساروا ~~حتى بلغوا نيسابور ، واجتمع إليه الأكراد ، فقاتلهم عمارة قتالا شديدا على ~~العقبة ، فجرح عمارة وكثير من أصحابه ، فانهزم عمارة وترك لهم العقبة ، ~~وسار عبد الرحمن حتى أتى كرمان وعمارة يتبعه ، فلما وصل عبد الرحمن إليها ~~لقيه عامله وقد هيأ له منزلا ، فنزل . ثم رحل إلى سجستان فأتى زرنج وفيها ~~عامله فأغلق بابها . ومنع عبد الرحمن من دخولها ، فأقام عليها أياما ~~ليفتحها فلم يصل إلى ذلك ، فسار إلى بست ، وكان قد استعمل عليها عياض بن ~~هميان بن هشام السدوسي الشيباني . فاستقبله فأنزله . فلما غفل عنه أصحابه ~~قبض عليه عياض ، وأوثقه ، وأراد أن يأمن به عند الحجاج . وكان رتبيل ملك ~~الترك قد سمع بمدم عبد الرحمن ، فسار إليه ليستقبله لما كان قد تقرر بينهما ~~من العهود والمواثيق كما تقدم . فلما بلغه أن عياضا قد قبض عليه نزل على ~~بست ، وبعث إلى عياض يتهدده بالقتل إن هو لم يطلقه ، فاستأمنه عياض ، وأطلق ~~عبد الرحمن ، ثم سار عبد الرحمن مع رتبيل إلى بلاده ، فأنزله وأكرمه وعظمه ~~، وكان ناس كثير من أصحاب عبد الرحمن ممن انهزم من الرءوس وقادة الجيوش ~~الذين لم يقبلوا أمان الحجاج ، ونصبوا له العداوة في كل موطن قد بعثوا ~~يستدعونه ويخبرونه أنهم على قصد خراسان ليقووا بمن بها من عشائرهم ، فأتاهم ~~ابن الأشعث . وكان عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ~~يصلي بهم إلى أن قدم ابن الأشعث . فلما قدم عليهم ساروا كلهم ففتحوا زرنج ، ~~وسار نحوهم عمارة بن تميم في أهل الشام ؛ فقال أصحاب عبد الرحمن له : اخرج ~~بنا عن سجستان إلى خراسان . فقال : إن بها يزيد بن المهلب ، وهو رجل شجاع ، ~~ولا يترك لكم سلطانه ، ولو دخلناها لقاتلنا وتتبعنا أهل الشام ، فيجتمع ~~علينا أهل خراسان وأهل الشام . فقالوا : لو دخلنا خراسان لكان من ms4754 ~~PageV21P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" يتبعنا أكثر ممن يقاتلنا . فسار معهم حتى ~~بلغوا هراة ، فهرب من أصحابه عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة القرشي في ~~ألفين . فقال لهم عبد الرحمن : إني كنت في مأمن وملجأ ، فجاءتني كتبكم أن ~~أقبل ، فإن أمرنا واحد ، فلعلنا نقاتل عدونا . فأتيتكم فرأيتم أن أمضي إلى ~~خراسان ، وزعمتم أنكم مجتمعون لي ولا تتفرقون ، وهذا عبيد الله قد صنع ما ~~رأيتم ، فاصنعوا ما بدا لكم ، أما أنا فمنصرف إلى صاحبي الذي أتيت من عنده ~~. فتفرق منهم طائفة وبقي معه طائفة ، وبقي عظم العسكر مع عبد الرحمن بن ~~العباس فبايعوه ، فأتوا هراة ، فلقوا بها الرقاد الأزدي فقتلوه ، فسار ~~إليهم يزيد بن المهلب . وقيل : لما انهزم ابن الأشعث من مسكن أتى عبيد الله ~~بن عبد الرحمن ابن سمرة هراة ، وأتى عبد الرحمن بن عباس سجستان ، فاجتمع ~~معه فل ابن الأشعث ، فساروا إلى خراسان في عشرين ألفا ، فنزل هراة ، ولقى ~~الرقاد بن عبيد العتكي بها فقتلوه ، فأرسل إليه يزيد بن المهلب وهو عامل ~~خراسان يقول : قد كان لك في البلاد متسع ، من هو أهون مني شوكة ؛ فارتحل ~~إلى بلد ليس لي فيه سلطان ، فإني أكره قتالك ، وإن أردت مالا أرسلت إليك . ~~فأعاد الجواب : إنا ما نزلنا لمحاربة ولا لمقام ، ولكن أردنا أن نريح ، ثم ~~نرحل عنك ، وليست بنا إلى المال حاجة . ثم أقبل عبد الرحمن بن العباس على ~~الجباية ، وبلغ ذلك يزيد ابن المهلب ، فقال : من أراد أن يريح ثم يرحل لم ~~يجب الخراج ، وسار نحوه ، وأعاد مراسلته يقول : إنك قد أرحت وسمنت وجبيت ~~الخراج ، فلك ما جبيت وزيادة ، فاخرج عني ، فإني أكره قتالك ، فأبى إلا ~~القتال . وكاتب جند يزيد يستميلهم ويدعوهم إلى نفسه ، فعلم يزيد بذلك ، ~~فقال : جل الأمر عن العتاب ، ثم تقدم إليه فقاتله ، فلم يكن بينهما كثير ~~قتال ، حتى تفرق أصحاب عبد الرحمن عنه ، وصبر وصبرت معه طائفة ، ثم انهزموا ~~. وأمر يزيد أصحابه بالكف عن اتباعهم ، وأخذ ما كان في عسكرهم ، وأسروا ~~منهم أسرى ، منهم محمد بن سعد ms4755 بن أبي وقاص ، وعمر ابن موسى بن عبيد الله بن ~~PageV21P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" معمر ، وعياش بن الأسود بن عوف الزهري ، ~~والهلقام بن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة ، وفيروز ابن حصين ، وأبو ~~العلج مولى عبيد الله بن معمر ، وسوار ابن مروان ، وعبد الرحمن بن طلحة بن ~~عبد الله بن خلف الخزاعي ، وعبد الله بن فضالة الزهراني الأزدي ، ولحق عبد ~~الرحمن بن العباس بالسند ، وأتى ابن سمرة مرو ، وانصرف يزيد بن المهلب إلى ~~مرو ، وبعث الأسرى إلى الحجاج مع سبرة بن نجدة إلا عبد الرحمن ابن طلحة ~~فإنه أطلقه . وكان سبب إطلاقه أن حبيب بن المهلب قال لأخيه يزيد لما أراد ~~أن يسير الأسرى : بأي وجه تنظر إلى اليمانية ، وقد بعثت عبد الرحمن ابن ~~طلحة ؟ فقال يزيد : إنه الحجاج ، فلا تتعرض إليه . قال : وطن نفسك على ~~العزل ، ولا ترسل به ، فإن له عندنا يدا . قال : وما هي ؟ قال : ألزم ~~المهلب في مسجد الجماعة بمائة ألف ، فأداها طلحة عنه ، فأطلقه يزيد ، ولم ~~يرسل أيضا عبد الله بن فضالة لأنه من الأزد ، وأرسل الباقين . فلما قدموا ~~على الحجاج أحضر فيروز ، فقال له الحجاج : أبا عثمان ، ما أخرجك مع هؤلاء ؟ ~~فوالله ما لحمك من لحومهم ، ولا دمك من دمائهم . قال : فتنة عمت الناس . ~~قال : اكتب لي أموالك . قال : اكتب يا غلام ألف ألف وألفي ألف ، فذكر مالا ~~كثيرا . فقال الحجاج : أين هذه الأموال ؟ فقال : عندي . قال : فأدها . قال ~~: وأنا آمن على دمي ؟ قال : والله لتؤدينها ثم لأقتلنك . قال : والله لا ~~يجتمع دمي ومالي . فأمر به فنحى ، ثم أحضر محمد ابن سعد بن أبي وقاص ، فقال ~~: يا ظل الشيطان ، أعظم الناس تيها وكبرا ، تأبى بيعة يزيد بن معاوية ~~وتتشبه بالحسين وابن عمر ، ثم صرت مؤذنا . وجعل يضرب رأسه بعمود في يده حتى ~~أدماه ، ثم أمر به فقتل . ثم دعا بعمر بن موسى ، فقال : يا عبد المرأة ، ~~تقوم بالعمود على رأس ابن الحائط - يعني ابن الأشعث وتشرب معه في الحمام . ~~فقال : أصلح الله الأمير ، كانت ms4756 فتنة شملت البر والفاجر ، فدخلنا فيها ، ~~وقد أمكنك الله منا ، فإن عفوت فبفضلك وحلمك ، وإن عاقبت عاقبت ظلمة مذنبين ~~. فقال الحجاج : إنها شملت الفجار ، وعوفي منها الأبرار ، أما اعترافك فعسى ~~أن ينفعك ، فرجا الناس السلامة . ثم أمر به فقتل . ثم دعا بالهلقام بن نعيم ~~، فقال له : احسب أن ابن الأشعث طلب ما طلب ، ما الذي أملت أنت معه قال : ~~أملت أن يملك فيوليني العراق كما ولاك عبد الملك إياه ، PageV21P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" فأمر به فقتل . ودعا عبد الله بن عامر ، فلما ~~أتاه قال له : يا حجاج ، لا رأت عينك الجنة إن أفلت ابن المهلب بما صنع ، ~~قال : وما صنع ؟ قال : لأنه كاس في إطلاق أسرته . . . وقاد نحوك في أغلالها ~~مضرا وقي بقومك ورد الموت أسرته . . . وكان قومك أدنى عنده خطرا فأطرق ~~الحجاج ، ووقرت في قلبه ، وقال : ما أنت وذاك ؟ ثم أمر به فقتل . ثم أمر ~~بفيروز فعذب ، فلما أحس بالموت قال للموكل بعذابه : إن الناس لا يكشون أني ~~قد قتلت ، ولودائع وأموال عند الناس لا تؤدى إليكم أبدا ؛ فأظهرني للناس ~~ليعلموا أني حي ، فيؤدوا المال . فأعلم الحجاج بقوله ، فقال : أظهروه ، ~~فأخرج إلى باب المدينة ، فصاح في الناس : من عرفني فقد عرفني ، ومن أنكرني ~~فأنا فيروز بن حصين ، إن لي عند أقوام مالا ، فمن كان لي عنده شيء فهوله ، ~~وهو منه في حل ، فلا يؤد أحد درهما ، ليبلغ الشاهد الغائب ، فأمر به الحجاج ~~فقتل . وأمر بقتل عمر بن قرة الكندي ، وكان شريفا ، وقتل أعشى همدن ، وأتى ~~بأسيرين فأمر بقتلهما ، فقال أحدهما ، إن لي عندك يدا . قال : وما هي ؟ قال ~~: ذكر عبد الرحمن يوما أمك بسوء فنهيته . قال : من يعلم ذلك ؟ قال : هذا ~~الأسير الآخر . فسأله الحجاج فصدقه . فقال له الحجاج : فلم لم تفعل كما فعل ~~؟ قال : وينفعني الصدق عندك ؟ قال : نعم . قال : منعني البغض لك ولقومك . ~~قال : خلوا عن هذا لفعله . وعن هذا لصدقه . وأما ابن الأشعث فإنه سار إلى ~~رتبيل ، فأقام عنده ، فكتب إليه الحجاج : أن ابعثه إلي وإلا فوالذي ms4757 لا إله ~~غيره لأوطئن أرضك ألف ألف مقاتل ، وكان مع عبد الرحمن رجل من تميم اسمه ~~عبيد ابن سبيع التميمي ، وكان رسوله إلى رتبيل . PageV21P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" فقال القاسم بن محمد ابن الأشعث لأخيه عبد ~~الرحمن : إني لا آمن غدر هذا التميمي فاقتله . فخافه عبيد على نفسه ، فوشي ~~به إلى رتبيل ، وخوفه الحجاج ، ودعاه إلى الغدر بابن الأشعث ، وقال له : ~~أنا آخذ لك من الحجاج عهدا ليكفن عن أرضك سبع سنين ، على أن تدفع إليه عبد ~~الرحمن ، فأجابه إلى ذلك . فخرج عبيد إلى عمارة سرا فذكر ذلك له ، فكتب ~~عمارة إلى الحجاج بذلك ، فأجابه إليه ، وبعث رتبيل برأس عبد الرحمن ، وذلك ~~في سنة خمس وثمانين . وقيل : إن عبد الرحمن كان قد أصابه السل فمات فقطع ~~رتبيل رأسه . وقيل : إن رتبيل لما صالح عمارة بن تميم اللخمي عن ابن الأشعث ~~كتب عمارة إلى الحجاج بذلك ، فأطلق له خراج بلاده عشر سنين ، فأرسل رتبيل ~~إلى عبد الرحمن وثلاثين من أهل بيته ، فحضروا عنده ، فقيدهم وأرسلهم إلى ~~عمارة ، فألقى عبد الرحمن نفسه من سطح قصر فمات ، فاحتز رأسه ، وسيره إلى ~~الحجاج ، وسيره الحجاج إلى عبد الملك مع عرار بن عمرو بن شأس ، وكتب معه ~~كتابا ، فجعل عبد الملك يقرأ كتاب الحجاج ، فإذا شك في شيء سأل عرارا عنه ~~فيخبره به ، وكان عرار أسود اللون ، فعجب عبد الملك من بيانه وفصاحته مع ~~سواده ، وهو لا يعرفه فتمثل : وإن عرارا إن يكن غير واضح . . . فإني أحب ~~الجون ذا المنطق العمم فضحك عرار ، فقال له عبد الملك : مالك تضحك ؟ فقال : ~~أتعرف عرارا يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا . قال : فأنا هو . فضحك عبد الملك ~~ثم قال : حظ وافق حكمة . وأحسن جائزته ، وسرحه . وروى أبو عمر بن عبد البر ~~بسند رفعه إلى العتبي عن أبيه ، قال : كتب الحجاج إلى عبد الملك كتابا يصف ~~له فيه أهل العراق وما ألفاهم عليه من الاختلاف وما يكرهه منهم ، وعرفه ما ~~يحتاجون إليه من التقويم والتأديب ، ويستأذنه أن يودع قلوبهم من الرهبة ms4758 ما ~~يخفون به إلى الطاعة ، ودعا رجلا من أصحابه كان يأنس به ، PageV21P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" فقال له : انطلق بهذا الكتاب ، ولا يصلن من ~~يدك إلا إلى يد أمير المؤمنين ، فإذا قبضه فتكلم عليه . ففعل الرجل ذلك ، ~~فجعل عبد الملك كلما شك في شيء يستفهمه ، فوجده أبلغ من الكاتب ، فقال عبد ~~الملك : وإن عرارا إن يكن غير واضح . . . البيت . فقال له الرجل : يا أمير ~~المؤمنين ، أتدري من يخاطبك ؟ قال : لا . قال : أنا عرار ، وهذا الشعر لأبي ~~، وذلك أن أمي ماتت وأنا مرضع ، فتزوج أبي امرأة فكانت تسيء ولايتي ، فقال ~~أبي : فإن كنت مني أو تريدين صحبتي . . . فكوني له كالشمس ربت به الأدم ~~وإلا فسيري سير راكب ناقة . . . تيمم خبتا ليس في سيره أمم أرادت عرارا ~~بالهوان ومن يرد . . . عرارا لعمري بالهوان لقد ظلم وإن عرارا إن يكن غير ~~واضح . . . فإني أحب الجون ذا المنطق العمم ولما جيء بالرأس إلى عبد الملك ~~أرسله إلى أخيه عبد العزيز بمصر ، فقال بعض الشعراء : هيهات موضع جثة من ~~رأسها . . . رأس بمصر وجثة بالرخج وقيل : إن هلاك عبد الرحمن كان في سنة ~~أربع وثمانين . ولنرجع إلى تتمة حوادث السنين : سنة واحد وثمانون حج بالناس ~~سليمان بن عبد الملك . سنة اثنان وثمانون في هذه السنة كانت وفاة المغيرة ~~بن المهلب بخراسان في شهر رجب منها ، وكان أبوه قد استخلفه على عمله . ~~PageV21P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" ذكر وفاة المهلب بن أبي صفرة ووصيته لبنيه ~~وولاية ابنه يزيد خراسان وفي هذه السنة توفي المهلب بن أبي صفرة بمرو الروذ ~~بالشوصة وقيل بالشوكة ، وأوصى إلى حبيب ابنه فصلى عليه ، وقال لبنيه : إني ~~قد استخلفت عليكم يزيد فلا تخالفوه . فقال ابنه المفضل : لو لم تقدمه ~~لقدمناه ، وأحضر ولده فأوصاهم ، وأحضر سهاما محزومة فقال : أتكسرونها ~~مجتمعة ؟ قالوا : لا . قال : أفتكسرونها متفرقة ؟ قالوا : نعم . قال : ~~فهكذا الجماعة . ثم قال : أوصيكم بتقوى الله ، وصلة الرحم ، فإنها تنسيء في ~~الأجل وتثري المال ، وتكثر العدد ؛ وأنهاكم عن القطيعة ؛ فإنها تعقب النار ~~والذلة والقلة ، وعليكم بالطاعة والجماعة ، ولتكن ms4759 فعالكم أفضل من مقالكم ، ~~واتقوا الجواب وزلة اللسان ، فإن الرجل يزل قدمه فينتعش ، ويزل لسانه فيهلك ~~، واعرفوا لمن يغشاكم حقه ، فكفى بغدو الرجل ورواحه إليكم تذكرة له ، ~~وآثروا الجود على البخل ، وأحبوا العرب ، واصنعوا المعروف ؛ فإن الرجل من ~~العرب تعده العدة فيموت دونك ، فكيف بالصنيعة عنده وعليكم في الحرب بالتؤدة ~~والمكيدة ، فإنهما أنفع من الشجاعة ، وإذا كان اللقاء نزل القضاء ، فإن أخذ ~~الرجل بالحزم فظفر قيل : أتى الأمر من وجهه فظفر فحمد ، فإن لم يظفر بعد ~~الأناة قيل : ما فرط ولا ضيع ، ولكن القضاء غالب . وعليكم بقراءة القرآن ~~وتعليم السنن وآداب الصالحين ، وإياكم وكثرة الكلام في مجالسكم . ومات رحمه ~~الله . فكتب ابنه يزيد إلى الحجاج يعلمه بوفاته ، فأقره على خراسان . وفيها ~~عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة في جمادى الآخرة ، واستعمل عليها ~~هشام بن إسماعيل المخزومي . وحج بالناس أبان بن عثمان . سنة ثلاث وثمانون ~~ذكر خبر عمر بن أبي الصلت وخلعه الحجاج بالري وما كان من أمره قال : لما ~~ظفر الحجاج بابن الأشعث لحق خلق كثير من المنهزمين بعمر بن أبي ~~PageV21P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" الصلت ، وكان قد غلب على الري في تلك الفتنة ~~، فلما اجتمعوا بالري أرادوا أن يحظوا عند الحجاج بأمر يمحون به عن أنفسهم ~~عثرة الجماجم ، فأشاروا على عمر بخلع الحجاج وقتيبة ، فامتنع ، فوضعوا عليه ~~أباه ؛ أبا الصلت ، وكان به بارا ، فأشار بذلك عليه وألزمه به ، وقال : يا ~~بني ، إذا سار هؤلاء تحت لوائك لا أبالي أن تقتل غدا . ففعل . فلما قارب ~~قتيبة الري استعد لقتاله ، فالتقوا ، واقتتلوا ، فغدر أصحاب عمر بن وأكثرهم ~~من تميم ، فانهزم ولحق بطبرستان ، فآواه الأصبهذ وأكرمه وأحسن نزله ، فقال ~~عمر لأبيه : إنك أمرتني بخلع الحجاج وقتيبة فأطعتك وكان خلاف رأيي ، ولم ~~أحمد رأيك ، وقد نزلنا بهذا الأصبهذ فدعني حتى أثب إليه فأقتله . وأجلس على ~~مملكته ، فقد علمت الأعاجم أني أشرف منه . فقال أبوه : ما كن لأفعل هذا ~~برجل أوانا وأكرمنا وأنزلنا . فقال عمر : أنت أعلم ، وسترى . ودخل قتيبة ~~الري ، وكتب إلى ms4760 الحجاج بانهزام عمر إلى طبرستان ، فكتب الحجاج إلى الأصبهذ ~~أن ابعث بهم أو برؤوسهم ، وإلا فقد برئت منك الذمة ، فصنع لهم الأصبهذ ~~طعاما وأحضرهم ، فقتل عمرن وبعث أباه أسيرا . وقيل : قتلهم وبعث برؤوسهم . ~~والله أعمل . ذكر بناء مدينة واسط وفيها بنى الحجاج مدينة واسط ، وسبب ذلك ~~أنه ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان وعسكر بحمام عمر ، وكان فتى من ~~أهل الكوفة حديث عهد بعرس بابنة عم له ، فانصرف من العسكر إلى ابنة عمه ، ~~فطرق عليه الباب طرقا شديدا ، فإذا سكران من أهل الشام ، فقالت المرأة ~~لبعلها : لقد لقينا من هذا الشامي شرا يفعل بنا كل ليلة ما ترى - يريد ~~المكروه ، وقد شكوته إلى مشيخة أصحابه . فقال : ائذني له ، فأذنت له . فلما ~~دخل قتله زوجها . فلما أذن الفجر خرج إلى العسكر وقال لابنة عمه : إذا صليت ~~الفجر فابعثي إلى الشاميين ليأخذوا صاحبهم ، فإذا أحضروك إلى الحجاج ~~فاصدقيه الخبر على وجهه ، ففعلت ، وأحضرت إلى الحجاج ، فأخبرته فصدقها ، ~~وقال للشاميين : خذوا صاحبكم PageV21P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" لا قود له ولا عقل ، فإنه قبيل الله إلى ~~النار . ثم نادى مناد : لا ينزلن أحد على أحد ، وبعث روادا يرتادون له ~~منزلا ، وأقبل حتى نزل بموضع واسط ، وإذا راهب قد أقبل على حمار ، فلما كان ~~بموضع واسط بال الحمار ، فنزل الراهب فاحتفر ذلك البول ورماه في دجلة ~~والحجاج ينظر إليه ، فاستحضره وقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : نجد ~~في كتبنا أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الأرض أحد ~~يوحد الله . فاختط الحجاج مدينة واسط وبنى المسجد في ذلك الموضع . وحج ~~بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل . سنة أربع وثمانون في هذه السنة قتل ~~الحجاج أيوب بن القرية ، وكان مع ابن الأشعث ، فلما هزم التحق أيوب بحوشب ~~بن يزيد عامل الحجاج على الكوفة ، فاستحضره الحجاج وقتله . وحج بالناس هشام ~~بن إسماعيل . سنة خمس وثمانون ذكر عزل يزيد بن المهلب عن خراسان وولاية ~~أخيه المفضل وفي هذه السنة عزل ms4761 الحجاج يزيد بن المهلب عن خراسان ، وكان سبب ~~عزله أن الحجاج وفد إلي عبد الملك فمر في طريقه براهب ، فقيل له : إن عنده ~~علما ، فأحضره الحجاج ، وسأله : هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه ونحن ؟ قال ~~: نعم . قال : فمسمى أو موصوفا ؟ قال : كل ذلك نجده موصوفا بغير اسم ومسمى ~~بغير صفة . قال : فما تجدون صفة أمير المؤمنين ؟ قال : نجده في زماننا ملك ~~أفرع من يقم لسبيله يصرع . قال : ثم من ؟ قال : اسم رجل يقال له الوليد ، ~~ثم رجل اسمه اسم نبي يفتح به على الناس . قال : أتعرفني ؟ قال : قد أخبرت ~~بك . قال : أفتعلم ما ألي ؟ قال : نعم . قال : أفتعلم من يلي بعدي ؟ قال : ~~نعم ، رجل يقال له يزيد ، قال : أفتعرف صفته ؟ قال : يغدر غدرة ، لا أعرف ~~غير هذا . PageV21P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" فوقع في نفسه أنه يزيد بن المهلب ، ثم سار ~~وهو وجل من قول الراهب . فلما عاد كتب إلى عبد الملك يذم يزيد وآل المهلب ، ~~ويخبره أنهم زبيرية . فكتب إليه عبد الملك : إني أرى طاعتهم لآل الزبير ~~نقصا لآل المهلب ؛ بل وفاؤهم لهم يدعوهم إلى الوفاء لي . فكتب إليه الحجاج ~~يخوفه غدره . فكتب إليه : إنك قد أكثرت في يزيد وآل المهلب فسم رجلا يصلح ~~لخراسان . فسمى له قتيبة بن مسلم ، فكتب إليه أن وله . فكره الحجاج أن يكتب ~~إليه بعزله ، فكتب إليه يأمره أن يستخلف أخاه المفضل ويقبل إليه . فاستشار ~~يزيد حضين بن المنذر الرقاشي : فقال له : أقم واعتل ، واكتب إلى أمير ~~المؤمنين ليقرك ، فإنه حسن الرأي فيك . فقال له يزيد : نحن أهل ق بورك لنا ~~في الطاعة ، وأنا أكره الخلاف . وأخذ يتجهز فأبطأ . فكتب الحجاج إلى المفضل ~~: إني قد وليتك خراسان ، فجعل المفضل يستحث يزيد ، فقال له يزيد : إن ~~الحجاج لا يقرك بعدي ، وإنما دعاه إلى ما صنع مخافة أن أمتنع عليه ، وستعلم ~~. وخرج يزيد في شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين ، وأقر الحجاج أخاه المفضل ~~تسعة أشهر ، ثم عزله ، واستعمل قتيبة على ما نذكره ، وسار يزيد بن المهلب ms4762 ~~فكان لا يمر ببلد إلا فرش أهلها الرياحين . ذكر أخبار موسى بن عبد الله بن ~~خازم واستيلائه على ترمذ وما كان من حروبه مع العرب والترك وخبر مقتله كان ~~موسى بن عبد الله قد استولى على ترمذ ، وأخرج ترمذ شاه عنها ، وسبب ذلك أن ~~أباه عبد الله لما قتل من قتل من بني تميم بخراسان كما تقدم ذكر ذلك في ~~أثناء أخبار عبد الله ابن الزبير تفرق عنه أكثر من كان معه منهم ، فخرج إلى ~~نيسابور ، وخاف بني تميم على ثقله بمرو ، فقال لابنه موسى : خذ ثقلي واقطع ~~نهر بلخ حتى تلتجيء إلى بعض الملوك أو إلى حصن تكون فيه . PageV21P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" فرحل موسى عن مرو في عشرين ومائتي فارس ، ~~واجتمع إليه . تتمة أربعمائة ، وانضوى إليه قوم من بني سليم ، فأتى زم ، ~~فقاتله أهلها ، فظفر بهم ، وأصاب مالا ، وقطع النهر . فأتى بخارى فسأله ~~صاحبها أن يلجأ إليه ، فأبى وخافه . وقال : رجل فاتك فلا آمنه ، ووصله ، ~~وسار فلم يأت ملكا يلجأ إليه إلا كره مقامه عنده . فأتى سمرقند ، فأكرمه ~~ملكها طرخون وأذن له في المقام بها ، فأقام بها ما شاء الله . وكان لأهل ~~الصغد مائدة توضع في كل عام مرة ، عليها خبز ولحم وخل وإبريق شراب ، يجعلون ~~ذلك لفارس الصغد فلا يقربه غيره ، فإن أكل منه بارزه الفارس ، فأيهما قتل ~~صاحبه كانت المائدة له ، وكان الفارس المشار إليه ، فرآها رجل من أصحاب ~~موسى ، فقال : ما هذه ؟ فأخبر ، فأكل ما عليها . وجاء الفارس مغضبا ، فقال ~~: يا أعرابي ، بارزني ، فبارزه فقتله صاحب موسى ، فقال ملك الصغد : أنزلتكم ~~وأكرمتكم فقتلتم فارسي ، فلولا أني أمنتك وأصحابك لقتلتك ، اخرجوا عن بلدي ~~. فخرجوا ، فأتى موسى كش ، فضعف صاحبها عنه ، فاستنصر طرخون فأتاه ، فقاتله ~~موسى وقد اجتمع معه سبعمائة فارس يوما حتى أمسوا وتحاجزوا ، ثم اتفقوا أن ~~يرتحل موسى عن كش ؛ فسار فأتى ترمذ وبها حصن يشرف على جانب النهر ، فنزل ~~موسى خارج الحصن وسأل ترمذ شاه أن يدخله الحصن فأبى ، فأهدى له موسى ولاطفه ~~حتى أنس ms4763 به ، وصارت بينهما مودة ، وتصيد معه ، وصنع صاحب ترمذ طعاما ، ~~وأحضر موسى ليأكل معه ، وشرط ألا يحضر إلا في مائة من أصحابه ، فاختار موسى ~~مائة منهم ، فدخلوا الحصن وأكلوا ، فلما فرغوا قال له ترمذشاه : اخرج . قال ~~: لا أخرج حتى يكون الحصن بيتي أو قبري ، وقاتلهم فقتل منهم عدة وهرب ~~الباقون ، واستولى موسى عليها ، وأخرج ترمذشاه منها ، ولم يعرض له ، ولا ~~لأصحابه . فأتوا الترك يستنصرونهم على موسى ، فلم ينصروهم ، وقالوا : لا ~~نقاتل هؤلاء . وأقام موسى بترمذ ، وأتاه جمع من أصحاب أبيه فقوي بهم ، فكان ~~يغير على ما حوله . PageV21P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" وولى بكير بن وساج خراسان فلم يعرض له ، ثم ~~قدم أمية ، فسار يريده ؛ فخالفه بكير ، فرجع على ما تقدم ، ثم وجه أمية ~~رجلا من خزاعة في جمع كثير لقتال موسى ، فجاء إلى ترمذ وحصره ، فعاد أهل ~~ترمذ إلى الترك ، واستنصروهم وأعلموهم أنه قد غزاه قوم من العرب وحصروه ، ~~فسارت الترك في جمع كثير إلى الخزاعي فأطاف بموسى العرب والترك ، فكان ~~يقاتل الخزاعي أول النهار والترك آخر النهار ، فقاتلهم شهرين أو ثلاثة . ثم ~~أراد أن يبيت الخزاعي ، فقال له عمرو بن خالد بن حصين الكلابي : بيت العجم ~~، فإن العرب أشد حذرا وأجرأ على الليل ، فوافقه . وأقام حتى ذهب ثلث الليل ~~، وخرج في أربعمائة ، وقال لعمرو ابن خالد : اخرج بعدنا أنت ومن معك منا ~~قريبا ، فإذا سمعتم تكبيرنا فكبروا . ثم سار حتى ارتفع فوق عسكر الترك ورجع ~~إليهم ، وجعل أصحابه أرباعا ، وأقبل إليهم ، فلما رآهم أصحاب الأرصاد قالوا ~~: من أنتم ؟ قالوا : عابرو سبيل . فلما جاوزوا الرصد حملوا على الترك ~~وكبروا فلم يشعر الترك إلا بوقع السيوف فيهم ، فثاروا يقتل بعضهم بعضا ~~وولوا . فحوى موسى ومن معه عسكرهم ، وأصابوا سلاحا كثيرا ومالا ، وأصيب من ~~أصحاب موسى ستة عشر رجلا ، وأصبح الخزاعي وأصحابه وقد كسرهم ذلك ، وخافوا ~~مثلها ، فقال عمرو بن خالد لموسى : إنا لا نظفر إلا بمكيدة ، ولهؤلاء أمداد ~~تأتيهم ، فدعني آته لعلي أصيب فرصة فأقتل الخزاعي ، فاضربني . قال موسى : ~~تتعجل الضرب ، وتتعرض ms4764 للقتل ؟ قال : أما التعرض للقتل فأنا كل يوم متعرض له ~~، وأما الضرب فما أيسره في حب ما أريد . فضربه موسى خمسين سوطا ، فخرج حتى ~~أتى عسكر الخزاعي مستأمنا ، وقال : أنا رجل من أهل اليمن كنت مع عبد الله ~~بن خازم ، فلما قتل أتيت ابنه فكنت معه ، وإنه اتهمني وقال : قد تعصبت ~~لعدونا ، وأنت عين له ، ولم آمن القتل ، فهربت منه . فأمنه الخزاعي ، وأقام ~~معه ، فدخل يوما فلم ير عنده أحدا ولا معه سلاحا ، فقال له كالناصح : أصلح ~~الله الأمير ، إن مثلك في مثل هذا الحال لا ينبغي أن يكون بغير سلاح . قال ~~: إن معي سلاحا ، ورفع طرف فراشه ، فإذا سيف منتضى ، فأخذه عمرو فضرب به ~~الخزاعي حتى قتله ، وخرج فركب فرسه وأتى موسى . PageV21P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" وتفرق ذلك الجيش ، وأتى بعضهم موسى مستأمنا ~~فأمنه ، ولم يوجه إليه أمية أحدا . وعزل أمية ، وقدم المهلب أميرا ، فلم ~~يعرض لموسى ، وقال لبنيه : إياكم وموسى ، فإنكم لا تزالون ولاة خراسان ما ~~دام هذا الثط بمكانه ، فإن قتل فأول طالع عليكم أمير خراسان من قيس . فلما ~~مات المهلب وولى يزيد لم يعرض إليه أيضا ، وكان المهلب قد ضرب حريث بن قطبة ~~الخزاعي ، فخرج هو وأخوه ثابت إلى موسى ، فلما ولي يزيد بن المهلب أخذ ~~أموالهما ، وقتل أخاهما لأمهما الحارث بن منقذ ، فخرج ثابت إلى طرخون ، ~~فشكا إليه ما صنع به يزيد ، وكان ثابت محبوبا إلى الترك بعيد الصوت فيهم ؛ ~~فغضب له طرخون ، وجمع له نيزك والسبل وأهل بخارى والصغانيان ، فقدموا مع ~~ثابت إلى موسى ، واجتمع لموسى أيضا فل عبد الرحمن ابن العباس من هراة وفل ~~عبد الرحمن بن الأشعث من العراق ، ومن ناحية كابل ، وقوم من بني تميم ممن ~~كان يقاتل ابن خازم في الفتنة من أهل خراسان ، فاجتمع معه ثمانية آلاف . ~~فقال له ثابت وحريث : سر بنا حتى نقطع النهر ونخرج يزيد عن خراسان ونوليك . ~~فهم أن يفعل ، فقال له أصحابه : إن أخرجت يزيد عن خراسان تولى ثابت وأخوه ~~خراسان وغلبا عيها ، فامتنع من ms4765 المسير ، وقال لثابت وحريث : إن أخرجنا يزيد ~~قدم عامل لعبد الملك ، ولكنا نخرج عمال يزيد من وراء النهر ، وتكون هذه ~~الناحية لنا ، فأخرجوا عماله ، وجبوا الأموال ، قوى أمرهم ، وانصرف طرخون ~~ومن معه ، واستبد ثابت وحريث بتدبير الأمر ، وليس لموسى إلا اسم الإمرة . ~~فقيل لموسى : اقتل ثابتا وحريثا ، واستقل بالأمر ، فإنه ليس لك من الأمر ~~شيء . وألح أصحابه عليه في ذلك حتى هم بقتلهما . PageV21P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" فبينما هم في ذلك إذ خرج عليهم الهياطلة ~~والتبت والترك في سبعين ألف مقاتل غير الأتباع ومن ليس هو كامل السلاح . ~~فخرج موسى وقاتلهم فيمن معه ، ووقف ملك الترك على تل في عشرة آلاف في أكمل ~~عدة ، وقد اشتد القتال ، فقال موسى لأصحابه : إن أزلتم هؤلاء فليس الباقون ~~بشيء ، فقصدهم حريث بن قطبة وقاتلهم حتى أزالهم عن التل ، ورمى حريث بنشابة ~~في جبهته ، وتحاجزوا وبيتهم موسى ، فحمل أخوه خازم بن عبد الله بن خازم حتى ~~وصل إلى شمعة ملكهم ، فوجأ رجلا منهم بقبيعة سيفه ، فطعن فرسه فاحتمله ~~الفرس فألقاه في نهر بلخ فغرق وقتل من الترك خلق كثير ، ونجا من نجا منهم ~~بشر ، ومات حريث بيومين ورجع موسى وحمل معه الرؤوس ، فبنى منها جوسقين ، ~~وقال أصحاب موسى : قد كفينا أمر حريث فاكفنا أمر ثابت ، فأبى ، وبلغ ثابتا ~~بعض ذلك فدس محمد بن عبد الله الخزاعي على موسى ، وقال : إياك أن تتكلم ~~بالعربية ، فإن سألوك فقل : أنا من سبى الباميان ، ففعل ذلك ، وتلطف حتى ~~اتصل بموسى وصار يخدسه وينقل إلى ثابت خبرهم ، فحذر ثابت . وألح القوم على ~~موسى ، فقال لهم ليلة : قد أكثرتم علي ؛ وفيما تريدون هلاككم ، فعلى أي وجه ~~تقتلونه ولا أغدر به . فقال له أخوه نوح : إذا أتاك غدا عدلنا به إلى بعض ~~الدور فضربنا عنقه قبل أن يصل إليك . فقال : والله إنه لهلاككم ، وأنتم ~~أعلم . فخرج الغلام فأخبر ثابتا فخرج من ليلته في عشرين فارسا ومضى ، ~~وأصبحوا فلم يجدوه ولا الغلام ، فعلموا أنه كان عينا له ، ونزل ثابت بحشورا ~~، واجتمع إليه خلق ms4766 كثير من العرب والعجم ، فأتاه موسى وقاتله فتحصن ثابت ~~بالمدينة ، وأتى طرخون معينا له ، فرجع موسى إلى ترمذ ، وأقبل ثابت وطرخون ~~ومعهما أهل بخارى ، ونسف وكش ، فاجتمعوا في ثمانين ألفا ، فحصروا موسى حتى ~~جهد هو وأصحابه ، فقال يزيد بن هذيل : والله لأقتلن ثابتا أو لأموتن ، فخرج ~~إلى ثابت فاستأمنه ، فقال له PageV21P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" ظهير : أنا أعرف بهذا منك ، ما أتاك إلا ~~بغدرة ، فاحذره . فأخذ ابنيه : قدامة ، والضحاك رهنا ، فكانا في يد ظهير ، ~~وأقام يزيد يلتمس غرة ثابت ، فلم يقدر على ما يريد حتى مات ابن لزياد ~~القصير الخزاعي ، فخرج ثابت إليه ليعزيه ومعه ظهير ورهط من أصحابه ، وفيهم ~~يزيد بن هذيل وهو بغير سلاح ، وقد غابت الشمس ، فدنا يزيد من ثابت فضربه ~~على رأسه فعض السيف برأسه ، فوصل إلى الدماغ وهرب ، فسلم . فأخذ طرخون ~~قدامة والضحاك ابني يزيد فقتلهما ، وعاش ثابت سبعة أيام ، ومات . وقام بأمر ~~العجم بعد موت ثابت طرخون ، وقام ظهير بأمر أصحاب ثابت فقاما قياما ضعيفا ، ~~فانتشر أمرهم ، وأجمع موسى على بياتهم ، فأخبر طرخون بذلك فضحك ، وقال : ~~موسى يعجز أن يدخل متوضأه فكيف يبيتنا ، لا يحرس الليلة أحد . فخرج موسى في ~~ثمانمائة ، وجعلهم أرباعا ، وبيتهم فكانوا لا يمرون بشيء إلا صرعوه من ~~الرجال والدواب وغيرها ، فأرسل طرخون إلى موسى : أن كف أصحابك ، فإنا نرحل ~~إذا أصبحنا ، فرجع موسى وارتحل طرخون والعجم جميعا . فلما عزل يزيد بن ~~المهلب وولي المفضل أراد أن يحظى عند الحجاج بقتال موسى ، فسير إليه عثمان ~~بن مسعود في جيش ، وكتب إلى أخيه مدرك بن المهلب وهو ببلخ يأمره بالمسير ~~معه ، فعبر النهر في خمسة عشر ألفا ، وكتب إلى السبل وإلى طرخون فقدموا ~~عليه ، فحصروا موسى وضيقوا عليه ، فمكث شهرين في ضيق ، وقد خندق عثمان عليه ~~، وحذر البيات ، فقال موسى لأصحابه : اخرجوا بنا ، حتى متى نصبر ؟ فاجعلوا ~~يومكم معهم إما ظفرتم وإما قتلتم ، واقصدوا الترك . فخرجوا وخلف النضر بن ~~سليمان بن عبد الله بن خازم في المدينة ، وقال له : إن قتلت فلا تدفعن ms4767 ~~المدينة إلى عثمان ، وادفعها إلى مدرك ابن المهلب ، وخرج وجعل ثلث أصحابه ~~بإزاء عثمان ، وقال : لا تقاتلوه إلا إن قاتلكم ، وقصد طرخون وأصحابه ~~فصدقوهم القتال ، فانهزم طرخون ، واستولى موسى على عسكره ، وزحفت الترك ~~والصغد ، فحالوا بين موسى والحصن ، فقاتلهم ، فعقروا فرسه فسقط ، فقال ~~لمولى له : احملني . فقال : الموت كريه ، ولكن ارتدف ، فإن نجونا نجونا ~~جميعا ، وإن هلكنا هلكنا جميعا . فارتدف ، فلما نظر إليه عثمان حيث وتب قال ~~: وثبة موسى ورب الكعبة ، وقصده وعقرت فرسه ، فسقط هو ومولاه فقتلوه ، ~~ونادى منادي عثمان : من لقيتموه فخذوه أسيرا ، ولا تقتلوا أحدا ، فقتل ذلك ~~اليوم من الأسرى خلقا كثيرا من العرب خاصة ، فكان يقتل العربي ويضرب المولى ~~ويطلقه ، وكان الذي أجهز على موسى PageV21P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" واصل ابن طيسلة العنبري ، وسلم النضر المدينة ~~إلى مدرك فسلمها مدرك إلى عثمان ، وكتب المفضل إلى الحجاج بقتل موسى فلم ~~يسره ذلك ، لأنه من قيس . وكان مقتل موسى في سنة خمس وثمانين ، وكان مقام ~~موسى بالحصن أربع عشرة سنة ، وقيل خمس عشرة سنة . ذكر وفاة عبد العزيز بن ~~مروان وولاية عبد الله بن عبد الملك مصر والبيعة للوليد وسليمان ابني عبد ~~الملك بولاية العهد كانت وفاته بمصر في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين ، ~~وكان عبد الملك أراد أن يخلعه من ولاية العهد ، ويبايع لابنه الوليد ، ~~فنهاه قبيصة بن ذؤيب عن ذلك ، وقال : لا تفعل ، ولعل الموت يأتيه ، فكف عنه ~~عبد الملك ونفسه تنازعه إلى خلعه ؛ فدخل عليه روح بن زنباع ، وكان أجل ~~الناس عند عبد الملك ، وقال : يا أمير المؤمنين ، لو خلعته ما انتطح فيها ~~عنزان ؛ وأنا أول من يجيبك إلى ذلك . قال : نصبح إن شاء الله ونفعل . ونام ~~روح عنده ، فدخل عليهما قبيصة بن ذؤيب وهما نائمان ، وكان عبد الملك قد ~~تقدم إلى حجابه ألا يحجبوا قبيصة عنه ، وكان إليه الخاتم والسكة ، والأخبار ~~تأتيه قبل عبد الملك ، فلما دخل سلم عليه ، وقال : آجرك الله في عبد العزيز ~~أخيك قال : هل توفي ؟ قال : نعم . فاسترجع ، ثم أقبل على ms4768 روح ، وقال : ~~كفانا الله ما نريد . وكان هذا مخالفا لك يا قبيصة . وضم عبد الملك عمل عبد ~~العزيز إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك ، وأمر بالبيعة لابنيه : الوليد ، ~~وسليمان ، فبايعهما الناس ، وكتب بذلك إلى الأمصار ، وكان على المدينة هشام ~~بن إسماعيل المخزومي ، فدعا الناس إلى البيعة ، فأجابوا إلا سعيد بن المسيب ~~، فإنه أبى ، وقال : لا أبايع وعبد الملك حي ، فضربه هشام ضربا مبرحا ، ~~وطاف به وهو في تبان شعر حتى بلغ رأس الثنية التي يقتلون ويصلبون عندها ، ~~ثم رده وحبسه . PageV21P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" فبلغ ذلك عبد الملك ، فقال : قبح الله هشاما ~~، إنما كان ينبغي له أن يدعوه إلى البيعة ، فإن أبى أن يبايع يضرب عنقه أو ~~يكف عنه . وكتب إليه يلومه ويقول : إن سعيدا ليس عنده شقاق ولا خلاف ؛ وقد ~~كان سعيد امتنع أيضا من بيعة ابن الزبير ، وقال : لا أبايع حتى يجتمع الناس ~~، فضربه جابر بن الأسود عامل ابن الزبير ستين سوطا . فكتب ابن الزبير إلى ~~جابر يلومه ، وقال : ما لنا ولسعيد ؟ دعه ، لا تعرض له . وحج بالناس في هذه ~~السنة هشام بن إسماعيل . سنة ست وثمانون ذكر وفاة عبد الملك بن مروان كانت ~~وفاته بدمشق في منتصف شوال سنة ست وثمانين ، وكان يقول : أخاف الموت في شهر ~~رمضان ، فيه ولدت ، وفيه فطمت ، وفيه جمعت القرآن ، وفيه بايع لي الناس ، ~~فمات في شوال حين أمن الموت في نفسه ، واختلف في عمره من ثلاث وستين سنة ~~إلى سبع وخمسين . وصلى عليه ابنه ولي عهده الوليد . وكانت مدة خلافته إحدى ~~وعشرين سنة وخمسة عشر يوما ، خلص له الأمر منها بعد مقتل عبد الله بن ~~الزبير ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر إلا سبع ليال ، ودفن بدمشق خارج باب ~~الجابية . قيل : ولما اشتد مرضه نهاه بعض الأطباء أن يشرب الماء ، وقال : ~~إن شرب الماء مات ، فاشتد عطشه ، فقال : يا وليد ، اسقني ماء . قال : لا ~~أعين عليك . فقال لابنته فاطمة : اسقيني ، فمنعها الوليد . فقال : لتدعنها ~~أو لأخلعنك . فقال : لم يبق بعد هذا شيء ms4769 ، فسقته فمات . ودخل عليه الوليد ~~وابنته فاطمة عند رأسه تبكي ، فقال : كيف أمير المؤمنين ؟ قال : هو أصلح ~~مما كان . فلما خرج قال عبد الملك : ومستخبر عنا يريد بنا الردى . . . ~~ومستخبرات والدموع سواجم PageV21P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" ذكر وصيته بنيه عند موته قال : وأوصى بنيه ~~عند موته ، فقال : أوصيكم بتقوى الله ، فإنه أزين حلية وأحصن كهف ، ليعطف ~~الكبير منكم على الصغير ، وليعرف الصغير حق الكبير ، وانظروا مسلمة فاصدروا ~~عن رأيه ، فإنه نابكم الذي تفرون ، ومجنكم الذي عنه ترمون ، وأكرموا الحجاج ~~فإنه الذي وطأ لكم المنابر ودوخ لكم البلاد ، وأذل لكم الأعداء ، وكونوا ~~بني أم بررة . لا تدب بينكم العقارب ، وكونوا في الحرب أحرارا ، فإن القتال ~~لا يقرب ميتة ، وكونوا للمعروف منارا ؛ فإن المعروف يبقى أجره وذخره وذكره ~~، وضعوا معروفكم عند ذوي الأحساب ، فإنهم أصون له واشكر لما يؤتى إليهم منه ~~، وتغمدوا ذنوب أهل الذنوب ، فإن استقالوا فأقيلوا ، وإن عادوا فانتقموا . ~~ذكر أولاده وأزواجه كان له : الوليد ، وسليمان ، ومروان الأكبر - درج ، ~~وعائشة ؛ أم هؤلاء ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة ، ~~ويزيد ومروان ومعاوية درج ، وأم كلثوم ، أمهم عاتكة ابنة يزيد بن معاوية ، ~~وهشام أمه أم هشام بنت هشام ابن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة ~~المخزومية ، واسمها عائشة ، وأبو بكر ، وهو بكار ، أمه عائشة بنت موسى بن ~~طلحة ابن عبيد الله ، والحكم - درج ، أمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن ~~عفان ، وفاطمة ، أمها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام ابن ~~المغيرة ، وعبد الله ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعيد الخير وقبيصة ~~لأمهات أولاد ؛ وكان له من النساء سوى من ذكرناه شقراء بنت حلبس الطائي ، ~~وأم أبيها ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب . ذكر شيء من أخباره وعماله ~~قالوا : كان عبد الملك بن مروان عاقلا حازما أدبيا لبيبا عالما ، قال أبو ~~الزناد : كان فقهاء المدينة أربعة : سعيد بن المسيب ، وعروة ابن الزبير ، ~~وقبيصة بن ذؤيب ، وعبد الملك بن مروان . وقال الشعبي رحمه ms4770 الله : ما ذاكرت ~~أحدا إلا وجدت PageV21P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" لي الفضل عليه ، إلا عبد الملك ، فإني ما ~~ذاكرته حديثا إلا زادني فيه ، ولا شعرا إلا زادني فيه ، قالوا : وكان محبا ~~للفخر والبذخ ، وكثرت الشعراء على أيامه ، وكان من فحول شعرائه جرير ~~والفرزدق والأخطل وكثير . وكان عبد الملك مقدما على سفك الدماء ، وكذلك ~~كانت عماله : فكان الحجاج بالعراق ، والمهلب بن أبي صفرة بخراسان ، وهشام ~~ابن إسماعيل المخزومي بالمدينة ، وعبد الله ولده بمصر ، وموسى ابن نصير ~~اللخمي بالمغرب ، ومحمد بن يوسف أخو الحجاج باليمن ، ومحمد بن مروان ~~بالجزيرة ؛ وما منهم إلا من هو ظالم غشوم جائر . وكان نقش خاتمة : آمن ~~بالله مخلصا . وكتابه : روح بن زنباع ، ثم قبيصة بن ذؤيب ، وغيرهما . قاضيه ~~: أبو بشر الخولاني ، وعبد الله بن قيس . حاجبه : يوسف مولاه . الأمراء ~~بمصر وقضاتها أقر عبد الملك أخاه عبد العزيز على إمارة مصر إلى أن مات ، ~~فولى ابنه عبد الله . وكان القاضي بمصر عابس إلى أن مات ، فولى عبد العزيز ~~بشير بن النضر بن بشير المزني ، ثم مات فولاها عبد الرحمن بن حجر الخولاني ~~. ثم صرفه وولى يونس الحضرمي ، ثم صرفه وولي عبد الرحمن بن معاوية بن خديج ~~القضاء والشرطة ، فلما ولي عبد الله بن عبد الملك أقر عبد الرحمن على ~~القضاء ثم صرفه وولي عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل ابن حسنة ثم عزله ، ~~وولي عبد الواحد بن عبد الرحمن بن خديج . قال : وعبد الملك أول من غدر في ~~الإسلام : حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق . وهو أول من نقل الدواوين من ~~الفارسية والرومية إلى العربية . وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء ، ~~وكان الناس من قبله يراجعونهم . وهو أول من نهى عن الأمر بالمعروف ، فإنه ~~قال في خطبته بعد قتل ابن الزبير : ولا يأمرني أحد بتقوى الله تعالى بعد ~~مقامي هذا إلا ضربت عنقه . PageV21P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" ذكر بيعة الوليد بن عبد الملك هو أبو العباس ~~الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ، وأمه ولادة بنت العباس بن ms4771 جزء ، ~~وقد تقدم ذكر نسبها ، وهو السادس من ملوك بني أمية . بويع له بالخلافة بعد ~~وفاة أبيه ، وذلك في يوم الخميس النصف من شوال سنة ست وثمانين . قال : لوما ~~دفن أبوه عبد الملك انصرف عن قبره فدخل المسجد ورقي المنبر فخطب الناس ، ~~وقال : إنا لله ، وإنا إليه راجعون ، والله المستعان على مصيبتنا بموت أمير ~~المؤمنين ، والحمد لله على ما أنعم علينا من الخلافة . قوموا فبايعوا ، ~~فكان أول من عزى نفسه وهنأها ، وكان أول من قام لبيعته عبد الله بن همام ~~السلولي وهو يقول : الله أعطاك التي لا فوقها . . . وقد أراد الملحدون ~~عوقها عنك ، ويأبى الله إلا سوقها . . . إليك حتى قلدوك طوقها وبايعه ، ~~وقام الناس للبيعة . وقد قيل : إن الوليد لما صعد المنبر حمد الله وأثنى ~~عليه ثم قال : أيها الناس ، لا مقدم لما أخر الله ، ولا مؤخر لما قدم ، وقد ~~كان من قضاء الله وسابق علمه ، وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه الموت ، وقد ~~صار إلى منازل الأبرار ولي هذه الأمة بالذي يحق لله عليه في الشدة على ~~المذنب واللين لأهل الحق والفضل ، وإقامة ما أقام الله من منار الإسلام ~~وأعلامه ؛ من حج البيت ، وغزو الثغور ، وشن الغارة على أعداء الله ، فلم ~~يكن عاجزا ولا مفرطا . أيها الناس ، عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة ، فإن ~~الشيطان مع الفرد . أيها الناس ، من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه ~~عيناه ، ومن سكت مات بدائه ، ثم نزل . ولنبدأ من أخبار الوليد بالغزوات ~~والفتوحات ، ثم نذكر الحوادث على حكم السنين : PageV21P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" ذكر الغزوات والفتوحات التي اتفقت في خلافة ~~الوليد بن عبد الملك ولنبدأ من ذلك بأخبار قتيبة بن مسلم وما فتحه من ~~البلاد : ذكر ولاية قتيبة بن مسلم خراسان وغزواته وفتوحاته فتح قتيبة بن ~~مسلم في مدة ولايته خراسان من بلاد ما وراء النهر : الصغانيان ، وأخرون ، ~~وكاسان ، وأورشت ، وهي من فرغانة وأخسيكت ، وهي مدينة فرغانة القديمة ، ~~وبيكند ، وبخارى ، والطالقان والفارياب والجوزجان ، وشومان وكش ، وتسف ، ~~ورام جرد ، وسمرقند ، والشاش وفرغانة ، ومدينة كاشغر . وكان أول ms4772 ما بدأ به ~~قتيبة أنه لما قدم خراسان أميرا للحجاج ، وذلك في سنة ست وثمانين قدمها ~~والمفضل بن المهلب يحرض الجند لغزاة ، فخطب قتيبة الناس ، وحثهم على الجهاد ~~، ثم عرضهم ، وسار بهم . فلما كان بالطالقان تلقاه دهاقين بلخ وساروا معه ، ~~وقطع النهر فتلقاه ملك الصغانيان بهدايا ومفتاح من ذهبن ودعاه إلى بلاده ، ~~فمضى معه فسلمها إليه ، لأن ملك أخرون وشومان كان يسيء جواره ، ثم سار ~~قتيبة منها إلى أخرون وشومان وهما من طخارستان ، فصالحه ملكها على فدية ~~أداها إليه ، فقبلها قتيبة . ثم انصرف إلى مرو ، واستخلف على الجند أخاه ~~صالح بن مسلم ففتح صالح بعد رجوع قتيبة كاشان وأورشت ، وهي من فرغانة ، ~~وفتح أخسيكت وهي مدينة فرغانة القديمة . PageV21P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" وقيل : إن قتيبة قدم خراسان في سنة خمس ~~وثمانين فعرض الجند فغزا أخرون وشومان ، ثم رجع إلى مرو . وقيل : إنه لم ~~يغز في هذه السنة ، ولم يقطع النهر بسبب بلخ ، فإن بعضها كان منتقضا عليه ، ~~فحاربهم وسبى منهم ، ثم صالحوه فأمر برد السبي . ذكر قتيبة ونيزك قال : لما ~~صالح قتيبة ملك شومان كتب إلي نيزك طرخان صاحب باذغيس في إطلاق من عنده من ~~أسرى المسلمين ، وكتب إليه يتهدده ، فخافه نيزك ، فأطلقهم ، وبعث بهم إليه ~~، ثم كتب إليه قتيبة مع سليم الناصح مولى عبيد الله بن أبي بكرة يدعوه إلى ~~الصلح وإلى أن يؤمنه ، فصالحه نيزك لأهل باذغيس على ألا يدخلها قتيبة . ذكر ~~غزوة بيكند وفتحها وغزا قتيبة بيكند في سنة سبع وثمانين ، وهي أدنى مدائن ~~بخارى إلى النهر ، فلما نزل بهم استنصروا الصغد واستمدوا من حولهم ، فأتوهم ~~في جمع كثير ، وأخذوا الطرق على قتيبة فقاتلهم شهرين في كل يوم ، ثم انهزم ~~الكفار إلى المدينة ، فتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ، وتحصن من دخل ~~المدينة منهم بها ، فأمر قتيبة بهدم سورها ، فسألوه الصلح ، فصالحهم ، ~~واستعمل عليهم عاملا وارتحل عنهم . فلما سار خمس فراسخ نقضوا الصلح وقتلوا ~~العامل ومن معه فرجع قتيبة فنقب السور فسقط ، فسألوه الصلح فأبى ، ودخلها ~~عنوة ، وقتل من كان ms4773 بها من المقاتلة ، وكان فيمن أخذ من المدينة رجل أعور ، ~~وهو الذي استجاش الترك على المسلمين ، فقال لقتيبة : أنا أفدي نفسي بخمسة ~~آلاف حريرة قيمتها ألف ألف ، فاستشار قتيبة الناس ، فقالوا : هذا زيادة في ~~الغنائم ؛ وما عسى أن يبلغ من كيد هذا ؟ قال : والله لا يروع بك مسلم أبدا ~~، وأمر به فقتل ؛ وأصابوا فيها من الغنائم والسلاح وآنية الذهب والفضة ما ~~لا يحصى ، ولا أصابوا بخراسان مثله . ولما فرغ قتيبة من فتح بيكند رجع إلى ~~مرو . PageV21P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" ذكر غزو نومشكث وراميثنة وصلح أهلها وقتال ~~الترك والصغد وأهل فرغانة وفي سنة ثمان وثمانين غزا قتيبة نومشكث ، فتلقاه ~~أهلوها ، فصالحهم ، ثم سار إلى راميثنة ، فصالحه أهلها ، وانصرف عنهم وزحف ~~إليه الترك ومعهم الصغد وأهل فرغانة في مائتي ألف ، وملكهم كوربغانو ابن ~~أخت ملك الصين ، فاعترضوا المسلمين ؛ فلحقوا عبد الرحمن بن مسلم أخا قتيبة ~~وهو على الساقة وبينه وبين قتيبة وأوائل العسكر ميل ، فقاتلهم عبد الرحمن ~~ومن معه ، وأرسل إلى أخيه ، فرجع بالمسلمين ، وقد أشرف الترك على الظهور ~~على عبد الرحمن ومن معه ، فلما رأى المسلمون قتيبة طابت نفوسهم ، وقويت ، ~~وقاتلوا إلى الظهر ، فانهزم الترك ومن معهم وكان نيزك يومئذ مع قتيبة ، ~~فأبلى بلاء حسنا ، ورجع قتيبة بعد الهزيمة إلى مرو . ذكر غزو بخارى وفتحها ~~كانت غزوة بخارى في سنة تسع وثمانين ، والفتح في سنة تسعين ؛ وذلك أن ~~الحجاج بن يوسف كتب إلى قتيبة يأمره بقصد وردان خذاه ، فعبر النهر من زم ، ~~فلقى الصغد وأهل كس ونسف في طريق المفازة ، فقاتلوه ، فظفر بهم ، ومضى إلى ~~بخارى ، فنزل خرقانة السفلى عن يمين وردان ، فلقوه في جمع كثير ، فقاتلهم ~~يومين وليلتين ، فظفر بهم ، وغزا وردان خذاه ملك بخارى فلم يظفر منه بشيء ، ~~فرجع إلى مرو . وكتب إلى الحجاج يخبره ؛ فكتب إليه الحجاج أن صورها . فبعث ~~إليه بصورتها ، فكتب إليه أن تب إلى الله جل ثناؤه مما كان منك وأتها من ~~مكان كذا وكذا . قيل : وكتب إليه أن كس بكس ، وانسف نسفا ، ورد وردان ms4774 ، ~~وإياك والتحويط ، ودعني من بنيات الطريق . PageV21P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" فخرج قتيبة إلى بخارى في سنة تسعين ، فاستجاش ~~وردان خذاه الصغد والترك ومن حوله ، فأتوه وقد سبق إليها قتيبة وحصرها . ~~فلما جاءتهم أمدادهم خرجوا إلى المسلمين يقاتلونهم ، فقالت الأزد : اجعلونا ~~ناحية ، وخلوا بيننا وبين قتالهم ، فقال قتيبة : تقدموا ، فتقدموا ، ~~وقاتلوا قتالا شديدا ، ثم انهزم الأزد ، حتى دخلوا العسكر ، وركبهم ~~المشركون حتى حطموهم ، وقاتلت مجنبتا المسلمين الترك حتى ردوهم إلى مواقفهم ~~، فوقفت الترك على نشز ، فقال قتيبة : من يزيلهم عن هذا الموقف فلم يقم لهم ~~أحد من العرب ، فأتى بني تميم ، فقال لهم : يوم كأيامكم . فأخذ وكيع اللواء ~~، وقال : يا بني تميم ، أتسلمونني اليوم ؟ قالوا : لا ، يا أبا المطرف ، ~~وكان هزيم بن أبي طحمة على خيل تميم ، ووكيع رأسهم . فقال : يا هزيم قدم ~~خيلك ، ورفع إليه الراية ، وتقدم هزيم ، وتقدم وكيع في الرجالة ، وكان ~~بينهم وبين الترك نهر ، فأمر وكيع هزيما بقطعه إليهم ، فعبره في الخيل ، ~~وانتهى وكيع إلى النهر ، فعمل عليه جسرا من خشب ، وقال لأصحابه : من وطن ~~نفسه على الموت فليعبر وإلا فليثبت مكانه . فلم يعبر معه إلا ثمانمائة رجل ~~. فلما عبر بهم قال لهزيم : إني مطاعنهم فاشغلهم عنا بالخيل ، وحمل عليهم ~~حتى خالطهم ، وحمل هيم في الخيل فطاعنهم ، وقاتلهم المسلمون حتى حدروهم عن ~~التل ، ثم عبر الناس إليهم بعد انهزام الترك ، ونادى قتيبة : من أتى برأس ~~فله مائة ، فأتى برؤوس كثيرة ، وجرح خاقان وابنه ، وفتح الله على المسلمين ~~. قال : ولما أوقع قتيبة بأهل بخارى هابه الصغد ، فرجع طرخون ملكهم ومعه ~~فارسان ، فدنا من عسكر قتيبة ، فطلب رجلا يكلمه ، فأرسل إليه قتيبة حيان ~~النبطي ، فطلب الصلح على فدية يؤديها إليهم ، فأجابه قتيةب إلى ما طلب ، ~~وصالحه ، ورجع طرخون إلى بلاده ، ورجع قتيبة ومعه نيزك . ذكر غدر نيزك وفتح ~~الطالقان وما كان من خبر نيزك إلى أن قتل قال : ولما رجع قتيبة عن بخارى ~~ومعه نيزك وقد خاف لما رأى من الفتوح ، فقال لأصحابه : أنا مع هذا ولست ~~آمنه ، فلو استأذنته ms4775 ورجعت كان الرأي . قالوا : PageV21P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" افعل . فاستأذن قتيبة ، فأذن له وهو بآمل ، ~~فرجع يريد طخارستان ، وأسرع السير حتى أتى النوبهار ، وقال لأصحابه : لا شك ~~أن قتيبة قد ندم على إذنه لي ، وسيبعث إلى المغيرة بن عبد الله يأمره بحبسي ~~، فكان كما قال : ندم قتيبة ، وبعث إلى المغيرة يأمره بحبس نيزك ، فتبعه ~~المغيرة ، فوجده قد دخل شعب خلم ، فرجع المغيرة ، وأظهر نيزك الخلع ، وكتب ~~إلى أصبهذ بلخ وإلى باذان ملك مرو الروذ وإلى ملك الطالقان وإلى ملك ~~الفارياب وإلى ملك الجوزجان يدعوهم إلى خلع قتيبة ، فأجابوه ، وواعدهم ~~الربيع أن يجتمعوا ويغزوا قتيبة . وكتب إلى كابل شاه يستظهر به ، وبعث إليه ~~بثقله وماله ، وسأله أن يأذن له إن اضطر أن يأتيه ، فأجابه إلى ذلك ، وكان ~~خبعويه ملك طخارستان ضعيفا ؛ فأخذه نيزك ، فقيده بقيد من ذهب لئلا يخالف ~~عليه ، وكان خبعويه هو الملك ونيزك عنده ، فاستوثق منه ، وأخرج عامل قتيبة ~~من بلاد جبعويه ، وبلغ قتيبة خلعه ، وقد تفرق الجند ، فبعث أخاه عبد الرحمن ~~في اثني عشر ألفا إلى البروقان ، وقال : أقم بها ولا تحدث شيئا ، فإذا ~~انقضى الشتاء فعسكر ، وسر نحو طخارستان ، فسار ؛ فلما كان آخر الشتاء كتب ~~قتيبة إلى نيسابور وغيرها من البلاد لتقدم عليه الجنود ، فقدموا . فسار نحو ~~الطالقان ، وكان ملكها قد خلع وطابق نيزك على الخلع ، فأتاه قتيبة ، فأوقع ~~بأهل الطالقان ، فقتل من أهلها مقتلة عظيمة ، وصلب منهم سماطين أربعة فراسخ ~~في نظام واحد ، واستعمل أخاه عمرو بن مسلم . وقيل : إن ملك الطالقان لم ~~يحارب قتيبة ، فكف عنه ، وكان بها لصوص ، فقتلهم قتيبة وصلبهم ، ثم سار ~~قتيبة إلى الفارياب في سنة إحدى وتسعين ، فخرج إليه ملكها مقرا مذعنا ، ~~فقبل منه ولم يقتل بها أحدا ، واستعمل عليها رجلا من باهلة ، وبلغ ملك ~~الجوزجان خبرهم ، فهرب إلى الجبال ، وسار قتيبة إلى الجوزجان ، فلقيه أهلها ~~سامعين مطيعين ، فقبل منهم ولم يقتل بها أحدا ، وساتعمل عليها عامر بن مالك ~~الحماني ، ثم أتى بلخ فلقيه أهلها ، فلم يقم إلا يوما واحدا ، وسار يتبع ms4776 ~~أخاه عبد الرحمن إلى شعب خلم ، ومضى نيزك إلى بغلان ، وخلف مقاتلته على فم ~~PageV21P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" الشعب ومضايقه يمنعونه ، ووضع مقاتلته في ~~قلعة حصينة من وراء الشعب ، فأقام قتيبة أياما لا يقدر على دخوله ، ولا ~~يعرف طريقا يسلكه إلى نيزك إلا الشعب أو مفازة لا تقدر العساكر على قطعها ، ~~فأتاه إنسان فاستأمنه على أن يدله على مدخل القلعة التي من وراء الشعب ، ~~فأمنه قتيبة ، وبعث معه رجالا ، فانتهى بهم إلى القلعة ، فطرقوهم وهم آمنون ~~، فقتلوا منهم ، وهرب من بقى ومن كان في الشعب ، فدخل قتيبة الشعب ، فأتى ~~القلعة ومضى إلى سمنجان ، فأقام بها أياما ثم سار إلى نيزك ، وقدم أخاه عبد ~~الرحمن فارتحل نيزك من منزله فقطع وادي فرغانة ، ووجه ثقله وأمواله إلى ~~كابل شاه ، ومضى حتى نزل الكرز ، وعبد الرحمن يتبعه ، ونزل عبد الرحمن وأخذ ~~بمضايق الكرز ، ونزل قتيبة على فرسخين من أخيه ، وتحصن نيزك بالكرز ، وليس ~~له إلا مسلك من وجه واحد ، وهو صعب لا تطيقه الدواب ، فحصره قتيبة شهرين ~~حتى قل ما في يد نيزك من الطعام ، وأصابهم الجدري . وخاف قتيبة الشتاء ، ~~فدعا سليما الناصح ، فقال : انطلق إلى نيزك ، واحتل لتأتيني به بغير أمان ، ~~فإن أعياك وأبى فأمنه . فخرج إليه ، وأخذ معه أطعمة وأخبصة كثيرة ، وأتى ~~نيزك ، فقال له : إنك أسأت إلى نفسك وغدرت . قال نيزك : فما الرأي ؟ قال : ~~أرى أن تأتيه ، فإنه ليس ببارح ، وقد عزم على أن يشتو مكانه ، هلك أو سلم . ~~قال نيزك : فكيف آتيه على غير أمان . قال : ما أظنه يؤمنك لما في نفسه عليك ~~، لأنك قد ملأته غيظا ، ولكني أرى ألا يعلم حتى تضع يدك في يده ، فإني أرجو ~~أن يستحي ويعفو . قال : إن نفسي تأبى هذا . فقال سليم : ما أتيتك إلا لأشير ~~عليك بهذا ، ولو فعلت لرجوت أن تسلم ويعود حالك عنده ، فإذا أبيت فإني ~~منصرف . وقدم الطعام الذي معه ، ولا عهد لهم بمثله ، فانتهبه أصحاب نيزك ، ~~فساءه ذلك ، فقال له سليم : أنا لك من الناصحين ، أرى أصحابك قد جهدوا ms4777 ، ~~وإن طال بهم الحصار لم آمنهم أن يستأمنوا بك . فأت قتيبة . فقال : لا آمنه ~~على نفسي ، ولا آتيه إلا بأمان ، وإن ظني أنه يقتلني ، وإن أمنني ؛ ولكن ~~الأمان أعذر لي . فقال سليم : قد أمنك ؛ أفتتهمني ؟ قال : لا . وقال له ~~أصحابه : اقبل قول سليم . فخرج معه ومعه خبعويه وصول طرخان خليفة جبعويه ، ~~وخنس طرخان صاحب شرطته وشقران ابن أخي نيزك ، فلما خرجوا من الشعب حالت خيل ~~قتيبة بين PageV21P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" أصحاب نيزك وبين الخروج ، فقال نيزك : هذا ~~أول الغدر . فقال سليم : تخلف هؤلاء عنك خير لك . وأقبل سليم ونيزك ومن معه ~~حتى دخلوا على قتيبة ، فحبسهم . وكتب إلى الحجاج يستأذنه في قتل نيزك ، ~~واستخرج قتيبة ما في الكرز من متاع ، وأتاه كتاب الحجاج بعد أربعين يأمره ~~بقتل نيزك ، فدعا قتيبة الناس ، واستشارهم ، فاختلفوا ، فقال ضرار ابن حصين ~~: إني سمعتك تقول : أعطيت الله عهدا إن أمكنك منه أن تقتله ، فإن لم تفعل ~~فلا ينصرك الله عليه أبدا . فدعا نيزك ، فضرب رقبته بيده ، وأمر بقتل صول ~~وابن أخي نيزك ، وقتل من أصحابه سبعمائة . وقيل اثني عشر ألفا ، وصلب نيزك ~~وابن أخيه ، وبعث برأسه إلى الحجاج ، وأخذ الزبير مولى عباس الباهلي خفا ~~لنيزك فيه جوهر ، فكان أكثر من في بلاده مالا وعقارا من ذلك الجوهر ، وأطلق ~~قتيبة جبعويه ومن عليه ، وبعث به إلى الوليد ، فلم يزل بالشام حتى مات . ~~ولما قتل نيزك رجع قتيبة إلى مرو ، وأرسل ملك الجوزجان يطلب الأمان ، فأمنه ~~على أن يأتيه ، فطلب رهنا يكونون في يده ويعطى رهائن ، فأعطاه قتيبة حبيب ~~بن عبد الله بن حبيب الباهلي ، وأعطى ملك الجوزجان رهائن من أهل بيته ، ~~وقدم على قتيبة ، ثم رجع فمات بالطالقان ، فقال أهل الجوزجان : إنهم سموه ~~فقتلوا حبيبا . وقتل قتيبة الرهائن الذين كانوا عنده . ذكر غزوة شومان وكش ~~ونسف وفتح ذلك وفي سنة إحدى وتسعين سار قتيبة إلى شومان فحصرها ، وكان سبب ~~ذلك أن ملكها طرد عامل قتيبة من عنده ، فأرسل إليه قتيبة رسولين : أحدهما ~~من العرب اسمه عياش ms4778 ، والآخر من أهل خراسان يدعوانه إلى أن يؤدى ما كان ~~صالح عليه ، فقدما شومان ، فخرج أهلها إليهما ، فرموهما . فانصرف الخراساني ~~وقاتلهم عياش فقتلوه ، ووجدوا به ستين جراحة ، وبلغ قتيبة قتله ، فسار ~~إليهم بنفسه ، فلما أتاها أرسل صالح بن مسلم أخو قتيبة إلى ملكها ، وكان ~~صديقا له ، يأمره بالطاعة ، ويضمن له رضا قتيبة إن رجع إلى الصلح ، فأبى ~~وقال لرسول صالح : أتخوفني من قتيبة وأنا أمنع الملوك حصنا ؟ فأتاه قتيبة ~~وقد تحصن ببلده فنصب عليه المجانيق ، ورمى الحصن PageV21P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" فهشمه ، فلما خاف الملك أن يظهر قتيبة عليه ~~جمع ما كان بالحصن من مال وجوهر ، ورمى به في بئر في القلعة لا يدرك قعرها ~~، ثم فتح القلعة ، وخرج ، فقاتل حتى قتل ، وأخذ قتيبة القلعة عنوة ، فقتل ~~المقاتلة وسبى الذرية ، ثم سار إلى كش ونسف ، ثم سار إلى بخارى . وقيل : ~~إنه سار إلى الصغد ، فلما رجع عنهم قالت الصغد لطرخون : إنك قد رضيت بالذل ~~واستطبت الجزية ، وأنت شيخ كبير ، فلا حاجة لنا فيك . فحبسوه وولوا غورك ~~فقتل طرخون نفسه . ذكر صلح خوارزم شاه وفتح خام جرد وفي سنة ثلاث وتسعين ~~صالح قتيةب خوارزم شاه ، وسبب ذلك أن ملك خوارزم كان ضعيفا ، فغلبه أخوه ~~خرزاذ على أمره ، وكان أصغر منه ، فكان إذا بلغه أن عند أحد ممن هو منقطع ~~إلى الملك جارية أو مالا أو دابة أو بيتا أو أختا أو امرأة جميلة أرسل إليه ~~، وأخذه منه ، فلا يمتنع عليه أحد ، ولا الملك ، فإذا قيل للملك قال : لا ~~أقوى عليه . فلما طال عليه ذلك كتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه ليسلمها إليه ~~، واشترط عليه أن يدفع إليه أخاه وكل من يضاده ليحكم فيه بما يرى ، ولم ~~يطلع أحدا من مرازبته على ذلك . فأجابه قتيبة إلى ما طلب ، وتجهز للغزو ، ~~وأظهر أنه يريد الصغد ، وسار من مرو وجمع خوارزم شاه أجناده ودهاقنته . ~~فقال : إن قتيبة يريد الصغد ، وليس بغازيكم ، فهلموا نتنعم في ربيعنا هذا ، ~~فأقبلوا على الشرب والتنعم فلم يشعروا حتى نزل قتيبة ms4779 في هزارسب ، فقال ~~خوارزم شاه لأصحابه : ما ترون ؟ قالوا : نرى أن نقاتله . قال : لكني لا أرى ~~ذلك ، لأنه قد عجز عنه من هو أقوى منا وأشد شوكة ، ولكن أصرفه بشيء أخرجه ~~إليه . فأجابوه إلى ذلك ، فسار خوارزم شاه إلى مدينة الفيل من وراء النهر ، ~~وهي أحصن بلاده ، وقتيبة لم يعبر النهر ، فأرسل إليه خوارزم شاه ، فصالحه ~~على عشرة آلاف رأسه ، وعين ومتاع وعلى أن يعينه على خام جرد ، فقبل قتيبة ~~ذلك . وقيل : صالحه على مائة ألف رأس ، وبعث قتيبة أخاه عبد الرحمن إلى ملك ~~خام جرد ، وكان يغازي خوارزم شاه ، فقاتله فقتله عبد الرحمن وغلب على أرضه ~~، PageV21P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" وقدم بأربعة آلاف أسير ، فقتلهم ، وسلم قتيبة ~~إلى خوارزم شاه أخاه ومن كان يخالفهم ، فقتلهم ، ودفع أموالهم إلى قتيبة . ~~والله أعلم . ذكر فتح سمرقند قال : فلما قبض قتيبة صلح خوارزم قال إليه ~~المجشر بن مزاحم السلمي فقال له : سر الآن إن أردت الصغد يوما من الدهر ، ~~فإنهم آمنون من أن تأتيهم عامك هذا ، وإنما بينك وبينهم عشرة أيام . قال : ~~أشار عليك بهذا أحد ؟ قال : لا . قال : فسمعه منك أحد ؟ قال : لا . قال : ~~والله لئن تكلم به أحد لأضربن عنقك . فلما كان الغد من يوم كلامه له أمر ~~قتيبة أخاه عبد الرحمن فسار في الفرسان والرماة ، وقدم الأثقال إلى مرو ، ~~فسار يومه ، فلما أمسى كتب إليه قتيبة : إذا أصبحت فوجه الأثقال إلى مرو ، ~~وسر في الفرسان والرماة نحو الصغد ، واكتم الأخبار ، فإني بالأثر . ففعل ~~عبد الرحمن ما أمره ، وخطب قتيبة الناس ، وقال لهم : إن الصغد شاغرة برجلها ~~، وقد نقضوا العهد الذي بيننا ، وصنعوا ما بلغكم ؛ وإني أرجو أن تكون ~~خوارزم والصغد كقريظة والنضير . ثم سار فأتى الصغد ، فبلغها بعد عبد الرحمن ~~بثلاث أو أربع ، وقدم معه أهل خوارزم وبخارى ، فقاتلوا شهرا من وجه واحد ~~وهم محصورون . وخاف أهل الصغد طول الحصار ، فكتبوا إلى ملك الشاش وأخشاد ~~وخاقان وفرغانة : إن العرب إن ظفروا بنا أتوكم بمثل ما أتونا به ، فانظروا ~~لأنفسكم ، ومهما ms4780 كان عندكم من قوة فابذلوها . فنظروا وقالوا : إنما نؤتى من ~~سفلتنا وإنهم لا يجدون كوجدنا ، فانتخبوا من أبناء الملوك وأهل النجدة من ~~أبناء المرازبة والأساورة والأبطال ، وأمروهم أن يأتوا عسكر قتيبة ؛ ~~فيبيتوه ، وولوا عليهم ابنا لخاقان ، فساروا . وبلغ قتيبة الخبر فانتخب من ~~عسكره مائة ، وقيل ستمائة من أهل النجدة والشجاعة ، وأعلمهم الخبر ، وأمرهم ~~بالمسير إليهم ، فساروا ، وعيهم صالح بن مسلم ، فنزلوا على فرسخين من ~~العسكر على طريق القوم ، فجعل صالح له كمينين . PageV21P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" فلما مضى نصف الليل جاءهم عدوهم ، فلما رأوا ~~صالحا حملوا عليه ، واقتتلوا فشد الكمينان عن يمين وشمال ، فقتلهم المسلمون ~~، وأسروا منهم ، ولم يفلت منهم إلا الشريد ، واحتووا على سلاحهم وأسلابهم . ~~وسئل بعض الأسرى عن القتلى فقالوا : ما قتلتم إلا ابن ملك أو عظيما أو بطلا ~~، إن كان الرجل ليعد بمائة رجل . ونصب قتيبة المجانيق على سمرقند ، ورماهم ~~فثلمه ثلمة . ثم أمر قتيبة الناس بالجد في القتال ، وأن يبلغوا ثلمة ~~المدينة ، ففعلوا ، وحملوا وقد تترسوا حتى بلغوا الثلمة ، ووقفوا عليها ، ~~فرماهم الصغد بالنشاب ، فلم يبرحوا ، فأرسلوا إلى قتيبة أن انصرف عنا اليوم ~~حتى نصالحك غدا . فقال : لا نصالحهم إلا ورجالنا على الثلمة . وقيل : بل ~~قال : جزع العبيد انصرفوا على ظفركم . فانصرفوا ، فصالحهم من الغد على ألفي ~~ألف ومائتي ألف مثقال في كل عام ، وأن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس ، ~~وأن يخلوا المدينة لقتيبة ، فلا يكون لهم فيها مقاتل ، فيبنى فيها مسجدا ~~فيصلى فيه ويخطب ويتغدى ويخرج . فلما تم الصلح بنى المسجد ودخلها قتيبة في ~~أربعة آلاف انتخبهم ، فدخل المسجد ، فصلى فيه ، وخطب وأكل طعاما ، ثم أرسل ~~إلى الصغد يقول : من أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذ ، فإني لست خارجا منها ~~، ولست آخذ منكم إلا ما صالحتكم عليه ، غير أن الجند يقيمون فيها . وقيل : ~~إنه شرط عليهم في الصلح مائة ألف رأس وبيوت النيران وحلية الأصنام . فقبض ~~ذلك ، وأتى بالأصنام ، فأخذ ما عليها ، وأمر بها فأحرقت ، فوجد من بقايا ~~مسامير الذهب خمسين ألف مثقال ، وأصاب بالصغد ms4781 جارية من ولد يزدجرد ، ~~فأرسلها إلى الحجاج ، فأرسلها الحجاج إلى الوليد ، فولدت له ابنه يزيد بن ~~الوليد . ثم رجع قتيبة إلى مرو ، واستعمل على سمرقند إياس بن عبد الله على ~~الحرب ، وجعل على الخراج عبيد الله بن أبي عبيد الله مولى مسلم . ذكر غزو ~~الشاش وفرغانة وفي سنة أربع وتسعين قطع قتيبة النهر وفرض على أهل بخارى وكش ~~ونسف عشرين ألف مقاتل ، فساروا معه ، فوجهم إلى الشاش ، وتوجه إلى فرغانة ~~فأتى PageV21P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" خجندة فجمع له أهلها ، ولقوه ، واقتتلوا ~~مرارا ، كل ذلك يكون الظفر للمسلمين . ثم إن قتيبة أتى كاسان مدينة فرغانة ~~، وأتاه الجنود الذين وجههم إلى الشاش وقد فتحوها وأحرقوا أكثرها ، وانصرف ~~إلى مرو . وقال سحبان يذكر قتالهم بخجندة : وسل الفوارس في خجن . . . دة ~~تحت مرهفة العوالي هل كنت أجمعهم إذا . . . هزوا وأقدم في قتالي أم كنت ~~أضرب هامة ال . . . عاتي وأصبر للعوالي هذا وأنت قريع قي . . . س كلها ضخم ~~النوال وفضلت قيسا في الندى . . . وأبوك في الحجج الخوالي ولقد تبين عدل حك ~~. . . مك فيهمو في كل مال تمت مروءتكم ونا . . . غى عزكم غلب الجبال ذكر ~~فتح مدينة كاشغر وفي سنة ست وتسعين سار قتيبة من مرو وحمل مع الناس ~~عيالاتهم ليضعهم بسمرقند ، ومضى إلى فرغانة وبعث جيشا مع كثير ابن فلان إلى ~~كاشغر ، فغنم وسبى سبيا ، فختم أعناقهم ، وأوغل حتى بلغ قرب الصين ، فكتب ~~إليه ملك الصين أن ابعث إلي رجلا شريفا يخبرني عنكم وعن دينكم ، فانتخب ~~قتيبة عشرة لهم جمال وألسنة وبأس وعقل وصلاح ، فأمر لهم بعدة حسنة ومتاع ~~حسن من الخز والوشي وغير ذلك ، وخيول حسنة ، وكان عليهم هبيرة بن مشمرج ~~الكلابي ، وقال لهم قتيبة : إذا دخلتم عليه فأعلموه أني قد حلفت أني لا ~~أنصرف حتى أطأ بلادهم ، وأختم ملوكهم ، وأجبي خراجهم . فساروا وعليهم هبيرة ~~، فلما قدموا دعاهم ملك الصين فلبسوا ثيابا بياضا تحتها PageV21P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" الغلائل ، وتطيبوا ، ولبسوا النعال والأردية ~~، ودخلوا عليه وعنده عظماء قومه ، فجلسوا فلم يكلمهم الملك ولا أحد ممن ~~عنده ms4782 ، فنهضوا . فقالالملك لمن حضره : كيف رأيتم هؤلاء ؟ قالوا : رأينا ~~قوما ما هم إلا نساء . ما بقي منا أحد إلا انتشر ما عنده . فلما كان الغد ~~دعاهم فلبسوا الوشي وعمائم الخز والمطارف ، وغدوا عليه . فلما دخلوا قيل ~~لهم : ارجعوا . وقال لأصحابه : كيف رأيتم هذه الهيئة ؟ قالوا : هذه أشبه ~~بهيئة الرجال من تلك . فلما كان اليوم الثالث دعاهم فلبسوا سلاحهم ، ولبسوا ~~البيض والمغافر ، وأخذوا السيوف والرماح والقسي ، وركبوا . فنظر إليهم ملك ~~الصين ، فرأى مثل الخيل ؛ فلما دنوا ركزوا رماحهم ، وأقبلوا مشمرين . فقيل ~~لهم : ارجعوا ، فركبوا خيولهم وأخذوا رماحهم ، ودفعوا خيلهم ، كأنهم ~~يتطاردون . فقال الملك لأصحابه : كيف ترونهم ؟ قالوا : ما رأينا مثل هؤلاء ~~. فلما أمسى بعث إليهم أن ابعثوا إلي زعيمكم ، فبعثوا إليه هبيرة ابن مشمرج ~~، فقال له : قد رأيتم عظم ملكي ، وأنه ليس أحد يمنعكم مني ، وأنتم في يدي ~~بمنزلة البيضة في كفي . وإني سائلكم عن أمر ، فإن لم تصدقوني قتلتكم . قال ~~: سل . قال : لم صنعتم بزيكم الأول والثاني والثالث ما صنعتم ؟ قال : أما ~~زينا الأول فلباسنا في أهلنا . وأما الثاني فزينا إذا أتينا أمراءنا ، وأما ~~الثالث فزينا لعدونا . قال : ما أحسن ما دبرتم دهركم ، فقولوا لصاحبكم ~~ينصرف ، فإني قد عرفت قلة أصحابه ، وإلا بعثت إليكم من يهلككم . قال : وكيف ~~يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون . وأما ~~تخويفك إيانا بالقتل فإن لنا آجالا إذا حضرت فأكرمها القتل ، ولسنا نكرهه ~~ولا نخافه ، وقد حلف صاحبنا ألا ينصرف حتى يطأ أرضكم ، ويختم ملوككم ، ~~وتعطى الجزية . قال : فإنا نخرجه من يمينه ، ونبعث له بتراب من أرضنا ، ~~فيطؤه ، ونبعث إليه ببعض أبنائنا فيختمهم ، ونبعث إليه بجزية يرضاها . فبعث ~~إليه بهدية وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم ، وبتراب من أرضه ، وأعادهم وأحسن ~~جوائزهم . فقدموا على قتيبة ، فقبل ذلك ، ووطيء التراب ، وختم الغلمان ، ~~وردهم ، فقال سوادة بن عبد الملك السلولي : PageV21P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" لا عيب في الوفد الذين بعثتهم . . . للصين أن ~~سلكوا طريق المنهج كسروا الجفون على القذى خوف الردى . . . حاشا الكريم ~~هبيرة ms4783 بن مشمرج أدى رسالتك التي استرعيته . . . فأتاك من حنث اليمين بمخرج ~~هذه غزوات قتيبة وفتوحاته . وكان قتيبة إذا رجع من غزاته كل سنة اشترى اثني ~~عشر فرسا من جياد الخيل واثني عشر هجينا ، فتخدم إلى وقت الغزو ، فإذا تأهب ~~للغزو ضمرها ، وكان يحمل عليها الطلائع ، وكان لا يجعل الطلائع إلا فرسان ~~الناس وأشرافهم ، ويجعل معه من العجم من يستنصحه . وإذا بعث طليعة أمر بلوح ~~فنقش ثم شقه نصفين ، وجعل شقة عنده ، وأعطى نصفه للطليعة ، ويأمرهم أن ~~يدفنوه في موضع يصفه لهم من شجرة أو مخاضة أو غيرها ، ثم يبعث بعد الطليعة ~~من يستخرجه ليعلم أصدقت الطليعة أم لا . ولنذكر من الغزوات والفتوحات في ~~أيام الوليد خلاف ما ذكرنا : ذكر فتح السند وقتل ملكها وما يتصل بذلك من ~~أخبار العمال عليها وفي سنة تسع وثمانين قتل محمد بن القاسم بن محمد ابن ~~الحكم بن أبي عقيل الثقفي داهر بن صصة ملك السند ، وملك بلاده ، وكان ~~الحجاج قد استعمله على ذلك الثغر وسير معه ستة آلاف مقاتل ، وجهزه بجميع ما ~~يحتاج إليه حتى المسال والإبر والخيوط ، فسار محمد إلى مكران ، وأقام بها ~~أياما ، ثم أتى قنزبور ففتحها ثم سار إلى أرمائيل فقدمها يوم جمعة ، ووافته ~~سفن كان حمل فيها السلاح والرجال والأداة ، فأنزل الناس منازلهم وخندق ونصب ~~عليها منجنيقا يقال له العروس كان يمد به خمسمائة رجل ، وكان بالديبل بد ~~عظيم عليه دق عظيم ، وعلى الدقل راية حمراء إذا هبت الريح أطافت بالمدينة ، ~~والبد : صنم في بناء عظيم بأعلاه منارة عظيمة مرتفعة ، والدقل في رأس ~~المنارة . فرمى الدقل بحجر العروس فكسره فتطير الكفار بذلك وأعظموه ، ثم ~~فتحها محمد عنوة بعد قتال ، وقتل فيها ثلاثة أيام ، وهرب عامل داهر عنها ، ~~وأنزلها محمد أربعة آلاف من المسلمين ، وبنى جامعها ، وسار إلى البيرون ، ~~وكان أهلها قد بعثوا إلى الحجاج وصالحوه ، فلقوا محمدا بالميرة ، وأدخلوه ~~مدينتهم ، ثم سار عنها ، PageV21P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" وجعل لا يمر بمدينة إلا فتحها حتى عبر نهرا ~~دون مهران فصالحه أهل سربيدس ms4784 ، ووظف عليهم الخراج ، وسار إلى سهبان ففتحها ~~، ثم أتى نهر مهران فنزل به ، وبلغ خبره داهرا فاستعد لمحاربته . وبعث محمد ~~جيشا إلى سدوسان ، فطلب أهلها الأمان والصلح فأمنهم ، ووظف عليهم الخراج ، ~~ثم عبر نهر مهران مما يلي بلاد راسل الملك على جسر عقده ، هذا وداهر مستخف ~~به ، فلقيه محمد ومن معه وهو على فيل ، والفيلة حوله ومعه الذكاكرة ، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا ، وترجل داهر ، وقاتل فقتل عند المساء ، وانهزم ~~الكفار وقاتلهم المسلمون كيف شاءوا ، وقال قائلهم : الخيل تشهد يوم داهر ~~والقنا . . . ومحمد بن القاسم بن محمد أنى فرجت الجمع غير معرد . . . حتى ~~علوت عظيمهم بمهند فتركته تحت العجاج مجندلا . . . متعفر الخدين غير موسد ~~قال : ولما قتل داهر تغلب محمد على بلاد السند وفتح راور عنوة ، وكان بها ~~امرأة لداهر ، فخافت أن تؤخذ فأحرقت نفسها وجواريها وجميع مالها . ثم سار ~~إلى برهمنا باذ العتيقة ، وكان المنهزمون من الكفار قد لجئوا إليها ، ~~ففتحها عنوة بعد قتال ، وقتل بها بشرا كثيرا ، وسار يريد الرور وبغرور ، ~~فلقيه أهل ساوندرى ، فطلبوا الأمان فأمنهم واشترط عليهم ضيافة المسلمين ، ~~ثم أسلم أهلها بعد ذلك ، ثم تقدم إلى بسمد فصالحه أهلها ، وسار إلى الرور ، ~~وهي من مدائن السند على جبل ، فحاصرهم شهورا فصالحوه ، وسار إلى السكة ~~ففتحها ، ثم قطع نهر بياس إلى الملتان ، فقاتله أهلها وانهزموا ، فحصرهم ، ~~وجاء إنسان فدله على قطع الماء الذي يدخل المدينة ، فقطعه فعطشوا وألقوا ~~بأيديهم ، ونزلوا على حكمه ، فقتل المقاتلة وسبى الذرية وسدنة البد ، وهم ~~ستة آلاف ، وأصابوا ذهبا كثيرا ، فجمع في بيت طوله عشرة أذرع وعرضه ثمانية ~~أذرع يلقى إليه من كوة في وسطه ، فسميت الملتان فرج بيت الذهب ، والفرج : ~~الثغر ، وكان بد الملتان تهدى إليه الأموال من كل مكان ويحج إليه من البلاد ~~، ويحلقون عنده رؤوسهم ولحاهم ، ويزعمون أن صنمه هو أيوب النبي عليه الصلاة ~~والسلام . PageV21P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" وعظمت فتوحاته ، فنظر الحجاج في النفقة على ~~ذلك الثغر ، فكانت ستين ألف ألف درهم ، ونظر إلى الذي حمل إليه منه فكان ~~مائة ألف ms4785 ألف وعشرين ألف ألف ، فقال : ربحنا ستين ألف ألف ، وأدركنا ثأرنا ~~ورأس داهر . قال : واستمر محمد بن القاسم بالهند إلى أن مات الحجاج في سنة ~~خمس وتسعين ، فأتاه الخبر وهو بالملتان فرجع إلى الرور والبغرور ، فأعطى ~~الناس ، ووجه إلى البيلمان جيشا ، فأعطوا الطاعة من غير قتال ، وسالمه أهل ~~شرشت ، ثم أتى محمد الكيرج ، فخرج إليه دوهر فقاتله فانهزم دوهر . وقيل : ~~بل قتل ، فنزل أهل المدينة على حكم محمد ، فقتل المقاتلة ، وسبى الذرية ؛ ~~فقال شاعرهم : نحن قتلنا داهرا ودوهرا . . . والخيل تردى منسرا فمنسرا قال ~~: ولما مات الوليد بن عبد الملك وولى سليمان عزل محمد بن القاسم عن السند ، ~~واستعمل يزيد بن أبي كبشة السكسي على السند ، فأخذ محمدا وقيده وحمله إلى ~~العراق ، فقال متمثلا : أضاعوني وأي فتى أضاعوا . . . ليوم كريهة وسداد ثغر ~~فبكى أهل السند . ولما وصل إلى العراق حبسه صالح بن عبد الرحمن بواسط فقال ~~: فلئن ثويت بواسط وبأرضها . . . رهن الحديد مكبلا مغلولا فلرب قينة فارس ~~قد رعتها . . . ولرب قرن قد تركت قتيلا قال : فعذبه صالح في رجال من آل أبي ~~عقيل حتى قتلهم ، فقال حمزة بن بيض يرثى محمدا : إن المروءة والسماحة ~~والندى . . . لمحمد بن القاسم بن محمد ساس الجيوش لسبع عشرة حجة . . . يا ~~قرب ذلك سؤددا من مولد قال : وأما يزيد بن أبي كبشة فإنه مات بعد مقدمه إلى ~~السند بثمانية عشر يوما ، فاستعمل سليمان على السند حبيب بن المهلب ، فقدم ~~السند وقد رجع الملوك إلى ممالكهم ، ورجع حيسبة بن داهر إلى برهمنا باذ ، ~~فنزل حبيب على شاطيء مهران ، وحارب قوما فظفر بهم . PageV21P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" ثم مات سليمان ، وولي عمر بن عبد العزيز ، ~~فكتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام والطاعة على أن يملكهم ، ولهم ما ~~للمسلمين وعليهم ما عليهم ، فأسلم حيسبة والملوك ، وتسموا بأسماء العرب ، ~~وكان عمرو بن مسلم الباهلي عامل عمر على ذلك الثغر ، فغزا بعض الهند فظفر ~~بهم ، ثم ولي الجنيد بن عبد الرحمن السند أيام هشام بن عبد الملك ، فأتى شط ~~مهران فمنعه حيسة ms4786 بن داهر من العبور ، وأرسل إليه : إني قد أسلمت وولاني ~~الرجل الصالح بلادي ، ولست أمكنك . فأعطاه رهنا ، وأخذ منه رهنا على خراج ~~بلاده ، ثم تراد الرهون وكفر حيسبة ، وحارب . وقيل : لم يحارب ، وإنما ~~الجنيد تجنى عليه ، فأتى الهند ، فجمع جموعا وأعد السفن ، واستعد للحرب ، ~~فسار إليه الجنيد في السفن ، فالتقوا ، فأسر حيسبة فقتله الجنيد ، وهرب صصة ~~بن داهر ، وهو يريد أن يمضي إلى العراق فيشكو غدر الجنيد ، فلم يزل الجنيد ~~يؤنسه حتى وضع يده في يده فقتله . وغزا الجنيد الكيرج ؛ وكانوا قد نقضوا ، ~~فظفر ودخل المدينة فغنم وسبى ، ووجه العمال إلى المرمد والمندل ودهنج ، ~~ووجه جيشا إلى أزين فأغاروا عليها ، وحرقوا ربضها ، وفتح الجنيد البيلمان ، ~~وحصل عنده سوى ما حمله أربعون ألف ألف ، وحمل مثلها . وفي أيامه خرج ~~المسلمون عن بلاد الهند . ثم ولى الحكم بن عوام الكلبي ، وقد كفر أهل الهند ~~إلا أهل قصة ، فبنى مدينة سماها المحفوظة ، وجعلها مأوى للمسلمين ، وكان ~~معه عمرو بن محمد بن القاسم فأغزاه من المحفوظة ، فقدم عليه وقد ظهر أمره ، ~~فبنى مدينة وسماها المنصورة ، واسترجع ما كان غلب عليه العدو ، ثم قتل ~~الحكم ، فكان العمال يقاتلون العدو ، ويفتتحون ما تيسر لهم لضعف الدولة ~~الأموية ، ثم جاءت الدولة العباسية فكان من أمر السند ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى ، وإنما ذكرنا أخبار السند ههنا لتكون متسقة ، فلنرجع إلى تتمة ~~الغزوات في أيام الوليد بن عبد الملك : ذكر الغزوات إلى بلاد الروم وما فتح ~~منها وغزوات الصوائف على حكم السنين في سنة ست وثمانين غزا مسلمة بن عبد ~~الملك أرض الروم . وغزا أيضا في PageV21P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" سنة سبع وثمانين ، فقتل منهم عددا كثيرا ~~بسوسنة من ناحية المصيصة وفتح حصونا . وقيل : إن الذي غزا في هذه السنة ~~هشام بن عبد الملك ، ففتح حصن بولق ، وحصن الأخرم ، وحصن بولس وقمقم ، وقتل ~~من المستعربة نحوا من ألف مقاتل ، وسبى ذريتهم ونساءهم . والله أعلم . ذكر ~~فتح طوانة وغيرها من بلد الروم وفي سنة ثمان وثمانين غزا مسلمة بن ms4787 عبد ~~الملك والعباس ابن الوليد بلد الروم ، وكان الوليد قد كتب إلى صاحب أرمينية ~~يأمره أن يكتب إلى ملك الروم يعرفه أن الخزر وغيرهم من ملوك جبال أرمينية ~~قد أجمعوا على قصد بلاده ففعلوا ذلك ، وقطع الوليد البعث على أهل الشام إلى ~~أرمينية ، فتجهزوا ، وساروا نحو الجزيرة ، ثم عطفوا منها إلى بلاد الروم ~~فاقتتلوا هم والروم ، فانهزم الروم ، ثم رجعوا فانهزم المسلمون ، وبقي ~~العباس في نفر ، فنادى : يأهل القرآن ؛ فأقبلوا جميعا ، فهزم الله الروم ~~حتى دخلوا طوانة ، وحصرهم المسلمون وفتحوها في جمادى الأولى منها . ثم غزا ~~مسلمة والعباس الروم في سنة تسع وثمانين ، فافتح مسلمة حصن سورية ، وافتتح ~~العباس أذرولية ، ولقي من الروم جمعا فهزمهم . وقيل : إن مسلمة قصد عمورية ~~، فلقي بها جمعا كثيرا من الروم فهزمهم وافتتح هرقلية وقمولية . وغزا ~~العباس الصائفة من ناحية البدندون ، وغزا مسلمة الترك من ناحية أذربيجان ، ~~ففتح حصونا ومدائن هناك ، وذلك في سنة تسع وثمانين أيضا . وغزا مسلمة الروم ~~في سنة تسعين ، ففتح الحصون الخمسة التي بسورية . وغزا العباس حتى بلغ أرزن ~~وبلغ سورية . وفي سنة إحدى وتسعين غزا عبد العزيز بن الوليد الصائفة ، وكان ~~على ذلك الجيش مسلمة بن عبد الملك . PageV21P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" وغزا مسلمة الترك في هذه السنة من ناحية ~~أذربيجان حتى بلغ الباب ، وفتح مدائن وحصونا ، ونصب عليها المجانيق . وغزا ~~مسلمة أرض الروم في سنة اثنتين وتسعين ، ففتح حصونا ثلاثة ، وجلا أهل سوسنة ~~إلى بلاد الروم . وفيها كان فتح الأندلس على يد طارق بن زياد مولى موسى بن ~~نصير على ما نذكر ذلك إن شاء الله في أخبار المغرب ، وغزيت جزيرة سردانية ~~وسنذكر ذلك أيضا إن شاء الله . وغزا العباس الروم في سنة 93 ثلاث وتسعين ، ~~ففتح سبسطية المرزبانيين . وغزا مروان بن الوليد الروم فبلغ خنجرة ، وغزا ~~مسلمة ففتح ماسية وحصن الحديد . وغزالة من ناحية ملطية . وغزا العباس بن ~~الوليد الروم ففتح أنطاكية في سنة أربع وتسعين . وغزا العباس في سنة خمس ~~وتسعين ، ففتح هرقلة وغيرها ، وفيها قتل الوضاحي بأرض ms4788 الروم ونحو ألف رجل ~~معه . انتهت الغزوات في أيام الوليد بن عبد الملك . فلنذكر خلاف ذلك من ~~الحوادث على حكم السنين : ذكر الحوادث الكائنة في أيام الوليد بن عبد الملك ~~خلاف ما قدمناه سنة ست وثمانون في هذه السنة حبس الحجاج بن يوسف يزيد بن ~~المهلب بن أبي صفرة ، وعزل حبيب بن المهلب عن كرمان وعبد الملك عن شرطته . ~~وحج بالناس هشام بن إسماعيل المخزومي . سنة سبع وثمانون في هذه السنة عزل ~~الوليد بن عبد الملك هشام بن إسماعيل عن المدينة لسبع ليال خلون من شهر ~~ربيع الأول ، واستعمل عمر بن عبد العزيز ، فقدمها في الشهر ، وثقله على ~~ثلاثين بعيرا ، فنزل دار مروان ، وأحسن السيرة في الناس ، واستعان بفقهاء ~~PageV21P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" المدينة ، وحرضهم على أني بلغوه ما يبلغهم من ~~أخبار عماله ، وأن يعينوه على الحق ، وقال : إني أريد ألا أقطع أمرا دونكم ~~. وحج عمر بالناس في هذه السنة ، وكان عل قضاء المدينة أبو بكر ابن عمرو بن ~~حزم ، وعلى قضاء البصرة عبد الله بن أذينة ، وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن ~~أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم . سنة ثمان وثمانون ذكر عمارة مسجد النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) والزيادة فيه في هذه السنة كتب الوليد إلى عمر بن عبد ~~العزيز في شهر ربيع الأول يأمره بإدخال حجر أزواج النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في المسجد ، وأن يشتري ما في نواحيه حتى يكون مائتي ذراع ، ويقول له ~~: قدم القبلة إن قدرت ، وأنت تقدر لمكان أخوالك ؛ فإنهم لا يخالفونك ، فمن ~~أبى منهم فقوموا ملكه قيمة عدل ، واهدم عليهم ، وادفع الأثمان إليهم ، فإن ~~لك في عمر وعثمان رضي الله عنهما أسوة . فأحضرهم عمر وأقرأهم الكتاب ، ~~فأجابوا إلى أخذ الثمن ؛ فأعطاهم إياه ، وهدم الحجر ، وأرسل الوليد الفعلة ~~من الشام ، وبعث إلى ملك الروم يعلمه أنه قد هدم مسجد النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ليعمره ، فبعث إليه الروم مائة ألف مثقال من ذهب ومائة عامل ، ~~وبعث إليه من الفسيفساء بأربعين جملا . فبعث الوليد بذلك ms4789 إلى عمر بن عبد ~~العزيز ، وحضر عمر ومعه الناس ، فوضعوا أساسه . وكتب الوليد إلى عمر بن عبد ~~العزيز في تسهيل البناء وحفر الآبار ، وأمره أن يعمل الفوارة بالمدينة ، ~~فعملها وأجرى ماءها ، وكتب إلى البلدان جميعها بإصلاح الطرق وعمل الآبار . ~~وفيها منع الوليد المجذمين من الخروج على الناس ، وأجرى لهم الأرزاق . وحج ~~بالناس عمر بن عبد العزيز ، ووصل جماعة من قريش ، وساق معه بدنا ، وأحرم من ~~ذي الحليفة ، فلما كان بالتنعيم أخبر أن مكة قليلة الماء ، وأنهم ~~PageV21P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" يخافون على الحاج العطش . فقال عمرك تعالوا ~~ندعوا الله تعالى ؛ فدعا ودعا معه الناس ، فما وصلوا إلى البيت إلا مع ~~المطر ، وسال الوادي ، فخاف أهل مكة من شدته ، ومطرت عرفة ومكة ، وكثر ~~الخصب . وقيل : إنما حج هذه السنة عمر بن الوليد والله أعلم . سنة تسع ~~وثمانون ذكر ولاية خالد بن عبد الله القسري مكة وما خطب الناس به وقاله وفي ~~هذه السنة ولى خالد بن عبد الله القسري ، فخطب أهلها فقال : أيها الناس ، ~~أيهما أعظم ، أخليفة الرجل على أهله أو رسوله إليهم ؟ والله لو لم تعلموا ~~من فضل الخليفة إلا أن إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام استسقاه ~~فسقاه ملحا أجاجا ، واستسقاه الخليفة فسقاه عذبا فراتا ، يعني بالملح زمزم ~~، وبالماء الفرات بئرا حفرها الوليد بثنية طوى في ثنية الحجون ، فكان ماؤها ~~عذبا ، وكان ينقل ماءها ويضعه في حوض إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم ، ~~فغارت البئر وذهب ماؤها . وقيل : كانت ولاية خالد في سنة إحدى وتسعين . ~~وقيل سنة أربع . وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز . سنة تسعون ~~ذكر هرب يزيد بن المهلب واخوته من سجن الحجاج في هذه السنة هرب يزيد بن ~~المهلب وإخوته ، وكان الحجاج قد خرج إلى رستقباذ للبعث ، لأن الأكراد كانوا ~~قد غلبوا على فارس ، وأخرج معه يزيد بن المهلب وإخوته ، وجعل عليهم مثل ~~الخندق ، وجعلهم في فسطاط قريب منه ، وجعل عليهم الحرس من أهل الشام ، وطلب ~~منهم ستة آلاف ألف ، وعذبهم ؛ فكان يزيد ms4790 يصبر صبرا حسنا ، فكان ذلك مما ~~يغيظ الحجاج ، فقيل له : إنه رمى في ساقه بنشابة PageV21P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" فثبت نصلها فيه فهو لا يمسها شيء إلا صاح ، ~~فأمر أن يعذب في ساقه ، فعذب ، فصاح ، فسمعته أخته هند ، وكانت عند الحجاج ~~فصاحت ، فطلقها الحجاج ، ثم كف عنهم وجعل يستأدى منهم المال ، فصنع يزيد ~~للحرس طعاما كثيرا وأمر لهم بشراب ، فسقوا ، واشتغلوا ، فلبس يزيد ثياب ~~طباخه وخرج ، وقد جعل له لحية بيضاء ، فرآه بعض الحرس ، فقال : كأن هذه ~~مشية يزيد ، فلحقه فرأى لحيته بيضاء ، فتركه ، وعاد وخرج المفضل ولم يفطن ~~له ، وكذلك عبد الملك ، فجاءوا إلى سفن معدة فركبوها ، وساروا ليلتهم . ~~ولما أصبح الحجاج وعلم بهم الحرس رفعوا أمرهم إليه ففزع ، وظن أنهم قصدوا ~~خراسان لفتنة ، فبعث إلى قتيبة يأمره بالجد والاحتياط . ولما دنا يزيد ~~وإخوته من البطائح استقبلتهم خيل قد ضمرت وأعدت لهم ، فركبوها ومعهم دليل ~~من كلب ، فأخذوا على السماوة إلى الشام ، فأتى الحجاج الخبر ، فكتب إلى ~~الوليد يعلمه . وسار يزيد حتى قدم فلسطين ، فنزل على وهيب بن عبد الرحمن ~~الأزدي ، وكان كريما على سليمان بن عبد الملك ، فجاء وهيب إلى سليمان ~~فأعلمه بحال يزيد وإخوته ، وأنهم قد استعاذوا به من الحجاج . قال : فأتني ~~بهم ، فإنهم آمنون لا يوصل إليهم وأنا حي . فجاء بهم إليه فكانوا عنده في ~~مكان آمن . وكتب الحجاج إلى الوليد : إن آل المهلب خانوا مال الله وهربوا ~~مني ، ولحقوا بسليمان . فلما علم أنهم عند أخيه سكن بعض مابه ، وكتب إليه ~~سليمان : إن يزيد عندي وقد أمنته ، وإنما عليه ثلاثة آلاف ألف ، لأن الحجاج ~~أغرمه ثلاثة آلاف ألف ، والذي بقي عليه أنا أؤديه . فكتب الوليد : والله لا ~~أؤمنه حتى تبعث به إلي . . . . فكتب سليمان : لئن بعثت به إليك لأجيئن معه ~~. فكتب إليه : والله لئن جئتني لا أؤمنه . فقال يزيد بن المهلب : أرسلني ~~إليه ، فوالله ما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة ، واكتب معي بألطف ما قدرت ~~عليه . فأرسله ، وأرسل معه ابنه أيوب . PageV21P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" وكان الوليد ms4791 قد أمره أن يبعث به مقيدا . فقال ~~سليمان لابنه : إذا دخلت على أمير المؤمنين فادخل أنت ويزيد في سلسلة . ~~ففعل ذلك ، فلما رأى الوليد ابن أخيه في سلسلة قال : لقد بلغنا من سليمان . ~~ودفع أيوب كتاب أبيه إلى عمه ، وقال : يا أمير المؤمنين ، لا تخفر ذمة أبي ~~، وأنت أحق من منعها ، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا ~~منك ، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك . فقرأ الوليد كتاب ~~سليمان فإذا هو يستعطفه ويشفع فيه ، ويضمن إيصال المال . فقال : لقد شققنا ~~على سليمان . وتكلم يزيد واعتذر ، فأمنه الوليد ، ورده إلى سليمان ، وكتب ~~إلى الحجاج : إني لم أصل إلى يزيد وأهله لمكانهم من سليمان ، فاكفف عنهم ، ~~وكان أبو عيينة بن المهلب عند الحجاج عليه ألف ألف ، فتركها له ، وكف عن ~~حبيب بن المهلب ، وكان يعذب بالبصرة ، وأقام يزيد عند سليمان في أرغد عيش ، ~~وكان لا تصل إليه هدية إلا بعث بنصفها إلى يزيد ، ولا تعجبه جارية إلا بعث ~~بها إليه ، وكان يزيد إذا أتته هدية بعث بها إلى سليمان . وفي هذه السنة ~~استعمل الوليد قرة بن شريك على مصر ، وعزل أخاه عبد الله عنه . وفيها أسرت ~~الروم خالد بن كيسان صاحب البحر ، فأهداه ملكهم إلى الوليد . وحج بالناس ~~عمر بن عبد العزيز . وفيها مات أنس بن مالك رضي الله عنه الأنصاري . وقيل : ~~سنة اثنتين وتسعين ، وكان عمره ستا وتسعين سنة ، وقيل مائة وست سنين . سنة ~~واحد وتسعون في هذه السنة حج الوليد بن عبد الملك بالناس ، فلما قدم ~~المدينة دخل المسجد ينظر إلى بنائه ، فأخرج الناس منه ، ولم يبق غير سعيد ~~بن المسيب ، لم يجسر أحد من الحرس أن يخرجه ، فقيل له رضي الله عنه : لو ~~قمت . فقال : لا أقوم حتى يأتي الوقت الذي كنت أقوم فيه . قيل له : فلو ~~سلمت على أمير المؤمنين . قال : لا ، والله لا أقوم إليه . قال عمر بن عبد ~~العزيز : فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد لئلا يراه ، فالتفت الوليد ms4792 ~~إلى القبلة ، فقال : من ذلك الشيخ : أهو سعيد ؟ قلت : نعم . ومن حاله كذا ~~وكذا ، ولو علم بمكانك لقام فسلم عليك . PageV21P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" فقال الوليد : قد علمت حاله ، نحن نأتيه ، ~~فأتاه فقال : كيف أنت أيها الشيخ ؟ فوالله ما تحرك سعيد . فقال : بخير ~~والحمد لله ؛ فكيف أمير المؤمنين ؟ وكيف حاله ؟ فانصرف وهو يقول : هذا بقية ~~الناس . وقسم الوليد بالمدينة رقيقا كثيرا وآنية من ذهب وفضة وأموالا ، ~~وصلى بالمدينة الجمعة ، وخطب الخطبة الأولى جالسا والثانية قائما . وفيها ~~عزل الوليد عامله محمد بن مروان عن الجزيرة وأرمينية ، واستعمل عليها أخاه ~~مسلمة بن عبد الملك ، فغزا الترك كما تقدم . سنة اثنان وتسعون في هذه السنة ~~حج بالناس عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة وكان من الغزوات والفتوحات ما ~~تقدم ذكره . سنة ثلاث وتسعون ذكر عزل عمر بن عبد العزيز في هذه السنة عزل ~~الوليد عمر بن عبد العزيز عن الحجاز والمدينة ، وكان سبب ذلك أن عمر كتب ~~إلى الوليد يخبره بعسف الحجاج وظلمه ، فبلغ ذلك الحجاج ، فكتب إلى الوليد : ~~إن من عندي من المراق وأهل الشقاق قد جلوا عن العراق ولحقوا بالمدينة ومكة ~~، وإن ذلك وهن . فكتب إليه الوليد يستشيره فيمن يوليه المدينة ومكة ، فأشار ~~بخالد بن عبد الله القسري وعثمان بن حيان ، فولي خالدا مكة وعثمان المدينة ~~، فلما قدم خالد مكة أخرج من بها من أهل العراق كرها ، وتهدد من أنزل ~~عراقيا أو أجره دارا . وقيل : كان ذلك قبل هذا التاريخ . والله أعلم . ~~وفيها كتب الوليد إلى عمر قبل عزله يأمره أن يضرب خبيب ابن عبد الله بن ~~الزبير ، ويصب على رأسه ماء باردا ، فضربه خمسين سوطا . وصب على رأسه ماء ~~باردا في يوم شات ، ووقفه على باب المسجد ، فمات من يومه . وحج بالناس عبد ~~العزيز بن الوليد . PageV21P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" سنة أربع وتسعون ذكر مقتل سعيد بن جبير رضي ~~الله عنه في هذه السنة قتل الحجاج بن يوسف سعيد بن جبير ، وهو أبو عبد الله ~~سعيد بن جبير بن هشام الأسدي ms4793 مولى بني والبة : بطن من بني أسد بن خزيمة . ~~وكان سبب قتله خروجه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، وكان الحجاج قد ~~جعله على عطاء الجند حين وجه عبد الرحمن لقتال رتبيل ، فلما خلع عبد الرحمن ~~الحجاج وعبد الملك كان سعيد ممن خلع ؛ فلما هزم عبد الرحمن هرب سعيد إلى ~~أصبهان ، فكتب الحجاج إلى عاملها يأمره بإرساله ، فتحرج العامل من ذلك ، ~~وأرسل إلى سعيد يعرفه أن يفارق البلد ، فخرج إلى أذربيجان . ثم خرج إلى مكة ~~، فكان بها حتى قدم خالد بن عبد الله مكة ، وأخرج أهل العراق إلى الحجاج ، ~~فأخذ سعيد فيمن أخذ ، وسيره إلى الحجاج مع حرسيين ، فانطلق أحدهما لحاجته ~~في بعض الطريق وبقي الآخر فنام واستيقظ . فقال لسعيد : إني أبرأ إلى الله ~~من دمك ، إني رأيت في منامي قائلا يقول لي : ويلك ؟ تبرأ إلى الله من دم ~~سعيد بن جبير ، فاذهب حيث شئت ، فإني لا أطلبك ، فأبى سعيد ذلك ، ورأى ~~الحرسي ذلك ثلاث مرات وهو يكرر القول على سعيد في الذهاب فلا يفعل . ثم قدم ~~الكوفة فأدخل على الحجاج ، فلما رآه قال : لعن الله ابن النصرانية - يعني ~~خالد بن عبد الله ، أما كنت أعرف مكانه ، بلى والله والبيت الذي كان فيه ~~بمكة . ثم أقبل عليه وقال : يا سعيد ، ألم أشركك في أمانتي ؟ ألم أستعملك ؟ ~~قال : بلى . قال : فما أخرجك علي ؟ قال : إنما أنا امرؤ من المسلمين يخطيء ~~مرة ويصيب مرة . فطابت نفس الحجاج ، ثم عاوده في شيء ، فقال : إنما كانت ~~بيعته في عنقي . فغضب الحجاج وانتفخ . وقال : يا سعيد ، ألم أقدم مكة فقتلت ~~ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها ، وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك ؟ قال ~~: بلى . قال : ثم قدمت الكوفة واليا فجددت البيعة فأخذت بيعتك ثانيا ؟ قال ~~: بلى . قال : فنكثت بيعتين لأمير المؤمنين ، وتوفي بواحدة للحائك ابن ~~الحائك ، والله لأقتلنك . قال : إني إذا لسعيد كما سمتني أمي ، فأمر به ~~فضربت رقبته . فلما سقط رأسه هلل ثلاثا ؛ أفصح بمرة ولم يفصح بمرتين ، ~~والتبس عقل الحجاج فجعل يقول : PageV21P0195 # """""" صفحة ms4794 رقم 196 """""" قيودنا قيودنا ، فظنوا أنه يريد القيود ، ~~فعطفوا رجلي سعيد من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود . وكان الحجاج إذا نام يراه ~~في منامه يأخذ بمجامع ثوبه ، فيقول : يا عدو الله ، فيم قتلتني ، فيقول : ~~مالي ولسعيد بن جبير مالي ولسعيد بن جبير يكررها . وفيها كانت الزلازل ~~بالشام فدامت أربعين يوما ، فخربت البلاد ، وكان معظم ذلك بأنطاكية . ذكر ~~وفاة زين العابدين علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ونبذة ~~من أخباره كانت وفاته بالمدينة في أول سنة أربع وتسعين . وقيل في سنة ~~اثنتين . وقيل سنة ثلاث . وقيل سنة تسع وتسعين . وقيل سنة مائة . حكى هذا ~~الاختلاف أبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق ، واقتصر ابن الأثير الجزري ~~على سنة أربع وتسعين دون غيرها . وكان رحمه الله يكنى أبا عبد الله ، ويقال ~~أبو محمد ، ويقال أبو الحسن ، ويقال أبو الحسين زين العابدين . ومولده سنة ~~ثلاث وثلاثين ، وأمه أم ولد اسمها غزالة خلف عليها بعد الحسين زييد مولى ~~الحسين ، فولدت له عبد الله بن زييد . وقال إسماعيل بن موسى السدى : عبد ~~الرحمن بن حبيب أخو علي ابن الحسين لأبيه ، وكان رحمه الله ثقة ورعا مأمونا ~~كثير الحديث من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة . حكى أبو القاسم بن عساكر في ~~تاريخه عن الزهري ، قال : شهدت على بن الحسين يوم حمله عبد الملك بن مروان ~~من المدينة إلى الشام ، فأوثقه حديدا ، ووكل به حفاظا فاستأذنتهم في ~~التسليم عليه والتوديع له فأذنوا لي فدخلت عليه ، وهو في قبة والقيود في ~~رجليه والغل في يديه ، فسكنت وقلت : وددت أني مكانك وأنت سليم . ~~PageV21P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" فقال : يا زهري ، أو تظن هذا مما ترى علي وفي ~~عنقي . أما إني لو شئت ما كان . ثم أخرج يديه من الغل ورجليه من القيد . ثم ~~قال : يا زهري ، جزت معهم على هذا منزلتين من المدينة . فما لبثنا إلا أربع ~~ليال حتى قدم الموكلون به يطلبونه بالمدينة ، فما وجدوه ، فكنت فيمن سألهم ~~عنه ، فقال لي بعضهم : إنا نراه متبوعا ms4795 ، إنه لنازل - ونحن حوله لا ننام ~~نرصده - إذ أصبحنا ، فما وجدنا إلا حديده . قال الزهري : فقدمت بعد ذلك على ~~عبد الملك فسألني عن علي ابن الحسين ، فأخبرته ، فقال لي : إنه قد جاءني في ~~يوم فقده الأعوان ، فدخل علي ، فقال : أنا وأنت فقلت : أقم عندي . فقال : ~~لا أحب ، فخرج ، فوالله لقد امتلأ ثوبي منه خيفة . قال الزهري : فقلت : يا ~~أمير المؤمنين ، ليس علي بن الحسين حيث تظن ، إنه لمشغول بنفسه . فقال : ~~نعم . وقيل : وقع حريق بالمدينة في بيت فيه علي بن الحسين ، فجعلوا يقولون ~~: يا ابن رسول الله ، النار فما رفع رأسه حتى أطفئت ، فقيل له : ما الذي ~~ألهاك عنها ؟ قال : ألهاني عنها النار الأخرى . . وقيل : كان إذا مشى لا ~~تجاوز يده فخذيه ، ولا يخطر بيده . وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة ، ~~فقيل له : مالك ؟ فقال : ما تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي . قيل : وكان ~~إذا توضأ اصفر فيقول له أهله : ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء ؟ فيقول : ~~تدرون بين يدي من أريد أقوم ؟ وعن سفيان بن عيينة قال : حج علي بن الحسين ، ~~فلما أحرم واستوت به راحلته اصفر لونه وانتفض ، ووقع عليه الرعدة ، ولم ~~يستطع أن يلبي . فقيل له : مالك لا تلبي ؟ فقال : أخشى أن أقول لبيك ، ~~فيقول لي : لا لبيك . فقيل له : لا بد من هذا . فلما لبى غشى عليه ، وسقط ~~من راحلته ، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه . PageV21P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" وقيل : كان رضي الله عنه يصلي في كل يوم ~~وليلة ألف ركعة إلى أن مات رضي الله عنه . وكان يسمى بالمدينة زين العابدين ~~لعبادته . وقيل : إنه قاسم الله ماله مرتين ، وكان يحمل الخبز بالليل على ~~ظهره يتبع به المساكين في ظلمة الليل ، ويقول : إن الصدقة في ظلمة الليل ~~تطفئ غضب الرب . وأعتق غلاما أعطاه به عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم ~~وألف دينار . قيل : وسكبت جارية عليه الماء ليتهيأ للصلاة ، فسقط الإبريق ~~من يدها على وجهه ، فشجه ، فرفع رأسه إليها ، فقالت : إن الله ms4796 عز وجل يقول ~~: " والكاظمين القيظ " . قال : قد كظمت غيظي . قالت : " والعافين عن الناس ~~" . قال : قد عفا الله عنك . قالت : والله يحب المحسنين . قال : اذهبي فأنت ~~حرة . قيل : وأذنب له غلام ذنبا استحق منه العقوبة ، فأخذ السوط . فقال ~~الغلام : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ، وما أنا كذلك ، ~~إني لأرجو رحمة الله ، وأخاف عذابه ، فألقى السوط ، وقال : أنت عتيق . وقيل ~~: حج هشام بن عبد الملك في زمن عبد الملك أو في زمن الوليد ، فلما طاف جهد ~~أن يستلم الحجر فلم يطق لزحام الناس عليه ، فنصب له منبر ، وجلس ينظر إلى ~~الناس ، إذ أقبل علي بن الحسين رضي الله عنه من أحسن الناس وجها وأطيبهم ~~ريحا ، فطاف بالبيت ، فكان كلما بلغ الحجر تنحى الناس له حتى يستلمه . فقال ~~رجل من أهل الشام : من هذا الذي قد هابه الناس هذه المهابة ؟ فقال هشام : ~~لا أعرفه - مخافة أن يرغب الناس فيه ، وكان حوله وجوه أهل الشام ، والفرزدق ~~الشاعر ، فقال الفرزدق : لكنني أنا أعرفه ، فقال أهل الشام : من هذا يا أبا ~~فراس ؟ فزبره هشام ، وقال : لا أعرفه . فقال الفرزدق : بل تعرفه ، ثم أنشد ~~مشيرا إليه : ؟ هذا سليل حسين وابن فاطمة بنت الرسول الذي انجابت به الظلم ~~هذا الذي تعرف البطحاء وطأته . . . والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير ~~عباد الله كلهمو . . . هذا النقي التقي الطاهر العلم إذا رأته قريش قال ~~قائلها . . . إلى مكارم هذا ينتهي الكرم PageV21P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" يرقى إلى ذروة العز الذي قصرت . . . عن نيلها ~~عرب الإسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته . . . ركن الحطيم إذا ما جاء ~~يستلم يغضى حياء ويغضى من مهابته . . . فلا يكلم إلا حين يبتسم بكفه خيزران ~~ريحها عبق . . . من كف أروع في عرنينه شمم من جده دان فضل الأنبياء له . . ~~. وفضل أمته دانت له الأمم ينشق نور الهدى عن نور غرته . . . كالشمس تنجاب ~~عن إشراقها الظلم مشتقة من رسول الله نبعته . . . طابت عناصرها والخيم ~~والشيم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله . . . بجده أنبياء الله قد ختموا ms4797 الله ~~شرفه قدما وفضله . . . جرى بذاك له في لوحه القلم فليس قولك من هذا بضائره ~~. . . العرب تعرف من أنكرت والعجم كلتا يديه غياث عم نفعهما . . . يستو ~~كفان ولا يعروهما عدم حمال أثقال أقوام إذا فدحوا . . . حلو الشمائل تحلو ~~عنده نعم لا يخلف الوعد ميمون نقيبته . . . رحب الفناء أريب حين يعتزم من ~~معشر حبهم دين وبغضهمو . . . كفر وقربهمومنجى ومعتصم إن عد أهل التقى كانوا ~~أئمتهم . . . أو قيل من خير أهل الأرض قيل همو لا يستطيع جواد بعد غايتهم . ~~. . ولا يدانيهم قوم وإن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت . . . والأسد ~~أسد الشرى والبأس محتدم لا ينقص العسر بسطا من أكفهم . . . سيان ذلك إن ~~أثروا وإن عدموا يستدفع السوء والبلوى بحبهمو . . . ويسترد به الإحسان ~~والنعم مقدم بعد ذكر الله ذكرهمو . . . في كل أمر ومختوم به الكلم يأبى لهم ~~أن يحل الذل ساحتهم . . . خيم كريم وأيد بالندى هضم أي الخلائق ليست في ~~رقابهمو . . . لأولية هذا أو له نعم من يشكر الله يشكر أولية ذا . . . ~~فالدين من بيت هذا بابه الأمم PageV21P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" قال : فغضب هشام لذلك وتنغص عليه يومه ، وأمر ~~بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة ، وبلغ ذلك علي بن الحسين رضي الله ~~عنه ، فبعث إليه باثني عشر ألف درهم ، وقال : اعذر أبا فراس ، لو كان عندنا ~~أكثر من هذا لوصلناك بها ، فردها الفرزدق ، وقال : ما قلت الذي قلت إلا ~~غضبا لله ولرسوله ، وما كنت لأرزأ عليها شيئا ، فردها عليه ، وقال : بحقي ~~عليك إلا قبلتها ، فقد علمت أنا أهل بيت إذا أنفذنا أمرا لا نرجع فيه ، وقد ~~رأى الله مكانك ، وعلم نيتك ، والجزاء عليه تعالى . فقبلها . وجعل الفرزدق ~~يهجو هشاما ، فكان مما هجاه به : أتحبسني بين المدينة والتي . . . إليها ~~قلوب الناس يهوى منيبها يقلب رأسا لم يكن رأس سيد . . . وعينين حولاوين باد ~~عيوبها وكان علي بن الحسين يقول : لقد استرقك بالود من سبقك بالشكر . ولما ~~حضرته الوفاة أوصى ألا يؤذنوا به أحدا ، وأن يكفن في قطن ، ولا يجعلوا في ~~حنوطه مسكا ، ودفن ms4798 بالبقيع رحمه الله ورضي عنه . ومات أيضا في هذه السنة ~~عروة بن الزبير رضي الله عنهما ، وسعيد بن المسيب ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ~~بن الحارث ابن هشام . وحج بالناس مسلمة بن عبد الملك . وقيل عبد العزيز بن ~~الوليد . وفيها استقضى الوليد على الشام سليمان بن حبيب . ذكر وفاة الحجاج ~~بن يوسف الثقفي وشيء من أخباره هو أبو محمد الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي ~~عقيل بن عامر بن مسعود بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف ابن ثقيف ، ~~كانت وفاته في شوال سنة PageV21P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" خمس وتسعين ، وقيل لخمس بقين من شهر رمضان من ~~السنة ، وله من العمر أربع وخمسون ، وقيل ثلاث وخمسون . روى أن عمر بن عبد ~~العزيز ذكر عنده ظلم الحجاج وغيره من ولاة الأمصار في أيام الوليد بن عبد ~~الملك ، فقال عمر بن العزيز : الحجاج بالعراق ، والوليد بالشام ، وقرة بن ~~شريك بمصر ، وعثمان بالمدينة ، وخالد بمكة ؛ اللهم قد امتلأت ظلما وجورا ، ~~فأرح الناس . فلم يمض غير قليل حتى توفى الحجاج وقرة في شهر واحد ، ثم ~~تبعهم الوليد ، وعزل عثمان بن حيان ، وخالد بن عبد الله القسري ، واستجاب ~~الله لعمر . وما أشبه هذه القصة بقصة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما ~~بلغه أن زياد ابن أبيه كتب إلى معاوية يقول : إني قد ضبطت العراق بشمالي ~~ويميني فارغة . فقال ابن عمر : اللهم أرحنا من يمين زياد ، وأرح أهل العراق ~~من شماله . فاستجاب الله له . وكان من خبر وفاة زياد ما ذكرناه . وكانت ~~ولاية الحجاج العراق عشرين سنة ، ولما حضرته الوفاة استخلف على الصلاة ابنه ~~عبد الله ، وعلى حرب الكوفة والبصرة يزيد بن أبي كبشة ، وعلى الخراج يزيد ~~بن أبي مسلم ، فأقرهما الوليد بعده . وكان الحجاج من أفصح الناس . قال أبو ~~عمرو بن العلاء : ما رأيت أفصح من الحجاج ومن الحسن ، وقد ذكرنا من كلامه ~~عند مقدمه الكوفة ما يدل على فصاحته . ومن أخباره أن عبد الملك كتب إليه ~~يأمره بقتل أسلم ms4799 بن عبد الله البكري لشيء بلغه عنه ، فأحضره الحجاج ، فقال ~~: أمير المؤمنين غائب وأنت حاضر ، والله تعالى يقول : " يأيها الذين آمنوا ~~إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا . . . " الآية . والذي بلغه عني فباطل . فاكتب ~~إلى أمير المؤمنين أني أعول أربعا وعشرين امرأة ، وهن بالباب ؛ فأحضرهن ، ~~وكان في آخرهن جارية قاربت عشر سنين . فقال لها : من أنت منه ؟ قالت : ~~ابنته ، أصلح الله الأمير ، ثم أنشأت : أحجاج لو تشهد مقام بناته . . . ~~وعماته يندبنه الليل أجمعا أحجاج لا تقتل به إن قتلته . . . ثمانا وعشرا ~~واثنتين وأربعا أحجاج من هذا يقوم مقامه . . . علينا فمهلا أن تزدنا تضعضعا ~~أحجاج إما أن تجود بنعمة . . . علينا وإما أن تقتلنا معا PageV21P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" فبكى الحجاج ، وقال : والله لاأعنت الدهر ~~عليكن ولازدتكن تضعضعا . وكتب إلى عبد الملك بخبره وبخر الجارية ، فكتب ~~إليه : إذا كان الأمر كما ذكرت فأحسن صلته وتفقد الجارية ، ففعل . قال عاصم ~~بن بهدلة : سمعت الحجاج يقول : اتقوا الله ما استطعتم ، هذا والله مثنوية ، ~~واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ليس فيه مثنوية ، والله لو أمرتكم أن ~~تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا لحلت لي دماؤكم ، ولا أجد أحدا يقرأ علي ~~قراءة ابن أم عبد - يعني ابن مسعود - إلا ضربت عنقه ، ولأحكنها من المصحف ~~ولو بضلع خنزير . قال الأوزاعي : قال عمر بن عبد العزيز : لو جاءت كل أمة ~~بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم . قال الحسن : سمعت عليا يقول على المنبر : ~~اللهم ائتمنتهم فخانوا ، ونصحتهم فغشوني ، اللهم فسلط عليهم غلام ثقيف يحكم ~~في دمائهم وأموالهم بحكم الجاهلية ، فوصفه . قال الحسن : هذه والله صفة ~~الحجاج . قال حبيب بن أبي ثابت : قال علي رضي الله عنه لرجل : لا تموت حتى ~~تدرك فتى ثقيف . قيل : يا أمير المؤمنين ؛ ما فتى ثقيف ؟ قال : ليقالن له ~~يوم القيامة : اكفنا زاوية من زوايا جهنم ، رجل يملك عشرين سنة أو بضعا ~~وعشرين ، فلا يدع لله معصية إلا ارتكبها ، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة ~~وبينها وبينه باب مغلق لكسره حتى يرتكبها ، يقتل من أطاعه بمن عصاه ms4800 . وقيل ~~: أحصى من قتله الحجاج صبرا فكانوا مائة ألف وعشرين ألفا . وقيل : إن ~~الحجاج مر بخالد بن يزيد بن معاوية وهو يخطر في شيته ، فقال رجل لخالد : من ~~هذا ؟ فقال خالد : بخ بخ هذا عمرو ابن العاص . فسمعها الحجاج فرجع ، وقال : ~~والله ما يسرني أن العاص والدي ، ولكني ابن الأشياخ من ثقيف ، والعقائل من ~~قريش ، وأنا الذي ضربت بسيفي هذا مائة ألف كلهم يشهد أن أباك كان يشرب ~~الخمر ويضمر الكفر . ثم ولي ، وهو يقول : بخ بخ عمرو بن العاص فقد أقر على ~~نفسه بمائة ألف قتيل على ذنب واحد . وحج بالناس في هذه السنة بشر بن الوليد ~~بن عبد الملك . سنة ست وسبعين . PageV21P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" سنة ست وتسعين ذكر وفاة الوليد بن عبد الملك ~~وشيء من أخباره وسيرته وأولاده وعماله كانت وفاته بدير مران في النصف من ~~جمادى الآخرة من هذه السنة . ودير مران كان بجبل قاسيون بظاهر دمشق ، وهو ~~الآن مدرسة وتربة منسوبة إلى الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن العادل ابن ~~أيوب . كانت مدة خلافته تسع سنين وثمانية أشهر . ودفن خارج الباب الصغير ~~بدمشق . وقيل في مقابر الفراديس . وصلى عليه عمر بن عبد العزيز . ولما دلى ~~في حفرته جمعت ركبتاه إلى عنقه ، فقال ابنه : عاش أبي ؟ فقال له عمر بن عبد ~~العزيز - وكان فيمن دفنه : عوجل والله أبوك . وكان عمره اثنتين وأربعين سنة ~~وستة أشهر . وقيل سبعا وأربعين . وقيل ثمانيا وأربعين . والله أعلم . وكان ~~أسمر اللون ، جميل الوجه ، أفطس الأنف . وقيل . كان سائل الأنف جدا وبوجهه ~~آثار جدري . وكان نقش خاتمه : يا وليد ، إنك ميت . وكان له من الأولاد تسعة ~~عشر ذكرا ، وعدهم بعض المؤرخين عشرين ، وهم : يزيد ، وإبراهيم - وليا ~~الخلافة ، والعباس فارس بني مروان ، وعمر فحل بني مروان ، وعبد العزيز ، ~~وبشرن وصدقة ، ومحمد ، وتمام ، وخالد ، وعبد الرحمن ، ومبشر ، ومسرور ، ~~وأبو عبيدة ، ومنصور ، ومروان ، وعنبسة ، وعمرو ، وروح ، ويحيى ، هؤلاء ~~الذكور ، سوى البنات . كتابه : قرة بن شريك ، ثم قبيصة بن ذؤيب ، ثم الضحاك ~~ابن يزيد ، ثم يزيد ms4801 بن أبي كبشة ، ثم عبد الله بن بلال . قضاته : عبد الله ~~بن بلال ، وسليمان بن حبيب . حجابه : خالد ، وسعيد مولياه . الأمراء بمصر : ~~أخوه عبد الله ، ثم قرة بن شريك . قاضيها : عبد الله بن عبد الرحمن بن ~~حجيرة ، ثم صرفه قرة وولي عياض بن عبد الله ، ثم وليها عبد الملك بن رفاعة ~~بعد وفاة قرة . PageV21P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" وكان عماله على الأمصار من ذكرناهم . قال : ~~وكان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام من أفضل خلفائهم ، وله آثار حسنة ~~ومبان عظيمة ، وفتح في أيامه بلاد الأندلس وما وراء النهر وبلاد الهند . ~~قال : وكان الوليد يمر بالبقال فيقف عليه ، ويأخذ منه حزمة بقل ، فيقول : ~~بكم هذه ؟ فيقول : بفلس . فيقول الوليد : زد فيها . وبنى جامع دمشق في سنة ~~ست وثمانين ، وهدم كنيسة النصارى التي كانت إلى جانبه ، وتعرف بماريوحنا ، ~~وزادها فيه . وقيل : كان في الجامع وهو يبني اثنا عشر ألف مرخم . وتوفي ~~الوليد ولم يتم بناؤه ، وكان الفراغ منه في أيام سليمان أخيه . وقيل : إن ~~جملة ما أنفق عليه أربعمائة صندوق ، في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار ، ~~وكان فيه ستمائة سلسلة من الذهب للقناديل ، ولم تطق الناس الصلاة فيه لكثرة ~~شعاعه ، فدخنت حتى اسودت ، فلما ولي عمر بن عبد العزيز جعلها في بيت المال ~~، وعوضها بالحديد . وأمر الوليد ببناء جامع البيت المقدس في سنة ثمان ~~ثمانين . قيل : وحج الوليد بالناس ثلاث حجج : سنة ثمان وثمانين ، وسنة إحدى ~~وتسعين ، وسنة أربع وتسعين . قال : وكان الوليد أراد أن يخلع أخاه سليمان ، ~~ويبايع لولده عبد العزيز ، فأبى سليمان ، فكتب إلى عماله ، ودعا الناس إلى ~~خلعه ، فلم يجبه إلى ذلك إلا الحجاج وقتيبة وخواص من الناس . فكتب الوليد ~~إلى سليمان يأمره بالقدوم عليه ، فأبطأ ، فعزم على المسير إليه ليخلعه ، ~~وأخرج خيمة فمات قبل أن يسير إليه . قال : وكان الوليد لحانا لا يحسن ~~العربية ، فعاتبه أبوه ، وقال : إنه لا يلي العرب إلا من يحسن كلامهم ؛ ~~فجمع النحاة ، ودخل بيتا فلم يخرج منه ستة أشهر ، ثم خرج وهو ms4802 أجهل منه يوم ~~دخل ، فقال عبد الملك : قد أعذر . والله سبحانه وتعالى أعلم . ذكر بيعة ~~سليمان بن عبد الملك هو أبو أيوب سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ، ~~وأمه ولادة أم أخيه الوليد ، وهو السابع من ملوك بني أمية . بويع له يوم ~~السبت للنصف من جمادى PageV21P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" الآخرة ، وهو يوم وفاة أخيه الوليد ، وكان إذ ~~ذاك بالرملة ، وكان الوليد قد أراد خلعه من ولاية العهد ، فمات قبل أن يتم ~~له ما أراد من ذلك . ولنذكر الحوادث الكائنة في أيامه على حكم السنين : ذكر ~~قتل قتيبة بن مسلم وفي هذه السنة قتل قتيبة بن مسلم الباهلي بخراسان ، وكان ~~سبب ذلك أنه أجاب الوليد إلى خلع سليمان كما ذكرنا ، فلما أفضت الخلافة إلى ~~سليمان خشى قتيبة أن سليمان يستعمل يزيد بن المهلب على خراسان ، فكتب قتيبة ~~إلى سليمان كتابا يهنئه بالخلافة ويذكر بلاءه وطاعته لعبد الملك والوليد ، ~~وأنه له على مثل ذلك إن لم يعزله عن خراسان . وكتب إليه كتابا آخر يعلمه ~~فيه بفتوحه ومكانته ، وعظم قدره عند ملوك العجم ، وهيبته في صدورهم ، ويذم ~~آل المهلب ، ويحلف بالله لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنه . وكتب كتابا ~~ثالثا فيه خلعه ، وبعث الكتب مع رجل من أهله ، وقال له : ادفع الكتاب الأول ~~إليه ، فإن كان يزيد حاضرا فقرأه ثم ألقاه إليه فادفع إليه هذا الثاني . ~~فإن قرأه ودفعه إلى يزيد فادفع إليه الثالث ، وإن قرأ الأول ولم يدفعه إلى ~~يزيد فاحبس الكتابين عنه . فقدم رسول قتيبة ، فدخل على سليمان وعنده يزيد ~~بن المهلب ، فدفع إليه الكتاب الأول ، فقرأه وألقاه إلى يزيد ، فدفع إليه ~~الثاني ، فقرأه وألقاه إليه ، فأعطاه الثالث ، فقرأه وتغير لونه وختمه ~~وأمسكه بيده . فقيل : كان فيه : لو لم تقرني على ما كنت عليه وتؤمنني ~~لأخلعنك ، ولأملأنها عليك خيلا ورجلا . ثم أمر سليمان بإنزال رسول قتيبة ، ~~ثم أحضره ليلا وأعطاه دنانير وعهد قتيبة على خراسان وسير معه رسولا ، فلما ~~كان بحلوان بلغهما خلع قتيبة ، فرجع رسول سليمان ، وكان قتيبة ms4803 لما هم بخلع ~~سليمان استشار إخوته فقال عبد الرحمن : اقطع بعثا PageV21P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" فوجه فيه كل من تخافه ، ووجه قوما إلى مرو ، ~~وسر حتى تنزل سمرقند ، وقل لمن معك : من أحب المقام فله المواساة ، ومن ~~أراد الانصراف فغير مستكره ، فإنه لا يقيم عندك إلا مناصح . وقال له أخوه ~~عبد الله : اخلعه مكانك فلا يختلف عليك رجلان . فوافقه وخلع سليمان ، ودعا ~~الناس إلى خلعه فلم يجبه أحد ، فغضب ، وقال : لا أعز الله من نصرتم ، والله ~~لو اجتمعتم على عنز ما كسرتم قرنها ، وسبهم طائفة طائفة وقبيلة قبيلة ، ~~وذكر مساويهم ومعايبهم ، ونزل ؛ فغضب الناس واجتمعوا على خلع قتيبة وخلافه ~~، وكان أول من تكلم في ذلك الأزد ، فأتوا حضين بن المنذر ، فقالوا : إن هذا ~~قد خلع الخليفة ، وفيه فساد الدين والدنيا ، وقد شتمنا فما ترى ؟ فأشار ~~عليهم أن يأتوا وكيع بن أبي سود التميمي ، ويقدموه لرياسته في قومه ، فأتوه ~~وسألوه أن يلي أمرهم ، ففعل . وكان بخراسان يومئذ من أهل البصرة والعالية ~~من المقاتلة تسعة آلاف ، ومن بكر سبعة آلاف ، ورئيسهم حضين ابن المنذر ، ~~ومن تميم عشرة آلاف وعليهم ضرار بن حصين ، ومن عبد القيس أربعة آلاف وعليهم ~~عبد الله بن حوذان ، ومن أهل الكوفة سبعة آلاف وعليهم جهم بن زحر . ومن ~~الموالي سبعة آلاف وعليهم حيان النبطي مولى بني شيبان ، وهو من الديلم وقيل ~~من خراسان ، وإنما قيل له النبطي للكنته . فأرسل حيان إلى وكيع يقول : إن ~~أنا كففت عنك وأعنتك تجعل لي الجانب الشرقي من نهر بلخ آخذ خراجه ما دمت ~~حيا ، وما دمت أميرا قال : نعم . فقال حيان للعجم : هؤلاء يقاتلون على غير ~~دين ، فدعوهم يقتل بعضهم بعضا . ففعلوا . وقيل لقتيبة : إن وكيعا يبايع ~~الناس ، فدس عليه ضرار بن سنان الضبي ، فبايعه سرا ، فظهر أمره لقتيبة ، ~~فأرسل إليه يدعوه ، فوجده قد طلى رجليه بمغرة ، وعلق على ساقه خرزا ، وعنده ~~رجلان يرقيان رجله . فقال للرسول : قد ترى ما برجلي . فرجع إليه فأخبر ~~قتيبة ، فأعاده إليه يقول : لتأتيني به محمولا ، فأتاه فقال ms4804 : لا أستطيع . ~~فقال قتيبة لصاحب شرطته : انطلق إلى وكيع فأتني به : فإن أبي فاضرب عنقه ، ~~ووجه معه خيلا . PageV21P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" وقيل : أرسل إليه شعبة بن ظهير التميمي . ~~فقال له وكيع : يا ابن ظهير ، لبث قليلا تلحق الكتائب . ولبس سلاحه ، ونادى ~~في الناس ، فأتوه ، وركب فرسه ، وخرج ، فأتاه الناس أرسالا ، واجتمع إلى ~~قتيبة أهل بيته وخواص أصحابه وثقاته ، منهم إياس ابن بيهس بن عمرو ، وهو ~~ابن عم قتيبة ، ودعا قتيبة ببرذون له مدرب ليركبه ، فاستعصعب عليه حتى ~~أعياه ، فجلس على سريره وقال : دعوه ، فإن هذا أمر يراد . وجاء حيان في ~~العجم وقتيبة واجد عليه ، فقال عبد الله أخو قتيبة : احمل عليهم . فقال ~~حيان : لم يأت بعد . وقال حيان لابنه : إذا رأيتني قد حولت قلنسوتي وملت ~~نحو عسكر وكيع فمل بمن معك من العجم إلي . فلما حول حيان قلنسوته مالت ~~الأعاجم إلى عسكر وكيع فكبروا وهاجوا ، فقتل عبد الرحمن أخو قتيبة ، وجاء ~~الناس حتى بلغوا فسطاط قتيبة ، فقطعوا أطنابه ، وجرح قتيبة جراحات كثيرة ، ~~فقال جهم بن زحر بن قيس لسعد : انزل فحز رأسه ، فنزل وشق الفسطاط ، واحتز ~~رأسه ؛ وقتل معه من أهله وإخوته : عبد الرحمن ، وعبد الله ، وصالح ، وحضين ~~، وعبد الكريم : بنو مسلم . وقتل كثير ابنه ، وكان عدة من قتل مع قتيبة من ~~أهله أحد عشر رجلا ، فأرسل وكيع إلى سليمان برأسه ورؤوس أهله . ولما قتل ~~قال رجل من خراسان : يا معشر العرب ، قتلتم قتيبة ، والله لو كان منا فمات ~~لجعلناه في تابوت ، فكنا نستفتح به إذا غزونا . وقال عبد الرحمن بن جمانة ~~الباهلي يرثي قتيبة : كأن أبا حفص قتيبة لم يسر . . . بجيش إلى جيش ولم يعل ~~منبرا ولم تخفق الرايات والجيش حوله . . . وقوف ولم تشهد له الناس عسكرا ~~دعته المنايا فاستجاب لربه . . . وراح إلى الجنات عفا مطهرا فما رزئ ~~الإسلام بعد محمد . . . بمثل أبي حفص فبكيه عبهرا وعبهر : أم ولد له . ووصل ~~خبر مقتله إلى الشام في اليوم الثاني من مقتله . قال شيوخ من غسان : كنا ~~بثنية العقاب إذا نحن ms4805 برجل معه عصا وجراب ، فقلنا : من أين أقبلت ؟ قال : ~~من خراسان . قلنا ؟ هل كان بها من خبر ؟ قال : نعم ، قتل بها قتيبة بن مسلم ~~أمس ، فعجبنا من قوله . فلما رأى إنكارنا قال : أين تروني الليلة من ~~إفريقية ؟ وتركنا ومضى ، فاتبعناه على خيولنا فإذا به يسبق الطرف . وثنية ~~العقاب في مرج دمشق على نصف مرحلة منها . PageV21P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" وفي هذه السنة عزل سليمان بن عبد الملك عثمان ~~بن حيان عن المدينة لسبع بقين من شهر رمضان ، واستعمل عليها أبا بكر بن ~~محمد ابن عمرو بن حزم ، وكان عثمان قد عزم على أن يجلد أبا بكر هذا ويحلق ~~لحيته من الغد ، فلما كان اليل جاء البريد إلى أبي بكر بتأميره وعزل عثمان ~~وحده وتقييده . وعزل سليمان أيضا يزيد بن أبي مسلم عن العراق ، واستعمل ~~يزيد بن المهلب ، وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج ، وأمره ببسط العذاب ~~على آل أبي عقيل ؛ وهم أهل الحجاج ، فكان يعذبهم ، ويلي عذابهم عبد الملك ~~بن المهلب . وحج بالناس أبو بكر بن محمد وهو أمير المدينة ، وكان على مكة ~~عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وعلى حرب العراق وصلاتها يزيد بن ~~المهلب ، وعلى خراجها صالح بن عبد الرحمن . وعلى البصرة سفيان بن عبد الله ~~الكندي من قبل يزيد ، وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة ، وعلى قضاء الكوفة ~~أبو بكر بن أبي موسى ، وعلى حرب خراسان وكيع بن أبي سود . وفيها مات شريح ~~القاضي ، وقيل سنة سبع وتسعين . وله مائة وعشرون سنة ، ومحمود بن لبيد ~~الأنصاري وله صحبة . سنة سبع وتسعين ذكر ولاية يزيد بن المهلب خراسان : في ~~هذه السنة استعمل سليمان بن عبد الملك يزيد بن المهلب على خراسان مضافة إلى ~~العراق ، وكان سبب ذلك أن سليمان لما ولي يزيد بن المهلب العراق فوض إليه ~~الحرب والخراج والصلاة بها ، فنظر يزيد لنفسه ، فرأى أن الحجاج قد أخرب ~~العراق ، وأنه إن أخذ الناس بالخراج وعذبهم عليه صار عندهم مثل الحجاج ، ~~وأنه متى لم يفعل ms4806 ذلك ويأت سليمان بمثل ما كان الحجاجي أتي به لم يقبل منه ~~، فأشار على سليمان أن يولي صالح بن عبد الرحمن مولى تميم الخراج ، فولاه ~~الخراج وسيره قبل يزيد ، فنزل واسطا . ولما قدم يزيد خرج الناس يتلقونه ، ~~ولم يخرج صالح حتى قرب يزيد ، فخرج وبين يديه أربعمائة من أهل الشام ، فلقى ~~يزيد وسايره ، ولم يمكنه من شيء ، وضيق عليه ، فضجر يزيد من ذلك ، فدعا عبد ~~الله بن الأهتم ، وقال له : إني أريدك لأمر أهمني ، وأحب أن تكفينيه . قال ~~: أفعل . قال : أنا فيما ترى من الضيق ، وقد ضجرت منه ، وخراسان شاغرة فهل ~~من حيلة ؟ قال : نعم ، سرحني إلى أمير المؤمنين . PageV21P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" فكتب يزيد إلى سليمان وأعلمه بحال العراق ، ~~وأثنى على ابن الأهتم وذكر علمه بها ، وسيره على البريد ؛ فأتى ابن الأهتم ~~سليمان فقال له : إن يزيد كتب إلي يذكر علمك بالعراق ، فكيف علمك بخراسان ؟ ~~قال : أنا أعلم الناس بها ، ولدت بها ونشأت ، ولي بها وبأهلها خبر . قال : ~~فأشر علي برجل أوليه خراسان . قال : أمير المؤمنين أعلم بمن يريد ، فإن ذكر ~~منهم أحدا أخبرته برأيي فيه ، فسمى رجلا من قريش ، فقال : ليس من رجال ~~خراسان . قال : فعبد الملك بن المهلب . فقال : لا يصح ، فإنه يضيق عن هذا ، ~~وليس له مكر أبيه ولا شجاعته ، حتى ذكر رجالا ، وكان آخر من ذكر وكيع ابن ~~أبي سود ، فقال : يا أمير المؤمنين ، وكيع رجل شجاع صارم رئيس مقدام ، وما ~~أحد أوجب شكرا ولا أعظم عندي يدا من وكيع ، لقد أدرك بثأري وشفاني من عدوي ~~، ولكن أمير المؤمنين أعظم حقا ، والنصيحة له تلزمني ، إنه وكيعا لم يجتمع ~~له مائة عنان قط إلا حدث نفسه بغدرة ، خامل في الجماعة ، نابه في الفتنة . ~~قال : فمن لها ويحك قال : رجل أعلمه لم يسمه أمير المؤمنين . قال : فمن هو ~~؟ قال : لا أذكره حتى يضمن لي أمير المؤمنين ستر ذلك ، وأن يجيرني منه إن ~~علم . قال : نعم ، قال : يزيد بن المهلب . قال : العراق أحب إليه من خراسان ~~؟ قال : قد علمت ms4807 يا أمير المؤمنين ، ولكن تكرهه فيستخلف على العراق رجلا ~~ويسير هو إلى خراسان . قال : أصبت الرأي . فكتب عهد يزيد على خراسان ، ~~وسيره مع ابن الأهتم ، فأتى يزيد ، فأمر بالجهاز للمسير من ساعته ، وقدم ~~ابنه مخلدا إلى خراسان من يومه ؛ ثم سار يزيد بعده ، واستخلف على واسط ~~الجراح بن عبد الله الحكمي ، وعلى البصرة عبد الله بن هلال الكلابي ، وجعل ~~أخاه مروان بن المهلب على حوائجه وأموره بالبصرة ، واستخلف على الكوفة ~~حرملة بن عمير اللخمي أشهرا ، ثم عزله ، وولي بشير بن حيان النهدي ، وكانت ~~قيس تزعم أن قتيبة لم يخلع ، فأمر سليمان يزيدا أن يسأل عن ذلك . فإن أقامت ~~قيس البينة أن قتيبة لم يخلع فنقيد وكيعا به ، فلما وصل مخلد بن يزيد مرو ~~أخذه وكيع فحبسه وعذبه ، وعذب أصحابه قبل قدوم أبيه ، فكانت ولاية وكيع ~~خراسان تسعة أشهر أو عشرة أشهر ، ثم قدم يزيد خراسان فآذى أهل الشام وقوما ~~من أهل خراسان ، فقال نهار ابن توسعة رحمه الله : PageV21P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" وما كنا نؤمل من أمير . . . كما كنا نؤمل من ~~يزيد فأخطأ ظننا فيه وقدما . . . زهدنا في معاشرة الزهيد إذا لم يعطنا نصفا ~~أمير . . . مشينا نحوه مشى الأسود فمهلا يا يزيد أنب إلينا . . . ودعنا من ~~معاشرة العبيد نجيء ولا نرى إلا صدودا . . . على أنا نسلم من بعيد ونرجع ~~خائبين بلا نوال . . . فما بال التجهم والصدود وفي هذه السنة جهز سليمان ~~الجيوش إلى القسطنطينية ، واستعمل ابنه داود على الصائفة ، فافتتح حصن ~~المرأة . وفيها غزا مسلمة أرض الوضاحية ، وفتح الحصن الذي فتحه الوضاح . ~~وغزا عمر بن هبيرة الروم في البحر فشتابها . وحج سليمان بن عبد الملك ~~بالناس . وفيها عزل داود بن طلحة الحضرمي عن مكة ، فكان عمله عليها ستة ~~أشهر ، وولي عبد العزيز بن عبد الله بن خالد . سنة ثمان وتسعين : ذكر ~~محاصرة القسطنطينية في هذه السنة بعث سليمان الجيوش إلى القسطنطينية مع ~~أخيه مسلمة بعد أن سار سليمان إلى دابق ، وأخبره بوفاته ، وضمن له فتح ~~الروم ، فبعث معه مسلمة ، فسار هو ms4808 وأليون ، فلما دنا من أرض الروم أمر كل ~~فارس أن يحمل معه مدين من طعام ، فلما أتاها أمر بإلقاء ذلك ، فصار مثل ~~الجبال ، وقال مسلمة لمن معه : لا تأكلوا منه شيئا وأغيروا في أرضهم ~~وازرعوا ، وعمل بيوتا من خشب فشتا فيها وصاف وزرع الناس ، فلما كثر عندهم ~~الطعام أقام مسلمة قاهرا للروم معه أعيان الناس ، فأرسل الروم إلى مسلمة ~~PageV21P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" يعطونه عن كل رأس دينارا فلم يقبل ، فقالت ~~الروم لأليون : إن صرفت عنا المسلمين ملكناك ، فاستوثق منهم ، وأتى مسلمة ~~فقال له : إن الروم قد علموا أنك لا تصدقهم القتال ، وأنك تطاولهم ما دام ~~الطعام عندك ، فلو أحرقته أعطو ما بأيديهم ، فأمر مسلمة بالطعام فحرق ، ~~فقوي الروم وضاق المسلمون حتى كادوا يهلكون ، وداموا على ذلك حتى مات ~~سليمان . وقيل : إن أليون إنما خدع مسلمة بأن سأله أن يدخل من الطعام إلى ~~الروم ما يعيشون به ليلة واحدة ، ليصدقوا أن أمره وأمر مسلمة واحد ، وأنهم ~~في أمان من السبي والخروج من بلادهم ، فأذن له في ذلك . وكان أليون قد أعد ~~السفن والرجال فنقلوا تلك الليلة الطعام كله ، وأصبح أليون محاربا ، ولقي ~~الجند ما لم يلقه أحد ، حتى أن كان الرجل ليخاف أن يخرج من العسكر وحده ، ~~وأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والورق ، وسليمان مقيم بدابق ووقع ~~الشتاء فلم يقدر أن يمدهم حتى مات . وفي هذه السنة بايع سليمان لابنه أيوب ~~بولاية العهد . وفيها فتحت مدينة الصقالبة . وفيها غزا الوليد بن هشام ~~وعمرو بن قيس ، فأصيب ناس من أهل أنطاكية ، وأصاب الوليد ناسا من ضواحي ~~الروم ، وأسر بشرا كثيرا . ذكر فتح قهستان وجرجان وطبرستان في هذه السنة ~~غزا يزيد بن المهلب جرجان وطبرستان . وكان سبب اهتمامه بها أن يزيد لما كان ~~عند سليمان بالشام في حياة الوليد ، فكان كلما فتح قتيبة فتحا يقول سليمان ~~ليزيد : ألا ترى إلى ما يفتح الله على قتيبة فيقول يزيدك ما فعلت جرجان ~~التي قطعت الطريق ، وأفسدت قومس ونيسابور ، ويقول : هذه الفتوح ليست بشيء ، ~~الشأن في ms4809 جرجان . وكان سعيد بن العاص قد صالح أهل جرحان ، فكانوا يجبون ~~أحيانا مائة ألف ، وأحيانا مائتي ألف ، وأحيانا ثلاثمائة ألف ، وربما منعوا ~~ذلك ، ثم أظهروا الامتناع وكفروا فلم يعطوا خراجا ، ولم يأت جرجان بعد سعيد ~~أحد ، وقد منعوا ذلك الطريق فلم يكن يسلك أحد طريق خراسان إلا على فارس ~~وكرمان . PageV21P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" فلما ولي سليمان يزيد خراسان لم يكن له همة ~~غير جرجان ، فسار إليها في مائة ألف سوى الموالي والمتطوعة ، ولم تكن جرجان ~~يومئذ مدينة ، إنما هي جبال ومخارم وأبواب يقوم الرجل على باب منها فلا ~~يقدر عليه أحد ، فابتدأ بقهستان فحاصرها ، وكان أهلها طائفة من الترك ، ~~فقاتلهم قتالا شديدا ، واشتدت الحرب ، وقطع عنهم الميرة ، فبعث دهقانها ، ~~واسمه صول يطلب من يزيد الأمان لنفسه وأهله وماله ، ويسلم إليه المدينة بما ~~فيها ، فأمنه ووفي له ، ودخل المدينة فقتل بها أربعة عشر ألف تركي صبرا ، ~~وأخذ ما فيها من الكنوز والسبي وغير ذلك ، ثم خرج حتى أتى جرجان فهابه ~~أهلها ، وأتوه وصالحوه ، فأجابهم إلى ذلك ، وصالحهم ، فطمع في طبرستان ، ~~فسار إليها فصالحه اصبهذها على سبعمائة ألف ، وقيل خمسمائة ألف وأربعمائة ~~وقرزعفران ، أو قيمته من العين ، وأربعمائة رجل على كل رجل منهم ترس ~~وطيلسان ، ومع كل رجل جام من فضة وسرقة حرير وكسوة ، فأرسل من يقبض ذلك ~~وانصرف إلى جرجان . والله أعلم . ذكر فتح جرجان الفتح الثاني وانشاء ~~مدينتها قال : ولما سار يزيد إلى طبرستان غدر أهل جرجان ، فعاد إليهم وعاهد ~~الله إن ظفر بهم لا يرفع عنهم السيف حتى يطحن بدمائهم ويأكل من ذلك الطحين ~~، فحصرهم سبعة أشهر وهم يخرجون إليه يقاتلونه ويرجعون ، فبينما هم على ذلك ~~إذ خرج رجل من عجم خراسان يتصيد ، وقيل من طيئ ، فأبصر وعلا في الجبل فتبعه ~~فلم يشعر حتى هجم على عسكرهم ، فرجع يريد أصحابه ، وجعل يخرق قباءه ويعقد ~~على الشجر علامات ، فأتى يزيد فأخبره فضمن له يزيد دية إن دلهم على الحصن ؛ ~~فانتخب معه ثلاثمائة رجل ، واستعمل عليهم ابنه خالدا ، وقال له : إن ms4810 غلبت ~~على الحياة فلا تغلبن على الموت ، وإياك أن أراك عندي مهزوما ، وضم إليه ~~جهم بن زحر ، وقال للرجل : متى تصل ؟ قال : غدا العصر . قال يزيد : سأجهد ~~على مناصحتهم عند الظهر . PageV21P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" فساروا ، فلما كان الغد وقت الظهر أحرق يزيد ~~كل حطب كان عندهم ، فصار مثل الجبال من النيران ، فنظر العدو إلى النار ، ~~فها لهم ذلك ، فخرجوا إليهم ؛ وتقدم يزيد إليهم ، ودهمهم ابنه بمن معه قبيل ~~العصر وهم آمنون من ذلك الوجه ، ويزيد يقاتلهم من هذا الوجه ، فما شعروا ~~إلا والتكبير من ورائهم ، فانقطعوا جميعا إلى حصنهم ، وركبهم المسلمون ؛ ~~فأعطوا بأيديهم ، ونزلوا على حكم يزيد ، فسبى ذراريهم ، وقتل مقاتلتهم ، ~~وصلبهم فرسخين عن يمين الطريق ويساره ، وقاد منهم اثني عشر ألفا إلى وادي ~~جرجان فقتلهم ، وأجرى الماء على الدم ، وعليه أرحاء ، ليطحن بدمائهم ليبر ~~يمينه ، فطحن وخبز وأكل . وقيل : قتل منهم أربعين ألفا ، وبنى مدينة جرجان ~~، ولم تكن بنيت قبل ذلك مدينة ، ورجع إلى خراسان ، واستعمل على جرجان جهم ~~بن زحر الجعفي ، وكتب إلى سليمان بالفتح وعظمه عنده ، وأخبره أنه قد حصل ~~عنده من الخمس ستمائة ألف ألف ، فقال له كاتبه - المغيرة بن أبي قرة مولى ~~بني تميم : لا تكتب بتسمية المال ، فإنك من ذلك بين أمرين : إما استكثره ~~فأمرك بحمله ، وإما سخت به نفسه فأعطاكه فتكلفت الهدية ؛ فلا يأتيه من قبلك ~~شيء إلا استقله ، فكأني بك قد استغرقت ما سميت ولم يقع منه موقعا ، ويبقى ~~المال الذي سميت مخلدا في دواوينهم ، فإن ولي وال بعده أخذك به ، وإن ولي ~~من يتحامل عليك لم يرض بأضعافه ، ولكن اكتب سله القدوم وشافهه بما أصبت فهو ~~أسلم . فلم يقبل منه ، وكتب ، فكان من أمره في ذلك ما نذكره في أخبار عمر ~~بن عبد العزيز . وقيل : كان المبلغ أربعة آلاف ألف ، والله تعالى أعلم . ~~وفيها توفي أيوب بن سليمان بن عبد الملك ، وهو ولي العهد . وفيها غزا داود ~~بن سليمان أرض الروم ؛ ففتح حصن المرأة مما يلي ملطية . وفيها كانت الزلازل ~~في ms4811 الدنيا كثيرة ، ودامت ستة أشهر . وحج بالناس عبد العزيز بن عبد الله ~~أمير مكة . PageV21P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" سنة تسع وتسعين : ذكر وفاة سليمان بن عبد ~~الملك وشيء من أخباره وعماله كانت وفاته يوم الجمعة لعشر مضين من صفر من ~~السنة بدابق من أرض قنسرين بذات الجنب ، وله خمس وأربعون سنة . وكانت مدة ~~خلافته سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام ، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز ؛ ~~وكان طويلا أبيض ، جميل الوجه ، فصيح اللسان ، معجبا بنفسه ، يتوقى سفك ~~الدماء . وكان أكولا نكاحا ، وكان حسن السيرة ، وكان الناس يقولون : سليمان ~~مفتاح الخير ؛ ذهب عنهم الحجاج ، وولي سليمان ، فأطلق الأسارى ، وأخلى ~~السجون ، وأحسن إلى الناس ، واستخلف عمر بن عبد العزيز . ويقال : إنه فعل ~~في يوم واحد أكثر مما فعل عمر بن عبد العزيز جميع عمره ، وذلك أنه أعتق ~~سبعين ألف مملوك ومملوكة ، وكساهم . ومن أعظم بركاته أنه جعل عمر بن عبد ~~العزيز ولي عهده . وحكى أنه لبس يوما حلة خضراء وعمامة خضراء ، ونظر في ~~المرآة ، فقال : أنا الملك الفتى ، فما عاش جمعة . وقيل : كانت له جارية ~~معها مرآة ، فدعاها يوما فجاءته بها ، فنظر وجهه ، ونظرت الجارية إليه ، ~~فقال لها : ما تنظرين ؟ قال : أنت نعم المتاع لو كنت تبقى . . . غير أن ~~لابقاء للإنسان ليس فيما بدا لنا منك عيب . . . عابه الناس غير أنك فاني ~~وانصرفت ، فاستدعاها فجاءت بالمرآة فسألها عن البيتين ، فقالت : والله ما ~~جئتك اليوم ؛ فعلم أنه نعى . وقيل : إنه شهد جنازة بدابق فدفنت في حقل ، ~~فجعل سليمان يأخذ من تلك التربة ، ويقول : ما أحسن هذه وأطيبها فما أتى ~~عليه جمعة حتى دفن إلى جنب ذلك القبر . وقيل : إنه كان له من الأولاد ~~الذكور أربعة عشر . وكان نقش خاتمه : آمنت بالله مخلصا . PageV21P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" وكتابه : يزيد بن المهلب ، ثم المفضل بن ~~المهلب عم عبد العزيز ابن الحارث بن الحكم . قاضيه : محمد بن حزم . حاجبه : ~~أبو عبيدة مولاه . الأمير بمصر : عبد الله بن رفاعة . قاضيها من قبله : عبد ~~الله بن عبد الرحمن ، وهو متولي ms4812 بيت المال ، ثم رد القضاء إلى عياض بن عبد ~~الله من قبل سليمان بن عبد الملك . ذكر بيعة عمر بن عبد العزيز هو أبو حفص ~~عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم ؛ وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه ، وهو الثامن من ملوك بني أمية ، بويع له بدابق يوم ~~الجمعة بعد وفاة سليمان لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعين . قال : وكان ~~سليمان لما مرض بدابق عهد في كتاب كتبه لبعض بنيه وهو غلام لم يبلغ الحلم ، ~~فدخل عليه رجاء بن حيوة ، فقال له : يا أمير المؤمنين ؛ إنه مما يحفظ ~~الخليفة في قبره أن يستخلف على الناس الرجل الصالح . فقال سليمان : أنا ~~أستخير الله ، وأنظر . ومكث يوما أو يومين ثم حرق الكتاب ، ودعا رجاء ، ~~فقال : ما ترى في ولدي داود ؟ فقال رجاء : هو غائب بالقسطنطينية ، ولم يدر ~~أحي هو أم لا ؟ قال : فما ترى في عمر بن عبد العزيز ؟ قال رجاء : أعلمه ~~والله خيرا فاضلا مسلما . قال سليمان : هو على ذلك ، ولئن وليته ولم أول ~~أحدا سواه لتكونن فتنة ولا يتركونه أبدا عليهم إلا أن أجعل أحدهم بعده . ~~فأمر سليمان أن يجعل يزيد بن عبد الملك بعد عمر . وكان يزيد غائبا في ~~الموسم . فكتب سليمان : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من عبد الله ~~سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز ؛ إني قد وليتك الخلافة من بعدي ، ~~ومن بعدك يزيد بن عبد الملك ؛ فاسمعوا له وأطيعوا ، واتقوا الله ، ولا ~~تختلفوا ، فيطمع فيكم . وختم الكتاب وأرسل إلى كعب بن جابر صاحب شرطته ، ~~فقال : ادع أهل بيتي ، فجمعهم كعب ، ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتماعهم : ~~اذهب بكتابي هذا إليهم ، ومرهم أن يبايعوا من وليت فيه ، ففعل ، وبايعوا ~~رجلا رجلا ، ولم يعلموا من في الكتاب . PageV21P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" قال رجاء : فأتاني عمر بن عبد العزيز فقال : ~~أخشى أن يكون هذا أسند إلي من هذا الأمر شيئا ؛ فأنشدك الله إلا أعلمتني إن ~~كان قد وقع حتى أستعفى قبل ms4813 أن يأتي حال لا أقدر على ذلك فيها . قال رجاء : ~~فقلت : ما أنا مخبرك . فذهب عني غضبان . ولقيني هشام بن عبد الملك فقال : ~~إن لي حرمة ومودة قديمة فأعلمني بهذا الأمر ؛ فإن كان إلى غيري تكلمت ، ~~ولله علي ألا أذكرك . قال : فأبيت أن أخبره . قال : ودخلت على سليمان عند ~~موته فغمضته وسجيته ، وأغلقت الباب ، وأرسلت إلى كعب بن جابر ، فجمع أهل ~~بيت سليمان في مسجد دابق ، فقلت : بايعوا فقالوا : قد بايعنا مرة . قلت : ~~وأخرى ، هذا عهد من أمير المؤمنين ، فبايعوا الثانية . قال رجاء : فلما ~~بايعوا بعد موته رأيت أني قد أحكمت الأمير فقلت : قوموا إلى صاحبكم فقد مات ~~، فاسترجعوا ، وقرأت الكتاب ، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز قال ~~هشام : لا نبايعه والله أبدا . قلت : أضرب والله عنقك . قم وبايع . فقام ~~يجر رجليه . قال رجاء : وأجلست عمر على المنبر وهو يسترجع لما وقع فيه ، ~~وهشام يسترجع لما أخطأه ، فبايعوه . قال : ولما دفن سليمان أتى عمر بمراكب ~~الخلافة ، فقال : دابتي أرفق لي ، وركب دابته ؛ ثم أقبل سائرا ، فقيل له : ~~منازل الخلافة ؟ فقال : فيا عيال سلمان ، وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا . ~~قال : وبلغ عبد العزيز بن الوليد - وكان غائبا - وفاة سليمان ولم يشعر بعمر ~~، فدعا لنفسه ، فبلغه بيعة عمر ، فأقبل حتى دخل عليه ، فقال له عمر : بلغني ~~أنك بايعت من قبلك ، وأردت دخول دمشق . قال : نعم ، وذلك أنه بلغني أن ~~سليمان ما عقد لأحد فخفت على الأموال أن تنتهب . فقال له عمر : لو بايعت ~~وقمت بالأمر لم أنازعك فيه . فبايعه عبد العزيز . قال : ولما استقرت البيعة ~~لعمر قال لامرأته فاطمة بنت عبد الملك : إن أردتني فردي ما معك من مال وحلي ~~وجوهر إلى بيت المال ، فإنه للمسلمين ، وإني لا أجتمع أنا وأنت وهو في بيت ~~واحد ، فردته جميعه . فلما توفي عمر وولي أخوها يزيد رده عليها فلم تأخذه ، ~~وقالت : ما كنت لأطيعه حيا وأعصيه ميتا ، ففرقه يزيد على أهله . قال : وكان ~~من أول ما ابتدأ به عمر بن عبد العزيز أن ms4814 ترك سب علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه على المنابر ، وكان يسب في أيام بني أمية إلى أن ولي عمر فترك ذلك ، ~~وأبد له بقول الله عز وجل : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " . ~~PageV21P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" فحل ذلك عند الناس محلا حسنا ، وأكثروا مدح ~~عمر بسببه ، فكان ممن مدحه كثير عزة بقوله : وليت فلم تشتم عليا ولم تخف . ~~. . بريا ولم تتبع مقالة مجرم تكلمت بالحق المبين وإنما . . . تبين آيات ~~الهدى بالتكلم فصدقت معروف الذي قلت بالذي . . . فعلت فأضحى راضيا كل مسلم ~~ألا إنما يكفى الفتى بعد زيغه . . . من الأود البادي ثقاف المقوم وفيها وجه ~~عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة وهو بأرض الروم يأمره بالقفول منها بمن معه من ~~المسلمين ، ووجه لهم خيلا عتاقا وطعاما كثيرا . وفيها أغارت الترك على ~~أذربيجان . فقتلوا من المسلمين جماعة ، فوجه عمر حاتم بن النعمان الباهلي ~~فقتل أولئك الترك ، ولم يفلت منهم إلا اليسير ، وقدم على عمر منهم بخمسين ~~أسيرا . وفيها عزل عمر يزيد بن المهلب عن أعماله ، ووجه إلى البصرة عدي بن ~~أرطاة الفزاري ، وجعل على الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد الخطاب ~~العدوي ، وضم إليه أبا الزناد ، واستعمل على خراسان الجراح بن عبد الله ~~الحكمي . وحج بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وكان عامل المدينة ، ~~وكان العامل على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد ، وعلى الكوفة عبد ~~الحميد ، وعلى القضاء بها عامر الشعبي ، وكان على البصرة عدي من أرطاة ، ~~وعلى القضاء الحسن بن أبي الحسن البصري ، ثم استعفى عديا فأعفاه ، واستقضى ~~إياس بن معاوية . سنة مائة للهجرة : ذكر خروج شوذب الخارجي في هذه السنة ~~خرج شوذب واسمه بسطام من بني يشكر في جوخي وكان في PageV21P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" ثمانين رجلا ، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى ~~عبد الحميد عامله بالكوفة ألا يحركهم حتى يسفكوا الدماء أو يفسدوا في الأرض ~~، فإن فعلوا وجه إليهم رجلا ms4815 صليبا حازما في جند . فبعث عبد الحميد محمد بن ~~جرير بن عبد الله البجلي في ألفين ، وأمره أن يفعل ما كتب به عمرن وكتب عمر ~~إلى بسسطام يسأل عن مخرجه ، فقدم كتاب عمر عليه ، وقد قدم عليه محمد ، فكان ~~في كتاب عمر : بلغني أنك خرجت غضبا لله ولرسوله ، ولست بذلك أولى مني ، ~~فهلم إلي أناظرك ، فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيها دخل فيه الناس ، وإن كان ~~في يدك نظرنا في أمرك . فكتب إليه بسطام : قد أنصفت ، وقد بعثت إليك برجلين ~~يدارسانك ويناظرانك . وأرسل إليه مولى حبشيا لبني شيبان اسمه عاصم ، ورجلا ~~من بني يشكر ، فقدما على عمر بخناصرة ، فقال لهما : ما أخرجكما هذا المخرج ~~؟ وما الذي نقمتم ؟ قال عاصم : ما نقمنا سيرتك ، إنك لتتحرى العدل والإحسان ~~، فأخبرنا عن قيامك بهذا الأمر ؛ عن رضا من الناس ومشورة ، أم ابتززتم ~~أمرهم ؟ فقال عمر : ما سألتهم الولاية عليهم ، ولا غلبتهم عليها ، وعهد إلي ~~رجل كان قبلي ، فقمت ، ولم ينكر علي أحد ، ولم يكرهه غيركم ، وأنتم ترون ~~الرضا بكل من عدل وأنصف من كان من الناس ، فأنزلوني ذلك الرجل ، فإن خالفت ~~الحق وزغت عنه فلا طاعة لي عليكم . قالا : بيننا وبينك أمر واحد . قال : ما ~~هو ؟ قالا : رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك وسميتها مظالم ، فإن كنت على هدى ~~وهم على ضلالة فألعنهم وابرأ منهم . فقال عمر : قد علمت أنكم لم تخرجوا ~~طلبا للدنيا ، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم طريقها ، إن الله عز وجل لم ~~يبعث رسوله لعانا . وقال إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه : فمن ~~تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم . وقال الله عز وجل : أولئك الذين ~~هدى الله فبهداهم اقتده . وقد سميت أعمالهم ظلما ، وكفى بذلك ذما ونقصا ، ~~وليس لعن أهل الذنوب فريضة لا بد منها ، فإن قلتم إنها فريضة فأخبرني متى ~~لعنت فرعون ؟ قال : ما أذكر متى لعنته . قال : أفيسعك ألا تلعن فرعون وهو ~~أخبث الخلق وشرهم ، ولا يسعني ألا ألعن أهل بيتي وهم مصلون صائمون ؟ ~~PageV21P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" قال عاصم ms4816 : أما هم كفار بظلمهم ؟ قال : لا ، ~~لأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دعا الناس إلى الإيمان ، فكان من ~~أقربه وبشرائعه قبل منه ، فإن أحدث حدثا أقيم عليه الحد . فقال عاصم : إن ~~رسول الله دعا الناس إلى توحيد الله تعالى والإقرار بما أنزل من عنده . قال ~~عمر : فليس أحد منهم يقول : لا أعمل بسنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، ولكن القوم أسرفوا على أنفسهم على علمهم أنه محرم عليهم ، ولكن غلب عليهم ~~الشقاء . قال عاصم : فابرأ مما خالف عملك ورد أحكامهم . قال عمر : أخبراني ~~عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، أليسا على الحق ؟ قالا : بلى . قال : ~~أتعلمان أن أبا بكر حين قاتل أهل الردة سفك دماءهم ، وسبى الذراري ، وأخذ ~~الأموال ؟ قالا : نعم . قال : أفتعلمان أن عمر رضي الله عنه رد السبايا ~~بعده إلى عشائرهم بفدية ؟ قالا : نعم . قال : فهل برى عمر من أبي بكر ؟ ~~قالا : لا . قال : أفتبرءون أنتم من واحد منهما ؟ قالا : لا . قال : ~~فأخبراني عن أهل النهروان وهم أسلافكم ، هل تعلمان أن أهل الكوفة خرجوا فلم ~~يسفكوا دما ، ولم يأخذوا مالا ، وأن من خرج إليهم من أهل البصرة قتلوا عبد ~~الله بن خباب وجاريته وهي حامل ؟ قالا : نعم . قال : فهل برئ من لم يقتل ~~ممن قتل ؟ قالا : لا . قال : أفتبرءون أنتم من إحدى الطائفتين ؟ قالا : لا ~~. قال : أفيسعكم أن تتولوا أبا بكر وعمر وأهل الكوفة وأهل البصرة وقد علمتم ~~اختلاف أعمالهم ، ولا يسعني إلا البراءة من أهل بيتي ، والدين واحد ؟ ~~فاتقوا الله ، فإنكم جهال تقبلون من الناس ما رد عليهم رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وتردون عليهم ما قبل ، ويأمن عندكم من خاف عنده ، ويخاف ~~عندكم من أمن عنده ، فإنكم يخاف عندكم من يشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا عبده ورسوله ، وكان من فعل ذلك عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~أمن وحقن دمه وماله ، وأنتم تقتلونه ويأمن عندكم سائر أهل الأديان ، ~~فتحرمون دماءهم وأموالهم . قال اليشكري : أرأيت رجلا ولى قوما وأموالهم ms4817 ~~فعدل فيها ثم صيرها بعده إلى رجل غير مأمون ، أتراه أدى الحق الذي يلزمه ~~لله عز وجل ، وتراه قد سلم ؟ قال عمر : لا . قال : أفتسلم هذا الأمر إلى ~~يزيد من بعدك وأنت تعلم أنه لا يقوم فيه بالحق . قال : إنما ولاه غيري ، ~~والمسلمون أولى بما يكون منهم فيه بعدي . قال : أفترى ذلك من صنع من ولاه ~~حقا ؟ فبكى عمر ، وقال : أنظراني ثلاثا . فخرجا من عنده ثم عادا إليه ، ~~فقال عاصم : أشهد أنك على حق . فقال عمر لليشكري : ما تقول أنت ؟ قال : ما ~~أحسن ما وصفت ، ولكني لا أفتات على المسلمين بأمر ، أعرض عليهم ما قلت ~~وأعلم احجتهم . فأما عاصم فأقام عند عمر ، فأمر له PageV21P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" بالعطاء فتوفي بعد خمسة عشر يوما ، فكان عمر ~~يقول : أهلكني أمر يزيد ، وخصمت فيه ، فأستغفر الله . فخاف بنو أمية أن ~~يخرج ما بأيديهم وأن يخلع يزيد من ولاية العهد ؛ فوضعوا على عمر من سقاه ~~سما . فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثا حتى مرض ومات ، رحمه الله تعالى . هذا ~~ومحمد بن جرير مقابل الخوارج لا يتعرض إليهم ولا يتعرضون إليه ، فلما مات ~~عمر وولي يزيد كان ما نذكره في أخبار يزيد . وفي هذه السنة عزل عمر يزيد بن ~~المهلب عن خراسان وأحضره وطالبه بالمال الذي كان كتب به إلى سليمان واعتقله ~~بحصن حلب ، واستعمل على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي ، ثم عزله ؛ ~~واستعمل عبد الرحمن بن نعيم القشيري . وفيها كان ابتداء خروج شيعة بني ~~العباس على ما نذكره في أخبار الدولة العباسية إن شاء الله تعالى . وفيها ~~أمر عمر بن عبد العزيز أهل طرندة بالقفول عنها إلى ملطية ، وطرندة أوغل في ~~البلاد الرومية بثلاث مراحل ، وكان عبد الله بن عبد الملك قد أسكنها ~~المسلمين بعد أن غزاها سنة ثلاث وثمانين وملطية يومئذ خراب ، وكان يأتيهم ~~جند من الجزيرة يقيمون عندهم إلى أن ينزل الثلج ويعودون إلى بلادهم ، فلم ~~يزالوا كذلك إلى أن ولي عمر ، فأمرهم بالعود إلى ملطية وأخلى طرندة خوفا ~~على المسلمين ms4818 من العدو ، وأخرب طرندة ، واستعمل على ملطية جعونة بن الحارث ~~أحد بني عامر بن صعصعة . وفيها كتب عمر إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام ~~، فأسلم من ذكرنا منهم على ما سبق ذكر ذلك . وفيها استعمل عمر بن عبد ~~العزيز عمر بن هبيرة الفزاري على الجزيرة . وفيها مات أبو الطفيل عامر بن ~~واثلة الليثي بمكة ، وهو آخر من مات من الصحابة ، ومولده عام أحد . وحج ~~بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم . PageV21P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" سنة إحدى ومائة : في هذه السنة هرب يزيد بن ~~المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز ، وذلك أنه لما اشتد مرض عمر بن عبد ~~العزيز عمل يزيد في الهرب مخافة يزيد بن عبد الملك لإساءة كانت صدرت منه في ~~حقه أيام سليمان ، فأرسل ابن المهلب إلى مواليه فأعدوا له خيلا وإبلا ، ~~وواعدهم مكانا يأتيهم فيه ، وأرسل إلى عامل حلب وإلى الحراس مالا ، وقال : ~~إن أمير المؤمنين قد ثقل في مرضه ، وليس يرجى ، وإن ولي يزيد سفك دمي ، ~~فأخرجوه ، فهرب وقصد البصرة ، وكتب إلى عمر كتابا يقول : إني والله لو وثقت ~~بحياتك لم أخرج من محبسك ولكني خفت أن يلي يزيد فيقتلني شر قتله . فورد ~~الكتاب وبه رمق ، فقال رضي الله عنه : اللهم إن كان يزيد يريد بالمسلمين ~~سوءا فألحقه به وهضه فقد هاضني ، ثم كان من أمر ابن المهلب ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى . ذكر وفاة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وشيء من أخباره ~~وسيرته رحمه الله تعالى كانت وفاته رحمه الله بخناصرة لست بقين من شهر رجب ~~سنة 1 إحدى ومائة ، وكانت شكواه عشرين يوما ، وقيل له في مرضه : لو تداويت ~~فقال : لو كان دوابي في مسح أذني ما مسحتها ، نعم المذهوب إليه ربى . ودفن ~~بدير سمعان من أرض حمص . وقيل : به توفي ، وكان عمره تسعا وثلاثين سنة ~~وأشهرا وقيل أربعين سنة وأشهرا . وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة عشر ~~يوما . وكان أبيض نحيفا حسن الوجه ، وهو أشج بني أمية ms4819 ، رمحته دابة فشجته ، ~~وهو غلام ، فدخل على أمه فضمته إليها ولامت أباه حيث لم يجعل معه حاضنا . ~~فقال لها عبد العزيز : اسكتي يا أم عاصم ، فطوبى له إن كان أشج بني أمية . ~~PageV21P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" وكان عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنهما يقول : يا ليت شعري ، من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة يملأ ~~الدنيا عدلا ؛ فكان عمر بن عبد العزيز ؛ لأن أمه ابنة عاصم بن عمر بن ~~الخطاب رضي الله تعالى عنهم أجمعين . ذكر نبذة من سيرته رضي الله عنه كان ~~رحمه الله ورضي عنه قد بث العدل ونشره في الدنيا واقتصر من دنياه على سد ~~الخلة حتى إن مسلمة بن الملك عاده في مرض موته ، فرأى عليه قميصا دنسا ، ~~فقال لأخته فاطمة ، وهي زوجة عمر : اغسلوا ثياب أمير المؤمنين . فقالت : ~~نفعل . ثم عاده فرأى الثوب بحاله ، فقال : ألم آمركم أن تغسلوا قميصه . ~~فقالت : والله إله غيره ، وكانت نفقته في كل يوم درهمين . قال : ولما ولي ~~الخلافة أتاه أصحاب مراكب الخلافة يطلبون علفها ، فأمر بها فبيعت ، وجعل ~~ثمنها في بيت المال ، وقال : بغلتي هذه تكفيني . قال : ولما ولي صعد المنبر ~~فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، من صحبنا فليصحبنا لخمس ، ~~وإلا فلا يقربنا : يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها ، ويعيننا على الخير ~~بجهده ، ويدلنا على ما لا نهتدي إليه من الخير ، ولا يغتابن أحدا ، ولا ~~يعترض فيما لا يعنيه . فانقشع الشعراء والخطباء ، وثبت عنده الفقهاء ~~والزهاد ، وقالوا : ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف قوله فعله . ~~ولما ولي أحضر قريشا ووجوه الناس فقال : إن فدك كانت بيد رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فكان يضعها حيث أراه الله ، ثم وليها أبو بكر كذلك ، وعمر ~~كذلك ، ثم أقطعها مروان . ثم إنها صارت لي ، ولم يكن من مالي أعود علي منها ~~، وإن أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت عليه في عهد رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . قال : فيئس الناس من ms4820 الظلم . وأخذ من أهله ما بأيديهم ، وسمى ~~ذلك مظالم ، ففزع بنو أمية إلى عمته فاطمة بنت مروان فأتته ، فقالت له : ~~تكلم أنت يا أمير المؤمنين . قال : إن الله بعث PageV21P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) إلى الناس كافة ~~، ثم اختار له ما عنده ، وترك للناس نهرا شربهم سواء ، ثم ولى أبو بكر فترك ~~النهر على حاله ، ثم ولى عمر فعمل عملهما ، ثم لم يزل النهر يستقى منه يزيد ~~ومروان ، وعبد الملك ابنه ، والوليد وسليمان ابنا عبد الملك ، حتى أفضى ~~الأمر إلي ، وقد يبس النهر الأعظم ، فلن يروى أصحابه حتى يعود إلى ما كان ~~عليه . فقالت : حسبك قد أردت كلامك ، فأما إذا كانت مقالتك هذه فلا أذكر ~~شيئا أبدا ، ورجعت إليهم فأخبرتهم بكلامه . وقد قيل : إنها قالت له : إن ~~بني أمية كذا وكذا - ذكرت إنكارهم لفعله بهم - فلما تكلم بهذا قالت له : ~~إنهم يحذرونك يوما من أيامهم ، فغضب وقال : كل يوم أخافه غير يوم القيامة ؛ ~~فلا أمنني الله شره . فرجعت إليهم فأخبرتهم وقالت : أنتم فعلتم هذا بأنفسكم ~~، تزوجتم بأولاد عمر بن الخطاب ، فجاء يشبه جده ، فسكتوا . قالت فاطمة ~~امرأة عمر : دخلت عليه في مصلاه ودموعه تجري على لحيته ، فقلت : أحدث شيء ؟ ~~قال : إني تقلدت أمر أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، فتفكرت في الفقير ~~الجائع والمريض الضائع والعاري والمظلوم والمقهور ، والغريب والأسير ، ~~والشيخ الكبير وذي العيال الكثير والمال القليل وأشباههم في أقطار الأرض ، ~~فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة ، وأن خصمي دونهم محمد ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، فخشيت ألا تثبت حجتي عند الخصومة ، فرحمت نفسي فبكيت . وكتب ~~إلى عماله نسخة واحدة : أما بعد فإن الله عز وجل أكرم بالإسلام أهله ، ~~وشرفهم وأعزهم ، وضرب الذلة والصغار على من خالفهم ، وجعلهم خير أمة أخرجت ~~للناس ، فلا تولين أمر المسلمين أحدا من أهل ذمتهم وخراجهم ، فتنبسط عليهم ~~أيديهم وألسنتهم فتذلهم بعد أن أعزهم الله ، وتهينهم بعد أن أكرمهم الله ، ~~وتعرضهم لكيدهم والاستطالة عليهم ، ومع هذا فلا يؤمن غشهم إياهم ، فإن الله ms4821 ~~عز وجل يقول : " يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم ~~خبالا ودوا ما عنتم " . وقال تعالى : " يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض " . والسلام . PageV21P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" وكتب لما ولى الخلافة إلى يزيد بن المهلب بن ~~أبي صفرة ، وهو إذ ذاك يلي العراق وخراسان : أما بعد فإن سليمان كان عبدا ~~من عبيد الله ، أنعم الله عليه ثم قبضه ، واستخلفني ويزيد بن عبد الملك من ~~بعدي إن كان ، وإن الذي ولاني الله من ذلك وقدر لي ليس علي بهين ، ولو كانت ~~رغبتي في اتخاذ أزواج واعتقاد أموال لكان في الذي أعطاني الله من ذلك ما قد ~~بلغ بي أفضل ما بلغ بأحد من خلقه ، وأنا أخاف فيما ابتليت به حسابا شديدا ~~ومسألة غليظة إلا ما عافى الله ورحم ، وقد بايع من قبلنا فبايع من قبلك . ~~فلما قرأ الكتاب قيل له : لست من عماله ، لأن كلامه ليس ككلام من مضى من ~~أهله . وكتب إلى عبد الرحمن بن نعيم : أما بعد فاعمل عمل من يعلم أن الله ~~لا يصلح عمل المفسدين . وكتب إلى سليمان بن أبي السرى : أن اعمل خانات ، ~~فمن مر بك من المسلمين فاقروه يوما وليلة ، وتعهدوا دوابهم . ومن كانت به ~~علة فاقروه يومين وليلتين ، وإن كان منقطعا به فأبلغه بلده . فلما أتاه ~~كتاب عمر قال له أهل سمرقند : إن قتيبة ظلمنا وغدر بنا ، وأخذ بلادنا ، وقد ~~أظهر الله العدل والإنصاف فأذن لنا فليقدم منا وفد على أمير المؤمنين ، ~~فأذن لهم ، فوجهوا وفدا إلى عمر ، فكتب إلى سليمان : إن أهل سمرقند شكوا ~~ظلما وتحاملا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم ، فإذا أتاك كتابي فأجلس ~~لهم القاضي فلينظر في أمرهم ، فإن قضى لهم فأخرج العرب إلى معسكرهم كما ~~كانوا قبل أن يظهر عليهم قتيبة . فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضي ، ~~فقضى أن تخرج العرب إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء ، فيكون صلحا جديدا أو ~~ظفرا عنوة . فقال أهل الصغد : نرضى بما كان ولا نحدث ms4822 شيئا وتواصوا بذلك . ~~وكتب إلى عبد الحميد : أما بعد فإن أهل الكوفة أصابهم بلاء وشدة وجور في ~~أحكام الله ؛ وسنة خبيثة سنها عليهم عمال السود ، وإن قوام الدين العدل ~~والإحسان ، فلا يكونن شيء أهم إليك من نفسك ؛ فإنه لا قليل من الإثم ، ولا ~~تحمل خرابا على عامر ، وخذ منه ما أطاق ؛ وأصلحه حتى يعمرن ولا يؤخذن من ~~العامر إلا وظيفة PageV21P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض ، ولا تأخذن ~~أجور الضرابين ولا هدية النوروز والمهرجان ؛ ولا ثمن الصحف ولا أجور الفيوج ~~ولا أجور البيوت ؛ ولا دراهم النكاح ؛ ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض ، ~~فاتبع في ذلك أمري ، فإني قد وليتك من ذلك ما ولاني الله ، ولا تعجل دوني ~~بقطع ولا صلب حتى تراجعني فيه ، وانظر من أراد من الذرية أن يحج فعجل له ~~مائة ليحج بها . والسلام . قال محمد بن علي الباقر : إن لكل قوم نجيبة ، ~~وإن نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز رحمه الله ، فإنه يبعث يوم القيامة ~~أمة وحده . وقال مجاهد : أتينا عمر نعلمه ؛ فلم نبرح حتى تعلمنا منه . وقيل ~~لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : ما كان بدء إنابتك ؟ قال : أردت ضرب ~~غلام لي ، فقال لي : اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة . وقال عمر : ما كذبت ~~منذ علمت أن الكذب يضر أهله . وأخباره رضي الله عنه في الخير والعدل كثيرة ~~لو استقصيناها أو أوردنا ما طالعناه منها لطال ولخرج عن قاعدة هذا التأليف ~~، وناهيك بها سيرة ضرب بها المثل في العدل والإحسان منذ كانت إلى يومنا هذا ~~. وكان له من الأولاد الذكور أربعة عشر وخمس بنات . كتابه : رجاء بن حيوة ~~الكندي ؛ وابن أبي رقبة . قاضيه : عبد الله بن سعد الأبلي . حجابه : جيش ~~ومزاحم مولياه . الأمير بمصر : أيوب بن شرحبيل . وأقر على القضاء عياض بن ~~عبد الله ؛ ثم صرفه بأبي مسعود عبد الله بن حذافة . وكان نقض خاتمه رضي ~~الله عنه : عمر بن عبد العزيز يؤمن بالله . PageV21P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" ذكر بيعة يزيد ms4823 بن عبد الملك هو أبو خالد يزيد ~~بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية ، وهو ~~التاسع من ملوك بني أمية ، بويع له يوم الجمعة لخمس بقين من شهر رجب سنة 1 ~~إحدى ومائة بعد وفاة عمر بن عبد العزيز ؛ وذلك بعهد من أخيه سليمان بن عبد ~~الملك عل ما تقدم ذكر ذلك . قيل : ولما احتضر عمر رضي الله عنه قيل له : ~~اكتب إلى يزيد فأوصه بالأمة . قال : بماذا أوصيه ؟ إنه من بني عبد الملك . ~~ثم كتب إليه : أما بعد فاتق يا يزيد الصرعة بعد الغفلة ، حين لا تقال ~~العثرة ، ولا تقدر على الرجعة ، إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك ، وتصير إلى ~~من لا يعذرك . والسلام . فلما ولي يزيد نزع أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم عن ~~المدينة ، واستعمل عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري عليها ؛ فأراد ~~معارضة ابن حزم فلم يجد عليه سبيلا حتى شكا عثمان بن حيان إلى يزيد ابن عبد ~~الملك من ابن حزم ، وأنه ضربه حدين ، وطلب منه أن يقيده منه . فكتب يزيد ~~إلى عبد الرحمن كتابا : أما بعد فانظر فيم ضرب ابن حزم ابن حيان ، فإن كان ~~ضربه في أمر بين أو أمر مختلف فيه فلا تلتفت إليه . فأرسل ابن الضحاك إلى ~~ابن حزم فأحضره ؛ وضربه حدين في مقام واحد ، ولم يسأله عن شيء ، وعمد يزيد ~~إلى كل ما فعله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مما لم يوافق هواه ، فرده ، ~~ولم يخف شناعة عاجلة ولا إثما آجلا . ذكر مقتل شوذب الخارجي وهزيمته بجيوش ~~يزيد قبل ذلك واسم شوذب بسطام . قد ذكرنا خروجه في أيام عمر بن عبد العزيز ~~رحمه الله ووصول رسله إلى عمر ، وما كان بينهما من المناظرة ، وخروج محمد ~~بن جرير ابن عبد الله البجلي إليهم في ألفين وموادعتهم إلى أن يعود رسولا ~~شوذب من عند عمر ؛ فلما مات عمر بن عبد العزيز أحب عبد الحميد ابن عبد ~~الرحمن بن زيد بن الخطاب ms4824 ، وهو الأمير على الكوفة ، أن يحظى عند يزيد بن ~~عبد الملك ؛ فكتب إلى محمد بن جرير يأمره PageV21P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" بمناجزة شوذب ، فلما رآه يستعد للحرب أرسل ~~إليه يقول : ما أعجلكم قبل انقضاء المدة . فأرسل إليه محمد : إنه لا يسعنا ~~ترككم على هذه الحال . فقال الخوارج : ما فعل هؤلاء هذا إلا وقد مات الرجل ~~الصالح ، فاقتتلوا ، فأصيب من الخوارج نفر ، وقتل أكثر أهل الكوفة ، وانهزم ~~من بقي منهم نحو الكوفة ، وتبعهم الخوارج حتى بلغوا الكوفة ، ثم رجعوا إلى ~~مكانهم . ثم وجه يزيد بن عبد الملك تميم بن الحباب في ألفين فقاتلوه ، فقتل ~~، وقتل أكثر أصحابه ، ولجأ من بقي منهم إلى الكوفة ، والتحق بعضهم بيزيد ، ~~فأرسل إليهم يزيد نجدة بن الحكم الأزدي في جمع ، فقتلوه وهزموا أصحابه . ~~وأقام شوذب بمكانه حتى دخل مسلمة بن عبد الملك الكوفة ، فشكا إليه أهل ~~الكوفة مكان شوذب وحذروه أمره ، فأرسل إليه مسلمة سعيد بن عمرو الحرشي . في ~~عشرة آلاف ، فقال شوذب لأصحابه : من كان منكم يريد الشهادة فقد جاءته ، ومن ~~كان يريد الدنيا فقد ذهبت . فكسروا أغماد سيوفهم وحملوا فكشفوا سعيدا ~~وأصحابه مرارا حتى خاف سعيد رحمه الله الفضيحة ، وكان فارسا شجاعا ، فوبخ ~~أصحابه ، وقبح عليهم الفرار ، فحملوا فقتلوا بسطاما ومن معه من الخوارج . ~~ذكر الغزوات والفتوحات في خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان ذكر غزوة الترك ~~وفي سنة 1 اثنتين ومائة كانت الحرب بين المسلمين والترك عند قصر الباهلي . ~~وقيل : كان سبب ذلك أن عظيما من عظماء الدهاقين أراد أن يتزوج امرأة من ~~باهلة كانت في ذلك القصر ، فأبت فاستجاش الترك ، فجمعهم خاقان ووجههم إلى ~~الصغد ، فساروا وعليهم كورصول حتى نزلوا بقصر الباهلي ، ورجوا أن يسبوا من ~~فيه ، وكان فيه مائة أهل بيت بذراريهم ، وكان على سمرقند يومذاك عثمان بن ~~عبد الله بن مطرف بن الشخير من قبل سعيد بن عبد العزيز عامل خراسان ، فكتب ~~أهل القصر إليه ، وخافوا أن يبطئ عنهم المدد ، فصالحوا الترك على أربعين ~~ألفا وأعطوهم سبعة PageV21P0227 # """""" صفحة رقم 228 ms4825 """""" عشر رجلا رهينة ؛ وانتدب عثمان الناس ؛ ~~فانتدب المسيب ابن بشر الرياحي ، وانتدب معه أربعة آلاف من جميع القبائل ، ~~وعليهم شعبة بن ظهير ، وكان على سمرقند قبل عثمان ، فلما عسكروا قال لهم ~~المسيب : إنكم تقدمون على حلبة الترك عليهم خاقان ، والعوض إن صبرتم الجنة ~~، والعقاب إن فررتم النار ؛ فمن أراد الغزو والصبر فليقدم . فرجع عنه ألف ~~وثلاثمائة ، فلما سار فرسخا آخر ، فقال مثل ذلك ؛ فاعتزله ألف ، ثم سار ~~فرسخا آخر فقال مثل ذلك ، فاعتزله ألف ، وبقي في سبعمائة ؛ فسار حتى بقي ~~على فرسخين من الترك ، فأتاه الخبر أن أهل القصر قد صالحوا الترك على ~~أربعين ألفا ، وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة ، وأنه لما بلغهم مسير المسلمين ~~قتلوا الرهائن وأنهم اتعدوا القتال غدا . فبعث المسيب رجلين إلى أهل القصر ~~يعلمهم بقربه ، ويستمهلهم يوما وليلة ، فأتيا القصر في ليلة مظلمة وقد أجرت ~~الترك الماء في نواحي القصر ، فليس يصل إليه أحد . فلما دنوا من القصر صاح ~~بهم الربيئة فاستنصتاه ، وقالا له : ادع لنا عبد الملك بن دثار ، فدعاه ، ~~فأعلماه قرب المسيب ، وأمراه بالصبر غدا ، ورجعا إلى المسيب ، فبايع أصحابه ~~على الموت ، فبايعوه ، وسار حتى بقي بينه وبين القصر نصف فرسخ ، فلما أمسى ~~أمر أصحابه بالصبر ، وقال : ليكن شعاركم : يا محمد ، ولا تتبعوا موليا ، ~~وعليكم بالدواب فاعقروها فإنها إذا عقرت كانت أشد عليهم منكم ، وسار بهم ~~ليلا فوافى عسكر الترك وقت السحر ، فخالطهم المسلمون ، وعقروا الدواب ، ~~فانهزمت الترك ، ونادى منادي المسيب : لا تتبعوهم ، فإنهم لا يدرون من ~~الرعب أتبعتوهم أم لا . وأمر أصحابه أن يقصدوا القصر ويحملوا ما فيه من ~~المال ومن بالقصر ؛ ممن يعجز عن المشي ، ففعلوا ، ورجع إلى سمرقند ، ورجع ~~الترك من الغد ، فلم يروا بالقصر أحدا ، ورأوا قتلاهم ، فقالوا : لم يكن ~~الذين أتونا من الإنس . والله أعلم . ذكر غزو الصغد وفي سنة 1 اثنتين ومائة ~~أيضا عبر سعيد النهر ، وغزا الصغد ، وكانوا نقضوا العهد ، PageV21P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" وأعانوا الترك على المسلمين ، فلقيه الترك ~~وطائفة من الصغد ، فهزمهم المسلمون وساروا حتى انتهوا ms4826 إلى واد بينهم وبين ~~المرج ، فقطعه بعضهم وقد أكمن لهم الترك ، فلما جازهم المسلمون خرجوا عليهم ~~، فانهزم المسلمون حتى انتهوا إلى الوادي ، ثم جاء الأمير وبقية الجيش ~~فانهزم العدو . وفيها غزا عمر بن هبيرة الروم من ناحية أرمينية ، وهو على ~~الجزيرة قبل أن يلي العراق ، فهزمهم ، وأسر منهم خلقا كثيرا . وقيل سبعمائة ~~أسير . وغزا عباس بن الوليد بن عبد الملك الروم ، فافتتح دلسة ، وغزا أيضا ~~في سنة ثلاث ومائة ، ففتح مدينة يقال لها رسلة . ذكر الوقعة بين سعيد ~~الحرشي أمير خراسان وبين الصغد وفي سنة 1 أربع ومائة غزا سعيد الحرشي ، ~~فقطع النهر وسار فنزل قصر الريح على فرسخين من الدبوسية ، وكان الصغد لما ~~بلغهم عزل سعيد بن عبد العزيز عن خراسان واستعمال الحرشي خافوه على أنفسهم ~~، فأجمع عظماؤهم على الخروج من بلادهم ، فقال لهم ملكهم : أقيموا واحملوا ~~له خراج ما مضى ، واضمنوا له خراج ما يأتي ، وعمارة الأرض ، والغزو معه إن ~~أراد ذلك ، واعتذروا مما كان منكم ، وأعطوه رهائن . قالوا : نخاف ألا يقبل ~~ذلك منا ، ولكنا نأتي خجندة فنستجير بملكها ، ونرسل إلى الأمير فنسأله ~~الصفح عما كان منا . فوافقهم . فخرجوا إلى خجندة ، وأرسلوا إلى ملك فرغانة ~~يسألونه أن يمنعهم ، وينزلهم مدينته ، فأراد أن يفع فنهته أمه ، وقالت له : ~~فرغ لهم رستاقا يكونون فيه ؛ فأرسل إليه : سموا رستاقا تكونون فيه حتى ~~نفرغه لكم ، وأجلوني أربعين يوما . فاختاروا شعب عصام بن عب الله الباهلي ، ~~فقال : نعم ، وليس علي عقد ولا جوار حتى تدخلوه ، وإن أتتكم العرب قبل ~~دخوله لم أمنعكم . فرضوا ، وفرغ لهم الشعب . PageV21P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" فلما انتهى الحرشي إلى قصر الريح أتاه ابن عم ~~ملك فرغانة فقال له : إن أهل الصغد بخجندة ، وأخبره خبرهم ، وقال : عاجلهم ~~قبل أن يصلوا إلى الشعب ، فليس لهم علينا جوار حتى يمضي الأجل . فوجه معه ~~عبد الرحمن القشيري أو زياد بن عبد الرحمن في جماعة ، ثم ندم بعدما فصلوا ، ~~وقال : جاءني علج لا أعلم صدق أم كذب ؛ فغررت بجند من المسلمين . فارتحل في ~~أثرهم ms4827 حتى نزل أشرو سنة ، فصالحهم بشيء يسير ، ثم سار مسرعا حتى لحق ~~القشيري ، وساروا حتى انتهوا إلى خجندة ، فنزل عليهم وأخذ في التأهب . وكان ~~الذين بخجندة قد حفروا خندقا في ربضهم وراء الباب ، وغطوه بقصب وتراب ، ~~وأرادوا إذا التقوا إن انهرموا دخلوا من الطريق ، ويشكل على المسلمين ~~فيسقطون في الخندق . فلما خرجوا قاتلوهم فانهزموا وأخطئوا هم الطريق فسقطوا ~~في الخندق ، فأخرج منهم المسلمون أربعين رجلا ، وحصرهم الحرشي ، ونصب عليهم ~~المجانيق . فأرسلوا إلى ملك فرغانة : إنك قد غدرت بنا ، وسألوه أن ينصرهم ، ~~فقال : قد أتوكم قبل انقضاء الأجل ، ولستم في جواري ، فطلبوا الصلح ، ~~وسألوا الحرشي أن يؤمنهم ويردهم إلى الصغد ، فاشترط عليهم أن يردوا ما في ~~أيديهم من نساء العرب وذراريهم ، وأن يؤدوا ما كسروا من الخراج ، ولا ~~يغتالوا أحدا ، ولا يتخلف منهم بخجندة أحد ، فإن أحدثوا حدثا حلت دماؤهم . ~~فخرج إليهم الملوك والتجار من الصغد ، ونزل عظماء الصغد على الجند الذين ~~يعرفونهم ، ونزل كارزنج على أيوب بن حسان ، وبلغ الحرشي أنهم قتلوا امرأة ~~ممن كان في أيديهم ، فقال لهم : بلغني أن ثابتا الإشتيخني قتل امرأة ؛ ~~فجحدوا . فسأل حتى استصح الخبر ، فأحضر ثابتا وقتله ، فلما بلغ كارزنج ذلك ~~خاف أن يقتل فأرسل إلى ابن أخيه ليأتيه بسراويل ، وكان قد قال لابن أخيه : ~~إذا طلبت سراويل فاعلم أنه القتل . فبعث به إليه ، وخرج واعترض الناس فقتل ~~ناسا ، وانتهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود فقتله ثابت ، وقتل الصغد مائة ~~وخمسين رجلا كانوا عندهم من أسرى المسلمين ، فأمر الحرشي بقتل الصغد بعد ~~عزل التجار عنهم ، فقاتلهم الصغد بالخشب ، ولم يكن لهم سلاح ، فقتلوا عن ~~آخرهم ، وكانوا ثلاثة آلاف ، وقيل سبعة PageV21P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" آلاف ، واصطفى الحرشي أموال الصغد وذراريهم ، ~~وأخذ من ذلك ما أعجبه ، وقسم ما بقي ، وفتح المسلمون حصنا يطيف به وادي ~~الصغد من ثلاث جهات صلحا على ألا يتعرض لنسابهم وذراريهم ، ففعلوا . وسار ~~الحرشي إلى كس ، فصالحوه على عشرة آلاف رأس . وقيل : ستة آلاف رأس ، وولي ~~الحرشي نصر بن سيار قبض ms4828 صلح كس ، واستعمل سليمان بن أبي السرى على كس ، ~~ونسف - حربها وخراجها . وكانت خزار منيعة ، فأرسل الحرشي إليها المسربل بن ~~الخريت الناجي ، وكان صديقا لملكها ، واسم ملكها سبغري ، فأخبر الناجي ~~الملك بما صنع الحرشي بأهل خجندة ، وخوفه . قال : فما ترى ؟ قال : أرى أن ~~تنزل بأمان ، فصالحهم فأمنوه وبلاده ، ورجع الحرشي إلى مرو ومعه سبغريفقتله ~~وصلبه ومعه أمانه . ذكر ظفر الخزر بالمسلمين وفي سنة 1 أربع ومائة دخل جيش ~~المسلمين إلى بلاد الخزر من أرمينية ، وعليهم ثبيت النهراني ، فاجتمعت ~~الخزر في جمع كثيف ، وأعانهم قفجلق وغيرهم من الترك ، فلقوا المسلمين بمكان ~~يعرف بمرج الحجارة ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فقتل من المسلمين خلق كثير ، ~~واحتوت الخزر على عسكرهم ، وغنموا ما فيه ، وأقبل المنهزمون إلى الشام ، ~~فقدموا على يزيد ، فوبخهم على الهزيمة ، فقال ثبيت : يا أمير المؤمنين ، ما ~~جبنت ولا نكبت عن لقاء العدو ، ولقد لصقت الخيل بالخيل والرجل بالرجل ، ~~ولقد طاعنت حتى انقصف رمحي ، وضاربت حتى انقطع سيفي ، غير أن الله تبارك ~~وتعالى يفعل ما يشاء . ذكر فتح بلنجر وغيرها قال : لما تمت الهزيمة ~~المذكورة على المسلمين طمع الخزر في البلاد . فجمعوا وحشدوا ، فاستعمل يزيد ~~بن عبد الملك الجراح بن عبد الله الحكمي على أرمينية ، وأمده بجيش كيف ، ~~وأمره بغزو الخزر وغيرهم من الأعداء وقصد بلادهم ، فسار PageV21P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" الجراح وتسامعت به الخزر فعادوا حتى نزلوا ~~بالباب والأبواب ، ووصل الجراح إلى بردعة ، فأقام بها حتى استراح هو ومن ~~معه ، وسار نحو الخزر فعبر نهر الكر ، فبلغه أن بعض من معه كتب إلى ملك ~~الخزر يخبره بمسير الجراح إليه ، فأمر الجراح مناديا فنادى في الناس : إن ~~الأمير مقيم ها هنا عدة أيام ، فاستكثروا من الميرة . فكتب ذلك الرجل إلى ~~ملك الخزر يخبره أن الجراح مقيم ، ويشير عليه بترك الحركة لئلا يطمع ~~المسلمون فيه ، ثم أمر الجراح بالرحيل ليلا ، وسار مجدا حتى انتهى إلى ~~مدينة الباب والأبواب ، فلم ير الخزر ، فدخل البلد ، وبث سراياه للنهب ~~والغارة ، فغنموا وعادوا ، وسار الخزر إليه ، وعليهم ابن ملكهم ms4829 فالتقوا عند ~~نهر الران ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فهزمهم المسلمون وتبعوهم يقتلون ~~ويأسرون ، فقتل منهم خلق كثير ، وغنم المسلمون جميع ما معهم ، وساروا حتى ~~نزلوا على حصن يعرف بالحصين ، فنزل أهله بالأمان على مال يحملونه ، فأجابهم ~~ونقلهم عنه ، ثم سار إلى مدينة برغر فأقام عليها ستة أيام ، وجد في قتال ~~أهلها ، فسألوا الأمان فأمنهم وتسلم حصنهم ونقلهم منه . ثم سار إلى بلنجر ~~وهو حسن مشهور من حصونهم ، فنازله ، وقاتل عليه قتالا شديدا ، وملك الحصن ~~عنوة ، وغنم المسلمون ما فيه ، فأصاب الفارس ثلاثمائة دينار ، وكانوا بضعة ~~وثلاثين ألفا ، وأخذ الجراح أولاد صاحب بلنجر وأهله ، وأرسل إليه فأحضره ~~ورد إليه أمواله وأهله وحصنه ، وجعله عينا للمسلمين ؛ ثم سار عن بلنجر فنزل ~~على حصن الوبندر ، وبه نحو أربعين ألف بيت من الترك ، فصالحوا الجراح على ~~مال يؤدونه ، ثم تجمع أهل تلك البلاد ، وأخذوا الطرق على المسلمين ، فكتب ~~صاحب بلنجر إلى الجراح يخبره بذلك ، فعاد مجدا حتى وصل إلى رستاق سلى ، ~~وأدركهم الشتاء ، فا قام المسلمون به ، وكتب الجراح إلى يزيد بن عبد الملك ~~يخبره بما فتح الله عليه وبجموع الكفار ، ويسأله المدد ، فوعده بانفاد ~~العساكر ، فمات قبل ذلك ، فأقر هشام الجراح على عمله ، ووعده المدد . ~~PageV21P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" هذا ما كان من الغزوات والفتوحات في أيام ~~يزيد بن عبد الملك ، فلنذكر حوادث السنين في أيامه . تتمة سنة 1 احدى مائة ~~: ذكر استيلاء يزيد بن المهلب بن أبي صفرة على البصرة وخلعه يزيد بن عبد ~~الملك قد ذكرنا هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز رحمه الله ، ~~وأنه إنما هرب خوفا من يزيد بن عبد الملك لمنافرة كانت بينهما . وقيل : كان ~~السبب الذي أوجب كراهة يزيد بن عبد الملك في يزيد بن المهلب أن ابن المهلب ~~خرج يوما من الحمام في أيام سليمان وقد تضمخ بالغالية ، فاجتاز بيزيد بن ~~عبد الملك وهو إلى جانب عمر ابن عبد العزيز ، فقال يزيد بن عبد الملك : قبح ~~الله الدنيا لوددت أن مثقال الغالية بألف دينار ms4830 ، فلا يناله إلا كل شريف ، ~~فقال ابن المهلب : بل وددت أن الغالية في جبهة الأسد فلا ينالها إلا علي . ~~فقال له يزيد بن عبد الملك : والله لئن وليت يوما لأقتلنك . فقال ابن ~~المهلب : والله لئن وليت هذا الأمر وأنا حي لاضربن وجهك بمائة ألف سيف . ~~وقيل : كان السبب أن يزيد بن المهلب كان قد عذب أصهار يزيد بن عبد الملك ، ~~وكان سليمان بن عبد الملك لما ولي الخلافة طلب آل عقيل فأخذهم وسلمهم إلى ~~ابن المهلب ليخلص الأموال منهم ، فبعث ابن المهلب إلى البلقاء من أعمال ~~دمشق وبها خزائن الحجاج ابن يوسف وعياله ، فنقلهم وما معهم إليه ، وكان ~~فيمن أتى به أم الحجاج زوجة يزيد بن عبد الملك . وقيل : بل أخت لها - ~~فعذبها ، فأتى يزيد بن عبد الملك إلى ابن المهلب في منزله ، فشفع فيها ، ~~فلم يشفعه ، فقال : الذي قررتم عليها أنا أحمله ، فلم يقبل منه ، فقال لابن ~~المهلب : أما والله لئن وليت من الأمر شيئا لأقطعن منك عضوا . فقال ابن ~~المهلب : وأنا والله لئن كان ذلك لأرمينك بمائة ألف سيف . فحمل يزيد بن عبد ~~الملك المال عنها ، وكان مائة ألف دينار ، وقيل أكثر من ذلك . والله أعلم . ~~PageV21P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" قال : فلما ولي يزيد بن عبد الملك كتب إلى ~~عبد الحميد بن عبد الرحمن ، وإلى عدي بن أرطاة ، يعرفهما هرب يزيد ، ~~ويأمرهما بالتحرز منه ، وأمر عديا أن يأخذ من بالبصرة من آل المهلب ويحبسهم ~~، فقبض عليهم وفيهم الفضل وحبيب ومروان بنو المهلب ، وأقبل يزيد بن المهلب ~~نحو البصرة ، وقد جمع عدي بن أرطاة الجموع ، وخندق على البصرة ، وندب الناس ~~، وجاء يزيد في أصحابه ، والذين معه ، فالتقاه أخوه محمد بن المهلب فيمن ~~اجتمع إليه من أهله وقومه ومواليه ، فمر بجموع عدي ؛ فجعل لا يمر بخيل من ~~خيل عدي إلا تنحوا عن طريقه ، وأقبل حتى نزل داره ، واختلف الناس إليه ، ~~فبعث إلى عدي أن ابعث إلي إخوتي وأنا أصالحك على البصرة وأخليك وإياها حتى ~~آخذ لنفسي من يزيد ما أحب . فلم ms4831 يقبل منه ، وأخذ يزيد بن المهلب يعطى من ~~أتاه قطع الذهب والفضة ؛ فمال الناس إليه ؛ وكان عدي لا يعطي إلا درهمين ~~درهمين ، ويقول : لا يحل أن أعطيكم من بيت المال درهما إلا بأمر يزيد بن ~~عبد الملك ، ولكن تبلغوا بهذه حتى يأتي الأمر ، فقال الفرزدق : أظن رجال ~~الدرهمين تقودهم . . . إلى الموت آجال لهم ومصارع وأكيسهم من قر في قعر ~~بيته . . . وأيقن أن الموت لا بد واقع وخرج يزيد حين اجتمع الناس له حتى ~~نزل جبانة بني يشكر وهو المنصف فيما بينه وبين القصر ، فلقيه قيس وتميم ~~وأهل الشام ، فاقتتلوا هنيهة وانهزموا ، فتبعهم يزيد وأصحابه حتى دنا من ~~القصر ، وخرج إليهم عدي بنفسه فقتل من أصحابه وانهزم هو ، وقصد قتل آل ~~المهلب الذين في حبسه ؛ فأغلقوا الباب ومنعوا عن أنفسهم حتى أدركهم يزيد ، ~~ونزل في دار سالم ابن زياد بن أبيه ، وهي إلى جنب القصر ، ونصب السلاليم ، ~~وفتح القصر ، وأتى بعدي بن أرطاة فحبسه ، وقال : لولا حبسك إخوتي لما حبستك ~~، وأخرج إخوته وهرب بوجوه أهل البصرة ، فلحقوا بالكوفة ، وكان يزيد قد بعث ~~حميد بن عبد الملك بن المهلب إلى يزيد ابن عبد الملك في طلب الأمان ، فعاد ~~بما طلب ومعه خالد القسري وعمرو ابن يزيد الحكمي ، فوجد المغيرة بن زياد ~~وقد فر من يزيد ابن المهلب ، فأخبرهم الخبر ، فعادوا إلى يزيد بن عبد الملك ~~ومعهم حميد ، وأرسل يزيد بن عبد الملك إلى أهل الكوفة يثنى عليهم ويعدهم ~~الزيادة وأرسل أخاه مسلمة وابن أخيه العباس بن الوليد ، في سبعين ألف مقاتل ~~من أهل الشام والجزيرة . وقيل : كانوا ثمانين ألفا ، فساروا إلى العراق حتى ~~بلغوا الكوفة فنزلوا بالنخيلة ، واستوثق أمر البصرة لابن المهلب ، وبعث ~~عماله على الأهواز وفارس PageV21P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" وكرمان ، ثم سار يزيد من البصرة ، واستعمل ~~عليها أخاه مروان ، وأتى واسطا ، وأقام عليها أياما يسيرة إلى أ ، دخلت سنة ~~1 اثنتين ومائة ، فسار عنها . واستخلف عليها ابنه معاوية ، ونزل عنده بيت ~~المال ، وقدم أخاه عبد الملك نحو الكوفة ، فاستقبله العباس بن ms4832 الوليد ~~واقتتلوا ، فظفر عبد الملك أولا ، ثم كانت الهزيمة عليه ، فعاد بمن معه إلى ~~أخيه ، وأقبل مسلمة يسير على شاطئ الفرات إلى الأنبار ، وعقد عليها جسرا ~~فعبر وسار حتى نزل على ابن المهلب ، والتحق بابن المهلب ناس كثير من الكوفة ~~والثغور ، وأحصى ديوانه مائة ألف وعشرين ألفا ، فقال : لوددت أن لي بهم من ~~بخراسان من قومي . ثم قام في أصحابه وحرضهم على القتال ، وكان اجتماع ابن ~~المهلب ومسلمة ثمانية أيام ، فلما كان يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة مضت من ~~صفر سنة 1 اثنتين ومائة خرج مسلمة في جنوده حتى قرب من ابن المهلب ، ~~والتقوا واقتتلوا ؛ فانهزم أصحاب ابن المهلب ، فترجل وبقي في جماعة من ~~أصحابه وقد استقتل وهو يتقدم ؛ فكلما مر بخيل كشفها أو جماعة من أهل الشام ~~عدلوا عنه ؛ وأقبل نحو مسلمة لا يريد غيره ، فلما دنا منه أدنى فرسه ليركب ~~، فعطف عليه أهل الشام ، فقتل يزيد والسميدع ومحمد بن المهلب ، وكان رجل من ~~كلب يقال له القحل بن عياش لما نظر إلى يزيد قال هذا والله يزيد ، والله ~~لأقتلنه أو ليقتلني ، فمن يحمل معي يكفيني أصحابه حتى أصل إليه ، فحمل معه ~~ناس ، فاقتتلوا ساعة ، وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلا وعن القحل بآخر رمق ، ~~فأومأ إلى أصحابه يريهم مكان يزيد وأنه هو الذي قتله ، وأن يزيد قتله ، ~~وأتى مولى لبني مرة برأس يزيد إلى مسلمة ، فقيل له : أنت قتلته ؟ قال : لا ~~، فبعث مسلمة بالرأس إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد ابن عقبة بن ~~أبي معيط . وقيل : بل قتله الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي ، ولم ينزل ~~لأخذ رأسه أنفة . قال : ولما قتل يزيد كان المفضل بن المهلب يقاتل أهل ~~الشام وهو لا يدري بقتل أخيه ولا بهزيمة الناس ، فأتاه آت وقال له : ما ~~تصنع وقد قتل يزيد وحبيب ومحمد ، وانهزم الناس منذ طويل ؟ فتفرق الناس عنه ~~، ومضى المفضل إلى واسط . وقيل : بل أتاه أخوه عبد الملك ، وكره أن يخبره ~~بقتل يزيد فيستقتل ، فقال له : إن الأمير ms4833 قد انحدر إلى واسط ، فانحدر ~~المفضل بمن بقي من ولد المهلب PageV21P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" إليها ، فلما علم بقتل يزيد حلف أنه لا يكلم ~~عبد الملك أبدا ، فما كلمه حتى قتل بقندابيل . قال : ولما أتت هزيمة ابن ~~المهلب إلى واسط أخرج ابنه معاوية اثنين وثلاثين إنسانا كانوا عنده ، فضرب ~~أعناقهم منهم عدي ابن أرطاة ، وابنه محمد ، ومالك ، وعبد الملك ابنا مسمع ~~وغيرهم ، ثم أقبل حتى أتى البصرة بالمال والخزائن ، وجاء المفضل بن المهلب ~~واجتمع إلى المهلب بالبصرة ، وأعدوا السفن وتجهزوا للركوب . في البحر إلى ~~جبال كرمان ، وحملوا عيالهم وأموالهم في السفن البحرية ، ولججوا حتى أتوا ~~جبال كرمان ، فخرجوا من سفنهم ، وحملوا ما معهم على الدواب . وكان المقدم ~~عليهم المفضل ، وكان بكرمان فلول كثيرة ، فاجتمعوا إلى المفضل ، وبعث مسلمة ~~مدرك بن ضب الكلبي في طلبهم وفي أثر الفل ، فأدرك المفضل ومن اجتمع إليه ، ~~فقاتلوه قتالا شديدا ، فقتل من أصحاب المفضل جماعة ، وطلب بعض من معه ~~الأمان ، ومضى آل المهلب إلى قندابيل ، وبعث مسلمة إلى مدرك بن ضب ، فرده ؛ ~~وسير في أثرهم هلال بن أحوز التميمي فلحقهم بقندابيل ، فأراد آل المهلب ~~دخولها فمنعهم أميرها وادع بن حميد ، وكان يزيد بن المهلب قد استعمله عليها ~~، وأخذ عليه العهود والمواثيق أنه إن قتل في حربه يلجأ أهله إليها ويتحصنوا ~~بها حتى يأخذوا أمان يزيد بن عبد الملك . وقال له : قد اخترتك لهم من بين ~~قومي فكن عند حسن ظني ؛ وعاهده ليناصحن أهل بيته إن هم لجئوا إليه . فلما ~~أتوه منعهم من الدخول ، وكتب إلى هلال بن أحوز ، فلما التقوا نصب هلال راية ~~أمان ، فتفرق الناس عن آل المهلب ، وتقدموا هم بأسيافهم ، فقاتلوا حتى ~~قتلوا من عند آخرهم ، وهم المفضل ، وعبد الملك ، وزياد ، ومروان بنو المهلب ~~، ومعاوية بن يزيد بن المهلب ، والمنهال بن أبي عيينة بن المهلب ، وعمرو ~~والمغيرة ابنا قبيصة ابن المهلب ، وحملت رؤوسهم ؛ وفي أذن كل واحد رقعة ~~فيها اسمه ، ولحق منهم برتبيل أبو عيينة بن المهلب ، وعمرو بن يزيد ، ~~وعثمان بن المفضل ؛ وبعث ms4834 هلال بالرؤوس والنساء الأسرى من آل المهلب إلى ~~مسلمة بن عبد الملك وهو بالحيرة ، فبعثهم إلى يزيد ابن عبد الملك ، فبعثهم ~~يزيد إلى العباس بن الوليد وهو على PageV21P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" حلب ، فنصب الرؤوس ، وأراد مسلمة أن يبيع ~~الذرية ، فاشتراهم منه الجراح بن عبد الله الحكمي بمائة ألف ، وخلى سبيلهم ~~، ولم يأخذ مسلمة بن الجراح شيئا ، وكانت الأسرى من آل المهلب ثلاثة عشر ~~رجلا ، فلما جيء بهم إلى يزيد بن عبد الملك كان عنده كثير عزة فقال : حليم ~~إذا ما نال عاقب مجملا . . . أشد العقاب أو عفا لم يثرب فعفوا أمير ~~المؤمنين وحسبة . . . فما تأته من صالح لك يكتب أساءوا فإن تصفح فإنك قادر ~~. . . وأفضل حلم حسبة حلم مغضب فقال يزيد : هيهات يا أبا صخر ؛ أطت بك ~~الرحم ، لا سبيل إلى ذلك ، إن الله أقاد منهم بأعمالهم الخبيثة ، ثم أمر ~~بهم فقتلوا ، وبقي غلام صغير . فقال : اقتلوني ، فما أنا بصغير . فقال : ~~انظروا ، أنبت ؟ فقال : أنا أعلم بنفسي ، قد احتملت ووطئت النساء ، فأمر به ~~فقتل . والذين قتلوا من آل المهلب بين يدي يزيد بن عبد الملك المعارك وعبد ~~الله ، والمغيرة ، والمفضل ، ومنجاب أولاد يزيد بن المهلب ودوية والحجاج ، ~~وغسان ، وشبيب ، والفضل أولاد المفضل بن المهلب ، والمفضل ابن قبيصة بن ~~المهلب . قال : وأما أبو عيينة بن المهلب فأرسلت هند بنت المهلب إلى يزيد ~~ابن عبد الملك في أمانه فأمنه ، وبقي عمرو وعثمان حتى ولي أسد ابن عبد الله ~~القسري خراسان ، فكتب إليهما بأمانهما فقدما خراسان . وحج بالناس في هذه ~~السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس ، وهو عامل المدينة ، وكان على مكة عبد ~~العزيز بن عبد الله بن خالد ابن أسيد ، وعلى الكوفة عبد الحميد ، وعلى ~~قضائها الضعبي ، وعلى خراسان عبد الرحمن بن نعيم . ؟ سنة اثنتين ومائة : ~~ذكر ولاية مسلمة بن عبد الملك العراق وخراسان وعزله وولاية عمر بن هبيرة ~~قال : ولما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب ابن المهلب جمع له أخوه يزيد ~~PageV21P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" ولاية الكوفة والبصرة وخراسان ms4835 ، فأقر محمد بن ~~عمرو ابن الوليد على الكوفة ، وبعث إلى البصرة عبد الرحمن بن سليم الكلبي ، ~~وعلى شرطتها عمرو بن يزيد التميمي ، فأراد عبد الرحمن أن يستعرض أهل البصرة ~~ويقتلهم ، فنهاه عمرو واستمهله عشرة أيام ، وكتب إلى مسلمة بالخبر فعزله ، ~~واستعمل على البصرة عبد الملك بن بشر بن مروان ، واستعمل على خراسان سعيد ~~بن عبد العزيز ابن الحارث بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ، وهو الذي يقال ~~له سعيد خدينة ، وإنما لقب بذلك لأنه كان رجلا لينا متنعما ، فدخل عليه بعض ~~ملوك العجم وسعيد في ثياب مصبغة وحوله مرافق مصبغة ، فلما خرج من عنده ~~قالوا له : كيف رأيت الأمير . قال : خدينة . فلقب خدينة ، وهي الدهقانة ربة ~~البيت . وكان سعيد زوج ابنة مسلمة ، فلذلك استعمله ، فغزا سعيد الصغد كما ~~تقدم . قال : ولما ولي مسلمة العراق وخراسان لم يرفع من الخراج شيئا ، ~~فأراد يزيد عزله فاستحي من ذلك ، فكتب إليه أن استخلف على عملك ، وأقبل . ~~فلما قدم لقيه عمر بن هبيرة الفزاي بالطريق على دواب البريد ، فسأله عن ~~مقدمه ، فقال : وجهني أمير المؤمنين في حيازة أموال بني المهلب . ولم يكن ~~الأمر كذلك ، وإنما كان يزيد قد استعمله ، فلم يلبث حتى أتاه عزل ابن هبيرة ~~عماله والغلظة عليهم ، وكان ابن هبيرة قبل ذلك يلي الجزيرة . ذكر البيعة ~~لهشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد بولاية العهد وفي هذه السنة أراد يزيد ~~أن يأخذ البيعة لابنه الوليد ، فقال له مسلمة بن عبد الملك : إن ابنك لم ~~يبلغ الحلم ؛ وأشار عليه بالبيعة لهشام ، ففعل ، وبايع لهشام بولاية العهد ~~، ثم من بعده لابنه الوليد بن يزيد ، وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة ، ثم عاش ~~يزيد حتى بلغ ابنه الوليد الحلم ، فكان يزيد إذا رآه يقول : الله بيني وبين ~~من جعل هشاما بيني وبينك . ذكر مقتل يزيد بن أبي مسلم كان يزيد بن عبد ~~الملك قد استعمل يزيد بن أبي مسلم على إفريقية في سنة 1 إحدى ومائة ، فقتل ~~في هذه السنة . وكان سبب قتله أنه أراد ms4836 أن يسر في أهل إفريقية بسيرة الحجاج ~~في أهل PageV21P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن كان أصله من ~~السواد من أهل الذمة ، فإنه ردهم إلى قراهم ، ووضع عليهم الجزية على ما ~~كانوا عليه قبل الإسلام . فلما عزم يزيد بن مسلم على ذلك اجتمع رأي أهل ~~إفريقية على قتله ، فقتلوه وولوا عليهم الوالي الذي كان قبله ، وهو محمد بن ~~يزيد مولى الأنصار ، وكتبوا إلى يزيد ابن عبد الملك : إنا لم نخلع أيدينا ~~من طاعة ، ولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضاه الله والمسلمون ، ~~فقتلناه ، وأعدنا عاملك . فكتب إليهم : إنه لم يرض بما صنع . وأقر محمد بن ~~يزيد على عمله . وحج بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك ، وهو عامل ~~المدينة . سنة 1 ثلاث ومائة : ذكر استعمال سعيد الحرشي على خراسان وعزل ~~سعيد خدينة عنها في هذه السنة عزل عمر بن هبيرة سعيد خدينة عن خراسان بشكوى ~~المجشر بن مزاحم السلمي ، وعبد الله بن عمير الليثي ، واستعمل سعيد بن عمرو ~~الحرشي ، من بني الحريش بن كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة ، وكان خدينة ~~بباب سمرقند ، فبلغه عزله فرجع وقدم الحرشي خراسان فلم يعرض لعمال خدينة ، ~~وقرأ رجل عهده فلحن فيه ، فقال : صه ؛ مهما سمعتم فهو من الكاتب ، والأمير ~~منه بريء . وخطب الناس وحثهم على الجهاد ، وقال : إنكم لا تقاتلون بكثرة ~~ولا بعدة ، ولكن بنصر الله وعز الإسلام ، فقولوا : لا حول ولا قوة إلا ~~بالله . وقال : فلست لعامر إن لم تروني . . . أمام الخيل أطعن بالعوالي ~~وأضرب هامة الجبار منهم . . . بعضب الحد حودث بالصقال فما أنا في الحروب ~~بمستكين . . . ولا أخشى مصاولة الرجال أبى لي والدي من كل ذم . . . وخالي ~~في الحوادث غير خالي فهابه الصغد ، وكان من قتاله إياهم وقتلهم ما ذكرناه . ~~PageV21P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" ولما ظفر بهم كتب إلى يزيد بن عبد الملك ولم ~~يكتب إلى ابن هبيرة فوجد عليه . وفيها جمعت مكة والمدينة لعبد الرحمن بن ~~الضحاك ، وولي عبد الواحد ابن عبد الله النضري الطائف ms4837 . سنة 1 أربع ومائة : ~~ذكر عزل عبد الرحمن بن الضحاك عن مكة والمدينة وولاية عبد الواحد وفي هذه ~~السنة عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك عن مكة والمدينة . وسبب ~~ذلك أن عبد الرحمن خطب فاطمة بنت الحسين بن علي رضي الله عنهما ، فقالت : ~~ما أريد النكاح ، ولقد قعدت على بني هؤلاء ، فألح عليها ، وقال : لئن لم ~~تفعلي لأجلدن أكبر بنيك في الخمر ، يعني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ~~، وكان على الديوان بالمدينة ابن هرمز رجل من أهل الشام ، وقد رفع حسابه ، ~~وهو يريد أن يسير إلى يزيد ، فدخل على فاطمة يودعها ، فقالت : تخبر أمير ~~المؤمنين بما ألقى من الضحاك . وبعثت رسولا بكتاب إلى يزيد يخبره بذلك . ~~فقدم ابن هرمز على يزيد ، فاستخبره عن المدينة ، وقال : هل من مغربة خبر ؟ ~~فلم يذكر شأن فاطمة ، فقال الحاجب ليزيد : بالباب رسول من فاطمة بنت الحسين ~~. فقال ابن هرمز : إنها حملتني رسالة ؛ وأخبره الخبر ، فنزل عن فراشه ، ~~وقال : لا أم لك عندك هذا وما تخبر نيه فاعتذر بالنسيان ، فأذن لرسولها ، ~~فأدخل ، وقرأ كتابها ، وجعل يضرب بخيزران في يده ، ويقول : لقد اجترأ ابن ~~الضحاك ، هل من رجل يسمعني صوته في العذاب ؟ قيل له : عبد الواحد بن عبد ~~الله النضري . فكتب إليه بيده : قد وليتك المدينة ، فاهبط إليها ، واعزل ~~عنها ابن الضحاك ، وأغرمه أربعين ألف دينار ، وعذبه حتى أسمع صوته ، وأنا ~~على فراشي . PageV21P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" وسار البريد بالكتاب ، ولم يدخل على ابن ~~الضحاك ، فأحس وأحضر البريد ، وأعطاه ألف دينار ليخبره الخبر ، فأخبره ، ~~فسار ابن الضحاك مجدا فنزل على مسلمة بن عبد الملك ، فاستجار به ، فحضر ~~مسلمة عند يزيد ، فطلب إليه حاجة جاء لها ، فقال : كل حاجة هي لك إلا ابن ~~الضحاك . فقال : هي والله ابن الضحاك . فقال : والله لا أعفيه أبدا . ورده ~~إلى عبد الواحد بالمدينة فعذبه ، ولبس جبة صوف ، فسأل الناس . وكان قدوم ~~النضري في شوال سنة 1 أربع ومائة ، فأحسن السيرة في الناس ، وكان ابن ~~الضحاك قد ms4838 آذى الأنصار طرا ، فأعفاهم الله منه . وفيها عزل عمر بن هبيرة ~~سعيدا الحرشي عن خراسان وولاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي ، ~~وسبب ذلك أن الحرشي كان يستخف بابن هبيرة فعزله وعذبه حتى أدى الأموال . ~~وحج بالناس في هذه السنة عبد الواحد النضري . سنة 1 خمس ومائة : ذكر أخبار ~~الخوارج في أيام يزيد بن عبد الملك وهؤلاء الخوارج الذين نذكرهم ذكرهم ابن ~~الأثير في حوادث هذه السنة ، ولم يذكر أنهم خرجوا فيها ، فقال : وفي أيام ~~يزيد خرج حروري اسمه عقفان في ثلاثين رجلا ، فأراد يزيد أن يرسل إليه جندا ~~يقاتلونه ، فقيل له : إن قتل بهذه البلاد اتخذها الخوارج دار هجرة ، والرأي ~~أن تبعث إلى كل رجل من أصحابه رجلا من قومه يكلمه ويرده . ففعل ذلك ، ~~فرجعوا وبقي عقفان وحده ، فبعث إليه يزيد أخاه فاستعطفه ورده . فلما ولي ~~هشام بن عبد الملك ولاه أمر العصاة ، فقدم ابنه من خراسان عاصيا ، فشده ~~وثاقا ، وبعث به إلى هشام ، فأطلقه لأبيه ، وقال : لو خاننا عقفان لكتم أمر ~~ابنه ، واستعمل عقفان على الصدقة فبقي إلى أن توفي هشام . وخرج مسعود بن ~~أبي زينب العبدي بالبحرين على الأشعث ابن عبد الله بن الجارود ، ففارق ~~الأشعث البحرين ، وسار مسعود إلى اليمامة وعليها سفيان بن عمرو العقيلي من ~~قبل ابن هبيرة ، فخرج إليه سفيان فاقتتلوا بالخضرمة قتالا شديدا ، فقتل ~~مسعود ، وقام بأمر الخوارج بعده هلال بن مدلج ، فقاتلهم يومه كله ، فلما ~~أمسى تفرق PageV21P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" عنه أصحابه ، وبقي في نفر يسير ، فدخل قصرا ~~فتحصن به ، فنصبوا عليه السلاليم ، وصعدوا إليه فقتلوه . وقيل : إن مسعودا ~~غلب على البحرين واليمامة تسع عشرة سنة حتى قتله سفيان بن عمرو . والله ~~أعلم . وخرج مصعب بن محمد الوالبي ، وكان من رؤساء الخوارج ، فطلبه عمر بن ~~هبيرة ، وطلب معه مالك بن الصعب وجابر بن سعد ، فخرجوا واجتمعوا بالخورنق ، ~~وأمروا عليهم مصعبا ، فاستمر إلى أن ولي خالد القسري العراق في أيام هشام ، ~~فبعث إليهم جيشا ، وكانوا قد صاروا بحزة من أعمال الموصل ms4839 ، فالتقوا ~~واقتتلوا ، فقتل الخوارج . وقيل : كان قتلهم في أيام يزيد . والله أعلم . ~~ذكر وفاة يزيد بن عبد الملك وشيء من أخباره كانت وفاته بحوران لخمس بقين من ~~شعبان سنة 105 خمس ومائة ، وله أربعون سنة . وقيل خمس وثلاثون . وقيل : غير ~~ذلك . وكانت خلافته أربع سنين وشهرا . وكان جميلا أبيض جسيما مدور الوجه ~~شديد الكبر عاجز الرأي ، وكان صاحب لهو ، وهو أول من اتخذ القيان من بني ~~أمية ، وكان يهوى جاريتين ، وهما حبابة وسلامة ، وهي سلامة القس ، وقال ~~يوما - وقد طرب : دعوني أطير . فقالت حبابة : على من تدع الأمة ؟ فقال : ~~عليك . وغنت يوما : بين التراقي واللهاة حرارة . . . ما تطمئن وما تسوغ ~~فتبرد فأهوى ليطير ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، إن لنا فيك حاجة . فقال : ~~والله لأطيرن . فقالت : فعلى من تخلف الأمة والملك ؟ فقال : عليك والله . ~~وقبل يدها . PageV21P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" وخرجت معه إلى ناحية الأردن للتنزه فرماها ~~بحبة عنب فدخلت حلقها فشرقت ومرضت وماتت ، فتركها ثلاثة أيام لا يدفنها حتى ~~أنتنت ، وهو يقبلها ويشمها وينظر إليها ويبكي ، فكلم في أمرها فدفنها . ~~وقيل : إنه نبشها بعد دفنها ، وبقي سبعة أيام لا يظهر للناس ، وأشار عليه ~~مسلمة بذلك لئلا يظهر منه ما يسفهه عندهم . قال : وكان يزيد قد حج أيام ~~أخيه سليما ، فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار ، وكان اسمها الغالية ، فقال ~~سليمان : لقد هممت أن أحجر على يزيد . فردها يزيد فاشتراها رجل من أهل مصر ~~، فلما أفضت الخلافة إلى يزيد قالت له امرأته سعدة يوما : هل بقي من الدنيا ~~شيء تتمناه ؟ قال : نعم ، حبابة ، فأرسلت فاشترتها ، وأتت بها فأجلستها من ~~وراء الستر ، وأعادت عليه القول الأول . فقال : قد أعلمتك ، فرفعت الستر ، ~~وقالت : هذه حبابة ، وقامت وتركتها ، فحظيت سعدة عنده ، وأكرمها . وهي سعدة ~~بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان . قال : وإنما قيل لسلامة القس ، ~~لأن عبد الرحمن بن عبد الله ابن أبي عمار أحد بني جشم بن معاوية بن بكر كان ~~فقيها عابدا مجتهدا في العبادة ، وكان يسمى القس لعبادته . مر يوما ms4840 بمنزل ~~مولاها ، فسمع غناءها ، فوقف يسمعه فرآه مولاها ، فقال له : هل لك أن تنظر ~~وتسمع فأبى ، فقال : أنا أقعدها بمكان لا تراها وتسمع غناءها . فدخل معه ~~فغنت ، فأعجبه غناؤها . ثم أخرجها مولاها إليه فشغف بها وأحبها وأحبته . ~~فقالت له يوما على خلوة : أنا والله أحبك . قال : وأنا والله . قالت : وأحب ~~أن أقبلك . قال : وأنا والله . قالت : وأحب أن أضع بطني على بطنك . قال : ~~وأنا والله . قالت : فما يمنعك ؟ قال : قوله تعالى : " الإخلاء يومئذ بعضهم ~~لبعض عدو إلا المتقين " . وأنا أكره أن تئول خلتنا إلى عداوة ، ثم قام ~~وانصرف عنها وعاد إلى عبادته . وله فيها أشعار كثيرة منها قوله : ألم ترها ~~لا يبعد الله دارها . . . إذا طربت في صوتها كيف تصنع تمد نظام القول ثم ~~ترده . . . إلى صلصل من صوتها يترجع وله فيها غير ذلك . وأما يزيد فأخباره ~~مع سلامة وحبابة كثيرة مشهورة أضربنا عن ذكر كثير منها . PageV21P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" فلنذكر خلاف ذلك من أخباره : وكان له من ~~الأولاد الذكور ثمانية ، منهم عبد الله ، والوليد . كتابه : عمر بن هبيرة ، ~~ثم إبراهيم بن جبلة ، ثم أسامة بن زيد السليحي . قاضيه : عبد الرحمن بن ~~الحسحاس وغيره . حجا به : سعيد وخالد مولياه . نقش خاتمه : قنى السيئات يا ~~عزيز . الأمير بمصر : بشر بن صفوان . وأقر أبا مسعود على القضاء ، ثم ولي ~~إمارة مصر حنظلة بن صفوان أخا بشر ، وسار بشر إلى إفريقية . وولي مصر أيضا ~~في خلافته أسامة ابن زيد ، والله أعلم . ذكر بيعة هشام بن عبد الملك هو أبو ~~الوليد هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ، وأمه أم هشام فاطمة ، وقيل : ~~عائشة بنت هشام المخزومي ، وهو العاشر من ملوك بني أمية . بويع له لخمس ~~بقين من شعبان سنة 1 خمس ومائة بعد وفاة أخيه . أتته الخلافة وهو بالرصافة ~~، فجاءه البريد بالخاتم والقضيب وسلم عليه بالخلافة ، فركب منها ، حتى أتى ~~دمشق ، وكان من أول ما ابتدأ به أن عزل عمر بن هبيرة عن العراق ، واستعمل ~~خالد بن عبد الله القسري ، وذلك في ms4841 شوال من السنة . ولنبدأ بذكر الغزوات ~~والفتوحات في أيامه : ذكر الغزوات والفتوحات في أيام هشام بن عبد الملك على ~~حكم السنين في سنة 1 خمس ومائة غزا الجراح الحكمي اللان حتى جاز ذلك إلى ~~مدائن وحصون وراء بلنجر ، ففتح بعض ذلك وأصاب غنائم كثيرة . PageV21P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" وغزا سعيد بن عبد الملك أرض الروم ، فبعث ~~سرية في نحو ألف مقاتل فأصيبوا جميعا . وغزا مسيلم بن سعيد الكلابي أمير ~~خراسان الترك بما وراء النهر فلم يفتح شيئا ، وقفل فاتبعه الترك فلحقوه ، ~~والناس يعبرون جيحون ، وعلى اساقة عبيد الله بن زهير بن حيان على خير تميم ~~، فحاموا حتى عبر الناس . وغزا مسلم أفشين ، فصالح أهلها على ستة آلاف رأس ~~، ودفع إليه القلعة . وغزا مروان بن محمد الصائفة اليمنى ، فافتتح قونية من ~~أرض الروم ، وكمخ . والله سبحانه وتعالى أعلم . ذكر غزوة مسلم الترك وفي ~~سنة 1 ست ومائة غزا مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الترك ، فقطع النهر ، ~~فلما بلغ بخارى أتاه كتاب خالد القسري بولايته العراق ، ويأمره بإتمام ~~غزاته ، فسار إلى فرغانة ، فلما وصلها بلغه أن خاقان قد أقبل إليه ، فارتحل ~~، فسار ثلاث مراحل في يوم ، وأقبل إليهم خاقان ، فلقى طائفة من المسلمين ، ~~فقتل جماعة منهم ، وأصاب دواب لمسلم ، ورحل مسلم بالناس ، فسار ثمانية أيام ~~والترك يطيفون بهم ، وأحرق الناس ما ثقل عليهم من أثقالهم ، فحرقوا ما ~~قيمته ألف ألف ، ونزل مسلم في الليلة التاسعة ، وأصبح فسار فورد النهر ~~وأقام يوما ثم قطعه من الغد ، واتبعهم ابن لخاقان ، فعطف حميد ابن عبد الله ~~وهو على الساقة على طائفة من الترك نحو المائتين فقاتلهم ، فأسر أهل الصغد ~~وقائدهم وقائد الترك في سبعة ، ومضى البقية . ورجع حميد فرمى بنشابة في ~~ركبته فمات . وعطش الناس في هذه الغزوة عطشا شديدا وأتوا خجندة وقد أصابتهم ~~مجاعة وجهد ، فانتشر الناس . وجاء عبد الرحمن بن نعيم عهده على خراسان من ~~قبل أسد بن عبد الله أخي خالد القسري ، فأقرأه عبد الرحمن مسلما ، فقال : ~~سمعا وطاعة . قال بعض ms4842 من شهد هذه الغزوة ، قاتلنا الترك فأحاطوا بنا حتى ~~أيقنا بالهلاك ، فحمل حوثرة بن يزيد بن الحر بن الحنيف على الترك في أربعة ~~آلاف ، فقاتلهم ساعة . PageV21P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" ثم رجع ، وأقبل نصر بن سيرا في ثلاثين فارسا ~~فقاتلهم حتى أزالهم عن مواقفهم ، وحمل عليهم الناس ؛ فانهزم الترك ، وقف ~~عبد الرحمن بالناس ومعه مسلم . وغزا سعيد بن عبد الملك الصائفة في هذه ~~السنة . وغزا الجراح بن عبد الله اللان ، فصالح أهلها وأدوا الجزية . ذكر ~~غزاة عنبسة الفرنج بالأندلس وفي سنة 1 سبع ومائة غزا عنبسة بن سحيم الكلبي ~~عامل الأندلس بلد الفرنج في جمع كثير ، فنازل مدينة برشلونه ، وحصر أهلها ، ~~فصالحوه على نصف أعمالها ، وعلى جميع ما في المدينة من أسرى المسلمين ~~وأسلابهم ، وأن يعطوا الجزية ويلتزموا بأحكام الذمة . وفيها غزا أسد بن عبد ~~الله أمير خراسان الغور ؛ وهي جبال هراة ، فعمد أهلها إلى أثقالهم فصيروها ~~في كهف ليس إليه طريق ، فأمر أسد باتخاذ توابيت ، ووضع فيها الرجال ، ~~ودلاها بالسلاسل فاستخرجوا ما قدروا عليه . وفيها غزا الحارث بن عمرو ~~الطائي الترك من جهة أرمينية فافتتح رستاقا من بلد الترك وقرى كثيرة وأثر ~~أثرا حسنا . وفي سنة 1 ثمان ومائة قطع أسد بن عبد الله النهر ، وأتاه خاقان ~~، فلم يكن بينهما قتال ، ثم مضى أسد إلى غوريان ، فقاتلهم يوما ، ثم ~~اقتتلوا من الغد فانهزم المشركون ، وحوى المسلمون عسكرهم ، وظهروا على ~~البلاد ، وأسروا وسبوا وغنموا . وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الروم مما ~~يلي الجزيرة ففتح قيساية ، وهي مدينة مشهورة . وغزا إبراهيم بن هشام ففتح ~~حصنا من حصون الروم . وفيها سار ابن خاقان ملك الترك إلى أذربيجان ، فحصر ~~بعض مدنها ، فسار إليه الحارث بن عمرو الطائي ، فالتقوا واقتتلوا فانهزم ~~الترك وتبعهم الحارث حتى عبر نهر روس ، فعاد إليه ابن خاقان فعاودوا الحرب ~~أيضا ، فانهزم ابن خاقان ، وقتل من الترك خلق كثير . PageV21P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" وغزا معاوية بن هشام بن عبد الملك ومعه ميمون ~~بن مهران على أهل الشام فقطعوا البحر إلى قبرس ms4843 . وغزا البر مسلمة بن عبد ~~الملك بن مروان . وفي سنة تسع ومائة غزا عبد الله بن عقبة الفهري في البحر ~~، وغزا معاوية بن هشام أرض الروم ، ففتح حصنا يقال له طيبة ، وغزا مسلمة بن ~~عبد الملك الترك من ناحية أذربيجان فغنم وسبى وعاد . وغزا بشر بن صفوان ~~عامل إفريقية جزيرة صقلية ، فغنم شيئا كثيرا ، ثم رجع إلى القيروان فتوفى ~~من سنته . واستعمل هشام عبيدة بن عبد الرحمن بن أبي الأغر السلمي . ذكر خبر ~~أشرس بن عبد الله السلمي أمير خراسان وأهل سمرقند وغيرها بما وراء النهر ~~وما يتصل بذلك من الحروب في سنة 110 عشرة ومائة أرسل أشرس إلى أهل سمرقند ~~وغيرها مما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام ، على أن توضع عنهم الجزية ، ~~وأرسل في ذلك أبا الصيداء صالح بن طريق مولى بني ضبة والربيع بن عمران ~~التميمي ، فقال أبو الصيداء : إنما أخرج على شريطة أنه من أسلم لا يؤخذ منه ~~الجزية ، وإنما خراج خراسان على رؤوس الرجال . فقال أشرس : نعم . فشخص إلى ~~سمرقند وعليها الحسن بن أبي العمرطة الكندي ، فدعا أبو الصيداء أهل سمرقند ~~ومن حولها إلى الإسلام ، على أن توضع عنهم الجزية ، فسارع الناس إلى ~~الإسلام ، فكتب إلى أشرس : إن الخراج قد انكسر . فكتب أشرس إلى ابن أبي ~~العمرطة : إن في الخراج قوة للمسلمين ، وقد بلغني أن أهل الصغد وأشباههم ~~إنما أسلموا تعوذا من الجزية ، فانظر من اختتن وأقام الفرائض ، وقرأ سورة ~~من القرآن فارفع خراجه ، ثم عزل أشرس ابن أبي العمرطة عن الخراج ، وصيره ~~إلى هانيء بن هانيء ، فمنعهم أبو الصيداء من أخذ الجزية ممن تلفظ بالإسلام ~~، وكتب هانيء إلى أشرس : إن الناس قد أسلموا وبنوا المساجد . فكتب أشرس ~~إليه وإلى العمال : خذوا الخراج ممن كنتم تأخذونه عنه ، فأعادوا الجزية على ~~من أسلم ، فامتنعوا ، واعتزلوا في سبعة آلاف على عدة فراسخ من سمرقند ، ~~وخرج إليهم أبو الصيداء وربيع بن عمران ، والهيثم الشيباني ، وأبو فاطمة ~~PageV21P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" الأزدي ، وعامر بن قشير ، وبشير الخجندي ، ~~وبيان العنبري ، وإسماعيل بن ms4844 عقبة لينصروهم ، فعزل أشرس ابن أبي العمرطة عن ~~الحرب ، واستعمل مكانه المجشر بن مزاحم السلمي ؛ فكتب المجشر إلى أبي ~~الصيداء في القدوم عليه هو وأصحابه ، فقدم أبو الصيداء وثابت قطنة فحبسهما ~~، واجتمع أصحاب أبي الصيداء وولوا أمرهم أبا فاطمة ليقاتلوا هانئا ، فقال ~~لهم : كفوا حتى نكتب إلى أشرس . فكتبوا إليه ، فكتب أشرس : ضعوا عنهم ~~الخراج . فرجع أصحاب أبي الصيداء وضعف أمرهم ، فتتبع الرؤساء فأخذوا وحملوا ~~إلى مرو . وألح هانيء في الخراج ، واستخفوا بعظماء العجم والدهاقين ، ~~وأخذوا الجزية ممن أسلم ، فكفرت الصغد وبخارى ، واستجاشوا الترك ، وخرج ~~أشرس غازيا ، فنزل آمل ، فأقام ثلاثة أشهر . وقدم قطن بن قتيبة بن مسلم ، ~~فعبر النهر في عشرة آلاف ، وأقبل أهل الصغد وبخارى معهم خاقان والترك ، ~~فحصروا قطنا في خندقه ، وأرسل خاقان من أغار على سرح الناس ، فأخرج أشرس ~~ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود ، فوجهه مع عبد الله بن بسطام ~~في خيل ، فقاتلوا الترك بآمل حتى استنقذوا ما كان بأيديهم ، ورجع الترك . ~~ثم عبر أشرس بالناس إلى قطن ، وبعث سرية مع مسعود أحد بني حيان ، فلقيهم ~~العدو فقاتلوهم ، فقتل رجال من المسلمين ، وهزم مسعود . فرجع إلى أشرس . ~~وأقبل العدو ، فلقيه المسلمون فجالوا جولة ، فقتل رجال من المسلمين . ثم ~~رجع المسلمون فصبروا ، فهزم الله المشركين ، وسار أشرس بالناس حتى نزل ~~بيكند ، فقطع عنهم العدو الماء ، وأقام المسلمون يوما وليلة ، وعطشوا ؛ ~~فرحلوا إلى المدينة التي قطع العدو بها الماء ، وعلى المقدمة قطن بن قتيبة ~~، فلقيهم العدو ، فقاتلوهم ، فجهدوا من العطش ، فمات منهم سبعمائة ، وعجز ~~الناس عن القتال ؛ فقال الحارث بن سريج للناس : القتل بالسيف أكرم في ~~الدنيا وأعظم أجرا عند الله من الموت عطشا ، وتقدم هو وقطن في فوارس من ~~تميم فقاتلوا حتى أزالوا الترك عن الماء ، فشرب الناس واستقوا ، ثم قاتلوا ~~الترك قتالا شديدا ، فقتل ثابت قطنة في جماعة من المسلمين بعد أن أبلوا ~~أعظم بلاء وأحسنه . PageV21P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" ثم اجتمع رجال من المسلمين تبايعوا على الموت ~~مع قطن بن قتيبة ، وحملوا ms4845 على العدو فقاتلوهم فكشفوهم ، وركبهم المسلمون ~~يقتلونهم حتى حجز بينهم الليل ، وتفرق العدو ، وأتى أشرس بخارى ، فحصر ~~أهلها فعزل وهو يحاصرها بالجنيد بن عبد الرحمن على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى . ذكر وقعة كمرجة قال : ثم إن خاقان حصر كمرجة ، وهي من أعظم بلدان ~~خراسان ، وبها جمع من المسلمين ، ومع خاقان أهل فرغانه وأفشينة ، ونسف ، ~~وطوائف من أهل بخارى ، فأغلق المسلمون الباب ، وقطعوا القنطرة التي على ~~الخندق ، فأتاهم ابن خسرو بن يزدجرد ، فقال : يا معشر العرب ، لم تقتلون ~~أنفسكم ؟ أنا الذي جئت بخاقان ليرد على مملكتي ، وأنا آخذ لكم الأمان ، ~~فشتموه ، وأتاهم بازغري ، فقال : إن خاقان يقول لكم : إني أجعل من عطاؤه ~~منكم ستمائة ألفا ، ومن عطاؤه ثلاثمائة ستمائة ، ويحسن إليكم وتكونون معه ، ~~فأبوا ذلك ، فأمر خاقان بجمع الحطب الرطب ، وأن يلقى في الخندق ليعبروا ~~عليه . فجمع في سبعة أيام ، فكانوا يلقون الحطب الرطب ، ويلقى المسلمون ~~الحطب اليابس حتى سوى الخندق بالأرض ؛ فأشعل المسلمون فيه النيران ، وهاجت ~~ريح شديدة ، فاحترق الحطب الذي جمع في سبعة أيام في ساعة واحدة ، ثم فرق ~~خاقان على الترك أغناما ، وأمرهم أن يأكلوها ويحشوا جلودها ترابا ، ويلقوها ~~في الخندق ، ففعلوا ذلك ، فأرسل الله تعالى مطرا شديدا ، فاحتمل السيل ما ~~في الخندق ، وألقاه في النهر الأعظم . ورماهم المسلمون بالسهام فقتل بازغرى ~~وكان داهية ، وكان خاقان لا يخالفه ؛ ففرح المسلمون بقتله ، وكان عند ~~المشركين مائة من أسرى المسلمين فيهم أبو الحوجاء العتكي والحجاج ابن حميد ~~النضري ، وكان عند المسلمين مائتان من أولاد المشركين رهائن فقتلوهم ، ~~واستماتوا واشتد القتال . ثم وقع الاتفاق بينهم وبين الترك على أن خاقان ~~يرحل عن كمرجة ، ويرحلوا هم عنها أيضا إلى سمرقند والدبوسية ، فأجاب أهل ~~كمرجة إلى ذلك ، وأخذ كل منهم من الطائفتين رهائن من الأخرى على الوفاء ، ~~وارتحل خاقان ، ثم رحلوا بعده ، PageV21P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" وسير معه كور صول التركي ليمنعهم ممن يتعرض ~~إليهم من الترك ، فلما انتهوا إلى الدبوسية ، وكان بها عشرة آلاف مقاتل من ~~المسلمين ، أمنوا وأطلق كل من ms4846 الطائفتين ما بيدهم من الرهائن ، وكانت مدة ~~حصار كمرجة ثمانية وخمسين يوما ، فيقال : إنهم لم يسقوا إبلهم خمسة وثلاثين ~~يوما . وفي هذه السنة ارتد أهل كردر ، فأرسل إليهم أشرس جندا فظفروا بهم . ~~وغزا مسلمة الترك من نحو باب اللان ، فلقى خاقان في جموعه ، فاقتتلوا قريبا ~~من شهر ، وأصابهم مطر شديد ، فانهزم خاقان ورجع مسلمة . وغزا معاوية الروم ~~ففتح صلم . وغزا الصائفة عبد الله بن عقبة الفهري . ذكر عزل أشرس عن خراسان ~~واستعمال الجنيد بن عبد الرحمن ، وقتاله الترك وفي سنة 1 إحدى عشرة ومائة ~~عزل هشام بن عبد الملك أشرس بن عبد الله عن خراسان ، واستعمل الجنيد بن عبد ~~الرحمن ابن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة المري ، وحمله ~~على ثمانية من البريد ، فقدم خراسان في خمسمائة ، وسار إلى ما وراء النهر ، ~~وسار معه الخطاب بن محرز السلمي خليفة أشرس بخراسان ، فقطعا النهر ، وأرسل ~~الجنيد إلى أشرس ، وهو يقاتل أهل بخارى والصغد : أن أمدني بخيل . وخاف أن ~~يقطع دونه ، فوجه إليه أشرس عامر بن مالك الحماني ، فلما كان عامر ببعض ~~الطريق عرض له الترك والصغد ، فدخل حائطا حصينا ، وقاتلهم على الثلمة ، ~~وكان معه ورد بن زياد بن أدهم بن كلثوم وواصل بن عمرو القيسي ، فخرج واصل ~~وعاصم بن عمير السمرقندي وغيرهما ، فاستداروا خلف الترك فلم يشعر خاقان إلا ~~والتكبير من ورائه ، وحمل المسلمون على الترك ، فقاتلوهم ، وقتلوا عظيما من ~~عظماء الترك ، فانهزم الترك ، وسار عامر حتى لقى الجنيد ، وأقبل معه وعلى ~~مقدمة الجنيد عمارة ابن خريم ، فلما صار على فرسخين من بيكند تلقته خيل ~~الترك ، فقاتلوهم ، فكاد الجنيد يهلك هو ومن معه ، ثم أظهره الله ، وسار ~~حتى قدم العسكر ، PageV21P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" وظفر الجنيد ، وقتل من الترك ، ثم زحف إليه ~~خاقان ، فالتقوا دون زرمان من بلاد سمرقند ، وقطن بن قتيبة على ساقة الجنيد ~~، فأسر الجنيد ابن أخي خاقان ، فبعث به إلى هشام ، ورجع الجنيد بالظفر إلى ~~مرو . وفيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى ، وغزا سعيد ms4847 بن هشام ~~الصائفة اليمنى ، حتى أتى قيسارية . وغزا عبد الله بن أبي مريم البحر . ~~وفيها سارت الترك إلى أذربيجان ، فلقيهم الحارث بن عمرو ، فهزمهم . وفيها ~~استعمل هشام الجراح بن عبد الله الحكمي على أرمينية ، وعزل أخاه مسلمة ، ~~فدخل بلاد الخزر من ناحية تفليس ، ففتح مدينتهم البيضاء ، وانصرف سالما . ~~ذكر مقتل الجراح بن عبد الله الحكمي وولاية سعيد الحرشي وحروبه مع الخزر ~~والترك ، وما افتتحه من البلاد وفي سنة 1 ثنتي عشرة ومائة قتل الجراح بن ~~عبد الله الحكمي . وسبب ذلك أنه لما هزم الخزر اجتمعوا هم والترك من ناحية ~~اللان ، فلقيهم الجراح فيمن معه من أهل الشام ، فاقتتلوا أشد قتال رآه ~~الناس ، وتكاثر الخزر والترك على المسلمين ، فاستشهد الجراح ومن معه بمرج ~~أردبيل ، فلما قتل طمع الخزر وأوغلوا في البلاد حتى قاربوا الموصل ، وعظم ~~الخطب على المسلمين . فبلغ الخبر هشام بن عبد الملك ، فاستشار سعيدا الحرشي ~~، فقال : أرى أن تبعثني على أربعين دابة من دواب البريد ، ثم تبعث إلي كل ~~يوم بأربعين رجلا ، واكتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوني . ففعل ذلك ، وسار ~~الحرشي وهو لا يمر بمدينة إلا استنهض أهلها ، فيجيبه من يريد الجهاد . ~~PageV21P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" ولم يزل كذلك حتى وصل إلى مدينة أرزن ، فلقيه ~~جماعة من أصحاب الجراح ، فردهم معه ، وسار فبلغ خلاط ، فحاصرها أياما ~~وفتحها ، وقسم غنائمها في أصحابه ، ثم سار عنها وفتح الحصون والقلاع شيئا ~~بعد شيء حتى أتى بردعة ، وكان ابن خاقان يومئذ بأذربيجان يغير وينهب ويسبي ~~ويقتل ، وهو يحاصر مدينة ورثان ، فأرسل الحرشي رجلا من أصحابه إلى أهلها ~~يعرفهم وصوله ، ويأمرهم بالصبر ، فسار ولقيه بعض الخزر ، فأخذوه وسألوه عن ~~الخبر ، فأخبرهم وصدقهم ، فقالوا له : إن فعلت ما نأمرك به أحسنا إليك ، ~~وأطلقناك ، وإلا قتلناك . قال : فما الذي تريدون ؟ قالوا : تقول لأهل ورثان ~~: إنكم ليس لكم مدد ، ولا من يكشف ما بكم ، وتأمرهم بتسليم البلد إلينا . ~~فأجابهم إلى ذلك . فلما قارب المدينة وقف بحيث يسمع أهلها كلامه ، فقال لهم ~~: أتعرفوني ؟ قالوا : نعم ، أنت فلان ، قال ms4848 : فإن الحرشي قد وصل إلى مكان ~~كذا في عساكر كثيرة ، وهو يأمركم بحفظ البلد ، والصبر ، ففي هذين اليومين ~~يصل إليكم . فرفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير ، وقتلت الخزر ذلك الرجل ، ~~ورحلوا عن مدينة ورثان ، ووصلها الحرشي ، وقد ارتحل الخزر إلى أردبيل ، ~~فسبقهم إليها ، فساروا عنها ، ونزل سعيد باجروان ، فأتاه فارس على فرس أبيض ~~، فقال له : أيها الأمير ، هل لك في الجهاد والغنيمة ؟ قال : وكيف لي بذلك ~~؟ قال : هذا عسكر الخزر في عشرة آلاف ، ومعهم خمسة آلاف بنت من المسلمين ~~أسارى وسبايا ، وهم على أربعة فراسخ . فسار الحرشي إليهم ليلا ، فوافاهم ~~آخر الليل ، وهم نيام ، فكبسهم مع الفجر ، ووضع المسلمون فيهم السيف ، فما ~~بزغت الشمس حتى قتلوا عن آخرهم غير رجل واحد . PageV21P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" ثم أتاه ذلك الفارس الذي أتاه أولا وقال له : ~~هذا جيش الخزر ومعهم أموال المسلمين وأولادهم ، وحرم الجراح وأولاده ، وهم ~~بمكان كذا ؛ فسار الحرشي إليهم ، فما شعروا إلا والمسلمون معهم ، فوضعوا ~~فيهم السيف فقتلوهم كيف شاؤوا ، ولم يفلت من الخزر إلا الشريد ، واستنقذوا ~~من معهم ، وغنموا أموال الخزر ، وحمل الأسارى إلى باجروان . وبلغ الخبر ابن ~~ملك الخزر ، فجمع أصحابه من نواحي أذربيجان ، فاجتمع له عساكر كثيرة ، ~~فحرضهم ، وسار نحو الحرشي ، وسار الحرشي إليه ، فالتقيا بزرند ، واقتتلوا ~~أشد قتال ، فانحاز المسلمون يسيرا ثم عادوا إلى القتال ، فاشتدت نكايتهم في ~~العدو ، فهزموهم ، وتبعهم المسلمون حتى بلغوا بهم نهر أوس ، وعادوا عنهم ~~وحووا ما في عسكرهم من الأموال والغنائم ، وأطلقوا الأسارى والسبايا ، ~~وحملوا الجميع إلى باجروان ، ثم جمع ابن ملك الخزر من لحق به من عساكره ، ~~وعاد بهم نحو الحرشي ، فنزل على نهر البيلقان ، فسار الحرشي نحوه ؛ فوافاهم ~~هناك ، والتقوا ، فكانت الهزيمة على الخزر ، فكان من غرق منهم أكثر ممن قتل ~~، وجمع الحرشي الغنائم ، وعاد إلى باجروان وكتب إلى هشام بالفتح ، وأرسل ~~إليه الخمس . فكتب إليه هشام يشكره ، ويثنى عليه ، ويأمره بالمسير إليه ، ~~واستعمل هشام أخاه مسلمة على أرمينية وأذربيجان ، فوصل إلى البلاد ، وسار ~~إلى الترك حتى جاز البلاد في آثارهم ms4849 . ذكر وقعة الجنيد بالشعب وفي سنة 1 ~~ثنتي عشرة ومائة أيضا خرج الجنيد أمير خراسان غازيا يريد طخارستان ؛ فوجه ~~عمارة بن خريم إلى طخارستان في ثمانية عشر ألفا ، ووجه إبراهيم بن بسام ~~الليثي في عشرة آلاف إلى وجه آخر ، وجاشت الترك فأتوا سمرقند ، وعليها سورة ~~بن الحر ؛ فكتب إلى الجنيد أن خاقان جاش بالترك ، فخرجت إليهم ، فلم أطق أن ~~أمنع حائط سمرقند ، فالغوث الغوث . فعبر الجنيد النهر ، وقد فرق عساكره ، ~~فسار بمن معه حتى نزل كش ، وتأهب PageV21P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" للمسير ، وبلغ ذلك الترك ؛ فغوروا الآبار ~~التي في طريق كش ، وسار الجنيد يريد سمرقند ، فأخذ طريق العقبة ، وارتقى في ~~الجبل ، ثم سار حتى صار بينه وبين سمرقند أربعة فراسخ ، ودخل الشعب فصبحه ~~خاقان في جمع عظيم ؛ فكانت بينهم وقعة عظيمة صبر الناس فيها وقاتلوا حتى ~~كانت السيوف لا تقطع شيئا ، فقطع عبيدهم الخشب يقاتلون به ، ثم كانت ~~المعانقة ؛ ثم تحاجزوا ، فاستشهد من المسلمين جماعة . فبينما الناس كذلك إذ ~~أقبل رهج ، وطلعت الفرسان ، فنادى منادي الجنيد : الأرض الأرض وترجل ، ~~وترجل الناس ، ثم أمر أن يخندق كل قائد على حياله ، فخندقوا وتحاجزوا وقد ~~أصيب من الأزد يومئذ مائة وتسعون رجلا ، وكان قتالهم يوم الجمعة ، فلما كان ~~يوم السبت قصدهم خاقان وقت الظهر ، فلم ير موضعا للقتال أسهل من موضع بكر ~~بن وائل ، وعليهم زياد ابن الحارث ، فقصدهم ، فلما قربوا حملت بكر عليهم ~~فافرجوا لهم ، واشتد القتال بينهم . فلما رأى الجنيد شدة الأمر استشار ~~أصحابه ، فقال له عبيد الله بن حبيب : اختر إما أن تهلك أنت أو سورة بن ~~الحر . فقال : هلاك سورة أهون علي . قال : فاكتب إليه فليأتك في أهل سمرقند ~~؛ فإنه إذا بلغ الترك إقباله توجهوا إليه فقاتلوه . فكتب إليه الجنيد يأمره ~~بالقدوم ، فسار في اثني عشر ألفا ، فأصبح على رأس جبل ، فتلقاه خاقان ، وقد ~~بقي بينه وبين الجنيد نحو فرسخ فقاتلهم فاشتد القتال ، وسقط سورة بن الحر ، ~~فاندقت فخذه ، وقتل وتفرق الناس ، وقتلهم الترك ، ولم ينج منهم غير ألفين . ~~ويقال ms4850 : ألف . ولما استقل خاقان بقتال سورة خرج الجنيد مبادرا يريد سمرقند ~~، فلقيه الترك قبل وصوله إليها ، فقاتلهم قتالا شديدا . وقال الجنيد : أي ~~عبد قاتل فهو حر . فقاتل العبيد قتالا عجبت منه الناس ، وهزم الله الترك . ~~ومضى الجنيد إلى سمرقند ، وكتب إلى هشام بن عبد الملك بالخبر . فكتب إليه ~~هشام : قد وجهت إليك عشرة آلاف من أهل البصرة ، وعشرة آلاف من أهل الكوفة ، ~~ومن السلاح ثلاثين ألف رمح ، ومثلها ترسة ، فافرض فلا غاية لك في الفريضة ~~لخمسة عشر ألفا . PageV21P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" قال : وأقام الجنيد بسمرقند ، وتوجه خاقان ~~إلى بخارى ، وعليها قطن بن قتيبة ، فسار الجنيد إليه ، وخلف بسمرقند عثمان ~~بن عبد الله ابن الشخير في أربعمائة فارس وأربعمائة راجل . ولما انتهى ~~الجنيد إلى كرمينية أتاه خاقان وذلك في مستهل رمضان من السنة ، فاقتتلوا ~~يومهم ؛ ثم ارتحل الجنيد وقد قوى الساقة بالرجال ، فجاءت الترك فمالوا على ~~الساقة فاقتتلوا فاشتد القتال بينهم ، فقتل مسلم بن أحوز عظيما من عظماء ~~الترك ، فتطيروا من ذلك ، وانصرفوا . وسار المسلمون فدخلوا بخارى ، ثم قدمت ~~الجنود من الكوفة والبصرة فسرح الجنيد معهم حوثرة ابن زيد العنبري فيمن ~~انتدب معه . وقيل : إن وقعة الشعب كانت في سنة 1 ثلاث عشرة ومائة . والله ~~أعلم . وفيها غزا معاوية بن هشام الصائفة ، فافتتح خرشنة والله أعلم . ذكر ~~غزو مسلمة وعوده في هذه السنة فرق مسلمة الجيوش ببلاد خاقان ففتحت مدائن ~~وحصون على يديه ، وقتل منهم وسبى وأسر وأحرق ، ودان له من وراء جبال بلنجر ~~، وأقبل ابن خاقان وقد اجتمعت عليه الخزر وغيرهم من تلك الأمم ، وصار في ~~جموع عظيمة . فلما بلغ مسلمة الخبر أمر أصحابه فأوقدوا النيران ، ثم ترك ~~خيامهم وأثقالهم ، وعاد بعسكره جريدة ، وقدم الضعفة وأخر الشجعان ، وطوى ~~المراحل كل مرحلتين في مرحلة حتى وصل الباب والأبواب في آخر رمق . وفيها ~~غزا معاوية بن هشام أرض الروم فرابط من ناحية مرعش ثم رجع . والله أعلم . ~~PageV21P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" ذكر غزو مروان بن محمد بلاد الترك ودخوله إلى ~~بلاد ملك السرير ms4851 وغيرها من بلادهم وما افتتحه وقرره وصالح عليه الملوك وفي ~~سنة 114 أربع عشرة استعمل هشام بن عبد الملك مروان بن محمد بن مروان على ~~الجزيرة وأذربيجان وأرمينية . وسبب ذلك أنه كان في عسكر مسلمة بن عبد الملك ~~حين غزا الخزر ، فلما عاد مسلمة - كما تقدم - سار مروان إلى هشام فلم يشعر ~~به حتى دخل عليه ، فسأله عن سبب قدومه ، فقال : ضقت ذرعا بما أذكره ، ولم ~~أر من يحمله غيري . قال : وما هو ؟ قال : يا أمير المؤمنين ؛ إنه كان من ~~دخول الخزر إلى بلاد الإسلام وقتل الجراح وغيره ما دخل به الوهن على ~~المسلمين . ثم رأى أمير المؤمنين أن يوجه أخاه مسلمة إليهم ، فوالله ما ~~وطيء من بلادهم إلا أدناها ، ثم إنه لما رأى كثرة جمعه أعجبه ذلك ، فكتب ~~إلى الخزر يؤذنهم بالحرب ، وأقام بعد ذلك ثلاثة أشهر ، فاستعد القوم وحشدوا ~~، فلما دخل بلادهم لم يكن له فيهم نكاية ، فكان قصاراه السلامة ، وقد أردت ~~أن تأذن لي في غزوة أذهب بها عنا العار ، وأنتقم من العدو . قال : قد أذنت ~~لك . قال : وتمدني بمائة ألف وعشرين ألف مقاتل ؟ قال : قد فعلت . قال : ~~وتكتم هذا الأمر عن كل أحد ؟ قال : قد فعلت . وقد استعملتك على إرمينية . ~~فودعه وسار إلى إرمينية واليا عليها وسير إليه هشام الجنود من الشام ~~والعراق والجزيرة ، فاجتمع عنده من الجنود والمتطوعة مائة ألف وعشرون ألفا ~~، فأظهر أنه يريد غزو اللان ، وأرسل إلى ملك الخزر يطلب منه المهادنة ، ~~فأجابه إلى ذلك ، وأرسل إليه من يقرر الصلح ، فأمسك الرسول عنده إلى أن فرغ ~~من جهازه ، وأحضره ، ثم أغلظ لهم في القول وآذنهم بالحرب ، وسير الرسول إلى ~~صاحبه بذلك ، ووكل به من يسير به على طريق فيه بعد ، وسار هو في أقرب الطرق ~~، فما وصل الرسول إلى صاحبه إلا ومروان قد وافاهم بالجنود ، فاستشار ملك ~~الخزر أصحابه ، فقالوا : إن هذا قد جمع ودخل بلادك ، فإن أقمت إلى أن تجمع ~~لم يجتمع جندك إلى مدة ، فيبلغ منك ما يريد ، وإن أنت لقيته ms4852 على حالك هذه ~~هزمك وظفر بك ، والرأي أن تتأخر إلى أقصى بلادك ، وتدعه وما يريد . فقبل ~~رأيهم وسار ودخل مروان البلاد ، وأوغل فيها ، وأخربها ، وغنم وسبى ، وانتهى ~~إلى آخرها ، وأقام فيها عدة أيام أذلهم ، ودخل بلاد ملك السرير ، فأوقع ~~بأهلها ، وفتح قلاعا ، ودان له الملك ، وصالحه على ألف رأس : خمسمائة غلام ~~، وخمسمائة جارية سود الشعور ، ومائة ألف مدى تحمل إلى الباب ، وصالح أهل ~~تومان PageV21P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" على مائة رأس نصفين وعشرين ألف مدى ثم دخل ~~زديكران ، فصالحه ملكها ، ثم أتى أرض حمزين ، فأبى حمزين أن يصالحه ، ~~فحصرهم ، وافتتح حصنهم ، ثم أتى سغدان ، فافتتحها صلحا ، ووظف على طبر ~~سرانشاه عشرة آلاف مدى كل سنة تحمل إلى الباب ؛ ثم نزل على قلعة صاحب اللكز ~~وقد امتنع من أداء الوظيفة ، فخرج ملك اللكز يريد ملك الخزر ، فقتله راع ~~بسهم وهو لا يعرفه ، فصالح أهل اللكز مروان ، واستعمل عليهم عاملا وسار إلى ~~قلعة شروان وهي على البحر ، فأذعن له بالطاعة ، وسار إلى الدوادانية ، ~~فأوقع بهم ، ثم عاد . وغزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى ، فأصاب ربض أقرن ~~. وفيها التقى عبد الله البطال هو وقسطنطين في جموع ، فهزمهم البطال وأسر ~~قسطنطين . وغزا سليمان بن هشام الصائفة اليمنى ، فبلغ قيسارية . وفي سنة 1 ~~خمس عشرة ومائة غزا معاوية بن هشام أرض الروم . وغزا ايضا الصائفة في سنة 1 ~~ست عشرة . وفي سنة 1 سبع عشرة غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى ، وسليمان ~~بن هشام الصائفة اليمنى من نحو الجزيرة ، وفرق سراياه في أرض الروم . وبعث ~~مروان بن محمد ، وهو على إرمينية بعثين ؛ فافتتح أحدهما حصونا ثلاثة من ~~اللان ، ونزل الآخر على تومان شاه ، فنزل أهلها على الصلح . وفي سنة 1 ثمان ~~عشرة ومائة غزا معاوية وسليمان ابنا هشام بن عبد الملك أرض الروم . وغزا ~~مروان بن محمد من إرمينية ، ودخل أرض ورتيس من ثلاثة أبواب ، فهرب ورتيس ~~إلى الخزر ، وترك حصنه ، فحصره مروان ، ونصب عليه المجانيق ، واتفق قتل ~~ورتيس ، قتله بعض من اجتاز به ، وأرسل رأسه ms4853 إلى مروان ، فنصبه لأهل حصنه ، ~~فنزلوا على حكمه ، فقتل المقاتلة وسبى الذرية . . . PageV21P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" ذكر ظفر المسلمين بالترك وقتل خاقان ملك ~~الترك وفي سنة 1 تسع عشرة ومائة كانت الحرب بين أسد ابن عبد الله القسري ~~أمير خراسان وبين خاقان ملك الترك . وسبب ذلك أن الحارث بن مريح كان قد خلع ~~بخراسان على ما نذكره إن شاء الله تعالى في حوادث السنين ، وولى أسد خراسان ~~على ما نذكره إن شاء الله ، فكتب الحارث إلى خاقان يعلمه بضعف أسد وقلة ~~أصحابه ، ويستدعيه لحربه . فأقبل خاقان ، وقطع النهر إلى بلخ ، فلقيه أسد ، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا ، فظفر المسلمون بالترك ، وهزموهم أقبح هزيمة ، ~~وغنموا أموالهم وخيولهم وأثقالهم ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وأراد خصى ~~لخاقان حمل امرأة خاقان فأعجلوه فقتلها ، ومضى خاقان إلى طخارستان ثم إلى ~~بلاده . وحمل الحارث وأصحابه على خمسة آلاف برذون ، واستعد لغزو المسلمين ، ~~فلاعب خاقان يوما كور صول بالنرد على خطر ، فتنازعا ، فضرب كور صول يد ~~خاقان فكسرها وتنحى عنه ، وجمع جمعا ، وبلغه أن خاقان قد حلف ليكسرن يده ؛ ~~فبيت خاقان فقتله ، وتفرقت الترك واشتغلوا بأنفسهم ، وأرسل أسد إلى هشام بن ~~عبد الملك يخبره بالفتح وبقتل خاقان ، فلم يصدق ذلك . وأرسل مبشرا آخر فوقف ~~على باب هشام وكبر ، فأجابه هشام بالتكبير . فلما انتهى إليه أخبره بالفتح ~~، فسجد شكرا لله تعالى . وفيها غزا أسد بن عبد الله أمير خراسان الختل ، ~~فقتل بدر طرخان ملك الختل ، وغلب على القلعة العظمى ، وفرق عساكره في أودية ~~الختل ، فملئوا أيديهم من الغنائم والسبي ، وهرب أهلها إلى الصين . وغزا ~~الوليد بن القعقاع أرض الروم . وغزا مروان بن محمد من إرمينية فدخل بلاد ~~اللان ، وسار فيها حتى خرج منها إلى بلاد الخزر ، فمر ببلنجر وسمندر ، ~~وانتهى إلى البيضاء التي كون فيها خاقان ، فهرب خاقان منه . PageV21P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" وفي سنة 1 عشرين ومائة غزا سليمان بن هشام بن ~~عبد الملك الصائفة وافتتح سندرة . وغزا إسحاق بن مسلم العقيلي تومان شاه ~~وافتتح قلاعه وخرب أرضه . ذكر غزوات نصر ms4854 بن سيار ما وراء النهر وفي سنة 1 ~~إحدى وعشرين ومائة غزا نصر بن سيرا ما وراء النهر مرتين : إحداهما من نحو ~~الباب الجديد ، فسار من بلخ ، ثم رجع إلى مرو ، فخطب الناس ، وأخبرهم أنه ~~قد أقام منصور بن عمر بن أبي الخرقاء على كشف المظالم ، وأنه قد وضع الجزية ~~عمن أسلم ، وجعلها على من كان يخفف عنه من المشركين ، فلم تمض جمعة حتى ~~أتاه ثلاثون ألف مسلم كانوا يؤدون الجزية عن رؤوسهم ، وثمانون ألفا من ~~المشركين كانت الجزية قد وضعت عنهم ، فحول ما كان على المسلمين عليهم ، ثم ~~صنف الخراج ووضعه مواضعه . ثم غزا الثانية إلى ورغسر وسمرقند . ثم غزا ~~الثالثة إلى شاش من مرو ، فحال بينه وبين عبور نهر الشاش كورصول في خمسة ~~عشر ألفا ، وكان معهم الحارث بن سريج ، وعبر كور صول في أربعين رجلا فبيت ~~العسكر في ليلة مظلمة ، ومع نصر بخارى خذاه في أهل بخارى ، ومعه أهل سمرقند ~~وكش ونسف ، وهم عشرون ألفا ، فنادى نصر : ألا لا يخرجن أحد ، واثبتوا على ~~مواضعكم . فخرج عاصم بن عمي - وهو على جند سمرقند - فمرت به خيل الترك ، ~~فحمل على رجل في آخرهم فأسره ، فإذا هو ملك من ملوكهم صاحب أربعة آلاف قبة ~~، فأتى به إلى نصر ، فقال له نصر : من أنت ؟ قال : كور صول . قال : الحمد ~~لله الذي أمكن منك يا عدو الله . قال : ما ترجو من قتل شيخ ، وأنا أعطيك ~~أربعة آلاف بعير من إبل الترك وألف برذون تقوى به جندك ، وتطلق سبيلي . ~~فاستشار نصر الناس ، فأشاروا بإطلاقه ، فسأله عن عمره قال : لا أدري . قال ~~: كم غزوت ؟ قال : ثنتين وسبعين غزاة . قال : أشهدت يوم العطش ؟ قال : نعم ~~. قال : لو أعطيتني ما طلعت عليه الشمس ما أفلت من يدي بعد ما ذكرت من ~~مشاهدك . PageV21P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" وقال لعاصم بن عمير السغدي : قم إلى سلبه ~~فخذه . فقال : من أسرني ؟ قال : نصر - وهو يضحك - أسرك يزيد بن قران ~~الحنظلي ، وأشار إليه . قال : هذا لا يستطيع أن يغسل استه ، أو ms4855 لا يستطيع ~~أن يتم بوله ، فكيف يأسرني ؟ أخبرني من أسرني ؟ قال : أسرك عاصم بن عمير . ~~قال : لست أجد ألم القتل إذا أسرني فارس من فرسان العرب . فقتله وصلبه على ~~شاطيء النهر ، فلما قتل أحرقت الترك أبنيته ، وقطعوا آذانهم وشعورهم وأذناب ~~خيولهم . فملا أراد نصر الرجوع أحرقه لئلا يحملوا عظامه ، فكان ذلك أشد ~~عليهم من قتله . وارتفع إلى فرغانة فسبى منها ألف رأس . وكتب يوسف ابن عمر ~~الثقفي عاهل العراقين إلى نصر بن سيار يأمره بالمسير إلى الشاش لقتال ~~الحارث بن سريج ، فاستعمل نصر يحيى بن حصين على مقدمته ، فسار إلى الشاش ، ~~فأتاهم الحارث ، وأغار الأخرم ، وهو فارس الترك ، على المسلمين فقتلوه ، ~~وألقوا رأسه إلى الترك ، فصاحوا وانهزموا ، وسار نصر إلى الشاش فتلقاه ~~ملكها بالصلح والهدية والرهن ، فاشترط عليه إخراج الحارث بن سريج من بلده ، ~~فأخرجه إلى فاراب ، واستعمل على الشاش نيزك بن صالح مولى عمرو بن العاص ، ~~ثم سار حتى نزل قباء من أرض فرغانة ، وكانوا قد علموا بمجيئة ، فأحرقوا ~~الحشيش ، وقطعوا الميرة ، فوجه نصر إلى ولي عهد صاحب فرغانة فحاصره في حصن ~~، فخرج وقد غفل المسلمون فغنم دوابهم ، فوجه إليهم نصر رجالا من تميم ، ~~ومعهم محمد بن المثنى ، فكايدهم المسلمون وأهملوا دوابهم وكمنوا لهم ، ~~فخرجوا فاستاقوا بعضها ، وخرج عليهم المسلمون فهزموهم ، وقتلوا الدهقان ~~وأسروا منهم ، فكان فيمن أسر ابن الدهقان ، فقتله نصر . وأرسل نصر سليمان ~~بن صول بكتاب الصلح إلى صاحب فرغانة ، فأمر به فأدخل الخزائن ليراها ، ثم ~~رجع إليه ، فقال : كيف رأيت الطريق فيما بيننا وبينكم ؟ PageV21P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" قال : سهلا كثير الماء والمرعى ، فكره ذلك ، ~~وقال : ما أعلمك ؟ فقال سليمان : قد غزوت غرشتان وغور والختل وطبرستان ، ~~فكيف لا أعلم ؟ قال : فكيف رأيت ما أعددنا ؟ قال : عدة حسنة ، ولكن أما ~~علمت أن المحصور لا يسلم من خصال ؟ قال : وما هن ؟ قال : لا يأمن أقرب ~~الناس إليه ، وأوثقهم في نفسه ، أو يفنى ما جمع ، فيسلم برمته ، أو يصيبه ~~داء فيموت . فكره ما قاله له ، وأمره فأحضر كتاب الصلح ، فأجابه ms4856 إليه ، ~~وسير أمه معه ، وكانت صاحبة أمره ، فقدمت على نصر فكلمها فكلمته ، وكان ~~فيما قالت له : كل ملك لا تكون عنده ستة أشياء فليس بملك : وزير يبث إليه ~~ما في نفسه ، ويشاوره ويثق بنصيحته . وطباخ إذا لم يشته الطعام اتخذ له ما ~~يشتهى ، وزوجة إذا دخل عليها مغتما فنظر إلى وجهها زال غمه ، وحصن إذا فزع ~~أتاه فأنجاه - تعنى البرذون - وسيف إذا قاتل لم يخش خيانته . وذخيرة إذا ~~حملنا عشا بها أين كان من الأرض . ودخل تميم بن نصر في جماعة ، فقالت : من ~~هذا ؟ قالوا : هذا فتى خراسان تميم بن نصر . قالت : ماله نبل الكبير ، ولا ~~حلاوة الصغير . ثم دخل الحجاج بن قتيبة ، فقالت : من هذا ؟ قالوا : الحجاج ~~بن قتيبة ، فحيته ، وسألت عنه ، وقالت : يا معشر العرب ، ما لكم وفاء ، ولا ~~يصلح بعضكم لبعض ، قتيبة الذي ذلل لكم ما أرى ، وهذا ابنه تقعده دونك ، ~~فحقه أن تجلسه أنت هذا المجلس وتجلس أنت مجلسه . ذكر غزو مروان بن محمد بن ~~مروان وفي سنة 1 إحدى وعشرين أيضا غزا مروان بن محمد من إرمينية وهو واليها ~~، فأتى قلعة بيت السرير فقتل وسبى ، ثم أتى قلعة ثانية فقتل وسبى ، ودخل ~~غرمسك ، وهو حصن فيه بيت الملك وسريره ، فهرب الملك منه إلى حصن خيزج ، وهو ~~الذي فيه السرير الذهب ، فسار إليه مروان ونازله صيفة وشتوة ، فصالحه الملك ~~على ألف رأس في كل سنة ، ومائة ألف مدى ، وسار مروان فدخل أرض أرزو بطران ، ~~فصالحه ملكها . ثم سار في أرض تومان فصالحه وسار حتى أتى حمزين ، فأخرب ~~بلاده ، وحصر حصنا له شهرا فصالحه . PageV21P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" ثم أتى مروان أرض مسدار ، فافتتحها على صلح ، ~~ثم نزل كيران فصالحه طبرسران وفيلان ، وكل هذه الولايات على شاطيء البحر من ~~أرمينية إلى طبرستان . وفيها غزا مسلمة بن هشام الروم فافتتح بها مطامير . ~~وفي سنة 1 أربع وعشرين غزا سليمان بن هشام الصائفة فلقى أليون ملك الروم ~~فغنم . هذا ما أمكن إيراده من الغزوات والفتوحات في أيام هشام فلنذكر حوادث ms4857 ~~السنين في أيامه . سنة 1 ست ومائة : ذكر ولاية أسد خراسان في هذه السنة ~~استعمل خالد بن عبد الله القسري أخاه أسدا على خراسان ، فقدمها ومسلم بن ~~سعيد بفرغانة ، فلما أتى أسد النهر ليقطعه منعه الأشهب بن عبيد التميمي ؛ ~~وكان على السفن بامل ، وقال : قد نهيت عن ذلك ، فأعطاه ولاطفه ، فأبى . قال ~~: فإني أمير ، فأذن له ، فقال أسد : اعرفوا هذا حتى نشركه في أمانتنا . ~~وأتى الصغد فنزل بالمرج ، وعلى سمرقند هانيء بن هانيء ، فخرج في الناس ~~للقاء أسد ، فرآه على حجر ، فقال الناس : ما عند هذا خير ، أسد على حجر ، ~~ودخل سمرقند وعزل هانئا عنها ، واستعمل عليها الحسن بن أبي العمرطة الكندي ~~، ثم كان من عزل أسد ما نذكره إن شاء الله . وفيها استعمل هشام الحر بن ~~يوسف بن يحيى بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية على الموصل ، وهو الذي عمل ~~النهر الذي كان بالموصل . وسبب ذلك أنه رأى امرأة تحمل جرة فيها ماء ، وهي ~~تحملها ساعة ثم تستريح قليلا لبعد الماء ، فكتب بذلك إلى هشام ، فأمره أن ~~يحفر نهرا إلى البلد ، فحفره ، وبقى العمل فيه عدة سنين ومات الحر سنة 1 ~~ثلاث عشرة ومائة . وفي سنة ست أيضا عزل هشام عبد الواحد النضري عن مكة ~~والمدينة والطائف ، وولى ذلك كله إبراهيم بن هشام بن إسماعيل ، فقدم ~~المدينة في جمادى الآخرة . PageV21P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" وكانت ولاية النضري سنة وثمانية أشهر . وفيها ~~استقضى إبراهيم بن هشام على المدينة محمد بن صفوان الجمحي ، ثم عزله ، ~~واستقضى الصلت الكندين وكان العامل على العراق وخراسان خالد بن عبد الله ~~القسري البجلي ، وكان عامل خالد على البصرة عقبة بن عبد الأعلى على الصلاة ~~. وعلى الشرطة مالك بن المنذر بن الجارود ، وعلى القضاء ثمامة بن عبد الله ~~بن أنس . وحج بالناس في هذه السنة هشام بن عبد الملك . سنة 1 سبع ومائة : ~~في هذه السنة كان من خبر دعاة بني العباس ما نذكره إن شاء الله في أخبار ~~الدولة العباسية . وفيها عزل هشام الجراح بن ms4858 عبد الله الحكمي عن إرمينية ~~وأذربيجان ، واستعمل عليها أخاه مسلمة بن عبد الملك ، فاستعمل عليها الحارث ~~بن عمرو الطائي ، فافتتح من بلاد الترك رستاقا وقرى كثيرة ، وأثر أثرا حسنا ~~. وفيها نقل أسد من كان بالبروقان إلى بلخ من الجند ، وأقطع من كان ~~بالبروقان بقدر مسكنه ، ومن لم يكن له مسكن أقطعه مسكنا ، وأراد أن ينزلهم ~~على الأخماس ، فقيل له : إنهم يتعصبون ؛ فخلى بينهم ، وتولى بناء مدينة بلخ ~~برمك ، وهو أبو خالد بن برمك ، وبينها وبين البروقان فرسخان . وحج بالناس ~~في هذه السنة إبراهيم بن هشام . سنة 1 ثمان ومائة : في هذه السنة كان من ~~خبر شيعة بني العباس ما نذكره إن شاء الله تعالى . وفيها وقع الحريق بدابق ~~، فاحترق المرعى والدواب والرجال . وفيها خرج عباد الرعيني باليمن محكما ~~فقتله أميرها يوسف بن عمرو ، وقتل أصحابه وكانوا ثلاثمائة . وحج بالناس في ~~هذه السنة إبراهيم بن هشام . وفيها مات محمد بن كعب القرظي ، وقيل سنة سبع ~~عشرة . وقيل : إنه ولد على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~PageV21P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" سنة 1 تسع ومائة : في هذه السنة عزل أسد بن ~~عبد الله القسري عن خراسان ، وسبب ذلك أنه ضرب نصر بن سيار ونفرا بالسياط ، ~~منهم عبد الرحمن بن نعيم وسورة بن الحر والبختري بن أبي درهم ، وعامر بن ~~مالك الحماني ، وحلقهم وسيرهم هو إلى أخيه ، وكتب إليه : إنهم أرادوا ~~الوثوب بي . فلما قدموا على خالد لام أسدا وعنفه ، وقال : ألا بعث إلي ~~برؤوسهم . وخطب أسد يوما ، فقال : قبح الله هذه الوجوه وجوه أهل الشقاق ~~والنفاق والشغب والفساد ، اللهم فرق بيني وبينهم ، وأخرجني إلى مهاجري ~~ووطني . فبلغ فعله هشام بن عبد الملك ، فكتب إلى خالد : اعزل أخاك ، فغزله ~~، فرجع إلى العراق في رمضان من السنة ، واستخلف على خراسان الحكم بن عوانة ~~الكلبي ، فأقام الحكم صيفيته فلم يغز ، ثم استعمل هشام أشرس بن عبد الله ~~السلمي على خراسان ، وأمره أن يكاتب خالدا ، وكان أشرس فاضلا خيرا ، وكانوا ~~يسمونه الكامل لفضله . فلما قدم خراسان ms4859 فرح الناس به ، واستقضى أبا المنازل ~~الكندي ، ثم عزله واستقضى محمد بن يزيد . وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم ~~بن هشام ، فخطب الناس ، فقال : سلوني ، فإنكم لا تسألون أحدا أعلم مني ، ~~فسأله رجل من أهل العراق عن الأضحية أواجبة هي ؟ فما درى ما يقول : فنزل . ~~سنة 1 عشرة ومائة : فيها جمع خالد القسري الصلاة والأحداث والشرط والقضاء ~~بالبصرة لبلال بن أبي بردة ، وعزل ثمامة عن القضاء . وحج بالناس إبراهيم بن ~~إسماعيل . وفيها مات الفرزدق الشاعر ، وله إحدى وتسعون سنة . ومات جرير بن ~~الخطفي الشاعر . PageV21P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" سنة إحدى عشرة ومائة : في هذه السنة كان عزل ~~أشرس عن خراسان واستعمال الجنيد ابن عبد الرحمن ؛ وقد تقدم ذكر ذلك في ~~الغزوات . وفيها استعمل هشام الجراح بن عبد الله الحكمي على إرمينية ، وعزل ~~أخاه مسلمة كما تقدم . وحج بالناس إبراهيم بن هشام المخزومي . سنة 1 ثنتي ~~عشرة ومائة : حج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومي . وقيل . ~~سليمان بن هشام بن عبد الملك . والله أعلم . سنة 1 ثلاث عشرة ومائة : في ~~هذه السنة قتل عبد الوهاب ابن بخت ، وكان قد غزا مع البطال أرض الروم ، ~~فانهزم الناس عن البطال ، فحمل عبد الوهاب ، وهو يقول : ما رأيت فرسا أجبن ~~منك ، وسفك الله دمي إن لم أسفك دمك ، ثم ألقى بيضته عن رأسه ، وصاح : أنا ~~عبد الوهاب من الجنة تفرون ثم تقدم في نحو العدو ، فجاء برجل وهو يقول : ~~واعطشهاه فقال : تقدم ، الري أمامك ، وخالط القوم فقتل وقتل فرسه . وحج ~~بالناس في هذه السنة سلميان بن هشام بن عبد الملك ، وقيل إبراهيم بن هشام ~~المخزومي ، والله أعلم . سنة 1 أربع عشرة ومائة : في هذه السنة كانت ولاية ~~مروان بن محمد بن مروان إرمينية وأذربيجان ، وقد تقدم ذكر ذلك في الغزوات . ~~وفيها عزل هشام إبراهيم بن هشام المخزومي عن المدينة ، واستعمل عليها خالد ~~بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم في ربيع الأول ، فكانت إمرة إبراهيم على ~~المدينة ثماني سنين ، وعزله أيضا عن مكة ms4860 والطائف ، واستعمل على ذلك محمد بن ~~هشام المخزومي . وحج بالناس خالد بن عبد الملك بن الحارث . وقي : محمد ابن ~~هشام . وفيها توفي محمد بن علي بن الحسين الباقر . وقيل سنة خمس عشرة . ~~PageV21P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" سنة 1 خمس عشرة ومائة : حج بالناس في هذه ~~السنة محمد بن هشام المخزومي ، وكان الأمير بخراسان الجنيد . وقيل : بل كان ~~قد مات ، واستخلف عمارة بن خريم المري . والله أعلم . سنة 1 ست عشرة ومائة ~~: في هذه السنة عزل الجنيد عن خراسان . وسبب ذلك أنه تزوج الفاضلة بنت يزيد ~~بن المهلب ، فغضب هشام ؛ واستعمل عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي على ~~خراسان ، وكان الجنيد قد سقى بطنه ، فقال هشام لعاصم : إن أدركته وبه رمق ~~فأزقه نفسه . فقدم عاصم وقد مات الجنيد ، واستخلف عمارة بن خريم وهو ابن ~~عمه ، فعذبه عاصم ، وعذب عمال الجنيد لعداوة كانت بينه وبين الجنيد . . . ~~ذكر خلع الحارث بن سريج بخراسان وما كان من أمره وفي هذه السنة خلع الحارث ~~بن سريج وأقبل إلى الفارياب فأرسل إليه عاصم رسلا . منهم مقاتل بن حيان ~~النبطي ، والخطاب ابن محرز السلمي ، فقالا لمن معهما : لا نلقى الحارث إلا ~~بأمان ، فأبى القوم عليهما وأتوه ، فأخذهم الحارث وحبسهم ، ووكل بهم رجلا ~~فأوثقوه ، وخرجوا من السجن ، فركبوا وعادوا إلى عاصم ، فأمرهم فخطبوا وذموا ~~الحارث ، وذكروا خبث سيرته وغدره ، وكان الحارث قد لبس السواد ، ودعا إلى ~~كتاب الله وسنة نبيه والبيعة للرضا ، فسار من الفارياب ، وأتى بلخ ، وعليها ~~نصر بن سيرا والتجيبي ، فلقياه في عشرة آلاف وهو في أربعة آلاف ، فقاتلهما ~~، فانهزم أهل بلخ . وتبعهم الحارث ، فدخل مدينة بلخ ، وخرج نصر بن سيار ~~منها ، وأمر الحارث بالكف عنهم ، واستعمل عليها رجلا من ولد عبد الله ابن ~~خازم ، وسار إلى الجوزجان فغلب عليها وعلى الطالقان ومرو الروذ . فلما كان ~~بالجوزجان استشار PageV21P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" أصحابه في أي بلد يقصد ، فقيل له : مرو بيضة ~~خراسان وفرسانهم كثير ، ولو لم يلقوك إلا بعبيدهم لانتصفوا منك ، فأقم ، ~~فإن أتوك فقاتلهم ، وإن أقاموا ms4861 قطعت المادة عنهم . قال : لا أرى ذلك ؛ وسار ~~إلى مرو ، فأقبل إليها يقال في ستين ألفا ، ومعه فرسان الأزد وتميم ، منهم ~~محمد بن المثنى ، وحماد ابن عامر الحماني ، وداود الأعسر ، وبشر بن أنيف ~~الرياحي ، وعطاء الدبوسي . ومن الدهاقين دهقان الجوزجان ، ودهقان الفارياب ~~، وملك الطالقان ودهقان مرو الروذ في اشباههم ، وخرج عاصم في أهل مرو ~~وغيرهم ، فعسكر وقطع القناطر ، وأقبل أصحاب الحارث فأصلحوها ، فمال محمد بن ~~المثنى الفراهيدي الأزدي إلى عاصم في ألفين ، فأتى الأزد ، ومال حماد بن ~~عامر الحماني إليه ، فأتى بني تميم ، وأتى الحارث وعاصم فاقتتلوا قتالا ~~شديدا ، فانهزم أصحاب الحارث ، فغرق منهم بشر كثير ، في أنهار مرو وفي ~~النهر الأعظم ؛ ومضت الدهاقين إلى بلادهم ، وغرق خازم بن عبد الله بن خازم ~~، وكان مع الحارث . وقتل أصحاب الحارث قتلا ذريعا ، وقطع الحارث وادي مرو ، ~~فضرب رواقا عند منازل الدهاقين ، وكف عنه عاصم ؛ واجتمع إلى الحارث زهاء ~~ثلاثة آلاف ، ثم كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى . وفيها عزل هشام ~~عبد الله بن الحبحاب عن ولاية مصر ، واستعمله على إفريقية . وقيل : كان ذلك ~~في سنة 1 سبع عشرة ومائة . وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن يزيد بن عبد ~~الملك . والله أعلم . سنة 1 سبع عشرة ومائة : ذكر عزل عاصم عن خراسان ~~وولاية أسد وخبر الحارث بن سريج في هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عاصم ~~بن عبد الله عن خراسان ، وضمها إلى خالد بن عبد الله القسري أمير العراقين ~~، فاستعمل عليها خالد أخاه أسد بن عبد الله . وكان سبب ذلك أن عاصما كتب ~~إلى هشام : أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله ، وإن خراسان لا تصلح إلا أن ~~تضم إلى العراق وتكون معونتها وموادها من قريب ، لتباعد أمير المؤمنين عنها ~~وتباطيء غياثه عنها ، فضم هشام خراسان إلى خالد بن عبد الله ، وكتب إليه : ~~ابعث أخاك يصلح ما أفسد ؛ فإن كانت رجية كانت به . PageV21P0267 # """""" صفحة رقم 268 """""" فسير خالد إليها أخاه أسدا ، فلما بلغ عاصم ~~إقبال أسد ms4862 ، وأنه قد بعث على مقدمته محمد بن مالك الهمداني صالح الحارث ابن ~~سريج ، وكتبا بينهما كتابا ، على أن ينزل الحارث أي كور خراسان شاء ، وأن ~~يكتبا جميعا إلى هشام يسألانه كتاب الله وسنة نبيه ، فإن أبى اجتمعا عليه . ~~فختم على الكتاب بعض الرؤساء ، وأبى يحيى بن حضين بن المنذر أن يختم ، وقال ~~: هذا خلع لأمير المؤمنين فانفسح ذلك . وكان عاصم بقرية بأعلى مرو ، فأتاه ~~الحارث بن سريج التقوا واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم الحارث ، وأسر جماعة ~~من أصحابه ، منهم : عبد الله بن عمرو المازني رأس أهل مرو الروذ ، فقتل ~~عاصم الأسرى ، وعظم أهل الشام يحيى بن حضين لما صنع في نقض الكتاب ، وكتبوا ~~كتابا بما كان وبهزيمة الحارث وبعثوه إلى أسد ، فلقيه بالري وقيل ببيهق . ~~فكتب أسد إلى أخيه خالد ينتحل أنه هزم الحاث ، ويخبره بأمر يحيى ، فأجاز ~~خالد يحيى بعشرة آلاف دينار ومائة حلة ، وحبس أسد عاصما وحاسبه وطلب منه ~~مائة ألف درهم ، وقال : إنك لم تغز ، وأطلق عمال الجنيد ، وقدم أسد ولم يكن ~~لعاصم إلا مرو ونيسابور ، والحارث بمرو الروذ ، وخالد بن عبيد الله الهجري ~~بآمل موافق للحارث ، فخاف أسد إن قصد الحارث بمرو الروذ أن يأتي الهجري مرو ~~من قبل آمل ، وإن قصد الهجري قصد الحارث مرو من قبل مرو الروذ ، فأجمع رأيه ~~على توجيه عبد الرحمن بن نعيم في أهل الكوفة والشام إلى الحارث بمرو الروذ ~~، وسار أسد بالناس إلى آمل ، فلقيه خيل آمل ؛ عليهم زياد القرشي مولى حيان ~~النبطي وغيره ، فهزموا حتى رجعوا إلى المدينة ، فحصرهم أسد ، ونصب عليهم ~~المجانيق ؛ فطلبوا الأمان ، وطلبوا كتاب الله وسنة نبيه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وألا يؤخذ أهل المدن بجنايتهم ، فأجابهم أسد إلى ذلك ، واستعمل ~~عليهم يحيى ابن نعيم بن هبيرة الشيباني ؛ وسار يريد بلخ ، فأخبر أن أهلها ~~قد بايعوا سليمان بن عبد الله بن خازم ، فسار حتى قدمها ، واتخذ ~~PageV21P0268 # """""" صفحة رقم 269 """""" سفنا ، وسار منها إلى ترمذ ، فوجد الحارث ~~محاصرا لها ، وبها سنان الأعرابي ، فنزل أسد دون النهر ، ولم ms4863 يطق العبور ~~إليهم ، ولا أن يمدهم ، وخرج أهل ترمذ من المدينة ، وقاتلوا الحارث قتالا ~~شديدا ، فاستطرد الحارث لهم ، وكان قد وضع كمينا ، فلما جاوزوه خرج عليهم ، ~~فانهزموا . ثم ارتحل أسد إلى بلخ ، ثم خرج أهل ترمذ إلى الحارث ، فهزموه . ~~ثم سار أسد إلى سمرقند في طريق زم ، فلما قدم زم بعث إلى الهيثم الشيباني ~~وهو في حصن من حصونها - وهو من أصحاب الحارث - فأمنه ، ووعده المواساة ~~والكرامة والأمان لمن معه ، وأقسم إنه إن رد ذلك ورمى بسهم ألا يؤمنه أبدا ~~، وإنه إن جعل له ألف ألف أمان لا يفي له . فخرج إليه وسار معه إلى سمرقند ~~، ثم ارتفع إلى ورغسر - وماء سمرقند منها - فسكر الوادي ، وصرفه عن سمرقند ~~. ثم رجع إلى بلخ ، فلما استقر بها سرح جديعا الكرماني إلى القلعة التي ~~فيها ثقل الحارث وأصحابه ، واسمها التبوشكان من طخارستان العليا وفيها بنو ~~برزى التغلبيون أصهار الحارث ، فحصرهم الكرماني حتى فتحها ، وذلك في سنة 1 ~~ثمان عشرة ، فقتل مقاتلتهم ، وسبى عامة أهلها من العرب والموالي والذراري ، ~~وباعهم فيمن يزيد في سوق بلخ . قال : ونقم على الحارث أربعمائة وخمسون رجلا ~~من أصحابه ، وكان رئيسهم جرير بن ميمون القاضي ، فقال لهم الحارث : إن كنتم ~~لا بد مفارقي فاطلبوا الأمان ، وأنا شاهد ، فإنهم يجيبونكم . وإن ارتحلت ~~قبل ذلك لم يعطوا الأمان . فقالوا : ارتحل أنت عنا ، وخلنا . فأرسلوا ~~يطلبون الأمان ، فأخبر أسد أن القوم ليس لهم طعام ولا ماء ، فسرح إليهم أسد ~~جديعا الكرماني وستة آلاف ، فحصرهم في القلعة وقد عطش أهلها ، وجاعوا ، ~~فسألوا أن ينزلوا على الحكم ، ويترك لهم نساءهم وأولادهم ، فأجابهم ، ~~فنزلوا على حكم أسد . PageV21P0269 # """""" صفحة رقم 270 """""" فأرسل أسد إلى الكرماني يأمره أن يحمل إليه ~~خمسون رجلا من وجوههم ، فيهم المهاجر بن ميمون ، فحملوا إليه فقتلهم ، وكتب ~~إلى الكرماني أن يجعل الذين بقوا عنده أثلاثا ، فثلث يقتلهم ، وثلث يقطع ~~أيديهم وأرجلهم ، وثلث يقطع أيديهم . ففعل ذلك بهم ، وأخرج أثقالهم فباعها ~~، واتخذ أسد مدينة بلخ دارا ، ونقل إليها الدواوين ، ثم غزا طخارستان . وحج ms4864 ~~بالناس في سنة 1 سبع عشرة ومائة خالد بن عبد الملك . سنة 1 ثمان عشرة ومائة ~~: في هذه السنة عزل هشام خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم عن المدينة ~~، واستعمل عليها خالد بن محمد بن هشام بن إسماعيل : وحج بالناس محمد بن ~~هشام بن إسماعيل . وكان أمير المدينة . سنة 1 تسع عشرة ومائة : ذكر قتل ~~المغيرة وبيان في هذه السنة خرج المغيرة بن سعيد وبيان في ستة نفر ، وكانوا ~~يسمون الوصفاء ، وكان المغيرة ساحرا ، وكان يقول : لو أردت أن أحيي عادا ~~وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا لفعلت . وبلغ خالد بن عبد الله القسري خروجهم ~~بظهر الكوفة ، وهو يخطب ، فقال : أطعموني ماء ، فقال يحيى بن نوفل في ذلك ~~من أبيات : وقلت لما أصابك أطعموني . . . شرابا ثم بلت على السرير لأعلاج ~~ثمانية وشيخ . . . كبير السن ليس بذي نصير فأرسل خالد فأخذهم وأمر بسريره ~~فأخرج إلى المسجد الجامع ، وأحرقهم بالقصب والنفط . وكان مذهب المغيرة ~~التجسيم ؛ يقول : إن ربه على صورة رجل على رأسه تاج ، وإن أعضاءه على عدد ~~حروف الهجاء ، تعالى الله عن ذلك . PageV21P0270 # """""" صفحة رقم 271 """""" وكان يقول : إن الله تعالى لما أراد أن يخلق ~~الخلق تكلم باسمه الأعظم ، فطار فوقع على تاجه ، ثم كتب بإصبعه على كفه ~~أعمال عباده من المعاصي والطاعات ، فلما رأى المعاصي ارفض عرقا ، فاجتمع من ~~عرقه بحران : أحدهما ملح مظلم ، والآخر عذب نير ، ثم اطلع في البحر فرأى ~~ظله فذهب ليأخذه ، فطار فأدركه فقلع عيني ذلك الظل ومحقه ، فخلق من عينيه ~~الشمس وشمسا أخرى . وخلق من البحر الملح الكفار ، وخلق من البحر العذب ~~المؤمنين . وكان لعنه الله يقول بإلهية علي وتكفير أبي بكر وعمر وسائر ~~الصحابة رضي الله عنهم إلا من ثبت مع علي رضي الله عنه . وكان يقول : إن ~~الأنبياء لم يختلفوا في شيء من الشرائع . وكان يقول بتحريم ماء الفرات وكل ~~نهر أو عين أو بئر وقعت فيه نجاسة . وكان يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى ~~أمثال الجراد على القبور . وأما مذهب بيان فإنه ms4865 كان يقول بإلهية علي رضي ~~الله عنه ، وإن الحسن والحسين إلهان ، ومحمد ابن الحنفية بعده ، ثم بعده ~~ابنه أبو هاشم بن محمد بنوع من التناسخ . وكان يقول : إن الله تعالى يفنى ~~جميعه إلا وجهه ، ويحتج بقوله تعالى : " ويبقى وجه ربك " . تعالى الله عما ~~يقول الظالمون علوا كبيرا . وادعى النبوة ، وزعم أنه المراد بقوله عز وجل : ~~" هذا بيان للناس " . ذكر خبر الخوارج في هذه السنة وفي هذه السنة خرج ~~بهلول بن بشر الملقب كثارة ، وهو من الموصل من شيبان ، وكان سبب مخرجه أنه ~~خرج يريد الحج ، فأمر غلامه أن يبتاع له خلا بدرهم ، فأتاه بخمر فأمره برده ~~فلم يجبه صاحب الخمر إلى ذلك ، فجاء بهلول إلى صاحب القرية وهي من السواد ، ~~فكلمه ، فقال العامل : الخمر خير منك ومن قومك . فمضى إلى الحج وقد عزم على ~~الخروج ، فلقى بمكة من كان على مثل رأيه ، فاتعدوا قرية من قرى الموصل ، ~~فاجتمعوا بها - وهم أربعون رجلا - وأمروا عليهم البهلول ، وكتموا أمرهم ~~وجعلوا لا ميرون بعامل إلا أخبروه أنهم قدموا من عند هشام على بعض الأعمال ~~، وأخذوا دواب البريد . PageV21P0271 # """""" صفحة رقم 272 """""" فلما أتوا إلى القرية التي ابتاع الغلام منها ~~الخمر قال بهلول : نبدأ بهذا العامل ، فقال أصحابه : نحن نريد قتل خالد ، ~~وإن بدأنا بهذا شهر أمرنا ، وحذرنا خالد وغيره ، فنشدناك الله أن تقتل هذا ~~فيفلت منا خالد الذي يهدم المساجد ، ويبني البيع والكنائس ، ويولي المجوس ~~على المسلمين ، وينكح أهل الذمة المسلمات ، لعلنا نقتله . قال : والله لا ~~أدع ما يلزمني لما بعده ، وأرجو أن أقتل هذا وخالدا ، فأتاه فقتله . فعلم ~~الناس أنهم خوارج ، وهربوا ، وخرجت البرد إلى خالد فأعلموه بهم ، فخرج خالد ~~من واسط ، فأتى الحيرة ، وبها جند قد قدموا من الشام مددا لعامل الهند ، ~~فأمرهم خالد بقتالهم ، وقال : من قتل منهم رجلا أعطيته عطاء سوى ما أخذ في ~~الشام ، وأعفيته من الدخول إلى الهند . فسارعوا إلى ذلك ، فتوجه مقدمهم ، ~~وهو من بني القين ، ومعه ستمائة منهم ، وضم إليه خالد مائتين من الشرط ، ~~فالتقوا على ms4866 الفرات ؛ فقال القيني لمن معه من الشرط : لا تكونوا معنا ليكون ~~الظفر له ولأصحابه . وخرج إليهم بهلول ، فحمل على القيني فطعنه فأنفذه ، ~~وانهزم أهل الشام والشرط ، وتبعهم بهلول وأصحابه يقتلونهم ، حتى بلغوا ~~الكوفة ، ووجد بهلول مع القيني بدرة فأخذها . وكان بالكوفة ستة يرون رأي ~~بهلول ، فخرجوا فقتلوا بصريفين ، فخرج بهلول فقال : من قتل هؤلاء ، حتى ~~أعطيه هذه البدرة ؟ فجاء نفر فقالوا : نحن قتلناهم ، وهم يظنونه من عند ~~خالد ، وصدقهم أهل القرية ، فقتلهم ، وترك أهل القرية . وبلغ خالدا الخبر ، ~~فوجه إليه قائدا من شيبان أحد بني حوشب ابن يزيد بن رويم ، فلقيه فيما بين ~~الموصل والكوفة ، فانهزم أهل الكوفة ، فأتوا خالدا ، وارتحل بهلول من يومه ~~يريد الموصل ، فكتب عامل الموصل إلى هشام يخبره بهم ، ويسأله جندا ، فكتب ~~إليه هشام : وجه إليهم كثارة بن بشر . فكتب إليه : إن الخارج هو كثارة . ثم ~~قال بهلول لأصحابه : إنا والله ما نصنع بابن النصرانية شيئا - يعني خالدا - ~~فلم لا نطلب الرأس الذي سلط خالدا . PageV21P0272 # """""" صفحة رقم 273 """""" فسار يريد هشاما بالشام ، فخاف عمال هشام من ~~هشام إن تركوه يجوز إلى بلادهم ، فسير خالد جندا من العراق ، وسير عامل ~~الجزيرة جندا من الجزيرة ، ووجه هشام جندا من الشام ، فاجتمعوا بدير بين ~~الجزيرة والموصل ، وأقبل بهلول إليهم . وقيل : التقوا بكحيل دون الموصل ، ~~ونزل بهلول على باب الدير ، وهو في سبعين ، فحمل عليهم فقتل منهم نفرا ستة ~~، وقاتلهم عامة نهاره ، وكانوا عشرين ألفا ، فأكثر فيهم القتل والجراح . ثم ~~إن بهلولا وأصحابه عقروا دوابهم وترجلوا ، فقاتلوا قتالا شديدا ، فقتل كثير ~~من أصحاب بهلول وطعن فصرع ، فقال أصحابه : ول أمرنا ، فقال : إن هلكت فأمير ~~المؤمنين دعامة الشيباني ، فإن هلك فعمرو اليشكري ، ومات بهلول من ليلته ، ~~فلما أصبحوا هرب دعامة وتركهم ، وخرج عمرو اليشكري فلم يلبث أن قتل . وخرج ~~العنزى صاحب الأشهب على خالد في ستين فوجه إليه خالد السمط بن مسلم البجلي ~~في أربعة آلاف ، فالتقوا بناحية الفرات ، فانهزم الخوارج ، فتلقاهم عبيد ~~أهل الكوفة وسفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم . ثم ms4867 خرج وزير السختياني ~~على خالد بالحيرة في نفر ، فجعل لا يمر بقرية إلا أحرقها ، ولا يلقى أحدا ~~إلا قتله ، وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال ؛ فوجه إليه خالد جندا ، ~~فقتلوا عامة أصحابه ، وأثخن بالجراح وأتى به خالد ، فأقبل على خالد فوعظه ، ~~فأعجب خالد ما سمع منه ، فلم يقتله وحبسه عنده . وكان يؤتى به في الليل ~~فيحادثه ، فسعى بخالد إلى هشام . وقيل : أخذ حروريا قد قتل وحرق وأباح ~~الأموال فجعله سميرا ، فغضب هشام ، وكتب إليه يأمره بقتله ، فأخر قتله ، ~~فكتب إليه ثانيا يذمه ويأمره بقتله وإحراقه ، فقتله وأحرقه ونفرا معه ، ولم ~~يزل يتلو القرآن حتى مات وهو يقرأ : " قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ~~" . وخرج الصحارى بن شبيب بن يزيد بناحية جبل ، وكان قد أتى خالدا يسأله ~~الفريضة ، فقال له : وما يصنع ابن شبيب بالفريضة ؟ فمضى وندم خالد ، وخاف ~~أن يفتق PageV21P0273 # """""" صفحة رقم 274 """""" عليه فتقا ، فطلبه فلم يرجع إليه ، وسار حتى ~~أتى جبل ، وبها نفر من بني تيم اللات ابن ثعلبة ، فأخبرهم خبره ، فقالوا : ~~وما كنت ترجو من ابن النصرانية ؟ كنت أولى أن تسير إليه بالسيف فتضربه به . ~~فقال : والله ما أردت الفريضة ، وما أردت إلا التوصل إليه لئلا ينكرني ، ثم ~~أقتله بفلان - يعني رجلا من الصفرية ، كان خالد قتله صبرا . ثم دعاهم إلى ~~الخروج معه فتبعه منهم ثلاثون رجلا ، فخرج بهم ، فبلغ خبره خالدا ، فقال : ~~قد كنت خفتها منه ثم وجه إليه جندا فلقوه بناحية المناذر ، فقاتلهم قتالا ~~شديدا ، فقتلوه وجميع أصحابه . وحج بالناس في هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن ~~هشام . سنة 1 عشرين ومائة : في هذه السنة توفي أسد بن عبد الله القسري أمير ~~خراسان في شهر ربيع الأول بمدينة بلخ ، واستخلف جعفر بن حنظلة البهراني ~~فعمل أربعة أشهر ، ثم جاء عهد نصر بن سيار في شهر رجب من السنة . ذكر عزل ~~خالد بن عبد الله القسري وولاية يوسف بن عمر الثقفي وفي هذه السنة عزل هشام ~~بن عبد الملك خالدا عن جميع أعماله ms4868 . وقد اختلف في سبب ذلك ، فقيل : إن أبا ~~المثنى فروخ كان على ضياع هشام بنهر الرمان بالعراق فثقل على خالد أمره ، ~~فقال خالد لحسان النبطي : اخرج إلى هشام وزد على فروخ . ففعل حسان ذلك ~~وتولاها ، فصار حسان أئقل على خالد من فروخ ، فجعل يؤذيه ، فيقول له حسان : ~~لا تفسدني ، وأنا صنيعتك ، فأبى إلا أذاه ، فلما قدم عليه بثق البثوق على ~~الضياع ، ثم خرج حسان إلى هشام ، فقال له : إن خالدا بثق البثوق على ضياعك ~~، فوجه هشام من ينظر إليها . وقال حسان لخادم من خدم هشام : إن تكلمت بكلمة ~~أقولها لك حيث يسمع هشام فلك عندي ألف دينار . قال : فعجلها فأعطاه ، وقال ~~له : تبكى صبيا من صبيان هشام ، فإذا بكى فقل له : اسكت ، فكأنك ابن خالد ~~الذي غلته عشرة آلاف ألف . PageV21P0274 # """""" صفحة رقم 275 """""" ففعل الخادم ، فسمعها هشام ، فسأله حسان عن ~~غلة خالد فقال : ثلاثة عشر ألف ألف ، فوقرت في نفس هشام . وقيل : بل كانت ~~غلته عشرين ألف ألف ، وإنه حفر بالعراق الأنهار ، ومنها نهر خالد وناجوى ~~وبارمانا ، والمبارك والجامع ، وكورة سابور ، والصلح ، وكان كثيرا ما يقول ~~: إني مظلوم ما تحت قدمي شيء إلا وهو لي يعني أن عمر جعل لبجيلة ربع خمس ~~السواد ، وأشار عليه العريان بن الهيثم وبلال بن أبي بردة بعرض أملاكه على ~~هشام ليأخذ منها ما أراد ، ويضمنان له الرضا ، فإنهما بلغهما تغير هشام ~~عليه ، فلم يفعل ولم يجبهم إلى شيء . وقيل لهشام : إنخالدا قال لولده : ما ~~أنت بدون مسلمة بن هشام ، وقد كان يذكر هشاما ، فيقول : ابن الحمقاء . وكان ~~خالد يخطب فيقول : زعمتم أني أغلى أسعاركم فعلى من يغليها لعنة الله . وكان ~~هشام كتب إليه لا تبيعن من الغلات شيئا حتى تباع غلات أمير المؤمنين . وكان ~~يقول لابنه : كيف أنت إذا احتاج إليك ابن أمير المؤمنين ؟ فبلغ ذلك كله ~~هشاما ، فتنكر له ، وبلغه أنه يستقل ولاية العراق ، فكتب إليه هشام : يا بن ~~أم خالد ، بلغني أنك تقول : ما ولاية العراق لي بشرف . يا بن اللخناء ، كيف ms4869 ~~لا تكون ولاية العراق لك شرفا ، وأنت من بجيلة القليلة الذليلة أما والله ~~إني لأظن أن أول من يأتيك صغير من قريش يشد يديك إلى عنقك . ولم يزل يبلغه ~~عنه ما يكره ، فعزم على عزله وكتم ذلك ، وكتب إلى يوسف بن عمر - وهو باليمن ~~يأمره أن يقدم في ثلاثين من أصحابه إلى العراق ، فقد ولاه ذلك . فسار يوسف ~~إلى الكوفة فعرس قريبا منها ، وقد ختن طارق خليفة خالد بالكوفة ولده ، ~~فأهدى إليه ألف وصيف ووصيفة سوى الأموال والثياب ، فمر بيوسف بعض أهل ~~العراق فسألوه ما أنتم ؟ وأين تريدون ؟ قالوا : بعض المواضع ؛ فأتوا طارقا ~~فأخبروه خبرهم ، وأمروه بقتلهم ، وقالوا : إنهم خوارج . وسار يوسف إلى دور ~~ثقيف . فقيل لهم : ما أنتم ؟ فكتموا حالهم . وأمر يوسف فجمع إليه من هناك ~~من مضر ، فلما اجتمعوا دخل المسجد مع الفجر ، وأمر المؤذن فأقام الصلاة . ~~فصلى ، وأرسل إلى خالد وطارق فأخذهما وإن القدور لتغلى . PageV21P0275 # """""" صفحة رقم 276 """""" وقيل : لما أراد هشام أن يولي يوسف العراق ~~كتم ذلك ، فقدم جندب مولى يوسف بكتاب يوسف إلى هشام ، فقرأه ثم قال لسالم ~~مولى عنبسة - وهو على الديوان : أجبه عن لسانك ، وأتني بالكتاب . وكتب هشام ~~بخطه كتابا صغيرا إلى يوسف يأمره بالمسير إلى العراق . فكتب سالم الكتاب ~~وأتاه به ، فجعل كتابه في وسطه وختمه ، ثم دعا رسول يوسف فأمر به فضرب ~~ومزقت ثيابه ، ودفع إليه الكتاب ، فسار وارتاب بشير بن أبي ثلجة وكان خليفة ~~سالم ، وقال : هذه حيلة ، وقد ولى يوسف العراق . فكتب إلى عياض - وهو نائب ~~سالم بالعراق : إن أهلك قد بعثوا إليك بالثوب اليماني : فإذا أتاك فالبسه ، ~~واحمد الله تعالى . وأعلم ذلك طارقا . فأعلم عياض طارق بن أبي زيادب الكتاب ~~، ثم ندم بشير على كتابه ، فكتب إلى عياض : إن أهلك قد بدا لهم في إمساك ~~الثوب . فأتى عياض بالكتاب الثاني إلى طارق ، فقال طارق : الخبر في الكتاب ~~الأول ، ولكن بشيرا ندم وخاف أن يظهر الخبر . وركب طارق من الكوفة إلى خالد ~~وهو بواسط ، فرآه داود ، وكان على حجابة ms4870 خالد وديوانه ، فأعلم خالدا فأذن ~~له ، فلما رآه قال : ما أقدمك بغير إذن ؟ قال : أمر كنت أخطأت فيه ، كنت قد ~~كتبت إلى الأمير أعزيه بأخيه أسد ، وإنما كان يجب أن آتيه ماشيا ، فرق خالد ~~ودمعت عيناه ، فقال : ارجع إلى عملك . فأخبره الخبر لما غاب داود ؛ قال : ~~فما الرأي ؟ قال : تركب إلى أمير المؤمنين فتعتذر إليه مما بلغه عنك . قال ~~: لا أفعل ذلك بغير إذن . قال : فترسلني إليه حتى آتيك بإذنه . قال : ولا ~~هذا . قال : فاضمن لأمير المؤمنين جمع ما انكسر في هذه السنين وآتيك بعهده ~~. قال : وكم مبلغه ؟ قال : مائة ألف ألف . قال : ومن أين أجدها ؟ والله ما ~~أجد عشرة آلاف ألف درهم . قال : أتحمل أنا وفلان وفلان . قال : إني إذا ~~للئيم ، أن كنت أعطيتكم شيئا وأعود فيه . قال طارق : إنما نقيك ونقي أنفسنا ~~بأموالنا ، ونستأنف الدنيا وتبقى النعمة عليك وعلينا خير من أن يجيء من ~~يطالبنا بالأموال . وهي عند أهل الكوفة فيتربصون فنقتل ويأكلون تلك الأموال ~~. فأبى خالد ، فودعه طارق وبكى ، وقال : هذا آخر ما نلتقي في الدنيا ، ومضى ~~إلى الكوفة ، وخرج خالد إلى الحمة ، وقدم رسول يوسف PageV21P0276 # """""" صفحة رقم 277 """""" عليه اليمن ، فقال : أمير المؤمنين : ساخط ~~عليك ، وقد ضربني ، ولم يكتب جواب كتابك ، وهذا كتاب سالم صاحب الديوان ، ~~فقرأه ، فلما انتهى إلى آخره قرأ كتاب هشام بخطه بولاية العراق ، ويأمره أن ~~يأخذ ابن النصرانية - يعني خالدا وعماله - فيعذبهم ، فأخذه ليلا ، وسار من ~~يومه ، واستخلف على اليمن ابنه الصلت ، فقدم الكوفة في جمادى الآخرة سنة 1 ~~عشرين ومائة ، فنزل النجف ، وأرسل مولاه كيسان ، وقال : انطلق فأتني بطارق ~~، فإن قبل فاحمله على إكاف ، وإن لم يقبل فأت به سحبا ، فأتى كيسان الحيرة ~~فأخذ معه عبد المسيح سيد أهلها إلى طارق ، فقال له : إن يوسف قد قدم على ~~العراق وهو يستدعيك . فقال له طارق : إن أراد الأمير المال أعطيته ما شاء . ~~وأقبلوا به إلى يوسف بالحيرة ، فضربه ضربا مبرحا يقال خمسمائة سوط . ودخل ~~الكوفة ، وأرسل إلى خالد بالحمة . فأخذه وحبسه وصالحه ms4871 عنه أبان بن الوليد ~~على سبعة آلاف ألف ، فقيل ليوسف : لو لم تفعل لأخذت منه مائة ألف ألف ، ~~فندم ، وقال : قد رهنت لساني معه ، ولا أرجع . وأخبر أصحاب خالد خالدا ، ~~فقال : قد أخطأتم ولا آمن أن يأخذها ثم يعود . ارجعوا ، فرجعوا ، فأخبروه ~~أن خالدا لم يرض . فقال : قد رجعتم ؟ قالوا : نعم . قال : والله لا أرضى ~~بمثلها ولا مثيلها ، فأخذ أكثر من ذلك . وقيل : أخذ مائة ألف ألف ، وحبس ~~خالد بن عبد الله بالحيرة ثمانية عشر شهرا مع أخيه إسماعيل وابنه يزيد بن ~~خالد وابن أخيه المنذر بن أسد . وكتب يوسف إلى هشام يستأذنه في تعذيبه ، ~~فأذن له مرة واحدة ، فعذبه ثم رده إلى حبسه . وقيل : بل عذبه عذابا كثيرا ، ~~وأمر هشام بإطلاقه في شوال سنة 1 إحدى وعشرين ومائة ، فأطلقه فأتى القرية ~~التي بإزاء الرصافة ، فأقام بها إلى صفر سنة اثنتين وعشرين . وخرج زيد بن ~~علي بن الحسين رضي الله عنهم على ما نذكره إن شاء الله . فكتب يوسف إلى ~~هشام : إن بني هاشم كانوا قد هلكوا جوعا ، فكانت همة أحدهم قوت عياله ، ~~فلما ولى خالد العراق أعطاهم الأموال ، فطمحت أنفسهم إلى الخلافة ، وما خرج ~~زيد إلا عن رأي خالد . PageV21P0277 # """""" صفحة رقم 278 """""" فقال هشام : كذب يوسف ، وضرب رسوله ، وقال : ~~لسنا نتهم خالدا في طاعة . وسمع خالد ، فسار حتى نزل دمشق ، ثم كان من أمره ~~ومقتله ما نذكره إن شاء الله في سنة 1 ست وعشرين ومائة في أيام الوليد ، ~~وكانت ولاية خالد العراق في شوال سنة 1 خمس ومائة ، وعزل في جمادى الآخرة ~~سنة عشرين . قال : ولما ولي يوسف العراق كان الإسلام ذليلا والحكم إلى أهل ~~الذمة ، فقال يحيى بن نوفل فيه : أتانا وأهل الشرك أهل زكاتنا . . . ~~وحكامنا فيما نسر ونجهر فلما أتانا يوسف الخير أشرقت . . . له الأرض حتى كل ~~واد منور وحتى رأينا العدل في الناس ظاهرا . . . وما كان من قبل العقيلي ~~يظهر وحج بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي . وقيل : ~~حج بهم سليمان ms4872 بن هشام بن عبد الملك ، وقيل : أخوه يزيد بن هشام ، والله ~~أعلم . سنة 1 احدى وعشرين ومائة : في هذه السنة كان ظهور زيد بن علي بن ~~الحين بن علي رضي الله عنهم على ما نذكر ذلك إن شاء الله في أخبار من نهض ~~في طلب الخلافة من آل أبي طالب ، فقتل دونها وهو في السفر الثالث والعشرين ~~من كتابنا هذا . وفيها فرغ الوليد بن بكير عامل الموصل من حفر النهر الذي ~~أدخله البلد ، وكان مبلغ النفقة عليه ثمانية آلاف ألف درهم ، وجعل عليه ~~ثمانين حجرا تطحن . ووقف هشام هذه الأرحاء على عمل النهر . وحج بالناس في ~~هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي سنة 1 اثنتين وعشرين ومائة : ~~في هذه السنة كان مقتل زيد بن علي رضي الله عنه على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى . ذكر قتل البطال في هذه السنة قتل البطال ، وهو أبو الحسين عبد الله ~~الأنطاكي ، في جماعة من المسلمين . وقيل : كان مقتله في سنة 1 ثلاث وعشرين ~~ومائة ، وكان كثير الغزاة إلى الروم والإغارة على بلادهم ، وله عندهم ذكر ~~عظيم ، وله حكايات في غزواته يطول الشرح بسردها . PageV21P0278 # """""" صفحة رقم 279 """""" حكى أنه دخل بلاد الروم في بعض غاراته هو ~~وأصحابه ، فدخل قرية لهم ليلا وامرأة تقول لصغير يبكي : تسكت وإلا سلمتك ~~للبطال ، ثم رفعته بيدها ، وقالت : يا بطال خذه ، فتناوله من يدها . وقد ~~وضع الناس له سيرة . وحج بالناس محمد بن هشام المخزومي . سنة 1 ثلاث وعشرين ~~ومائة : ذكر صلح نصر بن سيار مع الصغد في هذه السنة صالح نصر بن سيار الصغد ~~، وكان خاقان لما قتل تفرقت الترك في غارة بعضها على بعض ، فطمع أهل الصغد ~~في الرجعة إليها ، وانحاز قوم منهم إلى الشاش ، فراسلهم نصر بن سيار ، ~~ودعاهم إلى الرجوع إلى بلادهم ، وأعطاهم ما أرادوا ، فاشترطوا شروطا منها ~~ألا يعاقب من كان مسلما وارتد عن الإسلام ، ولا يعدى عليهم في دين لأحد من ~~الناس ، ولا يؤخذ أسرى المسلمين من أيديهم إلا بقضية ms4873 قاض وشهادة عدول . ~~فعاب الناس ذلك على نصر ، فقال : لو عاينتم شوكتهم في المسلمين مثل ما ~~عاينت ما أنكرتم ذلك . وأرسل رسولا إلى هشام في ذلك ، فأجابه إليه . وحج ~~بالناس في هذه السنة يزيد بن هشام بن عبد الملك . سنة 1 أربع وعشرين ومائة ~~: في هذه السنة وما قبلها كان من خبر شيعة بني العباس ما نذكره إن شاء الله ~~في أخبارهم . وحج بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل . سنة 1 خمس ~~وعشرين ومائة : ذكر وفاة هشام بن عبد الملك ونبذة من أخباره كانت وفاته ~~بالرصافة لست خلون من شهر ربيع الآخر منها ، وصلى عليه ابنه مسلم وكان عمره ~~ستا وخمسين سنة . وقيل أقل من ذلك إلى اثنتين وخمسين . ومدة PageV21P0279 # """""" صفحة رقم 280 """""" خلافته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وأحد عشر ~~يوما ، وكان أحول أبيض سمينا منقلب العينين ربعة يخضب بالسواد ، وكان حسن ~~السياسة يقظا يباشر الأمور بنفسه ، وكان له من الستور والكسوة ما لم يكن ~~لمن قبله . وذكر صاحب العقد : أنه لما حج حملت ثياب لباسه على ستمائة جمل ، ~~وكان جماعا للأموال شديد البخل كأبيه . قال عقال بن شبة : دخلت على هشام ~~وعليه قباء أخضر ، فجعلت أنظر إليه ، فقال : مالك ؟ فقلت : رأيت عليك قبل ~~أن تلي الخلافة قباء مثل هذا . فتأملته هل هو هو أم غيره ؟ فقال : هو والله ~~هو . وأما ما ترون من جمع المال فهو لكم . قيل : وكتب له بعض عماله : قد ~~بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة دراقن . فكتب إليه : قد وصل وأعجب أمير ~~المؤمنين فزد منه واستوثق من الوعاء . وكتب إليه عامل : قد بعثت بكمأة . ~~فأجابه : قد وصلت الكمأة وهي أربعون ، وقد تغير بعضها من حشوها ، فإذا بعثت ~~شيئا فأجد الحشو في الظرف التي تجعلها فيه بالرمل حتى لا يضطرب ولا يصيب ~~بعضه بعضا . وقيل له : أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان ؟ قال : ولم لا ~~أطمع ، وأنا عفيف حليم ؟ قالوا : وخلف من العين أربعة وأربعين ألف ألف ~~دينار ، وما لا يحصى من الورق ms4874 . ولما مات طلبوا له قمقما من بعض الخزان ~~يسخن له الماء فيه ، فمنعه عياض كاتب الوليد ، فاستعاروا له قمقما من بعض ~~الخزان يسخن له فيه . وفي أيامه بنى سعيد أخوه قبة بيت المقدس . ~~PageV21P0280 # """""" صفحة رقم 281 """""" أولاده : كان له عشرة أولاد من الذكور ~~والإناث ، منهم : معاوية ، وسليمان . نقش خاتمه : الحكم للحكم الحكيم . ~~كتابه : سعيد بن الوليد ، والأبرش الكلبي ، ومحمد بن عبد الله ابن حارثة . ~~قاضيه : محمد بن صفوان الجمحي . حاجبه : غالب مولاه الأمراء بمصر : محمد بن ~~عبد الملك أخوه ، ثم استعفاه فولاها بعده أنس بن يوسف بن يحيى بن الحكم بن ~~العاص ، ثم استعفى فولاها حفص بن الوليد الحضرمي ، ثم صرفه وولاها عبد ~~الملك ابن رفاعة ، ثم مات فولاها أخاه الوليد بن رفاعة ، ثم مات فولاها عبد ~~الرحمن بن خالد التميمي ، ثم صرفه وولاها حنظلة بن صفوان ، ثم سيره إلى ~~إفريقية ، وولى حفصا . وكان على قضائها من قبل هشام يحيى بن ميمون الحضرمي ~~إلى أن وليها الوليد بن رفاعة فصرفه ، وولاها أبا نضلة الخيار ابن خالد ، ~~ثم مات فولى سعيد بن ربيعة الصدفي ، واستعفى ، فولى توبة بن يمين الحضرمي ، ~~ثم مات فولاها جبر بن نعيم الحضرمي . ذكر بيعة الوليد بن يزيد هو أبو ~~العباس الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ، وأمه أم الحجاج بنت محمد بن ~~يوسف أخي الحجاج بن يوسف الثقفي ، وهو الحادث عشر من ملوك بني أمية . بويع ~~له لست مضين من شهر ربيع الآخر سنة 1 خمس وعشرين ومائة . قال : وكان يزيد ~~قد جعل ولاية العهد لأخيه هشام من بعده ، ثم من بعده للوليد ، وكان عمر ~~الوليد إحدى عشرة سنة ، ثم عاش يزيد حتى بلغ الوليد خمس عشرة سنة ، فكان ~~يزيد يقول : الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك . فلما ولى هشام أكرم ~~الوليد بن يزيد حتى ظهر من الوليد مجون واشتهر بشرب الشراب ، وكان يؤدبه ~~عبد الصمد بن عبد الأعلى يحمله على ذلك ، واتخذ له ندماء ، فأراد هشام أن ~~يقطعهم عنه ، فولاه الحج ms4875 سنة 1 ست عشرة ومائة ، فحمل معه كلابا في صناديق ، ~~وعمل قبة على قدر الكعبة ويشرب فيها الخمر ، فخوفه أصحابه ، وقالوا : لا ~~نأمن PageV21P0281 # """""" صفحة رقم 282 """""" الناس عليك وعلينا معك ، فلم يفعل . وظهر ~~للناس منه تهاون بالدين واستخفاف ، فطمع هشام في البيعة لابنه مسلمة ، وخلع ~~الوليد ، وأراد الوليد على ذلك فأبى ، فقال له : اجعله بعدك ، فأبى ؛ فتنكر ~~له هشام ، وعمل سرا في البيعة لابنه مسلمة ، فأجابه قوم ، فكان ممن أجابه ~~خالاه : محمد ، وإبراهيم ابنا هشام ابن إسماعيل ، وبنو القعقاع بن خليد ~~العبسي وغيرهم من خاصته . وأفرط الوليد في الشراب ، وطلب اللذات ؛ فقال له ~~هشام : يا وليد ، والله ما أدرى أعلى الإسلام أنت أم لا ؟ ما تدع شيئا من ~~المنكر إلا أتيته غير متحاش ؛ فكتب إليه الوليد : يأيها السائل عن ديننا . ~~. . نحن على دين أبي شاكر نشربها صرفا وممزوجة . . . بالسخن أحيانا ~~وبالفاتر فغضب هشام على ابنه مسلمة ، وكان يكنى أبا شاكر ، وقال له : ~~يعيرني الوليد بك ، وأنا أرشحك للخلافة . فألزمه الأدب ، وأحضره الجماعة ، ~~وولاه الموسم سنة تسع عشرة ومائة ، فأظهر النسك واللين ، وقسم بمكة ~~والمدينة أموالا ، فقال مولى لأهل المدينة : يأيها السائل عن ديننا . . . ~~نحن على دين أبي شاكر الواهب الجرد بأرسانها . . . ليس يزنديق ولا كافر ~~يعرض بالوليد . وكان هشام ينتقص الوليد ويعيبه ، فخرج الوليد معه ناس من ~~خاصته ومواليه ، فنزل بالأزرق على ماء يقال له الأغدف ، وخلف كاتبه عياض بن ~~مسلم عند هشام ليكاتبه بما عندهم . وقطع هشام عن الوليد ما كان يجري عليه ، ~~وكاتبه فيه الوليد فلم يجبه إلى رده ، وأمره بإخراج عبد الصمد من عنده ، ~~فأخرجه وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه ، فضرب هشام ابن سهيل وسيره ~~إليه ، وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه وحبسه . فقال الوليد : من يثق ~~بالناس ، ومن يصنع المعروف ؟ هذا الأحول المشؤوم أبى ، قدمه على أهل بيته ~~ولى عهده ، ثم يصنع بي ما ترون ، لا يعلم أن لي في أحد هوى إلا عبث به . ~~PageV21P0282 # """""" صفحة رقم 283 """""" وكتب إلى هشام في ms4876 ذلك يعاتبه ، ويسأله أن يرد ~~عليه كاتبه . فلم يرده ، فكتب إليه الوليد : رأيتك تبني دائما في قطيعتي . ~~. . ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني تثير على الباقين مجنى ضغينة . . . فويل ~~لهم إن مت من شر ما تجني كأني بهم والليت أفضل قولهم . . . ألا ليتنا ~~والليت إذ ذاك لا يغنى كفرت يدا من منعم لو شكرتها . . . جزاك بها الرحمن ~~ذو الفضل والمن قال ، ولم يزل الوليد مقيما بتلك البرية حتى مات هشام ، ~~فلما كان صبيحة اليوم الذي جاءته فيه الخلافة قال لأبي الزبير المنذر بن ~~أبي عمرو : ما أتت علي ليلة منذ عقلت عقلي أطول من هذه الليلة ، عرضت لي ~~أمور ، وحدثت نفسي فيها بأمور من أمر هذا الرجل - يعني هشاما - قد أولع بي ~~، فاركب بنا نتنفس ، فركبا فسارا ميلين ، ووقف على كثيب ، فنظر إلى رهج ، ~~فقال : هؤلاء رسل هشام ، نسأل الله من خيرهم ؛ إذ بدا رجلان على البريد : ~~أحدهما مولى لأبي محمد السفيان ، فلما قربنا نزلا يعدوان حتى دنوا منه ، ~~فسلما عليه بالخلافة ، فوجم ، ثم قال : أمات هشام ؟ قالا : نعم والكتاب ~~معنا من سالم ابن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل . فقرأه ؛ وسأل مولى أبي ~~محمد السفياني عن كاتبه عياض ، فقال : لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام الموت ، ~~فأرسل إلى الخزان فقال : احتفظوا بما في أيديكم ، فأفاق هشام فطلب شيئا ~~فمنعوه ، فقال : إنا لله ، كنا خزانا للوليد ، ومات من ساعته . وخرج عياض ~~من السجن ، فختم أبواب الخزائن ، وأنزل هشاما عن فرشه وما وجدوا له قمقما ~~يسخن فيه الماء حتى استعاروه ، ولا وجدوا له كفنا من الخزائن ، فكفنه غالب ~~مولاه ، فقال الوليد : هلك الأحول المشو . . . م فقد أرسل المطر وملكنا من ~~بعد ذا . . . ك ، فقد أورق الشجر فاشكر الله إنه . . . زائد كل من شكر وقيل ~~: إن هذا الشعر لغير الوليد . قال : ولما سمع الوليد بموته كتب إلى العباس ~~بن عبد الملك ابن مروان أن يأتي الرصافة فيحصى ما فيها من أموال هشام وولده ~~وعماله وحشمه إلا مسلمة بن هشام PageV21P0283 # """""" صفحة رقم 284 ms4877 """""" فإنه كان يكلم أباه في الرفق بالوليد ، فقدم ~~العباس الرصافة ففعل ذلك وكتب به إلى الوليد ، فقال الوليد : ليت هشاما كان ~~حيا يرى . . . محلبه الأوفر قد أترعا ليت هشاما عاش حتى يرى . . . مكياله ~~الأوفر قد طبعا كلناه بالصاع الذي كاله . . . وما ظلمناه به إصبعا وما ~~أتينا ذاك عن بدعة . . . أحله الفرقان لي أجمعا وضيق الوليد على أهل هشام ~~وأصحابه ، واستعمل العمال ، وكتب إلى الآفاق بأخذ البيعة ، فجاءته بيعتهم . ~~قال : ولما ولي الوليد أجرى على زمني أهل الشام وعميانهم وكساهم ، وأمر لكل ~~إنسان منهم بخادم ، وأخرج لعيالات الناس الكسوة والطيب ، وزادهم ؛ وزاد ~~الناس في العطاء عشرات ؛ ثم زاد أهل الشام بعد العشرات عشرة عشرة ، وزاد ~~الوفود ، ولم يقل في شيء يسأله : لا . وفي هذه السنة ، عقد الوليد البيعة ~~لابنيه : الحكم ، وعثمان من بعده ، وكتب بذلك إلى الإمصار ، وجعل الحكم ~~مقدما والآخر من بعده . وفيها استعمل الوليد خالد بن يوسف بن محمد بن يوسف ~~الثقفي على المدينة ومكة والطائف ، ودفع إليه محمدا وإبراهيم ابني هشام ابن ~~إسماعيل المخزومي موثقين في عباءتين ؛ فقدم بهما المدينة في شعبان ، ~~فأقامهما للناس ، ثم حملا إلى الشام ، فأحضرا عند الوليد ، فأمر ، بجلدهما ~~، فقال محمد : نسألك القرابة . قال : وأي قرابة بيننا قال : فقد نهى رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يضرب بسوط إلا في حد . قال : ففي حد أضربك ~~وقود ، أنت أول من فعل بالعرجى وهو ابن عمي ؛ وابن أمير المؤمنين عثمان - ~~وكان محمد قد أخذه وقيده وأقامه للناس وجلده ، وسجنه إلى أن مات بعد تسع ~~سنين لهجاء العرجى إياه ، ثم أمر به الوليد فجلد هو وأخوه إبراهيم ثم ~~أوثقهما ، وبعث بهما إلى يوسف بن عمر ، وهو على العراق فعذبهما حتى ماتا . ~~وفيها عزل الوليد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة ، وولي القضاء يحيى بن ~~سعيد الأنصاري . PageV21P0284 # """""" صفحة رقم 285 """""" وفيها خرجت الروم إلى زبطرة وهو حصن قديم كان ~~افتتحه حبيب بن مسلمة الفهري ، فأخربه الروم الآن فبنى بناء غير محكم ، ~~فعاد الروم وأخربوه أيام مروان بن ms4878 محمد ثم بناه الرشيد وشحنه بالرجال . ~~فلما كانت خلافة المأمون طرقه الروم فشعثوه ، فأمر المأمون بمرمته وتحصينه ~~، ثم قصده الروم بعد ذلك أيام المعتصم . وفيها أغزا الوليد أخاه الغمر بن ~~يزيد ، وأمر على جيش البحر الأسود بن بلال المحاربي ، وسيره إلى قبرس ليخير ~~أهلها بين المسير إلى الشام أو إلى الروم ، فاختارت طائفة جوار المسلمين ، ~~فسيرهم إلى الشام ، واختار آخرون الروم فسيرهم إليهم . وحج بالناس في هذه ~~السنة يوسف بن محمد بن يوسف . وغزا النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفة . ~~سنة 1 ست وعشرين ومائة : ذكر مقتل خالد بن عبد الله القسري وشيء من أخباره ~~قد ذكرنا من أخباره في سنة 1 عشرين ومائة ما تقدم ، وذكرنا أنه لما أفرج ~~عنه سار من الحيرة إلى دمشق . قال : ولما قدمها كان العامل عليها يومئذ ~~كلثوم بن عياض القشيري ، وكان يبغض خالدا ، واتفق أنه ظهر في دور دمشق حريق ~~في كل ليلة ، يلقيه رجل من أهل العراق يقال له : أبو العمرس فإذا وقع ~~الحريق يسرقون . وكان أولاد خالد وإخوته بالساحل لحدث كان من الروم ، فكتب ~~كلثوم إلى هشام : إن موالي خالد يريدون الوثوب على بيت المال ، وإنهم ~~يحرقون البلد كل ليلة . فكتب هشام إليه يأمره بحبس آل خالد : الصغير منهم ~~والكبير ومواليهم ، فأنفذ PageV21P0285 # """""" صفحة رقم 286 """""" من أحضر أولاده وإخوته من الساحل في الجوامع ~~، ومعهم مواليهم ، وحبس بنات خالد والنساء والصبيان ، ثم ظهر على أبي ~~العمرس ومن كان معه . فكتب الوليد بن عبد الرحمن عامل الخراج إلى هشام بأخذ ~~أبي العمرس وأصحابه بأسمائهم وقبائلهم ، ولم يذكر فيهم أحدا من موالي خالد ~~. فكتب هشام إلى كلثوم يسبه ويأمره بإطلاق آل خالد ، فأطلقهم وترك الموالي ~~رجاء أن يشفع فيهم خالد إذا قدم من الصائفة . ثم قدم خالد فنزل منزله بدمشق ~~، وجاءه الناس للسلام عليه ، فقال : خرجت مغازيا سميعا مطيعا ، فخلفت في ~~عقبي ، وأخذ حرمي وأهل بيتي فحبسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بالمشركين ، ~~فما منع عصابة منكم أن تقول : علام حبس حرم هذا ms4879 السامع المطيع ؟ أخفتم أن ~~تقتلوا جميعا ؟ أخافكم الله . ثم قال : مالي ولهشام ليكفن عني أو لأدعون ~~إلى عراقي الهوى ، شامي الدار ، حجازي الأصل - يعني محمد بن علي بن عبد ~~الله بن عباس . ولقد أذنت لكم أن تبلغوا هشاما . فلما بلغه قال : قد خرف ~~أبو الهيثم ، واستمر خالد مدة أيام وهو بدمشق ويوسف بن عمر يطلب ابنه يزيد ~~بن خالد ، فلم يظفر به ، وبذل فيه لهشام خمسين ألف ألف . فلما هلك هشام ~~وقام الوليد بعده كتب إلى خالد : ما حال الخمسين ألف ألف التي تعلم ؟ ~~واستقدمه ، فقدم عليه حتى وقف بباب سرادق الوليد ، فأرسل إليه الوليد يقول ~~: أين ابنك يزيد ؟ فقال : كان قد هرب من هشام ، وكنا نراه عند أمير ~~المؤمنين ، فلما لم نره ظنناه ببلاد قومه من الشراة . فرجع الرسول ، فقال : ~~لا ، ولكنك خلفته طلبا للفتنة . فقال : قد علم أمير المؤمنين أنا أهل بيت ~~طاعة . فرجع الرسول فقال : يقول أمير المؤمنين : لتأتين به أو لأزهقن نفسك ~~. فرفع خالد صوته ، وقال : قل له : هذا والله أردت ، لو كان تحت قدمي ما ~~رفعتها عنه . فأمر الوليد بضربه فضرب ، فلم يتكلم ، فحبسه حتى قدم يوسف ابن ~~عمر من العراق بالأموال ، فاشتراه من الوليد بخمسين ألف ألف ، فأرسل إليه ~~الوليد : إن يوسف قد اشتراك بخمسين ألف ألف ، فإن كنت تضمنها وإلا دفعتك ~~إليه . PageV21P0286 # """""" صفحة رقم 287 """""" فقال خالد : ما عهدت العرب تباع ، والله لو ~~سألني أن أضمن عودا ما ضمنته ، فدفعه إلى يوسف ، فنزع ثيابه ، وحمله على ~~بعير بغير وطاء ، وعذبه عذابا شديدا ، وهو لا يكلمه كلمة واحدة ، ثم حمله ~~إلى الكوفة فعذبه ، ووضع المضرسة على صدره فقتله ، ودفنه من الليل بالحيرة ~~في العباءة التي كان فيها ، وذلك في المحرم سنة 1 ست وعشرين ومائة . وقيل : ~~بل أمر يوسف فوضع على رجليه عود ، وقام عليه الرجال حتى تكسرت قدماه ، وما ~~تكلم ولا عبس ، ثم على ساقيه وفخذيه ، ثم على صدره حتى مات . وكانت أم خالد ~~نصرانية رومية استلبها أبوه ، فأولدها خالدا وأسد ، ولم تسلم ms4880 ، وبنى لها ~~خالد بيعة فذمه الناس على ذلك ، فقال الفرزدق : ألا قطع الرحمن ظهر مطية . ~~. . أتتنا نهادى من دمشق بخالد فكيف يؤم الناس من كانت امه . . . تدين بأن ~~الله ليس بواحد بنى بيعة فيها النصارى لأمه . . . ويهدم من كفر منار ~~المساجد وكان خالد قد أمر بهدم منار المساجد ؛ لأنه بلغه أن شاعرا قال : ~~ليتني في المؤذنين حياتي . . . إنهم يبصرون من في السطوح ويشيرون أو تشير ~~إليهم . . . بالهوى كل ذات دل مليح فلما بلغ خالدا هذا الشعر أمر بهدمها . ~~ولما بلغه أن الناس يذمونه لبنائه البعية لأمه قام يعتذر إليهم ، فقال : ~~لعن الله دينهم إن كان شرا من دينكم . وحكى عنه أنه كان يقول : إن خليفة ~~الرجل في أهله أفضل من رسوله إليهم - يعني أن هشاما أفضل من رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، نبرأ إلى الله من ذلك . وكان خالد يصل الهاشميين في ~~أيام إمارته ، ويبرهم ، إلا أنه كان يبالغ في سب علي رضي الله عنه ، ويلعنه ~~، فقيل : إنه كان يفعل ذلك نفيا للتهمة ، وتقربا إلى بني أمية ، فأتاه مرة ~~محمد ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان يستميحه ، فلم ير منه ما يحب ، ~~فقال : أما الصلة فللها شميين ، وليس لنا منه إلا أن يلعن عليا ، فبلغ ~~خالدا كلامه ، فقال : إن أحب نلنا عثمان بشيء ؛ يريد بشيء من اللعن أو السب ~~، والله تعالى أعلم . PageV21P0287 # """""" صفحة رقم 288 """""" ذكر مقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن ~~مروان وشيء من أخباره كان مقتله يوم الخميس الثامن والعشرين من جمادى ~~الآخرة سنة 1 ست وعشرين ومائة . وكان سبب ذلك ما قدمناه من اشتهاره باللهو ~~واللعب والخلاعة ، فلما ولي الخلافة ما زاد إلا تماديا وإصرارا ، واشتهر ~~بمنادمة القيان وشرب النبيذ ، فثقل ذلك على رعيته وجنده ، وكرهوه ؛ فكان من ~~أعظم ما جنى على نفسه إفساد بني عميه : هشام ، والوليد ؛ فإنه أخذ سليمان ~~بن هشام فضربه مائة سوط ، وحلق رأسه ولحيته وغربه إلى عمان من أرض الشام ، ~~فحبسه بها ، فلم يزل محبوسا حتى ms4881 قتل الوليد . وأخذ جارية كانت لآل الوليد ، ~~فكلمه عثمان بن الوليد في ردها ، فقال : لا أردها . فقال : إذن تكثر ~~الصواهل حول عسكرك ، وحبس الأفقم يزيد بن هشام ، وفرق بين روح بن الوليد ~~وبين امرأته ، وحبس عدة من ولد الوليد ، فرماه بنوها شم وبنو الوليد بالكفر ~~وغشيان أمهات أولاد أبيه ، وقالوا : قد اتخذ مائة جامعة لبني أمية ، وكان ~~أشد الناس عليه يزيد بن الوليد ، وكان الناس إلى قوله أميل ؛ لأنه كان يظهر ~~النسك ويتواضع . وكان سعيد بن بيهس بن صهيب قد نهاه عن البيعة لابنيه الحكم ~~وعثمان لصغرهما ، فحبسه حتى مات ، وفعل بخالد القسري ما ذكرناه ففسدت عليه ~~اليمانية وقضاعة ، وهم أكثر جند الشام ؛ وكان حريث وشبيب بن أبي مالك ~~الغساني ، ومنصور بن جمهور الكلبي ؛ وابن عمه حبال ابن عمرو ، ويعقوب بن ~~عبد الرحمن ، وحميد بن نصر اللخمي ، والأصبغ ابن ذؤالة والطفيل بن حارثة ، ~~والسرى بن زياد ، أتوا خالد بن ابن عبد الله القسري ، فدعوه إلى أمرهم ، ~~فلم يجبهم ، وأراد الوليد الحج ، فخاف خالد أن يقتلوه ، فنهاه عن الحج ، ~~فقال : ولم ؟ فلم يخبره ، فحبسه ، وطالبه بأموال العراق ثم سلمه إلى يوسف ~~ابن عمر كما تقدم ، فقال بعض أهل اليمن شعرا على لسان الوليد يحرض عليه ~~اليمانية . وقيل : بل قاله الوليد يوبخ اليمن على ترك نصر خالد : ألم تهتج ~~فتدكر الوصالا . . . وحبلا كان متصلا فزالا PageV21P0288 # """""" صفحة رقم 289 """""" بلى فالدمع منك إلى انسجام . . . كماء المزن ~~ينسجل انسجالا فدع عنك ادكارك آل سعدى . . . فنحن الأكثرون حصى ومالا ونحن ~~المالكون الناس قسرا . . . نسومهم المذلة والنكالا وطئنا الأشعري بعز قيس . ~~. . فيالك وطأة لن تستقالا وهذا خالد فينا أسيرا . . . ألا منعوه إن كانوا ~~رجالا عظيمهم وسيدهم قديما . . . جعلنا المخزيات له ظلالا فلو كانت قبائل ~~ذات عز . . . لما ذهبت صنائعه ضلالا ولا تركوه مسلوبا أسيرا . . . يعالج من ~~سلاسلنا الثقالا وكندة والسكون فما استقاموا . . . ولا برحت يخولهم الرحالا ~~بها سمنا البرية كل خسف . . . وهدمنا السهولة والجبالا ولكن الوقائع ~~ضعضعتهم . . . وجذتهم وردتهم شلالا فما زالوا لنا أبدا عبيدا . . . نسومهم ms4882 ~~المذلة والسفالا فأصبحت الغداة علي تاج . . . لملك الناس لا يبغي انتقالا ~~فعظم ذلك عليهم ، وسعوا في قتله ، وازدادوا حنقا ، وقال حمزة ابن بيض في ~~الوليد : وصلت سماء الضر بالضر بعدما . . . زعمت سماء الذل عنا ستقلع فليت ~~هشاما كان حيا يسوسنا . . . وكنا كما كنا نرجى ونطمع وقال أيضا : يا وليد ~~الخنا تركت الطريقا . . . واضحا وارتكبت فجا عميقا وتماديت واعتديت وأسرف . ~~. . ت وأغويت وانبعثت فسوقا PageV21P0289 # """""" صفحة رقم 290 """""" أبدا هات ثم هات وهاتي . . . ثم هاتي حتى تخر ~~صعيقا أنت سكران لا تفيق فما تر . . . تق فتقا إلا فتقت فتوقا فأتت ~~اليمانية يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة ، فاستشار عمر بن ~~زيد الحكمي ، فقال له : لا يبايعك الناس على هذا ، وشاور أخاك العباس ؛ فإن ~~بايعك لم يخالفك أحد ، وإن أبى كان الناس له أطوع ؛ فإن أبيت إلا المضي على ~~رأيك فأظهر أن أخاك العباس قد بايعك . وكان الشام وبيئا فخرجوا إلى البوادي ~~، وكان العباس بالقسطل ويزيد بالبادية أيضا ، فأتى يزيد العباس فاستشاره ~~فنهاه عن ذلك ، فرجع وبايع الناس سرا ، وبث دعاته ، فدعوا الناس ، ثم عاود ~~أخاه العباس أيضا فاستشاره ودعاه إلى نفسه ، فزبره ، وقال : إن عدت لمثل ~~هذا لأشدنك وثاقا ، ولأحملنك إلى أمير المؤمنين . فخرج من عنده ، فقال ~~العباس : إني لأظنه أشأم مولود في بني مروان . وبلغ الخبر مروان بن محمد ~~بإرمينية . فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهي الناس ~~ويكفهم ويحذرهم الفتنة ويخوفهم خروج الأمر عنهم . فأعظم سعيد ذلك ، وبعث ~~الكتاب إلى العباس بن الوليد ، فاستدعى العباس يزيد وتهدده ؛ فكتمه يزيد ~~أمره فصدقه ، وقال العباس لأخيه بشر بن الوليد : إني أظن الله قد أذن في ~~هلاككم يا بني أمية ، ثم تمثل : إني أعيذكم بالله من فتن . . . مثل الجبال ~~تسامى ثم تندفع إن البرية قد ملت سياستكم . . . فاستمسكوا بعمود الدين ~~وارتدعوا لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم . . . إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا ~~لا تبقرن بأيديكم بطونكمو . . . فثم لا حسرة تغنى ولا جزع قال : فلما اجتمع ~~ليزيد ms4883 أمره وهو بالبادية أقبل إلى دمشق ، وكان بينه وبينها أربع ليال ، ~~وجاء متنكرا في سبعة نفر على حمير ، فنزلوا بجرود - وهي على مرحلة من دمشق ~~، ثم سار فدخل دمشق ليلا ، وقد بايع له أكثر أهلها سرا ، وبايع أهل المزة ؛ ~~وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج ، فخرج منها للوباء ، فنزل ~~PageV21P0290 # """""" صفحة رقم 291 """""" قطنا ، واستخلف على دمشق ابنه ، وعلى شرطته ~~أبو العاج كثير بن عبد الله السلمى ؛ فأجمع يزيد على الظهور ، فقيل للعامل ~~: إن يزيد خارج فلم يصدق ، وراسل يزيد أصحابه بعد المغرب ليلة الجمعة ، ~~فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذن بالعشاء ؛ فدخلوا المسجد فصوا ، وللمسجد ~~حرس قد وكلوا بإخراج الناس منه بالليل ، فلما صلى الناس أخرجهم الحرس ~~وتباطأ أصحاب يزيد حتى لم يبق في المسجد غيرهم ، فأخذوا الحرس ، ومضى يزيد ~~ابن عنبسة إلى يزيد بن الوليد ، فأعلمه ، وأخذ بيده ، فقال : قم يا أمير ~~المؤمنين ، وأبشر بنصر الله وعونه . فقام ، وأقبل في اثني عشر رجلا . فلما ~~كان عند سوق الحمر لقوا أربعين رجلا من أصحابهم ، ولقيهم زهاء مائتي رجل ، ~~فمضوا إلى المسجد فدخلوه وأتوا باب المقصورة فضربوه ، وقالوا : رسل الوليد ~~؛ ففتح لهم الباب خادم فدخلوا فأخذوا أبا العاج وهو سكران ، وأخذوا خزان ~~بيت المال ، وأرسل إلى كل من كان يحذره فأخذ وقبض محمد بن عبيدة وهو على ~~بعلبك ، وأرسل إلى محمد بن عبد الملك بن الحجاج فأخذه ، وكان بالمسجد سلاح ~~كثير ، فأخذوه . فلما أصبحوا جاء أهل المزة وتبايع الناس ، وجاءت السكاسك ، ~~وأقبل أهل داريا ويعقوب بن عمير بن هانيء العبسي . وأقبل عيسى بن شبيب ~~التغلبي وأهل دومة وحرستا ، وأقبل حميد بن حبيب اللخمي في أهل دير مران ~~والأرزة وسطرا وأقبل أهل جرش وأهل الحديثة وديرزكي . PageV21P0291 # """""" صفحة رقم 292 """""" وأقبل ربعي بن هاشم الحارثي في الجماعة من ~~بني عذرة وسلامان ، وأقبلت جهينة ومن والاهم . ثم وجه يزيد بن الوليد عبد ~~الرحمن بن مصاد في مائتي فارس ليأخذوا عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف ~~من قصره ، فأخذوه بأمان ms4884 ، وأصاب عبد الرحمن خرجين في كل واحد منهما ثلاثون ~~ألف دينار ، فقيل له : خذ أحد هذين الخرجين ، فقال : لا تتحدث العرب عني ~~أني أول من خان في هذا الأمر . ثم جهز يزيد جيشا عليهم عبد العزيز بن ~~الحجاج بن عبد الملك ، وسيرهم إلى الوليد . وكان يزيد لما ظهر بدمشق سار ~~مولى للوليد إليه ، وأعلمه الخبر وهو بالأغدف من عمان ، فضربه الوليد وحبسه ~~، وسير أبا محمد عبد الله بن يزيد بن معاوية إلى دمشق ، فسار بعض الطريق ، ~~وأقام فأرسل إليه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد ، فبايع يزيد . ولما ~~أتى الخبر الوليد قال له يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية : سر حتى تنزل حمص ~~، فإنها حصينة ، ووجه الخيول إلى يزيد فيقتل أو يؤسر . فقال عبد الله بن ~~عنبسة بن سعيد بن العاص : ما ينبغي للخليفة أن يدع عسكره ونساءه قبل أن ~~يقاتل ، والله يؤيد أمير المؤمنين بنصره . فأخذ بقول ابن عنبسة ، وسار حتى ~~أتى البخراء - قصر النعمان بن بشير ، وسار معه من ولد الضحاك بن قيس أربعون ~~رجلا ، فقالوا له : ليس لنا سلاح ، فلو أمرت لنا بسلاح فلم يعطهم شيئا ، ~~ونازله عبد العزيز . وكتب العباس بن الوليد بن عبد الملك إلى الوليد : إني ~~آتيك ؛ فأخرج الوليد سريرا وجلس عليه ينتظر العباس ، فقاتلهم عبد العزيز ، ~~ومعه منصور بن جمهور ، فبعث إليهم عبد العزيز زياد بن حصين الكلبي ، يدعوهم ~~إلى كتاب الله وسنة نبيه ، فقتله أصحاب الوليد واقتتلوا قتالا شديدا . وكان ~~الوليد قد أخرج لواء مروان بن الحكم الذي كان قد عقده بالجابية . وبلغ عبد ~~العزيز مسير العباس إلى الوليد ، فأرسل منصور بن جمهور إلى PageV21P0292 # """""" صفحة رقم 293 """""" طريقه ، فأخذه قهرا ، وأتى به عبد العزيز ، ~~فقال له : بايع لأخيك يزيد ، فبايع ، ووقف ونصبوا راية ، فقالوا : هذه راية ~~العباس قد بايع لأمير المؤمنين زيد ، فقال العباس : إنا لله خدعة من خدع ~~الشيطان ، هلك والله بنو مروان . فتفرق الناس عن الوليد ، وأتوا العباس ~~وعبد العزيز ، وأرسل الوليد إلى عبد العزيز يبذل له خمسين ms4885 ألف دينار وولاية ~~حمص ما بقي ، ويؤمنه من كل حدث ، على أن ينصرف عن قتاله ، فأبى ولم يجبه ، ~~فظاهر الوليد من درعين ، وأتوه بفرسيه : السندى ، والزائد ، فقاتلهم قتالا ~~شديدا ، فناداهم رجل : اقتلوا عدو الله قتلة قوم لوط ، ارجموه بالحجارة ، ~~فلما سمع ذلك دخل القصر وأغلق عليه الباب ، وقال : دعوا لي سليمي والطلاء ~~وقينة . . . وكأسا ، ألا حسبي بذلك مالا إذا ما صفا عيشي برملة عالج . . . ~~وعانقت سلمى لا أريد بدالا خذوا ملككم لا ثبت الله ملككم . . . ثباتا يساوي ~~ما حييت عقالا وخلوا عناني قبل عير وما جرى . . . ولا تحسدوني أن أموت ~~هزالا قال : وأحاط عبد العزيز بالقصر ، فدنا الوليد من الباب ، فقال : أما ~~فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلمه وقال يزيد ابن عنبسة السكسكي : كلمني . ~~قال : يا أخا السكاسك ، ألم أزد في أعطياتكم ألم أرفع المؤن عنكم ألم أعط ~~فقراءكم ؛ ألم أخدم زمناكم ؟ فقال : إنا ننقم عليك في أنفسنا ، إنما ننقم ~~عليك فيما حرم الله ، وشرب الخمر ، ونكاح أمهات أولاد أبيك ، واستخفافك ~~بأمر الله . قال : حسبك يا أخا السكاسك ، فلعمري لقد أكثرت ، وإن فيما أحل ~~الله سعة عما ذكرت . ورجع وجلس ، وأخذ مصحفا ، ونشره يقرأ فيه ، وقال : يوم ~~كيوم عثمان . فصعدوا على الحائط ، وكان أول من علاه يزيد ابن عنبسة ، فنزل ~~إليه ، وأخذ بيده ، وهو يريد أن يحبسه ، ويؤامر فيه ، فنزل من الحائط عشرة ~~؛ فيهم : منصور بن جمهور ، وعبد السلام اللخمي ، فضربه عبد السلام على رأسه ~~، وضربه السرى بن زياد بن أبي كبشة على وجهه ، واحتزوا رأسه ، وبعثوا به ~~إلى يزيد ، فأتاه الرأس وهو يتغدى ، PageV21P0293 # """""" صفحة رقم 294 """""" فسجد وأمر بنصب الرأس . فقال له يزيد بن فروة ~~مولى بني مرة : إنما تنصب رؤوس الخوارج ؛ وهذا رأس ابن عمك وخليفة ، ولا ~~آمن إن نصبته أن ترق له قلوب الناس ، وبغضب له أهل بيته . فلم يسمع منه ، ~~ونصبه على رمح ، وطاف به دمشق ؛ ثم أمر به أن يدفع إلى أخيه سليمان بن يزيد ~~، فلما نظر إليه سليمان قال : بعدا له أشهد أنه ms4886 كان شروبا للخمر ماجنا ~~فاسقا ، ولقد أرادني على نفسي الفاسق - وكان سليمان ممن سعى في أمره . وحكى ~~يزيد بن عنبسة ليزيد بن الوليد أن الوليد قال في آخر كلامه : والله لا يرتق ~~فتقكم ، ولا يلم شعثكم ، ولا تجتمع كلمتكم . وكانت مدة خلافة الوليد سنة ~~وشهرين واثنين وعشرين يوما . وكان عمره اثنتين وأربعين سنة . وقيل : قتل ~~وهو ابن ثمان وثلاثين سنة . وقيل : إحدى وأربعين . وقيل : ست وأربعين سنة . ~~والله أعلم . وكان الوليد من فتيان بني أمية وظرفائهم وشجعانهم ، وأجوادهم ~~، جيد الشعر ، له أشعار حسنة في الغزل والعتاب ووصف الخمر وغير ذلك ، إلا ~~أنه كان كثير الانهماك في اللهو والشرب وسماع الغناء . ومن كلامه : المحبة ~~للغناء تزيد الشهوة ، وتهدم المروءة ، وتنوب عن الخمر ، وتفعل ما يفعل ~~السكر ، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء ، فإن الغناء رقية الزنى ، ~~وإني لأقول ذلك على أنه أحب إلي من كل لذة ، وأشهى إلى نفسي من الماء إلى ~~ذي الغلة ، ولكن الحق أحق أن يتبع . ومما اشتهر عنه أنه استفتح المصحف ~~الكريم ، فخرج له قوله تعالى : " واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد " . فألقاه ~~ونصبه غرضا ، ورماه بالسهام ، وقال : تهددني بجبار عنيد . . . فهأنا ذاك ~~جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر . . . فقل يا رب مزقي الوليد فلم يلبث ~~بعد ذلك إلا يسيرا حتى قتل . هذا هو المشهور عنه . PageV21P0294 # """""" صفحة رقم 295 """""" وروى أبو الفرج الأصفهاني بسنده إلى العلاء ~~البندار ، قال : كان الوليد زنديقا ، وكان رجل من كلب من أهل الشام يقول ~~مقالة الثنوية ، فدخلت على الوليد يوما وذلك الكلبي عنده ، وإذا بينهما سفط ~~. قد رفع رأسه عنه ، وإذا ما يبدو لي منه حرير أخضر ؛ فقال : ادن يا علاء ، ~~فدنوت ، فرفع الحريرة فإذا في السفط . صورة إنسان ، وإذا الزئبق والنوشادر ~~قد جعلا في جفنه . فجفنه يطرف كأنه يتحرك ، فقال : يا علاء ، هذا مانين لم ~~يبعث الله نبيا قبله ، ولا يبعث نبيا بعده ؛ فقلت : يا أمير المؤمنين ، اتق ~~الله ولا يغرنك هذا الذي ترى من دينك . فقال الكلبي : يا ms4887 أمير المؤمنين ، ~~قد قلت لك : إن العلاء لا يحتمل هذا الحديث . قال العلاء : ومكثت أياما ، ~~ثم جلست مع الوليد على بناء كان قد بناه في عسكره يشرف منه والكلبي عنده إذ ~~نزل من عنده ، وقد كان الوليد حمله على برذون هملاج أشقر من أفخر ما سخر ، ~~فخرج على برذونه ، فمضى في الصحراء حتى غاب عن العسكر ، فما شعر إلا وأعراب ~~قد جاؤوا به يحملونه منفسحة عنقه ، وبرذونه يقاد ، حتى أسلموه . فبلغني ذلك ~~، فخرجت حتى أتيت أولئك الأعراب ، وكانت لهم أبيات بالقرب من أرض البحر لا ~~حجر فيها ولا مدر ، فقلت لهم : كيف كانت قصة هذا الرجل ؟ فقالوا : أقبل ~~علينا على برذون ، فوالله لكأنه دهن يسيل على صفاة من فراهيته ، فعجبنا ~~لذلك إذ انقض رجل من السماء عليه ثياب بيض ، فأخذ بضبعيه ، فاحتمله ، ثم ~~نكسه ، وضرب برأسه الأرض ، فدق عنقه ، ثم غاب عن عيوننا فاحتملناه فجئنا به ~~. وقد نزه قوم الوليد عما قيل ، وأنكروه ونفوه عنه ، وقالوا : إنه اختلق ~~عليه وألصق به ، وليس بصحيح . حكى عن شبيب بن شيبة أنه قال : كنا جلوسا عند ~~المهدي ، فذكروا الوليد ، فقال المهدي : كان زنديقا ، فقام ابن علاثة ~~الفقيه ، فقال : يا أمير المؤمنين ؛ إن الله عز وجل أعدل من أن يولى خلافة ~~النبوة وأمر الأمة زنديقا ، لقد أخبرني من كان يشهده في ملاعبه وشربه عنه ~~بمروءة في طهارته ؛ فكان إذا حضرت الصلاة يطرح الثياب التي عليه المطيبة ~~المصبغة ، ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ، ويؤتى بثياب PageV21P0295 # """""" صفحة رقم 296 """""" نظاف بيض فيلبسها ، ويصلى فيها ، فإذا فرغ ~~عاد إلى تلك الثياب فلبسها ، واشتغل بشربه ولهوه ، فهذا فعال من لا يؤمن ~~بالله فقال المهدي : بارك الله عليك يا بن علاثة . وللوليد كلام حسن ؛ فمن ~~أحسن كلامه ما قاله لهشام بن عبد الملك لما مات مسلمة بن عبد الملك وقعد ~~هشام للعزاء ، فأتاه الوليد وهو نشوان يجر مطرف خز عليه ، فوقف على هشام ~~فقال : يا أمير المؤمنين ، إن عقبي من بقي لحوق من مضى ، وقد أقفر بعد ~~مسلمة الصيد لمن ms4888 رمى ، واختل الثغر فهوى ، وعلى أثر من سلف بمضى من خلف ؛ ~~فتزودوا فإن خير الزاد التقوى . فأعرض هشام ولم يحر جوابا ، وسكت القوم فلم ~~ينطقوا . والوليد أول خليفة عد الشعر وأجاز عن كل بيت ألف درهم ، فإن يزيد ~~بن ضبة مولى ثقيف مدحه وهنأه بالخلافة فأمر أن تعد الأبيات ويعطى لكل بيت ~~ألف درهم ؛ فعدت فكانت خمسين بيتا فأعطى خمسين ألف درهم . قال : ودفن ~~الوليد بباب الفراديس بدمشق . وقيل : إنه قتل بأرض حمص . وحكى الدولابي أن ~~رأس الوليد نصب في مسجد دمشق ولم يزل أثر دمه على الجدار إلى أن قدم ~~المأمون دمشق في سنة 2 خمس عشرة ومائتين ، فأمر بحكه . وكان الوليد أبيض ~~ربعة قد وخطه الشيب . وكان نقش خاتمه : يا وليد ، احذر الموت . وكان له من ~~الأولاد الذكور والإناث ثلاثة عشر . كاتبه : العباس بن مسلم . قاضيه : محمد ~~بن صفوان الجمحي . حاجبه : قطري مولاه . الأمير بمصر : حفص بن الوليد ~~الحضرمي ، ثم صرفه عن الخراج . قاضيها : حسين بن نعيم والله أعلم . ~~PageV21P0296 # """""" صفحة رقم 297 """""" ذكر بيعة يزيد بن الوليد الناقص هو أبو خالد ~~يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان ؛ ولقب بالناقض ؛ لأنه نقص الزيادات ~~التي كان الوليد زادها في أعطيات الناس ، وهي عشرة عشرة ، ورد العطاء إلى ~~أيام هشام . وقيل : أول من لقبه بهذا اللقب مروان بن محمد . وأم يزيد شاه ~~آفريد بنت فيروز بن يزدجر بن شهريار . بويع له لليلتين بقيتا من جمادى ~~الآخرة سنة 1 ست وعشرين ومائة . قال : ولما قتل الوليد خطب يزيد الناس فذم ~~الوليد ، وذكر إلحاده ، وأنه قتله لفعله الخبيث ، وقال : أيها الناس ، إن ~~لكم علي ألا أضع حجرا على حجر ، ولا لبنة على لبنة ، ولا أكرو نهرا ، ولا ~~أكنز مالا ، ولا أعطيه زوجة وولدا ، ولا أنقل مالا من بلد حتى أسد ثغره ~~وخصاصة أهله بما يغنيهم ، فما فضل نقلته إلى البلد الذي يليه ، ولا أجمركم ~~في ثغوركم فأفتنكم ، ولا أغلق بابي دونكم ، ولا أحمل على أهل جزيتكم ، ولكم ~~أعطياتكم كل سنة وأرزاقكم ms4889 في كل شهر ، حتى يكون أقصاكم كأدناكم ؛ فإن وفيت ~~بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة ، وإن لم أوف فلكم أن تخلعوني ~~، إلا أن أتوب ، وإن علمتم أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم مثل ما أعطيكم ~~وأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه . أيها الناس ، إنه لا طاعة لمخلوق ~~في معصية الخالق . والله الموفق بمنه وكرمه . ذكر اضطراب أمر بني أمية وفي ~~سنة ست وعشرين ومائة في أيام يزيد هذا اضطرب أمر بني أمية ، وهاجت الفتنة ، ~~فكان من ذلك وثوب سليمان بن هشام ابن عبد الملك بعمان ، وكان الوليد قد ~~حبسه بها ، فلما قتل خرج من الحبس ، وأخذ ما كان بها من الأموال ، وأقبل ~~إلى دمشق ، وجعل يلعن الوليد ويعيبه بالكفر . ومن ذلك خلاف أهل حمص وفلسطين ~~: PageV21P0297 # """""" صفحة رقم 298 """""" ذكر خلاف أهل حمص قال : ولما قتل الوليد أغلق ~~أهل حمص أبوابها ، وأقاموا النوائح والبواكي عليه . وقيل لهم : إن العباس ~~بن الوليد بن عبد الملك أعان عبد العزيز على قتله ، فهدموا داره ، ~~وانتهبوها ، وسلبوا حريمه ، وطلبوه ؛ فسار إلى أخيه يزيد ، وكاتب أهل حمص ~~الأجناد ، ودعوهم إلى الطلب بدم الوليد ، فأجابوهم واتفقوا على ألا يطيعوا ~~يزيد ، وأمروا عليهم معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير ، ووافقهم مروان بن ~~عبد الله بن عبد الملك على ذلك ، فراسلهم يزيد ، فأخرجوا رسله ، فسير إليهم ~~أخاه مسرورا في جمع كثير ، فنزلوا حوارين ، ثم قدم على يزيد سليمان بن هشام ~~، فرد عليه ما كان الوليد أخذه من أموالهم ، وسيره إلى أخيه مسرور ، وأمرهم ~~بالسمع والطاعة له ؛ وكان أهل حمص يريدون السير إلى دمشق ، فقال لهم مروان ~~بن عبد الله : أرى أن تسيروا إلى هذا الجيش فتقاتلوهم ، فإن ظفرتم بهم كان ~~ما بعدهم أهون عليكم ، ولست أرى المسير إلى دمشق وترك هؤلاء خلفكم . فقال ~~السمط بن ثابت : إنما يريد خلافكم ، وهو مائل ليزيد ، فقتلوه وقتلوا ابنه ، ~~وولوا عليهم أبا محمد السفياني ، وتركوا عسكر سليمان ذات اليسار ، وساروا ~~إلى دمشق ، فخرج سليمان مجدا في طلبهم ، فلحقهم بالسليمانية - مزرعة كانت ms4890 ~~لسليمان ابن عبد الملك خلف عذراء . وأرسل يزيد عبد العزيز بن الحجاج في ~~ثلاثة آلاف إلى ثنية العقاب ، وأرسل هشام بن مصاد في ألف وخمسمائة إلى عقبة ~~السلامية . وأمرهم أن يمد بعضهم بعضا ، ولحقهم سليمان على تعب مقاتلتهم ، ~~فانهزمت ميمنته وميسرته ، وثبت هو في القلب ، ثم حمل أصحابه على أهل حمص ~~حتى ردوهم إلى موضعهم ، وحمل بعضهم على بعض مرارا . فبينما هم كذلك إذ أقبل ~~عبد العزيز من ثنية العقاب ، فحمل على أهل حمص حتى دخل عسكرهم ، وقتل فيه ~~من عرض له ، فانهزموا ونادوا : يا يزيد بن خالد بن عبد الله القسري الله ~~الله في قومك فكف الناس ، وأخذ أبو محمد السفياني أسيرا ، ويزيد بن خالد بن ~~معاوية ، فأتى بهما سليمان فسيرهما إلى يزيد فحبسهما . PageV21P0298 # """""" صفحة رقم 299 """""" واجتمع أمر أهل دمشق ليزيد ، وبايعه أهل حمص ~~، فأعطاهم العطاء ، وأجاز الأشراف ؛ واستعمل عليهم يزيد بن الوليد ابن ~~معاوية بن يزيد بن الحصين . ذكر خلاف أهل فلسطين وفي هذه السنة وثب أهل ~~فلسطين على عاملهم سعيد بن عبد الملك فطردوه ، وكان الوليد قد استعمله ~~عليهم ، فأحضروا يزيد بن سليمان بن عبد الملك فجعلوه عليهم ، فدعا الناس ~~إلى قتال يزيد ، فأجابوه إلى ذلك ؛ وبلغ أهل الأردن أمر أهل فلسطين ، فولوا ~~عليهم محمد بن عبد الملك ، واجتمعوا معهم على قتال يزيد ابن الوليد ، فبعث ~~يزيد إليهم سليمان بن هشام بن عبد الملك في أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا ~~مع السفياني ، وعدتهم أربعة آلاف ونيف ، فبايع الناس ليزيد ، واستعمل ضبعان ~~بن روح على فلسطين وإبراهيم بن الوليد بن عبد الملك على الأردن . ذكر عزل ~~يوسف بن عمر عن العراق وما كان من أمره ، واستعمال منصور بن جمهور وفي هذه ~~السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن العراق ، واستعمل منصور بن جمهور ~~، وقال له لما ولاه العراق : اتق الله واعلم أني إنما قتلت الوليد لفسقه ، ~~ولما أظهر من الجور ، فلا تركب مثل ما قتلناه عليه . فسار حتى إذا بلغ عين ~~التمر كتب إلى ms4891 من بالحيرة من قواد أهل الشام يخبرهم بقتل الوليد وتأميره ~~على العراق ويأمرهم بأخذ يوسف وعماله ، وبعث بالكتب كلها إلى سليمان بن ~~سليم بن كيسان ليفرقها على القواد ، فحبس الكتب ؛ وحمل كتابه فأقرأه يوسف ~~بن عمر ، فتحير في أمره ، وقال : ما الرأي يا سليمان ؟ قال : ليس لك إمام ~~تقاتل معه ، ولا يقاتل أهل الشام معك ، ولا آمن عليك منصورا . وما الرأي ~~إلا أن تلحق بشامك . قال : فكيف الحيلة ؟ قال : تظهر الطاعة ليزيد وتدعو له ~~في خطبتك ؛ فإذا قرب منصور تستخفي عندي وتدعه والعمل . ثم مضى سليمان إلى ~~عمرو بن محمد بن سعيد بن العاص ، فأخبره بالأمر ، وسأله أن يؤوى يوسف بن ~~عمر عنده ، ففعل ، فانتقل يوسف إليه ، فلم ير رجل كان مثل عتوه خاف مثل ~~خوفه . PageV21P0299 # """""" صفحة رقم 300 """""" وقدم منصور الكوفة فحضهم وذم الوليد ويوسف ، ~~وقامت الخطباء فذموهما معه ، فأتى عمرو بن محمد إلى يوسف ، فأخبره ؛ فجعل ~~لا يذكر له رجلا ممن ذكره بسوء إلا قال : لله على أن أضربه كذا وكذا سوطا ؛ ~~فجعل عمرو يتعجب من طمعه في الولاية ، وتهدده لناس . وسار يوسف من الكوفة ~~سرا إلى الشام ، فنزل البلقاء ، فلما بلغ خبره يزيد بن الوليد وجه إليه ~~خمسين فارسا ، فعرض رجل من بني نمير ليوسف ، وقال : يا بن عمر ، أنت والله ~~مقتول ، فأطعني وامتنع . قال : لا ، فدعني أقتلك أنا ولا تقتلك هذه ~~اليمانية فتغيظنا بقتلك . قال : مالي فيما عرضت خيار ، فطلبه المسيرون إليه ~~، فلم يروه ، فتهددوا ابنا له ، فقال لهم : انطلق إلى مزرعة له ، فساروا في ~~طلبه ، فلما أحس بهم هرب وترك نعليه ، ففتشوا عليه فوجدوه بين نسوة قد ~~ألقين عليه قطيفة خز وجلسن على حواشيها حاسرات ، فجروا برجله ، وأخذوه ، ~~وأقبلوا به إلى يزيد ، فوثب عليه بعض الحرس ، فأخذ بلحيته ونتف بعضها ، ~~وكان من أعظم الناس لحية ، وأصغرهم قامة . فلما أدخل على يزيد قبض على لحية ~~نفسه ، وهي إلى سرته ، وجعل يقول : يا أمير المؤمنين ؛ نتفت والله لحيتي ، ~~حتى لم يبق فيها شعرة ؛ فأمر به فحبس في ms4892 الخضراء فأتاه إنسان فقال له : أما ~~تخاف أن يطلع عليك بعض من وترت فيلقى عليك حجرا فيقتلك ؟ قال : ما فطنت ~~لهذا ، فأرسل إلى يزيد يطلب منه أن يحول إلى حبس غير الخضراء ، وإن كان ~~أضيق منه ، فعجبوا من حمقه ، فنقله وحبسه مع ابني الوليد ، فبقي في الحبس ~~ولاية يزيد وشهرين وعشرة أيام من ولاية إبراهيم . فلما قرب مروان من دمشق ~~ولي يزيد بن خالد القسري مولى لأبيه يقال له أبو الأسد قتلهم ، فقتل الحكم ~~وعثمان ويوسف على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى . وكان يوسف بن عمر يحمق ، ~~وفيه أشياء متباينة متناقضة ؛ كان طويل الصلاة ، ملازما للمسجد ، ضابطا ~~لحشمه وأهله عن الناس ، لين الكلام ، متواضعا ، حسن المملكة كثير التضرع ~~والدعاء ، فكان يصلي الصبح ، ولا يكلم أحدا حتى يصلي الضحى ، وهو فيما بين ~~ذلك يقرأ القرآن ويتضرع ، وكان بصيرا بالشعر والأدب ، وكان PageV21P0300 # """""" صفحة رقم 301 """""" شديد العقوبة ، مسرفا في ضرب الأبشار ، وكان ~~يأخذ الثوب الجيد فيمر ظفره عليه فإن تعلق به طاقه ضرب صاحبه ، وربما قطع ~~يده . حكى أنه أتى يوما بثوب فقال لكاتبه : ما تقول في هذا الثوب ؟ قال : ~~كان ينبغي أن تكون بيوته أصغر مما هي . فقال للحائك : صدق يا بن اللخناء . ~~فقال الحائك : نحن أعلم بهذا . فقال لكاتبه : صدق يا بن اللخناء . فقال ~~الكاتب : هذا يعمل في السنة ثوبا أو ثوبين وأنا يمر على يدي في السنة مائة ~~ثوب مثل هذا . فقال للحائك : صدق يا بن اللخناء ، فلم يزل يكذب هذا مرة ، ~~وهذا مرة حتى عد أبيات الثوب ، فوجدها تنقص بيتا من أحد جانبي الثوب ، فضرب ~~الحائك مائة سوط . وقيل : إنه أراد السفر فدعا جواريه ، فقال لإحداهن : ~~تخرجين معي ؟ قالت : نعم . قال : يا خبيثة . كل هذا من حب النكاح ، يا خادم ~~، اضرب رأسها . وقال لأخرى : ما تقولين ؟ فقالت : أقيم على ولدي . فقال : ~~يا خبيثة ، كل هذا زهادة في ، اضرب رأسها . وقال لثالثة : ما تقولين ؟ قالت ~~: لا أدري ما أقول ، إن قلت ما قالت إحداهما لم آمن عقوبتك ms4893 . فقال : يا ~~لخناء وتناقضين وتحتجين ، اضرب رأسها . وكان قصيرا ، فكان يحضر الثوب ~~الطويل ليفصله ليلبسه ، فإن قال له الخياط : إنه يفضل منه ضرب رأسه ، وإن ~~قال : لا يكفي إلا بعد التصرف في التفصيل سره ذلك ، فكانوا يفصلون له ~~ويأخذون ما بقي . وكان له في ذلك أشياء كثيرة . فلنرجع إلى أخبار منصور بن ~~جمهور . قال : وكان دخول منصور الكوفة لأيام خلت من شهر رجب سنة 1 ست ~~وعشرين ومائة ، فأخذ بيوت الأموال ، وأخرج العطاء والأرزاق ، وأطلق من كان ~~في السجون من العمال وأهل الخراج ، وبايع ليزيد بالعراق ، وأقام بقية رجب ~~وشعبان ورمضان ، وانصرف لأيام بقين منه . وامتنع نصر بن سيار بخراسان من ~~تسليم عمله لعامل منصور ، فإن يزيد كان قد ضم خراسان لمنصور مع العراق . ~~PageV21P0301 # """""" صفحة رقم 302 """""" ذكر عزل منصور بن جمهور عن العراق وولاية عبد ~~الله بن عمر بن عبد العزيز وفي هذه السنة عزل يزيد بن الوليد منصور بن ~~جمهور عن العراق ، واستعمل عبد الله بن عمر بن عبد العزيز : وقال له : سر ~~إلى العراق فإن أهله يميلون إلى أبيك . وخاف ألا يسلم إليه المنصور العمل ، ~~فانقاد له أهل الشام ، وسلم إليه منصور الولاية ، وانصرف إلى الشام ، ففرق ~~عبد الله العمال ، وأعطى الناس أرزاقهم وأعطياتهم ، فنازعه قواد أهل الشام ~~، وقالوا : تقسم على هؤلاء فيئنا ، وهم عدونا فقال لأهل العراق : إني أريد ~~أن أرد عليكم فيئكم ، وعلمت أنكم أحق به ، فنازعني هؤلاء . فاجتمع أهل ~~الكوفة بالجبانة ، فأرسل إليهم أهل الشام يعتذرون ، وثار غوغاء الناس في ~~الفريقين ، فأصيب منهم رهط لم يعرفوا ، واستعمل عبد الله بن عمر على شرطته ~~عمر بن الغضبان ابن القبعثري ، وعلى خراج السواد والمحاسبات أيضا . ذكر ~~الاختلاف بين أهل خراسان وفي سنة 1 ست وعشرين ومائة وقع الاختلاف بخراسان ~~بين النزارية واليمانية ، وأظهر الكرماني الخلاف لنصر بن سيار . وكان سبب ~~ذلك أن نصرا رأى الفتنة قد ثارت ، فرفع حاصل بيت المال ، وأعطى الناس بعض ~~أعطياتهم ورقا وذهبا ، من أوان كان اتخذها للوليد بن يزيد ، فطلب الناس ms4894 منه ~~العطاء ، وهو يخطب ؛ فقال نصر : إياي والمعصية ، عليكم بالطاعة والجماعة . ~~فوثب أهل السوق إلى أسواقهم ، فغضب نصر ، وقال : مالكم عندي عطاء ثم قال : ~~كأني بكم وقد نبع من تحت أرجلكم شر لا يطاق ، وكأني بكم مطرحين في الأسواق ~~كالجزر المنحورة ، إنه لم تطل ولاية رجل إلا ملوها ، وأنتم يأهل خراسان ~~مسلحة في نحور العدو ، فإياكم أن يختلف فيكم سيفان ؛ إنكم تريشون أمرا ~~وتريدون به الفتنة ، ولا أبقى الله عليكم ، لقد نشرتكم وطويتكم ، فما عندي ~~منك عشرة . فاتقوا الله ، فوالله لئن اختلف فيكم سيفان ليتمنين أحدكم أنه ~~ينخلع من ماله وولده . يأهل خراسان ، إنكم قد غمطتم الجماعة ، وركنتم إلى ~~الفرقة . PageV21P0302 # """""" صفحة رقم 303 """""" ثم تمثل بقول النابغة : إن يغلب شقاؤكمو ~~عليكم . . . فإني في صلاحكموا سعيت وقدم على نصر عهده على خراسان من قبل ~~عبد الله بن عمر ابن عبد العزيز ؛ فقال الكرماني لأصحابه : الناس في فتنة ~~فانظروا لأموركم رجلا . والكرماني اسمه جديع بن علي الأرذي ، وإنما سمى ~~الكرماني لأنه ولد بكرمان ، فقالوا له : أنت لنا . وقالت المضرية لنصر : إن ~~الكرماني يفسد عليك الأمور ، فأرسل إليه فاقتله أو احبسه . قال : لا ، ولكن ~~لي أولاد ذكور وإناث ، فأزوج بني من بناته ، وبناتي من بنيه . قالوا : لا . ~~قال : فأبعث إليه بمائة ألف درهم ، وهو بخيل ، فلا يعطى أصحابه شيئا منها ، ~~فيتفرقون عنه . قالوا : لا ، هذه قوة له ، ولم يزالوا به حتى قالوا له : إن ~~الكرماني لو لم يقدر على السلطنة والملك إلا بالنصرانية واليهودية لتنصر ~~وتهود . وكان نصر والكرماني متصافيين ، وكان الكرماني قد أحسن إلى نصر في ~~ولاية أسد بن عبد الله القسري . فلما ولي نصر عزل الكرماني عن الرياسة ~~وولاها غيره ، فتباعد ما بينهما ، فلما أكثروا على نصر في أمره عزم على ~~حبسه ، فأرسل صاحب حرسه ليأتيه به ، فأرادت الأزد أن تخلصه من يده ، فمنعهم ~~من ذلك ، وسار مع صاحب الحرس وهو يضحك . فلما دخل على نصر قال له : يا ~~كرماني ، ألم يأتني كتاب يوسف ابن عمر بقتلك فراجعت وقلت : شيخ خراسان ms4895 ~~وفارسها ، فحقنت دمك ؟ قال : بلى . قال : ألم أغرم عنك ما كان لزمك من ~~الغرم ، وقسمته في أعطيات الناس ؟ قال : بلى . قال : ألم أرؤس ابنك عليا ~~على كره من قومك ؟ قال : بلى . قال : فبدلت ذلك إجماعا على الفتنة . قال ~~الكرماني : لم يقل الأمير شيئا إلا وقد كان أكثر منه ، وأنا لذلك شاكر ، ~~وقد كان مني أيام أسد ما قد علمت ، ولست أحب الفتنة . قال سلم بن أحوز : ~~اضرب عنقه أيها الأمير ، وأشار غيره بذلك ، فقام المقدام وقد امة ابنا عبد ~~الرحمن بن نعيم العامري : لجلساء فرعون خير منكم ؛ إذ قالوا : أرجه ~~PageV21P0303 # """""" صفحة رقم 304 """""" وأخاه والله لا يقتل الكرماني بقولكم ، فأمر ~~نصر بحبسه في القهندز . فحبس وذلك لثلاث بقين من شهر رمضان ، فتكلمت الأزد ~~فقال نصر : إني حلفت أن أحبسه ، ولا يناله مني سوء ، فإن خشيتم عليه ~~فاختاروا رجلا يكون معه فاختاروا يزيد النحوى ، فكان معه ؛ فجاء رجل من أهل ~~نسف ، فقال لآل الكرماني : ما تجعلون لي إن أخرجته ؟ قالوا : كل ما سالت ، ~~فأتى مجرى الماء في القهندز فوسعه ، وقال لولد الكرماني : اكتبوا لأبيكم ~~يستعد الليلة للخروج . فكتبوا إليه ، وأدخلوا الكتاب في الطعام ، فتعشى ~~الكرماني ، ويزيد النحوي ، وحصين بن حكيم ؛ وخرجا من عنده . ودخل الكرماني ~~السرب ، فانطوت على بطنه حية فلم تضره ؛ وخرج من السرب ، وركب فرسه البشير ~~، والقيد في رجله ، فأتوا به عبد الملك بن حرملة فأطلق عنه القيد . وقيل : ~~إن الذي خلص الكرماني مولى له رأى خرقا فوسعه وأخرجه منه ، فلم يصل الصبح ~~حتى اجتمع معه زهاء ألف ، ولم يرتفع النهار حتى بلغوا ثلاثة آلاف . وكانت ~~الأزد قد بايعوا عبد الملك بن حرملة . فلما خرج الكرماني قدمه عبد الملك . ~~قال : ولما خرج الكرماني عسكر نصر بباب مرو الروذ ، وخطب الناس ، فنال من ~~الكرماني ، ثم ذكر الأزد ، فقال : إن يستوسقوا فهم أذل قوم ، وإن يأبوا فهم ~~كما قال الأخطل : ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت . . . فدل عليها صوتها حية ~~البحر ثم ندم على ما فرط منه ، فقال : اذكروا الله ؛ فإنه خير ms4896 لا شر فيه . ~~واجتمع إلى نصر بشر كثير ، فسفر الناس بينه وبين الكرماني ، وسألوا نصرا أن ~~يؤمنه ، ولا يحبسه ؛ وجاء الكرماني ، فوضع يده في يد نصر ، فأمره بلزوم ~~بيته ، ثم بلغ الكرماني عن نصر شيء ، فخرج إلى قرية له ، وخرج نصر فعسكر ~~بباب مرو ، فكلموه فيه ، فأمنه . PageV21P0304 # """""" صفحة رقم 305 """""" فلما عزل ابن جمهور عن العراق وولى عبد الله ~~بن عمر في شوال من السنة خطب نصر ، وذكره ، وقال : قد علمت أنه لم يكن من ~~عمال العراق ، وقد عزله الله ، واستعمل الطيب ابن الطيب . فغضب الكرماني ~~لابن جمهور ، وعاد في جمع الرجال واتخاذ السلاح ؛ فكان يحضر الجمعة في ألف ~~وخمسمائة فيصلي خارج المقصورة ، ثم يدخل فيسلم على نصر ، ولا يجلس ، ثم ترك ~~إتيان نصر وأظهر الخلاف ؛ فأرسل إليه مع سلم بن أحوز ، يقول : إني والله ما ~~أردت بحبسك سوءا ، ولكن خفت فساد أمر الناس فأتني . فقال : لولا أنك في ~~منزلي لقتلتك ، ارجع إلى ابن الأقطع ، فأبلغه ما شئت من خير أو شر . فرجع ~~إلى نصر فأخبره ، فلم يزل يرسل إليه مرة بعد أخرى ، فكان آخر ما قال له ~~الكرماني : إني لا آمن أن يحملك قوم على غير ما تريد ، فتركب منا ما لا ~~بقية بعده ، فإن شئت خرجت عنك لا من هيبة لك ، ولكن أكره سفك الدماء ، ~~فتهيأ للخروج إلى جرجان ؛ ثم كان من أمر الكرماني ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى . ذكر الحرب بين أهل اليمامة وعاملهم قال : لما قتل الوليد بن يزيد ~~كان على اليمامة علي بن المهاجر ، استعمله عليها يوسف بن عمر ، فقال له ~~المهير بن سلمى بن هلال أحد بني الدؤل بن حنيفة : اترك لنا بلادنا ، فأبى ؛ ~~فجمع له المهير ، وسار إليه ، وهو بقصره في قاع هجر ، فالتقوا بالقاع ، ~~فانهزم علي حتى دخل قصره ، ثم هرب إلى المدينة ، وقتل المهير ناسا من ~~أصحابه ، وتأمر المهير على اليمامة ، ثم إنه مات ، واستخلف على اليمامة عبد ~~الله بن النعمان أحد بني قيس بن ثعلبة بن الدؤل ، فاستعمل عبد ms4897 الله بن ~~النعمان المندلث بن إدريس الحنفي على الفلج - وهي قرية من قرى بني عامر بن ~~صعصعة ، فجمع له بنو كعب ابن ربيعة بن عامر ومعهم بنو عقيل ، فأتوا الفلج ، ~~فلقيهم المندلث ، وقاتلهم ، فقتل المندلث وأكثر أصحابه ، ولم يقتل من بني ~~عامر كثير ، وقتل يومئذ يزيد ابن الطثرية وهي أمه ، تنسب إلى طثر بن عنز بن ~~وائل ، وهو يزيد بن المنتشر . PageV21P0305 # """""" صفحة رقم 306 """""" فلما بلغ عبد الله بن النعمان قتل المندلث ~~جمع ألفا من حنيفة وغيرها ، وغزا الفلج . فلما تصاف الناس انهزم أبو لطيفة ~~بن مسلم العقيلي ، وطارق ابن عبد الله القشيري ، والجعونيان ، وتجللت بنو ~~جعدة البراذع ، وولوا ، فقتل أكثرهم ، وقطعت يد زياد بن حيان الجعدي ؛ ثم ~~قتل . ثم إن بني عقيل وقشيرا وجعدة ونميرا تجمعوا وعليهم أبو سهلة النميري ~~، فقتلوا من لقوا من بني حنيفة بمعدن الصحراء ، وسبوا نساءهم ، وكفت بنو ~~نمير عن النساء . ثم إن عمر بن الوازع الحنفي لما رأى ما فعل عبد الله بن ~~النعمان قال : لست بدون عبد الله وغيره ممن يغير ، وهذه فترة يؤمن فيها ~~عقوبة السلطان ، فجمع خيله وبثها فأغارت وأغار فملأ يده من الغنائم ، وأقبل ~~بمن معه حتى أتى النشاش ، وأقبلت بنو عامر ، وقد حشدت ، فلم يشعر عمر بن ~~الوازع إلا برغاء الإبل ، فجمع النساء في فسطاط ، وجعل عليهن حرسا ، ولقي ~~القوم فقاتلهم ، فانهزم هو ومن معه ، وهرب ابن الوازع ، فلحق باليمامة ، ~~وكفت قيس يوم النشاش عن السلب ، فجاءت عكل فسلبتهم . وجمع عبيد الله بن ~~مسلم الحنفي جمعا ، وأغار على ماء لقشير يقال له حلبان ، وأغار على عكل ~~فقتل منهم عشرين رجلا . ثم قدم المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري ~~واليا على اليمامة من قبل أبيه يزيد بن عمر حين ولي العراق لمروان بن محمد ~~، فوردها وهم سلم . وسكنت البلاد ؛ ولم يزل عبيد الله بن مسلم الحنفي ~~مستخفيا حتى قدم السري بن عبد الله الهاشمي واليا على اليمامة لبني العباس ~~، فدل عليه فقتله . وفي هذه السنة أمر يزيد بن ms4898 الوليد بالبيعة بولاية العهد ~~لأخيه إبراهيم ، ومن بعده لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان . ~~وفيها خالف مروان بن محمد يزيد بن الوليد وأظهر الخلاف ، وتجهز للمسير إلى ~~الشام ، وعرض جند الجزيرة في نيف وعشرين ألفا ، فكاتبه يزيد ليبايع له ~~ويوليه ما كان عبد الملك ولي أباه محمدا من الجزيرة وإرمينية والموصل ~~وأذربيجان ، فبايع له مروان ، وأعطاه يزيد ولاية ما شرطه له . PageV21P0306 # """""" صفحة رقم 307 """""" ذكر وفاة يزيد بن الوليد بن عبد الملك كانت ~~وفاته بدمشق لعشر بقين من ذي الحجة سنة 1 ست وعشرين ومائة ؛ فكانت مدة ~~ولايته خمسة أشهر واثنين وعشرين يوما ، وقيل ستة أشهر وليلتين ، وقيل ستة ~~أشهر ؛ وكان عمره ستا وأربعين سنة . واختلف فيه إلى ثلاثين سنة . وكان أسمر ~~نحيف البدن ، ربع القامة ، خفيف العارضين ، فصيحا شديد العجب . وقيل في ~~صفته : أسمر طويلا صغير الرأس جميلا . وكان نقش خاتمه : يا يزيد ، قم بالحق ~~. وقيل : كان نقش خاتمه : العظمة لله . وكان آخر ما تكلم به : واحسرتاه وا ~~أسفاه وكان له عقب كثير . كاتبه : ثابت بن سليمان . قاضيه : عثمان بن عمر ~~بن موسى بن معمر التميمي . حاجبه : قطري مولاه . وقيل سلام . الأمير بمصر : ~~حفص بن الوليد ، ولم يزل عليها إلى أن ولي مروان فاستعفى . قاضيها : حسين ~~بن نعيم . ويزيد أول من خرج بالسلاح يوم العيد ، خرج بين صفين عليهم السلاح ~~. وقيل : إنه كان قدريا . والله أعلم . ذكر بيعة إبراهيم بن الوليد هو أبو ~~إسحاق إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان وأمه أم ولد اسمها نعمة ، ~~وقيل خشف ؛ وهو الثالث عشر من ملوك بني أمية ، قام بالأمر بعد وفاة أخيه ~~يزيد في ذي الحجة سنة 1 ست وعشرين ومائة ، وكان يسلم عليه تارة بالخلافة ، ~~وتارة بالإمارة ، وتارة لا يسلم عليه بواحدة منهما ؛ فمكث أربعة أشهر ، ~~وقيل سبعين يوما ، ثم سار إليه مروان بن محمد ، فخلعه على ما نذكر ذلك إن ~~شاء الله ، ثم لم يزل حيا حتى أصيب في سنة 1 اثنتين وثلاثين ومائة . تتمة ms4899 ~~حوادث سنة 1 ست وعشرين ومائة : فيها عزل يزيد بن الوليد يوسف بن محمد بن ~~يوسف عن المدينة ، واستعمل عبد العزيز بن عمرو بن عثمان ، فقدمها في ذي ~~القعدة من السنة . PageV21P0307 # """""" صفحة رقم 308 """""" وحج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ~~، وقيل عمر ابن عبد الله بن عبد الملك . سنة 1 سبع وعشرين ومائة : ذكر مسير ~~مروان بن محمد إلى الشام وخلع إبراهيم بن الوليد في هذه السنة سار مروان بن ~~محمد بن مروان إلى الشام لمحاربة إبراهيم بن الوليد ، فانتهى إلى قنسرين ، ~~وبها بشر ومسرور ، ابنا الوليد أرسلهما أخوه إبراهيم ، فتصافوا ، ودعاهم ~~مروان إلى بيعته فمال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة في القيسية ، وأسلموا بشرا ~~وأخاه مسرورا ، فحبسهما مروان ، وسار معه أهل قنسرين إلى حمص ، وكان أهل ~~حمص قد امتنعوا من بيعة إبراهيم وعبد العزيز ، فوجه إليهم إبراهيم عبد ~~العزيز في جند أهل دمشق ، فحاصرهم في مدينتهم ، وأسرع مروان السير ، فلما ~~دنا من حمص رحل عبد العزيز عنها ، وخرج أهلها إلى مروان فبايعوه ، وساروا ~~معه ، ووجه إبراهيم الجنود من دمشق مع سليمان بن هشام في مائة وعشرين ألفا ~~ومروان في ثمانين ألفا ، فدعاهم مروان إلى الكف عن قتاله وإطلاق الحكم ~~وعثمان ابني الوليد من السجن ، وضمن لهم أنه لا يطلب أحدا من قتلة الوليد ، ~~فلم يجيبوه وجدوا في قتاله فاقتتلوا ما بين ارتفاع النهار إلى العصر ، وكثر ~~القتل بينهم ، وكان مروان ذا رأي ومكيدة ، فأرسل ثلاثة آلاف فارس ، وأمرهم ~~أن يأتوا عسكر سليمان من خلفه ، ففعلوا ذلك ، فلم يشعر سليمان إلا والقتل ~~في أصحابه من ورائهم ، فانهزموا ، ووضع أهل حمص السلاح فيهم لحنقهم عليهم ، ~~فقتلوا منهم سبعة عشر ألفا ، وقيل ثمانية عشر ألفا ، وكف أهل الجزيرة ~~وقنسرين عن قتالهم ، وأتوا مروان من أسراهم بمثل القتلى ، فأخذ مروان عليهم ~~البيعة لولدي الوليد ، وخلى عنهم ، وهرب يزيد ابن عبد الله بن خالد القسري ~~فيمن هرب إلى دمشق ، فاجتمعوا مع إبراهيم وعبد العزيز ، واتفقوا على قتل ~~الحكم وعثمان ولدي ms4900 الوليد ، فقتلا ؛ وقتل معهما يوسف بن عمر ، وأرادوا قتل ~~محمد السفياني ، فدخل بيتا من بيوت السجن وأغلقه ، فلم يقدروا على فتحه ، ~~وأرادوا إحراقه ، فقيل لهم : قد دخلت خيل مروان المدينة ، فهربوا ، وهرب ~~إبراهيم ، واختفى ، وانتهب سليمان بن هشام ما في بيت المال ، فقسمه في ~~أصحابه ، وخرج من المدينة ، وعاش إلى سنة 1 اثنتين وثلاثين ومائة ، ثم قتله ~~ابن عوف يوم الزاب . وقيل : إنه غرق في ذلك اليوم . PageV21P0308 # """""" صفحة رقم 309 """""" وقيل : قتله مروان بن محمد وصلبه . وكان ~~إبراهيم عاجزا ضعيف الرأي ، وكان خفيف العارضين له ضفيرتان . وكان نقش ~~خاتمه : توكلت على الحي القيوم . كاتبه : بكير بن السراج اللخمي . قاضيه : ~~عثمان بن عمر التميمي . حاجبه : قطري مولى الوليد ، ثم وردان مولاه . والله ~~أعلم . ذكر بيعة مروان بن محمد هو أبو عبد الله مروان بن محمد بن الحكم بن ~~أبي العاص ، وأمه لبابة جارية إبراهيم بن الأشتر ، وكانت كردية ، أخذها ~~محمد من عسكر إبراهيم ، فولدت له مروان وعبد العزيز ، ولقب بالجعدي لأن ~~خاله الجعد بن درهم ، فنسب إليه . ولقب أيضا حمار الجزيرة . بويع له في صفر ~~في سنة 1 سبع وعشرين ومائة ، وكان سبب بيعته أنه لما دخل دمشق وهرب إبراهيم ~~بن الوليد وسليمان بن هشام ثار من بدمشق من موالي الوليد بن يزيد بن عبد ~~الملك إلى دار عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك ، فقتلوه ونبشوا قبر يزيد ~~بن الوليد ، وأخرجوه فصلبوه على باب الجابية ، وأتى مروان بالغلامين ، ~~الحكم وعثمان مقتولين ، وبيوسف بن عمر ، فدفنهم ، وأتى بأبي محمد السفياني ~~في قيوده ، فسلم على مروان بالخلافة ، ومروان يومئذ يسلم عليه بالإمرة ، ~~فقال له مروان : مه . فقال : إنهما جعلاها لك بعدهما ، وأنشد شعرا قاله ~~الحكم في السجن ، وكانا قد بلغا وولد لأحدهما ، وهو الحكم ، فقال : ألا من ~~مبلغ مروان عني . . . وعمى الغمر طال به حنينا بأني قد ظلمت وصار قومي . . ~~. على قتل الوليد مشايعينا أيذهب كلهم بدمي ومالي . . . فلا غثا أصبت ولا ~~سمينا ومروان بأرض بني نزار . . . كليث الغاب مفترش عرينا أتنكث ms4901 بيعتي من ~~أجل أمي . . . فقد بايعتمو قبلي هجينا فإن أهلك أنا وولي عهدي . . . فمروان ~~أمير المؤمنينا PageV21P0309 # """""" صفحة رقم 310 """""" ثم قال : ابسط يدك أبايعك ، وسمعه من مع ~~مروان . وكان أول من بايعه معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير ورؤوس أهل حمص ، ~~والناس بعد . فلما استقر له الأمر رجع إلى منزله بحران ، وطلب منه الأمان ~~لإبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام فأمنهما فقدما عليه ، وبايعاه . وفي ~~هذه السنة ظهر عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بالكوفة ~~ودعا إلى نفسه ؛ وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله في أخبارهم . ذكر رجوع ~~الحارث بن سريج وفي هذه السنة كان رجوع الحارث بن سريج إلى مرو ؛ وكان ~~قدومه في جمادى الآخرة سنة 1 سبع وعشرين ومائة ، وكان ببلاد الترك ، وكان ~~مقامه عندهم اثنتي عشرة سنة ، وقد قدمنا من أخباره طرفا . وكان سبب عوده أن ~~الفتنة لما وقعت بخراسان بين نصر بن سيار والكرماني في سنة 1 ست وعشرين في ~~خلافة يزيد ابن الوليد كما ذكرنا - خاف نصر قدوم الحارث عليه في أصحابه ، ~~فأرسل مقاتل بن حيان النبطي وغيره ليردوه من بلاد الترك ، وسار خالد بن ~~زياد البدي الترمذي وخالد بن عمرو مولى بني عامر إلى يزيد ، فأخذوا للحارث ~~منه أمانا فأمنه ، وأمر نصر بن سيار أن يرد عليه ما أخذ له ، وأمر عبد الله ~~بن عمر بن عبد العزيز بذلك ، فلما قدم تلقاه الناس بكشميهن ، ولقيه نصر ~~وأنزله ، وأجرى عليه كل يوم خمسين درهما ، فكان يقتصر على لون واحد ، وأطلق ~~نصر أهله وأولاده ، وعرض عليه نصر أن يوليه ويعطيه مائة ألف دينار ، فلم ~~يقبل . وأرسل إلى نصر : إني لست من الدنيا واللذات في شيء ، إنما أسأل كتاب ~~الله والعمل بالسنة واستعمال أهل الخير ، فإن فعلت ساعدتك على عدوك . وأرسل ~~الحارث إلى الكرماني إذا أعطاني نصر العمل بالكتاب وما سألته عضدته وقمت ~~بأمر الله ، وإن لم يفعل أعنتك إن ضمنت لي القيام بالعدل والسنة . ودعا بني ~~تميم ms4902 إلى نفسه ، فأجابه منهم ومن غيرهم جمع كثير ، واجتمع إليه ثلاثة آلاف ~~، وقال لنصر : إنما خرجت من هذه البلدة منذ ثلاث عشرة سنة إنكارا للجور ~~وأنت تريدني عليه . PageV21P0310 # """""" صفحة رقم 311 """""" ذكر انتقاض أهل حمص وفي هذه السنة انتقض أهل ~~حمص بعد عود مروان إلى حران بثلاثة أشهر ، وكان الذي دعاهم إلى ذلك ثابت بن ~~نعيم وراسل أهل حمص من بتدمر من كلب ، فأتاهم الأصبغ بن ذؤالة الكلبي ~~وأولاده ، ومعاوية السكسكي ، وكان فارس أهل الشام وغيرهما في نحو ألف من ~~فرسانهم ، فدخلوا حمص ليلة الفطر ، فجد مروان في السير إليهم ومعه إبراهيم ~~بن الوليد المخلوع ، وسليمان ابن هشام ، فبلغها بعد الفطر بيومين ، وقد سد ~~أهلها أبوابها ، فأحدق بالمدينة ووقف بإزاء باب من أبوابها ، فنادى مناديه ~~: ما دعاكم إلى النكث ؟ قالوا : إنا على طاعتك لم ننكث . قال : فافتحوا . ~~ففتحوا الباب ، فدخله عمرو بن الوضاح في الوضاحية في نحو ثلاثة آلاف ، ~~فقاتلهم من بالبلد فكسرتهم خيل مروان ، فخرج من بها من باب تدمر ، فقاتلهم ~~من عليه من أصحاب مروان فقتل عامة من خرج منه ، وأفلت الأصبغ وابنه ، وقتل ~~مروان جماعة من أشرافهم ، وصلب خمسمائة من القتلى حول المدينة ، وهدم من ~~سورها نحو غلوة . وقيل : كان ذلك سنة 1 ثمان وعشرين ومائة . والله أعلم . ~~ذكر خلاف أهل الغوطة وفي هذه السنة خالف أهل الغوطة وولوا عليهم يزيد بن ~~خالد القسري وحصروا دمشق وأميرها زامل بن عمرو ، فوجه إليهم مروان من حمص ~~أبا الورد بن الكوثر بن زفر بن الحارث ، وعمرو بن الوضاح في عشرة آلاف ، ~~فلما دنوا من المدينة حملوا عليهم ، وخرج عليهم من بالمدينة ؛ فانهزموا ، ~~واستباح أصحاب مروان عسكرهم ، وأحرقوا المزة وقرى من قرى اليمانية ، وأخذ ~~يزيد بن خالد فقتل ، وبعث زامل بأسه إلى مروان بحمص . ذكر خلاف أهل فلسطين ~~وفيها خرج ثابت بن نعيم بعد هؤلاء في أهل فلسطين ، وأتى طبرية فحاصرها ، ~~PageV21P0311 # """""" صفحة رقم 312 """""" وعليها الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم ، ~~فقاتله أهلها أياما ، فكتب مروان بن محمد إلى ms4903 أبي الورد يأمره بالمسير ~~إليهم ، فسار فلما قرب منهم خرج أهل طبرية على ثابت فهزموه واستباحوا عسكره ~~، فانصرف إلى فلسطين منهزما ، فتبعه أبو الورد والتقوا واقتتلوا ، فانهزم ~~ثانية وتفرق عنه أصحابه وأسر ثلاثة من أولاده ، وبعث بهم إلى مروان ، وتغيب ~~ثابت وولده رفاعة . واستعمل مروان على فلسطين الرماحس بن عبد العزيز ~~الكناني ، فظفر بثابت ، فبعثه إلى مروان موثقا بعد شهرين ، فأمر به ~~وبأولاده الثلاثة ، فقطعت أيديهم وأرجلهم ، وحملوا إلى دمشق ، فألقوا على ~~باب المسجد ثم صلبوا على أبواب دمشق ؛ واستقام أمر الشام لمروان إلا تدمر ؛ ~~فسار مروان إليها ، فنزل القسطل ، وبعث إليهم فأجابوه إلى الطاعة فبايعهم ، ~~وهدم سور البلد . وفيها بايع مروان لابنيه عبيد الله وعبد الله وزوجهما ~~ابنتي هشام ابن عبد الملك ، وجمع لذلك بني أمية . وسار مروان إلى الرصافة ، ~~وندب يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لقتال الضحاك الخارجي ، وأمر أهل ~~الشام باللحاق به . ولما سار مروان استأذنه سليمان بن هشام ليقيم أياما ~~ليقوى من معه وتستريح دوابهم ، فأذن له . وتقدم مروان إلى قرقيسياء وبها ~~ابن هبيرة ليقدمه إلى الضحاك ، فرجع عشرة آلاف ممن كان مروان أخذ من أهل ~~الشام لقتال الضحاك ، فأقاموا بالرصافة ، ودعوا سليمان إلى خلع مروان ~~فأجابهم . ذكر خلع سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد وفي هذه ~~السنة خلع سليمان بن هشام مروان ، وذلك أنه لما استأذنه في المقام بعده ، ~~وأقام ، وقدم عليه الجنود الذين ذكرناهم حسنوا له خلع مروان وقالوا : أنت ~~PageV21P0312 # """""" صفحة رقم 313 """""" أرضى عند الناس ، وأولى من مروان بالخلافة ؛ ~~فأجابهم إلى ذلك ، وسار بإخوته ومواليه ، فعسكر بقنسرين ، وأتاه أهل الشام ~~من كل مكان . وبلغ الخبر مروان ، فرجع إليه من قرقيسياء ، وكتب إلى ابن ~~هبيرة يأمره بالمقام ؛ وكان أولاد هشام وجماعة من موالي سليمان بحصن الكامل ~~، فمر عليهم مروان فتحصنوا منه ، فأرسل إليهم يحذرهم أن يتعرضوا لأحد ممن ~~يتبعه من جنده ، فإن تعرضوا لأحد فلا أمان لهم ، فأرسلوا إليه إنهم يكفون ~~عنهم . ومضى مروان فجعلوا يغيرون على من يتبعه ms4904 ، فاشتد غيظه عليهم . قال : ~~واجتمع إلى سليمان نحو من سبعين ألفا من أهل الشام والذكوانية وغيرهم ، ~~وعسكر بقرية خساف من أرض قنسرين . وأتاه مروان والتقوا ؛ واشتد القتال ~~بينهم ، فانهزم سليمان ومن معه ، واتبعهم مروان ، فاستباح عسكره ، وأمر ~~مروان بقتل من يؤتى به من الأسرى إلا عبدا مملوكا ، فأحصى من قتلاهم يومئذ ~~ما نيف على ثلاثين ألف قتيل . وقتل إبراهيم بن سليمان أكبر ولده ، وخالد ~~ابن هشام المخزومي خال هشام بن عبد الملك ، وادعى كثير من الجند الأسرى ~~أنهم عبيد ؛ فكف عن قتلهم ، وأمر ببيعهم فيمن يزيد . ومضى سليمان إلى حمص ، ~~وانضم إليه من أفلت ممن كان معه ، فعسكر بها ، وبنى ما كان مروان هدمه من ~~سورها ؛ وسار مروان إلى حصن الكامل ، فحصر من فيه ، وأنزلهم على حكمه ، ~~فمثل بهم ، وأخذهم أهل الرقة فداووا جراحاتهم ، فهلك بعضهم وكانت عدتهم نحو ~~ثلاثمائة . ثم سار إلى سليمان ، فقال بعضهم لبعض : حتى متى ننهزم من مروان ~~، فتبايع تسعمائة من فرسانهم على الموت ، وساروا بأجمعهم مجمعين على أن ~~يبيتوه إن أصابوا منه غرة ، وبلغه خبرهم فتحرز منهم ، فلم يمكنهم أن يبيتوه ~~، وزحف على احتراز وتعبئة ، فكمنوا في زيتون في طريقه ، فخرجوا عليه وهو ~~يسير على تعبئته ، فوضعوا السلاح فيمن معه ، فنادى مروان خيوله ، فرجعت ~~إليه ، فقاتلوا من لدن ارتفاع النهار إلى بعد العصر ، فانهزم أصحاب سليمان ~~وقتل منهم نحو ستة آلاف . PageV21P0313 # """""" صفحة رقم 314 """""" فلما بلغ سليمان هزيمتهم خلف أخاه سعيدا بحمص ~~، ومضى هو إلى تدمر ، فأقام بها ، ونزل مروان على حمص ، فحاصر أهلها عشرة ~~أشهر ، ونصب عليهم نيفا وثمانين منجنيقا يرمى بها الليل والنهار ، وهم ~~يخرجون إليه في كل يوم فيقاتلونه . فلما تتابع عليهم البلاء طلبوا الأمان ~~على أن يمكنوه من سعيد ابن هشام وابنيه : عثمان ومروان ، ومن رجل كان يسمى ~~السكسكي ، كان يغير على عسكره ، ومن رجل حبشي كان يشتم مروان ، فأجابهم إلى ~~ذلك ، واستوثق من سعيد وابنيه ، وقتل السكسكي ، وسلم الحبشي إلى بني سليم ، ~~لأنه كان يخصهم بالسب ، فقطعوا ذكره وأنفه ومثلوا ms4905 به . ولما فرغ مروان من ~~حمص سار نحو الضحاك الخارجي . وقيل : إن سليمان لما انهزم بخساف أقبل هاربا ~~حتى التحق بعبد الله ابن عمر بن عبد العزيز بالعراق ، فخرج معه إلى الضحاك ~~، فقال بعض شعرائهم : ألم تر أن الله أظهر دينه . . . وصلت قريش خلف بكر بن ~~وائل ذكر خروج الضحاك محكما وما كان من أمره إلى أن قتل وفي سنة 1 سبع ~~وعشرين ومائة خرج الضحاك بن قيس الشيباني محكما ودخل الكوفة . وكان سبب ذلك ~~أن الوليد لما قتل خرج بالجزيرة حروري يقال له سعيد بن بهدل الشيباني في ~~مائتين من أهل الجزيرة ، فاغتنم سعيد قتل الوليد واشتغال مروان بالشام فخرج ~~بأرض كفر توثا ، وخرج بسطام البيهسي ، وهو مخالف لرأيه في مثل عدتهم من ~~ربيعة ، فسار كل واحد منهما إلى صاحبه . فلما تقاربا أرسل سعيد أحد قواده ~~في مائة وخمسين ، فقتلوا بسطاما ومن معه إلا أربعة عشر رجلا . ثم مضى سعيد ~~نحو العراق فمات في الطريق ، واستخلف الضحاك بن قيس ، فأتى أرض الموصل ثم ~~شهرزور ، فاجتمعت عليه الصفرية حتى صار في أربعة آلاف ، وهلك يزيد بن ~~الوليد وعامله على العراق عبد الله بن عمر بن PageV21P0314 # """""" صفحة رقم 315 """""" عبد العزيز ومروان بالجزيرة . فكتب مروان إلى ~~النضر بن سعيد الحرشي - وهو أحد قواد ابن عمر بولاية العراق - فلم يسلم ابن ~~عمر إليه العمل ، فشخص النضر إلى الكوفة وبقي عبد الله بالحية ، وتحاربا ~~أربعة أشهر . فلما سمع الضحاك باختلافهم أقبل نحوهم ، وقصد العراق سنة 1 ~~سبع وعشرين ، فأرسل ابن عمر إلى النضر في الاجتماع عليه ، فتعاقدا واجتمعا ~~بالكوفة ؛ وكان كل منهما يصلى بأصحابه . وأقبل الضحاك فنزل بالنخيلة في شهر ~~رجب سنة 1 سبع وعشرين ومائة ، والتقوا ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فكشفوا ابن ~~عمر ، وقتلوا أخاه عاصما وجعفر بن العباس الكندي ، ودخل ابن عمر خندقه ، ~~وبقي الخوارج عليهم إلى الليل ثم انصرفوا ؛ وذلك في يوم الخميس ثم اقتتلوا ~~يوم الجمعة ، فانهزم أصحاب ابن عمر . فلما كان يوم السبت تسللوا إلى واسط ، ~~فلحق بها وجوه ms4906 الناس ، فرحل عند ذلك ابن عمر إليها ، فلم يأمنه عبيد الله ~~بن العباس الكندي على نفسه ، فسار مع الضحاك وبايعه . ولما نزل ابن عمر إلى ~~واسط نزل بدار الحجاج بن يوسف ، وعادت الحرب بينه وبين النضر إلى ما كانت ~~عليه ، وسار الضحاك من الكوفة إلى واسط ، ونزل باب المضمار ، فترك ابن عمر ~~والنضر الحرب بينهما ، واتفقا على قتال الضحاك ، فلم يزالوا على ذلك شعبان ~~ورمضان وشوال ، والقتال بينهم متواصل . ثم صالحه عبد الله بن عمر بن عبد ~~العزيز وسليمان بن هشام ، وبايعاه ، ودفعاه إلى مروان . قال : وكاتب أهل ~~الموصل الضحاك في القدوم ليمكنوه من البلد ، فسار إلى الموصل ففتح أهلها له ~~أبوابها ، فدخلها ، واستولى عليها وعلى كورها ، وذلك في سنة 1 ثمان وعشين ، ~~فبلغ مروان خبره وهو يحاصر حمص ، فكتب إلى ابنه عبد الله - وهو خليفته ~~بالجزيرة - أن يسير إلى نصيبين ، ويمنع الضحاك من توسط الجزيرة ؛ فسار ~~إليها في سبعة آلاف أو ثمانية آلاف ، وسار إليه الضحاك ، فحصر عبد الله بن ~~مروان بنصيبين ، وكان مع الضحاك ما يزيد على مائة ألف . ثم سار مروان إليه ~~، والتقوا بنواحي كفر توثا من أعمال ماردين ، فقاتله يومه PageV21P0315 # """""" صفحة رقم 316 """""" أجمع ، فقتل الضحاك ولم يعلم به مروان ولا ~~أصحابه ؛ ثم بلغ مروان قتله ، فاستخرجه من بيت القتلى وفي وجهه ورأسه أكثر ~~من عشرين ضربة . وبعث مروان رأسه إلى مدائن الجزيرة . وقيل : إن قتله كان ~~في سنة 1 تسع وعشين ومائة والله أعلم . وحيث ذكرنا أخبار الضحاك فلنذكر ~~أخبار من خرج بعده في أيام مروان : ذكر خبر الخيبري الخارجي وقتله وقيام ~~شيبان قال : ولما قتل الضحاك أصبح أهل عسكره فبايعوا الخيبري ؛ وكان سليمان ~~بن هشام معه ، وأصبحوا واقتتلوا ، فحمل الخيبري على مروان في نحو أربعمائة ~~فارس من أهل الشراة ، فهزم مروان وهو في القلب ، وخرج من العسكر منهزما ، ~~ودخل الخيبري ومن معه عسكر مروان ينادون بشعارهم ويقتلون من أدركوه ، حتى ~~انتهوا إلى خيم مروان ، فدخلها الخيبري وجلس على فرش مروان ، هذا وميمنة ~~مروان ثابتة ms4907 ، وعليها ابنه عبد الله ؛ وميسرته ثابتة وعليها إسحاق بن مسلم ~~العقيلي . فلما رأى أهل العسكر قلة من مع الخيبري ثار إليه عبيدهم بعمد ~~الخيم ، فقتلوا الخيبري وأصحابه جميعا في خيم مروان وحولها ، وبلغ مروان ~~الخبر ، وقد صار بينه وبين العسكر خمسة أميال أو ستة منهزما ، فانصرف إلى ~~عسكره ، وبات ليلته تلك ، وانصرف الخوارج فولوا عليهم شيبان . ذكر أخبار ~~شيبان الحروري وما كان من أمره إلى أن قتل هو شيبان بن عبد العزيز أبو ~~الدلفاء اليشكري . قال : ولما بايعوه بعد قتل الخيبري أقام يقاتل مروان ، ~~وتفرق عنه كثير من أصحابه ، فبقي في نحو أربعين ألفا ، فأشار عليهم سليمان ~~بن هشام أن ينصرفوا إلى الموصل فيجعلوها ظهرهم . فارتحلوا وتبعهم مروان حتى ~~انتهوا إلى الموصل فعسكروا شرقي دجلة ، وعقدوا عليها جسرا ، وخندق مروان ~~بإزائهم ، وأهل الموصل يقاتلون مع الخوارج ، فأقام مروان ستة أشهر يقاتلهم ~~، وقيل تسعة أشهر . PageV21P0316 # """""" صفحة رقم 317 """""" وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره ~~بالمسير من قرقيسيا ، بجميع من معه إلى العراق وعلى الكوفة المثنى ابن ~~عمران العائذي ، وهو خليفة الخوارج بالعراق ، فلقي ابن هبيرة بعين التمر ، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزمت الخوارج ، ثم تجمعوا بالكوفة بالنخيلة ~~فهزمهم ابن هبيرة ، ثم اجتمعوا بالصراة ، فأرسل إليهم شيبان عبيد بن سوارفي ~~خيل عظيمة ، فالتقوا بالصراة ، فانهزمت الخوارج ، وقتل عبيدة ولم يبق لهم ~~بقية بالعراق ، واستولى ابن هبيرة على العراق ، وسار إلى واسط ، وأخذ عبد ~~الله بن عمر بن عبد العزيز وحبسه ، ووجه نباتة بن حنظلة إلى سليمان بن حبيب ~~وهو على كور الأهواز ، فأرسل سليمان إلى نباتة داود بن حاتم ، فالتقوا على ~~شاطيء دجيل ؛ فانهزم الناس ، وقتل داود بن حاتم . وكتب مروان إلى ابن هبيرة ~~لما استولى على العراق يأمره بإرسال عامر بن ضبارة المرى إليه ، فسيره في ~~سبعة آلاف أو ثمانية ، فبلغ شيبان خبره ، فأرسل الجون بن كلاب الخارجي في ~~جمع ، فالتقوا فهزم عامر ؛ فأمده مروان بالجنود ، فقاتل الخوارج فهزمهم ؛ ~~وقتل الجون ، وسار إلى الموصل ، فلما بلغ شيبان قتل الجون ms4908 ومسير عامر نحوه ~~كره أن يقيم بين العسكرين ، فارتحل بمن معه ، وقدم عامر على مروان بالموصل ~~فسيره في جمع كثير في أثر شيبان ، وأمره ألا يبدأه بقتال ، فإن قاتله شيبان ~~قاتله ، وإن أمسك عنه أمسك ، فكان كذلك ، حتى مر على الجبل ، وخرج على ~~بيضاء فارس ، وبها عبد الله بن معاوية بن جعفر ، وسار إلى نحو كرمان ، ~~فأدركه عامر ، فالتقوا واقتتلوا ، وانهزم شيبان إلى سجستان فهلك بها ، وذلك ~~في سنة 1 ثلاثين ومائة . وقيل : بل كان قتال شيبان ومروان على الموصل نحو ~~شهر ، ثم انهزم شيبان حتى لحق بفارس ، وعامر يتبعه ، وسار إلى جزيرة ابن ~~كاوان ، ثم إلى عمان فقتله جلندي بن مسعود بن جيفر ابن جلندي الأزدي سنة 1 ~~أربع وثلاثين ومائة ، وسنذكره إن شاء الله في أخبار الدولة العباسية . ~~فلنرجع إلى تتمة حوادث سنة 1 سبع وعشرين مائة وما بعدها . فيها كان من ~~أخبار الأندلس وشيعة بني العباس ما نذكره إن شاء الله في مواضعه . ~~PageV21P0317 # """""" صفحة رقم 318 """""" وحج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ~~وهو عامل مروان على مكة والمدينة والطائف ، وكان العامل على العراق النضر ~~ابن سعيد الحرشي ، وكان من أمره وأمر ابن عمر والضحاك ما قدمنا ذكره . وكان ~~بخراسان نصر بن سيار والكرماني ، والحارث ابن سريج ينازعانه . وفيها مات ~~سويد بن غفلة ، وقيل سنة إحدى وثلاثين . وقيل سنة اثنتين وثلاثين ، وعمره ~~مائة وعشرون سنة . والله تعالى أعلم . سنة 1 ثمان وعشرين ومائة : ذكر مقتل ~~الحارث بن سريج وغلبة الكرماني على مرو وفي هذه السنة كان مقتل الحارث بن ~~سريج وغلبة الكرماني على مرو . وكان سبب ذلك أن ابن هبيرة لما ولي العراق ~~كتب إلى نصر ابن سيار بعهد خراسان ، فبايع لمروان بن محمد ، فقال الحارث : ~~إنما أمنني يزيد ولم يؤمني مروان ، ولا يجيز مروان أمان يزيد ، فلا آمنه . ~~فخالف نصرا فأرسل إليه نصر يدعوه إلى الجماعة وينهاه عن الفرقة ، فلم يجبه ~~إلى ذلك ، وخرج فعسكر وأرسل إلى نصر : أن اجعل الأمر شورى ، فأبى نصر ms4909 ، ~~وأمر الحارث جهم ابن صفوان رأس الجهمية ، وهو مولى راسب ، أن يقرأ سيرته ~~وما يدعو إليه على الناس ، ففعل ، فلما سمعوا ذلك كثروا وكثر جمعه . وكان ~~الحارث يظهر أنه صاحب الرايات السود ، فأرسل إليه نصر إن كنت كما تزعم ~~وإنكم تهدمون سور دمشق ، وتزيلون ملك بني أمية فخذ مني خمسمائة رأس ومائتي ~~بعير ، واحتمل من الأموال ما شئت وآلة الحرب ، وسر ، فلعمري إن كنت صاحب ما ~~ذكرت إني لفي يدك ، وإن كنت لست ذاك فقد أهلكت عشيرتك ؛ ثم عرض عليه نصر أن ~~يوليه ما وراء النهر ويعطيه ثلاثمائة ألف ، فلم يقبل . فقال له نصر : فابدأ ~~بالكرماني فإن قتلته فأنا في طاعتك ، فلم يقبل . وأمر الحارث أن تقرأ سيرته ~~في الأسواق والمسجد وعلى باب نصر ، فقرئت ، فأتاه خلق كثير ، وقرأها رجل ~~على باب نصر ، فضربه غلمان نصر ، فنابذهم الحارث وتجهز للحرب ، ودله رجل من ~~أهل مرو على نقب في سورها ، فمضى إليه الحارث فنقبه ، ودخل المدينة من ~~ناحية باب بالين . فقاتله جهم بن مسعود الناجي ، فقتل PageV21P0318 # """""" صفحة رقم 319 """""" جهم ، وانتهبوا منزل سلم بن أحوز ، وقتل من ~~كان بحرس باب بالين وذلك لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة يوم الاثنين . وركب ~~الحارث في سكة السغد ، فرأى أعين مولى حيان فقاتله ، فقتل أعين ، وركب سلم ~~حين أصبح ، وأمر مناديا فنادى : من جاء برأس فله ثلاثمائة . فلم تطلع الشمس ~~حتى انهزم الحارث بعد أن قاتلهم الليل كله . وأتى سلم عسكر الحارث فقتل ~~كاتبه يزيد بن داود ، وقتل الرجل الذي دل الحارث على النقب ، وأرسل نصل إلى ~~الكرماني فأتاه علىعهد ، وعنده جماعة ، فوقع بين سلم بن أحوز والمقدام بن ~~نعيم كلام ، فأغلظ كل واحد منهما لصاحبه ، وأعان كل واحد منهما نفر من ~~الحاضرين ؛ فخاف الكرماني أن يكون مكرا من نصر ، فقام وتعلقوا به ، فلم ~~يجلس ، وركب فرسه ، ورجع ، وقال : أراد نصر الغدر بي . وأسر يومئذ جهم بن ~~صفوان وكان مع الكرماني فقتل ، وأرسل الحارث ابنه حاتما إلى الكرماني ، ~~فقال له محمد بن المثنى : هما عدواك ms4910 ، دعهما يضطربان . فلما كان الغد ركب ~~الكرماني فقاتل أصحاب نصر ، ووجه أصحابه يوم الأربعاء إلى نصر ، فتراموا ثم ~~تحاجزوا ولم يكن بينهم يوم الخميس قتال . والتقوا يوم الجمعة فانهزمت الأزد ~~حتى وصلوا إلى الكرماني ، فأخذ اللواء بيده ، فقاتل به فانهزم أصحاب نصر ، ~~وأخذوا لهم ثمانين فرسا ، وصرع تميم بن نصر ، وسقط سلم ابن أحوز فحمل إلى ~~عسكر نصر . فلما كان الليل خرج نصر من مرو ، وقتل عصمة بن عبد الله الأسدي ~~، وكان يحمي أصحاب نصر ، واقتتلوا ثلاثة أيام ، فانهزم أصحاب الكرماني في ~~آخر يوم وهم الأزد وربيعة ، فنادى الخليل بن غزوان : يا معشر ربيعة واليمن ~~فدخل الحارث السوق ففت في أعضاد المضرية ، وهم أصحاب نصر ، فانهزموا وترجل ~~تميم بن نصر فقاتل . فلما هزمت اليمانية مضر أرسل الحارث إلى نصر : إن ~~اليمانية يعيرونني بانهزامكم ، وأنا كاف . فاجعل حماة أصحابك بإزاء ~~الكرماني . فأخذ عليه نصر العهود بذلك ، وقدم على نصر عبد الحكم ابن سعيد ~~العوذي وأبو جعفر عيسى بن جرز من مكة : والعوذ : بطن من الأزد ، فقال أبو ~~جعفر لنصر : أيها الأمير ، حسبك من الولاية وهذه PageV21P0319 # """""" صفحة رقم 320 """""" الأمور ، فقد أظلك أمر عظيم ، سيقوم رجل ~~مجهول النسب يظهر السواد ، ويدعو إلى دولة تكون فيغلب على الأمر ، وأنتم ~~تنظرون . فقال نصر : ما أشبه أن يكون كما تقول لقلة الوفاء وسوء ذات البين ~~. فقال : إن الحارث مقتول مصلوب ، وما الكرماني من ذلك ببعيد . قال : ولما ~~خرج نصر من مرو وغلب عليها الكرماني خطب الناس فأمنهم ثم هدم الدور ونهب ~~الموال ، فأنكر الحارث عليه ذلك ، فهم الكرماني به ، ثم تركه ، واعتزل بشر ~~بن جرموز الضبي في خمسة آلاف ، وقال الحارث : إنما قاتلت معك طلبا للعدل ، ~~فأما إذ تتبع الكرماني فما تقاتل إلا ليقال غلب الحارث ، وهؤلاء يقاتلون ~~عصبية ؛ فلست مقاتلا معك ، فنحن الفئة العادلة ، لا نقاتل إلا من قاتلنا ، ~~وأتى الحارث مسجد عياض ، وأرسل إلى الكرماني يدعوه إلى أن يكون الأمر شورى ~~، فأبى الكرماني ، فانتقل الحارث عنه ، وأقاموا أياما . ثم إن الحارث أتى ~~السور ms4911 فثلم فيه ثلمة ، ودخل البلد ، وأتى الكرماني ، فاقتتلوا ، فانهزم ~~أصحاب الحارث وقتلوا ما بين الثلمة وعسكرهم ، والحارث على بغل ، فنزل عنه ~~وركب فرسا ، وبقي في مائة ، فقتل عند شجرة زيتون أو غبيراء ، وقتل أخوه ~~سوادة وغيرهما . وقيل : كان سبب قتله أن الكرماني خرج إلى بشر بن جرموز عند ~~اعتزاله ، ومعه الحارث ، فأقام أياما بينه وبين عسكر بشر فرسخان ، ثم قرب ~~منه ليقاتله ، فندم الحارث على اتباع الكرماني وقال : لا تعجل إلى قتالهم ~~فأنا أردهم عليك . فخرج في عشرة فوارس فأتى عسكر بشر ، فأقام معهم ، وخرج ~~المضرية أصحاب الحارث إليه ، فلم يبق مع الكرماني مضري غير سلمة بن أبي عبد ~~الله ، فإنه قال : لم أر الحارث إلا غادرا ، وغير المهلب بن إياس ، فقاتلهم ~~الكرماني مرارا يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم مرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء . ثم ~~ارتحل الحارث بعد أيام ، فنقب سور مرو ودخلها ، وتبعه الكرماني ، فدخلها ~~أيضا ، فقالت المضرية للحارث : قد فررت غير مرة ، فترجل ، فقال : أنا لكم ~~فارسا خير مني لكم راجلا . فقالوا : لا نرضى إلا أن تترجل ، فترجل ، ~~فاقتتلوا هم والكرماني ، فقتل الحارث وأخواه وبشر بن جرموز ، وعدة من فرسان ~~تميم ، وانهزم PageV21P0320 # """""" صفحة رقم 321 """""" الباقون ، وصفت مرو للكرماني واليمن ، فهدموا ~~دور المضرية ، فقال نصر ابن سيار للحارث حين قتل : يا مدخل الذل على قومه . ~~. . بعدا وسحقا لك من هالك شؤمك أردى مضرا كلها . . . وعض من قومك بالحارك ~~ما كانت الأزد وأشياعها . . . تطمع في عمرو ولا مالك ولا بني سعد إذا ~~ألجموا . . . كل طمر لونه حالك وفي هذه السنة كان اجتماع أبي حمزة الخارجي ~~وعبد الله بن يحيى المعروف بطالب الحق ، واتفقا على الخروج على ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى . وحج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو عامل مكة ~~والمدينة ، وكان بالعراق عمال الضحاك الخارجي وعبد الله بن عمر ابن عبد ~~العزيز ، وبخراسان نصر بن سيار والفتنة قائمة . سنة 1 تسع وعشرين ومائة : ~~ذكر مقتل الكرماني وهو جديع بن علي الأزدي قال : ولما خلصت مرو ms4912 للكرماني ~~وتنحى نصر عنها أرسل نصر أصحابه لقتاله مرارا ، كل ذلك والظفر لأصحاب ~~الكرماني ، ثم خرجوا جميعا واقتتلوا قتالا شديدا ، وذلك بعد ظهور أمر أبي ~~مسلم الخراساني ودعوته لبني العباس ، فكتب أبو مسلم إلى نصر والكرماني : إن ~~الإمام أوصاني بكما . ثم أقبل بمن معه حتى نزل خندقيهما ، فهابه الفريقان . ~~وبعث إلى الكرماني : إني معك . فقبل ذلك ، وانضم أبو مسلم إليه ، فاشتد ذلك ~~على نصر ، وأرسل إلى الكرماني يخوفه من أبي مسلم ، ويقول له : ادخل إلى مرو ~~، واكتب بيننا كتابا بالصلح ، وهو يريد أن يفرق بينهما ، فدخل الكرماني ~~منزله ، وأقام أبو مسلم في العسكر ، وخرج الكرماني حتى وقف في الرحبة في ~~مائة فارس ، وأرسل إلى نصر أن اخرج لنكتب الكتاب . PageV21P0321 # """""" صفحة رقم 322 """""" فلما نظر نضر إلى غرة الكرماني أرسل إليه ~~ثلاثمائة فارس ، فاقتتلوا قتالا شديدا فطعن الكرماني في خاصرته ، فخر عن ~~دابته ، وحماه أصحابه حتى جاءهم مالا قبل لهم به . فقتل نصر الكرماني وصلبه ~~، وصلب معه سمكة . فأقبل ابنه علي وقد جمع جمعا كثيرا ، وانضم إلى أبي مسلم ~~، وقاتلوا نصر بن سيار حتى أخرجوه من دار الإمارة . ودخل أبو مسلم مرو على ~~ما نذكر ذلك إن شاء الله في أخبار الدولة العباسية . قال : ولما رأى نصر ~~قوة أبي مسلم كتب إلى مروان بن محمد يعلمه حال أبي مسلم وخروجه وكثرة من ~~معه ، وأنه يدعو إلى إبراهيم ابن محمد ، وكتب إليه بأبيات شعر ، وهي : أرى ~~بين الرماد وميض نار . . . فأوشك أن يكون له ضرام فإن النار بالعودين تذكى ~~. . . وإن الحرب مبدؤها كلام فقلت من التعجب ليت شعري . . . أيقاظ أمية أم ~~نيام فكتب إليه مروان : إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ، فاحسم الثؤلول ~~قبلك . فقال نصر : أما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا نصر عنده . وكتب نصر إلى ~~يزيد بن هبيرة بالعراق يستمده . فلما قرأ كتابه قال : لا تكثر ، فليس له ~~عندي رجل . ثم قبض مروان على إبراهيم الإمام وحبسه ، وكان من أمره ما نذكره ~~إن شاء الله في أخبارهم . ذكر خبر ms4913 أبي حمزة المختار ابن عوف الأزدي البصري ~~مع طالب الحق عبد الله بن محمد ابن يحيى الحضرمي كان المختار من الخوارج ~~الأباضية ، وكان يوافي مكة في كل سنة يدعو الناس إلى خلاف مروان بن محمد ، ~~فلم يزل كذلك حتى وافى عبد الله بن محمد بن يحيى الحضرمي المعروف بطالب ~~الحق في آخر سنة 1 ثمان وعشرين ومائة ، فقال له : يا PageV21P0322 # """""" صفحة رقم 323 """""" رجل ، أسمع كلاما حسنا ، وأراك تدعو إلى حق ، ~~فانطلق معي ، فإني رجل مطاع في قومي ، فخرج حتى ورد حضرموت ، فبايعه أبو ~~حمزة على الخلافة ، ودعا إلى خلاف مروان ، وقد كان أبو حمزة اجتاز مرة ~~بمعدن بني سليم ، والعامل عليه كثير بن عبد الله ، فسمع كلام أبي حمزة ~~فجلده أربعين سوطا ، فلما ملك أبو حمزة المدينة على ما نذكره تغيب كثير . ~~وفي هذه السنة قدم أبو حمزة إلى الحج من قبل عبدالله بن محمد طالب الحق ، ~~فبينما الناس بعرفة ما شعروا إلا وقد طلعت عليه أعلام وعمائم سود على رؤوس ~~الرماح ، وهم سبعمائة ، ففزع الناس ، وسألوهم عن حالهم ، فأخبروهم بخلافهم ~~مروان وآله ، فراسلهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك ، وهو يومئذ على ~~مكة والمدينة ، وطلب منهم الهدنة أيام الحج ، فقالوا : نحن بحجنا أضن وعليه ~~أشح ، فصالحهم على أنهم جميعا آمنون بعضهم من بعض حتى تنفر الناس النفر ~~الأخير ، فوقفوا بعرفة على حدة ، ودفع بالناس عبد الواحد ، ونزل بمنزل ~~السلطان بمنى ، ونزل أبو حمزة بقرين الثعالب . فلما كان النفر الأول نفر ~~عبد الواحد وأخلى مكة فدخلها أبو حمزة بغير قتال ، فقال بعضهم في عبد ~~الواحد : زار الحجيج عصابة قد خالفوا . . . دين الإله ففر عبد الواحد ترك ~~الحلائل والإمارة هاربا . . . ومضى يخبط كالبعير الشارد ومضى عبد الواحد ~~حتى دخل المدينة ، وزاد أهلها في العطاء عشرة عشرة ، واستعمل عبد العزيز بن ~~عبد الله بن عمرو بن عثمان ، فخرجوا حتى وصلوا العقيق ، وأتتهم رسل أبي ~~حمزة يقولون : إننا والله مالنا بقتالكم من حاجة ، دعونا نمضي إلى عدونا . ~~فأتى أهل المدينة وساروا ms4914 حتى نزلوا قديدا ، وكانوا مترفين ليسوا بأصحاب حرب ~~، فلم يشعروا إلا وقد خرج عليهم أصحاب أبي حمزة من الغياض فقتلوهم . وكانت ~~المقتلة في قريش ، فأصيب منهم عدد كثير ، وقدم المنهزمون المدينة ، فكانت ~~المرأة تقيم النوائح على حميمها ، ومعها النساء فتأتيهم الأخبار عن رجالهم ~~، فيخرجن امرأة امرأة كل واحدة تذهب لقتل رجلها فلا يبقى عندها امرأة ، ~~وذلك لكثرة من قتل . PageV21P0323 # """""" صفحة رقم 324 """""" قيل : كان عدد القتلى سبعمائة ، وكانت هذه ~~الوقعة لسبع مضين من صفر سنة ثلاثين ومائة . والله أعلم . ذكر دخول أبي ~~حمزة المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام قال : ودخل أبو حمزة المدينة ~~في ثالث عشر صفر ، ومضى عبد الواحد إلى الشام . ولما دخل أبو حمزة رقي ~~المنبر فخطب ، وقال : يأهل المدينة ، مررت زمان الأحول - يعني هشام بن عبد ~~الملك - وقد أصاب ثماركم عاهة ، فكتبتم إليه تسألونه أ ، يضع عنكم خرصكم . ~~ففعل فزاد الغني غنى والفقير فقرا ، فقلتم له : جزاك الله خيرا ، فلا جزاكم ~~الله خيرا ، ولا جزاه . واعلموا يأهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا أشرا ~~ولا بطرا ، ولا عبثا ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه ولا لثأر قديم نيل منا ~~، ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت ، وعنف القائل بالحق ، وقتل القائم ~~بالقسط - ضاقت علينا الأرض بما رحبت ، وسمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن ~~وحكم القرآن ، فأجبنا داعي الله ، ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في ~~الأرض ؛ فأقبلنا من قبائل شتى ، ونحن قليلون مستضعفون في الأرض ، فآوانا ~~وأيدنا بنصره ، فأصبحنا بنعمته إخوانا . ثم لقينا رجالكم فدعوناهم إلى طاعة ~~الرحمن ، وحكم القرآن ، فدعونا إلى طاعة الشيطان وحكم بني مروان ، فشتان - ~~لعمر الله - ما بين الغي والرشد . ثم أقبلوا يهرعون قد ضرب الشيطان فيهم ~~بجرانه ، وغلت بدمائهم مراجله ، وصدق عليهم ظنه ، وأقبل أنصار الله تعالى ~~كتائب بكل مهند ذي رونق ، فدارت رحانا ، واستدارت رحاهم بضرب يرتاب منه ~~المبطلون . وأنتم يأهل المدينة إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم الله ~~بعذاب من عنده أو بأيدينا ، ويشف صدور قوم مؤمنين ms4915 . يأهل المدينة ؛ أولكم ~~خير أول ، وآخركم شر آخر ، يأهل المدينة ، أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها ~~الله تعالى في كتابه على القوي والضعيف ، فجاء تاسع ليس له فيها سهم ، ~~فأخذها لنفسه مكابرا محاربا ربه . PageV21P0324 # """""" صفحة رقم 325 """""" يأهل المدينة ، بلغني أنكم تنتقصون أصحابي ، ~~قلتم : شباب أحداث ، وأعراب جفاة ، ويحكم وهل كان أصحاب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إلا شبابا أحداثا ، شباب والله إنهم مكتهلون في شبابهم ، ~~غضة عن الشر أعينهم ، ثقيلة عن الحق أقدامهم . قال : وأحسن لاسرة مع أهل ~~المدينة ، واستمال الناس حتى سمعوه يقول : من زنى فهو كافر ، من سرق فهو ~~كافر ، ومن شك في كفرهما فهو كافر . وأقام أبو حمزة بالمدينة ثلاثة أشهر ، ~~ثم ودعهم ، وقال : يأهل المدينة ، إنا خارجون إلى مروان ، فإن نظفر نعدل في ~~أحكامكم ونحملكم على سنة نبيكم ، وإن يكن ما تتمنون فسيعلم الذين ظلموا أي ~~منقلب ينقلبون . ذكر مقتل أبي حمزة قال : ثم سار أبو حمزة نحو الشام ، وكان ~~مروان قد انتخب من عسكره أربعة آلاف فارس ، واستعمل عليهم عبد الملك بن ~~محمد ابن عطية السعدي - سعد هوازن - وأمره أن يجد السير ويقاتل الخوارج ، ~~فإن ظفر فيسير حتى يبلغ اليمن ويقاتل عبد الله بن يحيى طالب الحق ، فسار ~~ابن عطية ، فلقى أبا حمزة بوادي القرى ، فقال أبو حمزة لأصحابه : لا ~~تقاتلوهم حتى تختبروهم . فصاحوا بهم : ما تقولون في القرآن والعمل به ؟ ~~فقال ابن عطية : نضعه في جوف الجوالق . قال : فما تقولون في مال اليتيم ؟ ~~قال ابن عطية : نأكل ماله ونفجر بأمه - في أشياء سألوه عنها . فلما سمعوا ~~كلامه قاتلوه حتى أمسوا فصاحوا : ويحك يا بن عطية إن الله قد جعل الليل ~~سكنا ، فاسكن . فأبى وقاتلهم ، فانهزم الخوارج ، وأتوا المدينة فقتلهم ~~أهلها ، وسار ابن عطية إلى المدينة ، فأقام بها شهرا وسار إلى اليمن ، ~~واستخلف على المدينة الوليد بن عروة بن محمد بن عطية ، وعلى مكة رجل من أهل ~~الشام . ذكر مقتل عبد الله بن يحيى المنعوت بطالب الحق وقتل ابن عطية قال : ~~وأقبل ابن عطية ms4916 إلى اليمن ، فبلغ عبد الله خبره وهو بصنعاء ، فأقبل إليه ~~PageV21P0325 # """""" صفحة رقم 326 """""" بمن معه ، والتقوا واقتتلوا ، فقتل طالب الحق ~~، وحمل رأسه إلى مروان بالشام ، ومضى ابن عطية إلى صنعاء ، فدخلها وأقام ~~بها ، فكتب إليه مروان يأمره أن يسرع السير ليحج بالناس ؛ فسار في اثني عشر ~~رجلا ومعه أربعون ألف دينار ، وخلف عسكره وخيله بصنعاء ؛ فبينا هو يسير ~~أتاه ابنا جمانة المراديان في جمع كثي ، فقالوا له ولأصحابه : أنتم لصوص ، ~~فأخرج ابن عطية عهده على الحج ، وقال : هذا عهد أمير المؤمنين ، وأنا ابن ~~عطية . فقالوا : هذا باطل ، وأنتم لصوص ، فقاتلهم ابن عطية حتى قتل في سنة ~~1 ثلاثين ومائة . نعود إلى تتمة حوادث سنة 1 تسع وعشرين ومائة : في هذه ~~السنة كان ظهور الدولة العباسية بخراسان على ما نذكره في أخبار الدولة ~~العباسية . وفيها غلب عبد الله بن معاوية على فارس على ما نذكر ذلك في ~~أخبار آل أبي طالب . وحج بالناس في هذه السنة عبد الواحد ، وكان هو العامل ~~على مكة والمدينة والطائف وعلى العراق ابن هبيرة ، وعلى خراسان نصر بن سيار ~~، والفتنة قائمة . سنة 1 ثلاثين ومائة : في هذه السنة دخل أبو مسلم ~~الخراسان مرو ، وبايع الناس لبني العباس على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى ~~. وفيها هرب نصر بن سيار عن خراسان . وفيها كان من أخبار الدولة العباسية ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى . وفيها غزا الوليد بن هشام الصائفة ، فنزل ~~العمق وبني حصن مرعش . وحج بالناس في هذه السنة محمد بن عبد الملك بن مروان ~~، وهو أمير مكة والمدينة والطائف . سنة 1 احدى وثلاثين ومائة : في هذه ~~السنة مات نصر بن سيار ، ودخل قحطبة الري من قبل أبي مسلم الخراساني ، ثم ~~دخل أصفهان ، وفتحت شهرزور لبني العباس ، وسار قحطبة إلى العراق لقتال ابن ~~هبيرة . PageV21P0326 # """""" صفحة رقم 327 """""" وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عروة بن ~~محمد بن عطية السعدي ، وهو ابن أخي عبد الملك بن محمد ، وكان على الحجاز ؛ ~~ولما بلغه قتل عمه عبد ms4917 الملك توجه إلى الذين قتلوه فقتل منهم مقتلة عظيمة ؛ ~~وبقر بطون نسائهم ، وقتل الصبيان ، وحرق بالنار من قدر عليه منهم ، وكان ~~على العراق يزيد بن هبيرة . سنة 1 اثنتين وثلاثين ومائة : في هذه السنة ~~كانت هزيمة يزيد بن هبيرة عامل العراق . وفيها خرج محمد بن خالد بن عبد ~~الله القسري مسودا بالكوفة ، وأخرج عامل ابن هبيرة منها على ما نذكر ذلك إن ~~شاء الله تعالى . وفيها كان انقضاء الدولة الأموية ، وابتداء الدولة ~~العباسية ، وبيعة أبي العباس السفاح بالخلافة . وسار عبد الله بن علي بن ~~عبد الله بن عباس إلى مروان بن محمد بأمر السفاح ، فلقيه بزاب الموصل ، ~~واقتتلوا ، فانهزم مروان إلى مصر ، فلحقه صالح بن علي أخو عبد الله ببوصير ~~، فقتله ليلة الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة على ما نذكر ذلك إن شاء الله ~~مبينا في أخبار الدولة العباسية ، جريا في ذلك على القاعدة التي قدمناها . ~~ولما قتل مروان بن محمد كان له من العمر تسع وخمسون سنة . وقيل : أقل من ~~ذلك . وكانت ولايته إلى أن بويع للسفاح خمس سنين وشهرا ، وإلى أن قتل خمس ~~سنين وعشرة أشهر . وكان نقش خاتمه : اذكر الموت يا غافل . وكان له من ~~الأولاد : عبد الله ، وعبيد الله ؛ هربا بعد قتله . فأما عبد الله فقتله ~~الحبشة ، وعبيد الله أعقب . وقيل : إنه أخذ وحبس إلى أيام الرشيد ، فمات ~~ببغداد ، بعد أن أضر . كاتبه : عبد الحميد بن يحيى مولى بني عامر . قاضيه : ~~عثمان التيمي . حاجبه : مقلار مولاه . PageV21P0327 # """""" صفحة رقم 328 """""" الأمراء بمصر : منهم حصان بن عتاهية ، أقام ~~ستة عشر يوما ثم وليها حفص بن الوليد ، ثم عزله مروان وولي جوهر بن سهل ~~العجلاني ، ثم بعثه مددا إلى ابن هبية ، وولاها المغيرة بن عيد الله ، ثم ~~توفي فولاها عبد الملك بن مروان ابن موسى بن نصير . القاضي بها : عبد ~~الرحمن بن سالم بعد أن صرف حسين بن نعيم ، ولم يزل بها قاضيا إلى إمارة عبد ~~الملك بن يزيد . جامع أخبار بني أمية كانت مدة ولايتهم منذ خلص ms4918 الأمر ~~لمعاوية بن أبي سفيان وإلى أن قتل مروان بن محمد إحدى وتسعين سنة وتسعة ~~أشهر وخمسة أيام ، منها مدة عبد الله بن الزبير تسع سنين واثنان وعشرون ~~يوما . وعدة من ولي منهم أربعة عشر رجلا ، وهم : معاوية بن أبي سفيان ، ~~يزيد بن معاوية ، الوليد بن يزيد بن عبد الملك . معاوية ابن يزيد بن معاوية ~~. مروان بن الحكم . عبد الملك بن مروان . هشام ابن عبد الملك . سليمان بن ~~عبد الملك . عمر بن عبد العزيز . رحمه الله تعالى . يزيد بن عبد الملك . ~~مروان بن محمد بن مروان . الوليد بن يزيد . يزيد ابن الوليد بن عبد الملك . ~~إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك . يزيد ابن معاوية بن عبد الملك ، هذا ~~وعليه انقرضت دولتهم بالمشرق ، ثم قامت لهم دولة بالأندلس ، سنذكرها إن شاء ~~الله تعالى بعد ذكرنا الدولة العباسية ، وإنما فصلنا ما بين دولتهم بالمشرق ~~ودولتهم بالمغرب وجعلنا الدولة العباسية بينهما لتكون أخبار الدولتين سياقة ~~، ولأن بعض أخبار الدولة العباسية متعلق بأخبار الدولة الأموية ، فإذا ~~ذكرناها بعد لا ينقطع سياق الأخبار ، لأن دولتهم بالأندلس لم تكن تلو ~~دولتهم هذه ، بل كانت بعد سنين من قيام الدولة العباسية . فصاروا إذا ~~كالخوارج عليهم ، والله تعالى الموفق للصواب والهادي له بمنه وكرمه . ~~PageV21P0328 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الثانى والعشرون PageV22P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ### | AUT الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الدولة العباسية بالعراق وغيره والديار المصرية وما معها خاصة وابتداء أمر الشيعة وظهورهم وما كان منهم إلى أن أفضى إلى أبي العباس عبد الله السفاح ومن قام بالأمر بعده إلى وقتنا هذا # ذكر ابتداء ظهور دعوة بني العباس وأمر الشيعة قال ابن الأثير الجزري ~~رحمه الله تعالى في تاريخه الكامل ، كان ابتداء ظهور دعوة بني العباس في ~~خلافة عمر بن عبد العزيز ، وذلك أن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس - ~~وهو والد أبي العباس السفاح - بث دعاته في الآفاق في سنة مائة من الهجرة ، ~~وكان ينزل بأرض الشراة من أعمال البلقاء بالشام ms4919 ، وكان أمر الشيعة بعد قتل ~~الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما صار إلى أخيه محمد بن الحنفية ، ~~PageV22P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" وقال بعض المؤرخين إنه صار إلى علي بن الحسين ، ~~ثم إلى محمد بن علي الباقر ، ثم إلى جعفر بن محمد ، والذي عليه الأكثر أن ~~محمد بن الحنفية أوصى به إلى ابنه أبي هاشم ، فلم يزل قائما بأمر الشيعة ، ~~فلما كان في أيام سليمان بن عبد الملك وفد عليه فأكرمه سليمان ، وقال ما ~~ظننت قرشيا قط يشبه هذا وقضى حوائجه ، ثم شخص من عنده يريد فلسطين ، فلما ~~كان ببلد لخم وجذام ضربت له أبنية في الطريق ومعهم اللبن المسموم ، فكلما ~~مر بقوم قالوا : هل لك في الشراب ، فيقول جزيتم خيرا ، حتى مر بآخرين ~~فعرضوا عليه ، وهو يظنهم أنهم من لخم وجذام ، فقال هاتوا الشراب ، فلما ~~استقر في جوفه أحس السم ، فقال لأصحابه إني ميت ، فانظروا من القوم ؟ ~~فنظروا من القوم فإذا هم قوضوا أبنيتهم ورحلوا ، فقال ميلوا بي إلى ابن عمي ~~وأسرعوا ، فإني أحسب أني لا ألحقه ، وكان محمد بن علي والد أبي العباس ~~السفاح بالحميمية من أرض الشراة بالشام . ذكر تفويض أمر الشيعة إلى محمد بن ~~علي بن عبد الله بن العباس وبثه الدعاة قال : فلما وصل أبو هاشم إلى محمد ~~بن علي قال : يا ابن عم ، إني ميت وأنت صاحب هذا الأمر ، وولدك ابن ~~الحارثية هو القائم به ، ثم أخوه من بعده ، والله لا يتم هذا الأمر حتى ~~تخرج الرايات السود من خراسان ، ثم ليغلبن على ما بين حضرموت وأقصى أفريقية ~~وما بين الهند وأقضى فرغانة ، فعليك بهؤلاء الشيعة فهم دعاتك وأنصارك ولتكن ~~دعوتك خراسان ، واستبطن هذا الأمر الحي من اليمن ، فإن كل ملك لا يقوم بهم ~~، فأمره إلى انتقاض وأمرهم فليجعلوا اثني عشر نقيبا وبعدهم سبعين نقيبا ، ~~فإن الله تعالى لم يصلح بني إسرائيل إلا بهم ، وقد فعل ذلك النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فإذا مضت سنة الحمار فوجه رسلك نحو خراسان ، فمنهم من ~~يقتل ومنهم من ms4920 ينجو ، حتى يظهر الله دعوتكم ، فقال محمد بن علي : أبا هاشم ~~وما سنة الحمار ، قال إنه لم تمض مائة سنة من نبوة إلا انتقض أمرها ، لقوله ~~تعالى " أو كالذي مر على قرية " إلى قوله " فأماته الله مائة عام " . واعلم ~~أن صاحب هذا الأمر من ولدك عبد الله بن الحارثية ، ثم مات أبو هاشم وكان قد ~~أعلم شيعته من PageV22P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" أهل خراسان والعراق عند ترددهم إليه ، أن الأمر ~~صائر إلى ولده محمد بن علي ، وأمرهم بقصده بعده ، فلما مات أبو هاشم قصدوا ~~محمدا وبايعوه ، وعادوا فدعوا الناس إليه فأجابوهم ، وكان الذين سيرهم إلى ~~الآفاق جماعة ، فوجه ميسرة إلى العراق ، ومحمد بن خنيس وأبا عكرمة السراج - ~~وهو أبو محمد الصادق - وحيان العطار - خال إبراهيم بن سلمة - إلى خراسان ، ~~وعليها يوم ذاك الجراح الحكمي ، وأمرهم بالدعاء إليه وإلى أهل بيته ، فلقوا ~~من لقوا ثم انصرفوا بكتب من استجاب إلى محمد بن علي فدفعوها إلى ميسرة ، ~~فبعث بها إلى محمد ، واختار أبو محمد الصادق لمحمد بن علي اثني عشر نقيبا ، ~~منهم سليمان بن كثير الخزاعي ، ولاهز بن قريظ التميمي ، وقحطبة بن شبيب ~~الطائي ، وموسى ابن كعب التميمي ، وخالد بن إبراهيم أبو داود من بني شيبان ~~بن ذهل ، والقاسم بن مجاشع التميمي ، وعمران بن إسماعيل أبو النجم مولى أبي ~~معيط ، ومالك بن الهيثم الخزاعي ، وطلحة بن زريق الخزاعي ، وعمرو ابن أعين ~~أبو حمزة مولى خزاعة ، وشبل بن طهمان أبو علي الهروي مولى لبني حنيفة ، ~~وعيسى بن أعين مولى خزاعة ، واختار سبعين رجلا فكتب إليهم محمد بن علي ~~كتابا ، ليكون لهم مثالا وسيرة يسيرون بها ، وذلك في سنة مائة من الهجرة . ~~ذكر مولد أبي العباس السفاح قال : كان عبد الملك بن مروان قد منع محمد بن ~~علي على أباه من زواج أمه ، وهي ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد ~~المدان الحارثي ، ثم منعه الوليد وسليمان بعده لأنهم كانوا يرون أن ملكهم ~~يزول على يد رجل من بني العباس يقال له ابن ms4921 الحارثية ، فلما ولي عمر بن عبد ~~العزيز شكى محمد بن علي ذلك ، وسأله ألا يمنعه من زواجها وكانت بنت خاله ، ~~فقال له عمر : تزوج من شئت فتزوجها ، فولدت له أبا العباس السفاح في شهر ~~ربيع الآخر سنة أربع ومائة ، ووصل إلى أبيه محمد بن علي أبو محمد الصادق من ~~خراسان في عدة من أصحابه ، فأخرج إليهم أبا العباس في خرقة وله خمسة عشر ~~يوما ، وقال لهم هذا صاحبكم الذي يتم الأمر على يديه ، فقبلوا أطرافه ، ~~وقال لهم : والله ليتمن هذا الأمر حتى تدركوا ثأركم من عدوكم . وفي سنة خمس ~~ومائة : قدم بكير بن ماهان من السند وكان بها مع الجنيد بن عبد الرحمن ، ~~فلما عزل الجنيد قدم بكير إلى الكوفة ، ومعه أربع لبنات من فضة ~~PageV22P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" ولبنة من ذهب ، فلقي أبا عكرمة الصادق ، وميسرة ~~، ومحمد بن خنيس ، وسالم الأعين ، وأبا يحيى مولى بني مسلمة ، فذكروا له ~~أمر دعوة بني هاشم فقبل ذلك ، وأنفق ما معه عليهم ودخل إلى محمد بن علي ، ~~فأقامه مقامه . وفي سنة سبع ومائة : وجه بكير بن ماهان أبا عكرمة ومحمد بن ~~خنيس وعمار العبادي وزيادا - خال الوليد بن الأزرق - في عدة من شيعتهم دعاة ~~إلى خراسان ، فجاء رجل من كندة إلى أسد بن عبد الله القسري وهو أمير خراسان ~~، فوشى بهم فأتى بأبي عكرمة ومحمد بن خنيس وعامة أصحابه ، ونجا عمار ، فقطع ~~أسد أيدي من ظفر به منهم وصلبه ، وأقبل عمار إلى بكير ابن ماهان فأخرجه ، ~~فكتب إلى محمد بن علي بذلك ، فأجابه : الحمد لله الذي صدق دعوتكم ومقالتكم ~~، وقد بقيت منكم قتلى ستقتل . وقيل إن أول من قدم خراسان من دعاة بني ~~العباس زياد أبو محمد مولى همدان . وفي سنة تسع ومائة : بعثه محمد بن علي ~~وقال له : انزل اليمن والطف مضر ، ونهاه عن رجل من نيسابور يقال له غالب ، ~~فلما قدم دعا إلى بني العباس وذكر سيرة بني أمية وظلمهم ، وأطعم الناس ~~الطعام ، وقدم عليه غالب وتناظرا في تفضيل آل علي وآل ms4922 العباس ، وافترقا ~~وأقام زياد بمرو شتوة يختلف إليه من أهلها يحيى بن عقيل الخزاعي وغيره ، ~~فأخبر به أسد فدعاه وقال له : ما هذا الذي بلغني عنك ؟ قال : الباطل ، إنما ~~قدمت في تجارة وقد فرقت مالي على الناس ، فإذا اجتمع خرجت ، فقال له أسد : ~~اخرج عن بلادي ، فانصرف وعاد إلى أمره ، فرفع أمره إلى أسد وخوف جانبه ، ~~فأحضره وقتله وقتل معه عشرة من أهل الكوفة ، ولم ينج منهم إلا غلامان ~~استصغرهما وقيل - أمر بزياد أن يوسط بالسيف ، فضربوه فلم يعمل السيف فيه ~~فكبر الناس ، فقال أسد : ما هذا ؟ فقالوا نبا السيف عنه ، ثم ضرب مرة أخرى ~~فنبا عنه ، ثم ضرب الثالثة فقطعه باثنتين ، وعرض البراءة منه على أصحابه ، ~~فمن تبرأ خلى سبيله ، فتبرأ اثنان فتركا ، وأبى البراءة ثمانية فقتلوا ، ~~فلما كان الغد أقبل أحدهما إلى أسد ، فقال أسألك أن تلحقني بأصحابي فقتله ، ~~وذلك قبل الأضحى بأربعة أيام من سنة تسع ومائة ، ثم قدم بعدهم رجل من أهل ~~الكوفة يسمى كثيرا ، فنزل على أبي النجم وكان يأتيه الذين لقوا زيادا ، ~~فكان على ذلك سنة أو سنتين وكان أميا ، فقدم عليه خداش واسمه عمارة ، فغلب ~~كثيرا على أمره . ويقال إن أول من أتى خراسان بكتاب محمد بن علي حرب بن ~~عثمان مولى بني قيس بن ثعلبة ، من أهل بلخ والله تعالى أعلم . PageV22P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" وفي سنة ثماني عشرة ومائة : وجه بكير بن ماهان ~~عمار بن يزيد الخزاعي إلى خراسان واليا على شيعة بني العباس ، فنزل مرو ~~وغير اسمه وتسمى بخداش ، ودعا إلى محمد بن علي فسارع إليه الناس وأطاعوه ، ~~ثم غير ما دعاهم إليه وأظهر دين الخرمية ، ورخص لبعضهم في نساء بعض ، وقال ~~لهم إنه لا صوم ولا صلاة ولا حج ، وأن تأويل الصوم أن يصام عن ذكر الإمام ~~فلا يباح باسمه ، والصلاة الدعاء له ، والحج القصد إليه وكان يتأول من ~~القرآن قوله تعالى " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ~~إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات " ، قال وكان خداش ms4923 نصرانيا بالكوفة ~~فأسلم ولحق بخراسان ، وكان ممن اتبعه على مقالته : مالك بن الهيثم ، ~~والحريش بن سليم الأعجمي وغيرهما ، وأخبرهم أن محمد بن علي أمره بذلك ، ~~فبلغ خبره أسد بن عبد الله فظفر به ، فأغلظ القول لأسد فقطع لسانه وسمل ~~عينيه ، وأمر يحيى بن نعيم الشيباني فقتله وصلبه بآمل . وفيها مات علي بن ~~عبد الله بن عباس بالحميمية من أرض الشراة بالشام ، وهو ابن ثمان أو سبع ~~وسبعين ، وهو والد محمد الإمام ، وقيل إنه ولد في الليلة التي قتل فيها علي ~~بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فسماه عليا ، وقال سميته باسم أحب الناس ~~إلي ، وكناه بأبي الحسن ، فلما قدم على عبد الملك بن مروان أكرمه وأجلسه ~~معه على سريره ، وسأله عن اسمه وكنيته فأخبره ، فقال : لا يجتمع هذا الاسم ~~والكنية لأحد في عسكري ، وسأله : هل لك ولد ؟ قال : نعم وقد سميته محمدا ، ~~قال : فأنت أبو محمد . وقيل إنه خلف اثنين وعشرين ولدا . وفي سنة عشرين ~~ومائة : وجهت الشيعة بخراسان إلى محمد الإمام سليمان بن كثير ، ليعلمه ~~أمرهم وما هم عليه ، وكان محمد قد ترك مكاتبتهم ومراسلتهم ، لطاعتهم لخداش ~~وقبولهم منه ما رواه عنه من الكذب ، فقدم سليمان على محمد فعنفه محمد في ~~ذلك ، ثم صرفه إلى خراسان ومعه كتاب مختوم ، فلم يجدوا فيه إلا البسملة ، ~~فعلموا مخالفة خداش لأمره ، ثم وجه محمد إليهم بكير بن ماهان بعد عود ~~سليمان من عنده ، وكتب إليهم يعلمهم كذب خداش فلم يصدقوه واستخفوا به ، ~~فانصرف بكير إلى محمد ، فبعث معه بعصى مضببة بعضها بحديد وبعضها بنحاس ، ~~فجمع بكير النقباء والشيعة ودفع إلى كل واحد منهم عصى ، فتابوا ورجعوا . ~~PageV22P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" ذكر خبر أبي مسلم الخراساني وابتداء أمره قال ~~ابن الأثير الجزري في تاريخه الكامل ، قد اختلف الناس في أمر أبي مسلم ، ~~فقيل كان حرا ، وكان اسمه إبراهيم بن عثمان بن بشار بن سدوس بن جود زده من ~~ولد بزرجمهر ويكنى أبا إسحاق ، ولد بأصفهان ونشأ بالكوفة ، وكان أبوه أوصى ~~إلى عيسى بن ms4924 موسى السراج فحمله إلى الكوفة وهو ابن سبع سنين ، فلما اتصل ~~بإبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله الإمام قال له : غير اسمك فإنه لا يتم ~~لنا الأمر إلا بتغيير اسمك ، على ما وجدته في الكتب ، فسمى نفسه عبد الرحمن ~~بن مسلم وكان يكنى أبا مسلم ، ومضى لشأنه ، وله ذؤابة وهو على حمار بإكاف ~~وله تسع عشرة سنة ، وزوجه إبراهيم الإمام ابنة عمران بن إسماعيل الطائي ~~المعروف بأبي النجم ، هذا نسبه على زعم من يقول إنه حر ، ولما تمكن وقوي ~~أمره ادعى أنه من ولد سليط بن عبد الله بن عباس ، وكان من حديث سليط هذا أن ~~عبد الله بن عباس كان له جارية مولدة صفراء تخدمه ، فواقعها مرة ثم تركها ~~دهرا ، فاستنكحت عبدا من أهل المدينة فولدت له غلاما ، فاستعبده عبد الله ~~بن عباس وسماه سليطا ، فنشأ جلدا ظريفا وخدم ابن عباس ، ثم صار له من ~~الوليد بن عبد الملك منزلة ، فادعى أنه من ولد عبد الله بن عباس ، وأعانه ~~الوليد على ذلك لما كان في نفسه من علي بن عبد الله بن عباس ، وأمره ~~بمخاصمته فخاصمه ، واحتال في شهود على إقرار عبد الله أنه ولده ، فشهدوا ~~بذلك عند قاضي دمشق ، واتبع القاضي رأي الوليد في ذلك ، فأثبتت نسبه وخاصم ~~عليا في الميراث . وأما من زعم أنه كان عبدا فإنه حكى ، أن بكير بن ماهان ~~كان كاتبا لبعض عمال السند ، فقدم الكوفة فاجتمع بشيعة بني العباس ، فغمز ~~بهم فحبس وخلي عن الباقين ، وكان في الحبس أبو عاصم يونس ، وعيسى بن معقل ~~العجلي ومعه أبو مسلم يخدمه ، فدعاهم بكير إلى رأيه فأجابوه ، ثم قال لعيسى ~~بن معقل : ما هذا منك ؟ قال : هو مملوك ، قال : أتبيعه ؟ قال : هو لك ، قال ~~: أحب أن تأخذ ثمنه ، قال هو لك بما شئت ، فأعطاه أربعمائة درهم ، ثم خرجوا ~~من السجن ، فبعث به بكير إلى إبراهيم الإمام ، فدفعه إبراهيم إلى موسى ~~السراج فسمع منه وحفظ ، ثم صار يتردد إلى خراسان . PageV22P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" وقيل إنه ms4925 كان لبعض أهل هراة بوشنج شيخ ، فقدم ~~مولاه على إبراهيم الإمام وأبو مسلم معه ، فأعجبه فابتاعه منه وأعتقه ، ~~ومكث عنده عدة سنين ، وكان يتردد بكتب إلى خراسان على حمار له بإكاف ، ثم ~~ولاه إبراهيم أمر الشيعة بخراسان على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وفي سنة ~~أربع وعشرين ومائة : مات محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في قول بعضهم ، ~~وأوصى إلى ابنه إبراهيم بالقيام بأمر الدعوة ، وقيل بل مات في سنة خمس ~~وعشرين ومائة في ذي القعدة ، وهو ابن ثلاث وستين سنة . وفي سنة ست وعشرين ~~ومائة : وجه إبراهيم بن محمد الإمام أبا هاشم بكير بن ماهان إلى خراسان ، ~~فقدم مرو وجمع النقباء والدعاة ونعى لهم محمد بن علي ، ودعاهم إلى ابنه ~~إبراهيم ودفع إليهم كتابه فقبلوه ، ودفعوا له ما اجتمع عندهم من نفقات ~~الشيعة ، فقدم بها بكير على إبراهيم . وفي سبع وعشرين ومائة : توجه سليمان ~~بن كثير ، ولاهز بن قريظ ، وقحطبة إلى مكة فلقوا إبراهيم الإمام بها ، ~~وأوصلوا إلى مولى له عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ومسكا ومتاعا ، وكان ~~معهم أبو مسلم . وفيها كتب بكير بن ماهان إلى إبراهيم بن محمد الإمام يخبره ~~أنه في الموت ، وأنه قد استخلف أبا سلمة حفص بن ماهان وهو رضى للأمر ، فكتب ~~إبراهيم إلى أبي سلمة يأمره بالقيام بأمر أصحابه ، وكتب إلى أهل خراسان ~~يخبرهم أنه قد أسند أمرهم إليه ، ومضى أبو سلمة إليهم فقبلوا أمره ، ودفعوا ~~إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة وخمس أموالهم . ذكر ولاية أبي مسلم ~~عبد الرحمن ابن مسلم الخراساني أمر الشيعة قال وفي سنة ثمان وعشرين ومائة : ~~وجه إبراهيم بن محمد الإمام أبا مسلم الخراساني إلى خراسان وعمره تسع عشرة ~~سنة ، وكتب إلى أصحابه : إني قد أمرته بأمري ، فاسمعوا له وأطيعوا ، فإني ~~قد أمرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك ، فأتاهم فلم يقبلوا قوله ، ~~وخرجوا فالتقوا بمكة عند إبراهيم الإمام ، فأعلمه أبو مسلم أنهم لم ينفذوا ~~كتابه وأمره ، فقال إبراهيم : هل عرضت هذا ms4926 الأمر على غير واحد فأبوه علي ؟ ~~وكان قد عرضه على سليمان بن كثير ، فقال : لا ألى على اثنين أبدا ، ثم ~~PageV22P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى ، فأعلمهم أنه ~~قد اجتمع رأيه على أبي مسلم ، وأمرهم السمع والطاعة له ، ثم قال : إنك رجل ~~منا أهل البيت ، فاحفظ وصيتي : انظر هذا الحي من اليمن فالزمهم ، واسكن بين ~~أظهرهم فإن الله تعالى لا يتم هذا الأمر إلا بهم ، واتهم ربيعة في أمرهم ، ~~وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار ، واقتل من شككت فيه ، وإن استطعت ألا ~~تدع بخراسان من يتكلم العربية فافعل ، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه ~~فاقتله ، ولا تخالف هذا الشيخ يعني سليمان بن كثير ولا تعصه ، وإذا أشكل ~~عليك أمر فاكتف به مني . ذكر إظهار الدعوة بخراسان وفي سنة تسع وعشرين ~~ومائة : كتب إبراهيم الإمام إلى أبي مسلم يستدعيه ، فسار في النصف من جمادى ~~الآخرة مع سبعين من النقباء ، فلما وصل إلى قومس أتاه كتاب إبراهيم ، يقول ~~: إني قد بعثت إليك براية النصر ، فارجع من حيث لقيك كتابي ، ووجه إلى ~~قحطبة بما معك يوافيني به في الموسم ، وكتابا إلى سليمان بن كثير ، فانصرف ~~أبو مسلم إلى خراسان ، ووجه قحطبة إلى إبراهيم بما معه من الأموال والعروض ~~، وقدم أبو مسلم إلى مرو ودفع كتاب الإمام إلى سليمان بن كثير ، يأمره ~~بإظهار الدعوة ، فنصبوا أبا مسلم وقالوا رجل من أهل البيت ، ودعوا إلى طاعة ~~بني العباس ، وأرسلوا إلى من قرب منهم وبعد ممن أجابهم بإظهار الدعوة ، ~~ونزل أبو مسلم قرية من قرى مرو يقال لها فنين ، على أبي الحكم عيسى بن أعين ~~النقيب ، ووجه منها أبا داود النقيب ومعه عمرو بن أعين إلى طخارستان فما ~~دون بلخ ، وأمرهما بإظهار الدعوة في شهر رمضان ، وكان نزوله القرية في ~~شعبان ، وبث الدعاة إلى مرو الروذ والطالقان وخوارزم ، وأمرهم بإظهار ~~الدعوة في شهر رمضان لخمس بقين منه ، وقال لهم فإن أعجلكم عدوكم دون الوقت ~~بالأذى والمكروه فقد حل لكم PageV22P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" أن ms4927 تدفعوا عن أنفسكم ، وتجردوا السيوف ~~وتجاهدوا أعداء الله ، ومن شغله منكم عدوه عن الوقت فلا حرج عليه أن يظهر ~~بعده ، ثم تحرك أبو مسلم فنزل في قرية سفيذنج على كثير بن سليمان الخزاعي ~~لليلتين خلتا من شهر رمضان ، والكرماني وشيبان يقاتلان نصر بن سيار ، فبث ~~أبو مسلم دعاته في الناس وأظهر أمره ، فأتاه في ليلة واحدة نحو ستين قرية ، ~~فلما كن ليلة الخميس لخمس بقين من شهر رمضان عقد اللواء ، الذي بعث به ~~الإمام إليه ويعى الظل ، على رمح طوله أربعة عشر ذراعا ، وهو يتلو " أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير " ، ولبسوا السواد هو ~~وأخوه سليمان بن كثير ومواليه ، ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج ، ~~وأوقدوا النيران ليلتهم لشيعتهم فكانت علامتهم ، فتجمعوا إليه حين أصبحوا ~~معدين ، وقدم عليه الدعاة الذين بثهم في الدعوة بمن أجابهم ، وذلك بعد ~~ظهوره بيومين ، فلما وافى عيد الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلى ~~به وبالشيعة ، ونصب له منبرا في العسكر ، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة ~~بغير أذان ولا إقامة ، وكان بنو أمية يبدوءن بالخطبة قبل الصلاة بأذان ~~وإقامة ، وأمره أيضا أن يكبر ست تكبيرات تباعا ، ثم يقرأ ويركع بالسابعة ، ~~ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعا ثم يقرأ ويركع بالسادسة ، ويفتح ~~الخطبة بالتكبير ويختمها بالقرآن ، وكان بنو أمية يكبرون في الأولى أربع ~~تكبيرات وفي الثانية ثلاثا ، فلما قضى سليمان الصلاة انصرف أبو مسلم ~~والشيعة ، إلى طعام قد أعده لهم فأكلوا مستبشرين . وكتب أبو مسلم إلى نصر ~~بن سيار وبدأ بنفسه ، وكتب إلى نصر ولم يقل إلى الأمير : أما بعد فإن الله ~~تباركت أسماؤه عير أقواما في القرآن فقال : " وأقسموا بالله جهد أيمانهم ~~لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا ~~نفورا ، استكبارا في الأرض ومكر السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فهل ~~ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ~~" ، فتعاظم نصر الكتاب ms4928 وكسر له إحدى عينيه ، وقال : هذا كتاب له أخوات ثم ~~كان من خبر الكرماني ومقتله ما قدمناه في أيام مروان ، فلما قتل انضم ابنه ~~علي إلى أبي مسلم في جموع كثيرة ، فاستصحبه معه وقاتلوا نصر بن سيار حتى ~~أخرجوه من دار الإمارة ، وأقبل أبو مسلم إلى مرو وأتاه علي بن الكرماني ~~وسلم عليه بالإمارة . PageV22P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" ذكر دخول أبي مسلم مرو والبيعة بها وفي سنة ~~ثلاثين ومائة : دخل أبو مسلم الخراساني مرو ونزل قصر الإمارة في شهر ربيع ~~الآخر وقيل في جمادى الأولى ، وكان سبب ذلك وسبب اتفاق ابن الكرماني أن ابن ~~الكرماني ومن معه وسائر القبائل بخراسان كانوا قد تعاقدوا على قتال أبي ~~مسلم ، فجمع أصحابه لحربهم ، فكان سليمان بن كثير بإزاء ابن الكرماني ، ~~فقال له سليمان إن أبا مسلم : يقول لك أما تأنف من مصالحة نصر وقد قتل ~~بالأمس أباك وصلبه وما كنت أحسبك تجامع نصرا في مسجد تصليان فيه فرجع ابن ~~الكرماني عن رأيه وانتقض صحل العرب ، فبعث نصر بن سيار إلى أبي مسلم يلتمس ~~منه أن يدخل مع مضر ، وبعث أصحاب الكرماني وهم ربيعة واليمن إلى أبي مسلم ~~بمثل ذلك ، وراسلوه أياما فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين ، حتى ~~يختار أحدهما ففعلوا ، فأمر أبو مسلم الشيعة أن يختاروا أصحاب الكرماني ، ~~فتقدم الوفدان فأجلسهم أبو مسلم ، وجمع عنده من الشيعة سبعين رجلا ، فقال ~~لهم : لتختاروا أحد الفريقين ، فقام سليمان بن كثير فتكلم وكان خطيبا مفوها ~~، فاختار ابن الكرماني وأصحابه واختارهم السبعون ، فقام وفد نصر وعليهم ~~الكآبة والذلة ، وأرسل إليه ابن الكرماني أن يدخل إلى مدينة مرو من ناحية ، ~~ليدخل هو وعشيرته من الناحية الأخرى ، فأرسل إليه أبو مسلم أني لست آمن أن ~~تجمع يدك ويد نصر على محاربتي ، ولكن ادخل أنت وانشب الحرب ، ففعل ابن ~~الكرماني ودخل أبو مسلم مرو ، والفريقان يقتتلان فأمرهما بالكف وتلى قوله ~~تعالى : " ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا ~~من شيعته وهذا من عدوه ms4929 . . . الآية " ومضى أبو مسلم إلى قصر الإمارة ، ~~وأرسل إلى الفريقين أن ينصرف كل منهما إلى عسكره ففعلوا ، وصفت مرو لأبي ~~مسلم وأمر بأخذ البيعة من الجند ، وكان الذي يأخذها أبو منصور طلحة بن رزيق ~~وهو أحد النقباء ، وكان عالما بحجج الهاشمية ومعايب الأموية ، وكانت البيعة ~~: أبايعكم على كتاب الله وسنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، عليك بذلك ~~عهد الله وميثاقه والطلاق والعتاق والمشي إلى بيت الله الحرام ، وعلى ألا ~~تسألوا رزقا ولا طمعا حتى يبدأكم به ولائكم . ذكر هرب نصر بن سيار أمير ~~خراسان من مرو وكان سبب هربه أن أبا مسلم لما دخل مرو أرسل لاهز بن قريظ في ~~جماعة إلى نصر ، يدعوه إلى كتاب الله وسنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~والرضا من آل محمد ، فلما نظر ما جاءه من PageV22P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" اليمانية والربيعية والعجم وأنه لا قبل له بهم ~~أظهر قبول ما أتاه به ، وأنه يأتيه ويبايعه واستمهلهم ، وأمر أصحابه ~~بالتهيؤ والخروج إلى مكان يأمنون فيه ، فأشار عليه سلم بن أحوز بالبيات ~~ليلته تلك والخروج من القابلة ، فلما أصبح عبأ أصحابه وكتائبه إلى بعد ~~الظهر ، فأعاد أبو مسلم إليه لاهز بن قريظ في جماعة ، فقال : ما أسرع ما ~~عدتم ، فقال له لاهز : لا بد لك من ذلك ، فاستمهله نصر بقدر ما يتوضأ ويصلي ~~، ويرسل إلى أبي مسلم يستأذنه في المضي إليه ، فأجابه لاهز ، فلما قدم نصر ~~للوضوء تلا لاهز : " إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين ~~" ، فدخل نصر منزله وأعلمهم أنه ينتظر عود رسوله من عند أبي مسلم ، وأقام ~~حتى جنه الليل فخرج من خلف حجرته ، ومعه تميم ابنه ، والحكم بن نميلة ~~النميري ، وامرأته المرزبانة وانطلقوا هربا ، فلما استبطأه لاهز وأصحابه ~~دخلوا منزله فوجدوه قد هرب ، فلما بلغ أبا مسلم هربه سار إلى عسكر نصر ، ~~وأخذ ثقات أصحابه وصناديدهم فكتفهم ، وفيهم سلم بن أحور صاحب شرطة نصر ، ~~والبختري كاتبه ، وابنان له ، ويونس بن عبد ربه ، ومحمد بن قطن ، ومجاهد بن ~~يحيى بن حضين ms4930 وغيرهم ، فاستوثق منهم بالحديد وحبسهم ، وسار أبو مسلم وابن ~~الكرماني في طلب نصر ليلتهما ، فأدركا امرأته قد حلفها ، وسار نصر إلى سرخس ~~واجتمع معه ثلاثة آلاف رجل ، ورجع أبو مسلم وسأل من كان أرسلهم إلى نصر : ~~ما الذي ارتاب به نصر حتى هرب ؟ وهل تكلم أحد منكم بشيء ؟ فذكروا له ما ~~تلاه لاهز بن قريظ ، فقال هذا الذي دعاه للهرب ، ثم قال : يا لاهز تدغل في ~~الدين ، وقتله ، واستشار أبو مسلم أبا طلحة في أصحاب نصر ، فقال : اجعل ~~سوطك السيف ، وسجنك القبر ، فقتلهم وكانوا أربعة وعشرين رجلا ، وأما نصر ~~فإنه سار من سرخس إلى طوس فأقام بها ، ودخل ابن الكرماني مرو مع أبي مسلم ~~وتابعه على رأيه . PageV22P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" ذكر مقتل ابني الكرماني وفي سنة ثلاثين ومائة ~~أيضا : قتل أبو مسلم عليا وعثمان ابني الكرماني . وكان سبب ذلك أن أبا مسلم ~~كان وجه موسى بن كعب إلى أبيورد فافتتحها . ووجه أبا داود إلى بلخ وفيها ~~زياد بن عبد الرحمن ، فلما بلغه قصد أبي داود بلخ خرج في أهلها وأهل الترمذ ~~وغيرهما من كور طخارستان إلى الجوزجان . فلما دنا أبو داود منهم انصرفوا ~~منهزمين إلى ترمذ ، ودخل أبو داود مدينة بلخ . فكتب إليه أبو مسلم بالقدوم ~~عليه ، ووجه مكانه أبا الميلاء يحيى بن نعيم على بلخ ، فلما قدم كاتبه زياد ~~بن عبد الرحمن أن يصير أن أيديهم واحدة فأجابه ، فرجع زياد ومسلم بن عبد ~~الرحمن بن مسلم الباهلي وعيسى بن زرعة السلمي وأهل بلخ وترمذ وملوك ~~طخارستان وما وراء النهر ودونه فنزلوا على فرسخ من بلخ ، وخرج إليهم يحيى ~~بن نعيم بمن معه ، فصارت كلمتهم واحدة - مضر وربيعة واليمن ومن معهم - على ~~قتال المسودة ، وجعلوا الولاية عليهم لمقاتل بن حيان النبطي ، فأمر مسلم ~~أبا داود بالعود ، فأقبل بمن معه حتى اجتعموا على نهر السرجنان ، وكان زياد ~~وأصحابه قد وجهوا أبا سعيد القرشي مسلحة ، لئلا يأتيهم أصحاب أبي داود من ~~خلفهم ، وكانت أعلام أبي سعيد سودا ، فلما أقبل أبو سعيد ورأى ms4931 زياد ومن معه ~~أعلام أبي سعيد وراياته سودا ظنوهم كمينا لأبي داود فوقع عامة أصحاب زياد ~~في النهر ، وقتل منهم خلق كثير ممن تخلف ، ونزل أبو داود معسكرهم وحوى ما ~~فيه ، ومضى زياد ويحيى ومن معهما إلى ترمذ ، واستقامت بلخ له فكتب إليه أبو ~~مسلم بالقدوم عليه وقدم أبو داود على أبي مسلم واتفقا على أن يفرقا بين ~~ابني الكرماني ، فبعث أبو مسلم عثمان بن الكرماني عاملا على بلخ ، فلما ~~قدمها أقبلت المضرية من ترمذ وعليهم مسلم بن عبد الرحمن الباهلي ، فالتقوا ~~واقتتلوا فانهزم أصحاب عثمان وغلب مسلم على بلخ ، وكان عثمان بن الكرماني ~~بمرو الروذ لم يشهد هذه الوقعة ، فلما بلغه الخبر أقبل هو والنضر بن صبيح ~~المري فهرب أصحاب مسلم من ليلتهم ، فلم يمعن النظر في طلبهم ، ولقيهم أصحاب ~~عثمان PageV22P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" فاقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم أصحاب عثمان ~~وقتل منهم خلق كثير ، ورجع أبو داود من مرو إلى بلخ ، وسار أبو مسلم إلى ~~نيسابور ومعه علي بن الكرماني ، واتفق رأي أبي مسلم ورأي أبي داود على أن ~~يقتلا ابني الكرماني ، فلما قدم أبو داود بلخ بعث عثمان عاملا على الختل ~~فلما خرج عثمان من بلخ تبعه أبو داود وأخذه هو وأصحابه فحبسهم جميعا ، ثم ~~ضرب أعناقهم صبرا ، وقتل أبو مسلم في ذلك اليوم علي بن الكرماني ، وكان أبو ~~مسلم أمره قبل ذلك أن يسمى له خاصيته ، ليوليهم ويأمر لهم بجوائز وكساوى ، ~~فسماهم له فقتلهم جميعا . ذكر قدوم قحطبة بن شبيب من قبل إبراهيم الإمام ~~على أبي مسلم وكان قدومه سنة ثلاثين ومائة فقدم ومعه لواء عقده له إبراهيم ~~، فوجهه أبو مسلم في مقدمته ، وضم إليه الجيوش وجعل إليه العزل والاستعمال ~~، وكتب إلى الجنود بالسمع والطاعة له . ذكر مسير قحطبة إلى نيسابور ~~واستيلائه عليها ومن استعمله أبو مسلم على الجهات قال : ولما استولى أبو ~~مسلم على خراسان وقتل ابنا الكرماني على ما تقدم بعث العمال على البلاد ، ~~فاستعمل سباع بن النعمان الأزدي على سمرقند ، وأبا داود خالد بن ms4932 إبراهيم ~~على طخارستان ، ومحمد بن الأشعث على الطبسين ، وجعل مالك بن الهيثم على ~~شرطته ، ووجه قحطبة إلى طوس ومعه عدة من القواد ، منهم أبو عون عبد الملك ~~بن يزيد ، وخالد بن برمك ، وعثمان بن نهيك ، وخازم بن خزيمة وغيرهم ، فلقي ~~قحطبة من بطوس فهزمهم ، وبلغ عدة القتلى بضعة عشر ألفا ، ووجه أبو مسلم ~~القاسم ابن مجاشع إلى نيسابور على طريق المحجة ، وكتب إلى قحطبة يأمره ~~بقتال تميم بن نصر بن سيار والنابي بن سويد ومن لجأ إليهما من أهل خراسان ، ~~ووجه أبو مسلم علي بن معقل في عشرة آلاف إلى تميم بن نصر ، وأمره أن يكون ~~مع PageV22P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" قحطبة ، وسار قحطبة إلى السوذقان - وهو معسكر ~~تميم بن نصر والنابي بن سويد ، وقد عبأ أصحابه فدعاهم إلى كتاب الله وسنة ~~نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) وإلى الرضا من آل محمد فلم يجيبوه ، فقاتلهم ~~قتالا شديدا ، فقتل تميم في المعركة ، وقتل من أصحابه خلق كثير ، وهرب ~~النابي بن سويد فتحصن بالمدينة ، فحصره قحطبة ونقبوا سورها ودخلوا المدينة ~~فقتلوا النابي ومن كان معه ، وبلغ الخبر نصر بن سيار فهرب إلى قومس وتفرق ~~عنه أصحابه ، فسار إلى نباتة بن حنظلة بجرجان ، وقدم قحطبة نيسابور فأقام ~~بها هو ومن معه رمضان وشوال . ذكر مقتل نباتة بن حنظلة عامل يزيد بن هبيرة ~~على جرجان قد ذكرنا هرب نصر بن سيار ولحاقه بنباتة بن حنظلة ، فلما كان في ~~ذي القعدة أقبل قحطبة إلى جرجان ، وقد نزل نباتة ونصر بن سيار الجورجان ، ~~وخندقوا عليهم وهم في عدد وعدد ، فهابهم أهل خراسان حتى تكلموا بذلك وظهر ~~عليهم ، فبلغ قحطبة فقام فيهم وقوى عزائمهم وشجعهم ، وقال : إن الإمام ~~وعدكم المصر عليهم ، وقد عهد إلي أنكم تلقونهم فينصركم الله عليهم ، ~~فالتقوا في مستهل ذي الحجة سنة ثلاثين ومائة في يوم الجمعة ، وعلى ميمنة ~~قحطبة ابنه الحسن ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فقتل نباتة وعشرة آلاف من أهل ~~الشام ، وانهزم من بقي منهم ، وسار نصر بن سيار وكان بقومس فنزل خوار الري ms4933 ~~، وكاتب ابن هبيرة يستمده وهو بواسط مع ناس من وجوه أهل خراسان ، وقال له : ~~أمدني بعشرة آلاف قبل أن تمدني بمائة ألف ثم لا تغني شيئا ، فحبس ابن هبيرة ~~رسله ، فأرسل إلى مروان بن محمد يعلمه ما فعل ابن هبيرة يأمره أن يمده ، ~~فجهز ابن هبيرة جيشا كثيفا عليهم ابن عطيف إلى نصر بن سيار ، قال : أما ~~قحطبة فإنه بلغه أن أهل جرجان يريدون الخروج عليه ، فاستعرضهم وقتل منهم ما ~~يزيد على ثلاثين ألفا . PageV22P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائة ذكر وفاة نصر ~~بن سيار ودخول قحطبة الري قال : ثم وجه قحطبة ابنه الحسن لقتال نصر في ~~المحرم من هذه السنة ، ووجه أبا كامل وأبا القاسم محرز بن إبراهيم ، وأبا ~~العباس المروزي إلى الحسن ابنه ، فلما كانوا قريبا منه انحاز أبو كامل وترك ~~عسكره وأتى نصر بن سيار فأعلمه ، فصار معه وأعلمه مكان الجند ، فوجه إليهم ~~جندا فهرب جند قحطبة ، وخلفوا شيئا من متاعهم فأخذه أصحاب نصر ، فبعث به ~~نصر إلى ابن هبيرة ، فعرض له ابن عطيف بالري فأخذ الكتاب والمتاع من رسول ~~نصر ، وبعثه إلى ابن هبيرة فغضب نصر ، وقال : أما والله لأدعن ابن هبيرة ~~فليعرفن أنه ليس بشيء ، وكان ابن عطيف في ثلاثة آلاف ، قد بعثه ابن هبيرة ~~مددا لنصر ، فأقام بالري ولم يأت نصرا ، فسار نصر حتى نزل الري وعليها حبيب ~~بن بديل النهشلي ، فلما قدمها سار ابن عطيف منها إلى همذان ، ثم عدل إلى ~~أصفهان إلى عامر بن ضبارة ، ولما قدم نصر الري أقام بها يومين ثم مرض ، ~~فحمل إلى ساوة فمات بها لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول منها ، ~~وعمره خمس وثمانون سنة ، ودخل أصحابه همذان ، ولما مات نصر بعث الحسن بن ~~قحطبة خازم بن خزيمة إلى سمنان ، وأقبل قحطبة من جرجان وقدم أمامه زياد بن ~~زرارة القشيري ، وكان قد ندم على اتباع أبي مسلم ، فأخذ طريق أصفهان يريد ~~عامر بن ضبارة ، فوجه قحطبة ، المسيب بن زهير الضبي فلحقه ، وقاتله ms4934 فانهزم ~~زياد وقتل عامة من معه ، ورجع المسيب إلى قحطبة ، ثم سار قحطبة إلى قومس ~~وبها ابنه الحسن ، فقدمه إلى الري ، وبلغ حبيب بن بديل النهشلي ومن معه من ~~أهل الشام مسير الحسن ، فخرجوا عن الري ودخلها الحسن في صفر ، وأقام حتى ~~قدم أبوه ، فبعثه بعد مقدمه بثلاث ليال إلى همذان ، فسار عنها مالك بن أدهم ~~ومن كان معه من أهل الشام PageV22P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" وأهل خراسان إلى نهاوند ، فأقام بها وفارقه ~~ناس كثير ، ودخل الحسن همذان وسار منها إلى نهاوند ، فنزل على أربعة فراسخ ~~منها ، وأمده أبوه بأبي الجهم بن عطية مولى باهلة في سبعمائة فحصر المدينة ~~. ذكر مقتل عامر بن ضبارة ودخول قحطبة أصفهان كان عامر بن ضبارة قد بعثه ~~يزيد بن هبيرة لقتال عبد الله بن معاوية ، لما خرج ودعا إلى نسه على ما ~~نذكره في أخبار آل أبي طالب إن شاء الله ، وبعث معه ابنه داود بن يزيد ~~فهزمه ابن ضبارة ، وسار في أثره ، فلما بلغ ابن هبيرة مقتل نباتة بن حنظلة ~~بجرجان كتب إلى عامر وإلى ابنه داود ، أن يسيرا إلى قحطبة وكانا بكرمان ، ~~فسارا في خمسين ألفا ونزلوا بأصفهان ، وكان يقال لعسكر ابن ضبارة عسكر ~~العساكر ، فبعث قحطبة إليهم جماعة من القواد عليهم جميعا مقاتل بن حكيم ~~العكي ، فساروا حتى نزلوا قم ، وبلغ ابن ضبارة نزول الحسن بن قحطبة نهاوند ~~، فسار ليفتن من بها من أهلها ، فأرسل مقاتل إلى قحطبة يعلمه بمسيره ، ~~فأقبل قحطبة من الري حتى لحق بمقاتل ، ثم ساروا والتقوا بعامر بن ضبارة ~~وداود بن يزيد ، وكان عسكر قحطبة عشرين ألفا فيهم خالد بن برمك ، وعسكر ابن ~~ضبارة مائة ألف وقيل خمسون ومائة ألف ، فأمر قحطبة بمصحف فوضع على رمح ، ~~ونادى يا أهل الشام إنما ندعوكم إلى ما في هذا المصحف ، فشتموه وفحشوا في ~~القول ، فأمر قحطبة أصحابه بالحملة عليهم ، فحمل عليهم العكي وتهايج الناس ~~، ولم يكن بينهم كبير قتال حتى انهزم أهل الشام ، وقتلوا قتلا ذريعا ، فقتل ~~ابن ضبارة وهرب داود ms4935 ، وأخذ أصحاب قحطبة من عسكرهم ما لا يعلم قدره ، من ~~السلاح والمتاع والرقيق والخيل ، وما رئي عسكر قط كان فيه من أصناف الأشياء ~~ما في هذا العسكر ، كان كأنه مدينة ، فكان فيه من البرابط والطنابير ~~والمزامير والخمر ما لا يحصى ، وحقيق لعسكر فيه مثل ذلك أن ينهزم ، وكانت ~~هذه الوقعة بنواحي أصفهان في شهر رجب . PageV22P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" ذكر دخول قحطبة نهاوند قال : ولما قتل ابن ~~ضبارة كان الحسن بن قحطبة يحاصر نهاوند ، فكتب إليه أبوه بالخبر ، فلما قرأ ~~كتابه كبر هو وجنوده ونادوا بقتله ، فقال عاصم بن عمير السعدي : ما نادوا ~~بقتله إلا وهو حق ، فاخرجوا إلى الحسن قبل أن يأتي أبوه أو يمده بمدد ، ~~فقالت الرجالة : تخرجون وأنتم فرسان وتتركونا فقال مالك بن أدهم : لا أبرح ~~حتى يقدم قحطبة ، وأقام قحطبة بأصفهان عشرين يوما ثم سار ، فقدم على ابنه ~~بنهاوند فحصرهم ثلاثة أشهر آخرها شوال ، ونصب عليهم المجانيق ، وأرسل إلى ~~من بنهاوند من أهل خراسان يدعوهم إليه ، وبذل لهم الأمان فأبوا ذلك ، فأرسل ~~إلى من بها من أهل الشام بمثل ذلك فأجابوه ، وقبلوا أمانه وبعثوا إليه أن ~~يشغل عنهم أهل البلد بالقتال ، ليفتحوا له الباب ففعل ذلك ، ففتح أهل الشام ~~الباب الذي يليهم وخرجوا ، فلما رأى أهل البلد ذلك سألوهم عن سبب خروجهم ، ~~فقالوا : أخذنا لنا ولكم الأمان ، فخرج رؤساء خراسان ، فدفع قحطبة كل رجل ~~منهم إلى قائد من قواده ، ثم أمر فنودي : من كان بيده أسير فليضرب عنقه ~~وليأت برأسه ، ففعلوا ذلك ، فلم يبق أحد ممن كان قد هرب من أبي مسلم إلا ~~قتل ، إلا أهل الشام فإنه وفى لهم وخلى سبيلهم ، وأخذ عليهم الأيمان ~~والعهود . قال : ولما حاصر قحطبة نهاوند أرسل ابنه إلى مرج القلعة ، فقدم ~~الحسن خازم بن خزيمة إلى حلوان ، وعليها عبد الله بن العلاء الكندي ، فهرب ~~من حلوان . ذكر فتح شهرزور قال : ثم وجه قحطبة أبا عون عبد الملك بن يزيد ~~الخراساني ومالك بن طواف في أربعة آلاف إلى شهرزور ، وبها عثمان بن ms4936 سفيان ~~على مقدمة عبد الله بن مروان بن محمد ، فنزلوا على فرسخين من شهرزور ، في ~~العشرين من ذي الحجة ، وقاتلوا عثمان بعد يوم وليلة من نزولهم ، فانهزم ~~أصحاب عثمان وقتل ، وأقام أبو عون في بلاد الموصل وقيل إن عثمان لم يقتل ~~ولكنه هرب إلى عبد الله بن مروان ، وغنم أبو عون عسكره ، وقتل من أصحابه ~~مقتلة عظيمة ، وسير قحطبة العساكر إلى أبي عون ، فاجتمع PageV22P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" معه ثلاثون ألفا ، ولما بلغ مروان خبر أبي عون ~~- بحران - سار منها بجنود الشام والجزيرة والموصل وبني أمية ، وأقبل نحو ~~أبي عون حتى نزل الزاب الأكبر ، وقام أبو عون بشهرزور بقية ذي الحجة ~~والمحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، وفرض بها لخمسة آلاف . ودخلت سنة ~~اثنتين وثلاثين ومائة ذكر مسير قحطبة لقتال ابن هبيرة بالعراق وهلاك قحطبة ~~وهزيمة ابن هبيرة قال : ولما قدم داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة على أبيه ~~منهزما ، خرج يزيد نحو قحطبة في عدد كثير لا يحصى ، ومعه حوثرة بن سهيل ~~الباهلي ، وكان مروان قد أمده به ، فسار ابن هبيرة حتى نزل جلولاء ، واحتفر ~~الخندق الذي كان العجم احتفرته أيام وقعة جلولاء وأقام به ، وأقبل قحطبة ~~حتى نزل عكبراء ، ودخل دجلة ومضى حتى نزل ما دون الأنبار ، وأرسل طائفة من ~~أصحابه إلى الأنبار وغيرها ، وأمرهم بإحدار ما فيها من السفن إلى دمما ~~ليعبر الفرات ، فحملوا إليه كل سفينة هناك ، فقطع الفرات إلى غريبة ، وذلك ~~لثمان مضين من المحرم ، وارتحل ابن هبيرة منصرفا مبادرا إلى الكوفة ، فعبر ~~دجلة من المدائن ، واستعمل على مقدمته حوثرة وأمره بالمسير إلى الكوفة ، ~~والفريقان يسيرون على جانبي الفرات ، فقال قحطبة : إن الإمام أخبرني أن لي ~~بهذا المكان وقعة ، يكون النصر لنا ، واستدل على مخاضة فعبر منها ، وقاتل ~~حوثرة ومحمد بن نباتة فانهزم أهل الشام ، وفقد قحطبة فقال أصحابه : من كان ~~عنده علم من قحطبة فليخبرنا به ، فقال مقاتل بن مالك العكي : سمعت قحطبة ~~يقول : إن حدث بي حدث فالحسن ابني أمير الناس ، فبايع الناس حميد ms4937 بن قحطبة ~~لأخيه الحسن ، وكان أبوه قد سيره في سرية ، فأرسلوا إليه فأحضروه وسلموا ~~الأمر إليه ، وكشفوا عن قحطبة فوجدوه في جدول وحرب بن سلم قتيلين ، فظنوا ~~أن كل واحد منهما قتل الآخر ، وقيل إن معن بن زائدة ضرب قحطبة ، لما عبر ~~الفرات على حبل PageV22P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" عاتقه فسقط في الماء ، فقال : شدوا يدي إذا ~~أنا مت وألقوني في الماء ، لئلا يعلم الناس بقتلي ، وقاتل أهل خراسان ~~فانهزم محمد بن نباتة وأهل الشام ، ومات قحطبة وقال قبل موته : إذا قدمتم ~~الكوفة فوزير آل محمد أبو سلمة الخلال ، فسلموا هذا الأمر إليه ، وقيل بل ~~غرق قحطبة . ولما انهزم ابن نباتة وحوثرة لحقا بابن هبيرة فانهزم لهزيمتهم ~~، ولحقوا بواسط وتركوا عسكرهم وما فيه من الأموال والسلاح وغير ذلك ، فأمر ~~الحسن بن قحطبة بجمع ذلك فجمع وغنموه . ذكر خروج محمد بن خالد بالكوفة ~~مسودا في هذه السنة خرج محمد بن خالد بن عبد الله القسري بالكوفة وسود قبل ~~أن يدخلها الحسن بن قحطبة ، وأخرج عامل ابن هبيرة ، وكان خروجه ليلة ~~عاشوراء سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، وكان على الكوفة يوم ذاك زياد بن صالح ~~الحارثي ، فسار محمد إلى القصر ودخله ، وارتحل زياد ومن معه من أهل الشام ، ~~وسمع حوثرة الخبر فسار نحو الكوفة ، فتفرق عن محمد عامة من معه ، فأرسل أبو ~~سلمة الخلال إليه يأمره بالخروج من القصر ، خوفا عليه من حوثرة ، هذا ولم ~~يبلغ أحدا من الفريقين بهلاك قحطبة ، فأبى محمد أن يخرج وبلغ حوثرة تفرق ~~أصحاب محمد عنه فتهيأ لقصده ، فبينما محمد في القصر إذ أتاه بعض طلائعه ، ~~فقال له : قد جاءت خيل من أهل الشام ، فوجه إليهم عدة من مواليه ، فناداهم ~~الشاميون : نحن جئنا لندخل في طاعة الأمير ، ودخلوا وفيهم مليح بن خالد ~~البجلي ، ثم جاءه جهم بن الأصبح الكناني في خيل أعظم من تلك ، ثم جاءت خيل ~~أعظم منها مع رجل من آل بحدل ، فلما رأى حوثرة ذلك من صنع أصحابه ارتحل نحو ~~واسط ، وكتب محمد بن خالد إلى ms4938 قحطبة يعلمه أنه قد ظفر بالكوفة ، فقدم ~~القاصد على الحسن بن قحطبة ، فقرأ الكتاب على الناس وارتحل نحو الكوفة ، ~~فوصلها يوم الاثنين ، وقد قيل إن الحسن بن قحطبة أقبل نحو الكوفة ، بعد ~~هزيمة ابن هبيرة وعليها عبد الرحمن بن بشير العجلي فهرب منها ، فسود محمد ~~بن خالد ، وخرج في أحد عشر رجلا وبايع الناس ، ودخلها الحسن من الغد ولما ~~دخل الحسن وأصحابه الكوفة أتوا أبا سلمة الخلال وهو في بني سلمة ، ~~فاستخرجوه وكان مختفيا ، فعسكر بالنخيلة يومين ثم ارتحل إلى حمام أعين ، ~~PageV22P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" ووجه الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة ~~، وبايع أبا سلمة الناس وكان يقال وزير آل محمد ، وهو أبو سلمة حفص بن ~~سليمان مولى السبيع ، واستعمل محمد بن خالد على الكوفة ، ووجه حميد بن ~~قحطبة إلى المدائن في جماعة من القواد ، وبعث المسيب بن زهير وخالد بن برمك ~~إلى ديرقنى ، وبعث المهلبي وشرحبيل إلى عين التمر ، وبعث بسام بن إبراهيم ~~بن بسام إلى الأهواز وبها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة ، فقاتله وأخرجه منها ~~فالتحق عبد الواحد بالبصرة ، وبعث إلى البصرة سفيان بن معاوية بن يزيد بن ~~المهلب عاملا عليها وعليها سلم ، وقد لحق به عبد الواحد فأرسل سفيان إليه ، ~~يأمره بالتحول من دار الإمارة فأبى ، وقاتل ونادى من جاء برأس فله خمسمائة ~~ومن جاء بأسير فله ألف درهم ، فقتل معاوية وأتى برأسه إلى سلم فأعطى قاتله ~~عشرة آلاف ، وانكسر سفيان لقتل ابنه فانهزم وذلك في صفر . ذكر مقتل إبراهيم ~~بن محمد الإمام وكان مقتله في سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، وسبب ذلك أن ~~مروان بن محمد أرسل للقبض عليه بالحميمية ، ووصف للرسول صفة أبي العباس ~~السفاح ، لأنه كان يجد في الكتب : أن من هذه صفته يقتلهم ويسلبهم ملكهم ، ~~وسمى لرسوله إبراهيم بن محمد ، فقدم الرسول فأخذ أبا العباس بالصفة ، فلما ~~ظهر إبراهيم وأمن قيل للرسول إنما أمرت بإبراهيم وهذا عبد الله ، فترك أبا ~~العباس وأخذ إبراهيم ، وانطلق به إلى مروان ، فلما أتاه به قال ms4939 : ليس هذه ~~الصفة التي وصفت لك ، فقال رسله قد رأينا الصفة وإنما سميت إبراهيم ، وهذا ~~إبراهيم فحبسه بحران ، وأعاد الرسل في طلب أبي العباس فلم يظفروا به ، وكان ~~قد توجه إلى الكوفة على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وقد اختلف في قتل ~~إبراهيم ، فقيل إن مروان لما حبسه حبس سعيد بن هشام بن عبد الملك وابنيه ~~عثمان ومروان ، وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز ، والعباس بن الوليد بن بعد ~~الملك ، وأبا محمد السفياني ، فهلك إبراهيم في السجن في وباء وقع بحران ، ~~وهلك العباس بن الوليد ، وعبد الله بن عمر ، فلما كان قبل هزيمة مروان من ~~الزاب بجمعة خرج سعيد بن هشام ومن معه ، وقتلوا صاحب السجن فقتلهم أهل حران ~~، وتخلف أبو محمد بالسجن فلم يخرج فيمن خرج هو وغيره ، فلما قدم مروان من ~~الزاب خلى عنهم . وقيل إن مروان هدم على إبراهيم بيتا فقتله . وقيل بل جعل ~~PageV22P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" رأسه في جراب مملوء نورة فمات ، وقيل إن ~~شراحيل بن مسلمة بن عبد الملك كان محبوسا مع إبراهيم ، فكانا يتزاوران وصار ~~بينهما مودة ، فأتى رسول من عند شراحيل إلى إبراهيم يوما بلبن ، فقال : ~~يقول لك أخوك إني شربت من هذا اللبن فاستطبته ، فأحببت أن تشرب منه ، فشرب ~~منه فشكى من ساعته ، وكان يوما يزور فيه شراحيل فأبطأ عليه ، فأرسل إليه ~~شراحيل : إنك قد أبطأت فما حبسك عني ؟ فأعاد عليه إني لما شربت اللبن الذي ~~بعثت به إلي فاشتكيت ، فأتاه شراحيل - وحلف بالله أنه ما شرب لبنا في يومه ~~، ولا بعث به إليك واسترجع ، وقال : احتيل والله عليك ، فبات إبراهيم ليلته ~~وأصبح ميتا . وكان إبراهيم خيرا فاضلا كريما ، قدم المدينة مرة ففرق في ~~أهلها مالا جليلا ، فنال بعضهم منه ألف دينار - وخمسمائة دينار - وأربعمائة ~~دينار ، وكانت هذه عطاياه وهباته . وكان مولده في سنة اثنتين وثمانين ، ~~وأمه أم ولد بربرية اسمها سلمى . قال : ولما قبض على إبراهيم بالحميمية نعى ~~نفسه إلى أهل بيته ، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبي ms4940 العباس عبد ~~الله بن محمد - وهو السفاح ، وأوصاهم بالسمع والطاعة له ، وأوصاه وجعله ~~الخليفة من بعده وودعهم ، وسار فهلك على ما ذكرنا ، وكان من أمر أبي العباس ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى . ذكر ابتداء الدولة العباسية وانقضاء الدولة ~~الأموية ذكر بيعة أبي العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن ~~العباس عم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وهو ابن الحارثية الذي نص ~~عليه هاشم محمد بن الحنفية ، لما فوض أمر الشيعة إلى والده ، ووعدهم أنه ~~صاحب الأمر ، وكان ذلك قبل مولد أبي العباس على ما قدمنا ، وأمه ريطة بنت ~~عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي ، بويع له بالخلافة يوم ~~الجمعة لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، وذلك ~~أنه لما قبض على أخيه إبراهيم بن محمد الإمام عهد إليه كما ذكرناه ، وأمره ~~بالمسير إلى الكوفة ، سار من الحميمية ومعه أهل بيته وأخوه أبو جعفر ~~المنصور ، وعبد الوهاب ومحمد ابنا أخيه إبراهيم ، وعمومته داود ، وعيسى ، ~~وصالح ، PageV22P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد - بنو علي بن ~~عبد الله بن عباس ، وموسى ابن عمه داود ، وابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد ~~بن علي ، ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس ، فقدموا الكوفة في صفر من هذه ~~السنة ، وشيعتهم من أهل خراسان بظاهر الكوفة بحمام أعين ، فأنزلهم أبو سلمة ~~الخلال دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم في بني أود ، وكتم أمرهم من جميع ~~القواد نحو أربعين ليلة ، وأراد فيما ذكر أن يحول الأمر إلى آل طالب ، لما ~~بلغه موت إبراهيم الإمام ، فكان أبو الجهم يقول له : ما فعل الإمام ، فيقول ~~لم يقدم بعد ، وكان أبو سلمة إذا سئل عن الإمام يقول : لا تعجلوا ، فلم يزل ~~هذا دأبه حتى دخل أبو حميد محمد بن إبراهيم الحميري من حمام أعين يريد ~~الكناسة ، فلقي خادما لإبراهيم الإمام يقال له سابق الخوارزمي فعرفه ، فقال ~~له ما فعل إبراهيم ؟ فأخبره أن مروان قتله ms4941 ، وأنه أوصى إلى أخيه أبي العباس ~~من بعده ، وأنه قدم الكوفة ومعه عامة أهل بيته ، فسأله أبو حميد أن ينطلق ~~به إليهم فقال له سابق : الوعد بيني وبينك غدا في هذا الموضع ، وكره سابق ~~أن يأتيهم به إلا بإذنهم ، فرجع أبو حميد إلى أبي الجهم وأخبره ، وهو في ~~عسكر أبي سلمة ، فأمره أن يتلطف للقائهم ، فرجع أبو حميد إلى موضع ميعاد ~~سابق ، فلقيه وانطلق به إليهم ، فلما دخل سأل من الخليفة منهم ؟ فقال له ~~داود بن علي : هذا إمامكم وخليفتكم ، وأشار إلى أبي العباس ، فسلم عليه ~~بالخلافة وقبل يديه ورجليه وعزاه بإبراهيم ، وقال : مرنا بأمرك ، ثم رجع ~~وصحبه إبراهيم بن سلمة - رجل كان يخدم بني العباس - إلى أبي الجهم ، فأخبره ~~عن منزلتهم وأن الإمام بعثه إلى أبي سلمة ، يسأله مائة دينار يعطيها أجرة ~~الجمال التي حملتهم ، فلم يبعث بها إليهم ، فمشى أبو الجهم وأبو حميد ~~وإبراهيم بن سلمة إلى موسى بن كعب ، وقصوا عليه القصة ، وبعثوا إلى الإمام ~~بمائتي دينار مع إبراهيم بن سلمة ، واتفق رأي القواد أن يلقوا الإمام ، ~~فمضى موسى بن كعب وأبو الجهم وغيرهم من القواد إلى أبي العباس ، وبلغ ذلك ~~أبا سلمة فسأل عنهم ، فقيل له إنهم دخلوا الكوفة لحاجة لهم ، وأتى القوم ~~إليهم فقالوا : أيكم عبد الله بن محمد بن الحارثية ؟ فقالوا : هذا - فسلموا ~~عليه بالخلافة وعزوه بإبراهيم ، ورجع موسى بن كعب وأبو الجهم ، وأمر أبو ~~الجهم بقية القواد فتخلفوا عند الإمام ، فأرسل أبو سلمة إلى أبي الجهم : ~~أين كنت ؟ قال : ركبت إلى إمامي ، فركب أبو سلمة إلى الإمام ، فأرسل أبو ~~الجهم إلى أبي حميد : أن أبا سلمة قد أتاكم ، فلا يدخلن على الإمام إلا ~~وحده ، فلما PageV22P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" انتهى إليهم أدخلوه وحده ومنعوا حفدته من ~~الدخول ، فسلم بالخلافة ، فقال له رجل منهم : على رغم أنفك يا ماص بظر أمه ~~، فنهاه أبو العباس وأمر أبا سلمة بالعود إلى معسكره فعاد ، وأصبح الناس ~~يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول فلبسوا السلاح ms4942 ، ~~واصطفوا لخروج أبي العباس ، وأتوه بالدواب ، فركب برذونا أبلق ، وركب معه ~~أهل بيته فدخلوا دار الإمارة ، ثم خرج إلى المسجد فخطب وصلى بالناس ، ثم ~~صعد المنبر ثانية فقام في أعلاه ، وصعد عمه داود فقام دونه ، فتكلم أبو ~~العباس فقال : الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه ، فكرمه وشرفه وعظمه ~~واختاره لنا ، وأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه ، والقوام به والذابين ~~عنه والناصرين له ، وألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحق بها وأهلها ، وخصنا ~~برحم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقرابته ، وأنشأنا من آبائه ، ~~وأنبتنا من شجرته ، واشتقنا من نبعته ، جعله من أنفسنا عزيزا عليه ما ~~عننتنا ، حريصا علينا بالمؤمنين رءوفا رحيما ، ووضعنا من الإسلام وأهله ~~بالموضع الرفيع ، وأنزل بذلك كتابا على أهل الإيمان يتلى عليهم فقال تبارك ~~وتعالى فيما أنزل في محكم كتابه : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا " وقال تعالى : " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة ~~في القربى " وقال : " وأنذر عشيرتك الأقربين " وقال : " ما أفاء الله على ~~رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى " وقال : " واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى " فأعلمهم جل ~~ثناؤه فضلنا ، وأوجب حقنا ومودتنا ، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا ، ~~تكرمة لنا وفضلا علينا ، والله ذو الفضل العظيم ، وزعمت السباية الضلال أن ~~غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا فشاهت وجوههم ، ثم ولم أيها ~~الناس ؟ وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم ، وبصرهم بعد جهالتهم ، وأنقذهم ~~بعد هلكتهم ، وأظهر بنا الحق وأدحض بنا الباطل ، وأصلح بنا منهم ما كان ~~فاسدا ، ورفع بنا الخسيسة ، وتمم بنا النقيصة ، وجمع الفرقة ، حتى عاد ~~الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبر ومواساة في دينهم ، وإخوانا على سرر ~~متقابلين في آخرتهم ، فتح الله ذلك منة ومنحة لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ~~، فلما قبضه الله قام بالأمر من بعده أصحابه شورى بينهم ، فحووا مواريث ~~الأمم PageV22P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" فعدلوا فيها ، ووضعوها مواضعها ، وأعطوها ~~أهلها ، وخرجوا خماصا منها ، ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فابتزوها ms4943 وتداولوها ~~، فجاروا فيها واستأثروا بها وظلموا أهلها ، فأملى الله لهم حينا حتى آسفوه ~~، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا ، ورد علينا حقنا ، وتدارك بنا أمتنا ، ~~وولى نصرنا والقيام بأمرنا ، ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض ، وختم ~~بنا كما افتتح بنا ، وإني لأرجو ألا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير ، ولا ~~الفساد من حيث جاءكم الصلاح ، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله . يا أهل ~~الكوفة ، أنتم أهل محبتنا ، ومنزل مودتنا ، أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك ، ~~ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم ، حتى أدرككم زماننا ، وأتاكم الله ~~بدولتنا ، وأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا ، وقد زدتكم في أعطياتكم ~~مائة درهم ، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح ، والثائر المنيح . وكان موعكا ~~فاشتد عليه الوعك ، فجلس على المنبر وقام عمه داود على مراقي المنبر ، فقال ~~: الحمد لله شكرا الذي أهلك عدونا ، وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . أيها الناس : الآن قد قشعت حنادس الدنيا ، وانكشف ~~غطاؤها وأشرقت أرضها وسماؤها ، وطلعت الشمس من مطالعها ، وبزغ القمر من ~~مبزغه ، وأخذ القوس باريها ، وعاد السهم إلى منزعه ، ورجع الحق إلى نصابه ، ~~في أهل بيت نبيكم أهل الرأفة والرحمة والعطف عليكم . أيها الناس : والله ما ~~خرجنا في طلب هذا الأمر لنكنز لجينا ، ولا عقيانا ، ولا نحفر نهرا ، ولا ~~نبني قصرا ، وإنما أخرجتنا الأنفة من ابتزازهم حقنا ، والغضب لبني عمنا ، ~~وما كرهنا من أموركم ، فلقد كانت أموركم ترمضنا ، ونحن على فراشنا ، وتشتد ~~علينا سوء سيرة بني أمية فيكم واستذلالهم لكم ، واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ~~ومغانمكم عليكم ، لكم ذمة الله تبارك وتعالى وذمة رسوله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، تبا تبا لبني حرب PageV22P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" وبني أمية ، آثروا مدتهم العاجلة على الآجلة ، ~~والدار الفانية على الدار الباقية ، فركبوا الآثام ، وظلموا الأنام ، ~~وانتهكوا المحارم ، وغشوا الجرائم ، وجاروا في سيرتهم في العباد وسنتهم في ~~البلاد ، ومرحوا في أعنة المعاصي ، وركضوا في ميدان الغي ، جهلا باستدراج ~~الله ، وأمنا لمكر الله فأتاهم بأس الله بياتا وهم نائمون . فأصبحوا أحاديث ~~ومزقوا كل ms4944 ممزق ، فبعدا للقوم الظالمين ، وأدالنا الله من مروان وقد غره ~~بالله الغرور ، وأرسل لعدو الله في عنانه حتى عثر في فضل خطامه . أظن عدو ~~الله أن لن يقدر عليه . فنادى حزبه ، وجمع مكايده . ورمى بكتائبه . فوجد ~~أمامه ووراءه . وعن يمينه وشماله . من مكر الله وبأسه ونقمته . ما أمات ~~باطله . ومحق ضلاله . وجعل دائرة السوء به . وأحيا شرفنا وعزنا . ورد إلينا ~~حقنا وإرثنا . أيها الناس : إن أمير المؤمنين - نصره الله نصرا عزيزا - ~~إنما عاد إلى المنبر بعد الصلاة ، لأنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره ، ~~وإنما قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك ، فادعوا الله لأمير المؤمنين ~~بالعافية ، فقد أبدلكم الله بمروان ، عدو الرحمن وخليفة الشيطان ، المتبع ~~السفلة الذين أفسدوا في الأرض بعد صلاحها الشاب المكتهل المتمهل ، المقتدي ~~بسلفه الأبرار الأخيار ، الذين أصلحوا الأرض بعد إفسادها بمعالم الهدى ~~ومناهج التقوى . فعج الناس بالدعاء له ثم قال : يا أهل الكوفة : إنا والله ~~ما زلنا مظلومين مقهورين على حقنا ، حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان ، ~~فأحيا بهم حقنا ، وأفلج بهم حجتنا ، وأظهر بهم دولتنا ، فأراكم الله بهم ما ~~كنتم تنتظرون ، وأظهر فيكم الخليفة من هاشم ، وبيض به وجوهكم ، وأدالكم على ~~أهل الشام ، ونقل إليكم السلطان وعز الإسلام ، ومن عليكم بإمام منحه ~~العدالة ، وأعطاه حسن الإيالة ، فخذوا ما أتاكم الله بشكر ، والزموا طاعتنا ~~، ولا تخدعوا عن أنفسكم ، فإن الأمر أمركم ، وإن لكل أهل بيت مصرا ، وإنكم ~~مصرنا ، ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وأمير المؤمنين عبد الله بن ~~محمد - وأشار بيده إلى أبي العباس - . واعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج ~~منا ، حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم ( صلى الله عليه وسلم ) ، والحمد لله على ~~ما أبلانا وأولانا . PageV22P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" ثم نزلا ، وداود أمامه حتى دخل القصر ، وأجلس ~~أخاه أبا جعفر المنصور يأخذ البيعة على الناس في المسجد ، فلم يزل يأخذها ~~عليهم حتى صلى بهم العصر ثم المغرب ms4945 وجنهم الليل ، وخرج أبو العباس فعسكر ~~بحمام أعين في عسكر أبي سلمة ، ونزل معه في حجرته بينهما ستر ، وحاجب ~~السفاح يومئذ عبد الله بن بسام ، واستخلف على الكوفة وأرضها عمه داود بن ~~علي ، وبعث عمه عبد الله بن علي إلى أبي عون بن يزيد بشهرزور ، وبعث ابن ~~أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة ، وهو يومئذ يحاصر ابن هبيرة بواسط ، ~~وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن عباس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن ، وبعث أبا ~~اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيم بن ~~بسام بالأهواز ، وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن الطواف . وأقام ~~السفاح بالعسكر أشهرا ، ثم ارتحل فنزل المدينة الهاشمية بقصر الإمارة ، ~~وكان قد تنكر لأبي سلمة قبل تحوله حتى عرف ذلك منه . ذكر هزيمة مروان ~~بالزاب قد ذكرنا أن قحطبة أرسل أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزدي إلى ~~شهرزور ، وأنه سار إلى ناحية الموصل ، وأن مروان سار من حران حتى بلغ الزاب ~~وحفر خندقا ، وكان في عشرين ومائة ألف ، وسار أبو عون إلى الزاب ، فوجه أبو ~~سلمة إلى أبي عون عيينة بن موسى ، والمنهال بن فتان ، وإسحاق بن طلحة ، كل ~~واحد في ثلاثة آلاف ، فلما ظهر أبو العباس بعث سلمة بن محمد في ألفين ، ~~وعبد الله الطائي في ألف وخمسمائة ، وعبد الحميد ربعي الطائي في ألفين ، ~~ووداس بن نضلة في خمسمائة - إلى أبي عون ، ثم قال : من يسير إلى مروان من ~~أهل بيتي ؟ قال عبد الله بن علي : أنا ، فسيره إلى أبي عون فقدم عليه ، ~~فتحول أبو عون عن سرادقه له ، فلما كان لليلتين خلتا من شهر جمادى الآخرة ~~سنة اثنتين وثلاثين ومائة سأل عبد الله ابن علي عن مخاضة بالزاب فدل عليها ~~، فأمر عيينة بن موسى فعبر في خمسة آلاف ، فانتهى إلى عسكر مروان فقاتلهم ~~حتى أمسوا ، ورجع إلى عبد الله ، وأصبح مروان فعقد جسرا وعبر النهر ، وسير ~~ابنه عبد الله فنزل أسفل من عسكر ms4946 عبد الله ، فبعث عبد الله بن علي المخارق ~~بن غفار في أربعة آلاف نحو عبد الله بن مروان ، فبعث ابن مروان إليه ~~PageV22P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم فالتقيا ، ~~فانهزم أصحاب المخارق وثبت هو ، فأسر في جماعة وسيروهم إلى مروان ، فأمر أن ~~يؤتى برجل من الأسرى ، فأتي بالمخارق ، فقال له : أنت المخارق ، قال : لا ~~بل أنا من عبيد أهل العسكر ، قال : أفتعرف المخارق ؟ قال : نعم ، قال : ~~فانظر هل تراه في هذه الرؤوس ؟ فنظر إلى رأس منها فقال : هذا هو المخارق ، ~~فخلى سبيله ، ولما بلغت الهزيمة عبد الله بن علي أرسل إلى طريق المنهزمين ~~من يمنعهم من دخول العسكر ، وأشار عليه أبو عون أن يبادر مروان بالقتال ، ~~قبل أن يظهر أمر المخارق ، فنادى في الناس بلبس السلاح والخروج إلى الحرب ~~فركبوا ، وسار نحو مروان ، وكان عسكره عشرين ألفا وقيل اثنا عشر ألفا ، ~~فلما التقى العسكران قال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز : إن زالت ~~الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم ، فإن قاتلونا ~~قبل الزوال فإنا لله وإنا إليه راجعون ، فأرسل مروان إلى عبد الله يسأله ~~الموادعة ، فقال عبد الله : كذب ، لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء ~~الله ، ثم التقوا واقتتلوا فجعل عبد الله بن علي يقول : يا رب حتى متى نقتل ~~فيك ونادى : يا أهل خراسان ، يا لثارات يا لثارات إبراهيم واشتد القتال ، ~~فأمر مروان بالأموال فأخرجت ، وقال للناس : اصبروا وقاتلوا فهذه الأموال ~~لكم ، فجعل ناس يصيبون منها ، فقيل له : إن الناس قد مالوا على المال ، ولا ~~نأمنهم أن يذهبوا به ، فأرسل إلى ابنه عبد الله أن يسير فيقتل من أخذ من ~~المال شيئا ، فمال عبد الله برايته وأصحابه ، فقال الناس : الهزيمة ، ~~الهزيمة ، فانهزموا وانهزم مروان وقطع الجسر ، وكان من غرق يومئذ أكثر ممن ~~قتل ، وكان ممن غرق يومئذ إبراهيم بن الوليد المخلوع ، فاستخرجوه في الغرقى ~~، فقرأ عبد الله : " وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم ms4947 ~~تنظرون " ، وقيل بل قتله عبد الله بالشام ، وحوى عبد الله عسكر مروان بما ~~فيه ، فوجد سلاحا كثيرا وأموالا وكتب إلى السفاح بالفتح ، فلما أتاه الكتاب ~~أمر لكل من شهد الوقعة بخمسمائة خمسمائة ، ورفع أرزاقهم ، وكانت هزيمة ~~مروان بالزاب يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة ~~. ذكر مقتل مروان بن محمد ودخول أهل الشام وغيرهم في الطاعة قال : ولما ~~انهزم مروان أتى مدينة الموصل ، وعليها هشام بن عمرو التغلبي وبشر بن خزيمة ~~الأسدي فقطعا الجسر ، فناداهم أهل الشام : هذا أمير المؤمنين مروان ، ~~PageV22P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" فقالوا : كذبتم ، لا يفر ، وسبه أهل الموصل ، ~~وقالوا له : يا جعدي ، يا معطل ، الحمد لله الذي أزال سلطانكم ، وذهب ~~بدولتكم ، الحمد لله الذي أتانا بأهل بيت نبينا ، فسار إلى حران فأقام بها ~~نيفا وعشرين يوما ، وسار عبد الله حتى دخل الموصل فعزل هشاما ، واستعمل ~~عليها محمد بن صول ، ثم سار في أثر مروان ، فلما دنا منه حمل مروان أهله ~~وعياله ومضى منهزما ، وخلف بحران ابن أخيه إبان بن يزيد ، فقدم عبد الله ~~حران فلقيه إبان مسودا مبايعا ، فبايعه وأمنه هو ومن كان معه بحران ~~والجزيرة ، ومضى مروان إلى حمص فلقيه أهلها بالطاعة ، وأقام يومين أو ثلاثا ~~وسار ، فلما رأوا قلة من معه طمعوا فيه ، وقالوا : مرعوب منهزم فاتبعوه ، ~~والتقوا فقاتلهم وهزمهم ، وأتى مروان دمشق وعليها الوليد بن معاوية بن ~~مروان ، فحلفه بها ومضى إلى فلسطين . قال : وكان السفاح قد كتب إلى عبد ~~الله بن علي باتباع مروان ، فسار من حران بعد أن هدم الدار التي كان ~~إبراهيم قد حبس بها ، ووصل إلى منبج وقد سودوا فأقام بها ، وأتته بيعة أهل ~~قنسرين ، وقدم عليه أخوه عبد الصمد بن علي مددا من قبل السفاح في أربعة ~~آلاف ، فسار عبد الله إلى قنسرين ثم إلى حمص فبايع أهلها ، وأقام بها أياما ~~ثم سار إلى بعلبك فأقام بها يومين ، ثم سار فنزل قرية مزة ، ونزل أخوه صالح ~~بن علي مرج عذراء في ثمانية آلاف ، وكان ms4948 السفاح قد بثعه مددا لعبد الله ، ~~ثم تقدم عبد الله فنزل على الباب الشرقي ، ونزل صالح على باب الجابية ، ~~وأبو عون على باب كيسان ، وبسام بن إبراهيم على الباب الصغير ، وحميد بن ~~قحطبة على باب توما ، وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب ~~الفراديس ، وبدمشق يومئذ الوليد بن معاوية فحصروه بها ودخلوها عنوة في يوم ~~الأربعاء لخمس مضين من شهر رمضان منها ، فقاتلوا فيها ثلاث ساعات ، وقتل ~~الوليد بن معاوية فيمن قتل ، وأقام عبد الله بدمشق خمسة عشر يوما ، ثم سار ~~يريد فلسطين فلقيه أهل الأردن وقد سودوا ، فأقام بفلسطين ، وأتاه كتاب ~~السفاح يأمره PageV22P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" بإرسال صالح بن علي في طلب مروان ، فسار صالح ~~في ذي القعدة ، ومعه ابن فتان ، وعامر بن إسماعيل الحارثي ، وأبو عون - ~~فبلغوا العريش ، وأحرق مروان ما كان حوله من علف وطعام وهرب إلى جهة مصر ، ~~وسار صالح فنزل النيل ، ثم نزل الفسطاط ، ثم سار ونزل موضعا يقال له ذات ~~الساحل ، وهرب مروان إلى الصعيد ، وقدم صالح أبا عون ، وعامر بن إسماعيل ~~الحارثي وشعبة بن كثير المازني - فساروا ، فلقوا خيلا لمروان فهزموهم ~~وأسروا منهم رجالا ، فسألوهم عن مروان فأخبروهم بمكانه على أن يؤمنوهم ~~فأمنوهم ، وساروا فوجدوه نازلا في كنيسة ببوصير فقاتلوه ليلا ، وكان أصحاب ~~أبي عون قليلا ، فقال لهم عامر بن إسماعيل : إن أصبحنا ورأوا قلتنا أهلكونا ~~، فكسر جفن سيفه وفعل أصحابه مثله ، وحملوا على أصحاب مروان فانهزموا ، ~~وحمل رجل على مروان فطعنه وهو لا يعرفه فصرعه ، وصاح صالح جرح أمير ~~المؤمنين فابتدروه ، فسبق إليه رجل من أهل الكوفة - كان يبيع الرمان - ~~فاحتز رأسه ، فأخذه عامر بن إسماعيل فبعث به إلى أبي عون ، وبعثه أبو عون ~~إلى صالح ، فلما وصل إليه أمر أن يقص ويقطع لسانه فأخذته هرة ، فقال صالح : ~~لو لم ترنا الأيام من عجائبها إلا لسان مروان في فم هرة لكفانا ، وقيل : إن ~~عبد الله بن علي هو الذي قال هذا ، قال : وسيره صالح إلى عبد الله فبعثه ~~إلى ms4949 السفاح ، وكان قتله لليلتين من ذى الحجة ، ورجع صالح إلى الشام ، وخلف ~~أبا عون بمصر . ولما وصل الرأس إلى السفاح كان بالكوفة ، فلما رآه سجد ثم ~~رفع رأسه ، فقال : الحمد لله الذي أظهرني عليك ، وأظفرني بك ، ولم يبق ثأري ~~قبلك وقبل رهطك أعداء الدين ، ثم تمثل : لو يشربون دمي لم يرو شاربهم . . . ~~ولا دماؤهم للغيظ ترويني قال : ولما قتل مروان قصد عامر الكنيسة التي فيها ~~حرم مروان ، وكان قد وكل بهن خادما له ، وأمره أن يقتلهن بعده ، فأخذه عامر ~~وأخذهن ، وهن نساء مروان وبناته ، فسيرهن إلى صالح بن علي ، فلما دخلن عليه ~~تكلمت ابنة مروان الكبرى PageV22P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" فقالت : يا عم أمير المؤمنين ، حفظ الله لك من ~~أمرك ما تحب حفظه ، نحن بناتك وبنات أخيك وابن عمك ، فليسعنا من عفوك ما ~~وسعكم من جورنا ، قال : إذن لا أستبقي منكن واحدة ، ألم يقتل أبوك ابن أخي ~~إبراهيم ؟ ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين وصلبه في ~~الكوفة ؟ ألم يقتل الوليد بن يزيد - يحيى بن زيد وصلبه بخراسان ؟ ألم يقتل ~~ابن زياد الدعي مسلم بن عقيل ؟ ألم يقتل يزيد بن معاوية - الحسين بن علي ~~وأهل بيته ؟ ألم يخرج إليه بحرم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سبايا ~~فوقفهن موقف السبي ؟ ألم يحمل إليه رأس الحسين وقد فرغ دماغه ؟ فما الذي ~~يحملني على الإبقاء عليكن ؟ قالت : فليسعنا عفوكم ، أما هذا فنعم ، وإن ~~أحببت زوجتك ابني الفضل ، فقالت : بل تحملنا إلى حران ، فحملهن إليها . ذكر ~~من قتل من بني أمية بعد مقتل مروان بن محمد قال : دخل سديف مولى للسفاح ~~عليه وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أكرمه السفاح ، فقال سديف : ~~لايغرنك ما ترى من رجال . . . إن تحت الضلوع داء دويا فضع السيف وارفع ~~السوط حتى . . . لا ترى فوق ظهرها أمويا فقال سليمان قتلتني يا شيخ ودخل ~~السفاح ، وأخذ سليمان فقتل ، قال : ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على ~~عبد الله بن علي وعنده من ms4950 بني أمية نحو تسعين رجلا على الطعام ، فأقبل عليه ~~شبل فقال : أصبح الملك ثابت الأساس . . . بالبهاليل من بني العباس طلبوا ~~وتر هاشم فشفوها . . . بعد ميل من الزمان وباس لا تقيلن عبد شمس عثارا . . ~~. واقطعن كل رقلة وغراس ذلها أظهر التودد منها . . . وبها منكم كحر المواسي ~~فلقد غاظني وغاظ سوائي . . . قربهم من نمارق وكراسي PageV22P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" أنزلوها بحيث أنزلها الل . . . ه بذات الهوان ~~والإتعاس واذكروا مصرع الحسين وزيدا . . . وقتيلا بجانب المهراس والقتيل ~~الذي بحران أضحى . . . ثاويا بين غربة وتناسي فأمر بهم عبد الله فضربوا ~~بالعمد حتى قتلوا ، وبسط عليهم الأنطاع فأكل الطعام عليها ، وهو يسمع أنين ~~بعضهم حتى ماتوا جميعا ، وأمر عبد الله بن علي بنبش قبور بني أمية بدمشق ، ~~فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان فلم يجدوا فيه إلا خيطا مثل الهباء ، ونبش ~~قبر يزيد بن معاوية فوجدوا فيه حطاما كالرماد ، ونبش قبر عبد الملك بن ~~مروان فوجدوا فيه جمجمة ، وكان يوجد في القبر العضو بعد العضو ، غير هشام ~~بن عبد الملك فإنه وجد صحيحا ، لم يبل منه إلا أرنبة أنفه ، فضربه بالسياط ~~ثم صلبه ثم حرقه وذراه في الريح ، وتتبع بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم ~~فأخذهم ، فلم يفلت منهم إلا رضيع أو من هرب إلى الأندلس ، واستصفى مالهم من ~~أموال وغيرها ، فلما فرغ منهم قال : بني أمية قد أفنيت جمعكم . . . فكيف لي ~~منكم بالأول الماضي يطيب النفس إن النار تجمعكم . . . عوضتم من لظاها شر ~~معتاض إن كان غيظي لفوت منكم فلقد . . . رضيت منكم بما ربي به راض وقيل إن ~~سديفا أفسد الشعر ، الذي ذكرناه عنه للسفاح ومعه كانت الحادثة ، وقتل ~~سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بالبصرة منهم جماعة ، وألقاهم على ~~الطريق فأكلتهم الكلاب ، فاختفى من قدر من بني أمية ، وتشتت شملهم ، وكان ~~ممن اختفى منهم عمرو بن معاوية بن عمرو بن سفيان بن عتبة بن أبي سفيان ، ~~قال : فكنت لا آتي مكانا إلا عرفت فيه ، فضاقت علي الأرض فقصدت سليمان بن ~~علي ، وهو لا ms4951 يعرفني ، فقلت له : لفظتني البلاد إليك ، ودلني فضلك عليك ، ~~فإما قتلتني فاسترحت ، وإما رددتني سالما فأمنت ، فقال من أنت ؟ فعرفته ~~بنفسي فعرفني ، فقال : مرحبا بك ، حاجتك ؟ فقلت : إن الحرم التي أنت أولى ~~الناس بهن ، وأقربهم إليهن قد خفن لخوفنا ، ومن خاف خيف عليه ، فبكى كثيرا ~~ثم قال : بل يحقن الله دمك ، ويوفر مالك ، ويحفظ حرمك ، ثم كتب إلى السفاح ~~: يا أمير المؤمنين ، إنه قد وفد وافد بني أمية علينا ، وإنا إنما قتلناهم ~~على عقوقهم لا على أرحامهم ، فإنا يجمعنا وإياهم PageV22P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" عبد مناف ، فالرحم تبل ولا تفل ، وترفع ولا ~~توضع ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يهبهم لي فليفعل ، وإن فعل فليجعل كتابا ~~عاما إلى البلدان ، شكرا لله تعالى على نعمه عندنا وإحسانه إلينا ، فأجابه ~~إلى ذلك . وكتب لهم أمانا ، وكان هذا أول أمان بني أمية . ذكر الخلاف على ~~أبي العباس السفاح وأخبار من خالف وخلع في هذه السنة : خلع حبيب بن مرة ~~المري ، ومعه أهل البثنية وحوران ، وكان من قواد مروان ، فحمله الخوف على ~~نفسه على الخلاف ، فخرج إليه عبد الله بن علي وقاتله دفعات ، ثم صالحه عبد ~~الله لما خلع أبو الورد . ذكر خلع أبي الورد وأهل قنسرين ودمشق وفيها خلع ~~أبو الورد مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي ، وكان من أصحاب مروان ~~وقواده ، وكان قد بايع عبد الله بن علي وأقام بقنسرين ، وكان ولد مسلمة بن ~~عبد الملك مجاورين له ببالس والناعورة ، فقدم قائد من قواد عبد الله إلى ~~بالس ، فبعث بولد مسلمة ونسائهم ، فشكى بعضهم ذلك إلى أبي الورد ، فقتل ذلك ~~القائد ومن معه وأظهر الخلع لعبد الله ، ودعا أهل قنسرين إلى ذلك فبيضوا ~~بأجمعهم ، والسفاح يومئذ بالحيرة وعبد الله بن علي يقاتل حبيب بن مرة ، ~~فلما بلغ عبد الله ذلك صالح حبيب بن مرة وأمنه ، وسار إلى قنسرين للقاء أبي ~~الورد ، فمر بدمشق فخلف بها أبا غانم عبد الحميد بن ربعي الطائي في أربعة ~~آلاف ، وكان بدمشق أهل عبد الله وأمهات أولاده ms4952 وثقله ، فلما قدم حمص انتقض ~~أهل دمشق وبيضوا ، وقاموا مع عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدي فلقوا ~~أبا غانم ومن معه فهزموه ، وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة ، وانتهبوا ثقل ~~عبد الله ولم يتعرضوا لأهله ، وأجمعوا PageV22P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" على الخلاف ، وسار عبد الله وكان قد اجتمع مع ~~أبي الورد جماعة أهل قنسرين ، وكاتبوا من يليهم من أهل حمص وتدمر ، فقدم ~~منهم ألوف ، وقدموا عليهم أبا محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية ودعوا ~~إليه ، وقالوا هو السفياني ، واجتمعوا في نحو أربعين ألفا فعسكروا بمرج ~~الأخرم ، ودنا عبد الله منهم ووجه إليهم عبد الصمد بن علي في عشرة آلاف ، ~~وكان أبو الورد هو المدبر لعسكر قنسرين وصاحب القتال ، فناهضهم واقتتلوا ~~وكثر القتل بينهم فانكشف عبد الصمد ، ولحق بأخيه عبد الله فأقبل عبد الله ~~والتقوا بمرج الأخرم ، واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب أبي الورد ، وثبت ~~هو في خمسمائة من قومه فقتلوا جميعا ، وهرب أبو محمد ومن معه حتى لحقوا ~~بتدمر ، وأمن عبد الله أهل قنسرين وسودوا ، وبايعوه ودخلوا في طاعته ، ثم ~~انصرف راجعا إلى دمشق ، فلما دنا منها هرب الناس بغير قتال ، فأمن عبد الله ~~أهلها ولم يؤاخذهم وبايعوه ، وأما أبو محمد السفياني فتغيب إلى أيام ~~المنصور ، ولحق بالحجاز ، فكان كذلك إلى أن بلغ زياد بن عبد الله الحارثي ~~عامل المنصور مكانه ، فبعث إليه خيلا فقاتلوه فقتلوه . وقيل إن حرب أبي ~~الورد كانت في سلخ ذى الحجة سنة ثلاث وثلاثين . ذكر تبييض أهل الجزيرة ~~وخلعهم قال : وفي هذه السنة بيض أهل الجزيرة وخلعوا السفاح ، وساروا إلى ~~حران وبها موسى بن كعب في ثلاثة آلاف من جند السفاح فحاصروه بها ، وليس على ~~أهل الجزيرة رأس تجمعهم ، فقدم عليهم إسحاق بن مسلم العقيلي من أرمينية ~~فاجتمع عليه أهل الجزيرة ، وحاصر موسى بن كعب نحوا من شهر ، فوجه أبو ~~العباس السفاح أخاه أبا جعفر فيمن كان معه من الجنود بواسط محاصرين ابن ~~هبيرة فساروا ، واجتاز بقرقيسيا والرقة وقد بيض أهلها ، فلما انتهى إلى ms4953 ~~حران رحل إسحاق بن مسلم إلى الرها ، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ، وخرج موسى ~~بن كعب إليه ، ووجه إسحاق بن PageV22P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" مسلم أخاه بكار بن مسلم إلى جماعة ربيعة بدارا ~~وماردين ، ورئيس ربيعة يومئذ رجل من الحرورية يقال له بريكة ، فعمد إليهم ~~أبو جعفر فقاتلهم قتالا شديدا ، فقتل بريكة في المعركة ، وانصرف بكار بن ~~مسلم إلى أخيه بالرها فخلفه إسحاق بها ، وسار إلى سميساط فسار حتى نزل ~~بإزاء إسحاق بها ، وإسحاق يومئذ في ستين ألفا وبينهم الفرات ، وأقبل أبو ~~جعفر من الرها وحاصر إسحاق بسميساط سبعة أشهر ، وكان إسحاق يقول : في عنقي ~~بيعة ، فأنا لا أدعها حتى أعلم أن صاحبها مات أو قتل ، فلما تيقن قتله طلب ~~الصلح والأمان ، فكتبوا بينهم كتابا بذلك ، وخرج إسحاق إلى أبي جعفر وكان ~~عنده من آثر أصحابه ، فاستقام أهل الجزيرة والشام ، واستعمل أبو العباس ~~السفاح أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان ، فلم يزل عليها حتى ~~استخلف . ذكر قتل أبي سلمة الخلال وسليمان بن كثير قد ذكرنا ما كان من أمر ~~أبي سلمة مع أبي العباس السفاح في مبتدأ الأمر ، وما عامله به عند مقدمه ~~وتنكر السفاح له ، فلما فارق العسكر ونزل المدينة الهاشمية كتب إلى أبي ~~مسلم الخراساني ، يعلمه بخبره وما كان من أمره ، فكتب إليه : إن كان أمير ~~المؤمنين قد اطلع على ذلك فليقتله ، فلما قدم عليه كتابه قال داود بن علي : ~~لا تفعل يا أمير المؤمنين فيحتج بها أبو مسلم عليك ، وأهل خراسان الذين معك ~~أصحابه ، ولكن اكتب إلى أبي مسلم أن يبعث إليه من يقتله ، فكتب إليه فبعث ~~أبو مسلم مرار بن أنس الضبي ليقتله ، فقدم على السفاح وأعلمه ، فأمر السفاح ~~مناديا فنادى : إن أمير المؤمنين قد رضي على أبي سلمة ، ودعاه فكساه ، ثم ~~دخل بعد ذلك عليه في ليلة فلم يزل عنده حتى ذهب عامة الليل ، وانصرف إلى ~~منزله وحده فقتله مرار بن أنس ، وقالوا قتله الخوارج ، ثم أخرج من الغد ~~فصلى عليه يحيى بن محمد أخو السفاح ms4954 ، ودفن بالمدينة الهاشمية فقال سليمان ~~بن المهاجر البجلي فيه : إن الوزير وزير آل محمد . . . أودى فمن يشناك صار ~~وزيرا PageV22P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" وكان يقال لأبي سلمة وزير آل محمد ، ولأبي ~~مسلم أمين آل محمد ، قال : فلما قتل وجه السفاح أخاه أبا جعفر إلى أبي مسلم ~~، فلما قدم سايره عبيد الله بن الحسن الأعرج وسليمان بن كثير ، فقال سليمان ~~لأبي جعفر : يا هذا إنا كنا نرجو أن يتم أمركم ، فإذا شئتم فادعونا إلى ما ~~تريدون ، فظن عبيد الله أنه دسيس من أبي مسلم ، فأتى إلى أبي مسلم وأخبره ~~بمقالة سليمان ، فأحضر أبو مسلم سليمان بن كثير وقال له : أتحفظ قول الإمام ~~- من اتهمته فاقتله - قال : نعم ، قال فإني قد اتهمتك ، قال : أنشدك الله ~~قال لا تناشدني فأنت منطو على غش الإمام ، وأمر به فضربت عنقه ، ورجع أبو ~~جعفر إلى السفاح فقال له : لست خليفة ولا أمرك بشيء إن تركت أبا مسلم ولم ~~تقتله ، وقال : وكيف ؟ قال : والله ما يصنع إلا ما أراد ، قال السفاح : ~~فاكتمها . ووجه أبو مسلم الخراساني محمد بن الأشعث على فارس ، وأمره أن ~~يقتل عمال أبي سلمة ففعل ذلك ، فوجه السفاح عمه عيسى بن علي على فارس ~~وعليها محمد بن الأشعث ، فأراد محمد قتل عيسى فقيل له : إن هذا لا يسوغ لك ~~، فقال : بلى ، أمرني أبو مسلم أن لا يقدم علي أحد يدعي الولاية من غيره ~~إلا قتلته ، ثم ترك عيسى خوفا من عاقبة قتله ، واستحلف عيسى الأيمان ~~المغلظة : أن لا يعلو منبرا ، ولا يتقلد سيفا إلا في جهاد ، فلم يل عيسى ~~بعدها ولاية ، ولا تقلد سيفا إلا في غزوة ، ثم وجه السفاح بعد ذلك إسماعيل ~~بن علي واليا على فارس . ذكر أخبار ابن هبيرة وما كان من أمره قد ذكرنا أنه ~~كان قد تحصن بواسط ، وأرسل أبو سلمة الحسن بن قحطبة لحصاره فحصره بواسط ، ~~وكانت بينهم وقعات أكثرها على ابن هبيرة ، فلما ظهر السفاح بعث أخاه أبا ~~جعفر ، لقتال ابن هبيرة بعد رجوعه من خراسان ، وكتب إلى ms4955 الحسن : إن العسكر ~~عسكرك ، والقواد قوادك ، ولكن أحببت أن يكون أخي حاضرا فاسمع له وأطع ، ~~وأحسن مؤازرته ، وكتب إلى مالك بن الهيثم بمثل ذلك ، فلما قدم تحول الحسن ~~عن خيمته وأنزله فيها ، ودام حصاره لابن هبيرة بواسط أحد عشر شهرا ، ~~اقتتلوا فيها عدة وقعات ، فلما بلغهم مقتل مروان طلبوا الصلح ، وكان ابن ~~هبيرة أراد أن يدعو إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ، فكتب ~~إليه فأبطأ جوابه ، وكاتب السفاح اليمانية من أصحاب ابن هبيرة وأطمعهم ، ~~فخرج إليه زياد بن صالح وزياد بن عبيد الله الحارثيان ، ووعدا ابن هبيرة أن ~~يصلحا له ناحية السفاح فلم يفعلا ، وخرجت السفراء بين أبي جعفر وابن هبيرة ~~، حتى جعل له أمانا وكتب له كتابا ، مكث ابن هبيرة يشاور العلماء فيه ~~أربعين يوما حتى رضيه ، وأمر PageV22P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" السفاح بإمضائه ، وكان رأي أبي جعفر الوفاء له ~~بما أعطاه ، وكان السفاح لا يقطع أمرا دون أبي مسلم ، فكتب السفاح إليه ~~بخبر ابن هبيرة ، فكتب أبو مسلم إليه : إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه ~~الحجارة فسد ، لا والله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة . قال : ولما تم الكتاب ~~خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة ، وأراد أن يدخل على دابته ، ~~فقام إليه الحاجب سلام بن سليم فقال : مرحبا يا أبا خالد ، انزل راشدا فنزل ~~، وقد أطاف بحجرة المنصور عشرة آلاف من أهل خراسان ، فأدخل ابن هبيرة وحده ~~فحادثه ساعة ، ثم مكث يأتيه يوما ويتركه يوما ، وكان يأتيه في خمسمائة فارس ~~وثلاثمائة ، فقيل لأبي جعفر : إن ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر ، ~~فأنقص من سلطانه شيئا ، فأمره أبو جعفر ألا يأتي إلا في حاشيته ، فكان يأتي ~~في ثلاثين ثم صار يأتي ثلاثة أو أربعة ، وألح السفاح على أبي جعفر بقتل ابن ~~هبيرة وهو يراجعه ، حتى كتب له : والله لتقتلنه أو لأرسلن إليه من يخرجه من ~~حجرتك ويتولى قتله ، فبعث أبو جعفر من ختم بيوت الأموال ، ثم بعث إلى وجوه ~~من مع ابن ms4956 هبيرة فأحضرهم ، فأقبل محمد بن نباتة ، وحوثرة بن سهيل في اثنين ~~وعشرين رجلا ، فأدخل الحاجب حوثرة وابن نباتة فنزعت سيوفهما وكتفا ، ~~واستدعى أبو جعفر رجلين رجلين ففعل بهما كذلك ، فقال بعضهم : أعطيتمونا عهد ~~الله وغدرتم ، إنا لنرجو أن يدرككم الله ، وبعث خازم بن خزيمة والهيثم بن ~~شعبة في مائة إلى ابن هبيرة ، فقالوا : نريد حمل المال ، فقال لحاجبه دلهم ~~على الخزائن ففعل ، فأقاموا عند كل بيت نفرا ، وأقبلوا نحوه وعنده ابنه ~~داود وعدة من مواليه وبني له صغير في حجره ، فقام حاجبه في وجوههم فضربه ~~الهيثم على حبل عاتقه فصرعه ، وقاتل ابنه داود فقتل ، وقتل مواليه ، ونحى ~~ابنه من حجره وقال : دونكم وهذا الصبي وخر ساجدا فقتل ، وحملت رءوسهم إلى ~~أبي جعفر ، فأمر فنودي بالأمان للناس إلا الحكم بن عبد الملك وخالد بن سلمة ~~المخزومي ، فهرب الحكم وأمن أبو جعفر خالدا فقتله السفاح ، ولم يجز أمان ~~أبي جعفر . ذكر ولاية يحيى بن محمد الموصل ومن قتله بها وفي هذه السنة ~~استعمل السفاح أخاه يحيى على الموصل ، وسبب ذلك أن أهل الموصل امتنعوا من ~~طاعة عاملهم محمد بن صول ، وقالوا : لا يلي علينا مولى لخثعم ، وأخرجوه ~~عنهم ، فكتب بذلك إلى السفاح ، فاستعمل عليهم أخاه يحيى وسيره إليها في ~~اثني عشر ألفا ، فنزل قصر الإمارة ولم يظهر لهم ما يكرهونه ولا عارضهم ~~PageV22P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" في أمر ، ثم دعاهم فقتل منهم اثني عشر رجلا ، ~~فنفر أهل البلد وحملوا السلاح فأعطاهم الأمان ، وأمر فنودي من دخل الجامع ~~فهو آمن ، فأتاه الناس يهرعون ، فأقام يحيى الرجال على أبواب الجامع فقتلوا ~~الناس قتلا ذريعا ، أسرفوا فيه فقيل إنه قتل عشرين ألفا ممن له خاتم ، ومن ~~ليس له خاتم ما شاء الله ، فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء يبكين ~~رجالهن ، فقال : إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان ، فقتلوا منهم ثلاثة ~~أيام ، وكان في عسكره قائد معه أربعة آلاف زنجي ، فأخذوا النساء قهرا ، ~~فلما فرغ يحيى من قتل أهل الموصل ركب في اليوم الرابع ، وبين يديه ms4957 الحراب ~~والسيوف مصلته ، فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته ، فأراد أصحابه قتلها ~~فنهاهم ، فقالت له : ألست من بني هاشم ؟ ألست من بني عم رسول الله ؟ أما ~~تأنف للعربيات المسلمات أن ينكحهن الزنج ؟ فأمسك عن جوابها وبعث معها من ~~أبلغها مأمنها ، فلما كان الغد جمع الزنج للعطاء فاجتمعوا ، فأمر بهم ~~فقتلوا عن آخرهم . وقيل : كان السبب في قتل أهل الموصل ما ظهر منهم من ~~كراهية بني العباس ، وأن امرأة غسلت رأسها وألقت الخطمي من السطح ، فوقع ~~على رأس بعض الخراسانية فظنها فعلت ذلك تعمدا ، فاقتحم الدار وقتل أهلها ، ~~فثار أهل البلد وقتلوه وثارت الفتنة ، وممن قتل معروف بن أبي معروف ، وكان ~~من الزهاد العباد قد أدرك كثيرا من الصحابة رضي الله عنهم وروى عنهم . ذكر ~~عمال السفاح في هذه السنة كان العامل على مكة والمدينة واليمن واليمامة ~~داود بن علي عم السفاح ، وكان قبل ذلك على الكوفة وسوادها فنقله واستعمل ~~على الكوفة وسوادها ابن أخيه عيسى بن موسى ، واستقضى على الكوفة ابن أبي ~~ليلى ، وكان العامل على البصرة سفيان بن معاوية المهلبي ، وعلى قضائها ~~الحجاج بن أرطاة ، وعلى السند منصور بن جمهور ، وعلى فارس محمد بن الأشعث ، ~~وعلى الجزيرة وأرمينية وأذربيجان أبا جعفر عبد الله بن محمد بن علي ، وعلى ~~الشام عبد الله بن علي ، وعلى مصر أبا عون عبد الملك بن يزيد ، وعلى الموصل ~~يحيى بن محمد ، وعلى خراسان والجبال أبا مسلم ، وعلى ديوان الخراج خالد بن ~~برمك . وحج بالناس في هذه السنة داود بن علي . PageV22P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" ودخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة ذكر دخول ملك ~~الروم ملطية وقاليقلا في هذه السنة أقبل قسطنطين ملك الروم إلى ملطية وكمخ ~~، فنزل كمخ فاستنجد أهلها بأهل ملطية فسار إليهم منها ثمانمائة مقاتل ، ~~فقاتلهم الروم فانهزم المسلمون ، ونازل الروم ملطية وحصروها ، والجزيرة ~~يومئذ مفتونة بما ذكرناه ، وعاملها موسى بن كعب بحران ، فأرسل قسطنطين إلى ~~أهل ملطية : إني لم أحصركم إلا على علم من اختلاف المسلمين ، فلكم الأمان ~~وتعودون إلى بلاد المسلمين حتى أخرب ms4958 ملطية ، فلم يجيبوه ، فنصب المجانيق ~~فأذعنوا وسلموا البلد بالأمان ، وانتقلوا إلى بلاد الإسلام ، فخربها الروم ~~ورحلوا عنها ، وسار ملك الروم إلى قاليقلا فنزل مرج الخصي ، وأرسل كوشان ~~الأرمني فحصرها ، فنقب أخوان من الأرمن من أهل المدينة سورها ، فدخل كوشان ~~ومن معه البلد فغلبوا عليها ، وقاتلوا الرجال وسبوا النساء والذرية ، وساق ~~الغنائم إلى ملك الروم . وفيها وجه السفاح عمه سليمان واليا على البصرة ~~وأعمالها وكور دجلة والبحرين ومهرجا نقذق واستعمل عمه إسماعيل بن علي على ~~الأهواز . وفيها مات داود بن علي في شهر ربيع الأول واستخلف ابنه موسى ، ~~فاستعمل السفاح على مكة والمدينة والطائف واليمامة خاله زياد بن عبيد الله ~~بن عبد المدان الحارثي ، ووجه محمد بن يزيد بن عبد المدان الحارثي على ~~اليمن . وفيها توجه محمد بن الأشعث إلى أفريقية فقاتل أهلها حتى فتحها . ~~وفيها خرج شريك بن شيخ المهري ببخارى على أبي مسلم ، ونقم عليه وقال : ما ~~على هذا اتبعنا آل محمد ، نسفك الدماء ونعمل بغير الحق ، وتبعه أكثر من ~~ثلاثين ألفا ، ووجه إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي فقتله زياد . ~~PageV22P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" وفيها عزل يحيى بن محمد عن الموصل واستعمل ~~مكانه إسماعيل بن علي وفيها توجه أبو داود خالد بن إبراهيم إلى الختل فتحصن ~~ملكها منه هو وأناس ، فألح عليه أبو داود فخرج هو ومن معه من دهاقينه ، ~~فسار حتى انتهى إلى أرض فرغانة ، ودخل بلد الترك وانتهى إلى ملك الصين ، ~~وأخذ أبو داود من ظفر به منهم ، فبعث بهم إلى أبي مسلم . وحج بالناس في هذه ~~السنة زياد بن عبيد الله . ودخلت سنة أربع وثلاثين ومائة . ذكر خلع بسام بن ~~إبراهيم وما كان من أمره وقتل أخوال السفاح في هذه السنة خلع بسام بن ~~إبراهيم ، وكان من فرسان أهل خراسان ، وسار من عسكر السفاح هو وجماعة على ~~رأيه سرا إلى المدائن ، فوجه إليهم السفاح خازم بن خزيمة فاقتتلوا ، فانهزم ~~بسام وقتل أكثر من معه واستبيح عسكرهم ، وتبعهم خازم إلى أن بلغ ماه ، ثم ~~انصرف فمر ms4959 بذات المطامير ، وبها أخوال السفاح من بني عبد المدان وهم خمسة ~~وثلاثون رجلا ، ومن غيرهم ثمانية عشر ومن مواليهم سبعة عشر ، فلم يسلم ~~عليهم فلما جاوزهم شتموه ، وكان في قلبه منهم ، لأنه بلغه أن المغيرة بن ~~الفزع من أصحاب بسام لجأ إليهم ، فرجع إليهم فسألهم عن المغيرة ، فقالوا : ~~مر بنا رجل مجتاز لا نعرفه ، فأقام في قريتنا ليلة ثم خرج منها ، فقال لهم ~~: أنتم أخوال أمير المؤمنين يأتيكم عدوه فيأمن في قريتكم فهلا اجتمعتم ~~فأخذتموه فأغلظوا له في الجواب فأمر بهم فضربت أعناقهم جميعا ، وهدم دورهم ~~ونهب أموالهم ثم انصرف ، فبلغ ذلك اليمانية فاجتمعوا ، ودخل زياد بن عبيد ~~الله الحارثي معهم على السفاح ، فقالوا : إن خازما اجترأ عليك واستخف بحقك ~~، وقتل أخوالك الذين قطعوا البلاد وأتوك ، معتزين بك طالبين معروفك ، حتى ~~إذا صاروا في جوارك قتلهم خازم ، ونهب أموالهم وهدم دورهم بلا حدث أحدثوه ، ~~فهم بقتل خازم ، فبلغ ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطية ، فدخلا على ~~السفاح وصرفوه عن ذلك ، وقالا إن له سابقة PageV22P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" وإن كنت لا بد قاتله فابعثه لأمر ، إن قتل فيه ~~فقد بلغت الذي تريد ، وإن ظفر كان ظفره لك ، وأشاروا عليه بتوجيهه إلى من ~~بعمان من الخوارج ، وإلى الخوارج الذين بجزيرة ابركاوان مع شيبان بن عبد ~~العزيز اليشكري ، وأمر السفاح بتوجيهه مع سبعمائة رجل ، وكتب إلى سليمان بن ~~علي وهو بالبصرة بحملهم في السفن إلى جزيرة ابراكاوان وعمان ، فسار خازم . ~~ذكر خبر الخوارج وقتل شيبان بن عبد العزيز قال : وسار خازم إلى البصرة وقد ~~انتخب من أهله وعشيرته ومواليه ومن أهل مرو الروذ من يثق به ، ثم سار فلما ~~وصل إلى البصرة انضم إليه عدة من بني تميم ، فساروا في البحر إلى جزيرة ~~ابراكاوان ، فوجه خازم نضلة بن نعيم النهشلي في خمسمائة إلى شيبان ، ~~فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا ، فركب شيبان وأصحابه في السفن إلى عمان وهم ~~صفرية ، فقاتلهم الجلندي وأصحابه وهم أباضية ، واشتد القتال بينهم فقتل ~~شيبان ومن معه ، وقد ذكرنا ms4960 في سنة تسع وعشرين ومائة في أخبار مروان بن محمد ~~قتل شيبان هذا ، وليس هو شيبان الذي قتل بخراسان ، ذاك شيبان بن سلمة ، ثم ~~سار خازم في البحر بمن معه حتى أرسلوا بساحل عمان ، فخرجوا فلقيهم الجلندي ~~وأصحابه ، فاقتتلوا قتالا شديدا وكثر القتل بينهم ، ثم اقتتلوا من الغد ~~فقتل من الخوارج نحو تسعمائة ، وأحرقوا منهم نحو تسعين رجلا ، ثم التقوا ~~بعد سبعة أيام من مقدم خازم ، وجعلوا النفط على اسنة رماحهم ، وأضرموا بيوت ~~أصحاب الجلندي وكانت من خشب فاحترقت ، واشتغلوا بها وبمن فيها من أولادهم ~~وأموالهم ، فحمل عليهم أصحاب خازم فقتل الجلندي ، وبلغ عدة القتلى عشرة ~~آلاف ، فبعث برءوسهم إلى البصرة ثم إلى السفاح ، واستقدم خازما بعد ذلك ~~بشهر فقدم عليه . وفيها وجه السفاح موسى بن كعب إلى السند لقتال منصور بن ~~جمهور ، فسار إليه والتقوا فانهزم منصور ومن معه ، فمات عطشا في الرمال ، ~~وقيل أصابته بطنة فمات ، وسمع خليفته على السند بهزيمته فرحل بعيال منصور ، ~~فدخل بهم بلاد الخزر . PageV22P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" وفيها توفي محمد بن يزيد وهو على اليمن ، ~~فاستعمل السفاح مكانه على ابن الربيع بن عبيد الله . وفيها تحول السفاح من ~~الحيرة إلى الأنبار في ذى الحجة . وفيها ضرب المنار والأميال من الكوفة إلى ~~مكة المشرفة . وحج بالناس عيسى بن موسى وهو على الكوفة . ودخلت سنة خمس ~~وثلاثين ومائة ذكر خروج زياد بن صالح في هذه السنة خرج زياد بن صالح وراء ~~النهر ، فسار إليه أبو مسلم من مرو ، وبعث أبو داود خالد بن إبراهيم - نصر ~~بن راشد إلى ترمذ ، مخافة أن يبعث زياد بن صالح إلى الحصن والسفن فيأخذها ، ~~ففعل ذلك نصر وأقام بها ، فخرج عليه ناس من الطالقان مع رجل يكنى أبا إسحاق ~~فقتلوا نصرا ، فبعث أبو داود عيسى بن ماهان فقتل قتلة نصر ، ومضى أبو مسلم ~~مسرعا حتى انتهى إلى آمل ومعه سباع بن النعمان الأزدي ، وكان السفاح قد ~~أرسله لقتال زياد بن صالح ، وأمره إن رأى فرصة أن يثب على أبي مسلم ويقتله ms4961 ~~، فأخبر أبا مسلم بذلك فحبس سباعا بآمل ، وغزا أبو مسلم حتى نزل بخارى ، ~~فأتاه عدة من قواد زياد قد خلعوا زيادا ، وأخبروا أبا مسلم أن سباع بن ~~النعمان أفسد زيادا ، فكتب إلى عامله بآمل أن يقتله فقتله ، ولجأ زياد إلى ~~دهقان هناك فقتله ، وحمل رأسه إلى أبي مسلم ، فرجع إلى مرو . وفيها غزا عبد ~~الرحمن بن حبيب جزيرة صقلية فغنم ونهب وسبى بعد أن غزا تلمسان . وحج بالناس ~~في هذه السنة سليمان بن علي . ودخلت سنة ست وثلاثين ومائة ذكر وفاة أبي ~~العباس السفاح في هذه السنة : توفي أبو العباس عبد الله بن محمد السفاح ، ~~وكانت وفاته بالأنبار بالمدينة التي بناها وسماها الهاشمية ، لثلاث عشرة ~~ليلة خلت من ذى الحجة PageV22P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" - وقيل لاثنتي عشرة ليلة مضت منه - بمرض ~~الجدري ، وله ثلاث وثلاثون سنة ، وقيل ست وثلاثون ، وقيل ثمان وعشرون ، ~~وكانت ولايته من لدن قتل مروان إلى أن توفي أربع سنين ، ومن لدن بويع ~~بالخلافة أربع سنين وتسعة أشهر ، وكان جعدا أبيض طويلا ، أقنى الأنف حسن ~~الوجه واللحية ، وقيل إنه سم . وحكى : أنه وصل عبد الله بن الحسن بن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب بألفي ألف درهم ، ولم يعط خليفة هذه الجملة . وكان نقش ~~خاتمه : الله ثقة عبد الله وبه يؤمن . أولاده : محمد مات صغيرا ورايطة ~~تزوجها المهدي . وزراؤه : أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال ، وهو أول من لقب ~~بالوزارة ، ولم يكن خلالا وإنما كان منزله بالكوفة بقرب الخلالين ، فكان ~~يجلس عندهم فسمى الخلال ، ثم قتله على ما قدمناه واستوزر خالد بن برمك وقد ~~قدمنا أنه كان على الخراج . وكانت الدفاتر في الدواوين صحفا مدرجة ، فأول ~~من جعلها دفاتر من جلود خالد بن برمك . قضاته : ابن أبي ليلى الأنصاري ثم ~~يحيى بن سعيد الأنصاري . حاجبه : أبو غسان صالح بن الهيثم مولاه . الأمير ~~بمصر : صالح بن علي بن عبد الله بن عباس ، ثم سار عنها واستخلف أبا عون عبد ~~الملك بن يزيد ، ثم عاد صالح بن علي وقد جمع ms4962 له مصر وفلسطين وأفريقية ، ~~فسير أبا عون إلى أفريقية . قاضيه بها عبد الرحمن بن سالم إلى أن صرفه أبو ~~عون وأعاد حسين بن نعيم ، ثم اعتزل وولى أبو عون - عون بن سليمان . قال : ~~ولما مات السفاح صلى عليه عمه عيسى بن علي ، ودفنه بالأنبار العتيقة . وخلف ~~تسع جباب وأربعة أقمصة وخمس سراويلات وأربعة طيالسة وثلاث مطارف خز . قيل : ~~نظر السفاح يوما في المرآة فقال : اللهم إني لا أقول كما قال سليمان بن عبد ~~الملك : أنا الملك الشاب ، ولكني أقول : اللهم عمرني طويلا في طاعتك ، ~~متمتعا بالعافية ، فما استتم كلامه حتى سمع غلاما يقول لغلام : الأجل بيني ~~وبينك شهران وخمسة أيام ، فتطير من كلامه ، وقال : حسبي الله ولا قوة إلا ~~بالله عليه توكلت وبه أستعين . فما مضت الأيام حتى أخذته الحمى ، ومات بعد ~~شهرين وخمسة أيام . PageV22P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" ذكر خلافة المنصور هو أبو جعفر عبد الله بن ~~محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، وأمه سلامة بنت بشر بن يزيد ، وهو ~~الثاني من خلفاء بني العباس . وكان أخوه السفاح قبل وفاته قد عقد البيعة له ~~في هذه السنة ، وجعله ولي عهد المسلمين من بعده ، وجعل من بعده ولد أخيه ~~عيسى بن موسى بن محمد بن علي ، وجعل العهد في ثوب وختمه بخاتمه وخواتيم أهل ~~بيته ودفعه إلى عيسى بن موسى ، فلما توفي السفاح كان أبو جعفر بمكة ، فأخذ ~~البيعة له عيسى بن موسى ، وكتب إلى أبي جعفر يعلمه بوفاة السفاح والبيعة له ~~، فلقيه الرسول بمنزل صفية ، فقال : صفت لنا إن شاء الله ، وكتب إلى أبي ~~مسلم يستدعيه ، وكان قد حج أيضا وقد تقدم المنصور فأقبل إليه ، فلما جلس ~~ألقى إليه الكتاب فقرأه وبكى واسترجع ، ونظر إلى أبي جعفر وقد جزع جزعا ~~شديدا ، فقال : ما هذا الجزع وقد أتتك الخلافة ؟ فقال أتخوف شر عمي عبد ~~الله وشيعة علي ، فقال : لا تخفه فأنا أكفيكه إن شاء الله تعالى ، إنما ~~عامة جنده ومن معه أهل خراسان ، وهم لا يعصونني فسرى عنه ، وبايع ms4963 له أبو ~~مسلم ، وأقبلا حتى قدما الكوفة ، قال : ولما بايع عيسى بن موسى الناس لأبي ~~جعفر أرسل إلى عبد الله بن علي بالشام ، يخبره بوفاة السفاح وبيعة المنصور ~~، وأمره أن يأخذ البيعة للمنصور فبايع لنفسه . ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ~~ومائة . في هذه السنة قدم أبو جعفر المنصور من مكة إلى الكوفة ، فصلى ~~بأهلها الجمعة وخطبهم ، وسار إلى الأنبار فأقام بها وجمع أطرافه ، وكان ~~عيسى بن موسى قد أحرز بيوت الأموال والخزائن والدواوين حتى قدم فسلم الأمر ~~إليه . ذكر خروج عبد الله بن علي وقتاله وهزيمته كان عبد الله بن علي قدم ~~على السفاح ، فجعله على الصائفة وسير معه أهل الشام وخراسان ، فسار حتى بلغ ~~دلوك ولم يدرب ، فأتاه الخبر بوفاة السفاح وبيعة المنصور ، فرجع وبايع ~~لنفسه وأعلم الناس أن السفاح لما وجه الجنود إلى مروان بن محمد دعا أهل ~~بيته ، وقال : من انتدب منكم لقتال مروان وسار إليه فهو ولي عهدي ، ~~PageV22P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" فلم ينتدب غيري وعلى هذا خرجت من عنده ، وقتلت ~~من قتلت ، وشهد له أبو غانم الطائي وخفاف المروروزي وغيرهما من القواد ~~فبايعوه ، ومنهم حميد بن قحطبة وغيره ، ثم سار عبد الله حتى أتى حران ، ~~وبها مقاتل العكي قد استخلفه أبو جعفر لما سار إلى مكة ، فتحصن منه مقاتل ~~فحصره أربعين يوما ، وكان أبو مسلم قد عاد من الحج مع المنصور كما ذكرناه ، ~~فقال للمنصور : إن شئت جمعت ثيابي في منطقتي وخدمتك ، وإن شئت أتيت خراسان ~~وأمددتك بالجنود ، وإن شئت سرت إلى حرب عبد الله بن علي ، فأمره بالمسير ~~لحرب عبد الله ، فسار نحوه في الجنود ولم يتخلف عنه أحد ، فلما بلغ عبد ~~الله إقبال أبي مسلم الخراساني أعطى العكي أمانا ، فنزل إليه فيمن معه ~~فوجهه إلى عثمان بن عبد الأعلى الأزدي بالرقة ، ومعه ابناه ، وكتب معه ~~كتابا ، فلما قدموا على عثمان دفع العكي الكتاب إليه فقتله واحتبس أولاده ، ~~قال : وخشى عبد الله ألا يناصحه أهل خراسان فقتل منهم نحوا من سبعة عشر ~~ألفا ، واستعمل حميد ms4964 بن قحطبة على حلب ، وكتب معه كتابا إلى زفر بن عاصم ~~يأمره بقتل حميد إذا قدم عليه ، فلما كان ببعض الطريق قرأه ، فإذا فيه قتله ~~، فأعلم خاصته بما فيه وانقلب إلى العراق على الرصافة ، فتبعه ناس كثير ، ~~وأمر المنصور محمد بن صول بالمسير إلى عبد الله بن علي ليمكر به ، فلما ~~أتاه قال له : سمعت أبا العباس يقول : الخليفة بعدي عمي عبد الله ، فقال له ~~: كذبت إنما وضعك أبو جعفر وضرب عنقه ، ثم أقبل عبد الله حتى نزل نصيبين ~~وخندق عليه ، وقدم أبو مسلم ناحية نصيبين وأخذ طريق الشام ولم يعرض لعبد ~~الله ، وكتب إليه : لم أومر بقتالك ، وإنما أمير المؤمنين ولاني الشام ، ~~فأنا أريدها ، فقال من كان مع عبد الله من أهل الشام له : كيف نقيم معك ؟ ~~وهذا يأتي بلادنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا ، ويسبى ذرارينا ، ولكنا ~~نخرج إلى بلادنا فنمنعه ونقاتله ، فقال لهم عبد الله : والله ما يريد الشام ~~وما توجه إلا لقتالكم ، ولئن أقمتم ليأتينكم ، فأبوا إلا المسير إلى الشام ~~، فارتحل عبد الله نحو الشام ، فنزل أبو مسلم في معسكر عبد الله ، وغور ما ~~حوله من المياه ، فقال لأصحابه : ألم أقل لكم ، ورجع فنزل في مكان عسكر أبي ~~مسلم الذي كان به أولا ، ثم التقوا واقتتلوا خمسة أشهر عدة وقعات ، حتى ~~كادت الهزيمة تكون على أصحاب أبي مسلم ، وانهزم بعضهم ، فكان أبو مسلم ~~يرتجز في ذلك فيقول : من كان ينوي أهله فلا رجع . . . فر من الموت وفي ~~الموت وقع PageV22P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" فلما كان يوم الثلاثاء أو الأربعاء لسبع خلون ~~من جمادى الآخرة سبع وثلاثين التقوا واقتتلوا ، فانهزم أصحاب عبد الله ~~وتركوا معسكرهم فحواه أبو مسلم ، وكتب بذلك إلى المنصور ، فأرسل أبا الخصيب ~~مولاه يحصي ما أصابوا من العسكر ، فغضب أبو مسلم . قال : ومضى عبد الله ~~وعبد الصمد ابنا علي ، فقدم عبد الصمد الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى ~~المنصور ، وأما عبد الله فإنه أتى أخاه سليمان بن علي بالبصرة ، فأقام عنده ~~زمانا متواريا . ذكر ms4965 مقتل أبي مسلم الخراساني وكان مقتله لخمس بقين من ~~شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة ، قال : وسبب ذلك أن المنصور كان قد حقد عليه ~~أشياء كثيرة ، منها أن أبا مسلم كان قد كتب إلى السفاح يستأذنه فأذن له ، ~~وكتب السفاح إلى المنصور - وهو على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان - أن أبا ~~مسلم استأذنني في الحج وأذنت له ، وهو يريد أن أوليه الموسم فاستأذني أنت ~~في الحج ، فإنك إذا كنت بمكة لا يطمع أن يتقدمك ، فكتب المنصور إلى السفاح ~~يستأذنه في الحج فأذن له ، فقال أبو مسلم : ما وجد أبو جعفر عاما يحج فيه ~~غير هذا وحجا معا ، فكان أبو مسلم يكسو الأعراب ، ويصلح الآبار والطرق ، ~~فصار الذكر له ، فلما صدر الناس عن الموسم تقدم أبو مسلم في الطريق على ~~المنصور ، وأتاه خبر السفاح كما قدمناه ، فكتب إلى أبي جعفر يعزيه بالسفاح ~~ولم يهنئه بالولاية ، ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع ، فغضب المنصور لذلك وكتب ~~كتابا غليظا ، فلما أتاه الكتاب كتب إليه يهئنه بالخلافة ، وتقدم أبو مسلم ~~فأتى الأنبار ، فدعا عيسى بن موسى إلى أن يبايع له ، فأبى عيسى وقد قيل في ~~أمره ما قدمناه ، ثم جهزه لمحاربة عبد الله بن علي ومعه الحسن بن قحطبة ، ~~فأرسل الحسن إلى أبي أيوب وزير المنصور يقول : إني قد ارتبت من أبي مسلم ، ~~فإنه يأتيه كتاب أمير المؤمنين فيقرأه ثم يلقيه إلى أبي الهيثم ويضحكان ~~استهزاء ، فقال أبو أيوب : نحن لأبي مسلم أشد تهمة منا لعبد الله . فلما ~~انهزم عبد الله وبعث المنصور أبا الخصيب يجمع الأموال ، فأراد أبو مسلم ~~قتله فكلم فيه فخلى سبيله ، وقال : أنا أمين على الدماء خائن في الأموال ، ~~وشتم PageV22P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" المنصور فرجع أبو الخصيب وأخبر المنصور ، فخاف ~~أن يمضي أبو مسلم إلى خراسان ، فكتب إليه : إني قد وليتك مصر والشام ، فهي ~~خير لك من خراسان ، فوجه إلى مصر من أحببت وأقم بالشام ، فتكون بقرب أمير ~~المؤمنين ، فإن أحب لقاءك أتيته من قرب ، فلما أتاه الكتاب غضب وقال : ~~يوليني مصر والشام ms4966 وخراسان لي فكتب الرسول إلى المنصور بذلك . وأقبل أبو ~~مسلم من الجزيرة وقد أجمع على الخلاف ، وخرج يريد خراسان ، وسار المنصور من ~~الأنبار إلى المدائن ، وكتب إلى أبي مسلم في المسير إليه ، فكتب إليه أبو ~~مسلم وهو بالزاب : إنه لم يبق لأمير المؤمنين عدو إلا أمكنه الله منه ، وقد ~~كنا نروي عن ملوك بني ساسان : إن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء ، ~~فنحن نافرون من قربك ، حريصون على الوفاء لك ما وفيت ، حريون بالسمع ~~والطاعة ، غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة ، فإن أرضاك ذلك فأنا ~~كأحسن عبيدك ، وإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك ~~ضنا بنفسي ، فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إليه : قد فهمت كتابك ، وليست ~~صفتك صفة أولئك الوزراء الغشيشة ملوكهم ، الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة ~~لكثرة جرائمهم ، وأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا ~~الأمر ما أنت به ، وليس من الشريطة التي أوجبت منك سمعا ولا طاعة ، وحمل ~~إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة ، لتسكن إليها أن أصغيت ، وأسأل ~~الله أن يحول بين الشيطان ونزاغته وبينك ، فإنه لم يجد بابا يفسد به ذات ~~بينك أوكد عنده وأقرب من الباب الذي فتحه عليك . وقيل إن مكاتبة أبي مسلم ~~إلى المنصور كانت على خلاف ما قدمناه . وأن المنصور لما سار إلى المدائن ~~أخذ أبو مسلم طريق حلوان . فقال المنصور لعمه عيسى بن علي ولمن حضره من بني ~~هاشم : اكتبوا إلى أبي مسلم ، فكتبوا إليه يعظمون أمره ويشكرونه ، ويسألونه ~~أن يتم ما كان منه وعليه من الطاعة ، ويحذرونه عاقبة البغي ، ويأمرونه ~~بالرجوع إلى المنصور ، وبعث المنصور الكتب مع أبي حميد المرورذي وقال له : ~~كلم أبا مسلم بالين ما تكلم به أحدا ، ومنه وأعلمه أني رافعه وصانع به ما ~~لم أصنع بأحد - إن هو صلح وراجع فله ما أحب ، فإن أبى فقل له : ~~PageV22P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" يقول لك أمير المؤمنين : لست للعباس وأنا بريء ~~من محمد إن مضيت مشاقا ولم ms4967 تأتني ، إن وكلت أمرك إلى أحد سواي ، وإن لم آل ~~طلبك وقتالك بنفسى ، ولو خضت البحر لخضته ، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها ، ~~حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك ، وأوصاه ألا يقول له هذا القول إلا بعد الإياس ~~منه ، فسار أبو حميد وقدم على أبي مسلم بحلوان ، فدفع إليه الكتب وقال : إن ~~الناس يبلغونك على أمير المؤمنين ما لم يقله ، وخلاف ما عليه رأيه فيك - ~~حسدا وبغيا ، يريدون إزال النعمة وتغييرها ، فلا تفسد ما كان منك ، وقال له ~~: يا أبا مسلم إنك لم تزل أمين آل محمد ، يعرفك بذلك الناس وما ذخره الله ~~لك في ذلك من الأجر عنده مما أنت فيه من دنياك ، فلا تحبط أجرك ولا يستهونك ~~الشيطان ، فقال له : متى كنت تكلمني بهذا الكلام فقال أبو حميد : إنك ~~دعوتنا إلى هذا الأمر وإلى طاعة أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~بني العباس ، وأمرتنا بقتال من خالف ، فدعوتنا من أرضين متفرقة وأسباب ~~مختلفة فجمعنا الله على طاعتهم ، وألف بين قلوبنا حتى أتيناهم في بلادهم ~~ببصائر نافذة ، وطاعة خالصة ، أفتريد حين بلغنا غاية منانا ومنتهى أملنا أن ~~يفسد أمرنا وتفرق كلمتنا وقد قلت لنا : من خالفكم فاقتلوه ، وإن خالفتم ~~فاقتلوني ، فأقبل أبو مسلم على أبي نصر مالك بن الهيثم ، وقال : أما تسمع ~~كلامه لي ما هذا بكلامه ، فقال مالك : لا تسمع كلامه ولا يهولنك هذا منه ، ~~فلعمري ما هذا كلامه ، فقال مالك : لا تسمع كلامه ولا يهولنك هذا منه ، ~~فلعمري ما هذا كلامه ، ولما بعد هذا أشد منه ، فامض لأمرك ولا ترجع ، ~~فوالله لئن لأتيته ليقتلنك ، ولقد وقع في نفسه منك ما لا يأمنك معه أبدا ، ~~فأمرهم بالقيام فنهضوا . وأرسل أبو مسلم الكتب إلى نيزك فقال : لا أرى أن ~~تأتيه ، وأرى أن تأتي الري فتقيم بها ، فتصير ما بين خراسان والري لك ، وهم ~~جندك لا يخالفونك ، فإن استقام لك استقمت له ، وإن أبى كنت في جندك ، وكانت ~~خراسان من ورائك ، وأنت ورأيك . فدعا أبا حميد وقال له : ارجع إلى ms4968 صاحبك ~~فليس من رأيي أن آتيه ، قال : قد عزمت على خلافه ، قال : لا تفعل ، قال لا ~~أعود أبدا ، فلما أيس منه أبلغه الرسالة ، فوجم طويلا ثم قال : قم كررها ~~وارتاع لقوله . وكان المنصور قد كتب لأبي داود - خليفة أبي مسلم بخراسان - ~~حين اتهم أبا مسلم : أن لك إمرة خراسان ، فكتب أبو داود إلى أبي مسلم : إنا ~~لم نخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلا ~~تخالفن إمامك ولا ترجع إلا بأمره ، فوافاه كتابه وهو على تلك الحال فزاده ~~رعبا ، فأرسل إلى أبي حميد فقال له : إني كنت عازما على المضي إلى خراسان ، ~~ثم رأيت PageV22P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" أن أوجه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين فيأتيني ~~برأيه ، فإنه ممن أثق به فوجهه ، فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكل ما يحب ، ~~وقال له المنصور : اصرفه عن وجهه ولك ولاية خراسان وأجازه ، فرجع أبو إسحاق ~~إلى أبي مسلم وقال : ما أنكرت شيئا ، ورأيتهم معظمين لحقك ، يرون لك ما ~~يرون لأنفسهم ، وأشار عليه أن يرجع إلى المنصور فيعتذر إليه ، فقال له نيزك ~~: قد أجمعت على الرجوع ؟ قال : نعم ، وتمثل : ما للرجال مع القضاء محالة . ~~. . غلب القضاء بحيلة الأقوام قال : فإذا عزمت على هذا فخار الله لك ، احفظ ~~عني واحدة : إذا دخلت عليه فاقتله ، ثم بايع لمن شئت ، فإن الناس لا ~~يخالفونك . وكتب أبو مسلم إلى المنصور إنه منصرف إليه ، وسار نحوه واستخلف ~~أبا نصر مالك بن الهيثم على عسكره ، وقال له : أقم حتى يأتيك كتابي ، فإن ~~أتاك مختوما بنصف خاتم فأنا كتبته ، وإن أتاك بخاتمي كله فلم أختمه ، وقدم ~~المدائن في ثلاثة آلاف رجل وخلف الناس بحلوان . قال : ولما دنا أبو مسلم من ~~المنصور أمر الناس بتلقيه ، فتلقاه بنو هاشم والناس ، ثم قدم فدخل على ~~المنصور فقبل يده ، فأمره أن ينصرف يستريح ليلته ويدخل الحمام فانصرف . ~~فلما كان من الغد دعا المنصور عثمان بن نهيك وأربعة من الحراس ، فأمرهم أنه ~~إذا صفق بيده أن يقتلوا أبا مسلم وتركهم خلف الرواق ms4969 ، واستدعى أبا مسلم ~~فدخل عليه ، فقال له المنصور : أخبرني عن نصلين أصبتهما مع عبد الله بن علي ~~، قال : هذا أحدهما ، قال : أرنيه فانتضاه وناوله إياه ، فوضعه المنصور تحت ~~فراشه ، وأقبل يعاتبه وقال له : أخبرني عن كتابك إلى السفاح تنهاه عن ~~الموات ، أردت أن تعلمنا الدين ؟ قال : ظننت إن أخذه لا يحل ، فلما أتاني ~~كتابه علمت أنه وأهل بيته معدن العلم ، قال : أخبرني عن تقدمك إياي بطريق ~~مكة ، قال : كرهت اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس ، فتقدمت للرفق ، ~~وذكره بذنوبه وما أنكره عليه ، وكان من جملة ما ذكر له - ألست الكاتب إلي ~~تبدأ بنفسك ، وتخطب عمتي آمنة بنت علي ، وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن ~~عباس ، لقد ارتقيت - لا أم لك - مرتقى صعبا ، ثم قال : وما الذي دعاك إلى ~~قتل سليمان بن كثير ؟ مع أثره في دعوتنا وهو أحد نقبائنا قبل أن يدخلك في ~~هذا الأمر قال : أراد الخلاف علي وعصياني فقتلته ، فلما طال عتاب المنصور ~~له قال : لا يقال هذا بعد بلائي وما كان مني قال : يا ابن الخبيثة ، والله ~~PageV22P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" لو كانت أمة مكانك لأجزأت ، إنما عملت في ~~دولتنا وبريحنا ، ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا ، فأخذ أبو مسلم يد ~~المنصور يقبلها ويعتذر إليه ، فقال : والله ما رأيت كاليوم ، والله ما ~~زدتني إلا غضبا ، فقال أبو مسلم : دع هذا ، فوالله قد أصبحت ما أخاف إلا ~~الله ، فشتمه المنصور وصفق بيده على الأخرى ، فخرج إليه الحرس فضربه عثمان ~~بن نهيك فقطع حبائل سيفه ، فقال : استبقني لعدوك يا أمير المؤمنين ، فقال : ~~لا أبقاني الله إذن ، وأي عدو أعدى لي منك ؟ وأخذته سيوف الحرس حتى قتلوه ، ~~وهو ينادي العفو العفو ، فقال المنصور يا ابن اللخناء والسيوف قد اعتورتك ~~وأنشد المنصور : اشرب بكأس كنت تسقي بها . . . أمر في فيك من العلقم زعمت ~~أن الدين لا يقتضى . . . كذبت والله أبا مجرم قال : وكان أبو مسلم قد قتل ~~ستمائة ألف صبرا ، قال : ولما قتل قال لأصحابه اجتمعوا ، فاجتمعوا فنثرت ~~عليهم ms4970 بدرة ، فلما أكبوا ليلتقطوها طرح عليهم رأس أبي مسلم ، فلما رأوه ~~تخاذلوا وتفرقوا ، قال : ثم خطب المنصور بعد مقتل أبي مسلم فقال : أيها ~~الناس لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية ، ولا تمشوا في ظلمة ~~الباطل بعد سعيكم في ضياء الحق ، إن أبا مسلم أحسن مبتدأ وأساء معقبا ، ~~وأخذ من الناس أكثر مما أعطانا ، ورجح قبيح باطنه على حسن ظاهره ، وعلمنا ~~من خبث سريرته وفساد نيته ما لو علمه اللائم لنا فيه لعذرنا في قتله ، ~~وعنفنا في إمهاله ، وما زال ينقض بيعته ويخفر ذمته حتى أحل لنا عقوبته ، ~~وأباحنا دمه فحكمنا فيه حكمه لنا في غيره ، ولم يمنعنا الحق له من إمضاء ~~الحق فيه ، وما أحسن ما قال النابغة الذبياني : فمن أطاعك فانفعه بطاعته . ~~. . كما أطاعك وادلله على الرشد ومن عصاك فعاقبه معاقبة . . . تنهى الظلوم ~~ولا تقعد على الصمد ثم نزل . PageV22P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" قال : وكان أبو مسلم قد سمع الحديث من عكرمة ~~وأبي الزبير المكي وثابت البناني ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس والسدي ~~وروى عنه إبراهيم بن ميمون الصائغ وعبد الله بن المبارك وغيرهما ، وقيل ~~لعبد الله بن المبارك : أبو مسلم كان خيرا أو الحجاج ؟ قال : لا أقول إن ~~أبا مسلم خير من أحد ، ولكن الحجاج كان شرا منه ، وكان أبو مسلم فاتكا ~~شجاعا ذا رأي وتدبير وحزم وعقل ومروءة . قال : ولما قتل كتب المنصور إلى ~~أبي نصر مالك بن الهيثم عن لسان أبي مسلم يأمره بحمل ثقله ، وما خلف عنده ، ~~وأن يقدم ، وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم ، فلما رأى الخاتم تاما علم أن أبا ~~مسلم لم يكتبه ، فقال : أفعلتموها ، وانحدر إلى همذان وهو يريد خراسان ، ~~فكتب المنصور له عهد على شهرزور ، وكتب إلى زهير بن التركي وهو على همذان ، ~~إن مر بك أبو نصر فاحبسه ، فأتاه الكتاب وهو بهمذان ، فقال له زهير : قد ~~صنعت لك طعاما ، فلو أكرمتني بدخول منزلي ، فحضر عنده فأخذه زهير وحبسه ، ~~وقدم صاحب العهد على أبي نصر فخلى زهير سبيله ms4971 لهواه فيه فخرج ، ثم كتب ~~المنصور إلى زهير بقتله ، فقال جاءني كتاب بعهده فخليت سبيله ، ثم قدم أبو ~~نصر على المنصور فقال : أشت على أبي مسلم بالمضي إلى خراسان ، قال : نعم ، ~~كانت له عندي أياد فنصحته ، وإن اصطنعني أمير المؤمنين نصحت له وشكرت ، ~~فعفا عنه ، فلما كان يوم الراوندية قام أبو نصر على باب القصر ، وقال : أنا ~~البواب اليوم ، لا يدخل أحد وأنا حي ، فعلم المنصور أنه نصح له ، وقيل إن ~~زهيرا سير أبا نصر إلى المنصور مقيدا ، فمن عليه واستعمله على الموصل والله ~~أعلم . ذكر خروج سنباذ بخراسان وفي هذه السنة خرج سنباذ بخراسان يطلب بدم ~~أبي مسلم ، وكان مجوسيا من قرية من قرى نيسابور يقال اهروانه ، وكان من ~~صنائع أبي مسلم فخرج غضبا لقتله ، وكثر أتباعه وكان عامتهم من أهل الجبال ، ~~فغلب على نيسابور وقومس والري PageV22P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" وتسمى فيروز إصبهبذ ، فلما صار بالري أخذ ~~خزائن أبي مسلم التي كان خلفها هناك لما حج ، وسبى الحرم ونهب الأموال ولم ~~يتعرض للتجار ، وأظهر أنه يريد قصد الكعبة ليهدمها ، فوجه إليه المنصور ~~جمهور بن مرار العجلي في عشرة آلاف فارس ، فالتقوا بين همذان والريي على ~~طرف المفازة ، فعزم جمهور على مطاولته فلما التقوا قدم سنباذ النساء من ~~سبايا المسلمات على الجمال في المحامل ، فلما رأين عسكر المسلمين قمن في ~~المحامل ونادين : وامحمداه ذهب الإسلام ، وقعقت الريح في أثوابهن فنفرت ~~الإبل ، وعادت على عسكر المجوس فتفرقوا ، وكانت الهزيمة عليهم وتبع ~~المسلمون الإبل ، فوضعوا السيوف في المجوس ومن معه فقتلوهم كيف شاءوا ، ~~وكان عدد القتلى نحوا من ستين ألفا وسبى ذراريهم ونساءهم ، ثم قتل سنباذ ~~بين طبرستان وقومس ، وكان بين مخرجه وقتله سبعون ليلة ، وكان سبب قتله أنه ~~قصد طبرستان ملتجئا إلى صاحبها ، فأرسل إلى طريقه غلاما له اسم طوس ، فضرب ~~عنق سنباذ وأخذ ما معه من الأموال ، وكتب إلى المنصور بقتله ، فطلب المنصور ~~الأموال التي كانت معه من صاحب طبرستان فأنكرها ، فسير الجنود فهرب إلى ~~بلاد الديلم . ذكر خروج ملبد ms4972 الشيباني وقتله وفي هذه السنة خرج ملبد بن ~~حرملة الشيباني فحكم بناحية الجزيرة ، فسار إليه روابط الجزيرة وهم نحو ألف ~~فارس ، فقاتلهم فهزمهم ، ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبي فهزمه ملبد ، ~~فوجه إليه المنصور مولاه مهلهل بن صفوان في ألفين نخبة الجند فهزمهم ، ~~واستباح عسكرهم ، ثم وجه إليه نزارا قائدا من قواد خراسان ، فقتله ملبد ~~وهزم أصحابه ، ثم وجه إليه زياد بن مشكان في جمع كثير فهزمهم ، فوجه إليه ~~صالح بن صبيح في جيش كثيف وخيل كثيرة وعدة فهزمهم ، ثم سار إليه حميد بن ~~قحطبة - وهو يومئذ على الجزيرة - فهزمه ملبد ، وتحصن منه حميد وأعطاه مائة ~~ألف درهم ، على أن يكف عنه ، فلما بلغ ذلك المنصور وجه إليه عبد العزيز بن ~~عبد الرحمن ، وضم إليه زياد بن مشكان ، فأكمن له ملبد مائة فارس ، فلما ~~التقوا خرج الكمين عليهم ، فانهزم عبد العزيز وقتل عامة أصحابه ، فوجه إليه ~~خازم بن خزيمة في نحو ثمانية آلاف من المروروذية ، والتقوا واقتتلوا مرة ~~بعد أخرى ، فانهزمت ميمنة خازم وميسرته وثبت هو في القلب ، فنادى في أصحابه ~~: الأرض ، الأرض ، فنزلوا وعقروا عامة دوابهم وضربوا بالسيوف حتى تقطعت ، ~~وتراجع أصحاب خازم ورشقوا PageV22P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" أصحاب ملبد بالسهام ، فقتل ملبد في ثمانمائة ~~رجل بالنشاب - وكانوا قد ترجلوا ، وقتل منهم قبل ذلك ثلاثمائة ، وهرب ~~الباقون فاتبعهم أصحاب خازم ، فقتل منهم مائة وخمسون رجلا ، وذلك في سنة ~~ثمان وثلاثين ومائة . وقيل إن خروجه كان فيها . وحج بالناس في هذه السنة ~~إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس وهو على الموصل . ودخلت سنة ثمان ~~وثلاثين ومائة . ذكر خلع جمهور بن مرار وقتله في هذه السنة خلع جمهور بن ~~مرار العجلي ، وسبب ذلك أنه لما هزم سنباذ حوى ما في عسكره ، وكان فيه ~~خزائن أبي مسلم فلم يوجهها إلى المنصور ، فخاف فخلع ، فوجه المنصور لحربه ~~محمد بن الأشعث في جيش عظيم ، فسار نحو الري ففارقها جمهور نحو أصفهان ~~فملكها ، فأرسل محمد عسكرا وأقام هو بالري ، فأشار على جمهور بعض ms4973 أصحابه أن ~~يسير في نخبة عسكره نحو محمد ، فسار إليه فبلغ محمدا الخبر فاحتاط وحذر ، ~~وأتاه عسكر من خراسان فقوي بهم ، والتقوا بقصر الفيروزان بين الري وأصفهان ~~، واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب جمهور ، ولحق بأذربيحان ، وقتل من ~~أصحابه خلق كثير ، ثم قتله أصحابه باسباذروا وحملوا رأسه إلى المنصور . وفي ~~هذه السنة خرج قسطنطين - ملك الروم - إلى بلاد الإسلام ، فدخل ملطية عنوة ~~وقهر أهلها وهدم سورها ، وعفا عمن فيها من المقاتلة والذرية ، ثم بنى صالح ~~بن علي ما هدمه الروم من سورها . وفيها بايع عبد الله بن علي للمنصور في ~~المسجد الحرام . وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن صالح بن علي . ودخلت سنة ~~تسع وثلاثين ومائة . في هذه السنة : كان الفداء بين المنصور وملك الروم ، ~~فاستنقذ المنصور أسرى قاليقلا وغيرهم من الروم ، وعمرها ورد أهلها إليها ، ~~وندب إليها جندا من أهل الجزيرة وغيرهم . PageV22P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" وفيها استولى عبد الرحمن بن معاوية على بلاد ~~الأندلس ، على ما نذكره في أخبار الدولة الأموية بالمغرب . وفيها عزل ~~المنصور سليمان بن علي عن البصرة ، فاختفى أخوه عبد الله بن علي ومن معه من ~~أصحابه ، خوفا من المنصور ، فأرسل المنصور إلى سليمان وعيسى ابني علي في ~~إحضار عبد الله ، وأمنه فأحضراه إليه وقواده ومواليه في ذى الحجة ، فحبسه ~~المنصور ومن معه من أصحابه ، ثم قتل بعضهم بحضرته ، وبعث بقيتهم إلى خالد ~~بن إبراهيم - عامل خراسان - فقتلهم بها ، واستعمل على البصرة سفيان بن ~~معاوية . وحج بالناس العباس بن محمد بن علي . ودخلت سنة أربعين ومائة . في ~~هذه السنة : هلك أبو داود خالد بن إبراهيم الذهلي عامل خراسان ، وكان سبب ~~هلاكه أن ناسا من الجند ثاروا به - وهو بكشماهن - ووصلوا إلى المنزل الذي ~~هو فيه ، فأشرف عليهم من الحائط ووطيء حرف آجرة ، وجعل ينادي أصحابه ~~ليعرفوا صوته ، فانكسرت الآجرة به عند الصباح ، فسقط على الأرض فانكسر ظهره ~~فمات عند صلاة العصر ، فاستعمل المنصور عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي ، ~~فقدم وأخذ جماعة من القواد الذين أتهمهم ms4974 بالدعاء لولد علي بن أبي طالب ~~فقتلهم ، وحبس جماعة . وفيها سير المنصور عبد الوهاب ابن أخيه إبراهيم ~~الإمام ، والحسن بن قحطبة ، في سبعين ألف مقاتل إلى ملطية ، فعمروا ما كان ~~خربه الروم منها في ستة أشهر ، وأسكنها أربعة آلاف من الجند ، وأكثر فيها ~~السلاح والذخائر ، وبنى حصن قلوذية ، فعاد إلى ملطية من كان جلا منها . ~~وفيها حج المنصور فأحرم من الحيرة ، فلما قضى حجه توجه إلى البيت المقدس ، ~~ثم سار منه إلى الرقة فقتل بها منصور بن جعونة العامري ، وعاد إلى هاشمية ~~الكوفة . وفيها أمر المنصور بعمارة مدينة المصيصة على يد جبريل بن يحيى ، ~~وكان سورها قد تشعث من الزلازل وأهلها قليل ، فبنى السور وسماها المعمورة ، ~~وبنى بها مسجدا جامعا ، وفرض فيه لألف رجل ، وأسكنها كثيرا من أهلها . ~~PageV22P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" ودخلت سنة إحدى وأربعين ومائة . ذكر خروج ~~الراوندية على المنصور وقتلهم والراوندية قوم من أهل خراسان يقولون بتناسخ ~~الأرواح ، ويزعمون أن روح آدم حلت في عثمان بن نهيك ، وأن ربهم الذي يطعمهم ~~ويسقيهم هو المنصور ، وأن جبريل هو الهيثم بن معاوية ، فلما ظهروا وأتوا ~~قصر المنصور فقالوا : هذا قصر المنصور ، فقالوا هذا قصر ربنا ، فأخذ ~~المنصور رؤساءهم فحبس منهم ثمانين رجلا ، فغضب أصحابهم ، وأخذوا نعشا ~~فحملوه وليس فيه أحد ، فمروا على باب السجن ورموا النعش ، وحملوا على الناس ~~ودخلوا السجن وأخرجوا أصحابهم ، وقصدوا المنصور وهم ستمائة رجل ، فغلقت ~~أبواب المدينة ، وخرج المنصور من القصر ماشيا ، ولم يكن في القصر دابة ، ثم ~~أتى بدابة فركبها ، وأمر بعد ذلك اليوم أن تربط دابة معه في القصر ، وخرج ~~المنصور لهم فتكاثروا عليه حتى كادوا يقتلونه ، وجاء معن بن زائدة الشيباني ~~- وكان مستخفيا من المنصور لقتاله مع ابن هبيرة ، وكان المنصور شديد الطلب ~~له ، وقد بذل فيه مالا كثيرا ، فتلثم وترجل وقاتل قتالا شديدا ، وكان ~~المنصور على بغلة ولجامها بيد الربيع حاجبه ، فأتاه معن بن زائدة وقال : يا ~~شيخ أنا أحق بهذا اللجام منك في هذا الوقت وأعظم غناء ، فقال المنصور : صدق ~~، فدفعه ms4975 إليه ، فلم يزل يقاتل حتى حصل الظفر بالراوندية ، فقال له المنصور ~~: من أنت ؟ قال : طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة ، فقال : قد آمنك ~~الله على نفسك ومالك وأهلك ، مثلك يصطنع ، وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم ~~فوقف على باب المنصور ، وقال : أنا البواب كما ذكرنا ذلك ، ونودي في أهل ~~السوق فقاتلوهم ، وفتح باب المدينة فدخل الناس ، فحمل عليهم خازم بن خزيمة ~~حتى ألجأهم إلى حائط ، ثم حملوا عليه فكشفوه مرتين ، فقال الهيثم بن شعبة : ~~إذا كروا علينا فاسبقهم إلى الحائط ، فإذا رجعوا فقاتلهم ، ففعل ذلك فقتلوا ~~جميعا ، وكان ذلك بالمدينة الهاشمية ، وأصيب يومئذ عثمان بن نهيك بسهم ، ~~فمرض أيام ومات فصلى عليه المنصور ، وجعل على الحرس أبا العباس الطوسي ثم ~~ولى المنصور معن بن زائدة اليمن . ذكر خلع عبد الجبار بخراسان ومسير المهدي ~~إليه وفي هذه السنة خلع عبد الجبار بن عبد الرحمن - عامل خراسان - المنصور ~~، وكان سبب ذلك أنه لما استعمله المنصور على خراسان عمد إلى القواد ، فقتل ~~بعضهم PageV22P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" وحبس بعضهم ، فبلغ ذلك المنصور ، وأتاه كتاب ~~بعضهم يقول : قد نغل الأديم ، فقال المنصور لأبي أيوب : إن عبد الجبار قد ~~أفنى شيعتنا ، وما فعل ذلك إلا وهو يريد أن يخلع ، فقال اكتب إليه : إنك ~~تريد غزو الروم فليوجه إليك الجنود من خراسان ، وعليهم فرسانهم ووجوهم ، ~~فإذا خرجوا منها فابعث إليه من شئت فلا يمتنع ، فكتب إليه المنصور فأجابه ~~أن الترك قد جاشت ، وإن فرقت الجند ذهبت خراسان ، فألقى الكتاب إلى أبي ~~أيوب وقال : ما ترى ، فقال : قد أمكنك من قياده ، اكتب إليه : إن خراسان ~~أهم إلي من غيرها ، وأنا موجه إليك الجنود ، ثم وجه الجنود ليكونوا بخراسان ~~، فإن هم بخلع أخذوا بعنقه ، فلما ورد الكتاب على عبد الجبار أجابه : إن ~~خراسان لم تكن أسوأ حالا منها العام ، وإن دخلها الجنود هلكوا لضيق ما هم ~~فيه من الغلاء ، فلما أتاه الكتاب ألقاه إلى أبي أيوب ، فقال له أبو أيوب : ~~قد أبدى صفحته ، وقد خلع فلا تناظره ، فوجه ms4976 المنصور إليه المهدي ، وأمره ~~بنزول الري ، فسار المهدي ووجه خازم بن خزيمة بين يديه لحرب عبد الجبار ، ~~ونزل المهدي نيسابور ، فلما بلغ ذلك أهل مرو الروذ ساروا إلى عبد الجبار ، ~~وقاتلوه قتالا شديدا فانهزم منهم ، والتجأ إلى مقطنة فتوارى فيها ، فعبر ~~إليه المجشر بن مزاحم من أهل مرو الروذ فأخذه أسيرا ، فلما قدم خازم أتاه ~~به وألبسه جبة صوف ، وحمله على بعير وجعل وجهه مما يلي عجز البعير ، وحمله ~~إلى المنصور ومعه ولده وأصحابه ، فبسط عليهم العذاب واستخرج منهم الأموال ، ~~ثم أمر فقطعت يد عبد الجبار ورجلاه وضربت عنقه ، وأمر بتسيير ولده إلى دهلك ~~- جزيرة باليمن ، فلم يزالوا بها حتى أغار عليهم الهند فسبوهم فيمن سبوا ، ~~ثم فودوا بعد ذلك . وقيل كان أمر عبد الجبار في سنة اثنتين وأربعين في شهر ~~ربيع الأول . ذكر فتح طبرستان قال : ولما ظفر المهدي بعبد الجبار بغير تعب ~~كره المنصور أن تبطل تلك النفقات التي أنفقت على المهدي ، فكتب إليه أن ~~يغزو طبرستان وينزل الري ، ويوجه أبا الخصيب وخازم بن خزيمة والجنود إلى ~~الإصبهبذ ، وكان الإصبهبذ يومئذ محاربا المصمغان ملك دنباوند ، فبلغه دخول ~~الجند بلاده ، ثم قال المصمغان للإصبهبذ PageV22P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" متى قهروك صاروا إلي ، فاجتمعوا على حرب ~~المسلمين وطالت تلك الحروب ، فوجه المنصور عمر بن العلاء إلى طبرستان ، وهو ~~الذي يقول فيه بشار : إذا أيقظتك حروب العدا . . . فنبه لها عمرا ثم نم ~~وكان عالما ببلاد طبرستان ، فأخذ الجنود وقصد الرويان ففتحها وأخذ قلعة ~~الطاق وما فيها ، وطالت الحرب وألح خازم بالقتال ففتح طبرستان وقتل منهم ~~وأكثر ، وصار الإصبهبذ إلى قلعته وطلب الأمان ، على أن يسلم القلعة وما ~~فيها من الذخائر ، فكتب المهدي بذلك إلى المنصور ، فوجه المنصور صالحا صاحب ~~المصلى فأحصى ما في الحصن وانصرفوا ، ودخل الإصبهبذ بلاد جيلان من الديلم ، ~~وأخذت ابنته وهي أم إبراهيم بن العباس بن محمد ، وقصدت الجنود المصمغان ~~فظفروا به . وفيها عزل زياد بن عبيد الله الحارثي عن مكة والمدينة والطائف ~~، واستعمل على المدينة محمد بن خالد ms4977 بن عبد الله القسري في شهر رجب ، وعلى ~~مكة والطائف الهيثم بن معاوية العتكي من أهل خراسان . وحج بالناس في هذه ~~السنة صالح بن علي بن عبد الله بن عباس وهو يومئذ على الشام . ودخلت سنة ~~اثنتين وأربعين ومائة . ذكر خلع عيينة بن موسى في هذه السنة خلع عيينة بن ~~موسى بن كعب بالسند وكان عاملا عليها ، وسبب خلعه أن أباه كان يستخلف ~~المسيب بن زهير على الشرط ، فلما مات موسى أقام المسيب على ما كان يلي من ~~الشرط ، وخاف أن المنصور يحضر عيينة فيوليه ما كان إلى أبيه ، فكتب إليه ~~بيت شعر ولم ينسب الكتاب إلى نفسه : فأرضك أرضك إن تأتنا . . . تنم نومة ~~ليس فيها حلم فخلع الطاعة ، فلما بلغ المنصور الخبر سار بعسكره حتى نزل جسر ~~البصرة ، ووجه عمر بن حفص بن أبي صفرة العتكي عاملا على السند ، وأمره ~~بمحاربة عيينة فسار وغلب على السند . PageV22P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" ذكر نكث الإصبهبذ في هذه السنة : نقض الإصبهبذ ~~بطبرستان العهد بينه وبين المسلمين ، وقتل من كان ببلاده منهم ، فلما انتهى ~~الخبر إلى المنصور سير مولاه أبا الخصيب ، وخازم بن خزيمة ، وروح بن حاتم ، ~~وأقاموا يحاصرون الحصن وهو فيه ، ولما طال عليهم المقام احتال أبو الخصيب ~~في ذلك ، فقال لأصحابه : اضربوني واحلقوا رأسي ولحيتي ففعلوا ذلك به ، ولحق ~~بالإصبهبذ فقال له : إنهم فعلوا بي هذا لأنهم تهموني أن هواي معك ، وقال له ~~: إنما أدلك على عورة عسكرهم ، فقبل الإصبهبذ ذلك وجعله في خاصته ، وكان ~~باب حصنه من حجر ، وكان يوكل بفتحه وغلقه ثقات أصحابه نوبا بينهم ، فلما ~~وثق الإصبهبذ بأبي الخصيب وكله بالباب فتولى فتحه وغلقه ، فكتب أبو الخصيب ~~إلى روح وخازم وأعلمهم أنه قد ظفر ، وأوعدهم ليلة بفتح الباب ، فلما كان في ~~تلك الليلة فتح لهم ، فدخلوا الحصن فقتلوا من فيه من المقاتلة وسبوا الذرية ~~، وأخذوا شكلة أمر إبراهيم بن المهدي ، وكان مع الإصبهبذ سم فشربه فمات ، ~~وقيل إن ذلك كان في سنة ثلاث وأربعين . وفي هذه السننة مات سليمان ms4978 بن علي ~~بن عبد الله بن عباس في جمادى الآخرة وعمره تسع وخمسون سنة ، وفيها عزل ~~نوفل بن الفرات عن مصر ، ووليها حميد بن قحطبة ، وولى المنصور أخاه العباس ~~بن محمد على الجزيرة والثغور والعواصم ، وعزل عمه إسماعيل عن الموصل ~~واستعمل عليها مالك بن الهيثم الخزاعي . وحج بالناس إسماعيل بن علي بن عبد ~~الله بن عباس . ودخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة . في هذه السنة : ثار الديلم ~~بالمسلمين فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، فندب الناس المنصور إلى قتال الديلم ~~وجهادهم ، وفيها عزل الهيثم بن معاوية عن مكة والطائف ، واستعمل السري بن ~~عبد الله بن الحارث بن العباس ، وفيها عزل حميد بن قحطبة عن مصر واستعمل ~~عليها يزيد بن حاتم ، وحج بالناس في هذه السنة عيسى بن موسى بن محمد بن علي ~~بن عبد الله . PageV22P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" ودخلت سنة أربع وأربعين ومائة . في هذه السنة ~~: سير المنصور الناس من أهل الكوفة والبصرة والجزيرة والموصل إلى غزو ~~الديلم ، واستعمل عليهم محمد بن أبي العباس السفاح . وفيها عزل المنصور عن ~~المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسري ، واستعمل عليها رياح بن عثمان ~~المري ، وكان سبب ذلك أن المنصور كان يتطلب محمد بن عبد الله بن الحسن ~~وأخاه إبراهيم بن عبد الله ، فلما استعمل محمد بن خالد على المدينة أمره ~~بطلبهما ، فقدم المدينة وأنفق أأموالا عظيمة في طلبهما ، فلم يظفر بهما ~~فعزله واستعمل رياحا ، وأمره بمطالبة القسري بالأموال وطلب محمد وإبراهيم ، ~~فقدم المدينة وطالب محمد بن خالد بالمال وضربه وسجنه ، وأخذ كاتبه رزاما ~~وعاقبه ، وألزمه أن يذكر له ما أخذ محمد من الأموال ، فلم يجبه إلى ذلك ، ~~فلما طال عليه الأمر وشدد عليه العذاب أجابه ، فقال له رياح : أحضر الرقيعة ~~وقت اجتماع الناس ، فلما اجتمع الناس أحضره ، فقال : أيها الناس إن الأمير ~~أمرني أن أرفع على محمد بن خالد ، وقد كتبت كتابا وأنا أشهدكم أن كل ما فيه ~~باطل ، فأمر به رياح فضرب مائة سوط ورده إلى السجن . وفيها حج المنصور فلما ~~عاد من ms4979 حجه إلى المدينة لم يدخلها ، ونزلل الربذة ، وكان قد أمر رياحا بحبس ~~أولاد الحسن فحبسهم ، فلما رجع أمر بحملهم إلى العراق ، فأخرجهم من السجن ~~إلى الربذة والأغلال في أعناقهم وأرجلهم ، وحملوا بغير وطاء ، وحبسهم بقصر ~~ابن هبيرة ، وضرب محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان - وكان قد حبسه معهم - ~~خمسين ومائة سوط ، فسالت إحدى عينيه بضربة أصابتها ، ومحمد هذا هو الذي ~~يسمى الديباج ، كل ذلك لخوفه من ظهور محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن ~~على ما نذكره إن شاء الله تعالى . ودخلت سنة خمس وأربعين ومائة . ظهور محمد ~~بن عبد الله في هذه السنة : ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ~~بن أبي طالب بالمدينة ، وأخرج PageV22P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" محمد بن خالد القسري من الحبس ، واستعمل ~~العمال على المدينة ومكة والطائف واليمن ، وكان خروجه لليلتين بقيتا من ~~جمادى الآخرة منها ، وكان بينه وبين المنصور مكاتبات سنذكرها في أخبار محمد ~~بن عبد الله ، ولم تغن شيئا ، فندب المنصور لقتاله عيسى بن موسى بن محمد بن ~~عبد الله بن العباس ، فالتقوا فقتل محمد في يوم الاثنين بعد العصر لأربع ~~عشرة ليلة خلت من شهر رمضان منها ، وقتل معه جماعة سنذكر ذلك مستوفى في ~~أخباره إن شاء الله . وفيها ظهر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن - وهو أخو ~~محمد - بالبصرة ، وبايع الناس ، وكان ظهوره في أول شهر رمضان ، وقتل يوم ~~الاثنين لخمس بقين من ذى القعدة منها . وسنذكر ذلك مستوفى في موضعه إن شاء ~~الله تعالى . ذكر وثوب السودان بالمدينة وفي هذه السنة : ثار السودان ~~بالمدينة على عاملها عبد الله بن الربيع الحارثي فهرب منهم ، وسبب ذلك أن ~~المنصور لما استعمله قدم المدينة لخمس بقين من شوال ، فنازع جنده التجار في ~~بعض ما يشترونه منهم ، فشكوا ذلك إليه فانتهر التجار وشتمهم ، فتزايد طمع ~~الجند فعدوا على صيرفي فنازعوه كيسه ، فاستعان بالناس فخلصوه منه ، وشكا ~~أهل المدينة إلى ابن الربيع فلم ينكره ، ثم جاء رجل من الجند إلى ms4980 جزار ، ~~فاشترى منه لحما في يوم جمعة فلم يعطه الثمن ، وشهر عليه السيف فضربه ~~الجزار بشفرة في خاصرته فقتله ، واجتمع الجزارون وتنادى السودان فقاتلوهم ، ~~ونفخوا في بوق لهم فسمع السودان من العالية والسافلة فاجتمعوا ، وكان ~~رؤساؤهم ثلاثة ، وهم : وثيق ويعقل وزمعة ، فقتلوا في الجند حتى أمسوا ، ~~وقصدوا ابن الربيع فهرب منهم ، وأتى بطن نخل على ليلتين من المدينة فنزل به ~~، وانتهب السودان طعاما للمنصور وزيتا وغيره ، فباعوا الحمل الدقيق بدرهمين ~~، والرواية الزيت بأربعة دراهم ، ولم يصل الناس في ذلك اليوم جمعة ، فذهب ~~محمد بن عمران ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما إلى العبيد فكلموهم ، فقالوا : ~~مرحبا بموالينا ، والله ما قمنا إلا أنفة بما عمل بكم ، فأمرنا إليكم ، ~~فأقبلوا بهم إلى المسجد فخطبهم ابن أبي سبرة ، وحثهم على الطاعة فتراجعوا ، ~~ثم قال لهم - من الغد إنكم كان منكم ما كان بالأمس - نهبتم طعام أمير ~~المؤمنين . فلا يبقين عند أحد منه شيء إلا رده فردوه ، ورجع ابن الربيع إلى ~~المدينة فقطع يد وثيق ويعقل وغيرهما . PageV22P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" ذكر بناء مدينة بغداد وانتقال أبي جعفر ~~المنصور إليها وفي هذه السنة ابتدأ المنصور في بناء مدينة بغداد ، وسبب ذلك ~~أنه كان قد ابتنى المدينة الهاشمية بنواحي الكوفة ، فلما ثارت الراوندية ~~فيها كره سكناها لذلك ، ولجوار أهل الكوفة فإنه كان لا يأمنهم على نفسه ، ~~فخرج يرتاد موضعا لبنائها ، وكان بعض جنده قد تخلف عنه بالمدائن لرمد أصابه ~~، فسأله الطبيب الذي يعالجه عن سبب حركة المنصور فأخبره ، فقال الطبيب : ~~إنا نجد في كتاب عندنا أن رجلا يدعى مقلاصا يبني مدينة ، بين دجلة والصراة ~~تدعى الزوراء ، فإذا أسسها وبنى بعضها أتاه فتق من الحجاز ، فقطع بناءها ~~وأصلح ذلك الفتق ، ثم أتاه فتق من البصرة أعظم منه ، فلم يلبث الفتقان أن ~~يلتئما ، ثم يعود إلى بناءها فيتمه ، ثم يعمر زمنا طويلا ويبقى الملك في ~~عقبه ، فقدم ذلك الجندي على المنصور وأخبره الخبر ، فقال : أنا والله كنت ~~أدعى مقلاصا ثم زال عني ، وسار حتى نزل الدير - هو جوار قصره ms4981 المعروف ~~بالخلد ، ودعا صاحب الدير والبطريق وغيرهما ، فاتفق رأيهم على عمارتها في ~~موضعها ، وابتدأ بعمارتها في سنة خمس وأربعين ومائة ، وكتب إلى سائر البلاد ~~في إنفاذ الصناع والفعلة ، وأمر أن يختار له من أهل الفضل والعدالة والفقه ~~والأمانة والمعرفة بالهندسة ، فكان ممن أحضر لذلك الحجاج بن أرطاة وأبو ~~حنيفة ، وأمر فخطت المدينة بالرماد ، فشقها ورآها ، ثم أمر أن يجعل على ~~الرماد حب القطن ويشعل بالنار ، ونظر إليها وهي تشتعل ففهمها ، وأمر بحفر ~~أساسها على ذلك الرسم ، ووكل بها أربعة من القواد ، كل قائد على ربع ، ووكل ~~أبا حنيفة بعد الآجر واللبن ، وكان قبل ذلك أراده المنصور على ولاية القضاء ~~والمظالم فلم يجب ، فحلف المنصور أنه لا بد أن يعمل له ، فأجابه أن ينظر في ~~عمارة بغداد ، ويعد الآجر واللبن بالقصب - وهو أول من فعل ذلك ، وجعل ~~المنصور عرض أساس السور من أسفله خمسين ذراعا ومن أعلاه عشرين ذراعا ، وجعل ~~في البناء القصب والخشب ، ووضع بيده أول لبنة وقال : بسم الله والحمد لله ~~والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، ثم قال : ابنو على ~~بركة الله ، PageV22P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" فلما بلغ السور قدر قامة جاء الخبر بظهور محمد ~~بن عبد الله فقطع البناء وأقام بالكوفة حتى فرغ من حرب محمد وأخيه إبراهيم ~~، ثم عاد إلى بغداد فأتم بناءها ، وكان المنصور قد أعد جميع ما تحتاج إليه ~~المدينة ، من آلات البناء والخشب والساج وغيره ، واستخلف حين شخص إلى ~~الكوفة على إصلاح ما أعد سلم مولاه ، فبلغه أن إبراهيم قد هزم عسكر المنصور ~~فأحرق جميع ذلك . قال : ولما انقضى أمر إبراهيم عاد المنصور إلى بغداد في ~~صفر سنة ست وأربعين ومائة ، واستشار خالد بن برمك في نقض المدائن وإيوان ~~كسرى ، ونقل النقاضة إلى بغداد ، فقال : لا أدري ذلك لأنه علم من أعلام ~~الإسلام ، فقال له : أبيت إلا الميل إلى أصحابك العجم وأمر بنقض القصر ~~الأبيض فنقضت ناحية منه ، فلم يوف ما تحصل من النقاضة بما عزم عليه من ~~الكلفة ، فاستشار خالد ms4982 بن برمك فقال : كنت لا أرى ذلك قبل ، أما إذ فعلت ~~فأرى أن يهدم لئلا يقال عجزت عن هدم ما بناه غيرك ، فأعرض عنه وترك هدمه ، ~~ونقل أبواب مدينة واسط فجعلها على بغداد ، وبابا جيء به من الشام ، وبابا ~~من الكوفة كان عمله خالد القسري ، وجعل المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس ~~أقرب إلى السلطان من بعض ، وجعل لها سورين ، فالسور الداخل أعلى من الخارج ~~، وبنى قصره في وسطها ، والمسجد الجامع بجانب القصر ، وكان اللبن الذي يبنى ~~به ذراع في ذراع ، ووزن بعض اللبن لما نقص فكان مائة رطل وسبعة عشر رطلا ، ~~وكانت الأسواق في المدينة فجاء رسول لملك الروم ، فأمر أن يطاف به المدينة ~~، ثم قال له : كيف رأيت ؟ فقال : رأيت بناء حسنا إلا أن أعداءك معك ، وهم ~~السوقة ، فأمر المنصور بإخراجهم إلى الكرخ . قال ابن الأثير : وكان مقدار ~~النفقة على بنائها وبناء المسجد والقصر والأسواق والفصلان والخنادق ~~والأبواب أربعة آلاف ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثين درهما ، وكان الأستاذ من ~~البنائين يعمل يومه بقيراط فضة ، والروز كاري بجبتين ، وحاسب القواد عند ~~الفراغ وأخذ منهم ما بقي عندهم ، فبقي عند خالد بن الصلت خمسة عشر درهما ~~فحبسه عليها وأخذها منه . PageV22P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" وفي سنة خمس وأربعين خرجت الترك والخزر بباب ~~الأبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة وحج بالناس السري بن عبد ~~الله بن الحارث بن العباس . ودخلت سنة ست وأربعين ومائة . في هذه السنة ~~كملت عمارة بغداد ، وقد تقدم ذكر ذلك . وفيها عزل سلم بن قتيبة عن البصرة ~~واستعمل عليها محمد بن سليمان ، وعزل عن المدينة عبد الله بن الربيع ، ~~واستعمل عليها جعفر بن سليمان ، وعزل عن مكة السري بن عبد الله ، ووليها ~~عبد الصمد بن علي . وحج بالناس في هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام ~~. ودخلت سنة سبع وأربعين ومائة . في هذه السنة أغار استرخان الخوارزمي في ~~جمع من الترك بناحية أرمينية ، فسبى من المسلمين وأهل الذمة خلقا كثيرا ، ~~ودخلوا تفليس ، وكان حرب بن عبد الله مقيما ms4983 بالموصل في ألفين من الجند ~~لمكان الخوارج الذين بالجزيرة ، فسير المنصور لمحاربة الترك جبريل بن يحيى ~~وحرب بن عبد الله ، فقاتلهم فقتل حرب وهزم جبريل بن يحيى ، وقتل خلق من ~~أصحابه . ذكر البيعة للمهدي وخلع عيسى بن موسى في هذه السنة : كلم المنصور ~~عيسى بن موسى في أن يخلع نفسه من ولاية العهد ، وتقدم للمهدي فامتنع من ذلك ~~، فاطرحه المنصور وحط من رتبته ، وقدم المهدي عليه في الجلوس ، وأذاه ~~بأنواع الأذى وأهانه بأنواع الإهانة ، وآخر الأمر إن المنصور أمر الربيع أن ~~يخنق عيسى بحمائل سيفه ، فخنقه وهو يستغيث : الله الله في دمي يا أمير ~~المؤمنين ، والمنصور يقول : ازهق نفسه ، هذا بحضور أبيه موسى ، فقام أبوه ~~عند ذلك وبايع للمهدي ، ثم جعل عيسى بن موسى بعده ، فقال الناس : هذا الذي ~~كان غدا فأصبح بعد غد هذا أحد الأقوال في خلعه ، وقيل بل شهد عليه ثلاثون ~~نفرا من شيعة المنصور ، أنه خلع نفسه وبايع للمهدي فأنكر ذلك ، فلم يسمع ~~منه ، وقيل بل اشترى المنصور ولاية العهد منه بأحد عشر ألف ألف درهم ، ~~وكانت مدة ولاية عيسى الكوفة ثلاث عشرة سنة ، وعزله المنصور واستعمل محمد ~~بن سليمان . PageV22P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" ذكر وفاة عبد الله بن علي وخبر عيسى بن موسى ~~قال : كان المنصور قد أحضر عيسى بن موسى بعد أن خلع نفسه ، وسلم إليه عمه ~~عبد الله بن علي وأمره بقتله ، وقال : إن الخلافة صائرة إليك بعد المهدي ، ~~فاضرب عنقه وإياك أن تضعف ، فينتقض علي أمري الذي دبرته ، ثم مضى المنصور ~~إلى مكة وكتب إلى عيسى من الطريق يستعلم منه : ما فعل في الذي أمره ، فكتب ~~إليه عيسى : قد أنفذت ما أمرت به ، فلم يشك أنه قتله ، وكان عيسى حين أخذ ~~عبد الله من المنصور دعا كاتبه يونس بن أبي فروة ، واستشاره في أمره ، فقال ~~: إنما أراد المنصور أن يقتله ثم يقتلك به ، لأنه أمرك بقتله سرا ثم يدعيه ~~عليك علانية ، فلا تقتله ولا تدفعه إليه سرا أبدا ، واكتم أمره ، ففعل عيسى ~~ذلك ms4984 ، فلما قدم المنصور وضع على أعمامه من حركهم على الشفاعة في أخيهم عبد ~~الله ، ففعلوا فشفعهم فيه ، وقال لعيسى : إني دفعت إليك عمي وعمك عبد الله ~~ليكون في منزلك ، وقد كلمني عمومتك فيه وقد صفحت عنه فإيتنا به ، فقال : يا ~~أمير المؤمنين ألم تأمرني بقتله قال : ما أمرتك إلا بحبسه ، قال : بلى ، قد ~~أمرتني ، فكذبه ، ثم قال لعمومته : إن هذا قد أقر بقتل أخيكم ، قالوا : ~~فادفعه لنا نقيده به ، فسلمه إليهم فخرجوا به إلى الرحبة واجتمع الناس ، ~~وقام أحدهم ليقتله فقال عيسى : أفاعل أنت قال : إي والله ، فقال : ردوني ~~إلى أمير المؤمنين فردوه إليه ، فقال : إنما أردت بقتله أن تقتلني ، هذا ~~عمك حي سوي ، قال : إيتنا به فأتاه به ، فقال المنصور : يدخل حتى أرى فيه ~~رأيي ثم صرفهم ، وجعله في بيت أساسه ملح ، ثم أجرى الماء على أساسه فسقط ~~عليه البيت فمات ، ودفن بمقابر المسلمين بباب الشام وهو أول من دفن فيها ، ~~وكان عمره اثنتين وخمسين سنة . وحج المنصور في هذه السنة بالناس . ودخلت ~~سنة ثمان وأربعين ومائة . ذكر خروج حسان بن مجالد بن يحيى بن مالك بن ~~الأجدع الهمداني قال : وكان خروجه بنواحي الموصل بقرية بافخارى - وهي قرب ~~الموصل على دجلة ، فخرج إليه عسكر الموصل فهزمهم وعليهم الصقر بن نجدة ، ثم ~~سار PageV22P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" حسان إلى الرقة ومنها إلى البحر ، ودخل بلد ~~السند ثم عاد إلى الموصل ، فخرج إليه الصقر أيضا والحسن بن صالح بن حسان ~~الهمداني وبلال القيسي والتقوا ، فانهزم الصقر وأسر الحسن بن صالح وبلال ، ~~فقتل حسان بلالا واستبقى الحسن لأنه من همدان ، ففارقه بعض أصحابه لهذا . ~~وفي هذه السنة استعمل الأغلب بن سالم بن عقال بن خفاجة التميمي على أفريقية ~~، وبعث بعهده إليه بها ، وحج المنصور بالناس في هذه السنة . ودخلت سنة تسع ~~وأربعين ومائة . في هذه السنة غزا العباس بن محمد الصائفة أرض الروم ، ومعه ~~الحسن بن قحطبة ومحمد بن الأشعث فمات محمد في الطريق وفيها استتم المنصور ~~بناء سور بغداد وخندقها ، وفرغ من ms4985 جميع أمورها وسار إلى حديثة الموصل وعاد ~~. وحج بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس . ودخلت ~~سنة خمسين ومائة . ذكر خروج استاذ سيس في هذه السنة خرج استاذ سيس في أهل ~~هراة وباذغيس وسجستان وغيرها من خراسان ، فكان - مما قيل - في ثلاثمائة ألف ~~مقاتل فغلبوا على عامة خراسان وسار حتى التقى هو وأهل مرو الروذ وعليهم ~~الأجثم المروروذي ، فاقتتلوا فقتل الأجثم ، وهزم استاذ سيس عدة من القواد ، ~~فوجه المنصور خازم بن خزيمة لحربه وضم إليه القواد ، فسار خازم والتقوا ~~واقتتلوا ، وكانت بينهم حروب آخرها أن استاذ سيس انهزم ، وأكثر المسلمون ~~القتل في أصحابه ، فكان عدة من قتل سبعين ألفا ، وأسروا أربعة عشر ألفا ، ~~ونجا استاذ سيس إلى جبل في نفر يسير ، فحصرهم خازم وقتل الأسرى ، ووافى أبو ~~عون وابن سلم ، فنزل استاذ سيس على حكم أبي عون ، فحكم أن يوثق هو وبنوه ~~وأهل بيته بالحديد ، وأن يعتق الباقون وهم ثلاثون ألفا ، فأمضى خازم حكمه ~~وكسى كل رجل ثوبين ، وقيل إن استاذ سيس ادعى النبوة وأظهر أصحابه الفسق ~~وقطع السبيل ، وقيل إنه جد المأمون - أبو أمه مراجل . وحج بالناس في هذه ~~السنة عبد الصمد بن علي وهو عامل مكة . ودخلت سنة إحدى وخمسين ومائة . في ~~هذه السنة عزل المنصور عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة ~~PageV22P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" عن السند ، واستعمل عليها هشام بن عمرو ~~التغلبي ، واستعمل عمر بن حفص على أفريقية ثم عزله عنها ، واستعمل يزيد بن ~~حاتم بن قبيصة بن أبي صفرة . ذكر بناء الرصافة للمهدي في هذه السنة قدم ~~المهدي من خراسان في شوال ، فقدم عليه أهل بيته من الشام والكوفة وغيرها ، ~~فهنأوه بقدومه فأجازهم وحملهم وكساهم ، وفعل بهم المنصور مثل ذلك ، وبنى ~~الرصافة ، وكان سبب بنائها أن بعض الجند شغبوا على المنصور وحاربوه على باب ~~الذهب ، فدخل عليه قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس ، وهو شيخهم وله ~~الحرمة فيهم والتقدم عندهم ، فقال له المنصور : أما ms4986 ترى ما نحن فيه من وثوب ~~الجند علينا ، وقد خفت أن تجمع كلمتهم فيخرج هذا الأمر من أيدينا ، فما ترى ~~؟ فقال : يا أمير المؤمنين عندي رأي ، وإن أظهرته لك فسد وإن تركتني أمضيته ~~وصلحت خلافتك ، وهابك الجند ، قال : أفتمضي في خلافتي شيئا لا أعلمه ؟ فقال ~~له : إن كنت عندك متهما فلا تشاورني ، وإن كنت مأمونا فدعني أفعل رأيي ، ~~فقال له : امضه ، فانصرف قثم إلى منزله فدعا غلاما له فقال له : إذا كان ~~غدا فتقدمني فاجلس في دار أمير المؤمنين ، فإذا دخلت وتوسطت أصحاب المراتب ~~فخذ بعنان بغلتي ، واستحلفني بحق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وحق ~~العباس وحق أمير المؤمنين لما وقفت لك ، وسمعت مسألتك وأجبتك عنها ، ~~وسأنهرك وأغلظ لك فلا تجب ، وعاود المسألة فسأضربك فعاود ، وقل لي أي ~~الحيين أشرف : اليمن أو مضر ؟ فإذا أجبتك فاترك البغلة وأنت حر ، ففعل ~~الغلام ما أمره به ، فقال له قثم : مضر أشرف لأن منها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، وفيها كتاب الله ، وفيها بيت الله ، ومنها خليفة الله ، ~~فامتعضت اليمن إذ لم يذكر لها شيئا ، فقال بعض قوداهم : ليس الأمر كذلك ~~مطلقا بغير فضيلة ثم قال لغلام له : قم إلى بغلة الشيخ فاكبحها ، ففعل حتى ~~كاد يقعيها ، فامتعضت مضر وقالوا : يفعل هذا بشيخنا وأمر بعضهم غلامه فضرب ~~يد ذلك الغلام فقطعها ، فتفرق الحيان ، ودخل قثم على المنصور ، وافترقت ~~الجند ، فصارت مضر واليمن فرقة والخراسانية فرقة ، فقال قثم للمنصور : قد ~~فرقت بين جندك وجعلتهم أحزابا ، كل حزب منهم يخاف أن تضربه بالآخر ، وقد ~~بقي في التدبير بقية ، وهي أن تترك ابنك PageV22P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" في ذلك الجانب ، وتحول معه قطعة من جيشك ، ~~فيصير ذلك بلدا وهذا بلدا ، فإن فسد عليك أولئك ضربتهم بهؤلاء ، وإن فسد ~~هؤلاء ضربتهم بأولئك ، فقبل رأيه واستقام ملكه ، وبنى الرصافة وتولى ذلك ~~صاحب المصلى . وحج بالناس محمد بن إبراهيم الإمام ، وهو عامل مكة والطائف . ~~وفيها قتل معن بن زائدة الشيباني أمير سجستان ، بعد منصرفه من غزاة رتبيل ~~وانصرافه ms4987 إلى بست ، فاختفى بعض الخوارج في منزله ، ثم دخلوا عليه وهو يحتجم ~~فقتلوه ، وشق أحدهم بطنه بخنجر ، وقال بعض من ضربه : أنا الغلام الطاقي ، ~~والطاق رستاق بقرب زرنج ، فقتلهم يزيد بن مزيد فلم ينج منهم أحد ، وقام ~~يزيد بأمر سجستان . ودخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة . في هذه السنة غزا حميد ~~بن قحطبة كابل ، وكان المنصور استعمله على خراسان سنة إحدى وخمسين ومائة . ~~وغزا الصائفة عبد الوهاب بن إبراهيم ، وقيل أخوه محمد . وحج بالناس في هذه ~~السنة المنصور . ودخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة . ذكر القبض على أبي أيوب ~~المورياني الوزير وقتله في هذه السنة قبض المنصور على أبي أيوب المورياني ~~وعلى أخيه وبني أخيه ، وكان قد سعى بهم كاتبه إبان بن صدقة ، وقيل : كان ~~سبب قبضه أن المنصور في دولة بني أمية ورد الموصل ، وأقام بها مستترا ، ~~وتزوج امرأة من الأزد فحملت منه ، ثم فارق الموصل وأعطاها تذكرة ، وقال لها ~~إذا سمعت بدولة بني هاشم فأرسلي هذه التذكرة إلى صاحب الأمر فهو يعرفها ، ~~فوضعت المرأة ولدا سمته جعفرا ، فنشأ وتعلم الكتابة وما يحتاج إليه الكاتب ~~، وولي المنصور الخلافة فقدم جعفر إلى بغداد واتصل بأبي أيوب ، فجعله كاتبا ~~- بالديوان فطلب المنصور يوما من أبي أيوب كاتبا - يكتب له شيئا ، فأرسل ~~إليه جعفرا ، فلما رآه المنصور مال إليه وأحبه ، فأمره بالكتابة فرآه ماهرا ~~حاذقا ، فسأله : من أين هو ؟ ومن أبوه ؟ فذكر له الحال وأراه التذكرة ~~فعرفها ، فصار PageV22P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" يطلبه في كل وقت بحجة الكتابة ، فخافه أبو ~~أيوب ، ثم إن المنصور أحضره يوما وأعطاه مالا ، وأمره أن يصعد إلى الموصل ~~ويحضر والدته ، وأنه إذا رجع وقارب بغداد لقيه المنصور بالعساكر وغيرها ، ~~وأمره أن يكتم حاله ويفارق الديوان مغضبا ، فخرج إلى الديوان فقال له أبو ~~أيوب : ما أبطأك ؟ قال : كنت في حاجة لأمير المؤمنين ، فسأله عما كتب فقال ~~: ما كنت لأذيع سر أمير المؤمنين ، فسبه أبو أيوب فأغلق جعفر دواته ، وقال ~~: والله لا عدت لهذا الديوان أبدا ، وفارقه مغضبا فتوهم منه أبو أيوب ms4988 ، ~~وتعرف أحواله ووضع عليه العيون ، فقيل له : إن حاله حسنت ، وأنه جدد له ~~مراكيب وسافر ، فبعث في أثره من اغتاله ، فقتل وأحضر إليه ما كان معه ، ~~فرأى في متاعه ما دله على أنه ولد أمير المؤمنين ، فسقط في يده وتوقع السوء ~~، ولما أبطأ خبره على المنصور بعث إلى الموصل من يسأل عنه ، فقالت أمه : لا ~~علم لي به إلا أنه ببغداد ، يكتب في ديوان أمير المؤمنين ، فأرسل المنصور ~~من قص أثره ، ولم يزل يدقق البحث حتى علم أن قتله من قبل أبي أيوب ، فنكبه ~~هو وأهله . وفيها غزا الصائفة معيوف بن يحيى ، ووصل إلى حصن من حصون الروم ~~ليلا وأهله نيام ، فسبى وأسر من كان فيه ، وقصد اللاذقية الخراب فسبى منها ~~ستة آلاف رأس سوى الرجال البالغين . وحج في هذه السنة المهدي بن المنصور ~~بالناس . ودخلت سنة أربع وخمسين ومائة . في هذه السنة سار المنصور إلى ~~الشام وبيت المقدس ، وبعث يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة إلى ~~أفريقية في خمسين ألفا ، لحرب الخوارج الذين قتلوا عمر بن حفص . وحج بالناس ~~محمد بن إبراهيم . ودخلت سنة خمس وخمسين ومائة . في هذه السنة سير المنصور ~~المهدي لبناء الرافقة ، فسار إليها فبناها على بناء مدينة بغداد ، وعمل ~~للكوفة والبصرة سورا وخندقا ، وجعل ما أنفق فيه من أموال أهلهما . ~~PageV22P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" قال : وأراد المنصور معرفة عددهم ، فأمر أن ~~يقسم فيهم خمسة دراهم خمسة دراهم ، فلما انحصرت له عدتهم أمر بجبايتهم ~~أربعين درهما من كل واحد ، فقال شاعرهم : يا لقوم ما لقينا . . . من أمير ~~المؤمنينا قسم الخمسة فينا . . . وجبانا الأربعينا ودخلت سنة ست وخمسين ~~ومائة . لم يكن في هذه السنة من الحوادث ما نذكره في هذا الموضع . وحج ~~بالناس العباس بن محمد بن علي . ودخلت سنة سبع وخمسين ومائة . في هذه السنة ~~بنى المنصور قصره الذي يدعى الخلد . وفيها حول الأسواق إلى الكرخ وتقدم ~~السبب في ذلك وحج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن ms4989 ~~عباس . وفيها مات عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام . ودخلت سنة ثمان وخمسين ~~ومائة . ذكر وفاة أبي جعفر المنصور كانت وفاته يوم السبت لست خلون من ذى ~~الحجة من هذه السنة ببئر ميمون على أميال من مكة ، قال المؤرخ : ورأى ~~المنصور قبل وفاته بيسير أعاجيب كثيرة ، ومواعظ مؤذنة بوفاته ، منها أنه ~~هتف به هاتف في قصره فسمعه يقول : أما ورب السكون والحرك . . . إن المنايا ~~كثيرة الشرك عليك يا نفس إن أسأت وإن . . . أحسنت في اليوم كان ذاك لك ما ~~اختلف الليل والنهار ولا . . . دارت نجوم السماء في فلك إلا لنقل السلطان ~~عن ملك . . . قد انقضى ملكه إلى ملك حتى يصيرانه إلى ملك . . . ما عز ~~سلطانه بمشترك ذاك بديع السماء والأرض وال . . . مرسي الجبال المسخر الفلك ~~فلما سمع المنصور ذلك قال : هذا أوان أجلي ، قال الطبري - وقد حكى عبد ~~العزيز بن مسلم قال : دخلت على المنصور يوما عليه ، فإذا هو باهت لا يحير ~~PageV22P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" جوابا ، فوثبت لأنصرف لما أراه منه ، فقال بعد ~~ساعة : إني رأيت في المنام كأن رجلا ينشدني : أأخي أخفض من مناكا . . . ~~فكأن يومك قد أتاكا ولقد أراك الدهر من . . . تصريفه ما قد أراكا فإذا أردت ~~الناقص ال . . . عبد الذليل فأنت ذاكا ملكت ما ملكته . . . والأمر فيه إلى ~~سواكا فهذا ما ترى من قلقي وغمي ، فقلت : خيرا رأيت يا أمير المؤمنين ، ولم ~~يلبث أن خرج إلى مكة ، ومن ذلك أنه لما نزل آخر منزل نزله من طريق مكة نظر ~~في صدر البيت الذي نزل فيه فإذا فيه مكتوب : أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت . ~~. . سنوك وأمر الله لا بد واقع أبا جعفر هل كاهن أو منجم . . . لك اليوم من ~~حر المنية مانع فدعا المتولي لإصلاح المواضع فقال : ألم آمرك ألا يدخل أحد ~~من الدعاة هذا البيت ؟ فحلف أنه لم يدخله أحد ، فقال : اقرأ ما في صدر هذا ~~البيت ، قال : ما أرى شيئا ، فالتفت إلى حاجبه وقال : اقرأ آية من كتاب ~~الله تعالى تشوقني إلى لقائه ، فقرأ " وسيعلم الذين ظلموا ms4990 أي منقلب ينقلبون ~~" ، فقال له : ما وجدت آية غير هذه الآية ، قال : والله لقد محى القرآن من ~~قلبي غيرها . ذكر وصية المنصور لابنه المهدي قال : ولما سار المنصور من ~~بغداد ليحج نزل قصرعبدويه ، وأحضر المهدي وكان قد صحبه فوصاه بالمال ~~والسلطان ، يفعل ذلك كل يوم من أيام مقامه بكرة وعشية ، فلما كان في اليوم ~~الذي ارتحل فيه قال له : إني لم أدع شيئا إلا وقد تقدمت إليك فيه ، وسأوصيك ~~بخصال وما أظنك تفعل منها واحدة - وكان له سفط فيه دفاتر علمه وعليه قفل لا ~~يفتحه غيره ، فقال للمهدي : انظر إلى هذا السفط فاحتفظ به ، فإن فيه علم ~~آبائك - ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة - فإن أهمك أمر فانظر إلى ~~الدفتر الكبير ، فإن أصبت فيه ما تريد وإلا في الثاني والثالث حتى بلغ سبعة ~~، فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة ، فإنك واجد فيها PageV22P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" ما تريد ، وما أظنك تفعل واقطن هذه المدينة ~~وإياك أن تستبدل بها غيرها ، وقد جمعت لك من الأموال ما إن كسر عليك الخراج ~~عشر سنين كفاك ، لأرزاق الجند والنفقات ومصلحة الثغور والذرية ومصلحة ~~البعوث ، فاحتفظ به ، فإنك لا تزال عزيزا ما دام بيت مالك عامرا ، وما أظنك ~~تفعل وأوصيك بأهل بيتك أن تظهر كرامتهم ، وأن تحسن إليهم وتقدمهم ، وتوطيء ~~الناس أعقابهم وتوليهم المنابر ، فإن عزك في عزهم وذكرهم لك ، وما أظنك ~~تفعل وانظر إلى مواليك وأحسن إليهم وقربهم واستكثر منهم ، فإنهم مادتك لشدة ~~إن نزلت بك ، وما أظنك تفعل وأوصيك بأهل خراسان فإنهم أنصارك ، وشيعتك ~~الذين بذلوا أموالهم ودماءهم في دولتك ، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم ، أن ~~تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم عما كان منهم وتخلف من مات منهم في ~~أهله وولده ، وما أظنك تفعل وإياك أن تبني المدينة الشرقية فإنك لا تتم ~~بناءها ، وأظنك ستفعل وإياك أن تستعين برجل من بني سليم ، وأظنك ستفعل ~~وإياك أن تدخل النساء في أمرك ، وأظنك ستفعل وقيل : إنه قال له إني ولدت في ~~ذى الحجة ms4991 ، ووليت في ذى الحجة ، وقد هجس في نفسي أن أموت في ذى الحجة من ~~هذه السنة ، فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي ، يجعل الله ~~لك فيما كربك وحزبك فرجا ومخرجا ، ويرزقك السلامة وحسن العافية من حيث لا ~~تحتسب . يا بني احفظ محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) في أمته يحفظ الله عليك ~~أمورك . وإياك والدم الحرام فإنه حوب عند الله عظيم . وعار في الدنيا لازم ~~مقيم . والزم الحدود فإن فيها صلاحك في العاجل . ولا تعتد فيها فتبور . فإن ~~الله تعالى لو علم شيئا أصلح منها لدينه وأزجر عن معاصيه لأمر به في كتابه ~~. واعلم أن من شدة غضب الله لسلطانه أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب . ~~على من سعى في الأرض فسادا . مع ما ذخره له عنده من العذاب العظيم . فقال ~~تعالى : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن ~~يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض " ~~الآية . فالسلطان - يا بني - حبل الله المتين وعروته الوثقى ودينه القيم . ~~فاحفظه وحصنه وذب عنه . وأوقع بالملحدين فيه واقمع المارقين منه واقتل ~~الخارجين عنه بالعقاب . ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن . فاحكم ~~بالعدل ولا تشطط . فإن ذلك أقطع للشغب . وأحسم للعدو . وأنجع في الدواء . ~~PageV22P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" وعف عن الفيء فليس بك حاجة إليه مع ما أخلفه ~~لك ، وافتتح بصلة الرحم وبر القرابة ، وإياك والتبذير لأموال الرعية ، ~~واشحن الثغور واضبط الأطراف وأمن السبل ، وسكن العامة وأدخل المرافق عليهم ~~، وادفع المكاره عنهم ، وأعد الأموال واخزنها ، وإياك والتبذير فإن النوائب ~~غير مأمونة - وهي من شيم الزمان ، وأعد الكراع والرجال والجند ما استطعت ، ~~وإياك وتاخير عمل اليوم إلى غد فتتدارك عليك الأمور وتضيع ، خذ في إحكام ~~الأمور النازلات لأوقاتها أولا أولا وشمر فيها ، واعدد رجالا بالليل لمعرفة ~~ما يكون بالنهار ، ورجالا بالنهار لمعرفة ما يكون في الليل ، وباشر الأمور ~~بنفسك ولا تضجر ولا تكسل ، واستعمل حسن الظن وأسيء بعمالك وكتابك ، وخذ ~~نفسك ms4992 بالتيقظ ، وتفقد من أقمته على بابك ، وستهل إذنك للناس وانظر في أمر ~~النزاع إليك ، ووكل بهم عينا غير نائمة ونفسا غير لاهية ، ولا تنم فإن أباك ~~لم ينم مذ ولي الخلافة ، ولا دخل عليه الغمض إلا وقلبه مستيقظ هذه وصيتي ~~إليك ، والله خليفتي عليك ، ثم ودعه وبكيا . ثم سار المنصور إلى الكوفة ~~وجمع بين الحج والعمرة ، وساق الهدي وأشعره وقلده لأيام خلت من ذى القعدة ، ~~فلما سار منازل من الكوفة عرض له وجعه الذي مات به - وهو القيام ، ولما ~~اشتد به جعل يقول للربيع : بادر بي حرم ربي هاربا من ذنوبي ، وكان الربيع ~~عديله ، ووصاه بما أراد ، ولما وصل بئر ميمون مات بها في التاريخ الذي ~~قدمناه ، ولم يحضر عند موته أحد إلا خدمه والربيع مولاه ، فكتم الربيع موته ~~ومنع من البكاء عليه ، ثم أصبح فحضر أهل بيته على عادتهم ، فأذن الربيع ~~لعمه عيسى فمكث ساعة ، ثم أذن لابنه موسى ، ثم أذن للأكابر وذوي الأسنان ~~منهم ثم لعامتهم ، فبايعهم الربيع للمهدي ولعيسى بن موسى من بعده ، ثم بايع ~~القواد وعامة الناس ، وسار العباس بن محمد ، ومحمد بن سليمان إلى مكة ~~ليبايعا الناس ، فبايعوا بين الركن والمقام . وجهزوا المنصور ففرغوا منه ~~العصر ، وكفن وغطى وجهه وبدنه وجعل رأسه مكشوفا لأجل إحرامه ، وصلى عليه ~~عيسى بن موسى ، وقيل إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس ~~، ودفن في مقبرة المعلاة ، وحفر له مائة قبر PageV22P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" ليغموه على الناس ، ودفن في غيرها ، ونزل في ~~قبره عيسى بن علي ، وعيسى بن محمد ، والعباس بن محمد والربيع والريان ~~مولياه ويقطين ، وكان عمره ثلاثا وستين سنة ، وقيل أربعا وستين سنة ، وقيل ~~ثمانيا وستين . وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة إلا سبعة أيام . وكان ~~أسمر نحيفا خفيف العارضين . أولاده : محمد المهدي وجعفر الأكبر أمهما أروى ~~بنت منصور أخت يزيد بن منصور الحميري ، وكانت تكنى أم موسى ، ومات جعفر قبل ~~المنصور ، ومنهم سليمان وعيسى ويعقوب أمهم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة ms4993 بن ~~عبيد الله ، وجعفر الأصغر أمه أم ولد كردية ، وصالح المسكين وأمه أم ولد ~~رومية ، والقاسم مات قبل المنصور وله عشر سنين أمه أم ولد تعرف بأم القاسم ~~والعالية أمها امرأة من بني أمية - هذا ما نقله ابن الأثير ، قال غيره وعبد ~~العزيز والعباس . وزراؤه : أبو عطية الباهلي ثم أبو أيوب المورياني ثم ~~الربيع مولاه ، ووزر له : خالد بن برمك مدة يسيرة . قضاته : عبد الله بن ~~محمد بن صفوان ، وشريك بن عبد الله ، والحسن بن عمار ، والحجاج بن أرطاة ، ~~وقيل إن يحيى بن سعيد وأبا عثمان التميمي قضيا في أيامه . حجابه : الربيع ~~مولاه قبل أن يستوزره ، ثم عيسى مولاه ، ثم أبو الخصيب مولاه . الأمراء ~~بمصر : صالح بن علي واستخلف أبا عون عبد الملك بن يزيد ، ثم نقل المنصور ~~صالحا إلى الجزيرة ، وأمر على مصر موسى بن كعب ثم صرفه ، وولى محمد بن ~~الأشعث الخزاعي ثم عزله ، وولى حميد بن قحطبة ، ثم يزيد بن حاتم بن قبيصة ~~بن المهلب بن أبي صفرة ، وولى عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج ~~فتوفي ، فأمر عليها أخاه محمد بن عبد الرحمن فتوفي فوليها موسى بن علي بن ~~رباح . القضاة بها : في أيام المنصور غوث بن سليمان ، ثم سار مع صالح بن ~~علي فولى أبو خالد يزيد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن بلال ، ثم عاد غوث ~~إليها ، ثم صرفه يزيد بن حاتم وولى أبا خزيمة إبراهيم بن يزيد الرعيني ، ثم ~~وليها أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان الحضرمي من قبل ~~المنصور ، وهو أول قاض خرج لنظر هلال شهر رمضان . ذكر شيء من سيرة أبي جعفر ~~المنصور قال سلام الأبرش : كنت أخدم المنصور وكان من أحسن الناس خلقا ما لم ~~يخرج إلى الناس ، وأشد احتمالا لما يكون من عبث الصبيان ، فإذا لبس ثوبه ~~أربد لونه واحمرت عيناه . قال : وقال لي يوما : إذا رأيتني لبست ثيابي أو ~~رجعت من مجلسي PageV22P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" فلا يدنون مني أحد ، قال ms4994 : ولم ير في داره لهو ~~ولا شيء يشبه اللهو والعبث إلا مرة واحدة ، رأى بعض أولاده قد ركب راحلة - ~~وهو صبي ، وتنكب قوسا في هيئة غلام أعرابي ، بين جوالقين فيهما مقل وأراك ~~وما يهديه الأعراب ، فعجب الناس من ذلك وأنكروه ، وعلموا أنه ضرب من عبث ~~الملوك ، قال حماد التركي : كنت واقفا على رأس المنصور فسمع جلبة ، فقال : ~~انظر ما هذا ؟ فذهبت فإذا خادم له قد جلس وحوله الجواري ، وهو يضرب لهن ~~بالطنبور وهن يضحكن فأخبرته ، فقال وأي شيء الطنبور فوصفته له ، فقال : ما ~~يدريك أنت ما الطنبور فقلت رأيته بخراسان ، فقام المنصور إليهن فلما رأينه ~~تفرقن ، فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطنبور حتى تكسر الطنبور ، وباع الخادم . ~~قال بعض المؤرخين كان المنصور يخضب بالسواد ، وقيل : كان يغير لون شيبه في ~~كل شهر بألف مثقال مسك . قال : وأمر بتوسعة المسجد الحرام من ناحية باب ~~الندوة سنة تسع وثلاثين ومائة ، وبنى مسجد الخيف . وفي أيامه فتحت المولتان ~~والقندهار من أرض السند ، وهدم البد وبنى مكانه مسجد . وفي أيامه مات أبو ~~حنيفة النعمان بن ثابت في سنة خمس وأربعين ومائة ومات جعفر بن محمد الصادق ~~في سنة ثمان وأربعين ومائة . وقد قدمنا من أخبار أبي جعفر المنصور ، ومن ~~الوقائع التي اتفقت في أيامه وما أنشأه من المدن والعمائر ما فيه الكفاية ، ~~ولا يورد في التواريخ المختصرة أكثر من هذا فلنذكر أخبار من قام بالأمر ~~بعده والله الموفق . PageV22P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" ذكر خلافة المهدي هو أبو عبد الله محمد بن أبي ~~جعفر عبد المنصور ، وأمه أروى أم موسى بنت منصور بن عبد الله بن يزيد بن ~~شمر الحميري ، وهو الثالث من الخلفاء العباسيين ، بويع له يوم السبت لست ~~خلون من ذى الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة على ما قدمناه ، وقيل إنه لما مات ~~المنصور خرج الربيع وبيده قرطاس ، ففتحه وقرأه فإذا فيه : بسم الله الرحمن ~~الرحيم من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى من خلف من بني هاشم وشيعته ~~من أهل خراسان وعامة المسلمين ثم ms4995 بكى وبكى الناس . ثم قال قد أمكنكم البكاء ~~فانصتوا رحمكم الله ثم قرأ : أما بعد فإني كتبت كتابي وأنا حي ، في آخر يوم ~~من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة ، وأقريء عليكم السلام ، وأسأل ~~الله ألا يفتنكم من بعدي ولا يلبسكم شيعا ، ولا يذيق بضعكم بأس بعض ، ثم ~~أخذ في وصيتهم وإذكارهم البيعة له ، وحثهم على الوفاء بعهده . ثم تناول يد ~~الحسن ابن زيد العلوي فقال له : قم فبايع الناس ، فقام إلى موسى بن المهدي ~~فبايعه لأبيه ، ثم بايع الناس الأول فالأول . ودخلت سنة تسع وخمسين ومائة . ~~ذكر ظهور المقنع بخراسان وهلاكه في هذه السنة ظهر المقنع بخراسان ، وكان ~~رجلا أعور قصيرا من أهل مرو ، وكان يسمى حكيما ، وكان اتخذ وجها من ذهب ، ~~وجعله على وجهه لئلا يرى فسمي المقنع ، وادعى الإلهية ولم يظهر ذلك لجميع ~~أصحابه ، وكان يقول : إن الله خلق آدم فتحول في صورته ، ثم في صورة نوح ~~وهكذا إلى أبي مسلم الخراساني ، ثم تحول إلى هاشم ، وهاشم في دعواه هو ~~المقنع ، ويقول بالتناسخ ، فبايعه خلق من ضلال الناس ، وكانوا يسجدون له من ~~أي النواحي كانوا ، وكانوا يقولون في الحرب : يا هاشم أعنا ، واجتمع إليه ~~خلق كثير ، وتحصنوا في قلعة سام بزده ، وظهرت المبيضة ببخارى والصغد ~~معاونين له ، وأعانه كفار الأتراك وأغاروا على أموال المسلمين ، واجتمعوا ~~بكش PageV22P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" وغلبوا على بعض قصورها فحاربهم أبو النعمان ~~والجنيد وليث بن نصر مرة بعد مرة ، ثم اشتغلوا بقتال المبيضة فقاتلوهم ~~أربعة أشهر ، وهزموهم فلحق منهزموهم بالمقنع ، ثم سير المهدي أبا عون ~~لمحاربة المقنع ، فلم يبالغ في قتاله فعزله واستعمل معاذ بن مسلم ، فسار ~~معاذ في سنة إحدى وستين ومائة في جماعة من القواد والعساكر ، فالتقوا ~~واقتتلوا فهزموا أصحاب المقنع ، فقصد المنهزمون المقنع وهو بسام ، فأصلح ~~خندقها وحصنها ، وأقبل معاذ فحاربهم وكان سعيد الحرشي مع معاذ فنافره ، ~~فكتب الحرشي إلى المهدي في معاذ وضمن له أنه إن أفرده بحرب المقنع كفاه ، ~~فأجابه إلى ذلك وانفرد الحرشي بحربه ، وأمده معاذ ms4996 بابنه رجاء في جيش وبجميع ~~ما التمس منه ، وطال الحصار على المقنع فطلب أصحابه الأمان سرا منه ، ~~فأجابهم الحرشي فخرج إليه منهم نحو من ثلاثين ألفا ، وبقي المقنع في ألفين ~~وضايقه العسكر ، فلما أيقن بالهلاك جمع نساءه وأهله فسقاهم السم فأتى عليهم ~~وأمر أن يحرق هو بالنار لئلا يقدر على جثته ، وقيل بل حرق كل ما قلعته من ~~حيوان وغيره ، ثم قال : من أحب أن يرتفع معي في السماء فليلق نفسه معي في ~~هذه النار ، وألقى نفسه مع نسائه وأهله وخواصه فاحترقوا ، ودخل العسكر ~~القلعة فوجدوها خاوية خالية ، وكان ذلك مما زاد في افتتان من بقي من أصحابه ~~، وقيل بل شرب هو من السم فمات وأنفذ الحرشي رأسه إلى المهدي ، فوصل إليه ~~وهو بحلب في سنة ثلاث وستين ومائة . نعود إلى بقية حوادث سنة تسع وخمسين . ~~وفيها توفي حميد بن قحطبة عامل خراسان واستعمل المهدي أبا عون عبد الملك . ~~وحج بالناس يزيد بن منصور خال المهدي عند قدومه من اليمن . ودخلت سنة ستين ~~ومائة . في هذه السنة : خرج يوسف بن إبراهيم المعروف بالبرم بخراسان منكرا ~~سيرة المهدي ، واجتمع معه بشر كثير ، وتوجه إليه يزيد بن مزيد الشيباني وهو ~~ابن أخي معن بن زائدة ، فاقتتلا حتى صارا إلى المعانقة فأسره يزيد ، وبعث ~~به إلى المهدي وبعث معه بوجوه أصحابه ، فقطعت يدا يوسف ورجلاه ، وقتل هو ~~وأصحابه وصلبوا على الجسر ، وقيل إنه كان حروريا وأنه تغلب على بوشنج - ~~وعليها مصعب بن زريق فهرب منه ، وتغلب أيضا على مرو الروذ والطالقان ~~والجوزجان . PageV22P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" ذكر خلع عيسى بن موسى وبيعة موسى الهادي قال : ~~كان جماعة من بني هاشم وشيعة المهدي خاضوا في خلع عيسى من ولاية العهد ، ~~والبيعة لموسى الهادي بن المهدي فسر المهدي بذلك ، وكتب إلى عيسى في القدوم ~~عليه وهو بقريته الرحبة من أعمال الكوفة ، فأحس بما يراد منه فامتنع من ~~القدوم عليه ، فألح المهدي عليه حتى بعث إليه يقول : إنك إن لم تجبني إلى ~~أن تنخلع من ولاية العهد ms4997 لموسى وهارون استحللت منك بمعصيتك ما يستحل من أهل ~~المعاصي ، وإن أجبتني عوضتك منها بما هو أجدى عليك وأعجل نفعا ، فلم يقدم ~~عليه وخيف انتقاضه ، فوجه إليه المهدي عمه العباس يستدعيه فلم يجب فلما عاد ~~العباس وجه المهدي أبا هريرة محمد بن فروخ القائد ، في ألف من شيعة المهدي ~~فأشخصوه إليه ، فلما قدم عيسى نزل دار محمد بن سليمان ، وأقام أياما يختلف ~~إلى المهدي ، وهو لا يكلمه بشيء ولا يرى مكروها ، فحضر الدار يوما قبل جلوس ~~المهدي فجلس في مقصورة الربيع ، وقد اجتمع رؤساء شيعة المهدي على خلعه ، ~~فثاروا به وضربوا باب المقصورة بالعمد حتى هشموه ، وشتموا عيسى أقبح شتم ، ~~وأظهر المهدي إنكارا لما فعلوه فلم يرجعوا ، فبقوا في ذلك أياما وكان أشدهم ~~عليه محمد بن سليمان ، وكاشفه المهدي وألح عليه ، فذكر أن عليه أيمانا في ~~أهله وماله ، فأفتاه الفقهاء بما رأوا أنه لا يحنث فأجاب إلى خلع نفسه ، ~~فأعطاه المهدي عشرة آلاف ألف درهم وضياعا بالزاب وكسكر ، وخلع نفسه لأربع ~~بقين من المحرم وبايع للمهدي ولابنه موسى الهادي ، ثم جلس المهدي من الغد ~~وأحضر أهل بيته وأخذ بيعتهم ، ثم خرج المهدي إلى الجامع وعيسى معه فخطب ~~الناس ، وأعلمهم بخلع عيسى وبيعة الهادي ، وبايعهم فسارعوا إلى بيعته ، ~~فقال بعض الشعراء : كره الموت أبو موسى وقد . . . كان في الموت نجاء وكرم ~~خلع الملك وأضحى ملبسا . . . ثوب لوم ما ترى منه القدم وحج المهدي في هذه ~~السنة بالناس ، واستخلف على بغداد ابنه موسى وخاله يزيد بن منصور ، وفيها ~~نزع المهدي كسوة الكعبة وكساها كسوة جديدة ، وكان سبب نزعها أن حجبة الكعبة ~~ذكروا له أنهم يخافون على الكعبة أن تتهدم ، لكثرة ما عليها PageV22P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" من الكسوة فنزعها ، وكانت كسوة هشام بن عبد ~~الملك من الديباج الثخين ، وما قبلها من عمل اليمن ، قال : وطلى جدرانها ~~بالمسك والعنبر ، وكانت الكعبة في جانب المسجد لم تكن متوسطة ، فهدم حيطان ~~المسجد وزاد فيه زيادات ، واشترى الدور والمنازل حتى صارت الكعبة في الوسط ~~على ما هي ms4998 عليه الآن ، وحمل من مصر إلى المسجد الحرام أربعمائة وثمانين ~~أسطوانة ، وصير فيه أربعمائة طاق وثمانية وتسعين طاقا ، وجعل له ثلاثا ~~وعشرين بابا ، وجعل سلاسل قناديله ذهبا ، وجعل ذرعه مكسرا مائة ألف وعشرين ~~ألف ذراع ، وقسم مالا عظيما كان معه من العراق ، مبلغه ثلاثون ألف ألف درهم ~~، ووصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار ، ومن اليمن مائتا ألف درهم ، ففرق ~~ذلك كله وفرق مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب ، ووسع مسجد رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وألبس خارج القبر المقدس الرخام ، وأخذ خمسمائة من ~~الأنصار يكونون حرسا له بالعراق ، وأقطعهم بالعراق وأجرى عليهم الأرزاق . ~~وحمل إليه محمد بن سليمان الثلج إلى مكة ، وهو أول خليفة حمل إليه الثلج ~~إلى مكة . ودخلت سنة إحدى وستين ومائة . في هذه السنة : أمر المهدي ببناء ~~القصور بطريق مكة ، وأمر باتخذ المصانع في كل منهل ، وبتجديد الأموال ~~والبرك وحفر الركايا ، وولى ذلك يقطين بن موسى ، وأمر بالزيادة في مسجد ~~البصرة ، وأمر بتقصير المنابر في البلاد ، وجعلها بمقدار منبر النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . وحج بالناس في هذه السنة موسى الهادي ولي العهد . ودخلت ~~سنة اثنتين وستين ومائة . ذكر قتل عبد السلام الخارجي في هذه السنة : قتل ~~عبد السلام بن هاشم اليشكري بقنسرين ، وكان قد خرج بالجزيرة فاشتدت شوكته ~~وكثر أتباعه ، فلقيه عدة من قواد المهدي فيهم عيسى بن موسى القائد ، فقتله ~~في عدة ممن معه وهزم جماعة من القواد - وفيهم شبيب بن واج المروروذي ، فندب ~~المهدي إلى شبيب ألف فارس ، وأعطى كل رجل منهم ألف درهم معونة ، فوافوا ~~شبيبا فخرج بهم في طلب عبد السلام ، فهرب عبد السلام منه فأدركه بقنسرين ~~فقاتله بها فقتله . PageV22P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" وفيها وضع المهدي ديوان الأزمة ، وولى عليها ~~عمر بن بزيع مولاه . وأجرى المهدي على المجذمين وأهل السجون في جميع الآفاق ~~الأرزاق . ودخلت سنة ثلاث وستين ومائة . في هذه السنة : تجهز المهدي لغزو ~~الروم فجمع الأجناد من خراسان وغيرها ، وسار على الموصل والجزيرة وعبر ~~الفرات إلى حلب ، وأرسل ms4999 وهو بحلب فجمع الزنادقة بتلك البلاد فقتلهم وقطع ~~كتبهم . وسار عنها مشيعا لابنه هارون حتى جاز الدرب وبلغ جيحان ، وسار ~~هارون بالعساكر فنازل حصن سمالو فحصره ثمانية وثلاثين يوما ، ونصب عليه ~~المجانيق ففتحه بالأمان وفتح فتوحا كثيرة . وفيها ولى المهدي ابنه هارون ~~المغرب كله وأذربيجان وأرمينية ، وجعل كاتبه على الخراج ثابت بن موسى ، ~~وعلى رسائله يحيى بن خالد بن برمك . وحج بالناس في هذه السنة علي بن المهدي ~~. ودخلت سنة أربع وستين ومائة . في هذه السنة سار المهدي ليحج فلما بلغ ~~العقبة رأى قلة الماء وحم فرجع ، وسير أخاه صالحا ليحج بالناس ، ولحق الناس ~~عطش شديد حتى كادوا يهلكون . ودخلت سنة خمس وستين ومائة . في هذه السنة : ~~سير المهدي ابنه الرشيد لغزو الروم في خمسة وتسعين ألفا وتسعمائة وثلاثة ~~وتسعين رجلا ومعه الربيع ، فوعك الرشيد في بلاد الروم ، ولقيه عسكر نقيطا ~~قومس القوامسة ، فبارزه يزيد بن مزيد الشيباني فأثخنه يزيد ، وانهزمت الروم ~~وغلب المسلمون على معسكرهم ، وساروا إلى الدمستق وهو صاحب المسالح ، فحمل ~~لهم مائة ألف دينار وثلاثة وتسعين ألفا وأربعمائة وخمسين دينارا ، ~~PageV22P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" ومن الورق أحدا وعشرين ألف ألف درهم وأربعة ~~عشر ألفا وثمانمائة درهم ، وسار الرشيد حتى بلغ خليج القسطنطينية ، والروم ~~يومئذ بيد أغسطه - امرأة إليون - لصغر ابنها ، فجرى الصلح بينها وبين ~~الرشيد على الفدية ، وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في الطرق ، وذلك لأنه ~~دخل مدخلا ضيقا مخوفا ، فأجابته إلى ذلك ، ومقدار الفدية سبعون ألف دينار ~~في كل سنة ، ورجع عنها ، وكانت الفدية ثلاث سنين ، وكان مقدار ما غنم ~~المسلمون إلى أن اصطلحوا خمسة آلاف رأس وستمائة وثلاثة وأربعين رأسا ، ومن ~~الدواب الذلل بأدواتها عشرين ألف رأس ، وذبح من البقر والغنم مائة ألف رأس ~~، وقتل من الروم في الوقائع كلها أربعة وخمسون ألفا ، وقتل من الأسارى صبرا ~~ألفان وتسعون أسيرا . وحج بالناس في هذه السنة صالح بن المنصور . ودخلت سنة ~~ست وستين ومائة . في هذه السنة : أخذ المهدي البيعة لولده هارون بولاية ~~العهد بعد أخيه موسى ms5000 الهادي ، ولقب الرشيد ، وفيها سخط المهدي على وزيره ~~يعقوب بن داود وقبض عليه . قال : وكان أول أمرهم أن داود بن طهمان وهو أبو ~~يعقوب ، وكان يكتب لنصر بن سيار - وهو وإخوته ، فلما كان أيام يحيى بن زيد ~~كان داود يعلمه ما يسمع من نصر ، فلما طالب أبو مسلم الخراساني بدم يحيى بن ~~زيد أتاه داود فأمنه أبو مسلم في نفسه ، وأخذ ماله الذي كان قد استفاده ~~أيام نصر ، فلما مات داود خرج أولاده أهل أدب وعلم ، ولم تكن لهم عند بني ~~العباس منزلة ، ولم يطمعوا في خدمتهم لحال أبيهم من كتابة نصر ، وأظهروا ~~مقالة الزيدية ودنوا من آل الحسين وطمعوا أن تكون لهم دولة ، وكان داود ~~يصحب إبراهيم بن عبد الله ، وخرج معه في عدة من أصحابه ، فلما قتل إبراهيم ~~طلبهم المنصور ، فأخذ يعقوب وعليا فحبسهما ، فلما ولي المهدي أطلقهما فيمن ~~أطلق ، فاتصل يعقوب بالمهدي بالسعاية بآل علي ، ولم يزل يرتفع حتى استوزره ~~، وكان المهدي يقول : وصف لي يعقوب في منامي فقيل لي استوزره فلما رأيته ~~رأيت الخلقة التي وصفت لي فاتخذته وزيرا . فلما ولي الوزارة أرسل إلى ~~الزيدية فجمعهم وولاهم أمور الخلافة في الشرق والغرب ، ولذلك قال بشار : ~~بنو أمية هبوا طال نومكم . . . إن الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا ~~قوم فالتمسوا . . . خليفة الله بين الناي والعود PageV22P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" فحسده موالي المهدي وسعوا به ، وقالوا : إن ~~الشرق والغرب في يد يعقوب وأصحابه ، ولو كتب إليهم لوثبوا في يوم واحد ~~وأخذوا الدنيا ، فملأ ذلك قلب المهدي فقبض عليه ، بعد القرب منه والاختصاص ~~به والتمكن من دولته . وفيها أمر المهدي بإقامة البريد بين مكة والمدينة ~~واليمن ، ولم يكن قبل ذلك . وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى . ~~ودخلت سنة سبع وستين ومائة . في هذه السنة : توفي موسى بن عيسى بالكوفة ، ~~وفيها أمر المهدي بالزيادة في المسجد الحرام ومسجد النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فدخلت فيهما دور كثيرة ، وكان المتولي للبناء يقطين بن موسى ، ~~فبقي البناء إلى أن توفي ms5001 المهدي . وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى ~~بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس - وهو على المدينة ، ثم توفي بعد فراغه ~~من الحج بأيام وتولى مكانه إسحاق بن عيسى بن علي . وفيها أفسد العرب في ~~بادية البصرة بين اليمامة والبحرين . وقطعوا الطريق وتركوا الصلاة وانتهكوا ~~المحارم ، فأرسل المهدي إليهم جيشا فقاتلوهم ، فكان الظفر للعرب وقتلوا ~~عامة العسكر ، فقويت وزاد شرهم . ودخلت سنة ثمن وستين ومائة . في هذه السنة ~~: خرج بأرض الموصل خارجي اسمه ياسين من بني تميم ، فخرج إليه عسكر الموصل ~~فهزمهم ، وغلب على أكثر ديار ربيعة والجزيرة ، فوجه إليه المهدي أبا هريرة ~~محمد بن فروخ وهرثمة بن أعين مولى بني ضبة فحارباه ، فصبر لهما حتى قتل عدة ~~من أصحابه وانهزم الباقون . وفيها في شهر رمضان نقض الروم الصلح ، الذي كان ~~بينهم وبين المسلمين قبل انقضاء مدة الهدنة بأربعة أشهر ، فوجه علي بن ~~سليمان وهو على الجزيرة وقنسرين يزيد بن البطال في خيل فغنموا وظفروا . وحج ~~بالناس في هذه السنة علي بن المهدي . PageV22P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" ودخلت سنة تسع وستين ومائة . ذكر وفاة أبي عبد ~~الله المهدي كانت وفاته في يوم الخميس لثمان بقين من المحرم سنة تسع وستين ~~ومائة بماسبذان ، وسبب خروجه إليها أنه كان عزم على خلع ابنه موسى الهادي ~~من ولايه العهد ، والبيعة للرشيد وتقديمه على الهادي ، فبعث إليه في ذلك ~~وهو بجرجان فلم يفعل ، فاستقدمه فضرب الرسول وامتنع ، فسار المهدي إليه ، ~~فلما بلغ ماسبذان قال لأصحابه : إني أريد النوم فلا توقظوني حتى أكون أنا ~~الذي أنتبه ، ونام ونام أصحابه فاستيقظوا ببكائه فأتوه مسرعين ، وسألوه عن ~~سبب بكائه فقال : وقف على الباب رجل فقال : كأني بهذا القصر قد باد أهله . ~~. . وأوحش منه ربعه ومنازله وصدر عميد القوم من بعد بهجة . . . وملك إلى ~~قبر عليه جنادله فلم يبق إلا ذكره وحديثه . . . تنادي عليه معولات حلائله ~~فمات بعد ذلك بعشرة أيام . وقد اختلف في سبب موته ، فقيل إنه كان يتصيد ~~فطردت الكلاب ظبيا وتبعته ، فدخل ms5002 باب خربة ودخلت الكلاب خلفه ، وتبعها فرس ~~المهدي فدخلها ، فدق الباب ظهره فمات من ساعته . وقيل : بل بعثت جارية من ~~جواريه إلى ضرة لها بلبن فيه سم ، فشرب منه فمات . وقيل : بل عمدت جاريته ~~حسنة إلى كمثرى ، فأهدته إلى طلة جاريته الأخرى ، وجعلت السم في أبهى ~~كمثراة فيه ، فاجتاز بالمهدي فأخذ تلك الكمثراة المسمومة فأكلها ، فلما ~~وصلت إلى جوفه صاح ومات منها ، فكانت الجارية تقول في بكائها عليه : أردت ~~أن أنفرد بك فأوحشت نفسي منك ، ومات في يومه وصلى عليه ابنه الرشيد ، ومات ~~وله من العمر ثمان وأربعون سنة وقيل ثلاث وأربعون ، وكانت مدة خلافته عشر ~~سنين وتسعة وأربعين يوما ، ودفن تحت جوزة كان يجلس تحتها . وكان أبيض طويلا ~~وقيل أسمر ، حسن الوجه بعينه اليمنى نكتة بياض . PageV22P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" ذكر شيء من سيرته وأخباره كان جوادا حازما ~~وصولا يباشر الأمور بنفسه ، وكان كثير الولاية والعزل لغير سبب ، ورد على ~~الناس الأموال التي أخذها أبوه . وكان إذا جلس للمظالم قال : أدخلوا علي ~~القضاة ، فلو لم يكن ردي للمظالم إلا للحياء منهم . وقال الحسن الوصيف : ~~أصابتنا ريح شديدة أيام المهدي حتى ظننا أنها تسوقنا إلى المحشر ، فخرجت ~~أطلب المهدي فوجدته قد وضع خده بالأرض ، وهو يقول : اللهم احفظ محمدا في ~~أمته ، اللهم لا تشمت بنا أعداءنا من الأمم ، اللهم إن كنت أخذت هذا العالم ~~بذنبي فهذه ناصيتي بين يديك ، قال فما لبثنا إلا يسيرا حتى انكشفت الريح ~~وانجلى ما كنا فيه . قال الربيع : رأيت المهدي يصلي في ليلة مقمرة ، فقرأ ~~قوله تعالى : " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم " ~~، قال : فأتم صلاته والتفت إلي وقال : يا ربيع ، موسى ، فقلت في نفسي ما هو ~~إلا موسى بن جعفر وكان محبوسا عندي فأحضرته ، فقطع صلاته ثم قال : يا موسى ~~إني قرأت هذه الآية ، فخفت أن أكون قد قطعت رحمك ، فوثق لي أنك لا تخرج ~~فوثق له ، وخلى المهدي سبيله . قال : وبنى المهدي العلمين في المسعى . ~~أولاده : موسى الهادي وهارون الرشيد ms5003 وعلي وعبد الله ومنصور ويعقوب وإسحاق ~~وإبراهيم والبانوقة وعلية وعباسة وسليمة . ووزراؤه : أبو عبيد الله معاوية ~~بن عبيد الله الأشعري ثم يعقوب بن داود بن طهمان ثم نكبه على ما ذكرناه ، ~~واستوزر الفيض بن أبي صالح . قضاته : محمد بن عبد الله بن علاثة ، وعافية ~~بن يزيد وكانا يقضيان في مسجد الرصافة . حجابه : سلام الأبرش ، وقيل إن ~~الفضل بن الربيع حجبه . الأمراء بمصر : عيسى بن لقمان بن محمد بن حاطب ~~الحميمي ثم صرفه وولى واضحا مولى أبي جعفر المنصور ثم صرفه وولى أبا صالح ~~يحيى بن داود الحرشي من أهل نيسابور ثم سالم بن سوادة التميمي ثم إبراهيم ~~بن صالح ابن علي بن عبد الله عباس ثم موسى بن مصعب من أهل الموصل ثم الفضل ~~بن صالح الهاشمي . القضاة بها : عبد الله بن لهيعة ثم إسماعيل بن اليسع ~~الكندي الكوفي وهو أول حنفي ولي القضاء بها ثم غوث بن سليمان ثم توفي فولي ~~القضاء المفضل بن فضالة . وكان نقش خاتم المهدي حسبي الله . PageV22P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" قال بعض المؤرخين : والمهدي أول من مشي بين ~~يديه بالسيوف المصلتة والقسي والنشاب والعمد ، وأول من لعب بالصوالجة في ~~الإسلام ، وله من الآثار الحسنة في عمارة المسجد الحرام ومسجد رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) والاهتمام بذلك ما قدمنا ذكره . ذكر خلافة الهادي هو ~~أبو محمد موسى بن أبي عبد الله محمد المهدي بن أبي جعفر عبد الله المنصور ، ~~وأمه الخيزران مولدة وهي بنت عطاء مولى أبيه وهي أم الخلفاء ، وهو الرابع ~~من الخلفاء العباسيين ، بويع له في يوم وفاة أبيه - وهو يوم الخميس لثمان ~~بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة ، وهو إذ ذاك مقيم بجرجان يحارب أهل ~~طبرستان ، فبايع الرشيد للهادي وكتب إلى الآفاق بذلك ورد العسكر إلى بغداد ~~، وسار نصير الوصيف إلى الهادي بجرجان بالخبر ، فنادى بالرحيل وركب على ~~البريد مجدا فبلغ بغداد في عشرين يوما ، ولما قدم استوزر الربيع فهلك ~~الربيع في هذه السنة ، واشتد طلب الهادي للزنادقة في هذه السنة ms5004 فقتل منهم ~~جماعة ، منهم علي بن يقطين وقتل أيضا يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس ~~بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وكان سبب قتله أنه أتي به إلى المهدي ~~فأقر بالزندقة ، فقال : أم والله ، لولا أني جعلت على نفسي ألا أقتل هاشميا ~~لقتلتك ، ثم قال للهادي : أقسمت عليك إن وليت هذا الأمر لتقتلنه ، ثم حبسه ~~، فلما مات المهدي قتله الهادي . وكان أيضا قد عهد إليه بقتل ولد لداود بن ~~علي بن عبد الله بن عباس وكان زنديقا ، فمات في حبس المهدي ، قال ابن ~~الأثير : ولما قتل يعقوب أدخل أولاده على الهادي ، فأقرت ابنته فاطمة أنها ~~حبلى من أبيها فخوفت فماتت من الفزع . ذكر ظهور الحسين بن علي بن الحسن بن ~~الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب قال : وظهر في هذه السنة في جماعة من ~~الطالبيين ، وانتهبوا بيت المال ، ثم قصد الحسين مكة فبعث إليه الهادي محمد ~~بن سليمان بن علي ، فأدركه بفخ على فرسخ من مكة ، فالتقوا واقتتلوا فقتل ~~الحسين ، وحمل رأسه إلى الهادي على ما نذكره في أخبارهم إن شاء الله . وحج ~~بالناس في هذه السنة سليمان بن منصور . PageV22P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" ودخلت سنة سبعين ومائة . في هذه السنة عزم ~~الهادي على خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر ، فأجابه إلى ذلك يزيد بن مزيد ~~الشيباني وعبد الله بن مالك وعلي بن عيسى وغيرهم ، فخلعوا هارون وبايعوا ~~لجعفر ، ووضعوا الشيعة فتكلموا في ذلك وتنقصوا الرشيد في مجلس الجماعة ، ~~وقالوا : لا نرضى به ، وكان يحيى بن خالد يتولى أمر الرشيد ، فقيل للهادي : ~~ليس عليك من أخيك خلاف إنما يحيى يفسده ، وكان الرشيد قد اطمأن للخلع فمنعه ~~يحيى منه ، فطلب الهادي يحيى وتهدده بالقتل ورماه بالكفر ، فلم يزل يلطف به ~~حتى سكن غضبه ، ثم قال له : يا أمير المؤمنين - إنك إن حملت الناس على نكث ~~الأيمان هانت عليهم أيمانهم ، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر ~~بعده كان ذلك أوكد للبيعة ، قال : صدقت وسكت عنه ، فعاد الذين ms5005 كانوا بايعوه ~~من القواد والشيعة فحملوه على معاودة الرشيد بالخلع ، فأحضر يحيى فكتب إليه ~~: إن عندي نصيحة ، فأحضره فقال : يا أمير المؤمنين ، أرأيت إن كان الأمر ~~الذي لا تبلغه - ونسأل الله أن يقدمنا قبله - يعني موت الهادي - أتظن أن ~~الناس يسلمون الخلافة لجعفر ، وهو لم يبلغ الحلم ؟ أو يرضون به لصلاتهم ~~وحجهم وغزوهم ؟ قال : ما أظن ذلك ، قال : يا أمير المؤمنين أفتأمن أن يسمو ~~إليها أكابر أهلك مثل فلان وفلان ، ويطمع فيها غيرهم ؟ فتكون قد أخرجت ~~الأمر عن ولد أبيك ، والله - لو أن هذا الأمر لم يعقده المهدي له كان ينبغي ~~أن تعقده أنت له ، فكيف بأن تحله عنه وقد عقده المهدي ولكني أرى أن تقر ~~الأمر على أخيك ، فإذا بلغ جعفر خلع الرشيد نفسه وبايعه ، فقبل قوله وأطلقه ~~، ثم عاد أولئك القواد إلى الهادي وأعادوا القول ، فضيق على الرشيد في ذلك ~~، فقال له يحيى : استأذنه في الصيد ، فإذا خرجت فأبعد ودافع الأيام ، ففعل ~~ذلك فأذن له فمضى إلى قصر مقاتل وأقام أربعين يوما ، فأنكر الهادي أمره ~~وكتب إليه بالعود ، فتعلل ثم اعتل الهادي ومات . ذكر وفاة أبي محمد الهادي ~~كانت وفاته ليلة الجمعة للنصف من شهر ربيع الأول ، وقيل لأربع عشرة ليلة ~~خلت منه ، وقيل بقيت منه سنة سبعين ومائة بعيساباذ ، واختلف في سبب وفاته ، ~~PageV22P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" فقيل كانت بقرحة في جوفه ، وقيل مرض بحديثة ~~الموصل وعاد مريضا فمات ، وقيل إن أمه أمرت جواريها بقتله فقتلنه ، قال : ~~وكان سبب ذلك أنه لما ولي الخلافة كانت تستبد بالأمور دونه ، وتسلك به مسلك ~~المهدي ، حتى مضى من خلافته أربعة أشهر ، والمواكب تغدو إلى بابها ، فكلمته ~~يوما في أمر لم يجد إلى إجابتها سبيلا ، فقالت : لا بد منه فقد ضمنته لعبد ~~الله بن مالك بن جعفر ، فغضب الهادي وقال : والله لا قضيتها ، فقالت : إذن ~~والله لا أسألك حاجة أبدا ، قال : لا أبالي والله وغضب ، وقامت مغضبة ، ~~فقال مكانك ، والله لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوداي وخاصتي لأضربن ~~عنقه ، ولأقبضن ms5006 ماله ، ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك ؟ ؟ ؟ أما ~~لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك إياك إياك ، لا تفتحي بابك لمسلم ~~ولا ذمي ، فانصرفت وهي لا تعقل فلم تنطق عنده بعدها ، ثم قال لأصحابه : ~~أيما خير ، أنا أم أنتم ؟ وأمي أم أمهاتكم ؟ قالوا : بل أنت وأمك خير ، قال ~~: فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه ، فيقولوا فعلت أم فلان وصنعت ؟ ~~قالوا : لا نحب ذلك ، قال : فما بالكم تأتون أمي فتتحدثون بحديثها فلما ~~سمعوا ذلك انقطعوا عنها ، ثم بعث إلى أمه بأرز ، وقال : قد استطبتها فكلي ~~منها ، فقيل لها : أمسكي حتى تنظري ، فجاءوا بكلب وأطعموا منها فتساقط لحمه ~~لوقته ، فأرسل إليها كيف رأيت الأرز ؟ قالت طيبا ، قال : ما أكلت منها ولو ~~أكلت منها لاسترحت منك ، متى أفلح خليفة له أم ؟ وقيل كان سبب أمرها بقتله ~~أنه لما جد في خلع الرشيد خافت عليه ، فوضعت جواريها عليه فقتلنه بالغم ~~والجلوس على وجهه ، حتى مات والله أعلم . ولما مات كان له من العمر ست ~~وعشرون سنة ، واختلف فيه إلى ثلاث وعشرين سنة . وكانت مدة خلافته سنة وشهرا ~~وأربعة وعشرين يوما ، وصلى عليه أخوه الرشيد ، ودفن بعيساباذ الكبرى في ~~بستانه ، وفي ليلة وفاته مات خليفة ، وهو الهادي ، وولي خليفة ، وهو الرشيد ~~، وولد خليفة ، وهو المأمون ، وكان طويلا جسيما أبيض مشربا بحمرة أفوه مقلص ~~الشفة العليا ، وكان المهدي قد وكل به خادما يقول له : موسى اطبق ، فيضم ~~شفته ، وكان شجاعا بطلا جوادا سخيا أديبا صعب المرام . وكان له من الأولاد ~~: عيسى وإسحاق وجعفر وعبد الله وموسى وإسحاق الأصغر . وذكر ابن الأثير في ~~أولاده العباس وإسماعيل وسليمان ولم يذكر إسحاق الأصغر ، وكان ابنه موسى ~~ضريرا ، وأم عيسى كانت عند المأمون ، وأم العباس وكانت تلقب نونه ، وكلهم ~~أولاده أمهات . PageV22P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" وكان نقش خاتمه : الله ربي . وزراؤه : الربيع ~~بن يونس ثم عمر بن بزيع . حاجبه : الفضل بن الربيع قضاته : أبو يوسف يعقوب ~~بن إبراهيم بالجانب الغربي ، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي بالجانب ms5007 الشرقي . ~~الأمير بمصر علي بن سليمان بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس . ~~قاضيها أبو الطاهر عبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم ~~والله تعالى أعلم . ذكر خلافة هارون الرشيد هو أبو محمد هارون وقيل أبو ~~جعفر بن أبي عبد الله محمد المهدي بن أبي جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن ~~علي بن عبد الله بن العباس ، وأمه الخيزران أم أخيه الهادي ، وهو الخامس من ~~الخلفاء العباسيين ، بويع له بالخلافة يوم وفاة أخيه الهادي . قال : ولما ~~مات الهادي كان يحيى بن خالد بن برمك محبوسا ، وقد عزم الهادي على قتله ، ~~فجاء هرثمة بن أعين إلى الرشيد وأخرجه وأجلسه للخلافة ، فأرسل الرشيد إلى ~~يحيى وأخرجه من الحبس واستوزره ، وقيل لما مات الهادي جاء يحيى بن خالد إلى ~~الرشيد وهو نائم في فراشه ، فقال له : قم يا أمير المؤمنين ، فقال : كم ~~تروعني إعجابا منك بخلافتي فكيف يكون حالي مع الهادي إن بلغه هذا ؟ فأعلمه ~~بموته وأعطاه خاتمه . وأنشئت الكتب بوفاة الهادي وخلافة الرشيد . قال : ~~ولما مات الهادي هجم خزيمة بن خازم على جعفر بن الهادي ، وأخذه من فراشه ~~وقال له : لتخلعنها أو لأضربن عنقك ، فأجاب إلى الخلع ، وركب خزيمة من الغد ~~وأظهر جعفرا للناس ، فأشهدهم بالخلع وأحل الناس من بيعته ، فحظى بها خزيمة ~~عند الرشيد . وفيها أفرد الرشيد الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين ، وجعلها ~~حيزا واحدا وسميت العواصم ، وأمر بعمارة طرسوس على يد فرج الخادم التركي ~~ونزلها الناس ، وحج بالناس الرشيد وقسم بالحرمين عطاء كثيرا . ودخلت سنة ~~إحدى وسبعين ومائة . في هذه السنة خرج الصحصح الخارجي بالجزيرة وهزم عسكرها ~~، وسار إلى الموصل فقاتله عسكرها ، فقتل منهم خلقا كثيرا ورجع إلى الجزيرة ~~، فغلب على ديار ربيعة ، وعزل الرشيد أبا هريرة عن الجزيرة وأحضره إلى ~~بغداد وقتله . وحج بالناس في هذه السنة عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن ~~عباس . PageV22P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" ودخلت سنة اثنين وسبعين ومائة . كان في هذه ~~السنة من ms5008 الحوادث ببلاد الأندلس ما نذكره في أخبار بني أمية - ملوك الأندلس ~~، وحج بالناس يعقوب بن المنصور . ودخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة . في هذه ~~السنة توفي محمد بن سليمان بن علي بالبصرة ، فأرسل الرشيد من قبض تركته ، ~~فحمل منها ما يصلح للخلافة فكان جملة ما أخذ منها ستين ألف ألف . وفيها ~~ماتت الخيزران أم الرشيد ، فحمل الرشيد جنازتها ودفنها في مقابر قريش ، ~~ولما فرغ من جنازتها أخذ الخاتم من جعفر بن يحيى بن خالد وأعطاه للفضل بن ~~الربيع . وحج الرشيد في هذه السنة بالناس وأحرم من بغداد . ودخلت سنة أربع ~~وسبعين ومائة . في هذه السنة حج الرشيد فقسم أموالا كثيرة في الناس . وفيها ~~استقضى الرشيد يوسف بن أبي يوسف في حياة أبيه . ودخلت سنة خمس وسبعين ومائة ~~. في هذه السنة عقد الرشيد لابنه محمد بن زبيدة بولاية العهد . ولقبه ~~الأمين وعمره خمس سنين . وحج الرشيد في هذه السنة بالناس . ودخلت سنة ست ~~وسبعين ومائة . ذكر ظهور يحيى بن عبد الله في هذه السنة ظهر يحيى بن عبد ~~الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالديلم ، واشتدت شوكته وكثرت ~~جموعه وأتاه الناس من الأمصار ، فأهم الرشيد أمره فندب الفضل بن يحيى في ~~خمسين ألفا ، وولاه جرجان وطبرستان والري وغيرها وحمل معه الأموال . فكتب ~~إلى يحيى بن عبد الله ولاطفه وبسط أمله وحذره . ونزل الفضل بالطالقان ووالى ~~كتبه إلى يحيى ، وكاتب صاحب الديلم وبذل له ألف ألف درهم على أن يسهل له ~~خروج يحيى ، فأجاب يحيى إلى الصلح على أن يكتب الرشيد أمانه بخطه ، ويشهد ~~عليه فيه القضاة والفقهاء وجلة بني هاشم ومشايخهم . فأجاب الرشيد إلى ذلك ~~وبعث له بالأمان وبعث بهدايا وتحف ، فقدم يحيى مع الفضل إلى بغداد ، فلقيه ~~الرشيد بكل ما أحب وأمر له بمال كثير . ثم حبسه الرشيد فمات في الحبس . ~~PageV22P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" ذكرالفتنة بدمشق في هذه السنة هاجت الفتنة ~~بدمشق بين المضرية واليمانية ، وكان رأس المضرية أبو الهيذام عامر بن عمارة ~~بن خريم الناعم ، وكان ms5009 سبب الفتنة أن غلاما للرشيد بسجستان قتل أخا لأبي ~~الهيذام ، فخرج أخوه بالشام غضبا له ، وجمع جمعا عظيما ورثاه فقال : سأبكيك ~~بالبيض الرقاق وبالقنا . . . فإن بها ما يدرك الطالب الوترا ولسنا كمن ينعى ~~أخاه بعبرة . . . يعصرها من ماء مقلته عصرا وإنا أناس ما تفيض دموعنا . . . ~~على هالك منا وإن قصم الظهرا ولكنني أشفي الفؤاد بغارة . . . ألهب في قطرى ~~كتائبها جمرا ثم إن الرشيد احتال عليه بأخ له . وكتب إليه وأرغبه فشد عليه ~~وكتفه . وأتى به الرشيد فمن عليه وأطلقه . وقيل في هياج هذه الفتنة غير هذا ~~والله أعلم . وفيها خرج الفضل الخارجي بنواحي نصيبين . وأخذ من أهلها مالا ~~. وسار إلى دارا وآمد وأرزن فأخذ منهم مالا . وفعل كذلك بخلاط ثم عاد إلى ~~نصيبين . وأتى الموصل فخرج إليه عسكرها فهزمهم على الزاب . ثم عادوا لقتاله ~~فقتل الفضل وأصحابه . ودخلت سنة سبع وسبعين ومائة . ذكر الفتنة بالموصل في ~~هذه السنة خالف العطاف بن سفيان الأزدي على الرشيد . وكان من فرستم أهل ~~الموصل . واجتمع عليه أربعة آلاف رجل وجبى الخراج . وكان عامل الرشيد على ~~الموصل محمد بن العباس الهاشمي . وقيل عبد الملك بن صالح . والعطاف غالب ~~على الأمر كله وهو يجبي الخراج . وأقام على ذلك سنتين ، حتى خرج الرشيد إلى ~~الموصل فهدم سورها بسببه . PageV22P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" وفيها عزل الرشيد حمزة بن مالك عن خراسان . ~~واستعمل عليها الفضل بن يحيى بن خالد - مضافا إلى ما كان بيده من الأعمال ~~وهو الري وسجستان وغيرهما . وحج بالناس في هذه السنة الرشيد . ودخلت سنة ~~ثمان وسبعين ومائة . ذكر الفتنة بمصر في هذه السنة وثبت الحوفية بمصر ~~بعاملهم إسحاق بن سليمان ، وقاتلوه فأمده الرشيد بهرثمة بن أعين - وكان ~~عامل فلسطين . فقاتلوا الحوفية - وهم قيس وقضاعة - فأذعنوا بالطاعة وأدوا ~~ما عليهم للسلطان . فعزل الرشيد إسحاق واستعمل عليها هرثمة . ثم عزله ~~واستعمل عليها عبد الملك بن صالح . ذكر خروج الوليد بن طريف في هذه السنة ~~خرج الوليد بن طريف التغلبي الخارجي بالجزيرة . ففتك بإبراهيم بن خازم بن ~~خزيمة بنصيبين ms5010 . ثم قويت شوكة الوليد . فرحل إلى أرمينية وحصر خلاط عشرين ~~يوما . ففدوا أنفسهم منه بثلاثين ألفا . ثم سار إلى أذربيحان ثم إلى حلوان ~~وأرض السواد . ثم عبر إلى غربي دجلة وقصد مدينة بلد - فافتدوا منه بمائة ~~ألف . وعاث في أرض الجزيرة . فسير إليه الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة - وهو ~~ابن أخي معن بن زائدة الشيباني . فقال الوليد : ستعلم يا يزيد إذا التقينا ~~. . . بشط الزاب أي فتى يكون ثم التقوا واقتتلوا قتالا شديدا فقتل الوليد . ~~فقال بعض الشعراء : وائل بعضهم يقتل بعضا . . . لا يفل الحديد إلا الحديد ~~قال : ولما قتل الوليد صحبتهم أخته ليلى بنت طريف مستعدة عليها الدرع . ~~فجعلت تحمل على الناس فعرفت . فقال يزيد : دعوها . وخرج إليها فضرب قطاة ~~فرسها بالرمح . ثم قال : اغربي غرب الله عليك فقد فضحت PageV22P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" العشيرة . فاستحيت وانصرفت . ورثته أخته ليلى ~~بقصيدتها المشهورة التي تقول فيها : فيا شجر الخابور مالك مورقا . . . كأنك ~~لم تجزع على ابن طريف فتى لا يريد الزاد إلا من التقى . . . ولا المال إلا ~~من قنا وسيوف وفيها فوض الرشيد أمر دولته كلها إلى خالد بن يحيى البرمكي . ~~وحج بالناس في هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي . ودخلت سنة تسع ~~وسبعين ومائة . في هذه السنة اعتمر الرشيد في شهر رمضان شكرا لله تعالى على ~~قتل الوليد بن طريف ، وعاد إلى المدينة فأقام بها إلى وقت الحج . وحج ~~بالناس ومشى من مكة إلى عرفات . وشهد المشاعر كلها ماشيا . ورجع على طريق ~~البصرة . وفيها مات الإمام مالك بن أنس الأصبحي رضي الله عنه ورحمه ، وكانت ~~وفاته بالمدينة وله تسعون سنة . ودخلت سنة ثمانين ومائة . ذكر ولاية علي بن ~~عيسى خراسان - وخبر حمزة الخارجي في هذه السنة عزل الرشيد منصور بن يزيد عن ~~خراسان . واستعمل عليها جعفر بن يحيى ثم عزله بعد عشرين يوما . واستعمل ~~عليها علي بن عيسى بن ماهان فوليها عشر سنين . وفي ولايته خرج حمزة بن أترك ~~الخارجي ، فجاء إلى بوشنج فخرج إليه عمرويه بن ms5011 يزيد الأزدي . وكان على هراة ~~في ستة آلاف ، فقاتله فهزمه حمزة وقتل من أصحابه جماعة ، ومات عمرويه في ~~الزحام ، فوجه إليه علي بن عيسى ابنه الحسين في عشرة آلاف ، فلم يحارب حمزة ~~فعزله وسير ابنه عيسى بن علي ، فقاتل حمزة مرة بعد أخرى ، وكان حمزة ~~بنيسابور فانهزم حمزة وقتل أصحابه وبقي في أربعين رجلا ، فقصد قهستان فأرسل ~~عيسى إلى القرى التي كان أهلها يعينون الخوارج ، فأحرقها وقتل الخوارج حتى ~~انتهى إلى زرنج ، فقتل ثلاثين ألفا ورجع ، PageV22P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" وخلف بزرنج عبد الله بن العباس . فجبى الأموال ~~وسار بها فلقيه حمزة وقاتله ، فصبر عبد الله وانهزم حمزة ، وقتل كثير من ~~أصحابه واختفى هو ومن سلم من أصحابه في الكروم . ثم سار في القرى يقتل ولا ~~يبقي على أحد ، وكان علي بن عيسى قد استعمل طاهر بن الحسين على بوشنج ، ~~فسار إليه حمزة واتنهى إلى مكتب فيه ثلاثون غلاما فقتلهم وقتل معلمهم . ~~وبلغ طاهر الخبر فأتى قرية فيها قعد الخوارج . وهم الذين لا يقاتلون ولا ~~ديوان لهم . فقتلهم طاهر وأخذ أموالهم . فكتب العقد إلى حمزة بالكف فكف ، ~~ووادعهم وأمن الناس مدة . وكانت بينه وبين أصحاب علي بن عيسى حروب كثيرة . ~~وحج بالناس في هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي . ودخلت سنة ~~إحدى وثمانين ومائة . في هذه السنة غزا الرشيد أرض الروم فافتتح حصن ~~الصفصاف . وغزا عبد الملك بن صالح الروم فبلغ أنقرة . وافتتح مطمورة . ~~وفيها أحدث الرشيد في صدور الكتب الصلاة على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~وحج بالناس الرشيد . ودخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة . في هذه السنة بايع ~~الرشيد لابنه عبد الله المأمون بولاية العهد بعد الأمين ، وولاه خراسان وما ~~يتصل بها إلى همذان ولقبه المأمون ، وسلمه إلى جعفر بن يحيى . وفيها غزا ~~الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ دفسوس مدينة أصحاب الكهف . ~~وحج بالناس هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى . ودخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة ~~. في هذه السنة خرج الخزر ms5012 من باب الأبواب ، فأوقعوا بالمسلمين وأهل الذمة ~~وسبوا أكثر من مائة ألف . وانتهكوا أمرا عظيما لم يسمع مثله ، وكان سبب ذلك ~~أن ابنة خاقان ملك الخزر ، كانت حملت في سنة اثنتين وثمانين ومائة إلى ~~الفضل بن يحيى ، فلما بلغت برذعة ماتت ، فرجع من معها إلى أبيها وأخبروه ~~أنها قتلت غيلة PageV22P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" فجهز العساكر إلى بلاد الإسلام ففعلوا ذلك ، ~~وقيل في سبب خروجهم أن سعيد بن سلم قتل المنجم السلمي ، فدخل ابنه الخزر ~~واستجاشهم على سعيد ، فخرجوا ودخلوا أرمينية من الثلمة فانهزم سعيد ، ~~وأقاموا نحو سبعين يوما فوجه الرشيد خزيمة بن خازم ويزيد بن مزيد ، فأصحلوا ~~ما أفسد سعيد ، وأخرجوا الخزر وسدوا الثلمة . وفيها خرج بنسا من خراسان أبو ~~الخصيب وهيب بن عبد الله النسائي ، فاستقدم الرشيد علي بن عيسى ثم رده من ~~قبل المأمون ، وأمره بحرب أبي الخصيب . وفيها توفي موسى بن جعفر بن محمد بن ~~علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ببغداد في حبس الرشيد ، وكان سبب حبسه أن ~~الرشيد اعتمر في شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومائة ، فلما عاد إلى مدينة دخل ~~إلى قبر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ومعه الناس ، فلما انتهى إلى القبر ~~الشريف وقف ، فقال : السلام عليك يا رسول الله يا ابن عم ، قال ذلك افتخارا ~~على من حوله ، فدنا موسى بن جعفر فقال : السلام عليك يا أبت . فتغير وجه ~~الرشيد وقال : هذا الفخر يا أبا الحسن جدا ، ثم أخذه معه إلى العراق فحبسه ~~عند السندي بن شاهك حتى مات . وكان رجلا صالحا خيرا دينا يقوم الليل كله ، ~~وهو الملقب بالكاظم - لقب بذلك لإحسانه لمن أساء إليه . وحج بالناس في هذه ~~السنة العباس بن الهادي . ودخلت سنة أربع وثمانين ومائة . في هذه السنة طلب ~~أبو الخصيب النسائي الأمان ، فأمنه علي بن عيسى بن ماهان . وحج بالناس ~~إبراهيم بن محمد بن عبد الله . ودخلت سنة خمس وثمانين ومائة . في هذه السنة ~~قتل أهل طبرستان واليها مهرويه الرازي ، فولى الرشيد عبد الله بن ms5013 سعيد ~~الحرشي . وفيها عاث حمزة الخارجي بباذغيس فقتل عيسى بن علي من أصحابه عشرة ~~آلاف . وفيها غدر أبو الخصيب النسائي ثانيا . وغلب على أبيورد وطوس ~~PageV22P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" ونيسابور وحصر مرو . ثم انهزم عنها وعاد إلى ~~سرخس وقوى أمره . وحج بالناس في هذه السنة منصور بن محمد بن عبد الله بن ~~علي . ودخلت سنة ست وثمانين ومائة . ذكر حج هارون الرشيد وأمر كتاب العهد ~~في هذه السنة حج الرشيد من الأنبار ، فبدأ بالمدينة فأعطى فيها ثلاثة أعطية ~~، أعطى هو عطاء ومحمد الأمين عطاء وعبد الله المأمون عطاء ، وسار إلى مكة ~~فأعطى أهلها فبلغ ألف دينار وخمسين دينارا ، وكان الرشيد قد ولى الأمين ~~العراق والشام وإلى آخر المغرب ، وضم إلى المأمون من همذان إلى آخر المشرق ~~، ثم بايع لابنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون ولقبه المؤتمن ، وضم إليه ~~الجزيرة والثغور والعواصم ، وكان في حجر عبد الله بن صالح ، وجعل خلعه ~~وإثباته إلى المأمون ، فلما وصل الرشيد إلى مكة ومعه أولاده والقضاة ~~والفقهاء والقواد كتب كتابا ، أشهد فيه على محمد الأمين ، وأشهد من حضر ~~بالوفاء للمأمون ، وكتب كتابا للمأمون أشهد فيه عليه بالوفاء للأمين ، وعلق ~~الكتابين في الكعبة ، وجدد العهود عليهما في الكعبة ، فقال الناس : قد ألقى ~~بينهم شرا وحربا ، وخافوا عاقبة ذلك وكان ما خافوه . وفيها سار عيسى بن ~~ماهان من مرو إلى نسا لحرب أبي الخصيب ، فحاربه وقتله وسبى نساءه وذراريه ~~واستقامت خراسان . ودخلت سنة سبع وثمانين ومائة . ذكر إيقاع الرشيد ~~بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى بن خالد في هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة ~~ونكبهم النكبة المشهورة ، وقد اختلف في سبب ذلك ، فقيل إن الرشيد كان لا ~~يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدي ، وكان يحضرهما إذا جلس للشرب ، ~~فقال لجعفر أزوجكها ليحل لك النظر إليها ولا تقربها ، فأجابه إلى ذلك ، ~~فبقيا على ذلك ما شاء الله ، فمالت العباسة إلى جعفر ، PageV22P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" وراودته فأبى وخاف على نفسه ، فلما أعيتها ~~الحيلة في أمره علمت أن النساء أقرب إلى ms5014 الخديعة ، فبعثت إلى عتابة - وهي ~~أم جعفر ، وكانت عتابة ترسل إلى ابنها جعفر في كل ليلة جمعة جارية بكرا ، ~~فقالت العباسة لها : أرسليني إلى ابنك كأني جارية من جواريك ، اللواتي ~~ترسلين إليه فأبت أم جعفر ، فقالت لها العباسة : إن لم تفعلي قلت للرشيد ~~كلمتني في كيت وكيت ، وإن فعلت ذلك واشتملت منه على ولد زاد في شرف ابنك ، ~~وما عسى أن يفعل أخي لو علم ، فمالت أم جعفر إلى ذلك ، ووعدت ابنها أنها ~~ترسل إليه جارية من صفتها وحسنها . فطالبها بها مرة بعد أخرى وهي تمطله ، ~~حتى اشتاق إليها فأرسلتها إليه . فأدخلت عليه - وكان لا يثبت صورتها ، لأنه ~~كان إذا جلس عند الرشيد لا يرفع طرفه إليها ، فلما دخلت عليه كان قد شرب ~~نبيذا ، فاجتمع بها وقضى وطره ، فقالت له : كيف رأيت خديعة بنات الملوك ؟ ~~وأية ابنة ملك أنت قالت : أنا مولاتك العباسة . فتألم لذلك وقال لأمه : ~~بعتني والله رخيصا ، فاشتملت العباسة من ليلتها على حمل ، فلما ولدته وكلت ~~به غلاما يقال له رياش وحاضنة اسمها برة ، وبعثت بهم إلى مكة ، وكان يحيى ~~بن خالد ينظر على قصر الرشيد وحرمه وخدمه ، ويغلق باب القصر بالليل وينصرف ~~بالمفاتيح معه ، فضيق على حرم الرشيد ، فشكت زبيدة أم الأمين مرة إلى ~~الرشيد ، فقال له : يا أبت - وكان يدعوه بذلك - ما بال أم جعفر تشكوك ؟ ~~فقال : يا أمير المؤمنين - أمتهم أنا في حرمك وخدمك ؟ قال : لا ، قال : فلا ~~تقبل قولها ، وزاد يحيى في الحجر والتضييق ، فدخلت زبيدة على الرشيد وقالت ~~: ما يحمل يحيى على ما يفعل من منعه خدمي ووضعي في غير موضعه ؟ فقال : إنه ~~عندي غير متهم في حرمي ، فقالت : لو كان كذلك لحفظ ابنه مما ارتكبه قال : ~~وما ذلك ؟ فأخبرته بخبر العباسة ، فقال : وهل على هذا من دليل ؟ قالت : وأي ~~شيء أدل من الولد ، قال : وأين هو ؟ قالت : كان ها هنا فلما خافت ظهوره ~~وجهت به إلى مكة ، قال : ويعلم بهذا سواك قالت ما في قصرك جارية إلا وقد ~~عرفت ما أخبرتك ms5015 به ، فسكت عنها وأظهر أنه يريد الحج ، وأخذ معه جعفرا ، ~~فكتبت العباسة إلى الخادم والداية أن يخرجا بالصبي إلى نحو اليمن ، فلما ~~وصل الرشيد إلى مكة وكل من يثق به بالبحث عن ذلك ، فلم يزل حت تحقق الأمر ، ~~فأضمر السوء للبرامكة . وقيل إن سبب نكبة البرامكة أن يقطين بن موسى كان من ~~أكابر الشيعة ، وممن كان مع إبراهيم الإمام ، فقال يوما للرشيد : حدثني ~~مولاي إبراهيم الإمام أن الخامس من خلفاء بني العباس يغدر به كتابه ، فإن ~~لم يقتلهم قتلوه ، فقال له الرشيد : الله - يحدثك الإمام بهذا قال : نعم . ~~PageV22P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" وقيل كان سبب ذلك أن الرشيد دفع يحيى بن عبد ~~الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب إلى جعفر بن يحيى فحبسه ، ثم ~~استدعاه وسأله عن بعض أمره ، فقال له : اتق الله في أمري ، ولا تتعرض غدا ~~أن يكون خصمك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فوالله ما أحدثت حدثا ولا ~~آويت محدثا ، فرق له وقال : اذهب حيث شئت من بلاد الله . فقال : كيف أذهب ~~ولا آمن أن أؤخذ ؟ فوجه معه من أوصله إلى مأمنه ، وبلغ الخبر الفضل بن ~~الربيع فرفعه إلى الرشيد ، فقال : ما أنت وهذا - فلعله عن أمري ثم أحضر ~~جعفرا وسأله عن يحيى ، فقال هو بحاله في الحبس ، فقال بحياتي ففطن جعفر ~~وقال : لا وحياتك ، وقص عليه أمره ، وقال : علمت أنه لا مكروه عنده ، فقال ~~: نعم ما فعلت ، ما عدوت ما في نفسي ، فلما قام عنه قال : قتلني الله إن لم ~~أقتلك . وقيل إن الرشيد لما دفعه لجعفر بقي عنده ما شاء الله ، وكان جعفر ~~يرى سرور الرشيد بموت من يموت في حبسه من هؤلاء ، فشرب جعفر عنده يوما فقال ~~: يا أمير المؤمنين إن يحيى قد مات ، فسر بذلك وقال : الحمد الله الذي ~~كفاني أمره ولم يؤثمني فيه . وانصرف جعفر فأخبر أباه يحيى بن خالد بما كان ~~. فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، إن تركناه تلفنا ، وإن قتلناه فالنار ~~لنا ، ثم كتب يحيى ms5016 إلى عيسى بن ماهان وإلى خراسان يعرفه ما جرى ، وفزع إليه ~~أن يكون عنده موسعا عليه ، إلى أن يقضي الله فيه قضاءه ، ولم يكن يحيى يعلم ~~ما كان بين علي بن عيسى وبين الفضل وجعفر من العداوة ، فلما وصل الكتاب إلى ~~علي ووصل إليه يحيى قال : هذا من حيل الفضل وجعفر علي ، فأجاب يحيى بأنه ~~فعل ما أراد ، وأنفذ كتاب يحيى إلى الرشيد ، فكتب إليه الرشيد يعرفه بحسن ~~موقع ذلك عنده ، وأمره بإنفاذ يحيى بن عبد الله إليه سرا ، فلما وصل إليه ~~أوقع بالبرامكة . هذا مما قيل في سبب نكبة البرامكة أما كيفية الإيقاع بهم ~~وقتل جعفر فقيل ، إن الرشيد لما قضى حجه أرسل السندي بن شاهك ، وهو أحد ~~قواده ، وأمره أن يمضي إلى مدينة السلام والتوكل بالبرامكة وبدور كتابهم ~~وأقاربهم ، وأن يجعل ذلك سرا بحيث لا يعلم به أحد حتى وصل إلى بغداد ، ففعل ~~السندي ذلك ، وكان الرشيد قد نزل بالأنبار بموضع يقال له العمر ومعه جعفر ، ~~فمضى جعفر إلى موضعه في سلخ المحرم ، ودعا بأبي زكار الأعمى الطنبوري ، ~~ومدت الستارة وجلس جواريه خلفها يضربن ويغنين ، وأبو زكار يغنيه : ما يريد ~~الناس منا . . . ما ينام الناس عنا إنما همهم أن . . . يكشفوا ما قد دفنا ~~PageV22P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" قال : واستدعى الرشيد من ساعته بياسر ، غلام ~~من غلمانه ، وقيل بمسرور الخادم ، فأرسله في جماعة من الجند إلى جعفر ، ~~ليضرب عنقه وليأتيه برأسه ، فمضى حتى دخل على جعفر وعنده بختيشوع الطبيب ، ~~وأبو زكار يغنيه : فلا تبعد فكل فتى سيأتي . . . عليه الموت يطرق أو يغادي ~~وكل ذخيرة لا بد يوما . . . وأن بقيت تصير إلى نفاد فقال له جعفر : قد ~~سررتني بإقبالك إلي ، وسؤتني بدخولك علي بغير إذن ، فقال : الأمر أكبر من ~~ذلك ، إن أمير المؤمنين أمرني بكذا وكذا ، فأقبل جعفر يقبل يديه ورجليه ، ~~ويقول : دعني أدخل وأوصي ، فقال : لا سبيل إلى ذلك ، ولكن أوص بما شئت ، ~~فأوصى بما أراد وأعتق مماليكه ، ثم قال : إن لي عندك حقا ولن تجد مكافأتي ~~إلا في هذه ms5017 الساعة ، فارجع إلى أمير المؤمنين فأعلمه أنك قد نفذت كما أمرك ~~به ، فإن أصبح نادما كانت حياتي على يديك ، وكانت لك عندي نعمة ، وإن أصبح ~~على مثل مذهبه نفذ ما أمرك به ، قال : ولا هذا ، قال : فأسير معك إلى مضرب ~~أمير المؤمنين بحيث أسمع كلامه ومراجعتك إياه ، فإذا أبليت عذرا ولم يرض ~~إلا بمصيرك إليه برأسي فعلت ، قال : أما هذا فنعم ، فسارا جميعا إلى مضرب ~~الرشيد ، فلما أتاه الخادم وجده في فراشه ، فلما أحس به قال : إيتني برأسه ~~، فعاد إلى جعفر وأخبره ، فقال الله الله ، والله ما أمرك إلا وهو سكران ، ~~فدافع حتى أصبح أو راجعه ثانية ، فعاد ليراجعه فقال له : يا ماص بظر أمه ، ~~إيتني برأسه ، فرجع إلى جعفر وأخبره ، فقال ومرة أخرى ، فلما رجع إليه حذفه ~~بعمود كان في يده ، وقال : نفيت عن المهدي لئن لم تأتني برأسه لأقتلنك ، ~~فخرج إلى جعفر وضرب عنقه وأتاه برأسه ، قال : من نقل أن الرسول إلى جعفر ~~ياسر ، إنه لما وضع الرأس بين يدي الرشيد أقبل عليه مليا ، ثم قال : يا ~~ياسر جئني بفلان وفلان ، فلما أتاه بهما قال لهما الرشيد : اضربا عنق ياسر ~~، فإني لا أقدر أن أرى قاتل جعفر . وقيل : إنه وجد على قصر علي بن عيسى بن ~~ماهان بخراسان في صبيحة الليلة التي قتل فيها جعفر كتابة بقلم جليل : إن ~~المساكين بني برمك . . . صبت عليهم غير الدهر إن لنا في أمرهم عبرة . . . ~~فليعتبر ساكن ذا القصر PageV22P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" قال : وكان جعفر من أهل الفصاحة البارعة ~~والفطنة التي لا تحد ، إلا أنه كان فيه بخل بالنسبة إلى أبيه وأخيه ، قال : ~~ولما قتل جعفر أمر الرشيد بتوجيه من احتاط بيحيى وولده الفضل وجميع أسبابهم ~~، وحبس الفضل في بعض منازل الرشيد ، وحبس يحيى في منزله ، وأخذ مالهم وما ~~وجد لهم من ضياع ومتاع وغير ذلك ، وأرسل من ليلته إلى سائر البلاد بالقبض ~~على وكلائهم وأسبابهم وجميع أموالهم ، وأصبح فأرسل جثة جعفر إلى بغداد وأمر ~~بنصب رأسه وأن يقطع بدنه قطعتين ، ينصب ms5018 كل قطعة على جسر ، ولم يعرض الرشيد ~~لمحمد بن خالد بن برمك وولده ، لأنه علم براءته مما دخل فيه أهله ، وقيل ~~كان يسعى بهم ، ثم حبس الرشيد يحيى بن خالد وبنيه الفضل ومحمد ، ولم يفرق ~~بينهم وبين عدة من خدمهم ، ولا ما يحتاجون إليه من جارية وغيرها ، ولم تزل ~~حالهم سهلة حتى قبض الرشيد على عبد الملك بن صالح ، فعمهم سخطه فضيق عليهم ~~. وكان مقتل جعفر في ليلة السبت مستهل صفر سنة سبع وثمانين ومائة ، وكان ~~عمره سبعا وثلاثين سنة ، وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة ، ولما نكبوا ~~قال الرقاشي : وقيل إن الشعر لأبي نواس : ألآن استرحنا واستراحت مطينا . . ~~. وأمسك من يحدي ومن كان يحتدى فقل للمطايا قد أمنت من السرى . . . وطي ~~الفيافي فدفدا بعد فدفد وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر . . . ولم تظفري من بعده ~~بمسود وقل للعطايا بعد فضل تعطلي . . . وقل للرزايا كل يوم تجددي ودونك ~~سيفا برمكيا مهندا . . . أصيب بسيف هاشمي مهند وروى أبو الفرج الأصبهاني أن ~~الرقاشي اجتاز بجعفر وهو مصلوب ، فوقف يبكي أحر بكاء ، ثم أنشأ يقول : أما ~~والله لولا خوف واش . . . وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا . ~~. . كما للناس بالحجر استلام فما أبصرت قبلك يا ابن يحيى . . . حساما فله ~~السيف الحسام على اللذات والدنيا جميعا . . . ودولة آل برمك السلام ~~PageV22P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" فكتب أصحاب الأخبار بذلك إلى الرشيد ، فأمر ~~بإحضاره فأحضر ، وقال : ما حملك على ما قلت ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، ~~كان إلي محسنا ، فلما رأيته على الحال التي هو عليها حركني إحسانه ، فما ~~ملكت نفسي حتى قلت الذي قلت . قال : فكم كان يجري عليك ؟ قال : ألف دينار ، ~~قال : فإنا قد أضعفناها لك . وقال يحيى بن خالد لما نكبوا : الدنيا دول ، ~~والمال عارية ، ولنا بمن قبلنا أسوة ، وفينا لمن بعدنا عبرة . ذكر شيء من ~~أخبار جعفر وتمكنه من الرشيد وما آل أمرهم إليه قيل : كان جعفر قد بلغ من ~~الرشيد ما لم يبلغه وزير من خليفة قبله ، كان يجلس معه في حلة واحدة ms5019 قد ~~اتخذ لها جيبان ، وبلغ عنده أن يحكم عليه فيما شاء من أمر ماله وولده ، فمن ~~ذلك ما حكاه إبراهيم بن المهدي أخو الرشيد قال : قال لي جعفر يا إبراهيم ، ~~إذا كان غدا فبكر لي ، فلما كان من الغد مشيت إليه باكرا ، فجلسنا نتحدث ، ~~فلما ارتفع النهار أحضر حجاما فحجمنا ، ثم قدم لنا الطعام فطعمنا ، ثم خلع ~~علينا ثياب المنادمة ، وقال جعفر لحاجبه لا يدخل علينا إلا عبد الملك ~~القهرمان ، فنسي الحاجب فجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي ، وكان رجل بني ~~هاشم فصاحة وملاحة وعلما وحلما وجلالة قدر وفخامة ذكر وصيانة وديانة ، فظن ~~الحاجب أنه الذي أمره بدخوله فأدخله ، فلما رآه جعفر تغير لونه ، فعلم عبد ~~الملك أنهم قد احتشموا ، فأراد أن يرفع خجله وخجلهم بمشاركته لهم ، فقال : ~~اصنعوا بنا ما صنعتموه بأنفسكم ، فجاء الخادم وطرح عليه ثياب المنادمة ، ~~وجلس يشرب فلما بلغ ثلاثا قال : ليخفف عنا ، فإنه شيء ما شربته قط ، فتهلل ~~وجه جعفر ثم قال له : هل من حاجة تبلغها مقدرتي وتحيط بها نعمتي فأقضيها لك ~~، مكافأة لما صنعت ؟ قال : إن أمير المؤمنين علي غاضب فتسأله الرضى عني ، ~~قال : قد رضي عنك أمير المؤمنين ، قال : وعلي أربعة آلاف دينار ، قال : هي ~~حاضرة من مال أمير المؤمنين ، قال : وابني إبراهيم أريد أن أشد ظهره بصهر ~~من أمير المؤمنين ، قال : قد زوجه أمير المؤمنين ابنته عائشة ، قال : وأحب ~~أن تخفق الألوية على رأسه ، قال : قد ولاه أمير المؤمنين مصر ، قال إبراهيم ~~بن المهدي : فانصرف عبد الملك ، وأنا أعجب من إقدام جعفر على قضاء ~~PageV22P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" الحوائج من غير استئذان أمير المؤمنين ، فلما ~~كان من الغد وقفنا على باب أمير المؤمنين ، ودخل جعفر فلم يلبث أن دعى بأبي ~~يوسف القاضي ومحمد بن واسع وإبراهيم بن عبد الملك ، فعقد له النكاح وحملت ~~البدر إلى منزل عبد الملك ، وكتب سجل إبراهيم على مصر ، فأشار إلي فصرت إلى ~~منزله ، فقال لي : قلبك معلق بأمر عبد الملك ، قلت : بلى ، قال : دخلت على ~~أمير المؤمنين ms5020 فمثلت بين يديه ، وابتدأت القصة من أولها إلى آخرها كما كانت ~~، فجعل يقول أحسن والله ، ثم قال : ما صنعت ؟ فأخبرته بما سأل وبما أجبته ، ~~فجعل يقول في ذلك كله أحسنت أحسنت ، وفي هذه الحكاية كفاية عما سواها . ~~ويقال إن علية بنت المهدي قالت للرشيد بعد إيقاعه بالبرامكة : ما رأيت لك ~~يا سيدي يوم سرور تام ، منذ قتلت جعفرا ، فلأي شيء قتلته فقال لها : يا ~~أختاه لو علمت أن قميصي يعلم السبب لحرقته . وأما ما آل أمرهم إليه من ~~الضرورة والفاة والاحتياج والذلة ، فمن ذلك ما حكاه عبد الملك بن عبد الله ~~بن عبدون الحضرمي الإشبيلي في كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدر قال : ~~حدث محمد بن غسان أن صاحب صلاة الكوفة وقاضيها قال : دخلت على أمي في يوم ~~أضحى فرأيت عندها عجوزا في أطمار رثة ، وإذا لها بيان ولسان ، فقلت لأمي من ~~هذه ؟ قالت : خالتك عتابة أم جعفر بن يحيى ، فسلمت عليها فسلمت علي ، فقلت ~~: أضارك الدهر إلى ما أرى ؟ ؟ قالت : نعم - يا بني إنما كنا في عوار ~~ارتجعها الدهر منا ، فقلت : حدثيني ببعض شأنك ، قالت : خذه جملة ، لقد مضى ~~علي أضحى مثل هذا مذ ثلاث سنين وعلى رأسي أربعمائة وصيفة ، وأنا أزعم أن ~~ابني عاق لي ، وقد جئتكم اليوم أطلب جلدي شاة ، أجعل أحدهما شعارا والآخر ~~دثارا ، قال : فغمني ذلك وأبكاني فوهبت لها دنانير كانت عندي . وهذه نهاية ~~الاحتياج والضرورة والفاقة ، فنسأل الله تعالى ألا يسلبنا نعمة أنعم بها ~~علينا ، ويجعل الموت قبل بلائه ومحنه . وكتب يحيى بن خالد إلى الرشيد : ~~لأمير المؤمنين وإمام المسلمين وخلف المهديين وخليفة رب العالمين ، من عبد ~~أسلمته ذنوبه وأوثقته عيوبه ، وخذله شقيقه PageV22P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" ورفضه صديقه ، وزل به الزمان وأناخ عليه ~~الحدثان ، فصار إلى الضيق بعد السعة وعالج البؤس بعد الدعة ، وافترش السخط ~~بعد الرضا ، واكتحل السهر وافتقد الهجوع ، فساعته شهر وليلته دهر ، قد عاين ~~الموت وشارف الفوت ، جزعا . يا أمير المؤمنين ، حجب الله عني فقدك لما أصبت ~~به من بعدك ، لا ms5021 لمصيبتي بالحال والمال فإن ذلك كان بك ولك ، وكانت عارية ~~في يدي منك ، ولا بأس أن تسترد العواري ، فأما المحنة في جعفر فبجرمه أخذته ~~وبجريرته عاقبته ، وما أخاف عليك زلة في أمره ، ولا مجاورة به فوق ما ~~يستحقه ، فاذكر يا أمير المؤمنين خدمتي وارحم ضعفي وشيبتي ووهن قوتي ، وهب ~~لي رضى عني ، فمن مثلي الزلل ومن مثلك الإقالة ، ولست أعتذر ولكني أقر ، ~~وقد رجوت أن يظهر عند الرضى وضوح عذري ، وصدق نيتي ، وظاهر طاعتي ، وفلج ~~حجتي - ما يكفيني به أمير المؤمنين ، ويرى الجلية فيه ، ويبلغ المراد منه ~~إن شاء الله ، وكتب : قل للخليفة ذى الصنا . . . يع والعطايا الفاشية وابن ~~الخلائف من قري . . . ش والملوك الهادية ملك الملوك وخير من . . . ساس ~~الأمور الماضية إن البرامكة الذي . . . ن رموا لديلك بداهيه عمتهم لك سخطة ~~. . . لم تبق منهم باقية فكأنهم مما بهم . . . أعجاز نخل خاوية صفر الوجوه ~~عليهم . . . خلع المذلة بادية مستضعفون مطردو . . . ن بكل أرض قاصية من دون ~~ما يلقون من . . . عتب يشيب الناصية أضحوا وجل مناهم . . . منك الرضا ~~والعافية بعد الوزارة والإما . . . رة والأمور العالية انظر إلى الشيخ ~~الكبي . . . ر فنفسه لك راجية أو ما سمعت مقالتي . . . يا ابن الفروع ~~الزاكية ما زلت أرجو راحة . . . فاليوم خاب رجائيه PageV22P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" واليوم قد سلب الزما . . . ن كرامتي وبهائيه ~~ألقى الزمان جرانه . . . متشفيا بعنائيه ورمى سواد مقاتلي . . . فأصاب حين ~~رمانيه يا من يود لي الردى . . . يكفيك ويحك ما بيه يكفيك أني مستبا . . . ~~ح عشيرتي ونسائيه يكفيك ما أبصرت من . . . ذلي وضيق مكانيه وذهاب مالي كله ~~. . . وفدى الخليفة ماليه إن كان لا يكفيك إل . . . لا أن أذوق حماميه فلقد ~~رأيت الموت من . . . قبل الممات علانيه وفجعت أعظم فجعة . . . وفنيت قبل ~~فنائيه وهويت في قعر السجو . . . ن على رفيع بنائيه انظر بعينك هل ترى . . ~~. إلا قصورا خاليه وذخائر موروثة . . . قسمن قبل مماتيه ومصارعا وفجائعا . ~~. . ومصائبا متواليه ونوادبا يندبنني . . . تحت الدجى بكنائية أأبا علي ~~البرمك . . . ي فما أجيب الداعيه ونداؤهن وقد سمع . . . ت مقلقل أحشائيه ms5022 ~~أخليفة الله الرضا . . . لا تشمتن أعدائيه واذكر مقاساتي الأمو . . . ر ~~وخدمتي وغنائيه ارحم جعلت لك الفدا . . . كربي وشدة حاليه وارحم أخاك الفضل ~~وال . . . باقين من أولاديه أخليفة الرحمن إن . . . نك لو رأيت بناتيه ~~وبكاء فاطمة الصغي . . . رة والمدامع جاريه ومقالها بتوجع . . . يا شقوتي ~~وشقائيه PageV22P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" من لي وقد غضب الإما . . . م على جميع رجاليه ~~وعدمت طيب معيشتي . . . وتغيرت حالاتيه يا نعمة الملك الرضا . . . عودي ~~علينا ثانيه ويروى أن الرشيد لما قرأ الأبيات وقع تحت الشعر يقول : أجرى ~~القضاء عليكم . . . ما جئتموه علانيه من ترك نصح إمامكم . . . عند الأمور ~~الباديه يا آل برمك إنما . . . كنتم ملوكا عاديه فكفرتم وعصيتم . . . ~~وجحدتم نعمائيه فسلبتموها هكذا . . . وكذا ترد العاريه هذه عقوبة من عصا . ~~. . معبوده وعصانيه وكتب تحت الشعر " وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف بما كانوا يصنعون " . قال : ولم يزل يحيى في الحبس حتى مات سنة ~~تسعين ومائة في المحرم منها ، وهو ابن سبعين سنة ، وتوفي الفضل بن يحيى في ~~المحرم سنة ثلاث وتسعين ومائة . نعود إلى بقية حوداث سنة سبع وثمانين ومائة ~~من الهجرة . ذكر القبض على عبد الملك بن صالح في هذه السنة غضب الرشيد على ~~عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله ، وكان سبب ذلك أنه كان له ولد اسمه ~~عبد الرحمن وبه كان يكنى ، فسعى به إلى الرشيد هو وقمامه كاتب أبيه ، وقالا ~~: إنه يطلب الخلافة ويطمع فيها ، فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع ، ولم ~~يزل عبد الملك في الحبس إلى أن مات الرشيد ، فأخرجه الأمين واستعمله على ~~الشام . ذكر غزو الروم في هذه السنة دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم في ~~شعبان ، فصالحه الروم على ثلاثمائة وعشرين أسيرا من المسلمين ، على أن يرحل ~~عنهم فأجاب إلى ذلك ورحل عنهم ، وكان يملك الروم يومئذ امرأة اسمها ريني ، ~~فخلعها الروم وملكوا عليهم PageV22P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" نقفور ، ويزعم الروم أنه من أولاد جفنة ms5023 من ~~غسان ، وكان قبل أن يملك يلي الخراج ، فلما استوثق الروم لنقفور كتب إلى ~~الرشيد من نقفور - ملك الروم - إلى هارون - ملك العرب - أما بعد فإن الملكة ~~التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ ، وأقامت نفسها مقام البيدق ، فحملت إليك ~~من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أضعافها إليها ، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن ، ~~فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل لك من أموالها ، وافتد نفسك بما يقع من ~~المصادرة لك ، وإلا فالسيف بيننا وبينك ، فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه ~~الغضب ، حتى لم يقدر أحد أن ينظر إليه دون أن يخاطبه ، وتفرق جلساؤه ، فدعا ~~بداوة وكتب على ظهر الكتاب : من هارون - أمير المؤمنين - إلى نقفور كلب ~~الروم ، قد قرأ كتابك يابن الكافرة ، والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام ~~. ثم سار من يومه حتى نزل على هرقلة ، ففتح وغنم وأحرق وخرب ، فسأله نقفور ~~المصالحة على خراج يحمله إليه في كل سنة ، فأجابه إلى ذلك ، فلما رجع ~~الرشيد نقض نقفور العهد ، وكان البرد قد اشتد فأمن رجعة الرشيد ، فجاء ~~الخبر بنقضه وقد بلغ الرشيد الرقة ، فأشفق الناس من إعلام الرشيد ، وخافوا ~~عوده لشدة البرد ، فاحتيل عليه بشاعر قيل هو أبو محمد عبد الله بن يوسف ، ~~وقيل هو الحجاج بن يوسف التيمي فقال أبياتا منها : نقض الذي أعطيته نقفور . ~~. . فعليه دائرة البوار تدور أبشر أمير المؤمنين فإنه . . . فتح أتاك به ~~الإله كبير فتح يزيد على الفتوح يؤمنا . . . بالنصر فيه لواؤك المنصور فلما ~~سمع الرشيد ذلك قال : أو فعل ذلك نقفور ورجع إلى بلاد الروم في أشد زمان ، ~~حتى بلغ بلادهم فبلغ ما أراد ، وقيل كان ذلك في سنة تسعين ومائة وفتح هرقلة ~~- على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وفيها زلزت المصيصة فانهدم سورها ، ~~ونضب ماؤها ساعة من الليل . وحج بالناس عبد الله بن العباس بن محمد بن علي ~~. PageV22P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" ودخلت سنة ثمان وثمانين ومائة . في هذه السنة ~~غزا إبراهيم بن جبريل الصائفة ، فدخل أرض الروم من درب الصفصاف فخرج إليه ~~نقفور ms5024 ملك الروم ، فأتاه من ورائه أمر صرفه عنه ، فلقي جمعا من المسلمين ~~فجرح ثلاث جراحات وانهزم ، وقتل من الروم أربعون ألفا وسبعمائة . وحج ~~الرشيد بالناس في هذه السنة . ودخلت سنة تسع وثمانين ومائة . ذكر مسير ~~الرشيد إلى الري في هذه السنة سار الرشيد إلى الري ، وسبب ذلك أن أهل ~~خراسان تظلموا من علي بن عيسى بن ماهان ، وشكوا سوء سيرته فيهم ، وقيل ~~للرشيد إنه قد أجمع على الخلاف ، فسار إلى الري في جمادى الأولى ومعه ابناه ~~المأمون والقاسم المؤتمن ، وأحضر القضاة والشهود وأشهدهم أن جميع ما في ~~عسكره من الأموال والخزائن والسلاح والكراع وغير ذلك للمأمون ، وليس له فيه ~~شيء ، وأقام الرشيد بالري أربعة أشهر ، حتى أتاه علي بن عيسى من خراسان ~~فأهدى إليه الهدايا الكثيرة والأموال العظيمة ، وأهدى لجميع من معه من أهل ~~بيته وولده وكتابه وقواده من الطرف والجواهر وغير ذلك ، فرأى الرشيد خلاف ~~ما كان يظن فرده إلى خراسان ، ورجع الرشيد إلى العراق في آخر هذه السنة . ~~وفيها كان الفداء بين الروم والمسلمين ، فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي ~~به . وحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله . ~~ودخلت سنة تسعين ومائة . ذكر فتح هرقلة في هذه السنة فتح الرشيد هرقلة ~~وخربها ، وكان سبب مسيره إليها ما قدمناه في سنة سبع وثمانين من غدر نقفور ~~، فكان فتحها في شوال وحصرها ثلاثين يوما . قال : ودخل البلاد في مائة ألف ~~وخمس وثلاثين ألفا من المرتزقة ، سوى الأتباع والمتطوعة ومن لا ديوان لهم ، ~~ووجه داود بن عيسى بن موسى في سبعين ألفا ، فسار في أرض PageV22P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" الروم يخرب وينهب ، وفتح شراحيل بن معن بن ~~زائدة حصن وديسه ، وافتتح يزيد بن محلد الصفصاف وملوقية ، واستعمل حميد بن ~~معيوف على ساحل الشام ومصر ، فبلغ قبرس فهدم وأحرق وسبى من أهلها سبعة عشر ~~ألفا ، فلما قدم بهم الرافقة بيعوا بها ، وبلغ فداء أسقف قبرس ألفي دينار ، ~~ثم سار الرشيد إلى طوانة فنزل بها ms5025 ، ثم رحل عنها وخلف عليها عقبة بن جعفر ، ~~وبعث نقفور بالخراج والجزية عن رأسه أربعة دنانير ، وعن رأس ولده دينارين ~~وعن بطارقته كذلك ، وكتب نقفور إلى الرشيد في جارية من سبي هرقلة ، كان ~~خطبها لولده فبعثها إليه . وقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني عند ذكره ترجمة ~~أشجع بن عمرو السلمي ، وما امتدح به الرشيد لما فتح هرقلة ، وسياقه أتم من ~~هذا السياق وأكثر تبيانا ، فأحببنا أن نشرحه ها هنا ليكون خبرها على توال ~~واتساق ، فقال : أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال : ~~كان من خبر غزاة الرشيد هرقلة أن الروم كانت ملكت امرأة ، لأنه لم يكن في ~~زمانها من أهل المملكة غيرها ، وكانت تكتب إلى المهدي والهادي والرشيد - في ~~أول خلافته - بالتعظيم والتبجيل ، وتدر عليه الهدايا حتى بلغ ابنها . فحاز ~~الملك دونها وعاث وأفسد وفاسد الرشيد ، فخافت على ملك الروم أن يذهب وعلى ~~بلادهم أن تعطب ، لعلمها بالرشيد وخوفها من سطوته ، فاحتالت على ابنها ~~فسملت عينيه . فبطل من الملك وعاد الملك إليها ، فاستكبر ذلك أهل المملكة ~~وأبغضوها من أجله ، فخرج عليها نقفور وكان كاتبها ، فأعانوه وعضدوه وقام ~~بأمر المملكة وضبط أمر الروم ، فلما قوي أمره وتمكن من ملكه كتب إلى الرشيد ~~: من نقفور ملك الروم إلى الرشيد ملك العرب ، أما بعد ، فإن هذه المرأة ~~كانت وضعتك وأباك وأخاك موضع الملوك ، ووضعت نفسها موضع السوقة ، وإني ~~PageV22P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" واضعك بغير ذلك الموضع ، وعامل على تطرق ~~بلادك والهجوم على أمصارك ، أو تؤدي إلي ما كانت المرأة تؤديه إليك والسلام ~~. فلما ورد الكتاب على الرشيد كتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد ~~الله هارون - أمير المؤمنين - إلى نقفور - كلب الروم - أما بعد فقد فهمت ~~كتابك ، وجوابك عندي ما تراه عيانا لا ما تسمعه . ثم شخص من شهره ذلك يؤم ~~بلاد الروم ، في جمع لم يسمع بمثله ، فلما بلغ نقفور ذلك ضاقت عليه الأرض ~~بما رحبت ، وشاور في أمره ، وجد الرشيد فجعل يوغل في بلاد الروم ، فيقتل ~~ويسبي ويغنم ms5026 ويعفي الآثار ويخرب الحصون ، حتى صار إلى طرق متضايقة دون ~~قسطنطينية ، فلما بلغها وجدها وقد أمر نقفور بالشجر فقطع ورمى به في تلك ~~الطرق وأشعلت فيه النيران ، فكان الرشيد أول من لبس ثياب النفاطين فخاضها ، ~~ثم اتبعه الناس فبعث إليه نقفور بالهدايا ، وخضع له أشد الخضوع وأدى له ~~الجزية ، عن رأسه فضلا عن أصحابه ، فرجع هارون - لما أطاعه ما أعطاه - إلى ~~الرقة . فلما رجع وأمن نقفور أن يغزى اغتر بالمهلة ، ونقض ما كان بينه وبين ~~الرشيد ورجع إلى حالته الأولى ، فلم يجتريء يحيى بن خالد فضلا عن غيره على ~~إخبار الرشيد بغدر نقفور ، وبذل هو وبنوه أموالا للشعراء على أن يقولوا ~~أشعارا في إعلام الرشيد بذلك ، فكلهم أشفق إلا شاعر من أهل جدة يكنى أبا ~~محمد ، وكان مجيدا قوي الشعر ، فإنه أخذ من يحيى وبنيه مائة ألف درهم ، ~~ودخل إلى الرشيد فأنشده : نقض الذي أعطيته نقفور . . . فعليه دائرة البوار ~~تدور أبشر أمير المؤمنين فإنه . . . فتح أتاك به الإله كبير فتح يزيد على ~~الفتوح يؤمنا . . . بالنصر فيه لواؤك المنصور فلقد تباشرت الرعية أن أتى . ~~. . بالنقض منه وافد وبشير درجت يمينك أن تعجل غزوة . . . تشفي النفوس ~~نكالها مذكور أعطاك جزيته وطأطأ خده . . . حذر الصوارم والردى محذور فأجرته ~~من وقعها وكأنها . . . بأكفنا شعل الظلام تطير PageV22P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" وصرفت من طول العساكر قافلا . . . عنه وجارك ~~آمن مسرور نقفور إنك حين تغدر إن نأى . . . عنك الإمام لجاهل مغرور ألقاك ~~حينك في زواخر بحره . . . فطمت عليك من الإمام بحور إن الإمام على اقتسارك ~~قادر . . . قربت ديارك أم نأت بك دور ليس الإمام وإن غفلنا غافلا . . . عما ~~يسوس بحزمه ويدير ملك تجرد للجهاد بنفسه . . . فعدوه أبدا به مقهور يا من ~~يريد رضى الإله بسعيه . . . والله لا يخفى عليه ضمير لا نصح ينفع من يغش ~~إمامه . . . والنصح من نصحائه مشكور نصح الإمام على الأنام فريضة . . . ~~ولأهله كفارة وظهور قال : فلما أنشده قال الرشيد : أو قد فعل وعلم أن ~~الوزراء قد احتالوا في ذلك ، قال : فسار الرشيد قاصدا ms5027 إليه ، وجعل قبل ~~وصوله إلى هرقلة يفتتح الحصون والمدن ويحرقها ، حتى أناخ على هرقلة وهي على ~~أوثق حصن وأعزه جانبا وأمنعه ركنا ، فتحصن أهلها ، وكان بابها على واد ولها ~~خندق يطيف بها ، قال : فحدثني شيخ من مشايخ المطوعة وملازمي الثغور ، يقال ~~له علي بن عبد الله قال حدثني جماعة من أهل الثغر : أن الرشيد لما حصر أهل ~~هرقلة وألح عليهم بالمجانيق والسهام والعرادات فتح الباب ذات يوم ، فاستشرف ~~المسلمون لذلك ، فإذا رجل من أهلها كأكمل الرجال ، قد خرج في أكمل السلاح ~~فنادى : قد طال مواقفتكم إيانا فليبرز إلي منكم رجلان ، ثم لم يزل حتى بلغ ~~عشرين ، فلم يجبه أحد ، فدخل وأغلق الباب ، وكان الرشيد نائما فلم يعلم ~~بخبره إلا بعد انصرافه ، فغضب ولام خدمه وغلمانه على تركهم إنباهه ، وتأسف ~~لفوته ، فقيل له إن الامتناع منه سيغريه ويطغيه ، وأحرى به أن يخرج في غد ~~فيطلب مثل ما طلب ، فطالت على الرشيد ليلته وأصبح كالمنتظر له ، فإذا ~~بالباب قد فتح وخرج الرجل طالبا للبراز ، وذلك في يوم شديد الحر ، فجعل ~~يدعو أنه يثبت لعشرين منهم ، فقال الرشيد : من له ؟ فابتدره جلة القواد ~~كهرثمة ويزيد بن مزيد وعبد الله بن مالك وخزيمة بن خازم وأخيه عبد الله ~~وداود بن يزيد PageV22P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" وأخيه ، فعزم على إخراج بعضهم ، فضج المطوعة ~~حتى سمع ضجيجهم ، فأذن لعشرين منهم فقال قائلهم : يا أمير المؤمنين ، قوادك ~~مشهورون بالنجدة والبأس وعلو الصوت ومدارسة الحرب ، ومتى خرج واحد منهم ~~فقتل هذا العلج لم يكبر ذاك ، وإن قتله العلج كان وصمة على العسكر قبيحة ~~وثلمة لا تسد ، ونحن عامة لم يرتفع لأحد منا صوت إلا كما يصلح للعامة ، فإن ~~رأى أمير المؤمنين أن يخلينا نختار رجلا فنخرجه إليه ، فإن ظفر علم أهل ~~الحصن أن أمير المؤمنين ظفر بأعرفهم ، على يد رجل من العامة من أفناء الناس ~~، وإن قتل الرجل فإنما استشهد ، ولم يؤثر ذهابه في العسكر ولم يثلمه رجل ، ~~وخرج إليه بعده مثله حتى يقضي الله ما شاء ، فقال الرشيد ms5028 : قد استصوبت ~~رأيكم هذا ، فاختاروا رجلا يعرف بابن الجزري ، وكان معروفا في الثغر بالبأس ~~والنجدة ، فقال له الرشيد : أتخرج ؟ قال نعم وأستعين بالله تعالى ، فقال : ~~أعطوه فرسا ورمحا وسيفا وترسا ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أنا بفرسي أوثق ~~، ورمحي بيدي أشد ، ولكني قد قبلت السيف والترس ، فلبس سلاحه واستدناه ~~الرشيد فودعه وأتبعه الدعاء ، وخرج معه عشرون من المطوعة ، فلما انقض في ~~الوادي قال لهم العلج - وهو يعدهم واحدا واحدا - إنما كان الشرط عشرين ، ~~وقد زدتم رجلا ولكن لا بأس ، فنادوه ليس يخرج إليك إلا رجل واحد ، فلما فصل ~~منهم ابن الجزري تأمله الرومي ، وقد أشرف أكثر الناس من الحصن يتأملون ~~صاحبهم والقرن ، فقال له الرومي : أتصدقني عما أستخبرك ؟ قال : نعم ، قال : ~~أنت بالله ابن الجزري ؟ قال : اللهم نعم ، فكفر له ثم أخذا في شأنهما ، ~~فتطاعنا حتى طال الأمر بينهما وكاد الفرسان يقومان ، وليس يخدش واحد منهما ~~صاحبه ، ثم تحاجزا بشيء فزج كل واحد منهما رمحه ، وانتضى سيفه فتجالدا مليا ~~، واشتد عليهما الحر وتبلد الفرسان ، وجعل ابن الجزري يضرب الضربة التي يرى ~~أنه قد بلغ بها ، فيتقيها الرومي وكان ترسه من حديد ، ويضربه الرومي ضربة ~~معذر ، فلما يئس كل واحد منهما من الوصول إلى صاحبه انهزم ابن الجزري ، ~~فدخلت المسلمين كآبة لم يكتئبوا مثلها قط ، وعطعط المشركون اختيالا وتطاولا ~~، وإنما كانت هزيمته حيلة منه فاتبعه العلج ، وتمكن ابن الجزري منه ~~PageV22P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" فرماه بوهق فوقع في عنقه فما أخطأه ، وركض ~~فاستلبه عن فرسه ثم عطف عليه ، فما وصل إلى الأرض حتى فارقه رأسه ، فكبر ~~المسلمون أعلى تكبير ، وانخزل المشركون وبادروا الباب يغلقونه ، واتصل ~~الخبر بالرشيد فصاح بالقواد : اجعلوا النار في المجانيق ، ففعلوا وجعلوا ~~الكتان والنفط على الحجارة ، وأضرموا نارا ورموا بها السور ، فكانت النار ~~تلصق به وتأخذه الحجارة ، وقد تصدع فتهافت ، فلما أحاطت بهم النيران فتحوا ~~الباب مستأمنين ، فقال الشاعر المكي الذي ينزل جدة : هوت هرقلة لما أن رأت ~~عجبا . . . حوائما ترتمي بالنفط والنار كأن نيرانا في جيب قلعتهم . . . ~~مصبغات على ms5029 أرسان قصار قال محمد بن يزيد : وأعظم الرشيد الجائزة للجدى ~~الشاعر ، وصب الأموال على ابن الجزري وقود ، فلم يقبل التقويد وسأل أن يعفى ~~، ويترك مكانه من الثغر فلم يزل به طول عمره . وحج بالناس عيسى بن موسى ~~الهادي . ودخلت سنة إحدى وتسعين ومائة . في هذه السنة عزل الرشيد عن خراسان ~~علي بن عيسى بن ماهان ، واستعمل عليها هرثمة بن أعين . وحج بالناس في هذه ~~السنة الفضل بن العباس بن محمد بن علي . ودخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة . ~~في هذه السنة تحركت الخرمية بناحية أذربيجان ، فوجه إليهم الرشيد عبد الله ~~بن مالك في عشرة آلاف ، فقتل وسبى وأسر ، وحج بالناس العباس بن عبد الله بن ~~جعفر . ودخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة . ذكر وفاة الرشيد كانت وفاته ليلة ~~السبت - الثالث من جمادى الآخرة - من هذه السنة ، وكان قد توجه إلى خراسان ~~في سنة اثنتين وتسعين ومائة ، فمرض في الطريق بجرجان فسار إلى PageV22P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" طوس ، فمات بها وصلى عليه ابنه صالح ودفن ~~بطوس . روى أبو الفرج الأصفهاني عن جحظة عن ميمون بن هارون قال : رأى ~~الرشيد فيما يرى النائم كأن امرأة وقفت عليه ، وأخذت كف التراب ثم قالت : ~~هذه تربتك عن قليل ، فأصبح فزعا فقص رؤياه ، فقال له أصحابه : وما في هذا ~~قد يرى النائم أكثر من هذا وأغلظ ثم لا يضره فركب وقال : إني لا أرى الأمر ~~قريبا ، فبينا هو يسير إذ نظر إلى امرأة واقفة من وراء شباك حديد تنظر إليه ~~، فقال : هذه والله التربة التي رأيتها ، وهذه المرأة بعينها ، ثم مات بعد ~~مدة ودفن في ذلك الموضع بعينه ، أشتري له ودفن فيه ، وأتى نعيه بغداد فقال ~~أشجع يرثيه : غربت بالمشرق الشم . . . س فقلب للعين تدمع ما رأينا قط شمسا ~~. . . غربت من حيث تطلع وكان عمره سبعا وأربعين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام ~~، وخلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوما ، وكان جميلا وسيما ~~أبيض جعدا قد وخطه الشيب . وكان له من الأولاد : محمد الأمين ، وعبد الله ~~المأمون ، والقاسم ms5030 المؤتمن ، وأبو إسحاق المعتصم ، وصالح ، وأبو عيسى محمد ~~، وأبو يعقوب محمد ، وأبو العباس محمد ، وأبو سليمان محمد ، وأبو علي محمد ~~، وأبو محمد - وهو اسمه ، وأبو أحمد محمد ، وكلهم لأمهات أولاد إلا الأمين ~~. وله من البنات سكينة ، وأم حبيب ، وأروى ، وأم الحسن ، وأم محمد - وهي ~~حمدونة ، وفاطمة ، وأم أبيها ، وأم سلمة ، وخديجة ، وأم القاسم ، ورملة ، ~~وأم جعفر ، والغالية ، وريطة ، كلهن لأمهات أولاد ، والواحدة من بناته تعد ~~عشرة من الخلفاء كلهم لها محرم هارون أبوها ، والهادي عمها ، والمهدي جدها ~~، والمنصور جد أبيها ، والسفاح عم جدها ، والأمين والمأمون والمعتصم إخوتها ~~، والواثق والمتوكل ابنا أخيها . وكان نقش خاتمه : العظمة والقدرة لله ، ~~وقيل كن من الله على حذر . وزارؤه : يحيى بن خالد بن برمك ثم ابناه جعفر ~~والفضل ، ثم استوزر بعد البرامكة الفضل بن PageV22P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" الربيع . قضاته : نوح بن دراج بالجانب الغربي ~~، وحفص بن غياث بالشرقي . حاجبه : بشر مولاه ، ثم محمد بن خالد بن برمك ، ~~ثم الفضل بن الربيع . الأمراء بمصر : علي بن سليمان الهاشمي ، ثم موسى بن ~~عيسى ، ثم إبراهيم بن صالح ثم مات فوليها أحمد بن خالد الأعرج ، ثم إسحاق ~~بن سليمان بن علي الهاشمي ، ثم هرثمة بن أعين ثم ولاه المغرب ، وولى عبد ~~الملك بن صالح بن علي الهاشمي ثم عبيد الله بن المهدي ، ثم إسماعيل بن صالح ~~بن علي الهاشمي ، ثم الليث بن الفضل ، ثم أحمد بن إسماعيل بن علي الهاشمي ، ~~ثم عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي الهاشمي ويعرف بابن زينب ، ~~ثم الحسين بن جميل الأزدي ، ثم مالك بن دلهم ، ثم الحسن بن البحباح القضاة ~~بها : أبو طاهر عبد الملك ، ثم المفضل بن فضالة ، ثم محمد بن مسروق الكندي ~~، ثم إسحاق بن الفرات ، ثم عبد الرحمن بن عبد الله - من ولد عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه ، وهو أول من دون الشهود . ذكر شيء من سيرة الرشيد وأخباره ~~قيل : كان الرشيد يصلي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا ، لا يقطعها ~~إلا ms5031 في مرض ، وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم ، وكان إذا حج حج ~~معه مائة من الفقهاء وأبنائهم ، وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة ~~التامة والكسوة ، وكان يحب الشعر والشعراء ، ويميل إلى أهل الأدب والفقه ، ~~ويكره المراء في الدين ، وكان يحب المديح لا سيما من شاعر فصيح ، ويجزل ~~العطاء عليه ، ولما مدحه مروان بن أبي حفصة بقصيدته التي منها : وسدت ~~بهارون الثغور فأحكمت . . . به من أمور المسلمين المرائر أعطاه خمسة آلاف ~~دينار وعشرة من الرقيق الرومي وبرذونا من خاص مراكبه . وقيل : اجتمع للرشيد ~~ما لم يجتمع لغيره من جد وهزل ، ووزراؤه البرامكة لم ير مثلهم في السخاء ، ~~وقاضيه أبو يوسف وشاعره مروان بن أبي حفصة ، ونديمه عم أبيه العباس بن محمد ~~، وحاجبه الفضل بن الربيع . إربة الناس ، ومغنيه إبراهيم PageV22P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" الموصليي ، واحد عصره في صناعته ، وضاربه ~~زلزل ، وزامره برصوما ، وزوجته أم جعفر بنت جعفر ، أرغب الناس في خير ، ~~وأسرعهم إلى كل بر ، وأمه الخيزران أم الخلفاء . قال : وبذل الرشيد الأمان ~~للطالبيين ، وأخرج الخمس لبني هاشم ، وقسم للذكر والأنثى خمسمائة ، وفرض ~~لأبناء المهاجرين والأنصار ، وعمر طرسوس وجعل فيها جماعة من الموالي رحمه ~~الله تعالى . ذكر خلافة الأمين هو أبو عبد الله وقيل أبو موسى وقيل أبو ~~العباس - محمد بن هارون الرشيد ، وأمه أمة الواحد وقيل أمة العزيز بنت جعفر ~~بن أبي جعفر المنصور ، ولقبت زبيدة ، ولم يل الخلافة بعد علي والحسن من أمه ~~هاشمية غيره ، وهو السادس من الخلفاء العباسيين ، بويع له بالخلافة بطوس في ~~عسكر الرشيد ، صبيحة الليلة التي توفي فيها الرشيد ، لثلاث خلون من جمادى ~~الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة ، وكان المأمون يومئذ بمرو ، فكتب حمويه - ~~مولى المهدي وهو صاحب البريد - إلى نائبه ببغداد ، وهو أبو مسلم سلام ، ~~يعلمه بوفاة الرشيد ، فدخل أبو مسلم على الأمين فعزاه بأبيه وهنأه بالخلافة ~~، وكتب صالح بن الرشيد إلى أخيه الأمين بذلك مع رجاء الخادم ، وأرسل معه ~~الخاتم والقضيب والبردة ، فلما وصل رجاء انتقل الأمين من قصره ms5032 الخلد إلى ~~قصر الخلافة ، وصلى بالناس الجمعة ، ثم صعد المنبر فنعى الرشيد وعزى نفسه ~~والناس ، ووعدهم الخير وأمن الأبيض والأسود ، وفرق في الجند الذين ببغداد ~~رزق أربعة وعشرين شهرا ، ودعا إلى البيعة فبايعه جلة أهل بيته ، ووكل عم ~~أبيه وأمه سليمان بن المنصور بأخذ البيعة على القواد وغيرهم ، وأمر السدي ~~بمبايعة من عداهم ، وقدمت العساكر التي كانت مع الرشيد ، وقدمت زبيدة امرأة ~~الرشيد أم الأمين من الرقة إلى بغداد ، فتلقاها ابنها الأمين بالأنبار ، ~~ومعه جميع من ببغداد من الوجوه ، وكان معها خزائن الرشيد . وفيها ابتدأت ~~الوحشة بين الأمين والمأمون ، وظهر الخلاف فيما بعدها وتفاقم الأمر ، ~~وسنذكر ذلك كله وأسبابه في آخر أيام الأمين ، ليكون خبر ذلك متواليا لا ~~PageV22P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" ينقطع بخروج سنة ودخول أخرى ، فلنذكر من ~~أخبار الأمين خلاف ذلك وفيها عزل الأمين أخاه القاسم المؤتمن عن الجزيرة ، ~~وأقره علي العواصم ، واستعمل على الجزيرة خزيمة بن خازم . وحج بالناس في ~~هذه السنة داود بن عيسى بن موسى بن محمد وهو أمير مكة . ودخلت سنة أربع ~~وتسعين ومائة . ذكر خلاف أهل حمص على الأمين في هذه السنة خالف أهل حمص على ~~الأمين ، فتحول عاملهم إسحاق بن سليمان إلى سلمية ، فعزله الأمين واستعمل ~~مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي ، فقتل عدة من وجوههم وحبس عدة ، وألقى ~~النار في نواحيها ، فسألوه الأمان فأجابهم ، ثم هاجوا بعد ذلك فقتل عدة ~~منهم . ودخلت سنة خمس وتسعين ومائة . في هذه السنة قطع الأمين خطبة المأمون ~~، وأمر بإسقاط ما ضرب باسمه من الدنانير والدراهم بخراسان ، وأمر فدعي ~~لابنه موسى ولقبه الناطق بالحق ، ولابنه الآخر عبد الله ولقبه القائم بالحق ~~. ذكر خروج السفياني وما كان من أمره في هذه السنة خرج السفياني - وهو علي ~~بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية ، وأمه نفيسة بنت عبيد الله بن ~~العباس بن علي بن أبي طالب ، وكان يقول : أنا ابن شيخي صفين - يشير إلى علي ~~ومعاوية ، وكان يلقب بأبي العميطر ، لأنه قال لأصحابه : أي شيء كنية ~~الحرذون ms5033 ؟ قالوا : لا ندري ، قال : هو أبو العميطر ، فلقبوه به ، ولما خرج ~~دعا لنفسه بالخلافة في ذى الحجة ، وقوي على سليمان بن المنصور عامل دمشق ، ~~وأخرجه عنها وأعانه الخطاب بن وجه الفلس مولى بني أمية ، وكان قد تغلب على ~~صيدا ، فبعث الأمين إليه الحسن بن علي بن عيسى بن ماهان ، فبلغ الرقة ولم ~~يصل إلى دمشق ، قال : وكان عمر السفياني لما خرج تسعين سنة ، وكان الناس قد ~~أخذوا عنه علما كثيرا ، وكان حسن السيرة ، فلما خرج ظلم وأساء السيرة ، ~~فتركوا ما كانوا نقلوه عنه ، وكان أكثر أصحابه من كلب ، وكتب إلى محمد بن ~~بيهس الكلابي يدعوه إلى طاعته ، ويتهدده إن لم يفعل فلم يجبه إلى ذلك ، ~~فأقبل السفياني لقصد القيسية فكتبوا إلى محمد بن صالح ، فأقبل إليهم في ~~ثلاثمائة فارس ومواليه ، فبعث PageV22P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" إليه السفياني يزيد بن هشام في اثني عشر ألفا ~~، فالتقوا فانهزم يزيد ومن معه ، وقتل منهم زيادة على ألفين ، وأسر ثلاثة ~~آلاف فأطلقهم ابن بيهس ، وحلق رءوسهم ولحاهم ، فضعف السفياني ، ثم جمع جمعا ~~وجعل عليهم ابنه القاسم ، وخرجوا إلى بيهس فالتقوا واقتتلوا فقتل القاسم ~~وانهزم أصحاب السفياني ، وبعث رأسه إلى الأمين ، ثم جمع جمعا آخر وبعثهم مع ~~مولاه المعتمر ، فلقيهم ابن بيهس فقتل المعتمر وانهزم أصحابه ، فوهن أمر ~~السفياني وطمعت فيه قيس ، ثم مرض ابن بيهس ، فاستخلف مسلمة بن يعقوب بن علي ~~بن محمد بن سعيد بن مسلمة بن عبد الملك ، وأمر بني نمير بمبايعته بالخلافة ~~، وعاد ابن بيهس إلى حوران ، واجتمعت نمير على مسلمة وبايعوه ، فدخل على ~~السفياني وقبض عليه وقيده ، وقبض على رؤساء بني أمية فبايعوه ، وأدنى ~~القيسية وجعلهم خاصته ، فلما عوفي محمد بن بيهس عاد إلى دمشق فحصرها ، ~~فسلمها إليه القيسية ، وهرب مسلمة والسفياني في زي النساء إلى المزة ، وذلك ~~في المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة ، وغلب ابن بيهس على دمشق ، إلى أن قدم ~~عبد الله بن طاهر دمشق ودخل إلى مصر وعاد إلى دمشق فأخذ ابن بيهس معه إلى ~~العراق فمات بها ms5034 . وحج بالناس عامل مكة داود بن عيسى . ودخلت سنة ست وتسعين ~~ومائة . في هذه السنة استعمل الأمين على الشام عبد الملك بن صالح بن علي ، ~~فسار إليها فتوفي بالرقة قبل وصوله إلى الشام . وفيها خلع الأمين وبويع ~~للمأمون ، ثم عاد الأمين إلى الخلافة ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى . ~~ودخلت سنة سبع وسبعين ومائة . في هذه السنة حج بالناس العباس بن موسى بن ~~عيسى . وجهه طاهر بأمر المأمون . وفيها سار المؤتمن بن الرشيد ومنصور بن ~~المهدي إلى المأمون بخراسان ، فوجه المأمون أخاه المؤتمن إلى جرجان . ~~PageV22P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" ودخلت سنة ثمان وتسعين ومائة . ذكر أخبار ~~الأمين والمأمون وما كان بينهما من الفتن والاختلاف وما أفضى إليه الأمر من ~~قتل الأمين كان ابتداء الخلف بينهما في سنة ثلاث وتسعين ومائة عند وفاة ~~الرشيد . وكان سبب ذلك أن الرشيد كان قد أشهد عليه في سفرته التي مات فيها ~~: أن جميع ما في عسكره من مال ومتاع ورقيق وكراع وغير ذلك للمأمون ، وأخذ ~~له البيعة على جميع من في عسكره ، فعظم ذلك على الأمين ، ثم بلغه شدة مرض ~~الرشيد ، فأرسل بكر بن المعتمر وكتب معه كتبا وجعلها في قوائم صناديق ~~المطبخ ، وألبسها جلود البقر ، وقال : لا تظهرن أمير المؤمنين ولا غيره ~~عليها ، فإذا مات فادفع الكتب إلى أربابها ، فقدم بكر إلى طوس فبلغ الرشيد ~~قدومه ، فأحضره وسأله عن موجب قدومه ، قال : بعثني الأمين لآتيه بخبرك ، ~~قال : فهل معك كتاب ؟ قال : لا ، فأمر بتفتيش ما معه فلم يصيبوا شيئا ، ~~فأمر به فضرب فما أقر ، ثم أمر الفضل بن الربيع بتقريره ، فإن أقر وإلا ضرب ~~عنقه ، ثم مات الرشيد فأخرج بكر الكتب التي معه ، وهي كتاب إلى المأمون ~~يأمره بترك الجزع ، وأخذ البيعة على الناس لأخيهما المؤتمن ، فلم يكن ~~المأمون حاضرا وكان بمرو ، وكتاب إلى أخيه صالح يأمره بتسيير العسكر ~~واستصحاب ما فيه ، وأن يتصرف هو ومن معه برأي الفضل بن الربيع ، وكتاب إلى ~~الفضل بالحفظ والاحتياط على الحرم والأموال وغير ذلك ، وأقر كل ms5035 من كان على ~~عمل من الأعمال على عمله ، من صاحب شرط وحجابة وحرس ، فلما قرءوا الكتب ~~تشاور القواد في اللحاق بالمأمون أو الأمين ، فقال الفضل بن الربيع : لا ~~أدع ملكا حاضرا لآخر ما أدري ما يكون من أمره ، ثم أمر الناس بالرحيل ~~فرحلوا ، محبة منهم لأهليهم ووطنهم وتركوا العهود التي كانت أخذت عليهم ~~للمأمون ، فلما بلغ المأمون ذلك جمع من كان عنده من القواد ، وفيهم ذو ~~الرئاستين الفضل بن سهل ، وهو أعظمهم قدرا عنده وأخصهم به ، واستشارهم ~~فأشاروا عليه أن يلحقهم جريدة في ألفي فارس ويردهم ، فخلى به ذو الرئاستين ~~وقال : إن فعلت ما أشار به هؤلاء جعلوك هدية إلى أخيك PageV22P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" ولكن الرأي أن تكتب إليهم كتابا مع رسول من ~~عندك ، تذكرهم البيعة وتسألهم الوفاء وتحذرهم الحنث ، ففعل ووجه سهل بن ~~صاعد ونوفلا الخادم ، فلحقا الجند والفضل بنيسابور ، فأوصلا الفضل كتابه ~~فقال : إنما أنا واحد من الجند ، وشد عبد الرحمن بن جبلة على سهل بالرمح ~~ليطعنه ، فأمره على جنبه وقال : قل لصاحبك لو كنت حاضرا لوضعته فيك ، وسب ~~المأمون فرجعا إليه بالخير فقال ذو الرئاستين : أعداء استرحت منهم ، وقال ~~له : اصبر وأنا أضمن لك الخلافة ، فقال المأمون : قد فعلت وجعلت الأمر إليك ~~فقم به ، قال ذو الرئاستين : والله لأصدقنك ، إن عبد الله بن مالك ومن معه ~~من القواد قاموا لك بالأمر كانوا أنفع لك مني ، برياستهم المشهورة وبما ~~عندهم من القوة ، فمن قام بالأمر كنت خادما له حتى تبلغ أملك وترى رأيك ، ~~وقام ذو الرئاستين فأتاهم في منازلهم ، وذكر لهم البيعة وما يجب عليهم من ~~الوفاء ، قال : فكأني جئتهم بجيفة على طبق ، فقال بعضهم : هذا لا يحل ~~وأخرجه ، وقال بعضهم : ومن الذي يدخل بين أمير المؤمنين وأخيه ؟ قال : فجئت ~~وأخبرته فقال : قم بالأمر ، فأشار عليه أن يبعث إلى الفقهاء ، ويدعوهم إلى ~~الحق والعمل به وإحياء السنة ورد المظالم ، وأن تجلس على الصوف وتكرم ~~القواد ، ففعل ذلك ووضع عن خراسان ربع الخراج ، فحسن ذلك عند أهلها وقالوا ~~: ابن ms5036 أختنا وابن عم نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم كتب المأمون إلى ~~الأمين وعظمه . ولما قدم الفضل بن الربيع العراق - وقد نكث عهد المأمون - ~~علم أن المأمون ، إن أفضت إليه الخلافة وهو حي ، لم يبق عليه ، فسعى في ~~إغراء الأمين وحثه على خلع المأمون ، والبيعة لابنه موسى بولاية العهد - ~~ولم يكن ذلك في عزم الأمين ، فلم يزل الفضل يصغر أمر المأمون عنده ويزين له ~~خلعه ، ووافقه على ذلك علي بن عيسى بن ماهان والسندي وغيرهما ، فرجع الأمين ~~إلى قولهم وجمع القواد لذلك ، فنهاه عبد الله بن خازم وأبى القواد ذلك ، ~~وربما ساعده قوم ، فلما بلغ إلى خزيمة بن خازم قال له : يا أمير المؤمنين ، ~~لم ينصحك من كذبك ، ولم يغشك من صدقك ، لا تجريء القواد على الخلع فيخلعوك ~~، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك ، فإن الغادر مخذول ، ~~والناكث مفلول ، فأقبل الأمين على علي بن ماهان فتبسم وقال : لكن شيخ هذه ~~الدعوة وناب هذه الدولة لا يخالف على إمامه ، ولا يوهن طاعته ثم رفعه إلى ~~موضع لم يرفعه إليه قبلها ، وألح الأمين في خلع المأمون ، فأول ما فعل أن ~~كتب إلى جميع العمال بالدعاء بالإمرة لابنه موسى بعد الدعاء للمأمون ~~والمؤتمن ، فلما بلغ ذلك المأمون ، وأن الأمين عزل المؤتمن عما كان بيده ، ~~PageV22P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" أسقط الأمين من الطرز وقطع البريد عنه ، وكان ~~رافع بن الليث بن نصر بن سيار - لما بلغه حسن سيرة المأمون - طلب الأمان ~~منه فأمنه ، فحضر عنده . قال : ثم كتب الأمين إلى المأمون يستقدمه ويسأله ~~أن يقدم ابنه موسى على نفسه ، وأرسل إليه أربعة في الرسالة - منهم العباس ~~بن موسى بن عيسى ، فلما أتوه امتنع من ذلك ، فقال له العباس بن موسى : ما ~~عليك أيها الأمير من ذلك ؟ وقد فعله جدي عيسى بن موسى وخلع فما ضره ذلك ، ~~فصاح به ذو الرئاستين : فقال اسكت فإن جدك كان أسيرا بين أيديهم ، وهذا بين ~~أخواله وشيعته ، ثم قاموا فخلى ذو الرئاستين بالعباس بن موسى ، واستماله ~~ووعده إمرة ms5037 الموسم ومواضع ، فأجاب إلى بيعة المأمون وسماه بالإمام ، وكان ~~يكتب إليهم بالأخبار من بغداد ، ورجع الرسل إلى الأمين وأخبروه بامتناع ~~المأمون ، وبعث المأمون ثقة من عنده إلى الحد ، يمنع من الدخول إلى بلاده ~~إلا مع ثقة من ناحيته ، وضبط الطرق بثقاة أصحابه . قال : وألح الفضل بن ~~الربيع في قطع خطبة المأمون ، وأغرى الأمين بحربه ، فأجابه إلى ذلك وبايع ~~لولده موسى ، وجعله في حجر علي بن عيسى بن ماهان ، وجعل على شرطه محمد بن ~~عيسى بن نهيك وعلى حرسه عثمان بن عيسى بن نهيك ، وعلى رسائله علي بن صالح ~~صاحب المصلى ، وأسقط خطبة المأمون في سنة خمس وتسعين ومائة ، وبايع لولده ~~موسى في صفر وقيل في ربيع الأول ، وأرسل إلى الكعبة فأتى بالكتابين اللذين ~~وضعهما الرشيد ببيعة الأمين والمأمون ، فمزقهما الفضل بن الربيع . ذكر ~~محاربة علي بن عيسى بن ماهان وطاهر قال : ثم أمر الأمين علي بن عيسى بن ~~ماهان بالمسير لحرب المأمون ، وكان سبب مسيره دون غيره أن ذا الرئاستين كان ~~له عين عند الفضل بن الربيع ، يرجع الفضل إلى قوله ورأيه ، فكتب ذو ~~الرئاستين إلى ذلك الرجل أن يشير بإنفاذ ابن ماهان لحربهم ، وكان مقصده أن ~~ابن ماهان - لما ولي خراسان أيام الرشيد أساء السيرة في أهلها فظلمهم - ~~فبغضه أهل خراسان ، فأراد ذو الرئاستين أن يزداد أهل خراسان جدا في قتال ~~الأمين وأصحابه بسببه ، فأشار ذلك الرجل بابن ماهان فأمره الأمين بالمسير ، ~~وقيل كان سببه أن عليا قال للأمين : إن أهل خراسان كتبوا إليه يذكرون أنه ~~إن قصدهم PageV22P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" أطاعوه وانقادوا له ، وإن كان غيره فلا ، ~~فأمره بالمسير وأقطعه كور الجبل كلها نهاوند وهمذان وقم وأصفهان وغير ذلك - ~~حربها وخراجها ، وأعطاه الأموال وحكمه في الخزائن ، وجهز معه خمسين ألف ~~فارس ، وكتب إلى أبي دلف القاسم بن عيسى بن إدريس العجلي وهلال بن عبد الله ~~الحضرمي بالانضمام إليه ، وأمده بالأموال والرجال شيئا بعد شيء ، وخرج في ~~شعبان سنة خمس وتسعين ومائة ، وركب الأمين يشيعه ومعه القواد والجنود ، ~~وأوصاه ms5038 إن قاتله المأمون يحرص على أسره . قال : وكان المأمون - لما بلغه ما ~~فعله الأمين من خلعه وتمزيق كتب البيعة - أرسل طاهر بن الحسين بن مصعب بن ~~رزيق بن أسعد الخزاعي أميرا ، وضم إليه جماعة من قواده وأجناده ، فسار مجدا ~~نحو الري فنزلها ووضع المسالح والمراصد . قال : وسار ابن ماهان فلقيته ~~القوافل عند جلولاء ، فسألهم فقالوا إن طاهرا مقيم بالري ، يعرض أصحابه ~~والأمداد تأتيه من خراسان ، فجعل يسير وهو لا يعبأ بطاهر ويستقله ولا يستعد ~~له ، فقيل له في ذلك فقال : مثل طاهر لا يستعد له ، وإن حاله تؤول إلى ~~أمرين : إما أن يتحصن بالري فيسلمه أهلها ، وإما أن يرجع ويتركها إذا قربت ~~خيلنا منه ، قال : فلما دنا من الري خرج طاهر منها ، في أقل من أربعة آلاف ~~فارس وعسكر على خمسة فراسخ ، فأتاه أحمد بن هشام وكان على شرطته فقال له : ~~إن أتانا علي بن عيسى ؟ فقال : أنا عامل أمير المؤمنين فأقررنا له بذلك ، ~~فليس لنا أن نحاربه . فقال طاهر : لم يأتني في ذلك شيء ، فقال : دعني وما ~~أريد ، فقال : افعل ، فصعد المنبر فخلع الأمين ودعا للمأمون بالخلافة ، ~~وساروا وأقبل ابن ماهان وقد عبأ أصحابه وعبأ عشر رايات مع كل راية ألف رجل ~~، وقدمها راية راية وجعل بين كل رايتين غلوة سهم ، وعبأ طاهر أصحابه كراديس ~~، وسار بهم يحرضهم ويوصيهم ، وهرب من أصحاب طاهر نفر إلى علي ، فجلد بعضهم ~~وأهان الباقين ، فكان ذلك مما ألب من بقي على قتاله ، وزحف الناس بعضهم ~~لبعض ، فقال أحمد بن هشام لطاهر : ألا تذكر علي بن عيسى البيعة التي أخذها ~~علينا هو للمأمون ؟ قال : أفعل - فأخذ PageV22P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" البيعة وعلقها على رمح ، وقام بين الصفين ~~وطلب الأمان ، فأمنه علي بن عيسى ، فقال له : ألا تتقي الله أليس هذه نسخة ~~البيعة التي أختها أنت خاصة علينا ؟ ؟ اتق الله فقد بلغت باب قبرك فقال علي ~~: من أتاني به فله ألف درهم ، فشتمه أصحاب أحمد ثم وثب أهل الري وأغلقوا ~~باب المدينة ، فقال طاهر لأصحابه : اشتغلوا ms5039 بمن أمامكم عمن خلفكم ، فإنه لا ~~ينجيكم إلا الجد والصدق ، ثم التقوا واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزمت ميسرة ~~طاهر هزيمة منكرة ، وزالت ميمنته عن موضعها ، فقال طاهر : اجعلوا جدكم ~~وبأسكم على القلب ، واحملوا حملة خارجية ، فحملوا على أول رايات القلب ~~فهزموها ، فرجعت الرايات بعضها على بعض وانتهت الهزيمة إلى علي ، فجعل ~~ينادي أصحابه : الكرة بعد الفرة ، فرماه رجل من أصحاب طاهر بسهم فقتله ، ~~وحمل رأسه إلى طاهر ، وحملت جثته إليه فألقي في بئر ، وأعتق طاهر من كان ~~عنده من غلمانه شكرا لله تعالى ، وتمت الهزيمة ووضع أصحاب طاهر فيهم السيوف ~~، وتبعوهم فرسخين وواقفوهم فيها اثنتي عشرة مرة ، كل مرة يكسر عسكر الأمين ~~، وأصحاب طاهر يقتلون ويأسرون حتى حال بيهم الليل ، وغنموا غنيمة عظيمة ، ~~ونادى أصحاب طاهر : من ألقى سلاحه فهو آمن ، فطرحوا أسلحتهم ونزلوا عن ~~دوابهم ، ورجع طاهر إلى الري ، وكتب إلى المأمون . بسم الله الرحمن الرحيم ~~كتابي إلى أمير المؤمنين ورأس علي بن عيسى بين يدي ، وخاتمه في أصبعي ، ~~وجنده ينصرفون ، تحت أمري . والسلام . وكتب إلى ذي الرئاستين فورد الكتاب ~~مع البريد في ثلاثة أيام ، وبينهما نحو من خمسين ومائتي فرسخ ، فدخل ذو ~~الرئاستين على المأمون وهنأه بالفتح وأمر الناس فدخلوا عليه وسلموا ~~بالخلافة ، ثم وصل رأس علي بعد الكتاب بيومين ، فطيف به في خراسان . ولما ~~وصل الكتاب كان المأمون قد جهز هرثمة في جيش كبير نجدة لطاهر ، فأتاه الخبر ~~بالفتح . قال : وأما الأمين فإنه أتاه نعي علي بن عيسى - وهو يصطاد السمك ، ~~فقال الذي أتاه بالخبر : دعني فإن كوثرا قد اصطاد سمكتين وأنا ما صدت شيئا ~~، ثم بعث الفضل إلى نوفل الخادم - وهو وكيل المأمون على ملكه بالسواد - ~~وكان للمأمون معه ألف ألف درهم - فأخذها منه وقبض ضياعه وغلاته ، وندم ~~الأمين على ما كان منه ومشى القواد بعضهم إلى بعض في النصف من شوال سنة خمس ~~وتسعين واتفقوا على طلب الأرزاق ففرق فيهم مالا كثيرا . PageV22P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" ذكر توجيه عبد الرحمن بن جبلة إلى طاهر وقتله ~~واستيلاء طاهر ms5040 على أعمال الجبل قال : ولما اتصل بالأمين قتل علي بن عيسى ~~وهزيمة عسكره وجه عبد الرحمن بن جبلة الأنباري في عشرين ألف رجل ، نحو ~~همذان واستعمله عليها وعلى كل ما يفتحه من أرض خراسان ، فسار حتى نزل همذان ~~فحصنها ورم سورها ، وأتاه طاهر إليها فخرج إليه عبد الرحمن ، واقتتلوا ~~قتالا شديدا فانهزم عبد الرحمن ، ودخل همذان فأقام بها أياما حتى قوي ~~أصحابه واندملت جراحاتهم ، ثم خرج إلى طاهر واقتتلوا وصبر الفريقان ، وكثر ~~القتل في أصحاب ابن جبلة وقتل صاحب علمه ، فانهزم أصحابه وقتلهم أصحاب طاهر ~~إلى المدينة ، وأقام طاهر على بابها محاصرا لها ، فأرسل عبد الرحمن إلى ~~طاهر يطلب الأمان لنفسه ولمن معه فأمنه ، فخرج عن همذان واستولى طاهر على ~~قزوين وعلى سائر أعمال الجبل . قال : ولما خرج عبد الرحمن بأمان طاهر أقام ~~مسالما لطاهر ، ثم ركب في أصحابه وهجم على طاهر وأصحابه وهم آمنون ، فثبت ~~له رجالة طاهر ، وقاتلوه حتى أخذت الخيالة أهبتها ، واقتتلوا أشد قتال رآه ~~الناس ، حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف ، فانهزم أصحاب عبد الرحمن وبقي في ~~نفر من أصحابه فقاتل ، وأصحابه يقولون له : قد أمكنك الهرب فاهرب ، فقال : ~~لا يرى أمير المؤمنين وجهي منهزما أبدا ، ولم يزل يقاتل حتى قتل ، وانتهى ~~من انهزم من أصحابه إلى عبد الله وأحمد ابني الحرشي ، وكانا في جيش عظيم ~~بقصر اللصوص قد سيرهما الأمين معونة لعبد الرحمن فانهزما في جندهما من غير ~~قتال حتى دخلوا بغداد ، وخلت البلاد لطاهر وأقبل يحوزها بلدة بلدة وكورة ~~كورة ، حتى انتهى إلى شلاشان من كور حلوان فخندق بها ، وحصن عسكره وجمع ~~أصحابه . ذكر توجيه الأمين الجيوش إلى طاهر وعودهم من غير قتال قال : وفي ~~سنة ست وتسعين ومائة بعث الأمين أحمد بن مزيد وأمر الفضل أن يمكنه من ~~العسكر يأخذ منهم من أراد ، وأمره بالجد في السير ودفع طاهر وحربه ، ~~PageV22P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" فاختار من العسكر عشرين ألف فارس ، وسار معه ~~عبد الله ابن حميد بن قحطبة في عشرين ألفا وسار بهم إلى حلوان ms5041 ، فلم يزل ~~طاهر يحتال في وقوع الاختلاف بينهم حتى اختلفوا ، وانتقض أمرهم وقاتل بعضهم ~~بعضا ، ورجعوا من غير قتال ، وتقدم طاهر فنزل حلوان ، فلما نزلها لم يلبث ~~إلا يسيرا حتى أتاه هرثمة ، في جيش من قبل المأمون ومعه كتاب إلى طاهر ، ~~يأمره بتسليم ما حوى من المدن والكور إلى هرثمة ، ويتوجه إلى الأهواز ففعل ~~ذلك ، وأقام هرثمة بحلوان وحصنها وسار طاهر إلى الأهواز . وفي هذه السنة ~~خطب للمأمون بإمرة المؤمنين . ورفع منزلة الفضل بن سهل ، وعقد له على ~~المشرق من جبل همذان إلى التبت طولا ، ومن بحر فارس إلى بحر الديلم وجرجان ~~عرضا ، وجعل له عمالة ثلاثة آلاف ألف درهم ، وعقد له لواء على سنان ذي ~~شعبتين ، ولقبه ذا الرئاستين - رئاسة الحرب والقلم - وحمل اللواء علي بن ~~هشام وحمل القلم نعيم بن حازم . وولى الحسن بن سهل ديوان الخراج ، وذلك بعد ~~قتل علي بن ماهان وعبد الرحمن بن جبلة . قال : وأما طاهر فإنه استولى على ~~الأهواز ، ثم سار منها إلى واسط وبها السندي بن يحيى والهيثم بن شعبة ، ~~فهربا عنها واستولى طاهر عليها ، ووجه قائدا من قواده إلى الكوفة وعليها ~~العباس بن موسى الهادي ، فلما بلغه الخبر خلع الأمين وبايع للمأمون ، وكتب ~~بذلك إلى المأمون ، وغلب طاهر على ما بين واسط والكوفة ، وكتب المنصور بن ~~المهدي - وكان عاملا للأمين على البصرة - إلى طاهر ببيعته وطاعته ، وأتته ~~بيعة المطلب بن عبد الله بن مالك بالموصل . وكان ذلك كله في شهر رجب سنة ست ~~وتسعين ومائة ، فأقرهم طاهر على أعمالهم . قال : ثم سار طاهر إلى المدائن ~~وبها جيش كبير للأمين . عليهم البرمكي وقد تحصن بها والمدد يأتيه كل يوم ~~والخلع والصلات ، فلما سمع البرمكي بمقدم طاهر وجه قريش بن شبل والحسن ابن ~~علي المأموني ، فلما سمع أصحاب البرمكي طبول طاهر سرجوا الخيل ورجعوا ، ~~وأخذ PageV22P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" البرمكي في التعبئة فكان كلما سوى صفا اضطرب ~~صف وانتقض ، فانضم أولهم إلى آخرهم ، فقال : اللهم إنا نعوذ بك من الخذلان ~~، ثم قال لصاحب ساقته ms5042 : خل سبيل الناس فلا خير عندهم ، فركب بعضهم بعضا نحو ~~بغداد ، فنزل طاهر المدائن واستولى على تلك النواحي ، ثم سار إلى صرصر فعقد ~~بها جسرا . ذكر خلع الأمين ببغداد والبيعة للمأمون وعودة الأمين قد قدمنا ~~إرسال الأمين عبد الملك بن صالح إلى الشام ، واستعماله عليها ووفاته بالرقة ~~، وكان معه الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان ، فلما مات عبد الملك أقبل ~~الحسين بالجند إلى بغداد ، فلما قدم لقيه القواد وأهل بغداد وعملت له ~~القباب ودخل منزله ، فلما كان في جوف الليل استدعاه الأمين . فقال للرسول : ~~ما أنا بمغن ولا مسامر ولا مضاحك ، ولا وليت له عملا ولا مالا ولأي شيء ~~يريدني في هذه الساعة ؟ انصرف ، وإذا أصبحت غدوت عليه إن شاء الله تعالى ، ~~فلما أصبح وافى الحسين باب الجسر واجتمع إليه الناس ، فحرضهم على الأمين ~~وتنقصه ودعاهم إلى خلعه ، ثم أمرهم بعبور الجسر فعبروا وصاروا إلى سكة باب ~~خراسان ، وأسرعت خيول الأمين إلى الحسين فقاتلوه قتالا شديدا ، فانهزم ~~أصحاب الأمين ، فخلع الحسين الأمين في يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من ~~شهر رجب ، وأخذ البيعة للمأمون من الغد يوم الإثنين ، فلما كان يوم ~~الثلاثاء وثب العباس بن موسى بن عيسى بالأمين ، وأخرجه من قصر الخلد وحبسه ~~بقصر المنصور ، وأخرج أمه أيضا معه فجعلها مع ابنها ، فلما كان يوم ~~الأربعاء طالب الناس الحسين بالأرزاق ، وماجوا بعضهم في بعض ، وقام محمد بن ~~أبي خالد وأسد الحربي وغيرهما فقاتلوا الحسين وأسروه ، ودخل أسد على الأمين ~~فكسر قيوده وأعاده إلى الخلافة ، وحمل إليه الحسين أسيرا فلامه فاعتذر إليه ~~، فأطلقه وأمره بجمع الجند ومحاربة أصحاب المأمون ، وخلع عليه وولاه ما ~~وراء بابه وأمره بالمسير إلى حلوان ، فوقف الحسين بباب الجسر والناس ~~يهنئونه ، فلما خفوا عنه قطع الجسر وهرب ، فنادى الأمين في الجند بطلبه ~~فأدركوه PageV22P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" بمسجد كوثر على فرسخ من بغداد فقاتلهم فعثر ~~به فرسه فسقط عنه ، فقتل وحمل رأسه إلى الأمين ، وقيل إن الأمين كان ~~استوزره وسلم إليه خاتمه فلما قتل جدد ms5043 الجند البيعة للأمين ، واختفى الفضل ~~بن الربيع . ذكر البيعة للمأمون بمكة والمدينة وفي هذه السنة خلع داود بن ~~عيسى بن موسى بن محمد بن علي الأمين - وهو عامله على مكة والمدينة وبايع ~~للمأمون ، وسبب ذلك أنه لما بلغه ما فعل طاهر ، وكان الأمين قد بعث إلى ~~داود وأخذ الكتابين من الكعبة كما تقدم فجمع داود وجوه الناس ومن كان شهد ~~في الكتابين ، وقال : قد علمتم ما أخذ الرشيد علينا وعليكم من العهد عند ~~البيت الحرام لابنيه ، لنكونن مع المظلوم منهما على الظالم ، ومع المغدور ~~منهما على الغادر ، وقد رأينا ورأيتم أن محمدا قد بدأ بالظلم والبغي والنكث ~~على أخويه المأمون والمؤتمن ، وخلعهما عاصيا لله وبايع لابنه طفل صغير ، ~~وأخذ الكتابين من الكعبة فحرقهما ، وقد رأيت خلعه والبيعة للمأمون ، إذ كان ~~مظلوما مبغيا عليه ، فأجابوه إلى ذلك ، فنادى في شعاب مكة فاجتمع الناس ~~فخطبهم بين الركن والمقام ، وخلع الأمين وبايع للمأمون ، وكتب إلى ابنه ~~سليمان - وهو عامله على المدينة - أن يفعل مثل ما فعل ، فخلع وبايع للمأمون ~~وكانت هذه البيعة في شهر رجب سنة ست وتسعين ومائة ، وسار داود من مكة على ~~طريق البصرة ، ثم إلى فارس وإلى كرمان حتى صار إلى المأمون بمرو فأخبره ، ~~فسر المأمون وتيمن ببركة مكة والمدينة ، واستعمل داود عليهما وأعطاه ~~خمسمائة ألف درهم ، وبعث معه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى وجعله على ~~الموسم ، فسارا حتى أتيا طاهرا ببغداد فأكرمهما ، ووجه معهما يزيد بن جرير ~~بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري واستعمله على اليمن ، وبعث معه خيلا ~~كثيفة فقدمها ، ودعا أهلها إلى خلع الأمين والبيعة للمأمون ، فأجابوه ~~وخلعوا وبايعوا للمأمون ، فكتب بذلك إلى طاهر والمأمون . ذكر تجهيز الأمين ~~الجيوش وما كان من أمرهم وفي سنة ست وتسعين ومائة عقد محمد الأمين - في رجب ~~وشعبان أربعمائة لواء لقواد شتى ، وأمر عليهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك ~~، وأمرهم بالمسير إلى PageV22P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" هرثمة بن أعين فساروا إليه فالتقوا بنواحي ~~النهروان في شهر ms5044 رمضان ، فأسر علي بن محمد فسيره هرثمة إلى المأمون ، ورحل ~~هرثمة فنزل النهروان . ذكر وثوب الجند بطاهر والأمين قد قدمنا نزول طاهر ~~بصرصر عند استيلائه على المدائن ، فأقام بها مشمرا في محاربة الأمين ، لا ~~يأتيه جيش إلا هزمه ، فبذل الأمين الأموال فسار إليه من أصحاب طاهر خمسة ~~آلاف ، فسربهم ووعدهم ومناهم وفرق فيهم مالا عظيما ، وغلف لحاهم بالغالية ~~فسموا قواد الغالية ، وفرق الأمين الجواسيس في أصحاب طاهر ، ودس إلى رؤساء ~~الجند وأطمعهم ورغبهم ، فشغبوا على طاهر واستأمن كثير منهم إلى الأمين ، ~~وانضموا إلى عسكره وساروا حتى أتوا صرصر ، فعبأ طاهر أصحابه كراديس ، ~~وحرضهم ووعدهم ومناهم وتقدم بهم ، فالتقوا واقتتلوا فانهزم أصحاب الأمين ~~وغنم عسكر طاهر ما كان لهم من سلاح ودواب وغير ذلك ، فبلغ ذلك الأمين فأخرج ~~الأموال وفرقها ، وجمع أهل الأرباض وقود منهم جماعة وفرق فيهم الأموال ، ~~وقواهم بالسلاح وأعطى كل قائد قارورة غالية ، ولم يعط الأجناد الذين معهم ~~شيئا ، فراسلهم طاهر ووعدهم واستمالهم ، وأغرى أصاغرهم بأكابرهم فشغبوا على ~~الأمين في ذى الحجة ، فأشار أصحابه عليه باستمالتهم والإحسان إليهم فلم ~~يفعل ، وأمر بقتالهم فقاتلهم جماعة من الأجناد ، وراسلهم طاهر وراسلوه طاهر ~~وراسلوه وأخذ رهائنهم على بذل الطاعة وأعطاهم الأموال ، ثم تقدم إلى باب ~~الأنبار في ذى الحجة ، ونقب أهل السجون وخرجوا منها . ذكر حصار بغداد ~~واستيلاء طاهر عليها في سنة سبع وتسعين ومائة حاصر وهرثمة وزهير بن المسيب ~~الأمين ببغداد ، وتفرقوا عليها ونصبوا عليها المجانيق والعرادات ، وحفروا ~~حول عساكرهم الخنادق ، وسور هرثمة حول خندقه سورا ، وكان الأمين قد أنفذ ما ~~في خزائنه من الأموال ، فأمر ببيع ما في الخزائن من الأمتعة ، وضرب آنية ~~الذهب والفضة دنانير ودراهم ليفرقها في أصحابه . قال : واستأمن إلى طاهر - ~~سعيد بن مالك بن قادم ، فولاه الأسواق وشاطيء دجلة وما اتصل به ، وأمره ~~بحفر الخنادق وبناء الحيطان وأمده PageV22P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" بالأموال والرجال ، وقبض طاهر ضياع من لم ~~يخرج إليه من بني هاشم والقواد وغيرهم ، وأخذ أموالهم فذلوا وانكسروا ، ~~وضعف أجناد الأمين عن القتال وطاهر ms5045 لا يفتر عن قتالهم ، فاستأمن محمد بن ~~عيسى صاحب شرط الأمين وعلى فراهمرد ، ثم كاتب طاهر جماعة القواد والهاشميين ~~وغيرهم بعد أن قبض ضياعهم ، فأجابوه إلى البيعة للمأمون ، فكان ممن أجابه ~~عبد الله بن حميد بن قحطبة وإخوته ، وولد الحسن بن قحطبة ، ويحيى بن علي بن ~~ماهان ، ومحمد بن أبي العباس الطائي وغيرهم ، هذا والأمين مقبل على الأكل ~~والشرب ، ووكل الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الهرش ، ثم منع طاهر ~~الأقوات أن تصل إلى بغداد فغلت الأسعار ، ودام الحصار والقتال على بغداد ~~إلى سنة ثمان وتسعين ومائة ، حتى ضجر الناس وملوا القتال ، فلحق خزيمة بن ~~خازم بطاهر وفارق الأمين ، ودخل هرثمة إلى الجانب الشرقي لثمان بقين من ~~المحرم سنة ثمان وتسعين في ليلة الأربعاء ، فلما كان الغد تقدم طاهر إلى ~~المدينة والكرخ ، فقاتل هناك قتالا شديدا ، فهزم الناس ومروا لا يلوون على ~~شيء ، فدخلها طاهر بالسيف ، وأمر مناديه فنادى : من لزم بيته فهو آمن ، ~~وقصد مدينة المنصور وأحاط بها ، وبقصر زبيدة وقصر الخلد - من باب الجسر إلى ~~باب خراسان وباب الشام وباب الكوفة وباب الفرات ، وشاطيء الفرات إلى مصبها ~~في دجلة ، وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش ، فنصب طاهر المجانيق ~~بإزاء قصر زبيدة وقصر الخلد ، وأخذ الأمين أمه وأولاده إلى مدينة المنصور ، ~~وتفرق عنه عامة جنده وخصيانه وجواريه في الطريق ، لا يلوى بعضهم على بعض ، ~~وحصره طاهر وأخذ عليه الأبواب . ذكر مقتل الأمين قال : لما دخل الأمين ~~مدينة المنصور ، واستولى طاهر على أسواق الكرخ وغيرها ، جاء محمد بن حاتم ~~بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الأفريقي وغيرهما ، فقالوا للأمين : ~~قد آلت حالنا إلى ما ترى ، وقد تفرق عنك الناس ، وقد بقي معك من خيلك سبعة ~~آلاف فرس من خيارها ، ونرى أن تختار ممن عرفناه بمحبتك من الأبناء سبعة ~~آلاف ، فتحملهم على هذه الخيل وتخرج ليلا ، على باب من هذه PageV22P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" الأبواب فلا يثبت لنا أحد إن شاء الله تعالى ~~، فلنحق بالجزيرة والشام فنفرض ms5046 الفروض ونجبي الخراج ، ونصير في مملكة واسعة ~~وملك جديد ، فتسارع إليك الناس ويحدث الله أمورا ، فصوب رأيهم ووافقهم عليه ~~، فنما الخبر إلى طاهر فكتب إلى سليمان بن المنصور ومحمد بن عيسى بن نهيك ~~والسندي بن شاهك ، وأقسم لئن لم تردوه عن هذا الرأي لا تركت لكم ضيعة إلا ~~قبضتها ، ولا تكون لي همة إلا أنفسكم ، فدخلوا على الأمين فقالوا : قد ~~بلغنا الذي عزمت عليه ، ونحن نذكرك الله في نفسك ، إن هؤلاء صعاليك وقد بلغ ~~بهم الحصار إلى ما ترى ، وهم يرون أن لا أمان لهم عند أخيك وعند طاهر لجدهم ~~في الحرب . ولسنا نأمن إذا خرجت معهم أن تؤخذ أسيرا . أو ياخذوا رأسك ~~فيتقربوا بك ويجعلوك سبب أمانهم ، وصرفوه عن ذلك فرجع إليهم ، وأجاب إلى ~~طلب الأمان والخروج ، وقالوا له : إنه لا بأس عليك من أخيك ، وأنه يجعلك ~~حيث أحببت فركن إلى ذلك ، وأجاب إلى الخروج إلى هرثمة بن أعين ، فدخل عليه ~~الذين أشاروا عليه بقصد الشام وقالوا له : إذا لم تقبل ما أشرنا به عليك - ~~وهو الصواب - وقبلت من هؤلاء المداهنين ، فالخروج إلى طاهر خير لك من ~~الخروج إلى هرثمة ، فقال : أنا أكره طاهرا ، وهرثمة مولانا وهو بمنزلة ~~الوالد ، وأرسل إلى هرثمة في طلب الأمان ، فأجابه إليه وحلف له أنه يقاتل ~~دونه - إن هم المأمون بقتله ، فلما علم طاهر ذلك اشتد عليه ، وأبى أن يدعه ~~يخرج إلى هرثمة وقال : هو في حربي والجانب الذي أنا فيه ، وأنا ألجأته إلى ~~بالحصار إلى طلب الأمان ، فلا أرضى أن يخرج إلى هرثمة فيكون الفتح له دوني ~~، فاجتمع القواد أصحاب الأمين بطاهر وقالوا : إنه لا يخرج إليك أبدا ، وإنه ~~يخرج إلى هرثمة ببدنه ويدفع إليك الخاتم والقضيب والبردة وهو الخلافة ، ~~فاغتنم هذا الأمر ولا تفسده ، فرضي بذلك ، فأتى الهرش إلى طاهر وأراد ~~التقرب إليه ، فأخبره أن الذي جرى بينهم مكر ، وأن الخاتم والبردة والقضيب ~~تحمل مع الأمين إلى هرثمة ، فاغتاظ منه وجعل حول قصر الأمين قوما فلما تهيأ ~~الأمين للخروج إلى هرثمة أرسل ms5047 إليه هرثمة ، يقول : وافيت للميعاد لأحملك ، ~~ولكني أرى ألا تخرج هذه الليلة ، فإني قد رأيت على الشط ما قد رابني ، ~~وأخاف أن أغلب وتؤخذ من يدي ، وتذهب نفسك ونفسي ، فأقم الليلة حتى أستعد ~~وآتيك الليلة القابلة ، فإن حوربت حاربت دونك ، فقال للرسول : ارجع إليه ~~فقل له لا تبرح ، فإني خارج إليك الساعة لا محالة ، ولست أقيم إلى غد ، ~~وقلق ، وقال : قد تفرق عني الناس من الموالي والحرس وغيرهم ، ولا آمن إن ~~انتهى الخبر إلى طاهر أن يدخل PageV22P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" علي ويأخذني ، وخرج بعد العشاء الآخرة ليلة ~~الأحد ، لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة ، إلى صحن الدار وعليه ~~ثياب بيض وطيلسان أسود ، فدعا بابنيه فضمهما إليه وقبلهما وبكى ، وقال : ~~استودعكما الله ، ثم جاء راكبا إلى الشط فإذا حراقة هرثمة فصعد إليها ، ~~فذكر أحمد بن سلام صاحب المظالم قال : كنت مع هرثمة في الحراقة ، فلما ~~دخلها الأمين قمت له ، وجثى هرثمة على ركبتيه واعتذر له من نقرس به ، ثم ~~احتضنه هرثمة وضمه وجعله في حجره وجعل يقبل يديه ورجليه وعينيه ، وأمر ~~هرثمة الحراقة أن تدفع ، فشد علينا أصحاب طاهر في الزوارق ونقبوا الحراقة ، ~~ورموا بالآجر والنشاب فغرقت الحراقة ، وسقط هرثمة إلى الماء وسقطنا ، فتعلق ~~الملاح بشعر هرثمة فأخرجه ، وأما الأمين فإنه شق ثيابه لما سقط في الماء ، ~~قال أحمد بن سلام : وخرجت أنا إلى الشط فأخذني رجل من أصحاب طاهر ، فأتى بي ~~إلى رجل آخر من أصحابه ، وأعلمه أني من الذين خرجوا من الحراقة ، فسألني : ~~من أنا ؟ فقلت : أنا أحمد بن سلام صاحب المظالم مولي أمير المؤمنين ، قال : ~~كذبت ، فاصدقني ، قلت : قد صدقتك ، قال ما فعل المخلوع ، قلت : رأيته قد شق ~~ثيابه فركب ، وأخذني معه أعدو وفي عنقي حبل فعجزت عن العدو ، فأمر بضرب ~~عنقي فاشتريت نفسي منه بعشرة آلاف درهم ، فتركني في بيت حتى يقبض المال ، ~~وفي البيت بواري وحصر مدرجة ووسادتان ، فلما ذهب من الليل ساعة وإذا الباب ~~قد فتح ، وأدخل الأمين وهو عريان وعليه سراويل وعمامة ms5048 ، وعلى كتفه خرقة ~~خلقة ، فلما رأيته استرجعت وبكيت في نفسي ، فسألني عن اسمي فعرفته ، فقال : ~~ضمني إليك فإني أجد وحشة شديدة ، قال : فضممته وإذا قلبه يخفق ، فقال : يا ~~أحمد - ما فعل أخي ، قلت : حي ، قال : قبح الله بريدهم كان يقول قد مات - ~~شبه المعتذر من محاربته ، فقلت : بل قبح الله وزراءك ، فقال : ما تراهم ~~يصنعون بي ؟ أيقتلونني أم يفون بأيمانهم ؟ فقلت : يفون لك ، وجعل يضم ~~الخرقة على كتفه ، فنزعت مبطنة PageV22P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" كانت علي وقلت : ألق هذه عليك ، فقال : دعني ~~فهذا من الله عز وجل ، في هذا الموضع خير كثير ، فبينا نحن كذلك إذ دخل ~~علينا رجل ، فنظر في وجوهنا فاستثبته ، فلما عرفه انصرف - وإذا هو محمد بن ~~حميد الطاهري ، فلما رأيته علمت أن الأمين مقتول ، فلما انتصف الليل فتح ~~الباب ودخل قوم عجم معهم السيوف مسلولة ، فلما رآهم قام قائما وجعل يسترجع ~~ويقول : ذهبت - والله - نفسي في سبيل الله ، أما من مغيث أما من أحد من ~~الأبناء وجاءوا حتى وقفوا على باب البيت الذي نحن فيه ، وجعل بعضهم يقدم ~~بعضا ويدفعه ، وأخذ الأمين بيده وسادة ويقول : ويحكم أنا ابن عم رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) - أنا ابن هارون - أنا أخو المأمون - الله الله في ~~دمي فضربه رجل منهم بسيف وقعت في مقدم رأسه ، فضربه الأمين على وجهه ~~بالوسادة ، وأراد أن يأخذ السيف فصاح : قتلني ، قتلني فدخل جماعة منهم ~~فنخسه واحد بالسيف في خاصرته ، ورموا نفوسهم عليه فذبحوه من قفاه ، وأخذوا ~~رأسه ومضوا به إلى طاهر ، فلما كان السحر أخذوا جثته فأدرجوها في جل ~~وحملوها ، فنصب طاهر الرأس على برج ، وخرج أهل بغداد - وطاهر يقول : هذا ~~رأس المخلوع محمد ، ولما قتل ندم جند طاهر وجند بغداد على قتله ، لما كانوا ~~يأخذون من الأموال ، وبعث طاهر رأسه إلى أخيه المأمون مع ابن عمه محمد بن ~~الحسن بن مصعب ، وكتب معه بالفتح ، فلما وصل أخذ ذو الرئاستين الرأس وأدخله ~~إلى المأمون على ترس ، فلما رآه المأمون سجد ، وبعث طاهر معه ms5049 البردة ~~والقضيب والخاتم . ولما قتل الأمين نودي في الناس كلهم بالأمان ، ودخل طاهر ~~المدينة يوم الجمعة وصلى بالناس . البيت بواري وحصر مدرجة ووسادتان ، فلما ~~ذهب من الليل ساعة وإذا الباب قد فتح ، وأدخل الأمين وهو عريان وعليه ~~سراويل وعمامة ، وعلى كتفه خرقة خلقة ، فلما رأيته استرجعت وبكيت في نفسي ، ~~فسألني عن اسمي فعرفته ، فقال : ضمني إليك فإني أجد وحشة شديدة ، قال : ~~فضممته وإذا قلبه يخفق ، فقال : يا أحمد - ما فعل أخي ، قلت : حي ، قال : ~~قبح الله بريدهم كان يقول قد مات - شبه المعتذر من محاربته ، فقلت : بل قبح ~~الله وزراءك ، فقال : ما تراهم يصنعون بي ؟ أيقتلونني أم يفون بأيمانهم ؟ ~~فقلت : يفون لك ، وجعل يضم الخرقة على كتفه ، فنزعت مبطنة كانت علي وقلت : ~~ألق هذه عليك ، فقال : دعني فهذا من الله عز وجل ، في هذا الموضع خير كثير ~~، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل ، فنظر في وجوهنا فاستثبته ، فلما عرفه ~~انصرف - وإذا هو محمد بن حميد الطاهري ، فلما رأيته علمت أن الأمين مقتول ، ~~فلما انتصف الليل فتح الباب ودخل قوم عجم معهم السيوف مسلولة ، فلما رآهم ~~قام قائما وجعل يسترجع ويقول : ذهبت - والله - نفسي في سبيل الله ، أما من ~~مغيث أما من أحد من الأبناء وجاءوا حتى وقفوا على باب البيت الذي نحن فيه ، ~~وجعل بعضهم يقدم بعضا ويدفعه ، وأخذ الأمين بيده وسادة ويقول : ويحكم أنا ~~ابن عم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) - أنا ابن هارون - أنا أخو ~~المأمون - الله الله في دمي فضربه رجل منهم بسيف وقعت في مقدم رأسه ، فضربه ~~الأمين على وجهه بالوسادة ، وأراد أن يأخذ السيف فصاح : قتلني ، قتلني فدخل ~~جماعة منهم فنخسه واحد بالسيف في خاصرته ، ورموا نفوسهم عليه فذبحوه من ~~قفاه ، وأخذوا رأسه ومضوا به إلى طاهر ، فلما كان السحر أخذوا جثته ~~فأدرجوها في جل وحملوها ، فنصب طاهر الرأس على برج ، وخرج أهل بغداد - ~~وطاهر يقول : هذا رأس المخلوع محمد ، ولما قتل ندم جند طاهر وجند بغداد على ~~قتله ، لما كانوا يأخذون من ms5050 الأموال ، وبعث طاهر رأسه إلى أخيه المأمون مع ~~ابن عمه محمد بن الحسن بن مصعب ، وكتب معه بالفتح ، فلما وصل أخذ ذو ~~الرئاستين الرأس وأدخله إلى المأمون على ترس ، فلما رآه المأمون سجد ، وبعث ~~طاهر معه البردة والقضيب والخاتم . ولما قتل الأمين نودي في الناس كلهم ~~بالأمان ، ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة وصلى بالناس . وحكى عن إبراهيم بن ~~المهدي قال : كنت مع الأمين لما حصره طاهر ، فخرج ليلة يريد الفرجة لما هو ~~فيه من الضيق ، فصار إلى قصر بناحية الخلد ، ثم أرسل إلي فحضرت عنده ، فقال ~~: ترى طيب هذه الليلة وحسن القمر في السماء وضوءه في الماء - وكان على ~~شاطيء دجلة - فهل لك في الشرب ؟ فقلت : شأنك ، فشرب رطلا وسقاني آخر ، ثم ~~غنيته ما كنت أعلم أنه يحبه ، ثم دعا بجارية اسمها ضعف فتطيرت من اسمها ، ~~فقال لها غني فغنت شعر الجعدي : كليب لعمري كان أكثر ناصرا . . . وأيسر ~~حزما منك ضرح بالدم PageV22P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" فتطير من ذلك وقال : غني غير هذا ، فغنت : ~~أبكي فراقهم عيني فأرقها . . . إن التفرق للأحباب بكاء ما زال يغدو عليهم ~~ريب دهرهم . . . حتى تفانوا وريب الدهر عداء فسبها ، وقال : أما تعرفين من ~~الغناء غير هذا ، ثم غنته : أما ورب السكون والحرك . . . إن المنايا كثيرة ~~الشرك الأبيات الأربعة ، فغضب ولعنها فقامت ، وكان له قدح من بللور حسن ~~الصنعة ، فعثرت به فكسرته ، فقال لي ويحك يا إبراهيم ما ترى إلى ما جاءت به ~~هذه الجارية والله ما أظن أمري إلا قد قرب ، فقلت : يديم الله ملكك ويعز ~~سلطانك ويكبت عدوك ، فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتا " قضي الأمر الذي فيه ~~تستفتيان " ، فقال يا إبراهيم : أما سمعت ما سمعت قلت ما سمعت شيئا ، فقتل ~~بعد ليلة أو ليلتين . ذكر صفة الأمين وعمره ومدة خلافته وشيء من أخباره كان ~~الأمين طويلا أبيض سمينا جميلا صغير العينين أقنى عظيم الكراديس بعيد ما ~~بين المنكبين ، وكان عمره ثمانيا وعشرين سنة وشهورا ، ومدة خلافته أربع ~~سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام وقيل سبعة ms5051 أشهر وثمانية عشر يوما ، وكان له ~~من الأولاد موسى ، وعبد الله ، وإبراهيم . ونقش خاتمه : محمد واثق بالله ، ~~وزراؤه : الفضل بن الربيع إلى أن هرب بعد فساد حال الأمين ، فوزر له ~~إبراهيم بن صبيح وغيره ، حاجبه : العباس بن الفضل بن الربيع ، قضاته : وهب ~~بن وهب ، ومحمد بن سماعة ، الأمراء بمصر الحسن بن البحباح ثم حاتم بن هرثمة ~~بن أعين ثم جابر بن الأشعث ، قاضيها هاشم بن أبي بكر بن عبد الرحمن من ولد ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه . قال : وكان الأمين ضعيف الرأي شديد القوى ، ~~حكى عنه أنه أحضر إليه أسد في قفص حديد ، فأمر بفتح القفص فوثب الأسد ، ~~فتفرق الغلمان ، وانفرد بالأمين PageV22P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" فوثب الأسد عليه ، فعمد إلى مرفقة تلقاه بها ~~لحمايته ، ثم قبض على أصل أذنيه وهزه فسقط الأسد ميتا ، وزاغت أكتاف الأمين ~~فأحضر الأطباء ، فأعادوها إلى مكانها ، وانفقأت مرارة الأسد في جوفه ، وقيل ~~بل حاد عن الأسد حتى تجاوزه ، ثم قبض على ذنبه وجذبه جذبة أقعى لها الأسد ، ~~وانقطع ظهره فمات ، وزاغت أنامل الأمين عن منابتها . قال : ولما استقرت ~~للأمين استكثر من الخصيان وغالى في ثمنهم ، وصيرهم لخلوته في ليله ونهاره ~~وسمى البيض منهم الجرادية والحبشان والغرابية حتى رمى بهم ، وقيل عنه ~~الأشعار ، وأخضر الملهين من جميع البلدان وأجرى عليهم الأرزاق واحتجب عن ~~الناس . ذكر خلافة المأمون هو أبو العباس - وقيل أبو جعفر - عبد الله بن ~~هارون الرشيد ، وأمه مراجل أم ولد ، بويع له البيعة العامة صبيحة الليلة ~~التي قتل فيها الأمين ، وهو يوم الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ~~ومائة ، وكان هو بمرو . وهو السابع من خلفاء بني العباس وقد تقدم من أخباره ~~وأخبار عساكره ، والبيعة له بمكة والمدينة وخراسان وغيرها من الأمصار ، ما ~~لا يحتاج إلى إعادته ، إلا أن تلك المدة لا تعد خلافة مع بقاء الأمين . قال ~~: ولما وصل رأسه إلى المأمون - كما ذكرنا - أذن للقواد ، وقرأ ذو الرئاستين ~~الفضل بن سهل الكتاب عليهم فهنأوه بالظفر ، وكتب إلى طاهر وهرثمة ms5052 بخلع ~~القاسم المؤتمن من ولاية العهد فخلعاه في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين ~~ومائة ، وعامل المأمون أم جعفر زبيدة بنت جعفر - أم الأمين - بالإكرام ~~والبر والتلطف ، ورتب لها في كل سنة مائة ألف درهم جددا ، يحملها إليها ~~ويتعاهد زيارتها . PageV22P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" حكى أبو الفرج الأصفهاني أن المأمون أغفل حمل ~~المال إليها في بعض السنين ، فتقدمت إلى أبي العتاهية أن يعمل أبياتا تذكره ~~بها فقال : زعموا لي أن في ضرب السنه . . . جددا بيضا وصفرا حسنه سككا قد ~~أحدثت لم أرها . . . مثلما كنت أرى كل سنه فلما قرأ المأمون الشعر قال : ~~إنا لله - أغفلناها وتقدم يحمل ذلك إليها ، قال : قال مخارق : ظهر لأم جعفر ~~من المأمون جفاء ، فبعث إلي بأبيات أمرتني أن أغنيه بها إذا رأيته نشيطا ~~وأسنت لي الجائزة وكان كاتبها جعفر بن الفضل ، قال الأبيات هي : ألا إن صرف ~~الدهر يدني ويبعد . . . ويؤنس بالألاف طورا ويفقد أصابت لريب الدهر مني يدي ~~يدي . . . فسلمت للأقدار والله أحمد وقلت لريب الدهر إن ذهبت يد . . . فقد ~~بقيت والحمد لله لي يد إذا بقي المأمون لي فالرشيد لي . . . ولي جعفر لم ~~يفقدا ومحمد قال مخارق ، ففعلت ، فسألني المأمون عن الخبر فعرفته فبكى قال ~~مخارق : ففعلت ، فسألني المأمون عن الخبر فعرفته فبكى ، ورق لها وقام لوقته ~~فدخل عليها ، فقبل رأسها وقبلت يده ، وقال لها : يا أمه ، ما جفوتك تعمدا ~~ولكني شغلت عنك بما لا يمكن إغفاله ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، إذا حسن ~~رأيك لم يوحشني ، وأتم عندها بقية يومه . نعود إلى سياق أخبار المأمون على ~~حكم التوالي . ذكر وثوب الجند بطاهر قال : ووثب الجند بطاهر بعد مقتل ~~الأمين بخمسة أيام ، وكان سبب ذلك أنهم طلبوا منه مالا ، فلم يمكن معه شيء ~~فثاروا به ، فظن أن ذلك بمواطأة الجند وأهل الأرباض ، وأنهم معهم عليه فخشي ~~على نفسه وهرب إلى عقرقوف ، ونهبوا PageV22P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" بعض متاعه ، وخرج معهم جماعة من القواد ، ثم ~~خرج إليه القواد الذين تخلفوا وأعيان المدينة ، واعتذروا إليه وسألوه الصفح ~~عنهم ms5053 وقبول عذرهم ، فقال طاهر : ما خرجت عنكم إلا لوضع السيف فيكم ، وأقسم ~~بالله عز وجل لئن عدتم لملثها لأعودن إلى رأيي فيكم ، ثم شكرهم وأمر لهم ~~بأرزاق أربعة أشهر ووضعت الحرب أوزارها واستوثق الأمر للمأمون . ذكر خلاف ~~نصر بن شبث العقيلي على المأمون في هذه السنة أظهر نصر الخلاف على المأمون ~~، وكان يسكن كيسوم ناحية شمالي حلب ، وكان في عنقه بيعة للأمين وله فيه هوى ~~، فلما قتل الأمين أظهر الغضب وتغلب على ما جاوره من البلاد وملك سميساط ، ~~واجتمع عليه خلق كثير من الأعراب ، وعبر الفرات إلى الجانب الشرقي وحدثته ~~نفسه بالتغلب عليه ، وكثرت جموعه وحصر حران في سنة تسع وتسعين ومائة ، ~~فأتاه نفر من شيعة الطالبيين فقالوا : قد وترت بني العباس وقتلت رجالهم ~~وأغلقت عنهم المغرب ، فلو تابعت لخليفة كان أقوى ، فقال : من أي الناس ؟ ~~فقالوا : نبايع لبعض آل علي بن أبي طالب ، فقال : أبايع أولاد السوادات ~~فقالوا : بايع لبعض بني أمية ، فقال : أولئك قد أدبر أمرهم ، والمدبر لا ~~يقبل أبدا ، وإنما هواي في بني العباس ، وإنما حاربتهم محاماة للعرب لأنهم ~~يقدمون عليهم العجم . قال : ودام أمره إلى سنة تسع ومائتين ، حاصره عبد ~~الله بن طاهر بحصن كيسوم مدة ، ثم خرج إليه بالأمان فبعثه إلى المأمون ، ~~فوصل إليه في صفر سنة عشر ومائتين ، وهدم عبد الله حصن كيسوم . ذكر ولاية ~~الحسن بن سهل العراق وغيره من البلاد وفي هذه السنة استعمل المأمون الحسن ~~بن سهل أخا الفضل على ما كان افتتحه طاهر ، من كور الجبل والعراق وفارس ~~والأهواز والحجاز واليمن ، وكتب إلى طاهر PageV22P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" بتسليم ذلك إليه ، فقدم الحسن بين يديه علي ~~بن أبي سعيد فدافعه طاهر بتسليم الخراج إليه حتى وفى الجند أرزاقهم ، وسلم ~~إليه العمل ، وقدم الحسن سنة تسع وتسعين ففرق العمال ، وأمر طاهرا أن يسير ~~إلى الرقة لمحاربة نصر بن شبث ، وولاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب ، ~~فسار طاهر إلى نصر والتقوا بنواحي كيسوم ، واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر ~~فيه لشبث ، وعاد طاهر شبه المهزوم ms5054 إلى الرقة ، وكان قصارى أمره حفظ تلك ~~النواحي من نصر . وحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى ~~. ودخلت سنة تسع وتسعين ومائة . ذكر ظهور ابن طباطبا العلوي ووفاته وخبر ~~أبي السرايا في هذه السنة ظهر محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن ~~الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - وهو المعروف بابن طباطبا - بالكوفة ، ~~لعشر خلون من جمادى الآخرة يدعو إلى الرضا من آل محمد ( صلى الله عليه وسلم ~~) والعمل بالكتاب والسنة ، وكان القيم بأمره في الحرب أبو السرايا السري بن ~~منصور الشيباني ، وكان سبب خروجه أن المأمون لما صرف طاهرا ووجه الحسن بن ~~سهل إلى الأعمال التي ذكرناها تحدث الناس بالعراق ، أن الفضل بن سهل قد غلب ~~على المأمون ، وأنه أنزله قصرا حجبه فيه عن أهل بيته وأولاده وقواده ، وأنه ~~يستبد بالأمور دونه ، فغضب لذلك بنو هاشم ووجوه الناس ، واجترءا على الحسن ~~بن سهل وهاجت الفتن في الأمصار ، فكان أول من ظهر ابن طباطبا بالكوفة ، ~~وكان سبب اجتماع ابن طباطبا بأبي السرايا أن أبا السرايا كان يكرى الحمير ~~ثم قوي أمره فجمع نفرا فقتل رجلا من بني تميم بالجزيرة وأخذ ما معه ، فطلب ~~فاختفى وعبر الفرات إلى الجانب الشرقي ، فكان يقطع الطريق بتلك الناحية ، ~~ثم لحق بأسد بن زيد بن مزبد الشيباني بأرمينية ومعه ثلاثون فارسا ، فقوده ~~فجعل يقاتل معه الخرمية فأثر فيهم ، وقتل وأخذ منهم غلامه أبا الشوك ، فلما ~~عزل أسد عن أرمينية صار أبو السرايا إلى أحمد بن مزيد ، فوجهه أحمد طليعة ~~إلى عسكر هرثمة في فتنة الأمين ، واشتهرت شجاعته فراسله هرثمة واستماله ~~فمال إليه ، وانتقل إلى عسكره وقصد العرب بالجزيرة ، واستخرج لهم الأرزاق ~~من هرثمة ، فصار معه نحو ألفي فارس وراجل ، فصار يخاطب بالأمير ، فلما قتل ~~الأمين قصر هرثمة في PageV22P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" أرزاقه وأرزاق من معه ، فاستأذنه في الحج ~~فأذن له وأعطاه عشرين ألف درهم ، ففرقها في أصحابه ومضى وقال لهم : اتبعوني ~~متفرقين ، ففعلوا واجتمع معه نحو مائتي ms5055 فارس ، فسار بهم إلى عين التمر وحصر ~~عاملها ، وأخذ ما عنده من المال فقسمه في أصحابه ، وسار فلقي عاملا آخر ~~ومعه مال على ثلاثة بغال فأخذها ، وسار فلحقه عسكر بعثه هرثمة خلفه فقاتلهم ~~وهزمهم ، ودخل البرية وقسم المال في أصحابه وانتشر خبره فلحق به من تخلف ~~عنه من أصحابه وغيرهم وكثر جمعه فسار نحو دقوقا وعليها أبو ضرغامة العجلي ~~في سبعمائة فارس ، فخرج إليه واقتتلوا فهزمه أبو السرايا وحصره بقصر دقوقا ~~وأخرجه بأمان ، وأخذ ما عنده من الأموال وسار إلى الأنبار ، وعليها إبراهيم ~~السروي مولى المنصور فقتله وأخذ ما فيها وسار ، ثم عاد إليها عند إدراك ~~الغلال فاحتوى عليها ، ثم ضجر من طول السرى في البلاد فقصد الرقة ، فمر ~~بطوق بن مالك التغلبي وهو يقاتل القيسية ، فأعانه وقاتل معه أربعة أشهر حتى ~~ظفر طوق ، ثم سار عنه إلى الرقة ، فلما وصلها لقيه ابن طباطبا فبايعه ، ~~وقال له : انحدر أنت في الماء وأسير أنا على البر حتى نوافي الكوفة فدخلاها ~~، وابتدأ أبو السرايا بقصر العباس بن موسى بن عيسى ، وأخذ ما فيه من ~~الأموال والجواهر - وكان عظيما لا يحصى كثرة ، فبايعهم أهل الكوفة واستوثق ~~أمرهما بها ، وأتاه الناس من نواحي الكوفة والأعراب فبايعوه - أعني ابن ~~طباطبا ، وكان العامل عليها للحسن بن سهل - سليمان بن المنصور ، فلامه ~~الحسن ووجه زهير بن المسيب الضبي إلى الكوفة في عشرة آلاف فارس وراجل ، ~~فخرج إليه ابن طباطبا وأبو السرايا فهزموه ، واستباحوا عسكره وكانت الوقعة ~~في سلخ جمادى الآخرة ، فلما كان الغد مستهل رجب مات محمد بن إبراهيم ابن ~~طباطبا فجأة سمه أبو السرايا ، وكان الناس له سامعين مطيعين ، فعلم أبو ~~السرايا أنه لا حكم له معه ، فسمه ونصب مكانه غلاما أمرد ، يقال له محمد بن ~~محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وصار الحكم لأبي السرايا ~~. ورجع زهير إلى قصر ابن هبيرة ووجه الحسن بن سهل - عبدوس بن محمد بن أبي ~~خالد المزوروذي في أربعة آلاف فارس ، فلقيه أبو السرايا ms5056 لثلاث عشرة ليلة ~~بقيت من شهر PageV22P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" رجب ، فقتل عبدوسا ولم يفلت من أصحابه أحد - ~~كانوا بين قتيل وأسير ، وانتشر الطالبيون في البلاد ، وضرب أبو السرايا ~~الدراهم بالكوفة ، وسير جيوشه إلى البصرة وواسط ونواحيها ، فولى البصرة ~~العباس بن محمد بن عيسى بن محمد الجعفري ، وولى مكة الحسين بن الحسن بن علي ~~بن الحسين بن علي - الذي يقال له الأفطس - وجعل إليه الموسم ، وولى اليمن ~~إبراهيم بن موسى بن جعفر ، وولى فارس إسماعيل بن موسى بن جعفر ، وولى ~~الأهواز زيد بن موسى بن جعفر فسار إليه البصرة ، وغلب عليها وأخرج عنها ~~العباس بن محمد الجعفري ووليها مع الأهواز ، ووجه أبو السرايا - محمد بن ~~سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب إلى المدائن وأمره أن ~~يأتي بغداد من الجانب الشرقي ، فأتى المدائن وأقام بها وهزم أصحاب الحسن ~~إلى بغداد ، فلما رأى الحسن بن سهل أن عسكره لا يثبت لعسكر أبي السرايا ~~أرسل إلى هرثمة يستدعيه ، وكان قد سار إلى خراسان مغاضبا للحسن ، فحضر إليه ~~بعد امتناع وسار إلى الكوفة في شعبان ، وسير الحسن إلى المدائن وواسط علي ~~بن أبي سعيد الحرشي ، فوجه أبو السرايا إليها جيشا فدخل جيشه المدائن في ~~شهر رمضان ، وتقدم هو حتى نزل بنهر صرصر ، وجاء هرثمة فعسكر بإزائه بينهما ~~النهر ، وسار علي بن أبي سعيد في شوال إلى المدائن ، فقاتل أصحاب أبي ~~السرايا وهزمهم واستولى عليها ، فبلغ الخبر أبا السرايا فرجع من نهر صرصر ~~إلى قصر ابن هبيرة ، وسار هرثمة في طلبه ، فوجد جماعة من أصحابه فقتلهم ، ~~ووجه برءوسهم إلى الحسن ، ونازل هرثمة أبا السرايا وكانت بينهم وقعة . قتل ~~فيها جماعة من أصحاب أبي السرايا . وانحاز إلى الكوفة ووثب من معه من ~~الطالبيين على دور بني العباس ومواليهم وأتباعهم فانتهبوها وهدموها وخربوا ~~ضياعهم ، وأخرجوهم من الكوفة وعملوا أعمالا قبيحة ، واستخرجوا الودائع التي ~~كانت لهم عند الناس . عليها وأخرج عنها العباس بن محمد الجعفري ووليها مع ~~الأهواز ، ووجه أبو السرايا - محمد بن ms5057 سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن ~~علي بن أبي طالب إلى المدائن وأمره أن يأتي بغداد من الجانب الشرقي ، فأتى ~~المدائن وأقام بها وهزم أصحاب الحسن إلى بغداد ، فلما رأى الحسن بن سهل أن ~~عسكره لا يثبت لعسكر أبي السرايا أرسل إلى هرثمة يستدعيه ، وكان قد سار إلى ~~خراسان مغاضبا للحسن ، فحضر إليه بعد امتناع وسار إلى الكوفة في شعبان ، ~~وسير الحسن إلى المدائن وواسط علي بن أبي سعيد الحرشي ، فوجه أبو السرايا ~~إليها جيشا فدخل جيشه المدائن في شهر رمضان ، وتقدم هو حتى نزل بنهر صرصر ، ~~وجاء هرثمة فعسكر بإزائه بينهما النهر ، وسار علي بن أبي سعيد في شوال إلى ~~المدائن ، فقاتل أصحاب أبي السرايا وهزمهم واستولى عليها ، فبلغ الخبر أبا ~~السرايا فرجع من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة ، وسار هرثمة في طلبه ، فوجد ~~جماعة من أصحابه فقتلهم ، ووجه برءوسهم إلى الحسن ، ونازل هرثمة أبا ~~السرايا وكانت بينهم وقعة . قتل فيها جماعة من أصحاب أبي السرايا . وانحاز ~~إلى الكوفة ووثب من معه من الطالبيين على دور بني العباس ومواليهم وأتباعهم ~~فانتهبوها وهدموها وخربوا ضياعهم ، وأخرجوهم من الكوفة وعملوا أعمالا قبيحة ~~، واستخرجوا الودائع التي كانت لهم عند الناس . ذكر هرب أبي السرايا وقتله ~~قال : ولما انحاز أبو السرايا إلى الكوفة حاصره بها هرثمة ، وقاتله ولازم ~~قتاله فخرج أبو السرايا من الكوفة في ثمانمائة فارس ، ومعه محمد بن محمد بن ~~زيد ، ودخلها هرثمة فأمن أهلها ولم يعرض إليهم ، وكان هرثمة في سادس عشر ~~المحرم PageV22P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" سنة مائتين فأتى القادسية ، وسار منها إلى ~~السوس بخوزستان ، فلقي مالا قد حمل من الأهواز فأخذه وقسمه بين أصحابه ، ~~فأتاه الحسن بن علي المأموني ، فأمره بالخروج من عمله وكره قتاله ، فأبى ~~أبو السرايا إلا قتاله فقاتله ، فهزمه المأموني وخرج وتفرق أصحابه ، وسار ~~هو ومحمد بن محمد وأبو الشوك نحو منزل أبي السرايا برأس عين ، فلما انتهوا ~~إلى جلولاء ظفر بهم حماد الكندغوش فأخذهم ، وانتهى بهم إلى الحسن بن سهل ~~وهو بالنهروان ms5058 . فقتل أبا السرايا وبعث رأسه إلى المأمون ، ونصب جثته على ~~جسر بغداد . وسير محمد بن محمد إلى المأمون . وأما هرثمة فأقام بالكوفة ~~يوما واحدا وعاد منها ، واستخلف بها غسان بن أبي الفرج ، وسار علي بن أبي ~~سعيد إلى البصرة فأخذها من العلويين ، وكان بها زيد بن موسى بن جعفر بن ~~محمد بن علي بن الحسين بن علي وهو الذي يسمى زيد النار ، وإنما سمي بذلك ~~لما أحرق بالبصرة من دور العباسيين وأتباعهم ، وكان إذا أتى برجل من ~~المسودة أحرقه ، وأخذ أموالا كثيرة من التجار ، فلما وصل علي إلى البصرة ~~استأمنه زيد فأمنه ، وبعث إلى مكة والمدينة جيشا وأمرهم بمحاربة من بها من ~~العلويين . وكان بين خروج أبي السرايا وقتله عشرة أشهر . نعود لمساق السنين ~~. ودخلت سنة مائتين . في هذه السنة كان ظهور إبراهيم بن موسى بن جعفر بن ~~محمد وكان بمكة ، فلما بلغه خبر أبي السرايا وما كان منه سار إلى اليمن ، ~~وبها إسحاق بن موسى بن عيسى عاملا للمأمون ، فلما بلغه قرب إبراهيم من ~~صنعاء سار نحو مكة ، واستولى إبراهيم على اليمن ، وكان يسمى الجزار لكثرة ~~من قتل باليمن وسبى وأخذ الأموال ، ثم وجه رجلا من ولد عقيل بن أبي طالب في ~~جند ليحج بالناس ، فسار العقيلي حتى أتى بستان ابن عامر ، فبلغه أن أبا ~~إسحاق المعتصم قد حج في جماعة من القواد ، وفيهم حمدويه بن علي بن عيسى بن ~~ماهان - وكان الحسن بن سهل قد استعمله على PageV22P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" اليمن ، فعلم العقيلي أنه لا يقوى لهم فأقام ~~ببستان ابن عامر ، فاجتازت قافلة من الحاج ومعهم كسوة الكعبة وطيبها ، ~~فأخذوا أموال التجار والكسوة والطيب ، وقدم الحجاج مكة عراة منهوبين ، ~~فاستشار المعتصم أصحابه فقال الجلودي : أنا أكفيك ذلك ، فانتخب مائة رجل ~~وسار بهم إلى العقيلي ، وقاتلهم فانهزم أصحاب العقيلي وأسر أكثرهم ، وأخذوا ~~كسوة الكعبة وأموال التجار إلا ما كان مع من هرب ، وضرب الأسرى كل واحد ~~عشرة أسواط وأطلقهم . فرجعوا إلى اليمن يستطعمون الناس ، فهلك أكثرهم في ~~الطريق . ذكر ms5059 ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة ومبايعة محمد بن جعفر ~~وما كان من أمره وخلعه لنفسه قد ذكرنا أن أبا السرايا كان قد بعث الحسين بن ~~الحسن الأفطس إلى مكة في سنة تسع وتسعين ومائة لما ظهر أمره ، فدخل مكة ~~فلما كان في المحرم من هذه السنة نزع الحسين كسوة الكعبة ، وكساها كسوة ~~أخرى كان قد أنفذها أبو السرايا من الكوفة من القز . قال : وتتبع الحسين ~~ودائع بني العباس وأخذ أموال الناس بحجة الودائع ، فهرب الناس منه وتطرق ~~أصحابه إلى قلع شبابيك الحرم ، وأخذ ما على الأساطين من الذهب - وهو نزر ~~حقير . وأخذ ما في خزانة الكعبة فقسمه مع كسوتها في أصحابه . فلما بلغه قتل ~~أبي السرايا . ورأى تغير الناس عليه لسوء سيرته وسيرة أصحابه . فأتى هو ~~وأصحابه إلى محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ، وكان شيخا ~~محببا في الناس مفارقا لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة . وكان ~~يروى والعلم عن أبيه ويكتبه الناس عنه ويظهر الزهد . فلما أتوه قالوا : ~~تعلم منزلتك من الناس فهلم نبايعك بالخلافة ، فإن فعلت لم يختلف عليك رجلان ~~، فامتنع من ذلك فلم يزل به ابنه علي وحسين بن الحسن الأفطس حتى غلباه على ~~رأيه ، فأجابهم فأقاموه في شهر ربيع الأول وبايعوه بالخلافة . وجمعوا له ~~الناس فبايعوه طوعا وكرها ونعتوه بأمير المؤمنين . فبقي شهورا وليس له من ~~الأمر شيء . وابنه علي وحسين بن حسن وجماعتهما أسوأ ما كانوا سيرة وأقبح ~~فعلا ، فوثب حسين بن حسن على امرأة من بني فهر كانت جميلة ، وأرادها على ~~نفسها فامتنعت ، وخاف زوجها وهو من بني مخزوم حتى توارى عنه ، ثم كسر باب ~~دارها وأخذها مدة ثم هربت منه ، ووثب علي بن محمد بن جعفر على غلام أمرد - ~~وهو ابن قاضي مكة اسمه إسحاق بن محمد ، وكان PageV22P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" جميلا فأخذه قهرا ، فاجتمع أهل مكة ومن بها ~~من المجاورين فصاروا في جمع كبير ، فأتوا محمد بن جعفر وقالوا : لنخلعنك ~~ولنقتلنك أو ms5060 لتردن علينا هذا الغلام ، فأغلق بابه وكلمهم من شباك ، وطلب ~~منهم الأمان ليركب إلى ابنه ويأخذ منه الغلام ، وحلف أنه لم يعلم به ، ~~فأمنوه فركب إلى ابنه وأخذه منه ورده إلى أبيه ، ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى ~~قدم إسحاق بن موسى العباسي من اليمن ، فنزل المشاش فاجتمع الطالبيون إلى ~~محمد بن جعفر وأعلموه ذلك ، وحفروا خندقا وجمعوا الناس من الأعراب وغيرهم ، ~~فقاتلهم إسحاق ثم كره القتال فسار نحو العراق ، فلقيهم الجند الذين بعثهم ~~هرثمة إلى مكة ، ومعهم الجلودي ورجاء بن جميل فردوه معهم ، فقاتلوا ~~الطالبيين فهزموهم ، فطلب محمد بن جعفر الأمان فأمنوه ، ودخل العباسيون مكة ~~في جمادى الآخرة وتفرق الطالبيون من مكة . وأما محمد بن جعفر فسار نحو ~~الحجفة ، فأدركه بعض موالي بني العباس فأخذ جميع ما معه ، وأعطاه دريهمات ~~يتوصل بها ، فسار نحو بلاد جهينة فجمع بها وقاتل هارون بن المسيب والي ~~المدينة عند الشجرة وغيرها ، عدة وقعات فانهزم محمد وفقئت عينه بسهم ، وقتل ~~من أصحابه بشر كثير ورجع إلى موضعه ، فلما انقضى الموسم طلب الأمان من ~~الجلودي ومن رجاء بن جميل - وهو ابن عم الفضل بن سهل فأمناه ، وضمن له رجاء ~~عن المأمون وعن الفضل الوفاء بالأمان ، فقبل ذلك وأتى مكة لعشر بقين من ذى ~~الحجة ، فخطب الناس وقال إنني كان بلغني أن المأمون مات ، وكانت له في عنقي ~~بيعة ، وكانت فتنة عمت الأرض ، فبايعني الناس ، ثم إنه صح عندي أن المأمون ~~حي صحيح وأنا أستغفر الله من البيعة وقد خلعت نفسي من بيعتي التي بايعتموني ~~عليها - كما خلعت خاتمي هذا من أصبعي ، فلا بيعة لي في رقابكم . ثم سار في ~~سنة إحدى ومائتين إلى العراق ، فسيره الحسن بن سهل إلى المأمون بمرو ، فلما ~~سار المأمون إلى العراق صحبه فمات بجرجان . PageV22P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" ذكر مسيرة هرثمة إلى المأمون وقتله قال : ~~فلما فرغ هرثمة من أمر أبي السرايا رجع ولم يأت الحسن بن سهل ، وسار إلى ~~خراسان فأتته كتب المأمون في غير موضع ، أن يأتي إلى الشام والحجاز ms5061 ، فقال ~~: لا أرجع حتى ألقى أمير المؤمنين ، إدلالا منه عليه ولما يعرف من نصيحته ~~له ولآبائه وأراد أن يعرف المأمون ما يدبر عليه الفضل بن سهل ، وما يكتم ~~عنه من الأخبار ، وأنه لا يدع المأمون حتى ينتقل إلى بغداد ليتوسط سلطانه ، ~~فعلم الفضل بذلك فعاجله بالتدبير عليه ، وقال للمأمون : إن هرثمة قد أنغل ~~عليك البلاد والعباد ، ودس أبا السرايا - وهو من جنده - ولو أراد لم يفعل ~~ذلك ، وقد كتب إليه عدة كتب ليرجع إلى الشام والحجاز فلم يفعل ، وقد جاء ~~مشاقا وإن أطلق كان هذا مفسدة لغيره ، فتغير قلب المأمون وأبطأ هرثمة إلى ~~ذى القعدة ، فلما بلغ مرو خشي أن يكتم قدومه عن المأمون ، فأمر بالطبول ~~فضربت لكي يسمعها المأمون فسمعها ، فقال : ما هذا قال : هرثمة قد أقبل يرعد ~~ويبرق ، فأمر المأمون بإدخاله ، فلما دخل قال له المأمون : مالأت أهل ~~الكوفة والعلويين ، ووضعت أبا السرايا ولو شئت أن تأخذهم جميعا لفعلت ، ~~فذهب هرثمة يتكلم ويعتذر ، فلم يقبل قوله وأمر به فديس بطنه ، وضرب أنفه ~~وسحب من يديه وحمل إلى الحبس ، فمكث أياما ثم دسوا عليه من قتله وقالوا مات ~~. ذكر وثوب الحربية ببغداد وفي هذه السنة كان الشغب ببغداد بين الحربية ~~والحسن بن سهل ، وسبب ذلك أن الحسن بن سهل كان بالمدائن لما شخص هرثمة إلى ~~المأمون ، فلما بلغ أهل بغداد ما صنعه المأمون بهرثمة بعث الحسن بن سهل إلى ~~علي بن هشام - وهو والي بغداد من قبله - أن امطل الجند من الحربية أرزاقهم ~~. وكانت الحربية قبل ذلك قد وثبوا وقالوا : لا نرضى حتى نطرد الحسن وعماله ~~عن بغداد فطردوهم ، وصيروا إسحاق بن موسى بن المهدي خليفة للمأمون ببغداد . ~~واجتمع أهل الجانبين على ذلك ورضوا به . فدس الحسن إليهم وكاتب قوادهم . ~~حتى شغبوا من جانب عسكر المهدي ، فحول PageV22P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" الحربية إسحاق إليهم وأنزلوه على دجيل ، وجاء ~~زهير بن المسيب فنزل في عسكر المهدي . وبعث الحسن بن سهل علي بن هشام في ~~الجانب الآخر هو ومحمد بن أبي خالد ms5062 ، فدخلوا بغداد في شعبان . وقاتل ~~الحربية ثلاثة أيام على قنطرة الصراة . ثم وعدهم رزق ستة أشهر إذا أدركت ~~الغلة ، فسألوه تعجيل خمسين درهما لكل رجل منهم ينفقونها في شهر رمضان ، ~~فأجابهم إلى ذلك وجعل يعطيهم ، ثم هرب علي بن هشام بعد جمعة من الحربية ~~ونزل بصرصر ، لأنه لم يف بالعطاء ، وقام بأمر الحربية محمد بن أبي خالد لأن ~~علي بن هشام كان يستخف به ، فغضب من ذلك وتحول وهزموا علي بن هشام من صرصر ~~، وقيل : كان السبب في شغبهم أن الحسن بن سهل جلد عبد الله بن ماهان الحد ، ~~فغضب الحربية وخرجوا . وحج بالناس في هذه السنة المعتصم . ودخلت سنة إحدى ~~ومائتين . ذكر ولاية منصور بن المهدي بغداد في هذه السنة أراد أهل بغداد أن ~~يبايعوا المنصور بن المهدي بالخلافة ، فامتنع من ذلك فأرادوه على الإمرة ~~عليهم ، على أن يدعو للمأمون بالخلافة فأجابهم إلى ذلك ، وكان سبب ذلك أن ~~أهل بغداد - لما أخرجوا علي بن هشام من بغداد واتصل حين إخراجه بالحسن سهل ~~سار من المدائن إلى واسط ، وذلك في أول هذه السنة ، فاتبعه محمد بن أبي ~~خالد مخالفا له ، وقد تولى القيام بأمر الناس ، وولى سعيد بن الحسن بن ~~قحطبة بالجانب الغربي ونصر بن حمزة بالجانب الشرقي ، وكان ببغداد منصور بن ~~المهدي والفضل بن الربيع وخزيمة بن خازم ، وكان الفضل بن الربيع مختفيا كما ~~تقدم إلى الآن ، فلما رأى محمدا قد بلغ واسط طلب منه الأمان فأمنه ، وظهر ~~الفضل وسار محمد بن أبي خالد إلى الحسن على تعبئة ، وقد تحول الحسن عن واسط ~~، فوجه إليه الحسن بن سهل قواده وجنده ، فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب ~~محمد بعد العصر ، وثبت هو حتى جرح جراحات شديدة ، وانهزموا هزيمة قبيحة ~~وقتل منهم كثير ، وذلك لسبع بقين من شهر ربيع الأول ، ثم أتاه PageV22P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" الحسن بن سهل واقتتلوا ، حتى جنهم الليل فرحل ~~محمد وأصحابه ثم التقوا واقتتلوا مرة ثانية إلى الليل ، فاشتدت جراحات محمد ~~فحمله ابنه أبو زنبيل إلى بغداد ، وخلف ms5063 عسكره لست خلون من ربيع الآخر ، ~~ومات محمد بن أبي خالد فدفن في داره سرا ، وأتى أبو زنبيل خزيمة بن خازم ~~فأعلمه وفاة أبيه ، فأعلم خزيمة الناس وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد إليه ، ~~أنه قام بأمر الحرب مقام أبيه ، ثم كان بين الحسن وبين أولاده محمد بن أبي ~~خالد وقعات ، وانتصر فيها أصحاب الحسن عليهم وهزموهم مرة بعد أخرى . قال : ~~ولما مات محمد قال بنو هاشم والقواد نصير منا خليفة ونخلع المأمون ، ثم ~~أتاهم خبر هزيمة أولاد محمد فجدوا في ذلك ، وأرادوا منصور بن المهدي على ~~الخلافة فأبى ، فجعلوه خليفة للمأمون ببغداد والعراق ، وقالوا : لا نرضى ~~بالمجوسي الحسن بن سهل ، وقال المنصور : أنا خليفة أمير المؤمنين حتى يقدم ~~، أو يولي من أحب فرضي به الناس ، وعسكر بكلواذى . ذكر البيعة بولاية العهد ~~لعلي بن موسى الرضا في هذه السنة جعل المأمون علي بن موسى الرضا بن جعفر بن ~~محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب رضي الله عنه ولي عهد المسلمين ، ~~والخليفة من بعده ولقبه الرضا من آل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأمر ~~جنده بطرح السواد ولبس الخضرة وكتب بذلك إلى سائر الآفاق ، وذلك لليلتين ~~خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين ، فتكلم بنو العباس في ذلك وقال بعضهم ~~لا نرضاه ، وتكلموا في خلع المأمون والبيعة لإبراهيم بن المهدي ، فكان ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى . ذكر فتح جبال طبرستان وأسر ملك الديلم في هذه ~~السنة افتتح عبد الله بن خرداذبة - والي طبرستان - البلازر والشيزر من بلاد ~~الديلم ، وافتتح طبرستان وأنزل شهريار بن شروين عنها . وأسر أبا ليلى ملك ~~الديلم . PageV22P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" وحج بالناس في هذه السنة إسحاق بن موسى بن ~~عيسى بن موسى بن محمد بن علي العباسي . ودخلت سنة اثنتين ومائتين . ذكر ~~بيعة إبراهيم بن المهدي ببغداد وخلع المأمون في هذه السنة بايع أهل بغداد ~~إبراهيم بن المهدي ولقبوه المبارك ، وخلعوا المأمون وذلك في أول المحرم ، ~~وقيل لخمس مضين منه ، وبايعه سائر بني هاشم ، وكان ms5064 المتولي لأمر البيعة ~~المطلب بن عبد الله بن مالك ، وكان سبب ذلك ما ذكرناه ، من إنكار الناس ~~ولاية الحسن بن سهل والبيعة لعلي بن موسى ، فوضع العباسيون رجلا في يوم ~~جمعة يقول : إنا نريد أن ندعو للمأمون ومن بعده لإبراهيم ، ووضعوا من يجيبه ~~: إنا لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم بن المهدي ومن بعده لإسحاق بن موسى ~~الهادي وتخلعوا المأمون ، ففعلوا ذلك فلم يصل الناس جمعة وتفرقوا لليلتين ~~بقيتا من ذى الحجة ، ثم خلعوا المأمون وبايعوا لإبراهيم ، وكان الذي سعى في ~~هذا الأمر السندي وصالح صاحب المصلى ونصير الوصيف وغيرهم ، فلما فرغوا من ~~البيعة وعد الجند رزق ستة أشهر ، ودافعهم بها فشغبوا فأعطاهم لكل رجل مائتي ~~درهم ، وكتب لبعضهم على السواد بقيمة مالهم حنطة وشعيرا ، فخرجوا في قبضها ~~فانتهبوا الجميع ، وأخذوا نصيب السلطان وأهل السواد . واستولى على الكوفة ~~والسواد جميعه وعسكر بالمدائن . واستعمل على الجانب الغربي من بغداد العباس ~~بن موسى الهادي وعلى الجانب الشرقي منها إسحاق بن موسى الهادي . ذكر أخبار ~~إبراهيم بن المهدي وما استولى عليه من الأماكن وما كان من أمره إلى أن خلع ~~واستتر ذكر استيلائه على قصر ابن هبيرة والكوفة قال : وكان بقصر ابن هبيرة ~~حميد بن عبد الحميد عاملا للحسن بن سهل ، ومعه من القواد سعيد بن الساجور ~~وأبو البط وغسان بن أبي الفرج ومحمد بن إبراهيم الإفريقي وغيرهم ، وكاتبوا ~~إبراهيم على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة ، وكانوا قد انحرفوا عن حميد ، ~~وكتبوا إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حميدا يكاتب إبراهيم ، وكتب حميد فيهم ~~مثل ذلك ، فاستقدم الحسن حميد بن عبد الحميد فامتنع ، وخاف - إن هو سار ~~إليه - سلم القواد ماله وعسكره إلى إبراهيم ، فألح الحسن عليه بالطلب ~~PageV22P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" فسار إليه في شهر ربيع الآخر ، فكتب القواد ~~إلى إبراهيم لينفذ إليهم عيسى بن محمد بن أبي خالد ، فوجه إليهم عيسى ~~فانتهبوا ما في عسكر حميد ، فكان مما أخذوا له مائة بدرة ، وأخذ ابن حميد ~~جواري أبيه وسار إليه بعسكر الحسن ms5065 ، ودخل عيسى القصر لعشر خلون من شهر ربيع ~~الآخر ، فعاد الحسن إلى الكوفة فأخذ أموالها ، واستعمل عليها العباس بن ~~موسى بن جعفر العلوي ، وأمره أن يدعو لأخيه علي بن موسى بعد المأمون ، ~~وأعانه بمائة ألف درهم وقال له : قاتل عن أخيك وأنا معك ، فوجه إبراهيم إلى ~~الكوفة سعيد بن الساجور وأبا البط لقتال العباس بن موسى ، وكان العباس قد ~~دعا أهل الكوفة فأجابه بعضهم ، وأما الغلاة من الشيعة فقالوا : إن كنت تدعو ~~لأخيك وحده فنحن معك ، وأما المأمون فلا حاجة لنا فيه ، فقال : إنما أدعو ~~للمأمون وبعده لأخي ، فقعدوا عنه ، فلما أتاه سعيد وأبو البط نزلوا قرية ~~شاهى ، بعث إليهم العباس ابن عمه علي بن محمد بن جعفر - وهو ابن الذي كان ~~قد بويع له بمكة - وبعث معه جماعة ، فاقتتلوا ساعة فانهزم العلوي وأهل ~~الكوفة ، ونزل سعيد وأصحابه الحيرة ، وكان ذلك في ثاني جمادى الآخرة ، ثم ~~تقدموا فقاتلوا أهل الكوفة ، وخرج إليهم شيعة بني العباس ومواليهم فاقتتلوا ~~إلى الليل ، وكان شعارهم : يا إبراهيم يا منصور ، لا طاعة للمأمون ، وعليهم ~~السواد وعلى أهل الكوفة الخضرة ، ثم اقتتلوا من الغد فسأل رؤساء الكوفة ~~سعيد بن الساجور الأمان للعباس وأصحابه فأمنهم ، على أن يخرجوا من الكوفة ~~فأجابوا إلى ذلك ، وأتوا العباس فأعلموه فقبل منهم وتحول عن داره ، ثم شغب ~~أصحابه على من بقي من أصحاب سعيد وقاتلوهم ، فانهزم أصحاب سعيد إلى الخندق ~~، ونهب أصحاب العباس دور عيسى بن موسى ، وأحرقوا وقتلوا من ظفروا به ، ~~فأرسل العباسيون إلى سعيد بالحيرة يخبرونه أن العباس بن موسى قد رجع عن ~~الأمان ، فركب سعيد وأصحابه وأتوا الكوفة عتمة فقتلوا من ظفروا به ممن ~~انتهب ، ومكثوا عامة الليل ، فخرج إليهم رؤساء الكوفة فأعلموهم أن هذا فعل ~~الغوغاء ، وأن العباس لم يرجع عن الأمان فانصرفوا عنهم ، فلما كان الغد ~~دخلها سعيد وأبو البط ونادوا بالأمان ولم يعرضوا لأحد ، وولوا الكوفة الفضل ~~بن محمد بن الصباح الكندي ، ثم عزلوه لميله إلى أهل بلده ، واستعملوا غسان ~~بن أبي الفرج ثم عزلوه ms5066 ، واستعملوا الهول ابن أخي سعيد ، فلم يزل عليها حتى ~~قدمها حميد بن عبد الحميد فهرب ، ودام أمر إبراهيم بن المهدي إلى سنة ثلاث ~~ومائتين ثم خلع . PageV22P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" ذكر خلع إبراهيم بن المهدي وفي سنة ثلاث ~~ومائتين خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي ، وكان سبب ذلك أنه قبض على عيسى ~~بن محمد بن أبي خالد ، لأنه كان يكاتب حميد بن عبد الحميد والحسن بن سهل ، ~~ويظهر لإبراهيم الطاعة ، وكان إبراهيم يأمره بالخروج لقتال حميد فيعتذر ، ~~أن الجند يطلبون أرزاقهم ومرة يقول حتى تدرك الغلة ، إلى أن توثق عيسى من ~~الجيش وفارقهم على أن يدفع إليهم إبراهيم بن المهدي في يوم الجمعة سلخ شوال ~~، فجاء هارون بن محمد أخو عيسى فأعلم إبراهيم بذلك ، وجاء عيسى إلى باب ~~الجسر فقال للناس : إني قد سألت حميد بن عبد الحميد أن لا يدخل عملي ولا ~~أدخل عمله ، ثم أمر بحفر خندق بباب الجسر وباب الشام ، وبلغ إبراهيم قوله ~~وفعله ، وكان عيسى قد سأل إبراهيم أن يصلي الجمعة بالمدينة ، فأجابه إلى ~~ذلك ثم حذر إبراهيم وأرسل إلى عيسى يستدعيه ، فاعتل عليه فتابع رسله إليه ~~فحضر عنده بالرصافة ، فلما دخل عليه عاتبه ساعة وعيسى يعتذر وينكر بعض ذلك ~~، ثم أمر به إبراهيم فضرب وحبس ، وأخذ عدة من قواده وأهله فحبسهم ، ونجا ~~بعضهم ومضى بعض من نجا إلى بعض ، وحرضوا الناس على إبراهيم ، وكان أشدهم ~~العباس - خليفة عيسى - فاجتمعوا وطردوا عامل إبراهيم على الجسر والكرخ ~~وغيره ، وكتب العباس إلى حميد يسأله أن يقدم عليهم ، حتى يسلموا إليه بغداد ~~، فسار حميد حتى أتى نهر صرصر ، وخرج إليه العباس وقواد بغداد فلقوه ، ~~وكانوا قد شرطوا عليه أن يعطي لكل جندي خمسين درهما ، فأجابهم إلى ذلك ~~ووعدهم أن يضع لهم العطاء يوم السبت في الياسرية ، على أن يدعوا للمأمون ~~بالخلافة يوم الجمعة ويخلعوا إبراهيم فأجابوه إلى ذلك ، ولما بلغ إبراهيم ~~الخبر أخرج عيسى ومن معه من الحبس وسأله أن يرجع إلى منزله ويكفيه هذا ~~الأمر فأبى ذلك ، فلما كان ms5067 يوم الجمعة أحضر العباس - محمد بن أبي رجاء ~~الفقيه - فصلى بالناس الجمعة ودعا للمأمون بالخلافة ، وجاء حميد إلى ~~الياسرية فعرض جند بغداد ، وأعطاهم الخمسين التي وعدهم بها فسألوه أن ~~ينقصهم PageV22P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" عشرة عشرة ، لما تشاءموا به من علي بن هشام ~~حين أعطاهم الخمسين وقطع العطاء عنهم ، فقال حميد : لا ، بل أزيدكم عشرة ، ~~فلما بلغ ذلك إبراهيم دعا عيسى وسأله أن يقاتل حميدا ، فأجابه إلى ذلك فخلى ~~سبيله ، وكلم عيسى الجند ووعدهم أن يعطيهم مثل ما أعطاهم حميد فأبوا ذلك ، ~~فعبر إليهم عيسى وقواد الجانب الشرقي ، ووعد أولئك الجند أن يزيدهم على ~~الستين فشتموه ، وقالوا : لا نريد إبراهيم ، فقاتلهم ساعة ثم ألقى نفسه في ~~وسطهم حتى أخذوه شبه الأسير ، فأخذه بعض قواده فأتى به منزله ورجع الباقون ~~إلى إبراهيم ، فأخبروه بالخبر فاغتم لذلك . ذكر اختفاء إبراهيم بن المهدي ~~كان سبب ذلك أن حميد بن عبد الحميد تحول فنزل عند أرحاء عبد الله بن مالك ، ~~فلما رأى أصحاب إبراهيم وقواده ذلك تسللوا فصار عامتهم عنده ، فأخرج ~~إبراهيم جميع من بقي عنده فالتقوا واقتتلوا ، فهزمهم حميد وتبعهم أصحابه ~~حتى أدخلوهم بغداد ، وذلك في سلخ ذى القعدة ، فلما كان الأضحى اختفى الفضل ~~بن الربيع ثم تحول إلى حميد ، وجعل الهاشميون والقواد يأتون حميدا واحدا ~~بعد واحد ، فلما رأى إبراهيم ذلك سقط في يده ، وبلغه أن أصحابه يريدون أن ~~يسلموه إليهم فداراهم حتى جنه الليل ، واختفى ليلة الأربعاء لثلاث عشرة ~~ليلة بقيت من ذى الحجة ، ولم يزل متواريا حتى ظفر به المأمون في سنة عشر ~~ومائتين على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وكانت أيام إبراهيم سنة وأحد عشر ~~شهرا واثني عشر يوما ، واستقر بعده علي بن هشام على شرقي بغداد ، وحميد على ~~غربيها . نعود إلى بقية حوادث سنة اثنتين ومائتين خلاف أخبار إبراهيم بن ~~المهدي . ذكر مسير المأمون إلى العراق وقتل ذو الرئاستين الفضل بن سهل وفي ~~سنة اثنتين ومائة سار المأمون من مرو إلى العراق ، واستخلف على خراسان غسان ~~بن عباد ms5068 ، وكان مسيره أن علي بن موسى الرضا أخبره ما الناس فيه من الفتنة ~~منذ قتل الأمين ، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من أخبار الناس وأهل بيته ~~، وأن الناس قد نقموا عليه أشياء ، وأنهم يقولون مسحور مجنون ، وأنهم قد ~~بايعوا إبراهيم بن المهدي بالخلافة ، فقال له المأمون : لم يبايعوه ~~بالخلافة وإنما صيروه PageV22P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" أميرا ، يقوم بأمرهم على ما أخبر به الفضل ، ~~فأعلمه أن الفضل قد كذبه ، وأن الحرب قائمة بين الحسن وإبراهيم ، وأن الناس ~~ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه الفضل ومكاني وبيعتك لي من بعدك ، فقال ~~المأمون : ومن يعلم ذلك ؟ فقال يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وغيرهم ~~من وجوه العسكر ، فأمر بإدخالهم فدخلوا فسألهم عما أخبر به علي بن موسى ، ~~فلم يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل أن لا يعرض إليهم ، فضمن لهم ذلك ~~وكتب لهم خطه به ، فأخبروه بما أخبره به علي بن موسى ، وأخبروه أن أهل ~~بغداد يسمون إبراهيم الخليفة السني ، وأنهم يتهمون المأمون بالرفض لمكان ~~علي بن موسى ، وأعلموه ما الناس فيه وبما موه عليه الفضل من أمر هرثمة ، ~~وأن هرثمة إنما جاءه لينصحه فقتله الفضل ، وأنه إذا لم يتدارك أمره وإلا ~~خرجت الخلافة من يده ، وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما يعلمه ، ~~وأخرج من الأمر كله وضعف أمره ، وشغبت عليه جنده ، وأنه لو كان ببغداد ضبط ~~الملك ، وأن الدنيا قد تفتقت من أطرافها وأقطارها ، وسألوه أن يخرج إلى ~~بغداد فإن أهلها لو رأوه أطاعوه ، فلما تحقق ذلك أمر بالرحيل فعلم الفضل ~~بالحال ، فضرب بعضهم وحبس بعضهم ونتف لحى بعضهم ، فذكر علي بن موسى ذلك ~~للمأمون ، فقال : أنا أداري ، ثم أرتحل ، فلما أتى سرخس وثب قوم بالفضل بن ~~سهل فقتلوه في الحمام ، وكان قتله لليلتين خلتا من شعبان ، وكان الذين ~~قتلوه أربعة : أحدهم غالب المسعودي الأسود ، وقسطنطين الرومي ، وفرج ~~الديلمي ، وموفق الصقلبي وكان عمره ستين سنة ، وهربوا بعد قتله فجعل ~~المأمون لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار ، فجاء ms5069 بهم العباس بن الهيثم الدينوري ~~، فقالوا للمأمون : أنت أمرتنا بقتله ، فأمر بهم فضربت رقابهم ، ثم أحضر ~~عبد العزيز بن عمران وغيره ، وسألهم فأنكروا أن يكونوا علموا بشيء من ذلك ، ~~فلم يقبل منهم وقتلهم وبعث برءوسهم إلى الحسن بن سهل ، وأعلمه ما دخل عليه ~~من المصيبة بقتل الفضل ، وأنه قد صيره مكانه ، ورحل المأمون إلى العراق . ~~وفيها تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل ، وفيها زوج المأمون ابنته أم ~~حبيب من علي بن موسى الرضا ، وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن موسى بن ~~جعفر ، ودعا لأخيه بعد المأمون بولاية العهد . PageV22P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" ودخلت سنة ثلاث ومائتين . ذكر وفاة علي بن ~~موسى الرضا ولي العهد كانت وفاته في آخر صفر بمدينة طوس ، وكان سبب ذلك أنه ~~أكل عنبا فأكثر منه فمات فجأة ، وصلى عليه المأمون ودفنه عند قبر أبيه ~~الرشيد ، وقيل إن المأمون سمه في عنب ، واستبعد ذلك جماعة وأنكروه . قال : ~~ولما مات كتب المأمون إلى الحسن بن سهل يعلمه بموته ، وما دخل عليه من ~~المصيبة بموته ، وكتب إلى أهل بغداد وبني العباس والموالي يعلمهم بموته ، ~~وأنهم إنما نقموا بيعته وقد مات ، وسألهم الدخول في طاعته فأغلظوا له في ~~الجواب ، وكان مولد علي بن موسى بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة . وحج ~~بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي ، وفيها غلبت السوداء على ~~الحسن بن سهل وتغير عقله حتى شد في الحديد وحبس ، فكتب القواد إلى المأمون ~~بذلك فجعل في عسكره دينار بن عبد الله . ودخلت سنة أربع ومائتين . ذكر قدوم ~~المأمون بغداد في هذه السنة قدم المأمون بغداد وانقطعت الفتن ، وخرج إليه ~~أهل بيته والقواد ووجوه الناس ، وكان كتب إلى طاهر وهو بالرقة ليوافيه ~~بالنهروان فأتاه بها ، ودخل بغداد في منتصف صفر ولباسه ولباس أصحابه الخضرة ~~، فنزل الرصافة ثم تحول فنزل قصره على شاطيء دجلة ، وأمر القواد أن يقيموا ~~في معسكرهم ، وكان الناس يحرقون كل ملبوس يرونه من السواد على إنسان ، ~~فمكثوا ثمانية أيام كذلك ، فتكلم بنو العباس ms5070 وقواد خراسان ، فقيل إنه أمر ~~طاهر بن الحسين أن يسأل حوائجه ، فكان أول حاجة سألها أن يلبس السواد ، ~~فأجابه إلى ذلك وجلس المأمون للناس وأحضر سوادا فلبسه ، ودعا بخلعة سوداء ~~فألبسها طاهرا ، وخلع على قواده السواد ، وذلك لسبع بقين من صفر منها . ~~PageV22P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" وفي هذه السنة أمر المأمون بمقاسمة أهل ~~السواد على الخمسين ، وكانوا يقاسمون على النصف . وحج بالناس في هذه السنة ~~عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب ، واستعمله ~~المأمون على الحرمين ، وفي هذه السنة أعني سنة أربع ومائتين مات الإمام ~~محمد بن إدريس الشافعي بمصر ، ومولده سنة خمسين ومائة رحمه الله ورضي عنه . ~~ودخلت سنة خمس ومائتين . ذكر ولاية طاهر بن الحسين خراسان في هذه السنة ~~استعمل المأمون طاهر بن الحسين على المشرق - من مدينة السلام إلى أقصى عمل ~~المشرق ، وكان قبل ذلك يتولى الشرط بجانبي بغداد ، فشخص طاهر من يومه وذلك ~~لليلة بقيت من ذى القعدة ، وقدم طاهر البلد فأقام شهرا فحمل إليه عشرة آلاف ~~ألف درهم التي تحمل لصاحب خراسان ، وجعل المأمون على الشرط عبد الله بن ~~طاهر بعد أبيه وحج بالناس عبيد الله العلوي . ودخلت سنة ست ومائتين . ذكر ~~ولاية عبد الله بن طاهر الرقة وغيرها في هذه السنة ولى المأمون عبد الله بن ~~طاهر من الرقة إلى مصر ، وأمره بحرب نصر بن شبث ، وقال له : يا عبد الله ~~إني أستخير الله منذ شهر وأكثر وأرجو أن يكون قد خار لي ، وقد وليتك هذه ~~الأعمال ومحاربة نصر بن شبث ، فقال : السمع والطاعة ، وأرجو أن يجعل الله ~~لأمير المؤمنين الخيرة وللمسلمين ، فعقد له ، وقيل كانت ولايته سنة خمس ~~ومائتين ، لما سار استخلف على الشرط إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب - ~~وهو ابن عمه ، وسار عبد الله إلى عمله ، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى . وحج بالناس عبيد الله العلوي . PageV22P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" ودخلت سنة سبع ومائتين . في هذه السنة خرج ~~عبد الرحمن بن ms5071 أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ببلاد ~~عك من اليمن ، يدعو إلى الرضا من آل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكان ~~سبب خروجه أن عمال اليمن أساءوا السيرة في الناس ، فبايعوا عبد الرحمن فوجه ~~المأمون إليه دينار بن عبد الله في جيش كثيف ، وكتب معه بأمانه ، فحضر ~~دينار الموسم وحج بالناس ، ثم سار إلى اليمن فبعث إلى عبد الرحمن بأمانه ~~فقبله ، ودخل في طاعة المأمون ووضع يده في يد دينار ، فخرج به إلى المأمون ~~، فمنع المأمون عند ذلك الطالبيين من الدخول عليه ، وأمرهم بلبس السواد . ~~ذكر وفاة طاهر بن الحسين أمير خراسان واستعمال ابنه طلحة كانت وفاته في ~~جمادى الأولى من هذه السنة ، قال كلثوم بن ثابت بن أبي سعيد : كنت على بريد ~~خراسان ، فلما كان في سنة سبع ومائتين حضرت الجمعة ، فصعد طاهر المنبر فلما ~~بلغ ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له ، وقال : اللهم أصلح أمة محمد بما أصلحت ~~به أولياءك ، واكفها مؤونة من بغى عليها وحشد فيها ، بلم الشعث وحقن الدماء ~~وإصلاح ذات البين ، قال : فقلت في نفسي أنا أول مقتول لأني لا أكتم الخبر ، ~~فانصرفت فاغتسلت غسل الموتى وتكفنت ، وكتبت إلى المأمون ، فلما كان العصر ~~دعاني طاهر ، وحدث به حادث في جفن عينيه فسقط ميتا ، فخرج إلي ابنه طلحة ~~فقال : هل كتبت بما كان ؟ قلت : نعم ، قال : فاكتب بوفاته وبقيام طلحة بأمر ~~الجيش ، فوردت الخريطة على المأمون بخلعه ، فدعا أحمد بن أبي خالد فقال : ~~سر فإيت بطاهر - كما زعمت وضمنت ، وكان هو قد أشار على المأمون بولاية طاهر ~~خراسان وضمنه ، فقال : يا أمير المؤمنين أبيت الليلة ، قال : لا ، فلم يزل ~~به حتى أذن له في المبيت ، ووافت الخريطة الأخرى ليلا بموته ، فدعاه فقال : ~~قد مات طاهر فمن ترى ؟ قال : ابنه طلحة ، قال : اكتب بتوليته فكتب بذلك ، ~~ولما ورد الخبر بموت طاهر قال المأمون : لليدين والفم ، الحمد لله الذي ~~قدمه وأخرنا . وكان طاهر أعور وفيه يقول بعضهم : يا ذا اليمينين وعين ms5072 واحده ~~. . . نقصان عين ويمين زائده PageV22P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" وكان لقبه ذا اليمينين وكنيته أبا الطيب . ~~وقيل إن المأمون استعمل على أعمال طاهر ابنه عبد الله ، فسير إلى خراسان ~~أخاه طلحة ، وكان عبد الله بالرقة يحارب ابن شبث ، فلما وجه طلحة إلى ~~خراسان سير المأمون إليه أحمد بن أبي خالد ليقوم بأمره ، فعبر أحمد إلى ما ~~وراء النهر وافتتح أشروسنة ، وأسر كاوس بن خارخره وابنه الفضل وبعث بهما ~~إلى المأمون ، ووهب طلحة لأحمد بن أبي خالد ثلاثة آلاف ألف درهم وعروضا ~~بألفي ألف درهم ، ووهب لإبراهيم بن العباس كاتبه خمسمائة ألف . وحج بالناس ~~في هذه السنة أبو عيسى بن الرشيد . ودخلت سنة ثمان ومائتين . في هذه السنة ~~سار الحسن بن الحسين بن مصعب من خراسان إلى كرمان فعصى بها ، فسار إليه ~~أحمد بن أبي خالد فأخذه ، وأتى به المأمون فعفا عنه ، وحج بالناس في هذه ~~السنة صالح بن الرشيد . ودخلت سنة تسع ومائتين . في هذه السنة حصل الظفر ~~بنصر بن شبث ، وقد قدمناه في أخباره . وحج بالناس صالح بن العباس بن محمد ~~بن علي . ودخلت سنة عشر ومائتين . في هذه السنة ظفر المأمون إبراهيم بن ~~محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام المعروف بابن عائشة ومحمد بن إبراهيم ~~الأفريقي ومالك بن شاهي ومن كان معهم ممن سعى في بيعة إبراهيم بن المهدي ، ~~فأقيم ابن عائشة على باب دار المأمون ثلاثة أيام في الشمس . ثم ضربه ~~بالسياط وحبسه ، وضرب مالك بن شاهي وأصحابهما ، ثم قتل ابن عائشة وابن شاهي ~~ورجلين من أصحابهما صبرا ، وصلب ابن عائشة - وهو أول عباسي صلب في الإسلام ~~، ثم أنزل وكفن وصلي عليه ودفن بمقابر قريش . PageV22P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" ذكر ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي في هذه ~~السنة في شهر ربيع الآخر أخذ إبراهيم بن المهدي ، وهو متنقب في زي امرأة ~~بين امرأتين ، أخذه حارس أسود ليلا وقال له ولهن : أين تردن في هذا الوقت ؟ ~~فأعطاه إبراهيم خاتم ياقوت كان في يده ، فاستراب منه الحارس ورفعهن إلى ~~صاحب ms5073 المسلحة ، فأمرهن أن يسفرن عن وجوههن ، فامتنع إبراهيم فجذبه فبدت ~~لحيته ، فدفعه إلى صاحب الجسر فعرفه ، فذهب به إلى المأمون وأعلمه به ، ~~فأمره بالاحتفاظ به إلى باكر النهار ، فلما كان الغد أقعد إبراهيم في دار ~~المأمون . والمقنعة في عنقه والملحفة على صدره ليراه بنو هاشم والناس ~~ويعلموا كيف أخذ ، ثم حوله إلى أحمد بن أبي خالد فحبسه عنده ، ثم شفع فيه ~~الحسن بن سهل - وقيل ابنته بوران لما بنى بها المأمون . وقيل إن إبراهيم ~~لما أخذ حمل إلى دار أبي إسحاق المعتصم ، وكان المعتصم عند المأمون فحمل ~~رديفا لفرج التركي ، فلما دخل على المأمون قال له : هيه يا إبراهيم ، فقال ~~: يا أمير المؤمنين ولي الثأر محكم في القصاص ، والعفو أقرب للتقوى ، ومن ~~تناوله الأغترار - بما مد له من أسباب الشقاء - أمكن عادية الدهر من نفسه ، ~~وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب ، كما جعل كل ذي ذنب دونك فإن تعاقب فبحقك وإن ~~تعف فبفضلك ، فقال : بل أعفو يا إبراهيم ، فكبر وسجد . وقيل بل كتب إبراهيم ~~هذا الكلام إلى المأمون وهو مختف ، فوقع المأمون في رقعته : القدرة تذهب ~~الحفيظة والندم توبة وبينهما عفو الله عز وجل ، وهو أكبر ما نسأله ، ~~فامتدحه إبراهيم بن المهدي بقصيدته التي هي : يا خير من رفلت يمانيه به . . ~~. بعد النبي لآيس أو طامع وأبر من عبد الإله على التقى . . . غيبا وأقوله ~~بحق صادع عسل الفوارع ما أطعت فإن تهج . . . فالصاب يمزج بالسمام الناقع ~~متيقظا حذرا وما تخشى العدى . . . نبهان من وسنان ليل الهاجع ملئت قلوب ~~الناس منك مخافة . . . وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع بأبي وأمي فدية وبنبهما . . ~~. من كل معضلة وريب واقع PageV22P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" منها : نفسي فداؤك إذ تضل معاذري . . . وألوذ ~~منك بفضل حلم واسع أملا لفضلك والفواضل شيمة . . . دفعت بناءك للمحل اليافع ~~فبذلت أفضل ما يضيق ببذله . . . وسع النفوس من الفعال البارع وعفوت عمن لم ~~يكن عن مثله . . . عفو ولم يشفع إليك بشافع إلا العلو عن العقوبة بعدما . . ~~. ظفرت يداك بمستكين خاضع فرحمت أطفالا كأفراخ ms5074 القطا . . . وعويل عانسة ~~كقوس النازع الله يعلم ما أقول فإنها . . . جهد الألية من حنيف راكع ما إن ~~عصيت والغواة تقودني . . . أسبابها إلا بنية طائع حتى إذا علقت حبائل شقوتي ~~. . . بردى إلى حفر المهالك هائع لم أدر أن لمثل جرمي غافرا . . . فوقفت ~~أنظر أي حتف مصارعي رد الحياة علي بعد ذهابها . . . ورع الإمام القادر ~~المتواضع ومنها : كم من يد لم تحدثني بها . . . نفسي إذا آلت إلي مطامعي ~~أسديتها عفوا إلي هنيئة . . . وشكرت مصطنعا لأكرم صانع إن الذي قسم الخلافة ~~حازها . . . من صلب آدم في الإمام السابع جمع القلوب عليك جامع أمرها . . . ~~وحوى رداؤك كل خير جامع قال : فلما أنشدها قال المأمون : أقول كما يوسف ~~لإخوته " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " وروى أبو ~~الفرج الأصفهاني بسنده عن محمد بن عمرو الأنباري قال : لما ظفر المأمون ~~بإبراهيم بن المهدي أحب أن يوبخه على رءوس الناس ، فجيء بإبراهيم يحجل في ~~قيوده ، فوقف على طرف الإيوان وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ~~PageV22P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" ورحمة الله وبركاته ، فقال له المأمون : لا ~~سلم الله عليك ولا حفظك ولا كلأك ولا رعاك يا إبراهيم ، فقال له : على رسلك ~~يا أمير المؤمنين ، فلقد أصبحت ولي ثأري ، والقدرة تذهب الحفيظة ، ومن مد ~~له الأغترار في الأمل هجمت به الأناة على التلف ، وقد أصبح ذنبي فوق كل ذي ~~ذنب ، كما أن عفوك فوق كل ذي عفو . ومن رواية أخرى أنه قال : وقد أصبحت فوق ~~كل ذي ذنب ، كما أصبح كل ذي عفو دونك ، فإن عاقبت فبحقك وإن تعف فبفضلك ، ~~قال : فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال : إن هذين أشارا علي بقتلك ، فالتفت ~~فإذا العباس بن المأمون والمعتصم ، فقال : يا أمير المؤمنين أما حقيقة ~~الرأي في معظم تدبير الخلافة والسياسة فقد أشارا عليك به ، وما غشاك إذ كان ~~مني ما كان ، ولكن الله عودك من العفو عادة جريت عليها ، دافعا ما تخاف بما ~~ترجو ، فكفاك الله يا أمير المؤمنين ، فتبسم المأمون ثم أقبل على ثمامة ms5075 ~~فقال : إن من الكلام ما يفوق الدر ويغلب السحر ، وإن كلام عمي منه ، أطلقوا ~~حديده وردوه إلي مكرما ، فلما رد إليه قال : يا عم ، صر إلى المنادمة وارجع ~~إلى الأنس ، فلن ترى مني أبدا إلا ما تحب ، فلما كان من الغد بعث إليه بدرج ~~فيه هذه القصيدة التي تقدم ذكرها ، لكن اختصرها أبو الفرج فذكر بعضها ، ~~فلما قرأها المأمون بكى وقال علي به فخلع عليه ، وأمر له بخمسة آلاف دينار ~~، ودعا بالفراش فقال له : إذا رأيت عمي مقبلا فاطرح له متكأ ، وكان ينادمه ~~لا ينكر منه شيئا . قال أبو الفرج : وروى بعض هذا الخبر عن محمد بن الفضل ~~الهاشمي ، فقال فيه : لما فرغ المأمون من خطابه دفعه إلى ابن أبي خالد ~~الأحول ، وقال : هذا صديقك فخذه إليك ، قال : وما تغني صداقتي عنه وأمير ~~المؤمنين ساخط عليه ، أما إني - وإن كنت صديقا له - لا أمتنع عن قول الحق ~~فيه ، قال له : قل فإنك غير متهم ، فقال - وهو يريد التسلق على العفو عنه : ~~إن قتلته فقد قتلت الملوك قبلك أقل جرما منه وإن عفوت عنه عفوت عمن لم يعف ~~قبلك عن مثله ، فسكت المأمون ساعة ثم تمثل قومي هم قتلوا أميم أخي . . . ~~فإذا رميت يصيبني سهمي فلئن عفوت لأعفون جللا . . . ولئن سطوت لأوهنن عظمي ~~خذه إليك يا أحمد مكرما ، فانصرف به ثم كتب إلى المأمون قصيدته المذكورة ، ~~فلما قرأها رق له وأمر برده إلى منزله ، ورد ما قبض من أملاكه وماله . وفي ~~خبر عن أبي داود أن المأمون تقدم إلى محمد بن يزداد - لما أطلق إبراهيم - ~~أن يمنعه من داري PageV22P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" الخاصة والعامة ، ووكل به رجلا من قبله يثق ~~به ليعرفه أخباره وما يتكلم به ، فكتب إليه الموكل أن إبراهيم - لما بلغه ~~المنع من داري الخاصة والعامة - تمثل : يا سرحة الماء قد سدت مواردها . . . ~~أما إليك طريق غير مسدود لحائم حام حتى لا حيام به . . . محلا عن طريق ~~الماء مردود فلما قرأها المأمون بكى وأمر بإحضاره من وقته مكرما ، وأنزله ms5076 ~~في مرتبته ، فلما دخل على المأمون قبل البساط وقال : البر بي منك وطا العذر ~~عندك لي . . . دون اعتذاري فلم تعذر ولم تلم وقام علمك بي فاحتج عندك لي . ~~. . مقام شاهد عدل غير متهم رددت مالي ولم تمنن علي به . . . وقبل ردك مالي ~~قد حقنت دمي فبؤت منك وقد كافأتها بيد . . . هي الحياتان من موت ومن عدم ~~تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به . . . فلا عدمناك من عارف ومنتقم فقال : اجلس ~~يا عم آمنا مطمئنا . فلن ترى أبدا مني ما تكرهه ، إلا أن تحدث حدثا أو ~~تتغير عن طاعة ، وأرجو ألا يكون ذلك إن شاء الله تعالى . وروى الفضل بن ~~مروان قال : لما دخل إبراهيم بن المهدي على المأمون - لما ظفر به - كلمه ~~بكلام كان سعيد بن العاص كلم به معاوية بن أبي سفيان في سخطة سخطها عليه ~~واستعطفه به ، وكان المأمون يحفظ الكلام فقال المأمون : هيهات يا إبراهيم ، ~~هذا كلام سبقك به فحل بني أمية وقارحهم سعيد بن العاص وخطب به معاوية بن ~~أبي سفيان ، فقال له إبراهيم : يا أمير المؤمنين - وأنت أيضا إن عفوت فقد ~~سبقك فحل بني حرب وقارحهم إلى العفو ، فلا تكن حالي عندك في ذلك أبعد من ~~حال سعيد عند معاوية ، فإنك أشرف منه وأنا أشرف من سعيد ، وأنا أقرب إليك ~~من سعيد إلى معاوية ، وإن أعظم الهجنة تسبق أمية هشاما إلى مكرمة فقال له : ~~صدقت يا عم قد عفوت عنك . ذكر بناء المأمون ببوران ابنة الحسن بن سهل في ~~هذه السنة بنى المأمون بها في شهر رمضان ، وكان المأمون قد سار من بغداد ~~إلى فم الصلح إلى معسكر الحسن ، فنزله وزفت إليه بوران ، فلما دخل إليها ~~PageV22P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" المأمون كان عندها حمدونة بنت الرشيد وأم ~~جعفر زبيدة والدة الأمين وجدتها - أم الفضل وأم الحسن ابني سهل ، فلما دخل ~~نثرت عليه جدتها ألف لؤلؤة من أنفس ما يكون ، فأمر المأمون بجمعه وأعطاه ~~لبوران ، وقال : سلي حاجتك فأمسكت ، فقالت جدتها : سلي سيدك فقد أمرك ، ~~فسألته الرضا عن ms5077 إبراهيم بن المهدي ، فقال : قد فعلت ، وسألته الإذن لأم ~~جعفر في الحج فأذن لها ، وألبستها أم جعفر البدنة اللؤلؤ الأموية ، وأوقد ~~المأمون في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون منا ، وأقام المأمون عند ~~الحسن سبعة عشر يوما ، يعد له كل يوم ولجميع من معه ما يحتاج إليه ، وخلع ~~الحسن على القواد على مراتبهم وحملهم ووصلهم ، وكتب الحسن أسماء ضياعه ~~ونثرها . وحكى عبد الملك بن عبد الله بن عبدون الحضرمي الشبلي ، في كتابه ~~المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرر ، قال حكى إسحاق بن إبراهيم بن ميمون ~~الموصلي قال : قال لي المأمون يوما : هذا يوم سرور ، ثم قال للغلمان : خذوا ~~علينا الباب واحضروا بالشراب ، فبقينا بقية يومنا في أنس وشرب ، فلما كان ~~الليل قال لي : يا إسحاق إني أريد الصبوح ، فكن بمكانك حتى أدخل إلى الحرم ~~وأخرج إليك ، فاستبطأت خروجه فقلت : اشتغل وغلب عليه النبيذ ونسيني ، وكانت ~~عندي جارية بكر كنت اشتريتها فتطلعت لها نفسي ، فنهضت فقال لي العبد : قد ~~انصرف عبدك بدابتك ، فمشيت فلما صرت ببعض الطريق أحسست بالبول ، فعدلت عن ~~الطريق وقضيت حاجتي ، فلما أردت أن أستجمر عدلت إلى حائط ، وإذا بزنبيل ~~كبير معلق ، قد ألبس بالديباج وفيه أربعة أحبل من الابريسم ، فقلت : إن له ~~لأمرا ، ثم تجاسرت وجلست فيه فجذب ، وإذا أربع جوار يقلن بالسعة : أصديق أم ~~جديد ؟ فقلت جديد ، فسارت إحداهن بين يدي حتى أدخلتني إلى مجلس لم أر مثله ~~، فجلست في أدنى مجالسه ، وإذا بوصائف بأيديهن الشمع والمجامر يتبخر فيها ~~العود ، وبينهن جارية كالبدر الطالع ذات دل وشكل ، فنهضت لدخولها فقالت ~~مرحبا بالضيف ، وسألتني عن دخولي ، فقلت : عن غيرما قصد ، قالت فما السبب ؟ ~~قلت انصرفت من عند بعض PageV22P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" أصحابي فلما رأيت الزنبيل حملني النبيذ على ~~الدخول فيه ، قالت : فما صناعتك ؟ قلت : بزاز ، قالت : ومولدك ؟ قلت : ~~بغداد ، قالت : من أي الناس ؟ قلت من أوسطهم ، قالت : حياك الله ، عل رويت ~~من الأشعار شيئا ؟ قلت : شيء ضعيف ، قالت : فذاكرني ، قلت : إن للداخل دهشة ~~، ولكن ابدأيني فالشيء بالمذاكرة ، قالت ms5078 : هل تحفظ قصيدة فلان التي يقول ~~فيها كذا وكذا ، فأنشدتني لجماعة من الشعراء القدماء والمحدثين ، وأنا ~~مستمع أنظر من أي أحوالها أعجب : من حسنها أو من حسن إنشادها أو من حسن ~~أدبها أو ضبطها للغريب من النحو واللغة ثم قالت : قد ذهب عنك بعض الحصر ، ~~قلت : إن شاء الله لقد كان ذلك ، قالت : فأنشدني ، فأنشدتها فجعلت تسألني ~~عن أشياء تمر في الشعر كالمختبرة ، ثم قالت : والله ما قصرت ولا توهمت أن ~~فيك هذا ولا رأيت في أبناء التجار مثلك فكيف معرفتك بالأخبار وأيام الناس ؟ ~~قلت : نظرت في شيء من ذلك ، فأمرت بإحضار الطعام فأكلنا ، ثم أحضرت نبيذا ~~فشربت قدحا ، وقالت : هذا أوان المذاكرة ، فاندفعت وقلت : بلغني كذا وكذا ، ~~وكان رجل من قصته كذا وكذا ، فسرت بذلك ، وقالت : ليس هذا من أمر التجار ، ~~وإنما هي من أحاديث الملوك ، قلت : إنه كان لي جار ينادم بعض الملوك فكنت ~~أدعوه في بعض الأوقات إلى منزلي ، فما تسمعين مني فمن عنده أخذته ، قالت : ~~يمكن هذا ثم قالت : لو كان عندك شيء واحد لكنت كاملا فحرك بعض الملاهي أو ~~ترنم ، قلت : لا أحسن من هذا شيئا على أني مولع بسماعه ، فقالت : يا جارية ~~- عودي ، فضربت فأحسنت وغنت غناء بديعا ، ثم قالت : هذا الغناء لإسحاق ، ~~فلم تزل على ذلك حتى إذا كان عند الفجر قالت : المجالس بالأمانات ، ثم أخذت ~~وأخرجت إلى باب صغير ، فانتهيت إلى داري فأرسل المأمون إلي فمشيت إليه ، ~~وبقيت عنده إلى وقت البارحة ودخل إلى حرمه ، فخرجت إلى ذلك الموضع ودخلت ~~الزنبيل ، فقالت : ضيفنا قلت : منوا بالصفح ، قالت : فعلنا ولا تعد ، فلما ~~كان عند الصباح فعلت فعلة البارحة ، وخرجت فأتيت المأمون ، فقال : أين كنت ~~فاعتذرت إليه ، فلما كان الليل صنع صنعه وصنعت كذلك ، فلما دخلت في الزنبيل ~~قالت : ضيفنا قلت : أي ها الله ، قالت : أجعلتها دار مقام قلت : الضيافة ~~ثلاث فإن رجعت فأنت من دمي في حل ، فلما كان عند الوقت أفكرت في المأمون ، ~~وعلمت أنه لا يخلصني منه إلا أن أخبره ، وعلمت ms5079 من شغفه بالنساء أنه يطالبني ~~بالمشي إليها ، فقلت : جلعت فداك - أتأذنين في ذكر شيء حضر ؟ قالت : قل ، ~~قلت : أراك ممن يحب الغناء ويشغف PageV22P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" بالأدب ، ولي ابن عم هو من أهل الشعر والأدب ~~والغناء ، هو أعرف خلق الله بغناء إسحاق ، الذي سمعتك تثنين عليه ، فقالت : ~~طفيلي ويقترح ، قلت : إنما ذكرت ذلك لك وأنت المحكمة ، قالت : فإذا كان كما ~~ذكرت فما نكره أن نعرفه ، قلت : فالليلة ، قالت : نعم ، ثم انصرفت على ~~عادتي فلما وصلت داري أتاني رسول المأمون ، فمشيت إليه وهو حنق علي ، فقال ~~: يا إسحاق آمرك بشيء فلا تقف عنده ، وكان لا يدخل إلى حرمه حتى يأمرني ~~بانتظاره ، فأتذكر مجالسة الجارية فأنسى عقوبته ، فقلت : لي قصة أحتاج فيها ~~إلى خلوة ، فأومأ بيده إلى من كان واقفا فتنحوا ، فذكرت له القصة فلما فرغت ~~من كلامي قال : كيف لي بمشاهدة ذلك الموضع ؟ قلت : قد علمت أنك تطالبني ~~بهذا ، وقد قلت لها لي ابن عم من صنعته ومن حديثه ، ثم جلسنا على عادتنا في ~~الأيام الخوالي - وهو يسألني عن حديثها ، فلما جاء الليل صرنا إلى ذلك ~~الموضع ، فألفينا فيه زنبيلين فدخل في واحد ودخلت في الآخر ، فلما صرنا في ~~البيت جلست في صدره ، وجلس المأمون دوني ، فلما أتت قالت : حيا الله ضيفينا ~~بالسلام ، ثم رفعت مجلسه وقالت : هذا ضيف وأنت من أهل البيت ، ولكل جديد ~~لذة ، فجلس المأمون في صدر البيت وأقبلت عليه تحدثه ، وهو يأخذ معها في كل ~~فن فيسكتها ، فالتفتت إلي وقالت : وفيت بوعدك ، ثم أحضرت النبيذ وجعلنا ~~نشرب وهي مقبلة عليه ، ثم قالت : وابن عمك هذا من أولاد التجار ؟ إن ~~حديثكما وأدبكما لمن أدب الملوك ، وليس للتجار هذه المنزلة في الأحاديث ~~والآداب ، ثم قالت لي : موعدك ؟ قلت : إنه ليجيب ولكن حتى يسمع شيئا ، ~~فأخذت العود وغنت فشربنا عليه رطلا ثم ثانيا وثالثا ، فلما شرب المأمون ~~ثلاثة أرطال ارتاح وطرب ، وكان الصوت الثالث ما يقترحه علي أبدا ، فلما ~~سمعه نظر إلي نظر الأسد إلى فريسته ، وقال لي : يا إسحاق ms5080 غن لي هذا الصوت ، ~~فلما رأتني وقفت بين يديه علمت أنه المأمون وأنني إسحاق ، فنهضت فقال لها : ~~ها هنا وأومأ إلى كلة مضروبة فدخلتها ، فلما فرغت من ذلك الصوت قال : يا ~~إسحاق : انظر من صاحب هذه الدار ؟ فسألت عجوز فقالت الحسن بن سهل وهذه ~~ابنته بوران ، فرجعت فأعلمته فقال : علي به الساعة فأحضرته فوقف بين يديه ~~فقال : لك بنت ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين ، قال : زوجنيها ، قال هي أمتك ~~وأمرها إليك ، قال : فإني أتزوجها على ثلاثين ألفا نحملها إليك صبيحة غد ، ~~فإذا وصل إليك المال فاحملها إلينا ، فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، ثم نهض ~~وفتح الباب وخرجنا ، فلما صرنا إلى الدار قال لي : يا إسحاق لا يقفن أحد ~~على ما وقفت عليه PageV22P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" فإن المجالس بالأمانات ، فقلت : يا أمير ~~المؤمنين - ومثلي يحتاج إلى وصية قال : فلما أصبحنا أمر بحمل المال إليه ، ~~ونقلت إليه من يومها ، قال إسحاق فما فهت بالخبر إلا بعد موت المأمون . قال ~~ابن عبدون : وذكر أنه لما أراد أن يعرس بها أمر بإخراج الفساطيط والقباب ، ~~وأن تضرب على ضفة دجلة في موضع منخفض ، وخرج وجوه الناس لحضور ذلك وعامة ~~الناس للتنزه ، وكانت النفقة من عند الحسن بن سهل على كل من حضر . قال : ~~وكان عدد الملاحين منهم خاصة أرباب الزلاليات والزواريق وما شاكلها - الذين ~~يحملون الناس في مراكبهم إلى موضع العرس - عشرة آلاف ، ويقال إنه لما بسطت ~~القبة التي دخل فيها المأمون على بوران خير الحسن الخاصة - ممن حضر ذلك ~~العرس - بين مائة دينار وحلة أو قبضة من أرض تلك القبة ، فيقال إن القابض ~~بكفه من أرض القبة كان أرجح ممن أخذ مائة دينار وحلة ، فإنه ربما كان يخرج ~~من قبضته حجر ياقوت أو حجر زمرد أو درة نفيسة تساوي أضعاف ذلك القدر . ذكر ~~مسير عبد الله بن طاهر إلى مصر وفتحها فتح الإسكندرية وفي سنة عشر ومائتين ~~سار عبد الله بن طاهر إلى مصر وافتتحها ، واستأمن له عبيد الله بن السري ، ~~وكان سبب مسيره ms5081 أن عبيد الله بن السري كان قد تغلب على مصر وخلع الطاعة ، ~~وخرج جمع من الأندلس فغلبوا على الإسكندرية ، واشتغل عبد الله بن طاهر عنهم ~~بحرب نصر بن شبث ، فلما فرغ منه سار نحو مصر ، فلما قرب منها قدم قائدا من ~~قواده إليها لينظر موضعا يعسكر فيه ، وكان ابن السري قد خندق على مصر ، ~~فاتصل الخبر به فخرج إلى القائد وقاتله قتالا شديدا ، والقائد في قلة فسير ~~بريدا إلى عبد الله بن طاهر يخبره ، فحمل عبد الله الرجال على البغال ~~وجنبوا الخيل ، وأسرعوا السير فلحقوا القائد وهو يقاتل ، فلما رأى ابن ~~السري ذلك لم يثبت بين أيديهم ، وانهزم وتساقط أكثر أصحابه في الخندق ، ~~فهلك منهم بالسقوط أكثر ممن قتل بالسيف ، ودخل ابن السري مصر وأغلق الباب ، ~~وحاصره عبد الله فأرسل إليه في الليل ألف وصيف ووصيفة مع كل واحد منهم ألف ~~دينار ، فردهم ابن طاهر وكتب إليه : لو قبلت هديتك نهارا لقبلتها ليلا . " ~~بل أنتم بهديتكم تفرحون . ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ~~ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون " . فعندها طلب ابن السري الأمان فأمنه . ~~ثم بعث عبد الله بن طاهر إلى الإسكندرية يؤذن الذين PageV22P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" تغلبوا عليها بالحرب أو الدخول في الطاعة . ~~وكانوا قد أقبلوا من الأندلس في مراكب ، والناس في تلك الفتن التي ذكرناها ~~، فأرسوا بالإسكندرية وتغلبوا عليها ، وكان رئيسهم يدعى أبا حفص . فلما ~~أتتهم رسالته سألوا الأمان ، على أن يرحلوا عنها إلى بعض أطراف الروم التي ~~ليست من بلاد الإسلام ، فأمنهم على ذلك فرحلوا ونزلوا بجزيرة اقريطيش . ~~واستوطنوها وأعقبوا وتناسلوا . قال : وبعث ابن طاهر عبيد الله بن السري إلى ~~بغداد ، فقدمها في سنة إحدى عشرة ومائتين ، وأنزل مدينة المنصور ، وأقام ~~ابن طاهر بمصر واليا عليها وعلى الشام وعلى الجزيرة ، إلى أن نقل إلى ~~خراسان على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وروى أبو الفرج الأصفهاني أن ~~المأمون أعطى عبد الله بن طاهر مال لسنة خراجها وضياعها ، فوهبه كله وفرقه ~~في الناس . ورجع صفرا من ms5082 ذلك فغاظ المأمون فعله ، فدخل إليه يوم مقدمه ~~وأنشد أبياتا قالها في هذا المعنى يقول منها : إليك أقبلت من أرض أقمت بها ~~. . . حولين بعدك في شوق وفي ألم أقفو مساعيك اللاتي خصصت بها . . . حذو ~~الشراك على مثل من الأدم وكان فضلي فيها أنني تبع . . . لما سننت من ~~الإنعام والنعم ولو وكلت إلى نفسي غنيت بها . . . لكن بدأت فلم أعجز ولم ~~ألم فضحك المأمون وقال : والله ما نفست عليك بمكرمة نلتها ، ولا أحدوثة حسن ~~عنك ذكرها ، ولكن هذا شيء إذا عودته نفسك افتقرت ، ولم تقدر على لم شعثك ~~وإصلاح حالك ، وزال ما كان في نفسه . قال : وكان المال الذي فرقه عبد الله ~~بن طاهر - وهو على المنبر - ثلاثة آلاف ألف دينار ، أجار بها قبل نزوله عن ~~المنبر ، قال معلى الطائي - وقد بلغه ما صنع عبد الله بن طاهر - فقال : ~~أصلح الله الأمير ، وأنا معلى الطائي وقد بلغ مني ما كان منك إلي من جفاء ~~وغلظ ، فلا يغلظن على قلبك ، ولا يستخفنك الذي بلغك ، فأنا الذي أقول : لو ~~يصبح النيل يجري ماؤه ذهبا . . . لما أشرت إلى خزن بمثقال تغلى بما فيه رق ~~الحمد تملكه . . . وليس شيء أعاض الحمد بالغالي في أبيات أخر ، قال : فضحك ~~عبد الله وسر بما كان منه ، وقال : يا فلان أقرضني عشرة آلاف دينار - فما ~~أمسيت أملكها - فأقرضه ، فدفعها إليه . PageV22P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" ذكر خلع أهل قم المأمون وما كان من أمرهم في ~~هذه السنة خلع أهل قم المأمون ومنعوا الخراج ، وكان سبب ذلك أن المأمون لما ~~سار من خراسان إلى العراق أقام بالري عدة أيام ، وأسقط عنهم شيئا من خراجهم ~~، فطمع أهل قم أن يضع عنهم كذلك ، فكتبوا إليه يسألونه الحطيطة ، وكان ~~خراجهم ألفي ألف درهم ، فلم يجبهم المأمون إلى ما سألوا فامتنعوا من أدائه ~~، فوجه المأمون إليهم علي بن هشام وعجيف بن عنبسة فحاربوهم فظفروا بهم ، ~~وقتل يحيى بن عمران وهدم سور المدينة وجباها على سبعة آلاف ألف درهم ، ~~وكانوا يتظلمون من ألفي ألف درهم . وحج بالناس ms5083 في هذه السنة صالح بن العباس ~~بن محمد أمير مكة . ودخلت سنة إحدى عشرة ومائتين . في هذه السنة قتل السيد ~~بن أنس الأزدي أمير الموصل ، وسبب قتله أن زريق بن علي بن صدقة الأزدي ~~الموصلي كان قد تغلب على الجبال ما بين الموصل وأذربيجان ، وجرى بينه وبين ~~الرشيد حروب كثيرة ، فلما كان في هذه السنة جمع زريق جمعا كثيرا ، قيل ~~كانوا أربعين ألفا ، وبعثهم إلى الموصل لحرب السيد فخرج إليهم في أربعة ~~آلاف ، فالتقوا واقتتلوا فحمل السيد بنفسه وكانت عادته ، وحمل عليه رجل من ~~أصحاب زريق ، فقتل كل منهما صاحبه ، ولما بلغ المأمون قتله غضب لذلك ، وولى ~~محمد بن حميد الطوسي حرب زريق وبابك الخرمي ، واستعمله على الموصل . وفيها ~~قدم عبد الله بن طاهر بغداد ، فتلقاه العباس بن المأمون والمعتصم وسائر ~~الناس . وفيها أمر المأمون مناديا برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير أو فضله ~~على أحد من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وحج بالناس صالح بن ~~العباس وهو أمير مكة . PageV22P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" ودخلت سنة اثنتي عشرة ومائتين . ذكر استيلاء ~~محمد بن حميد على الموصل قد قدمنا أن المأمون استعمله على حرب بابك الخرمي ~~، وأمره أن يجعل طريقه على الموصل ليصلح أمرها ، ويحارب زريق بن علي ، فسار ~~إلى الموصل ومعه جيشه ، وجمع فيها الرجال من اليمن وربيعة وسار نحوه ، ~~فالتقوا على الزاب فدعاه محمد إلى الطاعة فامتنع ، فناجزه واقتتلوا فانهزم ~~زريق وأصحابه ، ثم أرسل بطلب الأمان فأمنه محمد ، فنزل إليه وسيره إلى ~~المأمون ، وكتب المأمون إلى محمد يأمره بأخذ ما لزريق من قرى ورستاق ومال ~~وغيره . يأخذ ذلك لنفسه ، فجمع محمد أولاد زريق وإخوته وأهله وأخبرهم بما ~~أمر به المأمون ، فأطاعوه لذلك ، ثم قال لهم : إن أمير المؤمنين قد أمر لي ~~به ، وقد قبلته ورددته عليكم فشكروه ، ثم سار إلى أذربيحان واستخلف على ~~الموصل محمد بن السيد ، وقصد المخالفين المتغلبين على أذربيجان ، فأخذهم ~~وسيرهم إلى المأمون ، وسار لمحاربة بابك . وفيها أظهر المأمون القول بخلق ~~القرآن ، وتفضيل علي بن ms5084 أبي طالب على جميع الصحابة رضي الله عنهم ، وكان ~~ذلك في شهر ربيع الأول . وحج بالناس عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن ~~محمد . ودخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين . في هذه السنة ولى المأمون ابنه ~~العباس الجزيرة والثغور والعواصم ، وولى أخاه أبا إسحاق المعتصم الشام ومصر ~~، وأمر لكل واحد منهما ولعبد الله بن طاهر بخمسمائة ألف درهم . وفيها خلع ~~عبد السلام وابن جليس المأمون بمصر في القيسية واليمانية ، وظهرا بها ووثبا ~~بعامل المعتصم وهو عمير بن الوليد الباذغيسي ، فقتلاه في شهر ربيع الأول ~~سنة أربع عشرة ، فسار المعتصم إلى مصر وقاتلهما فقتلهما وافتتح مصر ~~واستقامت أمورها ، واستعمل عليها عماله . وحج بالناس فيى هذه عبد الله بن ~~عبيد الله بن العباس PageV22P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" ودخلت سنة أربع عشرة ومائتين . في هذه السنة ~~قتل محمد الطوسي في حرب بابك ، فلما بلغ خبر قتله المأمون استعمل عبد الله ~~بن طاهر على قتاله . ذكر استعمال عبد الله بن طاهر على خراسان في هذه السنة ~~استعمل المأمون عبد الله بن طاهر على خراسان ، فسار إليها وكان أخوه طلحة ~~مات بخراسان في سنة ثلاث عشرة ، فولي خراسان علي بن طاهر خليفة لأخيه عبد ~~الله ، وكان عبد الله بالدينور فجهز العساكر إلى بابك ، فأوقع الخوارج ~~بخراسان بأهل قرية الحمراء من نيسابور ، فأكثروا فيهم القتل فاتصل ذلك ~~بالمأمون ، فأمر عبد الله بالمسير إليها ، وحج بالناس في هذه السنة إسحاق ~~بن العباس بن محمد . ودخلت سنة خمس عشرة ومائتين . ذكر غزاة المأمون إلى ~~الروم في هذه السنة سار المأمون من بغداد لغزو الروم في المحرم ، واستخلف ~~على بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب ، وولاه مع ذلك السواد وحلوان وكور ~~دجلة ، وسار المأمون على طريق الموصل إلى منبج ، ثم إلى دابق ثم إلى ~~أنطاكية ثم إلى المصيصة وطرسوس ، ودخل منها إلى بلاد الروم في جمادى الأولى ~~، ودخل ابنه العباس من ملطية ، فأقام المأمون على حصن قرة حتى افتتحه عنوة ~~وهدمه لأربع بقين من جمادى الأولى ، وقيل إنه فتحه بالأمان ms5085 ، وفتح قبله حصن ~~ماجدة بالأمان ، ووجه إشناس إلى حصن سندس فأتاه برئيسه ، ووجه عجيفا وجعفرا ~~الخياط إلى حصن سنان فسمع وأطاع ، وتوجه المأمون بعد خروجه من بلاد الروم ~~إلى دمشق . وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن ~~محمد . PageV22P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" ودخلت سنة ست عشرة ومائتين . ذكر فتح هرقلة ~~في هذه السنة عاد المأمون إلى بلاد الروم ، وسبب ذلك أنه بلغه أن ملك الروم ~~قتل ألفا وستمائة من أهل طرسوس والمصيصة ، فسار حتى دخل أرض الروم في جمادى ~~الأولى ، إلى منتصف شعبان ، وقيل كان سبب دخوله إليها أن ملك الروم كتب ~~إليه بدأ بنفسه ، فسار إليه ولم يقرأ كتابه ، وسار إلى هرقلة فخرج أهلها ~~على صلح ، ووجه أخاه أبا إسحاق المعتصم فافتتح ثلاثين حصنا ومطمورة ووجه ~~يحيى بن أكثم من طوانة فأغار وقتل وسبى وحرق ورجع ، ثم عاد المأمون إلى ~~دمشق . وفيها ظهر بمصر عبدوس الفهري ، ووثب على عمال المعتصم فقتل بعضهم في ~~شعبان ، فسار المأمون من دمشق إلى مصر في منتصف ذى الحجة ، فوصل إليها في ~~المحرم سنة سبع عشرة فأتى بعبدوس الفهري فضرب عنقه ، وعاد إلى الشام ، ~~وفيها قدم الأفشين من برقة إلى مصر ، فأقام بها ثم كان من أمره وتمكنه ما ~~نذكره ، وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير ~~إذا صلوا ، فبدلوا بذلك في منتصف شهر رمضان ، فقاموا قيامه وكبروا ثلاثا ، ~~ثم فعلوا ذلك في الصلوات المكتوبة ، وفيها ماتت أم جعفر زبيدة ابنة جعفر بن ~~المنصور أم الأمين . وحج بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان وقيل عبد ~~الله بن عبيد الله . ودخلت سنة سبع عشرة ومائتين . وفي هذه السنة ظفر ~~الأفشين بالفرما من أرض مصر ، ونزل أهلها بأمان على حكم المأمون ، وفيها ~~قتل المأمون علي بن هشام ، وكان قد استعمله على أذربيجان والجبال وقم ~~وأصفهان في سنة أربع عشرة ، فبلغ المأمون أنه ظلم وأخذ الأموال وقتل الرجال ~~، فوجه إليه المأمون عجيف بن عنبسة في سنة ست ms5086 عشرة ، فثار به علي بن هشام ~~وأراد قتله واللحاق ببابك ، فظفر به عجيف وقدم به على المأمون فقتله ، وقتل ~~أخاه حسينا في جمادى الأولى ، وطيف برأس علي في العراق وخراسان والشام ومصر ~~، ثم ألقي في البحر . PageV22P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" وفيها عاد المأمون إلى بلاد الروم ، فأناخ ~~عجيف على لؤلؤة مائة يوم ، ثم رحل عنها فخدع أهلها عجيفا حتى أسروه ، وبقي ~~عندهم ثمانية أيام ثم أخرجوه ، وجاء توفيل - ملك الروم - فأحاط بعجيف فسير ~~المأمون إليه الجنود فارتحل ملك الروم قبل موافاتهم . وخرج أهل لؤلؤة إلى ~~عجيف بأمان . وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي ~~. ودخلت سنة ثماني عشرة ومائتين . ذكر المحنة بالقرآن المجيد في هذه السنة ~~كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد في امتحان القضاة والفقهاء ~~والمحدثين بالقرآن ، فمن أقر أنه مخلوق محدث خلى سبيله ، ومن أبى أعلمه به ~~ليأمر فيه برأيه ، وطول كتابه بإقامة الدليل على خلق القرآن وكان الكتاب في ~~شهر ربيع الأول ، وأمره بإنفاذ سبعة نفر منهم محمد بن سعد كاتب الواقدي ، ~~وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون ، ويحيى بن معين وأبو خيثمة زهير بن حرب ، ~~وإسماعيل بن أبي مسعود ، وأحمد الدورقي . فأشخصوا إليه فامتحنهم وسألهم عن ~~القرآن . فأجابوا جميعا أن القرآن مخلوق فأعادهم إلى بغداد . وأحضرهم إسحاق ~~بن إبراهيم داره وشهر قولهم بحضرة المشايخ من أهل الحديث . فأقروا بذلك ~~فخلى سبيلهم . وورد كتاب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم بامتحان ~~القضاة والفقهاء . فأحضر أبا حسان الزيادي ، وبشر بن الوليد الكندي ، وعلي ~~بن أبي مقاتل ، والفضل بن غانم ، والذيال بن الهيثم وسجادة ، والقواريري ، ~~وأحمد بن حنبل ، وقتيبة ، وسعدويه الواسطي ، وعلي بن الجعد ، وإسحاق بن أبي ~~إسرائيل ، وابن الهرش ، وابن علية الأكبر ويحيى بن عبد الرحمن العمري ، ~~وشيخا آخر من ولد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه - كان قاضي الرقة ، ~~وأبا نصر التمار ، وأبا معمر القطيعي ، ومحمد بن PageV22P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" حاتم بن ميمون ، ومحمد بن نوح المضروب ، وابن ~~الفرخان ms5087 ، وجماعة منهم النضر بن شميل ، وابن علي بن عاصم ، وأبو العوام ~~البزاز ، وابن شجاع ، وعبد الرحمن بن إسحاق ، فأدخلوه جميعا على إسحاق فقرأ ~~عليهم كتاب المأمون مرتين حتى فهموه ، ثم قال لبشر بن الوليد : ما تقول في ~~القرآن ؟ فقال : قد عرف أمير المؤمنين مقالتي غير مرة ، قال : قد تجدد من ~~كتاب أمير المؤمنين ما ترى ، قال : أقول القرآن كلام الله ، قال : لم أسألك ~~عن هذا أمخلوق هو ؟ قال : الله خالق كل شيء ، قال : والقرآن شيء ؟ قال : ~~نعم ، قال : فمخلوق هو ؟ قال : ليس بخالق ، قال : ليس عن هذا سألتك - ~~أمخلوق هو ؟ قال : ما أحسن غير ما قلت لك ، وقد استعهدت أمير المؤمنين ألا ~~أتكلم فيه ، وليس عندي غير ما قلت لك ، فأخذ إسحاق رقعة فقرأها عليه ، فقال ~~: أشهد أن لا إله إلا الله أحد فرد ، لم يكن قبله شيء ولا يشبهه شيء من ~~خلقه ، في معنى من المعاني ووجه من الوجوه ، قال للكاتب : اكتب ما قال . ثم ~~قال لعلي بن أبي مقاتل : ما تقول ؟ قال : قد سمعت كلامي في هذا لأمير ~~المؤمنين غير مرة ، وما عندي غيره ، فامتحنه بالرقعة فأقر بما فيها ، ثم ~~قال له : القرآن مخلوق ؟ قال : القرآن كلام الله ، قال : لم أسألك عن هذا ، ~~قال : القرآن كلام الله ، فإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعناه وأطعنا ، ~~فقال للكاتب اكتب مقالته ، ثم قال للذيال نحوا من مقالته لعلي بن أبي مقاتل ~~، فقال مثل ذلك ، ثم قال لأبي حسان الزيادي : ما عندك ؟ قال : سل عما شئت ، ~~فقرأ عليه الرقعة فأقر بما فيها ، قال : ومن لم يقل هذا القول فهو كافر ، ~~فقال له : القرآن مخلوق ؟ قال : القرآن كلام الله ، والله خالق كل شيء ، ~~وأمير المؤمنين إمامنا ، وبسببه سمعنا عامة العلم ، وقد سمع ما لم نسمع ، ~~وعلم ما لم نعلم ، وقلده الله أمرنا فصار يقيم حجتنا وصلواتنا ، ونؤدي إليه ~~زكاة أموالنا ، ونجاهد معه ، ونرى إمامته ، فإن أمرنا ائتمرنا وإن نهانا ~~انتهينا ، قال : والقرآن مخلوق ؟ فأعاد مقالته ، قال إسحاق فإن هذا مقالة ~~أمير المؤمنين ، فقال ms5088 : قد تكون مقالته ولا يأمر بها الناس ، وإن أخبرتني ~~أن أمير المؤمنين أمرك أن أبلغك شيئا ، فقال أبو حسان : وما عندي إلا السمع ~~والطاعة ، فأمرني أأتمر ، فقال : ما أمرني أن آمركم ، وإنما أمرني أن ~~أمتحنكم ، ثم قال لأحمد بن حنبل : ما تقول في القرآن ؟ قال : كلام الله ، ~~قال : أمخلوق هو ؟ قال : هو كلام الله ما أزيد عليها ، فامتحنه بالرقعة ، ~~فلما أتى إلى " ليس PageV22P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" كمثله شيء وهو السميع البصير " وأمسك عن لا ~~يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه فاعترض عليه ابن ~~البكاء الأصغر فقال : أصلحك الله - إنه يقول سميع من أذن ، بصير من عين ، ~~فقال إسحاق لأحمد : ما معنى قولك سميع بصير ؟ قال : كما وصف نفسه ، قال : ~~فما معناه ؟ قال : لا أدري - كما هو وصف نفسه ، ثم دعاهم رجلا رجلا - كلهم ~~يقول القرآن كلام الله إلا قتيبة ، وعبيد الله بن محمد بن الحسن ، وابن ~~عليه الأكبر ، وابن البكاء ، وعبد المنعم بن إدريس بن بنت وهب بن منبه ، ~~والمظفر بن مرجا ، ورجلا من ولد عمر بن الخطاب قاضي الرقة ، وابن الأحمر ~~فأما ابن البكاء فإنه قال : القرآن مجعول لقوله عز وجل " إنا جعلناه قرآنا ~~عربيا " ، والقرآن محدث لقوله عز وجل " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " ، ~~قال إسحاق : فالمجعول مخلوق ، قال : نعم ، قال : والقرآن مخلوق قال : لا ~~أقول مخلوق ولكنه مجعول ، فكتب مقالته ومقالات القوم ووجهها إلى المأمون ، ~~فأجاب المأمون يذمهم ويذكر كلا منهم ويعيبه ويقع فيه بشيء ، وأمره أن يحضر ~~بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدي ويمتحنهما ، فإن أجابا وإلا ضرب أعناقهما ~~، وأما من سواهما فمن أجاب إلى القول بخلق القرآن ، وإلا حملهم موثقين ~~بالحديد إلى عسكره مع نفر يحفظونهم ، فأحضرهم إسحاق وأعلمهم بما أمر ~~المأمون فأجاب القوم كلهم إلا أربعة نفر : منهم أحمد بن حنبل ، وسجادة ، ~~والقواريري ، ومحمد بن نوح المضروب ، فأمر بهم إسحاق فشدوا في الحديد ، ~~فلما كان الغد دعاهم في الحديد وأعاد عليهم المحنة ، فأجاب سجادة ~~والقواريري ، وأصر ms5089 أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما ، فشدوا في الحديد ~~ووجهما إلى طرسوس ، وكتب إلى المأمون بتأويل القوم فيما أجابوه ، فأجابه ~~المأمون أنه بلغني عن بشر بن الوليد أنه تناول الآية التي أنزلها الله عز ~~وجل في عمار بن ياسر " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان " فقد أخطأ ~~التأويل ، إنما عنى الله تعالى بهذه الآية من كان معتقدا للإيمان مظهرا ~~للشرك ، وأما من كان معتقدا للشرك مظهرا للإيمان فليس هذا له ، فأشخصهم ~~جميعهم إلى طرسوس ليقيموا بها إلى أن يخرج أمير المؤمنين من بلاد الروم ، ~~فأحضرهم إسحاق وسيرهم جميعا إلى العسكر وهم : أبو حسان الزيادي ، وبشر بن ~~الوليد ، والفضل بن غانم ، وعلي بن أبي مقاتل ، والذيال بن الهيثم ، ويحيى ~~بن عبد الرحمن العمري ، وعلي بن الجعد ، وأبو العوام ، وسجادة ، والقواريري ~~، وابن الحسن بن علي بن عاصم ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، والنضر بن شميل ، ~~وأبو نصر التمار ، وسعدويه الواسطي ، ومحمد بن حاتم بن ميمون ، وأبو معمر ~~بن الهراش ، وابن الفرخان ، وأحمد بن شجاع ، وأبو هارون بن البكاء ، فلما ~~صاروا إلى الرقة بلغهم موت المأمون فرجعوا إلى بغداد . PageV22P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" ذكر وفاة أبي العباس المأمون كانت وفاته ~~بالبذندون من أرض الروم لثمان خلون من شهر رجب ، وقيل لاثنتي عشرة بقيت منه ~~، سنة ثماني عشرة ومائتين ، وكان ابتداء مرضه لثلاث عشرة خلت من جمادى ~~الآخرة منها ، وكان سبب مرضه ما ذكره سعيد بن العلاف القاريء ، قال : دعاني ~~المأمون يوما فوجدته جالسا على شاطيء البذندون ، والمعتصم عن يمينه ، وقد ~~دليا أرجلهما في الماء ، فأمرني أن أضع رجلي في الماء ، وقال : ذقه - هل ~~رأيت أعذب منه أو أصفى أو أشد بردا ؟ ففعلت وقلت ما رأيت قط مثله ، فقال : ~~أي شيء أن يؤكل ويشرب عليه هذا الماء ؟ فقلت : أمير المؤمنين أعلم ، فقال : ~~الرطب الآزاذ ، فبينما هو يقول ذلك إذ سمع وقع لجم البريد ، فالتفت فإذا ~~بغال البريد عليها الحقائب فيها الألطاف ، فقال لخادم : انظر إن كان في هذه ~~الألطاف رطب آزاذ فأت به ؟ فمضى ms5090 وعاد ومعه سلتان فيهما منه ، كأنما جني تلك ~~الساعة ، فأظهر شكر الله تعالى وتعجبنا جميعا ، وأكلنا وشربنا من ذلك الماء ~~، فما قام منا أحد إلا وهو محموم ، ودامت العلة بالمأمون حتى مات ، ولما ~~اشتدت عليه قال لأبي إسحاق : يا أبا إسحاق أدن مني واتعظ بما ترى ، وخذ ~~بسيرة أخيك في القرآن ، واعمل في الخلافة - إذا طوقكها الله - عمل المريد ~~لله ، الخائف من عذابه وعقابه ، ولا تغتر بالله ومهلته ، ولا تغفل أمر ~~الرعية الرعية الرعية - العوام العوام فإن الملك بهم وبتعهدك لهم ، الله ~~الله فيهم وفي غيرهم من المسلمين ، ولا ينتهين إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ~~ومنفعة إلا قدمته وآثرته على غيره من هواك ، وخذ من أقويائهم لضعفائهم ، ~~ولا تحمل عليهم في شيء ، وانصف بعضهم من بعض بالحق بينهم ، وعجل الرحلة عني ~~إلى دار ملكك بالعراق ، وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم فلا تغفل عنهم ~~في كل وقت ، والخرمية فاغزهم ذا حزامة وصرامة وجلد ، واكنفه بالأموال ~~والسلاح والجنود ، فإن طالت مدتهم فتجرد لهم فيمن معك من أنصارك وأوليائك ، ~~واعمل في ذلك عملا مقدم النية فيه راجيا ثواب الله عليه ، ثم دعاه بعد ساعة ~~حين اشتد وجعه وأحس بمجيء أمر الله ، فقال : يا أبا إسحاق عليك عهد الله ~~وميثاقه وذمة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) لتقومن بحق الله في عباده ، ~~ولتؤثرن طاعة الله على معصيته ، إذ أنا نقلتها من غيرك PageV22P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" إليك ، قال : اللهم نعم ، قال : هؤلاء بنو ~~عمك ولد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه فأحسن صحبتهم وتجاوز عن مسيئهم ، ~~واقبل من محسنهم ، ولا تغفل صلاتهم في كل سنة عند محلها ، فإن حقوقهم تجب ~~من وجوه شتى ، اتقوا الله ربكم حق تقاته ، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، ~~واتقوا الله واعملوا له ، اتقوا الله في أموركم كلها ، أستودعكم الله ونفسي ~~وأستغفر الله بما سلف مني إنه كان غفارا ، فإنه ليعلم كيف ندمي على ذنوبي ~~فعليه توكلت من عظيمها وإليه أنيب ، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، حسبي ~~الله ونعم الوكيل ms5091 ، وصلى الله على محمد نبي الهدى والرحمة . قال : ولما ~~اشتد مرضه وحضره الموت كان عنده ابن ماسويه ، فجاء من يلقنه فعرض عليه ~~الشهادة ، فقال الطبيب : دعه فإنه لا يفرق في هذه الحال بين ربه وماني ، ~~ففتح المأمون عينيه وأراد أن يبطش به فعجز ، وأراد الكلام فعجز عنه ، ثم ~~قال : يا من لا يموت ارحم من يموت ، ومات من ساعته . ولما توفي حمله ابنه ~~العباس وأخوه المعتصم إلى طرسوس ، فدفناه بها بدار خاقان خادم الرشيد ، ~~وصلى عليه المعتصم ووكلوا به حرسا من أبناء طرسوس وغيرهم - مائة رجل ، ~~وأجرى لكل منهم تسعين درهما . وكان مولده للنصف من شهر ربيع الأول سنة ~~سبعين ومائة ، ومدة خلافته عشرون سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرون يوما ، سوى ~~تلك المدة التي كان فيها الاختلاف بينه وبين أخيه الأمين محصور . ذكر صفته ~~وشيء من أخباره وسيرته كان المأمون ربعة أبيض طويل اللحية دقيقها قد وخطه ~~الشيب ، وقيل كان أسمر تعلوه صفرة أجنى أعين ضيق الجبهة بخده خال أسود ، ~~وهو أول من اتخذ الأتراك للخدمة وتغالى في أثمانهم ، فكان يشتري الواحد ~~منهم بمائة ألف ومائتي ألف درهم ، وكان يحب سماع أخبار الناس ، حتى جعل ~~برسم الأخبار ببغداد ألف عجوز PageV22P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" وسبعمائة عجوز ، وكان كريما وقع في يوم واحد ~~بثلاثمائة ألف دينار ، وكان يقول : لو علم الناس ما عندي من حلاوة العفو ~~لما تقربوا إلي إلا بالذنوب . وقال العتبي صاحب إسحاق بن إبراهيم كنت مع ~~المأمون بدمشق ، وكان المأمون قد قل عنده المال حتى ضاق وشكى ذلك إلى ~~المعتصم ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، كأنك بالمال وقد وافاك بعد جمعة ، ~~وكان قد حمل إليه من خراج ما يتولاه ثلاثون ألف ألف ألف درهم ، فلما ورد ~~عليه المال قال ليحيى بن أكثم : اخرج بنا ننظر إلى هذا المال ، فخرجا ~~ينظرانه وكان قد هييء بأحسن هيئة وحليت أباعره ، فنظر المأمون إليه ~~واستكثره واستبشر به الناس ، فقال المأمون : يا أبا محمد - ننصرف بالمال ~~ويرجع أصحابنا خائبين إن هذا للؤم ، ودعا محمد ms5092 بن يزداد فقال له : وقع لآل ~~فلان بألف ألف ولآل فلان بمثلها ولآل فلان بمثلها ، فما زال كذلك حتى فرق ~~أربعة وعشرين ألف ألف ألف - ورجله في الركاب ، ثم قال : ادفع الباقي إلى ~~المعلى يعطيه جندنا ، قال : فقمت نصب عينيه فلما رآني وقع لي بخمسين ألفا ~~فقبضتها . وكان أمر المأمون نافذا من أفريقية المغرب إلى أقصى خراسان وما ~~وراء النهر وولاية السند ، وقدم ملك التبت ومعه صنم من ذهب على سرير من ذهب ~~مرصع بالجوهر فأسلم الملك ، وأخذ المأمون الصنم وأرسله إلى الكعبة وكتب ~~إليه ملك الهند مع هدية نفيسة أهداها إليه ، من دهمى - ملك الهند وعظيم ~~أركان المشرق ، وصاحب بيت الذهب وأبواب الياقوت وفرش الدر - الذي قصره مبني ~~من العود الذي يختم عليه ، فيقبل الصورة قبول الشمع ، والذي تؤخذ رائحة ~~قصره من عشرة فراسخ - والذي يسجد أمام البد ، الذي وزنه ألف ألف مثقال من ~~ذهب ، عليه مائة ألف حجر من الياقوت الأحمر والدر الأبيض - الذي كان يركب ~~في ألف مركب وألف راية مكللة بالدر ، تحت كل راية ألف فارس معلمين بالذهب ~~والحرير - والذي في مربطه ألف PageV22P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" فيل ، حزائمها أعنة الذهب - والذي يأكل في ~~صحاف الذهب على موائد الدر ، والذي في خزانته ألف تاج وألف حلة جوهر لألف ~~ملك من آبائه ، والذي يستحيي من الله أن يراه خائنا في رعيته ، إذ خصه ~~بالأمانة عليهم والرياسة فيهم - إلى عبد الله ذي الشرف والرياسة على أهل ~~مملكته ، في كلام طويل في آخره - وقد افتتحنا إهدائك بأن وجهنا إليك كتابا ~~، ترجمته صفوة الأذهان ، وكانت الهدية جم ياقوت أحمر ، فتحه شبر في غلظ ~~الأصبع مملوءا درا ، وزن كل درة مثقال - والعدد مائة ، وفراشا من جلد حية ~~بوادي الدهراج تبلغ الفيل ، ووشي جلدها دارات سود كالدراهم ، في أوساطها ~~نقط بيض ، لا يتخوف من جلس عليه مرض السل ، وإن كان به سل وجلس عليه سبعة ~~أيام بريء ، وثلاث مصليات من جلد السمندل فراوزها در ، ومائة مثقال من ~~العود الهندي يختم عليه فيقبل الصورة ms5093 ، وثلاثة آلاف من من الكافور المحبب ، ~~كل حبة أكبر من اللوزة ، وجارية طولها سبعة أذرع تسحب شعرها ، طول كل شفر ~~من أشفار عينيها أصبع ، تبلغ إذا أطرقت نصف خدها ، ناهدا لها ثمان عكن ، في ~~نهاية الحسن والجمال ونقاء البشرة ، وكان الكتاب من لحاء شجر الكادي ، لونه ~~إلى الصفرة والخط باللازورد مفتح بالذهب . فأجابه المأمون من عبد الله ~~الإمام أمير المؤمنين - الذي وهب الله له ولآبائه الشرف بابن عمه النبي ~~المرسل ( صلى الله عليه وسلم ) وأعلى ذكره ، والمصدق بالكتاب المنزل - إلى ~~ملك الهند وعظيم من تحت يده من أركان المشرق ، سلام عليك - وأهدى له هدية ~~وهي فرس بفارسه ، وجميع ما آلاته عقيق ، ومائدة جزع فيها خطوط سود وحمر ~~وخضر على أرض بيضاء ، فتحها ثلاثة أشبار وغلظها أصبعان ، قوائمها ذهب ، ~~وثمانية أصناف من بياض مصر وخز السوس ووشي اليمن وملحم PageV22P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" خراسان ، والديباج الخرسواني ، وفرش سوسنجرد ~~، ووشي تستر ، من كل صنف مائة قطعة ، ومائة طنفسه جنوية بوسائدها ، وجام ~~زجاج فرعوني فتحه شبر ، في وسطه صورة أسد أمامه رجل قد برك على ركبتيه . ~~وفوق السهم نحو الأسد في قوس ، وكان الكتاب في طومار ذي وجهين . وكان ~~للمأمون من الأولاد : محمد الأكبر وعبد الله ومحمد الأصغر والعباس وعلي ~~والحسن وإسماعيل والفضل وموسى وإبراهيم ويعقوب والحسين وسليمان وجعفر ~~وإسحاق وأحمد وعيسى وهارون وعشر بنات نقش خاتمه : سل الله يعطك وزراؤه : ذو ~~الرئاستين الفضل بن سهل ثم أخوه الحسن بن سهل ثم أحمد بن أبي خالد الأحوال ~~ثم أحمد بن يوسف وجماعة ، قيل إنه ما استوزر بعد الفضل أحدا ، وإنما كانوا ~~كتابا . حجابه : عبد الحميد بن شبث ثم محمد وعلي ابنا صالح مولى المنصور ثم ~~إسماعيل بن محمد بن صالح . قضاته : محمد بن عمر الواقدي ثم محمد بن عبد ~~الرحمن المخزومي ثم بشر بن الوليد ثم يحيى بن أكثم . الأمراء بمصر : عباد ~~بن محمد البلخي ثم المطلب بن عبد الله بن مالك بن الهيثم ثم العباس بن موسى ~~بن عيسى الهاشمي ثم عاد المطلب ms5094 ثم السري ثم الحكم مولى بني ضبة من أهل بلخ ~~- باجتماع من الجند عليه - ثم سليمان بن غالب ثم السري بعهد من المأمون ثم ~~مات فوليها أبو نصر محمد بن السري ثم مات فوليها أخوه عبيد الله بن السري - ~~بايعه الجند - ثم عبد الله بن طاهر بن الحسين مضافة للشام وغيره ، فلما سار ~~إلى العراق استخلف عيسى بن يزيد الجلودي ، ثم أبو إسحاق المعتصم مضافة إلى ~~الشام فأقر الجلودي ، ثم صرفه بعمير بن الوليد التميمي ثم أعاد الجلودي ثم ~~عبدويه بن جبلة ثم عيسى بن منصور ، فلما قدم المأمون مصر عزل عيسى وولى نصر ~~بن عبد الله الصغدي ويعرف بكيدر . القضاة بها : لهيعة بن عيسى الحضرمي ثم ~~الفضل بن غانم ثم عاد لهيعة ثم إبراهيم بن إسحاق القاري ثم إبراهيم بن ~~الجراح ثم عيسى بن المنكدر ثم عاد إلى بغداد ، ووصل المأمون إلى مصر وليس ~~بها قاض ، فأمر يحيى بن أكثم أن يحكم بين الناس إلى أن سار عنها ، وولى ~~هارون بن عبد الله من ولد عبد الرحمن بن عوف . PageV22P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" ذكر خلافة المعتصم بالله هو أبو إسحاق محمد ~~بن هارون الرشيد وأمه ماردة أم ولد ، وهو الثامن من الخلفاء العباسيين ، ~~وهو أول من أضاف إلى لقبه اسم الله تعالى من الخلفاء فقيل المعتصم بالله ~~وتداوله من بعده ، بويع يوم وفاة المأمون بطرسوس لثمان خلون من شهر رجب أو ~~لاثنتي عشرة بقيت منه سنة ثماني عشرة ومائتين ، ولم يقل ابن الأثير في ~~تاريخه غيره . قال : ولما بويع له شغب الجند ونادوا باسم العباس بن المأمون ~~فأرسل إليه المعتصم فأحضره فبايعه ، ثم خرج العباس إلى الجند فقال : ما هذا ~~الحب البارد قد بايعت عمي فسكتوا ، وكان المأمون قد وجه ابنه العباس إلى ~~طوانة ، وأمره ببنائها في هذه السنة ، وجعلها ميلا في ميل وجعل سورها على ~~مسافة ثلاثة فراسخ ، وجعل لها أربعة أبواب على كل باب حصن ، فأول ما بدأ به ~~المعتصم أن أمر بإخراب ما كان قد بنى منها ms5095 ، وحمل ما أطاق من السلاح والآلة ~~التي بها ، وأحرق الباقي وانصرف إلى بغداد ومعه العباس بن المأمون ، فقدمها ~~في مستهل شهر رمضان من هذه السنة . وفيها دخل كثير من أهل الجبال وهمذان ~~وأصبهان وماسبذان وغيرها في دين الخرمية ، وتجمعوا فعسكروا في عمل همذان ، ~~فوجه إليهم المعتصم العساكر ، وكان منهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وعقد له ~~على الجبال في شوال ، فسار إليهم فأوقع بهم في أعمال همذان ، فقتل منهم ~~ستين ألفا وهرب الباقون إلى بلد الروم . وحج بالناس في هذه السنة صالح بن ~~العباس بن محمد . ودخلت سنة تسع عشرة ومائتين . ذكر خلاف محمد بن القاسم ~~العلوي في هذه السنة ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه بالطالقان من خراسان ، يدعو إلى الرضا من آل محمد ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، PageV22P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" وكان ابتداء أمره أنه كان ملازما لمسجد النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) حسن السيرة ، فأتاه إنسان من خراسان اسمه أبو محمد ~~كان مجاورا ، فلما رآه أحبه وأعجبته طريقته ، فقال له : أنت أحق بالإمامة ~~من كل أحد ، وحسن له ذلك وبايعه ، وصار الخراساني يأتيه بالنفر بعد النفر ~~من حجاج خراسان يبايعونه ، فلما رضي بكثرة من بايعه من خراسان سارا جميعا ~~إلى الجوزجان ، واختفى هناك وجعل أبو محمد يدعو الناس إليه فعظم أصحابه ، ~~وحمله أبو محمد على إظهار أمره فأظهره بالطالقان ، وكان بينه وبين قواد ~~عبدالله بن طاهر وقعات ، فانهزم هو وأصحابه وخرج هاربا ، يريد بعض كور ~~خراسان كان أهلها كاتبوه ، فلما صار بنسا وبها والد لبعض من معه ، فمضى ~~الرجل الذي معه يسلم على أبيه فسلم عليه ، فسأله أبوه عن الخبر فأخبره به ، ~~فمضى الأب إلى عامل نسا وأخبره بأمر محمد بن القاسم ، فأعطاه العامل عشرة ~~آلاف درهم ، وجاء العامل إلى محمد فأخذه وبعثه إلى عبد الله بن طاهر ، ~~فسيره إلى المعتصم فوصل إليه في منتصف شهر ربيع الأول فحبس عند مسرور ~~الكبير ، فلما كان ليلة الفطر ms5096 اشتغل الناس بالعيد ، فدلى إليه حبل من كوة ~~فخرج منها ، فأتوه بالطعام في يوم الفطر فلم يجدوه ، وبذل لمن أتى به مائة ~~ألف درهم فلم يعرف له خبر بعد ذلك . ذكر محاربة الزط في هذه السنة وجه ~~المعتصم عجيف بن عنبسة في جمادى الأولى لحرب الزط ، وكانوا قد غلبوا على ~~طريق البصرة ، وعاثوا وأخذوا الغلات من البيادر بكسكر وما يليها من البصرة ~~، وأخافوا السبل ، فسار عجيف حتى نزل واسط على نهر يقال له بردودا فسده وسد ~~أنهارا أخر ، كانوا يخرجون منها ويدخلون وأخذ عليهم الطرق ، ثم حاربهم فقتل ~~في معركة واحدة ثلاثمائة وأسر خمسمائة ، فضرب أعناقهم وبعث الرءوس إلى باب ~~المعتصم ، وأقام عجيف بإزائهم خمسة عشر يوما ، فظفر منهم بخلق PageV22P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" كثير ، وكان رئيس الزط يقال له محمد بن عثمان ~~، وصاحب أمره رجل يقال له سملق ، ثم استوطن عجيف وأقام بإزاء الزط ستة أشهر ~~، وقاتلهم فطلبوا الأمان وخرجوا إليه في ذى الحجة ، وكان عدتهم بالنساء ~~والصبيان سبعة وعشرين ألفا ، المقاتلة منهم اثنا عشر ألفا ، فجعلهم عجيف في ~~السفن وعبأهم على تعبئتهم في الحرب ومعهم البوقات ، فأدخلهم بغداد يوم ~~عاشوراء سنة عشرين ومائتين ، فخرج المعتصم إلى الشماسية في سفينة حتى مرت ~~به سفن الزط وهم ينفخون في البوقات ، وأقاموا في سفنهم ثلاثة أيام ثم نقلوا ~~إلى الجانب الشرقي ، فسلموا إلى بشر بن السميدع فذهب بهم إلى خانقين ، ثم ~~نقلوا إلى الثغر إلى عين زربة ، فأغارت الروم عليهم فلم يفلت منهم أحد . ~~وفي هذه السنة أحضر المعتصم أحمد بن حنبل وامتحنه بالقرآن فلم يجب إلى ~~القول بخلقه ، فأمر به فجلد جلدا شديدا حتى غاب عقله ، وتقطع جلده وحبس ~~مقيدا . ودخلت سنة عشرين ومائتين . في هذه السنة عقد المعتصم للأفشين حيدر ~~بن كاووس على الجبال ، ووجهه لحرب بابك الخرمي فسار لذلك ، فكان بينهما من ~~الحروب ما نذكره في سنة اثنتين وعشرين ، عند الظفر ببابك ونذكر أخباره هناك ~~إن شاء الله تعالى . ذكر بناء سامرا وهي سر من رأى في هذه السنة ms5097 خرج ~~المعتصم إلى سامرا ، وكان سبب ذلك أنه قال : إني هاهنا أتخوف الحربية أن ~~يصيحوا صيحة فيقتلوا غلماني ، فأريد أن أكون فوقهم فإن رابني منهم شيء ~~قاتلتهم في البر والماء حتى آتي عليهم ، وقيل كان سبب ذلك أن المعتصم كان ~~قد أكثر من الغلمان الأتراك ، وكانوا لا يزالون يرون الواحد منهم بعد ~~الواحد قتيلا ، وذلك أنهم كانوا جفاة يركبون الدواب فيركضونها في الشوارع ، ~~فيصدمون الرجل والمرأة والصبي فيأخذهم الأبناء عن دوابهم فيضربونهم ، وربما ~~هلك أحدهم ، PageV22P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" ثم إن المعتصم ركب يوم عيد فقام إليه شيخ ، ~~فقال له : يا أبا إسحاق لا جزاك الله عن الجوار خيرا ، جاورتنا وجئت بهؤلاء ~~العلوج من غلمانك الأتراك ، فأسكنتهم بيننا فأيتمت بهم صبياننا ، وأرملت ~~نساءنا وقتلت رجالنا - والمعتصم يسمع كلامه ، ولم ير راكبا بعدها أبدا بل ~~صلى العيد وسار إلى ناحية القاطول ولم يرجع إلى بغداد . قال : ولما خرج ~~المعتصم من بغداد استخلف بها ابنه الواثق ، وكان المعتصم قد اصطنع قوما من ~~أهل الحوف بمصر واستخدمهم وسماهم المغاربة ، وجمع خلقا من سمرقند وأشرو سنة ~~وفرغانة وسماهم الفراغنة ، وكانوا من ثقاته فتركهم بعده بها . وكان ابتداء ~~العمارة بسامرا في سنة إحدى وعشرين ومائتين ، وبنيت في أسرع مدة وهي على ~~شاطيء دجلة ، وقيل إنه أنفق على جامعها خمسمائة ألف دينار ، وانتقل إليها ~~وجعلها مقر خلافته ، وقيل إنه سماها بهذا الاسم لأنه لما انتقل إليها ~~بعساكره سر كل منهم برؤيتها ، فسماها سر من رأى ، ولما خرج المعتصم من ~~بغداد نزل القاطول . ذكر القبض على الفضل بن مروان بن أحمد بن عمارة الوزير ~~كان الفضل من البردان وكان حسن الخط ، فاتصل بيحيى الجرمقاني كاتب المعتصم ~~قبل خلافته ، فلما هلك الجرمقاني صار الفضل مكانه ، وتوجه مع المعتصم إلى ~~الشام ومصر فحصل أموالا كثيرة ، فلما صار المعتصم خليفة صار له اسمها ~~وللفضل معناها ، واستولى على الدواوين كلها وكنز الأموال . وكان المعتصم ~~يأمره بإعطاء المغني والنديم فلا ينفذ الفضل ذلك ، فثقل على المعتصم ، وكان ~~له مضحك اسمه إبراهيم ، فأمر له ms5098 المعتصم بمال فلم يعطه الفضل ، فداعب ~~المعتصم يوما إبراهيم PageV22P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" فقال له إبراهيم : والله لا أفلحت ، فضحك ~~وقال : وهل بقي من الفلاح شيء لم أدركه بعد الخلافة ؟ فقال : أتظن أنك ~~أفلحت ؟ لا والله - ما لك من الخلافة إلا اسمها ، والله ما يجاوز أمرك ~~أذنيك - إنما الخلافة الفضل ، فقال : وأي أمر لي لم ينفذ ؟ فقال : أمرت لي ~~من شهرين بكذا وكذا فلم أعط حبة ، فحقدها المعتصم على الفضل ثم نكبه هو ~~وأهل بيته في صفر من هذه السنة ، وصير مكانه محمد بن عبد الملك الزيات فصار ~~وزيرا وكاتبا . وحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد . ودخلت ~~سنة إحدى وعشرين ومائتين . حج بالناس في هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن ~~موسى ، وكان فيها من محاربة بغا الكبير وبابك ما نذكره إن شاء الله تعالى . ~~ودخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين . ذكر أخبار بابك الخرمي وفتح البذ وأسر ~~بابك وقتله كان ابتداء أمر بابك في سنة إحدى ومائتين في خلافة المأمون ، ~~وتحرك في الجاويدانية - أصحاب جاويدان بن سهل صاحب البذ ، وادعى أن روح ~~جاويدان حلت فيه ، وتفسير جاويدان : الدائم الباقي ، ومعنى خرم : الفرج ، ~~والرجل منهم ينكح أمه وأخته وابنته - ولهذا يسمونه دين الفرج ، ويعتقدون ~~التناسخ وأن الأرواح تنتقل من حيوان إلى غيره ، وكان لبابك في أيام المأمون ~~حروب مع جيشو المأمون ، كان الظفر فيها لبابك وأصحابه ، وقتل محمد الطوسي ~~عامل المأمون على الموصل ، في سنة أربع عشرة ومائتين في حرب كانت بينهم ~~ولما حضرت المأمون الوفاة كان من جملة وصيته للمعتصم غزو الخرمية كما ذكرنا ~~ذلك ، فلما أفضت الخلافة إلى المعتصم عقد للأفشين حيدر بن كاووس على الجبال ~~، ووجهه لحرب بابك في سنة عشرين ومائتين ، وكان قبل ذلك قد وجه المعتصم - ~~أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل ، وأمره PageV22P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" أن يبني الحصون التي خربها بابك فيما بين ~~زنجان وأردبيل ، ويجعل فيها الرجال لحفظ الطريق لمن يجلب الميرة إلى أردبيل ~~، فتوجه أبو سعيد لذلك وبنى ms5099 الحصون ، ووجه بابك سرية في بعض غاراته فأغارت ~~ورجعت ، فبلغ ذلك أبا سعيد فخرج في طلب السرية ، فاعترضها في بعض الطريق ~~فظفر بهم وقتل وأسر منهم ، وبعث بالرءوس والأسرى إلى المعتصم ، وكانت هذه ~~أول هزيمة على أصحاب بابك ، ثم كانت الأخرى لمحمد بن البعيث ، وذلك أن ~~محمدا كان في قلعة له حصينة تسمى شاهي من أذربيجان ، وله حصن آخر في ~~أذربيجان يسمى تبريز ، وكان مصالحا لبابك تنزل سراياه عنده فيضيفهم حتى ~~أنسوا به ، ثم وجه بابك قائدا من قواده اسمه عصمة في سرية ، فنزل بمحمد بن ~~البعيث فأنزل له الضيافة على عادته ، واستدعاه إليه في خاصته ووجوه أصحابه ~~فصعدوا إليه ، فغذاهم وسقاهم الخمر حتى سكروا ، ثم وثب على عصمة فاستوثق ~~منه وقتل من كان معه من أصحابه ، وأمره أن يسمي له رجلا رجلا من أصحابه ، ~~فكان يدعو الرجل باسمه فيصعد فيضرب عنقه حتى علموا بذلك ، وسير عصمة إلى ~~المعتصم ، فسأله عن بلاد بابك فأعلمه طرقها ووجوه القتال فيها ، ثم حبسه ~~فبقي إلى أيام الواثق ، ثم سار الأفشين بعد ذلك إلى بلاد بابك ، فنزل برزند ~~وعسكر بها وضبط الطرق والحصون فيما بينه وبين أردبيل ، ثم سار الأفشين ~~والتقى ببابك واقتتلوا قتالا شديدا ، وكانت وقعة عظيمة في سنة عشرين ~~ومائتين ، قتل فيها كثير من أصحاب بابك الذين كانوا معه ، وأفلت هو في نفر ~~يسير ، واستمرت الحرب بينه وبين بابك المرة بعد المرة إلى سنة اثنتين ~~وعشرين ومائتين ، ففتح الأفشين البذ - مدينة بابك - وأسر بابك ، وخرب ~~المسلمون المدينة واستباحوها وذلك لعشر بقين من شهر رمضان في هذه السنة ، ~~وكانت حروب يطول شرحها انجلت عن ظفر المسلمين . قال : وكان الأفشين قد قصر ~~في الحصار ، فرأى رجل من أصحابه في منامه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وهو يقول له : قل للأفشين - إن أنت حاربت هذا الرجل وجددت في أمره وإلا ~~أمرت الجبال أن ترجمك بالحجارة ، وشاعت هذه الرؤيا فثار المتطوعة وصمموا ~~على الحصار ، وحاصروا وكانت حروب عظيمة انجلت عن الفتح في التاريخ المذكور ~~، وهرب ms5100 بابك ثم أحضر هو وأخوه عبد الله لعشر خلون من شوال ، وكان وصولهما ~~إلى المعتصم بسامرا في صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين . ولما وصل إلى ~~PageV22P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" سامرا أمر المعتصم أن يركب فيلا والناس ~~ينظرونه ، وأدخل دار المعتصم فأمر بإحضار سياف ، وأمره أن يقطع يديه ورجليه ~~فقطعهما فسقط ، ثم أمر به فذبح وشق بطنه ، وأنفذ رأسه إلى خراسان وصلب بدنه ~~بسامرا ، وأمر بحمل أخيه عبد الله إلى بغداد ، وأن يفعل له كما فعل ببابك ، ~~ففعل به ذلك وصلب في الجانب الشرقي بين الجسرين ، وكان من قتله بابك في ~~عشرين سنة مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفا وخمسمائة إنسان ، هذا ما كان أمره ~~على سبيل الاختصار . ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين . ذكر قدوم الأفشين ~~إلى سامرا وما عامله به المعتصم في هذه السنة قدم الأفشين ببابك إلى سامرا ~~، فكان من أمر بابك وأخيه ما ذكرناه ، وأما الأفشين فإن المعتصم كان يوجه ~~إليه في كل يوم من حين سار من برزند إلى أن وافى سامرا خلعة وفرسا ، فلما ~~صار الأفشين بقناطر حذيفة تلقاه هارون الواثق بن المعتصم وأهل بيته ، فلما ~~وصل إليه توجه المعتصم وألبسه وشاحين ، ووصله بعشرين ألف ألف درهم وعشرة ~~آلاف ألف درهم ففرقها في عسكره ، وعقد له على السند وأدخل عليه الشعراء ~~يمدحونه . قال : وكان الذي أخرج الأفشين من المال مدة مقامه بإزاء بابك - ~~سوى الأرزاق والأنزال والمعاون في كل يوم يركب فيه - عشرة آلاف ، وفي غيره ~~خمسة آلاف . قال : وأسر مع بابك ثلاثة آلاف وثلاثمائة وتسعة نفر ، واستنقذ ~~ممن في يده من المسلمات وأولادهن سبعة آلاف وستمائة ، وصار في يد الأفشين ~~من بني بابك سبعة عشر رجلا ومن البنات والكنات ثلاث وعشرون امرأة . ذكر ~~خروج الروم إلى زبطرة في هذه السنة خرج توفيل بن ميخائيل - ملك الروم - إلى ~~بلاد الإسلام ، وأوقع بأهل زبطرة وغيرها ، وكان سبب ذلك أن بابك لما ضيق ~~عليه الأفشين كتب إلى ملك الروم ، يعلمه أن المعتصم قد وجه عساكره إليه ، ~~وجمع مقاتلته حتى ms5101 وجه خياطه وطباخه يعني جعفر بن دينار الخياط ويعني ~~بالطباخ إيتاخ ، ولم يبق على بابه أحد ، PageV22P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" فإن أردت الخروج إليه فليس في وجهك أحد يمنع ~~، فخرج توفيل في مائة ألف - وقيل أكثر من ذلك ، فبلغ زبطرة فقتل من بها من ~~الرجال وسبى الذرية والنساء ، وأغار على أهل ملطية وغيرها من حصون الإسلام ~~، وسبى المسلمات ومثل بمن صار في يده من المسلمين ، وسمل أعينهم وقطع ~~أنوفهم وآذانهم ، فخرج أهل الثغور من الشام والجزيرة إلا من لم يكن له دابة ~~ولا سلاح . ذكر فتح عمورية قال : لما فعل توفيل ما فعل واتصل الخبر ~~بالمعتصم كبر لديه واستعظمه ، وبلغه أن امرأة هاشمية صاحت وهي في أيدي ~~الروم - وامعتصماه فأجابها - وهو على سريره - لبيك لبيك ، ونهض من ساعته ~~وصاح في قصره : النفير النفير ، ثم ركب دابته وسمط خلفه شكالا وسكة حديد ~~وحقيبة فيها زاده ، ولم يمكنه المسير إلا بعد التعبئة وجمع العساكر ، ثم ~~جلس في دار العامة وأحضر قاضيي بغداد عبد الرحمن بن إسحاق وشعيب بن سهل ، ~~ومعهما ثلاثمائة وثمانية وعشرون رجلا من أهل العدالة ، فأشهدهم على ما وقف ~~من الضياع ، فجعل ثلثا لولده وثلثا لله تعالى وثلثا لمواليه ، ثم سار فعسكر ~~بغربي دجلة لليلتين خلتا من جمادى الأولى ، ووجه عجيف بن عنبسة وعمرو ~~الفرغاني وجماعة من القواد إلى زبطرة معونة لأهلها ، فوجدوا ملك الروم قد ~~انصرف إلى بلاده بعد أن فعل ما ذكرناه ، فوقفوا حتى تراجع الناس إلى قراهم ~~واطمأنوا ، ثم سار المعتصم وسأل : أي بلاد الروم أمنع وأحصن ؟ فقيل عمورية ~~لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام ، وهي عين النصرانية وأشرف عندهم من ~~قسطنطينية ، فسار المعتصم من سامرا - وقيل كان مسيره في سنة اثنتين وعشرين ~~، وقيل سنة أربع وعشرين ومائتين وتجهز جهازا لم يتجهزه خليفة قبله قط من ~~سلاح وآلات وعدد وغير ذلك ، وبث سراياه فيها وجيوشه - يغير ويقتل ويأسر ~~ويغنم ، ثم نزل بعمورية لست خلون من شهر رمضان وحاصرها ونصب عليها المجانيق ~~، ووالى الزحف والقتال ودام عليها خمسة ms5102 وخمسين يوما وكان بطارقة الروم قد ~~اقتسموا الأبراج ، وكان وندوا موكل ببعضها ومعناه بالعربية ثور ، فقاتل ~~قتالا شديدا وكثرت الجراحات في أصحابه ، فمشى إلى الروم وقال : إن الحرب ~~علي وعلى أصحابي ، ولم يبق معي أحد إلا جرح ، فإما PageV22P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" أن تمدوني وإلا ذهبت المدينة فلم يمدوه ، ~~وكان المسلمون قد هدموا ثلمة من السور مما يلي جهة وندوا ، فعزم هو وأصحابه ~~على الخروج إلى المعتصم ، يسألونه الأمان على الذرية ويسلمون إليه الحصن ~~بما فيه ، فلما أصبح أوقف أصحابه بجانبي الثلمة وأمرهم ألا يحاربوا ، فخرج ~~إلى المعتصم فصار بين يديه ، والناس يتقدمون إلى الثلمة وقد أمسك الروم عن ~~القتال ، ووصل المسلمون إلى الثلمة ووندوا بين يدي المعتصم ، والناس ~~يتقدمون حتى دخلوا المدينة ، فالتفت وندوا وضرب بيده على لحيته ، فقال له ~~المعتصم : مالك ؟ قال : جئت أسمع كلامك فغدرت بي ، فقال له المعتصم : كل ~~شيء تريده فهو لك . قال : ولما دخل المسلمون المدينة صارت طائفة من الروم ~~إلى كنيسة كبيرة ، فأحرقها المسلمون عليهم فهلكوا بأجمعهم ، وجاء ناطس - ~~وهو من البطارقة - فوقف بين يدي المعتصم ، فضربه المعتصم سوطا وأخذ الروم ~~السيف ، وأقبل الناس بالأسرى والسبي من كل وجه ، وكثرت الغنائم حتى كان ~~ينادى الرقيق خمسة خمسة وعشرة عشرة ، لا ينادى على الشيء أكثر من ثلاث ~~أصوات طلبا للسرعة ، وأمر المعتصم بعمورية فهدمت وأحرقت ، وفرق الأسرى على ~~القواد وسار نحو طرسوس . ذكر القبض على العباس بن المأمون وحبسه والأمر ~~بلعنه ووفاته وفي هذه السنة حبس المعتصم - العباس بن المأمون وأمر بلعنه ، ~~وسبب ذلك أن عجيف بن عنبسة اجتمع به ووبخه ، كونه بايع المعتصم وكونه لم ~~يطلب الأمر لنفسه ، وحثه على طلب الأمر لنفسه ، فقبل العباس قوله وأخذ يدبر ~~في قتل المعتصم ، وشرع في طلب البيعة ووافقه جماعة من القواد ، فنمى الخبر ~~إلى المعتصم فأحضر العباس وسقاه حتى سكر ولطف به واستعلم الخبر منه فذكر له ~~الحال على غرة ، فقيده وسلمه للأفشين فحبسه ، فلما نزل منبج طلب العباس ~~الطعام فقدم إليه طعام كثير ، فأكل ومنع ms5103 الماء وأدرج في مسح ، فمات بمنبج ~~وصلى عليه بعض إخوته ، وتتبع المعتصم من كان قد وافقه على ذلك من القواد ، ~~فمنهم من فعل به مثل ذلك ومنهم من دفنه حيا ، وعاد المعتصم إلى سامرا وأمسك ~~أولاد المأمون فحبسهم في داره حتى ماتوا . PageV22P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" ودخلت سنة أربع وعشرين ومائتين . ذكر مخالفة ~~مازيار بطبرستان وأسره في هذه السنة أظهر مازيار بن قارن بن ونداهرمز ~~الخلاف على المعتصم ، وعصى وقاتل عساكره ، وسبب ذلك أنه كان منافرا لعبد ~~الله بن طاهر لا يحمل إليه خراجه ، فكاتبه المعتصم في ذلك فقال : لا أحمله ~~إلا إليك ، وكان المعتصم يأمر بأخذه من أصحاب مازيار بهمذان ، ويسلمه لوكيل ~~عبد الله بن طاهر ، فلما ظفر الأفشين ببابك وعظم محله طمع في ولاية خراسان ~~، فراسل الأفشين مازيار في الخلاف والخروج ، على أنه إذا خرج احتاج المعتصم ~~إلى إرسال الأفشين لحربه ، فينتقل من ذلك إلى ولاية خراسان ، فخالف مازيار ~~فكتب المعتصم لعبد الله بن طاهر بحربه ، فأرسل ابن طاهر عمه الحسن بن ~~الحسين في جيش كثيف لحفظ جرجان ، فنزل مقابل سرخاستان ، وقد بنى سرخاستان ~~سورا على طميس وجعل له خندقا ، ومقدار السور ثلاثة أميال ليمنع من الدخول ~~إلى طبرستان ، وكانت الأكاسرة تبنيه لتمنع الترك من الدخول إليها ، ووجه ~~حيان بن جبلة في أربعة آلاف إلى قومس ، فعسكر على حد جبال شروين ، ووجه ~~المعتصم من عنده محمد بن إبراهيم بن مصعب ومعه الحسن بن قارن الطبري ، ووجه ~~منصور بن الحسن صاحب دنباوند إلى الري ليدخل طبرستان من ناحية الري ، ووجه ~~أبا الساج إلى اللازر ودنباوند ، فلما أحدقت الخيل بالمازيار من كل جانب ~~وكان أصحاب سرخاستان يتحدثون مع أصحاب الحسن بن الحسين على غفلة من الحسن - ~~ونظر الناس بعضهم إلى بعض فثاروا - وبلغ الحسن الخبر فجعل يصيح بالقوم ~~ويمنعهم خوفا عليهم فلم يقفوا - ونصبوا علمه على معسكر سرخاستان وهو في ~~الحمام - فهرب في غلالة ، ودخل أصحاب الحسن السور وهو يقول : اللهم إنهم ~~عصوني وأطاعوك فانصرهم ، واستولوا على عسكر سرخاستان وأسر أخوه ms5104 شهريار ~~فقتله الحسن ، وسار سرخاستان حتى أجهده العطش ، فنزل عن دابته وشدها ، ~~فضربه غلام له اسمه جعفر وجماعة من أصحابه ، PageV22P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" فسألهم الماء فأمسكوه وقالوا : نتقرب به إلى ~~السلطان ، فرجعوا به نحو العسكر فلقيتهم خيل الحسن بن الحسين فأخذوه منهم ، ~~وأتوا به الحسن فقتله ووجه برأسه إلى عبد الله بن طاهر . وأما حيان بن جبلة ~~- مولى ابن طاهر - فإنه كاتب قارن بن شهريار - وهو ابن أخي مازيار ، ورغبه ~~في الملك وضمنه له ، وكان قارن من قواد مازيار وقد أنفذه مازيار مع أخيه ~~عبد الله بن قارن ومعه عدة من القواد فضمن له قارن عند ذلك أن تسلم إليه ~~الجبال ومدينة سارية واتخذ قارن طعاما ودعا عمه عبد الله والقواد فأتوه ، ~~ووضعوا سلاحهم فأحدق بهم أصحابه وقبضوا عليهم ووجه بهم إلى حيان فاستوثق ~~منهم ، وركب في أصحابه ودخل جبال قارن ، وبلغ الخبر مازيار فاغتم له ، قال ~~: ولما بلغ الخبر أهل سارية أخذ سرخاستان ودخول حيان جبال شروين وثبوا على ~~عامل مازيار بها فهرب منهم ، وأتى حيان المدينة ، وبلغ قوهيار أخو مازيار ~~الخبر ، فأرسل إلى حيان يطلب منه الأمان ، وأن يملك على جبال أبيه وجده ~~ويسلم إليه مازيار ، ثم مات حيان قبل الاتفاق فوجه عبد الله مكانه عمه محمد ~~بن الحسين ، ثم صار الحسن بن الحسين إلى خرماباذ ، فأتته رسل قوهيار ثم ~~جاءه بنفسه فأكرمه وأجابه إلى جميع ما طلب ، وتواعدوا يوما فحضر مازيار ~~عنده ، ورجع قوهيار إلى أخيه مازيار فأعلمه أنه أخذ له الأمان واستوثق له ، ~~فركب الحسن يوم الميعاد ومعه ثلاثة غلمان أتراك - وإبراهيم بن مهران يدله ~~على الطريق ، حتى أتيا هرمز أباذ فأتاه المازيار مع القوهيار ، فأخذه ووجهه ~~إلى سارية ، وسار الحسن إلى هرمز أباذ فأحرق قصر المازيار وانتهب ماله ، ~~وسار إلى خرماباذ إخوة المازيار وحبسهم ، وسار إلى مدينة سارية فأقام بها ، ~~وأمره عبد الله بن طاهر بإرسال المازيار إلى المعتصم وأهله معه ، وأن يسلمه ~~إلى محمد بن إبراهيم ليسير به ففعل ذلك ، وأمره أن يستصفي أمواله ms5105 ويحرزها ، ~~فأحضره وسأله عن أمواله فذكر أنها عند خزانة فضمن القوهيار ذلك ، وقال ~~المازيار : اشهدوا على أن جميع ما أخذت من أموالي ستة وتسعون ألف دينار ~~وسبع عشرة قطعة زمرد ، وست عشرة قطعة ياقوت ، وثمانية أحمال من ألوان ~~الثياب ، وتاج وسيف مجوهر ، وخنجر من ذهب مكلل بالجوهر ، وحق كبير مملوء ~~جوهرا - قيمته ثمانية عشر ألف PageV22P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" ألف درهم ، وقد سلمت ذلك إلى خازن عبد الله ~~بن طاهر وصاحب خبره على عسكره ، وكان المازيار قد أخذ هذا ليوصله إلى الحسن ~~بن الحسين ليظهر للناس أنه أمنه على نفسه وماله وولده ، وأنه جعل له جبال ~~أبيه فامتنع الحسن من قبوله - وكان من أعف الناس ، ثم أمر الحسن قوهيار أن ~~يتوجه لحمل مال المازيار ، وأعطاه من البغال ما يحملها عليها ، وأراد أن ~~ينفذ معه جيشا فقال : لا حاجة لي بهم ، وسار في غلمانه ففتح الخزائن وأخذ ~~الأموال ، فلما عبأها وثب عليه مماليك المازيار - وكانوا ديالم ، فقالوا : ~~إنك غدرت بصاحبنا وأسلمته إلى العرب ، وجئت لتحمل أمواله وكانوا ألفا ~~ومائتين فأخذوه وقيدوه ، فلما جنهم الليل قتلوه وانتهبوا المال ، وانتهى ~~الخبر إلى الحسن فوجه جيشا ووجه قارن جيشا ، وبلغ محمد بن إبراهيم الخبر ~~فأرسل في أثرهم فأخذوا ، وبعثهم إلى مدينة سارية قال : وقد قيل إن سبب أسر ~~المازيار أنه كان له ابن عم اسمه قوهيار ، كان له جبال طبرستان وللمازيار ~~السهل ، فألزمه مازيار بابه وولى الجبال غيره ، فلما خالف مازيار دعا ~~قوهيار ابن عمه - وقيل كان أخاه ، وقال له : أنت أعرف بجبلك من غيرك ، ~~واظهره على أمر الأفشين وكتبه ، وأمره بالعود إلى جبله وحفظه ، وأمر الذي ~~ولاه بعده على الجبل واسمه دري وأمره بالانضمام إليه بالعساكر ، ووجهه إلى ~~محاربة الحسن بن الحسين ، وبقي المازيار في مدينته في نفر يسير ، فدعا ~~قوهيار الحقد الذي في قلبه أن كاتب الحسن وكاتبه الحسن ، وضمن له ما يريد ~~وأن يعيد إليه جبله وما كان في يده لا ينازع فيه ، فرضي بذلك ووعده بتسليم ~~الجبل ، فلما جاء الميعاد تقدم ms5106 الحسن فحارب دري ، وكان دري قد انفرد ~~بالمواضع المخوفة ، وأرسل عبد الله بن طاهر جيشا كثيفا فوافوا قوهيار ، ~~فسلم إليهم الجبل فدخلوه ، ودري يحارب الحسن ومازيار في قصره ، فلم يشعر ~~إلا والخيل على باب قصره فأخذوه أسيرا ، وقيل أخذ وهو يتصيد ، وقصدوا به ~~نحو دري وهو يقاتل ، فلم يشعر هو وأصحابه إلا والخيل من ورائهم ومعهم ~~مازيار ، فانهزم دري فأدركوه وقتلوه وحملوا رأسه إلى عبد الله بن طاهر ، ~~وحملوا المازيار فأوعده عبد الله - إن هو أظهره على كتب الأفشين - أن يسأل ~~فيه المعتصم ليصفح عنه ، فأقر المازيار بذلك وأحضر الكتب فسيرها إلى ~~المعتصم ، فلما توجه مازيار إلى المعتصم سأله عن الكتب فأنكرها ، فضربه حتى ~~مات وصلبه إلى جانب بابك ، وقيل إنه اعترف للمعتصم بالكتب والله أعلم ، ~~وكان قتله في سنة خمس وعشرين . إلى المعتصم سأله عن الكتب فأنكرها ، فضربه ~~حتى مات وصلبه إلى جانب بابك ، وقيل إنه اعترف للمعتصم بالكتب والله أعلم ، ~~وكان قتله في سنة خمس وعشرين . PageV22P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" ذكر عصيان منكجور قرابة الأفشين والظفر به ~~قال : وكان الأفشين قد استعمل منكجور - وهو من أقاربه - على أذربيجان ، ~~فوجد في بعض قرى بابك مالا عظيما فأخذه ، ولم يطالع به المعتصم ولا الأفشين ~~، فكتب صاحب البريد بذلك إلى المعتصم ، فطولب بالمال فأنكره وكذب صاحب ~~البريد وهم بقتله ، فمنعه أهل أردبيل منه فقاتلهم منكجور ، فأمر المعتصم ~~الأفشين بعزله فعزله ، ووجه قائدا من القواد إليه فخلع منكجور يده من ~~الطاعة ، وجمع إليه الصعاليك وخرج من أردبيل ، والتجأ إلى حصن من حصون بابك ~~الذي كان قد خربها بابك فعمره وأقام به ، فبقي شهرا ثم وثب عليه أصحابه ~~فسلموه للقائد ، فقدم به إلى سامرا في سنة خمس وعشرين . وقيل إن القائد كان ~~بغا الكبير وأن منكجور خرج إليه بأمان ، واتهم الأفشين بمباطنته . وحج ~~بالناس في هذه السنة محمد بن داود . ودخلت سنة خمس وعشرين ومائتين . ذكر ~~القبض على الأفشين وحبسه ووفاته وصلبه في هذه السنة غضب المعتصم على ~~الأفشين وحبسه ، وذلك لما ظهر عنه ms5107 من مباطنة المازيار وغيره ، فأحضره وقوبل ~~على ذلك وحوقق على ما كان قد قصده من الخلاف ، وحبس إلى أن مات في سنة ست ~~وعشرين ومائتين ، وقيل منه عنه الطعام حتى مات ، ولما مات أمر المعتصم ~~بإخراجه وصلبه على باب العامة ، ووجد بقلفته ، ثم ألقى وأحرق وأخذ ماله ، ~~ووجد في داره أصناما وكتابا من كتب المجوس ، ورتب المعتصم بعده على الحرس ~~إسحاق بن يحيى بن معاذ . وفيها استعمل إيتاخ على اليمن وحج بالناس في هذه ~~السنة محمد بن داود . ودخلت سنة ست وعشرين ومائتين . في هذه السنة حج ~~بالناس محمد بن داود بأمر إشناس ، وكان إشناس حاجا وقد جعل إليه ولاية كل ~~بلد يدخله ، وخطب له على منابر مكة والمدينة وغيرها من البلاد التي اجتاز ~~بها إلى مدينة سامرا . PageV22P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" ودخلت سنة سبع وعشرين ومائتين . ذكر خروج ~~المبرقع بفلسطين وفي هذه السنة خرج أبو حرب اليماني المبرقع بفلسطين على ~~المعتصم ، وكان سبب خروجه أن بعض الجند أراد النزول في داره وهو غائب ، ~~فمنعه بعض نسائه فضربها الجندي بسوط فأصاب ذراعها ، فلما رجع أبو حرب إلى ~~داره اشتكت إليه ما فعل بها الجندي ، فقتله أبو حرب وهرب وتبرقع ، وقصد بعض ~~جبال الأردن فأقام به ، وكان يظهر بالنهار متبرقعا فإذا جاءه أحد أمره ~~بالمعروف ونهاه عن المنكر ، ويذكر الخليفة ويعيبه فاستجاب إليه قوم من ~~فلاحي تلك الناحية ، وكان يزعم أنه أموي فقال أصحابه هذا السفياني ، فلما ~~كثر أتباعه من هذه الطبقة ، دعا أهل البيوتات فاستجاب له جماعة من رؤساء ~~اليمانية ، منهم رجل يقال له ابن بيهس - كان مطاعا في أهل اليمن ، ورجلان ~~من أهل دمشق ، فاتصل خبره بالمعتصم في مرضه الذي مات فيه ، فسير لحربه رجاء ~~بن أيوب الحضاري في زهاء ألف رجل من الجند فرآه في عالم كثير يبلغون مائة ~~ألف رجل ، فكره رجاء مواقعته وعسكر في مقابلته ، حتى كان أوان الزراعة وعمل ~~الأرضين فانصرف من كان مع المبرقع إلى عملهم ، وبقي في زهاء ألف أو ألفين ، ~~وتوفي المعتصم وولي ms5108 الواثق وثارت الفتنة بدمشق على ما نذكره فأمر الواثق ~~رجاء بقتال من أثار الفتنة ، والعود إلى المبرقع ففعل ذلك ، وعاد والتقى ~~العسكران ، فقال رجاء لأصحابه : ما أرى في عسكره رجلا له شجاعة غيره ، وأنه ~~سيظهر لأصحابه بعض ما عنده ، فإذا حمل فأفرجوا له ، فما لبث أن حمل المبرقع ~~فأفرجوا له فجاوزهم ورجع إلى أصحابه ، ثم حمل الثانية فلما أراد الرجوع ~~أحاطوا به وأخذوه أسيرا . وقيل إن خروجه كان في سنة ست وعشرين بنواحي ~~الرملة ، وصار في خمسين ألفا ، فوجه المعتصم إليه رجاء الحضاري فقاتله وأخذ ~~ابن بيهس أسيرا ، وقتل من أصحاب المبرقع نحوا من عشرين ألفا ، وأسر المبرقع ~~فيمن أسر ، وحمل إلى سامرا والله تعالى أعلم . ذكر وفاة أبي إسحاق المعتصم ~~وشيء من أخباره كانت وفاته في يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ~~ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين ، وكان بدء علته أنه احتجم في أول يوم ~~من المحرم فاعتل ومات ، وكان أبيض أصهب اللحية طويلها ، مربوعا مشرب اللون ~~بحمرة حسن العينين وكان شديد القوة ، قيل إنه كان يرفع بيده ألف رطل ويمشي ~~بها خطوات ، وكان من PageV22P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" أشجع الناس ، وقيل إنه كان أميا لا يكتب ، ~~ومن العجب أن الرشيد أخرجه من الخلافة وعهد إلى الأمين والمأمون والمؤتمن ، ~~فساق الله الخلافة إليه ، وجعل الخلافة في ولده ولم يكن من نسل أولئك خليفة ~~، والمعتصم هو المثمن من اثني عشر وجها : هو الثامن من ولد العباس ، الثامن ~~من الخلفاء منهم ، وولي سنة ثماني عشرة ومائتين ، وكانت خلافته ثماني سنين ~~، وثمانية أشهر ، ومات وهو ابن ثمان وأربعين سنة ، وولد في شعبان وهو الشهر ~~الثامن من الشهور ، وخلف ثمانية ذكور : منهم هارون الواثق وجعفر المتوكل ~~ومحمد المستعين ، وثماني بنات ، وغزا ثماني غزوات ، وخلف ثمانية آلاف ألف ~~دينار ومثلها من الدراهم . قال بعض المؤرخين : كان له من المماليك سبعون ~~ألفا سوى الأحرار ، وكان نقش خاتمه : الله ثقة أبي إسحاق بن الرشيد وبه ~~يؤمن ، وزراؤه : الفضل بن مروان بن أحمد بن عمارة ms5109 إلى أن نكبه كما ذكرنا ، ~~ثم محمد بن عبد الملك الزيات ، وهو الذي رثاه بقوله : قد قلت إذ غيبوك ~~واصطفقت . . . عليك أيد بالترب والطين اذهب فنعم المعين كنت على ال . . . ~~دنيا ونعم الظهير للدين لن يجبر الله أمة فقدت . . . مثلك إلا بمثل هارون ~~حجابه : وصيف مولاه ثم محمد بن حماد . قضاته : شعيب بن سهل ثم محمد بن ~~سماعة ثم عبد الله بن غالب ، وقيل إن أحمد بن أبي دؤاد الإيادي كان قاضي ~~القضاة ، وأن جعفر بن عيسى من ولد الحسن البصري كان من قضاته ، الأمراء ~~بمصر : كيدر ثم ولده المظفر ، ثم ردت مصر إلى اشناس فاستخلف عليها موسى بن ~~ثابت الحنفي من أهل الشاش ، ثم مالك بن كيدر ثم علي بن يحيى الأرمني . ~~القضاة بها : هارون الزهري ثم محمد بن أبي الليث الخوارزمي . قال : ومن ~~أخبار المعتصم الدالة على كرمه ومكارم أخلاقه أنه بينما هو يسير وحده - وقد ~~انفرد عن أصحابه - إذ مر بشيخ معه حمار عليه شوك . وقد زلق الحمار من المطر ~~وسقط حمله ، فسأله المعتصم عن حاله ، فأخبره أنه ينتظر من يعينه على ~~PageV22P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" رفع الشوك على ظهر الحمار ، فنزل المعتصم عن ~~دابته وخلص الحمار من الوحل ، ورفع عليه الحمل - والشيخ يقول : بأبي أنت ~~وأمي - لا تهلك ثيابك ، فيقول : لا عليك ثم غسل يديه وركب ، فقال له الشيخ ~~: غفر الله لك يا شاب ، ثم لحقه أصحابه فأمر للشيخ بأربعة آلاف درهم ، ووكل ~~به من يوصله إلى بيته ، وقال ابن أبي دؤاد : تصدق المعتصم ووهب على يدي ~~مائة ألف ألف درهم ، هذا على يد رجل واحد فما ظنك بغيره قال بعض المؤرخين : ~~إنه لما فتح عمورية امتدحه أبو تمام حبيب بن أوس الطائي بقصيدته التي أولها ~~: السيف أصدق إنباء من الكتب فأعطاه عن كل بيت بها ألف درهم ، وقيل إنه ~~أقطعه مدينة الموصل رحمه الله تعالى . ذكر خلافة الواثق بالله هو أبو جعفر ~~هارون بن المعتصم بن الرشيد هارون بن المهدي بن المنصور ، وأمه أم ولد ~~اسمها ms5110 قراطيس ، وهو التاسع من الخلفاء العباسيين ، بويع له في يوم وفاة ~~أبيه لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين ومائتين . ~~ذكر الفتنة بدمشق قال : لما توفي المعتصم ثارت القيسية بدمشق وعاثوا ~~وأفسدوا وحصروا أميرهم ، فبعث الواثق إلى رجاء بن أيوب الحضاري ، وكان قد ~~توجه لحرب المبرقع بفلسطين كما قدمناه ، فرجع إليهم فنزل بدير مران ، ~~وكانوا معسكرين بمرج راهط فدعاهم إلى الطاعة ، فلم يرجعوا وتوعدوا الحرب ~~بدومة يوم الإثنين ، فلما كان يوم الأحد تفرقت القيسية ، وسار رجاء إلى ~~دومة الجندل وبعضهم في حوائجه ، فقاتلهم PageV22P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" فهزمهم وقتل منهم ألفا وخمسمائة ، وقتل من ~~أصحابه ثلاثمائة ، وهرب مقدمهم وهو ابن بيهس ، وصلح أمر دمشق وعاد رجاء إلى ~~حرب المبرقع فأسره كما ذكرناه . وحج بالناس في هذه السنة جعفر بن المعتصم . ~~ودخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين . في هذه السنة أعطى الواثق لإشناس تاجا ~~ووشاحين . وحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود ، وغلا السعر بطريق مكة ، ~~فبلغ رطل خبز بدرهم ورواية ماء بأربعين درهما ، وأصاب الناس في الموقف حر ~~شديد ، ثم أصابهم مطرفية برد ، فاشتد البرد عليهم بعد ساعة من ذلك الحر ~~الشديد ، وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة فقتلت عدة من الحجاج . ودخلت ~~سنة تسع وعشرين ومائتين . في هذه السنة حبس الواثق الكتاب وألزمهم أموالا ~~عظيمة ، فأخذ من أحمد بن إسرائيل ثمانين ألف دينار بعد أن ضربه ، ومن ~~سليمان بن وهب - كاتب إيتاخ - أربعمائة ألف دينار ، ومن الحسن بن وهب أربعة ~~عشر ألف دينار ، ومن إبراهيم بن رباح وكتابه مائة ألف دينار ، ومن أحمد بن ~~الخصيب وكتابه ألف ألف دينار ، ومن نجاح ستين ألف دينار ومن أبي الوزير ~~مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار . وكان سبب ذلك أنه ذكر عنده نكبة ~~البرامكة ، وما حصل الرشيد من أموالهم ، فنكبهم بعد جمعة وحج بالناس في هذه ~~السنة محمد بن داود . ودخلت سنة ثلاثين ومائتين . ذكر مسير بغا إلى الأعراب ~~بالمدينة وما كان من أمرهم في هذه السنة وجه ms5111 الواثق بغا الكبير إلى الأعراب ~~، الذين أغاروا بنواحي المدينة ، وكان سبب ذلك أن بني سليم كانت تفسد جول ~~المدينة ، ثم قويت شوكتهم واغتصبوا أموال الناس ، وأوقعوا بقوم من كنانة ~~وباهلة وقتلوا بعضهم في جمادى PageV22P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" الآخرة من هذه السنة ، فوجه إليهم محمد بن ~~صالح - عامل المدينة - حماد بن جرير الطبري في جيش فقاتلوه ، واشتد القتال ~~فقتل حماد وعامة أصحابه ، وأخذ بنو سليم الكراع والسلاح والثياب ، فزاد ~~طمعهم ونهبوا القرى والمناهل ما بين مكة والمدينة ، فوجه إليهم الواثق بغا ~~الكبير في جمع من الجند ، فقدم المدينة في شعبان فلقيهم ببعض مياه الحرة - ~~من وراء السوارقية وهي قريتهم ، التي يأوون إليها وبها حصون ، فقتل بغا ~~منهم نحوا من خمسين رجلا ، وأسر مثلهم وانهزم الباقون ، وأقام بغا ~~بالسوارقية ودعاهم إلى الأمان على حكم الواثق ، فأتوه متفرقين فنزل عنده من ~~يعرف منهم بالفساد وهم زهاء ألف رجل ، وخلى سبيل الباقين وعاد بالأسرى إلى ~~المدينة في ذى القعدة ، فحبسهم بها ثم سار إلى مكة ، فلما قضى حجه سار إلى ~~ذات عرق ، وعرض على بني هلال مثل الذي عرض على بني سليم فقبلوه ، فأخذ من ~~مفسديهم نحو ثلاثمائة رجل إلى المدينة فحبسهم ، ثم سار إلى بني مرة فنقب ~~الأعراب السجن ليخرجوا ، فرأت امرأة النقب فصاحت يا أهل المدينة فجاءوا ~~فوجدوهم قد قتلوا الموكلين وأخذوا سلاحهم ، فاجتمع أهل المدينة وقاتلوهم ، ~~فقتل سودان المدينة كل من وجدوه منهم ، وكان مقتلهم في سنة إحدى وثلاثين ~~ومائتين . وفيها - أعني سنة ثلاثين ومائتين - مات عبد الله بن طاهر ~~بنيسابور ، وهو أمير خراسان والسواد والري وطبرستان وكرمان وما يتصل بها ، ~~وكان خراج هذه الأعمال يوم وفاته ثمانية وأربعين ألف ألف درهم ، فاستعمل ~~الواثق على أعماله كلها ولده طاهر بن عبد الله بن طاهر . مات أشناس التركي ~~بعد موت ابن طاهر بسبعة أيام . ودخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين . ذكر خبر ~~أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي وما كان من أمره في هذه السنة تحرك ببغداد قوم ~~مع أحمد بن نصر بن ms5112 مالك بن الهيثم الخزاعي ، وجده مالك أحد نقباء بني ~~العباس ، وكان سبب هذه الحركة أن أحمد بن PageV22P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" نصر كان يغشاه أصحاب الحديث كابن معين وابن ~~الدورقي وأبي زهير ، وكان يخالف من يقول بخلق القرآن ويطلق لسانه فيه ، مع ~~غلظة الواثق ، وكان يقول إذا ذكر الواثق : فعل هذا الخنزير ، وقال : هذا ~~الكافر ، وفشا ذلك ، وكان يغشاه رجل يعرف بأبي هارون السراج وآخر يقال له ~~طالب وغيرهما ، فدعوا الناس إليه فبايعوه على الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ، وفرق أبو هارون وطالب في الناس مالا ، فأعطيا كل رجل دينارا ، ~~واتعدوا ليلة الخميس لثلاث خلون من شعبان ، ليضربوا بالطبل ويثوروا على ~~السلطان ، وكان أحدهما في الجانب الشرقي من بغداد والآخر بالغربي ، فاتفق ~~أن رجلين ممن بايعهم من بني الأشرس شربا نبيذا ليلة الأربعاء قبل الموعد ~~بليلة ، فلما أخذ منهم ضربوا الطبل فلم يجبهم أحد ، فسمع صاحب الشرطة الطبل ~~فسأل عن الخبر ، فدل على رجل يكون في الحمام مصاب العين يعرف بعيسى الأعور ~~، فأخذه وقرره فقر على بني الأشرس وأحمد بن نصر وغيرهم ، فأخذ بعض من سمى ~~وفيهم طالب وأبو هارون ، ورأى في منزل بني الأشرس علمين أخضرين ، ثم أخذ ~~خادما لأحمد بن نصر فقرره فأقر بمثل ما قال عيسى ، فأرسل إلى أحمد فأخذه ~~وهو في الحمام ، وفتش بيته فلم يجد فيه سلاحا ولا شيئا من الآلات ، فسيرهم ~~إلى الواثق مقيدين على بغال بأكف بغير وطاء إلى سامرا ، فجلس الواثق مجلسا ~~عاما فيه أحمد بن أبي دؤاد ، فلما حضر أحمد بن نصر عند الواثق لم يذكر له ~~شيئا من فعله والخروج عليه ، بل قال له : ما تقول في القرآن ؟ قال : كلام ~~الله ، قال : أمخلوق هو ؟ قال : كلام الله ، قال : فما تقول في ربك - أتراه ~~يوم القيامة ؟ قال : يا أمير المؤمنين - جاءت الأخبار عن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أنه قال " ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر - لا ~~تضامون في رؤيته " ، وحدثني سفيان بحديث رفعه " أن قلب ابن آدم المؤمن بين ms5113 ~~أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه " ، وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يدعو ~~: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، فقال الواثق لمن حوله : ما تقولون ~~فيه ؟ فقال عبد الرحمن بن إسحاق : هو حلال الدم ، وقال بعض أصحاب ابن أبي ~~دؤاد : اسقني دمه ، وقال ابن أبي دؤاد : هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص ~~عقل ، وكان كارها لقتله ، فقال الواثق : إذا رأيتموني قد قمت إليه فلا ~~يقومن أحد ، فإني أحتسب خطاي إليه ، ودعا بالصمصامة ومشى إليه وهو في وسط ~~الدار على نطع ، فضربه على حبل عاتقه ثم ضربه على رأسه ، ثم ضرب سيما ~~الدمشقي عنقه وطعنه الواثق بطرف الصمصامة في بطنه ، وصلب عند بابك وحمل ~~رأسه إلى بغداد فنصب بها ، وكتب في أذنه رقعة : هذا رأس PageV22P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" الكافر المشرك الضال أحمد بن نصر ، وتتبع ~~أصحابه فجعلوا في الحبوس هذا ما حكاه ابن الأثير في تاريخه الكامل . وقد ~~حكى الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت خبر مقتله ، فذكر ما تقدم وذكر ~~زيادات أخرى بأسانيد رفعها ، قد رأينا أن نثبت منها طرفا ، فقال بسند رفعه ~~إلى محمد بن يحيى الصولي : إنه لما حمل أحمد بن نصر وأصحابه إلى الواثق بسر ~~من رأى جلس لهم الواثق ، وقال لأحمد بن نصر : دع ما أخذت له - قال : ما ~~تقول في القرآن ؟ قال : كلام الله ، قال : أمخلوق هو ؟ قال : كلام الله ، ~~قال : أفترى ربك في يوم القيامة ؟ قال : كذا جاءت الرواية ، قال : ويحك كما ~~يرى المحدود المتجسم ويحويه مكان ويحصره الناظر أنا أكفر برب هذه صفته ، ما ~~تقولون فيه ؟ فذكر من كلام عبد الرحمن بن إسحاق ما تقدم ، وقال جماعة من ~~الفقهاء كما قال ، فأظهر ابن أبي دؤاد أنه كاره لقتله فقال للواثق : يا ~~أمير المؤمنين - شيخ مختل لعله به عاهة أو تغير عقل ، يؤخر أمره ويستتاب ، ~~فقال الواثق : ما أراه إلا مؤديا لكفره ، قائما بما يعتقد منه ، وذكر من ~~قيام الواثق إليه نحو ما تقدم ، إلا أنه قال إن الواثق ضرب ms5114 عنقه . ثم قال ~~بسند آخر رفعه إلى جعفر بن محمد الصائغ أنه قال : بصر عيناي - وإلا فعميتا ~~- وسمع أذناي - وإلا فصمتا - أحمد بن نصر الخزاعي حيث ضربت عنقه يقول رأسه ~~: لا إله إلا الله . وقال بسند آخر إلى العباس بن سعيد : نسخة الرقعة ~~المعلقة في أذن أحمد بن نصر - بسم الله الرحمن الرحيم هذا رأس أحمد بن نصر ~~بن مالك دعاه عبد الله الإمام هارون - وهو الواثق بالله أمير المؤمنين - ~~إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلا المعاندة ، فجعله الله إلى ~~ناره . وكتب محمد بن عبد الملك الزيات قال : ولما جلس المتوكل دخل عليه عبد ~~العزيز بن يحيى المكي فقال : يا أمير المؤمنين - ما رئي أعجب من أمر الواثق ~~PageV22P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" قتل أحمد بن نصر وكان لسانه يقرأ القرآن إلى ~~أن دفن ، قال : فوجد المتوكل من ذلك وساءه ما سمعه في أخيه ، إذ دخل عليه ~~محمد بن عبد الملك الزيات ، فقال له : يا ابن عبد الملك - في قلبي من قتل ~~أحمد بن نصر ، فقال له : يا أمير المؤمنين - أحرقني الله بالنار إن قتله ~~أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا ، ودخل عليه هرثمة فقال : يا هرثمة - في ~~قلبي من قتل أحمد بن نصر ، فقال : يا أمير المؤمنين - قطعني الله إربا إربا ~~إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا ، قال : ودخل عليه أحمد بن أبي ~~دؤاد ، فقال : يا أحمد - في قلبي من قتل أحمد بن نصر ، فقال : يا أمير ~~المؤمنين - ضربني الله بالفالج إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا ، ~~قال المتوكل : فأما ابن الزيات فأنا أحرقته بالنار ، وأما هرثمة فإنه هرب ~~وتبدى ، واجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل في الحي فقال : يا معشر خزاعة - هذا ~~الذي قتل ابن عمكم أحمد بن نصر ، فقطعوه إربا إربا ، وأما ابن دؤاد فقد ~~سجنه الله في جلده . وقال أحمد بن كامل القاضي عن أبيه أنه وكل برأس أحمد ~~بن نصر من يحفظه بعد أن نصب برأس الجسر ببغداد ، وأن الموكل به ذكر أنه ~~يراه بالليل ms5115 يستدير إلى القبلة بوجهه ، فيقرأ سورة يس بلسان طلق ، وأنه لما ~~أخبر بذلك طلب فخاف على نفسه فهرب . وقال بسند آخر إلى إبراهيم بن إسماعيل ~~بن خلف : كان أحمد بن نصر خلي ، فلما قتل في المحنة وصلب رأسه أخبرت أن ~~الرأس يقرأ القرآن ، فمضيت فبت بقرب من الرأس مشرفا عليه ، وكان عنده رجالة ~~وفرسان يحفظونه ، فلما هدأت العيون سمعت الرأس يقرأ " الم ، أحسب الناس أن ~~يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " فاقشعر جلدي ، ثم رأيته بعد ذلك في ~~المنام وعليه السندس والاستبرق وعلى رأسه تاج ، فقلت : ما فعل الله بك يا ~~أخي ؟ قال : غفر لي وأدخلني الجنة ، إلا أني كنت مغموما ثلاثة أيام ، قلت : ~~ولم ؟ قال : رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مر بي فلما بلغ خشبتي ~~حول وجهه عني ، فقلت له بعد ذلك : يا رسول الله - قتلت على الحق أو على ~~الباطل ؟ فقال : أنت على الحق ولكن قتلك رجل من أهل بيتي ، فإذا بلغت إليك ~~أستحيي منك . وقال بسند إلى أبي جعفر الأنصاري : سمعت محمد بن عبيد - وكان ~~من خيار الناس - يقول : رأيت أحمد بن نصر في منامي فقلت يا أبا عبد الله ما ~~صنع بك ربك ؟ قال : غضبت له فأباحني النظر إلى وجهه تعالى . PageV22P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" قال : وكان مقتله يوم السبت غرة رمضان سنة ~~إحدى وثلاثين ومائتين ، وأنزل رأسه يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شوال سنة ~~سبع وثلاثين ومائتين ، وجمع رأسه وبدنه ودفن بالجانب الشرقي في المقبرة ~~المعروفة بالمالكية . ذكر الفداء بين المسلمين والروم في هذه السنة كان ~~الفداء بين المسلمين والروم ، فاجتمع المسلمون على نهر اللامس على مسيرة ~~يوم من طرسوس ، واشترى الواثق من ببغداد وغيرها من الروم ، وعقد الواثق ~~لأحمد بن سلم بن قتيبة الباهلي على الثغور والعواصم ، وأمره بحضور الفداء ~~هو وخاقان الخادم ، وأمرهما أن يمتحنا أسرى المسلمين ، فمن قال : القرآن ~~مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة - فودي به وأعطي دينارا ، ومن لم يقل ذلك ~~ترك في أيدي الروم ، فلما كان ms5116 في عاشوراء سنة إحدى وثلاثين اجتمع المسلمون ~~ومن معهم من الأسرى على نهر ، وأتت الروم ومن معهم من الأسرى ، وكان النهر ~~بين الطائفتين ، فكان المسلمون يطلقون أسيرا فيطلق الروم أسيرا ويلتقيان في ~~وسط النهر ، ويأتي هذا لأصحابه وهذا لأصحابه حتى فرغوا ، وكان عدة أسرى ~~المسلمين أربعة آلاف وأربعة وستين نفسا ، والنساء والصبيان ثمانمائة ، وأهل ~~الذمة مائة نفس . ودخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائتين . ذكر وفاة أبي جعفر ~~الواثق وشيء من أخباره كانت وفاته بسامرا في يوم الأربعاء لست بقين من ذى ~~الحجة منها . وكانت علته الاستسقاء فعولج بالإقعاد في تنور مسخن ، فوجد ~~لذلك خفة فأمرهم من الغد بالزيادة في إسخانه ، ففعل ذلك وجلس فيه أكثر من ~~اليوم الأول ، فحمي عليه فأخرج PageV22P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" منه ووضع في محفة فمات فيها ، ولم يشعر به ~~حتى ضرب وجهه المحفة ، وقيل إن أحمد بن أبي دؤاد حضر وفاته وغمضه ، وقيل ~~إنه لما حضرته الوفاة جعل يردد هذين البيتين : الموت فيه جميع الخلق مشترك ~~. . . لا سوقة منهم تبقى ولا ملك ما ضر أهل قليل في تفاقرهم . . . وليس ~~يغني عن الأملاك ما ملكوا وأمر بالبسط فطويت وألصق خده بالأرض ، وجعل يقول ~~: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه . وقال أحمد بن محمد الواثقي : كنت ~~فيمن يمرض الواثق ، فلحقته غثية وأنا وجماعة من أصحابه قيام ، فقلنا لو ~~عرفنا خبره فتقدمت إليه فلما صرت عند رأسه فتح عينيه فكدت أموت خوفا ، ~~فرجعت إلى خلفي وتعلقت قنبعة سيفي بعتبة المجلس ، فاندقت وسلمت من جراحه ، ~~ووقفت في موقفي ثم مات الواثق وسحبناه ، وجاء الفراشون فأخذوا ما تحته في ~~المجلس ورفعوه لأنه مكتوب عليهم ، واشتغل الناس بأخذ البيعة وجلست على باب ~~المجلس لحفظ الميت ، ورددت الباب فسمعت حسا ففتحت الباب ، فإذا جرذ قد دخل ~~من بستان هناك فأكل إحدى عيني الواثق ، فقلت : لا إله إلا الله - هذه العين ~~التي فتحها من ساعة ، فاندق سيفي هيبة لها ، صارت طعمة لدابة ضعيفة ، ~~فسألني ابن أبي دؤاد عن عينه فذكرت له القصة ms5117 فعجب منها ، وصلى عليه ابن أبي ~~دؤاد وأنزله في قبره ، وقيل صلى عليه أخوه المتوكل ، ودفن بالهاروني ، وكان ~~عمره اثنتين وثلاثين سنة ، وقيل ستا وثلاثين سنة وشهورا ، وقيل سبعا ~~وثلاثين ، ومدة خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وستة أيام . وكان أبيض مشربا ~~بحمرة جميلا ربع القامة حسن الجسم بعينه اليمنى وقيل اليسرى نكته بياض . ~~وقد وقفت في أثناء مطالعتي على حكاية غريبة اتفقت للواثق ، أحببت أن أضمها ~~إلى أخباره ، وهي ما رواه أبو الفرج الأصبهاني بسنده إلى محمد بن الحارث ، ~~PageV22P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" قال : كانت لي نوبة في خدمة الواثق في كل ~~جمعة . إذا حضرت ركبت إلى الدار ، فإن نشط إلى الشرب أقمت عنده ، وإن لم ~~ينشط انصرفت ، وكان رسمنا ألا يحضر أحد منا إلا يوم نوبته ، فإني لفي منزلي ~~في يوم غير يوم نوبتي إذا برسل قد هجموا علي ، وقالوا لي : احضر ، فقلت ~~خيرا ، قالوا : خير ، فقلت : إن هذا يوم لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قط ، ~~ولعلكم غلطتم ، قالوا : الله المستعان - لا تطل وبادر ، فقد أمرنا ألا ندعك ~~تستقر على الأرض ، فدخلني فزع شديد وخفت أن يكون سعى بي ساع ، أو بلية قد ~~حدثت في رأي الخليفة علي ، فتقدمت بما أردت وركبت حتى وافيت الدار ، فذهبت ~~لأدخل على رسمي من حيث كنت أدخل فمنعت ، وأخذ بيدي الخدم فعدلوا بي إلى ~~ممرات لا أعرفها ، فزاد ذلك في جزعي وغمي ، ثم لم يزل الخدم يسلمونني من ~~خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة بالصخر ، ملبسة الحيطان بالوشي ~~المنسوج بالذهب ، ثم أفضيت إلى رواق أرضه وحيطانه ملبسة بمثل ذلك . قال : ~~وإذا الواثق في صدره على سرير مرصع بالجوهر ، وعليه ثياب منسوجة بالذهب ، ~~وإلى جانبه فريدة جاريته عليها مثل ثيابه وفي حجرها عود ، فلما رآني قال : ~~جودت والله يا محمد - إلينا إلينا ، فقبلت الأرض ثم قلت : يا أمير المؤمنين ~~- خيرا قال : خير - ما ترانا طلبت والله ثالثا يؤنسنا فلم أر أحق بذلك منك ~~، فبحياتي بادر فكل شيئا وبادر إلينا ، والله - يا سيدي - قد ms5118 أكلت وشربت ~~أيضا ، قال : اجلس فجلست . قال : هاتوا لمحمد رطلا في قدح فأحضرت ذلك ، ~~واندفعت فريدة تغني : أهابك إجلالا وما بك قدرة . . . علي ولكن ملء عين ~~حبيبها وما هجرتك النفس يا ليل أنها . . . قلتك ولا أن قل منك نصيبها فجاءت ~~والله بالسحر ، وجعل الواثق يجاذبها وفي خلال ذلك تغني الصوت بعد الصوت ، ~~وأغني في خلال غنائها ، فمر لنا أحسن ما مر لأحد ، فإنا لكذلك إذ رفع رجله ~~فضرب بها صدر فريدة ، ضربة تدحرجت منها من أعلى السرير إلى الأرض ، وتفتت ~~عودها ، ومرت تعدو وتصيح وبقيت كالمنزوع الروح ، فلم أشك في أن عينه وقعت ~~علي - وقد نظرت إلي ونظرت إليها ، فأطرق ساعة إلى الأرض متحيرا ، وأطرقت ~~أتوقع ضرب العنق ، فإني لكذلك إذ قال لي : يا محمد - فوثبت ، فقال : ويحك ~~أرأيت أعجب مما تهيأ علينا فقلت : يا سيدي الساعة تخرج روحي ، فعلى من ~~أصابنا بعين لعنة الله ، فما كان السبب والذنب ؟ قال : لا والله ، ولكني ~~ذكرت في أن جعفرا يقعد غدا هذا المقعد ، وتقعد معه كما هي قاعدة معي ، فلم ~~أطق الصبر PageV22P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" وخامرني ما أخرجني إلى ما رأيت ، فسري عني ~~وقلت : بل يقتل الله جعفرا ويحيا أمير المؤمنين أبدا ، وقبلت الأرض وقلت : ~~يا سيدي إرحمها ومر بردها ، فقال لبعض الخدم الوقوف مر وجيء بها ، فلم يكن ~~بأسرع من أن خرجت وفي يدها عود ، وعليها غير الثياب التي كانت عليها ، فلما ~~رآها جذبها إليه وعانقها ، فبكت وجعل هو يبكي واندفعت أنا في البكاء ، ~~فقالت : ما ذنبي يا مولاي ؟ وبأي شيء استوجبت هذا ؟ فأعاد عليها ما قال لي ~~وهو يبكي ، فقالت سألتك بالله يا أمير المؤمنين إلا ضربت عنقي الساعة ، ~~وأرحتني من الفكر في هذا وأرحت قلبك من الهم ، وجعلت تبكي ويبكي ثم مسحا ~~أعينهما ، ثم رجعت إلى الغناء ، وأومأ إلى خدم وقوف بشيء لا أعرفه ، فمضوا ~~وأحضروا أكياسا فيها عين وورق ، ورزما فيها ثياب كثيرة ، وجاء خادم بدرج ~~ففتحه وأخرج منه عقدا ما رأيت مثل جوهر كان فيه ، فألبسه إياها ms5119 ، وأحضرت ~~بدرة فيها عشرة آلاف فجعلت بين يدي ، وخمسة تخوت فيها ثياب ، وعدنا إلى ~~أمرنا إلى أحسن ما كنا فيه ، فلم نزل كذلك إلى الليل ثم تفرقنا ، وضرب ~~الدهر ضربة وتولى المتوكل ، فوالله إني لفي منزلي بعد يوم نوبتي ، إذ هجم ~~علي رسل الخليفة فلم يمهلوني حتى ركبت وصرت إلى الدار ، فأدخلت - والله - ~~الحجرة بعينها ، وإذا المتوكل في الموضع الذي كان فيه الواثق على السرير ~~بعينه وإلى جانبه فريدة ، فلما رآني قال : ويحك ما ترى ما أنا فيه من هذه - ~~منذ غدوة أطالبها أن تغني فتأبى ذلك ، فقلت لها : يا سبحان الله تخالفين ~~سيدك وسيدنا وسيد البشر بحياته غني فضربت والله ثم اندفعت تغني : مقيم ~~بالمجازة من قنونا . . . وأهلك بالأجيفر والثماد فلا تبعد فكل فتى سيأتي . ~~. . عليه الموت يطرق أو يغادي ثم ضربت بالعود الأرض ورمت بنفسها عن السرير ~~، ومرت تعدو وهي تصيح واسيداه ، فقال لي : ويحك ما هذا فقلت : لا أدري ~~والله - يا سيدي ، قال : ما ترى ؟ قلت أرى أن تحضر هذه ومعها غيرها فإن ~~الأمر يؤول إلى ما يريد أمير المؤمنين ، قال : فانصرف في حفظ الله ، فلم ~~أدر ما كانت القصة . PageV22P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" قال : وكان الواثق قد ذهب في أموره مذهب ~~المأمون ، وشغل نفسه بمحنة الناس في الدين وأفسد قلوبهم ، ولما ولي الخلافة ~~أحسن إلى العلويين واشتمل عليهم وبالغ في إكرامهم وتعاهدهم بالأموال ، وفرق ~~في أهل الحرمين أموالا لا تحصى ، حتى إنه لم يوجد في أيامه بالحرمين سائل ، ~~حتى إنه - لما توفي - كان أهل المدينة تخرج من نسائهم كل ليلة إلى البقيع ~~فيبكين عليه ويندبنه ، يفعلن ذلك بينهن مناوبة حزنا عليه لإحسانه لهم ، ~~وأطلق في خلافته أعشار سفن البحر وكانت مالا عظيما . وكان نقش خاتمه : الله ~~ثقة الواثق . أولاده : محمد المهتدي بالله ، وعبد الله ، وإبراهيم ، ومحمد ~~وعائشة . وزيره : محمد بن عبد الملك الزيات . حجابه إيتاخ ثم وصيف مولاه ثم ~~أحمد بن عمار . قاضيه : أحمد بن أبي دؤاد . الأمراء بمصر : علي بن يحيى ~~الأرمني ثم عيسى بن منصور ms5120 من قبل إشناس ، فلما توفي إشناس ردت مصر إلى ~~إيتاخ فأقر عيسى بن منصور عليها . قاضيها : محمد بن أبي الليث . ذكر خلافة ~~المتوكل على الله هو أبو الفضل جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن ~~المنصور ، وأمه تركية اسمها شجاع ، وهو العاشر من الخلفاء العباسيين ، بويع ~~له يوم وفاة أخيه الواثق لست بقين من ذى الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ~~، قال : ولما توفي الواثق حضر الدار أحمد بن أبي دؤاد وإيتاخ ووصيف وعمر بن ~~فرج وابن الزيات وأبو الوزير أحمد بن خالد ، وعزموا على البيعة لمحمد بن ~~الواثق وهو غلام أمرد قصير ، فألبسوه دراعة سوداء وقلنسوة فإذا هو قصير ، ~~فقال وصيف : أما تتقون الله - تولون مثل هذا الخلافة فتناظروا فيمن يولونه ~~فذكروا عدة ثم أحضروا المتوكل ، فألبسه أحمد بن أبي دؤاد الطويلة وعممه ~~وقبله بين عينيه ، وقال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله ، وكان ~~عمر المتوكل يوم ذاك ستا وعشرين سنة ، ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر . ~~قال : وأراد ابن الزيات أن يلقبه ، فقال أحمد بن أبي دؤاد : قد رأيت لقبا ~~أرجو أن يكون موافقا - وهو المتوكل على الله ، فأمر بإمضائه فكتب به الآفاق ~~. وقيل بل رأى المتوكل في منامه قبل أن يستخلف كأن سكرا ينزل من السماء - ~~مكتوب عليه المتوكل على الله ، فقصها على أصحابه فقالوا : هي الخلافة ، ~~فبلغ ذلك الواثق فحبسه وضيق عليه . PageV22P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" ودخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين . ذكر القبض ~~على محمد بن عبد الملك الزيات وفي هذه السنة لسبع خلون من صفر قبض المتوكل ~~على محمد بن عبد الملك الزيات ، واكن سبب ذلك أن الواثق كان قد استوزره ~~وفوض إليه الأمور كلها ، وكان قد غضب على أخيه جعفر المتوكل ، ووكل عليه من ~~يأتيه بأخباره كلها ، فجاء المتوكل إلى ابن الزيات فسأله أن يكلم الواثق ~~ليرضى عنه ، فوقف بين يديه وهو لا يكلمه ، ثم أشار إليه بالقعود فجلس ، ~~فلما فرغ من الكتب التي بين يديه التفت إليه كالمتهدد ، وقال : ما جاء بك ؟ ~~قال : جئت ms5121 لتسأل أمير المؤمنين الرضا عني ، فالتفت إلى من حوله وقال : ~~انظروا يغضب أخاه ثم يسألني أن أسترضيه له ، اذهب فإنك - إذا صلحت - رضي ~~عنك ، فقام من عنده حزينا وأتى أحمد بن أبي دؤاد ، فقام إليه واستقبله على ~~باب البيت وقبل يده ، وقال : ما حاجتك ؟ جعلت فداك ، قال : جئت لتسترضي عني ~~أمير المؤمنين ، قال : أفعل ونعمة عين وكرامة ، وكلم أحمد الواثق فيه فوعده ~~- ولم يرض عنه ، ثم كلمه ثانية فرضي عنه وكساه . قال : ولما خرج المتوكل من ~~عند ابن الزيات ، كتب أن جعفرا أتاني في زي المخنثين له شعرقفا ، يسألني أن ~~أسأل أمير المؤمنين الرضا عنه ، فكتب إليه الواثق : ابعث إليه وأحضره ، ومر ~~بجز شعر قفاه ، قال المتوكل : لما أتاني رسوله لبست سوادا جديدا ، وأتيته ~~رجاء أن يكون قد أتاه الرضا عني ، فاستدعى حجاما وأخذ شعري على السواد ~~الجديد ، ثم ضرب به وجهي ، فلما ولي المتوكل الخلافة أمهله إلى صفر ، وأمر ~~إيتاخ بأخذ ابن الزيات وتعذيبه ، فاستدعاه وأدخله حجرة ووكل به ، وأرسل من ~~أصحابه من هجم منازله وأخذ كل ما فيها ، واستصفى أمواله وأملاكه في جميع ~~البلاد ، ثم جعله في تنور كان قد عمله هو وعذب به ابن أسباط وأخذ ماله ، ~~وكان التنور من خشب فيه مسامير من حديد ، أطرافها إلى داخل التنور ، يمنع ~~من يكون فيه من الحركة ، وكان ضيقا بحيث إن الإنسان إذا دخل فيه يمد يديه ~~إلى رأسه ليقدر على دخوله لضيقه ، فبقي أياما ومات لإحدي عشرة ليلة بقيت من ~~شهر ربيع الأول منها ، وقيل : بل ضرب فمات وهو يضرب ، وقيل مات بغير ضرب ، ~~وقد تقدم أن المتوكل حرقه بالنار والله أعلم . ولما مات ألقي على الباب ~~بقميص فغسل ودفن ، فقيل إن الكلاب نبشته وأكلت لحمه . قال : وسمع قبل موته ~~يخاطب نفسه ويقول : يا محمد لم تقنعك النعمة PageV22P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" والدواب والدار النظيفة والكسوة وأنت في ~~عافية ، حتى طلبت الوزارة - ذق ما عملت بنفسك ثم سكت ، وكان لا يزيد على ~~التشهد وذكر الله عز وجل . وفيها حبس ms5122 عمر بن الفرج الرخجي ، وكان سبب ذلك ~~أن المتوكل أتاه لما كان أخوه الواثق ساخطا عليه ، ومعه صك ليختمه عمر له ~~ليقبض أرزاقه من بيت المال ، فأخذ عمر صكه فرمى به إلى صحن المسجد ، فحقدها ~~المتوكل ثم حبسه في شهر رمضان ، وأخذ ماله وأثاث بيته وأصحابه ، ثم صولح ~~على أحد عشر ألف ألف على أن يرد إليه ضياع الأهواز . وفيها غضب المتوكل على ~~إبراهيم بن الجنيد النصراني ، وأخذ ماله ومال أخيه وكاتبه . وفيها عزل ~~الفضل بن مروان عن ديوان الخراج ، وولاه يحيى بن خاقان الخراساني مولى ~~الأزد ، وولى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول ديوان زمام النفقات . وحج ~~بالناس في هذه السنة محمد بن داود . ودخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين . ذكر ~~خبر إيتاخ وابتداء أمره وقتله كان إيتاخ غلاما خزريا ، وكان طباخا لسلام ~~الأبرش ، فاشتراه منه المعتصم في سنة تسع وتسعين ومائة ، وكان فيه شجاعة ~~فرفعه المعتصم والواثق وضم إليه أعمالا كثيرة ، منها المعونة بسامرا مع ~~إسحاق بن إبراهيم ، فلما صار الأمر إلى المتوكل كان معه على أكثر من ذلك ، ~~وجعل إليه الجيش والمغاربة والأتراك والأموال والبريد والحجابة ودار ~~الخلافة ، فلما تمكن المتوكل من الخلافة شرب ليلة ، وعربد على إيتاخ فهم ~~بقتله ، فلما أصبح المتوكل قيل له فاعتذر إليه ، وقال : أنت ربيتني وأنت ~~بمنزلة الوالد وما يناسب ذلك ، ثم وضع عليه من يحسن له الحج ، فاستأذن فيه ~~المتوكل فأذن له ، وصيره أمير كل بلد يدخله وخلع عليه وسار العسكر جميعه ~~بين يديه ، فلما فارق جعلت الحجابة إلى وصيف الخادم في ذى القعدة . قال : ~~فلما عاد إيتاخ من مكة كتب المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد يأمره ~~بحبسه ، فلما قرب إيتاخ من بغداد PageV22P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" خرج إسحاق بن إبراهيم إلى لقائه ، وكان إيتاخ ~~أراد المسير على الأنبار إلى سامرا ، فكتب إليه إسحاق : إن أمير المؤمنين ~~قد أمر أن تدخل بغداد ، وأن يلقاك بنو هاشم ووجوه الناس ، وأن تقعد لهم في ~~دار خزيمة بن خازم وتأمر لهم بالجوائز ، فجاء إلى ms5123 بغداد فلما لقيه إسحاق ~~أراد النزول له ، فحلف إيتاخ عليه ألا يفعل - وكان في ثلاثمائة من غلمانه ، ~~فلما حصل بباب دار خزيمة وقف إسحاق ، وقال له : يدخل الأمير أصلحه الله ، ~~فدخل إيتاخ ومنع إسحاق أصحاب إيتاخ من الدخول ، ووكل بالأبواب وأقام عليها ~~الحرس ، فحين رأى إيتاخ ذلك قال : قد فعلوها ولو لم يفعلوا ذلك ببغداد ما ~~قدروا عليه ، وأخذوا معه ولديه منصورا ومظفرا وكاتبه سليمان بن وهب وقدامة ~~بن زياد فحبسوا ، وقيد إيتاخ وجعل في عنقه ثمانون رطلا ، فمات في جمادى ~~الآخرة سنة خمس وثلاثين ومائتين ، وأشهد إسحاق جماعة من الأعيان أنه لا ضرب ~~به ولا أثر ، قيل إنهم أطعموه ومنعوه الماء فمات عطشا . وحج بالناس محمد بن ~~داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس . ودخلت سنة خمس ~~وثلاثين ومائتين . في هذه السنة عقد المتوكل البيعة بولاية العهد لبنيه ~~الثلاثة ، وهم محمد ولقبه المنتصر ، وأبو عبد الله محمد وقيل طلحة وقيل ~~الزبير ولقبه المعتز بالله ، وإبراهيم ولقبه المؤيد بالله ، وعقد لكل واحد ~~منهم لواءين - أحدهما أسود وهو لواء العهد والآخر أبيض وهو لواء العمل ، ~~وأعطى كل واحد منهم ما نذكره : فأما المنتصر فأقطعه أفريقية والمغرب كله ~~والعواصم وقنسرين والثغور جميعها الشامية والجزرية وديار مضر وربيعة وهيت ~~والموصل وعانات والخابور وكورباجرمى وكور دجلة وطساسيج السواد جميعها ~~والحرمين واليمن وحضرموت واليمامة والبحرين والسند ومكران وقندابيل وفرج ~~بيت الذهب وكور الأهواز PageV22P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" والمستغلات بسامرا وماه الكوفة وماه البصرة ~~وماسبذان ومهرجانقذق وشهرزور والصامغان وأصبهان وقم وقاشان والجبل جميعه ~~وصدقات العرب بالبصرة . وأما المعتز بالله فأقطعه كورخراسان وما ينضاف ~~إليها ، وطبرستان ، والري ، وأرمينية ، وأذربيحان وكور فارس ، ثم أضاف إليه ~~في سنة أربعين خزن الأموال في جميع الآفاق ، ودور الضرب ، وأمر أن تختم ~~الدراهم باسمه . وأما المؤيد بالله فإنه أقطعه جند حمص ، وجند دمشق ، وجند ~~فلسطين . ذكر ظهور رجل يدعي النبوة وفيها ظهر رجل بسامرا يقال له محمود بن ~~الفرج النيسابوري ، وزعم أنه نبي وأنه ذو القرنين ms5124 ، وتبعه سبعة وعشرون رجلا ~~، وخرج من أصحابه ببغداد رجلان بباب العامة واثنان بالجانب الغربي ، فأتى ~~به وبأصحابه إلى المتوكل فضرب ضربا شديدا ، وحمل إلى باب العامة فأكذب نفسه ~~، وأمر أصحابه أن يصفعه كل واحد عشر صفعات ففعلوا ، وأخذوا له كتابا فيه ~~كلام قد جمعه وذكر أنه قرآن ، وأن جبريل نزل به عليه ، ثم مات من الضرب في ~~ذى الحجة وحبس أصحابه ، وكان فيهم شيخ يزعم أنه نبي وأن الوحي يأتيه . ~~وفيها أمر المتوكل أهل الذمة بلبس الطيالسة العسلية ، وشد الزنانير وركوب ~~السروج بالركب الخشب ، وعمل كرتين في مؤخر السرج ، وعمل رقعتين على لباس ~~مماليكهم مخالفتين لون الثياب ، قدر كل رقعة منهما أربع أصابع ، ولون كل ~~واحدة منهما غير لون الأخرى ، ومن خرج من نسائهم تلبس إزارا عسليا ، ومنعهم ~~من لباس المناطق ، وأمر بهدم بيعهم المستحدثة ، وبأخذ العشر من منازلهم ، ~~وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب ، ونهى أن يستعان بهم في أعمال ~~السلطان - ولا يعلمهم مسلم ، ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليبا ، وأن ~~يشعلوا في الطريق ، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض ، وكتب بذلك إلى الآفاق . ~~وحج بالناس محمد بن داود . PageV22P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" ودخلت سنة ست وثلاثين ومائتين . ذكر ما فعله ~~المتوكل بمشهد مشهد الحسين ابن علي رضي الله عنهما في هذه السنة أمر ~~المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي رضي الله عنهما ، وهدم ما حوله من المنازل ~~والدور ويسقى موضع قبره ، وأن يمنع الناس من إتيانه ، فنادى في الناس في ~~تلك الناحية : من وجدناه عند قبره بعد ثالثة حبسناه في المطبق ، فهرب الناس ~~وتركوا زيارته وحرث وزرع ، وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه - ولأهل بيته ، وكان يقصد من يتولى عليا وأهل بيته بأخذ المال ~~والروح ، وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث ، وكان أصلع فيشد تحت ثيابه ~~مخدة ويكشف رأسه ويرقص ، والمغنون يغنون قد أقبل الأصلع البطين خليفة ~~المسلمين ، يحكي بذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والمتوكل يشرب ويضحك ~~، فرآه المنتصر ms5125 فتهدده فسكت خوفا منه ، فقال له المتوكل : ما حالك فأخبره ، ~~فقال المنتصر : يا أمير المؤمنين - إن هذا الذي يحكيه - هذا الكلب - ويضحك ~~منه الناس هو ابن عمك وشيخ أهل بيتك وبه فخرك ، فكل أنت لحمه إذا شئت ، ولا ~~تطمع هذا الكلب وأمثاله فيه ، فقال المتوكل للمغنين غنوا : غار الفتى لابن ~~عمه . . . راس الفتى في حرامه وكان هذا من الأسباب التي استحل بها المنتصر ~~قتل المتوكل . وفيها غزا علي بن يحيى الأرمني الصائفة ، فلقي صاحب الروم في ~~ثلاثين ألفا ، وكان علي في نحو ثلاثة آلاف ، فهزم الرومي وقتل أكثر من ~~عشرين ألفا ، ثم مضى إلى عمورية فافتتحها وغنم ما فيها ، وأخرج منها أسارى ~~المسلمين وكانوا خلقا كثيرا ، وخرب كنائسها ، وفتح أيضا حصنا يقال له ~~الفرطس ، فأخرج عشرين ألف رأس من السبي ، وغنم غنيمة بلغت مائة ألف وعشرين ~~ألفا - حكاه أبو الفرج الجوزي في تاريخه " المنتظم في أخبار الملوك والأمم ~~" وفيها استكتب المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان . وحج المنتصر في هذه ~~السنة بالناس . PageV22P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" ودخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين . ذكر وثوب ~~أهل أرمينية بعاملهم في هذه السنة وثب أهل أرمينية بعاملهم يوسف بن محمد ~~فقتلوه ، وكان سبب ذلك أنه لما صار إلى أرمينية خرج إليه بطريق يقال له ~~بقراط بن أشوط - ويقال له بطريق البطارقة ، فطلب الأمان فأخذه يوسف وابنه ~~معه وسيرهما إلى باب الخليفة ، فاجتمع بطارقة أرمينية مع ابن أخي بقراط بن ~~أشوط ، وتحالفوا على قتله ووافقهم على ذلك موسى بن زراره - وهو صهر بقراط ، ~~فأتى الخبر يوسف ونهاه أصحابه عن المقام بمكانه فلم يقبل ، فلما جاء الشتاء ~~ونزل الثلج أتوه وهو بمدينة طرون ، فحصروه بها فخرج إليهم وقاتلهم فقتلوه ~~وقتلوا من قاتل معه ، وأما من لم يقاتل معه فقالوا له : انزع ثيابك وانج ~~بنفسك عريانا ، فخرجوا حفاة عراة فهلك أكثرهم من البرد ، وكان ذلك في شهر ~~رمضان ، وكان يوسف قبل ذلك قد فرق أصحابه في رساتيق عمله ، فتوجه إلى كل ~~طائفة منهم طائفة من البطارقة فقتلوهم ms5126 في يوم واحد ، فلما بلغ المتوكل ~~الخبر وجه بغا الكبير إليهم ، فسار على الموصل والجزيرة فبدأ بأرزن ، وبها ~~موسى بن زراره وإخوته عيسى وإسماعيل وأحمد ومحمد وهارون فحملهم إلى المتوكل ~~، وأناخ على قتله يوسف فقتل منهم زهاء ثلاثين ألفا ، وسبى منهم خلقا كثيرا ~~فباعهم ، وسار إلى بلاد الباق فأسر أشوط بن حمزة صاحب الباق من كور ~~السفرجان ، ثم سار إلى مدينة دبيل من أرمينية فأقام بها شهرا ، ثم سار إلى ~~تفليس فحصرها ، وبها إسحاق بن إسماعيل مولى بني أمية فخرج وقاتل أصحاب ~~PageV22P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" بغا ، فأمر بغا بإحراق المدينة بالنفط فأحرقت ~~- وكانت من خشب الصنوبر ، وأسر إسحاق بن إسماعيل وأتي به إلى بغا فضرب عنقه ~~وصلب جثته ، واحترق بالمدينة نحو خمسين ألف إنسان وأسر من سلم من النار ، ~~وفرق بغا جيوشه فيما يجاور تفليس من الحصون ففتحها ، وكان أمر تفليس في سنة ~~ثمان وثلاثين ومائتين . ذكر غضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد وولاية يحيى ~~بن أكثم القضاء وفي سنة سبع وثلاثين غضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد ، ~~وقبض ضياعه وأملاكه وحبس ابنه أبا الوليد وسائر أولاده ، فحمل أبو الوليد ~~مائة ألف وعشرين ألف دينار وجواهر بقيمة عشرين ألف دينار ، ثم صولح بعد ذلك ~~على ستة عشر ألف ألف درهم ، وأشهد عليهم جميعا ببيع أملاكهم ، وكان أبوهم ~~أحمد قد فلج فأحضر المتوكل يحيى بن أكثم من بغداد إلى سامرا ، ورضي عنه ~~وولاه قضاءالقضاة ثم ولاه المظالم ، فولى يحيى بن أكثم قضاء الجانب الشرقي ~~حيان بن بشر والجانب الغربي سوار بن عبد الله العنبري ، وكلاهما أعور فقال ~~الجماز : رأيت من الكبائر قاضيين . . . هما أحدوثة في الخافقين هما اقتسما ~~العما نصفين قدرا . . . كما اقتسما قضاء الجانبين وتحسب منهما من هز رأسا . ~~. . لينظر في مواريث ودين كأنك قد وضعت عليه دنا . . . فتحت بزاله من فرد ~~عين هما فأل الزمان بهلك يحيى . . . إذا افتتح القضاء بأعورين وفيها أمر ~~المتوكل بإنزال خشبة أحمد بن نصر ودفعه إلى أوليائه ، فحمل إلى بغداد وضم ~~رأسه ms5127 إلى بدنه وغسل وكفن ودفن ، ونهى المتوكل عن الجدال في القرآن وغيره ~~وكتب بذلك إلى الآفاق . وحج بالناس في هذه السنة علي بن عيسى بن جعفر بن ~~المنصور . PageV22P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" ودخلت سنة ثمان وثلاثين ومائتين . ذكر مسير ~~الروم إلى ديار مصر في هذه السنة جاء الروم في ثلاثمائة مركب مع ثلاثة ~~رؤساء ، فأناخ أحدهم في مائة مركب بدمياط ، وكان على معونة مصر عنبسة بن ~~إسحاق الضبي ، وكان قد أمر جند الثغر أن يحضروا إلى مصر للعيد فحضروا ، ~~فاتفق وصول الروم وهي خالية من الجند ، فخرج من له قوة منا والتحق بمصر ، ~~وطلع الروم إليها فنهبوا وأحرقوا الجامع ، وأخذوا ما بها من سلاح ومتاع ~~وغير ذلك ، وسبوا من النساء المسلمات والذميات نحو ستمائة امرأة ، وأوقروا ~~سفنهم وسارت الروم إلى شتوم تنيس ، وكان عليه سور له بابان من حديد ، ~~فأخذوهما ونهبوا ما فيه من السلاح ورجعوا . ودخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين ~~. في هذه السنة أمر المتوكل بأخذ أهل الذمة بلبس دراعتين عسليتين على ~~الدراريع والأقبية ، وبالاقتصار في مراكبهم على البغال والحمير دون الخيل ~~والبراذين . قال ابن الجوزي وفيها غزا علي بن يحيى الأرمني الصائفة ، فوصل ~~بلاد الروم فقتل عشرة آلاف علج ، وسبى سبعة عشر ألف رأس ، وأخذ سبعة آلاف ~~دابة ، وحرق أكثر من ألف قرية . وحج بالناس عبد الله بن محمد بن داود بن ~~عيسى بن موسى - وهو والي مكة . ودخلت سنة أربعين ومائتين . ذكر وثوب أهل ~~حمص بعاملهم في هذه السنة وثب أهل حمص بعاملهم أبي المغيث موسى بن إبراهيم ~~، وكان قد قتل رجلا من رؤسائهم فقتلوا جماعة من أصحابه وأخرجوه ، فكتب إلى ~~المتوكل فبعث عتاب بن عتاب ومحمد بن عبدويه الأنباري ، وقال لعتاب : قل لهم ~~إن أمير المؤمنين قد أبدلكم بعاملكم ، فإن أطاعوا فول عليهم محمد بن عبدويه ~~، فإن أبوا PageV22P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" فأقم واعلمني لأمدك بالجنود ، فساروا إليهم ~~فوصلوا في شهر ربيع الآخر فرضوا بمحمد بن عبدويه ، فشرع في أذاهم وعمل بهم ~~الأعاجيب ، فوثبوا به في سنة إحدى ms5128 وأربعين وأعانهم عليه قوم من نصارى حمص ، ~~فكتب إلى المتوكل فأمره بمناهضتهم ، وأمده بجند من دمشق والرملة ، فناجزهم ~~وظفر بهم فضرب رجلين من رؤسائهم حتى ماتا وصلبهما على باب حمص ، وبعث ~~ثمانية من أشرافهم إلى المتوكل ، وظفر بعد ذلك بعشرة رجال فضرب أعناقهم ، ~~وأمره المتوكل بإخراج النصارى وبهدم كنائسهم ، وبإدخال البيعة التي بجانب ~~الجامع فيه ففعل ذلك . وفيها عزل يحيى بن أكثم عن القضاء ، وقبض منه ما ~~مبلغه خمسة وسبعون ألف دينار ، وأربعة آلاف جريب بالبصرة ، وولى جعفر بن ~~عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علي قضاء القضاة . وفيها أخذ أهل الذمة ~~بتعليم أولادهم العبرانية ومنعوا من العربية ، فأسلم منهم خلق كثير ، حكاه ~~أبو الفرج بن الجوزي . وفيها سمع أهل خلاط من السماء صيحة فمات خلق كثير - ~~وكانت ثلاثة أيام ، وخسف بثلاث عشرة قرية من قرى أفريقية ، فلم ينج منها ~~إلا اثنان وأربعون رجلا سود الوجوه ، فأتوا القيروان فأخرجهم أهلها ، ~~وقالوا : أنتم مسخوط عليكم فبنى لهم العامل حظيرة خارج المدينة فنزلوها . ~~وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود . ودخلت سنة إحدى ~~وأربعين ومائتين . ذكر الفداء بين المسلمين والروم قال : وفي هذه السنة ~~عرضت تدورة ملكة الروم على أسرى المسلمين النصرانية ، فمن تنصر جعلته أسوة ~~من قبله من المتنصرة ، ومن أبى قتلته - حتى قتلت من أسرى المسلمين اثني عشر ~~ألفا ، ثم أرسلت تطلب المفاداة لمن بقي منهم ، فأرسل المتوكل شنيفا الخادم ~~على الفداء ، وطلب قاضي القضاة جعفر بن عبد الواحد أن PageV22P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" يحضر الفداء ويستخلف على القضاء ، فأذن له ~~المتوكل واستخلف على القضاء ابن أبي الشوارب - وهو شاب ، ووقع الفداء على ~~نهر اللامس ، فكان أسرى المسلمين من الرجال سبعمائة وخمسة وثلاثين رجلا ، ~~ومن النساء مائة وخمسا وعشرين امرأة . ذكر غارة البجاة بمصر في هذه السنة ~~غارت البجاة على أرض مصر ، وكانت قبل ذلك لا تغير لهدنة قديمة ، وكانوا ~~يؤدون إلى عمال مصر الخمس مما في بلادهم من معادن الذهب ، فامتنعوا من ذلك ~~فكتب صاحب ms5129 البريد إلى المتوكل بخبرهم ، وأنهم قتلوا عدة من المسلمين ممن ~~يعمل في المعادن ، وزاد شرهم حتى خاف أهل الصعيد منهم على أنفسهم ، فولى ~~المتوكل محمد بن عبد الله القمي حربهم ، واستعمله على معونة قفط والأقصر ~~وأرمنت وإسنا وأسوان ، وأمره بمحاربة البجاة ، وكتب إلى عنبسة بن إسحاق ~~الضبي - عامل حرب مصر - بإزاحة علته وإعطائه من الجند ما يحتاج إليه ففعل ، ~~وسار محمد إلى أرض البجاة وتبعه من المتطوعة وعمال المعادن خلق كثير ، ~~فبلغت عدتهم نحوا من عشرين ألفا من فارس وراجل ، وحمل له في بحر القلزم سبع ~~مراكب موقورة بالدقيق والزيت والتمر والشعير والسويق ، وسارت لتوافيه على ~~ساحل البحر ببلاد البجاة ، وسار هو إلى بلادهم في البر حتى بلغ حصونهم ، ~~فخرج إليه ملكهم - واسمه علي بابا - في جموع عظيمة أضعاف المسلمين وهم على ~~المهاري ، فلم يصدقهم القتال وأراد مطاولتهم حتى تفنى أزوادهم ، فيأخذهم ~~باليد من غير حرب ، فأقبلت المراكب التي فيها الأقوات ففرقها محمد - على من ~~معه ، فعندها صدقهم علي بابا القتال وقاتلهم قتالا شديدا ، وكانت إبلهم ~~زعرة تنفر من كل شيء ، فجمع القمي الأجراس وجعلها في أعناق خيله ، وحمل ~~عليهم فنفرت إبل البجاة لأصواتها وتفرقت ، وسارت على الجبال والأودية ~~وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون إلى الليل ، ولم يقدروا على إحصاء القتلى ~~لكثرتهم ، ثم طلب ملكهم الأمان على أن يرد عليه مملكته وبلاده ، ويؤدي ~~الخراج للمدة التي منعها وهي أربع سنين ، PageV22P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" فأمنه محمد وسار به إلى المتوكل ، فخلع عليه ~~وعلى أصحابه وكساهم الحلل المدبجة وأعاده مع القمي فرجع إلى بلاده وهو على ~~دينه ، وكان معه صنم من حجر يسجد له وهو كهيئة الصبي . وفي جمادى الآخرة ~~منها ماجت النجوم في السماء ، وجعلت تتطاير شرقا وغربا ويتناثر بعضها خلف ~~بعض كالجراد من قبل غروب الشفق إلى وقت الفجر ، ولم يكن مثل هذا إلا لظهور ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وفيها مات الإمام أحمد بن محمد بن حنبل ~~أبو عبد الله الشيباني ببغداد ، يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ms5130 شهر ~~ربيع الأول وله سبع وسبعون سنة وأيام ، وقيل في هذا التاريخ من شهر ربيع ~~الآخر والله أعلم . وحج بالناس عبد الله بن محمد بن داود . ودخلت سنة ~~اثنتين وأربعين ومائتين . في هذه السنة خرجت الروم من شمشاط بعد خروج علي ~~بن يحيى الأرمني من الصائفة حتى قاربوا آمد ، وخرجوا من الثغور الجزرية ~~فانتهبوا وأسروا نحوا من عشرة آلاف ، فكتب المتوكل إلى علي بن يحيى الأرمني ~~أن يسير إلى بلادهم شاتيا . قال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله في المنتظم ~~وفيها في شعبان زلزلت الدامغان ، فسقط نصفها على أهلها وعلى الوالي فقتلهم ~~، ويذكر أن الهالكين كانوا خمسة وأربعين ألفا ، وكانت بقومس ورساتيقها في ~~هذا الشهر زلازل فهدمت منها الدور ، وسقطت بذش كلها على أهلها ، وسقط نحو ~~من ثلثي بسطام ، وزلزلت الري وجرجان وطبرستان ونيسابور وأصفهان وقم وقاشان ~~، وذلك كله في وقت واحد ، وتقطعت جبال ودنا بعضها من بعض ، ورجفت أسدأباذ ~~رجفة أصيب فيها الناس كلهم ، وسمع للسماء والأرض أصوات عالية ، وانشقت ~~الأرض بقدر ما تدخل PageV22P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" الرجل فيها ، قال : ورجمت السويداء من أرض ~~مصر بخمسة أحجار ، فوقع حجر منها على خيمة أعرابي فاحترقت ، ووزن منها حجر ~~فكان فيه عشرة أرطال ، فحمل منها أربعة إلى الفسطاط وواحد إلى تنيس ، قال : ~~وذكروا أن جبلا باليمن كان عليه مزارع لأهله سار حتى أتى مزارع قوم فصار ~~فيها ، فكتب بذلك إلى المتوكل . قال ابن حبيب : وذكر علي بن الوضاح أن ~~طائرا دون الرخمة وفوق الغراب أبيض وقع على ذنبه بحلب لسبع مضين من شهر ~~رمضان ، فصاح يا معشر الناس : اتقوا الله الله الله ، حتى صاح أربعين صوتا ~~ثم طار ، وجاء من الغد فصاح أربعين صوتا ، فكتب بذلك صاحب البريد وأشهد ~~خمسمائة إنسان سمعوه ، ومات رجل في بعض كور الأهواز في شوال ، فسقط طائر ~~أبيض على جنازته فصاح بالفارسية والخوزية : إن الله قد غفر لهذا الميت ولمن ~~شهده . وحج بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم . ودخلت سنة ثلاث ~~وأربعين ومائتين ms5131 . في هذه السنة سار المتوكل إلى دمشق وعزم على المقام بها ~~، فوصل إليها في صفر سنة أربع وأربعين ومائتين ، ونقل دواوين الملك إليها ~~وأمر بالبناء ، ثم استوبأ البلد فرجع إلى سامرا ، وكان مقامه بدمشق شهرين ~~وأياما . وحج بالناس عبد الصمد . ودخلت سنة أربع وأربعين ومائتين . في هذه ~~السنة وجه المتوكل بغا الكبير لغزو الروم ، وكان مسيره من دمشق لما كان ~~المتوكل بها ، فسار وفتح صملة ، وفيها أتى المتوكل بحربة كانت للنبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) تسمى العنزة ، وكانت للنجاشي فأهداها للزبير بن العوام ~~فأهداها للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهي التي كانت تركز بين يديه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في صلاة العيدين ، فكان يحملها بين يدي المتوكل صاحب ~~الشرطة . وحج بالناس عبد الصمد بن موسى . وفيها اتفق عيد الأضحى والشعانين ~~للنصارى وعيد الفطر لليهود في يوم واحد . PageV22P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" ودخلت سنة خمس وأربعين ومائتين . في هذه ~~السنة أمر المتوكل ببناء الماخورة وسماها الجعفري ، وأقطع القواد وأصحابه ~~فيها وجد في بنائها ، وأنفق عليها - فيما قيل - ألف ألف دينار ، وجمع فيها ~~القراء فقرءوا وأحضر أصحاب الملاهي ، فوهب أكثر من ألفي ألف درهم ، وكان ~~يسميها هو وخاصته المتوكلية ، وبنى فيها قصرا سماه لؤلؤة لم ير مثله ، وحفر ~~لها نهرا يسقي ما حولها ، فقتل المتوكل قبل كمال حفره فبطل الحفر وأخربت ~~الجعفرية . وفيها زلزت بلاد المغرب فتهدمت الحصون والمنازل والقناطر ، ففرق ~~المتوكل ثلاثة آلاف ألف درهم فيمن أصيب منزله ، وزلزلت المدائن وأنطاكية ~~فقتل بها خلق كثير وسقط منها ألف وخمسمائة دار ، وسقط من سورها نيف وتسعون ~~برجا ، وسمعوا أصواتا هائلة لا يحسنون وصفها ، وتقطع جبلها الأقرع وسقط في ~~البحر ، وهاج البحر ذلك اليوم وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن ، وغار منها ~~نهر على فرسخ ما علم أين ذهب ، وسمع أهل تنيس صيحة هائلة فمات منها خلق ~~كثير ، وزلزلت ديار الجزيرة والثغور وطرسوس وأذنة والشام ، وهلك أهل ~~اللاذقية وجبلة إلا اليسير . وحج بالناس محمد بن سليمان . ودخلت سنة ست ~~وأربعين ومائتين . في هذه السنة ms5132 كانت للمسلمين غزوات في الروم برا وبحرا ، ~~فغزا الفضل بن قارن في البحر في عشرين مركبا ، فافتتح حصن أنطاكية ، وفيها ~~كان الفداء على يد علي بن يحيى الأرمني ، ففودي بألفين وثلاثمائة وسبعة ~~وستين نفسا . وفيها ورد الخبر أن سكة بناحية بلخ تعرف بسكة الدهاقين مطرت ~~دما عبيطا . وحج بالناس في هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي . ~~PageV22P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" ودخلت سنة سبع وأربعين ومائتين . ذكر مقتل ~~أبي الفضل المتوكل على الله كان مقتله في ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال ~~من هذه السنة ، وكان سبب مقتله أنه أمر بإنشاء الكتب بقبض ضياع بأصفهان ~~والجبل ، وأقطعها للفتح بن خاقان فكتبت وصارت إلى الخاتم ، فبلغ ذلك وصيفا ~~، وكان المتوكل أراد أن يصلي بالناس أول جمعة في شهر رمضان ، وشاع ذلك وخرج ~~بنو هاشم من بغداد لرفع القصص وكلامه إذا ركب ، فلما أراد الركوب للصلاة ~~قال له عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان : يا أمير المؤمنين - إن الناس ~~قد كثروا من أهل بيتك وغيرهم ، فبعض متظلم وبعض يطلب حاجة ، فإن رأى أمير ~~المؤمنين أن يأمر بعض ولاة العهد بالصلاة فليفعل - فأمر المنتصر ، فلما نهض ~~للركوب قالا له : يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تأمر المعتز بالصلاة لتشرفه ~~بذلك ، فأمر المعتز فصلى بالناس ، فلما فرغ من الصلاة قاما إليه فقبلا يديه ~~ورجليه ، وانصرف المعتز في موكب الخلافة حتى دخل على أبيه ، فأثنوا عليه ~~خيرا فسره ذلك ، ووجد المنتصر له أمرا عظيما ، فلما كان عيد الفطر قال ~~المتوكل مروا المنتصر فليصل بالناس ، فقال له عبيد الله : قد كان الناس ~~يتطلعون إلى رؤية أمير المؤمنين واجتمعوا لذلك ، ولا نأمن إن هو لم يركب ~~اليوم أن يرجف الناس بعلته ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يسر الأولياء ويكبت ~~الأعداء بركوبه فعل - فركب ، وقد صف له الناس نحو أربعة أميال وترجلوا بين ~~يديه ، فصلى ورجع وأخذ حفنة من تراب فوضعها على رأسه ، وقال : إني رأيت ~~كثرة هذا الجمع وأنهم تحت يدي فأحببت أن أتواضع لله ، فلما كان اليوم ms5133 ~~الثالث افتصد واشتهى لحم جزور فأكله ، وسر في ذلك اليوم ، ودعا الندماء ~~والمغنين فحضروا ، وأخذ في الشرب واللهو ، ولهج بأن يقول : أنا - والله - ~~مفارقكم عن قليل ، ولم يزل في سروره ولهوه إلى الليل . وعزم المتوكل والفتح ~~أن يفتكا بكرة غد بالمنتصر ووصيف وبغا وغيرهم من قواد الأتراك ، هذا ~~والمنتصر قد واعد الأتراك على قتل أبيه المتوكل ، وكان ذلك لأمور : منها أن ~~المتوكل قد عبث بالمنتصر مرة يشتمه ومرة يسقيه فوق طاقته ، ومرة يأمر بصفعه ~~، ومرة يتهدده بالقتل ، ثم قال للفتح : برئت من الله ومن قرابتي من ~~PageV22P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" رسول الله إن لم تلطمه ، فقام إليه فلطمه ~~مرتين : يمر بيده على قفاه ، ثم قال لمن حضره : اشهدوا علي جميعا أني خلعت ~~المستعجل يعني المنتصر ، والتفت إليه وقال : سميتك المنتصر فسماك الناس - ~~لحمقك - المنتظر ، ثم صرت الآن المستعجل ، فقال المنتصر : لو أمرت بضرب ~~عنقي لكان أسهل علي مما تفعل بي ، فقال : اسقوه ، ثم بالعشاء فأحضر في جوف ~~الليل فخرج المنتصر من عنده ، وأخذ بيد زرافة الحاجب وقال له : امض معي ، ~~فقال : إن أمير المؤمنين لم يقم ، فقال : إنه أخذ منه الشراب ، والساعة ~~يخرج بغا والندماء ، وأخذ المنتصر يشغل زرافة بالحديث حتى انتهى به إلى ~~حجرة ، وأكلوا طعاما ، فما لبث أن سمعا صيحة وصراخا فقاما ، فإذا بغا قد ~~لقي المنتصر فقال له : عظم الله أجرك يا أمير المؤمنين ، قد مات أمير ~~المؤمنين المتوكل ، فجلس المنتصر وأمر بالباب الذي فيه المتوكل فأغلق ~~وأغلقت الأبواب ، وبعث إلى وصيف يأمره بإحضار المعتز والمؤيد عن رسالة ~~المتوكل . وأما كيفية قتل المتوكل فإنه لما خرج المنتصر وأحضرت المائدة ~~وأكل المتوكل والندماء ورفعت المائدة دخل بغا الصغير الشرابي إلى المجلس ، ~~وأمر الندماء بالانصراف إلى حجرهم ، فقال له الفتح : ليس هذا وقت انصرافهم ~~، فقال : إن أمير المؤمنين أمرني إذا جاوز السبعة ألا أترك أحدا - وقد شرب ~~أربعة عشر رطلا ، وحرم أمير المؤمنين خلف الستارة ، فأخرجهم ولم يبق إلا ~~الفتح وعثعث وأربعة من خدم الخاصة وأبو أحمد بن المتوكل ، وكان ms5134 بغا قد أغلق ~~سائر الأبواب إلا باب الشط ، ومنه دخل القوم الذين قتلوه ، فلما دخلوا بصر ~~بهم أبو أحمد فقال : ما هذا يا سفل وإذا سيوف مسللة ، فرفع المتوكل رأسه ~~فرآهم فقال : يا بغا ما هذا ؟ قال : هؤلاء رجال النوبة فرجعوا إلى ورائهم ، ~~فقال لهم بغا : يا سفل أنتم مقتولون لا محالة فموتوا كراما فرجعوا ، ~~فابتدره بغلون وضربه على كتفه وأذنه فقده ، فقال : مهلا - قطع الله يديك ، ~~وأراد الوثوب به ، واستقبله بيده فضربها فأبانها ، وشركه باغر ، فقال الفتح ~~: ويلكم أمير المؤمنين ، ورمى بنفسه على المتوكل فبعجوه بسيوفهم ، فصاح ~~الموت وتنحى فقتلوه ، وكان معهم خمسة من ولد وصيف . قال : ولما قتلوا ~~المتوكل والفتح خرجوا إلى المنتصر فسلموا عليه بالخلافة ، وقاموا على رأس ~~زرافة وقالوا : تبايع فبايع ، وأرسل المنتصر إلى وصيف أن الفتح قتل أبي ~~فقتلته ، فأحضر في وجوه أصحابك فحضروا وبايعوه ، وكان عبيد الله بن ~~PageV22P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" يحيى في حجرته وبين يديه جعفر بن حامد ، فلما ~~علم بقتل المتوكل خرج فيمن معه وكسر ثلاثة أبواب ، وخرج إلى الشط وركب في ~~زورق فأتى منزل المعتز فسأل عنه فلم يصادفه ، فقال : إنا لله وإنا إليه ~~راجعون - قتل نفسه وقتلني ، واجتمع إلى عبيد الله أصحابه في غداة يوم ~~الأربعاء ، فكانوا زهاء عشرة آلاف وقيل ثلاثة عشر ألفا ، فقالوا : إنما ~~اصطنعتنا لمثل هذا اليوم ، فمرنا بأمرك واذن لنا أن نميل على القوم فنقتل ~~المنتصر ومن معه ، فأبى ذلك وقال : إن المعتز في أيديهم . وحكى عن علي بن ~~يحيى قال : كنت أقرأ على المتوكل قبل قتله بأيام كتابا من كتب الملاحم ، ~~فوقفت على موضع فيه أن الخليفة العاشر من بني العباس يقتل في مجلسه فتوقفت ~~عن القراءة فقال : مالك ؟ قلت خير ، قال : لا بد أن تقرأ فقرأت فوجم لذلك ، ~~وقال : يا ليت شعري من هذا الشقي المقتول ؟ فقلت : أخوك الواثق هو العاشر ~~وما كل هذا يصح ، قال : وكيف يكون العاشر ؟ فذكرت الخلفاء وعددت منهم ~~إبراهيم بن المهدي فطابت نفسه . قال : وفسر علي يوما مناما فقال ms5135 : رأيت ~~دابة تكلمني والله لو كانت بين ألف دابة ميزتها ، فجرى على خاطري قوله ~~تعالى " وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم " ، ثم قلت ~~: الدابة عجماء لا تتكلم ، يدل على أن الله يفتح عليك ما لم يقدر غيرك على ~~فتحه ، فلما كان بعد شهر أهديت له هدايا فرأى فيها دابة ، فقال لي : هذه ~~والله تلك الدابة ، فقتل بعد أيام . وقال أبو الوارث قاضي نصيبين : رأيت في ~~النوم قائلا يقول : يا نائم العين في جثمان يقظان . . . ما بال عينك لا ~~تبكي بتهتان أما رأيت صروف الدهر ما فعلت . . . بالهاشمي وبالفتح بن خاقان ~~فأتى البريد بعد ثلاثة أيام بقتلهما . قال وكان عمره نحوا من أربعين سنة ، ~~ومدة خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر تسعة أيام ، ولما مات دفن بالقصر ~~الجعفري ، وصلى عليه ابنه المنتصر . وكان مربوعا أسمر خفيف العارضين نحيفا ~~، ونقش خاتمه : PageV22P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" على إلاهي اتكالي . أولاده : المنتصر وموسى ~~الأحدب والمعز والمعتز والمؤيد وطلحة الموفق وإسماعيل والمعتمد وغيرهم . ~~وزراؤه : محمد بن عبد الملك الزيات ثم محمد بن الفضل الجرجرائي ثم عبيد ~~الله بن يحيى بن خاقان . حجابه : وصيف التركي ثم محمد بن عاصم ثم يعقوب بن ~~قوصرة ثم المرزبان ثم إبراهيم بن الحسن بن سهل وغيره . قضاته : أحمد بن أبي ~~دؤاد ثم يحيى بن أكثم ثم جعفر بن عبد الواحد العباسي . الأمراء بمصر : ~~هرثمة بن النضر من قبل إيتاخ ثم ابنه حاتم ثم علي بن يحيى الأرمني ثم ردت ~~مصر إلى محمد المنتصر ، فاستخلف إسحاق بن يحيى بن معاذ ثم عبد الواحد بن ~~يحيى ابن عم طاهر بن الحسين ثم عنبسة بن إسحاق الضبي ثم يزيد بن عبد الله . ~~القضاة بها : محمد بن أبي الليث ثم الحارث بن مسكين ثم القاضي بكار بن ~~قتيبة . ذكر خلافة المنتصر بالله هو أبو جعفر محمد بن المتوكل أبو الفضل ~~جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور ، وأمه أم ولد رومية اسمها ~~حبشية ، وهو الحادي عشر من الخلفاء العباسيين ms5136 بويع له على ما ذكرناه في ~~ليلة قتل المتوكل ، قال : ولما أصبح في يوم الأربعاء لأربع خلون من شوال ~~سنة سبع وأربعين ومائتين حضر الناس من القواد والكتاب والوجوه والشاكرية ~~والجند وغيرهم إلى الجعفرية ، فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتابا عن المنتصر ~~، أن الفتح بن خاقان قتل المتوكل فقتلته به فبايع الناس ، وحضر عبيد الله ~~بن يحيى بن خاقان فبايع . وحج بالناس في هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي ~~. ودخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين . ذكر خلع المعتز والمؤيد قال : ولما ~~استقامت الأمور للمنتصر قال أحمد بن الخصيب لوصيف وبغا إنا لا نأمن الحدثان ~~، وأن يموت أمير المؤمنين فيلي المعتز الخلافة فلا يبقى منا باقية ، والرأي ~~أن نعمل في خلع المعتز والمؤيد ، فجد الأتراك في ذلك وألحوا على المنتصر ، ~~وقالوا نخلعهما من الخلافة ونبايع لابنك عبد الوهاب فأجابهم ، وأحضر المعتز ~~والمؤيد بعد أربعين يوما من خلافته ، وجعلا في دار وجاءت الرسل إليهما ~~بالخلع ، فأجاب المؤيد وامتنع المعتز وقال : إن أردتم القتل فشأنكم ، ~~فأخبروا المنتصر PageV22P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" بقوله ثم عادوا بغلظة وشدة وأخذوا المعتز ~~بعنف ، وأدخلوه بيتا فدخل إليه المؤيد ، وقال له : ويلك يا جاهل ، إنهم ~~نالوا من أبيك - وهو هو - ما نالوا ، ثم تمتنع عليهم ؟ اخلع ولا تراجعهم ~~وإن كان في سابق علم الله أن تلي لتلين ، فقال أفعل ، فخرج المؤيد وقال : ~~قد أجاب إلى الخلع ، فمضوا وأعلموا المنتصر وعادوا ومعهم كاتب ، فجلس وقال ~~للمعتز : اكتب بخطك خلعك ، فقال المؤيد : هات قرطاسك - إمل ما شئت ، فأملى ~~عليه كتابا إلى المنتصر يعلمه فيه ضعفه عن هذا الأمر ، وأنه لا يحل له أن ~~يأثم المتوكل بسببه ، إذ لم يكن موضعا له ، ويسأله الخلع ويعلمه أنه قد خلع ~~نفسه وأحل الناس من بيعته - فكتب ذلك ، وقال للمعتز : اكتب فأبى فأعاد عليه ~~فكتب ، وخرج الكاتب عنهما ثم دعاهما المنتصر ، فدخلا عليه فأجلسهما ، وقال ~~: هذا كتابكما ؟ قالا : نعم يا أمير المؤمنين ، فقال لهما - والأتراك قيام ~~- أترياني خلعتكما طمعا في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع ms5137 له ؟ لا - والله - ~~ما طمعت في ذلك ساعة قط ، وإذ لم يكن لي في ذلك طمع فوالله لئن يليها بنو ~~أبي أحب إلي من أن يليها بنو عمي ، ولكن هؤلاء - وأومأ إلى سائر الموالي ~~ممن هو قائم عنده وقاعد - وقد ألحوا في خلعكما - فخفت إن لم أفعل أن ~~يعترضكما بعضهم بحديدة ، فيأتي عليكما فما ترياني صانعا ؟ أقتله فوالله ما ~~تفي دماؤهم كلهم بدم بعضكم ، فكانت إجابتهم إلى ما سألوا أسهل فقبلا يده ~~وضمهما ، ثم أشهدا على أنفسهما القضاة وبني هاشم والقواد ووجوه الناس ~~بالخلع ، وكتب بذلك المنتصر إلى محمد بن طاهر وغيره . ذكر وفاة المنتصر ~~بالله كانت وفاته يوم السبت لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ~~ومائتين ، وقيل يوم الأحد وهو لخمس خلون منه . وكانت علته الذبحة في حلقه ، ~~أخذته يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الأول ، وقيل كانت علته من ورم في ~~معدته ثم صعد إلى فؤاده فمات ، وقيل إنه وجد حرارة فدعا بعض أطبائه ، فقصده ~~بمبضع مسموم فمات ، وانصرف الطبيب إلى منزله وقد وجد حرارة ، فدعا تلميذا ~~له ليفصده ، ووضع مباضعه بين يديه ليتخير أجودها ، فأخذ ذلك المبضع المسموم ~~- وقد نسيه الطبيب - ففصده به ، فلما فرغ نظر إليه فعرفه ، فأيقن الهلاك ~~ووصى من ساعته ومات ، وقيل غير ذلك . قال : ولما أفضت الخلافة إليه كان ~~كثير من الناس يقولون : إنما مدة خلافته ستة أشهر - مدة شيرويه بن كسرى ~~قاتل أبيه ، يقولها الخاصة والعامة . وقيل إن المنتصر رأى PageV22P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" في منامه رؤيا فانتبه وهو يبكي وينتحب ، ~~فسمعه عبد الله بن عمر البازيار فأتاه ، فسأله عن سبب بكائه فقال : رأيت ~~فيما يرى النائم المتوكل قد جاءني وهو يقول : ويحك يا محمد : قتلتني ~~وظلمتني وغبنتني خلافتي ، والله لا متعت بها أبدا إلا أياما يسيرة ، ثم ~~مصيرك إلى النار ، فقال له عبد الله : هذه رؤيا وهي تصدق وتكذب ، بل يعمرك ~~الله ويسرك ، ادع بالنبيذ وخذ في اللهو ولا تعبأ بها ، ففعل ذلك ولم يزل ~~منكسرا حتى مات ms5138 . وروى أبو الفرج بن الجوزي بسنده عن علي بن يحيى المنجم ~~قال : جلس المنتصر بالله في مجلس كان أمر أن يفرش له ، وكان في بعض البسط ~~دائرة كبيرة ، فيها مثال فرس وعليه راكب وعلى رأسه تاج ، وحوالي الدائرة ~~كتابة بالفارسية ، فلما جلس المنتصر وجلس الندماء ووقف على رأسه وجوه ~~الموالي والقواد نظر إلى تلك الدائرة وإلى الكتابة التي حولها ، فقال لبغا ~~: إيش هذا الكتاب ؟ فقال : لا أعلم يا سيدي ، فسأل من حضر من الندماء ، فلم ~~يحسن أحد أن يقرأه ، فالتفت إلى وصيف وقال : أحضر لي من يقرأه ، فأحضر رجلا ~~فقرأ الكتابة وقطب ، فقال له المنتصر : ما هو ؟ فقال له : يا أمير المؤمنين ~~ليس له معنى ، فألح عليه وغضب ، فقال : يقول - أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز ~~قتلت أبي فلم أمتع بالملك إلا ستة أشهر ، فتغير وجه المنتصر وقام عن مجلسه ~~إلى النساء ، فلم يمكث إلا ستة أشهر ومات ، وكانت خلافته ستة أشهر ويومين ، ~~وقيل ستة أشهر سواء ، وعمره خمس وعشرون سنة وستة أشهر ، وقيل أربع وعشرون ~~سنة ، ووفاته بسامرا . ولما حضرته الوفاة أنشد : فما فرحت نفسي بدنيا ~~أخذتها . . . ولكن إلى الرب الكريم أصير وصلى عليه أحمد بن المعتصم . وكان ~~مربوعا أسمر أعين حسن الوجه ذا شهامة وشدة . وكان له أربعة أولاد ذكور . ~~وزيره : أحمد بن الخصيب . حجابه : وصيف ثم بغا ثم ابن المرزبان ثم أوتامش . ~~قاضيه : جعفر العباسي . أمير مصر : يزيد بن عبد الله . قاضيها : بكار . ذكر ~~خلافة المستعين بالله هو أبو العباس أحمد بن محمد بن المعتصم بن الرشيد ، ~~وأمه أم ولد اسمها مخارق ، وهو الثاني عشر من الخلفاء العباسيين ، بويع له ~~يوم الإثنين لأربع وقيل لست خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ~~ومائتين ، وكان سبب بيعته أنه لما مات المنتصر اجتمع الموالي في الهاروني ~~من الغد ، وفيهم بغا الكبير وبغا الصغير وأوتامش وغيرهم ، واستحلفوا قواد ~~الأتراك والمغاربة والأشروسنية على أن يرضوا بمن رضي به PageV22P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" بغا الكبير وبغا الصغير وأوتامش ، وذلك برأي ~~أحمد بن ms5139 الخصيب فحلفوا ، وتشاوروا فأجمعوا على أحمد بن محمد بن المعتصم ~~فبايعوه ، وهو ابن ثمان وعشرين سنة ، وكان ذلك في ليلة الإثنين ، فلما أصبح ~~صار إلى دار العامة في زي الخلفاء ، وحمل إبراهيم بن إسحاق بين يديه الحربة ~~قبل طلوع الشمس ، واستوزر أوتامش ، واستكتب أحمد بن الخصيب . وحضر أصحاب ~~المراتب من العباسيين والطالبيين وغيرهم ، فبينما هو كذلك إذ جاءت صيحة من ~~ناحية الشارع والسوق ، وإذا نحو خمسين فارسا ذكروا أنهم أصحاب محمد بن عبد ~~الله بن طاهر ، ومعهم غيرهم من أخلاط الناس والغوغاء والسوقة ، فشهروا ~~السلاح وصاحوا : معتز يا منصور ، وتحرك من على باب العامة من المبيضة ~~والشاكرية وكثروا ، فحمل عليهم المغاربة وبعض الأشروسنية فهزموهم حتى ~~أدخلوهم درب زرافة ، ثم نشبت الحرب بينهم فقتل جماعة ، وانصرف الأتراك بعد ~~ثلاث ساعات وقد بايعوا المستعين هم ومن حضر من الهاشميين وغيرهم . قال : ~~ولما دخل الغوغاء والمنتهبة دار العامة انتهبوا الخزانة التي فيها السلاح ، ~~فأتاهم بغا الصغير في جماعة فأجلوهم عن الخزانة ، وقتلوا منهم عدة وكثر ~~القتل من الفريقين ، وتحرك أهل السجن بسامرا فهرب منهم جماعة ، ثم وضع ~~العطاء على البيعة وبعث بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر ، فبايع ~~له هو والناس ببغداد . وفي هذه السنة ورد على المستعين الخبر بوفاة طاهر بن ~~عبد الله بن طاهر أمير خراسان في شهر رجب ، فعقد لابنه محمد بن طاهر على ~~خراسان ولمحمد بن عبد الله بن طاهر على العراق ، وجعل إليه الحرمين والشرطة ~~ومعاون السواد وأفرده به ، وفيها مات بغا الكبير فعقد لابنه موسى بن بغا ~~على أعمال أبيه كلها ، وفيها خرج عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الحج ، ~~فوجه خلفه ينفيه إلى برقة ومنعه من الحج ، وفيها ابتاع المستعين من المعتز ~~والمؤيد جميع مالهما ، وأشهد عليهما القضاة والفقهاء ، وترك للمعتز ما ~~يتحصل منه في السنة عشرين ألف دينار وللمؤيد ما يتحصل منه في السنة خمسة ~~آلاف دينار ، وجعلا في حجرة في الجوسق ووكل بهما ، وكان الأتراك أرادوا ~~قتلهما حين شغب الغوغاء ms5140 ، فمنعهم أحمد بن الخصيب وأشار بحبسهما فحبسوهما . ~~وفيها غضب الموالي على أحمد بن الخصيب في جمادى الآخرة ، PageV22P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" واستصفوا ماله ومال ولده ونفى إلى إقريطش . ~~وفيها شغب أهل حمص على عاملهم كيدر فأخرجوه ، فوجه إليهم الفضل بن قارن ~~فقتل منهم خلقا كثيرا ، وحمل مائة من أعيانهم إلى سامرا . وفيها عقد ~~المستعين لأوتامش على مصر والمغرب واتخذه وزيرا ، وعقد لبغا الشرابي على ~~حلوان وماسبذان ومهرجا نقذق . وجعل المستعين شاهك الخادم على داره وكراعه ~~وحرمه وخاصة أموره . وقدمه هو وأوتامش على جميع الناس . وحج بالناس محمدبن ~~سليمان . ودخلت سنة تسع وأربعين ومائتين . ذكر الفتنة ببغداد في هذه السنة ~~شغب الجند الشاكرية ببغداد غضبا على الأتراك ، لتمكنهم وقتلهم المتوكل ~~واستيلائهم على أمور المسلمين ، يقتلون من شاءوا من الخلفاء ويستخلفون من ~~أحبوا من غير نظر للمسلمين . فاجتمعت العامة بالصراخ ببغداد والنداء ~~بالنفير ، وانضم الأبناء والشاكرية تظهر أنها تطلب الأرزاق وذلك في أول صفر ~~، ففتحوا السجون وأخرجوا من فيها وأحرقوا أحد الجسرين وقطعوا الآخر ، ~~وانتهبوا دار بشر وإبراهيم ابني هارون كاتبي محمد بن عبد الله ، ثم أخرج ~~أهل اليسار من بغداد وسامرا أموالا كثيرة وفرقوها فيمن نهض إلى الثغور ، ~~وأقبلت العامة من نواحي الجبال وفارس والأهواز وغيرها لغزو الروم ، فلم ~~يأمر الخليفة في ذلك بشيء ولا بتوجيه عسكر ، وكان قيام هؤلاء غضبا لقتل عمر ~~بن عبيد الله وعلي بن يحيى الأرمني ، وكانا قتلا في غزو الروم . وفيها في ~~شهر ربيع الأول وثب نفر من الناس بسامرا لا يدري من هم ، ففتحوا السجن ~~وأخرجوا من فيه فبعث في طلبهم جماعة من الموالي ، فوثب العامة بهم فهزموهم ~~، فركب بغا وأوتامش ووصيف وعامة الأتراك فقتلوا من العامة جماعة ، فرمى ~~وصيف بحجر فأمر بإحراق ذلك المكان ، وانتهبت المغاربة منازل جماعة من ~~العامة ثم سكن ذلك في آخر النهار . PageV22P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" ذكر قتل أوتامش الوزير كان مقتله في هذه ~~السنة ، وسبب ذلك أن المستعين كان أطلق يد والدته ويد أوتامش ويد شاهك في ~~بيوت الأموال ، وأباحهم فعل ms5141 ما أرادوا فكانوا يقتسمون ما يرد من الآفاق من ~~الأموال ، وأخذ أوتامش أكثر ما في بيوت الأموال ، وكان العباس بن المستعين ~~في حجره فكان يأخذ له ما فضل عن هؤلاء الثلاثة من الأموال يصرفه في نفقاته ~~، ووصيف وبغا بمعزل عن ذلك فغضبا ، وأغريا الموالي بأوتامش وأحكما أمره ، ~~فاجتمعت الأتراك والفراغنة عليه وعسكروا في شهر ربيع الآخر ، وأتوا الجوسق ~~- وهو فيه مع المستعين - فأراد الهرب فلم يمكنه ، واستجار بالمستعين فلم ~~يجره ، وأقاموا على ذلك يومين ، ثم دخلوا الجوسق فأخذوه وقتلوه ، وقتلوا ~~كاتبه ابن القاسم . ونهبت دور أوتامش فأخذوا منها أموالا جمة ومتاعا وغير ~~ذلك . واستوزر المستعين بعده أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد ، وعزل ~~الفضل بن مروان عن ديوان الخراج ، وولاه عيسى بن فرخانشاه ، وولى وصيفا ~~الأهواز ، وبغا الصغير فلسطين ، ثم غضب بغا على أبي صالح فهرب إلى بغداد ، ~~واستوزر المستعين محمد بن الفضل الجرجرائي . وحج بالناس في هذه السنة عبد ~~الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام . ودخلت سنة خمسين ومائتين . في ~~هذه السنة ظهر يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن ~~علي بن أبي طالب بالكوفة ، وفتح السجون وأخرج من فيها وكثر جمعه ، وكان من ~~أخباره وقتله ما نذكره في أخبار آل أبي طالب ، وفيها كان ابتداء الدولة ~~العلوية بطبرستان ، بظهور الحسن بن زيد العلوي على ما نذكره في أخبارهم ~~أيضا إن شاء الله تعالى . وفيها وثب أهل حمص وقوم من كلب على عاملهم - ~~الفضل بن قارن أخي مازيار بن قارن فقتلوه ، فوجه المستعين موسى بن بغا ~~الكبير ، فلقيه أهلها فيما بين حمص والرستن وحاربوه ، فهزمهم وافتتح حمص ~~وقتل من أهلها مقتلة عظيمة ، وأحرقها وأسر جماعة من أعيانها . وحج بالناس ~~في هذه السنة جعفر بن الفضل والي مكة . PageV22P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" ودخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين . ذكر قتل ~~باغر التركي في هذه السنة قتل باغر التركي ، قتله بغا ووصيف ، وسبب ذلك أنه ~~أحد قتلة المتوكل على ما ذكرناه ، فزيد ms5142 في أرزاقه فكان مما أقطع قرى بسواد ~~الكوفة ، فتضمنها رجل من أهل باروسما بألفي دينار ، فوثب رجل من أهل تلك ~~الناحية يقال له ابن مارمة بوكيل لباغر ، فتناوله فحبس ابن مارمة وقيد ، ثم ~~تخلص وسار إلى سامرا فلقي دليل بن يعقوب النصراني وهو يومئذ صاحب أمر بغا ~~الشرابي ، وكان صديقا له وكان باغر أحد قواد بغا ، فمنعه دليل من ظلم أحمد ~~بن مارمة وانتصف له منه ، فغضب باغر وباين دليلا ، وكان باغر شجاعا يتقيه ~~بغا وغيره ، فحضر عند بغا في ذى الحجة سنة خمسين وهو سكران ، وبغا في ~~الحمام فدخل عليه وقال : ما من قتل دليل بد ، فقال له بغا : لو أردت ولدي ~~ما منعتك منه ولكن اصبر فإن أمور الخلافة بيد دليل ، فإذا أقمت غيره افعل ~~ما تريد ، وأمر بغا دليلا ألا يركب وأقام في كتابته غيره ، يوهم باغر أنه ~~قد عزله فسكن باغر ، ثم أصلح بغا بينهما وباغر يتهدده . قال : ولزم باغر ~~خدمة المستعين فثقل عليه ، فلما كان نوبة بغا في منزله قال المستعين : أي ~~شيء كان إلى إيتاخ من الخدمة ، فأخبره وصيف ، فقال : ينبغي أن يجعل ذلك إلى ~~باغر ، فسمع دليل ذلك فركب إلى بغا ، فقال له : أنت في بيتك وهو في تدبير ~~غيرك - وإذا عزلت قتلت ، فركب بغا إلى دار الخليفة في يومه ، وقال لوصيف : ~~أردت أن تعزلني ، فحلف أنه ما علم ما أراد الخليفة ، واتفقا على إخراج باغر ~~من الدار وحلفا على ذلك ، ودبرا في الحيلة عليه - فأرجفوا له أنه يؤمر ~~ويخلع عليه ، ويكون في موضع بغا ووصيف ، فأحس باغر بالشر فجمع إليه الجماعة ~~الذين كانوا وافقوه على قتل المتوكل وغيرهم ، فجدد العهد عليهم في قتل ~~المستعين وبغا ووصيف ، وقال : نبايع علي بن المعتصم أو ابن الواثق ويكون ~~الأمر لنا كما هو لهذين ، فأجابوه إلى ذلك وانتهى الخبر إلى المستعين ، ~~فبعث إلى بغا ووصيف وقال لهما : أنتما جعلتماني خليفة ثم تريدان قتلي ، ~~فحلفا أنهما ما علما بشيء فأعلمهما الخبر ، فاتفق رأيهم على أخذ باغر ~~ورجلين ms5143 من الأتراك وحبسهم ، وطلبوه فأقبل في عدة فعدل به إلى حمام وحبس فيه ~~، فبلغ الأتراك الخبر فوثبوا على اسطبل الخليفة فانتهبوه ، وركبوا ما فيه ~~وحضروا إلى باب الجوسق بالسلاح ، فأمر بغا ووصيف بقتل باغر فقتل . ~~PageV22P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" ذكر مسير المستعين إلى بغداد قال : ولما قتل ~~باغر وانتهى خبر قتله إلى الأتراك أقاموا على ما هم عليه ، فانحدر المستعين ~~وبغا ووصيف وشاهك الخادم وأحمد بن صالح ودليل إلى بغداد في حراقة ، وركب ~~جماعة من قواد الأتراك إلى أصحاب باغر ، فسألوهم الانصراف فلم يفعلوا ، ~~فلما علموا بانحدار المستعين ومن معه ندموا ، ثم قصدوا دار الدليل ودور ~~أهله وجيرانه فنهبوها ، حتى صاروا إلى أخذ الخشب . قال : ومنع الناس ~~الأتراك من الانحدار إلى بغداد ، فأخذوا ملاحا قد أكرى سفينته فصلبوه على ~~دقلها ، فامتنع أصحاب السفن ، ووصل المستعين إلى بغداد لخمس خلون من المحرم ~~من هذه السنة ، فنزل على محمد بن عبد الله بن طاهر في داره ، ثم وافى ~~القواد بغداد سوى جعفر الخياط وسليمان بن يحيى بن معاذ ، وقدمها جلة الكتاب ~~والعمال وبنو هاشم وجماعة من أصحاب بغا ووصيف ، وبايع أولئك للمعتز وحاصروا ~~بغداد ، وكان من خلع المستعين وقتله ما نذكره في أخبار المعتز إن شاء الله ~~تعالى . ذكر البيعة للمعتز بالله هو أبو عبد الله محمد بن جعفر المتوكل بن ~~المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور ، وأمه أم ولد اسمها قبيحة ، وهو ~~الثالث عشر من الخلفاء العباسيين ، بويع له البيعة الأولى في هذه السنة ثم ~~بويع له البيعة العامة ببغداد لأربع خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ~~ومائتين ، بعد خلع المستعين على ما نذكره إن شاء الله تعالى . قال : وكان ~~سبب البيعة له أن المستعين لما استقر ببغداد أتاه جماعة من قواد الأتراك ، ~~ودخلوا عليه وألقوا نفوسهم بين يديه ، وجعلوا مناطقهم في أعناقهم وسألوه ~~الصفح عنهم ، فوبخهم وسبهم ثم عادوا سألوه وتضرعوا له ، فقال : قد رضيت ~~عنكم وعفوت ، فقال له أحدهم - واسمه بايكباك - : إن كنت قد رضيت فقم فاركب ~~كعنا إلى ms5144 سامرا ، فإن الأتراك ينتظرونك ، فأمر محمد بن عبد الله بعض أصحابه ~~فضربه ، وقال له محمد : هكذا يقال لأمير المؤمنين - قم فاركب معنا فضحك ~~المستعين وقال : هؤلاء قوم عجم لا يعرفون حدود الكلام ، ثم قال لهم ~~المستعين : ارجعوا إلى سامرا فإن PageV22P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" أرزاقكم دارة عليكم ، وأنظر أنا في أمري ~~فرجعوا آيسين منه ، وأغضبهم ما كان من محمد بن عبد الله ، وأخبروا من ~~وراءهم خبرهم وزادوا وحرفوا فأجمعوا على إخراج المعتز وكان هو والمؤيد في ~~حبس الجوسق ، وعليهم من يحفظهم ، فأخرجوا المعتز من الحبس وأخذوا من شعره - ~~وكان قد كثر ، وبايعوا له بالخلافة ، فأمر للناس برزق عشرة أشهر للبيعة ، ~~فلم يوف المال فأعطوا شهرين لقلة المال عندهم ، وكان المستعين خلف بسامرا ~~في بيت المال خمسمائة ألف دينار ، وفي بيت مال أم المستعين ما قيمته ألف ~~ألف دينار ، وفي بيت مال العباس بن المستعين ستمائة ألف دينار ، قال : وكان ~~فيمن أحضر للبيعة أبو أحمد بن الرشيد وبه النقرس ، فجيء به في محفة فامتنع ~~من البيعة ، وقال للمعتز : خرجت إلينا طائعا فخلعتها ، وزعمت أنك لا تقوم ~~بها ، فقال المعتز : أكرهت على ذلك وخفت السيف ، فقال : ما علمنا بإكراهك ، ~~وقد بايعنا هذا الرجل فتريد أن نطلق نساءنا ونخرج من أموالنا ؟ ولا ندري ما ~~يكون ، إن تركتني حتى يجتمع الناس وإلا فهذا السيف ، فتركه المعتز ، وكان ~~ممن بايع إبراهيم بن الديرج وعتاب بن عتاب ، فأما عتاب فهرب إلى بغداد ، ~~وأما الديرج فأقر على الشرطة واستعمل على الدواوين وبيت المال وعلى الكتابة ~~وغير ذلك . قال : ولما وصل خبر بيعة المعتز إلى محمد بن عبد الله أمر بقطع ~~الميرة عن أهل سامرا ، وكتب إلى مالك بن طوق في المسير إلى بغداد هو وأهل ~~بيته وجنده ، وكتب إلى نجوبة بن قيس وهو على الأنبار في الاحتشاد والجمع ، ~~وإلى سليمان بن عمران الموصلي في منع السفن والميرة عن سامرا ، وأمر ~~المستعين محمد بن عبد الله بتحصين بغداد ، فتقدم في ذلك فأدير عليها السور ~~، وأمر بحفر الخنادق من الجانبين ms5145 ، وجعل على كل باب قائدا ، فبلغت النفقة ~~على ذلك ثلاثمائة ألف وثلاثين ألف دينار ، ونصبت المجانيق والعرادات على ~~الأبواب وشحن الأسوار ، وفرض فرضا للعيارين ببغداد وجعل عليهم عريفا ، وعمل ~~لهم تراسا من البواري المقيرة ، وأعطاهم المخالي ليجعلوا فيها الحجارة ~~للرمي ، وفرض أيضا لقوم من خراسان قدموا حجاجا ، وكتب المستعين إلى أعمال ~~الخراج بكل بلد وموضع أن يحملوا الخراج إلى PageV22P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" بغداد ، وكتب إلى الجند والأتراك الذين ~~بسامرا بنقض بيعة المعتز - مراجعة الوفاء له ، وذكر أياديه عندهم ونهاهم عن ~~النكث ، وجرت بين المعتز ومحمد بن عبد الله مكاتبات ومراسلات ، فالمعتز ~~يدعوه إلى بيعته ويذكره بما كان المتوكل أخذ عليه من البيعة بعد المنتصر ، ~~ومحمد يدعو المعتز إلى الرجوع إلى طاعة المستعين ، واحتج كل منهما على ~~صاحبه . قال : وكتب كل من المعتز والمستعين إلى موسى بن بغا يدعوه إلى نفسه ~~، وكان بأطراف الشام فانصرف إلى المعتز وصار معه ، وقدم عبد الله بن بغا ~~الصغير من سامرا إلى المستعين وكان قد تخلف بعد أبيه ، فاعتذر وقال لأبيه : ~~إنما جئت لأموت تحت ركابك ، فأقام ببغداد أياما ثم هرب إلى سامرا ، واعتذر ~~إلى المعتز وقال : إنما صرت إلى بغداد لأعلم أخبارهم وآتيك بها ، فقبل عذره ~~ورده إلى خدمته ، وورد الحسن بن الأفشين بغداد فخلع عليه المستعين ، وضم ~~إليه جماعة من الأشروسنية وغيرهم . ذكر حصار المستعين ببغداد قال : ثم عقد ~~المعتز لأخيه أبي أحمد بن المتوكل وهو الموفق لسبع بقين من المحرم على حرب ~~المستعين ومحمد بن عبد الله ، وضم إليه الجيش وجعل إليه الأمور كلها ، وجعل ~~التدبير إلى كلباتكين التركي ، فسار في خمسين ألفا من الأتراك والفراعنة ~~وألفين من المغاربة ، ونزل بباب الشماسية لسبع خلون من صفر ، فراسله ~~المستعين في الكف عن القتال ، وبذل له الأموال وأن يكون المعتز ولي عهده ، ~~فأبى أبو أحمد ذلك فأمر المستعين عساكره ألا يبدأوا بقتال . قال : وإن ~~قاتلوكم فلا تقاتلوهم بل ادفعوهم . قال : ثم تقدم الأتراك إلى باب الشماسية ~~، فخرج إليهم الحسين بن إسماعيل فاقتتلوا من الفريقين ms5146 وجرح - وانهزم أهل ~~بغداد ، وسير الأتراك رءوس القتلى إلى سامرا ، ووجه المعتز عسكرا من الجانب ~~الغربي فساروا إلى قطربل لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول فاخرج ~~إليهم محمد بن عبد الله بن PageV22P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" طاهر جيشا فاقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر ~~لأصحاب المعتز ، وكان بين الفريقين عدة وقائع يطول شرحها . قال : وكان محمد ~~بن عبد الله بن طاهر قائما في خدمة المستعين أحسن قيام ، فغيره عبيد الله ~~بن يحيى بن خاقان ، وقال له : إن هذا الذي تنصره وتجد في أمره هو أشد الناس ~~نفاقا ، وأبدى للمستعين مساويء كثيرة ، فتغير محمد بن عبد الله بن طاهر ، ~~فلما كان يوم الأضحى صلى المستعين بالناس ، ثم حضر محمد إليه وعنده الفقهاء ~~والقضاة ، فقال له : لقد كنت فارقتني على أن تنفذ أمري في كل ما أعزم عليه ~~، وخطك عندي بذلك ، فقال المستعين : أحضر الرقعة فأحضرها ، فإذا فيها ذكر ~~الصلح ، وليس فيها ذكر الخلع فقال : نعم امض الصلح ، فخرج محمد بن عبد الله ~~بن طاهر إلى ظاهر باب الشماسية ، فضرب له مضرب كبير فنزل فيه ومعه جماعة من ~~أصحابه ، وجاء أبو أحمد في سمارية فصعد إليه ، وتناظرا طويلا ثم خرجا ، ~~فجاء ابن طاهر إلى المستعين فأخبره أنه بذل له خمسين ألف دينار ويقطع عليه ~~ثلاثين ألف دينار ، وعلى أن يكون مقامه بالمدينة يتردد منها إلى مكة ويخلع ~~نفسه من الخلافة ، وأن يعطى بغا ولاية الحجاز جميعه ، ويولى وصيف الجبل وما ~~والاه ، ويكون ثلث ما يجبى من المال لمحمد بن عبد الله وجند بغداد ، ~~والثلثان للموالي والأتراك ، فامتنع المستعين من الإجابة إلى الخلع ، وظن ~~أن وصيفا وبغا معه فكاشفاه ، فقال : النطع والسيف ، فقال له ابن طاهر : لا ~~بد من خلعهما طائعا أو مكرها ، فأجاب إلى الخلع وكتب بما أراد لنفسه من ~~الشروط ، وذلك لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة ، وجمع محمد الفقهاء ~~والقضاة وأدخلهم على المستعين وأشهدهم عليه ، أنه صير أمره إلى محمد بن عبد ~~الله ، ثم أخذ منه جوهر الخلافة ، وبعث ms5147 ابن طاهر إلى قواده ليوافوه ، ومع ~~كل قائد عشرة نفر من أصحابه ، فأتوه فمناهم ، وقال : ما أردت بما فعلت إلا ~~صلاحكم وحقن الدماء ، وأمرهم بالخروج إلى المعتز بالشروط التي شرطها ~~للمستعين ولنفسه وقواده ، ليوقع المعتز عليها بخطه فتوجهوا إلى المعتز ~~فأجاب إلى ما طلبوا ، ووقع عليه بخطه وشهدوا على إقراره ، وخلع عليهم ووجه ~~معهم من يأخذ البيعة له على المستعين ، وحمل إلى المستعين أمه وعياله بعد ~~أن فتشوا وأخذ ما معهم . ودخلت سنة اثنتين وخمسين ومائتين . ذكر خلع ~~المستعين خلافة المعتز بالله قال : وخلع المستعين نفسه من الخلافة وبايع ~~للمعتز بالله بن المتوكل وهي البيعة العامة للمعتز ، وخطب له ببغداد يوم ~~الجمعة لأربع خلون من المحرم ، وأخذ له البيعة على كل من بها . وقال : ولما ~~كتب كتاب الشروط دخل محمد بن عبد الله بن PageV22P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" طاهر إلى المستعين ومعه سعيد بن حميد وقد كتب ~~شروط الأمان ، فقال : يا أمير المؤمنين - قد كتب سعيد كتاب الشروط فأكده ~~غاية التأكيد ، فقرأه عليه ليسمعه ، فقال المستعين : لا حاجة لي إلى ~~توكيدها ، فما القوم بأعلم بالله منك ، ولقد أكدت على نفسك قبلهم فكان ما ~~علمت ، فما رد محمد شيئا . ذكر أخبار المستعين بعد خلعه وما كان من أمره ~~إلى أن قتل وذكر أولاده وعماله ومدة عمره وخلافته قال : ولما أشهد المستعين ~~على نفسه بالخلع نقل من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل ، ومعه عياله وجميع ~~أهله ، وأخذ منه البردة والقضيب والخاتم وسيروا إلى المعتز مع عبيد الله بن ~~عبد الله بن طاهر ، ومنع من الخروج إلى مكة فاختار المقام بالبصرة ، فقيل ~~له إن البصرة وبية ، فقال : أهي أوبأ أو ترك الخلافة ؟ وقال بعض الشعراء في ~~خلع المستعين : خلع الخليفة أحمد بن محمد . . . وسيقتل التالي له أو يخلع ~~ويزول ملك بني أبيه ولا يرى . . . أحد بملك منهم يستمتع إيها بني العباس إن ~~سبيلكم . . . في قتل أعبدكم سبيل مهيع رقعتم دنياكم فتمزقت . . . بكم ~~الحياة تمزقا لا يرقع قال : وسير المستعين إلى واسط ، ثم كتب ms5148 المعتز إلى ~~محمد بن عبد الله بن طاهر يأمره بتسليمه إلى سيما الخادم ، فكتب محمد إلى ~~الموكلين به بذلك ، ثم أرسل أحمد بن طولون في تسليمه فأخذه أحمد ، وسار به ~~إلى القاطول فسلمه إلى سعيد بن صالح ، فأدخله سعيد منزله وضربه حتى مات . ~~وقيل بل جعل في رجله حجرا وألقاه في دجلة ، وقيل كان قد حمل معه داية له ، ~~فلما أخذه سعيد وضربه صاح وصاحت دايته ، فقتل وقتلت معه وحمل رأسه إلى ~~المعتز وهو يلعب الشطرنج ، فقيل له : هذا رأس المخلوع ، فقال : ضعوه حتى ~~أفرغ من الدست ، فلما فرغ نظر إليه وأمر به فدفن ، وأمر لسعيد بخمسين ألف ~~درهم وولاه معونة البصرة . PageV22P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" قال : وكان مقتل المستعين في آخر شهر رمضان ~~سنة اثنتين وخمسين ومائتين ، وعمره إحدى وثلاثون سنة وثلاثة أشهر إلا أياما ~~وقيل أكثر ، ومدة خلافته إلى أن خلع نفسه ثلاث سنين وسبعة أشهر . ونقش ~~خاتمه : في الاعتبار غنى عن الاختبار . وكان سمينا صغير العينين كبير ~~اللحية أسودها بوجنته خال أسود ، وكان فيه لين وانقياد لأتباعه ، قال : ~~وسبب تلقيبه بالمستعين أنه لما بويع له بالخلافة قال : أستعين بالله وأفعل ~~. قال : ولم يل الخلافة من لدن المنصور إلى هذا الوقت من لم يكن أبوه خليفة ~~غيره . وذكر ابن مسكويه في كتاب تجارب الأمم : أن المستعين أخو المتوكل ~~لأبيه ، والصحيح أنه ولد أخيه محمد بن المعتصم ، وكان له من الأولاد الذكور ~~ستة . وقد ذكرنا وزراءه أثناء دولته . حجابه : أوتامش ثم وصيف ثم بغا . ~~قاضيه : الحسن بن أبي الشوارب الأموي وقيل جعفر بن محمد بن عمار البرجمي . ~~الأمراء بمصر : يزيد بن عبد الله . قاضيها بكار بن قتيبة . نعود إلى الحديث ~~في أيام المعتز بالله في بقية شهور سنة اثنتين وخمسين . ذكر حال وصيف وبغا ~~قال : وفيها كتب المعتز إلى محمد بن عبد الله بن طاهر في إسقاط اسم بغا ~~ووصيف ومن معهما من الدواوين ، فوجه وصيف أخته سعاد إلى المؤيد وكان في ~~حجرها ، فكلم المؤيد المعتز في الرضى عن وصيف ms5149 فرضي عنه ، وتكلم أبو أحمد ~~ابن المتوكل في بغا فرضي عنه ، وعاد إلى سامرا وأعادهما المعتز إلى منزلهما ~~من الخدمة ، وخلع عليهما وعقد لهما على أعمالهما ، وجعل البريد إلى موسى بن ~~بغا الكبير ، واستوزر أحمد بن أبي إسرائيل . وفيها شغب الجند ببغداد على ~~محمد بن عبد الله في طلب أرزاقهم ، ففرق فيهم ألفي دينار ، ثم شغبوا مرة ~~ثانية وعسكروا بباب الشماسية وباب حرب ، وكانت بينهم وبين أصحاب محمد وقعات ~~، ثم تفرقوا ورجعوا إلى منازلهم . PageV22P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" ذكر خلع المؤيد وموته وفي شهر رجب من هذه ~~السنة خلع المعتز أخاه المؤيد من ولاية العهد بعده ، وحبسه هو وأبا أحمد ~~وقيد المؤيد وقيل أنه ضرب أربعين مقرعة ، وأخذ خطه بخلع نفسه ، ثم بلغه أن ~~الأتراك يريدون إخراجه فأخرجه من الغد ميتا ، وأوقف القضاة والفقهاء ~~والوجوه عليه ، وأنه لا أثر به ولا جراحة ، وحمل إلى أمه ومعه كفنه وأمرت ~~بدفنه ، فقيل إنه أدرج في لحاف سمور وأمسك طرفاه حتى مات ، وقيل إنه أقعد ~~في الثلج وجعل على رأسه منه فمات من البرد ، وكان ذلك في شهر رجب . ذكر ~~الفتنة بين الأتراك والمغاربة وفي مستهل شهر رجب كانت الفتنة بين الطائفتين ~~، وسببها أن الأتراك وثبوا بعيسى بن فرخانشاه فضربوه وأخذوا دابته ، ~~فاجتمعت المغاربة مع محمد بن راشد ونصر بن سعيد وأخرجوا الأتراك من الجوسق ~~، وقالوا لهم : كل يوم تقتلون خليفة وتخلعون آخر وتقيمون وزيرا ، وصار ~~الجوسق وبيت المال في أيدي المغاربة وأخذوا دواب الأتراك ، والتقوا هم ~~والمغاربة وأعان الغوغاء والشاكرية المغاربة ، فضعف الأتراك وانقادوا ، ~~فأصلح جعفر بن عبد الواحد بينهم على أن لا يحدثوا شيئا ، فمكثوا مدة ثم ~~اجتمع الأتراك فقتلوا محمد بن راشد ونصر بن سعيد . وفيها خرج مساور بن عبد ~~الحميد البجلي الموصلي بالموصل بالبوازيج ، وكان من أمره ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى . وفيها عقد لعيسى بن الشيخ - وهو من ولد جساس بن مرة - على ~~الرملة ، فأنفذ خليفته أبا المغراء إليها فاستولى على فلسطين جميعها ، فلما ~~كان من أمر الأتراك ms5150 بالعراق ما كان تغلب على دمشق وأعمالها ، وقطع ما كان ~~يحمل من الشام إلى الخليفة واستبد بالأموال . وحج بالناس محمد بن عيسى . ~~PageV22P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" ودخلت سنة ثلاث وخمسين ومائتين . ذكر قتل ~~وصيف وفيها قتل وصيف وسبب ذلك أن الأتراك والفراغنة والأشروسنية شغبوا ~~وطلبوا أرزاقهم لأربعة أشهر ، فخرج إليهم بغا ووصيف وسيما فكلمهم فقال لهم ~~: خذوا التراب ، ليس عندنا مال ، وقال لهم بغا : نعم نسأل أمير المؤمنين ، ~~ودخلوا دار إشناس ، ومضى سيما وبغا إلى المعتز وبقى وصيف في أيديهم ، ~~فقتلوه ونصبوا رأسه على محراك تنور ، فجعل المعتز ما كان لوصيف إلى بغا ~~الشرابي الصغير ، وألبسه التاج والوشاحين . ذكر وفاة محمد بن عبد الله بن ~~طاهر بن الحسين بن مصعب الخزاعي كانت وفاته في الليلة الرابعة عشر من ذى ~~القعدة ، وكانت علته قروحا أصابته في حلقه ورأسه فذبحته ، ولما اشتد مرضه ~~كتب إلى عماله وأصحابه بتفويض ما إليه من الولاية إلى أخيه عبيد الله بن ~~عبد الله ، فلما مات تنازع ابنه طاهر وأخوه عبيد الله الصلاة عليه ، فصلى ~~عليه ابنه ، ثم وجه المعتز بعد ذلك الخلع إلى عبيد الله . وفيها نفى أبو ~~أحمد بن المتوكل إلى البصرة ثم رد إلى بغداد ، ونفى علي بن المعتصم إلى ~~واسط ثم رد إلى بغداد . وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن محمد ن سليمان ~~. وفيها كان ابتداء دولة يعقوب بن الليث الصفار وملك هراة وبوشنج على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره . PageV22P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" ودخلت سنة أربع وخمسين ومائتين . ذكر مقتل ~~بغا الصغير الشرابي كان سبب قتله أنه كان يحرض المعتز على المسير إلى بغداد ~~، والمعتز لا يوافقه على ذلك ويكرهه ، واتفق أن بغا اشتغل بتزويج ابنته من ~~صالح بن وصيف ، فركب المعتز ومعه أحمد بن إسرائيل إلى كرخ سامرا إلى ~~بايكباك التركي ومن معه ، وهم من المنحرفين عن بغا ، وبايكباك قد شرب مع ~~بغا فعربد أحدهما على الآخر ، فاختفى بايكباك ، فلما أتاه المعتز اجتمع معه ~~أهل الكرخ وأهل الدور ms5151 ، وأقبلوا مع المعتز إلى الجوسق بسامرا فبلغ ذلك بغا ~~، فخرج في ألف فارس من غلمانه وقواده ، فصار إلى السن فلما جنه الليل ركب ~~في زورق ، ومعه خادمان وشيء من المال الذي صحبه ، وكان قد صحبه تسع عشرة ~~بدرة من الدنانير ومائة بدرة من الدراهم ، ولم يحمل معه سلاحا ولا سكينا ~~ولم يعلم به أحد من عسكره ، فصار إلى الجسر في الثلث الأول من الليل ، وخرج ~~إلى البستان الخاقاني فلحقه عدة من الموكلين بالجسر ، فوقف وعرفهم نفسه ~~وقال : إما أن تذهبوا معي إلى صالح بن وصيف ، وإما أن تصيروا معي حتى أحسن ~~إليكم ، فتوكل به بعضهم وأرسلوا إلى المعتز بخبره فأمر بقتله فقتل وحمل ~~رأسه إلى المعتز ، فنصب بسامرا وببغداد وأحرقت المغاربة جثته . قال : وكان ~~أراد أن يختفي عند صالح بن وصيف ، فإذا اشتغل الناس بالعيد - وكان قد قرب - ~~خرج هو وصالح ووثبا بالمعتز ، فلم يمهله القدر . وحج بالناس علي بن الحسين ~~بن إسماعيل بن العباس بن محمد . ودخلت سنة خمس وخمسين ومائتين . ذكر خلع ~~المعتز بالله وموته وشيء من أخباره وفي يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر رجب ~~منها خلع المعتز ، وكان سبب ذلك أن الأتراك شغبوا في طلب أرزاقهم ، وصاروا ~~إلى المعتز وقالوا : أعطنا أرزاقنا حتى نقتل صالح بن وصيف - وكان صالح قد ~~دبر عليه ، فلم يجد ما يعطيهم فنزلوا PageV22P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" معه إلى خمسين ألف دينار ، فأرسل المعتز إلى ~~أمه يسألها أن تعطيه ما لا يعطيه لهم ، فقالت : ما عندي شيء ، فلما رأى ~~الأتراك أنهم لا يحصل لهم من المعتز وأمه شيء اتفقت كلمتهم وكلمة المغاربة ~~والفراغنة على خلع المعتز ، فصاروا إليه وصاحوا به ، ودخل صالح بن وصيف ~~ومحمد بن بغا وبايكباك في السلاح وجلسوا على بابه ، وبعثوا إليه أن أخرج ~~إلينا ، فقال : قد شربت دواءا بالأمس وأفرط في العمل ، وإن كان أمر لا بد ~~منه فليدخل بعضكم ، فدخل إليه جماعة فجروا برجله إلى باب الحجرة ، وضربوه ~~بالدبابيس وخرقوا قميصه وأقاموه في الشمس في الدار ، فكان يرفع ms5152 رجلا ويضع ~~أخرى لشدة الحر ، وبعضهم يلطمه وهو يتقي بيده ، ثم أدخلوه حجرة وأحضروا ابن ~~أبي الشوارب وجماعة فشهدوا على خلعه ، وشهدوا على صالح بن وصيف أن للمعتز ~~وأمه أخته الأمان ، وكانت أمه قد اتخذت في دارها سردابا فخرجت منه هي وأخت ~~المعتز . قال : وسلموا المعتز إلى من يعذبه ، فمنعه الطعام والشراب ثلاثة ~~أيام ، فطلب حسوة من ماء البئر فمنعوه ، ثم أدخلوه سردابا وجصصوه عليه فمات ~~، فأخرجوه لليلتين خلتا من شعبان وأشهدوا على موته بني هاشم والقواد ، وأنه ~~لا أثر به ودفنوه بسامرا مع المنتصر ، وصلى عليه المهتدي بالله ، وكان عمره ~~ثلاثا وعشرين سنة وثلاثة أشهر إلا أياما ، وقيل أربعا وعشرين سنة وثلاثة ~~وعشرين ويوما . ومدة خلافته من لدن بويع له بسامرا إلى أن خلع أربع سنين ~~وستة أشهر وثلاثة وعشرون يوما ، وكان أبيض أكحل أسود الشعر كثيفه حسن ~~العينين - وكان يوثر اللذات . وكان نقش خاتمه : الحمد لله رب كل شيء وخالقه ~~. ولده : عبد الله صاحب التشبيهات والشعر الرائق . وزراؤه : جعفر بن محمود ~~الإسكافي ثم عيسى بن فرخانشاه ثم أبو جعفر أحمد بن إسرائيل الأنباري . ~~قاضيه : الحسن بن أبي الشوارب . حاجبه : صالح بن وصيف وكان غالبا على أمره ~~. الأمراء بمصر : يزيد بن عبد الله ثم مزاحم بن خاقان أخو الفتح ثم ابنه ~~أحمد ثم أرخوز التركي ثم أحمد بن طولون . قاضيها : بكار بن قتيبة . ذكر ~~خلافة المهتدي بالله هو أبو عبد الله محمد بن هارون الواثق بن المعتصم بن ~~الرشيد بن المهدي بن المنصور ، وأمه رومية اسمها قرب ، وهو الرابع عشر من ~~الخلفاء العباسيين بويع له يوم PageV22P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" الأربعاء لليلة بقيت من شهر رجب سنة خمس ~~وخمسين ومائتين ، ولقب بالمهتدي ولم يقبل بيعته أحد حتى أتى بالمعتز فخلع ~~نفسه ، وأقر بالعجز عما أسند إليه وبالرغبة في تسليمها إلى محمد بن الواثق ~~وبايعه ، فبايعه الخاصة والعامة بسامرا ، قال : وكتب إلى سليمان بن عبد ~~الله أن يأخذ له البيعة ببغداد ، فورد كتابه في سلخ شهر رجب ، وكان أبو ~~أحمد بن ms5153 المتوكل ببغداد فأرسل سليمان إليه فأخذه إلى داره ، فثار من ببغداد ~~من الجند والعامة لما بلغهم خبر المعتز ، وأتوا باب سليمان فقاتلهم أصحابه ~~، فقيل لهم ما ورد علينا من سامرا خبر فانصرفوا ورجعوا من الغد ، وهجموا ~~دار سليمان في اليوم الثالث ونادوا باسم أبي أحمد ودعوا إلى بيعته ، وسألوا ~~سليمان أن يريهم أبا أحمد فأظهره لهم ووعدهم الخير ثم أرسل إليهم من سامرا ~~مال ففرق فيهم ، فرضوا وبايعوا للمهتدي وذلك لسبع خلون من شعبان . ذكر ظهور ~~قبيحة أم المعتز بالله كانت قد خرجت من السرداب الذي صنعته في دارها ~~واستترت ، وكان سبب هربها أنها كانت واطأت بعض الكتاب على الفتك بصالح بن ~~وصيف ، فأوقع بهم صالح وعذبهم فعلمت أنهم لا يكتمون عنه أمرها ، فخرجت ~~وأخرجت ما في الخزائن إلى خارج الجوسق ، فلما جرت الحادثة على ابنها علمت ~~أن حالها لا يخفى ، وأن الذي تختفي عنده يطمع في مالها وفي نفسها ويتقرب ~~إلى صالح ، فأرسلت امرأة عطارة إلى صالح بن وصيف فتوسطت الحال بينهما ، ~~وظهرت في شهر رمضان وأحضرت أموالها من بغداد وهي خمسمائة ألف دينار ، ~~وظفروا لها بخزائن تحت الأرض فيها أموال كثيرة ، من جملتها دار وجد فيها ~~ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار ، ووجدوا في سفط مقدار مكوك من الزمرد لم ير ~~الناس مثله وفي سفط آخر مكوك من اللؤلؤ الكبار ، وفي سفط آخر مقدار كليجة ~~من الياقوت الأحمر الذي لا يوجد مثله ، فحمل الجميع إلى صالح ، فسبها وقال ~~: عرضت ابنها للقتل في خمسين ألف دينار - وعندها هذا المال جميعه ثم سارت ~~قبيحة إلى مكة فسمعت تدعو على صالح بصوت عال تقول : اللهم اخز صالحا كما ~~هتك ستري ، وقتل ولدي ، وبدد شملي وأخذ مالي ، وغربني عن بلدي ، وركب ~~الفاشحة مني ، وكان المتوكل سماها قبيحة لجمالها - فهو من أسماء الأضداد . ~~PageV22P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" وفيها استولى مساور الخارجي على الموصل ، ~~وفيها خرج صاحب الزنج في فرات البصرة ، وكان منه ما نذكره إن شاء الله في ~~أخباره . وفيها ولى سليمان بن عبد الله ms5154 بن طاهر بغداد والسواد في شهر ربيع ~~الأول في أيام المعتز ، وكان قد فر من الحسن بن زيد العلوي فاستعمله المعتز ~~على بغداد ، فقال ابن الرومي : من عذيري من الخلايف ضلوا . . . في سليمان ~~عن سواء السبيل نقلوه على الهزيمة بغدا . . . د كأن قد أتى بفتح جليل من ~~يخوض الردى إذا كان من ف . . . ر أثابوه الجزاء الجليل وحج بالناس : علي بن ~~الحسين بن العباس العباسي . ودخلت سنة ست وخمسين ومائتين . ذكر وصول موسى ~~بن بغا إلى سامرا واختفاء صالح بن وصيف وفي ثاني عشر شهر المحرم دخل موسى ~~بن بغا إلى سامرا ، وقد عبأ أصحابه فاختفى صالح بن وصيف وجاء موسى إلى ~~الجوسق ، والمهتدي جالس للمظالم فأعلم به ، فأمسك ساعة عن الأذن ثم أذن له ~~ولمن معه فدخلوا وتناظروا وأقاموا المهتدي من مجلسه وحملوه على دابة من ~~دواب الشاكرية ، وانتهبوا ما كان في الجوسق وأدخلوا المهتدي دار ياجور ، ~~وكان سبب أخذه أن بعضهم قال : إنما هذه المطاولة حيلة عليكم حتى يكبسكم ~~صالح بجيشه ، فخافوا من ذلك فأخذوه ، فقال لموسى : ويحك اتق الله فإنك ركبت ~~أمرا عظيما ، فقال له موسى : وتربة المتوكل ما نريد إلا خيرا - ولو أراد به ~~خيرا لقال وتربة المعتصم أو الواثق ، ثم أخذوا عليه العهود ألا يميل مع ~~صالح ، ولا يضمر إلا مثل ما يظهر ، ثم أخذوا عليه العهود ألا يميل مع صالح ~~، ولا يضمر إلا مثل ما يظهر ، ثم جددوا له البيعة ، وطلبوا صالح بن وصيف ~~ليحضر ويطالبوه بدم الكتاب الذين قتلهم - وهم أحمد بن إسرائيل وأبو نوح ، ~~ويطالبوه بأموال المعتز فوعدهم بالحضور ، فلما كان الليل رأى أصحابه قد ~~تفرقوا عنه فهرب واختفى . ذكر قتل صالح بن وصيف كان صالح قد اختفى وقام ~~الأتراك في طلبه ، واتهموا الخليفة أنه يعرف مكانه وراسلوه مراسلات وعزموا ~~على خلعه ، فحلف لهم أنه لا يعلم أين هو ، وثارت الفتن PageV22P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" بسببه ، فجاء غلام إلى دار يطلب ماء فسمع ~~قائلا يقول : أيها الأمير تنح فهذا غلام يطلب ماء ، فسمع ms5155 الغلام فجاء إلى ~~عيار فأخبره ، فأخذ معه ثلاثة نفر وجاء إلى صالح وبيده مرآة ومشط وهو يسرح ~~لحيته ، فأخذه فتضرع إليه فقال : لا يمكنني تركك ، ولكني أمر بك على أبواب ~~أهلك وقوادك وأصحابك ، فإن اعترضك منهم اثنان أطلقتك ، فأخرج حافيا وليس ~~على رأسه شيء ، والعامة تعدو خلفه وهو على برذون بإكاف ، فأتوا به نحو ~~الجوسق فقتلوه ، وذلك لثمان بقين من صفر منها ، وأخذوا رأسه وحمل وطيف به ~~على قناة ونادوا عليه : هذا جزاء من قتل مولاه ، ولما قتل أنزل رأس بغا ~~الصغير ودفع إلى أهله ليدفنوه . ذكر خلع المهتدي وموته قال : وكان خلعه في ~~منتصف شهر رجب سنة ست وخمسين ومائتين ، وتوفي لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه ، ~~وسبب ذلك أن أهل الكرخ والدورمن الأتراك تحركوا في طلب أرزاقهم أول شهر رجب ~~، فسكنهم المهتدي فرجعوا ، فبلغ أبا نصر محمد بن بغا أن المهتدي قال : إن ~~المال عند محمد وموسى ابني بغا ، فهرب إلى أخيه وهو يقاتل مساور الخارجي ، ~~فكتب المهدي إليه أربع كتب يعطيه الأمان ، فرجع هو وأخوه حبشون فحبسهما ~~ومعهما كيغلغ ، وطولب أبو نصر محمد بن بغا بالمال ، فقبض من وكيله خمسة عشر ~~ألف دينار ، وقتل لثلاث خلون من شهر رجب ورمي في بئر فأنتن ، وأخرجوه إلى ~~منزله وصلى عليه الحسن بن المأمون ، وكتب المهتدي إلى موسى بن بغا لما حبس ~~أخاه يأمره بتسليم العسكر إلى بايكباك والرجوع إليه ، وكتب إلى بايكباك أن ~~يتسلم العسكر ويقوم بحرب مساور ، فصار بايكباك بالكتاب إلى موسى فقرأه عليه ~~، وقال : لست أفرح بهذا فإنه تدبير علينا جميعا - فما ترى ؟ قال موسى : أرى ~~أن تصير إلى سامرا وتخبره أنك في طاعته ، وناصره علي وعلى مفلح فإنه يطمئن ~~إليك ثم تدبر في قتله ، فأقبل إلى سامرا ومعه يارجوخ وأسارتكين وسيما ~~الطويل وغيرهم ، فدخلوا دار الخلافة لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر رجب ، ~~فحبس بايكباك وصرف الباقون ، PageV22P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" فاجتمع أصحاب بايكباك وغيرهم من الأتراك ~~وقالوا : لم حبس قائدنا ؟ ولم قتل محمد بن بغا ؟ وكان عند ms5156 المهتدي صالح بن ~~علي بن يعقوب بن المنصور فشاوره فيه ، فقال : إنه لم يبلغ أحد من آبائك ما ~~بلغته من الشجاعة ، وقد كان أبو مسلم أعظم شأنا عند أهل خراسان من هذا عند ~~أصحابه ، وقد كان فيهم من يعبده ، فما كان إلا أن طرح رأسه حتى سكنوا ، فلو ~~فعلت مثل ذلك سكنوا ، فركب المهتدي وقد جمعوا له جميع المغاربة والأتراك ~~والفراغنة ، فصير في الميمنة مسرورا البلخي - وفي الميسرة يارجوخ - ووقف هو ~~في القلب مع أسارتكين وطبايغو وغيرهما من القواد ، وأمر بقتل بايكباك فقتل ~~وألقى رأسه إليهم عتاب بن عتاب فقتلوه ، وعطفت ميمنة المهتدي وميسرته بمن ~~فيها من الأتراك فصاروا مع إخوانهم الأتراك ، فانهزم الباقون عن المهتدي ~~وقتل جماعة من الفريقين ، فانهزم المهتدي وبيده السيف وهو ينادي : يا معشر ~~الناس - أنا أمير المؤمنين ، قاتلوا عن خليفتكم فلم يجبه أحد من العامة ، ~~فصار إلى السجن وأطلق من فيه وهو يظن أنهم يعينونه فهربوا ، فصار إلى دار ~~أحمد بن جميل صاحب الشرطة فدخلها وهم في أثره ، فدخلوا عليه وأخرجوه وساروا ~~به إلى الجوسق وهو على بغل ، فحبس عند أحمد بن خاقان وقبل المهتدي يده - ~~فيما قيل - مرارا كثيرة ، وأرادوه على الخلع فأبى واستسلم للقتل ، فداسوا ~~خصيتيه فمات وأشهدوا على موته أنه سليم ليس فيه أثر ، قال : وكانوا قد ~~خلعوا أصابع يديه ورجليه من كعبيه ، وقيل إن ابن عم بايكباك وجأه بسكين ~~فقتله وشرب من دمه ، قال : وطلبوا محمد بن بغا فوجدوه ميتا فكسروا على قبره ~~ألف سيف . وكانت خلافة المهتدي أحد عشر شهرا وخمسة عشر يوما ، وكان عمره ~~ثمانيا وثلاثين سنة ، وقيل أكثر إلى أربعين سنة وقيل أقل إلى سبع وثلاثين . ~~وكان مربوعا أسمر واسع الجبهة رقيقا أشهل طويل اللحية عظيم البطن ، وكان ~~حسن الطريقة . قال : وصلى عليه القاضي جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ، ودفن ~~بسامرا وكان مولده بالقاطول . وكان نقش خاتمه : من تعدى الحق ضاق مذهبه . ~~وكان له من الأولاد خمسة عشر ذكرا . وزراؤه أبو أيوب سليمان بن وهب وجعفر ~~بن محمود ms5157 الإسكافي وأبو صالح عبد الله بن محمد وغيرهم ، قاضيه : الحسن بن ~~أبي الشوارب ثم عبد الرحمن بن نائل البصري . حجابه : صالح بن وصيف وبايكباك ~~وموسى بن بغا . الأمير بمصر : أحمد بن طولون . قاضيها بكار . PageV22P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" ذكر شيء من سيرة المهتدي كان رحمه الله من ~~أحسن الخلفاء طريقة ، وأكثرهم ورعا وعبادة ، قال عبد الله بن إبراهيم ~~الإسكافي : جلس المهتدي يوما للمظالم فاستعداه رجل على ابن له ، فأمر ~~بإحضاره فأحضر وأقامه إلى جانب خصمه ، فقال الرجل للمهتدي : والله ما أنت - ~~يا أمير المؤمنين - إلا كما قال القائل : حكمتموه فقضى بينكم . . . أبلج ~~مثل القمر الزاهر لا يقبل رشوة في حكمه . . . ولا يبالي عنت الخاسر فقال ~~المهتدي : أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك ، وأما أنا فما جلست حتى ~~قرأت " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة " الآية ، فما رأيت باكيا أكثر من ~~ذلك اليوم . وقال أبو العباس هاشم بن القاسم الهاشمي : كنت عند المهتدي في ~~بعض عشايا رمضان ، فقمت لأنصرف فأمرني بالجلوس فجلست حتى صلى بنا المغرب ، ~~ثم أمر بالطعام فأحضر : طبق خلاف عليه رغيفان وفي إناء ملح وفي آخر زيت وفي ~~آخر خل ، فدعاني إلى الأكل فأكل وأكلت مقصرا ، ظنا مني أنه يحضر طعاما جيدا ~~، فلما رأى أكلي كذلك قال : أما كنت صائما ؟ قلت : بلى ، ولست تريد الصوم ~~غدا ؟ قلت : وكيف لا وهو شهر رمضان فقال : كل واستوف عشاك فليس هناك غير ما ~~ترى ، فعجبت من قوله وقلت : لم - يا أمير المؤمنين ؟ أسبغ الله عليك النعمة ~~ووسع رزقه ، فقال : إن الأمر على ما ذكرت والحمد لله ، ولكني فكرت أنه كان ~~من بني أمية عمر بن عبد العزيز فغرت على بني هاشم ألا يكون في خلفائهم مثله ~~، فأخذت نفسي بما رأيت ، قال إبراهيم بن مخلد عن بعض الهاشميين : إنهم ~~وجدوا للمهتدي سفطا فيه جبة صوف وكساء وبرنس ، وكان يلبس ذلك بالليل ويصلي ~~، ويقول : أما يستحي بنو العباس ألا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز ، ~~ولما قتله الأتراك تضاربوا على السفط وقدروا أن ms5158 فيه ذخائره ، فلما اطلعوا ~~على ما فيه أظهروا الندم على قتله . وكان قد اطرح الملاهي وحرم الغناء ~~والشراب ، ومنع أصحاب السلطان عن الظلم . قال ابن الجوزي : وكان شديد ~~الإشراف على أمر الدواوين والخراج ، يحبس نفسه في الحسابات ، وكان يجلس في ~~يوم الخميس والإثنين والكتاب بين يديه رحمه الله تعالى . PageV22P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" ذكر خلافة المعتمد على الله هو أبو العباس ~~أحمد - وقيل أبو جعفر - بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن ~~المنصور ، وأمه أم ولد اسمها فتيان ، وهو الخامس عشر من الخلفاء العباسيين ~~، بويع له في منتصف شهر رجب سنة ست وخمسين ومائتين ، وذلك أنه لما أخذ ~~المهتدي وحبس حضر أبو العباس وكان محبوسا بالجوسق ، فبايعه الأتراك وكتب ~~إلى موسى بن بغا بذلك وكان بخانقين ، فحضر إلى سامرا وبايعه ، واستوزر عبيد ~~الله بن يحيى بن خاقان . ذكر عزل عيسى بن الشيخ عن الشام وولايته أرمينية ~~قد ذكرنا أن ابن الشيخ كان قد استولى على دمشق وقطع الحمل عن بغداد ، واتفق ~~أن ابن المدبر حمل من مصر إلى بغداد سبعمائة ألف دينار ، فأخذها عيسى بن ~~الشيخ ، فأرسل إليه من بغداد حسين الخادم فطالبه بالمال ، فذكر أنه أخرجه ~~على الجند ، فأعطاه حسين عهده على أرمينية ليقيم الدعوة للمعتمد ، وكان قد ~~امتنع من ذلك فأخذ العهد ، وأقام الدعوة ، ولبس السواد ظنا منه أن الشام ~~يكون بيده ، فأنفذ المعتمد أماجور وقلده دمشق وأعمالها ، فسار إليها في ألف ~~رجل ، فلما قرب منها أنهض عيسى إليه ولده منصورا في عشرين ألف مقاتل ، ~~واقتتلوا فانهزم عسكر منصور وقتل هو ، فوهن عيسى وسار إلى أرمينية على طريق ~~الساحل . وفيها ظهر علي بن زيد العلوي بالكوفة ، واستولى عليها وأخرج عامل ~~الخليفة منها ، وكان من أمره ما نذكره - إن شاء الله - في أخبارهم . ودخلت ~~سنة سبع وخمسين ومائتين . ذكر ورود أبي أحمد الموفق من مكة وما عقد له ~~المعتمد من الأعمال كان سبب وروده أن أمر الزنج كان قد اشتد وعظم شرهم ~~وفسادهم في البلاد ، PageV22P0238 # """""" صفحة رقم 239 ms5159 """""" فأرسل المعتمد على الله إلى أخيه أبي أحمد ~~الموفق وأحضره من مكة ، فلما حضر عقد له على الكوفة وطريق مكة والحرمين ~~واليمن ، ثم عقد له على بغداد والسواد وواسط وكور دجلة والبصرة والأهواز ، ~~وكان بين الزنج وعمال المعتمد وقائع كثيرة نذكرها إن شاء الله في أخبارهم . ~~وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن إسحاق بن العباس العباسي . ودخلت سنة ~~ثمان وخمسين ومائتين . في هذه السنة في شهر ربيع الأول عقد المعتمد لأخيه ~~أبي أحمد الموفق على ديار مضر وقنسرين والعواصم ، وخلع على مفلح في شهر ~~ربيع الآخر وسيرهما لحرب الزنج بالبصرة ، فقتل مفلح بسهم أصابه . وفيها مات ~~يارجوخ التركي في شهر رمضان وكان صاحب مصر ومقطعها ويدعى له فيها ، فلما ~~توفي استقل أحمد بن طولون بالأمر ، وكان قبل ذلك نائبه بها . وحج بالناس في ~~هذه السنة الفضل بن إسحاق بن الحسن . ودخلت سنة تسع وخمسين ومائتين . في ~~هذه السنة دخلت الزنج الأهواز ، وسار موسى بن بغا لحربهم . وفيها ملك يعقوب ~~بن الليث نيسابور على ما نذكره . وفيها قتل كنجور ، وسبب قتله أنه كان على ~~الكوفة ، فسار عنها إلى سامرا بغير إذن ، فأمر بالرجوع فأبي فحمل إليه مال ~~ليفرقه في أصحابه فلم يقنع به ، وسار حتى أتى عكبرا فوجه إليه من سامرا عدة ~~من القواد فقتلوه ، وحملوا رأسه إلى سامرا . وحج بالناس إبراهيم بن محمد بن ~~إسماعيل بن جعفر بن سليمان العباسي . ودخلت سنة ستين ومائتين . ذكر الفتنة ~~بالموصل وإخراج عاملهم كان المعتمد قد استعمل على الموصل أساتكين وهو من ~~أكابر قواد الأتراك فسير PageV22P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" إليها ابنه اذكوتكين في جمادى الأولى سنة تسع ~~وخمسين ومائتين ، فلما كان يوم النوروز من هذه السنة دعا وجوه أهل الموصل ~~إلى قبة في الميدان ، وأحضر أنواع الملاهي وتجاهر بالشرب والفسوق وفعل ~~المنكرات ، وأساء السيرة ، ثم طالب أهل الموصل بالخراج عن غلات كانت قد ~~هلكت من البرد ، فاشتد ذلك على الناس ، وكان لا يسمع بفرس جيد إلا أخذه من ~~صاحبه ، وأهل الموصل صابرون على ms5160 ذلك كله منه ، إلى أن وثب رجل من أصحابه ~~على امرأة فأخذها من الطريق ، فامتنعت واستغاثت ، فقام رجل من أهل القرآن ~~والصلاح اسمه إدريس الحميري فخلصها من يده ، فعاد الجندي إلى ابن اساتكين ~~فشكا من إدريس . فأحضره وضربه ضربا شديدا من غير أن يكشف عن الأمر ، فاجتمع ~~وجوه أهل الموصل بالجامع وقالوا : قد صبرنا على أخذ الأموال وشتم الأعراض ~~وإبطال السنن وإظهار البدع فلا نصبر على أخذ الحريم ، واتفقوا على أن يشكوه ~~إلى الخليفة ، فبلغه الخبر فركب في جنده ومعه النفاطون ، فخرجوا إليه ولقوه ~~وقاتلوه قتالا شديدا حتى أخرجوه عن الموصل ، ونهبوا داره وأصابه حجر فشجه ، ~~ومضى من يومه إلى سامرا ، فاجتمع أهل الموصل إلى يحيى بن سليمان وقلدوه ~~أمرهم ، فبقي كذلك إلى أن انقضت سنة ستين ودخلت إحدى وستين ، فكتب اساتكين ~~إلى الهيثم بن عبد الله بن المعمر التغلبي ثم العدوي في أن يتقلد الموصل ، ~~وأرسل إليه الخلع واللواء وكان بديار ربيعة ، فجمع جموعا كثيرة وسار إلى ~~الموصل ، فنزل بالجانب الشرقي وبينه وبين البلد دجلة فقاتلوه ، فعبر إلى ~~الجانب الغربي وزحف إلى باب البلد ، فخرج إليه يحيى بن سليمان في أهل ~~الموصل فقاتلوه ، فقتل منهم قتلى كثيرة وكثرت الجراحات ، وعاد الهيثم عنهم ~~فاستعمل اساتكين على الموصل إسحاق بن أيوب التغلبي ، فخرج في عشرين ألفا ~~منهم حمدان بن حمدون التغلبي وغيره ، فنزل عند الدير الأعلى فقاتله أهل ~~الموصل ، ومنعوه وداموا على ذلك مدة ، ومرض يحيى بن سليمان فطمع إسحاق في ~~البلد وجد في الحرب ، فانكشف الناس بين يديه فدخل البلد ، ووصل إلى سوق ~~الأربعاء وأحرق سوق الحشيش ، فخرج بعض العدول واسمه زياد بن عبد الواحد ~~PageV22P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" وعلق في عنقه مصحفا ، واستغاث بالمسلمين ~~فأجابوه وعادت الحرب ، فأخرجوا إسحاق وأصحابه عن المدينة ، وبلغ سليمان ~~الخبر فأمر أن يحمل في محفة ويجعل أمام الصف ، فلما رآه أهل الموصل قويت ~~نفوسهم واشتد قتالهم ، فلم يزل الأمر على ذلك وإسحاق يراسلهم ويبذل لهم ~~الإحسان وحسن السيرة ، فأجابوه إلى أن يدخل البلد ويقيم بالربض ms5161 الأعلى ، ~~فدخل وأقام سبعة أيام ، ثم وقع بين بعض أصحابه وبين قوم من أهل الموصل شرور ~~، فرجعوا إلى الحرب وأخرجوه عنها واستولى يحيى بن سليمان على الموصل ، إلى ~~أن استعمل المعتمد الخضر بن أحمد بن عمر بن الخطاب التغلبي الموصلي في سنة ~~إحدى وستين . وحج بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل وهو أمير مكة . ودخلت ~~سنة إحدى وستين ومائتين . ذكر البيعة بولاية العهد للمفوض جعفر بن المعتمد ~~وللموفق الناصر لدين الله أبي أحمد أخي المعتمد قال : وفي شوال من هذه ~~السنة جلس المعتمد على الله في دار العامة ، وولى ابنه جعفرا العهد ولقبه ~~المفوض إلى الله وضم إليه موسى بن بغا ، فولاه أفريقية ومصر والشام ~~والجزيرة والموصل وأرمينية وطريق خراسان ومهرجا نقذق ، وولى أخاه أبا أحمد ~~العهد بعد جعفر ولقبه الناصر لدين الله الموفق ، وولاه المشرق وسواد الكوفة ~~وطريق مكة والمدينة واليمن وكسكر وكور دجلة والأهواز وفارس وأصبهان وقم ~~وكرج ودينور والري وزنجان والسند ، وعقد لكل واحد منهما لواءين أبيض وأسود ~~، وشرط إن حدث به أمر وجعفر لم يبلغ أن يكون الأمر للموفق ثم لجعفر بعده ، ~~وأخذت البيعة بذلك ، فعقد جعفر لموسى على المغرب وأمر الموفق بالمسير لحرب ~~الزنج ، فولى الموفق الأهواز والبصرة وكور دجلة مسرورا البلخي ، وسيره في ~~PageV22P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" مقدمته في ذى الحجة ، وعزم على المسير بعده ، ~~ثم شغله حرب يعقوب الصفار على ما نذكره إن شاء الله . وفيها كان ابتدء ~~الدولة السامانية بولاية نصر بن أحمد الساماني ما وراء النهر على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة السامانية . وحج بالناس في هذه السنة ~~الفضل بن إسحاق العباسي . ودخلت سنة اثنتين وستين ومائتين . في هذه السنة ~~كانت الحرب بين الموفق ويعقوب بن الليث الصفار على ما نذكره في أخباره . ~~وفيها وقعت الوحشة بين الموفق وبين أحمد بن طولون أمير مصر واستحكمت ، فطلب ~~الموفق من يتولى الديار المصرية فلم يجد أحدا ، لأن ابن طولون كانت هداياه ~~وخدمه متصلة إلى القواد وأرباب المناصب بالعراق ، فكتب إلى ms5162 أحمد بن طولون ~~يتهدده بالعزل ، فأجابه بجواب فيه بعض الغلظة ، فسير الموفق إليه موسى بن ~~بغا في جيش كثيف ، فسار إلى الرقة فبلغ الخبر ابن طولون فحصن الديار ~~المصرية ، وأقام ابن بغا بالرقة عشرة أشهر لم يمكنه المسير لقلة الأموال ~~معه ، وطالبه الأجناد بالعطاء فلم يكن معه ما يعطيهم ، فاختلفوا عليه ~~وثاروا بوزيره عبد الله بن سليمان فاستتر ، فاضطر موسى إلى العود إلى ~~العراق فعاد ، وتصدق ابن طولون بأموال كثيرة . وحكى ابن الجوزي بسند رفعه ~~إلى أبي عون الفرايضي قال : خرجت إلى مجلس أحمد بن منصور الزيادي سنة ~~اثنتين وستين ومائتين ، فلما صرت بطاق الحراني رأيت رجلا قد أمر بالقبض على ~~امرأة ، وأمر بجرها فقالت له : اتق الله ، فأمر أن تجر فلم تزل تناشده الله ~~وهو يأمر بجرها ، إلى أن بلغت إلى باب القنطرة ، فلما يئست من نفسها رفعت ~~رأسها إلى السماء ، ثم قالت : قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، إن هذا الرجل ~~يظلمني فخذه ، قال أبو عون : فوقع الرجل على ظهره ميتا وأنا أراه ، فحمل ~~على جنازة وانصرفت المرأة . وحج بالناس الفضل بن إسحاق العباسي . ودخلت سنة ~~ثلاث وستين ومائتين . في هذه السنة استولى يعقوب بن الليث على الأهواز . ~~وفيها سلمت قلعة الصقالبة إلى الروم . وفيها مات الشاري الخارجي فبايع ~~أصحابه أيوب بن حيان الوارقي ، فقتل فبايعوا محمد بن عبد الله بن يحيى ~~الوارقي المعروف بالغلام ، فقتل PageV22P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" أيضا فبايعوا هارون بن عبد الله البجلي ، ~~وكان من أخباره ما نذكره . وفيها مات عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير ~~المعتمد على الله ، صدمه خادم بالميدان فسقط فسال دماغه من منخريه وأذنيه ~~فمات لوقته ، واستوزر من الغد الحسن بن مخلد ، وقدم موسى بن بغا فاختفى ~~الحسن فاستوزر سليمان بن وهب . ودخلت سنة أربع وستين ومائتين . في هذه ~~السنة أسرت الروم عبد الله بن رشيد بن كاووس ، وكان سبب ذلك أنه دخل بلد ~~الروم في أربعين ألف مقاتل من ms5163 أهل الثغور الشامية فغنم وقتل فلما رحل عن ~~البذندون خرج عليه بطريق سلوقية وبطريق قرة وكوكب وخرشنة وأحدقوا بالمسلمين ~~، فنزل المسلمون وعرقبوا دوابهم وقاتلوا ، إلا خمسمائة منهم فإنهم حملوا ~~حملة رجل واحد ونجوا على دوابهم ، وقتل الروم من قتلوا وأسر عبد الله بن ~~رشيد بعد ضربات أصابته وحمل إلى ملك الروم . وفيها دخلت الزنج إلى واسط . ~~ذكر أخبار الوزراء في هذه السنة خرج سليمان بن وهب من بغداد إلى سامرا ، ~~وشيعه الموفق والقواد ، فلما صار إلى سامرا غضب عليه المعتمد وحبسه وقيده ~~وانتهب داره ، واستوزر الحسن بن مخلد في ذى القعدة ، فسار الموفق إلى سامرا ~~ومعه عبد الله بن سليمان بن وهب ، فلما قرب من سامرا تحول المعتمد إلى ~~الجانب الغربي مغاضبا للموفق ، واختلفت الرسل بينهما فاتفقا ، وخلع على ~~الموفق ومسرور وكيغلغ وأحمد بن موسى بن بغا وأطلق سليمان بن وهب ، وعاد إلى ~~الجوسق وهرب الحسن بن مخلد ومحمد بن صالح بن شيرزاد ، فكتب في قبض أموالهما ~~، وهرب القواد الذين كانوا بسامرا مع المعتمد خوفا من الموفق ، ووصلوا إلى ~~الموصل وجبوا الخراج . وفيها مات أماجور وملك أحمد بن طولون الشام وطرسوس ~~على ما نذكره إن PageV22P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" شاء الله في أخبار الدولة الطولونية وفيها ~~ملك المسلمون مدينة سرقوسة ، وهي من أعظم بلاد صقلية وذلك في رابع عشر شهر ~~رمضان . وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى الهاشمي . ~~ودخلت سنة خمس وستين ومائتين . في هذه السنة استعمل الموفق مسرورا البلخي ~~على أعمال الأهواز ، وكانت له وقعة مع الزنج فهزمهم ، وفيها كانت وفاة ~~يعقوب بن الليث الصفار بجند يسابور في تاسع عشر شوال ، وقام بالأمر بعده ~~أخوه عمرو بن الليث . وفيها حبس الموفق سليمان بن وهب وابنه عبد الله وعدة ~~من أصحابهما ، وقبض أموالهم وضياعهم خلا أحمد بن سليمان ، ثم صالح سليمان ~~وابنه عبد الله على تسعمائة ألف دينار ، وجعلا في موضع يصل إليهما من أراد ~~. وفيها عسكر موسى بن أوتامش وإسحاق بن كنداجق والفضل بن ms5164 موسى بن بغا ~~وعبروا جسر دجلة ، فأتبعهم الموفق صاعد بن مخلد فردهم من صرصر وخلع عليهم . ~~وفيها خرج خمسة من بطارقة الروم إلى أذنه فقتلوا وأسروا نحوا من أربعمائة ~~وقتلوا نحوا من ألف وأربعمائة وذلك في جمادى الأولى . وحج بالناس في هذه ~~السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي . ودخلت سنة ست وستين ومائتين . في ~~هذه السنة غلب أساتكين على الري وأخرج عاملها ، ومضى إلى قزوين وعليها أخو ~~كيغلغ فصالحه فعاد إلى الري وفيها كانت وقائع بين المتغلبين على الأطراف لا ~~فائدة من ذكرها . وحج بالناس هارون الهاشمي . ودخلت سنة سبع وستين ومائتين ~~. في هذه السنة كان بين الموفق والزنج حروب طويلة ، ضعف بسببها أمرهم ، ولم ~~يكن من أحوال الخلافة ما نذكره ، لتغلب العمال على الأطراف واشتغال بعضهم ~~ببعض ، على ما نورد ذلك كله في مواضعه إن شاء الله تعالى . وحج بالناس ~~هارون . PageV22P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" ودخلت سنة ثمان وستين ومائتين . لم تكن في ~~هذه السنة إلا أخبار الزنج وحروبهم والخوارج ، ويرد ذلك في موضعه . وحج ~~بالناس هارون . ودخلت سنة تسع وستين ومائتين . في هذه السنة حارب الموفق ~~أيضا صاحب الزنج ، واستولى الموفق على مدينتي صاحب الزنج الغربية ثم ~~الشرقية ، وهدم قصره في حروب طويلة لا فائدة في ذكرها . ذكر مسيره المعتمد ~~على الله إلى مصر وعوده قبل الوصول إليها في هذه السنة سار المعتمد نحو مصر ~~، وكان سبب ذلك أنه لم يكن له من الخلافة إلا اسمها ، ولا ينفذ له توقيع في ~~قليل ولا كثير ، وكان الحكم كله للموفق والأموال تجبى إليه ، فأنف وضجر ~~المعتمد من ذلك ، وكتب إلى أحمد بن طولون يشكو إليه من أخيه في السر ، ~~فأشار عليه باللحاق به بمصر ووعده النصر ، وسير عسكرا إلى الرقة ينتظرون ~~وصول المعتمد إليهم ، فاغتنم المعتمد غيبة الموفق عنه ، وسار في جمادى ~~الأولى ومعه جماعة من القواد ، فأقام بالكحيل يتصيد ثم سار حتى صار إلى عمل ~~إسحاق بن كنداجق - وهو عامل الموصل وعامة الجزيرة ، فوثب إسحاق بمن مع ~~المعتمد من ms5165 القواد فقبضهم ، وهم نيزك وأحمد بن خاقان وخطارمش وقيدهم وأخذ ~~أموالهم ودوابهم ، وكان صاعد بن مخلد وزير الموفق قد كتب إليه بذلك عن ~~الموفق ، وكان سبب تمكنه منهم ووصوله إلى قبضهم أنه أظهر أنه معهم في طاعة ~~المعتمد - إذ هو الخليفة ، ولقيهم لما صاروا إلى عمله وسار معهم عدة مراحل ~~، فلما قارب عمل أحمد بن طولون ارتحل الأتباع والغلمان الذين مع المعتمد ~~ومع قواده ، ولم يترك إسحاق أصحابه يرتحلون ثم قال للقواد وهم عند المعتمد ~~: إنكم قد قاربتم عمل ابن طولون والأمر أمره ، وتصيرون جنده وتحت يده ، ~~أفترضون ذلك ؟ PageV22P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" وقد علمتم أنه كواحد منكم ، وتناظروا في ذلك ~~حتى ارتفع النهار ولم يرتحل المعتمد ، ثم قال لهم : قوموا بنا إلى حتى ~~نتناظر في غير حضرة أمير المؤمنين ، فأخذ بأيديهم إلى خيمة له فلما دخلوا ~~الخيمة قبض عليهم وقيدهم وأخذ سائر من مع المعتمد من القواد ، ثم مضى إلى ~~المعتمد فعذله في مسيره عن دار ملكه وملك آبائه وفراق أخيه الموفق وهو على ~~الحال التي هوبها من الحرب ، ثم حمله ابن كنداجق ومن معه حتى أدخلهم سامرا ~~. وفيها لعن المعتمد أحمد بن طولون في دار العامة ، وأمر بلعنه على المنابر ~~، وولى إسحاق بن كنداجق على أعمال ابن طولون ، وفوض إليه من باب الشماسية ~~إلى أفريقية ، وولاه شرطة الخاصة ، وكان سبب تغيره على ابن طولون أنه قطع ~~خطبة الموفق ، وأسقط اسمه عن الطرز ، فتقدم الموفق إلى المعتمد بلعنه فلعنه ~~مكرها ، وكان المعتمد في الباطن مع ابن طولون . ودخلت سنة سبعين ومائتين . ~~في هذه السنة قتل صاحب الزنج . وفيها كانت وفاة الحسن بن زيد العلوي صاحب ~~طبرستان في شهر رجب . وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام ، ~~وولى بعده أخوه محمد بن زيد . وفيها كانت وفاة أحمد بن طولون وولاية ابنه ~~خمارويه ، ومسير ابن كنداجق إلى الشام على ما نذكر ذلك كله إن شاء الله ~~تعالى في أخبار الدولة الطولونية . قال أبو الفرج بن الجوزي في حوادث سنة ~~سبعين ms5166 ومائتين : إن الروم نزلت ناحية قلمية على ستة أميال من طرسوس وهم ~~زهاء مائة ألف مع بطريق البطارقة اندرياس ، فبيتهم يا زمان الخادم ليلا ، ~~فقتل رئيسهم وخلقا كثيرا من أصحابه يقال إنهم بلغوا سبعين ألفا ، وأخذ لهم ~~سبعة صلبان من ذهب وفضة فيها صليبهم الأعظم مكلل بالجوهر ، وأخذ خمسة عشر ~~ألف دابة وبغل ومن السروج مثلها وسيوفا محلاة بذهب وفضة ومناطق وأربع كراسي ~~من ذهب ومائتي طوق من ذهب وآنية كثيرة ، ونحوا من عشرة آلاف علم ، وذلك في ~~يوم الثلاثاء لسبع خلون من شعر ربيع الأول . PageV22P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" ودخلت سنة إحدى وسبعين ومائتين . ذكر خلاف ~~محمد وعلي العلويين بالمدينة في هذه السنة دخل محمد وعلي ابنا الحسين بن ~~جعفر بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بالمدينة وقتلا ~~جماعة من أهلها وأخذا من قوم مالا ، ولم يصل أهل المدينة في مسجد رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) أربع جمع ، لا جمعة ولا جماعة . وفيها كانت وقعة ~~الطواحين بين المعتضد بن الموفق وخمارويه بن أحمد بن طولون ، كان الظفر ~~فيها لعسكر خمارويه ، وهرب المعتضد إلى دمشق فمنع من دخولها . ودخلت سنة ~~اثنتين وسبعين ومائتين . في هذه السنة قدم صاعد بن مخلد وزير الموفق من ~~فارس إلى واسط ، فأمر الموفق جميع القواد أن يستقبلوه ، فاستقبلوه وترجلوا ~~له وقبلوا يده وهو لا يكلمهم كبرا وتيها ، ثم قبض الموفق عليه وعلى جميع ~~أهله وأصحابه ونهب منازلهم بعد أيام ، وكان قبضه في شهر رجب ، وقبض على ~~ابنيه أبو عيسى وصالح وأخيه عبدون ببغداد ، واستكتب مكانه أبا الصقر ~~إسماعيل بن بلبل ، واقتصر على الكتابة دون الوزارة . وفيها صلح أمر مدينة ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وتراجع الناس إليها . وحج بالناس في ~~هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي . ودخلت سنة ثلاث وسبعين ومائتين ~~. في هذه السنة وقع الخلاف بين أبي الساج وإسحاق بن كنداجق ، وخطب لابن ~~طولون بالجزيرة . وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق ms5167 . ودخلت ~~سنة أربع وسبعين ومائتين . في هذه السنة كانت الحرب بين الموفق وعسكر عمرو ~~بن الليث الصفار على ما نذكره في أخبار الدولة الصفارية . وحج بالناس في ~~هذه السنة هارون . PageV22P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" ودخلت سنة خمس وسبعين ومائتين . ذكر قبض ~~الموفق على ابنه المعتضد في هذه السنة قبض الموفق على ابنه أبي العباس أحمد ~~المعتضد ، وسبب ذلك أن الموفق دخل إلى واسط ثم عاد إلى بغداد ، وأمر ابنه ~~المعتصد أن يسير إلى بعض الوجوه ، فقال : لا أخرج إلا إلى الشام ، لأنها ~~الولاية التي ولانيها أمير المؤمنين . فغضب الموفق وقبض عليه وجعله في حجرة ~~ووكل به ، فثار القواد من أصحابه ومن تبعهم وركبوا ، واضطربت بغداد فركب ~~الموفق إلى الميدان ، وقال لهم : ما شأنكم أترون أنكم أشفق على ولدي مني ؟ ~~وقد احتجت إلى تقويمه فانصرفوا . ودخلت سنة ست وسبعين ومائتين . في هذه ~~السنة جعلت شرطة بغداد إلى عمرو بن الليث ، وكتب اسمه على الأعلام والأترسة ~~وذلك في شوال ، ثم ترتب في الشرطة عبيد الله بن عبد الله بن طاهر من قبل ~~عمرو ، ثم أمر بطرح اسم عمرو عن الأعلام وغيرها في الشهر . وفيها ورد الخبر ~~بانفراج تل بنهر البصرة يعرف بتل بني شقيق عن سبعة أقبر شبه الأحواض ، من ~~حجر في لون المسن عليها كتابة لا يدرى ما هي ، وفيها سبعة أبدان صحيحة ~~عليها أكفان جدد يفوح منها رائحة المسك ، أحدهم شاب له جمة وعلى شفتيه بلل ~~كأنه قد شرب ماء وكأنه كحل ، وبه ضربة في خاصرته . وحج بالناس في هذه السنة ~~هارون بن محمد . ودخلت سنة سبع وسبعين ومائتين . في هذه السنة دعي بطرسوس ~~لخمارويه بن أحمد . وفيها ولي يوسف بن يعقوب المظالم ، وأمر أن ينادى من ~~كان له مظلمة قبل الأمير الناصر لدين الله الموفق أو أحد من الناس فليحضر . ~~وحج بالناس هارون . ودخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين . في هذه السنة كانت ~~الحرب ببغداد بين أصحاب وصيف الخادم والبربر PageV22P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" وأصحاب موسى بن أخت مفلح أربعة أيام من ms5168 ~~المحرم ، ثم اصطلحوا وقد قتل بينهم جماعة ، ووقع بالجانب الشرقي وقعة بين ~~النصريين وأصحاب يونس قتل فيها رجل ثم انصرفوا . ذكر وفاة أبي أحمد الموفق ~~في هذه السنة توفي أبو أحمد الموفق بن المتوكل في يوم الأربعاء لثمان بقين ~~من صفر ، ودفن ليلة الخميس بالرصافة ، وكان قد مرض في بلاد الجبل فانصرف ~~وقد اشتد به وجع النقرس ، فلم يقدر على الركوب فحمل على سرير فيه قبة ، ~~وكان يجلس فيه هو وخادم له يبرد رجليه بالأشياء الباردة ، ثم صار به داء ~~الفيل ، وكان يحمل سريره أربعون رجلا بالنوبة ، فقال لهم يوما وقد ضجر : ~~أود أن أكون كواحد منكم أحمل على رأسي وآكل وأنا في عافية ، وقال في مرضه : ~~أطبق ديواني على مائة ألف مرتزق ، ما أصبح فيهم أسوأ حالا مني ، ووصل إلى ~~داره لليلتين خلتا من صفر ، وشاع موته بعد انصراف أبي الصقر من داره ، وكان ~~قد تقدم بحفظ أبي العباس فأغلقت عليه الأبواب . قال : ووجه أبو الصقر إلى ~~المدائن فحمل منها المعتمد وأولاده وجيء بهم ، فلما رأى غلمان الموفق ما ~~نزل بمولاهم كسروا الأبواب المغلقة على أبي العباس ، فظن أنهم يريدون قتله ~~فأخذ سيفه في يده ، وقال : والله لا يصلون إلي وفي شيء من الروح ، فلما ~~وصلوا إليه رأى غلامه وصيفا فألقى السيف من يده ، وعلم أنهم لا يريدون إلا ~~الخير ، وأخرجوه وأقعدوه عند أبيه وكان قد اعترته غشية ، فلما أفاق ورآه ~~قربه وأدناه إليه ، وأما الصقر فإنه لما حصل الإرجاف بموت الموفق جمع ~~القواد والجند وقطع الجسرين ، وحاربه قوم من الجانب الشرقي فقتل منهم قتلى ~~، فلما ظهر أن الموفق حي حضر عنده محمد بن أبي الساج وفارق أبا الصقر ، ~~وتسلل القواد والناس عن أبي الصقر ، فلما رأى ذلك أبو الصقر حضر هو وابنه ~~دار الموفق ، وذكر أن أبا الصقر أراد أن يقترب إلى المعتمد بمال الموفق ~~وأسبابه ، وأشاعوا ذلك عنه عند أصحاب الموفق ، فنهبوا دار أبي الصقر وما ~~يجاوره من الدور ، وأخرجوا نساءه حفاة بغير أزر ، وكسرت أبواب السجون ms5169 وخرج ~~من فيها . قال : وخلع الموفق عند إفاقته على ابنه أبي العباس وعلى أبي ~~الصقر ، وركبا جميعا فمضى أبو العباس إلى منزله وجاء أبو الصقر إلى منزله ~~وقد نهب ، فطلب له حصيرة يجلس عليها PageV22P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" عارية ، ثم مات الموفق في التاريخ الذي ~~ذكرناه ، وجلس ابنه أبو العباس للتعزية ، وكان الموفق عاد لأحسن السيرة ~~يجلس للمظالم وعنده القضاة والفقهاء وغيرهم ، فينصف الناس بعضهم من بعض ، ~~وكان عالما بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك . ذكر البيعة للمعتضد بالله ~~بولاية العهد قال : ولما مات الموفق اجتمع القواد وبايعوا ابنه أبا العباس ~~بولاية العهد بعد المفوض إلى الله ابن المعتمد ولقب المعتضد بالله ، وخطب ~~له في يوم الجمعة بعد المفوض وذلك لسبع بقين من صفر ، واجتمع عليه أصحاب ~~أبيه وتولى ما كان أبوه يتولاه . وفيها قبض المعتضد على أبي الصقر وأصحابه ~~وانتهبت منازلهم ، وطلب بني الفرات فاختفوا ، واستوزر عبيد الله بن سليمان ~~بن وهب . وفيها كان ابتداء أمر القرامطة على ما نذكره إن شاء الله تعالى في ~~أخبارهم . قال ابن الجوزي : وفي هذه السنة غار ماء النيل ، وكان ذلك شيئا ~~لم يعهد مثله ولا سمع في الأخبار السالفة . وحج بالناس في هذه السنة هارون ~~بن محمد . ودخلت سنة تسع وسبعين ومائتين . ذكر خلع المفوض إلى الله جعفر بن ~~المعتمد وولاية أبي العباس المعتضد بالله بن الموفق في المحرم من هذه السنة ~~خرج المعتمد على الله وجلس للقواد والقضاة ووجوه الناس ، وأعلمهم أنه خلع ~~ابنه المفوض إلى الله جعفرا من ولاية العهد ، وجعلها للمعتضد بالله أبي ~~العباس أحمد بن الموفق ، وشهدوا على المفوض أنه قد تبرأ من العهد ، وأسقط ~~اسمه من الخطبة والسكة والطرز وغير ذلك ، وخطب للمعتضد وكان يوما مشهودا . ~~وفيها نودي بمدينة السلام ألا يقعد على الطريق ولا بالمسجد الجامع قاض ولا ~~منجم ولا زاجر ، وحلف الوراقون ألا يبيعوا كتب الكلام والجدل . ~~PageV22P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" ذكر وفاة المعتمد على الله وشيء من أخباره ~~كانت وفاته ببغداد ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت ms5170 من شهر رجب سنة ستع ~~وسبعين ومائتين ، وكان قد شرب على الشط بالجسر يوم الأحد شرابا كثيرا فمات ~~ليلا ، وأحضر المعتضد القضاة وأعيان الناس ، فنظروا إليه وحمل إلى سامرا ~~فدفن بها ، وكان عمره خمسين سنة وستة أشهر ، وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة ~~وستة أيام ، وكان في خلافته محكوما عليه ، ضيق عليه أخوه الموفق حتى إنه ~~احتاج في بعض الأوقات إلى ثلاثمائة دينار فلم يجدها ، فقال : أليس من ~~العجائب أن مثلي . . . يرى ما قل ممتنعا عليه وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا . . ~~. وما من ذاك شيء في يديه إليه تحمل الأموال طرا . . . ويمنع بعض ما يجبى ~~إليه وهو أول من انتقل من الخلفاء من سامرا ، ولم يعد إليها بعده خليفة . ~~وكان طويل القد واللحية واسع العينين مقبلا على اللذات ، مشغولا عن الرعية ~~مضطرب الأحوال . وكان نقش خاتمه : السعيد من وعظ بغيره . أولاده : عبد ~~العزيز وجعفر ومحمد وإسحاق . وزارؤه : عبيد الله بن يحيى بن خاقان ثم ~~سليمان بن وهب ثم الحسن بن مخلد ثم صاعد بن مخلد أخوه ثم أبو الصقر إسماعيل ~~بن بلبل . حجابه : موسى بن بغا ثم جعفر بن غانم بن علي الجهشاري . قضاته : ~~الحسن بن أبي الشوارب ثم أخوه علي بن محمد . الأمراء بمصر : أحمد بن طولون ~~ثم ابنه خمارويه . قضاتها : بكار بن قتيبة إلى أن توفي في سنة سبعين ~~ومائتين بعد وفاة أحمد بن طولون بأربعين يوما ، وكانت ولايته أربعا وعشرين ~~سنة ونصف سنة ، وبقيت مصر بغير قاض ، ثم وليها أبو عبدة محمد بن عبدة ~~واستخلف أبا جعفر الطحاوي واستكتبه وأعفاه . وقد قيل في وفاة المعتمد على ~~الله أنه مات مسموما والله عز وجل أعلم . PageV22P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" ذكر خلافة المعتضد بالله هو أبو العباس أحمد ~~بن الموفق طلحة الملقب الناصر لدين الله بن جعفر المتوكل بن المعتصم بالله ~~بن الرشيد بن المهدي بن المنصور ، وأمه أم ولد اسمها ضرار وقيل اسمها خفيرة ~~، وهو السادس عشر من الخلفاء العباسيين ، بويع له يوم الاثنين لإحدى عشرة ~~ليلة بقيت من شهر رجب ms5171 سنة تسع وسبعين ومائتين بعد وفاة عمه المعتمد على ~~الله . قال : ولما ولي استعمل غلاما بدرا على الشرطة ، واستوزر عبيد الله ~~بن سليمان بن وهب وجعل على حرسه محمد بن الشاه بن ميكال ، ووصله في شوال ~~رسول عمرو بن الليث ومعه هدايا كثيرة ، وسأله أن يوليه خراسان فعقد له ~~عليها ، وسير إليه الخلع واللواء والعهد ، فنصب اللواء في داره ثلاثة أيام ~~. وفيها كانت وفاة نصر الساماني بما وراء النهر ، فقام بعمله أخوه إسماعيل ~~بن أحمد . وفيها قدم الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصاص من مصر بهدايا ~~عظيمة من خمارويه ، فتزوج المعتضد ابنة خمارويه وهي قطر الندى ، وأصدقها ~~المعتضد ألف ألف درهم ، وفيها ملك أحمد بن عيسى بن الشيخ قلعة ماردين - ~~وكانت بيد إسحاق بن كنداجق . وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد ~~العباسي ، وهي آخر حجة حجها وأول سنة حج بالناس سنة أربع وستين ومائتين . ~~ودخلت سنة ثمانين ومائتين . ذكر حبس عبد الله بن المهتدي وقتل محمد بن ~~الحسن في هذه السنة أخذ المعتضد عبد الله بن المهتدي ومحمد بن الحسن ~~المعروف بشيلمة وحبسهما ، وكان شيلمة هذا المعتضد بالله صاحب الزنج إلى آخر ~~أيامه ، ثم لحق بالموفق بأمان ، وكان سبب أخذهما أن بعض المستأمنة سعى به ~~إلى المعتضد ، وأنه يدعو PageV22P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" لرجل لا يعرف اسمه ، وأنه قد أفسد جماعة من ~~الجند وغيرهم ، فقرره المعتضد فلم يقر بشيء وقال : لو كان تحت قدمي ما ~~رفعتها عنه ، فأمر به فشد في خشبة من خشب الخيم ، ثم أوقد نارا عظيمة وأدير ~~عليها حتى تقطع جلده ، ثم ضربت عنقه وصلب عند الجسر . وحبس ابن المهتدي إلى ~~أن علم براءته فأطلقه . ذكر قصد المعتضد بني شيبان وصلحه معهم وإغارته على ~~الأعراب في أول صفر سار المعتضد من بغداد يريد بني شيبان بالمكان الذي ~~يحتمون به من أرض الجزيرة ، فلما بلغهم قصده جمعوا أموالهم ، وأغار المعتضد ~~على أعراب عند السن ، فنهب أموالهم وقتل منهم مقتلة عظيمة ، وغرق منهم في ~~الزاب مثل ذلك ms5172 ، وعجز الناس عن حمل ما غنموه ، فبيعت الشاة بدرهم والجمل ~~بخمسة دراهم ، وسار إلى الموصل وبلد فلقيه بنو شيبان يسألون العفو ، وبذلوا ~~له رهائن فأجابهم إلى ما طلبوا ، وعاد إلى بغداد ، وأرسل إلى أحمد بن عيسى ~~بن الشيخ يطالبه بما أخذ من أموال ابن كنداجق ، فبعثها إليه ومعها هدايا ~~كثيرة . وفيها غارت المياه بالري وطبرستان حتى بلغ الماء ثلاثة أرطال بدرهم ~~، وفي شوال منها انخسف القمر وأصبح أهل دبيل وقد أظلمت الدنيا عليهم ، ~~ودامت الدنيا مظلمة عليهم ، فلما كان عند العصر هبت ريح سوداء ودامت إلى ~~ثلث الليل ، ثم زلزلوا في الثلث فخربت المدينة ، ولم يبق من دورها إلا قدر ~~مائة دار ، وزلزلوا بعد ذلك خمس مرات ، وكان جملة من أخرج من تحت الردم ~~مائة ألف وخمسين ألف كلهم موتى . وحج بالناس أبو بكر محمد بن هارون . ودخلت ~~سنة إحدى وثمانين ومائتين . ذكر مسير المعتضد إلى ماردين وملكها في هذه ~~السنة توجه المعتضد بالله - وهي الخرجة الثانية إلى الموصل - قاصدا حمدان ~~بن حمدون ، لأنه بلغه أنه مايل هارون الخارجي ودعا له ، فلما بلغ الأعراب ~~PageV22P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" مسير المعتضد تحالفوا أنهم يقتلون على دم ~~واحد ، واجتمعوا وعبئوا عساكرهم ، فسار المعتضد إليهم في خيل جريدة ، فأوقع ~~بهم وقتل منهم وغرق في الزاب ، وسار إلى الموصل يريد قلعة ماردين وكانت ~~لحمدان ، فهرب حمدان منها وخلف ابنه بها فنازله المعتضد ، وقاتل من فيها ~~يومه ذلك فلما كان الغد ركب المعتضد ، وصعد إلى باب القلعة وصاح لابن حمدان ~~فأجابه ، فقال : افتح الباب ففتحه ، فجلس المعتضد في باب القلعة وأمر بنقل ~~ما فيها وهدمها ، ثم وجه خلف حمدان وطلبه أشد الطلب وأخذت أمواله ، ثم ظفر ~~به المعتضد بعد عوده من بغداد ، وفي عوده قصد الحسنية وبها رجل كردي يقال ~~له شداد ، في جيش كثيف قيل كانوا عشرة آلاف ، فظفر به وهدم قلعته . وفيها ~~سار المعتضد إلى ناحية الجبل وقصد الدينور وولى ابنه عليا - وهو المكتفي - ~~الري وقزوين وزنجان وأبهر وقم وهمذان والدينور ، وجعل كتابته لأحمد ms5173 بن ~~الأصبغ ، وقلد عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف أصفهان ونهاوند والكرخ ، وعاد ~~إلى بغداد . ودخلت سنة اثنتين وثمانين ومائتين . ذكر قصد حمدان وانهزامه ~~وعوده إلى الطاعة في هذه السنة كتب المعتضد إلى إسحاق بن أيوب وحمدان بن ~~حمدون بالمصير إليه وهو بالموصل ، فبادر إسحاق وتحصن حمدان بقلاعه وأودع ~~أمواله وحرمه ، فبعث المعتضد الجيوش نحوه مع وصيف موشكير ونصر القشوري ~~وغيره فساروا إلى حمدان فواقعوه ، فقتل من أصحابه جماعة وانهزم ، واتبعه ~~الجند حتى ضاقت عليه الأرض ، فقصد من أصحابه جماعة وانهزم ، واتبعه الجند ~~حتى ضاقت عليه الأرض ، فقصد خيمة إسحاق بن أيوب وهو مع المعتضد فاستجار به ~~، فأحضره إلى المعتضد فأمر بالاحتفاظ به وتتابع رؤساء الأكراد في طلب ~~الأمان . وفيها انهزم هارون الخارجي من عسكر الموصل على ما نذكره في أخباره ~~. وفيها في ربيع الأول قبض على بكتمر بن طاشتمر وقيد وكان أميرا على الموصل ~~، واستعمل عليها الحسن بن علي الخراساني ويعرف بكوره . وفيها قدم ابن ~~الجصاص بابنة خمارويه زوجة المعتضد ومعها أحد عمومتها ، وكان المعتضد ~~بالموصل وعاد إلى PageV22P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" الجبل وبلغ الكرج ، وفيها قتل خمارويه بن ~~أحمد بن طولون على ما نذكره إن شاء الله تعالى . ودخلت سنة ثلاث وثمانين ~~ومائتين . في هذه السنة سار المعتضد إلى الموصل بسبب هارون الخارجي ، وأحضر ~~الحسين بن حمدان وسيره في طلب هارون في جماعة من الفرسان والرجال ، فقال له ~~الحسين : إن أنا جئت به فلي ثلاث حوائج إلى أمير المؤمنين ، أولها إطلاق ~~أبي وحاجتان أذكرهما إذا جئت به ، فقال : لك ذلك ، فانتخب ثلاثمائة فارس ~~وسار بهم نحوه ، فظفر به وأحضره إلى المعتضد فانصرف إلى بغداد ، فوصلها ~~لثمان بقين من شهر ربيع الأول وخلع على الحسين بن حمدان وطوقه ، وخلع على ~~إخوته وأمر بفك قيود حمدان والتوسعة عليه ووعد بإطلاقه ، وأدخل هارون على ~~فيل وصلبه . وفيها كانت الفداء بين الروم والمسلمين ، وكان جملة من فودي به ~~ألفين وخمسمائة وأربعة أنفس . وفيها أمر المعتضد بالكتب إلى جميع البلدان ~~أن يرد الفاضل ms5174 من سهام المواريث إلى ذوي الأرحام وبطل ديوان المواريث . ~~وفيها قتل رافع بن الليث وجيء برأسه إلى المعتضد ، فوصل في سنة أربع ~~وثمانين فأمر بنصبه ببغداد ، وكان الذي قتله أصحاب عمرو بن الليث . ودخلت ~~سنة أربع وثمانين ومائتين . في هذه السنة في شهر ربيع الأول ظهر بمصر ظلمة ~~شديدة وحمرة في السماء ، حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الآخر فيراه أحمر ، ~~ومكثوا كذلك من العصر إلى العشاء الآخرة ، وخرج الناس من منازلهم يدعون ~~ويتضرعون إلى الله . وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على ~~المنابر ، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على المنابر ، وذكر في الكتاب يزيد وغيره ~~من بني أمية ، وعملت بالكتاب نسخ قرئت في جانبي بغداد ، ومنع القصاص ~~والعامة من القعود في الجامعين ، ونهى عن الاجتماع على قاض أو مناظرة وجدل ~~في أمر الدين ، ونهى الذين يسقون في الجامعين ألا يترحموا على معاوية ولا ~~يذكروه ، فقال له عبيد الله بن سليمان : إنا نخاف إضطراب العامة وإثارة ~~فتنة ، فلم يرجع إليه ، فقال عبيد الله للقاضي يوسف بن PageV22P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" يعقوب ليحتال في منعه ، وكلم يوسف المعتضد ~~وحذره اضطراب العامة فلم يلتفت ، فقال : يا أمير المؤمنين فما تصنع ~~بالطالبيين الذين يخرجون من كل ناحية ، ويميل إليهم خلق كثير من الناس ؟ ~~فإذا سمع الناس ما في هذا الكتاب مالوا إليهم ، وصاروا هم أبسط السنة وأثبت ~~حجة منهم اليوم ، فأمسك المعتضد ولم يأمر في الكتاب بشيء بعد ذلك . وفيها ~~ظهر بدار المعتضد إنسان بيده سيف ، فمضى إليه بعض الخدم لينظر ما هو ، ~~فضربه بالسيف فجرحه فهرب الخادم ، ودخل الشخص في زرع البستان فتوارى فيه ، ~~وطلب فلم يعرف له خبر واستوحش المعتضد ، وكثر الناس القول حتى قالوا إنه من ~~الجن ، وظهر مرارا كثيرة فوكل المعتضد بسور داره وأحكمه ، ثم أحضر المجانين ~~والمعزمين بسبب الشخص ، فقال المعزمون : نحن نعزم على بعض المجانين فإذا ~~صرع سئل الجني فيخبر بخبره ، فعزموا على امرأة مجنونة فصرعت والمعتضد ينظر ~~إليهم ، فلما صرعت أمرهم بالانصراف . وحج بالناس في ms5175 هذه السنة محمد بن عبد ~~الله بن داود الهاشمي المعروف بأترجة . ودخلت سنة خمس وثمانين ومائتين . في ~~هذه السنة كان بالكوفة ريح صفراء فبقيت إلى المغرب ثم اسودت ، ثم وقع مطر ~~شديد برعود هائلة وبروق متصلة ، ثم سقط بعد ساعة بقرية تعرف بأحمد أباذ ~~أحجار بيض وسود مختلفة الألوان ، في أوساطها ضيق . وفيها كان بالبصرة ريح ~~صفراء ثم عادت خضراء ثم سوداء ، ثم تتابعت الأمطار بما لم ير مثله ، ثم برد ~~كبار الوزن البردة مائة وخمسون درهما . وفيها غزا راغب مولى الموفق في ~~البحر ، فغنم مراكب كثيرة من الروم فضرب أعناق ثلاثة آلاف منهم كانوا فيها ~~، وأحرق المراكب وفتح حصونا كثيرة وعاد سالما . وفيها توفي أحمد بن عيسى بن ~~الشيخ ، وقام بعده ابنه محمد بآمد وما يليها على سبيل التغلب ، فسار ~~المعتضد إلى آمد فوصلها في PageV22P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" ذى الحجة ، وحصرها إلى شهر ربيع الآخر سنة ست ~~وثمانين ونصب عليها المجانيق ، فطلب محمد الأمان لنفسه ولمن معه فأمنهم ~~المعتضد ، فخرج إليه وسلم البلد فخلع عليه المعتضد وأكرمه وهدم سور البلد ، ~~ثم بلغه أن محمدا يريد الهرب فقبض عليه وعلى أهله . وحكى أبو الفرج بن ~~الجوزي في المنتظم عن أبي بكر الصولي أنه قال : كان مع المعتضد رجل أعرابي ~~فصيح يقال له شعلة بن شهاب اليشكري وكان يأنس به ، فأرسله إلى محمد بن عيسى ~~بن شيخ ليرغبه في الطاعة ويحذره العصيان ، قال : فصرت إليه فخاطبته فلم ~~يجبني ، فتوجهت إلى عمته فصرت إليها ، فقالت : يا أبا شهاب كيف خلفت أمير ~~المؤمنين ؟ فقلت : خلفته أمارا بالمعروف فعالا للخير ، فقالت ، أهل لذلك ~~ومستحقه ، وكيف لا وهو ظل الله الممدود على بلاده ، وخليفته المؤتمن على ~~عباده ، فكيف رأيت صاحبنا ؟ قلت : رأيت غلاما حدثا معجبا قد استحوذ عليه ~~السفهاء ، واستبد بآرائهم ، يزخرفون له الكذب ، فقالت : هل لك أن ترجع إليه ~~بكتابي قبل لقاء أمير المؤمنين ؟ قلت : أفعل ، فكتبت إليه كتابا لطيفا ~~أجزلت فيه الموعظة ، وكتبت في آخره : اقبل نصيحة أم قلبها وجع . . . خوفا ~~عليك وإشفاقا ms5176 وقل سددا واستعمل الفكر في قولي فإنك إن . . . فكرت ألفيت في ~~قولي لك الرشدا ولا تثق برجال في قلوبهم . . . ضغائن تبعث الشنآن والحسدا ~~مثل النعاج خمولا في بيوتهم . . . حتى إذا أمنوا ألفيتهم أسدا وداو داءك ~~والأدواء ممكنة . . . وإذ طبيبك قد ألقى عليك يدا أعط الخليفة ما يرضيه منك ~~ولا . . . تمنعه مالا ولا أهلا ولا ولدا واردد أخا يشكر ردا يكون له . . . ~~ردا من السوء لا تشمت به أحدا قال : فأخذ الكتاب وصرت إليه فلما نظر إليه ~~رمى به إلي ثم قال : يا أخا يشكر ما بآراء النساء تتم الدول ، ولا بعقولهن ~~يستأمن الملك ، ارجع إلى صاحبك ، ورجعت إلى المعتضد بالله فأخبرته الخبر ، ~~فأخذ الكتاب فقرأه فأعجبه شعرها وعقلها ، ثم قال : إني لأرجو أن أشفعها في ~~كثير من القوم ، فلما كان من فتح ما كان أرسل إلي المعتضد ، فقال : هل عندك ~~علم من تلك المرأة ، قلت : لا ، قال : فامض مع PageV22P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" الخادم فإنك ستجدها في جملة نسائها ، فمضيت ~~فلما بصرت بي من بعيد كشفت عن وجهها ، وجعلت تقول : ريب الزمان وصرفه . . . ~~وعثاره كشف القناعا وأذل بعد العز م . . . نا الصعب والبطل الشجاعا ولكم ~~نصحت فما أطع . . . ت وكم صرخت بأن أطاعا فأبى بنا المقدور إل . . . لا أن ~~نقسم أو نباعا يا ليت شعري هل نرى . . . أبدا لفرقتنا اجتماعا ثم بكت حتى ~~علا صوتها وضربت بيدها على الأخرى ، وقالت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ~~كأني والله كنت أرى ما أرى ، فقلت لها : إن أمير المؤمنين وجه بي إليك ، ~~وما ذاك إلا لجميل رأيه فيك ، قالت : فهل لك أن توصل لي رقعة إليه ؟ قلت : ~~أفعل ، فدفعت إلي رقعة فيها : قل للخليفة والإمام المرتضى . . . وابن ~~الخلائف من قريش الأبطح علم الهدى ومناره وسراجه . . . مفتاح كل عظيمة لم ~~تفتح بك أصلح الله البلاد وأهلها . . . بعد الفساد وطال ما لم تصلح وتزحزحت ~~بك هضبة العرب التي لولاك بعد الله لم تتزحزح أعطاك ربك ما تحب فأعطه . . . ~~ما قد يحب وجد بعفو واصفح يا بهجة ms5177 الدنيا وبدر ملوكها . . . هب ظالمي ~~ومفسدي لمصلح قال : فصرت بها إلى المعتضد بالله ، فلما قرأها ضحك وقال : ~~لقد نصحت لو قبل منها ، وأمر أن يحمل إليها خمسون ألف درهم وخمسون تختا من ~~الثياب ، وأمر أن يحمل إلى ابن عيسى . وفيها وصل رسول هارون بن خمارويه بن ~~أحمد بن طولون إلى المعتضد على أن يقاطع على ما في يده ويد نوابه من مصر ~~والشام ، ويسلم أعمال قنسرين إلى المعتضد ، ويحمل في كل سنة أربعمائة ألف ~~دينار وخمسين ألف دينار ، فأجابه المعتضد إلى ذلك ، وسار من آمد واستخلف ~~ابنه المكتفي ، فوصل إلى قنسرين PageV22P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" والعواصم فتسلمها من أصحاب هارون بن خمارويه ~~، وذلك في سنة ست وثمانين - حكاه ابن الأثير في تاريخه الكامل . وقال ابن ~~الجوزي في المنتظم : إن هارون بذل هذا المال على أن يسلم له أعمال قنسرين ~~والعواصم ، وأن تجدد له ولاية مصر والشام فأجيب إلى ذلك ، والصواب ما حكاه ~~ابن الأثير . وحج بالناس : محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي . ودخلت سنة ~~ست وثمانين ومائتين . في هذه السنة وجه محمد بن أبي الساج - المعروف بأبي ~~المسافر - رهينة بما ضمن من الطاعة والمناصحة ، ومعه هدايا جليلة ، وكان ~~المعتضد قد ولاه في سنة خمس وثمانين أعمال أذربيجان وأرمينية وبعث إليه ~~الخلع فقبلها بعد أن كان تغلب على ذلك . وفيها أرسل عمرو بن الليث هدية من ~~نيسابور إلى المعتضد ، قيمتها أربعة آلاف درهم - قال ابن الجوزي : كان مبلغ ~~المال الذي وجهه أربعة آلاف ألف درهم وعشرين من الدواب بسروج ولجم محلاة ، ~~ومائة وعشرين دابة بجلال مشهرة ، وكسوة وطيب وبزاة وطرف . وفيها كان ابتداء ~~أمر القرامطة بالبحرين على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبارهم . وفيها ~~ولى المعتضد بالله ابنه عليا المكتفي قنسرين والعواصم والجزيرة ، وكان ~~كاتبه الحسين بن عمرو النصراني ينظر في الأمور . قال أبو الفرج بن الجوزي ~~في حوادث هذه السنة رفعه إلى محمد بن نعيم الضبي قال : سمعت أبا عبد الله ~~محمد بن أحمد بن موسى القاضي بالري ms5178 سنة ست وثمانين ومائتين يقول : تقدمت ~~امرأة فادعى وليها على زوجها خمسمائة دينارا مهرا فأنكر ، فقال القاضي : ~~شهودك ، قال : قد أحضرتهم ، فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير ~~إليها في شهادته ، فقام الشاهد وقال للمرأة : قومي ، فقال الزوج : ~~PageV22P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" تفعلون ماذا ؟ قال الوكيل ينظرون إلى امرأتك ~~وهي مسفرة ، لتصح عندهم معرفتها ، فقال الزوج : فإني أشهد القاضي أن لها ~~علي هذا المهر الذي تدعيه ولا تسفر عن وجهها ، فقالت المرأة : فإني أشهد ~~القاضي أني قد وهبت له هذا المهر ، وأبرأته منه في الدنيا والآخرة ، فقال ~~القاضي : يكتب هذا في مكارم الأخلاق . ودخلت سنة سبع وثمانين ومائتين . في ~~هذه السنة في شهر ربيع الأول أسر عمرو بن الليث الصفار ، وملك إسماعيل بن ~~أحمد الساماني خراسان على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبارهم وفيها ~~قتل محمد بن زيد العلوي صاحب طبرستان والديلم على ما نذكر ذلك إن شاء الله ~~في أخبار الدولة العلوية . وحج بالناس في هذه السنة : محمد بن عبد الله بن ~~داود . وفيها توفيت قطر الندى بنت خمارويه زوجة المعتضد لسبع خلون من شهر ~~رجب ، ودفنت داخل قصر الرصافة . ودخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين . في هذه ~~السنة توفي عبيد الله بن سليمان الوزير ، فعظم موته على المعتضد وفوض ~~الوزارة إلى ابنه القاسم بن عبيد الله . وكان من أخبار المتغلبين على ~~الأطراف على ما نذكره إن شاء الله في أخبارهم . وحج بالناس في هذه السنة ~~هارون بن محمد . ودخلت سنة تسع وثمانين ومائتين . في هذه السنة لليلتين ~~خلتا من شهر ربيع الأول أخرج من كان له دار أو حانوت بباب الشماسية عن داره ~~وحانوته ، وقيل لهم : خذوا أنقاضكم واخرجوا ، وسبب ذلك أن المعتضد بالله ~~كان قد عزم أن يبتني لنفسه دارا يسكنها هنالك ، فخط موضع السور وحفر بعضه ، ~~وابتدأ في دكة على دجلة لينتقل إليها فيقيم بها ، إلى أن يفرغ من بناء ~~الدار والقصر ، فمرض المعتضد ومات قبل ذلك . PageV22P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" ذكر وفاة المعتضد بالله ms5179 وشيء من أخباره ~~وسيرته كانت وفاته ليلة الإثنين لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع ~~وثمانين ومائتين ، قال : ولما اشتد مرضه اجتمع يونس الخادم وغيره من القواد ~~إلى الوزير القاسم ليجدد البيعة للمكتفي ، وقالوا : إنا لا نأمن الفتنة ، ~~فقال : أخاف أن أطلق المال فيبرأ أمير المؤمنين من علته فينكر ذلك ، فقالوا ~~: إن بريء فنحن المحتجون والمناظرون ، وإن صار الأمر إلى ولده فلا يلومنا ~~ونحن نطلب الأمر له ، فأطلق المال وجدد البيعة للمكتفي بالله ، وأحضر أولاد ~~المعتمد ووكل بهم ، ثم توفي المعتضد وكانت علته فساد الجوف والمزاج والجفاف ~~من كثرة الجماع ، وكان يؤمر بأن يقل الغذاء ويرطب معدته ولا يتعب نفسه ، ~~فيستعمل ضد ذلك ويريهم أنه يحتمي ، فإذا خرجوا من عنده دعا بالجبن والزيتون ~~والسمك فأكل ، فسقطت لذلك قوته واشتدت علته ، ومات رحمه الله وتولى غسله ~~محمد بن يوسف القاضي ، وصلى عليه الوزير - حكاه ابن الأثير . وقال أبو ~~الفرج بن الجوزي : غسله أحمد بن شيبة عند زوال الشمس ، وصلى عليه يوسف بن ~~يعقوب القاضي . ودفن ليلا في دار محمد بن عبد الله بن طاهر بوصية منه ، ~~وجلس الوزير في دار الخلافة للعزاء وجدد البيعة للمكتفي ، ومات المعتضد وله ~~من العمر ست وأربعون سنة وقيل إلا شهرين ، وكانت خلافته تسع سنين وتسعة ~~أشهر وثلاثة أيام ، وقيل وثلاثة وعشرين يوما . وكان نحيفا خفيف العارضين ~~يخضب بالسواد ، ولما حضرته الوفاة أنشد : تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى . . ~~. وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا ولا تأمنن الدهر إني أمنته . . . فلم يبق ~~لي حالا ولم يرع لي حقا قتلت صناديد الرجال ولم أدع . . . عدوا ولم أمهل ~~على ظنة خلقا وأخليت دار الملك من كل نازع . . . فشردتهم غربا وشردتهم شرقا ~~فلما بلغت النجم عزا ورفعة . . . وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا رماني الردى ~~سهما فأخمد جمرتي . . . فهأنذا في حفرتي عاجلا ألقى فياليت شعري بعد موتي ~~ما ألقى . . . إلى نعم الرحمن أم ناره ألقى PageV22P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" قال : وكان المعتضد ذا عزم وشهامة ونهضة ، ~~بصيرا بالأمور ms5180 حسن السياسة والسيرة ، ولما ولي وضع عن الناس البواقي وأسقط ~~المكوس بالحرمين ، وبث العدل في الآفاق وبذل الأموال ، وغزا وجالس المحدثين ~~وأهل الفضل والدين . قال ثابت بن قرة الحراني : ولي المعتضد الخلافة وليس ~~في بيت المال إلا قراريط لا تبلغ الدينار ، والحضرة مطلوبة والأعمال منهوبة ~~والأعراب والأكراد عائثون والأعداء متسلطون ، فأصلح الأمور وأحسن التدبير ~~وقمع الخوارج وبالغ في العمارة وأنصف في المعاملة ورفق بالرعية ، حتى ~~استفضل من ارتفاعه في سني خلافته تسع عشر ألف ألف دينار ، وتقدم إلى أجناده ~~وأتباعه بلزوم الطريقة الحميدة ، وعرفهم أنه متى أفسد غلام أحد منهم كان ~~المأخوذ به مولاه ، فسمع يوما صوتا من بعض الكروم مما يلي دجلة فأمر ~~باستعلام الحال ، فأخبر أن غلام بعض الأمراء أخذ حصرما من الكرم فأمر ~~بإحضار الأمير ، وتقدم بضرب عنقه ، فلم يجسر أحد من الجند بعد ذلك على ~~الفساد ، ثم قال المعتضد بعد ذلك لوزيره عبيد الله بن سليمان : لعلك أنكرت ~~ما جرى من قتلي هذا الأمير بجرم جناه غيره ، فقال : هو ذاك يا أمير ~~المؤمنين ، قال : كنت في خلافة المعتمد فرأيت هذا الأمير قتل رجلا عمدا ~~بغير ذنب ، ولم يكن له وارث فنذرت لله تعالى إن ولاني الله أن أقتله به ، ~~فلما وليت كنت أتطلب له العورات حتى جرى ما جرى من غلامه ، فقتلته بذلك ~~الرجل وأقمت السياسة بقتله . قال : وكان المعتضد يسمى السفاح الثاني لأنه ~~جدد ملك بني العباس ، ووطده بعد أن كانت الأتراك قد أخلقته ، وفي ذلك يقول ~~ابن الرومي : هنيئا بني العباس إن إمامكم . . . إمام الهدى والجود والباس ~~أحمد كما بأبي العباس أسس ملككم . . . كذا بأبي العباس أيضا تجدد وحكى أبو ~~الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في المنتظم في تاريخ الملوك والأمم بسند رفعه ~~إلى أبي محمد عبد الله بن حمدون : قال : كان المعتضد بالله في بعض متصيداته ~~مجتازا بعسكره وأنا معه ، فصاح ناظور في قراح قثاء فاستدعاه ، وسأله عن سبب ~~صياحه فقال : أخذ بعض الجيش PageV22P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" من القثاء شيئا ، فقال : اطلبوهم ، فجاءوا ms5181 ~~بثلاثة نفر ، فقال : هؤلاء الذين أخذوا القثاء ؟ فقال الناظور : نعم ، ~~فقيدهم في الحال وأمر بحبسهم ، فلما كان من الغد أنفذهم إلى القراح وضرب ~~أعناقهم فيه ، وسار فأنكر الناس ذلك وتحدثوا به ، ومضت على ذلك مدة طويلة ، ~~فجلست أحادثه ليلة فقال لي : يا أبا عبد الله - هل يعيب الناس علي شيئا ؟ ~~عرفني حتى أزيله ، فقلت : كلا يا أمير المؤمنين ، فقال : أقسمت عليك بحياتي ~~إلا صدقتني ، قلت : يا أمير المؤمنين - وأنا آمن ؟ قال : نعم ، قلت : سفك ~~الدماء ، قال : والله ما هرقت دما منذ وليت إلا بحقه ، قال : فأمسكت إمساك ~~من ينكر عليه ، فقال : بحياتي ما تقول ؟ فقلت : يقولون إنك قتلت أحمد بن ~~الطيب - وكان خادمك ، ولم تكن له جناية ظاهرة ، قال : دعاني إلى الإلحاد - ~~قلت له يا هذا أنا ابن عم صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلم ، وأنا الآن ~~منتصب منصبه فألحد - حتى أكون من ؟ فسكت سكوت من يريد الكلام ، فقال : في ~~وجهك كلام ؟ فقلت : الناس ينقمون عليك أمر الثلاثة الذين قتلتهم في قراح ~~القثاء ، فقال : والله ما كان أولئك الذين أخذوا القثاء ، وإنما كانوا ~~لصوصا حملوا من موضع كذا وكذا ، ووافق ذلك أمر القثاء ، وأردت أن أهول على ~~الجيش بأن من عاث في عسكري وأفسد في هذا القدر كانت عقوبتي له هكذا ليكفوا ~~عما فوقه ، ولو أردت قتلهم لقتلتهم في الحال ، وإنما حبستهم وأمرت بإخراج ~~اللصوص من غد مغطين الوجوه ليقال إنهم أصحاب القثاء ، فقلت : فكيف تعلم ~~العامة هذا ؟ قال : بإخراج القوم الذين أخذوا القثاء وإطلاقهم في هذه ~~الساعة ، ثم قال : هاتوا القوم ، فجاءوا بهم وقد تغيرت حالهم من الحبس ~~والضرب ، فقال : ما قصتكم ؟ فقصوا عليه قصة القثاء ، قال : أفتتوبون من مثل ~~هذا الفعل حتى أطلقكم ؟ قالوا نعم ، فأخذ عليهم التوبة وخلع عليهم وأمر ~~بإطلاقهم ورد أرزاقهم عليهم ، فاشتهرت الحكاية وزالت عنه التهمة . وحكى عبد ~~الله بن عبدون في كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرر : أن أحد كبراء ~~دولته ووزرائه كان قد بنى بناء عاليا مشرفا على جيرانه ، فلم يعارضه أحد ms5182 ~~منهم لمكانه من الخليفة ، وكان يجلس فيه فنظر يوما إلى دار من دور جيرانه ، ~~فرأى جارية بارعة الجمال فأولع بها ، وسأل عنها وإذا هي ابنة أحد التجار ، ~~فخطبها من أبيها فامتنع من زواجه - وكان من أهل اليسار ، وقال : لا أزوج ~~ابنتي إلا من تاجر مثلي ، فإنه إن ظلمها قدرت على الانتصاف منه ، وأنت إن ~~ظلمتها لم أقدر لها على حيلة ، فأرغبه بالأموال وهو يأتي ، فلما أيس منه ~~شكى ذلك إلى أحد خواصه ، فقال : ألف مثقال تقوم لك بهذا الأمر ، فقال : ~~والله لو علمت أني أنفق عليها مائة PageV22P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" ألف دينار وأنالها لفعلت ، قال له : لا عليك ~~تحضر لي ألف دينار ، وأمر بألف دينار فأحضرت فأخذها الرجل ، ومشى بها إلى ~~عشرة من العدول ، وذكر لهم الأمر وسهله عليهم ، وقال : إنكم تحيون نفسا قد ~~أشرفت على الهلاك ، وقال : إنه قد بذل لها كذا وكذا من المهر وأعلى لهم ، ~~وأبوها إنما هو عاضل لها وإلا فما يمنعه ، وقد خطبها مثل فلان في جلالة ~~قدره ، وقد أعطاها صداقا لا يعطى إلا لبنت ملك ، ثم هو يتأبى - هل هذا إلا ~~عضل بين ؟ ولكم ألف مثقال لكل منكم مائة ، وتشهدون أنه زوجها منه على صداق ~~مبلغه كذا وكذا ، ورفع قدر الصداق إلى غاية ، وقال : إن أباها إذا علم أنكم ~~قد شهدتم عليه رجع إلى هذا ، وليس فيه إلا الخير والعز ، فأجابوه إلى ذلك ~~وأخذوا الذهب ، وشهدوا أن أباها زوجها منه على صداق كبير ، فلما علم أبوها ~~بذلك زاد نفاره ، فمشى الوزير إلى القاضي وقال : إني تزوجت ابنة فلان على ~~هذا الصداق وهؤلاء الشهود على أبيها ، وقد أنكر ذلك ، فأمر القاضي بإحضار ~~أبيها فحضر ، فشهد الشهود عليه ، وأحضر الوزير مال النقد بين يدي القاضي - ~~والرجل متماد على الإنكار ، فحكم القاضي عليه وأمر بحمال المال إليه ، وأن ~~تؤخذ ابنته أحب أم كره ، فأخذت منه ونقلت إلى الوزير ، فأعمل أبوها الحيلة ~~في الوصول إلى المعتضد ، وكان المعتضد غليظ الحجاب لا يصل إليه غير الخاصة ~~، فقيل للرجل : إنه ms5183 يحضر ساعة في كل يوم لبنيان بني له بقصره ، فإن استطعت ~~أن تكون في جملة رجال الخدمة فإنك تصل إليه ، فغير الرجل شكله ودخل في جملة ~~رجال الخدمة للبناء ، فلما جاء المعتضد ترامى الرجل إلى الأرض ونثر التراب ~~على رأسه ، فسأله المعتضد عن شأنه فقص عليه القصة ، فأحضر الوزير وأغلظ له ~~في القول ، فحملته هيبة المعتضد على أن ذكر له الوقعة كما وقعت ، ثم أحضر ~~الشهود فقالوا كما قال ، كل ذلك إجلالا له أن يقعوا في الكذب بين يديه ، ~~وهم يظنون أنه لا يؤاخذهم لتمكن ذلك الوزير منه ، فلما تبين له الأمر أمر ~~أن يصلب كل شاهد منهم على باب داره ، وأن يجعل ذلك الوزير في جلد ثور طري ~~السلخ ، ويضرب حتى يختلط عظمه ولحمه بدمه ، فصنع به ذلك ، ثم أمر أن يفرغ ~~بين يدي نمور كانت عنده ، فلعقته تلك النمور ، وأمر بتسليم الجارية إلى ~~أبيها ، وأن تعطى ما أقر الوزير لها به من الصداق من عقار وغيره . وحكى أبو ~~الفرج عبد الرحمن بن الجوزي : أن شيخا من التجار كان له على أحد من القواد ~~في أيام المعتضد بالله مال ، قال PageV22P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" التاجر : فمطلني وكان يحجبني إذا حضرت إلى ~~بابه ، ويضع غلمانه على الاستخفاف بي والاستطالة علي إذا رمت لقاءه وخطابه ~~، وتظلمت إلى عبيد الله بن سليمان الوزير منه ، فما نفعني ذاك ، فعزمت على ~~الظلامة إلى المعتضد بالله ، فبينما أنا مترو في أمري قال لي بعض أصدقائي : ~~علي أن آخذ لك مالك من غير حاجة إلى ظلامة - فاستبعدت هذا ، فقمت معه فجئنا ~~إلى خياط شيخ في سوق الثلاثاء ، يقرأ القرآن في مسجد هناك ويخيط بأجرة ، ~~فقص عليه قصتي وشرح له الصورة ، وسأله أن يقصد القائد ويخاطبه في الخروج ~~إلي من حقي ، وكانت دار القائد قريبة من مسجد الخياط ، فنهض معنا فلما ~~مشينا خفت بادرة القائد وسطوته ، وتصورت أن قول الخياط لا ينفع مع مثله مع ~~محله وبسطته ، فتأخرت قلت لصديقي : قد عرضنا هذا الشيخ ونفوسنا لمكروه عظيم ~~، وما ms5184 هو إلا أن يراه غلمانه وقد أوقعوا به ، وإن كان لم يقبل أمر الوزير ~~فأولى ألا يقبل منه ولا يفكر فيه ، فضحك وقال : لا عليك ، وجئنا إلى باب ~~القائد ، فحين رأى غلمانه الخياط تلقوه وأعظموه ، وأهووا ليقبلوا يده ، ~~فمنعهم منها ، وقالوا : ما جاء بك أيها الشيخ فإن قائدنا راكب ، فإن كان لك ~~أمر تقدم بذكره لنا ونحن نخبره به ، وإن أردت الجلوس وانتظاره فالدار بين ~~يديك ، فلما سمعت ذلك قويت نفسي ودخلنا وجلسنا ، ووافى القائد فلما رآه ~~أكرمه إكراما شديدا ، وقال له : لست أنزع ثيابي حتى تأمر بأمرك ، فخاطبه في ~~أمري ، فقال : والله ما معي إلا خمسة آلاف درهم ، فتسأله أن يأخذها ويأخذ ~~رهونا من مراكبي الذهب والفضة بقيمة ما بقي من ماله لأعطيه إياه بهد شهر ، ~~فبادرت أنا إلى الإجابة وأحضر الدراهم والمراكب بقيمة الباقي ، وأشهدت ~~الخياط وصديقي : أن الرهن عندي إلى مدة شهر ، فإن جاز كنت وكيله في بيعه ~~وأخذ مالي من ثمنه ، وخرجنا فلما بلغنا مسجد الخياط ودخله طرحت الدراهم بين ~~يديه ، وقلت : قد رد الله مالي بك وعلى يديك فخذ ما تريده منه على طيب نفس ~~مني ، فقال : يا هذا - ما أسرع ما قابلتني بالقبيح على الجميل ، انصرف ~~بمالك بارك الله لك فيه ، قلت : قد بقيت لي حاجة ، قال : ما هي ؟ قلت : أحب ~~أن تخبرني عن سبب طاعة هذا القائد لك ، مع إقلاله الفكر بأكابر الدولة ، ~~فقال : قد بلغت غرضك فلا تقطعني عن شغلي بحديث لا فائدة لك فيه ، فألححت ~~عليه فقال : أنا رجل أقرأ وأؤم وأقريء في هذا المسجد منذ أربعين سنة ، لا ~~أعرف كسبا إلا من الخياطة ، وكنت صليت المغرب منذ مدة وخرجت أريد منزلي ، ~~فاجتزت على تركي كان في هذه الدار ، وأومأ إلى دار بالقرب منه ، وإذا امرأة ~~جميلة الوجه قد اجتازت عليه ، فعلق بها وهو سكران وطالبها بالدخول إلى داره ~~، وهي تمتنع وتستغيث وتقول في جملة كلامها : إن زوجي قد حلف بالطلاق لا ~~أبيت عنه ، وإن أخذني هذا وغصبني وبيتني PageV22P0265 # """""" صفحة رقم ms5185 266 """""" عن منزلي خرب بيتي ولحقني من العار ما لا ~~تدحضه الأيام عني ، وما أحد يغيثها ولا يمنع منها ، فجئت إلى التركي ورفقت ~~به في أن يخلي عنها فلم يفعل ، وضرب رأسي بدبوس كان في يده فشجه ، وأدخل ~~المرأة ، فصرت إلى منزلي وغسلت الدم عن وجهي وشددت رأسي ، وخرجت لصلاة ~~العشاء الآخرة ، فلما فرغنا منها قلت لمن حضر : قوموا معي إلى هذا التركي ~~عدو الله ، لننكر عليه ونخرج المرأة من عنده ، فقاموا فجئنا وصحنا على بابه ~~، فخرج إلينا في عدة من غلمانه فأوقع بنا ، وقصدني من بين الجماعة بالضرب ~~الشديد الذي كاد يتلفني ، وحملت إلى منزلي وأنا لا أعقل أمري ، فنمت قليلا ~~للوجع ثم طار النوم عن عيني ، وسهرت متقلبا على فراشي ومفكرا في أمر المرأة ~~، فإنها متى أصبحت طلقت ، ثم قلت : هذا رجل شرب طول ليلته ولا يعرف الأوقات ~~، فلو أذنت لوقع له أن الفجر قد طلع ، فربما أخرج المرأة فمضت إلى بيتها ~~وبقيت في حبال زوجها ، فتكون قد تخلصت من أحد المكروهين ، فخرجت متحاملا ~~إلى المسجد وصعدت المنارة وأذنت ، وجلست أطلع إلى الطريق فأرتقب خروج ~~المرأة من الدار ، فما مضت ساعة حتى امتلأ الشارع خيلا ورجلا ومشاعل ، وهم ~~يقولون من ذا الذي أذن ؟ ففزعت وسكت ثم قلت أخاطبهم وأصدقهم عن أمري لعلهم ~~يعينوني على خروج المرأة ، فصحت من المنارة : أنا أذنت ، فقالوا : أنزل ~~وأجب أمير المؤمنين ، فنزلت ومضيت معهم فإذا هم غلمان بدر ، فأدخلني على ~~المعتضد بالله فلما رأيته هبته وأخذتني رعدة شديدة فقال لي : اسكن - ما ~~حملك على الآذان في غير وقته ؟ وأن تغر الناس فيخرج ذو الحاجة في غير حينه ~~، ويمسك المريد للصوم وقت قد أبيح له الأكل والشرب ، قلت : يؤمنني أمير ~~المؤمنين لأصدقه ، قال : أنت آمن ، فقصصت عليه قصة التركي ، وأريته الآثار ~~الي في رأسي ووجهي ، فقال : يا بدر - علي بالغلام والمرأة ، فجيء بهما ~~فسألهما المعتضد عن أمرها فذكرت له مثل ما ذكرت له ، فأمر بإنفاذها إلى ~~زوجها مع ثقة يدخلها دارها ، ويشرح له خبرها ms5186 ، ويأمره بالتمسك بها والإحسان ~~إليها ثم استدعاني فوقفت بين يديه وجعل يخاطب الغلام ويسمعني ، ويقول له : ~~كم رزقك ؟ وكم عطاؤك ؟ فيقول كذا وكذا قال : فما كان لك في هذه النعمة وفي ~~هذه السعة وفي هؤلاء الجواري ما يكفيك ويكفك عن محارم الله ؟ وخرق سياسة ~~السلطان والجرأة عليه ؟ وما كان عذرك في الوثوب بمن أمرك بالمعروف ونهاك عن ~~المنكر ؟ فأسقط في يد الغلام ولم يكن له جواب يورده ، ثم PageV22P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" قال : يحضر جوالق ومداق الجص وقيود وغل . ~~فأحضر جميع ذلك فقيده وغله وأدخله الجوالق ، وأمر فدقوه بمداق الجص وهو ~~يصيح إلى أن خفت صوته وانقطع حسه ، وأمر به فطرح إلى دجلة وتقدم إلى بدر ~~بتحويل ما في داره ، ثم قال لي : - وقد شاهدت ذلك كله - متى رأيت يا شيخ ~~منكرا كبيرا أو صغيرا فأنكره ولو على هذا - وأشار إلى بدر ، ومن تقاعس عن ~~القبول منك فالعلامة بيننا أن تؤذن في مثل هذا الوقت لأسمع صوتك وأستدعيك ، ~~قال الشيخ : فدعوت له وانصرفت ، وشاع الخبر بين الجند والغلمان ، فما سألت ~~أحدا منهم بعدها إنصافا أو كفا عن قبيح إلا أطاعني فما رأيت خوفا من ~~المعتضد ، وما احتجت أن أؤذن في مثل ذلك الوقت إلى الآن . لي : اسكن - ما ~~حملك على الآذان في غير وقته ؟ وأن تغر الناس فيخرج ذو الحاجة في غير حينه ~~، ويمسك المريد للصوم وقت قد أبيح له الأكل والشرب ، قلت : يؤمنني أمير ~~المؤمنين لأصدقه ، قال : أنت آمن ، فقصصت عليه قصة التركي ، وأريته الآثار ~~الي في رأسي ووجهي ، فقال : يا بدر - علي بالغلام والمرأة ، فجيء بهما ~~فسألهما المعتضد عن أمرها فذكرت له مثل ما ذكرت له ، فأمر بإنفاذها إلى ~~زوجها مع ثقة يدخلها دارها ، ويشرح له خبرها ، ويأمره بالتمسك بها والإحسان ~~إليها ثم استدعاني فوقفت بين يديه وجعل يخاطب الغلام ويسمعني ، ويقول له : ~~كم رزقك ؟ وكم عطاؤك ؟ فيقول كذا وكذا قال : فما كان لك في هذه النعمة وفي ~~هذه السعة وفي هؤلاء الجواري ما يكفيك ويكفك عن محارم الله ms5187 ؟ وخرق سياسة ~~السلطان والجرأة عليه ؟ وما كان عذرك في الوثوب بمن أمرك بالمعروف ونهاك عن ~~المنكر ؟ فأسقط في يد الغلام ولم يكن له جواب يورده ، ثم قال : يحضر جوالق ~~ومداق الجص وقيود وغل . فأحضر جميع ذلك فقيده وغله وأدخله الجوالق ، وأمر ~~فدقوه بمداق الجص وهو يصيح إلى أن خفت صوته وانقطع حسه ، وأمر به فطرح إلى ~~دجلة وتقدم إلى بدر بتحويل ما في داره ، ثم قال لي : - وقد شاهدت ذلك كله - ~~متى رأيت يا شيخ منكرا كبيرا أو صغيرا فأنكره ولو على هذا - وأشار إلى بدر ~~، ومن تقاعس عن القبول منك فالعلامة بيننا أن تؤذن في مثل هذا الوقت لأسمع ~~صوتك وأستدعيك ، قال الشيخ : فدعوت له وانصرفت ، وشاع الخبر بين الجند ~~والغلمان ، فما سألت أحدا منهم بعدها إنصافا أو كفا عن قبيح إلا أطاعني فما ~~رأيت خوفا من المعتضد ، وما احتجت أن أؤذن في مثل ذلك الوقت إلى الآن . ~~وحكى أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي أيضا بسند رفعه إلى أبي بكر بن حوري - ~~وكان يصحب أبا عبد الله بن أبي عوف قال : كنت ألزم ابن أبي عوف سنين بيننا ~~جوار ومودة ، وكان رسمي كل ليلة أن أجيء بعد العتمة ، فحين يراني يمد رجله ~~في حجري فأغمزها ، وأحادثه ويسألني عن الحوادث ببغداد وكتب استقريها له ، ~~فإذا أراد أن ينام قبض رجله فقمت إلى بيتي ، وقد مضى ثلث الليل أو نصفه أو ~~أقل ، فلما كان ذات يوم جاءني رجل كان يعاملني ، فقال : قد دفعت إلى أمر إن ~~تم علي افتقرت ، قلت وما هو ؟ قال : رجل كنت أعامله فاجتمع لي عليه ألف ~~دينار ، فطالبته فرهنني عقد جوهر قوم بألف دينار إلى أن يفتكه بعد شهور أو ~~أبيعه ، وأذن لي في ذلك ، فلما كان أمس وجه يونس صاحب الشرطة من كبس دكاني ~~، وفتح صندوقي وأخذ العقد ، فقلت : أنا أخاطب ابن أبي عوف فيلزمه برده ، ~~قال : وأنا مدل بابن أبي عوف لمكاني منه ومكانته من المعتضد ، فلما كانت ~~تلك الليلة جئته وحادثته على رسمي ms5188 ، وذكرت له في جملة حديثي العقد ، فلما ~~سمع نحى رجله من حجري وقال : ما لي ولهذا أعادى خادما صاحب شرطة الخليفة ؟ ~~فورد علي أمر عظيم وخرجت من بيته ألا أعود ، فلما صليت العتمة من الليلة ~~المقبلة جاءني خادم لابن أبي عوف ، وقال : يقول لك لم تأخرت الليلة ؟ إن ~~كنت مشتكيا جئناك ، فاستحييت وقلت أمضي الليلة ، فلما رآني مد رجله وأقبلت ~~أحدثه بحديث متكلف ، فصبر علي ساعة ثم قبض رجله فقمت ، فقال : يا أبا بكر ~~انظر أي شيء تحت المصلى فخذه ، فرفعت المصلى فإذا برقعة فأخذتها ، وتقدمت ~~إلى الشمعة فإذا فيها : يا يونس جسرت على قصد دكان رجل تاجر ، وفتحت صندوقه ~~PageV22P0267 # """""" صفحة رقم 268 """""" وأخذت منه عقد جوهر - وأنا في الدنيا ، والله ~~لولا أنها أول غلطة غلطتها ما جرى في ذلك مناظرة ، اركب بنفسك إلى دكان ~~الرجل حتى ترد العقد في الصندوق بيدك ظاهرا ، فقلت لأبي عبد الله : ما هذا ~~؟ فقال : خط المعتضد - مثلت بين وجدك وبين يونس فاخترتك عليه ، فأخذت خط ~~أمير المؤمنين بما تراه ، وامض وأرسله إليه ، فقبلت رأسه وجئت إلى الرجل ، ~~فأخذت بيده ومضينا إلى يونس وسلمت التوقيع إليه ، فلما رآه اسود وجهه ~~وارتعد ، حتى سقطت الرقعة من يده ، ثم قال : يا هذا - الله بيني وبينك - ~~هذا شيء ما علمت به ، فألا تظلمتم فإن لم أنصفكم فإلى الوزير - بلغتم الأمر ~~أمير المؤمنين من أول وهلة قال فقلت : بعملك جرى والعقد معك فأحضره ، فقال ~~: خذ الألف دينار التي عليه ، واكتبوا على الرجل ببطلان ما ادعاه ، فقلت : ~~خذ الألف دينار التي عليه ، واكتبوا على الرجل ببطلان ما ادعاه ، فقلت : لا ~~نفعل ، فقال : ألف وخمسمائة ، فقلت : والله لا نرضى حتى تركب بنفسك إلى ~~الدكان فترد العقد ، فركب ورد العقد إلى مكانه . وحكى عبد الرحمن أبو الفرج ~~بن الجوزي أيضا بسند رفعه إلى أبي محمد عبد الله بن حمدون قال : قال لي ~~المعتضد ليلة - وقد قدم له العشاء - لقمني ، وكان الذي قدم فراريج ودراريج ~~، فلقمته من صدر فروج ، قال : لا ، لقمني من ms5189 فخذه فلقمته لقما ، ثم قال : ~~هات من الدراريج فلقمته من أفخاذها ، فقال : ويلك - هوذا أتتنادر علي ، هات ~~من صدورها ، فقلت : يا مولاي ركبت القياس ، فضحك ، فقلت : إلى كم أضحكك ولا ~~تضحكني ، فقال : شل المطرح وخذ ما تحته ، قال : فشلته فإذا دينار واحد ، ~~فقلت آخذ هذا ؟ قال نعم ، فقلت : بالله هوذا تتنادر أنت الساعة علي ، خليفة ~~يجيز نديمه بدينار فقال : ويلك - لا أجد لك في بيت المال حقا أكثر من هذا ، ~~ولا تسمح نفسي أن أعطيك من مالي شيئا ، ولكن هوذا احتال لك بحيلة تأخذ فيها ~~خمسة آلاف دينار ، فقبلت يده فقال : إذا كان غدا وجاء القاسم - يعني ابن ~~عبيد الله - فهوذا أسارك حتى تقع عيني عليه سرارا طويلا ، ألتفت فيه إليه ~~كالمغضب وانظر أنت إليه في خلال ذلك كالمخالس لي نظر المترثي ، فإذا انقطع ~~السرار فاخرج ولا تبرح من الدهاليز ، فإذا خرج خاطبك بجميل وأخذك إلى دعوته ~~وسألك عن حالك ، فاشك الفقر والخلة وقلة حظك معي وثقل ظهرك بالدين والعيال ~~، وخذ ما يعطيك واطلب كل ما تقع عليه عينك ، فإنه لا يمنعك حتى تستوفي خمسة ~~آلاف دينار ، فإذا أخذتها PageV22P0268 # """""" صفحة رقم 269 """""" فسيسألك عما جرى فاصدقه وإياك أن تكذبه ، ~~وعرفه أن ذلك حيلة مني عليه حتى وصل إليك هذا وحدثه بالحديث كله على شرحه ، ~~وليكن إخبارك إياه بذلك بعد امتناع شديد ، وإحلاف لك منه بالطلاق والعتاق ~~أن تصدقه وبعد أن تخرج من داره كل ما يعطيك إياه ويصير في بيتك . قال : ~~فلما كان من غد حضر القاسم فحين رآه بدأ يساررني ، وفعل وفعلت كما تقرر ، ~~ثم خرجت فإذا القاسم في الدهليز ينتظرني ، فقال : يا أبا محمد - ما هذا ~~الجفاء لا تجيئني ولا تزورني ولا تسألني حاجة فاعتذرت إليه باتصال الخدمة ~~علي ، فقال : لا يقنعني إلا أن تزورني اليوم ونتفرج ، فقلت : أنا خادم ~~الوزير - فأخذني إلى طيارة وجعل يسألني عن حالي وأخباري فأشكو إليه الخلة ~~والإضافة والبنات وجفاء الخليفة وإمساكه يده ، فيسترجع ويقول : يا هذا مالي ~~لك ولم تضيق عليك ما ms5190 يتسع علي ؟ أو تتجاوز نعمة خلصت لي ؟ أو يتخطاك حظ ~~نازل في فنائي ؟ ولو عرفتني لعاونتك على إزالة هذا كله فشكرته ، وبلغنا ~~داره فصعد ولم ينظر في شيء ، وقال : هذا يوم أحتاج أن أختص فيه بالسرور ~~بأبي محمد ، ولا يقطعني أحد عنه ، وأمر كتابه بالتشاغل بالأعمال ، وخلاني ~~في دار الخلوة وجعل يحادثني ويبسطني ، وقدمت الفاكهة فجعل يلقمني بيده ، ~~وجاء الطعام وكانت هذه سبيله ، ووقع لي بثلاثة آلاف دينار فأخذتها للوقت ، ~~وأحضر لي ثيابا وطيبا ومركوبا فأخذت ذلك ، وكان بين يدي صينية فضة فيها ~~مغسل فضة فأخذتها ، وخرداذى بللور وكوز وقدح بللور فأمر بحمله إلى طيارى ، ~~وأقبلت كلما رأيت شيئا حسنا له قيمة طلبته ، فحمل إلي فرشا وقال : هذا ~~للبنات ، فلما تقوض المجلس خلا بي وقال لي : يا أبا محمد - أنت عالم بحقوق ~~أبي عليك ومودتي لك ، فقلت : أنا خادم الوزير ، فقال : أريد أن أسألك عن ~~شيء وتحلف لي أنك تصدقني عنه ، فقلت : السمع والطاعة - فأحلفني بالله ~~وبالطلاق وبالعتاق على الصدق ، ثم قال : بأي شيء سارك الخليفة اليوم في ~~أمري ؟ فصدقته عن كل ما جرى حرفا بحرف ، فقال : فرجت عني ، ولكون هذا هكذا ~~مع سلامة نيته لي أسهل علي فشكرته وودعته وانصرفت إلى منزلي ، فلما كان من ~~غد بكرت إلى المعتضد فقال : هات حديثك فسقته عليه ، فقال : احفظ الدنانير ~~ولا يقع لك أنى أعمل مثلها معك بسرعة . وحكى عبد الرحمن أبو الفرج بن ~~الجوزي أيضا بسند رفعه إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي قال : PageV22P0269 # """""" صفحة رقم 270 """""" دخلت على المعتضد بالله وعلى رأسه أحداث روم ~~صباح الوجوه ، فنظرت إليهم فرآني المعتضد بالله ، فلما أردت القيام أشار ~~إلي فمكثت ساعة ، فلما خلا بي قال : أيها القاضي - والله ما حللت سراويلي ~~على حرام قط . وحكى أيضا بسند رفعه إلى أبي محمد الحسن بن محمد الطلحي قال ~~: حدثني أحد خدم المعتضد المختص بخدمته ، قال : كنا حوالي سرير المعتضد ذات ~~يوم نصف النهار وقد نام بعد أن أكل ، وكان رسمنا أن نكون حول سريره أوقات ~~منامه ms5191 من ليل أو نهار ، فانتبه منزعجا وقال : يا خدم - فأسرعنا الجواب ، ~~فقال : ويلكم أغيثوني والحقوا الشط ، وأول ملاح ترونه منحدرا في سفينة ~~فارغة فاقبضوا عليه ، وجيئوني به ووكلوا بسفينته ، فأسرعنا فوجدنا ملاحا في ~~سميرية منحدرا - وهي فارغة - فقبضنا عليه ، ووكلنا بسميريته وأصعدناه إليه ~~، فحين رآه الملاح تلف ، فصاح عليه صيحة عظيمة كادت روحه تخرج معها ، وقال ~~: اصدقني يا ملعون عن قصتك مع المرأة التي قتلتها اليوم وإلا ضربت عنقك ، ~~قال : فتلعثم وقال : نعم ، كنت اليوم من سحر في مشرعتي فنزلت امرأة وعليها ~~ثياب فاخرة وحلى كثير وجوهر ، فطمعت فيها فاحتلت عليها حتى سددت فاها ~~وغرقتها ، وأخذت جميع ما كان عليها ، ولم أجسر على حمل سلبها إلى بيتي كيلا ~~يفشو الخبر ، فعملت على الهرب وانحدرت الساعة لأمضي إلى واسط ، فعلقني ~~هؤلاء الخدم وحملوني ، فقال له : أين الحلى والسلب ؟ قال : في السفينة تحت ~~البواري ، فقال المعتضد للخدم : جيئوني به ، فمضوا وأحضروه ، فقال : خذوا ~~الملاح فغرقوه ففعلوا ، ثم أمر أن ينادى ببغداد على امرأة خرجت إلى المشرعة ~~الفلانية سحرا وعليها الثياب والحلي فليحضر من يعرفها ، ويعطي صفة ما كان ~~عليها ويأخذه فقد تلفت المرأة ، فحضر في اليوم الثاني أو الثالث أهل المرأة ~~، وأعطوا صفة ما كان عليها فسلم ذلك إليهم ، قال : فقلنا يا مولانا أوحي ~~إليك ، فقال : رأيت في منامي كأن رجلا شيخا أبيض الرأس واللحية والثياب وهو ~~ينادي بالأخذ لأول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه ، وقرره عن خبر امرأة ~~قتلها اليوم وسلبها ، وأقم عليه الحد - فكان ما شاهدتم . وكان المعتضد ~~بالله رحمه الله شجاعا مقداما ، فمما حكي عن شجاعته ما حكاه أبو الفرج بسند ~~رفعه إلى خفيف السمرقندي قال : PageV22P0270 # """""" صفحة رقم 271 """""" كنت مع مولاي المعتضد في بعض متصيداته ، وقد ~~انقطع عن العسكر وليس معه غيري ، فخرج علينا أسد فقصدنا ، فقال لي المعتضد ~~: يا خفيف - أفيك خير ؟ فقلت : لا يا مولاي ، قال : ولا حتى تمسك فرسي ~~وأنزل أنا إلى الأسد ، فقلت : بلى ، فنزل وأعطاني فرسه وشد أطراف ثيابه في ~~منطقته ، واستل السيف ms5192 ورمى بالقراب إلي ، فأقبل يمشي إلى الأسد ، فحين قرب ~~منه وثب الأسد عليه فتلقاه المعتضد فضربه ، فإذا يده طارت فتشاغل الأسد ~~بالضربة ، فغشيه بأخرى ففلق هامته فخر صريعا ، فدنا منه - وقد تلف - فمسح ~~السيف في صوفه ، فرجع إلي فأغمد السيف وركب ، ثم عدنا إلى العسكر ، فإلى أن ~~مات ما سمعته تحدث بحديث الأسد ، ولا علمت أنه لفظ منه بلفظة ، فلم أدر من ~~أي شيء أعجب : من شجاعته وشدته أو من قلة احتفاله بما صنع حتى كتمه أو من ~~عفوه عني ، فما عاتبني على ضني بنفسي . وكان رحمه الله حسن الفراسة صادقا ، ~~فمن ذلك ما حكاه خفيف السمرقندي قال : كنت واقفا بحضرة المعتضد إذ دخل بدر ~~وهو يبكي ، وقد ارتفع الصراخ من دار عبيد الله بن سليمان الوزير عند موته ، ~~فأعلم المعتضد بالله الخبر ، فقال : أو قد صح الخبر ؟ أو هي غشية ؟ قال : ~~بل توفي وشد لحينه ، فرأيت المعتضد بالله وقد سجد فأطال السجود ، فلما رفع ~~رأسه قال له بدر : والله يا أمير المؤمنين لقد كان صحيح الموالاة مجتهدا في ~~خدمتك عفيفا عن الأموال ، قال : يا بدر - أظننت أني سجدت سرورا بموته ؟ ~~إنما سجدت شكرا لله عز وجل إذ وقفني فلم أصرفه ولم أوحشه ، ورفهت على ورثته ~~ما خلفه لهم من كسبه معي ما يجاوز قيمته ألفي ألف دينار ، وقد كنت عزمت على ~~أخذ ذلك منهم ، وأن استوزر أحد الرجلين : إما جرادة - وهو أقوى الرجلين في ~~نفسي لهيبته في قلوب الجيش ، والآخر أحمد بن محمد بن الفرات وهو أعرف ~~بمواقع الأموال ، فقال له بدر : يا مولاي - غرست غرسا حتى إذا أثمر قلعته ، ~~أنت ربيب القاسم وقد ألف خدمتك عشر سنين ، وعرف ما يرضى حاشيتك ، وجرادة ~~رجل متكبر ويخرج من الجيش جائعا ، وابن الفرات لا هيبة له في النفوس ، ~~وإنما يصلح أن يكون بحضرة وزير ليحفظ المال ، ومال القاسم وورثته لك أي وقت ~~أردته أخذته ، فراجعه المعتضد وبين له فساد هذا الرأي ، فعدل عن المناظرة ~~إلى تقبيل الأرض مرات ، فقال له المعتضد ms5193 : قد أجبتك فامض إلى القاسم فعزه ~~بأبيه ، وبشره بتقرير رأيي على استيزاره ، وليسلو عن مصابه ، ومره بالبكور ~~إلى الجامع ، قال خفيف : فولى بدر وخرجت معه فدعاني المعتضد فعدت ، فقال : ~~أرأيت ما جرى ؟ PageV22P0271 # """""" صفحة رقم 272 """""" قلت : نعم ، قال : والله ليقتلن بدرا القاسم ~~- وكان الأمر كذلك ، قتله في خلافة المكتفي بالله على ما نذكره إن شاء الله ~~، فقال خفيف : رحم الله المعتضد كأنه نظر إلى هذا من وراء ستر . وكان ~~المعتضد رحمه الله جيد الشعر ، فمن شعره ما قاله عند موت جارية كان يحبها ~~وتحبه غاية المحبة ، فلما ماتت جزع لموتها جزعا منعه عن الطعام والشراب ~~فقال : يا حبيبا لم يكن يع . . . دله عندي حبيب أنت عن عيني بعيد . . . ومن ~~القلب قريب ليس لي بعدك في شي . . . ء من اللهو نصيب لك من قلبي على قل . . ~~. بي وإن بنت رقيب وخيالي منك مذ غب . . . ت خيال لا يغيب لو تراني كيف لي ~~بع . . . دك عول ونحيب وفؤادي حشوه من . . . حرق الحزن لهيب لتيقنت بأني . ~~. . بك محزون كئيب ما أرى نفسي وإن طب . . . بتها عنك تطيب لي دمع ليس يعصي ~~. . . ني وصبر ما يجيب وقال أيضا : لم أبك للدار ولكن بما . . . قد كان ~~فيها مرة ساكنا فخانني الدهر بفقدانه . . . وكنت من قبل له آمنا ودعت صبري ~~يوم توديعه . . . وبان قلبي معه ظاعنا فقال له عبيد الله بن سليمان : يا ~~أمير المؤمنين - مثلك تهون عليه المصائب ، لأنه يجد من كل فقيد خلفا ، ~~ويقدر على ما يريد ، والعوض منك لا يوجد ، فلا ابتلى الله الإسلام بفقدك ، ~~وعمره ببقائك . وقد قال الشاعر في المعنى الذي ذكرته . يبكي علينا ولا نبكي ~~على أحد . . . ونحن أغلظ أكبادا من الإبل فضحك المعتضد وعاد إلى عادته . ~~PageV22P0272 # """""" صفحة رقم 273 """""" وقال عبد الله بن المعتز يعزي المعتضد عن هذه ~~الجارية : يا إمام الهدى بنا لا بك اله . . . م وأفنيتنا وعشت سليما أنت ~~علمتنا على النعم الشك . . . ر وعند المصائب التسليما فاسل عما مضى فإن ~~التي كا . . . نت سرورا صارت ثوابا ms5194 عظيما قد رضينا بأن نموت وتحيا . . . إن ~~عندي في ذاك خطا جسيما من يمت طائعا لديك فقد أع . . . طى نورا ومات موتا ~~كريما وأخبار المعتضد بالله كثيرة ، قد أشرنا إلى ما فيه كفاية . وكان له ~~من الأولاد علي - وهو المكتفي بالله ، وجعفر - وهو المقتدر بالله ، وهارون ~~، ومحمد - وهو القاهر بالله ، ومن البنات إحدى عشرة وقيل تسع عشرة . وكان ~~نقش خاتمه : الاضطرار يزيل الاختيار . ووزراؤه : عبيد الله بن سليمان بن ~~وهب ثم ابنه القاسم بن عبيد الله . قضاته : إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن ~~حماد بن زيد ، ثم أبو العباس أحمد بن محمد البرتي ، ثم أبو حازم عبد الحميد ~~بن عبد العزيز السكوني ، ثم يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد ، ثم ~~علي بن أبي الشوارب ، ثم أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب . حاجبه : صالح ~~الأمير . الأمراء بمصر : خمارويه بن أحمد بن طولون ، ثم ابنه جيش بن ~~خمارويه ، ثم هارون بن خمارويه . القضاة بها : أبو عبدة إلى أن خلع جيش ابن ~~خمارويه فاستتر في داره ، وولي بعده أبو زرعة محمد بن عثمان الدمشقي من قبل ~~هارون بن خمارويه . PageV22P0273 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الثالث والعشرون PageV23P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ### | AUT ذكر خلافة المكتفي بالله # هو أبو محمد علي بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق بالله أبي ~~أحمد بن المهدي - وهو الملقب بالناصر لدين الله - بن المتوكل على الله أبي ~~الفضل جعفر بن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد أبي محمد بن ~~علي ابن عبد الله ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهم أجمعين . وأمه خاضع أم ~~ولد وتلقب جيجك ، وقيل اسمها جنجورا ، وهو الخليفة السابع عشر من الخلفاء ~~العباسيين . بويع له يوم الاثنين لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع ~~وثمانين ومائتين - وكان إذ ذاك بالرقة - فبايع له الوزير القاسم بن عبيد ~~الله بن سليمان ابن وهب ، وكتب له يعلمه بوفاة أبيه وأخذ البيعة له . فلما ~~وصله الخبر ، أخذ البيعة على من عنده من الأجناد ، ووضع ms5195 لهم العطاء ، وسار ~~إلى بغداد ، ووجه إلى النواحي بديار ربيعة ومضر ونواحي العرب ومن يضبطها . ~~ودخل بغداد لثمان خلون من جمادى الأولى ، فلما صار إلى منزله أمر بهدم ~~المطامير التي كان أبوه اتخذها لأهل الجرائم . ذكر قتل غلام المعتضد بالله ~~وكان سبب قتله أن القاسم الوزير - كان قد هم بنقل الخلافة إلى غير ولد ~~المعتضد بعده ، فقال لبدر ذلك في حياة المعتضد بعد أن استحلفه أن يكتم عليه ~~فقال PageV23P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" بدر : ما كنت لأصرفها عن ولد مولاي وولي نعمتي ~~فلم يمكنه مخالفته لأنه صاحب الجيش ، وحقها عليه فلما مات المعتضد كان بدر ~~بفارس فعقد القاسم البيعة للمكتفي ، وعمل على هلاك بدر خوفا على نفسه أن ~~يذكر للمكتفي ما كان منه . وكان المكتفي مباعدا لبدر في حياة المعتضد ، ~~فوجه إلى القواد الذين مع بدر يأمرهم بمفارقته والمصير إليه ، ففارقه جماعة ~~وأقبلوا إلى المكتفي فأحسن إليهم . وسار بدر إلى الموصل وواسط . فوكل ~~المكتفي بداره ، وقبض على أصحابه وقواده فحبسهم ، وأمر بمحو اسمه من ~~الأعلام والتراس . وسير الحسن بن علي إلى كورة واسط في جيش ، وأرسل بدر ~~يعرض عليه أي النواحي شاء ، فأبى ذلك وقال : لا بد من المصير إلى باب مولاي ~~فوجد القاسم مساغا للقول ، وخوف المكتفي غائلته . وبلغ بدرا ما فعل بأصحابه ~~فأرسل من يأتيه بولده هلال سرا ، فعلم الوزير بذلك فاحتاط . عليه ودعا قاضي ~~الجانب الشرقي وأمر بالمسير إلى بدر وأن يطيب قلبه عن المكتفي ويعطيه ~~الأمان على نفسه وولده وماله ، فقال القاضي أبو حازم : أحتاج إلى سماع ذلك ~~من أمير المؤمنين فصرفه ودعا أبا عمر القاضي ، وأمره بمثل ذلك فأجابه ، ~~وسار بكتاب الأمان . فسار بدر عن واسط إلى بغداد فأرسل إليه الوزير من قتله ~~، فلما أيقن بالقتل سأله المهلة إلى أن يصلي ركعتين ، فأمهل حتى صلاهما . ~~وضربت عنقه يوم الجمعة لست خلون من رمضان ، وأخذ رأسه وتركت جثته هنالك ، ~~فوجه عياله من أخذها سرا وجعلوها في تابوت ، فلما كان وقت الحج حملوها إلى ~~مكة فدفنوها بها - وكان ms5196 أوصي بذلك - وأعتق كل مملوك له . ورجع أبو عمر إلى ~~داره كئيبا لما كان منه ، وقال الناس فيه الشعر ، فمن ذلك قول بعضهم : قل ~~لقاضي المدينة المنصور . . . كيف أحللت أخذ رأس الأمير عند إعطائه المواثيق ~~والعه . . . د وعقد الأيمان في منشور أين أيمانك التي شهد الل . . . ه على ~~أنها يمين فجور إن كفيك لا تفارق كفي . . . ه إلى أن ترى مليك السرير يا ~~قليل الحياء يا أكذب الأم . . . مة . . يا شاهدا شهادة زور ليس هذا فعل ~~القضاة ولا يح . . . سن أمثاله ولاة الجسور PageV23P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" أي أمر ركبت في الجمعة الزه . . . راء منه في ~~خير هذي الشهور قد مضى من قتلت في رمضان . . . صائما بعد سجدة التغفير يا ~~بني يوسف بن يعقوب أضحى . . . أهل بغداد منكم في غرور بدد الله شملكم ~~وأراني . . . ذلكم في حياة هذا الوزير فاعدوا الجواب للحكم العا . . . دل ~~من بعد منكر ونكير أنتم كلكم فداء أبي حا . . . زم المستقيم كل الأمور ~~وفيها لحق إسحاق الفرغاني . . . وهو من أصحاب بدر بالبادية وأظهر الخلاف ~~على الخليفة المكتفي ، فحاربه أو الأغر فهزمه إسحاق وقتل جماعة من أصحابه . ~~وفيها خلع المكتفي على هلال بن بدر وغيره من أصحاب أبيه في جمادى الأولى . ~~وفيها فصل الصيف هبت ريح باردة بحمص وبغداد من جهة الشمال . فبرد الوقت ~~واشتد البرد حتى جمد الماء ، واحتاج الناس إلى النار . وفيها هبت ريح عاصفة ~~بالبصرة قلعت كثيرا من نخلها ، وخسف بموضع هلك فيه . ستون ألف نفس . وزلزلت ~~بغداد في شهر رجب عشر مرات فتضرع الناس في الجامع فسكنت . وحج بالناس الفضل ~~بن عبد الملك الهاشمي . ودخلت سنة تسعني ومائتين : في هذه السنة اشتد أمر ~~القرامطة ، فجاء أهل الشام ومصر إلى المكتفي يشكون ما يلقون من القرمطي من ~~الأسر والسبي والتخريب ، فأمر الجند بالتأهب ، وخرج من بغداد في شهر رمضان ~~، وقدم بين يديه أبا الأغر في عشرة آلاف ، وسار إلى الشام . وجعل طريقه على ~~الموصل . فنزل أبو الأغر بالقرب من حلب ، فكبسهم القرمطي صاحب الشامة فقتل ms5197 ~~منهم خلقا كثيرا . ودخل أبو الأغر حلب في ألف رجل وذلك في شهر رمضان ، وسار ~~القرمطي إلى باب حلب فحاربه أبو الأعز بمن بقي معه وأهل البلد ، فرجع عنهم ~~. PageV23P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" وسار المكتفي حتى نزل الرقة ، وسير الجيوش إليه ~~وجعل أمرهم إلى محمد بن سليمان الكاتب ، وكان للقرامطة حروب كثيرة ووقائع ~~نذكرها - إن شاء الله تعالى - في أخبارهم . وفيها أراد المكتفي البناء ~~بسامراء ، وخرج إليها ومعه الصناع فقدروا ما تحتاج إليه فكان ما لا جزيلا ، ~~فعظم الوزير ذلك عليه وصرفه عنها ، ورجع إلى بغداد . . . وحج بالناس الفضل ~~بن عبد الملك بن عبد الله بن عبيد الله العباسي . ودخلت سنة إحدى وتسعين ~~ومائتين : في هذه السنة سار من طرسوس غلام زرافة نحو بلد الروم ففتح مدينة ~~أنطاكية عنوة بالسيف ، فقتل خمسة آلاف وأسر نحوهم ، واستنقذ من الأساري ~~خمسة آلاف ، وأخذ لهم ستين مركبا حملها ما غنم من الأموال ، وقدر نصيب كل ~~رجل فكان ألف دينار . وفيها مات الوزير القاسم بن عبيد الله بن سليمان . ~~وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك . ودخلت سنة اثنتين وتسعين ~~ومائتين : في هذه السنة انقرضت الدولة الطولونية ، واستولى المكتفي بالله ~~على ما بأيديهم بمصر والشام . وأرسل محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر بمواطأة ~~قواد هارون بن خماروية فتوجه ، وقاتله هارون فقتل هارون ، واستولى ابن ~~سليمان على مصر ، على ما نذكر ذلك مبينا - إن شاء الله تعالى - في أخبار ~~الدولة الطولونية . قال : وكتب ابن سليمان بالفتح إلى المكتفي بالله ، فأمر ~~بأشخاص آل طولون إلى بغداد ففعل ذلك ، وولى معونة مصر عيسى النوشري . ثم ~~ظهر بمصر رجل يعرف بالخليجي - وهو من قواد الدولة الطولونية - فخالف على ~~الخليفة وكثر جمعه ، وعجز النوشري عنه فتوجه إلى الإسكندرية ، ودخل إبراهيم ~~الخليجي مصر . فسير إليه المكتفي الجنود مع فاتك - مولى المكتفي - وبدر ~~الحماص ، فساروا في شوال فوصلوا حدود مصر في صفر سنة ثلاث وتسعين . وتقدم ~~أحمد بن كيغلغ في جماعة من PageV23P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" القواد ، فلقيهم الخليجي فهزمهم بالقرب ms5198 من ~~العريش أقبح هزيمة . فندب من بغداد جماعة من القواد فيهم إبراهيم بن كيغلغ ~~، فخرجوا في شهر ربيع الأول . وبرز المكتفي إلى باب الشماسية يريد المسير ~~لحرب الخليجي لما ، بلغه من قوته - وكان ذلك في شعبان - فورد كتاب فاتك في ~~شعبان أن القواد رجعوا إلى الخليجي وقاتلوه أشد قتال ، وكانت بينهم حروب ~~آخرها أنه انهزم ودخل فسطاط مصر واستتربها ، ودخل عسكر الخليفة المدينة ~~وظفروا به ، وحبس هو ومن استتر عنده . فكتب المكتفي إلى فاتك بحمله ومن معه ~~إلى بغداد ، فوصلوا بغداد في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين ، ودخل المكتفي ~~بغداد وأمر برد خزائنه وكانت قد بلغت تكريت . وفيها - أغنى سنة اثنتين ~~وتسعين أخذ بالبصرة رجل ذكر أنه أراد الخروج ، وأخذ معه ولده وتسعة وثلاثون ~~رجل ، وحملوا إلى بغداد وهم يستغيثون ويحلفون أنهم براء ، فأمر المكتفي ~~بحبسهم . وفيها أغار أندرونقس الرومي على مرعش ونواحيها ، فنفر أهل المصيصة ~~وطرسوس فأصيب أبو الرجال بن أبي بكار في جماعة من المسلمين . فعزل الخليفة ~~أبا العشائر عن الثغور واستعمل عليهم رستم بن بدر ، وافتدى رستم فكان جملة ~~من فودى به المسلمون ألف نفس ومائتي نفس . وحج بالناس في هذه السنة الفضل ~~بن عبد الملك بن عبد الله . وفيها كان ابتداء إمارة بني حمدان بالموصل ، ~~وذلك أن المكتفي بالله ولي على الموصل وأعمالها أبا الهجاء عبد الله بن ~~حمدان بن حمدون التغلبي العدوي ، فقدمها في المحرم ، وخرج في اليوم الثاني ~~من مقدمه لقتال الأكراد على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة ~~الحمدانية . PageV23P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" ودخلت سنة ثلاث وتسعين ومائتين : في هذه السنة ~~كان الظفر بإبراهيم الخليجي المغلب على ديار مصر ، وقد ذكرنا ذلك في سنة ~~اثنتين وتسعين ومائتين . وفيها أغارت الروم على قورس - من أعمال حلب - ~~فقاتلهم أهلها قتالا شديدا ، ثم انهزموا وقتل كثير منهم . . . ودخل الروم ~~قورس ، وأحرقوا جامعها ، وأخذوا من بقي من أهلها . وحج بالناس في هذه السنة ~~محمد بن عبد الملك الهاشمي . ودخلت سنة أربع وتسعين ومائتين : في هذه ms5199 السنة ~~قتل زكرويه رئيس القرامطة على ما نذكره إن شاء الله تعالى - في أخبارهم . ~~وفيها غزا ابن كيغلغ من طرسوس ، فأصاب من الروم أربعة آلاف رأس سبيا ، ~~ودواب ومتاعا ، ودخل بطريق من بطارقة الروم في الأمان فأسلم . وغزا كيغلغ ~~أيضا فبلغ شلندوا . وافتتح الليس فغنم نحوا من خمسين ألف رأس ، وقتل مقتله ~~عظيمة ، وانصرف ومن معه سالمين . وكاتب اندرونقس البطريق المكتفي بالله في ~~طلب الأمان فأعطاه ما طلب - وكان على حرب الثغور من قبل ملك الروم - فخرج ~~ومعه نحو من مائتي ألف أسير من المسلمين في السلاح ، فقبضوا على بطريق كان ~~ملك الروم أرسله ليقبض على أندرونقس - ليحاربوه - فسار إليه جمع من ~~المسلمين لإغاثته ، فبلغوا قونية انصرف الروم عنه . وسار جماعة من المسلمين ~~إلى أندرونقس وهو في حصنه ، فخرج إليهم ومعه أهله ، وسار معهم إلى بغداد . ~~وخرب المسلمون قونية ، فأرسل ملك الروم إلى الخليفة يطلب الفداء . وحج ~~بالناس الفضل بن عبد الملك . ودخلت سنة خمس وتسعين ومائتين : في هذه السنة ~~كانت وفاة إسماعيل بن أحمد الساماني أمير خرسان وما وراء النهر وقام بعده ~~ابنه أحمد على ما نذكره - إن شاء الله تعالى - في أخبارهم . PageV23P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" ذكر وفاة المكتفي بالله كانت وفاة المكتفي ~~ببغداد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين ، وطالت ~~مرضته عدة شهور ، ولما مات دفن بدار محمد بن عبد الله بن طاهر . وكان عمره ~~ثلاثا وثلاثين سنة ، واختلف فيه إلى إحدى وثلاثين سنة وشهور ، وكانت مدة ~~خلافته ست سين وستة أشهر وعشرين يوما . وكان أسمر أعين ، قصيرا ، حسن ~~اللحية والوجه . وهو الذي بنى جامع القصر بمدينة السلام - وكان موضعه ~~مطامير فغطاها - وبنى تاج دار الخلافة على دجلة . وأنفق الأموال العظيمة في ~~حرب القرامطة ، وكان نقش خاتمه بالله يثق علي بن أحمد . أولاده : المستكفي ~~بالله ، وثمانية ذكور . وزراؤه : القاسم بن عبيد الله ، ثم أبو العباس بن ~~الحسن بن أيوب بن سواد جرجرايا ، وهو أول وزير منع أصحاب الدواوين الوصول ~~إلى الخليفة . قضاته : أبو ms5200 حازم ، ثم يوسف بن يعقوب ، ثم أبو عمر بن علي بن ~~أبي الشوارب . حاجبه : خفيف السمر قندي . الأمراء بمصر : هارون بن خماروية ~~، ثم سنان بن أحمد بن طولون بمبايعة الجند له ، ثم محمد بن سليمان الكاتب ~~دبرها إلى أن قدم - بأمر المكتفي - عليها عيسى بن محمد النوشري . القضاة ~~بها : أبو زرعة وأبو عبيدة مستتر إلى أن قدم محمد بن سليمان ، فظهر أبو ~~عبيدة بعد استتاره عشر سنين ، وعاد إلى القضاء والله أعلم ذكر خلافة ~~المقتدر بالله هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد - وقد ~~تقدم ذكر نسبه - وأمه أم ولد اسمها شغب وهو الثامن عشر من الخلفاء ~~العباسيين ، بويع له لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ~~ومائتين وعمره يومذاك ثلاث عشرة سنة . PageV23P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" قال ابن الأثير : كان سبب ولاية المقتدر أن ~~المكتفي لما ثقل مرضه فكر الوزير أبو العباس بن الحسن فيمن يصلح للخلافة ، ~~فاستشار محمد بن داود الجراح في ذلك فأشار بعبد الله بن المعز ووصفه بالعقل ~~والرأي والأدب ، واستشار بعده أبا الحسن بن الفرات فامتنع ، وقال : هذا شيء ~~ما جرت عادتي أشير به ، وإنما أشاور في العمال لا في الخلفاء فغضب الوزير ~~وقال : هذه مقاطعة وليس يخفى عليك الصحيح وألح عليه فقال : إن كان رأي ~~الوزير قد استقر على أحد فليفعل . فعلم أنه عنى ابن المعتز لاشتهار خبره ، ~~فقال الوزير : لا أقنع إلا أن تمحضني النصيحة وألح عليه فقال ابن الفرات : ~~فليتق الله الوزير ولا ينصب إلا من قد عرفه واطلع على جميع أحواله ، ولا ~~ينصب بخيلا فيضيق على الناس ويقطع أرزاقهم ، ولا طامعا فيشره في أموالهم ~~فيصادرهم ويأخذ أملاكهم وأموالهم ، ولا قليل الدين فلا يخاف العقوبة ~~والآثام ويرجو الثواب فيما يفعله ، ولا من قد عرف دار هذا ونعمة هذا وبستان ~~هذا وضيعة هذا وفرس هذا ، ومن قد لقي الناس ولقوه وعاملهم وتحنك وحسب حساب ~~الناس وعرف وجوه دخلهم وخرجهم فقال الوزير : صدقت ونصحت ، فيمن تشير ؟ قال ~~أصلح الموجودين ms5201 جعفر بن المعتضد بالله . قال : ويحك هو صبي قال : إلا أنه ~~ابن المعتضد ، ولم نأتي برجل يباشر الأمور بنفسه غير محتاج إلينا ؟ فمالت ~~نفس الوزير إلى ذلك ، وانضاف إليه وصية المكتفي له بالأمر . فلما مات ~~المكتفي بالله أرسل الوزير صافيا الحرمي ليحدر المقتدر من داره الغربي . ~~فركب في الحراقة وانحدر . فلما صارت الحراقة مقابل دار الوزير صاح غلمان ~~الوزير بالملاح ليدخل إلى دار الوزير ، فظن صافي الحرمي أنه يريد القبض على ~~جعفر وينصب في الخلافة غيره ، فمنع الملاح من ذلك . وسار إلى دار الخلافة ~~وأخذ له صافي البيعة على جميع الخدم وحاشية الدار ، ولقب نفسه المقتدر ~~بالله ولحق الوزير به وجماعة الكتاب فبايعوه ثم جهزوا - جماعة الكتاب - ~~المكتفي ودفنوه . PageV23P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" قال : وكان في بيت المال حين بويع خمسة عشر ~~ألف ألف دينار ، فأطلق يد الوزير في بيت المال فأخرج حق البيعة قال : ثم ~~استصغر الوزير المقتدر ، فعزم على خلعه وتقليد الخلافة أبا عبد الله بن ~~المعتمد على الله . فراسله في ذلك واستقرت الحال ، وانتظر الوزير قدوم بارس ~~حاجب إسماعيل صاحب خراسان ، وكان قد أذن له في القدوم وأراد أن يستعين به ~~على ذلك ويتقوى به على غلمان المعتضد بالله ، فتأخر بارس . واتفق أنه وقع ~~بني أبي عبد الله بن المعتمد وبين ابن عمروية - صاحب الشرطة - منازعة في ~~ضيعة مشتركة بينهما ، فأغلظ له ابن عمروية ، فغضب ابن المعتمد غضبا شديدا ~~وأغمي عليه ، وفلج في المجلس فحمل إلى بيته في محفة فمات في اليوم الثاني . ~~فأراد الوزير البيعة لأبي الحسن بن المتوكل فمات أيضا بعد خمسة أيام ، وتم ~~أمر المقتدر . وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الله الهاشمي . ودخلت ~~سنة ست وتسعين ومائتين : ذكر خلع المقتدر وولاية ابن المعتز وانتفاض ذلك ~~وعودة المقتدر ووفاة عبد الله بن المعتز قال : وفي هذه السنة اجتمع القواد ~~والقضاة والكتاب مع الوزير على خلع المقتدر والبيعة لابن المعتز فأجابهم ~~إلى ذلك على أن لا يكون فيه سفك دم ولا حرب ، فأخبروه أن ms5202 كلمتهم اجتمعت ~~عليه ، وأنه ليس له منازع ولا محارب . وكان القائم في ذلك الوزير المذكور ~~ومحمد ابن دواد الجراح وأبوا المثنى أحمد بن يعقوب القاضي ، ومن القواد ~~الحسين بن حمدان وبدر الأعجمي ووصيف بن صوار تكين ثم إن الوزير رأى أمره ~~صالحا مع المقتدر ، وأنه على ما يجب ، فبدا له في ذلك فوثب به الآخرون ~~فقتلوه ، وكان الذي تولى قتله منهم الحسين بن حمدان وبدر الأعجمي ووصيف ~~لحقوه وهو سائر إلى بستان له فقتلوه ، وقتلوا معه فانكا المعتضدي ، وذلك في ~~العشرين من شهر ربيع الأول ، وخلع المقتدر من الغد ، وبايع الناس لابن ~~المعتز . PageV23P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" وركض الحسين بن حمدان إلى الحلبة ظنا منه أن ~~المقتدر يلعب هناك بالكرة فيقتله ، فلم يصادفه لأنه لما بلغه قتل الوزير ~~ركض دابته ودخل الدار . وغلقت الأبواب ، فندم الحسين حيث لم يبدأ بالمقتدر ~~وأحضروا ابن المعتز وبايعوه بالخلافة ، وتولى أخذ البيعة له محمد بن سعيد ~~الأزرق ، وحضر الناس والقواد وأصحاب الدواوين سوى أبي الحسن بن الفرات ~~وخواص المقتدر فإنهم لم يحضروا . ولقب ابن المعتز المرتضي بالله أبا العباس ~~عبد الله بن المعتز . ووجه إلى المقتدر يأمره بالانتقال إلى دار ابن طاهر - ~~التي كان بها قبل الخلافة - لينتقل هو إلى دار الخلافة ، فأجابه بالسمع ~~والطاعة ، وسأل الإمهال إلى الليل . وعاد الحسين بن حمدان بكرة غد إلى دار ~~الخلافة فقاتله الخدم والعلمان والرجالة من وراء السور عامة النهار ، ~~فانصرف عنهم آخر النهار . فلما جنه الليل سار عن بغداد بأهله وماله إلى ~~الموصل لا يدري لم فعل ذلك ؟ ولم يكن قد بقي مع المقتدر من القواد غير مؤنس ~~الخادم ومؤنس وغريب الخال وحاشية الدار . فلما هم المقتدر بالانتقال من ~~الدار قال بعضهم لبعض : لا نسلم الخلافة من غير أن نبلى عدوا ونجتهد في دفع ~~ما أصابنا فاجتمع رأيهم على أن يصعدوا في الماء إلى الدار التي فيها ابن ~~المعتز يقاتلونه ، فأخرج لهم المقتدر السلاح والزرديات وركبوا السميريات . ~~فلما رآهم من عند ابن المعتز هالهم كثرتهم ، واضطربوا ، وهربوا ms5203 على وجوههم ~~من قبل أن يصلوا إليهم ، وقال بعضهم لبعض : إن الحسين بن حمدان ما يريد ~~يجري ، فلهذا هرب من الليل ، وهذه مواطأة بينه وبين المقتدر . ولما رأى عبد ~~الله بن المعتز ذلك ركب ومعه وزيره محمد بن داود وهربا ، وغلام له ينادي : ~~يا معشر العامة ادعوا لخليفتكم السني البربهاري وإنما نسبة لذلك لأن الحسين ~~بن القاسم بن عبيد الله البربهاري كان مقدم الحنابلة والسنة من العامة ولهم ~~فيها اعتقاد عظيم ، فأراد استمالتهم بهذا القول . ثم إن ابن المعتز ومن معه ~~ساروا نحو الصحراء ظنا منهم أن من بايعه من الجند يتبعونه ، فلم يلحقه منهم ~~أحد ، فرجعوا ، واختفى محمد بن داود في داره ، ونزل ابن PageV23P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" المعتز عن دابته ومعه غلامه يمن ، وانحدرا إلى ~~دار عبد الله بن الجصاص ، فاستجارا به . واستتر أكثر من بايع ابن المعتز ، ~~ووقعت الفتنة والنهب والقتل ببغداد ، وثار العيارون السفلة ينهبون الدور . ~~وكان ابن عمرويه - صاحب الشرطة - ممن بايع ابن المعتز ، فلما هرب جمع ابن ~~عمروية أصحابه ونادى بشعار المقتدر يدلس بذلك فناداه العامة : يا مراء يا ~~كذاب وقاتلوه ، فهرب واستتر وتفرق أصحابه . وقلد المقتدر في تلك الساعة ~~الشرطة مؤنسا الخازن ، وخرج بالعسكر وقبض على . . . وصيف بن صوار تكين ~~وغيره ، فقتلهم . وقبض على القاضي أبي المثنى أحمد بن يعقوب فقتله لأنه قيل ~~له بايع المقتدر فقال : لا أبايع صبيا فذبح ، وأرسل المقتدر إلى أبي الحسن ~~علي بن الفرات - وكان مختفيا - فأحضره ، واستوزره ، وخلع عليه . وكان في ~~هذه الحادثة عجائب منها أن الناس كلهم أجمعوا على جعل المقتدر والبيعة لابن ~~المعتز ، فلم يتم ذلك ، بل كان بالعكس . ومنها أن ابن حمدان على شدة تشيعه ~~يسعى في البيعة لابن المعتز على غلوه في النصب . ثم إن خادما لابن الجصاص - ~~يعرف بسوسن - أخبر صافيا الحرمي أن ابن المعتز عند مولاه ومعه جماعة ، ~~فكبست داره وأخذ ابن المعتز منها وحبس إلى الليل ، ثم عصرت خصيتاه حتى مات ~~وسلم إلى أهله . وصودر ابن الجصاص على مال كثير ، وأخذ ms5204 محمد بن داود وزير ~~المعتز فقتل ، ونفي على بن عيسى إلى واسط ، وصودر القاضي أبو عمرو على مائة ~~ألف دينار ، وسيرت العساكر من بغداد في طلب الحسين بن حمدان ، فتبعوه إلى ~~الموصل ثم إلى بلده ، فلم يظفروا بهن فعادوا إلى بغداد . وأخذ الوزير ~~الجرائد التي كان فيها أسماء من أعان على المقتدر فغرقها في دجلة ، وبسط ~~ابن الفرات العدل والإحسان وأخرج الإدرارات للطالبيين والعباسيين . وأرضى ~~القواد بالأموال ، ففرق معظم ما كان في بيوت الأموال . وفي هذه السنة كان ~~ابتداء ظهور العبيدية المنسوبة للعلوية بأفريقية على ما نذكره - إن شاء ~~الله تعالى - في أخبارهم . PageV23P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" وفيها سير المقتدر القاسم بن سيما وجماعة من ~~القواد في طلب الحسين بن حمدان ، فساروا حتى بلغوا قرقيسيا فلم يظفروا به ، ~~فكتب المقتدر إلى أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان - وهو الأمير على الموصل - ~~يأمره بطلب أخيه الحسين . فسار هو والقاسم بن سيما ، فالتقوا عند تكريت ~~فانهزم الحسين ، و أرسل أخاه إبراهيم بن حمدان يطلب له الأمان فأجيب إلى ~~ذلك ، ودخل بغداد وخلع عليه وعقد له على قم وقاجان فسار إليهما . وفيها وصل ~~بارس غلام إسماعيل الساماني ، وقلد ديار ربيعة وفيها خلع على المظفر مؤنس ~~الخادم ، وأمر بالمسير إلى غزو الروم . فسار في جمع كثيف فغزا من ناحية ~~ملطية ومعه أبو الأغر السلمي ، فظفر وغنم ، وأسر منهم جماعة ، وعاد . وفيها ~~قلد يوسف بن أبي الساج أعمال أرمينية وأذربيجان ، وضمنها بمائة ألف وعشرين ~~ألف دينار . وفيها أمر المقتدر أن لا يستعان بأحد من اليهود والنصارى ، ~~فألزموا بيوتهم ، وأخذوا بلبس العسلي وتعليق الرقاع من خلف ومن قدام ، وأن ~~يكون ركبهم خشنا . وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك . ودخلت سنة ~~سبع وتسعين ومائتين : في هذه السنة وجه المقتدر القاسم بن سيما لغزو ~~الصائفة ، وحج بالناس ، الفضل بن عبد الملك . وفيها مات عيسى النوشري - ~~أمير مصر - واستعمل المقتدر تكين الخادم ، وخلع PageV23P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" عليه في منتصف رمضان . وقال أبو الفرج بن ~~الجوزي في حوادث ms5205 هذه السنة قال ثابت بن سنان رأيت في صدر أيام المقتدر ~~ببغداد امرأة بلا ذراعين ولا عضدين ، وكان لها كفان بأصابع تامة متعلقة في ~~رأس كتفيها لا تعمل بهما شيئا وكانت تعمل أعمال اليدين برجليهما ، ورأيناها ~~تغزل برجليها وتمد الطاقة وتسويها - قال - ورأيت امرأة أخرى بعضدين وذراعين ~~وكفين إلا أن كل واحد من الكفين ينخرط . ويدق إذا فارق النهدين حتى ينتهي ~~إلى رأس دقيق يمتد ويصير إصبعا واحدة ، وكذلك رجلها على هذه الصورة ، ومعها ~~ابن لها على مثل صورتها ودخلت سنة ثمان وتسعين ومائتين : في هذه السنة جعلت ~~أم موسى الهاشمية قهر مانة دار المقتدر بالله ، فكانت تؤدي الرسائل عن ~~المقتدر بالله وأمه إلى الوزراء . ثم صار لها أن تحكم كثيرا من الدولة على ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى . وحج الناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك ~~الهاشمي ودخلت سنة تسع وتسعين ومائتين . ذكر القبض على ابن الفرات ووزارة ~~الخاقاني في هذه السنة قبض المقتدر بالله على وزيره ابن الفرات ، ووكل ~~بداره ، وهتك حرمه ، ونهب أمواله ودور أصحابه ومن يتعلق به فافتتنت بغداد ~~لقبضه ، وكانت مدة وزارته - وهي الأولى ثلاث سنين وثمانية أشهر ، وثلاثة ~~عشر يوما . وقلد أبو علي محمد بن يحيى بن عبيد الله بن خاقان الوزارة ، ~~فرتب أصحاب الدواوين ، وتولى مناظرة ابن الفرات . ثم انجلت أمور الخاقاني ~~لأنه كان ضجورا ضيق الصدر ، مهملا لقراءة كتب العمال ، وجباية الأموال ، ~~وكان يتقرب إلى الخاصة والعامة ، فكان إذا رأى جماعة من الملاحين والعامة ~~يصلون - جماعة - ينزل ويصلي معهم ، وإذا سأله أحد PageV23P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" حاجة دق صدره وقال : نعم وكرامة فسمي دق صدره ~~إلا أنه قصر في إطلاق الأموال للقواد والفرسان فنفروا عنه . وكان أولاده قد ~~تحكموا عليه وكل منهم يسعى لمن يرتشي منه ، فكان يولي في الأيام القليلة ~~عدة العمال حتى إنه ولي ماه الكوفة في مدة عشرة أيام سبعة من العمال ، ~~فاجتمعوا في الطريق فعرضوا توقيعاتهم ، فسار الأخير وعاد الباقون يطلبون ما ~~خدموا به أولاده ، فقيل في ms5206 ذلك : وزير قد تكامل في الرقاعة . . . يولي ثم ~~يعزل بعد ساعة إذا أهل الرشا اجتمعوا لديه . . . فخير القوم أوفرهم بضاعة ~~وليس يلام في هذا بحال . . . لأن الشيخ أفلت من مجاعة قال : ثم زاد الأمر ~~حتى تحكم أصحابه ، فكانوا يطلقون الأموال ويفسدون الأحوال ، فانحلت القواعد ~~، وخبثت النيات واشتغل الخليفة بعزل وزرائه والقبض عليهم والرجوع إلى قول ~~النساء والخدم والتصرف على مقتضى إرادتهم ، فخرجت الممالك وطمع العمال في ~~الأطراف ، فصار مآل الأمر إلى ما نذكره إن شاء الله تعالى . قال : ثم أحضر ~~المقتدر الوزير ابن الفرات من محبسه وجعله في حجرة - من ضمن الحجر - مكرما ~~، فكان يعرض عليه مطالعات العمال وغير ذلك بارا به بعد أن أخذ أمواله . وفي ~~هذه السنة غزا رستم أمير الثغور الصائفة من ناحية طرسوس ومعه دميانة ، فحصر ~~حصن مليح الأرمني ، ثم دخل بلده وأحرقه . قال ابن الجوزي : وفي هذه السنة ~~ورد من مصر أربعة أحمال مال ، وقيل إنه وجد هناك كنز قديم . وكان معه ضلع ~~إنسان طوله أربعة عشر شبرا في عرض شبر ، وزعموا أنه من قوم عاد . . . وكان ~~مبلغ المال خمسمائة ألف دينار ، وكان مع ذلك هدايا عجيبة - قال - وذكر ~~الصولي أنه كان في الهدايا تيس له ضرع يحلب اللبن ووردت رسل أحمد بن ~~إسماعيل بهدايا فيها بدنة مرصعة بفاخر الجوهر ، وتاج من ذهب مرصع بجوهر له ~~قيمة كبيرة ، ومناطق ذهب مرصعه ، وخلع سلطانية فاخرة ، PageV23P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" وربعة ذهب مرصعة فيها شمامات مسك وعنبر كله ~~مرصع ، وعشر أفراس بسروجها ولإحداها سرج ذهب . ووردت هدايا ابن أبي الساج ~~وهي أربعمائة دابة وثمانون ألف دينار وفرش أرمني لم ير مثله ، فيه بساط ~~طوله سبعون ذراعا في عرض ستين ، لا قيمة له وحج بالناس الفضل بن عبد الملك ~~الهاشمي . ودخلت سنة ثلاثمائة من الهجرة النبوية ذكر عزل الخاقاني عن ~~الوزارة ووزارة علي بن عيسى في هذه السنة ظهر للمقتدر بالله تخليط الخاقاني ~~وعجزه عن الوزارة ، فأراد عزله وإعادة أبي الحسن بن الفرات ، فمنعه مؤنس ~~الخادم وقال له : متى ms5207 أعدته ظن الناس أنك إنما قبضت عليه شرها في ماله ~~وأشار عليه باستدعاء علي بن عيسى من مكة وتقليده الوزارة وشكره مؤنس الخادم ~~وأثنى عليه . فأمر المقتدر بإحضاره ، فوصل إلى بغداد في أول سنة إحدى ~~وثلاثمائة ، فجلس في الوزارة وسلم إليه الخاقاني فأحسن إليه ووسع عليه . ~~ولما تولى علي بن عيسى لازم العلم والنظر في الأمور ورد المظالم ، وأطلق من ~~المكوس شيئا كثيرا ، وأسقط زيادات كان الخاقاني قد زادها للجند ، فأسقط ~~الزيادات . وأمر بعمارة المساجد والجوامع وتبييضها وبسطها بالحصر وإشعال ~~الأضواء فيها . وأمر بإصلاح البيمارستانات وعمل ما تحتاج إليه ، وغير ذلك ~~من وجوه البر والقربات . قال : ولما عزل الخاقاني أكثر الناس التزوير على ~~خط الخاقاني بصلات وإدرارات ، فنظر علي بن عيسى في ذلك فأنكر الخطوط وأراد ~~إسقاطها ، فخاف ذم الناس ، فأنفذها للخاقاني فقال : كلها خطى وأنا أمرت بها ~~فلما عاد الرسول إلى علي بن عيسى قال : والله لقد كذب ، وقد علم المزور من ~~غيره ولكنه اعترف بها لتحمده الناس ويذموني وأمر بإحراقها ، وقال الخاقاني ~~لولده : يا بني ، هذه ليست خطى ولكنه أنفذها إلي وقد عرف الصحيح من السقيم ~~وأراد أن نأخذ الشوك بأيدينا ويبغضنا إلى الناس ، وقد علمت مقصودة ، وعكسته ~~عليه PageV23P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" قال ابن الجوزي : وفيها لاثني عشرة ليلة بقيت ~~من شهر ربيع الآخر ورد الخبر بانخساف جبل بالدينور يعرف بالتل وخرج من تحته ~~ماء كثير أغرق عدة من القرى ، ووصل الخبر بانخساف قطعة عظيمة من جبل لبنان ~~وسقوطها في البحر . وفي هذه السنة خرج أهل صقلية عن طاعة المهدي صاحب ~~أفريقية ، وخطب للمقتدر بالله بها . وكان الذي قام بهذه الدعوة أحمد بن ~~قرهب ، فسير إليه الخلع السود والألوية ، ثم خرج أهل الجزيرة عليه وقبضوه ~~وبعثوه للمهدي فقتله . وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك . ودخلت ~~سنة إحدى وثلاثمائة : وفي هذه السنة خلع المقتدر بالله على ابنه أبي العباس ~~وقلده أعمال مصر والمغرب وعمره أربع سنوات ، واستخلف له على مصر مؤنس ~~الخادم . وهذا أبو العباس الذي ms5208 ولي الخلافة بعد القاهر ولقب الراضي بالله ~~على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وخلع أيضا على ابنه على وولاه الري ~~ودنباوند وقزوين وزنجان وأبهر . وفيها خالف أبو الهيجاء بن حمدان بالموصل ~~على المقتدر بالله ، فسير إليه المظفر مؤنسا ، فأتاه ابن حمدان مستأمنا ، ~~وورد مؤنس معه إلى بغداد فخلع المقتدر عليهما . وفيها استولى الحسن بن علي ~~بن عمر بن الحسين بن علي على برسنان ، وتلقب بالناصر على ما نذكره - إن شاء ~~الله تعالى - في أخبار الطالبيين . PageV23P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" وفيها جهز المهدي - صاحب أفريقية - العساكر مع ~~ابنه القائد إلى الديار المصرية ، فسار إلى برقة واستولى عليها ، وسار إلى ~~مصر فملك الإسكندرية والفيوم ، وصار في يده أكثر البلاد فسير المقتدر لحربه ~~مؤنسا الخادم في جيش كثيف ، فحارب عساكر المهدي وأجلاهم عن الديار المصرية ~~، فعادوا إلى المغرب منهزمين وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك ~~أيضا . ودخلت سنة اثنتين وثلاثمائة : في هذه السنة أمر المقتدر بالقبض على ~~أبي عبد الله الحسين بن عبد الله الجوهري المعروف بابن الجصاص وأخذ ما في ~~بيته من صنوف الأموال ، فأخذ منه ما قيمته أربعة آلاف ألف دينار ، وكان هو ~~يدعي أن ما أخذ منه عشرون ألف ألف دينار وأكثر من ذلك . وفيها أنفذ الملقب ~~بالمهدي - صاحب أفريقية - جيشا إلى الديار المصرية مع قائد من قواده يقال ~~له حباسة في البحر ، فغلب على الإسكندرية ثم سار منها إلى مصر . فأرسل ~~المقتدر لحربه مؤنسا الخادم في عسكر فالتقوا في جمادى الأولى واقتتلوا ~~قتالا شديدا ، فقتل من الفريقين وجرح خلق كثير ، ثم كانت بينهم وقعة ثانية ~~، ثم وقعة ثالثة ورابعة انهزم فيها المغاربة وقتل منهم وأسر سبعة آلاف وذلك ~~في سلخ جمادى الآخرة . وعاد من بقي إلى المهدي فقتل حباسة . وفيها غزا بشر ~~الخادم والي طرسوس بلاد الروم ، ففتح فيها وغزا وسبى وأسر مائة وخمسين ~~بطريقا ، وكان السبي نحوا من ألفي رأس . وفيها قلد أبو الهيجاء عبد الله بن ~~حمدان الموصل والجزيرة . PageV23P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" قال ابن ms5209 الجوزي : وفيها جمادى الأولى ختن ~~المقتدر خمسة أولاد له ، ونشر عليهم خمسة آلاف دينار ومائة ألف درهم ورقا - ~~قال - ويقال إنه بلغت النفقة في هذا الختان ستمائة ألف دينار ، وختن قبل ~~ذلك جماعة من الأيتام وفرقت فيهم دراهم كثيرة . وحج بالناس في هذه السنة ~~الفضل بن عبد الملك الهاشمي . ودخلت سنة ثلاث وثلاثمائة : ذكر خروج الحسين ~~بن حمدان عن طاعة المقتدر في هذه السنة خرج الحسين بن حمدان بالجزيرة عن ~~الطاعة ، وسبب ذلك أن الوزير علي بن عيسى طالبه بمال عليه من ديار ربيعة - ~~وهو يتولاها - فدافعه فأمر بتسليم البلاد إلى العمال ، فامتنع . فجهز ~~الوزير رائقا الكبير في جيش لمحاربته ، وكتب إلى مؤنس الخادم - وهو بمصر - ~~يأمره بالمسير إلى الجزيرة لقتال ابن حمدان بعد فراغه من أصحاب المهدي . ~~فسار رائق إلى الحسين بن حمدان فالتقيا واقتتلا قتالا شديدا ، فانهزم رائق ~~، وضم الحسين سواده ، وسار رائق إلى مؤنس فأمره بالمقام بالموصل ، وجد مؤنس ~~في السير في طلب الحسين . فلما قارب منه راسله الحسين واعتذر وتكررت ~~الرسائل بينهما ، فلم يستقر حال . فرحل مؤنس نحو الحسين . فلما قارب منه ~~راسله الحسين واعتذر وتكررت الرسائل بينهما ، فلم يستقر حال . فرحل مؤنس ~~نحو الحسين ، فسار إلى أرمينية بثقله وأولاده ، وتفرق عسكر الحسين عنه ، ~~وصاروا إلى مؤنس . ثم جهز مؤنس جيشا في أثره مقدمهم يلبق فتبعوه إلى تل ~~فاقان ، فإذا هي خاوية على عروشها قد قتل أهلها ، وأحرقها فجدوا في أتباعه ~~، فأدركوه فقاتلوه ، فانهزم من بقي معه من أصحابه ، وأسر هو وابنه عبد ~~الوهاب وجميع أهله وأكثر من صحبه وقبض أملاكهم . وعاد مؤنس إلى بغداد على ~~طريق الموصل والحسين معه ، فاركتب على جمل هو وانبه وعليهما اللبود الطوال ~~وقمصان من شعر أحمر وحبس الحسين وابنه عند زيدان القهرمانة ، وقبض المقتدر ~~على أبي الهيجاء بن حمدان وعلي جميع إخوته وحبسوا . وكان بعض أولاد الحسين ~~بن حمدان قد هرب PageV23P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" فجمع جمعا ومضى نحو آمد ، فأوقع بهم مستحفظها ~~وقتل ابن الحسين وأنفذ رأسه إلى بغداد . وفيها ms5210 خرج مليح الأرمني إلى مرعش ، ~~فعاث في بلدها ، وأسر جماعة ممن حولها . وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن ~~عبد الملك . ودخلت سنة أربع وثلاثمائة : ذكر وزارة ابن الفرات الثانية وعزل ~~علي بن عيسى في هذه السنة في ذي الحجة عزل علي بن عيسى عن الوزارة وأعيد ~~إليها أبو الحسن علي بن الفرات . وكان سبب ذلك أن أبا الحسن بن الفرات كان ~~محبوسا ، وكان المقتدر بالله يشاوره في الأمور وهو في محبسه ، ويرجع إلى ~~قوله . وكان علي بن عيسى يمشي أمر الوزارة ولم يتبع أصحاب ابن الفرات ولا ~~أسبابه ولا غيره وكان جميل المحضر قليل الشر ، فبلغه أن ابن الفرات قد تحدث ~~له جماعة من أصحاب الخليفة في إعادته إلى الوزارة ، فاستعفى من الوزارة ، ~~وسأل في ذلك فأنكر المقتدر عليه ومنعه في ذلك . فلما كان في آخر ذي القعدة ~~جاءت أم موسى القهرمانة لتتفق معه على ما يحتاج إليه حرم الدار والحاشية ~~التي للدار من الكسوات والنفقات فوصلت إليه وهو نائم فقال له حاجبه : إنه ~~نائم ولا أجسر أن أوقظه فاجلسي في الدار حتى يستيقظ ؟ فغضبت من هذا وعادت ، ~~واستيقظ الوزير في الحال فأرسل إليها حاجبه وولده يعتذر فلم تقبل منه ، ~~ودخلت إلى المقتدر وخاطبته في عزله وحرضته على ذلك فعزله عن الوزارة وقبض ~~عليه في ثامن ذي الحجة . وأعيد ابن الفرات إلى الوزارة وضمن على نفسه أن ~~يحمل في كل يوم ألف دينار إلى بيت المال وخمسمائة دينار ، فقبض على أصحاب ~~الوزير علي بن عيسى PageV23P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" وعاد فقبض على الخاقاني الوزير وأصحابه ، ~~واعترض العمال وغيرهم وعاد عليهم بأموال عظيمة . وكان أبو علي بن مقلة قد ~~استخفى منذ قبض على ابن الفرات إلى الآن ، فلما عاد ابن الفرات إلى الوزارة ~~ظهر فأشخصه ابن الفرات الوزير وقربه وأحسن إليه . وحكى عبد الرحمن أبو ~~الفرج بن الجوزي في تاريخه المنتظم أنه لما قلد الوزارة خلع عليه سبع خلع ~~وحمل إليه من دار السلطان ثلاثمائة ألف درهم ، وعشرون خادما ، وثلاثون دابة ms5211 ~~لرحلة ، وخمسون دابة لغلمانه ، وخمسون بغلا لنقله ، وبغلان للعمارية ~~بقبابها وثلاثون جملا ، وعشر تخوت ثياب وأنه ركب معه مؤنس الخادم ، وغلمان ~~المقتدر ، وصار إلى داره بسوق العطش ، وردت إليه ضياعه ، وأقطع الجار التي ~~بالمخرم فسكنها . وأنه سقى الناس في ذلك اليوم وتلك الليلة أربعين ألف رطل ~~ثلج ، وزاد ثمن الشمع والكاغد وكانت هذه عادته قال : وكانت مدة اعتقاله إلى ~~أن رجع إلى الوزارة خمس سنين وأربعة أيام . قال : وسمع بعض العوام يقول يوم ~~خلع على ابن الفرات : والله خذلونا ، أخذوا منا مصحفا وأعطونا طنبورا فبلغ ~~ذلك إلى الخليفة ، فكان ذلك سببا للإحسان إلى علي بن عيسى وحسن النية فيه ~~إلى أن خرج من الحبس والله تعالى أعلم . ذكر أمر يوسف بن أبي الساج كان ~~يوسف بن أبي الساج على أذربيجان وأرمينة قد ولي الحرب والصلاة والأحكام ~~وغيرها منذ أول وزارة ابن الفرات الأولى ، فلما عزل ابن الفرات وتولي ~~الخاقاني طمع فأخر حمل بعض المال ، فاجتمع له من المال ما قويت به نفسه على ~~الامتناع ، وبقي كذلك إلى هذه السنة . فلما بلغه القبض على الوزير علي بن ~~عيسى أظهر أن الخليفة أنفذ إليه عهد الري وأن الوزير علي بن عيسى سعى له في ~~ذلك ، وجمع العساكر وسار إلى الري وبها محمد بن صعلوك يتولى أمرها لصاحب ~~خراسان نصر بن أحمد الساماني . وكان ابن صعلوك قد تغلب على الري وما يليها ~~أيام وزارة PageV23P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" علي بن عيسى ، ثم أرسل إلى ديوان الخلافة ~~يقاطع عليها بمال يحمله ، فلما بلغه مسير يوسف نحوه سار إلى خراسان ، فدخل ~~يوسف الري واستولى عليها وعلى قزوين وزنجان وأبهر ، فلما اتصل فعله ~~بالمقتدر بالله أنكره . وكتب يوسف إلى الوزير ابن الفرات يعرفه أن علي بن ~~عيسى أنفذ إليه بالعهد واللواء وأنه افتتح هذه الأماكن وطرد عنها المتغلبين ~~عليها وأعتد بذلك ، وذكر كثرة ما أخرج عليه من الأموال ، فعظم ذلك على ~~المقتدر وأمر ابن الفرات أن يسأل علي بن عيسى عن الذي ذكره يوسف فأحضره ~~وسأله فأنكر ms5212 ذلك فصدقه . وكتب ابن الفرات إلى ابن أبي الساج ينكر عليه ~~تعرضه إلى هذه البلاد وكذبه على الوزير وجهز العساكر لمحاربته . فسارت في ~~سنة خمس وثلاثمائة وعليها خاقان المفلحي ومعه جماعة من القواد ، فساروا ~~ولقوا يوسف واقتتلوا ، فهزمهم يوسف وأسر منهم جماعة وأدخلهم الري مشهرين ~~على الجمال . فسير الخليفة مؤنسا الخادم في جيش كثيف لمحاربته ، فسار وانضم ~~إليه من كان مع خاقان ، فصرف خاقان عن أعمال الجبل ووليها نحرير الصغير ~~وسار مؤنس وأتاه أحمد بن علي - وهو أخو محمد بن صعلوك - مستأمنا فأكرمه ، ~~ووصلت كتب ابن أبي الساج يسأل الرضى عنه وأن يقاطع على أعمال الري وما ~~يليها على سبعمائة ألف دينار لبيت المال سوى ما تحتاج إليه الجند وغيرهم ، ~~فلم يجبه المقتدر إلى ذلك وقال : لو بذل ملك الأرض لما أقررته على الري ~~يوما واحدا لإقدامه على التزوير فلما عرف ابن أبي الساج ذلك سار عن الري ~~بعد أن أخربها وجبى خراجها في عشرة أيام . وقلد المقتدر الري وقزوين وأبهر ~~وصيفا البكتمري . . ، وطلب يوسف بن أبي الساج أن يقاطع على ما كان بيده من ~~الولاية فأشار ابن الفرات بإجابته إلى ذلك ، فعارضه نصر الحاجب وابن ~~الحواري وقالا : لا يجاب إلى ذلك إلا بعد أن يطأ البساط ونسب الوزير ابن ~~الفرات إلى مواطأته والميل معه . فامتنع المقتدر بالله من إجابته إلا أن ~~يحضر إلى الخدمة بنفسه . فلما رأى يوسف ذلك حارب مؤنسا فانهزم مؤنس إلى ~~زنجان ، وقتل من قواده جماعة وأسر جماعة منهم هلال بن بدر ، فأدخلهم أردبيل ~~مشهرين على الجمال . PageV23P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" وأقام مؤنس بزنجان بجمع من العساكر ويستمد ~~الخليفة ، وكاتبه يوسف في الصلح وراسله فيه فكتب مؤنس إلى الخليفة فلم يجبه ~~إليه . فلما كان في المحرم سنة تسع وثلاثمائة اجتمع لمؤنس خلق كثير فسار ~~نحو يوسف ، فتواقعا على باب أردبيل ، فانهزم عسكر يوسف ، وأسر هو وجماعة من ~~أصحابه فعاد بهم مؤنس إلى بغداد فدخلها في المحرم . وأدخل يوسف مشهرا على ~~جمل وعليه برنس بأذناب الثعالب فأدخل على ms5213 المقتدر ، ثم حبس عند زيدان ~~القهرمانة . وفي سنة أربع وثلاثمائة توفي الناصر العلوي صاحب طبرستان . ~~وفيها خالف أبو يزيد خالد بن محمد على المقتدر بكرمان - وكان يتولى الخراج ~~- وسار منها إلى شيراز يريد التغلب على فارس ، فحاربه بدر الحمامي وقتله ~~وحمل رأسه إلى بغداد . وفيها سار مؤنس المظفر إلى بلاد الروم للغزاة ، فسار ~~إلى ملطية وغزا منها ، وكتب إلى أبي القاسم علي بن أحمد بن بسطام . أن يغزو ~~من طرسوس في أهلها ، ففعل وفتح مؤنس حصونا كثيرة من الروم وأثر آثارا جميلة ~~وعاد إلى بغداد فأكرمه الخليفة وخلع عليه . قال أبو الفرج عبد الرحمن بن ~~الجوزي وفيها ورد الخبر من خراسان أنه وجد بالقند هار في أبراج سورها أزج ~~متصل بها ، فيه ألف رأس في سلاسل ، من هذه الرؤوس تسعة وعشرون رأسا في أذن ~~كل رأس رقعة مشدودة بخيط إبربسم مكتوب فيها اسم الرجل . قال وكان من ~~الأسماء شريح بن حيان وخباب بن الزبير والخليل بن موسى وطلق ابن معاد ، ~~وحاتم بن حسنة ، وهانئ بن عروة ، وفي الرقاع تاريخ من سنة سبعين من الهجرة ~~، ووجدوا على حالهم لم يتغير شعرهم إلا أن جلودهم قد جفت . ودخلت سنة خمس ~~وثلاثمائة : قال أبو الفرج : في هذه السنة ورد على السلطان هدايا جليلة من ~~أحمد بن هلال صاحب عمان ، وفيها أنواع من الطيب وطرائف من طرائف البحر ~~وطائر أسود يتكلم بالفارسية والهندية أفصح من الببغاء وظباء سود . ~~PageV23P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" قال : ابن الأثير : وفي هذه السنة من المحرم ~~وصل رسولان من ملك الروم إلى المقتدر يطلبان المهادنة والفداء فأجاب ~~المقتدر إلى ما طلب ملك الروم من الفداء ، وسير مؤنسا الخادم ليحضر الفداء ~~، وجعله أميرا على كل بلد يدخله ، يتصرف فيه على ما يريد إلى أن يخرج عنه ، ~~وأرسل معه مائة ألف وعشرين ألف دينار لفداء أساري المسلمين . قال أبو الفرج ~~بن الجوزي في خبر الرسل إنهما أدخلا وقد عبئ العسكر بالأسلحة التامة وكانوا ~~مائة ألف وستين ألفا ، وكانوا من أعلى باب الشماسية إلى ms5214 الدار ، وبعدهم ~~الغلمان الحجرية والخدم الخوص بالبزة الظاهرة والمناطق المحلاة ، وكانوا ~~سبعة آلاف خادم منهم أربعة آلاف بيض وثلاثة آلاف سود ، وكان الحجاب سبعمائة ~~حاجب ، وفي دجلة الطيارات والزبارب والسميريات بأفضل زينة . فسار الرسولان ~~فمرا على دار نصر القشوري الحاجب ، فرأيا منظرا عجيبا فظناه الخليفة وهاباه ~~حتى قيل إنه الحاجب ، ثم حملا إلى دار الوزير فرأيا أكثر من ذلك ولم يشكا ~~أنه الخليفة فقيل إنه الوزير . قال : وزينت دار الخلافة ، وطيف بهما فيها ~~فشاهدا ما هالهما ، وكانت الستور ثمانية وثلاثين ألف ستر من الديباج ، ~~المذهبة منها اثنا عشر ألفا وخمسمائة ، وكانت البسط والنخاخ اثنين وعشرين ~~ألفا وكان في الدار من الوحش قطعان تأنس بالناس وتأكل من أيديهم ، وكان ~~هناك مائة سبع كل سبع بيد سباع . ثم أخرجا إلى دار الشجرة ، وكانت شجرة في ~~وسط بركة فيها ماء صاف ، والشجرة ثمانية عشر غصنا لكل غصن منها شاخات كثيرة ~~عليها الطيور والعصافير من كل نوع مذهبة مفضضة . وأكثر قضبان الشجرة فضه ~~وبعضها مذهبة وهي تتمايل ، وبها ورق مختلف الألوان ، وكل من هذه الطيور ~~تصفر . ثم أدخلا إلى الفردوس ، وكان فيها الفراش والآلات مالا يحصى ، وفي ~~دهاليزه عشرة آلاف جوشن مذهبة معلقة . قال : ويطول شرح ما شاهدا من العجائب ~~إلى أن وصلا إلى المقتدر وهو PageV23P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" جالس على سرير أبنوس قد فرش بالديبقى المطرز ~~وعن يمنة السرير تسعة عقود معلقة وعن يسرته تسعة أخرى من أفخر الجواهر يضيء ~~ضوئها على ضوء النهار . قال : فلما وصل الرسولان إلى الخليفة ، وقفا على ~~نحو مائة ذراع وابن الفرات قائم بين يديه والترجمان قائم يخاطب الخليفة . ~~ثم أخرجا وطيف بهما في الدار حتى أخرجا إلى دجلة وقد أقيمت على الشطوط . ~~الفيلة والسباع والفهود قال : ثم خلع عليهما وحمل إليهما خمسون بدرة ورقا ~~في كل بدرة خمسة آلاف درهم . قال : وفيها ورد كتاب من مرو أن نفرا عثروا ~~على نقب في سور المدينة فكشفوا عنه فوصلوا إلى أزج فأصابوا فيه ألف رأس ، ~~وفي أذن كل رأس ms5215 رقعة قد أثبت فيها اسم صاحبها . وفيها أطلق أبو الهيجاء بن ~~حمدان وإخوته وأهل بيته من الحبس ، وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد ~~الملك . ودخلت سنة ست وثلاثمائة : ذكر عزل ابن الفرات عن الوزارة وزارة ~~حامد بن العباس في هذه السنة في جمادى الآخرة قبض على الوزير أبي الحسن ابن ~~الفرات ، وكانت مدة وزارته هذه - وهي الثانية - سنة وخمسة أشهر وسبعة عشر ~~يوما وكان سبب ذلك أنه أخر إطلاق أرزاق الفرسان ، واحتج عليهم بضيق الأموال ~~وأنها خرجت في محاربة ابن أبي الساج وأن الارتفاع نقص بأخذ يوسف أموال الري ~~، فشغب الجند شعبا عظيما وخرجوا إلى المصلى فالتمس الوزير من المقتدر إطلاق ~~مائتي ألف دينار من بيت مال الخاصة ليضيف إليها مائتي ألف دينار يحصلها ~~ويصرف الجميع في أرزاق الجند ، فاشتد ذلك على المقتدر وأرسل إليه : إنك ~~ضمنت أن ترضى جميع الأجناد وتقوم بجميع النفقات وتحمل بعد ذلك ما ضمنت حمله ~~يوم بيوم وأراك الآن PageV23P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" تطلب من بيت مال الخاصة فاحتج بقلة الارتفاع ~~وما أخذه ابن أبي الساج منه وما خرج على محاربته ، فلم يسمع المقتدر حجته ~~وتنكر له . وقيل كان سبب قبضه أن المقتدر قيل له إن ابن الفرات يريد إرسال ~~الحسين بن حمدان لمحاربة ابن أبي الساج فإذا صار عنده اتفقا عليك . ثم إن ~~ابن الفرات قال للمقتدر أن يرسل ابن حمدان لحربه فقتل ابن حمدان في جمادى ~~الأولى ، وقبض ابن الفرات في جمادى الآخرة . قال : وكان بعض العمال قد ذكر ~~لابن الفرات ما يتحصل لحامد بن العباس من أعمال واسط . زيادة على ضمانه ~~فاستكثره ، وكاتبه في ذلك ، فخاف حامد أن يؤخذ ويطالب بالمال ، فكتب إلى ~~نصر الحاجب وإلى والده المقتدر وضمن لهما مالا ليتحدثا له في الوزارة . ~~فذكر المقتدر حاله وسعة نفسه وكثرة أتباعه وأن له أربعمائة مملوك يحملون ~~السلاح ، ووافق ذلك نفرة المقتدر عن ابن الفرات فأمره بالحضور من واسط ، ~~فحضر وقبض على ابن الفرات وولده المحسن وأصحابهما وأبنائهما . ولما وصل ~~حامد ms5216 إلى بغداد أقام ثلاثة أيام في دار الخلافة ، فكان يتحدث مع الناس ~~وضاحكهم يقوم لهم ، مبان للخدم وحاشية الدار قلة معرفته بالوزارة ، وقال له ~~حاجبه يا مولانا . . . الوزير يحتاج إلى لبسة وجلسة وعبسة فقال له : تعني ~~أنه يلبس ويقوم ويعقد ولا يقوم لأحد ولا يضحك في وجه أحد ؟ قال نعم قال ~~حامد : إن الله تعالى أعطاني وجها طلقا وخلقا حسنا وما كنت بالذي أعبس وجهي ~~وأقبح خلقي لأجل الوزارة فأمر المقتدر بإطلاق علي بن عيسى من محبسه ، وجعله ~~يتولى الدواوين شبه النائب عن حامد فكان يراجعه في الأمور ويصدر عن رأيه . ~~ثم إنه استبد بالأمور دون حامد ، ولم يبق لحامد غير اسم الوزارة ومعناها ~~لعلي حتى قيل فيهما : أعجب من كل ما تراه . . . أن وزيرين في بلاد هذا سواد ~~بلا وزير . . . وذا وزير بلا سواد قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي : ~~وفي هذه السنة أمرت السيدة أم المقتدر . قهرمانة لها تعرف بثمل أن تجلس ~~بالتربة التي بنتها بالرصافة للمظالم وتنظر في رقاع الناس في كل جمعة ، ~~فجلست وأحضرت القاضي أبا الحسين الإشناني وخرجت التوقيعات على السداد - قال ~~- وقال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد PageV23P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" الحافظ : قعدت ثمل القهرمانة في أيام المقتدر ~~بالله للمظالم ، وحضر مجلسها القضاة والفقهاء . وفيها غزا يسر الأفشيني ~~بلاد الروم فافتتح عدة حصون وغنم وسلم ، وغزا ثمال في بحر الروم فغنم وسبى ~~وعاد . وفيها أمر المقتدر ببناء بمارستان فبنى وأجرى عليه النفقات الكثيرة ~~، وكان يسمى المقتدري ، وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي . ودخلت سنة ~~سبع وثلاثمائة : في هذه السنة وصل القائم بن المهدي من أفريقية من قبل أبيه ~~بجيش كثيف فكان وصوله إلى الإسكندرية في شهر ربيع الآخر ، فخرج عنها عامل ~~المقتدر ودخل القائم ، وثم رحل إلى مصر فدخل الجيزة وملك الأشمونين وأكثر ~~الصعيد . وكتب إلى أهل مكة يدعوهم إلى الدخول في طاعته فلم يجيبوه ، فبعث ~~المقتدر بالله مؤنسا الخادم في شعبان وجد في السير فوصل إلى مصر وكان بينه ~~وبين ms5217 القائم عدة وقعات . ووصل من أفريقية ثمانون مركبا نجدة للقائم ، فأمر ~~المقتدر بالله أن تسير مراكب طرسوس إليهم ، فسارت خمسة وعشرون مركبا وفيها ~~النفط والعدد ومقدمها أبو اليمن ، فالتفت المراكب بالمراكب واقتتلوا على ~~الرشيد فظفر أصحاب مراكب المقتدر بالله وأحرقوا كثيرا من مراكب أفريقية ~~وأسر منهم كثير . وكان ممن أسر سليمان الخادم ويعقوب الكتامي وهما مقدما ~~المراكب فمات سليمان في الحبس بمصر ، وحمل يعقوب إلى بغداد ثم هرب منها ~~وعاد إلى أفريقية . PageV23P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" وفيها ضمن حامد بن العباس الوزير أعمال الخراج ~~والضياع الخاصة والعامة المستحدثة والفراتية بسواد بغداد والكوفة والبصرة ~~وواسط والأهواز وأصبهان . وسبب ذلك أنه رأى أنه قد تعطل عن الأمر والنهي ~~وتفرد به على بن عيسى ، فشرع في هذا ليصير له حديث وأمر ونهي ، ثم استأذن ~~المقتدر في الانحدار إلى واسط ليدبر أمر ضمانه الأول فأذن له فانحدر إليها ~~، واسم الوزارة عليه ، وعلي يدبر الأمور وأظهر حامد زيادة عظيمة ظاهرة في ~~الأموال ، فسر المقتدر بذلك وبسط يد حامد في الأعمال حتى خافه علي بن عيسى ~~. ثم تحرك السعر ببغداد فثارت العامة والخاصة ، لذلك ، واستغاثوا وكسروا ~~المنابر ، وكان حامد يخزن الغلال ، وكذلك غيره من القواد ، فأمر المقتدر ~~بإحضار حامد فحضر من الأهواز ، فعاد الناس إلى شغبهم . فأنفذ حامد جماعة ~~لمنعهم ، فقاتلهم العامة ، وأحرقوا الجسرين وأخرجوا المحبسين من السجن ~~ونهبوا دار صاحب الشرطة ، فأنفذ المقتدر جيشا مع غريب الخال فقاتل العامة ، ~~فانهزموا بين يديه ودخلوا الجامع بباب الطاق ، فأخذوا وحبسوا ، ثم ضرب ~~بعضهم وقطعت أيدي من عرف بالفساد . ثم أمر المقتدر من الغد فنودي في الناس ~~بالأمان فسكنت الفتنة ، ثم ركب حامد إلى دار المقتدر في الطيار فرجمه ~~العامة ، فأمر الخليفة بفتح مخازن الحنطة والشعير التي لحامد ولأم المقتدر ~~وغيرهما ، وبيع ما فيها فرخصت الأسعار وسكنت الناس ، فقال علي بن عيسى ~~للمقتدر : إن سبب غلاء الأسعار ضمان حامد ، فإنه منع بيع الغلال في البيادر ~~وخزنها فأمر المقتدر بفسخ الضمان عن حامد وصرف عماله عن السواد ، وأمر علي ~~بن ms5218 عيسى أن يتولى ذلك ، فسكن الناس واطمأنوا . وفيها قلد إبراهيم بن حمدان ~~ديار ربيعة ، وحج بالناس في هذه السنة أحمد بن العباس أخو أم موسى ~~القهرمانة . ودخلت سنة ثمان وثلاثمائة : في هذه السنة خلع المقتدر بالله ~~على أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان ، وقلده طريق خراسان والدينور ، وخلع ~~على إخوته أبي العلاء وأبي السرايا . PageV23P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" وفيها توفي إبراهيم بن حمدان في المحرم ، وحج ~~بالناس في هذه السنة أحمد بن العباس . ودخلت سنة تسع وثلاثمائة : ذكر قتل ~~الحسين بن منصور الحلاج وشيء من أخباره وفي هذه السنة قتل الحسين بن منصور ~~الحلاج الصوفي ، وأحرق بالنار وكان ابتداء حاله أنه كان يظهر الزهد والتصوف ~~، ويظهر الكرامات ويخرج للناس فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في ~~الصيف . ويمد يده في الهواء فيعيدها مملوءة دراهم وعليها مكتوب " قل هو ~~الله أحد " ويسميها دراهم القدرة . ويخبر الناس بما أكلوه وما صنعوه في ~~بيوتهم ، ويتكلم بما في ضمائرهم . فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول ~~، واختلفت فيه اعتقاداتهم ، فمن قائل إنه حل فيه جزء إلهي ويدعى فيه ~~الربوبية ، ومن قائل إنه ولي الله تعالى وإن الذي يظهر منه من جملة كرامات ~~الصلحاء ، ومن قائل إنه مشعبذ وممخرق وساحر كذاب ومتكهن وإن الجن تطيعه ~~فتأتيه بالفاكهة في غير أوانها . وكان قدم من خراسان إلى العراق وسار إلى ~~مكة وأقام بها سنة في الحجر لا يستظل تحت سقف صيفا ولا شتاء ، وكان يصوم ~~الدهر فإذا جاء وقت العشاء أحضر له القوم كوز من ماء وقرصا فيشرب ويعض من ~~القرص ثلاث عضات من جوانبها فيأكلها ويترك الباقي فيأخذونه ، ولا يأكل شيئا ~~آخر إلى وقت الفطر من الليلة الثانية . وكان شيخ الصوفية يومئذ بمكة عبد ~~الله المغربي فأخذ أصحابه وجاء لزيارة الحلاج فلم يجده في الحجر ، وقيل قد ~~صعد إلى جبل أبي قبيس ، فصعد إليه فوجده على صخرة حافيا مكشوف الرأس ، ~~والعرق يجري منه إلى الأرض ، فأخذ أصحابه وعاد ولم يكلمه وقال : هذا يتصبر ~~على قضاء الله وسوف ms5219 يبتليه الله بما يعجز عنه صبره وقدرته وعاد الحسين إلى ~~بغداد . PageV23P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" وأما سبب قتله فإنه نقل عنه عند عوده إلى ~~بغداد إلى الوزير حامد بن العباس أنه أحيا جماعة وأنه يحي الموتى وأن الجن ~~يخدمونه فيحضرون عنده بما يشتهي ، وإنه قدموه على جماعة من حاشية الخليفة ، ~~وإن نصرا الحاجب قد مال إليه هو وغيره . فالتمس حامد من المقتدر أن يسلم ~~إليه الحلاج وأصحابه فدفع عنه نصر الحاجب وألح الوزير في طلبه ، فأمر ~~المقتدر بتسليمه إليه ، فأخذ وأخذ معه إنسان يعرف بالشميري وغيره - قيل ~~أنهم كانوا يعتقدون أنه إله - فقررهم حامد فاعترفوا أنهم قد صح عندهم أنه ~~إله وأنه يحي الموتى ، وقابلوا الحلاج على ذلك ، فأنكره وقال : أعوذ بالله ~~أن أدعي الربوبية والنبوة وإنما أنا رجل أعبد الله عز وجل فأحضر الوزير ~~القاضي أبا عمر والقاضي أبا جعفر بن البهلول وجماعة من وجوه الفقهاء ~~والشهود واستفتاهم فقالوا : لا نفتي في أمره بشيء إلا أن يصح عندنا ما يوجب ~~قتله ، ولا يجوز قبول قول من يدعي عليه ما ادعاه إلا ببينة أو إقرار وكان ~~حامد يخرج الحلاج إلى مجلسه ويستنطقه فلا يظهر منه ما تكرهه الشريعة ، وطال ~~الأمر وحامد مجد له في أمره ، وجرى له معه قصص يطول شرحها . وفي آخرها أن ~~الوزير رأى له كتابا حكى فيه أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه أفرد من ~~داره بيتا لا يلحقه شيء من النجاسات ولا يدخله أحد ، فإذا حضرت أيام الحج ~~طاف حوله وفعل ما يفعله الحاج بمكة ، ثم يجمع ثلاثين يتيما ويعمل أجود طعام ~~يمكنه ويطعمهم في ذلك البيت ويتولى خدمتهم بنفسه ، فإذا فرغوا كساهم وأعطى ~~كل منهم تسعة دراهم ، فإذا فعل ذلك كان كمن حج فلما قرئ هذا على الوزير قال ~~القاضي أبو عمر للحلاج : من أين لك هذا ؟ قال من كتاب الإخلاص للحسن البصري ~~. قال له القاضي : كذبت يا حلال الدم قد سمعناه بمكة وليس فيه هذا . فلما ~~قال له يا حلال الدم وسمعها الوزير قال ms5220 : له : اكتب بهذا رقعة ، فدافعه أبو ~~عمر فألزمه حامد فكتب بإباحة دمه وكتب بعده من حضر المجلس . قال : ولما سمع ~~الحلاج ذلك قال : ما يحل لكم دمي واعتقادي الإسلام ومذهبي السنة ولي فيها ~~كتب موجودة فالله الله في دمي وتفرق الناس ، وكتب الوزير إلى الخليفة ~~يستأذنه في قتله وأرسل إليه الفتاوي فأذن في قتله فسلمه الوزير إلى صاحب ~~الشرطة فضربه ألف سوط . فما تأوه ثم قطع يده ثم رجله ثم يده ثم رجله ثم قتل ~~وأحرق بالنار فلما صار رمادا ألقي في دجلة ونصب رأسه ببغداد وأرسل إلى ~~خراسان لأنه كان له بها أصحاب ، وأقبل بعض أصحابه يقولون : إنه لم يقتل ~~وإنما ألقي شبهه على دابة وإنه يعود بعد أربعين يوما PageV23P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" وبعضهم يقول : لقيته على حمار بطريق النهروان ~~وإنه قال لهم لا تكونوا مثل هؤلاء النفر الذين يظنون أني ضربت وقتلت وفيها ~~استعمل المقتدر على حرب الموصل ومعونتها محمد بن نصر الحاجب ، فسار إليها ~~وأوقع بمن خالفه من الأكراد فقتل وأسر ، وأرسل إلى بغداد نيفا وثمانين ~~أسيرا فشهروا ، وفيها قلد داود بن حمدان ديار ربيعة . ودخلت سنة عشر ~~وثلاثمائة : في هذه السنة أطلق يوسف بن أبي الساج من الحبس بشفاعة مؤنس ~~الخادم ، ودخل إلى المقتدر وخلع عليه ، ثم عقد له على الري وقزوين وزنجان ~~وأبهر . وقرر عليه خمسمائة ألف دينار محمولة إلى بيت المال في كل سنة سوى ~~أرزاق العساكر الذين بهذه البلاد . وفيها وصلت هدية أبي زنبور الحسين ~~الماذرائي من مصر ، وفيها بغلة معها فلو يتبعها ويرضع منها وغلام طويل ~~اللسان يلحق لسانه أرنبة أنفه وفيها قبض المقتدر على أم موسى القهرمانة ~~وكان سبب ذلك أنها زوجت ابنة أخيها من أبي العباس أحمد بن محمد بن إسحاق بن ~~المتوكل على الله وكان يرشح للخلافة ، فلما صاهرته أكثرت من النثار ~~والدعوات وخسرت أموالا جليلة ، فتكلم أعداؤها وسعوا بها إلى المقتدر وقالوا ~~: إنها قد سعت لأبي العباس في الخلافة ، وحلفت له القواد ، وكثر القول فيها ~~، فقبض عليها وأخذ ms5221 منها أموالا جليلة وجواهر نفيسة ، قال ابن الجوزيك صح ~~منها لبيت المال ألف ألف دينار . ودخلت سنة إحدى عشرة وثلاثمائة : ذكر عزل ~~حامد بن العباس وولاية ابن الفرات في هذه السنة في شهر ربيع الآخر عزل ~~المقتدر حامد بن العباس عن الوزارة ، وعلي بن عيسى عن الدواوين ، وخلع على ~~أبي العباس بن الفرات وأعيد إلى الوزارة . وكان سبب ذلك أن المقتدر ضجر من ~~استغاثة الأولاد والحرم والخدم والحاشية من PageV23P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" تأخير أرزاقهم ، فإن علي بن عيسى كان يؤخرها ، ~~فإذا اجتمع لهم عدة شهور أعطاهم البعض ، وحط من أرزاق العمال في كل سنة ~~شهرين وكذلك من أرزاق من له رزق فزادت عداوة الناس له . وكان حامد بن ~~العباس قد ضجر في المقام ببغداد وليس له من الأمر شيء غير لبس السواد ، ~~وأنف من إطراح علي بن عيسى لجانبه ، فإنه كان يهينه في توقيعاته بالإطلاق ~~عليه لضمانه بعض الأعمال ، فكان يكتب ليطلق جند الوزير أعزه الله ، وليبادر ~~نائب الوزير ، وكان إذا شكا إليه بعض نواب حامد يكتب على القصة إنما عقد ~~الضمان على النائب الوزيري عن الحقوق الواجبة السلطانية فليتقدم إلى عماله ~~بكف الظلم عن الرعية . فاستأذن حامد وسار إلى واسط لينظر في ضمانه فأذن له ~~، وجرى بين مفلح الأسود وبين حامد كلام فقال له حامد : لقد هممت أن أشتري ~~مائة خادم أسود أسميهم مفلحا وأهبهم لغلماني فحقدها مفلح - وكان خصيصا ~~بالمقتدر - فسعى معه المحسن بن الفرات لوالده بالوزارة وضمن أموالا جليلة ، ~~وكتب على يده رقعة يقول إن سلم إليه الوزير وعلي بن عيسى وابن الحواري ~~وشفيع اللؤلؤي ونصر الحاجب وأم موسى القهرمانة والماذرائيون استخرج منهم ~~سبعة آلاف ألف دينار وكان المحسن مطلقا ، وكان يواصل السعاية بهؤلاء ~~الجماعة ، وذكر ابن الفرات للمقتدر ما كان يأخذه ابن الحواري في كل سنة من ~~المال فاستكثره . فقبض على علي بن عيسى في شهر ربيع الآخر وسلم إلى زيدان ~~القهرمانة فحبسته في الحجرة التي كان ابن الفرات محبوسا فيها ، وأطلق ابن ~~الفرات وخلع عليه ms5222 ، وتولى الوزارة وخلع على ابنه المحسن ، وهذه الوزارة ~~الثالثة لابن الفرات . قال : وسير ابن الفرات إلى واسط من يقبض على حامد ~~فهرب واختفى ببغداد ، ثم إن حامدا لبس زي راهب وخرج من مكانه الذي كان فيه ~~ومشى إلى نصر الحاجب ودخل عليه وسأله إيصال حاله إلى الخليفة إذا كان عند ~~حرمه ، فاستدعى نصر مفلحا الخادم فلما رآه قال : أهلا بمولانا الوزير أين ~~مماليك السودان الذين سميت كل واحد منهم مفلحا فسأله نصر أن لا يؤاخذه وقال ~~له : حامد يسأل أن يكون محبسه في دار الخلافة ولا يسلم إلى ابن الفرات . ~~فدخل مفلح وقال ضد ما قيل له فأمر المقتدر بتسليمه إلى ابن الفرات ، فأرسل ~~إليه فحبسه في دار حسنة وأجري له من الطعام والكسوة والطيب وغير ذلك ما كان ~~له PageV23P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" وهو وزير ، ثم أحضره وأحضر الفقهاء والعمال ~~وناظره على ما وصل إليه من المال وطالبه به ، فأقر بجهات تقارب ألف ألف ~~دينار ، وضمنه المحسن بن أبي الحسن بن الفرات الوزير من المقتدر بخمسمائة ~~ألف دينار فسلمه إليه فعذبه بأنواع العذاب ، وأنفذه إلى واسط مع بعض أصحابه ~~ليبيع ماله هناك ، وأمرهم أن يسقوه سما فسقوه سما في بيض مشوي كان طلبه ، ~~فأصابه إسهال فلما وصل إلى واسط أفرط القيام به . وكان قد تسلمه محمد بن ~~علي البروجري فلما رأى حاله أحضر القاضي والشهود ليشهدوا عليه أنه ليس له ~~في أمره صنع فلما حضروا عند حامد قال لهم : إن أصحاب المحسن سقوني سما في ~~بيض مشوي فأنا أموت منه وليس لمحمد في أمري صنع ، لكنه أخذ قطعة من أموالي ~~وأمتعي وجعل يحشوها في المساور وتباع المسورة بمحضر من أمين السلطان بخمسة ~~دراهم فبضع من يشتريها ويحملها إليه فيكون فيها أمتعة تساوي ثلاثة آلاف ~~درهم ، فاشهدوا على ذلك وكان صاحب الخبر حاضرا فكتب بذاك ، ثم مات حامد في ~~شهر رمضان من هذه السنة . وصودر علي بن عيسى بثلاثمائة ألف دينار وعذبه ~~المحسن بن الفرات وصفعه فأنكر عليه أبوه لأن عليا ms5223 كان محسنا إليهم في أيام ~~ولايته وأعطى المحسن في أيام نكبته عشرة آلاف درهم ، فلم يرع له حق إحسانه ~~. قال : ولما أدى علي بن عيسى مال المصادرة سيره ابن الفرات إلى مكة وكتب ~~إلى أميرها أن يسيره إلى صنعاء ، ثم قبض ابن الفرات على أبي علي بن مقلة ~~لأنه بلغه أن سعى به أيام نكبته وتقلد بعض الأعمال في أيام حامد ثم أطلقه ~~ابن الفرات . وقبض أيضا على ابن الحواري وكان خصيصا بالمقتدر وسلمه إلى ~~ابنه المحسن فعذبه عذابا شديدا - وكان المحسن وقحا ظالما سيء الأدب ذا قسوة ~~شديدة ، وكان الناس يسمونه الخبيث بن الطيب ، وسير ابن الحواري إلى الأهواز ~~ليستخرج منه الأموال فضربه الموكل به حتى مات . وقبض أيضا على الحسين بن ~~أحمد ومحمد بن علي الماذرائيين فصادرهما على ألف ألف دينار وسبعمائة ألف ~~دينار ، ثم صادر جماعة من الكتاب ونكبهم . ثم إن ابن الفرات - خوف المقتدر ~~من مؤنس الخادم وأشار عليه أن يسيره إلى الشام فأخرجه عن الحضرة في يوم ~~شديد المطر ، ثم سعى بنصر الحاجب وأطمع المقتدر في ماله وكثرته فالتجأ نصر ~~إلى أم المقتدر فحمته من ابن الفرات . PageV23P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" وفيها غزا مؤنس المظفر بلاد الروم فغنم وفتح ~~حصونا وغزا ثمال في البحر فغنم من السبي ألف رأس ، ومن الغنم ألف رأس ، ومن ~~الذهب والفضة شيئا كثيرا . وفيها دخل القرمطي البصرة وقتل عاملها وأقام بها ~~سبعة عشر يوما يقتل وينهب ويأسر . ودخلت سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة : في هذه ~~السنة ظهر في دار الخليفة إنسان أعجمي عليه ثياب فاخرة وتحته مما يلي بدنه ~~قميص صوف ومعه قداحة وكبريت ودواة وأقلام وسكين وكاغد ، وفي كيس سويق وسكر ~~وحبل طويل من القنب ، فأحضر إلى ابن الفرات الوزير فسأله عن حاله فقال : لا ~~أخبر إلا صاحب الدار فأمر بضربة ليقر فقال : بسم الله بدأتم بالشر ولزم هذا ~~القول ثم جعل يقول بالفارسية ما معناه لا أدري ثم أمر به فأحرق ، وأنكر ابن ~~الفرات على نصر الحاجب هذا الحال وعظم ms5224 الأمر بين يدي المقتدر ونسبه إلى أنه ~~أخفاه ليقتل المقتدر ، وتفاوضا فقال الحاجب : لم أسعى في قتل أمير المؤمنين ~~وقد رفعني من الثرى إلى الثريا ؟ إنما يسعى في قتله من صادره وأخذ أمواله ~~وضياعه وأطال حبسه وفيها أخذ القرمطي الحاج بعد عودتهم من الحجاز - وكان ~~لأبي الهيجاء طريق مكة - فسار إلى القرمطي فأوقع به ، وأسر أبو الهيجاء ~~وأحمد بن كشمرد ونحرير وأحمد بن بدر عم والدة المقتدر وغيرهم ، وأخذ ~~القرمطي جمال الحاج جمعيها وما أراد من الأمتعة والأموال والنساء والصبيان ~~، وعاد إلى هجر وترك الحاج في مواضعهم فمات أكثرهم جوعا وعطشا ، فاجتمع حرم ~~المأخوذين إلى حرم المنكوبين الذين نكبهم ابن الفرات وجعلن ينادين : ~~القرمطي الصغير قتل المسلمين بطريق مكة والقرمطي الكبير قتل المسلمين ~~ببغداد وشنعوا عليه وكسر العامة منابر الجوامع وسدوا المحاريب يوم الجمعة ~~لست خلون من صفر ، فضعفت نفس ابن الفرات وحضر عند المقتدر ليأخذ أمره فيما ~~يصنع . PageV23P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" وحضر نصر الحاجب المشورة فانبسط لسانه على ابن ~~الفرات وقال : الساعة تقول : أي شيء نصنع وما هو الرأي بعد أن زعزعت أركان ~~الدولة وعرضتها للزوال ، في الباطن بالميل مع كل عدو يظهر ومكاتبته ~~ومهاداته ، وفي الظاهر بإبعادك مؤنسا ومن معه إلى الرقة وهم سيوف الدولة ، ~~فمن يدفع الآن هذا الرجل إذا قصد الحضرة أنت أم ولدك ؟ وقد ظهر الآن مقصودك ~~بإبعاد مؤنس وبالقبض علي وعلى غيري ، أن تستضعف الدولة وتقوي أعداءها لتشفي ~~غيظك ممن صادرك وأخذ أموالك ومن الذي سلم الناس إلى القرمطي غيرك لما يجمع ~~بينكما من التشيع والرفض ؟ وقد ظهر أيضا أن ذلك العجمي من أصحاب القرمطي ~~وأنت أوصلته فحلف ابن الفرات أنه ما كاتب القرمطي ولا هاداه ولا رأى ذلك ~~الأعجمي إلا تلك الساعة ، والمقتدر معرض عنه . وأشار نصر على المقتدر بالله ~~أن يحضر مؤنسا ومن معه ففعل ذلك ، وكتب إليه بالحضور ففعل وسارع ، وقام ابن ~~الفرات فركب فرجمه العامة ، ثم وصل مؤنس المظفر إلى بغداد ، ولما رأى ~~المحسن . ابن الفرات انحلال أمورهم أخذ كل ms5225 من كان محبوسا فقتله ، لأنه كان ~~قد أخذ منهم أموالا جليلية ولم يوصلها إلى المقتدر فخاف أن يقروا عليه بما ~~أخذه منهم . ذكر القبض على ابن الفرات الوزير وولده المحسن قال : ثم كثر ~~الإرجاف على ابن الفرات فكتب إلى المقتدر يعرفه بذلك ، وأن الناس إنما ~~عادوه لشفقته ونصحه وأخذ حقوقه منهم فأنقذ المقتدر إليه يسكنه ويطيب قلبه ~~فركب هو وولده إلى المقتدر فطيب قلوبهما ، وخرجا من عنده فمنعهما نصر ~~الحاجب ووكل بهما ، فدخل مفلح على المقتدر وأشار عليه بتأخير عزله فأمر ~~بإطلاقهما فخرجا ، فأما المحسن فإنه اختفى ، وأما الوزير فإنه جلس عامة ~~نهاره يقضي الأشغال إلى الليل ثم بات مفكرا ، فلما أصبح سمع بعض خدمه ينشد ~~: وأصبح لا يدري وإن كان حازما . . . أقدامه خير له أم وراءه فلما ارتفع ~~النهار وهو الثامن من شهر ربيع الأول أتاه نازوك ويلبق في عدة من الجند ~~فدخلوا عليه وهو عند حرمه فأخرجوه حافيا مكشوف الرأس فألقى عليه يلبق ~~طيلسانا غطى به رأسه وحمل إلى طيار فيه مؤنس المظفر ومعه هلال بن بدر ~~فاعتذر PageV23P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" إليه ابن الفرات وألان كلامه له فقال له : أنا ~~الآن الأستاذ وكنت بالأمس الخائن الساعي في فساد الدولة وأخرجتني والمطر ~~على رأسي ورؤوس أصحابي ولم تمهلني وسلم إلى شفيع اللؤلؤي فحبس عنده ، وكانت ~~مدة وزارته هذه عشرة أشهر وثمانية عشر يوما ، وأخذ أصحابه وأولاده ولم ينج ~~منهم إلا المحسن ، وصودر ابن الفرات على ألف ألف دينار . ذكر وزارة أبي ~~القاسم الخاقاني قال : ولما تغير حال ابن الفرات سعى عبد الله بن أبي علي ~~محمد بن عبد الله بن يحيى بن خاقان في الوزارة ، وكتب خطه أنه يتكفل ابن ~~الفرات وأصحابه بمصادرة ألفي ألف دينار . وسعى له مؤنس الخادم وهارون بن ~~غريب الخال ونصر الحاجب فتولى أبو القاسم الوزارة في تاسع شهر ربيع الأول ، ~~وكان المقتدر يكرهه فلما سمع ابن الفرات وهو محبوس بولايته قال : الخليفة ~~هو الذي نكب لا أنا يعني أن الوزير عاجز لا يعرف أمر ms5226 الوزارة ، ولما ولي ~~الخاقاني شفع إليه مؤنس الخادم في إعادة علي بن عيسى من صنعاء إلى مكة فكتب ~~بإعادته وأذن له في الإطلاع على أعمال مصر والشام . ذكر مقتل ابن الفرات ~~وولده قال كان المحسن بن الوزير أبي الحسن بن الفرات مختفيا كما ذكرنا ، ~~وكان عند حماته خنزابة - وهي والدة الفضل بن جعفر بن الفرات - وكانت تأخذه ~~كل يوم وتتوجه به إلى المقبرة في زي النساء وتعود به إلى المنازل التي تثق ~~بها ، فمضت به يوما إلى مقابر قريش . وأدركها الليل فبعدت عليها الطريق ~~وأشارت عليها امرأة معها أن تقصد امرأة صالحة تعرفها بالخير ، فأخذته وقصدت ~~به تلك المرأة وقالت لها : معنا صبية بنت بكر نريد منك بيتا تكون فيه ~~فأمرتهم بالدخول إلى بيتها وسلمت إليهم قبة في الدار ، فأدخلوا المحسن ~~إليها ، وجلس النساء الذين معه في صفه أمام القبة ، فجاءت جارية سوداء فرأت ~~المحسن فأخبرت مولاتها أن في الدار رجلا ، فجاءت المرأة صاحبة الدار فرأته ~~وعرفته - وكان المحسن قد أخذ زوجها ليصادره فلما رأى الناس يعذبون في داره ~~مات فجأة - فلما رأت المرأة المحسن ركبت في سفينة وقصدت دار الخليفة وقالت ~~عندي نصيحة . PageV23P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" فأحضرها نصر الحاجب فأخبرته الخبر فطالع به ~~المقتدر ، فأمر صاحب الشرطة أن يسير معها فسار معها إلى منزلها وأخذ المحسن ~~وجاء به إلى المقتدر ، فبعث به إلى دار الوزارة فعذب بأنواع العذاب ليجيب ~~إلى مال يحمله فقال : لا أجمع بين الروح والمال فأمر المقتدر بحمله مع أبيه ~~إلى دار الخلافة فقال الوزير أبو القاسم لمؤنس وهارون بن غريب الخال ونصر ~~الحاجب : إن نقل ابن الفرات إلى دار الخلافة بذل أمواله وأطمع المقتدر في ~~أموالنا وضمننا منه وتسلمنا فأهلكنا فوضعوا القواد والجند وقالوا : لا بد ~~من قتل ابن الفرات وولده فإننا لا نأمن على أنفسنا ما داما في الحياة فأمر ~~المقتدر نازوك بقتلهما فبدأ بقتل المحسن فذبحه كما تذبح الشاة وحمل رأسه ~~إلى أبيه فارتاع لذلك ، ثم عرض أبوه على السيف فقال : راجعوا في ms5227 أمري فإن ~~عندي أولا جمة وجواهر كثيرة ، فقبل له جل الأمر عن ذلك . ثم ذبح في يوم ~~الاثنين لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الآخر منها ، وكان عمره إحدى وسبعين ~~سنة وعمر ولده ثلاثا وثلاثين سنة وحمل رأساهما إلى المقتدر فأمر بتفريقها . ~~ولما قتلا ركب هارون بن غريب الخال مسرعا إلى الوزير الخاقاني وهنأه ~~بقتلهما فأغمي عليه حتى ظن هارون ومن هناك أنه مات ، وصرخ عليه أهله ، ثم ~~أفاق من غشيته وأعطى هارون ألفي دينار . وشفع مؤنس في ابني ابن الفرات عبد ~~الله وأبي نصر فأطلقا له ، فخلع عليهما ووصلهما بعشرين ألف دينار من ماله . ~~قال : وكان ابن الفرات كريما ذا رياسة وكفاية في عمله ، حسن السؤال والجواب ~~، وكان مصطنعا للناس ، فإن جميع كتابه الذين اصطنعهم صاروا وزراء . وكان ~~يستغل من ضياعه في كل سنة ألفي ألف دينار وينفقها ، وكان إذا وزر غلا الشمع ~~والكاغد والسكر والكافور لكثرة استعماله لذلك وكان يجري على خمسة آلاف من ~~أهل العلم والدين والبيوتات والفقراء ، قال الصولي : ومن فضائله التي لم ~~يسبق إليها أنه كان إذا رفعت له قضية فيها سعاية بأحد خرج من حضرته غلام ~~فينادي ابن فلان بن فلان الساعي فامتنع الناس من السعاية بأحد ، ولم يكن ~~فيه ما يعاب إلا PageV23P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" أن أصحابه كانوا يفعلون ما يريدون ويظلمون فلا ~~يمنعهم ، فمن ذلك أن بعضهم ظلم امرأة في ملك لها فكتبت إليه تشكو غير مرة ~~ولا يرد لها جوابا فلقيته يوما فقالت : أسألك بالله أن تسمع كلامي فوقف لها ~~فقالت : قد كتبت إليك في ظلامتي غير مرة فلم تجبني وقد تركتك وكتبتها إلى ~~الله تعالى فلما رأى تغير حاله قال لمن معه : قد خرج جواب رقعة تلك ~~المظلومة . وفي هذه السنة دخل أبو طاهر القرمطي الكوفة وأقام بها ستة أيام ~~يقيم بالجامع نهارا فإذا أمسى خرج إلى عسكره وحمل منها ما قدر على حمله من ~~الأموال وغيرها وعاد إلى هجر ، ولم يحج في هذه السنة أحد . وفيها ظهر عند ~~الكوفة ms5228 رجل ادعى أنه محمد بن إسماعيل ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن ~~علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - وهو رئيس الإسماعيلية وجمع جمعا ~~عظيما من الأعراب وأهل السواد واستفحل أمره في شوال ، فسير إلى جيش من ~~بغداد ، فقاتلوه وظفروا به وانهزم وقتل كثير ممن معه . ودخلت سنة ثلاث عشرة ~~وثلاثمائة : ذكر عزل الخاقاني عن الوزارة وزارة أبي العباس الخصيبي وعزل ~~الخاقاني عن الوزارة في هذه السنة في شهر رمضان ، عزل أبو القاسم الخاقاني ~~عن الوزارة ، وكان سبب ذلك أن أبا العباس الخصبي علم مكان امرأة المحسن بن ~~الفرات فسأل أن يتولى النظر في أرمها فأذن له المقتدر في ذلك ، فاستخلص ~~منها سبعمائة ألف دينار إلى المقتدر ، وصار له معه حديث . فخافه الخاقاني ~~فوضع من وقع عيه وسعى به فلم يصغ المقتدر إلى ذلك ، فلما علم الخصيبي ~~بالحال كتب إلى المقتدر يذكر معائب الخاقاني وابنه عبد الوهاب وعجزهما ~~وضياع الأموال وطمع العمال . ثم مرض الخاقاني مرضا شديدا وطال به ، فوقفت ~~الأحوال وطلب الجند أرزاقهم وشغبوا فأرسل المقتدر إليه في ذلك فلم يقدر على ~~شيء فعزله ، واستوزر أبا العباس وخلع عليه . وكان يكتب لأم المقتدر قبل ذلك ~~، ولما ولي أقر على بن عيسى على الإشراف على أعمال مصر والشام فكان يتردد ~~من مكة إليهما في الأوقات . وفيها كتب ملك الروم إلى أهل الثغور يأمرهم ~~بحمل الخراج إليه فإن فعلوا وإلا قصدهم فقتل الرجال وسبى الذرية ، وقال : ~~إنني صح عندي ضعف ولاتكم فلم PageV23P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" يفعلوا ذلك ، فسار إليهم وأخرب البلاد ، ودخل ~~ملطية في سنة أربع عشرة وثلاثمائة ، فأخرجها وسبى ونهب ، وأقام بها ستة عشر ~~يوما . ودخلت سنة أربع عشرة وثلاثمائة : ذكر عزل أبي العباس الخصيبي ووزارة ~~علي بن عيسى في هذه السنة في ذي القعدة عزل المقتدر أبا العباس الخصيبي عن ~~الوزارة ، وسبب ذلك أنه أضاق إضاقة شديدة . ووقفت أمور السلطان ، واضطرب ~~أمر الخصيبي ، وكان حين ولى الوزارة قد اشتغل بالشرب كل ليلة ويصبح وهو ~~سكران ms5229 لا فضل فيه لعمل . وكان يترك الكتب الواردة عليه من العمال ، فلا ~~يقرؤها إلا بعد مدة ويهمل الأجوبة عنها فضاعت الأموال وفاتت المصالح ، ثم ~~وكل الأمور إلى نوابه وأهمل الإطلاع عليهم فباعوا مصلحته بمصلحة نفوسهم . ~~فلما صار الأمر إلى هذه الصورة أشار مؤنس المظفر بعزله وتولية علي بن عيسى ~~، فقبض عليه ، فكانت وزارته سنة وشهرين ، وأخذ ابنه وأصحابه فحبسوا . وأرسل ~~المقتدر يستدعي علي بن عيسى ، وأمر أبا القاسم عبيد الله بن محمد الكلوذاني ~~بالنيابة عن علي إلى أن يحضر وقدم على بغداد أوائل سنة خمس عشرة ، واشتغل ~~بأمور الوزارة ، ولازم النظر فيها . فمشت الأمور واستقامت الأحوال . وكان ~~قد اجتمع عند الخصيبي عدة من رقاع المصادرين وكفالات من كفل منهم وضمانات ~~العمال بما ضمنوا من الأموال بالسواد وفارس والأهواز والمغرب ، فنظر فيها ~~وأرسل في طلب الأموال فأتته شيئا بعد شيء فأدر الأرزاق وأخرج العطاء ، ~~وأسقط . من الجند من لا يحمل السلاح ، ومن أولاد المرتزقة من هو في المهد . ~~. فإن آباءهم أثبتوا أسماءهم ومن أرزاق المغنين والمساخرة والصغاغنة ~~والندماء . وتولى الأعمال بنفسه ليلا ونهارا ، فاختار الكفاة من العمال ~~واستعملهم في الولايات . وأمره المقتدر بالله بمناظرة أبي العباس الخصيبي ، ~~فأحضره ، وأحضر الفقهاء والقضاة والكتاب وغيرهم PageV23P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" فسأله عما صح من الأموال والمصادرات والبواقي ~~القديمة وغير ذلك فقال : لا أعلم وما أجاب عن شيء . فأنكر عليه كونه دخل في ~~الوزارة وهو لا يعرفها ، ووبخه توبيخا كثيرا . وفيها في شهر ربيع الأول ~~خرجت الروم إلى ملطية وما يليها مع الدمستق ومعه مليح الأرمني صاحب الدروب ~~، فحصروا ملطية ودخلوا الربض فقاتلهم أهله وأخرجوهم منه ، فلم يظفروا من ~~المدينة بشيء ، وخربوا قرى كثيرة من قراها ، ونبشوا الأموات ومثلوا بهم ثم ~~رحلوا ، وقصد أهل ملطية بغداد مستغيثين فلم يغاثوا ، فعادوا إلى بلدهم بغير ~~مقصود ودخلت سنة خمس عشرة وثلاثمائة : ذكر ابتداء الوحشة بين المقتدر بالله ~~وبين مؤنس في هذه السنة هاجت الروم وقصدوا الثغور ودخلوا سمشاط وغنموا جميع ~~ما فيها من مال وسلاح وغير ذلك ، ودقوا ms5230 الناقوس في الجامع ثم خرج المسلمون ~~في أثر الروم فقاتلوهم وغنموا منهم غنيمة عظيمة ، فأمر المقتدر بالله ~~بتجهيز العساكر مع مؤنس المظفر ، وخلع عليه في شهر ربيع الآخر ولم يبق غير ~~الوداع ، فامتنع مؤنس من الدخول إلى دار الخليفة واستوحش من المقتدر بالله ~~وظهر ذلك . وكان قد أتاه بعض خدام المقتدر وقال له : إن الخليفة أمر خواص ~~خدمه أن يحفروا جبا في دار الشجرة ويغطوه ببراية وتراب فإذا حضرت ألقيت فيه ~~وخنقت فامتنع وركب إليه جميع الأجناد وفيهم عبد الله بن حمدان وإخوته وخلت ~~دار المقتدر بالله ، وقالوا لمؤنس : نحن نقاتل بين يديك حتى تنتب لك لحية ~~فوجه المقتدر رقعة بخطه يحلف أنه ما أراد به سوءا ، فصرف مؤنس الجيش وكتب ~~الجواب أنه العبد المملوك ، وأن الذي أبلغه ذلك قد كان وضعه من يريد إيحاشه ~~من مولانا وأنه ما استدعى الجند وإنما هم حضروا وقد فرقهم PageV23P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" ثم قصد دار الخليفة في جميع القواد ودخل إليه ~~وقبل يده وحلف له المقتدر على صفاء نيته له وودعه وسار إلى الثغر وخرج ~~لوداعه أبو العباس بن المقتدر والوزير على بن عيسى . وفيها قتل أبو طاهر ~~القرمطي يوسف بن أبي الساج في وقعة كانت بينهما . وكان يوسف قد ندب لقتال ~~القرامطة فأسره القرمطي ، ثم قتله . وفيها سار الدمستق في جيش عظيم من بلاد ~~الروم إلى مدينة دبيل وبها نصر السبكي في عسكر يحميها وكان مع الدمستق ~~دبابات ومجانيق ، فحاصروا المدينة ونقبوا السور ودخلوها فقاتلهم أهلها ومن ~~فيها قتالا شديدا ، فانتصر المسلمون وأخرجوا الروم منها وقتلوا منهم نحو ~~عشرة آلاف رجل . ودخلت سنة ست عشرة وثلاثمائة : ذكر عزل علي بن عيسى عن ~~الوزارة ووزارة أبي علي بن مقلة في هذه السنة عزل علي بن عيسى عن وزارة ~~الخليفة ورتب فيها علي بن مقلة ، وكان سبب ذلك أن عليا لما رأى نقص ~~الارتفاع واختلال الأعمال بوزارة الخاقاني والخصيبي وزيادة النفقات استعفى ~~من الوزارة واحتج بالشيخوخة وقلة النهضة ، فأمره المقتدر بالصبر وقال له : ~~أنت ms5231 عندي بمنزلة والدي المعتضد فألح في الاستعفاء ، فشاور المقتدر مؤنسا في ~~ذلك فأشار بمداراته وإبقائه . ثم لقي مؤنس الوزير ولاطفه وسكنه فأبى إلا ~~العزل ، وبلغ الخبر ابن مقلة فسعى وضمن الضمانات الكثيرة وواصل بالهدايا ~~واستمال نصرا الحاجب ، فساعده عند المقتدر ، فأمر في نصف شهر ربيع الأول ~~بالقبض على علي بن عيسى وأخيه عبد الرحمن ، وخلع على أبي علي بن مقلة ~~واستوزره وأعانه عليها أبو عبد الله البريدي لمودة كانت بينهما . ذكر الحرب ~~بين نازوك وهارون بن غريب الخال واستيحاش مؤنس في هذه السنة وقعت الفتنة ~~بين نازوك - صاحب الشرطة - وهارون بن غريب ، وأدت إلى خلع المقتدر . وسبب ~~ذلك أن ساسة دواب هارون وساسة دواب نازوك PageV23P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" تغايروا على غلام أمرد وتضاربوا بالعصي ، فضرب ~~نازوك ساسة هارون وحبسهم . فسار أصحاب هارون إلى مجلس الشرطة ، ووثبوا على ~~نائب نازوك وانتزعوا أصحابهم من الحبس ، فركب نازوك وشكا إلى المقتدر بالله ~~فقال : كلاكما عزيز ولست أدخل بينكما فعاد وجمع رجاله وجمع هارون رجاله ، ~~وزحف أصحاب نازوك إلى دار هارون فأغلق بابه ، وبقي بعض أصحابه خارج الدار ~~فقتل فيهم أصحاب نازوك وجرحوا . ففتح هارون الباب ، وخرج أصحابه فوضعوا ~~السلاح في أصحاب نازوك ، فقتلوا منهم وجرحوا ، واشتبكت الحرب بينهم . وأرسل ~~المقتدر ينكر عليهما ذلك فكفا ، وسكنت الفتنة ، واستوحش نازوك . ثم ركب ~~إليه هارون وصالحه ، وخرج بأصحابه ونزل بالبستان النجمي ليبعد عن نازوك ، ~~فأكثر الناس الأراجيف وقالوا : قد صار هارون أمير الأمراء فعظم ذلك على ~~أصحاب مؤنس وكتبوا له بذلك وهو بالرقة ، فأسرع العود إلى بغداد ، ونزل ~~بالشماسية في أعلى بغداد . ولم يلق المقتدر فصعد إليه أبو العباس بن ~~المقتدر والوزير ابن مقلة فأبلغاه سلام المقتدر واستيحاشه له ثم عادا ~~واستشعر كل من المقتدر ومؤنس من صاحبه فأحضر المقتدر هارون بن غريب الخال - ~~وهو ابن خاله - فجعله معه في داره . فلما علم مؤنس بذلك ازداد نفورا ~~واستيحاشا وأقبل أبو الهيجاء بن حمدان من بلاد الجبل في عسكر كبير فنزل عند ~~مؤنس وترددت المراسلات من الخليفة ms5232 إلى مؤنس ، وانقضت السنة وهم على ذلك . ~~ودخلت سنة سبع عشرة وثلاثمائة : ذكر خلع المقتدر بالله وبيعة القاهرة في ~~هذه السنة خلع المقتدر بالله من الخلافة وبويع أخوه القاهر بالله محمد بن ~~المعتضد ، فبقي يومين ثم أعيد المقتدر بالله . قال : ولما نزل مؤنس باب ~~الشماسية وانظم إليه ابن حمدان ونازوك صاحب الشرطة وغيرهما جمع المقتدر ~~عنده هارون بن غريب وأحمد بن كيغلغ والغلمان الحجرية والرجالة المصافية ~~وغيرهم . فلما كان آخر النهار مستهل المحرم انفض أكثر من عند المقتدر ، ~~وخرجوا إلى مؤنس ثم كتب إلى PageV23P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" المقتدر رقعة يذكر أن الجيش عاتب منكر للسرف ~~فيما يطلق باسم الحزم والحرم من الأموال والضياع ، ولدخولهم في الرأي ~~وتدبير المملكة ، ويطالبون بخروجهم من الدار وأخذ ما في أيديهم من الأموال ~~والأملاك ، وإخراج هارون بن غريب من الدار . فأجابه المقتدر أنه يفعل من ~~ذلك ما يمكنه ويقتصر على ما لا بد له منه ، واستعطفه وذكره ومن معه بيعته ~~التي في أعناقهم مرة بعد أخرى وخوفهم عاقبة النكث . وأمر هارون أن يخرج من ~~بغداد وأقطعه الثغور الشامية والجزيرية فخرج في تاسع المحرم ، فعندها دخل ~~مؤنس وابن حمدان ونازوك إلى بغداد ، وأرجف الناس أن مؤنسا ومن معه قد عزموا ~~على خلع المقتدر . فلما كان في الثاني عشر من المحرم خرج مؤنس بالجيش إلى ~~باب الشماسية فتشاوروا ساعة ثم زحفوا بأسرهم إلى دار الخلفية ، فلما قربوا ~~منها هرب المظفر بن ياقوت الحاجب وسائر الحجاب والخدم والوزير ابن مقلة ، ~~ودخل مؤنس والجيش إلى دار الخليفة وأخرج المقتدر ووالدته وخالته وخواص ~~جواريه وأولاده من دار الخلافة ، وحملوا إلى دار مؤنس واعتقلوا بها . وبلغ ~~الخبر هارون وهو بقطربل فدخل بغداد واستتر ، ومضى ابن حمدان إلى دار ابن ~~طاهر فأحضر محمد بن المعتضد وبايعوه بالخلافة ولقبوه القاهر بالله ، ~~وأحضروا القاضي أبا عمر عند المقتدر ليشهدوا عليه بالخلع وعنده مؤنس ونازوك ~~وابن حمدان وبنى بن يعيش فقال مؤنس للمقتدر ليخلع نفسه من الخلافة فأجاب ~~وأشهد عليه القاضي بالخلع . فقام ابن حمدان ms5233 للمقتدر : يا سيدي يعز علي أن ~~أراك على هذه الحال وقد كنت أخاف عليك وأحذرها وأنصح لك وأحذرك عاقبة ~~القبول من الخدم والنساء فتؤثر أقوالهم على قولي ، وكأني كنت أرى هذا ، ~~وبعد فنحن عبيدك وخدمك ودمعت عيناه وعينا المقتدر وشهد الجماعة على المقتدر ~~بالخلع وأودعوا الكتاب عند القاضي أبي عمر فكتمه ولم يظهر عليه غيره . فلما ~~عاد المقتدر إلى الخلافة سلمه إليه وأعلمه أنه ما أطلع عليه أحدا ، فاستحسن ~~ذلك منه ، وولاه قضاة القضاة . قال : ولما استقر أمر القاهر بالله أخرج ~~مؤنس المظفر علي بن عيسى من الحبس وأقر أبا علي بن مقلة على وزارته ، وأضاف ~~نازوك مع الشرطة حجبة الخليفة PageV23P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" وأقطع ابن حمدان مضافا إلى ما بيده من أعمال ~~طريق خرسان حلوان والدينور وهمذان وكنكور وكرمان شاهان والراذانات ودقوقا ~~وخانيجار ونهاوند والصيمرة والسيروان وما سبذان وغيرها . ونهبت دار الخليفة ~~ومضى بنى بن يعيش إلى برية لوالدة المقتدر فأخرج من قبر فيها ستمائة ألف ~~دينار وحملها إلى دار الخليفة . وكان خلع المقتدر للنصف من المحرم منها ، ~~ثم سكن النهب وانقطعت الفتنة . قال : ولما تقلد نازوك حجبة الخليفة أمر ~~الرجال المصافية بقلع خيامهم من دار الخليفة وأن لا يعبر الدار إلا من له ~~وطر ، وأمر رجاله وأصحابه أن يقيموا مقام المصافية ، فعظم ذلك عليهم وتقدم ~~إلى خلفاء الحجاب أن لا يمكنوا أحدا أن يدخل إلى دار الخليفة إلا من كانت ~~له مرتبة ، فاضطرب الحجرية من ذلك . ذكر عود المقتدر بالله إلى الخلافة ~~وقتل نازوك وابن حمدان قال : ولما كان في يوم الاثنين سابع عشر المحرم بكر ~~الناس إلى دار الخلافة لأنه يوم موكب ودولة جديدة ، فامتلأت الممرات ~~والرحاب وشاطئ دجلة من الناس ، وحضر الرجالة المصافية في السلاح يطالبون ~~بحق البيعة ورزق سنة وهم حنقون لما فعل بهم نازوك ، ولم يحضر مؤنس المظفر ~~ذلك اليوم . وارتفعت الأصوات وزعقات الرجال ، فسمعها نازوك فأشفق أن يقع ~~بينهم و بين أصحابه فتنة وقتال . فأمر أصحابه أن لا يتعرضوا لهم ولا ~~يقاتلوهم ، فزاد ms5234 شغب الرجالة وهجموا يريدون الصحن التسعيني ، فلم يمنعهم ~~أصحاب نازوك . ودخل من كان على الشط بالسلاح ، وقويت زعقاتهم من مجلس ~~القاهر بالله وعنده الوزير ابن مقلة ونازوك وأبو الهيجاء ابن PageV23P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" حمدان ، فقال القاهر لنازوك : أخرج إليهم ~~فسكنهم وطيب قلوبهم فخرج إليهم نازوك وهو مخمور قد شرب طول ليلته ، فلما ~~رآه الرجالة تقدموا إليه ليشكوا إليه حالهم بسبب أرزاقهم فخافهم على نفسه ~~وهرب منهم ، فطمعوا فيه وتبعوه ، فانتهى به الهرب إلى باب كان هو سده ~~بالأمس فقتلوه عنده ، وقتلوا خادمه عجيبا وصاحوا : مقتدر يا منصور فهرب كل ~~من كان في الدار من الوزير والحجاب وسائر الطبقات وبقيت الدار فارغة . ~~وصلبوا نازوك وعجيبا بحيث يراهما من على شاطئ دجلة ، ثم صار الرجالة إلى ~~دار مؤنس يصيحون ويطالبونه بالمقتدر بالله . وبادر الخدم فأغلقوا أبواب دار ~~الخلافة وكانوا جميعا خدم المقتدر ومماليكه وصنائعه وأراد ابن حمدان الخروج ~~من الدار فتعلق به القاهر وقال : أنا في ذمامك فقال : والله لا أسلمك أبدا ~~وأخذ بيده وقال : قم بنا نخرج جميعا ، وأدعو أصحابي وعشيرتي فيقاتلون دونك ~~فقاما ليخرجا فوجدا الأبواب مغلقة ومعها فائق المعروف بوجه القصعة ، فأشرف ~~القاهر من سطح فرأى كثرة الجمع ، فنزل هو وابن حمدان وفائق فقال ابن حمدان ~~للقاهر : قف حتى أعود إليك ونزع سواده وثيابه وأخذ جبة صوف لغلام هناك ~~فلبسها ومشى نحو باب النوبى فرآه مغلقا والناس حوله . فعاد إلى القاهر ~~وتأخر عنهما وجه القصعة ، وأمر من معه من الخدم بقتلهما وأخذ بثأر المقتدر ~~وما صنعا به ، فعاد إليهما عشرة من الخدم بالسلاح ، فعاد إليهم أبو الهيجاء ~~وسيفه بيده فقاتلهم فقتلوه ، وهرب القاهر إلى آخر البستان واختفى . وأما ~~الرجالة فإنهم لما انتهوا إلى دار مؤنس وسمع زعقاتهم قال : ما الذي تريدون ~~؟ قالوا : نريد المقتدر فأمر بتسليمه إليه فامتنع المقتدر من ذلك وخاف أن ~~تكون حيلة ، فحمل وأخرج إليهم فحملوه على أعناقهم حتى أدخلوه دار الخلافة . ~~فلما حصل في الصحن التسعيني اطمأن وجلس وسأل عن أخيه القاهر وعن ابن حمدان ms5235 ~~فقيل إنهما حياة فأمنهما بخطه ، وأمر خادما بالسرعة بكتاب الأمان لئلا يحدث ~~على أبي الهيجاء حادث ، فمضى بالخط إليه فلقيه خادم ومعه رأسه فرجع به إلى ~~المقتدر ، فلما رآه استرجع وقال : ما كان يدخل إلى ويسليني ويطهر لي الغم ~~غيره ثم أخذ القاهر واحضر إلى المقتدر فأجلسه إلى جانبه وقبل جبينه وقال : ~~قد علمت أنك لا ذنب لك وأنك قهرت ولو لقبوك بالمقهور كان أولى بك من القاهر ~~والقاهر يبكي ويقول : يا أمير المؤمنين نفسي نفسي اذكرن الرحم التي بيني ~~وبينك فحلف له أنه لا يناله أبدا ، فسكن . PageV23P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" قال : ثم أخرج رأس نازوك ورأس أبي الهيجاء ~~وشهرا ، ونودي عليهما هذا جزاء من عصى مولاه وأما بني بن يعيش فإنه كان من ~~أشد القوم على المقتدر بالله ، فهرب عن بغداد وغير زيه وسار حتى بلغ الموصل ~~ومنها إلى أرمينية ، وسار حتى دخل القسطنطينة وتنصر . وهرب أبو السرايا نصر ~~بن حمدان أخو أبي الهيجاء إلى الموصل وسكنت الفتنة . وعاد الوزير ابن مقلة ~~إلى وزارته ، وكتب إلى البلاد بهذه الحادثة ، وأطلق للجند أرزاقهم وزادهم ~~وباع ما في الخزائن من الأمتعة والجواهر ، وأذن في بيع الأملاك من الناس ~~فبيع ذلك بأرخص الأثمان لتتم أعطيات الجند . وقيل إن مؤنسا المظفر لم يكن ~~مؤثر لما جرى على المقتدر من الخلع ، وإنما وافق الجماعة مغلوبا على رأيه ~~ولعلمه أنه إن خالفهم لم ينتفع به المقتدر فوافقهم ليأمنوه وسعى مع الغلمان ~~المصافية والحجرية ووضع قوادهم على أن عملوا ما عملوا ، فلهاذا أمنه ~~المقتدر . وأما القاهر فإن المقتدر حبسه عند والدته فأحسنت إليه وأكرمته ~~ووسعت عليه النفقة واشترت له السراري والجواري للخدمة وبالغت في إكرامه ~~نعود إلى بقية حوادث سنة ست عشرة وثلاثمائة فيها وصل الدمستق في جيش كبير ~~من الروم إلى أرمينية فحصروا خلاط فصالحه أهلها ، وأخرج المنبر من الجامع ~~وجعل مكانه صليبا و رحل إلى بدليس ففعل بها مثل ذلك وخافه أهل أرزن الروم ~~وغيرهم ، ففارقوا بلادهم ، وانحدر أعيانهم إلى بغداد فلم يغاثوا . وفيها ms5236 ~~وصل سبعمائة رجل من الروم والأرمن إلى ملطية ومعهم الفؤوس والمعاول وأظهروا ~~أنهم يتكسبون بالعمل ، ثم ظهر أن مليحا الأرمني صاحب الدروب وضعهم ليكونوا ~~بها ، فإذا حضر سلموها إليه ، فعلم بهم أهل ملطية فقتلوهم عن آخرهم . وفي ~~سنة سبع عشرة جاء أبو طاهر القرمطي إلى مكة يوم التروية فنهب أموال الحجاج ~~، وقتلوهم حتى في المسجد الحرام وفي البيت ، وقلع الحجر الأسود ، وفعل ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره . PageV23P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" ودخلت سنة ثماني عشرة وثلاثمائة : ذكر هلاك ~~الرجالة المصافية في هذه السنة هلك الرجالة المصافية في المحرم . وسب ذلك ~~أنهم لما أعادوا المقتدر إلى الخلافة - كما ذكرنا - زاد إدلالهم واستطالتهم ~~، وصاروا يقولون أشياء لا يحتملها الخلفاء ، منها أنهم يقولون : من أعان ~~ظالما سلط عليه ، ومن يصعد الحمار إلى السطح يقدر أن يحطه وإن لم يفعل ~~المقتدر معنا ما نستحقه قابلناه بما يستحق إلى غير ذلك ، وكثر شغبهم ~~ومطاولتهم وأدخلوا في الأرزاق أولادهم وأهليهم ومعارفهم وأثبتوا أسماءهم ، ~~فصار لهم في الشهر مائة ألف وثلاثون ألف دينار . واتفق أن الفرسان شغبوا في ~~طلب أرزاقهم فقيل لهم إن بيت المال فارغ وقد انصرفت الأموال إلى الرجالة ، ~~فثار بهم الفرسان واقتتلوا فقتل من الفرسان جماعة فاحتج المقتدر على ~~الرجالة بقتلهم وأمر محمد ابن ياقوت صاحب الشرطة فطرد الرجالة من دار ~~المقتدر ونودي فيهم بخروجهم عن بغداد ومن أقام حبس ، وهدمت دور عرفائهم ~~وقبضت أملاكهم ، وظفر بعد النداء بجماعة منهم فضربهم وحلق لحاهم وشعورهم ~~وشهرهم . وهاج السودان تعصبا للرجالة فركب محمد أيضا في الحجرية وأوقع بهم ~~وأحرق منازلهم ، فاحترق فيها جماعة منهم ومن أولادهم ونسائهم ، فخرجوا إلى ~~واسط . واجتمع منهم جمع كبير وتغلبوا عليها وطردوا عامل الخليفة ، فسار ~~إليهم مؤنس فأوقع بهم وأكثر القتل فيهم ، فلم يقم لهم بعدها قائمة . ذكر ~~عزل ابن مقلة ووزارة سليمان في هذه السنة عزل أبو علي محمد بن مقلة عن ~~وزارة الخليفة . وكان سبب عزله أن المقتدر كان يتهمه بالميل إلى مؤنس ~~المظفر وكان المقتدر مستوحشا ms5237 من مؤنس ويظهر له الجميل ، فاتفق أن مؤنسا خرج ~~إلى أوانا و عكبرا ، فركب ابن PageV23P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" مقلة إلى دار المقتدر آخر جمادى الأولى فقبض ~~عليه وكان بين ابن مقلة وبين محمد بن ياقوت عداوة فأنفذ إلى داره من حرقها ~~ليلا . قال : وأراد المقتدر أن يستوزر الحسين بن القاسم بن عبد الله وكان ~~مؤنس قد عاد ، فأنفذ إلى المقتدر يسأل أن يعاد ابن مقلة فلم يجبه إلى ذلك ~~وأراد قتله ، فرده علي بن عيسى عن ذلك فسأله مؤنس أن لا يستوزر الحسين ، ~~فتركه واستوزر سليمان بن الحسن في منتصف جمادى الآخرة ، وأمر المقتدر علي ~~بن عيسى بالإطلاع على الدواوين وأن لا ينفرد سليمان عنه بشيء . وصودر ابن ~~مقلة بمائتي ألف دينار ، وكانت مدة وزارته سنتين وأربعة أشهر وثلاثة أيام . ~~وفيها أمر المقتدر بالقبض على أولاد البريدي . وكان ابن مقلة لما ولي ~~الوزارة قلدهم الأعمال ، فقلد أبا عبد الله الأهواز جميعها سوى السوس وجند ~~يسابور وقلد أخاه الحسين الفراتية ، وقلد أخاهما يوسف الخاصة والأسافل ، ~~وارتشى منهم على ذلك عشرين ألف دينار من أبي عبد الله . فلما قبض على ابن ~~مقلة كتب المقتدر بخطه إلى أحمد بن نصر القشوري الحاجب يأمره بالقبض عليهم ~~ثم استحضرهم إلى بغداد ، وصودروا على أربعمائة ألف دينار ، وكان لا يطمع ~~منهم بهذا المبلغ وإنما طلب منهم ليجيبوا إلى بعضه فأجابوا إلى الجميع . ~~ذكر خروج صالح والأغر في هذه السنة في جمادى الأولى خرج خارجي من بجيلة من ~~أهل البوازيج بها اسمه صالح بن محمود وعبر إلى البرية ، واجتمع إلى جماعة ~~من بني مالك . وسار إلى سنجار فأخذ من أهلها مالا وخطب بها ، فذكر بأمر ~~الله وحذر وأطال في هذا ثم قال : نتولى الشيخين ونبرأ من الخبيثين ولا نرى ~~المسح على الخفين وسار منها إلى الشجاجية من أرض الموصل فطالب أهلا بالعشر ~~ثم انحدر إلى الحديثة تحت الموصل وطالب المسلمين بزكاة أموالهم والنصارى ~~بجزية رؤوسهم فجرى بينهم حرب فقتل من أصحابه جماعة ، فعبر إلى الجانب ~~الغربي فأسر ms5238 أهل الحديثة ابنا له اسمه PageV23P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" محمد فأدخلوه الموصل . ثم صار صالح إلى السن ~~فصالحه أهلها على مال أخذه ، وانحدر إلى تكريت فحاربه أهلها فقتل منهم ~~جماعة ثم صالحوه على مال أخذه منهم ، وانصرف إلى البوازيج وتنقل في بلاد ~~الموصل فسار إليه نصر بن حمدان لخمس خلون من شعبان من السنة فقاتله قتالا ~~شديدا فقتل من رجال صالح نحو مائة رجل ، وأسر صالح وابنان له فأدخلوا إلى ~~الموصل ، وحملوا إلى بغداد فأدخلوا مشهرين . وخرج في شعبان خارجي بأرض ~~الموصل اسمه الأغر بن مطر الثعلبي ، وسار من رأس عين إلى كفر توثا واجتمع ~~عليه ألف رجل فدخلها ونهبها وقتل فيها ، وسار إلى نصيبين فنزل بالقرب منها ~~فقاتله أهلها ومعهم جمع من الجند فقتل منهم مائة رجل وأسر ألف رجل فباعهم ~~نفوسهم ، وصادر أهلها على أربعمائة ألف درهم . وبلغ خبره ناصر الدولة بن ~~حمدان - وهو أمير ديار ربيعة - فسير إليه جيشا فقاتلوه فظفروا به وأسروه ~~فسيره ناصر الدولة إلى بغداد . وفيها خلع المقتدر بالله على ابنه هارون ، ~~وركب معه الوزير والجيش وأعطاه ولاية فارس وكرمان وسجستان ومكران . وفيها ~~أيضا خلع على ابنه أبي العباس الراضي واقطعه بلاد المغرب ومصر والشام وجعل ~~مؤنسا المظفر يخلفه فيها ، وحج بالناس عبد السميع بن أيوب بن عبد العزيز ~~الهاشمي . ودخلت سنة تسع عشرة وثلاثمائة : ذكر عزل سليمان عن الوزارة ~~وتوليه أبي القاسم الكلوذاني الوزارة في هذه السنة قبض المقتدر على وزيره ~~سليمان . وسبب ذلك أن الأموال ضاقت عليه ، وكثرت المطالبات من الجند وغيرهم ~~بأرزاقهم ، واتصلت رقاع من يرشح للوزارة بالسعاية فيه والضمان بالقيام ~~بأرزاق الجند وأرباب الوظائف ، فأمر PageV23P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" المقتدر بالقبض عليه وكان المقتدر يميل إلى ~~وزارة الحسين بن القاسم ، فامتنع مؤنس من الموافقة عليه وأشار بتوليه أبي ~~القاسم الكلوذاني فاستوزره المقتدر بالله لثلاث بقين من شهر رجب ، فكانت ~~وزارة سليمان سنة واحدة وشهرين ، ولم يستمر الكلوذاني في الوزارة غير شهرين ~~وثلاثة أيام . ذكر عزل الكلوذاني ووزارة الحسين في هذه السنة عزل ms5239 أبو ~~القاسم الكلوذاني عن وزارة الخليفة ، ووزر الحسين بن القاسم بن عبيد الله ~~بن سليمان بن وهب . وكان سبب ذلك أنه كان ببغداد إنسان يعرف بالدانيالي ~~وكان زرافا ذكيا محتالا ، فكان يعتق الكاغد ويكتب فيه أشياء قد وقعت فيما ~~مضى من الزمان وأشياء تقع في المستقبل ويرى ذلك للناس . واتصل بهذا ~~الدانيالي بمفلح الخادم وأظهره على أشياء استماله بها . فتوصل الحسين لهذا ~~الرجل حتى جعل اسمه في جملة كتاب وضعه وعتقه ، وذكر فيه علامة في وجهه وما ~~فيه من الآثار ويقول إنه يزر للخليفة الثامن عشر من الخلفاء العباسيين ~~وتستقيم الأمور على يديه ويقهر الأعادي وذكر في هذا الكتاب حوادث وقعت ~~وحوادث تقع في المستقبل ، ونسب ذلك إلى دانيال . وقرأ الكتاب على مفلح ~~فأخذه منه وأوقف المقتدر عليه فقال له : أتعرف في الكتاب من هو بهذه الصفة ~~؟ فقال : ما أعرف إلا الحسين بن القاسم قال : صدقت ، قلبي يميل إليه ، فإن ~~جاءتك رقعة منه فاعرضها على واكتم حاله . فخرج مفلح إلى الدانيالي وقال : ~~هل تعرف في الكتاب من هو بهذه الصفة ؟ قال : لا قال : فمن أين لك هذا ~~الكتاب ؟ قال : ورثته عن أبي ، وورثه أبي عن آبائه ، وهو من ملاحم دانيال ~~عليه السلام فأعاد ذلك إلى المقتدر بالله فقبله . فكتب الحسين رقعة إلى ~~مفلح وهو يطلب الوزارة فكان ذلك من أعظم الأسباب لوزارته مع كثرة الكارهين ~~له . ثم اتفق أن الكلوذاني عمل حسبة بما يحتاج إليه من النفقات وما لهم من ~~الأموال وعليها خطوط الدواوين فبقي يحتاج إلى سبعمائة ألف دينار لا جهة لها ~~، فعرضها على المقتدر وقال : ليس لهذه جهة إلا ما يطلقه أمير المؤمنين من ~~بيت المال الخاصة فعظم ذلك على المقتدر ، وكتب الحسين رقعة عندما بلغه ذلك ~~سأل فيها PageV23P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" الوزارة وأنه يضمن جميع النفقات ويستخرج سوى ~~ذلك ألف ألف دينار تكون في بيت المال ، فاستقال الكلوذاني ، فعزل لليلتين ~~بقيتا من شهر رمضان ، واستوزر المقتدر بالله الحسين بن القاسم في هذا ~~التاريخ . ذكر تأكيد الوحشة بين ms5240 مؤنس والمقتدر في هذه السنة في ذي الحجة ~~تجددت الوحشة بينهما وسبب ذلك أن مؤنسا بلغه أن الوزير قد وافق جماعة من ~~القواد في التدبير عليه فتنكر له مؤنس . وبلغ الوزير أن مؤنسا يريد أن يكبس ~~داره ليلا ويقبض عليه ، فتنقل في عدة مواضع ثم انتقل إلى دار الخلافة . ~~وطلب مؤنس من المقتدر عزل الحسين ومصادرته فأجابه إلى عزله ولم يصادره ، ~~وأمر الحسين بلزوم داره فلم يقنع مؤنس بذلك فبقي في وزارته ، فأوقع الحسين ~~عند المقتدر أن مؤنسا يريد أخذ ولده أبي العباس ويسيره إلى الشام ويبايع له ~~، فرده المقتدر إلى دار الخلافة فعلم ذلك أبو العباس ، فلما أفضت إليه ~~الخلافة فعل بالحسين ما نذكره إن شاء الله تعالى . وكتب الحسين إلى هارون - ~~وهو يريد العاقول - بعد انصرافه من حرب مرداويج وانهزامه وهو بالمقدمة إلى ~~بغداد ، وكتب إلى محمد بن ياقوت - وهو بالأهواز - يأمره بالإسراع إلى بغداد ~~، فصح عند مؤنس أن الوزير يدبر عليه وزاد مؤنسا نفارا . ودخلت سنة عشرين ~~وثلاثمائة : ذكر مسير مؤنس إلى الموصل في هذه السنة في المحرم سار مؤنس ~~المظفر إلى الموصل مغاضبا ، للمقتدر لما صح عنده إرسال الوزير إلى هارون بن ~~غريب الخال ومحمد بن ياقوت يستحضرهما . قال : وسير مؤنس خادمه بشرى برسالة ~~إلى المقتدر ، فسأله الحسين عن الرسالة فقال : لا أذكرها إلا أمير المؤمنين ~~. فأنفذ إليه المقتدر يأمره بذكر رسالته للوزير فامتنع وقال : ما أمرني ~~صاحبي بهذا فسبه الوزير وشتم صاحبه وأمر بضربه وصادره بثلاثمائة ألف دينار ~~وأخذ خطه بها وحبسه ونهب داره . فلما بلغ مؤنسا ما جرى على خادمه وكان ~~ينتظر أن المقتدر يطيب قلبه ويعيده ، سار ومعه جميع قواده ومماليكه ، ومعه ~~من الساجية ثمانمائة رجل . فتقدم الوزير بقبض إقطاع مؤنس وأملاكه وأملاك من ~~معه ، فحصل من ذلك أموالا عظيمة فزاد ذلك في محله عند المقتدر ولقبه عميد ~~الدولة وضرب اسمه على الدنانير والدراهم وتمكن من الوزارة وولي وعزل ثم أخذ ~~في التهوير فعزله المقتدر بالله . PageV23P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" ذكر عزل الحسين عن ms5241 الوزارة ووزارة ابن الفرات ~~كان سبب عزله أنه ضاقت عليه الأموال وكثر الخرج فاستسلف جملة من مال هذه ~~السنة وأخرجها من مال هذه السنة وأخرجها في سنة تسعة عشر . فأنهى هارون بن ~~غريب ذلك إلى المقتدر ، فرتب معه الخصيبي . فلما تولى معه نظر في أعماله ~~فرآه قد عمل حسبة للمقتدر ليس فيه عليه وجه فأظهر ذلك للمقتدر ، فأمر بجمع ~~الكتاب وكشف الحال . فاعترفوا بصدق الخصيبي وقابلوا الوزير ، فقبض عليه في ~~شهر ربيع الآخر فكانت وزارته سبعة أشهر إلا أياما . واستوزر المقتدر بالله ~~الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات ، وسلم إليه الحسين بن القاسم فلم يؤاخذه ~~بإساءته . ذكر استيلاء مؤنس على الموصل قال : ولما سار مؤنس إلى الموصل كتب ~~الحسين الوزير إلى سعيد وداود ابني حمدان وإلى ابن أخيهما ناصر الدولة ~~الحسن ابن عبد الله بن حمدان بمحاربته وصده عن الموصل ، فاجتمع بنو حمدان ~~على محاربته إلا داود فإنه امتنع لإحسان مؤنس إليه ، فإنه قد كان رباه في ~~حجره بعد أبيه فما زال به إخوته حتى وافقهم ، ولما أجابهم قال لهم : إنكم ~~لتحملوني على البغي وكفران النعمة والإحسان وما آمن أن يجيئني سهم عاثر ~~فيقع في نحري فيقتلني فلما التقوا أتاه سهم كما وصف فقتله ، ولما قرب مؤنس ~~من الموصل كان في ثمانمائة فارس . واجتمع بنو حمدان في ثلاثين ألفا فالتقوا ~~واقتتلوا فانهزم بنو حمدان ودخل مؤنس الموصل واستولى على أموال بني حمدان ~~وديارهم ، فخرج إليه كثير من العساكر من بغداد والشام ومصر وعاد إليه ناصر ~~الدولة بن حمدان فصار معه وكان دخول مؤنس إلى الموصل في ثالث صفر ، وأقام ~~بها سبعة أشهر ، وعزم على الانحدار إلى بغداد . ذكر مقتل المقتدر بالله قال ~~: ولما اجتمعت العساكر إلى مؤنس بالموصل قالوا له : اذهب بنا إلى الخليفة ~~فإن أنصفنا وأجرى أرزاقنا وإلا قاتلناه فانحدر مؤنس من الموصل في ~~PageV23P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" شوال ، وبلغ خبره جند بغداد فشغبوا وطلبوا ~~أرزاقهن ففرق المقتدر فيهم أموالا كثيرة إلا أنها لم تسعهم وأنفذ المقتدر ~~أبا العلاء ms5242 سعيد بن حمدان وصافيا البصري في خيل عظيمة إلى سامراء وأنفذ أبا ~~بكر محمد بن ياقوت في ألفي فارس ومعه الغلمان الحجرية إلى المعشوق . فلما ~~وصل مؤنس إلى تكريت جعل العسكر الذين مع ابن ياقوت يتسللون ويهربون إلى ~~بغداد ، ونزل مؤنس بباب الشماسية ، فلما رأى ذلك رجع ابن ياقوت إلى عكبرا ، ~~وسار مؤنس فتأخر ابن ياقوت وغيره وعادوا إلى بغداد . ونزول مؤنس بباب ~~الشماسية ، ونزل ابن ياقوت وغيره مقابلهم واجتهد المقتدر بخاله هارون بن ~~غريب فلم يفعل وقال أخاف من عسكري فإن بعضهم أصحاب ليخرج مؤنس وبعضهم قد ~~انهزم أمس من مرداويج فأخاف أن يسلموني وينهزموا عني فلم يزل به حتى أخرجه ~~، وأشار الناس على المقتدر بإخراج المال منه ومن أمه ليرضى الجند وقالوا : ~~إنه متى سمع أصحاب مؤنس بتفريق الأموال تفرقوا عنه ، فاضطر إلى الهرب فقال ~~: لم يبقى لي ولا لوالدتي شيء وأراد المقتدر أن ينحدر إلى واسط ويكاتب ~~العساكر من البصرة والأهواز وفارس وكرمان وغيرها ويترك بغداد لمؤنس إلى أن ~~يجتمع إليه العساكر ويعود إلى قتاله ، فرده ابن ياقوت عن ذلك ، وزين له ~~اللقاء وقوى نفسه أن القوم متى رأوه عادوا بأجمعهم إليه فرجع إلى قوله وهو ~~كاره ، ثم أشار عليه بحضور الحرب فخرج وهو كاره وبين يديه الفقهاء ومعهم ~~المصاحف منشورة وعليه البردة والناس حوله ، فوقف على تل بعيد من المعركة ~~فأرسل إليه قواده يسألونه التقدم مرة بعد أخرى ، فلما ألحوا عليه تقدم من ~~موضعه فانهزم أصحابه قبل وصوله إليهم . وكان قد أمر فنودي . من جاء بأسير ~~فله عشرة دنانير ومن جاء برأس فله خمسة . فلما انهزم أصحابه لقيه علي بن ~~يلبق - وهو من أصحاب مؤنس - فترجل وقبل الأرض وقال له : أين تمضي ؟ ارجع ، ~~فلعن الله من أشار عليك بالحضور فأراد الرجوع ، فلحقه قوم من المغاربة ~~والبربر ، فتركه علي وسار ، فشهروا سيوفهم فقال : ويحكم أنا الخليفة فقالوا ~~: قد عرفناك يا سفلة ، أنت خليفة إبليس ، تبذل في كل رأس خمسة دنانير وفي ~~كل أسير عشرة دنانير . وضربه أحدهم ms5243 بسيفه PageV23P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" على عاتقه فسقط إلى الأرض ، وذبحه بعضهم - ~~وقيل إن علي بن يلبق رمز إلى بعضهم فقتله - وذلك في يوم الأربعاء لثلاث ~~بقين من شوال سنة عشرين وثلاثمائة . قال : ولما قتل رفعوا رأسه على خشبة ~~وهم يكبرون ويلعنونه ، وأخذوا جميع ما عليه حتى سراويله ، وتركوه مكشوف ~~العورة إلى أن مر به رجل أكار فستره بحشيش ، ثم حفر له في موضعه ودفن ، ~~وعفا قبره . وهذا ومؤنس في الراشدية لم يشهد الحرب ، فلما حمل رأس المقتدر ~~إليه بكى ولطم وجهه ورأسه وقال : يا مفسدون ما هكذا أوصيتكم ، والله لنقتلن ~~كلنا ، وأقل ما في الأمر أن تظهروا أنكم قتلتموه خطأ ولم تعرفوه وتقدم مؤنس ~~إلى الشماسية ، وأنفذ إلى دار الخلافة من يمنعها من النهب . ومضى عبد ~~الواحد بن المقتدر وهارون بن غريب ومحمد بن ياقوت وابنا رائق إلى المدائن . ~~وكان ما فعله مؤنس سببا لجرأة أصحاب الأطراف على الخلفاء وطمعهم واستبدادهم ~~، وانحرفت حرمة الخلافة لقتل المقتدر ، وضعف أمرها حتى انتهى إلى ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى . قال : وقتل وعمره ثمان وثلاثون سنة وخمسة أيام ، وكان ~~مدة خلافته أربعا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وستة عشر يوما ، وكان ربع ~~القامة دري اللون أحور أصهب ، وكان نقش خاتمه " الحمد لله الذي ليس كمثله ~~شيء وهو السميع خالق كل شيء " ويقال إن المقتدر بذر من الأموال تضييعا في ~~غير وجهها نيفا وتسعين ألف ألف دينار سوى ما أنفقه في الوجوه ، وكان يصرف ~~إلى الحرمين وفي طريقهما في كل سنة ثلاثمائة ألف وخمسة عشر ألف دينار ~~وأربعمائة وستة وعشرين دينارا وإلى الثغور وأربعمائة ألف وواحد ألف ~~وأربعمائة وست وخمسين دينارا وكان يجري على القضاة في كل الممالك ستة ~~وخمسين ألفا وخمسمائة وواحدا وأربعين دينارا ، وعلى الفقهاء بالحضرة ثلاثة ~~عشر ألفا وخمسمائة وتسعة وستين دينارا ، وعلى من يتولى الحسبة والمظالم في ~~جميع البلاد أربعة وثلاثين ألفا وأربعمائة وتسعة وثلاثين دينارا ، وعلى ~~أصحاب البريد تسعة وسبعين ألفا وأربعمائة دينار ، وغير ذلك من الجرايات على ~~أصناف ms5244 الناس وطبقاتهم . وعجز ارتفاع ممالكه عن نفقاته ألفي ألف وتسعة ~~وثمانين ألفا وثمانمائة وأربعة وسبعين دينارا ، ولم ينقص أحدا شيئا فأنفق ~~ما كان في بيوت الأموال قبله . PageV23P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" قال : ومات في أيامه خمسة عشر ألف أمير ومقدم ~~مذكور فكانت والدته تطوي عنه الرزايا والفجائع وتقول : إظهارها يؤلم قلبه ~~فأدى ذلك إلى انتشار الفساد في ممالكه . وكان الناس قد ملوا أيامه لطولها ، ~~حتى إذا تصرمت تمنوا ساعة منها ، فأعوزتهم ، وشملتهم الحوادث والطوارق . ~~وكان له من الأولاد الراضي والمتقي والمطيع وعبد الواحد وعباس وهارون وعلي ~~وإسماعيل وعيسى وموسى وأبو العباس . ووزر له من ذكرنا وهم : العباس بن ~~الحسن ، وأبو الحسن بن الفرات ثلاث دفعات وقد ذ كرنا أخباره ، ومحمد بن عبد ~~الله بن خاقان . وعلي بن عيسى دفعتين ، وكان موصوفا بالعلم والدين والعقل ، ~~وساس الدنيا السياسة التي عمرت البلاد ، وكان يستغل ضياعه في السنة سبعمائة ~~ألف دينار يخرج منها في وجوه البر ستمائة ألف دينار وينفق أربعين ألف دينار ~~على خاصته ، وكان يصوم نهاره ويقوم ليله ، ولما حبس كان يلبس ثيابه ويتوضأ ~~ويقوم ليخرج إلى صلاة الجمعة فيرده الموكلون به فيقول : اللهم أشهد وكانت ~~له آثار حسنة ومآثر جميلة منها أنه أشار على المقتدر أن يوقف المستغلات ~~ببغداد على الحرس والثغور - وغلتها في كل شهر ثلاثة عشر ألف دينار - ~~والضياع الموروثة بالسواد وارتفاعها نيف وثمانون ألف دينار سوى الغلة ، ~~ففعل ذلك وأفرد لهذا الموقف ديوانا سماه ديوان البر ، وكان يجري على خمسة ~~وأربعين ألف إنسان جرايات تكفيهم ، وخدم السلطان سبعين سنة لم يزل فيها ~~نعمة أحد ولم يقتل أحدا ، ولم يسع في ذمة ولم يهتك حرمة أحد ، ومات في آخر ~~ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وله تسع وثمانون سنة وستة أشهر ويوم ~~واحد ، رحمه الله ووزر له حامد بن العباس ، وأبو القاسم الخاقاني ، وأحمد ~~بن عبد الله الخصيبي ، وأبو علي بن مقلة ، وسليمان بن الحسين بن مخلد ، ~~وعبد الله الكلوذاني ، والحسين بن القاسم بن عبيد الله ، والفضل بن جعفر ms5245 بن ~~الفرات . قضاته : يوسف بن يعقوب ثم ابنه محمد بن يوسف ، ثم أبو عمر ، ثم ~~عبد الله بن أبي الشوارب ، ثم ابنه محمد ، ثم أحمد بن إسحاق بن البهلول ، ~~ثم عمر بن محمد بن يوسف ، والحسن بن عبد الله ، وعمر بن الحسن بن أبي ~~الشوارب . حجابه : سوسن مولى المكتفي ، ونصر القشوري ، وياقوت مولى المعتضد ~~، وغيرهم . PageV23P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" الأمراء بمصر : عيسى النوشري ، ثم تكين الخزري ~~، ثم وصل مؤنس إلى مصر فصرف تكين وولاها ذكاء الأعور ثم مات فأعيد تكين ، ~~ثم هلال بن بدر ، ثم أحمد كيغلغ ، ثم تكين مرة ثالثة . القضاة بها : أبو ~~عبيد الله بن علي بن الحسين البزاز إلى أن ورد كتاب ابن الفرات بصرفه ورد ~~القضاء إلى عبد الله بن مكرم شاب من شهود أبي عمر ، فاستخلف له أبو الذكر ~~بن يحيى التمار ، ثم ورد إبراهيم بن محمد الطبري خليفة لعبد الله ، ثم صرف ~~عبد الله وولي إبراهيم بن حماد فاستخلف أبا علي عبد الرحمن بن إسحاق ، ثم ~~صرف هارون وولي أبو محمد عبد الله بن أحمد بن رزين ، وولي تكين أبا هاشم ~~إسماعيل بن عبد الواحد الربعي . ذكر خلافة القاهر بالله هو أبو منصور محمد ~~بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد وقد تقدم ذكر نسبه ، وأمه أم ولد اسمها ~~قبول . وهو التاسع عشر من الخلفاء العباسيين ، بويع له بعد مقتل أخيه ~~المقتدر في يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال سنة عشرين وثلاثمائة . قال : ~~ولما قتل المقتدر بالله عظم قتله على مؤنس كما ذكرناه فقال : الرأي ننصب ~~ولده أبا العباس في الخلافة فإنه تربيتي ، وهو صبي عاقل فيه دين وكرم ووفاء ~~بما يقول ، فإذا جلس في الخلافة سمحت نفس جدته والدة المقتدر وإخوته وغلمان ~~أبيه ببذل الأموال ولم ينتطح في قتل المقتدر عنزان فعارضه أبو يعقوب إسحاق ~~بن إسماعيل النوبختي وقال : بعد الكد استرحنا من خليفة له أم وخالة وخدم ~~يدبرونه فنعود إلى تلك الحالة ، لا والله لا نرضى إلا برجل كامخل يدبر نفسه ~~ويدبرنا وما زال ms5246 حتى رد مؤنسا عن رأيه ، وذكر له أبا منصور محمد فأجابه ~~مؤنس إلى ذلك . وكان النونجتي في ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه فإن القاهر ~~قتله كما نذكر إن شاء الله تعالى ، فأمر مؤنس بإحضاره فبايعوه بالخلافة ، ~~ولقبوه القاهر بالله . كان مؤنس كارها لخلافته والبيعة له يقول : أنا عارف ~~بشره وسوء نيته ولكن لا حيلة قال : ولما بويع استحلفه مؤنس لنفسه ولحاجبه ~~على بن يلبق ، وأخذ خطه بذلك . PageV23P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" ولما استقرت الخلافة له وبايعه الناس استوزر ~~أبا علي بن مقلة وكان بفارس فاستقدمه ، واستحجب على بن يلبق . وشرع القاهر ~~في البحث عمن استتر من أولاد أخيه المقتدر وحرمه ، وأحضر والدته - وكانت ~~مريضة بالاستسقاء - وسألها عن المال فاعترفت له بما عندها من المصوغ ~~والثياب ولم تعترف بشيء من المال والجوهر ، فضربها أشد ما يكون من الضرب ~~وعلقها برجلها وضرب المواضع المستورة من بدنها فحلفت أنها لا تملك غير ما ~~أطلعته عليه وقالت : لو كان عندي مال لما سلمت ولدي للقتل ولم تعترف بشيء . ~~وصادر جميع حاشية المقتدر بالله وأصحابه ، وأخرج والدته لتشهد على نفسها ~~القضاة والعدول بأنها قد حلت أوقافها ووكلت في بيعها ، فامتنعت من ذلك ~~وقالت : قد أوقفتها على أبواب البر والقربات بمكة والمدين والثغور وعلى ~~الضعفاء والمساكين ولا أستحل حلها ولا بيعها ، وإنما أوكل في بيع أملاكي ~~فلما علم القاهر بذلك أحضر القاضي والشهود وأشهدهم على نفسه أنه قد حل ~~وقوفها جميعها ووكل في بيعها ، فبيع ذلك كله واشتراه الجند من أرزاقهم . ~~وتقدم القاهر بكبس الدار التي سعى إليه أن أولاد المقتدر اختفوا بها ، فلم ~~يزل كذلك إلى أن وجد منهم أبا العباس الراضي وعليا والعباس وهارون وإبراهيم ~~والفضل فحملوا إلى دار الخلافة فصودروا على مال كثير ، وسلمهم علي بن يلبق ~~لكاتبه الحسن بن هارون ، فأحسن صحبتهم وخدمهم . قال : وقبض الوزير على ~~جماعة من العمال وعزل بني البريدي وصادرهم . ودخلت سنة إحدى وعشرين ~~وثلاثمائة : ذكر خبر عبد الواحد بن المقتدر ومن معه كان عبد الواحد بن ~~المقتدر بالله ms5247 قد هرب عند قتل أبيه ومعه هارون بن غريب ومفلح ومحمد بن ~~ياقوت وابنا رائق إلى المدائن كما قدمنا ، ثم انحدروا منها إلى ~~PageV23P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" واسط ، فخافهم الناس . فأما هارون بن غريب ~~فإنه كتب إلى بغداد في طلب الأمان لنفسه ويبذل مصادرة ثلاثمائة ألف دينار ~~على أن يطلق له أملاكه وينزل عن الأملاك التي استأجرها ، ويؤدي من أملاكه ~~حقوق بيت المال القديمة . فأجابه القاهر ومؤنس إلى ذلك ، وكتب له كتاب أمان ~~. وقلد أعمال ماه الكوفة وما سبذان ومهر جانقذق ، وسار إلى بغداد . وأما ~~عبد الواحد فإنه خرج من واسط فيمن بقي معه ومضوا إلى السوس وسوق الأهواز ~~فجنوا المال وطردوا العمال ، وأقاموا بالأهواز ، فجهز مؤنس إليهم جيشا ~~كثيفا وجعل عليه يلبق . وكان الذي حرضهم على إيفاد الجيش أبو عبد الله ~~البريدي وبذل مساعدته معجلة خمسين ألف دينار على أن يولي الأهواز وعند ~~استقراره في الولاية يعجل ما بقي . فسار الجيش وفيهم أبو عبد الله ، وكان ~~محمد بن ياقوت قد استبد بالأموال والأمر ، فنفرت قلوب من معه من القواد ~~لذلك . فلما قرب يلبق من واسط . أظهروا ما في نفوسهم وفارقوه . ولما وصل ~~إلى السوس فارق عبد الواحد ومحمد بن ياقوت الأهواز وسار إلى تستر ، ~~وفارقهما من معهما من القواد إلى يلبق بأمان . وبقي مفلح وسرور الخادم مع ~~عبد الواحد فقالا لمحمد بن ياقوت : أنت معتصم بهذه المدينة وبمالك ورجالك ~~ونحن لا مال معنا ولا رجال ومقامنا يضرك ولا ينفعك وقد عزمنا على أخذ ~~الأمان لنا ولعبد الواحد بن المقتدر ، فأذن لهما في ذلك فكتب إلى يلبق ~~فأمنهم ، فعبروا إليه . وبقي محمد بن ياقوت منفردا فتحير وضعفت نفسه فترأس ~~هو يلبق واستقر بينهما أن يلبق يؤمنه ويضمن له أمان مؤنس والقاهر ، ففعل . ~~وخرج محمد بن ياقوت معه إلى بغداد ولما وصلوا وفى لهم القاهر بالله ، وأطلق ~~لعبد الواحد أملاكه وترك لوالدته المصادرة التي كان صادرها بها ، واستولى ~~أبو عبد الله البريدي على البلاد ، وعسف أهلها ، وأخذ أموال التجار وعمل ~~بأهل البلاد ms5248 ما لا تعمله الفرنج ولم يمنعه أحد عما يريد وأعاد إخوانه إلى ~~أعمالهم . ذكر استيحاش مؤنس وأصحابه من القاهر في هذه السنة استوحش مؤنس ~~المظفر ويلبق الحاجب وولده علي والوزير أبو علي بن مقلة من القاهر بالله ~~وضيقوا عليه وعلى أسبابه . وكان سبب ذلك أن محمد بن PageV23P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" ياقوت تقدم عند القاهر وعلت منزلته وصار يخلو ~~به ويشاوره فعظم ذلك على ابن مقلة لعداوة كانت بينه وبني ابن ياقوت ، فألقى ~~إلى مؤنس أن محمدا يسعى به عند القاهر وأن عيسى الطبيب يسفر بينهما في ~~التدبير عليه ، فوجه مؤنس علي بن يلبق لإحضار عيسى الطبيب فوجده بين يدي ~~القاهر ، فأخذ وأحضره عند مؤنس فسيرته من ساعته إلى الموصل ، واجتمعوا على ~~الإيقاع بمحمد بن ياقوت وكان في الخيام . فركب على ابن يلبق في جند ليكبسه ~~، فوجده قد اختفى فنهب أصحابه ، واستتر محمد بن ياقوت . ووكل علي بن يلبق ~~على دار الخليفة أحمد بن زيزك وأمره بالتضييق على القاهر بالله وتفتيش كل ~~من يدخل الدار ويخرج منها ، وأن يكشف وجوه النساء ، وإن وجد رقعة رفعها إلى ~~مؤنس ففعل ذلك وزاد عليه حتى إنه حمل إلى دار القاهر لبن فادخل يده فيه . ~~ونقل يلبق من كان بدار القاهر محبوسا إلى داره كوالدة المقتدر وغيرها ، ~~وقطع أرزاق حاشيته . فعلم القاهر أن العتاب لا يفيد وأن ذلك برأي مؤنس وابن ~~مقلة ، فأخذ في الحيلة والتدبير على جماعتهم . وكان قد عرف فساد قلب طريف ~~السبكري وبشرى خادم مؤنس وحسدهما ليلبق وولده على مراتبهما ، فشرع في ~~إغرائهما بيلبق وانبه . وعلم أيضا أن مؤنسا ويلبق أكثر اعتمادهما على ~~الساجية أصحاب يوسف بن أبي الساج وغلمان المنتقلين إليهما بعده ، وكان قد ~~وعداهم بالموصل مواعد أخلفاها فأرسل القاهر إليهم وأغراهم بهما وحلف لهم ~~على الوفاء بما أخلفاه ، فتغيرت قلوب الساجية . ثم أرسل أبا جعفر محمد بن ~~القاسم بن عبيد الله وكان صاحب مشورة ابن مقلة ، ووعده بالوزارة فكان ~~يطالعه بالأخبار . ذكر القبض على مؤنس المظفر ويلبق الحاجب وابنه وسبب ms5249 ذلك ~~أنه صح عندهم أن القاهر يدبر عليهم فخافوه ، وحملهم الخوف على الجد في خلعه ~~، واتفق رأيهم على البيعة لأبي أحمد بن المكتفي ، فاستخلفوه وعقدوا له ~~البيعة سرا ، وحلف له يلبق وابنه علي والوزير ابن مقلة والحسن بن هارون ثم ~~كشفوا الأمر لمؤنس فقال : لست أشك في شر القاهر وخبثه ، ولقد كانت كارها ~~لخلافته وأشرت بابن المقتدر بالله فخالفتم رأي ، وقد بالغتم في الاستهانة ~~به وما صبر PageV23P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" على الهوان إلا من خبث طويته ليدبر عليكم ، ~~فلا تعجلوا حتى تؤنسوه وينبسط إليكم ثم تعرفوا من وطأة من القواد والساجية ~~والحجرية واعملوا بعد ذلك فقال علي بن يلبق والحسن بن هارون : ما يحتاج إلى ~~هذا التطويل فإن الحجبة لنا والدار في أيدينا وما نحتاج إلى أن نستعين في ~~القبض عليه بأحد لأنه بمنزلة طائر في قفص وعملوا على معالجته . فاتفق أن ~~سقط يلبق من الدابة فاعتل ولزم بيته ، فاتفق علي وابن مقفلة وحسنا لمؤنس ~~خلع القاهر وهونا عليه أمره ، فأذن لهما فاتفق رأيهما على أن يظهرا أن أبا ~~طاهر القرمطي دخل الكوفة وأن علي بن يلبق سائر لقتاله ومنعه من بغداد ، ~~فإذا دخل لوداع القاهر بالله قبض عليه ، فأشاعا ذلك ، وكتب ابن مقلة رقعة ~~إلى الخليفة يعرفه ذلك ويقول : إنني قد جهزت علي بن بلبق ليسير في هذا ~~اليوم وأن يحضر العصر للخدمة ليأمره مولانا بما يراه فكتب القاهر في جوابه ~~يشكره ويأذن في حضور ابن يلبق . فجاء جواب الخليفة وابن مقلة نائم فتركوه ~~ولم يوصلوه إليه . فلما استيقظ كتب رقعة أخرى في المعنى ، فأنكر القاهر ~~الحال . فهو في هذا إذا وصلته رقعة طريف السبكري يذكر أن عنده نصيحة وأنه ~~قد حضر في زي النساء لينهيها إليه ، فاجتمع به القاهر ، فذكر له جميع ما ~~عزموا عليه وما هم فيه وما فعلوه من التدبير . فأنفذ القاهر إلى الساجية ~~فأحضرهم متفرقين وكمنهم في الدهاليز والممرات والرواقات ، وحضر علي بن يلبق ~~بعد العصر وفي رأسه نبيذ ومعه عدد يسير من أصحابه في ms5250 طيار له . وأمر جماعة ~~من أصحابه بالركوب إلى الأبواب وصعد من الطيار وطلب إذن القاهر فلم يأذن له ~~فغضب وأساء أدبه وقال : لا بد من لقائه شاء أو أبى فأمر القاهر الساجية ~~بردة ، فخرجوا إليه وشتموه أباه ، وشهروا سلاحهم وتقدموا إليه ، ففر أصحابه ~~عنه وألقى نفسه من الطيار وعبر إلى الجانب الغربي واختفى من ساعته . وبلغ ~~ابن مقلة الخبر فاستتر ، واستتر الحسن بن هارون ، فلما سمع طريف الخبر ركب ~~في أصحابه بالسلاح ، وحضر إلى دار الخليفة ووقف عند القاهر بالله . فعظم ~~الأمر حينئذ على ابن يلبق وجماعتهم وأنكر يلبق ما جرى على ابنه ، وسب ~~الساجية وركب إلى دار الخليفة في جميع القواد الذين بدار مؤنس ، فلم يصل ~~إلى القاهر وقبض عليه وعلى أحمد بن زيرك صاحب الشرطة وحبسهما وحصل الجيش ~~كلهم في الدار فأنفذ القاهر إليهم وطيب قلوبهم ووعدهم الزيادة ، وأنه يوقف ~~هؤلاء على ذنوبهم ثم يطلقهم ويحسن إليهم فعادوا . PageV23P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" وراسل القاهر مؤنسا في الحضور عنده ليعرض عليه ~~ما وقع عليهم ليفعل ما يراه وقال : إنه عندي بمنزلة الوالد ، وما أحب أن ~~أعمل إلا إن رأيه فاعتذر مؤنس عن الحركة ، ونهاد أصحابه عن الحضور إليه ~~فلما كان من الغد أحضر القاهر طريفا السبكري وناوله خاتمه وقال له : قد ~~فوضت إلى ولدي عبد الصمد ما كان المقتدر فوضه إلى ابنه محمد وقلدتك خلافته ~~ورئاسة الجيش وإمارة الأمراء وبيوت الأموال كما كان ذلك إلى مؤنس فامض إليه ~~واحمله إلى الدار فإنه مادام في منزله يجتمع إليه من يريد الشر ولا نأمن ~~أمره فمضى إلى دار مؤنس وعنده أصحابه في السلاح فسأله أصحاب مؤنس عن الحال ~~فذكر سوء صنيع يلبق وابنه فكلهم سبهما ، وعرفهم ما أخذ لهم من الأمان ~~والعهود فسكنوا . ودخل إلى مؤنس وقد استولى عليه الكبر والضعف وأشار عليه ~~بالحضور عند القاهر وقال : إن تأخرت طمع ولو رآك نائما ما تجاسر أن يوقظك ~~فسار إليه ، فلما دخل الدار قبض عليه وحبسه ، وذلك في مستهل شهر شعبان . ~~وأمر القاهر ms5251 بالختم على دور من قبض عليهم ونقل دوابهم ووكل بحريمهم ، وأمر ~~بنقل ما في دار ابن مقلة وحرقها ، ونهبت دور المعتقلين بها . وظهر محمد بن ~~ياقوت وقام بالحجبة ، ثم رأى كراهة طريف والساجية له فاختفى وهرب إلى ابنه ~~بفارس ، فكاتبه القاهر يلومه على عجلته بالهرب وقلده كور الأهواز ، واستقدم ~~القاهر عيسى الطبيب من الموصل ، وجد القاهر بالله في طلب أحمد بن المكتفي ، ~~فظفر به ، فبنى عليه حائطا وهو حي فمات . وظفر بعلي بن يلبق ، واستعمل على ~~الحجية سلامة الطواوني وعلى الشرطة أحمد بن خاقان . ذكر مقتل مؤنس ويلبق ~~وابنه علي والنجونجتي كان مقتل هؤلاء في شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة . ~~وسبب ذلك أن أصحاب مؤنس شغبوا وثاروا ، وتبعهم سائر الجند ، ونادوا بشعار ~~مؤنس ، وقالوا لا نرضى إلا بإطلاقه . وكان القاهر قد ظفر بعلي بن يلبق ، ~~وأفرد كل واحد منهم في بيت ، فلما شغب الجند دخل القاهر إلى علي بن يلبق ~~فأمر به فذبح وجعل رأسه في PageV23P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" طست . ومضى والطست بين يديه حتى دخل على يلبق ~~، فلما رأى رأس ابنه بكى وقبله ، فأمر به القاهر فذبح وجعل رأسه في طست . ~~وحملا بني يديه ، ومضى حتى دخل على مؤنس فوضعهما بين يديه . فلما رآهما ~~تشهد واسترجع ولعن قاتلهما ، فقال القاهر : جروا برجل الكلب الملعون فجروا ~~برجله وذبحوه ، وجعلوا رأسه في طست . وطيف بالرؤوس في جانبي بغداد ونودي ~~عليها هذا جزاء من يخون الإمام ويسعى في فساد دولته ثم أعيدت فنظفت وجعلت ~~في خزانة الرؤوس على العادة . ولما قتلهم القاهر بالله اشتد أمره ، وقويت ~~نفسه ، وخافه من حوله ممن وافقه وباطنه على قتلهم . وقتل أبا يعقوب ~~النوبختي ، ولقب نفسه بعد ذ لك القاهر بالله المنتقم من أعداء الله لدين ~~الله . وضرب ذلك على الدنانير والدراهم . ذكر وزارة أبي جعفر محمد بن ~~القاسم وعزله وولاية الخصيبي قال : ولما قبض القاهر بالله على من ذكرناه ~~وهرب ابن مقلة سأل : من يصلح للوزارة ؟ فدل على أبي جعفر ابن القاسم بن ~~عبيد الله ، فاستوزره ms5252 في شعبان فبقي وزيرا إلى يوم الثلاثاء ثالث عشر ذي ~~القعدة من السنة ، فقبض القاهر بالله عليه وعلى أولاده وأخيه عبيد الله ~~وحرمه ، وكان مريضا بقولنج ، فبقي محبوسا ثمانية عشر يوما ومات ، فحمل إلى ~~منزله وأطلق أولاده . واستوزر أبا العباس أحمد بن عبيد الله بن سليمان ~~الخصيبي فكانت وزارة أبي جعفر ثلاثة أشهر واثني عشر يوما والله تعالى أعلم ~~. ذكر القبض على طريف السبكري كان طريف كما ذكرناه قد أعان القاهر بالله ~~على القبض على من ذكرنا ، وثبت قواعد دولته . فلما قوي القاهر بالله لم يقف ~~عند أيمانه لطريف وبقي يسمعه ما يكره ، ويستخف به ، ويعرض له بالأذى . فلما ~~رأى ذلك خافه وتيقن السوء ، فلما قبض PageV23P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" القاهر على الوزير أبي جعفر أحضر طريفا وقبض ~~عليه ، فبقي محبوسا يتوقع القتل صباحا ومساء إلى أن خلع القاهر بالله . وفي ~~هذه السنة أمر القاهر بتحريم الخمرة والغناء وسائر الأنبذة ، ونفي بعض من ~~كان يعرف بذلك إلى البصرة والكوفة وأمر ببيع الجواري والمغنيات على أنهن ~~سواذج لا يعرفن الغناء ، ثم وضع من يشتري له كل حاذقة في صنعة الغناء ، ~~فاشترى له منهن ما أراد بأبخس الأثمان . وكان القاهر مشتهرا بالغناء ~~والسماع ، فجعل ذلك طريقا إلى تحصيل غرضه ، وهذه نهاية في الخسة والشح ، ~~نعوض بالله من ذلك وفيها كان ابتداء الدولة الديلمية البويهية ، وسيأتي ~~ذكرها إن شاء الله تعالى . وفيها أمر علي بن يلبق - قبل القبض عليه - بلعن ~~معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد على المنابر . ودخلت سنة اثنتين وعشرين ~~وثلاثمائة : ذكر خلع القاهر وسمله وشيء من أخباره كان خلع القاهر وسمله في ~~يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى من هذه السنة ، وسبب ذلك أن أبا علي ~~بن مقلة والحسن بن هارون كانا قد استترا من القاهر ، وجد في طلبهما فلم ~~يظفر بهما فكانا يراسلان قواد الساجية والحجرية ويخوفانهم من شره ويذكران ~~غدره ، وأنه لا يتمسك بأيمانه ، وأنه قبض على طريف بعد نصحه له ، إلى غير ~~ذلك . وكان ابن مقلة يجتمع ms5253 بالقواد ليلا - تارة في زي أعمى وتارة في زي مكد ~~وتارة في زي امرأة - ويغريهم بالقاهر . ثم إنه أعطى منجما كان لسيما رئيس ~~الساجية ومقدمهم مائتي دينار ، وأعطاه الحسن مائة دينار فكان يذكر لسيما أن ~~طالعه يقتضي أن القاهر ينكبه ويقتله . وأعطى ابن مقلة . أيضا شيئا لمعبر ~~كان لسيما ، فكان يحذره من القاهر بالله فازداد نفورا ونقل إلى سيما أن ~~القاهر يريد القبض عليه ، فجمع الساجية وأعطاهم السلاح ، وأنفذ إلى الحجرية ~~فاجتمعوا وتحالفوا على اجتماع الكلمة وقتل من خالف منهم . فاتصل ذلك ~~بالقاهر وبوزيره الخصيبي فأرسل إليهم ما الذي حملكم على هذا ؟ فقالوا : قد ~~صح عندنا أنا القاهر يريد القبض على سيما وقد عمل مطامير ليحبس قوادنا فيها ~~. PageV23P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" فلما كان في يوم الأربعاء لست خلون من جمادى ~~الأولى اجتمع الساجية والحجرية عند سيما وتحالفوا على القبض على القاهر ~~فقال سيما : قوموا بنا الساعة حتى نمضي العزم ، فإنه إن تأخر علم به واحترز ~~وأهلكنا وبلغ ذلك الوزير فأرسل سلاما الحاجب وعيسى الحاجب وعيسى الطبيب ~~ليعلماه بذلك ، فوجداه نائما قد شرب أكثر ليلته ، فلم يقدر على إعلامه بذلك ~~، وزحف الحجرية والساجية إلى دار الخلافة ، ووكل سيما بأبوابها من يحفظها ، ~~وبقي هو على باب العامة وهاجموا الدار من سائر الأبواب . فلما سمع القاهر ~~الأصوات والجلبة استيقظ وهو مخمور ، وطلب بابا يهرب منه ، فقيل له إن ~~الأبواب جميعها مشحونة بالرجال فهرب إلى سطح حمام ودخل القوم فلم يجدوه ، ~~فدلهم خادم صغير على موضعه فقصدوه . فإذا بيده سيف فألانوا له واجتهدوا به ~~، فلم ينزل وقال : من صعد إلي قتلته فأخذ بعضهم سهما وقال : إن نزلت وإلا ~~وضعته في نحرك فنزل حينئذ إليهم وساروا إلى الموضع الذي فيه طريف السبكري ~~فأخرجوه وحبسوا القاهر مكانه واستدعوا في تلك الليلة أحمد بن أبي الحسين ~~الصابي فكحل القاهر بعد أن أقيم بين يدي الراضي بالله ، وسلم عليه بالإمارة ~~. وقيل في سبب خلعه إنه لما تمكن من الخلافة تنقص الساجية والحجرية على مر ~~الأيام حتى كان لا ms5254 يقضي لأكابرهم حاجة ، ويلزمهم النوبة في داره ، ويؤخر ~~أعطياتهم ويغلظ لمن يخاطبه منهم في أمر ، فاقبل بعضهم ينذر بعضا ويتشاكون ، ~~ثم كان يقول لسلامة حاجبه : أنت بين يدي كنز مال يمشي فأي شيء يتبين في ~~مالك لو أعطيتني ألف ألف دينار ؟ فيحمل ذلك على الهزل ، وكان وزيره الخصيبي ~~خائفا لما يرى منه . ثم إنه حفر في الدار نحو خمسين مطمورة وأحكم أبوابها ، ~~فقيل إنها لمقدمي الساجية والحجرية ، فازدادوا نفورا ، ثم إن جماعة من ~~القرامطة أخذوا من فارس وأرسلوا إلى بغداد فحبسوا في تلك المطامير ، فتقدم ~~القاهر سرا بفتح الأبواب عليهم والإحسان إليهم ، وعزم على أن يتقوى بهم ~~بالقبض على مقدمي الساجية والحجرية . فأنكروا حال القرامطة وكونهم معه في ~~داره وهو يحسن إليهم ، وذكروا ذلك لوزيره وحاجبه فقالا له ، فأخرجهم من دار ~~الخلافة وسلمهم إلى محمد بن ياقوت وهو على شرطة بغداد فأنزلهم في دار وأحسن ~~إليهم . ثم صار القاهر يذم الساجية والحجرية في مجلسه ويظهر كراهتهم ، فلما ~~تبينوا ذلك من وجهه وحركاته أظهروا أن لبعض قوادهم عرسا ، فاجتمعوا بحجبته ~~وقرروا بينهم ما أرادوا وافترقوا . وأرسلوا إلى سابور خادم PageV23P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" والدة المقتدر وكان قد اختص به فقالوا له : قد ~~علمت ما فعل القاهر بمولاتك وقد ركبت في موافقته كل عظيم فإن وافقتنا على ~~ما نحن عليه وتقدمت إلى الخدم بحفظه فعفا الله عما سلف منك وإلا فنحن نبدأ ~~بك فأعلمهم ما عنده من الخوف والكراهة للقاهر ، وأنه موافقهم . هذا وابن ~~مقلة يسعى كما ذكرنا . قال : ولما قبض على القاهر هرب وزيره الخصيبي وحاجبه ~~سلامة ، فكانت خلافة القاهر بالله سنة واحدة وستة أشره وثمانية أيام وهو ~~أول خليفة سمل ، ولم يزل في دار السلطان إلى أن أخرجه المستكفي بالله في ~~شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين . وثلاثمائة ورده إلى داره فأقام مدة ثم ~~خرج إلى جامع المنصور في يوم الجمعة ، وقام فعرف الناس نفسه وتصدق منهم ~~وقال : أنا خليفتكم بالأمس وسائلكم اليوم فأعطاه ابن أبي موسى ألف درهم ~~وورده إلى ms5255 داره وتوفي في خلافة المطيع في يوم الجمعة ثالث جمادى الآخرة سنة ~~تسع وثلاثين ، ودفن في دار طاهر وله اثنتان وخمسون سنة . وكان أبيض يعلوه ~~حمرة مربوعا أعين وافر اللحية ألثغ شديد الإقدام على سفك الدماء ، أهوج ~~محبا لجمع المال قبيح السياسة . وقد تقدم من أفعاله وضربه لوالدة أخيه ~~المقتدر ومصادرتها ومصادرة أولاد أخيه وأمهات أولاده ما يستدل به على قبح ~~أفعاله وسوء طويته وعدم تمسكه بما يبذله من الأيمان المغلظة والعهود ~~المؤكدة ثم لا يقف عند ذلك . وكان نقش خاتمه محمد رسول الله وكان له من ~~الأولاد أبو الفضل عبد الصمد وأبو القاسم عبد العزيز وهو ولي عهده . وزراؤه ~~: أبو علي بن مقلة ، ثم محمد بن القاسم ، ثم أحمد بن عبد الله الخصيبي . ~~حجابه : علي بن يلبق ، ثم سلامة الطولوني . قاضية : عمر بن محمد بن يوسف . ~~الأمراء بمصر : تكين ثم محمد بن طغج الفرغاني المعروف بالإخشيد ، ثم أحمد ~~بن كيغلغ ، وتغلب محمد بن تكين في أيامه ثم عاد الأمر إلى ابن كيغلغ . ~~القضاة بها ولي القاهر محمد بن الحسين بن أبي الشوارب فاستخلف أبا جعفر ~~أحمد بن عبد الله بن قتيبة فشغب الرعية عليه ولم يزل إلى أن صرف ابن أبي ~~الشوارب ، ورد القضاء إلى أبي عثمان أحمد ابن إبراهيم بن حماد وإلى عبد ~~الله بن موسى السرخسي . PageV23P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" ذكر خلافة الراضي بالله هو أبو العباس أحمد بن ~~المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله ، وأمه أم ولد اسمها ظلوم ، ~~. وهو الخليفة العشرون من الخلفاء العباسيين بويع له بعد خلع عمه القاهر في ~~يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ، وذلك ~~أنه لما قبض القاهر كما ذكرناه سألوا الخدم عن المكان الذي هو فيه وكان ~~محبوسا هو ووالدته ، فدلوهم عليه فقصدوه وفتحوا عليه وسلموا عليه بالخلافة ~~وأخرجوه وأجلسوه على سرير القاهر بالله ولقبوه الراضي بالله ، وبايعه ~~القواد والناس ، وأقيم القاهر بين يديه وسلم عليه بالإمارة . . . قال : ~~ولما ولى أمر بإحضار علي بن ms5256 عيسى وزير المقتدر بالله وأخيه عبد الرحمن وصدر ~~عن رأيهما فيما يفعله . وأراد علي بن عيسى على الوزارة فامتنع ، لكبره ~~وضعفه ، وأشار بابن مقلة ثم قال سيما للراضي بالله : إن الوقت لا يحتمل ~~أخلاق علي وابن مقلة أليق ، فكتب له أمانا فحضر واستوزره . فلما وزر أحسن ~~إلى كل من أساء إليه وقال عاهدت الله عند استتاري بذلك وأرسل إلى الخصيي ~~وعيسى الطبيب بالأمان فظهرا ، فأحسن ابن مقلة إليهما ، فاستعمل الخصيبي ~~واستعمل أبا الفضل بن جعفر بن الفرات نائبا عنه على سائر الأعمال بالموصل ~~والجزيرة وديار بكر وطريق الفرات والثغور الجزيرية والشامية ، وأجناد الشام ~~ومصر . واستعمل الراضي بالله على الشرطة بدرا الخرشني واستعمل محمد بن ~~ياقوت على الحجبة ورئاسة الجيش ، وأدخل يده في أمر الدواوين ، وتقدم إليهم ~~بأن لا يقبلوا توقيعا بولاية وعزل وإطلاق إلا إذا خطه عليه ، وأمرهم بحضور ~~مجلسه فصبر ابن مقلة على ذلك وألزم نفسه بالمصير إلى دار ابن ياقوت في بعض ~~الأوقات كالمتعطل . ذكر مقتل هارون بن غريب في هذه السنة قتل هارون بن غريب ~~الخال ، وسبب ذلك أن القاهر بالله كان استعمله على ماه الكوفة واسبذان وغير ~~ذلك كما ذكرناه . فلما استخلف الراضي بالله رأى هارون أنه أحق بالدولة من ~~غيره لقرابته من الراضي بالله . وكاتب القواد ببغداد PageV23P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" يعدهم الإحسان والزيادة في الأرزاق ، ثم سار ~~من الدينور إلى خانقين ، فعظم ذلك على ابن مقلة وابن ياقوت والحجرية ~~والساجية ، وشكوا ذلك إلى الراضي بالله فأعلمهم أنه كاره له وأذن لهم في ~~منعه . فراسلوا له وبذلوا طريق خراسان زيادة على ما بيده ، فلم يقنع وتقدم ~~إلى النهروان وشرع في جباية الأموال ، وظلم الناس ، وسفهم وقويت شوكته . ~~فخرج إليه محمد بن ياقوت في سائر جيوش بغداد ونزل قريبا منه ، فهرب بعض ~~أصحاب محمد ابن ياقوت إلى هارون . فراسله ابن ياقوت يستميله ، ويبذل له ~~فقال : لا بد من دخول بغداد فلما كان في يوم الثلاثاء لست بقين من جمادى ~~الآخرة تزاحف العسكران واشتد القتال فاستظهر أصحاب هارون ms5257 لكثرتهم ، وانهزم ~~أكثر من مع ابن ياقوت ونهب أكثر سوادهم وكثر فيهم القتل والجراح ، فسار ~~محمد حتى قطع قنطرة نهر هناك . فبلغ ذلك هارون ، فسار نحو القنطرة منفردا ~~عن أصحابه طمعا في أسر محمد بن ياقوت وقتله ، فتقنطر به فرسه فسقط عنه في ~~ساقية فلحقه غلام له اسمه يمن فضربه بالطبرزين حتى أثخنه وكسر عظامه ثم نزل ~~إليه فذبحه ، ثم رفع رأسه وكبر فانهزم أصحابه وتفرقوا ودخل بعضهم بغداد سرا ~~. ونهب سواد هارون ، وقتل جماعة قواده ، وأسر جماعة ، وسار محمد إلى موضع ~~جثة هارون فأمر بحملها إلى مضربه وأمر بغسله وتكفينه وصلى عليه ودفنه ، ~~ودخل بغداد وراس هارون بين يديه ورؤوس جماعة من قواد هارون فنصبت ببغداد ~~ذكر مقتل ابن الشلمغاني ومذهبه في هذه السنة قتل أبو جعفر محمد بن علي ~~الشلمغاني المعروف بابن أبي العراقيد ، وشلمغان التي ينسب إليها قرية ~~بنواحي واسط ، وكان سبب ذلك أنه قد أحدث مذهبا غاليا في التشيع والتناسخ ~~وحلول الإلهية فيه ، وإلى غير ذلك ، وكان ظهوره في مبدأ وزارة حامد بن ~~العباس أحد وزراء المقتدر بالله ، ثم اتصل الشلمغاني بالمحسن بن الفرات في ~~وزارة أبيه الثالثة ، ثم طلب في وزارة الخاقاني فاستتر وهرب PageV23P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" إلى الموصل . وبقي سنين عند ناصر الدولة بن ~~حمدان ، ثم انحدر إلى بغداد واستتر ، ثم ظهر عنه أنه يدعي الربوبية لنفسه . ~~وقيل إنه اتبعه على ذلك الحسين ابن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب ~~الذي وزر للمقتدر بالله ، وأبو جعفر ، وأبو علي ابنا بسطام ، وإبراهيم ابن ~~محمد بن أبي عون ، وابن شبيب ويزيد وأحمد بن محمد بن عبدوس . . كانوا ~~يعتقدون ذلك فيه وظهر ذلك عنهم ، وطلبوا في وزارة بن مقلة للمقتدر فلم ~~يوجدوا . فلما كان في شوال سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ظهر ابن الشلمغاني ~~فقبض عليه الوزير ابن مقلة وسجنه وكبس داره فوجد فيها رقاعا وكتبا ممن يدعي ~~فيه الربوبية يخاطبونه بما لا تخاطب به البشر بعضهم بعضا . وفيها خط الحسين ~~بن القاسم ، فعرضت الخطوط عليه ms5258 فأقر أنها خطوطهم وأنكر مذهبه ، وأظهر ~~الإسلام وتبرأ مما يقال فيه . فأخذ ابن أبي عون وابن عبدوس فأحضرا معه عند ~~الخليفة وأمرا بصفعه فامتنعا ، فلما أكرها صفعه ابن عبدوس ، ومد ابن أبي ~~عون يده إلى لحيته ورأسه فارتعدت يده فقبل لحيته ورأسه وقال : إلهي وسيدي ~~ورازقي فقال له الراضي : قد زعمت أنك لا تدعي الإلهية فما هذا ؟ فقال : و ~~ما علي من قول ابن أبي عون ، والله يعلم أنني ما قلت له إني إله قط فقال ~~ابن عبدوس : إنه لم يدع الإلهية وإنما ادعى أنه الباب إلى الإمام المنتظر ~~مكان الحسين بن روح ثم أحضروا عدة مرات ومعهم القضاة والفقهاء وغيرهم ، وفي ~~آخر الأمر أفتى الفقهاء بإباحة دمه فصلب هو وابن أبي عون ، وأحرقا بالنار ~~في ذي القعدة . وكان الحسين بن القاسم بالرقة فأرسل الراضي بالله إليه فقتل ~~في ذي القعدة ، وحمل رأسه إلى بغداد . وكان مذهب الشلمغاني أنه إله الآلهة ~~بحق الحق ، وأنه الأول القديم ، الظاهر الباطن ، الرازق التام ، المومأ ~~إليه بكل معنى . وكان يقول : إن الله سبحانه وتعالى يحل في كل شيء على قدر ~~ما يحتمل ، وإنه خلق الضد ليدل على المضدود ، فمن ذلك أنه حل في آدم عليه ~~السلام لما خلقه ، وفي إبليس لما خلقه وكلاهما ضد لصاحبه لمضادته إياه في ~~معناه ، وأن الدليل على الحق أفضل من الحق ، وأن الضد أقرب إلى الشيء من ~~شبيبهه ، وأن الله عز وجل إذا حل في جسد ناسوتي أظهر من المقدرة ~~PageV23P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" المعجزة ما يدل على أنه هو ، وأنه لما غاب آدم ~~ظهر اللاهوت في خمسة ناسوتية كلما غاب منهم واحد ظهر مكانه آخر في خمسة ~~أبالسة أضداد لتلك الخمسة ، ثم اجتمعت اللاهوتية في إدريس وإبليسه وتفرقت ~~بعدهما كما تفرقت بعد آدم ، واجتمعت في نوح عليه السلام وإبليسه وتفرقت ~~بعدهما ، واجتمعت في صالح وإبليسه عاقر الناقة وتفرقت بعدهما واجتمعت في ~~إبراهيم عليه السلام وإبليسه نمرود وتفرقت لما غابا واجتمعت في موسى ~~وإبليسه فرعون وتفرقت بعدهما ، واجتمعت في سليمان ms5259 وإبليسه وتفرقت بعدهما ، ~~واجتمعت في عيسى وإبليسه فلما غابا تفرقت في تلاميذ عيسى وأبالستهم ، ثم ~~اجتمعت في علي بن أبي طالب وإبليسه . وإن الله يظهر في كل شيء وكل معنى ، ~~وإنه في كل أحد بالخاطر الذي يخطر في قلبه فيتصور له ما يغيب عنه حتى كأنه ~~يشاهده . وإن الله اسم لمعنى ، وإن من احتاج الناس إليه فهو إله ، ولهذا ~~المعنى يستوجب كل أحد أن يسمى إلها ، وأن كل أحد من أشياعه لعنه الله يقول ~~: إنه رب لمن هو في دون درجته . وأن الرجل منهم يقول أنا رب لفلان وفلان رب ~~ربي حتى يقع الانتهاء إلى ابن الشلمغاني فيقول : أنا رب الأرباب لا ربوبية ~~بعده ولا ينسبون الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما إلى علي ، لأن من ~~اجتمعت له الربوبية لا يكون له ولد ولا والد . وكان يسمون موسى ومحمدا ~~صلوات الله عليهما الخائنين ، لأنهم يدعون أن هارون أرسل موسى وعليا أرسل ~~محمدا فخاناهما . ويزعمون أن عليا أمهل محمدا عدة سنين أصحاب الكهف فإذا ~~انقضت العدة وهي ثلاثمائة وخمسون سنة انتقلت الشريعة . ويقولون : إن ~~الملائكة كل من ملك نفسه وعرف الحق ، وإن الجنة معرفتهم وانتحال مذهبهم ~~والنار الجهل بهم والعدول عن مذهبهم ويعتقدون ترك الصلاة والصيام وغيرهما ~~من العبادات ، ولا يتناكحون بعقد ويبيحون الفروج ، ويقولون : إن محمدا ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بعث إلى كبراء قريش وجهابذة العرب ونفوسهم أبية ~~فأمرهم بالسجود ، وإن من الحكمة الآن أن يمتحن الناس بإباحة فروج نسائهم ، ~~وإنه يجوز أن يجامع الإنسان من شاء من ذوي رحمه وحرم صديقه وابنه بعد أن ~~يكون على مذهبه ، وإنه لا بد للفاضل منهم أن ينكح المفضول ليولج النور فيه ~~، ومن امتنع من ذلك قلب في الدور الذي يأتي بعد هذا العالم امرأة ، وإذ كان ~~مذهبهم التناسخ . PageV23P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" وكانوا يعتقدون إهلاك الطالبيين والعباسيين ، ~~تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا وهذه المقالة شبيهة ~~بالمقالة النصيرية ، فإنهم يعتقدون في ابن الفرات ، ويجعلونه رأسا في ~~مذهبهم . ذكر ظهور إنسان ادعى ms5260 النبوة وفي هذه السنة ظهر بباسند من أعمال ~~الصغانيان رجل ادعى النبوة فقصده فوج بعد فوج واتبعه خلق كثير وحارب من ~~خالفه ، فقتل خلقا كثيرا ممن كذبه ، وكثر أتباعه خصوصا من أهل الشاش . وكان ~~صاحب حيل ومخاريق ، وكان يدخل يده في حوض ماء فيخرجها مملوءة دنانير إلى ~~غير ذلك من المخاريق ، فكثر جمعه . فأنفذ إليه ، أبو علي بن المظفر ، جيشا ~~فحاربوه وضيقوا عليه - وهو فوق جبل عال - حتى قبضوا عليه ، وقتلوه وحملوا ~~رأسه إلى أبي علي ، وقتلوا خلقا كثيرا ممن ابتعه وآمن به . وكان يدعي أنه ~~متى مات عاد إلى الدنيا ، فبقي جماعة كبيرة بتلك الناحية مدة طويلة على ما ~~دعاهم إليه ثم اضمحلوا وفنوا . وفيها سار الدمستق قرقاش في خمسين ألف من ~~الروم فنازل ملطية وحصرها مدة طويلة حتى هلك أهلها بالجوع ، وضرب خيمتين ~~على إحداهما صليب وقال : من أراد النصرانية انحاز إلى خيمة الصليب ليرد ~~عليه أهله وماله ، ومن أراد الإسلام انحاز إلى الخيمة الأخرى وله الأمان ~~على نفسه ونبلغه مأمنه ، فانحاز أكثر المسلمين إلى خيمة الصليب طمعا في ~~أهلهم ومالهم . وسير مع الباقين بطريقا يبلغهم مأمنهم ، وفتحها بالأمان في ~~مستهل جمادى الآخرة ، وملكوا شمشاط وخربوا الأعمال ، وأكثروا القتل ، ~~وفعلوا الأفاعيل الشنيعة ، وصار أكثر البلاد في أيديهم . PageV23P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" ودخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة : ذكر القبض ~~على ابني ياقوت في هذه السنة في جمادى الأولى قبض الراضي بالله على محمد ~~والمظفر ابن ياقوت ، وكان سبب ذلك أن الوزير أبا علي بن مقلة كان قد قلق ~~لتحكم محمد بن ياقوت في الدولة بأسرها ، وأنه هو ليس له حكم في شيء ، فسعى ~~به إلى الراضي وأدام السعاية . فلما كان في الخامس الشهر ركب جميع القواد ~~إلى دار الخليفة على عادتهم ، وحضر الوزير وأظهر الراضي أنه يريد يقلد ~~جماعة من القواد أعمالا ، وحضر محمد بن ياقوت للحجبة ومعه كاتبه أبو إسحاق ~~القراريطي . فخرج الخدم واستدعوا محمد بن ياقوت إلى الخليفة فدخل مبادرا ، ~~فعدلوا به إلى حجرة هناك فحبسوه ، ثم استدعوا ms5261 القراريطي فدخل فعدلوا به إلى ~~حجرة ، ثم استدعوا المظفر من بيته وكان مخمورا فحبسوه أيضا ، وأنفذ الوزير ~~ابن مقلة إلى دار محمد من يحفظها من النهب ، وكان ياقوت حينئذ مقيما بواسط ~~، فلما بلغه القبض على ابنيه انحدر يطلب فارس ليحارب ابن بويه وكتب إلى ~~الراضي بالله يستعطفه ويسأل إيفاد ولديه ليساعداه على حربه . ذكر حال أبي ~~عبد الله محمد البريدي وتقدمه في هذه السنة قوي أمر أبي عبد الله البريدي ~~وعظم شأنه ، وسبب ذلك أنه ضامنا لأعمال الأهواز ، ثم استولى عليها عسكر ~~مرداويج الديلمي ، وهزم ياقوت ، فجاء إلى البصرة وصار يتصرف في أسافل أعمال ~~الأهواز مضافا إلى كتابه ياقوت . وادعى أخواه - وكان إليهما ضمان السوس ~~وجند يسابور أن دخل البلاد لسنة اثنتين وعشرين أخذه عسكر مرداويج وأن دخل ~~البلاد لسنة ثلاث وعشرين لا يحصل منه شيء ، لأن نواب مرداويج ظلموا الناس ~~فلم يبق لهم ما يزرعونه . وكان الأمر بضد ذلك في السنتين ، فبلغ ذلك الوزير ~~ابن مقلة فأنفذ نائبا له ليحقق الحال فواطأ ابني البريدي وكتب بصدقهما فحصل ~~لهما بذلك مالا عظيما وقويت نفوسهما وكان مبلغ ما أخذاه أربعة آلاف ألف ~~دينار . PageV23P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" وفيها قتل ناصر الدولة بن حمدان عمه أبا ~~العلاء بن حمدان ، وسبب ذلك أن أبا العلاء سعيدا ضمن الموصل وديار ربيعة ~~سرا ، وكان بها ناصر الدولة أميرا . فلما وصل إلى الموصل خرج ابن أخيه ~~للقائه فخالفه في الطريق قصدا منه ، فوصل أبو العلاء ودخل دار ابن أخيه ~~وقعد ينتظره ، فأنفذ ناصر الدولة جماعة غلمانه فقبضوا عليه ثم أنفذ جماعة ~~غيرهم فقتلوه . ذكر مسير ابن مقلة إلى الموصل وما كان لبنه وبين وناصر ~~الدولة قال : لما قتل ناصر الدولة عمه أبا العلاء واتصل خبره بالراضي بالله ~~عظم ذلك عليه وأنكره ، وأمر الوزير ابن مقلة بالمسير إلى الموصل ، فسار ~~إليها في شعبان بالعساكر . فلما قاربها رحل عنها ناصر الدولة ودخل الزوزان ~~، وتبعه الوزير إلى جبل التنين ثم عاد عنه ، وأقام بالموصل يجبي أموالها . ~~فلما طال مقامه بالموصل ms5262 احتال بعض أصحاب ابن حمدان على ولد الوزير - وكان ~~ينوب عنه في الوزارة ببغداد - فبذل له عشرة آلاف دينار ليكتب إلى أبيه ~~يستدعيه فكتب إليه يقول : إن الأمور بالحضرة قد اختلت وإن تأخره لم يؤمن ~~معه حدوث ما يبطل أمرهم . فانزعج الوزير لذلك ، واستعمل على الموصل علي بن ~~خلف بن طباب وماكرد الديلمي - وهو من الساجية - وانحدر إلى بغداد في منتصف ~~شوال . فلما فارق الموصل عاد إليها ناصر الدولة بن حمدان فاققتل هو وما كرد ~~الديلمي ، فانهمز ابن حمدان . ثم عاد وجمع عسكرا آخر ، والتقوا على نصيبين ~~في ذي الحجة فانهزم ما كرد إلى الرقة ثم إلى بغداد ، و انحدر ابن طباب أيضا ~~، واستولى ابن حمدان على الموصل والبلاد وكتب إلى الخليفة يسأله الصلح وأن ~~يضمن البلاد فأجيب إلى ذلك . وفيها في المحرم قلد الراضي بالله ولديه أبا ~~جعفر وأبا الفضل ناحيتي المشرق والمغرب مما بيده ، وكتب بذلك إلى البلاد . ~~PageV23P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" وفيها في ليلة الثاني عشر من ذي القعدة انقضت ~~الكواكب انقضاضا دائما مستمرا من أول الليل إلى آخره ، وهي الليلة التي ~~أوقع القرمطي فيها بالحجاج . وفيها مات محمد ياقوت في الحبس ، واتهم ابن ~~مقلة أنه سمه وأطلق أخوه المظفر من الحبس بشفاعة ابن مقلة ، وحلف للوزير ~~أنه يواليه ولا ينحرف عنه ولا يسعى له ولا لوالده بمكروه فلم يف له . وفهيا ~~أرسل الوزير ابن مقلة رسولا إلى محمد بن رائق بواسط . وكان قطع الحمل عن ~~الخليفة فطالبه بارتفاع أموال واسط . والبصرة وما بينهما فأحسن إلى رسوله ~~ورده برسالة ظاهرة إلى ابن مقلة يغالطه ، وأخرى باطنة إلى الخليفة الراضي ~~بالله مضمونها أنه إن استدعي إلى الحضور وفوضت إليه الأمور وتدبير الدولة ، ~~قام بجميع ما يحتاج إليه من نفقات الخليفة وأرزاق الجند . ولما سمع الخليفة ~~، لم يعد إليه جوابها . ودخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة : ذكر القبض على ~~الوزير ابن مقلة ووزارة عبد الرحمن بن عيسى وغيره في هذه السنة عزم الوزير ~~على المسير إلى ابن رائق لما عاد رسوله ms5263 بغير مال ، وحضر إلى دار الراضي في ~~منتصف جمادى الأولى . فلما حضر الدار قبض عليه المظفر بن ياقوت والحجرية ~~وأعلموا الراضي بذلك ، فوافق رأيه فيه ، واستحسن فعلهم . واختفى أبو الحسين ~~بن أبي علي بن مقلة الوزير ، وسائر أولاده ، وحرمه وأصحابه . وطلب الحجرية ~~والساجية من الخليفة أن يشير بوزير فرد الاختيار إليهم ، فأشاروا على ابن ~~عيسى ، فاحضره الراضي بالله ، فامتنع وأشار بأخيه الرحمن فاستوزره . وسلم ~~إليه ابن مقلة فصادره ، ثم عجز عبد الرحمن عن تمشية الأمور وضاق عليه المال ~~فاستعفى من الوزارة وقبض عليه وعلى أخيه على في سابع شهر رجب ، واستوزر أبو ~~جعفر محمد بن القاسم الكرخي ، وخلع عليه وسلم إليه علي بن عيسى فصادره على ~~مائة ألف دينار ، وصادر أخاه عبد الرحمن بسبعين ألف دينار . وفيها قتل ~~ياقوت ، وعظم البريدي وإخوته ، وكان من أمر ما نذكره إن شاء الله تعالى . ~~PageV23P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" ذكر عزل أبي جعفر ووزارة سليمان بن الحسن قال ~~: ولما تولى أبو جعفر الكرخي الوزارة رأى قلة الأموال وانقطاع المواد فعجز ~~عن تدبير الحال ، وضاق الأمر عليه ، وقطع ابن رائق حمل واسط والبصرة ، وقطع ~~البريدي حمل الأهواز وأعمالها . وكان ا بن بريه قد تغلب على فارس ، فتحير ~~أبو جعفر وكثرت المطالبات عليه ونقضت هيبته ، فاستتر بعد ثلاثة أشهر ونصف ~~من وزارته ، فاستوزر الراضي أبا القاسم سليمان بن الحسن فكان في الوزارة ~~كأبي جعفر في وقوف الحال وقلة المال ذكر استيلاء ابن رائق على العراق وتغلب ~~الملوك على الأعمال وخروجهم عن الطاعة وتغير أحوال الوزارة وإبطال الدواوين ~~. قال : لما رأى الراضي بالله وقوف الحال بالحضرة ألجأته الضرورة إلى أن ~~راسل أبا بكر محمد بن رائق وهو بواسط . يعرض عليه إجابته إلى ما كان ما كان ~~بذله من القيام بالنفقات وأرزاق الجند ببغداد ، فأنفذ إليه الراضي بالله ~~الساجية وقلده إمارة الجيش وجعله أمير الأمراء وولاه الخراج والمعاون في ~~جميع البلاد والدواوين . وأمر أن يخطب له على جميع المنابر ، وأنفذ إليه ~~الخلع وانحدر إليه أصحاب الدواوين والكتاب والحجاب وتأخر ms5264 الحجرية . فلما ~~استقر الذين نزلوا إلى واسط . بها قبض على الساجية في ذي الحجة ونهب ~~أموالهم ودوابهم ، وأظهر أنه إنما فعل ذلك لتتوفر أرزاقهم على الحجرية ، ~~فاستوحش الحجرية من ذلك وقالوا : اليوم لهؤلاء وغد لنا وخيموا بدار الخلافة ~~. وصعد ابن رائق إلى بغداد ومعه بجكم ، فخلع الخليفة عليه في أواخر ذي ~~الحجة ، وأتاه الحجرية يسلمون عليه فأمرهم بقلع خيامهم فقلعوها وعادوا إلى ~~منازلهم . وبطلت الدواوين من ذلك الوقت ، فلم يكن الوزير ينظر في شيء من ~~الأمور ، إنما كان ابن رائق وكاتبه ينظران في الأمور جميعها ، وكذلك كل من ~~تولى إمرة الأمراء بعده ، وصارت الأموال تحمل إلى خزائنهم فيتصرفون فيها ~~كما يريدون ، وبطلت بيوت الأموال . وتغلب أصحاب الأطراف وخلعوا الطاعة ، ~~ولم يبق بيد الخليفة غير بغداد وأعمالها ، والحكم في جميعها لابن رائق ليس ~~للخليفة حكم . وأما باقي الأطراف فكانت البصرة بيد ابن رائق ، وخوزستان ~~والأهواز في يد البريدي ، وفارس في يد PageV23P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" عماد الدولة ابن بويه ، وكرمان في يد أبي محمد ~~على بن إلياس ، والري وأصفهان والجبل في يد ركن الدولة بن بويه ويد وشمكير ~~أخي مرداويج يتنازعان عليها ، والموصل وديار بكر ربيعة ومضر في يد بني ~~حمدان ، ومصر والشام في يد إلاخشيد أبي بكر محمد بن طغج والمغرب وأفريقية ~~في يد أبي القاسم القائم بأمر الله بن المهدي ، والأندلس في يد عبد الرحمن ~~بن محمد الملقب بالناصر الأموي ، وخرسان وما وراء النهر في يد نصر بن أحمد ~~الساماني ، وطبرستان وجرجان في يد الديلم ، والبحرين واليمامة في يد أبي ~~طاهر القرمطي . ذكر وزارة الفضل بن جعفر بن الفرات قال : ولما ولي ابن رائق ~~كتب كتابا عن الراضي بالله إلى أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات يستقدمه ~~للوزارة . وكان يتولى الخراج بمصر والشام ، فظن ابن رائق أنه إن استوزر جبي ~~له أموال الشام ومصر ، فنفذت إليه الخلع قبل وصوله فلقيته بهيت ، فلبسها ~~ودخل بغداد وتولى وزارة الخليفة ووزارة ابن رائق جميعا . ودخلت سنة خمس ~~وعشرين وثلاثمائة : ذكر مسير الراضي ms5265 بالله لحرب البريدي في هذه السنة أشار ~~ابن رائق على الراضي بالله بالانحدار معه إلى واسط ليقرب من الأهواز ويراسل ~~أبا عبد الله البريدي فإن أجاب إلى ما يطلب منه وإلا قرب قصده عليه ، فأجاب ~~الراضي بالله إلى ذلك . وانحدر أول المحرم فخالف الحجرية وقالوا : هذه حيلة ~~علينا ليعمل بنا مثل ما عمل بالساجية فلم يلتفت ابن رائق إليهم ، ~~PageV23P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" وانحدر ومعه بعضهم ، ثم انحدروا بعده . فلما ~~صاروا بواسط اعترضهم ابن رائق فأسقط أكثرهم ، فاضطربوا وثاروا فقاتلهم ~~قتالا شديدا ، فانهزم الحجرية وقتل منهم جماعة . ولما وصل المنهزمون إلى ~~بغداد ركب لؤلؤ صاحب الشرطة ببغداد ، ولقيهم وأوقع بهم ، فاستتروا ، فنهبت ~~دورهم وقبضت أملاكهم ، وقطعت أرزاقهم . ولما فرغ ابن رائق منهم قتل من كان ~~قد اعتقله من الساجية سوى صافي الخازن وهارون بن موسى ، ثم أخرج مضاربه ~~ومضارب الراضي بالله نحو الأهواز في كل سنة بثلاثمائة ألف وستين ألف دينار ~~يحمل كل شهر بقسطه وأجاب إلى تسليم الجيش إلى من يؤمر بتسليمه إليه ، ممن ~~يسير بهم إلى قتال ابن بويه إذ كانوا كارهين للعود إلى بغداد لضين الأموال ~~بها واختلاف الكلمة . فعقد عليه الضمان وعاد الراضي وابن رائق إلى بغداد ~~فدخلاها في ثامن صفر ، وكان هذا القول من البريدي خديعة ومكرا ، فإنه ما ~~حمل من المال درهما واحدا ولا سلم الجيش . قال : ثم سعى ابن مقاتل عند ابن ~~رائق في عزل وزيره الحسين بن علي النوبختي ، وأشار عليه بالاعتضاد بالبريدي ~~وأن يجعله وزيرا ، وبذلك له ثلاثين ألف دينارا ، فأجاب ابن رائق إلى ذلك ~~بعد امتناع شديد وأمر ابن مقاتل أن يكتب إلى البريدي أن يرسل من ينوب عنه ~~في وزارته فكتب إليه أن يكتب إليه بإنفاذ أحمد الكوفي لينوب عنه في وزارة ~~محمد بن رائق فخدعاه حتى أجاب إليه ، وكان نائب ابن رائق بالبصرة محمد بن ~~يزداد ، وقد أساء السيرة وظلم أهلها ، فوعدهم يوسف ومناهم وذم ابن رائق ~~عنده بما كان يفعله ابن يزداد ، فدعوا له . ثم أنفذ أبو عبد ms5266 الله البريدي ~~غلامه إقبالا في ألفي رجل وأمرهم بالمقام بحصن مهدي إلى أن يأمرهم بأمره ، ~~فلما علم ابن يزداد بهم علم أن البريدي يريد PageV23P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" التغلب على البصرة ، وأمر البريدي بإسقاط بعض ~~ما كان ابن يزداد يأخذه من أهل البصرة ، فاطمأنوا وقاتلوا معه عسكر ابن ~~رائق ، ثم عطف عليهم بعد ذلك وعمل بهم أعمالا تمنوا أيام ابن رائق وعدوها ~~أعيادا ذكر الوحشية بين محمد بن رائق والبريدي والحرب بينهما في هذه السنة ~~ظهرت الوحشة بينهما ، وكان لذلك أسباب منها أن ابن رائق لما عاد إلى بغداد ~~أمر بظهور من اختفى من الحجرية ، واستخدم منهم نحو ألفي رجل ، وأمر من بقي ~~بطلب أرزاقهم ، فخرجوا من بغداد والتحقوا بأبي عبد الله البريدي فأكرمهم ~~وأحسن إليهم وذم ابن رائق وعابه ، وكتب إلى بغداد يقول : خفتهم فلهذا ~~قبلتهم وجعلهم طريقا إلى قطع ما استقر عليه من المال ، وذكر أنهم اتفقوا مع ~~الجيش الذي عنده ومنعوه من حمل المال ، فأنفذ إليه ابن رائق يلزمه بإيفادهم ~~فاعتذر ولم يفعل . ومنها أنه بلغه ما ذمه به عند أهل البصرة فساءه ذلك ~~وبلغه مقام إقبال في جيشه بحصن مهدي فعظم عليه ، فأمر بالكوفي أن يكتب إلى ~~البريدي يعاتبه على هذه الأشياء ويأمره بإعادة عسكره من حصن مهدي ، فكتب ~~إليه في ذلك فأجاب أن أهل البصرة يخافون القرامطة وأن ابن يزداد عاجز عن ~~حمايتهم وقد تمسكوا لخوفهم بأصحابي فسار ابن رائق إلى واسط فبلغ البريدي ، ~~فكتب إلى عسكره بحصن مهدي يأمرهم بدخول البصرة وقتال من منعهم ، وأنفذ ~~إليهم جماعة من الحجرية فقدموا وقاتلوا ابن يزاداد مرة بعد أخرى وهزموا إلى ~~الكوفة ، فكتب ابن رائق إلى البريدي يأمره بإعادة أصحابه من البصرة وتهدده ~~إن لم يفعل ، فاعتذر إليه وغالطه ذ كر استيلاء بجكم على الأهواز وخروج ابن ~~البريدي منها قال : ولما وصل جواب رسالة ابن البريدي إلى محمد بن رائق ~~بالمعالطة عن إعادة جنده من البصرة استدعى بدرا الخرشني وخلع عليه وعلى ~~بجكم وسيرهما في PageV23P0078 # """""" صفحة رقم 79 ms5267 """""" جيش وأمرهما أن يقيما بالجامدة ، فبادر بجكم ~~ولم يتوقف على بدر وسار إلى السوس ، فأخرج إليه البريدي جيشا مع غلامه ~~المعروف بالحمال عدته ثلاثة آلاف مقاتل ، فالتقوا واقتتلوا بظاهر السوس . ~~وكان مع بجكم مائتان وسبعون رجلا من الأتراك فانهزم أصحاب البريدي وعادوا ~~إلى صاحبهم فضرب الحمال وسبه ووبخه على انهزامه ثم ردد وأضاف إليه من لم ~~يشهدوا الواقعة فبلغوا ستة آلاف رجل . فلما التقوا انهزموا من غير قتال ، ~~فلما رآهم البريدي ركب هو وإخوته ومن يلزمه في سفينة ومعه ما بقي عنده من ~~المال وهو ثلاثمائة ألف دينار فغرقت السفينة بهم ، فأخرجهم الغواصون وقد ~~كادوا يهلكون ، وأخرج الغواصون باقي المال لبجكم ووصل أولاد البريدي إلى ~~البصرة وأقاموا بالأبلة وأعدوا المراكب للهرب إن هزم إقبال ، وسير أبو عبد ~~الله البريدي غلامه إقبالا إلى مطارا فالتقوا مع أصحاب ابن رائق فانهزمت ~~الرائقية وأسر منهم جماعة فأطلقهم البريدي ، وكتب إلى ابن رائق يستعطفه ، ~~وأرسل إليه جماعة من أعيان البصرة فلم يجبهم وطلبوا منه أن يحلف لأهل ~~البصرة ليكونوا معه ، فامتنع وحلف لئن ظفر بها ليحرقنها ويقتل كل من فيها ~~فازدادوا بصيرة في قتاله واطمأن البريدي وأقام بالبصرة . ثم جهز ابن رائق ~~جيشا آخر وسيره في البر وفي لاماء ، فالتقى عسكره الذي في البر مع عسكر ~~البريدي فانهزم الرائقية ، وأما عسكر الماء فإنهم استولوا على الكلاء فلما ~~رأى أبو عبد الله البريدي ذلك ركب في السفن وهرب إلى جزيرة أوال ، وترك ~~أخاه أبا الحسين بالبصرة في عسكر يحميها . فخرج أهل البصرة مع أبي الحسين ~~لدفع عسكر ابن رائق عن الكلاء فقاتلوهم وأجلوهم عنه فسار ابن رائق بنفسه من ~~واسط إلى البصرة على الظهر وكتب إلى بجكم ليلحق به فأتاه فيمن عنده من ~~الجند ، فتقدموا PageV23P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" وقاتلوا أهل البصرة فاشتد القتال . فرجع ابن ~~رائق وبجكم إلى معسكرهم ، وأما أبو عبد الله البريدي فإنه سار إلى عماد ~~الدولة بن بويه واستجار به وأطمعه في العراق وهون عليه أمر الخليفة وابن ~~رائق ، فنفذ معه أخاه ms5268 معز الدولة وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى . وقال : ~~ولما سمع ابن رائق إقبالهم من فارس إلى الأهواز سير بجكم إليها ، ثم قصد ~~جماعة من أصحاب البريدي عسكر ابن رائق ليلا فصاحوا في جوانبه ، فانهزموا . ~~فلما رأى ابن رائق ذلك أمر بإحراق سواده وآلاته لئلا يغنمه البريديون . ~~وسار إلى الأهواز جريدة وأقام بها أياما ، وعاد إلى واسط . وكان باقي عسكره ~~قد سبقه إليها . ودخلت سنة ست وعشرين وثلاثمائة : ذكر استيلاء معز الدولة ~~بن بويه على الأهواز في هذه السنة سار معز الدولة أبو الحسين بن بويه إلى ~~الأهواز وتلك النواحي فملكها ، وسبب ذلك ما ذكرناه من مسير أبي عبد الله ~~البريدي إلى عماد الدولة بن بويه وترك البريدي ولديه أبا الحسن محمدا وأبا ~~جعفر الفياض عند عماد الدولة رهينة . وساروا فبلغ الخبر بجكم بنزولهم أرجان ~~، فسار لحربهم فانهزم من بين أيديهم إلى الأهواز ، ثم إلى واسط . وأرسل إلى ~~ابن رائق يعلمه الخبر ويقول له أن العسكر يحتاج إلى المال فإن كان معك ~~مائتا ألف درهم فأقم بواسط حتى نصل إليك وتنفق فيهم المال وإلا فالرأي أن ~~تعود إلى بغداد فعاد ابن رائق من و اسط إلى بغداد ، ووصل بجكم إلى واسط . ~~قال : ودخل معز الدولة بن بويه الأهواز فأقام بها خمسة وثلاثين يوما ، ثم ~~هرب البريدي خوفا منه على نفسه ، وأمر جيشه الذين بالسوس فصاروا إلى البصرة ~~، وكاتب معز الدولة أن يفرج له عن الأهواز حتى يتمكن من ضمانه ، فإنه كان ~~قد ضمن الأهواز والبصرة من عماد الدولة في كل سنة بثمانية عشر ألف ألف درهم ~~، فرحل عنها عسكر مكرم وأنفذ البريدي خليفته إلى الأهوازت وأنفذ إلى معز ~~الدولة بذكر خوفه PageV23P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" ويطلب منه أن ينتقل إلى السوس ليبعد عنه ويأمن ~~بالأهواز فامتنع معز الدولة من ذلك وعلم بجكم بذلك فأنفذ جماعة من أصحابه ~~واستولوا على السوس وجنديسابور وبقيت الأهواز بيد البريدي ، ولم يبق مع معز ~~الدولة من كور الأهواز إلا عسكر مكرم فاشتد الحال عليه وفارقه ms5269 بعض جنده ~~وأرلاد الرجوع إلى فارس فكتب إلى أخيه عماد الدولة يعرفه الحال فأنفذ إليه ~~جيشا تقوى بهم ، وعاد واستولى على الأهواز ، وهرب البريدي إلى البصرة . ~~واستقر ابن بويه بالأهواز ، وبجكم بواسط طامعا في الاستيلاء على بغداد ~~ومكان ابن رائق ، وهو لا يظهر ذلك . قال : ولما رأى أبو الفتح الوزير ~~ببغداد إدبار الأمور أطمع ابن رائق في مصر والشام ، وصاهره وعقد بينه وبين ~~ابن طغج عهدا وصهرا وقال لابن رائق : أنا أجبي لك مال مصر والشام إن سيرتني ~~إليهما فسيره إلى الشام في شهر ربيع الآخر . ذكر الحرب بين بجكم والبريدي ~~والصلح بعد ذلك قال : ولما أقام بجكم بواسط وعظم شأنه خافه ابن رائق أن ~~يتغلب على العراق ، فراسل عبد الله البريدي وطلب منه الصلح على بجكم ، فإذا ~~انهزم تسلم البريدي واسطا وضمنها بستمائة ألف دينار في السنة . فسمع بجكم ~~بذلك فاستشار أصحابه فيما يفعله فأشاروا عليه أن يبتدي بأبي عبد الله ~~البريدي وأن لا يهجم إلى حضرة الخلافة ولا يكاشف ابن رائق إلا بعد الفراغ ~~من البريدي . فجمع عسكره وسار إلى البصرة يريد البريدي ، فسير أبو عبد الله ~~البريدي جيشا بلغت عدتهم عشرة آلاف رجل عليهم علامة أبو جعفر محمد الحمال ، ~~فالتقوا واقتتلوا فانهزم عسكر البريدي فلم يتبعهم بجكم وكف عنه . ثم أرسل ~~إلى البريدي في ثاني يوم الهزيمة يعتذر إليه مما جرى ويقول له : أنت بدأت ~~وتعرضت لي وقد عفوت عنك وعن أصحابك ولو تبعتهم لقتلت أكثرهم ، وأنا أصالحك ~~على أن أقلدك واسطا إن ملكت الحضرة وأصاهرك فسجد البريدي شكر الله تعالى ~~وحلف لبجكم وتصالحا ، وعاد إلى واسط وأخذ في التدبير على ابن رائق . ذكر ~~قطع يد ابن مقلة ولسانه في هذه السنة في منتصف شوال قطعت يد الوزير أبي على ~~مقلة وكان سبب ذلك أن الوزير أبا الفتح بن جعفر بن الفرات لما عجز عن ~~الوزارة وسار إلى الشام استوزر الراضي بالله أبا علي بن مقلة وليس له من ~~الأمر شيء ، وإنما الأمر والنهي PageV23P0081 # """""" صفحة رقم 82 ms5270 """""" لمحمد بن رائق . وكان ابن رائق قد قبض على ~~أموال ابن مقلة وأملاكه وأملاك ابنه ، فخاطبه في ردها فلم يفعل ، فاستمال ~~أصحابه وسألهم مخاطبته في ردها فوعدوه ولم يفعلوا . فلما رأى ذلك سعي بابن ~~رائق فكاتب بجكم يطمعه في موضع ابن رائق ، وكتب إلى وشمكير مثل ذلك ، وكتب ~~إلى الراضي بالله يشير عليه بالقبض على ابن رائق وأصحابه ويضمن أنه يستخرج ~~منهم ثلاثة آلاف ألف دينار ، وأشار باستدعاء بجكم وإقامته مقام ابن رائق ~~فأطمعه الراضي وهو كاره لما قاله ، فعجل ابن مقلة وكتب إلى بجكم يعرفه ~~إجابة الراضي ويستحثه على الحركة والمجيء إلى بغداد . وطلب ابن مقلة من ~~الراضي بالله أن ينتقل ويقيم عنده بدار الخلافة إلى أن يتم على ابن رائق ما ~~اتفقا عليه ، فأذن له في ذلك فحضر متنكرا في آخر ليلة من شهر رمضان . فلما ~~حضر إلى درا الخلافة لم يصل إلى الراضي وأمر باعتقاله فاعتقل في حجرة . ~~فلما كان من الغد أرسل الراضي إلى ابن رائق يعرفه الحال ، وعرض عليه خط ابن ~~مقلة ، وما زالت الراسل تتردد بينهما في المعنى إلى منتصف شوال ، فأخرج ابن ~~مقلة من محبسه وقطعت يده ، وعولج فبرأ . ثم كاتب الراضي يخطب الوزارة ويذكر ~~أن قطع يده لم يمنعه من عمله ، وكان يشد القلم على يده المقطوعة ويكتب ، ~~فلما قرب بجكم من بغداد سمع الخدم يتحدثون بذلك فقال : إن وصل بجكم فهو ~~يستخلصني وأكافى ابن رائق وصار يدعو على من ظلمه وقطع يده ، فوصل خبره إلى ~~الراضي باللهت وابن رائق فأمر بقطع لسانه ، ثم نقل في محبس ضيق ولم يكن ~~عنده من يخدمه ، فآلت به الحال إلى أن كان يستقي الماء من البئر بيده ~~اليسرى ويمسك الحبل بفيه وناله شقاء شديد إلى أن مات في حادي عشر شوال سنة ~~ثمان وعشرين وثلاثمائة ودفن بدار الخلافة . ثم إن أهله سألوا فنبش وسلم ~~إليهم فد فنوه ، ثم نبشته زوجته ودفنته في دارها . ومن العجب أنه ولي ~~الوزارة ثلاث دفعات ، ووزر لثلاثة خلفاء وسافر ثلاث ms5271 سفرات اثنتين منفيا إلى ~~شيراز وواحدة إلى الموصل في وزراته ، ودفن بعد موته ثلاث مرات وخص به من ~~خدمه ثلاثة ، وكان في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة في شهر ربيع الآخر ضرب ابن ~~شنبوذ سبع درر لقراءات أنكرت عليه ، فدعا عليه بقطع اليد وتشتيت الشمل ، ~~فاستجاب الله له PageV23P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" ذكر استيلاء بجكم على بغداد وشيء من أخباره ~~وكيف تنقلت به الحال إلى أن بلغ هذه الرتبة . قال ابن الأثير الجزري في ~~تاريخه الكامل : كان بجكم هذا من غلمان أبي العارض وزير ما كان بن كالي ~~الديلمي فطلبه ما كان منه فوهبه له ، ثم فارق ما كان مع من فارقه . من ~~أصحابه ، والتحق بمرداويج ، وكان من جملة من قتله ، وسار إلى العراق والتحق ~~بمحمد بن رائق . وكان من أمره ما ذكرناه ، فلما استقر بواسط تعلقت همته ~~بالاستيلاء على حضرة الخليفة ، وهو مع ذلك يظهر التبعية لابن رائق ، وكان ~~على أعلامه وتراسه بجكم الرائقي . فلما وصلته كتب الوزير ابن مقلة تذكر أنه ~~استقر مع الراضي أن يقلده إمرة الأمراء زاد طعمه في ذلك وكاشف ابن رائق ~~وقلع نسبته إليه من أعلامه ، وسار من واسط نحو بغداد في غرة ذي القعدة . ~~واستعد ابن رائق لحربه وسأل الراضي أن يكتب إلى بجكم يأمره بالعود إلى واسط ~~، فكتب إليه فملا قرأ الكتاب ألقاه من يده وسار حتى نزل شرقي نهر ديالي . ~~وكان أصحاب ابن رائق على غيره تعبئة ، فألقى أصحاب بجكم نفوسهم في الماء ~~فانهزم ابن رائق ، وعبر أصحاب بجكم وساروا إلى بغداد ، وخرج ابن رائق عنها ~~إلى عكبرا . وكان دخول بجكم بغداد في ثالث عشر ذي القعدة ، ولقي الراضي من ~~الغد وخلع عليه وجعله أمير الأمراء ، وكتب كتابا عن الراضي إلى القواد ~~الذين كانوا مع إبن رائق بالرجوع إلى بغداد ، ففارقوه جميعهم وعادوا . فلما ~~رأى ابن رائق ذلك عاد إلى بغداد واستتر ، فكانت مدة إمارته سنة واحدة وعشرة ~~أشهر وستة عشر يوما . ودخلت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة : ذكر مسير الراضي ~~بالله وبجكم إلى ms5272 الموصل وظهور ابن رائق ومسيره إلى الشام في هذه السنة في ~~المحرم سار الراضي وبجكم إلى الموصل وديار ربيعة لقصد ناصر الدولة ابن ~~حمدان ، فإنه كان قد أخر الملا المقرر عليه من ضمان البلاد ، فلما ~~PageV23P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" بلغا تكريت أقام الراضي بها وسار بجكم ، فلقيه ~~ناصر الدولة بن حمدان على ستة فراسخ من الموصل ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، ~~فانهزم ابن حمدان إلى نصيبين وتبعه بجكم إليها ، فسار إلى آمد ثم وقع الصلح ~~بينهما على أن يحمل ابن حمدان خمسمائة ألف درهم معجلة فأجابه إلى ذلك . قال ~~: وفي هذه الغيبة ظهر ابن رائق ببغداد واستولى عليها ولم يتعرض لدار ~~الخليفة فعاد الراضي وبجكم إليها فراسلهما ابن رائق في طلب الصلح فأجابا ~~إلى ذلك ، فعقد له الخليفة على طريق الفرات ، وديار مضر حران والرها وما ~~جاورنهما ، وجند قنسرين والعواصم ، فأجاب ابن رائق أيضا وسار عن بغداد إلى ~~ولايته ، دخل الراضي وبجكم بغداد في تاسع شهر ربيع الآخر ، ثم استولى ابن ~~رائق على الشام وملك مدينة حمص ثم سار إلى دمشق وبها بدر بن عبد ا لله ~~الإخشيدي المعروف ببدير واليا عليها من قبل الإخشيد ، فأخرجه ابن رائق ~~وملكها . وسار إلى الرملة وإلى عريش مصر يريد الديار المصرية ، فلقيه ~~الإخشيد وحاربه فانهزم الأخشيد ، فخرج عليهم أصحاب ابن رائق بالنهب ونزلوا ~~في خيم الإخشيدية ، فخرج عليهم كمين للإخشيد فأوقع بهم وهزمهم ، فنجا ابن ~~رائق في سبعين رجلا ووصل إلى دمشق في أقبح صورة . فسير إليه الإخشيد أخانه ~~أبا نصر بن طغج في جيش كثيف ، فالتقوا في رابع ذي الحجة سنة ثمان وعشرين ~~فانهزم الإخشيديون وقتل أبو نصر فأخذه ابن رائق وكفنه وحمله إلى أخيه بمصر ~~، وأنفذ معه ابنه مزاحما ، وكتب إلى الإخشيد يعزيه بأخيه ويعتذر مما جرى ~~ويحلف أنه ما أراد قتله ، وأنه قد أنقذ ابنه ليقيده به إن أحب ذلك ، فلقي ~~الإخشيد مزاحم بن محمد بن رائق بالجميل وخلع عليه ورده إلى أبيه واصطلحا ، ~~وعلى أن تكون الرملة وما وراءها إلى مصر للإخشيد ms5273 وباقي الشام لمحمد بن رائق ~~، ويحمل إليه الإخشيد عن الرملة في كل سنة مائة ألف دينار وأربعين ألف ~~دينار . نعود إلى أخبار الراضي وبجكم . PageV23P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" ذكر وزارة أبي عبد الله البريدي للخليفة ~~الراضي بالله وفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة سعى أبو جعفر محمد بن يحيى بن ~~شيرزاد وزير بجكم في الصلح بين بجكم والبريدي حتى تم وضمن البريدي أعمال ~~واسط بستمائة ألف دينار في كل سنة . ثم شرع ابن شيرزاد في تقليد البريدي ~~الوزارة ، فأرسل إليه الراضي في ذلك فأجاب إليه ، وذلك في شهر رجب واستناب ~~بالحضرة عبد الله بن علي النقري . قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي : ~~كان الحج قد بطل من سنة سبع عشرة وثلاثمائة . فلم يحج أحد من العراق ، فلما ~~كان في هذه السنة كاتب أبو علي عمر بن يحيى العلوي القرامطة وسألهم أن ~~يؤمنوا الحاج ليسير بعم يعطيه عن كل جمل خمسة دنانير ومن المحمل سبعة ~~دنانير ، فأذنوا له في الحج فحج الناس . وهي أول سنة مكس فيها الحاج . وخرج ~~في تلك السنة القاضي أبو علي بن أبي هريرة الشافعي فلما طولب بالخفارة لوى ~~راحلته ورجع وقال : لم أرجع شحا على الدراهم ولكن قد سقط الحج بهذا المكس ~~ودخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة : في هذه السنة سار ركن الدولة أبو علي ~~الحسن بن بويه إلى واسط فنزل بالجانب الشرقي ، وكان البريدي بالجانب الغربي ~~فاستأمن من أصحاب ابن بويه مائة إلى البريدي . ثم سار الراضي وبجكم من ~~بغداد نحو واسط . يريد أن حرب ابن بويه فعاد إلى الأهواز ثم إلى رامهرمز . ~~وفيها استولى بتجكم على واسط . في ذي الحجة ، وسار إليها ففارقها ابن ~~البريدي إلى البصرة ، وأسقط . بجكم اسم البريدي من الوزارة ، وجعل مكانه ~~أبا القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد . PageV23P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" ودخلت سنة تسع وعشرين وثلاثمائة . ذكر وفاة ~~الراضي بالله وشيء من أخباره كانت وفاته في منتصف شهر ربيع الأول من هذه ~~السنة ، وكانت مدة خلافته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة ms5274 أيام ، وعمره اثنتان ~~وثلاثون سنة وأشهرا ، وكانت علته الاستسقاء ، وكان أديبا شاعرا ، فمن شعره ~~: يصفر وجهي إذا ما تأمله . . . طرفي ويحمر وجهه خجلا حتى كان الذي بوجنته ~~. . . من دم جسمي إليه قدنقلا وقال يرثي أباه المقتدر بالله : ولو أنا حيا ~~كان قبرا لميت . . . لصيرت أحشائي لأعظمه قبرا ولو أن عمري كان طوع مشيئتي ~~. . . وساعدني التقدير قاسمته العمرا بنفس ثرى ضاجعت في تربة البلى . . . ~~لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا وكان سمحا سخيا ، يحب محادثة الأدباء ~~والفضلاء . وكان الراضي بالله أسمر أعين ، خفيف العارضين . وختم الخلفاء في ~~عدة أشياء فمنها أنه آخر خليفة له شعر يدون ، وآخر خليفة خطب على المنبر ~~كثيرا - وإن كان غيره خطب نادرا - وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل الندماء ، ~~وآخر خليفة كانت له نفقاته وجوائزه وعطاياه وخزائنه ومطابخه وجراياته ~~وخدامه وحجابه وأموره على ترتيب الخلفاء المتقدمين . وكان له من الأولاد ~~أبو جعفر أحمد ، وأبو الفضل عبد الله . وزراؤه : أبو علي بن مقلة ، وابنه ~~الحسن ، ثم عبد الرحمن بن عيسى ، ثم محمد بن القاسم الكرخي ، ثم سليمان بن ~~الحسين بن مخلد ، ثم الفضل بن جعفر بن الفرات ، ثم أبو عبد الله البريدي ~~قضائه : عمر بن محمد بن يوسف ، ثم ابنه يوسف بن عمر حجابه : محمد بن ياقوت ~~، وذكا مولاه . الأمير بمصر : الإخشيد محمد بن طعج بن جف الفرغاني ~~PageV23P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" القضاة بها : محمد بن الحسن بن أبي الشوارب من ~~قبل الراضي واستخلف أبا بكر محمد بن بدر ، ثم صرفه بعبد الرحمن بن أحمد بن ~~الزين ، ثم ولي الإخشيد الحسين بن محمد بن أبي زرعة القضاء ، واستخلف له ~~أبا بكر محمد بن أحمد بن الحداد الشافعي ، ثم ورد العهد للحسين بن محمد بن ~~أبي زرعة من قبل محمد بن أبي الشوارب ، ثم صرفه محمد بأبي نصر يوسف بن عمر ~~بن أبي عمر القاضي ، وأقر الحسين بن أحمد إلى أن توفي وأبو بكر بن الحداد ~~خليفته ، ثم صرف يوسف بن عمر عن قضائها بمحمد بن أبي الشوارب واستخلف أحمد ms5275 ~~بن بدر ثانية ، ثم صرف ابن أبي الشوارب بالحسين بن عيسى بن هارون فأقر محمد ~~بن بدر ، ثم عاد ابن أبي الشوارب فاستخلف عبيد الله بن أحمد بن رزين ، ثم ~~استخلف عبد الله بن الوليد من قبل الحسين بن علي . ذكر خلافة المتقي لله هو ~~أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر بالله أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالله ، ~~وأمه أم ولد اسمها خلوب . وهو الخليفة الحادي والعشرون من الخلفاء ~~العباسيين ، بويع له يوم الأربعاء لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة تسع ~~وعشرين وثلاثمائة . قال : ولما مات الراضي بالله بقي الأمر في الخلافة ~~موقوفا انتظارا لورود خبر من بجكم ، فإنه كان بواسط واحتيط على دار الخلافة ~~. وفورد كتاب بجكم مع كاتبه أبي العباس عبد الله الكوفي يأمر فيه بأن يجتمع ~~مع أبي القاسم سليمان بن الحسن وزير الراضي وكل من تقلد الوزارة وأصحاب ~~الدواوين والعلويون والعباسيون والقضاة ووجوه البلد ويشاورهم الكوفي فيمن ~~ينصب للخلافة ممن يرضى مذهبه وطريقه . فجمعهم الكوفي واستشارهم ، فذكر ~~بعضهم إبراهيم بن المقتدر وتفرقوا على هذا ، فلما كان الغد اتفق الناس عليه ~~فأحضروه إلى دار الخلافة وبويع له في التاريخ الذي تقدم ، وعرضت عليه ألقاب ~~فاختار منها المتقي لله . وبايعه الناس كافة وسير الخلع واللواء إلى بجكم ~~بواسط وكان بجكم بعد موت الراضي وقبل استخلاف المتقي أرسل إلى دار الخلافة ~~أخذ منها فرشا وآلات كان يستحسنها ، وجعل سلامة الطولوني حاجبه ، وأقر ~~سليمان بن الحسين على وزارته وليس له من الوزارة إلا اسمها والتدبير كله ~~للكوفي كاتب بجكم . PageV23P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" ذكر مقتل بجكم كان سبب قتله أن أبا عبد الله ~~البريدي أنفذ جيشا من البصرة إلى المذار ، فأنفذ بجكم جيشا إليهم عليه ~~توزون فاقتتلوا قتالا شديدا . كانت الحرب أولا على توزون فكتب إلى بجكم أن ~~يلحق به فسار من واسط في منتصف شهر رجب ، فلقيه كتاب توزون ) أنه ظفر بهم ~~وهزمهم ( فأراد الرجوع إلى واسط ، فأشار عليه بعض أصحابه أن يتصيد فقبل منه ~~وتصيد حتى بلغ نهر جور ms5276 ، فسمع أن هناك أكرادا لهم مال وثروة فشرهت نفسه في ~~أمولهم فقصدهم في قلة من أصحابه وهو بغير جنة تقيه ، فهرب الأكراد من بين ~~يديه فأتاه غلام من الأكراد من خلفه وطعنه في خاصرته فقتله وهو لا يعرفه ، ~~وذلك لأربع بقين من شهر رجب واختلف عسكره فمضى الديلم خاصة نحو البريدي - ~~وكانوا ألفا وخمسمائة - فأحسن إليهم وأضعف أرزاقهم وأوصلها إليهم دفعة ~~واحدة ، وعاد الأتراك إلى واسط . وكان تكينك محبوسا بها - حبسه بجكم - ~~فأخرجوه فسار بهم إلى بغداد وأظهروا طاعة المتقي . وصار أبو الحسين أحمد بن ~~ميمون يدبر الأمور . قال : واستولى المتقي لله على دار بجكم وأخذ ما فيها ، ~~وكان مبلغ ما أخذه من دفائنه ألف ألف ومائتي ألف دينار ، وكانت مدة إمارة ~~بجكم سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام . ذكر إصعاد أبي عبد الله البريدي إلى ~~بغداد قال : لما قتل بجكم وسارت الديلم إلى أبي عبد الله البريدي تقوى بهم ~~وعظمت شوكته ، فأصعدوا من البصرة إلى واسط . في شعبان ، فأرسل المتقي إليهم ~~يأمرهم أن لا يصعدوا فقالوا : نحن محتاجون إلى مال فأنفذ إليهم مائة ألف ~~وخمسين ألف دينار ، فقال الأتراك للمتقي : نحن نقاتل بنى البريد فأطلق لنا ~~مالا وانصب لنا مقدما فأنفق فيهم وفي جند بغداد القدماء أربعمائة ألف دينار ~~وجعل عليهم سلامة الطولوني ، وبرزوا مع المتقي لله إلى نهر ديالي يوم ~~الجمعة لثمان بقين من شعبان . PageV23P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" وسار البريدي من واسط إلى بغداد ، فلما قرب ~~منها اختلفت الأتراك البجكمية ، واستأمن بعضهم إلى البريدي ، وبعضهم استتر ~~وسار إلى الموصل ، واستتر سلامة الطولوني وأبو عبد الله الكوفي ، ولم يحصل ~~الخليفة إلا على أخراج المال . وهم أرباب النعم والأموال بالانتقال من ~~بغداد خوفا من ظلم البريدي وتهوره . ودخل أبو عبد الله البريدي إلى بغداد ~~في ثاني شهر رمضان ونزل بالشفيعي ، ولقيه الوزير أبو الحسين والقضاة ~~والكتاب وأعيان الناس . وأنفذ إليه المتقي يهنئه بالسلامة ، وأنفذ له طعاما ~~وغيره عدة ليال ، وكان يخاطب بالوزير ، وكذلك أبو الحسين بن ميمون وزير ~~الخليفة ، ثم عزل ms5277 أبو الحسين ، وكانت مدة وزارته ثلاثة وثلاثين يوما ، وقبض ~~عليه وسيره إلى البصرة فحبسه بها إلى أن مات في صفر سنة ثلاثين . قال : ثم ~~أنفذ البريدي إلى المتقي لله يطلب منه خمسمائة ألف دينار ليفرقها في الجند ~~، فامتنع فأرسل إليه يتهدده ويذكره بما جرى على المعتز والمستعين والمهتدي ~~، وترددت الرسائل حتى أنفذ إليه تمام خمسمائة ألف دينار ، ولم يلق أبو عبد ~~الله البريدي المتقي مدة مقامه ببغداد . ذكر عود البريدي إلى واسط هاربا ~~قال : كان البريدي يأمر الجند بطلب الأموال من الخليفة ، فلما أنفذ إليه ~~الخليفة المال انصرفت أطماع الجند عن الخليفة إلى البريديين فشغب الجند ~~عليه . وكان الديلم قد قدموا على أنفسهم كورتكين الديلمي ، وقدم الأتراك ~~عليهم تكينك التركي غلام بجكم . وسار الديلم إلى دار البريدي فأحرقوا دار ~~أخيه أبي الحسين التي كان ينزلها ، وانضاق تكنيك التركي إليهم واتفقوا على ~~قصد البريدي ونهب ما عنده . فساروا إلى النجمي ووافقهم العامة ، فقطع ~~البريدي الجسر ووقعت الحرب في الماء ووثب العامة بالجانب العربي على أصحاب ~~البريدي ، فهرب هو وإخوته وابنه وانحدروا في الماء إلى واسط ، ونهبت داره ~~ودور قواده ، وكان هربه في سلخ شهر رمضان من السنة . PageV23P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" ذكر إمارة كورتكين الديلمي لما هرب البريدي ~~استولى كروتكين الديلمي على الأمور ببغداد ، رحل إلى المتقي لله فقلده ~~إمارة الأمراء ، وخلع عليه . واستدعى المتقي علي بن عيسى وأخاه عبد الرحمن ~~، فأمر عبد الرحمن فدبر الأمر من غير تسميته بوزارة ، ثم قبض كورتكين على ~~تكينك التركي في خامس شهر شوال وغرقه وتفرد بالأمر . ثم اجتمع العامة يوم ~~الجمعة سادس شوال وتظلموا من الديلم ونزولهم في دورهم فلم ينكر ذلك ، ~~فمنعوا الخطيب من الصلاة واقتتلوا هم والديلم فقبل من الفريقين جماعة . ذكر ~~عود محمد بن رائق إلى بغداد وولايته إمرة الأمراء كان سبب عوده أن الأتراك ~~البجكمية لما ساروا إلى الموصل لم يروا عند ابن حمدان ما يريدون ، فساروا ~~نحو الشام إلى ابن رائقن وكان فيهم من القواد توزون وجخجخ ونوشتكين وصيغون ~~. فلما ms5278 وصلوا إليه أطمعوه في العود إلى العراق ، ثم وصل إليه كتب المتقي ~~تستدعيه ، فسار من دمشق في العشرين من شهر رمضان واستخلف على الشام أبا ~~الحسن أحمد بن علي بن مقاتل ، وسار حتى وصل إلى الموصل فتنحى عن طريقه ناصر ~~الدولة . ابن حمدان ، ثم تراسلا وتصالحا على مائة ألف دينار يحملها ناصر ~~الدولة ابن حمدان إليه . وسار ابن رائق إلى بغداد ، وخرج كورتكين إلى عكبرا ~~، ووصل إليه ابن رائق فوقعت الحرب بينهما عدة أيام . فلما كان ليلة الخميس ~~لتسع بقين من ذي الحجة سار ابن رائق ليلا من عكبرا هو وجيشه فأصبح ببغداد ، ~~فدخلها من الجانب الغربي ، ونزل في النجمي ، وعبر من الغد إلى الخليفة ~~فلقيه ، وركب المتقي معه . ووصل في هذا اليوم بعد الظهر كورتكين من الجانب ~~الشرقي بجميع جيشه وهم يستهزئون بأصحاب ابن رائق ويقولون : أين نزلت هذه ~~القافلة الواصلة من الشام ؟ ولما تدخل كورتكين بغداد أيس ابن رائق من ~~ولايتها وعزم على العود ، وأمر بحمل أثقاله فرفعت ، ثم عزم على أن يناوشهم ~~شيئا من قتال قبل مسيره ، فأمر طائفة من عسكره أن يعبروا دجلة ويأتوا ~~الأتراك من ورائهم ، ثم ركب هو في سميرية وركب معه عدة PageV23P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" من أصحابه في عشرين سميرية ووقفوا يترامون ~~بالنشاب ، ووصل أصحابه وصاحوا من خلفهم ، واجتمعت العامة وصاحوا على أصحاب ~~كورتكين فانهزم هو وأصحابه واختفى هو . ورجمتهم العامة بالآجر وغيره ، وقوي ~~أمر ابن رائق ، وقتل من أساء إليه من الديلم وكانوا نحو أربعمائة ، وقتل من ~~قوادهم بضعة عشر رجلا ، وخلع عليه المتقي وجعله أمير الأمراء ، ثم ظفر ~~بكورتكين فحبسه بدار الخليفة . ووفي هذه السنة في شوال استوزر المتقي لله ~~أبا إسحاق محمد ابن أحمد الإسكافي المعروف بالقراريطي بعد عود البريدي ، ~~وجعل بدرا الخرشني حاجبه ، فبقي وزيرا إلى الخامس والعشرين من ذي القعدة ~~فقبض عليه كورتكين واستوزر بعده أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي ، فبقي ~~وزيرا إلى الثامن والعشرين من ذي الحجة منها فعزله ابن رائق ، ودبر الأمور ~~أبو عبد الله ms5279 أحمد الكوفي كاتب ابن رائق من غير تسمية بوزارة . وفيها انقطع ~~الغيث بالعراق فاستسقى الناس في شهور ربيع الأول فسقوا مطرا قليلا لم يجر ~~منه ميزاب ، فاشتد الغلاء والوباء وكثر الموت حتى دفن الجماعة في القبر ~~الواحد من غير غسل ولا صلاة عليهم ، ورخص العقار والأثاث ببغداد حتى بيع ما ~~ثمنه دينار بدرهم ، وانقضى تشرين الأول وتشرين الثاني وكانون الأول وكانون ~~الثاني وشباط . الأول ولم يمطر الناس غير المطرة التي كانت عند الاستسقاء ، ~~ثم جاء المطر في آذار ونيسان . قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في سبب ~~هذا المطر بسند رفعه إلى أبي محمد الصليحي الكاتب أنه قال : لما نادى ~~المتقي في زمن خلافته في الأسواق أن أمير المؤمنين يقول لكم معشر رعيته : ~~إن امرأة صالحة رأت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في منامها فشكت احتباس ~~المطر فقال لها : قولي للناس يخرجون في يوم الثلاثاء الأدنى PageV23P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" ويستسقون ويدعون فإنه يسقيهم في يومهم وإن ~~أمير المؤمنين يأمركم كما أمركم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأن ~~تدعوا وتستسقوا بإصلاح من نياتكم وإقلاع عن ذنوبكم - قال - فأخبرني الجم ~~الغفير أنهم لما سمعوا النداء ضجت الأسواق بالبكاء والدعاء ، فشق ذلك علي ~~وقلت : منام امرأة لا ندري ما تأويله ، هل يصح أم لا ، ينادى به في الأسواق ~~في مدينة السلام ، فإن لم يسقوا كيف يكون حالنا مع الكفار ؟ فليته أمر ~~الناس بالخروج ولم يذكر هذا وما زلت قلقا حتى أتى يوم الثلاثاء فقيل لي : ~~إن الناس قد خرجوا إلى المصلى مع أبي الحسين أحمد بن الفضل بن عبد الملك ~~إمام الجامع ، وخرج أكثر أصحاب السلطان والفقهاء والأشراف ، فلما كان قبل ~~الظهر ارتفعت سحابة ثم طبقت الآفاق ثم أسلمت غزالتها بمطر جود ، فرجع الناس ~~حفاة من الوحل . ودخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة ذكر وزارة أبي عبد الله ~~البريدي في هذه السنة وزر أبو عبد الله البريدي للخليفة لمتقي لله ، وسبب ~~ذلك أن ابن رائق استوحش منه لأنه أخر حمل المال وانحدر إلى ms5280 واسط . عاشر ~~المحرم ، فهرب البريدي إلى البصرة وسعى أبو عبد الله الكوفي للبريدي وإخوته ~~حتى عادوا وضمنوا بقايا وساط بمائة وتسعين ألف دينار ، وضمنوها كل سنة ~~بستمائة ألف دينار ، وعاد ابن رائق إلى بغداد فشغب الجند عليه ثاني شهر ~~ربيع الآخر وفيهم توزون وغيره من القواد ، وتوجهوا إلى البريدي في العشر ~~الآخر من شهر ربيع الآخر بواسط ، فقوي بهم فاحتاج ابن رائق إلى مداراته ~~فكاتبه بالوزارة ، وأنفذ إليه الخلع واستخلف أبا عبد الله بن شيرزاد . ثم ~~وردت الأخبار إلى بغداد فعزم البريدي على الإصعاد إلى بغداد ، فأزال ابن ~~رائق اسم الوزارة عنه ، وأعاد أبا إسحاق القراريطي ولعن بنو البريدي على ~~المنابر بجانبي بغداد . ذكر استيلاء البريدي على بغداد وإصعاد المتقي لله ~~إلى الموصل قال : وسير أبو عبد الله البريدي أخاه أبا الحسن إلى بغداد في ~~جميع الجيش من الأتراك والديلم ، فعزم ابن رائق على أن يتحصن بدار الخلافة ~~، فأصلح سورها PageV23P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" ونصب عليها العرادات والمجانيق وعلى دجلة ، ~~وأنهض العامة وجند بعضهم ، فثاروا في بغداد وأحرقوا ونهبوا ، وأخذوا الناس ~~ليلا ونهارا . وخرج المتقي لله وابن رائق إلى نهر ديالي في منتصف جمادى ~~الآخرة ، ووافاهم أبو الحسين في الماء والبر ، واقتتل الناس فانهزم أهل ~~بغداد ، واستولى أصحاب البريدي على دار الخلافة ودخلوا إليها من الماء ، ~~وذلك لتسع بقين من جمادى الآخرة . وهرب المتقي وابنه الأمير أبو منصور في ~~نحو عشرين فارسا ، ولحق بهما ابن رائق في جيشه ، وساروا جميعا إلى الموصل . ~~وقتل أصحاب البريدي من وجدوه في دار الخليفة من الحاشية ، ونهبوا دور الحرم ~~، وكثر النهب في بغداد ليلا ونهارا ، وأخرجوا كورتكين من محبسه ، فأنفذه ~~أبو الحسين إلى أخيه بواسط ، فكان آخر العهد به . ونزل أبو الحسين بدار ~~مؤنس التي يسكنها ابن رائق ، وأقام أبو الحسين توزون على الشرطة الجانب ~~الغربي فسكن الناس ، وأخذ أبو الحسين رهائن القواد فسيرهم إلى أخيه أبي عبد ~~الله بواسط . قال : وعسف أهل العراق وظلمهم ظلما لم يسمع بمثله قط ، ذكر ~~ابن الأثير رحمه الله ms5281 ذلك في تاريخه الكامل وأفرده بترجمة وهي ذكر ما فعله ~~البريدي ببغداد ، ولما انتهى كلامه قال وإنما ذكرنا هذا الفصل ليعلم الظلمة ~~أن أخبارهم تنقل وتبقى على وجه الدهر ، فربما تركوا الظلم لهذا إذا لم ~~يتركوه لله سبحانه وتعالى وأظنه رحمه الله تعالى قال هذا لما علمه من حال ~~الظلمة في عصره ، وأنهم يستقبحون الظلم . ويتركونه خشية أن ينقل عنهم . ~~وإنما تركت أن أشرح ما قاله من ظلم البريدي خوفا أن يسمعه ظلمة هذا العصر ~~فيقتدون بأفعاله ويحملون الناس على مثاله ، فإن فيهم من يتحلى بالظلم ولا ~~يتحاشى من فعله ويرد فرع كل مظلمة إلى أصله ويقول : قد فعله فلان وفلان ~~وجرت عليه القاعدة في كل عصر وأوان ويبرز بالظلم بروز الليث من غابه ، ~~وتصدر عنه الحوادث كصدور الغيث من سحابه ، ويرى أن ذلك فرصة يغتنمها وكعبة ~~يستلمها ، ثم لا يقنعه ذلك إن يسمي المظالم بالحقوق الواجبة ، ويرى ~~الملازمة عليها من السنن الراتبة . لا جرم أن الله تعالى يأخذه من مأمنه ، ~~ويسلبه ما حوله من نعمة ومنه ، لأن ملك هذا العصر - خلد الله سلطانه وثبت ~~أركانه ونصر جيوشه وأعوانه - ينكر المظالم إذا أنهيت إليه ويزيل اسمها ، ~~ويمحو من PageV23P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" دواوين دولته رسمها ، ويكف الأكف العادية إذا ~~عدت ، ويقبض الأيدي الجارية إذا انبسطت في العالم واعتدت . ذكر قتل ابن ~~رائق وولاية ابن حمدان إمرة الأمراء كان المتقي لله قد أنفذ إلى ناصر ~~الدولة بن حمدان يستمده على البريدي ، فأرسل أخاه سيف الدولة نجدة في جيش ~~كثيف ، فلقي المتقي لله وابن رائق بتكريت قد انهزما ، فخدم سيف الدولة ~~المتقي خدمة عظيمة ، وسار معه إلى الموصل ففارقها ناصر الدولة إلى الجانب ~~الشرقي وتوجه نحو معلثايا وترددت الرسائل بينه وبين ابن رائق . ثم تعاهدا ~~واتفقا فحضر ناصر الدولة على دجلة بالجانب الشرقي ، فعبر إليه الأمير أبو ~~منصور بن المتقي وابن رائق يسلمان عليه ، فنثر الدنانير والدراهم على ولد ~~المتقي . فلما أراد الانصراف من عنده ركب ولد المتقي وأراد ابن رائق الركوب ~~فقال ms5282 له ناصر الدولة : أقم اليوم عندي لنتحدث فيما تفعله فاعتذر ابن المتقي ~~، فألح عليه ابن حمدان فاستراب به وجذب كمه من يده فقطعه ، وأراد الركوب ~~فشجب به فرسه فسقط ، فصاح ابن حمدان أن اقتلوه فقتلوه وألقوه في دجلة . ~~وأرسل ابن حمدان إلى المتقي يقول : إنه علم أن ابن رائق أراد أن يغتاله ~~ففعل ما فعل ، فرد عليه المتقي ردا جميلا وأمره بالمسير إليه فسار ناصر ~~الدولة إليه فخلع المتقي عليه ولقبه ناصر الدولة وجعله أمير الأمراء ، وذلك ~~في مستهل شعبان ، وخلع على أخيه أبي الحسين ولقبه سيف الدولة ، وكان قتل ~~ابن رائق يوم الاثنين لسبع بقين من شهر رجب ، ولما قتل سار الإخشيد من مصر ~~إلى الشام فتسلمها . ذكر عود المتقي لله إلى بغداد وهرب البريدي عنها قال : ~~ولما قتل ابن رائق سارع الجند إلى الهرب من البريدي لسوء سيرته فهرب جخجخ ~~وتوزون إلى المتقي في جماعة من الأتراك ، فأتوا الموصل في خامس شهر ~~PageV23P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" رمضان فقوي بهم ابن حمدان ، وسار هو المتقي ~~لله إلى بغداد . فلما قارباها هرب أبو الحسين البريدي منها إلى واسط ، وكان ~~مقامه ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوما . ودخل المتقي إلى بغداد ومعه بنو ~~حمدان في جيوش كثيرة ، واستوزر المتقي أبا إسحاق القراريطي وقلد توزون ~~جانبي بغداد وذلك في شوال . ذكر الحرب بين ابن حمدان والبريدي قال : ثم خرج ~~بنو حمدان نحو واسط لقتال البريدي ، وسار أبو الحسين البريدي من واسط . ~~أيضا لقتالهم . فأقام ناصر الدولة بالمدائن وسير أخاه سيف الدولة وابن عمه ~~الحسين بن سعيد في الجيش لقتاله ، فالتقوا تحت المدائن بفرسخين واقتتلوا ~~عدة أيام آخرها رابع ذي الحجة فانهزم سيف الدولة إلى أخيه ، فأضاف إليه ~~جماعة ورده ، فقاتل وهزم أبا الحسين البريدي وأسر جماعة من أصحابه وقتل ~~جماعة . وعاد ناصر الدولة إلى بغداد ، فدخلها في ثالث عشر ذي الحجة ، ~~وانحدر سيف الدولة من موضع المعركة إلى واسط . فرأى البريدي قد انحدر منها ~~إلى البصرة . فأقام سيف الدولة بها . ودخلت سنة إحدى وثلاثين ms5283 وثلاثمائة . ~~ذكر ما اتفق لسيف الدولة بواسط ورجوع ناصر الدولة إلى الموصل قال : ولما ~~أقام سيف الدولة بواسط ، قصد الانحدار إلى البصرة ليأخذها من البريديين ، ~~فلم يمكنه لقلة المال عنده . فكتب إلى أخيه ناصر الدولة مرة بعد أخرى فأنفذ ~~إليه مالا مع أبي عبد الله الكوفي ليفرقه في الأتراك فأسمعه توزون وجخجخ ~~المكروه وثارا به فغيبه سيف الدولة عنهما ، وسيره إلى بغداد . وأمر توزون ~~أن يسير إلى الجامدة ويأخذها وينفرد بحاصلها ، وأمر جخجخ أن يسير إلى ~~المذار ويأخذ حاصلها . وكان سيف الدولة يزهد الأتراك في العراق ويحسن لهم ~~قصد الشام معه والاستيلاء عليه وعلى مصر ويقع في أخيه عندهم ، فكانوا ~~يصدقونه في أخيه ولا يجيبونه إلى الشام ويتجنون عليه ، ثم ثاروا به في سلخ ~~شعبان وكبسوه ليلا ، فهرب من معسكره إلى بغداد ونهب سواده وقتل جماعة من ~~أصحابه . PageV23P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" وأما ناصر الدولة فإنه لما وصل إليه الكوفي ~~وأخبره الخبر برز للمسير إلى الموصل ، فركب المتقي إليه وسأله التوقف عن ~~المسير ، فأظهر له الإجابة إلى أن عاد ثم سار إلى الموصل ، ونهبت داره ، ~~ودبر الأمر أبو إسحاق القراريطي من غير تسمية بوزارة ، وكانت إمارة ناصر ~~الدولة ببغداد ثلاثة عشر شهرا وخمسة أيام ، ووصل سيف الدولة إلى بغداد ذكر ~~حال الأتراك بعد إصعاد سيف الدولة من واسط قال : ولما هرب سيف الدولة عاد ~~الأتراك إلى معسكرهم ، فوقع الخلاف بين توزون وجخجخ وتنازعا الإمارة ، ثم ~~استقرت الحال أن يكون توزون أميرا وجخجخ صاحب الجيش ، وتصاهرا . وطمع ~~البريدي في و اسط فأصعد إليها ، وتراسل هو وتوزون ولم يتفقا ، ثم بلغ توزون ~~أن جخجخ يريد الانتقال إلى البريدي فكبسه في فراشه في ليلة الثاني عشر من ~~شهر رمضان وسلمه . ذكر عود سيف الدولة إلى بغداد وهربه منها قال : ولما هرب ~~سيف الدولة من واسط قصد بغداد ، وأرسل إلى المتقي لله يطلب منه مالا ليقاتل ~~توزون إن قصد بغداد ، فأنفذ إليه أربعمائة ألف درهم ففرقها في أصحابه . ~~وكان وصوله في ثالث عشر شهر رمضان ms5284 ، ولما بلغ توزون وصول ابن حمدان سيف ~~الدولة إلى بغداد ترك كيغلغ بواسط في ثلاثمائة رجل وأصعد إلى بغداد ، فلما ~~سمع سيف الدولة بإصعاده رحل من بغداد . ذكر إمارة توزون قال : ولما فارق ~~سيف الدولة بغداد دخلها توزون ، وكان دخوله في الخامس والعشرين من شهر ~~رمضان ، فخلع عليه المتقي لله وجعله أمير الأمراء ، وصار أبو جعفر الكرخي ~~ينظر في الأمور كما كان الكوفي ينظر فيها . ولما سار توزون عن واسط أصعد ~~إليها البريدي ، فهرب من بها من أصحاب توزون إلى بغداد ، فلم يمكنه ~~المبادرة إلى واسط ، حتى استقرت الأمور ببغداد ، ثم انحدر إلى واسط . في ذي ~~القعدة ، فأتاه أبو جعفر بن شيرزاد هاربا من البريدي ، ففرح توزون به وقلده ~~جميع أموره . PageV23P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" ذكر الوحشة بين المتقي وتوزون قال : كان محمد ~~بن ينال الترجمان أكبر قواد توزون - وهو خليفته ببغداد - فلما انحدر واسط ~~سعى بمحمد إليه وقبح ابن مقلة ضمن القرى المختصة بتوزون ببغداد فخسر فيها ~~جملة ، فخاف أن يطالب بها ، وانضاف إلى ذلك اتصال ابن شيرزاد بتوزون فخافه ~~الوزير وغيره ، وظنوا أن مسيره إلى توزون باتفاق من البريدي ، فاتفق ~~الترجمان وابن مقلة ، وكتبا إلى ابن حمدان لينفذ عسكرا يسير صحبة المتقي ~~لله ، وقالا للمتقي : قد رأيت ما فعل البريدي معك بالأمس ، أخذ منك خمسمائة ~~ألف دينار وأخرجت على الأجناد مثلها ، وقد ضمنك البريدي من توزون بخمسمائة ~~ألف دينار أخرى رغم أنها في يدك من تركة بجكم ، وابن شيرزاد واصل ليتسلمك ~~ويخلعك ويسلمك إلى البريدي فانزعج لذلك ، وعزم على الإصعاد إلى ابن حمدان ، ~~وورد ابن شيرزاد جريدة في ثلاثمائة رجل ، فوصل في خامس المحرم . وفيها تزوج ~~الأمير أبو منصور بن المتقي لله بابنه ناصر الدولة بن حمدان ، وكان الصداق ~~ألف ألف درهم ، والحمل مائة ألف دينار . وفيها صرف ناصر الدولة أبا إسحاق ~~القراريطي عن الوزارة وقبض عليه ، واستوزر أبا العباس ، أحمد بن عبد الله ~~الأصفهاني في شهر رجب ، ثم استوزر المتقي لله بعد إصعاد ناصر الدولة من ~~بغداد إلى ms5285 الموصل أبا الحسين بن مقلة في ثامن شهر رمضان . وفيها أرسل ملك ~~الروم إلى المتقي لله يطلب منديلا زعم أن المسيح مسح به وجهه فصارت صورة ~~وجهه فيه ، وأنه في بيعة الرها ، وذكر أنه إن أرسل إليه أطلق عددا كبيرا من ~~أساري المسلمين ، فأحضر المتقي لله الفقهاء والقضاة واستفتاهم فاختلفوا فيه ~~، فقال بعضهم إن في تسليمه غضاضة على الإسلام ، وبعضهم رأى تسليمه وفكاك ~~الأسرى أولى من بقائه ، فقال علي ابن عيسى الوزير : إن خلاص المسلمين من ~~الأسر والضر والضنك الذي هم فيه أولى من حفظ هذا المنديل فأمر الخليفة ~~المتقي لله بتسليمه إليهم وإطلاق الأسرى من بلاد الروم ، فأطلقوا ~~PageV23P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" ودخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ذكر مسير ~~المتقي إلى الموصل في هذه السنة أصعد المتقي لله إلى الموصل ، وسبب ذلك ما ~~ذكرناه من إغراء من أغراه بتوزون وخوفه منه ووصول ابن شيرزاد إلى بغداد في ~~خامس المحرم جريدة ، فازداد خوف المتقي لله . وأقام ابن شيرزاد ببغداد يأمر ~~وينهي ولا يراجع المتقي في شيء ، وكان المتقي قد أنفذ في طلب جيش من ناصر ~~الدولة ليصحبه إلى الموصل ، فأنفذهم مع ابن عمه الحسين بن سعيد ، فوصلوا ~~إلى بغداد ونزلوا بباب حرب . فاستتر ابن شيرزاد وخرج المتقي لله إليهم ~~ونزلوا بباب حرب . فاستتر ابن شيرزاد وخرج المتقي لله إليهم في حرمه وأهله ~~ووزيره وأعيان بغداد ، ولما سار المتقي لله من بغداد ظلم ابن شيرزاد الناس ~~وعسفهم وصادرهم ، وأرسل إلى توزون وهو بواسط يخبره بذلك . فلما بلغه الخبر ~~عقد ضمان واسط على البريدي وزوجه ابنته وسار إلى بغداد ، وسار ناصر الدولة ~~للقاء المتقي إلى تكريت فوصل في الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر وركب ~~إليه الخليفة وأكرمه وأصعد الخليفة إلى الموصل ، وأقام ناصر الدولة بتكريت ~~، وسار توزون نحو تكريت فالتقى هو وسيف الدولة بن حمدان تحت تكريت بفرسخين ~~فاقتتلوا ثلاثة أيام ثم انهزم سيف الدولة لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر ، ~~وغنم توزون سواده وسواد أخيه ناصر الدولة . وعادا من تكريت إلى ms5286 الموصل ثم ~~التقوا مرة ثانية فانهزم سيف الدولة وتبعه توزون ، فسار المتقي لله وبنو ~~حمدان إلى نصيبين ودخل توزون الموصل وسار المتقي إلى الرقة ، ولحقه سيف ~~الدولة . وأرسل المتقي لله إلى توزون يذكر أنه استوحش منه لاتصاله بالبريدي ~~، فإن آثر رضاه يصالح ناصر الدولة وسيف الدولة ليعود إلى بغداد ، وترددت ~~الرسائل بين المتقي وتوزون حتى تم الصلح ، وعقد الضمان على ناصر الدولة عما ~~بيده من البلاد ثلاث سنين كل سنة بثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف درهم ، وعاد ~~توزون إلى بغداد وأقام المتقي لله عند بني حمدان . PageV23P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" ذكر قتل أبي يوسف البريدي في هذه السنة قتل ~~أبو عبد الله البريدي أخاه أبا يوسف ، وسبب ذلك أن أبا عبد الله كان نفذ ما ~~عنده من المال في محاربة بني حمدان ومقامهم بواسط ومحاربة توزون ، فلما رأى ~~جنده قلة ماله مالوا إلى أخيه أبي يوسف لكثرة أمواله ، فاستقرض أبو عبد ~~الله منه المال مرة بعد أخرى فكان يعطيه القليل من المال ويعيبه ويذكر ~~تضييعه وهوجه وتهوره ، فبلغ ذلك أبا عبد الله . ثم صح عنده أنه يريد القبض ~~عليه والاستبداد بالأمر وحده ، واستوحش كل منهما من صاحبه ، فدبر أبو عبد ~~الله عليه وأقام غلمانه في ذلك الطريق مسقف بين داره والشط ، فدخل أبو يوسف ~~في ذلك الطريق فثار به الغلمان فقتلوه وهو يستغيث : يا أخي قتلوني وهو يقول ~~: إلى لعنة الله ولما قتل دفنه فثار الجند وشغبوا ظنا منهم أنه حي ، فأمر ~~به فنبش وألقاه على الطريق ، فلما رأوه سكتوا فأمر بدفنه . وانتقل أبو عبد ~~الله إلى دار أبي يوسف ، فأخذ ما فيها ولم يحصل من مال أخيه على طائل فإن ~~أكثره انكسر عند الناس ذكر وفاة أبي عبد الله البريدي ومن قام بعده بالأمر ~~وفي هذه السنة من شوال مات أبو عبد الله البريدي بعد أن قتل أخاه بثمانية ~~أشهر واستقر الأمر بعده لأخيه أبي الحسين ، فأساء السيرة في الجند ، فثاروا ~~به ليقتلوه فهرب إلى هجر واستجار بالقرامطة ، ونصب الجند ms5287 أبا القاسم بن أبي ~~عبد الله . قال : وسار أخوان لأبي طاهر مع أبي الحسين في جيش إلى البصرة ، ~~فرأوا أبا القاسم قد حفظها فأصلحوا بينه وبين ابن أخيه ، وعادوا ودخل أبو ~~الحسن البصرة ، فتجهز منها وسار إلى توزون ببغداد ، واستقام أمر أبي القاسم ~~بن أبي عبد الله البريدي . PageV23P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" ودخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ذكر ما كان ~~من أمر المتقي لله إلى أن خلع وسمل كان المتقي لله قد راسل توزون في طلب ~~العود إلى بغداد ، وسبب ذلك أنه رأى من بني حمدان تضجرا منه وإيثارا ~~لمفارقته ، فاضطر إلى مراسلة توزون . فأرسل إليه الحسن بن هارون وأبا عبد ~~الله بن أبي موسى الهاشمي في الصلح ، فلقيهما توزون وابن شيرزاد بنهاية ~~الرغبة فيه والحرص عليه واستوثقا من توزون وحلفاه للمتقي وحضر اليمين خلق ~~كثير من القضاة والعدول ، والعباسيون والعلويون وغيرهم . وحلف توزون للمتقي ~~والوزير ، وكتبوا خطوطهم بذلك ، وكان ذلك في سنة اثنتين وثلاثين . وكان ~~أيضا قد كتب إلى الإخشيد محمد بن طغج صاحب مصر يشكو إليه حاله ويستقدمه ، ~~فقدم إليه إلى الرقة في منتصف المحرم من هذه السنة ووقف بين يديه موقف ~~الغلمان ، ومشى بين يديه ، وحمل إلى المتقي لله هدايا جليلة وإلى الوزير ~~أبي الحسين بن مقلة وسائر الأصحاب ، واجتهد بالمتقي ليسير معه إلى مصر ~~والشام ويكون بين يديه فلم يفعل ، فأشار عليه بالمقام مكانه ولا يرجع إلى ~~بغداد وخوفه من توزون فأبى إلا العود إلى بغداد . وعرض على ابن مقلة المسير ~~معه إلى مصر ليحكمه في جميع بلاده ، فلم يجبه إلى ذلك ، فخوفه أيضا من ~~توزون ، فكان ابن مقلة يقول بعد ذلك : نصحني الإخشيد فلم أقبل نصيحته . ثم ~~انحدر المتقي لله إلى بغداد لأربع بقين من المحرم ، وعاد الإخشيد إلى مصر ، ~~فلما وصل المتقي لله إلى هيت أقام بها وأنفذ من يجدد اليمين على توزون ، ~~فحلف وسار عن بغداد لعشر بقين من صفر للقاء المتقي لهن فلقيه بالسندية ونزل ~~توزون وقبل الأرض بين يدي المتقي وقال : ها ms5288 أنا قد وفيت بيميني والطاعة لك ~~ثم وكل به وبالوزير وبالجماعة وأنزلهم في مضربه مع حرم المتقي ثم كحله ~~فأذهب عينيه ، فصاح وصاح من عنده من الحرم والخدم فارتجت الأرض فأمر توزون ~~بضرب الدبادب فخفيت الأصوات ، وعمي المتقي . PageV23P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" وانحدر توزون من الغد إلى بغداد ، وكان خلع ~~المتقي لله وسمله في يوم السبت لعشر بقين من صفر ، فكانت مدة خلافته ثلاث ~~سنين واحد عشر شهرا ، وعاش إلى أيام المطيع ، وتوفي في منتصف شعبان سنة سبع ~~وخمسين وثلاثمائة وله ستون سنة وأمر المطيع أبا تمام الزينبي فصلى عليه ~~وكبر خمسا ، ودفن في داره ثم ابتاعها عن الدولة باختيار من ورثته بثلاثين ~~ألف دينار فنقلوه إلى تربة بإزائها فامتحن في الحياة وفي الممات . قال أبو ~~الحسين عياش اجتمع في أيام المتقي إسحاقات كثيرة ، فانسحقت خلافة بني ~~العباس في أيامه وانهدمت قبة المنصور الخضراء التي كان فخرهم بها ، قبل له ~~ما كانت الإسحاقات ؟ قال : كان يكنى أبا إسحاق ، وكان وزير القراريطي يكنى ~~بأبي إسحاق ، وكان قاضيه ابن إسحاق الخرقي وكان محتسبه أبو إسحاق بن بطحاء ~~، وكان صاحب شرطته أبو إسحاق بن أحمد أمير خراسان وكانت داره القديمة دار ~~إسحاق بن إبراهيم المعصبي وهي دار إسحاق ابن كنداج . وكان المتقي لله أبيض ~~أشهل العينين أشقر الشعر . قال بعض المؤرخين : كان في أيامه غلاء وشدة حتى ~~بيع كر الحنطة بمائتين وعشرة دنانير ، وخرج عدة من الخدم من قصر الخلافة ~~بالرصافة ينادون : الجوع الجوع وكان نقش خاتمه المتقي لله . ولده ولي عهده ~~: أبو منصور وزراؤه : قد تقدم ذكرهم في أبناء دولته ، ولم يكن لهم من الأمر ~~شيء على ما قدمناه . قضاته : أبو نضر يوسف بن عمر ، ثم أخوه أبو محمد ~~الحسين ، ثم محمد بن عيسى بن إبراهيم ، ثم أبو طاهر محمد بن أحمد بن نصر ، ~~ثم أبو الحسن أحمد بن أبي موسى . حجابه : سلامة الطولوني مولى خماروية ، ثم ~~بدر الخرشني ثم أحمد بن خاقان . الأمير بمصر : الإخشيد محمد بن طغج . ~~القضاة بها : عبد الله ms5289 بن الوليد ، ثم محمد بن بدر ، ثم أبو الذكر التمارن ~~ثم الحسن بن عبد الرحمن بن إسحاق ، ثم أحمد بن عبد الله الليثي ، ثم عبد ~~الله بن وليد . PageV23P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" ذكر خلافة المستكفي هو أبو القاسم عبد الله ~~بن المكتفي بالله أبي محمد علي ابن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن ~~الموفق بالله بن المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم بالله أبي ~~إسحاق محمد بن هارون الرشيد أبى محمد بن المهدي أبي عبد الله محمد ابن أبي ~~جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم . يجتمع هو ~~والمتقي لله في المعتضد بالله ، وأمه أم ولد اسمها غصن ، وهو الخليفة ~~الثاني والعشرون من الخلفاء العباسيين ، بويع له بعد خلع المتقي لله لعشر ~~بقين من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة . قال : ولما قبض توزون على المتقي ~~أحضر المستكفي إلى السندية وبايعه هو وعامة الناس ، وكان سبب البيعة له ما ~~حكاه أبو العباس التميمي الرازي وكان من خواص توزون قال : أنا كنت السبب في ~~البيعة للمستكفي ، وذلك أنني دعاني إبراهيم بن الزوبيندار الديلمي فمضيت ~~إليه ، فذكر لي أنه تزوج إلى قوم وأن امرأة منهم قالت له : إن هذا المتقي ~~قد عاداكم وعاديتموه وكاشفكم ولا يصفوا قلبه لكم ، وهاهنا رجل من أولاد ~~الخلفاء من ولد المكتفي وذكرت عقله ودينه تنصبونه للخلافة فيكون صنيعتكم ~~وغرسكم ، ويدلكم على أموال جليلة لا يعرفها غيره ، وتستريحون من الخوف ~~والحراسة - قال - فعلمت أن هذا أمر لا يتم إلا بك ، فدعوتك له فقلت : أريد ~~أن أسمع كلام المرأة : فجاءني بها فرأيت امرأة عاقلة جزلة فذكرت لي نحوا من ~~ذلك ، فقلت : لا بد أن ألقى الرجل فقالت تعود غدا إلى ها هنا حتى أجمع ~~بينكما فعدت من الغد فوجدته قد أخرج من دار ابن طاهر في زي امرأة فعرفني ~~نفسه وضمن لي إظهار ثمانمائة ألف دينار منها مائة ألف لتوزون ، وذكر وجوهها ~~وخاطبني خطاب رجل فهم عاقل ، ورأيته يتشيع - قال - فأتيت توزون ms5290 فأخبرته ~~فوقع الكلام بقلبه وقال : أريد أبصر الرجل فقلت : لك ذلك ، ولكن اكتم أمرنا ~~من ابن شيرزاد فقال : أفعل - قال - وعدت إليهم وأخبرتهم الذي جرى ، ووعدتهم ~~حضور توزون من الغد ، فلما كان ليلة الأحد لأربع عشرة خلت من صفر مشيت مع ~~توزون مستخفيين واجتمعنا به ، وخاطبه توزون وبايعه تلك الليلة وكتم الأمر . ~~فلما وصل المتقي قلت لتوزون : أنت على ذلك العزم ؟ قال : نعم فافعله الساعة ~~فإنه إن دخل الدار بعد عليك مرامه ، فوكل به وسلمه وجرى ما جرى ، وبويع ~~للمستكفي بالخلافة ، وأحضر المتقي فبايعه وأخذ منه البردة والقضيب ، وصارت ~~تلك المرأة قهرمانة المستكفي وسمت نفسها علم PageV23P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" وغلبت على أمره كله ، واستوزر المستكفي بالله ~~أبا الفرج محمد بن علي السامري يوم الأربعاء لست بقين من صفر منها ولم يكن ~~له غير اسم الوزارة ومعناها لابن شيرزاد ، ثم قبض عليه المستكفي في شهر ~~ربيع الآخر وصادره على ثلاثمائة ألف درهم فكانت وزارته اثنين وأربعين يوما ~~. قال : وخلع المستكفي بالله على توزون وتوجه ، وطلب أبا الفضل بن المقتدر ~~بالله - وهو الذي ولي الخلافة ولقب المطيع لله أنه كان يعرفه يطلب الخلافة ~~فاستتر مدة خلافة المستكفي بالله فهدمت داره حتى لم يبق منها شيء . ودخلت ~~سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة . في هذه السنة في المحرم لقب المستكفي بالله ~~نفسه إمام الحق ، وضرب ذلك على الدنانير والدراهم ، وكان يخطب له بلقبين ~~إمام الحق والمستكفي بالله . ذكر وفاة توزون وإمارة ابن شيرزاد في هذه ~~السنة في المحرم مات توزون ببغداد ، وكانت مدة إمارته سنتين وأربعة أشهر ~~وتسعة عشر يوما . ولما مات كان ابن شيرزاد كاتبه ببغداد بهيت ليخلص أموالها ~~، فلما بلغه الخبر أراد عقد الإمارة لناصر الدولة بن حمدان فاضطرب الجند ، ~~وعقدوا الرياسة عليهم لابن شيرزاد فعاد إلى بغداد ونزل بباب حرب في مستهل ~~صفر . وخرج إليه الأجناد جميعهم وحلفوا له ووجه إلى المستكفي بالله ليحلف ~~له فأجابه إلى ذلك ، وحلف له بحضرة القضاة والعدول ودخل إليه وولاه إمرة ~~الأمراء . فزاد الأجناد زيادة كثيرة ms5291 فضاقت عليه الأموال ، فأرسل إلى ناصر ~~الدولة يطالبه بحمل المال ويعده برد الرياسة إليه ، فأرسل له خمسمائة ألف ~~درهم ففرقها في عسكره فلم تغن شيئا ، فقسط أرزاق الجند على العمال والكتاب ~~والتجار وغيرهم ، وظلم الناس ببغداد . واستعمل على واسط ينال كوشة وعلى ~~تكريت الفتح اليشكري ، فأما ينال فإنه كاتب معز الدولة بن بويه واستقدمه ~~وصار معه ، وأما الفتح فإنه التحق بناصر الدولة بن حمدان وصار معه فأقره ~~على تكريت . PageV23P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" ذكر استيلاء معز الدولة على بغداد قال : لما ~~كاتب ينال كوشة معز الدولة بن بويه وهو بالأهواز ودخل في طاعته سار نحوه ، ~~فاضطرب الناس فلما وصل إلى الجسري اختفى المستكفي بالله وابن شيرزاد . فلما ~~استترا سار الأتراك إلى الموصل ، فلما بعدوا ظهر المستكفي بالله وعاد إلى ~~دار الخلافة . وقدم أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي صاحب معز الدولة إلى ~~بغداد فاجتمع بابن شيرزاد بمكانه الذي استتر فيه ، ثم اجتمع بالمستكفي ~~بالله فأظهر السرور بقدوم معز الدولة بن بويه وأعلمه أنه إما استتر من ~~الأتراك ليتفرقوا ليحصل الأمر لمعز الدولة بغير قتال . ثم وصل معز الدولة ~~إلى بغداد لإحدى عشرة خلت من جمادى الأولى فنزل بباب الشماسية ودخل من الغد ~~إلى المستكفي وبايعه ، وحلف له المستكفي . وسأله معز الدولة أن يأذن لابن ~~شيرزاد بالظهور وأن يأذن له أن يستكتبه فأجابه إلى ذلك ، فظهر ولقي معز ~~الدولة فولاه الخراج وجباية الأموال . وخلع الخليفة على معز الدولة ولقبه ~~بهذا اللقب ، وأمر بضرب ألقابه إخوته وكناهم على الدنانير والدراهم ونزل ~~معز الدولة بدار مؤنس ، ونزل أصحابه في دور الناس فنال الناس من ذلك شدة ~~عظيمة وصار رسما عليهم وهو أول من فعله ببغداد ، ولم يعرف بها قبله . وأقيم ~~للمستكفي بالله في كل يوم خمسة آلاف درهم لنفقاته ، وكانت ربما تأخرت عنه ~~فأقرت له بعد ذلك ضياع سلمت إليه تولاها أبو أحمد الشيرازي كاتبه ذكر خلع ~~المستكفي بالله وسلمه في هذه السنة خلع المستكفي بالله لثمان بقين من جمادى ~~الآخرة ، وكان سبب ذلك ms5292 أن علم القهرمانة صنعت دعوة عظيمة حضرها جماعة من ~~قواد الديلم والأتراك ، فاتهمها معز الدولة أنها فعلت ذلك لتأخذ البيعة ~~للمستكفي بالله ويزيلوا معز الدولة ، فساء ظنه لذلك . فلما كان في التاريخ ~~المذكور حضر معز الدولة والناس عند الخليفة ، وحضر رسول صاحب خراسان ومعز ~~الدولة جالس ، ثم حضر رجلان من نقباء الديلم فتناولا يد الخليفة فظن أنهما ~~يريدان يقبلان يده ، فجذباه عن سريره وجعلا عمامته في حلقه . PageV23P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" ونهض معز الدولة ، واضطرب الناس وأخرج ~~الديلميان المستكفي بالله إلى دار معز الدولة ماشيا واعتقل بها ، ونهبت دار ~~الخلافة حتى لم يبقى فيها شيء ، وقبض على أبي أحمد الشيرازي كاتب المستكفي ~~وأخذت علم القهرمانة فقطع لسانها . وكانت مدة خلافة المستكفي بالله سنة ~~واحدة وأربعة أشهر وما زال مغلوبا على أمره . ولما بويع للمطيع لله سلم ~~إليه المستكفي فسلمه ، وبقي محبوسا إلى أن توفي في شهر ربيع الآخر سنة ثمان ~~وثلاثين وثلاثمائة ، وله ست وأربعون سنة . وكان أبيض حسن الوجه قد وخطه ~~الشيب ، ولقب نفسه في آخر سنة ثلاث وثلاثين إمام الحق ، ونقشه على الدنانير ~~والدراهم وقد تقدم ذكر ذلك ، وكان نقش خاتمه ( المستكفي بالله ) . وزراؤه : ~~محمد بن علي السامري وهو آخر من دعي بالوزارة ، ثم استكتب أحمد بن عبد ~~الرحمن الشيرازي . قضاته في الجانبين : أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن ~~إسحاق الخرقي وقلد محمد بن أبي الحسن بي أبي الشوارب الجانب ، الشرقي ~~والمدينة ثم صرفه عن الشرقي بأبي الطاهر محمد بن أحمد بن نصر ، وعن المدينة ~~بأبي السائب عتبة بن عبد الله الهمداني ، ثم جمع لعتبة الجانبين بعد وفاة ~~ابن أبي موسى ، وجعل المدينة إلى محمد بن صالح بن شيبان الكوفي الهاشمي . ~~حاجبه : أحمد بن خاقان . الأمير بمصر : الإخشيد بن طغج . القضاة بها : ~~الحسين بن عيسى بن هارون ، ثم الوليد من قبل المستكفي . ذكر خلافة المطيع ~~لله هو أبو القاسم الفضل وقيل أبو العباس بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر ~~بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد ، وأمه أم ولد ms5293 اسمها مشعلة ، وهو الخليفة ~~الثالث والعشرون من الخلفاء العباسيين بويع له يوم خلع المستكفي ، وهو يوم ~~الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ، وكان ~~مستترا كما قدمناه من أول خلافة المستكفي بالله . فلما قدم معز الدولة إلى ~~بغداد قيل إن المطيع انتقل إليه واستتر عنده وأغراه بالمستكفي بالله حتى ~~قبض عليه وسمله ، وبويع للمطيع بالله ولقب بهذا اللقب ، وحضر المستكفي عنده ~~فسلم عليه بالخلافة وأشهد على نفسه بالخلع . وزاد أمر الخلافة إدبارا ولم ~~يبق لهم من الأمر شيء البتة ، وقد كانوا يراجعون قبل ذلك والحرمة قائمة بعض ~~شيء ، فلما كان في أيام معز الدولة زال ذلك جميعه بحيث إن الخليفة لم يبق ~~له وزير ، إنما كان له كاتب يدير إقطاعه وأخراجاته لا غير . PageV23P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" و صارت الوزارة إلى معز الدولة يستوزر لنفسه ~~من يريد ، وكان الديلم يغالون في التشيع ويعتقدون أن بني العباس قد غصبوا ~~الخلافة وأخذوها من مستحقيها فلم يكن باعث ديني يحثهم على الطاعة حتى قيل ~~إن معز الدولة قصد إخراج الأمر عن بني العباس والبيعة للمعتز لدين الله ~~العلوي أو لغيره من العلويين . واستشار جماعة من خواص أصحابه فكلهم أشار ~~عليه بذلك إلا بعض خواصه ، فإنه قال : ليس هذا برأي فإنك اليوم مع خليفة ~~تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلين ~~دمه ، ومتى أجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة ~~خلافته ولو أمرتهم بقتله لقتلوك فأعرض عن ذلك . ومن حيث استقل معز الدولة ~~بالأمر اختصرنا الأخبار في أيام الخلفاء ، ونذكر ذلك في أخبار الدولة ~~البويهية غيرها من الدول ، فإن الأمر والنهي صار لهم دون الخلفاء ، ولم يبق ~~للخليفة من الأمر شيء إلا ما أقطعه له معز الدولة ما يقوم ببعض حاجته . ~~فالذي نذكره الآن في أيام الخلفاء بني العباس ما يتعلق بحال الخليفة ~~وأتباعه وأقاربه ومن خرج عليه من أهل بيته ، وننبه على ابتداء دول الملوك ~~وانقراضها ونحيل عليها في موضعها الذي ms5294 تشرح فيه ، ونذكر أيضا في أيام ~~الخلفاء ما غلب عليه الروم والفرنج من البلاد الإسلامية وما وقع من الحوادث ~~العامة كالزلازل العظيمة والسيول ، وما يناسب ذلك ما يراه المطالع في ~~مواضعه إن شاء الله تعالى . وفي هذه السنة توفي القائم بن المهدي صاحب ~~إفريقية والمغرب ، وولي بعده ابنه المنصور . وفيها توفي الإخشيد صاحب مصر ~~والشام وولي بعده ابنه أبو القاسم ودبر الأمر كافور الخادم بمصر ، واستولى ~~سيف الدولة بن حمدان على دمشق . وفيها اشتد الغلاء ببغداد حتى أكل الناس ~~الميتة والكلاب والسنانير ، وأخذ بعضهم ومعه صبي قد شواه ليأكله ، وأعقبه ~~وباء حتى عجز الناس عن دفن موتاهم فكانت الكلاب تأكل الناس والناس تأكل ~~الكلاب . قال أبو الفرج بن الجوزي : وفي هذه السنة كثر القمل برستاق اليمن ~~الكبرى PageV23P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" حتى يئس الناس من غلاتهم فانحط من الطير طائر ~~يزيد على جرم العصفور ، فكان الطائر يعلو على شجرة فيصفر فتطير الطير ~~أفواجا ، فينحط كل فوج منها كل ضيعة فيلقط القمل حتى فني ودخلت سنة خمس ~~وثلاثين وثلاثمائة . في هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم على يد ~~نصر الثملي أمير الثغور لسيف الدولة ، وكان عدة الأسرى ألفين وأربعمائة ~~أسير وثمانين أسيرا . وفي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة استولى معز الدولة بن ~~بويه على البصرة وهرب أبو القاسم بن أبي عبد الله البريدي منها إلى هجر إلى ~~القرامطة ، ثم استأمن بعد ذلك ، ووصل إلى بغداد في سنة ثمان وثلاثين ~~وثلاثمائة فأحسن إليه وأقطعه . وفي سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة ملك الروم ~~مرعش من سيف الدولة بن حمدان ، وكان قد قاتلهم فهزموه . وفي سنة ثمان ~~وثلاثين كانت وفاة عماد الدولة أبي الحسن علي بن بويه بمدينة شيراز . ذكر ~~إعادة القرامطة الحجر الأسود وفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة أعاد القرامطة ~~الحجر الأسود إلى مكة شرفها الله تعالى وقالوا : أخذناه بأمر وأعدنا بأمر ~~وكان بجكم قد بذل لهم في رده خمسين ألف دينار فلم يجيبوا إلى رده وردوه ~~الآن يغير شيء في ذي القعدة ، وكانوا أخذوه ms5295 في سنة سبع عشرة وثلاثمائة ، ~~وكان مكثه عندهم اثنتين وعشرين سنة . ولما أرادوا رده حملوه إلى الكوفة ~~وعلقوه بجامعها ، حتى رآه الناس ثم حلوه إلى مكة . وفي سنة تسع وثلاثين ~~أيضا توفي أبو نصر محمد بن الفارابي الحكيم الفيلسوف صاحب التصانيف ، وكانت ~~وفاته بدمشق . وفي سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة توفي المنصور العلوي صاحب ~~المغرب ، وملك بعده ابنه المعز لدين الله . وفيها ملك الروم مدينة سروج ~~وسبوا أهلها وغنموا أموالهم وخربوا المساجد . وفي سنة ست وأربعين نقص البحر ~~ثمانين باعا فظهر فيه جبال وجزائر لم تعرف PageV23P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" قبل ذلك . وفيها كان بالعراق وبلاد الجبل وقم ~~نواحيها زلازل كثيرة متتابعة دامت نحو أربعين يوما ، تسكن وتعود ، فتهدمت ~~الأبنية ، وغارت المياه وهلك تحت الردم ما لا يحصى من العالم ، وكذلك كانت ~~أيضا بالري والطالقان . ذكر ظهور المستجير بالله وفي سنة تسع وأربعين ~~وثلاثمائة ظهر بأذربيجان رجل من أولاد عيسى بن المكتفي بالله وتلقب ~~المستجير بالله وبايع للوصي من آل محمد ، ولبس الصوف ، وأظهر العدل ، وأمر ~~بالمعروف ، ونهى عن المنكر . وكثر أتباعه واستفحل أمره ، فسار إليه جستان ~~وإبراهيم ابنا المزربان صاحب أذربيجان والتقوا فاقتتلوا ، فانهزم أصحاب ~~المستجير وأخذوه أسيرا فعدم فقيل إنه مات وفيها أسلم من الأتراك نحو مائتي ~~ألف خركاه . ذكر ضمان الحسبة والقضاء والشرطة ببغداد وفي سنة خمسين ~~وثلاثمائة مات القاضي أبو السائب عتبه بن عبد الله وقبضت أملاكه وتولي قضاء ~~القناة أبو العباس عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب ، وضمن أن يؤدي في كل ~~سنة مائتي ألف درهم ولم يسمع بمثل ذلك فيما سلف فلم يأذن له الخليفة المطيع ~~لله بالدخول إليه ، وأمر أن لا يحضر الموكب لما ارتكبه من ضمان القضاء ، ثم ~~ضمنت الحسبة والشرطة . ثم عزل ابن أبي الشوارب عن القضاء وأمر بإبطال ~~أحكامه وسجلاته ، وذلك في سنة اثنتين وخمسين وتقلد القضاء بعده أبو بشر بن ~~أكثم بغير ضمان . ذكر استيلاء الروم على عين زربة وما حولها من الحصون وفي ~~سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة في المحرم ms5296 نزل الدمستق بالروم على عين زربة ، ~~وهي في سفح جبل عظيم والجبل مشرف عليها . وكان في جمع عظيم فأنفذ بعض عسكره ~~، فصعدوا الجبل وملكوه . فلما رأى أهلها ذلك وأن الدمستق قد ضيق ~~PageV23P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" عليهم ووصل إلى السور وشرع في التقرب طلبوا ~~الأمان ، فأمنهم الدمستق ففتحوا أبواب المدينة فدخلها ، فرأى أصحابه الذين ~~في الجبل نزلوا إلى المدينة فندم على إجابتهم إلى الأمان ونادي في البلد أن ~~يخرج أهله إلى المسجد الجامع ومن تأخر في منزله قتل . وكان ذلك في أول ~~الليل ، فخرج إلى الجامع من أمكنه الخروج ، فلما أصبح أنفذ رجالته إلى ~~المدينة وأمرهم بقتل من يجدونه في منزله ، فقتلوا خلقا كثيرا . ثم أمر ~~بالمسجد أن يخرجوا من البلد حيث شاءوا ، فخرجوا على وجوههم لا يرون أين ~~يتوجهون فماتوا في الطرقات . وقتل الروم من وجدوه بالمدينة إلى آخر النهار ~~، وهدم سور المدينة . وأقام المدمستق في بلاد الإسلام واحدا وعشرين يوما ، ~~وفتح حول عين زربة أربعة وخمسين حصنا للمسلمين بعضها بالسيف وبعضها بالأمان ~~، فلما أدركه الصوم انصرف على أن يعود بعد العيد ، وخلف جيشه بقيسارية ~~وراسله أهل بغراس وبذلوا له مائة ألف درهم فأقرهم وترك معارضتهم . وفيها ~~استولى الدمستق على مدينة حلب وعاد منها ، على ما نذكره في أخبار ابن حمدان ~~. ذكر استيلاء الروم على المصيصة وطرسوس كان استيلاؤهم عليهما في سنة أربع ~~وخمسين وثلاثمائة وذلك أن الدمستق حصر المصيصة في سنة ثلاث وخمسين وقاتل ~~أهلها ونقب أسوارها واشتد القتال وأحرق الروم رستاقها ورستاق أذنه وطرسوس ~~لمساعدتهم أهلها ، وقتل من المسلمين خمسة عشر ألف رجل . ثم ضاقت الميرة على ~~الروم فرحل الدمستق إلى بلاد الروم ، وأرسل إلى أهل المصيصة وأذنه وطرسوس ~~أني منصرف عنكم لا لعجز ولكن لضيق العلوفة وشدة الغلاء ، وأنا عائد إليكم ، ~~فمن انتقل منكم فقد نجا ومن وجدته بعد عودي قتلته . PageV23P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" ونزل ملك الروم أيضا على طرسوس وحصرها وجرى ~~بينه وبين أهلها حروب كثيرة سقط في بعضها الدمستق ابن الشمشقيق إلى الأرض ~~وكان يؤسر ms5297 فقاتل عليه الروم وخلصوه . وأسر أهل طرسوس بطريقا كبيرا من ~~بطارقة الروم ، ورحل الروم عنهم لاشتداد الغلاء والعناء . وكان نقفور ملك ~~الروم قد بنى بقيسارية مدينة وأقام بها بأهله ليقرب من بلاد الإسلام ، فلما ~~كان في سنة أربع وخمسين أرسل أهل طرسوس والمصيصة إليه يبذلون الطاعة ~~ويطلبون منه أن ينفذ إليهم بعض أصحابه ليقيم عندهم ، فعزم على إجابتهم إلى ~~ذلك فأتاه الخبر أنهم قد ضعفوا وعجزوا وأنهم لا ناصر لهم وأن الغلاء قد ~~اشتد عندهم وعدموا القوت وأكلوا الكلاب والميتة وكثر فيهم الوباء فيموت ~~منهم في اليوم ثلاثمائة نفس ، فرجع نقفور عن إجابتهم وأحضر الرسول وأحرق ~~الكتاب على رأسه فاحترقت لحيته وقال لهم : أنتم كالحية في الشتاء تخدر ~~وتذبل حتى تكاد تموت ، فإن أخذها إنسان وأحسن إليها وأدفأها انتعشت ونهشته ~~، وأنتم إنما أطعتم لضعفكم ، وإن تركتم حتى تستقيم أحوالكم تأذيت بكم وأعاد ~~الرسول وجمع جيوش الروم إلى المصيصة بنفسه ، فحاصرها وفتحها عنوة يوم السبت ~~ثالث عشر شهر رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة ، ووضع السيف في أهلها فقتل ~~منهم مقتلة عظيمة . ثم أمر برفع السيف عنهم ، ونقل كل من بقي منهم إلى بلد ~~الروم ، وكانوا نحو مائتي ألف إنسان . ثم سار إلى طرسوس فحاصرها فأذعن ~~أهلها بالطاعة وطلبوا الأمان فأمنهم ، وفتحوا له البلد فلقيهم بالجميل ~~وأمرهم أن يحملوا من سلاحهم وأموالهم ما يطيقون حمله ففعلوا ذلك برا وبحرا ~~، وسير معهم من يحميهم حتى بلغوا أنطاكية . وجعل الملك المسجد الجامع ~~إسطبلا لدوابه ، وأحرق المنبر ، وعمر طرسوس وحصنها ، وجلب إليها الميرة حتى ~~رخصت الأسعار ورجع إليها كثير من أهلها ودخلوا في طاعة الملك وتنصر بعضهم ، ~~وأراد المقام بها ليقرب من بلاد الإسلام ثم عاد إلى PageV23P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" القسطنطينية . وأراد الدمستق وهو ابن ~~الشمشقيق أن يقصد ميافارقين وبها سيف الدولة بن حمدان فأمره الملك باتباعه ~~إلى القسطنطينية فمضى إليه . ثم فتح نقفور أذنه . وفي سنة أربعة وخمسين ~~أيضا قتل المتنبي الشاعر واسمه أحمد بن الحسين الجعفي بالقرب من النعمانية ~~وقتل معه ابنه ، وكان ms5298 قد عاد من عند عضد الدولة بفارس فقتله الأعراب وأخذوا ~~ما معه . وفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة كانت وفاة معز الدولة بن بويه وولاية ~~ابنه عز الدين بختيار على ما نذكره في أخباره . ومات شميكر بن زيار ، ~~والحسن بن الفيرزان ، وكافور الإخشيدي ، وتقفور ملك الروم ، وأبو علي محمد ~~بن إلياس صاحب كرمان ، وسيف الدولة بن حمدان . وفيها توفي أبو الفرج علي بن ~~الحسين بن محمد بن أحمد الأصفهاني الأموي ، وهو من ولد مروان بن الحكم وكان ~~شيعيا وهذا من العجب ، وهو صاحب كتاب الأغاني ذكر البيعة لمحمد بن المستكفي ~~وما كان من أمره وفي سنة سبع وخمسين وثلاثمائة ظهر ببغداد بين الخاص والعام ~~دعوة إلى رجل من أهل البيت اسمه محمد بن عبد الله ، وقيل إنه الرجل الذي ~~وعد به النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ~~، ويحدد ما عفى من أمور الدين ، فمن كان من السنة قال : إنه عباسي ، ومن ~~كان من الشيعة قال : إنه عدوي . فكثرت دعائه وظهرت بيعته وكان الرجل بمصر ~~وقد أكرمه كافور الإخشيدي وأحسن إليه . وكان في جملة من بايع له سبكتكين ~~العجمي من أكابر قواد معز الدولة وكان يتشيع فظنه علويا ، فكتب إليه ~~يستدعيه PageV23P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" من مصر . فسار حتى بلغ الأنبار ، وخرج ~~سبكتكين إلى طريق الفرات وهو يتولى حمايتها فلقي ابن المستكفي وترجل له ~~وخدمه وأخذه ، وعاد به إلى بغداد وه لا يشك في حصول الأمر له . ثم ظهر ~~لسبكتكين أنه عباسي فعاد عن رأيه فيه ، فخاف ابن المستكفي وهرب هو وأصحابه ~~وتفرقوا ، ثم أخذ ومعه أخ له وأحضرا عند بختيار فأمنهما ثم تسلمه المطيع ~~لله من بختيار فجدع أنفه ، ثم خفي خبره . وفي سنة ثمان وخمسن وثلاثمائة ~~انفطعت الدعوة العباسية من الديار المصرية والشامية ، وقامت الدعوة العلوية ~~بها للمعز لدين الله صاحب إفريقية والمعرب ، على يد جوهر القائد غلام ~~المنصور ووالد المعز على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة ~~العبيدية . وفيها مات ناصر الدولة ms5299 بن حمدان . ذكر ما فعله الروم بالشام ~~والجزيرة في هذه السنة دخل ملك الروم الشام فلم يمنعه أحد ولا قاتله ، فسار ~~في البلاد إلى طرابلس وأحرق بلدها ، وملك قلعة عرقة ، وكان صاحب طرابلس قد ~~أخرجه الروم لشدة ظلمه ، فقصد عرقة فأخذه الروم وجميع ماله ، وقصد ملك ~~الروم حمص وكان أهلها انتقلوا عنها وأخلوها ، فأحرقها الروم ورجع إلى بلد ~~الساحل ، فأتى عليها نهبا وتخريبا وملك ثمانية عشر شهرا وما لا يحصى من ~~القرى ، وأقام بالشام شهرين يقصد أي موضع شاء ويخرب ما شاء فلا يمنعه أحد ، ~~وعاد إلى بلاده ومعه من السبي نحو مائة ألف رأس ولم يأخذ إلا الصبيان ~~والصبايا والشباب ، وأما الكهول والشيوخ والعجائز فمنهم من قتله ومنهم من ~~أطلقه ، وسير سرية إلى بلد الجزيرة فبلغوا كفر توثا وتعصبوا وسبوا وأحرقوا ~~وعادوا . ذكر ملك الروم مدينة أنطاكية وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ملك ~~الروم مدينة أنطاكية ، وسبب ذلك PageV23P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" أنهم حصروا حصنا بالقرب منها يقال له حصن ~~لوقا ، فوافقوا أهله وهم نصارى على أن يرتحلوا منه إلى أنطاكية ، ويظهر ~~أنهم انتقلوا منه خوما من الروم فإذا صاروا بأنطاكية أعانوهم على فتحها . ~~وانصرف الروم عنهم بعد هذا التقرير ، وانتقل أهل الحصن ونزلوا بأنطاكية ~~بالقرب من الجبل الذي بها . فلما كان بعد انتقالهم بشهرين وافى الروم مع ~~أخي نقفور وكانوا نحو أربعين ألف رجل ، فأحاطوا بالسور وصعدوا الجبل إلى ~~الناحية التي بها أهل الحصن فأخلوا لهم السور ، فملكه الروم وملكوا البلد ~~ووضعوا السيف في أهله ، ثم أخرجوا العجائز والأطفال والمشايخ من البلد ~~وقالوا لهم : اذهبوا حيث شئتم وأخذوا الشباب من الرجال والنساء والصبيان ~~والصبايا فحملوهم إلى بلاد الروم سبيا ، وكانوا يزيدون على عشرين ألف إنسان ~~. قال : وأنفذ الروم جيشا كثيفا إلى حلب وبها قرعوية غلام سيف الدولة بن ~~حمدان قد تغلب عليها ونزع يده من طاعة أبي المعالي بن سيف الدولة ، فملك ~~الروم المدينة دون القلعة وحصروا القلعة ، وترددت الوسائط والرسائل بينهم ~~وبين قرعوية ، فاستقر الأمر على هدنة مؤبدة ms5300 على مال يحمله قرعوية إليهم وأن ~~يكون الروم إذا أرادوا الغزو لا يمكن قرعوية أهل القرى عن الجلاء عنها ~~ليبتاع الروم ما يحتاجون إليه منهم . وكان مع حلب في الهدنة حماه وحمص وكفر ~~طاب والمعرة وأفامية وشيزر وما بين ذلك من الحصون والقلاع والقرى ، وسلموا ~~الرهائن إلى الروم ، وعادوا عن حلب . ذكر ملك الروم ملازكرد وفيها أرسل ~~الروم جيشا إلى ملازكرد من أعمال أرمينية ، فملكهم عنوة وقهرا من المسلمين ~~، وعظمت شوكتهم ، وخافهم المسلمون في أقطار البلاد . ذكر مقتل ملك الروم ~~نقفور وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة قتل نقفور ولم يكن من أهل بيت المملكة ~~، وإنما كان دمستقا والدمستق عندهم الذي يلي بلاد الروم التي هي شرقي خليج ~~PageV23P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" قسطنطينية . وكان نقفور هذا شديدا على ~~المسلمين ، وهو الذي فتح طرسوس والمصيصة وأذنه وعين زربة وغيرها ، ولم يكن ~~نصراني الأصل وإنما هو من ولد رجل مسلم من أهل طرسوس يعرف بابن الفقاس تنصر ~~وكان ابنه هذا شهما شجاعا حسن التدبير لما يتولاه . فلما عظم أمره وصار ~~دمستقا قتل الملك الذي كان قبله وملك الروم بعده . وتزوج امرأة الملك ~~المقتول على كره منها وكان لها ابنان من الملك ، فعزم على أن يخصيهما ليقطع ~~نسلهما ويبقى الملك فيه وفي ذريته . فلما علمت أمهما ذلك احتالت في قتله ، ~~فأرسلت إليه ابن الشمشقيق - وهو الدمستق حينئذ - ووافقته على أن يسير إليها ~~في زي النساء ومعه جماعة وقالت لزوجها : إن نسوة من أهلها قد زرنها فلما ~~سار إليها وهو ومن معه جعلتهم في بيعة تتصل بدار الملك . فلما كان في ليلة ~~الميلاد نام نقفور واستثقل في نومه ، ففتحت امرأته الباب وأدخلتهم إليه ~~فقتلوه ، وثار بهم جماعة من خاصته وأهله فقتل منهم نيف وسبعون رجلا ، وأجلس ~~في الملك الأكبر من ولدي الملك المقتول ، وصار المدبر له ابن الشمشقيق ، ~~ويقال : إن نقفور ما بات قط بغير سلاح إلا في تلك الليلة التي قتل فيها . ~~ذكر الفتنة ببغداد ومصادرة الخليفة المطيع لله وفي سنة إحدى وستين ~~وثلاثمائة وقعت ms5301 ببغداد فتنة عظيمة ، وكان سببها أن الروم استطالوا على أهل ~~بلاد الجزيرة وامتدوا في البلاد وعظم أمرهم وقويت شوكتهم ، فسار جماعة من ~~أهل تلك البلاد إلى بغداد مستنفرين ، وقاموا في المساجد والمشاهد واستنفروا ~~المسلمين وذكروا ما فعله الروم من النهب والأسر والسبي . فاستعظمه الناس ~~واجتمع أهل بغداد وقصدوا دار الخليفة ، وأرادوا أن يهجموا عليه فمنعوا ~~وأغلقت الأبواب فأسمعوه القبيح ، ثم تجمعوا وثاروا في البلد ، ونهبت ~~الأموال وقتلت الرجال ، وأحرقت الدور ، وفي جملة ما أحرق محلة الكرخ وكانت ~~معدن التجار والشيعة . فأنفذ عز الدولة بختيار إلى الطيع لله يطلب منه مالا ~~يخرجه على الغزاة فقال المطيع : إن النفقة على الغزاة وغيرها من مصالح ~~المسلمين تلزمني إذا كانت الدنيا في يدي والأموال تجبى إلي ، وأما إذا كانت ~~حالي هذه فلا يلزمني شيء من ذلك ، وإنما يلزم من البلاد في يده وأنا ليس لي ~~إلا الخطبة ، فإن شئتم أن أعتزل فعلت PageV23P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" وترددت الرسائل بينهما حتى بلغا إلى التهديد ~~، فبذل المطيع لله أربعمائة ألف درهم فاحتاج إلى بيع ثيابه وإنقاص داره ~~وغيره ذلك . وشاع عند الناس من أهل العراق وحجاج خرسان وغيرهم أن الخليفة ~~قد صودر فلما قبض بختيار المال صرفه في مصالح نفسه بطل حديث الغزاة ، ولم ~~يسمع بمثل هذا فيما مضى . وفي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وقعت الفتنة بين ~~بختيار وسبكتكين التركي الحاجب ، فانتصر الحاجب عليه واستولى على بغداد ، ~~وأخرج من فيها من أهل بختيار وأصحابه ، وترك الأتراك في دور الديلم وأخذوا ~~أموالهم على ما نذكر ذلك مبينا في أخبار الدولة البويهية إن شاء الله تعالى ~~. ذكر خلع المطيع لله نفسه من الخلافة وخلافة ابنه الطائع لله وفي منتصف ذي ~~القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ، وقيل في الثالث عشر منه خلع المطيع لله ~~نفسه من الخلافة . وكان سبب ذلك أنه أصابه مرض الفالج وثقل لسانه وتعذرت ~~الحركة عليه ، وكان يستر ذلك ، فانكشف حاله لسبكتكين فدعاه إلى خلع نفسه ~~وتسليمها لولده ففعل ذلك وأشهد عليه به . فكانت مدة خلافته تسعا ms5302 وعشرين سنة ~~وأربعة أشهر وعشرين يوما ، وكان له من الأولاد أبو بكر وهو الطائع وعبد ~~العزيز وجعفر . وزراؤه : أبو الحسن محمد بن علي بن مقلة ، وأبو الفضل أحمد ~~الشيرازي . قضاته : محمد بن الحسين بن أبي الشوارب ، ومحمد بن أم شيبان ~~الهاشمي ، وأبو السائب ، وأبو بشر عمر بن أكثم . حجابه : بختيار بن معز ~~الدولة ويخلفه عبد الواحد بن أبي عمر الشرابي . الأمير بمصر : الإخشيد إلى ~~أن مات ، ثم ابنه أنوجور ، ثم أخوه ، ثم كافور الإخشيدي إلى أن مات ، ثم ~~عقد الأمر لأحمد بن علي بن الإخشيد وهو ابن إحدى عشرة سنة ، ثم خرجت مصر عن ~~الدولة العباسية باستيلاء المغاربة عليها . القضاة بمصر : أبو الوليد ، ثم ~~عمر بن الحسن بن عبد العزيز العباسي من قبل أخيه محمد ، واستخلف ابن الحداد ~~، ثم وليها أبو بكر عبد الله بن محمد بن الخصيب ، ثم ابنه محمد ، ثم أبو ~~طاهر محمد بن نصر . PageV23P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" ذكر خلافة الطائع لله هو أبو بكر عبد الكريم ~~بن المطيع لله الفضل بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر ، وأمه أم ولد اسمها ~~عتب . وهو الخليفة الرابع والعشرون من الخلفاء العباسيين ، وبويع له في يوم ~~الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ، ~~وسنة يوم ذلك ثمان وأربعون سنة ، ولم يل الخلافة أكبر منه سنا من بني ~~العباسي ، ولم يتقلد الخلافة من له أب حتى بعد أبي بكر الصديق رضي الله ~~تعالى عنه غيره . ذكر الحوادث في أيام خلافته في هذه السنة خطب للمعز صاحب ~~مصر بمكة والمدينة . وفي سنة أربع وستين وثلاثمائة استولى عضد الدولة على ~~العراق وقبض على بختيار ، ثم عاد بختيار إلى ملكه على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى . وفي سنة خمس وستين وثلاثمائة توفي المعز لدين الله صاحب مصر ، وقام ~~بعده ابنه العزيز . وفي سنة ست وستين وثلاثمائة توفي ركن الدولة بن بويه ، ~~وملك ابنه عضد الدولة وفيها كان ابتداء الدولة الغزنوية وأول من ملك منهم ~~بغزنة سبكتكين ، وسنذكر أخباره في ms5303 دولتهم إن شاء الله تعالى . وفيها في ~~جمادى الأولى نقلت ابنة عز الدولة بختيار إلى الطائع لله ، وكان قد تزوجها ~~. وفي سنة سبع وستين وثلاثمائة استولى عضد الدولة على العراق وأخرج بختيار ~~عنه ثم قتله ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبارهم . وفي سنة تسع ~~وستين وثلاثمائة تزوج الطائع ابنة عضد الدولة ، وكان عضد الدولة قد زوجه ~~بها ، وقال : لعلها تلد منه ولدا ذكرا فنجعله ولي عهد فتكون الخلافة في ~~ولدهم وكان الصداق مائة ألف دينار ، وزفت إليه في سنة سبعين وكان معها من ~~الجواهر والجهاز ما لا يحصى . وفي سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة توفي عضد ~~الدولة بن بويه وولي صمصام الدولة ولده . وفي سنة خمس وسبعين وثلاثمائة خرج ~~طائر من البحر بعمان وهو أكبر من الفيل ، ووقف على تل هناك وصاح بصوت عال ~~ولسان فصيح : قد قرب قد قرب قد قرب ثلاثا ، ثم غاص في البحر ، فعل ذلك ~~ثلاثة أيام ثم غاب ولم ير بعد ذلك . PageV23P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" وفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة ملك شرف الدولة ~~العراق ، وقبض على أخيه صمصام الدولة سلمه في سنة تسع وسبعين ، ومات شرف ~~الدولة في السنة ، وملك بعده أخوه بهاء الدولة وله إخوة . ذكر القبض على ~~الطائع وشيء من أخباره وفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة في يوم السبت لثمان ~~من شعبان قبض بهاء الدولة بن بويه على الخليفة الطائع لله ، وكان سبب ذلك ~~أن بهاء الدولة قلت عنده الأموال وكثر شغب الجند عليه ، فقبض على وزيره ~~سابور فلم يغن عنه شيئا . وكان أبو الحسن بن المعلم قد غلب على بهاء الدولة ~~وحكم في مملكته فحسن له القبض على الطائع وأطمعه في ماله ، وهون ذلك عليه ~~وسهله . فأقدم عليه بهاء الدولة وأرسل إلى الطائع لله وسأله الإذن في ~~الحضور إليه ليجدد العهد بخدمته ، فأذن له بذلك ، وجلس له كما جرت العادة ، ~~فدخل بهاء الدولة ومعه جمع كبير فلما دخل قبل الأرض . فأجلس على كرسي ، ~~فدخل بعض الديلم كأنه يريد تقبيل يد ms5304 الخليفة ، فجذبه وأنزله عن سريره ~~والخليفة يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ونهب الناس بعضهم بعضا . وكان ~~في جملتهم الشريف الرضي فبادر بالخروج فسلم وقال أبياتا من جملتها : من بعد ~~ما كان رب المال مبتسما . . . إلي أدنوه في النجوى ويدنيني أمسيت أرحم من ~~قد كنت أغبطه . . . لقد تقارب بني العز والهوان ومنظر كان بالسراء يضحكني . ~~. . يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني هيهات اعتز بالسلطان ثانية . . . قد ضل ~~ولاج أبواب السلاطين قال : ولما حمل الطائع إلى دار بهاء الدولة أشهد عليه ~~بالخلع ، فكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وتسع أشهر وثمانية أيام ، وبقي في ~~حبس القادر بالله إلى أن توفي في يوم الثلاثاء سلخ شهر رمضان سنة ثلاث ~~وتسعين وثلاثمائة وصلى عليه القادر بالله في دار الخلافة وكبر خمسا ، وتحدث ~~الناس في ذلك فقال : هكذا يصلى PageV23P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" على الخلفاء ودفن بالرصافة ، ويقال : إن ~~القادر بالله شيع جنازته إليها ورثاه الشريف الرضي بقصيدته التي أولها : ما ~~بعد يومك ما يسلو به السالي . . . ومثل يومك لم يخطر على بالي وكان مولده ~~في سنة سبع عشرة وثلاثمائة ، وكان أبيض مربوعا حسن الجسم ، وكان أنفه كبيرا ~~جدا ، وكان شديد القوة كثير الإقدام ، ولم يكن له من الحكم في ولايته ما ~~يعرف به حاله ويستدل على سيرته . ذكر خلافة القادر بالله هو أبو العباس ~~أحمد بن إسحاق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي أحمد ~~بن الموفق ، وأمه أم ولد اسمها دمنة وقيل تمنى ، وهو الخليفة الخامس ~~والعشرون من الخلفاء العباسيين وبويع له في يوم خلع الطائع لثمان بقين من ~~شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وكان يوم ذاك بالبطيحة عند مهذب الدولة ~~أميرها . وكان سبب توجهه إليها أن إسحاق بن المقتدر والد القادر لما توفي ~~جرى بين القادر وبين أخيه منازعة في ضيعة ، وطال الأمر بينهما . ثم إن ~~الطائع لله مرض مرضا شديدا أشفي منه ثم أبل فسعت إليه بأخيها القادر وقالت ~~: إنه شرع في طلب الخلافة عند مرضك فتغير رأيه ms5305 فيه ، وأنفذ أبا السحن ابن ~~حاجب النعمان وغيره للقبض عليه وكان بالحريم الطاهري ، فأصعدوا في الماء ~~إليه . وكان القادر قد رأى في منامه كأن رجلا يقرأ عليه . . " الذين قال ~~لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل " فهو يحكي هذا المنام لأهله ويقول : أنا خائف من طلب يطلبني ~~ووصل أصحاب الطائع لله وقبضوا عليه ، فأراد لبس ثيابه فمنعوه ولم يمكنوه من ~~مفارقتهم ، فأخذه النساء منهم قهرا وخرج من داره واستتر وذلك في سنة تسع ~~وسبعين . ثم سار إلى البطيحة فسار فنزل على مهذب الدولة ، فأكرم نزله ووسع ~~وبالغ في خدمته ، ولم يزل عنده حتى أفضي إليه الأمر فجعل علامته " حسبنا ~~الله نعم الوكيل " . PageV23P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" قال : ولما قبض على الطائع ذكر بهاء الدولة ~~من يصلح للخلافة فاتفقوا على القادر بالله ، فأرسل بهاء الدولة خواص أصحابه ~~ليحضروه إلى بغداد . وشغب الجند والديلم ببغداد ، ومنعوا من الخطبة له ، ~~فقيل على المنبر : اللهم أصلح عبدك وخليفتك القادر بالله ولم يذكر اسمه ، ~~ثم أرضاهم بهاء الدولة . قال : ولما وصل الرسول إلى القادر بالله كان في ~~تلك الساعة يحكي مناما رآه في تلك الليلة هو ما حكاه عبد الله بن عيسى كاتب ~~مهذب الدولة قال : كنت أحضر عند القادر بالله كل أسبوع مرتين ، فكان يكرمني ~~، فدخلت عليه يوم فوجدته قد تأهب لم تجر به عادته ، ولم أر منه ما ألفت من ~~كرامته فاختلفت بي الظنون ، فسألته عن سبب ذلك فإن كان لزلة مني اعتذرت عن ~~نفسي فقال : بل رأيت البارحة في منامي كأن نهركم هذا الصليق قد اتسع فصار ~~مثل دجلة دمغات على جانبه متعجبا منه ، ورأيت عليه قنطرة عظيمة فقلت من قد ~~حدث نفسه بعمل هذه القنطرة على هذا البحر العظيم ؟ ثم صعدتها - وهي محكمة - ~~فبينا أنا عليها أتعجب منها إذا رأيت شخصا يتأملني من ذلك الجانب فقال : ~~أتريد أن تعبر ؟ قلت : نعم ، فمد يده حتى وصلت إلي فأخذني وعبر بي فهالني ، ~~وتعاظمني فعله ، فقلت : من ms5306 أنت ؟ قال : علي بن أبي طالب وهذا الأمر صائر ~~إليك ويطول عمرك فيه فأحسن إلى ولدي وشيعتي قال : فما انتهى القادر إلى هذا ~~القول حتى سمعنا صياح الملاحين وغيرهم فسألنا عن ذلك فإذا هم الواردون إليه ~~لإصعاده ليتولى الخلافة ، فخاطبته " يا أمير المؤمنين " وقال مهذب الدولة ~~بخدمته أحسن قيام ، وحمل إليه من المال وغيره ما يحمله كبار الملوك إلى ~~الخلفاء وشيعه ، فسار القادر إلى بغداد ، فلما وصل جبل انحدر بهاء الدولة ~~وأعيان الناس إليه واستقبلوه وساروا في خدمته ، فدخل دار الخلافة في ثاني ~~عشر شهر رمضان وبايعه بهاء الدولة والناس ، وخطب له في ثالث عشر الشهر ~~المذكور . وجدد أمر الخلافة وعظم ناموسها وحمل إليه ما نهب من دار الخلافة ~~، ولم يخطب له في جميع خراسان بل كانت الخطبة فيها للطائع لله وحلف له بهاء ~~الدولة PageV23P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" على الطاعة والقيام بشروط البيعة ، وحلف ~~القادر له بالوفاء والخلوص ، وأشهد عليه أنه قلده ما وراء بابه . ذكر تسليم ~~الطائع لله إلى القادر وما فعله معه وفي شهر رجب سنة اثنتين وثمانين ~~وثلاثمائة سلم بهاء الدولة الطائع لله إلى الخليفة القادر بالله ، فأنزله ~~في حجرة من خاص حجره ، ووكل به من ثقات خدمه من يقوم بخدمته وبالغ في ~~الإحسان إليه ، وكان الطائع يطلب الزيادة في الخدمة كما كان أيام الخلافة ~~فيؤمر له بذلك . حكي عنه أن القادر أرسل إليه طبيبا فقال : من هذا يتطيب ~~أبو العباس ؟ يعني القادر فقالوا : نعم فقال : قولوا له عني : في الموضع ~~الفلاني كندوج فيه طيب مما كنت أستعمله ، فليرسل إلى بعضه ويأخذ الباقي ~~لنفسه ففعل ذلك ، وأرسل إليه القادر يوما عدسية فقال : ما هذا ؟ قالوا : ~~عدس وسلق فقال : أو قد أكل أبو العباس من هذا ؟ قال : نعم قال : قولوا له ~~عني : كلما أردت أن تأكل عدسية لم اختفيت فما كانت العدسية تعوزك ، ولم ~~تقلدت هذا الأمر ؟ فأمر حينئذ القادر أن تفرد له جارية من طباخاته تحضر له ~~ما يلتمسه في كل يوم ، فأقام على هذا إلى أن ms5307 توفي . وفي سنة ثلاث وثمانين ~~وثلاثمائة عقد نكاح القادر بالله على بنت بهاء الدولة على صداق مبلغه مائة ~~ألف دينار ، وماتت قبل النقلة إليه . وفيها اشتد الغلاء بالعراق وبيعت ~~الكارة الدقيق بمائتين وستين درهما ، والكر الحنطة بستة آلاف وستمائة درهم ~~غياثية . وفي سنة ست وثمانين وثلاثمائة توفي العزيز بالله صاحب مصر ، وولي ~~بعده ابنه الحاكم . وفي سنة تسع وثمانين انقرضت الدولة السامانية وملك ~~الترك ما وراء النهر . وفيها عمل أهل باب البصرة ببغداد يوم السادس ~~والعشرين من ذي الحجة زينة عظيمة وفرحا كثيرا ، وعملوا في ثامن عشر المحرم ~~مثل ما تعمل الشيعة في يوم PageV23P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" عاشوراء . وسبب ذلك أن الشيعة بالكرخ كانوا ~~ينصبون القباب ويعلقون الثياب للزينة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، ~~وهو يوم الغدير . وكانوا يعملون - يوم عاشوراء - المآثم والنوح ، ويظهرون ~~الحزن لمقتل الحسين ، فعلم أهل باب البصرة مقابل ذلك بعد يوم الغدير ~~بثمانية أيام مثلهم وقالوا : يوم دخول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأبو ~~بكر رضي الله تعالى عنه الغار وعملوا بعد عاشوراء بثمانية أيام مثل عمل ~~الشيعة يوم عاشوراء وقالوا : هذا يوم قتل مصعب بن الزبير رضي الله عنهما . ~~وفي سنة تسعين وثلاثمائة ظهر في سجستان معدن الذهب الأحمر . ذكر البيعة ~~لولي العهد وفي شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة أمر القادر بالله ~~بالبيعة لولده أبي الفضل بولاية العهد ، ولقبه الغالب بالله . وكان سبب ذلك ~~أن أبا عبد اله بن عثمان الواثقي من ولد الواثق بالله كان من أهل نصيبين ، ~~فقصد بغداد ثم سار إلى خراسان وعبر النهر إلى هارون بن أيلك بغراخان ، ~~وصحبه الفقيه أبو الفضل التميمي وأظهر أنه رسول من الخليفة إلى هارون يأمره ~~بالبيعة لهذا الواثقي وأنه ولي عهده . فأجاب بغراخان إلى ذلك وبايع له وخطب ~~له ببلاده ، فبلغ ذلك القادر فعظم عليه وأرسل إلى بغراخان في معناه فلم يصغ ~~إلى رسالته . فملا توفي هارون وولي بعده أحمد بغراخان كاتبه الخليفة في ~~معناه ، فأمر بإبعاده فحينئذ بايع القادر لولده ms5308 ، وأحضر حجاج خراسان ~~وأعلمهم ذلك . وأما الواثقي فإنه خرج من عند أحمد بغراخان وقصد بغداد فعرف ~~بها ، فطلب منها فهرب إلى البصرة ثم إلى فارس وكرمان ، ثم إلى بلاد الترك ، ~~فلم يتم له ما أراد ، وأرسل الخلفية إلى الملوك يطلبه فضاقت عليه الأرض ، ~~فسار إلى خوارزم فأقام بها ثم فارقها ، فأخذه يمين الدولة محمود بن سبكتكين ~~فحبسه إلى أن مات . وفي سنة إحدى وأربعمائة خطب قرواش بن المقلد أمير بني ~~عقيل للحاكم العلوي صاحب مصر بالكوفة والموصل والأنبار والمدائن وغيرها من ~~أعماله ثم قطعت في السنة . PageV23P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" وفي سنة إحدى عشرة وأربعمائة مات الحاكم صاحب ~~مصر وولي بعده ابنه الظاهر لإعزاز دين الله . وفي سنة اثنتي عشرة وأربعمائة ~~توفي علي بن هلال المعروف بابن البواب ، وإليه انتهى الخط ، ونقل عنه إلى ~~وقتنا هذا ، ودفن بجوار أحمد بن حنبل ، وكان يقص بجامع بغداد ، وقيل إنه ~~مات في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ورثاه المرتضى . ذكر الفتنة بمكة وفي سنة ~~أربع عشرة وأربعمائة في يوم النفر الأول وكان يوم الجمعة ، قام رجل من أهل ~~مصر بإحدى يديه سيف مسلول والأخرى دبوس ، بعد فراغ الإمام من الصلاة فقصد ~~الحجر الأسود فضربه ثلاث ضربات بالدبوس وقال : إلى متى يعبد الحجر الأسود ~~ومحمد وعلي ؟ فليمنعني مانع من هذا ، فإني أريد هدم هذا البيت فخاف أكثر من ~~حضر وتراجعوا عنه وكاد يفلت ، فثار به رجل فضربه بخنجره فقتله ، وقطعه ~~الناس وأحرقوه ، وقتل ممن اتهم بمصاحبته جماعة وأحرقوا ، وثارت الفتنة ، ~~وكان الظاهر من القتلى أكثر من عشرين رجلا غير ما أخفى منهم . وألح الناس ~~في ذلك اليوم على المغاربة والمصريين بالنهب والسلب ، فلما كان الغد ماج ~~الناس واضطربوا وأخذوا أربعة من أصحاب ذلك الرجل فقالوا : نحن مائة رجل ~~فضربت أعناق الأربعة . وتقشر بعض وجه الحجر من الضربات ، فأخذ ذلك الفتات ~~وعجن بلك وأعيد إلى موضعه . وفي سنة ثماني عشرة وأربعمائة سقط بالعراق ~~جميعه برد كبار وزن الواحدة رطل ورطلان ، وأصغره كالبيضة ، فأهلك الغلات ~~ولم يصح منها ms5309 إلى القليل ، هكذا حكاه ابن الأثير في تاريخه الكامل . ~~PageV23P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" وفيها في آخر تشرين الثاني هبت ريح باردة ~~بالعراق جمد منها الماء والخل ، وبطل دوران الدواليب التي على دجلة . وفي ~~سنة تسع عشرة وأربعمائة انقطع الحج من العراق ، فمضى بعض حجاج خراسان إلى ~~كرمان وركبوا في البحر إلى جدة وحجوا . ذكر البيعة لولي العهد كان القادر ~~بالله قد جعل ولاية العهد لولده أبي الفضل كما قدمناه فمات فلما كان في سنة ~~إحدى وعشرين وأربعمائة مرض القادر وأرجف بموته ، فجلس جلوسا عاما وأذن ~~للخاصة والعامة فدخلوا عليه . فلما اجتمعوا قام الصاحب أبو الغنائم فقال : ~~خدم مولانا أمير المؤمنين داعون له بالبقاء وشاكرون لما بلغهم من نظره لهم ~~وللمسلمين باختيار الأمير أبي جعفر لولاية العهد فقال القادر للناس : قد ~~أذنا لكم في العهد له وكان أراد أن يبايع له قبل ذلك فنهاه عنه الحسن ابن ~~حاجب النعمان ، فلما عينه القادر الآن جلس على السرير الذي كان قائما عليه ~~. وألقيت الستارة التي على القادر ، فتقدم الحاضرون وخدموا ولي العهد ~~وهنئوه ، وتقدم أبو الحسن ابن " حاجب النعمان فقبل يده وهنأه فقال له أبو ~~جعفر : ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين ~~القتال " يعرض له بإفساده رأي القادر فيه فأكب على تقبيل قدميه وتعفير خده ~~بين يديه ، فقبل عذره . ودعي لأبي جعفر على المنابر يوم الجمعة لست بقين من ~~جمادى الأولى ، ومات أبو الحسن ابن حاجب النعمان في نفس السنة . ذكر ملك ~~الروم مدينة الرها وفي سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة ملك الروم مدينة الرها ~~وكانت بيد نصير الدولة بن مروان صاحب ديار بكر ، ملكها من صاحبها عطير في ~~سنة ست عشرة وأربعمائة ثم مات عطير فشفع صالح بن مرادس صاحب حلب إلى نصير ~~الدولة في إعادتها إلى ابن عطير وإلى ابن شبل بينهما ، فقبل شفاعته وسلمها ~~إليهما . وكان في الرها برجان حصينان أحدهما أكبر من الآخر فتسلم ابن عطير ~~الكبير وابن شبل الصغير ، وبقيت المدينة معهما إلى هذه السنة ms5310 . فراسل ابن ~~عطير أرمانوس ملك الروم وباعه حصنه من الرها بعشرين ألف دينار وعدة قرى من ~~جملتها القرية التي عرفت بسن ابن عطير ، وتسلموا البرج الذي له ودخلوا ~~البلد فملكوه وهرب منه أصحاب ابن شبل . وقتل الروم المسلمين ، وخربوا ~~المساجد ، فسمع نصير الدولة الخبر فسير جيشا PageV23P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" كثيفا إلى الرها فحصرها وفتحها عنوة ، واعتصم ~~من بها من الروم بالبرجين واحتمى النصارى بالبيعة التي لهم ، فحصرهم ~~المسلمون بها وأخرجوهم وقتلوا أكثرهم ونهبوا البلد ، وبقي الروم بالبرجين . ~~فسير إليهم ملكهم عسكرا نحو عشرة آلاف مقاتل ، فانهزم أصحاب ابن مروان من ~~بين أيديهم ، ودخل الروم البلد ونهبوا ما جاورهم من بلاد المسلمين وصالحهم ~~ابن وثاب النميري على حران وسروج وحمل إليهم خراجا . ذكر وفاة القادر بالله ~~وشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته رحمه الله في اليوم الحادي والعشرين من ~~ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة ، وعمره ست وثمانون سنة وعشرة أشهر . ~~وكانت مدة خلافته إحدى وأربعين سنة وأربعة أشهر إلا أياما . وكان حليما ~~كريما خيرا يحب الخير وأهله ويأمر به ، وينهى عن الشر ويبغض أهله . و كان ~~حسن الإعتقاد ، وصنف كتابا على مذهب السنة . وكان يخرج من داره في زي ~~العامة ويزور قبور الصالحين كقبر معروف الكرخي وغيره . قال القاضي الحسين ~~بن هارون : كان بالكرخ ملك ليتيم وكان له قيمة جيدة ، فأرسل إلى ابن حاجب ~~النعمان - وهو حاجب القادر بالله - يأمرني أفك الحجر عنه ليشتري بعض أصحابه ~~ذلك الملك فلم أفعل فأرسل إلي يستدعيني فقلت لغلامه : تقدمني حتى ألحقك ~~وخفته وقصدت قبر معروف الكرخي فدعوت الله أن يكفيني شره وهناك شيخ فقال : ~~على من تدعو ؟ فذكرت له الخبر ووصلت إلى الحاجب فأغلظ لي في القول ولم يقبل ~~عذري ، فأتاه خادم برقعة ففتحها فقرأها فتغير لونه واعتذر إلي ثم قال : ~~كتبت إلى الخليفة رقعة ؟ قلت لا وعلمت أن ذلك الشيخ كان الخليفة ~~PageV23P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" وقيل إنه كان يقسم إفطاره كل ليلة ثلاثة ~~أقسام ، فقسم يتركه بين يديه ، وقسم يرسله إلى جامع ms5311 الرصافة ، وقسم يرسله ~~إلى جامع المدينة يفرقه على المقيمين فيهما . فاتفق أن الفراش حمل الطعام ~~ليلة إلى جامع المدينة ففرقه على الجماعة ، فأخذوا إلا شابا فإنه رده ، ~~فلما صلوا المغرب خرج الشاب وتبعه الفراش فوقف على باب فاستطعم فأطعموه ~~كسيرات فأخذها وعاد إلى الجامع فقال له الفراش : ويحك أما تستحي . . ينفذ ~~إليك الخليفة الله بطعام حلال فترده وترجع فتأخذه من الأبواب ؟ فقال : ~~والله فلما احتجت طلبت فعاد الفراش وأخبر القادر بالله فبكى وقال له : راع ~~مثل هذا واغتنم أجره وأقم إلى وقت الإفطار . ومناقبه كثيرة مشهورة وكان ~~أبيض نقي الجسم كث اللحية طويلها يخضب . ودبر الملك في أيامه بهاء الدولة ~~إلى أن مات ، ثم ابنه سلطان الدولة أبو شجاع إلى أن مات ، ثم أخوه أبو علي ~~شرف الدولة إلى أن مات ، ثم أخوه أبو طاهر جلال الدولة . وكان القادر بالله ~~من الأولاد أبو الفضل الغالب بالله مات في حياته ، وأبو جعفر عبد الله ~~القائم ، وأبو القاسم ومات في حياته أيضا . وزراؤه : محمد بن أحمد الشيرازي ~~الصاحب ، وسعيد بن نصر بن علي الفيروزابادي ، وسعيد بن الحسن بن برتك ~~البصري ، وعلي بن عبد العزيز ابن حاجب النعمان ، ثم ابنه أبو الفضل محمد بن ~~علي . حجابه : أبو الفتح محمد بن الحسين السعيدي ، ثم أبو القاسم بكران ، ~~ثم ولده أبو منصور وغيرهم ، نقش خاتمه " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ~~وقيل " حسبي الله ونعم الوكيل " ذكر خلافة القائم بأمر الله هو أبو جعفر ~~عبد الله بن القادر بالله أبي العباس أحمد بن إسحاق ابن المقتدر بالله أبي ~~الفضل جعفر ، وقد تقدم ذكر نسبه . وأمه أم ولد اسمها بدر الدجى ، وقيل : ~~قطر الندى وقيل : علم ، وكانت أرمنية وقيل : رومية . وهو الخليفة السادس ~~والعشرون من الخلفاء العباسيين ، بويع له البيعة العامة بعد وفاة أبيه في ~~الحادي والعشرين من ذي الحجة في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة . وصلى بالناس ~~عشاء المغرب في صحن PageV23P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" السلام من دار الخلافة ، وكان أبوه قد بايع ~~له بولاية العهد ms5312 سنة إحدى وعشرين كما ذكرناه ، وأول من بايعه الآن الشريف ~~أبو القاسم المرتضى ، وأنشد : فإما مضى جبل وانقضى . . . فمنك لنا جبل قد ~~رسى وإما فجعنا ببدر التمام . . . فقد بقيت منه شمس الضحى فكم حزن في محل ~~السرور . . . وكم ضحك في خلال البكى فيما صارما أغمدته يد . . . لنا بعدك ~~الصارم المنتضى وأرسل القائم بأمر الله قاضي القضاة أبا الحسن الماوردي إلى ~~الملك أبي كاليجار ليأخذ عليه البيعة ، ويخطب له في بلاده ، فأجاب وبايع ~~وخطب له في بلاده ، وأرسل إليه الهدايا جليلة وأمواله كثيرة . ذكر الحوادث ~~في أيام القائم في منتصف شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة توفي الظاهر صاحب ~~مصر ، وولي بعده ابنه المستنصر . وفي سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة كان ~~ابتداء الدولة السلجقية على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبارهم . وفي ~~ستة خمس وثلاثين وأربعمائة أظهر المعز بن باديس الدعوة للدولة العباسية ، ~~وخطب ببلاده للخليفة القائم بأمر الله فسيرت إليه الخلع والتقليد . وفي سنة ~~إحدى وأربعين أربعمائة في ذي القعدة ارتفعت سحابة سوداء مظلمة ليلا فزادت ~~ظلمتها على ظلمة الليل ، وظهر في جوانب السماء كالنار المضطرمة ، وهب ريح ~~قلعت روشن دار الخليفة ، ثم انكشف ذلك في بقية الليل . وفي سنة ثلاث ~~وأربعين وأربعمائة في يوم الأربعاء سابع صفر وقت العصر ظهر ببغداد كوكب غلب ~~نوره على نور الشمس له ذؤابة نحو ذراعين ، وسار سيرا بطيئا ، ثم انقض ~~والناس يشاهدونه . PageV23P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" وفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة زلزلت الأرض ~~نحورستان وأرجان وغيرها زلازل كثيرة كان معظمها بأرجان فخرب كثير من بلادها ~~، وانفرج جبل كبير بالقرب من أرجان فانصدع فظهر في وسطه درجة بالآجر والجص ~~وقد خفيت في الجبل ، فعجب الناس من ذلك وفي سنة سبع وأربعين وأربعمائة وصل ~~طغرلبك السلجقي إلى بغداد وخطب له بها ، وانقرضت الدولة البويهية . وفي سنة ~~ثمان وأربعين وأربعمائة تزوج الخليفة القائم بأمر الله بأرسلان خاتون ~~واسمها خديجة ابنة داود أخي السلطان طغرلبك ، وقبل الخليفة النكاح لنفسه . ~~وفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة في العشر الثاني من ms5313 جمادى الآخرة ظهر وقت ~~السحر في السماء ذؤابة بيضاء طولها نحو عشرة أذرع في رأي العين وعرضها ذراع ~~، وبقيت كذلك إلى نصف شهر رجب واضمحلت . وفيها أمر الخليفة القائم بأمر ~~الله أن يؤذن بالكرخ والمشهد وغيرهما الصلاة خير من النوم وأن يتركوا حيي ~~على خير العمل ففعلوا ذلك . وفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة اشتد الغلاء ~~ببغداد والعراق حتى بيعت الكارة الدقيق السميذ بثلاثة عشر دينارا والكارة ~~الشعير والذرة بثمانية دنانير ، ومقدار الكارة وأكل الناس الميتة والكلاب ~~وغيرها وكثر الوباء ، حتى عجز الناس عن دفن الموتى فكانوا يجعلون الجماعة ~~في الحفيرة . وفيها كثر الوباء ببخارى حتى قيل : إنه مات في يوم واحد ~~ثمانية عشر ألف إنسان من أعمال بخارى ، وهلك في هذه الولاية في مدة الوباء ~~ألف ألف وستمائة ألف وخمسون ألفا ، وكان بسمرقند مثل ذلك ، ووجد ميت وقد ~~دخل عليه تركي يأخذ لحافا عليه فمات التركي وطرف اللحاف بيده ، وبقيت أموال ~~الناس سائبة لا تجد من يجمعها PageV23P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" ذكر أخبار أبي الحارث أرسلان البساسيري ~~وابتداء حاله وما كان منه إلى أن تغلب على بغداد وقطع خطبة القائم بأمر ~~الله وخطب للمستنصر العلوي صاحب مصر كان أبو الحارث البساسيري مملوكا تركيا ~~من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة البويهي ، وهو منسوب إلى مدينة بساسير ~~من بلاد فارس ، كان سيده الأول منها فقيل له : البساسيري لذلك . وأما ما ~~وليه من المناصب التي ترقى منها إلى أن صار منه ما صار ، فإنه ولي في سنة ~~خمس وعشرين وأربعمائة حماية الجانب الغربي ببغداد ، لأن العيارين كان قد ~~اشتد أمرهم وعظم فسادهم وعجز عنهم نواب السلطان فاستعمل لكفاءته ونهضته ~~وذلك في سلطنة جلال الدولة أبي طاهر بهاء الدولة في حروبه وأبلى بين يديه ~~بلاء حسنا ، فعظم شأنه وارتفع محله وعلت رتبته وتقدم على الجيوش ، وكان ~~بينه وبين العرب الذين خالفوا جلال الدولة وخرجوا عن طاعته وكاشفوه ~~بالعداوة حروب كان النصر في أكثرها له ، ثم صار يخلف الملك الرحيم ببغداد . ~~واستولى على الأنبار في ms5314 سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وملكها من قرواش بن ~~المقلد ، واستولى على الدار ، وملكها من سعيد بن أبي الشول . ولما استولى ~~الملك الرحيم على البصرة في سنة أربع وأربعين وأربعمائة وأخذها من أخيه أبي ~~علي بن أبي كاليجار سلمها إلى البساسيري فنهض فيها وضبطها وأوقع بالأكراد ~~والأعراب في سنة خمس وأربعين وأربعمائة - وكانوا قد أفسدوا في البلاد - ~~فقتل منهم خلقا كثيرا وغنم أموالهم وأجلاهم عن البلاد . ثم أتى بغداد ووقع ~~بينه وبين الخليفة القائم بأمر الله وحشة عظيمة في سنة ست وأربعين ~~وأربعمائة لأسباب يطول شرحها أدت إلى إسقاطه مشاهرات الخليفة ومشاهرات رئيس ~~الرؤساء الوزير وحواشي الدار ، ودام ذلك من شهر رمضان إلى ذي الحجة ثم سار ~~إلى الأنبار فمنعه أبو الغنائم بن المحلبان من دخولها فحاصرها PageV23P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" ونصب عليها المجانيق ، وفتحها عنوة ونهبها ~~وأسر من أهلها خمسمائة رجل ومائة من بني خفاجة وأسر أبو الغنائم . وعاد إلى ~~بغداد وهو بين يديه على جمل وعليه قميص أحمر وعلى رأسه برنس وهو مقيد ، ~~وأتى إلى مقابل التاج وقبل الأرض وعاد إلى منزله وهو يجعل الذنب كله لرئيس ~~الرؤساء وزير الخليفة - ويقول لست أشكو إلا منه فإنه أخرب البلاد . وكاتب ~~السلجوقية وأطمعهم في البلاد ، ثم توجه البساسيري إلى واسط ، فلما كان في ~~سنة سبع وأربعين وضع رئيس الرؤساء الأتراك البغداديين على البساسيري وسلبه ~~ونسب ما يقع من النقص إليه ، ففعلوا ذلك وزادوا عليه حتى حضروا إلى دار ~~الخلافة في شهر رمضان واستأذنوا في قصد دور البساسيري ونهبها فأذن لهم في ~~ذلك ، فنهبوا دوره وأحرقوها ، ووكلوا بنسائه وأهله ونوابه ، ونهبوا دوابه ~~وجميع ما يملكه ببغداد . وأطلق رئيس الرؤساء لسانه في البساسيري وذمة ونسبه ~~إلى مكاتبة المستنصر صاحب مصر ، وأرسل الخليفة إلى الملك الرحيم يأمره ~~بإبعاد البساسيري فأبعده ، وكانت هذه الحالة من أعظم الأسباب في ملك ~~السلطان طغرلبك العراق . ووصل السلطان طغرلبك إلى بغداد إثر هذه الحادثة ~~وملكها ، وانقرضت الدولة البويهية ، فعند ذلك أظهر البساسيري الخلاف وجاهر ~~بالعصيان ، وانضم إليه نور الدولة دبيس ms5315 بن مزيد . التقوا هم وقريش بن بدران ~~صاحب الموصل وكان مع قريش قتلمش السلجوقي - وهو ابن عم طغرلبك - واقتتلوا ~~فكانت الهزيمة على قريش وقتلمش ، وكانت هذه الواقعة عند سنجار في سنة ثمان ~~وأربعين وأربعمائة . ثم صار قريش بن بدران مع البساسيري ونور الدين دبيس ، ~~فساروا إلى الموصل وخطبوا بها للمستنصر بالله العلوي صاحب مصر - وكانوا قد ~~كاتبوه بطاعتهم فأرسل إليهم الخلع عن مصر - فلما بلغ ذلك السلطان طغرلبك ~~سار إلى الموصل وديار بكر لإخلائها من البساسيري وغيره من المفسدين ، ~~فاستولى على الموصل وأعمالها وسلمها إلى أخيه إبراهيم ينال وعاد إلى بغداد ~~في سنة تسع وأربعين وأربعمائة فأقام بها إلى سنة خمسين وأربعمائة . ثم ~~فارقها وتوجه نحو بلاد الجبل فعاد البساسيري إلى الموصل واستولى عليها وحصر ~~قلعتها أربعة أشهر ، وملكها فهدمها وعفى أثرها ، وكان السلطان قد فرق ~~عساكره فكتب إلى أخيه إبراهيم واستدعاه ، فحضر إليه إلى بلاد PageV23P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" الجبل فسار أخيه إبراهيم واستدعاه ، فحضر ~~إليه إلى بلاد الجبل فسار السلطان جريدة في ألفي فارس إلى الموصل فوجد ~~البساسيري وقريش بن بدران قد فارقاها . فسار إلى نصيبين ليتبع آثارهم ~~ويخرجهم من البلاد ، ففارقه أخوه إبراهيم ينال إلى همذان فكاتبه البساسيري ~~وأطمعه في السلطنة ، فأظهر إبراهيم العصيان على السلطان طغرلبك فسار طغرلبك ~~إلى همذان في منتصف شهر رمضان سنة خمسين وأربعمائة ، واشتغل بحرب أخيه حتى ~~ظفر به ، ثم عرض له ما شغله عن العود إلى بغداد . ذكر استيلاء أبي الحارث ~~البساسيري على العراق وخروج الخليفة القائم بأمر الله من بغداد والخطبة ~~للمستنصر بالله العلوي صاحب مصر وقطع الدعوة العباسية قال : ولما اشتغل ~~السلطان طغرلبك بحرب أخيه قصد البساسيري بغداد ، فلما وصل إلى هيت أمر ~~الخليفة الناس بالعبور إلى الجانب الشرقي ، وكان الأتراك كلهم قد التحقوا ~~بالسلطان إلى همذان . وكان الخليفة قد كتب إلى نور الدولة دبيس يأمره ~~بالوصول إلى بغداد فورد إليهم في مائة فارس ، فلما قوي الإرجاف بوصول ~~البساسيري أرسل دبيس بن مزيد إلى الخليفة وإلى رئيس الرؤساء الوزير يقول ms5316 : ~~الرأي عندي خروجكما من البلد معي ، فإنني أجتمع أنا وهزارسب بواسط على دفع ~~عدوكما . فأتاه الجواب أن يقيم حتى يقع الفكر في ذلك ، فقال : العرب لا ~~تطيعني على المقام ، وأنا أتقدم إلى ديالي فإذا انحدرتم سرت في خدمتكم وسار ~~وأقام يديالي ينتظرهما فلم ير لذلك أثرا ، فسار إلى بلده . ثم وصل ~~البساسيري إلى بغداد في يوم الأحد ثامن ذي القعدة ومعه أربعمائة غلام في ~~غاية الضر والفقر ، فنزل مشرعة باب البصرة . وركب عميد العراق ومعه العسكر ~~والعوام وأقاموا بإزاء عسكر البساسيري وعادوا ، وخطب البساسيري بجامع ~~المنصور للمستنصر العلوي صاحب مصر فأذن حي على خير العمل وعقد الجسر وعبر ~~عسكره إلى الثانية للمصري بجامع الرصافة ، وجرى بين الطائفتين حروب في ~~أثناء الأسبوع . PageV23P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" وكان عميد العراق يشير على رئيس الرؤساء وزير ~~الخليفة بالتوقف عن المناجزة ، ويرى المناجزة ومطاولة الأيام انتظار لقدوم ~~طغرلبك ، ولما يراه من ميل العوام للبساسيري . فاتفق في بعض الأيام مع ~~القاضي الهمذاني حضر إلى رئيس الرؤساء واستأذنه في الحرب وضمن له قتل ~~البساسيري فأذن له من غير علم عميد الدولة ، فخرج ومعه الخدم والهاشميون ~~والعجم والعوام إلى الخليفة فاستخرجهم البساسيري حتى أبعدوا ، ثم حمل عليهم ~~فعادوا منهزمين ، وقتل جماعة منهم ، ومات في الزحمة جماعة ، ونهب باب الأزج ~~. وكان رئيس الرؤساء واقفا دون الباب فدخل الدار وهرب كل من في الحريم ، ~~ورجع البساسيري إلى معسكره . واستدعي الخليفة عميد العراق وأمره بالقتال ~~على سور الحريم فلم يرعهم إلا والزعقات قد علت ونهب الحريم ، ودخلوا الباب ~~النوبى . فركب الخليفة لابسا السواد وعلى كتفه البردة وبيده سيف على رأسه ~~اللواء ، وحوله زمرة من العباسيين والخدم بالسيوف المسلولة ، فرأى النهب قد ~~وصل إلى باب الفردوس من داره ، فرجع إلى ورائه ومضى نحو عميد العراق . ~~فوجده قد استأمن إلى قريش فعاد وصعد إلى المنظرة . وصاح رئيس الدولة يا علم ~~الدين يعني قريشا أمير المؤمنين يستدنيك فدنا منه فقال له رئيس الرؤساء : ~~قد أنالك الله منزلة لم ينلها أمثالك ، وأمير المؤمنين يستذم منك ms5317 على نفسه ~~وأهله وأصحابه بذمام الله تعالى وذمام رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وذمام ~~العربية . قال : أذم الله تعالى قال : ولي ولمن معه ؟ قال نعم وخلع قلنسوته ~~وأعطاها الخليفة ، وأعطى رئيس الرؤساء ذماما . فنزل إليه الخليفة ورئيس ~~الرؤساء وسارا معه فأرسل إليه اليساسيري : أتخالف ما استقر بيننا وتنقض ما ~~تعاهدنا عليه ؟ فقال قريش لا وكانا قد تعاهدا على المشاركة في الذي يحصل ~~لهما وأن لا يستبد أحدهما دون الآخر بشيء ، فاتفقا على أن يسلم قريش رئيس ~~الرؤساء إلى البساسيري لأنه عدوه ويترك الخليفة عنده ذكر مقتل رئيس الرؤساء ~~وعميد العراق قال ولما أرسل قريش رئيس الرؤساء إلى البساسيري قال له : ~~مرحبا بمهلك الدول ومخرب البلاد فقال : العفو عند المقدرة فقال له ~~البساسيري قدرت فما PageV23P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" عفوت وأنت صاحب طيلسان ، وركتب الأفعال ~~الشنيعة مع حرمي وأطفالي ، فكيف أعفوا أنا وأنا صاحب السيف ؟ وأمر به فحبس ~~إلى آخر ذي الحجة ، ثم أخرجه من محبسه مقيدا وعليه جبة صوف وطرطور من لبد ~~أحمر وفي رقبته - مخنقة جلد بعير وهو يقرأ قل الله مالك الملك تؤتي الملك ~~من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء الآية . . . وطيف به محال بغداد وهو على جمل ~~وراءه من يصفعه . فلما اجتاز بالكرخ بصق أهل الكرخ في وجهه لأنه كان يتعصب ~~عليهم وجيء به إلى البساسيري وقد نصبت له خشبة فأنزل من على الجمل وألبس ~~جلد ثور قد سلخ في ذلك اليوم ، وجعلت قرونه على رأسه وعلق بكلو بين من حديد ~~، فلم يزل يضطرب إلى آخر النهار ومات ، فقال بعض الشعراء في هذه الواقعة : ~~أقبلت الرايات مبيضة . . . يقدمهن الأسد الباسل وولت السوداء منكوسة . . . ~~ليس لها من ذلة سائل انطر إلى الباغي على جدعه . . . والدم من أوداجه سائل ~~يعني رئيس الرؤساء ، قال : ودخل البساسيري داره ونهب ما فيها وشهر حرمه ~~وأمر بنقض داره وقال عند ذلك : فواحدة بواحدة جزاء قال : وكان رئيس الرؤساء ~~حسن التلاوة جيد المعرفة بالنحو . وقتل البساسيري عميد العراق وكان فيه ~~شجاعة وله فتوة ، وهو الذي ms5318 بنى رباط شيخ الشيوخ . وأما الخليفة فإن قريشا ~~نقله إلى معسكره راكبا وعليه السواد والبردة وبيده السيف وعلى رأسه اللواء ~~وأنزله في خيمه ، وأخذ أرسلان خاتون ابنة أخي السلطان طغرلبك فسلمها إلى ~~أبي عبد الله بن جردة ليقوم بخدمتها . ونهبت دار الخلافة وحريمها أياما ، ~~ثم سلم قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارش بن المجليى وهو رجل فيه دين وله ~~مروءة فحمله في هودج وسار به إلى حديثة عانة فنزل بها ، و لما وصل إلى ~~الأنبار شكا البرد ، فأنفذ إلى مقدمها يطلب منه شيئا يلبسه فأرسل إليه جبة ~~فيها قطن ولحافا . PageV23P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" قال وركب البساسيري يوم عيد النحر عبر إلى ~~المصلى بالجانب الشرقي وعلى رأسه الألوية المصرية ، فأحسن إلى الناس وأجرى ~~الجرايات على المتفقهة ولم يتعصب لمذهب ، وأقام بالعراق إلى ذي القعدة سنة ~~إحدى وخمسين وأربعمائة . واشتغل السلطان طغرلبك في هذا لمدة بأمر أخيه ~~إبراهيم حتى ظفر به وقتله ، ومات أخوه داود بخراسان فاحتاج طغرلبك إليه في ~~المقام حتى قرر القواعد بعده لإلب أرسلان ابن أخيه داود ثم عاد إلى العراق ~~. ذكر عود الخليفة القائم بأمر الله إلى بغداد وخروج البساسيري منها وقتله ~~قال : ولما فرغ السلطان طغرلبك من أخيه إبراهيم ينال وقتله ، وقتل ابنيه ~~معه - وكان قد خرج عليه مرارا فعفا عنه ، وإنما قتله في هذه الوقعة لأنه ~~علم أن الذي جرى على الخليفة كان بسببه فلهذا لم يعف عنه - عاد إلى العراق ~~وليس له هم إلا إعادة الخليفة القائم بأمر الله إلى داره . فأرسل إلى ~~البساسيري وقريش في إعادة الخليفة إلى داره على أن لا يدخل طغرلبك إلى ~~العراق ، فلما وصلت مقدمته إلى قصر شيرين خرج حرم البساسيري وأولاده ، ورحل ~~أهل الكرخ بنسائهم وأولادهم في دجلة وعلى الظهر . وكان دخول البساسيري ~~بغداد في سادس ذي القعدة سنة خمسين وأربعمائة ، وخروجه منها في سادس ذي ~~القعدة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة ووصل طغرلبك إلى بغداد وقد أرسل من ~~الطريق الإمام أبا بكر أحمد المعروف بابن فورك إلى قريش ابن ms5319 بدران يشكره ~~على فعله بالخليفة وحفظه وصيانته ابنة أخيه امرأة الخليفة ، ويعرفه أنه ~~أرسل أبا بكر بن فورك لإحضارهما . ولما سمع قريش بقصد طغرلبك العراق أرسل ~~إلى مهارش يقول له : إنا أودعنا الخليفة عندك ثقة بأمانتك لينكشف بلاء الغز ~~عنا والآن فقد عادوا وهم عازمون على قصدك ، فارحل بأهلك إلى البرية فإنهم ~~إذا عملوا أن الخليفة عندنا في البرية لم يقصدوا العراق ونتحكم عليهم بما ~~نريد فقال مهارش : إن الخليفة قد استحلفني بعهود لا أخلص منها . ~~PageV23P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" وسار مهارش ومعه الخليفة في حادي عشر ذي ~~القعدة سنة إحدى وخمسين إلى العراق فوافيا ابن فورك في الطريق ، وأرسل إلى ~~طغرلبك الخيام العظيمة والسرادقات والخيل بمراكب الذهب وغير ذلك من التحف ~~فلقوه . ووصل الخليفة إلى النهروان في الرابع العشرين من ذي القعدة ، وخرج ~~السلطان إلى خدمته وقبل الأرض بين يديه وهنأه بالسلامة واعتذر من تأخره . ~~فشكر له ذلك وقلده سيفا وقال : لم يبق مع أمير المؤمنين من داره سواه وقد ~~تبرك أمير المؤمنين به . قال : ولم يبق ببغداد من أعيانها من يستقبل ~~الخليفة غير القاضي أبي عبد الله بن الدامغاني وثلاثة نفر من الشهود . ~~وتقدم السلطان في المسير ووصل إلى بغداد ، وجلس إلى الباب النوبي مكان ~~الحاجب ، ووصل القائم بأمر الله فقام طغرلبك وأخذ بلجام بغلته حتى صار إلى ~~حجرته . وكان وصوله يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة ، وكانت السنة ~~مجدبة ، ولم ير الناس فيها مطرا فجاء المطر في تلك الليلة . قال : ولما ~~استقر الخليفة القائم بأمر الله أنفذ السلطان جيشا عليهم خمار تكين ~~الطغرائي في ألفي فارس نحو الكوفة ، وسار في أثرهم فلم يشعر دبيس ~~والبساسيري إلا والسرية قد وصلت إليهم في ثامن ذي الحجة من طريق الكوفة ، ~~فجعل أصحاب دبيس ابن مزيد يرتحلون بأهليهم فيتبعهم الأتراك فيتقدم دبيس ~~ليرد العرب إلى القتال فلا يرجعون فمضي ، ووقف البساسيري وقاتل فسقط عن ~~فرسه ووقع في وجهه ضربة ، ودل عليه بعض الجرحى فأخذه كمشتكين ، وأتى عميد ~~الملك الكندري وزير السلطان ms5320 وقتله ، وحمل رأسه إلى السلطان فأمر بحمله إلى ~~دار الخليفة ، فطيف به على قناة في نصف ذي الحجة ، ومضى ، ومضى نور الدولة ~~دبيس إلى البطيحة . وفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة رتب الخليفة أبا تراب ~~الاثيري في الأنهار وحضور المواكب ولقبه حاجب الحجاب ، واستوزر أبا الفتح ~~منصور بن أحمد بن دارست ، بعد أن شرط على نفسه أن يخدم بغير إقطاع ويحمل ~~مالا . وفي سنة أربع وخمسين وأربعمائة عقد السلطان طغرلبك على ابنة الخليفة ~~القائم بأمر الله وحمل مائة ألف دينار ، ولم يقع مثل هذا فيما تقدم ، ~~وامتنع الخليفة من ذلك ثم أجاب إليه . وفي هذه السنة عزل ابن دارست عن ~~الوزارة ووليها أبو نصر ابن جهير . PageV23P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" وفيها عم الرخص جميع الأصقاع ، فبيع بالبصرة ~~ألف رطل من الثمر بثمانية قراريط . وفي سنة خمس وخمسين وأربعمائة وصل ~~السلطان بابنة الخليفة في شهر المحرم ، وسار من بغداد في شهر ربيع الأول ~~إلى الري فمرض بها وتوفي لثمان خلون من شهر رمضان . . وفيها ملك ألب أرسلان ~~بعد عمه طغرلبك . وفي سنة ست وخمسين وأربعمائة عادت ابنة الخليفة زوجة ~~السلطان طغرلبك وسير السلطان في خدمتها الأمير إيتكين السليماني وجعله شحنة ~~على بغداد وسأل ألب أرسلان أن يخطب له ببغداد واقترح أن يخاطب بالوالد ~~المؤيد فأجيب إلى ذلك ، ولقب ضياء الدين عضد الدولة وجلس الخليفة جلوسا ~~عاما وشافه الرسل بتقديم ألب أرسلان في السلطنة وسير إليه الخلع . وفيها في ~~شهر ربيع الأول ظهر ببغداد والعراق وخوزستان وكثير من البلاد أن جماعة من ~~الأكراد خرجوا يتصيدون فرأوا في البرية خيما سودا ، وسمعوا فيها لطما شديدا ~~وسمعوا فيها قائلا يقول : قد مات سيدوك ملك الجن وأي بلد لم يلطم أهله عليه ~~ويعملون له المأتم قلع أصله وأهلك أهله فخرج كثير من النساء في البلاد إلى ~~المقابر يلطمن وينحن وينشرن شعورهن ، وخرج رجال من سفلة الناس يفعلون ذلك . ~~قال ابن الأثير : وقد جرى في أيامنا نحن في الموصل وما والاها إلى العراق ~~وغيره من الناس فظهر أن ms5321 امرأة من الجن يقال لها أم عنقود مات ابنها عنقود ~~وأن كل من لا يعمل له مأتما أصابه هذا المرض فكثر فعل ذلك ، وكانوا يقولون ~~: يا أم عنقود اعذرينا . . . قد مات عنقود وما درينا وكان النساء يلطمن ~~وكذلك الأوباش وفي سنة سبع وخمسين وأربعمائة ابتدى بعمارة المدرسة النظامية ~~ببغداد ، وكملت عمارتها في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وأربعمائة . وفي سنة ~~ثمان وخمسين وأربعمائة في العشر الأوسط من جمادى ظهر كوكب كبير له ذؤابة ~~طويلة ممتدة إلى وسط السماء عرضها نحو ثلاثة أذرع في رأي العين وهو بناحية ~~المشرق ، وبقي إلى السابع والعشرين من الشهر وغاب . PageV23P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" وفيها في جمادى الآخرة كان بخراسان والجبال ~~زلزلة عظيمة بقيت تتردد أياما تصدعت منها الجبال زلزلة عظيمة بقيت تتردد ~~أياما تصدعت منها الجبال وأهلكت خلقا كثيرا ، وانخسفت منها عدة قرى ، وخرج ~~الناس إلى الصحراء . وفيها ولدت صبية بباب الأزج لها رأسان ورقبتان ووجهان ~~وأربع أيد على بدن واحد . وفي سنة تسع وخمسين وأربعمائة في ذي القعدة قتل ~~الصليحي صاحب اليمن وخطب بها للدولة العباسية . وفي سنة ستين وأربعمائة ~~كانت زلزلة عظيمة بمصر وفلسطين خرجت الرملة ، وطلع الماء من رؤوس الآبار ، ~~وهلك من أهلها خمسة وعشرون ألف نسمة ، وانشقت صخرة بيت المقدس ثم عادت بإذن ~~الله تعالى ، وانحسر البحر عن الساحل مسيرة يوم فنزل ا لناس إلى أرضه ~~يلتقطون منه فرجع الماء عليهم فأهلك منهم خلقا كثيرا . وفيها عزل فخر ~~الدولة بن جهير عن الوزارة ثم أعيد في سنة إحدى وستين بشفاعة نور الدولة ~~دبيس بن مزيد فمدحه أبو الفضل فقال : قد رجع الحق إلى نصابه . . . وأنت من ~~دون الورى أولى به ما كنت إلا السيف سلته يد . . . ثم أعادته إلى قرابه وهي ~~قصدية طويلة . وفيها في شعبان احترق جامع دمشق ، وكان سبب ذلك أنه وقع بين ~~المغاربة والمشارقة حرب فاحرقوا دارا مجاورة للجامع فاتصل الحريق بالجامع ، ~~فدثرت محاسنه وزال ما كان فيه من الأعمال النفيسة . وفي سنة اثنتين وستين ~~ورد رسول صاحب ms5322 مكة محمد بن أبي هاشم بإقامة للخطبة الخليفة القائم بأمر ~~الله والسلطان ألب أرسلان بمكة إسقاط خطبة صاحب مصر وترك الأذان بحي على ~~خير العمل فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وخلعا نفيسة وأجرى له في كل سنة ~~عشرة آلاف دينار . وخطب محمود بن صالح بن مرداس صاحب حلب لهما أيضا في سنة ~~ثلاث وستين على ما نشرحه في أخبار الدولة السلجقية فقال أبو عبد الله بن ~~عطية بمدح الخليفة : كم طائع لك لم تجلب عليه ولم . . . تعرف لطاعته غير ~~التقى سببا هذا البشير بإذعان الحجاز وذا . . . داعي دمشق وذا المبعوث من ~~حلبا PageV23P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" وفيها خرج أرمانوس ملك الروم في مائتي ألف ~~إلى خلاط وأسر على ما نذكره - إن شاء الله - في أيام ألب أرسلان . وفي سنة ~~أربع وستين وأربعمائة عزل إيتكين السليماني من شحنكية بغداد واستعمل عليها ~~سعد الدولة كوهر آيين ، وكان سبب عزل السليماني أنه كان قد سار إلى السلطان ~~ألب أرسلان واستخلف ابنه شحنة بغداد فقتل أحد مماليك الدارية فأنفذ قميصه ~~من الديوان إلى السلطان ووقع الخطاب في عزله ، فورد إلى بغداد في ربيع ~~الأول من هذه السنة وقصد صدار الخلافة وسأل العفو عنه وأقام أياما فلم يجب ~~إلى ذلك ، وكان نظام الملك يعتني بالسليماني فأضاف إلى إقطاعة تكريت ، ~~فكوتب واليها من ديوان الخلافة بالتوقف عن تسليمها . فملا رأى السلطان ~~ونظام الملك إصرار الخليفة على الغضب على السليماني عزلاه ، وسيرا سعد ~~الدولة إليها ، فتلقاه الناس وجلس له الخليفة . وفي سنة خمس وستين ~~وأربعمائة قتل السلطان ألب أرسلان وملك بعده ابنه السلطان ملكشاه . وفيها ~~أقيمت الدعوة العباسية ببيت المقدس قدسه الله . . . ذكر غرق بغداد وفي سنة ~~ست وستين وأربعمائة غرق الجانب الشرقي وبعض الغربي من بغداد ، وسبب ذلك أن ~~دجلة زادت زيادة عظيمة وطفح الماء من البرية مع ريح شديدة ، وجاء الماء إلى ~~المنازل ونبع من البلاليع والآبار بالجانب الشرقي ، وهلك خلق كثير تحت ~~الهدم ، وشدت الزواريق تحت التاج خوف الغرق . وقام الخليفة يتضرع ويصلي ~~وعليه البردة ms5323 وبيده القضيب ، وغرق من الجانب الغربي مقبرة أحمد بن حنبل ~~ومشهد باب التنين وتهدم سوره ، ودخل الماء من شبابيك البيمارستان العضدي . ~~ذكر وفاة القائم بأمر الله وشيء من سيرته كانت وفاته في ليلة الخميس ثالث ~~عشر شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة ، وكان سب بوفاته أنه كان قد أصابه مأشر ~~فافتصد ونام فانتفخ فصاده وخرج منه دم PageV23P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" كثير ولم يشعر ، فاستيقظ وقد ضعف وسقطت قوته ~~. فأيقن بالموت وأحضر ولي عهده ووصاه وأحضر نقيب العباسيين ونقيب الطالبيين ~~وقاضي القضاة وغيرهم مع الوزير ابن جهير وأشهدهم على نفسه أنه جعل ابن ابنه ~~أبا القاسم ولي عهده . ولما توفي غسله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي ~~، وصل عليه المقتدي بأمر الله . ومات وله من العمر ست وسبعون سنة وثلاثة ~~أشهر وخمسة أيام ، ومدة خلافته أربع وأربعون سنة وثمانية أشهر إلا أياما . ~~وقيل هذا يكون عمره ستا وسبعين سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام . وكان جميلا ~~أبيض مشربا بحمرة ، حسن الوجه والجسم ، ورعا دينا زاهدا قوي اليقين بالله ~~تعالى ، وله عناية بالأدب ومعرفة حسنة بالكتابة ، ولم يكن يرضى عن أكثر ما ~~يكتب من الديوان ويصلح أشياء منه . وكان مؤثرا للعدل والإحسان ؛ مريدا ~~لقضاء حوائج الناس ؛ لا يرى أن يمنع ما يطلب منه ، حكي عن محمد بن علي بن ~~عامر الوكيل قال : " دخلت يوما إلى المخزن فلم يبق أحد إلا وأعطاني قصة ~~فامتلأت أكمامي فقلت في نفسي لو كان الخليفة أخي لأعرض عن هذه كلها ~~فألقيتها في البركة والقائم ينظر ولا أشعر ، فلما دخلت عليه أمر الخدم ~~بإخراج الرقاع من البركة فأخرجت ووقف عليها ، ووقع بأغراض أصحابها ثم قال ~~لي : يا عامي ما حملك على هذا ؟ فقلت : خوف الضجر منها فقال : لا تعود إلى ~~مثلها فإنا ما أعطيناهم من أموالنا شيئا . ومما يحكى من جملة كرمه أن أحد ~~السلاطين في أيامه سأله أن يتقدم باعتقال وزرائه وذكر أنهم استولوا على ~~أمواله فخرج توقيعه " ليست دارنا دار حبس وسجن بل هي دار طمأنينة وأمن ms5324 " ~~وكان له شعر رائق فمنه قوله : قالوا : الرحيل ، فأنشبت أظفارها . . . في ~~خدها وقد اعتقلن خضابا واخضر تحت بنانها فكأنما . . . غرست بأرض بنفسج ~~عنابا وفي أيامه أسلم من كفار الأتراك ألف خركاه وضحوا بثلاثين ألف رأس من ~~الغنم وقيل : أكثر من ذلك . PageV23P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" ولم يخلف ولدا لأن ابنه ذخيرة الدين توفي في ~~ذي القعدة سنة سبع وأربعين وعمره خمس عشرة سنة . وزراؤه وكتابه : كتب له ~~عميد الرؤساء أبو طالب محمد بن أيوب ، ثم رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن ~~الحسن بن مسلمة - وزر له ولقبه بهذا اللقب وبجمال الورى - ووزر له بعده أبو ~~الفتح منصور بن أحمد بن دارست ، ثم فخر الدين أبو نصر محمد بن محمد بن جهير ~~. قضاته : قاضي القضاة أبو عبد الله الحسن بن علي بن ماكولا البصري إلى أن ~~مات ، فولى أبا عبد الله محمد بن علي الدامغاني شيخ أصحاب أبي حنيفة . ~~حجابه : أبو منصور بن بكران ثم أبو عبد الله الحسن بن علي المردوسي . ذكر ~~خلافة المقتدي بأمر الله هو أبو القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين أبي العباس ~~أحمد بن القائم بأمر الله ، وأمه أم ولد اسمها أرجوان وقيل شراب ، وتدعى ~~قرة العين . وهو الخليفة السابع والعشرون من الخلفاء العباسيين ، بويع له ~~بعد وفاة جده بأمر الله في يوم وفاته وهو يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من ~~شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة . وكان القائم جده قد عهد له كما ذكرنا ، ~~فلما مات القائم حضر مؤيد الملك بن نظام الملك والوزير فخر الدولة بن جهير ~~وابنه عميد الدولة والشيخ أبو إسحاق وأبو نصر الصباغ ونقيب النقباء طراد ~~والنقيب المعمر بن محمد وقاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني وغيرهم من ~~الأعيان والأتابكة فبايعوه ، وكان أول من بايعه الشريف أبو جعفر محمد بن ~~أبي موسى الهاشمي بعد فراغه من غسل القائم وأنشد : إذا سيد منا مضى قام سيد ~~وأرتج عليه فقال المقتدي : قؤول بما قال الكرام فعول ولما فرغوا من البيعة ~~صلى المقتدى بأمر الله بهم ms5325 العصر . ذكر الحوادث في أيام المقتدي في ذي ~~القعدة ملك الأقسيس دمشق وخطب بها للمقتدي بأمر الله ، وكان آخر من خطب بها ~~للمصريين . PageV23P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" وفيها ملك نصر بن محمود بن مرداس مدينة منبج ~~من الروم . وفيها قدم سعد الدولة بن كوهر آيين شحنة إلى بغداد من قبل ~~السلطان ملكشاه ومعه العميد أبو نصر ناظرا على أعمال بغداد . وفي سنة تسع ~~وستين وأربعمائة قدم أبو نصر ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري حاجا ، وجلس ~~في المدرسة النظامية يعظ الناس ، وفي رباط شيخ الشيوخ ، وجرى له مع ~~الحنابلة فتن لأنه كلم على مذهب الأشعري ونصره . وكثر أتباعه والمتعصبون له ~~، فثار الحنابلة ومن تبعهم من سوق المدرسة النظامية وقتلوا جماعة من ~~المتعصبين للقشيري كالشيخ أبي إسحاق وشيخ الشيوخ وغيرهما من الأعيان ، فجرى ~~بين الطائفتين أمور عظيمة . فنسب أصحاب نظام الملك ذلك إلى الوزير فخر ~~الدولة بن جهير وكتب أبو الحسين محمد بن علي بن أبي القصر الواسطي الفقيه ~~الشافعي إلى نظام الملك : يا نظام الملك قد حل ببغداد النظام وابنك القاطن ~~فيها مستلان مستضام وبها أودى له قتلى غلام فغلام والذي منهم تبقى سالما ~~فيه سهام يا قوام الدين لم يبق ببغداد قوام عظم الخطب فللحرب اتصال ودوام ~~فمتى لم يحسم الداء بأيديك الحسام ويكف القوم في بغداد قتل وانتقام فعلى ~~مدرسة فيها ومن فيها السلام واعتصام بحريم لك من بعد حرام PageV23P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" فلما اتصل ذلك بنظام الملك عظم عليه فأعاد ~~سعد الدولة كوهر آيين شحنة إلى العراق في سنة إحدى وسبعين ، وحمله رسالة ~~إلى الخليفة تتضمن الشكوى من بني جهير ويسأل عزل فخر الدولة عن الوزارة ، ~~فلما وصل إلى بغداد وأبلغ الخليفة الرسالة أمر فخر الدولة بلزوم داره ~~واستوزره بعده أبا شجاع محمد بن الحسين قال : ولما بلغ ابن جهير تغير نظام ~~الملك عليه أرسل ابنه عميد الدولة إليه يستعطفه ، فسار إليه قبل وصول كوهر ~~آيين إلى بغداد ، ولم يزل يتعطفه حتى عاد إلى ما ألفه منه وزوجه بابنته ms5326 . ~~فعاد إلى بغداد فلم يرد الخليفة أباه إلى الوزارة وأمرهما بملازمة منازلهما ~~فأرسل نظام الملك إلى الخليفة في إعادة بني جهير إلى الوزارة فأعيد عميد ~~الدولة إليها وأذن لأبيه فخر الدولة بفتح بابه ، وذلك في صفر سنة اثنتين ~~وسبعين وأربعمائة . وفي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة ملك تاج الدولة تتش بن ~~ألب أرسلان دمشق على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة السلجقية ~~. وفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة في شوال توفي نور الدولة أبو الأغر دبيس ~~بن علي مزيد الأسدي ، وولى بعده أبو كامل منصور ولقب بهاء الدولة . وفيها ~~أرسل الخليفة الوزير فخر الدولة إلى السلطان ملكشاه بأصبهان يخطب ابنته ~~للخليفة فسار إليه وخطبها ، فتقررت القاعدة على أن يكون الحمل المعجل خمسين ~~ألف دينار وأن لا يبقى الخليفة سرولا زوجة غيرها فأجيب إلى ذلك . ذكر ~~الفتنة ببغداد بين الشافعية والحنابلة وفي سنة خمس وسبعين كانت الفتنة بين ~~الطائفيين ، وسببها أنه ورد إلى بغداد الشريف أبو القاسم البكري المقرئ ~~الواعظ وكان أشعري المذهب ، وكان قد قصد نظام الملك فأحبه ومال إليه وسيره ~~إلى بغداد ، وأحرى عليه الجراية الوافرة . وكان يعظ بالمدرسة النظامية ، ~~ويذكر الحنابلة ويعيبهم ويقول " وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا " وما ~~كفر أحمد ولكن أصحابه كفروا ثم قصد يوما دار قاضي القضاة أبي عبد الله ~~الدامغاني فجرى بينه وبين قوم من الحنابلة مشاجرة أدت إلى الفتنة . وكثر ~~جمعه فكبس دور بني الفراء وأخذ كتبهم ومنها كتاب الصفات لأبي يعلى فكان ~~يقرأه بين يديه وهو جالس على الكرسي للوعظ ، وشنع عليهم وجرى له معهم ~~خصومات وفتن . ولقب البكري من الديوان بعلم السنة ، ومات ببغداد ودفن عند ~~قبر أبي الحسن الأشعري رحمهما الله تعالى . PageV23P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" ذكر مسير الشيخ أبي إسحاق برسالة الخليفة إلى ~~السلطان ملكشاه وفي ذي الحجة سنة خمس وسبعين وأربعمائة أرسل الخليفة ~~المقتدي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي برسالة إلى السلطان تتضمن الشكوى من ~~العميد أبي الفتح بن أبي الليث عميد العراق ، وأمره أن ينهي إليه وإلى ms5327 نظام ~~ما يجري على أهل البلاد من النظار . فسار الشيخ ، فكان الشيخ كلما وصل إلى ~~مدينة من بلاد العجم يخرج أهلها إليه بنسائهم وأولادهم يتمسحون بركابه ~~ويأخذون من تراب بغلته للتبرك ، وكن في صحبته جماعة من أعيان أصحابه فلما ~~وصل إلى ساوة خرج إليه جميع أهلها وسأله كل من فقهائها أن يدخل بيته فلم ~~يفعل . ولقيه أرباب الصناعات ومعهم ما ينشرونه على محفته ، فخرج الخبازون ~~ينثرون الخبز وهو ينهاهم فلم ينتهوا ، وكذلك أصحاب الفاكهة والحلوى وغيرهم ~~، وخرج إليه الأساكفة وقد عملوا مداسات لطافا تصلح لأرجل الأطفال ونثروها ~~فكانت تسقط على رؤوس الناس فكان الشيخ يتعجب ويذكر ذلك لأصحابه بعد رجوعه ~~ويقول : ما كان حظكم من ذلك النثار ؟ فقال بعضهم : ما كان حظ سيدنا منه ~~فقال الشيخ : أما أنا فتغطيت بالمحفة يقول ذلك وهو يضحك . قال : ولما وصل ~~الشيخ إلى السلطان وإلى نظام الملك أكرماه ، وأجيب إلى جميع ما التمسه من ~~الخليفة . ولما عاد أهين عميد العراق ، ورفعت يده عن جميع ما يتعلق بحواشي ~~الخليفة . وفيها قدم مؤيد الملك بن نظام الملك إلى بغداد من أصفهان ونزل ~~بالمدرسة النظامية ، وضرب على بابه الطبول في أوقات الصلوات الخمس ، فأعطي ~~مالا جزيلا حتى قطع ذلك ، فأرسل الطبول إلى تكريت والله تعالى أعلم . ذكر ~~عزل عميد الدولة عن الوزارة وميسر والده إلى ديار بكر وفي سنة ست وسبعين ~~وأربعمائة في صفر عزل عميد الدولة فخر الدولة بن جهير عن الوزارة ، ووصل في ~~يوم عزله له رسول من السلطان ومن نظام الملك إلى PageV23P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" الخليفة يطلبان معه أن يرسل إليهما بني جهير ~~فأذن لهم . فساروا بجميع أهلهم ونسائهم ، فصادفوا من السلطان ومن نظام ~~الملك الإكرام والاحترام ، وعقد السلطان لفخر الدولة بن جهير على ديار بكر ~~وخلع عليه وأعطاه الكوسات وسير معه العساكر وأمره أن يأخذها من بني مروان ، ~~وأن يخطب لنفسه ويذكر اسمه على السكة ، فسار إليها . قال : ولما فارق بنو ~~جهير بغداد رتب الديوان أبو الفتح المظفر ابن رئيس الرؤساء ، ثم عزله ms5328 في ~~السنة وولى أبا شجاع محمد بن الحسين وخلع عليه خلع الوزراء . وفي سنة سبع ~~وسبعين وأربعمائة استولى عميد الدولة على الموصل . وفيها فتح سليمان بن ~~قتلمش السلجقي صاحب الروم أنطاكية وكانت بيد الروم من سنة ثمان وخمسين ~~وثلاثمائة . وفي شهر صفر انقض كوكب من الشرق إلى الغرب كان حجمه وضوؤه ~~كالقمر ، وسار مدى بعيدا على مهل في نحو ساعة . وفي سنة ثمان وسبعين ~~وأربعمائة استولى الفرنج على مدينة طليطلة وأخذوها من المسلمين على ما ~~نذكره - إن شاء الله تعالى - في أخبار الأندلس . وفيها في شهر ربيع الأول ~~هاجت ريح عظيمة سوداء بعد العشاء ، وكثر الرعد والبرق وسقط على الأرض رمل ~~أحمر وتراب كثير ، وكانت النيران تضطرم في أطراف السماء ، وكان أكثر ذلك ~~بالعراق والموصل ، فألقت النخل ، وسقط معها صواعق في كثير من البلاد ثم ~~انجلى ذلك نصف الليل . وفيها في شهر ربيع الأول توفي أبو المعالي عبد الملك ~~بن عبد الله بن يوسف الجويني إمام الحرمين ، ومولده سنة سبع عشرة وأربعمائة ~~. PageV23P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" وفي سنة تسع وسبعين وأربعمائة ملك السلطان ~~ملكشاه مدينة حلب واللاذقية وكفر طاب وأفامية . وفيها من شهر ربيع الأول ~~توفي بهاء الدولة أبو كامل منصور بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي صاحب الحلة ~~والنيل وولى ابنه سيف الدولة صدقة . وفيها أسقط اسم العلوي صاحب مصر من ~~الحرمين الشريفين وذكر اسم الخليفة المقتدي بأمر الله . وفيها أسقطت المكوس ~~من العراق . وفي سنة ثمانين وأربعمائة في المحرم زفت ابنة السلطان ملكشاه ~~إلى الخليفة ، ونقل جهازها على مائة وثلاثين جملا مجللة بالديباج الرومي ، ~~وكان أكثر الأحمال الذهب والفضة ، وثلاث عماريات ، وعلى أربعة وسبعين بغلا ~~مجللة بأنواع الديباج الملكي وأجراسها وقلائدها من الذهب ، وعلى ستة منها ~~اثنا عشر صندوقا من فضة فيها من الجواهر والحلي ما لا تقدر قيمته ، وأما ~~البغال ثلاث وثلاثون فرسا من الخيول السوابق عليها مراكب الذهب . وسار أمام ~~الجهاز سعد الدولة والأمير برسق وغيرهما ؛ وكانت ليلة مشهورة ، فلما كان من ~~الغد أحضر الخليفة أمراء ms5329 السلطان لسماط أمر بعمله حكي أنه عمل فيه أربعون ~~ألف من من السكر . وخلع الخليفة على جميع أمراء السلطان ومن له ذكر في ~~العسكر وأرسل الخلع إلى جميع الخواتير وولدت في هذه السنة من الخليفة ولدا ~~وهو أبو الفضل جعفر . وفي سنة إحدى وثمانين وأربعمائة في شهر ربيع الآخر ~~أمر الخليفة بإخراج الأتراك الذين مع الخاتون زوجته من حريم دار الخلافة ، ~~وكان سبب ذلك أن تركيا منهم اشترى فاكهة من طواف فتكالما فشتمه الطواف ~~فضربه التركي فشجه ، فاجتمعت العامة وشنعوا أو استغاثوا ، فأمر الخليفة ~~بإخراج الأتراك فأخرجوا على أقبح صورة . وفي سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة ~~أرسل السلطان ملكشاه إلى الخليفة يطلب ابنته طلبا لا بد منه ، وسبب ذلك ~~أنها كانت قد أرسلت إليه تشكو من إطراح الخليفة لها PageV23P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" وإعراضه عنها فأذن لها في المسير ، فسارت في ~~شهر ربيع الأول ومعها ابنها من الخليفة فوصلت إلى أصفهان فأقامت إلى ذي ~~القعدة وتوفيت . وفي سنة أربع وثمانين وأربعمائة في شهر ربيع الأول عزل ~~الوزير أبو شجاع ، وكان عزله في يوم الخميس فقال : تولاها وليس له عدو . . ~~. وفارقها وليس له صديق فلما كان من الغد يوم الجمعة خرج من داره إلى ~~الجامع ماشيا فاجتمع عليه خلق كثير ، فأمر أن لا يخرج من بيته ، واستنيب في ~~الوزارة أبو سعد بن موصلايا كاتب الإنشاء وأرسل الخليفة إلى السلطان يستدعي ~~منه عميد الدولة بن جهير يستوزره ، فسير إليه فاستوزره في ذي الحجة من ~~السنة . وفيها ملك الفرنج جزيرة صقلية . وفيها في تاسع شعبان كان بالشام ~~وكثير من البلاد زلازل ، ففارق الناس مساكنهم وانهدم بأنطاكية كثير من ~~المساكن والدور ، وهلك تحتها خلق كثير ، وخرب من بروجها تسعون برجا . وفي ~~سنة خمس وثمانين وأربعمائة قتل نظام الملك في عاشر شهر رمضان . وفيها توفي ~~السلطان ملكشاه وملك بعده ابنه محمود . وفي سنة سبع وثمانين وأربعمائة خطب ~~للسلطان بركيارق بن ملكشاه ببغداد في يوم الجمعة رابع المحرم . ذكر وفاة ~~المقتدي بأمر الله وشيء من أخباره كانت وفاته ms5330 في يوم السبت خامس عشر المحرم ~~سنة سبع وثمانين وأربعمائة فجأة ، وكان قد أحضر إليه تقليد السلطان بركيارق ~~ليعلم عليه فقرأه ثم قدم فأمل منه وغسل يديه وعنده قهرمانته شمس النهار ~~فقال لها : ما هذه الأشخاص التي قد دخلت علي بغير إذن - قالت - فالتفت فلم ~~أر شيئا فرأيته قد تغيرت حالته واسترخت يداه ورجلاه وانحلت قوته فسقط إلى ~~الأرض ، فظننتها غشية لحقته ، فحللت أزرار ثوبه فوجدته قد ظهرت عليه أمارات ~~الموت ، فتماسكت وقلت لجارية عندي : ليس هذا وقت إظهار الجزع والبكاء ~~وأحضرت الوزير وأعلمته الحال فشرعوا في البيعة لولي العهد ، وجهزوا المقتدي ~~وصلى عليه ابنه المستظهر بالله ودفن . PageV23P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" وكان عمره ثمانيا وثلاثين سنة وثمانية أشهر ~~وسبعة أيام ، وخلافته تسع عشرة سنة وخمسة أشهر ويومين ، وكان عظيم الهمة ~~شديد العزمة ، ولم يكن له أعوان على ذلك تذب عنه بل كانت له دعوة مجابة ، ~~وكانت أيامه كثيرة الخير واسعة الرزق . وعظمت الخلافة فيها أكثر ممن كان ~~قبله ، وعمر عدة محال في خلافته منها البصلية والقطيعية والحلبية والمعيدية ~~والأجمة ودرب القبار وخزانة الهراس والخانونتين . قال : وأمر بنفي المغنيات ~~والمفسدات من بغداد ، وأمر ببيع دورهن ومنع دخول الحمام إلا بمئزر ، وقلع ~~الهرادي والأبراج التي للطيور ، ومنع من اللعب بها لأجل الاطلاع على حرم ~~الناس ، ومنع من إجراء ماء الحمامات إلى دجلة ، وألزم أربابها بحفر آبار ~~للمياه ، ومنع الملاحين من حمل النساء والرجال مجتمعين . ووزر له : من ~~ذكرناهم . قضاته : أبو عبد الله الدامغاني إلى أن مات ، ثم أبو بكر محمد بن ~~المظفر الشامي الشافعي حجابه : أبو عبد الله بن دوشتى ثم أبو منصور بن محمد ~~محمد . ذكر خلافة المستظهر بالله هو أبو العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله ~~أبي القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين أبي العباس أحمد بن القائم بأمر الله ، ~~وهو الخليفة الثامن والعشرون من الخلفاء العباسيين قال : ولما مات المقتدي ~~بأمر الله أحضر ولده المستظهر بالله وأعلم بموته فبايعه الوزير ، وركب إلى ~~السلطان بركيارق فأعلمه الحال ، وأخذ بيعته للمستظهر ms5331 بالله . فلما كان في ~~اليوم الثالث من وفاة المقتدي أظهر موته ، وحضر عز الملك بن نظام الملك ~~وزير بركيارق ، وأمر السلطان جميع أرباب المناصب بالجلوس للعزاء والبيعة ~~للمستظهر بالله . فبويع له البيعة العامة في السادس عشر من المحرم سنة سبع ~~وثمانين وأربعمائة ، وله من العمر ستة عشر سنة وشهران . ذكر الحوادث في ~~أيام المستظهر بالله في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة كان بين الملوك ~~السلاجقة وبين بعضهم حروب كثيرة تذكرها إن شاء الله تعالى في أخبارهم . ~~وفيها شرع الخليفة في عمل سور على الحريم ، وأمر الوزير عميد الملك بالجد ~~في عمارته . PageV23P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" وفيها في شهر ربيع الأول خطب لولي العهد أبي ~~الفضل منصور بن المستظهر بالله . وفي سنة تسع وثمانين وأربعمائة اجتمع ستة ~~كواكب في برج الحوت ، وهي الشمس والقمر والمشتري والزهرة والمريخ وعطارد ~~فحكم المنجمون بطوفان يكون في الناس ، وأحضر الخليفة ابن عسون المنجم فسأله ~~فقال : إن في طوفان نوح اجتمعت الكواكب السبعة في برج الحوت والآن فقد ~~اجتمع منها فيه ستة وليس فيها زحل ، فلو كان فيها لكان مثل طوفان نوح ، ~~ولكن أقول إن مدينة أو بقعة من الأرض يجتمع فيها عالم كثير من بلاد كثيرة ~~فيغرقون ، فخافوا على بغداد لكثرة من يجتمع فيها فأحكمت المواضع التي يخشى ~~منها الانفجار والغرق . واتفق أن الحجاج نزلوا في المناقب فأتاهم سيل عظيم ~~فأغرق أكثرهم ، ونجا من تعلق بالجبال ، وذهب المال والدواب والأزواد وغير ~~ذلك ، فخلع الخليفة على المنجم وفي سنة تسعين وأربعمائة كان ابتداء الدولة ~~الخوارزمية وفيها خطب الملك رضوان بولايته بالشام للمستعلى صاحب مصر ، ثم ~~رجع عن ذلك وأعاد الخطبة للدولة العباسية . وفي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة ~~كان ابتداء استيلاء الفرنج على بلاد السواحل الشامية ، وملكوا مدينة ~~أنطاكية ومعرة النعمان وبيت المقدس ، وغير ذلك على ما نذكره في أخبار ~~العلويين ملوك مصر ، فإن أكثر ذلك كان في ولايتهم . وفي سنة اثنتين وتسعين ~~وأربعمائة قتل أبو القاسم ابن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني بنيسابور - ~~وكان خطيبها - فاتهم العامة أبا ms5332 البركات الثعلبي أنه هو الذي سعى في قتله ، ~~فوثبوا به فقتلوه وأكلوا لحمه . وفي سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة في شهر ~~رمضان عزل عميد الدولة من وزارة الخلافة وأخذ من ماله خمسة وعشرون ألف ~~دينار ، وتوفي في سادس عشر شوال . وفي سنة أربع وتسعين وأربعمائة ملك ~~الفرنج مدينة سروج من ديار الجزيرة ، وقتلوا كثيرا من أهلها ، ونهبوا ~~أموالهم وسبوا حريمهم ، ولم يسلم إلا من انهزم ، وملكوا مدينة حيفا وهي ~~بقرب عكا ، وملكوا أرسوف بالأمان وأخرجوا منها أهلها ، وملكوا قيسارية ~~بالسيف وقتلوا أهلها . PageV23P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" وفيها تقدم أمر الخليفة المستظهر بالله بفتح ~~جامع القصر وأن يصلى فيه التراويح ولم تجز بذلك عادة ، وأمر الخليفة بالجهر ~~بالبسملة وبالقنوات على مذهب الإمام الشافعي . وفي سنة خمس وتسعين ~~وأربعمائة في شهر رمضان استوزر الخليفة سديد الملك أبا المعالي بن عبد ~~الرزاق ولقبه عضد الدولة . وفيها بنى سيف الدولة صدقة بن مزيد الحلة ~~بالجامعين وسكنها وإنما كان يسكن وهو وآباؤه في البيوت العربية . وفي سنة ~~ست وتسعين وأربعمائة في منتصف شهر رجب قبض على الوزير سديد الملك وحبس بدار ~~الخليفة ، وأعيد أمين الدولة أبو سعيد بن موصلايا إلى الوزارة ، ثم استوزر ~~في شعبان زعيم الرؤساء أبا القاسم بن جهير واستقدمه من الحلة ، وكان عند ~~سيف الدولة صدقة ، ولما حضر خلع عليه وجلس في الديوان ولقب قوام الدين . ~~وفي سنة سبع وتسعين وأربعمائة توفي السلطان بركيارق بأصفهان وخطب لابنه ~~ملكشاه بالجوامع ببغداد . وفي سنة خمسمائة في صفر عزل الوزير أبو القاسم ~~ابن جهير فقصد دار سيف الدولة صدقة ببغداد ملتجئا إليها فأرسل من أخذه ~~وحمله إليه ، فأمر الخليفة بنقض داره ، وكان في ذلك عبرة لمن يعتبر ، فإن ~~أباه أبا نصر كان قد بناها بأنقاض دور الناس فخربت عن قريب ، ولما عزل ~~استنيب في الوزارة قاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني ، ثم تقررت الوزارة في ~~المحرم سنة إحدى وخمسمائة لأبي المعالي هبة الله بن محمد عبد المطلب وخلع ~~عليه . وفي سنة إحدى وخمسمائة في شهر رجب قتل الأمير ms5333 سيف الدولة صدقة بن ~~منصور بن دبيس بن مزيد الأسدي أمير العرب ، وهو الذي بني الحلة السيفية ~~بالعراق وكان قد عظم شأنه واتسع جاهه واستجار به كبار الناس وصغارهم . ~~PageV23P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" وفيها في شهر رمضان ورد القاضي فخر الملك أبو ~~علي بن عمار صاحب طرابلس الشام إلى بغداد مستنفرا على الفرنج ، فأنزله ~~الخليفة وأكرمه وأجرى عليه الجرايات العظيمة ، وأحضر معه من التقدمة ~~والهدية من الأعلاق النفيسة والخيل العربية ، وغير ذلك ما لم يوجد مثله عند ~~ملك ، وأقام ببغداد إلى أن رحل السلطان محمد عن بغداد في شوال . فتقدم إلى ~~الأمير حسين بن أتابك قتلغتكين أن يسير معه العساكر التي سيرها إلى الموصل ~~مع أولاد مودود ، وخلع عليه السلطان خلعا سنية وأعطاه شيئا كثيرا وودعه : ~~وسار مع الأمير حسين فلم يجد ذلك نفعا . وفيها عزل الخليفة وزيره مجد الدين ~~هبة الله بن المطلب برسالة من السلطان ، ثم أعيد إلى الوزارة بإذن السلطان ~~محمد ، وشرط عليه شروطا منها العدل وحسن السيرة وأن لا يستعمل أحدا من أهل ~~الذمة . وفي سنة اثنتين وخمسمائة في نيسان زادت دجلة زيادة عظيمة انقطعت ~~منها الطرق ، وغرقت الغلال الشتوية والصيفية ، وحدث غلاء عظيم بالعراق ، ~~وعدم الخير ، وأكل الناس التمر والباقلاء الأخضر ، وأما أهل السواد فإنهم ~~لم يأكلوا في شهر رمضان ونصف شوال إلا الحشيش والتوت . وفيها في شهر رجب ~~عزل وزير الخليفة أبو المعالي هبة الله بن المطلب ، ووزر أبو القاسم علي بن ~~نصر بن جهير . وفيها في شعبان تزوج الخليفة المستظهر بالله ابنة السلطان ~~ملكشاه وهي أخت السلطان محمد ، وتولى قبول العقد بوكالة الخليفة نظام الملك ~~وزير السلطان ، والصداق مائة ألف دينار ، ونثرت الجواهر والدنانير ، وكان ~~العقد بأصفهان ، وخطب خطبه النكاح القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد ~~النيسابوري الحنفي . وفيها تولى مجاهد الدين بهروز شحنكية بغداد . وفي سنة ~~ثلاث وخمسمائة في حادي عشر ذي الحجة ملك الفرنج طرابلس وجبيل وبيروت ~~وبانياس . وفي سنة أربع وخمسمائة ملوا صيدا في شهر ربيع الأول ، وفيها في ~~شهر رمضان ms5334 المبارك زفت ابنة السلطان ملكشاه إلى الخليفة المستظهر بالله ~~فزينت بغداد لذلك . PageV23P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" وفي سنة خمس وخمسمائة توفي الإمام أبو حامد ~~الغزالي رحمه الله . وفي سنة سبع وخمسمائة توفي أبو القاسم علي بن جهير ~~وزير الخليفة ، ووزر بعده الربيب أبو منصور ابن الوزير أبي شجاع محمد بن ~~الحسين وزير السلطان . وفي سنة ثمان وخمسمائة في جمادى الآخرة كانت زلزلة ~~شديدة بديار الجزيرة والشام وغيرها ، فخربت كثيرا من الرها وحران وسميساط ~~ويالس وغيرها ، وهلك كثير من الخلق تحت الردم . وفي سنة إحدى عشرة وخمسمائة ~~توفي السلطان محمد بن ملكشاه وملك اينه محمود بن محمد . وفيها غرقت مدينة ~~سنجار وكان سبب ذلك أن المطر دام فيها ليلا ونهارا واشتد ، وجاء السيل في ~~واديها وأفسد الشباك الذي يجري فيه الماء في سورها ، فاجتمع الماء وعظم على ~~السور حتى ألقاه ، وهجم على المدينة بشدة وقوة فلم يطق الناس ينتقلون عنه ، ~~فخرب كل ما مر به من البلد ، وغرق جمع كثير من الناس . ومن عجيب ما حكي أن ~~الماء حمل مهدا فيه مولود فتعلق النهد بشجرة زيتون ، ثم نقص الماء والمهد ~~معلق بالشجرة ، فسلم المولود . وفيها تناثرت النجوم بديار الجزيرة جميعها - ~~الموصل وغيرها - وكثير من البلاد ، وكانت الكواكب تنزل حتى تقرب من الأرض ~~ثم تضمحل فلا يوجد لها أثر . وفيها في يوم عرفة كانت زلزلة بالعراق ~~والجزيرة وكثير من البلاد ، وخربت ببغداد دوارا كثيرة بالجانب الغربي . ذكر ~~وفاة المستظهر بالله وشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته في سادس عشر ربيع ~~الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وكان عمره إحدى وأربعين سنة وستة أشهر . ~~خلافته خمس وعشرون سنة وثلاثة أشهر ، وكانت دعوته قائمة بالمغرب ، قام بها ~~أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ولم تزل إلى أن ظهر محمد بن تومرت على ما ~~نذكره في أخبار ملوك المغرب إن شاء الله تعالى . PageV23P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" وكان المستظهر بالله - رحمه الله - لين ~~الجانب كريم الأخلاق مشكور السعي ، يحب اصطناع المعروف وفعل الخير ويسارع ~~إلى أعمال البر والمثوبات ، لا ms5335 يرد مكرمة تطلب منه . وكان كثير الوثوق بمن ~~يوليه ، غير مصغ إلى سعاية ساع ولا راجع إلى قوله . وكانت أيامه أيام سرور ~~للرعية ، وكان يسره ذلك ، وكان حسن الحظ جيد التوقيعات . ولما توفي صلى ~~عليه ابنه المسترشد بالله ، كبر أربعا ، ودفن في حجرة له كان يألفها . ~~أولاده : أبو منصور الفضل المسترشد ، وأبو عبد الله محمد المقتفي ، وأبو ~~طالب ، وأبو الحسن . وكان له من الوزراء من قدمنا ذكرهم في أخباره ، ومضى ~~في أيامه ثلاثة سلاطين خطب لهم بالحضرة وهم : تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان ~~، وبركيارق ومحمد بن ملكشاه . ومن عجب الاتفاق أنه لما توفي السلطان ألب ~~أرسلان توفي معه القائم بأمر الله ، ولما توفي السلطان ملكشاة توفي بعده ~~المقتدي بأمر الله ، ولما توفي السلطان محمد توفي بعده الخليفة المستظهر ~~بالله . ذكر خلافة المسترشد بالله هو أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله ~~أبي العباس أحمد ، وهو الخليفة التاسع والعشرون من الخلفاء العباسيين ، ~~بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه في سادس عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة ~~وخمسمائة . وكان ولي عهد أبيه الخليفة المستظهر وخطب له في خلافة أبيه ~~ثلاثا وعشرين سنة . قال : وبايعه أخزاه أبو عبد الله محمد - وهو المقتفي ~~لأمر الله - وأبو طالب العباسي ، وعمومته بنو المقتدي بأمر الله ، وغيرهم ~~من الأمراء والقضاة والأئمة والأعيان . وكان المتولي لأخذ البيعة القاضي ~~أبو الحسن الدامغاني - وكان نائبا عن الوزارة - فأقر المسترشد عليها ، ثم ~~عزله واستوزر أبا شجاع محمد بن الربيب أبي منصور وزير السلطان محمود . ذكر ~~هرب أبي الحسن أخي المسترشد بالله وعوده قال : ولما اشتغل الناس ببيعة ~~المسترشد ركب أخوه الأمير أبو الحسن بن المستظهر بالله سفينة ومعه ثلاثة ~~نفر وانحدروا إلى المدائن ، وسار منها إلى دبيس بن صبدقة بالحلة فأكرمه ~~دبيس ورتب له الإقامات الكثيرة . فلما علم المسترشد بالله خبره ~~PageV23P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" أهمه ذلك وأقلقه ، وأرسل إلى دبيس يطلب منه ~~إعادته فأجاب " إنني عبد الخليفة وواقف عند أمره وقد استذم بي ودخل منزلي ~~ولا أكرهه على أمر أبدا ms5336 " . وكان الرسول نقيب النقباء شرف الدين علي بن ~~طراد الزيني ، فقصد الأمير أبا الحسن وتحدث معه في العود وضمن له كل ما ~~يريد ، فأجاب إلى ذلك وقال : إنني لم أفارق خدمة أخي لشر أريده ، وإنما ~~الخوف حملني على ذلك ، فإذا أمنني قصدته وتكفل له دبيس إصلاح الحال والمسير ~~معه إلى بغداد ، فعاد النقيب وأعلم الخليفة فأجاب إلى ما طلب ثم تأخر بعد ~~ذلك ولم يحضر وأقام عند دبيس إلى ثاني عشر صفر سنة ثلاث عشرة . وسارعن ~~الحلة إلى واسط وكثر جمعه وقوي الإرجاف بأمره ، وملك مدينة واسط وخيف جانبه ~~، فتقدم الخليفة المسترشد بالله بالخطبة لولد أبي جعفر المنصور وجعله ولي ~~عهده وعمره اثنتا عشرة سنة . فخطب له في ثاني شهر ربيع الأول ببغداد وكتب ~~إلى البلاد بذلك ، وأرسل إلى دبيس في معنى الأمير أبي الحسن وأنه الآن فارق ~~جواره ومد يده إلى بلاد الخليفة وأمره بقصده ومعاجلته قبل فوته . فأرسل ~~دبيس العساكر إليه ففارق واسط وقد تحير هو وأصحابه فضلوا الطريق ، وصادفتهم ~~عساكر دبيس فنهبوا أثقاله وهرب الأكراد من أصحابه والأتراك ، وعاد الباقون ~~. وبقي الأمير أبو الحسن في عشرة من أصحابه وهو عطشان وبينه وبين الماء ~~خمسة فراسخ ، وكان الزمان قيظا فأيقن بالتلف . وكان معه بدويان فأراد الهرب ~~منهما فلم يقدر ، وأخذاه وقد اشتد به العطش فسقياه الماء وحملاه إلى دبيس ~~فسيره إلى بغداد وسلمه إلى الخليفة بعد أن بذل له عشرة آلاف دينار . وكان ~~بين خروجه وعوده أحد عشر شهرا ، ولما دخل على المسترشد بالله قبل وقدمه ~~وقبله المسترشد وبكيا ، وأنزله في دار حسنة كان يسكنها قبل أن يلي الخلافة ~~، وحمل إليه الخلع والتحف وأمنه . وفيها نقل الخليفة المسترشد بالله من دار ~~الخلافة إلى الرصاقة ، ونقل كل من كان مدفونا بها . PageV23P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" ذكر ظهور قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~قال : ابن الأثير وأحال على حمرة بن أسد بن علي بن محمد التميمي أنه ذكر في ~~تاريخه : وفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة ظهر قبر إبراهيم الخليل وقبرا ولديه ms5337 ~~إسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم بالقرب من المقدس ، ورآهم الناس ولم تبل ~~أجسادهم ، وعندهم قناديل من ذهب وفضة . وفيها توفي قاضي القضاة أبو الحسن ~~علي بن محمد الدامغاني ، مولده في شهر رجب سنة تسع وأربعين وأربعمائة ، ~~وولى القضاء بباب الطاق من بغداد إلى الموصل وعمره شت عشرة سنة ولم يكن ذلك ~~لغيره . ولما ولي القضاء بعده الأكمل أبو القاسم علي بن طراد بن محمد ~~الزيني ، وخلع عليه في ثالث صفر . وفي سنة أربع عشرة وخمسمائة خرج الكرج - ~~وهم الخزر - إلى دار الإسلام ومعهم القفجاق وغيرهم من الأمم ، وحاصروا ~~مدينة تفليس ، ودام الحصار إلى سنة خمس عشرة فملكوها عنوة . وفي سنة خمس ~~عشرة كانت زلزلة تضعضع منها الركن اليماني في البيت الحرام - زاده الله ~~شرفا - وانهدم بعضه وتشعث بعض حرم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . وفيها ~~ظهر بمكة إنسان علوي أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وكثر جمعه ونازع أمير ~~مكة ابن أبي هاشم وقوي أمره ، وعزم على أن يخطب لنفسه ، ثم ظفر به ابن أبي ~~هاشم ونفاه عن الحجاز إلى البحرين ، وكان هذا العلوي من فقهاء المدرسة ~~النظامية ببغداد . PageV23P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" وفي سنة ست عشرة وخمسمائة قبض الخليفة ~~المسترشد بالله على وزيره جلال الدولة صدقة وأقيم نقيب النقباء علي بن طراد ~~في نيابة الوزارة ، فأرسل السلطان إلى الخليفة أن يستوزر نظام الدين أحمد ~~بن نصر بن نظام الملك فاستوزره وخلع عليه . وفيها ظهر بديار بكر بالقرب من ~~قلعة ذي القرنين معدن نحاس . ذكر مسير المسترشد بالله لحرب دبيس بن صدقة ~~وفي سنة سبع عشرة وخمسمائة كانت الحرب بين دبيس بن صدقة وبين الخليفة ، ~~وكان سبب ذلك أن دبيسا كان عنده عفيف خادم الخليفة مأسورا ، فأطلقه وحمله ~~رسالة فيها تهديد للخليفة ، وبالغ في وعيده ولبس السواد وجز شعره ، وحلف ~~لينهبن بغداد ويخربها فاغتاظ الخليفة لهذه الرسالة وغضب ، وتقدم إلى ~~البرسقي بالتبريز إلى حرب دبيس ، فبرز في شهر رمضان سنة ست عشرة . وتجهز ~~الخليقة وبرز من بغداد ، واستدعى العساكر فأتاه سليمان ms5338 بن مهارش صاحب ~~الحديثة ، وأتاه قرواش بن مسلم وغيرهما . وأرسل دبيس إلى نهر الملك فنبهه ~~وعمل أصحابه كل عظيم من الفساد فوصل أهل نهر الملك إلى بغداد ، فأمر ~~الخليفة فنودي ببغداد " لا يتخلف من الجند أحد ومن أحب الجندية فليحضر " ~~فجاء خلق كثير ففرق فيهم الأموال والسلاح فلما علم دبيس الحال كتب إلى ~~الخليفة يستعطفه ويسأله الرضى عنه ، فلن يجب إلى ذلك . وأخرجت خيام الخليفة ~~في العشرين من ذي الحجة سنة عشرة فنادى أهل بغداد : النفير النفير الغراة ~~الغراة وكثر الضجيج من الناس وخرج عالم كثير لا يحصون كثرة وبرز الخليفة ~~لست بقين من ذي الحجة سنة ست عشرة ، وعبر دجلة وعليه قباء أسود وطرحة ، ~~وعلى كتفه البردة وفي يده القضيب وفي وسطه منطقة حديد صيني . وسار في سنة ~~سبع عشرة إلى النيل ونزل بالمباركة ، وعبأ البرسقي أصحابه ووقف الخليفة ~~وراء الجمع في خاصته وجعل دبيس أصحابه صفا واحدا وجعل PageV23P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" الرجالة أمام الخيالة بالسلاح وكان قد وعد ~~أصحابه بنهب وسبي النساء . فلما تراءت الفئتان بادر أصحاب دبيس وبين أيديهم ~~الإماء يضربن بالدفوف والمخانيث بالملاهي ، ولم ير في عسكر الخليفة غير ~~قارئ ومسبح وداع . فقامت الحرب على ساق ، فلما رأى الخليفة ذلك جرد سيفه ~~وكبر وتقدم للقتال ، فانهزم دبيس وحملت الأسرى بين يدي الخليفة فأمر بقتلهم ~~فضربت أعناقهم صبرا . وكان عسكر دبيس عشرة آلاف فارس واثني عشر ألف راجل ، ~~وعسكر البرسقي ثمانية آلاف فارس وخمسة آلاف راجل ، ولم يقتل من أصحاب ~~الخليفة غير عشرة وجعلت نساء دبيس وسراريه تحت الأسر . وعاد الخليفة إلى ~~بغداد فدخلها في يوم عاشوراء من السنة وأما دبيس بن صدقة فإنه لما انهزم ~~نجا بفرسه وسلاحه واتبعه الخيل ففاتها . وعبر الفرات فرأته عجوز فقالت له : ~~دبير جئت ؟ فقال دبير من لم يجيء واختفى خبره بعد ذلك وأرجف بقتله ثم ظهر ~~أنه قصد غزية من عرب نجد ، وطلب منهم أن يحالفوه فامتنعوا عن ذلك وقالوا لا ~~نسخط الخليفة والسلطان ثم رحل إلى طائفة من الأعراب ms5339 واتفق معهم على قصد ~~البصرة وأخذها ، فساروا إليها ودخلوها ونهبوها وقتل مقدم عسكرها فتجهر ~~البرسقي لقتاله . فسمع دبيس ذلك ففارق البصرة وسار على البر إلى قلعة جعبر ~~والتحق بالفرنج وحضر معهم حصار حلب وأطمعهم في أخذها فلم يظفروا وعادوا ~~عنها في سنة ثماني عشرة ثم فارقهم والتحق بالملك طغرل ابن السلطان محمد ، ~~وأقام معه وحسن له قصد العراق . وفيها في صفر أمر المسترشد ببناء بغداد وأن ~~يجيء ما يخرج عليه من البلد فشق ذلك على الناس ، وجمع منه مال كثير . فلما ~~علم كراهة الناس لذلك أمر بإعادة ما أخذ منهم فسروا بذلك ، وقيل إن الوزير ~~أحمد بن نظام الملك بذل من ماله خمسة عشر ألف دينار وقال : " نقسط الباقي ~~على أرباب الدولة " وكان أهل بغداد يعملون بأنفسهم فيه ويتناوبون العمل . ~~PageV23P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" وفي سنة ثماني عشرة وخمسمائة ملك الفرنج ~~مدينة صور من نواب العلوي المصري . ذكر الإختلاف الواقع بين الخليفة ~~المسترشد بالله وبين السلطان محمود وفي سنة عشرين وخمسمائة وقع الاختلاف ~~بينهما وسببه أن يرنقش شحنة بغداد جرى بينه وبين نواب الخليفة منافرة فهدده ~~الخليفة بسببها فخاف على نفسه ، فسار عن بغداد إلى السلطان وشكا إليه حذره ~~جانب الخليفة ، وأعلمه أنه قاد العساكر وباشر الحرب وقويت نفسه ومتى لم ~~تعالجه بقصد العراق ودخول بغداد ازداد قوة وجمعا ومنعك عنها ، فتوجه ~~السلطان نحو العراق ، فأرسل إليه الخليفة يعرفه البلاد وما أهلها عليه من ~~الضعف والرهن بسبب دبيس بن صدقة وأن الغلاء قد اشتد لعدم الغلات والأقوات ، ~~وطلب أن تتأخر هذه الدفعة إلى أن ينصلح الحال ثم يعود إلى البلاد ولا مانع ~~له عنها وبذل له على ذلك مالا عظيما . فلما سمع السلطان هذه الرسالة قوي ~~عنده ما ذكر برنقش وصمم على العزم وجد في السير فلما بلغ الخليفة عبر هو ~~وأهله وجيوشه ومن عنده من أولاد الخلفاء إلى الجانب الغربي في ذي القعدة ~~مظهرا الغضب والانتزاح عن بغداد إن قصدها السلطان ، فبكى الناس بكاء شديدا ~~لخروجه من داره فبلغ ذلك ms5340 من السلطان كل مبلغ واشتد عليه ، وأرسل إلى ~~الخليفة يستعطفه ويسأله العود إلى داره فأعاد الجواب " أنه لا بد من عودة ~~هذه الدفعة فإن الناس هلكى لشدة الغلاء وخراب البلاد " وأنه لا يرى في دينه ~~أن يزاد ما بهم فغضب السلطان ورحل نحو بغداد ، وأقام الخليفة بالجانب ~~الغربي وأرسل عفيفا نواب السلطان ، وكان بها عماد الدين زنكي فقاتله فانهزم ~~عسكر الخليفة وقتل منهم جماعة وأسر مثلهم ، وتغافل زنكي عن عفيف حتى نجا ~~لمودة كانت بينهما . ثم إن الخليفة جمع السفن وسد أبواب دار الخلافة سوى ~~باب النوبي ، وأمر صاحب الباب بالمقام فيه لحفظ الدار ولم يبق من حواشي ~~الخليفة بالجانب الغربي سواه . ووصل السلطان إلى بغداد ونزلوا في دور الناس ~~، فشكا الناس إليه ذلك ، وأمر بإخراجهم ، وبقي بها من له دار . وبقي ~~السلطان يراسل الخليفة في العود PageV23P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" ويطلب الصلح وهو يمتنع ، وكان يجري بين ~~العسكرين مناوشة والعامة من الجانب الشرقي يسبون السلطان أقبح سب وأفحشه . ~~ثم دخل جماعة من عسكر السلطان إلى دار الخلافة ونهبوا التاج ، فضج الناس ~~ونادوا : الغزاة الغزاة وأقبلوا من كل ناحية ، وخرج الخليفة من السرادق ~~والشمسية على رأسه والوزير بين يديه ، وأمر بضرب الكوسات والبوقات ونادى ~~بأعلى صوته : يا آل هاشم وأمر بتقديم السفن ، ونصب الجسر وعبر الناس دفعة ~~واحدة وكان له في الدار ألف رجل قد أخفاهم في السرداب ، فظهروا وعسكر ~~السلطان قد اشتغل بالنهب فأسر منهم جماعة من الأمراء ، ونهب العامة دار ~~وزير السلطان ودور جماعة من الأمراء ودار عز الدين المستوفي ودار الحكم ~~أوحد الزمان ، وقتل خلق كثير ممن في الدروب . ثم عبر الخليفة إلى الجانب ~~الشرقي ومعه ثلاثون ألف مقاتل من أهل بغداد والسواد وأمر بحفر الخنادق ~~فحفرت بالليل وحفظت بغداد من عسكر السلطان ، ووقع الغلاء عند العسكر واشتد ~~الأمر عليهم وكان القتال كل يوم عند أبواب البلد وعلى شاطئ دجلة . وعزم ~~عسكر الخليفة أن يكبسوا عسكر السلطان فغدر بهم الأمير أبو الهيجاء الكردي ~~صاحب إربل وخرج كأنه يريد ms5341 القتال فالتحق بالسلطان وكان السلطان قد أرسل إلى ~~عماد الدين زنكي وهو بواسط يأمره بالحضور بنفسه ومعه المقاتلة في السفن ~~وعلى الظهر ، فجمع كل سفينة بالبصرة وقد شحنها بالرجال المقاتلة . وسار إلى ~~بغداد فلما قاربها أمر من معه بلبس السلاح وإظهار ما عندهم من الجلد ~~والنهضة وسارت السفن في الماء والعسكر في البر على شاطئ دجلة وقد انتشروا ~~وملأوا الأرض . فرأى الناس ما ملأ قلوبهم هيبة ، وعزم السلطان على الجد في ~~القتال ، فعندها أجاب الخليفة المسترشد بالله إلى الصلح ، وترددت الرسائل ~~بينهما فاصطلحا . وأقام السلطان ببغداد إلى عاشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى ~~وعشرين ، وحمل الخليفة إليه من المال ما استقرت القاعدة عليه ، وأهدى إليه ~~سلاحا وخيلا وغير ذلك . ومرض السلطان ببغداد فأشار عليه الأطباء بمفارقتها ~~فرحل إلى همذان فلما وصلها PageV23P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" عوفى من مرضه ، ودام في الملك إلى سنة خمس ~~وعشرين فتوفي . وملك بعده ابنه داود بن محمود بن محمد بن ملكشاه على ما ~~نذكره . وفي سنة شت وعشرين وخمسمائة قبض المسترشد بالله على وزير شرف الدين ~~علي بن الزينبي واستوزر أنوشران بن خالد بعد الامتناع منه . ذكر حصار ~~الخليفة المسترشد بالله الموصل وفي سنة سبع وعشرين وخمسمائة حاصر الخليفة ~~المسترشد بالله الموصل في العشرين من شهر رمضان المبارك ، وسبب ذلك أنها ~~كانت قد صارت في مملكة عماد الدين زنكي وكان قد حضر إلى بغداد لما وقعت ~~الحرب بين السلطان مسعود السلجقي وبين أخيه سلجوق شاه على ما نذكره في ~~أخبار السلجقية وظهر منه مباينة للخليفة المسترشد بالله ، فلما كانت هذه ~~السنة واشتغل الملوك السلجقية بقتال بعضهم بعضا قصد جماعة من الأمراء ~~السلجقية باب المسترشد بالله وصاروا معه . واتفق أن الخليفة المسترشد بالله ~~أرسل الشيخ بهاء الدين أبا الفتوح الواعظ الإسفرايني برسالة إلى عماد الدين ~~زنكي فيها خشونة فأداها أبو الفتوح وزاد عليها ثقة منه بقوة الخليفة وناموس ~~الخلافة فقبض عليه زنكي وأهانه ولقيه بما يكره . فأرسل الخليفة إلى السلطان ~~مسعود بن محمد يعرفه ذلك وأنه على ms5342 قصد الموصل وحصرها ، وتمادت الأيام إلى ~~شعبان فسار الخليفة في النصف منه في ثلاثين ألف مقاتل . فلما قارب الموصل ~~فارقها زنكي في بعض عساكره إلى سنجار ونزل بقية العسكر بها مع نائبه نصير ~~الدين جقر ذردارها فنازلها الخليفة وضيق على من بها . وكان عماد الدين يركب ~~كل ليلة ويقطع الميرة عن العسكر ويأخذ من ظفر به من عسكر الخليفة ، ودام ~~الحصار ثلاثة أشهر فتضايقت الأمور بالعسكر الخليفي ولم يبلغه عمن بها أنهم ~~احتاجوا إلى ميرة ولا وهنوا ، فعاد إلى بغداد في الماء في شبارة فوصل يوم ~~عرفة من السنة . وفي سنة سبع وعشرين أيضا اشترى الإسماعيلية بالشام حصن ~~القدموس من صاحبه ابن عمرون ، وصعدوا إليه ، وقاموا بحرب من يحاربهم من ~~المسلمين والفرنج . PageV23P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" وفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة عزل الخليفة ~~أنوشروان بن خالد ، وألزم داره ، وأعيد إلى الوزارة شرف الدين على ابن طراد ~~الزيني . ذكر مسير المسترشد بالله لحرب السلطان مسعود بن محمد وأسره وفي ~~سنة تسع وعشرين وخمسمائة كانت الحرب بين الخليفة والسلطان في شهر رمضان . ~~وكان سبب ذلك أن السلطان مسعود توفي أخوه الملك طغرل في المحرم من هذه ~~السنة بهمذان ، وكان بينهما من العداوة والحروب ما نذكره في أخبارهم إن ~~الله . وكان الخليفة يعين السلطان مسعود على أخيه ويساعده ويقويه ، وكان ~~السلطان مسعود قد انهزم من أخيه طغرل ورحل إلى بغداد ، فأعانه الخليفة ~~لجميع ما يحتاج إليه وأمره بالمسير إلى همذان ووعده أن يسير معه ويعينه على ~~حرب أخيه . وكان البقش السلاحي وغيره من الأمراء قد التحقوا بالخليفة ~~وصاروا معه واتفق أن إنسانا أخذ فوجد معه ملطفات من طغرل إلى بعض الأمراء ~~وخاتمه بإقطاع لهم فلما رأى الخليفة ذلك قبض على أمير منهم اسمه غلبك ونهب ~~ماله فاستشعر غيره من الأمراء الذين مع الخليفة ، فهربوا إلى عسكر السلطان ~~مسعود ؛ فأرسل الخليفة إليه في إعادتهم فلم يفعل ، فعظم ذلك على الخليفة ~~وحدث بينهما نفرة ووحشة أوجبت تأخره عن المسير معه فأرسل إليه يأمره ~~بالمسير معه حتما ms5343 . فبينما هم في ذلك إذ ورد الخبر بوفاة طغرل ، فسار مسعود ~~من يومه واحتوى على مملكة الجبل ، فلما استقر بهمذان فارقه جماعة من أعيان ~~الأمراء خوفا منهم على أنفسهم . منهم برنقش البازدار ، وقزل ، وسنقر ~~الخمارتكين والي همذان وعبد الرحمن بن طغايرك ومعهم دبيس ، وأرسلوا إلى ~~الخليفة يطلبون أمانة ليحضروا إلى خدمته فقيل للخليفة إنها مكيدة لأن دبيس ~~بن صدقة معهم . فساروا نحو خوزستان واتفقوا مع برسق بن برسق ، فأرسل ~~الخليفة إلى الأمراء سديد الدولة بن الأنباري بتوقيعات يطيب قلوبهم ، ~~وأمرهم بالحضور فعزموا على قبض دبيس بن صدقة ليتقربوا به إلى الخليفة ، ~~فهرب إلى السلطان مسعود . وسار الأمراء إلى بغداد في شهر رجب فأكرمهم وقطع ~~خطبة السلطان مسعود من بغداد . وبرز الخليفة في العشرين من شهر رجب على عزم ~~المسير لحرب مسعود ، وأقام بالشفيعي ، فهرب منه بكبه صاحب البصرة إليها ، ~~فراسله وبذل له الأمان فلم يعد . فتوقف الخليفة عن المسير ، فحسن له ~~الأمراء الرحيل ، وضعفوا أمر السلطان PageV23P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" مسعود ، فسير مقدمته إلى حلوان فنهبوا البلاد ~~وأفسدوا فلم ينكر عليهم . ثم سار في ثامن شعبان والتحق به الأمير برسق بن ~~برسق فبلغت عدته سبعة آلاف فارس ، وتخلف بالعراق مع إقبال الخادم ثلاثة ~~آلاف فارس وكان السلطان في ألف وخمسمائة فارس . وكان أكثر أصحاب الأطراف ~~يكاتبون الخليفة ويبذلون له الطاعة فاستصلح السلطان أكثرهم ، فعادوا إليه ، ~~فصار في نحو خمسة عشر ألف فارس ، فأرسل الملك داود بن السلطان محمود إلى ~~الخليفة يشير عليه بالميل إلى الدينوري ليحصن نفسه ومن معه فلم يفعل ~~المسترشد بالله . وسار حتى بلغ دايمرج ، وعبأ أصحابه . وسار السلطان مسعود ~~إليهم فوافاهم في عشر رمضان ، فانحازت ميسرة الخليفة إلى السلطان وقاتلت ~~الميمنة قتالا ضعيفا ، ودارت عساكر السلطان حول عسكر الخليفة وهو ثابت لم ~~يتحرك من مكانه ، فانهزم عسكره وأخذ هو أسيرا ومعه جمع كثير من أصحابه منهم ~~: شرف الدين علي بن طراد الزينبي وقاضي القضاة ، وصاحب المخزن ابن طلحة ، ~~وابن الأنباري ، والخطباء ، والفقهاء والشهود وغيرهم . وأنزل الخليفة في ~~خيمة ms5344 وأخذ ما في عسكره ، وحمل الأعيان إلى قلعة سرجهان ولم يقتل في هذه ~~المعركة أحد البتة . وعاد السلطان إلى همذان ، وأمر فنودي " من تبعنا من ~~البغداديين إلى همذان قتلناه " فرجع الناس كلهم على أقبح صورة وسير السلطان ~~الأمير بكبه المحمودي شحنة إلى بغداد فوصلها في رمضان . فقبض جميع أملاك ~~الخليفة وأخذ غلاتها ، وثار جماعة من عامة بغداد فكسروا المنبر والشباك ، ~~ومنعوا من الخطبة وخرجوا إلى الأسواق يحثون التراب على رؤوسهم ويصيحون ~~ويبكون ، وخرج النساء حاسرات في الأسواق يلطمن ويبكين ، واقتتل أصحاب ~~الشحنة والعامة فقتل من العامة ما يزيد على مائة وخمسين رجلا . ذكر مقتل ~~المسترشد بالله كان مقتله في يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين ~~وخمسمائة PageV23P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" على باب مراغة ، وذلك أن السلطان سار في شوال ~~من همذان إلى مراغة لقتال الملك داود ابن أخيه محمود ، وكان قد عصى عليه ، ~~فنزل على فرسخين منها والمسترشد معه وقد وكل به من يحفظه . وترددت الرسائل ~~بينهما في تقرير قواعد الصلح على مال يؤديه الخليفة للسلطان وأنه لا يعود ~~يجمع العساكر ولا يخرج من داره فأجاب السلطان إلى ذلك . وركب الخليفة وحمل ~~الغاشية ولم يبق إلا عود الخليفة إلى بغداد ، فوصل الخير أن الأمير قرآن ~~خوان قد ورد رسولا من السلطان سنجر فتأخر مسير المسترشد لذلك وخرج الناس ~~إلى لقائه مع السلطان . وفارق الخليفة بعض الموكلين به وكانت خيمته منفردة ~~عن العسكر فقصده أربعة وعشرون رجلا من الباطنية فدخلوا عليه فقتلوه وجرحوه ~~ما يزيد على عشرين جراحة ، ومثلوا به فجدعوا أنفة وأذنيه وتركوه عريان وقتل ~~نفر من أصحابه ، منهم : أبو عبد الله بن سكينه وبقي الخليفة حتى دفنه أهل ~~مراغة . وقتل من الباطنية عشرة وقيل بل قتلوا كلهم ، وقد قيل إن السلطان ~~سنجر أرسلهم لقتله . وقتل رحمه الله تعالى وله ثلاث وأربعون سنة وثلاثة ~~أشهر . ومدة خلافته سبع عشرة سنة وسبعة أشهر ويوم واحد وكان رحمه الله شهما ~~شجاعا كبير الإقدام بعيد الهمة وكان فصيحا بليغا حسن الخط ms5345 . قال : ولما قتل ~~حمل إلى باب مراغة وخرج أهلها حفاة حاسرين رؤوسهم فبلغوا جنازته وكسروا ~~المنابر . وقال : وصل الخبر إلى بغداد في يوم الجمعة لست بقين من ذي القعدة ~~فاجتمع الرجال والنساء وناحوا عليه في الطرقات وكسروا منابر الجوامع ~~وأكثروا الشناعات وسبوا السلطان سنجر ومسعودا أقبح سب من غير مراقبة ولا ~~حشمة : ولما قتل ولي بعده ابنه الخليفة الراشد بالله . ذكر خلافة الراشد ~~بالله هو أبو جعفر منصور بن المسترشد بالله أبي منصور الفضل بن المستظهر ~~بالله وهو الخليفة الثلاثون من الخلفاء العباسيين بويع له عند وصول الخبر ~~بمقتل أبيه في يوم الاثنين السابع والعشرين من ذي القعدة سنة تسع وعشرين ~~وخمسمائة . وكتب السلطان مسعود بن محمد السلجقي إلى بكبه الشحنة ببغداد ، ~~فبايع له ، وحضر الناس PageV23P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" البيعة . وحضر بيعته واحد وعشرون رجلا من ~~أولاد الخلفاء وبايع له الشيخ أبو النجيب ووعظه وبالغ في الموعظة . ذكر ~~الحرب بين عسكر الخليفة الراشد بالله وعسكر السلطان مسعود وفي سنة ثلاثين ~~وخمسمائة وصل يرنقش الزكوي من عند السلطان مسعود يطالب الخليفة بما كان ~~استقر على أبيه المسترشد بالله من المال وهو أربعمائة ألف دينار فقال ~~الخليفة : لا شيء عندي والمال جميعه كان مع المسترشد فنهب ثم بلغ الراشد ~~بالله أن يرنقش يريد الهجم على دار الخليفة وتفتيشها ليأخذ المال ، فيجمع ~~العساكر وأعاد عمل السور . فلما علم يرنقش بذلك اتفق هو وشحنة بغداد على أن ~~يهجموا على دار الخليفة يوم الجمعة فبلغ ذلك الراشد فاستعد لمنعهم وركب ~~يرنقش ومعه الأمراء البكجية والعسكر ، واجتمعوا في نحو خمسة آلاف فارس ~~ولقيهم عسكر الخليفة فاقتتلوا ، وأعان العامة عسكر الخليفة فأخرجوا عسكر ~~السلطان ونهبت العامة دار السلطنة . ثم حضر الملك داود بن محمود بعسكر ~~أذربيجان واجتمع الأطراف ببغداد على الخروج عن طاعة السلطان مسعود وفيهم ~~عماد الدين زنكي وغيره ، وولى الملك داود يرنقش بازدار شحنكية بغداد . ~~واتفق أن الخليفة قبض على ناصح الدولة أبي عبد الله الحسن ابن جهير أستاذ ~~الدار وكان هو السبب في ولايته ms5346 ، وقبض على جمال الدولة إقبال المسترشدي ~~وعلى غيرهما من أعيان الدولة ، فتفرقت نيات أصحابه عليه فشفع أتابك زنكي في ~~إقبال . وخرج موكب الخليفة مع وزيره جلال الدين أبي الرضي بن صدقة إلى عماد ~~الدين زنكي يهنئه بالقدوم ، فأقام الوزير عنده وسأله أن يمنعه من الخليفة ~~فأجابه إلى ذلك . وعاد الموكب بغير وزير ، وأرسل زنكي من حرس دار الوزير ثم ~~أصلح حاله مع الخليفة وأعاده إلى وزارته . ثم جد الخليفة في عمارة السور ~~فأرسل الملك داود من قلع أبوابه وخرب قطعة منه ، فانزعج الناس ببغداد ~~ونقلوا أموالهم إلى دار الخلافة ، وقطعت خطبة السلطان ، وخطب للملك داود ، ~~وجرت الأيمان بين الخليفة والملك داود وعماد الديكي زنكي . ووصلت الأخبار ~~بمسير السلطان مسعود إلى بغداد لقتال ابن أخيه داود وزنكي . ثم وصلت رسل ~~السلطان إلى الخليفة بالبذل من نفسه الطاعة والموافقة والتهديد لمن اجتمع ~~عنده ، فعرض الخليفة الرسالة عليهم وكلمهم في قتاله ، فكل رأى ذلك ووافقهم ~~الخليفة PageV23P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" ذكر مسير الراشد بالله إلى الموصل وخلعه كان ~~سبب ذلك أن السلطان مسعودا لما بلغه اجتماع العساكر والملوك والأمراء ~~ببغداد على خلافه والخطبة للملك داود ابن أخيه جمع العساكر وسار إلى بغداد ~~ونزل بالملكية ، فسار بعض العسكر وطاردوا عسكره وعادوا ، ونزل السلطان على ~~بغداد وحصرها نيفا وخمسين يوما ، فلم يظفر منها بشيء . ثم عاد إلى النهروان ~~عازما على العود إلى همذان فوصل إليه طرنطاي صاحب واسط ومعه سفن كثيرة ، ~~فعاد إلى بغداد وعبر إلى غرب بدجلة واختلفت كلمة العسكر البغدادي فعاد ~~الملك داود إلى بلاده في ذي القعدة وتفرق الأمراء . وكان زنكي بالجانب ~~الغربي فعبر إلى الخليفة وسار إلى الموصل . ودخل السلطان بغداد واستقر بها ~~، وذلك في نصف ذي القعدة سنة ثلاثين وخمسمائة . قال وأمر السلطان فجمع ~~القضاة والشهود والفقهاء وعرض عليهم اليمين التي حلف بها الراشد وفيها بخط ~~يده " إنني متى جندت أو خرجت أو لقيت أحدا من أصحاب السلطان بالسيف فقد ~~خلعت نفسي من الأمر " فأفتوا بخروجه من الخلافة ، وقيل إن الوزير ms5347 شرف الدين ~~علي بن طراد الزينبي وكاتب الإنشاء ابن الأنباري وصاحب المخزن كمال الدين ~~طلحة كانوا منذ أسرهم مع المسترشد ، فحضروا الآن معه ، واجتمعوا في يوم ~~الاثنين لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة ثلاثين ، وكتبوا محضرا شهد ~~فيه جماعة من العدول بما صدر من الراشد من الظلم وأخذ الأموال بغير حقها ~~وسفك الدماء وشرب الخمور وارتكاب المحارم ، واستفتوا الفقهاء فيمن فعل ذلك ~~هل تصح معه إمامة أم لا ؟ وهل يجوز للسلطان أن يخلعه ويستبدل به من أهل بيت ~~من هو خير منه طريقة ودينا ؟ فأفتى الفقهاء بخلعه وفسخ عهده والاستبدال به ~~غيره ، وعرضت الفتيا والمحضر على السلطان فقال : هذا أمر قلدتكم إياه وأنا ~~بريء منه عند الله ثم خلع وقطعت خطبته من بغداد وسائر البلاد في ذي القعدة ~~وبويع بعده للمقتفي . وكانت خلافته أحد عشر شهرا وأياما ، وكتب السلطان إلى ~~أتابك زنكي في القبض عليه وإرساله إلى بغداد فمنع من ذلك فارس الإسلام زين ~~الدين علي بن بكتكين صاحب إربل رحمه الله وقال : والله لا سلمناه حتى تراق ~~دماؤنا واعتذر إلى السلطان وقال : أنا أخرجه من ولايتي ؟ فأرسل أنت عسكرا ~~للقبض عليه من غير جهتنا PageV23P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" وأعد زين الدين جماعة من الأكراد فساروا بين ~~يديه على طريق لا يعرفها كثير من الناس فوصل إلى مراغة أذربيجان ونزل ببرية ~~أبيه وتلقاه أهلها وولوه أمرهم فأقام بها يسيرا ثم ارتحل إلى الري فلما قرب ~~من بلاد الباطنية جرد عسكره لقتل من وجد منهم فقتل منهم جماعة ثم تنقلت به ~~الحال وكابد الغربة ووصل إلى همذان وسار منها يريد إصفهان . فلما كان في ~~الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وثب عليه نفر من الباطنية ~~- وكانوا في خدمته علي زي الخراسانية - فقتلوه وهو يريد القيلولة وكان قد ~~بل من أثر مرض قد برأ منه ودفن في شهرستان على فرسخ من إصفهان ، وقتل ~~أصحابه الباطنية الذين قتلوه . ولما ورد الخبر بمقتل الراشد بغداد جلسوا ~~للعزاء في دار النوبة يوما ms5348 واحدا . وكان الراشد بالله أشقر اللون حسن ~~الصورة ، مهيبا شديد القوة والبطش . ذكر خلافة المقتفي لأمر الله هو أبو ~~عبد الله محمد وقيل الحسين بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدي ~~بأمر الله أبي القاسم عبد الله ، وأمه أم ولد تدعى ياعي . وهو الخليفة ~~الحادي والثلاثون من الخلفاء العباسيين بويع له بعد خلع ابن أخيه الراشد ~~بالله في ثامن عشر ذي الحجة سنة ثلاثين وخمسمائة . وذلك أنه لما خلع الراشد ~~بالله استشار السلطان مسعود بن محمد السلجقي جماعة من أعيان بغداد فيهم ~~الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي وكمال الدين صاحب المخزن وغيرهما ~~فيمن يصلح أن يلي الخلافة فقال الوزير : أحد عمومة الراشد بالله وهو رجل ~~صالح قال : من هو ؟ قال : لا أقدر أن أفصح باسمه لئلا يقتل : فتقدم إليهم ~~بعمل محضر فعمل المحضر على ما نذكره فلما كمل المحضر أحضر القاضي أبو طاهر ~~الكرخي وشهدوا عنده بما تضمنه المحضر فحكم بفسق الراشد وخلعه وحكم بعده ~~غيره . ولم يكن قاضي القضاة بغداد ليحكم فإنه كان بالموصل عند أتابك زنكي ~~فلما كمل ذلك ذكره الوزير للسلطان وذكر دينه وعفته ولين جانبه ، فحضر ~~السلطان إلى دار الخلافة ومعه الوزير وصاحب المخزن وغيرهما وأمر بإحضار ~~الأمير أبي عبد الله بن المستظهر من المكان الذي كان يسكن فيه ، فأحضر ~~وأجلس في الميمنة ودخل السلطان وتحالفا وقررا القواعد بينهما . وخرج ~~السلطان من عنده وحضر الأمراء وأرباب المناصب والقضاة والفقهاء . ولقب ~~المقتفي بأمر الله . PageV23P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" وقيل في سبب هذا اللقب أنه رأى رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قبل أن يلي الخلافة بستة أيام وهو يقول : إن هذا ~~الأمر يصير إليك فاقتف بي فلقب بذلك ولما بويع له سيرت الكتب الحكيمة ~~بخلافته إلى سائر الأمصار واستوزر شرف الدين علي بن طراد الزينبي ، وأرسل ~~إلى الموصل فأحضر قاضي القضاة علي بن حسين الرينبي - وهو بن عم الوزير - ~~وأعاده إلى منصبه ، وأقر كمال الدين صاحب المخزن على منصبه ، وأجرى الأمور ~~على أحسن نظام . قال ms5349 : وأرسل السلطان مسعود إلى الخليفة في تقرير إقطاع ~~يكون لخاصته فكان جوابه " إن في الدار ثمانين بغلا تنقل الماء من دجلة ، ~~فلينظر السلطان ما يحتاج إليه من يشرب هذا الماء فتقررت القاعدة على أن ~~يجعل له ما كان للمستظهر فأجاب إلى ذلك وقال السلطان لما بلغه قوله : " لقد ~~جعلنا في الخلافة رجلا عظيما نسأل الله تعالى أن يكفينا أمره " قال : وخطب ~~له على سائر المنابر إلا في الموصل ، فإنه لم يخطب له فيها إلا في شهر رجب ~~سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة . وفي سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة تزوج الخليفة ~~المقتفي فاطمة أخت السلطان مسعود وكان الصداق مائة ألف دينار ، والوكيل في ~~قبول النكاح وزير الخليفة علي بن طراد ، ووكيل السلطان في العقد وزيره ~~الكمال الدركزيني . وفيها في الرابع والعشرين من آيار ظهر بالشام سحاب أسود ~~وأظلمت له الدنيا ، وصار الجو كالليل المظلم ، ثم طلع بعد ذلك سحاب أحمر ~~كأنه نار أضاءت له الدنيا ، وهب ريح عاصف ألقت كثيرا من الشجر ، وكان أشد ~~ذلك بحوران ودمشق وجاء بعد ذلك مطر كثير وبرد كبار . وفي سنة اثنتين ~~وثلاثين وخمسمائة وصل ملك الروم صاحب القسطنطينية إلى الشام وملك بزاغه ~~بالأمان لخمس بقين من شهر رجب ثم غدر بأهلها فقتل منهم وسبى على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الأتابكية في أيام زنكي . وفيها انقطعت ~~كسوة الكعبة للاختلاف الواقع بين الملوك السلجقية فقام بكسوتها رامشت ~~الفارسي التاجر ، وكان من التجار المسافرين إلى الهند - وهو كثير المال - ~~فكساها من الثياب الحبرة وبكل ما وجد إليه السبيل ، فبلغ ثمن الكسوة ثمانية ~~عشر ألف دينار مصرية . PageV23P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" وفيها كانت زلزلة عظيمة بالشام والجزيرة ~~وديار بكر والموصل والعراق وغير ذلك من البلاد فخرب كثير منها ، وهلك عالم ~~كثير تحت الردم . ثم كانت زلازل كثيرة هائلة بالشام والجزيرة وكثير من ~~البلاد في سنة ثلاث وثلاثين ، وكانت متوالية عدة أيام كل ليلة عدة دفعات ~~وكان أشدها بالشام ، فعدوا في ليلة واحدة ثمانين مرة . ففارق الناس مساكنهم ms5350 ~~، ولم تزل تتعاهد من أربع صفر إلى تاسع عشر ، وكان معها صوت وهدة شديدة . ~~وفي سنة أربع وثلاثين وخمسمائة جرى بين الخليفة المقتفي وبين الوزير علي بن ~~طراد منافرة ، وسببها أن الوزير كان يعارض الخليفة في جميع ما يأمر به فنفر ~~الخليفة من ذلك ، فغضب الوزير ثم خاف فقصد دار السلطان واحتمى بها ، فأرسل ~~الخليفة إليه في العود إلى منصبه فامتنع . فاستناب قاضي القضاة الزينبي ، ~~وأرسل الخليفة رسلا إلى السلطان مسعود في معنى الوزير فأرخص السلطان ~~للخليفة في عزله فعزله ، ثم عزل الزينبي من النيابة ، وناب سديد الدولة بن ~~الأنباري . وفيها كانت زلزلة عظيمة بكنجة وغيرها من أعمال أذربيجان وأران ، ~~وكان أشدها بكنجة فخرب منها كثير ، وهلك عالم قيل كانوا مائتي ألف وثلاثين ~~ألفا وتهدمت قلعة هناك . وفيها ابتنى الخليفة بفاطمة أخت السلطان مسعود ~~وكان يوم حملها إلى دار الخلافة يوما مشهودا . وغلقت بغداد عدة أيام ، ~~وتزوج السلطان مسعود بابنة الخليفة . وفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة وصل ~~رسول السلطان سنجر ملكشاه إلى المقتفي ومعه بردة النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) والقضيب ، وكان أخذهما من المسترشد لما قتل . وفيها ملك الإسماعيلية ~~حصن مصاف بالشام وكان واليه مملوكا لبني منقذ أصحاب شيزر ، فاحتالوا عليه ~~ومكروا به حتى صعدوا إليه فقتلوه وملكوا الحصن . وفيها توفي سديد الدولة بن ~~الأنباري فاستوزر الخليفة بعده نظام الدين أبا نصر محمد بن الأنباري وكان ~~قبل ذلك أستاذ الدار . PageV23P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وفيها بنيت المدرسة الكمالية ببغداد بناها ~~كمال الدين أبو الفتوح حمزة بن علي صاحب المخزن ولما فرغت درس فيها الشيخ ~~أبو الحسن بن الخل . وفي سنة أربعين وخمسمائة اتصل بالخليفة عن أخيه أبي ~~طالب ما كرهه فضيق عليه وعلى غيره من أقاربه . وفي سنة اثنتين وأربعين ~~وخمسمائة في جمادى الأولى خطب للمستنجد بالله يوسف بن المقتفي بولاية العهد ~~. وفي سنة أربع وأربعين استوزر الخليفة أبا المظفر يحيى ابن هبيرة وكان قبل ~~ذلك ديوان الزمام فظهرت منه كفاءة عظيمة ، فرغب الخليفة فيه واستوزره يوم ~~الأربعاء لأربع خلون ms5351 من شهر ربيع الآخر . وفيها كانت زلزلة عظيمة ، فيقال ~~إن جبلا بالقرب من حلوان ساخ في الأرض . وفي سنة سبع وأربعين مات السلطان ~~مسعود بن محمد بن ملكشاه بهمذان فلما وصل الخبر إلى بغداد بموته هرب شحنتها ~~مسعود بلال إلى تكريت فاستظهر الخليفة المقتفي على داره ودور أصحاب السلطان ~~ببغداد وأخذ أموالهم وودائعهم ، واستبد الخليفة بالأمر وقطع خطبة الملوك ~~السلجقية وفوض الأمر إلى الوزير ابن هبيرة ذكر تفويض أمور الدولة والوزارة ~~إلى الوزير عون الدين بن هبيرة وما أقطعه الخليفة من الإقطاعات كان الخليفة ~~المقتفي لأمر الله لما استخلف خاف أن لا يملك تركيا لما جرى على أخيه ~~المسترشد ولم يمكنه المبادرة بذلك فلما تمكن وقوي أمره ومات السلطان مسعود ~~فوض الأمور إلى الوزير عون الدين أبي المظفر يحيى بن هبيرة ، ولقبه بتاج ~~الملوك ملك الجيوش وأقطعه إقطاعا عظيما وهو : واسط وبطائحها والبصرة والحلة ~~، والنيل ، والنعمانية ، وقرسان ونهر الملك ، ونهر عيسى ودجيل PageV23P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" والراذان ، وطريق خراسان ، والقرايا ، والنجف ~~، والبندنيجين وبادرايا ، وباكسايا ، وهيت والأنبار ، وعين التمر ، وشفاثا ~~. وأقطعه إقطاع وزير السلطان وأعانه على الاستعداد للحرب وجهزه بالجيوش ~~فاستولى على الحلة والكوفة وواسط ثم عاد إلى بغداد وكانت غيبته خمسة وعشرين ~~يوما . ذكر حصر تكريت وعود عسكر الخليفة عنها وأسر ابن الوزير وفي سنة ثمان ~~وأربعين وخمسمائة سير الخليفة المقتفي لأمر الله عسكرا إلى تكريت وأرسل ~~عليهم مقدما أبا المنذر بن الوزير عون الدين والأمير ترشك وهو من خواص ~~الخليفة وغيرهما ، فجري بين أبي المنذر وبين ترشك منافرة اقتضت أن كتب ابن ~~الوزير يشكو منه ، فأمر الخليفة بالقبض على ترشك فعرف ذلك فأرسل إلى مسعود ~~صاحب تكريت وصالحه وقبض على أبي المنذر ومن معه من المقدمين ، وسلمهم إلى ~~مسعود بلال فانهزم العسكر وسار مسعود وترشك من تكريت إلى طريق خراسان ~~فنهباها وأفسدا . فسار الخليفة لدفعهما ، فهربا من بين يديه فقصد تكريت ~~وحصرها أياما ، ثم عاد بعد أن جرى بينه وبين أهلها قتال من وراء السور وقتل ~~من عسكر الخليفة جماعة ms5352 بالنشاب . ذكر حصار تكريت ووقعة بكمزا وفي سنة تسع ~~وأربعين وخمسمائة أرسل الخليفة رسولا إلى صاحب تكريت بسبب من عنده من ~~المأسورين فقبض على الرسول . فسير المقتفي عسكرا فخرج أهل تكريت فقاتلوا ~~عسكر الخليفة ، فسير عسكرا آخر ، فمانعوه . فسار الخليفة بنفسه ونزل على ~~البلد فهرب أهله ، فدخل عسكر الخليفة فشغبوا ونهبوا بعضه ، ونصب على القلعة ~~ثلاثة عشر منجنيقا فسقط من أسوارها برج ، وبقي الجيش كذلك إلى الخامس ~~PageV23P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" والعشرين من شهر ربيع الأول فأمر الخليفة ~~بالقتال والزحف ، فاشتد القتال ، وكثرت القتلى ، ولم يبلغ منها غرضا ، فعاد ~~إلى بغداد ودخلها في آخر الشهر . ثم أمر الوزير عون الدين بالعود إليها ~~والاستعداد والاستكثار من آلات الحصار ، فسار إليها في شهر ربيع الآخر وضيق ~~عليها ، فبلغه الخبر أن مسعود بلال وصل إلى شهرابان ومعه البغوش كون خر ~~وترشك في عسكر كبير ونهبوا البلاد فعاد الوزير إلى بغداد وكان سبب تحول هذا ~~العسكر أنهم حثوا الملك محمدا على قصد العراق فلم يتهيأ له ذلك ، فسير إليه ~~هذا العسكر وانضاف إليهم خلق كثير من التركمان . فخرج الخليفة إليهم فأرسل ~~مسعود بلال إلى تكريت وأخرج منها الملك أرسلان ابن السلطان طغرل بن محمد ~~وكان محبوسا بها وقال : هذا سلطان نقاتل بين يديه بإزاء الخليفة والتقى ~~العسكران عند بكمزا بالقرب من بعقوبا ، ودامت الحرب بينهم والمناوشة ثمانية ~~عشر يوما ، ثم التقوا في آخر شهر رجب واقتتلوا فانهزمت ميمنة عسكر الخليفة ~~وبعض القلب حتى بلغت الهزيمة بغداد ، ونهبت خزائنه وقتل خازنه ، فحمل ~~الخليفة بنفسه هو وولي عهده وصاح : يا آل هاشم كذب الشيطان وقرأ " ورد الله ~~الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا " وحمل هو وبقية العسكر فانهزم مسعود ~~ومن معه ، وظفر الخليفة ، وغنم العسكر جميع ما هو للتركمان من دواب وغنم ~~وغير ذلك . وكانوا قد أحضروا نساءهم وأولادهم وخركاهاتهم فأخذ جميع ذلك ، ~~فبيع كل كبش بدانق وأخذ كون خر الملك أرسلان وانهزم به إلى بلد النجف وقلعة ~~الماهكي . ورجع الخليفة إلى بغداد فدخلها في أوائل شعبان ms5353 المبارك ، فأتاه ~~الخبر أن مسعود بلال وترشك قصدا مدينة واسط فنهبا وخربا فسير إليهم الوزير ~~في عسكره ، فانهزم العجم ، ولحقهم عسكر الخليفة ونهب شيئا كثيرا ، وعاد إلى ~~بغداد فلقب الوزير سلطان العراق ملك الجيوش ، وسير الخليفة عسكرا إلى بلد ~~النجف فاحتوى عليه . PageV23P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" وفي سنة خمسين وخمسمائة سار الخليفة إلى ~~دقوقا فحصرها وقاتل من بها ، ثم رحل عنها ولم يبلغ غرضا . وفيها استولى ~~شملة التركماني على خوزستان وصاحبها حينئذ ملكشاه محمود ، فسير إليه عسكرا ~~فقاتلهم شملة وهزمهم وأسر وجوههم ، ثم أحسن إليهم وأطلقهم ، وأرسل إلى ~~الخليفة المقتفي لأمر الله يعتذر منه فقبل عذره . وفي سنة إحدى وخمسين ~~وخمسمائة حصر السلطان محمد بن محمود السلجقي بغداد ، وكان قد راسل الخليفة ~~في الخطبة له ببغداد والعراق ، فامتنع الخليفة من إجابته ، فسار من همذان ~~وواعده قطب الدين صاحب الموصل أن يرسل إليه العسكر ، فقدم في ذي الحجة ودام ~~الحصار والقتال إلى شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين ، فبلغ السلطان محمد ~~أن أخاه ملكشاه وإيلدكر وأرسلان طغرل دخلوا همذان واستولوا عليها ، فرجع عن ~~بغداد ولم يبلغ رضا ، وتفرقت العساكر . وفي شهر ربيع الأول سنة إحدى وخمسين ~~أطلق ابن الوزير ابن هبيرة من حبس تكريت فتلقته المواكب وكان يوما مشهودا . ~~وفيها في شهر ربيع الآخر احترق أكثر بغداد ، واحترقت دار الخلافة . وفي سنة ~~اثنتين وخمسين وخمسمائة كان بالشام زلازل كثيرة خربت كثيرا من البلاد ~~والقلاع والأسوار ، وهلك من العالم ما لا يحصى كثرة . ومما يدل على ذلك ما ~~حكاه ابن الأثير في تاريخه الكامل " أن معلما كان بمدينة حماه يعلم الصبيان ~~، ففارق المكتب لحاجة عرضت له فجاءت الزلزلة فخربت البلد وسقط المكتب على ~~الصبيان فهلكوا عن آخرهم - قال - فقال المعلم : فلم يأت أحد يسألني عن صبي ~~كان له فيدل على موت جميع أهليهم . وفيها قلع الخليفة المقتفي لأمر الله ~~باب الكعبة وعمل عوضة بابا مصفحا بالفضة المذهبة ، وعمل لنفسه من الباب ~~الأول تابوتا يدفن فيه إذا مات وفي سنة أربع وخمسين وخمسمائة في ms5354 ثامن عشر ~~ربيع الأول كثرت الزيادة في دجلة فغرقت بغداد ، وتهدمت الدور وسور المدينة ~~وكثر الخراب ولم يعرف الناس حدودهم على التحرير ، بل بالتخمين . وفيها مات ~~السلطان محمد الذي حاصر بغداد بمرض السل . PageV23P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" وفيها عاد ترشك إلى بغداد ولم يعرفه أحد ولا ~~شعر به إلا وقد ألقى نفسه تحت التاج ومعه سيف وكفن . فرضي عنه الخليفة ، ~~وأذن له في دخول الدار وأنعم عليه بمال ذكر وفاة المقتفي لأمر الله وشيء من ~~أخباره كانت وفاة المقتفي لأمر الله في شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين ~~وخمسمائة ، وقيل لليلتين خلتا من شهر رجب . ومولده في ثاني عشر ربيع الآخر ~~سنة تسع وثمانين وأربعمائة ، وكان عمره ستا وستين سنة تقريبا ، ومدة خلافته ~~أربعا وعشرين سنة وشهورا . وكان شيخا أبيض الرأس واللحية طويلها ، وكان ~~حليما كريما عادلا حسن السيرة جميل الرأي وافر العقل ، شجاعا مقداما يباشر ~~الحروب بنفسه ، وكان يحب جمع المال . وفي أول خلافته ولى القضاء بمدينة ~~السلام لرجل يعرف بابن المرخم ، وجعله يتولى عقوبة عماله ووجوه دولته وأخذ ~~أموالهم ، فقال بعض الشعراء في ذلك : ضخمي ويك والطمي . . . ولي ابن المرخم ~~وآه على الحكم والقضا . . . وعلى كل مسلم وأرى المقتفي الإما . . . م عن ~~الحق قد عمي فبلغ المقتفي ذلك فأخذ الشاعر بنكاله وعذبه وما زاده ذلك إلا ~~تماديا في حاله . وهو أول من استبد بالعراق منفردا عن سلطان يكون معه من ~~أول أيام الديلم وإلى هذا الوقت ، وأول خليفة تمكن من عسكره وأصحابه وحكم ~~على الخلافة منذ تحكم المماليك على الخلفاء في خلافة المستنصر بالله وإلى ~~الآن ، إلا أن يكون المعتضد بالله . وكان المقتفي يبذل الأموال العظيمة ~~لأصحاب الأخبار في جميع البلاد حتى لا يفوته منها شيء ، وكانت دعوته ~~بالعراق والحجاز والشام وخراسان . PageV23P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" ذكر خلافة المستنجد بالله هو أبو المظفر يوسف ~~بن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله ، وأمه أم ولد ~~تدعى طاوس وقيل نرجس ، رومية . وهو الخليفة الثاني والثلاثون من الخلفاء ~~بويع ms5355 له بعد وفاة أبيه في شهر ربيع الأول في سنة خمس وخمسين وخمسمائة وقبل ~~لليلتين خلتا من شهر رجب منها والله تعالى أعلم . قال : وكان للمقتفي حظية ~~وهم أم ولده أبي علي . فلما اشتد مرضه وأيست منه ، أرسلت إلى جماعة من ~~الأمراء وبذلت لهم الإقطاعات الكثيرة والأموال الجزيلة ليساعدوها على أن ~~يكون ولدها الأمير أبو علي خليفة فقالوا : كيف الحيلة مع ولي العهد ؟ فقررت ~~أنها تقبض عليه إذا دخل ، وكان يدخل على أبيه في كل يوم فقالوا : لا بد لنا ~~من أحد أرباب الدولة فوقع اختيارهم على أبي المعالي بن الكيال الهراس فدعوه ~~إلى ذلك فأجابهم على أن يكون وزيرا ، فبذلوا له ما طلب . فلما استقرت ~~القاعدة بينهم أحضرت عدة من الجواري وأعطتهن السكاكين وأمرتهن بقتل ولي ~~العهد المستنجد بالله . كان له خصي صغير يرسله في كل وقت يتعرف أخبار والده ~~فرأى الجواري وبأيديهن السكاكين وبيد أبي علي وأمه سيفين ، فعاد إلى ~~المستنجد وأخبره . وأرسلت هي إلى المستنجد تقول : " إن والدك قد حضرته ~~الوفاة فاحضر لتشاهده " فاستدعى أستاذ الدار عضد الدين ، وأخذ معه جماعة من ~~الفراشيين ، ودخل الدار وقد لبس الدرع والسيف في يده ، فلما دخل ثار به ~~الجواري فضرب واحدة منهن فجرحها وجرح أخرى وصاح فدخل أستاذ الدار والفراشون ~~فهرب الجواري وأخذ أخاه أبا علي وأمه فسجنهما ، وقتل من الجواري وغرق وجلس ~~للمبايعة فبايعه أهله وأقاربه . وأول من بايعه عمه أبو طالب ثم أخوه أبو ~~جعفر بن المقتفي وكان أكبر من المستنجد ، ثم بايعه الوزير ابن هبيرة ، ~~وقاضي القضاة ، وأرباب الدولة والعلماء . وخطب له في يوم الجمعة ، ونثرت ~~الدنانير والدراهم . وقال ابن هبيرة الوزير عنه : إنه قال " رأيت رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) في المنام منذ خمس عشرة سنة فقال لي : يبقى أبوك في ~~الخلافة خمس عشرة سنة فكان كما قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~المنام " ثم قال " رأيته قبل موت المقتفي بأربعة أشهر ، فدخل في باب كبير ~~ثم ارنقى إلى رأس جبل وصلى بي ms5356 ركعتين وألبسني قميصا ثم قال لي : قل " اللهم ~~اهدني فيمن هديت " وذكر دعاء القنوت " . PageV23P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" قال : ولما ولي المستنجد بالله أقر ابن هبيرة ~~على وزارته ، وأصحاب الولايات على ولاياتهم ، وأزال المكوس والضرائب ، وقبض ~~على ابن المرخم وأخذ منه مالا كثيرا وأخذ كتبه فأحرق منها ما كان من علوم ~~الفلاسفة . وقدم عضد الدين ابن رئيس الرؤساء - وكان أستاذ الدار - فمكنه ~~وتقدم إلى الوزير بأن يقوم له ، وعزل قاضي القضاة علي بن أحمد الدامغاني ، ~~ورتب مكانه أبا جعفر عبد الواحد الثقفي وخلع عليه . ذكر ملك الخليفة قلعة ~~الماهكي وفي شهر رجب سنة سبع وخمسين وخمسمائة ملك الخليفة قلعة الماهكي ، ~~وسبب ذلك أن صاحبها سنقر الهمذاني سلمها إلى أحد ممالكيه ومضى إلى همذان ~~فضعف مملوكه عن حفظها ومقاومة من حولها من الأكراد والتركمان فأشير عليه ~~ببيعها من الخلية فراسل في ذلك ؛ فاستقر بينهما خمسة عشر ألف دينار وسلاح ~~ومتاع وعدة من القرى فسلمها وتسلم ما استقر له وأقام ببغداد ، ولم تزل هذه ~~القلعة من أيام المقتدر بالله بيد التركمان إلى الآن . ذكر إجلاء بني أسد ~~من العراق وفي سنة ثمان وخمسين وخمسمائة أمر الخليفة بإهلاك بني أسد أهل ~~الحلة المزيدية لما ظهر من فسادهم ولما كان في نفسه منهم من مساعدتهم ~~للسلطان محمد في حصار بغداد ، فأمر يزدن بن قماج بقتالهم وإخراجهم من ~~البلاد ، وكانوا منبسطين في البلاد في البطائح . فتوجه إليهم وجمع العساكر ~~الكثيرة ، وأرسل إلى ابن معروف مقدم المقتفي . وهو بأرض البصرة فجاء في خلق ~~كثير وحصرهم وسك عنهم الماء وضيق عليهم فاستسلموا ، فقتل منهم أربعة آلاف ~~ونادى فيمن بقي " من وجد في الحلة المزيدية بعد هذا فقد حل دمه فتفرقوا في ~~البلاد ، ولم يبق في العراق منهم من يعرف ، وسلمت بطائحهم وبلادهم إلى ابن ~~معروف . PageV23P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" وفي سنة ستين وخمسمائة في صفر قبض المستنجد ~~بالله على الأمير ثوبة بن العقيلي وكان قد قرب منه قربا عظيما حتى كان يخلو ~~معه ، وأحبه محبة عظيمة ، فحسده الوزير ابن ms5357 هبيرة ، فوضع كتبا من العجم مع ~~قوم وأمرهم أن يتعرضوا ليؤخذوا ففعلوا ذلك ، وأخذوا وأحضروا عند الخليفة . ~~وأظهروا الكتب بعد الامتناع الشديد فلما وقف الخليفة عليها خرج إلى نهر ~~الملك يتصيد وكانت حلل ثوبة على الفرات ، فحضر عنده فأمر بالقبض عليه ، ~~فقبض عليه وأدخل بغداد ليلا وحبس فكان آخر العهد بعده بالحياة ، ومات بعد ~~ثلاثة أشهر ، وكان ثوبة من أكمل العرب مروءة وسخاء وعقلا وإجادة ، واجتمع ~~فيه من الكمال ما تفرق في غيره . وفيها في جمادى الأولى توفي الوزير عون ~~الدين يحيى بن محمد بن هبيرة ومولده سنة تسعين وأربعمائة ودفن بمدرسته التي ~~هو بناها للحنابلة بباب البصرة ، ولما مات قبض على أولاده وأهله وفي سنة ~~ثلاث وستين وخمسمائة استوزر الخليفة المستنجد بالله شرف الدين أبا جعفر ~~أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن البلدي ، وكان ناظرا بواسط ، وظهر عن ~~كفاءة عظيمة ، فأحضره الخليفة واستوزره وكان عضد الدين أستاذ الدار قد تحكم ~~تحكما عظيما ، فتقدم أمر الخليفة إلى وزيره بكف يده وأيدي أصحابه ففعل ذلك ~~، ووكل بأخيه تاج الدين وطالبه بحساب نهر الملك وكان يتولاه أيام المقتفي ، ~~وكذلك فعل بغيره ، فحصل أموالا جمة وخافه أستاذ الدار على نفسه فحمل مالا ~~كثيرا وأعطاه الورقة التي بخط الخليفة فقال له : تعود إليه وتقول قد أوصلت ~~الخط إلى الوزير ففعل ذلك وأحضر أستاذ الدار قطب الدين ويزدن وأخاه تنامش ~~وعرض عليهم الخط فاتفقوا على قتل الخليفة . فدخل عليه يزدن وقابماز فحملاه ~~إلى الحمام وهو يستغيث وألقياه وأغلقا الباب علي وهو يصيح حتى مات . وقبض ~~على الحسين بن محمد المعروف بابن البستي وعلى أخيه الصغير ، وكانا ابني عم ~~عضد الدين . وكان الصغير عامل البيمارستان فقطع يده ورجله ؛ فقيل إنه كان ~~PageV23P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" يستخرج المال بصنوج كبار ويحمله إلى الديوان ~~بصنجة صحيحة وقيل غير ذلك ، وجمل إلى البيمارستان فمات . ذكر وفاة المستنجد ~~بالله وشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته في تاسع شهر ربيع الآخر سنة وست ~~وستين وخمسمائة ومولده في مستهل شهر ربيع الآخر ms5358 سنة عشرة وخمسمائة . وكان ~~عمره ستا وخمسين سنة وثمانية أيام ، ومدة خلافته أحد عشر سنة وشهرا واحدا ~~وستة أيام على القول الأول . وكان أسمر ، تام القامة ؛ طويل اللحية . وكان ~~سبب موته أنه مرض واشتد مرضه ؛ وكان بجانبه أستاذ الدار عضد الدين أبو ~~الفرج ابن رئيس الرؤساء وقطب الدين قليماز المقتفوي - وهما من الأمراء ~~ببغداد - فوصيا الطبيب على أن يصف له ما يقتله فوصف له دخول الحمام فامتنع ~~لضعفه ، فأدخله وأغلق عليه بابه فمات . وقيل إنه كتب إلى الوزير . . . ~~النصراني ابن صفية يأمره بالقبض على أستاذ الدار . وكان رحمه الله من أحسن ~~الخلفاء سيرة ، عادلا في الرعية كثير الرفق بهم ، وأطلق كثيرا من المكوس ~~حتى لم يترك بالعراق شيئا منها . وكان شديدا على أهل العبث والفساد ~~والسعاية قال ابن الأثير الجزري في تاريخه الكامل " بلغني أن المستنجد قبض ~~على إنسان كان يسعى بالناس فأطال حبسه ، فشفع فيه بعض خواصه ، وبذل عنه ~~عشرة آلاف دينار فقال : " أنا أعطيك عشرة آلاف دينار وتحضر لي آخر أحبسه ~~لأكف سره عن الناس " ولم يطلقه ورد كثيرا من الأموال على أصحابها رحمه الله ~~. ذكر خلافة المستضيء بأمر الله هو أبو محمد الحسن بن المستنجد بالله أبي ~~المظفر يوسف ابن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله ، ~~وأمه أم ولد أرمينية تدعى غضة وهو الخليفة الثالث والثلاثون من الخلفاء ~~العباسيين ، بويع له بالخلافة يوم وفاة أبيه في التاسع من شهر ربيع الآخر ~~في سنة ست وستين وخمسمائة . قال : ولما مات المستنجد بالله كان بين الوزير ~~أبي جعفر ابن البلدي وبين أستاذ الدار عضد الدين وقطب الدين عداوة شديدة ~~لأن المستنجد كان يأمره بأشياء تتعلق بهما فيفعلها فيظنان أنه هو الذي يسعى ~~بهما فلما أرجف بموت المستنجد ركب الوزير PageV23P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" ومعه الأمراء والأجناد وغيرهم بالعدوة ولم ~~يتحققوا موت الخليفة . فأرسل إليه أستاذ الدار يقول : إن أمير المؤمنين قد ~~خف ما به من المرض وأقبلت العافية إليه فخاف الوزير أن يدخل دار الخلافة ~~بالجند ms5359 فربما أنكر عليه ذلك ، فعاد إلى داره وتفرق الناس عنه . وكان عضد ~~الدين وقطب الدين قد استعدا للهرب لما ركب الوزير خوفا أن يدخل الدار ~~فيأخذهما ، فلما عاد أغلق أستاذ الدار أبواب دار الخلافة وأظهر موت الخليفة ~~، وأحضر ولده أبا الحسن محمدا وبايعه هو وقطب الدين بالخلافة ، ولقباه ~~بالمستضيء بأمر الله ، وشرطوا عليه شروطا منها : أن يكون عضد الدين وزيرا ، ~~وابنه جمال الدين أستاذ الدار ، وقطب الدين أمير العسكر ، فأجابهم إلى ذلك ~~، وبايعه أهل بيته البيعة الخاصة في يوم وفاة أبيه ، وبايعه الناس من الغد ~~في التاج بيعة عامة ، وأظهر العدل وفرق أموالا جليلة المقدار . ذكر مقتل ~~الوزير أبي جعفر بن محمد المعروف بابن البلدي قال : ولما علم الوزير بوفاة ~~الخليفة سقط في يده وقرع سنه ندما على عوده ، وأتاه من يستدعيه للجلوس ~~للعزاء والبيعة للمستضيء ، فمضى إلى دار الخلافة فلما دخلها صرف إلى موضع ~~وقتل وقطع وألقي في دجلة ، وأخذا جميع ما في داره ، فرأيا خطوط المستنجد ~~بالله بأمره بالقبض عليهما ، وخط الوزير وقد راجعه في ذلك وصرفه عنه ، ~~فندما على قتله . وفي سنة سبع وستين وخمسمائة أقيمت الدعوة العباسية ~~بالديار المصرية وخطب للخليفة بها ، وانقرضت الدولة العبيدية المنسوبة إلى ~~العلوية بخلع العاضد لدين الله ، وكان ذلك على يد السلطان الملك الناصر ~~صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله على ما نذكر ذلك مبينا - إن شاء الله ~~تعالى - في أخبار الدولة العبيدية . وفيها عزل الخليفة وزيره عضد الدين من ~~الوزارة لأن قطب الدين قايماز ألزمه ذلك فلم يمكنه مخالفة ، ثم قصد الخليفة ~~إعادته في جمادى الأولى سنة تسع وستين فثارت الفتنة بين الخليفة وقايماز ، ~~وأغلق قايماز باب النوبي وباب العامة وبقيت دار الخلافة محاصرة . فأجاب ~~الخليفة إلى ترك وزارته فقال قايماز : لا أقنع إلا بخروج عضد الدين من ~~بغداد فأمر بإخراجه منها فالتجأ إلى صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل وهو ~~شيخ الشيوخ وصار في رباطه فأجاره ، ثم عاد إلى داره في جمادى الآخرة . ~~PageV23P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" وفي سنة ms5360 تسع وستين وخمسمائة زادت دجلة ~~فتجاوزت كل زيادة كانت ببغداد منذ بنيت إلى الآن بذراع وكسر . وخاف الناس ~~الغرق وفارقوا البلد ونبع الماء من البلاليع ، وخرب كثير من الدور وغرق ~~البيمارستان العضدي ، ودخلت المراكب من شبابكيه وكانت قد تقلعت . وفيها سقط ~~الأمير أبو العباس أحمد - وهو الذي صار خليفة ولقب الناصر لدين الله - من ~~قبة عالية إلى أرض التاج ومعه غلام له اسمه نجاح ، فألقى نفسه بعده وسلما ~~جميعا فقيل لنجاح : لم ألقيت بنفسك ؟ فقال : ما كنت أريد البقاء بعد مولاي ~~فرعى له الأمير أبو العباس ذلك فلما صار خليفة جعله شرابيا وحكمه في الدولة ~~ولقبه الملك الرحيم عز الدين وخدمه جميع أمراء العراق . وفيها في شهر رمضان ~~وقع ببغداد برد كبار ما رأى الناس مثله فهدم الدور وقتل جماعة من الناس ~~والمواشي ، فوزنت بردة منه فكانت سبعة أرطال ، وكان عامته كالنارنج يكسر ~~الأغصان ، قال ابن الأثير هكذا ذكره أبو الفرج بن الجوزي في تاريخه . ذكر ~~هرب قطب الدين قايماز من بغداد وعود عضد الدين إلى الوزارة كان سبب ذلك ~~وابتداؤه أن علاء الدين تنامش - وهو من أكابر الأمراء ببغداد - وقطب الدين ~~قايماز زوج أخته سيرا عسكرا إلى العراق في شوال سنة سبعين وخمسمائة فنهبوا ~~الناس وبالغوا في أذاهم ، فجاء جماعة منهم إلى بغداد واستغاثوا فلم يغاثوا ~~لضعف الخلافة وتحكم قايماز وتنامش على الدولة ، فقصدوا جامع القصر ~~واستغاثوا ومنعوا الخطيب من الخطبة فأنكر الخليفة ما جرى ، فلم يلتفت ~~قايماز وتنامش إلى قوله . فلما كان في خامس ذي القعدة قصد قايماز دار ظهير ~~الدين بن العطار صاحب المخزن - وللخليفة به عناية تامة وبينهما صحبة - فلم ~~يراع قايماز الخليفة فيه ، PageV23P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" واستدعاه فهرب ، فأحرق قطب الدين قايماز داره ~~وحالف الأمراء على المساعدة والمعاضدة له ، وجمعهم وقصد دار الخلافة لعلمه ~~أن ابن العطار فيها . فلما علم الخليفة ذلك صعد إلى سطح داره وظهر للعامة ~~وأمر خادما فصاح وقال للعامة : مال قطب الدين لكم ودمه لي فقصد الخلق كلهم ~~دار قطب الدين ms5361 للنهب ، فلم يمكنه المقام لضيق الشوارع ، وغلبت العامة ، ~~فهرب من داره من باب فتحه من ظهرها لكثرة من على بابها من الخلق . وخرج من ~~بغداد ، ونهبت داره وسلبت نعمته في ساعة واحدة وتبعه وتنامش وجماعة من ~~الأمراء ، فنهبت دورهم وأحرق بعضها ، وأخذت أموالهم . وسار قطب الدين إلى ~~الحلة ومعه من التحق من الأمراء ، فسير الخليفة إليه شيخ الشيوخ صدر الدين ~~فخدعه حتى سار عن الحلة نحو الموصل على البر فلحقه هو ومن معه عطش عظيم ~~فهلك أكثرهم ومات قايماز قبل وصوله إلى الموصل ، ودفن بظاهر باب العمادي ~~وكانت وفاته في ذي الحجة . ووصل تنامش إلى الموصل فأقام مدة ثم أمره ~~الخليفة بالقدوم إلى بغداد فسار إليها وبقي بغير إقطاع قال : ولما هرب ~~قايماز أعيد عضد الدين إلى الوزارة وقال بعض الشعراء في قطب الدين قايماز ~~وتنامش بن قماج : إن كنت معتبرا بملك زائل . . . وحوادث عنقية الإدلاج فدع ~~العجائب والتواريخ الألى . . . وانظر إلى قيماز وابن قماج عطف الزمان ~~عليهما فسقاهما . . . من صرفه كأسا بغير مزاج فتبدلوا بعد القصور وظلها . . ~~. ونعيمها بمهامه وفجاج فليحذر الباقون من أمثالها . . . نكبات دهر خائن ~~مزعاج قال : وكان قطب الدين كريما طلق الوجه ، محبا للعدل والإحسان ، كثير ~~البذل للمال ؛ وإنما كان يحمله على ما يقع منه تنامش بغير إرادته . وفي سنة ~~إحدى وسبعين وخمسمائة ولى الخليفة المستضيء حجبة الباب أبا نصر علي بن ~~الناقد وكان الناس تلقبه في صغره قنبرا ، فصار الناس يصيحون به بهذا ~~PageV23P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" اللقب إذا ركب . فأمر أن يركب معه جماعة من ~~الأتراك يمنعون الناس من ذلك ، فامتنعوا فلما كان قبل العيد بثلاثة أيام ~~خلع عليه ليركب في الموكب ، فاشترى جماعة من أهل بغداد شيئا كثيرا من ~~القنابر وعزموا على إرسالها في الموكب فأنهي ذلك إلى الخليفة فعزله وولى ~~ابن المعوج . وفيها قبض الخليفة على عماد الدين صندل المقتفوي أستاذ الدار ~~ورتب مكانه أبا الفضل هبة الله بن علي بن هبة الله بن الصاحب . ذكر مقتل ~~الوزير عضد الدين وولاية ظهير الدين ms5362 بن العطار كان مقتله رحمه الله في رابع ~~ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة ، وهو أبو الفرج محمد بن عبد الله بن ~~هبة الله بن المظفر ابن رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة وسبب مقتله أنه ~~عزم على الحج وعبر دجلة للمسير ومعه أرباب المناصب وهو في موكب عظيم ، ~~وتقدم إلى أصحابه أن لا يمنعوا عنه أحدا ، فلقيه إنسان كهل وقال : أنا ~~مظلوم وتقدم إليه يسمع كلامه فضربه بسكين في خاصرته ، فصاح الوزير : قتلني ~~ووقع إلى الأرض وسقطت عمامته ، فغطى رأسه بكمه وضرب الباطني بسيف ، وعاد ~~إلى الوزير فضربه بسكين وأقبل صاحب الباب ابن المعوج لينصر الوزير ، فضربه ~~الباطني بسكين ، وقيل بل ضربه رفيق له ، وكان له رفيق ثالث فصاح وبيده سكين ~~فقتل ولم يصنع شيئا . وأحرق الثلاثة ، وحمل الوزير إلى دار له هناك ، وحمل ~~الحاجب إلى بيته فمات هو والوزير . وكان الوزير قد رأى في منامه أنه يعانق ~~عثمان بن عفان ، قال ابن الأثير : وحكى عنه ولده أنه اغتسل قبل خروجه وقال ~~: هذا غسل الإسلام وأنا مقتول بلا شك PageV23P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" وكان له معروف كثير وكانت داره مجمعا للعلماء ~~وسمع الحديث ، وختمت أعماله بالشهادة وهو على قصد الحج رحمه الله . ولما ~~قتل حكم في الدولة ظهير الدين أبو بكر ابن منصور المعروف بابن العطاء ، ~~وكان حسن السيرة وتمكن تمكنا عظيما . ذكر فتنة ببغداد وهدم بيعة اليهود وفي ~~سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة كانت الفتنة ببغداد ، وسببها أن قوما من مسلمي ~~المدائن حضروا إلى بغداد وشكوا من يهود المدائن وقالوا : لنا مسجد نؤذن فيه ~~ونصلي وهو مجاور لبيعة اليهود ، فقال لنا اليهود آذيتمونا بكثرة الآذان ~~وأنهم اختصموا هم والمؤذن ، وكانت فتنة استظهر فيها اليهود . فلما شكوا أمر ~~ابن العطار بحبسهم فحبسوا ، ثم خرجوا فقصدوا جامع القصر واستغاثوا قبل صلاة ~~الجمعة فخفف الخطيب الخطبة والصلاة ، فعادوا يستغيثون فأتاهم جماعة من ~~الجند ومنعوهم ، فغضب عامة بغداد لذلك واستغاثوا ، وخلعوا طوابيق الجامع ~~ورجموا الجند بها ، ثم قصدوا دكاكين المخلطين لأن أكثرهم يهود فنهبوها ms5363 . ~~فأراد حاجب الباب منعهم فرجموه فهرب منهم ، وضربوا الكنيسة التي عند دار ~~البساسيري ، وأحرقوا الورق الذي فيها يزعم اليهود أنه التوراة . واختفى ~~اليهود فأمر الخليفة بنقض الكنيسة التي بالمدائن وتبنى مسجدا ونصب بالرحبة ~~أخشاب ليصلب عليها أقوام من المفسدين فظنها العامة تخويفا لهم لجل ما فعلوه ~~باليهود ، فجعلوا عليها جرذانا ميتة ، فأخرج جماعة من الحبس من اللصوص ~~فصلبوا عليها وسكنت الفتنة ذكر وفاة المستضيء بأمر الله كانت وفاته لليلتين ~~خلنا من ذي القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة ، ومولده في سنة ست وثلاثين ، ~~وكان عمره أربعين سنة تقريبا ، ومدة خلافته تسع سنين وسبعة أشهر إلا أياما ~~. وكان رحمه عادلا حسن السيرة في الرعية ، كثير البذل للأموال ، حليما ، ~~قليل المعاقبة على الذنوب ، محبا للعفو والصفح عن المذنبين ، وأولاده أبو ~~العباس أحمد وأبو منصور هاشم . PageV23P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" ذكر خلافة الناصر لدين الله هو أبو العباس ~~أحمد بن المستضيء بأمر الله وأمه أم ولد تركية اسمها زمرد وهو الخليفة ~~الرابع والثلاثون من الخلفاء العباسيين ، بويع له بالبيعة العامة في يوم ~~الأحد ثاني ذي القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة ، وقام له بالبيعة ظهير ~~الدين بن العطار وبايع له ، فلما تمت البيعة صار الحاكم في الدولة أستاذ ~~الدار مجد الدين الصاحب ، وسير الرسل إلى الآفاق يأخذ البيعة له . ذكر ~~القبض على ابن العطار وموته وفي سابع ذي القعدة قبض على ظهير الدين بن ~~العطار الوزير ووكل به في داره ، ثم نقل إلى التاج وقيد وأخذت أمواله وطلبت ~~ودائعه وأخرج ميتا في ليلة الأربعاء ثاني عشر الشهر على رأس حمال . فغمز به ~~بعض الناس فثار به العامة وألقوه عن رأس الحمال وكشفوا عن سوأته ، وشدوا في ~~ذكره حبلا وسحبوه في البلد وكانوا يضعون بيده مغرفة ويقولون : وقع لنا ~~مولانا إلى غير ذلك من الأفعال الشنيعة ، ثم خلص منهم ودفن . قال : وفعلوا ~~به هذه الأفعال القبيحة مع حسن سيرته فيهم وكفه هم أموالهم وأعراضهم . وفي ~~سنة سبع وسبعين وخمسمائة كثرت المنكرات ببغداد فأقام حاجب الباب جماعة ~~لإراقة ms5364 الخمور وأخذ المفسدات ، فبينما امرأة منهن في موضع علمت بمجيء ~~الحاجب فاضطجعت وأظهرت أنها مريضة وارتفع أنينها ، فرأوها على ذلك فانصرفوا ~~عنها ، فهمت بالقيام فلم تستطع وعجزت وجعلت تصيح : الكرب الكرب إلى أن ماتت ~~. وفي سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة قبض الخليفة على أستاذ الدار مجد الدين ~~أبي الفضل بن الصاحب وقتله ، وكان قد تحكم في الدولة ليس للخليفة معه حكم . ~~وكان الذي سعى به عند الخليفة وقبح آثاره رجل من صنائعه وأصحابه يقال له ~~عبيد الله بن يونس فقبض عليه الخليفة وقتله ، وأخذ أمواله وكانت عظيمة . ~~وكان رحمه الله حسن السيرة ، واستوزر الخليفة بعده أبا المظفر عبيد الله بن ~~يونس في شوال ، ولقبه جلال الدين ، ومشى أكابر الدولة في ركابه حتى قاضي ~~القضاة ، وكان ابن يونس هذا من شهوده ، فكان يمشي ويقول : لعن الله طول ~~العمر PageV23P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" ذكر انهزام عسكر الخليفة من طغرل كان طغرل ~~السلجقي قد قوي أمره في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وكثر جمعه ، وأرسل إلى ~~بغداد يقول : أريد أن يتقدم إلي الديوان بعمارة دار السلطنة لأنزل فيها إذا ~~قدمت فرد الخليفة رسوله بغير جواب ، وأمر بنقض دار السلطنة فهدمت إلى الأرض ~~وعفي أثرها ووصل رسول قزل - وهو صاحب أران وأذربيجان وهمذان وإصفهان والري ~~وما بينهما - ببذل الطاعة والخدمة ويستنجد الخليفة على طغرل ، فأكرم ~~الخليفة رسوله ووعده بتجهيز العساكر إليه ، وجهزها في سنة أربع وثمانين ~~وخمسمائة ، وقدم عليها الوزير جلال الدين عبيد الله بن يونس وسيرهم لمساعدة ~~قزل وكف السلطان طغرل عن البلاد ، فسار العسكر في ثالث صفر إلى أن قارب ~~همذان ، فلم يصل قزل إليهم ، وأقبل طغرل في عساكره ، والتقوا في ثامن شهر ~~ربيع الأول بمرج عند همذان ، فلم تثبت عساكر الخليفة وانهزمت ، وبقي الوزير ~~قائما ومعه مصحف وسيف ، فأسر وأخذ ما معه من خزانة وسلاح وغيره ، وعاد ~~العسكر إلى بغداد متفرقين . وفي سنة خمس وثمانين وخمسمائة خطب لولي العهد ~~أبي نصر محمد بن الخليفة الناصر لدين الله ببغداد ، ونثرت الدنانير ~~والدراهم ، وأرسل إلى البلاد ms5365 في إقامة الخطبة له . وفيها في شوال ملك ~~الخليفة تكريت ، وسبب ذلك أن صاحبها الأمير عيسى قتله إخوته وملكوا القلعة ~~بعده ، فسير الخليفة إليهم عسكرا فحصروها وتسلموها ، ودخل أصحابها إلى ~~بغداد فأعطوا إقطاعا . وفي سنة ست وثمانين وخمسمائة في شهر ربيع الأول ملك ~~الخليفة الناصر لدين الله حديثة عانة ، وكان قد سير إليها جيشا في سنة خمس ~~وثمانين وخمسمائة فحاصروها وقاتلوا عليها شديدا ، وقتل من الفريقين خلق ~~كثير ، ودام الحصار فضاقت الأقوات على أهلها ، فسلموها على إقطاع عينوه ، ~~ووصل صاحبها وأهلها بغداد وأعطوا إقطاعا ثم تفرقوا في البلاد ، واشتدت بهم ~~الحاجة حتى تعرض بعضهم للسؤال وبعضهم خدم الناس . PageV23P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" وفي سنة تسع وثمانين وخمسمائة أمر الخليفة ~~الناصر لدين الله بعمارة خزانة الكتب بالمدرسة النظامية ببغداد ، ونقل ~~إليها من الكتب النفيسة ألوفا لا يقدر على مثلها . وفيها في شهر ربيع الأول ~~كملت عمارة الرباط الذي أمر الخليفة بإنشائه بالحريم الظاهري غربي بغداد ~~على دجلة . وفيها ملك الخليفة قلعة من بلاد خوزستان ، وسبب ذلك أن صاحبها ~~سوسيان بن شملة جعل عليها ذردارا فأساء السيرة مع جندا فغدر به بعضهم فقتله ~~وأرسل إلى الخليفة ، وأرسل إليها وملكها . وفيها انقض كوكبان عظيمان بعد ~~طلوع الفجر واصطدما وسمع صوت هدة عظيمة وغلب ضوؤهما ضوء القمر والنهار . ~~وفي سنة تسعين وخمسمائة قتل السلطان طغرل السلجقي في حرب كانت بينه وبين ~~خوارزم شاه البلاد . ذكر ملك الخليفة خوزستان وفي سنة تسعين أيضا خلع ~~الخليفة الناصر لدين الله على نائب الوزارة مؤيد الدين أبي عبد الله محمد ~~بن علي المعروف بابن القصاب خلع الوزارة ، وسار في شهر رمضان من السنة إلى ~~بلاد خوزستان بالعساكر . وقد كان قد خدم بها أولا وعرفها ، فلما ولي نيابة ~~الوزارة ببغداد أشار على الخليفة الناصر لدين الله أن يرسله بعسكر ليملكها ~~. واتفق وفاة صاحبها ابن شملة التركماني واختلاف أولاده ، فأرسل بعضهم إلى ~~مؤيد الدين يستنجده ، فقوي طمعه فيها ، فسار إليها ودخلها في سنة إحدى ~~وتسعين ، وملكها في المحرم منها ، وملك غيرها ms5366 من البلاد والقلاع : منها ~~قلعة الناظر ، وقلعة كاكرد ، وقلعة لاموج ، وغيرها من القلاع والحصون ، ~~وأنقذ بني شملة التركماني أصحاب خوزستان إلى بغداد فوصلوا في ربيع الأول . ~~ذكر ملك الوزير همذان وغيرها من بلاد العجم قال : ثم ملك الوزير مؤيد الدين ~~المذكور همذان في شوال سنة إحدى وتسعين وخمسمائة من عسكر خوارزم شاه وولده ~~، فتوجه الخوارزميون إلى الري فتبعهم الوزير PageV23P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" ففارقوها من غير قتال وتوجهوا إلى دامغان ~~وبسطام وجرجان . فعاد عسكر الخليفة إلى الري فأقاموا بها ، ثم رحل الوزير ~~إلى همذان فأقام بها نحو ثلاثة أشهر وأتته رسل خوارزم شاه بطلب إعادة ~~البلاد وتقرير قواعد الصلح فلم يجب الوزير إلى ذلك . فسار خوارزم شاه محمد ~~بن تكش إلى همذان فوجد الوزير قد توفي في شعبان ، فوقع بينه وبين عسكر ~~الخليفة الناصر لدين الله مصاف في نصف شعبان سنة اثنتين وتسعين ، فقتل من ~~العسكرين خلق كثير ، وانهزم عسكر الخليفة ، وغنم الخوارزميون منهم شيئا ~~كثيرا ، وملك خوارزم شاه همذان ونبش الوزير وقطع رأسه وسيره إلى خوارزم ~~وأظهر أنه قتله في المعركة ، ثم رجع خوارزم شاه إلى خراسان لموجب عرض له . ~~ذكر ملك عسكر الخليفة أصفهان وفي سنة إحدى وتسعين جهز الخليفة جيشا وسيره ~~إلى أصفهان ، ومقدم الجيش سيف الدين طغرل فقطع بلد اللحف من العراق ، وكان ~~بإصفهان عسكر الخوارزم شاه مع ولده ، وأهل إصفهان يكرهونهم . فكاتب صدر ~~الدين الخحندي رئيس الشافعية الديوان العزيز ببغداد يبذل من نفسه تسليم ~~البلد إلى من يصل إلى الديوان العزيز بالعسكر . فلما وصلت العساكر ظاهر ~~إصفهان فار قها العسكر الخوارزمي إلى خراسان وتبعهم عسكر الخليفة ، فأخذوا ~~من قدروا عليه من ساقة العسكر ، ودخل عسكر الخليفة إلى إصفهان وملكوها . ~~قال : واجتمع مماليك ابن البهلوان وقدموا على أنفسهم كوكجة وهو من أعيان ~~البهلوانية ، واستولوا على الري وما حولها من البلاد ، وساروا إلى إصفهان ~~لإخراج الخوارزمية منها ، فسمعوا بوصول عسكر الخليفة إليها . فأرسل إلى ~~طغرل مملوك الخليفة يعرض نفسه على خدمة الديوان وأظهر العبودية وأنه إنما ~~قصد إصفهان ms5367 في طلب العسكر الخوارزمي ، وأنه ساق في طلبهم فلم يدركهم . قال ~~: ثم سار عسكر الخليفة من أصفهان إلى همذان ، وساق كوكجه خلف العسكر ~~الخوارزمي إلى بلاد الإسماعيلية ، وعاد فقصد إصفهان وملكها . فأرسل إلى ~~بغداد يسأل أن تكون له الري وجواره وساوة وقم وقاجان وما ينضم إليها ، ~~PageV23P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" وتكون إصفهان وهمذان وزنجان وقزوين لديوان ~~الخليفة . فأجيب إلى ذلك ، وكتب منشوره بما طلب ، وأرسلت إليه الخلع ، فعظم ~~شأنه وقوي أمره وكثرت عساكره . وفي سنة إحدى وستمائة يوم الجمعة رابع عشر ~~جمادى الآخرة قطعت الخطبة ولي العهد أبي نصر بن الخليفة الناصر لدين الله ، ~~وذلك أنه أظهر خطه بدار الوزير نصير الدين الرازي إلى أبيه يتضمن العجز عن ~~القيام بولاية العهد ، ويطلب الإقالة ، وشهد عدلان أنه خطه وأن الخليفة ~~أقاله ، وعمل بذلك محضر شهد فيه القضاة والعلماء والعدول والفقهاء . وفي ~~سنة أربع وستمائة عزل وزير الخليفة نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي ، وكان ~~من أهل الدين . قدم إلى بغداد لما ملك الوزير ابن القصاب الري ، فلقي نصير ~~الدين من الخليفة قبولا فجعله نائب الوزارة ، ثم استوزره وجعل ابنه صاحب ~~المخزن . فلما كان في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة ، عزل وأغلق بابه . ~~وسبب عزله أنه ساعات سيرته مع أكابر مماليك الخليفة حتى هرب من يده أمير ~~الحج مظفر الدين سنقر المعروف بوجه السبع إلى الشام في سنة ثلاث وستمائة ~~وكتب إلى الخليفة أن هذا الوزير لا يبقى في خدمة الخليفة أحدا من مماليكه ، ~~ولا شك أنه يريد أن يدعي الخلافة ، وأكثر الناس القول في ذلك وقالوا فيه ~~الشعر ، فمنه قول بعضهم : ألا مبلغ عني الخليفة أحمدا . . . توق وفيت السوء ~~ما أنت صانع وزيرك هذا بين أمرين فيهما . . . فعالك يا خير البرية ضائغ فإن ~~كان حقا من سلالة أحمد . . . فهذا وزير في الخلافة طامع وإن كان فيما يدعي ~~غير صادق . . . فأضيع ما كانت لديه الصنائع فعزله ، وقيل في سبب عزله غير ~~ذلك . ولما عزل عاد أمير الحج من مصر وعاد قشتمر ، وأقيم في ms5368 نيابة الوزارة ~~فخر الدين أبو المنذر محمد بن أمسنا الواسط ، إلا أنه لم يكن متحكما . ~~وفيها أطلق الخليفة جميع حق البيع ، وما يؤخذ من أرباب الأمتعة أن ابنه عز ~~الدين نجاح الشرابي توفيت فاشترى بقرة لتذبح ويتصدق بلحمها ، فرفعوا في ~~حسابها مؤونة البقرة - وكانت كثيرة - فوقف الخليفة على ذلك ، فأمر بإطلاق ~~المؤونة جميعا . PageV23P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" وفيها في شهر رمضان أمر الخليفة ببناء دور ~~بمحال بغداد يفطر فيها الفقراء وسميت دور الخلافة . وفي سنة ست وستمائة في ~~شهر ربيع الأول عزل فخر الدين بن أمسينا عن نيابة الوزارة ، وألزم بيته ، ~~ثم نقل إلى المخزن ، وولى بعد لنيابة الوزارة مكين الدين محمد بن محمد بن ~~القمي كاتب الإنشاء ولقب مؤيد الدين ، ونقل إلى دار الوزارة . وفي سنة ~~اثنتي عشرة وستمائة في العشرين من ذي القعدة توفي الملك المعظم أبو الحسن ~~على ولد الخليفة الناصر لدين الله - وهو الولد الصغير - فحصل للخليفة عليه ~~ألم عظيم لم يسمع بمثله ، وأمر الخليفة أن لا يعزوه به وكانت له جنازة ~~عظيمة لم يسمع بمثلها ، ولم يبق ببغداد منزل إلا وفيه نعي . ذكر وفاة ~~الناصر لدين الله وشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته في أخر ليلة من شهر ~~رمضان سنة اثنتين وعشرين وستمائة ، وكانت علته عشرين يوما إصابة دوسنطاريا ~~. وكانت مدة خلافته ستا وأربعين سنة وعشرة أشهر وثمانية وعشرين يوما ، قال ~~ابن الأثير : وكان قبيح السيرة في رعيته ظالما ، فخرب في أيامه العراق ~~وتفرق أهله في البلاد ، فأخذ أموالهم وأملاكهم . وكان كثير التلون بفعل ~~الشيء وضده ، فمن ذلك أنه عمل دور الضيافة ببغداد ثم قطعها ، ثم عمل دارا ~~لضيافة الحج وأبطلها ، وأطلق بعض المكوس التي جددها ببغداد ثم أعادها ، ~~وجعل جل همه في رمي البندق والطيور المناسيب وسراويلات الفتوة ، وبطل ~~الفتوة من البلاد أجمع إلا من لبس منه ، ومنع الطيور المناسيب لغيره إلا ما ~~يؤخذ من طيوره ، ومنع من الرمي بالبندق إلا من ادعى له وانتسب إليه . ~~فأجابه الناس إلى ذلك إلا رجلا واحدا يقال له ms5369 ابن السفت فإنه فارق العراق ~~والتحق بالشام فأرسل إليه يرغبه بالمال الجزيل ليرمي عنه وينتسب إليه فأبى ~~. فأنكر عليه بعض أصحابه ذلك فقال : يكفيني افتخارا أن كل رام في الدنيا ~~رمى الخليفة إلا أنا والعجم ينسبون إلى الناصر أنه هو الذي راسل التتار ~~وجرأهم على البلاد ، وهذه المصيبة العظمى إن كانت PageV23P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" ذكر خلافة الظاهر بأمر الله هو أبو نصر محمد ~~بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله ، وهو الخليفة ~~الخامس والثلاثون من الخلفاء العباسيين . بويع له البيعة العامة بعد وفاة ~~والده الناصر لدين الله في شوال سنة اثنتين وعشرين وستمائة ، وكان قد خلع ~~من ولاية العهد وقطعت خطبته كما تقدم ، وإنما فعل ذلك أبوه لميله إلى ولده ~~الصغير ، فلما مات اضطر إلى إعادته لولاية العهد . قال : ولما ولي الخلافة ~~أظهر العدل والإحسان وأمر بإبطال المظالم وكف الأيدي عن الناس ، وأعاد على ~~الناس ما كان أبوه قد اغتصبه من أموالهم وأملاكهم ، وأبطل المكوس والحوادث ~~. فمن ذلك أن المخزن كان له صنجة للذهب تزيد على صنجة البلد نصف قيراط في ~~الدينار ، فيقبضون بها المال ويصرفون بصنجة البلد ، فسمع بذل فخرج خطه ~~للوزير أوله : " ويل للمطففين " إلى قوله " ليوم عظيم " قد بلغنا الأمر كذا ~~وكذا فتعاد صنجة المخزن إلى الصحيحة المتعامل بها . فكتب إليه بعض النواب ~~يقول : " إن هذا نبلغ كبير وقد حسبناه فكان في السنة الماضية خمسة وثلاثين ~~ألف دينار " فأعاد عليه الجواب بالإنكار ويقول : لو كان ثلاثمائة ألف دينار ~~وخمسين ألفا يطلق ، وأطلق زيادة صنجة الديوان وهي في كل دينار حبة ، وتقدم ~~إلى القاضي أن كل من عرض كتابا قديما بملك صحيح يعيده إليه من غير إذنه . ~~وأقام رجلا صالحا لولاية الحشري وبيت المال وكان حنبليا فقال : إن مذهبي أن ~~أورث ذي الأرحام فإن أذن أمير المؤمنين أن أفعل ذلك وليت وإلا فلا فقال أعط ~~كل ذي حق حقه واتق الله ولا تتق سواه وأبطل مطالعات حراس الدروب ببغداد ~~بأخبار الناس وقال " لا يكتب ms5370 إلينا إلا فيما يتعلق بمصالح دولتنا " . ومنه ~~أنه لما ولي الخلافة وصل صاحب الديوان من واسط وكان وجه في خلافة الناصر ~~لتحصيل الأموال ، فأحضر ما يزيد على مائة ألف دينار وطالع بذلك ، فأعاد ~~الخليفة الظاهر الجواب بإعادة المال إلى أربابه ، فأعيد إليهم . وأطلق من ~~كان في السجون وأمر أن يحمل إلى القاضي عشرة آلاف دينار يوفي بها دين من هو ~~في سجن الحاكم على شيء يعجز عنه . وتصدق في ليلة عيد الفطر وفرق في العلماء ~~وأهل الدين مائة ألف دينار ، ولم تطل مدته في الخلافة . PageV23P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" وكانت وفاته في رابع عشر رجب سنة ثلاث وعشرين ~~وستمائة ، فكانت مدة خلافته منذ أفضى إليه الأمر تسعة أشهر وأربعة عشر يوما ~~. قال : وأخرج قبل وفاته توقيعا بخطه إلى الوزير ليقرأه على أرباب الدولة ~~مقال الرسول . إن أمير المؤمنين يقول ليس غرضا أن يقال برز موسوم أو نفذ ~~مثال لا يبين له أثر ، بل أنتم إلى أمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال فقرأ ~~المرسوم فإذا فيه بعد البسملة " اعلموا أنه ليس إمهالنا إهمالا ولا إغضاؤنا ~~إغفالا ولكن نبلوكم أيكم أحسن عملا ، وقد غفرنا لكم ما سلف من إخراب البلاد ~~وتسريد الرعايا وتقبيح الشنعة وإظهار الباطل الجلي في البلاد وتشريد الحسن ~~الخفي حيلة ومكيدة ، وتسمية الاستئصال والاحتياج استيفاء واستدراكا لأغراض ~~انتهزتم فرصتها مختلسة من براثن ليث باسل وأنياب أسد مهيب ، تتفقون بألفاظ ~~مختلفة على معنى واحد ، وأنتم أمناؤه وثقاته فتميلون إلى هواكم ، وتمزجون ~~باطلكم بحقه فيطيعكم وأنتم له عاصون ، ويوافقون وأنتم له مخالفون . والآن ~~فقد بدل الله سبحانه بخوفكم أمنا ، وبفقركم غنى ، وبباطلكم حقا . ورزقكم ~~سلطانا يقيل العثرة ولا يؤاخذ إلا من أصر ، ولا ينتقم إلا ممن استمر ، ~~يأمركم بالعدل وهو يريده منكم وينهاكم عن الجور وهو يكرهه لكم ، يخاف الله ~~تعالى فيخوفكم مكره ويرجو الله تعالى ويرغبكم في طاعته فإن سلكتم مسالك ~~نواب خلفاء الله في أرضه وأمنائه على خلقه وإلا هلكتم ، والسلام " قال : ~~ووجد في داره رقاع مختومة لم يفتحها ms5371 فقيل له : ما عليك لو فتحتها فقال : لا ~~حاجة لنا فيها كلها سعايات ذكر خلافة المستنصر بالله هو أبو جعفر المنصور ~~ولقب في خلافته بالمستنصر بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين ~~الله أبي العباس أحمد ، وهو الخليفة السادس والثلاثون من الخلفاء العباسيين ~~. بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه الظاهر بأمر الله في رابع عشر شهر رجب ~~ثلاث وعشرين وستمائة ، فسلك من العدل والخير والإحسان مسلك والده ، ونادى ~~بإفاضة العدل وأن يطالع الناس بحوائجهم . ولما كان أول جمعة أتت في خلافته ~~أراد أن يصلي الجمعة في المقصورة التي يصلي فيها الخلفاء فقيل له إن المطبق ~~الذي يسلك إليها فيه خراب لا يسلك فركب فرسا وسار إلى الجامع ظاهرا للناس ~~بخادم وركاب دار وعليه قميص أبيض وعمامة بيضاء بسكاكين حرير ، ولم يترك ~~أحدا يمشي في خدمته . وكذلك فعل في الجمعة الثانية حتى صلح المطبق ~~PageV23P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" وفي سنة خمس وثلاثين وستمائة كانت وقعة بين ~~التتار وعساكر الخليفة ، وكان مقدم العسكر الحليفتي جمال الدين بكلك ~~الناصري . وقتل من الطائفتين خلق كثير ، فانهزم عسكر الخليفة وهو أول مصاف ~~كان بين التتار وعسكر الخليفة ، ودامت أيام المنتصر إلى سنة أربعين وستمائة ~~. وكانت وفاته بكرة يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الآخرة منها ، وكان سبب ~~وفاته أنه فصد بمبضع مسموم فتوفي . وكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة إلا ~~ثلاثة وثلاثين يوما ، وكان الناس في زمن خلافته في شغل شاغل عن ضبط أيامه ~~بالتاريخ ، لما دهمهم من حادثة التتار . فلذلك اختصرنا أيامه وسترد أخبار ~~التتار وخروجهم وما استولوا عليه من الممالك وما فعلوه بأهل البلاد مبينا ~~عند ذكرنا للدولة الخوارزمية والجنكزخانية - إن شاء الله تعالى . ذكر خلافة ~~المستعصم بالله هو أبو أحمد عبد الله بن المستنصر بالله أبي جعفر المنصور ~~بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن ~~المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن ~~المقتفي لأمر الله أبي ms5372 عبد الله بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن ~~المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين أبي العباس أحمد بن ~~القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن القادر بالله أبي العباس أحمد بن ~~إسحاق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد ~~بن الموفق بالله أبي أحمد طلحة وهو الملقب بالناصر - ولم يل الخلافة - بن ~~المتوكل علي الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن ~~الرشيد أبي محمد هارون بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور بن ~~محمدين علي بن عبد الله بن العباس - رضي الله عنه - بن عبد المطلب ، وهو ~~الخليفة السابع والثلاثون من الخلفاء العباسيين ، بويع له بالخلافة بعد ~~وفاة أبيه المستنصر بالله في يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ~~أربعين وستمائة . وكان متدينا متمسكا بمذهب السنة والجماعة ، وحسن له ~~أصحابه جمع الأموال والاقتصار على بعض من ببغداد من الجند ، وقطع الباقي ، ~~ومسالمة التتار وحمل PageV23P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" القطيعة إليهم ليكفوا عنهم ، وقالوا له : ~~هؤلاء ملكوا معظم بلاد الإسلام ولم يقف أحد من الملوك أمامهم " فأذعن إلى ~~ذلك . وفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة قصد التتار بغداد ، حتى انتهوا إلى ~~ظاهرها ونهبوا ما مروا عليه من البلاد ، فخرجت إليهم العساكر الخليفتية ~~فأججوا النيران بالليل ورحلوا ، ودامت أيام المستعصم بالله إلى أن ملك ~~التتار بغداد . ذكر مقتل المستعصم بالله وانقراض الدولة العباسية واستيلاء ~~هولاكو على بغداد كان مقتله في العشرين من المحرم سنة ست وخمسين وستمائة ~~عندما استولى هولاكو على بغداد على ما نذكره إن شاء الله في أخبار التتار . ~~ولما ملك هولاكو بغداد أحضر الخليفة المستعصم بالله وأمر أن يجعل في عدل ~~ويداس بأرجل الخيل حتى يموت ، ففعل به ذلك ومن عادة التتار أن لا يسفكوا ~~دماء الملوك والأكابر ، وسبى كل من حواه قصر الخلافة من الحريم ، واستولى ~~على ذخائر الخلفاء ، ونهبت بغداد ، وبذلوا السيف فيها سبعة أيام متوالية ثم ~~رفع في اليوم ms5373 الثامن . وكانت خلافة المستعصم بالله خمسة عشر سنة ، وسبعة ~~أشهر ، وعشرة أيام . وكان الذي بعث هولاكو على قصد بغداد أن الوزير مؤيد ~~الدين محمد بن العلقمي كان شيعيا والشيعة يسكنون بالكرخ وهي محلة مشهورة ~~بالجانب الغربي من بغداد ، فأحدث أهلها حدثا فأمر الخليفة ينهبهم فنهبهم ~~العوام ، فوجد الوزير لذلك وكاتب هولاكو ، وأخذ في التدبير على الخليفة ~~وقطع أرزاق الجند ، وأضعفهم حتى تمكن التتار من أخذ البلاد . قال : ولما ~~فتح هولاكو بغداد وأحضر الوزير المذكور فقال : كيف كانت حالك مع الخليفة ؟ ~~فذكر ما كان عليه من التقدم ونفاذ الكلمة وكثرة الأتباع وأنه كان يركب في ~~جمع عظيم ، فقال : إذا كان هذا فعلك في حق من قدمك وأحسن إليك كيف يكون منك ~~معنا ؟ وأمر بقتله . وقيل استبقاه وأن امرأته رأته في يوم وهو على برذون ~~ليس معه أحد فنظرت إليه وقالت : يا ابن العلقمي هكذا كنت في أيام أمير ~~المؤمنين ؟ PageV23P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" جامع أخبار خلفاء الدولة العباسية بالعراق ~~ومن ولى منهم ومدة خلافتهم ولي منهم بالعراق سبعة وثلاثون خليفة وهم : أبو ~~العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وهو السفاح ، ثم ~~المنصور أبو جعفر عبد الله أخوه ، ثم المهدي أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر ~~المنصور ، ثم ابنه الهادي أبو محمد موسى ، ثم أخوه الرشيد أبو محمد هارون ، ~~ثم ابنه الأمين أبو عبد الله محمد ، ثم أخوه المأمون أبو العباس عبد الله ، ~~ثم أخوه المعتصم بالله أبو إسحاق محمد بن الرشيد وهو أول من أضاف إلى لقبه ~~اسم الله عز وجل ، ثم ابنه الواثق بالله أبو جعفر هارون ، ثم أخوه المتوكل ~~على الله أبو الفضل جعفر ، ثم ابنه المنتصر بالله أبو جعفر محمد ، ثم ~~المستعين بالله أبو العباس أحمد بن المعتصم بالله ، ثم المعتز بالله أبو ~~عبد الله محمد بن المتوكل ، ثم المهتدي بالله أبو عبد الله محمد بن الواثق ~~، ثم المعتمد على الله أبو العباس أحمد بن المتوكل على الله ، ثم المعتضد ~~بالله أبو ms5374 العباس أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل ، ثم المكتفي بالله أبو ~~محمد علي بن المعتضد ، ثم المقتدر بالله أبو الفضل جعفر بن المعتضد وخلع ~~مرتين فالأولى بويع لابن المعتز والثانية بويع للقاهرة ، ثم القاهر بالله ~~أبو منصور محمد بن المعتضد ، ثم الراضي بالله أبو العباس أحمد بن المقتدر ، ~~ثم المتقي لله أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر ، ثم المستكفي بالله أبو ~~القاسم عبد الله بن المكتفي ، ثم المطيع لله أبو القاسم الفضل بن المقتدر ، ~~ثم الطائع لله أبو بكر عبد الكريم بن المطيع ، ثم القادر بالله أبو العباس ~~أحمد بن إسحاق بن المقتدر ، ثم القائم بأمر الله أبو جعفر عبد الله بن ~~القادر ، ثم المقتدي بأمر الله أبو القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين أبي ~~العباس أحمد بن القائم ، ثم المستظهر بالله أبو العباس أحمد بن المقتدي ، ~~ثم المسترشد بالله أبو منصور الفضل بن المستظهر ، ثم الراشد بالله أبو ~~العباس جعفر المنصور بن المسترشد ، ثم المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمد ~~بن المستظهر ، ثم المستنجد بالله أبو المظفر بن المقتفي ثم ابنه المستضيء ~~بأمر الله أبو محمد الحسن ، ثم ابنه الناصر لدين أبو العباس أحمد ، ثم ابنه ~~الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد ، ثم ابنه المستنصر بالله أبو جعفر المنصور ~~، ثم ابنه المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله . وكانت مدة خلافتهم منذ بويع ~~أبو العباس السفاح وإلى أن قتل المستعصم بالله خمسمائة وثلاثا وعشرين سنة ~~وعشرة أشهر وستة أيام وانقرضت الدولة العباسية وانقطعت دعوتهم من سائر ~~أقطار الدنيا ثلاث سنين وخمسة أشهر وعشرين يوما إلى أن عادت بالديار ~~المصرية المحروسة في الدولة الظاهرية . PageV23P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" ذكر عود الدولة العباسية وقيامها بالديار ~~المصرية المحروسة ذكر خلافة المستنصر بالله هو أبو العباس أحمد بن الظاهر ~~بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد ، بويع له ~~بالخلافة بالديار المصرية في التاسع من شهر رجب سنة تسع وخمسين وستمائة . ~~وذلك أنه وصل إلى الديار المصرية في هذا اليوم ، فركب ms5375 السلطان الملك الظاهر ~~ركن الدين بيبرس للقائه في موكب مشهود ، وأنزله بقلعة الجبل وأمر بإثبات ~~نسبه . وحضر الأمراء والوزير وقاضي القضاة ونواب الحكم والفقهاء والصلحاء ~~وأكابر المشايخ وأعيان الصوفية واجتمعوا بقاعة العمد بقلعة الجبل وأمر ~~السلطان بإحضار العربان الذين حضروا مع الخليفة فحضروا وحضر خادم من ~~البغاددة فسئلوا عنه هل هو أحمد بن الظاهر قالوا أنه هو فشهد جماعة من ~~القضاة الأكابر بالاستفاضة وهم : جمال الدين يحيى نائب الحكم بمصر والفقيه ~~علم الدين ابن رشيق صدر الدين مرهوب الجزري ونجيب الدين الحراني ، وسديد ~~الدين التزمنتي نائب الحكم بالقاهرة أنه هو فأسجل قاضي القضاة تاج الدين ~~عبد الوهاب بن الأغر وحلف على نفسه بثبوت نسبه وهو قائم على قدميه ، ولقب ~~المستنصر بالله على اسم أخيه . وبايعه السلطان على كتاب الله وسنة رسوله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد في سبيل ~~الله ، وأخذ الأموال بحقها وصرفها في مستحقها ، ثم بايعه الناس على اختلاف ~~طبقاتهم ومراتبهم . ولما تمت بيعته قلد السلطان البلاد الإسلامية وما يضاف ~~إليها وما يفتحه الله تعالى على يديه من البلاد ، وكتب السلطان إلى سائر ~~الأعمال بأخذ البيعة له ، وأن يخطب باسمه على المنابر ، وتنقش السكة باسمه ~~واسم السلطان . وخطب الخليفة PageV23P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" بالناس في يوم الجمعة السابع عشر من شهر رجب ~~بجامع القلعة ، ونثرت عليه الدنانير والدراهم ، وخلع على السلطان وطوقه يوم ~~الاثنين . واستخدم السلطان للخليفة من يحتاج إليه من أرباب الوظائف فجعل ~~الأمير سابق الدين بوزبا أتابك العسكر ، وكتب له بألف فارس وجعل الطواشي ~~بهاء الدين صندل شرابيا وكتب له بخمسمائة فارس والأمير ناصر الدين محمد بن ~~صريم خزندارا وكتب له بمائتي فارس ، والأمير نجم الدين أستاذ الدار وكتب له ~~بخمسمائة فارس ، والأمير سيف الدين بلبان الشمسي دوادارا وكتب له بخمسمائة ~~فارس . وأمر جماعة من العربان بالطبلخانات واشترى للخليفة مائة مملوك جعلهم ~~جمدارية وسلحدارية وأعطى كلا منهم ثلاثة أرؤس خيل وجملا لعدته . واستخدم له ~~صاحب ديوان وكتاب إنشاء وأئمة ومؤذنين وحكماء وجرائحية ، وغلمانا ms5376 . وكمل له ~~البيونات وجهوه وجهز معه ملوك الشرق الذين كانوا قد وصلوا إلى السلطان وهم ~~: الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك الرحيم صاحب الموصل ، وكتب له ~~بالموصل وولاياتها ورساتقها ونصيبين وولاياتها ، ودارا وأعمالها ، والقلاع ~~العمادية وبلادها ، وغير ذلك مما جاوره . وكتب للملك المجاهد سيف الدين ~~إسحاق أخيه بلاد الجزيرة ، وكتب للملك المظفر علاء الدين على سنجار ~~وأعمالها التي كانت بيده . وأرسل إليهم الطبلخانات والسناجق ، وتقدم إليهم ~~بسفرهم صحبته إلى الشام ليجهزهم إلى مستقرهم صحبة الخليفة . ذكر مسير ~~الخليفة المستنصر بالله إلى بلاد الشرق وقتله قال : وتوجه الخليفة والسلطان ~~والملوك إلى الشام في سادس شوال من السنة ، وكان مبلغ النفقة على الخليفة ~~والملوك ألف ألف دينار وستين ألف عينا ، ووصلوا إلى دمشق . ونزل الخليفة ~~بجبل الصالحية في برية الملك الناصر ، وجرد PageV23P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" السلطان عسكرا صحبه الأمير سيف الدين بلبان ~~الرشيدي وشمس الدين سنقر الرومي وودع السلطان الخليفة والملوك وسفرهم وأوصى ~~الرشيدي والرومي ومن معهما أن يقيموا بجهة حلب وبر الفرات ومتى طلبهم ~~الخليفة ساروا إليه . وسار الخليفة إلى دمشق وعبر الفرات - ولم يتأن في ~~أمره - فوصل عانة والحديثة . فخرج عليه مقدم من مقدمي التتار اسمه أورداي ~~ومعه تمانا ، فالتقوا واقتتلوا فاستشهد الخليفة ، وقتل أكثر من كان معه . ~~وأما عن الملك الصالح فإنه دخل الموصل وملكها واستقر بها ، فسار إليه ~~أورداي المذكور وحاصره ، وملك البلد ، وصلبه هو وابنه على باب الموصل ، ~~وانهزم أخواه الملك المجاهد والمظفر علي إلى الديار المصرية ، فأقاما بها ~~إلى أن ماتا في الدولة المنصورية السيفية ، رحمهما الله . وانقضت الخلافة ، ~~وانقرضت الدولة العباسية ثانية من سائر الأرض ، وتعطلت المنابر من ذكر ~~دعوتهم إلى أن عادت بالديار المصرية أيضا ببيعة الخليفة الحاكم بأمر الله ~~أبي العباس أحمد . ذكر خلافة الحاكم بأمر الله هو أبو العباس أحمد بن محمد ~~بن الحسن بن أبي بكر بن الحسن بن علي الفتى بن الحسن بن الخليفة الراشد ~~بالله بن جعفر المنصور بن المسترشد بالله وقد تقدم نسبه مستوفى . بويع له ~~بالخلافة ms5377 بالديار المصرية في يوم الخميس الثاني من المحرم سنة إحدى وستين ~~وستمائة . وذلك أنه وصل إلى الديار المصرية في سنة ستين وستمائة ، فلما كان ~~في هذا اليوم جلس السلطان الملك الظاهر مجلسا عاما ، وحضر الخليفة راكبا ~~إلى الإيوان الكبير بقلعة الجبل . وجلس إلى جانب السلطان . وبايعه بعد ثبوت ~~نسبه كما بايع المستنصر ، ثم قلد السلطان أمور البلاد والجيوش . وبايعه ~~الناس على اختلاف طبقاتهم ، وكان ذك بحضور الرسل ومن وفد من التتار . وخطب ~~يوم الجمعة بجامع القلعة ، ثم خطب مرة ثانية في ثامن عشر شعبان بحضور رسل ~~بركة ، ودعا للسلطان وللملك بركة وصلى بالناس . وحجب السلطان الملك المنصور ~~حسام الدين PageV23P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" لاجين المنصوري من البرج وأسكنه بالمناظر ~~الصالحية المعروفة بالكبش ووسع عليه في رزقه ورزق أولاده . وحج في هذه ~~السنة ورجع ، فكان بالمناظر إلى أن مات . وكانت وفاته في الثامن عشر من ~~جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة في دولة السلطان الملك الناصر الثانية وصلى ~~عليه الشيخ كريم الدين عبد الكريم الأبلي الصوفي - شيخ الصوفية بمشهد ~~السيدة نفيسة - ودفن بجوار المشهد . وكانت مدة خلافته أربعين سنة وأربعة ~~أشهر ، وستة عشر يوما . وهو أول خليفة دفن بمصر من الخلفاء العباسيين ، ~~رحمه الله . ذكر خلافة المستكفي بالله هو أبو الربيع سليمان بن الحاكم بأمر ~~الله وهو الثالث من خلفاء بني العباس بمصر ، والخليفة الأربعون من خلفائهم ~~. بويع له يوم وفاة والده الحاكم بأمر الله في الثامن عشر من جمادى الأولى ~~سنة إحدى وسبعمائة وخطب له على المنابر وحضر مع السلطان الملك الناصر مصاف ~~مرج الصفر الذي انهزم فيه التتار في ثاني شهر رمضان سنة اثنتين وسبعمائة . ~~واستمر في صحبة السلطان ، يركب معه إلى الصيد وإلى الميدان ، ويلعب الكرة . ~~وسكن بمناظر الكبش وغيرها من المساكن الحسنة المترفة على نهر النيل ، ورتب ~~له من النفقات والكساوي وغير ذلك ما يحتاج إليه هو ومن عنده . وكذلك رتب ~~لابن أخيه إبراهيم ، ولم يحجر السلطان عليهما ، بل يركب كل منهما متى شاء ~~ويزور من شاء . الباب الخامس ms5378 من القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار ~~الدولة الأموية ببلاد الأندلس كان ابتداء هذه الدولة في سنة ثمان وثلاثين ، ~~وقيل تسع وثلاثين ومائة ، في خلافة أبي جعفر المنصور الثاني من الخلفاء ~~العباسيين ، وأول من ملك بلاد الأندلس PageV23P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" من بني أمية أبو المظفر عبد الرحمن بن معاوية ~~بن هشام بن عبد الملك بن مروان . وقيل كنيته أبو المطرف ، وقيل أبو سليمان ~~، وقيل أبو زيد ، وأمه بربرية من سبي أفريقية واسمها راح ولقب عبد الرحمن ~~بالداخل عند دخوله . وكان استيلاء عبد الرحمن على الأندلس في سنة ثمان ~~وثلاثين ومائة . وقيل تسع وثلاثين . وكان سبب دخوله إليها واستيلائه عليها ~~أنه لما قتل مروان بن محمد ، وانقرضت الدولة الأموية ، وقتل من قتل من بني ~~أمية ، وتشتتوا في البلاد . . . . كان عبد الرحمن هذا بذات الزيتون ففر ~~منها إلى فلسطين ، فأقام بها هو ومولاه بدر يتجسس له الأخبار ، فحكى عنه ~~أنه قال : " لما أعطينا الأمان ثم نكث بنا بنهر أبي فطرس أتاني الخبر وكنت ~~منتبذا عن الناس . فرجعت إلى منزلي آيسا ونظرت فيما يصلحني وأهلي ، وخرجت ~~خائفا حتى صرت إلى قرية على الفرات ذات شجر وغياض . فبينا أنا ذات يوم فيها ~~وولدي سليمان يلعب بين يدي - وهو يومئذ ابن أربع سنين - فخرج عني ثم دخل لي ~~باكيا فزعا ، فتعلق بي وجعلت أدفعه ، وخرجت لأنظر فإذا بالخوف قد نزل ~~بالقرية والرايات السود منحطة عليها وأخ لي حدث يقول لي : النجاة النجاة ~~فأخذت دنانير معي ونجوت بنفسي وأخي وأعلمت أخواتي بمقصدي وأمرتهن أن ~~يلحقنني مولاي بدرا - قال - وأحاطت الخيل بالقرية فلو يجدوا لي أثرا . ~~فأتيت رجلا من معارفي وأمرته فاشترى لي دواب وما يصلحني فدل علي عبد له ~~العامل ، فأقبل خيله يطلبني فخرجنا على أرجلنا والخيل تبصرنا ، فدخلنا ~~الفرات فسبحنا فنجوت أنا والخيل ينادون بالأمان وأنا لا أرجع وأما أخي فإنه ~~عجز عن السباحة في نصف الفرات فرجع إليهم بالأمان ، فقتلوه وأنا أنظر إليه ~~وهو ابن ثلاث عشرة سنة فاحتملت ثكله ومضيت وتواريت في ms5379 غيضة حتى انقطع الطلب ~~عني . وخرجت فقصدت المغرب فبلغت أفريقية ، ثم ألحقتني أختي أم الإصبع مولاي ~~بدرا بنفقة وجوهر . قال المؤرخ : ولما بلغ أفريقية كان بها عبد الرحمن بن ~~حبيب الفهري عاملا لمروان بن محمد ، فظن عبد الرحمن بن معاوية أن ابن حبيب ~~يرعاهم ويحوطهم PageV23P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" ويحسن مجاورتهم . فلما علم ابن حبيب أن مروان ~~قد قتل وأن أهله وولده قد تفرقوا وأن رجاله قد استأمنوا إلى أعمال أبي ~~العباس السفاح طلب لنفسه السلامة ، وكتب بالسمع والطاعة ، وأراد قتل عبد ~~الرحمن بن معاوية ومن معه والتقرب بهم إلى عمال السفاح . وأرسل في طلبه ~~فهرب منه وأتى مكناسة وهي قبيلة من البربر وعندهم شدة ، ثم هرب منهم وأتى ~~نفراوة وهم أخواله . وقيل أتى قوما من الزناتيين فأحسنوا قبوله فيهم وأخذوا ~~في التدبير والمكاتبة إلى الأمويين من أهل الأندلس يعلموهم بقدومه ويدعونهم ~~إلى عبد الرحمن . ووجه بدرا مولاه إليهم ، وكان أمير الأندلس يومذاك يوسف ~~بن عبد الرحمن الفهري فسار بدر إليهم وأعلمهم حال عبد الرحمن ودعاهم إليه ~~فأجابوه ، ووجهوا إليه مركبا فيه تمام بن علقمة ووهب بن الأصفر وشاكر بن ~~أبي الأسمط ، فوصلوا إليه وأبلغوه طاعتهم ، وأخذوه ورجعوا به إلى الأندلس ~~فأرسى بالمركب بالجزيرة في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومائة . فأتاه ~~جماعة من رؤسائهم من أهل إشبيلية ، ثم انتقل إلى كورة رية فبايعه إبراهيم ~~بن شجرة عاملها . ثم سار إلى إشبيلية فبايعه أبو صالح يحيى بن يحيى ، ونهض ~~إلى قرطبة فبلغ خبره يوسف بن عبد الرحمن وكان غائبا عن قرطبة بنواحي طليطلة ~~، فأتاه الخبر وهو راجع إلى قرطبة فتراسل هو ويوسف في الصلح فخادعه ، فلم ~~يشك أصحاب يوسف في انتظام الصلح وذلك في يومين أحدهما يوم عرفة ، فأقبل ~~يوسف في إعداد الطعام ليأكله الناس في يوم الأضحى وعبد الرحمن يرتب خيله ~~ورجله وعبر النهر في أصحابه . وأنشب القتال ليلة الأضحى ، وصبر الفريقان ~~حتى ارتفع النهار ، وركب عبد الرحمن على بغلة وأسرع في القتل في أصحاب يوسف ~~فانهزم وظفر عبد ms5380 الرحمن بن معاوية . ولما انهزم يوسف أتى ماردة وأتى عبد ~~الرحمن قرطبة ، وأخرج حشم يوسف وأهله من القصر على تؤدة ورفق ، ودخله بعد ~~ذلك . ثم سار في طلب PageV23P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" يوسف ، فلما أحس به يوسف سار إلى قرطبة ~~فدخلها وملك قصرها ، وأخذ جميع أهله وماله ، ولحق بمدينة إلبيرة . ورجع عبد ~~الرحمن إلى قرطبة فلم يجده فسار إلى إلبيرة ، وتراسلا في الصلح فاصطلحا على ~~أن ينزل يوسف هو ومن معه بأمان وأن يسكن مع عبد الرحمن بقرطبة ويرهنه يوسف ~~ابنه أبا الأسود محمدا وسار يوسف مع عبد الرحمن إلى قرطبة فلما دخل قرطبة ~~تمثل : فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا . . . إذا نحن فيهم سوقة تتنصف قال : ~~واستقر عبد الرحمن بقرطبة وبني القصر والمسجد الجامع ، وأنفق فيه ثمانين ~~ألف دينار ، ومات قبل تمامه . ذكر مقتل عبد الرحمن بن يوسف الفهري قال : ~~وفي سنة إحدى وأربعين ومائة نكث يوسف عبد الرحمن الفهري ، وكان سبب ذلك أن ~~عبد الرحمن كان يضع عليه من يهينه وينازع في أملاكه ، فإذا اظهر حجته ~~الشرعية لا يعمل بها ، ففطن لما يراد منه . فقصد ماردة واجتمع عليه عشرون ~~ألفا فسار نحو عبد الرحمن ، وخرج عبد الرحمن من قرطبة نحوه إلى حصن المدور ~~ثم رأى يوسف أن يسير إلى عبد الملك ابن عمر بن مروان - وكان واليا على ~~إشبيلية وإلى ابنه عمر بن عبد الملك وكان على المدور - فسار نحوهما فخرجا ~~إليه واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب يوسف ، وبقي مترددا في البلاد ~~فقتله بعض أصحابه في شهر رجب سنة اثنتين وأربعين ومائة بنواحي طليطلة وحمل ~~رأسه إلى عبد الرحمن بن معاوية فنصبه بقرطبة وقتل ابنه عبد الرحمن بن يوسف ~~الذي كان عنده رهينة ونصب رأسه مع رأس أبيه وبقي ابنه الأسود عند عبد ~~الرحمن . وفي سنة ثلاث وأربعين ومائة ثار رزق بن النعمان الغساني وكان على ~~الجزيرة الخضراء . فاجتمع إليه خلق كثير ، فسار إلى شذونة فملكها ودخل ~~مدينة إشبيلية . PageV23P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" وعاجله عبد الرحمن بها وضيق على من فيها ms5381 ، ~~فتقربوا إليه بتسليمه له . وأمنهم ورجع عنهم . وفي سنة أربع وأربعين ومائة ~~ثار هشام بن عذرة الفهري وهو من بني عم يوسف بن عبد الرحمن الفهري بطليطلة ~~فحاصره الأمير عبد الرحمن وشدد عليه الحصار فمال إلى الصلح وأعطاه ابنه ~~أفلح رهينة فأخذه عبد الرحمن ورجع إلى قرطبة . ثم عاد هشام وخلع عبد الرحمن ~~، فعاد إليه وحاصره ونصب المجانيق عليها إلى على طليطلة فلم يؤثر فيها ~~لحصانتها فقتل ابنه أفلح ورمى برأسه إلى أبيه في المنجنيق ورحل إلى قرطبة . ~~ولم يظفر بهشام في هذه السنة واستمر إلى سنة سبع وأربعين ومائة فبعث عبد ~~الرحمن مولاه بردا وتمام بن علقمة فحصرا طليطلة وضيقا على هشام ثم أسراه هو ~~وحيوة بن الوليد اليحصبي وعثمان بن حمزة بن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه ، فأتى بهم إلى عبد الرحمن بن معاوية في جباب صوف ~~وقد حلقت رؤوسهم ولحاهم ، وركبوا الحمير وهم في السلاسل ، فصلبهم بقرطبة ~~ذكر خروج العلاء وقتله وفي سنة ست وأربعين ومائة سار العلاء بن مغيث ~~اليحصبي من أفريقية إلى مدينة باجة من الأندلس ، وليس السواد وقام بالدعوة ~~العباسية . وخطب لأبي جعفر المنصور ، واجتمع إليه خلق كثير . فخرج إليه ~~الأمير عبد الرحمن فالتقيا بنواحي إشبيلية وتحاربا زمانا ، فانهزم العلاء ~~وأصحابه ، وقتل في المعركة سبعة آلاف فارس وقتل العلاء ، فأمر عبد الرحمن ~~بعض التجار بحمل رأسه ورؤوس أصحابه إلى القيروان وإلقائها في السوق سرا ~~ففعل ذلك . ثم حمل منها إلى مكة ومعه أسود فوصلت والمنصور بمكة ومعه كتاب ~~كان المنصور قد كتبه إلى العلاء . وفي سنة سبع وأربعين ومائة قدم رسول عبد ~~الرحمن الذي أرسله إلى الشام في إحضار ولده الأكبر سليمان ، وحضر معه ~~سليمان . PageV23P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" ذكر خروج سعيد اليحصبي المعروف بالمطري وقتله ~~قال : وكان خروجه في سنة ثمان وأربعين ومائة بمدينة لبلة من الأندلس وسبب ~~ذلك أنه سكر يوما ، فتذكر من قتل من قومه اليمانية مع العلاء ، فعقد لواء ~~فلما صحا رآه معقودا ، فسأل ms5382 عنه فأخبروه فأراد حله ثم قال : ما كنت لأعقد ~~لواء ثم أحله بغير شيء وشرع في خلاف ، فاجتمعت اليمانية إليه وقصد إشبيلية ~~وتغلب عليها وكثر جمعه ، فبادره عبد الرحمن في جموعه . فامتنع المطري في ~~قلعة زعواق لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول فحصره بها وضيق عليه ، ~~ومنه أهل الخلاف من الوصول إليه . وكان قد وافقه على الخلاف علقمة اللخمي ~~وكان بمدينة شذونة وقد انضاف إليه جماعة من رؤساء القبائل وهم يريدون إمداد ~~المطري في جمع كثير . فلما سمع عبد الرحمن بذلك سير إليهم بدرا مولاه في ~~جيش فحال بينهم وبين المطري ، وطال الحصار وقلت رجاله بالقتل ، وفارقه ~~بعضهم . فخرج يوما من القلعة فقاتل فقتل وحمل رأسه إلى عبد الرحمن ، فقدم ~~أهل القلعة عليهم خليفة بن مروان ، فدام الحصار عليها . فأرسل أهلها يطلبون ~~الأمان من عبد الرحمن على أن يسلموا إليه خليفة فأجابهم إلى ذلك ، وتسلم ~~الحصن وخربه وقتل خليفة وخلقا كثيرا ممن معه ثم انتقل إلى غياث الأزدي وكان ~~ممن وافق المطري على الخلاف فحصره ومن معه وضيق عليهم فطلبوا الأمان فأمنهم ~~إلا نفرا فقبض عليهم ، وعاد إلى قرطبة فلما عاد إليها خرج عليه عبد الله بن ~~خراشة الأسدي بكورة جيان واجتمع إليه جموع فأغار على قرطبة فسير إليه عبد ~~الرحمن جيشا فتفرق جمعه ، فطال الأمان فأمنه ووفى له . وفي سنة تسع وأربعين ~~ومائة أغزى عبد الرحمن مولاه بدرا إلى بلاد العدو فأخذ الجزية منهم . وفيها ~~عزل عبد الرحمن أبا الصباح حي بن يحيى عن إشبيلية فدعاه إلى الخلاف ، فخدعه ~~عبد الرحمن حتى حضر عنده فقتله . PageV23P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" وفيها خرج غياث بن المسير الأزدي ، فخرج إليه ~~عامل عبد الرحمن وقاتله فانهزم غياث ومن معه ، وقتل وحمل رأسه إلى عبد ~~الرحمن بقرطبة . وفيها أمر عبد الرحمن ببناء سور مدينة قرطبة . ذكر أخبار ~~شقنا بن عبد الواحد وخروجه بالأندلس كان خروجه بشرق الأندلس في سنة إحدى ~~وخمسين ومائة وكان من بربر مكناسة يعلم الصبيان وكانت أمه تدعى فاطمة فادعى ms5383 ~~أنه من ولد فاطمة رضي الله تعالى عنها وأنه من ولد الحسين ، وتسمى بعبد ~~الله بن محمد وسكن شنتبرية واجتمع عليه خلق كثير من البربر وعظم أمره فسار ~~إليه عبد الرحمن فلم يقف له وزاغ في الجبال ، فكان إذا أمن انبسط وإذا خاف ~~صعد الجبال حيث يصعب طلبه . فاستعمل عبد الرحمن على طليطلة حبيب بن عبد ~~الملك ، واستعمل حبيب على شنتبرية سليمان بن عفان بن مروان بن أبان بن ~~عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، وأمر بطلب شقنا فنزل شقنا إلى سليمان ~~فقتله . واشتد ذكر شقنا وطار اسمه ، وغلب على ناحية قورية . وأفسد في الأرض ~~، فعاد عبد الرحمن وغزاه في سنة اثنتين وخمسين ومائة بنفسه ، فلم يثبت له ~~شقنا ، فأعياه أمره فعاد عنه ، وسير إليه في سنة ثلاث وخمسين بدرا مولاه ، ~~فهرب شقنا وأخلى حصنه شيطران ، ثم غزاه عبد الرحمن بنفسه في سنة أربع ~~وخمسين فلم يثبت له ، فعاد عنه وبعث لحربه أبا عثمان عبد الله بن عثمان ~~فخدعه شقنا وأفسد عليه جنده . فهرب عبد الله وغنم شقنا عسكره ، وقتل جماعة ~~من بني أمية كانوا في العسكر وذلك في سنة خمس وخمسين ومائة . وسار شقنا إلى ~~حصن الهواريين وبه عامل لعبد الرحمن فمكر به شقنا حتى خرج إليه ، فقتله ~~وأخذ خيله وسلاحه وما كان معه . ولم يزل شقنا كذلك وعبد الرحمن يغزوه تارة ~~بنفسه وتارة بجيوشه إلى سنة ستين ومائة فاغتاله أبو معن وأبو خريم وهما من ~~أصحابه ، فقتلاه وأخذا رأسه ولحقا بعبد الرحمن واستراح الناس من شره ~~PageV23P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" ذكر عصيان أهل إشبيلية على الأمير عبد الرحمن ~~قال : وفي سنة خمس وخمسين ومائة خرج أهل إشبيلية عن الطاعة مع عبد الغفار ~~وحيوة بن ملابس ، وكان عبد الرحمن قد خرج من قرطبة لحرب شنقا واستخلف عليها ~~ابنه سليمان فأتاه كتابه بخروجهم عن طاعته وعصيانهم عليه واتفاق من بها من ~~اليمانية على ذلك . فرجع عبد الرحمن إليها ولم يدخل قرطبة ، وهاله ما سمع ~~من اجتماعهم وكثرتهم ، فقدم ابن عمه ms5384 عبد الملك بن عمر ، فلما قارب عبد ~~الملك إشبيلية قدم ابنه أمية ليعلمه حالهم ، فرآهم متيقظين فرجع إلى أبيه ~~فلامه أبوه على رجوعه وإظهار الوهن ، فضرب عنقه وجميع بنيه وخاصته وقال : ~~طردنا من المشرق إلى الأقصى هذا الصقع ونحسد على لقمة تبقي الرمق ، اكسروا ~~جفون سيوفكم فالموت أولى أو الظفر ففعلوا ، وحمل أمامهم فهزم اليمانية وأهل ~~إشبيلية قلم يقم بعدها لليمانية قائمة . وجرح عبد الملك وبلغ الخبر عبد ~~الرحمن فأتاه وجرحه يجري دما وسيفه يقطر وقد لصقت يده بقائمة سيفه ، فقبل ~~بين عينيه وجزاه خيرا وقال له : يا ابن عم قد أنكحت ابني ولي عهدي هشاما ~~ابنتك فلانة وأعطيتها كذا وكذا ، وأعطيتك كذا وكذا ، وأولادك كذا وكذا ، ~~وأقطعتك وإياهم كذا وكذا ، ووليتك الوزارة وعبد الملك هذا هو الذي ألزم عبد ~~الرحمن بقطع خطبة المنصور وقال له : تقطعها وإلا قتلت نفسي وكان قد خطب له ~~عشرة أشهر وقطعها . قال : وفي سنة سبع وخمسين ومائة سار عبد الرحمن إلى ~~إشبيلية وقتل خلقا كثيرا ممن كان مع عبد الغفار ، وبسبب هذه الوقعة وغش ~~العرب مال عبد الرحمن إلى اقتناء العبيد . وفي سنة ست وخمسين سخط الأمير ~~عبد الرحمن على مولاه بدر لفرط إدلاله عليه ، وأخذ ماله وسلب نعمته ونفاه ~~إلى الثغور ولم يرع له حقوق الخدمة . وفي سنة ثمان وخمسين ومائة غزا الأمير ~~عبد الرحمن مدينة قورية وقصد البربر الذين كانوا أسلموا إلى شقنا فقتل منهم ~~خلقا كثيرا من أعيانهم PageV23P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" ذكر عبور الصقلبي إلى الأندلس وما كان من ~~أمره إلى أن قتل وفي سنة إحدى وستين ومائة وقيل سنة ستين عبر عبد الرحمن ~~ابن حبيب الفهري المعروف بالصقلبي - ولم يكن صقلبيا وإنما سمي بذلك لطوله ~~ورقته وشقرته - من أفريقية إلى الأندلس ليحارب عبد الرحمن ويدعوه إلى طاعة ~~المهدي بن أبي جعفر المنصور . وكان عبوره في ساحل تدمير ، وكانت سليمان بن ~~يقظان بالدخول معه ، فيمن معه من البربر . فقصد سليمان والتقوا واقتتلوا ، ~~فهزمه سليمان ، فعاد الصقلبي إلى تدمير ، وجاء عبد الرحمن ms5385 نحوه وأحرق السفن ~~ليمنعه من الهرب ، فقصد الصقلبي جبلا منيعا بناحية بلنسية . فبذل عبد ~~الرحمن ألف دينار لمن يأتيه برأسه فاغتاله رجل من البربر وحمل رأسه إلى عبد ~~الرحمن ، فأعطاه ألف دينار ، وكان قتله في سنة اثنتين وستين ومائة . وفي ~~سنة اثنتين وستين ومائة أرسل عبد الرحمن شهيد بن عيسى إلى دحية الغساني ~~وكان عاصيا في بعض حصون إلبيرة ، فقتله وسير بدرا مولاه إلى إبراهيم بن ~~شجرة وكان قد عصى عليه فقتله . وسير تمام بن علقمة إلى العباس البربري - ~~وهو في جمع البربر وأظهر العصيان - فقتله وفرق جموعه . وفيها سير جيشا مع ~~حبيب بن عبد الملك القرشي إلى القائد السلمي ، وكان حسن المنزلة عند عبد ~~الرحمن . فشرب ليلة وقصد باب القنطرة ليفتحه على سكر ، فمنعه الحرس فعاد . ~~فلما صحا من سكره خاف فهرب إلى طليطلة واجتمع إليه كثير ممن يريد الخلاف ~~والثر فعاجله عبد الرحمن بإنفاذ الجيوش ، فحصره في مكان كان قد تحصن به ، ~~فطلب السلمي البراز فبرز إليه عبد أسود فاختلفا ضربتين فوقعا صريعين وماتا ~~جميعا . وفي سنة ثلاث وستين ومائة ظهر الأمير عبد الرحمن التجهز إلى الخروج ~~لقصد الشام لطلب الثأر من بني العباس فعصى عليه سليمان بن يقظان والحسين بن ~~يحيى بن PageV23P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري بسرقسطة واشتد ~~أمرهما فرجع عن ذلك وترك ما كان أظهره منه . وفي سنة خمس وستين ومائة غدر ~~الحسين بن يحيى بسرقسطة ونكث ، فسير إليه عبد الرحمن غالب بن تمام بن علقمة ~~في جند كثيف فاقتتلوا ، فأسر جماعة من أصحاب الحسين فيهم ابنه عيسى ، ~~فسيرهم إلى عبد الرحمن فقتلهم ، وأقام غالب بن تمام بن علقمة يحاصر الحسين ~~. ثم سار عبد الرحمن في سنة ست وستين إلى سرقسطة فحصرها وضايقها ونصب عليها ~~ستة وثلاثين منجنيقا ، فملكها عنوة قتل الحسين أقبح قتلة ، ونفى أهل سرقسطة ~~منها ليمين كانت تقدمت منه ، ثم ردهم إليها . وفي سنة ست وستين ومائة قتل ~~عبد الرحمن ابن أخته المغيرة ابن الوليد بن هشام وهذيل ms5386 بن الصميل وسمرة بن ~~جبلة لاجتماعهم على خلعه مع العلاء . ذكر مخالفة أبي الأسود محمد بن يوسف ~~الفهري وفي سنة ثمان وستين ومائة ثار أبو الأسود محمد بن يوسف بن عبد ~~الرحمن الفهري ببلاد الأندلس . وكان من خبره أنه كان في السجن بقرطبة منذ ~~هرب أبوه على ما تقدم ، فأظهر أنه عمي وصار لا يطرف عينه لشيء ، وبقي دهرا ~~طويلا حتى صح عند عبد الرحمن ذلك . وكان في أقصى السجن سرداب يفضي إلى ~~النهر الأعظم يخرج منه المسجونون يقضون حوائجهم من غسل وغيره ، وكان ~~الموكلون يهملون أبا الأسود لعماه فإذا خرج من النهر يقول : من يدل الأعمى ~~إلى موضعه وكان مولى له بحادثه على شاطئ النهر فلا ينكر عليه . فواعده أن ~~يأتيه بخيل يحمله عليها فخرج يوما ومولاه ينتظره فعبر النهر سباحة وركب ~~الخيل ولحق بطليطلة فاجتمع إليه خلق كثير فرجع بهم إلى قتال عبد الرحمن . ~~فالتقيا على الوادي الأحمر بقسطلونة واشتد القتال فانهزم ابن الفهري ، وقتل ~~من أصحابه أربعة آلاف سوى من تردى في النهر . وأتبعه عبد الرحمن فقتل من ~~لحق حتى جاوز قلعة رباح ، ثم جمع أبو الأسود الرجال وعاد إلى قتال عبد ~~الرحمن سنة تسع وستين ومائة فهلك بقرية من أعمال طليطلة . وقام بعده أخوه ~~قاسم وجمع جمعا فغزاه عبد الرحمن إليه بغير أمان فقتله . وفي سنة سبعين ~~ومائة أمر عبد الرحمن ببناء جامع قرطبة - وكان موضعه كنيسة - وأخرج عليه ~~مائة ألف دينار ، ولم يتم بناؤه في حياته فأتمه ابنه بعده . PageV23P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" ذكر وفاة عبد الرحمن وصفته وشيء من أخباره ~~وسيرته كانت وفاته بقرطبة في يوم الثلاثاء لست بقين من شهر ربيع الآخر سنة ~~إحدى وسبعين ومائة ، وقيل توفي في غرة جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين ~~ومائة ، وهو الصحيح وصلى عليه ابنه عبد الله ، وكان قد عهد إلى ابنه هشام ~~بمدينة ماردة واليا عليها ، وابنه سليمان بطليطلة واليا عليها ، فلم يحضرا ~~موت أبيهما . وكان مولد عبد الرحمن بدير حنا من عمل دمشق ، وقيل العلياء من ms5387 ~~ناحية تدمر في سنة ثلاث عشرة ومائة فكان عمره تسعا وخمسين سنة ، ومدة ~~ولايته بالأندلس ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وأربعة عشر يوما . وكان ~~أصهب خفيف العارضين طويل القامة نحيف الجسم أعور ، وكان فصيحا لسنا شاعرا ~~حليما عالما حازما ، سريع النهضة في طلب الخارجين عليه . لا يخلد إلى راحة ~~، ولا يسكن إلى دعة ، ولا يكبل أموره إلى غيره ، ولا ينفرد في إبرامها ~~برأيه . وكان يشبه بأبي جعفر المنصور في حزمه وشدته وضبطه لملكه . وبنى ~~الرصافة بقرطبة تشبها بجده هشام حيث بنى الرصافة بالشام ، فقال : وكان عبد ~~الرحمن من ذوي الآداب ، وله شعر حسن ، فمن شعره ما قاله بالأندلس يتشوق ~~معاهده بالشام : أيها الراكب الميمم أرضي . . . أقر من بعضي السلام لبعضي ~~إن جسمي كما علمت بأرض . . . وفؤادي كما عملت بأرض قدر البين بيننا ~~فافترقنا . . . وطوى البين عن جفوني غمضي قد قضى الله بالفراق علينا . . . ~~فعسى باجتماعنا سوف يقضي ومن شعره ما قاله لما عمر الرصافة بقرطبة ، وقد ~~رأى فيها نخلة منفردة ، فقال : تبدت لنا بين الرصافة نخلة . . . تناءت بأرض ~~الغرب عن بلد النخل فقلت شبيهي في التغرب مثلها . . . وطول اكتئابي عن بني ~~وعن أهلي نشأت بأرض أنت فيه غريبة . . . فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي ~~سقتك غوادي المزن من صوبها الذي . . . يسح ويستمري السماكين بالوبل ~~PageV23P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" وله غير ذلك من الشعر ، وسار أحسن سيرة وكان ~~نقش خاتمه " بالله يثق عبد الرحمن ويعتصم " . وكان له من الأولاد الذكور ~~أحد عشر ولدا وهم أيوب الشامي ولد بالشام ، وسليمان وهشام ولي عهده وهو ~~الوالي بعده ولد بالأندلس ، وعبد الله وله ببلنسية وعرب بالبلنسي ومسلمة ~~المعروف بكليب وأمية ، ويحيى ، والمنذر ، وسعيد الخير ، ومحمد ، والمغيرة ، ~~وتسع بنات . حاجبه : تمام بن علقمة وغيره . كتابه : أبو عثمان ، وعبد الله ~~بن خالد ، وغيرهما . قضاته : يحيى بن يزيد التجيبي ومعاوية بن يوسف الحضرمي ~~، وعمر بن شراحيل ، وعبد الرحمن ابن طريف اليحصبي . ذكر إمارة هشام هو أبو ~~الوليد هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن ms5388 مروان وأمه ~~أم ولد واسمها حوراء وهو الثاني من ملوك بني أمية بالأندلس . بويع له في ~~جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين ومائة عند وفاة أبيه ، وقيل في يوم ~~الثلاثاء لست بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين ومائة والله أعلم . ~~وكان بماردة متوليا عليها - كما ذكرنا - وكان أبوه قد عهد إليه قبل وفاته ، ~~وقدمه على سليمان وهو أكبر منه لأنه كان يتوسم فيه الشهامة ، فلذلك عهد ~~إليه فبايع له أخوه عبد الله وكتب إليه بنعي أبيه ويعزيه به ويعرفه أنه ~~بايع الناس له فلما وصل إليه الكتاب سار من ساعته إلى قرطبة فدخلها في ستة ~~أيام ، واستولى على الملك ، وخرج عبد الله إلى داره مظهرا الطاعة وفي نفسه ~~خلاف ذلك ذكر خروج سليمان وعبد الله ابني عبد الرحمن على أخيهما هشام وفي ~~سنة ثلاث وسبعين ومائة خرجا على أخيهما ، وكان عبد الله عند أخيه هشام وهو ~~يؤثره ويبره ويقدمه ، فلم يرضه ذلك ولا قنع إلا بمشاركته في الأمر ، ثم خاف ~~فهرب إلى أخيه سليمان وهو بطليطلة . فأرسل هشام في أثره جماعة ليردوه ، فلم ~~يدركوه ، فجمع هشام عساكره وسار إلى طليطلة فحصر أخويه بها . وكان سليمان ~~قد حشد وجمع جمعا كبيرا فلما حصرها هشام سار سليمان من طليطلة وترك ابنه ~~وأخاه عبد الله يحفظان البلاد ، وسار هو إلى قرطبة ليملكها ، فعلم هشام به ~~فلم يفارق الحصار . PageV23P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" وسار سليمان فوصل إلى شقندة فدخلها ، وخرج ~~إليه أهل قرطبة مقاتلين له ، ودافعوه هم المدينة . وبعث هشام في أثر سليمان ~~عبد الملك في قطعة من الجيش ، فلما قاربه هرب سليمان وقصد مدينة ماردة ، ~~فحاربه واليها ، فانهزم سليمان . وبقي هشام على طليطلة شهرين وأياما محاصرا ~~لها ، ثم عاد منها وقد قطع أشجارها ، وسار إلى قرطبة ، وأتاه أخوه عبد الله ~~بغير أمان فأكرمه وأحسن إليه . ثم سير هشام ابنه معاوية في جيش كثيف في سنة ~~أربع وسبعين إلى تدمير وبها سليمان فحاربه ، وخرب أعمال تدمير ، فهرب ~~سليمان منها ، فلجأ إلى البربر بناحية بلنسية ms5389 ، فاعتصم بتلك الناحية الوعرة ~~المسالك . وعاد معاوية إلى قرطبة ، ثم استقرت الحال بين هشام وسليمان أن ~~يأخذ سليمان أهله وأمواله ويفارق الأندلس ، وأعطاه هشام ستين ألف دينار ~~مصالحة عن ميراث أبيه عبد الرحمن وسار إلى بلد البربر فأقام به . ذكر خروج ~~جماعة أخر على الأمير هشام وفي سنة اثنتين وسبعين خرج عليه أيضا سعيد بن ~~الحسين بن يحيى الأنصاري بشاغنت - من أقاليم طرطوشة في شرق الأندلس - وكان ~~قد التجأ إليها حين قتل أبوه ، ودعا إلى اليمانية وتعصب لهم ، فاجتمع له ~~خلق كثير ، فملك مدينة طرطوشة فأخرج عاملها يوسف القيسي . فعارضه موسى بن ~~فرتون وقام بدعوة هشام ، ووافقته مضر ، فاقتتلا فانهزم سعيد وقتل ، وسار ~~موسى إلى سرقسطة فملكها فخرج عليه مولى الحسين بن يحيى واسمه جحدر في جمع ~~كثير فقاتله فقتل موسى . وخرج أيضا مطروح بن سليمان بن يقظان بمدينة ~~برشلونة ، وخرج معه جمع كثير ، فملك مدينة سرقسطة ومدينة وشفة وتغلب على ~~تلك الناحية وقوي أمره ، وكان هشام إذ ذاك في حرب أخويه سليمان وعبد الله ، ~~فلما خلا وجهه من أمر أخويه انتدب لمطروح جيشا كثيفا وجعل عليهم أبا عثمان ~~. فسار إليه وهو PageV23P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" بسرقسطة فحصروه بها فلم يظفروا به ، فرجع عنه ~~أبو عثمان ونزل بحصن طرسونة بالقرب من سرقسطة ورتب سراياه يغيرون على أهل ~~سرقسطة ويمنعون عنهم الميرة . ثم خرج مطروح إلى الصيد في بعض الأيام ، فلما ~~كان آخر النهار أرسل البازي على طائر فاقتنصه فنزل مطروح ليذبحه بيده ومعه ~~صاحبان له قد انفرد بهما عن أصحابه فقتلاه وأتيت برأسه إلى أبي عثمان ، ~~فسار إلى سرقسطة فكاتبه أهلها فقبل منهم وأرسل الرأس إلى هشام . قال : وأخذ ~~أبو عثمان الجيش وسار بهم إلى بلاد الفرنج فأوقع بهم وظفر وقتل منهم خلقا ~~كثيرا ، وبعث هشام يوسف بن بخت في جيش إلى جليقية فلقي ملكهم ، فاقتتلوا ~~قتالا شديدا فانهزمت الجلالقة وقتل منهم خلق كثير . وفيها أيضا سجن هشام ~~ابنه عبد الملك لشيء بلغه عنه ، فبقي في السجن مدة حياة أبيه وبعض ms5390 ولاية ~~أخيه إلى أن توفي سنة ثمان وتسعين ومائة . وفي سنة ست وسبعين ومائة غزا عبد ~~الملك بن عبد الواحد بلاد الفرنج فغنم وظفر . وفيها استعمل هشام ابنه الحكم ~~على طليطلة وسيره إليها يضبطها ، وأقام بها ، وولد له بها ابنه عبد الرحمن ~~. ذكر غزو الفرنج وفي سنة سبع وسبعين ومائة أغزى هشام عبد الملك بن عبد ~~الواحد بن مغيث في جيش ، فدخلوا بلاد الفرنج فبلغوا أربونة وجرندة ، فبدأ ~~بجرندة وبها حامية الفرنج فقتل رجالها وهدم أسوارها وأشرف على فتحها . ورحل ~~عنها إلى أربونة ففعل مثل ذلك وأوغل في بلادهم ووطئ برطانية واستباح حريمها ~~وقتل مقاتلتها وجاس البلاد شهورا يخرب الحصون ويحرق ويغنم . وجفل العدو بين ~~يديه ، وأوغل في بلادهم ورجع ومعه الغنائم وما لا يحصى كثرة ، وهي أشهر ~~مغازي المسلمين بالأندلس . PageV23P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" وفي سنة ثمان وسبعين ومائة بعث هشام جيشا مع ~~عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث إلى بلاد الفرنج فغزا ألبة والقلاع فغنم ~~وسلم . وسير جيشا آخر مع أخيه عبد الملك بن عبد الواحد إلى بلاد الجلالقة ~~فخرب دار ملكهم وكنائسه وغنم ، فلما قفل المسلمون ضل الدليل بهم فنالهم ~~مشقة شديدة ومات منهم خلق كثير ، ونفقت دوابهم وتلفت آلاتهم ، وعاد من سلم ~~منهم . ثم بعثه في سنة تسع وسبعين في جيش كثيف فساروا حتى انتهزوا إلى ~~أسترقة وكان ملك الجلالقة قد جمع وحشد واستمد جيرانه من الملوك ، وصار في ~~جمع عظيم . فلما قدم عبد الملك رجع ملك الجلالقة هيبة له ، وتبعهم عبد ~~الملك يقفو أثرهم ويخرب ، وهتك حريم ملك الجلالقة وبلغه أنه احتمى بواد ~~فسار إليه وواقعه يوم الجمعة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة فهزمه ، وقتل ~~من قمامصتهم ورؤسائهم كثيرا ، ورجع سالما . وكان هشام قد سير جيشا آخر من ~~ناحية أخرى ، فدخلوا البلاد أيضا على ميعاد من عبد الملك ، فأخرجوا ونهبوا ~~وغنموا فلما أرادوا الخروج من بلاد العدو عارضهم عسكر الفرنج ، فنال منهم ، ~~وقتل من المسلمين ، ثم تخلصوا وعادوا . ذكر فتنة تاكرتا وفي سنة ثمان ~~وسبعين ms5391 ومائة هاجمته فتنة تاكرتا بالأندلس ، وخلع البربر الطاعة وأظهروا ~~الفساد ، وأغاروا على البلاد وقطعوا الطريق ، فسير هشام إليهم جيشا كثيفا ~~عليهم عبد القادر بن أبان بن عبد الله مولى معاوية بن أبي سفيان ، فقصدوها ~~وتابعوا قتال من فيها ، إلى أن أبادوهم قتلا وسبيا ، وفر من بقي منهم فدخل ~~في سائر القبائل ، وبقيت كورة تاكرتا خالية سبع سنين ذكر وفاة هشام بن عبد ~~الرحمن وشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته في ليلة الخميس لثلاث عشرة خلت من ~~صفر سنة ثمانين ومائة بقصر قرطبة وكان عمره تسعا وثلاثين سنة وأربعة أشهر ، ~~ومدة ولايته على القول الأول سبع سنين PageV23P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوما . وكان أبيض ~~مشربا بحمرة أشهل ، بعينيه حول وكان عاقلا حازما ذا رأي وشجاعة وعدل ، محبا ~~لأهل الخير والصلاح ، راغبا في الجهاد . وكان يعود المرضى ويشهد الجنائز ، ~~ومن محاسن أعماله أنه أخرج متصدقا يأخذ الصدقة على كتاب الله وسنة نبيه ( ~~صلى الله عليه وسلم ) . وهو الذي تمم بناء جامع قرطبة وبنى عدة مساجد ، ~~وبلغ من عز الإسلام في ولايته وذل الكفر أن رجلا مات وأوصى بفك أسير من ~~المسلمين من تركته ، فطلب ذلك فلم يوجد في دار الكفار أسير من المسلمين ~~يشترى ويفك لضعف العدو وله مناقب كثيرة بالغ أهل الأندلس فيها حتى قالوا ~~كان يشبه بعمر بن عبد العزيز ، وكان نقش خاتمه " بالله يثق هشام ويعتصم " . ~~وكان له من الأولاد الذكور عبد الملك الأكبر ، والحكم الوالي بعده ، ~~ومعاوية ، والوليد ، وعبد العزيز ، وخمس بنات . وزراؤه : أبو عثمان صاحب ~~الأرض ، ويوسف بن بخت وشهيد بن عيسى وغيرهم . حجابه : عبد الواحد بن مغيث ~~إلى أن توفي ، ثم ولده عبد الملك وهو رجل الأندلس جمع الحجابة والوزارة ~~والكتابة والتقدم على الجيوش مع حسن الأدب والعفاف والدين والتواضع والكرم ~~والمروءة . كتابه : فطيس بن سلمة ، وخطاب بن يزيد . قاضيه : المصعب بن ~~عمران الهمذاني . أصحاب شرطته : الحسن بن بسام ، ثم علي بن خريم المزني ، ~~ثم سعيد بن عياض اليحصبي . ذكر إمارة الحكم بن ms5392 هشام الملقب بالمرتضى هو أبو ~~العاص الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن ~~مروان بن الحكم ، وأمه أم ولد اسمها زخرف ، وهو الثالث من ملوك بني أمية ~~بالأندلس . بويع له يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثمانين ~~ومائة ، وتولى أخذ البيعة له عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث ، ولما ولي ~~الحكم كان أول ما بدأ به الغزو في سبيل الله تعالى . ذكر غزو الفرنج في هذه ~~السنة أعني - سنة ثمانين ومائة - بعث الحكم جيشا مع عبد الكريم بن عبد ~~الواحد بن مغيث إلى بلاد الفرنج ، فدخل البلاد وبث السرايا . وسير سرية ، ~~فجازوا خليجا من البحر كان الماء قد جزر عنه ، وكان الكفار قد جعلوا ~~أموالهم وأهلهم PageV23P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" وراء ذلك الخليج ظنا منهم أن أحدا لا يقدر أن ~~يعبر إليهم . فجاءهم ما لم يكن في حسبانهم ، فغنم المسلمون جميع أموالهم ، ~~وأسروا الرجال وقتلوا منهم فأكثروا القتل ، وسبوا الحريم والذرية ، وعادوا ~~سالمين . وما أشبه هذه الواقعة بفتح طرابلس الشام فإنه لما فتحها السلطان ~~الشهيد الملك المنصور سيف الدين قلاون الصالحي - قدس الله روحه - في سنة ~~ثمان وثمانين وستمائة جزر البحر ساعة الفتح وانطرد عنها حتى دخل المسلمون ~~بخيلهم إلى جزيرة النحلة وهي بعيدة عن الميناء ، وسنذكر ذلك إن شاء الله ~~تعالى في موضعه . قال : وعاد المسلمون إلى عبد الكريم وقد ملأوا أيديهم من ~~الغنائم . وسير طائفة أخرى فخربوا كثيرا من بلاد فرنسية وغنموا الأموال ~~وأسروا الرجال فأخبرهم بعض الأسرى أن جماعة من ملوك الفرنج قد سبقوا ~~المسلمين إلى واد وعر المسلك على طريقهم وبلغ ذلك عبد الكريم فجمع عساكره ~~وسار على بغيته وجد السير ، فلم يشعر الكفار إلا وقد خالطهم المسلمون ~~ووضعوا السيف فيهم فانهزموا ، وغنم المسلمون ما معهم وعادوا بالظفر ~~والغنيمة والسلامة . ذكر خلافة بهلول بن مرزوق وغيره وفي سنة إحدى وثمانين ~~ومائة خالف بهلول بن مرزوق المعروف بأبي الحجاج في ناحية الثغر ، ودخل ~~مدينة سرقسطة فملكها . وقد ms5393 على بهلول بها عبد الرحمن عم الحكم - وهو ~~المعروف بالبلنسي - وكان متوجها إلى الفرنج ، ثم سار إلى مدينة طلبيرة فنزل ~~بها مع عمروس بن يوسف . فسار إليهم بهلول وحاصرهم فتفرق العرب عنهم ، ودخل ~~بهلول مدينة طلبيرة وسار عبد الله إلى مدينة بلنسيبة فأقام بها وذلك في سنة ~~أربع وثمانين . وخالف عبيدة بن حسير بطليطلة ، فأمر الحكم القائد عمروس بن ~~يوسف وهو بمدينة طلبيرة أن يحارب أهل طليطلة ففعل ، وضيق عليهم ، وكاتب ~~رجالا من أهلها يعرفون ببني مخشي وأسمالهم ، فوثبوا علي عبيدة ، فقتلوه ~~وحملوا رأسه إلى عمروس فأنزلهم عنده - وكان بينهم وبين البربر الذين بمدينة ~~طلبيرة دخول - فتسوره البربر عليهم ، فقتلوهم ، فسير عمروس رؤوسهم مع رأس ~~عبيدة إلى الحكم وأخبره الخبر . PageV23P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" ذكر مسير سليمان بن عبد الرحمن لقتال البن ~~أخيه الحكم وقتل سليمان وفي سنة اثنتين وثمانين ومائة جاز سليمان بن عبد ~~الرحمن إلى بلاد الأندلس من الشرق لحرب ابن أخيه الحكم ، فسار إليه الحكم ~~في جيوش كثيرة من أهل الشقاق ومن يريد الفتنة ، والتقيا واقتتلا ، واشتدت ~~الحرب فانهزم سليمان وأتبعه عسكر الحكم . وعادت الحرب بينهما ثانية في ذي ~~الحجة ، فانهزم سليمان واعتصم بالأوعار والجبال ، فعاد الحكم ، ثم عاد ~~سليمان فجمع بربرا وأقبل إلى جانب إستجة . فسار إليه الحكم فالتقوا ~~واقتتلوا في سنة ثلاث وثمانين ، واشتد القتال فانهزم سليمان وقصد جهة ماردة ~~فتبعه طائفة من عسكر الحكم فأسروه ، وأحضروه إلى الحكم فقتله ، وبعث برأسه ~~إلى قرطبة ، وكتب إلى أولاد سليمان وهم بسرقسطة كتاب أمان واستدعاهم فحضروا ~~عنده بقرطبة . ذكر استيلاء الفرنج على برشلونة وفي سنة خمس وثمانين ومائة ~~ملك الفرنج - لعنهم الله تعالى - مدينة برشلونة بالأندلس ، وأخذوها من ~~المسلمين ، ونقلوا حماة ثغورهم إليها ، وتأخر المسلمون إلى ورائهم وكان سبب ~~ذلك اشتغال الحكم بمحاربة عمه سليمان بن عبد الرحمن . ذكر الاتفاق بين ~~الحكم وبين عمه عبد الله البلنسي وفي سنة ست وثمانين حصل الاتفاق بين ~~الأمير الحكم بن هشام وبين عمه عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية ، وذلك ms5394 أن ~~عبد الله لما سمع بقتل أخيه سليمان عظم عليه وفت في عضده ، وخاف على نفسه ، ~~ولزم بلنسية ولم يتحرك لإثارة فتنة . وأرسل إلى الحكم يطلب المسالمة ~~والدخول في الطاعة ، وقيل بل الحكم راسله في ذلك وبذل له الأرزاق الواسعة ~~له ولأولاده ، فأجاب إلى ذلك ، واستقر الصلح بينهما على يد يحيى بن يحيى ~~صاحب الإمام مالك بن أنس . وزوج الحكم أخواته من PageV23P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" أولاد عمه عبد الله ، وأكرم عمه وأجزى له ~~ولأولاده الأرزاق الواسعة والصلات السنية . وقيل كانت المراسلة في هذه ~~السنة ، واستقر الصلح في سنة سبع وثمانين . ذكر استيلاء الفرنج على مدينة ~~تطيله وفي سنة سبع وثمانين ومائة ملك الفرنج - لعنهم الله - مدينة تطيلة . ~~وسبب ذلك أن الحكم بن هشام استعمل على ثغور الأندلس قائدا كبيرا من قواده ~~وهو عمروس بن يوسف . فاستعمل عمروس ابنه يوسف على تطيلة . وكان قد انهزم من ~~الحكم أهل بيت من بيوت الأندلس أولو قوة وبأس ، وخرجوا عن طاعته ، والتحقوا ~~بالمشركين فقي أمرهم ، واشتدت شوكتهم ، وتقدموا إلى تطيلة فحصروها وملكوها ~~من المسلمين ، وأسروا أميرها يوسف بن عمروس وسجنوه وتقدموا بصخرة قيس . ~~واستقر عمروس بمدينة سرقسطة ليحفظها من الكفار ، وجمع العساكر وسيرها مع ~~ابن عم له ، فلقي المشركين فقاتلهم وفض جمعهم ، وقتل أكثرهم ، وسار إلى ~~صخرة قيس بالجيش فحصرها وافتتحها وخلص يوسف منها . ذكر إيقاع الحكم بأهل ~~قرطبة كان ذلك في سنة سبع وثمانين ومائة ، وسببه أن الحكم في صدر ولايته ~~كان قد تظاهر بشرب الخمر والانهماك على الملذات . وكانت قرطبة دار علم وبها ~~فضلاء أهل علم وورع ، منهم يحيى بن يحيى الليثي راوي موطأ مالك بن أنس ~~وغيره . فثار أهل قرطبة وأنكروا فعل الحكم وروموه بالحجارة وأرادوا قتله ، ~~فامتنع منهم ثم سكن الحال واجتمع بعد ذلك بأيام وجوه أهل قرطبة وفقهاؤها ~~وحضروا عند محمد بن القاسم القرشي المرواني - عم هشام بن حمزة - وأخذوا له ~~البيعة على أهل البلد وعرفوه أن الناس قد ارتضوه كافة . فاستظهرهم ليلة ~~ليرى رأيه ، ويستخير الله تعالى فانصرفوا ms5395 ، وحضر هو عند الحكم وأعلمه الحال ~~وأنه على بيعته له لم يتغير ، فطلب الحكم تصحيح ذلك عنده وسير مع محمد بن ~~القاسم بعض ثقاته فأجلسه محمد في قبة في داره وأخفى أمره ، وحضر عنده القوم ~~يستعلمون منه هل يتقلد أمرهم أم لا . فأراهم المخافة على نفسه وعظم عليهم ~~الخطب وسألهم تعداد أسمائهم ومن معهم ، فذكروا له جميع من معهم من أعيان ~~البلد وصاحب الحكم يكتب أسماءهم ، فقال لهم محمد بن القاسم : يكون هذا ~~الأمر يوم الجمعة إن شاء الله تعالى في المسجد الجامع فانصرفوا ومشى إلى ~~الحكم مع صاحبه فأعلمه جلية الحال . وكان ذلك يوم الخميس ، فما جاء الليل ~~حتى حبس الجماعة عن آخرهم ، ثم أمر بهم بعد أيام فصلبوا عند PageV23P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" قصره وكانوا اثنين وسبعين رجلا ، وكان يوما ~~شنيعا ثم كانت وقعة الربض بعد ذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى . ذكر ~~إيقاع الحكم بأهل طليطلة وهي وقعة الحفرة قال : وفي سنة إحدى وتسعين ومائة ~~أوقع الحكم بأهل طليطلة ، فقتل منهم ما يزيد على خمسة آلاف رجل من أعيان ~~أهلها . وكان سبب ذلك أن أهل طليطلة كانوا قد طمعوا في الأمراء وخلعوهم مرة ~~بعد أخرى ، وقويت نفوسهم ؛ ولحصانة بلدهم وكثرة أموالهم ، فلم يكونوا ~~يطيعون أمراءهم طاعة مرضية . فلما أعيا الحكم شأنهم أعمل الفكرة ، فاستعان ~~بعمروس بن يوسف المعروف بالمولد ، وكان قد ظهر في هذا الوقت بالثغر الأعلى ~~، وأظهر طاعة الحكم ودعا إليه فاطمأن إليه لهدا السبب . واستقدمه فقدم عليه ~~، فبالغ الحكم في إكرامه وأطلعه على عزمه في أهل طليطلة فوافقه عليه . وكتب ~~إلى أهلها يقول " إنني قد اخترت لكم فلانا وهو منكم لتطمئن قلوبكم إليه ~~وأعفيتكم ممن تكرهون من عمالنا وموالينا ، ولتعرفوا جميل رأينا فيكم " ومضى ~~عمروس ودخل طليطلة فأنس أهلها به واطمأنوا إليه وأحسن عشرتهم . وكان أول ما ~~احتال به عليهم أن أظهر موافقتهم على بغض بني أمية وخلع طاعتهم ، فمالوا ~~إليه ووثقوا به ورضوا بفعله ثم قال لهم : إن سبب الشر بينكم وبيم أصحاب ms5396 ~~الأمراء اختلاطهم بكم ، وقد رأيت أن أبني بناء أعتزل فيه أنا وأصحاب ~~السلطان رفقا بكم فأجابوه إلى ذلك ، فبنى في وسط البلد ما أراد . فلما مضى ~~لذلك مدة كتب الحكم إلى عامل له على الثغر الأعلى سرا يأمره أن يرسل إليه ~~يستغيث من جيوش الكفرة ، وطلب النجدة والعساكر ، ففعل ذلك ، فحشد الحكم ~~الجيوش واستعمل عليهم ابنه عبد الرحمن ، وجهز معه القواد والوزراء ، فسار ~~الجيش حتى اجتاز مدينة طليطلة فلم يتعرض عبد الرحمن لدخوله إليهما . وأتاه ~~وهو عندها خبر العامل على الثغر الأعلى يقول " إن عساكر الكفرة قد تفرقت ~~وكفى الله شرها " فوقف العسكر وعزم عبد الرحمن على العود إلى قرطبة فقال ~~عمروس عند ذلك لأهل طليطلة : قد ترون نزول ولد الحكم إلى جانبي ، وأنه ~~يلزمني الخروج إليه وقضاء حقه ، فإن نشطتم إلى ذلك وإلا سرت إليه وحدي ~~فقالوا : بل نكون معك . PageV23P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" فخرج ومعه وجوه أهل طليطلة فأكرمهم عبد ~~الرحمن وأحسن إليهم ، وكان الحكم قد أرسل مع ولده خادما له ومعه كتاب لطيف ~~إلى عمروس فلقيه الخادم وصافحه وسلم الكتاب إليه من غير أن يحادثه . فلما ~~قرأ عمروس الكتاب رأى فيه كيف تكون الحيلة على أهل طليطلة ، فأشار إلى عيون ~~أهلها أن يسألوا عبد الرحمن الدخول إليه ليرى هو وأهل عسكره كثرتهم وقوتهم ~~ومتعتهم فظنوا أنه ينصحهم ، ففعلوا ذلك . وأدخلوا عبد الرحمن البلد ، فنزل ~~مع عمروس في داره ، وأتاه أهل طليطلة أرسالا يسلمون عليه ، وأشاع عمروس أن ~~عبد الرحمن يريد أن يتخذ لهم وليمة عظيمة . وشرع في الاستعداد لذلك وواعدهم ~~يوما ذكره لهم ، وقرر أنهم يدخلون من باب ويخرجون من آخر ليقل الزحام ~~ففعلوا ذلك وأتى الناس أفواجا عند الميعاد ، فكان إذا دخل فوج أخذوا وحملوا ~~إلى جماعة من الجند على حفرة كبيرة في القصر فتضرب رقابهم . فمل تعالى ~~النهار أتى بعضهم فلم ير أحدا فقال : أين الناس ؟ فقيل له : إنهم يدخلون من ~~هذا الباب ويخرجون من الآخر فقال : لم ألق منهم أحدا وعلم الحال فعاد وصاح ~~بالناس ms5397 وأعلمهم هلاك أصحابه ، فكان سبب نجاة من بقي منهم ، ودانوا وحسنت ~~طاعتهم بقية أيام الحكم وأيام ولده عبد الرحمن ثم كان منهم بعد ذلك ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى . ذكر عصيان أهل ماردة على الحكم وما فعله بأهل ~~قرطبة وفي سنة إحدى وتسعين عصى أصبغ بن عبد الله على الحكم ووافقه أهل ~~ماردة وأخرجوا عامله عنها ، فاتصل الخبر بالحكم ، فسار إليها وحصرها . ~~فبينما هو في ذلك أتاه الخبر عن أهل قرطبة أنهم أعلنوا العصيان له ، فرجع ~~إلى قرطبة مبادرا ، فوصلها في ثلاثة أيام وكشف عن الذين أثاروا الفتنة ~~فصلبهم منكسين ، وضرب أعناق جماعة . فارتدع الباقون بذلك واشتدت كراهتهم ~~للحكم ، ولم يزل أهل ماردة تارة يطيعون وتارة يعصون إلى سنة اثنتين وتسعين ~~، فضعف أمر أصبغ بن عبد الله لأن الحكم تابع إرسال الجيوش واستمال جماعة من ~~أهل ماردة وثقات أصحابه فمالوا إلى الحكم وفارقوا أصبغ حتى أخوه ، فضعفت ~~نفسه فطلب الأمان فأمنه الحكم ، ففارق ماردة ، وحضر إلى الحكم وأقام بقرطبة ~~. PageV23P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" ذكر غزو الفرنج وفي هذه السنة تجهز لذريق ملك ~~الفرنج وجمع جموعه ليسير إلى مدينة طرطوشة ليحصرها ، فبلغ ذلك الحكم فجمع ~~العساكر وسيرها مع ولده عبد الرحمن ، فاجتمعوا في جيش عظيم وتبعهم كثير من ~~المتطوعة ، فساروا حتى لقوا الفرنج في أطراف بلادهم قبل أن ينالوا من بلاد ~~الإسلام شيئا ، فاقتتلوا وبذل كل من الطائفتين جهده واستنفد وسعه فأنزل ~~الله تعالى نصره على المسلمين ، وهزم الكفار وكثر القتل فيهم والإسار ، ~~وانتهبت أموالهم ، ورجع المسلمون بالظفر . ذكر عصيان حزم على الحكم وفي هذه ~~السنة خالف حزم بن وهب بناحية باجة ووافقه غيره ، وقصدوا لشبونة . فلما بلغ ~~الحكم الخبر ، سار إليه الحكم في جمع كبير ، فنازله وقطع الأشجار وضيق ~~عليهم حتى أذعنوا إلى طلب الأمان ، فأمنه وأخذ رهائنه على المصالحة والطاعة ~~، وعاد عنه الحكم إلى قرطبة . ذكر عودة أهل ماردة إلى العصيان وغزو الحكم ~~بلاد الفرنج قال : ثم عاد أهل ماردة إلى العصيان والخلاف على الحكم في سنة ~~أربع وتسعين ms5398 ، فسار الحكم بنفسه إليهم وقابلهم . ولم تزل سراياه وجيوشه ~~تتردد وتقاتلهم إلى سنة ست وتسعين ومائة ، فطمع الفرنج في ثغور المسلمين ~~وقصدوها بالغارات والقتل والنهب والسبي . وقد شغل الحكم بأهل ماردة عنهم ~~حتى أتاه الخبر بشدة الأمر على أهل الثغور وما نال العدو منهم ، وسمع أن ~~امرأة أخذت أسيرة فقالت : واغوثاه يا حكم فعظم عليه الأمر وجمع العساكر ~~واستعد وحشد ، وسار إلى بلاد الفرنج في سنة ست وتسعين ومائة فأثخن في ~~بلادهم ، وافتتح عدة حصون وخرب وقتل الرجال وسبى الحريم ونهب الأموال ، ~~وقصد الناحية التي بها تلك المرأة فأسر لهم من الأسرى ما يفادون به أسراهم ~~، وبالغ في الوصية في تخليص تلك المرأة فخلصت من الأسر وقتل بقية الأسرى . ~~PageV23P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" فلما فرغ من غزاته قال لأهل الثغور : أغاثكم ~~الحكم ؟ قالوا : نعم وأثنوا عليه خيرا ، وعاد إلى قرطبة مظفرا منصورا . وفي ~~سنة سبع وتسعين ومائة اشتد الغلاء بالأندلس وعم البلاد ، ومات كثير من ~~الخلق ، وكان أكثر الناس يطوون للعدم . ذكر وقعة الربض بقرطبة وفي سنة ثمان ~~وتسعين ومائة كانت وقعة الربض بقرطبة ، وسببها أن الحكم كان كثير التشاغل ~~بالشرب واللهو والصيد وغير ذلك مما يجانسه ، وقد قدمنا ما كان قد فعله بأهل ~~قرطبة لما أرادوا خلعه ومن صلب منهم . فزادت كراهة أهلها فيه ، وصاروا ~~يتعرضون لجنده بالأذى والسب ، وبالغوا حتى إنهم كانوا ينادون عند انقضاء ~~الأذان الصلاة يا مخمور الصلاة وشافهه بعضهم بالقول وصفقوا عليه بالأكف . ~~فشرع في تحصين قرطبة وعمارة أسوارها ، وحفر خنادقها ، وارتبط الخيل على ~~بابه ، واستكثر من المماليك ، ورتب جمعا لا يفارقون باب قصره بالسلاح . ~~فزاد ذلك في حقد أهل قرطبة ، وتحققوا أنه يفعل ذلك للانتقام منهم ، ثم وضع ~~عليهم عشر الأطعمة في كل سنة من غير حرص فكرهوا ذلك . ثم عمد إلى عشرة من ~~رؤسائهم وصلبهم ، فهاج لذلك أهل الربض ، وانضاف إلى ذلك أن مملوكا له سلم ~~إلى صيقل سيفا ليصقله له فمطله الصقيل ، فأخذ ذلك المملوك السيف ولم يزل ~~يضرب به ذلك الصقيل إلى ms5399 أن مات وذلك في شهر رمضان من هذه السنة ، فكان أول ~~من شهر السلاح أهل الربض القبلي ، واجتمع أهل الأرباض جميعهم بالسلاح ، ~~واجتمع الجند والأمويون والعبيد بالقصر . وفرق الحكم الخيل والسلاح ، وجعل ~~أصحابه كتائب . ووقع القتال بين الطائفتين ، فغلبهم أهل الربض وأحاطوا ~~بالقصر ، فنزل الحكم من أعلى القصر ولبس سلاحه وحرض الناس على القتال ، ~~فقاتلوا قتالا شديدا . ثم أمر ابن عمه عبيد الله فثلم من السور ثلمة ، وخرج ~~منها بقطعة من الجيش وأتى أهل الربض من وراء ظهورهم فلم يشعروا به ، وأضرم ~~الناس في الربض . فانهزم أهله وقتلوا قتلا ذريعا وأسر من وجد في المنازل ~~والدور فانتقى الحكم ثلاثمائة من وجوه الأسرى فصلبهم منكسين ، ودام النهب ~~والقتل والحريق في أرباض قرطبة ثلاثة أيام . PageV23P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" ثم استشار الحكم فيهم عبد الكريم بن عبد ~~الواحد بن مغيث ، فأشار عليه بالصفح عنهم والعفو ، وأشار غيره بالقتل ، ~~فقبل عبد الكريم . وأمر فنودي بالأمان على أنه من بقي من أهل الربض بعد ~~ثلاثة أيام قتل وصلب ، فخرج من بقي منهم بعد ذلك مستخفيا ، وتحملوا على ~~الصعب والذلول وخرجوا من حضرة قرطبة بنسائهم وأولادهم وما خف من أموالهم . ~~وقعد لهم الجند والسفلة بالمرصاد ، ينهبون أموالهم ، ومن امتنع عليهم قتلوه ~~. فلما انقضت الأيام الثلاثة أمر الحكم بكف الأذى عن حرم الناس ، وجمعهن ~~إلى مكان واحد ، وأمر بهدم الربض القبلي . وكان بزيع مولى أمية بن الأمير ~~عبد الرحمن بن معاوية محبوسا في حبس الدم وفي رجله قيد ثقيل ، فلما رأى أهل ~~قرطبة قد غلبوا الجند سأل الحرس أن يفرجوا عنه فأخذوا عليه العهد أن يعود ~~فأطلقوه ، فخرج فقاتل قتالا شديدا لم يكن في الجيش من قاتل مثله ، فلما ~~انهزم أهل الربض عاد إلى السجن ، فانتهى خبره إلى الحكم فأطلقه وأحسن إليه ~~. وقيل إن هذه الوقعة كانت في سنة اثنتين ومائتين والله أعلم . قال بعض ~~المؤرخين : اجتمع في الربض أربعة آلاف فقيه وطالب وكان ممن خرج عليه يحيى ~~بن يحيى الليثي ، فهرب ونزل على حي من البربر ms5400 ، ثم أمنه الحكم بعد ذلك وحظي ~~عنده . ومنهم الفقيه طالوت بن عبد الجبار ، ففر واستتر عند رجل يهودي عاما ~~كاملا . وكان بينه وبين أبي البسام صداقة ، فقصده فأخبر الحكم به ، وأحضره ~~إليه فعنفه الحكم على خروجه عليه ، ثم أمنه وصرفه إلى منزله وسأله أين ~~استتر فأخبره باليهودي وبأبي البسام ، فاغتاظ على أبي البسام وعزله عن ~~وزارته وكتب عهدا أن لا يخدمه أبدا . ومنهم عبد الملك بن حبيب ، وغيرهم . ~~ذكر غزو الفرنج وفي سنة مائتين جهز الحكم جيشا مع عبد الكريم بن مغيث إلى ~~بلاد الفرنج ، فسار حتى توسط بلادهم ، فخربها ونهبها وهدم عدة من حصونهم ، ~~واستنفذ خزائن ملوكهم . فلما رأى ملكهم ذلك كاتب جميع ملوك تلك النواحي ، ~~واستنصر بهم فاجتمعت بهم فاجتمعت إليه أهل النصرانية من كل مكان . وأقبل في ~~جموع عظيمة ونزل بإزاء عسكر PageV23P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" المسلمين وبينهم نهر ، فاقتتلوا عدة أيام ~~والمسلمون يريدون عبور النهر إليهم وهم يمنعونهم من ذلك . فلما رأى ~~المسلمون ذلك تأخروا عن النهر فعبر المشركون واقتتلوا أعظم قتال ، فانهزم ~~الكفار إلى النهر وأخذهم السيف والأسر ، فأسر جماعة من ملوكهم وكنودهم ~~وقمامصتهم . وعاد الفرنج لزموا جانب النهر يمنعون المسلمين من عبوره ~~فأقاموا ثلاثة عشر يوما يقتتلون في كل يوم ، فجاءت الأمطار وزاد النهر ~~فتعذر جوازه ، فقفل عبد الكريم عنهم في سابع ذي الحجة من السنة . ذكر غزو ~~البربر بناحية مورور وفيها خرج خارجي من البربر من ناحية مورور ومعه جماعة ~~، فوصل كتاب العامل بها إلى الحكم بخبره ، فأعفى الحكم أمره واستدعى من ~~ساعته قائدا من قواده فأخبره بذلك سرا وقال له : سر من ساعتك إلى هذا ~~الخارج وائتني برأسه وإلا فرأسك عوضه وأنا قاعد في مكاني هذا إلى أن تعود ~~فسار القائد إلى الخارج ، فلما قاربه سأل عنه أنه في احتياط كثير واحتراز ~~شديد ، فعجز عنه ثم تذكر قول الحكم فأعمل الحيلة حتى دخل عليه وقتله وأتى ~~برأسه إلى الحكم ، فرآه بمكانه ذلك لن يتغير ، وكانت غيبته أربعة أيام ، ~~فأحسن إلى القائد وأكرمه ووصله ms5401 وأعلى محله . ذكر وفاة الحكم كانت وفاته يوم ~~الخميس بعد الظهر لأربع بقين من ذي الحجة سنة ست ومائتين ، وكان عمره ~~اثنتين وخمسين سنة وقيل ثلاثا وخمسين سنة وقيل أقل من ذلك إلى تسع وأربعين ~~سنة ، ومدة إمارته ستا وعشرين سنة وعشرة أشهر وثلاثة عشر يوما . وكان طويلا ~~أسمر نحيفا ، وله شعر جيد ، وهو أول من جند الجنود المرتزقة بالأندلس وجمع ~~الأسلحة والعدد واستكثر من الحشم والحواشي ، وارتبط الخيول على بابه ، ~~واتخذ المماليك وجعلهم في المرتزقة فبلغت عدتهم خمسة آلاف . وكانوا يسمون ~~الخرس لعجمة ألسنتهم ، وكانوا نوابا على باب قصره . وكان يطلع على الأمور ~~بنفسه ما قرب منها وما بعد ، وكان له نفر من ثقاة أصحابه يطالعونه بأحوال ~~الناس ، فيردع الظالم ، وينصف المظلوم . وكان شجاعا مقداما مهيمنا وكان ~~يقرب الفقهاء وأهل العلم . وكان له من الأولاد أبو مطرف عبد الرحمن وثمانية ~~عشر ولدا ذكرا . كاتبه : الوزير أبو البسام . PageV23P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" ذكر إمارة عبد الرحمن بن الحكم هو أبو المطرف ~~وقيل أبو المظفر عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل ، وأمه ~~أم ولد يقال لها حلاوة ، وهو الرابع من ملوك بني أمية بالأندلس . بويع له ~~بعد وفاة أبيه في يوم الخميس لأربع بقين من ذي الحجة سنة ست ومائتين وذلك ~~في خلافة المأمون بن الرشيد العباسي . قال : ولما ولى خرج عليه عم أبيه عبد ~~الله البلنسي - من بلنسية - وطمع في الملك ، فوصل إلى تدمير يريد قرطبة ، ~~فتجهر له عبد الرحمن ، فلما بلغ ذلك عبد الله خاف وضعفت نفسه فرجع إلى ~~بلنسية . ذكر إيقاعه عبد الرحمن بأهل إلبيرة وجندها كان ذلك في سنة سبع ~~ومائتين وسبب ذلك أن الحكم كان قد بلغه عن عامل اسمه ربيع أنه ظلم أبناء ~~أهل الذمة فقبض عليه وصلبه ، فلما توفي الحكم وولي ولده عبد الرحمن وسمع ~~الناس بصلب ربيع أقبلوا إلى قرطبة من النواحي يطلبون الأموال التي كان ~~ظلمهم ربيع فيها ظنا منهم أنها سترد إليهم . وكان جند إلبيرة أشدهم وأكثرهم ~~إلحاحا ms5402 وتألبا ، فأرسل عبد الرحمن من يسكنهم ، فلم يقبلوا ودفعوا من أتاهم ~~، فخرج إليهم جمع من الجند من أصحاب عبد الرحمن فقاتلوهم فانهزم جند إلبيرة ~~ومن معهم وقتلوا قتلا ذريعا ، ونجا من بقي منهم ، وأدركهم الطلب فقتل كثيرا ~~منهم . وفيها ثارت بمدينة تدمير فتنة بين المضرية واليمانية فاقتتلوا ~~بلورقة فكان بينهم وقعة تعرف بيوم المصابرة قتل بينهم ثلاثة آلاف رجل ، ~~ودامت الحرب بين الفريقين سبع سنين ، ووكل عبد الرحمن بكفهم ومنعهم يحيى بن ~~عبد الله ابن خالد وسيره في جمع من الجيش ، فكانوا إذا أحسوا بقرب يحيى ~~افترقوا وتركوا القتال وإذا عاد رجعوا إلى الفتنة حتى أعياه أمرهم . وفيها ~~كان بالأندلس مجاعة شديدة ذهب فيها خلق كثير وبلغ المد في بعض المدن ثلاثين ~~دينارا . PageV23P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" وفي سنة ثمان ومائتين جهز عبد الرحمن جيشا ~~إلى بلاد المشركين ، واستعمل عليهم عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث ، ~~فساروا إلى بلاد ألبة والقلاع فنهبوا بلاد ألبة وخربوها وأحرقوها ، وفتحوا ~~حصونا وصالحهم أهل حصون أخر على مال وإطلاق أسرى المسلمين ، وذلك في جمادى ~~الآخرة . وفيها توفي عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بالبلنسي . وفي سنة ~~عشر ومائتين سير عبد الرحمن سرية كبيرة إلى بلاد الفرنج واستعمل عليهم عبيد ~~الله بن عبد الله البلنسي ، فسار ودخل بلادهم وتردد فيها بالغارات والسبي ~~والقتل والأسر ولقي جيوش الأعداء فهزمهم وأكثر القتل فيهم ، وكان فتحا ~~عظيما . وفيها افتتح عسكر سير عبد الرحمن أيضا حصن القلعة من أرض العدو في ~~شهر رمضان المبارك . وفيها أمر ببناء المسجد الجامع بجيان . وفيها أخذ عبد ~~الرحمن مقدم اليمانية بتدمير وهو رجاء بن الشماخ لتسكن الفتنة بين اليمانية ~~والمضرية فلم تسكن ودامت ، فأمر العامل بتدمير أن ينتقل منها ويجعل مرسية ~~قاعدة تلك البلاد . وفي سنة اثنتي عشرة ومائتين سير عبد الرحمن جيشا إلى ~~برشلونة من بلاد العدة فأقام الجيش شهرين يحرقون وينهبون . وفيها كانت سيول ~~عظيمة وأمطار متتابعة ، فخربت أكثر أسوار مدن الأندلس وخربت قنطرة سرقسطة ، ~~ثم جددت عمارتها . وفي سنة ثلاث ms5403 عشرة ومائتين قتل أهل ماردة عاملهم فثارت ~~الفتنة عندهم فسير إليهم عبد الرحمن فحصرهم وأفسد زرعهم وأشجارهم فعادوا ~~للطاعة وأعطوا رهائنهم ، وعاد الجيش عنهم بعد أن خربوا سور المدينة ، ثم ~~أرسل إليهم من ينقل أحجار السور إلى النهر لئلا يطمع أهلها في عمارته ، ~~فلما رأوا ذلك عادوا إلى العصيان وأسروا العامل عليهم وبنوا السور وأتقنوه ~~. فسار عبد الرحمن بجيوشه إليهم في سنة عشرة ومائتين ومعه رهائن أهلها ~~فراسله أهلها وافتدوا رهائنهم بالعامل الذي أسروه وغيره وحصرهم وأفسد بلدهم ~~ثم رحل عنهم . ثم سير إليهم جيشا في سنة سبع عشرة فحصروها وضيقوا على أهلها ~~، ودام الحصار ثم رحلوا عنهم . وسير PageV23P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" إليهم جيشا في سنة ثماني عشرة ومائتين ففتحها ~~وفارقها أهل الشر والفساد . وكان من أهلها رجل اسمه محمود بن عبد الجبار ~~الماردي في جماعة من الجند ، فمضى بمن سلم من أصحابه إلى منت سالوط فسير ~~إليه عبد الرحمن جيشا في سنة عشرين ومائتين فهرب بمن معه إلى جليقية فأرسل ~~سرية في طلبهم ، فقاتلهم محمود وهزمهم وغنم ما معهم ، وقتل عدة منهم ثم مضى ~~لوجهه فلقيه جمع من أصحاب عبد الرحمن مصادفة فقاتلوهم ، ثم كف بعضهم عن بعض ~~وساروا فلقيته سرية أخرى فانهزمت السرية وغنم محمود ما معهم ووصل إلى بلاد ~~المشركين فاستولى على قلعة لهم فأقام بها خمسة أعوام وثلاثة أشهر فحصره ~~أذفونس ملك الفرنج فملك الحصن وقتل محمودا ومن معه وذلك في سنة خمس وعشرين ~~في شهر رجب . وفي سنة أربع عشرة ومائتين سار عبد الرحمن إلى مدينة باجة ~~وكانت عاصية عليه فملكها عنوة . وفيها خالف هاشم الضراب بمدينة طليطلة ، ~~وكان هاشم ممن خرج من طليطلة لما أوقع الحكم بأهلها ، وسار إلى قرطبة ، ~~فلما كان الآن سار إلى طليطلة فاجتمع إليه أهل الشر والفساد فسار إلى وادي ~~جونيه وأغار على البربر وغيرهم فطار اسمه واشتدت شوكته وكثر جمعه فأوقع ~~بأهل سنت بريه . وكان بينه وبين البربر وقعات كثيرة ، فسير إليه عبد الرحمن ~~جيشا فقاتلوه فلم تستظهر إحدى ms5404 الطائفتين على الأخرى ، وغلب هاشم على عدة ~~مواضع وجاوز بركة العجوز وأبعدت غارة خيله . فسير إليه عبد الرحمن جيشا في ~~سنة ست عشرة ومائتين فلقيهم هاشم بالقرب من حصن سمسطا المجاور لرورية فدامت ~~الحرب بينهم عدة أيام ثم انهزم هاشم وقتل هو وكثير ممن معه . ذكر محاصرة ~~طليطلة وفتحها وفي سنة تسع عشرة ومائتين جهز عبد الرحمن جيشا مع ابنه أمية ~~إلى مدينة طليطلة فحصرها - وكانوا قد خالفوا وخرجوا عن الطاعة - فاشتد في ~~حصارهم وقطع PageV23P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" أشجارهم وأهلك زرعهم ، فلم يذعنوا إلى الطاعة ~~فرحل عنهم وترك بقلعة رباح جيشا عليهم ميسرة المعروف بفتى أبي أيوب . فلما ~~أبعد أمية خرج جمع كثير من أهل مدينة طليطلة لعلهم يجدون فرصة وغفلة ~~فينالون منه ومن أصحابه غرضا ، وكان قد بلغه الخبر فكمن في عدة مواضع . ~~فلما وصلوا إلى قلعة رباح خرج الكمين عليهم من جوانبهم ووضعوا السيف فيهم ~~فأكثروا القتل وعاد من سلم منهزما إلى طليطلة ، وجمعت رؤوس القتلى وحملت ~~إلى ميسرة فلما رأى كثرتها عظم عليه وارتاع لذلك ، ووجد في نفسه غما شديدا ~~، فمات بعد أيام يسيرة ثم سير عبد الرحمن جيشا في سنة عشرين ومائتين ~~فقاتلوا ولم يظفروا منها بشيء . فلما كان في سنة إحدى وعشرين ومائتين خرج ~~جماعة من أهلها إلى قلعة رباح بها عسكر لعبد الرحمن فاجتمعوا كلهم على حصار ~~طليطلة وضيقوا على أهلها واشتدوا في حصارهم إلى سنة اثنتين وعشرين ومائتين ~~، فسير عبد الرحمن أخاه الوليد بن الحكم فرأى أهلها وقد بلغ بهم الجهد كل ~~مبلغ واشتد عليهم طول الحصار وضعفوا عن القتال والدفع ، ففتحها عنوة يوم ~~السبت لثمان خلون من شهر رجب منها ، وأمر بتجديد القصر على باب الجسر الذي ~~كان هدم أيام الحكم ، وأقام بها آخر شعبان سنة ثلاث وعشرين حتى استقرت ~~قواعد أهلها . وفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين سير عبد الرحمن جيشا إلى ألبة ~~والقلاع فنازلوا حصن الفرات ، وقتلوا أهله ، وغنموا ما فيه وسبوا النساء ~~والذرية وعادوا . وفي سنة أربع وعشرين سير جيشا ms5405 عليهم عبيد الله بن عبد ~~الله البلنسي إلى بلاد العدو ، فوصلوا ألبة والقلاع فالتقوا هم والمشركون ، ~~وكانت بينهم حروب شديدة وقتال عظيم انهزم أهل الشرك ، وقتل منهم ما لا يحصى ~~كثرة ، وجمعت الرؤوس حتى كان الفارس لا يرى من يقاتله ثم سار عبد الرحمن في ~~سنة خمس وعشرين في جيش كثيف إلى بلاد المشركين فدخل بلاد جليقية وافتتح عدة ~~حصون منها ، وغنم وسبى وقتل وخرب ثم عاد إلى قرطبة ولم تطل مدة هذه الغزاة ~~. وفي سنة أربع وعشرين ومائتين سير الأمير عبد الرحمن جيشا إلى أرض العدو ، ~~فلما كانوا بين أوشنة وشرطانية تجمعت الروم عليهم وأحاطوا بهم وقاتلوهم ~~الليل كله ، فلما أصبحوا أنزل الله نصره على المسلمين وهزم عدوهم وأبلى ~~موسى بن موسى في هذه الغزاة بلاء حسنا ، وكان على مقدمة العسكر وهو العامل ~~على تطيلة ، وجري بينه وبين جرير بن موفق - وهو من أكابر الدولة - أيضا شر ~~فخرج موسى عن طاعته . PageV23P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" ذكرالحرب بين موسى والحارث بن بزيع وما كان ~~من أمره قال : ولما بلغ عبد الرحمن خروج موسى عن الطاعة سير إليه جيشا ، ~~واستعمل عليهم الحارث بن بزيع فسار إليه والتقوا عند برحة واقتتلوا فقتل ~~أكثر أصحاب موسى ، وقتل ابن عم له ، وعاد الحرث إلى سرقسطة . فسير موسى ~~ابنه إلى برجة فعاد الحارث إليها فحصرها وملكها وقتل ابن موسى وتقدم إلى ~~مدينة تطيلة فحصرها فصالحه موسى على أن يخرج عنها فانتقل موسى إلى أرنيط ~~وبقي الحارث بتطيلة أياما ثم سار إلى موسى ليحاصره . فأرسل موسى إلى غرسية ~~وهو من ملوك الأندلس واتفقا على الحرب واجتمعا وجعلا للحارث كمائن في طريقه ~~وأعدا له الخيل والرجل بموضع يقال له ثلمة على نهر هناك ، فلما جاوز الحارث ~~النهر خرج إليه الكمناء وأحدقوا به وكانت وقعة عظيمة وأصابه ضربة في جبهته ~~قلعت عينيه ثم أسر ، وذلك في سنة ثمان وعشرين . فلما بلغ خبره عبد الرحمن ~~عظم عليه وجهز جيشا عظيما وجع عليه ابنه محمدا وسيره لقتال موسى في شهر ~~رمضان ms5406 سنة تسع وعشرين ، فوصل إلى تطيلة وحصرها وضيق على أهلها ، وأهلك ~~زرعها فصالحه موسى . وتقدم محمد إلى ينبلونة فأوقع عندها يجمع كثير من ~~المشركين وقتل غرسية فيمن قتل ، ثم عاد موسى إلى الخلاف على عبد الرحمن ~~فجهز جيشا كثيرا وسيرهم إلى موسى فطلب المسالمة فأجيب إليها ، وأعطى ابنه ~~إسماعيل رهينة وولاه عبد الرحمن مدينة تطيلة فسار موسى إليها وأخرج منها من ~~يخافه واستقر بها . ذكر خروج المشركين إلى بلاد الإسلام بالأندلس قال : في ~~سنة ثلاثين ومائتين خرج المجوس في أقاصي بلاد الأندلس إلى بلاد المسلمين ، ~~وكان أول ظهورهم في ذي الحجة سنة تسع وعشرين ومائتين وعند أشبونة فأقاموا ~~بها ثلاثة عشر يوما كان بينهم وبين المسلمين فيها وقائع ، ثم ساروا إلى ~~قادس ثم إلى شذونة وكان بينهم وبين المسلمين وقعة عظيمة ، ثم قصدوا إشبيلية ~~PageV23P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" في ثامن المحرم فنزلوا على اثني عشر فرسخا ~~منها ، فخرج إليهم المسلمون فهزمهم العدو في ثاني عشر المحرم وقتل كثير ~~منهم ، ثم نزلوا على ميلين منها فخرج أهلها إليهم وقاتلوهم فانهزموا في ~~رابع عشر المحرم وكثر القتل والأسر فيهم . ولم يرفع المجوس السيف عن أحد ~~ولا عن دابة ، ودخلوا حاضر إشبيلية وأقاموا بها يوما وليلة وعادوا إلى ~~مراكبهم ، فوافاهم عسكر عبد الرحمن فبادر إليهم المجوس فثبت المسلمون ~~وقاتلوهم فقتل من المشركين سبعون رجلا وانهزموا ودخلوا مراكبهم ، وأحجم ~~المسلمون عنهم ، فسير عبد الرحمن جيشا آخر فقاتلهم المجوس قتالا شديدا ~~ورجعوا عنهم فتبعهم العسكر في ثاني شهر ربيع الأول وقاتلوهم ، وأتاهم المدد ~~من كل ناحية فنهضوا لقتال المجوس من كل جانب فانهزم المجوس وقتل نحو ~~خمسمائة رجل وأخذوا منهم أربعة مراكب فأخذوا ما فيها وأحرقوها . ثم خرج ~~المجوس إلى لبلة فأصابوا سبيا ونزلوا جزيرة بالقرب من قوويس فقسموا ما كان ~~معهم مما غنموه ، فدخل المسلمون إليهم في النهر فقتلوا رجلين ثم رحل المجوس ~~فطرقوا شذونة فغنموا أطعمة وسبيا وأقاموا يومين ، فوصلت مراكب عبد الرحمن ~~إلى إشبيلية . فلما أحس بها المجوس لحقوا بلبلة فأغاروا وسبوا ثم ms5407 لحقوا ~~بأشبونة ثم مضوا إلى باجة ، ثم قفلوا إلى مدينة أشبونة ، ثم سار فانقطع ~~خبرهم عن البلاد فسكن الناس . وفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين سار جيش ~~للمسلمين بقرطبة إلى بلاد المشرطين وقصدوا جليقية فغنموا وقتلوا وأسروا ~~وسبوا وواصلوا إلى مدينة ليون فحصروها ونصبوا عليها المجانيق ، فخاف أهلها ~~وخرجوا هاربين وتركوها بما فيها ، فغنم المسلمون منها ما أرادوا وأحرقوا ~~الباقي ، ولم يقدروا على هدم سورها لأن عرضه سبعة ذراعا ، فمضوا وقد ثلموا ~~فيه ثلمة كبيرة . وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين غدر موسى بن موسى ، فسير ~~إليه عبد الرحمن جيشا مع ابنه محمد . وفيها كان بالأندلس مجاعة شديدة ، ~~فهلك خلق كثير من الناس والدواب ، ويبست الأشجار فاستسقى الناس فسقوا وزال ~~القحط . وفي سنة خمس وثلاثين ومائتين سير عبد الرحمن ابنه المنذر في جيش ~~كثيف إلى غزو الروم فبلغوا ألبة والقلاع . PageV23P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" وفيها كان سيل عظيم بالأندلس فخرب جسر إستجة ~~والأرجاء وعر نهر إشبيلية ست عشرة قرية ، وخرب نهر باجة ثماني عشرة قرية ، ~~وعرض حتى صار عرضه ثلاثون ميلا وكان هذا حدثا عظيما وقع في جميع البلاد في ~~شهر واحد . وفي سنة سبع وثلاثين ومائتين سارت جيوش المسلمين إلى بلاد العدو ~~وكانت بينهم وقعة عظيمة كان الظفر فيها للمسلمين وهي وقعة البيضاء . ذكر ~~وفاة عبد الرحمن وشيء من أخباره كانت وفاته في ليلة الخميس لثلاث خلون من ~~شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومائتين ، وقيل في شهر ربيع الآخر منها . ~~وكان مولده في شعبان سنة ست وسبعين ومائة . فكان عمره اثنتين وستين سنة ~~ومدة ولايته إحدى وثلاثين سنة وشهرين وستة أيام . وكان أسمر طويلا أغر أقنى ~~عظيم الجبهة يخضب بالحناء . وكان له من صلبه من الأولاد الذكور والإناث ~~سبعة وثمانون ولدا منهم خمسة وأربعون ذكرا . وكان عالما أديبا شاعرا ، يعرف ~~علوم الفلاسفة . وفي أيامه دخل زرياب المغني إلى الأندلس فحضر يوما عند عبد ~~الرحمن وغنى وعبيد الله بن قزمان الشاعر حاضر فقال زرياب : قالت ظلوم سمية ~~الظلم . . . ما لي رأيتك ناحل ms5408 الجسم يا من رأى قلبي فأقصده . . . أنت ~~العليم بموضع السهم فقال عبد الرحمن : البيت الثاني منقطع عن الأول غير ~~متصل به فقال ابن قزمان بديهة بعد البيت الأول : فأجبتها والدمع منحدر . . ~~. مثل الجمان زها على النظم فكساه عبد الرحمن وحباه . وهو أول من رتب ~~اختلاف الفقهاء إلى قصره ، وأمرهم بالكلام بين يديه . وكان عبد الرحمن بعيد ~~الهمة ، اخترع قصورا ومستنزهات كثيرة ، وزاد في الجامع بقرطبة رواقين . ~~وكانت أيامه عافية وسكون ، وكثرت الأموال عنده وأقام أبهة المملكة ~~PageV23P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" ورتب رسومها وكان يشبه بالوليد بن عبد الملك ~~في أبهته . وهو أول من اجتلب الماء العذب إلى قرطبة وأدخله قصوره وجعل لفصل ~~الماء مصنعا كبيرا يرده الناس إذا خرج من قصوره رحمه الله تعالى . ذكر ~~إمارة محمد بن عبد الرحمن المنعوت الأمين هو أبو عبد الله محمد بن عبد ~~الرحمن بن الحكم ابن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد ~~الملك ابن مروان ، وأمه أم ولد اسمها تهتز . وهو الخامس من أمراء بني أمية ~~بالأندلس ، قام بالأمر بعد أبيه في يوم الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع ~~الأول سنة ثمان وثلاثين ومائتين ، وقيل في شهر ربيع الآخر منها ، وكانت ~~ولايته في خلافة المتوكل إلى بعض أيام المعتمد قال : ولما ولي جرى في العدل ~~على سيرة أبيه ، وتمم زيادة بناء أبيه في جامع قرطبة . ذكر الحرب بين ~~المسلمين والفرنج وفي سنة أربعين ومائتين كان بين المسلمين والفرنج حرب ~~شديدة ، وسببها أن أهل طليطلة كانوا على ما ذكرناه من الخلاف على الملوك ~~فلما ولي محمد هذا سار بجيوشه إليها ، فراسل أهلها ملك جليقية يستمدونه ، ~~فأمدهم بالعساكر الكثيرة ، فبلغ محمد ذلك وقد قارب طليطلة فعبأ أصحابه وكمن ~~الكمناء بناحية وادي سليط ، وتقدم إليهم في قلة من العسكر فطمع فيه أهل ~~طليطلة والفرنج ، وأسرعوا إليه فلما نشبت الحرب خرجت الكمناء من كل جهة ~~فقتل من المشركين ومن أهل طليطلة ما لا يحصى ، وجمع من الرؤوس ثمانية آلاف ~~رأس ، وذكر أهل طليطلة ms5409 أن عدة القتلى عشرون ألفا . وقال : وفي سنة إحدى ~~وسبعين وأربعين ومائتين استكثر محمد الرجال بقلعة رباح ليضيق على أهل ~~طليطلة ، وسير الجيوش إلى غزو الفرنج مع موسى بن موسى ، فدخلوا بلادهم ~~ووصلوا إلى ألبة والقلاع ، فافتتحوا بعض حصونها وعادوا . وفي سنة ثلاث ~~وأربعين خرج أهل طليطلة واقتتلوا هم ومسعود ابن عبد الله العريف فانهزم أهل ~~طليطلة وقتل أكثرهم وحمل إلى قرطبة سبعمائة رأس . PageV23P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" ذكر خروج المجوس إلى بلاد الإسلام بالأندلس ~~وفي سنة خمس وأربعين ومائتين خرج المجوس في المراكب إلى بلاد الأندلس ، ~~فوصلوا إلى إشبيلية وحلوا بالحاضر وأحرقوا الجامع ، ثم جازوا إلى العدوة ، ~~ثم عادوا إلى الأندلس فانهزم أهل تدمير ، ودخلوا حصن أريوله ثم تقدموا إلى ~~خليط أفرنجه فأغاروا وأصابوا من النهب والسبي كثيرا ، ثم انصرفوا فلقيهم ~~مراكب الأمير محمد فقاتلوهم وأحرقوا مركبين من مراكب المجوس ، وأخذوا ~~مركبين وغنموا ما فيهما ، فجد المجوس عند ذلك في القتال واستشهد جماعة من ~~المسلمين ، ومضت مراكب المجوس حتى وصلوا إلى مدينة بنبلونة فأصابوا صاحبها ~~غرسية الفرنجي ففدى نفسه بتسعين ألف دينار . وفي سنة ست وأربعين ومائتين ~~سار محمد في جيوش عظيمة إلى بلد بنبلونة فوطئ بلادها ودوخها وخرب ونهب وقتل ~~، وافتتح حصونا وأصاب في بعضها فرتون بن غرسية فحبسه بقرطبة عشرين سنة ثم ~~أطلقه إلى بلده ، وأقام محمد بأرض بنبلونة اثنين وثلاثين يوما . وفي سنة ~~سبع وأربعين سار جيش المسلمين إلى بلد برشلونة وهي للفرنج فأوقعوا بأهلها ، ~~فأرسل صاحبها إلى ملك الفرنج يستمده فأرسل إليه جيشا كثيفا ، وأرسل ~~المسلمون يستمدون فأتاهم المدد فنازلوا برشلونة وقاتلوا قتالا شديدا ، ~~فملكوا أرباضها وبرجين من أبراج المدينة ، وقتل من المشركين ما لا يحصى ~~كثرة وعاد المسلمون بالظفر والغنيمة . وفي سنة تسع وأربعين ومائتين جهز ~~محمد جيشا مع ابنه إلى مدينة ألبة والقلاع من بلد الفرنج فغنموا وافتتحوا ~~حصونا منيعة . وفي سنة إحدى وخمسين ومائتين سير محمد جيشا إلى بلاد ~~المشركين في جمادى الآخرة وقصدوا الملاحة ، وكانت أموال لذريق بناحية ألبة ~~والقلاع . فلما عم ms5410 المسلمون بلدهم بالخراب والنهب جمع لذريق عسكره وسار ~~إليهم فالتقوا بموضع PageV23P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" يقال له فج المركون ، به تعرف هذه الغزاة ، ~~واقتتلوا فكانت الهزيمة على المشركين ثم اجتمعوا بهضبة بالقرب من موضع ~~المعركة فتبعهم المسلمون وحملوا عليهم واشتد القتال فانهزم الفرنج لا يلوون ~~على شيء ، وتبعهم المسلمون يقتلون منهم ويأسرون ، وكانت هذه الوقعة في ثاني ~~عشر شهر رجب ، وكان عدد ما أخذ من رؤوس القتلى ألفين وأربعمائة رأس وتسعين ~~رأسا ، وكان فتحا عظيما . وفي سنة تسع وخمسين ومائتين سار محمد إلى طليطلة ~~وحصرها - وكان أهلها قد خالفوا عليه - فطلبوا الأمان فأمنهم وأخذ رهائنهم . ~~وفيها خرج أهل طليطلة إلى حصن سكيان وفيه سبعمائة من البربر وأهل طليطلة في ~~عشرة آلاف ، فلما التحمت الحرب بينهم انهزم مطرف بن عبد الرحمن بن حبيب وهو ~~أحد مقدمي أهل طليطلة فتبعه أهلها في الهزيمة ، وإنما انهزم لعداوة كانت ~~بينه وبين مقدم آخر اسمه طريشة فأراد أن يوهنه بذلك فقتلوا أعظم قتل . ~~وفيها عاد عمروس بن عمر بن عمروس الأندلسي إلى طاعة الأمير محمد ، وكان ~~مخالفا عليه عدة سنين ، فولاه محمد مدينة أشقة . وفي سنة ست وستين ومائتين ~~أمر محمد بإنشاء مراكب بنهر قرطبة وحملها إلى البحر وسيرها إلى البحر ~~المحيط ليسير منه إلى بلاد جليقية فلما دخلته تقطعت ، فلم يجتمع منها ~~مركبان ، ولم يرجع منها إلا اليسير . وفي سنة سبع وستين ومائتين خالف عمر ~~بن حفصون على الأمير محمد بن عبد الرحمن فخرج إليه جيش تلك الناحية وعاملها ~~، فقاتلوه فهزمهم . وقوي أمره وشاع ذكره ، وأتاه من يريد الشر والفساد ، ~~فسير إليه محمد عاملا آخر في جيش فصالحه عمر ، وطلب العامل كل من كان له ~~مساعدة لعمر ، فأهلكه ، ومنهم من أبعده ، واستقامت تلك الناحية . وفي سنة ~~ثمان وستين سير محمد جيشا إلى المخالفين مع ابنه المنذر فقصد مدينة سرقسطة ~~فأهلك زرعها وخرب بلدها . وافتتح حصن روطة ، وأخذ منه عبد الواحد الروطي - ~~وهو من أشجع أهل زمانه - وتقدم إلى دير تروجة وهتكها بالغارة ، وقصد مدينة ~~لاردة ms5411 وقرطاجنة وأخذ رهائنهم ، ثم قصد مدينة ألبة والقلاع فافتتح بهما ~~حصونا ، وعاد بالظفر والنصر والسلامة . ذكر وفاة الأمير محمد بن عبد الرحمن ~~كانت وفاته في سلخ صفر سنة ثلاث وسبعين ومائتين وقيل في يوم الأحد غرة شهر ~~ربيع الأول منها ، وأنه خرج يوم الأحد إلى الرصافة متنزها ومعه هشام بن ~~PageV23P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" عبد العزيز فقال له : يا سيدي ما أطيب الدنيا ~~لولا الموت فقال له : يا ابن اللخناء وهل ملكنا هذا الذي نحن فيه إلا الموت ~~؟ ولو بقي من كان قبلنا فمن أين كان يصل إلينا ؟ ورجع من نزهته فحم ومات في ~~بقية يومه ، نقله ابن الرقيق في تاريخ أفريقية وكان مولد محمد في ذي القعدة ~~سنة سبع ومائتين وعمره خمسا وستين سنة وثلاثة أشهر وأياما . وكانت ولايته ~~أربعا وثلاثين سنة وأحد عشر شهرا . وكان أبيض مشربا بحمرة ، ربع القامة ~~أوقص ، يخضب بالحناء والكتم وولد له مائة ولد ذكور ، مات عن ثلاثة وثلاثين ~~منهم . وكان ذكيا فطنا بالأمور المستبهمة ، محبا للعلوم ، مؤثرا لأهل ~~الحديث ، عارفا حسن السيرة . قال ابن مخلد الفقيه : ما كلمت أحدا من الملوك ~~أكمل عقلا ولا أبلغ من الأمير محمد بن عبد الرحمن ، رحمه الله تعالى . ~~وكانت وفاة محمد في خلافة المعتمد على الله العباسي . ذكر إمارة المنذر بن ~~محمد هو أبو الحكم المنذر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد ~~الرحمن الداخل ، وأمه أم ولد اسمها إيل ، وهو السادس من أمراء بني أمية ~~بالأندلس . قام بالأمر في يوم وفاة أبيه في غرة شهر ربيع الأول سنة ثلاث ~~وسبعين ومائتين ، وقيل بويع له بعد وفاة أبيه بثلاث ليال وخالف عليه ابن ~~حفصون - وقد ذكرنا خلافه على أبيه - وتحصن عمر بن حفصون بطليطلة ، فسار ~~المنذر إليها وأحدق بها ؛ فأعمل ابن حفصون الحيلة وسلك طريق المكر والخديعة ~~، وسأل الأمان ، وأظهر الرغبة في سكن قرطبة بأهله وولده . فأمنه المنذر ~~وكتب له بما أراد ، وفصل لأولاده الثياب . ثم سأل مائة بغل يحمل عليها ~~أثقاله وعياله إلى ms5412 قرطبة ، فأمر له المنذر وسلمت إليه وعليها عشرة من ~~العرفاء . PageV23P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" وارتحل العسكر ، فأخذ ابن حفصون البغال وقتل ~~العرفاء ، وعاد إلى سيرته الأولى . فعقد المنذر على نفسه أنه لا أعطاه صلحا ~~ولا عهدا إلا أن يلفى بيده وينزل على حكمه ، وأمر بالسكنى ، وأن ترد أسواق ~~قرطبة إلى طليطلة . ودام الحصار ، فمات وهو يحاصره . وأن ترد أسواق قرطبة ~~إلى طليطلة . ودام الحصار ، فمات وهو يحاصره . وكانت وفاته في يوم السبت ~~لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين ، وقيل في نصف صفر . ~~وعمره نحوا من ست وأربعين سنة وولايته سنة واحدة وأحد عشر شهرا ، وأيام . ~~وكان أسمر طويلا ، جعدا كث اللحية ، بوجهه أثر جدري ، وخلف ستة أولاد ذكورا ~~. وقيل لم يعقب فولى بعده أخوه ذكر إمارة عبد الله بن محمد هو أبو محمد عبد ~~الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل ، وأمه ~~أم ولد اسمها عشار ، وهو السابع من أمراء بني أمية ببلاد الأندلس . بويع له ~~بعد وفاة أخيه المنذر في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة خمس ~~وسبعين ومائتين ، وقيل في منتصف صفر منها ، وذلك في خلافة المعتمد على الله ~~العباسي . ولما بويع له كان بالمعسكر على طليطلة فرحل نحو قرطبة ، ودخل ~~القصر بها لثلاث بقين من صفر المؤرخ . قال إبراهيم بن الرقيق : ولما تولى ~~ألب ابن حفصون عليه ، وحشد كور الأندلس حتى لم يبق منهل إلا قرطبة ، وأقبل ~~فيمن أطاعه من أهل الكور . وخرج إليه الأمير عبد الله في أربعة عشر ألفا من ~~أهل قرطبة خاصة ، وأربعة آلاف من حشمه ومواليه . فبرز إليه ابن حفصون في ~~سفح الجبل وسار له ، فلم تكن إلا صدمة صادقة حتى أزالوهم عن مراكزهم . ودخل ~~ابن حفصون الحصن كأنه يخرج من بقي فيه ، فثلم فيه ثلمة أخرج منها أهله وما ~~كان له . فلما انتهى ذلك إلى عسكره ولوا مدبرين لا يلوي أحد منهم على أحد ~~فقتلوا قتلا ذريعا ودخل منهم ms5413 جماعة في عسكره فأمر بالتقاطهم وجلس لهم في ~~مظلة فقتل بين يديه ألف صبرا . وكانت في أيامه فتن عظيمة ، وكثر قيام ~~الثوار عليه حتى لم يبق في يده إلا مدينة قرطبة وحدها . وخالف عليه أهل ~~إشبيلية وشذونة ، ولم تبق مدينة إلا خالفت عليه . وعزموا على الدعاء على ~~منابر الأندلس للمعتضد بالله العباسي ، فكتبوا إلى إبراهيم بن أحمد الأغلب ~~يسألونه أن يبعث إليهم رجلا من قبله ، فتثاقل عنهم إبراهيم وشغله أيضا ~~اضطراب أهل أفريقية عليه ، فأمسكوا عن ذلك PageV23P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" وقلت رجال عبد الله بن محمد ، وذهب من كان ~~يصول له - هو وآباؤه - من مواليهم وأصحابهم ، وقلت الأموال في يده لخروج ~~أهل المدن وامتناعهم من أداء الخراج إليه . وكان خراج الأندلس الذي يؤدى ~~إلى آبائه ثلاثمائة ألف دينار في كل سنة ، فكانوا يعطون رجالهم وخدمهم مائة ~~ألف دينار ، وينفقون في أمورهم ونوابهم وجميع ما يعرض لهم مائة ألف ، ~~ويدخرون مائة ألف . فلما امتنع أهل مدن الأندلس من أداء الخراج إليهم رجعوا ~~إلى تلك الذخائر ينفقونها ، واتصلت عليهم الحروب خمس عشرة سنة فنفدت ~~ذخائرهم واحتاجوا للقروض وكانت أيامه على هذه الحال إلى أن توفي ، وكانت ~~وفاته في يوم الثلاثاء غرة شهر ربيع الأول سنة ثلاثمائة ، وعمره سبعون سنة ~~إلا شهورا ، ومدة ولايته خمس وعشرون سنة ونصف شهر وكان مستبدا بآرائه ، ~~مخالفا لنصائحه ، لين الجانب جدا . بلغ من لينه أن ابنه مطرفا قتل أخاه ~~محمد بن عبد الله والد الناصر فلم ينكر عليه ذلك ، بل قال له : قد سوغتك ~~قتل أخيك فالله الله في ابن أمية يعني وزيره فإنك إن قتلته قتلتك به ثم حذر ~~ابن أمية بن مطرف ، وكان مطرف قد عزم على خلعه فلم يمكنه ذلك لمكان ابن ~~أمية ، فعمل عليه حتى قتله . ولما مات عبد الله ولي بعده ابن ابنه عبد ~~الرحمن . ذكر إمارة عبد الرحمن بن محمد هو أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد ~~بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد ms5414 الرحمن الداخل ~~، وأمه أم ولد اسمها مزنة ، وهو الثامن من أمراء بني أمية بالأندلس . بويع ~~له بعد وفاة جده ، في مستهل شهر ربيع الأول سنة ثلاثمائة . وقال ابن الرقيق ~~إنه أخ لعبد الله بن محمد ، وليس بصحيح وينقض ذلك عليه أنه قال فيه : ولي ~~وهو ابن أربع وعشرين سنة ووفاة محمد بن عبد الرحمن قبل مولد عبد الرحمن هذا ~~بأربع سنين ، وأظنه أشكل عليه أمره ، والتبس عليه محمد بن عبد الله بجده ~~محمد بن عبد الرحمن ، والله تعالى أعلم . قال : ولما ولي عبد الرحمن هذا ~~تلقب بأمير المؤمنين الناصر لدين الله ، وهو أول من لقب بأمير المؤمنين ~~ببلاد الأندلس . وكان من قبله يسمون ببني الخلائف ، ويسلم عليهم ويخطب لهم ~~بالإمرة فقط . وإنما تسمى هذا بأمير المؤمنين لما بلغه ضعف الخلافة بالعراق ~~في أيام المقتدر بالله ، وظهور الشيعة بالقيروان ، ودعاؤهم للمهدي . فكان ~~في ذلك ثلاثة خلائف تلقب كل منهم بأمير المؤمنين ؛ فالمقتدر بالعراق ، ~~والمهدي بالقيروان ، وهذا الناصر بالأندلس . PageV23P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" قال : وولي والأندلس نار تضطرم ، وجمرة تتقد ~~شقاقا ونفاقا ، فأخمد نيرانها وسكن زلازلها ، وغزا غزوات كثيرة ، وكان يشبه ~~بعبد الرحمن الداخل . ولم يجد من المال ما يستعين به على مصالح جيشه ، ~~فاتفق أن صاحب الدوجر أغار على قرطبة في نحو ثلاثمائة فارس فهزمه عبد ~~الرحمن وأسره . فسم إليه الحصن بجميع ما فيه فتقوى به ، ثم التقى مع ابن ~~حفصون في وادي التفاح بجيان - وكان ابن حفصون في عشرين ألف فارس - فهزمه ~~عبد الرحمن وأفنى أكثر من معه قتلا وأسرا . وبعث إلى المغرب الأوسط ، فملك ~~سبتة وفاس وسجلماسة وعمرها وغزا الروم بعد ذلك اثنتي عشرة غزوة حتى دوخ ~~بلادها ، ووضع عليهم جزية يؤدونها . وكان فيما شرط عليهم اثنا عشر ألف صانع ~~يصنعون له في مدينته التي بناها وسماها الزهراء ، وهي على ثلاثة أميال من ~~قرطبة ، أسندها إلى سفح الجبل وساق المياه إليها . وقسمها أثلاثا ، فالثلث ~~الذي يلي الجبل لقصوره ومنازله ، والثلث فيه دور خدمه وكانوا اثني عشر ألفا ~~بمناطق الذهب والسيوف ms5415 المحلاة يركبون لركوبه وينزلون لنزوله ، والثلث ~~بساتين تحت مناظره وقصوره . وجلب إليها أنواع الفواكه ، قال : ومن غريب ما ~~بناه فيها مجلس مشرف على البساتين مرفوع على العمد مبني بالرخام المجزع ، ~~مصفح بالذهب ، مرصع باليواقيت والجواهر . وصنع أمام المجلس بحرا ملأه ~~بالزئبق فكان النور ينعكس منه إلى المجلس ، فحضر إليه القاضي بقرطبة الفقيه ~~منذر بن سعيد البلوطي فقرأ " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون " إلى قوله تعالى " ~~والآخرة عند ربك للمتقين " فقال له وعظت فأحسنت وأمر بنزع الصفائح . قال : ~~وكمل بناء الزهراء في اثنتي عشرة سنة ، بألف بناء في كل يوم ، مع كل بناء ~~اثنا عشر رقاصا ، وسكنها خمسا وعشرين سنة . وطالت أيام الناصر ، وتمكن ، ~~واتسعت مملكته . وكانت وفاته في ليلة الأربعاء لليلتين ، وقيل لثلاث خلت من ~~شهر رمضان المعظم سنة خمسين وثلاثمائة بالزهراء . وحمل إلى مدينة قرطبة ، ~~فدفن بها مع أسلافه من بني أمية . ومولده في يوم الخميس لتسع بقين من شهر ~~رمضان سنة سبع وسبعين ومائتين ، وكان عمره ثلاثا وسبعين سنة ، ومدة ولايته ~~خمسين سنة وستة أشهر وأياما . PageV23P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" وكان شهما صارما ، لم يزل ولي يستذل ~~المتغلبين حتى خلصت له جميع الأندلس في خمس وعشرين سنة من ولايته . وكان له ~~من الأولاد الحكم ولي عهده ، وعبد الجبار ، وسليمان ، وعبد الملك ، وعبيد ~~الله ، والمغيرة ، ولما مات ولي بعده ابنه الحكم . ذكر إمارة الحكم ~~المستنصر بالله هو أبو العاص الحكم بن عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد ~~الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل ، وأمه ~~أم ولد اسمها مرجان ، وهو التاسع من أمراء بني أمية ببلاد الأندلس . بويع ~~له في شهر رمضان سنة خمس وثلاثمائة في جميع مدن الأندلس وثغورها ، فأحسن ~~إلى الرعية ، وعدل فيهم وضبط الثغر ، وغزا الروم في سنة اثنتين وخمسين ~~وثلاثمائة ، ففتح مدنا جليلة ، وسبى وغنم وانصرف غانما . ثم أصابه الفالج ~~فتغيب عن الناس ، فلما كان في ms5416 يوم السبت لعشر خلون من المحرم سنة ست وستين ~~وثلاثمائة أظهر موته ، وقيل توفي فجأة ليلة الأحد لأربع خلون من صفر منها . ~~ومولده في يوم الجمعة مستهل شهر رجب سنة اثنتين وثلاثمائة ، فمات وله من ~~العمر ثلاث وسبعون وستة أشهر وعشرة أيام ، ومدة ولايته خمس عشرة سنة وأربعة ~~أشهر وأيام . وكان حسن السيرة ، جامعا للعلوم مكرما لأهلها ، وجمع من الكتب ~~على اختلاف أنواعها ما لم يجمعه غيره من الملوك قبله ، واشتراها من سائر ~~الأقطار ، وغالى في أثمانها ، فحملت إليه من كل جهة . وكان قد رام قطع ~~الخمر ، من الأندلس ، وأمر بإراقتها وشدد في استئصال شجرة العنب من جميع ~~أعماله . فقيل له إنها تعمل من التين وغيره ، فتوقف في ذلك . وهو الذي رحل ~~إليه أبو علي القالي البغدادي الأمالي ، وأبو بكر الزبيدي مختصر كتاب العين ~~. وكان منذر بن PageV23P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" سعيد البلوطي قاضية وقاضي أبيه ، فلما توفي ، ~~ولي القضاء ابن بشير الفقيه ، فاشترط على المستنصر نفوذ الحكم فيه ممن دونه ~~. فكان من أخباره أن امرأة منقطعة كان لها أريضة تجاور بعض قصور الأمير ، ~~فاحتاج إليها ليبني فيها شيئا مما أراد بناءه ، فساومها الوكيل في البيع ~~فامتنعت ، فأخذها الوكيل قهرا وبنى فيها منظرة بديعة وأنفق عليها جملة ~~وافرة . فوقفت المرأة لابن بشير القاضي وقصت عليه قصتها ، فركب حماره وجعل ~~عليه خرجا كبيرا لا يطيق حمله إلا جماعة من الرجال . وقصد الزهراء ~~والمستنصر في تلك المنظرة ، فدخل عليه فقال : ما جاء بالقاضي في هذا الوقت ~~؟ فقال : أريد ملء هذا الخرج من تراب هذا الموضع فتعجب منه الحكم وأمر فملئ ~~الخرج ثم خلا القاضي به فقال : أدل عليك إدلال العلماء على الملوك الحلماء ~~أن لا ينقل هذا الخرج على الحمار إلا أنا وأنت فضحك الحكم وقال : كيف نطيق ~~ذلك أيها القاضي ؟ فبكى ابن بشير وقال : فكيف نطيق أن نطوق هذا المكان ~~أجمعه من سبع أرضين في حلقي وحلقك يوم القيامة وأنا شريكك في الإثم إن رضيت ~~هذا الحكم ؟ وقص عليه القصة ، فبكى الحكم ms5417 وقال : وعظت فأبلغت أيها القاضي ~~ثم خرج عن المكان وسلمه إلى المرأة ما بني فيه وغرس . قال : وكتب إليه ~~العزيز بن المعز صاحب مصر كتابا يشتمه فيه ويسبه ، فكتب إليه " أما بعد ~~فإنك عرفتنا فهجوتنا ، ولو عرفناك لهجوناك ، والسلام " وكتب إليه قصيدة ~~يفتخر فيها منها : ألسنا بني مروان كيف تبدلت . . . بنا الحال أو دارت ~~علينا الدوائر إذا ولد المولود منا تهللت . . . له الأرض واهتزت إليه ~~المنابر وكان للحكم من الأولاد هشام ، وسليمان ، وعبد الله . وحاجبه جعفر ~~الصقلي ، المعروف بالفتى ذكر إمارة هشام المؤيد بالله وهو العاشر من أمراء ~~بني أمية بلاد الأندلس . بويع له بولاية العهد في حياة أبيه في غرة جمادى ~~الأولى سنة خمس وستين وثلاثمائة . وقيل في يوم الاثنين لخمس خلون من صفر ~~منها ، وهو ابن اثنتي عشرة سنة باتفاق الوزراء . وعلموا أن معه المغيرة بن ~~عبد الرحمن PageV23P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" ينازعه في الأمر ويتطاول إلى بعض ما عقد له ~~ويرى أنه أحق بذلك منه لصغر سنه ، فهجم عليه في منزله فذبح . وكان الذي ~~تولى قتله محمد بن أبي عامر الوزير ، فصعب الأمور لهشام . ولما ولي احتيج ~~إلى مدبر للمملكة ، فوقع الاختيار على جعفر بن عثمان المصحفي ، فقلده هشام ~~حجابته وتدبير أمره ، وأشرك معه في الحجابة غالب بن عبد الرحمن . وقلد ~~المنصور بن أبي عامر الوزارة - وكان على الشرط والسكة - فانحط المصحفي ~~وارتفع ابن أبي عامر ، ثم عزل المصحفي عن الحجابة في يوم الاثنين لثلاث ~~عشرة ليلة خلت من شعبان سنة سبع وستين وحوقق وطولب بمائة ألف دينار ، وتوفي ~~في المطبق بعد خمسة أعوام ، فكانت مدة ولايته سنة أشهر وثلاثة أيام . ذكر ~~أخبار المنصور محمد بن أبي عامر قال : ولما عزل المصحفي اتفق الرأي على ~~تقديم محمد بن أبي عامر المعافري ، فولى الحجابة في يوم الاثنين المؤرخ ، ~~وبقي غالب شريكه إلى أن قتل وتفرد المنصور بالأمر . قال بعض المؤرخين : كان ~~محمد بن أبي عامر من الجزيرة الخضراء ، وله بها قدر وهو شاب إلى قرطبة ~~واشتغل بالعلم والأدب ، وسمع ms5418 الحديث وتميز . وكانت له همة يحدث بها نفسه ~~بإدراك معالي الأمور ، وكان يحدث من يختص به بما يقع له من ذلك . وله أخبار ~~كثيرة أورد منها أبو عبد الله الحميدي - في كتابه المترجم بالأماني الصادقة ~~- كثيرا قال : ثم علت حاله ، وتعلق بوكالة صبح أم هشام المؤيد ، والنظر في ~~أموالها ؛ فزاد أمره في الترقي إلى أن مات وولى ابنه هشام ، فخافت اضطراب ~~الأمر عليه ، فضمن لها سكون الحال وزوال الخوف واستقرار الملك لابنها . ~~فساعدته المقادير ، وأمدته بالأموال فاستمال العساكر إليه ، فصار صاحب ~~التدبير والمتغلب على الأمر . PageV23P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" وحجب هشاما وتلقب بالمنصور وأقام الهيبة ، ~~فدانت له أقطار الأندلس كلها ، ولم يضطرب عليه شيء منها لعظم هيبته وحسن ~~سياسته . وكان يدخل إلى القصر ويخرج فيقول : أمر أمير المؤمنين بكذا ونهى ~~عن كذا فلا يعترض عليه في مقال ولا ينازع في أفعال . وكان إذا غزا بلد ~~الروم وكل بهشام من يمنعه من التصرف والظهور والإذن في دخول أحد من الناس ~~إلى أن يعود من سفره ، فإذا كان بعد سنين أركبه وجعل عليه برنسا وألبس ~~جواريه البرانس حتى لا يعرف منهم ، ويوكل بالطرقات من يطرد الناس عنها حتى ~~ينتهي إلى الزهراء وغيرها من المتنزهات ، ثم يعيده على مثل ذلك . وليس له ~~من الملك إلا الدعاء على المنابر ، وإثبات اسمه على السكة والطرر ، ~~والمنصور على أتم ما يكون من الحزم وسد الثغور وإقامة العدل وشمول الناس ~~بالإحسان والفضل . فلم ثر في الضبط وحسن السياسة وأمن السبيل وتوفية حقوق ~~الرياسة بجزيرة الأندلس كأيامه ودامت له هذه الحال بضعا وعشرين سنة إلى أن ~~توفي ، وكانت وفاته في أقصى الثغور بمدينة سالم في سنة ثلاث وتسعين ~~وثلاثمائة في طريق الغزو . قال : وكان رحمه الله تعالى له مجلس في الأسبوع ~~يجتمع فيه أهل العلم للكلام بحضرته مدة بقائه بقرطبة ، قال وختن أولاده ~~فختن معهم من أولاد أهل دولته خمسمائة صبي ومن أولاد الضعفاء ما لم تحص ~~عدتهم ، وأنفق فيه خمسمائة ألف دينار . وكان ذا همة عالية في الجهاد ms5419 ، ~~مواصلا لغزو الروم ، وربما خرج لصلاة العيد فيقع له فيه الجهاد ، فلا يرجع ~~إلى قصده ويركب من فوره بعد انصرافه من الصلاة ، فلا يصل إلى أوائل الدروب ~~إلا وقد لحقه كل من أراد من العساكر . وغزا ستا وخمسين غزاة ذكرت في المآثر ~~العامرية بأوقاتها ، وفتح فتوحا كثيرة ، ووصل إلى معاقل جمة امتنعت على من ~~كان قبله . وملأ الأندلس بالغنائم والسبي . قال : وكان إذا انصرف من قتال ~~العدو إلى سرادقه يأمر بنفض غبار ثيابه التي شهد فيها الحرب ، ويجمع ويحتفظ ~~به . فلما حضرته الوفاة أمر أن ينشر على كفنه ما جمع من ذلك إذا وضع في ~~قبره . PageV23P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" قال : وبنى مدينة الزاهرة بقرب قرطبة ، ~~وانتقل إليها بأهله وولده وحواشيه . وكان قد يخوف من بني أمية أن يثوروا به ~~، فأخذ في تقتيلهم صغارا وكبارا ، عملا في الباطن لنفسه وفي الظاهر إشفاقا ~~على المؤيد منهم ، حتى أفنى من يصلح منهم للولاية ، وفرق في البلاد . فكان ~~ممن هرب الوليد بن هشام الخارج على الحاكم بمصر ، الملقب بأبي زكوة . ~~وأخبار المنصور طويلة مشهورة لو استقصيناها لطال الكتاب ، وفيما نبهنا عليه ~~من أخباره وذكرناه من آثاره كفاية . وأخبرني بعض أهل الأندلس أن على قبره ~~مكتوبا : آثاره تنبيك عن أخباره . . . حتى كأنك بالعيان تراه تالله لا يأتي ~~الزمان بمثله . . . أبدا ولا يحمي الثغور سواه ولما مات رحمه الله - قام ~~بالأمر بعده ولده . ذكر المظفر أبي مروان عبد الملك قال : وكان الناس قد ~~تجمعوا وقصدوا الزهراء وقالوا : لا بد من طهور المؤيد وولايته الأمر بنفسه ~~فلما بلغه ذلك آثر الراحة والدعة ، وأحضر عبد الملك وخلع عليه وقلده ما كان ~~بيد أبيه من الولاية ، ونعته بالحاجب المظفر سيف الدولة . وأمر فاتن الصغير ~~الخادم أن يخرج إلى المجتمعين فيصرفهم ويخبرهم برضائه بحجبة المظفر ، ~~فأخبرهم ، فأبوا وخرج المظفر فقابلته الفئة المجتمعة فهزمهم ، وأقام في ~~الحجبة إلى أن توفي اثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر سنة تسع وتسعين وثلاثمائة ~~بموضع يقال له القبران في غزوته ، فحمل في تابوت ودفن بالزاهرة ms5420 وعمره ست ~~وثلاثون سنة . ومدة ولايته ستة أعوام وأربعة أشهر وأيام وغزا الروم ثماني ~~غزوات وبأيامه تضرب المثل بالأندلس عدلا وأمنا . ولما مات ولي الحجبة عبد ~~الرحمن بن المنصور محمد بن أبي عامر وهو أخو المظفر ونعت بالحاجب المأمون ~~ناصر الدولة ، ويلقب بشنشول فافتتح أموره بالخلاعة والمجانة ، وكان يخرج من ~~منية إلى منية ومن متنزه إلى متنزه بالملاهي والمضحكين ، ويجاهر بشرب الخمر ~~والتهتك . ثم طلب من المؤيد أن يدعو له يوليه العهد بعده ، وهدده بالفتك به ~~إن لم يفعل ، وكثر الإرجاف بذلك . PageV23P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" ثم ركب شنشول من الزاهرة ومعه سائر أهل ~~الخدمة بسلاحهم ، والوزير وقاضي الجماعة ، والفقهاء والعدول ، وأصحاب الشرط ~~، ووجوه الناس على طبقاتهم . وسار إلى باب القصر بقرطبة ، وحضر المؤيد هشام ~~، وأخرج كتابا قرئ بحضرته وهو بخط الوزير أبي عمر ، وفيه : " بسم الله ~~الرحمن الرحيم . . هذا ما عهد به هشام المؤيد بالله أمير المؤمنين إلى ~~الناس عامة ، وعاهد الله - عز وجل - عليه من نفسه خاصة ، وأعطى به صفقة ~~يمينه بيعة تامة ، بعد أن أمعن النظر وأطال الاستخارة ، وأهمه ما جعل الله ~~إليه من الإمامة وعصب به من أمره ، واتقى حلول القدر بما لا يؤمن ، وخاف ~~نزول القضاء بما لا يصرف ، وخشي إن هجم محتوم ونزل مقدور به ولم يرفع لهذه ~~الأمة علما تأوي إليه وملجأ تنعطف عليه . . أن يكون بلقاء ربه - تبارك ~~وتعالى - مفرطا فيها ساهيا عن أداء الحق إليها ونقض عند ذلك من طبقات الناس ~~من أحياء قريش غيرها ممن يستوجبه بدينه وأمانته وهديه وصيانته ، بعد اطراح ~~الهوى والتحري للحق والتزلف إلى الله - جل جلاله - بما يرضيه . بعد أن قطع ~~الأواصر وأسخط الأقارب فلم يجد أحدا هو أجدر أن يقلده عهده ويفوض إليه ~~الخلافة بعده ، بفضل نفسه وكرم خيمه وشرف مركبه وعلو منصبه ، مع تقواه ~~وعفافه ، ومعرفته وإشرافه ، وحزمه وتقاته . . من المأمون الغيب الناصح ~~الجيب ، أبي المطرف عبد الرحمن بن محمد المنصور أبي عامر ، وفقه الله إذ ~~كان أمير المؤمنين - أيده الله - قد ابتلاه واختبره ، ونظر ms5421 في شأنه واعتبره ~~، فرآه مسارعا في الخيرات سابقا في الحلبات مستوليا على الغايات جامعا ~~للمأثرات ومن كان المنصور أباه ، والمظفر أخاه . . فلا غرو أن يبلغ من سبل ~~البر مداه ، ويحوي من سبيل الخير ما حواه . مع أن أمير المؤمنين - أكرمه ~~الله - بما طالع من مكنون العلم ، ودعاه من مخزون الأمر ، أمل أن يكون قد ~~ولى عهده القحطاني الذي حدث عنه عبد الله بن عمرو بن العاص وأبو هريرة أن ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان ~~يسوق الناس بعصاه . فلما استوى منه الاختيار ، وتقابلت عنده فيه الآثار ، ~~ولم يجد عنه مهربا ، ولا إلى غيره معدلا . . خرج إليه من تدبير الأمور في ~~حياته ، وفوض إليه الخلافة بعد وفاته ، طائعا راضيا مستخيرا مجتهدا . وأمضى ~~أمير المؤمنين عهده هذا وأجازه وأنفذه ، ولم يشترط فيه مثنوية ولا خيارا ، ~~وأعطى على الوفاء به في سره وجهره وقوله وفعله عهد الله وميثاقه ودمه وذمة ~~نبيه PageV23P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وذمة الخلفاء ~~الراشدين من آله وآبائه ، وذمة نفسه . . أن لا يبدل ، ولا يغير ولا يحول ، ~~ولا يزول ، وأشهد الله تعالى وملائكته على ذلك ، وكفى بالله شهيدا . . ~~وأشهد من وقع اسمه في هذا وهو جائز الأمر ، ماضي القول والفعل بمحضر من ولى ~~عهده المأمون أبي المطرف عبد الرحمن بن المنصور - وفقه الله - وقبوله ما ~~قلده ، وإلزامه نفسه ما ألزمه ، وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين ~~وثلاثمائة " . ثم كتب الوزراء والقضاة والفقهاء شهاداتهم بذلك ، فلما تم له ~~ما أراد من ولاية العهد ودعي على المنابر ، أخذ في التخليط وارتكاب ~~المحرمات . ثم عزم على الغزاة ، وتقدم إليه هشام أن يتعمم هو وسائر الجند ~~ففعل ، وخرجوا في العمائم - وكانوا بها في أقبح زي لمخالفة العادة - وذلك ~~في يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من جمادى الأولى . وسار للغزاة وعي المعروفة ~~بغزوة الطين ، وقيل إنه انتهى إلى طليطلة ، فأتاه الخبر بقيام محمد بن هشام ~~بن عبد الجبار وخلعه للمؤيد ، وأنه ms5422 أخرب الزاهرة ، فخلف الناس لنفسه ، ثم ~~تفرقوا عنه ، والتحقوا بمحمد بن هشام وكان من أمره وأمر المؤيد ما نذكره في ~~أيام محمد بن هشام بن عبد الجبار ذكر إمارة محمد المهدي هو أبو الوليد محمد ~~بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر ، وهو الحادي عشر من ملوك بني ~~أمية بالأندلس استولى على الأمر في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة ~~، ونحن نذكر سبب ذلك وكيف كان خروجه وكيف استولى على الأمر ، لأن في ذلك من ~~الغرائب والحوادث ما يتعين إيراده بسببه ويفيد تجربه ، ويعتبر به من يتأمله ~~، ويعلم أن المقادير تجري على غير قياس ، وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه . ~~وكان ابتداء هذا الأمر أن هشام بن عبد الجبار والد محمد المهدي هذا قد ترشح ~~لطلب هذا الأمر لنفسه ، وعزم على خلع هشام المؤيد ، فبلغ ذلك المظفر عبد ~~الملك فقتل هشام بن عبد الجبار قبل أن يستحكم أمره في سنة تسع وتسعين . ~~وكان محمد بن هشام جسورا مقداما شجاعا ، ولم يتهيأ له أمر لهيبة عبد الملك ~~واجتماع جنده ، فلم يزل محمد يترصد الأمر حتى مات عبد الملك وولى عبد ~~الرحمن . وتطاول لولاية العهد ونالها ، وخرج للغزاة - على ما قدمنا - فخلا ~~البلد PageV23P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" من الجند . وقوي عزم محمد رجلان وهما حسن بن ~~حي الفقيه ومطرف بن ثعلبة . وكان محمد يعاشر في مدة استتاره قوما من ~~الصعاليك لهم على كل عظيمة ، فدس بعضهم إلى بعض وأعطاهم من خمسة مثاقيل إلى ~~عشرة وأكثر من ذلك ، فاجتمع له منهم نحو أربعمائة رجل . وطاوعه على ذلك ~~جماعة من المروانيين لخروج الأمر عنهم وصرفه إلى أبي عامر . وكان عبد ~~الرحمن قد رتب أمور البلد قبل مسيره ، وجعل النظر في الأموال وتدبير البلد ~~إلى قبل مسيره ، وجعل النظر في الأموال وتدبير البلد إلى أحمد بن حزم وعبد ~~الله بن سلمة المعروف بابن الشرس ، وجعل على المدينة عبد الله بن عمرو ~~المعروف بابن عسفلاجة وهو أحد بني أبي عامر . وظن شنشول أن الأمور لا ms5423 تتغير ~~وأن دولتهم قد استحكم أمرها ، هذا ومحمد في تقرير حاله ، فشنع الناس أن ~~قائما يقوم على بني الأغلب ، فبلغ ابن عسفلاجة الخبر فأظهر البحث وبالغ في ~~الكشف فلم يتبين له شيء وهجم دورا كثيرة فلم يقف على أمر واضح . فلما كان ~~في يوم الثلاثاء النصف من جمادى الآخرة مات ابن عبد الجبار بقرطبة ، ونقدم ~~إلى ثلاثين رجلا من كفاة أصحابه أن يشتملوا على سيوفهم ويدخلوا من باب ~~القنطرة متفرقين حتى يقفوا على السترة التي تشرف على الرصيف والوادي ، كما ~~يفعل من يريد التفرج بذلك المكان . وأمرهم أن لا يحدثوا حدثا حتى يأمرهم ~~وأنذر سفهاءه وواعدهم ساعة قبل زوال الشمس ، ففعل أولئك النفر ما أمرهم به ~~، وكان من سواهم على انتظار الوقت الذي حدده لهم . وركب محمد بغلته وعبر ~~القنطرة وحده حتى انتهى إلى باب الشكال ومعه نفر من أصحابه كانوا قياما على ~~باب القنطرة فاقتحموا باب الشكال فأنكرهم حرس الباب وأرادوا منعهم ، فبادر ~~محمد ودخل . وسل أولئك النفر سيوفهم وقصدوه ، فقصدهم صاحب المدينة ابن ~~عسفلاجة ، فيقال إنه كان يشرب مع حارسين له ، فأتاه محمد وهو على أهبة ~~فقتله واحتزوا رأسه . وتتابع أصحاب محمد من جهاتهم إليه . واتصل الخبر بأهل ~~الزاهرة عند العصر وقد عظم جمع محمد من أصحابه ومن اجتمع إليه من العوام ~~وأهل البادية ، فنقب القصر من ناحية السباع ومن ناحية باب الجنان ، ولم ~~يقدر حرس القصر على مقاومته . . ووصل إلى القصر من جهة باب السدة وأهل ~~الزاهرة غير مصدقين بالأمر ، وظنوا أنه أمر يدفعه صاحب المدينة إلى أن قوي ~~عندهم الخبر بدخول محمد القصر ، فكان حسبهم اعتصامهم بالزاهرة في ليلتهم . ~~PageV23P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" فلما صار محمد داخل القصر أرسل إليه المؤيد ~~هشام يقول له : تؤمنني على نفسي وأنخلع لك من الأمر فقال " سبحان الله ~~أتراني إنما قمت في هذا الأمر لأقتل أهل بيتي ، وإنما قمت غضبا له ولنفسي ~~وبني عمي ، فإن خلع نفسه طائعا قبلت ذلك ، وليس له عندي إلا ما يحب . وأرسل ~~محمد إلى الفقهاء ووجوه ms5424 الناس فأحضرهم ، وكتب كتاب الخلع والبيعة لمحمد ، ~~وبات تلك الليلة في القصر وأهل بالس وهي الزهراء لم يتحرك منهم أحد ، ~~وكانوا جمعا كبيرا منهم أبو عمرو بن حزم وعبد الله بن سلمة وابن أبي عبيدة ~~وابن جهور ، وجماعة من الفقهاء والوزراء والقالبة - وهم الخصيان - ونفر من ~~الجند والخزان والكتاب . وأصبح محمد فجعل حجابته إلى ابن عمه محمد بن ~~المعيرة ، وجعل على المدينة ابن عمه أمية بن إسحاق . وأمرهما بإثبات كل من ~~جاءهما في الديوان ، فلم يبق أحد حتى أثبت نفسه حتى الزهاد والعباد وأئمة ~~المساجد وغيرهم وقبضوا العطاء ، وكذلك التجار الأغنياء . واتبعه سائر أهل ~~البوادي والأطراف ، وأرسل حاجبه محمد بن المغيرة في خلق من العامة لمحاربة ~~أهل بالس فردوه أقبح رد وهزموه إلى داخل قرطبة . ثم كثر العامة فهزموهم إلى ~~بالس ، ودخلها الحاجب ونهبت ، فسأل الوزراء والصقالبة الأمان فأمنهم محمد ، ~~فساروا إليه فوبخهم ثم عفا عنهم ورد ابن الشرس مع الحاجب لنقل ما ببالس من ~~الأموال والأمتعة والأثاث وقد نهب منه ما لا يحصى ، ونهبت ليلة الأربعاء ~~دور كثيرة للعامرية ، ونهب ما جاوز بالس من دور الوزراء ، وانتهبت ما في ~~الزاهرة حتى قلعت الأبواب والأخشاب ، والحاجب مع ذلك ينقل . ثم أمر محمد ~~بعد أربعة أيام بكف أيدي العامة عن النهب فمنعوا ، وتفرد بنقل ما يريد ، ~~فيقال إن الذي وصل إليه من الزاهرة في ثلاثة أيام ألف ألف وخمسمائة ألف ~~دينار ، ومن الدراهم الأندلسية ألفا ألف ومائة ألف ، ووجد بعد ذلك خوابي ~~فيها نحو من مائتي ألف دينار ، وأطلقت النار في الزاهرة لعشر بقين من جمادى ~~الآخرة . وخطب لمحمد بالخلافة وقطعت خطبة هشام وشنشول ، وقرئ بعد صلاة ~~الجمعة كتاب بلعن شنشول وذكر مساوئه ، وقرئ كتاب آخر من محمد بإسقاط رسوم ~~جارية وقبالات محدثة . وصلى محمد بالناس الجمعة لأربع من جمادى الآخرة ودعا ~~لنفسه وتلقب بالمهدي ، وقرئ بعد نزوله كتاب على المنبر بالنفير لقتال شنشول ~~. PageV23P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" ووصل أهل الأقاليم من أقصى الأندلس مظهرين ~~عدة الرحب ، وولى محمد جنده قوادا من ms5425 طبيب وحائك وجزار وسراج ، وخرج بهم ~~ونزل بفحص السرادق ، وأمر أهل النواحي بالنزول حول سرادقه . ذكر أخبار ~~شنشول ومقتله قال : وأما شنشول فإنه لما بلغه الخبر - وكان قد انتهى إلى ~~طليطلة - عاد إلى قلعة رباح وقد تخاذل عنه الناس ؛ فعزم على استجلاب الناس ~~لنفسه فامتنعوا وقالوا : قد خلفنا مرة ولا يخلف أخرى فعلم أنهم خاذلوه ، ~~فدعا محمد بن يعلى الزناتي وكان عزم على خذلانه فقال له : ما ترى فيما نحن ~~فيه ؟ فقال له : أصدقك عن نفسي وعن الجند ليس والله يقاتل معك أحد منهم قال ~~ما الدليل على ذلك . قال : تأمر بتقديم مطبخك إلى طريق طليطلة وتظهر الرحيل ~~إليها فتعلم من يتبعك ومن يتخف عنك قال : صدقت . وكان ابن عومس القومس مع ~~شنشول يريد قرطبة معاقدا له يستنصر به على من يناوئه من القمامسة . فلما ~~رأى اضطراب حال شنشول أشار عليه أن يرحل معه إلى بلده ، ويكونوا يدا واحدة ~~، ويلجأوا إلى مكان ، فأبى ذلك وقال : لا بد من الإشراف على قرطبة فإني ~~أرجو أنني إذا طلعت عليا اختلفت كلمة محمد ، ولي أنصار يميلون إلى سلطاني ~~ويحبون ظهوري فقال له القومس : خذ باليقين ودع الظن ، أمرك والله مختل ~~وجندك عليك لا لك فقال : لا بد من المسير إلى قرطبة فقال : أنا معك على ~~كراهية لرأيك وعلم بخطاياك . وسار شنشول من قلعة رباح والأخبار تتواتر ~~بتظاهر أهل قرطبة مع ابن عبد الجبار ، فلما بلغ منزل هانئ فارقه عامة ~~البربر ليلا ، وذلك في سلخ جمادى الآخرة ، ثم فارقه الناس بعد ذلك وبقي في ~~نفر يسير من خدمه ، وابن عومس في مفر من النصارى ، فقال له : سر بنا من هنا ~~قبل أن يدهمنا ما يمنعنا من ذلك فأبى شنشول وقال : قد بعثت القاضي في طلب ~~الأمان لي . ثم تجبر في أمره وسار إلى دير يعرف بدير شوس ليلة الجمعة لثلاث ~~خلون من شهر رجب . PageV23P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" وبلغ خبره محمد ، فأرسل إليه حاجبه في مائتي ~~فارس ، فأرسل الحاجب ابن ذري مولى الحكم فسبقه إلى ms5426 الدير فصبحه في يوم ~~الجمعة ، فقال شنشول لما عاينه ومن معه : ما لكم علي سبيل ، أنا في طاعة ~~المهدي فاستنزلوه من الدير ومعه ابن عومس ومن تبعهما ، وأخذ نساء شنشول - ~~وهن سبعون جارية - فبعث بهن إلى قرطبة ، ولحق الحاجب بابن ذري قبل العصر من ~~يوم الجمعة . فلما أقبل عليهم نزل شنشول فقبل الأرض بين يدي الحاجب مرارا ، ~~فقيل له : قبل حافر فرسه ففعل وقبل رجله ويده ، ثم حمل على غير فرسه وابن ~~عومس ساكت لم ينطق ، وأشار إلى الحاجب بانتزاع قلنسوة شنشول عن رأس فانتزعت ~~. ورجع يريد قرطبة ، فسار إلى أن غربت الشمس ، فنزل وأمر أن يكتف شنشول ~~فعطفت يده عطفا شديدا فقال : نفسوا عني وأطلقوا يدي لأستريح ساعة فنفسوا عن ~~يده ، فأخرج من خفه سكينا كالبرق فعوجل قبل أن يصنع شيئا ، ثم أضجعه الحاجب ~~وذبحه . وقتل ابن عومس وأخذ رأسيهما ، وحمل جثة شنشول ، وسار بها إلى القصر ~~بقرطبة . فأمر محمد بشق بطنه ونزع ما فيه وحشي بعقاقير تحفظه ، ثم نصب رأسه ~~على قناة ووقف به على باب السدة ثم ركب على جسده ، وكسي قميصا وسراويل ، ~~وأخرج فسمر على خشبة على باب السدة . وأمر الرسان صاحب شرطه شنشول أن ينادي ~~: هذا شنشول المأمون ثم يلعنه ويلعن نفسه ، وذلك في يوم السبت لأربع خلون ~~من شهر رجب . وكانت مدة ولاية شنشول أربعة أشهر وأياما ، وكان قبيح الفعال ~~كثير التخليط متجاهرا بالفسق ، شهد عليه بأشياء لا تصدر عن مسلم ، منها أنه ~~سمع المؤذن يقول " حي علي الصلاة " فقال : لو قال حي على الكبير لكان خيرا ~~له وكثير من هذا القول وما يناسبه ، وانقرضت الدولة العامرية بمقتل شنشول . ~~قال إبراهيم بن الرقيق : ومن أعجب ما رأيناه أنه كان من نصف نهار يوم ~~الثلاثاء لأربع عشرة بقيت من جمادى الآخرة إلى نصف نهار الأربعاء الذي يليه ~~، فتحت مدينة قرطبة وهدمت مدينة الزاهرة ، وخلع خليفة وهو هشام بن الحكم ، ~~وولى خليفة وهو محمد بن هشام بن عبد الجبار ، وزالت دولة بني عامر ، وحدثت ~~دولة بني ms5427 أمية ، وقتل وزير وهو ابن عسفلاجة ، وأقيمت جيوش من العامة ، ونكب ~~خلق من الوزراء ، وولى الوزارة آخرون ، وكان ذلك على أيدي عشرة رجال حجامين ~~وجزارين وحاكة وزبالين ، وهم جند ابن عبد الجبار PageV23P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" قال : وفي يوم الخميس لسبع خلون من شهر رجب ~~وصل كتاب واضح من مدينة سالم إلى محمد وطاعته وإظهار الاستبشار بمقت شنشول ~~، فسر به محمد وشكر ذلك لواضح ، وحمل إليه مالا كثيرا وكساء وفرشا وطرائف ، ~~وولاه سائر الثغر . قال : ولما استوثق الأمر لمحمد أسقط من جنده نحوا من ~~سبعة آلاف وعادوا إلى بنيهم فانتفع بهم الناس ، ثم نفى جماعة من الصقالبة ~~العامرية ، ثم أخرج بعد ذلك صقالبة القصر وسد أبوابه . وأظهر محمد من ~~الخلاعة واللهو والشرب ما كان بفعله شنشول ، واستعمل مائة عود ومائة بوق . ~~وفي شعبان توفي رجل يهودي فأخذه محمد وأوقف عليه رجالا من أصحابه ، وكان ~~يشبه بهشام فشهدوا عند العامة أنهم وقفوا على هشام ميتا لا جرح به ولا أثر ~~وأنه مات حتف أنفه . وحضر الفقهاء والعدول وخلق من العامة إلى القصر وصلوا ~~عليه يوم الاثنين لأربع بقين من شعبان وأخفاه عند وزيره الحسن بن حي . وفي ~~شهر رمضان سجن محمد سليمان بن عبد الرحمن - وكان قد جعله ولي عهده - وسجن ~~جماعة من قريش ، وأظهر بغض البربر فكان يسبهم في مجلسه . ذكر قيام هشام بن ~~سليمان على محمد وما كان من أمره إلى أن قتل قال : ولما شرع محمد بن عبد ~~الجبار في اطراح البربر ودبر في قتل عشرة منهم ، سعى هشام بن سليمان بن عبد ~~الرحمن في خلع محمد ووافقه جماعة من الجند واحتفل أمره ، وخرج إلى فحص ~~السرداق وانضم إليه الذين أسقطهم محمد من جنده ، فراسله محمد وقبح عليه ~~فعله فقال : سجن والدي على غير شيء ولا أدري ما صنع به فأطلقه محمد فسلم ~~يرجع هشام عن رأيه ، وتحرك بالجند وأحرق سوق السراجين . ثم خذله جنده ~~وأخذوه أسيرا هو وأخوه أبو بكر وأبوه سليمان ، فسلموهم إلى محمد ؛ فقتل ~~هشاما وأبا ms5428 بكر صبرا ، وذلك لأربع بقين من شوال . ونهبت دور البربر ، ونودي ~~في البلد " من أتى برأس بربري فله كذا وكذا " فشرع أهل قرطبة في قتل من ~~قدروا عليه منهم ، وسبيت نساؤهم ، وهرب من سلم من البربر إلى أزملاط ثم ~~جلوا إلى الثغر . وكان من فر بعد قتل هشام سليمان بن الحكم بن سليمان بن ~~الناصر ، فنصبه البربر خليفة . PageV23P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" ذكر قيام سليمان بن الحكم المستعين بالله قال ~~: لما نصبه البربر خليفة نعت نفسه المستعين بالله ، واستوزر أحمد بن سعيد ، ~~ونهض بمن معه إلى وادي الحجارة فدخلوه عنوة ، وعرضوا أنفسهم على واضح ~~العامري غلام المنصور ابن أبي عامر صاحب مدينة سالم ، فلم يقبلهم ، وبعث ~~إليه محمد ابن هشام المهدي قيصر الفتى في جيش ليعينه على سليمان ، فالتقوا ~~واقتتلوا ، وانهزم واضح وقتل قيصر . ولحق واضح بمدينة سالم فتحصن بها ، ~~ومنع الميرة عن البربر ، فأقاموا خمسة عشر يوما يأكلون الحشيش . فلما اشتد ~~ذلك عليهم أرسلوا إلى ابن مادويه الرومي واستنجد به ، وسأله سليمان أن يدخل ~~بينهم وبين ابن عبد الجبار وواضح في الصلح وقال : يخرج معنا إلى واضح ويرغب ~~إليه في الإصلاح بيننا وبين صاحبه ، فإن أبي ذلك سرنا إلى قرطبة وناجزنا ~~ابن عبد الجبار . فسارت الرسل إليه فوجدوا رسل ابن عبد الجبار وواضح عنده ~~يسألونه الصلح معهما على أن يعطياه ما اشترط من مدائن الثغر ، وأتوه بخيل ~~وبغال وكساء وجوهر وطيب وتحف كثيرة . فأجاب البربر إلى ما أرادوه من الصلح ~~أو الاتفاق معهم على أن يعطوه ما بذل واضح والمهدي من مدائن الثغور إذا ~~ظفروا . فقبلوا ذلك منه ، ورد رسل واضح وابن عبد الجبار ، ثم أرسل إلى ~~البربر ألف عجلة تحمل الدقيق والشعير وأنواع المأكل وألف ثور وخمسة آلاف ~~شاة وجميع ما يصلحهم من الملبس وغير ذلك . فقويت البربر بذلك ، وسار إليهم ~~في جموعه وساروا إلى مدينة سالم ، وأرسلوا واضحا في الصلح فأبى ، فساروا ~~إلى قرطبة في المحرم سنة أربعمائة . وابتعهم واضح بمن معه وقابلهم ، فانهزم ~~وقتل خلق كثير من ms5429 أصحابه ، ووصل المنهزمون من أصحابه إلى قرطبة ، وملك ~~البربر جميع ما كان عسكر واضح ، هذا وابن عبد الجبار في لهوه واستهتاره ، ~~ثم خرج إلى فحص السرداق وخندق عليه ، وأتاه واضح في أربعمائة فارس من أهل ~~مدينة سالم ، ووصل غلامه يلبق في مائتي فارس . وأقبل سليمان بالبربر فنادى ~~ابن عبد الجبار أن يخرج كل من بلغ به الحلم من سائر الناس ، فلم يتخلف أحد ~~فلا ترى شيخا ضعيفا أو حدثا غرا وبقالا ونساجا . فلما كان في يوم السبت ~~منتصف شهر ربيع الأول التقى البربر وأهل قرطبة PageV23P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" فحمل عليهم من البربر نحو ثلاثين فارسا فلم ~~يقفوا لهم وانهزموا ، وسقط بعضهم على بعض . ومضى واضح من فوره إلى الثغر لم ~~يعرج على شيء . . ووضع البربر السيف في أهل قرطبة فقتلوا خلقا كثيرا ، وغرق ~~في وادي قرطبة ما لا يحصى . وسار ابن عبد الجبار إلى القصر وأظهر هشاما ~~المؤيد وأقعده حيث يراه الناس في مكان يشرف على باب الشكال والقنطرة ، ~~وأرسل القاضي ابن ذكوان إلى البربر يقول : إنما أنا قائم دون هشام ونائب ~~عنه كما يحجبه الحاجب والأمر له ، وهو أمير المؤمنين فلما أبلغهم القاضي ~~الرسالة قالوا : بالأمس يموت هشام وتصلي عليه أنت وأميرك ، واليوم تعيش ~~وترجع الخلافة إليه فاعتذر القاضي من ذلك . ثم خرج أهل قرطبة بأجمعهم إلى ~~سليمان فأكرمهم ، وأحسن لقاءهم . ودخل سليمان القصر ، وهرب ابن عبد الجبار ~~فكانت مدة ولايته تسعة أشهر . واستنجز ابن مادوية البربر أن يعطوه الحصون ~~التي شرطوها له فقالوا : ليست الآن بأيدينا فإذا عهد سلطاننا أنجزنا لك ما ~~وافقناك عليه ورحل يوم الاثنين لسبع بقين من شهر ربيع الأول . قال : ثم فرق ~~سليمان العمال في الولايات ، وأنزل البربر بالزهراء ، وأعاد المؤيد إلى ~~السجن ، وأنزل شنشول عن خشبته وأمر بغسله والصلاة عليه ودفنه ، فدفن في دار ~~أبيه . وأما المهدي محمد بن هشام فإنه هرب إلى طليطلة بعد اختفائه بقرطبة ، ~~فوصل في أول جمادى الأولى فقبله أهلها أحسن قبول ، وخالفوا هشام بن سليمان ~~. فتأهب لقصد طليطلة ms5430 . ورحل يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من جمادى الآخرة . ~~فلما قرب منها أرسل الفقهاء إلى أهلها ليعذر إليهم فرجعوا بخلافهم ، فسار ~~إليهم وكان رجل يعرف بالقرشي الحراني قد جمع جموعا عظيمة ودعا لنفسه ، فسرح ~~إليه سليمان علي بن وداعة في جيش كثيف فهزم جموع القرشي وأسره وأحضره إلى ~~سليمان ، فاعتقله ثم قتله . قال : وتجاوز سليمان طليطلة رجاء أن يرجعوا إلى ~~الطاعة ، ورحل إلى الثغر على مدينة سالم . ثم التحق بمحمد بن عبد الجبار في ~~جماعة من العبيد ، وانضم إليه ابن مسلمة صاحب الشرطة . وخرج واضح من مدينة ~~سالم إلى طرطوشة وكتب إلى سليمان يرغب في المعافاة من الخدمة ويكون في ~~ميورقة مرابطا وينقطع PageV23P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" عن الناس ، وإنما يفعل ذلك تطمينا لسليمان ~~حتى يحكم أمره . فأرسل سليمان إليه بالنظر في سائر الثغر وجهاد العدو ، ~~فأخذ واضح في الاتفاق مع الفرنج وشرط لهم ما أرادوه ، واجتمعوا كلهم مع ~~المهدي بطليطلة . وبلغ سليمان ذلك فاستنفر الناس فاستعفاه أهل قرطبة ، ~~وذكروا عجزهم عن القتال فأعفاهم بشفاعة البربر . وخرج لقتال القوم ، ~~فالتقوا عند عقبة الثغر في العشر الأخير من شوال ، فجعل البربر سليمان في ~~ساقتهم وجعلوا معه خيلا من المغاربة وقالوا له : لا تبرح موضعك ولو وطئتك ~~الخيل ثم تقدموا فحملت الفرنج عليهم حملة منكرة فأخرجوا لهم ليتمكنوا منهم ~~، فرأى سليمان خيل الفرنج وقد خرقت صفوف البربر فلم يشك أن البربر قد ~~اصطلموا ، فانهزم فيمن معه . ثم عطف البربر على الفرنج فقتلوا ملكهم أرمغند ~~، وستين من وجوههم . ورأى البربر هزيمة سليمان فانحازوا إلى الزهراء ، ثم ~~خرجوا منها ليلا . ومضى سليمان إلى مدينة شاطبة ، فكانت مدة ولاية سليمان ~~سبعة أشهر . ذكر دولة المهدي محمد الثانية قال : ولما انهزم سليمان دخل ~~محمد بن هشام بن عبد الجبار قرطبة ومعه الفرنج فأفسدوا غاية الفساد ، ~~ونهبوا الأموال ، واستطالوا على الناس ثم سألهم المهدي وواضح المسير معهما ~~لقتال البربر فخرجوا كلهم ، والتقوا بالبربر بوادي لدة لست خلون من ذي ~~القعدة ، واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم واضح وابن عبد الجبار ms5431 والفرنج أقبح ~~هزيمة ، وقتل في المعركة يلبق غلام واضح ومؤمن الصقلبي ، وتخلف ابن زرزور ~~مولى الحكم وغيرهم . وقتل من الفرنج أكثر من ثلاثة آلاف وغرق في البحر كثير ~~، واحتوى البربر على ما في معسكرهم ، ووصل المنهزمون إلى قرطبة في اليوم ~~الثاني من الوقعة فزاد حنق الفرنج وعاثوا بقرطبة وقتلوا كل من يشبه بالبربر ~~بها . فسألهم محمد وواضح ، ورغبا إليهم في الرجوع معهم لقتال البربر ، ~~فأبوا عليهما وقالوا : قد قتل ملكنا وخيارنا ووجوهنا وفارقوا مدينة قرطبة ~~وعادوا إلى بلادهم ، وكان رحيلهم عنها لشدة خوفهم من البربر ، حتى كان ~~الرجل من أهلها يلقى الآخر فيعزيه كما يعزى من فقد أهله وماله PageV23P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" ثم فرض محمد بن عبد الجبار على أهل قرطبة ~~مالا فأدوه ، وتهيأ للخروج وخرج بواضح وأهل قرطبة والعبيد لقصد البربر . ~~فلما ساروا ثلاثين ميلا كروا راجعين إلى قرطبة ، وأقام من ورائه سورا وتحصن ~~به . هذا والبربر يغيرون في نواحي قرطبة ، وأخذوا الجبل المعروف بابن حفصون ~~- وهو كثير الماء والمرعى والثمر والزرع - فزاد ذلك في قوتهم . وابن عبد ~~الجبار وجنده في انهماك على اللهو وارتكاب المحارم وإظهار الفسق ، وإفساد ~~ما قدروا عليه ، والنزول على الناس في دورهم ، وقتل من دافعهم ، فكرة واضح ~~ذلك منه - وكان قد حقد عليه ما أتاه إلى بني أبي عامر - فأخذ في التدبير ~~عليه . وبلغ ذلك محمد فجمع ما في القصر من النفائس وسلمها إلى ابن رافع ~~رأسه - رجل من أهل طليلطة - وأمره بالخروج إليها ، وتحيل في الخروج في أثره ~~. فلما كان في يوم الأحد الحادي عشر من ذي الحجة سنة أربعمائة - وقيل لثمان ~~خلون منه - ركب واضح والعبيد وأهل الثغر وصاحوا : لا طاعة إلا طاعة المؤيد ~~ثم قصدوا القصر وأخرجوا المؤيد ، وأجلسوه على منبر الخلافة وألبسوه لباسها ~~. وكان محمد بن عبد الجبار في الحمام ، فدخل عليه ابن وداعة وأخبره الخبر ، ~~فخرج وجاء إلى هشام وأراد أن يجلس إلى جانبه ، فأخذ عنبر الخادم بيده ورمى ~~به من على المنبر وأجلسه بين يدي المؤيد . فسبه المؤيد ms5432 ووبخه وعدد عليه ما ~~أتاه وما فعله معه ، فأخذ عنبر بيده وأقامه وأصعده إلى السطح وأراد ضرب ~~عنقه فتعلق به ، فتعاورته سيوف العبيد والخدم والصقالبة فقتلوه ، وأخذوا ~~رأسه ورموا بجثته ، فسقطت في الموضع الذي كانت فيه جثة ابن عسفلاجة لما ~~قتله . فكانت مودة ولايته هذه نحو شهر ، ومدة مملكته الأولى والثانية عشرة ~~أشهر ، وعمره خمسا وثلاثين سنة ذكر دولة المؤيد هشام الثانية قال : وبايع ~~الأجناد هشاما في يوم الأحد الحادي عشر من ذي الحجة سنة أربعمائة وأحضر بين ~~يديه رأس محمد المهدي ، فأمر بإرساله إلى البربر وهم يومئذ بوادي شوش في ~~خدمة المستعين بالله سليمان بن الحكم ، طمعا أن البربر يفعلون به كما فعل ~~هو بالمهدي ، ويعودون إلى طاعته فيتم أمره وتستقيم دولته . فلما وصل إليهم ~~مع جماعة من أهل قرطبة كادوا يقتلونهم ، فمنعهم المستعين بالله بعد أن أفرط ~~في توبيخهم ، فعادوا إلى قرطبة . PageV23P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" وتولى واضح العامري حجابة المؤيد ، وأمره ~~بحفر الخندق على قرطبة فحفره ، وحصنها ، قال : وكان لمحمد بن عبد الجبار ~~ولد بقرطبة عمره ست عشرة سنة فاحتال له شيعة أبيه حتى أوصلوه إلى مدينة ~~طليطلة ، فقبله أهلها ، وأمروه عليهم . فأغار على بعض ما كان لواضح ، فلقيه ~~محارب التجيبي فقهره وأسره وأرسل به إلى واضح ، فقتله . قال : ثم قصد ~~المستعين قرطبة في جموعه من البربر ، فلم يتمكن منها ، فقصد الزهراء فاستوى ~~عليها في يوم السبت لست بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعمائة ، وقتل ~~من بها من الجند ، وأخذ في قتال أهل قرطبة ، وواضح يتولى حربه . ثم رحل ~~البربر من الزهراء لخمس بقين من شعبان ، وجعلوا يغيرون على البلاد ويخربون ~~، فانضم أهل البوادي إلى قرطبة خوفا منهم ، فصاروا أكثر من أهلها ، وغلت ~~الأسعار فمات أكثرهم جوعا . وقطع البربر الميرة عن قرطبة ، فاشتد بها ~~الغلاء فبيع مد القمح - وهو قفيزان ونصف بالقروي - بثلاثمائة دينار دراهم ~~وهي مائة مثقال عينا . وجاءت رسل ابن مادويه يستنجزون تسليم الحصون إليه ~~على أن لا يغزوهم ولا يتعرض لشيء من ثغورهم ms5433 ، فرضوا بهدنة وسلموا إليه مدنا ~~كثيرة وأكثر من مائتي حصن مما افتتحه الحكم بن عبد الرحمن ومحمد بن أبي ~~عامر . وسمع ابن شالوس بما تسلم ابن مادويه من الحصون ، فكاتب على حصون ~~أخرى وتوعد وتهدد ، فأجيب إلى ما سأل وسلمت إليه . وأخرب البربر مدنا جليلة ~~، وقتلوا أكثر أهلها ، ولم تسلم منهم إلا طليطلة ومدينة سالم ، وبلغت خيلهم ~~أندراوه وما وراءها حتى إن الراكب يسير شهورا لا يرى أحدا في قرية ولا طريق ~~. قال : واستخف جند قرطبة بواضح حتى صاروا يصرحون بسبه ، فعزم على مراسلة ~~البربر في الصلح لما رأى من اضطراب الجند عليه وطمعهم فيه ، وأظهر أن ذلك ~~عن رأي هشام لما فيه من الصلاح للعامة والخاصة . فبعث واضح إلى البربر رجلا ~~يعرف بابن بكر فاجتمع بسليمان وعاد بجوابه فقتله الجند في المجلس - ولم ~~يقدر هشام لا واضح على منعهم - واحتزوا رأسه ، وطافوا به البلد . فعزم واضح ~~على الهرب إلى البربر ، وكان ابن أبي وداعة يعاديه فزحف إلى داره في عدة من ~~الجند فأخرجوه حاسرا وعاتبوه على ما أتلف من الأموال وما عزم عليه من ~~PageV23P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" مصالحة البربر . وضربه ابن أبي وداعة بسيفه ~~وحمل عليه القوم فقتلوه ، واحتزوا رأسه وطافوا به ، وألقوا جثته في الرصيف ~~بالموضع الذي ألقي فيه ابن عسقلاجة وابن عبد الجبار ، ونهبت دور أصحابه . ~~وولى هشام ابن أبي وداعة المدينة ، فاشتد على أهل الريب وهاب الجند وغيرهم ~~، وكان مقتل واضح في يوم الثلاثاء للنصف من شهر ربيع الأول سنة اثنتين ~~وأربعمائة . ثم قدم البربر وسليمان ، ونازلوا قرطبة وظاهرها وقد امتلأت ~~أيديهم بالغنائم ، وقلت الأقوات على أهل قرطبة ، وعظم عليهم الخطب ، واشتد ~~الأمر ، وكان بين أهلها والبربر مراسلات وأمور يطول شرحها . كان آخر ذلك أن ~~سليمان ملك قرطبة في يوم الأحد لثلاث خلون من شوال سنة ثلاث وأربعمائة ، ~~وكانت مدة ولاية المؤيد الثانية سنتين وتسعة أشهر واثنين وعشرين يوما وفقد ~~المؤيد لخمس خلون من شوال سنة ثلاث وأربعمائة . ذكر دولة المستعين بالله ~~الثانية قال : ولما فتح ms5434 سليمان بن الحكم المستعين قرطبة دخل القصر لخمس ~~خلون من شوال وتلقب بالظافر بحول الله ، وأحضر هشاما ووبخه وقال : قد كنت ~~تبرأت لي من الخلافة فأعطيت صفقة يمينك فما حملك على نقض عهدك ؟ فاعتذر أنه ~~مغلوب عليه ، وتبرأ له ، وسلم الأمر إليه . وضرب سرادق سليمان بشقنده ، ~~ونزل البربر حوله ، وهرب كثير من موالي بني أمية فاحتوى البربر عليها ~~واقتسموا البلد بينهم . وطالب سليمان الناس بالأموال فغرمهم فوق طاقتهم ، ~~واشتد أمر البربر على الناس فاستباحوا الأموال والحريم وسليمان لا يمكنه ~~دفعهم وليس في يده مع قرطبة غير إشبيلية ولبلة والشنبة وباجة . وكان في ~~عسكره رجلان من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب وهما القاسم وعلي ابنا حمود ~~بن ميمون فقودهما على المغاربة ، ثم ولى عليا الأصغر منهما سبتة وطنجة ، ~~وولى القاسم الجزيرة الخضراء ، وبين الموضعين المجاز المعروف بالزقاق ، ~~وسعة البحر هناك ثمانية عشرة ميلا . PageV23P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" وكانت العبيد لما خرجوا من قرطبة عند دخول ~~البربر إليها ملكوا مدنا عظيمة وتحصنوا فيها ، فراسلهم علي بن حمود وذكر أن ~~هشام بن الحكم لما كان محاصرا بقرطبة كتب إليه يوليه عهده فاستجاب له ~~العبيد وبايعوه . فزحف من سبتة إلى مالقة وفيها عامر بن فتوح الفائقي مولى ~~فائق - مولى المستنصر - فأطاعه وأدخله مالقة . فملكها علي بن حمود وأخرج ~~عنها عامر بن فتوح ثم زحف بمن معه من البربر وجمهور العبيد إلى قرطبة ، ~~فأخرج له المستعين ولده - ولي عهده محمد بن سليمان - في عساكر البربر ، ~~ومعه أحمد بن سعيد الوزير . فانهزموا ، ورجع محمد بن عبد الله الزناتي إلى ~~قرطبة ، وأخرج المستعين بالله وضمن له أن يقاتل بين يديه . فلما قربوا من ~~عسكر علي بن حمود قادوه بلجام بغلته وسلموه لعلي ، فلما حصل في يده دخل ~~القصر في يوم الأحد لسبع بقين من المحرم سنة سبع وأربعمائة ، وضرب عنق ~~سليمان بيده وقتل أباه الحكم - وهو شيخ كبير له اثنتان وسبعون سنة - فكانت ~~مدة ولاية سليمان ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأياما . وكان مولده سنة أربع ~~وخمسين ms5435 وثلاثمائة ، وكان أديبا شاعرا ، فمن شعره : عجبا يهاب الليث حد ~~سناني . . . وأهاب لحظ فواتر الأجفان وهي أبيات عارض بها العباس بن الأحنف ~~في أبياته التي أنشدها على لسان الرشيد التي أولها : ملك الثلاث الآنسات ~~عناني . . . وحللن من قلبي بكل مكان وقد ذكرنا ذلك في باب الغزل والنسيب ، ~~قال : ولما قتل سليمان بن الحكم هذا انقطعت دعوة بني أمية من سائر أقطار ~~الأندلس وقامت دعوة الفاطميين بها . وولى منهم ثلاثة ملوك وهم علي بن حمود ~~، والقاسم بن حمود أخوه ، ويحيى بن علي ، ثم عادت بعد ذلك الدعوة الأموية ~~على ما نذكره إن شاء الله تعالى . ذكر إمارة الناصر علي بن حمود ابن ميمون ~~بن أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب ، ملك قرطبة لسبع بقين من المحرم سنة سبع وأربعمائة على ~~ما ذكرناه ، وخوطب بأمير المؤمنين ، وتلقب بالناصر . ولما دخل PageV23P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" قرطبة أحضر الفقهاء والوزراء وسأل سليمان ~~بحضرتهم عن المؤيد فقال " مات " فألزمه أن يريه قبره وأخرجه دفينا لا أثر ~~فيه فأمر بتكفينه ودفنه في الروضة . ثم استفتى الفقهاء في قتل سليمان ، ~~فقتله هو وأباه الحكم عبد الله وولده سليمان في وقت واحد ، وتم لعلي ما ~~أراد واستقامت أموره . وفي سنة ثمان وأربعمائة خالف عليه العبيد الذين ~~كانوا بايعوه ، وقدموا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن ~~الناصر أخا المهدي وسموه المرتضي وزحفوا به إلى قرطبة ، ثم ندموا على ~~إقامته لما رأوه من صرامته ، وخافوا عواقب تمكنه فانهزموا عنه ودسوا عليه ~~من قتله غيلة . وبقي علي بن حمود بقرطبة إلى آخر سنة ثمان وأربعمائة فقتله ~~صقالبته في الحمام ، فكانت مدة ولايته سنة واحدة وعشرة أشهر ، وكان له من ~~الوالد يحيى وإدريس . ذكر ولاية المأمون القاسم بن حمود بن ميمون الفاطمي ~~ولي بعد مقتل الناصر في أواخر سنة ثمان وأربعمائة ، وكان أسن من الناصر ~~بعشرة أعوام ، ونعت نسفه بالمأمون وكان يحب الموادعة ms5436 ، فأمن الناس معه . ~~وكان يذكر عنه أنه يتشيع ولم يظهر ذلك ، ولا غير للناس عادة ولا مذهبا ، ~~وكذلك سائر من ولي منهم الأندلس . فبقي القاسم إلى شهر ربيع الأول سنة ~~اثنتي عشرة وأربعمائة ، فقام عليه ابن أخيه يحيى بن علي بن حمود بمالقة ، ~~فهرب القاسم عن قرطبة بغير قتال ، وصار إلى إشبيلية . وزحف ابن أخيه ~~المذكور من مالقة بالعساكر ، فدخل قرطبة دون مانع ، وتسمى بالخلافة وتلقب ، ~~فبقي كذلك إلى أن اجتمع للقاسم أمره واستمال البربر ، وزحف بهم إلى قرطبة ~~فدخلها في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة . وهرب يحيى بن علي إلى مالقة ، فبقي ~~القاسم بقرطبة شهورا . . ثم اضطرب أمره ، وغلب ابن أخيه يحيى على الجزيرة ~~الخضراء وكانت معقل القاسم وبها كانت امرأته وذخائره . وغلب ابن أخيه إدريس ~~بن علي شقيق يحيى صاحب سبتة على طنجة ، وكانت عدة القاسم يلجأ إليها إن رأى ~~ما يخاف . وقام عليه جماعة أهل قرطبة في المدينة ، وأغلقوا أبوابه دونه ، ~~فحاصرها نيفا وخمسين يوما ، ثم زحف أهل قرطبة فانهزموا عن القاسم . ولحقت ~~كل طائفة ببلد فغلبت عليه ، وذلك في شعبان سنة أربع عشرة وأربعمائة وأعاد ~~أهل قرطبة الدولة الأموية على ما نذكره إن شاء الله تعالى . PageV23P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" قال : وأما القاسم فقصد إشبيلية وبها ابناه ~~محمد والحسن فلما عرف أهل إشبيلية خروجه عن قرطبة ومجيئه إليهم طردوا ابنيه ~~ومن كان معهما ، وضبطوا بلدهم وقدموا على أنفسهم ثلاثة رجال ؛ منهم القاضي ~~أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي ، ومحمد بن مرثم الإهابي ، ~~ومحمد بن محمد بن الحسن الزبيدي ، ومكثوا كذلك أياما مشتركين في سياسة ~~البلد وتدبيره ، ثم انفرد القاضي أبو القاسم بن عباد على ما نذكره إن شاء ~~الله . ولحق القاسم بشريش ، واجتمع البربر على تقديم ابن أخيه يحيى ، ~~وحصروا القاسم حتى صار في قبضة ابن أخيه . وانفرد بولاية البربر ، وبقي ~~القاسم أسيرا عنده وعند أخيه إدريس إلى أن مات إدريس ، فقتل القاسم خنقا في ~~سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ، وحمل إلى ابنه محمد بن القاسم بالجزيرة ms5437 فدفنه ~~هناك . وكانت ولاية القاسم تسمى بالخلافة بقرطبة إلى أن أسره ابن أخيه ستة ~~أعوام ، ثم كان مقبوضا عليه ست عشرة سنة عند ابني أخيه إلى أن مات - قيل ~~ومات وهو ابن ثمانين سنة - وله من الولد محمد والحسن وأمهما أميرة بنت ~~الحسن بن فنون بن إبراهيم العلوي . ذكر ولاية المعتلي يحيى بن علي وكنيته ~~أبو إسحاق ، وقيل أبو محمد تسمى بالخلافة بقرطبة في سنة ثلاث عشرة ~~وأربعمائة ، ثم هرب منها إلى مالقة في سنة أربع عشرة . ثم سعى قوم من ~~المفسدين لأي إعادة دعوته بقرطبة في سنة ست عشرة ولم يدخلها ، واستخلف ~~عليها عبد الرحمن بن عطاف ، ثم قطعت خطبته من قرطبة في سنة سبع عشرة . وبقي ~~يتردد إليها بالعساكر إلى أن اتفق جماعة البربر على طاعته ، وسلموا إليه ~~الحصون والقلاع والمدن ، وعظم أمره فصار بقرمونة ليحاصر مدينة إشبيلية . ~~فخرج يوما وهو سكران إلى خيل ظهرت من إشبيلية بقرب قرمونة ، فلقيها وقد كمن ~~له كمناء ، فلم يكن بأسرع من أن قتل ، وذلك في يوم الأحد لسبع خلون من ~~المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة ، وكان له من الولد الحسن وإدريس . ~~PageV23P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" ذكر عود الدولة الأموية بمدينة قرطبة ومن ولى ~~منهم أ - ذكر إمارة المستظهر بالله هو أبو المطرف عبد الرحمن بن هشام بن ~~عبد الجبار - أخو المهدي - بويع له بالخلافة بقرطبة لثلاث عشرة من شهر ~~رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة . وذلك أن أهل قرطبة لما هزموا البربر ~~وأخرجوا القاسم - كما قدمنا - اتفق رأيهم على رد الأمر إلى بني أمية . ~~فاختاروا منهم ثلاثة ، وهم عبد الرحمن هذا ، وسليمان بن المرتضى ، ومحمد بن ~~عبد الرحمن . فاتفق رأيهم على إمارة عبد الرحمن فبايعوه ، وتلقب بالمستظهر ~~، وكان مولده في ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة . وقام عليه محمد ~~بن عبد الرحمن مع طائفة من أرذال العوام فقتل عبد الرحمن لثلاث بقين من ذي ~~القعدة منها ، وقيل لثلاث خلون منه . وكان في غاية الأدب ، وله شعر . وزيره ~~الفقيه أبو محمد علي بن أحمد ms5438 بن حزم . ب - ذكر إمارة المستكفي بالله هو أبو ~~عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر بن هشام ~~المستظهر ، وأمه أم ولد اسمها حوراء ولي بعد قتل المستظهر لثلاث خلون أو ~~بقين من ذي القعدة سنة أربع عشرة وأربعمائة ، وله ثمان وأربعون سنة . وكان ~~أبوه ممن قتله الوزير محمد بن أبي عامر في أول دولة المؤيد هشام لسعيه في ~~القيام وطلبه الأمر ، فولي محمد هذا عشرة أشهر وأياما ، وخلع . وقيل بل خلع ~~في يوم الثلاثاء لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة ست عشرة ، وخرج من قرطبة ~~يريد الثغر فمات بقرية من قرى شنت مرية في أول شهر ربيع الآخر منها ، فكانت ~~مدة مملكته بقرطبة على هذا القول سنة وأربعة أشهر . وكان الحاكم في أيامه ~~صاحب المظالم محمد بن عبد الرؤوف . وكان محمد بن عبد الرحمن في نهاية ~~التخلف ، صاحب أكل وشرب ونكاح ، ولم يزل متغلبا عليه طول ولايته لا ينفذ له ~~أمر ، ولا عقب له . وقيل في وفاته إنه لما هرب من قرطبة سار حتى انتهى إلى ~~قرية يقال لها سمونت من أعمال مدينة سالم ، فجلس ليأكل وكان معه عبد الرحمن ~~بن محمد بن سليم - من ولد سعيد بن المنذر - فكره التمادي معه ، فسمه في ~~دجاجة فمات لوقته ، فقبره هناك . ولما خلع أعيدت خطبة يحيى بن علي الفاطمي ~~، ثم قطعت وأعيدت الخطبة للدولة الأموية . PageV23P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" ج - ذكر ولاية المعتمد على الله هو أبو بكر ~~هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر ، وهو أخو المرتضى ، بويع ~~له في شهر ربيع الأول سنة ثماني عشرة وأربعمائة ، وقيل في يوم الجمعة سلخ ~~شهر ربيع الآخر منها . وذلك أنه لما قطعت خطبة يحيى بن علي في سنة سبع عشرة ~~وأربعمائة اجتمع رأي أهل قرطبة على رد الأمر إلى بني أمية ، وكان عميدهم في ~~ذلك الوزير أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور . فراسل أهل الثغور في ذلك ~~فاتفقوا عليه بعد مدة ، فبايعوا ms5439 لأبي بكر وهو بالثغر في حصن البونت عند أبي ~~عبد الله محمد بن عبد الله بن قاسم . فبقي يتردد في الثغور سنتين وعشرة ~~أشهر - وقيل سبعة أشهر وثارت هناك فتن كثيرة يطول شرحها ، واضطراب شديد من ~~الرؤساء بها ، إلى أن اتفق رأيهم على أن يسير إلى قرطبة الملك . فسار إليها ~~، ودخلها في يوم من ثامن ذي الحجة سنة عشرين وأربعمائة . ولم يقم إلا يسيرا ~~حتى قامت عليه فرقة من الجند ، فخلع قال بعض المؤرخين : كان سبب خلعه أن ~~وزيره ومدبر أمره أبا العاص الحكم بن سعيد كان فاسد الطريقة ، ولم يكن له ~~سابقة رئاسة . فكرهه الناس فدسوا عليه في بعض الطرق من قال نصيحة تقربه منه ~~- وكان أطروشا - فأصغى إليه ليقولها في أذنه ، فجره عن دابته فقتل . وخلع ~~المعتمد ، وخرج إلى الثغر لينتزعه من يد المنذر بن يحيى ، فمات بلاردة - ~~وهي في مملكة سليمان بن هود - في يوم الجمعة لأربع بقين من صفر سنة ثمان ~~وعشرين وأربعمائة . قال : وولي قرطبة بعده قريب من ستة ، ثم دعي للمؤيد ~~هشام - وذكر أنه حي - في يوم الخميس لليلتين خلتا من المحرم سنة سبع وعشرين ~~وأربعمائة إلى أن أشيع موت هشام هذا . فتغلب على قرطبة أبو الحزم بن جهور - ~~على ما سنورده - وانقطعت دعوة بني أمية من سائر البلاد إلى هلم . وكانت مدة ~~ملك بني أمية ببلاد الأندلس - من سنة ثمان وثلاثين ومائة وإلى هذا التاريخ ~~- مائتي ستة وتسعين ، وعدة من ملك منهم خمسة عشر ملكا وهم : PageV23P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" عبد الرحمن بن معاوية الداخل ، هشام بن عبد ~~الرحمن ، الحكم بن هشام المرتضى ، عبد الرحمن بن الحكم ، محمد بن عبد ~~الرحمن الأمين ، المنذر بن محمد بن عبد الرحمن ، عبد الله بن محمد بن عبد ~~الرحمن ، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ، الحكم المستنصر بالله بن عبد ~~الرحمن ، هشام المؤيد بالله دفعتين ، محمد بن هشام بن عبد الجبار المهدي ~~دفعتين ، سليمان بن الحكم المستعين بالله دفعتين . ثم انقطعت دعوتهم بقيام ~~العلويين سبع سنين ، وعادت ms5440 بقرطبة بإمارة المستظهر بالله عبد الرحمن بن ~~هشام بن عبد الجبار ، ثم المستكفي بالله محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله ، ~~ثم المعتمد على الله أبو بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن ~~الناصر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد ~~الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم . ذكر ~~أخبار الأندلس ومن ملكها بعد انقطاع الدعوة الأموية قال : ولما انقطعت دعوة ~~بني أمية بعد خلع هشام تغلب كل رئيس على بلد ، واستولى عليها ، ونحن نذكر ~~ذلك على سبيل الاختصار . فأما قرطبة فاستولى عليها الوزير أبو الحزم جهور ~~بن محمد بن جهور بن عبد الله بن محمد بن العمر بن يحيى بن عبد الغافر بن ~~أبي عبيدة . قال : وكان من وزراء الدولة العامرية قديم الرئاسة موصوفا ~~بالدهاء والعقل ، لم يدخل في شيء من الفتن قبل ذلك . فلما خلا له الجو ~~وأمكنته الفرصة وثب عليها ، فتولى الأمر واستقل به ، ولم ينتقل عن رتبة ~~الوزارة إلى الإمارة ظاهرا ، بل دبر تدبيرا حسنا لم يسبق إليه . وجعل نفسه ~~ممسكا للوضع إلى أن يجيء مستحق يتفق عليه الناس فيسلمه إليه ، ورتب ~~البوابين والحشم على أبواب تلك القصور - على ما كانت عليه أيام الدولة - ~~ولم يتحول عن داره إليها . وجعل ما يرفع من الأموال السلطانية بأيدي رجال ~~رتبهم لذلك وهو المشرف عليهم ، وصير أهل الأسواق جندا وجعل أرزاقهم رؤوس ~~أموال تكون بأيديهم يأخذون ربحها خاصة ورؤوس الأموال باقية ، يؤخذون ~~ويراعون في الوقت بعد الوقت كيف حفظهم لها . وفرق السلاح عليهم وأمرهم أن ~~يجعلوه في الدكاكين والبيوت ، حتى إذا دهم أمر ليلا أو نهارا كان سلاح كل ~~واحد معه ، وكان يشهد الجنائز ويعود المرضى . PageV23P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" وكانت قرطبة في أيامه حرما يأمن فيه كل خائف ~~، ولم تزل أيامه على أحسن نظام وأكمل اتساق إلى أن توفي في صفر سنة خمس ~~وثلاثين وأربعمائة ، وتولى بعده ابنه محمد . ذكر ولاية ms5441 أبي الوليد محمد بن ~~جهور ولي بعده أبيه فجرى على سنته في تدبير الأمور ورعاية قلوب الرعية إلى ~~أن مات ، وغلب عليها الأمير الملقب بالمأمون صاحب طليطلة إلى أن مات ، ثم ~~استولى ابن عباد على قرطبة على ما نذكره . ذكر أخبار مدينة طليطلة ومن ~~ملكها بعد بني أمية وكيف كان استيلاء الفرنج عليها أول من تغلب عليها بعد ~~بني أمية مع بقائهم بقرطبة رجل يقال له ابن يعيش ، وذلك أن أهلها لما خلعوا ~~طاعة بني أمية قدموه على أنفسهم وولوه أمرهم ، فلم تطل مدته . وصارت رئاسته ~~إلى إسماعيل بن عبد الرحمن بن عامر بن مطرف بن ذي النون الهواري ، فتغلب ~~على طليطلة . ولم تزل بيده إلى أن توفي في سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ، ~~فقام بعده ابنه . ذكر ولاية المأمون يحيى بن إسماعيل ولي طليطلة بعد أبيه ، ~~ولما ولي أراد أن يستعين بالفرنج على ما حوله من المدائن والحصون لينتزعها ~~ممن هي بيده . فكتب إلى ملك من ملوك الفرنج - كان قريبا منه وبينهما مودة ~~ومراسلة - يقال له شنشكند وقال له " اخرج إلي في مائة من فرسانك وإنني في ~~مكان كذا لأجتمع بك في أمر لك فيه راحة " فخرج إليه شنشكند في ستة آلاف ~~فارس ، وخرج ابن ذي النون في مائتي فارس من عسكر طليطلة . وكمن الفرنجي ~~أصحابه خلف جبل بالقرب من الموضع وقال لهم : إذا رأيتمونا قد اجتمعنا ~~فاخرجوا إلينا بأجمكم فلما فعلوا ذلك ورآهم المأمون سقط في يده ، وحيل بينه ~~وبين عقله فقال له شنشكند : يا يحيى وحق الإنجيل ما كنت أظنك إلا عاقلا ~~وإذا بك أحمق خلق الله ، خرجت إلي في هذا العدد القليل وسلمت إلي مهجتك ~~بغير عهد كان بيني وبينك قبل خروجك ولا دين يجمعنا وقد أمكنني الله منك ، ~~وحق الإنجيل لا نجوت مني حتى تعطيني الحصن الفلاني والحصن الفلاني - ~~PageV23P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" وسمى حصونا من حصون المسلمين بين طليطلة ~~وبينه - وتجعل لي عليك مآلا في كل سنة . فأجابه يحيى إلى ما طلب ، وسلم ~~إليه الحصون ، ورجع ms5442 إلى طليطلة شر رجوع . وتواتر الخذلان عليه إلى أن مات ~~في سنة ستين وأربعمائة ، وصارت ولايته إلى ابنه القادر يحيى ، فدام بطليطلة ~~إلى أن ملكها الفرنج . قال : ولما ملك امتدت يده إلى أموال الرعية ، ~~واستعمل السفلة وأهل الثغور ، ولم تزل النصارى تطوى حصونه حصنا بعد حصن حتى ~~استولوا على طليطلة في سنة ثمان وسبعين بعد أن حاصرها ألفونش سبع سنين ~~وملكها ، واتخذها دار ملك ، وغير جامعها كنيسة ورد المسلمين إلى مسجد غيره ~~وعوضهم مالا وقال : هذه كنيسة كانت لنا فردها الله علينا وانتقل القادر ~~بالله إلى بلنسية فقبله القاضي الأحنف بن حجاب . ذكر أخبار دولة بني عباد ~~وابتداء أمرهم ومن ملك منهم إلى أن انقضت مدتهم وانقرضت دولتهم أول من قام ~~منهم القاضي محمد بن إسماعيل بن قريش بن عباد بن عمرو بن عطاف بن نعيم - ~~ونعيم وابنه عطاف هما دخلا إلى الأندلس من المشرق - وهم من لخم من بني ~~المنذر بن المنذر ، وفيهم يقول الشاعر : من بني المنذر وهو انتساب . . . ~~زاد في فخره بنو عباد فيه لما تلد سواها المعالي . . . والمعالي قليلة ~~الأولاد وكان محمد بن إسماعيل هذا قد تقدم بإشبيلية إلى أن ولي القضاء ، ~~فأحسن السياسة مع الرعية والملاطفة بهم ؛ فرمقته العيون ، ومالت إليه ~~القلوب . فلما كان في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ولي يحيى بن علي الفاطمي ~~قرطبة ، وكان من أمره وأمر عمه القاسم ما ذكرناه . ثم إن أهل قرطبة أخرجوا ~~القاسم بن حمود فقصد مدينة إشبيلية ثم فارقها ، وقصدها بعد ذلك يحيى بن علي ~~المعتلي ونزل بقرمونة لحصار مدينة إشبيلية وكانت الرئاسة بها بين ثلاثة - ~~كما ذكرنا ذلك - فاجتمع وجوده المدينة وفيهم حبيب ابن عامر القرشي ومحمد بن ~~مرثم الإهابي ومحمد الزبيدي وغيرهم . وأتوا إلى أبي القاسم محمد بن إسماعيل ~~وقالوا : ما ترى ما نحن فيه وما حل بنا من هذا الكافر وما أفسد من أموال ~~الناس ، فقم بنا نخرج إليه ونملكك ونجعل الأمر لك وننتصر لهشام ~~PageV23P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" ففعل ، وخرجوا لقتال يحيى بن علي المعتلي ms5443 ، ~~فركب إليهم وهو سكران فقتل كما قدمنا . وملك محمد بن إسماعيل إشبيلية ، ~~وقالوا له : نخرج إلى قرمونة من قبل أن يسبقك إليها إسحاق بن عبد الله ~~البرزالي فهم محمد بذلك فسبقه إسحاق وملكها ، فكتب محمد إلى يحيى بن ذي ~~النون الهواري صاحب طليطلة يقول له : اخرج بعسكرك أو ابعث إلي بعسكر مع ~~قائد من عندك حتى أخرج إسحاق بن عبد الله من قرمونة ، وأنا أعينك على أخذ ~~قرطبة وأجعلها لك ملكا فلما وصل كتابه إلى المأمون خرج إليه بنفسه في عسكر ~~كبير ، فاجتمعا ونزلا على قرمونة ، وحاصراها وأخرجها عنها إسحاق . وأخذها ~~محمد بن إسماعيل وأدخل ولده إليها ، وسارا إلى قرطبة وحاصراها . فلما رأى ~~أهلها ما حل بهم كاتبوا محمد بن إسماعيل وقالوا أنت أولى من المأمون بالبلد ~~وأحب إلينا منه فاستوثق منهم ودخلها ليلا ويحيى لا علم له بذلك . فلما أصبح ~~وعلم الحال رجع بعسكره إلى طليطلة وكتب إلى ابن عكاشة - وهو رجل شجاع كان ~~بيده بعض حصون الأندلس ، يقطع حوله السبيل ويقتل التجار ويأخذ الأموال ، ~~وهو يظهر ليحيى طاعة مشوبة بمعصية - فأمره أن يجمع أصحابه وعضده بعسكر كبير ~~ووجههم إلى قرطبة ، فتوجهوا إليها وقد فارقها محمد بن إسماعيل إلى إشبيلية ~~وترك ولده بها . فدخلها ابن عكاشة ليلا ، ودخل القصر ، وقتل كل من وجد من ~~الحرس ، وذبح ولد محمد بن إسماعيل بيده . فلما بلغ ذلك محمد جمع العساكر ~~وخرج إلى قرطبة ، فحصر ابن عكاشة وضيق عليه ، فخرج هاربا . واستوثق من ~~الرعية وعاد إلى إشبيلية ، فوصل إليها يحيى بن ذي النون وتغلب عليها . فدس ~~عليه محمد بن إسماعيل طبيبه ، فسمه ، فمات فعندها خلص الأمر لمحمد بن ~~إسماعيل ، وذلك في سنة أربع وعشرين . . هكذا نقل عز الدين عبد العزيز بن ~~شداد بن تميم بن المعز بن باديس في كتابه المترجم بالجمع والبيان ، وذكر ~~أيضا في هذا الكتاب أن يحيى توفي في سنة ستين وأربعمائة ، وهذا فيه تناف ~~والله تعالى أعلم . ذكر أخبار خلف الحصري المشبه بالمؤيد هشام وقيام دعوته ~~بمملكة محمد ابن ms5444 إسماعيل ، وما قيل في ذلك فأما قيام دعوته فإن محمد بن ~~إسماعيل لما استولى على الأمر في سنة أربع وعشرين وأربعمائة وتعاظم أمره ، ~~حسده أمثاله وكثر الكلام فيه وقالوا " قتل يحيى بن PageV23P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" علي الحسني من أهل البيت وقتل يحيى بن ذي ~~النون ظلما " واتسع القول فيه فبقي يفكر فيما يفعله . فبينما هو كذلك إذ ~~جاءه رجل من أهل قرطبة فقال له : إني رأيت - هشاما في قلعة رباح فقال له ~~محمد : انظر ما تقول فقال لأني والله رأيته وهو هشام بلا شك وكان عند محمد ~~بن إسماعيل عبد من عبيد هشام يسمى تومرت ، - وهو الذي كان يقوم على رأس ~~هشام - فقال له محمد : إذا رأيت مولاك تعرفه ؟ فقال : نعم ولي فيه علامات ~~فأرسل محمد رجلين من الذين ذكروا أنهم رأوا هشاما وقال : توجها إلى قلعة ~~رباح وائتياني بهشام وأسرعا ، فتوجها فوجداه في مسجد في قلعة رباح ، فدخلا ~~عليه وأعلماه أنهما رسولا القاضي محمد بن إسماعيل إليه . فسار معهما إلى ~~إشبيلية . فلما دخل على القاضي قام إليه وسلم عليه وأنزله ووكل بخدمته ~~تومرت مولاه . فلما رآه تومرت قيل يديه ورجليه وقال للقاضي : هو والله ~~مولاي هشام ابن الحكم . فعند ذلك قام إليه القاضي محمد بن إسماعيل وقبل ~~رأسه ويديه ، وأمر بنيه فدخلوا عليه وفعلوا كفعله ، وسلموا عليه بالخلافة . ~~وأخرجه محمد بن إسماعيل في يوم الجمعة إلى الجامع بمدينة إشبيلية ، ومشى هو ~~وبنوه بين يديه رجالة حتى أتى المسجد ، فخطب الناس وصلى بهم الجمعة . ~~وبايعه محمد بن إسماعيل وبنوه وجميع أهل البلد ورجع إلى موضعه ، وتولى محمد ~~بن إسماعيل الخدمة بين يديه وجرى في ذلك على طريقة ابن أبي عامر ، غير أنه ~~يخرج إلى الجمعة والأعياد ويصلي طول مدته ، ومحمد في رتبة الوزارة آمرا ~~وناهيا عنه ، واستقام لمحمد أكثر مدن الأندلس ، فهذا كان سبب قيام دعوته . ~~وأما ما نقل من أخباره فقد ذكرنا في أخبار بني أمية أن المستعين بالله ~~سليمان بن الحكم لما فتح قرطبة المرة الثانية في شوال ms5445 سنة ثلاث وأربعمائة ~~أحضره ووبخه ، وأن المؤيد فقد لخمس خلون من شوال . وذكرنا أيضا أن الناصر ~~علي بن حمود الفاطمي لما ملك قرطبة أحضر المستعين وسأله بحضرة الفقهاء ~~والوزراء عن المؤيد هشام فقال " مات فألزمه أن يريه قبره فأخرجه دفينا لا ~~أثر فيه فأمر الناصر بتكفينه ودفنه في الروضة " . وقيل بل هرب بنفسه إلى ~~المشرق مستخفيا حتى وصل مكة - شرفها الله - وكان معه كيس فيه جوهر وياقوت ~~ونفقة ، فشعر به حرابة مكة ، فأخذوه منه ، فمال إلى جهة من الحرم وأقام ~~يومين لم يطعم طعاما . فمضى إلى المروة فأتاه رجل فقال PageV23P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" له تحسن عمل الطين ؟ قال : نعم فمضى به إلى ~~تراب ليعجنه ووافقه على درهم وقرصة ، فقال له : عجل القرصة فإني جائع فأتاه ~~بها فأكلها ، ثم عمد إلى التراب فكان مرة يعجن ومرة يجلس ، فلما طال عليه ~~ذلك تركه ومضى هاربا على وجهه . وخرج مع القافلة إلى الشام على أسوأ حال ، ~~فوصل إلى بيت المقدس ، فمشى في السوق فرأى رجلا يعمل الحصر الحلفاء فنظر ~~إليه فقال له الحصري : كأنك تحسن هذه الصناعة قال : لا قال : فتقيم عندي ~~تناولني الحلفاء وأجعل لك أجرة على ذلك . قال : أفعل ، فأقام عنده يناوله ~~ويعاونه على ما يأمره به من أمور صناعته ، فتعلم هشام صناعة الحصر ، فصار ~~يعلمها ويتقوت منها . وأقام ببيت المقدس أعواما كثيرة لم يعلم به أحد ، ثم ~~رجع إلى الأندلس في سنة أربع وعشرين وأربعمائة . . هكذا روى جماعة من مشايخ ~~الأندلس وقال الإمام الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم في كتابه ~~المسمى " نقط العروس في هذه الحكاية : أخلوقة لم يقع في الدهر مثلها ، ~~وإنما ظهر رجل يقال له خلف الحصري بعد نيف وعشرين سنة من موت هشام بن الحكم ~~المؤيد وادعى أنه هشام ، وبويع له على جميع منابر الأندلس في أوقات شتى ، ~~وسفك الدماء وتصادمت الجيوش في أمره . وقال أبو محمد بن حزم : وفضيحة لم ~~يقع في الدهر مثلها ، أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في ms5446 مثلها يسمى كل ~~واحد منهم يا أمير المؤمنين ، ويخطب لهم في زمن واحد ، أحدهم خلف الحصري ~~المذكور بإشبيلية على أنه هشام بن الحكم المؤيد ، والثاني محمد بن القاسم ~~بن حمود بالجزيرة الخضراء ، والثالث محمد بن إدريس بن علي بن حمود بمدينة ~~مالقه ، والرابع إدريس بن يحيى بن علي بشنترين . وأقام المدعى أنه هشام بن ~~الحكم نيفا وعشرين سنة والقاضي محمد بن إسماعيل في رتبة الوزير بين يديه ، ~~والأمر إليه . وقد استقام لمحمد أكثر بلاد الأندلس ، ودفع به كلام الحساد ~~وأهل العناد ، إلى أن توفي هشام المذكور . فاستبد القاضي بالأمر بعده وملك ~~أكثر مدن الأندلس وحصونها . ولم ينتقل عن مدينة إشبيلية PageV23P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" بل جعلها دار ملكه ، واستقامت له الأمور ، ~~وأطاعته المدن والثغور ، واجتهد في جهاد الفرنج . وكان له في ذلك القدم ~~المشهور ، ومات محمد في عشر الخمسين وأربعمائة ، وولي بعده ابنه عباد . ذكر ~~ولاية أبي عمرو عباد بن محمد ولي بعد أبيه وتلقب المعتضد بالله ، وكان فيه ~~كرم وبأس . فطابت أيامه ، وحسنت أفعاله ، واستقامت له الأحوال ، ورفعت له ~~من بلاد الأندلس الأموال . قال : واتفق له واقعة غريبة في سنة سبع وأربعين ~~وأربعمائة ، وهي أنه شرب ليلة مع رجاله وندمائه فلما عملت فيه الخمر صرفهم ~~وخرج في الليل ومعه رجل واحد من عبيده . وسار نحو قرمونة وهي تبعد عن مدينة ~~إشبيلية ثمانية عشر ميلا ، وكان صاحب قرمونة إسحاق بن سليمان البرازلي وقد ~~م جرت بينه وبينه حروب . فسار عباد حتى أتى قرمونة ، وكان إسحاق تلك الليلة ~~في جماعة من أهل بيته يشربون ، فدخل عليه بعض خدامه فقال : إن صاحب الحرس ~~ذكر أن المعتضد عبادا قائم على باب المدينة ليس معه إلا رجل واحد وهو ~~يستأذن عليك فعجب القوم من ذلك غاية العجب ، وخرج إسحاق ومن عنده إلى باب ~~المدينة فسلم على عباد وأدخله إلى القصر ، وأمر بتجديد الطعام والشراب . ~~فلما شرع في الأكل تذكر ما فعل فسقط في يده ولم يطق أن يسفه ، وندم على ما ~~صنع لما يعلم بينه ms5447 وبين برزال من الحرب وسفك الدماء ، فأظهر التجلد ~~والانشراح ثم قال لإسحاق : أريد أن أنام فرفعه على الفراش ، فأراهم عباد ~~أنه نائم ، فقال بعض القوم لبعض : هذا كبش سمين حصل لكم ، والله لو أنفقتم ~~عليه ملك الأندلس ما قدرتم على حصوله في أيديكم ، وهو شيطان الأندلس وإذا ~~قتل خلصت لكم البلاد فقام معاذ بن أبي قرة وكان من كبرائهم فقال : والله لا ~~فعلنا هذا ولا رضينا به ، رجل قصدنا ونزل بنا ، ولو علم أنا نرضى فيه بقبيح ~~لما أتانا مستأمنا إلينا ، كيف تتحدث القبائل عنا أننا قتلنا ضيفنا وخفرنا ~~ذمتنا ، فعلى من يرضى هذا لعنة الله وهو يسمع فنزل عن السرير فقام القوم ~~بأجمعهم فقبلوا رأسه وجددوا السلام عليه فقال لحاجبه : أين نحن ؟ قال : في ~~منزلك وبين أهلك وإخوانك قال : إئتوني بدواة وقرطاس . فأتوه بهما ، فكتب ~~أسماء القوم ، وكتب لكل واحد بخلعة ودنانير وأفراس وعبيد وجوار ، وأمر أن ~~يرسل كل واحد منهم رسولا ليقبض ذلك . ثم ركب وخرج القوم PageV23P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" يشيعونه إلى قرب إشبيلية ، فصرفهم ودخل . ~~وأرسلوا من قبض لهم ما كتب به ، ثم أغفلهم ستة أشهر وكتب إليهم يستدعيهم ~~لوليمة ، فجاءه سبعون رجلا منهم فأنزلهم عند رجاله ، وأنزل معاذا عنده . ~~وأمر بهم فأدخلوا حماما ، وبنى عليهم بابه ، فماتوا جميعا ، فعز ذلك على ~~معاذ بن أبي قرة فقال له عباد : لا ترع فإنهم قد حضرت آجالهم وقد أرادوا ~~قتلى ، ولولاك ما كنت ناجيا منهم ، وإنما جعل الله صيانة دمي بك ، فإن أردت ~~الرجوع إلى بلدك رددتك على أجمل الوجوه وأحسنها وأسرها فقال له معاذ : بأي ~~وجه أرجع أنا دونهم ؟ فأمر له المعتضد بألف دينارة وعشرة أفراس وثلاثين ~~جارية وعشرة أعبد ، وأنزله في قصر من أعظم قصوره ، وأقطعه في كل عام أثنى ~~عشر ألف دينار ، وكان ينفذ إليه في كل يوم التحف والطرف . ولم يكن يحضر ~~مجلسه أحد قبله إلى أن مات عباد فأوصى ولده بمعاذ وقال : يا بني احفظني فيه ~~فجرى فيه على عادة أبيه ، ودام بإشبيلية حتى ms5448 انقرضت دولة بني عباد . قال ~~بعض أهل إشبيلية : رأيت معاذ بن أبي قرة يوم دخل يوسف بن تاشفين إشبيلية ~~أول النهار وعليه ثوب ديباج مخرطم بالذهب وأمامه نحو ثلاثين عبدا ، ورأيته ~~آخر النهار عليه مليس مشتمل به فسبحان من لا يزول ملكه ، نسأل الله تعالى ~~أن لا يلبسنا ثوب نعمة أنعمها علينا بمنه وكرمه . وفي أيام عباد توفي ~~الإمام الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن ~~سعدان بن سفيان بن يزيد الفارسي مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية . ~~أصل آبائه من قرية منت ليسم من عمل الولبة من كور غرب الأندلس ، وسكن هو ~~وآباؤه قرطبة ونالوا بها جاها عريضا ومالا وممدودا . وولى ابن أبي عامر جده ~~سعيدا الوزارة ، وولى أبو محمد هذا الوزارة في أيام المستظهر بالله عبد ~~الرحمن بن هشام بن عبد الجبار الأموي . وكان مولده يوم الأربعاء ساخ شهر ~~رمضان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ، ووفاته في سلخ شعبان سنة سبع وخمسين ~~وأربعمائة ، وكانت مدة حياته اثنتين وسبعين سنة وأحد عشر شهرا . وله كثير ~~من المصنفات ، ذكر أنه اجتمع مع الإمام أبي الوليد سليمان بن خلف بن سعيد ~~بن أيوب الباجي صاحب التواليف - وقيل بل الفقيه إبراهيم الخفاجي - فجرت ~~بينهما مناظرة ، PageV23P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" فلما انقضت قال الفقيه أبو الوليد : تعذرني ~~فإن أكثر مطالعتي كانت على سرج الحراس فقال له ابن حزم : وتعذرني أيضا فإن ~~أكثر مطالعتي كانت على منابر الذهب والفضة وفي سنة ستين وأربعمائة توفي ~~المعتضد بالله عباد بن محمد ، وحكي أنه استحضر مغنيا يغنيه ليجعل أول ما ~~يبدأ به فألا فكان أول شعر قاله : نطوي الليالي علما أن ستطوينا . . . ~~فشعشعينا بماء المزن واسقينا فمات بعد خمسة أيام رحمه الله ، ولما مات ولي ~~بعده ابنه محمد . ذكر ولاية المعتمد على الله محمد بن عباد ابن محمد بن ~~إسماعيل بن قريش بن عباد ، وكنيته أبو القاسم . ولي بعد وفاة أبيه في سنة ~~ستين وأربعمائة ، وقيل في سنة ms5449 إحدى وستين ، وكان مولده بباجة سنة إحدى ~~وثلاثين وأربعمائة ، فكان عمره حين ولي ثلاثين سنة . وكان فيه أدب وشعر ~~وكرم وتواضع وشجاعة ، قال أبو بكر محمد بن عيسى المعروف بابن اللبانة كاتبه ~~يصف الدولة العبادية " كانت الدولة العبادية تشبه العباسية ، بها وسعة ملك ~~ووثاق عهد وانتظام عقد ، وعدل أئمة واعتدال أمة ، كان أربابها يتنافسون في ~~المكارم ويتغايرون على الشرف المتقادم . من حلبة السبق لا برق يخاطفها . . ~~. إلى مداها ولا ريح يجاريها تردهم نسبة نحو السماء فهم . . . من مائها ، ~~وعلاهم من دراريها يشير إلى المنذر بن ماء السماء ، ثم قال " جمعوا كرم ~~الأخلاق إلى شرف الأعراق ، وحملوا حلى الآداب على الأحساب ، وعضدوا البأس ~~بالكرم وأيدوا بالسيف والقلم . نفر إلى ماء السماء نماهم . . . نسب على أوج ~~النجوم مخيم بالبيض والبيضات والخلق اكتسوا . . . فتوشحوا وتتوجوا وتعمموا ~~وكان بهذا البيت سرير الفلك الدائر وغريبه البحر الزاخر المعتمد على الله ~~المؤيد بنصر الله أبو القاسم محمد " وذكر نسبه ، ثم قال : من بني المنذر ~~وهو انتساب . . البيتين ، وقد ذكرناهما آنفا ، وقال تلوهما : وكذلك يطرد ~~النسب إطراد الشآبيب ، ويتسق اتساق الأنابيب ، فهو كما قيل : شرف ينقل ~~كابرا عن كابر . . . كالرمح أنبوب على أنبوب PageV23P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" إلى مركز الدائرة من لخم وواسطة المنتخبين من ~~يعرب وقحطان ثم ذكر مولده وولايته على ما قدمنا وذكر خلعه في سنة أربع ~~وثمانين على ما نذكره إن شاء الله . وكان سبب خلعه وانقراض دولته أن الفرنج ~~- لعنهم الله - استولوا على طليطلة وملكها الأذفونش - وهو ألفنش - في سنة ~~ثمان وسبعن وأربعمائة على ما قدمناه . وكان المعتمد . يؤدي إليه ضريبة في ~~كل سنة ، فلما سيرها إليه بعد استيلائه على طليطلة لم يقبلها وأعادها ، ~~وأرسل إليه يتوعده ويقول له : أنا آخذ مدينة قرطبة كما أخذت طليطلة إلا أن ~~ترفع يدك عن جميع الحصون وتسلمها إلينا ويكون لك السهل من البلاد وكان ~~الرسول شلبيب اليهودي ومعه خمسمائة فارس ، وطلب منه اثني عشر ألف دينار ، ~~فأمر المعتمد بإنزال الخيالة على أهل العسكر متفرقين وأمر كل من ms5450 عنده فارس ~~منهم أن يقتله . ولما جن الليل أحضر اليهودي وكشف رأسه ، وأمر بضربه ~~بالنعال المسمرة ، حتى خرجت عيناه من رأسه . وهرب من الخيالة ثلاثة ، ~~فوصلوا إلى الأذفوشن وأعلموه بقتل أصحابه وكان متوجها إلى قرطبة يريد ~~حصارها - فلما جاءه الخبر رجع إلى طليطلة ليستعد ويهيئ آلات الحصار . فلما ~~سمع المعتمد برحيله إلى طليطلة سار هو إلى إشبيلية فبلغ مشايخ قرطبة ما جرى ~~، فاجتمعوا بالفقهاء وقالوا : هذه مدائن الأندلس قد غلب عليها الفرنج ولم ~~يبق منها إلا القليل ، وإن استمرت الأحوال على ما نرى عادت نصرانية كما ~~كانت ثم ساروا إلى القاضي عبد الله بن محمد بن أدهم فقالوا له : ألا تنظر ~~إلى ما فيه المسلمون من الصغار والذلة وإعطائهم الجزية إلى الفرنج بعد أن ~~كانوا يأخذونها منهم ، وابن عباد هو الذي حمل الفرنج على المسلمين حتى جرى ~~ما جرى وطلب منه ما طلب ، وقد دبرنا رأيا نعرضه عليك قال : وما هو ؟ قالوا ~~: نكتب إلى عرب أفريقية ونعلمهم أنهم إن وصلوا إلينا قاسمناهم في أموالنا ~~وخرجنا معهم مجاهدين في سبيل الله تعالى قال : أخاف أن يخرجوا الأندلس كما ~~فعلوا بأفريقية ويتركوا الفرنج ويبدأوا بكم والمرابطون أقرب إلينا وأصلح ~~حالا . قالوا : فكاتب يوسف بن تاشفين ورغب إليه أن يدخل إلينا بنفسه أو ~~يرسل إلينا قائدا من قواده . قال : أما الآن فقد أشرتم برأي فيه السداد ~~وقدم المعتمد إلى قرطبة في أثر ذلك ، فدخل عليه القاضي وأعلمه بما دار بينه ~~وبين أهل قرطبة وما اتفقوا عليه ، فقال المعتمد : نعم ما أشاروا به وأنت ~~رسولي إليه فامتنع القاضي واستعفاه وإنما أراد أن يقوى عزمه على إرساله ~~فقال : لا أجد لها غيرك . PageV23P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" فسار القاضي ، وصحبه أبو بكر بن القصيرة ~~الكاتب إلى أمير المسلمين ، فوجداه بسبتة ، فأبلغاه الرسالة . وأعلماه بحال ~~المسلمين وما هم عليه من الخوف والجزع من الأذفونش ، وأنهم يستنصرون بالله ~~ثم به ؛ وأن المعتمد يستنجد عليه . فأمر يوسف في الحال بإدخال العساكر إلى ~~الجزيرة الخضراء ، وأقام بسبتة وأنفذ إلى مراكش في ms5451 طلب من بقي ، ودخل في ~~آخر العساكر . . هذا ما نقله أهل التاريخ ، أن القاضي وابن القصيرة كانا ~~رسولين إليه ، وقيل إن المعتمد بن عباد سار بنفسه بغير واسطة وتلطف في ~~الدخول عليه إلى أن انتهى إلى آخر بواب فقال له : قل لأمير المسلمين إن ابن ~~عباد بالباب فلما أعلمه بذلك ارتاع وظن أنه قدم بعساكره ، وسأله عن حقيقة ~~الحال فقال : هو ببابك وحده فأذن له ، فدخل عليه ، فأكرمه ووعده النصر . ~~وعاد ابن عباد ولحقه أمير المسلمين . ذكر وقعة الزلاقة وانهزام الفرنج ~~لعنهم الله قال : وجمع المعتمد العساكر وأقبل أمير المسلمين بعساكره ، ~~واجتمعوا كلهم بإشبيلية ، وخرج من أهل قرطبة - من المتطوعين - أربعة آلاف ~~فارس وراجل . وجاء المسلمون من بلاد الأندلس ، من كل بلد وحصن . واتصلت ~~الأخبار بالأذفونش ، فخرج من طليطلة في أربعين فارس غير من أنضاف إليها ، ~~وكتب إلى يوسف كتابا كتبه عنه رجل من أدباء المسلمين يغلظ فيه القول ويصف ~~ما عنده من القوة والعدد والعدد ، ووسع وأطال وبالغ . ووصل الكتاب إلى يوسف ~~بن تاشفين فأمر الكاتب أبا بكر بن القصيرة أن يجاوبه . وكان كاتبا مجيدا - ~~فكتب وأطال وبالغ ، فلما قرأه على يوسف استطاله وكتب على ظهر كتابه " الذي ~~يكون ستراه " ولا كتب إلى المشرفية والقنا . . . ولا رسل إلا بالخميس ~~العرمرم ورده إليه ، فلما قرأ الجواب ارتاع وقال : هذا رجل له عزم قال : ~~ولما استعد الأذفونش للقاء رأى في منامه كأنه راكب فيلا وبين يديه طبل صغير ~~ينقر فيه ، فقص ذلك على القسيسين فلم يعرفوا تأويله ، فاستحضر رجلا مسلما ~~عالما دينا فاستعفاه من القول فأمنه وعزم عليه ، فقال : تأويل هذه الرؤيا ~~في آيتين من كتاب الله عز وجل PageV23P0267 # """""" صفحة رقم 268 """""" وقرأ سورة الفيل ، وقوله تعالى " فإذا نقر في ~~الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير " . وذلك يقتضي هلاك ~~الجيش الذي تجمعه . فلما اجتمع الجيش وعبأه أعجبته كثرته ، فاستحضر المعبر ~~وقال له : هذا الجيش الذي ترى ألقى به محمدا صاحب كتابكم فانصرف المعبر عنه ~~وقال : هذا الملك هالك ms5452 لا محالة وكل من معه فإنه قد أعجب بجمعه . . وذكر ~~قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) " ثلاث مهلكات " الحديث . . . قال : وسار ~~المعتمد بن عباد وأمير المسلمين بالعساكر حتى أتوا موضعا يقال له الزلاقة ~~من بلد بطليموس وأتى الأذفونش فنزل موضعا بينه وبينهم - ثمانية عشر ميلا ، ~~فقيل ليوسف بن تاشفين إن ابن عباد ربما لم ينصح لا يبذل نفسه دونك ، فأرسل ~~تقول له " كن في المقدمة ونكون نحن في أثرك " . فتقدم ابن عباد . وضرب ~~الأذفونش خيامه في سفح جبل والمعتمد بن عباد في سفح جبل آخر بحيث يتراءان ، ~~ونزل يوسف بن تاشفين في جبل من وراء الجبل الذي فيه المعتمد . وظن الأذفونش ~~أن عسكر المسلمين ليس إلا ذاك الذي يظهر له مع المعتمد والأذفونش في زهاء ~~خمسين ألف فارس ، فما شك أنه الغالب واستعمل الخدعة . وأرسل ابن عباد في ~~ميقات اللقاء يوم الخميس ، وقال : نحن قد وصلنا على حال تعب وأمامكم الجمعة ~~وأمامنا الأحد فيكون اللقاء يوم الاثنين بعد أهبة فاستقر الأمر بينهما على ~~ذلك . ثم ركب الأذفونش صبيحة الجمعة ليلا ، وصبح بجيشه جيش المعتمد ، فوقع ~~القتال بينهم ، فصبر المسلمون وقتل منهم خلق كثير ، وأشرفوا على الانهزام . ~~وقد كان المعتمد أرسل إلى ابن تاشفين فقال للأدلة : احملوني إلى مضارب ~~الأذفونش فما شعر الفرنج إلا وقد نهبت خيامهم وخزائن الأذفونش وعدده ، ~~والقتل يعمل فيهم من وراء ظهورهم . فلم يتمالك الفرنج أن انهزموا وأخذهم ~~السيف من كل مكان ، فقتلوا عن آخرهم ، فما سلم إلا آحاد وهرب الأذفونش في ~~نفر يسير ودخل طليطلة في سبعة فوارس ، ولم يرجع من الفرنج إلى بلادهم غير ~~ثلاثمائة نفر أكثرهم رجالة . وكانت هذه الوقعة في يوم الجمعة في العشر ~~الأول من شهر رمضان سنة تسع وسبعين وأربعمائة ، وأصاب المعتمد جراحا في ~~وجهه ، ووصف في ذلك اليوم بالشجاعة . وغنم المسلمون من أموال الفرنج ~~وأسلحتهم مالا يحصى كثرة ، وجعل المسلمون رؤوس القتلى كوما كبيرا وصعدوا ~~عليه وأذنوا إلى أن جافت فأحرقوها . PageV23P0268 # """""" صفحة رقم 269 """""" وعاد المعتمد إلى إشبيلية ، ورجع أمير ms5453 ~~المسلمين إلى الجزيرة الخضراء وعدى إلى سبته وسار إلى مراكش . وعاد في ~~السنة الثانية إلى جزيرة الأندلس وحاصر طليطلة هو وابن عباد وصاحب غرناطة ، ~~فلم يتهيأ لهم فتحه ، فرجع وأخذ غرناطة من صاحبها عبد الله بن بلكمين ، وهي ~~أول ما ملكك من بلاد الأندلس على ما نذكره إن شاء الله تعالى . ذكر انقراض ~~الدولة العبادية وشيء من أخبار المعتمد وشعره في سنة أربع وثمانين ~~وأربعمائة أتى يوسف بن تاشفين إلى سبتة ودخل العساكر إلى الأندلس مع سيرين ~~بن أبي بكر ، فقصدوا مدينة إشبيلية ، فحصروا المعتمد وضيقوا عليه . فقاتل ~~قتالا شديدا ، وظهر من شجاعته وشدة بأسه وحسن دفاعه عن بلده ما لم يشاهد من ~~غيره فسمع الفرنج بقصد عساكر المرابطين بلاد الأندلس ، فخافوا أن يملكوها ~~ثم يقصدوا بلادهم ، فجمعوا وأكثروا وساروا لمساعدة المعتمد وإغاثته على ~~المرابطين . فلما سمع بمسيرهم فارق إشبيلية وتوجه إلى لقاء الفرنج ، ~~وقابلهم وهزمهم ، ورجع إلى إشبيلية . وداوم الحصار والقتال إلى العشرين من ~~شهر رجب من السنة ، فعظم الخطب واشتد الأمر على أهل البلد . ودخله ~~المرابطون من واديه ونهبوا الأموال ، ولم يبقوا على شيء حتى سلبوا الناس ~~ثيابهم ، وخرجوا من مساكنهم يسترون عوراتهم بأيديهم . وأسر المعتمد ومعه ~~أولاده الذكور والإناث ، بعد أن استأصلوا جميع أموالهم . وقيل إن المعتمد ~~سلم البلد بأمان ، وكتب نسخة الأمان والعهد ، واستحلفهم على نفسه وأهله ~~وماله وعبيده وجميع ما يتعلق به . فلما سلم إليهم إشبيلية لم يفوا له ، ~~وسير المعتمد إلى مدينة أغمات ، فحبسوا بها ، وفعل أمير المسلمين أفعالا ~~قبيحة لم يفعلها أحد قبله . وذلك أنه سجنهم ولم يجر عليهم ما يقوم بهم ، ~~حتى كان بنات المعتمد يغزلن للناس بأجرة ينفقونها على أنفسهم ، فأبان أمير ~~المسلمين في ذلك عن لؤم طباع وضيق نفس . قال : وبقي المعتمد في حبسه بأغمات ~~إلى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ، فتوفي فيها ، وقبره بأغمات . فكان من بني ~~عباد ثلاثة ؛ القاضي محمد بن إسماعيل ، وابنه عباد ، ومحمد بن عباد هذا ، ~~ومدة ملكهم ستون سنة ، PageV23P0269 # """""" صفحة رقم 270 """""" وكان له من الأولاد ms5454 الذكور والإناث . وكان ~~رحمه الله من محاسن الزمان كرما وعلما ورئاسة وأخباره مشهورة وآثاره مدونة ~~. وقد ذكره ابن خاقان في " قلائد العقيان " ، وذكر شيئا من نظمه ونثره . ~~وكان شاعره أبا بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانة يأتيه في ~~سجنه فيمدحه لإحسانه القديم إليه وبره الذي بقيت آثاره مع طول الزمن عليه ، ~~قال ابن اللبانة : فأمضيت عزيمتي بعد انقضاء الدولة في زيارته ، فوصلت إليه ~~بأغمات ، فقلت في ذلك أبياتا عند دخولي عليه . لم أقل في النقاف كان نفاقا ~~. . . كنت قلبا له وكان شغافا يمكث الزهر في الكمام ولكن . . . بعد مكث ~~الكمام يدنو قطافا وإذا ما الهلال غاب بغيم . . . لم يكن ذلك المغيب ~~انكسافا إنما أنت درة للمعالي . . . ركب الدهر فوقها أصدافا حجب البيت منك ~~شخصا كريما . . . مثل ما يحجب الدنان السلافا أنت للفضل كعبة ولو أني . . . ~~كنت أستطيع لالتزمت الطوافا قال : وجرت بيني وبينه مخاطبات ألذ من غفلات ~~الرقيب ، وأشهى من رشفات الحبيب ، وأدل على السماح ، من فجر على صياح - قال ~~- فلما قاربت الصدر وأزمعت السفر ، صرف حبله واستنفذ ما قبله ، وبعث إلي ~~شرف الدولة ابنه - وكان من أحسن الناس سمتا وأكثرهم صمتا ، تخجله اللفظة ~~وتجرحه اللحظة ، حريصا على طلب الأدب مسارعا في اقتناء الكتب ، مثابرا على ~~نسخ الدواوين ففتح من خطه فيها زهر البساتين - بعشرين مثقالا مرابطية ~~وثوبين غير مخيطين ، وكتب مع ذلك أبياتا منها : إليك النزر من كف الأسير . ~~. . وإن تقنع نكن عين الشكور تقبل ما ندوت به جباء . . . وإن غدرته حالات ~~الفقير قال ابن اللبانة فأجبته : حاش لله أن أحيج كريما . . . يتشكى فقرا ~~وكم سد فقرا PageV23P0270 # """""" صفحة رقم 271 """""" وكفاني كلامك الرطب نيلا . . . كيف ألقى درا ~~وأطلب تبرا لم تمت إنما المكارم ماتت . . . لا سقى الله بعدك الأرض قطرا ~~مما قاله المعتمد من شعره في مدة أسره - فمن ذلك - قوله : سلت على يد ~~الخطوب سيوفها . . . فجررن من جسدي الخصيف الأمتنا ضربت بها أيدي الضروب ~~وإنما . . . ضربت رقاب الآمنين بها المنى يا آملي العادات من نفحاتنا . . . ~~كفوا ms5455 فإن الدهر كف أكفنا وقال في قصيدة يصف القيد في رجليه : تعطف من ساقي ~~تعطف أرقم . . . يساورها عضا بأنياب ضيغم وإني من كان الرجال بسيبه . . . ~~من سيفه في جنة وجهنم وقال في يوم عيد : فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا . . ~~. فصرت كالعبد في أغمات مأسورا قد كان دهرك إن يأمره ممتثلا . . . فردك ~~الدهر منهيا ومأمورا من بات بعدك في ملك يسر به . . . فإنما بات بالأحلام ~~مغرورا وتعرض له أهل الكدية وهو في الحبس فقال : سألوا اليسير من الأسير ~~وإنه . . . بسؤالهم لأحق منهم فاعجب لولا الحياء وعزة لخمية . . . طي الحشا ~~لحكاهم في المطلب ورثا ولديه وقد ذبحا بين يديه فقال : يقولون صبرا . . لا ~~سبيل إلى الصبر . . . سأبكي وأبكي ما تطاول من عمري أفتح . . لقد فتحت لي ~~باب رحمة . . . كما بيزيد الله قد زاد في أجري هوى بكما المقدار عني ولم ~~أمت . . . فأدعى وفيا قد نكصت إلى الغدر ولو عدتما لاخترتما العود في الثرى ~~. . . إذا أنتما أبصرتماني في الأسر أبا خالد أورثتني البث خالدا . . . أبا ~~النصر مذ ودعت ودعني نصري قال : وكان الشيخ عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد ~~بن حمديس توجه من PageV23P0271 # """""" صفحة رقم 272 """""" المغرب إلى الأندلس في سنة إحدى وسبعين ~~وأربعمائة ، فقصد المعتمد ، وأقام عنده إلى أن خلع ، فكتب إليه المعتمد بعد ~~أن عاد إلى المهدية : غريب بأقصى المغربين أسير . . . يبكى عليه منبر وسرير ~~أذل بني ماء السماء زمانهم . . . وذل بني ماء السماء كثير فما ماؤها إلا ~~بكاء عليهم . . . يفيض على الآفاق منه بحور فأجابه محمد بن حمديس : جرى لك ~~جد بالكرام عثور . . . وجار زمان كنت منه تجير لقد أصبحت بيض الظبا في ~~غمودها . . . إناثا بترك الضرب وهي ذكور ولما رحلتم بالنى في أكفكم . . . ~~وقلقل رضوى منكم وثبير رفعت لساني بالقيامة قد دنت . . . ألا فانظروا كيف ~~الجبال تسير ؟ قال ولما توفي المعتمد وقف ابن اللبانة على قبره في يوم عيد ~~- والناس عند قبور أهاليهم - وأنشد بصوت عال : ملك الملوك أسامع فأنادي . . ~~. أم قد عداك عن الجواب عواد لما خلت ms5456 منك القصور ولم تكن . . . فيها كما قد ~~كنت في الأعياد قبلت في هذا الثرى لك خاضعا . . . واتخذت قبرك موضع الإنشاد ~~وأخذ في إتمام القصيدة ، فاجتمع الناس كلهم عليه يبكون لبكائه وإنشاده . ~~وحكى بعض المعتنين بأخبارهم أن فخر الدولة ابن المعتمد على الله مر يوما في ~~بعض شوارع مدينة إشبيلية ، فطمحت عينه إلى روشن قرأى وجها حسنا فتعلق قلبه ~~به ، ولم يمكنه الوصول ، فخامره الهوى ومرض من ذلك . فاتصل خبره بأبيه ، ~~فسأل عن المرأة فقيل إنها ابنة رجل خباز ، فأمر الوزير أن ينفذ إلى أبيها ~~ويخطبها منه . فأرسل إليه الوزير فعلم ما يراد به ، فامتنع من الوصول إليه ~~وقال : هو أحق بالوصول إلي في هذه الحالة PageV23P0272 # """""" صفحة رقم 273 """""" فأعلم المقتدر بذلك فقال : تصل إليه وتخطبها ~~. فلما وصل إليه وخطبها قال الخباز للوزير : أله صنعة ؟ فقال الوزير : ابن ~~المعتمد يطلب منه صنعة وهو سلطان الأندلس ؟ فقال له : أمها طالق إن زوجتها ~~إلا من له صناعة يستر حاله وحالها بها إن احتاج إليها . فأعلم الوزير ~~المعتمد فقال : هذا رجل عاقل فأمر بإحضار الصاغة إلى القصر وعلم فخر الدولة ~~الصياغة وحذق فيها فلما جرى عليهم ما جرى دخل حوانيت الصاغة ، وصاغ بالأجرة ~~فرآه ابن اللبانة وهو ينفخ في بعض الحوانيت فقال : أذكى القلوب أسى ، أبكى ~~العيون دما . . . خطب وجودك فيه يشبه العدما صرفت في آلة الصياغ أنملة . . ~~. لم تدر إلا الندى والسيف والقلما يا صائغا كانت الدنيا تصاغ له . . . ~~حليا وكان عليه الحلى منتظما النفخ في الصور هول ما حكاه سوى . . . هول ~~رأيتك فيه تنفخ الفحما قال : ولما انقرضت الدولة العبادية صار ملك بلاد ~~المسلمين إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين صاحب مراكش والمغرب ، وسنذكر ~~ذلك إن شاء الله في أخباره . ممالك الأندلس الأخرى وأما سرقسطة والثغر ~~الأعلى فكان ذلك بيد منذر بن يحيى إلى أن توفي وولي بعده ابنه يحيى ، ثم ~~ولي بعده سليمان بن أحمد بن محمد بن هود الجذامي ، وكان يلقب بالمستعين ، ~~وكان من قواد منذر على مدينة لاردة ، وله ms5457 وقعة مشهورة مع الفرنج في سنة ~~أربع وثلاثين وأربعمائة . ثم توفي وولي بعده ابنه أحمد المقتدر بالله ، ~~وولي بعده يوسف المؤتمن ، ثم ولي بعده أحمد المستعين على لقب جده ، ثم ولي ~~ابنه عماد الدولة . ثم ابنه أحمد المستنصر بالله ، وعليه انقرضت دولتهم على ~~رأس الخمسمائة ، وصارت للملثمين . وأما طرطوشة فوليها الفتى العامري . وأما ~~بلنسية فكان بها المنصور أبو الحسن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن محمد بن ~~منصور بن أبي عامر ، ثم انضاف إليه إلمرية ، وما كان إليها . وبعده ابنه ~~محمد ، ودام فيها إلى أن غدر به صهره المأمون بن إسماعيل بن ذي النون في ذي ~~الحجة سنة سبع وخمسين وأربعمائة . وأما السهلة فملكها عبود بن رزين ، وأصله ~~بربري ، ومولده بالأندلس . فلما هلك ولي بعده ابنه عبد الملك ، ثم ابنه عز ~~الدولة ، ثم الملثمون . PageV23P0273 # """""" صفحة رقم 274 """""" وأما دانية والجزائر فكانتا بيد الموفق أبي ~~الجيش مجاهد العامري ، وسار إليه من قرطبة الفقيه أبو محمد عبد الله ~~المعيطي ومعه خلق كثير . فأقامه مجاهد شبه خليفة يصدر عن رأيه ، وبايعه في ~~جمادى الآخرة سنة خمس وأربعمائة . وأقام المعيطي معه بدانية نحو ثلاثة أشهر ~~، ثم سار هو ومجاهد في البحر إلى الجزائر وهي ميورقة ومنورقة ويابسة . ثم ~~بعث المعيطي بعد ذلك مجاهدا إلى سردانية في مائة وعشرين فارسا ومعه ألف فرس ~~، ففتحها في شهر ربيع الأول سنة ست PageV23P0274 # """""" صفحة رقم 275 """""" وأربعين وأربعمائة وقتل بها خلقا كثيرا من ~~النصارى ، وسبي . فسار إليه الفرنج والروم في آخر السنة فأخرجوه منها ، ~~فرجع إلى الأندلس فوجد المعيطي قد مات . وبقي مجاهد إلى أم مات ، وولي بعده ~~ابنه علي بن مجاهد ثم مات ، فولي بعده ابنه أبو عامر . ثم صارت دانية وسائر ~~بلاده إلى المقتدر بالله أحمد بن سليمان بن هود ، في شهر رمضان سنة ثمان ~~وسبعين وأربعمائة . وأما مرسية فوليها بنو طاهر ، واستقامت رئاستها لأبي ~~عبد الرحمن المدعو بالرئيس إلى أن أخذها منه المعتمد بن عباد على يد وزيره ~~أبي بكر بن عمار الفهري ، فلما ملكها ms5458 عصي على المعتمد فيها ، فوجه إليه ~~عسكرا مقدمهم أبو محمد عبد الرحمن بن رشيق العشيري وملكها فعصى فيها على ~~المعتمد بن عباد إلى أن دخل في طاعة الملثمين ، وبقي بها إلى أن مات في سنة ~~سبع وخمسمائة . وأما إلمرية فملكها خيران العامري إلى أن توفي ، وملكها ~~زهير العامري واتسع ملكه إلى شاطبة إلى ما يجاور عمل طليطلة . ودام إلى أن ~~قتل وصارت مملكته إلى المنصور أبي الحسن بن أبي عامر - صاحب بلنسية ، فولي ~~عليها محمدا ابنه ، فأقام بها مدة في حياة أبيه وبعد وفاته إلى أن أخذها ~~منه صهره ذو الوزارتين أبو الأحوص معن بن محمد بن صمادح التجيبي . ودانت له ~~لورقة وبياسه وجيان وغيرها ، إلى أن توفي في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة ، ~~وولي بعده ابنه أبو يحيى محمد بن معن - وهو ابن أربع عشرة سنة - فكفله عمه ~~أبو عتبة بن محمد إلى أن توفي في سنة ست وأربعين وأربعمائة . فبقي أبو يحيى ~~مستضألا لصغره ، وأخذ ما بعد من بلاده عنه ، ولم يبق له غير إلمرية وما ~~جاورها . فلما كبر أخذ نفسه بالاشتغال بالعلوم ومكارم الأخلاق ، فامتد صيته ~~واشتهر ذكره وعظم سلطانه والتحق بأكابر الملوك . ودام بها إلى أن نازله جيش ~~الملثمين فمرض في أثناء ذلك ، وكان القتال تحت قصره فسمع يوما صياحا وجلبه ~~فقال : يغص علينا كل شيء حتى الموت وتوفي في مرضه ذلك لثمان بقين من شهر ~~ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة ، وملك الملثمون إلمرية . ودخل ~~أولاده وأهله في البحر إلى بجاية ، والتحقوا ببني حماد . وأما مالقة فملكها ~~بنو علي بن حمود ، فلم تزل في مملكة العلويين يخطب لهم فيها بالخلافة إلى ~~أن أخذها منهم باديس بن حبوس صاحب غرناطة . وأما غرناطة فملكها حيوس بن ~~ماكسني الصنهاجي ، ثم مات في سنة تسع وعشرين وأربعمائة وولي بعده ابنه ~~باديس إلى أن توفي وولي بعده ابن أخيه عبد الله بن بلكين . وبقي إلى أن ~~ملكها منه الملثمون في شهر رجب سنة أربع وثمانين وأربعمائة . وانقرضت جميع ~~هذه الدول ، وصارت ms5459 الأندلس جميعها للملثمين على ما نذكره إن شاء الله - عز ~~وجل - في أخبارهم أيام أمير المسلمين . يوسف بن تاشفين . ولما كانت جزيرة ~~الأندلس بيد هؤلاء الملوك الذين ذكرناهم ، كانوا يسمون بملوك الطوائف وبسبب ~~انفراد كل ملك منهم بجهة استولى الفرنج على طليطلة كما ذكرنا . ~~PageV23P0275 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الرابع والعشرون PageV24P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" بسم الله الرحمن الرحيم وبه توفيقي ### | AUT الباب السادس من القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار إفريقية وبلاد المغرب ومن وليها من العمال ، ومن استقل منهم بالملك وسميت أيامهم بالدولة الفلانية # قد ذكرنا فتوح إفريقية في خلافة عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - ~~في ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، في سنة ست وعشرين من الهجرة النبوية ~~. وأوردنا ذلك هناك على سبيل الاختصار والإجمال . ونحن الآن نذكره في هذا ~~الباب مبينا . ولم نقدم ذكر أخبار المغرب وملوكه على أخبار ملوك المشرق ، ~~إلا أنا لما ذكرنا أخبار الدولة الأموية بالأندلس ومن ملك الأندلس بعد بني ~~أمية ، احتجنا إلى ذكر إفريقية وبلاد المغرب ، لتكون الأخبار يتلو بعضها ~~بعضا . ولم نقدم أيضا ذكر الأندلس على إفريقية ، مع كون إفريقية فتحت قبل ~~الأندلس إلا للضرورة التي دعت إلى ذكر أخبار الدولة الأموية بالأندلس تلو ~~الدولة العباسية . ولا ضرر في التقديم والتأخير ، لأنا لم نجعل التاريخ على ~~حكم مساق السنين بل على الدول . وأول دولة قامت على الدولة العباسية الدولة ~~الأموية بالأندلس . ولنذكر الآن فتوح إفريقية ، ومن وليها . ذكر فتوح ~~إفريقية كان فتوحها في سنة سبع وعشرين ، وذلك أن عثمان ابن عفان - رضي الله ~~عنه - لما ولي الخلافة عزل عمرو بن العاص عن مصر ، واستعمل عليها عبد الله ~~بن سعد بن PageV24P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" أبي سرح ، وهو أخو عثمان لأمه . فكان عبد الله ~~يبعث المسلمين في جرائد الخيل فيصيبون من إفريقية . ويكتب بذلك إلى عثمان . ~~فلما أراد عثمان أن يغزي إفريقية استشار الصحابة ، فكلهم أشار عليه بإنفاذ ~~الجيش إليها إلا أبا الأعور سعيد بن أبي يزيد فإنه كره ms5460 ذلك . فقال له عثمان ~~: ما كرهت يا أبا الأعور من بعثة الجيش ؟ قال : سمعت عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - يقول : لا أغزيها أحدا من المسلمين ما حملت عيني الماء ولا أرى ~~لك خلاف عمر وقام . ثم دعا عثمان زيد بن ثابت ومحمد ابن مسلمة واستشارهما . ~~فأشارا بإنفاذ الجيش . فندب الناس إلى الغزو . فكان هذا الجيش يسمى جيش ~~العبادلة . خرج فيه من بني هاشم : عبد الله بن عباس وكان واليا على ~~المسلمين وعبيد الله بن عباس ؛ ومن بني تيم : عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ~~، رضي الله عنهما ، وعبد الرحمن بن صبيحة في عدة من قومه ، ومن بني عدي : ~~عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وعبيد الله بن ~~عمر ، وعاصم بن عمر في عدة منهم ؛ ومن بني أسد ابن عبد العزى : عبد الله بن ~~الزبير في عدة من قومه ؛ ومن بني سهم : عبد الله بن عمرو بن العاص والمطلب ~~بن السائب بن أبي وداعة ، في عدة منهم . وخرج في الجيش مروان بن الحكم ، ~~وأخوه الحارث ، وجماعة من بني أمية ، والمسور بن مخرمة ابن نوفل ، وعبد ~~الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ، وعدة من بني زهرة ؛ ومن بني عامر بن لؤي بن ~~غالب : السائب بن عامر ابن هشام ، وبسر بن أرطاة ؛ وعدة من بني هذيل ، منهم ~~أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي - وتوفي بإفريقية وواراه في قبره عبد الله ~~بن الزبير - وعبد الله بن أنيس وأبو ذر الغفاري ، والمقداد بن عمرو ~~البهراني ، وبلال بن الحارث المزني ، وعاصم ، ومعاوية بن حديج ، وفضالة بن ~~عبيد ، ورويفع بن ثابت ، وجرهد بن خويلد وأبو زمعة البلوى ، والمسيب بن حزن ~~، وجبلة بن عمرو الساعدي ، زياد بن الحارث الصدائي ، وسفيان بن وهب ، وقيس ~~بن يسار بن مسلمة وزهير بن قيس ، وعبد الرحمن بن صخر ، وعمرو بن عوف وعقبة ~~بن نافع الفهري . وخرج من جهينة ستمائة رجل ، ومن أسلم حمزة بن عمرو ~~الأسلمي ، وسلمة بن الأكوع في ثلاثمائة رجل ، ومن مزينة PageV24P0004 # """""" صفحة ms5461 رقم 5 """""" ثمانمائة رجل ، ومن بني سليم أربعمائة رجل ، ~~ومن بني الديل وضمرة وغفار خمسمائة رجل ، ومن غطفان وأشجع وفزارة سبعمائة ~~رجل ، ومن كعب ابن عمرو أربعمائة رجل ، وكانوا آخر من قدم على عثمان ، ~~والناس معرسون بالجرف ، والجرف على ثلاثة أميال من المدينة . وأعان عثمان ~~الجيش بألف بعير من ماله ، فحمل عليها ضعفاء الناس ، وحمل على خيل ، وفرق ~~السلاح ، وأمر للناس بأعطياتهم . وذلك في المحرم سنة سبع وعشرين . وخطب ~~عثمان الناس ورغبهم في الجهاد . وقال لهم : قد استعملت عليكم الحارث بن ~~الحكم إلى أن تقدموا على عبد الله بن سعد ، فيكون الأمر إليه . واستودعتكم ~~الله . وساروا حتى أتوا مصر . فجمع عبد الله بن سعد جيشا عرمرما ، وضمه ~~إليه . فبلغ عسكر المسلمين عشرين ألفا . واستخلف على مصر عقبة بن نافع ، ~~وتوجه . وحكى الزهري عن ربيعة بن عباد الديلي قال : لما وصلنا قدم عبد الله ~~الطلائع والمقدمات أمامه . وكنت أنا أكثر ما أكون في الطلائع فو الله إنا ~~لبطرابلس قد أصبنا من بها من الروم قد تحصنوا منا فحاصرناهم ، ثم كره عبد ~~الله أن يشتغل بذلك عما قصد إليه ، فأمر الناس بالرحيل . فنحن على ذلك إذا ~~مراكب قد أرست إلى الساحل فشددنا عليها ، فترامى من بها إلى الماء . ~~فأقاموا ساعة ثم أستأسروا فكتفناهم ، وكانوا مائة . حتى لحق بنا عبد الله ~~فضرب أعناقهم ، وأخذنا ما في السفن . فكانت هذه أول غنيمة أصبناها . ومضى ~~حتى نزل بمدينة قابس فحاصرناها . فأشار عليه ، الصحابة أن لا يشتغل ~~PageV24P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" بها عن إفريقية ، فسار وبث السرايا في كل وجه . ~~وكان يؤتى بالبقر والشاء والعلف . قال : وكان ملكهم يدعى جرجير ، وسلطانه ~~من طرابلس إلى طنجة وولايته من قبل هرقل . فلما بلغه الخبر بورود الجيوش ~~الإسلامية ، جمع وتأهب للقاء ، فبلغ عسكره عشرين ومائة ألف قال : ثم ذهبنا ~~قاصدين عسكره على تعبئة ، فأقمنا أياما تجري بيننا وبينهم الرسل : ندعوه ~~إلى الإسلام ، وهو يستطيل ويتجبر وقال : لا أقبل هذا أبدا . فقلنا له فخراج ~~تخرجه كل عام . فقال : لو سألتموني درهما ms5462 واحدا لم أفعل . فتأهبنا للقتال ~~بعد الإعذار منا . فعبأ عبد الله بن سعد ميمنته وميسرته والقلب ، وفعل ~~الروم مثل ذلك . وتلاقى الجمعان في فحص متسع يسمى بعقوبة ، بينه وبين دار ~~ملك الروم مسيرة يوم وليلة ، وهي المدينة المسماة سبيطلة ، وكذلك مدينة ~~قرطاجنة ، وهي مدينة عظيمة ، شامخة البناء ، أسوارها من الرخام الأبيض ، ~~وفيها العمد والرخام الملون ما لا يحصى . قال : ودامت الحرب بين الفريقين ~~وطالت ، وانقطع خبر المسلمين عن عثمان . فأنفذ عبد الله بن الزبير وصحبته ~~اثنا عشر فارسا من قومه . فسار يجد السير حتى قدم على المسلمين فوصل ليلا . ~~فسروا به ووقع في العسكر ضجة ، خافت الروم منها ، وظنوا أنهم يحملون عليهم ~~، فباتوا بشر ليلة . وأرسل ملكهم جاسوسا يستعلم الخبر . فأعلمه أن نجدة ~~وصلت إلى المسلمين . وكان المسلمون يقاتلون الروم في كل يوم إلى الظهر ، ثم ~~ترجع كل طائفة إلى معسكرها وتضع الحرب أوزارها . فلما أصبح عبد الله بن ~~الزبير ، صلى الصبح وزحف مع المسلمين وقاتل . فلقي الروم في يومهم أشد نكال ~~. ولم ير ابن الزبير عبد الله بن سعد في الحرب فسأل عنه . فقالوا : هو في ~~خبائه وله أيام ما خرج منه . ولم يكن ابن الزبير اجتمع به ، فمضى إليه ، ~~وسلم عليه ، وبلغه وصية عثمان وسأله عن سبب تأخره . فقال : إن ملك الروم ~~أمر مناديا فنادى باللغة الرومية والعربية : معاشر الروم والمسلمين : من ~~قتل عبد الله بن سعد زوجته ابنتي ، ووهبت له مائة ألف دينار وكانت ابنته ~~بارعة الجمال ، تركب معه في الحرب ، وعليها أفخر ثياب ، وتحمل على رأسها ~~مظلة من ريش الطاووس وغير خاف عنك PageV24P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" من معي ، وأكثرهم حديثوا عهد بالإسلام ، ولا ~~آمن أن يرغبهم ما بذل لهم جرجير فيقتلوني ، فهذا سبب تأخري . فقال له ابن ~~الزبير : أزل هذا من نفسك ، وأمر من ينادي في عسكرك ويسمع الروم : معاشر ~~المسلمين والروم : من قتل الملك فله ابنته ومائة ألف دينار ، وواحدة بواحدة ~~. ففعل ذلك . فلما سمع ملك الروم النداء ، انتقل ما كان عبد الله يجده من ms5463 ~~الخوف إليه . وبقي القتال على ما كان عليه . فعن لعبد الله بن الزبير رأي . ~~فأتى بعد الله بن سعد ليلا وقال له : إني فكرت فيما نحن فيه فرأيت أمرا ~~يطول والقوم في بلادهم والزيادة فيهم والنقصان فينا . وقد اتصل بي نفذ إلى ~~جميع نواحيه بالحشد والجمع . وقد رأيت أصحابه إذا سمعوا الأذان أغمدوا ~~سيوفهم ورجعوا إلى مضاربهم ، وكذلك المسلمون ، جريا على العادة . والرأي ~~عندي أن تترك غدا إن شاء الله أبطال المسلمين في خيامهم بخيلهم وعددهم ، ~~وتقاتل ببقايا الناس على العادة ، وتطول في القتال حتى تتعب القوم . فإذا ~~انصرفوا ورجع كل إلى مضربه وأزال لأمه حربه ، يركب المسلمون ويحملون عليهم ~~والقوم على غرة . فعسى الله سبحانه أن يظفرنا بهم وينصرنا عليهم ، وما ~~النصر إلا من عند الله . فلما سمع عبد الله بن سعد ذلك ، أحضر عبد الله بن ~~عباس وإخوته والصحابة ورؤوس القبائل ، وعرض عليهم ما أشار به ابن الزبير ~~فاستصوبوا رأيه واستخاروا الله . وكتموا أمرهم وباتوا على تعبئة . ولجئوا ~~إلى الله تعالى وسمحوا بنفوسهم في إعزاز دين الله وإظهار كلمته . وأصبح ~~أبطال الإسلام في خيامهم ، وخيولهم قائمة معهم في الخيام . وخرج لفيف الناس ~~إلى القتال ، ومعهم عبد الله بن سعد وابن الزبير ، فقاتلوا أشد قتال وكان ~~يوما حارا فلقي الفريقان فيه التعب العظيم . وركب ملك الروم ومعه الصليب ، ~~وكان متوجا عندهم ، عظيم القدر فيهم . وحرض أصحابه على القتال . فاشتد ~~الأمر في القتال حتى أذن الظهر فهم الروم بالانصراف جريا على العادة . ~~فداوم ابن الزبير القتال ساعة أخرى . فاشتد الحر وعظم الخطب حتى لم يبق ~~لأحد من الفريقين طاقة بحمل السلاح فضلا عن القتال به . فعند ذلك رجعوا إلى ~~خيامهم ، ووضعوا أسلحتهم ، وسيبوا خيولهم وألقوا أنفسهم على فرشهم . ~~فاستنهض عبد الله أبطال المسلمين . فلبسوا دروعهم وركبوا خيولهم في خيامهم ~~. وتقدم عبد الله بن الزبير في زي رسول ، وقد لبس ثوبا فوق درعه . وقال : ~~PageV24P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" إذا رأيتموني قد قربت من خيام الروم فاحملوا ~~حملة رجل واحد . فلما قرب من ms5464 الخيام كبر المسلمون وهللوا ، وحملوا فأعجلوا ~~الروم عن لبس دروعهم أو ركوب خيولهم . فانهزمت الروم ، وقتل ملكهم ، وقتل ~~منهم ما الإسلام يحصى كثرة وهرب من سلم منهم إلى المدينة ، وغنم المسلمون ~~ما في معسكرهم . وأسرت ابنة الملك وأتي بها إلى عبد الله بن سعد . فسألها ~~عن أبيها . قالت : قتل . قال : أتعرفين قاتله ؟ قالت : نعم ، إذا رأتيه ~~عرفته . وكان كثير من المسلمين ادعوا قتله . فعرض عليها من ادعى قتله . ~~فقالت : ما من هؤلاء من قتله . فأحضر ابن الزبير . فلما أقبل ، قالت : هذا ~~قاتل أبي . فقال له ابن سعد : ما منعك أن تعلمنا بذلك لنفي لك بما شرطناه ؟ ~~فقال أصلحك الله ما قتلته لما شرطت ، والذي قتلته له يعلم ويجازى عليه أفضل ~~من جزائك ، ولا حاجة لي في غير ذلك . فنفله ابن سعد ابنة الملك ، فيقال إن ~~ابن الزبير اتخذها أم ولد . ثم نزل المسلمون على المدينة ، وحاصروها حصارا ~~شديدا حتى فتحها الله عليهم . فأصابوا فيها خلقا كثيرا ، وأكثر أموالهم ~~الذهب والفضة . فجمع عبد الله بن سعد الغنائم وقسمها بعد أن خمسها . فكان ~~سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار وسهم الراجل ألف دينار . وبث السرايا والغارات ~~من مدينة سبيلطة فبلغت خيوله إلى قصور قفصة . فسبوا وغنموا . وجازوا إلى ~~مرمجنة . فأذلت تلك الوقعة من بقي من الروم . وأصابهم رعب شديد فلجئوا إلى ~~الحصون والقلاع . واجتمع أكثرهم بفحص الأجم حول الحصن ، وهو من أعظم حصون ~~إفريقية . وراسلوا عبد الله بن سعد أن يأخذ منهم ثلاثمائة قنطار ذهبا على ~~أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم . فقبل ذلك منهم بعد امتناع . وقيل : إنه ~~صالحهم على ألفي ألف وخمسمائة ألف . وقبض المال . وكان في شرط صلحهم أن ما ~~أصاب المسلمون قبل الصلح فهو لهم ، وما أصابوه بعد الترداد ردوه عليهم . ~~ودعا عبد الله بن سعد عبد الله بن الزبير وقال : ما أحد أحق بالبشارة منك ، ~~فامض وبشر عثمان والمسلمين بما أفاء الله تعالى عليهم . فتوجه عبد الله يجد ~~PageV24P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" المسير . فبعض الناس يقول : دخل المدينة من ms5465 ~~سبيطلة في عشرين ليلة ، وبعضهم يقول : وافى المدينة يوم أربعة وعشرين ، ولا ~~يستغرب ذلك من مثله . فلما وصل المدينة أمره عثمان أن يصعد المنبر فيعلم ~~الناس بما فتح الله عليهم . فبلغ الزبير . فجاء إلى المسجد ونال من عثمان ~~بكلمات ، وقال : بلغ من عبد الله بن الزبير أن يرقى موضعا كان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) يطأه بقدمه وددت والله أني مت قبل هذا وقيل : إن عبد ~~الله لم يرق المنبر ، وإنما وقف بإزائه وخطب ، وعثمان على المنبر جالسا . ~~قال : وكان فعل عبد الله بن الزبير في القتال بإفريقية كفعل خالد ابن ~~الوليد بالشام ، وعمرو بن العاص بمصر ، رضي الله عنهم أجمعين . قال : ثم ~~انصرف عبد الله بن سعد إلى مصر إثر سفر ابن الزبير . قال : وكان مقام الجيش ~~بإفريقية خمسة عشر شهرا ، ولم يفقد من المسلمين إلا ناس قلائل . ثم كان بعد ~~ذلك من مقتل عثمان وخلاف علي ومعاوية ما قدمنا ذكره ، إلى أن استقر أمر ~~معاوية فاستعمل معاوية بن حديج . ذكر ولاية معاوية بن حديج الكندي وفتح ~~إفريقية ثانيا كانت ولايته في سنة خمس وأربعين من الهجرة . وسبب ذلك أن ~~هرقل صاحب القسطنطينية كان يؤدي إليه من كل ملك من ملوك البر والبحر إتاوة ~~معلومة في كل سنة . فلما بلغه ما صالح عليه أهل إفريقية عبد الله بن سعد بن ~~أبي سرح ، بعث بطريقا إلى إفريقية يقال له أوليمة وأمره أن يأخذ من أهلها ~~ثلاثمائة قنطار ذهبا كما أخذ منهم ابن أبي سرح . فنزل البطريق قرطاجنة ~~وأخبرهم بأمر الملك . فأبوا عليه ونابذوه وقالوا : الذي كان بأيدينا من ~~الأموال فدينا به أنفسنا ، والملك فهو سيدنا يأخذ منا كما كنا نعطيه في كل ~~سنة . وكان القائم بأمر إفريقية بعد جرجير رجل يقال له جناحة ، فطرد أوليمة ~~البطريق . ثم اجتمع أهل إفريقية وولوا على أنفسهم رجلا يقال له الأطريون ~~وقيل فيه : الأطيلون . فسار جناحة إلى الشام إلى معاوية بن أبي سفيان . ~~فذكر له حال إفريقية PageV24P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" وسأله أن يبعث ms5466 معه جيشا من العرب . فوجه معه ~~معاوية بن حديج في جيش كثيف . فلما انتهى إلى الإسكندرية هلك جناحة . ومضى ~~ابن حديج حتى انتهى إلى إفريقية ، وهي حرب ، وقد صارت نارا . وكان في عسكره ~~عبد الملك بن مروان ، ويحيى بن الحكم ، وكريب بن إبراهيم بن الصباح ، وخالد ~~بن ثابت الفهمي . وقيل : كان معه عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الله ~~ابن الزبير ، وأشراف من جند الشام ومصر . فقدم ولا يشك أهل إفريقية أن ~~جناحة معه . فنزل معاوية غربي قمونية في سفح جبل على عدة فراسخ منها . ~~فأصابه فيه نوء شديد فقال : إن جبلنا هذا للممطور فسمى الجبل ممطورا إلى ~~اليوم . ثم قال : اذهبوا بنا إلى ذلك القرن فسمي أيضا القرن . وبعث ملك ~~الروم بطريقا يقال له نجفور في ثلاثين ألف مقاتل . فنزل على ساحل البحر ~~بسنطبرية . فبعث ابن حديج إليه خيلا . فقاتلوه فانهزم وأقلع في البحر . ~~وقاتل معاوية أهل جلولاء على باب المدينة . فكان يقاتلهم صدر النهار ، فإذا ~~مال الفيء انصرف إلى معسكره بالقرن . فقاتلهم ذات يوم . فلما انصرف نسي عبد ~~الملك بن مروان قوسا له معلقة بشجرة . فانصرف ليأخذها ، وإذا جانب المدينة ~~قد انهدم . فصاح في أثر الناس فرجعوا . وكانت بينهم حرب شديدة وقتال عظيم ~~حتى دخلوا المدينة عنوة ، واحتووا على جميع ما فيها ، وقتلوا المقاتلة ، ~~وسبوا الذرية . وقيل : بل كان معاوية بن حديج مقيما بالقرن وبعث عبد الملك ~~بن مروان إلى جلولاء ، في ألف فارس . فحاصرها أياما فلم يظفر بها . وانصرف ~~الناس منكسرين فلم يسر إلا يسيرا حتى رأى في ساقه الناس غبارا كثيرا ، ~~فظنوا أن العدو قد اتبعهم . فرجعوا فإذا مدينة جلولاء قد وقع حائطها من جهة ~~واحدة . فانصرف المسلمون إليها فقتلوا من فيها وغنموا وسبوا . وانصرف عبد ~~الملك إلى معاوية وهو معسكر بالقرن PageV24P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" ينتظره . فلما أتاه بالغنائم اختلفوا فيها . ~~فقال عبد الملك : هي لأصحابي خاصة . وقال ابن حديج : بل لجماعة المسلمين . ~~وكتب إلى معاوية بن أبي سفيان . فعاد جوابه : العسكر ردء السرية ، فأقسم ms5467 ~~بين الناس جميعهم فوقع سهم الفارس ثلاثمائة دينار . قال البلاذري . أول من ~~غزا صقلية معاوية بن حديج ، بعث إليها عبد الله بن قيس ، وسنذكر ذلك في ~~أخبارها إن شاء الله تعالى . قال : ثم انصرف معاوية بن حديج إلى مصر . ~~فأقره معاوية بن أبي سفيان عليها ، وعزله عن إفريقية ، وأفردها عن مصر ، ~~واستعمل عليها من قبله . ذكر ولاية عقبة بن نافع الفهري وفتح إفريقية الفتح ~~الثالث وبناء القيروان قال : ثم أرسل معاوية بن أبي سفيان عقبة بن نافع إلى ~~إفريقية في سنة خمسين ، وكان مقيما ببرقة وزويلة من أيام عمرو بن العاص ~~فجمع من أسلم من البربر وضمه إلى الجيش الوارد عليه . وكان جملة الجيش ~~الوارد من معاوية عشرة آلاف فارس من المسلمين . فسار عقبة إلى إفريقية ~~فاتتحها ، ووضع السيف حتى أفنى من بها من النصارى . ثم قال : إن إفريقية ~~إذا دخلها إمام تحرموا بالإسلام ، فإذا خرج منها رجع من كان أسلم منهم ~~وارتد إلى الكفر . وأرى لكم - يا معشر المسلمين - أن تتخذوا بها مدينة نجعل ~~بها عسكرا وتكون عز الإسلام إلى آخر الدهر . فأجابه الناس إلى ذلك . ~~PageV24P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" ذكر بناء مدينة القيروان قال المؤرخون : لما ~~أرد عقبة بن نافع بناء مدينة القيروان وأجابه المسلمون إلى ذلك ، أتى بهم ~~إلى موضعها ، وهو إذ ذاك شعارى لا تسلك وقال : شأنكم . فقالوا له : إنك ~~أمرتنا بالبناء في شعارى وغياض لا تسلك ولا ترام ، ونحن نخاف من السباع ~~والحيات وغير ذلك من خشاش الأرض . وكان عقبة مستجاب الدعوة ، فدعا الله عز ~~وجل . وجعل أصحابه يؤمنون على دعائه . وكان في عسكره ثمانية عشر رجلا من ~~أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فجمعهم ونادى : أيتها الحيات ~~والسباع ، نحن أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ارحلوا عنا إنا ~~نازلون . ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه . فنظر الناس في ذلك اليوم إلى السباع ~~تحمل أشبالها ، والذئاب تحمل أجراءها ، والحيات تحمل أولادها . فأسلم كثير ~~من البربر . ونادى عقبة في الناس كفوا عنهم حتى يرتحلوا عنا . فلما ms5468 خرج ما ~~فيها من ذلك ، جمع عقبة وجوه أصحابه ودار بهم حول المكان وأقبل يدعو الله ~~ويقول : اللهم املأها علما وفقها ، واعمرها بالمطيعين والعابدين ، وامنعها ~~من جبابرة الأرض . ثم نزل عقبة الوادي . وأمر الناس أن يختطوا ويقلعوا ~~الشجر . قال : فأقام أهل إفريقية بعد ذلك أربعين سنة لا يرون بها حية ولا ~~عقربا . قال : واختط دار الإمار والمسجد الأعظم ، ولم يحدث فيه بناء ، وكان ~~يصلي فيه وهو كذلك . فاختلف الناس في القبلة وقالوا : إن أهل الغرب يضعون ~~قبلتهم على قبلة هذا المسجد ، فاجهد نفسك في أمرها . فأقاموا مدة ينظرون ~~إلى مطالع الشتاء والصيف من النجوم ومشارق الشمس . فلما رأى عقبة الاختلاف ~~اهتم لذلك وسأل الله تعالى ، فأتاه آت في منامه فقال له : يا ولي رب ~~العالمين ، إذا أصبحت فخذ اللواء واجعله على عنقك ، فإنك تسمع بين يديك ~~تكبيرا لا يسمعه غيرك . الموضع الذي ينقطع عنك التكبير فهو قبلتك ومحرابه ~~مسجدك . وقد رضي الله عز وجل أمر هذه المدينة وهذا المسجد . وسوف يعز بها ~~دينه ويذل بها من كفره إلى آخر الدهر . فاستيقظ من منامه وقد جزع جزعا ~~شديدا . فتوضأ وأخذ في الصلاة في المسجد وهو لم يبن بعد ، ومعه أشراف الناس ~~. فلما طلع الفجر وركع عقبة سمع التكبير بين يديه . فقال لمن حوله : ألا ~~تسمعون ؟ قالوا : لا نسمع شيئا . فقال : إن الأمر من عند الله عز وجل . ~~وأخذ اللواء ووضعه على عاتقه . وأقبل يتتبع التكبير بين يديه حتى انتهى إلى ~~PageV24P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" محراب المسجد . فانقطع التكبير فركز لواءه ~~وقال : هذا محرابكم . ثم أخذ الناس في بنيان الدور والمساكن والمساجد فعمرت ~~. وكان دورها ثلاثة آلاف باع وستمائة باع . فكملت في سنة خمس وخمسين . ~~وسكنها الناس وعظم قدرها . وكان في موضع القيروان حصن لطيف للروم يسمى ~~قمونية . قال : ودبر عقبة أمر إفريقية أحسن تدبير إلى أن عزل معاوية ابن ~~أبي سفيان معاوية بن حديج عن مصر وولي مسلمة بن مخلد الأنصاري مصر وإفريقية ~~. ذكر ولاية مسلمة بن مخلد قال : ولما وصل مسلمة ms5469 إلى مصر ، استعمل إلى ~~إفريقية مولى له يقال له دينارا ويكنى أبا المهاجر ، وذلك في سنة خمس ~~وخمسين وعزل عقبة . فلما وصل كره أن ينزل بالموضع الذي اختطه عقبة ، فنزل ~~عنه بمسافة ميلين . واختط مدينة وأراد أن يكون له ذكرها ويفسد ما عمله عقبة ~~. فسماها البربر تيكيروان . فأخذ في عمارتها . وأمر الناس أن يخربوا ~~القيروان ويعمروا مدينته . وتوجه عقبة مغضبا إلى معاوية بن أبي سفيان . ~~فقال له : إني فتحت البلاد ، ودانت لي ، وبنيت المساجد ، واتخذت المنازل ، ~~وأسكنت الناس . ثم أرسلت عبد الأنصار فأساء عزلي فاعتذر إليه معاوية وقال : ~~قد رددتك إلى عملك واليا . وتراخى الأمر حتى توفي معاوية وولي يزيد ابنه . ~~فلما علم حال عقبة غضب وقال : أدركها قبل أن تهلك وتفسد . ورده واليا على ~~إفريقية . ذكر ولاية عقبة بن نافع ثانية قال : وكانت ولايته في سنة اثنتين ~~وستين ، فسار من الشام . فلما مر على مصر ، ركب إليه مسلمة بن مخلد وسلم ~~عليه ، واعتذر من فعل أبي المهاجر ، وأقسم بالله لقد خالفه فيما صنع . فقبل ~~عقبة عذره . ومضى مسرعا حتى قدم إفريقية . فأوثق أبا المهاجر في الحديد ، ~~وأمر بخراب مدينته ، ورد الناس إلى القيروان . ثم عزم على الغزو وترك ~~بالقيروان جندا وعليهم زهير بن قيس ودعا أولاده فقال لهم : إني بعت نفسي من ~~الله تعالى بيعا مربحا أن أجاهد من كفر حتى ألحق بالله . ولست أدري أتروني ~~بعدها أو أراكم ، لأن أملي الموت في سبيل الله . ثم قال : عليكم سلام الله ~~، اللهم تقبل مني نفسي في رضاك . PageV24P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" ومضى في عسكر عظيم حتى أشرف على مدينة باغاية ~~، وقاتل أهلها قتالا شديدا ، وأخذ لهم خيلا لم ير المسلمون في مغازيهم أصلب ~~منها . ودخل الروم حصنهم . فكره عقبة أن يقيم عليه . فمضى إلى لميش ، وهي ~~من أعظم مدن الروم . فلجأ إليها من كان حولها منهم . وخرجوا إليه وقاتلوه ~~قتالا شديدا حتى ظن الناس أنه الفناء . فهزمهم وتبعهم إلى باب حصنهم وأصاب ~~غنائم كثيرة . وكره المقام عليها فرحل إلى بلاد الزاب ms5470 . فسأل عن أعظم ~~مدائنهم قدرا فقالوا : مدينة يقال لها أربة فيها الملك ، وهي مجمع ملوك ~~الزاب ، وحولها ثلاثمائة قرية وستون قرية كلها عامرة . فلما بلغهم أمره ~~لجئوا إلى حصنهم ، وهرب بعضهم إلى الجبال والوعر . فنزل عليها وقت المساء . ~~فلما أصبح أمر بالقتال فكانت بينهم حروب حتى يئس المسلمون من الحياة . ~~فأعطاه الله الظفر . فانهزم القوم وقتل أكثر فرسان الروم . وذهب عزهم من ~~الزاب وذلوا آخر الدهر . ورحل حتى نزل تاهرت . فلما بلغ الروم خبره ، ~~استعانوا بالبربر فأجابوهم ونصروهم . فقام عقبة وخطب الناس وحرضهم على ~~القتال والتقوا واقتتلوا فلم يكن للروم والبربر طاقة بقتالهم . فقتلهم قتلا ~~ذريعا وفرق جموع الروم عن المدينة . ثم رحل حتى نزل طنجة . فلقيه رجل من ~~الروم يقال له إيليان وكان شريفا في قومه . فأهدى إليه هدية حسنة ولاطفه ~~ونزل على حكمه . فسأله عن بحر الأندلس . فقال : إنه محفوظ لا يرام . فقال : ~~دلني على رجال البربر والروم . فقال : قد تركت الروم خلفك وليس أمامك إلا ~~البربر . وفرسانهم في عدد لا يعلمه إلا الله تعالى وهم أنجاد البربر ~~وفرسانهم . فقال عقبة : فأين موضعهم ؟ قال : في السوس الأدنى ، وهم قوم ليس ~~لهم دين ، يأكلون الميتة ، ويشربون الدم من أنعامهم . وهم أمثال ~~PageV24P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" البهائم ، يكفرون بالله ولا يعرفونه . فقال ~~عقبة لأصحابه : ارحلوا على بركة الله . فرحل من طنجة إلى السوس الأدنى . ~~وهو في جنوب مدينة طنجة التي تسمى تارودانت . فانتهى إلى أوائلهم فقتلهم ~~قتلا ذريعا . وهرب من بقي منهم ، وتفرقت خيله في طلبهم . ومضى حتى دخل ~~السوس الأقصى فاجتمع البربر في عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى . ~~فقاتلهم قتالا لم يسمع بمثله . فقتل خلقا كثيرا منهم . وأصاب نساء لم ير ~~الناس مثلهن . فقيل : إن الجارية كانت تساوي بالمشرق ألف مثقال وأكثر وأقل ~~. وسار حتى بلغ البحر المحيط لا يدافعه أحد ولا يقوم له . فدخل فيه حتى بلغ ~~الماء لبان فرسه . ورفع يده إلى السماء وقال : يا رب ، لولا هذا البحر ~~لمضيت في البلاد إلى ملك ذي القرنين ms5471 مدافعا عن دينك ، ومقاتلا من كفر بك ~~وعبد غيرك . ثم قال لأصحابه : انصرفوا على بركة الله وعونه . فخلا الناس عن ~~طريق عساكره هاربين . وخاف المشركون منه أشد مخافة . وانصرف إلى إفريقية . ~~فلما انتهى إلى ماء اسمه اليوم ماء فرس ولم يكن به ماء ، فأصابهم عطش أشفى ~~منه عقبة ومن معه على الموت . فصلى ركعتين ودعا الله عز وجل . فجعل فرسه ~~يبحث الأرض بيديه حتى كشف عن صفاة . فانفرج منها الماء . وجعل الفرس يمص ~~ذلك الماء فنادى عقبة في الناس أن احتفروا فحفروا سبعين حسا فشربوا وأسقوا ~~. فسمى ماء فرس . وسار حتى انتهى إلى مدينة طبنة ، وبينها وبين القيروان ~~ثمانية أيام . فأمر أصحابه أن يتقدموا فوجا بعد فوج إلى إفريقية ثقة منه ~~بما دوخ من البلاد ، وأنه لم يبق أحد يخشاه . وسار يريد تهوذة لينظر إليها ~~وإلى بادس ، ويعرف ما يسدهما من الفرسان ، فيترك فيهما بقدر الحاجة . فلما ~~نظر الروم إلى قلة ما معه ، طمعوا فيه وأغلقوا أبواب حصونهم دونه ، وشتموه ~~، ورموه بالنبل والحجارة ، وهو يدعوهم إلى الله عز وجل . فلما توسط البلاد ~~بعث الروم إلى كسيلة ابن بهرم الأوربي وكان في عسكر عقبة . PageV24P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" ذكر خروج كسيلة وقتل عقبة بن نافع واستيلائه ~~على القيروان كان كسيلة هذا من أكابر البربر . وكان قد أسلم في ولاية أبي ~~المهاجر وحسن إسلامه . وقدم عقبة فعرفه أبو المهاجر بحال كسيلة وعظمه في ~~البربر وانقيادهم إليه . فلم يعبأ به عقبة واستخف به وأهانه . فكان من ~~إهانته له أنه أتي بغنم فأمر بذبحها ، وأمر كسيلة أن يسلخ منها شاة . فقال ~~: أصلح الله الأمير هؤلاء فتياني وغلماني يكفونني المؤونة . فسبه عقبة ~~وأمره بالقيام . فقام مغضبا وذبح الشاة . وجعل يمسح لحيته بما على يديه من ~~دمها . فجعلت العرب يمرون به ويقولون له : يا بربري ، ما هذا الذي تصنع ؟ . ~~فيقول : هذا جيد للشعر . حتى مر به شيخ من العرب فقال : كلا ، إن البربري ~~يتواعدكم . فقال أبو المهاجر لعقبة : ما صنعت ؟ أتيت إلى رجل جبار في قومه ~~وبدار ms5472 عزه ، وهو قريب عهد بالشرك ، فأفسدت قلبه . أرى أن توثقه كتافا ، ~~فإني أخاف عليك من فتكه . فتهاون به عقبة . فلما رأى كسيلة الروم قد راسلوه ~~ورأى فرصة ، وثب وقام في بني عمه وأهله ومن اجتمع إليه من الروم . فقال أبو ~~المهاجر لعقبة : عاجله قبل أن يجتمع أمره . وأبو المهاجر مع ذلك كله صحبة ~~عقبة وهو في الحديد . فزحف عقبة إلى كسيلة فتنحى عنه . فقال البربر له : لم ~~تنحيت من بين يديه ونحن في خمسة آلاف ؟ فقال : إنكم كل يوم في زيادة وهو في ~~نقصان ، ومدد الرجل قد افترق عنه . فإذا طلب إفريقية زحفت إليه . وأما أبو ~~المهاجر فإنه تمثل بقول أبي محجن الثقفي : كفى حزنا أن تمزع الخيل بالقنا . ~~. . وأترك مشدودا علي وثاقيا إذا قمت غنائي الحديد وأغلقت . . . مصارع من ~~دوني تصم المناديا فبلغ ذلك عقبة بن نافع . فأطلقه وقال له : الحق ~~بالمسلمين فقم بأمرهم وأنا أغتنم الشهادة . فقال أبو المهاجر : وأنا أغتنم ~~ما اغتنمت . فصلى عقبة ركعتين وكسر جفن سيفه . وفعل أبو المهاجر كفعله . ~~وكسر المسلمون أغماد سيوفهم . وأمر عقبة أن ينزلوا عن خيلهم ، ففعلوا ~~وقاتلوا قتالا شديدا . وكثر عليهم العدو فقتلوا عن آخرهم ولم يفلت منهم أحد ~~. PageV24P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" فعزم زهير بن قيس على قتال البربر فخالفه بعض ~~أصحابه ففارق القيروان ، وسار إلى برقة وأقام بها . وتبعه أكثر الناس . ~~وأما كسيلة فاجتمع إليه جمع كبير فقصد القيروان وبها أصحاب الأثقال ~~والذراري من المسلمين . فطلبوا الأمان من كسيلة فأمنهم . ودخل القيروان ~~واستولى على إفريقية . وأقام بها إلى أن قوي أمر عبد الملك بن مروان . فذكر ~~عنده أمر القيروان ومن بها من المسلمين . فأشار عليه أصحابه بإنفاذ الجيوش ~~إليها . ليستنقذها من يد كسيلة . فاستعمل عليها زهير بن قيس . ذكر ولاية ~~زهير بن قيس البلوى وقتل كسيلة البربري قال : ولما أشير على عبد الملك بن ~~مروان بإرسال الجيش إلى إفريقية ، قال : لا يصلح للطلب بثأر عقبة بن نافع ~~من المشركين إلا من هو مثله في دين الله عز وجل . فاتفق ms5473 رأيهم على زهير بن ~~قيس ، وقالوا : هو صاحب عقبة وأعرف الناس بسيرته وأولادهم بطلب ثأره . وكان ~~زهير ببرقة مرابطا منذ قفل من إفريقية . فكتب إليه عبد الملك بالخروج على ~~أعنة الخيل إلى إفريقية . فكتب إليه زهير يستمده بالرجال بالرجال والأموال ~~. فوجه إليه بالأموال ووجوه أهل الشام . فلما وصل ذلك إليه أقبل إلى ~~إفريقية في عسكر عظيم ، وذلك في سنة تسع وستين . فبلغ خبره كسيلة فجمع ~~البربر وتحول عن القيروان إلى ممش . وجاء زهير فأقام بظاهر القيروان ثلاثة ~~أيام حتى استراح وأراح . ثم رحل إلى كسيلة . والتقيا واشتد القتال وكثر ~~القتل في الفريقين . فأجلت الحرب عن قتل كسيلة وجماعة من أصحابه . وانهزم ~~من بقي منهم . فتبعهم الجيش فقتلوا من أدركوه . وعاذ زهير إلى القيروان . ~~فرأى ملك إفريقية ملكا عظيما ، فقال : إنما أحببت الجهاد ، وأخاف أن أميل ~~إلى الدنيا فأهلك . وكان عابدا زاهدا . فترك بالقيروان عسكرا ورحل في جمع ~~كبير يريد المشرق . وكان قد بلغ الروم بالقسطنطينية مسيره من برقة إلى ~~إفريقية وخلوها ، فخرجوا إليها في مراكب كثيرة من جزيرة صقلية . فأغاروا ~~على برقة وقتلوا ونهبوا . ووافق ذلك قدوم زهير من إفريقية فقاتلهم بمن معه ~~أشد قتال . وترجل هو ومن معه وقاتلوا فعظم الخطب . وتكاثر الروم عليهم فقتل ~~زهير وأصحابه ، ولم ينج منهم أحد . وعاد الروم بما غنموه إلى القسطنطينية . ~~PageV24P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" ولما بلغ عبد الملك قتل زهير عظم ذلك عليه ، ~~وكانت المصيبة به كالمصيبة بعقبة . وشغل عبد الملك عن القيروان ما كان بينه ~~وبين عبد الله بن الزبير ، فلما قتل ابن الزبير جهز عبد الملك حسان ابن ~~النعمان إليها . ذكر ولاية حسان بن النعمان الغساني إفريقية قال : كان عبد ~~الملك قد أمر حسان بن النعمان بالمقام بمصر في عسكر عدته أربعون ألفا . ~~وتكره بها عدة لما يحدث . فكتب إليه بالنهوض إلى إفريقية ويقول : إني قد ~~أطلقت يدك في أموال مصر ، فاعط من معك ومن ورد عليك من الناس ، واخرج إلى ~~جهاد إفريقية على بركة الله . قال ابن الأثير في تاريخه ms5474 الكامل : إنه ~~استعمله في سنة أربع وسبعين بعد مقتل عبد الله بن الزبير . وقال ابن الرقيق ~~إنه ندبه إلى إفريقية في سنة تسع وستين . قال : فدخل إفريقية بجيش عظيم ما ~~دخلها مثله قط . فدخل القيروان وتجهز منها إلى قرطاجنة . ذكر فتح قرطاجنة ~~وتخريبها قال : ولما دخل حسان إلى القيروان سأل عن أعظم ملك بقي بإفريقية . ~~فقيل له : صاحب قرطاجنة ، وهي بلدة عظيمة ، ولم تفتح بعد ، ولا قدر عليها ~~عقبة . فسار إليها . وقاتل من بها من الروم والبربر أشد قتال . فانهزموا ~~وركبوا في البحر . وسار بعضهم إلى صقلية وبعضهم إلى الأندلس . ودخل حسان ~~قرطاجنة بالسيف فقتل وسبي ونهب . وأرسل الجيوش إلى ما حولها . ثم أمر ~~بهدمها فهدم المسلمون منها ما أمكنهم . ثم بلغه أن الروم والبربر قد ~~اجتمعوا في صطفورة وبنزرت . فسار إليهم وقاتلهم ، فهزمهم وأكثر القتل فيهم ~~. واستولى المسلمون على بلادهم . ولم يترك موضعا منها حتى وطئه . فخافه أهل ~~إفريقية خوفا شديدا . ولجأ المهزمون من الروم إلى مدينة PageV24P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" باجة فتحصنوا بها . وتحصن البربر بمدينة بونة ~~. وعاد حسان إلى القيروان فأقام بها حتى أراح واستراح . ذكر حروب حسان ~~والكاهنة وتخريب إفريقية وقتل الكاهنة قال : ثم قال حسان للناس : دلوني على ~~أعظم من بقي من ملوك إفريقية . فدلوه على امرأة تملك البربر تعرف بالكاهنة ~~، وقالوا : إنها بجبل أوراس ، وهي بربرية اجتمع البربر عليها بعد قتل كسيلة ~~. وكانت تخبر بأشياء فتقع كما أخبرت عنها . وعظموا محلها عند حسان وقالوا : ~~إن قتلتها لم تختلف البربر بعدها عليك . فسار إليها . فلما قاربها هدمت حصن ~~باغاية ، ظنا منها أنه يريد الحصون . فلم يعرج حسان على ذلك وسار إليها . ~~فالتقوا على نهر نيني واقتتلوا أشد قتال . فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق ~~كثير وأسرت جماعة من أصحابه . فأكرمتهم الكاهنة وأطلقتهم إلا خالد بن يزيد ~~القيسي ، وكان شريفا شجاعا فاتخذته ولدا . وسار حسان منهزما وفارق إفريقية ~~. وكتب إلى عبد الملك بما كان من أمره . فأمره بالمقام إلى أن يأتيه أمره . ~~فأقام بعمل برقة خمس سنين فسمي ms5475 ذلك المكان قصور حسان . وملكت الكاهنة ~~إفريقية كلها وأساءت السيرة في أهلها . ثم بعث عبد الملك إلى حسان بالأموال ~~والجيوش . وأمره بالمسير إلى إفريقية وقتال الكاهنة . فسار إليها . فقالت ~~الكاهنة لقومها : إن العرب يريدون البلاد والذهب والفضة ، ونحن إنما نريد ~~المزارع والمراعي ، ولا أرى إلا خراب إفريقية حتى ييأسوا منها . وفرقت ~~أصحابها ليخربوا البلاد فخربوها ، وهدموا الحصون ، وقطعوا الأشجار ونهبوا ~~الأموال . قال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم : وكانت إفريقية من طرابلس إلى ~~طنجة ظلا واحدا وقرى متصلة ، فأخربت ذلك . فلما قرب حسان من البلاد ، لقيه ~~جمع من أهلها من الروم يستغيثون به من الكاهنة . فسره ذلك . وسار إلى قابس ~~. فلقيه أهلها بالأموال والطاعة ، وكانوا قبل ذلك يتحصنون من الأمراء . ~~فجعل فيها PageV24P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" غلاما . وسار على قفصة . فأطاعه من بها . ~~واستولى عليها وعلى قسطيلية ونفزاوة . وبلغ مقدمه الكاهنة ، فأحضرت ولدين ~~لها وخالد بن يزيد وقالت لهم : إنني مقتولة ، فامضوا إلى حسان وخذوا ~~لأنفسكم منه أمانا . فساروا إليه . فوكل بولديها من يحفظهما . وقدم خالد بن ~~يزيد على أعنة الخيل . وسار حسان نحو الكاهنة فالتقوا واقتتلوا ، واشتد ~~القتال وكثر القتل حتى ظن الناس أنه الفناء . ثم نصر الله المسلمين . ~~وانهزم البربر وقتلوا قتلا ذريعا . وانهزمت الكاهنة ثم أدركت فقتلت . ثم ~~استأمن البربر إلى حسان فأمنهم . وقرر عليهم أن يكون منهم عسكر مع المسلمين ~~عدتهم اثنا عشر ألفا يجاهدون العدو . وقدم عليهم ابني الكاهنة ثم فشا ~~الإسلام في البربر . وعاد حسان إلى القيروان وبطل النزاع واستقامت إفريقية ~~له ، فلما مات عبد الملك وولي الوليد - وكان على مصر وإفريقية عبد العزيز ~~بن مروان - فعزل حسان واستقدمه . وبعث إليه بأربعين رجلا من أشراف أصحابه ، ~~وأمرهم أن يحتفظوا بجميع ما معه . فعلم حسان ما يراد منه ، فعمد إلى الجوهر ~~واللؤلؤ والذهب . فجعله في قرب الماء وطرحها في المعسكر ، وأظهر ما وراء ~~ذلك . فلما قدم على عبد العزيز بن مروان بمصر أهدي إليه مائتي جارية ووصيف ~~من خيار ما كان معه ويقال : إن حسان كان ms5476 معه من السبي خمسة وثلاثون ألف رأس ~~. فانتخب منها عبد العزيز ما أراد وأخذ منه خيلا كثيرة . ورحل حسان بما بقي ~~معه حتى قدم على الوليد بن عبد الملك فشكا إليه ما صنع به عبد العزيز . ~~فغضب الوليد وأنكره . فقال حسان لمن معه : ائتوني بالقرب . فأتي بها ~~فأفرغها بين يدي الوليد . فرأى ما أذهله من أصناف الجوهر واللؤلؤ والذهب . ~~فقال حسان : يا أمير المؤمنين إنما PageV24P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" خرجت مجاهدا في سبيل الله ، ولم أخن الله ~~تعالى ولا الخليفة . فقال له الوليد : أردك إلى عملك وأحسن إليك . فحلف ~~حسان أنه لا ولي لبني أمية ولاية أبدا . فغضب الوليد على عمه عبد العزيز ~~لما عامل به حسانا . وكان حسان يسمى الشيخ الأمين لثقته وأمانته ثم ولي ~~بعده موسى بن نصير . ذكر ولاية موسى بن نصير إفريقية وما كان من حروبه ~~وآثاره كانت ولايته في سنة تسع وثمانين ، وذلك أن حسان بن النعمان لما ~~امتنع من إجابة الوليد إلى رجوعه إليها ، كتب الوليد إلى عمه عبد العزيز أن ~~يوجه موسى بن نصير إلى إفريقية وأن تكون ولايته من قبل الوليد . وأفرد ~~إفريقية عن مصر . فسار موسى حتى قدم إفريقية وعزل عنها صالحا خليفة حسان ~~بها . فبلغه أن بأطراف إفريقية قوما خارجين عن الطاعة . فوجه إليهم ابنه ~~عبد الله فقاتلهم وظفر بهم . وأتاه بمائة ألف رأس من سبيهم . ثم وجه ولده ~~مروان إلى جهة أخرى ، فأتاه بمائة ألف رأس . ثم توجه هو بنفسه إلى جهة أخرى ~~فأتي بمائة ألف رأس . قال الليث بن سعد : فبلغ الخمس يومئذ ستين ألف رأس ~~ولم يسمع بمثل هذا في الإسلام . ثم خرج غازيا إلى طنجة يريد من بقي من ~~البربر . فهربوا منه فاتبعهم يقتل فيهم حتى بلغ السوس الأدنى لا يدافعه أحد ~~. فاستأمن البربر إليه وأطاعوه . فقبل طاعتهم وولي عليهم واليا . ثم استعمل ~~على طنجة وبلادها مولاه طارق بن زياد . وتركه بها في تسعة عشر ألف فارس من ~~البربر وطائفة يسيرة من العرب لتعلم البربر القرآن وفرائض ms5477 الإسلام . ورجع ~~إلى إفريقية فمر بقلعة مجانة . فتحصن أهله منه فترك عليها من يحاصرها مع ~~بسر بن فلان ففتحها ، فسميت قلعة بسر . ولم يبق بإفريقية من ينازعه من ~~البربر ولا من الروم . PageV24P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" ذكر فتح جزيرة الأندلس وشيء من أخبارها كان ~~فتح الأندلس في سنة اثنتين وتسعين على يد طارق ابن زياد مولى بن نصير . وقد ~~ذكر ابن الأثير في تاريخه الكامل أخبار الأندلس وابتداء أمرها . فاخترنا ~~إيراد ذلك لأنها من أعظم الفتوحات الإسلامية . قال ابن الأثير : قالوا : ~~أول من سكنها بعد الطوفان قوم يعرفون بالاندلس - بشين معجمة - ثم عرب بعد ~~ذلك بسين مهملة ، والنصارى تسميها إشبانية باسم رجل صلب فيها يقال له ~~إشبانش ، وقيل : باسم ملك كان لها في الزمان الأول اسمه إشبان بن طيطش . ~~وهذا هو اسمها عند بطليموس . وقيل : سميت بأندلس بن يافث بن نوح ، وهو أول ~~من عمرها . وقيل : أول من سكنها بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلس فعمروها ~~وتداولوا ملكها دهرا طويلا ، وكانوا مجوسا . ثم حبس الله عنهم المطر وتوالى ~~عليهم القحط . فهلك أكثرهم ، وفر منها من أطاق الفرار . فخلت مائة سنة . ثم ~~ابتعث الله لعمارتها الأفارقة . فدخل إليها قوم منهم أجلاهم ملك إفريقية ~~لقحط توالى على بلاده حتى كاد يفنى أهلها . فحملهم في السفن مع أمير من ~~عنده . فأرسوا بجزية قادس . فرأوا الأندلس وقد أخصبت بلادها وجرت أنهارها . ~~فسكنوها وعمروها . ونصبوا لهم ملوكا ضبطوا أمرهم . وكانت دار مملكتهم طائفة ~~الخراب من أرض إشبيلية ، بنوها وسكنوها . وأقاموا مدة تزيد على مائة وخمسين ~~سنة ، ملك منهم فيها أحد عشر ملكا . ثم أرسل الله عليهم عجم رومة ، وملكهم ~~إشبان بن طيطش فغزاهم ومزقهم وقتل منهم وحاصرهم بطالقة ، وقد تحصنوا بها ، ~~فابتني عليها إشبانية - وهي إشبيلية - واتخذها دار مملكته . وكثرت جموعه ~~وعتا وتجبر . وغزا بيت المقدس وغنم ما فيه ، وقتل منه مائة ألف ، ونقل ~~المرمر منه إلى إشبيلية وغيرها . وغنم منه PageV24P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" مائدة سليمان بن داوود عليهما السلام ، وهي ~~التي غنمها طارق لما فتح طليطلة ms5478 ، وغنم قليلة الذهب والحجر الذي لقي بماردة ~~. وكان هذا إشبان قد وقف عليه الخضر ، هو يحرث الأرض فقال له : يا إشبان ، ~~سوف تحظى وتعلوا وتملك . فإذا ملكت إيليا فارفق بذرية الأنبياء . فقال له : ~~أتسخر بي وكيف ينال مثلي الملك ؟ . فقال له : قد جعله فيك من جعل عصاك هذه ~~كما ترى فنظر إليها ، فإذا هي قد أورقت . فارتاع وذهب عنه الخضر وقد وثق ~~بقوله . فداخل الناس وارتقى حتى ملك ملكا عظيما . وكان ملكه عشرين سنة ودام ~~ملك الإشبانية إلى أن ملك منهم خمسة وخمسون ملكا . ثم دخل عليها من عجم ~~رومة أمة يدعون البشتولقات ، وملكهم طلوبش بن بيطة ، وذلك حين بعث الله ~~المسيح عليه السلام . فغلبوا عليها ، واستولوا على ملكها ، وقتلوا ملكها . ~~وملك منهم سبعة وعشرون ملكا . وكانت مدينة ماردة دار ملكهم . ثم دخلت عليهم ~~أمة القوط مع ملك لهم . فغلبوا على الأندلس واقتطعوها من صاحب رومة . وكان ~~ظهورهم من ناحية أنطالية شرق الأندلس ، فأغارت على بلاد مجدونية من تلك ~~الناحية في أيام قليوديوس قيصر ، ثالث القياصرة . فخرج إليهم وهزمهم وقتل ~~فيهم . ولم يظهروا بعدها إلى أيام قسطنطين الأكبر . وأعادوا الغارة . فسير ~~إليهم جيشا فلم يثبتوا له . وانقطع خبرهم إلى دولة ثالث ملك بعد قسطنيطين ، ~~فقدموا على أنفسهم أميرا اسمه لذريق ، وكان يعبد الأوثان . فسار إلى رومة ~~ليحمل النصارى على السجود لأوثانه وظهر منه سوء سيرة ، فتخاذل أصحابه عنه ~~ومالوا إلى أخيه وحاربوه . فاستعان بصاحب رومة . فبعث إليه جيشا فهزم أخاه ~~ودان بدين النصارى . وكانت ولايته ثلاث عشرة سنة . ثم ولي بعده أقريط ، ~~وبعده أمريق وبعده وغديش . وكانوا قد عادوا إلى عبادة الأوثان . فجمع من ~~أصحابه مائة ألف وسار إلى رومة . فسير إليه ملك الروم جيشا فهزموه وقتلوه . ~~ثم ملك بعده الريق . ثم تداولها عدة ملوك ذكرهم ابن الأثير : منهم من عبد ~~الأوثان ومنهم من دان بدين النصرانية ، إلى أن انتهى الملك إلى غيطشة ، ~~وكانت ولايته سنة سبع وسبعين PageV24P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" للهجرة . ثم توفي وخلف ولدين . فلم يرض بهما ~~أهل ms5479 الأندلس ورضوا برجل يقال له رذريق ، وكان شجاعا وليس من بيت الملك . ~~وكانت عادة ملوك الأندلس أنهم يبعثون أولادهم الذكور والإناث إلى مدينة ~~طليطلة يكونون في خدمة الملك لا يخدمه غيرهم ، يتأدبون بذلك . فإذا بلغوا ~~الحلم أنكح بعضهم بعضا وتولى تجهيزهم . فلما ولي رذريق ، أرسل إليه يليان - ~~وهو صاحب الجزيرة الخضراء وسبتة وغيرهما - ابنته فاستحسنها رذريق فاقتضها . ~~فكتبت إلى أبيها بذلك . فأغضبه فكتب إلى موسى بن نصير عامل إفريقية بالسمع ~~والطاعة . واستدعاه فسار إليه . فأدخله يليان مدائنه . وأخذ عليه العهود له ~~ولأصحابه بما يرضى به . ثم وصف له الأندلس ودعاه إليها ، وذلك في آخر سنة ~~تسعين . فكتب موسى إلى الوليد بذلك ، واستأذنه في غزوها . فأذن له إذا لم ~~يكن الوصول إلها في بحر متسع . فبعث موسى مولى من مواليه ، يقال له طريف ، ~~في أربعمائة رجل ومعهم مائة فارس . فساروا في أربع سفن . فخرجوا في جزيرة ~~بالأندلس فسميت جزيرة طريف . ثم أغار على الجزيرة الخضراء فأصاب غنائم ~~كثيرة ورجع سالما ، في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين . فلما رأى الناس ذلك ، ~~تسرعوا إلى الغزو . ثم إن موسى دعا مولاه طارق بن زياد ، وكان على مقدمات ~~جيوشه ، فبعثه في سبعة آلاف من المسلمين أكثرهم البربر والموالي وأقلهم ~~العرب . فساروا في البحر . وقصدوا جبلا منيفا في البحر ، وهو متصل بالبر . ~~فنزله فسمى الجبل جبل طارق . ولما ملك عبد المؤمن البلاد أمر ببناء مدينة ~~على هذا الجبل وسماه جبل الفتح ، فلم يثبت له هذا الاسم ، وجرت الألسن على ~~الاسم الأول . وكان حلول طارق به في شهر رجب سنة اثنتين وتسعين . ~~PageV24P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" قال : ولما ركب طارق البحر غلبته عينه ، فرأى ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ومعه المهاجرون والأنصار وقد تقلدوا السيوف ~~وتنكبوا القسى . فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) له : يا طارق تقدم ~~لشأنك . وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد . ونظر طارق فرأى النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه . فاستيقظ من نومه ، ~~وبشر أصحابه ، وقويت نفسه ، وأيقن بالظفر . فلما تكامل أصحاب ms5480 طارق بالجبل ~~نزل إلى الصحراء ، وفتح الجزيرة الخضراء فأصاب بها عجوزا . فقالت له : إني ~~كان لي زوج ، وكان عالما بالحوادث ، وكان يحدثهم عن أمير يدخل بلدهم ويغلب ~~عليه ، ووصف من صفته أنه صخم الهامة وأن في كتفه الأيسر شامة عليها شعر . ~~فكشف طارق ثوبه فإذا الشامة كما ذكرت فاستبشر . قال : ولما فتح الجزيرة ~~الخضراء وفارق الحصن الذي في الجبل ، بلغ رذريق خبره . فأعظم ذلك ، وكان ~~غائبا في غزاة فرجع منها ، وقد دخل طارق بلاده . فجمع له جمعا يقال بلغ ~~مائة ألف . فكتب طارق إلى موسى يستمده ويخبره بما فتح . فأمده بخمسة آلاف ، ~~فتكامل المسلمون اثني عشر ألفا ، ومعهم يليان يدلهم على عورة البلاد ويتجسس ~~لهم الأخبار . وأتاهم رذريق في جنده فالتقوا على نهر بكة من أعمال شذونة ~~لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين . واتصلت الحرب بينهم ثمانية ~~أيام . وكان على ميمنة رذريق وميسرته ولدا الملك الذي كان قبله وغيرهما من ~~أبناء الملوك . فاتفقوا على الهزيمة بغضا لرذريق وقالوا : إن المسلمين إذا ~~امتلأت أيديهم من الغنيمة عادوا إلى بلادهم وبقي الملك لنا . فانهزموا . ~~وهزم الله رذريق ومن معه وغرق في النهر . وسار طارق إلى مدينة إستجة في ~~اتباعهم . فلقيه أهلا ومعهم من المنهزمين خلق كثير . فقاتلوه قتالا شديدا ~~ثم انهزم أهل الأندلس . ونزل طارق على عين بينها وبين مدينة إستجة أربعة ~~أميال فسميت عين طارق . قال : ولما سمع القوط بهاتين الخزيمتين ، قذف الله ~~في قلوبهم الرعب ، وهربوا إلى طليطلة ، وأخلوا مدائن من الأندلس فقال له ~~يليان : قد فرغت من الأندلس ، ففرق جيوشك ، وسر أنت إلى طليطلة . ففرق ~~جيوشه من مدينة إستجة : فبعث جيشا إلى قرطبة ، وجيشا إلى أغرناطة ، وجيشا ~~إلى مالقة ، وجيشا إلى تدمير . PageV24P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" وسار هو ومعظم الجيش إلى طليلطة . فلما بلغها ~~وجدها خالية وقد لحق من بها بمدينة خلف الجبل يقال لها ماية . قال : وفتح ~~سائر الجيوش الذين بعثهم ما قصدوه من البلاد . قال : ولما رأى طارق طليلطلة ~~خالية ، ضم إليها اليهود وترك معهم رجالا ms5481 من أصحابه . وسار هو إلى وادي ~~الحجارة . وقطع الجبل من فج فيه فسمى بفج طارق . وانتهى إلى مدينة خلف ~~الجبل تسمى مدينة المائدة ، وفيها مائدة سليمان بن داوود عليهما السلام ، ~~وهي من زبر جدة خضراء ، حافاتها وأرجلها منها مكللة باللؤلؤ والمرجان ~~والياقوت وغير ذلك ، وكان لها ثلاثمائة وستون رجلا . ثم مضى إلى مدينة ماية ~~فغنم منها . ورجع إلى طليلطة في سنة ثلاث وتسعين . وقيل : إنه اقتحم أرض ~~جليقية فاخترقها حتى انتهى إلى مدينة استرقة ، وانصرف إلى طليطلة . ووافته ~~جيوشه التي وجهها من إستجة بعد فراغهم من فتح تلك المدائن التي سيرهم إليها ~~. ودخل موسى بن نصير الأندلس في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين في جمع كثير ، ~~وقد بلغه ما صنع طارق فحسده . فلما نزل الجزيرة الخضراء قيل له : تسلك طريق ~~طارق ؟ فأبى . فقال له الأدلاء : نحن ندلك على طرق أشرف من طريقه ومدائن لم ~~تفتح بعد . ووعده يليان بفتح عظيم ، فسر بذلك . فساروا به إلى مدينة ابن ~~السليم فافتتحها عنوة . ثم سار إلى مدينة قرمونة ، وهي أحصن مدن الأندلس . ~~فتقدم إليها يليان وخاصته على حال المنهزمين فأدخلوهم مدينتهم . وأرسل موسى ~~إليهم الخيل ففتحوها لهم ليلا . فدخلها المسلمون وملكوها . ثم سار موسى إلى ~~إشبيلية ، وهي من أعظم مدائن الأندلس بنيانا وأغربها آثارا فحصرها أشهرا ~~وفتحها ، وهرب من بها . فأنزلها موسى اليهود . وسار إلى مدينة ماردة فحصرها ~~، وقد كان أهلها خرجوا إليه فقاتلوه قتالا شديدا . فكمن لهم موسى ليلا في ~~مقاطع الصخر ، فلم يرهم الكفار . فلما أصبحوا زحف إليهم . فخرجوا إلى ~~المسلمين على عادتهم . فخرج عليهم الكمين ، وأحدقوا بهم ، وحالوا بينهم ~~وبين البلد ، وقتلوهم قتلا ذريعا . ونجا من سلم منهم PageV24P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" فدخل المدينة ، وكانت حصينة . فحصرهم بها ~~أشهرا . وزحف إليهم بدبابة عملها ونقبوا سورها . فخرج أهلها على المسلمين ~~فقتلوهم عند البرج فسمى برج الشهداء . ثم افتتحها آخر شهر رمضان سنة أربع ~~وتسعين صلحا ، على أن جميع أموال القتلى يوم الكمين وأموال الهاربين إلى ~~جليلقية وأموال الكنائس وحليها للمسلمين . ثم إن ms5482 أهل إشبيلية اجتمعوا ~~وقصدوها ، فقتلوا من بها من المسلمين . فسير موسى إليها ابنه عبد العزيز ~~بجيش فحصرها وقتل من بها من أهلها . وسار عنها إلى لبلة وباجة فملكهما وعاد ~~إلى إشبيليلة . قال : وسار موسى من مدينة ماردة في شوال يريد طليلطة . فخرج ~~طارق إليه فلقيه . فلما أبصره نزل إليه ، فضربه موسى بالسوط . على رأسه ، ~~ووبخه على ما كان من خلافه . ثم سار به إلى مدينة طليطلة وطلب منه ما غنم ~~والمائدة . فأتاه بها وقد انتزع رجلا من أرجلها . فسأله عنها فقال : لا علم ~~لي بها . كذلك وجدتها . فعمل عوضها من ذهب . وسار موسى إلى مدينة سرقسطة ~~ومدائنها فافتتحها . وأوغل في بلاد الفرنج . فانتهى إلى مفازة كبيرة وأرض ~~سهلة ذات آثار فأصاب فيها صنما قائما ، فيه مكتوب : يا بني إسماعيل ، إلى ~~ها هنا منتهاكم ، فارجعوا . وإن سألتم إلى ماذا ترجعون ، أخبركم أنكم ~~ترجعون إلى الاختلاف فيما بينكم حتى يضرب بعضكم أعناق بعض ، وقد فعلتم . ~~فرجع ووافاه رسول الوليد في أثناء ذلك يأمره بالخروج عن الأندلس والقفول ~~إليه . فساءه ذلك ومطل الرسول ، وهو يقصد بلاد العدو في غير ناحية الصنم ، ~~يقتل ويسبي ويهدم الكنائس ويكسر النواقيس ، حتى بلغ صخرة بلاي على البحر ~~الأخضر ، وهو في قوة وظهور . فقدم عليه رسول آخر من الوليد يستحثه ، وأخذ ~~بعنان بغلته وأخرجه . وكان موافاة الرسول له بمدينة لك بجليقية . وخرج على ~~الفج المعروف بفج موسى . ووافاه طارق من الثغر الأعلى فأقفله معه ، ومضيا ~~جميعا . PageV24P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" واستخلف موسى على الأندلس ابنه عبد العزيز بن ~~موسى . فلما عبر موسى البحر إلى سبتة عليها وعلى طنجة وما والاهما ابنه عبد ~~الملك . واستخلف على إفريقية وأعمالها ابنه الكبير عبد الله . وسار إلى ~~الشام . وحمل الأموال التي غنمت من الأندلس والذخائر والمائدة ، ومعه ~~ثلاثون ألف بكر من بنات ملوك القوط وأعيانهم ، ومن نفيس الجوهر والأمتعة ما ~~لا يحصى . فورد الشام ، وقد مات الوليد واستخلف سليمان بن عبد الملك ، وكان ~~منحرفا عن موسى بن نصير . فعزله عن جميع أعماله وأقصاه ms5483 وأغرمه غرما حتى ~~احتاج أن يسأل العرب في معونته . وقيل : إنه قدم إلى الشام والوليد حي . ~~وكان قد كتب إليه ، وادعى أنه هو الذي فتح الأندلس وأخبره خبر المائدة . ~~فلما حضر عنده عرض عليه ما معه وعرض المائدة ، ومعه طارق . فقال طارق : أنا ~~غنمتها . فكذبه موسى . فقال طارق للوليد : سله عن رجلها المعدومة . فسأله ~~عنها ، فلم يكن عنده منها علم . فأظهرها طارق وذكر أنه أخفاها لهذا السبب . ~~فعلم الوليد صدق طارق . وإنما فعل هذا لأن موسى كان قد ضربه وحبسه حتى أرسل ~~الوليد أخرجه وقيل : لم يحبسه . قالوا : ولما دخلت الروم بلاد الأندلس ، ~~كان في مملكتهم بيت إذا ولي ملك منهم أقفل عليه قفلا . فلما ملكت القوط ~~فعلوا كفعلهم . فلما ملك رذريق فتح الأقفال فرأى في البيت صور العرب ، ~~عليهم العمائم الحمر على خيول شهب ، وفيه كتاب : إذا فتح هذا البيت دخل ~~هؤلاء القوم هذا البلد . ففتحت الأندلس في تلك السنة . ذكر غزو جزيرة ~~سردانية قال : ولما فتح موسى بلاد الأندلس سير طائفة من عسكره إلى هذه ~~الجزيرة ، وهي في بحر الروم كثيرة الفواكه . فدخلوها في سنة اثنتين وتسعين ~~. فعمد النصارى إلى ما يملكونه من آنية الذهب والفضة فألقوا الجميع في ~~الماء . وجعلوا أموالهم في سقف البيعة الكبرى التي تحت السقف الأول . وغنم ~~المسلمون منها ما لا يحد ولا يوصف ، وأكثروا الغلول . واتفق أن رجلا من ~~المسلمين اغتسل في الماء فعلق في رجله شيء . فأخرجه ، فإذا هو صحفة من فضة ~~. فأخرج المسلمون جميع ما فيه . ودخل رجل من المسلمين إلى تلك الكنيسة فنظر ~~إلى حمام . فرماه بسهم فأخطأه PageV24P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" ووقع في السقف . فانكسر لوح ونزل منه شيء من ~~الدنانير . فأخذوا الجميع . وزادوا في الغلول ، فكان بعضهم يذبح الهر ، ~~ويرمي ما في جوفه ، ويملأه دنانير ، ويخيط عليها ، ويلقيه في الطريق . فإذا ~~خرج أخذه . وكان يضع قائم سيفه على الجفن ويملأه ذهبا . فلما ركبوا في ~~البحر سمعوا قائلا يقول : اللهم غرقهم . فغرقوا عن آخرهم . ذكر ولاية محمد ~~بن يزيد مولى ms5484 قريش ومقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير قال : ثم استعمل ~~سليمان بن عبد الملك محمد بن يزيد ، مولى قريش . وقال له عند ولايته : يا ~~محمد ، اتق الله وحده لا شريك له ، وقم فيما وليتك بالحق والعدل . اللهم ~~اشهد . فخرج محمد وهو يقول : مالي عذر إن أعدل . وكانت ولايته في سنة تسع ~~وتسعين . فولي سنتين وشهورا . وكتب إليه سليمان يأمره أن يأخذ آل موسى ابن ~~نصير وكل من انتسب إليه حتى يقوموا بما بقي عليه وهو ثلاثمائة ألف دينار ~~ولا يرفع عنهم العذاب . فقبض على عبد الله والي القيروان فحبسه في السجن . ~~ثم وصل البريد من قبل سليمان يأمر بضرب عنقه . وأما عبد العزيز فإنه لما ~~استخلفه أبوه موسى على الأندلس سد ثغورها ، وضبط بلادها ، وافتتح مدائن ~~كانت بقيت بعد أبيه ، وكان خيرا فاضلا . فتزوج امرأة الملك لذريق . فحظيت ~~عنده ، وغلبت على رأيه . فحملته على أن يأخذ أصحابه بالسجود له إذا دخلوا ~~عليه كما كان يفعل بزوجها . فقال : إن ذلك ليس من ديننا . فلم تزل به حتى ~~أمر بفتح باب قصير لمجلسه الذي كان يجلس فيه . فكان أحدهم إذا دخل عليه من ~~الباب طأطأ رأسه فيصير كالراكع . فرضيت ببذلك وقالت : الآن لحقت بالملوك . ~~وبقي أن أعمل لك تاجا مما عندي من الذهب واللؤلؤ . فأبى . فلم تزل به حتى ~~فعل . فانكشف للمسلمين ، فقالوا : تنصر . وفطنوا للباب . فثارثوا عليه ، ~~فقتلوه في آخر سنة تسع وتسعين في آخر خلافة سليمان بن عبد الملك . ثم مكثوا ~~بعد ذلك سنة لا يجمعهم إمام . وحكى الواقدي قال : لما بلغ عبد العزيز بن ~~موسى ما نزل بأبيه وأخيه وأهل بيته ، خلع الطاعة وخالف . فأرسل إليه سليمان ~~رسولا ، فلم يرجع . فكتب سليمان إلى حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع ~~ووجوه العرب سرا بقتله . فلما خرج PageV24P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" عبد العزيز إلى صلاة الصبح ، قرأ فاتحة الكتاب ~~ثم قرأ الحاقة . فقال له حبيب : حقت عليك يا ابن الفاعلة . وعلاه بالسيف ~~فقتله فحمل رأس عبد الله ورأس عبد ms5485 العزيز ابني موسى حتى وضعا بين يدي ~~أبيهما ، وعذب حتى مات . وأضيفت ولاية الأندلس إلى إفريقية . فاستعمل عليها ~~محمد الحر بن عبد الرحمن القيسي . ولم يزل محمد بإفريقية إلى أن مات سليمان ~~وولى عمر بن عبد العزيز ، فعزله واستعمل إسماعيل بن عبد الله . ذكر ولاية ~~اسماعيل بن عبد الله ابن أبي المهاجر مولى بني مخزوم قال : ولما ولي عمر بن ~~عبد العزيز الخلافة استعمل إسماعيل على إفريقية ، وكان خيروال . فدعا ~~إسماعيل من بقي من البربر إلى دين الإسلام . فأسلموا وغلب الإسلام على ~~المغرب جميعه . ودامت ولايته إلى سنة إحدى ومائة ، إلى أن توفى عمر بن عبد ~~العزيز وولي يزيد بن عبد الملك ، فاستعمل على إفريقية يزيد بن أبي مسلم ~~مولى الحجاج فقدمها في سنة اثنتين ومائة وقتل . وقد ذكرنا سبب مقتله في ~~أخبار يزيد بن عبد الملك . ثم ولي بعده بشر بن صفوان الكلبي ، فقدمها في ~~سنة ثلاث ومائة . فلما قدم استعمل على الأندلس عنبسة الكلبي وعزل الحر بن ~~عبد الرحمن القيسي . ثم غزا بشر جزيرة صقلية بنفسه فأصاب سببا كثيرا . ثم ~~رجع من غزوته فتوفى بالقيروان في سنة تسع ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك ~~. عبيدة بن عبد الرحمن السلمي فلما اتصلت وفاته بهشام استعمل على إفريقية : ~~عبيدة بن عبد الرحمن السلمي وهو ابن أخي أبي الأعور السلمي ، صاحب خيل ~~معاوية . فأخذ عمال بشر بن صفوان فحبسهم وأغرمهم وتحامل عليهم وعذب بعضهم . ~~وكان فيهم أبو الخطار بن ضرار الكلبي ، وكان قائدا جليلا ، فقال : أفأتم ~~بني مروان قيسا دماءناوفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل كأنكم لم تشهدوا لي ~~وقعة . . . ولم تعلموا من كان قبل له الفضل PageV24P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" وقيناكم حر القنا بصدورنا . . . وليس لكم خيل ~~سوانا ولا رجل فلما بلغتم نيل ما قد أردتم . . . وطاب لكم فينا المشارب ~~والأكل تغافلتم عنا كأن لم تكن لكم . . . صديقا وأنتم ما علمتم لنا وصل ~~وبعث بها إلى هشام . فلما قرئت عليه غضب وأمر بعزل عبيدة . فقفل عنها ، ~~واستخلف على إفريقية ms5486 عقبة بن قدامة التجيبي ، وترك بها عبد الله بن المغيرة ~~بن بردة القرشي قاضيا ، وذلك في شوال سنة أربع عشرة ومائة . عبيد الله بن ~~الحبحاب مولى بني سلول ثم استعمل هشام عبيد الله بن الحبحاب مولى بني سلول ~~، وكان رئيسا كاتبا بليغا ، حافظا لأيام العرب وأشعارها ووقائعها . وهو ~~الذي بنى الجامع ودار الصناعة بمدينة تونس . وكانت ولايته في شهر بيع الأول ~~سنة ست عشرة ومائة . فاستعمل على طنجة وما والاها عمر بن عبد الله المرادي ~~. فأساء السيرة وتعدى في الصدقات والقسم . وأراد أن يخمس البربر وزعم أنهم ~~فيء للمسلمين ، وذلك ما لم يرتكبه عامل قبله . وإنما كانت الولاة يخمسون من ~~لم يجب منهم إلى الإسلام . فانتقضت البربر بطنجة على عبيد الله وتداعت عليه ~~بأسرها ، وذلك في سنة اثنتين وعشرين ومائة . وهي أول فتنة كانت بإفريقية في ~~الإسلام . وخرج ميسرة المدغري وقتل عمر المرادي . وظهر بالمغرب في ذلك ~~الوقت قوم جرت منهم دعوة الخوارج ، وصار منهم عدد كبير وشوكة قوية . قال : ~~فبعث عبيد الله الجيوش من أشراف العرب لقتال المدغري ، وجعل عليهم خالد بن ~~أبي حبيب الفهري . وأردفه بحبيب بن أبي عبيدة . فسار خالد حتى أتى ميسرة ~~دون طنجة . فالتقوا واقتتلوا قتالا لم يسمع بمثله . ثم انصرف ميسرة إلى ~~طنجة . فأنكرت عليه PageV24P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" البربر سوء سيرته ، وتغيروا عما كانوا بايعوه ~~عليه ، وكان قد بويع بالخلافة فقتلوه وولوا أمرهم خالد بن حميد الزناتي . ~~ثم التقى خالد بن أبي حبيب بالبربر ، وكان بينهم قتال شديد . فبينما هم ~~كذلك إذ غشيهم خالد بن حميد الزناتي بعسكر عظيم . فانهزم أصحاب خالد بن أبي ~~حبيب . وكره هو أن ينهزم فألقى بنفسه هو وأصحابه فقتل هو ومن كان معه ، ولم ~~يسلم منهم أحد . وقتل في هذه الوقعة حماة العرب وفرسانها فسميت وقعة ~~الأشراف . وانتقضت البلاد ومرج الناس واختلفت الأمور على عبيد الله . ~~فاجتمع الناس وعزلوه عن أنفسهم وبلغ ذلك هشام ابن عبد الملك فقال : أقتل ~~أولئك الرجال الذين كانوا يقدمون علينا من العرب ؟ . قيل : نعم ms5487 فقال : ~~والله ، لأغضبن لهم غضبة عربية ، ولأبعثن إليهم جيشا أوله عندهم وآخره عندي ~~. ثم لا تركت حصن بربري إلا جعلت إلى جانبه خيمة قيسي أو يمني . وكتب وكتب ~~إلى عبيد الله بن الحبحاب يستقدمه . فخرج في جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين ~~ومائة . قال : وكان عبيد الله لما قدم إفريقية استعمل على الأندلس عقبة ابن ~~الحجاج وعزل عنبسة . فلما بلغ أهل الأندلس ثورة البربر وثبوا على عقبة ~~فعزلوه . وولوا عليهم عبد الملك بن قطن الفهري . قال : ثم استعمل هشام بن ~~عبد الملك على إفريقية كلثوم بن عياض القشيري ، فقدم في شهر رمضان سنة ثلاث ~~وعشرين ومائة ، وقد عقد له على اثني عشر ألف فارس من أهل الشام . وكتب إلى ~~والي كل بلد أن يخرج معه ، فسار معه عمال مصر وبرقة وطرابلس . فلما قدم ~~إفريقية نكب عن القيروان وسار إلى سبتة . واستخلف على القيروان عبد الرحمن ~~بن عقبة الغفاري ، وهو إذ ذاك قاضي إفريقية وكان حبيب بن أبي عبيدة مواقف ~~البربر . فسار كلثوم ومن معه حتى وافى البربر ، وهم على وادي طنجة ، وهم في ~~ثلاثين ألفا . وتوجه إليهم خالد بن حميد الزناتي فصاروا في جميع كبير . ~~فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فقتل كلثوم بن عياض وحبيب ابن أبي عبيدة ، ~~وسليمان بن أبي المهاجر ، ووجوه العرب . وانهزمت العرب ، وكانت هزيمة أهل ~~الشام إلى الأندلس ، وعبروا في المراكب ، وهزيمة أهل مصر وأهل إفريقية إلى ~~إفريقية . قال : ولما بلغ أهل إفريقية قتل كلثوم ، كأن بها هرج . فثار ~~عكاشة بن أيوب الفزاري مخالفا على الناس بمدينة قابس ، وكان صفريا ، وهو ~~الذي قدم على طليعة PageV24P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" أهل الشام مع عبيد الله بن الحبحاب فسار إليه ~~بعد الرحمن بن عقبة فقاتله . فانهزم عكاشة ، وقتل كثير من أصحابه ، وتفرق ~~من بقي منهم . حنظلة بن صفوان الكلبي ولما بلغ هشام بن عبد الملك ذلك ، بعث ~~إلى إفريقية حنظلة بن صفوان الكلبي ، وكان عامله على مصر ولاه عليها في سنة ~~تسع عشرة ومائة ، فأقام بها إلى أن بعثه إلى إفريقية ms5488 . فقدمها في شهر ربيع ~~الآخر سنة أربع وعشرين ومائة . فلم يمكث بالقيروان إلا يسيرا حتى زحف عكاشة ~~الصفري الخارجي في جمع عظيم من البربر ، لم ير أهل إفريقية مثله ولا أكثر ~~منه ، وكان لما انهزم جمع قبائل البربر . وزحف إلى حنظلة أيضا عبد الواحد ~~بن يزيد الهواري في عدد عظيم وكانا قد افترقا من الزاب : فأخذ عكاشة على ~~طريق مجانة فنزل القرن ، وأخذ عبد الواحد على طريق الجبال فنزل طبيناس ، ~~وعلى مقدمته أبو قرة المغيلي . فرأى حنظلة أن يعجل قتال عكاشة قبل أن ~~يجتمعا عليه ، فزحف إليه بجماعة أهل القيروان . والتقوا بالقرن وكان بينهم ~~قتال شديد فني فيه خلق كثير . وهزم الله عكاشة ومن معه . وقتل من البربر ما ~~لا يحصى كثرة . وانصرف حنظلة إلى القيروان خوفا أن يخالفه عبد الواحد إليها ~~. وقيل : إن عبد الواحد لما وصل إلى باجة ، أخرج إليه حنظلة رجلا من لخم في ~~أربعين ألف فارس . فقاتلوه بباجة شهرا في الخنادق والوعر . ثم انهزم اللخمي ~~إلى القيروان ، وفقد ممن معه عشرين ألفا . ونزل عبد الواحد بالأصنام من ~~جراوة ثلاثة أميال عن القيروان ، وكان في ثلاثمائة ألف . فأخرج حنظلة جميع ~~ما في الخزائن من السلاح ، ونادى في الناس . فكان يعطي لكل منهم درعا ~~وخمسين دينارا . فلم يزل يفعل ذلك حتى كثر عليه الناس ، فرد العطاء إلى ~~أربعين ثم إلى ثلاثين . ولم يقدم إلا شابا قويا . فعبأ الناس طول ليلته ~~والشمع حوله وبين يديه . فعبأ في تلك الليلة خمسة آلاف دارع وخمسة آلاف ~~نابل . وأصبح وقدم للقتال . وكسرت العرب جفون سيوفها . والتقوا واقتتلوا . ~~ولزم الرجال الأرض وجثوا على الركب فانكسرت ميسرة العرب وميسرة البربر ثم ~~كرت ميسرة العرب على ميمنة البربر . فكانت الهزيمة على البربر . وقتل عبد ~~الواحد PageV24P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" وأتي حنظلة برأسه فخر ساجدا لله . وقيل : إنه ~~ما علم في الأرض مقتلة أعظم منها قتل فيها من البربر مائة وثمانون ألفا . ~~وكانوا صفرية يستحلون الدماء وسبي النساء . ثم أتي بعكاشة أسيرا فقتله ~~حنظلة . وكتب بذلك إلى ms5489 هشام . فكان الليث بن سعد يقول : ما غزوة كنت أحب أن ~~أشهدها بعد غزوة بدر أحب إلى من غزوة القرن والأصنام . ذكر أخبار عبد ~~الرحمن بن حبيب وتغلبه على إفريقية ورجوع حنظلة إلى المشرق كان عبد الرحمن ~~بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الهري قد هرب إلى الأندلس عند هزيمة ~~كلثوم . فلم يزل يحاول أن يغلب على الأندلس ، وهو لا يمكنه ذلك ، إلى أن ~~وجه حنظلة بن صفوان أبا الخطار بن ضرار الكلبي إلى الأندلس وأطاعه الناس ~~ودانت له البلاد . فخاف عبد الرحمن على نفسه . فخرج مستترا وركب في البحر ~~إلى تونس . فنزل بها في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين ومائة . ودعا الناس ~~إلى نفسه فأجابوه . وسار حتى نزل سمنجة . فأراد أصحاب حنظلة الخروج لقتاله ~~فمنعهم حنظلة كراهة لهراقة دماء المسلمين ، وكان رجلا ورعا زاهدا لا يرى ~~بذل السيف إلا في الكفرة والصفرية الذي يستبيحون دماء المسلمين . فوجه ~~حنظلة إلى عبد الرحمن جماعة من وجوه أهل إفريقية يدعوه إلى مراجعة الطاعة ~~والرجوع عما هو عليه . فلما قدموا عليه أوثقهم في الحديد . وقال : إن رماني ~~أحد من أوليائهم بحجر قتلتهم فبلغ ذلك من الناس كل مبلغ . فلما رأى حنظلة ~~ذلك دعا القاضي وجماعة من أهل الدين والفضل . وفتح بيت المال بحضرتهم وأخذ ~~منه ألف دينار وترك الباقي . وقال : ما آخذ منه إلا بقدر ما يكفيني يبلغني ~~ثم شخص عن إفريقية في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة . وأقبل عبد ~~الرحمن بن حبيب ودخل القيروان ونادى مناديه ألا يخرج أحد إلى حنظلة ولا ~~يشيعه . وكان حنظلة مجاب الدعوة فقال : اللهم لا تهن عبد الرحمن بن حبيب ~~هذا الملك ولا أهله ، واسفك دماءهم بأيديهم ، وابعث عليهم شرار خلقك . ودعا ~~على أهل إفريقية . فوقع الوباء والطاعون بها سبع سنين لا يكاد يرتفع إلا ~~وقتا في الشتاء ووقتا في الصيف . قال : ولما ولي عبد الرحمن ، ثار عليه ~~جماعة من العرب والبربر ثم ثار عليه عروة بن الوليد الصدفي واستولى على ~~تونس . ثم ms5490 ثار عليه عرب الساحل . وقام ابن PageV24P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" عطاف الأزدي حتى نزل بطبيناس . وثارت البربر ~~من الجبال . وثار ثبات الصنهاجي بباجة فأخذها . وخرج بناحية طرابلس رجلان ~~يقال لأحدهما عبد الجبار والآخر الحارث ، وهما من البربر على دين الخوارج . ~~فقاتل كل من خرج عليه ، طائفة بعد أخرى بنفسه وبجيوشه ، حتى دوخ المغرب كله ~~، وأذل من به من القبائل . ولم ينهزم له عسكر ولاردت له راية . وخافه جميع ~~أهل المغرب . وكتب إلى مروان بن محمد ، وأهدى له هدية ، وتقول على حنظلة ، ~~ونسب إليه ما لم يقع منه . فكتب إليه مروان بولاية إفريقية والمغرب كله ~~والأندلس . ثم قتل مروان وانقرضت الدولة الأموية وقامت الدولة العباسية . ~~فكتب عبد بالرحمن إلى أبي العباس السفاح بطاعته ، وأقام الدعوة العباسية . ~~فلما صار الأمر إلى أبي جعفر المنصور كتب إلى عبد الرحمن يدعوه إلى الطاعة ~~. فأجابه وكتب بطاعته ، وأرسل إليه بهدية نزرة كان فيها بزاة وكلاب . وكتب ~~إليه : إن إفريقية اليوم إسلامية كلها ، وقد انقطع السبي منها . فلا تسألني ~~ما ليس قبلي . فغضب أبو جعفر المنصور وكتب إليه يتوعده . فلما وصل كتابه ~~إليه غضب غضبا شديدا . ثم نادى : الصلاة جامعة . فاجتمع الناس في المسجد ~~الجامع . ثم خرج عبد الرحمن في مطرف خز ، وفي رجليه نعلان . فصعد المنبر . ~~فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على محمد نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) . ثم ~~أخذ في سب أبي جعفر . ثم قال : إني ظننت هذا الخائر يدعو إلى الحق ويقوم به ~~، حتى تبين لي منه خلاف ما بايعته عليه من إقامة الحق والعدل . وأنا الآن ~~قد خلعته كما خلعت نعلي هاتين . وقذفهما وهو على المنبر . ثم دعا بخلعة أبي ~~جعفر التي كان أرسلها إليه ، وفيها سواده - وكان قد لبسها قبل ذلك ودعا ~~فيها لأبي جعفر ، وهو أول سواد لبس بإفريقية - فأمر بتخريقها وحرقها . وأمر ~~كاتبه خالد بن ربيعة أن يكتب كتابا بخلعه ، ويقرأ على المنابر في سائر بلاد ~~المغرب ، ففعل ذلك . ذكر مقتل عبد الرحمن بن حبيب وولاية أخيه الياس بن ~~حبيب ms5491 وقتله وولاية حبيب بن عبد الرحمن وقتله كان سبب قتل عبد الرحمن أنه ~~لما قتل مروان بن محمد الحمار هرب جماعة من بني أمية ومعهم حريمهم نحو ~~إفريقية ، فتزوج عبد الرحمن وإخوته منهم . وكان ممن قدم عليه ابنان للوليد ~~بن يزيد ابن عبد الملك ، يقال لأحدهما العاص والآخر PageV24P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" عبد المؤمن . وكانت ابنة عمهما تحت إلياس بن ~~حبيب . فأنزلهما عبد الرحمن بدار شيبة بن حسان . وتسلك عليهما ليسمع ~~كلامهما وكانا على نبيذ ، وغلامهما يسقيهما . فقال العاص : ما أغفل عبد ~~الرحمن أيظن أنه يتهنى معنا بولاية ونحن أولاد الخلفاء ؟ . فنزل وانصرف ولم ~~يعلما به ثم أمر بقتلهما . فقالت ابنة عمهما لزوجها إلياس : إنه قتل أختانك ~~تهاونا بك ، وجعل العهد من بعده لابنه حبيب وأنت صاحب حربه وسيفه الذي يصول ~~به ولم تزل تغريه به . وكان عبد الرحمن إذا ثار عليه ثائر أو خرج عليه ~~خارجي يرسل أخاه إلياس لقتاله . فإذا ظفر ، نسب الظفر لابنه حبيب وجعل ~~العهد فيه . فاجتمع رأي إلياس بن حبيب وعبد الوارث أخيه على قتل عبد الرحمن ~~أخيهما . ووالاهما على ذلك جماعة من أهل القيروان والعرب وغيرهم ، على أن ~~يكون الأمر لإلياس ، والدعاء لأبي جعفر المنصور . فأتاه إلياس ليلا فاستأذن ~~عليه بعد العشاء الآخرة . فقال : ما جاء به وقد ودعني ؟ وكان إلياس قد عزم ~~على الخروج إلى تونس . وأذن له ، فدخل عليه وهو في غلالة وردية وابن له ~~صغير في حجره . فقعد طويلا وعبد الوارث يغمز . فلما قام يودعه ، أكب عليه ~~يعانقه ، فوضع السكين بين كتفيه حتى صارت إلى صدره . فصاح عبد الرحمن وقال ~~: فعلتها يا ابن للخناء ؟ . ثم ضربه إلياس بالسيف . فاتقاه بمرفقه ، فأبان ~~يده . وضربه حتى اثخنه . ودهش إلياس وخرج هاربا . فقال له أصحابه : ما فعلت ~~؟ . قال : قتلته . فقالوا : ارجع وحز رأسه ، وإلا قتلنا عن آخرنا . ففعل . ~~وثارث الصيحة . وأخذ إلياس أبواب دار الإمارة . ويسمع حبيب بن عبد الرحمن ~~الصيحة فهرب من القيروان . وأصبح بقرب تونس فدخلها ، واجتمع مع عمه عمران ~~بن حبيب ولحق ms5492 بهما موالي عبد الرحمن من كل ناحية . فخرج إليهما إلياس إلى ~~سمنجة . فوافياه بمن معهما . وهموا بالقتال . ثم اصطلحوا على أن يعود عمران ~~إلى ولاية تونس وصطفورة والجزيرة ، ويكون حبيب على قفصة وقصيطلة ونفزاوة ، ~~ولإلياس سائر إفريقية والمغرب . ومضى إلياس مع عمران إلى تونس ، وانصرف ~~حبيب إلى القيروان . فوثب إلياس على أخيه عمران ، وعلى عمر بن نافع بن أبي ~~عبيدة الفهري ، وعلى الأسود بن موسى بن عبد الرحمن بن عقبة وعلى ابن قطن ، ~~فشدهم وثاقا ، ووجههم في سفينة إلى الأندلس إلى يوسف بن عبد الرحمن بن عقبة ~~. PageV24P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" وانصرف إلى القيروان فبلغه عن حبيب أخبار ~~كرهها . فأغرى إلياس به ، وأرسل إليه من زين له الخروج إلى الأندلس ، ففعل ~~. وجهزه إلياس في سفينة . فتعذرت عليهم الريح . فكتب إلى إلياس أن الريح قد ~~ردته ، وأن المسير بن زياد الرعيني يحذره أمره . فاجتمع إلى حبيب موالي ~~أبيه ، فأسروا سليمان بن زياد وشدوه وثاقا وكان معسكرا يحارس حبيبا . ~~وأخرجوا حبيبا إلى البر وأظهروا أمره . فتوجه إلى الأربس فأخذها . وبلغ ~~خبره إلياس فتوجه إليه . واجتمع لكل واحد منهما جماعة . فلما التقيا ، قال ~~حبيب لعمه إلياس : لم نقتل موالينا وصنائعنا بيننا وهم لنا حصن ؟ ولكن أبرز ~~أنت وأنا ، فأينا قتل صاحبه استراح منه : إن قتلتني ألحقتني بأبي ، وإن ~~قتلتك أدركت ثأري منك . فارتاب إلياس ساعة . فنادى الناس : قد أنصفك فلا ~~تجبن ، فإن ذلك سبة عليك وعلى ولدك من بعدك . فخرج كل منهما إلى صاحبه ~~والتقيا ساعة . فضرب إلياس حبيبا فأعمل السيف في ثيابه ودرعه ووصل إلى جسمه ~~، فعطف حبيب عليه وضربه بالسيف ضربة سقط بها عن فرسه إلى الأرض . فألقى ~~حبيب نفسه عليه فحز رأسه ثم أمر برفعه على رمح . وهرب عبد الوارث بن حبيب ~~ومن كان معه إلى بطن من البربر يقال لهم ورفجومة ودخل حبيب القيروان وبين ~~يديه رأس إلياس ، ورأس محمد بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع عم أبيه ، ورأس ~~محمد بن المغيرة بن عبد الرحمن القرشي . وجاءه محمد بن ms5493 عمرو بن مصعب ~~الفزاري وهو زوج عمة أبيه مهنئا له ، فضرب عنقه . وكان ذلك كله في شهر رجب ~~سنة ثمان وثلاثين ومائة . قال : ولما وصل عبد الوارث بن حبيب ومن معه إلى ~~ورفجومة نزلوا على عاصم بن جميل الورفجومي . فكتب إليه حبيب يأمره أن يوجه ~~بهم إليه ، فلم يفعل ، فنهد إليه حبيب . ولقيه عاصم واقتتلوا فانهزم حبيب . ~~وكان قد استخلف على القيروان أبا كريب جميل بن كريب القاضي . فقوي أمر ~~ورفجومة ، وكاتبهم بعض وجوه القيروان خوفا منهم على أنفسهم . فزحف عاصم بن ~~جميل وأخوه مكرم بالبربر وبمن لجأ إليهم وصاروا بناحية قابس . فلما قربوا ~~من القيروان ، خرج إليهم أبو كريب القاضي بأهل القيروان . . حتى إذا دنوا ~~من بعضهم ، خرج من عسكر عاصم جماعة من PageV24P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" أهل القيروان ، فخذلوا الناس ودعوهم إلى عاصم ~~. فافترق أكثر الناس عن أبي كريب ورجعوا إلى القيروان . وثبت أبو كريب في ~~نحو ألف رجل من وجوه الناس ، وأهل البصائر والخشية والدين . وقاتلوا فقتل ~~أبو كريب . وقاتل من معه حتى قتلوا . ودخلت ورفجومة القيروان . فاستحلوا ~~المحارم وارتكبوا العظائم . ونزل عاصم بعسكره بالموضع الذي يسمى مصلى روح . ~~واستخلف على القيروان عبد الملك بن أبي جعدة النفزي . وسار إلى حبيب وهو ~~بقابس . فقاتله فانهزم حبيب ولحق بجبل أوراس وهم أخوال أبيه . فسار عاصم في ~~طلبه إلى أوراس ، والتقوا واقتتلوا ، فهزم عاصم وقتل هو وأكثر أصحابه . ~~وأقبل حبيب إلى القيروان . فخرج إليه بعد الملك بن أبي جعدة والتقوا . فقتل ~~حبيب في المحرم سنة أربعين ومائة . فكانت ولاية عبد الرحمن بن حبيب عشر ~~سنين وأشهرا ، وولاية إلياس ستة أشهر ، وولاية حبيب بن عبد الرحمن سنة ~~واحدة وستة أشهر . ذكر تغلب ورفجومة على إفريقية وما كان منهم ومن ولي ~~بعدهم إلى أن ولي محمد بن الأشعث قال : ولما حكمت ورفجومة على القيروان ، ~~قتلوا من بها من قريش وساموهم سوء العذاب ، وربطوا دوابهم في المسجد الجامع ~~. وندم الذي أعانوهم أشد ندامة . قال : ثم دخل رجل من الإباضية القيروان ~~فرأى ناسا من ms5494 الورفحوميين قد أخذوا امرأة وأرادواها على نفسها ، والناس ~~ينظرون . فترك حاجته التي أتي فيها ، وخرج إلى أبي الخطاب عبد الأعلى بن ~~السمح المعافري ، فأعلمه بالذي رأى . فخرج وهو يقول : لبيك اللهم لبيك . ~~فاجتمع إليه أصحابه من كل مكان . وتوجهوا نحو طرابلس فأخرجوا منها عمر بن ~~عثمان القرشي ، واستولى عليها أبو الخطاب . ثم سار إلى القيروان فخرج إليه ~~عبد الملك بن أبي جعدة بجماعة ورفجومة . والتقوا فقتل عبد الملك وأصحابه ، ~~وذلك في صفر سنة إحدى وأربعين . فكان تغلب PageV24P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" ورفجومة على القيروان سنة وشهرين . وتبع أبو ~~الخطاب من انهزم منهم فقتلهم . ثم انصرف إلى القيروان فولى عليها عبد ~~الرحمن بن رستم القاضي ، ومضى إلى طرابلس . فصارت طرابلس وما يليها ~~وإفريقية كلها في يده ، إلى أن وجه أبو جعفر المنصور محمد ابن الأشعث في ~~سنة أربع وأربعين . ذكر ولاية محمد بن الأشعث الخزاعي قال : لما غلبت ~~الصفرية على إفريقية بعد أن قتلت ورفجومة من قتلت من عربها ، خرج جماعة إلى ~~أبي جعفر المنصور ، منهم عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم ، ونافع بن عبد ~~الرحمن السلمي ، وأبو البهلول بن عبيدة ، وأبو العرباض . فأتوا المنصور ~~يستنصرون به على البربر ، ووصفوا عظيم ما لقوه منهم . فولى المنصور أبو ~~جعفر محمد بن الأشعث مصر . فوجه أبا الأحوص عمرو بن الأحوص العجلي إلى ~~إفريقية . فهزمه أبو الخطاب في سنة اثنتين وأربعين . فكتب أبو جعفر المنصور ~~إلى محمد بن الأشعث يأمره بالمسير بنفسه ، ووجه إليه الجيوش . فخرج في ~~أربعين ألفا : ثلاثين ألف فارس من أهل خراسان ، وعشرة آلاف من أهل الشام . ~~ووجه معه الأغلب بن سالم التميمي والمحارب بن هلال الفارسي ، والمخارق بن ~~غفار الطائي ، وأمرهم بالسمع والطاعة له . فإن حدث به حدث كان أميرهم ~~الأغلب ، فإن حدث به حدث فالمخارق ، فإن حدث به حدث فالمحارب بن هلال . ~~فمات المحارب قبل وصلوهم إلى إفريقية . وبلغ أبا الخطاب خروج محمد بن ~~الأشعث إليه ، فجمع أصحابه من كل ناحية . ومضى في عدد عظيم فوصل إلى سرت . ~~واستقدم عبد ms5495 الرحمن بن رستم من القيروان ، فقدم بمن معه . فضاق ابن الأشعث ~~ذرعا بلقاء أبي الخطاب لما بلغه من كثرة جموعه . فاتفق تنازع زناته وهوارة ~~فيما بينهم . فقتلت هوارة رجلا من زناته . فاتهمت زناتة أبا الخطاب في ميله ~~مع هوارة ، ففارقه جماعة منهم . فبلغ ذلك ابن الأشعث فسر به . وضبط أفواه ~~السكك حتى انقطع خبره عن أبي الخطاب . فرجع إلى طرابلس . PageV24P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" ووصل ابن الأشعث إلى سرت . فخرج إليه أبو ~~الخطاب حتى صار بورداسة . فلما قرب منه ذكر ابن الأشعث لأصحابه أن خبرا ~~أتاه من المنصور بالرجوع إلى المشرق . وأظهر لهم المسرة بالرجوع . فشاع ذلك ~~في الناس . وسار منصرفا ميلا من نزل . فانتهى ذلك إلى أبي الخطاب وسمع به ~~من معه ، فتفرق كثير منهم . ثم أصبح ابن الأشعث فسار أميالا متثاقلا في ~~سيره . وفعل ذلك في اليوم الثالث . ثم اختار أهل الجلد والقوة من جيشه ، ~~وسار بهم ليله كله . فصبح أبا الخطاب وقد اختل عسكره . فلما التقوا ترجل ~~جماعة من أصحاب ابن الأشعث وقاتلوا . فانهزم البربر وقتل أبو الخطاب وعامة ~~من معه ، وذلك في شهر ربيع الأول من سنة أربع وأربعين ومائة . فكانت عدة من ~~قتل من البربر أربعين ألفا . ولما انتهى الخبر إلى عبد الرحمن بن رستم هرب ~~إلى تيهرت واختطها وبلغ أهل القيروان خبر أبي الخطاب ، فأوثقوا عامل ابن ~~رستم وولوا عليهم عمرو بن عثمان القرشي إلى أن قدم محمد بن الأشعث . ووصل ~~ابن الأشعث إلى طرابلس فاستعمل عليها المخارق بن غفار الطائي . ووجه ~~إسماعيل بن عكرمة الخزاعي إلى زويلة وما والاها ، ففتح تلك النواحي وقتل من ~~بها من الخوارج . وتوجه محمد إلى القيروان ، وأمر ببناء سورها ، وذلك في ~~يوم السبت غرة جمادى الأولى . فبنى في ذي القعدة ، وكان تمامه في شهر رجب ~~سنة ست وأربعين . وضبط إفريقية وأعمالها . وأمعن في قتل كل من خالفه من ~~البربر فخافوه خوفا شديدا وأذعنوا له بالطاعة . ثم فسد عليه جنده بعد ذلك ، ~~وتحدثوا أن المنصور كتب إليه يأمره أن يقدم ms5496 عليه وأنه أبى ذلك . فاجتمع ~~رأيهم إلى إخراجه وتولية عيسى بن موسى الخراساني . فلما رأى ذلك علم أنه لا ~~طاقة له بهم . فخرج في شهر ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة . وقام بأمر ~~الناس عيسى بن موسى من غير أمر أبي جعفر ولا رضا العامة إلا أن قواد ~~المضرية تراضوا به . PageV24P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" ذكر ولاية الأغلب بن سالم ابن عقال بن خفاجة ~~التميمي قال : ولما بلغ المنصور ما كان من المضرية وصرفهم محمد بن الأشعث ، ~~بعث إلى الأغلب عهده بولاية إفريقية ، وكان بطبنة . فقدم إلى القيروان ~~وأخرج عيسى بن موسى في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين . وأخرج جماعة من ~~قواد المضرية واستقامت له الحال . ثم خرج عليه أبو قرة في جمع كثير من ~~البربر . فسار إليه الأغلب في جميع قواده ، فهرب منه . وقدم الأغلب الزاب ، ~~وعزم على الرحيل إلى تلمسان ثم إلى طنجة . فاشتد ذلك على الجند ، وجعلوا ~~يتسللون عنه ويخرجون ليلا إلى القيروان ، حتى بقي في نفر يسير من وجوههم . ~~وكان الحسن بن حرب الكندي بتونس . فلما خرج الأغلب يريد أبا قرة ، كاتب ~~جماعة من القواد . فلحق به بعضهم الذين فارقوا الأغلب من الزاب . فأقبل إلى ~~القيروان ، ووازره على ذلك بسطام بن الهذيل القائد والفضل بن محمد وغيرهما ~~، فدخل القيروان من غير ممانعة . وحبس سالم بن سوادة التميمي ، وهو الذي ~~استخلفه الأغلب على القيروان عند رحيله منها . وبلغ الخبر الأغلب فأقبل في ~~عدة يسيرة ممن صبر على طاعته . وكتب إلى الحسن بن حرب يعرفه فضل الطاعة ~~وعقبى المعصية . فأعاد جوابه وكتب في آخره : ألا قولا لأغلب غير سر . . . ~~مغلغلة من الحسن بن حرب بأن البغي مرتعه وخيم . . . عليك وقربه لك شر قرب ~~وإن لم تدعني لتنال سلمى . . . وإلا فادن من طعني وضربي فأقبل الأغلب نحوه ~~يجد السير . فأشار عليه أصحابه الذين معه بالمصير إلى قابس . وأن يلطف ~~بالناس حتى يرجعوا عن الحسن إليه . ففعل ذلك . وقدم رسول المنصور إلى ~~الأغلب ، وإلى الحسن بن حرب يدعوه إلى الطاعة فلم ms5497 يفعل . فزحف إليه الأغلب ~~واقتتلوا قتالا شديدا . فانهزم الحسن وقتل من أصحابه خلق كثير . فرجع إلى ~~تونس . وأقبل الأغلب إلى القيروان . PageV24P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" وحشد الحسن بن حرب وسار في عدة عظيمة إلى ~~القيروان . فجمع الأغلب أهل بيته وخاصته وأعلمهم أنه يلاقي الحسن وحده إن ~~لم يعمنه أحد . فلما قرب ، خرج إليه الأغلب فشد هو وأصحابه على الميمنة ~~فكشفهم . ثم انصرف وهو يقول : لم يبق إلا القلب أو أموت . . . إن تحم لي ~~الحرب فقد حميت وإن توليت فلا بقيت ثم حمل على القلب فلم يثن حده حتى قتل ~~بسهم أصابه ، وذلك في شعبان سنة خمسين ومائة . قال : ولما سقط الأغلب صاح ~~الناس : قتل الأمير . وارتفعت الأصوات بذلك . قال : وكان سالم بن سوادة في ~~الميمنة هو وأبو العنبس . فقال سالم لأبي العنبس : لا أنظر إلى الدنيا بعد ~~اليوم . ودفع في عسكر الحسن بن حرب ، فقتل من أصحاب الحسن مقتلة عظيمة . ~~ووجد الحسن بن حرب مقتولا . ذكر ولاية عمر بن حفص هزارمرد وتفسيره ~~بالفارسية ألف رجل ، ويكنى أبا جعفر . وكان شجاعا بطلا . وهو من ولد قبيصة ~~بن أبي صفرة أخي المهلب . استعمله المنصور على إفريقية لما بلغه قتل الأغلب ~~. فقدمها في صفر سنة إحدى وخمسين ومائة في خمسمائة فارس . فاجتمع إليه وجوه ~~الناس ، فوصلهم وأحسن إليهم . فاستقامت له الأمور ثلاث سنين وأشهرا من ~~ولايته . ثم سار إلى الزاب فنزل طبنة . واستخلف على القيروان حبيب ابن حبيب ~~بن يزيد بن المهلب ، وكان كتاب المنصور قدم عليه بالشخوص إلى الزاب لبناء ~~طبنة . فخلت إفريقية من الجند فثار بها البربر . فخرج إليهم حبيب وقاتلهم ~~فقتل . واجتمع البربر بطرابلس وولوا عليهم أبا حاتم يعقوب بن حبيب مولى ~~كندة ، وهو الذي يسمى أبا قادم . وكان عامل عمر على طرابلس الجنيد بن سيار ~~الأزدي ، فبعث إليهم الجنيد خيلا عليهم مخازم بن سليمان . فالتقوا واقتتلوا ~~، فانهزم خازم وأصحابه ولحقوا بالجنيد بطرابلس . فكتب الجنيد إلى عمر ~~يستمده . فبعث إليه خالد بن يزيد المهلبي في أربعمائة فارس . فاجتمع هو ~~والجنيد والتقيا ms5498 مع البربر . فانهزم خالد والجنيد إلى قابس . فبعث عمر بن ~~حفص سليمان بن عباد المهلبي في جماعة من الجند . فلقي أبا قادم بقابس ، ~~فقاتله . فانهزم سليمان إلى القيروان . فسار إليها وحصرها ، وعمر مقيم ~~بطبنة ، وقد صارت إفريقية وأعمالها نارا تتقد . PageV24P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" وأتى البربر من كل مكان ، ومضوا إلى طبنة ~~فأحاطوا بها وهم في اثني عشر عسكرا : أبو قرة الصفري في أربعين ألف فارس ، ~~وعبد الرحمن بن رستم الإباضي في خمسة عشر ألف فارس ، وأبو حاتم في عدد كثير ~~، وكان إباضيا ، وعاصم السدراتي الإباضي في ستة آلاف ، والمسور الزناتي ~~الإباضي في عشرة آلاف فارس ، وعبد الملك بن سكرديد الصنهاجي الصفري في ألفي ~~فارس ، وجماعة غير هؤلاء ، وليس مع عمر إلا خمسة آلاف وخمسمائة . فلما رأى ~~ما حل به جمع قواده فاستشارهم في مناجزتهم . فأشراروا عليه ألا يخرج من ~~المدينة . فأعمل الحيلة في صرف الصفرية ، ووجه إليهم رجلا من أهل مكناسة ~~يقال له إسماعيل بن يعقوب . ودفع إليه أربعين ألف درهم وكسا كثيرة ، وأمره ~~بدفع ذلك إلى أبي قرة على أن ينصرف عنهم . فقدم عليه وعرض المال والكسا . ~~فقال له : أبعد أربعين سنة يسلم علي بالإمامة أبيع حربكم بعرض قليل من ~~الدنيا ؟ لا حاجة لي به . فانصرف إلى ابنه وقيل إلى أخيه . ودفع إليه أربعة ~~آلاف درهم وأثوابا على أن يعمل في صرف أبيه ورد الصفرية إلى بلدهم فعمل ذلك ~~من ليلته . فلم يشعر أبو قرة حتى ارتحل العسكر منصرفين إلى بلدهم . فلم يجد ~~بدا من اتباعهم . فلما انصرف الصفرية وجه عمر معمر بن عيسى السعدي في ألف ~~وخمسمائة إلى ابن رستم ، وهو بتهوذا في خمسة عشر ألف فارس . فالتقوا فانهزم ~~ابن رستم ووصل إلى تيهرت . ثم أقبل عمر بن حفص يريد القيروان . واستخلف على ~~طبنة المهنا بن المخارق بن غفار الطائي . فلما بلغ أبا قرة مسيره ، أقبل ~~بجموعه وحصر المهنا بطبنة . فخرج إليه وقاتله . فانهزم أبو قرة واستباحوا ~~عسكره . وكان أبو حاتم لما حصار القيروان أقام عليها ثمانية أشهر ms5499 ، وليس في ~~بيت مالها درهم واحد ولا في أهرائها شيء من الطعام . وكان الجند في تلك ~~المدة يقاتلون البربر طرفي النهار حتى جهدهم الجوع ، وأكلوا دوابهم وكلابهم ~~. فجعل الناس PageV24P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" يخرجون فيلحقون بالبربر . فبلغ ذلك عمر فأقبل ~~يريد القيروان في نحو سبعمائة من الجند حتى نزل مدينة الأربس فبلغ البربر ~~إقباله ، فرجعوا إليه بأجمعهم ورحلوا عن القيروان . فلما بلغه إقبالهم توجه ~~إلى ناحية تونس ، وأغذ السير . ومضى البربر حتى صاروا بناحية سمنجة . وسار ~~عمر من تونس وخرج جميل بن صخر من القيروان ، فالتقوا في بئر السلامة . ثم ~~أقبل حتى دخل القيروان . فبث خيوله حول القيروان وجعل يدخل إليها ما يصلحه ~~من الطعام والحطب وغير ذلك . واستعد للحصار ، وخندق خندقا على باب أبي ~~الربيع فعسكر فيه الجند . ثم قدم أبو حاتم في جنوده وقد بلغوا مائة ألف ~~وثلاثين ألفا . فقاتله عمر بمن معه أشد قتال . فانكشف حتى صار إلى الفسطاط ~~. ثم اقتتلوا بالفسطاط واشتد قتالهم وكاثروه حتى انحاز إلى الخندق بباب أبي ~~الربيع . وكان عمر يخرج إليهم في كل يوم ويقاتلهم فما زالوا على ذلك حتى ~~فنيت أقواتهم وأكلوا دوابهم والسنانير . فاضطرب على عمر أمره وضجر أصحابه ~~وساءت آراؤهم . فقال لمن معه من الجند : قد كان أصابكم من الجهد أمر عظيم ~~حتى قدمت عليكم ففرج الله عنكم بعض ما كنتم فيه . وقد ترون ما أنتم الآن ~~فيه . فإن شئتم خرجت أنا على ذراريهم وبلادهم . وجعلت عليكم أي الرجلين ~~شئتم : جميلا أو المخارق . وأخرج في ناس من الجند فأغير على نواحيهم وآتيكم ~~بالميرة . فقالوا : قد رضيا . وكان قد اجتمع حول القيروان من الإباضية مع ~~أبي حاتم ثلاثمائة ألف وخمسين ألفا : الخيل منها خمسة وثلاثون ألفا . فلما ~~هم بالخروج ، اختلفوا عليه وقالوا : تحب أن تخرج ونبقى نحن في الحصار ، لا ~~تخرج وأقم معنا . قال : نعم ، أقيم معكم وأخرج جميلا والمخارق ومن أحببتم . ~~قالوا : نعم . فلما جاءوا إلى باب المدينة قالوا : تقيم أنت في الراحة ~~ونخرج نحن لا والله لا نفعل . فغضب ms5500 عمر وقال : والله لأوردنكم حياض الموت . ~~وجاءه وهو محصور كتاب خليدة بنت المعارك امرأته تخبره فيه : إن أمير ~~المؤمنين قد استطأك فبعث يزيد بن حاتم إلى إفريقية ، وهو قادم في ستين ألفا ~~، ولا خير في الحياة بعد هذا . قال خراش ابن عجلان : فأرسل إلى فجئته ، وقد ~~ثار عرق بين عينيه وكان علامة غضبه . فأقرأني الكتاب فدمعت عنياي . فقال : ~~مالك ؟ . PageV24P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" فقلت : وما عليك أن يقدم رجل من أهلك فتخرج من ~~هذا الحصار ؟ . فقال : إنما هي رقدة حتى نبعث إلى الحساب فاحفظ وصتي . قال ~~خراش : فأوصي بما أحب . وخرج كالبعير الهائج . فلم يزل يطعن ويضرب حتى قتل ~~، وذلك في يوم السبت للنصف من ذي الحجة سنة أربع وخمسين ومائة . فلما قتل ~~بايع الناس جميل بن صخر ، وهو أخو عمر لأمه . فلما طال عليه الحصار دعاه ~~ذلك إلى موادعة أبي حاتم . فصالحه على أن جميلا وأصحابه لا يخلعون طاعة ~~سلطانهم ولا ينزعون سوادهم ، وعلى أن كل دم أصابه الجند من البربر فهو هدر ~~، وعلى أن لا يكرهوا أحدا من الجند على بيع سلاحهم ودوابهم . فأجابهم إلى ~~ذلك أبو حاتم . ففتح جميل أبواب المدينة وخرج أكثر الجند إلى طبنة . وأحرق ~~أبو حاتم أبواب المدينة وأثر في سورها . وبلغه قدوم يزيد بن حاتم فتوجه إلى ~~طرابلس ، واستخلف على القيروان عبد لعزيز بن السمح المعافري . ثم بعث إليه ~~أبو حاتم يأمره بأخذ سلاح الجند ، وألا يجتمع منهم اثنان في مكان واحد ، ~~وأن يوجه إليه بهم واحدا بعد واحد . فاجتمعوا واستوثق بعضهم من بعض ~~بالأيمان المؤكدة أن لا يرضوا بهذا . وقويت قلوبهم بيزيد بن حاتم . فلقوا ~~عمر بن عثمان الفهري واتفقوا معه وولوه أمرهم . فقبله وقام على أصحاب أبي ~~حاتم فقتلهم . واتصل ذلك بأبي حاتم فزحف من طرابلس . فلقي عمر بن عثمان ومن ~~معه . فاقتتلوا فقتل من البربر خلق كثير . ومضى عمر بن عثمان وأصحابه نحو ~~تونس . ومضى جميل بن صخر والجنيد ابن سيار هاربين نحو المشرق . وخرج أبو ~~حاتم في طلب عمر بن ms5501 عثمان . ووجه قائدا من قواده يقال له جرير بن مسعود ~~المديوني على مقدمته . فأدركه بجيجل من ناحية كتامة . فقاتلوه فقتل جرير بن ~~مسعود وأصحابه . وانصرف عمر والمخارق فدخلا تونس ، ومضى أبو حاتم إلى ~~طرابلس حين بلغه قدوم يزيد بن حاتم . ولحق جميل بن صخر بيزيد وهو بسرت . ~~فأقام إلى أن لقي أبا حاتم . فيقال : إنه كان بين الجند والبربر من لدن ~~قتالهم عمر بن حفص إلى انقضاء أمرهم ثلاثمائة وخمس وسبعون وقعة . ~~PageV24P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" ذكر ولاية يزيد بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب ~~بن أبي صفرة قال : ولما اتصل بأبي جعفر المنصور حال عمر بن حفص وحصره ثم ~~بلغه أنه قتل ، غمه ذلك وساءه . فوجه يزيد بن حاتم في ثلاثين ألفا من أهل ~~خراسان ، وستين ألفا من أهل البصرة والكوفة والشام . فأقبل حتى صار إلى سرت ~~. فاجتمع بجميل ابن صخر وبمن معه من الجند القادمين عليه من القيروان ، ~~وسار نحو طرابلس . فسار أبو حاتم إلى جبال نفوسة . وجعل يزيد على مقدمته ~~سالم بن سوادة التميمي . فالتقى سالم هو وأبو حاتم ، واقتتلوا قتالا شديدا ~~. فانهزم سالم وأصحابه ، ورجعوا إلى عسكر يزيد . وهال أبو حاتم أمر يزيد ~~فطلب أوعر المنازل وأمنعها ، فعسكر فيها ، وخندق على عسكره . فأتاه يزيد من ~~ناحية الخندق ، والتقوا واقتتلوا . فقتل أبو حاتم وأهل البصائر من أصحابه ، ~~وانهزم الباقون . وطلبهم يزيد فقتلهم قتلا ذريعا . وبعث خيله في طلبهم بكل ~~ناحية . فكان عدة من قتل منهم ثلاثين ألفا . ويقال : إنه لم يقتل من الجند ~~إلا ثلاثة . وذلك في يوم الاثنين لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة خمس ~~وخمسين ومائة . وأقام يزيد بمكانه ذلك نحوا من شهر . وبث خيله في طلب ~~الخوارج فقتلهم في كل سهل وجبل . ثم رحل حتى نزل قابس فدخلها لعشر بقين من ~~جمادى الآخرة . واستقامت له الأمور بعد أن قتل البربر بكل ناحية . وبنى ~~يزيد المسجد الأعظم بالقيروان ، وجدده في سنة سبع وخمسين . ورتب أسواق ~~القيروان ، وجعل كل صناعة في مكانها ، حتى لو قيل : إنه ms5502 الذي مصرها ، لم ~~يبعد من الحق . ولم تزل البلاد مستقيمة والأمور ساكنة مدة حياته إلى أن ~~توفي في شهر رمضان PageV24P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" سنة سبعين ومائة في خلافة الرشيد . وكان كريما ~~شجاعا نافذ الرأي ، بعيد الصيت ، غاية في الجود . وهو القائل : لا يألف ~~الدرهم المضروب خرقتنا . . . إلا لماما قليلا ثم ينطلق يمر مرا عليها وهي ~~تلفظه . . . إني امرؤ لم يحالف خرقتي الورق وله أخبار بإفريقية تدل على ~~كرمه وبعد همته . فمن مشهورها أن بعض وكلائه أتاه يوما فقال : أعز الله ~~الأمير أعطيت في الفول الذي زرعناه بفحص القيروان كذا وكذا . وذكر ما لا ~~جليلا . فسكت وأمر قهرمانه وطباخه أن يخرجا إلى ذلك الموضع . وأمر فراشيه ~~أن يضربوا قبة ، فضربوا مضارب كثيرة . وخرج مع أصحابه فتنزه فيه وأطعم . ~~فلما أراد الانصراف دعا بالوكيل وأمر بأدبه وقال له : يا ابن اللخناء ، ~~أردت أن أعير بالبصرة فيقال : يزيد بن حاتم باقلاني أمثلي يبيع الفول ، لا ~~أم لك ؟ . ثم أمر بإباحته . فخرج الناس إليه من بين آكل وشارب ومتنزه حتى ~~أتوا على جميعه . ومن أخباره المشهورة أنه خرج متنزها إلى منية الخيل ، ~~فنظر في طريقه إلى غنم كثيرة . فقال : لمن هذه ؟ قالوا : لابنك إسحاق . ~~فدعا به فقال له : ألك هذه الغنم ؟ . قال : نعم . قال : لم أردتها ؟ . قال ~~: آكل من خرافها وأشرب من ألبانها وأنتفع بأصوافها . قال : فإذا كنت أنت ~~تفعل هذا ، فما بينك وبين الغنامين والجزارين فرق . وأمر أن تذبح وتباح ~~للناس . فانتهبوها وذبحوها وأكلوا لحومها . وجعلوا جلودها على كدية ، فهي ~~تعرف بكدية الجلود . وله مكارم يطول شرحها رحمه الله تعالى . ذكر ولاية ~~داود بن يزيد بن حاتم قال : ولما مرض يزيد استخلف ابنه داود ، فاستقل ~~بالأمر بعده فانتقض عليه البربر بجبال باجة ، وخرج صالح بن نصير النفري في ~~الإباضية . فلقيه المهلب بن يزيد بباجة . فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة . ~~فوجه إليهم داود سليمان بن الصمة بن يزيد بن حبيب ابن المهلب في عشرة آلاف ~~فارس . فهزم البربر وتبعهم وقتل منهم أكثر من عشرة ms5503 آلاف ، وسلم الجند . قال ~~: وانضم إلى صالح ابن نصير جماعة من مشيخة البربر . فزحف إليهم سليمان بن ~~الصمة فقتل من أهل البصائر منهم وانصرف إلى القيروان . PageV24P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" وأقام داود على إفريقية حتى قدم عمه روح بن ~~حاتم أميرا . فكانت ولاية داوود تسعة أشهر ونصف شهر . وسار إلى المشرق ~~فأكرمه الرشيد وولاه مصر ، ثم ولي السند فمات بها . ذكر ولاية روح بن حاتم ~~بن قبيصة ابن المهلب بن أبي صفرة قال : ولما بلغ الرشيد وفاة يزيد بن حاتم ~~استعمل روح بن حاتم على المغرب ، وكان أكبر من يزيد سنا . فوصل إلى ~~القيروان في شهر رجب سنة إحدى وسبعين ومائة في خمسمائة فارس من الجند . ثم ~~لحق به ابنه قبيصة في ألف وخمسمائة فارس . ولم تزل البلاد معه هادئة والسبل ~~آمنة . وملىء البربر منه رعبا . ورغب في موادعة عبد الوهاب بن رستم الإباضي ~~صاحب تيهرت ، وهو الذي تنسب إليه الوهبية . فلم تزل الأحوال مستقيمة مدة ~~ولايته إلى أن توفي لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربع وسبعين ~~ومائة . ذكر ولاية نصر بن حبيب المهلبي قال المؤرخ : كان روح بن حاتم قد ~~أسن وكبر ، وإذا جلس للناس غلبه النوم من الضعف . فكتب أبو العنبر القائد ~~وصاحب البريد إلى الرشيد بضعفه وكبره ، وأنهما لا يأمنان موته ، وهو ثغر لا ~~يقوم بغير سلطان ، وذكرا نصر بن حبيب ، وحسن سيرته ، ومحبة الناس له . ~~وقالا : إن رأى أمير المؤمنين ولايته في السر إن حدث بروح حادث حتى يرى ~~أمير المؤمنين رأيه . فكتب الرشيد عهده سرا . فلما مات روح فرش لابنه قبيصة ~~في الجامع فجلس واجتمع الناس للبيعة له . فركب أبو العنبر وصاحب البريد إلى ~~نصر ومعهما عهده . فأوصلاه العهد وسلما عليه بالإمرة ، وأركباه إلى المسجد ~~فيمن معهما . فأقاما قبيصة وأجلسا نصرا . وقريء كتاب الرشيد على الناس ~~فسمعوا وأطاعوا . فبسط العدل وأحسن إلى الناس . وأقام واليا على المغرب ~~سنتين وثلاثة أشهر . وكان الفضل بن روح لما مات أبوه عاملا على الزاب ، ~~فلما ظهر كتاب ms5504 الرشيد بولاية نصر سار إلى الرشيد ، ولزم بابه حتى ولاه ~~المغرب . PageV24P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" ذكر ولاية الفضل بن روح قال : ولما ولاه ~~الرشيد كتب إلى إفريقية بعزل نصر ، وأن يقوم بإفريقية المهلب بن يزيد إلى ~~أن يقدم . ثم قدم في المحرم سنة سبع وسبعين ومائة . وولى على تونس ابن أخيه ~~المغيرة بن بشر بن روح ، وكان غرا فاستخف بالجند ، وسار فيهم بغير سيرة من ~~تقدمه ، ووثق أن عمه لا يعزله . فاجتمعوا وكتبوا إلى الفضل كتابا يخبرونه ~~بسوء صنيع المغيرة فيهم وقبيح سيرته . فتثاقل الفضل عن جوابهم . فانضاف هذا ~~إلى أمور كانوا قد كره وما من الفضل منها استبداده برأيه دونهم . فاجتمعوا ~~وولوا أمرهم عبد الله ابن الجارود وهو المعروف بعبدويه وبايعوه بعد أن ~~استوثق منهم . ثم انصرفوا إلى دار المغيرة فحصروه . فبعث إليهم يسألهم ما ~~الذي يريدون . فقالوا : ترحل عنا وتلحق بصاحبك أنت ومن معك . وكتب عبدويه ~~إلى الأمير الفضل : من عبد الله بن الجارود . أما بعد ، فإنا لم نخرج ~~المغيرة إخراج خلاف عن طاعة ، ولكن لأحداث أحدثها فيها فساد الدولة . لول ~~علينا من نرضاه وإلا نظرنا لأنفسنا ، ولا طاعة لك علينا والسلام . فكتب ~~إليه : من الفضل بن روح إلى عبد الله بن الجارود . أما بعد ، فإن الله عز ~~وجل يجري قضاياه فيما أحب الناس أو كرهوا ، وليس اختياري واليا اخترته لكم ~~أو اخترتموه بحائل دون شيء أراد الله عز وجل بلوغه فيكم . وقد وليت عليكم ~~عاملا ، فإن دفعتموه فهو آية النكث منكم . والسلام . وبعث عبد الله بن يزيد ~~المهلبي عاملا على تونس . وضم إليه النضر بن حفص ، وأبا العنبر ، والجنيد ~~بن سيار . فلما وصل ظاهر تونس ، أشار أصحاب عبدويه عليه بقبضه هو ومن معه ~~وحبسهم . فخرج أصحاب عبدويه إلى عبد الله ابن يزيد ، فحملوا عليه وقتلوه ~~وأسروا من معه . فقال عبدويه : ما لهذا بعثتكم ، فأما إذا وقع فما رأيكم ؟ ~~فأجمعوا على الخلاف . وأخذوا في المكائد . وتولى أمر عبدويه محمد بن ~~الفارسي ، وهو الذي أصار هذه الفتنة . وشرع في مكاتبة ms5505 القواد وإفسادهم ، ~~ووعد كل واحد منهم أنه يوليه الأمر . ففسد الحال على الفضل . وكانت أمور ~~يطول شرحها ، وحرب آخرها أن ابن الجارود PageV24P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" سار فيمن معه إلى القيروان ، وقاتل الفضل ~~وهزمه ، واستولى على البلد وأخرجه منها . ثم قبض عليه وأراد أن يحبسه . ~~فقال أصحابه : لا نزال في حرب ما دام الفضل حيا . فدافع عنه محمد بن ~~الفارسي وأشار أن لا يقتلوه . فقاموا إليه وقتلوه . فعند ذلك أمر عبدويه ~~المهلب بن يزيد ونصر بن حبيب وخالدا وعبد الله بن يزيد بالخروج من إفريقية ~~، فخرجوا كلهم . ذكر أخبار عبد الله بن الجارود قال : ولما قتل الفضل ~~واستولى عبد الله على القيروان ، سمع شمدون القائد ما صنع بالفضل ، فقام ~~غضبا له . واجتمع في الأربس هو وفرح بن عبد الرحمن الكلاعي القائد ، ~~والمغيرة ، وغيرهم . وأقبل عليهم أبو عبد الله مال بن المنذر الكلبي من ~~ميلة ، وكان واليا عليها في عدد كثير ، فقدموه على أنفسهم . واجتمع إليهم ~~الناس . والتقوا بابن الجارود واقتتلوا . فقتل مالك بن المنذر ، وانهزم ~~أصحابه حتى صاروا إلى الأربس . فكتب شمدون إلى العلاء بن سعيد - وهو بالزاب ~~- أن يقدم عليه . فأقبل إلى الأربس واجتمع بالمغيرة وشمدون وفلاح وغيرهم . ~~وأقبل العلاء يريد القيروان فصادف ابن الجارود وقد خرج منها يريد يحيى بن ~~موسى خليفة هرثمة بن أعين ، وذلك أن الرشيد لما اتصل به وثوب ابن الجارود ~~على الفضل وإفساده إفريقية ، وجه يقطين بن موسى لمحله من دعوتهم ، ومكانه ~~من دولتهم ، وكبر سنه ، وحاله عند أهل خراسان . وأمر بالتطلف بابن الجارود ~~وإخراجه من البلد . ووجه معه المهلب بن رافع . ثم وجه منصور بن زياد ، ~~وهرثمة بن أعين أميرا على المغرب . فأقام ببرقة . وقدم يقطين القيروان فجرى ~~بينه وبين ابن الجارود كلام كثير . ودفع إليه كتاب الرشيد ، فقال ليقيطين : ~~قد قرأت كتاب أمير المؤمينين ، وأنا على السمع والطاعة . وفي كتاب أمير ~~المؤمنين أنه ولي هرثمة بن أعي ، وهو ببرقة يصل بعدكم . ومع العلاء البربر ~~، فإن تركت الثغر وثب البربر فأخذوه وقتلوا العلاء ولا ms5506 يدخله وال لأمير ~~المؤمنين أبدا ، فأكون أشأم الخلق على هذا الثغر . ولكن أخرج إلى العلاء ، ~~فإن ظفر بي فشأنكم بالثغر ، وإن ظفرت به انتظرت قدوم هرثمة . ثم أخرج إلى ~~PageV24P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" أمير المؤمنين فاجتمع يقطين مع محمد بن يزيد ~~الفارسي - وهو صاحب ابن الجارود - ووعده التقدم وقيادة ألف فارس وصلة ~~وقطيعة في أي المواضع شاء ، على أن يفسد حال عبد الله بن الجارود . ففعل ~~ذلك وسعى في إفساد الخواطر على ابن الجارود ، ورغب الناس في الطاعة . ~~فمالوا إليه وانضموا له . وخرج على ابن الجارود أن اخرج إلي حتى لا يسمع ~~كلامي وكلامك غيرنا . فخرج إليه فحدثه وشاغله بالكلام ، وكان قد وضع على ~~قتله رجلا من أصحابه يقال له أبو طالب فخرج إليه - وهو مشغول بحديث عبد ~~الله - فما شعر حتى حمل عليه وضربه فدق صلبه ، فانهزم أصحابه . وقدم يحيى ~~بن موسى خليفة هرثمة إلى طرابلس . فصلى عيد الأضحى بالناس وخطبهم . وقدم ~~عليه جماعة من القواد واستفحل أمره . وأقبل العلاء بن سعيد يريد القيروان . ~~فعلم ابن الجارود أنه لا طاقة له بالعلاء . فكتب إلى يحيى أن اقدم إلى ~~القيروان فإني مسلم إليك سلطانها . وأجاب إلى الطاعة . فخرج يحيى بن موسى ~~بمن معه من طرابلس في المحرم سنة تسع وسبعين ومائة . فلما بلغ قابس تلقاه ~~بها عامة الجند الذي بالقيروان . وخرج ابن الجارود من القيروان في مستهل ~~صفر ، واستخلف عليها عبد الملك بن عباس . وكانت أيام ابن الجارود سبعة أشهر ~~. وأقبل العلاء بن سعيد ويحيى بن موسى متسابقين إلى القيروان ، فسبقه ~~العلاء إليها . فقتل منها جماعة من أصحاب ابن الجارود . فبعث إليه يحيى : ~~إن كنت على الطاعة ففرق جموعك . فأمر من معه بالانصراف إلى مواضعهم . وسار ~~في نحو ثلاثمائة من خاصته إلى طرابلس . وكان ابن الجارود قد وصل إليها قبل ~~وصوله وخرج مع يقطين بن موسى نحو المشرق حتى وصل إلى هارون الرشيد . قال : ~~وكتب العلاء إلى منصور وهرثمة أنه الذي أخرج ابن الجارود من إفريقية . فكتب ~~إليه هرثمة بالقدوم ، وأجازه ms5507 بجائزة سنية . وبلغ خبره هارون ، فكتب إليه ~~بمائة ألف درهم صلة سوى الكسا ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى توفي بمصر . ذكر ~~ولاية هرثمة بن أعين قال : وقدم هرثمة القيروان في مستهل شهر ربيع الآخر ~~سنة تسع وسبعين ومائة فأمن الناس وسكنهم وأحسن إليهم . وهو الذي بني القصر ~~الكبير بالمنستير في سنة PageV24P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" ثمانين ومائة . وبني أيضا سور مدينة طرابلس ~~مما يلي البحر . وواتر الكتب إلى الرشيد أن يعفيه من إفريقية لما رأى ~~الاختلاف بها وسوء طاعة أهلها . فكتب إليه بالقدوم إلى المشرق . فرجع في ~~شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة . ذكر ولاية محمد بن مقاتل بن حكيم العكي ~~قال : ولما كتب هرثمة إلى هارون يسأله الإعفاء وجه محمد بن مقاتل أميرا ~~للمغرب ، وكان رضيع هارون . فقدم القيروان في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ~~ومائة . ولم يكن بالمحمود السيرة ، فاضطربت عليه أحواله واختلف جنده ، وكان ~~سبب الاضطراب عليه أنه اقتطع من أرزاق الجند وأساء السيرة فيهم وفي الرعية ~~. فقام فلاح القائد ، ومشى في أهل الشام وخراسان حتى اجتمع رأيهم على تقديم ~~مرة بن مخلد الأزدي . وخرج عليه بتونس تمام بن تميم التميمي - وكان عامله ~~عليها - فبايعه جماعة من القواد وأهل الشام وأهل خراسان . فخرج في النصف من ~~شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائة إلى القيروان . وخرج إليه ابن العكي فيمن ~~معه ، فقاتله قتالا شديدا في منية الخيل ، فانهزم ابن العكي ودخل القيروان ~~، وتحصن في دار كان قد بناها ، وجلا عن دار الإمارة . وأقبل تمام ودخل ~~القيروان في يوم الأربعاء لخمس بقين من شهر رمضان . فأمنه تمام على دمه ~~وماله ، على أنه يخرج عنه . فخرج تلك الليلة وسار حتى وصل إلى طرابلس ثم ~~مضى إلى سرت . وعاد إلى طرابلس بمكاتبة بعض أهل خراسان . فنهض إبراهيم بن ~~الأغلب من الزاب على تمام غضبا للعكي . فلما بلغ تماما إقباله جلا عن ~~القيروان ، ودخلها إبراهيم بن الأغلب ، فخطب الناس وأعلمهم أن أميرهم محمد ~~بن مقاتل . وكتب إليه بالرجوع ، فرجع . ثم أخذ تمام في ms5508 مراسلة الناس ~~وإفسادهم على العكي فمالوا إليه . فكثر جمعه وطاب نفسا بقتال العكي . وكتب ~~إليه : أما بعد . فإن إبراهيم بن الأغلب لم يبعث إليك فيردك من كرامتك عليه ~~ولا للطاعة التي يظهرها ، ولكنه كره أن يبلغك أنه أخذ البلاد فترجع إليه . ~~فإن منعك كان مخالفا ، وإن دفعها إليك كان كارها . فبعث إليك PageV24P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" لترجع ثم يسلمك إلى القتل . وغدا تعرف ما جربت ~~من وقعتنا أمس . وفي آخره : وما كان إبراهيم من فضل طاعة . . . يرد عليك ~~الثغر إلا لتقتلا فلو كنت ذا عقل وعلم بكيده . . . لما كنت منه يا بن عك ~~لتقبلا فلما وصل كتابه ، قرأه العكي ودفعه إلى إبراهيم بن الأغلب . فقرأه ~~وضحك وقال : قاتله الله ضعف عقله زين له ما كتب به فكتب إليه ابن العكي : ~~من محمد بن مقاتل إلى الناكث تمام . أما بعد ، فقد بلغني كتابك ، ودلني ما ~~فيه على قلة رأيك . وفهمت قولك في إبراهيم . فإن كنت كتبت نصيحة ، فليس من ~~خان الله ورسوله وكان من المفسدين بمقبول منه ما يتنصح به . وإن كانت خديعة ~~فأقبح الخدائع ما فطن له . وأما ما ذكرت من إسلام إبراهيم إذا التقينا ، ~~فلعمر أبيك ما يلقاك أحد غيره . وأما قولك : إنا جربنا من وقعتك أمس ما ~~سنعرفه غدا ، فإن الحرب سجال : فلنا يا تمام عليك العقبى إن شاء الله وفي ~~أسفله : وإني لأرجو إن لقيت ابن أغلب . . . غداة المنايا أن تفل وتقتلا ~~تلاقى فتى يستصحب الموت في الوغى . . . ويحمى بصدر الرمح مجدا مؤئلا فأقبل ~~تمام من تونس في جمع عظيم . وأمر ابن العكي من كان معه من أهل الطاعة ~~بالخروج إليه وتقدمة إبراهيم بن الأغلب . والتقوا واقتتلوا فانهزم تمام إلى ~~تونس ، وقتل جماعة من أصحابه . وانصرف العكي إلى القيروان ثم أمر إبراهيم ~~بالمسير إلى تمام بتونس ، وذلك في شهر المحرم سنة أربع وثمانين ومائة . ~~فلما بلغ تماما إقباله كتب إليه يسأله الأمان ، فأمنه . وأقبل به إلى ~~القيروان يوم الجمعة لثمان خلون من الشهر . فلما صار الأمر إلى إبراهيم ms5509 بن ~~الأغلب بعث تمام بن تميم وغيره من وجوه الجند الذين شأنهم الوثوب على ~~الأمراء إلى بغداد ، فحبسوا في المطبق . PageV24P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" قال : ودام محمد بن مقاتل في القيروان إلى أن ~~عزله الرشيد واستعمل إبراهيم بن الأغلب ، على ما نذكره في أخبار دولة بني ~~الأغلب إن شاء الله تعالى . ذكر ابتداء دولة بني الأغلب هذه الدولة أول ~~دولة قامت بإفريقية وجرى عليها اسم الدولة . وكان من قبلهم عمالا إذا مات ~~أحد منهم أو صدر منه ما يوجب العزل ، عزله من يكون أمر المسلمين إليه من ~~الخلفاء في الدولة الأموية والعباسية . فلما قامت هذه الدولة كانت ~~كالمستقلة بالأمر . وإنما كانت ملوكها تراعى أوامر الدولة العباسية ، وتعرف ~~لها حق الفضل والأمر ، وتظهر طاعة مشوبة بمعصية . ولو أرادوا عزل واحد منهم ~~والاستبدال به من غير البيت لخالفوهم . وصار ملوك هذه الدولة يوصون بالملك ~~بعدهم لمن يرونه من أولادهم وإخوتهم ، فلا يخالفه قوادهم ولا يراعون أهلية ~~من يوصى إليه بل يقدمونه على أي صفة كان مستحقا أو غير مستحق . وسنذكر من ~~أخبارهم ما يدل على ذلك . وكان عدة من ملك منهم أحد عشر ملكا . ومدة أيامهم ~~مائة سنة واثنتي عشرة وأياما . وأول من ملك منهم إبراهيم بن الأغلب . ذكر ~~ولاية إبراهيم بن الأغلب بن سالم ابن عقال بن خفاجة التميمي قال : لما كان ~~من أمر إبراهيم بن الأغلب ما ذكرناه ، من نصرته لابن المكي وإخراجه تمام بن ~~تميم وإعادة العكي ، كتب يحيى بن زياد صاحب البريد بالخبر إلى هارون الرشيد ~~. فقرأ الكتاب على أصحابه ، وقال لهرثمة بن أعين : أنت قريب العهد . فقال : ~~يا أمير المؤمنين ، قد سألتني في مقدمي منها عن طاعة أهلها ، وأخبرتك أنه ~~ليس بها أحد أفضل طاعة ولا أبعد صيتا ولا أرضى عند الناس من إبراهيم . ثم ~~صدق قولي قيامه بطاعتك . فأمر الرشيد بكتابة عهده على إفريقية . فلما وصل ~~إليه العهد ، أرسل إلى ابن العكي : أقم ما شئت حتى تتجهز . فأقام أياما ثم ~~رحل إلى طرابلس . فوافاه حماد السعودي بكتابين ms5510 قدم بهما إلى إفريقية على ~~العادة . فافترى ابن العكي كتابا ثالثا بعزل إبراهيم وولايته وبعث به إلى ~~القيروان . فلما قريء على الناس قالوا لإبراهيم : أقم بمكانك واكتب إلى ~~أمير المؤمنين ، فإن ابن العكي اختلق هذا زورا ، ولم يكافئك على نصرتك له ~~وحقنك دمه . فقال : والله لقد ظننت ظنكم وإنما اجترأ ابن العكي على الثغر ~~لموضعه من PageV24P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" جعفر بن يحيى . ثم عسكر إبراهيم يريد الخروج ~~إلى الزاب وأتى كتاب محمد بن مقاتل إلى سهل ابن حاجب يستخلفه إلى أن يقدم . ~~فكتب صاحب البريد إلى الرشيد . فغضب وكتب إلى ابن العكي : أما بعد ، فلم ~~يكن آخر أمرك يشبه إلا أوله . فلأي مناقبك أوثرك على إبراهيم بولاية الثغر ~~: ألفرارك وإقدامه أم لجزعك وصبره أم لخلافك وطاعته ؟ فإذا نظرت في كتابي ، ~~فاقدم غير محمود الفعال . وكتب إلى إبراهيم بتجديد ولايته . فوصل الرسول ~~إلى القيروان وإبراهيم بالزاب فمضى إليه . وكانت ولايته الثانية التي استقر ~~بها ملكه وملك بنيه من بعده ، لاثنتي عشرة ليلة مضت من جمادى الآخرة سنة ~~أربع وثمانين ومائة . وقف ابن العكي إلى المشرق . قال : ولما ولي إبراهيم ~~قمع أهل الشر بإفريقية ، وضبط البلاد ، وأحسن إلى من بها . وبعث بأهل الشر ~~الذين جرت عادتهم بمخالفة الأمراء والوثوب عليهم إلى بغداد كما ذكرنا . ~~وابتنى إبراهيم قصرا وجعله متنزها . ثم جعل ينقل غليه السلاح والأموال سرا ~~. وهو مع ذلك يراعي أمور أجناده ويصلح طاعتهم ويصبر على جفائهم . وأخذ في ~~شراء العبيد وأظهر أنه يحب أن يتخذ من كل صناعة من يغنيه عن استعمال الرعية ~~في كل شيء . ثم اشترى عبيدا لحمل سلاحه وأظهر للجند أنه أراد بذلك إكرامهم ~~عن حمله . لوما تهيأ له من ذلك ما أراده انتقل من دار الإمارة وصار إلى ~~قصره بعبيده وحشمه وأهل بيته ؛ وكان انتقاله ليلا . وأسكن معه من يثق به من ~~الجند . وكان يتولى الصلاة بنفسه في المسجد الجامع بالقيروان والمسجد الذي ~~بناه بالقصر . وفي أيامه خرج حمديس بن عبد الرحمن الكندي فخلع السواد . ~~وجمع جموعا ms5511 كثيرة وأتى بعرب أهل البلد وبربرها ، وكثرت جموعه بمدينة تونس . ~~فبعث إليه إبراهيم عمران بن مجالد ومعه وجوه القواد . فالتقوا بسبخة تونس ~~واقتتلوا قتالا شديدا ، وكثر بينهم القتل . وجعل أصحاب حمديس يقولون : ~~بغداد بغداد ، فلا والله لا اتخذت لكم طاعة بعد اليوم أبدا . ثم قتل حمديس ~~وانهزم أصحابه . ودخل عمران تونس ونتبع من كان مع حمديس وقتلهم حتى أفناهم ~~. وكان خروجه في سنة ست وثمانين ومائة . وفي أيامه جمع إدريس بن إدريس بن ~~عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب جموعا كثيرة ، وأطاعه من حوله ~~من القبائل . فكره إبراهيم قتاله وعلم في PageV24P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" إفساد أصحابه عليه . وكتب إلى بهلول بن عبد ~~الواحد المدغري ، وكان رئيسا مطاعا في قومه ، وهو القائم بأمر إدريس وصاحب ~~سره ، ولم يزل به حتى فارقه وعاد إلى الطاعة . فلما فعل ذلك كتب إدريس إلى ~~إبراهيم كتابا يستعطفه ويسأله الكف عنه ويذكر قرابته من رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، فلم يجر بينهما حرب . وخرج عن طاعة إبراهيم أيضا عمران ~~بن مجالد . وكان سبب خروجه أن إبراهيم لما بني قصره المعروف القديم ركب ~~يوما وهو يفكر في الانتقال إليه ومعه عمران بن مجالد . فجعل عمران يحادثه ~~من حيث ركبا إلى أن بلغا مصلى روح ، فلم يفقه إبراهيم من حديثه شيئا . فقال ~~لعمران : ألم تعلم أني لم أسمع من حديثك شيئا . فقال لعمران : ألم تعلم أني ~~لم أسمع من حديثك شيئا . أعده علي . فغضب عمران وقال : أحدثك من حيث خرجت ~~وأنت لاه عني . وتغير ن ذلك اليوم وألب على إبراهيم . فلما انتقل إبراهيم ~~إلى قصره وأقام مدة ، ثار عمران في جيشه . واستولى على القيروان وقوي أمره ~~وكثرت أتباعه . ودامت الحرب بينه وبين إبراهيم سنة كاملة ، كانت خيل ~~إبراهيم تضرب إلى القيروان فتقتل من قدرت عليه ، وخيل عمران تفعل مثل ذلك . ~~ثم وصل إلى إبراهيم رسول أمير المؤمنين بأرزاق الجند فوجه ابنه عبد الله ~~إلى طرابلس ، فقبض أرزاق الجند ووصل بها إلى أبيه ms5512 . فلما صرا المال إليه ، ~~تطلعت أنفس الجند إلى أرزاقهم وهموا بإسلام عمران . وتبين ذلك له . فركب ~~إبراهيم في خيله ورجله وعبيده ، وعبأ عساكره تعبئة الحرب ، وتوجه إلى ~~القيروان . حتى إذا قرب منها أمر مناديه فنادى : من كان له اسم في ديوان ~~أمير المؤمنين فليقدم لقبض عطائه . ثم انصرف إلى قصره ولم يحدث شيئا . فلما ~~أمسى عمران أيقن أن الجند تسلمه . فركب وسار إلى الزاب ليلا ومعه عمرو بن ~~معاوية وعامر بن المعتمر . فخلع إبراهيم أبواب القيروان وثلم في سورها . ~~وقوي عند ذلك أمره . وزاد في بناء القصر القديم . وأقطع فيه الدور لأهل ~~بيته وأنصاره ومواليه . وبقي عمران بالزاب إلى أن توفي إبراهيم وصار الأمر ~~إلى ابنه أبي العباس . فمكتب إليه يسأله الأمان فأمنه . وقدم إليه وأسنه ~~القصر . ثم سعى به فقتله . واستمرت أيام إبراهيم إلى سنة ست وتسعين ومائة ، ~~فتوفى لثمان بقين من شوال منها ، وهو ابن ست وخمسين سنة . وكانت مدة ولايته ~~اثنتي عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام . وكان فقيها ، عالما ، خطيبا ، ~~شاعرا ، ذا رأي وبأس ، وحزم ، وعلم بالحروب ومكائدها ، جرىء الجنان ، طويل ~~اللسان ، حسن السيرة . قال ابن الرقيق : لم يل PageV24P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" إفريقية قبله أحد من الأمراء أعدل منه سيرة ~~ولا أحسن سياسة ، ولا أرفق برعية ، ولا أضبط للأمر . وكان كثير الطلب للعلم ~~، والاختلاف إلى الليث بن سعد . وله أخبار حسنة وآثار جميلة ، رحمه الله ~~تعالى . ذكر ولاية أبي العباس عبد الله ابن إبراهيم بن الأغلب قال : لما ~~مات إبراهيم بن الأغلب ، صار الأمر بعده إلى ابنه أبي العباس عبد الله ، ~~وكان إذ ذاك بطرابلس ، فقام له أخوه زيادة الله بالأمر ، وأخذ له البيعة ~~على نفسه وأهل بيته وجميع رجاله . وقدم عبد الله من طرابلس في صفر سنة سبع ~~وتسعين ومائة . فتلقاه الله وسلم إليه الأمر . قال : فحمل عبد الله في ~~ولايته على أخيه زيادة الله حملا شديدا وتنقصه ، وأمر بإطلاق من كان في ~~حبسه . وزيادة الله مع ذلك يظهر له التعظيم والتبجيل . وأراد عبد الله ms5513 أن ~~يحدث جورا عظيما على الرعية فأهلكه الله عز وجل قبل ذلك . وكان قد أمر صاحب ~~خراجه أن لا يأخذ من الناس العشر ، ولكن يجعل على كل زوج تحرث ثمانية ~~دنانير أصاب أم لم يصب . فاشتد ذلك على الرعية وسألوه فلم يجب سؤالهم . ~~وقدم حفص بن حميد الجزري ، ومعه قوم صالحون من أهل الجزيرة وغيرها . ~~فأستأذنوا على أبي العباس فأذن لهم . فدخلوا عليه - وكان من أجمل الناس - ~~فكلمه حفص ابن حميد فكان فيما قال له : أيها الأمير ، اتق الله في شبابك ، ~~وارحم جمالك وأشفق على بدنك من النار . ترى على كل زوج بحرث به ثمانية ~~دنانير . فأزل ذلك عن رعيتك ، وخذ فيهم بكتاب الله وسنة نبيه ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . فإن الدنيا زائلة عنك كما زالت عن غيرك . فلم يجبه إلى شيء ~~مما أراد . وتمادى على سوء فعله وأظهر الاستخفاف بهم . فخرج حفص بن حميد ~~ومن معه فتوجهوا نحو القيروان . فلما صاروا بوادي القصارين قال لهم حفص : ~~قد يئسنا من المخلوقين فلا نيأس من الخالق . فسألوا الله وتضرعوا إليه ، ~~فدعوا الله على أبي العباس أن يمنعه مما أراده بالمسلمين ويكف جوره عنهم . ~~ثم دخلوا مدينة القيروان ، فخرجت لأبي العباس قرحة تحت أذنه فقتلته في ~~اليوم السابع من دعائهم واسود لونه . وكانت وفاته ليلة الجمعة لست خلون من ~~ذي الحجة سنة إحدى ومائتين . فكانت مدة ولايته خمس سنين وشهرا واحدا وأربعة ~~عشر يوما . PageV24P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" ذكر ولاية زيادة الله ابن إبراهيم بن الأغلب ~~قال : ولما توفي أخوه أبو العباس صار الأمر إليه بعده . وهو أول من سمى ~~زيادة الله . وكذلك هبة الله بن إبراهيم بن المهدي ، هو أول من سمى هبة ~~الله . قال : ولما ولي زيادة الله أغلظ على الجند ، وأمعن في سفك دمائهم ، ~~واستخف بهم ، وحمله على ذلك سوء ظنه بهم لتوثبهم على الأمراء قبله وخلافهم ~~على أبيه مع عمران بن مجالد . وكان أبوه أغضى عن كثير من زلاتهم وصفح عن ~~إساآتهم فسلك زيادة الله فيهم غير سبيل أبيه ms5514 . وكان أكثر سفكه وسوء فعله ~~إذا شرب وسكر . فخرجوا عليه . وكان الذي هاجهم على الخروج عليه أنه ولي عمر ~~بن معاوية القيسي ، وكان من شجعان الجند ورؤسائهم وأهل الشرف منهم ، على ~~القصرين وما يليهما . فتغلب على تلك الناحية وأظهر الخلاف عليه . وكان له ~~ولدان يقال لأحدهما حباب والآخر سكنان . فوجه إليه زيادة الله موسى مولى ~~إبراهيم المعروف بأبي هارون ، وكان قد ولاه القيروان . فخرج إليه وحاصره ~~أياما . فلما ضاق به الأمر ألقى بيده ونزل معه . وسار إلى زيادة الله هو ~~وولداه . فلما قدموا عليه حبسهم عند غلبون ابن عمه . ثم نقلهم إلى حبسه من ~~يومه وقتلهم . فلما بلغ منصور بن نصر الطنبذي وهو من ولد دريد ابن الصمة ~~ذلك ساءه ، وكان على طرابلس . فقال : يا بني تميم ، لو أن لي بكم بوة أو ~~آوي إلى ركن شديد . فكتب صاحب الخبر بكلامه إلى زيادة الله . فعزله ~~واستقدمه ، فقدم . وكان غلبون معتنيا به فأصلح أمره عند الأمير زيادة الله ~~، فخلى عنه . فأقام أياما يتردد إلى زيادة الله حتى ذهب ما بقلبه عليه . ثم ~~استأذنه في الوصول إلى منزله فأذن له . فخرج إلى تونس ، وكان له بأقيم ~~المحمدية قصر يقال له طنبذة ، وبه لقب الطنبذي ، فنزل به . وجعل يراسل ~~الجند ويذكر لهم ما يلقون من زيادة الله وما فعل بعمر بن معاوية وابنيه ، ~~ويخوفهم أن يفعل بهم وبأولادهم كفعله بعمر . فبلغ ذلك زيادة الله فعرض ~~الجند على عادته . ثم دعا محمد ابن حمزة فأخرجه في خمسمائة فارس بالسلاح ~~كما عرضوا بين يديه . وقال له : امض إلى تونس فلا يشعر منصور إلا وقد أخذته ~~ومن معه ، واقدم به موثقا . فخرج ابن حموة حتى أتى تونس فلقي منصورا غائبا ~~بقصره ، فنزل في دار الصناعة . ووجه إلى منصور شجرة بن عيسى القاضي وأربعين ~~شيخا من أهل تونس ، يرغبه في الطاعة ويدعوه إلى إتيانه . PageV24P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" فمضوا إليه وأبلغوه رسالة محمد بن حمزة فقال : ~~ما خلعت يدا من طاعة ، ولا أحدثت حدثا ، وأنا صائر إليه معكم ms5515 . ولكن أقيموا ~~علي يومي هذا حتى أعد لهؤلاء القوم ما يصلحهم . فأقاموا . فوجه إلى ابن ~~حمزة ببقر وغنم وعلف وأحمال نبيذ . وكتب إليه : إني قادم بالغداة مع القاضي ~~. فركن إلى قوله ، وأخذ هو ومن معه في الأكل والشرب . فلما أمسى منصور قبض ~~على القاضي ومن معه ، وحبسهم في قصره . وجمع خيله ورجله ومضى إلى تونس . ~~فما شعر به محمد بن حمزة حتى ضرب طبلوه على باب دار الصناعة . فقام ابن ~~حمزة وأصحابه لأخذ سلاحهم وقد عمل الشراب فيهم . فأوقع بهم منصور وأصحابه ~~فقتلهم . ولم يسلم منهم إلا من ألقى نفسه في البحر فسبح . وأصبح منصور ، ~~فاجتمع إليه الجند . وكان عامل زيادة الله على تونس إسماعيل بن سفيان ابن ~~سالم من أهل بيت زيادة الله ، فقتله منصور وقتل ابنه . فلما اتصل بزيادة ~~الله قتل ابن عمه وولده ورجاله ، جمع صناديد الجند ، ووجههم مع غلبون . ~~وركب بنفسه مشيعا له . فلما ودع الجند قال لهم زيادة الله : انظروا كيف ~~تكونون وكيف تناصحون . فبا الله أقسم إن انصرف إلي أحد منكم منهزما لا جعلت ~~عقوبته إلا السيف . فكان ذلك مما ساءت به نفوس القوم حتى هموا بالوثوب على ~~غلبون . فمنعهم من ذلك جعفر بن معبد وقال : لا تحملكم إساءة زيادة الله ~~فيكم أن تغدروا بمن أحسن إليكم وفك رقابكم . وكان غلبون يعتني بأمر القواد ~~عند زيادة الله . فانصرفوا عن رأيهم فيه ومضوا حتى صاروا بسبخة تونس . ~~فكاتب القواد الذين مع غلبون منصورا وأصحابه وأعلموهم أنهم منهزمون عنه . ~~فلما التقوا حمل منصور وأصحابه عليهم فانهزموا بأجمعهم . ثم اجتمعوا بعد ~~الهزيمة إلى غلبون واعتذروا وحلفوا أنهم ناصحون واجتهدوا . وقالوا : نحن لا ~~نأمن على أنفسنا . وإن أصبت لنا ما نأمن به قدمنا إن شاء الله . وتفرقوا ~~عنه . وسار كل منهم إلى جهة فتغلب عليها . واضطربت إفريقية فصارت نارا تتقد ~~. وصار الجند كلهم إلى منصور الطنبذي ، وأعطوه أزمة أمورهم ، وولوه على ~~أنفسهم . وقدم غلبون على زيادة الله فأعلمه الخبر . فكتب الأمانات وبعث بها ~~إلى الجند والقواد . فلم يقبلوها ms5516 وخلعوا الطاعة . ثم جمعوا جمعا ووجه عليهم ~~منصور عامر بن نافع . فعقد زيادة الله لمحمد بن عبد الله بن الأغلب ، ووجه ~~معه جيشا كثيفا وأوعب فيه من رجاله ومواليه . فالتقوا واقتتلوا ، فانهزم ~~محمد ابن عبد الله وقتل جماعة من وجوه أصحابه ، منهم محمد بن PageV24P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" غلبون ، وعبد الله بن الأغلب ، ومحمد بن حمزة ~~الرازي ، وغيرهم ، وقتلت الرجالة عن آخرهم ، وتتبع الجند أصحاب زيادة الله ~~فقتلوهم . فعند ذلك زحف زيادة الله بنفسه ونزل بين القيروان والقصر وخندق ~~هناك . وكانت بينهم وقعات كثيرة تارة لهؤلاء وتارة لأولئك . ثم انهزم منصور ~~ومن معه حتى لحقوا بتونس . وكان أهل القيروان أعانوا منصورا على قتال زيادة ~~الله ، فقال له أصحابه أبدأ بها واقتل من فيها . فقال : إني عاهدت الله ~~تعالى إن ظفرت أن أعفو وأصفح . فعفا عنهم إلا أنه هدم سور القيروان ونزع ~~أبوابها . قال : ثم اجتمع لمنصور أصحابه وقوي أمره . ولم يبق في يد زيادة ~~الله من إفريقية كلها إلا الساحل وقابس . فكتب الجند إلى زيادة الله : أن ~~ارحل حيث شئت وخل عن إفريقية ، ولك الأمان في نفسك ومالك وما ضمه قصرك . ~~فاستشار أصحابه في ذلك . فقال له سفيان بن سوادة : أيها الأمير ، أمكني من ~~ديوان رجالك حتى أنتقي مائتي فارس ممن أثق به . فدفع إليه الديوان فاختار ~~منه مائتي فارس ، وأعطاهم وأفضل عليهم ثم خرج حتى أتي نفزاوة وعليها من ~~الجند عبد الصمد بن جناح الباهلي . فدعا سفيا بربر ذلك الموضع فأجابوه . ~~فاجتمع إليه خلق كثير من زناتة وغيرهم وسائر القبائل . ففتح البلاد بلدا ~~بلدا حتى بلغ قسطيلية . ثم قدم على زيادة الله في سنة ثماني عشرة ومائتين . ~~فكان سعيد يقول : والله ، ما رأيت أعظم بركة من تلك المائتي فارس . ووقع ~~الشتات والحسد بن الجند . ووقع الخلاف بين منصور وعامر بن نافع . فحاصره ~~عامر بقصره بطنبذة . فجرت بينهما السفراء على أن يؤمن منصورا على نفسه ~~وماله وحشمه ، ويركب سفينة فيتوجه فيها إلى المشرق ، فاجابه عامر إلى ذلك . ~~فقال له بعض أصحابه ms5517 : تفعل ذلك بنفسك ويسومك الضيم ؟ انهض إلى الأربس فإنهم ~~سامعون مطيعون . فوافق على ذلك وخرج من القصر ليلا وسار إلى الأربس . فلما ~~أصبح عامر لم يره بقصره ، فسار إلى إثره إلى الأربس وحاصره . وآخر الأمر ~~أنه عاد سأل الأمان على أن يتوجه إلى المشرق ويركب في سفينة من تونس . وخرج ~~إلىعامر PageV24P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" فوجه معه خيلا . وأمر صاحب الخيل أن ياخذ به ~~على طريق قرنة وأن يصيره في سجنها . ففعل ذلك وحبسه بها عند حمديس بن عامر ~~. ثم كتب عامر إلى ابنه أن يضرب عنقه ففعل . وضرب عامر عنق أخي منصور . ~~وصار أمر الجند إلى عامر بن نافع فظن أن الأمور تستقيم له . فكتب إله زيادة ~~الله كتابا يدعوه فيه إلى الطاعة ويبذل له الأمان . فكتب إليه عامر يعدد ~~عليه مساويء أفعاله ، ويقول في آخره : ما بيني وبينك موادة حتى تضع الحرب ~~أوزارها ويحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين . ثم اختلف الجند على عامر ، ~~وانتقض عليه أمره ، ووجد عليه قواد المضري ، لما صنع بمنصور وأخيه ، ~~فنافروه وحاربوه . وخالفه عبد السلام بن المفرج ، وكان قد استولى على باجة ~~وبايع له جماعة من الجند . وزحف إلى عام فاقتتلوا ، فانهزم عامر ، ومضى إلى ~~قرنة ، وتفرق شمل الجند وأمر زيادة الله يعلو . ثم اعتل عامر فلما أيقن ~~بالموت استدعى بنيه وقال لهم : يا بني ، ما رأيت في الخلاف خيرا . فإذا أنا ~~مت ودفنتموني فلا تعرجوا على شيء حتى تلحقوا بزيادة الله ، فهو من أهل بيت ~~عفو . وأرجو أن يسركم ويقبلكم أحسن قبول . فلما مات ، فعلوا ذلك وأتوا ~~زيادة الله . وجعل الجند يتسللون إلى زيادة الله ويستأمنون ، وهو يؤمنهم ~~ويحسن إليهم . وأما عبد السلام فقاتلته عساكر زيادة الله وحصروه وضايقوه ~~فوجد ميتا فقيل مات عطشا . فبعثوا برأسه إلى زيادة الله . واستقامت إفريقية ~~وصفت بعد أن دامت الفتنة ثلاث عشرة سنة . قال : ثم أمر زيادة الله ببناء ~~المسجد الجامع بالقيروان وهدم ما كان بناه يزيد بن حاتم ، وذلك في جمادى ~~الآخرة سنة إحدى وعشرين ومائتين ms5518 . وذكر أن زيادة الله قال يوما لخاصته إني ~~لأرجو رحمة الله ، وما أراني إلا أفوز بها إذا قدمت عليه يوم القيامة وقد ~~عملت أربعة أشياء : بنيت المسجد الجامع بالقيروان وأنفقت عليه ستة وثمانين ~~ألف دينار ، وبنيت قنطرة باب أبي الربيع ، وقصر المرابطين بسوسة ، ووليت ~~القضاء أحمد بن أبي محرز . PageV24P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" وفي أيام زيادة الله فتحت صقلية ، وذلك أنه ~~وجه إليها أسد ابن الفرات القاضي في عشرة آلاف . فزحف إليه ملكها في مائة ~~وخمسين ألفا . فهزمه وفتحها . واستعمل عليها زيادة الله محمد ابن عبد الله ~~بن الأغلب . وكانت وفاة زيادة الله في يوم الثلاثاء لأربع عشرة خلت من شهر ~~رجب سنة ثلاثة وعشرين ومائتين ، وهو ابن إحدى وخمسين سنة . وكانت ولايته ~~على إفريقية إحدى وعشرين سنة وسبعة أشهر وثمانية أيام . وكان من أفصح أهل ~~بيته لسانا وأكثرهم بيانا ، وكان يعرب كلامه ولا يلحن من غير تشادق ولا ~~تقعير . وكان يقول الشعر الحسن الجيد . حكى أن رسولا أتاه من أبي عبد الله ~~المأمون بغير يحب . فكتب جواب الكتاب وهو سكران ، وفي آخره أبياتا ، وهي : ~~أنا النار في أحجارها مستكنة . . . فإن كنت ممن يقدح الزند فاقدح أنا الليث ~~يحمى غليه بزئيره . . . فإن كنت كلبا حان يومك فانبح أنا البحر في أمواجه ~~وعبابه . . . فإن كنت ممن يسبح البحر فاسبح فلما صحا بعث في طلب الرسول ~~ففاته . فكتب كتابا آخر فيه تلطف . فوصل الكتاب الأول والثاني . فأعرض ~~المأمون عن الأول وأجاب عن الثاني بكل ما أحب . وله حكايات حسنة تدل على ~~عفوه وصفحه وحلمه . فمن ذلك أنه بلغ أمه جلاجل أن أخت عامر بن نافع قالت : ~~والله لأجعلن جلاجل تطبخ لي الفول بيصارا . فلما ظفر بأنها زيادة الله ~~بالقيروان ، أمرت جلاجل بفول فطبخ بيصارا وبعثت منه إليها مع بعض خدمها ، ~~فوضع بين يديها ، وقالت الجارية التي أحضرته إليها : سيدتي تسلم عليك وتقول ~~لك : قد طبخت هذا لك لأبر قسمك . فأوحشها ذلك وقالت : قولي لها : قد قدرت ~~فافعلي ما شئت . فبلغ ذلك زيادة الله ms5519 فقال لأمه : قد ساءني ما فعلت يا أم ، ~~إن الاستطالة مع القدرة لؤم ودناءة ، وقد كان أولى بك أن تفعلي غير هذا . ~~قالت : نعم ، سأفعل ما يرضيك ويحسن الأحدوثة عنا . وبعثت إليها بكسوة وصلة ~~وألطاف . ورفقت بها حتى قبلت ذلك وطابت نفسها . PageV24P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" ذكر ولاية أبي عقال الأغلب ابن إبراهيم بن ~~الأغلب قال : ولما توفي زيادة الله ولي أخوه أبو عقال ، وهو الملقب بخزر . ~~وكان في مبدإ ولاية أخيه زيادة الله قد خافه على نفسه لأن الأغلب كان شقيق ~~عبد الله . فخشي أن يطالبه زيادة الله بفعل أخيه فاستأذنه على الحج ، فأذن ~~له . فخرج وأخرج معه ابني أخيه عبد الله ، وهما محمد وإبراهيم . فحج وأقام ~~بمصر . ثم كتب إلى زيادة الله يستعطفه ويستميله . فقدم إليه ، فأكرمه وأحسن ~~إليه . وجعل أمور دولته بيده . فلما مات زيادة الله وصار الأمر إليه ، لم ~~يكن في أيامه حروب فأمن الجند وأحسن إليهم . وغير أحداثا كثيرة كانت للعمال ~~، وأجرى على العمال الأرزاق الواسعة والعطايا الجزيلة . وقبض أيديهم عن ~~أموال الناس ، وكفهم عن أشياء كانوا يتطاولون إليها . وقطع النبيذ من ~~القيروان . وتوفي في يوم الخميس لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست وعشرين ~~ومائتين . فكانت ولايته سنتين وتسعة أشهر وتسعة أيام . وكان شبيها بجده ~~الأغلب في الخلق والخلق . ذكر ولاية أبي العباس محمد بن الأغلب ابن إبراهيم ~~بن الأغلب قال : ولي بعد أبيه ، وكان من أجهل الناس ، لكنه أعطي في إمارته ~~ظفرا على من ناوأه . وقلد أخاه كثيرا من أعماله . وكان قد غلب عليه وتولى ~~أموره ووزارته ابنا على بن حميد ، وهما أبو عبد الله وأبو حميد . فساء ذلك ~~أبا جعفر أخاه ، وعظم عليه وعلى أصحابه ، وحسدوهما على مكانهما من الأمير ~~محمد وكان المقدم عند أبي جعفر أحمد بن الأغلب نصر بن حمزة الجروي . فأخذ ~~أبو جعفر في التدبير على أخيه الأمير محمد . وصانع رجالا من مواليه ، ومحمد ~~في غفلة عن ذلك قد اشتغل باللهو واللعب وانهمك على الملاذ . فلما اجتمع ~~لأحمد من ms5520 أصحابه ما علم أنه يقوم بهم ركب في وقت الظهيرة - وقد خلا باب ~~محمد من الرجال - فهجم على أبي عبد الله بن علي بن حميد فقتله ، وعلا ~~الصياح . فبلغ الخبر محمدا فقصد قبة عمه زيادة الله . ووقع القتال بين رجال ~~الأمير محمد ورجال أخيه أحمد . فجعل أصحاب أحمد يقولون لأصحاب محمد : مالكم ~~تقاتلون ؟ لا طاعة إلا طاعة محمد . إنما قمنا على PageV24P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" أولاد على بن حميد الذين قهروكم واستأثروا ~~بمال مولاكم دونكم . وأما نحن ففي الطاعة ما خلعنا منها يدا . فلما سمعوا ~~ذلك فشلوا عن القتال . ولما رأى محمد ما دهمه - وهو على غير استعداد - جلس ~~في مجلس العامة . وأذن لأخيه أحمد والذين معه من الرجال بالدخول ، فدخلوا ~~عليه . فعاتب أخاه أحمد فقال له : إن أولاد علي بن حميد كادوا الدولة ~~وأرادوا زوال ملكك ، فقمت غضبا لك وحذرا على أيامك . فلم يجد محمد بدا من ~~مداراته والأغضاء عما فعل . فتحالفا أن لا يغدر أحد منهما بصاحبه . واصطلحا ~~على أني دفع محمد لأخيه أحمد أبا حميد بن علي ، وكان قد لجأ إليه في وقت ~~قتل أخيه . فدفعه إليه على أن أحمد لا يقتله ولا يصله بمكروه . فانصرف إلى ~~منزله . وعظم قدر أحمد ، واشتد سلطانه ، وجعل الدواوين إلى نفسه . وصار ~~الأمر كله له ، ولم يبق لمحمد من الإمارة إلا مجرد الاسم وعزل أحمد حجاب ~~محمد ، وجعل على بابه حجابا من قبله . ووكل خمسمائة من عبيده ومواليه ببابه ~~. وعذب أبا حميد ، وأخذ أمواله ووجه به مع أبي نصر مولى إبراهيم بن الأغلب ~~، وأمره أن يسير به إلى طرابلس ويبعثه إلى مصر . وأسر إليه أنه إذا صار ~~بقلشانة يقتله . ففعله ذلك وخنقه حتى مات . وحمله على نعش إلى قلشانة . ~~وأحضر من شهد أنه لا أثر فيه ولا جرح وقال : إنه سقط عن الدابة فمات . قال ~~: ولما صارت الأمور إلى أحمد مقدم نصر بن أحمد الجروي واستوزره . وكان داود ~~بن حمزة الرادري يظن أن يكون المقدم عليه لأنه كان المدبر لهذا الأمر . ~~ففسدت ms5521 نيته وأخذ في العمل على أحمد ومكاتبة محمد ، وكان محمد قد ترك اللهو ~~وأخذ في الحيلة والتدبير على أخيه أحمد . وكان محمد قد ولى سالم ابن غلبون ~~الزاب . فلما كان من أمر أحمد ما كان ، خالف سالم على أحمد ، ولم يطعه وجعل ~~محمد يبعث إلى وجوه قرابته وجنده وعبيده ويسألهم نصرته ويعدهم ويمنيهم . ~~فكان ممن سعى في نصرة محمد وأتقن له الأمور وأحسن التدبير أحمد بن سفيان بن ~~سوادة . وكان يقال لأحمد : إن أخاك يعمل عليك . فلا يصدق ، وعنده أنه قد ~~أتقن التدبير . وكان من حال محمد أنه إذا جاءه رسول من أخيه أحمد يستدعي ~~كأسا كبيرا ويمسكه بيده ، ويحضر الرسول فيتوهم أنه يشرب . فإذا انصرف رد ~~الكأس فلا يشربه . PageV24P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" فلما كان في اليوم الذي عزم محمد فيه على ~~الوثوب على أخيه ، بعث إلى أحمد بن سفيان . فجعل يسلك من واعده من العبيد ~~والموالي وغيرهم حتى أدخلهم من أبواب المدينة في الأكسية . وجعلهم يحملون ~~على رؤوسهم جرار الماء حتى اجتمع منهم قبل الزوال ثلاثمائة رجل . فصيرهم ~~أحمد بن سفيان في داره وأعطاهم السلاح وكان أحمد إذا قيل له : إنك تراد ~~ويعمل عليك . غضب على من يقول ذلك . واشتغل بالشراب كما كان أخوه في أول ~~أمره . وكان جماعة ممن نصر محمدا واعدوه أن ينزلوا بقصر الماء ، والأمارة ~~بينهم أن يسمعوا الطبل ويروا الشمع في أعلى القبة . وكان أحمد قد دخل ~~الحمام في ذلك اليوم وأطال اللبث فيه . وأتاه عثمان بن الربيع بعد الظهر ؛ ~~فأخبره أن أخاه بريده تلك الليلة ، وأنه أعد رجالا بقصر الماء . فلم يصدق ~~ذلك ، ووجه خيلا إلى قصر الماء فلم يجدوا به أحدا . وكان الموعد المغرب ، ~~فازداد أحمد تكذيبا للأخبار وقلة الاكتراث بما يراد به . فلما قربت صلاة ~~المغرب ، وجه محمد خادما له إلى جماعة رجال أخيه الذين كان قد جعلهم ببابه ~~، فقال : يقول لكم الأمير : إني أحببت بركم وإكرامكم ، فاجتمعوا حتى أبعث ~~إليكم طعاما وشرابا . فاجتمعوا ، وبعث إليهم بطعام وشراب ، فأكلوا وشربوا ~~حتى إذا ms5522 ظن أن الشراب قد عمل فيهم ، أرسل الخادم إليهم وقال : يقول لكم ~~الأمير : إني قد أحببت أن أحلى لكم سيوفكم ، فمن كان عنده سيف فليأت به . ~~فجعلوا يتسابقون بسيوفهم طمعا في ذلك . فلما كان وقت المغرب وغلقت أبواب ~~القصر ، أتاهم عامر بن عمرون القرشي فيمن معه . فوضعوا فيهم السيوف فقتلوهم ~~عن آخرهم . ثم أمر بالطبل فضرب ، والشموع فأوقدت ، فأقبل أصحابه من كل ~~ناحية إلى نصرته . وخرج أحمد بن سفيان بن سوادة فجعل يقتل من علم أنه من ~~ناحية أحمد . وأقام القتال بين أحمد بن سفيان وأصحاب أحمد بن الأغلب بقية ~~ليلتهم كلها . وبعث أحمد ابن سفيان إلى القيروان يستنصر بأهلها . فأقبلوا ~~إليه في جموع عظيمة وهم ينادون بطاعة محمد . فانهزم أصحاب أحمد بن الأغلب ~~ووضعت السيوف فيهم ، وهرب أحمد إلى داره . وكان في حبسه خفاجة بن سفيان بن ~~سوادة ، فأخرجه وقال له : الله الله في دمي وحرمي ، فإنها حرمك . فقال له ~~خفاجة : حبستني ظلما منذ سبعة أشهر . فقال : ليس هذا وقت العتاب فأغثني ~~فقال له خافجة : أعطني فرسا وسلاحا ففعل فركب خفاجة . وصاح به الناس : يا ~~خفاجة ، يا ابن شيخنا ومن نكرمه ونحفظه ، إنما PageV24P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" أخرجك هذا المعلون من حبسه الساعة بعد سبعة ~~أشهر ، فما هذه النصيحة له ؟ فانصرف إلى أحمد فقال له : أما إنه لا طاقة لك ~~بالقوم ، فاستأمن إلى أخيك من قبل أن تهلك قال : وكيف لي بذلك ؟ فكن أنت ~~رسولي إليه . فسار إليه واستأمن له . فأمنه محمد وأتاه . فأمر محمد بالخلع ~~على أهل القيروان ومن نصره . فخلع عليهم جميع ما كان في خزائنه ، ورجع إلى ~~ثياب حرمه . وأمر أهل القيروان بالانصراف . ولما صار أحمد إلى أخيه محمد ~~عدد عليه ما فعل ثم أخرجه إلى مصر ، وسار إلى العراق . قال : وبني محمد بن ~~الأغلب القصر الذي بسوسة في سنة ثلاثين . وفي أيامه توفى سحنون بن سعيد في ~~سنة أربعين ومائتين ، ودفن بباب نافع . وكان يتولى المظالم بمدينة القيروان ~~. قال : واعتل محمد بن الأغلب فأقام بعلته أربعة ms5523 أشهر . ثم توفى في يوم ~~الاثنين لليلتين خلتا من المحرم سنة اثنتين وأربعين ومائتين ، وله ست ~~وثلاثون سنة وولايته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام . ذكر ولاية أحمد بن ~~محمد ابن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب قال : ولما مات محمد ، ولي بعده ابنه ~~أحمد . وكانت أيامه كلها ساكنة ، لم يحدث فيها إلا ما كان بناحية طرابلس . ~~وذلك أن قبائل البربر تجمعت ، فكان بينهم وبين عاملها عبد الله ابن محمد بن ~~الأغلب حروب كثيرة . فكتب إلى أبي إبراهيم بذلك فأرسل إليهم العساكر ، ~~فكانت بينهم وبين البربر حروب شديدة . ثم انهزم البربر وقتلوا قتلا ذريعا . ~~ولأبي إبراهيم آثار عظيمة في المباني بإفريقية . فمن ذلك بنيان بالمأجل ~~الكبير بباب تونس . وهو بمعنى الصهريج عندنا . وزاد في جامع القيروان البهو ~~والمجنبات والبقية . وبني المأجل الذي بباب أبي الربيع والمأجل الكبير الذي ~~بالقصر القديم ، وبين المسجد الجامع بمدينة تونس . وبني سور مدينة سوسة . ~~وكان آخر ما عمل المأجل الذي بالقصر القديم . فلما فرغ اعتل أبو إبراهيم ~~فكان يسأل : هل دخله الماء إلى أن دخله ، فعرفوه فسر به وأمرهم أن يأتوه ~~بكأس مملوءة منه ، فشربها PageV24P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" وقال : الحمد لله ، الذي لم أمت حتني كمل أمره ~~. ثم مات إثر ذلك . ولم يزل أهل القيروان ومن دخلها يترحمون عليه . وفي ~~أيامه فتحت قصريانة ، وهي من أعظم مدن الروم بصقلية . وكانت وفاة أبي ~~إبراهيم يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة تسع وأربعين ~~ومائتين وله تسع وعشرون سنة . ومدة ولايته سبع سنين وعشرة أشهر وخمسة عشر ~~يوما . وكان رحمه الله تعالى محسن السيرة ، جميل الأثر ، كريم الأخلاق ~~والأفعال ، من أجود الملوك وأسمحهم وأرفقهم برعيته ، مع دين وإنصاف للمظلوم ~~، هذا مع حداثة سنه . وكان يركب ليالي شعبان وشهر رمضان ، وبين يديه الشمع ~~. فيخرج من القصر القديم حتى يدخل من باب أبي الربيع ، ومعه دواب محملة ~~دراهم . فيأمر بإعطاء من لقيه حتى ينتهي إلى المسجد الجامع بالقيروان . ~~ويقصد دور العلماء والصالحين فيأمر بقرع أبوابهم . فإذا خرجوا ms5524 إليه أمر ~~بإعطائهم من ذلك المال . ذكر ولاية زيادة الله بن محمد ابن الأغلب بن ~~إبراهيم بن الأغلب ولي بعد أخيه . ولم تطل أيامه حتى توفى . وكانت وفاته ~~ليلة السبت لعشر بقين من ذي القعدة سنة خمسين ومائتين فكانت ولايته سن ~~واحدة وسبعة أيام . وكان عالما ، عاقلا جميلا ، حسن السيرة ، جميل الأفعال ~~، ذا رأي ونجدة وجود وشجاعة ، رحمه الله تعالى . ذكر ولاية أبي عبد الله ~~محمد بن أحمد بن محمد ابن الأغلب المكني بأبي الغرانيق ولي بعد عمه زيادة ~~الله . وكان مشغوفا بالصيد ، فلقب أبا الغرانيق ، وذلك أنه بني قصرا في ~~السهلين لصيد الغرانيق ، أنفق فيه ثلاثين ألف دينار . PageV24P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" ولقب في آخر أيامه بالميت ، وذلك أنه اعتل ~~وطالت علته ، فكان يشنع عليه بالموت في كثير من الأيام . وكان في أيامه ~~حروب منها اضطراب ثغر الزاب عليه . فأخرج إليه أبا خفاجة محمد بن إسماعيل ~~في عسكر عظيم . ففتح فتوحات عظيمة في طريقه . وخافه جميع البربر ولم يقم ~~أحد له إلى أن وصل تهودة وبسكرة . وأعطاه أهل تلك النواحي أزمة أمورهم . ثم ~~نهض إلى طبنة ، وأتى حي بن مالك البلوى في خليل بلزمة ، فصار في عسكره . ثم ~~نهض إلى مدينة أبة بجميع عساكره فنزلها . فخافه البربر وسمعوا له وأطاعوا ~~بوذلوا له الرهائن والخراج والعشور والصدقات فلم يقبل منهم . ومضى يريد بني ~~كملان من هوارة ، وكبيرهم في ذلك الوقت مهلب بن صولات فتحرزوا منه ، ~~وأرسلوا إليه يطلبون الأمان ، ويبذلون له كل ما طلب ، فلم يقبل وقاتلهم . ~~فلما نشبت الحرب بينهم ، جر الهزيمة عليه حي بن مالك من أهل بلزمة . فقتل ~~أبا خفاجة في جماعة من القواد وكثير من الناس . ووصلت الهزيمة إلى طبنة . ~~وفي أيامه فتحت مالطة ، وهي جزية في البحر على يد أحمد بن عمر بن عبد الله ~~بن الأغلب . وتوفى أبو عبد الله محمد في يوم الأربعاء لست خلون من جمادة ~~الأولى سنة إحدى وستين ومائتين ، وهو ابن أربع وعشرين سنة . وكانت مدة ~~ولايته عشر سنين وخمسة أشهر ms5525 وستة عشر يوما . وكانت غاية في الجود ، مسرفا ~~في العطاء ، حسن السيرة في الرعية رفيقا بهم ، غير أن اللهو والطرب ~~والاشتغال بالصيد والشراب غلب عليه ، حتى أنه مرة سكر وهو بمدينة سوسة وقد ~~ركب يفي البحر حتى صار إلى جزيرة قوصرة ، فلما PageV24P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" ذهب عنه السكر انصرف وهو خائف ، وما زال على ~~الانهماك طول عمره ، ولم تكن له همة في جمع المال ، فلما مات لم يجد إخوته ~~في بيت المال شيئا . ذكر ولاية أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد بن ~~الأغلب ال ابن الرقيق كان أبو الغرانيق قد عقد لابنه أبي العقال ولاية ~~العهد ، وبايع له ، واستخلف إبراهيم بن أحمد أخاه خمسين يمينال بجامع مدينة ~~القيروان أن لا ينازعه يفي ملكه ، وذلك بحضضرة مشيخة بني الأغلب وقضاة ~~القيروان وفقائها ، فلما مات أبو الغرانيق ، أتى أهل القيروان إلى إبراهيم ~~وهو إذا ذاك وال عليهم فقثالوا له : قم فادخل القصر فإنك الأمير وكان ~~إبراهيم قد أحسن السيرة فيهم . فقال : قد علمتم أن أخي عقد البيعة لابنه ، ~~واستحلفني خمسين يمينا أن لا أنازع ولده ولا أدخل فصره فقالوا : نحن ~~الدافعون له عن الأمر ، والكارهون ولايته ، والمانعون له . وليست له في أ ‘ ~~ناقنا بيعة . فركب من القيروان ومعه أكثر أهلها . فحاربوا أهل القصر حتى ~~دخله إبراهيم . وبايعه شيوخ القيروان ووجوهها وجماعة من بني تغلب . لما ولي ~~أنر بإنفاذ الكتب إلى العمال والجباة بحسن السيرة والرفق بالرعية . وولي ~~حجابته محمد بن قرهب . وفي صفر سنة ثلاث وستين ومائتين ابتدأ إبراهيم في ~~بناء رقادة وانتقل إليها في السنة . قال : ودورها أربعة عشر ألف ذراع . ~~وليس بإفريقية أرق هواء ولا أعدل نسيما ولا أطيب تربة من موضعها . قال ابن ~~الرقيق : وقد سمعت من منتقري المعاني من يزعم أنه يعرض له فيها الضحك من ~~غير عجب ، والسرور من غير سبب . وفي أيامه فتحت سرقوسة من صقلية في شهر ~~رمضان سنة أربع وستين ومائتين ، على يد أحمد بن الأغلب ، وقتل فيها أكثر من ~~أربعة الآف علج ms5526 . وأصاب من الغنائم ما لم يوجد في مدينة من مدائن الشرك . ~~ولم ينج من رجالها أحد . وكان مقام المسلمين عليها إلى أن فتحت تسعة أشهر . ~~وأقاموا بعد فتحها شهرين ثم هدموها وانصرفوا . PageV24P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" وفي سنة أربع وستين ، وثب الموالي على إبراهيم ~~وعقدوا الخلاف في القصر القديم ، ومنعوا من يجوز إلى رقادة من القيروان ، ~~وسبب ذلك أن إبراهيم أمر بقتل رجل منهم يقال له مجطروح بن بادر فخالفوا ~~عليه بذلك . فأقبل إليهم أهل القيروان في عدد لايحصى . فارتدع الموالي ~~وسألوا الأمان فأمنوا فلما جاؤوا وقت إعطاء الأرزاق ، جلس إبراهيم بقصر أبي ~~الفتح ، وحضر جميع العبيد لقبض أرزاقهم . فكلما تقدم رجل نزع سيفه حتى ~~أخذوا كلهم فقتل أكثرهم بضرب السياط وصلبوا . وحبس بعضهم بسجن القيروان حتى ~~ماتوا فيه . ونفي بعضهم إلى صقلية . وأمر بشراء العبيد فاشترى منهم عدد ~~كثير . وحملهم وكساهم وأخرجهم في الحروب ، فظهر منهم شجاعة وجلد وقوة . ~~ووفي سنة خمس وستين ومائتين ، تجهز العباس بن أحمد بن طولون من مصر عند ~~خروجه على أبيه يريد برقة . واجتمع إليه الناس على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى في اخبار الدولة الطولونية . فأخرج إليع إبراهيم حاجبه محمد بن قرهب ~~فلقيه بوادي ورداسة . فاقتتلوا فانهزم ابن قرهب . وقد ابن طولون إلى لبدة ~~فأخذها ، ثم نهض منها يريد طرابلس فحصرها أياما . فعزم إبراهيم على الخروج ~~بنفسه ، فلما صار إلى قابس لقيه ابن قرهب بالفتح وهزيمة العباس . وأخذ من ~~أمواله كثيرا . وفي أيامه في سنة ثمان وستين ومائتين اشتد القحط وغلت ~~الأسعار حتى بلغ قفيز القمح ثمانية دنانير . والقفيز مقدار إردب وربع ~~بالمصري . فهلك الناس حتى أكل بعضهم بعضا . وفي أيامه عصت وزداجة ومنعوا ~~صدقاتهم . فقاتلهم العامل عليهم وهو الحسن بن سفيان فهزموه حتى وصل إلى ~~باجة . فأرسل إبراهيم حاجيه محمد بن قرهب بالجيوش إليهم . فسار ونزل بجبل ~~من جبال وزداجة يقال لها المنار . فكانت خيله تخرج إليهم صباحا ومساء . فلم ~~يزل حتى أخذ رهائنهم وأطاعوا واستقاموا . PageV24P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" وكانت هوارة قد ms5527 عاثت في البلاد وقطعت السبل ~~فمضى الحاجب إليهم وعرض عليهم الأمان والرجوع إلى الطاعة . فأبوا فقاتلهم ~~وهزمهم . ونهب العسكر ما في منازلهم وأحرقها بالنار . وعاد الحاجب ثم ~~استامت هوارة بعد ذلك . ثم تجمعت لواتة بأجمعها وحاصروا مدينة قرنة أياما ~~وانتهبوا ما كان فيها . ومضوا إلى باجة وقصر الإفريقي . فأخرج إليهم ~~إبراهيم محمد بن قرهب . فالتقوا واقتتلوا فانهزم أصحاب ابن قرهب وكبابه ~~فرسه فأدركوه ، وهرب من كان معه . وذلك في ذي الحجة سنة ثمان وستين ومائتين ~~. فاشتد ذلك على إبراهيم ، وأمر بحشد الجند والأنصار والموالي . وأخرجهم مع ~~ابنه أبي العباس عبد الله في سنة تسع وستين . فانتهى الخبر إلى لواتة ~~فهربوا بين يديه فلحقهم بباجة وقتلهم قتلا ذريعا . وافترق من سلم منهم في ~~كل ناحية . وفي سنة ثمان وسبعين ومائتين بلغ إبراهيم أن جماعة من الخدام ~~والصالبة يريدون قتله وقتل أمه ، فقتلهم عن آخرهم . وقتل بناته بعد ذلك . ~~وفي هذه السنة قتل رجال بلزمة بمدينة رقادة . وكان قبل ذلك قد زحف إليهم ~~وبادرهم بنفسه فلم يتمكن منهم . فأظهر العفو عنهم ورجع . ثم وفد عليه وفدهم ~~ووفد أهل الزاب . فأنزلهم في رقاد في دار عظيمة كالفندق ، وأجرى عليهم نزلا ~~واسعا ، وخلع عليهم وأكرمهم ، حتى اجتمع نحو ألف رجل . فأحاط بهم فامتنعوا ~~وقاتلوا ، فقتلهم عن آخرهم . وكان قتلهم سبب انقطاع دولة بني الأغلب ، لأن ~~أهل بلزمة كانوا قد أذلوا كتامة واتخذوهم خولا وعبيدا ، وفرضوا عليهم ~~العشور والصدقات وأن يحملوا ذلك على أعناقهم . فكان الذي صنع إبراهيم بأهل ~~بلزمة مما أنقذ كتامة من تلك الذة وأوجدهم السبيل إلى القيام مع الشيعي . ~~وفي هذه السنة أمر إبراهيم بشراء العبيد السودان ، فبلغت عدتهم مائة ألف . ~~فكساهم وألزمهم بابه . وجعل عليهم ميمونا وراشدا . وقتل حاجبه ابن الصمصامة ~~وإخوته وقرابته . وولي حجابته الحسن بن ناقد ، وأضاف إليه عدة ولايات ، ~~منها إمارة صقلية . PageV24P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" وفي سنة ثمان وسبعين أيضا اضطربت إفريقية على ~~إبراهيم . فخالفه أهل تونس والجزيرة وصطفورة وباجة وقمودة والأربس ، وذلك ~~في شهر رجب ولم يجتمع ms5528 أهل هذه الكور بمكان واحد بل أقام كل رئيس بمكانه . ~~ولم يبق بيد إبراهيم من إفريقية وكورها إلا الساحل الشرقي . فأمر إبراهيم ~~بحفر الخندق على رقادة وجمع ثقاته على نفسه . وقرب السودان من قصره . وأحضر ~~شيخا من بني عامر ابن نافع فشاوره في أمره . فقال له : إن عاجلوك قبل أن ~~تختلف كلمتهم خفت أن ينالوا منك . وإن صبروا أمكنك منهم ما تريد . فلما خرج ~~من عنده ، قال إبراهيم لابنه أبي العباس : احبسه عندك لئلا يتكلم بهذا ~~الرأي فيصل إليهم . فحبسه حتى ظفر بهم . وكان سبب ظفره أنه بعث عسكره إلى ~~الجزيرة فقتل منهم خلقا كثيرا . وأخذ رئيسها المعروف بابن أبي أحمد أسيرا . ~~وجيء به إلى إبراهيم فقتله وصلبه . ووجه صالحا الخادم إلى قمودة فهزمهم . ~~وبعث إلى تونس عسكرا عظيما عليهم ميمون الخادم والحسن بن ناقد حاجبه . ~~فانهزم أهل تونس وقتلوا قتلا ذريعا بعد قتال شديد . ودخل العسكر إلى مدينة ~~تونس فانتهبوا الأموال واستباحوا الحرم وسبوهم . وبعثوا إلى إبراهيم بألف ~~ومائتي أسير ، وهم أكابر القوم ورؤساؤهم . وذلك في شهر رمضان من السنة . ~~ووصل الخبر إلى إبراهيم في وقته على جناح طائر . فبعث إلى قائده ألا يقطع ~~رأس قتيل . ووجه العجل فحملت القتلى وشق بها سماط القيروان . ذكر انتقال ~~إبراهيم إلى تونس وفي سنة إحدى وثمانين ومائتين ، أمر إبراهيم أن تبنى له ~~بتونس قصوره ومساكنه ، فبنيت . ثم انتقل إليها يوم الأربعاء لست بقين من ~~جمادى الأولى . وانتقل أهل بيته وجميع قواده ومواليه . وفي سنة ثلاث ~~وثمانين ومائتين ، تحرك إبراهيم يريد محاربة ابن طولون بمصر . وحشد وخرج من ~~تونس لعشر خلون من المحرم . فأقام برقادة إلى سبع بقين من صفر . ثم خرج ~~بعساكره ، فاعترضه أهل نفوسة بجمع عظيم في النصف من شهر ربيع الأول . فكان ~~بينهم قتال عظيم ، فقتل ميمون الخادم وجماعة ممن معه . ثم انهزم أهل نفوسة ~~، وتبعهم إبراهيم فقتلهم قتلا ذريعا . وتطارح منهم خلق كثير في البحر ~~PageV24P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" فقتلوا حتى احمر لون الماء من دمائهم . فقال ~~إبراهيم لو كان ms5529 هذا القتل لله لكان إسرافا . فقال له بعض رجاله : ليدع ~~الأمير بعض من أحب من مشايخهم ويسأله عن اعتقاده . فإذا سأله علم أن ذلك ~~لله . فأحضر بعضهم ، فقال : ما تقولون في علي بن أبي طالب ؟ فقال : نقول : ~~إنه كان كافرا ، في النار من لم يكفره . فقال إبراهيم : فجميعكم على هذا ~~الرأي ؟ قالوا : نعم . قال : الآن طابت نفسي على قتلكم . وجلس على كرسي ~~وبيده حربة . فكان يقدم إليه الرجل منهم فيقد أضلاعه من تحت منكبيه ثم ~~يطعنه فيصيب قلبه حتى قتل منهم خمسمائة رجل بيده في وقت واحد . ثم تمادى ~~إبراهيم بعد فراغه من أهل فوسة إلى طرابلس . وكان محمد بن زيادة الله عامله ~~عليها ، وكان إبراهيم كثير الحسد له من صغره على علمه وأدبه . فتله إبراهيم ~~وصلبه . ثم سار من طرابلس حتى بلغ عين تاورغا . فرجع كثير ممن معه إلى ~~إفريقية ، ولم يبق معه إلا أقل من النصف . فلما رأى ذلك انصرف إلى رقادة ثم ~~إلى تونس . وفي سنة أربع وثمانين ، جهز إبراهيم ابنه أبا العباس إلى صقلية ~~لقتال أهلها . فسار إليها في جمادى الآخرة . فقاتله أهلها قتالا شديدا ثم ~~انهزموا . ودخل المدينة بالسيف فقتل خلقا عظيما . ثم عفا عن الناس وأمنهم . ~~ثم ركب حتى جاز المجاز ، وأوقع بالروم فقتل المقاتلة وسبي الذرية . ورجع ~~إلى صقلية وقد أثخن في الروم . ذكر اعتزال إبراهيم الملك وزهده وغزوه ~~ووفاته وكان سبب ذلك أن رسول الخليفة المعتضد بالله العباسي قدم عليه في ~~سنة تسع وثمانين ومائتين من بغداد إلى تونس . فخرج إبراهيم إليه وضربت له ~~فازة سوداء في سبخة تونس . فخلا بالرسول وكان بينهما محاورة ولم يأته بكتاب ~~. وكان المعتضد قد أرسله على غضب وسخط لشكوى أهل تونس منه ، وصياحهم على ~~المعتضد ، ووصفهم له ما صنع بهم إبراهيم ، وقالوا : أهدي إليك نساءنا ~~وبناتنا . فغضب المعتضد ، وأمره باللحاق به وأن يعتزل عن إفريقية . وولى ~~عليها ابنه أبا العباس . فكره إبراهيم المسير إلى المعتضد . وأظهر التوبة ، ~~ورفض الملك ، ولبس الخشن من الثياب . وأمر بإخراج من ms5530 في سجونه . وقطع ~~القبالات . وبعث إلى ابنه PageV24P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" أبي العباس وهو بصقلية ليصير إليه الملك ، ~~ويخرج له من الأمر . فقدم عليه في شهر ربيع الأول فسلم إليه الأمر وخرج من ~~تونس . وأظهر أنه يريد الحج . ووصل إلى سوسة ، ووجه رسله إلى بغداد بذلك . ~~ثم بعث من يذكر رجوعه عن الحج وخروجه إلى الجهاد خشية من بني طولون لئلا ~~تسفك بينهما الدماء . واستقر الناس ، وداعهم إلى الجهاد ، ووسع على من أتاه ~~. وخرج من سوسة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخرة . فنزل نوبة ففرق ~~الخيل والسلاح على أصحابه وأمر بالعطاء . فأعطي الفارس عشرين دينارا ~~والراجل عشرة . وخرج من نوية إلى طرابنش في البحر . فأقام بها سبعة عشر ~~يوما يعطى الأرزاق لمن معه . ثم رحل فدخل مدينة بلرم لليلتين بقيتا من شهر ~~رجب . وأمر برد المظالم . وأقام بصقلية أربعة عشر يوما يعطى أهلها ومن بها ~~من البحريين الأرزاق . وارتحل لتسع خلون من شعبان . فنزل على طبرمين ~~وحاصرها . وكان بينه وبين أهلها قتال شديد حتى أثخنت الجراح في الفريقين . ~~وهم المسلمون بالانحياز فقرأ قارىء : هذا خصمان اختصموا في ربهم . الآية ~~فحمل حماة العسكر وأهل البصائر بنيات صادقة . فانهزم الكفرة هاربين . فتلهم ~~المسلمون أبرح قتل ، وقفوا آثارهم في بطون الأودية ورؤوس الجبال . ودخل ~~إبراهيم ومن معه طبرمين فقتل وسبي . وبعث زيادة الله ابن ابنه أبي العباس ~~إلى قلعة ميقش . وبعث أبا الأغلب ولده بعسكر إلى دمنيش . فوجد أهلها قد ~~هربوا على وجوههم . فأخذ جميع ما كان بها . PageV24P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" وبعث ابنه أبا حجر إلى رمطة . فطلب القوم ~~الأمان . وأجابوا إلى الجزية . وبعث سعدون الجلوى بطائفة إلى لياج فدعوا ~~القوم جميعا . فأجابوا إلى أداء الجزية . فلم يجبهم ولم يرضه إلا نزلوهم عن ~~الحصون ، فنزلوا . وهدم جميع القلاع ورمى حجارتها إلى بالبحر . ثم تمادى ~~بالعساكر إلى مسيني فأقام بها يومين . وأمر الناس بالتعدية إلى قورية لأربع ~~بقين من شهر رمضان وتمادي في رحيله إلى أن قرب من مدينة كسنتة . فجاءته ~~الرسل يطلبون ms5531 الأمان فلم يجبهم . وسار إلى أن وصل كسنتة وقدم العساكر وبقي ~~في الساقة لضعف أصابه . فنزلت العساكر بالوادي . وأمر الناس بالزحف لخمس ~~بقين من شوال . وفرق أولاده وخاصته على أبوابها ، فقاتلوا من كل ناحية ، ~~ونصبوا المجانيق . واشتدت علة إبراهيم ، وكانت علته البطن . وعرض له الفواق ~~فأيس أصحابه منه . فقلدوا الأمر إلى زيادة الله بن ابنه أبي العباس سرا . ~~وكانت وفاة الأمير إبراهيم في ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي ~~القعدة سنة تسع وثمانين ومائتين . فركب القواد إلى أبي مضر زيادة الله ، ~~وهو أكبر أولاد أبي العباس بن إبراهيم ، فقالوا له : تول هذا الأمر حتى تصل ~~إلى أبيك . فقال لعمه أبي الأغلب : أنت أحق بحق أخيك . فلم يتقدم على زيادة ~~الله ، وكان يحب السلامة . ثم طلب أهل كسنتة الأمان ، وهم لا يعلمون بوفاة ~~الأمير ، فأمنوا . وأقام المسلمون حتى قدم عليهم من كان توجه إلى الجهات . ~~فلما قدموا ارتحلوا بأجمعهم وعادوا إلى مدينة بلرم . ونقلوا إبراهيم معهم ~~فدفنوه بها . وبنى على قبره قصر . وعادوا إلى إفريقية بأجمعهم . وكان مولد ~~إبراهيم يوم الأضحى سنة خمس وثلاثين ومائتين . فكان عمره ثلاثا وخمسين سنة ~~وأحد عشر شهرا وأياما . ومدة ولايته إلى حين وفاته ثماني وعشرين سنة وستة ~~أشهر واثني عشر يوما . PageV24P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" وكان لإبراهيم محاسن ومساوىء ذكرها ابن الرقيق ~~، ونحن نذكر لمعة من محاسن أفعاله ومساوئها ، تدل على ما كان عليه . ونترك ~~الإطالة جريا على القاعدة في الاختصار . قال : كان على حالة محمودة من ~~الحزم والضبط للأمور . وأقام سبع سنين من ولايته ، وهو على ما كان عليه ~~أسلافه من حسن السيرة وجميل الأفعال ، إلى أن خرج لمحاربة العباس بن طولون ~~. فلما كفي مؤنته تغيرت حاله وحرص على جمع الأموال . ثم اشتد أمره فأخذ في ~~قتل أصحابه وكفاته وحجابه . ثم قتل ابنه وبناته وأتى بأمور لم يأت غيره ~~بمثلها . فمن محاسن أعماله أنه كان أنصف الملوك للرعية ، لا يرد عنه متظلم ~~يأتيه . وكان يجلس بعد صلاة الجمعة ، وينادى مناديه : من له مظلمة ms5532 فربما لم ~~يأته أحد لكف بعض الناس عن بعض . وكان يقصد ذوي الأقدار والأموال فيقمعهم ~~ويقول : لا ينبغي أن يظلم إلا الملك ، لأن هؤلاء إذا أحسوا من أنفسهم قوة ~~بما عندهم من الأموال لم يؤمن شرهم وبطرهم . فإذا كف الملك عنهم وأمنوا ~~دعاهم ذلك إلى منازعته وإعمال الحيلة عليه . وأما الرعية فهم مادة الملك ، ~~فإن أباح ظلمهم لم يصل إليه نفعهم ، ولحقه الضرر ، وصار النفع لغيره . ووقف ~~له رجلان من أهل القيروان ، وهو بالمقصورة في جامع رقادة فأدناهما إليه ~~وسألهما عن حالهما فقالا له : كنا شريكين للسيدة . يعنيان أمه في جمال ~~وغيرها . فاحتبست لنا ستمائة دينار . فأرسل إليها خادما فقالت : نعم هو كما ~~ذكرا إلا أن بيني وبينهما حسابا . وإنما احتسبت هذا المال حتى أحاسبهما . ~~فإن بقي عليهما شيء وإلا دفعت مالهما إليهما . فقال للخادم : ارجع إليها ~~وقل لها : والله لئن لم توجهي بالمال وإلا أوقفتك الساعة معهما بين يدي ~~عيسى بن مسكين . فوجهت بالمال إليه . فدفعه إليهما وقال : أما أنا فقد ~~أنصفتكما فيما ادعيتما ، فاذهبا واقطعا حسابها وإلا فأنتما أعلم . وكان إذا ~~تبين له الظلم قبل أحد من أهل بيته وولده بالغ في عقوبته والإنصاف منه . ~~فكان ولده ورجاله يوم الخميس يأمرون عبيدهم ورجالهم أن يطوفوا في الأزقة ~~والفنادق ، ويسألوا : هل أتي شاك أو متظلم من عبد أو وكيل ؟ فإذا وجدوا ~~أحدا أتوا به إلى دار ودل الأمير أو قرابته فينصفه . ومن مساوىء أفعاله أنه ~~أسرف في سفك دماء أصحابه وحجابه حتى يقال إنه افتقد منديلا كان يمسح به فمه ~~من شرب النبيذ - وكان قد سقط من يد بعض جواريه PageV24P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" فأصابه خادم - فقتله وقتل بسببه ثلاثمائة خادم ~~. وهذا غاية في الجور ونهاية في الظلم . وقتل ابنه المكني بأبي الأغلب لظن ~~ظنه به ، فضرب عنقه بين يديه صبرا . وقتل ثمانية إخوة كانوا له رجالا ، ~~ضربت أعناقهم بين يديه صبرا . وكان أحدهم ثقيل البدن فسأله واسترحمه . فقال ~~: لا يجوز أن تخرج عن حكم الجماعة . وقتله . ثم قتل بناته ms5533 . وأتي بأمور لم ~~يأت بها أحد قبله ولم يتقدمه إلى مثلها ملك ولا أمير . فكانت أمه إذا ولد ~~له بانة من أحد جواريه أخفتها عنه وربتها حتى اجتمع عندها منهن ست عشرة ~~جارية . فقالت له ذات يوم ، وقد رأت منه طيب نفس : يا سيدي ، قد ربيت لك ~~وصائف ملاحا ، وأحب أن تراهن . فقال : نعم ، قربيهن مني . فأدخلتهن إليه ~~فاستحسنهن . فقالت : هذه ابنتك من جاريتك فلانة ، وهذه من فلانة . حتى ~~عدتهن عليه . فلما خرج قال لخادم له أسود كان سيافا يقال له ميمون : امض ~~فجئني برؤوسهن . فتوقف استعظاما منه لذلك . فسبه وقال : امض وإلا قدمتك ~~قبلهن . فمضى إليهن . فجعلن يصحن ويبكين ويسترحمن ، فلم يغن ذلك عنهن شيئا ~~. وأخذ رؤوسهن وجاء بهن معلقة بشعورهن ، فطرحها بين يديه . ومن قبيح أفعاله ~~ما كان عليه من أمر الأحداث ، وكان له نيف وستون حدثا . وقد رتب لكل واحد ~~منهم مرقدا ولحافا . فإذا جاء وقت النوم ، طاف عليهم الموكل بهم فسقى كل ~~واحد منهم ثلاثة أرطال ، وينام كل واحد منهم في مكانه . فبلغه أن بعضهم ~~يمشي في الليل إلى بعض . فجلس بباب القصر على كرسي وأمر بإحضارهم . فبعضهم ~~أقر وبعضهم جحد ، حتى مر به صبي كان يحبه فقال : والله يا مولاي ما كان من ~~هذا شيء . فضربه بعمود من حديد فطار دماغه . وأمر بتنور فأحمى . فكان يطرح ~~فيه كل يوم خمسة أو ستة حتى أفناهم . وأدخل عددا منهم الحمام وأغلق عليهم ~~البيت السخن ، فماتوا من ساعتهم . وقتل بناته وجواريه بأنواع من العذاب : ~~منهن من بني عليها البناء حتى ماتت جوعا وعطشا ، ومنهن من أمر بخنقها ، ~~ومنهن من ذبحها ، حتى لم يبق في قصره أحد . فدخل على أمه في بعض الأيام ~~فقامت إليه ورحبت به . . فقال لها : إني أحب طعامك . فسرت بذلك وأحضرت ~~الطعام . فأكل وشرب وانبسط . فلما رأت سروره قالت له : إن عندي وصيفتين ~~ربيتهما لك وادخرتهما لمسرتك . وقد طال عهدك بالأنس بعد قتل الجواري وهما ~~يحسنان القراءة بالألحان . فهل لك أن أحضرهما للقراءة بين يديك ms5534 ؟ . قال : ~~افعلي . فأمرت بإحضارهما فأحضرتا . وأمرتهما بالقراءة PageV24P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" فقرأتا أحسن قراءة . ثم قالت له أمه : هل لك ~~أن ينشداك الشعر ؟ قال : نعم . فغنتا بالعود والطنبور أبدع غناء حتى عمل ~~فيه الشراب وأرد الأنصراف . فقالت له : هل لك أن تمشيا خلفك حتى تصل إلى ~~مكانك ويقفا على رأسك ويؤنساك ، فقد طال عهدك بالأنس . قال : نعم فمضى وهما ~~خلفه . فلم يكن إلا أقل من ساعة حتى أقبل خادم وعلى رأسه بطبق وعليه منديل ~~. فظنت أنه وجه إليها بهدية . فوضع الخادم الطبق بين يديها ورفع المنديل ، ~~وإذا برأسيهما . فصرخت أمه وغشي عليها . وأفاقت بعد ساعة طويلة ، وهي تدعو ~~عليه وتلعنه . وأخباره في أمثال هذا طويلة . وفي أيامه ظهر أبو عبد الله ~~الشيعي الداعي ، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله عز وجل . ذكر ولاية عبد ~~الله بن إبراهيم ابن أحمد بن محمد بن الأغلب ولي الأمر كما قدمناه في حياة ~~أبيه ثم استقل بالأمر بعد وفاته . وكان على خوف شديد من أبيه لسوء أخلاقه ~~وجرأته على قتل من قرب منه أو بعد . فكان يظهر له من الطاعة والتذلل أمرا ~~عظيما . فكان إيراهيم يكرمه ويفضله على سائر أولاده . وكانت ولايته بعد ~~أبيه في يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة تسع وثمانين ~~ومائتين . فجلس للناس للمظالم . ولبس الصوف ، وأظهر العدل والإحسان ~~والإنصاف . ولم يسكن قصر أبيه . ولكنه اشترى دارا مبنية بالطوب فسكنها إلى ~~أن اشترى داره التي عرف بها . وخاف من قيام ابنه زيادة الله عليه فحبسه هو ~~وخلقا من رجاله . وولي أبا العباس محمد بن الأسود الصديني قضاء القيروان ~~والأحكام والنظر في العمال وجباة الأموال . فكان يأمر بالمعروف وينهي عن ~~المكر . وكان قويا في قضائه ، شديدا على رجال السلطان ، رفيقا بالضعفاء ~~والمظلومين . ولم يكن واسع العلم ، فكان يشاور العلماء ، فلا يقطع حكما إلا ~~برأي ابن عبدون القاضي . وكان يظهر القول بخلق القرآن فكرهه العامة . ~~PageV24P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" ولم تطل أيام أبي العباس حتى وثب به ثلاثة من ms5535 ~~خدمه كان زيادة الله قد وضعهم عليه ، فقتلوه وهو نائم . وأتوا بحداد إلى ~~زيادة الله ليقطعوا قيده ويسلموا عليه بالإمارة . فخاف أن يكونوا دسيسا ~~عليه من أبيه ، فأبى ذلك . فمضوا إلى أبيه فقطعوا رأسه وأتوا به في الليل . ~~فلما رأى ذلك أمر بقطع قيوده وخرج . وكان مقتل أبي العباس في ليلة الأربعاء ~~آخر شعبان سنة تسعين ومائتين . فكانت إمارته من حين خروج أبيه وإلى أن قتل ~~سنة واحدة واثنين وخمسين يوما ، ومنذ استقل بالأمر بعد أبيه تسعة أشهر ~~وثلاثة عشر يوما . وكان رحمه الله شجاعا بطلا عالما بالحرب ، حسن النظر في ~~الجدل . وأستاذه في ذلك عبد الله بن الأشج . ذكر ولاية أبي مضر زيادة الله ~~بن أبي العباس عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم ~~بن الأغلب قال : ولا أفضى إليه الأمر بعد مقتل أبيه ، كان أول ما بدأ به ~~أنه أمر بقتل الخصيان الذين قتلوا أباه وصلبهم ، وأظهر الكراهة لفعلهم . ~~وأرسل من إخوته وبني عمه تسعة وعشرين رجلا إلى جزيرة في البحر يقال لها ~~جزيرة الكراث فقتلوا في شهر رمضان من هذه السنة . وبعث زيادة الله خمسين ~~فارسا مع فتوح الرومي إلى أخيه الأحول بكتاب على لسان أبيه أبي العباس ~~يأمره فيه بالقدوم عليه ولا يتخلف - وكان أبو العباس قد أخرجه لقتال أبي ~~عبد الله الشيعي - فرجع . فلما وصل أمر زيادة الله بقتله فقتل . فكان ذلك ~~أعظم فتح عند الشيعي . قال : وأمر زيادة الله بالعطاء . وولي الوزارة ~~والبريد عبد الله بن الصائغ . وولي الخراج أبا مسلم . وعزل القاضي الصديني ~~لرأيه بخلق القرآن . وكتب كتابا إلى القيروان : " إني قد عزلت عنكم الجافي ~~الجلف ، المتبدع المعسف ، ووليت القضاء حماس بن مروان لرأفته ورحمته ~~وطهارته وعلمه بالكتاب والسنة " . PageV24P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" وفي أيامه قوي أمر أبي عبد الله الشيعي ، وكان ~~قد ظهر في أيام جده إبراهيم بن أحمد ، فاستفحل الآن أمره . وكثرت أتباعه ، ~~واشتدت وطأته . ففارق زيادة الله تونس إلى رقادة ونزلها خوفا من الشيعي أن ~~يخالفه ms5536 إليها . ولما نزلها زيادة الله عمر سورها ، فلم يغن ذلك عنه شيئا ~~لأن الشيعي لما قوي أمره بكتامة ، انضمت إليه القبائل واجتمعت له الرجال ~~وهزم جيوش زيادة الله مرة بعد أخرى وقتل جموعه . واستولى على البلاد : فبدأ ~~يميلة ثم بمدينة سطيف ثم غلب على البلاد والمدن بلدا بلدا ومدينة مدينة ، ~~إلى أن غلب على مدينة الأربس ، وهزم إبراهيم بن أبي الأغلب . وكان زيادة ~~الله قد جهزه لقتاله في جيوش عظيمة ، وهو آخر جيش جهزه زيادة الله . فهزمه ~~الشيعي ، وذلك في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين ومائتين ، على ما نذكره إن ~~شاء الله مبينا في أخبار الدولة العبيدية المنسوبة للعلوية . ذكر انهزام ~~زيادة الله إلى المشرق وانقراض دولة بني الأغلب قال : ولما بلغت هزيمة ~~إبراهيم بن الأغلب زيادة الله - وكان هذا الجمع آخر جمع جمعه - فت ذلك في ~~عضده . وكان برقادة فأظهر أنه أتاه الفتح وأرسل إلى السجون فأتى برجال منها ~~. فضرب أعناقهم وأمر أن يطاف برؤوسهم في القيروان والقصر القديم . وأخذ في ~~حمل أثقاله وأمواله . وأرسل إلى خصاة رجاله وأهل بيته يعرفهم الحال وأنذرهم ~~بالخروج معه . فأشار عليه وزيره ابن الصائغ بالمقام . وقال له : " العساكر ~~تجتمع إليك ، فأخرج العطاء يأتيك الناس . والشيعي لا يجسر أن يقدم عليك " . ~~وشجعه وقواه وذكره بحروب جده زيادة الله ، فلم يرجع إلى قوله . فلما ألح ~~عليه ابن الصائع ، قال له زيادة الله : هذا يصدق ما قيل عنك : إنك كاتبت ~~الشيعي وأردت أن تمكنه مني " . فتبرأ من ذلك وأمسك عنه . وأخذ زيادة الله ~~في شد الأموال والجواهر والسلاح وما خف من الأمتعة النفيسة ، وفعل رجاله ~~كذلك واتعدوا إلى الليل . ثم انتخب زيادة الله من عبيده الصقالبة ~~PageV24P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" ألف خادم وجعل على وسط كل خادم ألف دينار . ~~وحمل من يعز عليه من جواريه وأمهات أولاده . ولما عزم على الرحيل ، قامت ~~إليه جارية من قيانه ، وأخذت العود واندفعت تغني : لم أنس يوم الرحيل ~~موقفها . . . وجفنها في دموعها غرق وقولها ، والركاب سائرة . . . تتركني ~~سيدي وتنطلق فدمعت عيناه ms5537 وأمر بحط حمل مال عن بغل وحملها عليه . وكانت ~~الهزيمة بلغته بعد صلاة العصر ، فما أذن مؤذن العشاء الآخرة إلا وقد رحل من ~~رقادة . واتبعه الناس قوما بعد قوم يهتدون بالمشاعل . وأخذ بطريق مصر . ~~وخرج عبد الله بن الصائغ بعده بثقله وحشمه وأمواله . فقصد جهة لمطة ، وقد ~~كان أعد هناك مركبا لنفسه ، ليركب فيه إلى صقلية ويفارق زيادة الله خوفا ~~على نفسه من رجاله أن يحملوه على قتله ، لأنه كان معاديا لأكثرهم ورموه ~~بمكاتبة الشيعي ؛ ولم يكن كذلك . قال : ولما علم الناس بهروب زيادة الله ، ~~أسرعوا إلى رقادة ، وانتهبوا ما فيها ، واحتووا على قصور زيادة الله ، حتى ~~صاروا إلى البحث عن المطامير وانتزاع حدي الأبواب وحمل الأسرة ونقل الماعنة ~~. وأقاموا على ذلك ستة أيام ، حتى تراءت خيل الشيعي . وتخلف عن زيادة الله ~~كثير من رجاله وعبيده وأصحاب الدواوين ، فاقترقوا في البلدان . وأما ~~إبراهيم بن أبي الأغلب ، فإنه وافى القيروان في جماعة من انضم إليه . فلما ~~علموا بهروب زيادة الله ، تفرقوا عنه وقصد كل قوم إلى ناحيتهم . وقصد ~~إبراهيم دار الإمارة فنزل بها . ونادى مناديه بالأمان ، وسكن الناس . وأرسل ~~إلى الفقهاء ووجوه أهل القيروان ، فاجتمع على بابه خلق كثير وسلموا عليه ~~بالإمارة . فذكر لهم أحوال زيادة الله ، وما كان عليه من سوء الحال ، وأن ~~ذلك أخل بدولته وأجلب عدوه وسلبه ملكه . وذكر الشيعي وكتامة وشنع عليهم ~~أقبح الأشانيع . وطلب من الناس الإعانة . وقال : إنما PageV24P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" قصدت المجاهدة عن حريمكم ودمائكم وأموالكم ، ~~فأعينوني على ذلك بالسمع والطاعة ، وأمدوني بأموالكم ورجالكم ، وادفعوا عن ~~حريمكم ومهجكم . فقالوا : أما السمع والطاعة فهما لك ولكل من ولينا . وأما ~~إعانتك بأموالنا فهي لا تبلغ ما تريده . والقتال فمالنا به قوة ولا معرفة . ~~وأنت فقد ناصبت هؤلاء ومعك صناديد الحرب ووجوه الرجال ووراءك بيت الأموال ، ~~فلم تظفر بهم . وتروم الآن ذلك منا نحن وبأموالنا . فراجعهم في ذلك وراجعوه ~~، حتى قال لهم : فانظروا ما كان في أيديكم من أموال الأحباس والودائع ~~فأعطوني ذلك سلفا ، فأنادي بالعطاء فيجتمع ms5538 إلى الناس . قالوا : وما يغني ~~عنك ذلك ، ولو مددت يدك إليها لأنكر الناس عليك . فلما يئس منهم صرفهم ~~والناس مجتمعون حول دار الإمارة لا يعلمون ما كان الكلام . فلما خرجوا ~~أخبروهم بما كانوا فيه . فصاحوا به : اخرج عنا ، فما لنا بك من حاجة ، ولا ~~نسمع ولا نطيع لك . وجلب الغوغاء وصاحوا به وشتموه . فلما سمع ذلك ، وثب من ~~كان معه في سلاحهم واقتحموا الباب . فهرب من كان على الباب . ومضوا يركضون ~~دوابهم . والناس يركضون وراءهم ويرجمونهم بالحجارة . وانضم إلى ابن الأغلب ~~من كان قد بقي بعد زيادة الله من رجاله ممن خاف على نفسه ، ولحقوا زيادة ~~الله . ثم دخل الشيعي رقادة وانقرضت دولة بني الأغلب . ذكر ما كان من أخبار ~~زيادة الله وقتله عبد الله ابن الصائغ ومسيره إلى بلاد الشرق ووفاته قال : ~~ولما خرج زيادة الله من رقادة ، ولحق به إبراهيم بن أبي الأغلب فيمن انضم ~~إليه ، فاجتمع معه خلق كثير . فسار بهم إلى طرابلس فدخلها ونزل دار الإمارة ~~. وافتقد ابن الصائغ فلم يره ، فتحقق ما كان يرمى به من مكاتبة الشيعي . ~~وأكثر أصحابه القول فيه . وكان قد ركب في مركب له يريد صقلية ، فصرفته ~~الريح إلى طرابلس . فدخل على زيادة الله فعاتبه على تخلفه . فاعتذر أنه ~~كانت معه أثقال لم يطق حملها في البر . فلما علم أصحاب زيادة الله أنه قرب ~~ابن الصائغ ساءهم ذلك وغمهم . فأتوه وقالوا : إنه كذبك وإنما كان يريد ~~صقلية . واجتمعوا كلهم وقالوا : " هذا الذي أخرجك من ملكك ، وعمل في ذهاب ~~دولتك ، وكاتب الشيعي عليك " . فنقم عليه PageV24P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" وأمر بتسليمه إلى راشد - وهو أحد المتعصبين ~~عليه - فضربي عنقه بيده . وتلاعب الصبيان برأسه حتى وقع في قناة حمام . ~~وحكي عن الشيعي أنه قال : " والله ما كاتبني قط " . قال : وأقام زيادة الله ~~بطرابلس سبعة عشر يوما وخرج منها يريد مصر . وكان قد نقم على إبراهيم بن ~~أبي الأغلب لما أراده من العقد لنفسه بمدينة القيروان ، فاطرحه وأعرض عنه ~~وعن أبي المصعب بن زرارة . وسعي ms5539 بهما عنده أنهما يقعان فيه وينالان منه ، ~~وقيل له : هذا قولهما فيك وهما معك وفي قبضتك ، فكيف إذا وصلا إلى مصر ؟ ~~فعزم على قتلهما . فهربا إلى الإسكندرية واستجارا بعاملها . فأجارهما ووجه ~~بهما إلى مصر . فدخلا قبل زيادة الله ، واجتمعا بعيسى النوشري عاملها ، ~~ووقعا عنده في زيادة الله ، وذكروا سوء فعله وأنه يطمع نفسه بمصر . فهم ~~النوشري أن يصد زيادة الله عن مصر إلى أن يكتب إلى بغداد . فأتي زيادة الله ~~الخبر من عيون كانت له بمصر ، فأرسل ابن القديم بكتاب إلى النوشري ، يبجله ~~فيه ويسأله أن ينظر له دارا ينزل فيها ، ويخبره أنه يقيم إلى أن يصل إليه ~~الرسول . ثم سار زيادة الله في أثر ابن القديم وجاء إلى مصر . فأنزله ~~النوشري في دار ابن الجصاص ، وأنزل رجاله في دور كثيرة . وأقام بمصر ثمانية ~~أيام ثم خرج يريد بغداد . فتخلف عنه بمصر جماعة ممن كان معه ، فسار حتى وصل ~~إلى الرملة ففقد وجوه رجاله ، فوجدهم هربوا عنه . وهرب له غلام بمائة ألف ~~دينار ، وصار إلى النوشري والتحق بغلمانه . فكتب زيادة الله إلى بغداد بذلك ~~. فورد الجواب إليه ، وإلى النوشري يؤمر فيه أن يبعث إليه بكل من تخلف عنه ~~. ففعل النوشري ورد غلمانه وأصحابه إليه . وسار زيادة الله حتى وصل إلى ~~الرقة . وكتب إلى ابن الفرات الوزير أن يستأذن له المقتدر بالله في الدخول ~~إلى الحضرة . فأتاه كتاب يؤمر فيه بالإقامة في الرقة حتى يأتيه رأي المقتدر ~~. فأقام بها سنة فتفرق عنه رجاله وتشتت أمره . وباع عليه قاضي الرقة بعض ~~خصيانه ، وذلك أنه كان معه خصيان لهم وضاءة وجمال . فلما أقام بالرقة أدمن ~~شرب الخمر وسماع الملاهي . فاحتسب عليه محتسب عند القاضي ، وأقام بينة شهدت ~~عليه أنه يفجر بأولئك الصقالية . فباعهم عليه . وتلطف زيادة الله في الدخول ~~على المقتدر بالله فلم يؤذن له . وصرفه إلى النوشري وابن بسطام بمصر . وكتب ~~المقتدر إليهما بتقويته بالرجال وأن يعطي من خراج مصر ما يقيم أود عسكره ~~حتى يعود إلى المغرب ويطلب بثأره ويسترجع دولته ms5540 . PageV24P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" فلما وصل إلى مصر شقها متقلدا بسيفين . فأخرجه ~~النوشري إلى ظاهرها وقال له : " تكون متبرزا حتى تأتيك الرجال والأموال " . ~~وجعل يمطله ويسوف به ويتحفه بالهدايا والخمور . فأقام على اتباع شهواته ~~والانهماك على لذاته حتى أنفق ما كان معه وباع السلاح والعدة . ثم اعتل ~~فيقال إن بعض عبيده سمع في طعام فسقط شعر لحيته ورأسه . فانصرف إلى البيت ~~المقدس فمات هناك . وتفرق آل الأغلب وانقرضت دولتهم بخروج زيادة الله من ~~الملك . وكانت مدة ولاية زيادة الله منذ أفضى إليه الأمر بعد أبيه وإلى أن ~~هرب إلى رقادة خمس سنين وعشرة أشهر . وانقرضت دولتهم كأن لم تكن . فسبحان ~~من لا يزول ملكه ولا ينقضي دوامه . وبانقراض دولة بني الأغلب زال ملك بني ~~مدرار بسجلماسة ، وكان له مائة سنة وستون سنة ، وزال ملك بني رستم من تيهرت ~~، وله مائة سنة وثلاثون سنة . ذكر أخبار من ملك المغرب بعد الأغلبة إلى أن ~~قامت دولة بني زيري بن مناد نحن نذكر ذلك في هذا الموضع على سبيل التنبيه ~~عليه لا الاستيعاب له . وسنذكره إن شاء الله تعالى مبينا مستوفى في أخبار ~~الدولة العبيدية مع ملوك مصر . فنقول ها هنا : لما قام أبو عبد الله الشيعي ~~على دولة بني الأغلب ، وهزم جيوشهم ، واستولى على بلاد المغرب وانتزعها من ~~زيادة الله بن أبي العباس ، وظهر أبو محمد عبيد الله المنعوت بالمهدي - وهو ~~الذي كان الشيعي يدعو له - فانخلع له الشيعي من الأمر كله ، وسلمه إليه في ~~سنة ست وتسعين ومائتين . فلما استقامت الأمور للمهدي ، وتوطد ملكه ، واشتدت ~~شوكته ، قتل أبا عبد الله الشيعي وأخاه ، واستقل بالأمر . وبني مدينة ~~المهدية وانتقل إليها . ودامت أيامه إلى أن توفي النصف من شهر ربيع الأول ~~سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة . PageV24P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" ثم قام بالأمر بعده ولده أبو القاسم محمد ~~المنعوت بالقائم بأمر الله . فملك إلى أن توفي في يوم الأحد الثالث عشر من ~~شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة . ثم قام بالأمر بعده ابنه أبو الطاهر ~~إسماعيل المنعوت ms5541 بالمنصور بنصر الله . وبني المنصورية . ودامت أيامه إلى أن ~~توفي في يوم الجمعة آخر شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة . ثم قام بالأمر ~~بعده ابنه أبو تميم معد المنعوت بالمعز لدين الله . ودامت ولايته ببلاد ~~المغرب إلى أن جهز القائد جوهرا إلى الديار المصرية فملكها بعد انقراض ~~الدولة الإخشيدية . وأنشأ القاهرة المعزية ، ثم كتب إلى مولاه المعز لدين ~~الله بذلك . فتوجه المعز إلى الديار المصرية ، وكان رحيله من المنصورية ~~ووصوله إلى سردانية في يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين ~~وثلاثمائة . وسلم إفريقية وبرد المغر كلها ليوسف بن زيري بن مناد في يوم ~~الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة من السنة . وأمر سائر الناس بالسمع والطاعة ~~له . ثم رحل المعز لدين الله من سردانية لخمس خلون من صفر سنة اثنتين وستين ~~وثلاثمائة . ثم سار منها إلى طرابلس وأقام بها أياما . ورحل منها يوم السبت ~~لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر منها . ووصل ثغر الإسكندرية لست ~~خلون من شعبان منها . فكانت مدة مقامهم ببلاد المغرب خمسا وستين سنة وشهورا ~~. وصار أمر المغرب بعده ليوسف بن زيري ثم لبنيه من بعده ، على ما نذكره إن ~~شاء الله عز وجل . وكانوا في مبدإ الأمر كالنواب لملوك الدولة العبيدية ~~بمصر . ثم استقلوا بعد ذلك بالأمر على ما يأتي من أخبارهم . ذكر ابتداء ~~دولة بني زيري بن مناد ونسبهم ومبدأ أمرهم ومن ملك منهم إلى انقضاء دولتهم ~~أول من ملك منهم أبو الفتوح بكلين يوسف بن زيري . ولنبدأ بذكر نسبه وأخبار ~~آبائه ومبدإ أمرهم . فأما نسبه فهو أبو الفتوح يوسف بن زيري بن مناد بن ~~منقوش بن زناك بن زيد الأصغر بن واشفاك بن وزعفي ابن سري بن وتلكي بن ~~سليمان بن الحارث بن عدي الأصغر - وهو المثنى بن المسور بن يحصب بن مالك بن ~~زيد " بن الغوث " الأصغر - بن سعد - وهو عبد الله بن عوف بن عدي بن مالك بن ~~زيد ابن شداد بن زرعة - وهو PageV24P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" حمير " الأصغر ms5542 " بن سبأ الأصغر بن كعب بن زيد ~~بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن ~~قطن بن عوف بن عريب بن زهير بن أبيمن بن الهميسع بن عمرو بن حمير - وهو ~~العرنجج - ابن سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عامر - وهو هود . ~~هكذا قال عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن شداد بن الأمير تميم ابن المعز ~~بن باديس في تاريخه المترجم " بالجمع والبيان في أخبار المغرب والقيروان " ~~. وهم المقول فيهم : ذوو الملك والتيجان والغرر التي . . . حقيق بها ~~التيجان أن تتباهى لها معجز التأسيس في سد مأرب . . . وإن كان قد أوهاه فيض ~~نداها لها ركن بيت الله غير مدافع . . . وميقات حج الله غير مضاهي لها ~~اللغة العليا التي نزلت بها . . . فواتح ياسين وميدأ طه لها يوم بدر ~~والنضير وخيبر . . . وأي مناد في حنين دعاها قال : وأول من دخل منهم بلاد ~~المغرب المثنى بن المسور . وكان سبب دخوله أنه لما رأي الحبشة قد غلبت على ~~اليمن وأخرجت حمير عن ملكها ، سار إلى الشحر فوجد به كاهن من حمير . فلما ~~رأى المثنى ، سلم عليه وسأله عن خبره وما الذي أتى به . فأعلمه أن الحبشة ~~غلبتهم على ملكهم . فقال له الكاهن : " اذهب إلى المغرب واتخذه قرارا . فو ~~الله ، ليكونن لولدك فيه شأن ، وليملكن منهم جماعة ، ويتوارثونه ، ويطول ~~ملكهم " . فهاج ذلك المثنى على دخول المغرب فدخله . وأعلم المثنى بنيه بذلك ~~وأعلم بنوه بنيهم . فما زالوا يتوقعون الملك إلى أن ولد مناد بن منقوش ونشأ ~~، فجاء شديد القوة كثير المال والبنين . فأخذ في الإفضال على من يمر به . ~~فاشتهر ذكره وشاع خبره في الناس . وكان له مسجد يطرقه كل من يأتي إليه . ~~فإذا خرج إلى الصلاة ، سلم على من ينزل المسجد من الأضياف وحمله إلى داره ، ~~ويضيفه ويكرمه . ويقيم عنده ما شاء الله أن يقيم . فإذا أراد الانصراف ، ~~زوده وكساه ووصله وصرفه . PageV24P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" فإنه على ذلك ، إذ أتاه آت فقال ms5543 له : " إن في ~~المسجد رجلا وصل في هذه الساعة ، وهو يذكر أنه جاء من الحج " . وكان وقت ~~صلاة الظهر . فخرج مناد إلى المسجد ، فصلى وسلم على الرجل ، وسأله عن حاله ~~ومن يكون ومن أين أقبل فقال : " إنه من أهل المغرب ، وإنه انصرف من الحج ~~فخرج عليه لصوص ، وأخذوا ما كان معه فانقطع عن أصحابه ، ووصل إلى إفريقية ~~فسمع بمناد وما يفعل مع أبناء السبيل ، فقصده ليعينه على الوصول إلى أهله " ~~. فقال له مناد : قد وصلت فأبشر بالخير إن شاء الله . ومضى به مناد إلى ~~منزله ، فأكل ونام . وأمر مناد بشاة فذبحت وعمل طعام ثان . وأيقظ الرجل ~~وأتي بالطعام فأكل منه . ونظر إلى كتف الشاة فأخذه وقلبه ونظر فيه وإلى ~~مناد ، وأقبل يتعجب . فقال له مناد : لأي شيء تنظر في الكتف وتنظر إلي ؟ . ~~قال : لا لشيء فعزم مناد عليه أن يخبره مم تعجبه . فقال : ألك امرأة حامل ؟ ~~. قال : بلى . قال : فلك منها أولاد ؟ قال : لا ولكن من غيرها . قال : ~~فاعرضهم علي . فعرضهم مناد عليه ، فقال : ألك غير هؤلاء ؟ . قال : ليس لي ~~ذكر إلا من رأيت . قال : احتفظ بالمرأة الحامل . فو الله ، لتلدن ولدا يملك ~~المغرب جميعه ، ويملك بنوه من بعده . فقال له مناد : والله ، ما زلنا نتوكف ~~زمان هذا القائم منا ، رواية عندنا عن أسلافنا . وكنا لا نعلم من أي فخذ من ~~أفخاذنا يكون . والآن فقد أنبأتني بنبأ ما كنا ننتظر من هذا القائم . قال : ~~وأكرم مناد الرجل وصرفه . ذكر أخبار زيري بن مناد قال : ووضعت زوجة مناد ~~حملها ، فجاء ذكرا فسماه أبوه زيري . فخرج من أجمل مولود رآه الناس ، وكذلك ~~كان أولاده يضرب بجمالهم المثل في المغرب فيقال : " لو أنك من بني مناد " . ~~فلما صار له من العمر عشر سنين ، كان من رآه يظنه أنه ابن عشرين سنة لبهائه ~~. وكانت الصبيان يدورون حوله ، ويدعونه بالسلطان ، ويركبون العيدان يتشبهون ~~بالعساكر . ويأمرهم بالقتال بين يديه ، يغري بعضهم ببعض . ويأتي بهم إلى ~~أمه فتصنع لهم الطعام . فيقف على رؤوسهم ويطعمهم ولا يأكل . فلما ms5544 تكامل ~~شبابه وقوي أمره ، جمع إليه جماعة من بني عمه ومن كان له نجدة . فكان يشن ~~بهم الغارات على القبائل من زناتة فيقتل ويسبي ويقسم على PageV24P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" أصحابه فلا يؤثر نفسه بشيء . فحسده كثير من ~~قبائل صنهاجة لأن كل قبيل كان يطمع أن يكون القائم منهم . فلما تحققوا أنه ~~القائم اجتمعت القبائل من صنهاجة على زيري وحاربوه . وطالت الحرب بينهم ~~فظفر بهم وقتل وسبي ورجع بالغنائم إلى الجبل . فلما سمعت بذلك زنانة ، ~~اجتمعوا وتحالفوا وكاتبوا من كان خلافه من صنهاجة وحالفوهم على حرب زيري . ~~فاتصل ذلك به فخرج إليهم وضرب على زناتة بأرض مغيلة في الليل وهم مطمئنون ، ~~فقتلهم وسباهم ، وقطع منهم رؤوسا كثيرة . وخرج إلى جبي تطيري وقد امتلأت ~~أيدي أصحابه من الغنائم ، وأخذ من خيلهم ثلاثمائة فرس فحمل أصحابه عليها . ~~وشاع خبره في سائر أقطار المغرب وتسامع الناس به ، فعظموا أمره واستهالوه . ~~واجتمع غليه كل من فيه منعة . فكثر أصحابه وضاق بهم المتسع . فقالوا له : " ~~لو رأيت مكانا أوسع من مكاننا هذا " . فأتي إلى موض آشير ، وهو إذ ذاك ليس ~~فيه ساكن وفي عيون ، فاستحسنه . ذكر بناء مدينة آشير قال : ولما نظر زيري ~~إلى موضعها قال لأصحابه : " هذا موضعكم الذي يصلح أن تسكنوه " وعزم على ~~بنائها ، وذلك في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة أيام القائم بأمر الله بن ~~المهدي . قال : وأمر زيري بإحضار البنائين والنجارين من حمزة والمسيلة ~~وطبنة . وبعث إلى القائم بأمر الله في طلب صناع . فبعث إليه برجل لم يكن ~~بإفريقية أعلم منه . وأعانه بعدة كثيرة من الحديد وغيره . وشرع زيري في ~~البناء إلى أن كملت المدينة . وكانت زناتة قد استطالت على أهل تلك الناحيةت ~~من أيام بني الأغلب ثم تزايد ضررهم في أيام المهدي والقائم ببناء زيري هذه ~~المدينة ، حمد الله على ذلك وقال : مجاورة العرب خير لنا من مجاورة البربر ~~. وأعانه وساعده . ثم خرج زيري إلى طبنة والمسيلة وحمزة ، فنقل منها وجوه ~~الناس إلى مدينة أشير . فعمرت وجائت حصنا منيعا لا يقاتل إلا ms5545 من شرقيها ~~يحميها عشرة من الرجال ولو PageV24P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" لم يكن عليها سور لاستغنت بعلوها عن السور . ~~وفي وسطها عينان تجريان بماء عذب غزير . وامتلأت البلد بالعملاء والفقهاء ~~والتجار . وتسامع الناس بها . ولم يكن الناس إذ يتعاملون بالذهب والفضة ~~وإنما بالبعير والبقرة والشاة ، فضرب زيري السكة وبسط العطاء في الجند ، ~~وجعل لهم الأرزاق . فكثرت الدنانير والدراهم في أيدي الناس . واطمأنت نفوس ~~أهل البادية للحرث والزراعة . وصانهم زيري مما كان ينالهم من زناتة . ~~وتمكنت العدواة بين صنهاجة وزناتة . ثم خرج زيري إلى المغرب . وولي أخاه ~~ماكسن بن مناد على أشير . فلما وصل إلى جراوة ، خرج إلأيه صاحبها موسى بن ~~أبي العافية ، وكان واليا عليها لعبد الرحمن بن محمد الأموي صاحب قركبة ، ~~بهدية سنية وجوار وغير ذلك . وقال له : يا مولاي ، إنما استعملت نفسي لبني ~~أمية لأرهب بهم على زناتة ، وإذ قد أتاني الله بك وجمع بيني وبينك فأنا ~~عبدك ، ومنقطع إليك ، وغوثك . أنت مني قريب ، وسيف قريب مني أمنع من سيف ~~بعيد . فقربه زيري وأدناه وقال له : اكتب إلى بما يعن لك . فأنا أمدك ~~بالعساكر متى أردت . فشكا إلأيه من غمارة وقال : إنهم قوم على غير مذهب ~~يبيحون المحارم . وقام فيهم رجل يدعي النبوة ، وسن سننا من المنكرات . فرحل ~~ويري إلى غمارة وصحبة موسى ، فأوقع بهم . واخذ الذي يدعي النبوة فوصل به ~~إلى أشير . وجمع عليه الفقهاء فقالوا له : إن كتب نبيا فما علامة نبوتك ؟ ~~فقال : اسمي في القرآن قالوا : وما اسمك ؟ قال : اسمي حم ، واسم أبي من ~~الله ، وفي القرآن " حم ، تنزيل الكتب من الله العزيز الحكيم " فأباحوا ~~قتله فقتل . قال : واتصلت المودة بين زيري والقائم بأمر الله ، وسبب ذلك أن ~~أبا يزيد لما حاصر المهدية ومنع الميرة عنها ، كتب القائم إلى زيري يعلمه ~~ما الناس فيه من الجهد والغلاء . فبعث إليه زيري بألف حمل حنطة . وأخرج ~~معها مائتي فارس من صنهاجة خمسمائة من عبيده . فلما وصل ذلك إلى المهدية ، ~~بعث القائم له هدية لم يسمع بمثلها كسا جليلة ms5546 وخيل مسومة بسروج محلاة . ~~PageV24P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" ذكر الحرب بين زيري وزناتة قال : ثم إن كمات ~~بين مديني الزناتي سيد زناتة جيش واحتفل ونزل على أشير ، فخرج إليه زيري . ~~وكانت بينهم حروب يطول شرحها . وكان لزيري ولد صغير اسمه كباب استخلفه على ~~البلد ، ومنعه من الخروج لصغر سنه . فلما سمع الصياح وضرب الطبول ، ليس ~~لأمة الحرب وركب وهو إذ ذاك لم يراهق الحلم وخرج من باب المدينة . وكان ~~كمات قد أبلى في ذلك اليوم بلاء حسنا ، وقتل جماعة من أصحاب زيري . فوقعت ~~عيم كباب عليه فقصده ، وعلا عليه منت فوق ربوة ، فضربه على عاتقه . وكانت ~~على كمات درع ، فقدت الضربة الدرع والعاتق ، وسقطت ذراع كمات إلى الأرض . ~~فخر صريعا والناس ينظرون إليه ولا يعلمون من هو قاتله . فلما صرع انهزم ~~أصحابه . ورورجع كباب إلى المدينة ودخل من الباب الذي خرج منه ، فسمي باب ~~كباب . قال : ولما قتل كمات وقع التكبير والصياح . فجاء بعض الجند إلى زيري ~~وكان قد نظر كباب وعرفه عند ضربه لكمات وقال له : إن ابنك كباب قاتله . ~~وأتى بجماعة من أصحابة أسارى ، فأمر زيري بضرب أعناقهم وصلب جماعة من ~~كبارهم . قال : ثم ظهر في جبل أوراس قائم يقال له سعيد بن يوسف ، وأظهر ~~النفاق على المنصور بن القائم ، فأخرج إليه زيري ولده بلكين في جيش كثيف . ~~فلقيه في موضع بفحص أبي غزالة ، من غربي باغاية فاقتتلوا . وكان سعيد قد ~~احتفل في جمع من هوارة وغيرهم . فهزمهم بلكين وقتل سعيدا وجماعة من أصحابة ~~. وأنفذ برؤوسهم إلى المنصور على فقوي الحسد لزيري من جميع القبائل ، ~~وجمعوا عليه الجموع ، وكان منصورا على جميع من عانده . ذكر مقتل زيري كان ~~مقتله في شهر رمضان سنة ستين وثلاثمائة في أيام المعز لدين الله المنصور بن ~~القائم بن المهدي . وسبب ذلك أن جعفر بن علي صاحب المسيلة كان PageV24P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" أميرا على الزاب كله ، وأبوه هو الذي بني ~~المسيلة . وكبر جعفر وشمخ فكان ملكا جليلا . وكان في طاعة المعز بن المنصور ~~، وبينه ms5547 وبين زيري ضغائن في النفوس وعداوة في الصدور . ثم انفق أن المعز ~~لدين الله أمر ببناء دار ابن رباح ، وهي المعروفة في القيروان بدار الإمارة ~~. فشاع عند الناس أنها بنيت لجعفر بن علي ، وأنه يعطي ولاية إفريقية ، وأن ~~المغرب كله يعطي لزيري . فعظم ذلك على جعفر بن علي وأراد أن لا يكون لأحد ~~معه في المغرب ولاية . فأنفذ المعز لدين الله إليه يستدعيه ، فلم يأت ولم ~~يمتنع . فأرسل إليه ثانية فرجا الصلبي . فلما بقي بين فرج وجعفر مقدار ~~مرحلة ، وكان في المسيلة فخرج منها وأظهر المسير إلى المعز . ثم مال بعسكره ~~ومعه السلاح والأموال ومضى إلى زناتة . وخلع الطاعة ، وأظهر أن الذي حمله ~~على ذلك عداوة زيري بن مناد لأنه كان يؤذيه في أعماله . ووصل فرج الصلبي ~~إلى المسيلة ، فأخبروه بخبر جعفر . قال : ولما وصل جعفر إلى زناتة ، قبلوه ~~أحسن قبول ، وقدموه على أنفسهم . فبلغ الخبر زيري ، فبادر بالخروج إلى جعفر ~~. وزحف إليه في عسكر عظيم من صنهاجة وغيرها ، وذلك في شهر رمضان من السنة . ~~وزحف جعفر قال : يزناتة والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا . فكبا بزيري فرسه ~~فسقط إلى الأرض . وكانت جولة عظيمة ، وقطعت قدامه خمسمائة يمين ثم قتل . ~~وبعث جعفر بن علي أخا يحيى إلى الحكم صاحب الأندلس يبشره بقتل زيري . ثم ~~أحسن جعفر أن زناتة يريدون الغدر به وأنهم ندموا على قتل زيري ، فاحتال ~~لنفسه ودخل الأندلس . قال : وكان زيري حسن السيرة في الرعية والتجار . وكان ~~له آشير التي بناها ، وأعطاه لمنصور تاهرت وأعمالها وباغاية وأعمالها . ~~وكان شديدا على البربر . وأقام على ذلك ستا وعشرين سنة . ورزق من الأولاد ~~ما يزيد على المائة ، كلهم أنجاد فرسان كرماء كان يكتفي بهم قال : يبعض ~~حروبه . ذكر أخبار أبي الفتوح يوسف بلكين ابن زيري بن مناد ولي الرئاسة على ~~صنهاجة بعد مقتل أبيه . فكان أول ما بدأ به أنه - لما جاءه الخبر بقتل أبيه ~~وهو بآشير - جمع وحشد . ونهض لطلب دم أبيه ، فاجتمع له خلق كثير . فقال : " ~~لا يخرج معي أحد ممن ms5548 حضر مقتل واليد " فلم يخرج معه منهم غير ثلاثة رجال . ~~ومضى مسرعا حتى لحق بزناتة . فجرت بينه وبينهم حروب صبرت فيها PageV24P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" صنهاجة صبرا جميلا . ثم انهزمت زناتة ، وقتل ~~منهم مقتلة عظيمة ، وسبي جميع نسائهم ، ونهب أموالهم . وهرب من بقي منهم . ~~ونزل في موضع المعركة ثلاثة أيام . فشكا صنهاجة ريح القتلى . فنادى أن لا ~~يطبخ في العسكر قدر إلا على ثلاثة رؤوس من رؤوس القتلى . وجل الجثي أكواما ~~. وصعد المؤذنون فأذنوا عليها . ثم رجع إلى آشير . فلما اتصل بالمعز لدين ~~الله ما فعل يوسف بزناتة ، أعجبه ذلك وسر بقتلهم . فزاده على ما كان لأبيه ~~المسيلة وأعمالها التي كانت لجعفر بن علي . ثم كتب المعز إلى يوسف في ~~المحرم سنة إحدى وستين وثلاثمائة في القدوم عليه وأن لا يتشاغل بقتال أحد . ~~وأمره أن لا يعترض زناتة ولا غيرها في هذا الوقت ، وأن يستعمل اللين والرفق ~~بزناتة ، ويرد عليهم ما سبي من نسائهم وأولادهم . فامتثل يوسف ما أمره ~~المعز به . ورد على زناتة سباياهم . وتجهز للمسير إليه . واستعمل على تاهرت ~~وآشير والمسيلة وبسكرة وطبنة وباغاية ومجانة عمالا من عبيده . وسار حتى قدم ~~على المعز . فلما دخل عليه ، أكرمه وأثنى عليه وحمد أفعال ، وذكر فراسته ~~فيه واختياره له . وخلع عليه خلعته التي كانت عليه . ونزع سيفه فقلده إياه ~~بيده . وأمر أن يحمل بين يديه عند خروجه من عنده أربعون تختا من فاخر الكسا ~~ومعها رزم مما يخلع على أصحابه . وقادوا بين يديه أربعين فرسا بالسروج ~~المحلاة المثقلة . فشق ذلك على الكتاميين وحسدوه وتكلموا عليه عند المعز ~~وعابوه ، فلم يضره ذلك . ولما عزم المعز على الرحيل إلى مصر . أتاه بلكين ~~بألفي جمل لحمل أمواله من إبل زناتة . ذكر ولاية أبي الفتوح يوسف بلكين ~~بلاد المغرب وهو أول ملوك بني زيري . وذلك أن المعز لدين الله أبا تميم معد ~~بن المنصور بنصر الله بن القائم بأمر الله بن المهدي لما توجه من المنصورية ~~إلى ديار مصر في سنة PageV24P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" إحدى وستين ms5549 وثلاثمائة بعد أن فتحها القائد ~~جوهر له توجه بجميع من كان في قصره وأهل بيته . ورحل معه يوسف إلى سردانية ~~، فسلم إليه إفريقية وأعمالها وسائر أعمال المغرب ، وذلك في يوم الأربعاء ~~لسبع بقين من ذي الحجة سنة إحدى وستين وثلاثمائة . وأمر سائر الناس بالسمع ~~والطاعة له . وفوض إليه جميع الأعمال إلا جزيرة صقلية فإنها كانت بيد أبي ~~القاسم على بن حسن بن علي ابن أبي الحسين ، وكذلك طرابلس فإن المعز جعل ~~عليها عند وصوله إليها عبد الله بن يخلف الكتامي فلم تزل بيده إلى أن توفى ~~المعز . ثم سلمها ابنه نزار إلى يوسف هي وسرت وما والاهما في سنة سبع وستين ~~وثلاثمائة ، بسؤال يوسف لذلك . قال : ولما ولي المعز يوسف ، ولي أيضا أبا ~~مضر زيادة الله بن عبيد الله بن القديم نظر الدواوين بسائر كور إفريقية . ~~وقال ليوسف عند وداعه : " إني تركت زيادة الله بن القديم عونا لك على جميع ~~الأموال بإفريقية ، كبره " . وأوصاه وصايا كثيرة كان آخرها أن قال له : يا ~~يوسف ، إن نسيت مما أوصيتك به فلا تنس ثلاثة أشياء : لا ترفع الجباية عن ~~أهل البلاد ، ولا ترفع السيف عن البربر ، ولا تول أحدا من إخوتك فإنهم يرون ~~أنهم أحق بهذا الأمر منك ، واستوص بأبي مضر خيرا . ثم ودعه يوسف ورجع . ~~فكان دخوله إلى المنصورية في يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع ~~الأول سنة اثنتين وستين وثلاثمائة . فنزل بقصر السلطان وخرج إليه أهل ~~القيروان وتلقوه ، وأظهروا الفرح بمقدمة والبشر والسرور . فأخرج العمال ~~وجبار الأموال إلى سائر البلدان ، وعقد الولايات للعمال . فاستقامت الأمور ~~بحسن تدبيره . ولما رتب ذلك كله رحل إلى المغرب في شعبان من السنة . فوصل ~~إلى باغاية فولى عليها عاملا ، وأمره أن يلطف بأهلها . ففعل . فدخلوا في ~~الطاعة . ثم خالفوا فقاتلهم العامل ، فتحصنوا بمدينتهم . فهم يوسف أن يرجع ~~إليهم ، فوافاه رسول خلوف بن محمد عامله على تيهرت يذكر أن أهلها خالفوا . ~~فسار إليهم وقاتلهم . ودخل البلد بالسيف في شهر رمضان ، فقتل وسبي ونهب ~~وأحرق ms5550 البلد . وأراد الرجوع إلى باغاية ، فأتاه الخبر أن زناتة قد نزلوا ~~على تلمسان . فرحل PageV24P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" إليهم فهربوا بين يديه . فحصر تلمسان مدة ~~فنزلوا على حكمه . فعفا عنهم من القتل ، ونقلهم إلى آشير ، فبنوا بقربها ~~مدينة سموها بلنسان . ذكر ولاية عبد الله بن محمد الكاتب كان سبب ولايته أن ~~يوسف كان قد ولي جعفر بن يموت مدينة القيروان وصبرة ، وجعل معه خيلا كثيرة ~~، عند مسيره إلى بلاد المغرب في شهر ربيع الأول . فمات في جمادى الآخرة . ~~فكتب ابن القديم إلى أبي الفتوح بموته ، ويسأله أن يرسل إليه بدلا منه ~~يعاونه على أمور البلد . فاستعمل عبد الله على ذلك . فأبى عليه وامتنع ~~واستعفى مرة بعد أخرى . فجمع يوسف حبوس بن زيري ، وكرامة بن إبراهيم ، ~~وكباب بن زيري ، وخلوف بن أبي محمد . وأحضر عبد الله وقال لأولئك : " ما ~~جزاء من عاند أمري ، وخالف رأيي ومرادي ، ولم يعبأ بما كلفته ؟ قالوا : ~~القتل ، ونحن نتولى قتله " . فقال : كاتبي هذا أمرته بالرجوع إلى إفريقية ~~إذ لا ينوب عني أحد غيره فامتنع . فقالوا له : إن لم ترجع وإلا قتلناك . ~~فرجع كارها . وعبد الله هذا من بني الأغلب ، كان أبوه محمد قد هرب إلى ~~نفزاوة فولد بها عبد الله . فرباه خاله صالح وتعلم الخط والترسل . فاستكتبه ~~زيري وهو صبي شاب . ثم استكتبه بعده أبو الفتوح ، فحظي عنده . وكان فصيحا ~~بليغا ، عالما بلغة العرب ولسان البربر . قال : فلما وصل عبد الله إلى ~~القيروان ، تلقاه ابن القديم ، وترجل كل منهما لصاحبه ، وتعانقا ، واتفقا ~~وصارت كلمتهما واحدة . ثم وقع بينهما بعد ذلك ، وكانت فتنة عظيمة بالقيروان ~~يطول شرحها ، انتصر فيها عبد الله وقبض على ابن القديم ، وأرسله إلى الأمير ~~أبي الفتوح ، فحبسه حتى مات . وكانت ولاية ابن القديم سنتين وشهرا ونصفا . ~~ثم توفي في الاعتقال يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ~~ست وستين وثلاثمائة . واستقل عبد الله بن محمد الكاتب وحده لثمان مضين من ~~شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وثلاثمائة . ذكر أخبار خلف بن ms5551 خير قال : وفي ~~سنة أربع وستين وثلاثمائة صعد خلف بن خير من بني هراش إلى قلعة منيعة من ~~ناحية بلده . واجتمع إليه خلق عظيم من سائر قبائل البربر . وخرج إليه ~~PageV24P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" كل من كان قد خالف مع ابن القديم . فكتب عبد ~~الله إلى أبي الفتوح كتابا يذكر فيه أن إفريقية قد استوت كلها له ، وأنه لا ~~خوف بها إلا من الذين اجتمعوا مع ابن خير في القلعة . فرحل يوسف إلى القلعة ~~ونازلها ، في عساكر عظيمة . فظفر بها في اليوم الرابع من منازلتها ، وهرب ~~خلف ، وقتل في القلعة ما لا يحصى . وبعث منها سبعة آلاف رأس طوفها عبد الله ~~في القيروان ثم بعثت إلى مصر . ونفى أكثر ممن قتل . وغنم جميع ما فيها . ~~وسار خلف بن خير إلى بلد كتامة . فبعث إليهم يوسف يقول : " برئت الذمة ممن ~~دفع عنه وآواه ، ومن فعل جازيته " . فأخذه القوم الذين انتهى إليهم ومعه ~~ابنه وأخوه وخمسة من بني عمه ، وأتوا بهم إلى يوسف . فأحسن صلة من جاء بهم ~~. وبعثهم إلى عبد الله الكاتب وأمره أن يشهرهم ويطوف بهم على الجمال . ففعل ~~ذلك بهم ثم صلبهم وضرب أعناقهم ، وبعث برؤوسهم إلى مصر . قال : ولما فتح ~~أبو الفتوح هذه القلعة ، اختار من عبيدهم أربعة آلاف من الشجعان فشح بقتلهم ~~لشجاعتهم وقربهم ، وأراد أن يجعلهم في جملة عبيده . فاتفق أن أحدهم سأل عن ~~أبي الفتوح وقال : " عندي نصيحة " . فأشاروا إليه إي ابن عم لأبي الفتوح ~~ولا يشك الذي أشار إليه أنه هو . فأتاه وقال له : " إني أريد أن أخبرك ~~بنصيحة " . فلما دنا منه ، ضربه بسكين كانت معه فشق بطنه وأخرج أمعاءه فسقط ~~من ساعته ميتا . وكان ذلك الغلام لرجل ممن قتله أبو الفتوح في تلك القلعة . ~~فعندها أمر بقتل أولئك فقتلوا في ساعة واحدة . ثم بعث عشرة من أهل القيروان ~~إلى باغاية يحذرهم المخالفة ويطلب منهم النزول على حكمه ، وإلا فعل بهم ما ~~فعل بأهل القلعة فأجابوه إلى الطاعة ونزلوا على حكمه . فحكم أن يسلموا إليه ms5552 ~~المدينة ويمضوا حيث شاؤوا . ففعلوا ذلك ووفى لهم . وأخرب المدينة القديمة ~~التي عليها السور ، وترك الربض ثم أتى إفريقية . وأتاه الخبر بوفاة المعد ~~لدين الله وولاية ابنه نزار بن معد فكتب إليه يوسف في سنة سبع وستين ، ~~يسأله في طرابلس وسرت وأجدابية ، فأجابه ودفع ذلك إليه . PageV24P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" وفي سنة تسع وستين ، رحل أبو الفتوح إلى فاس ، ~~وسجلماسة وأرض الهبط . فملك ذلك كله وطرد منه عمال بني أمية . ثم بعث إلى ~~سبتة في طلب من لجأ إليها من زناتة . فلقي فيما قرب منها جبالا شامخة ~~وشعاري غامضة فأمر بقطعها وإطلاق النيران فيها حتى وجد العسكر فيها مسلكا . ~~وأمر عساكره بالوقوف . ومضى هو بنفسه وخواص أصحابه حتى أشرف على سبتة من ~~جبل عال مطل عليها . فخاف أهل سبتة منه وغلقوا أبوابهم . فنظر إليها ورأى ~~منعتها ، فعلم أنه لا يستطيعها إلا بالمراكب ، فرجع عنها . ومضى يريد ~~البصرة ، بصرة المغرب . فلما علمت به زناتة رحلوا بأجمعهم إلى الرمال ~~والصحاري هاربين منه . ودخل البصرة وكانت قد عمرت عمارة عظيمة مع بني ~~الأغلب . فأمر بنهبها وهدمها ، فهدمت وحرقت . ورحل بعساكره إلى بلد برغواطة ~~، وكان ملكهم عيسى بن أبي الأنصار شعوذيا ساحرا ، فسحر من عقولهم حتى جعلوه ~~نبيا وأطاعوه في كل ما أمرهم به ، وشرع لهم شريعة ، وأتاهم بغير دين ~~الإسلام . فاتبعوه فضل وأضلهم . فغزاهم أبو الفتوح ، وكانت بينهم حرب شديدة ~~لم ير مثلها ، كان الظفر للمسلمين . وقتل عيسى الكافر وتفرقت عساكره ، ~~فقتلوا قتلا ذريعا . وسبي من نسائهم وذراريهم ما لا يحصى كثرة ، وأرسل ~~بسبيهم إلى إفريقية . ورجع أبو الفتوح وملك فاس وسجلماسة وبلد الهبط ~~والبصرة وجميع بلدان المغرب . وأقام في تلك النواحي من سنة تسع وستين ~~وثلاثمائة إلى سنة ثلاث وسبعين . ذكر وفاة أبي الفتوح يوسف كانت وفاته رحمه ~~الله في يوم الأحد لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة ، عند ~~قفوله من برغواطة وقد فصل من سلجلماسة ، بموضع يقال له PageV24P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" واركنين ، ويقال فيه أتركلان ، بعلة القول نح ~~، وقيل ms5553 بحبة خرجت في يده فمات منعا . حكى الشيخ أبو محمد بن حزم في كتابه ~~المترجم " بنقط العروس " أن بلكن بن زيري كان له في موضع ألف امرأة لا يحل ~~له نكاح واحدة منهن ، كلهن من نسل أخوته وأخواته ، ومن الرجال مثل هذا ~~العدد . قال : وكان له قبل أن يستخلفه المعز لدين الله على المغرب قصور ~~تشتمل على أربعمائة جارية ، فيقال : إن البشارات تواترت عليه في يوم واحد ~~بولادة سبعة عشر ولدا . وكانت مدو إمارته منذ تسلم المغرب من المعز لدين ~~الله ثنتي عشرة سنة ، ومنذ قام بالأمر بعد أبيه ثلاث عشرة سنة وشهورا . ~~ولما مات قام بالأمر بعده ابنه المنصور أبو الفتح . ذكر ولاية أبي الفتح ~~المنصور ابن يوسف بلكين بن زيري قال : ولما توفي يوسف ، أسند وصيته إلى ~~ألبي زعبل بن مسلم ، وككان من جملة عبيده وخاصة قواده . فكتب إلى المنصور ~~يعرفه بوفاة أبيه ، وكان المنصور إذ ذاك بأشير . فاستقل بالأمر بعد أبيه . ~~وأتاه عبد الله بن محمد الكاتب ومشايخ القيروان والقضاة وأصحاب الخراج ، ~~فعزوه بأبيه وهنؤوه بالولاية ، فأكرمهم وعظمهم وأحسن جوائزهم وأعطاهم عشرةى ~~آلاف دينار . فدعواله وشكروه ، فقال لهم : إن أبي وجدي أخذا الناس بالسيف ~~قهرا ، وأنا لا آخذ الناس إلا بالإحسان ، ولست ممن يولي ولا يعزل بكتاب . ~~ولا أحمد فيء هذا الملك إلا الله ويدي . وهذا الملك ما زال في PageV24P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" آبائي وأجدادي ورثناه عن حميرة . وكلام كثير ~~في هذا المعنى . ثم قال لهم : انصرفوا في حفظ الله فإن قلوب أهليكم مشغولة ~~بكم فانصرفوا . وقدم المنصور إلى رقادة في يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة ~~بقيت من شهر رجب سنة أربع وسبعين وثلاثمائة . فتلقاه عبد الله الكاتب ووجوه ~~الناس . فأظهر لهم الخير ووعدهم بكل جميل . وأتاه العمال من كل بلد ~~بالهدايا والأموال . وأهدى إليه غبد الله ما لا يحيط به الوصف . فجهز ~~المنصور هدية إلى نزار بلغت قيمتها ألف ألف دينار . وأقام برقادة إلى يوم ~~الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة من السنة . ورجع إلى المغرب ms5554 ومعه عبد الله ~~الكاتب . واستخلف عبد الله ابنه يوسف على القيروان ، فسار أحسن سيرة . وفي ~~هذه السنة ، أعطى المنصور أخاه يطوفت العساكر والعدد ووجهه إلى فاس ~~وسجلماسة يطلب ردهما ، وكانت زناتة قد ملكت تلك البلاد بعد موت أبي الفتوح ~~فمضى حتى وصل إلى قرب فاس وبها زير يبن عطية الزناتي المعروف بالقرطاس ، ~~ومعه عساكر زناتة ، فعاجله زيري فقتل من عسكره خلقا عظيما وأسر وهرب من سلم ~~إلى تيهرت . فلما بلغ المنصور هزيمة بطوفت ، أرسل أخاه عبد الله بعسكر ~~يلقاه به ثم وصل يطوفت إلى أشير . فلم يتعرض المنصور بعدها لشيءمن بلد ~~زناتة . وفي سنة ست وسبعين ، أخذ يوسف بن عبد الله بن محمد الكاتب في بناء ~~قصر المنصور . فبلغ الإنفاق عليه ثمانمائة ألف دينار ثم عمل عليه وعلى قصر ~~بجواره ، كان بناه قديما شفيع الصقلبي صاحب المظلة سورا محدقا عليهما . ~~وغرست حوله الأشجار من كل جهة . وفي سنة سبع وسبعين ، وصل المنصور من أشير ~~إلى إفريقية في يوم الاثنين منتصف المحرم ، ونزل في قصره الذي بني له . ~~ونزل عبد الله الكاتب وجميع القواد حوله . PageV24P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" ووصل كتاب السلطان نزار إلى المنصزور يعلمه ~~أنه جعل الدعوة لعبد الله بن محمد الكاتب ، ويأمره بذلك . ففعل المنصور ذلك ~~وأمر أن يفرش له قصر السلطان في الموضع المعروف بقصر الحجر ، وذلك في يوم ~~الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة منها . وجلس فيه المنصور وأقرباؤه ووجوه ~~بني عمه . ثم دخل عبد الله فأخذ عليهم الدعوة ، وصار عبد الله داعيا . فذكر ~~أنه لما تم هذا له مسح بيده على رأسه وقال : الآن قد خلصت من القتل وأمنت ~~على شعري وبشري . وماعلم أن ذلك سبب هلاكه ذكر مقتل عبد الله بم محمد وولده ~~يوسف قال : كان عبد الله قد بلغ مبلغا عظيما لم يبلغه أحد من قرابة المنصور ~~وأهل دولته ، وانحصرت أمور المنصور كلها تحت قبضته . وأعطى الرياسة حقها ~~ووثق بما قدم من نصحه . فرفع فيه حسن ابن خاله إلى المنصور أمورا من القدح ~~في ms5555 دولته ، وأنه كاتب ابن كلس وزير نزار ، واختلفت بينهم السفراء ، وعقد ~~اللغدر بالمنصور ، فوجد ةالمنصور لذلك . وكان عبد الله لا يداري أحدا من ~~أولاد زيري ووجوه بني مناد وغيرهم مكن أكابر الدولة . فلما أحسوا من ~~المنصور بعض الأمر وشوا بعبد الله وطعنوا عليه فاستراب المنصور به وأراد ~~إبقاءه مع التحرز منه ، فقال له : اعتزل عمل إفريقية واقتصر على الخاتم ~~والكتابة ، وكل من تولى فهو متصرف تحت أمرك ونهيك . فكان جوابه أن قال : " ~~القتلة ولا العزلة " . فلما كان يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رجب ~~سنة سبع وسبعين وثلاثمائة ، ركب المنصور فركب عبد الله وهو يقول : ومن يأمن ~~الدنيا يكن مثل قابض . . . على الماء خانته فروج الأصابع فلما نزل المنصور ~~، نزل عبد الله فقبل يده . ثم وقف ودار بينهما كلام كثير لم يقف أحد علة ~~صحته . فطعنه المنصور برمحه . فجعل أكمامه على وجهه وقال : " على ملة الله ~~وملة رسوله " . ولم يسمع منه غير ذلك . وطعنه عبد الله أخو المنصور ~~PageV24P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" برمحه بين كتفيه فأخرجه من بين ثدييه . فسقط ~~إلى الأرض . ثم أتي بابنه يوسف . فصارح واستغاث وقال : " العفو " . فضربه ~~المنصور برمحه ، وضربه ماكسن ابن زيري ، وضربه سائر من حضر . فماتا جميعا . ~~ولما قتلا جاء القاضي وشيوخ القيروان واجتمعوا بالمنصور . فقال لهم " ما ~~قتلت عبد الله على مال ولا شيء اغتنمه وإنما خفته على نفسي فتقلته " . ~~فدعوا له بطول البقاء ثم انصرفوا . ودفن عبد الله وابنه بغير غسل ولا كفن ~~وإنما رد عليهما التراب في اسطبل كان للمنصور تحت الحنايا بالقرب من قصره . ~~قال : وولي المنصور بعده إفريقية يوسف بن أبي محمد ، وكان على قفصة . فأتي ~~يوم الخميس لخمس خلون من شعبان . فأعطاه المنصور الطبول والبنود ، وخلع ~~عليه ثيابه وأنزله في دار القائد جوهر . فولى إلى سنة اثنتين وثمانين : ثم ~~عزله يوم الأحد لسبع بقين من شهر ربيع الأول ، وولي أبا عبد الله محمد بن ~~أبي العرب الكاتب . ذكر أخبار أبي الفهم حسن بن نصرويه الخرساني كان أبو ms5556 ~~الفهم رجلا خراسانيا قدم في سنة ست وسبعين وثلاثمائة من مصر من قبل نزار ~~داعيا . فأنزله يوسف بن عبد الله وأجري عليه جرايات جليلة . وأعطاه أموالا ~~سنية وبره وأكرمه . فطلب أبو الفهم الخروج إلى بلد كتامة يدعوهم وينتهي إلى ~~ما أمره به نزار ووجهه إليه ، فكاتب يوسف أباه . فكتب إليه عبد الله أن ~~أعطه ما أراد واتركه يذهب حيث يشاء . فأعطاه يوسف ما طلب ، وحمله على أفراس ~~بسروج محلاة ، وحمل بين يديه تخوت ثياب وبدر دراهم . وتوجه إلى بلد كتامة ~~فوصل إليهم ودعاهم . ثم تزايدت أموره حتى صار يجمع العساكر ويركب الخيل . ~~وعمل بنودا وضرب سكة واجتمع إليه خلق نمكثير من كتامة ، وكان هذا من ~~الأسباب التي حقدها المنصور على عبد الله وابنه . PageV24P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" ثم ورد من مصر رسولان من نزار إلى المنصور في ~~سنة سبع وسبعين أحدهما رجل كتامي يعرف بأبي العزم ، ورجل من عبيدهم يقال له ~~محمد بن ميمون الززان ، ومعهما سجلات إلى المنصور . فقيل : إنهما أمراه عن ~~نزار ألا يعرض لأبي الفهم ولا لكتامة . فشتمهما المنصور وأسمعهما مكروها ~~وقال : " أبو الفهم وكتامة فعلوا وفعلوا " . وأغلظ لهما في القول ولمن ~~أرسلهما . فأقاما عنده شعبان وشهر رمضان . ومنعهما من الخروج إلى كتامة ~~وأبي الفهم . وقال : " امضيا معي إليه حتى تريا ما يكون منه " . ثم تهيأ ~~المنصور للخروج إلى كتامة وأبي الفهم ، وقد تفاقهم أمره ، وظهرت سكته ، ~~وصار حوله جيوش عظيمة . فسار المنصور حتى وصل إلى بلاد كتامة . وتثاقل في ~~سيره حتى دخل سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة . فلما قرب من ميلة عزم على قتل ~~أهلها ، فخرج إليه النساء والأطفال . فلما رآهم بكى وكف عنهم القتل . ونهبت ~~العساكر كل ما فها . وأمر بهدم سورها فهدم . ونقل أهلها إلى باغاية ، ~~فاجتمعوا ومضوا إليها وقد سلم لبعضهم ما خف من عين وورق وغير ذلك . فلقيهم ~~ما كسن بن زيري بعسكره فأخذ كل ما كان معهم . ثم رحل المنصور إلى داخل بلد ~~كتامة ، فجعل لا يمر للكتاميين بمنزل ولا بصر ولا دار ms5557 إلا أمر بهدم ذلك ~~وتحريقه بالنار ، ومعه أبو العزم وابن ميمون ينظران إلى فعله ، ويقول لهما ~~: " هؤلاء الذين زعمتما أنهم يمضون بي بحيل في عنقي إلا مولاكما " . وكانا ~~قد خاطباه بذلك لما اجتمعا به . وسار حتى بلغ مدينة سطيف وبها جمعهم ، ~~فحاربهم وظفر بهم وهزمهم ، وهرب أبو الفهم إلى جبل وعر . فأرسل إليه ~~المنصور من أخذه وجاء به إليه . فأدخله إلى حرمة فضربنه ضربا شديدا ، حتى ~~أشسرف على الموت . ثم أمر المنصور بإخراجه وقد بقيت فيه حشاشة من الروح ~~فنحره وشق بطنه . وأخرجت كبده فشويت وأكلت . وشرح عبيد المنصور لحمه وأكله ~~حتى لم يبق إلا عظامه . وذلك في يوم الثلاثاء لثلاث خلونمن صفر سنة ثمان ~~وسبعين . وقتل جماعة من وجوه كتامة ، وأنزل بهم الذل والهوان . وولي بلدهم ~~أبا زعبل بن مسلم وأولاده . وبقيت ميلة خرابا ثم عمرت بعد ذلك . ~~PageV24P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" دخل المنصور إلى أشير . ورد أبا العزم وابن ~~الوزان إلى مصر ليخبرا م أرسلهما . فأخبراه بما كان منه . وقالا : أتينا من ~~عند شياطين يأكلون بني آدم ، ليسوا من البشر في شيء . وفي سنة تسع وسبعين ~~وثلاثمائة ، ثار ثائر آخر ببلد كتامة ، يقال له أبوة الفرج ، وقيل : إنه ~~كان يهوديا . وقال لكتامة : إنه من أولاد الأمراء الدين كانوا بالمهدية ، ~~وإ ، أباه كان من ولد القائم . فانضموا إليه كثرت جموعه واتخذ البنود ~~والطبول . وزحف إلى عسكر أبي زعبل وقاتله فلم يقم بحربه . فكتب إلى المنصور ~~فقدم بعساكره ، والتقوا واقتتلوا ، فهزمهم المنصور وقتل من كتامة مقتله ~~عظيمة . وهرب أبو الفرج واختفى في غار في جبل . فعمل عليه غلامان كانا له . ~~فأخذاه وأتيا به إلى أبي زعبل . فأتى به إلى المنصور فقتله شر قتله . وشحن ~~بلد كتامة بالعمال والعساكر ورجع إلى أشير . ذكر وفاة المنصور أبي الفتح بن ~~يوسف كانت وفاته في يوم الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة ست ~~وثمانين وثلاثمائة . فكانت مدة ملكه ثنتي عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام . ~~وكان ملكا كريما جوادا صارما . وكانت أيامه أحسن أيام ms5558 وأطيبها . وما زال ~~مظفرا منصورا لا ترد له راية . ذكر ولاية أبي مناد باديس بن أبي الفتح ~~المنصور بن يوسف قال : ولما مات المنصور قام بالأمر بعده بإفريقية ولده ~~أبوة مناد ة ، وكان مولده في ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع ~~الأول سنة أربع وةسبعين وثلاثمائة ، ونزل في قصرها . وأتاه الناس من كل ~~ناحية بإفريقية للتهنئة والتعزية . وأقام بسردانية أياما ثم رجع إلى قصره . ~~وتوفي بعد ولايته الأمير نزار وولي بعدهع ابنه الحاكم بأمر الله . ذكر ~~ولاية حماد بن يوسف مدينة آشير قال : وفي صفر سنة سبع وثمانين وثلاثمائة ، ~~عقد أبو مناد ولاية آشير لعمه حماد بن يوسف بن زيري ، وأعطاه خيلا كثيرة ~~وكسا . ثن اتسعت أعماله وعظم شأنه وكثرت عساكره ، واجتمعت أمواله . ~~PageV24P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" وفي يوم الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع ~~الآخر سنة سبع وثمانين وثلاثمائة ، وصل من مصر الشريف الداعي علي بن عبد ~~الله العلوي المعروف بالتيهرتي . وكان أبو مناد بعث في حشد عساكره وأجناده ~~، فلم يبق بإفريقية وأعمالها فارس ولا راجل إلا وصل إلى المنصورية فنزل أ [ ~~و مناد بهم إليه يفي هذا اليوم ، فكانوا صفوفا من بابا قصر السلطان ~~بالمنصورية إلى باب قلشانة ، فرأى الداعي من العساكر والعدد ما لم ير مثله ~~. وأتى بسجلين قرئا على منبر المنصورية والقيروان : أحدهما بولاية أبي مناد ~~باديس ، وتلقيبه نصير الدولة ، والثاني بوفاة نزار ، وولاية ابنه الحاكم ، ~~والجواب عن وفاة المنصور والعزاء عن نزار وعن المنصور . وكان معه سجل ثالث ~~بأخذ البيعة على باديس وجماعة بني مناد للحاكم . فأنزل الشريف بدار الأمير ~~يوسف بجوار قصر السلطان . ثم جلس باديس بعد ذلك وأحضر الشريف . ودعا بني ~~مناد وسائر قبائل صنهاجة وأخذ عليهم البيعة . ثم كان الشريف يجلس في الدار ~~التي نزل فيها ، ويأخذ البيعة على كل من أتاه من الصنهاجين وغيرهم . ثم ~~وصله أبو مناد بمال جليل وتخوزت ثياب وبراذين بسروج محلاة ، وصرفه إلى مصر ~~. ثم جهز هدية يعده . ذكر خروج محمد بن أبي العرب إلى ms5559 زناتة قال : وفي سنة ~~تسع وثمانين وثلاثمائة ، وصل كتاب يطوفت بن يوسف بن زيري إلى ابن أخيه أبي ~~مناد يعرفه أن زير يبن عطية الزناتي قد نزل عليه بتيهرت ، وسأله أن يمده ~~بالعساكر . فأمر باديس محمد بن أبي العرب بالخروج فنهض بالعساكر الثقيلة ~~حتى بلغ آشير فأقام بها أياما يسيرة . ثم رحل ورحل معه حماد بن يوسف ~~عاملهابعساكر عظيمة حتى وصلا إلى تيهرت . فاجتمعا بيطوفت في غرة جمادى ~~الأولى من السنة . وكان زيري بن عطية بموضع يقال ل أمسان على مرحلتين من ~~تيهرت فزحفوا إليه واقتتلوا قتالا شديدا . وكان معظم جيش حماد التلكاتيين ، ~~وقد أساء عشرتهم ، وكلف بأمورهم غلامه خلفا الجيزي فسامهم الخسف . فلما حمى ~~PageV24P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" الوطيس واشتد البأس ولوا منهزمين ، وأتبعهم ~~الناس . فكانت الهزيمة على الجميع ورام محمد رد الناس فلم يقدر على ذلك . ~~ووصلوا إلى آشير ، وقد أسلموا عساكرهم وما فيها من بيوت الأموال وخزائن ~~السلاح والمضارب وغير ذلك فاحتوى زيري على جميع ذلك وأمر ألا يتبعوا . ووقف ~~على باب تيهرت ، فخرج إليه أ لها . فوعدهم الجميل وأطلق خلقا كثيرا ممن أسر ~~في المعركة أو لجأ إلى تيهرت فمضوا حتى وصلوا إلى آشير . وكانت هذه الهزيمة ~~يوم السبت لأربع خلون من جمادى الأولى منها . قال : وبلغ خبر الهزيمة ~~الأمير باديس ، فبرز بنفسه من رقادة للقاء زيري بن عطية ، وذلك لليلتين ~~خلتا من جمادى الآخرة . فلما وصل إلى قرب طبنة بعث في طلب فلفل بن سعيد بن ~~خزرون . فخاف وأرسل يعتذر . وسأل أن يكتب له سجل بولاية طبنة إلى أ ، يقدم ~~باديس . فكتب له سجلا بولايتها وبعث به إليه . وتمادى أبو مناد في مسيره . ~~فلما علم فلفل أنه أبعد عنه أتى إلى طبنة فأكل ما حولها ونهب وأفسد . ومضى ~~إلى تيجس وما والاها فنهبها . وتمادى إلى باغاية فحصرها أياما ثم رحل عنها ~~، وباديس في هذا مستمر السير إلى آشير . فلما بلغ المسيلة ، رحل زيري بن ~~عطية عن آشير إلى تيهرت . فرحل إليها باديس . فلما بلغها توغل زيري ms5560 هاربا ~~منه إلى داخل المغرب . فعند لك ولي أبو مناد على تيهرت وآشير وعمه يطوفت ~~معه . فبلغه ما فعل فلفل بن سعيد فأرسل إليه أبا زعبل وجعفر بن حبيب ومحمد ~~بن حسن في عسكر . ثم رحل بعدهم من آشير ، وبقي يطوفت ومعه أولاد زيري وقد ~~سألوا باديس أن يتركهم أعوانا ليطوفت ، فأبىت ذلك وقال : لا بد من رحليكم ~~معي فقالوا : لنا أمور نقضيها ونلحق بك فتركهم على هذا ورحل ومعه أبو ~~البهار بن زيري حتى وصل إلى المسيلة ، فعيد بها عيد الفطر . فبينا هو في ~~صلاة العيد ، إذ وصل إلى أبي البهار رسول أخبره أن إخوته ماكسن وزاوي ~~ومغنين وعرما نافقوا بآشير ، وقبضوا على يطوفت إلى باديس فيتهمه بمباطنة ~~إخوته ، فهرب لوقته . وطلب فلم يدرك ، فلقي يطوفت في طريقه فعرفه ما كان من ~~إخوته ، فحلف أنه لم يعاقدم على ذلك ، وأنه إنما هرب خوفا على نفسه . ~~وفارقه والتحق . وسار يطوفت حتى لحق بابن PageV24P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" أخيه الأمير باديس وهو بالمسيلة . فرحل إلى ~~إفريقية ، فاتصل بع أن فلفل بن سعيد قتل أبا زعبل ، وهزم أصحابه ، وأسر ~~حميد بن أبي زعبل فمثل به ثم قتله ، وأن فلفلا تمادى إلى القيروان . فرحل ~~باديس إلى باغاية فوصل إليها لأحدى عشرة بقيت من شوال . فأقام بها بقية ~~الشهر . ورحل في غرة ذي القعدة حتى وصل إلى مرمجنة . فلما صار إلى بني سعيد ~~، زحف إليه فلفل في يوم الخميس لست خلون من ذي القعدة . فلم يلقه باديس ولم ~~يلتفت إليه . فلما كان يوم الاثنين ، زحف فلفل إليه . فالتقيا بوادي اغلان ~~، فكانت بينهم من الحروب العظيمة ما لم يسمع بمثلها . وقد كان اجتمع لفلفل ~~من قبائل البربر ما لا يحصى كثرة ، وكذلك من زناتة ، وكلهم أصحاب خسائف . ~~فثبت صنهاجة بين يدي باديس ، وظهر منه في ذلك اليوم ما قرت به أ ‘ ينهم . ~~ثم أجلت الحرب عن هزيمة زناتة والبربر هزيمة فاحشة . وهرب فلفل واتبعته ~~صنهاجة والعبيد حتى حال بينهم الليل . ورحل باديس من الغد فنزل في ms5561 مناخ ~~فلفل . وقتل من زناتة في ذلك اليوم تسعة آلاف رجل سوى من قتل من البربر . ~~ثم رحل باديس فوصل إلى المنصورية في يوم الأربعاء لعشر بقين من ذي القعدة ~~ثم وصل الخبر أن فلفل بن سعيد وأولاد زيري بن مناد عمومة والدباديس تصالحوا ~~وتعاقدوا على قتال باديس . فلما تحقق ذلك خرج إلى رقادة سنة تسعين ~~وثلاثمائة . ورحل حتى انتهى إلى قصر الإفريقي . فبلغه أن أولاد زيري رجعوا ~~إلى المغرب خوفا منه ، وأنه ما بقي مع فلفل منهم سوى ماكسن وولده محسن فرجع ~~باديس إلى المنصورية . وفي سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة ، دخل باديس إلى ~~المغرب في طلب فلفل بن سعيد . فهرب منه إلى الرمال وافترق جمعه . فرجع ~~باديس إلى إفريقية ومعه أبو البهار بن زيري عم أبيه ، وكان قبل ذلك قد أتاه ~~معتذرا بأنه لم يدخل في شيء مما دخل فيه إخوته . فقبل عذره وطيب قلبه . ~~وأما فلفل بن سعيد فإنه سار إلى طرابلس ، فقبله أهلها أهلها أحسن قبول ، ~~فاستوطن بها . وفي سنة اثنتين وتسعين ، وصل رسول ابن يوسف إلى ابن أخيه ~~باديس ، يذكر أنه زحف إليه عمه ماكسن وأولاده ومن معهم . فكانت بينهم وقعة ~~شديدة فقتل فيها ماكسن وأولاده محسن وباديس وحباسة . PageV24P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" ثم توفى زيري بن عطية الزناتي بعد ذلك بتسعة ~~أيام . وفي سنة خمسة وتسعين ، اشتد الغلا بإفريقية وأعقبه وباء عظيم . وكان ~~يدفن في اليوم الألف والأكثر والأقل . وفي سنة أربعمائة مات فلفل بن سعيد ~~الزناتي من علة أصابته . وولي أخوه ورو ، فأطاعته زناتة . ثم سار باديس في ~~عساكر عظيمة لقتال زناتة . فلقيه في بعض الطريق عبد الله وسواشي أولاد ينال ~~التركي وأصحابهما . فعرفوه أنهم لما علموا بخروجه أغلقوا أبواب طرابلس ~~ومنعوا الزناتيين منها . فسر بذلك ووصلهم وأحسن إليهم . وسار إلى طرابلس ~~فتلقاه أهلا فدخلها . ثم جاءته رسل ورو ابن سعيد ومن معه من الزناتيين ، ~~يرغبون في الأمان ، ويسألون أن يجعلوا عمالا كسائر رجال الدولة . ووصل ~~جماعة منهم ، فأحسن إليهم ، وأعطاهم نفزاوة على أنهم يرحلون ms5562 من أعمال ~~طرابلس . وأعطى النعيم قصطيلية . ورجع إلى المنصورية . ثم تغير ورور ومن ~~معه وخلعوا الطاعة في سنة إحدى وأربعمائة ، ورحلوا عن نفزاوة . ولم يتغير ~~النعيم . فأضاف باديس نفزاوة إلى النعيم . وفي سنة خمس وأربعمائة ، وصلت ~~رسل الحاكم بأمر الله إلى المنصورية ، وهما عبد العزيز بن أبي كدية وأبو ~~القاسم بن حسين ، ومعهما خلع سنية ، وسيف مكلل ، وسجل من الحاكم إلى ~~المنصور بن باديس بولاية ما يتولاه أبوه في حياته وبعد وفاته ، ولقبه عزيز ~~الدولة . فقريء السجل على الناس بالمنصورية والقيروان . وسر باديس به . ~~وتقرب وجوه الدولة إلى المنصور بالهدايا الجليلة والأموال . ذكر خلاف حماد ~~بن يوسف وأخيه إبراهيم على ابن أخيهما الأمير باديس قال : كان سبب ذلك أنه ~~- لما وصل سجل الحاكم إلى المنصور ابن باديس ولقب - أراد أبوه أن يقدمه ~~ويرفع قدره ، ويضيف إليه أعمالا يستخدم له فيها أتباعه وصنائعه . وكانت قد ~~اتصلت به عن حماد أمور أنكرها وأراد اختبار حقيقة ما هو عليه . فكتب إليه ~~كتابا لطيفا يأمره فيه أن يسلم العمل الذي بيد أبي زعبل ، وهو مدينة ~~PageV24P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" تيجس وقصر الإفريقي وقسنطينة إلى خليفة ولده ~~المنصور . ودعا باديس هشام بن جعفر فخلع عليه وأعطاه الطبول والبنود . ~~وأمره بالخروج إلى هذا العمل . فخرج بخزائن وعدد . وبعث باديس إلى عمه ~~إبراهيم بن يوسف بشاوره : من يمضي بالكتاب إلى حماد ؟ فقال إبراهيم : لا ~~يجد سيدنا من عبيده أنصح له ولا أنهض بخدمته مني . وضمن ذلك وأكد على نفسه ~~العهود والمواثيق تبرعا منه . وذكر أنه لا يقيم في مضيه وعوده بإحكام هذا ~~الأمر إلا أقل من عشرين يوما . فأشار على باديس ثقاته أن يعتقل إبراهيم حتى ~~يرى ما يكون من طاعة أخيه . فأبت نفسه ذلك ، وقال له : امض إلى أخيك يا عم ~~. فإن كنت صادقا فيما عقدته على نفسك ووفيت بعهدك ، وإلا فاجعل يدك في يده ~~وافعلا ما تقدران عليه وتستطيعانه . فخرج إبراهيم بمال جملته أربعمائة ألف ~~دينار عينا وبجميع خزائنه وذخائره ورجاله وعبيده وكان خروجه على تلك ms5563 الحال ~~من أدل الأشياء على نفاقه . وذلك لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال سنة خمس ~~وأربعمائة . وصحبه هاشم بن جعفر ، وقد أضمر إبراهيم الغدر إذا صار إلى ~~الموضع الذي يدخل منه إلى عمل أخيه . فلما قرب منها ترك هاشما واعتذر إليه ~~بأشغال له بباجة ، وعدل إلى طريقها ، ووعده أن يلحق به . ومضى إبراهيم حتى ~~وصل إلى مدينة تامديت فكاتب أخاه حمادا بالذي في نفسه . فوصل إليه في ~~ثلاثين ألف فارس . فاجتمعت كلمتهما على خلع الطاعة وأظهرا النفاق . فانتهى ~~ذلك إلى باديس فرحل لخمس خلون من ذي الحجة منها . ونزل رقادة ووضع العطاء . ~~ثم رحل بعد عيد الأضحى وكتب إلى هاشم بن جعفر أن يصعد إلى قلعة شقبنارية ~~فيتحصن بها ففعل . فحاصره حماد وإبراهيم بها . ووقع بينهم قتال شديد فانهزم ~~هاشم ومن معه إلى باجة . واحتوى حماد وإبراهيم على جميع ما كان معه من ~~الأموال والخزائن والأثقال والخدم ، ونجا هو بأولاده ووجوه أصحابه . ~~PageV24P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" ورحل باديس حتى نزل بمكان يسمى قبر الشهيد . ~~فوصل إليه جماعة كثيرة من عسكر حماد . ثم ورد عليه كتاب من حماد على يد أبي ~~مغنين الوتلكاتي يذكر فيه أنه على الطاعة ، وأنه كان قد هيأ هدية في جملتها ~~ألفا برذون وغير ذلك لينفذها إلى المنصور ، إلى أن وافاه إبراهيم واعتذر ~~أعذارا كثيرة ، فخافها ما يظهر من أفعاله . وذلك أنه أحرق الزرع ، وسبي ~~الذراري ، وسفك الدماء . وتواترت أصحابه واصلين إلى باديس متنصلين من فعله ~~. ورحل باديس حتى صار بينه وبين حماد مرحلة واحدة ، وقد بلغ عسكر حماد ~~ثلاثين ألف فارس ، غير من لحق بباديس وغير الراجل . قال : وورد الخبر وهو ~~بتامديت بوفاة ابنه المنصور بجدري أصابه فكتم أصحابه عنه ذلك . فبعث إليه ~~إبراهيم يقول : " إن ولدك الذي طلبت له ما طلبت قد مات " . فما تضعضع لذلك ~~، وتلقاه بالصبر والشكر ، وجلس للعزاء ، وذلك لخمس خلون من صفر . ثم سار ~~ونزل بمدينة دكمة . وجاءه جماعة من أقارب حماد وخواصه ورجال دولته ، وكتاب ~~من قبل خلف الجيزى ، وهو الوالي ms5564 على مدينة آشير ، وكان عند حماد أقرب من ~~الولد لا يوازيه في رتبته أحد ، يذكر أنه منع حمادا من الدخول إلى مدينة ~~آشير وأغلقها دونه . فكان ذلك أول الفتح وأعظم الظفر . قال : فلما رأى حماد ~~مخالفة خلف عليه مضى إلى تاهرت . ورحل باديس يوم الجمعة الثاني من شهر ربيع ~~الأول . فنزل مدينة المحمدية وهي المسيلة . فأقام بها ستة أيام ثم زحف إلى ~~القلعة . ورجع من غير قتال . ثم أنفذ باديس أخاه كرامت إلى المدينة التي ~~أحدثها حماد . فخرج إليها في عسرك كثير ، فهدم قصورها ومساكنها جزاء لما ~~فعله حماد وأخوه في البلاد . ولم يتعرض لأخذ مال ولا سفك دم . واتصل ذلك ~~بإبراهيم ، فأقبل يهدم كل قصر كان لأخيه خارجا عن القلعة ، مخافة أن يسبقه ~~كرامت إليه . وهرب من القلعة جماعة إلى باديس وتركوا نساءهم وأولادهم ~~وأموالهم . فأقبل إبراهيم يذبح الأولاد على صدور أمهاتهم ، ويشق بطونهم . ~~وفعل أفعالا شنيعة . قال : ورحل باديس إلى آشير ثم منها إلى وادي شلف . ~~ونزل حماد في الجبهة الأخرى من الوادي . ورتب كل منهما عساكره وعبأها وتهيأ ~~للحرب . والتقوا في يوم PageV24P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" الأحد غرة جمادى الأولى . وكان حماد قد أسند ~~ظهره إلى جبل بني واطيل ، وهو جبل منيع صعب المرتقى ، وبيمنه وبين عسكر ~~باديس الوادي ، وهو واد عميق لا يطمع قال : يتعديته لشدة توعره وعمق قعره ~~وصعوبة انحداره وكثرة مئه . فلما رأى باديس ذلك حمل بفرسه واقتحم الوادي . ~~فتبعته العساكر وعدت الرجالة سباحة . فما كان إلا كرجع الطرف حتى صاروا في ~~الجهة الأخرى مع عساكر حماد . ثم اصطفوا واقتتلوا واشتد القتال وكثر القتل ~~. فانكشف حماد وتفرق أصحابه عنه بعد قتال شديد . فولى مهزما لا يلوي على ~~شيء ، وقتل حرمه بيده . فوقف باديس عليهن وهن قتيلات . وخلص حماد فيمن ثبت ~~معه من عبيده إلى قلعة مغيلة في خمسمائة فرس . ولولا اشتغال الناس بالنهب ~~لما فاتهم . وأصبح باديس فبعث في طلب حماد فسبقهم إلى القلعة . وأراد ~~التحصن بها إن أدركته العساكر . ثم سار عنها إلى قلعته ms5565 فوصل إليها لسبع ~~مضين من جمادى الأولى ، واستعد للحصار . وسار باديس إلى المحمدية فوصل ~~إليها لليلتين بقيتا من الشهر . فأتاه رسول عمه إبراهيم بالاعتذار ويذكر ~~باديس بما سلف لحماد من الخدمة في دولته ، وأنه هو الذي سد يغور المغرب ، ~~وقام محاميا عن هذه الدولة كقيام الحجاج بن يوسف بدولة بني أمية ، واعترف ~~بالخطأ . فرد عليه باديس رسله بجواب . واختلفت الرسائل إليه منهما طلبا ~~للمدافعة . فأمر باديس بالبناء . وبذلك لرجاله الأموال وأعطى الألفي دينار ~~والخمسمائة . فاشتد ذلك على حماد ، ورأى من رجاله ما أنكره ، وضعفت نفسه . ~~وغلت الأسعار عنده فجعل يكذب على من عنده ، ويكتب كتبا بذكر فيها أن باديس ~~قد عزم على الرحيل إلى إفريقية ، وأن كتبه تصل إليه في الصلح إلى غير ذلك ~~مما يختلفه . وداوم باديس الحصار حتى مات . ذكر وفاة باديس كانت وفاته في ~~ليلة الأربعاء آخر ذي القعدة سنة ست وأربعمائة وذلك أنه وصل إليه وهو في ~~الحصار سليمان بن خلف بعساكر عظيمة ، جمهورهم تلكاتة وصنهاجة ، فضمن لباديس ~~فتح القلعة وسائر بلاد المغرب . فلما كان يوم الثلاثاء لليلة بقيت من ذي ~~القعدة ، أمر باديس بالعرض ، فعرضهم إلى الليل . ثم مات في نصف الليل . ~~فخرج الخادم إلى حبيب بن أبي سعيد وباديس بن حمامة وأيوب بن يطوفت ابن ~~PageV24P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" عمه ، وكان حبيب من أكبر رجاله ، وبينه وبين ~~باديس بن حمامة منافسه وعداوة . فلما أعلمه الخادم ، خرج حبيب مسرعا إلى ~~فازة باديس ، وخرج باديس مسرعا إلى فازة حبيب . فاجتمعا في الطريق ، فقال ~~كل منهما لصاحبه : بيننا عداوة ولا تبرح ، والأولى بنا في هذا الوقت ~~الموافقة والاجتماع في تدبير هذا المهم . فإذا انقضى رجعنا إلى ما كنا عليه ~~. فحضرا ومعهما أيوب بن يطوفت وقالا : " إن صاحب هذا الأمر بعيد منا والعدو ~~قريب مشرف عليها . ومتى لم نقدم رأسا نرجع في أمورنا إليه لم نأمن العدو ~~على أنفسنا . ونحن نعلم أن ميل تلكاتة وصنهاجة المغرب إلى كرامت بن المنصور ~~أخي باديس " . فاجتمع رأيهم على تولية كرامت ظاهرا . فإذا ms5566 وصلوا موضع الأمن ~~قدم المعز بن باديس ، وينقطع الخلاف ، وتصان بيوت الأموال والعدد . فأحضروا ~~كرامت وبايعوه وكتموا الأمر . وأصبحت العساكر للسلام على ما جرت به العادة ~~. ولم يعلم بوفاته سوى من ذكرناه . فأرادوا صرف الناس بأن يقولوا : إن ~~الأمير قد أخذ دواء . فبينا هم في ذلك أتى الخبر أن أهل مدينة المحمدية قد ~~شاع عندهم موت باديس ، وأنهم أغلقوا أبواب المحمدية ، وطلعوا على سروها . ~~وكأنما نودي في الناس بوفاته . فاضطرب لموته بنو مناد وجميع القواد . وخافا ~~من الفرقة وشتات الكلمة فأظهروا ولاية كرامت وأمر بالكتب إلى سائل الأعمال ~~باسمه ، ولم يذكر المعز بن باديس . فلما رأى عبيد باديس ومن كان على مثل ~~رأيهم من الحشم والأجناد أنكروا ذلك إنكارا شديدا . فخلا حبيب بن أبي سعيد ~~بأكابرهم وقال : " إما رضيناه وقدمناه على أن يحوط الرجال ، ويحرس الخزائن ~~والأموال ، حتى يسلم جميع ذلك إلى مستحقه وهو المعز " . ومشى بعضهم إلى بعض ~~وتحالفوا على ذلك سرا . ثم اتفق رأي الجميع على تقديم كرامت في الخروج إلى ~~آشير ليحشد قبائل تلكاتة وصنهاجة . فإذا اجتمعوا رجع بهم إلى المحمدية ~~فيقطن بها ، وترحل العساكر بتابوت باديس حتى يسلموه إلى ولده المعز . ~~ودفعوا إلى كرامت مائة ألف دينار وخزانة سلاح وأمتعة . وتوجه إلى مدينة ~~آشير يوم الأحد لأربع خلون من ذي الحجة سنة ست وأربعمائة . وكان من خبره ما ~~نذكره إن شاء الله في أيام المعز . وكانت مدة ولاية باديس عشرين سنة وتسعة ~~أشهر إلا أربعة أيام . وعمره اثنان وثلاثون سنة وثمانية أشهر وأيام . ~~PageV24P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" ذكر ولاية أبي تميم المعزب بن أبي مناد باديس ~~ابن المنصور بن يوسف بن زيري لكانت ولايته بالمحمدية يوم السبت لثلاث خلون ~~من ذي الحجة سنة ست وأربعمائة على ما قدمناه ، وله من العمر يوم ذاك ثمان ~~سننين وسبعة أشهر . وأما ولايته بالمهدية . فكانت يوم الاثنين لسبع بقين من ~~ذي الحجة هذا . وذلك أن الخبر لما وصل بموت باديس ، كانت السيدة أم ملال ~~بالمهدية ، فخرج إليها منصور بن رشيق عامل ms5567 القيروان ، بجماعة القضاة ~~والفقهاء والمشايخ وشيوخ صنهاجة إلى المهدية فعزوخا . وأخرجت المعز وبين ~~يديه الطبول والبنود . فنزل إليه الناس وهنئوه وعزوه . وعاد إلى قصره . ~~ودخل الناس على السيدة فهنئوها . فأمرت منصور بن رشيق بالانصراف بمن كان ~~معه فرجعوا إلى القيروان . قال : وأما العسكر الذي بالمحمدية فإنهم ارتحلوا ~~عن مناخها يوم عيد الأضحى بعد أن أضرموا الناس فيما كان هناك من الأبنية . ~~وسارت العساكر على تعبئة الزحف مقدمة وساقة وقلبا ، يقدمها التابوت . ~~وأمامه البنود والطلول والجنائب والقباب . وكان وصولهم إلى المنصورية يوم ~~الاثنين لأربع خلون من المحرم سنة سبع وأربعمائة . ووصلوا إلى المحمدية ~~لثمان خلون منه . فركب المعز وقام حبيب بن أبي سعيد عن يساره . ونزل الناس ~~فوجا فوجا وحبيب يعرفه بهم قائدا قائدا وعرافة عرافة ، وهو يسأل الناس عن ~~أحوالهم ألطف سؤال . فرأى الناس من عقله وإقباله وفطنته ما ملأ قلوبهم وأقر ~~عيونهم . وأقاموا يركبون إليه في كل غدوة وغشية ثلاثة أيام . ثم خرج المعز ~~من المهدية وسار إلى القيروان . ودخل المنصورية يوم الجمعة النصف من المحرم ~~سنة سبع وأربعمائة فسر به الناس وابتهجوا . ذكر قتل الروافض قال : وفي يوم ~~السبت سادس عشر المحرم منها ، ركب المعز في القيروان والناس يسلمون عليه ~~ويدعون له فمر بجماعة فسأل عنهم فقيل : " هؤلاء رفضة والذين قبلهم سنة " . ~~فقال : " وأي شيء الرفضة والسنة ؟ " قالوا : " السنة يترضون عن أبي بكر ~~وعمر والرفضة يسبونهما " . فقال : " رض الله عن أبي بكر وعمر " . فانصرفت ~~العامة من فورها إلى الناحية المعروفة بدرب المقلي من مدينة القيروان - وهو ~~موضع يشتمل على جماعة منهم - فقتلوا منهم جماعة ، ووقع القتل فيهم . وصادفت ~~شهوة من العسكريين وأتباعهم طمعا في النهب . وانبسطت أيدي العامة فيهم . ~~فأقبل عامل القيروان يظهر أنه يكن الناس ، وهو يحرضهم ويشير إليهم بزيادة ~~الفتنة ، لأنه كان قد أصلح البلد فبلغه PageV24P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" أنه معزول ، فأراد إفساده . فتل من الرافضة ~~خلق كثير في ديارهم وحوانيتهم ، وأحرقوهم بالنار . وانتهبت ديارهم وأموالهم ~~. وزاد الأمر واتصل القتل فيهم في جميع بلاد إفريقية . وقيل ms5568 : إن القتل وقع ~~فيهم في جميع المغرب في يوم واحد في المدائن والقرى ، فلم يترك رجل ولا ~~امرأة ولا طفل إلا قتل وأحرق بالنار . ونجا من بقي منهم بالمهدية إلى ~~الجامع الذي بالحصن ، فتلوا فيه عن آخرهم . ولما كان في يوم الثلاثاء ~~لاثنتي عشرة خلت من جمادى الأولى ، خرج من بقي من المشارقة - وهم الرافضة - ~~إلى قصر المنصور بظاهر المنصورية ، وهم زخاء ألف وخمسمائة ، وتحصنوا به . ~~فحاصرهم السنة فاشتد عليهم الحصار والجوع . فأقبلوا يخرجون والناس يقتلون ~~منهم ويحرقون إلى قتلوا عن آخرهم ، وطهر الله تعالى المغرب منهم . وعمل ~~الشعراء في هذه الواقعة القصائد : فممن عمل فيها أبو الحسن الكاتب المعروف ~~بابن زيجي من قصيدة : شفى الغيظ في طي الضمير المكتم . . . دماء كلاب حللت ~~في المحرم فلا أرقأ الله الدموع التي جرت . . . أسى وجوى فيما أريق من الدم ~~هي المنة العظمى التي جل قدرها . . . وسارت بها الركبان في كل موسم فيا ~~سمرا علالة منجد . . . ويا خبرا أضحى فكاهة متهم ويا نعمة بالقيروان تباشرت ~~. . . بها عصب بين الحطيم وزمزم وأهدت إلى قبر النبي وصحبه . . . سلاما ~~كعرف لمسك عن كل مسلم غزونا أعادى الدين لا رمح ينثني . . . نبوا ولا حد ~~الحسام المصمم بكل فتى شهم الفؤاد كأنما . . . تسربل يوم الروع جلدة شيهم ~~إذا أم لم يشدد عرا متخوف . . . وإن هم لم يحلل حبا متندم من القيروانيين ~~في المنصب الذي . . . نمى ، وإلى خير الصحابة ينتمي PageV24P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" وأوسع الشعراء في ذلك . وقالوا فيه قصائد ~~كثيرة تركناها اختصارا . وأما كرامت بن المنصور فإنه أقام بمدينة آشير ومعه ~~من تلكاتة وغيرهم من قبائل صنهاجة ، فما شعر إلا وقد وافاه حماد في ألف ~~وخمسمائة . فبرز إليه كرامت في سبعة آلاف . فلما نشبت الحرب بينهم عمد ~~التلكاتيون إلى بيت ماله فانتهبوه ، ورجعوا إلى أدراجهم . فكانت الهزيمة ~~على كرامت فدخل مدينة آشير وحماد في أثره . فأرسل إلى كرامت ليجتمع به ~~فتوثق منه وأتاه . فزوده حماد بثلاثة آلاف دينار وبعث معه من أصحابه من ~~يشيعه . فوصل إلى الحضرة في ms5569 يوم الأربعاء لإحدى عشرة بقيت من المحرم سنة ~~سبع وأربعمائة . وطلب تلكاتة وصنهاجة بما صار إليهم من أموال كرامت ومواشيه ~~، فتفرقوا عنه وامتنعوا عليه . وفي يوم السبت لعثر بقين من صفر منها ، ولي ~~محمد بن حسن أمور المعز وجيوشه ، وكان قبل ذلك على طرابلس ، وأضيف إليه ~~قابس ونفزاوة وقصطيلية وقفصة . فبعث عماله عليها . وعقد لأيوب بن يطوفت على ~~سائر أعمال المغرب . وفي يوم الأحد لعشر بقين من ذي الحجة سنة سبع ~~وأربعمائة ، ختن المعز وختن معه من أبناء الضعفاء عدة كثيرة . وأعطوا ~~الكساوي والنفقة . وفي آخر ذي الحجة هذا ، وصلت الرسل من مصر بسجل الحاكم ~~إلى المعز واللقب والتشريف ، وخوطب بشرف الدولة . ذكر مسير المعز لحرب حماد ~~قال : وفي يوم الخميس لسبع بقين من صفر سنة ثمان وأربعمائة ، برز المعز إلى ~~مدينة رقادة في عساكره وفرق الأموال . ثم رحل منها لأربع خلون من شهر ربيع ~~الأول ووصل إليه عدة من القائل من عسكر حماد ومن كتامة . فجاءه الخبر أن ~~إبراهيم وقف على باب مدينة باغاية فدعا بأيوب بن يطوفت فخرج إليه . فعاتبه ~~على ما كان منه وذكر أنهم إخوت ، وأن الذي كان إنما وقع بقضاء الله وقدره . ~~وقال : " نحن على طاعة سيدنا المعز . وقد أردنا أن يتم الصلح على يدك . ~~وحماد يقرأ عليك السلام ويقول لك : ابعث من تثق به أن يحلفني ويأخذ على من ~~الهود ما يسكن إليه قلبك ، ويكتب به . PageV24P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" فانخدع أيوب ودعا بحمامة أخيه وحبوس بن ~~القاسم بن حمامة وأنفذهما معه . ثم تبعهما تورين . غلام أيوب ، وهو أعز ~~عنده من إخوته . فلما وصل بهم إبراهيم إلى أخيه حماد ، أنزلهم في فازة ~~السلام . ومضى إلى أخيه فأخبره . فبعث إليهما زكنون ابن أبي حلا فجرد ما ~~عليهما من الثباب ، وألقى عليهما ثيابا رثة ، وقيدهما بقيدين ثقيلين ~~وأنفذهما إلى القلعة . ودعا حماد بتورين فقال له : " هذان ابنا عمي وأنت ~~فما جاء بك معهما ؟ أردت أن تتحدث فتقول : قال لي حماد ، وقلت لحماد " وأمر ~~به فضربت عنقه . فلما ms5570 اتصل الخبر بالمعز ، سار بالعساكر حتى انتهى إلى حماد ~~. والتقوا واقتتلوا ، فكانت الهزيمة على حماد وعساكره . وقتل حماة أصحابة ، ~~وأسر إبراهيم ، وفر حماد . وعقد المعز لعمه كرامت بن المنصور على أعمال ~~المغرب ، ففرق عماله . ذكر الصلح بين المعز وحماد عم أبيه قال : ولما تمت ~~الهزيمة على حماد ، راسل المعز في طلب الصلح واعترف بالخطأ وسأل العفو عنه ~~. فأنفذ المعز من يقف على صحة أمره وصدق طاعته ، فعاد بسمعه وطاعته . ورغب ~~قال : يترك العمل ، وأن يعقد له أخوه إبراهيم ما يسكن إليه من العهود ~~والمواثيق التي يطمئن إليها ، فيبعث حينئذ بولده القائد أو يصل بنفسه . ~~فحصل الاتفاق ، وأرس ابنه القائد إلى المعز . فوصل بعد عود المعز إلى ~~المنصورية ، وذلك في النصف من شعبان من السنة . فأكرمه المعز وأحسن إليه . ~~وكتب له منشورا بولاية المسيلة وطبنة ومرسى الدجاج وزواوة ومقرة ودكمة ~~وبلزمة وسق حمزة ، وأعطى البنود والطبول . وانصرف إلى أبيه لأربع خلون من ~~شهر رمضان سنة ثمان وأربعمائة . فلما وصل إلى أبيه أظهر الطاعة . وبقي ~~القائد يترد إلى المعز . ذكر مقتل القائد محمد بن حسن كان مقتله لسبع خلون ~~من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وأربعمائة . وذلك أنه كان قد استقل ~~بالأمور وجبي الأموال منذ فوقعت إليه أمور الدولة . فلم يدخر PageV24P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" درهما واحدا في سبع سنين مع ما ورد من ~~الهدايا الجليلة والتقادم النفيسة . وانتهت حاله إلى أن آخذ مالا من ~~الذخيرة فلم يرد عوضه . وضاقت الدولة واتسعت أحواله وكثرت أبنيته التي لا ~~تصلح إلا للمولك . وهادي الأكابر بمصر حتى وصل إليه سجل من الحضرة . فضاق ~~منه المعز ، فدس إليه بعض خواصه ، وأشار عليه أن يقتصر على الخدمة ، وله ما ~~حصله من الأموال والأبنية . فأبى إلا تماديا واستمرارا . فقتله المعز في ~~التاريخ الذي ذكرناه ، وكتب بالحوطة على أمواله ونعمه ورجاله . وقلد القاسم ~~بن محمد بن أبي العرب سيفه . وأخرج بين يديه الطبول والبنود . وصرف إليه ~~النظر في سائر إفريقية . قال : ولما قتل محمد بن حسن ثار أخوه عبد ms5571 الله بن ~~حسن عامل طرابلس وغضب لذلك . وبعث إلى زناتة فعاقدهم وأدخلهم طرابلس . ~~فقتلوا كل من كان بها من صنهاجة والعسكريين وأخذوا المدينة . فلما انتهى ~~ذلك إلى المعز . أمر بالقبض على جميع بني محمد وحبسهم ثم ظفر محمد بن وليمة ~~بعبد الله ، فأنفذه إلى المعز فاعتقله . ثم أمر بقتل الجميع ، وذلك لما ~~استغاثت نساء الصنهاجيين وأولادهم الذين قتلوا آباءهم بطرابلس . وكان ~~بإفريقية في تلك السنة مجاعة شديدة لم يكن مثلها قط . وفي ليلة الأربعاء ~~لعشر خلون من المحرم سنة عشرة وأربعمائة ولد للمعز مولود سماه نزار . وفي ~~صفر سنة تسع عشرة وأربعمائة ، ورد الخبر إلى المعز بوفاة حماد بن يوسف ~~بكلين ، وهو عم أبيه . فكتب إلى ولده القائد بالتعزية بأبيه . وفي سنة تسع ~~وعشرين وأربعمائة ، خرج عسكر المعز إلى الزاب . ففتح مدينة نورس وقتل من ~~البربر خلقا كثيرا . وفتح من بلاد زناتة قلعة تسمى كردوم . وفي سنة ثلاثين ~~وأربعمائة ، دخل قائده جزيرة جرية ، ففتحها وقتل رجالها ، وأسر مقدمهم ابن ~~كلدة وصلبه ، لقطعهم الطريق وسوء اعتقادهم . PageV24P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" وفي سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة ، خرج ~~المعز بجيوشه إلى قلعة حماد . وحاصرها مدة سنتين وضيق عليهم لرجوعهم إلى ما ~~كانوا عليه من النفاق . وفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ، أظهر المعز الدعاء ~~للدولة العباسية . ووردت عليه الرسل . ووصله السجل من القائم بأمر الله ، ~~وأوله : " من عبد الله ووليه أبي جعفر القائم بأمر الله أمير المؤمنين إلى ~~الملك الأوحد نور الإسلام ، وشرف الأيام ، وعمدة الأنام ، نصار دين الله ، ~~وقاهر أعداء الله ، ومؤيد سنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، أبي تميم ~~المعز بن باديس بن المنصور ولي أمير المؤمنين " بألفاظ طويلة ، وخلع طائلة ~~، وسيفه وفرسه وخاتمه وألوية كثيرة . فوصل ذلك في يوم الجمعة والخطيب على ~~المنبر في الخطبة الثانية عند الاستغفار . فدخلت الألوية إلى الجامع ، فقيل ~~للخطيب : " اذكر الساعة ما أمكن " . فقال : " هذا لواء الحمد يجمعكم ، وهاذ ~~معز الدين يسمعكم ، وأستغفر الله لي ولكم " . ذكر خروج العرب إلى المغرب ~~والسبب الموجب لذلك كان سبب ms5572 ذلك أن المستنصر - لما ولي خلافة مصر بعد ~~الظاهر بن الحاكم - خطب المعز في أيامه للقائم بأمر الله العباسي . فكتب ~~إليه وهو يرغبه ويرهبه ، ويقول له : " هلأ اقتفيت آثار من سلف من آبائك في ~~الطاعة والولاء " ويتوعده بإرسال الجيوش . فكتب المعز إليه : " إن آبائي ~~وأجدادي كانوا ملوك المغرب قبل أن تملكه أسلافك ، ولهم عليهم من الخدم أعظم ~~من التقديم . ولو أخروهم لتقدموا بأسيافهم " . وكان المستنصر قد ولي وزرته ~~في اثنتين وأربعين وأربعمائة لأبي محمد الحسن بن اليازوري ، ولقبه بالوزير ~~الأجل المكين ، سيد الوزارء ، وتاج الأمراء ، قاضي القضاءة ، وداعي الدعاة ~~، علم المجد ، خالصة أمير المؤمنين " . ولم يكن من أهل الوزارة ولا من ~~الكتاب ، بل كان من أهل التناية والفلاحة بالشام . فأجراه ملوك الأطراف في ~~مكاتباتهم على عادة الوزارء إلا المعز فإنه امتنع من مخاطبته بما كان يخاطب ~~به الوزارء قبله ، وذلك إنه كان يكاتب الوزار بعبده فكاتبه بصنيعته . فعظم ~~ذلك عليه ، فأعمل الوزير الفكرة ودس إلى زغبة ورياح دسائس ووصلهم بصلات ~~سنية . وبعث إليهما أحد رجال الدولة حتى أصلح بين الفئتين بعد فتن توالت ~~وحروب PageV24P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" استمرت ودماء أريقت . ثم أحضر أمراءهم ~~وأباحهم على لسان المستنصر أعمال القيروان . ووعدهم بالمدد والعدد . وأمرهم ~~بالعيث والإخراب . فدخلت العرب إلى بلاد المغرب في سنة اثنتين وأربعين ~~وأربعمائة . وأنفذ اليازوري كتابا يقول فيه : " أما بعد ، فقد أرسلنا إليكم ~~فحولا ، وأرسلنا عليها رجالا كهولا ، ليقضي الله أمرا كان مفعولا " . ودخلت ~~العرب فوجدوا بلادا خالية طيبة كثيرة المرعى ، كانت عمارتها زناتة فأبادهم ~~المعز . فأقاموا بها واستوطنوها وعاثوا في أطراف البلاد . وبلغ ذلك المعز ~~فاستحقر أمرهم لتمام المقدور . ذكر وفاة لقائد بن حماد وولاية ابنه وقتله ~~وولاية بلكين بن محمد وفي شهر رجب سنة ست وأربعين وأربعمائة توفى القائد بن ~~حماد ابن يوسف بلكين بن زيري وكان في مرضه ولي محسنا ، وأوصاه بالإحسان إلى ~~بني حماد عمومته . فلما ولي خالف ما أمره به أبوه وأراد عزل جميعهم . فلما ~~سمع عمه يوسف بن حماد ما أراده من ms5573 الغدر بإخوته بني حماد خالف عليه . وجمع ~~العساكر فاجتمع له خلق كثير . وكان يوسف قد بنى قلعة في جبل منيع وسماها ~~الطيارة . فلما اتصل بمحسن خلافه خرج إليه والتقى بعسكر عمه مديني . ~~فانهزمت تلكاتة عنه ، فظفر به ، فقتل من عمومته أربعة ، وهم مديني وإخوته ~~مناد وتغلان وتميم . وكتب إلى عمه يوسف يأمره بالقدوم إليه . فقال : " كيف ~~أطمئن إليك وقد قتلت أربعة من عمومتك ؟ " . وكان ابن عمه بلكين بن محمد ~~متولي افريون فكتب إليه محسن يأمره بالقدوم ، فقدم عليه . فلما قرب منه أمر ~~محسن قوما من العرب أن يأتوه برأسه . فلما خرجوا ، قال لهم أميرهم خليفة بن ~~مكن : " هذا بلكين لم يزل محسنا إلينا . فكيف نفعل به هذا ؟ " فأتوه ~~وأعلموه بما أمروا به ، فخاف عند ذلك . فقال له خليفة : " الخوف عليك إن ~~كنت تريد قتل محسن فأنا أقتله لك " . فتدرع بلكين وركب وأقبل يريد لقاءه . ~~فبلغ محسنا قصده إليه ، فهرب إلى القلعة . فأدركوه في الطريق فقتله بلكين ، ~~ودخل القعلة ، وولي الأمر . وذلك في شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين ~~وأربعمائة . PageV24P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" بقية أخبار المعز بن باديس " نعود إلى أخبار ~~المعز بن باديس ، قال : ولما تكاسلت صنهاجة عن قتال زناتة ، اشترى المعز ~~العبيد ، فاجتمع له ثلاثون ألف مملوك . وكانت العرب زغبة قد ملكوا مدينة ~~طرابلس في سنة ست وأربعين . ووصل مؤنس بن يحيى المراداسي إلى المعز ~~بالقيروان . فأكرمه المعز وأحسن إليه . فنهاه مؤنس أن يجعل للعرب سبيلا إلى ~~دخول إفريقية وقال : " إنهم قوم لا طاقة لك بهم " . فقال له المعز : " هم ~~دون ذلك " . فلما رأى مؤنس استهزاء المعز بالعرب ، خرج عنه ولحق بأرض ~~طرابلس . وتتابعت بنو رياح والأثبج وبنو عدي ، فدخلوا إفريقية ، وقطعوا ~~السبيل ، وعاثوا في البلاد . وعزموا على الوصول إلى القيروان . فقال لهم ~~مؤنس : " ليس هذا عندي برأي . وهذا يحتاج إلى تدبير " . فقالوا : " وكيف ~~تحب أن نصنع ؟ " قال : " ائتوني ببساط " فأتوه به . فبسطه وقال لهم : " من ~~يدخل إلى وسط هذا البساط من غير أن يمشي عليه ؟ " قالوا : " كيف يقدر ms5574 أحد ~~على ذلك " قال " أنا " . قالوا : فأرنا كيف تقدر على ذلك . فطوى البساط ، ~~وأتى إلى طرفه ففتح منه مقدار ذراع ووقف عليه . ثم فتح شيئا آخر ودخل إليه ~~. وقال : " هكذا فاصنعوا ببلاد المغرب املكوها شيئا فشيئا حتى لا يبقى ~~عليكم إلا القيروان فأتوها ، فإنكم تملكونها " . فقال له رافع بن حماد : " ~~صدقت يا مؤنس . والله إنك لشيخ العرب وأميرها . فقد قدمناك على أنفسنا ~~فلسنا نقطع أمرا دونك " . PageV24P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" وقدم أمراء العرب إلى المعز ، وهم مطرف بن ~~كسلان ، وفرح ابن أبي حسان ، وزياد بن الدونية ، وفارس بن كثير ، وفارس ابن ~~معروف ، وهم أمراء بني رباح وساداتهم ، فأنزلهم المعز ، وأكرمهم وأحسن ~~إليهم . فخرجوا من عنده ولم يجازوه بما فعل معهم بل شنوا الغارات على ~~البلاد ، وقطعوا على الرفاق ، وأفسدوا الزرع ، وقطعوا الأجار ، وحاصروا ~~المدن ، فضاق الناس وساءت أحوالهم وانقطعت أسفارهم . وحل بإفريقية من ~~البلاء ما لم ينزل بها مثله قط . ذكر الحرب بين المعز والعرب وانتصار العرب ~~عليه قال : ولما كان من أمرهم ما ذكرناه ، احتفل المعز وجمع العساكر . وخرج ~~في ثلاثين ألف فارس ومثلهم رجالة . وسار حتى انتهى إلى جندران ، وهو جبل ~~على مسيرة ثلاثة أيام من القيروان . وكانت عدة العرب ثلاثة آلاف فارس . ~~فلما شاهدوا عساكر صنهاجة هالهم ذلك . فقال مؤنس بن يحيى المرداسي : " يا ~~وجوه العرب ، ما هو يوم فرار " . فقالوا : " أين نطعن هؤلاء وقد لبسوا ~~الكازغندات والمغافر ؟ " فقال أمير منهم : " في أعينهم " . فسمي من ذلك ~~اليوم " أبا العينين " . والتقوا والتحم القتال وحميت الحرب ، فاتقفت ~~صنهاجة على الهزيمة . وتركوا المعز مع العبيد حتى يرى فعلهم ويقتل أكثرهم ، ~~وبعد ذلك يرجعون على العرب . فانهزمت صنهاجة ، وثبت المعز والعبيد . ووقع ~~القتل فيهم ، فقتل منهم خلق كثير . وحاولت صنهاجة الردة على العرب فلم ~~يمكنهم ، واستمرت الهزيمة . وقتل من صنهاجة الردة على العرب فلم يمكنهم ، ~~واستمرت الهزيمة ، وقتل من صنهاجة أمة عظيمة . وانهزم المعز ودخل القيروان ~~مهزوما على كثرة من كان معه وقلة العرب . واحتوت العرب على الخيل والعدد ~~والمخيم والأثقال والأموال ms5575 . فيها يقول الشاعر : وإن ابن باديس لأفضل ما لك ~~. . . ولكن لعمري ما لديه رجال ثلاثون ألفا منهم غلبتهم . . . ثلاثة آلاف ~~إن ذا لمحال PageV24P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" قال : ولما كان يوم عيد النحر من السنة ، جمع ~~المعز سبعة وعشرين ألف فارس . وهجم على العرب وهم في صلاة العيد . فقطعت ~~العرب الصلاة وركبوا خيولهم . فانهزمت صنهاجة وقتل منهم خلق كثير . ثم جمع ~~المعز وخرج في صنهاجة وزناتة في جمع عظيم . فلما أشرف على بيوت العرب ، ~~ركبت خيولها هم زغبة وعدي ، وكانوا سبعة آلاف . والتقوا واقتتلوا فانهزمت ~~صنهاجة ، وولي كل رجل منهم إلى منزله . ثم انهزمت زناتة وكان أميرها لمنصور ~~ابن خزرون . وثبت المعز فيمن كان حوله من عبيده ثباتا ما سمع بمثله ، ثم ~~رجع إلى المنصورية . وأحصي من قتل من صنهاجة في ذلك اليوم فكانوا ثلاثة ~~آلاف وثلاثمائة . ثم أقبلت العرب حتى نزلوا بمصلى القيروان . ووقعت الحرب ~~فقتل من أهل رقادة والمنصورية خلق كثير . فلما رأى المعز ذلك ذهب إلى رفع ~~الحرب بينهم ، وعلم عكس الدولة ، وظن أنهم راجعون . فأباح لهم دخول ~~القيروان لما يحتاجون إليه من بيع وشراء . فلما دخلوا ، استطال عليهم ~~العامة وأهانوهم . فوقع بينهم حرب كانت الغلبة فيها للعرب . قال وكانت ~~الكسرة الأولى على المعز في سنة ثلاث وأربعين والثانية في سنة أربع وأربعين ~~وأربعمائة . ذكر انتقال المعز إلى المهدية ومعاصرة العرب القيروان ~~واستيلائهم عليها قال : وفي سنة ست وأربعين حاصرت العرب القيروان ، وأخذ ~~مؤنس باجة . فأشار المعز على الرعية بالانتقال إلى المهدية . وشرع العرب في ~~هدم الحصون والقصور ، وقلع الثمار ، وتعمية العيون ، وخراب الأنهار ، فخرج ~~المعز من القيروان إلى المهدية في سنة تسع وأربعين وأربعمائة ، لليليتين ~~مضتا من شعبان وكان بها ابنه الأمير تميم . فتلقى أباه ومشى في ركابه من ~~ميانش إلى القصر . وفي أول شهر رمضان منها نهبت العرب القيروان . ~~PageV24P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" وفي سنة خمسين وأربعمائة ، خرج بلكين بن محمد ~~، ومعه من العرب الأثبج وعدي لحرب زناتة . فكسرهم وقتل منهم عددا كثيرا . ~~وفي سنة إحدى وخمسين ms5576 ، قتل منصور أفروم البرغواطي ، قتله حمو بن مليل ~~البرغواطي غدرا ، وملك سفاقس مكانه . وفي سنة أربع وخمسين وأربعمائة ، غدر ~~الناصر بن علناس بلكين بن محمد وولي مكانه ، وذلك في غرة شهر رجب . ذكر ~~وفاة المعز بن باديس كانت وفاته في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة بضعف الكبد . ~~وكانت مدة إقامته في الملك سبعا وأربعين سنة . وكان رقيق القلب ، كثير ~~الرحمة ، خاشعا لله ، متحرزا من سفك الدماء إلا في الحدود ، حليما يتجاوز ~~عن كبائر الجرائم ، لينا لخدامه وعبيده وجلسائه وندمائه حتى كأنه واحد منهم ~~أو أخ لهم محبا لرعيته مشفقا عليهم ، مكرما لأهل الفضل والعلم كثير العطاء ~~لهم ، شجاعا كريما ، رحمه الله . وكان له من الأولاد الذين مات عنهم تسعة ، ~~وهم نزار ، وتميم ، وعبد الله ، وعلى ، وعمرو ، وحماد ، وبلكين ، وحمامة ، ~~والمنصور . ولما مات المعز ملك بعده ابنه . ذكر ولاية تميم بن المعز بن ~~باديس ابن المنصور بن يوسف بن زيري كانت ولايته بعد وفاة أبيه في سنة ثلاث ~~وخمسين وأربعمائة . وكان أبوه قد ولاه المهدية في صفر سنة خمس وأربعين . ~~وأقام بها إلى أن خرج المعز إليها . فدبر الأمر بين يديه إلى أن توفى المعز ~~فاستقل بعده بالملك . ودخل القضاة ووجوه الناس إليه فعزوه بأبيه وهنئوه ~~بالولاية . ووصل كتاب الناصر بن علناس بذلك . ذكر خروج حمو عن طاعة الأمير ~~تميم وحربه وانهزامه وفي سنة خمس وخمسين وأربعمائة ، خرج حمو بن مليل صاحب ~~مدينة سفاقس عن الطاعة . فجمع أصحابه . واستعان بالعرب ، فوافقته طائفة من ~~الأثبج PageV24P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" وعدي . فزحف بهم إلى المنزل المعروف ببئر ~~قشيل فملكه . ثم توجه منه نحو المهدية . فخرج إليه تميم في عساكره ومعه ~~طائفة من العرب : زغبة ورياح ووصل إلى حمو والتقوا واقتتلوا . فكانت ~~الهزيمة على حمو وأصحابه وأخذهم السيف . فتل أكثر أصحابه ونجا هو بنفسه . ~~وكانت هذه الواقعة بسلقطة . وفيها بعد الوقعة قصد تميم مدينة سوسة وكان ~~أهلها قد خالفوا على أبيه ، فملكها وعفا عنهم وحقن دماءهم . ذكر حرب بني ~~حماد والعرب وانتصار العرب عليهم وفي سنة ms5577 سبع وخمسين وأربعمائة ، كانت ~~الحرب بين الناصر ابن علناس بن محمد بن حماد ومن معه من رجال المغاربة من ~~صنهاجة وزناتة ، ومن العرب عدي والأثبج ؛ وبين العرب وهم رياح وزغبة وسليم ~~، ومع هؤلاء المعز بن زيري الزناتي . وكان سبب هذه الواقعة أن حماد بن يوسف ~~بلكين جد الناصر كان بينه وبين باديس بن المنصور الخلف الكبير والحرب التي ~~ذكرناها . ومات باديس وهو يحاصر قلعة حماد كما ذكرنا . ثم دخل حماد في طاعة ~~المعز . وكان القائد بن حماد بعد أبيه يضمر الغدر وخلع طاعة المعز والعجز ~~يمنعه ، إلى أن رأى قوة العرب وما نال المعز منهم . فعندها خلع الطاعة ~~واستبد بالبلاد . وجاء بعده ولده محسن ، وبعده ابن عمه بلكين ، وبعده ابن ~~عمه الناصر بن علناس ، وكل منهم متحصن بالقلعة ، وهي المعروف بقلعة حماد ~~وقد جعلوها دار ملكهم . فلما رحل المعز من القيروان ، وصار إلى المهدية ، ~~وتمكنت العرب وأخربوا البلاد ونهبوا الأموال ، انتقل كثير من أهل القرى ~~والبلاد إلى بلاد بني حماد لحصانتها ، فعمرت بلادهم وكثرت أموالهم ، وفي ~~نفوسهم ما فيها من الضغائن والحقود من باديس وبنيه ، يرثه صغير عن كبير . ~~وولي تميم بن المعز بعد أبيه ، واستبد كل منهم ببلد وقلعة ، وتميم يصبر ~~ويداري . فاتصل بتميم أن الناصر بن علناس يقع فيه في مجلسه ويذمه وأنه عزم ~~على المسير ليحاصره بالمهدية ، وأنه حالف بعض صنهاجة وزناتة وبني هلال ~~ليعينوه على PageV24P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" حصار المهدية . فلما صح ذلك عنده أرسل إلى ~~بني رياح فأحضرهم إليه . وقال لهم : أنتم تعلمون أن المهدية حصن منيع ~~أكثرها في البحر لا يقاتل من البر إلا من أربعة أبرجة يحميها أربعون رجلا . ~~وإنما جمع الناصر هذه العساكر إليكم وإلى بلادكم . فقال له أمراء العرب : ~~إن الذي قاله السلطان حق ونحب منك المعونة بالعدة . فقال : على العدة ~~والرفادة . وأمر لهم بعشرة آلاف دينار ، لكل أمير منهم ألف دينار ، وألف ~~درع ، وألف رمح ، وألف سيف هندي . فخرجت الأمراء من عنده ، وجمعوا رجالهم ، ~~وتحالفوا على لقاء الناصر . وأنفذوا شيخين ms5578 سرا إلى بني هلال الذين صاروا مع ~~الناصر فقالا لهم : كيف وقعتم في هذا الأمر وأردتم تلاف ملككم ؟ هذا الناصر ~~قد سمعتم غدر جده حماد لباديس ، وغدر بنيه بعضهم بعضا ، وقد اتفق مع زناتة ~~، فإذا وطيء بلدنا بصنهاجة وزناتة قاصدا تميم بن المعز - وتميم في حصن منيع ~~بالمهدية لا يقدر عليه - فعندها يملك بلاد إفريقية ويخرجنا وإياكم عنها . ~~فقاللهما مشايخ بني هلال : والله ، لقد صدقتم . فإذا التقينا فقاتلونا فإنا ~~ننهزم ونرجع عليهم . فإذا ملكنا رقابهم كان لنا من الغنيمة الثلث ولكم ~~الثلثان . فقال الشيخان : رضينا . وأرسل المعز بن زيري الزناتي إلى من مع ~~الناصر من زناتة بنحو ذلك ، فوعدوه أن ينهزموا . فحينئذ رحلت رياح وزناتة ~~جميعا . وسار إليهم الناصر بصنهاجة وزناتة وبني هلال . فالتقوا بموضع يسمى ~~سبية . فلما ترائى الجمعان حملت بنو رياح على بين هلال . فانهزم بنو هلال ~~كما وقع الاتفاق ، واظهروا الغدر من وراء العسكر . فانهزم عند ذلك الناصر ~~ابن علناس ، وسلم في عشرة أفراس . فكان جملة من قتل في هذه الوقعة من ~~صنهاجة وزناتة أربعة وعشرون ألفا . وصارت الغنائم كلها للعرب ، وبهذه ~~الوقعة تم لهم ملك البلاد . فإن أكثرهم عند دخوله كانوا رجالة ، والفرسان ~~منهم في أضيق حال . فتقاسموا هذه الغنائم على ما قرروه بينهم إلا الطبول ~~والبوقات والفازات بأبغالها ، فإنهم حملوها إلى تميم ، فردها ولم يقبلها ، ~~فعز ذلك على العرب وقالوا : نحن خدمك بين يديك فقال : ما فعلت PageV24P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" هذا انتقاصا بكم وإنما المانع منه أنني لا ~~أرضى أخذ سلب ابن عمي . وظهر عليه من الحزن بقوة العرب ما لم يوصف . ذكر ~~بناء مدينة بجاية والسبب فيه قال : ولما كانت هذه الواقعة بين بني حماد ~~والعرب ، وبلغ الناصر ما نال ابن عمه تميم من الألم والحزن ، وكان وزيره ~~أبو بكر بن أبي الفتوح محبا في دولة تميم ، فقال للناصر : يا مولاي ، ألم ~~أشر عليك ألا تقصد ابن عمك ، وأن تتفقا على العرب . فلو انفقتما لأخرجتما ~~العرب . فصدقه الناصر ورجع إلى قوله ، وقال له : أصلح ms5579 ذات بيننا . فأرسل ~~الوزير رسولا من عنده إلى تميم يعتذر ويرغب في الإصلاح . فقبل تميم قوله . ~~وأراد أن يرسل رسولا إلى الناصر ، فاستشار أصحابه . فاتفقوا على إرسال محمد ~~بن البعبع ، وقالوا : هذا رجل غريب ، قد شمله إحسانك وبرك ، وقد اقتني من ~~إنعامك الأموال والأملاك ، وهو لا يعرف صنهاجة . فما يصلح لهذا الأمر سواه ~~. فأحضر تميم محمد بن البعبع وأمر له بعبيد وخيل وكسا ودنانير . وأوصاه ~~وأرسله وأجاز الرسول الواصل . وخرجا معا إلى أن وصلا إلى بجاية ، وهي حينئذ ~~منزل ينزله رعية البربر . فنظرها بان البعبع وتأملها ، وقال في نفسه : هذا ~~المكان يصلح مدينة ومرسى وصناعة للسفن . وتمادى إلى أن وصل إلى القلعة ودخل ~~على الناصر ، وقد علم ابن البعبع أن الوزير محب في دولة تميم . فلما انبسط ~~ودفع المكاتبة ، قال للناصر : يا مولاي ، معي وصية إليك فأحب أن يخلي ~~المجلس . فقال الناصر : ليس هنا إلا الوزير ، وأنا لا أخفي عنه أمرا . فقال ~~: بهذا أمرني سيدنا تميم . فقال الناصر لوزيره : انصرف . فلما خرج ، قال ~~محمد للناصر : يا مولاي ، إن الوزير مخامر عليك معتمين ، وهو لا يخفى عنه ~~من أمورك شيئا ، وتميم مشغول مع عبيده النصارى . قد استب بهم واطرح صنهاجة ~~وتلكاتة وجميع القبائل . فو الله ، لو وصلت بعسكر إلى المهدية ما بت إلا ~~فيها لبغض الأجناد والرعية في تميم ، وأنا أشير عليك بما تملك به المهدية ~~وغيرها . وقد عبرت الآن ببجاية فرأيت فيها مرافق من صناعة وميناء وجميع ما ~~يصلح لبناء مدينة . فاجعلها لك مدينة ، يكون فيها دار ملكك وتقرب من جميع ~~بلاد إفريقية . وأنا أنتقل إليك باهلي وولدي ، وأترك مالي بالمهدية من ~~الرياع ، وأخدمك حق الخدمة . فأجابه الناصر إلى ذلك واستراب من وزيره . ~~PageV24P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" وخرج الناصر من ساعته ومعه ابن البعبع إلى ~~بجاية ، وترك الوزير بالقلعة . فوصلا إليها . ورسم ابن البعبع المدينة ~~والصناعة والميناء وموضع القصر واللؤلؤة . وأمر الناصر من ساعته بالبناء ~~والعمل . وشكره وأثنى عليه ، وعاهده على وزارته . ورجعا جميعا إلى القلعة . ~~وأحضر الوزير وقال : هذا محب ms5580 لدولتنا ناصح في خدمتنا . وقد أشار علينا ~~ببناء بجاية . وعزم على الانتقال إلينا بالأهل والولد . فاكتب له جواب كتبه ~~إلى تميم . وأمر له بألف دينار ، وأربع وصائف ، وأربع بغال من مراكبه . ~~وسار ابن البعبع فوصل إلى المهدية بكتب ناقصة وصلة تامة . فاستراب به تميم ~~. وسأله عن بناء بجاية وسببه ، فقال : يا مولاي ، مالي بهذا علم . أنا رجل ~~غريب . فتحقق تميم أنه الذي أشار عليه ببنائها . وخرج ابن البعبع إلى داره ~~خائفا وجلا . وكان لما فارق الناصر سأله أن ينفذ معه رجلا من ثقاته ينفذ ~~معه ما يعاين من الأخبار . فنفذ معه رجلا . فلما خرج إلى داره كتب إلى ~~الناصر : إنني لما وصلت إلى تميم لم يسألني عن شيء قبل سؤاله عن أمر بجاية ~~، إنه قد وقع على قلبه منها أمر عظيم . وقد اتهمني فانظر من تثق به من ~~العرب ممن يصل إلى أولاد عكابش ، فإنني خارج إليهم مسرعا ، وقد عاهدتهم على ~~ذلك . فتنفذ من بني هلال من تثق به . وقد أوثقت شيوخ زويلة وغيرها على ~~طاعتك . فالله الله أسرع إلي بمن ذكرت . قال : فمضى الرسول بالكتاب فقرأه ~~الناصر وأوقف الوزير أبا بكر عليه . فاستحسن الوزير ذلك منه وقال : لقد خدم ~~هذا الرجل ونصح . فقال الناصر : خذ الكتاب إليك ، وجاوب الرجل عنه ، وانظر ~~في إنفاذ العرب إليه قولا وفعلا ، ولا تؤخر ذلك عنه . فمضى الوزير إلى داره ~~وكتب نسخة كتاب ابن البعبع ، وحكاها حتى كأنها هي ، خشية أن يسأله الناصر ~~عن الكتاب بعد ذلك . وأنفذ كتابه الذي بخطه إلى تميم وكتب كتابا منه يصف ~~الحال من أوله إلى آخره . فلما وقف تميم على ذلك ، عجب منه وبقي يتوقع له ~~ما يأخذه به . وجعل عليه من يحرسه في ليله ونهاره من حيث لا يشعر . فأتاه ~~بعض الحرس وأخبره أن ابن PageV24P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" البعبع صنع طعاما وأحضر عنده الشريف الفهري - ~~وكان هذا الشريف من خواص تميم - فلما أصبح استدعاه تميم . فحضر وقال : يا ~~مولاي ، ما كنت إلا واصلا إليك . وحدثه أن محمد ms5581 بن البعبع دعاني وقال لي : ~~أنا في ذمامك وحسبك ، أحب أن تعرفني من أين أخرج من المهدية ، فأنت أعرف ~~الناس بذلك . فقلت له : ولم تفعل ذلك ، وأنت في هذه المنزلة الكبيرة مع ~~مولانا تميم ؟ فقال : إنه اتهمني أنني أشرت على الناصر ببناء بجاية ، وقد ~~خفت . فقلت له : يا أبا عبد الله ، إن كنت سالما من قول قلته أو أمر أبرمته ~~فلا تبال ، فسيدنا تميم رجل رؤوف لا يؤاخذ بقول ولا بظن . فقال لي : دعني ~~فلا قدوة لي على المقام . فقلت له : أنا أنظر في هذا الأمر بالغداة إن شاء ~~الله وأعرفك بمن تثق به من العرب . فأخذ يدي على ذلك . قال : فأخرج تميم ~~كتاب ابن البعبع الذي بخطه إلى الناصر وأوقف الشريف عليه . ثم قال له : ~~أحضره إلي . فمضى الشريف إليه وقال له : سيدنا تميم أمر بحضورك معي ولا ~~يكون إلا خيرا فلبس ثيابه وخرجا . فلقيهما ماضي بن عكابش فقال له : يا أبا ~~عبد الله ، الهلاليون قد وصلوا إلينا البارحة ، وهذه كتب قد وصلت إليك منهم ~~. فتناولها الشريف من يده فقال له ابن البعبع : استر على ستر الله عليك . ~~وسأله . فدخلا القصر وابن البعبع يسأله فيها . فقال : خذها فو الله ما ~~ينفعك أخذها . فتناولها . وخرج تميم إليهما فجزع ابن البعبع حتى سقطت الكتب ~~من يده وإذا عنوان أحدها : من الناصر بن علناس إلى شيخنا وخليلنا فقال له ~~تميم : من أين هذه الكتب ؟ فسكت . فقرأها تميم فوجد فيها الحجة عليه . فقال ~~ابن البعبع : العفو يا مولانا . فقال لا عفا الله عنك ؟ وأمر بضرب عنقه ~~وتغريق جثته . ذكر استيلاء تميم على مدينة تونس وفي سنة ثمان وخمسين ~~وأربعمائة ، سير تميم عسكرا كثيفا إلى مدينة تونس . فأقام محاصرا لها مضيقا ~~عليها سنة وشهرين . وكان بها أحمد بن خراسان وقد أظهر الخلاف . وسبب ذلك أن ~~المعز بن باديس أبا تميم - لما فارق القيروان والمنصورية ورحل إلى المهدية ~~- استخلف على القيروان وعلى تونس قائد بن ميمون الصنهاجي . فأقام بها ثلاث ~~سنين ثم غلبته هوارة عليها ms5582 ، فسلمها إليهم وخرج إلى المهدية . فلما ولي ~~تميم بعد أبيه رده إليها ، فأقام بها مدة ست سنين . ثم أظهر الخلاف على ~~تميم وأطاع PageV24P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" الناصر بن علناس . فجرد إليه تميم عسكرا من ~~أجناده وعبيده . فعلم أنه لا طاقة له بهم ، فترك القيروان وسار إلى الناصر ~~. ودخل عسكر تميم القيروان وخربوا قصر القائد الذي بناه بباب سلم . وسار ~~العسكر إلى تونس وبها ابن خراسان فحصروه ، فأطاع وصالح الأمير تميما . وأما ~~قائد بن ميمون فإنه مكث عند الناصر سنتين . ثم مضى إلى حمو بن مليل فاشترى ~~له مدينة القيروان من العرب وولاه عليها . فابتدأ ببناء سورها وحصنها . وفي ~~سنة سبعين وأربعمائة ، تم الصلح بين تميم والناصر ابن علناس . وزوجه تميم ~~ابنته السيدة بلارة وجهزها إليه من المهدية في البر . ذكر استيلاء مالك بن ~~علوي الصخري على القيروان وأخذها منه ، وعودها إلى تميم وفي سنة ست وسبعين ~~وأربعمائة ، جمع مالك بن علوي العرب ، وسار إلى المهدية وحصرها . فدفعه ~~تميم عنها ولم يظفر منها بشيء . فسار إلى القيروان فحصرها وملكها . فجرد ~~تميم العساكر إليه فحصروه بها . فلما رأى مالك أنه لا طاقة له بعساكر تميم ~~تركها . واستولت عساكر تميم عليها وعادت إلى ملكه كما كانت . ذكر ملك الروم ~~مدينة زويلة وعودهم عنها قال : وفي سنة إحدى وثمانين وأربعمائة ، اجتمع ~~الروم في أربعمائة قطعة وأعانهم الفرنج . وأتوا كلهم إلى جزيرة قوصرة ~~وأخربوا ونهبوا وأحرقوا . وملكوا مدينة زويلة وهي بقرب المهدية . وكانت ~~عساكر تميم غائبة في قتال الخارجين عليه ، فصالح تميم الروم على ثمانين ألف ~~دينار ، بشرط أن يرادوا جميع ما حووه من السبي ، ففعلوا ذلك ورجعوا جميعا . ~~وفيها مات الناصر بن علناس . وولي ابنه المنصور فقفا آثار أبيه في الحزم ~~والعزم والرئاسة . وأتته كتب تميم وغيره بالتهنئة والتعزية . PageV24P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" ذكر خبر شاه ملك التركي ودخوله إلى إفريقية ~~وغدره بيحيى بن تميم كان شاه ملك هذا من أولاد بعض أمراء الأتراك ببلاد ~~المشرق فناله في بلده أمر أخرجه عنها . فخرج وسار إلى ms5583 مصر في مائة فارس . ~~فأكرمه الأفضل أمير الجيوش ووصله وأعطاه إقطاعا ومالا . ثم بلغه عنه أشياء ~~أوجبت حبسه هو وأصحابه . وجرى بمصر أمر فخرج شاه ملك هو وأصحابه هاربين ، ~~واحتالوا في خيل وعدة . وتوجهوا إلى المغرب فوصلوا إلى طرابلس المغرب وأهل ~~البلد كارهو لواليها . فأدخلوهم البلد وأخرجوا الوالي . فصار شاه ملك أمير ~~البلد . فبلغ تميم الخبر فأرسل العساكر فحصروها وفتحوها وأخذوا شاه ملك ومن ~~معه إلى المهدية . فسر بهم تميم وقال : قد ولد لي مائة ولد أنتفع بهم . ~~وكانوا لا يخطيء لهم سهم . فلم تطل الأيام حتى جرى منهم أمر غير تميما ~~عليهم . فعلم شاه ملك ذلك ، وكان صاحب دهاء وخبث . فلما كان في سنة ثمان ~~وثمانين وأربعمائة ، خرج يحيى بن تميم إلى الصيد ومعه شاه ملك ومن معه . ~~وكان أبوه قد تقدم إليه ألا يقربه فلم يقبل منه . فلما أبعدوا في طلب الصيد ~~، غدر به شاه ملك ، وقبض عليه ، وسار به وبمن أخذ من أصحابه إلى حمو بن ~~مليل صاحب مدينة سفاقس . فركب حمو وخرج للقاء يحيى بن تميم . وترجل وقبل ~~يده ومشى في ركابه وعظمه واعترف له بالعبودية . وأقام عنده أياما ولم يذكره ~~أبوه بكلمة واحدة . وكان قد جعله ولي عهده ، فلما أخذ أقام أبوه مقامه ابنا ~~آخر اسمه مثنى . قال : ثم إن صاحب سفاقس خاف يحيى على نفسه أن يثور معه ~~الجند وأهل البلد فيملكوه عليهم ، فكتب إلى تميم يسأله إنفاذ الأتراك ~~وأولاده إليه ليرسل إليه ابنه يحيى . ففعل ذلك بعد امتناع كثير . وقدم يحيى ~~فحجبه أبوه عنه مدة . ثم رضي عنه وأعاده وجهزه إلى سفاقس بجيش فحصرها برا ~~وبحرا مدة شهرين . فخرج الأتراك عنها إلى قابس . ذكر خلافة مثنى بن تميم ~~على أبيه قال : كان سبب ذلك أن تميم بن المعز لما رضي عن ابنه يحيى وأعاده ~~إلى ولاية عهده ، عظم ذلك على المثنى وداخله الحسد فلم يملك نفسه . فنقل ~~إلى أبيه عنه ما غير قلبه عليه . فأمر بإخراجه من المهدية بأهله وولده ~~وعبيده . فركب في ms5584 البحر إلى سفاقس ، فلم يمكنه عاملها من الدخول إليها . ~~PageV24P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" فقصد مدينة قابس ، فلقيه الثائر بها مكن بن ~~كامل الدهماني فأنزله وأكرمه . فحسن له مثنى الخروج معه إلى سفاقس والمهدية ~~وأطمعه فيها ، وضمن له بالإنفاق على الجند من ماله . فجمع ما أمكنه جمعه . ~~وسارا إلى سفاقس ومعهما شاه ملك التركي وأصحابه فنزلوا على سفاقس وقاتلوا ~~من بها فبلغ تميما الخبر فجرد إليها جندا من الرماة . فلما علم المثنى ومن ~~معه أنهم لا طمع لهم فيها تركوها . وقصدوا المهدية فنزلوا عليها وقاتلوا . ~~فتولى قتالهم بها يحيى بن تميم وظهر من شدته وصبره وحزمه وحسن تدبيره ما ~~استدل به على نجاح أمره وحسن عاقبته . ولم يبلغ أولئك منها غرضا فعادوا وقد ~~تلف ما كان مع المثنى من مال وغيره . ذكر ملك تميم مدينة قابس وفي سنة تسع ~~وثمانين وأربعمائة ، ملك تميم مدينة قابس ، وأخرج منها أخاه عمرو بن المعز ~~. وكان أهلها ولوه عليها بعد موت قاضي ابن إبراهيم بن بلمويه . فلم يحسن ~~عمرو السياسة ولا نهض بشرط الولاية . وكان قاضي بن إبراهيم عاصيا على تميم ~~، وتميم يعرض عنه . فسلك عمرو طريقته في العصيان ، فأخرج تميم العساكر إلى ~~أخيه ليأخذ قابس منه . فقال له أصحابه : يا مولانا ، لما كان فيها قاضي ~~توانيت عنه وتركته ، فلما ( صلى الله عليه وسلم ) أمرها إلى أخيك جردت إليه ~~العساكر فقال : لما كان فيها عبد من عبيدنا كان زواله سهلا علينا . وأما ~~الآن فابن المعز بالمهدية وابن المعز بقابس . هذا لا يمكن السكوت عليه . ~~وفي فتحها يقول ابن خطيب سوسة قصيدته المشهورة التي أولها : ضحك الزمان ~~وكان يلفى عابسا . . . لما فتحت بحد سيفك قابسا أنكحتها بكرا وما أمهرتها . ~~. . إلا قنا وصوارما وفوارسا الله يعلم ما جنيت ثمارها . . . إلا وكان أبوك ~~قبل الفارسا من كان بالسمر العوالي خاطبا . . . جليت له بيض الحصون عرائسا ~~فأبشر تميم بن المعز بفتكة . . . تركتك في أكناف قابس قابسا ولوا فكم تركوا ~~هناك مصانعا . . . ومقاصرا ومخالدا ومجالسا فكأنها قلب وهن وساوس . . . جاء ~~اليقين ms5585 فذاد عنه وساوسا PageV24P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" وفي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة ، فتح تميم ~~جزيرة جربة وجزيرة قرقنة ومدينة تونس . وكان بإفريقية غلاء شديد هلك فيه ~~كثير من الناس . وفي سنة ثلاث وتسعين ، فتح تميم مدينة سفاقس . وخرج منها ~~حمو بن مليل هاربا فقصد مكن بن كامل الدهماني ، فأحسن إليه وأقام عنده حتى ~~مات . وكان حمو قد تغلب عليها واشتد أمره بوزير كان عنده من كتاب المعز حسن ~~الرأي والتدبير والسياسة ، فاستقامت به دولته وعظم شأنه فأرسل إليه تميم ~~وبالغ في استمالته ووعده بكل جميل فلم يقبل . فاشتد أمره على تميم فسير ~~جيشا إلى حصار سفاقس . وأمر مقدم الجيش أن يهدم ما حول المدينة ويحرقه ~~ويقطع الأشجار سوى ما يتعلق بذلك الوزير ، فإنه لا يتعرض إليه ويبالغ في ~~صيانته ، ففعل ذلك . فلما رأى حمو ذلك اتهمه وقتله . فانحل نظام دولته ~~وتسلم عسكر تميم البلد . وفي سنة ثمان وتسعين وأربعمائة ، مات المنصور بن ~~الناصر بن علناس ، وولي بعده ولده باديس . ثم مات بعد يسير فولى أخوه ~~العزيز بالله . ذكر وفاة تميم بن المعز كانت وفاته في شهر رجب سنة إحدى ~~وخمسمائة ، وله من العمر تسع وسبعون سنة ، ومدة ولايته سبع وأربعون سنة ~~وعشرة أشهر وعشرون يوما . وكان شهما شجاعا كريما حليما كثير العفو عن ~~الجرائم العظيمة ذكيا حسن الشعر . فمن شعره ما قاله وقد وقع حرب بين ~~طائفتين من العرب ، وهما عدي ورياح فقتل رجل من رياح ثم اصطلحوا وأهدروا ~~دمه ، وكان صلحهم مما يضر بتميم وبلاده ، فقال أبياتا يحرض فيها على الطلب ~~بدم المقتول ، وهي : متى كانت دماؤكم تطل . . . أما فيكم بثأر مستقل أغانم ~~ثم سالم إن فشلتم . . . فما كانت أوائلكم تذل ونمتم عن طلاب الثأر حتى . . ~~. كأن العز فيكم مضمحل وما كسرتم فيه العوالي . . . ولا بيض تفل ولا تسل ~~PageV24P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" فعمد إخوة المقتول فقتلوا أميرا من بني عدي . ~~فقامت الحرب بينهم واشتد القتال ، وكثرت القتلى بينهم حتى أخرجوا بني عدي ~~من إفريقية ، وبلغ تميم فيهم ما يريد . وكان ms5586 يوقع بالشعر الحروب بين العرب ~~فبلغ بلسانه ما لم يبلغه بسنانه . ومن أخباره في رعيته وشفقته عليهم ما حكى ~~أنه اشترى جارية بثمن كثير . فبلغه أن مولاها الذي باعها ذهب عقله وأسف على ~~فراقها . فأحضره تميم إلى بين يديه وأرسل الجارية إلى داره ومعها من الكسوة ~~والأواني والفضة والطيب شيئا كثيرا . ثم أمر مولاها بالانصراف وهو لا يعلم ~~بذلك . فلما وصل إلى داره ورآها بمنزلة سقط إلى الأرض وغشى عليه لكثرة ما ~~ناله من السرور . ثم أفاق وأصبح من الغد فحمل الثمن وجميع ما كان معها إلى ~~دار تميم . فغضب وانتهره وأمره بإعادة ذلك إلى داره . وهذه نهاية في الجود ~~، وغاية في الكرم والشفقة والإحسان . وكان له في البلاد أصحاب أخبار ~~يطالعونه بأخبار الناس لئلا يظلموا . قال : وخلف من النبين مائة ، ومن ~~البنات ستين . ولما مات رحمه الله ولي بعده ابنه يحيى . ذكر ولاية يحيى بن ~~تميم بن المعز بن باديس ابن المنصور يوسف بن زيري كانت ولايته عند وفاة ~~أبيه تميم في يوم السبت النصف من شهر رجب سنة إحدى وخمسمائة ، ومولده ~~بالمهدية في يوم الجمعة لأربع بقين من ذي الحجة سنة سبع وخمسين وأربعمائة . ~~ولما ولي عم أهل دولته من الخواص والجند بالخلع السنية ، ووهب الأجناد ~~والعبيد أموالا كثيرة . وفي هذه السنة ، جرد عسكرا إلى قلعة اقليبية ، وهي ~~من أحصن قلاع إفريقية . وقدم عليهم الشريف علي الفهري . فنزل عليها وحاصرها ~~حصارا شديدا ففتحها . وكان تميم قد رامها فلم يقدر على فتحها . وفي سنة ~~اثنتين وخمسمائة ، وصل إلى المهدية ثلاثة نفر غرباء . فكتبوا إلى يحيى ~~يقولون إنهم يعملون الكيمياء . فأحضرهم عنده وأمرهم أن يعملوا شيئا من ~~صناعتهم . وأحضر هلم ما طلبوه من صناعتهم ، وأحضر لهم ما طلبوه من آلة ~~وغيرها . وقعد معهم PageV24P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" هو والشريف أبو الحسن . فلما رأى الكيميائية ~~المكان خاليا ثاروا بيحيى . فضربه أحدهم على رأسه ، فوقعت السكين في عمامته ~~فلم تصنع شيئا . ورفسه يحيى فألقاه على ظهره . ودخل يحيى بابا وأغلق على ~~نفسه . وضرب ms5587 الثاني الشريف فقتله . وأخذ إبراهيم القائد السيف فقاتل ~~الكيميائية . ورفع الصوت فدخل أصحاب الأمير يحيى فقتلوا أولئك . وكان زيهم ~~زي أهل الأندلس ، فقتل جماعة في البلد على مثل زيهم . وقيل ليحيى : إن ~~هؤلاء رآهم بعض الناس عند المقدم بن الخليفة . واتفق أن الأمير أبا الفتوح ~~إبراهيم أخا يحيى وصل في تلك الساعة إلى القصر ، في أصحابه وقد لبسوا ~~السلاح . فمنع من الدخول . فثبت عند يحيى أن ذلك بوضع منهما . فأحضر المقدم ~~بن خليفة وأمر أولاد أخيه فقتلوه قصاصا ، لأنه كان قد قتل أباه . وأخرج ~~الأمير أبا الفتوح وزوجته إلى قصر زياد بين المهدية وسفاقس ، ووكل بهما . ~~فبقي هناك حتى مات يحيى وولي ابنه علي . فسيره إلى ديار مصر في البحر . وفي ~~سنة أربع وخمسمائة ، أنفذ ابنه أبا الفتوح واليا على مدينة سفاقس . فقام ~~أهلها عليه فنهبوا قصره وهموا بقتله . فلم يزل يحيى يعمل الحيلة حتى فرق ~~كلمتهم وبدد شملهم وملك رقابهم وملأ السجون منهم . ثم عف عن دمائهم وعفا عن ~~ذنوبهم . وفي أيام يحيى وصل إلى المهدية من طرابلس المهدي محمد بن تومرت ، ~~وكان كتب إلي السري ، عن شعيب ، عن سيف ، أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى ~~. وفاة يحيى بن تميم وشيء من أخباره كانت وفاته فجأة يوم عيد الأضحى سنة ~~تسع وخمسمائة . وكان منجمه قد قال له في تسيير مولده : إن عليه قطعا في هذا ~~اليوم . ومنعه من الركوب فلم يركب وخرج أولاده وأهل بيته وأرباب دولته إلى ~~المصلى . فلما انقضت الصلاة حضروا للسلام عليه وتهنئته . وقرأ القراء وأنشد ~~الشعراء وانصرفوا إلى الطعام . فقام يحيى من باب آخر ليحضر معهم على الطعام ~~. فلم يمش غير ثلاث خطوات ووقع ميتا رحمه الله . وكان عادلا في رعيته ، ~~ضابطا لأمور دولته ، مدبرا لجميع أمواله ، رحيما بالضعفاء والفقراء كثير ~~الصدقة ، يقرب أهل العلم والفضل . وكان عالما بالأخبار وأيام الناس والطب . ~~وكان حسن الوجه ، أشهل العينين ، مائلا في قده إلى الطول . PageV24P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" ومات وله من العمر اثنتان وخمسون سنة إلا ~~سبعة ms5588 عشر يوما . ومدة ولايته ثماني سنين وخمسة أشهر إلا خمسة أيام . وخلف ~~من الأولاد الذكور ثلاثين ولدا . وقال عبد الجبار محمد بن حمديس الصقلي ~~يرثيه ويهنىء ابنه عليا بالملك : ما أعمد العضب حتى جرد الذكر . . . ولا ~~اختفى قمر حتى بدا قمر بموت يحيى أميت الناس كلهم . . . حتى إذا ما علي ~~جاءهم نشروا إن يبعثوا بسرور من تملكه . . . فمن منية يحيى بالأسى قبروا ~~أوفى علي فسن الملك ضاحكة . . . وعينه من أبيه دمعها هر شقت جيوب المعالي ~~ضاحكة . . . وعيه من أبيه دمعها همر وقل لابن تميم حزن أتمها . . . فكل حزن ~~عظيم فيه محتقر قام الدليل ويحيى لا حياة له . . . أن المنية لا تبقى ولا ~~تذر ولاية علي بن يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس بن المنصور بن يوسف بن ~~زيري كانت ولايته بعد وفاة أبيه . وكان إذ ذاك بمدينة سفاقس ، فاجتمع رجال ~~الدولة منهم عبد العزيز بن عمار والقائد زكو وغيرهما . ووقع الاتفاق على أن ~~يكتب كتاب على لسان يحيى لولده يؤمر فيه بالوصول إليه مسرعا . فكتب وسير ~~إليه فوصل إليه ليلا . فخرج لوقته ومعه طائفة من أمراء العرب . وجد السير ~~فوصل إلى المهدية الظهر من يوم الخميس الثاني من يوم العميد ، وهو الحادي ~~عشر من ذي الحجة سنة تسع وخمسمائة . ودخل القصر . وبدأ بتجهيز أبيه وموارات ~~في قبره ثم جلس للعزاء والهناء . ولما استقامت له الأمور ، جهز أسطولا إلى ~~جربة ، وكان أهلها يقطعون على PageV24P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" الناس في البحر . وجعل قائد الأسطول القائد ~~إبراهيم قائد جيشه ، وأصحبه جماعة من رجال الدولة . فمضوا إليها وحاصروها ~~وضيقوا على أهلها ، حتى أذعنوا للطاعة ونزلوا على الحكم والتزموا الكف عن ~~الفساد . فأمن من يسافر في البحر . وفي سنة عشر وخمسمائة ، جهز جيشا إلى ~~مدينة تونس ، وبها أحمد بن خراسان . فحاصرها وضيق على من بها . فصالح ابن ~~خراسان السلطان على ما أراد . وفتح أيضا في هذه السنة جبل وسلات واستولى ~~عليه . وهو جبل منيع لم يزل أهله طول الدهر يقطعون الطريق ويقتلون الناس . ~~فملكه ms5589 وقتل من فيه . وفي سنة إحدى عشرة وخمسمائة ، حاصر الأمير على مدينة ~~قابس في البحر . وسبب ذلك أن رافع بن مكن الدهماني أنشأ مركبا بساحلها ، ~~وقصد إجراءه في البحر في آخر أيام يحيى فلم ينكر ذلك وأعانه بالخشب والحديد ~~. وتوفي يحيى قبل إكماله . فلما ولي على أنف من ذلك . فعمر ست حربيات وأربع ~~شوان . فاستعان رافع برجار صاحب صقلية فانفذ رجالا لإعانته أصطولا جملته ~~أربعة وعشرون شينيا ، لتأخذ المركب معها ونشيعه إلى صقلية لئلا تقطع عليه ~~مراكب علي . فلما اجتاز أصطول رجار بالمهدية ، أخرج على الحربيات والشواني ~~تتبعه إلى قابس ، فتوافوا بها . فرجع أسطول رجار إلى صقلية وبقي أصطول علي ~~يحاصر قابس . فضيق على من بها وأثر في أجلها وأفسد ثم رجع إلى المهدية . ~~وتمادى رافع في إظهار المخالفة والتمسك بصاحب صقلية . ذكر حصار رافع ~~المهدية وانهزامه قال : ثم أقبل رافع بن مكن الدهماني على جميع قبائل العرب ~~وحالفهم . وسار بهم لحصار المهدية ونازلها . فأمر على العسكر بالخروج ~~وقتاله . فخرجوا عشية النهار فحملوا على رافع ومن معه حتى أزالوهم عن ~~مواقفهم . ووصل الجند إلى أخبية العرب . فصاح الحريم : هكذا نسبي ، هكذا ~~نستباح . فعادت العرب ونشبت الحرب واشتد القتال إلى المغرب . ثم افترقوا ، ~~وقد قتل من عسكر رافع خلق كثير ، ولم يقتل من أصحاب علي إلا رجل واحد . ثم ~~خرج إليهم الجند مرة ثانية واقتتلوا . فكان الظهور لأصحاب علي . ~~PageV24P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" وهرب رافع بالليل إلى القيروان فدخلها بعد ~~قتال . فأرسل علي ابن يحيى إليه عسكرا فحاصروه بالقيروان . ووقع بينهم قتال ~~شديد قتل فيه أحمد بن إبراهيم صاحب الجيش بسهم أصابه . وكان الغلب مع ذلك ~~لأصحاب علي . ورجع رافع إلى قابس . وتوسط ميمون بن زياد لرافع في الصلح مع ~~علي . فأجاب إلى ذلك بعد امتناع . وتم الصلح بينهما وانتظم وزالت الوحشة . ~~ثم وصل رسول رجار صاحب صقلية بمكاتبة يلتمس فيها تأكيد العهود وتجديد ~~العقود . فأجاب إلى ذلك . ثم وقعت الوحشة بينهما . فأمر علي بتجديد الأصطول ~~فعمر عشرة مراكب حربية ، وثلاثين غرابا ms5590 ، وشحنها بالرجال والعدد والنفط ~~وجميع ما تحتاج إليه . وكان دأبه الحزم والصرامة والشهادة والعزم إلى أن ~~توفى . وكانت وفاته في يوم الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس ~~عشرة وخمسمائة . وكان مولده بالمهدية صبيحة يوم الأحد للنصف من صفر سنة تسع ~~وسبعين وأربعمائة . وكانت مدة ولايته خمس سنين وأربعة أشهر وثلاثة عشر يوما ~~. وخلف من الأولاد أربعة ، وهم الحسن وباديس وأحمد وعزيز . ولما مات ولي ~~بعده بعهده ولده الحسن . ذكر ولاية الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز ~~ابن باديس بن المنصور بن يوسف بن زيري كانت ولايته بعهد من أبيه . فاستقل ~~بعد وفاة أبيه ، وله من العمر إذ ذاك اثنتا عشرة سنة وشهورا . فدبر دولته ~~صندل الخص وحفظ الملك . فلم تطل أيام صندل حتى مات . ووقع الاختلاف بين ~~أكابر الدولة والقواد ، وكل منهم يطلب التقدم على الجميع ، ويبدي أنه صاحب ~~الحل والعقد . فلم يزالوا كذلك إلى أن فوض أمور دولته إلى القائد أبي عزيز ~~موفق ، وهو من قواد أبيه ، فصلحت الأمور ذكر استيلاء الفرنج على جزيرة جرب ~~وفي سنة تسع وعشرين وخمسمائة ، استولت الفرنج على جربة من بلاد إفريقية . ~~وكان أهلها لا يدخلون تحت طاعة سلطان . فخرج إليها جيش من صقلية وأداروا ~~PageV24P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" المراكب بجهاتها . فقاتل أهلها قتالا شديدا ~~فقتل منهم خلق كثير وانهزموا . وملكها الفرنج ، وغنموا الأموال ، وسبوا ~~الناء والأطفال . وهلك أكثر رجالها ، وعاد من بقي منهم فأخذوا لأنفسهم ~~أمانا من صاحب صقلية وافتكوا أسراهم وسبيهم . ذكر ملك الفرنج مدينة طرابلس ~~وفي أيامه ملك الفرنج مدينة طرابلس الغرب ، وذلك في سنة إحدى وأربعين ~~وخمسمائة . وسبب ذلك أن رجار صاحب صقلية جهز أصطولا كثيرا وسيره إليها . ~~فأحاطوا بها برا وبحرا في ثالث المحرم من السنة . فقاتلهم أهلها ودامت ~~الحرب بينهم ثلاثة أيام . فلما كان في اليوم الثالث سمع الفرنج صيحة عظيمة ~~في البلد وخلت الأسوار من المقاتلة . وكان سبب ذلك أن أهل طرابلس كانوا قبل ~~وصول الفرنج بأيام يسيرة قد اختلفوا . وأخرجت بنو ms5591 مطروح طائفة . وقدموا على ~~أنفسهم رجلا من الملثمين كان قد قدم يريد الحج ومعه جماعة ، فولوه أمرهم . ~~فلما نازلهم الفرنج ، أغارت تلك الطائفة على بني مطروح . فوقعت الحرب بين ~~الطائفتين وخلت الأسوار . فانتهز الفرنج الفرصة ، ونصبوا السلالم ، وصعدوا ~~على السور ، وملكوا المدينة . فسفكوا دماء أهلها ، وسبوا نساءهم ونهبوا ~~أموالهم . وهرب من قدر على الهرب والتجئوا إلى البربر والعرب . ثم نودي ~~بالأمان للناس كافة . فرجع كل من فر منها . وأقام الفرج ستة أشهر حتى حصنوا ~~أسوارها وحفروا خندقها . وعند رجوعهم أخذوا رهائن أهلها والملثم وبني مطروح ~~ثم أعادوا رهائنهم واستقام أمر المدينة وعمرت سريعا . ذكر استيلاء الفرنج ~~على المهدية وسفاقس وسوسة كان استيلاء الفرنج على ذلك في سنة ثلاث وأربعين ~~وخمسمائة ، وذلك أن الغلاء تتابع في جميع بلاد المغرب من سنة سبع وثلاثين ~~إلى هذه السنة ، وكان أشده في سنة اثنتين وأربعين ، فإن الناس فارقوا ~~البلاد ، ودخل أكثرهم إلى جزيرة صقلية ، وأكل الناس بعضهم بعضا ، وكثر ~~الفناء . فاغتنم رجار ملك صقلية هذه الفرصة ، وعمر أصطولا نحو مائة وخمسين ~~شينيا ، وشحنها بالرجال والعدد . وساروا إلى جزيرة PageV24P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" قوصرة - وهي بين المهدية وصقلية - فصادفوا ~~بها مركبا وصل من المهدية . فأخذ أهله وأحضروا بين يدي جرجي مقدم الأصطول ، ~~فسألهم عن حال إفريقية . ووجد في المركب قفص حمام . فأمر الرجل الذي كان ~~الحمام صحبته أن يكتب بخطه : إننا لما وصلنا إلى قوصرة وجدنا بها مراكب من ~~صقلية . فسألناهم عن الأسطول المخذول ، فذكروا أنه أقلع إلى القسطنطينية . ~~وأطلق الحمام فوصل إلى المهدية فسر الأمير والناس ، وأراد جرجى بذلك أن يصل ~~بغتة . ثم سار الأصطول من قوصرة إلى المهدية في ثاني صفر فأرسل مقدم ~~الأسطول إلى الحسن يقول : إنا لم نأت إلا طلبا بثأر محمد بن رشيد صاحب قابس ~~ورده إليها . وكان قد أخرج منها وبينه وبين الفرنج مودة ومصالحة . وأما أنت ~~فبيننا وبينك عهود ومواثيق إلى مدة ، ونريد منك عهودا ومواثيق إلى مدة . ~~ونريد منك عسكرا يكون معنا . فجمع الحسن الناس من الفقهاء والأعيان ms5592 وشاورهم ~~. فقالوا : نقاتل عدونا فإن بلدنا حصين . فقال : نخشى أن ينزلوا إلى البر ، ~~ويحصرونا برا وبحرا ، وتنقطع الميرة عنا وليس عندنا ما يقوم بنا شهرا واحدا ~~. وأنا أرى سلامة المسلمين ، من القتل والأسر خيرا من الملك . وقد طلب مني ~~عسكرا إلى قابس ، فإن فعلت فما يحل إعانة الكفار علىالمسلمين ، وإن امتنعت ~~يقول : انتقض ما بيننا من الصلح . وليس لنا بقتاله طاقة . والرأي عندي أن ~~نخرج بالأهل والولد ، ونترك البلد . فمن أراد أن يفعل كفعلنا فليبادر معنا ~~. وأمر في الحال بالرحيل وأخذ معه ما خف حمله وخرج ، وتبعه الناس على وجوهم ~~بأهلهم وأولادهم وما خف من أموالهم وأثاثهم . ومن الناس من اختفى عند ~~النصارى وفي الكنائس هذا والأسطول في البحر يمنعه الريح من الوصول إلى ~~المدينة . فما مضى ثلثا النهار حتى لم يبق بالبلد ممن عزم على الخروج أحد . ~~ودخل الفرنج البلد بغير مانع ولا مدافع . ودخل جرجي القصر فوجده على حاله ~~لم يأخذ منه الحسن شيئا إلا ما خف من ذخائر الملوك . ووجد فيه عدة من ~~حظاياه . ورأى الخزائن مملوءة من الذخائر النفيسة ، ومن كل شيء غريب فختم ~~عليه . وجمع سراري الحسن في قصر . ولما ملك المدينة نهبت مقدار ساعتين ثم ~~نودي بالأمان . فخرج من كان مستخفيا . وأصبح جرجي من الغدر ، فأرسل إلى من ~~قرب من العرب فدخلوا البلد . فأحسن إليهم وأعطاهم أموالا جزيلة . وأرسل ~~أمانا إلى من خرج من المهدية ، ودواب يحملون عليها الأطفال فرجعوا . ~~PageV24P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" قال : ولما استقر جرجي بالمهدية سير أسطولا ~~بعد أسبوع إلى مدينة سفاقس ، وأسطولا إلى مدينة سوسة . فأما سوسة فإن أهلها ~~لما سمعوا خبر المهدية - وكان علي بن الحسن واليا عليها - فخرج إلى أبيه ، ~~وخرج الناس لخروجه . فدخلها الفرنج بغير قتال في ثاني عشر صفر منها . أما ~~سفاقس فإن أهلها أتاهم كثير من العرب فامتنعوا بهم . فقاتلهم الفرنج فخرج ~~إليهم أهل البلد . فأظهر الفرنج الهزيمة وتبعهم المسلمون حتى أبعدوا عن ~~البلد . ثم عطفوا عليه فانهزم قوم إلى البلد ، وقوم إلى البرية ، وقتل ms5593 منهم ~~جماعة . ودخل الفرنج البلد بعد قتال شديد وقتلى كثيرة . وأسر من بقي من ~~الرجال وسبي الحريم . وذلك في الثالث عشر من صفر منها . ثم نودي بالأمان ~~فعاد أهلها إليها . ووصلت كتب من رجار صاحب صقلية بالأمان إلى جميع أهل ~~إفريقية ، والمواعيد الحسنة . وصار للفرنج من طرابلس الغرب إلى قريب تونس ، ~~ومن المغرب إلى دون القيروان . ذكر انقراض دولة بني زيري من إفريقية وما ~~اتفق للحسن بن علي بعد خروجه من المهدية كان انقراض دولتهم من إفريقية ~~بخروج الحسن بن علي بن يحيى بن تميم من المهدية ، وكان خروجه منها على ما ~~قدمناه في ثاني صفر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، ومدة ملكه سبعا وعشرين سنة ~~وتسعة أشهر وتسعة أيام . وعدة من ولي منهم تسعة ملوك ، وهم زيري بن مناد ، ~~ثم ابنه يوسف بلكين ، ثم ابنه المنصور بن يوسف ، ثم ابنه باديس ابن المنصور ~~، ثم ابنه المعز بن باديس ، ثم ابنه تميم بن المعز ، ثم ابنه يحيى بن تميم ~~، ثم ابنه علي بن يحيى ، ثم ابنه الحسن ابن علي هذا ، وعليه انقرضت الدولة ~~. ومدة قيامهم منذ عمر زيري بن مناد مدينة آشير في سنة أربع وعشرين ~~وثلاثمائة وإلى هذا الوقت مائتي سنة وتسع عشرة سنة ، ومنذ تسلم يوسف بلكين ~~بلاد المغرب من المعز لدين الله أبي تميم معد - عند رحيله إلى الديار ~~المصرية على ما قدمناه - مائة سنة ، وإحدى وثمانين سنة وشهرا واحدا وتسعة ~~أيام . ولم يبق منهم ببلاد المغرب غير بني حماد ، وسنذكر انقراض دولتهم في ~~أخبار عبد المؤمن إن شاء الله تعالى . PageV24P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" ذكر ما اتفق للحسن بن علي بعد خروجه من ~~المهدية قال : لما خرج من المهديتة سار بأهله وأولاده ، وكانوا اثني عشر ~~ذكرا غير الإناث . وقصد محرز بن زياد وهو بالمعلقة فوصل إليه فلقيه لقاء ~~جميلا وتوجع لما حل به . وأقام عنده شهورا والحسن كاره للمقام . وأراد ~~المسير إلى ديار مصر إلى الحافظ العبيدي ، واشترى مركبا ليسافر فيه . فاتصل ~~ذلك بجرجي الفرنجي المتغلب على ملكه ms5594 ، فجهز شواني لأخذه . فرجع الحسن عن ~~ذلك . وقصد المسير إلى عبد المؤمن ببلاد المغرب يستنصر بهب على الفرنج . ~~فأرسل ثلاثة من أولاده ، وهم يحيى وعلي وتمين ، إلى يحيى بن العزيز بالله ، ~~وهو من بني حماد ، وهما بانا عم يرجعون كلهم في النسب إلى زيري بن مناد ، ~~وكان يحيى هذا قد ولى بعد أبيه . واستأذنه في الوصول إليه ، وتجديد العهد ~~به ، والمسير من عنده إلى عبد المؤمن . فأذن له يحيى في ذلك فسار الحسن ~~إليه . فلما وصل إلى بلاده لم يجتمع به وسيره إلى جزيرة بني مزغنان هو ~~وأولاده ووكل بهم من يمنعهم من التصرف . فبقوا هناك إلى أن ملك عبد المؤمن ~~مدينة بجاية في سنة سبع وأربعين وخمسمائة . ثم صار من أصحاب عبد المؤمن ~~وشهد معه فتح المهدية على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار عبد المؤمن ~~. ذكر ابتداء دولة الملثمين وأخبارهم ومن ملك منهم كان ابتداء أمرهم - على ~~ما حكاه عز الدين أبو محمد عبد العزيز ابن شداد بن الأمير تميم بن المعز بن ~~باديس في تاريخه المترجم بالجمع والبيان في أخبار المغرب والقيروان بسند ~~يرفعه إلى القاضي أبي الحسن علي بن فنون قاضي مراكش : أن رجلا من قبيلة ~~جدالة من كبرائهم اسمه الجوهر أتى من الصحراء إلى بلاد المغرب طالبا للحج ، ~~وذلك في عشر الخمسين وأربعمائة . وكان مؤثرا للدين ، محبا في الخير ، مكرما ~~للصالحين . فمر بفقيه يقرأ عليه مذهب الإمام مالك بن أنس وحوله جماعة . قال ~~: والغالب أنه أبو عمران قاضي القيروان . فآوى إليه وأصغى إلى ما يذكر في ~~PageV24P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" مجلسه من علم الشريعة . فأحب سماعه وأناب ~~إليه قلبه . ثم استمر في وجهته إلى الحج وقد أثر ذلك في نفسه . فلما حج ~~وانصرف قصد المسجد الذي كان فيه الفقيه ، وسمع الكلام فيا تقتضيه ملة ~~الإسلام من الفرائض والسنن والأحكام . فقال الجوهر : يا فقيه ، ما عندنا في ~~الصحار من هذا الذي تذكرونه شيء إلا الشهادتين في العامة ، والصلاة في بعض ~~الخاصة . فقال الفقيه : فاحمل معك ms5595 من يعلمهم عقائد ملتهم وكمال دينهم . ~~فقال له الجوهر : فابعث معي أحد الفقهاء ، وعلي حفظه وبره وإكرامه . وكان ~~للفقيه ابن أخ اسمه عمر ، فقال له : اذهب مع هذا السيد إلى الصحار فعلم ~~القبائل بها ما يجب عليهم من دين الإسلام ، ولك الثواب الجزيل من الله عز ~~وجل ، والذكر الجميل من الناس فأجابه إلى ذلك . فلما أصبح عمر من الغدر جاء ~~إلى عمه فقال له : أعفني من الدخول إلى الصحراء فإن أهلها جاهلية ، قد ~~ألفوا سيرا نشئوا عليها فمتى نقلوا عنها قتلوا من أمرهم بخلافها . وكان من ~~طلبة الفقيه رجل يقال له عبد الله بن ياسين الكزولي فرأى الفقيه وقد عز ~~عليه مخالفة ابن أخيه ، فقال : يا فقيه ، أرسلني معه والله العين . فأرسله ~~معه . وتوجها إلى الصحار . وكان عبد الله بن ياسين فقيها عالما ورعا دينا ~~شهما قوي النفس حازما ذا رأي وصبر وتدبير حسن . فدخل الجوهر وعبد الله بن ~~ياسين إلى الصحار . فانتهوا إلى قبيلة لمتونة ، وهي على ربة عالية . فلما ~~رأوها نزل الجوهر عن جمله ، وأخذ بزمام جمل عبد الله بن ياسين تعظيما لدين ~~الإسلام . فأقبلت أعيان لمتونة وأكابرهم للقاء الجوهر والسلام عليه . فرأوه ~~يقود الجمل فسألوه عنه فقال : هو حامل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~قد جاء يعلم أهل الصحراء ما يلزمهم في دين الإسلام . فرحبوا به وأنزلوه ~~أكرم نزل . ثم اجتمعت طائفة كبيرة من تلك القبيلة في محفل وفيهم أبو بكر ~~ابن عمر . فقالوا : تذكر لنا ما أشرت إليه أنه يلزمنا ؟ فقص عليهم عبد الله ~~عقائد الإسلام وقواعده وبين لهم حتى فهم ذلك أكثرهم . ثم اقتضادهم الجواب ، ~~فقالوا : أما ما ذكرته من الصلاة والزكاة فذلك قريب . وأما قولك : من قتل ~~يقتل ، ومن سرق يقطع ، ومن زنا يجلد ، فأمر لا نلتزمه ولا ندخل تحته . اذهب ~~إلى غيرنا . فرحلا عنهم والجوهر الجدالي يجر زمام جمل عبد الله بن ياسين ~~فنظر إليه شيخ كبيير منهم فقال : أرأيتم هذا الجمل ؟ لا بد أن يكون له في ~~هذه الصحراء شأن ms5596 يذكر في العالم . PageV24P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" قال : وكان بالصحراء قبائل العرب ، وهي ~~لمتونة وجدالة ولمطة وانبيصر وايتواري ومسوفة وأفخاذ عدة ، وكل قبيلة قد ~~حازت أرضا تسرح فيها مواشيهم ، ويحمونها بسيوفهم . وهذه القبائل ينسبون إلى ~~حمير ، ويذكرون أن أسلافهم خرجوا من اليمن في الجيش الذي أنفذه أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه إلى الشام . واننقلوا إلى مصر ثم توجهوا إلى المغرب مع ~~موسى بن نصير . وتوجهوا مع طارق إلى طنجة ثم اختاروا الانفراد فدخلوا ~~الصحراء واستوطنوها وأقاموا بها . قال : وسار الجوهر حتى انتهى بعبد الله ~~إلى قبيلة جدالة . فخاطبهم عبد الله هم والقبائل المتصلة بهم . فمنهم من ~~سمع وأطاع ومنهم من أعرض وعصى . ثم إن المخالفين لهم تحزبوا وانحازوا . ~~فقال عبد الله للذين قبلوا منه الإسلام : قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء ~~الذين خالفوا الحق وأنكروا دين الإسلام . فاستعدوا لقتالهم ، واجعلوا لكم ~~حزبا ، وأقيموا لكم راية ، وقدموا لكم أميرا . فقال له الجوهر : أنت الأمير ~~فقال عبد الله : لا يمكنني هذا إنما أنا حامل أمانة الشرع ، أقص عليكم ~~نصوصه وأبين لكم طريقه ، وأعرفكم سلوكه . ولكن أنت الأمير . فقال الجوهر : ~~لو فعلت هذا لتسلطت قبيلتي على الناس ولعاثوا في الصحراء ، ويكون وزر ذلك ~~علي . لا رأي لي في هذا . فقال عبد الله : فهذا أبو بكر بن عمر رأس لمتونة ~~وكبيرها ، وهو رجل جليل القدر ، مشكور الحال ، محمود السيرة ، مطاع في قومه ~~، نسير إليه ونهرض تقدمة الإمرة عليه ، فلحب الرياسة يستجيب إلى ذلك بنفسه ~~، ولمكان الجاه ستجتمع إليه طائفة من قبيلته نقوي بها على عدونا . والله ~~المستعان . ذكر ولاية أبي بكر بن عمر اللمتوني قال : فأتوا أبا بكر بن عمر ~~فأجاب ، وعقدوا له راية وبايعوه بيعة الإسلام ، وتبعه زمة من قومه . وسماه ~~عبد الله بن ياسين أمير المسلمين . ورجعوا إلى جدالة وجمعوا إليهم من أمكن ~~من الطوائف الذين حسن إسلامهم ، ومن الأقوام الذين تألفت قلوبهم . وحرضهم ~~عبد الله على الجهاد في سبيل الله ، وسماهم المرابطين . وتألبت عليهم أحزاب ~~من الصحراء معاندين من أهل الشر ms5597 والفساد ، وجيشوا لمحاربتهم . فلم يناجزهم ~~الحرب ولا بادرهم بلقاء بل تلطف عبد الله PageV24P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" وأبو بكر في أمرهم ، واستمالوهم ، واستعانوا ~~على أولئك الأشرار المفسدين بالمصلحين من قبائلهم يسبنونهم قوما بعد قوم ~~بضروب من التوصل حتى حصلوا منهم تحت زرب عظيم وثيق ما ينيف على ألفي رجل من ~~المفسدين وتركوهم فيه أياما بغير طعام وهم يحفظون الزرب من سائر جهاته ، ~~وقد خندقوا حوله . ثم أخرجوهم قوما بعد قوم وقتلوهم عن آخرهم . فحينئذ دانت ~~لهم أكثر قبائل الصحراء وهابهم كل من فيها ، وقويت شوكة المرابطين . هذا ~~وعبد الله بن ياسين يعلم الشريعة ويقرىء الكتاب والسنة ، حتى صار حوله ~~فقهاء . وكل من انقاد إلى الحق على طريق الورع والتقى والخشية لله ~~والمراقبة ، فرتب له أوقاتا للمواعظ والتذكير وإيراد الوعد والوعيد . ~~فاستقام منهم خلق كثير ، وخلصت عقائدهم وزكت نفوسهم ، وصفت قلوبهم . ذكر ~~مقتل الجوهر الجدالي قال : كان الجوهر أصح القوم عقيدة ، وأخلصم لله دينا ، ~~وأكثرهم صوما وتهجدا . فلما استبد أبو بكر بالأمر دونه ، وعبد الله ينفذ ~~الأمور بالسنة ، فصارت الدولة لهما . وبقي الجوهر لا حكم له فداخله الحسد ، ~~، فشرع في إفساد الأمر سرا . فعلم بذلك منه وعقد له مجلس . فثبت عليه ما ~~ذكر عنه ، فحكم عليه بالقتل لأنه نكث البيعة ، وشق العصا ، وهم بمحاربة أهل ~~الحق . فقال الجوهر : وأنا أيضا أحب لقاء الله عز وجل حتى أرى ا تنده . ~~فاغتسل وصلى ركعتين ، وتقدم طائعا . فضربت عنقه رحمه الله تعالى . قال : ~~وكثرت طائفة المرابطين ، وتتبعوا المعاندين لهم من قبائل الصحراء بالقتل ~~والنهب والسبي إلا من أسلم منهم وسالم . وبلغت الأخبار الفقيه بما جرى في ~~الصحراء على يد ابن ياسين من سفك الدماء ونهب الأموال وسبي الحريم . فعظم ~~ذلك عليه واشمأز منه وندم على إرساله ، وكتب له في ذلك . فأجابه عبد الله ~~بن ياسين : أما إنكارك على ما فعلت وندامتك على إرسالي ، فإنك أرسلتني إلى ~~أمة كانت جاهلية ، يخرج أحدهم ابنه وابنته لرعي السوام فيعزبان في المرعى . ~~فتأتي المرأة حاملا من أخيها ولا ينكرون ms5598 ذلك . وليس دأبهم إلا إغارة بعضهم ~~على بعض PageV24P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" وقتل بعضهم لبعض . ولا دية لهم في الدماء ، ~~ولا حرمة عندهم للحريم ، ولا توقى بينهم في الأموال ، فأخبرتهم بالمفروض ~~عليهم والمسنون لهم والمحدود فيهم . فمن قبل واليته ، ومن تولى أرديته ، ~~وما تجاوزت حكم الله ولا تعديته . والسلام . ذكر خروج الملثمين إلى السوس ~~أولا وثانيا ومقتل عبد الله بن ياسين قال : وفي سنة خمسين وأربعمائة ، قحطت ~~بلاد الملثمين ومات مواشيهم ولقوا شدة عظيمة . فأمر عبد الله ضعفاءهم ~~بالخروج إلى السوس الأقصى وأخذ الزكاة . فخرجوا وقالوا : نحن مرابطون خرجنا ~~إليكم من الصحار نطلب حق الله من أموالكم . فجمعوا لهم شيئا له بال . ~~فرجعوا به إلى الصحراء . ثم ضاقت الصحراء بالمرابطين لشظفها وكثرتهم . ~~فطلبوا إظهار كلمة الحق ، فخرجوا إلى السوس الأقصى . فتسامع بهم أهل بلاد ~~السوس ، فاجتمعوا وجيشوا ، وخرجوا لقتالهم . وصدقوهم القتال ، فكسروهم . ~~وقتل ابن ياسين ، وانهزم جيش المرابطين . فجمع أبو بكر جيشا وخرج إلى بلاد ~~السوس ثانية في ألفي راكب . فاجتمع عليه من قبائل بلاد السوس وزناتة اثني ~~عشر ألف فارس . فأرسل إليهم رسلا وقال لهم : افتحوا لنا الطريق ، فما قصدنا ~~إلا غزو المشركين . فأبوا ذلك واستعدوا للقتال . فنزل أبو بكر وصلى الظهر ~~على درقته ثم قال : اللهم إن كنا على الحق فانصرنا عليهم ، وإن كنا على ~~الباطل فأرحنا بالموت مما نحن فيه . ثم ركب ولقيهم فانهزموا . وقتل فيهم ~~قتلا ذريعا ، واستباح أسلابهم وأموالهم وعددهم . فقويت نفسه ونفوس أصحابه . ~~ذكر استيلائه على مدينة سجلماسة قال : ثم سار أبو بكر في أطراف البلاد إلى ~~مدينة سلجماسة . فنزل عليها وطلب أصحابه من أهلها الزكاة . فقالوا لهم : ~~إنكم لما أتيتمونا في عدد قليل وسعكم فضلنا . والآن فضعفاؤنا فيهم كثرة ، ~~وقد آثرناكم سنين . وما هذه حالة من يطلب PageV24P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" الزكاة بالسلاح والخيل . وإنما أنتم قوم ~~محتالون ولو أعطيناكم أموالنا بأسرها ما عمتكم . وخرج إليهم صاحبها في عسكر ~~كبير فحاربوه . وطالت الحرب بينهم . ثم ساروا إلى قول ، وهو جبل قريب من ~~الصحراء فاجتمع إليهم ms5599 من كزولة خلق كثير . ورجعوا إلى سجلماسة ، واستولوا ~~عليها بعد حروب . وقتل مسعود بن ورو . واستخلف أبو بكر عليها يوسف بن ~~تاشفين اللمتوني من بني عمه الأقربين ورجع إلى الصحراء . وكان فتحها في سنة ~~ثلاث وخمسين وأربعمائة . قال : ولما ولي يوسف بن تاشفين أحسن إلى الرعية ~~واقتصر منهم على الزكاة . قال : وأقام أبو بكر بالصحراء مدة ثم عاد إلى ~~سجلماسة فأقام بها سنة ، والخطبة والدعاء والأمر والنهي له . ثم استخلف على ~~سجلماسة ابن أخيه أبا بكر بن إبراهيم بن عمر . وجهز يوسف بن تاشفين وجيشا ~~من المرابطين إلى السوس ففتح له وعلى يديه . وتوفي أبو بكر في سنة اثنتين ~~وستين وأربعمائة بالصحراء . ذكر ولاية يوسف بن تاشفين قال : ولما توفي أمير ~~المسلمين أبو بكر بن عمر ، اجتمعت طوائف المرابطين على يوسف بن تاشفين ، ~~وولوه أمرهم ، وسموه أمير المسلمين . وكانت الدولة حينئذ في بلاد المغرب ~~لزناتة الذين ثاروا في أيام الفتن . وهي دولة رديئة مختلة سيئة السيرة ~~مذمومة الطريقة . وكان يوسف ومن معه على نهج السنة واتباع أثمة الشريعة ~~فاستغات به أهل بلاد المغرب ، فافتتحها شرقا وغربا بأيسر سعي . وأحبته ~~الرعية وصلحت أحوالهم . ذكر بناء مدينة مراكش قال : ثم قصد أمير المسلمين ~~موضع مدينة مراكش ، وهو قاع صفصف لا عمارة فيه ، وهو سقع متوسط في مملكة ~~بلاد المغرب كالقيروان في بلاد إفريقية ، تحت جبال المصامدة الذين هم أشد ~~أهل المغرب قوة وأمنعهم معقلا . فاختط المدينة هناك لتقوى على تدويخ أهلتك ~~البلاد . واتخذها دار ملكه ، ومقر سكنه . فلم PageV24P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" يعانده أحد من أهل تلك النواحي لهيبته في ~~نفوسهم وعظم ذكره بالمغرب . وملك المدائن المتصلة بالبحر مثل سبتة وسلا ~~وطنجة وغيرها . وكثرت أمواله وجنوده . وخرج إليه جماعة لمتونة وكثير من ~~القبائل . وضيق لثامه هو وجماعته . ذكر ما قيل في سبب لثام المرابطين قيل : ~~إنهم كانوا في الصحراء يتلثمون لشدة الحر والبرد كما يفعل العرب في البرية ~~، والغالب على ألوانهم السمرة . فلما ملكوا البلاد ضيقوا ذلك اللثام . وقيل ~~: إن طائفة منهم من ms5600 لمتونة في الصحراء خرجوا للإغارة على عدوهم . فخالفهم ~~العدو إلى بيوتهم ، ولم يكن بها إلا الصبيان والمشايخ والنساء . فلما تحقق ~~المشايخ أنه العدو أمروا النساء أن يلبسن ثياب رجالهن ، ويعممن بالعمائم ، ~~ويسترن وجوههن باللثام ، وأن يضيقنه حتى لا يعرفن . ففعلن ذلك ولبسن السلاح ~~. وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن واستدرن هن بالبيوت . فلما أشرف العدو رأى ~~جمعا عظيما هاله وقال : هؤلاء حول حريمهم يقاتلون عليه قتال نخوة وقد ~~ترجلوا للموت . والرأي أن نسوق النعم ونمضي . فإن تبعونا قاتلناهم خارج ~~البيوت . فبينما هم في جمع النعم من مراعيها إذ أقبل رجال الحي ، فصار ~~العدو بينهم ، فقتلوا شر قتلة ولم يسلم منهم إلا القليل . وقتل النساء منهم ~~أكثر مما قتل الرجال . فاستنوا اللثام من ذلك الوقت . فلا يزيلونه ليلا ولا ~~نهارا حتى إن الرجل لا يأكل ولا يشرب مع أهل إلا من تحت اللثام والمقتول ~~منهم في المعركة لا يعرفه أصحابه بوجهه بل بلثامه . قال ابن شداد : ومما ~~رأيت أنه كان لي صديق منهم بدمشق فأتيت يوما إلى زيارته . فدخلت إليه وقد ~~غسل عمامته ، وسراويله مشدودة على رأسه ، وقد تلثم بخلخاله . هذا بعد أن ~~انقضت دولتهم ، وتفرقت جملتهم ، وتغربوا في البلاد . قال : ولقد حكى لي من ~~أثق به أنه رأى شيخا من الملثمين بالمغرب بعد انقضاء الدولة ، منزويا في ~~ضفة نهر ، يغسل خلقانه وهو عريان ، وعورته بارزة ، ويده اليمنى يغسل بها ~~والأخرى يستر بها وجهه . فقال له : استر عورتك بيدك . فقال : أنا ملثم بها ~~. PageV24P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" وقال بعض الشعراء في اللثام : قوم لهم درك ~~العلى في حمير . . . وإذا انتموا صنهاجة فهم هم لما حووا إحراز كل فضيلة . ~~. . غلب الحياء حليهم فتلثموا وقال آخر : إذا التصموا بالريط خلت وجوههم . ~~. . أزاهر تبدو من فتوق الكمائم أو التأموا بالسابرية أبرزوا . . . عيون ~~الأفاعي من جلود الأراقم نرجع إلى أخبار يوسف بن تاشفين قال : واستقامت له ~~الأمور . وتزوج زينب بنت إبراهيم زوجة أبي بكر بن عمر ، وكانت حظية عنده ، ~~وأميرة عليه . وكذلك جميع الملثمين ينقادون لأمور نسائهم ، ولا ms5601 يسمون الرجل ~~إلا بأمه فيقولون : ابن فلانة ، ولا يقولون : ابن فلان . وكانت زينب لها ~~عزم وحزم . حكى عنها أن زرهون - ويعرف بابن خلوف - وكان له أدب ، فبلغ زينب ~~أنه مدح حواء امرأة سير بن أبي بكر وفضلها على سائر النساء بالجمال والكمال ~~. فأمرت بعزله عن القضاء . فوصل إلى أغمات واستأذن عليها . فدخل البواب ~~وأعلمها به ، فقالت : قل له : امض إلي التي مدحتها تردك إلى القضاء . فبقي ~~بالباب أياما حتى نفدت نفقته . فأتى إلى خادمها فقال له : إن مولاتك صرفتني ~~ونقمت على مدحي لامرأة سير . ولو علمت أن ذلك يغضبها ما قلته . وقد نفدت ~~نفقتي ، وأردت بيع هذا المهر ، وعز على أن يصير في يد من لا يستحقه ، وأنا ~~أحب أن تعطيني مثقالين أتزود بهما إلى أهلي . وخذ المهر فأنت أحق به . فسر ~~الخادم وأعطاه مثقالين وأخذ المهر . ودخل على مولاته زينب وهو فرحان . ~~فقالت له : ما شأنك ؟ فأخبرها الخبر . فرقت للقاضي وندمت على ما فعلت به . ~~وقالت : اذهب فأتني به الساعة . فأحضره إليها . فقالت له : تمدح زوجة سير ~~وتفضلها على PageV24P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" سائر النساء ، وخرجت في وصفك لها عن الحد ، ~~وزعمت أن ليس في الأرض أجمل منها ، وما هذه منزلة القضاء ولا يليق بك أن ~~تنزل نفسك في هذه المنزلة . فقال ارتجالا : أنت بالشمس لا حقه . . . وهي ~~بالأرض لاصقه فمتى ما مدحتها . . . فهي من سير طالقه فقالت له : يا قاضي ، ~~طلقتها منه ؟ قال : نعم ، ثلاثة وثلاثة وثلاثة . فضحكت حتى اتضحت وقالت له ~~: والله ، لا شم لها قفا أبدا . وكتبت إلى يوسف برده إلى القضاء ، فرده . ~~ذكر استيلائه على مدينة غرناطة من جزيرة الأندلس كان سبب ذلك ما قدمناه في ~~أخبار الدولة العبادية أن المعتمد بن عباد لما وقع بينه وبين الأدفونش ~~عساكره ؛ استنجد ابن عباد بأمير المسلمين يوسف بن تاشفين . فدخل بعساكره ~~إلى جزيرة الأندلس ، واجتمع بالمعتمد بن عباد ، وتوجها جميعا لقتال الفرنج ~~. وكانت وقعة الزلافة لات انهزم فيها الأدفونش وقتل عامة عسكره على ما ~~قدمناه مبينا في أخبار ms5602 المعتمد بن عباد . وذلك في العشر الأول من شهر رمضان ~~سنة تسع وسبعين وأربعمائة . ورجع أمير المسلمين إلى مراكش فأقام بها إلى ~~العام الآتي . ثم دخل إلى الأندلس . وخرج إليه محمد بن عباد من إشبيلية في ~~عسكره . وأتى عبد الله بن بلكين صاحب أغرناطة في عسكره . وساروا حتى نزلوا ~~على ليطة ، وهو حصن منيع كان فيه النصارى فحاربوه أياما فلم يطيقوا فتحه ، ~~فرحلوا عنه بعد مدة . ورجع المعتمد إلى إشبيلية . وكان طريق يوسف بن تاشفين ~~على مدينة أغرناطة . فدخل عبد الله بن بلكين إليها ليخرج إلى يوسف الوظائف ~~. فغدر به يوسف ودخل أغر ناطة وأخرجه منها واستولى عليها . ودخل قصر عبد ~~الله فوجد فيه من الأموال والذخائر ما لم يحوه ملك من ملوك الأندلس . ومما ~~وجد فيه سبحة فيها أربعمائة PageV24P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" جوهرة ، قومت كل جوهرة بمائة مثقال ؛ ومن ~~أنواع الجواهر واليواقيت والزمرج ما لا تحصى قيمته ؛ من العين ألف ألف ~~دينار ؛ ومن فاخر الثياب وأواني الذهب والفضة ما لا تعرف له قيمة . وأخرج ~~منها تميم بن بلكين أخا عبد الله ، وسار بهما إلى مراكش . وذلك في سنة ~~ثمانين وأربعمائة . ورجع أمير المسلمين إلى مراكش فأطاعه من كان لم يطعه من ~~بلاد السوس وورغة وقلعة مهدي . ذكر ملك أمير المسلمين جزيرة الأندلس وفي ~~سنة أربع وثمانين وأربعمائة ، ملك من جزيرة الأندلس ما كان بقي بيد ~~المسلمين بها ، وهي قرطبة وإشبيلية والمرية وبطليوس . وذلك أنه سار في هذه ~~السنة من مراكش إلى سبتة . وأدخل العساك مع سير بن أبي بكر إلى الأندلس وحش ~~خلقا كثيرا ، وأمره بمحاصرة إشبيلية . فحاصرها وفتحها في يوم الأحد لتسع ~~بقين من شهر رجب من هذه السنة . رأس المعتمد بن عباد ونقله إلى أغمات فحبسه ~~بها حتى مات ، على ما قدمناه مبينا في أخبار ابن عباد . قال : ثم خرج سير ~~من إشبيلية إلى مدينة المرية فنزل عليها . وكان واليها محمد بن معن بن ~~صمادح فقال لولده : ما دام المعتمد بن عباد بإشبيلية فلسنا نساءل عنه . ~~فأتاه ms5603 الخبر بفتح إشبيلية وأسر ابن عباد فمات غما . فخرج ولده بإخوته وأهله ~~في مركب حربي شحنه بأمواله . وأقلع إلى الجزائر والتحق ببني حماد ، فأحسنوا ~~إليه وأسكنوه مدينة تدلس . قال : وكان أبو محمد عمر بن محمد بن عبد الله بن ~~مسلمة المعروف بابن الأفطس صاحب بطليوس ممن أعان المعتمد ، فلما سمع ~~بإشبيلية رجع إلى بلده . فسار إليه سير بن أبي بكر فحاربه وغلبه . وأتي به ~~وبولده الفضل أسيرين ، فأمر سير بضرب أعناقهما . فقال : قدموا وليدي قبلي ~~للقتل ليكون في صحيفتي فقتل قبله ثم قتل هو بعده . قال : ولم يترك سير من ~~ممالك الأندلس وملوكهم سوى بني هود . فإنه لم PageV24P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" يقصد بلادهم وهي شرقي الأندلس . وصاحبها ~~يومئذ المستعين بالله " بن " هود ، وهو من الشجعان الذين يضرب بهم المثل . ~~وكان قد حصل عنده من آلات الحصار والأقوات ما يكفيه عدة سنين بمدينة روطة ، ~~وكانت قلعة حصينة . وكان يهادن أمير المسلمين قبل ملكه الأندلس ويكثر ~~مراسلته . فرعى له ذلك حتى أنه أوصى ابنه على ابن يوسف عند موته بترك ~~التعرض إلى بلاد " بني " هود . وقال " اتركهم بينك وبين العدو فإنهم شجعان ~~" . قال : وتتابعت الفتوح على أمير المسلمين حتى احتوى على جميع بلاد ~~الأندلس التي كانت للمسلمين وما والاها من البلاد في البر الكبير ، من جميع ~~بلاد السوس والجبال والصحار . وفتح في بلاد الفرنج فتوحا كثيرا . ذكر حيلة ~~لأمير المسلمين ظهرت ظهورا عجيبا قال ، كان بالمغرب إنسان اسمه محمد بن ~~إبراهيم الكزولي سيد قبيلة كزولة ، ملك جبلها ، وهو جبل شامخ منيف ، وهي ~~قبيلة كبيرة وكان بينه وبين يوسف بن تاشفين مودة واجتماع . فلما كان في سنة ~~اثنتين وثمانين وأربعمائة ، أرسل يوسف إليه يطلب الاجتماع به . فركب حتى ~~قاربه . ثم رجع وخافه على نفسه . فكتب إليه أمير المسلمين يحلف أنه ما أراد ~~به سوءا ولا قصد إلا خيرا . فلم يرجع لذلك . فدعا يوسف حجاما وأعطاه مائة ~~دينار وضمن له مثلها إن سار إلى محمد بن إبراهيم وتحيل في قتله . فسار ~~الحجام ومعه مشاريط ms5604 مسمومة فصعد الجبل . وجعل ينادي بالقرب من مساكن محمد . ~~فسمعه فقال : " هذا الحجام من بلدنا ؟ " فقيل : " إنه غريب " . فقال : " ~~أراه يكثر الصياح ، وقد ارتبت منه " . فأحضره عنده . واستدعى حجاما غيره ~~وأمره أن يحجمه بمشاريطه التي معه . فامتنع الحجام الغريب . فأمسك وحجم بها ~~، فمات . فلما بلغ ذلك يوسف ازداد غيظا وحنقا ، ولج في السعي في أذى يوصله ~~إلى الكزولي . فاستمال قوما من أصحابه فمالوا إليه . فأرسل إليهم جرارا من ~~عسل مسموم . فحضروا عند محمد وقالوا : " قد وصل إليها قوم معهم جرار من عسل ~~، وأردنا إتحافك به " . وأضروها بين يديه . فلما قدمت له أمر بإحضار خبز ، ~~وأمر أولئك القوم الذين PageV24P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" أحضروا العسل أن يأكلوا منه فامتنعوا واستعفو ~~من الأكل . فقال : من لم يأكل منه قتل بالسيف . فأكلوا فماتوا عن آخرهم . ~~فكتب إلى أمير المسلمين : " إنك قد أردت قتلي بكل سبب فلم يظفرك الله ، ~~وكشف لي عن سريرتك . وقد أعطاك الله المغرب بأسره ، ولم يعطني إلا هذا ~~الجبل . وهو في بلادك كالشامة البيضاء في الثور الأسود . فلم تقنع بما ~~أعطاك الله عز وجل . فكف أمير المسلمين عنه . ذكر ولاية أمير المسلمين من ~~قبل الخليفة أمير المؤمنين المستظهر بالله قال : كان الفقهاء بالأندلس ~~قالوا لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين : " إنه لا تجب طاعتك على المسلمين ~~حتى يكون لك عهد من الخليفة " فأرسل قوما من أهله إلى بغداد بهدية نفيسة ، ~~وكتاب يذكر فيه ما فعل بالفرنج ، وما قصده من نصرة الدين والجهاد في سبيل ~~الله . فجاءه رسول من أمير المؤمنين أبي العباس أحمد المستظهر بالله بهدية ~~وكتاب وتقليد وخلع . ودام ملك أمير المسلمين إلى سنة خمسمائة فتوفى فيها . ~~فكانت مدة ولايته ثماني وثلاثين سنة تقريبا . وكان دينا حازما سئوسا ذا ~~دهاء ، إلا أنه أبان عن لؤم لما اعتقل المعتمد بن عباد بإغمات ، فإنه لم ~~يجر عليه ما يقوم به حتى كانت بناته يغزلن بالأجرة للناس وينفقن عليهن ~~وعليه . ولما مات يوسف ولي بعده ابنه . ذكر ولاية علي بن يوسف بن تاشفين ~~كانت ms5605 ولايته بعد وفاة أبيه في سنة خمسمائة . وكان أبوه قد عقد له الأمر ~~بعده في سنة تسع وتسعين وأربعمائة فاستقل بالأمر بعده وتلقب بأمير المسلمين ~~. وكان يقتدي في القضايا والأحكام بفقهاء بلاده ، ويقربهم ويكرمهم . وإذا ~~أتته نصيحة قبلها أو موعظة خشع لها . وسار في رعيته أحسن سيرة ، فأحبه ~~الناس واشتملوا عليه ومالوا إليه . ولاية علي بن يوسف بن تاشفين كانت ~~ولايته بعد وفاة أبيه في سنة خمسمائة . وكان أبوه قد عقد له الأمر بعجه في ~~سنة تسع وتسعين وأربعمائة فاستقل بالأمر بعده وتلقب بأمير المسلمين . وكان ~~يقتدي في القضايا والأحكام بفقهاء بلاده ، ويقربهم ويكرمهم . وإذا أتته ~~نصيحة قبلها أو موعظة خشع لها . وسار في رعيته أحسن سيرة ، فأحبه الناس ~~واشتملوا عليه ومالوا إليه . ذكر محاربة الفرنج خذلهم الله تعالى وانهزامهم ~~وفي سنة خمس وخمسمائة ، خرج ملك الفرنج صاحب طليطلة إلى بلاد الإسلام وجمع ~~وحشد . وكان قد قوي طمعه في البلاد لما مات يوسف بن تاشفين . PageV24P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" فخرج أمير المسلمين علي لحربه ، ولقيه ~~واقتتلوا قتالا شديدا . وكان الظفر للمسلمين ، وانهزم الفرنج أقبح هزيمة ، ~~وقتلوا قتلا ذريعا ، وأسر منهم أسرى كثيرة ، وسبي ، وغنم من أموالهم ما ~~يخرج عن الإحصار . فخافه الفرنج بعد لك . وامتنعوا من قصد بلاده وذل ~~الأدفونش . ذكر الفتنة بقرطبة وفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة ، وقيل : أربع ~~عشرة ، كانت فتنة عظيمة بين عسكر أمير المسلمين علي بن يوسف وبين أهل قرطبة ~~وسببها أنه كان قد استعمل عليها أبا بكر يحيى بن داود . فلما كان يوم عيد ~~الأضحى ، خرج الناس متفرجين . فمد عبد من عبيد أبي بكر يده إلى امرأة ~~ومسكها . فاستغاثت بالمسلمين فأعانوها . فوقع بين العبيد وأهل البلد فتنة ~~عظيمة . ودامت جميع النهار إلى الليل وتفرقوا . واجتمع الفقهاء والأعيان ~~إلى أبي بكر وقالوا له : " المصلحة أن تقتل واحدا من العمد الذين أثاروا ~~الفتنة " . فأنكر ذلك وغضب منه . وأصبح من الغد وأظهر السلاح والعدد وأراد ~~قتال أهل البلد فركب الفقهاء والأعيان والشباب ، وقاتلوه فهزموه . وتحصن ~~منهم بالقصر ، فحضروه ونصبوا ms5606 السلاليم وصعدوا إليه . فهرب من البلد بعد ~~مشقة وتعب . فنهبوا القصر وأحرقوا جميع دور المرابطين ونهبوا أموالهم . ~~وأخرجوهم من البلد على أقبح صورة . واتصل الخبر بأمير المسلمين فأكبر ذلك ~~واستعظمه . وجمع العساكر من صنهاجة وزناتة والبربر وغيرهم . وجاء إلى قرطبة ~~في سنة خمس عشرة وخمسمائة وحصرها . فقاتلهم أهلها قتلا من يذب عن نفسه ~~وماله وحريمه . فلما رأى شدة قتالهم دخل السفراء بينهم وسعوا في الصلح . ~~فأجاب إلى ذلك على أن يغرم أهل قرطبة للمرابطين ما نهبوه من أموالهم . ~~فاستقرت القاعدة على ذلك ، وعاد عن قتالهم . وفي أيام علي بن يوسف ، ظهر ~~المهدي محمد بن تومرت وعبد المؤمن بن علي ، فضعف أمر الملثمين . وكان بينهم ~~من الحروب ما نذكره في أخبار الموحدين . وكانت وفاة علي بمراكش في سنة خمس ~~وثلاثين وخمسمائة . فكانت مدة ولايته خمسا وثلاثين سنة . PageV24P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" ذكر ولاية تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين ~~كان أبوه قد ولاه العهد وأخرجه لحرب عبد المؤمن . فما زال يحاربه والغلبة ~~والظفر لعبد المؤمن إلى أن توفي والده علي بن يوسف . فاستقل بالأمر بعده ~~ولازم حرب عساكر عبد المؤمن إلى أن مات في ليلة السابع والعشرين من شهر ~~رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة . اسحاق بن علي وولي بعده أخوه إسحاق بن ~~علي فضعف أمر دولتهم ، واستولى عبد المؤمن على البلاد وملكها بلدا بلدا ، ~~إلى أن حاصر عبد المؤمن مراكش وملكها في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة ، فقتله ~~عبد المؤمن صبرا . وانقرضت دولة الملثمين . وكانت مدة ولايتهم من حين خرجوا ~~من البرية في سنة خمسين وأربعمائة إلى أن قتل إسحاق إحدى وتسعين سنة . وعدة ~~من ملك منهم خمسة ملوك ، وهم أبو بكر بن عمر ، ثم يوسف بن تاشفين ، ثم ابنه ~~علي بن يوسف ، ثم ابنه تاشفين بن علي ، ثم إسحاق بن علي . وعليه انقرضت ~~الدولة . وسنورد في أخبار الموحدين طرفا من أخبارهم وحروبهم ، إن شاء الله ~~تعالى . ذكر ابتداء دولة الموحدين وأخبارهم وسبب ظهورهم أول من ظهر من ملوك ~~هذه الدولة ، وأسس ms5607 قواعدها ، وقام بأعبائها وأنشأها ، المهدي محمد بن تومرت ~~. وكانت ابتداء أمره وظهوره في سنة أربع عشرة وخمسمائة . وسنذكر ابتداء ~~حاله وكيف تنقلت به الحال وما كان منه ، إن شاء الله تعالى . ذكر أخبار ~~المهدي محمد بن تومرت هو أبو عبد الله محمد بن تومرت الحسني ، وقبيلته من ~~المصامدة تعرف بهرغة في جبل السوس ، نزلوا به لما فتحه المسلمون مع موسى بن ~~نصير . وكان ابتداء أمر المهدي أنه رحل في شبيبته إلى بلاد المشرق في طلب ~~العلم . وكان فقيها فاضلا محدثا ، عارفا بأصولي الدين والفقه ، محققا لعلم ~~العربية ، وكان ورعا ناسكا . ووصل PageV24P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" في سفره إلى العراق . واجتمع بالغزالي والكيا ~~الهراسي ، وقيل : لم يجتمع بالغزالي . واجتمع بأبي بكر الطرطوشي ~~بالإسكندرية . وحج ورجع إلى المغرب . قال : ولما ركب البحر من الإسكندرية ~~مغربا غير المنكرات في المركب . وألزم من فيه بإقامة الصلاة وقراءة القرآن ~~حتى انتهوا إلى المهدية ، وسلطانها حينئذ يحيى بن تميم بن المعز بن باديس ، ~~وذلك في سنة خمس وخمسمائة . فنزل بمسجد وليس معه سوى ركوة وعصا . فتسامع به ~~أهل البلد فقصدوه يقرئون عليه أنواع العلوم . فكان إذا مر به المنكر أزاله ~~وغيره . فلما كثر ذلك منه ، أحضره الأمير يحيى مع جماعة من الفقهاء . ~~فأعجبه سمته وكلامه فاحترمه وسأله الدعاء . ثم رحل من المهدية وأقام ~~بالمنستير مع جماعة من الصالحين مدة . وسار إلى بجاية وفعل مثل ذلك . فأخرج ~~منها إلى قرية بالقرب منها اسمها ملالة ، فلقيه بها عبد المؤمن . فرأى منه ~~من النجابة والنهضة ما تفرس فيه التقدم والقيام بالأمر . فسأله عن اسمه ~~وقبيلته . فأخبره أنه من قيس عيلان ثم من بني سليم فقال محمد بن تومرت : ~~هذا الذي بشر به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين قال : إن الله لينصر ~~هذا الدين في آخر الزمان برجل من قيس . فقيل : من أي قيس ؟ فقال : من بني ~~سليم . واستبشر بعبد المؤمن وسر بلقائه . وكان مولد عبد المؤمن بمدينة ~~تاجرة من أعمال تلمسان ، وهو من بني عائد قبيلة من كومة ms5608 نزلوا بذلك الإقليم ~~في ثمانين ومائة . PageV24P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" قال : ولم يزل المهدي يلازم الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر إلى أن وصل إلى مراكش ، وهي دار مملكة علي بن يوسف ابن ~~تاشفين . فرأى فيها من المكرات أكثر مما عيانه في طريقه . فزاد أمره ~~بالمعروف ونهيه عن المنكر أتباعه وحسنت ظنون الناس فيه . فبينما هو في بعض ~~الأيام في طريقة ، إذ رأى أخت أمير المسلمين في موكبها ومعها عدة من ~~الجواري الحسان ، وهو مسفرات . وكانت هذه من عادتهم . فحين رأى النساء كذلك ~~أنكر عليهن وأمرهن بستر وجوههن . وضرب هو وأصحابه دوابهن . فسقطت أخت أمير ~~المسلمين عن دابتها . فرفع أمره إلى أمير المسلمين علي بن يوسف . فأحضره ~~الفقهاء لمناظرته ، فأخذ يعظه ويذكره ويخوفه ، فبكى أمير المسلمين . وأمر ~~أن يناظروه لم يكن فيهم من يقوم له لقوة أدلته . وكان عند أمير المسلمين ~~رجل من وزرائه اسمه مالك بن وهيب فقال له : " يا أمير المسلمين إن هذا ~~والله لا يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المكر ، إنما هو يريد إثارة فتنة ~~والغلبة على بعض النواحي ، فاقتله وقلدني دمه " . فلم يفعل ذلك فقال : إذا ~~لم تقتله فاحبسه وخلده في السجن وإلا أثار شرا لا يمكن تلافيه . فأراد حبسه ~~فمنعه من ذلك رجل من أكابر الملثمين يسمى بنيان بن عمران . فأمر بإخراجه من ~~مراكش . فسار إلى أغمات ولحق بالجبل . وسار منه حتى التحق بالسوس الذي فيه ~~قبيلته هرغة وغيرهم من المصامدة ، وذلك في سنة أربع عشرة وخمسمائة . فأتوه ~~واجتمعوا حوله . وتسامع به أهل تلك النواحي فوفدوا إليه ، وحضر أعيانهم بين ~~يديه . فجعل يعظهم ، ويذكرهم شعائر الإسلام وما غير منها وما حدث من الظلم ~~والفساد ، وأنه لا تجب طاعة دولة من هذه الدول لاتباعهم الباطل بل الواجب ~~قتالهم ومنعهم مما هم عليه . فأقام على ذلك نحو سنة . وتابعته قبيلة هرغة . ~~وسمى أتباعه الموحدين . وأعلمهم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بشر ~~بالمهدي الذي يملأ الأرض عدلا ، وأن مكانه الذي يخرج منه المغرب الأقصى . ~~فقام إليه عشرة رجال منهم ms5609 عبد المؤمن فقالوا : لا يوجد هذا إلا فيك ، وأنت ~~المهدي . وبايعوه على ذلك . فانتهى خبره إلى أمير المسلمين فجهز جيشا من ~~أصحابه لقتاله . فلما قربوا من الجبل الذي هو فيه قال لأصحابه : إن هؤلاء ~~يريدونني وأخاف عليكم منهم . والرأي أن أخرج إلى غير هذه البلاد لتسلموا ~~أنتم . فقال له ابن توفيان من مشايخ هرغة : هل تخاف شيئا من السماء ؟ فقال ~~: بل من السماء تنصرون . فقال ابن توفيان : فليأتنا كل من في الأرض . ~~ووافقته جميع قبيلته . فقال المهدي عند ذلك : " أبشروا بالنصر والظفر ~~PageV24P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" بهذه الشرذمة . وبعد قليل تستأصلون دولتهم ~~وترثون أرضهم . فنزلوا من الجبل ولقوا جيش أمير المسلمين ، فهزموهم وأخذوا ~~أسلابهم . وقوي ظنهم بصدق المهدي حيث ظفروا كما أخبرهم . فأقبلت إليه أفواج ~~القبائل من الجبال التي حوله شرقا وغربا فأقبل عليهم واطمأن إليهم ، وأتته ~~رسل أهل تينمل بطاعتهم وطلبوه إليهم . فتوجه إلى جبل تينمل وأقام به ~~واستوطنه . وبايعته قبيلة هنتاتة ، وهي من أقوى القبائل . وألف كتابا في ~~التوحيد ، وكتابا في العقيدة . ونج لمن معه طريق الأدب مع بعضهم بعضا ، ~~والاقتصار على لباس الثياب القليلة الثمن . وهو ففي خلال ذلك يحرضهم على ~~قتلا عدوهم ، وإخراج الأشرار من بين أظهرهم . وبني له مسجدا بينمل خارج ~~المدينة ، فكان يصلي فيه الصلوات الخمس هو وجميع من معه ، ويدخل البلد بعد ~~العشاء الآخرة . فلما رأى كثرة أهل البلد وحصانة المدينة ، خاف أن ~~يرجعواعنه . فأمرهم أن يحضروا عنده بغير سلاح . ففعلوا ذلك عدة أيام . ثم ~~أمر أصحابه أن يقتلوهم ، فقتلوهم في ذلك المسجد . ثمدخل المدينة فقتل فيها ~~وأكثر ، وسبيالحريم ، ونهي الأموال . فكانت عدة القتلى خمسة عشر ألفا . ~~وقسم المساكن والأرض بين أصحابه . وبني على المدينة سورا وقلعة على رأس جبل ~~تينمل ، وهو جبل عال فيه أشجار وزرع وأنهار جارية ، والطريق إليه صعب . ~~وقيل : إنه لما خاف أهل تينمل ، نظر إلى أولادهم فرآهم شقرا زرقا ، والذي ~~يغلب على الآباء السمرة ، فقال لهم : مالي أراكم سمر الألوان وأولادكم شقرا ~~زرقا ؟ فقالوا : " إن لأمير المسلمين عدة من ms5610 المماليك الفرنج والروم ، ~~وإنهم يصعدون إلى هذا الجبل في كل عام مرة ، يأخذون مالهم فيه من الأموال ~~المقررة من جهة السلطان ، فسيكنون البيوت ، ويخرجون أصحابها منها فقبح ~~الصبر على هذا وأزري عليهم وعظم الأمر عندهم . فقالوا له : فكيف الحيلة في ~~الخلاف منهم ، وليس لنا بهم قوة ؟ فقال : إذا حضروا عندكم في الوقت المعتاد ~~وتفرقوا في مساكنكم ، فليقم كل رجل إلى نزيله فيقتله ، واحفظوا جبلكم فإنه ~~الإسلام لا يرام ، ففعلوا ذلك عند مجيء مماليك أمير المسلمين إليهم ثم ~~خافوا على نفوسهم فامتنعوا في الجبل وسدوا ما فيه من طريق يسلك إليهم منه . ~~PageV24P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" فقويت عند ذلك نفس المهدي ثم أرسل أمير ~~المسلمين جيشا كثيفا . فحصرهم في الجبل وضيق عليهم ومنع عنهم الميرة . فقلت ~~الأقوات عند أصحابه ، فكان يطبخ لهم الحساء في كل يوم ، وجعل قوت الرجل ~~منهم أن يغمس يده في ذلك الحساء ويخرجها ، فما علق عليها فهو قوته في ذلك ~~اليوم . فاجتمع أهل تينمل وأرادوا إصلاح حالهم مع أمير المسلمين فبلغه ذلك ~~فأعمل من الحيلة عليهم ما نذكره . ذكر خبر أبي عبد الله الونشريسي قال : ~~كان مع المهدي إنسان يقال له أبو عبد الله الونشريسي ، وهو يظهر الوله وعدم ~~المعرفة بشيء من العلم والقرآن ، وبصاقه يجري على صدره ، وهو كالمعتوه ، ~~والمهدي يقربه ويكرمه ويقول : إن لله سرا في هذا الرجل سوف يظهر . هذا ~~والونشريسي يشتغل بالقرآن والعلم في السر بحيث لا يعلم به أحد . فلما كان ~~في سنة تسع عشرة وخمسمائة ، خاف المهدي من أهل الجبل . فخرج يوما لصلاة ~~الصبح ، فرأى إلى جانب محرابه إنسانا طيب الرائحة ، فأظهر أنه لا يعرفه ~~وقال : من هذا ؟ قال : أنا أبو عبد الله الونشريسي . فقال له المهدي : إن ~~أمرك لعجيب . ثم صلى . فلما فرغ من صلاته نادى في الجبل . فاجتمع الناس ~~وحضروا إليه . فقال لهم : إن هذا الرجل يزعم أنه الونشريسي ، فانظروه ~~وحققوا أمره . فلما أضاء النهار عرفوه . فقال له المهدي : ما قصتك ؟ قال : ~~" إنني أتاني الليلة ملك من السماء ، فغسل قلبي ms5611 ، وعلمني القرآن والموطأ ~~وغيره من العلوم والأحاديث " . فبكى المهدي بحضرة الناس ثم قال : نمتحنك ؟ ~~فقال : افعل . وابتدأ بقراءة القرآن فقرأه قراءة حسنة من أي موضع سئل . ~~وكذلك الموطأ وغيره وكتب الفقه والعلوم والأصول . فعجب الناس من ذلك ~~واستعظموه . ثم قال : إن الله قد أعطاني نورا أعرف به أهل الجنة من أهل ~~النار ، وآمركم أن تقتلوا أهل النار وتتركوا أهل الجنة . قد أنزل الله ~~تعالى ملائكة إلى البئر الفلانية يشهدون بصدقي . فسار المهدي والناس معه ~~وهم يبكون إلى تلك البئر . ووقف عند رأسها وصلى وقال : يا ملائكة الله ، إن ~~أبا عبد الله قد زعم كيت وكيت . فسمع من أسفل البئر : صدق ، صدق وكان قد ~~رتب بها رجالا يفعلون ذلك . فلما تكلموا قال المهدي : إن هذه البئر بئر ~~مطهرة مقدسة قد نزل إليها الملائكة ، والمصلحة أن تطم لئلا يقع فيها نجاسة ~~. فألقوا فيها من الحجارة والتراب ما طمها . PageV24P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" ثم نادى في الجبل بالحضور للتمييز ومعناه ~~العرض . فكان الونشريسي يعمد إلى الرجل الذي تخاف ناحيته فيقول : هذا من ~~أهل النار . فيلقى من الجبل ، وإلى الشاب الغر ومن لا يخشاه فيقول : هذا من ~~أهل الجنة . فيترك عن يمينه . فكانت عدة القتلى سبعين ألفا . فلما فرغ من ~~ذلك أمن على نفسه . هذا هو المشهور عنه في التمييز . وقيل إن ابن تومرت لما ~~رأى كثرة أهل الشر والفساد في الجبل أحضر شيوخ القبائل وقال لهم : إنكم لا ~~يصلح لكم دين ولا تقوى إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإخراج ~~المفسدين من بينكم ، فابحثوا عن كل من عندكم من أهل الشر والفساد فانهوهم ، ~~فإن انتهوا وإلا فأثبتوا أسماءهم وارفعوها إلي لأنظر في أمرهم . ففعلوا ذلك ~~وكتبوا له أسماء المفسدين من كل قبيلة . ثم أمرهم بذلك مرة ثانية وثالثة . ~~ثم جمع أوارقهم وأخذ منها ما تكرر من الأسماء وأثبته عنده . ودفع ذلك إلى ~~الونشريسي المعروف بالبشير . وأمره أن يعرض القبائل ، وأن يجعل أولئك من ~~جهة الشمال ، ومن عداهم في جهة اليمين ، ففعل ذلك . وأمر المهدي ms5612 أن يكتف من ~~على شمال الونشريسي فكتفوا . ثم قال : إن هؤلاء أشقياؤكم قد وجب قتلهم . ~~وأمر كل قبيلة بقتل أشقيائها فقتلوا عن آخرهم . قال : ولما فرغ من التمييز ~~رأى من بقي من أصحابه على نيات خالصة وقلوب متفقة على طاعته . فجهز جيشا ~~وسيرهم إلى جبال أغمات ، وبها جمع كبير من المرابطين . فقاتلوهم فانهزم ~~أصحاب ابن تومرت ، وكان أميرهم الونشريسي . وقتل كثير منهم . وجرح عمر ~~أنتات وهو الهنتاتي ، وكان من أكبر أصحاب المهدي وسكن حسه ونبضه . فقالوا : ~~مات . فقال الونشريسي : لم يمت ولا يموت حتى يملك البلاد . فبعد ساعة فتح ~~عينيه وعادت قوته إليه . فافتتنوا به ورجعوا إلى ابن تومرت فوعظهم وشكر ~~صبرهم . ثم لم يزل بعد ذلك يرسل السرايا في أطراف البلاد فإذا رأوا عسكرا ~~تعلقوا بالجبل فأمنوا على أنفسهم وعلا أمر المهدي فرتب أصحابه على طبقات . ~~ذكر ترتيب أصحاب المهدي قال : ورتب المهدي أصحابه مراتب . فالأولى آية عشرة ~~، يعني أهل عشرة ، وأولهم عبد المؤمن ، ثم أبو حفص عمرانتات وهو الهنتاتي ~~وغيرهما ، وهم أشرف أصحابه ، وأهل الثقة عنده ، والسابقون إلى مبايعته . ~~PageV24P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" والثانية آية خمسين ، وهم دون تلك الطبقة ، ~~وهم جماعة من رؤساء القبائل . والثالثة آية سبعين ، وهم دون الذين قبلهم في ~~الرتبة والسابقة . " وسمى " عامة أصحابه والداخلين في طاعته موحدين . ذكر ~~حصار مراكش ووقعة البحيرة ومقتل أبي عبد الله الونشريسي قال : وفي سنة أربع ~~وعشرين وخمسمائة ، جهز المهدي جيشا كثيفا يبلغون أربعين ألفا أكثرهم رجالة ~~. وجعل عليهم الونشريسي وسير معه عبد المؤمن . فساروا إلى مراكش وحصروها ~~وضيقوا على من بها ، وبها أمير المسلمين علي بن يوسف . فبقي الحصار عليها ~~عشرين يوما . فأرسل أمير المسلمين إلى متولي سجلماسة يأمره أن يحضر ومعه ~~الجيوش . فجمع جمعا كثيرا وسار . فلما قارب عسكر المهدي ، خرج أهل مراكش من ~~غير الجهة التي أقبل منها والتقوا واقتتلوا ، واشتد القتال ، وكثر القتل في ~~أصحاب المهدي . وقتل أميرهم الونشريسي . فولوا عبد المؤمن أمرهم ، وقدموه ~~عليهم . ودام القتال بينهم عامة النهار . وصلى عبد المؤمن صلاة الخوف ms5613 الظهر ~~والعصر والحرب قائمة . فلما رأى المصامدة كثرة المرابطين وقوتهم أسندوا ~~ظهورهم إلى بستان كبير يسمونه عندهم البحيرة . وصاروا يقاتلون من وجه واحد ~~إلى أن حجز بينهم الليل . قال : ولما قتل الونشريسي ، دفنه عبد المؤمن ~~لوقته سرا . فطلبه المصامدة فلم يروه في القتلى فقالوا : رفعته الملائكة . ~~قال : ولما جنهم الليل ، سار عبد المؤمن ومن سلم من القتل إلى الجبل . ~~وسميت هذه الوقعة بالبحيرة ، وعام البحيرة . ذكر وفاة المهدي محمد بن تومرت ~~كانت وفاته في سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، وذلك أنه مرض بعد إرسال الجيش ~~لحصار مراكش واشتد مرضه . وأتاه خبر الهزيمة وقتل الونشريسي ، فسأل عن عبد ~~المؤمن . فقيل : هو سالم . فقال : ما مات أحد ، والأمر قائم ، وهو الذي ~~يفتح كل البلاد . ووصي أصحابه بتقديمه ، واتباعه ، وتسليم الأمر إليه ، ~~والانقياد له . ولقبه PageV24P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" أمير المؤمنين ثم مات . وكان عمره إحدى ~~وخمسين سنة ، وقيل : مات وله خمس وخمسون سنة . ومدة ولايته عشر سنين . ذكر ~~ولاية عبد المؤمن بن علي كانت ولايته بعد وفاة المهدي محمد بن تومرت في سنة ~~أربع وعشرين وخمسمائة ، بوصية من المهدي كما ذكرناه وكان في الغزو فعاد إلى ~~تينمل وتسلم الأمر ، وتلقب بأمير المؤمنين على ما لقبه به المهدي قبل وفاته ~~. وأقام يتألف القلوب ويحسن إلى الناس إلى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة . ذكر ~~خروجه للغزو وما فتحه من البلاد ومن أطاعه من القبائل قال : وفي هذه السنة ~~ابتدأ عبد المؤمن بالغزو . وسار في جيش كثيف ، وجعل يمشي في الجبل إلى أن ~~وصل إلى تادلة . فمانعه أهلها وقاتلوه فهزمهم وفتحها . وتم منها إلى البلاد ~~التي تليها . ومشى في الجبال يفتح ما امتنع عليه . وأطاعه صنهاجة الجبل . ~~قال : فعند ذلك جعل أمير المسلمين علي بن يوسف ولده تاشفين بن علي ولي عهده ~~، وأحضره من الأندلس ، وكان أميرا عليها ، وندبه لقتال بد المؤمن ، وذلك في ~~سنة إحدى وثلاثين . فسار تاشفين لحربه ، فكان يمشي في الصحراء وعبد المؤمن ~~في الجبال . وفي سنة اثنتين وثلاثين ، كان عبد المؤمن بجيشه في النواظر ms5614 - ~~وهو جبل عال مشرف - وتاشفين في الوطأة ، ويخرج من الطائفتين قوم يتطاردون ~~ويترامون ، ولم يكن بينهم لقاء . وسمي هذا عام النواظر ، ويؤرخونه به . وفي ~~سنة ثلاث وثلاثين ، توجه عبد المؤمن مع الجبل في الشعراء حتى انتهى إلى جبل ~~كرانطة . فأقام به في أرض صلبة بين شجر ، وتاشفين قبالته في الوطأة في أرض ~~لينة لا نبات بها . وكان الفصل شتاء ، فتوالت الأمطار أياما كثيرة . فصار ~~PageV24P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" الموضع الذي فيه تاشفين وعسكره كالسباخ لا ~~يستطيع الماشي أن ينقل فيها قدما . وقلت الأقوات عندهم فهلكوا جوعا وبردا ~~حتى وقدوا رماحهم وقرابيس سروجهم ، وعبد المؤمن ومن معه في تلك الأرض ~~الصلبة والميرة تصل إليهم . وفي ذلك الوقت سير عبد المؤمن جيشا إلى وجدة من ~~أعمال تلمسان . وقدم عليهم أبا عبد الله محمد بن رفوا من آية خمسين . فبلغ ~~خبرهم إلى محمد بن يحيى متولي تلمسان . فخرج إليهم بجيش من الملثمين ~~فالتقوا بموضع يعرف بمرج الحمر . واقتتلوا فهزمهم الموحدون . وقتل محمد بن ~~يحيى وكثير من أصحابه ، وغنم الموحدون ما معهم ورجعوا بأسلابهم إلى عبد ~~المؤمن . فتوجه عبد المؤمن بجميع جيشه إلى جبال غمارة فأطاعوه قبيلة بعد ~~قبيلة . وأقام عندهم مدة . وما برح يمشي في الجبال وتاشفين يحاذيه في ~~الصحاري إلى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة ، فتوفى علي بن تاشفين بمراكش ، وملك ~~بعده ابنه تاشفين . فقوي طمع عبد المؤمن في البلاد إلا أنه لم ينزل الصحراء ~~. وفي سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ، توجه عبد المؤمن إلى تلمسان . فنازلها ~~وضرب خيامه في جبل عال بأعلاها يسمى بين الصخرتين . ونزل تاشفين خارج مدينة ~~تلمسان على باب القرمادين . وكان بين أقوام من العسكرين مراماة ومطاردة مع ~~الأيام . ودام ذلك أشهرا . ولم يكن بينهم مناجزة . ورحل عبد المؤمن في سنة ~~تسع وثلاثين إلى جبل تاجرة . ووجه جيشا مع عمر بن يحيى الهنتاتي إلى مدينة ~~وهران . فهاجمها بغتة وصار هو وجيشه فيها . فسار إليه تاشفين فخرج الهنتاتي ~~منها . ونزل تاشفين إلى الجانب الآخر من البلد . وذلك في شهر رمضان سنة تسع ms5615 ~~وثلاثين وخمسمائة . PageV24P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" فلما كان في ليلة سبع وعشرين من الشهر . وهلي ~~ليلة معظمة سيما بالمغرب ، وبظاهر وهران ربوة مطلة على البحر ، وبأعلاها ~~ثنية يجتمع فيها المعتبدون - وهو موضع معظم عندهم - فسار إليه تاشفين في ~~نفر قليل من خاصة أصحابه . وصعد إلى ذلك المعبد سرا بالليل ، ولم يعلم به ~~إلا النفر الذين معه . وقصد التبرك بحضور ختم القرآن مع الصالحين . فانتهى ~~خبره إلى الهنتاتي ، فسار لوقته بجميع عساكره إلى ذلك المعبد ، وأحاطوا به ~~وملكوا البروة . فخاف تاشفين على نفسه أن يأخذوه ، فركب فرسه وحمل به إلى ~~جهة البحر من جرف عال فسقط على حجارة فهلك . ورفعت جثته على خشبة ، وقتل من ~~كان معه . وقيل : إن تاشفين قصد حصنا هناك على رابية وله فيه بستان كبير ~~فيه من كل الفواكه . واتفق أن الهنتاتي سير سرية إلى ذلك الحصن لضعف من فيه ~~، ولم يعلم أن تاشفين هناك . فألقوا النار في باب الحصن فاحترق . فركب ~~تاشفين فرسه وأراد الهرب . فوثب به الفرس من داخل الحصن إلى خارج السور ~~فسقط في النار فأخذ تاشفين فعرف . فأرادوا حمله إلى عبد المؤمن فمات لوقته ~~. وتفرق عسكره واحتمى بعضهم بمدينة وهران . قال : وأرسل الموحدون بالخبر ~~إلى عبد المؤمن . فجاء من تاجرة في يومه ، ودخل وهران بالسيف وقتل من فيها ~~. ذكر استيلاؤه عبد المؤمن على تلمسان وفاس ومكناسة وسلا وسبتة قال : ثم ~~سار عبد المؤمن إلى تلمسان ، وهي مدينتان بينهما شوط فرس : تاجروتت وبها ~~أصحاب السلطان ، والأخرى أجادير . وتاجررت ينطق بها بجيم محيرة بين الكاف ~~والجيم ، وكذلك أجادير . وتاجررت محدثة البناء ، وأجادير قديمة . فامتنعت ~~أجادير وتأهب أهلها للقتال . وأما تاجررت فكان بها يحيى بن الصحراوية واليا ~~عليها فخرج منها بعسكره فارا إلى مدينة فاس . ودخلها عبد المؤمن ، فلقيه ~~أهلها بالخضوع والاستكانة . فلم يقبل ذلك منهم وقتل أكثرهم . PageV24P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" ثم رحل عنها في سنة أربعين وخمسمائة إلى ~~مدينة فاس . ورتب على أجادير جيشا يحصرها ، وجعل عليهم يوسف بن وانودين ابن ~~تامصلت الهنتاتي . فداوم الحصار وضيق ms5616 على من بها ، ونصب عليها المجانيق ~~وأبراج الخشب والدبابات . ودام الحصار نحو سنة وكان المقدم على أهلها ~~الفقيه عثمان . فلما اشتد الحصار على أهلها اجتمع جماعة منهم وراسلوا ~~الموحديثين بغير علم الفقيه ، وأدخلوهم البلد . فلم يشعر أهله إلا والسيف ~~قد أخذهم . فقتل أكثر أهل البلد ، ونهيبت الأموال ، وسبيت الذراري والحرم . ~~وبيع من لم يقتل بأبخس الأثمان . وأخذ من الأموال والجواهر ما لا يحصى . ~~وكان عدة من قتل مائة ألف . وقيل : إن عبد المؤمن هو الذي حصر تلمسان ~~وفتحها ، وسار منها إلى فاس . قال : ولما وصل عبد المؤمن إلى مدينة فاس ، ~~نزل على بجل الفرض المطل عليها . وعمل حول مخيمه سورا وخندقا . وحصرها تسعة ~~أشهر ، وبها يحيى بن الصحراوية بعسكره الذين فروا من تاجررت . فعمد عبد ~~المؤمن إلى نهر يدخل البلد فكسره حتى صار بحيرة تسير السفن فيها . ثم هدم ~~السكر فجاء الماء دفعة واحدة ، فخرب سور البلج . فأراد الدخول فقاتله أهلها ~~خراج السور . وكان القائد عبد الله بن خيار الجياني عاملا عليها وعلى جميع ~~أعمالها ، فاتفق هو وجماعة أعيان البلد ، وكاتبوا عبد المؤمن سرا في طلب ~~الأمان لأهل فاس . فأجابهم عبد المؤمن إلى ذلك . ففتحوا له بابا من أبواب ~~المدينة ، فدخلها عسكره . وهرب يحيى بن الصحراوية بمن معه إلى مدينة طنجة . ~~وكان فتحها في أواخر سنة أربعين وخمسمائة . ورتب عبد المؤمن أمرها وأخذ ~~جميع ما فيها من سلاح . وسير سرية إلى مكناسة فحصروها مدة ثم سلمها أهلها ~~بالأمان ، فوفوا لهم . ثم سار عبد المؤمن إلى مدينة سلا ففتحها . وحضر إليه ~~جماعة من أعيان سبتة ، فدخلوا في طاعته وسألوا أمانه فأمنهم ، وذلك في أول ~~سنة إحدى وأربعين . ذكر ملك عبد المؤمن مراكش وقتله إسحاق بن علي وانفراض ~~دولة الملثمين قال : ولما فرغ عبد المؤمن من مدينة فاس وتلك النواحي ، سار ~~إلى مدينة مراكش ، وهي كرسي مملكة الملثمين ، وبها إحسان بن علي ابن يوسف ~~بن تاشفين ، PageV24P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" وهو صبي . فنازلها في سنة إحدى وأربعين ~~وخمسمائة . وضرب خيامه في غربيها على ms5617 جبل صغير ، وبني عليه مدينة له ~~ولعسكره وجامعا . وجعل لنفسه بناء عاليا يشرف منه على المدينة ويري أحوال ~~أهلها وأحوال المقاتلين . فأقام عليها أحد عشر شهرا والقتال مستمر ، ومن ~~بها ن المرابطين يخرجون ويقاتلون ظاهر البلد . فاشتد الجوع على أهله وتعذرت ~~الأقوات عندهم . ثم زحف إليهم يوما ، وجعل لعسكره كمينا ، وقال لعسكره : " ~~قاتلوهم ثم انهزموا لهم " . وقال للكمين : لا تخرجوا حتى تسمعوا الطبل . ~~وجلس هو على المنظرة يشاهد القتال . وتقدم أصحابه للقتال فقاتلوا وصبروا ثم ~~انهزموا . وتبعهم أهل مراكش حتى جاوزوا الكمين ووصلوا إلى مدينة عبد المؤمن ~~وهدموا أكثر سورها . وصاحت المصامدة ليضرب الطبل . فقال عبد المؤمن : " ~~اصبروا حتى يخرج كل طامع من البلد " . فلما خرج أكثر أهله أمر بضرب الطبل ~~فضرب وخرج الكمين عليهم وعطفت المصامدة . فقتلوا الملثمين كيف شاءوا وتمت ~~الهزيمة . فمات في زحمة الأبواب خلق كثير . وكان شيوخ الملثمين يدبرون دولة ~~إسحاق لصغر سنه . فاتفق أن إنسانا من جملتهم يقال له عبد الله بن أبي بكر ~~استأمن إلى عبد المؤمن . وأطلعه على عورة البلد وضعف من فيه ، وقي طمعه ~~فيهم . فنصب عبد المؤمن عليه المجانيق والأبراج . وفنيت الأقوات فأكلوا ~~دوابهم ، ومات من العامة بالجوع ما يزيد على مائة ألف إنسان فجاف البلد من ~~جثتهم . وكان بمراكش جيش من الفرنج كان المرابطون قد استنجدوا بهم وأتوهم ~~نددة . فلما طال الأمر عليهم راسلوا عبد المؤمن يطلبون الأمان فأمنهم . ~~ففتحوا له بابا من أبواب البلد يقال له باب أغمات . فدخلت عساكر عبد المؤمن ~~بالسيف ، وملكوا المدينة عنوة ، وقتلوا من وجدوه . ووصلوا إلى دار أمير ~~المسلمين ، فأخرجوا إسحاق وجميع من معه من المرابطين . وقدموهم للقتل ~~وإسحاق يرتعد ويسأل العفو عنه رغبة في البقاء ، ويدعو لعبد المؤمن ويبكي . ~~فقام إليه الأمير سير بن الحاج ، وكان إلى جانبه مكتوفا ، فبصق في وجهه ~~وقال : تبكي على أمك أم أبيك . اصبر صبر الرجال فهذا رجل لا يخاف الله ~~تعالى ولا يدينه بدين . فقام الموحدون إليه فضربوه بالخشب حتى مات ، وكان ~~من الشجعان . وضربت عنق إسحاق ms5618 . وذلك في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة أو ~~ثلاث وأربعين . PageV24P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" قال : وأقام عبد المؤمن بمدينة مراكش ~~واستوطنها واستقر ملكه بها . وقتل من أهلها فأكثر ، واختفى كثير منهم . ~~فلما كان بعد أسبوع أمر فنودي بالأمان ، فخرج من اختفى من أهلها . فأراد ~~المصامدة قتلهم ، فمنعهم وقال : هؤلاء صناع وأهل الأسواق ومن ينتفع به . ~~فتركوا وبني بالقصر جامعا كبيرا وزخرفه وأتقن عمله . وأمر بهدم الجامع الذي ~~بناه أمير المسلمين يوسف بن تاشفين . ذكر ظفره بدكالة وفي سنة ثلاث وأربعين ~~وخمسمائة ، سار بعض المرابطين من الملثمين إلى دكالة . فاجتمع إليه قبائلها ~~وصاروا يغيرون على أعمال مراكش ، وعبد المؤمن لا يلتفت إليهم . فلما كثر ~~ذلك منهم ، سار إليهم عبد المؤمن في سنة أربع وأربعين . فلما سمعت دكالة ~~بمسيره ، اجتمعت كلها وانحسروا إلى ساحل البحر ، وكانوا في مائتي ألف راجل ~~وعشرين ألف فارس ، وهم من الشجاعة بالمكان المعروف . وكانت جيوش عبد المؤمن ~~تخرج عن الحصر . وكان الموضع الذي فيه دكالة كثير الحجر والحزون ، فكمنوا ~~فيه كمينا ليخرجوا على عبد المؤمن إذا سلكه . فكان من الاتفاق الحسن أنه ~~قصدهم من غير الجهة التي فيها الكمناء . فانحل عليهم النظام وفارقوا ذلك ~~الموضع وأخذهم السيف فدخلوا البحر . فقتل أكثرهم ، وغنمت أموالهم وأغنامهم ~~، وسبيت نساؤهم . فبيعت الجارية بدارهم يسيرة . وعاد عبد المؤمن إلى مراكش ~~بالظفر والنصر . وثبت ملكه وخافه جميع من بالمغرب ، وأذعنوا له بالطاعة . ~~ذكر ملكه جزيرة الأندلس قال : كان ملكه لها في سنة إحدى وأربعين ، وذلك أنه ~~لما كان يحاصر مراكش ، ورد عليه جماعة من أعيان الأندلس منهم أبو جعفر أحمد ~~بن محمد بن حمدين ، ومعهم مكتوب يتضمن بيعه أهل الأندلس لعبد المؤمن ~~ودخلوهم في زمرة أصحابه الموحدين ، والتزامهم لطاعته ، وإقامتهم لأمره في ~~بلادهم . وجميع أسماء القوم الذين بايعوه مثبتة في المكتوب . فقبل عبد ~~المؤمن طاعتهم ، وشكر هجرتهم ، وطيب قلوبهم . فطلبوا منه النصرة على الفرنج ~~، فإن الفرنج كانوا قد ملكوا من بلاد PageV24P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" المسلمين مدينة شنترين وباجة وماردة وأشبونة ~~وسائر المعاقل المجاورة لها ، وذلك ms5619 في سنة أربعين وخمسمائة . وكان سبب ذلك ~~ما وقع من الاختلاف بين المسلمين ، فطمع العدو فيهم وأخذ هذه المدن وقوي ~~بها . ثم ملكوا في سنة اثنتين وأربعين مدينة المرية ، ومدينة بياسة ، وجميع ~~ولاية جيان . فجهز عبد المؤمن جيشا كثيفا وجعل مقدمه أبا عمر بن صالح من ~~آية الخمسين . وجهز أسطولا في البحر وجعل قائده يحيى بن عيسى بن ميمون . ~~فغدوا إلى جزيرة الأندلس . ودخل الأسطول إلى مدينة إشبيلية في النهر ، ~~وحاصروها برا وبحرا ، وبها جيش من الملثمين . فملكتها عساكر عبد المؤمن عنة ~~وقتلوا فيها جماعة . ثم أمن الناس . واستولت عساكره على البلاد الإسلامية ~~التي بها ، ودان له أهلها . وفي سنة ثلاث وأربعين ملك الفرنج مدنا من ~~الأندلس ، وهي طرطوشة وجميع قلاعها وحصون لاردة ، وذلك لاختلاف المسلمين . ~~ذكر حصار الفرنج مدينة قرطبة ورجوعهم عنها قال : وفي سنة خمس وأربعين ~~وخمسمائة ، حصر السليطين - وهو الأدفونش ملك طليطلة وأعمالها ، وهو من ملوك ~~الجلالقة - مدينة قرطبة - أعادها الله - في أربعين ألف فارس من الفرنج . ~~فبلغ الخبر عبد المؤمن وهو بمراكش . فجهز اثني عشر ألف فارس ومقدمهم أبو ~~زكريا يحيى بن يومور . فساروا حتى قربوا من قرطبة . فلم يقدروا على لقاء ~~الفرنج في الوطأة ، فساروا في الجبال الوعرة . وجعلوا يقطعون الأشجار حتى ~~يجدوا مسلكا . فمشوا عشرين يوما قال : يالوعر مسافة أربعة أيام في السهل . ~~فأفضوا إلى جبل شامخ مطل على قرطبة . فلما رآه السليطين وتحقق أمرهم ، ~~PageV24P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" رحل لوقته بجميع من معه وسار حتى غاب عن فجاج ~~قرطبة . وكان بقرطبة القائد أبو الغمر السائب ، من ولد القائد ابن غلبون من ~~أبطال الأندلس فخرج لوقته من قرطبة وصعد إلى الجبل . واجتمع بيحيى وقال له ~~: انزل بمن معك إلى قرطبة وعجل . ففعلوا ذلك وباتوا بها . فما أصبح اليوم ~~الثاني إلا وعسكر السليطين قد غشي الجبل الذي كان فيه يحيى . فقال لهم أبو ~~الغمر : هذا الذي كنت خفته عليكم . فلما لعم أنهم قد فاتوه ، ورأى أنه لا ~~مطمع له في قرطبة ، رحل إلى بلاده بعد أن ms5620 حاصرها ثلاثة أشهر قبل وصلوهم . ~~ذكر ملكه مدينة بجاية وملك بني حماد وانقراض دولتهم وفي سنة ست وأربعين ~~وخمسائة ، سار عبد المؤمن من مدينة مراكش إلى سبتة . وهيأ الأساطيل والناس ~~يعتقدون أنه يدخل الأندلس . ونفذ أعيان أصحابه إلى جميع القبائل : أن ~~يجمعوا العساكر ويرتبوها . وقطع السابلة عن بلاد شرق المغرب برا وبحرا . ثم ~~خرج من سبتة في صفر سنة سبع وأربعين . وتوجه إلى المشرق مسرعا وطوى المراحل ~~، والعساكر المرتبة تلقاه . فلم يشعر أهل بجاية إلا وهو في أعمالها ، وكانت ~~ليحيى بن العزيز بالله آخر ملوك بني حماد . وكان مولعا بالصيد واللهو ~~واللعب لا ينظر في شيء من أمور مملكته بل فوضها ليمون بن حمدون . فجمع ~~ميمون العساكر وخرج عن بجاية . فأقام أياما وأحجم عن اللفاء ورجع ولم يقاتل ~~عساكر عبد المؤمن . واعتصم يحيى بن العزيز بقلعة قسنطينة . وهرب أخوه ~~الحارث في مركب إلى جزيرة صقلية . ولحقه أخوه عبد الله وجماعة من بني عمه ~~إلى صقلية . ودخل عبد المؤمن بجاية وملك جميع بلاد يحيى بن العزيز بغير ~~قتال . ثم نزل إليه يحيى بالأمان فأمنه وأنفذه إلى المغرب ، وكان فيها مدة ~~حياته رخى البال . PageV24P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وانقرضت دولة بني حماد . وكانت مدة ملكهم منذ ~~ولي حماد مدينة آشير من قبل أبي مناد باديس بن المنصور بن يوسف في صفر سنة ~~سبع وثمانين وثلاثمائة مائة سنة وستين سنة . وعدة من ملك منهم تسعة ملوك ، ~~وهم حماد بن يوسف بلكين بن زيري ، ثم القائد ابن حماد ثم محسن بن القائد بن ~~حماد ، ثم ابن عمه بلكين بن محمد ، ثم الناصر بن علناس بن محمد بن حماد ، ~~ثم ابنه المنصور ، ثم ابنه باديس بن المنصور ولم تطل أيامه حتى مات ، وولي ~~بعده العزيز بالله بن المنصور بن الناصر ، ثم يحيى بن العزيز هذا . وعليه ~~انقرضت دولتهم . وكان يحيى قد اعتق الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز ~~بن باديس - كما ذكرناه . وسر بما ناله من أخذ الفرنج بلاده . فلم تطل المدة ~~حتى ms5621 فاجأه اقدر واستلب ملكه . واجتمع الحسن ويحيى في مجلس عبد المؤمن على ~~بساط واحد . واستصحب عبد المؤمن الحسن معه ، وألحقه بخاصته ، وأعلى مرتبته ~~. ولم يفارقه في سفر ولا حضر إلى أن فتح المهدية ، فأقر الحسن بها وأمر ~~واليها أن يقتدي برأيه ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى . ذكر ظفره ~~بصنهاجة وملكه قلعة حماد قال : ولما ملك عبد المؤمن بجاية ، تجمعت صنهاجة ~~في أمم كثيرة . وتقدم عليهم رجل اسمه أبو قبيصة . واجتمع معهم من كتامة ~~ولوانة وغيرها مالا يحصى كثرة ، وقصدوا حرب عبد المؤمن . فأرسل إليهم جيشا ~~كثيفا ، ومقدمهم أبو سعد يخلف ، وهو من آية خمسين . فالتقوا في عرض الجبل ~~شرقي بجاية . فانهزم أبو قبيصة ، وقتل أكثر من معه ، ونهبت أموالهم ، وسبيت ~~نساؤهم وذراريهم . ثم سار أبو سعيد إلى قلعة حماد ، وهي من أحصن القلاع ~~وأعلاها . فلما رأى أهلها عساكر الموحدين هربوا منها في رؤوس الجبال . ~~وملكت القلعة حمل جميع ما فيها من الأموال والذخائر وغير ذلك إلى عبد ~~المؤمن . ذكر الحرب بين عبد المؤمن والعرب وظفر عساكر عبد المؤمن بهم قال : ~~وفي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة في صفر ، كانت الحرب بين عساكر PageV24P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" عبد المؤمن والعرب عند مدينة سطيف . وذلك أن ~~عبد المؤمن لما فتح بلاد بني حماد اجتمعت العرب ، وهم بنو هلال والأثبج ~~وعدي ورياح وزغيف وغيرهم ممن يقول بقولهم من أرض طرابلس إلى أقصى المغرب . ~~وقالوا : إن جاورنا عبد المؤمن أجلانا من بلاد المغرب . وليس الرأي إلا ~~اللقاء معه ، وأخذه بالجد ، وإخراجه من البلاد قبل أن يتمكن . وتحالفوا على ~~التعاون والتعاضد ، وعزموا على لقائه بالرجال والأهل والمال . واتصل الخبر ~~بصاحب صقلية الفرنجي ، فأرسل إلى أمراء العرب وهم محرز بن زياد ، وجبارة بن ~~كامل ، وحسن بن ثعلب ، وعبسي بن حسن ، وغيرهم ، يحثهم على ذلك ، ويعرض ~~عليهم أن يرسل إليهم خمسة آلاف فارس من الفرنج يقاتلون معهم على أن يرسلوا ~~إليه رهائن . فشكروه وقالوا : لا حاجة بنا إلى نجدته ، ولا نستيعن على ~~المسلمين بغيرهم . وساروا في عدد ms5622 لا يحصى . وكان عبد المؤمن قد رحل من ~~بجاية إلى بلاد المغرب . فلما بلغه خبرهم جهز إليهم جيشا من الموحدين زهاء ~~ثلاثين ألف فارس ، ومقدمهم أبو سعيد يخلف ، وعبد العزيز وعيسى أولاد أبي ~~مغار . وكان العرب أضعافهم ، فاستخرجهم الموحدون . وتبعهم العرب إلى أن ~~وصلوا أرض سطيف بين جبال . فصدمهم الموحدون بغتة والعرب على غير أهبة . ~~والتقى الجمعان واقتتلوا أشد قتال وأعظمه . فانجلت المعركة عن هزيمة العرب ~~. وذلك في يوم الخميس غرة صفر . وتركوا أموالهم وأهاليهم وأولادهم ونعمهم . ~~فأخذ الموحدون جميع ذلك وعادوا به إلى عبد المؤمن . فقسم الأموال في عسكره ~~وترك النساء والأولاد تحت الاحتياط . ووكل بهم الخصيان بخدمونهم وأمر ~~بصيانتهم . ونقلهم معه إلى مراكش فأنزلهم في المساكن الفسيحة وأجرى عليهم ~~النفقات الواسعة . وأمر عبد المؤمن محمدا بمكاتبة العرب ويعلمهم أن نساءهم ~~وأولادهم تحت الاحتياط والحفظ والصيانة . وأمرهم أن يحضروا ليسلمهم إليه . ~~فلما وصل كتابه إليهم سارعوا إلى المسير إلى مراكش . فأعطاهم عبد المؤمن ~~نساءهم وأولادهم ، وأحسن إليهم ، ووصلهم بالأموال الجزيلة فاسترق قلوبهم ~~بذلك وأقاموا عنده ، واستعان بهم على ولاية ابنه محمد العهد بعده . ~~PageV24P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" ذكر البيعة لمحمد بن عبد المؤمن بولاية العهد ~~بعد أبيه قال : وفي سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ، أمر عبد المؤمن بالبيعة ~~بولاية العهد لابنه محمد . وكان الشرط بين عبد المؤمن وعمر الهنتاتي أن يلي ~~الأمر بعده . فلما تمكن عبد المؤمن من الملك وكثرت أولاده أحب أن يكون ~~الملك فيهم . فأحضر أمراء العرب من هلال وزغية وعدي وغيرهم إليه ووصلهم ~~وأحسن إليهم . ثم وضع عليهم من يقول لهم : اطلبوا من عبد المؤمن أن يجعل ~~لكم ولي عهد من ولده بعده . ففعلوا ذلك . فلم يجبهم إكراما لعمر الهنتاتي ~~لعلو منزلته في الموحدين . فلما علم الهنتاتي ذلك خاف على نفسه . فحضر عند ~~عبد المؤمن وخلع نفسه . فحينئذ بايع عبد المؤمن لابنه بولاية العهد . وكتب ~~إلى جميع بلاده بذلك . وخطب له في جميع البلاد . وأخرج من الأموال شيئا ~~كثيرا في ذلك اليوم . ذكر استعمال عبد المؤمن أولاده على ms5623 البلاد وأعماله ~~وفي سنة إحدى وخمسين أيضا ، استعمل عبد المؤمن أولاده على البلاد والأعمال ~~، فجعل ابنه أبا محمد عبد الله علي بجاية وأعمالها ، وأبا حفص عمر على ~~مدينة تلمسان وأعمالها ، وأبا الحسن عليا على مدينة فاس وأعمالها ، وأبا ~~سعيد على سبتة والجزيرة الخضراء ومالقة . ولقد سلك عبد المؤمن في استعمالهم ~~من حسن السياسة وجميل التدبير طريقا عجيبا يستدل به على جودة رأيه ، وتوصله ~~إلى مقاصده بأحسن صورة وأجمل طريقة . وذلك أنه كان قد استعمل على الأعمال ~~شيوخ الموحدين المشهورين من أصحاب المهدي ، فكان يتعذر عليه أن يعزلهم . ~~فأخذ أولادهم وتركهم عنده ، وأشغلهم بالعلوم . فلما مهروا فيها ، قال ~~لآبائهم : إني أريد أن تكونوا عندي أستعين بكم على ما أنا بصدده وتكون ~~أولادكم في أعمالكم . فأجابوا إلى ذلك وفرحوا به ، فاستعمل أولادهم . ثم ~~وضع عليهم من يعتمد عليه منهم فقال لهم : إني أرى أمرا عظيما قد فعلتموه ~~فارقتم فيه الحرزم والأدب . فقالوا : وما هو ؟ قال : أولادكم في الأعمال ~~وأولاد أمير المؤمنين ليس إليهم شيء منها مع ما عم فيه من العلم وحسن ~~السياسة . PageV24P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" وإني أخاف أن ينظر في هذا فتسقط منزلتكم عنده ~~فعلموا صدقه . وحضروا إلى عند عبد المؤمن وسألوه أن يستعمل أولاده . فقال : ~~لا أفعل . فعزموا عليه حتى فعل بسؤالهم . ذكر ملكه مدينة المرية من الفرنج ~~وأغرناطة من الملثمين قال : وفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ، كاتب ميمون ~~ابن بدر صاحب أغرناطة أبا سعيد بن عبد المؤمن صاحب مالقة والجزيرة الخضراء ~~وسبتة أن يسلم إليه أغرناطة ، فتسلمها منه . وسار إلى مالقة بأهله وولده ، ~~فسيره أبو سعيد إلى مراكش . فأقبل عليه عبد المؤمن وأكرمه . وانقرضت دولة ~~المتلثمين ولم يبق لهم إلا جزيرة ما يرقة مع حمو بن غانية اللمتوني . قال : ~~ولما ملك أبو سعيد أغرناطة جمع الجيوش وسلم إلى مدينة المرية - وهي بيد ~~الفرنج ، كانوا قد أخذوها في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة - فنازلها وحصرها ~~برا وبحرا . ونزل عسكره على الجبل المشرف عليها . وبني سورا على الجبل إلى ~~البحر ، وعمل عليه ms5624 خندقا . فصارت المدينة والحصن الذي فيه الفرنج محصورين ~~بهذا السور والجبل . لا يمكن أن يصل إليها من ينجدها . وجمع السليطين ملك ~~الفرنج بالأندلس الجيوش وجاء إليها ، فلم يتمكن منها ورجع ومات قبل وصوله ~~إلى طليطلة . وتمادى الحصار على المرية ثلاثة أشهر ، فقلت الأقوات على ~~الفرنج فطلبوا الأمان . فأمنهم أبو سعيد وتسلم الحصن . ورحلوا في البحر ~~عائدين إلى بلادهم . وكانت مدة ملكهم المرية عشر سنين . ذكر ملك عبد المؤمن ~~مدينة المهدية من الفرنج وجميع بلاد إفريقية كان الفرنج قد تغلبوا على ~~مدينة المهدية وملكوها في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، كما قدمناه في أخبار ~~الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن PageV24P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" باديس ، وفعلوا بمدينة زويلة الأفغال الشنيعة ~~من القتل والنهب والتخريب . فسار أهلها إلى عبد المؤمن وهو بمراكش ~~يستنجدونه ويستجيرون به فأكرمهم . وأخبروه بما جرى على المسلمين وأنه ليس ~~في ملوك الإسلام من يقصد غيره . فأطرق ثم رفع رأسه وقال : " أبشروا ~~لأنصرنكم ولو بعد حين " . وأمر بإنزالهم وأطلق لهم ألفي دينار . ثم أمر ~~بعمل الروايا والقرب والحياض وما يحتاج إليه العساكر . وكتب إلى جميع نوابه ~~ببلاد المغرب وكان قد ملك إلى قريب تونس ، فأمرهم بتحصيل الغلات ، وأن ترك ~~في سنبلها وتهزن في مواضعها ، وأن يحفروا الآبار في الطرق . ففعلوا ذلك ~~فصارت كأنها تلال . فلما كان في صفر سنة أربع وخمسين وخمسمائة ، وسار من ~~مراكش يريد إفريقية ومعه من العساكر مائة ألف مقاتل ومن السوقة والأتباع ~~أمثالهم وبالغ في حفظ العساكر حتى كانوا يسيرون بين الزروع فلا تتأذى بهم ~~سنبلة واحدة . وإذا نزلوا صلوا جميعهم مع إمام واحد بتكبيرة واحدة لا يختلف ~~منهم أحد . وقدم بين يديه الحسن بن علي بن يحيى بن تميم الذي كان صاحب ~~المهدية وإفريقية . فسار حتى وصل إلى مدينة تونس في الرابع والعشرين من ~~جمادى الآخرة . وأقبل الأسطول في البحر في سبعين شينيا وطريدة وشلندي . ~~فنازلها وأرسل إلى أهلها يدعوهم إلى الطاعة . فامتنعوا وقاتلوا أشد قتال . ~~فلما جاء الليل خرج إليهم سبعة ms5625 عشر رجلا من أعيان أهلها ، وسألوا عبد ~~المؤمن الأمان لأهل بلدهم . فأجابهم إلى الأمان لهم في أنفسهم وأهلهم ~~وأموالهم لمبادرتهم إلى الطاعة وأما من عداهم من أهل البلد فأمنهم في ~~أنفسهم وأهليهم ، ويقاسمهم أموالهم وأملاكهم نصفين ، وأن يخرج صاحب البلد ~~هو وأهله . فاستقر ذلك وتسلم البلد . وأرسل أمناء ليقاسموا الناس على ~~أموالهم . وأقام عليها ثلاثة أيام . وعرض الإسلام على من بها من اليهود ~~والنصارى ، فمن أسلم سلم ، ومن أبى قتل . وسار عبد المؤمن إلى المهدية ~~والأسطول يحاذيه في البحر . فوصل إليها في ثاني عشر شهر رجب من السنة . ~~وبها أولاد ملوك الفرنج وأبطال الفرسان ، وقد أخلوا PageV24P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" مدينة زويلة وبينها وبين المهدية غلوة سهم . ~~فدخلها عبد المؤمن ، وامتلأت بالعساكر والسوقة فاصارت مدينة معمورة في ساعة ~~واحدة . ومن لم يكن له من العسكر موضع نزل بظاهرها . وانضاف إليهم من ~~صنهاجة والعرب وأهل البلاد ما يخرج عن الإحصاء . وأقبلوا على قتال من ~~بالمهدية ، وهي لا يؤثر فيها شي لحصانتها وقوة سورها وضيق موضع القتال ~~عليها لأن البحر دائر بأكثرها ، وهي كأنها كف في البحر وزندها متصل بالبر . ~~فكانت شجعان الفرنج تخرج إلى أطراف العسكر فينالون منه ويسرعون العود . ~~فأمر عبد المؤمن ببناء سور من غربي المدينة يمنعهم من الخروج . وأحاط ~~الأسطول بها في البحر . وهال عبد المؤمن ما رأى من حصانة البلد ، وعلم أنها ~~لا تفتح بقتال ، وليس لها غير المطاولة . قال للحسن : كيف نزلت عن هذا ~~الحصن ؟ فقال : " لقلة من يوثق به وعدم القوت وحكم القدر . فقال : صدقت . ~~وأمر بجمع الغلات ففلم يمض غير قليل حتى صار في العسكر كالجبلين من الحنظة ~~والشعير . وتمادى الحصار . وفي مدته أطاع عبد المؤمن أهل سفاقس وطرابلس ~~وجبال نفوسة وقصور إفريقية وما والاها . وفتح مدينة قابس وأتاه يحيى ابن ~~تميم صاحب قفصة ومعه جماعة من أعيانها . ولما قدموا عليه دخل حاجبه عبد ~~السلام الكوفي يستأذنه عليهم . فقال له عبد المؤمن : أتى عليك ليس هؤلاء ~~أهل قفصلة . فقال : لم يشتبه علي وإنهم أهلها . فقال ms5626 عبد المؤمن : كيف يكون ~~ذلك والمهدي يقول : إن أصحابنا يقطعون أشجارها ويهدمون أسوارها ؟ ومع هذا ~~فنقبل منهم ونكف عنهم وننتظر ما يكون ، ليقضي الله أمرا كان مفعولا وقضى ~~شغلهم وأرسل معهم طائفة من الموحدين ، وفيهم زكري بن يومون ، وولاه عليها . ~~وورد في جملة أهل قفصة شاعر منهم ، فمدحه بقصيدة أولها : ما هز عطفيه بين ~~البيض والأسل . . . مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي PageV24P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" فلما أنشده هذا البيت قال : حسبك ووصله بألف ~~دينار . قال : ولما كان في يوم الاثنين لثمان بقين من شعبان سنة أربع ~~وخمسين ، جاء أسطول صاحب صقلية في مائة وخمسين شينيا غير الطرائد ، فقاتلهم ~~أسطول عبد المؤمن فانهزموا . وتبعهم المسلمون وأخذوا منهم سبعة شوان . ~~فحينئذ أيس من بالمهدية من النجدة . وصبروا على الحصار إلى آخر ذي الحجة من ~~السنة حتى فنيت أقواتهم وأكلوا خيلهم . فنزل عشرة من فرسانهم إلى عبد ~~المؤمن وسألوه الأمان لمن فيها من الفرنج على أنفسهم وأموالهم ، ليخرجوا ~~منها ويعودوا إلى بلادهم . فعرض عليهم الإسلام ، فأبوا . ولم يزالوا ~~يستعطفونه حتى أجابهم وأمنهم . وأعطاهم سفنا فنزلوا فيها . وساروا إلى ~~جزيرة صقلية . وكان الفصل شتاء ، فغرق أكثرهم ولم يصل منهم إلى صقلية إلا ~~القليل . وكان صاحب صقلية قد قال : إن قتل عبد المؤمن أصحابنا بالمهدية ~~قتلنا المسلمين الذين بجزيرة صقلية وأخذنا حرمهم وأموالهم . فأهلك الله ~~الفرنج غرقا وكان مدة استيلاء الفرنج على المهدية اثنتي عشرة سنة . ودخل ~~عبد المؤمن مدينة المهدية بكرة عشوراء سنة خمس وخمسين وخمسمائة . وسماها ~~عبد المؤمن سنة الأخماس . وأقام بالمهدية عشرين يوما . ورتب أحوالها ، ونقل ~~إليها الذخائر من الأقوات والسلاح والعدد والرجال . واستعمل عليها أبا عبد ~~الله محمد ابن فرج . وجعل معه الحسن بن علي بن يحيى الذي كان صاحبها . ~~وأمره أن يقتدي برأيه في أفعاله . وأقطع الحسن بها إقطاعا وأعطاه دورا ~~بالمهدية . ورتب لأولاده وعبيده أرزاقا . ثم رحل عبد المؤمن من المهدية في ~~غرة صفر سنة خمس وخمسين وخمسمائة . ذكر أيقاعه عبد المؤمن بالعرب كان سبب ~~ذلك أنه لما أراد ms5627 العود إلى بلاد المغرب بعد فراغه من أمر المهدية - جمع ~~أمراء العرب من بني رياح الذين كانوا بإفريقية ، وقال لهم : إنه قد وجب ~~علينا نصرة الإسلام ، وإن المشركين قد استفحل أمرهم بجزيرة الأندلس . ~~واستولوا على كثير منها مما كان بيد المسلمين ، وما يقاتلهم أحد مثلكم ، ~~فبكم فتحت البلاد أول الإسلام ، وبكم دفع عنها العدو الأول . ونريد منكم ~~عشرة آلاف فارس من أهل النجدة والشجاعة يجاهدون في سبيل الله فأجابوه ~~بالسمع والطاعة فحلفهم على ذلك . PageV24P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" وساروا معه حتى انتهوا إلى مضيق جبل زغوان . ~~وكان منهم إنسان يقال له يوسف بن مالك ، وهو من أمرائهم ورؤوس القبائل فيهم ~~. فجاء إلى عبد المؤمن بالليل وقال له سرا : إن العرب قد كرهت السير إلى ~~الأندلس وقالوا : ما غرض عبد المؤمن إلا إخراجنا من بلادنا ، وإنهم لا يفون ~~بأيمانهم . فقال : يأخذ الله تعالى الغادر . فلما كانت الليلة الثانية ، ~~هربوا إلى عشائرهم ودخلوا لابر ، ولم يبق منهم إلا يوسف بن مالك ، فسماه ~~عبد المؤمن يوسف الصادق . ولم يحدث في أمرهم شيئا . وسار مغربا يحث السير ~~حتى قرب من القسنطينة ، ونزل في موضع مخصب يقال له وادي النساء . فأقام به ~~وضبط الطرق فلا يسير أحد البتة ودام هناك عشرين يوما . وانقطع خبره عن جميع ~~الناس لا يعرفون للعسكر خبرا مع كثرته وعظمه ، ويقولون : ما أزعجه إلا خبر ~~وصله من الأندلس . فعادت العرب الذين أجفلوا منه من البرية إلى البلاد لما ~~أمنوا جانبه . فلما علم برجوعهم جهز إليهم ولديه أبا محمد وأبا عبد الله في ~~ثلاثين ألفا من أعيان الموحدين وشجعانهم . فجدوا السير وقطعوا المفاوز . ~~فما شعرت العرب إلا والجيش قد أقبل ، وجاء من ورائهم من جهة الصحراء من ~~يمنعهم من الدخول إليها ، وكانوا قد نزلوا جنوبا من القيروان عند جبل القرن ~~، وهم زهاء ثمانين ألف بيت ، ومشاهير مقدميهم محرز بن زياد وجبارة بن كامل ~~ومسعود بن زمام وغيرهم . فلما أطلت عليهم العساكر اضطربوا وماجوا واختلفت ~~كلمتهم . ففر مسعود وجبارة ومن معهما من عشائرهما . وثبت ms5628 محرز بن زياد ومعه ~~جمهور العرب . فناجزهم الموحدون القتال . وذلك في العشر الأوسط من شهر ربيع ~~الآخر سنة ست وخمسين . واشتد القتال وكثرت القتلى . فانجلت الحرب عن قتل ~~محرز وانهزم العرب . ولما انهزموا أسلمو البيوت والحريم والأولاد والأموال ~~. فحمل جميع ذلك إلى عبد المؤمن وهو بتلك المنزلة . فأمر بحفظ النساء ~~العربيات الصرائح . وحملن معه تحت الحفظ والبر والصيانة إلى بلاد المغرب . ~~ثم أقبلت إليه وفود رياح ، فأجمل لهم الصنيع ورد إليهم الحريم . فلم يبق ~~منهم إلا من صار له كالعبد الطائع ، وهو يخفض لهم الجناح ويبذل فيهم ~~الإحسان . ثم جهزهم إلى ثغور الأندلس على الشرط الأول . PageV24P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" قال : وجمعت عظام من قتل من العرب عند جبل ~~اقرن فبقيت دهرا طويلا كالتل يلوح للناظرين من مكان بعيد . وبقيت بلاد ~~إفريقية بيد نواب عبد المؤمن آمنة ساكنة ، لم يبق من العرب خارج عن الطاعة ~~إلا مسعود بن زمام وطائفة في أطراف البلاد . وفي سنة ست وخمسين ، توجه عبد ~~المؤمن إلى جبل طارق ، وهو على ساحل الخيليج مما يلي الأندلس ، فعبر المجاز ~~إليه . وبني عليه مدينة حصينة . وأقام بها أشهرا ثم انصرف إلى مراكش . ذكر ~~وفاة عبد المؤمن بن علي وشيء من أخباره كانت وفاته في العشر الآخر من جمادى ~~الآخر سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بمدينة سلام . وكانت مدة ولايته ثلاثا ~~وثلاثين سنة وأشهرا . وخلف ستة عشر ولدا ذكورا . وكان عاقلا ، حازما ، سديد ~~الرأي ، حسن السياسة للأمور ، كثير البذل للأموال ، إلا أنه كان كثير السفك ~~لدماء المسلمين على صغار الذنوب . وكان يعظم أمر الدين ويقويه ، ويلزم ~~الناس في سائر بلاده بالصلاة . ومن رئي في وقت الصلاة غير مصل قتل . وجمع ~~الناس على مذهب الإمام مالك بن أس رحمه الله في الفروع ، وعلى مذهب أبي ~~الحسن الأشعري في الأصول . وكان الغالب على مجلسه أهل العلم والدين ، ~~وإليهم المرجع والكلام معهم . قال ابن شداد : وقفت على كتاب كتبه عنه بعض ~~كتابه ، ييقول فيه بعد البسملة : من الخليفة المعصوم الرضي الهاشمي الزكي ، ~~الذي وردت ms5629 البشارة به من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، العرب القامع لكل ~~مجسم غوي ، الناصر لدين الله العلي ، أمير المؤمنين الولي ، عبد المؤمن بن ~~علي . وحكى أيضا قال : أخبر رجل من أهل المهدية اجتمعت به بمدينة صقلية سنة ~~إحدى وخمسين وخمسمائة ، قال : لما فتح عبد المؤمن مدينة بجاية وجميع ملك ~~بني حماد ، وافق ذلك وصولي بد أيام من المهدية إلى بجاية بأحمال متاع مع ~~قفل ، PageV24P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" فبتنا على مرحلة من بجاية . فلما أصبح الصباح ~~فقدت شدة من المتاع ، فحمدت الله وسألته الخلف . ودخلنا البلد وبعت المتاع ~~أحسن بيع وأفدت فيه فائدة كبيرة . فقلت لصاحب الحانوت الذي بعت على يديه : ~~فقدت من هذا المتاع شدة ، وأخلف الله على في الباقي . فقال لي : وما أنهيت ~~ذلك إلى أمير المؤمنين عبد المؤمن ؟ قالت : لا . قال : والله ، إن علم ذلك ~~من غيرك لحقك الضرر بسترك على المفسدين . فاتق الله في نفسك . فرحت إلى ~~القصر واستأذنت عليه وأعلمته . ثم خرجت فسألني خادم عن منزلي فوصفته له . ~~ورجعت إلى صاحب الحانوت فأخبرته . فقال : خرجت من العهدة . فلما كان صبيحة ~~اليوم الثالث من وصولي إليه ، جاءني غلام أسود فقال : أجب أمير المؤمنين . ~~فخرجت معه . فلما وصلنا باب القصر وجدت جماعة كبيرة والمصامدة دائرة عليهم ~~بالرماح . فقال الأسود " تعلم من هؤلاء ؟ " قلت : لا . قال : هم أهل المكان ~~الذي أخذ متاعك فيه . فدخلت وأنا خائف ، فأجلست بين يديه . واستدعى مشايخهم ~~وقال لي : كم صح لك في الشدة التي فقدت أختها . فقلت : كذا وكذا . فأمر من ~~وزن لي المبلغ ثم قال لي : قم . أنت أخذت حقك وبقي حقي وحق الله عز وجل . ~~وأمر بإخراج المشايخ وقتل الجميع . وقال : هذه طريق شوك أزيلها عن المسلمين ~~. فأقبلوا يبكون ويتضرعون ويقولون : يؤاخذ سيدنا الصلحاء بالمفسدين ؟ فقال ~~: نخرج كل طائفة منكم من فيها من المفسدين . فصار الرجل يخرج ولده وأخاه ~~وابن عمه إلى أن اجتمع منهم نحو خمسمائة فأمر أهلهم أن يتولوا قتلهم ، ~~ففعلوا ذلك . وخرجت أنا إلى صقلية خوفا على نفسي من ms5630 أولياء المقتولين . قال ~~: وكان عبد المؤمن لا يداهن في دولته ، ويأخذ الحق من ولده إذا وجب عليه . ~~قال : ولا مشرك في بلاده ولا كنيسة في بقعة منها ، لأنه كان إذا ملك بلدا ~~إسلاميا لم يترك فيه ذميا إلا عرض عليه الإسلام . فمن أسلم سليم ، ومن طلب ~~المضي إلى بلاد النصارى أذن له في ذلك ، ومن أبى قتل . فجميع أهل مملكته ~~مسلمون لا يخالطهم سواهم . ولا لهو ولا هزل تحت أمره بل تلاوة كتاب الله ~~العزيز ، ومدارسة الأحاديث الصحيحة النبوية ، والاشتغال بالعلوم الشرعية ، ~~وإقام الصوات . فهذا كان دأب أصحابه . PageV24P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" وكان لعبد المؤمن من الأولاد الذكور ستة عشر ~~، وهم محمد وهو ولي عهده ، وعلي ، وعمر ، ويوسف ، وعثمان ، وسليمان ، ويحيى ~~، وإسماعيل ، والحسن ، والحسين ، وعبد الله ، وعبد الرحمن ، وموسى ، ~~وإبراهيم ، ويعقوب . ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ابن علي كانت ~~ولايته بعد وفاة أبيه . وذلك أن عبد المؤمن لما حضرته الوفاة جمع أشياخ ~~الموحدين وقال لهم : قد جربت ابني محمدا فلم أجد فيه نجابة تصلح للأمر ، ~~ولا يستحق الولاية ولا يصلح لها إلا ابني يوسف ، وهو أولي بها ، فقدموه لها ~~. ووصاهم به فبايعوه وعقدوا له الولاية . وخوطب بأمير المؤمنين . ثم مات ~~عبد المؤمن فكتموا موته وحمل في محفة من سلا بصورة أنه مريض إلى أن وصل إلى ~~مراكش . وكان ابنه أبو حفص حاجبا لأبيه فبقي مع أخيه على مثل حاله مع أبيه ~~يخرج إلى الناس فيقول أمر أمير المؤمنين بكذا وكذا ، ويوسف يقعد مقعد أبيه ~~إلى أن كملت المبايعة له في جميع البلاد . فأظهر موت أبيه بعد انقضاء أشهر ~~من وفاته . واستقامت الأمور لأبي يعقوب وانقاد الناس لأمره . ذكر عصيان ~~غمارة مع مفتاح بن عمرو وقتالهم وقتل مفتاح قال : ولما تحقق الناس موت عبد ~~المؤمن ، ثارت قبائل غمارة في سنة تسع وخمسين وخمسمائة مع مفتاح بن عمرو ؛ ~~وكان مقدما كبيرا فيهم ، فاتبعوه بأجمعهم ، وامتنعوا في جبالهم ، وهي معاقل ~~مانعة ، وهم أمم جمة . فتجهز إليهم أبو يعقوب ومع أخواه عمر ms5631 وعثمان في جيش ~~كثيف من الموحدين والعرب . وتقدموا إليهم والتقوا واقتتلوا في سنة إحدى ~~وستين . فانهزمت غمارة ، وقتل مفتاح وجماعة من أعيانهم ومقدميهم وخلق كثير ~~منهم . وملكوا بلادهم عنوة . وكانت قبائل كثيرة يريدون الفتنة ، وهم ينظرون ~~ما يكون من غمارة ، فلما قتلوا انقادت تلك القبائل إلى الطاعة ، ولم يبق ~~متحرك لفتنة ، وسكنت الدهماء في جميع المغرب . PageV24P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" وفي سنة خمس وستين وخمسمائة ، وجه أبو يعقوب ~~أخاه عمر ابن عبد المؤمن إلى الأندلس بالعساكر لقتال محمد بن سعد ابن ~~مردنيش . وكان قد ملك شرق الأندلس ، واتفق مع الفرنج ، وامتنع على عبد ~~المؤمن ثم على ابنه ، وتمادى في عصيانه ، واستفحل أمره . فدخل العسكر إلى ~~بلاده ، وجاس خلال دياره ، وأخذوا مدينتين من بلاده . وأقاموا مدة يتنقلون ~~في بلاده ويجبون أموالها . ثم توفى محمد بن سعد في سنة سبع وستين ، وأوصى ~~أولاده أن يقصدوا الأمير أبا يعقوب ، ويسلموا البلاد إليه ، ويدخلوا في ~~طاعته . فلما مات قصدوه . فسر بهم وأكرمهم وتسلم البلاد منهم ، وهي مرسية ، ~~وبلنسية ، وجيان ، وغير ذلك ، وتزوج أختهم . وأقاموا عنده مكرمين . وكان ~~اجتماعهم به بمدينة إشبيلية ، وقد دخل الأندلس في مائة ألف فارس في سنة ست ~~وستين وخمسمائة . ذكر غزوة الفرنج قال : وفي سنة ثمان وستين ، جمع أبو ~~يعقوب عساكره . وسار من إشبيلة وقصد بلاد الفرنج . ونزل على مدينة وبذي ، ~~وهي بالقرب من طليطلة شرقا منها ، وحصرها . فاجتمعت الفرنج مع الأدفونش ملك ~~طليطلة في جمع كبير ، فلم يقدموا على لقاء المسلمين . واتفق أن الغلاء اشتد ~~على المسلمين وعدمت الأقوات عندهم . فعادوا إلى إشبيلية . وأقام أبو يعقوب ~~بها إلى سنة إحدى وسبعين وهو يجهز العساكر في كل وقت ، ويرسلها إلى بلاد ~~الفرنج . وكان في هذه المدة عدة وقائع وغزوات ، ظهر فيها من شجاعة العرب ما ~~لا يوصف ، حتى كان الفارس من العرب يسير بين الصفين ويطلب مبارزة الفارس ~~المشهور من الفرنج ، فلا يبرز إليه أحد . ثم عاد أبو يعقوب إلى مراكش . ذكر ~~ملك أبي يعقوب مدينة قفصة قد ذكرنا أن صاحب ms5632 قفصة قدم على عبد المؤمن وهو ~~يحاصر المهدية ، وأطاعه ، وما قاله عبد المؤمن لحاجبه عند قدوم أهل قفصة من ~~إخبار المهدي عن قفصة . فلما كان في سنة ثمان وستين وخمسمائة ، دخلت طائفة ~~من الترك من ديار PageV24P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" مصر في أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن ~~أيوب مع قراقوش مملوك تقي الدين . واجتمع عليه مسعود بن زمام وجماعة من ~~العرب ، ونزلوا على طرابلس وملكوها ، واستولى على كثير من بلاد إفريقية . ~~فعند ذلك طمع صاحب قفصة ونزع يده من الطاعة ، واستبد بالأمر . ووافقه أهل ~~بلده فقتلوا من عندهم من الموحدين وذلك في شوال سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة ~~. فكتب والي بجاية إلى أبي يعقوب بالخبر واضطراب أمور البلاد . فسد الثغور ~~التي يخشى عليها بعد مسيره . وسار إلى إفريقية في سنة خمس وسبعين ، ونزل ~~على مدينة قفصة وحصرها ثلاثة أشهر ، وقطع أشجاره . فلما اشتد الأمر على ~~صاحبها خرج منها مستخفيا لم يعلم به أحد من أهل البلد . وجاء إلى خيمة أبي ~~يعقوب فاستأذن عليه . فأذن له وقد عجب من إقدامه على الدخول عليه بغير أمان ~~. فدخل عليه واستعطفه وقال : " قد حضرت أطلب عفو أمير المؤمنين عني وعن أهل ~~بلدي ، وأن يفعل ما هو أهله . فعفا عنه وعن أهل بلده . وتسلم المدينة في ~~أول سنة ست وسبعين وخمسمائة وسيره إلى المغرب فكان مكرما عزيزا ، وأقطعه ~~ولاية كبيرة . ورتب لقفصة واليا من الموحدين . ووصل مسعود بن زمام أمير ~~العرب إلى يوسف . فعفا عنه وسيره إلى مراكش . وتوجه يوسف إلى المهدية ~~وشاهدها . ووافها رسول من صاحب صقلية يلتمس الصلح ، فهادنه عشر سنين ، ورجع ~~إلى المغرب . ذكر وفاة أبي يعقوب يوسف كانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ~~ثمانين وخمسمائة . وكان قد سار إلى بلاد الأندلس في جمع عظيم . فلما عبر ~~الخليج قصد غزو الفرنج ، فحصر مدينة شنترين شهرا . فأصابه بها مرض ، فمات ~~وحمل في تابوت إلى مدينة إشبيلية . وكانت مدة ولايته اثنتين وعشرين سنة ~~وشهورا . ومات وله عدة من الأولاد ، رأيت في بعض التواريخ ms5633 أنهم كانوا خمسة ~~عشر ، وهم عمر ، ويعقوب وهو ولي عهده ، وأبو بكر ، وعبد الله ، وأحمد ، ~~ويحيى ، وموسى ، وإبراهيم ، وإدريس ، وعبد العزيز ، وطلحة ، وإسحاق ، ومحمد ~~، وعبد الواحد ، وعثمان ، وعبد الحق ، وعبد الرحمن . فهذه سبعة عشر عدها ~~وجمع على خمسة عشر ، والله أعلم . PageV24P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" وذكر هذا المؤرخ أن وفاته كانت في يوم السبت ~~لسبع خلون من شهر رجب من السنة ، من طعنة طعنها على مدينة شنترين من أيدي ~~الروم ، لما عبر المسلمون وتركوه في شرذمة يسيرة . ومات في الليلة الثالثة ~~. والله تعالى أعلم . وقال أيضا : ودفن بتينمل عند أبيه وابن تومرت . قال : ~~وكان يحمل إليه من مال إفريقية في كل سنة وقرمائة وخمسين بغلا ، خارجا عما ~~يرتفع إله من سائر البلاد . وكان حسن السيرة ، يحب العلماء ويقربهم ~~ويشاورهم ، وهم أهل خاصته ، وكان فقيها علاما حافظا متقنا ، رحمه الله ~~تعالى . ذكر ولاية أبي يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن كانت ~~ولايته بعد وفاة أبيه في شهر ربيع الأول سنة ثمانين وخمسمائة . وكان أبوه ~~قد مات ولم يوص لأحد بالملك ، فاجتمع رأي أشياخ الموحدين وأولاد عبد المؤمن ~~على تقديم أبي يوسف يعقوب . فبايعوه وعقدوا له الولاية وقدموه للأمر ، ~~ودعوه بأمير المؤمنين . فقام بالملك أحسن قيام ، ورفع راية الجهاد ، وأحسن ~~السيرة . فاستقامت له الدولة بأسرها مع سعة أقطارها . ورتب ثغور الأندلس ، ~~وشحنها بالرجال ، ورتب المقاتلة في سائر بلادها ، وأصلح أحوالها ، وعاد إلى ~~مدينة مراكش . ذكر أخبار الملثمين وما ملكوه من إفريقية واستعادة ذلك منهم ~~قال : ولما بلغ علي بن إسحاق بن محمد بن علي بن غانية اللمتوني صاحب جزيرة ~~ميورقة ، وكان من أعيان الملثمين ، وفاة أبي يعقوب ، سار إلى بجاية في ~~عشرين شينيا ، وملكها في شعبان سنة ثمانين وخمسمائة ، وأخرج من كان بها من ~~الموحدين . وكان الأمير بها سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن . وخطب ~~اللموتوني بها للخليفة الناصر لدين الله العباسي . PageV24P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" فاتصل الخبر بأبي يوسف فجهز العساكر ~~واستعادها في صفر سنة إحدى وثمانين . وكان بها ms5634 يحيى وعبد الله أخوا علي بن ~~إسحاق قد تركهما بها وتوجه لحصار القسنطينة ، فخرجا منها هاربين والتحقا ~~بأخيهما . فأقلع إلى جهة إفريقية واجتمع بمن بها من العرب وانضاف إليه ~~الترك الذين كانوا قد دخولها من مصر . ودخل من مصر مملوك آخر اسمه بوزابه ، ~~فانضم إليه ، وكثر جمعه ، وقويت شوكته . واتبعوه جميعا لأنه من بيت الملك ~~ولقبوه بأمير المسلمين . فقصد بلاد إفريقية فملكها شرقا وغربا إلا مدينتي ~~تونس والمهدية ، فإن الموحدين حفظوهما على خوف وضيق وشدة . وانضاف إلى ~~الملثم كل مفسد يريد الفتنة والفساد والنهب . فأرسل الوالي على تونس وهو ~~عبد الواحد بن عبد الله الهنتاني إلى أبي يوسف يعلمه بالحال . فلما ورد ~~عليه الخبر اختار من عساكره عشرين ألف فارس من الموحدين . وقصد لقلة ~~العساكر لقة القوت في البلاد . وسار في صفر سنة ثلاث وثمانين ، فوصل إلى ~~مدينة تونس . وأرسل ستة آلاف مع ابن أخيه أبي حفص ، فساروا إلى علي بن ~~إسحاق الملثم وهو بقصفة فوافوه . وكان مع الموحدين جماعة من الترك الذين ~~كانوا مع قراقوش ، فلما التقوا خامر الترك عليهم ، وانضموا إلى أصحابهم ~~الذين مع الملثم . فانهزم الموحدون وقتل جماعة من مقدميهم . وذلك في شهر ~~ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين . قال : فأقام أبو يوسف بمدينة تونس إلى نصف ~~شهر رجب منها . ثم خرج في خمسة عشر ألف فارس من الموحدين وسار يريد حرب ~~الملثم . فالتقوا بالقرب من مدينة قابس واقتتلوا . فانهزم الملثم ومن معه . ~~وأكثر الموحدون القتل فيهم حتى كادوا يفنونهم . ورجع من يومه إلى قابس ~~ففتحها . وأخذ منها أهل قراقوش وأولاده وأمواله فحملهم إلى مراكش . وتوجه ~~إلى مدينة قفصة فحصرها ثلاثة أشهر ، وقطع أشجارها ، وخرب ما حولها . فأرسل ~~إليه الترك الذين كانوا بها في السر يسألونه الأمان لأنفسهم ولأهل قفصة . ~~فأجابهم إلى ذلك . وخرج الأتراك منها سالمين فسيرهم إلى الثغور لما رآه من ~~شجاعتهم ونكايتهم . وتسلم يعقوب البلد وقتل من فيه من الملثمين . وهدم ~~أسواره ، وترك المدينة مثل قرية . وظهر ما قاله المهدي . ولما فرغ من أمر ~~قفصة ms5635 واستقامت له إفريقية ، عاد إلى مراكش . فكان وصوله إليها في سنة أربع ~~وثمانين . PageV24P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" وأما ابن غانية اللمتوني فإنه ثبت بعد انكشاف ~~أصحابه وقاتل قتالا شديدا فأصابته جراحات كثيرة . ومر على وجهه فمات في ~~خيمة لعجوز أعرابية . وكان معه إخوته عبد الله ويحيى وأبو بكر وسير . ~~فقدموا عليهم يحيى لشجاعته وشهامته ولحقوا بالمغرب . ولم يزل بإفريقية يثور ~~تارة ويسكن أخرى . ذكر ملك الفرنج مدينة شلب وعودها إلى المسلمين وفي سنة ~~ست وثمانين وخمسمائة ، ملك الفرنج بغرب الأندلس مدينة شلب ، وهي من أكبر ~~مدن المسلمين . فوصل الخبر إلى أبي يوسف فتجهز بالعساكر الكثيرة . وعبر ~~المجاز إلى الأندلس ، وسير طائفة كثيرة في البحر . ونازل شلب وحصرها ، ~~وقاتل من بها قتالا شديدا حتى ذلوا وطلبوا الأمان . فأمنهم وتسلم البلد . ~~ورجع من به إلى بلادهم . وسير جيشا من الموحدين ومعهم جمع من العرب إلى ~~بلاد الفرنج . ففتحوا أربع مدن كان الفرنج قد ملكوها قبل ذلك بأربعين سنة ~~وقتلوا طائفة من الفرنج فخافهم ملك طليطلة ، وأرسل في طلب الهدنة فصالحه ~~خمس سنين . وعاد أبو يوسف بعد ذلك إلى مدينة مراكش . ذكر غزوة الفرنج ~~بالأندلس والوقعة الكبرى والثانية وحصر طليطلة كانت هذه الغزاة المباركة في ~~سنة إحدى وتسعين وخمسمائة . وكان سببها أن الفنش ملك الافرنج صاحب طليلطة ~~كتب إلى أبي يوسف كتابا ، نسخته : " باسمك اللهم ، فاطر السموات والأرض . ~~أما بعد ، أيها الأمير ، فإنه لا يخفى على ذي عقل لازب ، ولا ذي لب وذكاء ~~ثاقب ، أنك أمير الملة الحنيفية كما أنا أمير الملة النصرانية . وإنك لا ~~يخفى عليك ما هم عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل وإهمال الرعية ~~واشتمالهم على PageV24P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" الراحات . وأنا أسومهم سوم الخسف ، وأسبي ~~الذراري ، وأخلي الديار ، وأمثل بالكهول ، وأقتل الشباب ، ولا عذر لك في ~~التخلف عن نصرتهم ، وقد أمكنتك منهم القدرة ، وأنتم تعتقدون أن الله تعالى ~~فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم . والآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ~~ضعفا ، وقد فرض عليكم قتال اثنين منا بواحد منكم ms5636 . ونحن الآن نقاتل عددا ~~منكم بواحد منا . ولا تقدرون دفاعا ولا تستطيعون امتناعا . ثم حكي لي عنك ~~أنك أخذت في الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال ، وتمطل نفسك عاما بعد عام ، ~~تقدم رجلا وتؤخر أخرى . ولا أدري : الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما أنزل عليك ~~؟ وحكي لي عنك أنك لا تجد سبيلا إلى جواز البحر لعلة ما يسوغ لك التقحم بها ~~فها أنا أقول لك ما فيه الراحة وأعتذر عنك . ولك أن توفيني بالعهود ~~والمواثيق والأيمان : أن توجه بجملة من عبيدك في الشواني والمراكب وأجوز ~~إليك بجملتي . وأبارزك في أعز الأماكن عندك . فإن كانت لك ، فغنيمة عظيمة ~~جاءت إليك وهدية مثلت بين يديك . وإن كانت لي كانت يدي العليا عليك ~~واستحققت إمارة المسلمين والتقدم على الفئتين . والله يسهل الإرادة ويقرب ~~السعادة بمنه ، ولا رب غيره ولا خير إلا خيره . قال : فلما وصل كتابه وقرأه ~~كتب في أعلاه : " ارجع إليهم فنأتينهم بجنود لا قبل هلم بها ولنخرجنهم منها ~~أذلة وهم صاغرون . وأعاده إليه . وجمع عساكره وعبر المجاز إلى الأندلس . ~~وقيل : كان سبب عبوره إلى الأندلس أنه لما صالح الفرنج في سنة ست وثمانين ~~على ما ذكرناه ، بقيت طائفة من الفرنج لم ترض بالصلح . فلما كان الآن جمعت ~~تلك الطائفة جمعا من الفرنج وخرجوا إلى بلاد الإسلام فقتلوا وسبوا وأسروا ~~وغنموا وعاثوا . فانتهى ذلك إلى أبي يوسف . فجمع العساكر وعبر إلى الأندلس ~~في جيش يضيق به الفضاء . وجمعت الفرنج قاصيها ودانيها ، وأقبلوا إليه مجدين ~~واثقين بالظفر لكثرتهم . والتقوا في تاسع شعبان من السنة شمالي قرطبة عند ~~قلعة رباح بمكان يعرف بمرج الجديد . واقتتلوا قتالا عظيما . وكانت الحرب ~~قال : أولها على المسلمين ثم صارت الدائرة على الفرنج . فانهزموا أقبح ~~هزيمة وانتصر المسلمون عليهم . وكان عدد من قتل من الفرنج مائة ألف وستة ~~وأربعين ألفا . وأسر ثلاثة عشر ألفا . وحاز المسلمون من الخيل ستة وأربعين ~~ألفا ومن البغال مائة ألف ، ومن الحمير PageV24P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" مائة ألف . وكان يعقوب نادى في عسكره : من ~~غنم شيئا ms5637 فهو له سوى السلاح . فأحصى ما حمل إليه ، فكان يزيد على سبعين ألف ~~لباس . وقتل من المسلمين نحو عشرين ألفا . ولما انهزم الفرنج ، اتبعهم أبو ~~يوسف فرآهم قد خلفوا قلعة رابح وساروا عنها . فلملكها وجعل فيها واليا ~~وجندا . وسار إلى مدينة إشبيلية . وأما الفنش فإنه حلق رأسه ، ونكس صلبانه ~~، وركب حمارا ، وأقسم ألا يركب فرسا ولا بغلا حتى ينصر النصرانية . فجمع ~~جموعا كثيرة . فبلغ الخبر إلى أبي يوسف ، فأرسل إلى مراكش وغيرها من بلاد ~~الغرب يستنفر الناس من غير إكراه . فاجتمع إليه جمع عظيم . فالتقوا في شهر ~~ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة . فانهزم الفرنج هزيمة قبيحة . وغنم ~~المسلمون ما معهم من الأموال والسلاح والدواب وغير ذلك . وتوجه أبو يوسف ~~إلى مدينة طليطلة . فحصرها وقاتل من بها قتالا شديدا ، وقطع أشجارها . وشن ~~الغارة على ما حولها من البلاد . وفتح عدة حصون ، فقتل رجالها وسبى حريمها ~~، وهدم أسوارها ، وخرب دورها . فضعفت النصرانية حينئذ وعظم أمر الإسلام ~~بالأندلس . وعاد إلى إشبيلية فأقام بها . فلما دخلت سنة ثلاث وتسعين ~~وخمسمائة ، سار إلى الفرنج وفعل مثل فعله الأول والثاني . فذل العدو ~~واجتمعت ملوك الفرنج وراسلوه في الصلح ، فأجابهم إله بعد امتناع . وكان عزم ~~على أن لا يجيبهم إلى الصلح وأن يداوم الغزو حتى يفنيهم . فأتاه خبر علي بن ~~إسحاق الملثم بخروجه على إفريقية . فصالحهم سنين . وعاد إلى مراكش في آخر ~~سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة . ؟ ؟ ؟ ؟ ذكر ما فعله الملثم بإفريقية قال : ~~ولما عبر أبو يوسف يعقوب إلى الأندلس ، وداوم الغزو ، وانقطعت أخبراه عن ~~إفريقية ، قوي طمع علي بن إسحاق فيها . وكان بالبرية مع العرب . فعاود قصد ~~إفريقية . وبث جنده في البلاد وأكثر الفساد . وأظهر أنه إذا استولى على ~~بجاية سار إلى المغرب . فوصل الخبر إلى أبي يوسف فصالح الفرنج ، وعاد إلى ~~مراكش عازما على قصده وإخراجه . ولما عاد استعمل على مدينة تونس أبا سعيد ~~عثمان بن عمر الهنتاتي وولي أخاه أبا علي يونس بن عمر على المهدية . وجعل ~~قائد الجيش بالمهدية محمد بن عبد الكريم ms5638 ، PageV24P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" وهو رجل مشهور بالشجاعة . فعظمت نكايته في ~~العرب ، ولم يبق إلا من يخافه . وخرج إلى طائفة من عوف ، فانهزموا منه ~~وتركوا أموالهم وعيالهم . فأخذ الجميع ورجع إلى المهدية . وأخذ من الغنيمة ~~والأسلاب ما شاء ، وسلم البعض لأبي علي ، والبعض للجند . فجاءت تلك الأعراب ~~إلى أبي سعيد بن عمر فوحدوا وصاروا من حزب الموحدين . واستجاروا بأبي سعيد ~~في رد عيالهم وأموالهم . فأحضر محمد بن عبد الكريم وأمره بإعادة ما أخذ لهم ~~. فقال : أخذه الجند ولا أقدر على رده . فأغلظ له في القول وأراد أن يبطش ~~به . فاستمهله إلى أن يرجع إلى المهدية ويسترد من الجند ما يجده ، وما عدم ~~غرمه من ماله ؛ فأمهله . وانصرف إلى المهدية وهو لا يأمن على نفسه . فلما ~~وصل إليها جمع أصحابه ، وأعلمهم بما كان من أبي سعيد ، وحالفهم على ~~المخالفة عليه ، فحلفوا له على ذلك . فقبض على أبي علي يونس وتغلب على ~~المهدية وملكها ونزع يده من الطاعة . فأرسل إليه أبو سعيد في إطلاق أخيه ~~يونس . فأطلقه على اثني عشر ألف دينار ، فأخذها وفرقها في جنده . فجمع أبو ~~سعيد الجند وأراد قصده . فأرسل محمد بن عبد الكريم إلى علي بن إسحاق الملثم ~~واعتضد به . فامتنع أبو سعيد من قصده . وفي خلال ذلك مات أبو يوسف . ذكر ~~وفاة أبي يوسف يعقوب كانت وفاته في سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وتسعين ~~وخمسمائة بمدينة سلا . وكان قد سار إليها من مراكش ، وبني مدينة مجاورة لها ~~وسماها المهدية ، وجاءت من أحسن البلاد وأنزهها . فسار ليشاهدها فتوفي بها ~~. وقيل : بل توفي بمراكش بعد انصرافه من سلا ، في جمادى الأولى سنة خمس ~~وتسعين . وقيل : بل كانت وفاته في صفر منها . وكانت ولايته خمس عشرة سنة . ~~وكان رحمه الله دينا ، حسن السيرة ، كثير الجهاد ، إلا أنه كان يتمذهب ~~بمذهب الظاهرية ولا يكتمه . فعظموا في أيامه وانتشروا في البلاد ، ومال ~~إليهم . PageV24P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" وحكى بعض المؤرخين أنه كان في سنة ثلاث ~~وثمانين وخمسمائة أظهر الزهد والتقشف وخشونة المأكل ms5639 والملبس . وانتشرت في ~~أيامه الصالحون وأهل الحديث . وانقطع علم الفروع . وأمر بإحراق كتب المذهب ~~عبد أن يجرد منها الحديث والقرآن . فحرق منها جملة في سائر البلاد كالمدونة ~~وكتاب ابن يونس ، ونوادر ابن أبي زيد ، ومختصره ، والتهذيب للبرادعي ، ~~والواضحة . وأمر بجمع الحديث من المصنفات كالبخاري ، ومسلم ، والترمذي ، ~~والموطأ ، وسنن أبي داود ، والبزار ، وابن أبي شيبة ، والدار قطني ، ~~والبيهقي ، فجمع ذلك كله . فكان يمليه بنفسه على الناس ويأخذهم بحفظه . قال ~~: وانتشر هذا المجموع في بلاد المغرب ، وحفظه العوام والخواص . وكان يجعل ~~لمن حفظه الجوائز السنية . وكان قصده أن يمحو مذهب مالك من بلاد المغرب ، ~~ويحمل الناس على الظاهر من الكتاب والسنة . وكان له من الأولاد محمد وهو ~~ولي عهده ، وإبراهيم ، وعبد الله ، وعبد العزيز ، وأبو بكر ، وزكريا ، ~~وإدريس ، وعيسى ، وموسى ، وصالح ، وعثمان ، ويونس ، وسعد ، ومساعد . فهؤلاء ~~أربعة عشر ولدا . ولما مات ولي بعده ابنه محمد . ذكر ولاية محمد أبي عبد ~~الله محمد بن أبي يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ابن علي ~~الملقب الناصر لدين الله كان أبوه قد ولاه العهد في حياته . واستقل بالملك ~~بعده ، واستقام أمر دولته ، وأطاعه الناس ، وذلك في جمادى الأولى سنة خمس ~~وتسعين وخمسمائة . ولما ولي اتصل به فساد إفريقية . فأنفذ عمه أبا العلاء ~~في سبعين شينيا مشحونة بالعدد والمقاتلة . وجهز جيشا في البر مع أبي الحسن ~~علي بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن فوصل إلى قسنطينة الهواء . ووصل الأسطول ~~إلى بجاية . فلما اتصل خبرهم بعلي بن إسحاق ومن معه من العرب هربوا وتركوا ~~إفريقية ودخلوا إلى الصحراء . وتمادى بعض الأسطول إلى المهدية ، فقبح ~~مقدمهم على محمد بن عبد الكريم فعله . فشكان إليه ما ناله من أبي سعيد ، ~~وقال : أنا في طاعة سيدنا أمير المؤمنين محمد ، وما أسلم المهدية إلا له أو ~~لمن يأمرني بتسليمها إليه . وأما أبو سعيد فلا أسلمها إليه أبدا . فأرسل ~~محمد من تسلمها منه . وعاد إلى الطاعة . PageV24P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" قال : وجهز محمد جماعة من العرب إلى الأندلس ~~واحتاط ms5640 واحترز . فأتاه جماعة رسل من ملوك الفرنج يطلبون دوام الهدنة ~~ويشاهدون أحوال الدولة . فأنزلهم على العادة ، وحضروا مجلسه فطلبوا دوام ~~الهدنة التي كانت بينهم وبين أبيه ، واستقراض مائة ألف دينار . فقال لهم : ~~المال والحمد لله لدينا والرجال ، ونحن نجيب إلى ذلك بشرط أن ترهنوا عندنا ~~معاقل على المال تكون بأيدينا إلى حين الوفاء . وإن كان هذا منكم امتحانا ~~فالسيوف التي تعرفون ما ردت في أغمادها والرماح ما حصلت على أوتادها . ~~فانصرفوا وقد ملأ قلوبهم رعبا . وأبقوا الهدنة على ما كانت وأعرضوا عن ذكر ~~السلف . قال : وخرج أقارب يحيى بن إسحاق الميورقي من ميورقة لما علموا بموت ~~يعقوب في أسطول كبير إلى جزيرة منرقة ، وهي في طاعة محمد . ففتحوها واحتووا ~~على أموالها ، وتركا فيها جندا يحفظونها . فاتصل ذلك بالأمير محمد . فجهز ~~أسطولا في غير أوان ركوب البحر في كانون ، وقدم عليهم أبا زيد . فوصل إلى ~~منرقة ففتحها عنوة بالسيف وقتل بعض من فيها . وتوجه إلى جزيرة ميورقة ~~ففتحها وقتل بعض من بها من الجند . وأسر ثلاثة من أقارب يحيى ابن إسحاق ~~وقتل منهم واحد في المعركة . وذلك كله في سنة خمس وتسعين وخمسمائة . انتهى ~~تاريخ ابن شداد وابن الأثير في أخبار المغرب إلى هذه الغاية . وقال غيرهما ~~ممن أرح للمغاربة : وفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة ، قام بالسوس رجل جزولي ~~يعرف بأبي قصبة ، ودعا لنفسه ، واجتمع عليه خلق كثير ثم هزمه الموحدون ~~وأسلمه أصحابه ، وقتل . وفي سنة إحدى وستمائة ، تجهز محمد بن يعقوب في جيوش ~~عظيمة لقصد إفريقية ، وكان يحيى بن غانية اللمتوني قد استولى عليها ما خلا ~~قسنطينة وبجاية . فنزل إفريقية وملكها ، ولم يمتنع عليه منها إلا المهدية . ~~فأقام عليها أربعة أشهر ، وكان فيها الحسن بن علي بن عبد الله بن محمد بن ~~غانية واليا لابن عمه يحيى . فلما طال عليه الحصار سلمها وخرج يقصد ابن عمه ~~. ثم بداله فراسل الأمير محمدا فقبله أحسن قبول ووصله بالصلات السنية . ~~PageV24P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" ثم ترك بإفريقية من يقوم بحمايتها ، واستعمل ~~عليها أبا محمد ms5641 عبد الواحد . ورجع إلى مراكش في سنة أربع وستمائة . وأقام ~~بها إلى أول سنة سبع وستمائة . فقصد بلاد الروم بالغزو ، ونزل على قلعة ~~تسمى شلب ترة ففتحها . فجمع له الأذفنش جموعا عظيمة من الأندلس والشام ~~والقسطنطينية . فالتقيا بموضع يعرف بالعقاب . فدهم الأدفنش المسلمين وهم ~~على غير أهبة . فانهزموا وقتل من الموحدين خلق كثير . وثبت الأمير محمد ~~ثباتا لم ير من ملك قبله . ولولا ذلك لاستؤصلت تلك الجموع . ثم رجع إلى ~~مراكش . وكانت الهزيمة في يوم الاثنين منتصف صفر سنة تسع وستمائة . وانفصل ~~الأدفنش ، وقصد بياسة فوجدها خالية . فقصد أبذة فوجد فيها من المسلمين عددا ~~كثيرا من المنهزمين وأهل بياسة . فأقام عليها ثلاثة عشر يوما ، ودخلها عنوة ~~وسبي وغنم . فكانت هذه أشد على المسلمين من الهزيمة . ذكر وفاة أبي عبد ~~الله محمد وشيء من أخباره كانت وفاته بمدينة مراكش لعشر خلون ، وقيل : لخمس ~~خلون من شعبان سنة عشر وستمائة . فكانت ولايته خمس عشرة سنة وشهورا . وكان ~~شديد الصمت ، بعيد الغور ، كثير الإطراق ، حليما ، شجاعا ، عفيفا عن الدماء ~~، قليل الخوض فيما لا يعنيه ، إلا أنه كان نحيلا ألثغ . وكان له من الأولاد ~~يوسف ، وهو ولي عهده ، ويحيى ، وإسحاق . توفي يحيى في حياته . ولما مات ولي ~~بعده ابنه يوسف . ذكر ولاية يوسف بن محمد بن يعقوب ابن يوسف بن عبد المؤمن ~~بن علي كانت ولايته بعد وفاة أبيه في شعبان سنة عشر وستمائة ، وعمره يوم ~~ذاك ست عشرة سنة . وقام ببيعته من القرابة أبو موسى عيسى ابن عبد المؤمن عم ~~جده ، الذي دخل عليه الميورقيون بجاية ، وهو آخر من بقي من ولد عبد المؤمن ~~لصلبه ، وأبو زكريا يحيى بن عمر بن عبد المؤمن بويع له البيعة الخاصة في ~~يومي الخميس PageV24P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" والجمعة ، بايعه أشياخ الموحدين والقرابة . ~~وفي يوم السبت أذن للناس عامة وأبو عبد الله بن عياش الكاتب قائم على رأسه ~~يقول للناس : تبايعون أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ، على ما بايع عليه ~~أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من ms5642 السمع والطاعة في المنشط ~~والمكره واليسر والعسر ، والنصح له ولولاته ولعامة المسلمين ، هذا ماله ~~عليكم . ولكم عليه أن يحمي ثغوركم ، وأن لا يدخر عنكم شيئا مما نعمكم ~~مصلحته ، وأن يعجل لكم عطاءكم . وأن لا يحتجب دونكم . أعانكم الله على ~~الوفاء ، وأعانه على ما قلده من أموركم . قال المؤرخ : ولما مضى من ولاية ~~يوسف هذا أربعة أشهر ، قبض على رجل كان قد ثار عليهم اسمه عبد الرحمن ، ~~ادعى أنه من أولاد العاضد من خلفاء المصرين . وكان خروجه في زمن أبيه محمد ~~بن يعقوب ، والتفت عليه ببلاد صنهاجة جماعة كبيرة . وكان كثير الإطراق ~~والصمت ، حسن الهيئة . وقصد سجلماسة في حياة محمد بن يعقوب في جيش عظيم . ~~فخرج إليه متوليها سليمان بن عمر بن عبد المؤمن . فهزمه عبد الرحمن هذا ، ~~وأعاده إلى سلجلماسة أسوأ عود . ولم يزل يتنقل في قبائل البربر ولا تثبت ~~عليه جماعة لأنه غريب البلد ، حتى قبض عليه بظاهر فاس . فضربت عنقه وصلب ، ~~ووجه برأسه إلى مراكش . وثار في أيام يوسف رجل ببلده جزولة يدعى أنه فاطمي ~~، فقتل وجيء برأسه . وثار آخر من صنهاجة ، فقتل في سنة ثماني عشرة وستمائة ~~، بعد أن أثر آثارا قبيحة ، وهزم بعوثا كثيرة ، وافسد خلقا من الناس . ~~واستمر يوسف هذا إلى سنة عشرين وستمائة . ذكر وفاة يوسف بن محمد كانت وفاته ~~في شوال أو ذي القعدة سنة عشرين وستمائة . فكانت ولايته عشر سنين وثلاثة ~~أشهر تقريبا . ولم أقف من أخباره على غير ما وضعت ، فأورده . ذكر ولاية أبي ~~محمد عبد العزيز بن يوسف ابن عبد المؤمن كانت ولايته في ذي القعدة سنة ~~عشرين وستمائة بعد وفاة يوسف ابن محمد . وكان يوسف بن محمد ولاه مدينة ~~إشبيلية حين عزل عنها أخا أبا العلاء إدريس وولاه إفريقية . فلما توفي يوسف ~~اضطرب الأمر . فاجتمع معظم الناس على تقديم أبي محمد عبد العزيز . فبايعوا ~~له وولوه أمرهم . PageV24P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" قالوا : وكان عبد العزيز هذا في أيام إمارته ~~قبل أن يصير الأمر إليه مجتهدا في دينه ، شديد البصيرة في ms5643 أمره ، قوي ~~العزيمة ، شديد الشكيمة ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، أرطب الناس لسانا ~~بذكر الله وأتلاهم لكتابه ، مع دمائه خلق ولين جانب وخفض جناح لأصحابه ، مع ~~سخاء نفس وطلاقة وجه . هذا ما وقفت عليه من أخبار ملوك دولة الموحدين مما ~~دون لهم ، على ما فيه من الاختصار . ثم انقطعت أخبار ملوك المغرب عن الديار ~~المصرية . فلم يصل إلينا من خبرهم إلا ما نقتلقه من أفواه الناس . ولم ~~يتحقق من أخبارهم ما نورده فتكون العمدة عليه ، لكنا علمنا من ولي الأمر من ~~ملوك هذه الدولة بعد أبي محمد عبد العزيز هذا واحدا بعد واحد إلى أن انقرضت ~~الدولة وقامت دولة زناتة ، من غير أن نتحقق تاريخ ولاية أحد منهم ولا وفاته ~~. فرأينا أن نذكر ذلك مجردا عاريا من الأخبار والوقائع . ونقلت ذلك عن ثقة ~~أخبرني أنه نقله عن ثقات . وها أنا أورده كما أخبرني . قال : ولي الأمر بعد ~~أبي محمد عبد العزيز المستنصر بالله أبو يعقوب يوسف بن الناصر لدين الله ~~أبي عبد الله محمد بن المنصور بالله أبي يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن ~~عبد المؤمن . ثم ولي الأمر بعده أبو محمد عبد الواحد بن أبي يعقوب يوسف ابن ~~عبد المؤمن . ثم ولي الأمر بعده العادل أبو محمد عبد الله بن المنصور بالله ~~أبي يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن . ثم ولي بعده أبو زكريا ~~يحيى بن الناصر لدين الله أبي عبد الله محمد ، وهو أخو المستنصر بالله ~~المقدم ذكره . ثم ولي بعده أبو العلاء إدريس المأمون بن المنصور أبي يوسف ~~يعقوب . ثم ولي بعده ابنه الرشيد عبد الواحد بن المأمون إدريس . ثم ولي ~~بعده أخوه السعيد أبو الحسن علي بن المأمون إدريس ، وهو المعروف بالبراك ، ~~وإنما سمي بالبراك لثبوته في الحرب . ثم ولي بعده المرتضى أبو حفص عمر بن ~~أبي إبراهيم إسحاق . ثم ولي بعده الواثق بالله أبو العلاء إدريس المعروف ~~بأبي دبوس ابن أبي عبد الله محمد بن عمر بن عبد المؤمن ، وإنما ms5644 سمي بأبي ~~دبوس لثقل دبوسه . PageV24P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" ثم ولي بعده ولده أبو مالك عبد الواحد بن أبي ~~العلاء إدريس . وعليه انقرضت دولتهم وقامت الدولة المرنية ، وهم زنانة ، ~~وهي الدولة القائمة في عصرنا هذا . ولما انتزع من الملك انتقل إلى بلاد ~~الفرنج فكان بها إلى أن ثار على بني أبي حفص بساحل طرابلس الغرب وأعانته ~~الأعراب على ذلك . ثم قتل بعد أربعة أشهر أو نحوها من نهوضه ولم يتم له ما ~~قصده . ثم قام بعده أخوه أبو سعيد عثمان بن إدريس ، وملك مدينة قابس وبلاد ~~نفزاوة ، وأقام بها مدة . ثم أخرج منها فتوجه مع العرب إلى البرية . ثم ثار ~~معهم بإفريقية حتى انتهى إلى جبل الريحان ، وهو على مرحلة من تونس . ثم ~~خذله العرب فتوجه إلى بلاد الفرنج . قال : وكان انقراض دولة الموحدين في ~~سنة ست وستين وستمائة تقريبا . جامع أخبار دولة الموحدين كانت مدة قيام هذه ~~الدولة من حين ظهر المهدي محمد بن تومرت في سنة أربع عشرة وخمسمائة وإلى ~~حين انقراضها في سنة ست وستين وستمائة ، مائة سنة وثلاثا وخمسين سنة تقريبا ~~. وعدة من ملك منهم سبعة عشر ملكا ، وهم : المهدي محمد بن تومرت الحسني . ~~عبد المؤمن بن علي . أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن . أبو يوسف يعقوب بن أبي ~~يعقوب يوسف بن عبد المؤمن . أبو عبد الله محمد بن أبي يوسف . ولده يوسف بن ~~محمد . أبو محمد عبد العزيز بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن . المستنصر ~~بالله أبو يعقوب يوسف بن أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف يعقوب بن أبي يعقوب ~~يوسف بن عبد المؤمن . أبو محمد عبد الواحد بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ~~PageV24P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" . أبو محمد عبد الله بن أبي يوسف يعقوب بن ~~أبي يعقوب يوسف ابن عبد المؤمن . أبو زكريا يحيى بن أبي عبد الله محمد بن ~~أبي يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن . أبو العلاء إدريس بن أبي ~~يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف ابن ms5645 عبد المؤمن . ولده عبد الواحد بن إدريس . ~~أخوه أبو الحسن علي بن إدريس وهو البراك . أبو حفص عمر بن أبي إبراهيم ~~إسحاق . أبو العلاء إدريس بن أبي عبد الله محمد بن عمر بن عبد المؤمن . ~~ولده أبو مالك عبد الواحد بن أبي العلاء إدريس . ذكر تسمية ملوك بني مرين ~~أول من قام من ملوكهم أبو بكر بن عبد الحق . استولى على بعض بلاد الموحدين ~~بني عبد المؤمن ثم مات قبل أن يخلص له الأمر ببلاد المغرب . فملك بعده أخوه ~~يعقوب بن عبد الحق المعروف بابن تابطويت وهي أمه نسبت إلى قبيلة بطويت ، ~~وهي قبيلة كبيرة من قبائل زناتة . وفي أيامه انقرضت دولة بني عبد المؤمن ، ~~وعظم شأنه ، واتسع ملكه ، وطالت مدته ثم مات . فملك بعده ولده يوسف المعروف ~~بأبي الزردات واهتز له المغرب ، وعظم شأنه ، وهابه ملوك المغرب ومع ذلك لم ~~يأت بطائل . وحاصر تلمسان فمكث على حصارها نحو أربع عشرة سنة ، وابتني ~~عليها مدينة سكنها بجيوشه . ومات قبل أن يملكها ، وذلك أن بعض خدامه وثب ~~عيه فضربه . فلما تحقق الموت عهد بالملك إلى ولده أبي سالم إبراهيم فملك ~~بعده وخالف عليه ابن أخيه أبو ثابت عامر بن عبد الله بن يوسف أبي الزردات ~~وعمه أبو يحيى أبو بكر بن يعقوب بن عبد الحق . واجتمع عليهما بنو مرين وهم ~~على تلمسان . فخافهما إبراهيم وهرب من ليلته ، فاتبع وقتل . PageV24P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" واستقر الملك لعامر وعم أبيه أبي يحيى يوما ~~واحدا . ثم قام عبد الله ابن أبي مدين المكناسي وزير يوسف بن يعقوب - وهو ~~المستولي على الدولة - وعلم أن أبا يحيى إن استمر تغلب على الملك وتحكم ~~عليه ، ورأى أنه إذا انفرد عامر بالملك مع صغر سنه كان هو المتحكم في ~~المملكة فأغرى عامرا بأبي يحيى ، فأمر به فقتل في اليوم الثاني . واستقل ~~عامر بالملك مدة سنة واحدة وشهر ثم مات بطنجة . فقام لطلب الملك بعده عمه ~~علي بن يوسف المعروف بابن رزيجة ورزيجة أمه أم ولد . فلم يتم له أمر ms5646 . فقام ~~عبد الله بن أبي مدين الوزير وبايع لأبي الربيع سليمان بن عبد الله بن يوسف ~~بن يعقوب ، وهو ابن سبع عشرة سنة أو نحوها . واستقر في الملك ثلاث سنين حتى ~~مات بناحية تازا . ثم ملك بعده عم أبيه عثمان بن يعقوب . وقتل ابن أبي مدين ~~في أيام سليمان بن عبد الله بأمره بمدينة فاس . وولي الوزارة بعده لأبي ~~الربيع سليمان أخوه محمد بن أبي مدين . وعثمان هذا هو الملك القائم في ~~وقتنا هذا ، في سنة تسع عشرة وسبعمائة . وإنما اقتصرنا من أخبارهم على هذه ~~النبذة لأنهم منعوا في ابتداء دولتهم أن يؤرخ لهم أو تدون أخبارهم ، وقتلوا ~~محمد بن عبد الله ابن أبي بكر القضاعي المعروف بابن الأبار ، وكان قد أرخ ~~أخبارهم وأخبار غيرهم ، وأعدموا ما وجدوه عنده وعند غيره من أوراق التاريخ ~~المنسوبة لهم ولغيرهم . فهذا هو الذي منع من انتشار أخبارهم . فلنذكر أخبار ~~جزيرة صقلية واقريطش . ذكر أخبار جزية صقلية ومن غزاها من المسلمين وما ~~افتتح منها ، وكيف استولت الفرنج - خذلهم الله تعالى - عليها قد ذكرنا صفة ~~جزيرة صقلية ، وما بها من الأنهار والعيون والفواكه والأشجار والنبات ~~والكلأ ، وما بها من المدن المشهورة . وأنينا على ذلك مبينا ، وهو في السفر ~~الأول من كتابنا هذا في أخبار الجزائر . فلنذكر الآن في هذا الموضع خلاف ما ~~قدمناه من أخبارها . فنقول : PageV24P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" أول من غزا جزيرة صقلية في الإسلام عبد الله ~~بن قيس الفزاري من قبل معاوية بن حديج ، وكان قد بعثه من إفريقية ، وذلك في ~~خلافة معاوية بن أبي سفيان . ففتح وسبى وغنم فكان مما غنم أصناما من ذهب ~~وفضة مكللة بالجواهر . فحملها إلى معاوية بن أبي سفيان . فأنفذها معاوية ~~إلى الهند لزيادة ثمنها . فأنكر المسلمون ذلك عليه . ثم غزاها بعد ذلك محمد ~~بن أبي إدريس الأنصاري ، في أيام يزيد بن عبد الملك ، فقدم بغنائم وسبايا . ~~ثم غزاها بشر بن صفوان الكلبي ، في أيام هشام بن عبد الملك فقدم بغنائم ~~وسبايا . ثم غزاها حبيب بن أبي عبيدة ms5647 ، في سنة اثنتين وعشرين ومائة ومعه ~~ولده عبد الرحمن بن حبيب . فوجهه على الخيل فلم يلقه أحد إلا هزمه عبد ~~الرحمن حتى انتهى إلى سرقوسة ، وهي دار الملك فقاتلوه ، فهزمهم وضرب باب ~~المدينة بسيفه فأثر فيه . فهابه النصارى ورضوا بالجزية . فأخذها منهم ثم ~~توجه إلى أبيه . فرجعا إلى إفريقية . ثم غزاها عبد الرحمن بن حبيب ، في سنة ~~ثلاثين ومائة فظفر ثم اشتغل ولاة إفريقية بالفتن التي قدمنا ذكرها في ~~أخبارهم فأمن أهل جزيرة صقلية ، وعمرها الروم من كل الجهات ، وبنوا بها ~~المعامل والحصون ، ولم يتركوا جبلا إلا جعلوا عليه حصنا . وفي سنة إحدى ~~عشرة ومائتين ، ولي ملك القسطنطينية على صقلية قسنطين البطريق الملقب بسودة ~~فعمر سطولا وسيره إلى بر إفريقية . وولي عليهم فيمي الرومي ، وكان مقدما من ~~بطارقته ، فاختطف من بعض سواحلها مجازا ، وبقي مدة . فوصل كتاب صاحب ~~القسطنطينية إلى قسنطين ، يأمره بعزل فيمى وأن يعذبه لشيء بلغه عنه . فاتصل ~~ذلك بفيمى ، فمضى إلى مدينة سرقوسة . وملكها ونزع يده من الطاعة . فخرج ~~إليه قسنطين ، فالتقوا واقتتلوا ، فانهزم قسنطين وقتل . وخوطب فيمي بالملك ~~. وكان ممن انقطع إليه علج من الأرمنيين ، يقال له بلاطة . فقدمه وولاه على ~~ناحية من الجزيرة . فخالف على فيمي وخرج إليه وقاتله . فانهزم فمي وقتل من ~~أصحابه ألف رجل . ودخل بلاطة مدينة سرقوسة . PageV24P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" وركب فيمي ومن معه في البحر . وتوجه إلى ~~إفريقية إلى زيادة الله ابن إبراهيم بن الأغلب يستنصر به . فجمع زيادة الله ~~وجوه أهل القيروان وفقهاءها واستشارهم في إنفاذ الأسطول إلى جزيرة صقلية . ~~فقال بعضهم : نغزوها ولا نسكنها ولا نتخذها وطنا . فقال سحنون بن قادم رحمه ~~الله : كم بينها وبين بلاد الروم ؟ فقال : يروح الأنسان مرتين وثلاثة في ~~النهار ويرجع . قال : ومن ناحية إفريقية . قالوا : يوم وليلة . قال : لو ~~كنت طائرا ما طرت عليها . وأشار من بقي بغزوها . ورغبوا في ذلك ، وسارعوا ~~إليه . فخرج أمر زيادة الله إلى فيمي بالتوجه إلى مرسى سوسة ، والإقامة ~~هناك إلى أن يأتيه الأسطول . وجمع الأسطول والمقاتلة . واستعمل ms5648 عليهم ~~القاضي أسد بن الفرات . وأقلع الأسطول من مدينة سوسة يوم السبت النصف من ~~شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين ، وهو نحو مائة مركب سوى مراكب فيمي ~~، وذلك في خلافة المأمون . فوصل مازر يوم الثلاثاء . فأمر بالخيل فأخرجت من ~~المراكب ، وكانت سبعمائة فرس وعشرة آلاف راجل . وأقام ثلاثة أيام . فلم ~~يخرج إليه إلا سرية واحدة . فأخذها ، فإذا هي من أصحاب فيمي ، فتركها . ثم ~~رحل من مازر على تعبئة قاصدا بلاطة وهو بمرج ينسب إليه . فعبأ القاضي أسد ~~أصحابه للقتال . وأفرد فيمي ومن معه ولم يستعن بهم . والتقوا واقتتلوا ، ~~فانهزم بلاطة من معه . وقتل منهم خلق كثير . وغنم المسلمون ما معهم . ولحق ~~بلاطة بقصريانة ثم غلبه الخوف فخرج منها إلى أرض قلورية فقتل بها . ثم سار ~~القاضي أسد إلى الكنيسة التي على البحر وتعرف بأفيمية واستعمل على مازر أبا ~~زكي الكناني . ثم سار إلى كنيسة المسلقين . فلقيه طائفة من بطارقة سرقوسة ~~فسألوه الأمان خديعة مكرا . واجتمع أهل الجزيرة إلى قلعة الكراث وجمعوا ~~فيها جميع أموال أهل الجزيرة . وذل أهل سرقوسة وألقوا بأيديهم . فلما شاهد ~~ذلك فيمي داخلته حمية الكفر . فأرسل إليهم أن يثبتوا وأن يجدوا في الحرب ~~ويستعدوا . وأقام القاضي أسد PageV24P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" في موضعه أياما . وتبين له أنهم مكروا به حتى ~~أصلحوا حصنهم وأدخلوا إليه جميع ما كان في الربض وفي الكنائس من الذهب ~~والفضة والميرة . فتقدم وناصبهم القتال . وبث السرايا في كل ناحية فغنموا ~~وسبوا سبيا كثيرا . وأتوه بالسبي والغنائم وأتته الأساطيل من إفريقية ~~والأندلس . وشدد القاضي الحصار على مدينة سرقوسة . فسألوه الأمان فأراد أن ~~يفعل . فأبى عليه المسلمون وعاودوا الحرب . فمرض القاضي أسد في خلال ذلك ، ~~ومات في شعبان سنة ثلاث عشرة ومائتين . ذكر ولاية محمد بن أبي الحواري قال ~~: ولما توفي القاضي أسد بن الفرات ، ولي المسلمون على أنفسهم محمد بن أبي ~~الحواري ، فضيق على أهل سرقوسة . فوصل من القسطنطينية أسطول كبير وعساكر في ~~البر . فعزم المسلمون على العود إلى إفريقية ، فرحلوا عن سرقوسة وأصلحوا ms5649 ~~مراكبهم وركبوها . فوقفت مراكب الروم على المرسى الكبير ومنعوهم من الخروج ~~. فأحرق المسلمون مراكب نفوسهم . ورحلوا إلى حصن مناو ومعهم فيمي . فملكوا ~~الحصن وسكنوه . وملكوا حصن جرجنت وسكنه طائفة من المسلمين . ثم خرج فيمي ~~إلى قصريانة ، فخرج إليه أهلها وبذلوا له الطاعة وخدعوه . وقالوا له : نكون ~~نحن وأنت والمسلمون على كلمة واحدة ونخلع طاعة الملك . وسألوه أن يرجع عنهم ~~ذلك اليوم لينظروا فيما يصالحون عليه . فرجع عنهم يومه ذلك . ثم جاءهم في ~~الغد في نفر يسير . فخرجوا يقبلون الأرض بين يديه ، وكانوا قد دفنوا سلاحا ~~في تلك البقعة . فلما قرب منهم ، أخرجوا السلاح وثاروا به فقتلوه . ثم وصل ~~تودط البطرك من القسطنطينية في عساكر عظيمة من الأرمن وغيرهم ، وتوجه إلى ~~قصريانة . وخرج بمجموعة للقاء المسلمين . فالتقوا فانهزم تودط . وقتل من ~~عسكره خلق كثير ، وأسر من بطارقته تسعون بطريقا . ثم توفي محمد بن أبي ~~الحواري في أول سنة أربع عشرة ومائتين . فولي المسلمون عليهم زهير بن برغوث ~~. وكان بينه وبين تودط حروب كثيرة . وحاصر المسلمين في حصنهم وضاقت عليهم ~~الميرة وقلت الأقوات حتى أكلوا PageV24P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" دوابهم . ولم يزالوا كذلك حتى قدم أصبغ بن ~~وكيل الهواري في مراكب كثيرة من الأندلس قد خرجوا غزاة ، وقدم سليمان بن ~~عافية الطرطوشي بمراكب . فأرسل المسلمون إليهم وسألوهم النصرة ، وأرسلوا ~~إليهم دواب . فخرجوا وقصدوا تودط ، وهو مقيم على مناو فانصرف إلى قصريانة ~~وارتفع الحصار عن المسلمين ، وذلك في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة ومائتين . ~~ذكر فتح مدينة بلرم كان ابتداء حصارها في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة ~~ومائتين . ودام إلى شهر رجب سنة عشرين ومائتين ، وفتحت بالأمان ، وذلك في ~~ولاية محمد بن عبد الله بن الأغلب . وفي سنة خمس وعشرين ومائتين ، استأمنت ~~قلاع كثيرة من قلاع جزيرة صقلية منها جرصة وقلعة البلوط ، وابلاطنوا وقلعة ~~قرلون ، ومرناو ، وغير ذلك . ذكر وفاة محمد بن عبد الله بن الأغلب وولاية ~~العباس بن الفضل بن يعقوب وفي سنة ست وثلاثين ومائتين ، توفي محمد بن عبد ~~الله ابن الأغلب ms5650 لعشر خلون من شهر رجب . فكانت ولايته تسع عشرة سنة . وكان ~~في مدة ولايته لا يخرج من مدينة بلرم بل كان يخرج السرايا مع ولاته . فلما ~~مات اجتمع الناس على ولاية العباس بن الفضل فولوه . وكتبوا بذلك إلى الأمير ~~محمد بن الأغلب أمير القيروان فولاه الجزيرة . فكان يخرج بنفسه تارة ~~وبسراياه أخرى . وهو يخرب في بلاد العدو وينكى ، وينال منهم ومن بلادهم ، ~~ويصالحونه على الأموال والرقيق . PageV24P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" ذكر فتح قصريانة وهي دار مملكة الروم بجزيرة ~~صقلية قال المؤرخ : كانت سرقوسة دار ملك الجزيرة إلى أن فتح المسلمون بلرم ~~. فانتقل الروم إلى قصريانة لحصانتها وجعلوها دار ملكهم . فلما كان في سنة ~~أربع وأربعين ومائتين ، خرج العباس بن الفضل فوصل إلى قصريانة وسرقوسة . ~~وأخرج أخاه عليا في المراكب الحربية في البحر . فلقيه الإقريطشي في أربعين ~~شلنديا . فقاتلهم أشد قتال ، فهزمهم وأخذ منهم عشر شلنديات برجالها ، ورجع ~~. ثم سير العباس سرية إلى قصريانة فغنموا وقدموا بعلج . فأمر العباس بقتله ~~، فقال له العلج : استبقني ولك عندي نصيحة . فخلا به وسأله : ما النصيحة ؟ ~~فقال أدخلك قصريانة فعند ذلك خرج العباس في كانون في أنجاد رجاله ، والعلج ~~معه ، وهو في ألف فارس وسبعمائة راجل ، فجعل على كل عشرة مقدما . ثم سار ~~بهم ليلا حتى نزل على مرحلة من جبل الغدير . وقدم عمه رباحا في خيار أصحابه ~~. وأقام هو بموضعه وهو مستتر . ومضى عمه رباح بمن معه يدبون دبيبا حتى ~~صاروا إلى جبل المدينة ، والعلج معهم . فأراهم الموضع الذي ينبغي أن توضع ~~عليه السلاليم . فتلطفوا في الصعود إلى الجبل ، وذلك الوقت قريب الصبح وقد ~~نام الحرس . فلما وصلوا إلى السور ، دخلوا من خوخة كانت في السور يدخل منها ~~الماء . ووضعوا السيف . وفتحوا الأبواب . وأقبل العباس يجد السير . وقصد ~~باب المدينة ، ودخلها صلاة الصبح من يوم الخميس لأربع عشرة ليلة بقيت من ~~شوال . وقتل من وجد بها من المقاتلة ، وكان بها بنات البطارقة وأبناء ملوك ~~الروم . فوجد المسلمون بها ما لا يحصى من الأموال . وبني العباس ms5651 فيها مسجدا ~~في يومه ، ونصب فيه منبرا ، وخطب عليه الخطيب يوم الجمعة . وما زال العباس ~~يداوم الغزو بنفسه إلى أن توفي في يوم الجمعة لثلاث خلون من جمادى الآخرة ~~سنة سبع وأربعين ومائتين . فكانت ولايته إحدى عشرة سنة . قال : ولما مات ~~العباس ، ولي الناس على أنفسهم أحمد بن يعقوب . ثم ولوا عبد الله بن العباس ~~، وكتبوا إلى أمير القيروان . فولي خمسة أشهر . PageV24P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" ثم وصل إليهم خفاجة بن سفيان في سنة ثمان ~~وأربعين ومائتين . ودام الغزو إلى أن اغتاله رجل من جنده عند منصرفه من ~~غزاة فقتله . وذلك في يوم الثلاثاء مستهل شهر رجب سنة خمس وخمسين ومائتين . ~~ويقال : إن الذي قتله خلفون بن أبي زياد الهواري . قال : ولما قتل خفاجة ، ~~ولي الناس على أنفسهم ابنه محمد بن خفاجة . ثم أتته الولاية من قبل أمير ~~القيروان . ثم قتله خدامه الخصيان لثلاث خلون من شهر رجب سنة سبع وخمسين ~~ومائتين وهربوا . فأخذوا وقتلوا . فولي الناس عليهم محمد بن أبي الحسن ، ~~وكتبوا إلى إفريقية . فبعث أمير إفريقية بولايتها إلى رباح بن يعقوب . وولي ~~الأرض الكبيرة عبد الله بن يعقوب . فمات رباح في المحرم سنة ثمان وخمسين ~~ومائتين . ومات بعده أخوه في صفر من السنة . فولي الناس عليهم أبا العباس ~~بن عبد الله بن يعقوب فأقام أشهرا ثم مات . فولوا أخاه . ثم ولي الحسن بن ~~رباح من قبل أمير إفريقية . ثم عزله واستعمل عبد الله بن محمد بن عبد الله ~~بن إبراهيم بن الأغلب في شوال سنة تسع وخمسين ومائتين . ثم عزله وولي أبا ~~مالك أحمد بن عمر بن عبد الله بن " إبراهيم " ابن الأغلب المعروف بحبشي . ~~فبقي متوليا عليها ستا وعشرين سنة . ثم وليها أبو العباس بن إبراهيم بن ~~أحمد في سنة سبع وثمانين ومائتين . فأقام إلى أن انخلع له أبوه إبراهيم بن ~~أحمد من الملك ، فرده إلى إفريقية . وسار إبراهيم إلى صقلية وغزا بنفسه ، ~~كما ذكرناه في أخباره آنفا . ومات في الغزو . ثم وليها محمد بن السرقوسي ~~مولى إبراهيم ms5652 بن أحمد . ثم ولي علي بن أبي الفوارس في سنة تسعين ومائتين . ~~فأقام بها إلى سنة خمس وتسعين ومائتين . فعزله زيادة الله . واستعمل أحمد ~~بن أبي الحسن بن رباح . ثم بلغ أهل صقلية تغلب أبي عبد الله الشيعي على ~~بلاد إفريقية . فوثب أهل صقلية على أحمد ، وانتهبوا ماله وحبسوه . وولوا ~~عليهم علي بن أبي الفوارس لعشر من شهر رجب سنة ست وتسعين ومائتين . وأرسلوا ~~ابن أبي الحسن إلى أبي عبد الله الشيعي . وكتبوا إليه كتابا يسألونه إبقاء ~~علي عليهم ، فأجابهم إلى ذلك . وكتب إليه أن يغزو برا وبحرا . وكان أحمد بن ~~أبي الحسن آخر ولاة بني الأغلب بصقلية . PageV24P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" وكان لكل واحد من الولاة الذين ذكرناهم غزوات ~~وسرايا وجهاد في العدو . قال : ولما ولي المهدي بعد بني الأغلب ، كتب إليه ~~ابن أبي الفوارس يستأذنه في القدوم إلى إفريقية ، فأذن له فخرج إليه . فلما ~~وصل حبسه برقادة . ذكر ولاية حسن بن أحمد بن أبي خنزير كانت ولايته من قبل ~~المهدي . فوصل إلى صقلية في عاشر ذي الحجة سنة سبع وتسعين ومائتين . فثار ~~به أهل المدينة في سنة ثمان وتسعين وقبضوا عليه . وكان سبب ذلك أن عماله ~~جاروا على الناس . واتفق أنه صنع طعاما ودعا إليه وجوه الناس . فلما صاروا ~~عنده زعم بعضهم أنه رأى عبيده يتعاطون السيوف المسلولة . فخافوا وفتحوا ~~طاقات المجلس وصاحوا : السلاح ، السلاح . فثار إليهم الناس ، واجتمعوا حول ~~الدار ، وأطلقوا النار في الأبواب . فأخرج إليهم من كان عنده من وجوه الناس ~~، وأنكر أن يكون أراد بهم سوءا فلم يقبلوا منه وتألبوا عليه . فوثب من داره ~~إلى دار رجل من جيرانه فسقط فانكسر ساقه . فأخذوه وحبسوه . وكتبوا بذلك إلى ~~المهدي . فعزله واغتفر فعلهم . وضبط المدينة خليل صاحب الخمس . ثم استعمل ~~المهدي علي بن عمر البلوي . فوصل إلى المدينة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ~~تسع وتسعين ومائتين . فلم يرض أهل صقلية سيرته ، وكان شيخا هينا لينا رفيقا ~~بالرعية . فألب عليه أحمد بن قرهب ودعا الناس إلى طاعة المقتدر ms5653 بالله . ~~فأجابه إلى ذلك جماعة وولوه على أنفسهم . ووردت عليه رسل المقتدر بالله ~~العباسي في سنة ثلاثمائة بكتاب بالولاية والخلع والبنود وطوق ذهب وسوار . ~~ثم عصى عليه أهل صقلية وكاتبوا المهدي . واجتمعوا إلى أبي الغفار فزحف بهم ~~إلى ابن قرهب ، وقالوا له : اخرج عنا واذهب حيث شئت . فأبى ذلك وقاتلهم ثم ~~تحصن منهم ثم قتل بعد ذلك في آخر سنة ثلاثمائة . فكانت ولايته أحد عشر شهرا ~~. ذكر ولاية أبي سعيد موسى بن أحمد قال : ولما قتل ابن قرهب ، أرسل المهدي ~~موسى بن أحمد واليا . وأرسل معه جماعة ليساعدوه على أهل صقلية إن أرادوا به ~~سوءا . فلما قدم ، ورد عليه رؤساء جرجنت ، فأكرمهم وكساهم . ثم أخذ بعد ذلك ~~أبا الغفار فقيده وحبسه . فهرب أخوه أحمد إلى جرجنت ، فألب على موسى بن ~~أحمد . فوافقه الناس عليه . وكانت بينه وبينهم حرب شديدة . ثم طلبوا الأمان ~~فأمنهم . وكتب بذلك إلى المهدي ، فولي مكانه سالم بن أبي راشد الكناني في ~~سنة خمس وثلاثمائة . PageV24P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" ذكر ما فتح من بلاد قلورية قال المؤرخ : وفي ~~سنة ست عشرة وثلاثمائة وصل صابر الصقلبي من إفريقية في ثلاثين حربيا . فخرج ~~معه سالم إلى أرض قلورية ففتحا مدينة طارنت عنوة . ووصلا إلى مدينة أذرنت ، ~~وحاصراها وخربا منازلها . وأصاب الناس وخم فرجعوا إلى المدينة . ثم عاودوا ~~الغزو إلى أن أذعن أهل قلورية لإعطاء الجزية وأدوها مدة بقاء المهدي . وفي ~~سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة ، أخرج القائم بن المهدي يعقوب بن إسحاق في ~~أسطول إلى ناحية إفرنجة ، ففتح مدينة جنوة ومروا بسردانية فأوقعوا بأهلها ~~وأحرقوا مراكب كثيرة . وفي هذه السنة ، كان الطوفان بصقلية فهدم الدور . ~~وفي سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ، خالف أهل جرجنت على سالم . وأخرجوا عامله ~~ابن أبي حمران فأخرج إليهم سالم عسكرا فهزموه . ورجعوا إلى سالم فقاتلهم ~~سالم وهزمهم . ثم خرج على سالم أهل المدينة وحاربوه مع إسحاق البستاني ~~ومحمد بن حمو وكانت بينهم حرب . فهزمهم وحصرهم بالمدينة . واتصل الخبر ~~بالقائم ، فأنفذ خليل بن إسحاق في عسكر وجماعة من ms5654 القواد لقتال أهل صقلية . ~~فورد كتاب أهل البلد على القائم بطاعتهم وأنهم كرهوا أفعال سالم . فاستعمل ~~عليهم خليل ابن إسحاق . فوصل إلى المدينة في آخر سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ~~. فأطاعه أهل صقلية فأكرمهم . وعزل عنهم عمال سالم . فأقام خليل بها أربع ~~سنين ثم رجع إلى إفريقية . فوليها محمد بن الأشعث وعطاف في سنة ثلاثين ~~وثلاثمائة . فمات محمد بن الأشعث في سنة أربع وثلاثين . واستقل عطاف بالأمر ~~إلى سنة ست وثلاثين . فكتب إلى المنصور يخبره بتحامل أهل البلد وأن أمرهم ~~يؤول إلى فساد . PageV24P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" فاستعمل المنصور بن القائم بن المهدي على ~~صقلية الحسن ابن علي بن أبي الحسين الكلبي ، وكان مكينا عند المنصور لمحبته ~~ونصحه وتقدم خدمة سلفه لآبائه . فوصل إلى صقلية وأقام بها سنتين وأشهرا . ~~ورجع إلى إفريقية في ولاية المعز لدين الله ابن المنصور . فسأله تشريف ولده ~~أبي الحسين بالولاية ، فولاه في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة . ذكر فتح قلعة ~~طبرمين قال المؤرخ : وفي أيام أبي الحسين فتح المسلمون طبرمين ، وكانت ~~يومئذ أشد قلاع الروم شوكة . وكان فتحها لخمس بقين من ذي القعدة سنة إحدى ~~وخمسين وثلاثمائة ، بعد أن حوصرت سبعة أشهر ونصفا ، ونزلوا على حكم الملك ~~دون القتل . فأمر المعز بتسميتها المعزية . ووجه الأمير أحمد إلى المعز ~~بسبيها وهو ألف وخمسمائة وسبعون رأسا . ذكر فتح رمطة وما كان بسبب ذلك من ~~حروب قال : لما فتح المسلمون طبرمين ، وسكنوها وعمرت بهم وتحصنت ، خرج أهل ~~رمطة عن الطاعة ، واستنصروا بالدمستق ملك القسطنطينية . فورد كتاب المعز ~~إلى أحمد يأمره بإخراج الحسن بن عمار إلى حصار رمطة وقتال من به وإزالتهم ~~منها . فنزل ابن عمار عليها في يوم الخميس آخر شهر رجب سنة اثنتين وخمسين ~~وثلاثمائة ، ونصب عليها المجانيق والعرادات . ودام القتال في كل يوم . وبنى ~~له قصرا وسكنه . وأخذ الناس في بنيان البيوت . فلما بلغ ذلك الدمستق ، أمر ~~بالحشود ، وجهز العساكر صحبة منويل ، وأمرهم بالتعدية إلى صقلية . فابتدئوا ~~بالتعدية يوم الأربعاء لثلاث خلون من شوال سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة . ~~وأقاموا ms5655 يعدون تسعة أيام في عدد عظيم . وحفروا خندقا حول PageV24P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" مدينة مسيني وشيدوا أسوارها . وكاتب الحسن بن ~~عمار بذلك ، فخرج الأمير أحمد بالجيوش . ورحل الكفرة من مسيني قاصدين الحسن ~~بن عمار بقعلة رمطة . ذكر وقعة الحفرة على رمطة قال : وفي النصف من شوال ~~سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة ، زحف منويل بجميع عسكره من المجوس والأرمن ~~والروس ، في جمع لم يدخل الجزيرة مثله قط . فلما علم الحسن بن عمار بتقدمهم ~~استعد للقاء ، وجعل عسكرا في مضيق ميقش وعسكرا في مضيق دمنش . فبلغ ذلك ~~منويل فوجه عسكرين بإزائهما ، ووجه عسكرا ثالثا إلى طريق المدينة يمنع من ~~يصل إليهم بنجدة . ورتب الحسن المقاتلة على القلعة وبرز بالعساكر للقاء ~~الكفرة . وقد عزموا على الموت . وزحف الكفرة في ستة مواكب . وأحاطوا ~~بالمسلمين من كل ناحية . ونزل أهل رمطة إلى من يليهم . والتقوا وقاتلت كل ~~طائفة من يليها . فقاتلوا حتى دخل المسلمون خيام أنفسهم وأيقن العدو بالظفر ~~. فاختار المسلمون الموت ، ورأوا أنه أسلم لهم وأوفر لحظوظهم ، فحميت الحرب ~~. ونادى الحسن بن عمار بأعلى صوته : اللهم ، إن بني آدم أسلموني فلا تسلمني ~~. وحمل بمن معه حملة رجل واحد . فصاح منويل بالكفرة يقول : أين افتخاركم ~~بين يدي الملك ؟ أين ما ضمنتم له في هذه الشرذمة القليلة ؟ . فحمي الوطيس ~~عند ذلك . وحمل منويل وقتل رجلا من المسلمين . فطعن عدة طعنات فلم تعمل فيه ~~شيئا لحصانة ما عليه من اللباس . فحمل عليه رجل من المسلمين فطعن فرسه ~~فعقره ، وقتل . وجاءت سحابة ذات برق ورعد وظلمة ، وأيد الله المسلمين بنصره ~~. فانهزم الكفرة وركبهم المسلمون بالقتل . فمالوا إلى موضع ظنوه سهلا ، ~~فوقعوا في الوعر ، وأفضى بهم إلى حرف خندق عظيم كالحفرة من بعد قعره . ~~فسقطوا فيها وقتل بعضهم فيها بعضا . وامتلأت الحفرة منهم على طولها وعرضها ~~وعمقها حتى مرت الخيل عليهم مسرعة . وحصل من بقي منهم في مواضع وعرة وخنادق ~~هائلة . وكانت الحرب من أول النهار إلى بعد صلاة الظهر ، وتمادت هزيمة من ~~بقي إلى الليل . وبات المسلمون يقتلونهم في كل ms5656 ناحية وأسر جماعة من أكابرهم ~~، وغنم المسلمون من الأموال والخيل والسلاح ما لا يحد . وبلغ القتلى فوق ~~العشرة PageV24P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" آلاف . وكان فيما غنموه سيف فيه منقوش : هذا ~~سيف هندي وزنه مائة وسبعون مثقالا ، طالما ضرب به بين يدي رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) . فبعث به الحسن إلى المعز لدين الله ، مع مائتي علج من ~~وجوههم ، ودروع وجواشن وسلاح كثير . ونجا من الكفرة نفر يسير فركبوا ~~المراكب . وجاء الخبر إلى الأمير أحمد بالهزيمة قبل وصوله إلى ابن عمار . ~~وفي أثر هذه الوقعة توفي الحسن بن علي بن أبي الحسين والد الأمير أحمد . ~~قال : وبلغ الدمستق خبر هذه الوقعة وكسرة أصحابه ، وهو بالمصيصة وقد ضيق ~~على أهلها ، فرجع مسرعا إلى القسطنطينية . ودام الحصار على رمطة أشهرا . ~~فنزل منها ألف نفس من شدة ما نالهم من الجوع . فوجه بهم الحسن بن عمار إلى ~~المدينة وبقيت المقاتلة ثم فتحت رمطة . وكان بين المسلمين بعد ذلك وبين ~~الكفار وقائع كثيرة ، منها وقعة الأسطول بالمجاز ، قتل فيها من الكفار في ~~الماء حتى احمر المجاز . ثم وقع الصلح بعد ذلك بين المعز والدمستق في سنة ~~ست وخمسين وثلاثمائة وأتته هداياه . ووصل كتاب المعز إلى الأمير أحمد يعرفه ~~بالصلح ، ويأمره ببناء أسوار المدينة وتحصينها ويعلمه أن البناء اليوم خير ~~من غد ، وأن يبني في كل إقليم من أقاليم الجزيرة مدينة حصينة وجامعا ومنبرا ~~، وأن يأخذ أهل كل إقليم بسكنى مدينتهم ولا يتركوا متفرقين في القرى . ~~فسارع الأمير أحمد إلى ذلك ، وشرع في بناء سور المدينة . وبعث إلى جميع ~~الجزيرة مشايخ ليقفوا على العمارة . ذكر اخلاء طبرمين ورمطة وفي سنة ثمان ~~وخمسين وثلاثمائة ، وصلت هدية ملك القسطنطينية فأمر المعز لدين الله بإخلاء ~~طبرمين ورمطة ، فاغتم المسلمون لذلك . فأمر الأمير أحمد أخاه أبا القاسم ~~وعمه جعفرا ، فنزلا بينهما وهدمتا وأحرقتا بالنار . وفيها أمر المعز لدين ~~الله الأمير أحمد بمفارقة صقلية والقدوم إلى إفريقية . ففرقها بجميع أهله ~~وماله وأولاده وإخوته . فركبوا في ثلاثين مركبا . ولم يقق منهم بصقلية ms5657 أحد ~~. فكانت ولايته خاصة ست عشرة سنة . واستخلف على صقلية يعيش مولى أبيه . ~~PageV24P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" ذكر ولاية أبي القاسم نيابة عن أخيه أحمد ~~واستقلاله قال : وفي نصف شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ، وصل الأمير أبو ~~القاسم إلى صقلية نيابة عن أخيه الأمير أحمد . ثم توفي الأمير أحمد في بقية ~~السنة ، فوصل سجل المعز إلى أبي القاسم بالاستقلال . وكانت له غزوات كثيرة ~~مع العدو . فالأولى في سنة خمس وستين وثلاثمائة . وفيها أمر بعمارة قلعة ~~رمطة ، فعمرت وولي بعض عبيده عليها . وداوم الغزو إلى أن استشهد في غزاته ~~الخامسة ، في المحرم سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة . وولي بعده الأمير جابر ~~بن أبي القاسم . وأتاه سجل العزيز بالله بن المعز لدينه من مصر . فولي سنة ~~. ثم عزله العزيز واستعمل جعفر بن محمد بن الحسين فوصل إلى صقلية في سنة ~~ثلاث وسبعين وثلاثمائة . فبقي بها إلى أن توفي في سنة خمس وسبعين . وولي ~~بعده أخوه عبد الله بن محمد إلى أن توفي في شهر رمضان سنة تسع وسبعين ~~وثلاثمائة . وولي بعده ابنه يوسف . ذكر ولاية أبي الفتح يوسف الملقب بثقة ~~الدولة كانت ولايته عند وفاة والده بعهد منه ، ثم أتاه سجل العزيز بالله من ~~مصر بالولاية فضبط الجزيرة وأحسن إلى الرعايا . واستمر إلى أن أصابه الفالج ~~، في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة ، فبطل شقه الأيسر وضعف الأيمن . فاستناب ~~ولده جعفر ، وكان بيده سجل من الحاكم بولايته بعد أبيه . ثم بعث إليه ~~الحاكم بعد ذلك تشريفا ، وعقد له لواء ، ولقبه بتاج الدولة سيف الملة . ~~فضبط الأحوال إلى سلخ شهر رجب سنة خمس وأربعمائة . فأظهر عليه أخوه الأمير ~~علي بن أبي الفتح الخلاف ، وخرج إلى موضع بقرب المدينة . فاجتمع إليه ~~البربر والعبيد الذين عاقدهم على القيام معه . فأخرج إليه جعفر عسكرا ~~فالتقوا يوم الأربعاء لسبع خلون من شعبان . فجرى بينهم قتال شديد قتل فيه ~~كثير من البربر والعبيد الذين مع علي . وهرب من بقي منهم . وأسر على وجيء ~~به إلى أخيه الأمير جعفر فقتله . فكان بين خروجه ms5658 وقتله ثمانية أيام . فعز ~~ذلك على أبيه . ثم أمر جعفر بنفي من بالجزيرة من PageV24P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" البربر بعيالاتهم ، فنفوا حتى لم يبق منهم ~~أحد . وأمر بقتل العبيد فقتلوا عن آخرهم . وجعل جميع جنده من أهل صقلية . ~~فقل العسكر عنده . وأدى ذلك إلى وثوب أهل صقلية به وإخراجه . ذكر وثوب أهل ~~صقلية بالأمير جعفر وأخراجه قال المؤرخ : كان سبب ذلك أنه ولي عليهم كاتبه ~~حسن بن محمد الباغاني ، فصادر الناس وعاملهم بسوء . وأشار على جعفر أن يأخذ ~~من صقلية الأعشار في طعامهم وثمارهم على عادة البلاد . ولم يجر لهم بذلك ~~عادة وإنما كانت العادة أن يؤخذ على الزوج البقر شيء معلوم ولو أصاب ما ~~أصاب . ثم أظهر جعفر الاستخفاف بأهل صقلية ، وشيوخ بلادها ، واستطال عليهم ~~. فزحف إليه أهل البلد صغيرهم وكبيرهم . فحاصروه في قصره وهدموا بعض أرباضه ~~. وباتوا ليلة الاثنين لست خلون من المحرم سنة عشر وأربعمائة ، وقد أشرفوا ~~على أخذه . فخرج إليهم أبوه يوسف في محفة ، وكانوا له مكرمين . فلطف بالناس ~~ووعدهم أنه لا يخرج عن رأيهم . فذكروا له ما أحدث ولده . فقال : أنا أكفيكم ~~أمره ، وأعتقله وأولي عليكم من ترضونه . فوقع اختيارهم على ولده أحمد ~~الأكحل . ذكر ولاية الأمير تأييد الدولة أحمد الأكحل كانت ولايته في يوم ~~الاثنين السادس من المحرم سنة عشر وأربعمائة . وتسلم أهل صقلية حسن ~~الباغاتي الكاتب ، فقتلوه ، وطافوا برأسه ، وأحرقوه بالنار . وخاف يوسف على ~~ابنه جعفر ، فحمله في مركب حربي إلى مصر ، وسار يوسف أيضا ، ومعهما من ~~الأموال ستمائةألف وسبعون ألف دينار . وكان ليوسف ثلاثة عشر ألف حجر سوى ~~البغال وغيرها ، فمات بمصر وليس له إلا دابة واحدة . قال : ولما ولي الأكحل ~~أخذ أمره بالحزم والاجتهاد . فسكن الناس وصلحت أحوالهم . ثم وصل كتاب ~~الحاكم ولقب الأكحل تأييد الدولة . PageV24P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" وجمع الأكحل المقاتلة ، وبث سراياه في بلاد ~~الكفرة ، وكانوا يحرقون ويغنمون ويخربون البلاد . فأطاعه جميع القلاع . ~~وكان للأكحل ابن اسمه جعفر ، كان يستخلفه إذا سافر للغزاة فخالف سيرة أبيه ~~في العدل الإحسان . ثم ms5659 جمع أهل صقلية وقال : إني أحب إخراج أهل إفريقية ~~عنكم ، فإنهم قد شاركوكم في بلادكم وأموالكم . فقالوا : كيف يكون ذلك ، وقد ~~صاهرناهم واختلطنا بهم وصرنا شيئا واحدا ؟ فصرفهم . ثم أرسل إلى الإفريقيين ~~وقال لهم مثل ذلك في حق أهل صقلية ، فأجابوه إلى ما أراد . فجمعهم حوله ~~فكان يحمي أملاكهم ، ويأخذ الخراج من أملاك أهل صقلية . فسار جماعة من أهل ~~صقلية إلى المعز بن باديس ، وأعلموه بما حل بهم . وقالوا : نحب أن نكون في ~~طاعتك وإلا سلمنا الجزيرة إلى الروم . وذلك في سنة سبع وعشرين وأربعمائة . ~~فوجه المعز ولده عبد الله إلى صقلية بعسكر عدته ثلاثة آلاف فارس ومثلهم ~~رجالة . فسار إلى الجزيرة ووقعت بينه وبين الأكحل حروب ، وحصره في قصره ~~بالخالصه . ثم اختلف أهل صقلية وأراد بعضهم نصرة الأكحل . فقتله الذين ~~أحضروا عبد الله بن المعز غدرا ، وأتوا برأسه إلى عبد الله . ثم رجع بعض ~~الصقليين عن بعض ، وندموا على إدخال عبد الله إلى الجزيرة ، واجتمعوا على ~~حربه ، وقاتلوه فانهزم عسكر عبد الله وقتل منهم نحو ثلاثمائة رجل . ورجعوا ~~في المراكب إلى إفريقية . وولي أهل صقلية على أنفسهم الصمصام أخا الأكحل . ~~واضطربت أحوال أهل الجزيرة ، وانفردت كل طائفة بجهتها . فرجع أمر أهل ~~المدينة إلى المشايخ الذين بها ، وأخرجوا الصمصام . وانفرد القائد عبد الله ~~بن منكوت بمازر وطرابنش والشاقة ومرسى علي وما حولها من الوادي . وانفرد ~~القائد علي بن نعمة المعروف بابن الجواش بقلعة قصر يانة ومدينة جرجنت وقصر ~~نوبر ومايلي ذلك . واختبطت الجزيرة . ثم ثار رجل يعرف بابن الثمنة فاستولى ~~على PageV24P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" مدينة سرقوسة وما يليها . وخرج منها بعسكر ~~إلى مدينة قطانية فدخلها ، وقتل ابن المكلاتي وملكها . وكان ابن المكلاتي ~~مصاهرا للقائد علي بن نعمة المعروف بابن الجواش بأخته ميمونة . فلما انقضت ~~عدتها ، خطبها ابن الثمنة لأخيها ، فزوجه بها ، وكانت امرأة عاقلة . فجرى ~~بينهما وبينه في بعض الأيام خصام أدى إلى أن أغلظ لها في القول ، فأجابته ~~بمثله . وكان سكران ، فغضب وأمر بفصدها في عضديها وتركها لتموت . فسمع ms5660 ولده ~~إبراهيم فحضر وأحضر الأطباء ، وعالجها إلى أن عادت قوتها . ولما أصبح أبوه ~~ندم واعتذر إليها بالسكر ، فأظهرت قبول عذره . ثم طلبت منه بعد مدة أن تزور ~~أخاها ، فأذن لها وسير معها التحف والهدايا . فلما وصلت إليه ذكرت له ما ~~فعل بها ، فحلف أنه لا يعيدها إليه . فأرسل ابن الثمنة يطلبها فلم يردها ~~إليه ، فجمع عساكره ، وكان قد استولى على أكثر الجزيرة وخطب له بالمدينة ~~وسار لحرب ابن الجواش بقصريانة . فخرج إليه وقاتله . فانهزم ابن الثمنة ، ~~وتبعه وقتل من أصحابه فأكثر . فلما رأى ابن الثمنة أن عساكره قد تمزقت أراد ~~الانتصار بالكفار . ذكر استيلاء الفرنج - خذلهم الله تعالى - على جزيرة على ~~صقلية كان سبب ذلك أنه لما وقعت الحرب بين ابن الثمنة وابن الجواش وانهزم ~~ابن الثمنة ، سار إلى مدينة ملطية ، وكانت بيد الفرنج ملكوها في سنة اثنتين ~~وسبعين وثلاثمائة . وكان ملكها حينئذ رجار الفرنجي . فوصل إليه وقال : أنا ~~أملكك الجزيرة . فسار معه في شهر رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة . فلم ~~يلقوا من يدافعهم ، واستولوا على ما مروا عليه في طريقهم . وقصد بهم ~~قصريانة فقاتلهم ابن الجواش . فهزمه الفرنج فرجع إلى الحصن . فرحلوا عنه ~~واستولوا علىمواضع كثيرة . ففارق الجزيرة كثير من العلماء والصالحين . وسار ~~جماعة من أهل صقلية إلى المعز بن باديس ، وذكروا له ما الناس فيه بالجزيرة ~~من الخلف وغلبة الفرنج على كثير منها . فعمر أسطولا كبيرا وشحنه بالرجال ~~والعدد . وكان الزمان شتاء ، فساروا إلى قوصرة . فهاج عليهم البحر ، فغرق ~~أكثرهم ولم ينج إلا القليل . وكان ذهاب هذا الأسطول مما أضعف المعز بن ~~باديس وقوي العرب عليه حتى أخذوا البلاد منه . فملك حينئذ الفرنج أكثر ~~البلاد على مهل وتؤدة لا يمنعهم أحد . واشتغل المعز بما دهمه من العرب . ~~PageV24P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" ثم مات في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وولي ~~ابنه تميم . فبعث أسطولا وعسكرا إلى الجزيرة ، وقدم عليه وليده أيوب وعليا ~~. فوصلوا إلى صقلية . فنزل أيوب والعسكر المدينة ، ونزل على جرجنت . ثم ~~انتقل أيوب إلى جرجنت فأحبه أهلها . فحسده ms5661 ابن الجواش فكتب إلى أهلها ~~ليخرجوه ، فلم يفعلوا . فسار إليه في عسكره وقاتله . فقتل ابن الجواش بسهم ~~غرب أصابه . وملك أيوب ابن تميم . ثم وقع بعد ذلك بن أهل المدينة وبين عسكر ~~أيوب فتنة ، أدت إلى القتال . ثم دار الشر بينهم وتراقى ، فرجع أيوب وأخوه ~~في الأسطول إلى إفريقية ، وذلك في سنة إحدى وستين وأربعمائة . وصحبهم جماعة ~~من أعيان صقلية . فلم يبق للفرنج مانع ولا ممانع ، فاستولوا على الجزيرة . ~~ولم يثبت بين أيديهم غير قصريانة وجرجنت . فحصرهما الفرنج وضيقوا على ~~المسلمين حتى أكلوا الميتة وعدموا ما يأكلونه . فأما أهل جرجنت فسلموها إلى ~~الفرنج في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة . وبقيت قصريانة بعد ذلك ثلاث سنين . ~~فلما اشتد الأمر عليهم أذعنوا إلى التسليم . فتسلمها الفرنج خذلهم الله ~~تعالى في سنة أربع وثمانين وأربعمائة . وملك رجار جميع الجزيرة ، وأسكنها ~~الروم والفرنج مع المسلمين . ولم يترك لأحد من أهلها حماما ولا دكانا ولا ~~طاحونا ولا فرنا . ومات رجار بعد ذلك قبل التسعين وأربعمائة ، وملك بعده ~~ولده روجار ، فسلك طريق ملوك المسلمين من الجنائب والسلاحية والجاندارية ~~وغير ذلك . وخالف عادة الفرنج . وجعل له ديوانا للمظالم يرفع إليه شكوى ~~المظلومين ، فينصفهم ولو من ولده ، وأكرم المسلمين ، ومنع عنهم الفرنج ~~فأحبوه . وعمر أسطولا كبيرا وملك الجزائر التي بين المهدية وصقلية مثل ~~مالطة وقوصرة وغيرهما . وتطاولوا بعد ذلك إلى سواحل إفريقية وملكوا المهدية ~~وغيرها . ثم استرجعت منهم على ما ذكرناه في أخبار عبد المؤمن بن علي . ذكر ~~أخبار جزيرة أقريطش هذه الجزيرة دون جزية صقلية ، وهي كثيرة الخصب مستطيلة ~~الشكل . وأول من غزاها في الإسلام ابن أبي أمية الأزدي ، في أيام معاوية ~~ابن أبي سفيان . PageV24P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" فلما كان في أيام الوليد فتح بعضها . ثم ~~غزاها حميد بن معيون الهمداني في أيام الرشيد ففتح بعضها . ثم غزاها أبو ~~حفص عمر بن شعيب الأندلسي المعروف بالأقريطشي في أيام المأمون . ففتح منها ~~حصنا واحدا . ولم يزل يفتح شيئا بعد شيء حتى لم يبق بها من الروم أحد ، ~~وأخرب حصونهم ms5662 وتداولها بنوه بعده . ولما جرى لأهل قرطبة مع الحكم بن هشام ~~الأموي وقعة الربض التي ذكرناها في سنة ثمان وسبعين ومائة ، أخرج جماعة ~~منهم . فوصلوا إلى الإسكندرية وأقاموا بها ، فعمرت بهم وصار فيها منهم خلق ~~كثير . فغلبوا على الإسكندرية وملكوها إلى أن جاء عبد الله بن طاهر إلى ~~الإسكندرية وأخرجهم منها كما ذكرنا ذلك في أخبار الدولة العباسية في أيام ~~المأمون بن الرشيد . فصالحهم على مال ونقلهم إلى جزيرة أقريطش . فعمروها ~~وملكوا عليهم رجلا منهم . وعمروا فيها أربعين قطعة . وغزوا جميع ماحولها من ~~جزائر القسطنطينية ففتحوا أكثر الجزائر وغنموا وسبوا . ولم يكن لملك ~~القسطنطينية بهم قبل ، فأفكر فيما يفعله معهم من المكر والخديعة . فأقبل ~~الملك أرمانوس إلى عبد العزيز بن شعيب ابن عمر صاحب جزيرة أقريطش . وتقرب ~~إليه بالهدايا والتحف ، وأظهر له المودة والمحبة . فلما استحكمت الوصلة ~~بينهم وتأكدت ، أنفذ أرمانوس رجلا من المسلمين ومعه هدية جليلة . فلما حضر ~~بين صاحب أقريطش وقدم الهدية ، قال له : الملك يسلم عليك ويقول لك : نحن ~~جيران وأصدقاء ، وهؤلاء المساكين سكان الجزائر قوم ضعفاء فقراء ، وقد خلا ~~أكثرهم من خوفك ، وقلوبهم تحن إلى أوطانهم . ولي ولك بهم راحة وفائدة . فإن ~~خف عليك أن تحسب ما يحصل لك من غزوهم في كل عام وأنا أضاعفه لك أضعافا ، ~~وتؤمنهم وترفع عنهم الغزو وتفسح لهم في السفر إلى جزيرتك ، ويتوجه التجار ~~إليك ، ويحصل لك من الحقوق أضعاف ما يحصل لك من الغزو . فأجابه إلى سؤاله . ~~وتحالفا وتصالحا واتفقا على مال يؤدي في كل عام ، فوفى له أرمانوس بجميع ~~ذلك . وألزم التجار بالسفر إلى أقريطش والقسطنطينية وجميع الجزائر . فكثرت ~~أموال صاحبها وأخذ في جمع الأموال واختصر العطاء للجند . ثم وقع ~~بالقسطنطينية قحط وغلاء . فأنفذ الملك إلى صاحب إقريطش رسولا يقول : قد وقع ~~بالبلاد ما اتصل بك من الجدب . ولنا خيل عراب برسم النتاج تعز PageV24P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" علينا ، فإن رأيت أن أنفذها إلى الجزيرة ، ~~وما نتجت من الذكور تكون للملك ، وما نتجت من الإناث فهو لك . فأجباه إلى ms5663 ~~ذلك . فأرسل إلى الجزيرة خمسمائة فرس في المراكب ومعها رعاتها . فلما ~~استقرت الخيل بالجزيرة ، عبأ العساكر على تلطف واستخفاء ، وقدم عليها نخفور ~~الدمستق وأنجاد رجاله ، وذلك في غرة المحرم سنة خمس وثلاثمائة . فدخل ~~الأسطول إلى الجهة التي فيها الأفراس . ونزل كل فارس بسرجه ولجامه وشدوا له ~~على فرس وفاجئوا أهل الجزيرة على غرة وغفلة . فملكوها وقتلوا صاحبها ومن ~~معه من الجند ، وعفا عن قتل الرعية . ووجدوا الأموال التي كانوا بذلوها ~~مضاعفة فأخذوها . وسبوا نساء الأجناد وذراريهم . وشحنوها بالعدد والأجناد . ~~ذكر تنصر أهل أقريطش قال المؤرخ : ولما قرب عيد الميلاد ، أمروا أكابر ~~الجزيرة بالمسير إلى الملك للهناء بالعيد . فتوقف الأمائل ونفذوا مائة رجل ~~من أوساط القوم . فلما وصلوا إلى الملك وسلموا عليه ، أمر بإكرامهم ، وخلع ~~عليهم ، وأمر لكل رجل منهم بعشر أوان من الذهب . فرجعوا فرحين ، وندم من ~~تأخر عن المسير . فلما أقبل عيد الفصح ، تهيأ أكابر أهل الجزيرة للمسير ، ~~واجتمع منهم جماعة كبيرة . فلما وصلوا إلى القسطنطينية ، أمر الملك أن ~~يجعلوا في موضع ، وجعل عليهم حرسا . ومنعوا من الطعام والشراب إلى أن ~~أيقنوا بالهلاك . فشكوا ذلك إلى الموكلين بهم وقالوا : القتل خير لنا من ~~هذا . وما الذي يريده الملك منا ؟ قالوا : إنه يريد دخولكم في دين ~~النصرانية ، فإن لم تجيبوا متم على هذه الحالة وسبيت ذراريكم . فلما اشتد ~~عليهم البلاء تنصروا فخلع عليهم ، وتوجهوا إلى أهاليهم . فلما وصلوا ~~الجزيرة منعوا الدخول إلى بيوتهم . وقيل لهم : أنتم نصارى وهؤلاء مسلمون . ~~فإن دخلوا في دين الملك اجتمعتم ، وإن أبوا ملكناهم . فتنصر الباقون في يوم ~~واحد . ثم مات الاباء وبقي الأولاد على أشد ما يكون في دين النصرانية ~~والبغض في المسلمين . نسأل الله تعالى أن لا يمكر بنا ولا بأهالينا ولا ~~بذرارينا ولا بعقبنا ، ولا يمتحننا في ديننا ، وأن يجعل عواقب أمورنا خيرا ~~من مبادئها ، بمنه وكرمه . ولنصل هذا الفصل بذكر ما استولى عليه الفرنج من ~~جزيرة الأندلس . PageV24P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" ذكر ما استولىعليه الفرنج - خذلهم الله تعالى ~~- من البلاد الإسلامية بجزيرة الأندلس ms5664 بعد أخذ طليلطة هذه المدن التي ~~نذكرها مما استولى الفرنج خذلهم الله تعالى عليه من أعمال جزيرة الأندلس . ~~كان الاستيلاء عليها في التواريخ التي نذكرها ، وهي في المدة التي انقطعت ~~فيها الأخبار وتعطلت التواريخ . فلم تصل إلينا مفصلة ، ولا علمنا كيف أخذت ~~ولا ممن انتزعت من ملوك المسلمين ، فنذكر ذلك على وجهه . وإنما اطلعنا من ~~حالها على تواريخ الاستيلاء عليها خاصة . فرأينا ذكر ذلك أولى من إهماله . ~~والمدن التي أخذت هي مدينة قرطبة استولى الفرنج عليها في يوم السبت الثالث ~~والعشرين من شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة . ومدينة بلنسية ، نازلها الروم ~~وملكوها صلحا في يوم الثلاثاء السابع عشر من صفر سنة ست وثلاثين وستمائة . ~~وجيان : استولوا عليها في سنة ثلاث وأربعين وستمائة . وطرطرشة : أخذت في ~~سنة ثلاث وأربعين وستمائة . ولاردة : أخذت في سنة خمس وأربعين وستمائة . ~~ومدينة إشبيلية : أخذت في مستهل شهر رمضان سنة ست وأربعين وستمائة . ولم ~~يتأخر للمسلمين بجزيرة الأندلس إلى وقتنا هذا غير الجزيرة الخضراء وما ~~يليها . وهي جزء يسير جدا بالنسبة إلى ما أخذ أعاد الله ما أخذ ، وحمى ما ~~بقي . وقد بلغنا أن الجزية الخضراء حاصرها الفرنج خذلهم الله تعالى في سنة ~~خمس عشرة وسبعمائة ونحوها . ولم يصل إلينا ما تجدد من ذلك . فإن وصل إلينا ~~من خبرها شيء أوردناه في حوادث السنين في أخبار ملوك الديار المصرية ، إن ~~شاء الله تعالى . فهذا ما أمكن إيراده من أخبار بلاد المغرب . فلنذكر خلاف ~~ذلك . PageV24P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" الباب السابع من القسم الخامس من الفن الخامس ~~في أخبار من نهض في طلب الخلافة من الطالبيين في الدولة الأموية والدولة ~~العباسية فقتل دونها وذلك بعد مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~كان أول من رام ذلك منهم في الدولة الأموية : زيد بن علي بن الحسين بن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه وكان ظهوره في سنة إحدى وعشرين ومائة ، وقتل في ~~سنة اثنتين وعشرين في أيام هشام بن عبد الملك بن مروان . وقد ms5665 اختلف في سبب ~~قيامه وطلبه الخلافة ما هو فقيل : إن زيدا هذا وداود بن علي بن عبد الله بن ~~عباس ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم قدموا على خالد بن عبد ~~الله القسري ، وهو أمير العراق . فأجازهم وأكرمهم ورجعوا إلى المدينة . ~~فلما ولي يوسف بن عمر الثقفي العراق كتب " إلى " هشام بذلك . وذكر له أن ~~خالدا ابتاع من زيد أرضا بالمدينة بعشرة آلاف دينار ثم رد الأرض عليه . ~~فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسيرهم إليه ففعل . فسألهم هشام عن ذلك ، ~~فأقروا بالجائزة ، وأنكروا ما سوى ذلك ، وحلفوا فصدقهم . وأمرهم بالمسير ~~إلى العراق ، ليقابلوا خالد بن عبد الله . فساروا على كره وقابلوا خالدا ~~فصدقهم فعادوا نحو المدينة . فلما نزلوا القادسية راسل أهل الكوفة زيدا ~~فعاد إليهم . وقيل : بل ادعى خالد القسري أنه أودع زيدا وداود بن علي ونفرا ~~من قريش مالا . فكتب يوسف الثقفي بذلك إلى هشام ، فأحضرهم هشام من المدينة ~~، وسيرهم إلى يوسف ليجمع بينهم وبين خالد . فقدموا عليه ، فقال يوسف لزيد : ~~إن خالدا زعم أنه أودعك مالا . قال : كيف يودعني وهو يشتم آبائي على منبره ~~؟ فأرسل إلى خالد فأحضره في عباءة . فقال : هذا زيد قد أنكر أنك قد أودعته ~~شيئا . فنظر خالد إليه وإلى داود ، وقال ليوسف : أتريد أن تجمع مع إثمك في ~~إثما في هذا ؟ كيف أودعه وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر ؟ فقال لخالد : ~~ما دعاك إلى ما صنعت ؟ فقال : شدد علي العذاب فادعيت ذلك ، وأملت أن يأتي ~~الله بفرج قبل قدومك . فرجعوا وأقام زيد وداود بالكوفة . PageV24P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" وقيل : إن يزيد بن خالد القسري هو الذي ادعى ~~المال وديعة عند زيد . فلما أمرهم هشام بالمسير إلى العراق إلى يوسف ، ~~استقالوه خوفا من شر يوسف وظلمه . فقال أنا أكتب إليه بالكف عنكم . وألزمهم ~~بذلك ، فسارواعلى كره . فجمع يوسف بينهم وبين يزيد ، فقال يزيد : ليس لي ~~عندهم قليل ولا كثير . قال يوسف : أفبي تهزأ أم بأمير المؤمنين ؟ فعذبه ~~يومئذ عذابا كاد ms5666 يهلكه . ثم أمر بالقرشيين فضربوا وترك زيدا . ثم استحلفهم ~~وأطلقهم فلحقوا بالمدينة . وأقام زيد بالكوفة ، وكان زيد قد قال لهشام لما ~~أمره بالمسير إلى يوسف : والله ، ما آمن إن بعثتني إليه أن لا نجتمع أنا ~~وأنت حيين أبدا . قال : لا بد من المسير إليه . وقيل : كان السبب في ذلك أن ~~زيدا كان يخاصم ابن عمه جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي في وقوف علي ابن أبي ~~طالب رضي الله عنه ؛ زيد يخاصم عن بني حسين ، وجعفر يخاصم عن بني حسن . ~~فكانا يتبالغان كل غاية ويقومان فلا يعيدان مما كان بينهما حرفا . فلما مات ~~جعفر نازعه عبد الله بن حسن بن الحسن . فتنازعا يوما بين يدي خالد بن عبد ~~الملك بن الحارث بالمدينة . فأغلظ عبد الله لزيد وقال : يا بن السندية فضحك ~~زيد وقال : قد كان إسماعيل لأمة ، ومع ذلك فقد صبرت بعد وفاة سيدها إذ لم ~~تصبر غيرها . يعني فاطمة ابنة الحسين أم عبد الله فإنها تزوجت بعد أبيه ~~الحسن . ثم ندم زيد واستحيي من فاطمة وهي عمته ، فلم يدخل عليها زمانا . ~~فأرسلت إليه : يا ابن أخي إني لأعلم أن أمك عندك كأم عبد الله عنده وقالت ~~لعبد الله : بئس ما قلت لأم زيد ، أم والله لنعم دخيلة القوم كانت . قال : ~~فذكر أن خالدا قال لهما : اغدوا عليها غدا . فلست لعبد الملك إن لم أفصل ~~بينكما . فباتت المدينة تغلي كالمراجل يقول قائل : قال زيد كذا ، ويقول ~~قائل : قال عبد الله كذا . فلما كان من الغد ، جلس في المسجد واجتمع الناس ~~، فمن بين شامت ومهموم . فدعا بهما خالد ، وهو يحب أن يتشاتما . فذهب عبد ~~الله يتكلم . فقال زيد : لا تعجل يا أبا محمد ، أعتق زيد ما يملك إن خاصمك ~~إلى خالد أبدا ثم أقبل على خالد فقال له : أجمعت ذرية رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر أو عمر ؟ فقال خالد : أما ~~لهذا السفيه أحد ؟ فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم ms5667 فقال : يا ابن ~~أبي تراب ، وابن حسين السفيه ، أما ترى لوال عليك حقا ولا طاعة ؟ فقال زيد ~~اسكت أيها القحطاني ، فإنا لا نجيب مثلك . قال : ولم ترغب عني ؟ فو الله ~~إني لخير منك ، وأبي خير من أبيك ، وأمي خير من أمك . فتضاحك زيد وقال : يا ~~معشر قريش ، هذا الدين قد ذهب ، أفتذهب الأحساب ؟ فو الله ليذهب ~~PageV24P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" دين القوم وما تذهب أحسابهم . فتكلم عبد الله ~~بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال : كذبت والله أيها القحطاني ، ~~فو الله لهو خير منك نفسا وأما وأبا ومحتدا . وتناوله بكلام كثير ، وأخذ ~~كفا من حصباء فضرب بها الأرض ثم قال : إنه والله مالنا على هذا من صبر . ~~وقام . وشخص زيد إلى هشام بن عبد الملك فجعل هشام لا يأذن له فيرفع إليه ~~القصص . فكلما رفع قصة يكتب هشام في أسفلها ارجع إلى منزلك . فيقول زيد : ~~والله ، لا أرجع إلى خالد أبدا . ثم أذن له يوما بعد طول حبس ، ورقى علية ~~طويلة . وأمر خادما أن يتبعه بحيث لا يراه زيد ويسمع ما يقول . فصعد زيد ، ~~وكان بادنا ، فوقف في بعض الدرجة فسمعه يقول : والله ، لا يحب الدنيا أحد ~~إلا ذل ثم صعد إلى هشام فحلف له على شيء . فقال : لا أصدقك فقال : يا أمير ~~المؤمنين إن الله لم يرفع أحدا عن أن يرضى بالله ، ولم يضع أحدا عن أن لا ~~يرضى بذلك منه فقال هشام : لقد بلغني يا زيد أنك تذكر الخلافة وتتمناها ، ~~ولست هناك وأنت ابن أمة . قال زيد : إن لك جوابا قال : فتكلم قال : إنه ليس ~~أحد أولى بالله ولا أرفع درجة من نبي ابتعثه . وقد كان إسماعيل عليه السلام ~~ابن أمة وأخوه من صريحة . فاختاره الله عليه ، وأخرج منه خير البشر . وما ~~على أحد من ذلك إذا كان جده رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما كانت أمه ~~. قال له هشام : اخرج قال : أخرج ثم لا أكون إلا بحيث تكره فقال له سالم : ~~يا أبا الحسين ms5668 ، لا يظهرن هذا منك . فخرج من عنده وسار إلى الكوفة . فقال ~~له محمد بن عمر بن أبي طالب : أذكرك الله يا زيد ، لما لحقت بأهلك ولا تأت ~~أهل الكوفة فإنهم لا يفون لك . فلم يقبل وقال : خرج بنا أسرى على غير ذنب ~~من الحجاز إلى الشام ثم إلى الجزيرة ثم إلى العراق إلى تيس ثقيف يلعب بنا . ~~وقال : بكرت تخوفني الحتوف كأنني . . . أصحبت من غرض الحياة بمعزل فأجبتها ~~إن المنية منهل . . . لا بلد أن أسقي بكأس المنهل إن المنية لو تمثل مثلت . ~~. . مثلي إذ نزلوا بضيق المنزل فاقني حياءك لا أبا لك واعملي . . . أني ~~امرؤ سأموت إن لم أقتل PageV24P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" ثم قال زيد : أستودعك الله ، وإني أعطي الله ~~عهدا أن " لا " دخلت يدي في طاعة هؤلاء ما عشت . وفارقه وأقبل إلى الكوفة . ~~فأقام بها مستخفيا يتنقل في المنازل . وأقبلت الشيعة تختلف إليه تبايعة . ~~فيايعه جماعة منهم سلمة ابن كهيل ، ونصر بن خزيمة العبسي ، ومعاوية بن ~~إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري ، وناس من وجوه أهل الكوفة . وكانت بيعته : ~~إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنته نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وجهاد ~~الظالمين ، والدفع عن المستضعفين ، وإعطاء المحرومين ، وقسم هذا الفيء بين ~~أهله بالسواء ، ورد المظالم ، وإقفال المجمر ونصرة أهل البيت ، أتبايعون ~~على ذلك ؟ فإذا قالوا : نعم . وضع يده على أيديهم ويقول : عليك عهد الله ~~وميثاقه وذمته وذمة روسله ( صلى الله عليه وسلم ) لتفين ببيعتي ، ولتقاتلن ~~عدوي ، ولتنصحن لي في السر والعلانية فإذا قال : نعم . مسح يده على يده . ~~ثم قال : اللهم اشهد . فبايعه خسمة عشر ألفا ، وقيل : أربعون ألفا . وأمر ~~أصحابه بالاستعداد ، فأقبل من يريد أن يفي له ويخرج معه يستعد ويتهيأ . ~~فشاع أمره في الناس . هذا على قول من زعم أنه أتى الكوفة من الشام واختفى ~~بها يبايع الناس . وأما على قول من زعم أنه أتى الكوفة إلى يوسف بن عمر ~~لمقابلة خالد بن عبد الله القسري أو ابنه يزيد بن خالد ، فإنه يقول : إنه ~~أقام بالكوفة ظاهرا ms5669 ومعه داود بن علي بن عبد الله بن عباس . وأقبلت الشيعة ~~تختلف إلى زيد ، وتأمره بالخروج ، ويقولون : إنا لنرجو أن تكون أنت المنصور ~~، وأن هذا الزمان هو الذي يهلك فيه بنوأمية . فأقام بالكوفة . وجعل يوسف بن ~~عمر الثقفي يسأل عنه ، فيقال : هو ها هنا . ويبعث إليه ليسير فيقول : نعم ~~ويعتل بالوجع . فمكث ما شاء الله . ثم أرسل إليه يوسف ليسير ، فاحتج بأنه ~~يبتاع أشياء يريدها . ثم أرسل إليه يوسف بالمسير عن الكوفة ، فاحتج بأنه ~~يحاكم بعض آل طلحة بن عبيد الله في ملك بينهما بالمدينة ، فأرسل إليه ليوكل ~~وكيلا ويرحل عنها . فلما رأى جد يوسف في أمره سار حتى أتى القادسية وقيل ~~الثعلبية . فتبعه PageV24P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" أهل الكوفة وقالوا : نحن أربعون ألفا لم ~~يتخلف عنك أحد ، نضرب عنك بأسيافنا ، وليس ها هنا من أهل الشام إلا عدة ~~يسيرة بعض قبائلنا تكفيهم بإذن الله تعالى . وحلفوا بالأيمان المغلظة ، ~~فجعل يقول : إني أخاف أن تخذلوني وتسلموني كفعلكم بأبي وجدي فيحلفون له . ~~فقال له داود بن علي : يا ابن عم ، إن هؤلاء يغرونك من نفسك ، أليس قد ~~خذلوا من كان أعز عليهم منك : جدك علي بن أبي طالب حتى قتل ، والحسن من ~~بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه وجرحوه ؟ أو ليس قد أخرجوا جدك ~~الحسين وحلفوا له ثم خذلوه وأسلموه ، ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه ؟ فلا ترجع ~~معهم فقالوا لزيد : إن هذا لا يريد أن تظهر أنت ، ويزعم أنه وأهل بيته أولى ~~بهذا الأمر منكم فقال زيد لداود : إن عليا كان يقاتله معاوية بدهائه ومكره ~~، وإن الحسن قاتله يزيد والأمر مقبل عليهم . فقال لداود : إني خائف إن رجعت ~~معهم أن لا يكون أحد أشد عليك منهم ، وأنت أعلم . ومضى داود إلى المدينة ~~ورجع زيد إلى الكوفة . فلما رجع زيد ، أتاه سلمة بن كهيل فذكر له قرابته من ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وحقه فأحسن . ثم قال له : نشدتك الله : ~~كم بايعك ؟ قال : أربعون ألفا قال : فكم بايع جدك ؟ قال : ثمانون ms5670 ألفا . ~~قال : فكم حصل معه ؟ قال : ثلاثمائة قال : نشدتك الله : انت خير أم جدك ؟ ~~قال : جدي . قال : فهذا القرن خير أم ذلك القرن ؟ قال : ذلك القرن . قال : ~~أفتطمع أن يفي لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدك ؟ قال : قد بايعوني ووجبت ~~البيعة في عنقي وعنقهم . قال : أفتأذن لي أن أخرج من هذا البلد ، فلا آمن ~~أن يحدث حدث فلا أملك نفسي . فأذن له فخرج إلى اليمامة . وكتب عبد الله بن ~~الحسن بن الحسن إلى زيد : أما بعد ، فإن أهل الكوفة نفخ العلانية ، خور ~~السريرة ، هرج في الرخاء ، جزع في اللقاء ، تقدمهم ألسنتهم ، ولا تشايعهم ~~قلوبهم . ولقد تواترت إلى كتبهم بدعوتهم ، فصممت عن ندائهم وألبست قلبي ~~عشاء عن ذكرهم يأسا منهم واطراحا لهم . ومالهم مثل إلا ما قال علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه : إن أهملتم خضتم ، وإن حوربتم خرتم ، وإن اجتمع الناس ~~على إمام طعنتم ، وإن أجبتم إلى مشاقة نكصتم فلم يصغ زيد إلى شيء من ذلك ~~وأقام على حاله يبايع الناس ويتجهز للخروج . PageV24P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" وتزوج بالكوفة ابنة يعقوب بن عبد الله السلمي ~~. وتزوج أيضا ابنة عبد الله بن أبي العنبس الآزدي . وكان سبب تزوجه إياها ~~أن أمها أم عمرو بنت الصلت كانت تتشيع ، فأتت زيدا تسلم عليه ، وكانت جميلة ~~حسنة قد دخلت في السن ولم يظهر عليها . فخطبها زيد إلى نفسها . فاعتذرت ~~بالسن وقالت له : لي بنت هي أجمل مني وأبيض وأحسن دلا وشكلا فضحك زيد ثم ~~تزوجها وكان ينتقل بالكوفة تارة عندها ، وتارة عند زوجته الأخرى ، وتارة في ~~بني عبس ، وتارة في بني نهد ، وتارة في بني تغلب وغيرهم إلى أن ظهر . ذكر ~~ظهور زيد بن علي بن الحسن ومقتله كان ظهور زيد ومقتله في سنة اثنتين وعشرين ~~ومائة . وذلك أنه لما أمر أصحابه بالاستعداد للخروج ، أخذ من كان يريد ~~لوفاء بالبيعة يتجهز . فانطلق سليمان بن سراقة البارقي إلى يوسف بن عمر ~~فأخبره . فبعث يوسف في طلب زيد فلم يوجد . وخاف زيد أن يؤخذ فتعجل الخروج ms5671 ~~قبل الأجل الذي جعله بينه وبين أهل الكوفة ، وعلى الكوفة يومئذ الحكم بن ~~الصلت ، ، وعلى شرطته عمرو بن عبد الرحمن من القارة ، ومعه عبيد الله بن ~~العباس الكندي في ناس من أهل الشام ، ويوسف بن عمر بالحيرة . فلما رأى ~~أصحاب زيد بن علي أن يوسف بن عمر قد بلغه حاله وأنه يبحث عن أمره ، اجتمع ~~إليه جماعة من رؤوسهم فقالوا . رحمك الله ، ما قولك في أبي بكر وعمر ؟ قال ~~زيد : رحمهما الله وغفر لهما . ما سمعت أحدا من أهل بيتي يقول فيهما إلا ~~خيرا وإن أشد ما أقول فيما ذكرتم : أنا كنا أحق بسلطان رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) من الناس أجمعين ، فدفعونا عنه . ولم يبلغ ذلك عندنا بهم ~~كفرا . وقد ولوا فعدلوا في الناس ، وعملوا بالكتاب والسنة قالوا : فلم ~~يظلمك هؤلاء إذا كان أولئك لم يظلموك فلم تدعو إلى قتالهم ؟ فقال : إن ~~هؤلاء ليسوا كأولئك . هؤلاء ظالمون لي ولأنفسهم ولكم . وإنما ندعوهم إلى ~~كتاب الله وسنة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإلى السنن أن تحيا ، وإلى ~~البدع أن تطفأ ، فإن أجبتمونا سعدتم ، وإن أبيتم فلست عليكم بوكيل ففارقوه ~~ونكثوا بيعته وقالوا : سبق الإمام ، يعنون محمدا الباقر وكان قد مات . ~~وقالوا : سبق الإمام ، يعنون محمدا الباقر وكان قد مات . وقالوا : جعفر ~~ابنه إمامنا اليوم بعد أبيه فسماهم زيد الرافضة . وهم يزعمون أن المغيرة ~~سماهم الرافضة حيث فارقوه . وكانت طائفة أتت جعفر بن محمد الصادق قبل خروج ~~زيد فأخبروه ببيعة زيد . فقال : بايعوه فهو والله أفضلنا وسيدنا فعادوا ~~وكتموا ذلك . PageV24P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" وكان زيد قد واعد أصحابه أول ليلة من صفر سنة ~~اثنتين وعشرين ومائة . فبلغ يوسف بن عمر ، فبعث إلى الحكم يأمره أن يجمع ~~أهل الكوفة في المسجد الأعظم يحصرهم فيه ، فجمعهم فيه . وطلبوا زيدا في دار ~~معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري ، فخرج منها ليلا . ورفعوا ~~النيران ونادوا : يا منصور حتى طلع الفجر . فلما أصبحوا بعث زيد القاسم ~~الحضرمي وآخر من أصحابه يناديان بشعارهم . فلما ms5672 كانوا بصحراء عبد القيس ~~لقيهم جعفر بن العباس الكندي . فحملوا عليه وعلى أصحابه ، فقتل الذي كان مع ~~القاسم ، وارتث القاسم وأتي به الحكم فضرب عنقه . فكانا أول من قتل من ~~أصحاب زيد . فأغلق الحكم دروب السوق وأبواب المسجد على الناس . وبعث إلى ~~يوسف بالحيرة فأخبره الخبر . فأرس جعفر بن العباس ليأتيه بالخبر . فسار في ~~خمسين فارسا حتى بلغ جبانة سالم ، فسأل ثم رجع إلى يوسف فأخبره . فسار يوسف ~~إلى تل قريب من الحيرة ، فنزل عليه ومعه أشراف الناس . فبعث الريان بن ~~سليمة الإراشي في ألفين ومعه ثلاثمائة من القيقانية رجالة معهم النشاب . ~~وأصبح زيد فكان جميع من وافاه تلك الليلة مائتي رجل وثمانية عشر رجلا . ~~فقال زيد : سبحان الله أين الناس ؟ فقيل : إنهم في المسجد الأعظم محصورون . ~~فقال : والله ، ما هذا بعذر لمن بايعنا وسمع نصر بن خزيمة العبسي النداء ~~فأقبل إليه . فلقي عمرو بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم في خيله من جهينة في ~~الطريق فحمل عليه نصر ، فقتل عمرو وانهزم من كان معه . وأقبل زيد على جبانة ~~سالم حتى انتهى إلى جبانة الصائديين وبها خمسمائة من أهل الشام . فحمل ~~عليهم زيد فيمن معه فهزمهم . وانتهى زيد إلى دار أنس بن عمرو الأزدي ، وكان ~~فيمن بايعه ، وهو في الدار . فنودي فلم يجبهم . وناده زيد فلم يخرج إليه . ~~فقال زيد : ما أخلفكم قد فعلتموها ؟ ؟ الله حسيبكم ثم انتهى زيد إلى ~~الكناسة فحمل على من بها من أهل الشام فهزمهم . ثم سار زيد ويوسف ينظر إليه ~~PageV24P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" في مائتي رجل ، فلو قصده زيد لقتله ، والريان ~~يتبع آثار زيد بالكوفة في أهل الشام . فأخذ زيد على مصلي خالد حتى دخل ~~الكوفة . وسار بعض أصحابه نحو جبانة مخنف بن سليم فلقوا أهل الشام فقاتلوهم ~~. فأسر أهل الشام منهم رجلا ، فأمر به يوسف بن عمر فقتل . فلما رأى زيد ~~خذلان الناس إليه قال : يا نصر بن خزيمة ، أتخاف أن يكونوا فعلوها حسينية ؟ ~~قال : أما أنا فو الله لأقاتلن معك حتى أموت ، وإن ms5673 الناس بالمسجد فامض بنا ~~إليهم . فلقيهم عبيد الله بن العباس الكندي عند دار عمر بن سعد ، فاقتتلوا ~~فانهزم عبيد الله وأصحابه . وجاء زيد حتى انتهى إلى باب المسجد . فجعل ~~أصحابه يدخلون راياتهم من فوق الأبواب ويقولون : يا أهل المسجد ، اخرجوا من ~~الذل إلى العز ، اخرجوا إلى الدين والدنيا فإنكم لستم في دين ولا دينا . ~~فرماهم أهل الشام بالحجارة من فوق المسجد . وانصرف الريان عند المساء إلى ~~الحيرة . وانصرف زيد فيمن معه . وخرج إليه ناس من أهل الكوفة . فنزل دار ~~الرزق . فأتاه الريان بن سليمة فقاتله عن دار الرزق . وخرج أهل الشام مساء ~~يوم الأربعاء أسوأ شيء ظنا . فلما كان الغد أرسل يوسف بن عمر العباس بن سعد ~~المزني في أهل الشام ، فانتهى إلى زيد في دار الرزق . فلقيه زيد وعلى ~~مجنبتيه نصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة ، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا . وحمل نائل بن فروة العبسي من أهل الشام على نصر بن خزيمة . فضربه ~~بالسيف فقطع فخذه ، وضربه نصر فقتله . ولم يلبث نصر أن مات . واشتد قتالهم ~~فانهزم أصحاب العباس ، وقتل منهم نحو من سبعين رجلا . فلما كان العشي عبأهم ~~يوسف بن عمر ثم سرحهم . فالتقوا هم وأصحاب زيد ، فحمل عليهم في أصحابه ، ~~فكشفهم . وتبعهم حتى أخرجهم إلى السبخة ثم حمل عليهم بالسبخة حتى أخرجهم ~~إلى بني سليم . وجعلت خيلهم لا تثبت لخيله . فبعث العباس إلى يوسف يعلمه ~~ذلك وقال له : ابعث إلى الناشبة . فبعثهم إليه ، فجعلوا يرمون أصحاب زيد . ~~فقاتل معاوية بن إسحاق الأنصاري بين يدي زيد قتالا شديدا فقتل . وثبت زيد ~~ومن معه إلى الليل . فرمي زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى فثبت في دماغه ~~. ورجع أصحابه ، ولا يظن أهل الشام أنهم رجعوا إلا للمساء والليل . ~~PageV24P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" ونزل زيد في دار من دور أرحب . وأحضر أصحابه ~~طبيبا ، فانتزع النصل فضج زيد . فلما نزع مات زيد رحمه الله . فقال أصحابه ~~: أين ندفنه ؟ فقال بعضهم : نطرحه في الماء . وقال بعضهم : بل نقطع رأسه ~~ونلقيه في ms5674 القتلى . فقال ابنه يحيى : والله ، لا يأكل لحم أبي الكلاب . ~~وقال بعضهم : ندفنه في الحفرة التي يؤخذ منها الطين ونجعل عليه الماء . ~~ففعلوا . فلما دفنوه أجروا الماء عليه . وقيل : دفن بنهر يعقوب : سكر ~~أصحابه الماء ، ودفنوه وأرجوا الماء . وكان معهم مولى لزيد سندي ، وقيل : ~~رآهم قصار ، فدل عليه . وتفرق الناس عنه . وسار ابنه يحيى نحو كربلاء . ~~فنزل نينوى على سابق مولى بشر بن عبد الملك بن بشر . ثم إن يوسف بن عمر ~~تتبع الجرحى في الدور . فدله السندي مولى زيد يوم الجمعة على زيد . فاستخرج ~~من قبره فقطع رأسه وسير إلى يوسف بن عمر ، وهو بالحيرة ، سيره إليه الحكم ~~بن الصلت . فأمر يوسف أن يصلب ، فصلب زيد بالكناسة ، هو ونصر بن خزيمة ~~ومعاوية بن إسحاق وزياد النهدي ، وأمر بحراستهم . وبعث الرأس إلى هشام بن ~~عبد الملك ، فصلب على باب مدينة دمشق . ثم أرسل إلى المدينة . وبقي البدن ~~مصلوبا إلى أن مات هشام وولي الوليد ، فأمر بإنزاله وإحراقه . وقيل : كان ~~خراش بن حوشب بن يزيد الشيباني على شرطة يوسف بن عمر ، وهو الذي نبش زيدا ~~وصلبه . فقال السيد الحميري : بت ليلى مسهدا . . . ساهر العين مقصدا ولقد ~~قلت قولة . . . وأطلت التبلدا : لعن الله حوشبا . . . وخراشا ومزيدا ويزيدا ~~فإنه . . . كان أعتى وأعتدا PageV24P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" ألف ألف وألف أل . . . ف من اللعن سرمدا إنهم ~~حاربوا الإل . . . ه وآذوا محمدا شركوا في دم الحسي . . . ن وزيد تعبدا ثم ~~عالوه فوق جذ . . . ع صريعا مجردا يا خراش بن حوشب . . . أنت أشقى الورى ~~غدا وأما يحيى بن زيد بن علي فإنه قيل فيه غير ما قدمناه . وهو أنه لما قتل ~~زيد قال له رجل من بني أسد من أهل خراسان : إن بخراسان لكم شيعة ، والرأي ~~أن تخرج إليها . قال : وكيف لي بذلك ؟ قال : تتوارى حتى يسكن الطلب ثم تخرج ~~. فواراه عنده . ثم خاف فأتى به عبد الملك بن بشر بن مروان فقال له : قرابة ~~زيد بك قريبة وحقه عليك واجب . فقال : أجل ، ولقد كان العفو عنه ms5675 أقرب ~~للتقوى . فقال : قد قتل وهذا ابنه غلام حدث لا ذنب له ، وإن علم يوسف به ~~قتله أفتجيره ؟ قال : نعم . فأتاه به ، فأقام عنده . فلما سكن الطلب سار في ~~نفر من الزيدية إلى خراسان . ذكر مسير يحيى بن زيد بن علي إلى خراسان ~~ومقتله قال : ولما سكنت الفتنة ، سار يحيى إلى خراسان . فأتي بلخ فأقام بها ~~عند الحريش بن عمرو بن داود ، حتى هلك هشام ابن عبد الملك وولي الوليد بن ~~يزيد . فكتب يوسف بن عمر الثقفي إلى نصر بن سيار بمسير يحيى بن زيد وبمنزله ~~عند الحريش ، وقال له : خذه أشد الأخذ . فأخذ نصر الحريش فطالبه بيحيى . ~~فقال : لا علم لي به . فأمر به فجلد ستمائة سوط . فقال الحريش : والله ، لو ~~أنه تحت قدمي ما رفعتهما عنه . فلما رأى ذلك قريش ابن الحريش قال : لا تقتل ~~أبي وأنا أدلك على يحيى . فدله عليه فأخذه وحبسه . وكتب نصر إلى الوليد ~~يخبره به . فكتب إليه الوليد بأمره أن يؤمنه ويخلي سبيله وسبيل أصحابه . ~~فأطلقه نصر ، وأمره أن يلحق بالوليد ، وأمر له بألفي درهم . PageV24P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" فسار إلى سرخس وأقام بها . فكتب نصر إلى عبد ~~الله بن قيس ابن عباد يأمره أن يسيره عنها . فسار حتى انتهى إلى بيهق . ~~وخاف أن يغتاله يوسف بن عمر فعاد إلى نيسابور ، وبها عمرو بن زرارة ، وكان ~~مع يحيى سبعون رجلا . فرأى يحيى تجارا فأخذ هو وأصحابه دوابهم ، وقالوا : ~~علينا أثمانها . فكتب عمرو بن زرارة إلى نصر يخبره . فكتب إليه نصر يأمره ~~بمحاربته . فقاتله عمرو وهو في عشرة آلاف ويحيى في سبعين رجلا . فهزمهم ~~يحيى وقتل عمرا ، وأصاب دواب كثيرة . وسار حتى مر بهراة فلم يعرض لمن بها ، ~~وسار عنها . وسرح نصر ابن سيار سلم بن أحوز في طلب يحيى . فلحقه بالجوزجان ~~فقاتله قتالا شديدا . فرمى يحيى بسهم فأصاب جبهته : رماه رجل من عذوه يقال ~~له عيسى . وقتل أصحاب يحيى من عند آخرهم . وأخذوا رأس يحيى وسلبوه قميصه . ~~فلما بلغ الوليد بن يزيد قتل يحيى ms5676 ، كتب إلى يوسف بن عمر : خذ عجل أهل ~~العراق فأنزله من جذعه - يعني زيدا - وأحرقه بالنار ثم انسفه في اليم نسفا ~~. فأمر به يوسف فأحرق ثم رضه وحمله في سفينة . ثم ذراه في الفرات . وأما ~~يحيى فإنه لما قتل صلب بالجوزجان . فلم يزل مصلوبا حتى ظهر أبو مسلم ~~الخراساني واستولى على خراسان ، فأنزله وصلى عليه ودفنه . وأمر بالنياحة ~~عليه في خراسان . وأخذ أبو مسلم ديوان بني أمية ، وعرف منه أسماء من حضر ~~قتل يحيى . فمن كان حيا قتله ، ومن كان ميتا خلفه في أهله بسوء . وكانت أم ~~يحيى بن زيد ريطة بنت عبد الله بن محمد بن الحنفية . وكان مقتل يحيى في سنة ~~خمس وعشرين ومائة . PageV24P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" هذا ما كان من خبر زيد وابنه يحيى ، ثم ظهر ~~عبد الله بن معاوية فكان من خبره ما نذكره إن شاء الله تعالى . ذكر ظهور ~~عبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب كان ظهوره بالكوفة في ~~سنة سبع وعشرين ومائة ، في أيام مروان بن محمد الحمار بن مروان ، ودعا إلى ~~نفسه . وكان سبب ذلك أنه قدم على عبد الله بن عمر بن عبد العزيز والي ~~الكوفة فأكرمه وأجازه ، وأجرى عليه وعلى إخوته كل يوم ثلاثمائة درهم . ~~فكانوا كذلك حتى هلك يزيد بن الوليد وبعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد ~~الملك . فلما بلغ خبر بيعتهما إلى الآفاق ، فجاءته البيعة . ثم بلغه امتناع ~~مروان بن محمد من البيعة ومسيره من الشام إليهما ، فحبس عبد الله بن معاوية ~~عنده ، وزاده فيما كان يجريه عليه ، وأعده لمروان بن محمد إن هو ظفر ~~بإبراهيم بن الوليد ، ليبايع له ويقاتل به مروان . فماج الناس وورد مروان ~~الشام وظفر بإبراهيم . فانهزم إسماعيل بن عبد الله القسري إلى الكوفة مسرعا ~~، وافتعل كتابا على لسان إبراهيم بإمرة الكوفة ، وجمع اليمانية وأعلمهم ذلك ~~فأجابوه . وامتنع عبد الله بن عمر بن عبد العزيز عنه وقاتله . فلما رأى ~~إسماعيل الأمر كذلك ، خاف أن يظهر أمره ويفتضح ويقتل ms5677 ، فقال لأصحابه : إني ~~أكره سفك الدماء فكفوا أيديكم . فكفوا وظهر أمر إبراهيم وهربه . ووقعت ~~العصبية بين الناس . وكان سببها أن عبد الله بن عمر كان قد أعطى مضر وربيعة ~~عطايا كثيرة . ولم يعط جعفر بن نافع بن القعقاع بن شور الذهلي وعثمان بن ~~الخيبري من تيم اللات ابن ثعلبة شيئا ، وهما من ربيعة ، فكانا مغضبين . ~~وغضب لهما ثمامة بن حوشب بن رويم الشيباني . وخرجوا من عند عبد الله بن عمر ~~وهو بالحيرة إلى الكوفة ، فنادوا : يا آل ربيعة فاجتمعت ربيعة وتنمروا . ~~وبلغ الخبر PageV24P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" عبد الله بن عمر فأرسل إليهم أخاه عاصما . ~~فأتاهم وهم بدير هند . فألقى نفسه بينهم وقال : هذه يدي لكم فاحكموا . ~~فاستحيوا ورجعوا وعظموا عاصما وشكروه . فلما كان المساء ، أرسل عبد الله بن ~~عمر إلى عمر بن الغضبان بن القبعثري بمائة ألف ، فقسمها في قومه بني همام ~~بن مرة بن ذهل الشيباني ، وإلى ثمامة بن حوشب بمائة ألف ، فقسمها في قومه . ~~وأرسل إلى جعفر بن نافع بمال ، وإلى عثمان بن الخيبري بمال . فلما رأى ~~الشيعة ضعف عبد الله بن عمر ، طمعوا فيه ودعوا إلى عبد الله بن معاوية . ~~واجتمعوا في المسجد ، ودعوا إلى عبد الله ابن معاوية ، وأخرجوه من داره ، ~~ثم أدخلوه القصر . ومنعوا عاصم ابن عمر عن القصر فلحق بأخيه بالحيرة . وجاء ~~ابن معاوية الكوفيون وبايعوه ، فيهم عمر بن الغضبان ومنصور بن جمهور ~~وإسماعيل بن عبد الله القسري أخو خالد . وأقام أياما يبايعه الناس وأتته ~~البيعة من المدائن وفم النيل . واجتمع إليه الناس ، فخرج إلى عبد الله بن ~~عمر بالحيرة . فقيل لابن عمر : قد أقبل ابن معاوية في الخلق . فأطرق رأسه ~~عليا . وأتاه رئيس خبازيه فأعلمه بإدراك الطعام . فأمر بإحضاره ، فأكل هو ~~من معه وهو غير مكترث ، والناس يتوقعون أن يهجم عليهم ابن معاوية . وفرغ من ~~طعامه وأخرج المال وفرقه في قواده . ثم دعا مولى له كان يتبرك به ويتفاءل ~~باسمه ، كان اسمه إما ميمونا وإما رباحا أو فتحا أو اسما يتبرك به . فأعطاه ms5678 ~~اللواء وقال : امض به إلى موضع كذا فاركزه ، وادع أصحابك ، وأقم حتى آتيك . ~~ففعل . وخرج عبد الله فإذا الأرض بيضاء من أصحاب ابن معاوية . فأمر عبد ~~الله بن عمر مناديا ينادي : من جاء برأس فله خمسمائة . فأتي برؤوس كثيرة ~~وهو يعطي ما ضمن . وبرز رجل من أهل الشام ، فبرز إليه القاسم بن عبد الغفار ~~العجلي . فسأله الشامي فعرفه . وقال : قد ظننت أنه لا يخرج إلي إلا رجل من ~~بكر بن وائل . والله ، ما أريد قتالك ولكني أحببت أن ألقي إليك حديثا أخبرك ~~أنه ليس معكم رجل من أهل PageV24P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" اليمن لا إسماعيل ولا منصور ولا غيرهما إلا ~~وقد كاتب ابن عمر ، وكاتبته مضر . وما أرى لكم يا ربيعة كتابا ولا رسولا ~~وأنا رجل من قيس ، فإن أردتم الكتاب أبلغته . ونحن غدا بإزائكم ، فإنهم ~~اليوم لا يقاتلوننكم . فبلغ الخبر ابن معاوية فأخبر عمر بن الغضبان . فأشار ~~عليه أن يستوثق من إسماعيل ومنصور وغيرهما ، فلم يفعل . وأصبح الناس " من " ~~الغد غادين على القتال . فحمل عمر بن الغضبان على ميمنة ابن عمر ، انكشفوا ~~. ومضى إسماعيل ومنصور من فورهما إلى الحيرة . فانهزم أصحاب ابن معاوية إلى ~~الكوفة وابن معاوية معهم . فدخلوا القصر . وبقي من بالميسرة من ربيعة ومضر ~~، ومن بإزائهم من أصحاب ابن عمر . فقالوا لعمر بن الغضبان : ما كنا نأمن ~~عليكم ما صنع الناس بكم ، فانصرفوا . وقال ابن الغضبان : لا أبرح حتى أقتل ~~. فأخذ أصحابه بعنان دابته فأدخلوه الكوفة . فلما أمسوا قال لهم ابن معاوية ~~: يا معشر ربيعة ، قد رأيتم ما صنع الناس بنا ، وقد أعقلنا دماءنا في ~~أعناقكم . فإن قاتلتم قاتلنا معكم وإن كنتم ترون الناس يخذلوننا وإياكم ، ~~فخذوا لنا ولهم أمانا . فقال له عمر بن الغضبان : إما أن نقاتل معك وإما أن ~~نأخذ لكم أمانا كما نأخذ لأنفسنا فطيبوا نفسا . فأقاموا في القصر والزيدية ~~على أفواه السكك يقاتلون أصحاب ابن عمر أياما . ثم إن ربيعة أخذت أمانا ~~لابن معاوية ولأنفسهم وللزيدية " ليذهبوا " حيث شاءوا . وسار ابن معاوية من ~~الكوفة ms5679 فنزل المدائن ، فأتاه قوم من أهل الكوفة . فخرج بهم فغلب على حلوان ~~والجبال وهمذان وأصفهان والري . وخرج إليه عبيد أهل الكوفة . ذكر غلبته على ~~فارس وأخذها منه وقتله كانت غلبة عبد الله بن معاوية على فارس في سنة تسع ~~وعشرين ومائة . وذلك أنه لما غلب على ما ذكرناه أقام باصبهان . وكان محارب ~~بن موسى مولى بني يشكر عظيم القدر بفارس . . فجاء إلى دار الإمارة باصطخر ، ~~فطرد عامل ابن عمر عنها . PageV24P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" وبايع الناس لعبد الله بن معاوية . وخرج ~~محارب إلى كرمان فأغار عليها . وانضم إلى محارب قواد من أهل الشام . فسار ~~إلى سليم بن المسيب ، وهو عامل ابن عمر بشيراز ، فقتله في سنة ثمان وعشرين ~~ومائة ، ثم خرج محارب إلى أصبهان إلى عبد الله بن معاوية ، فحوله إلى اصطخر ~~. فاستعمل عبد الله أخاه الحسن على الجبال . وأقبل معه إلى اصطخر ، فأقام ~~بها . وأتاه الناس : بنو هاشم وغيرهم ، وجبى المال ، وبعث العمال . وكان ~~معه منصور بن جمهور وسليمان بن هشام بن عبد الملك ، وأتاه شيبان بن عبد ~~العزيز الحروري الخارجي ، وكان قد خرج في جموع كثيرة ، كما ذكرنا في أخباره ~~فلم يتفق بينهما أمر . وأتاه أبو جعفر المنصور وعبد الله وعيسى بن علي . ~~فلما قدم ابن هبيرة على العراق أرسل نباتة بن حنظلة الكلابي إلى عبد الله ~~بن معاوية . وبلغ سليمان بن حبيب أن ابن هبيرة استعمل نباتة على الأهواز ، ~~فسرح داود بن حاتم بكربج دينار ليمنع نباتة من الأهواز . فقاتلة فقتل داود ~~. وهرب سليمان من الأهواز إلى نيسابور وفيها الأكراد وقد غلبوا عليها . ~~فقاتلهم سليمان فطردهم عن نيسابور وكتب إلى ابن معاوية بالبيعة . ثم إن ~~محارب بن موسى اليشكري نافر ابن معاوية وفارقه . وجمع جمعا وأتى نيسابور . ~~فقاتله يزيد بن معاوية ، فانهزم محارب . وأتى كرمان ، فأقام بها حتى قدم ~~محمد بن الأشعث فصار معه . ثم نافره فقتله ابن الأشعث وأربعة وعشرين ابنا ~~له . ولم يزل عبد الله بن معاوية باصطخر حتى أتاه داود بن ضبارة مع داود بن ms5680 ~~يزيد بن عمر بن هبيرة . وسير ابن هبيرة أيضا معن ابن زائدة من وجه آخر ، ~~فقاتلهم معن عند مرو الشاذان ، ومعن يقول : ليس أمير القوم بالخب الخدع . . ~~. فر من الموت وفي الموت وقع وانهزم ابن معاوية فكف معن عنهم . وقتل في ~~المعركة رجل من آل أبي لهب ، وكان يقتل رجل من بني هاشم بمرو الشاذان . ~~وأسروا أسرى كثيرة ، وقتل ابن ضبارة منهم عدة كثيرة : وهرب منصور بن جمهور ~~إلى السند ، وعبد الرحمن بن يزيد إلى عمان ، وعمرو بن سهيل بن عبد العزيز ~~بن مروان إلى مصر وبعث ببقية الأسرى إلى ابن هبيرة فأطلقهم . PageV24P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" ومضى ابن معاوية إلى خراسان . فسار معن بن ~~زائدة يطلب منصور بن جمهور فلم يدركه ، فرجع . وكان مع ابن معاوية من ~~الخوارج وغيرهم خلق كثير ، فأسر منهم أربعون ألفا ، وكان ممن أسر عبد الله ~~بن علي بن عبد الله بن عباس فسبه ابن ضبارة وقال : ما جاء بك إلى ابن ~~معاوية وقد عرفت خلافة أمير المؤمنين فقال : كان علي دين فأتيته فشفع فيه ~~حرب بن قطن الهلالي وقال : هو ابن أختنا فوهبه له . فعاب عبد الله بن علي ~~عبد الله بن معاوية ورمى أصحابه باللواط فسيره ابن ضبارة إلى ابن هبيرة ~~ليخبره أخبار ابن معاوية . وسار في طلب عبد الله بن معاوية إلى شيراز فحصره ~~بها . فخرج عبد الله منها هاربا ومعه أخواه الحسن ويزيد ابنا معاوية وجماعة ~~من أصحابه . وسلك المفازة على كرمان . وقصد خراسان طمعا في أبي مسلم لأنه ~~يدعو إلى الرضا من آل محمد ، وقد استولى على خراسان . فوصل إلى نواحي هراة ~~وعليها أبو نصر مالك بن الهيثم الخزاعي . فأرسل إلى ابن معاوية يسأله عن ~~قدومه ، فقال : بلغني أنكم تدعون إلى الرضا من آل محمد فأرسل إليه مالك : ~~انتسب نعرفك . فانتسب له فقال : أما عبد الله وجعفر فمن أسماء آل رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، وأما معاوية فلا نعرفه في أسمائهم . فقال : إن ~~جدي كان عند معاوية بن أبي سفيان ms5681 لما ولد له أبي ، فطلب إليه أن يسمي ابنه ~~باسمه ، ففعل ، فأرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم . فأرسل إليه مالك : لقد ~~اشتريتم الاسم الخبيث بالثمن اليسير ، ولا نرى لك حقا فيما ندعو إليه ثم ~~أرسل إلى أبي مسلم يعرفه خبره . فأمره بالقبض عليه وعلى من معه ، فقبض ~~عليهم وحبسوا . ثم ورد عليه كتاب أبي مسلم يأمره بإطلاق الحسن ويزيد ابني ~~معاوية وقتل عبد الله بن معاوية . فأمر من وضع فراشا على وجهه . فمات وأخرج ~~فصلى عليه ودفن . وكان عبد الله بن معاوية شاعرا مجيدا . فمن قوله : ولا ~~تركبن الصنيع الذي . . . تلوم أخاك على مثله ولا يعجبنك قول امرىء . . . ~~يخالف ما قال في فعله فهؤلاء الذين ظهروا من الطالبيين في الدولة الأموية ~~وقتلوا . ثم ظهر في الدولة العباسية من نذكرهم إن شاء الله تعالى ، والله ~~أعلم بالصواب . وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما . ~~PageV24P0228 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الخامس والعشرون PageV25P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ### | AUT الباب السابع من القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار من نهض في طلب الخلافة من الطالبيين في مدة الدولتين الأموية والعباسية # محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب وأخوه إبراهيم ~~ونحن نذكر سبب ظهورهما وما كان من أمرهما وما اتفق لأولاد الحسن رضي الله ~~عنه بسبب ذلك ، ثم نذكر ظهور محمد وما اتفق له . إلى أن قتل ، وظهور ~~إبراهيم بعده ، وما كان من خبره وحروبه ومقتله ، وما يتصل بذلك فنقول : كان ~~سبب ظهورهما أن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين ابن على هذا ، كما ~~يدعي أن أبا جعفر المنصور كان ممن بايعه ، لما تشاور بنو هاشم بمكة فيمن ~~يعقدون له الخلافة ، عند اضطراب أمر مروان بن محمد الحمار ، فلما قامت ~~الدولة العباسية وبويع السفاح ، واتفق حج المنصور في سنة ست وثلاثين ومائة ~~سأل عنهما ، فقال له زياد بن عبيد الله الحارثي : ما يهمك من أمرهما ؟ أنا ~~آتيك بهما ، وكان معه بمكة ، فرده المنصور إلى المدينة ، فلما ms5682 استخلف ~~المنصور لم يكن همه إلا أمر محمد ، والمسألة عنه وما يريد ، فدعا بني هاشم ~~رجلا رجلا يسأل كل واحد سرا عنه ، فكلهم يقول قد علم أنك عرفته بطلب هذا ~~الأمر ، فهو يخافك على نفسه ، وهو لا يريد لك خلافا ، وما أشبه هذا الكلام ~~، إلا الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب فإنه أخبره خبره ، وقال : ~~والله ما آمن وثوبه عليك ، فإنه لا ينام عنك ، فأيقظ بكلامه من لم ينم عنه ~~، وزاده ذلك حرصا على طلبه ، وشدة في طلبه ، وكان موسى بن عبد الله بن حسن ~~يقول بعد ذلك : اللهم اطلب حسن بن زيد بدمائنا . PageV25P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" ثم ألح المنصور على عبد الله بن حسن في إحضار ~~ابنه محمد سنة حج ، فقال عبد الله لسليمان بن علي بن عبد الله بن عباس : يا ~~أخي بيننا من الصهر والرحم ما تعلم ، فما ترى ؟ فقال سليمان : والله لكأني ~~أنظر إلى أخي عبد الله بن علي حين حال الستر بيننا وبينه ، وهو يشير إلينا ~~، إن هذا الذي فعلتم بي ، فلو كان المنصور عافيا على أحد عفا عنه عمه ، ~~يشير إلى خبر المنصور لما حبس عمه عبد الله بن علي ، فقيل عبد الله بن حسن ~~رأى ، سليمان ، وعلم أنه قد صدقه ولم يظهر ابنه . ثم شرع المنصور في إعمال ~~الفكرة ، والتوصل إلى أن يطلع على حقيقة خبر محمد بن عبد الله ، وجعل عليه ~~العيون والمراصد ، وتوصل بكل طريق ، حتى إنه اشترى رقيقا من رقيق الأعراب ، ~~وأعطى الرجل منهم البعير ، والرجل البعيرين ، والرجل الزود ، وفرقهم في طلب ~~محمد في ظهر المدينة ، فكان الرجل منهم يرد الماء كالمار وكالضال فيسألون ~~عنه ، وبعث المنصور عينا وكتب معه كتابا على ألسن الشيعة إلى محمد ، يذكرون ~~طاعتهم ومسارعتهم ، وبعث معه بمال وألطاف ، فقدم الرجل المدينة فدخل على ~~عبد الله بن حسن ، وسأله عن ابنه محمد فكتم خبره ، فتردد إليه الرجل وألح ~~في المسألة فذكر له أنه في جبل جهينة ، وقال له : أمرر بعلي بن حسن ms5683 ، الرجل ~~الصالح الذي يدعى الأغر ، وهو بذي الإبر ، فهو يرشدك إليه ، فأتاه فأرشده ، ~~وكان للمنصور كاتب على سره يتشيع ، فكتب إلى عبد الله بن حسن يخبره بخبر ~~ذلك العين ، فلما قدم الكتاب ارتاع له ، وبعث إلى محمد ابنه وإلى علي بن ~~حسن يحذرهما الرجل ، وأرسل بذلك أبا هبار ، فخرج أبو هبار فنزل بعلي بن حسن ~~وأخبره ، ثم سار إلى محمد بن عبد الله في موضعه الذي هو به ، فإذا هو جالس ~~في كهف ومعه جماعة من أصحابه ، وذلك العين معهم أعلاهم صوتا وأشدهم انبساطا ~~، فلما رأى أبا هبار خافه ، فقال أبو هبار لمحمد : إن لي حاجة ، فقام معه ~~فأخبره الخير ، قال : فما الرأي ؟ قال : أرى إحدى ثلاث ، قال : وما هي ؟ ~~قال : تدعني أقتل هذا الرجل ، قال : ما أنا بمقارف دما إلا مكرها ، قال : ~~أثقله حديدا ، وتنقله معك PageV25P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" حيث تنقلت ، قال : وهل بنا فراغ مع الخوف ~~والإعجاب ؟ قالو : قام بركوة فيها ماء وتوارى ، فطلبوه فلم يجدوه فكأن ~~الأرض التأمت عليه ، وسعى على قدميه حتى اتصل بالطريق ، فمر به أعرابي معه ~~حمولة إلى المدينة ، فقال له : فرغ هذه الغرارة وأدخلنيها أكن عدلا ~~لصاحبتها ، ولك كذا وكذا ففعل ، وحمله حتى أقدمه المدينة ، ثم قدم على ~~المنصور فأخبره الخبر كله ، ونسي إسم أبي هبار وكنيته ، فقال : وبر ، فكتب ~~أبو جعفر في طلب وبر المري ، فحمل إليه فسأله عن قصة محمد ، فحلف أنه لا ~~يعرف من ذلك شيئا ، فأمر به فضرب سبعمائة سوط ، وحبس حتى مات المنصور . ثم ~~أحضر المنصور عقبة بن سلم الأزدى ، فقال له : إني أريدك لأمر أنا به معنى ، ~~لم أزل أرتاد له رجلا عسى أن تكونه ، وإن كفيتنيه رفعتك ؟ فقال : أرجو أن ~~أصدق ظن أمير المؤمنين في ، قال : فاخف شخصك واستر أمرك ، وأتني يوم كذا ~~وكذا في وقت كذا ، فأتاه في ذلك الوقت ، فقال له : إن بنى عمنا قد أبو إلا ~~كيدا لملكنا واغتيالا له ، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا ، يكاتبونهم ~~ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف من ألطاف ms5684 بلادهم ، فاخرج بكتبي وبمال ~~وألطاف ، حتى تأتيهم متنكرا بكتاب تكتبه عن أهل هذه القرية ، ثم تعلم حالهم ~~فإن كانوا نزعوا عن رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب ، وإن كانوا على رأيهم ~~علمت ذلك وكنت على حذر ، فاشخص حتى تلقى عبد الله ابن حسن متخشعا متقشفا ، ~~فإن جبهك - وهو فاعل - فاصبر وعاوده ، حتى يأنس بك وتلين لك ناحيتك ، فإذا ~~ظهر لك ما قبله فعجل إلى ؛ فشخص عقبة حتى قدم على عبد الله بن حسن ، فلقيه ~~بالكتاب فأنكره ونهره ، وقال : ما أعرف هؤلاء القوم ، فلم يزل يتردد إليه ~~حتى قبل كتابه وألطافه وأنس به ، فسأله عقبة الجواب فقال : أما الكتاب فإني ~~لا أكتب إلى أحد ، ولكن أنت كتابي إليهم ، فأقرهم السلام وأعلمهم أن ابني ~~خارجان لوقت كذا وكذا ، فرجع عقبة إلى المنصور وأعلمه الخبر ، فأنشأ ~~المنصور الحج ، وقال لعقبة : إذا لقيني بنو حسن فيهم عبد الله بن حسن ، ~~فأنا مكرمه ورافع مجلسه وداع بالغذاء ، فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك فامثل ~~بين يديه قائما ، فإنه سيصرف بصره عنك ، فاستدر حتى تغمز ظهره بإبهام رجلك ~~، PageV25P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" حتى يملأ عينه منك ثم حسبك ، وإياك أن يراك ما ~~دام يأكل ؛ وخرج المنصور إلى الحج ، فلما لقيه بنو الحسن أجلس عبد الله إلى ~~جانبه ، ثم دعا بالغداء فأصابوا منه ثم رفع ، فأقبل المنصور على عبد الله ~~بن حسن فقال له : قد علمت ما أعطيتني من العهود والمواثيق ألا تبغني سوءا ، ~~ولا تكيد لي سلطانا ، قال : فأنا على ذلك يا أمير المؤمنين ، فلحظ المنصور ~~عقبة بن سلم ، فاستدار حتى وقف بين يدي عبد الله ، فأعرض عنه ، فاستدار حتى ~~قام وراء ظهره فغمزه بإصبعه ، فرفع رأسه فملأ عينه منه ، فوثب حتى قعد بين ~~يدي المنصور ، وقال : أقلني يا أمير المؤمنين أقالك الله ، قال : لا أقالني ~~الله إن أقلتك ، ثم أمر بحبسه . وكان محمد قد قدم قبل ذلك البصرة فنزلها في ~~بني راسب ، يدعو إلى نفسه ، وقيل نزل على عبد الله بن شيبان - أحد بني مرة ~~بن عبيد ، ثم ms5685 خرج منها ، فبلغ المنصور مقدمة البصرة ، فسار إليها مجدان ، ~~فلقيه عمر بن عبيد ، فقال له : يا أبا عثمان ، هل بالبصرة أحد نخافه على ~~أمرنا ، قال : لا ، قال : فاقتصر على قولك وأنصرف ؟ قال : نعم ، وكان محمد ~~قد سار عنها قبل مقدم المنصور ، فرجع المنصور واشتد الخوف على محمد ~~وإبراهيم ابني عبد الله ، فخرجا حتى أتيا عدن ، ثم صار إلى السند ثم إلى ~~الكوفة ثم إلى المدينة . وكان المنصور حج سنة أربعين ومائة ، فقسم أموالا ~~عظيمة في آل أبي طالب ، فلم يظهر محمد وإبراهيم ، فسأل أباهما عبد الله ~~عنهما فقال : لا أعلم لي بهما ، فتغالظا فأمصه المنصور ، فقال امصص كذا ~~وكذا من أمك فقال عبد الله : يا أبا جعفر بأي أمهاتي تمصني أبفاطمة بنت ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ أم بفاطمة بنت الحسين بن علي ؟ أم بأم ~~إسحاق بنت طلحة ؟ أم بخديجة بنت خويلد ؟ قال لا بواحدة منهن ، ولكن ~~بالجرباء بنت قسامة بن زهير ، وهي امرأة من طيء ، فقال المسيب بن زهير : يا ~~أمير المؤمنين دعني أضرب عنق ابن الفاعلة ، فقام زياد بن عبيد الله فألقى ~~عليه رداءه ، وقال : هبه لي يا أمير المؤمنين ، فأنا أستخرج لك ابنيه ، ~~فخلصه . وكان محمد وإبراهيم ابنا عبد الله قد تغيبا حين حج المنصور سنة ~~أربعين ومائة عن المدينة ، وحجا أيضا ، فاجتمعوا كلهم بمكة وأرادوا اغتيال ~~المنصور ، فقال لهم الأشتر عبد الله بن محمد : أنا أكفيكموه ، فقال محمد : ~~لا والله لا أقتله علية أبدا حتى PageV25P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" أدعوه ، فنقض ما كانوا أجمعوا عليه ، وكان قد ~~دخل معهم قائد من قواد المنصور من أهل خراسان - اسمه خالد بن حسان يدعى أبا ~~العساكر - على ألف رجل ، فنمى الخبر إلى المنصور فطلب القائد فلم يظفر به ، ~~وظفر بأصحابه فقتلهم ، وأما القائد فإنه لحق بمحمد بن عبد الله فسيره إلى ~~خراسان ، ومعه ابنه عبد الله بن محمد ، ثم إن المنصور حث زياد بن عبيد الله ~~على طلب محمد وإبراهيم ، فضمن له وذلك ووعده به ، فقدم محمد بن عبد ms5686 الله ~~المدينة قدمة ، فبلغ ذلك زيادا فتلطف له وأعطاه الأمان ، على أن يظهر وجهه ~~للناس ، فوعده محمد ذلك ، فركب زياد مغلسا ووعد محمدا سوق ظهر ، وركب محمد ~~فتصايح الناس : يا أهل المدينة ، المهدي المهدي ، فوقف هو وزياد فقال زياد ~~: يا أيها الناس هذا محمد بن عبد الله بن حسن ، ثم قال : الحق بأي بلاد ~~الله شئت ، فتوارى محمد ؛ وسمع المنصور الخبر فأرسل أبا الأزهر في جمادي ~~الآخرة سنة إحدى وأربعين ومائة إلى المدينة ، وأمره : أن يستعمل على ~~المدينة عبد العزيز بن المطلب ، وأن يقبض زيادا وأصحابه ويسير بهم إليه ، ~~فقدم أبو الأزهر المدينة ففعل ما أمره ، وأخذ زيادا وأصحابه وسار بهم نحو ~~المنصور ، وخلف زياد ببيت مال المدينة ثمانين ألف دينار ، فسجنهم المنصور ~~ثم من عليهم بعد ذلك . واستعمل المنصور على المدينة محمد بن خالد بن عبد ~~القسري ، وأمره بطلب محمد بن عبد الله وبسط يده بالنفقة في طلبه ، فقدم ~~المدينة في شهر رجب سنة إحدى وأربعين ومائة ، فأخذ المال ، ورفع في محاسبته ~~أموالا كثيرة أنفقها في طلب محمد ، فاستبطأه المنصور وأتهمه ، فكتب إليه ~~يأمره بكشف المدينة وأعراضها ، فطاف ببيوت الناس فلم يجد محمدا ، فلما رأى ~~المنصور ما قد أخرج من الأموال ولم يظفر بمحمد استشار أبا السعلاء - رجلا ~~من قيس عيلان - في أمر محمد وأخيه ، فقال : أرى أن تستعمل رجلا من ولد ~~الزبير أو طلحة فإنهم يطلبونهما بذحل ، ويخرجونهما إليك ، فقال : قاتلك ~~الله ، ما أجود ما رأيت والله ما خفي على هذا ، ولكني أعاهد الله ألا أنتقم ~~من بني عمي وأهل بيتي بعدوي وعدوهم ، ولكني أبعث عليهم صعيليكا من العرب ~~يفعل بهم ما قلت ، فاستشار يزيد بن أسيد السلمي ، وقال له : دلني على فتى ~~مقل من قيس أغنية وأشرفه ، وأمكنه من سيد اليمن - يعني ابن القسري - وقال : ~~نعم ، رياح بن عثمان بن حيان المري ، فسيره المنصور أميرا على المدينة في ~~شهر رمضان سنة أربع وأربعين ومائة ؛ وقيل إن رياحا PageV25P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" ضمن للمنصور أن يخرج محمدا وإبراهيم ابني ms5687 عبد ~~الله ، إن استعمله على المدينة ، فاستعمله عليها ، فسار حتى دخلها ، فلما ~~دخل دار مروان ، وهي التي كان ينزلها الأمراء قال لحاجب كان له ، يقال له ~~أبو البختري ، هذه دار مروان ؟ قال : نعم ، قال أما إنها محلال مظعان ، ~~ونحن أول من يظعن منها ، فلما تفرق الناس عنه قال لحاجبه أبي البختري : خذ ~~بيدي فدخل على هذا الشيخ - يعني عبد الله بن الحسن - فدخلا عليه ، فقال له ~~رياح : أيها الشيخ ، إن أمير المؤمنين - والله - ما استعملني لرحم قريبة ، ~~ولا ليد سلفت إليه مني ، والله لا لعبت بي كما لعبت بزياد وابن القسري ، ~~والله لأزهقن نفسك أو لتأتيني بابنيك محمد وإبراهيم ، فرفع عبد الله رأسه ~~إليه وقال نعم ، أما والله إنك لأزيرق قيس المذبوح فيها كما تذبح الشاة ، ~~قال ، أبو البختري : فانصرف - والله - رياح آخذا بيدي أجد برديدة ، وإن ~~رجليه لتخطان الأرض مما كلمه ، قال : فقلت له : إن هذا ما اطلع على الغيب ، ~~قال : أيها ويلك ، فو الله ما قال إلا ما سمع ، فذبح كما تذبح الشاة ، ثم ~~إنه دعا القسري وسأله عن الأموال ، فضربه وسجنه ، وجد رياح في طلب محمد ، ~~فأخبر أنه في شعب من شعاب رضوى ، جبل جهينة ، وهو في عمل ينبع ، فأمر عامله ~~بطلب محمد ، فطلبه بالخيل والرجل ، ففزع منه محمد فهرب راجلا فأفلت ، وله ~~ابن صغير ولد في خوفه ذلك ، وهو مع جارية له ، فسقط من الجبل فتقطع ، فقال ~~محمد : منخرق السربال يشكو الوجى . . . تنكبه أطراف مرو حداد شرده الخوف ~~فأزرى به . . . كذاك من يكره حر الجلاد قد كان في الموت له راحة . . . ~~والموت حتم في رقاب العباد قال : وبينا رياح يسير بالحرة إذ لقي محمدا ، ~~فعدل محمد إلى بئر هناك فجعل يستقي ، فقال رياح : قاتله الله أعرابيا ما ~~أحسن ذراعه . PageV25P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" ذكر حبس أولاد الحسن قد ذكرنا أن المنصور حبس ~~عبد الله بن حسن ، وقيل إن رياحا هو الذي حبسهم ، حكى عن على بن عبد الله ~~بن محمد بن عمر بن علي أنه قال : حضرنا ms5688 باب رياح في المقصورة ، فقال الآذن ~~: من كان ههنا من بني حسن فليدخل ، فدخلوا من باب المقصورة ، وخرجوا من باب ~~مروان ، ثم قال : من كان ههنا من بني حسن فليدخل ، فدخلوا من باب المقصورة ~~، ودخل الحدادون من باب مروان ، فدعا بالقيود فقيدهم وحبسهم ، وكانوا : عبد ~~الله بن الحسن بن الحسن ابن علي ، وحسن وإبراهيم ابني حسن ، وحسن بن جعفر ~~بن حسن ابن حسن ، وسليمان وعبد الله ابني داود بن حسن بن حسن ، ومحمد ~~وإسماعيل وإسحاق بني إبراهيم بن حسن بن حسن ، وعباس ابن حسن بن حسن ، فلما ~~حبسهم لم يكن فيهم على بن حسن بن حسن بن على العابد ، فلما كان الغد بعد ~~الصبح وإذا برجل قد أقبل متلففا ، فقال له رياح : مرحبا بك ما حاجتك ؟ قال ~~: جئتك لتحبسني مع قومي ، فإذا هو على بن حسن بن حسن ، فحبسه معهم . وكان ~~محمد قد أرسل ابنه عليا إلى مصر يدعو إليه ، فبلغ خبره عامل مصر ، وقيل له ~~إنه على الوثوب بك ، والقيام عليك بمن شايعه ، فقبضه وأرسله إلى المنصور ، ~~فاعترف له وسمى أصحاب أبيه ، وكان فيمن سمى عبد الرحمن بن أبي الموال وأبو ~~جبير ، فضربهما المنصور وحبسهما وحبس عليا ، فبقي محبوسا إلى أن مات ؛ وكتب ~~المنصور إلى رياح أن يحبس معهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ~~المعروف بالديباج ، وكان أخا عبد الله بن حسن بن حسن لأمه - أمهما جميعا ~~فاطمة بنت الحسين بن علي رضي الله عنهما ؛ فأخذه معهم ، وقيل إن المنصور ~~حبس عبد الله بن حسن بن حسن على وحده وترك باقي أولاد حسن ، فترك حسن بن ~~حسن بن حسن خضابه حتى نصل حزنا على أخيه عبد الله ، فكان المنصور يقول : ما ~~فعلت الحادة ؟ ومر حسن بن حسن بن حسن على إبراهيم بن حسن وهو يعلف إبلا ~~فقال : أتعلف إبلك وعبد الله محبوس يا غلام - أطلق عقلها ففعل ، ثم صاح في ~~أدبارها فلم يوجد منها بعير ، فلما طال حبس عبد الله بن حسن قال عبد ms5689 العزيز ~~بن سعيد للمنصور : أتطمع في خروج محمد وإبراهيم وبنو حسن مخلون ؟ والله ~~للواحد منهم أهيب في صدور الناس من الأسد ، فكان ذلك سبب حبس الباقين في ~~سنة أربع وأربعين . PageV25P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" ذكر حملهم إلى العراق قال المؤرخ : ولما حج ~~المنصور في سنة أربع وأربعين ومائة أرسل محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد ~~بن طلحة ومالك بن أنس إلى بني الحسن وهم في الحبس ، يسألهم أن يدفعوا إلى ~~محمدا وإبراهيم ابني عبد الله ، فدخلا عليهم وعبد الله قائم يصلي فأبلغاهم ~~الرسالة ، فقال حسن بن حسن أخو عبد الله : هذا عمل ابني المشئومة أما والله ~~ما هذا عن رأينا ولا عن ملأ منا ولا لنا فيه حيلة فقال له أخوه إبراهيم : ~~علام تؤذي أخاك في ابنيه ؟ وتؤذي ابن أخيك في أمه ؟ ثم فرغ عبد الله من ~~صلاته فأبلغاه الرسالة ، فقال : والله ، لا أرد عليكما حرفا ، إن أحب أن ~~يأذن لي فألقاه فليفعل ، فانطلق الرسولان إلى المنصور فأبلغاه قوله ، فقال ~~: أراد أن يسحرني لا والله لا ترى عينه عيني حين يأتيه بابنيه ، وكان عبد ~~الله بن حسن لا يحدث أحدا قط . إلا قتله عن رأيه . ثم سار المنصور لوجهه ، ~~فلما حج ورجع لم يدخل المدينة ومضى إلى الربذة ، فخرج إليه رياح إلى الربذة ~~فرده إلى المدينة ، وأمره بأشخاص بني حسن إليه ، ومعهم محمد بن عبد الله بن ~~عمرو بن عثمان أخو بني حسن لأمهم ، فرجع رياح وأخذهم وسار بهم إلى الربذة ، ~~وجعلت القيود في أرجلهم وأعناقهم ، وجعلهم في محامل بغير وطاء ، ولما خرج ~~بهم رياح من المدينة وقف جعفر بن محمد من خلف ستر يراهم ولا يرونه ، وهو ~~يبكي ودموعه تجري على لحيته وهو يدعو الله ، ثم قال : والله ، لا تحفظ لله ~~حرمه بعد هؤلاء ، ولما ساروا كان محمد وإبراهيم ابنا عبد الله يأتيان كهيئة ~~الأعراب ، فيسايران أباهما ويستأذنانه في الخروج ، فيقول : لاتعجلا حتى ~~يمكنكما ذلك وقال لهما إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين ، فلا يمنعكما ~~أن تموتا كريمين ms5690 ، فلما وصلوا إلى الربذة أدخل محمد بن عبد الله العثماني ~~على المنصور ، وعليه قميص وإزار رقيق ، فلما وقف بين يديه قال : أيها ~~باديوث ، قال محمد : سبحان الله والله لقد عرفتني بغير ذلك صغيرا وكبيرا ، ~~قال : فممن حملت ابنتك رقية ؟ وكانت تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن ، وقد ~~أعطتني الأيمان ألا تغشني ، ولا تماليء على عدوا ، وأنت ترى ابنتك حاملا ~~وزوجها غائب فأنت بين أن تكون PageV25P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" حانثا أو ديوثا ، وأيم الله لأهم برجمها ، قال ~~محمد : أما أيماني فهي على ، إن كنت دخلت لك في أمر غش علمته ، وأما ما ~~رميت به هذه الجارية فإن الله قد أكرمها بولادة رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إياها ، ولكني ظننت حين ظهر حملها أن زوجها ألم بها على حين غفلة ~~منا ، فاغتاظ المنصور من كلامه ، وأمر بشق ثيابه وإزاره فبدت عورته ، ثم ~~أمر به فضرب خمسين ومائة سوط ، فبلغت منه كل مبلغ والمنصور يفتري عليه ~~لايكني ، فأصاب سوط منها وجهه ، فقال : ويحك اكفف عن وجهي ، فإن له حرمة ~~برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأغرى المنصور فقال للجلاد : الرأس ~~الرأس ، فضرب على رأسه نحوا من ثلاثين سوطا ، وأصاب إحدى عينيه سوط فسألت ، ~~ثم أخرج وكأنه زنجي من الضرب ، وكان من أحسن الناس ، وكان يكني الديباج ~~لحسنه ، فلما أخرج وثب إليه مولى له فقال : ألا أطرح ردائي عليك ، قال : ~~بلى جزيت خيرا ، والله لشق إزاري أشد على من الضرب . وكان سبب أخذه أن ~~رياحا قال للمنصور : يا أمير المؤمنين ، أما أهل خراسان فشيعتك ، وأما أهل ~~العراق فشيعة آل أبي طالب ، وأما أهل الشام فوالله ما على عندهم إلا كافر ، ~~ولكن محمد بن عبد الله العثماني لو دعا أهل الشام ما تخلف عنه منهم أحد ، ~~فوقعت في نفس المنصور فأمر به فأخذ معهم ، وكان حسن الرأي فيه قبل ذلك . ثم ~~إن أبا عون كتب إلى المنصور أن أهل خراسان قد تقاعسوا عني ، وطال عليهم أمر ~~محمد بن عبد الله العثماني ، فأمر المنصور ms5691 به فقتل ، وأرسل رأسه إلى خراسان ~~، وأرسل معه من يحلف أنه رأس محمد بن عبد الله ، وأن أمه فاطمة بنت الحسين ~~بن علي ، فلما قتل قال أخوه عبد الله ، بن الحسن : إن لله إن كنا لنأمن به ~~في سلطانهم ، ثم قد قتل بنا في سلطاننا . قال : ثم سار بهم المنصور من ~~الربذة فمر بهم وهو على بغلة شقراء ، فناداه عبد الله بن حسن : يا أبا جعفر ~~، ماهكذا فعلنا بأسراكم يوم بدر ، فأخسأه أبو جعفر وتغل عليه ومضى ، فلما ~~قدموا إلى الكوفة قال عبد الله لمن معه : ألا ترون في هذه القرية من يمنعنا ~~من هذا الطاغية قال : ، فلقيه الحسن وعلى ابنا حي مشتملين على سيفين ، ~~فقالا له : قد جئناك يا ابن رسول الله ، فمرنا بالذي تريد ، قال : قد ~~قضيتما ما عليكما ، ولن تغنيا في هؤلاء شيئا فانصرفا ، فانصرفا ، ثم إن ~~المنصور أودعهم بقصر ابن هبيرة شرقي الكوفة ، وأحضر المنصور محمد بن ~~إبراهيم بن حسن ، وكان أحسن الناس صورة ، فقال له : أنت الديباج الأصغر ؟ ~~قال : نعم ، قال : لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحدا ، ثم أمر به فبنى عليه ~~أسطوانة وهو حي ، فمات فيها ، وهو أول من مات منهم ، ثم عبد الله بن حسن ، ~~ثم مات PageV25P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" علي بن حسن ؛ وقيل إن المنصور أمر بهم فقتلوا ~~، وقيل بل أمر بهم فسقوا السم ، وقيل وضع المنصور على عبد الله من قال له : ~~إن ابنه محمدا قد خرج وقتل ، فانصدع قلبه فمات والله أعلم ، ولم ينج منهم ~~إلا سليمان وعبد الله ابنا داود بن حسن بن حسن ، وجعفر بن حسن ، وبقيتهم ~~ماتوا في حبس المنصور . ذكر ظهور محمد بن عبد الله ابن حسن بن الحسن بن على ~~بن أبي طالب كان ظهوره بالمدينة لليلتين بقيتا من جمادي الآخرة سنة خمس ~~وأربعين ومائة ، وقيل بل كان في رابع عشر رمضان منها . وكان سبب خروجه أن ~~المنصور لما حمل أهله إلى العراق ، وسار من الربذة ، رد رياحا إلى المدينة ~~أميرا عليها ، فألح في طلب محمد ms5692 ، وأرهقه الطلب يوما فتدلى في بئر في ~~المدينة ، يناول أصحابه الماء ، وانغمس في الماء إلى حلقه ، وكان بدنه ~~لايخفى لعظمه ، وبلغ رياحا خبره أنه بالمذاد ، فركب نحوه في جنده ، فتنحى ~~محمد عن طريقه واختفى في دار الجهنية ، فحيث لم يره رياح رجع إلى دار مروان ~~، فلما اشتد الطلب على محمد خرج قبل وقته ، وكان قد واعد أخاه إبراهيم أنه ~~يخرج لوقت عينه بالمدينة ، ويخرج إبراهيم بالبصرة ، وقيل بل خرج لميعاده مع ~~أخيه ، وإنما أخوه تأخر لجدري لحقه . وكان عبيد الله بن عمرو بن أبي ذؤيب ~~وعبد الحميد بن جعفر يقولون لمحمد بن عبد الله : ماتنتظر بالخروج ؟ ف الله ~~ما على هذه الأمة انتقام منك ، اخرج ولو لوحدك ، فحركه ذلك للخروج أيضا ، ~~وأتى رياحا الخبر : أن محمدا خارج الليلة ، فأحضر محمد ابن عمران بن ~~إبراهيم بن محمد قاضى المدينة والعباس بن عبد الله ابن الحارث بن العباس ~~وغيرهما عنده ، فصمت طويلا ثم قال لهم : يا أهل المدينة ؛ أمير المؤمنين ~~يطلب محمدا في شرق الأرض وغربها ، وهو بين أظهركم ، أقسم بالله : لئن خرج ~~لأقتلنكم أجمعين ، وقال لمحمد بن عمران : أنت قاضي أمير المؤمنين فادع ~~عشيرتك ، فجمع بني زهرة فجاءوا في جمع كبير ، فأجلسهم بالباب ، وأرسل فأخذ ~~نفرا من العلويين وغيرهم ، فيهم : جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ، وحسين ~~بن علي بن حسين بن علي ، وحسن بن علي بن حسين بن علي ، ورجال من قريش ~~PageV25P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" فيهم : إسماعيل بن أيوب بن سلمة بن عبد الله ~~بن الوليد بن المغيرة وابنه خالد ، فبيناهم عنده إذ ظهر محمد فسمعوا ~~التكبير ، فقال ابن مسلم بن عقبة المري : أطعني في هؤلاء واضرب أعناقهم ، ~~فقال له الحسين بن علي بن الحسين بن علي : والله ، ما ذاك إليك ، إنا لعلى ~~السمع والطاعة ، وأقبل محمد من المذاد في مائة وخمسين رجلا في بني سلمة ~~تفاؤلا بالسلامة ، وقصد السجن فكسر بابه وأخرج من فيه ، وممن كان فيه محمد ~~بن خالد بن عبد الله القسري وابن أخيه النذير بن ms5693 يزيد ورزام فأخرجهم ، وجعل ~~على الرجالة خوات بن بكير بن خوات بن جبير ، وأتى دار الإمارة وهو يقول ~~لأصحابه : لاتقتلوا لاتقتلوا ، فامتنع منهم رياح فدخلوا من باب المقصورة ، ~~وأخذوا رياحا أسيرا وأخاه عباسا وابن مسلم ابن عقبة المري ، فحبسهم في دار ~~الإمارة ، ثم خرج إلى المسجد فصعد المنبر ، فحمد الله واثني عليه ثم قال : ~~أما بعد فإنه قد كان من أمر هذا الطاغية - عدو الله أبي جعفر - ؛ ما لم يخف ~~عليكم ، من بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندة لله في ملكه ، وتصغيرا ~~للكعبة الحرام ، وإنما أخذ الله فرعون حين قال ، أنا ربكم الأعلى ، وإن أحق ~~الناس بالقيام في هذا الأمر أبناء المهاجرين والأنصار المواسين ، اللهم ~~إنهم قد أحلوا حرامك وحرموا حلالك ، وأمنوا من أخفت ، وأخافوا من أمنت ؛ ~~اللهم فاحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تغادر منهم أحدا ؛ أيها الناس : ~~إني والله ما خرجت بين أظهركم ، وأنتم عندي أهل قوة ولا شدة ، ولكني ~~اخترتكم لنفسي ، والله ما جئت هذه وفي الأرض مصر يعبد الله فيه إلا أخذ لي ~~فيه البيعة . وكان المنصور يكتب إلى محمد بن عبد الله على ألسن قواده ، ~~يدعونه إلى الظهور ويخبرونه أنهم معه ، فكان محمد يقول هذا ، ويقول : لو ~~التقينا مال القواد كلهم إلى ، واستولى محمدا على المدينة ، واستعمل عليها ~~عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير ، وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن ~~عبد الله المخزومي ، وعلى بيت السلاح عبد العزيز الدراوردي ، وعلى الشرط ~~أبا القلمس عثمان بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعلى ديوان ~~العطاء عبد الله بن جعفر ابن عبد الرحمن بن PageV25P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" المسور بن مخرمة ؛ وقيل كان على شرطته عبد ~~الحميد بن جعفر فعزله ، وأرسل محمد إلى محمد بن عبد العزيز : إن كنت لأظنك ~~ستنصرنا وتقوم معنا ، فاعتذر إليه وقال افعل ، ثم انسل منه وأتى مكة ، ولم ~~يتخلف عن محمد أحد من وجوه الناس ، إلا نفر منهم الضحاك بن عثمان بن عبد ~~الله بن حزام ، وعبد الله بن ms5694 المنذر بن الغيرة بن عبد الله بن خالد ، وأبو ~~سلمة بن عبيد الله بن الله بن عمر ، وخبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير . ~~وكان أهل المدينة قد استفتوا مالك بن أنس في الخروج مع محمد ، وقالوا : إن ~~في أعناقنا بيعة لأبي جعفر ، فقال : إنما بايعتم مكرهين ؛ وليس على مكره ~~يمين ، فأسرع الناس إلى محمد ، ولزم مالك بيته ، وأرسل محمد إلى إسماعيل بن ~~عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وكان شيخا كبيرا ، فدعاه إلى بيعته فقال : ~~يا ابن أخي ، أنت والله مقتول فكيف أبايعك فارتدع الناس عنه قليلا ، وكان ~~بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر قد أسرعوا إلى محمد ، فأنت حمادة ابنة ~~معاوية إلى إسماعيل بن عبد الله ، وقالت له يا عم : إن إخوتي قد أسرعوا إلى ~~ابن خالهم ، وإنك إن قلت هذه المقالة ثبطت الناس عنهم ، فيقتل ابن خالي ~~وإخوتي ، فأبى إسماعيل إلا النهي عنه ، فيقال إن حمادة عدت عليه فقتلته ، ~~فأراد محمد الصلاة عليه فمنعه عبد الله إبن إسماعيل ، وقال : أتأمر بقتل ~~أبي وتصلي عليه فنحاه الحرس وصلى عليه محمد . ولما ظهر محمد كان محمد بن ~~خالد القسري في حبس رياح فأطلقه ، قال محمد بن خالد : لما سمعت دعوة محمد ~~إلى دعا إليها على المنبر ، قلت : هذه دعوة حق ، والله لأبلين الله فيها ~~بلاء حسنا ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنك قد خرجت بهذا البلد ، والله لو ~~وقف على نقب من أنقابه أحد ، مات أهله جوعا وعطشا ، فانهض معي فإنما هي عشر ~~حتى أضربه بمائة ألف سيف ، فأبى علي ، فبينما أنا عنده إذ قال : ما وجدنا ~~من حر المتاع شيئا أجود من شيء وجدناه عند إبن أبي فروة ختن أبي الخصيب ، ~~وكان انتهبه ، قال ، فقلت له : ألا أراك قد أبصرت حر المتاع ، فكتبت إلى ~~المنصور فأخبرته بقلة من معه ، فأخذني محمد فحبسني حتى أطلقني عيسى بن موسى ~~بعد قتله إياه . وكان رجل من آل أويس بن أبي سرح العامري - عامر بن لؤي - ~~إسمه الحسين بن صخر ms5695 بالمدينة لما ظهر محمد ، فسار من ساعته إلى المنصور ~~فبلغه في تسعة أيام ، فقدم ليلا فقام على أبواب المدينة ، فصاح حتى علموا ~~به فأدخلوه ، فقال له الربيع : ما حاجتك هذه الساعة وأمير المؤمنين نائم ، ~~قال : لا بدلي منه ، فدخل الربيع على المنصور فأخبره خبره ، وأنه قد طلب ~~مشافهته فأذن له ، فدخل عليه فقال : PageV25P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" يا أمير المؤمنين ، خرج محمد بن عبد الله ~~بالمدينة ، قال : قتلته والله ؛ إن كنت صادقا ، قال : أخبرني من معه ؟ فسمى ~~له من معه من وجوه أهل المدينة وأهل بيته ، قال : أنت رأيته ؟ قال : أنا ~~رأيته وعاينته وكلمته على منبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جالسا ، ~~فادخله أبو جعفر بيتا ، فلما أصبح جاءه رسول لسعيد بن دينار - غلام عيسى ~~ابن موسى يلي أمواله بالمدينة ، فأخبره بأمر محمد وتواترت عليه أخباره ، ~~فأخرج الأويسي فقال : لأوطئن الرجال عقبيك ولأغنينك ، وأمر له بتسعة آلاف ~~درهم ، لكل ليلة ألف درهم ، وأشفق من محمد ، فقال له الحارثي المنجم : يا ~~أمير المؤمنين ، ما يجزعك منه ؟ فوالله لو ملك الأرض ما لبث إلا تسعين يوما ~~، فأرسل المنصور إلى عمه عبد الله بن علي وهو محبوس : إن هذا الرجل قد خرج ~~فإن كان عندك رأى فأشر به علينا ، وكان ذا رأى عندهم ، فقال : إن المحبوس ~~محبوس الرأي ، فأرسل إليه المنصور : لو جاءني حتى يضرب بابي ما أخرجتك ، ~~وأنا خير لك منه ، وهو ملك أهل بيتك ، فأعاد إليه عبد الله : ارتحل الساعة ~~حتى تأتي الكوفة ، فاجثم على أكبادهم فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم ، ~~ثم احففها بالمسالح ، فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه ، أو أتاها من وجه من ~~الوجوه ، فاضرب عنقه ، وابعث إلى سلم بن قتيبة ينحدر إليك وكان بالري ، ~~واكتب إلى أهل الشام فمرهم : أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجدة ما حمل ~~البريد ، فأحسن جوائزهم ووجههم مع سلم ، ففعل . وقيل أرسل المنصور إلى عبد ~~الله اخوته يستشيرونه في أمر محمد ، وقال لهم : لا يعلم عبد الله أني ~~أرسلتكم إليه ، فلما ms5696 دخلوا عليه قال : لأمر ما جئتم ، ما جاء بكم جميعا وقد ~~هجرتموني جميعا ؟ قالوا استأذنا أمير المؤمنين فأذن لنا ، قال : ليس هذا ~~بشيء ، فما الخبر ؟ قالوا : خرج محمد بن عبد الله ، قال : فما ترون ابن ~~سلامة صانعا - يعني المنصور ؟ قالوا : لا ندري والله ، قال : إن البخل قد ~~قتله ، فمروه فليخرج الأموال ، وليعط الأجناد ، فإن غلب فما أسرع ما يعود ~~إليه ماله ، وإن غلب لم يقدم صاحبه على دينار ولا درهم . قال : ولما ورد ~~الخبر على المنصور بخروج محمد ، كان قد خط مدينة بغداد بالقصب ، فسار إلى ~~الكوفة ومعه عبد الله بن الربيع ابن عبيد الله بن عبد المدان ، فقال له ~~المنصور : إن محمدا قد خرج بالمدينة ، فقال عبد الله : هلك والله وأهلك ، ~~خرج من غير عدد ولا رجال . حدثني سعيد بن عمر بن جعدة المخزومي قال : كنت ~~مع PageV25P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" مروان يوم الزاب واقفا فقال لي مروان : من هذا ~~الذي يقاتلني ؟ قلت : عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس ، قال : وددت ~~والله أن علي بن أبي طالب يقاتلني مكانه ، إن عليا وولده لاحظ لهم في هذا ~~الأمر ، وهذا رجل من بني هاشم وابن عم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~ومعه ريح الشام ونصر الشام ، يا ابن جعدة : تدري ما حملني على أن عقدت لعبد ~~الله وعبيد الله بعدي ، وتركت عبد الملك وهو أكبر من عبيد الله ، قال ابن ~~جعدة : لا ، قال : وجدت الذي يلي هذا الأمر عبد الله وعبيد الله ، وكان ~~عبيد الله أقرب إلى عبد الله من عبد الملك فعقدت له ، فاستحلفه المنصور على ~~صحة ذلك فحلف له فسرى عنه . قال : ولما بلغ المنصور خبر ظهور محمد قال لأبي ~~أيوب وعبد الملك : هل من رجل تعرفانه بالرأي نجمع رأيه إلى رأينا ؟ قالا ~~بالكوفة : بديل بن يحيى ، وكان السفاح يشاوره ، فأرسل إليه ، وقال له : إن ~~محمدا قد ظهر بالمدينة قال : فاشحن الأهواز بالجنود ، قال : إنه إنما ظهر ~~بالمدينة ، قال : قد فهمت ، وإنما الأهواز الباب الذي تؤتون ms5697 منه ، فلما ظهر ~~إبراهيم بالبصرة قال له المنصور ذلك ، قال : فعاجله بالجنود واشغل الأهواز ~~عليه ، وشاور المنصور أيضا جعفر بن حنظلة البهراني عند ظهور محمد قال : وجه ~~الجند إلى البصرة ، قال : انصرف عني حتى أرسل إليك ، فلما صار إبراهيم إلى ~~البصرة أرسل إليه ، فقال له ذلك فقال : إياها خفت ، بادره بالجنود ، قال : ~~وكيف خفت البصرة ؟ قال : لأن محمدا ظهر بالمدينة وليسوا أهل حرب ، بحسبهم ~~أن يقيموا شأن أنفسهم ، وأهل الكوفة تحت قدمك ، وأهل الشام أعداء آل أبي ~~طالب ، فلم يبق إلا البصرة . ثم إن المنصور كتب إلى محمد بن عبد الله كتابا ~~ابتدأه بأن قال : بسم الله الرحمن الرحيم " إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم ~~من خلاف أو ينفوا من الأرض " ، ولك عهد الله وميثاقه وذمة رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) أن أؤمنك وجميع ولدك واخواتك وأهل بيتك ومن اتبعكم على ~~دمائكم وأموالكم وأسوغك ما أصبت من دم أو مال وأعطيك ألف ألف درهم ، وما ~~سألت من الحوائج وأنزلك من البلاد حيث شئت ، وأن أطلق من في حبسي من أهل ~~بيتك ؛ وأن أؤمن كل من جاءك وبايعك واتبعك أو دخل في شيء من أمرك ، ثم لا ~~أتبع أحدا منهم بشيء كان منه أبدا ، فإن أردت أن تتوثق لنفسك فوجه من أحببت ~~يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تتوثق به والسلام . PageV25P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" فكتب إليه محمد : بسم الله الرحمن الرحيم " ~~طسم ، تلك آيات الكتاب المبين ، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم ~~يؤمنون ، إن فرعون علافى الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذر ~~أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين ، ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ، ونمكن لهم في الأرض ~~ونرى فرعون ؟ وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون " ، وأنا أعرض عليك من ~~الأمان مثل ما عرضت علي ، فإن الحق حقنا ، وإنما ادعيتم هذا الأمر لنا ، ~~وخرجتم له بشيعتنا ms5698 ، وحظيتم بفضلنا ، فإن أبانا عليا كان الوصي ، وكان ~~الإمام ، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء ، ثم قد علمت أنه لم يطلب الأمر ~~أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا ، لسنا من أبناء اللعناء ولا ~~الطرداء ولا الطلقاء ، وليس يمت أحد من بني هاشم بمثل الذي نمت من القرابة ~~والسابقة والفضل - وإنا بنو أم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) - فاطمة ~~بنت عمرو في الجاهلية ، وبنو بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) - فاطمة ~~في الإسلام - دونكم إن الله اختارنا واختار لنا ، فوالدنا من النبيين محمد ~~( صلى الله عليه وسلم ) أفضلهم ، ومن السلف أولهم إسلاما علي بن أبي طالب ، ~~ومن الأزواج أفضلهم خديجة الطاهرة ، وأول من صلى إلى القبيلة ، ومن البنات ~~خيرهن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ، وإن هاشما ولد عليا مرتين ، وإن عبد ~~المطلب ولد حسنا مرتين ، وإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولدني مرتين ~~، من قبل حسن وحسين ، وإني أوسط بني هاشم نسبا ، وأصرحم أما وأبا ، لم تعرق ~~في العجمة ، ولم تنازع في أمهات الأولاد ، فمازال يختار لي الآباء والأمهات ~~في الجاهلية والإسلام ، حتى اختار لي في النار ، فأنا ابن أرفع الناس درجة ~~في الجنة ، وأهونهم عذابا في النار ، فلك ذمة الله علي ، إن دخلت في طاعتي ~~، وأجبت دعوتي ، أن أؤمنك على نفسك ومالك ، وعلى كل حدث أحدثته ، إلا حدا ~~من حدود الله أو حقا لمسلم أو معاهد ، فقد علمت ما يلزمني من ذلك ، وأنا ~~أولى بأمر منك وأوفى بالعهد ، لأنك أعطيتني من الأمان والعهد ما أعطيته ~~رجلا قبلي ، فأي الأمانات تعطيني ؟ أمان ابن هبيرة أم أمان عمك عبد الله بن ~~علي أم أمان أبي مسلم فلما ورد كتابه على المنصور قال له أبو الأيوب ~~المورياني : دعني أجبه عنه ، قال : لا ، إذا تقارعنا على الأحساب دعني ~~وإياه ، ثم كتب إليه المنصور : PageV25P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" " بسم الله الرحمن الرحيم " أما بعد فقد بلغني ~~كلامك ، وقرأت كتابك فإذا جل فخرك بقرابة النساء ، لتضل به الجفاة والغوغاء ~~، ولم يجعل الله النساء ms5699 كالعمومة والآباء ، ولا كالعصبة والأولياء ، لأن ~~الله جعل العم أبا ، وبدأ به في كتابه على الوالدة الدنيا ، ولو كان اختار ~~الله لهن على قدر قرابتهن ، لكانت آمنة أقربهن رحما ، وأعظمهن حق ، وأولى ~~من يدخل الجنة غدا ، ولكن اختار الله لخلقه على علمه فيما قضى فيهم ~~واصطفائه لهم ؛ وأما ما ذكرت من فاطمة أم أبي طالب وولادتها ، فإن الله لم ~~يرزق أحدا من ولدها الإسلام ، لا بنتا ولا ابنا ، ولو أن رجلا رزق الإسلام ~~بالقرابة رزقه عبد الله ، ولكان أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة ، لكن ~~الأمر يختار لدينه من يشاء ، قال الله عز وجل " إنك لا تهدي من أحببت ولكن ~~الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين " ، ولقد بعث الله محمدا ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وله عمومة أربعة ، فأنزل الله عز وجل " وأنذر عشيرتك الأقربين ~~" ، فأنذرهم ودعاهم فأجاب اثنان أحدهما أبى ، وأبى اثنان أحدهما أبوك ، ~~فقطع الله ولايتهما منه ، فلم يجعل بينه وبينهما إلا ولا ذمة ولا ميراثا ؛ ~~وزعمت أنك ابن أخفع أهل النار عذابا ، وابن خير الأشرار ، وليس في الكفر ~~بالله صغير ، ولا في عذاب الله خفيف ولا يسير ، وليس في الشر خيار ، ولا ~~ينبغي لمؤمن - يؤمن بالله - أن يفخر بالنار ، وسترد فتعلم ، " وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون " ؛ وأما أمر حسن وأن عبد المطلب ولده مرتين ، وأن ~~النبي ولدك مرتين ، فخير الأولين والآخرين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) لم يلده هاشم إلا مرة ، ولا عبد المطلب إلا مرة ؛ وزعمت أنك أوسط بني ~~هاشم نسبا وأصرحهم أما وأبا ، وأنه لم تلدك العجم ، ولم تعرق فيك أمهات ~~الأولاد ، فقد رأيتك فخرت على بني هاشم طرا ، فانظر ويحك أين أنت من الله ~~غدا فإنك قد تعديت طورك ، وفخرت على من هو خير منك - نفسا وأبا وأولا وآخرا ~~- إبراهيم ابن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وما خيار بني أبيك خاصة ~~وأهل الفضل منهم إلا بنوا أمهات الأولاد ، ما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) أفضل من ms5700 علي بن حسين ، وهو لأم ولد ولهو خير من جدك ~~حسن بن حسن ، وما كان فيكم بعده مثل محمد بن علي ، وجدته أم ولد ، ولهو خير ~~من أبيك ، ولا مثل ابنه جعفر وجدته أم ولد ، وهو خير منك ؛ وأما قولك إنكم ~~بنو رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فإن الله تعالى يقول في كتابه " ما ~~كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله . . . . . . " ، ولكنكم بنو ~~ابنته وإنها لقرابة قريبة ، ولكنها لا تجوز الميراث ولا ترث الولاية ، ولا ~~تجوز لها الإمامة PageV25P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" فكيف يورث بها ، ولقد طلبها أبوك بكل وجه ، ~~فأخرج فاطمة رضي الله عنها نهارا ومرضها سرا ودفنها ليلا ، فأبى الناس إلا ~~الشيخين ، ولقد جاءت السنة التي لا اختلاف فيها بين المسلمين : أن الجد أبا ~~الأم والخال والخالة لا يورثون ؛ وأما ما فخرت به من على وسابقته ، فقد ~~حضرت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الوفاة فأمر غيره بالصلاة ثم أخذ ~~الناس رجلا بعد رجل فلم يأخذوه ، وكان في السنة فتركوه كلهم دفعا له ، ولم ~~يروا له حقا فيها ؛ وأما عبد الرحمن فقدم عليه عثمان ، وقتل عثمان وهو له ~~متهم ، وقاتله طلحة والزبير ، وأبى سعد بيعته وأغلق بابه دونه ، ثم بايع ~~معاوية بعده ؛ ثم طلبها بكل وجه وقاتل عليها ، وتفرق عنه أصحابه ، وشك فيه ~~شيعته قبل الحكومة ، ثم حكم حكمين رضي بهما ، وأعطاهما عهد الله وميثاقه ، ~~فاجتمعا على خلعه ، ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم ، ولحق ~~بالحجاز واسلم شيعته بيد معاوية ، ودفع الأمر إلى غير أهله ، وأخذ مالا من ~~غير حله ، فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه وأخذتم ثمنه ، ثم خرج عمك حسين ~~على ابن مرجانة ، فكان الناس معه عليه ، حتى قتلوه وأتوا برأسه إليه ؛ ثم ~~خرجتم على بني أمية ، فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل ، وأحرقوكم بالنيران ~~ونفوكم من البلدان ، حتى قتل يحيى بن زيد بخراسان ، وقتلوه رجالكم وأسروا ~~الصبية والنساء ، وحملوكم بلا وطاء في المحامل ، كالسبي المجلوب إلى الشام ~~، حتى خرجنا عليهم وطلبنا ms5701 بثأركم ، وأدركنا بدمائكم وأورثناكم أرضهم ~~وديارهم ، وسنينا سلفكم وفضلناه فاتخذت ذلك علينا حجة ، وظننت أنا إنما ~~ذكرنا أباك وفضلناه للتقدمة منا له ، على حمزة والعباس وجعفر ، وليس ذلك ~~كما ظننت ، ولكن خرج هؤلاء من الدنيا سالمين ، متسلما منهم مجتمعا عليهم ~~بالفضل ، وابتلى أبوك بالقتال والحرب ، وكانت بنو أمية تلعنه كما الكفر في ~~الصلاة المكتوبة ، فاحتججنا عليهم وذكرناهم فضله ، وعنفناهم وظلمناهم بما ~~نالوا منه . ولقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية سقاية الحاج الأعظم وولاية ~~زمزم ، فصارت للعباس من بين اخوته ، فنازعنا فيها أبوك فقضى لنا عليه عمر ، ~~فلم نزل نليها في الجاهلية والإسلام ، ولقد قحط أهل المدينة ، فلم يتوسل ~~عمر إلى ربه ولم يتقرب إليه إلا يأبينا ، حتى نعشهم الله وسقاهم الغيث ، ~~وأبوك حاضر لم يتوسل به ، ولقد علمت أنه لم يبق أحد من بني عبد المطلب بعد ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) غيره ، فكانت وراثته من عمومته ، ثم طلب هذا ~~الأمر غير واحد من بني هاشم ، فلم ينله إلا ولده ، فالسقاية سقايته ، ~~وميراث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) له ، والخلافة في ولده ، فلم يبق شرف ~~ولا فضل في جاهلية ولا إسلام - في دنيا ولا آخرة - إلا والعباس وارثه ~~وموروثه . أما ما ذكرت من بدر فإن الإسلام جاء ، والعباس يمون أبا طالب ~~وعياله ، وينفق عليهم للأزمة التي أصابته ، PageV25P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" ولولا أن العباس أخرج إلى بدر كارها لمات طالب ~~وعقيل جوعا ، وللحسا جفان عتبة وشيبة ، ولكنه كان من المطعمين ، فأذهب عنكم ~~العار والسبة ، وكفاكم النفقة والمؤونة ، ثم فدا عقيلا يوم بدر ، فكيف تفخر ~~علينا وقد علناكم في الكفر ، وفديناكم وحزنا عليكم مكارم الآباء ، وورثنا ~~دونكم خاتم الأنبياء ، وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه ، ولم ~~تدركوا لأنفسكم ، والسلام عليكم ورحمة الله . لاء من الدنيا سالمين ، ~~متسلما منهم مجتمعا عليهم بالفضل ، وابتلى أبوك بالقتال والحرب ، وكانت بنو ~~أمية تلعنه كما الكفر في الصلاة المكتوبة ، فاحتججنا عليهم وذكرناهم فضله ، ~~وعنفناهم وظلمناهم بما نالوا منه . ولقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية سقاية ~~الحاج ms5702 الأعظم وولاية زمزم ، فصارت للعباس من بين اخوته ، فنازعنا فيها أبوك ~~فقضى لنا عليه عمر ، فلم نزل نليها في الجاهلية والإسلام ، ولقد قحط أهل ~~المدينة ، فلم يتوسل عمر إلى ربه ولم يتقرب إليه إلا يأبينا ، حتى نعشهم ~~الله وسقاهم الغيث ، وأبوك حاضر لم يتوسل به ، ولقد علمت أنه لم يبق أحد من ~~بني عبد المطلب بعد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) غيره ، فكانت وراثته من ~~عمومته ، ثم طلب هذا الأمر غير واحد من بني هاشم ، فلم ينله إلا ولده ، ~~فالسقاية سقايته ، وميراث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) له ، والخلافة في ~~ولده ، فلم يبق شرف ولا فضل في جاهلية ولا إسلام - في دنيا ولا آخرة - إلا ~~والعباس وارثه وموروثه . أما ما ذكرت من بدر فإن الإسلام جاء ، والعباس ~~يمون أبا طالب وعياله ، وينفق عليهم للأزمة التي أصابته ، ولولا العباس ~~أخرج إلى بدر كارها لمات طالب وعقيل جوعا ، وللحسا جفان عتبة وشيبة ، ولكنه ~~كان من المطعمين ، فأذهب عنكم العار والسبة ، وكفاكم النفقة والمؤونة ، ثم ~~فدا عقيلا يوم بدر ، فكيف تفخر علينا وقد علناكم في الكفر ، وفديناكم وحزنا ~~عليكم مكارم الآباء ، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء ، وطلبنا بثأركم فأدركنا ~~منه ما عجزتم عنه ، ولم تدركوا لأنفسكم ، والسلام عليكم ورحمة الله . وكان ~~محمد قد استعمل الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب على مكة ، ~~والقاسم بن إسحاق على اليمن ، وموسى ابن عبد الله على الشام ، فأما الحسن ~~والقاسم فسارا إلى مكة ، فخرج إليها السري بن عبد الله ، عامل المنصور على ~~مكة ، فلقيهما ببطن أذاخر فهزماه ، ودخل الحسن مكة فأقام بها يسيرا ، فأتاه ~~كتاب محمد بن عبد الله يأمره بالمسير إليه فيمن معه ، ويخبره بمسير عيسى ~~ابن موسى إليه ليحاربه ، فسار إليه من مكة هو والقاسم ، فبلغة بنواحي قديد ~~قتل محمد ، فهرب هو وأصحابه وتفرقوا ، فلحق الحسن بإبراهيم فأقام عنده حتى ~~قتل إبراهيم ، واختفى القاسم بالمدينة حتى أخذت له ابنه عبد الله بن محمد ~~بن علي بن عبد الله بن جعفر امرأة ms5703 عيسى الأمان له ولإخوته معاوية وغيره ، ~~وأما موسى بن عبد الله فسار نحو الشام ومعه رزام مولى محمد بن خالد القسري ~~، فانسل منه رزام بتيماء ، وسار إلى المنصور برسالة من مولاه محمد القسري ، ~~فظهر محمد بن عبد الله على ذلك فحبس محمد القسري ، ووصل موسى إلى الشام ~~فرأى منهم سوء رد غليه وغلظة ، فكتب إلى محمد : أخبرك أني لقيت الشام وأهله ~~، فكان أحسنهم قولا الذي قال : والله لقد مللنا البلاء ، وضقنا حتى ما فينا ~~لهذا الأمر موضع ، ولا لنا به حاجة ؛ ومنهم طائفة تحلف لئن أصبحنا من ~~ليلتنا أو أمسينا من غد ليرفعن أمرنا ؛ فكتبت إليك ، وقد غيبت وجهي ، وخفت ~~على نفسي . PageV25P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" ثم رجع إلى المدينة ، وقيل أتى البصرة ، وأرسل ~~صاحبا له يشتري له طعاما فاشتراه ، وجاء به على حمال أسود ، فأدخله الدار ~~التي سكنها وخرج ، فلم يكن بأسرع من أن كبست الدار ، وأخذ موسى وابنه عبد ~~الله وغلامه فحملوا إلى محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس ، ~~فلما رأى موسى قال : لأقرب الله قرابتكم ، ولا حيا وجوهكم ، تركت البلاد ~~كلها إلا بلدا أنا فيه فإن وصلت أرحامكم أغضبت أمير المؤمنين ، وإن أطعته ~~قطعت أرحامكم ، ثم أرسلهم إلى المنصور ، فأمر بضرب موسى وابنه كل واحد ~~خمسمائة سوط فلم يتأوها ، فقال المنصور : عذرت أهل الباطل في صبرهم ، فما ~~هؤلاء فقال موسى : أهل الحق أولى بالصبر ، ثم أخرجهم وأمر بهم فسجنوا . ذكر ~~مسير عيسى بن موسى لقتال محمد بن عبد الله بن حسن وقتل محمد قال : ثم إن ~~المنصور أحضر ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس ، ~~وأمره بالمسير إلى المدينة لقتال محمد ابن عبد الله بن حسن ، فقال : شاور ~~عمومتك يا أمير المؤمنين ، قال : فأين قول ابن هرمة : نزورأمرأ لا يمخض ~~القوم سره . . . ولا ينتجني الأدنين فيما يحاول إذا ما أتى شيئا مضى كالذي ~~أتى . . . وإن قال إني فاعل فهو فاعل فقال المنصور : أمض أيها الرجل - ~~فوالله ما ms5704 يراد غيري وغيرك ، وما هو إلا أن تشخص أنت أو أشخص أنا ، فسار ~~وسير معه الجنود ، وكان عيسى ولي عهد المنصور إذ ذاك ؛ فقال المنصور حين ~~سار عيسى : لا أبالي أيهما قتل صاحبه ؛ وبعث معه محمد بن أبي العباس السفاح ~~، وكثير بن حصين العبدي ، وحميد بن قحبطة ، وهزار مرد وغيرهم ، وقال له ~~المنصور حين ودعه : يا عيسى ، إني أبعثك إلى ما بين هذين ، وأشار إلى ما ~~بين جنبيه ، فإن ظفرت بالرجل فاغمد سيفك ، وابذل الأمان ، وإن تغيب فضمنهم ~~إياه فإنهم يعرفون مذاهبه ، ومن لقيك من آل أبي طالب ، فاكتب إلي باسمه ، ~~PageV25P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" ومن لم يلقك فاقبض ماله ، وكان جعفر الصادق ~~تغيب عنه ، فقبض ماله ، فلما قدم المنصور المدينة قال له جعفر في معنى ماله ~~، فقال : قبضة مهديكم ، فلما وصل عيسى إلى فيد كتب إلى الناس في خرق الحرير ~~، منهم عبد العزيز ابن المطلب المخزومي ، وعبيد الله بن محمد بن صفوان ~~الجمحي ، وكتب إلى عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، يأمره ~~بالخروج من المدينة فيمن أطاعه ، فخرج هو وعمر بن محمد ابن عمر ، وأبو عقيل ~~محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل فأتوا عيسى . قال : ولما بلغ محمدا قرب ~~عيسى من المدينة ، استشار أصحابه في الخروج من المدينة والمقام بها ، فأشار ~~بعضهم بالخروج عنها ، وبعضهم بالمقام بها ، لقول رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : رأيتني في درع حصينة فأولتها المدينة ، فأقام ثم استشارهم في حفر ~~خندق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال له جابر بن أنس - رئيس سليم ~~- يا أمير المؤمنين : نحن أخوالك وجيرانك وفينا السلاح والكراع ، فلا تخندق ~~الخندق ، فإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خندقه لما أعلمه الله به ، ~~وإن خندقته لم يحسن القتال رجالة ، ولم توجه لنا الخيل بين الأزقة ، وأن ~~الذين نخندق دونهم هم الذين يحول الخندق دونهم ؛ فقال له أحد بني شجاع : ~~خندق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فاقتد أنت به ، وتريد أن تدع أثر ms5705 ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لرأيك قال : إنه والله - يا ابن شجاع - ~~ما شيء أثقل عليك وعلى أصحابك من لقائهم ، وما شيء أحب إلينا من مناجزتهم ، ~~فقال محمد : إنما اتبعنا في الخندق أثر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فلا يردني أحد عنه فلست بتاركهن فأمر به فحفر ، وبدأ هو فحفر بنفسه الخندق ~~، الذي حفره رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) للأحزاب ، وسار عيسى حتى نزل ~~الأعوص ، وكان محمد قد جمع الناس وأخذ عليهم الميثاق : ألا يخرج منهم أحد ، ~~ثم خطبهم فقال : PageV25P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" إن عدو الله وعدوكم قد نزل الأعوص ، وإن أحق ~~الناس بالقيام بهذا الأمر ، لأبناء المهاجرين والأنصار ، ألا وإنا قد ~~جمعناكم وأخذنا عليكم الميثاق ، وعدوكم في عدد كثير ، والنصر من الله ~~والأمر بيده ، وأنه قد بدا لي آذن لكم ، فمن أحب منكم أن يقيم أقام ، ومن ~~أحب أن يظعن ظعن ؛ فخرج عالم كثير ، وخرج ناس من أهل المدينة بذراريهم ~~وأهليهم إلى الأعراض والجبال ، وبقي محمد في شرذمة يسيرة ، فأمر أبا القلمس ~~برد من قدر عليه ، فأعجزه كثير منهم فتركهم . قال : وكان المنصور قد أرسل ~~ابن الأصم مع عيسى بن موسى ينزله المنازل ، فلما قدموا نزلوا على ميل من ~~المدينة ، فقال ابن الأصم : إن الخيل لا عمل لها مع الرجالة ، وإني أخاف إن ~~كشفوكم كشفة أن يدخلوا اعسكركم ، فتأخروا إلى سقاية بن عبد الملك بالجرف ~~وهو على أربعة أميال من المدينة ، وقال : ولا يهرول الراجل أكثر من ميلين ~~أو ثلاثة حتى تأخذه الخيل ، وأرسل عيسى خمسمائة رجل إلى بطحاء ابن أزهر - ~~على ستة أميال من المدينة - فأقاموا بها ، وقال : أخاف أن ينهزم محمد فيأتي ~~مكة ، فيرده هؤلاء ، فكانوا بها حتى قتل محمد ، وأرسل عيسى إلى محمد يخبره ~~أن المنصور أمنه وأهله ، فأعاد الجواب : يا هذا ، إن لك برسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قرابة قريبة ، وإني أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل ~~بطاعته ، وأحذرك نقمته وعذابه ، وإني والله ما أنا بمنصرف عن هذا الأمر حتى ms5706 ~~ألقى الله عليه ، وإياك أن يقتلك من يدعوك إلى الله : فتكون شر قتيل ، أو ~~تقتله فيكون أعظم لوزرك . فلما بلغته الرسالة قال عيسى : ليس بيننا وبينه ~~إلا القتال ؛ وقال محمد للرسول : علام تقتلوني ؟ وإنما أنا رجل فر من أن ~~يقتل ، قال : إن القوم يدعونك إلى الأمان ، فإن أبيت إلا قتالهم قاتلوك ، ~~على ما قاتل عليه خير آبائك طلحة والزبير ، على نكث بيعتهم وكيد ملكه . قال ~~، ونزل عيسى بالجرف لاثنتي عشرة خلت من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة ~~وذلك يوم السبت ، فأقام السبت والأحد وغدا يوم الإثنين فوقف على سلع ، فنظر ~~إلى المدينة ومن فيها ، ونادى يا أهل المدينة : إن الله تعالى حرم دماء ~~بعضنا على بعض ، فهملوا إلى الأمان ، فمن قام تحت رايتنا فهو آمن ، ومن ~~ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، ومن خرج من المدينة فهو آمن ~~، PageV25P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" خلوا بيننا وبين صاحبنا فإما لنا وإما له . ~~فشتموه فانصرف من يومه وعاد من الغد ، وقد فرق القواد من سائر جهات المدينة ~~، وأخلى ناحية مسجد أبي الجراح هو على بطحان ، أخلى تلك الناحية لخروج من ~~ينهزم ، وبرز محمد في أصحابه ورايته مع عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير ، ~~وكان شعاره أحد أحد ، فبرز أبو القلمس وهو من أصحاب محمد ، فبرز إليه أخو ~~أسد ، فاقتتلوا طويلا فقتله أبو القلمس ، وبرز إليه آخر فقتله ، وقال حين ~~ضربه : خذها وأنا ابن الفاروق ، فقال رجل من أصحاب عيسى : قتلت خيرا من ألف ~~فاروق ، وقاتل محمد يومئذ قتالا عظيما ، فقتل بيده سبعين رجلا ، وأمر عيسى ~~حميد بن قحبطة فتقدم في مائة كلهم راجل سواه ، فزحفوا حتى بلغوا جدارا دون ~~الخندق ، عليه ناس من أصحاب محمد ، فهدم حميد الحائط وانتهى إلى الخندق ، ~~ونصب عليه أبوابا وعبر هو وأصحابه عليها ، فجازوا الخندق وقاتلوا من وراءه ~~أشد قتال من بكرة النهار إلى العصر ، وأمر عيسى أصحابه فألقوا الحقائب ~~وغيرها في الخندق ، وجعل الأبواب عليها وجازت الخيل ، فاقتتلوا قتالا شديدا ~~، وانصرف محمد فاغتسل ms5707 وتحنط ثم رجع ، فقال له عبد الله بن جعفر : بأبي أنت ~~وأمي ، والله مالك بما ترى طاقة أتيت الحسن بن معاوية بمكة فإن معه جل ~~أصحابه فقال : لو خرجت لقتل أهل المدينة ، والله لا أرجع حتى أقتل أو أقتل ~~، وأنت مني في سعة فاذهب حيث شئت ، فمشى معه قليلا ثم رجع عنه ، وتفرق عنه ~~جل أصحابه ، حتى بقي في ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا ، فقال بعض أصحابه : نحن ~~اليوم بعدة أهل بدر ؛ وصلى محمد الظهر والعصر ، وكان معه عيسى بن خضير وهو ~~يناشده : إلا ذهب إلى البصرة أو غيرها ، ومحمد يقول : لا والله لا تبتلون ~~بي مرتين ، ولكن اذهب أنت حيث شئت ، فقال ابن خضير : وأين المذهب عنك ؟ ثم ~~مضى فأحرق الديوان ، الذي فيه أسماء من بايعهم ، وقتل رياح بن عثمان أخاه ~~عباس بن عثمان ، وقتل ابن مسلم بن عقبة المرسي ، ومضى إلى محمد بن خالد ~~القسري وهو محبوس ليقتله فعلم به ، فردهم الأبواب دونه فلم يقدر على قتله ، ~~وكان محمد بن عبد الله قد حبس محمد بن خالد بعد ما أطلقه ، ورجع عيسى بن ~~خضير إلى محمد فقاتل بين يديه حتى قتل ، وتقدم حميد بن قحطبة ، وتقدم محمد ~~بن عبد الله فلما صار ببطن مسيل سلع عرقب فرسه ، وعرقب بنو شجاع الجهنيون ~~دوابهم ، ولم يبق أحد منهم إلا كسر جفن سيفه ، فقال لهم محمد : قد ~~بايعتموني ولست بارحا حتى أقتل ، فمن يحب أن ينصرف فقد أذنت له ، واشتد ~~القتال فهزموا أصحاب عيسى بن موسى مرتين أو ثلاثا ، فقال يزيد بن معاوية بن ~~عبد الله بن جعفر : ويل أمه فتحا ، أو كان له رجال وصعد نفر من ~~PageV25P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" أصحاب عيسى على جبل سلع ، وانحدروا منه إلى ~~المدينة ، وأمرت أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بخمار ~~أسود فرفع على منارة مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال أصحاب ~~محمد بن عبد الله : دخلت المدينة فهربوا ، فقال يزيد : لكل قوم جبل يعصمهم ~~، ولنا جبل لا ms5708 نؤتي إلا منه - يعني سلعا ، وفتح بني أبي عمرو الغفاريون ~~طريقا في بني غفار لأصحاب عيسى ، فدخلوا منه أيضا وجائوا من وراء أصحاب ~~محمد ، ونادى محمد حميد بن قحطبة : أبرز إلي فأنا محمد بن عبد الله ، فقال ~~حميد : قد عرفتك ، وأنت الشريف ابن الشريف ، الكريم ابن الكريم ، والله ، ~~لأبرز إليك بين يدي من هؤلاء الأغمار واحد ، فإذا فرغت منهم فسأبرز إليك ، ~~وجعل حميد يدعوا ابن خضير إلى الأمان ، وابن خضير يحمل على الناس رجلا ، لا ~~يصغي إلى أمانة وهو يأخذهم بين يديه ، فضربه رجل من أصحاب عيسى على إليته ~~فحلها ، فرجع إلى أصحابه فشدها بثوب ، ثم عاد إلى القتال ، فضربه إنسان على ~~عينه فغاص السيف ، وسقط فابندروه فقتلوه وأخذوا رأسه ، وكأنه باذنجانة ~~مفلقة من كثرة الجراح فيه ، فلما قتل تقدم محمد فقاتل على جيفته ، فجعل يهد ~~الناس هدا ، وكان أشبه الناس بقتال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، ولم ~~يزل محمد يقاتل حتى ضربه رجل دون شحمة أذنه اليمنى ، فبرك لركبتيه وجعل يذب ~~عن نفسه ، ويقول : ويحكم ابنا نبيكم مجرح مظلوم ، فطعنه ابن قحطبة في صدره ~~فصرعه ، ثم نزل إليه فأخذ رأسه وأتى به عيسى ، وهو لا يعرف من كثرة الدماء ~~؛ وقيل إن عيسى بن موسى اتهم حميد بن قحطبة وكان على الخيل ، فقال له : ما ~~أراك تبالغ فقال له : أتتهمني فوالله لأضربن محمد حين أراه بالسيف أو أقتل ~~دونه ، قال : فمر به وهو مقتول فضربه ليبر يمينه ، وقيل بل رمي بسهم وهو ~~يقاتل ، فوقف إلى جدار فتحاماه الناس ، فلما وجد الموت تحامل على سيفه ~~فكسره ، وهو ذو الفقار ، سيف علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقيل بل أعطاه ~~رجلا من التجار ، كان معه وله عليه أربعمائة دينار ، وقال خذه فإنك لا تلقى ~~أحدا من آل أبي طالب إلا أخذه وأعطاك حقك ، فلم يزل عنده حتى ولى جعفر بن ~~سليمان المدينة ، فأخبر به فأخذ السيف منه وأعطاه أربعمائة دينار ، ولم يزل ~~معه حتى أخذه منه المهدي ، ثم صار ms5709 إلى الهادي فجربه في كلب فانقطع السيف ؛ ~~وقيل بل بقي إلى أيام الرشيد ، وكان يتقلده وكان به ثماني عشرة فقارة . اتل ~~حتى ضربه رجل دون شحمة أذنه اليمنى ، فبرك لركبتيه وجعل يذب عن نفسه ، ~~ويقول : ويحكم ابنا نبيكم مجرح مظلوم ، فطعنه ابن قحطبة في صدره فصرعه ، ثم ~~نزل إليه فأخذ رأسه وأتى به عيسى ، وهو لا يعرف من كثرة الدماء ؛ وقيل إن ~~عيسى بن موسى اتهم حميد بن قحطبة وكان على الخيل ، فقال له : ما أراك تبالغ ~~فقال له : أتتهمني فوالله لأضربن محمد حين أراه بالسيف أو أقتل دونه ، قال ~~: فمر به وهو مقتول فضربه ليبر يمينه ، وقيل بل رمي بسهم وهو يقاتل ، فوقف ~~إلى جدار فتحاماه الناس ، فلما وجد الموت تحامل على سيفه فكسره ، وهو ذو ~~الفقار ، سيف علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقيل بل أعطاه رجلا من التجار ~~، كان معه وله عليه أربعمائة دينار ، وقال خذه فإنك لا تلقى أحدا من آل أبي ~~طالب إلا أخذه وأعطاك حقك ، فلم يزل عنده حتى ولى جعفر بن سليمان المدينة ، ~~فأخبر به فأخذ السيف منه وأعطاه أربعمائة دينار ، ولم يزل معه حتى أخذه منه ~~المهدي ، ثم صار إلى الهادي فجربه في كلب فانقطع السيف ؛ وقيل بل بقي إلى ~~أيام الرشيد ، وكان يتقلده وكان به ثماني عشرة فقارة . PageV25P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" قال : ولما أتى عيسى برأس محمد قال لأصحابه : ~~ما تقولون فيه ؟ فوقعوا فيه ، فقال بعضهم : كذبتم ما لهذا قاتلناه ، ولكنه ~~خالف أمير المؤمنين ، وشق عصا المسلمين ، وإن كان لصوام قواما فسكتوا . ~~وأرسل عيسى بن موسى الرأس إلى المنصور مع محمد بن أبي الكرام بن عبد الله ~~بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وبالبشارة مع القاسم بن الحسن بن ~~زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وأرسل معه رؤوس بني شجاع ، فأمر المنصور ~~برأس محمد فطيف به في الكوفة وسيره إلى الآفاق . قال : ولما رأى المنصور ~~رؤوس بني شجاع قال : هكذا فليكن الناس طلبت محمدا ms5710 فاشتمل عليه هؤلاء ، ثم ~~نقلوه وانتقلوا معه ، ثم قاتلوا معه حتى قتلوا . وكان مقتل محمد وأصحابه ~~يوم الإثنين بعد العصر لأربع عشرة خلت من شهر رمضان خمس وأربعين ومائة . ~~قال : وكان المنصور قد بلغه أن عيسى بن موسى قد هزم ، فقال : كلا ، فأين ~~لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء ؟ ما أنى لذلك بعد . ثم بلغه أن ~~محمدا هرب ، فقال : كلا ، إن أهل بيت لا نفر ، فجاءته بعد ذلك الرؤوس . قال ~~: ولما وصل رأس محمد إلى المنصور كان الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب عنده ، فلما رأى الرأس عظم عليه وتجلد خوفا من المنصور ، فالتفت ~~المنصور إليه وقال : أهو هو ؟ قال : نعم ، ولوددت أن الله تعالى قاده إلى ~~طاعتك ، ولم تكن فعلت به كذا ، قال : وأنا وإلا فأم موسى طالق ، ولكنه أراد ~~قتلنا فكانت نفسنا أكرم علينا من نفسه . قال : وأرسل عيسى بن موسى ألوية ~~فنصبت في مواضع بالمدينة ، ونادى مناديه : من دخل تحت لواء منها فهو آمن ؛ ~~وأخذ أصحاب محمد فصلبهم ما بين ثنية الوداع إلى دار عمر بن عبد العزيز صفين ~~، ووكل بخشبة ابن خضير من يحفظها ، فاحتمله قوم من الليل فواروه سرا ، وبقي ~~الآخرون ثلاثا ، ثم أمر بهم عيسى فألقوا في مقابر اليهود ، ثم ألقوا بعد ~~ذلك في خندق ذباب ، فأرسلت زينب بنت عبد الله ، أخت محمد - وابنته فاطمة ~~إلى عيسى : إنكم قد قتلتموه وقضيتم حاجتكم منه ، فلو أذنتم لنا في دفنه ~~فأذن لهما فدفن بالبقيع . قال : وقطع المنصور الميرة عن المدينة في البحر ، ~~ثم أذن فيها المهدي . PageV25P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" قال : ورد الخبر بقتل محمد بن عبد الله على ~~أخيه إبراهيم بالبصرة يوم العيد ، وكان إبراهيم قد استولى على البصرة ، ~~فخرج فصلى بالناس ، ونعاه على المنبر وأظهر الجزع عليه . قال : وكان محمد ~~بن عبد الله بن حسن أسمر شديد السمرة سمينا شجاعا كثير الصوم والصلاة شديد ~~القوة رحمة الله تعالى . قال : وسئل جعفر الصادق عن أمر محمد فقال : فتنة ~~يقتل فيها محمد ms5711 ، ويقتل أخوه لأبيه وأمه بالعراق ، وحوافر فرسه في ماء . ~~قال : وقال محمد بن عبد الله لعبد الله بن عامر السلمي : تغشانا سحابة فإن ~~أمطرتنا ظفرنا ، وإن تجاوزتنا إليهم فانظر إلى دمى عند أحجار الزيت ، وقال ~~: فو الله لقد أطلتنا سحابة فلم تمطرنا ، وتجاوزتنا إلى عيسى وأصحابه ~~فظفروا ، وقتلوا محمدا ورأيت دمه عند أحجار الزيت ، وكان محمد يلقب المهدي ~~رحمه الله . ذكر تسمية المشهورين ممن كان مع محمد بن عبد الله بن حسن كان ~~معه من بني هاشم أخوه موسى بن عبد الله بن حسن ، وحسين وعلى ابنا زيد بن ~~علي بن الحسين بن أبي طالب ؛ ولما بلغ المنصور أن ابني زيد أعانا محمدا ~~عليه قال : عجبا لهما قد خرجا علي وقد قتلنا قاتل أبيهما كما قتله ، ~~وصلبناه كما صلبه وأحرقناه كما أحرقه ؛ وكان معه حمزة بن محمد بن علي بن ~~الحسين ، وعلي وزيد ابنا الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وكان ~~أبوهما مع المنصور ، والحسن ويزيد وصالح بنو معاوية بن عبد الله ابن جعفر ~~بن أبي طالب ، والقاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر ، والمرجى علي بن جعفر ~~بن إسحاق بن علي بن عبد الله جعفر ، وكان أبوه مع المنصور ؛ وكان معه من ~~غيرهم : محمد بن عبد الله بن عمر بن سعيد بن العاص ، ومحمد بن عجلان ، وعبد ~~الله بن عمر بن حفص بن عاصم أخذ أسيرا ، فأتى به المنصور فقال له : أنت ~~الخارج علي ؟ قال : لم أجد إلا ذلك أو الكفر بما أنزل الله على محمد ، وكان ~~معه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة ، وعبد الواحد بن أبي عون - ~~مولى الأزد ، وعبد الله بن جعفر ابن عبد الرحمن بن المسور بن مخزمة ، وعبد ~~العزيز بن محمد PageV25P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" الدراوردي ، وعبد الحميد بن جعفر ، وعبد الله ~~بن عطاء بن يعقوب ، مولى بني سباع ، وإبراهيم وإسحاق وربيعة وجعفر وعبد ~~الله وعطاء ويعقوب وعثمان وعبد العزيز بنو عبد الله بن عطاء ، وعيسى ms5712 بن ~~خضير وعثمان بن خضير ، وعثمان بن محمد بن خالد بن الزبير هرب بعد مقتل محمد ~~، فأتى البصرة فأخذ منها وأتى به المنصور ، فقال له : هيه يا عثمان ، أنت ~~الخارج على مع محمد قال : بايعته أنا وأنت بمكة ، فوفيت ببيعتي وغدرت ~~ببيعتك ، قال : يا ابن اللخناء ، قال : ذاك من قامت عنه الإماء يعني ~~المنصور ، فأمر به فقتله ، وكان مع مجمد عبد العزيز بن عبد الله بن عبد ~~الله بن عمر بن الخطاب ، وأخذ أسيرا فأطلقه المنصور ؛ وعبد العزيز بن ~~إبراهيم بن عبد الله بن مطبع ؛ وعلي بن المطلب بن عبد الله بن حنطب ؛ و ~~إبراهيم بن جعفر بن مصعب بن الزبير ؛ وهشام بن عمارة بن الوليد بن عدي بن ~~الخيار ، وعبد الله بن يزيد بن هرمز وغيرهم . ذكر ظهور إبراهيم بن عبد الله ~~بن حسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب أخي محمد كان ظهوره بالبصرة في أول ~~شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة ، وكان قبل ظهوره قد طلب أشد الطلب ، فحكت ~~الجارية له أنهم لم تقرهم أرض خمس سنين ، مرة بفارس ، ومرة أيكرمان ، ومرة ~~بالجبل ، ومرة بالحجاز ، ومرة باليمن ، ومرة بالشام ، ثم إنه قدم الموصل ~~وقدمها المنصور في طلبه ، فحكى إبراهيم عن نفسه قال : اضطرني الطلب بالموصل ~~حتى جلست على مائدة المنصور ، ثم خرجت وقد كف الطلب ، وكان قوم من أهل ~~العسكر يتشيعون ، فكتبوا إلى إبراهيم يسألونه القدوم عليهم ليثبوا بالمنصور ~~فقدم عسكر أبي جعفر وهو ببغداد وقد خطها ، وكانت له مرآة ينظر فيها ، فيرى ~~عدوه من صديقه ، فنظر فيها فقالت : يا مثيب قد رأيت إبراهيم في عسكر ، وما ~~في الأرض أعدي لي منه ، فانظر أي رجل يكون ؟ ثم إن المنصور أمر ~~PageV25P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" ببناء قنطرة الصراة العتيقة ، فخرج إبراهيم ~~ينظر إليها مع الناس ، فوقعت عليه عين المنصور ، فجلس إبراهيم وذهب في ~~الناس ، فأتى فأميا فلجأ إليه فأصعده غرفة له ، وجد المنصور في طلبه ووضع ~~الرصد بكل مكان ، فثبت إبراهيم مكانه ، فقال له صاحبه سفي بن حيان ms5713 العمى : ~~قد نزل بنا ما ترى ، ولا بد من المخاطرة ، قال : فأنت وذاك ، فأقبل سفيان ~~إلى الربيع ، فسأله الإذن على المنصور فأدخله إليه ، فلما رآه شتمه فقال : ~~يا أمير المؤمنين ، أنا أهل لما تقول ، غير أني أتيتك تائبا ولك عندي كل ما ~~تحب ، وأنا آتيك بإبراهيم بن عبد الله ، إني قد بلوتهم فلم أجد فيهم خيرا ، ~~فاكتب لي جوازا ولغلام معي ، واحملني على البريد ووجه معي جندا ، فكتب له ~~جوازا ودفع إليه جندا ، وقال له : هذه ألف دينار فاستعن بها ، قال : لا ~~حاجة لي فيها ، فأخذ منها ثلاثمائة دينار ، وأقبل والجند معه فدخل البيت ~~على إبراهيم ، وعلى إبراهيم جبة صوف وقباء كأقبية الغلمان ، فصاح به فوثب ~~فجعل يأمره وينهاه ، وسار على البريد ، وقيل لم يركب البريد ، وسار حتى قدم ~~المدائن ، فمنعه صاحب القنطرة بها ، فدفع جوازه إليه ، فلما جازها قال له ~~الموكل بالقنطرة : ما هذا غلام وإنه لإبراهيم بن عبد الله ، اذهب راشدا ~~فأطلقهما ، فركبوا سفينة حتى قدموا البصرة ، فجعل يأتي بالجند الدار لها ~~بابان ، فيقعد البعض منهم على أحد البابين ، ويقول : لا تبرحوا حتى آتيكم ، ~~فيخرج من الباب الآخر ويتركهم ، حتى فرق الجند على نفسه وبقى وحده ، وبلغ ~~الخبر سفيان بن معاوية أمير البصرة ، فأرسل إلى الجند فجمعهم ، وطلب العمى ~~فعجزه وكان إبراهيم قد قام الأهواز قبل ذلك فاختفى عند الحسن بن حبيب ، ~~وكان محمد بن حصين يطلبه ، فقال يوما : إن أمير المؤمنين كتب إلي يخبرني أن ~~المنجمين أخبروه : أن إبراهيم نازل بالأهواز ، وهو في جزيرة بين نهرين ، ~~وقد طلبته في الجزيرة وليس هناك ، وقد عزمت أن أطلبه غدا بالمدينة ، لعل ~~أمير المؤمنين يعني بقوله - بين نهرين - بين دخيل والمسرفان ، فرجع الحسن ~~بن حبيب إلى إبراهيم فأخبره ، وأخرجه إلى ظاهر البلد ، ولم يطلبه محمد ذلك ~~اليوم ، فلما كان آخر النهار خرج الحسن إلى إبراهيم ، فأدخله البلد وهما ~~على حمارين وقت العشاء الآخرة ، فلحقه أوائل خيل ابن PageV25P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" الحصين ، فنزل إبراهيم عن حماره كأنه يبول ، ~~فسأل ابن الحصين ms5714 الحسن بن حبيب عن مجيئه ، فقال : جئت من عند بعض أهلي ، ~~فمضى وتركه ، ورجع الحسن إلى إبراهيم فأركبه وأدخله إلى منزله ، فقال له ~~إبراهيم : والله لقد بلت دما ، فأتيت الموضع فرأيته وقد بال دما ، ثم إن ~~إبراهيم قدم البصرة ، قيل قدمها في سنة خمس وأربعين ومائة ، بعد ظهور أخيه ~~محمد بالمدينة ، وقيل قدمها في سنة ، ثلاث وأربعين ومائة ، وكان الذي أقدمه ~~وتولى أمره - في قول بعضهم - يحيى بن زياد بن حيان النبطي ، وأنزله في داره ~~في بني ليث ، وقيل نزل في دار أبي قروة ، ودعا الناس إلى بيعة أخيه ، وكان ~~أو لمن بايعه نميل بن مرة العبشمي ، وعفو الله بن سفيان ، وعبد الواحد بن ~~زياد ، وعمرو بن سلمة الجيمي ، وعبد الله ابن يحيى بن حصين الرقاشي ، وعبد ~~الواحد بن زياد ، وعمرو بن سلمة الهجيمي ، وعبد الله ابن يحيى بن حصين ~~الرقاشي ، وندبوا الناس ، فأجابهم المغيرة بن الفزع وأشباه له ، وأجابه ~~أيضا عيسى بن يونس ومعاذ بن معاذ ، وعباد بن العوام ، وإسحاق بن يوسف ~~الأزرق ، ومعاوية بن هشيم ابن بشير ، وجماعة كثيرة من الفقهاء وأهل العلم ، ~~حتى أحصى ديوانه أربعة آلاف ، وشهر أمره فقالوا له : لو كنت تحولت إلى وسط ~~البصرة ، أتاك الناس وهم مستريحون ، فتحول فنزل دار أبي مروان - مولى بن ~~سليم - في مقبرة بني يشكر . ار أبي مروان - مولى بن سليم - في مقبرة بني ~~يشكر . وكان سفيان بن معاوية - أمير البصرة - قد مالأ على أمره ، ولما ظهر ~~أخوة محمد كتب إليه بأمره بالظهور ، فوجم لذلك واغتم ، فجعل بعض أصحابه ~~يسهل عليه ذلك ، وقال له : قد اجتمع لك عالم من الناس ، فطابت نفسه ، وكان ~~المنصور بظاهر الكوفة في قلة من العساكر ، وقد أرسل ثلاثة من القواد إلى ~~سفيان بن معاوية بالبصرة مدادا له ، ليكونوا عونا له على إبراهيم ، إن ظهر ~~، فلما أراد إبراهيم الظهور أرسل إلى سفيان فأعلمه ، فجمع القواد عنده ، ~~وظهر إبراهيم أول شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة ، فعم دواب أولئك الجند ~~، وصلي بالناس الصبح بالجامع ، وقصد دار ms5715 الإمارة وبها سفيان متحصنا ، فحضره ~~فطلب منه الأمان ، فأمنه إبراهيم ودخل إلى الدار ، ففرشوا له حصيرا فهبت ~~الريح فقلبته قبل أن يجلس ، فتطير الناس لذلك ، PageV25P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" فقال إبراهيم : إنا لا نتطير وجلس عليه مقلوبا ~~، وحبس القواد وحبس أيضا سفيان بن معاوية في القصر وقيده بقيد خفيف ، ليعلم ~~المنصور أنه محبوس ، وباغ جعفر ومحمدا ، ابني سليمان بن علي ظهور إبراهيم ، ~~فأتيا في ستمائة رجل ، فأرسل إليهما إبراهيم المضاء ابن القاسم اجزري في ~~خمسين رجلا فهزمهما ، ونادى منادي إبراهيم : لا يتبع منهزم ولا يدفق على ~~جريح ، ومضى إبراهيم بنفسه إلى باب زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن ~~العباس ؛ وإليها ينسب الزينبيون من العباسيين ، فنادى بالأمان وألا يعرض ~~لهم أحد ، فصفت له البصرة ووجد في بيت ما لها ألفى ألف درهم ، فقوى بذلك ~~وفرض لأصحابه لكل رجل خمسين درهما . فلما استقرت له البصرة أرسل المغيرة ~~إلى الأهواز ، فبلغها في مائتي رجل ، وكان فيها محمد بن الحصين عاملا ~~للمنصور ، فخرج إليه في أربعة آلاف فالتقوا ، فانهزم ابن الحصين ودخل ~~المغيرة الأهواز ؛ وقيل إنما سير إبراهيم المغيرة إلى الأهواز بعد مسيره من ~~البصرة إلى باخمرى ، وسير إبراهيم إلى فارس عمر ابن سداد ، فقدمها وبها ~~إسماعيل وعبد الصمد ابنا علي بن عبد الله بن العباس ، فبلغهما دنو عمرو - ~~وهما باصطخر - فقصدا داربجرد فتحصنا بها ، فصارت فارس في يد عمرو ، وأرسل ~~إبراهيم ، هارون بن سعد العجلي في سبعة عشر ألفا إلى واسط ، وبها هارون بن ~~حميد الإيادي من قبل المنصور - فملكها العجلي ، وأرسل المنصور لحربه عامر ~~بن إسماعيل المسلى في خمسة ، آلاف وقيل في عشرين ألفا ، وكانت بينهم وقعات ~~ثم تهادنوا على ترك الحرب ، حتى ينظروا ما يكون من إبراهيم والمنصور ، فلما ~~قتل إبراهيم هرب هارون بن سعد عنها ، واختفى حتى مات . قال : ولم يزل ~~إبراهيم بالبصرة ، يفرق العمال والجيوش حتى أتاه نعي أخيه محمد قبل الفطر ~~بثلاثة أيام ، فخرج بالناس يوم العيد وفيه الانكسار ، فصلى بهم وأخبرهم ~~بقتل محمد ، فازدادوا في ms5716 قتال المنصور بصيرة ، وأصبح من الغد فعسكر واستخلف ~~على البصرة نميلة ، وخلف ابنه حسنا معه . PageV25P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" ذكر مسير إبراهيم ومقتله قال : ثم عزم إبراهيم ~~على السير ، فأشار عليه أصحابه البصريون أن يقيم ويرسل الجنود ، فيكون ، ~~إذا انهزم لك جند أمدتهم بغيرهم ، فخيف مكانك واتقاك عدوك ، وجبيت الأموال ~~وثبتت وطأتك ، فقال من عنده من أهل الكوفة : إن بالكوفة أقاما لو رأوك ~~ماتوا دونك ، وإن لم يروك قعدت بهم أسباب شتى ؛ فسار عن البصرة إلى الكوفة ~~، وكان المنصور - لما بلغه ظهور إبراهيم - في قلة من العسكر فقال : والله ~~ما أدري كيف أصنع ما في عسكري إلا ألفا رجل ، فرقت جندي فمع المهدي بالري ~~ثلاثون ألفا ، ومع محمد بن الأشعث بأفريقية أربعون ألفا ، والباقون مع عيسى ~~بن موسى ، والله ، لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكري ثلاثون ألفا ، ثم كتب ~~إلى عيسى بن موسى بالعود مسرعا ، فأتاه الكتاب وقد أحرم بعمرة فتركها ، ~~وعاد وكتب إلى سلم بن قتيبة فقدم عليه من الري ، فقال له المنصور : اعمد ~~إلى إبراهيم ولا يروعنك جمعة ، فوالله - إنهما جملا بني هاشم المقتولان ، ~~فثق بما أقول ، وضم إليه غيره من القواد . وكتب إلى المهدي يأمره بإنفاذ ~~جريمة بن خازم إلى الأهواز ، فسيره في أربعة آلاف فارس فوصلها ، وقاتل ~~المغيرة ، فرجع المغيرة إلى البصرة ، واستباح خزيمة الأهواز ثلاثا ، وتوالت ~~على المنصور الفتوق : من البصرة والأهواز وفارس وأواسط والمداين والسواد ، ~~وإلى جانبه أهل الكوفة في مائة ألف مقاتل ، ينتظرون به صيحة ، فلما توالت ~~الأخبار عليه بذلك أنشد : وجعلت نفسي للرماح درية . . . إن الرئيس بمثل ذاك ~~فعول ثم إن المنصور رمى كل ناحية بحجرها ، وبقي على مصلاه خمسين يوما ، ~~ينام عليه ويجلس عليه ، وعليه جبة ملونة ، قد اتسخ جيبها ، ما غيرها ولا ~~هجر المصلى ، إلا أنه ، إذا ظهر للناس لبس السواد ، فإذا فارقهم رجع إلى ~~هيئته ، واهديت إليه امرأتان من المدينة ، إحداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى ~~بن طلحة بن عبيد الله والأخرى أمة الكريم بنت عبد الله من ولد ms5717 خالد بن أسيد ~~، فلم ينظر إليهما ، فقيل له : إنهما قد ساءت ظنونهما ، فقال : ليست هذه ~~أيام نساء ، ولا سبيل إليهما حتى أنظر : أرأس إبراهيم لي أم رأسي له ؟ قال ~~الحجاج بن قتيبة : لما تتابعت الفتوق على PageV25P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" المنصور ، دخلت مسلما عليه وقد أتاه خبر ~~البصرة والأهواز وفارس ، وعساكر إبراهيم قد عظمت ، وبالكوفة مائة ألف سيف ~~بازاء عسكره ، تنتظر صيحة واحدة فيثبون به ؛ فرأيته أحوذيا مشمرا قد قام ~~إلى ما نزل به من النوائب يعركها ، فقام بها ولم تقعد به نفسه ، وإنه لكما ~~قال الأول : نفس عصام سودت عصاما . . . وعلمته الكر والإقاما وصيرته ملكا ~~هماما ثم وجه المنصور إلى إبراهيم ، عيسى بن موسى في خمسة عشر ألفا ، وعلى ~~مقدمته حميد بن قحطبة في ثلاث آلاف ، وقال له - لما ودعه - : إن هؤلاء ~~الخبثاء - يعني المنجمين - يزعمون أنك إذا لاقيت إبراهيم ، تجول أصحابك ~~جولة حين تلقاه ، ثم يرجعون إليك وتكون العاقبة لك . قال : ولما سار ~~إبراهيم عن البصرة مشى ليلة في عسكره سرا ، فسمع أصوات الطنابير ، ثم فعل ~~ذلك ليلة أخرى فسمعها أيضا ، فقال : ما أطمع في نصر عسكر فيه مثل هذا ، ~~وسمع وهو ينشد في طريقه أبيات القطامى : أمور تدبرها حليم . . . إذا لنهى ~~وهيب ما استطاعا ومعصية الشفيق عليك مما . . . يزيدك مرة منه استماعا وخير ~~الأمر ما استقبلت منه . . . وليس بأن تتبعه اتباعا ولكن الأيم إذا تفرى . . ~~. بلى وتعيبا غلب الصناعا فعلموا أنه نادم على مسيره ، وكان ديوانه قد أحصى ~~مائة ألف ، وقيل كان معه في طريقه عشرة آلاف ، وقيل له في طريقه ليأخذ غي ~~الوجه الذي فيه عيسى ويقصد الكوفة ، فإن المنصور لا يقوم له وينضاف أهل ~~الكوفة إليه ، ولا يبقى للمنصور مرجع دون حلوان فلم يفعل ، وقيل له ليبيت ~~عيسى بن موسى ، فقال : أكره البيات إلا بعد الإنذار ، وقال له بعض أهل ~~الكوفة : ائذن لي بالمسير إلى الكوفة ، PageV25P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" أدعو الناس سرا ثم أجهر ، فإذا سمع المنصور ~~الهيعة بأرجاء الكوفة ، لم يرد وجهه شيء دون حلوان ms5718 ، فاستشار إبراهيم بشير ~~الرحال ، فقال : لو وثقنا بالذي تقول لكان رأيا ، ولكنا لا نأمن أن تجيئك ~~منهم طائفة ، فيرسل إليهم المنصور الخيل ، فيأخذ البريء والصغير والمرأة ، ~~فيكون ذلك تعرضا للمآثم ، فقال الكوفي : كأنكم خرجتم لقتال المنصور وأنتم ~~تتوقون قتل الضعيف والصغير والمرأة ، وقد كان رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يبعث سراياه ، فيقاتل ويكون نحو هذا ، فقال بشير : أولئك كفار ~~وهؤلاء مسلمون ، فاتبع إبراهيم رأيه وسار حتى نزل باخمرا ، وهي من الكوفة ~~على ستة عشر فرسخا مقابل عيسى بن موسى ، فأرسل إليه سلم بن قتيبة يقول : ~~إنك قد أصحرت ، ومثلك أنفس به عن الموت ، فخندق عل نفسك حتى لا تؤتى إلا من ~~وجه واحد ، فإن أنت لم تفعل فقد أعرى أبو جعفر عسكره ، فتخفف في طائفة حتى ~~تأتيه فتأخذ بقفاه ، فدعا إبراهيم أصحابه وعرض عليهم ذلك ، فقالوا : نخندق ~~على أنفسنا ونحن ظاهرون عليهم ؟ لا والله لا نفعل ؛ قال : فنأتي أبا جعفر ، ~~قالوا : ولم وهو في أيدينا ، متى أردناه ؟ فقا لإبراهيم للرسول : أتسمع ، ~~فارجع راشدا . ثم إنهم تصادفوا ، فصف إبراهيم أصحابه صفا واحدا ، فأشار ~~عليه بعض أصحابه بأن يجعلهم كراديس ، فإذا انهزم كردوس ثبت كردوس ، فإن ~~الصف إذا انهزم بعضه تداعى سائره ، فقال الباقون : لا نصف إلا صف أهل ~~الإسلام ، يعني قول الله تعالى " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص " ، ثم التوا واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم حميد بن ~~قحطبة وانهزم الناس معه ، فعرض لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة ، فلا يلوون ~~عليه ، وأقبل حميد منهزما فقال له عيسى : الله الله والطاعة ، فقال لا طاعة ~~في الهزيمة ، ومر الناس فلم يبق مع عيسى إلا نفر يسير ، فيقيل له : أو ~~تنحيت عن مكانك حتى يثوب إليك الناس ، فتكر بهم ؟ فقال : لا أزول عن مكاني ~~هذا أبدا حتى أقتل أو يفتح الله على يدي ، والله لا ينظر أهل بيتي إلى وجهي ~~أبدا وقد انهزمت عن عدوهم ، وجعل يقول لمن يمر به : إقرأوا أهل بيتي السلام ~~، وقولوا لهم لم أجد فداء ms5719 أفديكم به أعز من نفسي ، وقد بذلتها دونكم ، ~~فبينما هو كذلك لا يلوي أحد على أحد إذ أتى جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي ~~بن ظهور أصحاب إبراهيم ، ولا يشعر باقي أصحابه الذين يتبعون المنهزمين ، ~~حتى نظر بعضهم PageV25P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" فرأى القتال من ورائهم ، فعطفوا نحوه ورجع ~~أصحاب المنصور يتبعونهم ، فكانت الهزيمة على أصحاب إبراهيم ، فلولا جعفر ~~ومحمد لتمت الهزيمة ، وكان من صنع الله للمنصور أن أصحابه لقيهم نهر في ~~طريقهم ، فلم يقدروا على الوثوب ولم يجدوا مخاضة فعادوا بأجمعهم ، وكان ~~أصحاب إبراهيم قد مخروا الماء ليكون قتالهم من وجه واحد ، فلما انهزموا ~~منعهم الماء من الفرار ، وثبت إبراهيم في نفر من أصحابه يبلغون ستمائة ، ~~وقيل أربعمائة ، فقاتلهم حميد وجعل يرسل بالرؤوس إلى عيسى ، وجاء إبراهيم ~~سهم عائر فوقع في حلقه فنحره ، فتنحى عن موقفه وقال : أنزلوني ، فأنزلوه عن ~~مركبه وهو يقول : وكان أمر الله قدرا مقدورا ، أردنا أمرا وأراد الله غيره ~~، واجتمع عليه أصحابه وخاصته يحمونه ويقاتلون دونه ، فقال حميد بن فحطبة ~~لأصحابه : شدوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم ، وتعلموا ما ~~اجتمعوا عليه ، فشدوا عليهم فقاتلوهم أشد القتال ، حتى أفرجوهم عن إبراهيم ~~وخلصوا إليه وحزوا رأسه ، فأتوا به عيسى بن موسى ، فأراه ابن أبي الكرام ~~الجعفري ، فقال : نعم هو رأسه ، فنزل عيسى إلى الأرض فسجد ، وبعث برأسه إلى ~~المنصور ، وكان مقتله يوم الإثنين لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس ~~وأربعين ومائة ، وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة ، ومكث منذ خرج إلى أن قتل ~~ثلاث أشهر إلا خمسة أيام . وقيل كان سبب انهزام أصحاب إبراهيم ، أنهم لما ~~هزموا أصحاب المنصور وتبعوهم نادى منادي إبراهيم : ألا تتبعوا مدبرا فرجعوا ~~، فلما رآهم أصحاب المنصور راجعين ظنوهم منهزمين ، فعطفوا في آثارهم وكانت ~~الهزيمة . قال : وبلغ المنصور الخبر بهزيمة أصحابه أولا ، فعزم على اتيان ~~الري ، فأتاه نوبخت المنجم فقال : يا أمير المؤمنين ، الظفر لك ، وسيقتل ~~إبراهيم فلم يقبل منه ، فبينما هو كذلك إذ أتاه الخبر بقتل إبراهيم ، فتمثل ~~: فألقت عصاها ms5720 واستقر بها النوى . . . كما قر عينا بالإياب المسافر فأقطع ~~المنصور فوبخت ألفي تجريب بنهر جوبر ، وحمل رأس إبراهيم إلى المنصور ، فوضع ~~بين يديه فلما رآه بكى ، حتى جرت دموعه على خد إبراهيم ، ثم قال : أما ~~والله إن كنت لهذا كارها ، ولكنك ابتليت بي وابتليت بك ، ثم جلس مجلسا ~~PageV25P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" عاما وأذن للناس ، فكان الداخل يدخل فيتناول ~~إبراهيم ، ويسيء القول فيه ويذكر فيه القبيح ، التماسا لرضا المنصور ، ~~والمنصور ممسك متغير لونه ، حتى دخل جعفر بن حنظلة البهراني ، فوقف فسلم ثم ~~قال : عظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك ، وغفر له ما فرط فيه من ~~حقك ، فاستقر لون المنصور وأقبل عليه ، وقال : مرحبا أبا خالد ههنا ، فعلم ~~الناس أن ذلك يرضيه ، فقالوا مثل قوله . قيل ولما وضع الرأس بين يدي ~~المنصور بصق في وجهه رجل من الحرس ، فأمر به المنصور فضرب بالعمد ، فهشمت ~~أنفه ووجهه ، وضرب حتى خمد وأمر به فجروا برجله فألقوه خارج الباب . قال : ~~ومما رثى به محمد بن عبد الله وأخوه إبراهيم قول عبد الله ابن مصعب بن ثابت ~~: يا صاحبي دعا الملامة واعلما . . . أن لست في هذا بألوم منكما وقفا بقبر ~~ابن النبي فسلما . . . لا بأس أن تقفا به فتسلم قبر تضمن خير أهل زمانه . . ~~. حسبا وطيب سجية وتكرما رجل نفى بالعدل جور بلاده . . . وعفا عظيمات ~~الأمور وأنعما لم يجتنب قصد السبيل ولم يجر . . . عنه ولم يفتح بفاحشة فما ~~لو أعظم الحدثان شيئا قبله . . . بعد النبي لكنت المعظما أو كان أمتع ~~بالسلامة قبله . . . أحدا لكان قصاره أن يسلما ضحوا بإبراهيم خير ضحية . . ~~. فتصرمت أيامه وتصرما بطلا يخوض بنفسه غمراتها . . . لا طائشا رعشا ولا ~~مستسلما حتى مضت فيه السيوف وربما . . . كانت حتوفهم السيوف وربما أضحى بنو ~~حسن أبيح حريمهم . . . فينا وأصبح نهبهم متقسما ونساؤهم في دورهن نوائح . . ~~. سجع الحمام إذا الحمام ترنما يتوسلون بقتلهم ويرونه . . . شرفا لهم عند ~~الإمام ومغنما والله لو شهد النبي محمد . . . صلى الإله على النبي وسلما ~~إشراع أمته الأسنة لابنه . . . حتى ms5721 تقطر من ظباتهم دما حقا لأيقن أنهم قد ~~ضيعوا . . . تلك القرابة واستحلوا المحرما PageV25P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" هذا ما كان من أخبار محمد بن عبد الله بن حسن ~~وأخيه إبراهيم رحمهما الله تعالى ، ثم لم يتحرك بعدهم أحد من الطالبيين إلى ~~أن ظهر الحسين بن علي بن الحسن . ذكر ظهور الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن ~~ابن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو المقتول بفخ كان ظهوره ~~بالمدينة في ذي القعدة سنة تسع وستين ومائة في خلافة الهادي موسى ، وسبب ~~ذلك أن الهادي استعمل على المدينة عمر ابن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه ، فلما وليها أخذ أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد ~~الله بن الحسن ، ومسلم بن حندب الشاعر الهذلي ، وعمر بن سلام مولى آل عمر ، ~~على شراب لهم ، فأمر بهم فضربوا جميعا ، وجعل في أعناقهم حبال وطيف بهم في ~~المدينة ، فجاء الحسين بن علي إلى العمري ، وقال له : قد ضربتهم ولم يكن لك ~~أن تضربهم لأن أهل العراق لا يرون به بأسا ، فلم تطوف بهم ؟ فأمر بهم فردوا ~~وحبسهم ؛ ثم إن الحسين ابن علي هذا ويحيى بن عبد الله بن الحسين كفلا الحسن ~~بن محمد فأخرجه العمري من الحبس ، وكان قد ضمن بعض آل أبي طالب بعضا ، ~~وكانوا يعرضون ، فغاب الحسن بن محمد عن العرض يومين ، فأحضر العمري الحسين ~~بن علي ويحيى بن عبد الله وسألهما عنه وأغلظ لهما ، فحلف له يحيى أنه لا ~~ينام حتى يأتيه به ، أو يدق عليه باب داره حتى يعلم أنه جاءه به ، فلما ~~خرجا قال له الحسين : سبحان الله ما دعاك إلى هذا ؟ ومن أين تجد حسنا ؟ ~~حلفت له بشيء لا تقدر عليه ، فقال : والله لا نمت حتى أضرب عليه باب داره ~~بالسيف ، فقال له الحسين : إن هذا ينقض ما كان بيننا وبين أصحابنا من ~~الميعاد ، وكانوا قد تواعدوا على أن يظهروا بمنى أو بمكة في الموسم ، فقال ~~يحيى : قد كان ms5722 ذلك فانطلقا ، وعملا في ذلك من ليلتهم ، وخرجوا آخر الليل ، ~~وجاء يحيى حتى ضرب على العمري باب داره فلم يجده ، وجاءوا فاقتحموا المسجد ~~بعد الصبح ، فلما صلى الحسين الصبح أتاه الناس فبايعوه : على كتاب الله ~~وسنة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ، للمرتضى من آل محمد ، وجاء خالد ~~البربري في مائتين من الجند ، وجاء العمري ووزير بن إسحاق الأزرق ومحمد بن ~~واقه الشروي ومعهم ناس كثير ، فدنا خالد منهم فقام إليه يحيى وإدريس ابنا ~~عبد الله بن PageV25P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" حسن ، فضربه يحيى على أنفه فقطعه ، ودار له ~~إدريس من خلفه فضربه فصرعه ثم قتلاه ، وانهزم أصحابه ودخل العمري في ~~المسودة ، فحمل عليهم أصحاب الحسين فهزموهم من المسجد ، وانتهبوا بيت المال ~~وكان فيه بضعة عشر ألف دينار ، وقيل سبعون ألفا ، وتفرق الناس وأغلق أهل ~~المدينة أبوابهم ، فلما كان الغد اجتمع عليهم شيعة بني العباس فقاتلوهم ، ~~وفشت الجراحات في الفريقين ، واقتتلوا إلى الظهر ثم افترقوا ، ثم إن مباركا ~~التركي أتى شيعة بني العباس من الغد - وكان قدم حاجا - فقاتل معهم فاقتتلوا ~~أشد قتال إلى منتصف النهار ، ثم تفرقوا ورجع أصحاب الحسين إلى المسجد ، ~~وواعد مبارك الناس الرواح إلى القتال ، فلما غفلوا عنه ركب رواحله وانطلق ، ~~وراح الناس فلم يجدوه ، فقاتلوا شيئا من قتال إلى المغرب ثم تفرقوا ، وقيل ~~إن مباركا أرسل إلى الحسين يقول له : والله لئن أسقط من السماء فيتخطفني ~~الطير أيسر على من أن تشوكك شوكة ، أو تقطع من رأسك شعرة ، ولكن لابد من ~~الاعذار ، فبينتني فإني منهزم عنك ، فوجه إليه حسين أو خرج إليه في نفر ، ~~فلما دنوا من عسكره صاحوا وكبروا ، فانهزم هو وأصحابه ، وأقام الحسين ~~وأصحابه أياما يتجهزون ، فكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يوما ، ثم خرجوا لست ~~بقين من ذي القعدة ، فلما خرجوا عاد الناس إلى المسجد ، فوجدوا فيه الطعام ~~الذي كانوا يأكلون وآثارهم ، فدعوا عليهم . ولما فارق الحسين المدينة قال : ~~يا أهل المدينة ، لا خلف الله عليكم بخير ، فقالوا : بل أنت ، لا خلف الله ~~عليك بخير ms5723 ، ولا ردك إلينا ، وكان أصحابه يحدثون في المسجد ، فغسله أهل ~~المدينة . قال : ولما أتى الحسين مكة فنودي : أيما عبد أتانا فهو حر ، ~~فأتاه العبيد ، فانتهى الخبر إلى الهادي ؛ وكان قد حج تلك السنة رجال من ~~أهل بيته ، منهم سليمان بن المنصور ، ومحمد بن سليمان بن علي ، والعباس ابن ~~محمد بن علي ، وموسى وإسماعيل ابنا عيسى بن موسى ، فكتب الهادي إلى محمد بن ~~سليمان بتوليته على الحرب ، وكان قد سار من البصرة بجماعة وسلاح لخوف ~~الطريق ، فاجتمعوا بذي طوى ، وكانوا قد أحرموا بعمرة ، فلما قدموا مكة ~~طافوا وسعوا وحلوا من العمرة ، وعسكروا بذي طوى وانضم إليهم من حج من ~~شيعتهم ومواليهم وقوادهم ، والتقوا واقتتلوا يوم التروية ، فانهزم أصحاب ~~الحسين ، وقتل منهم وجرح ، وانصرف محمد بن سليمان ومن معه إلى مكة ، ولا ~~يعلمون حال الحسين ، فلما بلغوا ذا طوى لحقهم رجل من أهل خراسان يقول : ~~البشرى ، البشرى ، هذا رأس PageV25P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" الحسين فأخرجه وبجبهته ضربة طولا ، وعلى قفاه ~~ضربة أخرى ، وكانوا قد نادوا الأمان ، فجاء الحسن بن محمد بن عبد الله أبو ~~الزفت فوقف خلف محمد بن سليمان والعباس بن محمد ، فأخذه موسى بن عيسى وعبد ~~الله ابن العباس فقتلاه ، فغضب محمد بن سليمان غضبا شديدا ، وأخذ رؤوس ~~القتلى فكانت مائة رأس ونيفا ، وفيها رأس سليمان بن عبد الله ابن حسن بن ~~حسن بن علي ، وأخذت أخت الحسين فتركت عند زينب بنت سليمان ، واختلط ~~المنهزمون بالحاج ، وأتى الهادي بستة أسرى ، فقتل بعضهم واستبقى بعضهم ، ~~وغضب على موسى ابن عيسى كيف قتل الحسن بن محمد ، وقبض أمواله فلم تزل بيده ~~حتى مات ، وغضب على مبارك التركي ، وأخذ ماله وجعله سائس الدواب ، فبقي ~~كذلك حتى مات الهادي ، وأفلت من المنهزمين إدريس ابن عبد الله بن الحسن بن ~~الحسن بن علي ، فأتى مصر وعلى بريدها واضح ، مولى صالح بن المنصور ، وكان ~~شيعيا فحمله على البريد إلى أرض المغرب ، فوقع بأرض طنجة بمدينة وليلة ، ~~فاستجاب له من بها من البربر ، فضرب الهادي عنق واضح وصلبه ms5724 ، وقيل إن ~~الرشيد هو الذي قتله ، وأن الرشيد دس إلى إدريس الشماخ اليمامي ، مولى ~~المهدي ، فأتاه وأظهر أنه من شيعتهم وعظمه وآثره على نفسه ، فمال إليه ~~إدريس وأنزله عنده ، ثم إن إدريس شكا إليه مرضا في أسنانه ، فوصف له دواء ~~وجعل فيه سما ، وأمره أن يستن به عند طلوع الفجر فأخذه منه ، وهرب الشماخ ~~ثم استعمل إدريس الدواء فمات منه ، فولى الرشيد الشماخ بريد مصر . قال : ~~ولما مات إدريس ابن عبد الله خلف مكانه ابنه إدريس بن إدريس ، وأعقب بها ~~وملكوها ، ونازعوا بني أمية في إمارة الأندلس ، وقد تقدم ذكر ذلك في أخبار ~~الأندلس فلا فائدة قي إعادته . قال : وحملت الرؤوس إلى الهادي ، فلما وضع ~~رأس الحسين بين يديه قال : كأنكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت إن أقل ما ~~أجزيكم أن أحرمكم جوائزكم ، فلم يعطهم شيئا . قال : وكان الحسين شجاعا ~~كريما ، قدم على المهدي فأعطاه أربعين ألف دينار ، ففرقها في الناس ببغداد ~~والكوفة ، وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه ، إلا وبرا ليس تحته قميص ، ~~وهذا غاية في الجود ونهاية في الكرم والإيثار ، رحمه الله تعالى وغفر له . ~~PageV25P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" ذكر ظهور يحيى بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب كان ظهوره في خلافة الرشيد بن المهدي في سنة ست وسبعين ~~ومائة ببلاد الديلم ، واشتدت شوكته وكثرت جموعه ، وأتاه من الأمصار ، فاغتم ~~الرشيد لذلك ، فندب إليه الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي في خمسين ألفا ، ~~وولاه جرجان وطبرستان والري وغيرها وحمل معه الأموال ، فكاتب يحيى بن عبد ~~الله ولطف به وحذره ، وأشار عليه وبسط أمله ، ونزل الفضل بالطالقان ، بمكان ~~يقال له أشب ، ووالى كتبه إلى يحيى ، وكاتب صاحب الديلم وبذل له ألف ألف ~~درهم ، على أن يسهل له خروج يحيى بن عبد الله ، فأجاب يحيى إلى الصلح على ~~أن يكتب له الرشيد أمانا بخطه ، يشهد عليه فيه القضاة والفقهاء وجلة بني ~~هاشم ومشايخهم ؛ منهم عبد الصمد بن علي ، فأجابه الرشيد إلى ذلك ، وسر ms5725 به ~~وعظمت منزلة الفضل عنده ، وسير الأمان مع هدايا وتحف ، فقدم يحيى مع الفضل ~~بغداد ، فلقيه الرشيد بكل ما أحب وأمر له بمال كثير ، ثم حبسه الرشيد بعد ~~ذلك فمات في حبسه ؛ وكان الرشيد قد عرض كتاب أمان يحيى على محمد بن الحسن ~~الفقيه وعلى أبي البختري القاضي ، فقال محمد : الأمان صحيح ، فحاجه الرشيد ~~، فقال محمد : وما يصنع بالأمان ؟ لو كان محاربا ثم ولى كان آمنا ، وقال ~~أبو البختري : هذا أمان منتقض من وجه كذا ، فمزقه الرشيد ، وقد ذكرنا خبر ~~يحيى في حبسه فيما تقدم من كتابنا هذا ، عند ذكرنا لأخبار القبض على ~~البرامكة في أيام الرشيد ، وأن الرشيد كان قد حبسه عند جعفر ، فأطلقه جعفر ~~بغير أمر الرشيد ، وقيل بل أخبره بوفاته ، ثم نقله إلى خراسان وأودعه عند ~~أميرها على ابن عيسى بن ماهان ، وأوصاه به أن يكون عنده موسعا عليه ~~واستكتمه أمره ، فكتب علي بذلك إلى الرشيد ، فكان ذلك سبب زوال نعمة ~~البرامكة ، وقد تقدم ذكر هذه القصة هناك مبسوطة ، ولا فائدة في تكرار ذلك ~~وإعادته ، فلنذكر خلافه من أخبار من ظهر من الطالبيين . PageV25P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" ذكر ظهور محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن ~~إبراهيم ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو المعروف ~~بابن طباطبا كان ظهوره بالكوفة لعشر خلون من جمادى الآخر سنة تسع وتسعين ~~ومائة ، في خلافة عبد الله المأمون بن الرشيد هارون ، وخرج يدعوا إلى الرضا ~~من آل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، والعمل بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، وكان القيم بأمره في الحرب أبو السرايا السري بن ~~منصور ، وهو من ولد هانئ بن قبيصة ابن هانئ بن مسعود الشيباني ، فلما اشتد ~~أمر محمد أراد أن يستقل بالأمر دون أبي السرايا ، فسقاه أبو السرايا سما ~~فمات ، في مسهل شهر رجب من السنة المذكورة ، وقد ذكرنا خبره مبينا في أخبار ~~المأمون ابن الرشيد . ولما مات محمد بن إبراهيم نصب أبو السرايا مكانه ~~غلاما أمرد ms5726 يقال له : محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي وصار ~~الحكم لأبي السرايا ، واستعمل العمال على البصرة والأهواز وفارس ومكة ~~واليمن ، وانتشر الطالبيون في البلاد وقوى أمرهم ، إلى أن قتل أبو السرايا ~~وذلك في المحرم سنة مائتين ، فاستعيدت البلاد من الطالبيين على ما قدمناه ~~في أخبار أبي السرايا في خلافة المأمون . ذكر ظهور إبراهيم بن موسى بن جعفر ~~بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وما كان من أمره كان ظهوره ~~بمكة في سنة مائتين في خلافة المأمون ، وكان أبو السرايا قد ولاه اليمن ، ~~فأتاه الخبر بمقتل أبي السرايا وهو بمكة ، فسار إلى اليمن وبها إسحاق بن ~~موسى بن عيسى عاملا للمأمون ، فلما بلغه قرب إبراهيم من صنعاء سار نحو مكة ~~، واستولى إبراهيم على اليمن ، وكان يسمى الجزار لكثرة من قتل باليمن ، ~~وسبى وأخذ PageV25P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" الأموال ، ولم يتم أمره ولا أمر غيره ممن كان ~~أبو السرايا استعملهم ، وقد ذكرنا خبر الحسين بن الحسن الأفطس ومحمد بن ~~جعفر وما كان من أمرهما بمكة في أخبار المأمون ، ولا فائدة في إعادته ، وقد ~~ذكرنا أيضا خبر محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ~~وخروجه بالطالقان ، وما كان من أمره في أخبار المعتصم بالله بن الرشيد في ~~سنة تسع عشرة ومائتين . ذكر ظهور يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين ابن زيد بن ~~علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب وهو المكنى بأبي الحسين وكان ظهوره ~~بالكوفة في سنة خمسين ومائتين في خلافة المستعين بالله ، وسبب ظهوره أنه ~~نالته ضائقة ، ولزمه دين ضاق به ذرعا ، فلقي عمر بن فرج وهو يتولى أمر ~~الطالبيين ، فكلمه في صلته فأغلظ له عمر ، وحبسه فلم يزل محبوسا حتى كفله ~~أهله ، فأطلق وسار إلى بغداد ، فأقام بها سنة ثم رجع إلى سامرا ، فلقي ~~وصيفا فكلمه في رزق يجريه له ، فأغلظ له وصيف وقال : لأي شيء يجري على مثلك ~~؟ فانصرف إلى الكوفة ms5727 وبها أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان الهاشمي ~~، عامل محمد بن عبد الله بن طاهر ، فجمع أبو الحسين جمعا كثيرا كثيرا من ~~الأعراب وأهل الكوفة ، وأتى الفلوجة فكتب صاحب البريد بخبره إلى محمد بن ~~عبد الله ، فكتب محمد بن عبد الله إلى أيوب وعبد الله بن محمود السرخسي ، ~~عامله على معاون السواد ، يأمرهما بالاجتماع على حرب يحيى . قال : ومضى ~~يحيى بن عمر إلى بيت مال الكوفة فأخذ ما كان فيه ، وهو ألفا دينار وسبعون ~~ألف درهم ، وأظهر أمره بالكوفة وفتح السجون وأخرج من فيها ، وأخرج العمال ~~عن الكوفة ، فلقيه عبد الله بن محمود السرخسي فيمن معه ، فضربه يحيى على ~~وجهه ضربة أثخنه بها ، فانهزم عبد الله ، PageV25P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" وأخذ أصحاب يحيى ما كان معهم من الدواب والمال ~~، وخرج يحيى إلى سواد الكوفة ، وتبعه جماعة من الزيدية وغيرهم إلى ظهر واسط ~~، وأقام بالبستان فكثر جمعه ، فوجه محمد بن عبد الله إلى محاربته الحسين بن ~~إسماعيل بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب في جمع من أهل النجدة والقوة ، فسار ~~إليه ونزل في مقابلته ولم يقدم عليه ، وسار يحيى والحسين في أثره حتى نزل ~~الكوفة ، ولقيه عبد الرحمن بن الخطاب المعروف بوجه الفلس قبل دخولها ، ~~فقاتله فانهزم عبد الرحمن إلى ناحية شاهي فوافاه الحسين بها ، واجتمعت ~~الزيدية إلى يحيى بن عمر ، ودعا بالكوفة إلى الرضا من آل محمد ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، واجتمع الناس إليه ، وتولاه العامة من أهل بغداد ، ولا يعلم ~~أنهم تولوا أحدا من أهل بيته سواه ، وبايعه جماعة من أهل الكوفة ممن له ~~تدبير وبصيرة في تشيعهم ، ودخل فيهم أخلاط لا ديانة لهم ، وأقام الحسين ~~بشاهى فأراح واستراح ، واتصلت به الأمداد ، ويحيى بالكوفة يعد الرجال ويصلح ~~السلاح ، فأشار عليه جماعة من الزيدية ممن لا علم لهم بالحرب بمعاجلة ~~الحسين بن إسماعيل ، وألحوا عليه فزحف إليه في ليلة الإثنين لثلاث عشرة ~~ليلة خلت من شهر رجب من السنة ، ومعهم الهيضم العجلي وغيره ، ورجاله من أهل ~~الكوفة ليس ms5728 لهم علم بالحرب ولا شجاعة ، وأسروا ليلتهم وصبحوا حسينا وهو ~~مستريح ، فثاروا بهم في الغلس ، فركب أصحاب الحسين وحملوا عليهم فانهزموا ، ~~ووضعوا فيهم السيف وأسروا منهم ، فكان أول من أسر الهيضم العجلي ، وانكشف ~~العسكر عن يحيى وعليه جوشن ، وقد تقطر به فرسه ، فوقف عليه ابن خالد بن ~~عمران يقال له خير ، فلم يعرفه وظنه من أهل خراسان لما رأى عليه الجوشن ، ~~فأمر رجلا فنزل إليه وأخذ رأسه ، فعرفه رجل وسير الرأس إلى محمد بن عبد ~~الله بن طاهر ، وادعى قتله غير واحد ، فبعث محمد الرأس إلى المستعين ، فنصب ~~بسامرا ثم حط وسير إلى بغداد لينصب بها ، فلم يقدر محمد بن طاهر على ذلك ~~لكثرة من اجتمع من الناس ، فلم ينصبه وخاف أن يأخذوه ، فجعله في صندوق في ~~بيت السلاح ، ووجه الحسين بن إسماعيل رؤوس من قتل ومن أسر إلى بغداد فحبسوا ~~بها ، وكتب محمد بن عبد الله فيهم فأمر بتخليتهم ودفن الرؤوس . ~~PageV25P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" قال : ولما ورد الخبر بقتل يحيى على محمد بن ~~عبد الله جلس ليهنأ بذلك ، فدخل عليه داود بن الهيثم الجعفري فقال : أيها ~~الأمير ، إنك لتهنأ بقتل رجل لو كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حيا ~~لعزى به ، فما رد محمد عليه شيئا ، وأكثر الشعراء المراثى في يحيى ، لما ~~كان عليه من حسن السيرة والديانة ، فمن ذلك قول بعضهم : بكت الخيل شجوها ~~بعد يحيى . . . وبكاه المهند المصقول وبكته العراق شرقا وغربا . . . وبكاه ~~الكتاب والتنزيل والمصلى والبيت والركن والحج . . . ر جميعا له عليه عويل ~~كيف لم تسقط السماء علينا . . . يوم قالوا أبو الحسين قتيل وبنات النبي ~~يندبن شجوا . . . موجعات دموعهن همول قطعت وجهه سيوف الأعادي . . . بأبي ~~وجهه الوسيم الجميل إن يحيى أبقى بقلبي غليلا . . . سوف يودي بالجسم ذاك ~~الغليل قتله مذكر لقتل علي . . . وحسين ويوم أو ذي الرسول صلوات الإله وقفا ~~عليهم . . . ما بكى موجع ومسن ثكول ذكر ظهور الحسين بن محمد وفي سنة إحدى ~~وخمسين ومائتين في زمن الخلف الذي وقع بين المستعين والمعتز ، ظهر ms5729 بالكوفة ~~رجل من الطالبيين ، اسمه الحسين ابن محمد بن حمزة بن عبد الله بن حسين بن ~~علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب ، واستخلف بها محمد بن جعفر العلوي ، ~~فوجه إليه المستعين مزاحم بن خاقان ، وكان العلوي بسواد الكوفة في جماعة من ~~بني أسد ومن الزيدية ، وأجلى عنها عامل الخليفة ، وهو أحمد بن نصر بن حمزة ~~بن مالك الخزاعي إلى قصر ابن هبيرة ، فاجتمع وهشام بن أبي دلف العجلي فسارا ~~إلى الكوفة ، فحمل أهل الكوفة العلوية على قتالهما ووعدوهم النصرة ، ~~فقاتلهم مزاحم وكان قد سير قائدا مع جماعة ، فأتى الكوفة من الجهة الأخرى ، ~~فأطبقوا عليهم فلم يفلت منهم أحد ، ودخل الكوفة فرماه أهلها بالحجارة ~~فأحرقها بالنار ، وأحرق منها سبعة أسواق حتى خرجت النار إلى السبيع ، ثم ~~هجم على الدار التي فيها العلوي ، فهرب وأقام مزاحم بالكوفة . PageV25P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" ذكر خبر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم ابن عبد ~~الله بن الحسن بن الحسن بن علي كان ظهوره بمكة في سنة إحدى وخمسين ومائتين ~~، ولما ظهر هرب عاملها ، وانتهب إسماعيل داره ومنازل أصحاب السلطان ، وقتل ~~الجند وجماعة من أهل مكة ، وأخذ ما في الكعبة وخزائنها من الذهب والفضة ~~وغير ذلك ، وأخذ كسوة الكعبة ، وأخذ من الناس نحوا من مائتي ألف دينار ، ~~فخرج منها بعد أن نهبها وأحرق بعضها في شهر ربيع الأول ، بعد أن أقام بها ~~خمسين يوما ، وصار إلى المدينة فتوارى عاملها ، ثم رجع إلى مكة في شهر رجب ~~، فحصرهم حتى غلت الأسعار ، ولقي أهل مكة منه كل بلاء ، ثم سار إلى جدة بعد ~~مقامه سبعة وخمسين يوما ، فحبس عن الناس الطعام ، وأخذ أموال التجار وأصحاب ~~المراكب ، ثم وافى عرفة وبها محمد بن عيسى الملقب كعب البقر ، وعيسى بن ~~محمد المخزومي كان المعتز قد وجههما إليها ، فقاتلهما إسماعيل ، وقتل من ~~الحاج نحو ألف ومائة إنسان ، وسلب الناس فهربوا إلى مكة ، ولم يقفوا بعرفة ~~ليلا ولا نهارا ، ووقف إسماعيل وأصحابه ، ثم رجع إلى جدة فجبى أموالها . ~~ذكر ظهور علي بن ms5730 زيد العلوي بالكوفة وخروجه عنها كان ظهوره في سنة ست ~~وخمسين ومائتين واستولى على الكوفة ، وأزال عنها نائب الخليفة المعتمد على ~~الله واستقر بها ، فسير إليه المعتمد الشاه بن مكيال في جيش كثيف ، فالتقوا ~~واقتتلوا فانهزمت جيوش المعتمد ، وقتل جماعة منهم ، فسير لمحاربته كنجور ~~التركي ، وأمره أن يدعوه إلى الطاعة ويبذل له الأمان ، ففعل ذلك فطلب علي ~~أمورا لم تجبه كنجور إليها ، فخرج علي عن الكوفة إلى القادسية فعسكر بها ، ~~ودخل كنجور الكوفة في ثالث شوال من السنة ، ومضى علي بن زيد إلى خفان ، ثم ~~دخل البر إلى بلاد بني أسد وكان قد صاهرهم ، فأقام هناك ثم فارقهم وصار إلى ~~جهة ، فبلغ كنجور خبره فسار إليه من الكوفة في سلخ ذي الحجة ، فواقعة ~~فانهزم علي وقتل نفر من أصحابه ، ولم يزل علي بن زيد إلى سنة ستين فقتله ~~صاحب الزنج . فلنذكر أخبار دولتهم بطبرستان . PageV25P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" ذكر أخبار الدولة العلوية بطبرستان الداعي إلى ~~الحق الحسن بن زيد كان ظهور هذه الدولة في سنة خمسين ومائتين في خلافة ~~المستعين بالله ، وأول من ظهر منهم الداعي إلى الحق : الحسن بن زيد بن محمد ~~ابن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، ~~وكان سبب ظهوره أن محمد بن عبد الله بن طاهر لما ظفر بيحيى بن عمر أقطعه ~~المستعين بالله من صوافي السلطان بطبرستان ، قطائع منها قطيعة بقرب ثغر ~~الديلم ، وهي كلار وسالوس ؛ وكان بجوارها أرض يحتطب منها أهل تلك الناحية ، ~~وترعى فيها مواشيهم ليس لأحد عليها ملك ، إنما هي موتان ، وهي ذات عيون ~~وأشجار وكلأ ، فوجه محمد بن عبد الله نائبه لحيازة ما أقطع ، وهو جابر بن ~~هارون النصراني ، وكان عامل طبرستان يومئذ سليمان بن عبد الله بن طاهر ، ~~خليفة عن محمد بن طاهر ، وكان الغالب على أمر سليمان ، محمد بن أوس البلخي ~~، وقد فرق محمد بن أوس هذا أولاده في مدن طبرستان ، وهم أحداث سفهاء فتأذى ~~بهم الرعية ، وشكوا سوء سيرتهم وسيرة ms5731 أبيهم وسيرة سليمان ، ثم دخل محمد بن ~~أوس بلاد الديلم ، وهم مسالمون لأهل بطرستان ، فسبى منهم وقتل ، وساء ذلك ~~أهل بطرستان ، ولما قدم جابر بن هارون لحيازة ما أقطع لمحمد ابن عبد الله ~~عدا على تلك الأرض المباحة ، فحازها إلى كلا روسالوس ، وكان في تلك الناحية ~~أخوان لهما بأس ونجدة ، مذكوران ببذل الطعام وشدة الطعان ، يقال لأحدهما ~~محمد والآخر جعفر ابنا رستم ، فأنكرا ما فعل جابر من حيازة الموات ، وكانا ~~مطاعين في تلك الناحية ، فاستنهضا من أطاعهما لمنع جابر من حيازة ذلك ~~الموات ، فخافهما جابر وهرب منهما ولحق بسليمان بن عبد الله ، وخاف محمد ~~وجعفر ومن معهما من عامل طبرستان ، فراسلوا من جاورهم من الديلم يذكرونهم ~~العهد الذي بينهم ويعتذرون مما فعله محمد بن أوس بهم من السبي والقتل ، ~~وأنفقوا على المعاونة على حرب سليمان بن عبد الله وغيره ، ثم أرسل ابنا ~~رستم إلى رجل من الطالبيين - اسمه محمد بن إبراهيم - كان بطبرستان ، يدعونه ~~إلى PageV25P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" البيعة له فامتنع من ذلك ، وقال : ولكني أدلكم ~~على رجل منا ، وهو أقوم بهذا الأمر مني ، فدلهم على الحسن بن زيد وهو إذ ~~ذاك بالري ، فوجهوا إليه برسالة محمد بن إبراهيم يدعونه إلى طبرستان ، فشخص ~~إليها وقد اجتمعت كلمة الديلم وأهل كلاروسالوس على بيعته ، فبايعوه وطردوا ~~عمال ابن أوس عنهم ، فلحقوا بسليمان ، وانضم إلى الحسن بن زيد أيضا أهل ~~جبال طبرستان ، فتقدم الحسن ومن معه نحو مدينة آمل طبرستان ، وهي أقرب ~~المدن إليهم . وأقبل ابن أوس من سارية لدفعهم عنها . والتقوا واقتتلوا ~~قتالا شديدا . فتوجه الحسن بن زيد في جماعة إلى آمل فدخلها ، فلما سمع ابن ~~أوس الخبر - وهو مشغول بحرب أصحاب الحسن - لم تكن له همة إلا النجاة بنفسه ~~، فهرب ولحق بسليمان إلى سارية ، واستولى الحسن على آمل ، وكثر جمعه وأتاه ~~كل طالب نهب وفتنة . فأقام بآمل أياما ثم سار نحو سارية لحرب سليمان بن عبد ~~الله ، فالتقوا خارج مدينة سارية ، ونشبت الحرب بينهم ، فسار بعض قواد ~~الحسن نحو سارية فدخلها ms5732 ، فلما سمع سليمان الخبر انهزم هو ومن معه ، وترك ~~أهله وعياله وأثقاله بها ، واستولى الحسن وأصحابه على جميع ذلك ، وسير إليه ~~أولاده وأهله في مركب إلى جرجان ، وقيل إن سليمان إنما انهزم اختيارا ، لأن ~~الطاهرية كلها كانت تتشبع ، فلما أقبل الحسن نحو طبرستان تأثم سليمان من ~~قتاله لشدة تشيعه ، وقال : نبئت خيل ابن زيد أقبلت حينا . . . تريدنا ~~لتحسينا الأمرينا يا قوم إن كانت الأنباء صادقة . . . فالويل لي ولجمع ~~الطاهريينا أما أنا فإذا اصطفت كتائبهم . . . أكون من بينهم رأس المولينا ~~والعذر عند رسول الله منبسط . . . إذا احتسبت دماء الفاطمييينا فلما التقوا ~~انهزم سليمان ، قال : ولما اجتمعت طبرستان للحسن بن زيد وجه إلى الري جندا ~~مع رجل من أهله ، يقال له الحسن بن زيد أيضا ، فملكها وطرد عامل الطاهرية ~~عنها ، واستخلف بها رجلا من العلويين يقال له محمد بن جعفر ، وانصرف عنها . ~~PageV25P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" قال : وورد خبر الحسن على المستعين بالله ، ~~ومدبر أمره يومئذ وصيف ، وكاتبه أحمد بن صالح ، فوجه إسماعيل بن فراشة في ~~جند إلى همذان ، وأمره بالمقام بها ليمنع خيل الحسن بن زيد عنها ، وما عدا ~~همذان فأمره إلى محمد بن طاهر . قال : ولما استقر محمد بن جعفر الطالبي ~~بالري ، ظهر منه أمور كرهها أهل الري ، ووجه محمد بن طاهر بن عبد الله بن ~~طاهر قائدا يقال له ابن ميكال ، في جمع من الجند إلى الري ، فالتقى هو ~~ومحمد ابن جعفر الطالبي خارج الري ، فأسر محمد وانهزم جيشه ، ودخل ابن ~~ميكال إلى الري وأقام بها ، فوجه إليه الحسن بن زيد عسكرا ، مع قائد من ~~قواده يقال له واجن ، فالتقوا واقتتلوا فانهزم ابن ميكال واعتصم بالري ، ~~فاتبعه واجن وأصحابه حتى قتلوه ، وصارت الري في يد أصحاب الحسن بن زيد . ثم ~~ظهر بالري في سنة خمسين ومائتين أيضا أحمد بن عيسى بن علي بن حسين الصغير ~~بن علي بن حسين ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وإدريس بن موسى بن عبد ~~الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن ms5733 بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، فصلى ~~أحمد بن عيسى بأهل الري صلاة العيد ، ودعا إلى الرضا من آل محمد ، فحاربه ~~محمد بن علي طاهر ، فانهزم ابن طاهر وصار إلى قزوين . ثم مسك أحمد في سنة ~~اثنتين وخمسين ومائتين ، وسير إلى نيسابور ، وكان الذي ظفر به عبد الله بن ~~عزيز . وفي سنة إحدى وخمسين ومائتين رجع سليمان بن عبد الله بن طاهر إلى ~~طبرستان بجمع كثير ، ففارقها الحسن بن زيد ولحق بالديلم ، ودخلها سليمان ~~وقصد سارية ، وأتاه أهل آمل وغيرهم ، منيبين مظهرين الندم يسألون الصفح ، ~~فلقيهم بما أرادوا ، ونهى أصحابه عن القتل والنهب ، ثم فارقها سليمان وعاد ~~الحسن بن زيد إليها ، فسار مفلح إليه من قبل موسى بن بغا في سنة خمس وخمسين ~~ومائتين ، وحاربه فانهزم الحسن ولحق بالديلم ، ودخل مفلح آمل وأحرق منازل ~~الحسن ، وسار إلى الديلم في طلبه ، ثم كتب إليه موسى بن بغا بالقدوم عليه ~~إلى الري ، فسار إليه ثم سار إلى سامرا . PageV25P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" ذكر ملك الحسن بن زيد جرجان وفي سنة سبع ~~وخمسين ومائتين قصد الحسن جرجان واستولى عليها ، وكان محمد بن عبد الله بن ~~طاهر أمير خراسان - لما بلغه عزم الحسن على قصد جرجان - جهز العساكر ، ~~وأخرج عليها الأموال الكثيرة ، وسيرها لحفظ جرجان ، فلم يقوموا بحرب الحسن ~~، وظفر بهم وملك البلد وقتل كثيرا من العساكر ، وغنم هو وأصحابه ما معهم ، ~~فضعف حينئذ محمد بن طاهر ، وانتقض عليه كثير من الأعمال التي يجبي خراجها ~~إليه ، ولم يبق في يده إلا بعض خراسان ، وأكثرها بيد المتغلبين كيعقوب بن ~~الليث الصفار وغيره . وفيها فارق عبد العزيز بن أبي دلف الري من غير سبب ~~يعلم وأخلاها ، فأرسل الحسن بن زيد القاسم بن علي بن القاسم العلوي ، فغلب ~~عليها فأساء السيرة في أهلها ، وخلع أبواب المدينة - وكانت من حديد - ~~وسيرها إلى الحسن ، وبقي كذلك نحو سنتين . وفي سنة تسع وخمسين ومائتين غلب ~~الحسن بن زيد على قومس ، ودخلها أصحابه ، وفي سنة ستين ومائتين دخل يعقوب ~~بن الليث ms5734 الصفار طبرستان ، وانهزم الحسن إلى أرض الديلم على ما نذكره في ~~أخبار الدولة الصفارية . ذكر وفاة الحسن بن زيد وشيء من أخباره وسيرته كانت ~~وفاته يوم الاثنين لثلاث خلون من رجب سنة سبعين ومائتين ، فكانت مدة ولايته ~~تسع عشرة وثمانية أشهر وستة أيام - وقيل - واثني عشر يوما ، وكان مهيبا ~~عظيم الخلق . حكى صاحب كنوز المطالب في بني أبي طالب عن الصولى : أن الحسن ~~عطس يوما عطسة ، وكان رجل يؤذن في المنارة ففزع فسقط منها إلى الأرض فمات . ~~قال : وكان أقوى البغال لا تحمله أكثر من فرسخين ، وكان في آخر عمره ~~PageV25P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" يشق بطنه ويخرج منه الشحم ثم يخاط ، وكان ~~جوادا ممدوحا ، امتدحه رجل فأعطاه عشرة آلاف درهم ، وفيه يقول محمد بن ~~إبراهيم الجرجاني وقد افتصد : إنما غيب الطبيب شبا . . . المبضع عندي في ~~مهجة الإسلام سرت الأرض حين صب عليها . . . دم خير الورى وأعلى الأنام وكان ~~متواضعا لله عز وجل . حكى عنه أنه مدحه شاعر فقال الله فرد وابن زيد فرد ، ~~فرد فقال : بفيك الكثكث يا كذاب لم لا قلت : الله فرد وابن زيد عبد ، ثم ~~نزل عن مكانه وخر ساجد الله تعالى ، وألصق خده بالتراب وحرم ذلك الشاعر . ~~وكان عالما بالشعر والعربية . فمدحه شاعر فقال : لا تقل بشرى ولكن بشريان . ~~. . غرة الداعي ويوم المهرجان فقال : كان الواجب أن تفتح الأبيات بغير لا ، ~~لأن الشاعر المجيد يتخير لأول القصيدة ، ما يعجب السامع ويتبرك به ، ولو ~~ابتدأت بالمصراع الثاني لكان أحسن ، فقال الشاعر : ليس في الدنيا كلمة أجل ~~من لا إله إلا الله وأولها لا ، فقال له الحسن : أصبت ، وأجازه . وأهدي ~~إليه أبو العمر الطبري سهمين في بعض الأعياد عليهما مكتوب : أهديت للداعي ~~إلى الحق . . . سهمي فتوح الغرب والشرق زجاهما النصر وريشاهما . . . ريشا ~~جناحي طائر المسبق أيد هذا للفال بالصدق . . . هما بشيرا دعوة الحق فسره ~~الفال ، وأعطاه عشرة آلاف درهم . وحكى عنه أنه غني عنده مغن بأبيات الفضل ~~بن العباس بن عتبة بن أبي لهب ، التي أولها : وأنا الأخضر من ms5735 يعرفني . . . ~~أخضر الجلدة من بيت العرب فلما وصل إلى قوله : برسول الله وابني عمه . . . ~~وبعباس بن عبد المطلب PageV25P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" غير البيت فقال : لا بعباس بن عبد المطلب ، ~~فغضب الحسن وقال : يا ابن اللخناء ، أتهجوبني عمنا بين أيدينا ، وتغير ما ~~مدحوا به ؟ ، إن فعلتها مرة ثانية لأجعلنها آخر غنائك . وكان الحسن شاعرا ~~فمن شعره : لم نمنع الدنيا لفضل بها . . . ولا لأنا لم نكن أهلها لكن لنعطي ~~الفوز في جنة . . . ما إن رأى ذو بصر مثلها هاجرها خير الورى جدنا . . . ~~فكيف نرجو بعده وصلها وله أشعار مستحسنة تركناها اختصارا ، وكان كاتبه سعيد ~~بن محمد الطبري . قال : ولما مات قام بالأمر بعده أخوه محمد بن زيد . ذكر ~~أخبار محمد بن زيد لما مات الحسن كان أخوه هذا بجرجان ، وكان في مرضه قد ~~أمر صهره محمد بن إبراهيم العلوي - أن يكتب إلى أخيه محمد بن زيد ليسارع ~~بالحضور ، فينتصب في المملكة ، فتباطأ ، فلما توفى الحسن انتصب محمد ابن ~~إبراهيم مكانه ، وتلقب بالقائم بالحق ، فبلغ الخبر محمد بن زيد فسار من ~~جرجان ، فلما قرب هرب محمد بن إبراهيم إلى سالوس ، فأنفد في أثره سرية ~~فأدرك وقتل ، ولبس محمد بن زيد القلنسوة وتلقب بالداعي . واستقامت له ~~طبرستان وذلك في بقية رجب سنة سبعين ومائتين ، ووصل إلى الري في جموع كثيرة ~~، فلما كان في سنة اثنتين وسبعين ومائتين في جمادي الأولى ، سار أذكوتكين - ~~صاحب الري - من قزوين إلى الري ، ومعه أربعة آلاف فارس ، وكان مع محمد بن ~~زيد من الديلم والطبرية والخراسانية عالم كثير ، فالتقوا واقتتلوا فانهزم ~~عسكر محمد وتفرقوا ، وقتل منهم ستة آلاف وأسر ألفان ، وغنم أذكوتكين من ~~أموالهم وأثقالهم ودوابهم ما لم يرى مثله . قال : وجلس إذكوتكين بالمصلى ، ~~ليضرب أعناق الأسرى بين يديه ، فمن عجيب ما اتفق أن ديلميا قدم ليضرب عنقه ~~، فوثب على السياف واستلب السيف من يده وعلاه به فقتله ومر هاربا فلم يلحق ~~. واذكوتكين ينظر إليه ويضحك ؛ ودخل PageV25P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" اذكوتكين الري وأقام بها ، وأخذ من أهلها مائة ~~ألف ms5736 دينار ، وفرق عماله على أعمال الري . وفي سنة خمس وسبعين ومائتين ~~استولى رافع بن هرثمة - أمير خراسان - على جرجان ، وأزال عنها محمد بن زيد ~~، فسار محمد إلى استراباد فحصره بها رافع نحو سنتين ، فغلت الأسعار بحيث ~~إنه عدم المأكل ، وبيع وزن درهم ملح بدرهمين فضة ، ففارقها محمد ليلا في ~~نفر يسير ، فبعث رافع إليه عسكرا فتحاربا ، وسار محمد عن سارية وطبرستان في ~~شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين . ثم سار إلى الديلم فدخل رافع خلفه ، فوصل ~~إلى حدود قزوين ، وعاد إلى الري وأقام إلى سنة تسع وسبعين ، حتى توفي ~~المعتمد على الله ، ودام محمد إلى أن قتل ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى ~~. ذكر مقتل محمد بن زيد وشيء من أخباره كان مقتله سنة ثمان وثمانين ومائتين ~~، وكان سبب قتله أنه اتصل به إسماعيل بن أحمد الساماني - صاحب ما وراء ~~النهر - أسر عمرو بن الليث الصفار - أمير خراسان - فخرج من طبرستان ظنا منه ~~أن إسماعيل الساماني لا يتجاوز عمله ولا يقصد خراسان ، وأنه لا دافع له عن ~~ملك خراسان ، فلما انتهى إلى جرجان أرسل إليه إسماعيل - وقد استولى على ~~خرسان - يقول له : ألا يتجاوز عمله ، ولا يقصد خراسان وترك جرجان له ، فأبى ~~محمد ذلك ، فندب إسماعيل محمد بن هارون ؛ فكان محمد هذا يخلف رافع بن هرثمة ~~أيام ولايته خراسان ، فجمع محمد جمعا كثيرا من فارس وراجل ، وسار نحو محمد ~~بن زيد فالتقوا على باب جرجان ، واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم محمد بن هارون ~~أولا ، ثم رجع وقد تفرقت عساكر محمد بن زيد في الطلب ، فلما رأوه قد رجع ~~ولوا هاربين ، وقتل منهم خلق كثير ، وأصاب محمد بن زيد ضربات ، وأسر ابنه ~~زيد وغنم ابن هارون معسكره وما فيه ، ثم مات محمد بن زيد بعد أيام من ~~الجراحات التي أصابته ، فدفن على باب جرجان . PageV25P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" وقيل : كانت الوقعة التي جرح فيها يوم الجمعة ~~لخمس ليال خلون من شوال سنة سبع وثمانين ، ومات بعد ذلك بيوم ، وكانت مدة ~~قيامه - بعد ms5737 وفاة أخيه - نحوا من ثمانية عشر سنة . وكان أديبا شاعرا فاضلا ~~حسن السيرة ، قال أبو عمرو الاستراباذي : كنت أورد على محمد بن زيد أخبار ~~العباسيين ، فقلت له : إنهم قد لقبوا أنفسهم ، فإذا ذكرتهم عندك أسميهم أو ~~ألقبهم ؟ فقال : الأمر موسع عليك ، سمهم ولقبهم بأحسن ألقابهم وأسمائهم ~~وأحبها إليهم . قال : وحمل ابنه زيد إلى إسماعيل بن أحمد الساماني - لما ~~أسر - فأكرمه ، وكتب المكتفى كتابا في حمله إليه فدافع عنه ، وهو القائل : ~~ولقد تقول عصابة ملعونة . . . غوغاء ما خلقت لغير جهنم من لم يسب بني النبي ~~محمد . . . ويرى قتالهم فليس بمسلم عجبا لأمة جدنا يجفوننا . . . وتجيرنا ~~منهم رجال الديلم ولم يزل عند آل سامان مكرما إلى أن مات في سنة أربع عشرة ~~وثلاثمائة . ولما مات محمد بن زيد وأسر ابنه زيد بن محمد ، قام بالأمر ابن ~~ابنه المهدي أبو محمد الحسن بن زيد بن محمد بن زيد ، وخطب له ببلاد الديلم ~~، وكانت له خطوب وحروب لم نر من دون فيها شيئا فنورده ، ولا وقفنا على ~~تاريخ وفاته . قالوا : ثم كانت بين الحسنيين والحسينيين حروب على الإمارة ~~بطبرستان والديلم ، إلى أن استقرت الإمارة في بني الحسين ، وأول من قام ~~منهم : الحسن بن علي الأطروش . ذكر أخبار الناصر للحق هو الحسن بن علي بن ~~الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~ويعرف بالأطروش ، كان استيلاؤه على طبرستان في سنة إحدى وثلاثمائة ، وذلك ~~أنه لما قتل محمد ابن زيد استعمل إسماعيل بن أحمد الساماني محمد بن هارون ~~على طبرستان ، وأمره بقتل من وجد من العلوية فهربوا في البلاد ، وكان الحسن ~~بي علي هذا شيخا من شيوخ الزيدية ، شديد الصحبة لمحمد ابن زيد ، وكان قد ~~دخل خراسان سرا ليدعوا الناس إليه ، فجرت عليه مكاره وحبس ، ثم هرب من ~~السجن وعاد إلى محمد بن زيد ، وشهد معه الحرب الذي قتل فيها ؛ وكان سبب ~~صممه أنه ضرب في حرب مع محمد بن زيد بسيف على رأسه فطرش . PageV25P0053 # """""" صفحة ms5738 رقم 54 """""" فلما وقع عليه الطلب وعلى أمثاله هرب ، ودخل ~~إلى بلاد الديلم ، وأقام عند ملكهم جستان بن وهسوزان بن المرزبان فأكرمه ، ~~وأنزله فأخذ في دعاء الديلم إلى الإسلام ، فأسلم جمهورهم ، وجعل يتنقل على ~~قراهم ويدعو ، ثم دخل إلى بلاد الجيل ، ودعاهم فأسلم أكثرهم ، ووقعت دعوته ~~على حد النهر باسباذروذ ، فاجتمع أهل دعوته عليه ، وعاد من بلاد الجيل فيمن ~~جمع ، فلما دخل بلاد الديلم وجد جستان على خلاف ما فارقه عليه ، لأنه فارقه ~~على أنه معلم ، يدعو الناس لا طالب مملكة ، فمنعه جستان من الأعشار ~~والصدقات ، فوقع بينهما حرب كانت الهزيمة فيها على جستان ، ثم ألجاه الأمر ~~إلى مسالمة الناصر والدخول في طاعته . وأقام الناصر في هرسم قاعدة مملكة ~~الديلم ، واتفق أن محمد ابن هارون السرخسي - نائب إسماعيل بن أحمد علي ~~طبرستان - تخوف منه ، فهرب واستأمن إلى الحسن ، وتسلم طبرستان وجرجان محمد ~~ابن علي المعروف بصعلوك الساماني وكان في عسكر كثيف ، واتصل السرخسي ~~بالناصر في عسكر قوي فاستظهر به ، واجتمعا على لقاء صعلوك ، فاحتال عليهما ~~صعلوك ، حتى افترقا بحيلة غريبة ، فلما افترقا مضى السرخسي إلى نواحي الري ~~، ورجع الناصر إلى بلاد الديلم ، ولم يتم له أمر ، ثم أنفذ كرة ثانية جيشا ~~مع كالي والحسن بن الفيرزان ، فهزمهما صعلوك وقتلا في الوقعة ، ثم خرج ~~الناصر بنفسه إلى سالوس ، وسار إليه صعلوك ومعه أصفهبد شهريار من ~~الخراسانية ، فالتقوا وكان مع الناصر كما ذكر المكثر عشرة آلاف رجل من ~~الديلم والجيل ، وأكثرهم رجالة ليس معهم من الخيل والأسلحة إلا القليل ، ~~وعدة الخراسانية نيف وثلاثون ألف رجل على غاية القوة والمتعة ، فهزمهم ~~الناصر وقتل منهم مقتلة عظيمة ، وألجأهم إلى بحر طبرستان ، فكان من غرق ~~أمثال من قتل ، قال الصابي في الكتاب التاجي : يقال إن المفقودين كانوا ~~نيفا على عشرين ألفا ، وقال حمزة بن PageV25P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" الحسن الأصفهاني : كانوا سبعة آلاف رجل ، ~~وكانت الوقعة في سنة ثلاثمائة ، ودخل الناصر مدينة آمل في جمادي الآخرة سنة ~~إحدى وثلاثمائة . ولما دخل طبرستان وملكها فوض أمر الجيش ms5739 إلى الحسن بن ~~القاسم العلوي ، فاستبد بالأمر واصطنع الرجال ووسع عليهم في العطاء ، وقبض ~~على الناصر وحبسه ، فاستكبر الديلم هذا الفعل ، وحضروا إلى القاسم العلوي ~~وطالبوه بإخراجه إليهم ، ووثب إليه ليلى بن النعمان وأخوه - وهما من أكبر ~~القواد - وقالا له : إن أفرجت عنه الساعة وإلا قتلناك ، فأخرجه لهم وهرب ~~إلى بلاد الجيل ، فأطاعوه فتلقب بالداعي ، فتكلم الناس عند الناصر في أن ~~يرده ويوليه جيشه وعهده ، وكان الناصر قد ولى ليلى بن النعمان الجيش ، ~~فأجاب وعاد الحسن بن القاسم فوفى له الناصر بذلك ، وزوجه بإبنة ولده على بن ~~الناصر ، واستمرت الحال على ذلك إلى أن توفي الناصر ، وكانت وفاته في شعبان ~~سنة أربع وثلاثمائة ، وله من العمر تسع وسبعون سنة ، وكانت مدة مملكته ~~المستقيمة الدائمة إلى حين وفاته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأياما . وكان ~~الحسن الناصر شاعرا ظريفا كثير المجون حسن النادرة ، وهو الذي حرر مذهب ~~الزيدية وألف فيه ، وكان يقول : بزر القز ليس بمال ، والديلم ليسوا بعسكر ، ~~أما البزر فلأنه إذا أقبل الربيع صار بعوضا ، وأما الديلم فلسرعة تنقلهم من ~~عسكر إلى عسكر . وكان يقول لأصحابه : من قتل منكم مقبلا فهو مؤمن ، ومن قتل ~~منكم مدبرا فهو كافر ، فإذا أتى بجريح جرح مقبلا نثر عليه الكافور المسحوق ~~، فيجد راحة ويسكن ألمه ، وإذا أتى بجريح جرح مدبرا نثر عليه ملحا فيشتد ~~أمره ، فيقول : قد بان لكم أن المؤمن ينتفع بالدواء لإيمانه ، والكافر لا ~~ينتفع به لكفره . وكان له من الأولاد أبو الحسن علي ، وأبو القاسم جعفر ، ~~وأبو الحسين أحمد . ولما مات الحسن الناصر قام بالأمر بعده . الحسن بن ~~القاسم الداعي العلوي وهو ولي العهد ، ولبس القلنسوة ، وكان أول ما بدأ به ~~أن بعث أبا القاسم جعفر وأبا الحسين أحمد - ولدي الناصر - إلى جرجان لا ~~نتزاعها من أيدي الخراسانية ، فلقيهما دونهما دونها إلياس بن محمد ابن ~~اليسع الصفدي - والي جيش خراسان - بموضع يقال له سيماله فلما اصطف الجيشان ~~برزبين الصفين ودعا إلى المبارزة ، فبرز إليه من جيش ولدي الناصر بويه بن ~~فناخسرة ms5740 - جد عضد الدولة - فقتله وانفض جيش PageV25P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" الخراسانية ، فبعث إليهما بعد ذلك الأمير نصر ~~بن أحمد الساماني جيشا عليه سيمجور الدواتي ، فلقياه بحلايين من سواد جرجان ~~فهزماه فوقف غير بعيد وتجمعت الخراسانية كعادتهم في ذلك ، فكر راجعا إليهم ~~فهزمهم أقبح هزيمة ، وقتل الديلم أفظع قتل ، وانهزموا وسلكوا مضايق ليأمنوا ~~جولان الخيل ، فوصلوا جرجان فتجمع الديلم بها ، وأخلوها قاصدين طبرستان وقد ~~اتفق رأيهم على خلع الداعي ، فخلعوه في الطريق وبايعوا أبا القاسم جعفر بن ~~الناصر ، وألبسوه القلنسوة ، وقيل إن المبايع أبو الحسين أحمد ، وبالجملة ~~فالأمير على الجيش أبو الحسين ؛ ولما وصلا في جيوشهما إلى آمل لقيهما ~~الداعي دونها ، وخرج هاربا إلى بلاد الجيل ، وملكا طبرستان مديدة ، ثم كر ~~راجعا - وقد احتشد - فلقياه فهزمهما ، فمضيا إلى بلاد الجيل واحتشدا ، ~~وعادا فحاربهما الداعي حربا شديدا ثم انهزم واستوليا على عسكره ، وهرب ~~وحيدا متنكرا يريد بلاد الجيل ، واخترق بلاده الديلم فأسره بعضهم ثم من ~~عليه وأطلقه ، فانتهى إلى بلاد الجيل وأقام عندهم . واتفقت وفاة أبي الحسين ~~فجأة ، وتلاه أخوه أبو القاسم بعده ، فبقى أمر الديلم بطبرستان بغير مدبر ، ~~فعقدوا الإمرة عليهم لليلى ابن النعمان ، فقام بأمرهم وهو يدعو للداعي إلى ~~أن قتل بنيسابور ، قتله حمويه بن علي صاحب جيش نصر بن أحمد الساماني ، ~~فعقدوا بعده لعلي بن خورشيد فعاجلته المنية ، فعزموا على الحسن بن كالي ، ~~فأشار عليهم بأخيه ما كان بن كالي ، وهو أشجع أهل الديلم بالإنفاق ، فلما ~~ولى عليهم اجتمع هو وأخوه على نصب أبي علي محمد بن أبي الحسين ابن الناصر ، ~~فنصبوه فجرى على يده قتل الحسن بن كالي بسارية ، وكان ما كان بآمل ، ثم سقط ~~بعد ذلك أبو علي في الميدان فهلك ، ولما اتصل بما كان ما جرى على أخيه كاتب ~~الداعي يستدعيه ، فوافى في عسكر قوى واجتمع معه وملك طبرستان ، ثم سار ومعه ~~ما كان إلى جرجان فملكها ، وأقام الداعي بجرجان ، وكانت في نفسه حفائظ على ~~الديلم لنصرتهم عليه أولاد الناصر ، فعمل دعوة لهم جعل يستدعيهم واحدا ~~واحدا ms5741 فيقتله ، ففطنوا لذلك وهربوا إلى خراسان ، ودخلوا في طاعة نصر بن ~~أحمد الساماني ، وسودوا أعلامهم وقدموا على أنفسهم أسفار بن شيروية الجيلي ~~، وبعث معهم نصر بن أحمد PageV25P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" جيشا كثيفا ، وساروا فدخلوا جرجان ، وسار ~~الداعي منها إلى طبرستان ثم إلى الري ، واجتمع فيها بما كان وأمره أن يمضي ~~إلى طبرستان لدفع أسفار عنها ، فعلم أنه لا طاقة له بذلك ، فقال له : الرأي ~~أن تمضي أنت فإنك الإمام ، ولو قد رأتك الديلم لا نفضوا إليك ، فاضطر ~~الداعي إلى ذلك ، وسار ووقعت الحرب بينه وبين الخراسانية ، فانهزم جيشه ~~وكان مرداويج بن زيار الجيلي يراصده ، فأمكنته فرصة منه فرماه فاشواه ، ~~وولى منهزما ودخل آمل واستتر بها ، فتتبع الديلم أثر دمه ، وأظهره لهم أهل ~~البلد ، فبادروا إلى الدار التي دلوهم عليها وهجموها ، فلما رآهم بادر إلى ~~الصلاة فقتلوه ، وكان مقتله يوم الثلاثاء لست بقين من شهر رمضان سنة ست ~~عشرة وثلاثمائة في أيام المقتدر بالله ، فكانت مدة مملكته ثنتى عشرة سنة ~~وشهرا وأياما ، على ما فيها من الاختلاف عليه وقيام من ذكرنا . ملك أسفار ~~جرجان ولما قتل الداعي ملك أسفار جرجان ، وأبو موسى هارون بن بهرام طبرستان ~~، والدعوة فيها لنصر بن أحمد الساماني ، فأجمع رأيهما على نصب أبي جعفر ~~محمد بن أحمد الناصر آمل ، فنصباه وألبساه القلنسوة ، والدعوة لنصر لم تقطع ~~، وبلغ نصرا الخبر فأنكر على أسفار غاية الإنكار ، وأمره بالقبض عليه ~~والبعث به إليه ، ففعل أسفار ذلك وبلغ ما كان الخبر وهو بالري ، فسار إلى ~~طبرستان فهرب هارون منها إلى الديلم ، وأظهر ما كان ما هو عليه من التشيع ، ~~ونصب إسماعيل بن جعفر بن الناصر ، فتوفي بعد مدة ووقعت فترة لم يل فيها أحد ~~من العلويين ، ثم تخلص بعد ذلك أبو الفضل جعفر بن محمد ابن الحسين بن علي ~~بن الحسن بن علي بن عمر بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب من حبس نصر ~~بن أحمد ، وهو ممن قبض عليه أسفار بن شيروية مع أبي جعفر بن الناصر ms5742 ، وسار ~~إلى بلد الجيل وابتدأ في الدعاء لنفسه بها في سنة عشرين وثلاثمائة ونعت ~~نفسه بالثائر بالله ، وكان ذا حزم وتدبير ، وساعدته الأقدار فخرج من بلد ~~الجيل ، قاصدا طبرستان في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وبها الأستاذ أبو ~~الفضل بن العميد ، وزير ركن الدولة بن بوية ، وأبو PageV25P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" الحسن على بن كامة ، من قبل ركن الدولة ، ~~فاستظهر عليهما وملك البلاد ، وانصرفا إلى الري فأعاد ركن الدولة بن بوية ~~أبا الحسن على بن كامة في جيش ، وكتب إلى الحسن بن الفيروزان - صاحب جرجان ~~- يأمره بمعاونته ففعل ، وسار إلى طبرستان في بقية سنة سبع وثلاثين ، فرحل ~~الثائر عنها وقصد الجيل ، ثم خرج كرة ثانية ، واتفق مع وشمكير ولم يتم لهما ~~أمر ، ثم خرج ثالثة إلى طبرستان لاجئا إلى ركن الدولة بن بوية فنصره ، ~~وأقام مدة بها ، ثم عاد إلى بلاد الجيل وملك هرسم ، ولم يخرج منها إلا في ~~سنة خمسين وثلاثمائة ، فإنه صار إلى نواحي أذربيجان زائرا للمرزبان بن ~~مسافر ، وعاد فأقام بهرسم من بلاد الجيل إلى أن توفي بها ، وكانت وفاته في ~~سنة خمسين وثلاثمائة . وملك بعده جماعة من العلويين بلاد الجيل ، ولم يكن ~~لأحد منهم دولة قائمة في بلد مشهور ، فيعتني بأمرهم وتدون أخبارهم ، وإنما ~~كانوا بتلك الناحية شبه الأعيان والأكابر ، لا كالملوك والخلفاء ، ثم ظهر ~~بعد ذلك أبو عبد الله محمد الحسنى . ذكر ظهور أبي عبد الله محمد بن الحسين ~~الحسنى المعروف بابن الداعي قال ابن الأثير : كان ظهوره في سنة ثلاث وخمسين ~~وثلاثمائة ، وذلك أنه هرب من بغداد وسار نحو الديلم ، فاجتمع عليه عشرة ~~آلاف رجل ، فهرب ابن الناصر العلوي من بين يديه ، وتلقب ابن الداعي بالمهدي ~~لدين الله ، وعظم شأنه وهزم قائدا من قواد وشمكير . ثم أظهر النسك والعبادة ~~ولبس الصوف ، وحارب ابن وشمكير فهزمه في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة ، وعزم ~~على المسير إلى طبرستان وكتب إلى العراق كتابا يدعوهم إلى الجهاد ، هذا ما ~~أورده ابن الأثير في خبره ، ولم يذكر خبر وفاته ، إلا أنه لم ms5743 يتم له أمر ، ~~ولا ظهر لغيره من أهل هذا البيت بعد ذلك بهذه الناحية ذكر ، ولا كانت لهم ~~مملكة في جهة من الجهات ، إلا ما نورده من أخبار العبيديين ، الذين ملكوا ~~المغرب والديار المصرية وغيرها ، وانتسبوا إلى علي بن أبي طالب ونفاهم أكثر ~~الناس - بل عامتهم - عن هذا النسب الشريف ، على ما نذكر ذلك إن شاء الله ~~تعالى من أخبارهم . PageV25P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" الباب الثامن من القسم الخامس من الفن الخامس ~~في أخبار الزنج والقرامطة والخوارج ببلاد الموصل وإنما أفردنا هؤلاء بباب ، ~~لأنهم ممن شاع ذكرهم وعظم محلهم وطار اسمهم ، واستولوا على كثير من البلاد ~~وهزموا الجيوش ، وأهم الخلافة أمرهم ، وطالت مدتهم ولم يكونوا في أيام ~~خليفة واحد ، فلونذكرهم في حوادث دولته ، وإنما هم في أيام جماعة من ~~الخلفاء ، فلو ذكرناهم في حوادث أيامهم لانقطعت أخبارهم ، وعثر على المطالع ~~معرفتها ، فلذلك أفردناهم لتكون أخبارهم سياقة ، لا تنقطع بغيرها من ~~الأخبار . ذكر أخبار صاحب الزنج وابتداء أمره وسبب خروجه كان خروجه في شوال ~~سنة خمس وخمسين ومائتين - في خلافة المهتدي بالله - بفرات البصرة ، وزعم ~~أنه علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه ، وجمع الزنج اللذين كانوا يكسحون السباخ ، وعبر ~~دجلة فنزل الديناري . قال أبو جعفر الطبري : وكان اسمه علي بن محمد بن عبد ~~الرحيم ، ونسبه في عبد القيس ، وأمه ابنة علي بن رحيب بن محمد بن حكيم من ~~أهل الكوفة ، وهو أحد الخارجين على هشام بن عبد الملك ، مع زيد بن علي بن ~~الحسين ، فلما قتل زيد هرب والتحق بالري ، فجاء إلى قرية ورزنين فأقام بها ~~، وجده عبد الرحيم رجل من عبد القيس ، كان مولده بالطالقان وقدم العراق ، ~~واشترى جارية فأوكدها محمدا أباه . قال : وكان صاحب الزنج هذا في ابتداء ~~أمره متصلا بجماعة من حاشية المنتصر ، منهم غانم الشطرنجي وسعيد الصغير ، ~~وكان معاشه منهم ومن أصحاب السلطان ، وكان يمدحهم ويستميحهم بشعره ثم إنه ~~شخص من ms5744 سامرا سنة تسع PageV25P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" وأربعين ومائتين إلى البحرين فادعى بها أنه ~~علي بن عبد الله بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله ابن عباس بن علي ~~بن أبي طالب ، ودعا الناس بهجر إلى طاعته ، فاتبعه جماعة كثيرة من أهلها ~~ومن غيرها ، فجرى بين الطائفتين عصبية قتل فيها جماعة . قال : وكان أهل ~~البحرين قد أخلوه محل نبي ، وجبا الخراج ونفذ فيهم حكمه ، وقاتلوا أصحاب ~~السلطان بسببه ، ثم تنكر له منهم جماعة ، فانتقل عنهم إلى الأحشاء ، ونزل ~~على قوم يقال لهم بنو الشماس من بني سعد بن تميم فأقام فيهم ، وفي صحبته ~~جماعة من البحرين ، منهم يحيى بن محمد الأزرق البحراني ، وسليمان بن جامع - ~~وهو قائد جيشه وكان ينتقل في البادية فذكر عنه أنه قال : أوتيت في تلك ~~الأيام آيات من آيات إمامتي ، ظاهرة للناس ، منها إني لقنت سورا من القرآن ~~فجرى بها لساني ، في ساعة واحدة وحفظتها في دفعة واحدة ، منها سبحان والكهف ~~وص ، ومنها أني فكرت في الموضع الذي أقصده حيث نبت بي البلاد فأظلتني غمامة ~~، وخوطبت منها فقيل لي : اقصد البصرة ، وقيل عنه إنه قال لأهل البادية إنه ~~يحيى بن عمر أبو الحسين ، المقتول بالكوفة ، فخدع أهلها فأتاه منهم جماعة ~~كثيرة ، فزحف بهم إلى الردم من البحرين ، فكانت بينهم وقعة عظيمة ، وكانت ~~الهزيمة عليه وعلى أصحابه ، قتلوا قتلا ذريعا فتفرقت الأعراب عنه ، فسار ~~ونزل البصرة من بني ضبيعة ، فاتبعه منهم جماعة منهم على بن أبان المهلبى ، ~~وكان قدومه البصرة في سنة أربع وخمسين ومائتين ، وعاملها يوم ذاك محمد ابن ~~رجاء الحضاري . فوافق قدومه فتنة أهل البصرة ، بالبلالية والسعدية ، فطمع ~~في إحدى الطائفتين أن تميل إليه ، فأرسل إليهم يدعوهم فلم يجبه من أهل ~~البلد أحد ، وطلبه ابن رجاء فهرب ، فأخذ جماعة ممن كانوا يميلون إليه ~~وحبسهم ، وكان ممن حبس ابنه وابنته وزوجته وجارية له حاملا منه ، وسار يريد ~~بغداد ومعه من أصحابه محمد بن سلم ، PageV25P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" ويحيى بن محمد ، وسليمان بن جامع ، وبريش ~~القريعي ms5745 ، فلما صار بالبطيحة نذريه وبأصحابه ، فدخل بغداد فأقام بها حولا ، ~~فانتسب إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد ، فزعم بها أنه ظهر له آيات عرف ~~بها ما في ضمائر أصحابه ، وما يفعله كل واحد منهم ، فاستمال جماعة من أهل ~~بغداد منهم جعفر بن محمد الصوحاني ، ومحمد بن القاسم ، ومشرق ورفيق غلاما ~~يحيى بن عبد الرحمن ، فسمى مشرفا حمزة وكناة أبا أحمد ، وسمي رفيقا جعفرا ~~وكناه أبا الفضل ، واتفق عزل محمد بن رجاء عن البصرة ، فوثب رؤساء البلالية ~~والسعدية فأخرجوا من كان في الحبس ، فخلص أهله فيهم ، فلما بلغه خلاص أهله ~~رجع إلى البصرة ، وكان رجوعه في شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين ، ومعه ~~علي بن أبان ويحيى بن محمد وسليمان ومشرق ورفيق ، فوافوا البصرة فنزل بقصر ~~القرشي على نهر يعرف بعمود بن المنجم ، وأظهر أنه وكيل لولد الواثق في بيع ~~السباخ . قال : وذكر ريحان ، أحد غلمان الشورجيين وهو أول من صحبه منهم ، ~~قال : كنت موكلا بغلمان مولاي أنقل لهم الدقيق فأخذني أصحابه فصاروا بي ~~إليه ، وأمروني أن أسلم عليه بالإمرة ففعلت ، فسألني عن الموضع الذي جئت ~~منه فأخبرته ، سألني عن أخبار البصرة فقلت لا علم لي ، وسألني عن غلمان ~~الشورجين وعن وأحوالهم وما يجري لهم فأعلمته ، فدعاني إلى ما هو عليه ~~فأجبته ، فقال : إحتل فيمن قدرت عليه من الغلمان فأقبل بهم ، ووعدني أن ~~يقودني على من آتيه به ، واستحلفني ألا أعلم أحدا بموضعه وأن أرجع إليه ، ~~وأخلى سبيلي وعدت إليه من الغد ، وقد أتاه جماعة من غلمان الدباسين ، فكتب ~~في حريرة " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة . . . ~~. الآية " ورفعها علما ، وما زال يدعوا غلمان أهل البصرة وهم يقبلون إليه ، ~~للخلاص من الرق والتعب ، حتى اجتمع عنده خلق كثير ، فخطبهم ووعدهم أن ~~يقودهم ويملكهم ، وحلف لهم الأيمان ألا يغدر بهم ولا يخذلهم ، ولا يدع شيئا ~~من الإحسان إلا أتى به إليهم ، فأتاه مواليهم وبذلوا له عن كل عبد خمسة ~~دنانير ، ليسلم إليه عبده ، فبطح أصحابهم وأمر ms5746 كل عبد أن يضرب مولاه أو ~~وكيل مولاه خمسمائة شطب ، ثم أطلقهم فمضوا نحو البصرة . ثم ركب في سفن هناك ~~فعبر دجلا إلى نهر ميمون ، فأقام هناك والسودان PageV25P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" تجتمع إليه إلى يوم الفطر ، فخطبهم وصلى بهم ~~وذكرهم ما كانوا فيه من الشقاء وسوء الحال ، وأن الله تعالى أنقذهم من ذلك ~~، وأنه يريد أن يرفع أقدارهم ويملكهم العبيد والأموال ، فلما كان بعد يومين ~~رأى أصحاب الحميري ، فقاتلوه حتى أخرجوه من دجلة ، فاستأمن إلى صاحب الزنج ~~رجل يكنى بأبي صالح ويعرف بالقصير ، في ثلاثمائة من الزنج ، فلما كثروا جعل ~~القواد منهم ، وقال لهم : من أتى منكم برجل فهو مضموم إليه ، وكان ابن أبي ~~عوم قد نقل من واسط إلى ولاية الأبلة وكور دجلة ، وسار قائد الزنج إلى ~~المحمدية ، فلما نزلها وافاه أصحاب ابن أبي عون ، فصاح الزنج : السلاح ~~وقاموا وكان منهم فتح الحجام ، فقام وأخذ طبقا كان بين يديه ، فلقيه رجل من ~~الشورجيين يقال له بلبل ، فلما رآه فتح حمل عليه وحذفه بالطبق الذي بيده ، ~~فرمى سلاحه وولى هاربا ، وانهزم أصحابه وكانوا أربعة آلاف ، وقتل منهم ~~جماعة ومات بعضهم عطشا ، وأسر منهم فضرب أعناقهم ، ثم سار إلى القادسية ~~فنهبها أصحابه بأمره ، وما زال يتردد إلى أنهار البصرة ، فوجد السودان دارا ~~لبعض بني هاشم فيها سلاح فانتهبوه ، فصار معهم ما يقاتلون به . فأتاه وهو ~~بالسيب جماعة من أهل البصرة يقاتلونه ، فوجه يحيى بن محمد في خمسمائة رجل ~~فلقوا البصريين ، فانهزم البصريون منهم وأخذوا سلاحهم ، ثم قاتل طائفة أخرى ~~عند قرية تعرف بقرية اليهود ، فهزمهم أيضا ، وأثبت أصحابه في الصحراء ، ثم ~~أسري إلى الجعفرية فوضع في أهلها السيف ، فقتل أكثرهم وأتى منهم أسرى ~~فأطلقهم ، وألقى جيشا كبيرا للبصريين مع رميس وعقيل ، فهزمهم وقتل منهم ~~خلقا كثيرا ، وكان معهم سفن فهبت ريح فألقتها إلى الشط ، فنزل الزنج وقتلوا ~~من وجدوا فيها وغنموا ما فيها ، وكان معه رميس سفن فركبها ونجا ، فأنفذ ~~صاحب الزنج فأخذها ونهب ما فيها ، ثم نهب القرية المعروفة بالمهلبية ms5747 ~~وأحرقها ، وعاث في الأرض وأفسد ، ثم لقيه قائد من قواد الأتراك ، يقال له ~~أبو هلال في أربعة آلاف مقاتل ، فاقتتلوا على نهر الريان ، فحمل السودان ~~عليهم حملة صادقة ، فقتلوا صاحب علمه فانهزم أبو PageV25P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" هلال وأصحابه ، وتبعهم السودان فقتلوا من ~~أصحاب أبي هلال أكثر من ألف وخمسمائة رجل ، وأخذوا منهم أسرى فأمر صاحب ~~الزنج بقتلهم ، ثم أتاه من أخبره أن الزينبي قد أعد له الجند والمتطوعة ~~والبلالية السعدية ، وهم خلق كثير ، وأنهم قد أعدوا الحبال لتكتيف من ~~يأخذونه من السودان ، وأن المقدم عليهم أبو منصور أحد موالي الهاشميين ، ~~فأرسل على بن أبان في مائة أسود ليأتيه بخبرهم ، فلقي طائفة منهم فهزمهم ، ~~وصار من معهم من العبيد إلى علي بن أبان ، وأرسل طائفة أخرى من أصحابه ، ~~إلى موضع فيه ألف وتسعمائة سفينة ومعها من يحفظها ، فلما رأوا الزنج هربوا ~~عنها ، فأخذ الزنج السفن وأتوا صاحبهم بها ، فلما أتوه جلس على نشز من ~~الأرض ، وكان في السفن قوم حجاج وأرادوا أن يسلكوا طريق البصرة ، فناظرهم ~~فصدقوه في قوله ، وقالوا له : لو كان معنا فضل نفقة لأقمنا معك فأطلقهم ، ~~وأرسل طليعة تأتيه بخبر ذلك العسكر فأتاه بخبرهم : أنهم قد أتوا بخلق كثير ~~، فأمر محمد بن سلم على ابن أبا أن يعقدوا لهم بالنخيل ، وقعد هو على جبل ~~مشرف ، فلم يلبث أن طلعت الأعلام و الرجال ، فأمر الزنج فكبروا وحملوا ~~عليهم ، فحملت الخيول فتراجع الزنج حتى أتوا لجبل ، ثم حملوا فثبتوا لهم ، ~~وقتل من الزنج فتح الحجام ، وصدق الزنج الحملة فأخذوهم بين أيديهم ، وجرح ~~محمد بن سلم ، وحملوا عليه فقتلوا منهم ، وانهزم الناس وذهبوا كل مذهب ، ~~وتبعهم السودان إلى نهر بيان فوقعوا في الوحل ، فقتلهم السودان وغرق كثير ~~منهم ، وأتى الخبر إلى الزنوج بأن لهم كمينا ، فساروا إليه فإذا الكمين في ~~ألف من المغاربة ، فقاتلوهم قتالا شديدا ، ثم حمل السودان عليهم فقتلوهم ~~أجمعين وأخذوا سلاحهم ، ثم وجه أصحابه فرأوا مائتي سفينة ، فيها دقيق ~~فأخذوه ومتاع فنهبوه ، ونهب المعلى بن أيوب ، ثم سار ms5748 فرأى مسلحة الزينبي ~~فقاتلوه ، فقاتلهم فقتلهم أجمعين ، وكانوا مائتين ، ثم سار فنهب قرية ~~منذران ، ورأى فيها جمعا من الزنج ففرقهم على قواده ، ثم سار فلقيه ستمائة ~~فارس مع سليمان ؛ ابن أخي الزيني ، ولم يقاتله فأرسل من ينهب ، فأتوه بغنم ~~وبقر فذبحوا وأكلوا ، وفرق أصحابه في إنتهاب ما هناك . ثم سار صاحب الزنج ~~يريد البصرة ، حتى إذا قابل النهر المعروف بالرياحي ، أتاه قوم من السودان ~~، فأعلموه أنهم رأوا في الرياحي بارقة ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى تنادى ~~السودان : السلاح السلاح فأمر علي بن أبان بالعبور إليهم ، فعبر في ~~ثلاثمائة PageV25P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" رجل ، وقال له : إن احتجت إلى مدد فاستمدني ، ~~فلما مضى على بن أبان صاح الزنج ، السلاح السلاح لحركة رأوها في جهة أخرى ، ~~فوجه محمد بن سلم بجمع فحاربهم من وقت الظهيرة إلى وقت العصر ، ثم حمل ~~الزنوج حملة صادقة فهزموهم ، وقتلوا من أهل البصرة والأعراب زهاء خمسمائة ، ~~ورجعوا إلى صاحبهم ، ثم أقبل علي بن أبان في أصحابه - وقد هزموا من بإزائهم ~~وقتلوا منهم ، ومعه رأس ابن أبي الليث البلالي القواريري من أعيان البلالية ~~، ثم سار من الغد عن ذلك المكان ، ونهى أصحابه عن دخول البصرة ، فتسرع ~~بعضهم فلقيهم أهل البصرة في جمع عظيم ، وانتهى الخبر إليه فوجه محمد بن سلم ~~وعلي بن أيان ومشرقا وخلقا كثيرا ، وجاء هو يسايرهم فلقوا البصريين ، فأرسل ~~إلى أصحابه ليتأخروا ، عن المكان الذي فيه ، فتراجعوا فأكب عليهم أهل ~~البصرة فانهزموا ، وذلك عند العصر ، ووقع الزنوج في نهر كبير ، وقتل منهم ~~جماعة وغرق جماعة وتفرق الباقون ، وتخلف صاحبهم عنهم وبقي في نفر يسير فنجا ~~، ثم لحقهم وهو متحيرون لفقده ، وسأل عن أصحابه فإذا ليس معه منهم إلا ~~خمسمائة رجل ، فأمر بالنفخ في البوق الذي يجتمعون إليه ، فنفخ فيه فلم يأته ~~أحد ، وكان أهل البصرة قد انتهبوا السفن التي كانت للزنوج وبها متاعهم ، ~~فلما أصبح رأى أصحابه في ألف رجل ، فأرسل محمد بن سلم إلى البصرة يعظهم ~~ويعلمهم : ما الذي دعاه إلى الخروج ؟ فقتلوه ، فلما كان ms5749 يوم الاثنين لأربع ~~عشرة خلت من ذي القعدة سنة خمس وخمسين ومائتين جمع أهل البصرة وحشدوا ، لما ~~رأوا من ظهورهم عليه ، وانتدب لذلك رجل يعرف بحماد الساجي وكان من غزاة ~~البحر ، وله علم في ركوب السفن ، فجمع المطوعة ورماة الأهداف وأهل المسجد ~~الجامع ومن خف معه من البلالية والسعدية وغيرهم ، وشحن ثلاثة مراكب مقاتلة ~~، ومضى جمهور الناس رجالة ، منهم من معه سلاح ومنهم نظارة ، فدخلت المراكب ~~في المد والرجالة على شاطىء النهر ، فلما علم صاحب الزنج بذلك وجه طائفة من ~~أصحابه مع زريق الأصفهاني كمينا في شرفي النهر ، وطائفة مع شبل وحسين ~~الحمامي في غربية كمينا ، وأمر علي بن أبان أن يلقي أهل البصرة وأن يتستر ~~هو ومن معه - بتراسهم ، ولا يقاتل حتى يظهر أصحابه ، وتقدم إلى الكمينين - ~~إذا جازوهم أهل البصرة - أن يخرجوا ويصيحوا بالناس ، وبقى هو في نفر يسير ~~من أصحابه ، وقد هاله ما رأى من كثرة الجمع ، فثار أصحابه إليهم وظهر ~~الكمينان من جانبي النهر وراء السفن والرحالة ، فضربوا من ولى من الرجالة ~~والنظارة ، فغرقت طائفة وقتلت طائفة وهرب الباقون إلى الشط ، فأدركهم السيف ~~فمن ثبت قتل ، ومن ألقى نفسه في الماء غرق ، فهلك أكثر ذلك الجمع فلم ينج ~~إلا الشريد ، وكثر المفقودون من أهل البصرة ، وعلا العويل من PageV25P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" نسائهم ، وهذا اليوم يسمى يوم الشذا - وهو يوم ~~أعظمه الناس ، وكان فيمن قتل جماعة من بني هاشم وغيرهم في خلق كثير لا يحصى ~~، وجمعت الرؤوس لصاحب الزنج ، فأتاه جماعة من أولياء المقتولين فأعطاهم ما ~~عرفوا ، وجمع الرؤوس التي تطلب في جريبيه وأطلقها ، فوافت البصرة فجاء ~~الناس وأخذوا كل ما عرفوه منها ، وقوى صاحب الزنج بعد هذا اليوم ، وتمكن ~~الرعب في قلوب أهل البصرة وأمسكوا عن حربه ، وكتب الناس إلى الخليفة بخبر ~~ما كان ، فوجه إليهم جعلان التركي مددا ، وأمر بالأحوص الباهلي بالمصير إلى ~~الأبله والبا ، وأمده بقائد من الأتراك يقال له جريح ، وانصرف صاحب الزنج ~~بأصحابه في آخر النهار إلى سبخة - وهي سبخة أبي قرة ms5750 - وبث أصحابه يمينا ~~وشمالا للغارة والنهب . ووصل جعلان إلى البصرة في سنة ست وخمسين ومائتين ، ~~ونزل بمكان بينه وبين صاحب الزنج فرسخ ، وخندق عليه وعلى أصحابه وأقام ستة ~~أشهر في خندقه ، وجعل يوجه الزيني وبني هاشم ومن خف لحرب الزنج ، ثم سار ~~جعلان للقائه فلم يكن بينهم إلا الرمي بالحجارة والسهام ، ولا يجد جعلان ~~إلى لقائه سبيلا لضيق المكان عن مجال الخيل ، وكان أكثر أصحاب جعلان خيالة ~~، فلما طال مقامه في خندقه أرسل صاحب الزنج أصحابه إلى مسالك الخندق ، ~~فبينوا حعلان وقتلوا من أصحابه جماعة ، وخاف الباقون خوفا شديدا ، وكان ~~الزيني قد جمع البلالية والسعدية ووجه بهم من مكانين ، وقتلوا صاحب الزنج ~~فظفر بهم وقتل منهم مقتله عظيمة ، فترك جعلان خندقه وسار إلى البصرة ، وظهر ~~عجزه للسلطان فصرفه عن حرب الزنج ، وأمر سعيد الحاجب بمحاربتهم ، وتحول ~~صاحب الزنج بعد ذلك من السبخة - التي كان فيها - ونزل بنهر أبي الخصيب ، ~~وأخذ أربعة وعشرين مركبا من مراكب البحر ، وأخذ منها أموالا عظيمة لا تحصى ~~، وقتل من فيها وأنهبها أصحابه ثلاثة أيام ، وأخذ لنفسه بعد ذلك من النهب . ~~ذكر دخول الزنج الأبله وفي سنة ست وخمسين ومائتين دخل الزنج الأبله ، ~~فقتلوا فيها خلقا كثيرا وأحرقوها ، وكان سبب ذلك أن جعلان لما تنحى عن ~~خندقه إلى البصرة ألح صاحب PageV25P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" الزنج بالغارات على الأبله ، وجعلت سراياه ~~تضرب إلى ناحية نهر معقل ، ولم يزل يحارب إلى يوم الأربعاء لخمس بقين من ~~شهر رجب فافتتحها ، وقتل بها الأحوص وعبد الله ابن حميد الطوسي وأضرمها ~~نارا ، وكانت مبنية بالساج فأسرعت النار فيها ، وقتل من أهلها خلق كثير ، ~~وفرق الأموال العظيمة ، وكان ما أحرقت النار أكثر من الذي نهب . قال : ولما ~~اتصل خبر أهل الأبله بأهل عبادان راسلوا صاحب الزنج في طلب الأمان ، على أن ~~يسلموا إليه البلد ، فأمنهم وسلموه إليه وأخذ ما فيه من الأموال ، ففرقه في ~~أصحابه . ذكر أخذ الزنج الأهواز قال : ولما فرغ صاحب الزنج من الأبله ~~وعبادان طمع في الأهواز ، واستنهض أصحابه ms5751 وسار إليها ، فهرب من بها من ~~الجند ومن أهلها ولم يبق إلا القليل ، فدخلها وأخربها ، وكان بها إبراهيم ~~بن المدبر يتولى الخراج فأخذوه أسيرا ، بعد أن قاتل وجرح ونهب جميع ماله ، ~~وذلك لإثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان من السنة ، فخافه أهل البصرة وانتقل ~~كثير من أهلها إلى البلدان . وأما إبراهيم بن المدبر فإن صاحب الزنج وكل به ~~وحبسه في بيت يحيى بن محمد البحراني ، فكان به سنة سبع وخمسين ومائتين ، ~~فأرغب الموكلين به بمال فأطلقوه ، فخرج هو وابن أخ له ورجل هاشمي . ذكر ~~انهزام الزنج من سعيد الحاجب وغلبة الزنج في شهر رجب سنة سبع وخمسين ~~ومائتين أوقع سعيد الحاجب بجماعة من الزنج ، فهزمهم واستنقذ من معهم ، وذلك ~~في خلافة المعتمد على الله بن المتوكل ، فكانت المرأة من نساء تلك الناحية ~~تأخذ الزنجي فتأتي به عسكر سعيد فلا يمتنع عليها ، ثم عبر سعيد إلى غرب ~~دجلة فأوقع بصاحب الزنج عدة وقعات ، ثم عاد إلى معسكره بهطمة فأقام من ثاني ~~رجب إلى آخر شعبان . PageV25P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" ثم أوقع صاحب الزنج بسعيد ، وذلك أنه سير إلى ~~سعيد جيشا ، فأوقعوا به ليلا وأصابوا مقتلة من أصحاب سعيد ، فقتلوا خلقا ~~كثيرا وأحرقوا عسكره ، فأمر بالمسير إلى باب الخليفة ، وترك بغراج بالبصرة ~~، فسار سعيد من البصرة وأقام بها بغراج يحمي أهلها ، فرد السلطان أمرها إلى ~~منصور بن جعفر الخياط بعد سعيد ، فجمع منصور الشذا وسار نحو صاحب الزنج ، ~~فكمن له صاحب الزنج كمينا ، فلما أقبل خرجوا عليه فقتلوا في أصحابه مقتلة ~~عظيمة ، وغرق منهم خلق كثير ، فلم يقابله منصور بعد ذلك . ذكر انهزام الزنج ~~بالأهواز قال : وفي سنة سبع وخمسين ومائتين أرسل صاحب الزنج جيشا مع علي بن ~~أبان ليقطع قنطرة أربك ، فلقيهم إبراهيم بن سيما منصرفا من فارس ، فأوقع ~~بهم وهزمهم وقتل منهم وجرح علي بن أبان ، ثم سار إبراهيم قاصدا نهر جبي ، ~~وأمر كاتبه شاهين بن بسطام بالمسير على طريق آخر ، ليوافيه بنهر جبي بعد ~~الوقعة ، وكان على ابن أبان قد ms5752 سار من الوقعة فنزل الخيزرانية ، فأتاه رجل ~~فأخبره بإقبال شاهين إليه ، فسار نحوه فالتقيا وقت العصر بموضع بين جبي ~~ونهر موسى ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، ثم صدمهم الزنج صدمة صادقة فهزموهم ، ~~وقتلوا شاهين وابن عم له وخلقا كثيرا ، فلما فرغ الزنج منهم أتاهم الخبر ~~بقرب إبراهيم بن سيما منهم ، فسار علي نحوه فوافاه وقت العشاء الآخرة ، ~~فأوقع بإبراهيم وقعة شديدة قتل فيها جمعا كثيرا ، قال علي بن أبان : وكان ~~أصحابي قد تفرقوا بعد الوقعة مع شاهين ، ولم يشهد معي حرب إبراهيم غير ~~خمسين رجلا ، ثم انصرف علي بن أبان إلى جبي . ذكر أخذ الزنج البصرة ~~وتخريبها قال : وفي شوال سنة سبع وخمسين ومائتين جمع صاحب الزنج أصحابه ~~لدخول البصرة ، وتخريبها لضعف أهلها وتفرقهم ، وكان منصور الخياط قد أمسك ~~عن PageV25P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" حربه بعد تلك الوقعة التي ذكرها ، واقتصر على ~~تخفير القيروانات والسفن ، فامتنع أهل البصرة فعظم ذلك على صاحب الزنج ، ~~فتقدم إلى علي بن أبان بالمقام بالخيزرانية ليشغل منصورا عن تسيير ~~القيروانات ، وكان علي بنواحي جي والخيزرانية ، ثم أمر محمد بن يزيد الداري ~~- وهو أحد من صحبه بالبحرين - أن يخرج إلى الأعراب فيجمعهم ، فخرج إليهم ~~فأتاه منهم خلق كثير فأناخوا بالقندل ، ووجه إليهم سليمان بن موسى الشعراني ~~، وأمرهم بطرق البصرة والإيقاع بها ليتمرن الأعراب على ذلك ، ثم انهض علي ~~بن أبان وضم إليه طائفة من الأعراب ، وأمره باتيان البصرة من ناحية بني سعد ~~، وأمر يحيى بن محمد البحراني بإتيانها من ناحية نهر عدي وضم إليه سائر ~~الأعراب ، فكان أول من واقع أهل البصرة على بن أبان ، وبغراج يومئذ بالبصرة ~~في جماعة من الجند ، فأقام يقاتلهم يومين ومال الناس نحوه ، وأقبل يحيى بن ~~محمد فيمن معه نحو الجسر ، فدخل على بن أبان البصرة وقت صلاة الجمعة لثلاث ~~عشرة ليلة بقيت من شوال ، فأقام يقتل ويحرق يوم الجمعة وليلة السبت ويوم ~~السبت ، ثم عاد يحيى إلى البصرة يوم الأحد فتلقاه بغراج في جمع ، فردوه ~~يومه ذلك ، ثم غاداهم يوم الإثنين فدخل وقد ms5753 تفرق الجند ، وانحاز بغراج ومن ~~معه ، ولقيه إبراهيم بن يحيى المهلبي فاستأمنه لأهل البصرة فأمنهم ، فنادى ~~إبراهيم : من أراد الأمان فليحضر دار إبراهيم ، فحضر أهل البصرة قاطبة حتى ~~ملئوا الرحاب اجتماعهم انتهز الفرصة لئلا يتفرقوا فغدر بهم ، وأمر أصحابه ~~بقتلهم فكان السيف يعمل فيهم وأصواتهم مرتفعة بالشهادة ، فقتل ذلك الجمع ~~كله ولم يسلم منهم إلا النادر ، ثم انصرف يومه ذلك ، ودخل علي بن أبان إلى ~~الجامع فأحرقه ، وأحرقت البصرة من عدة مواضع ، واتسع الحريق من الجبل إلى ~~الجبل ، وعظم الخطب وعمها القتل والنهب والإحراق ، وقتلوا كل من رأوه بها ، ~~فمن كان من أهل اليسار أخذوا ماله وقتلوه ، ومن كان فقيرا قتلوه لوقته ، ~~فبقوا كذلك عدة أيام ، ثم أمر يحيى أن ينادي بالأمان ليظهروا فلم يظهر أحد ~~، ثم انتهى الخبر إلى صاحب الزنج فصرف على بن أبان عنها ، وأقر يحيى عليها ~~لموافقته هواه في كثرة القتل ، وصرف عليا PageV25P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" لإبقائه على أهلها ، فهرب الناس على وجوههم ، ~~وصرف صاحب الزنج جيشه عن البصرة . قال : ولما أخرب البصرة انتمى إلى زيد ~~لمصير جماعة من العلويين إليه ، وترك الانتساب إلى عيسى بن زيد ، وانتسب ~~إلى يحيى بن زيد ، قال القاسم بن الحسن النوفلي : كذب ، ابن يحيى لم يعقب ~~غيره بنت ماتت وهي ترضع . ذكر مسير المولد لحرب صاحب الزنج وانتصار صاحب ~~الزنج وفي ذي القعدة من السنة أمر المعتمد على الله المولد بالسير إلى ~~البصرة لحرب الزنج ، فسار فنزل الأبلة فسير صاحب الزنج يحيى ابن محمد لحربه ~~، فسار إليه فقاتله عشرة أيام ، ثم وطن المولد نفسه على المقام ، فكتب صاحب ~~الزنج إلى يحيى بأمره بتبييت المولد ، وسير إليه أبا الليث الأصفهاني فبيته ~~، ونهض المولد فقاتله تلك الليلة ومن الغد إلى العصر ، ثم انهزم عند ودخل ~~الزنج عسكره فغنموا ما فيه ، واتبعه يحيى إلى الجامدة فأوقع بأهلها ، ونهب ~~تلك القرى وسفك ما قدر عليه من الدماء ، ثم رجع إلى نهر معقل . ذكر الحرب ~~بين منصور الخياط والزنج وقتل منصور قال : وفي سنة ثمان ms5754 وخمسين ومائتين قتل ~~منصور بن جعفر الخياط ، وسبب ذلك أن صاحب الزنج لما فرغ من أمر البصرة أمر ~~علي بن أبان بالمسير إلى جبى ، لحرب منصور بن جعفر وهو يومئذ يلي الأهواز ، ~~فأقام بإزائه شهرا وكان منصور في قلة من الرجال ، ثم وجه صاحب الزنج جلة ~~أصحابه مع أبي الليث الأصفهاني ، وأمره بطاعة علي بن أبان فلما صار إليه ~~خالفه واستبد ، وجاء منصور كما يجيء للحرب ، فتقدم إليه أبو الليث عن غير ~~إذن علي ، فظفر به منصور وقتل من الزنج خلقا كثيرا ، وأفلت أبو الليث ورجع ~~إلى صاحب الزنج ، ثم إن علي بن أبان وجه PageV25P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" طلائع يأتونه بخبر منصور ، وأسري إلى وال كان ~~منصور على بعض الأعمال ، فقتله وقتل أكثر أصحابه وغنم ما كان معهم ورجع ، ~~وبلغ الخبر منصور بن جعفر فأسرى إلى الخيزرانية ، وخرج إليه على بن أبان ~~فتحاربوا إلى الظهر فانهزم منصور وتفرق عنه أصحابه ، وأدركته طائفة من ~~الزنج فحمل عليهم ، وقاتلهم حتى تكسر رمحه وفني نشابه ، ثم حمل حصانه ليعبر ~~النهر فوقع في النهر ، وسبب وقوعه أن بعض الزنج رآه حين أراد أن يعبر النهر ~~، فألقى نفسه في النهر قبل منصور وتلقى الفرس حين وثب ، فنكص الفرس وسقط ~~منصور في النهر فقتله الأسود وأخذ سلبه ، وقتل معه أخوه خلف بن جعفر وغيره ~~من أصحابه . ذكر مسير الموفق لقتال الزنج وقتل مفلح وفي سنة ثمان وخمسين ~~ومائتين عقد المعتمد على الله لأخيه أبي أحمد الموفق على ديار مضر وقنسرين ~~والعواصم ، وخلع عليه وعلى مفلح في شهر ربيع الآخر وسيرهما لحرب الزنج ~~بالبصرة ، وركب المعتمد معه وشيعه وسار نحو البصرة ، ونازل صاحب الزنج ، ~~وكان سبب إرساله ما فعله الزنج بالبصرة ، فأكبر الناس ذلك وتجهزوا إليه ~~وساروا في عدة وعدة كاملة ، وصحبة من سوقه بغداد خلق كثير ، وكان علي بن ~~أبان بجني ، وسار يحيى بن محمد البحراني إلى نهر العباس ومعه أكثر الزنوج ، ~~وبقي صاحبهم في قلة من الناس ، وأصحابه يغادون البصرة ويراوحونها لثقل ما ~~نالوه منها ms5755 ، فلما نزل عسكر الموفق نهر معقل أجفل من فيه من الزنوج إلى ~~صاحبهم مرعوبين ، وأخبروه بعظم الجيش وأنهم لم يرد عليهم مثله ، فأحضر ~~رئيسين من أصحابه فسألهما عن قائد الجيش فلم يعرفاه ، فجزع لذلك ثم سير إلى ~~علي ابن أبان يأمره بالمصير إليه فيمن معه ، فلما كان يوم الأربعاء لإثنتي ~~عشرة ليلة بقيت من جمادي الأولى أتاه بعض العساكر وتقدمهم ، وأنهم ليس في ~~وجوههم من الزنوج من يردهم ، فكذبه وسبه وأمر فنوى في الزنوج بالخروج إلى ~~الحرب فخرجوا ، فرأوا مفلحا قد أتاهم في عسكر فقاتلوا ، فبينما مفلح ~~يقاتلهم إذ أتاه سهم غرب ، لا يعرف من رمى به ، فأصابه فرجع وانهزم أصحابه ~~، وقتل الزنج فيهم قتلا ذريعا ، وحملوا الرؤوس إلى صاحب الزنج ، واقتسم ~~الزنج لحوم القتلى ، وأتى بالأسرى فسألهم عن PageV25P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" قائد الجيش فأخبروه أنه أبو أحمد ، ومات مفلح ~~من ذلك السهم ولم يلبث صاحب الزنج إلا يسيرا حتى وافاه علي بن أبان ، ثم ~~رحل الموفق إلى الأبلة ليجمع ما فرقته الهزيمة ثم صار إلى نهر أبي الأسد . ~~ذكر مقتل يحيى بن محمد البحراني وفي سنة ثمان وخمسين ومائتين أيضا أسر يحيى ~~بن محمد البحراني قائد صاحب الزنج ، وكان سبب ذلك أنه لما سافر نحو العباس ~~لقيه عسكر اصفجون ، عامل الأهواز بعد منصور ، فقاتلهم وكان أكثر منهم عددا ~~، فنال ذلك العسكر من الزنج بالنشاب وجرحوهم ، فعبر يحيى النهر إليهم ~~فانحازوا عنه ، وغنم سفنا كانت مع العسكر فيها الميرة ، وساروا بها إلى ~~عسكر صاحب الزنج ، على غير الوجه الذي فيه علي بن أبان لتحاسد كان بينه ~~وبين يحيى ، ووجه طلائعه إلى دجلة فلقيهم جيش أبي أحمد الموفق ، سائرين إلى ~~نهر أبي الأسد ، فرجعوا إلى علي فأخبروه بمجيء الجيش ، فرجع من الطريق الذي ~~كان سلكه وسلك طريق نهر العباس ، وعلى فم النهر مراكب تحميه من عسكر ~~الخليفة ، فلما رآهم يحيى راعه ذلك ، وخاف أصحابه فنزلوا السفن وعبروا ~~النهر ، وبقي يحيى ومعه بضعة عشر رجلا ، فقاتلهم هو وذلك النفر اليسير ~~فرموهم بالسهام ms5756 ، فجرح ثلاث جرحات فلما جرح تفرق أصحابه عنه ، فرجع حتى دخل ~~بعض السفن وهو مثخن بالجراح ، وأخذ أصحاب السلطان الغنائم وأخذوا السفن ، ~~وعبروا إلى سفن كانت للزنج فأحرقوها ، وتفرق الزنج عن يحيى في بقية نهارهم ~~، فلما رأى تفرقهم ركب سميرية وأخذ معه طبيبا لأجل الجراح ، وسار فيها فرأى ~~الملاحون سميريات السلطان فخافوا فألقوا يحيى ومن معه ، فمشى وهو مثقل وقام ~~الطبيب الذي معه فأتى أصحاب السلطان ، فأخبرهم خبره فأخذوه وحملوه إلى أبي ~~أحمد ، فحمله أبو أحمد إلى سامرا فقطعت يداه ورجلاه ثم قتل ، فجزع صاحب ~~الزنج عليه جزعا شديدا وقال لهم لما قتل يحيى : اشتد جزعي عليه فخوطبت أن ~~قتله كان خيرا لك ، إنه كان شرها . PageV25P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" ذكر عود أبي أحمد الموفق إلى سامرا واستخلافه ~~محمد المولد على حرب الزنج وفي هذه السنة أيضا انحاز أبو أحمد الموفق إلى ~~واسط ، ثم منها إلى سامرا ، وكان سبب ذلك أنه لما صار إلى نهر أبي الأسد ~~كثرت الأمراض في أصحابه وكثر فيهم الموت ، فرجع إلى باذاورد فأقام هناك ، ~~وأمر بإعطاء الجند أرزاقهم وإصلاح الآلات والسميريات وشحنها بالقواد ، وعاد ~~إلى عسكر صاحب الزنج ، وأمر جماعة من قواده بقصد مواقع سماها من نهر أبي ~~الخطيب وغيره ، وبقي معه جماعة ، فمال أكثر ، الخلق حتى التقى الناس ونشبت ~~الحرب إلى نهر أبي الخطيب ، وبقي أبو أحمد في قلة من أصحابه ، فلم يزل عن ~~موضعه خوفا أن يطمع الزنج فيه ، ولما رأى الزنج قلة من معه طمعوا فيه ~~وكثروا عليه ، واشتدت الحرب عنده وكثر القتل والجراح ، وأحرق أصحاب بني ~~أحمد منازل الزنوج ، واستنقذوا من النساء جمعا كثيرا ، ثم ألقى الزنج جدهم ~~نحوه ، فلما رأى أبو أحمد ذلك علم أن الحزم في المحاجزة ، فأمر أصحابه ~~بالرجوع إلى سفنهم على مهل وتؤدة ، واقتطع الزنج طائفة من أصحابه فقاتلوهم ~~، فقتلوا من الزنج خلقا كثيرا ثم قتلوا بأجمعهم ، وحملت رؤوسهم إلى قائد ~~الزنج ، وهي مائة رأس وعشرة أروس ، فزاد ذلك من عتو صاحب الزنج ، فعبي أبو ~~أحمد أصحابه للرجوع ms5757 إلى الزنج ، فوقعت نار في أطراف عسكره في يوم ريح عاصف ~~، فاحترق كثير منه فرحل إلى واسط ، فلما نزل إلى واسط تفرق عنه عامة أصحابه ~~، فسار منها إلى سامرا ، واستخلف على واسط لحرب الزنج محمد المولد ، ثم عاد ~~الموفق بعد ذلك لحرب الزنج ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى . ذكر دخول ~~الزنج الأهواز ومسير موسى بن بغا لحربهم قال : وفي سنة تسع وخمسين ومائتين ~~في شهر رجب دخل الزنج الأهواز ، وذلك أن صاحبهم أنفذ علي بن أبان وضم إليه ~~الجيش ، الذي كان مع يحيى البحراني وسليمان بن موسى الشعراني ، وسيره إلى ~~الأهواز ، وكان المتولي عليها بعد منصور بن جعفر رجلا يقال له اصغجون ، ~~فبلغه خبر الزنج فخرج إليهم ، والتقى العسكران PageV25P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" بدست ميسان ، فانهزم اصغجون وغرق وقتل وأسر ~~خلق كثير من أصحابه ، وكان ممن أسر الحسن بن هرثمة والحسن بن جعفر ، وحملت ~~الرؤوس والأعلام والأسرى إلى صاحب الزنج ، فأمر بحبس الأسرى ، ودخل الزنج ~~الأهواز فأقاموا يفسدون فيها ويعبثون ، إلى أن قدم موسى بن بغا . قال : ~~ولما كان في ذي القعدة أمر المعتمد على الله أن قدم موسى بن بغا بالمسير ~~إلى حرب صاحب الزنج ، فسير إلى الأهواز عبد الرحمن بن مفلح ، وإلى البصرة ~~إسحاق بن كنداجيق ، وإلى باذاورد إبراهيم بن سيما ، وأمرهم بمحاربة صاحب ~~الزنج ، فسار عبد الرحمن إلى محاربة على ابن أبان فتواقعا ، فانهزم عبد ~~الرحمن ثم استعد وعاد إلى علي ، فأوقع به وقعة عظيمة قتل فيها من الزنج ~~قتلا ذريعا ، وأسر خلقا كثيرا ، وانهزم علي بن أبان ، ثم أراد رد الزنج فلم ~~يرجعوا من الخوف الذي دخلهم من عبد الرحمن ، فلما رأى ذلك أذن لهم ~~بالانصراف ، فانصرفوا إلى مدينة صاحبهم ، ووافى عبد الرحمن حصن مهدي ليعسكر ~~به ، فسير إليه صاحب الزنج علي بن أبان فوافقة فلم يقدر عليه ، ومضى يريد ~~الموضع بادركه ، وكان إبراهيم بن سيما بالباذا ورد ، فواقعه على بن أبان ~~فهزمه علي ، ثم واقعة ثانية فهزمه إبراهيم ، فمضى علي بالليل حتى انتهى إلى ms5758 ~~نهر يحيى ، وانتهى خبره إلى عبد الرحمن فوجه إليه طاشتمر في جمع من الموالي ~~، فلم يصل إليه لامتناعه بالآجام والقصب والحلافي ، فأضرمه عليه نارا ~~فخرجوا هاربين ، فأسر منهم أسرى وانصرف أصحاب عبد الرحمن بالأسرى والظفر ، ~~ثم سار عبد الرحمن نحو علي بن أبان بمكان نزل فيه ، فكتب إلى صاحب الزنج ~~يستمده فأمده بثلاث عشرة شذاة ، ووافاه عبد الرحمن فتواقعا يومهما ، فلما ~~كان الليل انتخب علي من أصحابه جماعة ممن يثق بهم ، وسار وترك عسكره وأتى ~~عبد الرحمن من ورائه فبينه ، فنال منه شيئا يسيرا وانحاز عبد الرحمن ، فأخذ ~~علي منهم أربع شذوات وأتى عبد الرحمن دولاب فأقام به ، وسار طاشتمر إلى علي ~~فوافاه وقاتله ، فانهزم علي إلى نهر السدرة ، وكتب طاشتمر يستمد عبد الرحمن ~~ويخبره بانهزام علي ، فأتاه عبد الرحمن وواقع عليا بنهر السدرة وقعة عظيمة ~~، فانهزم علي إلى صاحب الزنج ، وعسكر عبد الرحمن ببيان فكان هو وإبراهيم بن ~~سيما يتناوبان المسير PageV25P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" إلى عسكر الزنج فيوقعان به ، وإسحاق بن ~~كنداجيق بالبصرة ، وقد قطع الميرة عن الزنج ، فكان صاحبهم يجمعهم يوم ~~محاربة عبد الرحمن وإبراهيم ، فإذا انقضت الحرب سير طائفة منهم إلى البصرة ~~لقتال إسحاق ، فأقاموا كذلك بضعة عشر شهرا ، إلى أن انصرف موسى بن بغا عن ~~حرب الزنج ، ووليها مسرور البلخي على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وفي سنة ~~إحدى وستين ومائتين ولي أبو الساج الأهواز وسير عبد الرحمن إلى فارس ، وأمر ~~أبو الساج بمحاربة الزنج فندب صهره لمحاربتهم ، فلقيه علي بن أبان بناحية ~~دولاب ، فقتل عبد الرحمن وانحاز أبو الساج إلى ناحية عسكر مكرم ، ودخل ~~الزنج الأهواز فقتلوا أهلها وسبوا وأحرقوا ، ثم انصرف أبو الساج عما كان ~~وليه من الأهواز وحرب الزنج ، ووليها إبراهيم بن سيما فلم يزل بها حتى ~~انصرف عنها مع موسى بن بغا . ذكر انتداب أبي أحمد الموفق لحرب الزنج وما ~~شغله عن ذلك واستعماله مسرورا البلخي على حربهم وما كان في خلال ذلك من ~~أخبارهم وفي سنة إحدى وستين ومائتين ولى ms5759 المعتمد على الله أخاه أبا أحمد ~~العهد بعد ابنه جعفر ، ولقبه الناصر لدين الله الموفق ، وولاه من الأعمال ~~ما قدمنا ذكره في أخباره الدولة العباسية ، وولى موسى بن بغا إفريقية على ~~ما قدمناه ، وأمر المعتمد على الله أخاه الموفق بحرب الزنج ، فولى الموفق ~~الأهواز والبصرة وكور دجلة - وذلك من جملة ما هو مضاف إلى ولايته - مسرورا ~~البلخي ، وسيره على مقدمته في ذي الحجة من السنة وعزم على المسير بعده ، ~~فحدث من أمر يعقوب بن الليث الصفار ما منعه عن المسير على ما نذكر ذلك إن ~~شاء الله تعالى في أخبار الدولة الصفارية ، ثم رجع مسرور البلخي لقتال ~~يعقوب سراياه في تلك البلاد تنهب وتحرق وتخرب ، وذلك في سنة اثنتين وستين ~~ومائتين ، وأتته الأخبار بخلو البطيخة من جند السلطان ، فأمر سليمان بن ~~جامع وجماعة من أصحابه بالمسير إلى الحوانيت ، وأمر سليمان بن موسى بالمصير ~~إلى القادسية ، وقدم أبا التركي في ثلاثين شذاة يريد عسكر الزنج فنهب وأحرق ~~، فكتب صاحب الزنج إلى سليمان بن موسى يأمره بمنعه من العبور ، فأخذ سليمان ~~عليه الطريق ، فقاتلهم شهرا حتى تخلص ، وانحاز إلى سليمان بن جامع من ~~مذكوري البلالية وأنجادهم جمع كثير PageV25P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" في خمسين ومائة سميرية ، وكان مسرور البلخي قد ~~وجه قبل مسيره عن واسط جماعة من أصحابه أن يتحصن في عقر ما وراء طهيثا ~~والأدغال التي فيها ، وكرهوا خروجه عنهم لموافقته في فعله وخافوا السلطان ، ~~فسار فنزل إليه بقربة مروان بالجانب الشرقي من نهر طهيثا وجمع إليه رؤساء ~~الباهليين ، وكتب إلى صاحب الزنج يعلمه بما صنع ، فكتب إليه يصوب رأيه ~~ويأمره بإنفاذ ما عند من ميرة ونعم ، فأنفذ ذلك إليه . وورد الخبر على ~~سليمان أن أغرتميش وخشيشا قد أقبلا في الخيل والرجال والسميريات والشذاة ~~يريدون حربه ، فجزع جزعا شديدا ، فلما أشرفوا عليه ورآهم أخذ جمعا من ~~أصحابه ، وسار راجلا واستدبر أغرتميش ، وجد أغرتميش في المسير إلى عسكر ~~سليمان ، وكان سليمان قد أمر الذي استخلفه في جيشه ألا يظهر منهم أحد ~~لأصحاب أغرتميش ms5760 ، وأن يخفوا أنفسهم ما قدروا إلى أن يسمعوا أصوات طبولهم ، ~~فإذا سمعوها خرجوا عليه ، وأقبل أغرتميش إليهم فجزع أصحاب سليمان جزعا ~~شديدا فتفرقوا ، ونهضت شرذمة منهم فواقعوهم وشغلوهم عن دخول العسكر ، وجاء ~~سليمان من خلفهم وضرب طبوله ، وألقوا أنفسهم في الماء للعبور إليهم ، ~~فانهزم أصحاب أغرتميش وظهر من كان من السودان بطهيثا ، ووضعوا السيوف فيهم ~~فقتل خشيش وانهزم أغرتميش ، وتبعه الزنوج إلى عسكره فنالوا حاجتهم منه ، ~~وأخذوا شذوات فيها مال وغيره ، فعاد أغرتميش إليهم فانتزعها من أيديهم ، ~~وعاد سليمان وقد ظفر وغنم وكتب إلى صاحب الزنج بالخبر وسير إليه رأس خشيش ، ~~فسيره إلى علي بن أبان وهو بنواحي الأهواز ، وسير سليمان سرية فظفروا بإحدى ~~عشرة شذاة وقتلوا أصحابها . ثم كانت للزنج وقعة عظيمة انهزموا فيها في سنة ~~اثنتي وستين أيضا . وكانت هذه الوقعة مع أحمد بن ليثوية ، وكان سببها أن ~~مسرورا البخلي وجه أحمد بن ليثوية إلى كور الأهواز ، فنزل السوس وكان يعقوب ~~الصفار - المستولي على خراسان - قد قلد محمد بن عبد الله ابن هزار مرد ~~الكردي كور الأهواز ، فكاتب محمد قائد الزنج يطمعه في الميل إليه ، وأوهمه ~~أنه يتولى له كور الأهواز ، وكان PageV25P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" محمد يكاتبه قديما ، وعزم على مداراة الصفار ~~وقائد الزنج ، حتى يستقيم له الأمر فيها ، فكاتبه صاحب الزنج يجيبه إلى ما ~~سأل ، على أن يكون علي بن أبان المتولي للبلاد ، ومحمد بن عبيد الله يخلفه ~~عليها ، فقبل محمد ذلك ، فوجه إليه علي بن أبان جيشا وأمدهم محمد بن عبيد ~~الله ، فساروا نحو السوس فمنعهم أحمد بن ليثوية ومن معه من جند الخليفة ~~عنها ، وقاتلهم فقتل خلقا كثيرا وأسر جماعة ، وسار أحمد حتى جندي سابور ، ~~وسار علي بن أبان من الأهواز منجدا محمد بن عبيد الله على أحمد بن ليثوية ، ~~فلقيه محمد في جيش كثير من الأكراد والصعاليك ، ودخل محمد تستر ، فانتهى ~~إلى أحمد بن ليثوية الخبر بتضافرهما على قتاله ، فخرج عن جندي سابور إلى ~~السوس ، وكان محمد قد وعد علي بن أبان أن يخطب ms5761 لصاحبه قائد الزنج يوم ~~الجمعة على منبر تستر ، فلما علم علي بن أبان ذلك انصرف إلى الأهواز ، وهدم ~~قنطرة كانت هناك لئلا تلحقه الخيل ، وانتهى أصحاب علي إلى عسكر مكرم ~~فنهبوها ، وكانت داخلة في سلم صاحب الزنج فغدوا بها ، وسار إلى الأهواز ، ~~فلما علم أحمد ذلك أقبل إلى تستر ، فأوقع بمحمد بن عبيد الله ومن معه ، ~~فانهزم محمد ودخل أحمد تستر ، وأتت الأخبار على بن أبان أن أحمد على قصده ، ~~فسار إلى لقائه ومحاربته فالتقيا واقتتل العسكران ، فاستأمن جماعة من ~~الأعراب ، الذين كانوا مع علي بن أبان - إلى أحمد بن ليثوية ، فانهزم باقي ~~أصحاب علي وثبت معه جماعة يسيره ، فاشتد القتال وترجل على بن أبان وباشر ~~القتال راجلا ، فعرفه بعض أصحاب أحمد فأنذر به ، فلما عرفوه انصرف هاربا ، ~~وأتاه بعض أصحابه بسميرية فركب فيها ونجا مجروحا ، وقتل من أصحابه جماعة ~~كثيرة ، وعاد إلى الأهواز ولم يقم بها ، ومضى إلى عسكر صاحبه يداوي جراحه ، ~~واستحلف على عسكره بالأهواز ، فلما برئت جراحه عاد إلى الأهواز ، ووجه أخاه ~~الخليل بن أبان في سنة ثلاث وستين ومائتين في جيش كثيف إلى أحمد بن ليثوية ~~، وكان أحمد بعسكر مكرم فكمن لهم أحمد وخرج إلى قتالهم ، فالتقى الجمعان ~~واقتتلوا أشد القتال ، وخرج الكمين على الزنج فانهزموا وتفرقوا وقتلوا ، ~~ووصل المنهزمون إلى علي بن أبان ، فوجه علي مسلحة إلى المسرقان ، فوجه ~~إليهم أحمد بن ليثوية ثلاثين فارسا من أعيان أصحابه فقتلهم الزنج جميعهم . ~~PageV25P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" ذكر دخول الزنج واسط وما تقدم ذلك من الحروب ~~والوقائع كان دخول الزنج واسط في سنة أربع وستين ومائتين ، وذلك أن سليمان ~~بن جامع لما سار إلى البطائح في سنة اثنين وستين - وكان بينه وبين أغرتميش ~~ما ذكرناه - كتب إلى صاحبه يستأذنه في المسير إليه ليحدث به عهدا فأذن له ~~ذلك ، فأشار عليه الجبائي أن يتطرق إلى عسكر تكين البخاري ، وهو ببردود ، ~~فقبل قوله وسار إلى تكين ، فلما كان على فرسخ منه قال له الجبائي : الرأي ~~أن تقيم أنت ها هنا ms5762 ، وأمضي أنا في السميريات فأجر القوم إليك فيأتونك وقد ~~تعبوا ، فتنال منهم حاجتك ، ففعل سليمان ذلك وجعل بعض أصحابه كمينا ، ومضى ~~الجبائي إلى تكين فقاتله ساعة ، ثم تطارد لهم فتبعوه ، فأرسل إلى سليمان ~~يعلمه ذلك ، وقال لأصحابه - وهو بين أصحاب تكين شبه المنهزم ليسمع أصحاب ~~تكين قوله - غررتموني وأهلكتموني وكنت نهيتكم عن الخول ها هنا فأبيتم ولا ~~أرانا ننجو منه فطمع أصحاب تكين وجدوا في طلبه ، وجعلوا ينادون بلبل في قفص ~~، فما زالوا كذلك حتى جاوزوا موضع الكمين وقاربوا عسكر سليمان ، وقد كمن ~~أيضا خلف هناك ، فخرج سليمان إليهم فقاتلهم ، وخرج الكمين من خلفهم ، وعطف ~~الجبائي على من في النهر ، فاشتد القتال ، فانهزم أصحاب تكين من الوجوه ~~كلها ، وركبهم الزنج فقتلوهم وسلبوهم أكثر من ثلاثة فراسخ ، وعادوا عنهم ، ~~فلما كان الليل عاد الزنج إليهم وهم في معسكرهم فكسبوهم ، فقاتلهم تكين ~~وأصحابه فانكشف سليمان ، ثم عنى أصحابه وأمر طائفة أن يأتيه من جهة ذكرها ~~لهم ، وطائفة من الماء ، وأتى هو في الباقين ، وقصدوا تكين من جهاته كلها ، ~~فعلم يقف من أصحابه أحد ، وانهزموا وتركوا عسكرهم فغنم الزنج ما فيه ، ~~وعادوا بالغنيمة . واستخلف سليمان الجبائي على عسكره ، وسار إلى صاحبه وذلك ~~في سنة ثلاث وستين ، فلما سار سليمان إلى صاحب الزنج خرج الجبائي بالعسكر ~~إلى مازروان PageV25P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" لطلب الميرة ، فاعترضه جعلان فقاتله ، فانهزم ~~الجبائي وأخذت سفنه ، وأتته الأخبار أن منجور ومحمد ابن علي بن حبيب ~~اليشكري قد بلعا الحجاجية ، فكتب إلى صاحبه بذلك ، فسير إليه سليمان فوصل ~~إلى طهيثا مجدا ، وأظهر أنه يريد قصد جعلان ، وقدم الجبائي وأمره أن يأتي ~~جعلان ويقف بحيث يراه ولا يقاتله ، ثم سار سليمان نحو محمد بن علي بن حبيب ~~مجدا فأوقع به وقعة عظيمة ، وغنم غنائم كثيرة ، وقتل أخا لمحمد بن علي ورجع ~~، وذلك في شهر رجب سنة ثلاث وستين أيضا . ثم سار في شعبان إلى قرية حسان ، ~~وبها قائد يقال له جيش ابن خمارتكين فأوقع به ، فهزمه ونهب القرية وأحرقها ~~وعاد ، ثم سار ms5763 في شعبان أيضا إلى مواضع فنهبها وعاد ، ثم سار في رمضان ~~وأظهر أنه يريد جعلان بمازروان ، فبلغت الأخبار جعلان فضبط عسكره فتركه ~~سليمان وعدل إلى أبا فأوقع به وهو غار ، وغنم منه ستة شذاوات ، ثم أرسل ~~الجبائي في جماعة لينهب ، فصادفهم جعلان فأخذ سفنهم وغنم منهم ، فأتاه ~~سليمان في البر فهزمه واستنفذ سفنهم ، وغنم شيئا آخر وعاد ، ثم سار سليمان ~~إلى الرصافة في ذي القعدة فأوقع بمطر بن جامع وهو بها ، وغنم غنائم كثيرة ~~وأحرق الرصافة واستباحها ، وحمل أعلاما وانحدر إلى مدينة صاحب الزنج ، ~~وأقام ليعيد هناك بمنزله ، فسار مطر إلى الحجاجية فأوقع بأهلها وأسر جماعة ~~، وكان بها قاض لسليمان فأسره مطر وحمله إلى واسط ، وصار مطر إلى قريب ~~طهيثا ورجع ، فكتب الجنائي إلى سليمان بذلك ، فسار نحوه فوافاه لليلتين ~~بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين . ثم صرف جعلان ووافاه أحمد بن ليثوية ~~فأقام بالشديدية ، ومضى سليمان إلى تكين في خمس شذاوات ، وذلك في سنة أربع ~~وستين ، فواقعة تكين بالشديدية ، وكان أحمد بن ليثوية حينئذ قد سار إلى ~~الكوفة فظهر تكين على سليمان وأخذ الشذاوات بما فيها ، وكان فيها صناديد ~~سليمان وقواده فقتلهم ، ثم إن أحمد عاد إلى الشديدية وضبط تلك الأعمال ، ~~حتى وافاه محمد المولد وقد ولاه الموفق مدينة واسط ، فكتب سليمان إلى صاحبه ~~يستمده ، فأمده بالخليل بن أبان في زهاء ألف وخمسمائة فارس ، فلما أتاه ~~المدد قصد إلى محاربة محمد المولد ، فأوقع به وهرب المولد ، ودخل سليمان ~~مدينة واسط فقتل فيها خلقا كثيرا ونهب وأحرق ، وكان بها كنجور البخاري ، ~~PageV25P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" فقاتله يومه إلى العصر ثم قتل ، وانصرف سليمان ~~عن واسط إلى جنبلاء ليعيث ويخرب ، فأقام هناك تسعين ليلة . ذكر وقائع كانت ~~بين الزنج وبين أحمد بن ليثوية وتكين البخاري وأغرتميش في سنة خمس وسنة ست ~~وستين ومائتين وفي سنة خمس وستين كانت وقعة بين أحمد بن ليثوية وبين سليمان ~~بن جامع والزنج بناحية جنبلاء ، وسبب ذلك أن سليمان كتب إلى صاحب الزنج ، ~~يخبره بحال نهر ms5764 يسمى الزهيري ويسأله أن يأذن في عمله ، ويقول إنه متى أنفذه ~~تهيأ له حمل ما في جنبلاء وسواد الكوفة ، فأنفذ إليه زكروية لذلك ، وأمره ~~بمساعدته والنفقة على عمل النهر ، فمضى سليمان فيمن معه وأقام بالشريطية ~~نحوا من شهر ، وشرعوا في عمل النهر ، وكان أصحاب سليمان في أثناء ذلك ~~يتطرقون إلى ما حولهم ، فواقعة أحمد بن ليثوية ، وهو عامل الموفق بجنبلاء ، ~~فقتل من الزنوج نيفا وأربعين قائدا ، ومن عامتهم ما لا يحصى كثرة وأحرق ~~سفنهم ، فمضى سليمان مهزوما إلى طهيثا . وفيها سار جماعة من الزنوج في ~~ثلاثين سميرية إلى جبل ، فأخذوا أربع سفن فيها طعام وانصرفوا . وفيها دخل ~~الزنج النعمانية فأحرقوها وسبوا ، وصاروا إلى جرجرايا ودخل أهل السودان ~~بغداد . وفيها استعمل الموفق مسرورا البلخي على كور الأهواز ، فولى مسرور ~~ذلك تكين البخاري ، فسار تكين إليها ، وكان علي بن أبان والزنج قد أحاطوا ~~بتستر ، فخاف أهلها وعزموا على تسليمها إليهم فوافاهم تكين وهم على تلك ~~الحال ، فوافع علي بن أبان حال وصوله ، فانهزم علي والزنج وقتل كثير منهم ~~وتفرقوا ، ونزل تكين تستر . قال : وهذه الوقعة تعرف بوقعة كودك وهي مشهورة ~~. PageV25P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" قال : ثم إن عليا قدم عليه جماعة من قواد ~~الزنج ، فأمرهم بالمقام بقنطرة فارس ، فهرب منهم غلام رومي إلى تكين وأخبره ~~بمقامهم بالقنطرة ، وتشاغلهم بالنبيذ وتفرقهم في جمع الطعام ، فسار تكين ~~إليهم ليلا فأوقع بهم ، وقتل من قوادهم جماعة وانهزم الباقون ، وسار تكين ~~إلى علي بن أبان فلم يقف له علي وانهزم ، وأسر غلام له يعرف يجعفروية ورجع ~~علي إلى الأهواز ورجع تكين إلى تسير ، وكتب علي إلى تكين يسأله الكف عن قتل ~~غلامه فحسبه ، ثم تراسل علي وتكين ونهاديا ، فبلغ الخبر مسرورا بميل تكين ~~إلى الزنج ، فسار حتى وافى تكين وقبض عليه وحبسه حتى مات ، وتفرق أصحاب ~~تكين : ففرقة صارت إلى الزنج ، وفرقه صارت إلى محمد بن عبيد الله الكردي ، ~~فبلغ ذلك مسرورا فأمنهم ، فجاءه الباقون منهم . قال : وبعض ما ذكرناه كان ~~في ست وستين ومائتين . وفي سنة ms5765 ست وستين ولى أغرتميش ما كان يتولاه تكين ~~البخاري من أعمال الأهواز ، فدخل تستر ومعه أبا ومطر بن جامع ، فقتل مطر ~~جعفروية - غلام علي بن أبان - وجماعة معه كانوا مأسورين ، وساروا إلى عسكر ~~مكرم ، واتاهم الزنج هناك مع علي بن أبان فاقتتلوا ، فلما رأوا كثرة الزنج ~~قطعوا الجسر وتحاجزوا ، ورجع علي إلى الأهواز وأقام أخوه الخليل بالمسرقان ~~في جماعة كثيرة من الزنج ، وسار أغرتميش ومن معه نحو الخليل ، ليعبروا إليه ~~من قنطرة أربك ، فكتب إلى أخيه علي فوافاه في النهر ، وخاف أصحابه الذين ~~خلفهم بالأهواز فارتحلوا إلى نهر السدرة ، وتحارب علي وأغرتميش يومه ، ثم ~~انصرف علي إلى الأهواز فلم يجد أصحابه ، فرجه من يردهم من نهر السدرة ، ~~فعسر عليهم ذلك فتبعهم وأقام معهم ورجع أغرتميشن فنزل عسكر مكرم واستعد ~~لقتالهم ، وبلغ ذلك أغرتميش ومن معه من عسكر الخليفة ، فساروا إليه فكمن ~~لهم علي ، وقدم الخليل إلى قتالهم فاقتتلوا ، فكان أول النهار لأصحاب ~~الخليفة ، ثم خرج عليهم الكمين فانهزموا وأسر مطر بن جامع وعدة من القواد ، ~~فقتله علي بغلامه جعفروية وعاد إلى الأهواز ، وأرسل رؤوس القتلى إلى صاحب ~~الزنج ، وكان علي وأغرتميش بعد ذلك في حروبهم على السواء ، وصرف صاحب الزنج ~~أكثر جنوده إلى علي بن أبان ، فلما رأى ذلك أغرتميش وادعه ، وجعل علي يغير ~~على النواحي ، فأغار على قرية بيروذ ونهبها ، ووجه الغنائم إلى صاحبه . ~~PageV25P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" ذكر دخول الزنج رامهرمز وفي سنة ست وستين ~~ومائتين دخل علي والزنج رامهرمز ، وسبب ذلك أن محمد بن عبيد الله يخاف علي ~~بن أبان ، لما في نفس علي منه لما ذكرناه ، فكتب إلى انكلاي ابن صاحب الزنج ~~، وسأله أن يسأل أباه ليرفع يد علي عنه ويكون إلى نفسه ، فزاد ذلك غيظ علي ~~منه ، وكتب إلى صاحب الزنج بالإيقاع بمحمد ، ويجعل ذلك الطريق إلى مطالبته ~~بالخراج ، فأذن له فكتب إلى محمد يطلب منه حمل الخراج ، فمطله ودافعه فسار ~~إليه علي وهو برامهرمز ، فهرب محمد عنها ودخلها علي والزنج فاستباحها ، ~~ولحق محمد بأقصى معاقلة ms5766 ، وانصرف علي غانما ، وخاف محمد فكتب إليه يطلب ~~المسالمة ، فأجابه إلى ذلك على مال يؤديه إليه ، فحمل إليه مائتي ألف درهم ~~فأنفذها إلى صاحب الزنج ، وأمسك عن محمد بن عبيد الله وأعماله . وفيها كانت ~~وقعة للزنج انهزموا فيها ، وكان سببها أن محمد بن عبيد الله كتب إلى علي بن ~~أبان بعد الصلح يسأله المعونة على طائفة من الأكراد ، على أن يجعل له ~~ولأصحابه غنائمهم ، فكتب علي إلى صاحبه يستأذنه ، فكتب إليه أن : وجه إليه ~~جيشا وأقم أنت ، ولا تنفذ حتى تستوثق منه الرهن ، ولا تأمن غدره والطلب ~~بثأره ، فكتب علي إلى محمد يطلب منه اليمين والرهائن ، فبذل له اليمين ~~ومطلة بالرهائن ، فلحرص علي على الغنائم أنفذ إليه جيشا ، فسير محمد معهم ~~طائفة من أصحابه إلى الأكراد ، فخرج إليهم الأكراد فقاتلوهم ونشبت الحرب ، ~~فتخلى أصحاب محمد عن الزنج فانهزموا ، وقتلت الأكراد منهم خلقا كثيرا ، ~~وكان محمد قد أعد لهم من يتعرض لهم إذا انهزموا ، فأوقعوا بهم وسلبوهم ~~وأخذوا دوابهم ، ورجعوا بأسوأ حال ، فكتب علي إلى صاحب الزنج يعرفه فقال : ~~ضيعت أمري في ترك الرهائن ، وكتب إلى محمد يتهدده فخاف محمد ، وكتب يخضع ~~ويذل ورد بعض الدواب ، وقال : إنني كبست من كانت عندهم وخلصت هذه منهم ، ~~فأظهر صاحب الزنج الغضب عليه ، فأرسل محمد إلى بهبوذ ومحمد بن يحيى ~~الكرماني ، وكان أقرب الناس إلى علي ، فضمن لهما مالا إن أصلحا له عليا ~~وصاحبه ففعلا ذلك ، وأجابهما صاحب الزنج بالرضا عن محمد ، على أن يخطب له ~~على منابر بلاده ، فأعلما محمدا ذلك فأجابهما إلى جميع ما طلبا ، وجعل ~~براوغ في الدعاء له على المنابر ، ثم إن عليا استعد لمتوث وسار ~~PageV25P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" إليها فلم يظفر بها ، فرجع وعمل السلاليم ~~والآلات التي يصعد بها إلى السور ، واستعد لقصدها فعرف ذلك مسرور البلخي ، ~~وهو يومئذ بكور الأهواز ، فلما سار علي إليها سار مسرور ، فوافاه قبل ~~المغرب وهو نازل عليها ، فلما عاين الزنج أوائل خيل مسرور انهزموا أقبح ~~هزيمة ، وتركوا ما كانوا أعدوه وقتل منهم كثير ms5767 ، وانصرف علي مهزوما ، فلم ~~يلبث إلا يسيرا حتى أتته الأخبار بإقبال الموفق ، ولم يكن لعلي بعدها وقعة ~~، حتى فتحت سوق الخميس وطهيثا على الموفق ؛ على ما نذكره إن شاء الله ، ~~فكتب إليه صاحبه يأمره بالعود إليه ويستحثه حثا شديدا . ذكر مسير أبي ~~العباس بن الموفق وهو المعتضد بالله إلى حرب والزنج وانتزاعه عامة ما كان ~~بيد سليمان ابن جامع والزنج من أعمال دجلة كان مسيرة لذلك في سنة ست وستين ~~ومائتين ، وسبب ذلك أن الزنج لما دخلوا واسط وفعلوا بها ما فعلوا - واتصل ~~ذلك بالموفق - أمر ابنه أبا العباس بتعجيل المسير بين يديه ، إليهم ، فسار ~~في شهر ربيع الآخر وشيعه أبوه ، وسير معه عشرة آلاف من الرجالة والخيالة في ~~العدة الكاملة ، وأخذ معه الشذاوات والسميريات والمعابر للرجالة ، فسار حتى ~~وافى دير العاقول ، وكان على مقدمته في الشذوات نصير المعروف بأبي حمزة ، ~~فكتب نصير إليه يخبره أن سليمان بن جامع قد وافى خيله ورجله وشذاوات ~~وسميريات - والجبائي على مقدمته ، حتى نزل الجزيرة فحصر بردودا ، وأن ~~سليمان بن موسى الشعراني قد وافى الصلح ، ووجه طلائعه ليعرف أخبارهم ، ~~فعادوا وأعلموه موافاة الزنج وجيشهم ، وأن أولهم بالصلح وآخرهم ببستان موسى ~~بن بغا أسفل واسط . قال : وكان سبب جمع الزنج وحشدهم أنهم قالوا : إن ~~العباس فتى حدث غر بالحرب ، والرأي لنا أن نرميه بحدنا كله ، ونجهد في أول ~~مرة نلقاه فلعل ذلك بروعة فينصرف عنا ، فجمعوا وحشدوا ، فلما علم أبو ~~العباس قربهم عدل عن سنن الطريق واعترض في مسيره ، ولقي أصحابه أوائل الزنج ~~فتطاردوا لهم حتى طمعوا فيهم وتبعوهم ، وجعلوا يقولون : اطلبوا أميرا للحرب ~~فإن أميركم قد اشتغل بالصيد ، فلما PageV25P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" قربوا منه خرج عليهم فيمن معه ، وصاح بنصير ~~إلى أين يتأخر عن هذه الأكلب ، فرجع نصير ، وركب أبو العباس سميرية وحف به ~~أصحابه من جميع الجهات ، فانهزمت الزنج وكثر القتل فيهم ، وتبعوهم إلى أن ~~وصلوا قرية عبد الله ، وهي على سنة فراسخ من الموضع الذي لقوهم به وأخذوا ~~منهم خمس شذاوات وعدة ms5768 سميريات ، وأسر جماعة واستأمن جماعة ، فكان هذا أول ~~فتح . فسار سليمان بن جامع إلى نهر الأمير ، وسار سليمان الشعراني إلى سوق ~~الخميس ، وانحدر أبو العباس فأقام بالعمر ، وهو على فرسخ من واسط ، وأصلح ~~شذاواته وأخذ يراوح القوم القتال ويغاديهم ، ثم إن سليمان استعد وحشد وجعل ~~أصحابه في ثلاثة أوجه ، وقالوا إنه حدث غر يغرر بنفسه وكمنوا كمينا ، فبلغ ~~الخبر أبا العباس فحذره ، وأقبلوا وقد كمنوا الكمناء ليغتر بأتباعهم فيخرج ~~الكمين عليه ، فمنع أبو العباس أصحابه من اتباعهم ، فلما علموا أن كيدهم لم ~~يتم خرج سليمان من الشذاوات والسميريات ، فأمر أبو العباس نصيرا أن يبرز ~~إليهم ، وركب هو في شذاة من شذاواته سماها الغزال ، ومعه جماعة من خاصته ، ~~وأمر الخيالة بالمسير بازائه على شاطئ النهر إلى أن ينقطع ، فيعبروا دوابهم ~~، ونشبت الحرب بين الفريقين فوقعت الهزيمة على الزنج ، وغنم أبو العباس ~~منهم أربع عشرة شذاة ، وأفلت سليمان والجبائي بعد أن أشفيا على الهلاك ، ~~وبلغوا طهيثا وأسلموا ما كان معهم ، ورجع أبو العباس إلى معسكره ، وأقام ~~الزنج عشرين يوما لا يظهر منهم أحد ، وجعلوا على طريق الخيل آبارا وجعلوا ~~فيها سفافيد حديد ، وجعلوا على رؤوسها البواري والتراب ليسقط فيها ~~المجتازون ، فسقط فيها رجل ففطنوا لها فتركوا ذلك الطريق . واستمد سليمان ~~صاحب الزنج فأمده بأربعين سميرية بآلاتها ومقاتليها ، فعادوا للتعرض للحرب ~~فلم يثبتوا لأبي العباس ، ثم سير إليهم عدة سميريات فأخذها الزنج ، فبلغه ~~الخبر وهو يتغدى فركب في سميرية ولم ينتظر أصحابه وتبعه منهم من خف فأدرك ~~الزنج ، فانهزموا وألقوا أنفسهم في الماء ، فاستنقذ سميرياته ومن كان فيها ~~، وأخذ منهم إحدى وثلاثين سميرية ورمى أبو العباس يومئذ عن قوس حتى دميت ~~إبهامه ، فلما رجع أمر لمن معه بالخلع ، وأمر بإصلاح السميريات المأخوذة من ~~الزنج . PageV25P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" ثم إن أبا العباس رأى أن يتوغل مازروان حتى ~~يصير إلى الحجاجية ونهر الأمير ، ويعرف ما هناك ، فقدم نصيرا في أول ~~السميريات وركب أبو العباس في سميرية ومعه محمد بن شعيب ، ودخل مازروان وهو ~~يظن أن ms5769 نصيرا أمامه ، فلم يقف له على خبر ، وكان قد سار على غير طريق أبي ~~العباس ، وخرج من مع أبي العباس من الملاحين إلى غنم رأوها ليأخذوها ، فبقي ~~هو ومحمد بن شعيب فأتاهما جمع من الزنج من جانبي النهر ، فقاتلهم أبو ~~العباس بالنشاب ، ووافاه زيرك في باقي الشذاوات ، فسلم أبو العباس وعاد إلى ~~عسكره ، ورجع نصير ، وجمع سليمان بن جامع أصحابه وتحصن بطهيثا ، وتحصن ~~الشعراني وأصحابه بسوق الخميس ، وجعلوا يحملون الغلات إليها ، واجتمع ~~بالصينية جمع كثير ، فوجه أبو العباس جماعة من قواده على الخيل إلى ناحية ~~الصينية ، وأمرهم بالمسير في البر وإذا عرض لهم نهر عبروه ، وركب هو في ~~الشذاوات والسميريات ، فلما أبصرت الزنج الخيل خافوا ولجأوا إلى الماء ~~والسفن ، فلم يلبثوا أن وافتهم الشذاوات مع أبي العباس ، فلم يجدوا ملجأ ~~فاستسلموا ، فقتل منهم فريق وأسر فريق ، وألقي فريق أنفسهم في الماء ، وأخذ ~~أصحاب أبي العباس سفنهم وهي مملوءة أرزا ، واخذ الصينية وأزاح الزنج عنها ، ~~فانحازوا إلى طهيثا وسوق الخميس ، ورجع أبو العباس إلى عسكره وقد فتح ~~الصينية . وبلغه أن جيش عظيما للزنج مع ثابت بن أبي دلف ولؤلؤ ، فسار إليهم ~~وأوقع بهم وقعة عظيمة وقت السحر ، فقتل منهم خلقا كثيرا منهم لؤلؤ ، وأسر ~~ثابتا فمن عليه وجعله مع بعض قواده ، واستنقذ خلقا كثيرا من النساء ، فأمر ~~بردهن إلى أهلهن ، وأخذ كل ما كان الزنج جمعوه ، وأمر أصحابه أن يتجهزوا ~~للمسير إلى سوق الخميس ، وأمر نصير بتعبئة أصحابه بالمسير ، فقال له : إن ~~نهر سوق الخميس ضيق ، فأقم أنت ونسير نحن ، فأبى عليه ، فقال له محمد بن ~~شعيب : إن كنت لابد فاعلا فلا تكثر الشذوات ولا الرجال فإن النهر ضيق ، ~~فسار نصير بين يديه إلى فم برمساور ، فوقف أبو العباس وتقدمه نصير في خمس ~~عشرة شذاة ، في نهر يؤدي إلى مدينة الشعراني ، التي سماها المنيعة في سوق ~~الخميس ، فلما غاب عنه نصير خرج جماعة كثيرة في البر على أبي العباس ، ~~فمنعوه من الوصول إلى المدينة ، وقاتلوه قتالا شديدا من أول النهار إلى ms5770 ~~الظهر ، وخفي عليه خبر نصير ، وجعل الزنج يقولون : قد قتلنا نصيرا ، فاغتنم ~~أبو العباس ذلك وأمر محمدا يتعرف خبره ، فسار فرآه عند سكر الزنج ، وقد ~~أحرقه PageV25P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" وأضرم النار في مدينتهم ، وهو يقاتلهم قتالا ~~شديدا ، فعاد إلى أبي العباس فأخبره فسر بذلك ، وأسر نصير من الزنج جماعة ~~كثيرة ، ورجع حتى وافى أبا العباس ، ووقف أبو العباس فقاتلهم فرجعوا عنه ، ~~وكمن بعض شذاواته وأمر أن تظهر واحدة منها ، فطمعوا فيها وأدركوها فعلقوا ~~بسكانها ، فخرجت عليهم السفن الكمائن وفيها أبو العباس ، فانهزم الزنج وغنم ~~أبو العباس منهم ست سميريات ، وانهزموا لا يلوون على شيء من الخوف ، ورجع ~~أبو العباس إلى عسكره سالما ، وخلع على الملاحين وأحسن إليهم . ذكر مسير ~~الموفق لقتال الزنج وفتح المنيعة قال : وفي سنة سبع وستين ومائتين أيضا سار ~~الموفق على بغداد إلى واسط لحرب الزنج ، وجمع وحشد الفرسان والرجالة ~~واستكثر من العدة ، وسد الجهات التي يخاف منها لئلا يبقى له ما يشغل قلبه ~~وكان صاحب الزنج قد أرسل إلى علي بن أبان المهلبي ، ويأمره أن يجتمع مع ~~سليمان بن جامع على حرب أبي العباس بن الموفق ، فخاف الموفق وهنا يتطرق إلى ~~ابنه أبي العباس ، فسار عن بغداد في صفر سنة سبع وستين فوصل إلى واسط في ~~شهر ربيع الأول ، فلقيه ابنه فأخبره بحال جنده وقواده فخلع عليه وعليهم ، ~~ورجع أبو العباس إلى معسكره بالعمر ، ثم نزل الموفق على نهر بسنداد بازاء ~~قرية عبد الله ، وأمر ابنه فنزل شرقي دجلة بازاء فوهه بردودا ، وولاه ~~مقدمته وأعطى الجيش أرزاقهم ، وأمر ابنه أن يسير بما معه من الآلات الحربية ~~إلى فوهة برمساور ، فرحل في نخبة أصحابه ، ورحل الموفق بعده فنزل فوهة ~~برمساور ، فأقام يومين ثم وصل إلى المدينة التي سماها صاحب الزنج - المنيعة ~~- من سوق الخميس يوم الثلاثاء لثمان خلون من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين ~~، وسلك بالسفن في برمساور وسارت الخيل شرقية حتى حاذوا براطق ، الذي يوصل ~~إلى المنيعة ، وأمر أن تعبر الخيل لتصير من الجانبين ، وأمر ms5771 ابنه أبا ~~العباس بالتقدم بالشذوات بعامة الجيش ، ففعل فلقيه الزنج فحاربوه حربا ~~شديدا ، ووفاهم أبو أحمد الموفق والخيل من جانبي النهر ، فلما رأوا ذلك ~~انهزموا وتفرقوا ، وعلا أصحاب أبي العباس السور ووضعوا السيوف في من لقيهم ~~، ودخلوا المنيعة فقتلوا بها خلقا كثيرا ، وأسروا عالما عظيما ، وغنموا ما ~~كان فيها ، وهرب الشعراني ومن معه وتبعه أصحاب الموفق إلى البطائح ، فغرق ~~منهم خلق كثير ولجأ الباقون إلى الآجام ، ورجع الموفق PageV25P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" إلى معسكره من يومه ، وقد استنقذ من المسلمات ~~زهاء خمسة آلاف امرأة ، سوى من ظفر به من الزنجيات ، وأمر بحفظ النساء ~~وحملهن إلى واسط ليدفعن إلى أهلهن ، ثم بكر إلى المدينة وأمر الناس بأخذ ما ~~فيها فأخذ جميعه ، وأمر بهدم صورها وطم خندقها وإحراق ما بقي فيها من السفن ~~، وأخذوا من الطعام والشعير والأرز شيئا كثيرا ، فأمر ببيع ذلك وصرفه إلى ~~الجند . قال : ولما انهزم سليمان لحق بالمذار ، وكتب إلى صاحب الزنج بذلك ، ~~فورد الكتاب عليه - وهو يتحدث - فانحل بطنه فقام إلى الخلاء دفعات ، وكتب ~~إلى سليمان بن جامع يحذره مثل الذي نزل بالشعراني ويأمره بالتيقظ . قال : ~~وأقام الموفق ببرمساور يومين يتعرف أخبار الشعراني وسليمان بن جامع فأتاه ~~من أخبره أن سليمان بن جامع بالحوانيت ، فسار حتى وافى الصينية ، وأمر ابنه ~~أبا العباس بالتقدم بالشذاوات والسميريات إلى الحوانيت ، فسار أبو العباس ~~إليها فلم يبر سليمان بها ، ورأى هناك جمعا من الزنج مع قائدين لهم ، خلفهم ~~سليمان بن جامع هناك لحفظ غلات كثيرة لهم فيها ، فحاربهم أبو العباس إلى أن ~~حجز بينهم الليل ، واستأمن إلى أبي العباس رجل ، فسأله عن سليمان بن جامع ~~فأخبره أنه مقيم بطهيثا بمدينته التي سماها المنصورة ، فعاد أبو العباس إلى ~~أبيه بالخبر فأمره بالمسير إليه فسار حتى نزل بردودا ، فأقام بها لإصلاح ما ~~يحتاج إليه ، واستكثر من الآلات التي يسد بها الأنهار ويصلح بها الطرق ~~للخيل ، وخلف ببردودا بغراج التركي . ذكر استيلاء أبي أحمد الموفق على ~~طهيثا قال : ولما فرغ الموفق من الذي يحتاج إليه ms5772 سار عن بردودا إلى طهيثا ~~لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين ومائتين ، أمسيرة على الظهر في ~~خيله ، وحدرت السفن والآلات فنزل بقرية الجوزية وعقد جسرا ، ثم غدا فاعبر ~~خيله عليه ثم عبر بعد ذلك ، فسار حتى نزل معسكرا على ميلين من طهيثا فأقام ~~بها يومين ، ومطرت لسماء مطرا شديدا فشغل عن القتال ، ثم ركب لينظر موضعا ~~للحرب ، فانتهى إلى قريب من سرور مدينة سليمان بطهيثا - وهي التي سماها ~~المنصورة - فتلقاه خلق كثير وخرج عليه كمناء من مواضع شتى ، واشتدت الحرب ~~وترجل جماعة من الفرسان ، وقاتلوا حتى خرجوا عن المضيق الذي كانوا فيه ، ~~وأسر من غلمان الموفق جماعة ، ورمي أبو العباس ابن الموفق أحمد بن مهدي ~~الجبائي بسهم خالط دماغه فسقط ، وحمل إلى صاحب الزنج فلم يلبث أن مات ~~بحضرته ، فصليت عليه وعظمت لديه PageV25P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" المصيبة بموته ، وكان أعظم أصحابه غناء ، ~~وانصرف الموفق إلى معسكره وقت المغرب ، وأمر أصحابه بالتحارس ليلتهم ~~والتأهب للحرب ، فلما أصبحوا - وذلك في يوم السبت لثلاث بقين من شهر ربيع ~~الآخر - عبي الموقف أصحابه ، وجعلهم كتائب يتلوا بعضها بعضا فرسانا ورجالة ~~، وأمر بالشذاوات والسميريات أن يسار بها إلى النهر ، الذي يشق مدينة ~~سليمان ، وهو النهر المعروف بنهر المنذر ، ورتب أصحابه في المواضيع التي ~~يخاف منها ، ثم نزل فصلى أربع ركعات وابتهل إلى الله عز وجل في النصر ثم ~~لبس سلاحه ، وأمر ابنه أبا العباس أن يتقدم إلى السور ، فتقدم إليه فرأى ~~خندقا فأحجم الناس عنه ، فحرضهم قوادهم وترجلوا معهم فاقتحموه وعبروه ، ~~وانتهوا إلى الزنج وهم على سورهم ، فلما رأى الزنج تسرعهم إليهم ولو ~~منهزمين ، وأتبعهم أصحاب أبي العباس فدخلوا المدينة ، وكان الزنج قد حصنوها ~~بخمسة خنادق ، وجعلوا أمام كل خندق سورا ، فجعلوا يقفون عند كل سور وخندق ~~فيكشفهم أصحاب أبي العباس ، ودخلت الشذاوات والسميريات المدينة من النهر ، ~~فجعلت تغرق كل ما مرت لهم به من سميرية وشذاة ، وقتلوا من بجانبي النهر ~~وأسروا ، حتى أجلوهم عن المدينة وعما اتصل بها ، وكان مقدار العمارة ms5773 بها ~~فرسخا ، وحوى الموفق ذلك كله ، وأفلت سليمان بن جامع ونفر من أصحابه ، وكثر ~~القتل فيهم والأسر ، واستنقذ أبو أحمد من نساء أهل واسط والكوفة والقرى ~~وصبيانهم أكثر من عشرة آلاف ، فأمر بحملهم إلى واسط ودفعهم إلى أهليهم ، ~~وأخذ ما كان فيها من الدخائر والأموال ، وأمر بصرف ذلك إلى الأجناد ، وأسر ~~عدة من نساء سليمان وأولاده ، وتخلص من كان أخذ من أصحاب الموفق ، ولجأ جمع ~~كثير إلى الآجام فأمر أصحابه بطلبهم ، وأقام سبعة عشرة يوما ، وهدم سور ~~المدينة وطم خنادقها ، وجعل لكل من أتاه برجل منهم جعلا ، فكان إذا أتي ~~بالواحد منهم عفا عنه وضمه إلى قواده وغلمانه ، لما كان دبره من استمالتهم ~~، وأرسل في طلب سليمان ابن جامع حتى بلغوا دجلة العوراء فلم يظفروا به ، ~~وأمر زيرك بالمقام بطهيثا ليتراجع أهل تلك الناحية إليها . ذكر مسير الموفق ~~إلى الأهواز وإجلاء الزنج عنها قال : ولما فرغ أبو أحمد الموفق من المنصور ~~رحل نحو الأهواز لإصلاحها وإجلاء الزنج عنها ، فأمر ابنه أبا العباس أن ~~يتقدمه ، وأمر بإصلاح الطرق للجيوش ، واستخلف على من ترك من عسكره بواسط ~~ابنه هارون ، ولحقة زيرك فأخبره بعود أهل PageV25P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" طهيثا إليها وأمن الناس ، فأمره الموفق ~~بالانحدار في الشذا والسميريات مع نصير ، ليتتبع المنهزمين ويوقع بهم وبمن ~~ظفروا به من الزنج ، حتى ينتهي إلى المدينة صاحب الزنج بنهر أبي الخطيب ، ~~فسارا وارتحل الموفق في مستهل جمادى الآخرة من واسط حتى أتى السوس ، وأمر ~~مسرورا بالقدوم عليه ، وهو عامله هناك فأتاه ، وكان صاحب الزنج - لما بلغه ~~ما عمل الموفق بسليمان بن جامع - خاف أن يأتيه ، وهو على حال تفرق أصحابه ~~عنه ، فكتب إلى علي بن أبان بالقدوم عليه ، وكان بالأهواز في ثلاثين ألفا ، ~~فترك جميع ما كان عنده من طعام ودواب وأغنام وغير ذلك ، واستحلف عليه محمد ~~بن يحيى الكرنبائي ، فلم يقم ولا تبع عليا ، وكتب صاحب الزنج أيضا إلى ~~بهبوذ بن عبد الوهاب ، وهو بالفندق والباسيان وما اتصل بهما ، يأمره ~~بالقدوم عليه ، فترك ما كان ms5774 عنده من الذخائر وسار نحوه ، فحوى ذلك جميعه ~~الموفق وقوي به على حرب صاحب الزنج . قال : ولما سار علي بن أبان عن ~~الأهواز تخلف بها جمع من أصحابه زهاء ألف رجل ، فأرسلوا إلى الموفق يطلبون ~~الأمان فأمنهم ، فقدموا عليه فأجرى عليهم الأرزاق ، ثم رحل عن السوس إلى ~~جنديسابور وتستر وجبا الأموال ، ووجه إلى محمد بن عبيد الله الكردي - وكان ~~خائفا منه - فأمنه وعفا عنه وطلب منه الأموال والعساكر ، فحضر عنده أحسن ~~إليه ، ثم رحل إلى عسكر مكرم ووافى الأهواز ، ثم رحل عنها إلى نهر المبارك ~~من فرات البصرة ، وكتب إليه ابنه هارون أن يوافيه بجميع الجيش إلى نهر ~~المبارك ، فلقيه هناك في منتصف شهر رجب ، وكان زيرك ونصير - لما خلفهما ~~الموفق ليتتبعا الزنج - انحدرا حتى وافيا الأبلة ، فاستأمن إليهما رجل ~~أخبرهما : أن صاحب الزنج قد أرسل إليهما عددا كثيرا من الشذا والسميريات ~~إلى دجلة ، ليمنع عنها من يريدها ، وأنهم يريدون عسكر نصير - وكان عسكره ~~بنهر المرأة ، فرجع نصير من الأبلة إلى عسكره لما بلغه ذلك ، وسار زيرك من ~~طريق آخر ، لأنه قدر أن الزنج تأتي عسكر نصير من ذلك الوجه ، فكان كذلك ~~فلقيهم في طريقه فظفر بهم وانهزموا منه ، وكانوا قد جعلوا كمينا فدل زيرك ~~عليه ، فتوغل حتى أتاه ، فقتل من الكمناء جماعة أسر جماعة ، وكان ممن ظفر ~~به مقدم الزنج ، وهو أبو عيسى محمد بن PageV25P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" إبراهيم البصري ، وهو من أكابر قوادهم ، وأخذ ~~منهم ما يزيد على ثلاثين سميرية ، فجزع لذلك جميع الزنج ، فاستأمن إلى نصير ~~منهم زهاء ألفي رجل ، فكتب بذلك إلى الموفق ، فأمره بقبولهم والإقبال إليه ~~بالنهر المبارك ، فوافاه هنالك ، وأمر الموفق ابنه أبا العباس بالمسير إلى ~~محاربة صاحب الزنج بنهر أبي الخطيب ، فساروا إليه فحاربه من بكرة النهار ~~إلى الظهر ، واستأمن إليه قائد من قواد الزنج ومعه جماعة ، فكسر ذلك صاحب ~~الزنج ، وعاد أبو العباس بالظفر ، وكتب الموفق إلى صاحب الزنج يدعوه إلى ~~التوبة والإنابة إلى الله تعالى مما ركب من سفك الدماء وانتهاك ms5775 المحارم ~~وخراب البلدان واستباحه الفروج والأموال وادعاء النبوة والرسالة ، ويبذل له ~~الأمان ، فوصل الكتاب إليه فقرأه ولم يكتب جوابه . ذكر محاصرة مدينة صاحب ~~الزنج وهي المدينة التي سماها المختارة قال : ولما أنفذ الموفق الكتاب إلى ~~صاحب الزنج ولم يرد جوابه ، عرض عسكره وأصلح آلاته ورتب قواده ، ثم سار هو ~~وابنه أبو العباس في العشرين من شهر رجب سنة سبع وستين إلى مدينة صاحب ~~الزنج ، فلما أشرف عليها وتأملها ورأى حصانتها بالأسوار والخنادق ووعور ~~الطريق إليها وما أعد من المجانيق والعرادات والقسي وسائر الآلات على سورها ~~مما لم ير مثله ممن تقدم من منازعي السلطان ، ورأى من كثرة عدد المقاتلة ما ~~استعظمه ، فلما عاين الزنج أصحاب الموفق ارتفعت أصواتهم حتى ارتجت الأرض ، ~~فأمر الموفق ابنه بالتقدم إلى سور المدينة ورمى من عليه بالسهام ، فتقدم ~~حتى ألصق شذاواته بقصر صاحب الزنج ، فكثر الزنج وأصحابهم على أبي العباس ، ~~وتتابعت سهامهم وحجارة مجانيقهم ومقاليعهم ، ورمى عوامهم بالحجارة عن ~~أيديهم ، حتى ما يقع الطرف إلا على سهم أو حجر ، وثبت أبو العباس ، فرأى ~~صاحب الزنج في ثباته وثبات أصحابه ما لا رأى مثله من أحد ممن حاربهم ، ثم ~~أمرهم الموفق بالرجوع ففعلوا ، واستأمن إلى الموفق مقابلة من سمارتين ~~فأمنهم ، وخلع على من فيها من المقاتلة والملاحين على أقدارهم ووصلهم ، ~~وأمر بإدنائهم إلى موضع يراهم فيه نظراؤهم ، فكان ذلك من أنجع المكائد ، ~~فلما رأوهم الباقون رغبوا في الأمان وتنافسوا فيه وابتدروا إليه ، فصار إلى ~~الموفق في ذلك اليوم عدد كثير من أصحاب السميريات فعمهم بالخلع والصلات ، ~~فلما رأى صاحب الزنج ذلك أمر برد أصحاب السميريات إلى نهر أبي الخصيب ، ~~ووكل بفوهة النهر من PageV25P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" يمنعهم من الخروج ، وأمر بهبود - وهو من أشر ~~قواده ، أن يخرج من الشذاوات ، فخرج فبرز إليه أبو العباس في شذاواته ~~وقاتله ، واشتدت الحرب فانهزم بهبود إلى فناء قصر صاحب الزنج ، وأصابته ~~طعنتان وجرح بالسهام ، فولج نهر أبي الخصيب وقد أشفى على الموت ، وقتل ممن ~~كان معه قائد ذو بأس - يقال ms5776 له عميرة ، وظفر أبو العباس بشذاة فقتل أهلها ، ~~ورجع هو ومن معه سالمين ، واستأمن إلى أبي العباس أهل شذاة فأمنهم وأحسن ~~إليهم وخلع عليهم ، ورجع الموفق ومن معه إلى عسكره بالنهر المبارك ، ~~واستأمن إليه عند منصرفه خلق كثير ، فأمنهم وخلع عليهم ووصلهم وأثبت ~~أسماءهم مع أبي العباس ، وأقام في عسكره يومين لست ليال بقين من شهر رجب ~~إلى نهر جطي فنزله ، وقام به إلى منتصف شعبان لم يقاتل . ثم ركب في منتصف ~~شعبان في الخيل والرجل وأعد الشذاوات والسميريات ، وكان معه من الجند ~~والمطوعة زهاء خمسين ألفا ، وكان مع صاحب الزنج أكثر من ثلاثمائة ألف إنسان ~~، كلهم ممن يقاتل بسيف أو رمح أو مقلاع أو منجنيق ، وأضعفهم رماة الحجارة ~~من أيديهم وهم النظارة ، والنساء تشركهم في ذلك ، فأقام أبو أحمد ذلك اليوم ~~، ونودي بالأمان للناس كافة إلا صاحب الزنج ، وكتب الأمان في رقاع ورميت في ~~السهام ، ووعد فيها الإحسان ، فمالت قلوب أصحاب صاحب الزنج فاستأمن من ذلك ~~اليوم خلق كثير ، فخلع عليهم ووصلهم ، ولم يكن ذلك اليوم حرب . ثم رحل من ~~نهر جطى من الغد فعسكر قرب مدينة صاحب الزنج ، ورتب قواده وأجناده وعين لكل ~~طائفة موضعا يحافظون عليه ويضبطونه ، وكتب الموفق إلى البلاد في عمل ~~السميريات والشذاوات والزواريق والإكثار منها ، ليضبط بها لتنقطع الميرة عن ~~صاحب الزنج وأسس في منزلته سماها الموفقية ، وكتب إلى عماله من النواحي ~~بحمل الأموال والميرة في البر والبحر إلى مدينته ، وأمرهم بإنقاذ من يصلح ~~للإثبات في الديوان ، وأقام ينتظر ذلك شهرا ، فوردت عليه المير متتابعة ، ~~وجهز التجار صنوف التجارات إلى الموفقية ، واتخذت فيها الأسواق ، ووردتها ~~مراكب البحر ، وبنى الموفق بها المسجد الجامع وأمر الناس بالصلاة فيه ، ~~فجمعت هذه المدينة من المرافق وسيق إليها من صنوف الأشياء ما لم يكن في مصر ~~من الأمصار القديمة ، وحملت الأموال وأدرت الأرزاق . PageV25P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" قال : وعبرت طائفة من الزنج فنهبوا أطراف عسكر ~~نصير وأوقعوا به ، فأمر الموفق نصيرا بجمع عسكره وضبطهم ، وأمر الموفق ابنه ~~أبا العباس بالمسير ms5777 إلى طائفة من الزنج كانوا خارج المدينة ، فقاتلهم فقتل ~~منهم خلقا كثيرا وغنم ما كان معهم ، فصار إليه طائفة منهم بالأمان ، فخلع ~~عليهم وأمنهم ووصلهم ، وأقام أبو أحمد يكايد صاحب الزنج ، يبذل الأمان لمن ~~صار إليه ، ومحاصرة الباقين والتضييق عليهم ، وكانت قافلة قد أتت من ~~الأهواز فأسرى إليها بهبوذ في سميريات ، فأخذها فعظم ذلك على الموفق ، وغرم ~~لأهلها ما أخذ منهم ، وأمر بترتيب الشذاوات على مخارج الأنهار ، وقلد ابنه ~~أبا العباس الشذاوات وحفظ الأنهار بها من البحر إلى المكان الذي هم به . ~~قال : وفي شهر رمضان من السنة عبرت طائفة من الزنج يريدون الإيقاع بنصير ، ~~فردهم الله خائبين ، وظفروا بصندل الزنجي ، وكان يكشف رؤوس المسلمات ~~ويقلبهن تقليب الإماء ، فلما أتى به أمر الموفق أن يرمي بالسهام ثم قتله ، ~~واستأمن إلى الموفق من الزنج خلق كثير ، فبلغت عدة من استأمن إليه إلى آخر ~~شهر رمضان خمسين آلفا ؛ وفي شوال انتخب صاحب الزنج من عسكره خمسة آلا فمن ~~الشجعان والقواد ، وأمر علي بن أبان المهلبي بالعبور لكبس عسكر الموفق ، ~~وكان فيهم أكثر من مائتي قائد ، فعبروا ليلا واختفوا في آخر النخل ، وأمرهم ~~: أنه إذا ظهر أصحابهم وقاتلوا الموفق من بين يديه ظهروا وحملوا على عسكره ~~، وهم غارون مشاغيل بحرب من أمامهم ، فاستأمن منهم إنسان من الملاحين فأخبر ~~الموفق ، فسير ابنه أبا العباس لقتالهم وضبط الطرق التي يسلكونها ، فقاتلوا ~~قتالا شديدا ، وأسر أكثرهم ، وغرق منهم كثير ، وقتل بعضهم ونجا بعضهم ، ~~فأمر أبو العباس أن تحمل الأسرى والرؤوس في السميريات ، ويعبر بهم على ~~مدينة صاحب الزنج ، ففعلوا ذلك ، وبلغ الموفق أن صاحب الزنج قال لأصحابه : ~~إن الأسرى والرؤوس من المستأمنة ، فأمر بإلقاء الرؤوس إليهم في منجنيق ، ~~فلما رأوها عرفوها فأظهروا الجزع والبكاء ، وظهر لهم كذب صاحبهم . وفيها ~~أمر صاحب الزنج باتخاذ شذاوات فعملت له ، فكانت خمسين شذاة فقسمها بين ~~ثلاثة من قواده ، وأمرهم بالتعرض لعسكر الموفق ، وكانت شذاوات الموفق يومئذ ~~قليلة ، لأنه لم يصل إليه ما أمر بعمله ، والتي كانت عنده منها فرقها على ms5778 ~~أفواه الأنهار ، ليقطع الميرة عن صاحب الزنج ، فخافهم أصحاب الموفق فورد ~~عليهم الشذاوات التي كان الموفق أمر بعملها ، فسير ابنه أبا العباس يوردها ~~خوفا عليها من الزنج ، فلما أقبل بها رآها الزنج فعارضوها بشذاواتهم ، فقصد ~~غلام لأبي العباس PageV25P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" منعهم وقاتلهم ، فانكشفوا بين يديه وتبعهم حتى ~~أدخلهم نهر أبي الخصيب ، وانقطع عن أصحابه فعطفوا عليه فأخذوه ومن معه بعد ~~حرب شديدة ، فقتلوا وسلمت الشذاوات التي مع أبي العباس ، وأصلحها ورتب فيها ~~من يقاتل ، ثم أقبلت شذاوات صاحب الزنج على عادتها ، فخرج إليهم أبو العباس ~~في أصحابه ، فقاتلهم فهزمهم وظفر منهم بعدة شذاوات ، فقتل منهم من ظفر به ~~فيها ، فمنع صاحب الزنج أصحابه من الخروج عن فناء قصره ، وقطع أبو العباس ~~الميرة عن الزنج فاشتد جزع الزنج ، وطلب جماعة من وجوه أصحاب صاحب الزنج ~~الأمان فأمنوا ؛ وكان منهم محمد ابن الحارث العمي ، وكان إليه ضبط السور ~~يلي عسكر الموفق ، فخرج ليلا فأمنه الموفق ووصله بصلات كثيرة له ولمن خرج ~~معه ، وحمله على عدة دواب بآلاتها وحليتها ، وأراد إخراج زوجته فلم يقدر ، ~~وأخذها صاحب الزنج فباعها ؛ ومنهم أحمد البرذعي ، وكان من أشجع رجال صاحب ~~الزنج ، فخلع عليه وعلى غيره ممن أتاه ووصلهم بصلات كثيرة . قال : ولما ~~انقطعت الميرة وامواد عن صاحب الزنج أمر شبلا وأبا النداء وهما رؤساء قواده ~~- وكان يثق بهم - بالخروج إلى البطيحة في عشرة آلاف من ثلاثة وجوه للغارة ~~وقطع الميرة عن الموفق ، فسير الموفق إليهم زيرك في جمع من أصحابه ، فلقيهم ~~بنهر ابن عمر فرأى كثرتهم فراعه ذلك ، ثم استخار الله تعالى في قتالهم فحمل ~~عليهم وقاتلهم ، فقذف الله تعالى الرعب في قلوبهم فانهزموا ، فوضع فيهم ~~السيف وقتل منهم مقتلة عظيمة ، وغرق منهم مثل ذلك وأسر خلقا كثيران وأخذ من ~~سفنهم ما أمكنه أخذه ، وغرق منها ما غرق ، وكان ما أخذه من سفنهم نحو ~~أربعمائة سفينة ، وأقبل بالأسرى والرؤوس إلى المدينة الموفق . ذكر عبور ~~الموفق إلى مدينة صاحب الزنج وخروجه عنها وعودة إليها قال : وفي ذي ms5779 الحجة ~~سنة سبع وستين أيضا عبر الموفق مدينة صاحب الزنج لست بقين من الشهر ، وكان ~~سبب ذلك جماعة من قواد صاحب الزنج ، لما رأوا ما حل بهم من البلاء ، من قتل ~~من يظهر منهم ، وشدة الحصار على من لزم المدينة ، وحال من خرج بالأمان ، ~~وجعلوا يهربون من كل وجه ويخرجون إلى الموفق ، فلما رأى ذلك صاحب الزنج جعل ~~على الطريق التي يمكنكم الهرب منها من يحفظها ، فأرسل جماعة من القواد إلى ~~الموفق يطلبون الأمان ، وأن يوجه لمحاربة صاحبهم جيشا ليجدوا طريقا إلى ~~المصير إليه ، فأمر ابنه أبا العباس بالمصير إلى النهر الغربي PageV25P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" - وبه علي بن أبان - ففعل ، واشتدت الحرب ~~فاستظهر أبو العباس على الزنج ، فأمدهم صاحبهم بسليمان بن جامع في جمع ، ~~اتصلت الحرب من أول النهار إلى العصر ، وكان الظفر لأبي العباس وصار إليه ~~القوم كانوا طلبوا الأمان منه ، واجتاز أبو العباس بمدينة صاحب الزنج عند ~~نهر الأترك ، فرأى قلة الزنج هناك ، فطمع فيهم فقصدهم وقد انصرف أكثر ~~أصحابه إلى الموفقية ، فدخل البلد بمن بقي معه ، وندب صاحب الزنج أصحابه ~~لحربهم ، فلما رأى أبو العباس اجتماعهم وقلة أصحابه رجع ، وأرسل إلى أبيه ~~الموفق يستمده فأتاه من خف من الغلمان وظهروا على الزنج وهزموهم ، وكان ~~سليمان ابن جامع لما رأى ظهور أبي العباس سار في النهر مصعدا في جمع كثير ~~فاتي أصحاب أبي العباس في خلفهم وهم يحاربون من بإزائهم ، وخفقت طبوله ~~فانكشف أصحاب أبي العباس ، ورجع عليهم كان انهزم عنهم من الزنج ، فأصيب ~~جماعة من غلمان الموفق ، وأخذ الزنج عدة أعلام وحامي أبو العباس عن أصحابه ~~فسلم أكثرهم ثم انصرف وطمع الزنج بهذه الوقعة وشدت قلوبهم ، فأجمع الموفق ~~على العبور إلى مدينتهم بجميع جيوشه ، وأمر الناس بالتأهب وجمع المعابر ~~والسفن وفرقها عليهم ، ودخل يوم الأربعاء لست بقين من الشهر ، وفرق أصحابه ~~على المدينة ليضطر صاحبها إلى تفرقة أصحابه ، وقصد الموفق إلى ركن من أركان ~~المدينة وهو أحصن ما فيها ، وقد أنزله صاحب الزنج ابنه انكلاي وسليمان بن ms5780 ~~جامع وعلي بن أبان ، وعليه من المناجيق وآلات القتال ما لا يحد ، فلما ~~التقى الجمعان أمر الموفق غلمانه بالدنو منه ، وبينهم وبين ذلك السور نهر ~~الأتراك ، وهو نهر عريض كثير الماء فأحجموا عنه ، فصاح بهم الموفق وحرضهم ~~على العبور ، فعبروا سباحة والزنج ترميهم بالمجانيق والمقاليع والحجارة ~~والسهام ، فصبروا حتى جاوزوا النهر وانتهوا إلى السور ، ولم يكن معهم من ~~الفعلة من كان أعد لهدم السور ، فتولى الغلمان تشعيث السور بما كان معهم من ~~السلاح ، وسهل الله تعالى ذلك وكان معهم بعض السلاليم ، فصعدوا على ذلك إلى ~~السور ، ونصبوا علما من أعلام الموفق ، فانهزم الزنج عنه وسلموه بعد قتال ~~شديد ، وقتل من الفريقين خلق كثير ، ولما علا أصحاب الموفق السور أحرقوا ما ~~كان عليه من مجانيق وآلات وغير ذلك ، وكان أبو العباس قصد ناحية أخرى ، ~~فمضى علي بن أبان لقتاله فهزمه أبو العباس وقتل جمعا كثيرا من أصحابه ، ~~ولحق أصحاب أبي العباس بالسور فثلموا فيه ثلمة ، ودخلوا فلقيهم سليمان ابن ~~جامع فقاتلهم حتى ردهم إلى مواضعهم ، ثم إن الفعلة وافوا السور فهدموه في ~~عدة مواضع ، وعملوا على الخندق جسر فعبر الناس عليه من ناحية الموفق ، ~~فانهزم الزنج عن سور ثان كانوا قد اعتصموا به ، وجعل أصحاب الموفق يقتلونهم ~~PageV25P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" حتى انتهوا إلى نهر ابن سمعان ، وقد صارت دار ~~ابن سمعان في أيدي أصحاب الموفق فأحرقوها ، وقاتلهم الزنج هناك ثم انهزموا ~~حتى بلغوا ميدان صاحبهم ، فرجع في جمع من أصحابه عنه ، وقرب منه بعض رجالة ~~الموفق ، فضرب وجه فرسه بترسه وذلك مع مغيب الشمس ، فأمر الموفق الناس ~~بالرجوع فرجعوا ، ومعهم من رؤوس أصحابه شيء كثير ، وقد استأمن إلى أبي ~~العباس أول النهار نفر من قواد صاحب الزنج ، فتوقف عليهم حتى حملهم في ~~السفن . وأظلم الليل وهبت ريح عاصف وقوي الجزر ، فلصق أكثر السفن بالطين ، ~~فخرج جماعة من الزنج فنالوا من أصحابه ، وقتلوا منهم نفر . وكان بهبوذ ~~بازاء مسرور البلخي فأوقع بأصحاب مسرور ، وقتل منهم وأسر جماعة ، فكسر ذلك ~~من نشاط أصحاب ms5781 الموفق ، وكتن بعض أصحاب صاحب الزنج قد انهزم على وجهه نحو ~~نهر الأمير وعبادان ، وهرب جماعة من الأعراب إلى البصرة ، فأرسلوا يطلبون ~~الأمان فأمنهم الموفق ، وخلع عليهم وأجرى عليهم الأرزاق ، وكان ممن رغب في ~~الأمان من قواده ريحان بن صالح المغربي - وكان من رؤساء أصحابه ، فأرسل ~~يطلب الأمان وأن يرسل جماعة إلى مكان ذكره ليخرج إليهم ، ففعل الموفق فصار ~~إليه فخلع عليه وأحسن إليه ووصله ، ثم ضمه إلى أبي العباس ، ثم استأمن بعده ~~جماعة من أصحابه ، وكان خروج ريحان إليه لليلة بقيت من ذي الحجة من هذه ~~السنة . وفي سنة ثمان وستين ومائتين في المحرم إلى الموفق من قواد صاحب ~~الزنج جعفر بن إبراهيم المعروف بالسجان ، وكان من ثقات أصحابه فارتاع لذلك ~~، وخلع عليه الموفق وأحسن إليه ، وحمله في سميرية إلى إزاء قصر صاحبه ، ~~وأخبرهم أنهم في غرور وأعلمهم بما وقف عليه من كذب الخبيث وفجوره ، فاستأمن ~~في ذلك اليوم خلق كثير من قواد الزنج وغيرهم ، فأحسن إليهم الموفق وتتابع ~~الناس في طلب الأمان ، ثم أقام الموفق لا يحارب ليربح أصحابه إلى شهر ربيع ~~الآخر من السنة . فلما انتصف الشهر قصد الموفق مدينة الزنج ، فرق قواده على ~~جهاتها ، وجعل مع كل طائفة منهم من النقابين جماعة لهدم السور ، وتقدم إلى ~~جميعهم ألا يزيدوا على هدم السور ولا يدخلوا المدينة ، وتقدم إلى الرماة أن ~~يحموا بالسهام من يهدم PageV25P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" السور وينقبه ، فتقدموا إلى المدينة من سائر ~~جهاتها ، ووصلوا إلى السور وثلموه في مواضع كثيرة ، ودخل أصحاب الموفق ~~المدينة في تلك الثلم ، وجاء أصحاب صاحب الزنج فقاتلوهم فهزمهم أصحاب ~~الموفق ، وتبعوهم حتى أوغلوا في طلبهم ، واختلفت بهم طرق المدينة ، فبلغوا ~~أبعد من الموضع الذي وصلوا إليه في المرة الأولى وأحرقوا وأسروا ، وتراجع ~~الزنج عليهم وخرج الكمناء من مواضع يعرفونها ويجهلها أصحاب الموفق ، ~~فتحيروا ودافعوا عن أنفسهم وتراجعوا نحو دجلة ، بعد أن قتل منهم جماعة وأخذ ~~الزنج أسلابهم ، ورجع الموفق إلى مدينته وأمر بجمع أصحابه ، ولامهم على ~~مخالفته في دخولهم وإفساد ms5782 رأيه وتدبيره ، وأمر بإحصاء من فقد من أصحابه ، ~~وأقر ما كان لهم من الرزق على أولادهم وأهليهم ، فحسن موقع ذلك عندهم ، ~~وزاد في صحة نياتهم وصدق عزائمهم . ذكر إيقاع أبي العباس بن الموفق ~~بالأعراب وانقطاع الميرة عن الزنج ومقتل بهبوذ بن عبد الوهاب وفي سنة ثمان ~~وستين ومائتين أوقع أبو العباس أحمد بن الموفق ، وهو المعتضد بالله بقوم من ~~الأعراب ، وكانوا يحملون الميرة إلى الزنج فقتل منهم جماعة وأسر الباقين ~~وغنم ما كان منهم ، وأرسل إلى البصرة من أقام بها لأجل قطع الميرة ، وسير ~~الموفق رشيقا مولى أبي العباس ، فأوقع بقوم من بني تميم كانوا يجلبون ~~الميرة إلى صاحب الزنج ، فقتل أكثرهم وأسر جماعة منهم ، فحمل الأسرى ~~والرؤوس إلى الموفقية ، فأمر بهم الموفق فوقفوا بازاء عسكر الزنج ، وكان ~~فيهم رجل يسفر بين صاحب الزنج والأعراب ، فقطعت يده ورجله وألقى في عسكر ~~الزنج ، وأمر بضرب أعناق الأسرى فانقطعت الميرة بذلك عن صاحب الزنج ، فأضر ~~بهم الحصار وأضعف أبدانهم ، فكان يسأل الأسير والمستأمن عن عهده بالخبز ~~فيقول : عهدي به منذ زمان طويل ، فلما وصلوا إلى هذا الحال رأى الموفق أن ~~يتابع عليهم الحرب ، ليزيدهم ضرا وجهدا ، فكثر المستأمنون في هذا الوقت ، ~~وخرج كثير من أصحاب الخبيث فتفرقوا في القرى والأنهار البعيدة في طلب القوت ~~، فبلغ ذلك الموفق فأمر جماعة من قواد غلمانه بقصد تلك المواضع ، ويدعون من ~~بها إليه فمن أبى قتلوه ، فقتلوا منهم خلقا كثيرا وأتاه كثير منهم ، فلما ~~كثر المستأمنون عند الموفق عرضهم ، فمن كان ذا قوة وجلد أحسن إليه وخلطه ~~بغلمانه ، ومن كان منهم ضعيفا أو شيخا أو جريحا قد أذمنته الجراحة كساه ~~PageV25P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" وأعطاه دراهم ؛ وأمر به أن يحمل إلى عسكر صاحب ~~الزنج ، فيذكر ما رأى من الإحسان ، فتهيأ له بذلك ما أراد من استمالة أصحاب ~~الخبيث ، وجعل الموفق وابنه أبو العباس يلا زمان قتال صاحب الزنج - تارة ~~هذا وتارة هذا - وجرح أبو العباس ثم بريء ، وكان من جملة من قتل من أعيان ~~قواد صاحب الزنج ms5783 بهبوذ بن عبد الوهاب ، وكان كثير الخروج في السميريات ، ~~وكان ينصب عليها أعلاما تشبه أعلام الموفق ، فإذا رأى من يستضعفه أخذه ، ~~فأخذ من ذلك مالا جزيلا ، فواقعة في بعض خرجاته أبو العباس ، فافلت بعد أن ~~أشفى على الهلاك ، ثم خرج مرة أخرى فرأى سميرية ، فيها بعض أصحاب أبي ~~العباس فقصدها طامعا في أخذها ، فحاربه أهلها فطعنه غلام من غلمان أبي ~~العباس في بطنه ، فسقط في الماء فأخذه أصحابه فحملوه إلى عسكر صاحبه ، فمات ~~قبل وصوله وكان قتله من أعظم الفتوح ، وعظمت الفجيعة على صاحب الزنج ~~وأصحابه ، واشتد جزعهم عليه ، وأحسن الموفق إلى ذلك الغلام فوصله وكساه ~~وطوقه وزاد في رزقه ، وفعل بكل من كان معه في تلك السميرية نحو ذلك ، ثم ~~ظفر بالذوائبي وكان ممايلا لصاحب الزنج . وفي سنة تسع وستين ومائتين رمى ~~الموفق بسهم في صدره ، وكان سبب ذلك أن بهبوذ لما هلك طمع صاحب الزنج في ~~أخذ أمواله ، وكان قد صح عنده أن ملكه قد حوى مائتي ألف دينار وجواهر وفضة ~~، فطلب ذلك وأخذ أهله وأصحابه فضربهم ، وهدم ابنتيه طمعا في المال فلم يجد ~~شيئا ، فكان فعله مما أفسد قلوب أصحابه عليه ، ودعاهم إلى الهرب منه ، فأمر ~~الموفق بالنداء بالأمان في أصحاب بهنوذ ، فسارعوا إليه فألحقهم في العطاء ~~ممن تقدم ، ورأى الموفق ما كان يتعذر عليه من العبور إلى الزنج ، في ~~الأوقات التي تهب فيها الرياح لتحرك الأمواج ، فعزم على أن يوسع لنفسه ~~ولأصحابه موضعا في الجانب الغربي ، فأمر بقطع النخل وإصلاح المكان ، وأن ~~تعمل له الخنادق والسور ليأمن البيات ، فعلم صاحب الزنج أن الموفق إذا ~~جاوره قرب على من يريد اللحاق به المسافة ، مع ما يدخل قلوب أصحابه من ~~الخوف وانتقاض تدبيره عليه فاهتم بمنع الموفق من ذلك وبذل الجهد فيه وقاتل ~~أشد القتال ، فاتفق أن الريح عصفت في بعض تلك الأيام وقائد من القواد هناك ~~، فانتهز صاحب الزنج الفرصة في انفراد هذا القائد وانقطاع المدد عنه فسير ~~إليه جميع أصحابه فقاتلوه فهزموه ، وقتلوا كثيرا من أصحابه ms5784 ولم يجد ~~الشذاوات التي لأصحاب الموفق سبيلا إلى القرب منهم ، خوفا من الزنج أن ~~تلقيها على الحجارة فتنكسر ، فغلب الزنج عليهم وأكثروا القتل والأسر ، ومن ~~سلم منهم ألقى نفسه في الشذاوات وعبروا إلى الموفقية فعظم ذلك على الناس ، ~~ونظر الموفق فرأى أن نزوله بالجانب الغربي لا يأمن معه PageV25P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" حيلة الزنج وصاحبهم وانتهاز فرصة لكثرة ~~الأدغال وصعوبة المسالك ، وأن الزنج أعرف بتلك المضايق وأجرأ عليها من ~~أصحابه ، فترك ذلك وجعل قصده إلى هدم سور صاحب الزنج وتوسعة الطرق والمسالك ~~، فأمر بهدم السور من ناحية النهر المعروف بمنكي ، وباشر الحرب بنفسه واشتد ~~القتال ، وكثر القتل والجراح من الجانبين ودام ذلك أياما عدة ، وكان أصحاب ~~الموفق لا يستطيعون الولوج لقنطرتين كانتا على نهر منكى ، وكان الزنج ~~يعبرون عليها وقت القتال ، فيأتون أصحاب الموفق من وراء ظهورهم فينالون ~~منهم ، فأعمل الحيلة في إزالتهما ، فأمر أصحابه بقصدهما عند اشتغال الريح ~~وغفلتهم عن حراستهما ، وأمرهم أن يعدوا الفؤوس والمناشير وما يحتاجون إليه ~~من الآلات ، فقصدوا القنطرة الأولى نصف النهار فأتاهم الزنج لمنعهم ، ~~فاقتتلوا فانهزم الزنج ، وكان مقدمهم أبا النداء فأصابه سهم ، في صدره ~~فقتله ، وقطع أصحاب الموفق القنطرتين ورجعوا ، وألح الموفق على صاحب الزنج ~~بالحرب ، وهدم أصحابه من السور ما أمكنهم ، ودخلوا المدينة وقاتلوا فيها ، ~~وانتهوا إلى دار ابن سمعان وسليمان بن جامع فهدموهما ، ونهبوا ما فيهما ، ~~وانتهوا إلى سويقة لصاحب الزنج سماها الميمونة ، فهدمت وأخربت وهدموا دار ~~الجنائي وانتهبوا ما كان فيها من الخزائن ، وتقدموا إلى الجامع ليهدموه ~~فاشتد محاماة الزنج عنه ، فلم يصل إليه أصحاب الموفق ، لأنه كان قد خلص مع ~~صاحب الزنج نخبة أصحابه وأرباب البصائر ، فكان أحدهم إذا قتل أو جرح اجتذبه ~~الذي إلى جنبه ووقف مكانه ، فلما رأى الموفق ذلك أمر أبا العباس بقصد ~~الجامع من أحد أركانه بشجعان أصحابه ، وأضاف إليهم الفعول للهدم ونصب ~~السلاليم ففعل ذلك ، وقاتل عليه أشد قتال فوصلوا إليه فهدموه ، وأخذ منبره ~~فأتى به الموفق ، ثم عاد الموفق لهدم السور فأكثر منه ، وأخذ ms5785 أصحابه دواوين ~~صاحب الزنج وبعض خزانته ، فظهر للموفق إمارات الفتح ، فإنهم لعلى ذلك إذ ~~وصل سهم إلى الموفق فأصابه في صدره رماه به رومي كان مع صاحب الزنج اسمه ~~قرطاس وذلك لخمس بقين من جمادي الأولى ، فستر الموفق ذلك وعاد إلى مدينته ~~فبات ، ثم عاود الحرب على ما به من ألم الجراح ، ليشد بذلك قلوب أصحابه ~~فزاد في علته ، وعظم أمرها حتى خيف عليه ، واضطرب العسكر والرعية وخافوا ~~وأشار عليه بعض أصحابه وثقاته بالعود إلى بغداد ، ويخلف من يقوم مقامه فأبى ~~ذلك ، وخاف أن يستقيم من حال صاحب الزنج ما فسد ، واحتجب عن الناس مدة ثم ~~بريء من علته ، وظهر لهم ونهض لحرب صاحب الزنج وكان ظهوره في شعبان من هذه ~~السنة . PageV25P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" ذكر إحراق قصر صاحب الزنج وما يتصل بذلك من ~~الحروب والوقائع قال : ولما صح الموفق من جراحه عاد إلى ما كان عليه من حرب ~~صاحب الزنج ، وكان قد أعاد بعض الثلم في السور ، فأمر الموفق بهدم ذلك وهدم ~~ما يتصل به وركب في بعض العشايا ، وكان القتال متصلا ذلك اليوم مما يلي نهر ~~منكى ، والزنج مجتمعون فيه قد شغلوا أنفسهم بتلك الجهة ، وظنوا أنهم لا ~~يؤتون إلا منها ، فأتى الموفق ومعه الفعلة وقرب من نهر منكى وقاتلهم ، فلما ~~اشتدت الحرب أمر الذين في الشذاوات بالمصير إلى أسفل نهر أبي الخصيب ، وهو ~~خال من المقاتلة والرجال ، فتقدم أصحاب الموفق وأخرجوا الفعلة فهدموا السور ~~من تلك الناحية ، وصعد المقاتلة فقتلوا في النهر مقتلة عظيمة ، وانتهوا إلى ~~قصور من قصور صاحب الزنج فأحرقوها وانتهبوا ما فيها واستنقذوا عددا كثيرا ~~من النساء اللاتي كن فيها ، وغنموا منها ، وانصرف الموفق عند غروب الشمس ~~بالظفر والسلامة ، وبكر إلى حربهم وهدم السور ، فأسرع الهدم حتى اتصل بدار ~~انكلاى ، وهي متصلة بدار صاحب الزنج ، فلما أعيت صاحب الزنج الحيل أشار ~~عليه على ابن أبان بإجراء الماء على السباخ ، وأن يحفر خنادق في مواضع عدة ~~تمنعهم من دخول المدينة ففعل ذلك ، فرأى الموفق أن ms5786 يجعل قصده طم الخنادق ~~والأنهار والمواضع المعورة ففعل ذلك ، وحامى الزنج عنه ودامت الحرب ، ووصل ~~إلى الفريقين من القتل والجراح أمر عظيم ، وذلك لتقارب ما بين الفريقين ، ~~فلما رأى شدة الأمر من هذه الناحية قصد إحراق دار صاحب الزنج والهجوم عليها ~~من دجلة ، فكان يعوقه عن ذلك كثرة ما أعد لها من المقاتلة والحماة عن داره ~~، فكانت الشذاوات إذا قربت من قصره رميت من فوق القصر بالسهام والحجارة ~~والمجانيق والمقاليع ، وأذيب الرصاص وأفرغ عليهم فتعذر إحراقها لذلك ، فأمر ~~الموفق أن يسقف الشذا بالأخشاب ، ويعمل عليها الخيش وتطلى بالأدوية التي ~~تمنع النار من إحراقها ففعل ذلك ، ورتب فيها أنجاد أصحابه وجمعا من ~~النفاطين . واستأمن إلى الموفق محمد بن سمعان كاتب صاحب الزنج ، وكان أوثق ~~أصحابه في نفسه ، وكان سبب استئمانه أن صاحب الزنج أطلعه على أنه عازم على ~~الخلاص PageV25P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" وحده بغير أهل ولا مال ، فلما رأى ذلك من عزمه ~~أرسل يطلب الأمان ، فأمنه الموفق وأحسن إليه ؛ وقيل كان سبب خروجه أنه كان ~~كارها لصحبة صاحب الزنج ، مطلعا على كفره وسوء باطنه ، ولم يمكنه التخلص ~~منه إلى الآن ، ففارقه في عاشر شعبان . فلما كان الغد بكر الموفق لمحاربة ~~الزنج ، وأمر أبا العباس بقصد دار محمد الكرنبائي - وهي بإزاء دار صاحب ~~الزنج - وأحرقها وما يليها من منازل قواد الزنج ، يشغلهم بذلك عن حماية دار ~~صاحبهم وأمر المرتبين في الشذاوات المطلية بقصد دار صاحب الزنج وأحرقها ~~ففعلوا ذلك ، وألصقوا شذاواتهم بسور قصره ، وحاربوهم أشد حرب فنضحهم الزنج ~~بالنيران فلم تعمل شيئا ، وأحرق من القصر الرواشين والأبنية الخارجة وعملت ~~النار فيها ، وسلم الذين كانوا في الشذا مما كان الزنج يرسلونه عليهم ، ~~وأمر الموفق الذين في الشذا بالرجوع فرجعوا ، فأخرج من كان فيها ورتب غيرهم ~~، وانتظر إقبال المد وعلوه فلما أقبل عادت الشذا إلى قصره ، وأحرقوا بيوتا ~~منه كانت تشرع على دجلة ، واضطرمت النار فيها وقويت واتصلت ، فأعجلت صاحب ~~الزنج ومن كان معه عن التوقف على ما كان فيها من الأموال والذخائر وغير ms5787 ذلك ~~، فخرج هاربا وتركه ، وعلا غلمان الموفق قصره مع أصحابهم فانتهبوا ما لم ~~تأت النار عليه من الذهب والفضة والحلي وغير ذلك ، واستنفذوا جماعة من ~~النساء اللواتي كان صاحب الزنج يأنس بهن من اللواتي كان استرقهن ، ودخلوا ~~دوره ودور ابنه انكلاى فأحرقوها جميعا ، وفرح الناس بذلك وتحاربوا ، هم ~~وأصحاب صاحب الزنج على باب قصره ، فكثر القتل في أصحابه والجراح والأسر ، ~~وفعل أبو العباس في دار الكرنبائي من النهب والهدم والإحراق مثل ذلك ، وقطع ~~أبو العباس يومئذ سلسلة عظيمة كان صاحب الزنج قطع بها نهر أبي الخصيب ، ~~لتمتنع الشذا من دخوله ، فحازها أبو العباس وأخذها معه ، وعاد الموفق ~~بالناس مع المغرب مظفرا ، وأصيب صاحب الزنج في نفسه وماله ، وجرح ابنه ~~انكلاى في بطنه جرحا أشفى منه على الهلاك . ذكر غرق نصير صاحب الشذا قال : ~~وفي يوم الأحد لعشر بقين من شعبان غرق أبو حمزة نصير وهو صاحب الشذاوات ، ~~وكان سبب غرقه أن الموفق بك إلى القتال وأمر نصيرا بقصد قنطرة PageV25P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" لصاحب الزنج ، كان عملها في نهر أبي الخصيب ~~دون الجسرين ، اللذين كان اتخذهما على النهر ، وفرق أصحابه من الجهات ، ~~فعجل نصير فدخل في أول المد في عدة من شذواته ، فحملها الماء فألصقها ~~بالقنطرة ، ودخلت عدة من شذوات الموفق مع غلمانه ، ولم يأمرهم بالدخول فضلت ~~شذاوات نصير ولم يبق للملاحين فيها عمل ، ورأى الزنج ذلك فاجتمعوا على ~~جانبي النهر ، وألقى الملاحون أنفسهم في الماء خوفا من الزنج ، ودخل الزنج ~~الشذاوات فقتلوا بعض المقاتلة ، وغرق أكثرهم ، وصابرهم نصير حتى خاف الأسر ~~، فقذف بنفسه في الماء فغرق ، وأقام الموفق يومه ذلك يحاربهم وينهبهم ويحرق ~~منازلهم ، ولم يزل يومه مستعليا عليهم ، وكان سليمان بن جامع ذلك اليوم من ~~أشد الناس قتالا لأصحاب الموفق ، وثبت مكانه حتى خرج عليه كمين للموفق ~~فانهزم أصحابه ، وجرح سليمان جراحه في ساقه ، فسقط لوجهه في مكان كان به ~~حريق وفيه بعض الجمر فاحترق بعض جسده ، وحمله بعد أن كاد يؤسر ، وانصرف ~~الموفق سالما ظافرا ، وأصاب الموفق مرض ms5788 المفاصل فبقي به شعبان وشهر رمضان ~~وأياما من شوال ، وأمسك عن حرب الزنج ثم بريء وتماثل ، فأمر بإعداد آلة ~~الحرب . ذكر إحراق قنطرة صاحب الزنج قال : ولما اشتغل الموفق بعلته أعاد ~~صاحب الزنج القنطرة التي غرق عندها نصير ، وزاد فيها وأحكمها ونصب دونها ~~أدقال ساج ، وألبسها الحديد وسكر أمامها سكرا من حجارة ، ليضيق المدخل على ~~الشذا وتحتد جرية الماء في النهر ، فندب الموفق أصحابه ، وندب طائفة من ~~شرقي نهر أبي الخصيب وطائفة من غربيه ، وأرسل النجارين والفعلة لقطع ~~القنطرة وما جعل أمامها ، وأمر بسفن مملوءة قصبا أن يصب عليها النفط ، ~~وتدخل النهر ويلقى فيها النار لتحرق الجسر ، وفرق جنده على أصحاب صاحب ~~الزنج ، ليمنعوهم من معاونة من عند القنطرة ، فسار الناس إلى ما أمرهم به ، ~~وذلك في عاشر شوال ، وتقدمت الطائفتان إلى الجسر فلقيهما أنكلاى ابن صاحب ~~الزنج وعلي بن أبان وسليمان بن جامع ، واشتبكت الحرب ودامت وحامى أولئك عن ~~القنطرة ، لعلمهم بما عليهم في قطعها من الضرر ، ودامت الحرب على القنطرة ~~إلى العصر ، ثم إن غلمان الموفق أزالوا الزنج عن القنطرة ، وقطعها النجارون ~~ونقضوها وما كان عمل من الأدقال الساج ، وكان قطعها قد تعذر عليهم فأدخلوا ~~تلك السفن PageV25P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" التي فيها القصب والنفط وأضرموها نارا ، ~~فوافت القنطرة فأحرقنها فوصل النجارون بذلك إلى ما أرادوا ، وأمكن أصحاب ~~الشذا دخولهم النهر فدخلوا ، وقتلوا الزنج حتى أجلوهم عن مواقفهم إلى الجسر ~~الأول الذي يتلوا هذه القنطرة ، وقتل من الزنج كثير واستأمن كثير ، ووصل ~~أصحاب الموفق إلى الجسر وقت المغرب ، فكره الموفق أن يدركهم الليل فأمرهم ~~بالرجوع ، وأثاب المحسن على قدر إحسانه ليزدادوا جدا في حرب عدوه ، وأخرب ~~من العد برجين حجارة كانوا عملوهما ، ليمنعوا الشذا من الخروج منه إذا ~~دخلته ، فلما أخربهما سهل له ما أراد من دخول النهر والخروج منه . ذكر ~~انتقال صاحب الزنج إلى الجانب الشرقي وإحراق سوقه قال : لما أحرقت دور صاحب ~~الزنج وقصوره ومنازل أصحابه ، كما قدمناه ذكر ذلك - ونهبت أموالهم انتقلوا ~~إلى جانب الجانب الشرقي ms5789 من نهر أبي الخصيب ، وجمع عياله حوله ونقل أسواقه ، ~~فضعف أمره بذلك ضعفا شديدا ، ظهر للناس وامتنعوا من جلب الميرة إليه ، ~~فانقطعت عنه كل مادة ، وبلغ الرطل من خبز البر عشرة دراهم ، فأكلوا الشعير ~~وأصناف الحبوب ، ثم لم يزل الأمر بهم إلى أن كان أحدهم يأكل صاحبه إذا ~~انفرد به ، والقوى يأكل الضعيف ، ثم أكلوا أولادهم ، ورأى الموفق أن يخرب ~~الجانب الشرقي كما أخرب الغربي ، فأمر أصحابه بقصد دار الهمداني ومعهم ~~الفعلة ، وكان هذا الموضع محصنا بجمع كثير ، وعليه عرادات ومنجنيقات وقسى ، ~~فاشتبكت الحرب وكثرت القتلى فانتصر أصحاب الموفق عليهم وقتلوهم وهزموهم ، ~~وانتهوا إلى الدار فتعذر عليهم الصعود إليها لعلو سورها ، فلم تبلغه ~~السلاليم الطوال فرمى بعض غلمان الموفق كلاليب معهم ، فعلقوها في أعلام ~~صاحب الزنج وجذبوها فتساقطت الأعلام منكوسة ، فلم تشك المقاتلة عن الدار في ~~أن أصحاب الموفق وصعد النفاطون فأحرقوها وما كان عليها من المجانيق ~~والعرادات ، ونهبوا ما كان فيها من المتاع والأثاث ، وأحرقوا ما كان حولها ~~من الدور ، واستنقذوا من كان فيها من النساء ، وكن كثيرا ، فحملن إلى ~~الموفقية وأمر الموفق بالإحسان إليهن ، واستأمن يومئذ من أصحاب صاحب الزنج ~~وخاصته الذين يلون خدمته جماعة كثيرة ، فأمنهم الموفق وأحسن إليهم ، ودل ~~جماعة PageV25P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" من المستأمنة الموفق على سوق عظيمة كانت ~~لصاحب الزنج ، متصلة بالجسر الأول تسمى المباركة ، وأعلموه أنه إن أحرقها ~~لم يبق لهم سوق غيرها ، وخرج عنهم تجارهم الذين بهم قواهم ، فعزم الموفق ~~على إحراقها وأمر أصحابه بقصد السوق من جانبيها ففعلوا ، وأقبلت الزنج ~~إليهم فتحاربوا أشد حرب ، واتصل أصحاب الموفق إلى طرف من أطراف السوق ~~وألقوا فيه النار فاحترق ، واتصلت النار ، وكان الناس يقتتلون والنار محيطة ~~بهم ، وسقطت على المقاتلة واحترق بعضهم ، فكانت هذه حالهم إلى مغيب الشمس ، ~~ثم تحاجزوا ورجع أصحاب الموفق إلى عسكرهم ، وانتقل تجار السوق إلى أعلى ~~المدينة ، وكانوا قد نقلوا معظم أمتعتهم وأموالهم . قال : ثم فعل صاحب ~~الزنج بالجانب الشرقي من حفر الخنادق وتعوير الطرق مثل ما كان فعل بالجانب ms5790 ~~الغربي بعد هذه الوقعة ، واحتفر خندقا عظيما حصن به منازل أصحابه التي على ~~النهر الغربي ، فرأى الموفق أن يخرب باقي السور إلى النهر الغربي ، ففعل ~~ذلك بعد حرب طويلة في مدة بعيدة ، وكان بالجانب الغربي جمع من الزنج قد ~~تحصنوا بسور منيع ، وهم أشجع أصحابه ، فكانوا يحامون عنه وكانوا يحرجون على ~~أصحاب الموفق عند محاربتهم ، فأمر الموفق أن يقصد هذا الموضع ويخرب سوره ~~ويخرج من فيه ، وأمر ابنه أبا العباس والقواد بالتأهب لذلك ، وتقدم إليهم ~~وأمر أن تقرب الشذاوات من السور ، ونشبت الحرب ودامت إلى بعد الظهر ، وهدم ~~في السور مواضع وأحرق ما كان عليه من العرادات ، وتحاجز الفريقان وهما على ~~السواء سوى هذا السور وإحراق عرادات كانت عليه ، ونال الفريقين من الجراح ~~أمر عظيم ، وعاد الموفق فوصل الناس على قدر بلائهم ، هكذا كان عمله في ~~محاربته ، وأقام الموفق بعد هذه الوقعة أياما ، ثم رأى معاودة هذا الموضع ~~لما رأى من حصانته وشجاعته من فيه ، وأنه لا يقدر على ما يريد إلا بعد ~~إزالته ، فأعد الآلات ورتب أصحابه وقصده ، وقاتل من فيه وأدخلت الشذاوات ~~النهر ، واشتدت الحرب ودامت ، وأمد صاحب الزنج بالمهلبي وسليمان بن جامع في ~~جيشهما ، فحملوا على أصحاب الموفق حتى ألحقوهم بسفنهم وقتلوا منهم جماعة ، ~~فرجع الموفق ولم يبلغ منهم ما أراد ، وتبين له أنه إذا قاتلهم من وجوه عدة ~~خفت وطأتهم على من يقصد هذا الموضع ، ففرق أصحابه على جهات الزنج ، وصار هو ~~من جهة النهر الغربي PageV25P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" وقاتل من فيه وصدقهم أصحابه القتال فهزمهم ، ~~فولوا وتركوا حصنهم في أيدي أصحاب الموفق ، فهدموه وأسروا وقتلوا وخلصوا من ~~هذا الحصن خلقا كثيرا من النساء والصبيان ، ورجع الموفق إلى عسكره بما أراد ~~. ذكر استيلاء الموفق على مدينة صاحب الزنج الغربية قال : لما هدم الموفق ~~سور صاحب الزنج أمر بإصلاح المسالك ، ليتسع على المقاتلة الطريق إلى الحرب ~~، ثم رأى قلع الجسر الأول الذي على نهر أبي الخصيب ، لما في ذلك من منع ~~معاونة بعضهم بعضا ، وأمر بسفينة كبيرة ms5791 أن تملأ قصبا ويجعل فيه النفط ، ~~ويوضع في وسطها دقل طويل يمنعها من مجاوزة الجسر إذا التصقت به ، ثم أرسلها ~~عند غفلة الزنج وقوة المد ، فوافت الجسر وعلم بها الزنج فأتوها وطموها ~~بالحجارة والتراب ، ونزل بعضهم فخرقها فعرقت ، وكان قد احترق من الجسر شيء ~~يسير فأطفأه الزنج ، فاهتم الموفق بالجسر فندب أصحابه وأعد النفاطين ~~والفعلة والفؤوس ، وأمرهم بقصده من غربي النهر وشرقية ، وركب الموفق في ~~أصحابه وقصد فوهة نهر أبي الخصيب ، وذلك في منتصف شوال سنة تسع وستين فسبق ~~الطائفة التي في غرب النهر ، فهزم الموكلين على الجسر وهم سليمان بن جامع ~~وانكلاى ابن صاحب الزنج وأحرقوه ، وأتى بعد ذلك الطائفة الأخرى ففعلوا ~~بالجانب الشرقي مثل ذلك ، فأحرق الجسر وتجاوزه إلى جانب حظيرة كان يعمل ~~فيها سميريات صاحب الزنج وآلاته ، فاحترق ذلك كله إلا شيئا يسيرا من ~~الشذاوات والسميريات كانت في النهر ، وقصدوا سجنا للزنج فقاتلهم الزنج ساعة ~~من النهار ، ثم غلبهم أصحاب الموفق عليه فأطلقوا من فيه ، وأحرقوا ما مروا ~~به إلى دار مصلح - وهو من قدماء أصحابه - فدخلوها فنهبوها وما فيها وسبوا ~~نساءه وولده واستنفذوا خلقا كثيرا ، وعاد الموفق وأصحابه بالظفر والسلامة ، ~~وانحاز صاحب الزنج وأصحابه من هذا الجانب إلى الجانب الشرقي من نهر أبي ~~الخصيب ، واستولى الموفق على الجانب الغربي غير طريق يسيرة على الجسر ~~الثاني ، فأصلحوا الطرق فزاد ذلك في رعب الزنج ، فأجمع كثير من القواد - ~~الذين كان صاحب الزنج يرى أنهم لا يفارقونه - على طلب الأمان فطلبوه ، فبذل ~~لهم فخرجوا أرسالا فأحسن الموفق إليهم وألحقهم PageV25P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" بأمثالهم ، وأحب الموفق لأن يتمرن أصحابه على ~~سلوك النهر ليحرق الجسر الثاني فكان يأمرهم بإدخال الشذا فيه وإحراق ما على ~~جانبه من المنازل ، فهرب إليه في بعض الأيام قائد للزنج ومعه قاض كان لهم ~~ففت ذلك في أعضادهم ، ووكل صاحب الزنج بالجسر الثاني من يحفظه وشحنه ~~بالرجال ، فأمر الموفق بعض أصحابه فأحرق ما عند الجسر من سفن فزاد ذلك في ~~احتياط صاحب الزنج وحراسته للجسر ، لئلا يحرق ms5792 ويستولي الموفق على الجانب ~~الغربي ، وكان قد تأخر من أصحاب جمع في منازلهم المقاربة للجسر الثاني ، ~~وكان أصحاب الموفق يأتونهم ويقفون على الطريق الخفية ، فلما عرفوا ذلك ~~عزموا على إحراق الجسر الثاني ، فأمر الموفق ابنه أبا العباس والقواد أن ~~يتجهزوا لذلك ، وأن يأتوا من عدة جهات ليوافوا الجسر ، وأعد معهم الفؤوس ~~والنفط والآلات ودخل هو في الشذا ومعه أنجاد أصحابه ، واشتبكت الحرب في ~~الجانبين جميعا واشتد القتال ، وكان في الجانب الغربي بإزاء أبي العباس ومن ~~معه أنكلاى ابن صاحب الزنج وسليمان بن جامع ، وفي الجانب الشرقي بإزاء راشد ~~مولى الموفق ومن معه صاحب الزنج والمهلبي في باقي الجيش ، فدامت الحرب ~~مقدار ثلاث ساعات ثم انهزم الزنج لا يلوون على شيء وأخذت السوق منهم ، ووصل ~~أصحاب الشذا النهر ودانوا من الجسر ، وقاتلوا من يحميه بالسهام وأضرموه ~~نارا ، وانهزم انكلاى وسليمان وقد أثخنا بالجراح ، فوافيا الجسر والنار فيه ~~فحالت بينهما وبين العبور ، فألقيا أنفسهما ومن معهما في النهر فغرق منهم ~~خلق كثير ، وأفلت انكلاى وسليمان بعد أن أشفيا على الهلاك ، وقطع الجسر ~~وأحرق وتفرق جيش الموفق في جانبي المدينة ، وأحرق من الدور والقصور ~~والأسواق شيئا كثيرا واستنفذ من النساء والصبيان ما لا يحصى ودخلوا الدار ~~التي كان صاحب الزنج سكنها بعد إحراق قصره فنهبوا ما كان فيها وأحرقوها ، ~~وهرب هو واستنفذ في هذا اليوم نسوة من العلويات ، كن محبسات في موضع قريب ~~من داره فأحسن الموفق إليهن ، وفتح سجنا كان له وأخرج خلقا كثيرا ففك عنهم ~~الحديد ، وأخرج ذلك اليوم كل ما كان بنهر أبي الخصيب من شذا ومراكب بحرية ~~وسفن كبار وصغار وحراقات وغير ذلك من أصناف السفن إلى دجلة ، وأباحها ~~أصحابه بما فيها من السلب ، وكانت قيمته عظيمة ، وأرسل انكلاى ابنه يطلب ~~الأمان ، وسأل أشياء فأجابه الموفق إليها ، فعلم أبوه بذلك PageV25P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" فرده عما عزم عليه ، فعاد إلى الحرب ومباشرة ~~القتال ، ووجه سليمان ابن موسى الشعراني - وهو أحد رؤساء صاحب الزنج - يطلب ~~الأمان ، فلم يجبه الموفق إلى ذلك ms5793 لما تقدم منه من سفك الدماء والفساد ، ثم ~~اتصل به أن جماعة من أصحاب الزنج قد استوحشوا لذلك فأجابه وأرسل الشذا إلى ~~موضع ذكره فخرج هو وأخوه وأهله وجماعة من قواده ، فأرسل صاحبهم من يمنعهم ~~من ذلك فقاتلهم ووصل إلى الموفق فزاد في الإحسان إليه وخلع عليه وعلى من ~~معه ، وأمر بإظهاره لأصحابه ليزدادوا ثقة ، فلم يرجع من مكانه حتى استأمن ~~جماعة من القواد ، منهم شبل بن سالم ، فأجابه الموفق وأرسل إليه شذاوات ~~فركب فيها وعياله وولده وجماعة من قواده ، فلقيهم قوم من الزنج فقاتلهم ~~ونجا ووصل إلى الموفق فأحسن إليه ووصله بصلة سنية ، وهو من قدماء أصحاب ~~الخبيث ، فعظم ذلك عليه وعلى أوليائه لما رأوا من زغبة رؤسائهم في الأمان ~~قال : ولما رأى الموفق مناصحة شبل أمره أن يكفيه بعض الأمور ، فسار ليلا في ~~جمع من الزنج لم يخالطهم غيرهم إلى عسكر الزنج ، فأوقع بهم وأسر منهم وقتل ~~وعاد فأحسن إليه الموفق وإلى أصحابه ، وصار الزنج بعد الوقعة لا ينامون ~~الليل ولا يزالون يتحارسون ، وأقام الموفق ينفذ السرايا إليهم ويكيدهم ~~ويحول بينهم وبين القوت ، وأصحابه يتدربون في سلوك تلك المضايق التي في ~~أرضه ويوسعونها . ني - وهو أحد رؤساء صاحب الزنج - يطلب الأمان ، فلم يجبه ~~الموفق إلى ذلك لما تقدم منه من سفك الدماء والفساد ، ثم اتصل به أن جماعة ~~من أصحاب الزنج قد استوحشوا لذلك فأجابه وأرسل الشذا إلى موضع ذكره فخرج هو ~~وأخوه وأهله وجماعة من قواده ، فأرسل صاحبهم من يمنعهم من ذلك فقاتلهم ووصل ~~إلى الموفق فزاد في الإحسان إليه وخلع عليه وعلى من معه ، وأمر بإظهاره ~~لأصحابه ليزدادوا ثقة ، فلم يرجع من مكانه حتى استأمن جماعة من القواد ، ~~منهم شبل بن سالم ، فأجابه الموفق وأرسل إليه شذاوات فركب فيها وعياله ~~وولده وجماعة من قواده ، فلقيهم قوم من الزنج فقاتلهم ونجا ووصل إلى الموفق ~~فأحسن إليه ووصله بصلة سنية ، وهو من قدماء أصحاب الخبيث ، فعظم ذلك عليه ~~وعلى أوليائه لما رأوا من زغبة رؤسائهم في الأمان قال ms5794 : ولما رأى الموفق ~~مناصحة شبل أمره أن يكفيه بعض الأمور ، فسار ليلا في جمع من الزنج لم ~~يخالطهم غيرهم إلى عسكر الزنج ، فأوقع بهم وأسر منهم وقتل وعاد فأحسن إليه ~~الموفق وإلى أصحابه ، وصار الزنج بعد الوقعة لا ينامون الليل ولا يزالون ~~يتحارسون ، وأقام الموفق ينفذ السرايا إليهم ويكيدهم ويحول بينهم وبين ~~القوت ، وأصحابه يتدربون في سلوك تلك المضايق التي في أرضه ويوسعونها . ذكر ~~استيلاء الموفق على مدينة صاحب الزنج الشرقية قال : ولما علم الموفق أن ~~أصحابه قد تمرنوا على سلوك تلك الأرض وعرفوها صمم على العبور إلى محاربة ~~صاحب الزنج من الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب ، فجلس مجلسا عاما وأحضر ~~قواد المستأمنة وفرسانهم فوقفوا بحيث يسمعون كلامه ، ثم عرفهم ما كانوا ~~عليه من الضلالة والجهل وانتهاك المحارم ومعصية الله عز وجل ، وأن ذلك قد ~~أحل لهم دماءهم ، وأنه غفر لهم زلتهم وأمنهم ووصلهم ، وأن ذلك يوجب عليهم ~~حقه وطاعته ، وأنهم لن يرضوا ربهم وسلطانهم بأكثر من الجد في محاربة الخبيث ~~، وأنهم يخبرون مسالك ذلك العسكر وضايق مدينته وأولى أن يجتهدوا في الولوج ~~عليه والتوغل في حصونه حتى يمكنهم الله منه ، فإذا فعلوا ذلك فلهم الإحسان ~~والمزيد ، ومن قصر منهم فقد أسقط منزلته ، فارتفعت أصواتهم بالدعاء ~~والاعتراف بإحسانه ، وبما هم عليه من المناصحة والطاعة وانهم يبذلون دماءهم ~~في كل ما يقربهم منه ، وسألوه أن يفردهم بناحية ليظهر من نكايتهم في العدو ~~ما يعرف به إخلاصهم وطاعتهم ، فأجابهم إلى ذلك وأثنى عليهم ، وكتب في جمع ~~السفن والمعابر PageV25P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" من دجلة والبطيحة ونواحيها ليضيفها إلى عسكره ~~، إذ كان ما عنده يقصر عن الجيش لكثرته ، وأحصى ما في الشذا والسميريات ~~وأنواع السفن ، فكانوا زهاء عشرة آلاف ملاح ممن يجري عليه الرزق من بيت ~~المال مشاهرة ، سوى سفن أهل العسكر التي تحمل الميرة ويركبها الناس في ~~حوائجهم ، وسوى ما لكل قائد من السميريات والحربيات والزواريق ، فلما ~~تكاملت السفن تقدم إلى ابنه أبي العباس وقواده بقصد المدينة الشرقية من ~~جهاتها ، فسير ابنه ms5795 إلى ناحية دار المهلبي أسفل العسكر ، وكان قد شحنها ~~بالرجال والمقاتلة ، وأمر جميع أصحابه بقصد دار صاحب الزنج وإحراقها ، فإن ~~عجزوا عنها اجتمعوا على دار المهلبي ، وسار هو في الشذا وهي مائة وخمسون ~~قطعة فيها أنجاد غلمانه ، وانتخب من الفرسان والرجالة عشرة آلاف وأمرهم أن ~~يسيروا على جانبي النهر إذا سار ، وأن يقفوا معه إذا وقف ، وبكر يوم ~~الثلاثاء لثمان خلون من ذي القعدة سنة تسع وستين ومائتين ، وكانوا قد قدموا ~~إليهم يوم الاثنين وواقعوهم ، وتقدمت كل طائفة إلى الجهة التي أمرهم بها ، ~~فلقيهم الزنج واشتدت الحرب وكثر القتل والجراح في الفريقين ، ثم نصر الله ~~عز وجل أصحاب الموفق بانهزام الزنج ، وقتل منهم خلق كثير وأسر منهم أنجادهم ~~وشجعانهم خلق كثير فأمر الموفق بضرب أعناق الأسرى في المعركة ، وقصد بجمعه ~~الدار التي يسكنها صاحب الزنج ، وكان قد لجأ إليها وجمع أبطال أصحابه ~~للمدافعة عنها فلم يعنوا شيئا فانهزموا عنها وأسلموها ، ودخلها أصحاب ~~الموفق ، وفيها بقايا ما كان سلم من مال صاحب الزنج وولده وأثاثه فنهب ذلك ~~أجمع وخذوا حرمه وأولاده وكانوا عشرين ما بين صبي وصبية ، وهرب صاحب الزنج ~~نحو دار المهلبي لا يلوي على أهل ولا مال ، وأحرقت داره وأتى الموفق بأهل ~~صاحب الزنج وولده فسيرهم إلى بغداد ، وكان أصحاب أبي العباس قد قصدوا دار ~~المهلبي ، وقد لجأ إليها خلق كثير من المنهزمين فغلبوهم عليها واشتغلوا ~~بنهبها وأخذوا ما فيها من حرم المسلمين وأولادهم وجعل من ظفر منهم بشيء ~~حمله إلى سفينته ، فلما رآهم الزنج كذلك رجعوا إليهم فقتلوا منهم مقتلة ~~عظيمة ، وكان جماعة من غلمان الموفق قد قصدوا دار صاحب الزنج ، فتشاغلوا ~~بحمل الغنائم إلى السفن أيضا ، فأطمع ذلك الزنج فيهم فكشفوهم واتبعوا ~~آثارهم ، وثبت جماعة من أبطال الموفق فردوا الزنج حتى تراجع الناس إلى ~~مواقفهم ، ودامت الحرب إلى العصر فأمر الموفق غلمانه بصدق الحملة عليهم ~~ففعلوا ، فانهزم صاحب PageV25P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" الزنج ومن معه وأخذتهم السيوف حتى انتهوا إلى ~~داره أيضا ، فرأى الموفق أن يصرف أصحابه فردهم ms5796 ، وقد استنقذوا جمعا من ~~النساء المأسورات فحملن إلى الموفقية ، وكان أبو العباس قد أرسل في ذلك ~~اليوم قائدا فأحرق بيادر كانت ذخيرة لصاحب الزنج وكان ذلك مما أضعفه وأضعف ~~أصحابه . قال : ثم وصل إلى الموفق كتاب لؤلؤ غلام أحمد بن طولون يستأذنه في ~~القدوم عليه ، فأمره بذلك وأخر القتال إلى أن يحضر . ذكر مقتل صاحب الزنج ~~قال : ولما ورد كتاب لؤلؤ على الموفق يستأذنه في الحضور إليه أذن له ، وأحب ~~أن يؤخر القتال إلى أن يحضر فيشهده ، وكان لؤلؤ قد خالف على مولاه أحمد بن ~~طولون ، وكان في يده حمص وقنسرين وحلب وديار مضر من الجزيرة وصار إلى بالس ~~فنهبها ، وكاتب الموفق في المصير إليه واشترط شروطا فأجابه الموفق إليها ، ~~وكان بالرقة فسار إلى الموفق فوصل إليه في ثالث شهر المحرم سنة سبعين ~~ومائتين في جيش عظيم ، فأكرمه الموفق وأنزله وخلع عليه وعلى أصحابه ووصلهم ~~وأحسن إليهم ، وأمر لهم بالأرزاق على قدر مراتبهم ، وأضعف ما كان لهم . ثم ~~تقدم إلى لؤلؤ بالتأهب لحرب الزنج ، وكان صاحب الزنج ، لما غلب على نهر أبي ~~الخصيب وقطعت القناطر والجسور التي عليه ، أحدث سكرا في النهر من جانبيه ، ~~وجعل في وسط النهر بابا ضيقا لتحتد جرية الماء فيه فيمتنع الشذا من دخوله ~~في الجزر ، ويتعذر خروجها منه في المد ، فرأى الموفق أن حربه لا يتهيأ إلا ~~بقلع هذا السكر ، وحاول ذلك فاشتدت محاماة الزنج عليه ، وجعلوا يزيدون كل ~~يوم فيه ، فشرع الموفق في محاربتهم بفريق بعد فريق من أصحاب لؤلؤ ، ~~ليتمرنوا على قتالهم ويقفوا على المسالك والطرق في مدينتهم ، وأمر لؤلؤ أن ~~يحضر في جماعة من أصحابه للحرب على هذا السكر ففعل ، فرأى الموفق من ~~شجاعتهم وإقدامهم ما سره ، فأمر لؤلؤا بصرفهم إشفاقا عليهم ووصلهم وأحسن ~~إليهم ، وألح الموفق على هذا السكر ، فكان يحارب والفعلة يعملون في قلعه ، ~~واستأمن إليه جماعة ، وكان قد بقي لصاحب الزنج وأصحابه أرضين بناحية النهر ~~الغربي ، لهم فيها مزارع وحصون وقنطرتان وبه جماعة يحفظونه ، فسار إليهم ~~أبو العباس وفرق ms5797 أصحابه من جهاتهم ، وجعل كمناء ، PageV25P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" ثم أوقع بهم فانهزموا فما قصدوا جهة إلا خرج ~~عليهم من يقاتلهم فيها ، فقتلوا لم يسلم منهم إلا الشريد ، وأخذوا من ~~أسلحتهم ما أثقلهم حمله ، وقطع القنطرتين ، ولم يزل الموفق يقاتلهم على ~~سكرهم حتى تهيأ له فيه ما أحب وحرقه . فلما فرغ منه عزم على لقاء صاحب ~~الزنج ، فأمر بإصلاح السفن والآلات للماء والطين ، وتقدم إلى ابنه أبي ~~العباس أن يأتي الزنج من ناحية دار المهلبي ، وفرق العساكر من جميع جهاته ، ~~وأضاف المستأمنة إلى شبل ، وأمر الناس ألا يزحفوا حتى يحرك علما أسود كان ~~نصبه على دار الكرنبائي ، وحتى ينفخ في بوق بعيد الصوت ، وكان عبوره يوم ~~الاثنين لثلاث بقين من المحرم ، فعجل بعض الناس وزحف نحوهم ، فلقيه الزنج ~~فقتلوا منهم وردوهم إلى مواقفهم ، ولم يعلم سائر العسكر بذلك لكثرتهم وبعد ~~المسافة فيما بين بعضهم وبعض ، وأمر الموفق بتحريك العلم الأسود والنفخ في ~~البوق ، فزحف الناس في البر والماء يتلو بعضهم بعضا ، فلقيهم الزنج وقد ~~حشدوا واجترأوا بما تهيأ لهم ، فلقيهم الجيش بنيات صادقة وبصائر نافذة ، ~~واشتد القتال وقتل من الفريقين جمع كثير ، فانهزم أصحاب صاحب الزنج وتبعهم ~~أصحاب الموفق ، فقتل منهم ما لا يحصى وغرق منهم مثل ذلك ، وحوى الموفق ~~المدينة بأسرها ، فغنم أصحابه ما فيها واستنفذوا من كان بقي من الأسارى من ~~الرجال والنساء والصبيان ، وظفروا بجميع عيال علي بن أبان المهلبي وبأخويه ~~الخليل ومحمد وأولادهما ، فسيروا إلى الموفقية ، ومضى صاحب الزنج في أصحابه ~~ومعه ابنه انكلاى وسليمان بن جامع وقواد من الزنج وغيرهم هرابا ، عامدين ~~إلى موضع كان قد أعده ملجأ إذا غلب على مدينته ، وذلك المكان على النهر ~~المعروف بالسفياني ، وكان أصحاب الموفق قد اشتغلوا بالنهب والإحراق ، وتقدم ~~أصحاب الموفق في الشذا نحو نهر السفياني ، وانتهى الموفق ومن معه إلى عسكر ~~صاحب الزنج وهم منهزمون ، واتبعهم لؤلؤ في أصحابه حتى عبروا النهر فاقتحم ~~لؤلؤ النهر بفرسه واتبعه أصحابه حتى انتهى إلى النهر المعروف بالقريري فوصل ~~إليه لؤلؤ وأصحابه ms5798 ، فأوقعوا به وبمن معه فهزموهم حتى عبروا نهر المساوان ~~ولؤلؤ في أثرهم ، فاعتصموا بجبل وراءه ، وانفرد لؤلؤ وأصحابه باتباعهم إلى ~~هذا المكان إلى آخر النهار ، فأمر الموفق بالانصراف فعاد مشكورا محمود ~~الفعل ، فحمله الموفق معه وجدد له البر والكرامة ورفع منزلته ، ورجع الموفق ~~فلم ير أحدا من أصحابه بمدينة الزنج ، وكانوا قد انصرفوا إلى الموفقية بما ~~حووا في سفنهم ، PageV25P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" فرجع الموفق إلى مدينته واستبشر الناس بالفتح ~~، وغضب الموفق على أصحابه لمخالفتهم أمره وتركهم الوقوف حيث أمرهم ، فجمعهم ~~ووبخهم على ذلك وأغلظ لهم ، فاعتذروا بما ظنوه من انصرافه ، وأنهم لم ~~يعلموا بمسيره ولو علموا ذلك لأسرعوا نحوه ، ثم تعاقدوا وتحالفوا على ألا ~~ينصرف منهم أحدا إذا توجهوا نحو صاحب الزنج حتى يظفروا ، فإن أعياهم أقاموا ~~حتى يحكم الله بينهم وبينه ، وسألوا الموفق أن يرد السفن التي يعبرون فيها ~~إلى صاحب الزنج ، لينقطع الناس عن الرجوع فشكرهم وأثنى عليهم وأمرهم ~~بالتأهب . وأقام الموفق بعد ذلك إلى يوم الجمعة يصلح ما يحتاج الناس إليه ، ~~وأمر الناس بالمسير إلى حرب الزنج بكرة السبت ، وطاف عليهم بنفسه يعرف كل ~~قائد مركزه والمكان الذي يقصده . وغدا الموفق يوم السبت لليلتين خلتا من ~~صفر سنة سبعين وعبر الناس ، وأمر برد السفن فردت ، وسار يقدمهم إلى المكان ~~الذي قدر أن يلقاهم فيه ، وكان صاحب الزنج وأصحابه قد رجعوا إلى مدينتهم ~~بعد انصراف الجيش عنهم ، وأملوا أن تتطاول بهم الأيام وتندفع عنهم المناجزة ~~، فوجد الموفق المتسرعين من غلمانه من الفرسان والرجالة قد سبقوا الجيش ، ~~فأوقعوا بصاحب الزنج وأصحابه وهزموهم بها ، وتفرقوا لايلوى بعضهم على بعض ، ~~وتبعهم أصحاب الموفق يقتلون ويأسرون من لحقوا منهم ، فانقطع صاحب الزنج في ~~جماعة من حماة أصحابه منهم المهلبي ، وفارقه ابنه انكلاى وسليمان بن جامع ، ~~فقصد كل فريق منهم جمعا كثيفا من الجيش ، وكان أبو العباس قد تقدم فلقي ~~المنهزمين في الموضع المعروف بعسكر ريحان ، فوضع أصحابه فيهم السلاح ، ~~ولقيهم طائفة أخرى فأوقعوا بهم وقتلوا منهم جماعة ، وأسروا سليمان بن جامع ~~فأتوا ms5799 به الموفق من غير عهد ولا عقد ، فاستبشر الناس بأسره ، وأسر بعده ~~إبراهيم بن جعفر الهمداني - وكان أحد أمراء جيوشه - فأمر الموفق بالاستيثاق ~~منهما ، ثم إن الزنج الذين انفردوا مع صاحبهم حملوا على الناس حملة أزالوهم ~~عن مواقفهم ففتروا ، فجد الموفق في طلبهم وأمعن ، فتبعه أصحابه وانتهى إلى ~~آخر نهر أبي الخصيب ، فلقيه البشير بقتل صاحب الزنج ، وأتاه بشير آخر ومعه ~~كف ذكر أنها كفه ، ثم أتاه غلام من أصحاب لؤلؤ يركض ومعه رأس صاحب الزنج ، ~~فعرض الموفق الرأس على جماعة من المستأمنة فعرفوه ، فخر لله ساجدا وسجد معه ~~الناس ، وأمر برفع الرأس على قناة فعرفه الناس . قال : ولما أحيط بصاحب ~~الزنج كان معه المهلبي وحده ، فولى عنه هاربا وقصد نهر فألقى نفسه فيه ، ~~وكان انكلاى قد سار نحو الديناري ورجع الموفق والرأس بين PageV25P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" يديه وسليمان بن جامع ، فأتى مدينته وأتاه من ~~الزنج عالم عظيم يطلبون الأمان فأمنهم ، وانتهى إليه خبر انكلاى والمهلبي ~~ومكانهما ومن معهما من مقدمي الزنج ، فبث أصحابه في طلبهم وأمرهم بالتضييق ~~عليهم ، فلما أيقنوا ألا ملجأ أعطوا بأيديهم فظفر بهم وبمن معهم وكانوا ~~زهاء خمسة آلاف ، فأمر بالاستيثاق من المهلبي وانكلاى ، وكان ممن هرب قرطاس ~~الرومي الذي رمى الموفق بالسهم في صدره ، فانتهى إلى رامهرمز فعرفه رجل فدل ~~عليه عامل البلد ، فأخذه وسيره إلى الموفق فقتله ابنه أبو العباس ، ثم ~~استأمن درمويه الزنجي إلى أبي أحمد الموفق ، وكان درمويه هذا من أنجاد ~~الزنج وأبطالهم ، وكان صاحب الزنج قد وجهه قبل هلاكه بمدة إلى موضع كثير ~~الأدغال والشجر والآجام متصل بالبطيحة ، وكان هو ومن معه يقطعون الطريق ~~هناك على السابلة في زواريق خفاف ، فإذا طلبوا دخلوا الأنهار الضيقة ~~واعتصموا بالأدغال ، وإذا تعذر عليهم مسلك لضيقه حملوا سفنهم ولجأوا إلى ~~الأمكنة الوسيعة ، ويغيرون في قرى البطيحة ويقطعون الطريق ، فظفروا بجماعة ~~من عسكر الموفق معهم نساء قد عادوا إلى منازلهم ، فقتلوا الرجال وأخذوا ~~النساء ، فسألهن درمويه عن الخبر فأخبرنه بقتل صاحب الزنج وأسر أصحابه ~~وقواده ، وأن ms5800 كثيرا منهم قد صار إلى الموفق بالأمان فأحسن إليهم ، فسقط في ~~يده ولم ير لنفسه ملجأ إلا طلب الأمان والصفح عن جرمه ، فأرسل إلى أبي أحمد ~~الموفق يطلب الأمان فأجابه إلى ذلك وأمنه ، فخرج هو ومن معه حتى وافى عسكر ~~الموفق فأحسن إليهم وأمنهم ، فلما اطمأن درمويه أظهر ما كان في يده من ~~الأموال والأمتعة ، وردها إلى أربابها ردا ظاهرا فعلم بذلك حسن نيته فزاد ~~الموفق في الإحسان إليه ، وأمر يكتب إلى أمصار المسلمين بالنداء في أهل ~~النواحي التي دخلها الزنج بالرجوع إلى أوطانهم ، فسارع الناس إلى ذلك . ~~وأقام الموفق بالمدينة الموفقية ليأمن الناس بمقامه ، وولى البصرة والأبلة ~~وكور دجلة رجلا من قواده قد حمد مذهبه وعلم حسن سيرته يقال له العباس بن ~~تركس ، وأمره بالمقام بالبصرة ، وولى قضاء البصرة والأبلة وكور دجلة محمد ~~بن حماد ، وقدم ابنه أبا العباس إلى بغداد ومعه رأس صاحب الزنج ليراه الناس ~~، فبلغها لأثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة . قال : وكان ~~خروج صاحب الزنج يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر رمضان سنة خمس وخمسين ~~ومائتين ، وقتل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين ، فكانت ~~أيامه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام . انقضت أخبار صاحب الزنج ~~فلنذكر أخبار القرامطة . PageV25P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" ذكر أخبار القرامطة وابتداء أمرهم وما كان من ~~أخبارهم وما استولوا عليه من البلاد وغير ذلك من أخبارهم والقرامطة منسوبون ~~إلى قرمط ، وقد اختلف فيه : فمن الناس من يقول إنه حمدان بن الأشعث ، وأنه ~~إنما سمي قرمطا لأنه كان رجلا قصيرا قصير الرجلين متقارب الخطو فسمي بذلك ، ~~وقيل قرمط : ثور كان لحمدان بن الأشعث هذا ، وأنه كان يحمل غلات السواد على ~~أثوار له بسواد الكوفة ، والله تعالى أعلم . قال ابن الأثير في تاريخه ~~الكامل في حوادث سنة ثمان وسبعين ومائتين : وفيها تحرك بسواد الكوفة قوم ~~يعرفون بالقرامطة ، وكان ابتداء أمرهم : أن رجلا يقال له حمدان يظهر الدين ~~والزهد والتقشف ، ويأكل من كبسه ، وأقام على ذلك مدة ms5801 ، فكان إذا جالسه رجل ~~ذاكره الدين وزهده في الدنيا ، وأعلمه أن الصلاة المفروضة على الناس خمسون ~~صلاة في كل يوم ، حتى فشا ذلك بموضعه ، ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام من أهل ~~بيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فاستجاب له جمع كثير وكان يقعد إلى ~~بقال هناك ، فجاء رجل إلى البقال يطلب منه من يحفظ له ما صرم من نخله ، ~~فدله عليه وقال لعله يجيب ، فكلموه في ذلك فاتفق معه على أجرة معلومة ، ~~فكان يحفظ لهم ويصلي أكثر نهاره ، ويصوم ويأخذ عند إفطاره من البقال رطل ~~تمر ، يفطر عليه ويجمع نواه ويعطيه للبقال ، فلما حمل التجار تمرهم جلسوا ~~عند البقال وحاسبوه وأعطوه أجرته ، وحاسب هو البقال على ما أخذ من التمر ~~وحط ثمن النوى فضربوه ، وقالوا ألم يكفك أن تأكل تمرنا حتى تبيع نواه ؟ ~~فأوقفهم البقال على الخبر فاعتذروا واستحلوا منه ، وازداد بذلك عند أهل ~~القرية ، ودعا أهل تلك الناحية إلى مذهبه فأجابوه ، وكان يأخذ من الرجل إذا ~~أجابه دينارا واحدا ، ويزعم أنه للإمام ، واتخذ منهم اثني عشر نقيبا أمرهم ~~أن يدعو الناس إلى مذهبه وقال : أنتم كحواري عيسى بن مريم ، فاشتعل أهل تلك ~~الناحية عن أعمالهم ، وكان للهيصم في تلك الناحية ضياع ، فرأى تقصير ~~الأكارة في عمارتها ، فسأل عن ذلك فقيل له خبر الرجل فحسبه ، وحلف ليقتلنه ~~لما اطلع على مذهبه ، وأغلق عليه الباب ليقتله في غد ، وجعل المفتاح تحت ~~رأسه ، فسمع بعض جواريه خبره فرقت له ، فسرقت المفتاح وأخرجته وأعادت ~~المفتاح إلى موضعه ، فلما أصبح الهيصم فتح الباب ليقتله فلم يجده ، فشاع ~~ذلك في الناس فافتتنوا PageV25P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" به وقالوا رفع ، ثم ظهر في ناحية أخرى ، ولقي ~~جماعة من أصحابه فسألوه عن قصته فقال : لا يمكن أن ينالني أحد بسوء ، فعظم ~~في أعينهم ثم خاف على نفسه فخرج إلى ناحية الشام ، فلم يوقف له على خبر ، ~~هذا ما حكاه عز الدين بن الأثير الجزري في تاريخه الكامل . وحكى الشريف أبو ~~الحسين محمد بن علي بن الحسين ms5802 بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر الصادق بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - وهو المعروف ~~بأخي محسن - في كتاب ألفه ذكر فيه عبيد الله الملقب بالمهدي ، الذي استولى ~~على بلاد المغرب واستولى بنوه من بعده على الديار المصرية والشام وغير ذلك ~~، وذكر الشريف أصل عبيد الله هذا ونفاه عن النسب إلى علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه ، واستدل على ذلك بأدله يطول شرحها أجاد في تبيانها ، وقال في ~~أثناء ما حكاه أنه لما صار الأمر إلى محمد بن عبد الله بن ميمون بن ديصان ~~بعد أبيه - وأحمد هذا جد عبيد الله الملقب بالمهدي - بعث - وهو بسلمية - ~~الحسين الأهوازي داعية إلى العراق ، فلقي حمدان بن الأشعث قرمطا بسواد ~~الكوفة ومعه ثور ينقل عليه ، فقال له الحسين الأهوازي : كيف الطريق إلى قس ~~بهرام ؟ فعرفه حمدان أنه قاصد إليه ، وسأله الأهوازي عن قرية تعرف ببانبورا ~~من قرى السواد ، فذكر أنها قريبة من قريته وكان حمدان هذا من قرية تعرف ~~بالدور على نهر هد من رستاق مهروسا من طسوج فرات باقلي ، قال : فتماشيا ~~ساعة ، فقال له حمدان : إني أراك جئت من سفر بعيد ، وأنت معي فاركب ثوري ~~هذا ، فقال له الحسين : لم أومر بذلك ، فقال له حمدان : كأنك تعمل بأمر أمر ~~لك ؟ قال نعم ، قال : من يأمرك وينهاك ؟ قال : مالكي ومالكك من له الدنيا ~~والآخرة ، قال : فبهت حمدان قرمط مفكرا ، وأقبل ينظر إليه ثم قال له : يا ~~هذا ما نملك ما ذكرته إلا الله تعالى قال : صدقت ، والله يهب ملكه لمن يشاء ~~، قال له حمدان : فما تريد في القرية التي سألتني عنها ؟ قال : دفع إلي ~~جراب فيه علم سر من أسرار الله تعالى ، وأمرت ، أن أشفي هذه القرية وأغني ~~أهلها واستنقذهم وأملكهم أملاك أصحابهم . PageV25P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" وابتدأ يدعوه فقال له حمدان : يا هذا نشدتك ~~الله إلا دفعت إلي من هذا العلم الذي معك وأنقذتني ينقذك الله قال له : لا ~~يجوز ذلك أو آخذ ms5803 عليك عهدا وميثاقا أخذه الله تعالى على النبيين والمرسلين ~~وألقى عليك ما ينفعك ، قال : فما زال حمدان يضرع إليه حتى جلسا في بعض ~~الطريق وأخذ عليه العهد ، ثم قال له : ما اسمك ؟ قال : قرمط ، ثم قال له ~~قرمط : قم معي إلى منزلي حتى تجلس فيه ، فإن لي إخوانا أصير بهم إليك لتأخذ ~~عليهم العهد للمهدي ، فصار معه إلى منزله ، فأخذ على الناس العهد هناك ، ~~وأقام في منزل حمدان وأعجبه أمره وعظمه وكرمه ، وكان على غاية ما يكون من ~~الخشوع ، صائما نهاره قائما ليله ، وكان المغبوط من أخذه إلى منزله ليلة ، ~~وكان ربما خاط لهم الثياب وتكسب بذلك ، وكانوا يتبركون به وبخياطته . قال : ~~وأدرك التمر فاحتاج أبو عبد الله محمد بن عمر بن شهاب العدوى إلى عمل تمره ~~، وكان من وجوه أهل الكوفة ومن أهل العلم والفضل والتوحيد ، فوصف له هذا ~~الرجل فنصبه لحفظ تمره والقيام في حظيرته ، فأحسن حفظها واحتاط في أداء ~~الأمانة ، وظهر منه من التشديد في ذلك ما خرج به عن أحوال الناس في تساهلهم ~~في كثير من الأمور ، وذلك في سنة أربع وستين ومائتين ، فاستحكمت ثقة الناس ~~به ، وثقته بحمدان قرمط وسكونه إليه ، فأظهر له أمره وكشف له الغطاء . قال ~~: وكل ما كان هذا الداعية يفعله من الثقة والأمانة وإظهار الخشوع والنسك ~~إنما كان حيلة ومكرا وخديعة وغشا ، قال : فلما حضرت هذا الطاغية الوفاة جعل ~~مقامه حمدان بن الأشعث قرمطا ، فأخذ على أكثر أهل السواد وكان ذكيا خبيثا ، ~~قال : وكان ممن أجابه من أصحابه الذين صار لهم ذكر زكرويه بن مهرويه ~~السلماني وجلندي الرازي ، وعكرمة البابلي ، وإسحاق السوراني ، وعطيف النيلي ~~وغيرهم ، وبث دعاته في السواد يأخذون على الناس ، وكان أكبر دعاته عبدان ~~متزوجا أخت قرمط أو قرمط متزوجا أخته ، وكان عبدان رجلا ذكيا خفيفا فطنا ~~خبيثا ، خارجا عن طبقة نظرائه من أهل السواد ذا فهم وخبث ، فكان يعمل عند ~~نفسه على حد قد نصب له ، ولا يرى أنه يجاوزه إلى غيره من خلع الإسلام ، ولا ~~يظهر غير ms5804 التشيع والعلم ويدعو إلى الإمام من آل رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، محمد بن إسماعيل بن جعفر ، وكان أحد من تبع عبدان زكرويه بن ~~مهرويه ، وكان زكرويه شابا فيه ذكاء وفطنة ، وكان من قرية بسواد الكوفة ~~يقال لها المنسانية تلاصق قرية الصوان ، وهاتان القريتان على نهرهد نصبه ~~عبدان على إقليم نهرهد وطسوج السالحين وإقليم نهر يوسف داعية ، ومن قبله ~~جماعة دعاة متفرقون في عمله ، يدور كل واحد منهم في عمله في كل شهر مرة ، ~~وكل ذلك بسواد الكوفة ، PageV25P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" ودخل في دعوته من العرب من بني ضبيعة بن عجل ~~- وهم من ربيعة - رجلان ، أحدهما يعرف برباح والآخر يعرف بعلي بن يعقوب ~~القمر ، فأنفذهما دعاة إلى العرب في أعمال الكوفة وسورا وبربسما وبابل ، ~~ودخل في دعوته من العرب أيضا رفاعة من بني يشكر ، ثم من بكر بن وائل رجل ~~يعرف بسند وآخر يعرف بهارون ، فجعلهما دعاة نخيلة وما والاها في العرب خاصة ~~إلى حدود واسط ، فمال إليه هذان البطنان ودخلا في دعوته فلم يكد يختلف ~~رفاعي ولا ضبعي ، ولم يبق من البطون المتصلة بسواد الكوفة بطن إلا دخل في ~~الدعوة منه ناس كثير أو قليل ، من بني عايش وذهل وغيره وبني عنز وتيم الله ~~وثعل وغيرهم ، وفيهم نفر يسير من بني شيبان ، فقوى قرمط بهم وزاد طعمه فأخذ ~~في جمع أموالهم . ذكر ما فرضه قرمط على من دخل في دعوته واستجاب له وكيف ~~نقلهم في استئصال أموالهم من اليسير إلى الكثير حتى استقام له أمرهم كان ~~أول ما ابتدأ به أن فرض عليهم وامتحنهم بتأدية درهم واحد ، وسمى ذلك الفطرة ~~من كل رأس من الرجال والنساء والصبيان فسارعوا إلى ذلك ، فتركهم مديدة ثم ~~فرض عليهم الهجرة ، وهو دينار على كل رأس أدرك الحنث ، وتلا عليهم قوله ~~تعالى " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ~~والله سميع عليم " ، وقال : هذا تأويل هذا ، فدافعوا ذلك مبادرين به إليه ، ~~وتعاونوا عليه فمن كان فقيرا أسعفوه ms5805 ، فتركهم مديدة ثم فرض عليهم البلغة : ~~وهي سبعة دنانير ، وزعم أن ذلك هو البرهان بقوله تعالى " قل هاتوا برهانكم ~~إن PageV25P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" كنتم صادقين " ، وزعم أن ذلك بلاغ من يريد ~~الإيمان والدخول في السابقين السابقين - أولئك المقربون ، وصنع لهم طعاما ~~طيبا حلوا لذيذا وجعله على قدر البنادق ، يطعم كل من أدى إليه سبعة دنانير ~~واحدة منها ، وزعم أنه طعام أهل الجنة نزل إلى الإمام ، واتخذ ذلك ~~كالخواتيم ينقل إلى الداعي منها مائة بلغة ويطالبه بسبعمائة دينار ، فلما ~~توطأ له هذا الأمر فرض عليهم أخماس ما يملكون وما يتكسبون ، وتلا عليهم ~~قوله تعالى " واعلموا إنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه . . . . الآية " ~~فقوموا جميع ما يملكونه من ثوب وغيره وأدوا خمسة إليه ، حتى كانت المرأة ~~تخرج خمس ما تغزل ، والرجل خمس ما يكسب ، فلما تم ذلك له واستقر فرض عليهم ~~الألفة ، وهو أن يجمعوا أموالهم في موضع واحد وأن يكونوا في ذلك أسوة واحدة ~~، لا يفضل أحد منهم صاحبه وأخاه في ملك يملكه ، وتلا عليهم قوله تعالى " ~~واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا " ، وتلا عليهم قوله تعالى " لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت ~~بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم " ، وعرفهم أنه لا حاجة بهم ~~إلى أموال تكون معهم ، لأن الأرض بأسرها ستكون لهم دون غيرهم ، وقال لهم : ~~هذه محنتكم التي امتحنتم بها ليعلم كيف تعلمون ، وطالبهم بشراء السلاح ~~وإعداده ، وذلك كله في سنة ست وسبعين ومائتين . وأقام الدعاة في كل قرية ~~رجلا مختارا من ثقاتها ، يجمع عنده أموال أهل قريته من بقر وغنم وحلي ومتاع ~~وغيره ، فكان يكسو عاريهم وينفق عليهم ما يكفيهم ولا يبقى فقيرا بينهم ولا ~~محتاجا ضعيفا ، وأخذ كل رجل منهم بالانكماش في صناعته والتكسب بجهده ، ~~ليكون له الفضل في رتبته ، وكانت المرأة تجمع إليه كسبها من مغزلها ، ~~والصبي أجر نطارته الطير ، فلم يملك أحد منهم إلا سيف وسلاحه ، فلما استقام ~~له ذلك كله وصبوا ms5806 إليه وعملوا به ، أمر الدعاة أن يجمعوا النساء ليلة ~~معروفة ويختلطن بالرجال ، وقال : إن ذلك من صحة الود والألفة بينهم فربما ~~بذل الرجل لأخيه امرأته متى أحب فلما تمكن من أمورهم ووثق بطاعتهم وتبين ~~مقدار عقولهم أخذ في تدريجهم إلى الضلالة ، وأتاهم بحجج من مذهب الثنوية ~~فسلكوا معه في ذلك ، حتى خلعهم من الشريعة ونقض عليهم ما كان يأمرهم به في ~~مبدأ أمرهم من PageV25P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" الخشوع والورع والتقي ، وأباح لهم الأموال ~~والفروج والغني عن الصوم والصلاة والفرائض ، وأن ذلك كله موضوع عنهم وأن ~~أموال المخالفين ودماءهم حلال لهم ، وأن معرفة صاحب الحق الذي يدعو إليه ~~يغني عن كل شيء ، ولا يخاف معه إثم ولا عذاب . ذكر دعوة القرامطة وعهدهم ~~الذين كانوا يأخذونه على من يغرونه ، ويستميلونه إلى مذهبهم ، وكيف ينقلونه ~~من مرتبة إلى أخرى ، حتى ينسلخ من الدين ويخلع ربقة الإسلام من عنقه قال ~~الشريف أبو الحسين محمد بن علي : أول الدعوة بعد عمل الداعي بالرزق وقوة ~~إجابة المدعو من سائر الأمم أن يسلك به في السؤال عن المشكلات ، مسلك ~~الملحدين والشكاك ، ويكثر سؤال عن تأويل الآيات ومعاني الأمور الشرعيات ، ~~وشيء من الطبائع ووجوه القول في الأمور التي تكثر فيها الشبه ، ولا يصل ~~إليها إلا العالم المبرز ومن جرى مجراه ، فإن اتفق له مجيب عارف ممارس جدل ~~سلم إليه الداعي وعظمه وكرمه وحشمه وصوب قوله ، وداخله بما يحب من علم ~~شريعته التي يومي إليها ، وكل ذلك ليقطع كلامه لئلا يتبين ما هو عليه من ~~الحيلة والمكر ، وما يدخل به على الناس من أمر الدعوة ، وإن اتفق مغرور ~~مغفل غليظ الحواس ألقى إليه ما يشغل به قلبه ، مثل قوله : إن الدين لمكتوم ~~وإن الأكثر له لمنكرون وبه جاهلون ، ولو علمت هذه الأمة ما خص الله به ~~الأئمة من العلم لم يختلف ، ويوهم من سمع كلامه أن عنده علوما خفية لم تصل ~~إليهم ، فتطلع نفس المستمع إلى معرفة بيان ما قال ، وربما وصل مع من يجالسه ~~- واحدا كان أو جماعة ms5807 - بشيء من معاني القرآن ، وذكر شرائع الدين وتأويل ~~الآيات وتنزيلها وكلام لا يشك المسلم العارف في حقيقته ، ويوهم المستمعين ~~منه أنه قد ظفر بعلم ، لو صادف له مستمعا لكان ناجيا منتفعا ، وقرر عندهم ~~أن الآفة التي نزلت بالأمة وحيرت في الديانة وشتت الكلمة وأورثت الأهواء ~~المضلة ذهاب الناس عن أئمة نصبوا لهم ، وأقيموا حافظين لشرائعهم يؤدونها ~~على حقائقها ، ويحفظون عليهم معانيها وبواطنها ، وأنهم لما عدلوا عنهم ~~ونظروا من تلقاء عقولهم ، واتباعهم لما حسن في رأيهم وسمعوه من أسلافهم ~~وغلاتهم - اتباع الملوك في طلب الدنيا - وحاملي الغنى ومسمعي الإثم وأجناد ~~الظلمة وأعوان الفسقة الطالبين العاجلة ، والمجتهدين في الرياسة على ~~الضعفاء ، ومن يكايد PageV25P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في أمته ~~وغير كتابه وبدل سنته ، وقتل عترته وخالف دعوته وأفسد شريعته وسلك بالناس ~~غير طريقته ، وعاند الخلفاء من بعده ، وخلط بين حقه وباطل غيره فتحير وحير ~~من قبل منه ، وصار الناس إلى أنواع الضلالات به وبأتباعه ، وقالوا لهم ~~حينئذ - كالنصحاء الحكماء - : إن دين محمد لم يأت بالتحلي ولا بالتمرى ، ~~ولا بأماني الرجال ولا شهوات الخلق ، ولا بما خف على الألسنة وعرفته دهماء ~~العامة ، وإنما الدين صعب مستصعب ، أمر مستثقل وعلم خفي غامض ، سيره الله ~~في حجبه وعظم شأنه عن ابتذال الأشرار له ، فهو سر الله عز وجل المكتوم ~~وأمره المستور ، الذي لا يطيق حمله ولا ينهض بأعبائه وثقله إلا ملك مقرب أو ~~نبي مرسل ، أو عبد مؤمن امتحن الله للإيمان ، في أمثال هذا الكلام ، ويموه ~~على من لا يعلم بأنهم لم أظهروا ما عندهم من العلم لأنكره من يسمعه ، وتعجب ~~منه وكفروا أهله ، وهذه مقدمة يجعلونها في نفوس المخدوعين ، ليواطئوهم على ~~ألا ينكروا ما يسمعونه منهم ولا يدفعوه ، فيجعلوا ذلك تأنيسا وتأسيسا ~~لينخلع من الشرائع وترتيب أصولها والحرص على طلبها ، وربما قالوا لهم شيئا ~~يموهون به أن له تفسيرا ، وإنما هو تقليد في الديانة . فمن مسائلهم : ما ~~معنى رمي الحجار ؟ والعدو بين الصفا والمروة ؟ و لم قضت الحائض الصيام ms5808 ولم ~~تقض الصلاة ؟ وما بال الجنب يغتسل من ماء دافق لشيء طاهر منه البشر ، ولا ~~يغتسل من البول النجس الكثير القذر ، وما بال الله تعالى خلق الدنيا في ستة ~~أيام ؟ أعجز عن خلقها في ساعة واحدة ؟ وما معنى الصراط المضروب في القرآن ~~مثلا ؟ والكاتبين الحافظين ؟ وما لنا لا نراهما ؟ أيخاف ربنا أن نكابره ~~ونجاحده فأذكى العيون وأقام علينا الشهود ؟ وقيد ذلك بالقرطاس والكتابة ؟ ~~وما تبديل الأرض غير الأرض ؟ وما عذاب جهنم ؟ وكيف يصح تبديل جلد مذنب بجلد ~~لم يذنب يعذب ؟ وما معنى : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية وما إبليس ؟ ~~وما PageV25P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" ذكرته الشياطين ؟ وما وصفوا به ، ومقدار ~~قدرهم ؟ وما يأجوج ومأجوج ؟ وهاروت وماروت ؟ وما سبعة أبواب النار ؟ وما ~~ثمانية أبواب الجنة ؟ وما شجرة الزقوم النابتة في الجحيم ؟ وما دابة الأرض ~~؟ ورؤوس الشياطين ؟ والشجرة الملعونة في القرآن ؟ والتين والزيتون ؟ وما ~~الخنس ؟ وما الكنس ؟ وما معنى الم ، والمص ؟ وما معنى كهيعص ؟ وما معنى حم ~~عسق ؟ وأمثال هذا من الكلام ، ولم جعلت السماوات سبعا والأرضون سبعا ؟ ~~والمثاني من القرآن سبع آيات ؟ ولم فجرت العيون اثنتي عشرة عينا ؟ ولم جعلت ~~الشهور أثنى عشر شهرا ؟ وأمثال هذا من الكلام والأمور ، مما يوهمون أن فيه ~~معاني غامضة وعلوما جليلة . وقالوا للمغرورين : ما يعمل معكم الكتاب والسنة ~~ومعاني الفرائض اللازمة ؟ وأين أرواحكم ؟ وكيف صورها ؟ وأين مستقرها ؟ وما ~~أول أمرها ؟ والإنسان ما هو ؟ وما حقيقته ؟ وما فرق بين حياته وحياة ~~البهائم ؟ وفرق ما بين حياة البهائم وحياة الحشرات ؟ وما بانت به حياة ~~الحشرات من حياة النبات ؟ وما معنى قول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~" خلقت حواء من ضلع آدم " ؟ وما معنى قول الفلاسفة : الإنسان هو العالم ~~الصغير ؟ ولم جعلت قامة الإنسان منتصبة دون الحيوان ؟ ولم جعل في أربع ~~أصابع من يديه ثلاثة شقوق وفي الإبهام شقان ؟ ولم جعل في وجهه سبعة ثقب وفي ~~سائر بدنه ثقبان ؟ ولم جعل في ظهره اثنتا عشرة عقدة وفي عنقه سبع ؟ ولم جعل ~~رأسه في صورة ميم ويداه حاء ms5809 وبطنه ميما ورجلاه دالا حتى صار لذلك كتابا ~~مرسوما يترجم عن محمد ؟ ولم جعلت أعداد عظامهم كذا وأعداد أسنانهم كذا ؟ ~~ولم صارت الرؤساء من أعضائكم بكذا وكذا ، وسألوا عن التشريح والقول في ~~العروق وفي الأعضاء ووجوه منافع الأعضاء ، ويقولون لهم : ألا تفكرون في ~~حالكم وتعتبرون ؟ وتعلمون أن الذي خلقكم حكيم غير مجازف ، وأنه فعل جميع ~~ذلك بحكمة ، وله في ذلك أغراض باطنة خفية ، حتى جمع ما جمعه وفرق ما فرقه ، ~~وكيف الإعراض عن هذه الأمور ، وأنتم تسمعون قول الله عز وجل : " وفي أنفسكم ~~أفلا تبصرون " وقوله : " وفي الأرض آيات للموقنين " ويقول : " ويضرب الله ~~الأمثال للناس لعلهم يتذكرون " ويقول " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ~~حتى يتبين لهم أنه الحق " فأي شيء رآه الكفار في أنفسهم وفي الآفاق فعرفوا ~~أنه الحق ؟ وأي حق عرفه من جحد الديانة ؟ أولا يدلكم هذا على أن الله عز ~~وجل أراد أن يدلكم على بواطن الأمور الخفية وأمور في باطنه ، ولو عرفتموه ~~لزالت عنكم كل حيرة وشبهة ، ووقعت لكم المعارف السنية ، أولا ترون أنكم ~~جهلتم PageV25P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" أنفسكم ؟ التي من جهلها كان حريا بأن لا يعلم ~~غيرها ، أو ليس الله تعالى يقول " ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ~~وأضل سبيلا " وأمثال هذه الأمور مما يسألون عنه ويعرضون به من تأويل القرآن ~~وتفسير ألفاظ كثيرة من ألفاظ السنن والأحكام ، والجواب معان يفسر بها وضع ~~الشرائع السمعيات فيما رفع منها وما نصب ، وكثير من أبواب التعديل والتجويز ~~مما يأتي في المقالة الثانية إن شاء الله تعالى ، فإن أوجب ذلك للمسئول عنه ~~شكا وحيرة واضطرابا وتعلقت نفسه بالجواب عنه ، وتشوق إلى معرقته فسألهم عنه ~~عاملوه بمثل ما يفعل به صاحب الفأل والزراق والقصاص على العوام عند امتلاء ~~صدورهم بما يفخرون به أولا عندهم من أحوال قد عرفوها من أحوالهم ، فهم إلى ~~معرفتها أكثر الحاجة وعلقوا بمعرفتها أنفسهم ، وعند بلوغ القصاص إلى ما ~~يبلغون إليه يقطعون الحديث ، لتعلق قلوب المستمعين بما يكون بعده ، وهذه ~~صفة الدعاة ms5810 وحالهم ، يقدمون على الكلام والمسائل ثم يقطعون أنفس المغرورين ~~، بما قد تأخر من القول الذي قدموا له مقدمة ، فإذا خاطبهم على علم معرفته ~~تأويل البيان قالوا له : لا تعجل ، فإن دين الله أجل وأكبر من أن يبذل لغير ~~أهله ، ويجعل عرضا للعب وما جانسه ، ويقولون : قد جرت سنة الله جل وعز في ~~عبادة عند شرع من نصبه من النبيين أخذ الميثاق ، كما قال تعالى " وإذا ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم ~~وأخذنا منهم ميثاقا غليظا " وقال تعالى " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " وقال جل ~~ذكره " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " وقال " ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ، ولا تكونوا ~~كالتي نقضت غزلها من بعد أنكاثا " وقال تعالى " لقد أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل . . . . " في أمثال هذا خبر الله عز وجل فيه أنه لم يملك حقه إلا ~~لمن أخذ عهده ، فأعطنا صفقة يمينك بالتوكيد من أيمانك وعقودك ، ألا تفشي ~~لنا سرا ولا تظاهر علينا أحدا ولا تطلب لنا غيلة ، ولا تكلمنا إلا نصحا ولا ~~توال علينا عدوا ، في أمثال لهذا ، وإنما غرضهم لذلك كله أمور : منها أن ~~يستدلوا بها بظاهر ما يعطيهم المخدوع من انقياده وطاعته ، على باطن أمره من ~~شكه واضطرابه ، وكيف موقع ذلك منه ، ومنها التوثق بالأمن من كشف أحوالهم ~~وانتشار أمورهم ، إلا بعد توطئه ما يريدونه حالا فحالا ، ومنها أن يرسموه ~~بالذل والطاعة لهم والرضى منه بأن PageV25P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" يكون منقادا ، تابعا لهم ومكبرا ، وإلا فإن ~~نكث الإيمان وقلة الإكتراث بها والفكر فيها والاعتداد بها ، هو دينهم عند ~~البلوغ إلى غايتهم التي يجرون إليها ، وإنما يجعلون ذلك مانعا لأهل هذه ~~الطبقات ، ما داموا مستشعرين للعمل بالديانات ، فإن سمح المدعو بإعطاء عهده ~~وتصاغر لهم بقوة اضطراب قلبه وشكه قالوا له حينئذ : أعطنا جعلا من مالك ، ~~وغرما نجعله مقدمة أمام كشفنا ms5811 لك الأمور وتعريفك إياها ، وكان ذلك مما ~~يستظهرون به عليه بالاستدلال به أيضا على قوة شكه وتعلق نفسه ، وظهريا لهم ~~على الاستعانة على أمرهم وتمكينهم لدعوتهم ، ثم رسموا في مبلغ ذلك رسما ~~بحسب ما يراه الداعي في أمره صلاحا ، وإن امتنع عليهم المخدوع في رتبة ~~العهد وإعطائه الداعي ، أو في رتبة العزم وعطيته أمسكوا عنه وزادوه أبدا في ~~شكه وحيرته . اعة لهم والرضى منه بأن يكون منقادا ، تابعا لهم ومكبرا ، ~~وإلا فإن نكث الإيمان وقلة الإكتراث بها والفكر فيها والاعتداد بها ، هو ~~دينهم عند البلوغ إلى غايتهم التي يجرون إليها ، وإنما يجعلون ذلك مانعا ~~لأهل هذه الطبقات ، ما داموا مستشعرين للعمل بالديانات ، فإن سمح المدعو ~~بإعطاء عهده وتصاغر لهم بقوة اضطراب قلبه وشكه قالوا له حينئذ : أعطنا جعلا ~~من مالك ، وغرما نجعله مقدمة أمام كشفنا لك الأمور وتعريفك إياها ، وكان ~~ذلك مما يستظهرون به عليه بالاستدلال به أيضا على قوة شكه وتعلق نفسه ، ~~وظهريا لهم على الاستعانة على أمرهم وتمكينهم لدعوتهم ، ثم رسموا في مبلغ ~~ذلك رسما بحسب ما يراه الداعي في أمره صلاحا ، وإن امتنع عليهم المخدوع في ~~رتبة العهد وإعطائه الداعي ، أو في رتبة العزم وعطيته أمسكوا عنه وزادوه ~~أبدا في شكه وحيرته . فهذا حال الدعوة الأولى ووصفها وما تدرج به الدعاة ~~المخدوعين . ذكر صفة الدعوة الثانية قال الشريف رحمه الله : فإذا قبل ~~المخدوع الرتبة الأولى وحصل عليها اعتقد تهمة الأمة ، فيما نقلته عمن كان ~~قبلها من علماء المسلمين ، وقوى شكه في ذلك ثم تقرر في نفسه أن الله تعالى ~~لم يرض في إقامة حقه وما شرعه لعباده إلا بأخذ ذلك عن أئمة نصبهم لهم ~~وأقامهم لحفظ شرائعه على مراده ، وسلكوا به في تقرير هذه الأمور عنده ~~والدلالة على صواب قولهم ، وجعلوا على قولهم برهانهم طريقا يسلكون به مسلك ~~أصحاب الإمامة ، في تعاطي أتيانها من جهة السمع والعقل حتى يتأثر ، ذلك عند ~~من يأخذون عليه ، ويقرره في نفسه فيكون ذلك منزلة ثانية ، ودعوة مرتبة بعد ~~الدعوة الأولى التي ms5812 قدمنا ذكرها . ثم ينقلوه إلى الدعوة الثالثة . ذكر صفة ~~الدعوة الثالثة قال : وأما الدعوة الثالثة فهي أن يقرر الداعي عند المخدوع ~~أن الذي ينبغي أن يعتقده في عدد الأئمة أنهم سبعة ، عظموا في أنفسهم ~~وأعدادهم ، ورتبوا سبعة كما رتبت جلائل الأمور ، وأصول الترتيب كالنجوم ~~السيارة والسماوات والأرضيين ، ثم يعدد له ما في ذلك جار على هذا العدد ، ~~مما سنذكره في المقامة الرابعة ونبينه ونذكر مذهبهم فيه إن شاء الله تعالى ~~. PageV25P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" قال : ثم يقرر عند المخدوعين أمر الأئمة ~~وعددهم ، فيقول : أول هؤلاء الأئمة علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ~~ابناه ، ثم علي بن الحسين زين العابدين ، ثم محمد بن علي الجليل الرضي ، ثم ~~أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق ، ثم السابع وهو عندهم القائم وصاحب ~~الزمان الآخر . وقد كان منهم من يجعل القائم محمد بن إسماعيل بن جعفر ، ولا ~~يبتديء بإسماعيل بن جعفر قبله ، ومنهم من يجعل إسماعيل ثم القائم محمد بن ~~إسماعيل ، فمن فعل هذا خرج من أعداد السبعة ، فإذا قرر الداعي عند المخدوع ~~: أن الأئمة سبعة ، أسقط ستة لم يجعل لهم إمامة وهم : موسى بن جعفر ، وعلي ~~بن موسى ، ومحمد بن علي ، وعلي بن أحمد والحسن بن علي ، ومحمد المنتظر ، ~~فإذا قبل منه المغرور ما يلقى إليه من هذا القول استقر عقله ، وأخذ في صرفه ~~عن طريق الإمامة ، ويقع في أبي الحسن موسى بن جعفر ويثلبه بما ليس فيه ، ثم ~~يقول له : إن الإمامية الذين يقولون باثني عشر إماما ليس لهم حقيقة بما ~~يعتقدونه يريد بهذا أن يسهل عليه طريق المخالفة لأهل الإمامة ، كما سهل ~~عليه التهمة لما عليه سائر الأمة من الإعتقاد - كما تقدم في الدعوة الأولى ~~، يصدون عن طريق الإمامة في أبي الحسن ، ويقال إن موسى بن جعفر يكنى أبا ~~إبراهيم ، يقولون : إنا وجدنا صاحبنا محمد بن إسماعيل بن جعفر عنده علوم ~~المستورات وبواطن المعلومات ، وفقدنا ذلك عند كل أحد سواه ، وربما أتوا ~~بروايات في الطعن على أبي الحسن موسى بن ms5813 جعفر ورموه بالعظائم ، ويقولون : ~~ليس له إمامة ، وقد أجمعت الشيعة - التي إجماعها أولى بالاتباع والحجة - ~~أنه لا يستحق الإمامة بعد مضي الحسين بن علي إلا في ولد الإمام ، وقد ~~اتفقنا وهم على صحتها وترتيبها إلى جعفر بن محمد ، ثم لختلفنا في أي أولاده ~~أحق بها ، فوجدنا عن صاحبنا علم التأويل وتفسير ظاهر الأمور ، وسر الله جل ~~وعز في وجه تدبيره المكتوم ، واتفاق دلالته في كل أمر يسأل عنه ، في جميع ~~المعدومات وتفسير المشكلات وبواطن الظاهر كله والتأويلات وتأويل التأويلات ~~، فنحن الوارثون لذلك من بين طبقات الشيعة المعبرين عنه أخذناه من جهته ~~رويناه ممن لا نجد من خالفنا ، يمكنه أن يساوينا فيه ولا يتحقق به ويدعيه ، ~~فصح بذلك أن صاحبنا أولى بالإمامة من جميع ولد جعفر بن محمد ، وربما قالوا ~~: وجدنا فلانا من ولد جعفر ابن محمد من شأنه كذا ، وفلانا من قصته كذا ، في ~~فروق له كاذبة بأقاويل لا تليق بهم ، ثم يقولون : فلم يبق من سلم من الطعون ~~المعروفة إلا صاحبنا ، فوجب أن يكون هو صاحب الأمر دون كل أحد ، وليس غرض ~~هؤلاء PageV25P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" - أصحاب هذه الدعوة الخبيثة - أن يؤخروا موسى ~~بن جعفر ، ولا يقدموا إسماعيل بن جعفر ولا ابنه محمد ، وإنما جعلوا هذا ~~كأداة الصانع التي لا يتم الصنعة إلا بها ، فإذا إنقادلهم المغرور وسمع ~~قولهم تيقنوا أنهم قد تمكنوا من عقله ، وسلكوا به أي مسلك أراده لهذه ~~الدعوة الثالثة . ذكر صفة الدعوة الرابعة قال الشريف : أعلم أن الدعوة ~~الرابعة أن تقرر المدعو بأن عدد الأنبياء الناسخين للشرائع المبدلين لها ~~أصحاب الأدوار وتقليب الأحوال الناطقين على الأمور سبعة بعدد الأئمة سواء ، ~~كل واحد منهم له صاحب يأخذ عنه دعوته ويحفظها على أمته ، ويكون معه ظهريا ~~في حياته وخليفة له من بعد وفاته ، إلى أن يؤديها إلى آخر ، يكون سبيله معه ~~سبيله هو مع نبيه الذي هو تابعه ، ثم كذلك لكل مستخلف خليفة ، إلى أن يمضي ~~منهم على تلك الشريعة سبعة ، ويسمون هؤلاء السبعة الصامتين ، لثباتهم على ms5814 ~~شريعة اقتفوا فيها أثر واحد هو أولهم ، ويسمون صاحب الأول سوسه ، وربما ~~عبروا عنه بغير ذلك : ثم يزعمون أنه عند انقضاء هؤلاء السبعة واستنفاذ ~~دورهم بشرعهم من استفتاح دور ثان ، ينسخ به شرع من قبله ، ويكون خلفاؤه ~~بعده يجري أمرهم كأمر من كان قبلهم ، ثم يأتي بعدهم ناسخ ، ثم اتباع سبعة ~~صمت أبدا إلى أن يأتي السابع ، فينسخ لجميع ما قبله ، ويكون صاحب الزمان ~~الأخير الناطق . ثم يرتبون هؤلاء بالتسمية لهم والأوصاف ، فيقولون : أول ~~هؤلاء النطقاء آدم ، وصاحبه وسوسة شيث ، ويقال بابه في موضع سوسه ويسمون ~~بعده تمام سبعة صمتوا على شريعة آدم ، ثم نوح فإنه ناطق ناسخ وسام سوسه ، ~~ثم تمام السبعة ، ثم الثالث إبراهيم وسوسه إسماعيل ، ثم تمام السبعة ، ثم ~~الرابع موسى وسوسه هارون ، ثم مات هارون في حياته فصار سوسه يوشع بن نون ثم ~~تمام السبعة بعده ، ثم الخامس المسيح عيسى بن مريم أخذها عن يحيى ، وهو أحد ~~السبعة قبله ، وهو أقامه ونصبه ، ولهم في هذا ما سيأتي ذكره ، وسوس المسيح ~~شمعون الصفا ، ثم تمام السبعة بعده ، ثم السادس محمد بن عبد الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وسوسه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم ستة ثم السابع ~~قائم الزمان محمد بن إسماعيل بن جعفر ، وهو المنتهى إليه علوم من قبله ، ~~PageV25P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" والقائم بعلم بواطن الأمور وكشفها ، وإليه ~~تفسيرها ، وإلى أمره أجرى ترتيب سائر من قبله ، في أمور سيأتي ذكرها إن شاء ~~الله تعالى . فهذه درجة أخرى قررها الداعي عند المدعو نبوة نبي بعد محمد ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، وسهل بها النقل عن شريعة ، وأخرج بها المدعو إليها ~~عما هو معلوم عند كل سامع لدعوة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من أن ~~دينه وما علم من مذهبه ونحلته أنه خاتم الرسل وأنه لا نبي بعده ، وأن دولته ~~مبقاة وشريعته مفترضة أبدا ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فالعلم ~~بذلك من ديانته وما عرف من مذهبه ، وأن أمته بلغت عنه وفهمته ، وأن من ms5815 ~~مفهوم شريعته أنه لم يكن يجوز لأحد نبوة غيره ، في وقته ولا فيما بعده ، ~~فكانت هذه الدعوة أول ما أخرج الداعي بها المدعو عن شريعة رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وأدخله في جملة الكفار المرتدين عن شريعته ، وهو مع هذا ~~لا يعلم ما خرج منه ولا دخل فيه . ذكر صفة الدعوة الخامسة قال : أعلم أنه ~~من يحصل على ما قدمنا ذكره يحصل عليه ، وقد مهد له بطريق تعظيم الأعداد ، ~~ووكد بذكر الطبائع في أبنية العالم ، وأمور كثيرة سيأتي ذكرها في المقالة ~~الثامنة ، كلها مبينة ، على مذاهب مدخولة وأمور فاسدة مرذولة ، مذاهب كثير ~~من الملحدين المتفلسفة ، مع اطراح ما نقلت الأمة ، والاستخفاف بحال الشريعة ~~، والاعتقاد لتعظيم الشيعة ، والانتظار لفسخ ما ورث عن النبوة ، وتوقع أمور ~~باطنة بخلاف ما ألف من علم الظاهر ، وقلة احتفال بدلالة ظاهر القرآن وغيره ~~من الكلام ، على الأمور بحقائق اللغة العربية واقتفاء أثر العرب في أوضاع ~~كلامهم ، مع تمقيت العرب ومع تحبيب دناءة العجم ، ويوهم أن العرب للعجم ~~أعداء وظالمون وأنهم لملكهم مغتصبون ، هذا يقال للمدعو إذا كان أعجميا ، ~~فإن كان أعرابيا خوطب في حال دعوته : بأن العجم غلبوا على دعوته وفازوا ~~بمملكته ، وأن له الاسم ولهم الدنيا ، وأنه أحق بذلك منهم وأولى ، في أمور ~~من هذا يطول وصفها بحسب ما يتخرج للداعي فيها . ثم يمكن عنده طرفا من ~~الهندسة في الأشكال ، ويعرف أن طبائع الأعداد في النظام ، لأمر يستخرج منه ~~علوم الأئمة ، والطريق إلى علم الإله والنبوة ، ويقرر عنده أن مع كل حججا ~~متفرقين في الأرض وأن عددهم في كل زمان ومكان اثنا عشر رجلا ، PageV25P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" كما أن عدد الأئمة سبعة ، وأن دلالة ذلك ~~ظاهرة وحجته قاهرة ، بأن تعلم بأن الله جل وعز لا يخلق الأمور مجازفة على ~~غير معان توجبها الحكمة ، وإلا فلم خلق النجوم ، التي فيها قوام العالم ~~سبعة ؟ وأمثال هذا وبالغوا ، وكذلك الإثنا عشر حجة ، عدد البروج المعظمة ، ~~وعدد الشهور المعروفة ، وعدد النقباء من بني إسرائيل ونقباء النبي ( صلى ~~الله ms5816 عليه وسلم ) من الأنصار ، وفي كف الإنسان أربعة أصابع في كل إصبع ~~ثلاثة شقوق تكون إثنى عشر شقا ، وفي كل يد إبهام فيها شقان بها قوام جميع ~~كفه ، وسداد أصابعه ومفاصله ، فالبدن كالأرض ، والأصابع كالجزائر الأربع ، ~~والشقوق كالحجج فيها ، والإبهام كالذي يقوم الأرض بعد ما فيها ، والشقان ~~فيها الإمام وسوسه لا يفترقان ، ولذلك صار في ظهر الإنسان اثنتا عشر خرزة ~~كالحجج ، وفي عنقه سبعة عالية كالأنبياء والأئمة ، وكذلك حال السبعة ~~الأنقاب في وجه الإنسان العالية على بدنه ، في أمثال لهذا كثيرة ، يحصلون ~~بها المدعو على الأنس بتمهيد طريق للخروج عن أحوال الأنبياء وشرائعهم ~~والعدول عن ذلك إلى أمور الفلاسفة في ترتيب شبههم أبدا ، ما رأوا أن هناك ~~بقية من دين . ذكر صفة الدعوة السادسة قال الشريف رحمه الله : أعلم أنهم ~~إذا مكنوا ما وصفناه وأحكموه ووثقوا لمساكنة المدعو أخذوا في تفسير معاني ~~الشرائع بغير ما يدين به أهلها وسهلوا عليه العدول عنها ، فرتبوا له معاني ~~الصلاة والزكاة والحج والإحرام والطهارة وسائر الفرائض ، على أمور سيأتي ~~وصفها في المقالة الثامنة ، على أن ذلك يكون تفسيره على إحكام وتمهيد بغير ~~مجازفة ولا استعجال ، فيحصل أولا على معنى : أن ذلك وضع دلالة على أمور ~~نذكرها وننبه عليها ، فإذا قوى الانسلاخ من جملة الأمة في نفسه ، وسهل عليه ~~طريق العدول عما هي عليه لم يحتشم حينئذ أن يجعل ذلك موضوعا على جهة الرموز ~~، إلى فلسفة من الأنبياء والأئمة ، وسياسة للعامة للجياشة إلى منافسهم في ~~ذلك ، وفي شغل بعضهم عن البغي على بعض أو عن الفساد في الأرض ، مع إظهار ~~تعظيم الناصبين لذلك ، وأنهم أهل الحكمة فيما رتبوه منه ، وإذا تمكن أيضا ~~في نفسه ما بدأنا بذكره - نقوله إلى التمييز بين الأنبياء وبين أفلاطون ~~وأرسطو طاليس وغيرهما ، وحسنوا عنده أشياء من حكمهم ، وعادوا على ناصب هذه ~~الشرائع بالاستخفاف والمذمة والإستحقار والطعن واللائمة ، فيأتي ذلك على ~~قلوب قد فرغت له ، وسهل عليها فلم تنكره ، ورأته مما بدأت به في تأنيسها . ~~PageV25P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" ذكر صفة الدعوة ms5817 السابعة قال رحمة الله : أعلم ~~أنه متى أنس المدعو ، بما ذكرناه كله أو بكثير منه ، وقوى في نفس الداعي ~~أنه يصلح لما بعد هذا ، إن كان بالغا ، وبأغراض الدعوة عالما ، وإلى ~~التبليغ بمن يدعوه إلى هذه الأمور قاصدا - أتى بما نذكر ؛ وأما إن كان ~~الداعي مخدوعا ومتخذا كالآلة ليتوصل به إلى التكسب ، ويمهد به الطريق ويرتب ~~، وهو غير بالغ إلى أعلى الرتبة في دعوة دون ذلك ، فإنه غافل لا يدري كيف ~~قصته ، ولا يظن أن الأمر الذي يراد به إلا ما عرفه وبلغه ، أو ما يجانسه ~~ويقاربه ، فإذا أراد الداعي أن يسلك بالمدعو فوق ما وصفنا قال له : قد صح ~~لك أن صاحب الدلالة الناصب للشريعة لا يستغني بنفسه ولا بد له من صاحب معه ~~يعبر عنه ، ليكونا اثنين أحدهما هو الأصل والآخر عنه كان . وأعلم أن ذلك لم ~~يحصل في العالم السفلي إلا وقد يحصل مثله في العالم العلوي ، فمذ بدء ~~العالم اثنان هما أصل الترتيب وقوام النظام ، أحدهما هو الأعلى والمفيد ، ~~والآخر هو الآخذ عنه المستفيد ، وربما أنسوه في ذلك بأن يقولوا له : هذا هو ~~الذي أراده الله بقوله " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون " ~~وكن هو الأكبر الرتبة ، وأما الثاني فهو القدر الذي قال الله فيه " إن كل ~~شيء خلقناه بقدر " ، وربما قالوا : هذا معنى ما تسمعه مما جاءت به الملة ، ~~من أن أول ما خلق الله اللوح والقلم ، وقال للقلم اكتب ما هو كائن ، واللوح ~~والقلم هما ما ذكرنا ، وربما قالوا : هذا معنى قول الله تعالى " وهو الذي ~~في السماء إله وفي الأرض إله " ، فسلك به في هذا الطريق العدول عن التوحيد ~~، وأن الصانع اثنان ، وإن كان عندهم صنع الأجسام على جهة المثل والنظام ، ~~لا على معنى الاختراع والإحداث ، وسيأتي ذلك وبيانه ، وإنما قدم هذا تمهيدا ~~له . ذكر صفة الدعوة الثامنة قال الشريف أبو الحسين رحمه الله تعالى : أعلم ~~أنهم إذا رتبوا ما ذكرنا قرروا عند المدعو أن أحد المدبرين أسبق من ms5818 الآخر ~~في الوجود وأعلى منه في الرتبة ، وأن الآخر مخلوق منه وكائن به ، ولولاه لم ~~يكن وأنه كونه من نفسه ، وأن السابق أنشأ الأعيان ، والثاني صورها وركبها ، ~~ثم ذكروا له منزلة السابق ، وأن السابق كان عمن كان منه ، كما كان الثاني ~~عن السابق ، إلا أن الذي كان عنه السابق لا اسم له ولا PageV25P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" صفة ولا ينبغي لأحد أن يعبر عنه ولا أن يعبده ~~، فإذا بلغ هذه الرتبة سارعوا : إلا أن في الأسباب التي كان لها عندهم ~~السابق عمن كان منه ممن لا اسم له ولا صفة ، وما هو ؟ وهل هو باختبار أم ~~بغير اختبار ؟ وكذلك الحال التي كان لها الثاني عن ، السابق - اختلافا - ، ~~فذهب بعضهم إلى أن ذلك كان الفكرة عرضت لمن كان عنه السابق ، فجاء منها ~~السابق ، ثم عرضت فكرة السابق فجاء منها الثاني ، على نحو ما يقوله بعض ~~المجوس في توليد ، اتفق وأهر من الذي هو الشيطان عن القديم ، وأن ذلك بفكرة ~~وقعت ردية ولدته ؛ وربما قال بعضهم إن تلك الفكرة ، لأن الذي لا صفة له فكر ~~: أقدر أخلق مثلي أم لا ؟ وكان من ذلك أن تصور التالي ، ثم فكر التالي في ~~ذلك فلم يأت بمثله ، في أنحاء من هذه الأمور التي سيأتي وصفها ، مما يخرج ~~به قائلوه عن كل ديانة دان بها أحد من أهل الشرائع ، التي ينعقد معها نبوة ~~وشريعة ولا يكون إلا مع دهرية أو ثنوية . ثم رتب هؤلاء أن التالي يدأب في ~~أعمال منه ، حتى يلحقوا بمنزلة السابق ، وأن الناطق في الأرض يدأب في ~~أعماله حتى يلحق بمنزلة التالي ، فيقوم مقامه فيكون بمنزلته سواء ، وأن ~~السوس يدأب في أعماله حتى يصير بمنزلة الناطق سواء ، وأن الداعي في أعماله ~~حتى يبلغ منزلة السوس وحاله سواء ، وأن هكذا تجري أمور العالمين في أدواره ~~وأكواره ، في أمثال لهذا . ثم قرر عنده أن القول في معنى النبي الصادق ~~الناطق ليس يجري على ما يقوله أهل الشرائع ، من أنه جاء بمعجزات ودلالات ~~خارجة عن أحوال العادات ms5819 ، وأن معنى ذلك إنما هو يأتي بأمور تنظيم بها ~~السياسة ووجوه الحكمة ، وترتب بها الفلسفة ، ومعان تنبيء عن حقائق ابتداء ~~السماوات والأرض ، وبدأتها على حقائق الأمور إما برموز وإما بإفصاح ، ~~وتنظيم ذلك شريعة يقتفى عليها الناس ، ورتب له أمر القرآن ، وما معنى كلام ~~الله ، بخلاف ما يدين به أهل الكتب ، ورتب له أمر القيامة وتقضى أمر الدنيا ~~وحصول الجزاء من الثواب والعقاب ، على أمور ليست مما يعتقده الموحدون في ~~شيء ، بل ذلك على معان أخر ، من تقلب الأمور وحدوث الأدوار عند انقضاء ~~الكواكب وعوالم جماعتها ، والقول في الكون والفساد في ترتيب الطبائع ، على ~~أمور كلها سيأتي شرحها إن شاء الله تعالى . PageV25P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" ذكر صفة الدعوة التاسعة قال : أعلم إذا أنه ~~حصل المدعو على ما ذكرنا أحيل حينئذ على طلب الأمور وتحقيقها وحدودها ~~والاستدلال عليها من طرق المتفلسفة وإدراكها من كتبهم ، وجعلوا ما قدموه ~~سابقا له على طرائقهم ، واستنباط ما خفي عنهم وبنوه على علم الأربع طبائع ، ~~التي هي استقصات وأصول الجواهر عندهم ، وعلى ترتيب القول في الفلك والنجوم ~~والنفس والعقل وأمثال ذلك فيما هو معروف ، فيحصل الآن البالغون إلى هذه ~~الرتب على أحد هذه الوجوه ، التي يعتقدها بعض أهل الإلحاد ممن يدين بقدم ~~أعيان الجواهر ، ويصير ما قدم من ذكر الحدث والأصول رموز إلى معاني المبادي ~~، وتقلب الجواهر وحدوث الأمور التي يكون لها على أحوال وأحكام ، وعلى نحو ~~تنزيل كثير منهم لحال العقل من حال الفلك من حال العقل ، وحال الطبائع ~~والأعراض من حال النفس والعقل ، وحال المنقلب بالكون والفساد وما يكون من ~~حال اله يولي بتقلب الأعراض المختلفة وترتيب العناصر ، والقول في العلة : ~~هل تفارق المعلول أم لا ؟ وإقرار بعضهم بصانع لم تزل معه العناصر والمباديء ~~أولا ، وما هي تلك الأمور وكيف حدودها ، وما يصح من صفاتها والأسباب التي ~~تعلم بها ، فربما صار البالغ في النظر في هذا إلى اعتقاد مذهب ماني وابن ~~ديصان ، وربما صار إلى مذهب المجوس ، وربما دان بما يحكي عن أرسطا طاليس ، ~~وربما ms5820 صار إلى أمور تحكى عن أفلاطون ، وربما اختار من تلك معاني مركبة من ~~هذه الأمور ، كما يجري كثير من هؤلاء المتحيرين . قال : وجميع ما وصفناه من ~~التدريج بالمقدمات إنما يحصل الانسلاخ من شرائع أهل الكتب والنبوة فقط ، ~~وجميعها يصلح أن تجعل تمهيدا ورموزا إلى جميع هذه المذاهب التي ذكرناها ، ~~وتجتذب بألفاظها إليها بالتأويل بحسب ما يريد المعتقد ، لما شاء منها مما ~~سنبين ذلك إن شاء الله تعالى . PageV25P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" قال : وأما سلخه من جميع ما تقدم عليه من أمر ~~الإمامة والنبوة فإنه أولا يجعل عنده منازل ، وجميعهم منقوصة غير منزلة ~~محمد بن إسماعيل صاحب الدور الآخر ، ويرتب له أن جميعهم لا يأتي بوحي من ~~الله عز وجل ، ولا معجزة كما يقال الظاهرية ، وإنما يختص بالصفا فيلقي في ~~فهمه ما يريد الله ، فيكون ذلك كلاما ، ثم يجسده النبي ويظهره للخلق ، ~~وينظم الشرائع بحسب المصالح في سياسات الناس ثم يأمر بالعمل بذلك مدة ، ثم ~~يترك إلى لأن يؤمر بذلك ، يستدعي بها الناس ، لا لأنها تجب على أهل المعرفة ~~بأعراضها وأسبابها ثم يقال له بعد ذلك إنما هي آصار وأثقال حملها الكفار ، ~~وكذلك سائر المحرمات ، ثم يلقن أن إبراهيم وموسى وعيسى ، وهؤلاء أنبياء ~~سياسات وشرائع ، فأما أنبياء الحكمة فإن هؤلاء أخذوا عنهم كأفلاطون وأمثاله ~~من الفلاسفة ، فبنوا شرائعهم ليوصلوا بها العامة إلى علومهم ؛ ثم يقال له : ~~انظر أيهما أحكم ، فلان النبي أو فلان ؟ ثم يلقن أن في بعض أحكامهم اختلالا ~~وفسادا ، ثم يلقن البراءة منهم وسوء سيرتهم ، وأنهم قتلوا النفوس ، وأمثال ~~هذا . ويلقن في محمد بن إسماعيل بن جعفر أنه سيظهر ، ثم يقال له بعد ذلك : ~~إنما يظهر في العالم الروحاني إذا صرنا إليه ، أما الآن فإنما يظهر أمره ~~على ألسن أوليائه ، ثم يلقن أن الله أبغض العرب لما قتلت الحسين بن علي ~~فنقل خلافة الأئمة عنهم كما نقل النبوة عن بني إسرائيل لما قتلوا الأنبياء ~~، ولا يقوم بخلافة الأئمة إلا أولاد كسرى ، فيكون ذلك غاية ما يقدموه في ~~الباب كله متى ms5821 استوى لهم ، فإن لم يتم له ذلك مع الدعوة تركه في أي منزلة ~~نزلها ، مسعيذا بهذه الوجوه . قال : ثم اعلم - رحمك الله - أن هذا الترتيب ~~والتخريج والتنزيل إنما كانت الدعاة عليه عند اجتماعها على مبدأ الدعوة ، ~~والانعقاد على طلب الغوائل للمسلمين ، فيها اتفقوا على جملة منها وأصولها ، ~~وفتحوا بالفكر طريقها ، ومهدوه على معنى ما ذكرناه ، وتفرقوا في البلدان ، ~~وتمهيدهم بحسب أفكارهم واجتهادهم في الحيلة على المستمع ، وتميزوا في ذلك ~~وتمكنوا منه في طول الأيام ، سيما مذ قويت أحوال الجنائي على ما نذكر ذلك ~~إن شاء الله تعالى في أخباره . قال : فقد بينا خبر هذه الدعوة وكيف جرى ~~أمرها ، وكيف يسلك بالمخدوع كل مسلك ، حتى يصير إلى التعطيل والإباحة ، ~~فهذا أصل هذه الدعوة الملعونة وما أسست PageV25P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" عليه قديما ، ثم تغيرت وتفرعت منذ انتشرت ~~ببلاد المغرب ومصر والشام ، وجعلوا منها طرقا وأبوابا ، فمنها علم القوت ~~وعلم الكفاف وبلاغات مفصلة ، وبطل الترتيب الأول الذي وصفناه : من أن ~~الدعوة كانت إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر ، فصار موضعه من يكون من ولد عبيد ~~الله بن ميمون القداح ، الذين ملكوا المغرب ومصر والشام ، على ما نذكر ذلك ~~إن شاء الله تعالى في أخبارهم ، ولنصل هذا الفصل بذكر العهد الذي يحلفون به ~~. ذكر العهد الذي يؤخذ على المخدوعين في مبدأ الدعوة الخبيثة قال الشريف . ~~يقول الداعي لمن يأخذ عليه العهد : جعلت على نفسك عهد الله وميثاقه وذمته ، ~~وذمة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأنبيائه وملائكته ورسله ، وما أخذ ~~على النبيين من عهد وعقد وميثاق أنك تستر جميع ما تسمعه وسمعته ، وعلمته ، ~~وتعلمه ، وعرفته وتعرفه من أمري وأمر المقيم بهذا البلد لصاحب الحق الإمام ~~، الذي عرفت إقراري له : ونصحي لمن عقد ذمته ، أمور إخوانه وأصحابه وولده ~~وأهل بيته المطيعين له هذا الدين ومخالصته له ، من الذكور والإناث والصغار ~~والكبار ، فلا يظهر من ذلك قليلا ولا كثيرا ولا بشيء يدل عليه ، إلا ما ~~أطلقت لك أنك تتكلم به ، أو أطلقه الأمر المقيم بهذا البلد ms5822 ، فتعمل في ذلك ~~بأمرنا ولا تتعداه ولا تزيد عليه ، وليكن ما تعمل عليه قبل العهد بقولك ~~وفعلك : أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وتشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله ، وتشهد أن الجنة حق وأن النار حق ، وأن الموت حق وأن البعث حق وأن ~~الساعة حق آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من القبور ، وتقيم الصلاة ~~لوقتها ، وتؤتى الزكاة بحقها ، وتصوم شهر رمضان ، وتحج البيت الحرام ، ~~وتجاهد في سبيل الله حق جهاده ، على ما أمر الله به رسوله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، وتوالى أولياء الله وتعادى أعداء الله وتقول بفرائض الله وسننه ~~نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) وعلى آله الطاهرين ، ظاهرا وباطنا وعلانية ~~وسرا وجهرا ، فإن ذلك يؤكد هذا العهد ولا يهدمه ، ويثبته ولا يزيله ، ~~ويقربه ولا يباعده ، ويشده ولا يضعفه ، ويوجب ذلك ولا يبطله ، ويوضحه ولا ~~يعميه ، كذلك هو في الظاهر والباطن ، وسائر ما جاء به النبيون من رتبهم ~~صلوات الله عليهم أجمعين ، على الشرائط المبينة في هذا العهد . وجعلت على ~~نفسك الوفاء بذلك - قل نعم ، فيقول المغرور : نعم ، ثم يقول له : والصيانة ~~له بذلك وأداء الأمانة له على ألا تظهر شيئا أخذ عليك في هذا العهد - ~~PageV25P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" في حياتنا ولا بعد وفاتنا ، ولا على غضب ولا ~~على حال رضى ، ولا على حال رغبة ولا رهبة ، ولا على حال شدة ولا على حال ~~رخاء ولا على طمع ، ولا على حال حرمان ، تلقى الله على الستر لذلك والصيانة ~~له - على الشرائط المبينة في هذا العهد . وجعلت على نفسك عهد الله وميثاقه ~~وذمته وذمة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وعلى آله أن تمنعني وجميع من ~~أسميه معي لك وأثبته عندك ، مما تمنع منه نفسك ، وتنصح لنا ولوليك - ولي ~~الله - نصحا ظاهرا وباطنا ، فلا تخن الله ووليه ، ولا تخنا ولا أحدا من ~~إخوانتا وأوليائنا ، ومن تعلم أنه منا بسبب ، في أهل ولا مال ولا رأى ولا ~~عهد ولا عقد تتأول عليه بما تبطله . فإن فعلت شيئا ms5823 من ذلك - وأنت تعلم أنك ~~قد خالفته ، وأنت على ذكر منه - فأنت برى من الله خالق السموات والأرض ، ~~الذي سوى خلقك وألف تركيبك وأحسن إليك في دينك ودنياك وآخرتك ، وتبرأ من ~~رسله الأولين والآخرين وملائكته المقربين الكروبين والروحانيين ، والكلمات ~~التامات والسبع المثاني والقرآن العظيم ، وتبرأ من التوراة والإنجيل ~~والزبور والذكر الحكيم ، ومن كل دين ارتضاه الله في مقدم الدار الآخرة ، ~~ومن كل عبد رضي الله عنه ، وأنت خارج من حزب الله وحزب أوليائه ، وخذلك ~~الله خذلانا بينا ، فعجل لك بذلك النقمة والعقوبة والمصير إلى نار جهنم ، ~~التي ليس فيها رحمة وأنت برئ من حول الله وقوته ، ملتجأ إلى حول نفسك ~~وقوتها ، وعليك لعنة الله التي لعن بها إبليس ، فحرم عليه بها الجنة وخلده ~~النار . إن خالفت شيئا من ذلك لقيت الله يوم تلقاه وهو عليك غضبان ، ولله ~~عليك أن تحج إلى بيته الحرام ثلاثين حجة نذرا واجبا ، ماشيا حافيا ، لا ~~يقبل الله منك إلا الوفاء بذلك ، وإن خالفت ذلك فكل ما تملكه في الوقت الذي ~~تخالف فيه فهو صدقة على الفقراء والمساكين ، الذين لا رحم بينك وبينهم ، لا ~~يأجرك الله عليه ، ولا يدخل عليك بذلك منفعة ، وكل مملوك لك - من ذكر أو ~~أنثى - في ملكك وتستعبده إلى وقت وفاتك ، إن خالفت شيئا من ذلك ، فهم أحرار ~~لوجه الله عز وجل ، وكل امرأة لك وتتزوجها إلى وقت وفاتك - إن خالفت شيئا ~~من ذلك - فهن طوالق ثلاثا بتة ، طلاق الحرج والسنة لا مثنوية لك فيها ولا ~~اختبار ولا رجعة ولا مشيئة ، وكل ما كان لك من أهل ومال وغيرهما فهو عليك ~~حرام ، وكل ظهار فهو لازم لك . PageV25P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" وأنا المستخلف لك لإمامك وحجتك ، وأنت الحالف ~~لهما وإن نويت أو عقدت أو أضمرت خلاف ما أحملك عليه وأحلفك به ، فهذه ~~اليمين من أولها إلى آخرها محددة عليك لازمة لك ، لا يقبل الله منك إلا ~~الوفاء بها ، والقيام على ما عاهدت بيني وبينك ، قل نعم ، فيقول المخدوع : ~~نعم . فهذه اليمين التي يؤنس ms5824 بها المخدوع من ذكر الصلاة والصيام والزكاة ~~والحج وشرائع الإسلام ، فما ينكر شيئا مما يسمعه ، وكل ذلك تأنيس ما يتوصل ~~به إلى هذه الأمور ، التي تقدم ذكرها على التدريج . قال الشريف رحمه الله ~~تعالى : ووجدت في كتاب من كتبهم يعرف بكتاب السياسة ما يشرح به ذكر ما تقدم ~~من أمر الدعوة ، فيه وصايا الدعاة ، وهذا مختصر منه يقول فيه : من وجدته ~~شيعيا فاجعل التشيع عنده دينك ، واجعل المدخل عليه من جهة ظلم الأمة لعلي ~~وولده ، وقتلهم الحسين وسبيهم البنات ، والتبري من تيم وعدي ومن بني أمية ~~وبني العباس ، وما شاكل ذلك من الأعاجيب التي تسلك عقولهم ، فمن كان بهذه ~~الصورة أسرع إلى إجابتك بهذا الناموس ، حتى يتمكن مما يحتاج إليه ؛ ومن ~~وجدته صائبا فداخله بالأسابيع يقرب عليك جدا ، ومن وجدته مجوسيا فقد اتفقت ~~معه في الأصل من الدرجة الرابعة ، من تعظيم النار والنور والشمس ، واتل ~~عليه أمر السابق فإنه لهرمس الذي يعرفونه بالنور المكنون من ظنه الجيد ~~والظلمة المكنونة من وهمه الرديء ، فإنهم مع الصابئين أقرب الأمم إلينا ~~وأولاهم بنا ، لولا يسير صحفوه بجهلهم به ؛ وإن ظفرت بيهودي فادخل عليه من ~~جهة المسيح ، يعني مسيح اليهود الدجال وأنه المهدي ، وأن عند معرفته تكون ~~الراحة من الأعمال وترك التكليفات ، كما أمر بالراحة في يوم السبت ، وتقرب ~~من قلوبهم بالطعن على النصارى والمسلمين الجهال ، وزعمهم أن عيسى لم يولد ~~ولا أب له ، وقرر في نفوسهم أن يوسف النجار أبوه ، وأن مريم أمه ، وأن يوسف ~~كان ينال منها ما ينال الرجال من نسائهم وما يشاكل ذلك ، فإنهم لا يلبثون ~~أن يتبعوك ؛ وادخل على النصارى بالطعن على اليهود والمسلمين جميعا ، وبصحة ~~عقدهم الصليب عندهم وعرفهم تأويله ، وأفسد عليهم ما قام لهم من جحد الفار ~~قليط ، وقرر عندهم أنه جاء وأنك إليه تدعوهم ، ومن وقع إليك PageV25P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" من المنانية فإنه يحرك الذي منه تغترف ، ~~فداخلهم بالممازجة من الباب السادس ، وأظهر من الدرجة السادسة من حدود ~~البلاغ ، وامتزاج الظلمة بالنور إلى آخر ما في ms5825 الباب من ذلك ، فإنك تملكهم ~~به وتحيلهم ، فإن أنست من بعضهم رشدا كشفت له الغطاء ومن وقع إليك من ~~الفلاسفة فقد علمت أن على الفلاسفة العهدة ، وإنا قد اجتمعنا وهم على ~~نواميس الأنبياء وعلى القول بقدم العالم ، لولا ما يخالفنا بعضهم فيه من أن ~~للعالم مدبرا لا يعرفونه ، فإنه وقع الإنفاق على أنه لا مدبر للعالم فقد ~~زالت الشبهة فيما بيننا وبينهم ، وإن لك ثنوى فبخ بخ قد ظفرت ، فالمدخل ~~عليه بإبطال التوحيد ، والقول بالسابق والتالي ووراثة أحدهما ، على ما هو ~~مرسوم في أول درجة البلاغ وثالثه ، وإن وقع سنى فعظم عنده أبا بكر وعمر ~~واذكر فيهما فضائل ، واثلب عليا وولده واذكر لهم مساويء ، ولوح له أن أبا ~~بكر وعمر قد كان لهما في هذا الأمر - الذي تلقيه إليه - نسب ، فإذا دخلت ~~عله بهذا المدخل درجته إلى ما تريد وملكته ، واتخذ غليظ العهود ووكيد ~~الأيمان وشديد المواثيق حنة لك وحصنا ، ولا تهجم على مستجيبيك بالأشياء ~~التي تبهر عقولهم ، حتى ترقيهم إلى المراتب حالا فحالا ، ودرجهم درجة درجة ~~، فواحد لا تزيده على التشيع والأيمان لمحمد بن إسماعيل شيئا ، وأنه حي لا ~~تجاوز به هذا الحد ، وأظهر لهم العفاف عن الدرهم والدينار وخفف عليهم وطأتك ~~، ومرة بالصلاة السبعين ، وحذره الكذب والزنا واللواط وشرب الخمر ، وعليك ~~في أمره بالرفق والتؤدة والمداراة يكن لك عونا على دهرك وعلى من يعاديك أو ~~يتغير عليك من أصحابك وينافسك ، فلا تخرجه عن عبادة إلهه ، والتدبر بشريعته ~~، والقول بإمامة علي وبنيه إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر ، وأقم له دلائل ~~الأسابيع فقط ، ودقة بالصلاة دقا ، فإنك إن أومأت إلى كرائمه يوما - فضلا ~~عن ماله - لم يمنعك ، فإن أدركته الوفاة وصى إليك بما خلف وورثك إياه ، ولم ~~ير أن في العالم أوثق منك ، وأخر ترقيه من ذلك إلى نسخ شريعة محمد ، وأن ~~السابع هو الخاتم للرسل ، وأنه ينطق كما ينطق كما نطقوا ويأتي بأمر جديد ، ~~وأن محمدا صاحب الدور السادس ، وأن عليا لم يكن إماما ، وحسن القول فإن هذا ms5826 ~~باب كبير وعلم عظيم ، مرجى الارتقاء إلى ما هو أكبر منه ، ويعينك على زوال ~~ما جاء من قبله من وجود النبوات ، على المنهاج الذي هو عليه ، وقليل من ~~ترقيه من هذا الباب إلى معرفة أم القرآن ومؤلفه وسننه . PageV25P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" وإياك أن تغير بكثير ممن يبلغ معك إلى هذه ~~المنزلة فترقيه إلى غيرها ، إلا من بعد طول المؤانسة والمداوسة واستحكام ~~الثقة ، إن ذلك يكون عونا لك عند بلاغه على تعطيل الكتب ، التي يزعمون أنها ~~منزلة عند الله ، فيكون هذا نعم المقدمة ؛ وآخر ترقيه من هذا إلى ما هو ~~أعلى منه ، فإن القائم قد مات ، وإنه يقوم روحانيا ، وأن الخلق يرجعون إليه ~~بصور روحانية ، وأنه يفصل بين العباد بأمر الله عز وجل ، يشتفى من الكافرين ~~للمؤمنين بالصور الروحانية ، فإن ذلك يكون عونا لك عند بلاغه على إبطال ~~المعاد ، الذي يزعمونه والنشور من القبور ؛ وآخر ترقية من هذا إلى إبطال ~~الملائكة في السماء والجن في الأرض ، فإنه قبل آدم بشر كثير ، وتقيم على ~~ذلك الدلائل المرسومة من كتب شيوخنا المتقدمين ، فإن ذلك مما يعينك في وقت ~~بلاغه ، على تسهيل التعطيل لله ، والإرسال بالملائكة إلى الأنبياء ، ~~والرجوع به إلى الحق ، والقول بقدم العالم ؛ وآخر ترقيه إلى أوائل درج ~~التوحيد ، وتدخل عليه بما تضمنه كتاب الدرس الشافي للنفس من أن لا إله لا ~~صفة ولا موصوف ، فإن ذلك مما يعينك على القول بالإلهية ، تستحقها عند ~~البلاغ إلى ذلك ، ومن رقيته إلى هذه المنزلة فعرفه حسب ما عرفناك حقيقة من ~~أمر الإمام ، وأن إسماعيل ومحمدا ابنه من أبوابه ، وفي ذلك عون لك على ~~إبطال إمامه ولد علي بن أبي طالب ، عند البلوغ والرجوع إلى القول بالحق ~~لأهله ثم لا تزال شيئا فشيئا في أبواب البلاغ السبعة ، حتى تبلغ الغاية ~~القصوى على تدريج ، وكل باب يأتي يشهد للمتقدم قبله ، والمتقدم يشهد ~~للمتأخر . واستعمل في أمرك الكتمان كما يوصى بني القوم خاصته ، فقال : ~~استعينوا على أموركم بالكتمان ، ولا تظهر أحدا على شيء مما تظهر عليه من ms5827 هو ~~فوقه بوجه ولا سبب ، وعليك بإظهار التقشف للعامة والوقار عندهم ، وتجنب ما ~~هو منكر عندهم ، ولا تنبسط كل الانبساط لإخوانك البالغين كما فعل من كان ~~قبلك فإنه أتى بالتشديد ثم حل الأمور ، فإذا تدبرت بهذا التدبير وسلكت ~~طريقته فقد سلكت طريق الأنبياء وأخذت حدودهم ، وعليك بعد ذلك بالاجتهاد في ~~معالجة خفة اليد ، والأخذ بالأعين والحذق بالشعبذة ، فلن يخلو من الحاجة ~~إلى ذلك عند قوم ينسبونك بعمله إلى إقامة المعجزات ، كما نسبوا قوما تقدموا ~~؛ وعليك بمعرفة أحاديث الأولين وقصصهم وطرائقهم ومذاهبهم ، لتكون بينة أمرك ~~في الأقاويل على قدر ما يصلح لأهل زمانك ، ترشد وتوفق ويقدم على الأيام ~~أمرك ، ويعلو ذكرك ، ويكون الداخل في أمرك بعد PageV25P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" وفاتك أكثر من الداخل معك في حياتك ، فينفع ~~لك ولمخلفيك من بعدك بك ، وعلى يدك ويدي أمثالك من أهل النجابة والعقل دعوة ~~الحق ، وتملك لك ولعقبك وذريتك ملكا لا ينبغي لغيرك مثله . فهذه وصيتي لك ~~مشتملة على جمل من النواميس الطارقة للأنبياء على قدر عقولهم . قال الشريف ~~رحمه الله تعالى : ووجدت في هذا الكتاب المعروف بكتاب السياسة أيضا فصلا ~~فيه ولشيخنا الجليل المقدس ، وهذا مختصر منه يوصى دعاته في أهل الأديان - ~~وذلك لأمة محمد خاصة : - فابذل الآن سيفك فيهم إذا تمكنت منهم وصار لك حزب ~~، وظهرت بهذه الحيل التي قد وقفتك عليها ، واستملت الناس بها فإنهم أعداؤنا ~~، وصف أموالهم واستفرد بناتهم وأولادهم ، ولا تخفر لهم ذمة ولا تحفظ لهم ~~قربة ، ولا ترحم علويا ، فلو تمكن علوي كتمكن غيره من الأنبياء للقينا منه ~~جهدا ، وعبر بما يدعيه من حقوق جده على هؤلاء الحمير ما هو أكثر مما عبره ~~جده ، وإياك والأغضاء عمن تجده من ولد علي ، يعني اقتله إذا تمكنت منه ، ~~وإياك والرخصة لأحد من أسنانك في الثقة بواحد منهم ، تهتدي وتوفق لا زلت ~~بالعلم سعيدا ، وإلى الخير هاديا ومهديا ، وعلى جميع الأحوال الحمد لإلهنا ~~على ما منحنا ، وصلواته على عباده المصطفين ، يعني إلهه الذي أباحه اللذات ~~وأعماه عن الهدى ، وفتح له طرق ms5828 الضلالة ، وعباده الذين اصطفى دعاته الذين ~~بهم يضلون الناس . هذا ما حكاه الشريف أبو الحسين من دعواتهم التسع ، ~~وعهدهم الذي يأخذونه ووصاياهم . وحكى عز الدين بن الأثير الجزري رحمه الله ~~تعالى في تاريخه الكامل - عند ذكره لأخبار القرامطة قال : وكان فيما يحكى ~~عن مذهبهم أنهم جاءوا بكتاب فيه - يقول الفرج بن عثمان - وهو من قرية يقال ~~لها نصرانة ، وهو داعية المسيح وهو عيسى ، وهو الكلمة ، وهو المهدي ، وهو ~~أحمد بن محمد بن الحنفية ، وهو جبريل ، وذكر أن المسيح تصور له في جسم ~~إنسان وقال : إنك الداعية ، وإنك الحجة ، وإنك الناقة ، وإنك الدابة ، وإنك ~~يحيى بن زكريا ، وإنك روح القدس ، وعرفه أن الصلاة أربع ركعات - ركعتان قبل ~~PageV25P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" طلوع الشمس ، وركعتان قبل غروبها ، وأن ~~الأذان في كل صلاة أن يقول : الله أكبر ، أربع مرات وأشهد أن لا إله إلا ~~الله مرتين ، أشهد أن آدم رسول الله ، وأشهد أن نوحا رسول الله ، أشهد أن ~~إبراهيم رسول الله ، أشهد أن موسى رسول الله ، أشهد أن عيسى رسول الله ، ~~أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله ، ~~وأن يقرأ في كل ركعة الاستفتاح ، وهو من المنزل على أحمد بن محمد بن ~~الحنفية ، والقبلة إلى بيت القدس ، والجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شيء ، ~~والسورة التي يقرأها : الحمد لله بكلمته وتعالى باسمه ، والمنجد لأوليائه ~~بأوليائه ، قل إن الأهلة مواقيت للناس ظاهرها ، ليعلم عدد السنين والحساب ~~والشهور والأيام ، وباطنها ، أوليائي الذين عرفوا عبادي ، سبيلى : اتقوني ~~يا أولي الألباب ، وأنا الذي لا أسأل عما أفعل ، وأنا العليم الحكيم ، وأنا ~~الذي أبلوا عبادي وأمتحن خلقي ، فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري أدخلته ~~في جنتي وأخلدته في نعيمي ، ومن زال عن أمري وكذب رسلي أخلدته مهانا في ~~عذابي ، وأتممت أجلي وأظهرت أمري على ألسنة رسلي ، وأنا الذي لم يعل على ~~جبار إلا وضعته ، ولا عزيز إلا أذللته ، وليس الذي أصر على أمره ودام على ~~جهالته ، وقال : أن نبرح عليه عاكفين وبه ms5829 موقنين ، أولئك هم الكافرون ، ثم ~~يركع ويقول في ركوعه : سبحان ربي ورب العزة ، وتعالى عما يقول الظالمون ~~يقولها مرتين ، فإذا سجد قال : الله أعلى مرتين ، الله أعظم مرتين . ومن ~~شرائعه أن يصوم يومين في السنة ، وهما للمهرجان والنيروز ، وأن النبيذ حرام ~~، والخمر حلال ، ولا غسل من جناية إلا الوضوء كوضوء الصلاة ، وأن من حاربه ~~واجب قتله ، ومن لم يحاربه ممن خالفه أخذ منه الجزية ، ولا يؤكل كل ذي ناب ~~ولا ذي مخلب . وقد أخذ هذا الفصل حقه من الإطالة والإسهاب ، فلنذكر مبدأ ~~هذه الدعوة . ذكر ابتداء دعوة القرامطة قال الشريف أبو الحسين رحمه الله ~~تعالى : كان مبدأ هذه الدعوة الخبيثة إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر ، وزعموا ~~أنه الإمام المهدي الذي يظهر في آخر الزمان PageV25P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" ويقيم الحق وأن البيعة له ، وأن الداعي إنما ~~يأخذها على الناس له ، وأن ما يجمع من الأموال مخزون له إلى أن يظهر ، ولم ~~تزل هذه الدعوة إلى محمد بن إسماعيل إلى أن هرب سعيد المسمى بعبيد الله من ~~سلمية إلى المغرب ، وتلقب بالمهدي فصار هو الإمام ، وانتسب إلى أنه من ولد ~~إسماعيل بن جعفر ، فنقلوا الدعوة إليه ، وكان القول في المبدأ : أن محمد بن ~~إسماعيل حي لم يمت ، وأنه يظهر في آخر الزمان وأنه مهدي الأمة . قال : ولم ~~يكن هذا المحتال أن يرفع محمد بن إسماعيل ، ولا يأخذ له بيعة ، إنما جعله ~~بابا يستغل به عقل من يدخل فيه ويتبين له أنه قد تمكن من خديعته وبلغ ~~المراد منه ، شيعيا كان أو سنيا . قال : ولما أظهر اللعين ما أظهر من هذه ~~الأقوال كلها ، بعد تعلقه بذكر الأئمة والرسل والحجة والإمام ، وأنه المعول ~~والقصد والمراد ، وبه اتسقت هذه الأمور ولولا هو لهلك الحق وعدم الهدى ~~والعلم ، وظهر في كثير منهم الفجور ، وبسط بعضهم أيديهم بسفك الدماء ، وقتل ~~جماعة ممن أظهر خلافا لهم ، فخافهم الناس جدا واستوحشوا من ظهور السلاح ~~بينهم ، فأظهر موافقتهم كثير من مجاوريهم ، مقاربة لهم وجزعا منهم . ثم إن ~~الدعاة اجتمعوا ms5830 واتفقوا على أن يجعلوا لهم موضعا ، يكون وطنا ودار هجرة ~~يهاجرون إليها ويجتمعون بها ، فاختاروا من سواد الكوفة في طسوج الفرات - من ~~ضياع السلطان المعروفة بالقاسميات ، قرية تعرف بمهيماباد ، فنقلوا إليها ~~صخرا عظيما ، وبنوا حولها سورا منيعا عرضه ثمانية أذرع ، وجعلوا من ورائه ~~خندقا عظيما ، وفرغوا من ذلك في أسرع وقت ، وبنوا فيها البنيان العظيم ، ~~وانتقل إليها الرجال والنساء من كل مكان ، وسميت دار الهجرة وذلك في سنة ~~سبع وسبعين ومائتين . فلم يبق بعد هذا أحد إلا خافهم ، ولا بقي أحد يخافونه ~~لقوتهم وتمكنهم في البلاد ، وكان الذي أعانهم على ذلك تشاغل السلطان ببقية ~~الخوارج وصاحب الزنج بالبصرة ، وقصر يد السلطان وخراب العراق وركوب الأعراب ~~واللصوص وتلف الرجال وفساد البلدان وقلة رغبة من يلي الأعمال من ذوي ~~الإصلاح والأمانة من العمال وأصحاب الحروب ، فتمكن هؤلاء الدعاة ومن تبعهم ~~بهذا السبب ، وبسطوا أيديهم في البلاد وعلت كلمتهم ، فغلبوا على ذلك سنين . ~~PageV25P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" ذكر انتفاض الدعوة عن حالتها الأولى ومقتل ~~عبدان وما كان من أمر زكرويه بعده قال الشريف : وكان قرمط يكاتب من بسلمية ~~من الطواغيت فلما توفي من كان في وقته وجلس ابنه من بعده كتب إلى حمدان ~~قرمط كتابا ، فلما ورد عليه الكتاب وقرأه أنكر ما فيه ، وتبين فيه ومنه ~~ألفاظا قد تغيرت ، وشيئا ليس هو على النظام الأول ، فاستراب به وفطن أن ~~حادثة حدثت ، فأمر قرمط ابن مليح - وكان داعيا من دعاته - أن يخرج فيتعرف ~~الخبر ، فامتنع عليه واعتذر ، فأنفذ من أحضر عبدان الداعية من عمله ، فلما ~~حضر أنفذه ليتعرف ما حدث من هذا الأمر ، ويكشف عن سبب تغيره ، فسار عبدان ~~لذلك ، فلما وصل عرف بموت الطاغية الذي كانوا يكاتبونه ، فاجتمع بابنه ~~وسأله عن الحجة ومن الإمام بعده ، الذي يدعو إليه ، فقال الابن : ومن ~~الإمام ؟ قال عبدان : محمد بن إسماعيل بن جعفر صاحب الزمان الذي كان أبوك ~~يدعو إليه ، وكان حجته ، فأنكر ذلك عليه وقال : محمد بن إسماعيل لا أصل له ~~، ولم يكن الإمام غير أبى وهو ms5831 من ولد ميمون بن ديصان ، وأنا أقوم مقامه ، ~~فعرف عبدان القصة واستقصى الخبر وعلم أن محمد بن إسماعيل ليس له في هذا ~~الأمر حقيقة ، وإنما هو شيء يحتالون به على الناس ، وأنه ليس من ولد عقيل ~~بن أبي طالب ، فرجع عبدان إلى قرمط فعرفه الخبر ، فأمره قرمط أن يجمع ~~الدعاة ويعرفهم صورة الأمر وما تبين منه ، ويقطع الدعوة ، ففعل عبدان ذلك ~~وقطعت الدعوة من ديارهم ، ولم يمكنهم قطعها من غير ديارهم ، لأنها كانت قد ~~امتدت في سائر الأقطار وامتد شرها ، وقطعت الدعاة مكاتبة أصحابهم الذين ~~بسلمية . وكان رجل من أولاد القداح قد نفد إلى الطالقان يبث الدعاة ، ونزل ~~بقرمط وهو بسواد الكوفة عند عبوره إلى الطالقان ، وكانت الدعاة يكاتبونه ، ~~فلما انقطعت المكاتبة عن جميع أولاد القداح قطعت عن هذا الذي بالطالقان ، ~~فطال انتظاره ، فشخص عن الطالقان ليقصد قرمط ، وكان قرمط قد سار إلى كلواذى ~~، فلما وصل إلى كلواذى سأل عن قرمط ، فعرف أنه انتقل فلا يدري أين مضى وما ~~عرف لقرمط بعد ذلك خبر ، ولا علمت وفاته ولا ما اتفق له ، فقصد ابن القداح ~~سواد الكوفة ، فنزل على عبدان ، فعتب عليه وعلى جميع الدعاة في انقطاع ~~كتبهم عنه ، فعرفه عبدان أنهم PageV25P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" قطعوا الدعوة وأنهم لا يعودون فيها وأن أباه ~~كان قد غرهم وادعى نسبه من عقيل بن أبي طالب كذبا ودعا إلى المهدي ، فكنا ~~نعمل على ذلك ، فلما تبينا أنه لا أصل لذلك ، وعرفا أن أباك من ولد ميمون ~~بن ديصان وأنه صاحب الأمر ، تبنا إلى الله تعالى مما تحملناه ، وحسبنا ما ~~كفرنا أبوك فتريد أن تردنا كفارا ؟ انصرف عنا إلى موضعك . قال : وكان عبدان ~~قد تاب من هذه الدعوة حقيقية ، فلما أيس منه صار إلى زكرويه بن مهرويه ، ~~فعرفه خبر عبدان ومارد عليه ، فلقيه زكرويه بكل ما يحب ، وقدر أنه ينصبه ~~داعيا مقام أبيه ، فيستقيم له أخذ الأموال وجمع الرجال ، وواطأة على ذلك ، ~~وقال له : إن هذا الأمر لا يتم مع عبدان ، لأنه داعي البلد كله ms5832 ، والدعاة ~~من قبله والناس من تحت يده ، وأنه لا يجيبه إلا أهل دعوته خاصة . وشرعا في ~~إعمال الحيلة على قتل عبدان ، واتفقا على ذلك ، ثم وجه زكرويه إلى رجل من ~~بني تمم بن كليب وأخ له كانا من أهل دعوته ، وأحضر جماعة من قراباته وثقاته ~~فأظهرهم على ابن اللعين ، وعرفهم أنه ابن الحجة ، وأن الحجة توفى وأن ابنه ~~هذا يقوم مقامه ، فأجلوه وأعظموه وقالوا له : مرنا بأمرك ، فأمرهم بقتل ~~عبدان ، وعرفهم أنه نافق وعصى وخرج عن المللة ، فساروا إليه من ليلتهم ~~وبيتوه فقتلوه ، وكان زكرويه هذا من تحت يد عبدان ، وعبدان هو الذي أقامه ~~داعية فلما شاع في الناس أن زكرويه قتل عبدان طلبه الدعاة والقرامطة ~~ليقتلوه فاستتر ، وخالفه القوم بأسرهم إلا أهل دعوته ، وخاف على نفسه ولم ~~يتم له أمره الذي دبره ، فقال لابن اللعين : قد ترى ما حدث ، ولا آمن عليك ~~وعلى نفسي ، فارجع إلى بلدك ودعني ، فإني أرجو أن يتغير الأمر ، فأتمكن من ~~الناس وأدعوهم إليك ، فإذا تمكنت من ذلك أرسلت إليك لتصير إلي ، فانصرف إلى ~~الطالقان واستتر زكرويه وتنقل في القرى ، وذلك سنة ست وثمانين ومائتين ، ~~والقرامطة تطلبه وأصحابه عبدان يرصدونه ، وكان قد اتخذ مطمورة تحت الأرض ~~على بابها صخرة ، فإذا دخل قوم إلى القرية في طلبة قامت امرأة في الدار ~~التي هو فيها إلى تنور ينقل ، فوضعته بقرب الصخرة ثم أشعلت النار ، وأرت ~~أنها تريد أن تخبز ، فيخفي أمره على من يطلبه ، فمكث كذلك سنة ست وسنة سبع ~~وثمانين ومائتين فلما رأى انحراف أهل السواد عنه إلا أهل دعوته وطال أمره ، ~~أنفذ ابنه الحسن في سنة ثمان وثمانين ومائتين إلى الشام ، وكان من أمره ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى بعد ذكرنا لأخبار أبي سعد الجنابي . PageV25P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" ذكر أخبار أبي سعيد الجنابي وظهوره بالبحرين ~~هو أبو سعيد بن برام من أهل جنابة ، وأصله من الفرس وكان يعمل الفراء ، ~~وسبب دخوله في هذه الدعوة وظهوره ، أنه سافر إلى سواد الكوفة ، فذكر أنه ~~تزوج بقرية ms5833 من سواد الكوفة ، إلى قوم يقال لهم بنو القصار ، وكانوا أصولا ~~في هذه الدعوة الخبيثة فأخذها عنهم ، وقيل بل أخذ الدعوة عن نفسه ، وقد ~~وقيل أنه تلقاها عن حمدان قرمط ، وسار داعية من قبله فنزل القطيف ، وهي ~~حينئذ مدينة عظيمة ، فجلس بها يبيع الدقيق ولزم الوفاء والصدق ، ودعا الناس ~~، فكان أول من أجابه الحسين وعلى حمدان بنو سنبر ، وقوم ضعفاء ما بين قصاب ~~وحمال وأمثال هؤلاء . قال الشريف أبو الحسين : فلما دعا بتلك الناحية وقويت ~~يده واستجاب له الناس وجد بناحيته داعيا يقال له أبو زكريا الصمامي كان ~~عبدان الداعي أنفذه قبل أبي سعيد إلى القطيف وما والاه ، فلما تبين أمره ~~أبو سعيد الجنابي عظم عليه أن يكون داع غيره ، فقبض عليه وحبسه في بيت حتى ~~مات هزلا . قال : وقد ذكر أن هذا الداعي أخذ على بني سنبر قبل أبي سعيد ، ~~وكان في أنفسهم حقد عليه لقتله أبا زكريا . وحكى ابن الأثير الجزري في ~~تاريخه الكامل ابتداء أمر القرامطة بناحية البحرين : أن رجلا يعرف بيحيى بن ~~المهدي قصد القطيف ، ونزل على رجل يعرف بعلي بن المعلى بن حمدان ، وكان ~~متغاليا في التشيع ، فأظهر له يحيى أنه رسول المهدي ، وذلك في سنة إحدى ~~وثمانين ومائتين ، وذكر أنه خرج إلى شيعته يدعوهم لأمره ، وأن خروجه قد قرب ~~، فجمع على بن المعلى الشيعة من أهل القطيف ، وأوقفهم على الكتاب الذي ~~أحضره يحيى بن المهدي من المهدي إليهم ، فأجابوه : إنهم خارجون معه إذا ظهر ~~أمره ، وأجاب سائر قرى البحرين بمثل ذلك ، فكان فيمن أجابه أبو سعيد ~~الجنابي ، ثم غاب يحيى بن المهدي مدة ، ورجع بكتاب يزعم أنه من المهدي إلى ~~شيعته ، وفيه : قد عرفني رسول يحيى بن المهدي مسارعتكم إلى أمري ، فليدفع ~~إليه كل رجل منكم ستة دنانير وثلثي دينار ، ففعلوا ذلك ثم غاب وعاد بكتاب ، ~~فيه ادفعوا إلى يحيى خمس أموالكم ، فدفعوا إليه الخمس . PageV25P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" قال : وحكى يحيى بن المهدي جاء إلى منزل أبي ~~سعيد الجنائي فأكل طعاما ، وخرج أبو سعيد ms5834 من البيت وأمر امرأته أن تدخل إلى ~~يحيى ، وأن لا تمنعه إذا أرادها ، فانتهى الخبر إلى الوالي فضرب يحيى حلق ~~رأسه ولحيته ، وهرب أبو سعيد إلى جنابه ، وصار يحيى إلى بني كلاب وعقيل ~~والحريش ، فاجتمعوا معه ومع أبي سعيد فعظم أمر أبي سعيد ، واشتدت وطأته ~~وظهر أمره ، قال : وكان ظهوره بالبحرين في سنة ست وثمانين ومائتين . ذكر ~~استيلاء أبي سعيد الجنابي على هجر وما كان من خلال ذلك من حروبه ووقائعه ~~قال الشريف أبو الحسين : كان من الاتفاق لأبي سعيد أن البلد الذي قصده بلد ~~واسع كثير الناس ، ولهم عادة بالحروب ، ورجال شداد جهال غفل القلوب ، ~~بعيدون من علم شريعة الإسلام ومعرفة نبوة أو حلال أو حرام ، فظفر بدعوته في ~~تلك الناحية ، ولم يناوئه مناويء ، فقاتل بمن أطاعه من عصاه حتى اشتدت ~~شوكته جدا ، وكان لا يظفر بكريه إلا قتل أهلها ونهبها ، فهابه الناس وأجابه ~~كثير منهم طلبا للسلم ، ورحل من البلد خلق كثير إلى نواحي مختلفة وبلدان ~~شتى ، خوفا من شره ، ولم يمتنع عليه إلا هجر ، وهي مدينة البحرين ومنزل ~~سلطانها والتجار والوجوه ، فنازلها شهورا يقاتل أهلها ، فلما طال عليه ~~أمرها وكل بها جل أصحابه من أهل النجدة ، ثم ارتفع الأحساء وبينها وبين هجر ~~ميلان ، فابتنى بها دارا وجعلها منزلا ، وتقدم في زراعة الأرض وعمارتها ، ~~وكان يركب في الأيام إلى هجر هو ومن يحاصرها ، ويعقب من أصحابه في كل أيام ~~قوما ، ثم دعا العرب فأجابه أول الناس ، بنو الأضبط من كلاب ، لأن عشيرتهم ~~كانوا أصابوا فيهم دما ، فساروا إليه بحرمهم وأموالهم فنزلوا PageV25P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" الأحساء ، وأطمعوه من بني كلاب وسائر من يقرب ~~منه من العرب ، وطلبوا منه أن يضم إليهم رجالا ففعل ذلك ، فلقوا بهم ~~عشيرتهم فاقتتلوا فهزمتهم القرامطة فأكثروا فيهم القتل ، وأقبلوا بالحريم ~~والأموال والأمتعة نحو الأحساء ، فاضطر المغلوبين إلى أن دخلوا في طاعته ~~وصاروا تحت أمره ، ثم وجه أبو سعيد بجيش آخر إلى بني عقيل فظفر بهم ، ~~فقصدوه ودخلوا في طاعته ، فملك تلك الفلاة ، وتجنب قتاله ms5835 كل أحد إلا بني ~~ضبة ، فإنها ناصبته الحرب ، فلما اجتمع إليه من اجتمع من العرب وغيرهم ~~خوفهم ومناهم ملك الأرض كلها ، فاستجاب بعضهم إلى دعوته فرد إليهم ما أخذ ~~منهم أهل وولد ، وأجاب آخرون رغبة في دعوته ، ولم يرد على أحد إبلاء ولا ~~عبدا ولا أمة وأنزل الجميع معه الأحساء ، وأبي قوم دعوته عليهم حرمهم ومن ~~لم يبلغ من أولادهم أربع سنين وشيئا من الإبل يحملون عليه ، وحبس ما سوى ~~ذلك كله ، وجمع الصبيان في دور وأقام عليهم قواما ، وأجرى عليهم ما يحتاجون ~~إليه ، ووسم جميعهم على الخدود لئلا يختلطوا بغيرهم ، وعرف عليهم عرفاء ، ~~وعلم من صلح لركوب الخيل والطعان فنشأوا لا يعرفون غيره ، وصارت دعوته طبعا ~~لهم ، وقبض كل مال من البلد والثمار والحنطة والشعير ، وأنفذ الرعاة في ~~الإبل والغنم ، وقوما للنزول معها لحفظها والتنقل معها على نوب معروفة ، ~~وأجرى على أصحابه جرايات فلم يكن يصل أحد إلى غير ما يطمعه ، وهو لا يغفل ~~مع ذلك عن هجر ، فلما أضجروه وطال أمرهم وقد كان بلغ منهم الحصار كل غاية ، ~~وأكلوا السنانير والكلاب وكان حصارهم يزيد عل عشرين شهرا ، ثم جمع أصحابه ~~وحشد لهم وعمل الدبابات ، ومشى بها الرجال إلى السور ، فاقتتلوا أشد قتال ~~لم يقتتلوا مثله قبل ذلك ، ودام القتال عامة النهار ، وكل منتصف من الآخر ، ~~وكثرت بينهم القتلى ، ثم رجع إلى الأحساء ، ثم باكرهم فناوشوه فانصرف ، ~~فلما قرب من الأحساء أمر الرجالة ومن جرح أن ينصرف ، وعادوا في خيل فدار ~~حول هجر ، وفكر فيما يكيدهم به ، وإذا لهجر عين عظيمة كثيرة الماء ، يخرج ~~من نشز من الأرض غير بعيد منها ، ثم يجتمع ماؤها في نهر ويقتسم حتى بجانب ~~هجر ملاصقا ، ثم ينزل إلى النخيل فيسقيها ، فكانوا لا يفقدون الماء في ~~حصارهم ، فلما تبين له أمر العين انصرف إلى الأحساء ، وثم غدا فأوقف على ~~باب المدينة عسكرا ، ثم رجع إلى الأحساء وجمع الناس كلهم وسار في ~~PageV25P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" آخر الليل فورد العين بكرة بالمعاول والرمل ~~وأوقار الثياب الخلقان ms5836 ووبر وصوف وأمر قوما بجمع الحجارة وآخرين ينفذون بها ~~إلى العين ، وأعد الرمل والحصى والتراب ، فلما اجتمع أمر أن يطرح الوبر ~~والصوف وأوقار الثياب في العين ، وأن يطرح فوقها الرمل والحصى والتراب ~~والحجارة ففعل ذلك ، فقذفته العين ولم يغن ما فعلوه شيئا ، فانصرف إلى ~~الأحساء هو ومن معه ، وغدا في خيل فضرب في البر ، وسأل عن منتهى العين فقبل ~~له إنها تتصل بساحل البحر ، وأنها تنخفض كلما نزلت ، فرد جميع من كان معه ~~وانحدر على النهر نحوا من ميلين ثم أمر بحفر نهر هناك ، ثم أقبل هو وجمعه ~~يأتون في كل يوم ، والعمال يعملون حتى حفره إلى السباخ ، ومضى الماء كله ~~عنهم فصب في البحر ، فلما تم له ذلك نزل على هجر وقد انقطع الماء عمن بها ، ~~فأيقنوا بالهلاك فهرب بعضهم نحو البحر ، فركبوه إلى جزيرة أدالي وسيراف ~~وغيرهما ، ودخل قوم منهم في دعوته ، وخرجوا إليه فنقلهم إلى الأحساء ، ~~وبقيت طائفة لم يقدروا على الهرب ولم يدخلوا في دعوته ، فقتلهم وأخذ ما في ~~المدينة ثم أخربها ، وصارت الأحساء مدينة البحرين . لى جزيرة أدالي وسيراف ~~وغيرهما ، ودخل قوم منهم في دعوته ، وخرجوا إليه فنقلهم إلى الأحساء ، ~~وبقيت طائفة لم يقدروا على الهرب ولم يدخلوا في دعوته ، فقتلهم وأخذ ما في ~~المدينة ثم أخربها ، وصارت الأحساء مدينة البحرين . ذكر الحرب بين القرامطة ~~أصحاب أبي سعيد وأهل عمان قال : ولما استولى على هجر وخربها أنفذ سرية من ~~أصحابه ستمائة فارس إلى عمان ، فوردت على غفلة فقتلوا ونهبوا وأسروا في عمل ~~عمان وأنفذ أهل عمان سرية إليهم في ستمائة رجل من أهل النجدة فأدركوهم ~~فجعلت القرامطة ما غنموه وراء ظهورهم ، وأقبلوا نحو أهل عمان فاقتتلوا ، ~~حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف وتعانقوا ، وتكادموا وتراضخوا بالحجارة ، ~~فلم تغرب الشمس حتى تفانوا ، فبقي من أهل عمان خمسة نفر لا حراك بهم ، ومن ~~القرامطة ستة نفر مجرحين إلا أنهم أحسن حالا من العمانية ، فركب القرامطة ~~ست رواحل وعادوا إلى أبي سعيد ، فأخبروه الخبر واعتذروا إليه ، فلم يقبل ~~عذرهم ms5837 وأمر بهم فقتلوا ، وقال : هؤلاء خاسوا بعهدي PageV25P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" ولم يواسوا أصحابهم الذين قتلوا ، فأنزلت بهم ~~ما كانوا له أهلا ، وتطير بهلاك السرية وأمسك عن أهل عمان . ذكر الحرب بين ~~القرامطة وعسكر المعتضد بالله وانتصار القرامطة قال : ولما كان أمر أبي ~~سعيد الجنابي ما كان ، اتصلت أخباره بالمعتضد بالله ، وكتب إليه أحمد بن ~~محمد بن يحيى الواثقي - وهو إذ ذاك يتولى البصرة - يعلمه خبر أبي سعيد ، ~~وأنه اتصل به أنه يريد الهجوم على البصرة ، فأمره المعتضد بالله أن يعمل ~~على البصرة سورا فعمله ، فكان مبلغ ما صرف عليه أربعة عشر ألف دينار ، ثم ~~كتب الواثقي إلى المعتضد بالله العباس بن عمرو الغنوى في ألفي رجل ، وأقطعه ~~اليمامة والبحرين وأمر بمحاربة القرامطة - وكان يتولى بلاد فارس - فسار إلى ~~البصرة فوردها وذلك في سنة سبع وثمانين ومائتين ، وخرج منها نحو هجر ~~وبينهما بضع عشرة ليلة في فلاة مقفرة ، وتبعه من مطوعة البصرة نحو من ~~ثلاثمائة رجل من بني ضبة وغيرهم ، وعرف أبو سعيد خبرهم فسار نحوهم وقدم ~~أمامه مقدمة ، فلما عاينهم العباس بن عمرو خلف سواده وسار إليهم فيمن خف من ~~أهل العسكر وأدرك أبو سعيد مقدمته في باقي أصحابه ، فتناشوا القتال فكانت ~~بينهم حملات ، ثم حجز الليل بينهم فانصرفوا على السواء فلما جاء الليل ~~انصرفت مطوعة البصرة ومن معهم بني ضبة فكسر ذلك الجيش وفت في أعضادهم ، ~~وأصبح العباس بن عمرو فعبى أصحابه للقتال والتقوا ، فجعل بدرا غلام أحمد بن ~~عيسى بن الشيخ في نحو مائة من أصحابه على ميمنة أبي سعيد ، فأوغل فيهم فلم ~~يرجع منهم أحد ، وحمل أبو العباس وأصحابه فانهزموا ، وأسر العباس بن عمرو ~~ومعه نحو من سبعمائة رجل من أصحابه ، واحتوى القرامطة على عسكره ، وقتل أبو ~~سعيد من غديومه جميع الأسرى ثم أحرقهم ، وترك العباس بن عمرو ومضى ~~المنهزمون فتاه كثير منهم في البر وتلف كثير منهم عطشا ، وورد قوم منهم ~~البصرة فارتاع الناس لهم ، حتى أخذوا في الانتقال عن البصرة فمنعهم الواثقي ~~. قال : ولما كان ms5838 بعد الوقعة بأيام أحضر أبو سعيد الجنابي العباس ابن عمرو ~~، وقال له : أتحب أن أطلقك ؟ قال : نعم قال : على أن تبلغ عني صاحبك ما ~~أقول ، PageV25P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" قال : أفعل ، قال : تقول الذي أنزل بجيشك ما ~~أنزل بغتك ، هذا بلد كان خارجا عن بلدك غلبت عليه وأقمت به وكان في من ~~الفضل ما آخذ غيره ، فما عرضت لما كان في يدك ولا هممت به ، ولا أخفت لك ~~سبيلا ، ولا نلت أحدا من رعيتك بسوء ، فتوجيهك إلى الجيوش لأي سبب ؟ اعلم ~~إني لا أبرح عن هذا البلد ولا يوصل إليه وفي ، وفي هذه العصابة التي معي ~~روح ، فاكفني نفسك ولا تتعرض لما ليس لك فيه فائدة ، ولا تصل إلى مرادك منه ~~إلا ببلوغ القلوب الحناجر ، وأطلقه وأرسل معه من يرده إلى مأمنه ، فأوردوه ~~بعض السواحل فصادف مركبا فركب فيه إلى الأباة ، ووصل إلى بغداد في شهر ~~رمضان من السنة . قال : وقد كان الناس يعظمون أمر العباس ويكثرون ذكره ~~ويسمونه قائد الشهداء ، فلما وصل إلى المعتضد بالله عاتبه على تركه ~~الاستظهار والتحرز وأنبه ، فاعتذر بهرب بني ضبة ومن كان معهم من المطوعة ~~وهرب أصحابه عنه ، وأنه لو أراد الهرب لأمكنه ، فلم يبرح حتى رضي عنه وزال ~~همه ، ثم سأله عن خبره فعرفه جميعه ، ووصف له أحوال القرامطة وما قاله أبو ~~سعيد بعد أن استأذنه في ذلك فأذن له ، فقال : صدق ما أخذ شيئا كان في ~~أيدينا ، وأطرق مفكرا ثم رفع رأسه ، فقال : كذب عدو الله الكافر ، المسلمون ~~رعيتي حيث كانوا من بلاد الله ، والله لئن طال بي عمر لأشخصن بنفسي إلى ~~البصرة وجميع غلماني ، ولأوجهن إليه جيشا كثيفا فإن هزمه وجهت جيشا ، فإن ~~هزمه خرجت في جميع قوادي وجيشي إليه ، حتى يحكم الله بيني وبينه ، وشغله ~~بعد ذلك أمر وصيف غلام ابن أبي الساج وأحفزه ، فخرج في طلبه وهو عليل ، ~~وذلك في شوال من هذه السنة ، فأخذه وعاد إلى بغداد فدامت علته واستمر وجعه ~~ومات . قال القاسم بن عبيد الله : ما زال ms5839 أمير المؤمنين المعتضد بالله يذكر ~~أمر أبي سعيد في مرضه ويتلهف ، فقلت : ما هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : ~~حسرة في نفسي كنت أحب أن أبلغها قبل موتي ، والله لقد كنت وضعت في نفسي أن ~~أركب ، ثم أخرج إلى باب البصرة متوجها نحو البحرين ، ثم لا ألقي أحدا أطول ~~من سيفي إلا ضربت عنقه ، وإني أخاف أن يكون من هناك حوادث عظيمة . قال : ~~وأقبل أبو سعيد بعد إطلاق العباس على جمع الخيل وإعدا السلاح واتخاذ الإبل ~~وإصلاح الرجل ونسج الدروع والمغافر ونظم والجواشن وضرب السيوف والأسنة ~~وإتخاذ الروايا والمزاد والقرب وتعليم الصبيان الفروسية ، وطرد الأعراب عن ~~قربه وسد الوجوه إلى يتعرف منا أمر بلده وأحواله بالرجال وإصلاح أراضي ~~المزارع وأصول النخل وعمارته ، وإصلاح مثل هذه الأمور وتفقدها . ونصب ~~الأمناء على PageV25P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" ذلك ، وإقامة العرفاء على الرجال ، والاحتياط ~~على ذلك كله ، حتى بلغ من تفقده واحتياطه أن الشاة كانت تذبح فيسلم اللحم ~~إلى العرفاء ، ليفرقوه على من يرسم لهم ، ويدفع الرأس والأكارع والبطن إلى ~~العبيد والإماء ، ويجز الصوف والشعر من الغنم ويفرقه على من يغزله ، ثم ~~يدفع إلى من ينسجه عبيا وأكسبة وغرائر وجوالقات ويفتل منه حبال ، ويسلم ~~الجلد إلى الدباغ ، فإذا خرج من الدباغ سلم إلى خرازي القرب والروايا ~~والمزاد ، وما كان من الجلود يصلح نعالا وخفافا عمل منه ، ثم يجمع ذلك كله ~~في خزائن ، فكان ذلك دابه لا يغفل عنه ، ويوجه في كل مديدة بخيل إلى ناحية ~~البصرة ، فتأخذ من وجدت فتصير بهم إليه فيستعيدهم ، فزادت بلاده وعظمت ~~هيبته في صدور الناس . قال الشريف أبو الحسين : وقد كان واقع بني ضبة عند ~~طرده لهم عن قرب بلده ، فأصاب منهم وأصابوا منه ، ولم يتباعدوا عنه بعيدا ، ~~فلما شخص مع العباس بن عمرو منهم شخص - في وقت مسيرة لقتاله - ازداد بذلك ~~حنقا عليهم ، فواقعهم وقائع مشهورة بالشدة والعظم ، ثم ظفر بهم فأخذ منهم ~~خلقا ، وبنى لهم حبسا عظيما وجمعهم فيه وسدد عليهم ، ومنعهم الطعام والشراب ~~فصاحوا وضجوا فلم يغثهم ، فمكنوا ms5840 على ذلك شهرا ثم فتح عليهم ، فوجد الأكثر ~~منهم موتى ، ووجد نفرا يسيرا قد بقوا على حال الموتى ، وقد تغذوا بلحوم ~~الموتى ، فخصاهم وخلاهم فمات أكثرهم . ذكر مقتل أبي سعيد الجنابي كان مقتله ~~في سنة إحدى وثلاثمائة بعد أن استولى على سائر بلاد البحرين ، وكان سبب ~~مقتله أنه لما هزم جيش العباس بن عمرو كما تقدم واستولى على عسكره ، أخذ من ~~عسكره خادما له صقلبيا ، فاستخدمه وجعله على طعامه وشرابه ، فمكث كذلك مدة ~~طويلة لا يرى أبا سعيد فيها مصليا لله عز وجل صلاة واحدة ، ولا يصوم في شهر ~~رمضان ولا في غيره يوما واحدا ، فأضمر الخادم لذلك قتله ، فدخل معه الحمام ~~يوما - وكان الحمام في داره ، فأخذ الخادم معه خنجرا ماضيا - ولم يكن معه ~~في الحمام غيره ، فلما تمكن منه أضجعه فذبحه ، ثم خرج فقال : السيد يستدعي ~~فلانا لبعض بني سنبر فأحضر فقال : ادخل فدخل ، فبادره فقبض عليه وذبحه ، ~~ولم يزل يستدعي من رؤساء القرامطة واحدأ واحدا حتى قتل جماعة من رؤساء ~~الوجوه ، PageV25P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" إلى أن استدعى بعضهم فنظر عند دخوله إلى باب ~~البيت الأول دما جاريا ، فاستراب بذلك وخرج مبادرا فلم يدركه الخادم وأعلم ~~الناس ، وعدم الخادم إلى الباب فأغلقه وكان وثيقا ، فاجتمع الناس ونقبوا ~~نقوبا إلى أن وصلوا إليه ، فأخذه ابنه سعيد فأمر بشده بالحبال ، ثم قرض ~~لحمه بالمقاريض حتى مات رحمه الله تعالى . وخلف أبو سعيد من الأولاد : أبا ~~القاسم سعيدا ، وأبا طاهر سليمان ، وأبا منصور أحمد ، وأبا العباس إبراهيم ~~، والعباس محمد ، وأبا يعقوب يوسف ، وكان أبو سعيد قد جمع رؤساء دولته وبني ~~زرقان ، وكان أحدهم زوج ابنته ، وبني سنبر ، وكان متزوجا إليهم ، وهم أخوال ~~أولاده وبهم قامت دولته وقوى أمره ، فأوصى إليهم إن حدث به موت أن يكون ~~بأمرهم ابنه سعيدا إلى أن يكبر أبو طاهر ، وكان سعيد أكبر من أبي طاهر سنا ~~، فإذا كبر أبو طاهر كان المدبر لهم ، فلما قتل جرى الأمر على ما وصاهم به ~~، وكان قد أخبرهم أن الفتوح ms5841 يكون لأبي طاهر ، فجلس سعيد يدبر الأمر بعد ~~مقتل أبيه إلى سنة خمس وثلاثمائة ، ثم سلم الأمر لأخيه أبي طاهر ، فدبره ~~وعمل أشياء موه بها على عقول أصحابه فقبلوها وعظموا أمره ، وكان من أخباره ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى ، وكانت مدة تغلب أبي سعيد على البحرين وما ~~والاها نحوا من ستة عشر سنة . ذكر أخبار أبي القاسم الصناديقي ببلاد اليمن ~~وفي سنة ست وثمانين ومائتين استولى أبو القاسم النجار المعروف بالصناديقي ~~على اليمن ، وكان ابن أبي الفوارس داعي عبدان قد أنفذه داعيا إلى اليمن ، ~~وكان هذا الصناديقي من موضع يعرف بالنرس ، وكان يعمل فيه الثياب النرسية ، ~~وقيل إنه كان يعمل في الكتان ، فلما صار إلى اليمن أجابه رجل من الجند يعرف ~~بابن الفضل ، فقوى أمره على إقامة الدعوة الخبيثة ، فدخل فيها خلق كثير ، ~~فجعلهم من الإسلام ، وأظهر العظائم ، وقتل الأطفال وسبى النساء ، وتسمى برب ~~العزة وكان يكاتب بذلك ، وأظهر شتم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وسائر ~~الأنبياء ، واتخذ دارا سماها دار الصفوة ، وكان يأمر الناس بجمع نسائهم من ~~أزواجهم وبناتهم وأخوانهم ، ويأمرهم بالاختلاط بهن ليلا ووطئهن ، ~~PageV25P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" ويحتفظ بمن تحيل منهن في تلك الليلة وبمن تلد ~~من بعد ذلك ، ويتخذهم لنفسه خولا ويسميهم أولاد الصفوة ، وعظمت فتنته ~~باليمن ، وأجلى أكثر أهله عنه وأجلى السلطان ، وقاتل القاسم بن أحمد بن ~~يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الحسنى الهادي وقلعه عن عمله بصعدة ، ~~وألجأه إلى أن هرب عياله إلى الرس حذرا منه لقوته عليه ، ثم إن الله عز وجل ~~رزقه الظفر فهزمه ، وكان ذلك بلطف من ألطاف الله تبارك وتعالى ، وهو أن ~~ألقى على عسكره وقد بايته بردا وثلجا ، وقتل أكثر أصحابه في ليلة واحدة ، ~~وقل ما يعرف مثل هذا من البرد والثلج في ذلك البلد ، ولما طغى قتله الله ~~بالأكلة وأنزل بالبلدان التي غلب عليها بثرا قاتلا ، كان يخرج على كتف ~~الرجل منهم بثرة فيموت في سرعة ، فسمى ذلك البثر حبة القرمطي ، وأخرب الله ~~تعالى أكثر تلك ms5842 البلاد التي ملكها ، وأفنى أهلها بموت ذريع ، واعتصم ابنه ~~بعده بالجبال والقلاع ، ولم يزل بها مقيما يكاتب أهل ملته ، ويعنون كتبه ، ~~من ابن رب العزة ، ثم أهلكه الله عز وجل وبقيت منهم بقية ، فاستأمنوا إلى ~~القاسم بن أحمد الهادي ، ولم يبق للنجار بقية ولا لمن كان على مذهبه . ~~ولنرجع إلى أخبار زكرويه بن مهرويه وخبر من أرسله إلى الشام . ذكر ظهور ~~القرامطة بالشام وما كان من أمرهم وحروبهم قد قدمنا من أخبار زكرويه بن ~~مهرويه واختفائه وحرص أصحاب عبدان على قتله ، وأنه لما طال عليه الأمر أرسل ~~ابنه الحسن إلى الشام وذلك في سنة ثمان وثمانين ومائتين . قال الشريف أبو ~~الحسين محمد بن علي الحسيني رحمه الله : ولما أرسل PageV25P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" زكرويه بن مهرويه ابنه إلى الشام أرسل معه ~~رجلا من القرامطة من أهل نهر ملحانا ، يقال له الحسن بن أحمد ويكنى بأبي ~~الحسين ، وأمره أن يقصد بني كلب وينتسب لهم محمد بن إسماعيل بن جعفر ، ~~ويدعوهم إلى الإمام من ولده ، فاستجاب له فخد من بني العليص بن ضمضم بن عدي ~~بن جناب بن كلب بن وبرة ومواليهم وانضاف إليه طائفة من بني الأصبع من كلب ، ~~ويسمى هؤلاء بالفاطميين وبايعوه ، وكان الخبيث لما رجع إلى الطالقان يكتب ~~إلى زكرويه يستأذنه في القدوم عليه ، فيجيب بالتوقف ، فخرج نحو العراق ، ~~فلما وصل إلى السواد وجد زكرويه مختفيا ، فلم يزل حتى توصل إلى المكان الذي ~~هو فيه ، فلم يظهر له لوما على قدومه وبعث إليه بخبر من استجاب له بالشام ، ~~فقال : أنا أخرج حتى أظهر فيهم هناك ، فوجه إليه نعم ما رأيت ، فضم إليه ~~ابن أخته عيسى بن مهرويه ، ويسمى بالمدثر لقبا وبعبد الله اسما ، وغلاما من ~~بني مهرويه فتلقب بالمطوق وكان سياقا ، وأنفذهم إلى الشام ، وكتب إلى ابنه ~~الحسن يعرفه أنه ابن الحجة ، ويأمره له بالسمع والطاعة ، فسار حتى نزل في ~~بني كلب ، فلقيه الحسن بن زكرويه وسروا به ، وجمع له الجمع وقال : هذا صاحب ~~الإمام فامتثلوا أمره ، وسروا به وقالوا ms5843 له : مرنا بأمرك وبما أحببت ، فقال ~~لهم : استعدوا للحرب فقد أظلكم النصر ، ففعلوا ذلك ، واتصلت أخبارهم بشبل ~~الديلمي مولى المعتضد ، وذلك في سنة تسع وثمانين ومائتين فقصدهم فقتلوه ~~وقتلوا جماعة من أصحابه ، وكانت الوقعة بالرصافة من غربي الفرات ، ودخلوا ~~الرصافة واحرقوا مسجدها ونهبوها ، وأصعدوا نحو الشام ، واعترضوا الناس ~~بالقتل والتحريق ونهب القرى ، إلى أن وردوا أطراف دمشق ، وكان هارون بن ~~خماروية بن أحمد بن طولون رد أمر دمشق إلى طغج بن جف الفرغاني ، فلقيتهم ~~عساكره فانهزمت ولم تثبت ، وقتل كثير منهم وأخذوا منهم ما قدروا عليه . قال ~~: ولما هزم طغج نزل على دمشق وقاتل أهل البلد ، وكان يحضر الحرب على ناقة ~~ويقول لأصحابه : لا تسيروا من مصافكم حتى تنبعث بين أيديكم ، فإذا سارت ~~فاحملوا فإنه لا ترد لكم دابة إذ كانت مأمورة ، فسمى بذلك صاحب الناقة ، ~~وحصر طغج بدمشق سبعة أشهر ، فكتب إلى طغج إلى مصر بخبر من قتل من أصحابه ، ~~وأنه محصور وقد فني أكثر الناس وخرب البلد ، فأنفذوا إليه بدرا الكبير غلام ~~ابن طولون - وهو المعروف بالحمامي - فسار حتى قرب من دمشق وخرج إليه طغج ~~واجتمعوا على محاربة القرامطة ، والتقوا واقتتلوا بقرب دمشق ، فأصاب رئيس ~~القرامطة PageV25P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" - ابن القداح - سهم فقتله ، ويقال أصابه ~~الزراقون بمزراق فيه نفط فاحترق ، وحمى أصحابه فقاتلوا عسكر بدر الحمامي ~~وطغج حتى انحازوا عنهم وانصرفت القرامطة وكان صاب الناقة هذا المقتول قد ~~ضرب دنانير ودراهم ، وكتب على السكة على أحد الوجهين : قل جاء الحق وزهق ~~الباطل ، وعلى الوجه الآخر : لا إله إلا الله ، قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى . قال : فلما انصرفت القرامطة عن دمشق بعد قتل الطاغية ~~بايعوا : الحسن بن زكرويه بن مهرويه فسمى نفسه أحمد وتكنى بأبي العباس وهو ~~صاحب الشامة . قال ابن الأثير : ولما بايعه القرامطة دعا الناس فأجابه كثير ~~من أهل البوادي وغيرهم ، فاشتدت شوكته وأظهر شامة في وجهه ، وزعم أنها آيته ~~. قال الشريف أبو الحسين وسياقه أتم : ولما بايعوه ثار حتى افتتح عدة مدن ms5844 ~~من الشام ، وظهر على جند حمص ، وقتل خلقا كثيرا من جند المصريين ، وتسمى ~~بأمير المؤمنين على المنابر وفي كتبه ، وذلك في سنة تسع وثمانين ومائتين ~~وبعض سنة تسعين ومائتين ، ثم سار بمن معه إلى نحو الرقة ، فخرج إليهم مولى ~~الخليفة المكتفي بالله وكان عليها ، فواقعهم فهزموه ، وقتلوه واستباحوا ~~عسكره ورجعوا يريدون دمشق ، وجعلوا ينهبون جميع ما يمرون به القرى ، ~~ويقتلون ويسبون ويخربون ، فلما يسبون ويخربون ، فلما قربوا من دمشق أخرج ~~إليهم طغج جيشا كثيفا أمر عليه غلامه بشيرا ، فهزم القرامطة الجيش وقتل ~~بشير في خلق من أصحابه ، فلما اتصل بالمكتفي قتل غلامه الذي كان على الرقة ~~وخبر قتل بشير ندب أبا الأعزب السلمي ، وضم إليه عشرة آلاف من الجند ~~والموالى والأعراب ، وخلع عليه لثلاث عشرة ليلة بقيت من سهر ربيع الآخر سنة ~~تسعين ومائتين وأنفذه ، فسار حتى نزل حلب ثم خرج فنزل وادي بطنان ، فتفرق ~~الناس ودخل قوم منهم الماء يتبردون فيه وذلك في القيظ ، ووافاهم ~~PageV25P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" القرامطة يقدمهم المطوق ، فكان كل إنسان يحذر ~~على نفسه وينجوا بها ، وركب أبو الأعز فرسه وصاح بالناس ، فسار إليهم جماعة ~~لقي بها أوائل القوم ، فلم يلبث إلا اليسير حتى انهزم ، وركبت القرامطة ~~أكتاف الناس يقتلون وينهبون حتى حجز الليل بينهم ، وقد أتوا على عامة ~~العسكر وسلم منهم قليل ، ولحق أبو الأعز في جمعية معه بحلب ، ثم تلاحق به ~~قوم حتى حصل في نحو ألف رجل ، ووافت القرامطة فنازلوا أهل حلب فحاربهم أبو ~~الأعز ، فلم يقدروا منه على شيء فانصرفوا ، وجمع الحسين بن زكرويه أصحابه ، ~~وكانت قد اتصل به خلق كثير من اللصوص ومن بني كلب ، فسار حتى نزل أطراف حمص ~~فخطب له على منابرها ، ثم نهض إليها فأعطاه أهلها الطاعة ، وفتحوا له البلد ~~فدخلها ، ثم سار إلى حماة ومعرة النعمان وغيرهما فقتل الرجل والنساء ~~والأطفال ، ثم رجع إلى بعلبك فقتل عامة أهلها ، ثم صار إلى سلمية فحاربه ~~أهلها وامتنعوا منه ، فأعطاهم الأمان ففتحوا له ، فبدأ بمن كان فيها من بني ~~هاشم ms5845 ، وكان بها جماعة كثيرة ، فقتلهم أجمعين ، ثم كر على أهلها فأفناهم ~~أجمعين وخربها ، وخرج عنها وما بها عين تطرف ، وكان مع ذلك لا يمر بقرية ~~فيدع فيها أحدا ، حتى أخرب البلاد وسبى الذراري وقتل الأنفس من المسلمين ~~وغيرهم ، ولم يقم له أحد . وقال الشريف : ووردت كتب التجار وسائر الناس من ~~دمشق وغيرها بصورة الأمر وغلظه ، وأن طغج قد فنيت رجاله وبقي في عدة يسيرة ~~، وأن القرمطة تقصد دمشق في أوقات فلا يقاتلهم إلا العامة وقد أشرف الناس ~~على الهلكة وكثر الضجيج بمدينة السلام ، واجتمعت العامة إلى يوسف بن يعقوب ~~القاضي وسألوه إنهاء أخبار الناس إلى الخليفة ، فوعدهم بذلك ، ووردت كتب ~~المصريين على المكتفى بالله يعرفونه ما قتل من عسكرهم الذي خرج إلى الشام ، ~~وأن القرمطة أفنتهم وأنهم قد أخربوا الشام ، فأمر المكتفى الجيش بالاستعداد ~~وإخراج المضارب إلى باب الشماسية ، وخرج إلى مضربة في القواد والجند ، ورحل ~~لإثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة تسعين ومائتين ، وسلك طريق الموصل ~~ومضى نحو الرقة بالجيوش حتى نزلها وانبثت جيوشه PageV25P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" من حلب وحمص ، وقلد محمد بن سليمان حرب ~~الحسين بن زكرويه ، واختار له جيشا كثيفا ، وكان محمد بن سليمان صاحب ديوان ~~العطاء وعارض الجيش ، فسار نحو القرامطة بجيشه . ذكر حرب بين محمد بن ~~سليمان وبين القرامطة وانهزام القرامطة والظفر بالحسن بن زكرويه صاحب الشام ~~وأصحابه وقتلهم قال الشريف أبو الحسين رحمه الله تعالى : ولما دخلت سنة ~~إحدى وتسعين ومائتين كتب القاسم بن عبيد الله وهو وزير المكتفى بالله إلى ~~محمد بن سليمان الكاتب يأمره بمناهضة القرامطة ، فسار إليهم والتقى الجمعان ~~يوم الثلاثاء لست خلون من المحرم من هذه السنة ، بموضع بينه وبين حماة اثنا ~~عشر ميلا ، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى حجز الليل بينهم ، وقتل عامة رجالهم ، ~~وورد كتاب محمد بن سليمان الكاتب إلى القاسم بن عبيد الله الوزير ، يخبره ~~بكيفية المصاف والقتال ومن كان في الميمنة والميسرة والقلب والجناحين من ~~قواد عسكره ، وأن القرامطة اجتععوا ستة كراديس ، وأن ميسرتهم كان ms5846 فيها ألف ~~وخمسمائة فارس ، وكمنوا خلفها ألف فارس وأربعمائة فارس ، وفي ميمنتهم ألف ~~فارس وأربعمائة فارس وكمنوا خلفها مائتي فارس ، وذكر كيف كانت حملاتهم ~~وقتالهم ، وكيف كانت هزيمتهم ، في كلام مطول تركناه اختصارا لطوله ، إلا أن ~~ملخصه أن القرامطة قتلوا قتلا ذريعا ، وذكر أن الكردوس الذي كان في ميسرة ~~القرامطة قصده الحسين بن حمدان ، وكان في جناح ميمنة عسكر الخليفة ، ~~واقتتلوا أشد قتال حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف فصرع من القرامطة ستمائة ~~في أول دفعة ، وأخذ أصحاب الحسين منهم خمسمائة فرس وأربعمائة طوق فضة ، وأن ~~القرامطة ولوا مدبرين فاتبعهم الحسين بن حمدان ، فرجعوا عليه فلم يزل يحمل ~~حمله بعد حمله - وهم من خلال ذلك يصرعون منهم الجماعة بعد الجماعة - حتى ~~أفناهم الله تعالى ، فلم يفلت منهم إلا أقل من مائتي رجل . قال : وحمل ~~الكردوس الذي كان في ميمنتهم على القاسم بن سهل ويمن الخادم ، فاستقبلوهم ~~بالرماح فكسروها في صدورهم وعانق بعضهم بعضا ، فقتلوا من الكفرة جماعة ~~كبيرة . قال : وأخذ بنو شيبان منهم ثلاثمائة فرس ومائة طوق فضة ، وأخذ ~~أصحاب خليفة بن المبارك منهم مثل ذلك ، وذكر في كتابه أنه حمل هو عليهم في ~~القلب ، فما زال أصحابه يقتلون القرامطة - فرسانهم ورجالتهم - أكثر من ~~PageV25P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" خمسة أميال ، وذكر في كتابه أن الحسن بن ~~زكرويه لم يشهد هذا المصاف وأنه يشخص إليه إلى سلمية . قال الشريف رحمه ~~الله : وكان الحسن ابن زكرويه - لما أحس بقرب الجيوش - عرض أصحابه ، وأخرج ~~الأقوياء منهم عن الضعفة والسواد ، وأنفذ الجيش وتخلف هو في السواد والضعفة ~~، فلما انهزم أصحابه ارتاع لذلك ورحل لوقته وسار خوفا من الطلب ، وتلاحق به ~~من أفلت من أصحابه ، فخاطبهم بأنهم أتوا من قبل أنفسهم وذنوبهم وأنهم لم ~~يصدقوا الله ، وحرضهم على المعاودة إلى الحرب فلم يجبه منهم أحد إلى ذلك ، ~~واعتلوا بفناء الرجال وكثرة الجراح فيهم ، فلما أيس منهم قال لهم : قد ~~كاتبني خلق من أهل بغداد بالبيعة لي ، ودعاتي بها ينتظرون أمري ، وقد خلت ~~من السلطان الآن ، وأنا شاخص ms5847 نحوها لأظهر بها ، ومستخلف عليكم أنا الحسين ~~القاسم بن أحمد صاحبي ، وكتبي ترد عليه بما يعمل به فاسمعوا له وأطيعوا ~~أمره فضمنوا له ذلك ، وشخص معه قريبه عيسى ابن أخت مهرويه المسمى بالمدثر ~~وصاحبه المطوق وغلام له رومي ، وأخذ دليلا يرشدهم إلى الطريق وساروا يريدون ~~سواد الكوفة ، وسلك البر وتجنب المدن والقرى ، حتى صار قريبا من الدالية ~~نفذ زاده ، فأمر الدليل فمال بهم إليها ، ونزل بالقرب منها خلف رابية ، ~~ووجه بعض من كان معه لابتياع ما يصلحه ، فلما دخلها أنكر زيه بعض أهلها ~~وساء له عن أمره فورى وتلجلج ، فاستراب به وقبض عليه وأتى به وإليها ، وكان ~~يعرف بأبي خبزة يخلف أحمد بن كشمرد صاحب الحرب بطريق الفرات ، وقال : ~~والدالية قرية من عمل الفرات ، قال : فسأله أبو خبزة عن خبره ورهب عليه ، ~~فعرفه أن القرمطى الذي خرج أمير المؤمنين المكتفي بالله في طلبه ، خاف ~~رابية أشار إليها ، فسار أبو خبزة إلى ذلك الموضع ومعه جماعة بالسلاح حتى ~~أشرف عليهم ، فأخذهم وشدهم وثاقا وتوجه بهم إلى صاحبه ابن كشمرد ، فسار بهم ~~إلى المكتفي وهو يومئذ بالرقة ، فأمر أن يشهروا بها ففعل بهم ذلك ، وألبس ~~الحسن بن زكروية دراعة ديباج وبرنس من حرير وهو على بختي ، والمدثر والمطوق ~~على جملين عليهما دراعتا ديباج وبرانس حرير ، وهم بين يديه ، وذلك في يوم ~~الأربعاء لأربع بقين من المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين . قال : وقدم محمد ~~بن سليمان الكاتب الرقة والجيوش معه ، بعد أن تتبعوا ما PageV25P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" بقي من القرامطة فأسروا وقتلوا ، فخلف ~~المكتفى بالله عساكره مع محمد بن سليمان بالرقة ، وشخص في خاصته وغلمانه ~~وتبعه وزيره القاسم بن عبيد الله إلى بغداد ، وحمل القرمطي وأصحابه معه ومن ~~أسر في الوقعة ، وذلك في أول يوم من صفر سنة إحدى وتسعين ومائتين ، فلما ~~صار إلى بغداد عمل له دميانه غلام يا زمان كرسيا سمكه ذراعان ونصف ، وأركبه ~~على فيل وركبه عليه ودخل المكتفى بالله وهو بين يديه مع أصحابه الأسرى ، ~~عليهم دراريع الديباج والبرانس ms5848 والمطوق في وسط الأسرى على جمل ، وهو غلام ~~حدث قد جعل في فيه خشبة مخروطة قد شدت إلى قفاه كاللجام ، وذلك أنهم في وقت ~~دخولهم الرقة أكثر الناس الدعاء عليهم ، فكان هو يشتم الناس الذين يدعون ~~عليهم ويبصق عليهم ، وكان دخولهم كذلك لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول من ~~هذه السنة . قال : فلما وصل المكتفي إلى داره حبسهم ووكل بهم ، ووصل محمد ~~بن سليمان بعد ذلك على طريق الفرات في الجيش ، وقد تلقط بقايا القرامطة من ~~كل وجه ، فنزل بباب الأنبار في ليلة الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ~~ربيع الأول من السنة ، فأمر المكتفي وأصحاب القواد وأصحاب الشرط بتلقيه ~~والدخول معه ، فدخل محمد بن سليمان في زي حسن ومعه بين يديه نيف وسبعون ~~أسيرا ، وخلع الخليفة علي بن سليمان وطوقه بطوق من ذهب ، وسوره بسوار من ~~ذهب ، وخلع علي جميع القواد وطوقوا وسوروا ، وحبس الأسرى وكان المكتفي ~~بالله وقت دخوله أمر أن تبنى له دكة في المصلى العتيق من الجانب الشرقي ، ~~مربعة ذرعها عشرون ذراعا في مثلها وارتفاعها عشرة أذرع يصعد إليها بدرج ، ~~فلما كان يوم الاثنين لأربع بقين من الشهر ربيع الأول أمر المكتفي القواد ~~وجميع الغلمان وصاحب جيشه وصاحب شرطته أن يحضروا هذه الدكة ، فحضروها وصعد ~~الوجوه ووقف الباقون على دوابهم ، وخرج التجار والعامة للنظر وحملوا الأسرى ~~كلهم مع خلق كثير منهم كانوا بالكوفة وحملوا إلى بغداد وغيرهم ممن حمل ممن ~~كان على مذهبهم ، فأحضر جميعهم على الجمال وقتلوا جميعا وعدتهم ثلاث مائة ~~وستون وقيل ثلاثمائة ونيف وعشرون ، وقدم الحسن بن زكرويه عيسى ابن أخت ~~مهرويه ، وهما زميلان ، على بغل في عمارية ، وقد أرسل عليهما أغشية ، ~~فأصعدا إلى الدكة وأقعدا ، وقدم أربعة وثلاثون إنسانا من الأسرى من وجوه ~~القرامطة ، ممن عرف بالنكاية والعداوة للإسلام PageV25P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" والكلب على سفك الدماء واستباحة النساء وقتل ~~الأطفال ، وكان كل واحد منهم يبطح على وجهه فتقطع يده اليمنى ويرمى بها إلى ~~أسفل ليراها الناس ، ثم تقطع رجله اليسرى ، ثم ms5849 يده اليسرى ، ثم رجله اليمنى ~~ويرمى بها إلى أسفل ثم تضرب عنقه ويرمى به إلى أسفل ، فلما فرغ منهم قدم ~~المدثر ففعل به مثل ذلك ثم كوى ليعذب ثم ضربت عنقه ، ثم قدم الحسن بن ~~زكرويه فضرب مائتي سوط ، ثم قطعت يداه ورجلاه وكوى وضربت عنقه ، ورفع رأسه ~~على خشبة ، وحملت الرؤوس فصلبت على الجسر ، وصلب بدن الحسن فمكث مصلوبا نحو ~~من سنة ، ثم سقط عليه حائط ، ودفنت أجساد الأسرى عند الدكة ، وهدمت بعد ~~أيام . قال الشريف : ومن كتب اللعين الحسن بن زكروية إلى بعض عماله : " بسم ~~الله الرحمن الرحيم " ، ومن عبد الله المهدي المنصور الناصر لدين الله ، ~~القائم بأمر الله ، الداعي إلى كتاب الله ، الذاب عن حريم الله ، المختار ~~من ولد رسول الله ، أمير المؤمنين وإمام المسلمين ، ومذل المنافقين ، وقاصم ~~المعتدين ، ومبيد الملحدين ، وقاتل القاسطين ، ومهلك المفسدين ، وسراج ~~المنتصرين ، ومشتت المخالفين ، والقيم بسنة المرسلين ، وولد خير الوصيين ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وعلى آله الطيبين وسلم - كتاب إلى جعفر بن حميد ~~الكردي ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، وأسأله أن ~~يصلي على محمد جدي رسول ؛ أما بعد : فقد أنهى إلينا ما حدث قبلك من أخبار ~~أعداء الله الكفرة ، وما فعلوه بناحيتك من الظلم والعبث والفساد في الأرض ~~فأعظمنا ذلك ، ورأينا أن ننفذ إلى هناك من جيوشنا من ينتقم الله به ، من ~~أعدائنا الظالمين الذين يسعون في الأرض فسادا فأنفذنا جماعة من المؤمنين ~~إلى مدينة حمص ونحن في أثرهم ، وقد أوعزنا إليهم في المصير إلى ناحيتك ، ~~لطلب أعداء الله كانوا ونحن نرجو أن يجزينا الله فيهم على أحسن عوائده ~~عندنا في أمثالهم ، فينبغي أن يكون قلبك وقلوب ممن اتبعك من أوليائنا ، ~~وتثق بالله وبصره الذي لم يزل يعودنا في كل من مرق من الطاعة وانحرف عن ~~الأيمان ، وتبادر إلينا بأخبار الناحية وما يحدث فيها ، ولا تخف عنا شيئا ~~من أمرها . سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين ، وصلى الله على جدي ms5850 رسوله وعلى أهل بيته وسلم كثيرا . ~~PageV25P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" وكان عماله يكاتبونه بمثل هذا الصدر ، قال ~~ابن الأثير : وكان قد نجا من أعيان القرامطة رجل من بني العليص يسمى ~~إسماعيل ابن النعمان في جماعة معه ، فكاتبه المكتفى بالله وبذل له الأمان ، ~~فحضر في نيف وستين نفسا ، فأحسن الخليفة إليهم وسيرهم إلى رحبة مالك بن طوق ~~مع القاسم بن سيما ، فأقاموا معه مدة وعزموا على إنشاء فتنة بالرحبة ، وكان ~~قد انضم إليهم جماعة كثيرة ، فشعر بهم القاسم فقتلهم فارتدع من كان قد بقي ~~من موالي بني العليص ، وذلوا ولزموا السماوة حتى جاءهم كتاب من زكرويه بن ~~مهرويه ، يذكر لهم أن مما أوحى إليه أن صاحب الشامة وأخاه يقتلان ، وأن ~~إمامه ، الذي هو حي ، يظهر بعدهما ويظفر . ذكر خبر إرسال زكروية بن مهرويه ~~محمد بن عبد الله إلى الشام وما كان من أمره إلى أن قتل كان الحسن بن ~~زكرويه قد خلف القاسم بن أحمد المكني بأبي الحسين خليفة على من بسلمية من ~~أصحابه كما قدمنا ، فقدم سواد الكوفة إلى زكرويه فأخبره بخبر القوم ، الذين ~~استخلفه عليهم ابنه الحسن أنهم اضطربوا عليه ، وأنه خافهم وتركهم وانصرف ، ~~فلامه زكرويه على قدومه لوما كثيرا ، وقال له : ألا كاتبتني قبل انصرافك ~~إلي ، ووجده على ما به تحت خوف شديد من طلب السلطان من وجه وطلب أصحاب ~~عبدان الذي كان قد تسبب في قتله من وجه آخر ثم إن زكرويه أعرض عن القاسم ~~وأنفذ رجلا من أصحابه ، وكان يعلم الصبيان بالزابوقة يقال له محمد بن عبد ~~الله بن سعيد المكني أبا غانم في سنة ثلاث وتسعين ومائتين فتسمى نصرا ، ~~وأمه أن يتوجه إلى أحياء كلب ويدعوهم ، فدار أحياء كلب ودعاهم فلم يقبله ~~إلا رجل من بني زياد يعرف بمقدام بن الكيال ، ثم استجاب له طوائف من ~~الأصبعيين الذين يعرفون بالفواطم ، وقوم من بني العليص وصعاليك من بني كلب ~~، فسار بهم نحو الشام ، وعامل المكتفى بالله يومئذ على دمشق والأردن أحمد ~~بن كيغلغ ، وهم بنواحي مصر على ms5851 حرب إبراهيم الخليجي ، وكان قد خالف كما ~~قدمنا ذكر ذلك ، PageV25P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" فاغتم محمد بن عبد الله بن سعيد غيبته فصار ~~إلى مدينتي بصرى وأذرعات فحارب أهلها ثم أمنهم فلما استسلموا قتل مقاتلتهم ~~وسبى ذراريهم وأخذ جميع أموالهم ، وسار نحو دمشق فخرج إليه صالح بن الفضل ~~خليفة ابن كيغلغ فيمن معه ، فأثخنوا فيهم وظفروا عليهم ثم غروهم ببذل ~~الأمان ، فقتلوا صالحا وعسكره وقصدوا دخول دمشق فدفعهم عنها أهلها فانصرفوا ~~إلى طبرية ، ولحق بهم جماعة من الجند ممن سلم بدمشق ، فواقعهم يوسف بن ~~إبراهيم ، عامل ابن كيغلغ على الأردن ، فهزموه ، وبذلوا له الأمان ثم غدروا ~~به فقتلوه ونهبوا طبرية وقتلوا وسبوا النساء ، فأنفذ المكتفي الحسين بن ~~حمدان في طلبهم مع وجوه من القواد ، فدخل دمشق وهم بطبرية ، فلما علموا ~~بذلك عطفوا نحو السماوة ، وأتبعهم الحسين بن حمدان في البرية ، فأقبلوا ~~ينتقلون من ماء إلى ماء يغورون ما يرتحلون عنه من الماء ، فلم يزالوا على ~~ذلك حتى وردوا الماء ين المعروفين بالدمعانة والحالة ، فانقطع عنهم لعدم ~~الماء فمال نحو رحبة مالك بن طوق ، وأسرى عدو الله حتى وافى هيت غارون وذلك ~~لتسع بقين من شعبان سنة ثلاث وتسعين ومائتين ، طلوع الشمس ، فنهب ربض هيت ~~والسفن التي في الفرات وقتل نحو مائتي إنسان ، وأقام هناك يومين والقوم ~~متحصنون ، ثم رحل بما أخذه وبمائتي كرحنطة إلى نحو الماء ين وبقية أصحابه ~~هناك ، فلما اتصل الخبر بالمكتفى أرسل إلى هيت محمد بن إسحاق بن كنداجيق ~~ومعه جماعة من القواد في جيش كثيف ، فوجدهم أتبعه بمؤنس الخادم ، فنهض محمد ~~بن إسحاق نحوهم فوجدهم قد غاروا المياه ، فأنفذ إليه من بغداد بالروايا ~~والقرب والمزاد ، وكتب إلى الحسين بن حمدان بالنفوذ إليهم من الرحبة ، فلما ~~أحسوا بذلك إئتمروا بصاحبهم نصر ، فوثب عليه رجل من أصحابه يقال له الذيب ~~بن القائم فقتله ، وشخص إلى بغداد متقربا بذلك ومستأمنا ، فأسنيت له ~~الجائزة وكف عن طلب قومه بقتل محمد هذا ، فمكث أياما ببغداد وهرب ، ثم إن ~~طلائع محمد بن كنداجيق ms5852 ظفرت برأس محمد المقتول هذا ، فحمل إلى بغداد . ~~PageV25P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" قال : ثم إن قوما من بني كلاب أنكروا ما فعله ~~الذيب من قتل محمد ، ورضيه آخرون فتحزبوا أحزابا ، فاقتتلوا قتالا شديدا ~~حتى كثرت القتلى بينهم ثم افترقوا ، فصارت الفرقة التي رضيت قتله إلى ناحية ~~عين التمر ، وتخلف من كره قتله على الماء الذي كانوا ينزلون عليه ، واتصل ~~الخبر بكروية بن مهرويه فرد القاسم إليهم . ذكر إرسال زكرويه بن مهرويه ~~القاسم بن أحمد ودخوله الكوفة وما كان من أمره قال : ولما اتصل الخبر ~~بزكرويه كان القاسم بن أحمد عنده ، فرده إليهم لمعرفتهم به ، ورد عليهم ~~جمعهم ووعظهم ، وقال : أنا رسول وليكم وهو غائب عليكم فيما أقدم عليه الذيب ~~بن القائم ، وأنكم قد ارتدتم عن الدين ، فاعتذروا وحلفوا ما كان ذلك ~~بمحبتهم ، وذكروا ما جرى بينهم وبين أهلهم من الخلف والقتل والبعد بهذا ~~السبب ، فقال لهم : قد جئتكم الآن بما لم يأتكم به أحد تقدمني ، وليكم يقول ~~لكم : قد حضر أمركم وقرب ظهوركم ، وقد بايع له من أهل الكوفة أربعون ألفا ~~ومن أهل سوداها أكثر ، وموعدكم اليوم الذي ذكره الله ، يوم الزينة وأن يحشر ~~الناس ضحى ، فأجمعوا أمركم وسيرو إلى الكوفة ، فإنه لا دافع لكم عنها ، ~~ومنجز وعدي الذي جاءتكم به رسلي ، قسروا بذلك سرورا كثيرا وارتحلوا نحو ~~الكوفة ، فلما وردوا إلى القطقطانة ، وهي قرية خراب في البر ، بينها وبين ~~الكوفة ستة وثلاثون ميلا ، وذلك يوم الأربعاء قبل يوم عرفة بيوم من سنة ~~ثلاث وتسعين ومائتين ، خلفوا بها الخدم والأموال أمرهم أن يلحقوا به عن ~~الرحبة ستة أميال لها ألف وسيلة ثم شاور الوجوه من أصحابه في أي وقت يأتي ~~الكوفة ؟ فقال قائل ليلا فلا يتحرك أحد إلا قتلناه ، ويخرج إلينا وإليها في ~~قلة فنأخذه ونقتله ، وقال آخر : نمهل أن ندخلها عشاء في يوم العيد ، والجند ~~سكارى والبلد خال ، فنقصد باب إسحاق وهو غافل فنأخذه ونقف على بابه ، فلا ~~يأتينا أحد إلا قتلناه ، فإنهم لا يأتونا إلا نفر بعد نفر ، وكانت ms5853 شحنة ~~الكوفة يومئذ سبعة آلاف رجل ، إلا أن المقيم بالكوفة يومئذ أربعة آلاف ~~PageV25P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" من الدميانية والمصريين وغيرهم ، والناس فيها ~~أحياء والبلد على غاية الاجتماع والحسن وكثرة الناس ، وقال آخرون : نسير ~~ليلتنا ثم نكمن في النجف في شعابه فنزيح الخيل والإبل وننام ، ونركب عمود ~~الصبح فنشنها غارة على أهل المصلى ، وقد نزل الجند للصلاة وركب غلمانهم ~~الدواب ، ونضع السيف وجل أهل البلد هناك ، فقال اللعين : هذا هو الرأي ، ~~فركبوا وساروا حتى حصلوا في بعض المواضع فناموا ، فلم يوقظهم إلا مس الشمس ~~يوم العيد ، لطفا من الله تعالى بالناس ، قال : وقد كان أحد ما شغلهم أنهم ~~اجتازوا بقوم من اليهود يدفنون ميتا لهم بالنخيلة ، فشغلهم قتلهم فلم يصلوا ~~إلى الكوفة إلا وقد صلى إسحاق بن عمران بالناس العيد ، وانصرف والناس ~~متبددون في ظاهر الكوفة ومنهم من قد انصرف ، ولإسحاق بن عمران طلائع تتفقد ~~، وكان ذلك لأمور قد أرجف الناس بها في البلد ، من فتن تحدث من غير جهة ~~القرامطة ، وقيل كانت عدتهم ثمانمائة فارس وأربعمائة راجل : وهم يقاتلون ~~على طمع وشبهة ، فأقبلوا يقدمهم هذا المكنى بأبي الحسين . قال : وكان أحد ~~الألطاف أن إسحاق بن عمران قد أحدث مصلى بالقرب من طرف البلد فصلى فيه ، ~~وكان الرجوع منه إلى البلد سهلا ، فقصدت القرامطة المصلى العتيق ، على ما ~~كانوا يقدرون من اجتماع الناس فيه ، فلم يصادف فيه أحد ، فأقبلت خيل منهم ~~من تلك الجهة ، فدخلوا الكوفة من يمينها ، فوضعوا السيف حتى وصلوا إلى ~~حبسها ففتحوه وقتلوا كثيرا من الناس وأخرجوا خلقا ، فارتجت الكوفة وخرج ~~الناس بالسلاح ، وتكاثر الناس على من دخل الكوفة من القرامطة ، فقذفوهم ~~بالحجارة فقتل منهم جماعة ، وأقبل جل القوم نحو الخندق فقتلوا ناسا ، ~~وناوشهم طوائف من الجند تخلفوا بالصحراء وبعض ما كان أنفذ إسحاق بن عمران ~~طليعة ، فقتلوا بعضهم وأفلت إلى البلد ، وكان إسحاق بن عمران قد انصرف في ~~أحسن زي وأجمله ، فلما صار قرب داره تفرق الجيش عنه إلا خواصا ، كان قد عمل ~~لهم سماطا في داره ms5854 ، فلما سار في بعض الطريق لحقه فارس من بني أسد على فرس ~~له بلقاء ، قد طعنت في عنقها ودمها سائل ودمها على كتفها إلى الحافر ، فشق ~~الجند وزاحم غلمانه وجاوز إسحاق بن عمران ، ثم قلب رأس فرسه إليه فوقف له ، ~~فقال : جاءتنا أيها الأمير خيل من الأعراب ، فقتلت وسلبت PageV25P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" وخرجت إلى الصحراء ، فلما رددناهم طعنت فرسي ~~، فقلب إسحاق بن عمران فرسه راجعا ، وأمر بإخراج الجند نحو الخندق ، وبين ~~يدي إسحاق بن عمران نحو من ستين راجلا ، ومعه غلمانه ونفر يسير من الجند ، ~~حتى صار عند قصر عيسى بن موسى ومعه أبو عيسى صالح بن علي بن يحيى الهاشمي ~~يسايره فالتفت إليه ، وقال : خذ هؤلاء الرجالة وامض إلى قنطرة بني عبد ~~الوهاب - وهي إحدى قناطر الخندق - فاكشفها ، فأخذهم ومضى ، وتقدم إلى عبد ~~الله الحسين بن عمر العلوي أن يدور في البلد ويسكن الناس ، فدار وعليه ~~السواد فسكن الناس ، وخرج كثير من الناس بالسلاح ، وتفرق من دخل الكوفة من ~~القرامطة لما رماهم أهلها ، وقتل بعض القصابين رجلا منهم بساطور ، وكان ~~فيمن تفرق منهم رجل من كلب يعرف بالمقلقل ، وهو أحد رجالهم وشجعانهم في جمع ~~معه ، فأفضى به الطريق إلى دار عيسى بن علي ، فلقيهم أحد الفرسان من الجند ~~يعرف بالورداني ، قد ركب لما سمع الصيحة ، فلم يشك أنهم من الجند لما رأى ~~من كثرة الجواشن عليهم والدروع ، فقال لهم : سيروا يا أصحابنا ، فأمسكوا ~~عنه حتى توسطهم ثم عطفوا عليه بالسيوف فقتلوه ، وأخذوا دابته وساروا نحو ~~الخندق للقاء أصحابهم ، فلما صاروا بالصحراء من الكوفة نظر إليهم أبو عيسى ~~، فلم يشك أنهم من أصحاب السلطان ، ثم نظر إليهم وقد لقوا جماعة من العامة ~~، فأقبلوا يسبلونهم ، فتبين أمرهم فحمل عليهم فعدلوا عن سلب أولئك ، وحمل ~~فارسهم المقلقل - وكان رجلا عظيما جسيما - وفي يده سيف عريض ، فالتقى هو ~~وأبو عيسى فطعنه أبو عيسى تحت ثندوته فصرعه ، فحذفه المقلقل بالسيف فأصاب ~~جحفله فرسه فعقره ، وأمر أبو عيسى بعض الرجالة فاختز رأسه ووجه به إلى ms5855 ~~إسحاق بن عمران ، وقد رفع رأسه ، فكان ذلك أحد ما كسرهم ؛ قال : واجتمعت ~~الخيل والرجالة فقاتلهم إسحاق بمن معه - وليسوا بالكثيرين - قتالا شديدا ، ~~في يوم صائف شديد الحر طويل إلى الزوال ، وخرج الناس من العامة فانصرف ~~القرامطة مكدودين فنزلوا العدير على ميلين من الكوفة وارتحلوا عشيا نحو ~~سوادهم ، واجتازوا بالقادسية ، وقد وصل إليهم رسول إسحاق بن عمران ، فحذرهم ~~أمرهم يعني حذر أهل القادسية ، وعرف يومئذ صبر إسحاق ابن عمران على حملاتهم ~~وتشجيعه لأصحابه . أن يدور في البلد ويسكن الناس ، فدار وعليه السواد فسكن ~~الناس ، وخرج كثير من الناس بالسلاح ، وتفرق من دخل الكوفة من القرامطة لما ~~رماهم أهلها ، وقتل بعض القصابين رجلا منهم بساطور ، وكان فيمن تفرق منهم ~~رجل من كلب يعرف بالمقلقل ، وهو أحد رجالهم وشجعانهم في جمع معه ، فأفضى به ~~الطريق إلى دار عيسى بن علي ، فلقيهم أحد الفرسان من الجند يعرف بالورداني ~~، قد ركب لما سمع الصيحة ، فلم يشك أنهم من الجند لما رأى من كثرة الجواشن ~~عليهم والدروع ، فقال لهم : سيروا يا أصحابنا ، فأمسكوا عنه حتى توسطهم ثم ~~عطفوا عليه بالسيوف فقتلوه ، وأخذوا دابته وساروا نحو الخندق للقاء أصحابهم ~~، فلما صاروا بالصحراء من الكوفة نظر إليهم أبو عيسى ، فلم يشك أنهم من ~~أصحاب السلطان ، ثم نظر إليهم وقد لقوا جماعة من العامة ، فأقبلوا يسبلونهم ~~، فتبين أمرهم فحمل عليهم فعدلوا عن سلب أولئك ، وحمل فارسهم المقلقل - ~~وكان رجلا عظيما جسيما - وفي يده سيف عريض ، فالتقى هو وأبو عيسى فطعنه أبو ~~عيسى تحت ثندوته فصرعه ، فحذفه المقلقل بالسيف فأصاب جحفله فرسه فعقره ، ~~وأمر أبو عيسى بعض الرجالة فاختز رأسه ووجه به إلى إسحاق بن عمران ، وقد ~~رفع رأسه ، فكان ذلك أحد ما كسرهم ؛ قال : واجتمعت الخيل والرجالة فقاتلهم ~~إسحاق بمن معه - وليسوا بالكثيرين - قتالا شديدا ، في يوم صائف شديد الحر ~~طويل إلى الزوال ، وخرج الناس من العامة فانصرف القرامطة مكدودين فنزلوا ~~العدير على ميلين من الكوفة وارتحلوا عشيا نحو سوادهم ، واجتازوا بالقادسية ~~، وقد وصل إليهم رسول إسحاق بن ms5856 عمران ، فحذرهم أمرهم يعني حذر أهل القادسية ~~، وعرف يومئذ صبر إسحاق ابن عمران على حملاتهم وتشجيعه لأصحابه . قال : ~~وأخرج إسحاق بن عمران مضاربة بظاهر الكوفة ، وخرج إليه أصحابه فعسكر ، وبات ~~الناس بالكوفة على غاية الجزع والتحارس ونصب الحجارة على PageV25P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" الأسطحة ؛ قال : ولم وصلت القرامطة إلى عين ~~الرحبة وكانوا قد خلفوا سوادهم هناك ، فرحلوا ثم وساروا بهم فنزلوا عينا ~~بسرة العذيب تعرف بعين عبد الله ، ثم رحلوا فنزلوا قرية تعرف بالصوان على ~~نهر هد من سواد الكوفة ، ثم مضى أبو الحين إلى قرية تعرف بالدرنة على نهر ~~زياد من سواد الكوفة ، فخرج إليه بها زكرويه وكان من أمره ما نذكره . ذكر ~~ظهور زكرويه بن مهرويه وقتاله عساكر الخليفة وأخذه الحاج وما كان من أمره ~~إلى أن قتل كان ظهور زكرويه بن مهرويه في سنة ثلاث وتسعين ومائتين ، وذلك ~~أنه لما وصل القاسم بن أحمد إلى الدرنة خرج زكرويه إليه منها وكان بها ~~مستترا كما ذكرنا فيما تقدم ، فقال القاسم للعسكر : هذا صاحبكم وسيدكم ~~ووليكم الذي تنتظرونه ، فترجلوا بأجمعهم وألصقوا خدودهم بالأرض ، وضرب ~~لزكرويه مضرب عظيم وطافوا به وسروا سرورا عظيما ، واجتمع إليه أهل دعوته من ~~أهل السواد فعظم جيشه جدا ، وكان إسحاق بن عمران قد كتب إلى العباس بن ~~الحسن وزير المكتفى - يخبره خبر القرامطة ومهاجمتهم على الكوفة وما كان من ~~خبرهم ، وأثنى على من عنده من الجند وذكر حسن بلائهم ، فلما وصل إليه ~~الكتاب قلق له ، وشاور بعض أصحابه في لقاء الخليفة المكتفى بالله بذلك ، ~~فأشار عليه بتعجيله بذلك ، فقال الوزير : كيف ألقاه بهذا مع ما يحتاج إليه ~~من الأموال ولعهدي به ، وقد ناظرني منذ يومين في دينار واحد ، ذكر أنه فضل ~~بقية نفقة رفعت إليه ، فقال له صاحبه : أيها الوزير إن أسعفك وإلا ففي خدمك ~~وأسبابك فضل فوظفها علينا ، وتنفق فيها ، فقال : فرجت ، والله - عني ، ثم ~~لبس ثيابه وأتى إلى المكتفي بالله فدخل عليه في غير وقت الدخول فعرفه الخبر ~~، فقال له المكتفى : كأنك يا عباس ms5857 قد قلت : كيف أخبر أمير المؤمنين بمثل ~~هذا وقد ناظرني في دينار فضل نفقة فقال : قد كان ذاك يا أمير المؤمنين ، ~~قال : إنما جرى ذلك لمثل هذا ، فلا تبخل بمال في مثل هذا ، وأباحه الأموال ~~والإنفاق في PageV25P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" الرجال ليلا ونهارا ، فأنفذ الوزير جنى ~~الصعفراني ومباركا القمى وتحرير العمري ورائقا وطائفة من الغلمان الحجرية ~~وجماعة من القواد في جيش عظيم ، فوصل أوائلهم في اليوم السادس من يوم النحر ~~، فركب إليهم إسحاق بن عمران وذكر لهم قوة من لقي من القرامطة ، وأنه قد ~~مارسهم ، وحذرهم أن يغيروا بهم ، وقال لهم : سيروا إلى القادسية فإن بينكم ~~وبينها مرحلة ، وإذا صرتم بها فأريحوا واستريحوا وتجمعوا ، ثم سيروا إليهم ~~وطاولوهم ونازلوهم فإن الظفر برجي بذلك فيهم عندي ، ولا ترموا بأنفسكم ~~عليهم صبر غير أنكال ، فقال له بشر الأفشيني : إن رأيناهم كفيناك القول يا ~~أبا يعقوب ، إنما نخشى أن يهربوا ، فدعا لهم بالنصر ورحلوا نحو القادسية ، ~~فتابوا بها ليلة ورحلوا في آخرها إلى الصوان ، وبين الموضعين نحو العشرة ~~أميال ، ورحلوا بالأثقال والفهود والبزاة وهم على غير تعبئة مستخففين بهم ، ~~فأسرعوا السير ووصلوا وقد تعب ظهرهم وقل نشاطهم وقد عمد القرامطة فضربوا ~~بيوتهم إلى جانب جرف عظيم لنهر هناك وأثقالهم مما يلي البيوت ، والرجالة في ~~أيديهم السيوف ، وقتالهم من وجه واحد صفا واحدا قدام البيوت بقدر نصف غلوة ~~، والفرسان جلوس خلف الرجالة ، فلما تراءى الفريقان ركب الفرسان وافترقوا ~~فصاروا جناحين للرجالة ، وحملوا على الناس فصدقوهم الحملة فانكفأوا راجعين ~~، وتلاقى الرجالة من الفريقين ، فأتت رجالة العسكر على رجالة القرامطة ~~وألجأوهم إلى البيوت ، وأقبلت الفرسان فنظروا إلى الرجالة ينهبون بيوتهم ، ~~فترحلوا وحملوا خيلهم الأمتعة ، وكانت القرامطة في مجنبات الناس لما رأوا ~~من صدق القتال ، فلما رأوا الناس قد حملوا الدواب والجمازات وتشاغلوا حملوا ~~على الجمازات والبغال بالرماح ، فأقبلت لا يردها شيء عن الناس تخطبهم ، ~~فانهزم الناس ووضع السيف فيهم ، وقتل الأكثر وتبع الأقل نحو القادسية وفيهم ~~مبارك القمى ، فأقاموا ثلاثا يجمعون السلب والأسرى ، وجمع زكرويه الآلة ms5858 ~~والمتاع والأثاث والجمازات ، فقبل إنه أخذ ثلاثمائة جمل وخمسمائة بغل مما ~~كان للسلطان سوى ما أخذ للقواد ، وقيل إنه قتل ألفا وخمسمائة رجل ، فقوى ~~أصحابه جدا ، ودخل الكوفة فلول الجيش عراة . ورحل زكرويه يريد الحاج وبعث ~~دعاته إلى السواد ، فلم يلحق به فيما قيل إلا النساء والصبيان ، قال : ولما ~~وقف الخليفة على صورة الأمر عظم عليه وعلى الناس وخافوا على الحجاج ، فانفذ ~~المكتفى بالله محمد بن إسحاق بن كنداج لحفظ الحاج PageV25P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" وطلب زكرويه ، وضم إليه خلقا عظيما وجماعة من ~~القواد ونحو ألفي رجل من بني شيبان واليمن وغيرهم ، وكان زكرويه قد نزل على ~~عين الزبيدية ، ثم نزل على أربعة أميال من واقصة ، فوافت القافلة لست أو ~~سبع خلت من المحرم من سنة أربع وتسعين ومائتين ، فأنذرهم أهل المنزل ~~بالقرامطة فلم ينزلوا وطووا ، فنجاهم الله عز وجل ، وكان معهم من أصحاب ~~السلطان الحسن بن موسى وسما الإبراهيمي ، فلما وافى زكرويه واقصة تعرف ~~الخبر فعرف أنهم قد حذروهم ، فقتل جماعة من أهل المنزل ونهب وأحرق الحشيش ~~وتحصن الباقون منه ، ورحل فلقيه الخراسانية من الحجاج على الأرض البسيطة ~~التي تخرج منها حجارة النار ، يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم ، ~~وليس معهم أحد من أصحاب السلطان ، فرشقوا القرامطة بالنشاب وقد أحاطوا بهم ~~فانحازوا عنهم ، ثم تقدم إلى الحاج جماعة منهم فسألوهم : هل فيكم سلطان ، ~~فأنا لا نريدكم ؟ فقالوا لهم : لا ، إنما نحن قوم حجاج ، فقال لهم زكرويه : ~~امضوا ، فرحلوا وأملهم حتى ساروا ثم قصدهم ، يبعج الجمال بالرماح حتى كسر ~~بعضها بعضا واختلطت ، ووضع السيف فقتل خلقا عظيما واستولى على الأموال . ~~وقدم محمد بن إسحاق بن كنداج الكوفة ثم رحل إلى القادسية فلما وقف على خبر ~~مسيرهم نحو راقصة أنفذ علان بن كشمرد في خيل جريدة ، حتى لقي فل الخراسانية ~~فأشاروا عليه أن يلحق الحاج فإن القافلة الثانية تنزل العقبة الليلة أو من ~~غد ، فحث حتى تسبق إليها فتجتمع أنت ومن فيها على قتال الكفرة ، الله الله ~~في الناس أدركهم ms5859 ، فرحل راجعا نحو القادسية وقال : لا أغرر برجال السلطان ~~للقتل ، فلقي بعد ذلك من المكتفي شرا ؛ وورد زكرويه العقبة يوم الاثنين ~~لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرم وفي القافلة مبارك القمى وأحمد ابن نصر ~~الديلمي وأحمد بن علي الهمذاني ، وقد كانت كتب المكتفي اتصلت إلى أمراء ~~القافلة الثانية والثالثة مع رسله ، يأمرهم أن يتجنبوا الطريق ويرجعوا إلى ~~المدينة ، ويأخذوا على طريق البصرة أو غيرها فلم يفعلوا ذلك ، ولما التقوا ~~قتالا شديدا فكانت الغلبة لأصحاب السلطان حتى لم يشكوا في ذلك ، ثم خرج ~~اللعين زكرويه إلى آخر القافلة وقد رأى خللا هناك ، فعمل في الجمال كما عمل ~~في جمال الخراسانية ، وقتل سائر الناس إلا يسيرا استبعدهم أو شريدا ، ثم ~~PageV25P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" أنفذ خيلا فلحقت من أفلت من أوائل القوم حتى ~~ردوهم إليه ، فقتلهم وأخذ النساء وجميع ما في القافلة ، وقتل مباركا القمى ~~ومظفرا ابنه وأسر أبا العشائر ، فقطع يديه ورجليه وضرب عنقه ، وأطلق من ~~النساء ما لا حاجة له فيها ، ووقع بعض الجرحى بين القتلى حتى تخلصوا ليلا ، ~~ومات كثير من الناس جوعا وعطشا ، وورد من قدم من الناس يخبرون أن نساء ~~القرامطة كن يطفن بين القتلى فيقلن : عزيز علينا ، من يرد ماء نسقيه ، فإن ~~كلمهن جريح مطروح أجهزن عليه ، قال : ويقال إن جميع القتلى كانوا نحوا من ~~عشرين ألفا ، وأخذ من الأموال ما لا يحصى كثرة . قال : ولما اتصل خبر ~~القافلتين بمدينة السلام جاء الناس من ذلك ما شغلهم ، وتقدم السلطان بإخراج ~~المال وإزاحة العلل ، وأخرج العباس بن الحسن ومحمد بن داود الجراح الكاتب ~~المتولي دواوين الخراج والضياع بالمسير إلى الكوفة لإنقاذ الجيش منها ، ~~وحمل معه أموالا عظيمة ، وقال : كلما قرب نفاذ ما معك كاتبني لأمدك ~~بالأموال ، وخرج إليها يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم ، وقدم ~~خزانة سلاح جعلها بالكوفة فما زالت بقاياها هناك إلى أن أخذها الهجري . قال ~~: ثم رحل زكرويه يريد القافلة الثالثة فلم يدع ماء في طريقه إلا طرح فيه ~~جيف الموتى ، ونزل زبالة ms5860 فقتل من بها من التجار ، ونهب الحصن وبث الطلائع ~~خوفا من لحوق عسكر السلطان به ، فلما أبطأت القافلة عليه فنزل الشقوق ثم ~~نزل في رمل يقال له الهبير والطليح ، وأقام ينتظر القافلة وفيها من القواد ~~نفيس المولدي ، وعلى ساقتها صالح الأسود ومعه الشمسة ، وكان المعتضد جعل ~~فيها جواهر نفيسا ومعه الخرانة ، وكان في القافلة من الوجوه إبراهيم بن أبي ~~الأشعث ، ومعه كاتبه المنذر بن إبراهيم وميمون ابن إبراهيم الكاتب وكان ~~إليه ديوان الخراج ، والفرات بن أحمد ابن محمد بن الفرات ، والحسن بن ~~إسماعيل قرابة العباس بن الحسن ، وعلي بن العباس النهيكي وغيرهم من الرؤساء ~~، وخلق من مياسير التجار وفيها من المتاجر والرقيق ما يخرج عن الوصف ، ~~وفيها جماعة من الأشراف منهم أبو عبد الله أحمد بن موسى بن جعفر وجماعة من ~~أهله ، فأصاب بعضهم جراحات وأسر بقيتهم ، فعرفهم بعض المولدين من وجوه ~~عسكره فأخبره بهم ، فخلى لأبي عبد الله أحمد بن موسى وأهله الطريق ، ومكنهم ~~من جمال تحملوا عليها ، وكان أحمد بن موسى أحد من دخل بغداد وخبر السلطان ~~بأمرهم PageV25P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" وجلالة حالهم ؛ وأقاموا بفيد وقد اتصل بهم ~~أنهم ينتظرون مددا من السلطان ففعل ابن كشمرد ما فعل من رجوعه إلى القادسية ~~ولم ينجدهم ، فلما طال مقامهم نفذ ما في المنزل وغلا السعر جدا ، وجلوا عن ~~الأجفر والخزيمية ثم الثعلبية ثم الهبير ، فلم يستتم نزولهم حتى ناهضهم ~~زكرويه فقاتلهم يومهم كله ، ثم باتوا على السواء ، ثم باكرهم فقاتلهم ~~فبينما هم كذلك إذ أقبلت قافلة العمرة ، وكان المتمرون يتخلفون للعمرة بعد ~~خروج الحاج إذ دخل المحرم ، وينفردون قافلة واحدة وانقطع ذلك من تلك السنة ~~، فاجتمع الناس وقاتلوهم يومهم ، ونفذ الماء وعطشوا ولا ماء لهم هناك ، ~~وباتوا وزكرويه مستظهر عليهم ، ثم عاودهم القتال حتى ملك القافلة ، فقتل ~~الناس وأخذ ما فيها من حريم ومال وغير ذلك ، وأفلت ناس قليل قتل الناس وأخذ ~~ما فيها من حريم ومال وغير ذلك ، وأفلت ناس قليل قتل أكثرهم العطش ، ثم سار ~~مصعدا نحو فيد ms5861 فتحصن منه أهلها ، فطاولهم فصبروا عليه ونزل منهم ثمانية عشر ~~رجلا بالحبال من رأس الحصن ، فقاتلوا رجالتهم قتالا شديدا وقد أسندوا ~~ظهورهم بسور الحصن ، ورمى أهل الحصن بالحجارة ؛ قال : سمعت داود بن عتاب ~~الفيدي - وكان نبيلا صدوقا - قال : نزلنا إليهم نحو أربعين رجلا متزرين ~~بالسراويلات ، وقد كان لحقهم - لا أدري - عطش قال أو جوع ، قال : فطردناهم ~~فمالوا إلى حصن يقرب منا ، وقد كان بيننا وبين أهله عداوة قديمة ، أخذوا ~~منهم الأمان ونزلوا ليفتحوا لهم ، فقال بعضنا لبعض : إن ظفروا به أخذوا منه ~~ما يحتاجون إليه ، وعادوا إليكم ، قال : فطرحنا أنفسنا عليهم وأحس بذلك أهل ~~الحصن فقويت قلوبهم ، وخرجوا فكشفناهم ، وتبعهم جماعة منا فسلبوا منهم ~~جمالا ، وكان ذلك سبب صلاحنا مع أصحاب الحصن . قال الشريف : ولم يبق دار ~~بالكوفة وبغداد والعراق إلا وفيها مصيبة وعبرة سابلة وضجيج وعويل ، حتى قيل ~~إن المكتفي اعتزل النساء هما وغما ، قال : وخفي أمر زكرويه ، لا يعلم أين ~~توجه ، وقد كان أخذ ناحية مطلع الشمس ، فتقدم المكتفي يتتبع أحواله وإشجان ~~البلدان - التي يخاف مصيره إليها - بالرجال ، وأنفذ وصيف ابن صوارتكين ~~ولجيم بن الهضيم والقاسم بن سيما في جيش عظيم بالميرة والزاد والمال ~~والجمال ، لاستقبال الناس وإزاحة عللهم ، وتقدم يطلب زكرويه حيث كان ، إلى ~~أن وردت كتب أهل فيد بخبره ، فكوتب عند ذلك إسحاق بن كنداج بأن يلزم ~~القادسية ونواحي الكوفة بجيشه ، وكوتب لجيم بالمسير إلى خفان ومعارضة ~~زكرويه حيث PageV25P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" كان ، وأن ينفذ الطلائع والأعراب ويرغبوا في ~~تتبع حاله حتى يعرف ، فجاءت الأخبار بما غلب على ظنهم ، أنه لم يخط ناحية ~~البصرة وأنه يقصد الاجتماع مع أبي سعيد الجنابي وهو المقدم ذكره ، فاجتمع ~~القواد وتشاوروا واستقبلوا طريقا يقال له الطريق الشامي ، ويقال له طريق ~~الطف وهو بين الكوفة والبصرة ، وعملوا على المقام هناك ليكونوا بين الكوفة ~~وواسط والبصرة ، فساروا مستدبري القبلة مستقبلي البصرة يرتجلون من ماء إلى ~~آخر ، حتى نزلوا يوم السبت لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين ~~ومائتين ركبا فيه ms5862 ماء بقرية خراب يقال لها صماخ ، كان يسكنها على قديم ~~الدهر قوم من ربيعة يقال لهم بنو عنزة ، وبين هذا الموضع وبين البصرة ثلاثة ~~أيام ، فلقيهم قوم من الأعراب فخبروهم أن القرامطة بالثنى ، وهو موضع من ذي ~~قار الذي كانت فيه وقعة العرب مع العجم في أيام كسرى ، وهو واد كثير الماء ~~العذب وبينه وبين صماغ عشرة أميال ، فبات الجيش بصماغ وتراءت الطلائع في ~~عشي يومئذ ، ورحل زكرويه من غد وهو طامع بالظفر ، فالتقوا بقرية خراب يقال ~~لها إرم ، بينها وبين الثنى ثلاثة أميال ، وذلك يوم الأحد لسبع بقين من شهر ~~ربيع الأول ، فاقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفريقان جميعا ، ثم انهزم ~~كروية فقتل الجيش أكثر من معه ، وأسر خلق كثير منهم وأفلت صعاليك من العرب ~~على الخيل مجردين ، ووصل إلى زكروية - وهو في القبة - في أوائل السواد ، ~~فظنوا أنه في الخيل التي انهزمت ، فقذف رجل بنار فوقعت في قبته فخرج من ~~ظهرها فألقى نفسه من مؤخرها ، ولحقه بعض الرجالة - وهو لا يعرفه - فضربه ~~على رأسه ضربة أثخنته فسقط إلى الأرض فأدركه صاحب للجيم كله يعرفه فأخذه ~~وصار به إليه ، فأخذه لجيم وأركب الذي جاءه به نجيبا فارها ، وقال له : طر ~~- إن أمكنك - حتى تأتي بغداد ، وعرف العباس بن الحسن الوزير أنك رسولي إليه ~~، واشرح له ما شاهدت وسلم إليه الخاتم ، فسار حتى دخل بغداد وأعلمه بالخبر ~~. قال : ومضى لجيم إلى وصيف والقاسم بن سيما فعرفهما خبر زكروية واجتمعوا ~~جميعا وكتبوا كتاب الفتح ، ونهب الجيش عسكر القرامطة وأخذوا زوج زكروية ~~واسمها مؤمنة وأخذ خليفته وجماعة من خاصته وأقربائه وكاتبه ، وانصرف العسكر ~~نحو PageV25P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" الكوفة فمات زكروية بخفان من جراحات أصابته ، ~~صبر وكفن وحمل على جمل إلى بغداد ، وأدخلت جئته وزوجته وحرم أصحابه ~~وأولادهم والأسرى ورؤوس من قتل بين يديه وخلفه نساؤه من الجوالقات . قال ~~ابن الأثير : وانهزم جماعة من أصحابه إلى الشام ، فأوقع بهم أصحاب الحسين ~~بن حمدان فقتلوا عن آخرهم ، وأخذ الأعراب رجلين من أصحاب زكروية يعرف ms5863 ~~أحدهما بالحداد والآخر بالمنتقم وهو أخو امرأة زكروية ، كانا قد توجها ~~إليهم يدعوانهم إلى الخروج إلى صاحبهم ، فسيروهما إلى بغداد ، وتتبع ~~الخليفة القرامطة بالعراق فقتل بعضهم وحبس بعضهم ، وبادت هذه الطائفة منهم ~~بالعراق مدة . أخبار من ظهر من القرامطة بعد مقتل زكرويه بن مهرويه قال ~~الشريف أبو الحسين : ولما قتل زكروية سكن أمر القرامطة وانقطعت حركاتهم ~~وذكر دعوتهم ، فلما دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين خرج رجل من السواد من الزط ~~يعرف بأبي حاتم ، فقصد أصحاب البوراني خاصة ، وكان هذا البوراني داعيا ~~وأصحابه يعرفون بالبورانية ، فلما ظهر أبو حاتم حرم عليهم الثوم والكراث ~~والفجل ، وحرم عليهم إراقة الدم من جميع الحيوان ، وأمرهم بأشياء لا يقبلها ~~إلا الأحمق السخيف من ترك الشرائع ، وهذه الطائفة من القرامطة تعرف ~~بالبقلية . وأقام أبو حاتم هذا نحو سنة ثم زال ، ثم اختلفوا بعده وكانوا ~~أهل قرى بسواد الكوفة ، فقالت طائفة منهم زكرويه بن مهرويه حي ، وإنما شبه ~~على الناس به ، وقالت فرقة منهم الحجة لله محمد ابن إسماعيل . ثم خرج رجل ~~من بني عجل قرمطي يقال له : محمد بن قطبة فاجتمع له نحو من مائة رجل ، فمضى ~~بهم إلى نحو الجامدة من واسط ، فنهب وأفسد فخرج إليهم أمير الناحية فقتلهم ~~وأسرهم . ذكر أخبار أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي قد ~~قدمنا أخبار أبيه أبي سعيد وحروبه وما استولى عليه ، وذكرنا خبر مقتله ~~وولاية ابنه سعيد ، وأنه سلم الأمر إلى أخيه أبي طاهر سليمان ، هذا في سنة ~~خمس PageV25P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وثلاثمائة ، وقد قيل بل عجز سعيد عن الأمر ~~فغلبه عليه أخوه أبو طاهر سليمان . قال : وكان شهما شجاعا ، وكان الخليفة ~~المقتدر بالله قد كتب إلى أبي سعيد كتابا لينا في معنى من عنده من أسرى ~~المسلمين ، وناظره وأقام الدليل على فساد مذهبه ، فلما وصلت الرسل إلى ~~البصرة بلغهم موته ، فكتبوا بذلك إلى الخليفة فأمرهم بالمسير إلى ابنه ، ~~فأتوا أبا طاهر بالكتاب فأكرم الرسل وأطلق الأسرى وأجاب عن الكتاب ، ثم ~~تحرك أبو طاهر ms5864 بعد ذلك في سنة عشر وثلاثمائة ، وعمل على أخذ البصرة فعمل ~~سلاليم عراضا ، يصعد على كل مرقاة اثنان بزرافين - إذا احتيج إلى نصبها ~~وتخلع إذا أريد حملها ، ورحل بهذه السلالم المزرقنة يريد البصرة فلما قرب ~~منها أمهل إلى أن جن الليل ، وأمر بإخراج الأسنة وقد كانت وضعت في رمل كيلا ~~تصدأ فركبت على الرماح ، وفرق الجنن على أصحابه ، وحشيت الغرائز بالرمل ~~وحملت على الجمال وحملت أشياء من حديد قد أعدت لما يحتاج إليه ، ثم سار ~~بأصحابه إلى السور قبل الفجر ، فوضعوا السلالم وصعد عليها قوم من جلداء ~~أصحابه ، وتقدم إليهم من يتكلم من الموكلين بالأبواب ، ودفع للآخرين ما ~~أعده لكسر الأقفال ، وقد كان التواني وقع في أرزاق الموكلين على الأبواب ، ~~فتفرقوا للمعاش إلا بقية من المشايخ القدماء فإن أرزاقهم كانت جارية عليهم ~~، فصادفوا بعضهم هناك تلك الليلة فتسوروا ونزلوا ووضعوا السيف عليهم ، وجاء ~~الآخرون فكسروا الأقفال ودخل القرامطة ، فأول ما عملوا أن طرحوا الرمل ~~المحمول معهم في الأبواب نحو ذراع ، ليمنعوا غلقها إلا بتعب ، وساروا ونذل ~~بهم قوم فبادروا سبكا المفلحي وهو يومئذ الأمير فأعلموه ، فركب وقد طلع ~~الفجر ومعه بعض غلمانه فتلقوه وقتلوه ، وفزع الناس وركبت الخيل فقتل من ~~تسرع منهم ، وكانت العامة قد منعها السلطان أن تحمل سلاحا ، فاجتمعوا بغير ~~سلاح ومعهم الآجر ، وحضر سبك واجتمعت الجند ووقعت الحرب ، فأصابت القرامطة ~~جراحات والقتل في العامة كثير ، واستمر ذلك إلى آخر النهار واختلاط الظلام ~~، ثم خرج القرامطة وقد قتلوا من الناس مقتلة عظيمة إلى خارج البلد فباتوا ~~خارج الدرب ، وخرج الناس بعيالاتهم فركبوا السفن ، وباكر أبو طاهر البلد ~~فنزل دار عبد السلام الهاشمي ، وتفرق أصحابه في البلد يقتلون من وجدوا ~~وينهبون ما يجدون في المنازل ، ويحمل ذلك إلى موضع قد أمر بجمعه فيه . ~~PageV25P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" وحكى ابن الأثير في تاريخه الكامل : أن ~~دخولهم البصرة كان في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة ، وأنه وصل ~~إليها في ألف وسبعمائة رجل ، وأقام بها سبعة عشر يوما يحمل منها ما ms5865 يقدر ~~عليه من الأموال والأمتعة والنساء والصبيان ، وعاد إلى بلده . قال الشريف : ~~وتراجع الناس فاشتغلوا بدفن من قتل ، ولم يرد كثير منهم حريمه خوفا من عود ~~القرامطة ، قال : ولما اتصل خبر هذه الحادثة بالسلطان أنفذ ابن نفيس في عدة ~~وعدة فسكن الناس ، وولى البلد فشحن السور بالرجالة ، وتحرز الناس وأعدوا ~~السلاح ؛ قال : وكان أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان قد قلد أعمال الكوفة ~~وقصر ابن هبيرة والسواد وطريق مكة ، فجرى بينه وبين البوراني وقائع عظيمة ~~حتى ردهم عن عمله بشجاعته وإقدامه ، فعمرت البلاد وأمن الناس وصلحت الطرق ~~واستقام عز السلطان ، فوقف القرمطي من ذلك على ما هاله ، وكانت جواسيس أبي ~~طاهر لا تنقطع عن العراق في صور مختلفة ، واتصل به أن أبا الهيجاء يهون ~~أمره ويتمنى أن ينتدب لحربه ، فخاف ذلك ولم يأمنه . ذكر أخذ أبي طاهر الحاج ~~وأسره ابن حمدان وما كان من أمره في إطلاقه كانت هذه الحادثة في سنة ثنتى ~~عشرة وثلاثمائة ، وذلك أن أبا طاهر بن أبي سعيد الجنابي القرمطي أنفذ رجلا ~~من جواسيسه إلى مكة في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة ، وقد خرجت قوافل الحاج مع ~~أبي الهيجاء بن حمدان في تلك السنة ، فكان الجاسوس يقوم على المحجة فيقول : ~~يا معشر الناس ادعوا على القرمطي عدو الله وعدو الإسلام ، ويسأل عن أمير ~~الحاج وفي كم هو وكم أرزقهم ، ويسأل عمن خرج من التجار وما معهم من الأموال ~~، فكان ذلك دأبه حتى قضى الحج ، ثم خرج في أول النفر فأسرع إلى سواد باهلة ~~، ثم إلى اليمامة وصار إلى الأحساء في أيام يسيرة ، فأخبر سليمان القرمطي ~~بصورة الأمر ، فوجه سليمان من يثل الآبار بينه وبين لبنه وبعض آبار لبنه ~~ويسوى حياضها ، وورد بعض الأعراب إلى أبي الهيجاء - وهو بعيد ينتظر رجوع ~~الحاج وذلك في آخر ذي الحجة من السنة - فأخبره أن آبار PageV25P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" لبنه قد ثلت فاستراب بذلك ، وجاء بعض الأعراب ~~بجلة فيها قطعة من تمر هجر فتيقن أمر القرامطة ، فشغل ذلك قلبه ، وجاءه ما ~~لم ms5866 يقدره ولا ظنه فاضطرب من ذلك اضطرابا شديدا ، وورد حاتم الخراساني ~~بقافلة الحاج من مكة ثاني ذلك اليوم ، ومعه قافلة عظيمة ، فزاد ذلك في شغل ~~قلب لأبي الهيجاء لخوفه عليه ، ولم يظهر ذلك لحاتم ولا لغيره ثم ارتحل فلم ~~يعترض عليه ، فلما صار حاتم بالثعلبية أنهى إليه شيء من أخبار القرامطة ~~وأنهم بلبنه ، وكان القرمطي رحل من بلده في ستمائة فارس وألف راجل ، وسار ~~حاتم فاجتاز بالهبير ليلا فلم ينزله ، وسار حتى نزل الشقوق ، وأغذ السير ~~وسلمه الله ومن معه ، ونزلت بفيد قافلة أخرى من غد رحيل حاتم من الخراسانية ~~، ثم ساروا عنها حتى إذا كانوا بالهبير ظهر لهم أبو طاهر سليمان القرمطي ، ~~فقتل بعضهم وأفلت البعض حتى وردوا الكوفة ، فاشتد خوف الناس بالكوفة على ~~الحاج واضطربوا ، إلا أن نفوسهم قوية بمقام أبي الهيجاء بفيد ، وكان أبو ~~الهيجاء قد أنفذ رجلا طائيا يعرف له أخبار القرامطة ، يقال له مسبع بن ~~العيدروس من بني سنبس - وكان خبيرا بالبر ، وتقدم إليه أن يسرع إليه بالخبر ~~ويعدل عن الطريق ، ومعه جماعة قد أزاح عللهم في الرزق والمحمل ، فساروا حتى ~~قربوا من لبنه فنزل إليهم فارسان ، فركبوا خيولهم وتلقوهما فتطاردوا ، ~~وقصرا في الركض وهبطا واديا خلفهما وخرجا منه ، ولحقتهم الخيل فساروا على ~~أرض جدب ، فدفع عليهم نحو سبعين فارسا ، فلم ينته حتى طعنت فيهم وضربت ، ~~فرجع القوم على خيل مطرودة وخيول القرامطة مستريحة ، فبالغوا في دفعهم بكل ~~جهد فلم تك إلا ساعة حتى قتلوا جميعا ، وأسروا مسبعا دليل القوم فحملوه إلى ~~لبنه ، فسأله القرمطي وقال : إن صدقتني أطلقتك ، فلما أخبره أمر بحفظه ، ~~قال : ولم يمض لأبي الهيجاء يومان بعد إرسال الطليعة حتى وردت قوافل الحاج ~~وأصحاب السلطان معها ، وفيها من الوجوه أحمد بن بدر ، عم السيدة أم المقتدر ~~بالله ، وشفيع الخادم ، وفلفل الأسود صاحب خزانة السلطان ، وإسحاق بن عبد ~~الملك الهاشمي صاحب الموسم وغيرهم ، فأعلمهم أبو الهيجاء الخبر فأجالوا ~~الرأي ، فقال لهم : قد أنفذت رجالا أثق بهم طليعة ، وأخذت عليهم ألا يرجعوا ~~حتى يشربوا ms5867 من لبنه والصواب التوقف عن الرحيل لننظر ما يأتون به ، فعملوا ~~على ذلك وأقاموا بفيد ستة أيام ، ونزلت القافلة الوسطى فيد وكثر الناس وغلت ~~الأسعار ، ولم يقدروا على حشيش للعلف ولا خبز ، فضج الناس وأجمعوا على ~~الرحيل فرحلوا عن فيد يوم الأحد ، وخلف أبو الهيجاء PageV25P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" ابن أخيه علي بن الحسين بن حمدان بفيد ، في ~~خيل ينتظرون الحاج الذي مع قافلة الشمسة ؛ قال : وكان الحاج قبل ذلك يسيرون ~~قافلة بعد قافلة لكثرتهم ، ومن أراد أن يسير بعد الحاج سار ، ومن أراد أن ~~يتخلف ليعتمر في الحرم تخلف ، وكان الأمر يحملهم على ذلك فيسيرون قافلة بعد ~~قافلة ؛ قال : ثم وردت قافلة الشمسة فيد ، فجاءهم بعض التجار بخبر ما اتصل ~~بأبي الهيجاء ، وكان في القافلة أبو عيسى صالح ابن علي الهاشمي ، وجماعة من ~~العباسيين ، وأبو محمد بن الحسن ابن الحسين العلوي وعمر بن يحيى العلوي ~~وغيرهما من الطالبيين وتجار الكوفة ، فتجلت حقيقة الأخبار من أمر القرامطة ~~، فاجتمعوا في مضرب أبو عيسى وتشاوروا ، فاجتمع رأيهم على المقام بفيد إلى ~~أن ترتحل القافلة ، ثم ينظروا لأنفسهم في عرب يخرجون معهم إلى الكوفة ، ~~فأقام الناس بفيد يومهم ثم رحلوا بكرة ، فلما جاوزوا المنزل افتقد على ابن ~~الحسين بن حمدان من تخلف من القافلة ، فسأل عنهم فأخبر بتخلفهم فرجع إلى ~~فيد ومعه بعض أصحابه فاجتمع بهم ، وسألهم عن تخلفهم فقالوا بأجمعهم لا تحب ~~سلوك هذه الطرق ، ودافعوا عن الأخبار بسبب تخلفهم ، وقالوا له : أنت وعمك ~~بريان منا ، قال : اكتبوا إلى خطوطكم بذلك ، ففعلوا ، وانصرف فسار بالناس ~~فلما وصل إلى عمه أبي الهيجاء عرفه ذلك ، فلامه عليه وقال : وددت أن جميع ~~من ترى كان معهم ، قال : ولما سارت القافلة مع علي بن الحسين بن حمدان أحضر ~~هؤلاء الذين تخلفوا بفيد ابن نزار وابن توبة تاجرين من أهلها ، فعرفوهم ~~حاجتهم إلى من يسلك بهم إلى الكوفة على غير طريق الحاج ، فجمعوا لهم جماعة ~~من سنبس وتوصلوا بهم إلى بني زبيد من الطائيين ، ثم أخذوا ينزلون على ms5868 العرب ~~يقاتلون من قاتلهم ، ويصلون من استرفدهم ويبرون ويخلعون ، فسلمهم الله حتى ~~وردوا الكوفة ، وذلك بعد شدائد عظيمة وقتال في مواضع ، ولم يسلم من الحاج ~~غيرهم والقافلة الأولى التي كانت مع حاتم . لحسين بن حمدان من تخلف من ~~القافلة ، فسأل عنهم فأخبر بتخلفهم فرجع إلى فيد ومعه بعض أصحابه فاجتمع ~~بهم ، وسألهم عن تخلفهم فقالوا بأجمعهم لا تحب سلوك هذه الطرق ، ودافعوا عن ~~الأخبار بسبب تخلفهم ، وقالوا له : أنت وعمك بريان منا ، قال : اكتبوا إلى ~~خطوطكم بذلك ، ففعلوا ، وانصرف فسار بالناس فلما وصل إلى عمه أبي الهيجاء ~~عرفه ذلك ، فلامه عليه وقال : وددت أن جميع من ترى كان معهم ، قال : ولما ~~سارت القافلة مع علي بن الحسين بن حمدان أحضر هؤلاء الذين تخلفوا بفيد ابن ~~نزار وابن توبة تاجرين من أهلها ، فعرفوهم حاجتهم إلى من يسلك بهم إلى ~~الكوفة على غير طريق الحاج ، فجمعوا لهم جماعة من سنبس وتوصلوا بهم إلى بني ~~زبيد من الطائيين ، ثم أخذوا ينزلون على العرب يقاتلون من قاتلهم ، ويصلون ~~من استرفدهم ويبرون ويخلعون ، فسلمهم الله حتى وردوا الكوفة ، وذلك بعد ~~شدائد عظيمة وقتال في مواضع ، ولم يسلم من الحاج غيرهم والقافلة الأولى ~~التي كانت مع حاتم . قال : ولما وصل علي بن الحسين بن حمدان إلى عمه أبي ~~الهيجاء اجتمعت القوافل ، وكثر الناس ، وتجلى لهم خبر القرامطة وصح ، فسار ~~أبو الهيجاء بالناس إلى PageV25P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" الخزيمية ثم إلى الثعلبية ، ثم ساروا يريدون ~~البطان ، واجتمع الناس من أصحاب السلطان والرؤساء فتشاوروا ، فلم يدع ~~الأمير أبو الهيجاء الاستعاثة بالقوم يقول : ارجعوا ودعوني ألقي القرامطة ~~في أصحابي ، فإن أصبت فمعكم من تسيرون معه ، وإلا فامضوا إلى وادي القرى أو ~~المدينة أو غير ذلك ، وإن ظفرت وجهت إليكم فعدتم وقد زال المحذور ، ولم يزل ~~يردد عليهم هذا القول من الأجفر إلى الثعلبية ، فمنهم من أجاب ومنهم من أبى ~~ذلك وقال : لا نفترق ، وكان أحمد بن بدر عم السيدة ممن أبى ذلك وصمم على ~~الملازمة ، فعمل ابن حمدان بما أرادوه ms5869 دون رأيه ، وبات الناس على أميال ~~بقيت من البطان والأحمال على ظهور الجمال ، وذلك ليلة الأحد لأيام خلت من ~~صفر ، فلما أضاء لهم الفجر ارتحلوا ، وقدم أبو الهيجاء ستمائة راجل من ~~الأولياء ، كان السلطان أبعدهم لكثرة شغبهم ببغداد فكانوا بين يدي القوافل ~~، وقارب بين القطر ودخل بعض الناس في بعض ، وتقدم نزار بن محمد الضبي فكان ~~في أول القافلة في أصحابه خلف الرجالة ، وسار أبو الهيجاء في التغالبة ~~والعجم في ميمنة القافلة ، وألزم الساقة وميسرة القافلة جماعة من الأولياء ~~مع بعض الأمراء ، واحتاط بكل ما أمكن ، وسار فلما أضحى النهار أقبلت عليهم ~~خيل القرامطة ، والقافلة في نهاية العظم جدا ، فكان أول من لقيهم رجالة أبي ~~الهيجاء ، فحملت القرامطة عليهم فخالطوهم فقتلوا جميعا إلا نحوا من عشرين ~~رجلا ، وحمل نزار في جيشه فضارب بعض خيل القرامطة بالسيوف ساعة ، فلحقته ~~ضربة فهوى إلى الأرض واعتنق فرسه ، ومضى نحو المشرق وتبعه بقية أصحابه ، ~~فاستقاموا حتى وصلوا إلى زبالة وساروا إلى الكوفة ، فلما سمع الأمير أبو ~~الهيجاء الصوت وعرف الخبر وكان في آخر القافلة أسرع في خيله نحو أول ~~القافلة ، فوجد الأمر قد فاته بقتل من كان أمامها ، وقويت القرامطة على ~~حربه ووجد الحاج قد أخذوا يمنة ويسرة ، فحمل على القرامطة فاستقبلوه فقتل ~~جماعة من أهل بيته صبروا معه ، وانهزم وضرب على رأسه ضربة لم تضره إلا أنه ~~قد نزف منها ، وأخذ أسيرا ونزل أبو طاهر القرمطي على غلوتين من القافلة ، ~~ورجالته نحو من ستمائة على المطى فأنفذهم وفرسانا من فرسانه فأحاطوا ~~PageV25P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" بالقافلة ، ومنعوا الناس من الهرب ، وكان قد ~~هرب خلق منهم في وقت القتال ، فتلف كثير منهم في الطريق عطشا وأخذ بعضهم ~~الأعراب فسلبوهم ، وسلم قوم منهم إلى زبالة وساروا إلى الكوفة ، وأتى بأبي ~~الهيجاء إلى سليمان فلما نظر إليه تضاحك ، وقال : قد جئناك عبد الله ولم ~~نكلفك قصدنا ، فتلطف له أبو الهيجاء بفضل عقله ودهائه وسعة حيلته وقوة نفسه ~~، وألان له القول حتى أنس به ، فاستأمنه على نفسه فأمنه ms5870 فخلص بذلك ناسا ~~كثيرا ، وعمل في سلامة كثير من الحاج عملا كثيرا ، ثم أمر القرمطي بتمييز ~~الحاج وإخراجهم من القوافل ، وعزل الجمالين والصناع ناحية فظنوا أنه إنما ~~أخرجهم للقتل فارتاعوا لذلك ، وكانوا قد عطشوا عطشا شديدا ، فلما جنهم ~~الليل ضجر الموكلون منهم ، فأخذوا ما معهم وخلوهم ، فورد من ورد منهم ~~الكوفة بشر حال متورمي الأقدام في صور الموتى ، ورحل أبو طاهر من الغد بعد ~~أن أخذ من أبي الهيجاء وحده نحوا من عشرين ألف دينار من الأموال التي لا ~~تحصى كثرة ، وقدم كثير من الناس بخبر أبي الهيجاء ، وأنه راكب مع القرامطة ~~يدور معهم ويسأل في خلاص أسري كانوا معه ، منهم أحمد بن بدر عم السيدة ~~وفلفل الأسود وأحمد بن كشمرد وتحرير الخادم صاحب الشمسة وبدر الطائي وأخوه ~~وغيرهم . قال : وزادت غلبة أبي طاهر لأصحابه فتنة ، وعظموا أمره وسلب ~~عقولهم حتى قالوا فيه أقوالا مختلفة بحسب جهلهم ، قال : ولما مضى لأبي ~~الهيجاء شهور وهو عندهم أخذ يحتال في الخلاص ، فمرة يعرض به ومرة يفصح به ~~حتى أنس القرمطي بذلك وأجابه إليه ، فسأله في ابن كشمرد وقال : هو ضعيف ~~لكبره وعلته ، وهذا الخادم الأسود ممن لا يضر السلطان فقده ولا ينفعه ~~إطلاقه ، وكلمه في أحمد بن بدر فامتنع عليه ، فضمن له عشرين ألف دينار ~~وبزاة وفهودا وعبدانا وثيابا ، فاستحلفه وضمنه ، وتخلص منه ناس كثير من ~~الحاج ، وأطلقه ، وصار إلى بغداد فتباشر الناس بذلك وابتهجوا به . ذكر دخول ~~أبي طاهر الكوفة والعراق ورجوعه كان أبو طاهر قد كتب إلى الخليفة المقتدر ~~بالله - بعد إطلاق أبي الهيجاء بن حمدان - يطلب منه البصرة والأهواز ، فلم ~~يجبه إلى ذلك ، فسار من هجر في سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة يريد الحاج عند ~~توجههم إلى الحجاز ، وكان جعفر بن ورقاء الشيباني يتقلد أعمال الكوفة وطريق ~~مكة ، فسار مع الحاج خوفا عليهم من أبي طاهر ، ومعه ألف رجل من بني شيبان ، ~~وسار مع الحجاج من أصحاب السلطان ثمل صاحب PageV25P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" البحر وغيره في ستة آلاف رجل ، فلقي ms5871 أبو طاهر ~~الجيش فانهزموا منه ، وردت القافلة الأولى هم وعسكر الخليفة بعد أن انحدروا ~~من العقبة ، وتبعهم أبو طاهر إلى باب الكوفة وبها يومئذ جنى الصفواني ، كان ~~الخليفة قد أنفذه في جيش عظيم إلى الكوفة ، وبها أيضا ثمل في جيش عظيم ، ~~وأقبل أبو طاهر حتى نزل بظاهر الكوفة في يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ~~ذي العقدة ، وأقبل جنى إلى خندق الكوفة في عشية هذا اليوم ، وأهل البلد ~~والعامة منتشرون على الخندق ، وجعفر بن ورقاء في بني شيبان نازل على ~~القنطرة التي على الخندق مما يلي دور بني العباس ، ونمل على القنطرة التي ~~تليها ، وجنى مما يلي ذلك من ناحية يمنة الكوفة ، فناوشه الناس ، وخرج أبو ~~محمد الحسن بن يحيى بن عمر العلوي فطارد بعض فرسانه ، وانكفأ أبو طاهر ~~راجعا ، وبات الناس على تلك الحال وقد قوى الطمع فيه ، فلما كان الليل ورد ~~كتاب السلطان يخاطب أبا محمد بن ورقاء في تدبير الجيش ، فعمل على لقاء جنى ~~الخادم ليعرفه ذلك ، فأشير عليه ألا يفعل فأبى ذلك ، ثم ركب يعرف جنيا ما ~~كتب به إليه ، فأنف جنى أن يكون تابعا وأسر ذلك في نفسه ، وباكرهم القرمطي ~~بالقتال بعد أن أضحى النهار ، فدخلت الرجالة وراء الفرسان بجيش خرس عن ~~الكلام صمت وحركات خفية ، والبارقة فيهم ظاهرة في ضوء الشمس ، وهم يزفون ~~عسكرهم زفا ، حتى إذا وصلوا إلى عسكر السلطان مالوا على جيش ابن ورقاء وهو ~~في مسيرة الناس ، فما تمهل بنو شيبان حتى انهزموا راجعين ، فعبروا القنطرة ~~التي على الخندق إلى جانب الكوفة وتبعوهم ، فصاروا من وراء جنى وثمل فوضعوا ~~السيف في الناس ، وجنى جالس قبل ذلك على كرسي حديد يبين أنه لا يقاتل وكأنه ~~يريد قتاله بعد الناس فأسروه ، وقاتله ثمل وقاومه وهو منهزم على محاملة ~~ومدافعة ، إلى أن تخلص وسلم جعفر بن ورقاء وكثير من أصحابه ، وقتل كثير من ~~العامة وغيرهم في الطرقات ، ووصل أبو طاهر إلى البلد فرفع السيف ونهب منازل ~~الناس ، وأقام بالكوفة ستة أيام بظاهرها يدخل ms5872 البلد نهارا ويقيم بجامعها ~~إلى الليل ، ثم يخرج فيبيت بعسكره ، وحمل منها ما قدر على حمله ، ودخل ~~المنهزمون بغداد ولم يحجوا في هذه السنة ، وخاف أهل بغداد وانتقل الناس إلى ~~الجانب الشرقي . قال : ورحل أبو طاهر عن الكوفة في يوم الاثنين لعشر بقين ~~من ذي العقدة وقتل يوم دخوله أبو موسى العباسي صاحب صلاة الكوفة ورحل مؤنس ~~المظفر من PageV25P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" بغداد بجيش السلطان عند اتصال الأخبار ببغداد ~~، فسار منهم حتى دخل الكوفة ، فكان وصوله إليها بعد رحيل القرامطة عنها ، ~~فأقام بها ثلاثة أيام ثم رحل عنها ، ثم عاد القرمطي في سنة خمس عشرة . ذكر ~~دخول أبي طاهر القرمطي إلى العراق وقتل يوسف بن أبي الساج قال : و في سنة ~~خمس عشرة وثلاثمائة سار أبو طاهر من هجر إلى الكوفة ، وكان المقتدر بالله ~~قد استعمل يوسف بن أبي الساج على حرب القرامطة ، فاستصعب ابن أبي الساج ~~المسير إلى بلد القرامطة ، ثقل مسيره في أرض قفر لكثرة من معه من العساكر ، ~~فاحتال على أبي طاهر وكتب إليه وأطمعه في بغداد ، وأظهر له الموطأة والتزم ~~بمعاضدته فغزه بذلك ، حتى رحل بعيال وحشم واتباع وصبية ، وجيشه على أقوى ~~عدة تمكنه ، وأقبل يريد الكوفة وعميت أخباره عن أهلها ، إنما هي أراجيف ، ~~ورحل يوسف بن أبي الساج بجيشه من واسط يريد الكوفة ، فسبقه أبو طاهر إليها ~~ودخلها في يوم الخميس لسبع خلون من شوال من هذه السنة ، وأخذ ما يحتاج إليه ~~ونزل عسكره خارج الكوفة ما بين الحيرة إلى نهاية الخورنق ، وأقبلت جيوش ابن ~~أبي الساج تسيل من كل وجه على غير تعبئة ، وأقبل هو في جيشه ورجاله حتى نزل ~~في غربي الفرات ، وعقد عليه جسرا محاذيا لأبي طاهر ، وعبر إليه مستهينا ~~بأمره مستحقرا له لا يرى أنه يقوم به ، وذلك في يوم الجمعة ، فأرسل إلى أبي ~~طاهر يدعوه إلى طاعة الخليفة المقتدر بالله أو الحرب في يوم الأحد ، فقال : ~~لا طاعة إلا لله والحرب غدا ، فلما كان في يوم السبت لتسع خلون من ms5873 شوال سنة ~~خمس عشرة التقوا واقتتلوا قتالا شديدا عامة النهار ، وكثير من عسكر ابن أبي ~~الساج لم يستتم نزوله ، وهو جيش يضيق عنه موضعه ولا يملك تدبيره ، وقد تفرق ~~عنه عسكره تفرقا منتشرا في فراسخ كثيرة ، وركبوا من نهب القرى وأذى الناس ~~وإظهار الفجور ما تمنى كثير من الناس هلاكهم . قال الشريف أبو الحسين : ~~ولما لقيه بظهر الكوفة ما بين الحيرة والخورنق والنهرين من الفرات اتفق له ~~تلول وأنهار وموضع يضيق عن جيشه ولا يتمكن معه الإشراف عليه ، فقدم بين ~~يديه رجالة بالرماح والتراس مع قائد يعرف بابن الزرنيخى ، فأقبل القرمطي ~~نحوه في أربعة آلاف فقاومته PageV25P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" الرجالة طويلا ، ثم دخلتها الخيل وتعطفت ~~عليها واضطرب الناس فوضع فيهم السيف ؛ قال الشريف : وأخبرني بعض الجند قال ~~: كنت والله قبل الهزيمة أريد أن أضرب دابتي بالسوط فلا يمكنني ذلك لضيق ~~الموضع ، ووصل كثير من عسكر القرمطي إلى ابن أبي الساج في مصافة على أتم ~~عدة ، فلما التقوا اقتتلوا كأعظم قتال شوهد ، وكثرت القتلى والجراح في ~~القرامطة جدا وقتل رجاله ابن الساج ، وخلص إليه فانهزم الناس وقتلوا قتلا ~~ذريعا ، حتى صاروا في بساط واحد نحو فرسخين أو أرجح ، فلما كان عند غروب ~~الشمس انهزم أصحاب ابن أبي الساج بعد صبر عظيم ، وأسر هو وجماعة كثيرة من ~~أصحابه ، وذلك في وقت المغرب من يوم السبت ، فوكل به أبو طاهر طبيبا يعالج ~~جراحه ، واحتوى القرامطة على عسكر ابن أبي الساج ، ولم تكن فيهم قوة على ~~جمع ما فيه لضعفهم وكل من قتل منهم ، فمكث أهل السواد من الأكرة وغيرهم ~~ينهبون القتلى نحو أربعين يوما ، ووصل المنهزمون إلى بغداد بأسوأ حال ، ~~فخاف الخاص والعام ببغداد من القرامطة ، وكان أبو طاهر القرمطي يظن أن ~~مؤنسا المظفر لا يتأخر عن حربه ، وكان على وجل منه ، فلما لم يخرج إليه ~~اشتد طمعه وظن أنه لا يلقاه أحد ولا يقاومه ، وأن ما كان قد خدع به من أن ~~ببغداد من يظاهره على أمره ، وينتظر وصوله إليه من الرؤساء ms5874 - حق ، فخرج ~~يريد بغداد ، فلما قرب من نواحي الأنبار وقصر ابن هبيرة ونزل بسواده وكل ~~بهم جندا ليست بالكثير ، وركب في جيشه فوافى الأنبار واحتال إلى أن عبر ~~الفرات وصار من الجانب الغربي ، وتوجه بين الفرات ودجلة يريد مدينة السلام ~~، وعرف الناس ذلك فكثر اضطرابهم وجزعهم ، فبرز مؤنس المظفر الخادم من بغداد ~~للمسير إلى الكوفة ، فبلغه أن القرامطة قد ساروا إلى عين التمر ، فأرسل من ~~بغداد خمسمائة سمارية فيها المقاتلة لتمنع من عبور الفرات ، وسير جماعة من ~~الجيش لحفظ الأنبار ، وقصد القرامطة الأنبار فقطع أهلها الجسور ، فنزلوا ~~غرب الفرات وأنفذ أبو طاهر أصحابه إلى الحديثة ، فأتوه بسفن فعبر فيها ~~ثلاثمائة من القرامطة ، فقاتلوا عسكر الخليفة وقتلوا منهم جماعة واستولوا ~~على الأنبار ؛ قال : ولما ورد الخبر بذلك إلى بغداد خرج نصر الحاجب في عسكر ~~جرار ، ولحق بمؤنس المظفر فاجتمعا في نيف وأربعين ألفا سوى الغلمان ومن ~~يريد النهب ، وكان في العسكر أبو الهيجاء بن حمدان وأخوته وأصحابهم ، فلما ~~أشرف القرامطة على عسكر الخليفة هرب منه خلق كثير إلى بغداد من غير قتال ؛ ~~قال ابن الأثير : كان عسكر القرامطة ألف فارس وسبعمائة فارس وثمانمائة راجل ~~؛ قال : وقيل كانوا ألفين وسبعمائة فارس . ال ؛ قال ابن الأثير : كان عسكر ~~القرامطة ألف فارس وسبعمائة فارس وثمانمائة راجل ؛ قال : وقيل كانوا ألفين ~~وسبعمائة فارس . PageV25P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" قال الشريف : وسار مؤنس المظفر حتى نازل ~~القرامطة على قنطرة نهر زبارا ، على نحو ثلاثة فراسخ من بغداد ، وشحن ~~الموضع بالجيش ، وأشار أبو الهيجاء بن حمدان بقطع القنطرة خوفا من عبور ~~القرمطي ، وإن اتفق أدنى جولة مع امتلاء صدور الجيش من القرامطة فلا يملك ~~البلد لشدة اضطرابه وكثرة أهله ، ففعل مؤنس ذلك وقطعها وقاتل عليها نفر من ~~القرامطة قتالا شديدا ، لا يمنعهم كثرة النشاب ولا غيره ، وشحن مؤنس الفرات ~~ما بين بغداد إلى الأنبار بسماريات ، فيها رماة ناشبة تمنع أحدا من ~~القرامطة من شرب الماء إلا بجهد ، فضلا عن تمكن من العبور ، وكان أحد من ~~نصب لذلك إسحاق بن ms5875 إبراهيم بن ورقاء ، وكان شيخا ذا دين وبصيرة ونية في ~~الخير ، فأقام على حصاره لأبي طاهر وكان لا يقدر على مذهب لا إلى وجهه ولا ~~إلى جوانبه ، ومتى دنا من الماء أخذته السهام ؛ قال الشريف : فحدثني من حصر ~~يومئذ وقد ورد كتاب المقتدر بالله ، يأمر مؤنسا بمعاجلته القتال ويذكر ما ~~لزم من الأموال إلى وقت وصوله ، فكتب مؤنس كتابا ظاهرا - جواب كتاب الخليفة ~~- يمليه على كاتبه والناس يسمعون ، يقول : إن في مقامنا ، أطال الله بقاء ~~مولانا نفقة المال ، وفي لقائنا نفقة الرجال ، ونحن اخترنا نفقة المال على ~~نفقة الرجال ، قال : ثم أنفذ المظفر مؤنس رسولا إلى القرمطي يقول : ويلك ~~تظن أنني كمن لقيك ، أبرز لك رجالي والله ما يسرني أن أظفر بقتل بك رجل ~~مسلم من أصحابي ، ولكنني أطاولك وأمنعك مأكولا ومشروبا حتى آخذك أخذا بيدي ~~إن شاء الله ؛ قال : وأنفذ المظفر حاجيه يلبق في ستة آلاف مقاتل إلى ~~القرامطة ، الذين بقصر ابن هبيرة مع سواده ، ليوقعوا بهم ويخلصوا يوسف بن ~~أبي الساج ، فعلم أبو طاهر بذلك فاضطرب واجتهد في عبور الفرات فعجز . ثم ~~اتفق له طوف حطب فعبر عليه في نفر يسير ، وصار إلى سواده الذي خلفه ، وجاءه ~~يلبق فواقعه أبو طاهر في نفر يسير ، فكر يلبق راجعا منهزما وسلم السواد ~~وذلك بعد قتال شديد . ونظر أبو طاهر إلى ابن أبي الساج - وقد خرج من الخيمة ~~، ينظر ويرجو الخلاص ، وقد ناداه أصحابه : أبشر بالفرج ، فلما تمت الهزيمة ~~أحضره أبو طاهر وقتله وقتل من معه من الأسرى ، وقصد القرامطة مدينة هيت ~~وكان المقتدر قد سير إليها PageV25P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" سعيد بن حمدان وهارون بن غريب ، فسبقوا ~~القرامطة إليها وقاتلوهم عند السور ، فقتل من القرامطة جماعة فعادوا عنها ، ~~فرجع مؤنس إلى بغداد وسار أبو طاهر إلى الدالية من طريق الفرات ، فقتل من ~~أهلها جماعة ثم سار إلى الرحبة فدخلها في ثامن عشر المحرم سنة ست عشرة ~~وثلاثمائة ، بعد أن حاربه أهلها فظفر بهم ووضع السيف فيهم ، فراسله أهل ~~قرقيسيا يطلبون الأمان ms5876 فأمنهم على ألا يظهر أحد منهم بالنهار ، فأجابوا إلى ~~ذلك ، وخافه الأعراب وهربوا من بين يديه ، فقرر عليهم أتاوة عن كل رأس ~~دينار يحملونه إلى هجر ، ثم صعد من الرحبة إلى الرقة فدخل أصحابه إلى ~~نصيبين ، وقتلوا بها ثلاثين رجلا وقتل من القرامطة جماعة ، وقاتلوا ثلاثة ~~أيام ثم انصرفوا في آخر ربيع الأول ، وساروا إلى سنجار ونهبوا فطلب أهل ~~سنجار الأمان فأمنهم ، ثم عاد إلى الرحبة ، ووصل مؤنس إلى الرقة بعد انصراف ~~القرامطة عنها ، فاحتال مؤنس في إرسال زواريق فيها فاكهة قد جعل فيها سموما ~~قاتلة ، فكانت القرامطة يلقونها فيأخذونها ، فمات كثير منهم وضعفت أبدان ~~بعضهم ، وجهدوا وكثر فيهم الذرب فكروا راجعين وهم قليلو الظهر مرضى ، فلما ~~بلغوا هيت قاتلهم أهلها من وراء السور ، فقتلوا منهم رئيسا كبيرا وانصرفوا ~~عنها مفلولين . ثم رحل أبو طاهر فدخل قصر ابن هبيرة فنهب وقتل ، ثم دخل ~~الكوفة على حال ضعف وعلل وجراحات ، وأصحابه على ظهور حمر أهل السواد ، وكان ~~دخوله إليها يوم الجمعة لثلاث ليال خلت من شهر رمضان سنة ست عشرة وثلاثمائة ~~، فأقام بها إلى مستهل ذي الحجة من السنة ، ولم يقتل في البلد ولا نهب ، ~~وساس أهل الكوفة أمرهم مع القرامطة ، ورحل أبو طاهر عن الكوفة في ذي الحجة ~~سنة ست عشرة وثلاثمائة . ذكر أخبار من ظهر من بسواد العراق في أثناء وقائع ~~أبي طاهر الجنابي قال ابن الأثير والشريف أبو الحسين - وقد لخصت من ~~روايتيهما ما أورده ، ودخل خبر بعضهم في خبر بعض - ولما كان من أمر أبي ~~طاهر في سنة ست عشرة PageV25P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" وثلاثمائة ما قدمناه ، اجتمع بالسواد ممن ~~يعتقد مذهت القرامطة وكان يكتمه خوفا فظهروا واجتمع منهم بسواد واسط أكثر ~~من عشرة آلاف ، وولوا عليهم رجلا يسمى حريث بن مسعود ، فخرج إليه الأمير ~~بواسط فنام عسكره في بعض المواضع ، فكسبه القرامطة فقتلوا منهم خلقا ، ~~واستولوا على سائر ما حواه العسكر من السلاح وغيره فقوى أمرهم ؛ واجتمعت ~~طائفة أخرى بعين التمر في جمع كثير ، فولوا عليهم رجلا ms5877 يسمى عيسى ابن موسى ~~، وكانوا يدعون إلى المهدي ، فسار عيسى بن موسى إلى الكوفة ونزل بظاهرها ، ~~وجيى الخراج وصرف العمال عن السواد وكان والي الكوفة قد هرب منها قبل ~~دخولهم ، ووجهوا إلى جميع السواد من يطالبهم بالرحيل إليهم ، فخرج إليهم من ~~بين راغب وراهب ، ففرقوا العمال في الطساسيج ، وولوا المعاون لقوم من وجوه ~~عشائرهم ، وولوا ابن أبي البوادي الكوفي خراج الكوفة ، ونصبوا بعض بني ~~ربيعة واليا لحربها ، وأقاموا في البلد أياما وراحوا إلى الجمعة بأجمعهم ، ~~وأقاموا أبا العيث بن عبدة خطيبا ، وأحدثوا في الأذان ما لم يكن فيه ، فركب ~~إليهم أبو علي عمر بن يحيى العلوي وعيسى ابن موسى نازل على شط الفرات في ~~بعض الأيام ، فأظهروا الاستطالة على أبي علي بن يحيى وانقصوا رتبته ، وأقيم ~~وحجب أوقاتا طويلة ، فخرج أبو علي إلى السلطان وذكر له صورة أمر القوم ، ~~وقرر في نفسه أخذهم ، فأنفذ السلطان معه صافي النصرى في جيش وضمن أبو علي ~~معاونته ، وكان هؤلاء قد خرجوا من الكوفة وخلفوا واليهم عليها وصاحب خراجهم ~~، وقصدوا موضعا يعرف بالجامع وما يليه فنهبوا واستباحوا ، ووثب أهل الكوفة ~~بعد خروجهم على من خلفوه عندهم ، فقتلوا منهم جماعة وأخرجوا من بقي ، واتصل ~~الخبر بالقرامطة فأنكفأوا راجعين يريدون الكوفة ليقاتلوا أهلها ، فاجتمع ~~الناس وحملوا السلاح وحفظوا البلد وطافوا به ليلا ونهارا مدة أيام ، وجاءت ~~القرامطة فنزلوا على الكوفة ولم يكن لهم فيها مطمع فساروا إلى سورا ، وقدم ~~أبو علي العلوي وصافي النصرى من بغداد ، فواقعوهم على نهر بقرب اجهاباذ ~~يعرف بنهر المجوس ، فلم يكن بينهم كبير قتال حتى هزمهم الله تعالى ، فقتل ~~منهم ما لا يحصى وغرق منهم قوم وهرب الباقون ، وتفرقوا وأسر عيسى بن موسى ~~وخلق كثير معه وأعمى كان من دعاتهم كان يقول الشعر يعرف بأبي الحسن الخصيبي ~~، ودار أبو علي في السواد فتلقط منهم قوما ، فسكن البلد وتفرق ذلك الجمع ~~ولم يبق بقية قائمة ، وحملت الأسرى والرؤوس إلى بغداد فقتل PageV25P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" الأسرى بباب الكناسة وصلبوا هناك ، وحبس عيسى ~~بن ms5878 موسى ثم تخلص بغفلة السلطان وحدوث ما حدث من اضطراب الجيش وكثرة الفتن ~~في آخر أيام المقتدر ، فأقام ببغداد يدعو ويتوصل إلى ناس استغرهم ، ويعمل ~~كتبا فيها ما يأخذه من كتب يشتريها من الوراقين ، يمخرق فيها بذكر أمور ~~ينسخها ويوهم أن له بذلك علما ، ورتب كتبا ينسبها إلى عبدان الداعي ، ليوهم ~~أن عبدان كان أحد العلماء بكل فلسفة وغيرها ، وأنه يعلم ما يكون قبل كونه ، ~~ومخرق بجهده على جهال فصاروا له أتباعا ، وأفسد فسادا عظيما ، قال الشريف : ~~وادعى خلافته من مخرق بعده إلى الآن . وحكى ابن الأثير في تاريخه الكامل : ~~أن الخليفة المقتدر بالله أرسل إلى حريث بن مسعود ، هارون بن غريب وإلى ~~عيسى بن موسى صافي النصرى ، فأوقعوا بهم وانهزمت القرامطة وقتل أكثرهم ~~وأسروا وأخذت أعلامهم وكانت بيضاء وعليها مكتوب ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين فدخلت بغداد منكوسة ، ~~وأضمحل أمر القرامطة بالسواد . نعود إلى أخبار أبي طاهر . ذكر مسير أبي ~~طاهر إلى مكة ونهبها وأخذ الحجر الأسود وإعادته وما كان من أخباره في خلال ~~ذلك وفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة حج بالناس منصور الديلمي ، وسلموا في ~~مسيرهم حتى أتوا مكة ، فوافاهم أبو طاهر القرمطي بمكة يوم التروية ، وهو ~~يوم الاثنين لثمان خلون من ذي الحجة ، فنهب هو وأصحابه أموال الحجاج ~~وقتلوهم حتى في المسجد الحرام والبيت ، وقلعوا الحجر الأسود وأنفذوه إلى ~~هجر ، وأخذوا كسوة الكعبة وباب البيت ، وطلع رجل منهم ليقلع الميزاب فسقط ~~فمات ، وخرج لأمير مكة ابن مجلب في جماعة من الأشراف إلى أبي طاهر ، وسألوه ~~في أموالهم فلم يشفعهم فقاتلوه فقتلهم جميعا وطرح القتلى في بئر زمزم ، ~~ودفن الناس في المسجد الحرام حيث قتلوا من غير غسل ولا كفن ولا صلاة على ~~أحد منهم ، ونهب دور أهل مكة ، قال الشريف أبو الحسين : ولما نهب القرامطة ~~مكة ورجع أبو طاهر إلى بلده لحقه كد شديد عند خروجه من مكة ، وحاصرته هذيل ~~فأشرف على الهلكة إلى أن عدل به دليل من الطريق ms5879 المعروف إلى غيره ، فوصل ~~إلى بلده بعد ذلك في المحرم سنة ثماني PageV25P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" عشرة وثلاثمائة ، فأقام به ثم سار إلى الكوفة ~~فدخلها في شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة ، فاشتروا منها أمتعة وأسروا ~~خلقا من السواد ، وعاثوا ورجعوا بعد خمسين يوما إلى بلدهم ، فأقاموا به . ~~وأنفذ أبوطاهر سرية إلى جنابه وسينيز ومهروبان في البحر ، فيها وجوه أصحابه ~~في نحو أربعين مركبا ، فوافت ساحل سينيز فصعدوا من المراكب ، فحملوا على ~~أهلها حملة واحدة فانكشف الناس عنهم ، فوضعوا فيهم السيف فما لقوا أحدا إلا ~~قتلوه من رجل وامرأة ، فما نجا إلا من لحق بالجبال وسبوا النساء ، فترك ~~الناس الديار وخرجوا يريدون الهرب ، فنادى أبو بكر الطرازي في الناس : لا ~~بهرب أحد ، فإنا نقاتل من ورد إلينا ، وضرب بالبوق ووجه من حبس الناس عن ~~سلوك الطرقات وردهم إلى البلد ، وجمع الناس بالمسجد الجامع ورغبهم في ~~الجهاد وأسعفهم بماله ، ورغبت المتطوعة في الاجتماع فقويت قلوب الناس ، ~~وأنفذ أبو بكر سرية من وقته من خاصة غلمانه في نحو ثلاثمائة رجل في البحر ، ~~ووجه سرية أخرى في البر ، وأنفذ إلى مهروبان يخبر أنه على لقاء العدو ، ~~وسألهم الإنجاد في المراكب لمعاونة أهل جنابه على قتال القرامطة ، فساروا ~~والتقى الفريقان في البر والبحر من أهل جنابه وسينيز ، ووافت قوارب مهروبان ~~فأشعلوا النيران في القوارب ، فأحرقوا بعضها وتخلص منهم نحو عشرين قاربا ، ~~وانتشبت الحرب فقتل الله منهم خلقا كثيرا ، وأسر جماعة ولحق بعضهم بالجبال ~~، وورد على أبي بكر الطرازي من أخبره بذلك ، فجمع الناس وغدا نحو الجبال ، ~~وأرسل فارسا إلى من بسينيز من أصحابه أن يلحقوا به ، وأنفذ إلى جنابه ألا ~~يتخلف عنه من فيه حراك ، لتكون الوقعة بهم من كل وجه ، فوافوا المنهزمين من ~~القرامطة في بعض كهوف الجبال ، وذلك في يوم الأربعاء فلما رأوا الناس قد ~~أقبلوا نحوهم كسروا جفون سيوفهم ، وحملوا عليهم فثبتوا لهم ، ولم نزل الحرب ~~قائمة بينهم يوم الأربعاء والخميس إلى نصف النهار ، ثم نادى أبو بكر ~~الطرازى ، من جاء برأس ms5880 فله خمسون درهما ، فتنادى الناس بالشهادة وجدوا ~~ونشطوا ، وقتلوا خلقا كثيرا وأخذوا جميع من بقي أسرى ، وحملوا مشهرين ~~والناس يكثرون حمد الله عز وجل والثناء عليه ، ولم يفلت منهم أحد . ~~PageV25P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" وكتب الناس محضرا أنفذوه إلى بغداد ، وحملت ~~الأسرى والرؤوس معه ، قال الشريف : ونسخه المحضر : " بسم الله الرحمن ~~الرحيم " - حضر من وقع بخطه وشهادته آخر هذا الكتاب المحضر ، وقد حضر عندهم ~~ثلاثة من القرامطة - لعنهم الله - ذكر أحدهم أنه يقال له - سيار بن عمر بن ~~سيار ، والآخر ذكر أنه يقال له - علي بن محمد بن عمر ، والآخر ذكر أنه يعرف ~~بأحمد ابن غالب بن جعفر الأحساوى ، فذكروا أنهم متى نفذ رسولهم إلى صاحبهم ~~سليمان بن الحسن القرمطي رد الحجر والشمسة وكسوة البيت وأطلق الأسارى الذين ~~في قبضته ، وهادن السلطان وارتدع عن السعي بالفساد والقطع على الحاج ، ولم ~~يحفزهم ولم يعترض عليهم ، ويقول هؤلاء النفر من جملة الأسرى الذين في يد ~~محمد بن علي الطرازى - وهم الذين ظفر الله بهم - فمتى ما وفي سليمان بن ~~الحسن القرمطي بما بذلوه عنه أفرج السلطان عنهم وردهم إليه ، وذلك في يوم ~~الجمعة لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ، وأسفل ذلك ~~خطوط أهل البلد بالشهادة . وأحضر سيار بن عمر بن سيار وعلي بن محمد بن عمر ~~المعروف بأبي الهذيل بن المهلب وأحمد العيار ، وهم من جملة الأسرى في ~~الوقعتين بسينيز وجنابه ، فعرض عليهم رؤوس أصحابهم ممن قتل من القرامطة ، ~~ليعرفوا بأسمائهم وأنسابهم فذكروا نحو المائة رأس ، ومن الأسرى نحوهم ، ~~وحملوا إلى بغداد فحبسوا وأجري عليهم ، ويقال إنه قد كان فيهم من اخوة ~~سليمان بن الحسن من كتم أمره . وحدثني ابن حمدان أنهم كانوا بعد خلاصهم ~~ومصيرهم إلى أبي طاهر يتحدثون : أن كثيرا من الكبراء وغيرهم كانوا يرسلون ~~إليهم ما يتقربون به إلى قلوبهم ، وذكروا أنهم كانوا يكثرون الخشوع وذكر ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وتعظيمه وإقامة الصلاة ، قال : ويضحكون من ~~فعلهم هذا وخديعتهم الناس ، قال : ويضحك أبو طاهر واخوته مما ms5881 يتحدثون به ، ~~قال : وكان سبب تخلص هؤلاء الأسرى أن أبا بكر بن ياقوت كتب في المهادنة ، ~~وجرى بينهم خطوب في المراسلة إلى أن وافقهم أن يردوا الحجر الأسود ويخلوا ~~الأسرى ولا يعرضوا للحاج ، فجرى الأمر على ذلك . قال الشريف : وفي سنة ثلاث ~~وعشرين وثلاثمائة دخل القرمطي الكوفة ، واستقبل لؤلؤا الأمير خارجا بالحاج ~~في ذي القعدة ، فرجع بهم لؤلؤ إلى الكوفة وتفرقوا فيها ، بعد أن واقعته ~~الخراسانية فلم يقدر على مقاومتهم وامتنعوا منه ، إلا أن الناس تسربوا ~~وافترقوا ، فظفر بمن ظفر منهم فلم يكثر القتل وأخذ ما وجد ، وأشار ~~PageV25P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" بعض أهل الكوفة على بعض أصحابه في هذه السنة ~~- عند نزولهم بالكوفة - أن يسار في الحاج بغير ما يجري فيهم ، فقال الرجل : ~~الذي من أصحاب القرمطي : والله ما ندري ما عند سيدنا أبي طاهر ، من تمزيق ~~هؤلاء الذين من شرق الأرض وغربها ، واتخاذهم ومن وراءهم أعداء ، وما يفوز ~~بأكثر أموالهم إلا الأعراب والشراد من الناس ، قال الكوفي : فلو أنه حين ~~يظفر بهم دعائهم أن يؤدي كل رجل دينارا وأطلقهم وأمنهم لم يكره أحد منهم ~~ذلك وخف علهيهم وسهل ، وحج الناس من كل بلد لأنهم ظماء إلى ذلك جدا ، ولم ~~يبق ملك إلا كاتبه وهاداه واحتاج إليه في حفظ أهل بلده وخاصته ، فجبي في كل ~~سنة ما لا يصبر إلى سلطان مثله من الخراج ، واستولى على الأرض وانقاد له ~~الناس ، وإن منع من ذلك السلطان اكتسب المذمة ، وصار عند الناس هو المانع ~~من الحج ، فاستصوب رأيه وفرج عنه ، لأن أصحاب أبي طاهر كان قد ظهر منهم ~~اضطراب عليه وقلت طاعتهم له ، قال : حتى لقد سمعت بعضهم وقد لحقه فارس من ~~العرفاء يركض ويدور في الكوفة ويقول : ارجع إلى العسكر فإن السيد يأمرك ~~بذلك ، فذكر أمه بقبيح من الشتيمة بعد أن كانوا يعبدونه ، قال : ولما سمع ~~رئيس القرامطة كلام الكوفي وما أشار به من أمر الحاج وما جرى من الكلام في ~~ذلك دخل إلى أبي طاهر فعرفه ما جرى ، فبادر من ms5882 وقته ونادى في الناس بالأمان ~~، وأحضر الخراسانية وقرر معهم أنهم يحجون ويؤدون إليه المال في كل سنة ، ~~ويكونون آمنين على أنفسهم وأموالهم فلم يأمنوا له ، فسلم سياسة أمرهم إلى ~~أبي علي عمر بن يحيى العلوي ، واستقر للقرامطة ضريبة ورسم على سفر الحاج . ~~قال الشريف : ولما كان في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة كبس أبو طاهر الكوفة ~~عشية ، وفيها شفيع اللؤلؤي أمير ، فهرب من مجلسه والناس عنده ، ورمى بنفسه ~~من سطحه واستتر عند امرأة ضعيفة ، وظهر الجند من الطرقات فقاوموا من لحقهم ~~من جيشه ، وامتنع أكثرهم منه وخرجوا سالمين إلا نفرا منهم أصيبوا ، ووجه ~~أبو طاهر إلى شفيع اللؤلؤي فأمنه وأحضره ، فحضر إليه وقدم إليه طعاما يأكله ~~، وطلبت مائدة يأكل عليها ، فقيل ما يحضر إلا مائدة نهبت من داره ، فقال ~~أبو طاهر : قبيح أن يراها فافرشوها بالرقاق لكي لا يعرفها ، ففعلوا ذلك ~~وقدمت إليه ، وكان يحمل إلى أبي طاهر صحفة صحفة مما يقدم إليه ، فينظر ~~إليها أولا وينفذها إليه وكان ذلك لدناءته ومهانته ، وتفرق أصحابه عنه وقلت ~~طاعتهم له فاحتاج إلى المداراة ، فوجه إلى شفيع من يخاطبه في أن يمضي إلى ~~السلطان ، ويعرفه أنهم صعاليك لا بد لهم من أموال ، وأنه إن أعطاهم مالا لم ~~يفسدوا عليه شيئا وخدموه فيما يلتمسه ، وإن أبى ذلك لم PageV25P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" يجدوا بدا من أن يأكلوا بأسيافهم وسيره أبو ~~طاهر ووصله ، وخرج شفيع إلى السلطان فقدم إلى القرمطي أبو بكر بن مقاتل من ~~قبل السلطان يناظره ، ففت في عضده وملا صدره من السلطان وأتباعه ، فزاده ~~ذلك انكسارا وذلة وسار عن الكوفة . وفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة فسدت رجال ~~القرامطة وقتل بعضهم بعضا ، وسبب ذلك أنه كان منهم رجل يقال له ابن سنبر ، ~~وهو من خواص أبي سعيد الجنابي المطلعين على سره ، وكان له عدو من القرامطة ~~اسمه أبو حفص الشريك ، فعمد ابن سنبر إلى رجل من أصفهان ، وقال له : إذا ~~ملكتك أمر القرامطة نقتل عدوى ، فأجابه إلى ذلك وعاهده عليه ، فأطلعه على ~~أسرار أبي سعيد ms5883 وعلامات كان يذكرها في صاحبهم الذي يدعو إليه ، فحضر إليه ~~أولاد أبي سعيد فذكر لهم العلامات ، فقال أبو طاهر : هذا هو الذي ندعو إليه ~~، فأطاعوه ودانوا له حتى كان يأمر الرجل منهم بقتل أخيه فيقتله ، وكان إذا ~~كره رجل منهم يقول إنه مريض - يعني قد شك في دينه ويأمر بقتله ، وبلغ أبو ~~طاهر أن الأصفهاني يريد قتله لينفرد بالأمر ، فقال لاخوته : قد أخطأنا في ~~هذا الرجل وسأكشف حاله ، فقال له : إن لنا مريضا فانظر إليه ليبرأ ، ~~وأضجعوا والدتهم وغطوها بإزار ، فلما رآها قال : إن هذا المريض لا يبرأ ~~فاقتلوه ، فقالوا : كذبت ، هذه والدتنا ثم قتلوه ، وذلك بعد أن أفنى أكثر ~~أكابرهم بالقتل . ذكر وفاة أبي طاهر بن أبي سعيد الجنابي وأخيه وقيام ~~أخويهما بعده قال : وفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة هلك أبو طاهر سليمان ~~بن أبي سعيد وأخوه أبو منصور بجدري أصابهما ، وملك التدبير بعده أخواه أبو ~~القاسم سعيد وهو أكبرهم ، وأبو العباس ، وكانا يتفقان معه على تدبير الأمر ~~، وكان لهم أخ آخر لا يختلط بهم لاشتغاله بالشرب واللهو ، قال : وشركهما في ~~تدبير الأمر ابن سنبر . ذكر إعادة الحجر الأسود إلى الكعبة شرفها الله ~~تعالى قال : وفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة أراد القرامطة أن يستميلوا أهل ~~الإسلام ، فحملوا الحجر الأسود وأتوا به الكوفة ، فنصبوه في المسجد الجامع ~~على الأسطوانة السابعة في القبلة مما يلي صحن المسجد حتى يراه الناس ثم ~~حملوه إلى مكة شرفها الله تعالى ، وقالوا : أخذناه بأمر ورددناه بأمر . ~~PageV25P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" قال ابن الأثير وكان بجكم الرايقي قد بذل لهم ~~فيه خمسين ألف دينار ، فلم يردوه وردوه الآن بغير شيء ، وذلك في ذي القعدة ~~من السنة ، فكان مكثه عندهم اثنتين وعشرين سنة إلا أياما ، وحكى ابن الأثير ~~في سبب رده : أن عبيد الله المنعوت بالمهدي القائم ببلاد المغرب والمستولى ~~عليها كتب إلى القرمطي ينكر فعله ويلومه ويلعنه ، ويقول أخفقت علينا سعينا ~~وأشهرت دولتنا بالكفر والإلحاد بما فعلت ، ومتى لم ترد على أهل مكة ما ~~أخذته وتعيد الحجر ms5884 الأسود إلى مكانه وتعيد كسوة الكعبة فأنا بريء منك في ~~الدنيا والآخرة ، فلما وصل هذا الكتاب أعيد الحجر إلى مكة شرفها الله تعالى ~~. ذكر ملك القرامطة دمشق وسيرهم إلى الديار المصرية ومحاصرة من بها ورجوعهم ~~عنها قال الشريف أبو الحسين رحمه الله تعالى : وفي سنة ستين وثلاثمائة سار ~~الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنابي ، وهو الذي انتهى إليه أمر القرامطة ، ~~من بلده إلى الكوفة ، وعزم على قصد الشام وسبب ذلك أنه كان قد تقرر ~~للقرامطة في الدولة الأخشيدية من مال دمشق في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار ، ~~فلما ملك المعز لدين الله العبيدي الديار المصرية ، واستولى جعفر بن فلاح ~~على الشام ، علموا أن ذلك يفوتهم ، فسار الحسن بن أحمد إلى الكوفة ، وراسل ~~بختيار الديلمي أحد ملوك الدولة البويهية ، في طلب السلاح والمساعدة ، ~~فأنفذ إليه خزانة سلاح من بغداد وسبب له على أبي تغلب بن ناصر الدولة بن ~~حمدان بأربعمائة ألف درهم ، فرحل الحسن من الكوفة حتى أتى الرحبة وعليها ~~أبو تغلب بن حمدان ، فحمل إليه المال المسبب له به عليه وحمل إليه العلوفة ~~، وأرسل إليه يقول : هذا شيء كنت أردت أن أسير أنا فيه بنفسي ، وأنت تقوم ~~مقامي فيه ، وأنا مقيم في هذا الموضع إلى أن يرد على خبرك ، فإن احتجت إلى ~~مسيري سرت إليك ونادى في عسكره : من أراد المسير من الجند الإخشيدية وغيرهم ~~إلى الشام مع الحسن بن أحمد فلا اعتراض عليه ، فقد أذنا له في المسير ~~والعسكران واحد ، فخرج إلى عسكر القرمطي جماعة من عسكر أبي تغلب ، وكان فيه ~~كثير من الإخشيدية الذين كانوا بمصر وفلسطين ، صاروا إليه لما انهزموا من ~~المغاربة عند ملكهم الديار المصرية بعد الدولة الإخشيدية ؛ قال : وسبب ~~مظاهرة ابن حمدان PageV25P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" للقرمطي أنه كان قد وقع بينه وبين جعفر بن ~~فلاح مراسلات ، أغلظ جعفر فيها على أبي تغلب وتهدده بالمسير إليه ، فلما ~~أرسل ابن جعفر إلى الحسن ابن أحمد هذه الرسالة ومكن الجند من المسير معه ~~سره ذلك وزاد قوة ms5885 ، وسار عن الرحبة وقرب من أرض دمشق ووصل إلى ضياع المرج ~~فظفرت خيله برجل مغربي يقال له علي بن مولاه ، فقتلوه وقتلوا معه جماعة من ~~المغاربة فوقعت الذلة على المغاربة ، وكان ظالم بن موهوب العقيلى على مقدمة ~~القرامطة في جمع من بني عقيل وبني كلاب ، فلقي المغاربة في صحراء المزة ~~وأقبل شبل بن معروف العقيلي معينا لظالم ، ولم يزل القتال بينهم إلى أن ~~أقبل الحسن بن أحمد القرمطي فقوى العقيليون ، وتشمرت المغاربة ولم يزل ~~القتال إلى العصر ، ثم حمل ومن معه فانهزمت المغاربة وأخذهم السيف وتفرقوا ~~، وقتل جعفر بن فلاح ولم يعرف ، واشتغلت العرب بنهب العسكر ، وكانت هذه ~~الوقعة في يوم الخميس لست خلون من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة ، فلما كان ~~بعد الوقعة عثر بجعفر بن فلاح من عرفة وهو مقتول مطروح على الطريق ، فاشتهر ~~خبره في الناس ، ثم نزل الحسن بن أحمد بعد الوقعة على ظاهر المزة فجنى مالا ~~من البلد وسار يريد الرملة ، وكان جوهر القائد قد أنفذ من مصر رجلا من ~~المغاربة يقال له سعادة بن حيان ذكر أنه في أحد ألفا ، فلما بلغ ابن حيان ~~أن ابن فلاح قد قتل وجاءه بعد ذلك قوم من المنهزمين فأخبروه بخبر الواقعة ، ~~تحير وتقطعت به الأسباب ، فلم تكن له جهة غير الدخول إلى يافا ، ولم يكن له ~~بها عدة ولا دار ، فلما دخل إليها جاءه الحسن بن أحمد فنزل عليها ، واجتمعت ~~عرب الشام فنازلها وناصبها بالقتال ، حتى اشتد الحصار وقل ما بها جدا ، ~~وكان يدخل إليها شيء من الطعام يريد الخول به إلى يافا ضربت عنقه ، فلما ~~طال بهم الأمر أكلوا دوابهم وجميع ما عندهم من الحيوان ، ثم هلك أكثرهم من ~~الجوع ، وكان الحسن بن أحمد قد سار عن يافا نحو مصر ، وخلف على حصارها أبا ~~المنجى وظالما العقيلي ونزل على مصر يوم الجمعة مستهل شهر ربيع الأول سنة ~~إحدى وستين وثلاثمائة ، فقاتل المغاربة على الخندق الذي لمدينتهم ، وقتل ~~كثيرا منهم خارج الخندق وحاصرهم شهورا ، ثم رحل عنها ms5886 PageV25P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" إلى الأحساء ولم يعلم الناس ما كان السبب في ~~ذلك ، فلما تيقنت المغاربة أنه قد رحل إلى بلده أنفذ جوهر القائد ابن أخته ~~نحو يافا ، وبلغ من عليها يحاصرها أن الحسن بن أحمد رحل عن مصر ، وأن ~~إبراهيم ابن أخت جوهر خارج يريد يافا ، فساروا القوم عنها وتوجهوا نحو دمشق ~~، فنزلوا بعسكرهم على ظاهرها ، فجرى بين ظالم وأبي المنجي كلام وخلاف ذكر ~~أنه بسبب أخذ الخراج ، وكان كل واحد منهما يريد أخذه للنفقة في رجاله ، ~~وكان أبو المنجي كبيرا عند القرمطي يستخلفه على تدبير أحواله . قال : ولما ~~رحل القوم عن يافا إلى دمشق جاءها إبراهيم ابن أخت جوهر القائد ، فأخرج من ~~كان بها وسار بهم إلى مصر ، ورجع الحسن ابن أحمد فنزل الرملة ، ولقيه أبو ~~المنجي وظالم فذكر أبو المنجي للحسن ابن أحمد ما جرى من ظالم وما تكلم به ، ~~فقبض عليه ولم يزل محبوسا حتى ضمنه شبل بن معروف فخلى سبيله ، فهر إلى شط ~~الفرات إلى حصن كان له في منزل بني زياد ، ثم إن الحسن بن أحمد طرح مراكب ~~في البحر وجعل فيها رجالا مقاتلة ، وجمع كل من قدر عليه من العرب وغيرهم ~~وتأهب للمسير إلى مصر ، وكان الجوهر يكتب إلى المعتز لدين الله إلى ~~القيروان بما جرى على عسكره ، من القتل والحصار والقتل ، أن الحسن بن أحمد ~~يقاتلهم على خندق عسكرهم ، وقد أشرف على أخذ مصر فقلق من ذلك قلقا شديد ، ~~وجمع من يقدر عليه وسار إلى مصر ، وظنها أنها تؤخذ قبل أن يصل إليها فدخلها ~~في يوم الثلاثاء لخمس خلون من شهر رمضان سنة اثنتي وستين وثلاثمائة وكان ~~شديد الخوف من الحسن بن أحمد ، فلما نزل مصر عزم على أن يكتب إلى الحسن بن ~~أحمد كتابا يعرفه فيه أن المذهب واحد ، وأنهم منهم استمدوا ، ولأن ساداتهم ~~في هذا الأمر ، وبهم وصلوا إلى هذه المرتبة وترهب عليه ، وكان غرض المعز ~~لدين الله العبيدي في ذلك أن يعلم من جواب القرمطي ما في نفسه ، وهل ms5887 خافه ~~لما وافى مصر أم لا ؟ قال : والحسن بن أحمد يعرف أن المذهب واحد ، لأنه ~~يعلم الظاهر من مذهبه والباطن ، لأن الجميع اتفقوا على تعطيل الخالق وإباحة ~~الأنفس والأموال وبطلان النبوة ، فهم متفقون على المذهب ، وإذا تمكن بعضهم ~~من بعض يرى قتله ولا يبقي عليه . قال الشرف : وكان عنوان الكتاب : من عبد ~~الله ووليه وخيرته وصفيه معد أبي تميم بن إسماعيل المعز لدين الله أمير ~~المؤمنين ، وسلالة خير النبيين ونجل علي أفضل الوصيين إلى الحسن بن أحمد ، ~~ونسخة الكتاب : PageV25P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" " بسم الله الرحمن الرحيم " - رسوم النطقاء ~~ومذاهب الأئمة والأنبياء ومسالك الرسل والأوصياء ، السلف والآنف منا صلوات ~~الله علينا وعلى آبائنا ، أولى الأيدي والأبصار في متقدم الدهور والأكوار ~~وسالف الأزمان والأعصار عند قيامهم بأحكام الله ، وانتصابهم لأمر الله ، ~~بالابتداء بالإعذار والانتهاء بالإنذار ، قبل إنفاذ الأقدار في أهل الشقاق ~~والإصرار ، لتكون الحجة على من خالف وعصى ، العقوبة على من بان وغوى ، ~~حسبما قال الله جل وعز " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " " وإن من أمة إلا ~~خلا فيها نذير " وقوله سبحانه " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ~~ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين " " فإن آمنو بمثل ما آمنتم به ~~فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق " ، أما بعد أيها الناس : فإنا نحمد ~~الله بجميع محامده ونمجده بأحسن مماجدة ، حمدا دائما أبدا ومجدا عاليا ~~سرمدا ، على سبوغ نعمائه وحسن بلائه ، ونبتغي إليه الوسيلة بالتوفيق ~~والمعونة ، على طاعته والتسديد في نصرته ، ونستكفيه ممايلة الهوى والزيغ عن ~~قصد الهدى ، ونستزيد منه إتمام الصلوات وإفاضة البركات وطيب التحيات ، على ~~أوليائه الماضين وخلفائه التالين ، منا ومن آبائنا الراشدين المهديين ~~المنتخبين ، الذين قضوا بالحق وكانوا به يعدلون . أيها الناس " قد جاءكم ~~بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن أعمى فعليها " ليذكر من تذكر وينذر من ~~أبصر واعتبر . أيها الناس : إن الله جل وعز إذا أراد أمرا قضاه ، وإذا قضاه ~~أمضاه ، وكان من قضائه فينا قبل التكوين أن خلقنا أشباحا ، وأبرز ms5888 أرواحنا ~~بالقدرة مالكين ، وبالقوة قادرين ، حين لا سماء مبينة ، ولا أرض مدحية ، ~~ولا شمس تضيء ، ولا قمر يسرى ، ولا كوكب يجري ، ولا ليل يجن ، ولا أفق يكن ~~، ولا لسان ينطق ولا جناح يخفق ، ولا ليل ؛ ولا نهار ، ولا فلك دوار ، ولا ~~كوكب سيار ، فنحن أول الفكرة ، وآخر العمل بقدر ومقدور ، وأمر في القدوم ~~مبرور ، فعندما تكامل الأمر وصح العزم أنشأ الله جل وعز المنشآت فأبدأ ~~الأمهات من هيولانا ، فطبعنا أنوارا وظلمة وحركة ، وسكونا ، فكان من حكمة ~~السابق في عمله ما ترون من فلك دوار ، وكوكب سيار ، وليل ونهار ، وما في ~~الآفاق من آثار معجزات ، وأقدار باهرات ، وما في الأقطار من الآثار ، وما ~~في النفوس من الأجناس والصور والأنواع ، من كثيف ولطيف ، وموجود ومعدوم ~~وظاهر وباطن ، ومحسوس وملموس ، PageV25P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" ودان وشاسع ، وهابط وطالع كل ذلك لنا ومن ~~أجلنا ، دلالة علينا وإشارة إلينا ، يهدي الله ما كان له لب سجيح ، ورأى ~~صحيح ، قد سبقت منا له الحسنى ، فدان بالمعنى ، ثم إنه جل وعلا أبرز من ~~مكنون العلم ومخزون الحكم آدم وحواء أبوين ذكرا وأنثى ، سببا لإنشاء ~~البشرية ، ودلالة لاظهار القدرة القوية الكونية ، وزوج بينهما فتوالدا ~~الأولاد ، وتكاثرت الأعداد ، ونحن ننقل في الأنصاب الزكية والأرحام الطاهرة ~~المريضة ، كلمنا ضمنا من صلب ورحم أظهر منا قدرة وعلما وهلم جرا إلى آخر ~~الجد الأول والأب الأفضل سيد المرسلين وإمام النبيين أحمد ومحمد صلوات الله ~~عليه وعلى آله في كل ناد ومشهد ، فحسن آلاؤه وبان غناؤه ، وأباد المشركين ~~وقصم الظالمين ، وأظهر واستعمل الصدق ، وبان بالأحدية ودان بالصمدية ، ~~فعندها ، فعندها سقطت الأصنام وانعقد الإسلام ، وظهر الأيمان وبطل السحر ~~والقربان ، وارتفع الكفر والطغيان ، وخمدت بيوت النيران وهربت عبدة الأوثان ~~، وأتى بالقرآن شاهدا بالحق والبرهان فيه خير ما كان وما يكون إلى يوم ~~الوقت المعلوم ، مبينا عن كتب تقدمت في صحف قد نزلت ، تبيانا لكل شيء وهدى ~~ورحمة ونورا وسراجا منيرا ، وكل ذلك دلالات لنا ومقدمات بين أيدينا ، ~~وأسباب لإظهار أمرنا ، هدايات وشهادات ، وسعادات قدسيات إلا هيات ms5889 أوليات ~~كائنات ، منشآت مبديات معيدات وما من ناطق نطق ولا نبي بعث ولا وصى ظهر إلا ~~قد أشار إلينا ، ولوح بنا ودل علينا في كتابه وخطابه ، ومنار أعلامه ومرموز ~~كلامه ، ما هو موجود غير معدوم وظاهر وباطن ، يعلمه من سمع الندا أو شاهد ~~ورأى ، من الملأ الأعلى ، فمن أغفل منكم أو نسى أو ضل أو غوى فلينظر في ~~الكتب الأولى والصحف المنزلة ، وليتأمل آي القرآن وما فيه من البيان ، ~~وليسأل أهل الذكر إن كان لا يعلم ، فقد أمر الله عز وجل " فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون " . قال : وهذا الكتاب طويل جدا لا طائل فيه ، ~~قطعناه ههنا وسنذكر جملة من هذا الكتاب في أخبار المعز لدين الله غير ما في ~~هذا الموضع ، على ما نقف عليه إن شاء الله تعالى في موضعه . قال : والجواب ~~من الحسن بن أحمد القرمطي الأعصم : وصل إلينا كتابك الذي تفصيله وقل تحصيله ~~، ونحن سائرون على أثره والسلام . PageV25P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" وسار الحسن بن أحمد بعد ذلك إلى مصر ، فنزل ~~بعسكره عين شمس ، وناشب المغاربة القتال ، وانبثت سراياه في أرض مصر وبعث ~~عمالا إلى الصعيد تجنى الأموال ، وضيق على المغاربة وداومهم القتال على ~~خندق مدينتهم ، يعني الشريف بمدينتهم القاهرة المعزية ، قال : فذكر أنه ~~هزمهم حتى عبر الخندق فامتنعوا منه بالسور ، وعظم ذلك على المعز لدين الله ~~وتحير في أمره ، ولم يجسر أن يخرج بعسكره خارج الخندق ، وكان ابن الجراح ~~الطائي في جمع عظيم مع الحسن بن أحمد القرمطي ، وكان قوة لعسكره ومنعة ~~ومقدمة ، فنظر القوم فإذا ليس لهم بالحسن بن أحمد طاقة ، ففكروا في أمره ~~فلم يجدوا لهم حيلة غير فل عسكره ، وعلموا أنه لا يقدر على فله إلا بابن ~~الجراح ، وأن ذلك لا يتم إلا ببذل ما يطلبه من المال ، فراسلوا ابن الجراح ~~وبذلوا له مائة ألف دينار ، على أن يفل لهم عسكر القرمطي فأجابهم إلى ذلك ، ~~ثم إنهم فكروا في أمر المال فاستعظموه ، فعملوا دنانير من النحاس وطلوها ~~بالذهب وجعلوها في أكياس ، وجعلوا ms5890 على رأس كل كيس منها دنانير يسيرة من ~~الذهب تغطى ما تحتها وشدوها وحملت لابن الجراح بعد أن استوثقوا منه ، ~~وعاهدوه ألا يغدر بهم إذا وصل إليهم المال ، فلما وصل إليه المال عمل على ~~فل عسكره ، وتقدم إلى كبراء أصحابه بأن يتبعوه إذا توافق العسكران ، وقامت ~~الحرب فلما اشتد القتال ولى ابن الجراح منهزما ، وتبعه أصحابه في جمع كثير ~~، فلما نظر إليه القرمطي قد انهزم بعد الاستظهار تحير ولزمه أن يقاتل هو ~~ومن معه فاجتهد في القتال حتى تخلص ، ولم تكن له بهم طاقة وكانوا قد بادروه ~~من كل جانب ، فخشي على نفسه وانهزم واتبعوه قومه ودخل المغاربة معسكره ، ~~فظفروا باتباع وباعة نحو من ألف وخمسمائة رجل ، فأخذوهم أسرى وانتهبوا ~~العسكر وضربوا أعناقهم ، وذلك في شهر رمضان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ، ثم ~~جردوا خلف الحسن بن أحمد ، أبا محمود إبراهيم بن جعفر في عشرة آلاف رجل من ~~المغاربة ، فسار خلفه وتباطأ في السير خوفا من أن يعطف عليه ، وسار الحسن ~~فنزل أذرعات وأنفذ أبا المنجى في طائفة كثيرة من الجند إلى دمشق ، وكان ~~ابنه قبل ذلك واليا عليها ، ثم سار القرمطي في البرية إلى بلده وفي نيته ~~العود ، وكانت المغاربة ، لما سمعوا بقصة ظالم ، وقبض القرمطي عليه لما جرى ~~بينه وبين أبي المنجى ما ذكرناه ، وهربه إلى حصنه ، راسلوه ليأتي القرمطي ~~من خلفه ، فسار يريد بعلبك فلقيه الخبر بهزيمة القرمطي ونزول أبي المنجى ~~على دمشق ، فسار ظالم نحو دمشق ونزل أبو محمود أذرعات ، وذكر أنه كان بينه ~~وبين ظالم مراسلة واتفقا على أبي المنجى ، وبلغ أبو المنجى مسير ظالم إليه ~~وكان في شرذمة يسيرة ، وأبو المنجى بدمشق في نحو ألفي رجل ، وكان قد ورد ~~إليه الخبر في أن ظالما يصبح PageV25P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" من غد في عقبة دمر ، وكان الجند قبل ذلك قد ~~طلبوا منه الرزق ، فقال : ما معي مال ، فلما ورد إليه خبر ظالم أعطي الجند ~~على السرج دينارين لكل رجل ، ثم إن ظالما أصبح من غد ذلك اليوم ms5891 في عقبة دمر ~~، فخرج أبو المنجى وابنه بمن معهما إلى الميدان للقتال ، فذكر أن ظالما ~~أنفذ إلى أبي المنجى رسولا يقول له : إنما جئت مستأمنا إليكم ، وقد كان ~~الجند حقدوا على أبي المنجى من جهة الرزق ، فلما صار ظالم في عقبة دمر ~~مشرفا على دمشق ذهب قوم من الجند نحو العقبة ، فاستأمنوا إلى ظالم وتبعهم ~~قوم بعد قوم ، فقوى طمع ظالم بهم فانحدر من العقبة ، ثم سار بمن معه حتى ~~قرب من أبي المنجى فأحاط به فلم يقدر على الهرب فأخذ هو وابنه من بعد أن ~~وقعت فيه ضربة ، وانقلب عسكره إلى ظالم ، وملك ظالم البلد ، وذلك في يوم ~~السبت لعشر خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة . فلما تمكن ظالم ~~ونزل البلد أوثق أبا المنجى وابنه ثم حبسهما ، وقبض على جماعة من أصحابه ~~فأخذ أموالهم ، ثم قدم أبو محمود بعد ذلك دمشق في يوم الثلاثاء لثمان بقين ~~من شهر رمضان ، فلقيه ظالم وتقرب إليه بأبي المنجي وابنه ، فعمل لكل واحد ~~منهما قفصا من خشب وحملهما إلى مصر فحبسا ، وكان بعد ذلك بين ظالم وأبي ~~محمود وأخبار دمشق ما ليس ذكره في هذا الموضع من غرضنا ، فلنرجع إلى أخبار ~~القرامطة . ذكر عود القرامطة إلى الشام ووفاة الحسن بن أحمد قال : وفي سنة ~~خمس وستين وثلاثمائة كاتب هفتكين التركي وهو بالشام القرامطة ، وقد جرى ~~بينه وبنين المغارية حروب ووقائع وانتصر بهم ، فكاتبوه بأنهم سائرون إلى ~~الشام ، فوافوا دمشق في هذه السنة ، وكان الذي وافى منهم إسحاق وكسرى وجعفر ~~، فنزلوا ظاهر دمشق نحو الشماسية ، ووافى معهم كثير من العجم ممن كان من ~~أصحاب هفتكين ، فلقي هفتكين القرامطة وحمل إليهم الأموال وأكرمهم وفرح بهم ~~وأمن ، فأقاموا على دمشق أياما ثم رحلوا متوجهين إلى الرملة ، وكان بها أبو ~~محمود إبراهيم بن جعفر فتحصن منهم بيافا ، ونزلت القرامطة الرمل ونصبوا ~~القتال على يافا ، حتى كل الفريقان من القتال وصار بعضهم يحدث بعضا ، ~~وأقامت القرامطة بالرملة يجبون المال ، فندب العزيز بالله نزار بن المعز ~~لدين ms5892 الله - وكان قد ولى الأمر بعد وفاة أبيه - جوهر القائد إلى الخروج إلى ~~الشام في سنة خمس وستين ، وحمل إليه PageV25P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" خزائن السلاح والأموال ، فسار يريد الشام في ~~عساكر لم تخرج المغاربة من مصر بمثلها ، وتواترت الأخبار إلى هفتكين بمسيره ~~، وهو على عكا وكان قد ملك صيدا ، فنزل عكا وسار فنزل طبرية ، وفارق ~~القرامطة الرملة ونزلها جوهر ، وسار إسحاق وكسرى القرمطيان إلى الأحساء ، ~~وبقي جعفر لم يسر معهم وانضم إلى هفتكين بطبرية ، وسار جوهر في طلبهما ~~فسارا إلى دمشق وتبعهما جوهر حتى نزل بالشماسية بظاهر دمشق ، والمناوشة تقع ~~بينهم تارة والموادعة أخرى ، فلم يزل الأمر كذلك إلى جمادي الأولى سنة ست ~~وستين وثلاثمائة ، فوردت الأخبار وقويت بقرب الحسن بن أحمد القرمطي من دمشق ~~، وجاء من بشر ابن عمه جعفر بذلك ، فسار إليه وصح ذلك عند جوهر ، فنزل دمشق ~~وسار نحو طبرية وجد في السير ، وكان قد هلك من عسكره خلق كثير ، فخاف أن ~~يدركه الحسن بن أحمد القرمطي فأسرع المسير من طبرية ، وخرج الحسن ابن أحمد ~~من البرية يريد طبرية فوجده قد سار عنها ، فأنفذ خلفه سرية فلحقته فرجع ~~إليها أصحاب جوهر ، فقتلوا جماعة من العرب وسار جوهر حتى نزل ظاهر الرملة ، ~~وأتاه الخبر عن الحسن فدخل جوهر زيتون الرمل وتحصن به ، وسار هفتكين من ~~دمشق في أثر الحسن ابن أحمد فلحقه ، وتوفى الحسن بن أحمد بالرملة ، وتولى ~~أمر القرمطة بعده ابن عمه جعفر ، واجتمع هو وهفتكين على قتال جوهر ، ~~فقاتلوه بقية سنة ست وستين وثلاثمائة ، ثم رجع جعفر إلى بلده ، وكان بين ~~هفتكين وجوهر من الحصار ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار ملوك مصر . ~~ذكر استيلاء القرامطة على الكوفة وخروجهم عنها قال ابن الأثير رحمه الله ~~تعالى : وفي سنة خمس وسبعين وثلاثمائة ورد إسحاق وجعفر الهجريان - وهما من ~~القرامطة الذين تلقبوا بالسادة - فملكا الكوفة ، قال : وكان للقرامطة من ~~الهيبة ما إن عضد الدولة وبختيار أقطعاهم الكثير من الإقطاعات ، وكان ~~نائبهم ببغداد وهو أبو بكر بن ms5893 شاهوية يحكم حكم الوزراء ، فقبض عليه صمصام ~~الدولة بن بويه ، فلما جاء القرامطة إلى الكوفة كتب صمصام الدولة إلى إسحاق ~~وجعفر بالملاطفة ويسألهما عن سبب حركتهما ، فذكرا أن السبب في ذلك ما وقع ~~منه من القبض على صاحبهما ، وبثا أصحابهما في جباية الأموال ، ووصل الحسن ~~بن المنذر - وهو من أكابر القرامطة - إلى الجامعين ، فأرسل صمصام الدولة ~~العساكر PageV25P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" والعرب فقاتلوه وأسروه وجماعة من القواد ~~وانهزم من معه ، ثم جهز القرامطة جيشا آخر في عدد كثير فهزمته عساكر صمصام ~~الدولة ، وقتل مقدم القرامطة ، وكانت هذه الوقعة بالجامعين ، فلما بلغ ~~المنهزمون الكوفة رحل القرامطة عنها ، واتبعهم العساكر إلى القادسية وأخذ ~~أمر القرامطة في الانتفاض ، ولم يكن لهم بعد ذلك بالعراق والشام وقعة بلغنا ~~خبرها . ذكر ظفر الأصغر بالقرامطة قال ابن الأثير : وفي سنة ثمان وسبعين ~~وثلاثمائة جمع إنسان يعرف بالأصفر من بني المنتفق جمعا كثيرا ، وكان بينه ~~وبين جمع من القرامطة وقعة ، قتل فيها مقدم القرامطة وانهزم أصحابه وقتل ~~منهم وأسر خلق كثير ، وسار الأصفر إلى الأحساء فتحصن القرامطة منه ، فعدل ~~إلى القطيف فأخذ ما كان فيها من عبيدهم وأثقالهم ومواشيهم ، وسار بذلك إلى ~~البصرة وانتقض أمر القرامطة وضعفوا ، وكان مدة ظهور مذهبهم إلى هذا التاريخ ~~مائة سنة ، ومنذ ظهر أمرهم واستولوا على البلاد وتجهزت العساكر لقتالهم ~~خمسا وتسعين سنة ، وكانت فتنتهم قد عمت أكثر البلاد والعباد ؛ ولم أقف لهم ~~بعد واقعة الأصفر على واقعة أخرى فأذكرها . وقد ذكرنا من أخبارهم ما فيه ~~كفاية ، فلنذكر أخبار الخوارج ببلاد الموصل . ذكر أخبار الخوارج بالموصل ~~مساور ومن بعده كان خروج المساور بن عبد الحميد بن مساور البجلى بالبوازيج ~~من بلاد الوصل في شهر رجب من شهور سنة اثنتين وخمسين ومائتين في خلافة ~~المعتز بالله ، وكان سبب خروجه أن شرطة الموصل كان يتولاها رجل اسمه حسين ~~بن بكير لبني ع PageV25P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" مران أمراء الموصل ، فأخذ ابنا لمساور هذا ~~اسمه حوثرة فحبسه بالحديثة ، وكان حوثرة جميلا فكان متولي الشرطة يخرجه من ~~الحبس ms5894 ليلا ويحضره عنده ، ويرده إلى الحبس نهارا ، فكتب حوثرة إلى أبيه - ~~وهو بالبوازيج - يقول : أنا بالنهار محبوس وفي الليل عروس ، فغضب لذلك وقلق ~~وخرج وتابعه جماعة ، وقصد الحديثة فاختفى حسين بن بكير ، فأخرج ابنه من ~~الحبس وكثر جمعه من الأعراب والأكراد ، فسار إلى الموصل ونزل بالجانب ~~الشرقي ، وكان الوالي عليها عقبة بن محمد بن جعفر بن محمد بن الأشعث بن ~~اهبان الخزاعي ، واهبان يقال إنه مكلم الذئب وله صحبه ، فوافقه من الجانب ~~الغربي وعبر دجلة رجلان من أهل الموصل إلى مساور ، فقاتلا مساورا فقتلا ~~وعاد مساور وكره القتال ، وكان حوثرة ابنه معه فكان يقول : أنا الغلام ~~البجلي الشاري . . . أخرجى جوركم من داري ذكر قتل مساور بندارا الطبري ~~متولي طريق خراسان قال : ولما فارق مساور الموصل بلغ بندارا الطبري وهو ~~بالدسكرة أنه يريد كرخ جدان ، وكان بندار الطبري يلي طريق خراسان هو ومظفر ~~بن سيسل ، فقال بندار ذلك لمظفر فقال مظفر : قد أمسينا وغدا عيد ، فإذا ~~قضينا العيد سرنا إليه ، فسار بندار ليلا طمعا في أن يكون الظفر له ، حتى ~~أشرف على عسكر مساور ، فأشار عليه بعض أصحابه أن يبيتهم فأبى ، وقال : حتى ~~أراهم ويروني فأحس به الخوارج فركبوا واقتتلوا ، وكان مع بندار ثلاثمائة ~~فارس ومع مساور سبعمائة ، فاشتد القتال بينهم وحمل الخوارج حمله ، اقتطعوا ~~من أصحاب بندار أكثر من مائة فصبروا لهم وقاتلهم حتى قتلوا جميعا ، فانهزم ~~بندار وأصحابه وجعل أصحاب مساور يقتطعونهم قطعة بعد قطعة فقتلوهم ، وأمعن ~~بندار في الهرب فطلبوه حتى أدركوه فقتلوه ونصبوا رأسه ، ونجا من أصحابه نحو ~~خمسين رجلا ، وقيل مائة ، وأتى الخبر إلى المظفر فرحل نحو بغداد ، وسار ~~مساور نحو حلوان فقاتله أهلها ، فقتل منهم أربعمائة إنسان ، وقتلوا من ~~أصحابه جماعة وقتل مساور عدة من أصحاب خراسان كانوا بحلوان ، فأعانوا أهلها ~~على مساور ، ثم انصرف عن حلوان ، فقال مساور في ذلك : فجعت العراق ببندارها ~~. . . وحزت البلاد بأقطارها وحلوان صبحتها غارة . . . فقتلت أغرار غرارها ~~وعقبة بالموصل اجحرته . . . وطوقه الذل بي كارها PageV25P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" قال : وكان ms5895 قتل بندار في سنة ثلاث وخمسين ~~ومائتين ، ثم لقي مساور عسكرا للخليفة ، ومقدمهم خطرمش بناحية جلولاء في ذي ~~الحجة من السنة ، فهرمهم مساور واستولى على بلاد الموصل فقوى أمره وكثرت ~~اتباعه . فجمع له الحسن بن أيوب بن أحمد بن عمر بن الخطاب التغلى - وكان ~~خليفة أبيه على الموصل - عسكرا كثيرا منهم حمدان بن حمدون جد الأمراء ~~الحمدانية وغيره ، وسار إليه وعبر إليه نهر الزاب ، فتأخر مساور عن موضعه ~~ونزل بموضع يقال له وادي الذئاب ، وهو واد عميق ، فسار الحسن في طلبه ~~فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم عسكر الموصل وكثر القتل فيهم ، وسقط ~~كثير منهم في الوادي فهلك فيه أكثر من القتلى ، وذلك في جمادي الأولى سنة ~~أربع وخمسين ومائتين ، ونجا الحسن فوصل إلى حرة من أعمال إربل ، وهرب محمد ~~بن علي بن السيد ، فظن الخوارج أنه الحسن فتبعوه فقتلوه ، وكان فارسا شجاعا ~~، واشتد أمر مساور وعظم شأنه وخافه الناس . ذكر استيلاء مساور إلى الموصل ~~وخروجه منها قال : ولما انهزم عسكر الموصل من مساور قوى أمره وكثرت أتباعه ~~، فسار من موضعه وقصد الموصل فنزل بظاهرها عند الدير الأعلى ، فاستتر أمير ~~البلد عبد الله بن سليمان لضعفه عن مقاتلته ولم يدافعه أهل الموصل ، فوجه ~~مساور جمعا إلى دار عبد الله أمير البلد فأحرقها ، ودخل الموصل بغير حرب ~~فلم يتعرض لأحد ، وحضرت الجمعة فدخل المسجد الجامع ، وحضر الناس فصعد مساور ~~المنبر ، وجعل على درج المنبر من أصحابه من يحرسه بالسيوف وكذلك في الصلاة ~~، ولما خطب قال في خطبته : اللهم أصلحنا وأصلح ولاتنا ولما دخل في الصلاة ~~جعل إبهاميه في أذنيه وكبر ست تكبيرات ثم قرأ بعد ذلك . PageV25P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" ثم فارق البلد ولم يقدر على المقام به لكثرة ~~أهله ، وسار إلى الحديثة وكان قد اتخذها دار هجرته ، وكان دخوله الموصل في ~~سنة خمس وخمسين ومائتين ، ثم كان بينه وبين عسكر للخليفة في هذه السنة وقعة ~~فانهزم عسكر الخليفة . ذكر اختلافهم الخوارج على مساور وانتصاره على من ~~خالفه وقتاله عساكر الخليفة في سنة ms5896 ست وخمسين ومائتين خالف إنسان من ~~الخوارج اسمه عبيدة من بني زهير ، على مساور ، وسبب ذلك أنه خالفه في توبة ~~المخطىء ، فقال مساور : تقبل توبته ، وقال عبيدة : لا تقبل ، فجمع عبيدة ~~جمعا كثيرا وسار إلى مساور ، وتقدم إليه مساور من الحديثة ، فالتقوا بنواحي ~~جهينة في جمادي الأولى سنة سبع وخمسين ، واقتتلوا أشد قتال فترجل عبيدة ~~ومعه جماعة من أصحابه وعرقبوا دوابهم فقتل عبيدة وانهزم جمعه ، فقتل أكثرهم ~~واستولى مساور على كثير من العراق ، ومنع الأموال عن الخليفة فضاقت على ~~الجند أرزاقهم فاضطرهم ذلك إلى أن سار إليه موسى بن بغا وبايكباك وغيرهما ~~في عسكر عظيم ، وذلك في سنة ست وخمسين ، فوصلوا إلى السن وأقاموا به ، ثم ~~عادوا بسبب خلع المهتدي ، فلما ولى المعتمد على الله الخلافة سير مفلحا في ~~عسكر كبير لقتال مساور ، فسار فلما قرب قارب الحديثة فارقها مساور ، وقصد ~~جبلين يقال لأحدهما زيني والآخر عامر وهما بالقرب من الحديثة ، فتبعه مفلح ~~فعطف عليه مساور وهو في أربعة آلاف فارس ، وكان مساور قد انصرف من حرب ~~عبيدة وقد جرح كثير من أصحابه ، فلحقوا مفلحا بجبل زيني فلم يصل إلى ما ~~يريد ، فصعد مساور رأس الجبل فاحتمى به ، ونزل مفلح في أصل الجبل ، وجرى ~~بينهما وقعات كثيرة ، ثم اصبحوا يوما فطلبوا مساورا فلم يجدوه ، وكان قد ~~نزل من غير الوجه الذي نزل به مفلح ، لما أيس من الظفر لضعف أصحابه من ~~الجراح ، فلما لم يره مفلح سار إلى الموصل وسار منها إلى ديار ربيعة ، ~~سنجار ونصيبين والخابور ، فنظر في أمرها ثم سار فأتى الموصل ، فأحسن السيرة ~~في أهلها ورجع عنها وقد تأهب للقاء مساور ، فلما قارب الحديثة فارقها مساور ~~وتبعه مفلح ، فكان مساور يرتحل عن المنزل فينزله مفلح ، فلما طال الأمر على ~~مفلح وتوغل في الجبال والشعاب والمضايق عاد عنه فتبعه مساور يقفو أثره ~~ويأخذ من ينقطع عن ساقه العسكر ، فرجع إليه طائفة من PageV25P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" العسكر فقاتلوه ، ثم عادوا ولحقوا مفلحا ، ~~ووصل مفلح الحديثة فأقام بها أياما ، وانحدر ms5897 في أول شهر رمضان إلى سامرا ، ~~فاستولى حينئذ مساور على البلاد ، وقوى أمره واشتدت شوكته . وفي سنة سبع ~~وخمسين ومائتين خرج على مساور خارجي آخر اسمه طوق من بني زهير ، فاجتمع ~~إليه أربعة آلاف فصار بهم إلى أذرمة ، فحاربه أهلها فدخلها بالسيف ، وأخذ ~~جارية بكرا فافتضها في المسجد ، فجمع الحسن بن أيوب بن أحمد العدوي جمعا ~~كثيرا فحاربه وقتله ، وأنفذ رأسه إلى ساورا ، واستمر مساور بتلك النواحي ~~إلى أن مات في سنة ثلاث وستين . ذكر وفاة مساور وخبر من قام بعده إلى أن ~~قام هارون البجلي وفي سنة ثلاث وستين ومائتين توفي مساور الشاري ، وكان قد ~~رحل من البوازيج يريد لقاء عسكر قد سار إليه من قبل الخليفة ، فكتب أصحابه ~~إلى محمد بن خرزاد وهو بشهرزور ليولوه أمرهم ، فامتنع وكان كثير العبادة ~~فبايعوا أيوب بن حيان الوارقي البجلي ، فأرسل إليهم محمد بن خرزاد يذكر أنه ~~نظر في أمره فلم يسعه إهمال الأمر ، لأن مساورا إليهم عهد إليه به ، فقالوا ~~له : قد بايعنا هذا الرجل ولا نغدر به ، فسار إليهم فيمن بايعه فقاتلهم ، ~~فقتل أيوب بن حيان فبايعوا بعده محمد بن عبد الله بن يحيى الوارقي المعروف ~~بالغلام فقتل أيضا فبايع أصحابه هارون بن عبد الله البجلي ، فكثر اتباعه ~~وعاد عنه خرزاد ، واستولى هارون على بلد الموصل وجبى خراجه . ذكر محاربة ~~محمد بن خرزاد هارون بن عبد الله وما كان من خبر خرزاد ومقتله واستقلال ~~هارون بالأمر بمفرده وفي سنة سبع وستين ومائتين كانت الحرب بين محمد بن ~~خرزاد وهارون بن عبد الله ، وذلك أن محمدا جمع أصحابه وسار لحرب هارون ، ~~فنزل واسط وهي قرية من قرى الموصل ، وكان يركب البقر لئلا يفر من القتال ، ~~ويلبس الصوف الغليظ PageV25P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" ويرقع ثيابه ، وكان كثير العبادة والنسك ~~ويجلس إلى الأرض ليس بينه وبينها حائل ، فلما نزل واسط خرج إليه وجوه أهل ~~الموصل ، وكان هارون بمعلثايا يجمع لحرب محمد ، فلما سمع بنزول محمد عند ~~الموصل سار إليه ، ورحل ابن خرزاد نحوه ، فالتقوا ms5898 بالقرب من قرية شمرخ ~~واقتتلوا قتالا شديدا ، كان فيه مبارزة وحملات كثيرة ، فانهزم هارون وقتل ~~من أصحابه نحو مائتي رجل ، منهم جماعة من الفرسان المشهورين ، ومضى هارون ~~منهزما فعبر دجلة إلى العرب قاصدا بني تغلب فنصروه واجتمعوا إليه ، ورجع ~~محمد بن خرزاد من حيث أقبل وعاد هارون إلى الحديثة فاجتمع إليه خلق كثير ، ~~فكاتب أصحاب ابن خرزاد واستمالهم ، فأتاه منهم خلق كثير ، ولم يبق مع ابن ~~خرزاد إلا عشيرته من الشمردلية ، وهم أهل شهرزور كثير الأعداء من الأكراد ~~وغيرهم ، وكان هارون ببلد الموصل قد صلح حاله وحال أصحابه ، فمال إليه ~~أصحاب ابن خرزاد وقصدوه لهذا السبب ، وأوقع ابن خرزاد بالأكراد الجلالية ~~بنواحي شهرزور وغيرهم ، فقتل وتفرد هارون بالأمر وقوى ، وكثر أتباعه وغلبوا ~~على القرى والرساتيق ، وجعلوا على دجلة من يأخذ الزكاة من الأموال المنحدرة ~~والمصعدة ، وبثوا نوابهم في الرساتيق يأخذون الأعشار من الغلات . وفي سنة ~~اثنتين وسبعين ومائتين دخل هارون الموصل ، وصلى الجمعة بالناس وكان معه ~~حمدان بن حمدون . ذكر خروج محمد بن عبادة على هارون وكلاهما خارجي وفي سنة ~~ثمان وسبعين ومائتين خرج محمد بن عبادة ويعرف بأبي جورة ، وهو من بني زهير ~~على هارون ، وكان محمد هذا في أول أمره من الفقراء الصعاليك ، وكان هو ~~وأبناؤه يلتقطون الكمأة ويبيعونها إلى غير ذلك من الأعمال ، ثم إنه جمع ~~جماعة وحكم ، فاجتمع إليه أهل تلك النواحي والأعراب وقوي أمرهن وأخذ عشر ~~غلات وقبض الزكاة ، وسار إلى معلثايا فقاطعه أهلها على خمسمائة دينار ، ~~وجبي تلك الأعمال وبنى عند سنجار حصنا ، وحمل إليه الميرة والأمتعة ، وجعل ~~فيه ابنه أبا هلال PageV25P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" ومعه مائة وخمسون رجلا من وجوه بني زهير ~~وغيرهم ، ووصل الخبر إلى هارون فاجتمع رأيه ورأي وجوه أصحابه على قصد الحصن ~~أولا ، فإذا قرغوا منه ساروا إلى محمد بن عبادة ، فجمع أصحابه به فبلغوا ~~ألف فارس ومائتي فارس ومائة راجع ، فأحدق بالحصن وحصره ، ومحمد بن عبادة في ~~قبرثا لم يعلم بذلك ، وجد هارون في تلك أهل الحصن ، ونصب عليهم ms5899 السلاليم ~~وملكه ، فلما رأى من معه من بني تغلب تغلبه على الحصن أعطوا من فيه من بني ~~زهير الأمان ، بغير أمر هارون فشق ذلك عليه ، ألا أنه قتل أبا هلال بن محمد ~~ونفرا معه قبل الأمان ، ثم ساروا إلى محمد فوافوه وهو في أربعة آلاف رجل ، ~~فاقتتلوا فانهزم هارون ومن معه ، ووقف بعض أصحابه ونادى رجالا بأسمائهم ~~فاجتمعوا نحو أربعين رجلا ، وحملوا على ميمنة محمد فانهزمت ، وعادت الحرب ~~فانهزم محمد وأصحابه ، ووضعوا فيهم السيف فقتل منهم ألفان وأربعمائة رجل ~~وحجز بينهم الليل وجمع هارون مالهم فقسمه بين أصحابه ، وانهزم محمد إلى آمد ~~فأخذه صاحبها أحمد بن عيسى بن الشيخ بعد حرب وأسره ، وحمله إلى المعتضد ~~بالله فسلخ جلده كالشاة . ذكر انهزام هارون من عسكر الموصل كان المعتضد ~~بالله قد سار إلى ماردين في سنة إحدى وسبعين ، وخلف بالموصل نصر القشوري ~~يجبي الأموال ويعين العمال على جبايتهم فخرج عالم معلثايا إليها ومعه جماعة ~~من أصحاب نصر ، فوقع عليهم طائفة من الخوارج فاقتتلوا إلى أن أدركهم الليل ~~ففرق بينهم ، وقتل من الخوارج إنسان اسمه جعفر ، وهو من أعيان أصحاب هارون ~~، فعظم عليه ذلك وأمر أصحابه أن يفسدوا في البلاد ، فكتب نصر القشوري إلى ~~هارون يتهدده بقرب الخليفة ، وأنه إن هم به أهلكه وأصحابه ، فلا يغتر بمن ~~سار إلى حربه فعاد عنده بمكره وخديعته ، فأجابه هارون بجواب غليظ ، ومن ~~جملته وإنا وإياك كما قيل : فلا توعدونا باللقاء وأبرزوا . . . إلينا سوادا ~~نقله بسواد فبعث نصر جواب هارون إلى المعتضد بالله فجد في قصده ، وولى ~~الحسن بن علي كورة الموصل وأمره بقصد الخوارج ، وأمر كافة مقدمي الولايات ~~والأعمال بطاعته ، فجمعهم وسار إلى أعمال الموصل وخندق على نفسه ، وأقام ~~إلى أن رفع الناس غلاتهم ، ثم سار إلى الخوارج وعبر نهر الزاب إليهم ، ~~فالتقوا واقتتلوا قتالا PageV25P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" شديدا فانكشف الخوارج عنه ، ليفرقوا جمعيته ~~ثم يعطفوا عليهن فأمر الحسن أصحابه بلزوم مواقفهم ففعلوا ، ورجع هارون ~~وأصحابه وحملوا سبع عشرة حملة ، فانكشفت ميمنة الحسن وثبت هو ، فحمل ms5900 عيه ~~الخوارج حملة رجل واحد وهو ثابت ، وضرب على رأسه عدة ضربات فلم تؤثر فيه ، ~~فلما رأى أصحابه ثباته رجعوا إليه وقتلوا وصبروا ، فانهزم هارون ومن معه ~~وقتل خلق كثير ، وكانت هذه الواقعة في سنة اثنتي وثمانين ومائتين ، فتحير ~~هارون في أمره فقصد البرية ، ونزل عند بني تغلب ثم عاد إلى معلثايا ، ورجع ~~إلى البرية ثم رجع إلى دجلة ، وتكرر ما بين ذلك ، فلما رأى أصابه قوة دولة ~~الخليفة المعتضد بالله وراسلوا الخليفة في طلب الأمان ، فأمنهم فأتاه ~~ثلاثمائة وستون رجلا ، وبقي مع هارون بعضهم ، وهو يجول في البلاد إلى أن ~~قتل . ذكر مقتل هارون وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين سار المعتضد بالله إلى ~~الموصل ، ووصل إلى تكريت وأقام بها ، وأحضر الحسين بن حمدان وبعثه في طلب ~~هارون في جماعة من الفرسان والرجالة ، فانتخب الحسن ثلاثمائة رجل فسار بهم ~~، ومعه وصيف فقال له الحسين : مره يا أمير المؤمنين بطاعتي ، فقال الحسين ~~لوصيف ولمن معه ليقفوا هناك ، وقال : ليس لهارون طريق - إن هرب - غيرها ، ~~فلا تبرحوا من هذا الموضع حتى يمر بكم فتمنعوه من العبور وأكون أنا من خلفه ~~، ومضى الحسين في طلب هارون فلقيه ، واقتتلوا وقتل من الفريقين عدة قتلى ، ~~ثم انهزم هارون ، وأقام الوصيف على المخاضة ثلاثة أيام ، فقال له أصحابه : ~~قد طال مقامك ولسنا نأمل أن يأخذ حسين هارون ، فيكون الفتح له دوننا ، ~~والصواب أن تمضي في آثارهم فأعطاهم ومضى ، ولما فارق المخارضة جاء هارون ~~فعبرها ، وجاء الحسين في أثره إلى الموضع فلم يرى وصيفا وأصابه في الموضع ~~الذي تركهم فيه ، فعبر في أثر هارون وانتهى إلى حي من أحياء العرب ، فسأل ~~عنه فكتموه أمر فهددهم فأعلموه أنه اجتاز بهم ، فتبعه حتى أدركه بعد أيام ~~وهارون في نحو مائة رجل ، فناشده فأبى الحسين إلا قتاله ، وحاربه وألقى ~~نفسه عليه وأسره ، وجاء به إلى المعتضد بالله إلى بغداد فوصلها لثمان بقين ~~من شهر ربيع الأول ، وأدخل هارون على فيل ، وأرادوا أن يلبسوه ديباجا مشهرا ~~فامتنع ، وقال : هذا لا يحل ms5901 فألبسوه كارها ، ولما صلب نادى بأعلى صوته لا ~~حكم إلا لله ولو كره المشركون ، وكان هارون صفريا ، وكانت مدة خروج هذه ~~الطائفة ، منذ خرج مساور إلى أن أسار هارون ثلاثين سنة ، منها أيام مساور ~~عشر سنين ، ومدة خروج هارون عشرون سنة ، والله تعالى أعلم . PageV25P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" الباب التاسع من القسم الخامس من الفن الخامس ~~في أخبار من استقل بالملك والممالك بالبلاد الشرقية والشمالية في خلال ~~الدولة العباسية وهم ملوك خراسان وما وراء النهر والجبال وطبرستان وغزنه ~~والغور وبلاد السند والهند والدولة السامانية والدولة الصفارية والغزنوية ~~والغورية والدولة الديلمية الختلية . ذكر أخبار الدولة السامانية وقيامها ~~بما وراء النهر ونسب ملوكها وابتداء أمرهم كان أول من تبغ منهم وظهر اسمه ~~وولى من قبل الخلافة نصر بن أحمد بن أسد بن سامان خداه بن جمان بن طمغاث بن ~~نوشرد بن برام جوبين بن بهرام خشنش ، وكان بهرام خشنش من الري فجعله كسرى ~~هرمز مرزبان أذربيجان ، وكانت ولاية نصر بن أحمد ما وراء النهر في سنة إحدى ~~وستين ومائتين من قبل الخليفة المعتمد على الله العباسي ؛ وكان المأمون ، ~~لما ولى خراسان في خلافة أبيه الرشيد ، اصطنع أولاد أسد بن سامان ، وهم نوح ~~وأحمد ويحيى وإلياس ، فقدمهم ورفعهم واستعملهم ، فلما أفضت الخلافة إلى ~~المأمون ورجع إلى العراق استخلف غسان بن عباد ، فاستعمل غسان نوح بن أسد ~~على سمرقند ، وأحمد بن أسد على فرغانة ، ويحيى على الشاش وأشروسنة ، وإلياس ~~على هراة وذلك في سنة أربع ومائتين ، ثم أقرهم طاهر بن الحسين على هذه ~~الأعمال لما ولى خراسان ، ثم توفي PageV25P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" نوح بن أسد فأقر طاهر أخويه يحيى وأحمد على ~~عمله ، وكان أحمد بن أسد عفيفا عن المطاعم الدنية حسن السيرة ، لا يقبل رشا ~~، ففيه يقول الشاعر : ثوى ثلاثين حولا ولايته . . . فجاع يوم ثوى في قبره ~~حشمه وقيل إن هذا الشاعر إنما قيل في ابنه نصر . وأما إلياس فإنه أقام ~~بهراة إلى أن مات ، فأقر عبد الله بن طاهر ابنه أبا إسحاق محمد بن ms5902 إلياس ~~على عمله بهراة ، وكان لأحمد بن أسد سبعة بنين وهم : نصر وأبو يوسف يعقوب ~~وأبو زكريا يحيى وأبو الأشعث أسد وإسماعيل وإسحاق وأبو غانم حميد ، فلما ~~توفي أحمد بن أسد استخلف ابنه نصرا على أعماله بسمرقند ، فبقي عامل عليها ~~إلى آخر الأيام الطاهرية وبعدها إلى أن مضى لسبيله ، وكان إسماعيل بن أحمد ~~يخدم أخاه نصرا ، فولاه بخارى في سنة إحدى وستين ومائتين ، فهذا ابتداء ~~أمرهم على سبيل الاختصار . وهذه الولاية هي أول ولاية كانت لملوك هذه ~~الدولة ولأهل هذا البيت من قبل الخليفة ، ففي هذه السنة كان ابتداء دولتهم ~~، وأول من استقل منهم بالولاية نصر هذا في هذا التاريخ ، وكان قبل ذلك يلي ~~الأعمال من قبل عمال خراسان ، قال : ثم وقع - خلاف - بين نصر وأخيه إسماعيل ~~مرة بعد أخرى حتى أفضى ذلك إلى الحرب بينهما ، فتحاربا في خمس وسبعين ~~ومائتين ، فظفر إسماعيل بأخيه نصر فلما جيء به إليه ترجل إسماعيل له ، وقبل ~~يده ورده إلى موضعه بسمرقند ، وتصرف في النيابة عنه ببخاري وصلح ما بينهما ~~، وكان إسماعيل خيرا يحب أهل العلم والدين ويكرمهم ، وببركتهم دام الملك في ~~عقبة من بعده . حكي عن أبي إبراهيم إسماعيل بن أحمد هذا قال : كنت بسمرقند ~~فجلست للمظالم وجلس أخي إسحاق إلى جانبي ، فدخل أبو عبد الله محمد بن نصر ~~الفقيه الشافعي فقمت له إجلالا لعلمه ودينة ، فلما خرج عاتبني أخي وقال : ~~أنت أمير خراسان PageV25P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" يدخل عليك رجل من رعيتك فتقوم له فتذهب ~~السياسة بهذا قال إسماعيل فبت في تلك الليلة فرأيت النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، كأني واقف أنا وأخي إسحاق ، فأقبل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وأخذ بعضدي وقال لي : يا إسماعيل ثبت ملكك وملك بنيك بإجلالك محمد بن نصر ، ~~ثم التفت إلى إسحاق وقال : ذهب ملكك وملك بنيك باستخفافك بمحمد ابن نصر . ~~ذكر وفاة نصر وقيام أخيه إسماعيل وفي سنة تسع وسبعين ومائتين توفي نصر بن ~~أحمد ، وكانت مدة استقلاله بالأمر ثماني عشرة سنة تقريبا ، وكان دينا عاقلا ms5903 ~~حسن الشعر ، ولما مات قام مقامه في أعماله بما وراء النهر أخوه إسماعيل ابن ~~أحمد . وفي سنة ثمانين ومائتين غزا إسماعيل بلاد الترك ، وافتتح مدينة ~~ملكهم وأسر أباه وامرأته خاتون ونحوا من عشرة آلاف ، وقتل منهم خلقا وأصاب ~~من الدواب ما لا يعلم عدده ، وأصاب الفارس من الغنيمة ألف درهم . ذكر ملك ~~إسماعيل خراسان وفي سنة سبع وثمانين ملك خراسان من عمرو بن الليث الصفار ، ~~وسبب ذلك أن عمرا كان قد أرسل إلى الخليفة المعتضد بالله يطلب منه أن يوليه ~~ما وراء النهر ، فوجه إليه الخلع واللواء بذلك ، وكان هو إذ ذاك بنيسابور ، ~~فوجه لمحاربة إسماعيل محمد بن بشير - وكان صاحبه وخليفته - وعشرة من قواده ~~، فتوجهوا إلى آمل فعبر إليهم إسماعيل نهر جيحون ، والتقوا فهزمهم وقتل ~~محمد بن بشير في نحو سنة آلاف رجل ، وبلغ المنهزمون إلى عمرو بنيسابور وعاد ~~إسماعيل إلى بخاري ، فتجهز عمرو لقصده وسار من بينسابور نحو بلخ ، فراسله ~~إسماعيل يستعطفه ويقول : إن ولايتك قد اتسعت ولك دنيا عريضة ، وأنه ليس ~~بيدي إلا ما وراء النهر ، وأنا في ثغر فاقنع بما في يدك واتركني ، فأبى ~~عمرو إلا قتاله ، فذكر أصحاب عمرو له شدة العبور إلى نهر بلخ ، فقال : لو ~~شئت أن أسكره ببدر الأموال لفعلت ، وسار إسماعيل نحوه وعبر النهر إلى ~~الجانب الغربي ، ونزل عمرو بلخ وأخذ إسماعيل عليه النواحي لكثرة جيوشه ، ~~فبقي PageV25P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" عمرو كالمحاصر فطلب المحاجزة فأبى إسماعيل ، ~~والتقوا واقتتلوا فلم يكن بينهم كبير قتال حتى ولى عمرو هاربا ، ومر بأجمة ~~في طريقه فقبل له إنها أقرب الطرق فقصدها في نفر يسير وقال لعامة من معه : ~~اسلكوا الطريق الواضح ، ودخل الأجمة فوحل به فرسه ومضى من معه ، فجاء أصحاب ~~إسماعيل فأخذوه أسيرا ، فسيره إسماعيل إلى سمرقند ، فلما وصل الخبر إلى ~~المعتضد ذم عمرا ومدح إسماعيل ، وقال : ثم خيره إسماعيل بين المقام عنده أو ~~إنفاذه إلى المعتضد فاختار التوجه إلى الخليفة فسيره إليه ، كانت هذه ~~الوقعة في شهر ربيع الأول من السنة . وأرسل الخليفة ms5904 المعتضد بالله إلى ~~إسماعيل الخلع ، وولاه ما كان بيد عمرو وخلع على نائبه بالحضرة وهو المعروف ~~بالمرزباني ، فاستولى إسماعيل على خراسان وصارت بيده . ذكر ملكة طبرستان ~~وفي سنة سبع وثمانين أيضا ملك إسماعيل طبرستان من محمد بن زيد العلوي ، ~~وسبب ذلك أنه سار لقصد خراسان ، ظنا منه أن إسماعيل لا يتجاوز ما وراء ~~النهر ، فبعث إليه ينهاه عن التعرض إليها وترك له جرجان فامتنع من ذلك ، ~~فندب إسماعيل لقتاله محمد بن هارون فالتقوا واقتتلوا على باب جرجان ، ~~فانجلت الحرب عن انهزام العلوي بعد أن جرح عدة جراحات وأسر ابنه زيد بن ~~محمد ، وحمل إلى إسماعيل فأكرمه وأحسن ، وسار محمد بن هارون إلى طبرستان ~~وملكها ، وتولاها من قبل إسماعيل . ثم استولى محمد بن هارون على الري في ~~شهر رجب سنة تسع وثمانين بعد أن خلع طاعة إسماعيل ، وكان أهل الري قد ~~كاتبوه في تسليمها إليه ، فسار إليهم فحاربه واليها وهو اكرتمش التركي ، ~~فقتله محمد وقتل ابنيه وأخاه كيغلغ وهو من قواد الخليفة . ذكر القبض على ~~محمد بن هارون ووفاته وفي سنة تسعين ومائتين أنفذ المكتفى بالله عهدا إلى ~~إسماعيل بولاية الري ، فسار إليها ففارقها ابن هارون إلى قزوين ثم عاد إلى ~~طبرستان ، واستعمل ، إسماعيل PageV25P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" على جرجان بارس التركي الكبير ، وألزمه إحضار ~~محمد بن هارون ، فكاتبه بارس وضمن له إصلاح أمره ، فقصد بخاري فلما بلغها ~~قيد وحمل على جمل ، وحبس فمات بعد شهرين محبوسا ؛ وكان ابتداء أمر محمد بن ~~هارون أنه كان خياطا ، ثم جمع جمعا من أهل الفساد وقطع الطريق في مفازة ~~سرخس مدة ثم استأمن إلى رافع بن هرثمة وبقي معه إلى أن انهوم من عمرو ~~الصفار فاستأمن إلى إسماعيل الساماني فسيره إسماعيل لقتال العلوي كما ~~قدمناه ثم خرج عليه كما ذكرنا . وفي سنة إحدى وتسعين ومائتين خرجت الترك في ~~خلق كثير لا يحصون كثرة ، وكان عسكرهم سبعمائة قبة تركية ، ولا تكون القبة ~~التركية إلا لرؤساتهم ، فوجه إليهم إسماعيل جيشا عظيما وتبعهم خلق من ~~المطوعة فوصلوا إلى ms5905 الترك وهم غادون ، فكسبهم المسلمون في الصبح فقتلوا ~~منهم خلقا كثيرا وانهزم الباقون لأقبح هزيمة . ذكر وفاة إسماعيل وولاية ~~ابنه أحمد كانت وفاته في منتصف صفر سنة خمس وتسعين ومائتين ، ولقب بعد موته ~~بالماضي ، وكان رحمة الله تعالى عاقلا عادلا حسن السيرة في رعيته حليما . ~~حكى عنه أنه كان لولده أحمد مؤدب يؤدبه ، فمر به الأمير إسماعيل فسمع ~~المؤدب يسبه ، ويقول : لا بارك الله فيك ولا فيمن ولدك ، فدخل عليه وقال : ~~يا هذا نحن لم نذنب ذنبا فتسبنا ، فهل ترى أن تعفينا من سبك ، وتخص المذنب ~~بذمك وشتمك ؟ فارتاع المؤدب وخرج إسماعيل عنه ، وأمر له بصلة جزاء لخوفه ~~منه . وجرى بين يديه ذكر الأنساب والأحساب فقال لبعض جلسائه : كن عصاميا ~~ولا تكن عظاميا . ومن مكارمه وآدابه أنه ولى بعد أخيه نصر واستقل بالأمر ~~استمر يكاتب أصحابه وأصدقاءه بما كان يكاتبهم به أولا ، فقيل له في ذلك ~~فقال : يجب علينا إذا زادنا الله رفعة إلا ننقص إخواننا ، بل نزيدهم رفعة ~~وعلاء وجاها ليزيدوا لنا خلوصا وشكرا ؛ وكانت مدة ولايته منذ أفضى الأمر ~~إليه بعد وفاة أخيه ست عشرة سنة . ولما مات ولى بعده ابنه : أبو نصر أحمد ~~بن إسماعيل قال : ولما استوثق له الأمر ببخاري قصد بالخروج إلى الري فأشار ~~عليه إبراهيم بن زيدوية بقصد سمرقند ، والقبض على عمه إسحاق بن أحمد لئلا ~~يخرج عليه ، فاستدعى عنه إلى بخاري فحضر إليه واعتقله بها ، ولم يزل سنة ~~ثمان PageV25P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" وتسعين فأطلقه وأعاده إلى سمرقند وفرغاته ، ~~قال : ولما قبض على عمه عبر إلى خراسان ، فلما ورد نيسابور هرب بارس الكبير ~~من جرجان إلى بغداد خوفا منه ، كان لخوفه منه أسباب منها : أن الأمير ~~إسماعيل كان قد استعمل ابنه أحمد على جرجان - ولما أخذها من محمد بن زيد - ~~ثم عزله عنها ، واستعمل عليها بارس الكبير ، فاجتمع عند بارس أموال عظيمة ~~من خراج الري وطبرستان ، فحملها إلى إسماعيل فلما سارت عنه بلغه وفاة ~~إسماعيل فردها وأخذها ، فلما قاربه أحمد خافه فكتب إلى المكتفي ms5906 بالله ~~يستأذنه في المصير ، فأذن له فسار إلى بغداد في أربعة آلاف فارس ، فوصل ~~إليها بعد وفاة المكتفي وولاية المقتدر ، فأعجب المقتدر فسيره إلى بني ~~حمدان بعسكره وولاه ديار ربيعة ، فخافه أصحاب الخليفة أن يتقدم عليهم ، ~~فدسوا عليه غلاما له فسمه فمات بالموصل ، واستولى غلامه على أمواله وتزوج ~~بامرأته . ذكر استيلاء أحمد بن إسماعيل على سجستان وفي شهر رجب سنة ثمان ~~وتسعين ومائتين استولى على سجستان ، وذلك أنه لما استتب ملكه واستقرت ~~قواعده سار في سنة سبع وتسعين ومائتين إلى الري ، وكان مسكنه ببخارى ثم سار ~~إلى هراة ، فسير منها جيشا في المحرم سنة ثمان وتسعين إلى سجستان وعدة من ~~قواده ، واستعمل عليهم الحسين بن علي المروروزي ، وكان بسجستان المعدل بن ~~علي بن الليث الصفار ، وهو صاحبها ، فسير المعدل أخاه أبا علي محمد إلى بست ~~ليجني أموالها ، فسار الأمير أحمد إليه ببست وحاربه ، وأخذه أسيرا وعاد به ~~إلى هراة ، وتوجه الحسين إلى سجستان وحصر المعدل ، فلما بلغه أن أخاه أسر ، ~~صالح الحسين واستأمن له ، واستولى الحسين على سجستان ، واستعل عليها الأمير ~~أحمد أبا منصور بن إسحاق - وهو ابن عنه - وعاد الحسين ومعه المعدل إلى ~~بخارى ، وقال : ولما استولى على سجستان سار سبكرى من فارس إليها على طريق ~~المفازة ، فسير إليه أحمد جيشا فأخذوه أسيرا واستولى على عسكره ، وكتب ~~الأمير أحمد بذلك إلى المقتدر بالله فشكره ، وأمره أن يحمل السبكرى ومحمد ~~ابن علي بن الليث إلى بغداد ، فسيرهما فأدخلا مشهورين على فيلين ، وأعاد ~~المقتدر رسل أحمد بالتحف والهدايا . PageV25P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" ثم خالف أهل سجستان على الأمير أحمد في سنة ~~ثلاثمائة ، وسبب ذلك أن محمد بن هرمز المعروف بالمولى الصندلي كان خارجى ~~المذهب ، وأقام ببخارى وهو من أهل سجستان وكان شيخا كبيرا ، فجاء يوما إلى ~~الحسين بن علي العارض يطلب رزقه ، فقال له : إن الأصلح لمثلك من الشيوخ أن ~~يلزم رباطا ، يعبد اله فيه حتى يوافيه أجله ، فغاظه ذلك وانصرف إلى سجستان ~~، فاستمال جماعة من الخوارج ، وكان رئيسهم محمد بن العباس ms5907 المعروف بابن ~~الحفار ، ودعا لعمرو بن يعقوب بن محمد بن عمرو بن الليث الصفار ، فقبضوا ~~على منصور بن إسحاق وحبسوه وخطبوا لعمرو وسلموا إليه سجستان ، فلما بلغ ~~الخبر الأمير أحمد سير الجيوش مع الحسين بن علي فحصرها تسعة أشهر ، فصعد ~~يوما محمد بن هرمز الصندلي إلى السور ، وقال : ما حاجتكم إلى أذى شيخ كبير ~~لا يصلح إلا للزوم رباط ؟ ثم مات الصندلي فاستأمن عمرو بن يعقوب الصفار ~~ولبن الحفار إلى الحسين ، وأطلقوا منصور بن إسحاق ، وكان الحسين يكرم ابن ~~الحفار ويقربه ، فوطأ ابن الحفار جماعة على الفتك بالحسين ، فبلغ الحسين ~~ذلك فقبض عليه وأخذه معه إلى بخارى ، واستعمل أحمد على سجستان سيمجور ~~الدواتي ، فتوجه إلى سجستان واستصحب معه عمرو بن يعقوب وابن الحفار ، فتوفي ~~ابن الحفار . ذكر مقتل الأمير أحمد وولاية ابنه نصر وفي سنة إحدى وثلاثمائة ~~خرج الأمير أحمد إلى الصيد ، وكان له أسد يربط على باب مبيته في كل ليلة ، ~~فلما كان في ليلة قتله أغفل الغلمان إحضار الأسد ، فدخل إليه نفر من غلمانه ~~فذبحوه على سريره وذلك في ليلة الخميس لسبع بقين من جمادى الآخرة ، فحمل ~~إلى بخارى فدفن بها وقتل بعض أولئك الغلمان ، ولقب بعد موته بالشهيد وكانت ~~مدة ولايته ست سنين وأربعة أشهر وأياما . أبو الحسن نصر بن أحمد وهو الرابع ~~من الملوك السامانية . قال : ولما قتل والده كان عمره ثماني سنين ، فبايعه ~~أصحاب والده وكان القائم ببيعه أحمد بن محمد بن الليث متولي بخارى ، ~~PageV25P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" فحمله على عاتقه فقال : أتريدون أن تقتلوني ~~كما فعلتم بأبي ، قالوا : لا وإنما نريد أن نضعك في موضع أبك أميرا ، فسكن ~~روعه ، وبايعوا له ولقب بالسعيد ، فاستصغره الناس وظنوا أن أمره لا ينتظم ~~مع وجود عم أبه - الأمير إسحاق ، وقوته وكونه شيخ السامانية وصاحب سمرقند ، ~~وميل الناس بما وراء النهر إليه وإلى أولاده ، فكان الأمر بخلاف ما ظنه ~~الناس ، وطالت مدته ونافت على ثلاثين سنة . قال : وتولى تدبير دولته أبو ~~عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني ، فأمضى ms5908 الأمور وضبط الملكة ، واتفق هو ~~وحشم نصر بن أحمد على تدبير الأمر فأحكموه بالحضرة ، وإنما طمع أصحاب ~~الأطراف في البلاد ، وكان ممن خرج عن طاعته أهل سجستان ، فانصرف عنها ~~سيمجور الدواتي فولاها المقتدر بالله بدرا الكبير . ذكر خروج إسحاق بن أحمد ~~وابنه إلياس قال : ولما توفي الأمير أحمد وولى ابنه نصر خالف عليه عم أبيه ~~الأمير إسحاق بن أحمد - وكان يلي سمرقند - وخالف ابنه إلياس ، وقوى أمرهما ~~، فسارا نحو بخارى فسار إليهم حمويه بن علي في عسكر كثيف ، والتقوا قتالا ~~شديدا فانهزم إسحاق إلى سمرقند ، وذلك في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثمائة ، ~~ثم عاد وجمع مرة ثانية والتقوا فانهزم إسحاق ثانيا ، وتبعه حميه إلى سمرقند ~~فملكها قهرا ، واختفى إسحاق فشدد عليه الطلب وضيق عليه ، فاستأمن إلى حمويه ~~فأمنه وحمله إلى بخارى ، فأقام بها إلى أن مات . وأما ابنه إلياس فسار إلى ~~فرغانة فكان بها إلى أن خرج في سنة ست عشرة . ذكر مخالفة منصور بن إسحاق ~~وفي سنة اثنتين وثلاثمائة خالف منصور بن إسحاق بن أحمد ، على الأمير نصر بن ~~أحمد ، ووافقه على ذلك الحسين بن علي المروروذي ومحمد بن حيد ، وكان سبب ~~ذلك أن الحسين لما فتح سجستان في الدفعة الأولى في أيام الأمير أحمد بن ~~إسماعيل طمع أن يتولاها ، فولاها منصور بن إسحاق ، ثم افتتحها ثانيا وظن ~~أنه يتولاها ، فوليها سيمجور على ما قدمناه ، فاستوحش لذلك ونفر خاطره ، ~~وتحدث مع منصور بن إسحاق في الموافقة والتعاضد بعد موت الأمير أحمد ، على ~~أن يكون إمارة خراسان لمنصور ويكون الحسين خليفته ، فلما قتل الأمير أحمد ~~كان منصور بنيسابور والحسين بهراة ، فأظهر الحسين العصيان وسار إلى منصور ~~بنيسابور ، يحثه على ما اتفقا عليه فوافقه منصور ، وأظهر الخلاف وخطب ~~لمنصور بنيسابور ، PageV25P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" فتوجه إليهما حمويه بن علي من بخارى في عسكر ~~كثيف ، فاتفق وفاة منصور ، فقيل سمه الحسين ، فلما قاربه حمويه سار الحسين ~~عن نيسابور إلى هراة وأقام بها ، وكان محمد بن حيد يلي مدة بخارى مدة طويلة ~~، ويسير منها ms5909 إلى نيسابور في شغل يقوم به ، فوردها ثم عاد منها بغير أمر ، ~~فكتب إليه من بخارى بالإنكار فخاف على نفسه ، فدل عن الطريق إلى الحسين ~~بهراة فقوى به ، وسار إلى نيسابور واستولى عليها ، واستخلف بهراة أخاه ~~منصور ابن علي ، فسير إليه من بخارى أحمد بن سهل لقتاله ، فابتدأ أحمد ~~بهراة فحصرها وأخذها ، واستأمن إليه منصور بن علي ، ثم سار أحمد ابن سهل ~~منها إلى نيسابور ، وكان وصوله إليها في شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثمائة ، ~~فنازل الحسين إلى أن انهزم أصحابه ، فأسره ابن سهل وأقام بنيسابورن وكان ~~ابن حيد بمرو فلما بلغه استيلاء أحمد بن سهل على نيسابور ، وأسره للحسين بن ~~علي سار إليه ، فقبض عليه ابن سهل وأخذ ماله وسواده وسيره والحسين إلى ~~بخارى فحبس الحسين بن علي ببخارى إلى أن خلصه أبو عبد الله الجيهاني ، وسير ~~ابن حيد إلى خوارزم فمات بها ، ثن عاد الحسين بن علي بعد خلاصه إلى خدمة ~~الأمير نصر بن أحمد . قال : ولما ظفر أحمد بن سهل بالحسين أقام بنيسابور ~~واستولى عليها ، وخالف على الأمير نصر وقطع خطبته ، وسار من نيسابور إلى ~~جرجان وبها قراتكين ، فحاربه واستولى عليها وأخرجه عنها ، ثم عاد إلى ~~خراسان واستولى على مرو وبنى عليها سورا وتحصن بها ، فأرسل الأمير نصر ~~الجيوش مع حمويه بن علي من بخارى ، فوافى مرو الروذ وأقام بنواحيها فلم ~~يخرج إليه أحمد بن سهل ، فلما رأى حمويه أنه لا يخرج إليه وأنه تحصن بمرو ~~شرع في أعماله الحيلة ، وأمر جماعة من أصحابه بمكاتبة أحمد سرا وإظهار ~~الميل إليه ، ودعوه إلى الخروج إليهم ليسلموا حمويه إليه ، فأجابهم إلى ذلك ~~وخرج إليه فالتقوا على مرحلة من مرو الروذ ، في شهر رجب سنة سبع وثلاثمائة ~~، فانهزم أصحاب أحمد وحارب هو حتى عجزت دابته فنزل عنها ، واستأسر فأخذ ~~أسيرا وأنفذه حمويه إلى بخارى فمات بها في ذي الحجة من السنة في الحبس . ~~PageV25P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" ذكر خروج إلياس بن إسحاق بن أسد ثانيا قد ~~ذكرنا أنه لما انهزم مع ms5910 أبيه بفرغانة ، فلما كان في سنة ثلاث عشرة ~~وثلاثمائة استعان بمحمد بن الحسين بن مت ، وجمع طائفة من الترك فاجتمع معه ~~ثلاثون ألف عنان ، فقصد سمرقند ، فسير إليه الأمير السعيد أبا عمرو محمد بن ~~أسد في ألفين وخمسمائة رجل ، فمكنوا خارج سمرقند في يوم ورود إلياس إليها ، ~~فاشتغل هو ومن معه بالنزول فخرج عليهم الكمين من بين الشجر ، ووضعوا فيهم ~~السيف فانهزم إلياس وأصحابه ، فوصل إلياس إلى فرغانة ووصل ابن مت إلى طراز ~~، فقبض عليه دهقان الناحية وقتله وأنفذ رأسه بخارى ، ثم عاد إلياس فأخرج ~~مرة ثالثة ، وأعانه أبو الفضل بن أبي يوسف صاحب الشاش ، فسير إليه السعيد ، ~~محمد بن اليسع فحاربهم ، فانهزم إلياس إلى كاشغر وأسر أبو الفضل وحمل إلى ~~بخارى فمات بها ، وصار إلياس إلى دهقان كاشغر طغانتكين واستقر بها . ثم ولى ~~محمد بن المظفر فرغانة فرجع إلياس بن إسحاق إليها ، فحاربه فهزمه مرة أخرى ~~فعاد إلى كاشغر ، فكاتبه محمد بن المظفر واستماله ولطف به فحضر إلى بخارى ، ~~فأكرمه السعيد وصاهره فأقام عنده . ذكر استيلاء السعيد على الري وفي سنة ~~أربع عشرة وثلاثمائة كتب المقتدر بالله إلى الأمير السعيد بولاية الري ، ~~وأمره أن يقصدها ويأخذها من غلام يوسف بن أبي الساج فسار إليها واستولى ~~عليها وأخرج فاتك عنها في جمادى الآخرة ، وأقام بها شهرين ، وولى عليها ~~سيمجور الدواني وعاد إلى بخارى ، ثم استعمل عليها محمد بن صعلوك فوصل إليها ~~وأقام بها إلى أوائل شعبان من السنة ، فمرض فكاتب الحسن الداعي وما كان في ~~القدوم عليه ليسلم الري لهما ، فقدما وتسلما الري ، وسار عنها وبلغ ~~الدامغان . PageV25P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" ذكر مخالفة جعفر بن أبي جعفر بن أبي داود ~~وعوده كان جعفر مقيما بالختل واليا عليها للسامانية ، فبدت منه أمور نسب ~~فيها للتقصير ، فكوتب أبو علي أحمد بن محمد بن المظفر بقصده ، فسار إليه ~~وحاربه وقبض عليه وحمله إلى بخارى ، فحبس بها إلى أن خالف أبو ذكريا على ~~الأمير السعيد فأخرجه وصحبه ، ثم استأذنه في العود إلى ولاية الختل فأذن ms5911 له ~~، فسار إليها وتمسك بطاعة الأمير السعيد ، وذلك في سنة ثماني عشرة ~~وثلاثمائة . ذكر خروج أبي زكريا وأخويه ببخارى وفي سنة ثماني عشرة ~~وثلاثمائة خرج أبو زكريا يحيى وأبو صالح منصور وأبو إسحاق إبراهيم - أولاد ~~أحمد بن إسماعيل الساماني ، على أخيهم السعيد نصر بن أحمد ، وكان سبب ذلك ~~أن أخاهم قد حبسهم في القهندز ببخارى ، ووكل بهم من يحفظهم فتخلصوا منه ، ~~وسبب خلاصهم أن رجلا يعرف بأبي بكر الخباز الأصفهاني كان يقول - إذا جرى ~~ذكر السعيد نصر - : إن له منى طويل البلاء والعناء ، فكان الناس يضحكون منه ~~، فخرج السعيد إلى نيسابور واستخلف على بخارى أبا العباس الكوسج ، وكانت ~~وظيفة إخوته تحمل إليهم من عند هذا الخباز وهم في السجن ، فسعى لهم مع ~~جماعة من أهل العسكر فأجابوه إلى ذلك ، فأعلمهم بما فعل ، فلما سار السعيد ~~عن بخارى تواعد هؤلاء للاجتماع بباب القهندز في يوم جمعة ، وكان الرسم ألا ~~يفتح باب القهندز في يوم الجمعة إلا بعد العصر ، فلما كان يوم الخميس دخل ~~أبو بكر الخباز إلى القهندز وبات فيه ، وجاء من الغد إلى الباب وأظهر الزهد ~~للبواب ، وسأله أن يفتح له لئلا تفوته صلاة الجمعة وأعطاه خمسة دنانير ، ~~فلما فتح الباب صاح الخباز بمن واعدهم ، فوثبوا بالبواب وقبضوا عليه وخرج ~~إخوة السعيد وجميع من في الحبس من الديلم والعلويين والعيارين ، واجتمعوا ~~إليهم من كان قد وافقهم من العسكر ، ورئيسهم شيروين الجيلي وغيره من القواد ~~، فعظمت شوكتهم ونهبوا خزائن السعيد ودوره واختص يحيى بن أحمد بأبي بكر ~~الخباز وقربه وقدمه PageV25P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" وجعله من قواده ، وبلغ السعيد هذا الخبر فسار ~~من نيسابور إلى بخارى ، فوكل يحيى بالنهر أبا بكر الخباز ليمنع السعيد من ~~عبوره ، فظفر السعيد به وأخذه أسيرا ، وعبر النهر إلى بخارى وبالغ في تعذيب ~~الخباز ، ثم أحرقه في التنور الذي كان يخبز فيه ، وسار يحيى من بخارى إلى ~~سمرقند ثم خرج منها ، وبقي يكرر الدخول إلى البلاد والسعيد في طلبه ، ~~واستمرت هذه الفتنة ثائرة إلى سنة عشرين وثلاثمائة ms5912 ، فأنفذ السعيد الأمان ~~إلى أخيه يحيى فجاء إليه هو وأخوه منصور ، وزالت الفتنة وسكن الشر ، وأما ~~إبراهيم فإنه هرب إلى بغداد ثم إلى الموصل . ذكر ولاية محمد بن المظفر ~~خراسان وفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة استعمل الأمير نصر بن أحمد ، أبا بكر ~~محمد بن المظفر بن محتاج على جيوش خراسان ، ورد إليه تدبير الأمور بنواحيها ~~جميعا ، وكان سبب تقدم محمد عنده أنه كان يوما بين يدي السعيد - وهو يحادثه ~~في بعض مهماته - فلسعته عقرب في إحدى رجليه عدة دفعات ، ولم يتحرك ولا ظهر ~~عليه أثر ذلك ، فلما فرغ من حديثه وعاد إلى منزله خفه وقتل العقرب ، فاتصل ~~الخبر بالأمير السعيد فأعجب به ، وقال له : ما عجبت إلا من فراغ بالك ~~لتدبير ما قلته لك فهلا قمت وأزلتها فقال : ما كنت لأقطع حديث الأمير بسبب ~~عقرب ، وإذ لم أصبر بين يديك على لسعة عقرب ، فكيف أصبر - عند البعد منك - ~~على حد سيوف أعداء دولتك ، إذا دفعتهم عن مملكتك ؟ فعظم محله عنده وأعطاه ~~مائتي ألف درهم ، ثم استعمله على خراسان فأقام واليا عليها إلى سنة سبع ~~وعشرين وثلاثمائة ، فاستقدمه واستعمل ابنه أبا على أحمد بن محمد ، وكان سبب ~~ذلك أن أبا بكر مرض مرضا شديدا فعزله واستعمل ابنه في شهر رمضان ، فأقام ~~بها ثلاثة أشهر وهو يتجهز ويستعد ، وسار في المحرم سنة ثمان وعشرين إلى ~~جرجان فاستولى عليها وأخذها من ما كان ابن كالي ، لأن ما كان كان قد خلع ~~طاعة السعيد بعد أن حاصرها أبو علي بقية السنة ، واستخلف إبراهيم بن سيمجور ~~الدواتي ، ثم استولى أبو علي على الري في سنة تسع وعشرين ، ثم استولى على ~~بلد الجبل زنكان وأبهر وقزوين وقم وكرج وهمذان ونهاوند والدينور إلى حدود ~~حلوان ، وذلك في سنة ثلاثين ، ورتب فيها العمال وجبى أموالها ، ورحل إلى ~~جرجان في سنة إحدى وثلاثين في جمادى الآخرة ، فأتاه الخبر بوفاة السعيد ~~فسار إلى خراسان . PageV25P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" ذكر وفاة الأمير السعيد نصر بن أحمد وشيء من ~~سيرته كانت وفاته في ms5913 شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة ، وكانت علته السل ~~فأقام به ثلاثة عشر شهرا ، ولم يكن قد بقي من مشايخ دولتهم أحد ، وكانت ~~ولايته ثلاثين سنة وثلاثة وثلاثين يوما وعمره ثمانيا وثلاثين سنة . وكان ~~عالما ذا حلم وكرم وعقل ، ومن مكارمه ولين جانبه أن بعض الخدم سرق جوهرا ~~نفيسا ، وباعه على بعض التجار بثلاثة عشر ألف درهم ، فحضر التاجر عند ~~السعيد وأعلمه أنه اشترى جوهرا نفيسا لا يصلح إلا للسلطان ، وأحضر الجوهر ~~فحين رآه السعيد عرفه ، فسأل عن ثمنه ومن أين اشتراه ، فذكر الخادم والثمن ~~فأربحه ألفي درهم ، ثم سأله التاجر في دم الخادم فقال : لا بد من أدبه ، ~~وأما دمه فهو لك ، فأحضره وأدبه ثم أنفذه إلى التاجر ، وقال : كنا وهبنا لك ~~دمه ، وقد أنفذناه إليك . وحكى عنه أنه لما خرج عليه أخوه أبو زكريا ونهبت ~~خزائنه وأمواله ، فلما عاد السعيد إلى ملكه قيل له عن جماعة انتهبوا أمواله ~~فلم يعترض إليهم ؛ وأخبر أن بعض السوقة اشترى منها سكينا نفيسا بمائتي درهم ~~، فأرسل إليه وأعطاه الثمن فأبى أن يبيع السكين إلا بألف درهم ، فقال ~~السعيد : ألا تعجبون من هذا الرجل أرى عنده مالي فلم أعاتبه وأعطيه حقه ~~فيشتط في الطلب ثم أمر بإرضائه . ولما طال مرضه أقبل على الصلاة والعبادة ، ~~وبنى له بيتا وسماه ببيت العبادة ، فكان يلبس ثيابا نظافا ويمشي إليه حافيا ~~ويصلي ويدعو ويتضرع ، ولما دفن عند قبر والده رحمهما الله . وولى بعده ~~الأمير : نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد وهو الخامس من الملوك ~~السامانية قال : بويغ له بعد وفاة أبيه في شهر رجب سنة إحدى وثلاثين ~~وثلاثمائة ولقب الأمير الحميد ، وفوض أمر تدبير دولته وملكه إلى أبي الفضل ~~محمد بن أحمد الحاكم ، وصدر عن رأيه ، ولما هرب منه أبو الفضل بن أحمد بن ~~حمويه - وهو من أكابر أصحاب أبيه - فأمنه وأعاده وأحسن إليه ، وولاه سمرقند ~~. PageV25P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" وفي سنة اثنتي وثلاثين وثلاثمائة خالف عبد ~~الله بن أشكام على الأمير نوح ، وامتنع بخوارزم ms5914 ، فسار نوح من بخاري إلى ~~مرو بسببه وسير إليه جيشا وجعل عليهم إبراهيم بن بارس ، فمات إبراهيم في ~~الطريق ، وكاتب ابن أشكام ملك الترك واحتمى به وكان الملك الترك ولد عند ~~نوح في اعتقاله ببخاري ، فراسل نوح أباه في إطلاقة ليقبض على ابن أشكام ، ~~فأجاب ملك الترك إلى ذلك ، فلما علم ابن أشكام بذلك عاد إلى الطاعة ، وفارق ~~خوارزم فعفا عنه نوح وأكرمه . ذكر مخالفة أبي علي بن محتاج على أمير الحميد ~~وفي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة خالف أبو علي بن محتاج على الأمير الحميد ~~نوح ، وسبب ذلك أنه كان قد جهز للمسير إلى الري فأنفذ إليه عارضا يستعرض ~~العسكر ، فأسقط العارض جماعة منهم وأساء إلى أبي علي ، فنفرت قلوب الجند ~~وساروا وهم كذلك ، وانضاف إلى ذلك أن نوحا أنفذ معه من يتولى أعماله ~~الديوان ، وجعل إليه الحل والعقد والإطلاق ، بعد أن كن جميع ذلك أيام ~~السعيد لأبي علي ، فازدا قلبه نفور لذلك ، ثم عزله عن خراسان واستعمل عليها ~~إبراهيم بن سيمجور ، ثم إن المتولي أساء إلى الجند في أرزاقهم فنفروا وشكا ~~بعضهم إلى بعض ، وهم إذ ذلك بهمذان ، فاتفق رأيهم على مكاتبة الأمير ~~إبراهيم بن أحمد ، عم الأمير نوح ، وكان كما قدمناه في خدمة الأمير ناصر ~~الدولة بن حمدان بالموصل ، فأظهروا أبا علي على ذلك فنهاهم عنه ، فتواعدوه ~~بالقبض عليه إن خالفهم ، فأجابهم إلى ما طلبوه وكاتبوا إبراهيم ، فحضر ~~إليهم في شهر رمضان في تسعين فارسا وساروا في شوال في خدمته إلى الري ، ~~فلما وصلوا إليها اطلع أبو علي أن أخاه الفضل كتب إلى الأمير نوح بخبره ، ~~فقيض عليه وعلى المتولي الذي أساء إلى الجند ، وسار إلى نيسابور واستخلف ~~نوابه على الجبل والري ، واتصل الخبر بالأمير نوح فسار من بخاري إلى مرو ، ~~وكان الجند قد ضجروا من محمد ابن أحمد الحاكم ، مدبر دولة نوح ، لسوء سيرته ~~فيهم ، فقالوا لنوح : إن الحاكم قد أفسد عليك الأمور بخراسان ، وأحوج أبا ~~علي ابن محتاج إلى العصيان ، وطلبوا تسليمه إليهم وإلا ساروا إلى ms5915 عمه ~~إبراهيم ، فسلمه إليهم فقتلوه في جمادي الآخر سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة . ~~ولما وصل علي إلى نيسابور كان بها إبراهيم بن سيمجور ومنصور بن قراتكين ~~وغيرهما من القواد ، واستمالهم فمالوا إليه وصاروا معه ، ودخل نيسابور في ~~PageV25P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة ، ثم ظهر له من ~~منصور بن قراتكين ما كرهه فقبض عليه ، ثم سار أبو علي وإبراهيم من نيسابور ~~في شهر ربيع الأول من السنة إلى مرو ، وبها الأمير نوح ، فهرب الفضل أخو ~~أبي علي من حبسه إلى قهستان ، ولما قرب أبو علي مرو انحاز إليه كثيرون من ~~عسكر نوح ، فسار نوح إلى بخاري واستولى أبو علي مرو في جمادي الأول سنة خمس ~~وثلاثين ، وأتاه أكثر أجناد نوح فسار نحو بخاري ، وعبر النهر ففارقهم نوح ~~وسار إلى سمرقند ، ودخلها أبو علي في جمادي الآخرة سنة خمس وثلاثين وخطب ~~فيها لإبراهيم وبايع له ، ثم إن أبا علي اطلع على أن إبراهيم أضمر له شرا ، ~~فسار إلى تركستان وبقي إبراهيم ببخاري ، وفي خلال ذلك أطلق أبو علي ، منصور ~~بن قراتكين ، فسار إلى الأمير نوح ، ثم إن إبراهيم وافق جماعة في السر على ~~أن يخلع نفسه من الأمر ، ويرده إلى ابن أخيه الأمير نوح ، ويكون هو صاحب ~~جيشه ، ويتفق معه على قصد أبي علي ، ودعا إلى ذلك فأجابوه وخرجوا إلى أبي ~~علي ، قد تفرق عنه أصحابه ، فركب إليهم وردهم أقبح رد ، ثم فارق إبراهيم ~~ومن معه بخاري وخرجوا إلى سمرقند إلى خدمة الأمير نوح ، وأظهروا الندم على ~~ما كان منهم فقربهم وقبلهم وعذرهم ، وعاد إلى بخاري في شهر رمضان ، ثم قتل ~~الأمير نوح في تلك الأيام طغان الحاجب ، وسمل عمه إبراهيم وأخويه أبا جعفر ~~محمدا وأحمد ، وعادت الجيوش والعساكر اجتمعت عليه . أما الفضل بن محمد أخو ~~أبي علي فإنه لما هرب من أخيه لحق بقوهستان وجمع جمعا كثيرا وسار نحو ~~نيسابور ، وبها محمد بن عبد الرزاق من قبل أبي علي ، فخرج إلى الفضل ~~وتحاربا فانهزم الفضل ومعه فارس واحد ، فلحق ببخاري ms5916 فأكرمه الأمير نوح ~~وأحسن إليه وأقام في خدمته . ذكر استعمال منصور بن قراتكين على خراسان قال ~~: ولما عاد الأمير نوح إلى بخاري كان أبو علي بالصغانيان ، وبمرو أبو أحمد ~~محمد بن علي القزويني ، فرأى الأمير نوح أن يجعل منصور بن قراتكين على جيوش ~~خراسان ، فولاه سيره إلى مرو ، وبها أبو أحمد وقد غور المناهل ما بين آمل ~~ومرو ، ووافق أبو علي ثم تخلى عنه ، فسار منصور جريدة في ألفي فارس ، فلم ~~يشعر PageV25P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" به إلا وقد نزل بكشماهين ، على خمسة فراسخ من ~~مرو ، فاستقبله أبو أحمد القزويني بالطاعة ، فأكرمه وسيره إلى بخاري بماله ~~وأصحابه ، فأكرمه الأمير نوح وأحسن إليه ، ثم ذكر له ذنوبه وقتله . ثم كانت ~~بعد ذلك حروب بين عسكر الأمير نوح وأبي علي ، استمرت إلى جمادي الآخرة سنة ~~سبع وثلاثين وثلاثمائة ، فراسل بعد ذلك في الصلح ؛ وسير أبو علي ابنه عبد ~~الله رهينة فوصل إلى بخاري ، فأمر الأمير نوح باستقباله وأكرمه وأحسن إليه ~~، وخلع عليه قلنسوة وجعله في ندمائه ، فزال الخلف واستمر أبو علي ~~بالصغانيان إلى سنة أربعين . ذكر عود أبي علي إلى خراسان في سنة أربعين ~~أعيد إلى قيادة الجيوش يخراسان ، وذلك بعد وفاة منصور بن قراتكين ، فأرسل ~~إليه الأمير نوح الخلع واللواء ، وأمره بالمسير إلى نيسابور وأقطعه الري ، ~~فسار عن الصغانيان واستخلف مكانه ابنه أبا منصور ، ثم خالف على الأمير نوح ~~في سنة اثنتين وأربعين فعزله ، فكتب إلى ركن الدولة بن بوية في المصير إليه ~~، فأذن له في ذلك فسار إليه فأكرمه ركن الدولة ، فسأله أن يكتب له عهدا من ~~جهة الخليفة لولاية خراسان ، فأرسل ركن الدولة إلى أخيه معز الدولة في ذلك ~~، فسير له عهدا بما طلب وسير له نجدة ، فسار أبو علي إلى خراسان واستولى ~~على نيسابور ، وخطب بها - وفيما استولى عليه من خراسان - للمطيع ، ولم يخطب ~~له بها قبل ذلك . ذكر وفاة الأمير الحميد نوح بن نصر وولاية ابنه عبد الملك ~~كانت وفاته في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة ms5917 ، وكانت مدة ملكه ~~إحدى عشرة سنة وثمانية أشهر ، وكان رحمه الله تعالى حسن السيرة كريم ~~الأخلاق ، ولما مات ملك بعده ولده . PageV25P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" ذكر ولاية عبد الملك بن نوح بن نصر بن أحمد ~~بن إسماعيل ابن أحمد وهو السادس من الملوك السامانية كانت ولاية عبد الملك ~~بما وراء النهر وخراسان بعد وفاة أبيه الأمير نوح بن نصير ، وذلك في شهر ~~ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين . قال : ولما استقر خاله في الملك وثبت أمره ~~ابتدأ بإرسال بكر ابن مالك من بخاري إلى خراسان ، وولاه قيادة جيوشها ، ~~وأمره بإخراج أبي علي بن محتاج منها وندب معه العساكر ، فسار إلى نيسابور ~~فلما قاربها تفرق عن أبي علي أصحابه وعساكره ، وبقي معه من أصحابه نحو من ~~مائتي رجل ، سوى من كان عنده نجدة من الديلم ، فاضطر إلى الهرب فسار نحو ~~ركن الدولة ، فأنزله معه في الري واستولى ابن مالك على خراسان ، وأقام ~~بنيسابور ، وكان بين عساكره وكان بني بويه حروب ، ثم حصل بينهما الصلح ~~والاتفاق ، ودامت أيام عبد الملك إلى سنة خمسين وثلاثمائة ، فركب في يوم ~~الخميس حادي عشر شوال منها فسقط الفرس من تحته ، فوقع إلى الأرض فمات ، ~~وكانت مدة ملكه سبع سنين وستة أشهر تقريبا ، ولما مات ، ولى بعده أخوه . ~~ذكر ولاية منصور بن نوح بن نصر بن أحمد وهو السابع من الملوك السامانية ~~كانت ولايته بعد وفاة أخيه عبد الملك لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة ~~خمسين وثلاثمائة ، وخالف عليه في سنة إحدى وخمسين الفتكين ، وهو من أكابر ~~القواد ، وكان قد طلبه الأمير منصور فامتنع من الحضور ، فأرسل إليه جيشا ~~فهزمهم الفتكين ، وأسر وجوه القواد وأظهر العصيان والمخائفة . ذكر الصلح ~~بين الأمير منصور وبين بني بويه في سنة إحدى وستين وثلاثمائة تم الصلح بين ~~الأمير منصور بن نوح وبين ركن الدولة وعضد الدولة إليه في كل سنة مائة ألف ~~وخمسين ألف دينار ، وتزوج الأمير منصور بابنة عضد الدولة ، وحمل إليها من ~~الهدايا والتحف ما لم ير مثله ، وكتب بينهم ms5918 كتاب الصلح شهد فيه أعيان ~~خراسان وفارس والعراق ، وكان الذي سعى في الصلح وقرره محمد بن إبراهيم بن ~~سيموجور صاحب جيوش خراسان من جهة الأمير منصور . PageV25P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" ذكر وفاة الأمير منصور كانت وفاته ببخاري في ~~منتصف شوال سنة ست وستين وثلاثمائة ، وكانت مدة ملكه ست عشرة سنة وأربعة ~~أيام ، ولما مات ولى بعده ابنه . ذكر ولاية المنصور أبي القاسم نوح بن ~~منصور بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد ، وهو الثامن من الملوك ~~السامانية ملك ما وراء النهر وخراسان بعد وفاة أبيه في منتصف شوال سنة ست ~~وستين وثلاثمائة ولقب بالمنصور ، واستوزر أبا الحسن العتبي فقام في حفظ ~~الدولة المقام المرضي ، وعزل محمد بن إبراهيم بن سيمجور عن قيادة جيوش ~~خراسان لأنه كان قد استوطنها ، وبقي لا يطيع إلا فيما يختار فعزل في سنة ~~سبعين ، واستعمل عوضه حسام الدولة أبا العباس تاش ، ثم قتل الوزير في سنة ~~اثنتين وسبعين ، وسبب قتله أن أبا الحسن بن سيمجور وضع عليه جماعة من ~~المماليك فقتلوه ، فكتب الأمير المنصور نوح إلى حسام الدولة ناش يستدعيه ~~إلى بخارى لتدبير الدولة ، فسار عن نيسابور إليه وقتل من ظفر به من قتلة ~~الوزير . وفي سنة اثنتين وسبعين سار محمد بن سيمجور نحو خراسان عند خلوها ~~من حسام الدولة ، وكاتب فايقا وطلب موافقته على الاستيلاء على خراسان ، ~~فوافقه واجتمعا بنيسابور ، واتصل الخبر بحسام الدولة فسار عن بخاري إلى مرو ~~في جمع كبير ، وترددت الرسائل بينهم فاصطلحوا : على أن تكون نيسابور وقيادة ~~الجيوش لأبي العباس حسام الدولة تاش ، وتكون بلخ لفايق ، وهراة لأبي علي ~~ابن أبي الحسن بن سيمجور ، وتفرقوا على ذلك وقصد كل منهم عمله . ولما عاد ~~أبو العباس إلى نيسابور وترك بخاري استوزر الأمير نوح ، عبد الله بن عزير ~~وكان ضدا لأبي الحسين العتبي ، فلما ولى الوزارة ابتدأ بعزل حسام الدولة عن ~~خراسان ، وأعاد ابن سيمجور إليها ، فكتب القواد بخراسان يسألونه أن يقر ~~حسام الدولة عليها فلم يجبهم فكتب حسام الدولة إلى ms5919 فخر الدولة بن بويه ~~يستمده ، فأمده بالأموال والعساكر ، وكانت بينهم حروب انتصر فيها حسام ~~الدولة ، واستولى على خراسان وأقام بنيسابور ، وانهزم ابن سيمجور ثم تراجع ~~أصحاب ابن سيمجور إليه ، وجاءته الأمداد من بخاري وعاد لقتال حسام الدولة ، ~~والتقوا واقتتلوا نهارا كاملا انتصر PageV25P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" فيه ابن سيمجور ، وانهزم حسام الدولة وأصحابه ~~وأقام بجرجان ، ولم يصل إلى خراسان إلى أن مات في سنة سبع وسبعين وثلاثمائة ~~، وأقام ابن سيمجور بخراسان إلى أن توفي فجأة وهو يجامع بعض خطاياه . وفي ~~سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة سار بغراخان إبلك ملك الترك بعساكره إلى ~~بخارى ، فسير إليه الأمير نوح جيشا كثيفا فهزمهم بغراخان ، فعادوا إلى ~~بخارى وهو في آثارهم ، فخرج نوح بنفسه وسائر عساكره ولقيه ، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا كانت الهزيمة على بغراخان ، فعاد إلى بلاساغون وهي كرسي ملكه . ذكر ~~ملك الترك بخارى وشيء من أخبارهم وخروج الأمير نوح منها وعوده إليها وفي ~~سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة ملك شهاب الدولة هارون بن سليمان إيلك المعروف ~~ببغراخان التركي مدينة بخارى ، وكان له كاشغر وبلاساعون وختن وطراز وغير ~~ذلك إلى حدود الصينن وله عساكر جمة وهم مسلمون ، وكان سبب إسلامهم أن جدهم ~~الأول شبق قراخاقان رأى في منامه كأن رجلا نزل من السماء ، فقال له ~~بالتركية ما معناه : اسلم تسلم في الدنيا والآخرة ، فأسلم في منامه ، وأصبح ~~فأظهر إسلامه ، فلما مات قام مقامه ابنه موسى بن شبق ، ثم انتهى ملك هذه ~~الطائفة من الترك إلى بغراخان ، وكنا قصدنا أن نفرد هذه الدولة الخانية ~~بترجمة ، ونذكر من ملك منهم وما استولوا عليه من البلاد وغير ذلك ، فلم ~~نظفر بمؤرخ ذكر أخبارهم سياقة ولا متفرقة ، إذا جمعت انتظمت على سياقة ، ~~فذلك دمجنا أخبارهم في أثناء الدول بحسب وقائعهم مع الملوك ، وما أظن ~~أخبارهم اتسقت لمؤرخ لأن أخبار الملوك والدول إنما يعتني بجمعها كتاب ~~الإنشاء والفضلاء من الناس ، وهؤلاء كانوا أتراكا لا كتاب لهم ولا اعتناء ~~بشيء من ذلك ، فلذلك انقطعت أخبارهم . PageV25P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" ولنرجع إلى سبب ملك بغراخان ms5920 بخارى . كان سبب ~~ذلك أن أبا الحسن بن سيمجور عامل خراسان - لما مات - ولي ابنه أبو علي بعده ~~وكاتب الأمير الرضى نوحا أن يقره على ما كان بيد أبيه ، فأجيب إلى ذلك ، ~~وحملت إليه الخلع وهو لا يشك أنها له ، فلما بلغ الرسول طريق هراة عدل ~~إليها وبها قايق ، فأوصل إليه العهد بولاية خراسان والخلع إليه ، فعلم أبو ~~علي أنهم مكروا به ، وأن هذا دليل سوء يريدونه به ، فلبس فايق الخلع وسار ~~عن هراة نحو أبي علي ، فبلغه الخبر فسار جريدة في نخبة أصحابه ، وطوى ~~المنازل حتى سبق خبره ، وأوقع بفايق بين هراة وبوشنج ، فانهزم فايق وأصحابه ~~إلى مرو الروذ ، وكتب أبو علي إلى الأمير نوح يجدد طلب ولاية خراسان ، ~~فأجابه إلى ذلك وجمع له ولاية خراسان جميعها بعد أن كانت هراة لفايق ، وعاد ~~أبو علي إلى نيسابور ظافرا وجبى أموال خراسان ، فكتب إليه نوح يستتر له عن ~~بعضها ليصرفه في أرزاق الجند ، فاعتذر إليه ولم يفعل وخاف عاقبة المنع فكتب ~~إلى بغراخان يدعوه إلى قصد بخارى ، واستقر الأمر بينهما على أن يكون ~~لبغراخان ما وراء النهر جميعه ، ولأبي خراسان ، فطمع بغراخان في البلاد ~~وتجددت حركته إليها . وأما فايق فإنه أقام بمرو الروذ حتى اجتمع إليه ~~أصحابه ، وسار نحو بخارى من غير إذن ، فارتاب الأمير نوح به وسير الجيوش ~~وأمرهم يمنعه ، فقاتلوه وهزموه فعاد وقصد ترمذ ، وكاتب بغراخان أيضا يطمعه ~~في البلاد ، فسار نحو بخارى واستولى على بلاد السامانية شيئا بعد شيء ، ~~فسير إليه نوح جيشا واستعمل عليهم قائدا كبيرا من قواده اسمه انج ، فهزمهم ~~بغراخان وأسر أنج وجماعة من القواد ، فلما ظفر بهم طمعه في البلاد ، وضعف ~~نوح وأصحابه وكاتب أبا علي بن سيمجور يستنصره ، ويأمره بالقدوم إليه ~~بالعساكر فلم يجبه إلى ذلك ولا لبى دعوته ، وطمع في الاستيلاء على خراسان ، ~~وسار بغراجان نحو بخارى فلقيه فايق واختص به وصار في جملة أصحابه ، ونازلوا ~~بخارى فاختفى الأمير نوح وملكها بغراجان ونزلها ، وخرج نوح منها مستخفيا ~~فعبر النهر إلى آمل ms5921 الشط ، وأقام بها ولحق به أصحابه ، وتابع نوح كتبه ~~ورسله إلى أبي علي يستنجده ويخضع له ، فلم يصغ إلى ذلك ؛ وأما فايق فإنه ~~استأذن بغراجان في قصد بلخ والاستيلاء عليها فأمره بذلك ، فسار نحوها ~~واستولى عليها . PageV25P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" ذكر عود نوح إلى بخارى ووفاة بغراخان وقيام ~~إيليك الخان قال : ولما نزل بغراخان ببخارى استوخمها فمرض واشتد مرضه ، ~~فانتقل نحو بلاد الترك ، ولما فارق بخارى ثار أهلها بساقة عسكره ، فقتلوا ~~منهم وغنموا أموالهم ، ووافقهم الأتراك الغزية على الفتك والنهب لعسكر ~~بغراجان ، وبادر الأمير بالعود إلى بخارى فيمن معه من أصحابه ، فدخلها وعاد ~~إلى دار ملكه وتباشر أهلها به ، ومات بغراجان وعاد أصحابه إلى بلادهم ، ~~وكان بغراجان دينا خيرا عادلا حسن السيرة محبا للعلماء وأهل الدين مكرما ~~لهم ، وكان يحب أن يكتب عنه مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وولى ~~بعده أمر الترك ايليك الخان شمس الدولة أبو النصر أحمد بن علي . ذكر ما كان ~~من أخبار أبي علي بن سيمجور وفايق واستعمال محمود بن سبكتكين على خراسان ~~قال : ولما عاد الأمير نوح إلى بخارى أسقط في يد أبي علي ابن سيمجور ، وندم ~~على ما فرط منه من ترك إعانته عند الحاجة إليه ؛ وأما فايق فإنه لما استقر ~~الأمير نوح ببخارى حدث نفسه بالمسير إليه والحكم في دولته ، فسار عن بلخ ~~فسير الأمير نوح الجيوش لرده ، فالتقوا واقتتلوا فانهزم فايق وأصحابه ، ~~ولحق بأبي علي بن سيمجور ففرح به وقوى جنانه ، واتفقا على مكاشفة الأمير ~~نوح وإظهار العصيان ، فكتب الأمير إلى سبكتكين وهو يومئذ بغزنة ، يعرفه ~~الحال ويأمره بالمصير إليه لينجده وولاه خراسان وكان سبكتكين في هذه الفتن ~~مشغولا بالغزو غير ملتفت إلى ما هم فيه ، فلما أتاه الكتاب سار نحو جريدة ، ~~واجتمع به وقررا ما يفعلانه واتفقا عليه ، وعاد سبكتكين فجمع عسكره وحشد ~~وسار عن غزته ، ومعه ولده محمود نحو خراسان ، وسار نوح من بخارى واجتمعا ~~وقصدا أبا علي وفايقا ، وقد جمعا عساكرهما أيضا واستنصرا بفجر الدولة بن ~~بويه ، فسير ms5922 إليهما عسكرا كثيرا ، والتقوا بنواحي هراة واقتتلوا ، فانحاز ~~دارا بن قابوس بن وشمكير من عسكر أبي علي إلى عسكر نوح ومعه أصحابه ، ~~فانهزم أصحاب أبي علي وركبهم أصحاب سبكتكين يقتلون PageV25P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" ويأسرون ويغنمون ، وعاد أبو علي وفايق إلى ~~خراسان وأقام الأمير نوح وسبكتكين بظاهر هراة ، حتى ألااحوا واستراحوا ~~وساروا نحو نيسابور ، فسار أبو علي وفايق نحو جرجان ، واستولى نوح على ~~نيسابور واستعمل عليها وعلى جيوش خراسان محمود بن سبكتكين ، ولقبه سيف ~~الدولة ولقب أباه ناصر الدولة ، وعاد نوح إلى بخارى وسبكتكين إلى هراة وذلك ~~في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة . وفي سنة خمس وثمانين في شهر ربيع الأول ~~سار أبو علي وفايق عن جرجان إلى نيسابور ، فكتب محمود إلى أبيه بذلك وبرز ~~إلى ظاهر نيسابور ، وأقام ينتظر المدد فأعجلاه فصبر لهما ، فقاتلاه وهو في ~~قلة من الرجال فانهزم عنهما نحو أبيه ، وغنما منه شيئا كثيرا ورجع أبو علي ~~إلى نيسابور ، وكتب إلى الأمير نوح يستميله ويستقبل من عثرته ، وكاتب ~~سبكتكين بمثل ذلك وأحال فيما جرى على فايق ، فلم يجيباه إلى ما أراد ، وجمع ~~سبكتكين العساكر وسار نحو أبي علي فالتقوا عامة يومهم ، وأتاهم محمود ابن ~~سيكتكين في عسكر ضخم من ورائهم ، فانهزموا وقتل منهم خلق كثير ، ونجا أبو ~~علي وفايق إلى آمل الشط ، فراسلا الأمير نوح يستعطفانه ، فأجاب أبا علي إلى ~~ما طلب وقبل عذره ، إن فارق فايقا ونزل بالجرجانية ، ففعل ذلك فحذره فايق ~~وخوفه مكرهم ومكيدتهم فلم يرجع إلى قوله ، وفارقه وسار إلى الجرجانية ونزل ~~بقربه بقرب خوارزم تسمى هزارسب ، فأرسل إليه أبو عبد الله خوارزم شاه من ~~أقام له ضيافة ، ووعده أنه يقصده ليجتمع به فسكن إلى ذلك فلما كان الليل ~~أرسل إليه خوارزم شاه جمعا من عسكره ، فأحاطوا به وأخذوه أسيرا في شهر ~~رمضان سنة خمس وثمانين وثلاثمائة ، فاعتقله في بعض دوره ، وطلب أصحابه فأسر ~~أعيانهم وتفرق الباقون . وأما فايق فإنه سار إلى ايليك الخان فأكرمه وعظمه ~~ووعده أن يعيده إلى قاعدته ، وكتب إلى نوح يشفع ms5923 فيه ويطلب منه أن يوليه ~~سمرقند ، فأجابه إلى ذلك وأقام بها ؛ وأما ما كان من أبي علي بن سيمجور ~~فإنه لما أسره خوارزم شاه بلغ خبره إلى مأمون بن محمد والي الجرجانية ، ~~فقلق لذلك وعبر إلى كاث وهي مدينة PageV25P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" خوارزم شاه فحصرها وفتحها عنوة ، وأحضر أبا ~~علي وفك قيده وعاد به إلى الجرجانية ، واسخلف مأمون بعض أصحابه على بلد ~~خوارزم شاه ، وصارت من جملة ما بيده ، وقتل خوارزم شاه بين يدي أبي علي بن ~~سيمجور ، وكتب مأمون إلى الأمير نوح وهو يشفع في أبي علي ويسأل الصفح عنه ، ~~فأجابه إلى ذلك وأمر أبو علي بالمسير إلى بخارى ، فسار إليها فيمن بقي معه ~~من أهله وأصحابه ، فلما بلغها لقيه الأمراء والعساكر ودخل على الأمير نوح ~~فأمر بالقبض عليه وعلى من معه ، واعتقله فمات في حبسه في سنة سبع وثمانين ~~وثلاثمائة . ذكر وفاة الأمير نوح بن منصور كانت وفاته في شهر رجب سنة سبع ~~وثمانين وثلاثمائة ، فكان مدة ملكه عشرين سنة وثمانية أشهر ، فاحتل بموته ~~ملك آل ساسان وضعف أمرهم ضعفا ظاهرا ، وطمع فيهم أصحاب الأطراف ، وزال ~~ملكهم بعد ذلك بمدة يسيره على ما نذكره إن شاء الله تعالى ، فكأنه المعنى ~~بقول القائل : وما كان قيس هلكه هلك واحد . . . ولكنه بنيان قوم تهدما ذكر ~~ولاية أبي الحارث منصور بن نوح بن منصور بن نوح ابن نصر بن أحمد بن إسماعيل ~~بن أحمد ، وهو التاسع من الملوك السامانية ملك ما وراء النهر وخراسان بعد ~~وفاة أبيه في شهر رجب سنة سبع وثمانين وثلاثمائة ، وبايعه الأمراء والقواد ~~وسائر الناس ، وفرق فيهم بقايا الأموال فاتفقوا على طاعته ، وقام بأمر ~~دولته وتدبيرها بكتوزون ، ولما بلغ خبر وفاة أبيه إلى ايليك الخان سار إلى ~~سمرقند وانضم إليه فايق والخاصة فسيره جريدة إلى بخارى ، فلما سمع الأمير ~~منصور بمسيره تحير في أمره وأعجله عن أن يتجهز ، فسار عن بخارى وقطع النهر ~~، ودخل فايق بخارى وأظهر أنه قصد القيام بخدمة الأمير منصور ، رعاية لحق ~~أسلافه عليه ms5924 إذ هو مولاهم ، وأرسل إليه مشايخ بخارى في العودة إلى بلده ~~وملكه ، وأعطاه من نفسه ما يطمئن إليه من العهود والمواثيق ، فعاد إليها ~~ودخلها وولى فايق أمره ، وحكمه في دولته ، وولى بكتوزون أمر الجيش بخراسان ~~، وكان محمود ابن سبكتكين حينئذ مشغولا بمحاربة أخيه إسماعيل ، فسار ~~بكتوزون إلى خراسان ووليها واستقرت قواعده بها . PageV25P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" ذكر القبض على الأمير منصور بن نوح وسمله وفي ~~سنة تسع وثمانين وثلاثمائة اجتمع بكتوزون وفايق وتشاكيا ما هما فيه من قلة ~~إنصاف الأمير لهما ، فقبضا عليه وأمر بكتوزون من سمل عينيه ، فكانت مدة ~~ولايته سنة واحدة وسبعة أشهر . ذكر ولاية عبد الملك بن نوح بن منصور قال : ~~ولما قبضا على الأمير منصور أقاما أخاه عبد الملك في الملك مقامه وهو صبي ~~صغير ، فأرسل محمود بن سبكتكين إلى فايق وبكتوزون بلومهما ويقبح فعلهما ، ~~وقويت نفسه على لقائهما ، وطمع في الملك والاستقلال به ، وسار لقتالهم فسار ~~نحوه ومعهما عبد الملك ، والتقوا واقتتلوا أشد قتال فانهزم السامانية ، ~~ولحق عبد الملك وفايق ببخارى ، وقصد بكتوزون نيسابور فاتبعه جيوش محمود حتى ~~لحق بجرجان ، وسار محمود إلى هراة فعاد بكتوزون إلى نيسابور وملكها ، فقصده ~~محمود فهرب إلى بخارى بعد أن نهب مرو ، واستقر ملك محمود بن سبكتكين ~~بخراسان وخرجت عن ملك آل سامان . ذكر انقراض الدولة السامانية كان انقراضها ~~في سنة تسع وثمانين وثلاثمائة على يد محمود بن سبكتكين بخراسان وإيليك ~~الخان بما وراء النهر . فأما محمود فإنه ملك خراسان كما ذكرناه ، وأما ~~ايليك الخان وهو شمس الدولة أبو النصر أحمد بن علي فإن عبد الملك - لما ~~انهزم من محمود بقي بيده ما وراء النهر ، فقصد بخارى واجتمع بها هو وفايق ~~وبكتوزون وغيرهما من الأمراء والأكابر ، فقويت نفوسهم وشرعوا في جمع ~~العساكر ، وهزموا على العود إلى خراسان ، فاتفقت وفاة فايق في شعبان من ~~السنة ، فلما مات ضعفت نفوسهم ووهت قوتهم ، فإنه كان هو المشار إليه من ~~بينهم ، وكان خصيا من موالي الأمير نوح ابن نصر . قال : ولما اتصل الخبر ~~بايليك ms5925 الخان سار في جميع الأتراك إلى بخارى ، وأظهر لعبد الملك المودة ~~والموالاة والحمية له ، فظنوا صدقه فلم يحترسوا منه ، وخرج إليه بكتوزون ~~وغيره من الأمراء والقواد ، فلما حضروا عنده قبض عليهم ، وسار حتى دخل ~~بخارى في يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة ، فلم يدر عبد الملك ما يصنع لقلة من ~~معه فاختفى ، ونزل ايليك الخان في دار الإمارة وبث العيون على عبد الملك ، ~~وشدد في طلبه فظفر به فأودعه بايكند فمات بها ، وهو آخر الملوك ~~PageV25P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" السامانية ، وانقرضت دولتهم على يده وحبس معه ~~أخاه أبا الحارث منصور بن نوح ، الذي كان في الملك قبله ، وأخويه أبا ~~إبراهيم إسماعيل أبا يعقوب ، وأعمامه أبا زكريا وأبا سليمان وغيرهم من آل ~~سامان ، وأفرد كل واحد منهم في حجرة ، وكانت دولتهم قد انتشرت من حدود ~~حلوان إلى الترك بما وراء النهر ، وكانت من أحسن الدول سيرة وعدلا ، وعدة ~~من ملك منهم عشرة ملوك وهم : نصر بن أحمد بن أسد سامان ، ثم أخوة إسماعيل ~~بن أحمد ، ثم ابنه أحمد بن إسماعيل ، ثم ابنه نصر بن أحمد ، ثم ابنه نوح ، ~~ثم ابنه عبد الملك بن نوح ، ثم أخوه منصور بن نوح ، ثم ابنه نوح بن منصور ، ~~ثم ابنه منصور بن نوح ، ثم أخوه عبد الملك بن نوح ، ومدة ملكهم منذ ولى نصر ~~بن أحمد بن أسد وإلى أن قبض على عبد الملك مائة سنة وتسع وعشرين سنة تقريبا ~~، ولم يقم لهم بعد ذلك دولة ، وإنما ظهر إسماعيل بن نوح ولم يستقم له أمر ~~ولا قامت له دولة ، فلذلك لم نجعله في جملة ملوكهم ، لأنه كان كالخارجي ، ~~ونحن الآن نذكر ظهوره وما كان من أمره . ذكر ظهور إسماعيل بن نوح وما اتفق ~~له بخراسان وفي سنة تسعين وثلاثمائة خرج أبو إبراهيم إسماعيل بن نوح من ~~محبسه ، وكان السبب في ظهوره أنه كان له جارية تأتيه لخدمته ثم تنصرف ، ~~فجاءته في بعض الأيام على عادتها فلبس ما كان عليها ، وخرج فظنه الموكلون ~~به الجارية ، ولما خرج استخفى ms5926 عند عجوز من أهل بخارى ، إلى أن سكن الطلب ~~عنه ، فسار من بخارى إلى خوارزم وتلقب المستنصر ، واجتمع إليه بقايا القواد ~~السامانية والجند فكثرت جموعه ، فبعث قائدا من قواده إلى بخارى ، فقاتل من ~~بها من أصحاب أيليك الخان وهزمهم وتبعهم إلى حدود سمرقند ، فاجتمع ~~المنهزمون وعسكر سمرقند وقاتلوه فهو منهم أيضا عسكر المستنصر ، وغنموا ~~أثقالهم فصلحت أحوالهم وعادوا إلى بخارى ، فاستبشر أهلها بعود السامانية ، ~~فجمع أسليك الخان الترك وقصد بخارى ، فانحاز من بها من السامانية وعبروا ~~النهر إلى آمل الشط ، فضاقت عليهم فساروا هم والمستنصر نحو أبيورد ، ~~فملكوها وجبوا أموالها ، وساروا نحو نيسابور وبها منصور بن سبكتكين نائبا ~~عن أخيه محمود ، فاقتتلوا فانهزم ابن سبكتكين وملك المستنصر نيسابور وكثر ~~جمعه ، فاتصل الخبر بيمين الدولة محمود فجد في السير إليها فسار المسنتصر ~~عنها PageV25P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" إلى اسفرايين ، فلما أزعجه الطلب سار إلى شمس ~~المعالي قابوس بن وشمكير ملتجئا إليه ، فأكرمه وحمل إليه كثيرا وأشار عليه ~~بقصد الري ، إذ كانت ليس لها من يذب عنها ، لاشتغال أصحابها باختلافهم ، ~~ووعده أن ينجده بعسكر مع أولاده ، فسار نحو الري ونازلها فضعف من بها عن ~~مقاومته ، إلا أنهم حفظوا البلد ، وبذلوا الأموال لأصحابه ليردوه عنها ، ~~فردوه وحسنوا له العود إلى خراسان فسار نحو الدامغان ، وعاد عنه عسكر قابوس ~~، ووصل المستنصر إلى نيسابور في شوال سنة إحدى وتسعين فجبى أموالها ، فأرسل ~~إليها يمين الدولة جيشا فانهزم وسار نحو أبيورد ، وقصد جرجان فرده شمس ~~المالي عنها ، فقصد سرخس وجبى أموالها وسكنها ، فسار إليه نصر بن سبكتكين ~~من نيسابور ، والتقوا واقتتلوا فانهزم الساماني ، وأسر جماعة من أعيان ~~عسكره وحملوا إلى غزنة ، وذلك في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين ~~وثلاثمائة ، ثم سار الساماني تائها حتى وافى الأتراك الغزية ، ولهم ميل إلى ~~آل سامان فاجتمعوا معه ، وسار إيليك الخان وذلك في شوال سنة ثلاث وتسعين ، ~~فلقيهم بنواحي سمرقند فهزموه ، واستولوا على أمواله وسواده وأسروا جماعة من ~~قواده وعادوا ، وأجمع أصحاب المستنصر على إطلاق الأسرى تقربا إلى إيليك ~~الخان ms5927 ، فشعر بذلك فاختار من أصحابه جماعة يثق بهم ، وسار بهم فعبر النهر ~~إلى آمل الشط فلم يقبله مكان ، فعاد وعبر النهر إلى بخارى واقتتل هو ~~وواليها الذي هو من قبل إيليك الخان ، فانهزم المستنصر إلى دبوسية وجمع بها ~~جمعا ، ثم عاودهم وهزمهم فاجتمع عليه جماعة من فتيان سمرقند وصاروا في جملة ~~أصحابه ، فجمع إيليك الخان الأتراك وسار إليه والتقوا بنواحي سمرقند ، ~~فانهزم إيليك الخان وذلك في شعبان سنة أربع وتسعين وثلاثمائة ، ثم عاد ~~إيليك الخان إلى بلاد الترك فجمع وحشد وعاد إلى المستنصر ، فوافق عوده ~~تراجع الغزية الذين كانوا مع الساماني إلى أوطانهم ، فاقتتلوا بنواحي ~~اشروسنة فانهزم الساماني وأكثر أصحاب إيليك الخان القتل في أصحابه ، وعبر ~~النهر إلى الجوزجان فنهب أموالها ، وسار يريد مرو فسير إليه يمين الدولة ~~العساكر ، ففارق مكانه وساروهم في أثره ، فأتى بسطام فأزعجه قابوس عنها ~~فضاقت به المذاهب ، فعبر ما وراء النهر وقد ضجر أصحابه منه وسئموا من السهر ~~والتعب والخوف ، ففارقه كثير منهم إلى بعض أصحاب إيليك الخان وأعلموهم ~~بمكانه ، فلم يشعر إلا وقد PageV25P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" أحاطت به الخيل من كل جانب ، فطاردهم ساعة ~~وانهزم بحالة للعرب ، وكانوا في طاعة يمين الدولة محمود بن سبكتكين ، ~~فأمهلوه حتى أظلم الليل ووثبوا عليه فأخذوه وقتلوه ، وكان ذلك خاتمة أمره ~~وآخر ما اتفق لآل سامان ، ولم يقم منهم بعده أحد ، والله أعلم . ذكر أخبار ~~الدولة الصفارية وابتداء أمرها أول من قام منهم يعقوب بن الليث الصفار ، ~~وكان يعقوب هذا وأخوه عمرو يعملان الصفر بسجستان ويظهران الزهد والتقشف ، ~~وكان في أيامهما رجل من أهل سجستان اسمه صالح بن النضر الكناني قد تغلب على ~~سجستان في سنة سبع وثلاثين ومائتين في خلافة المتوكل على الله ، فصحبه ~~يعقوب وقاتل معه وجعله صالح مقام الخليفة عنه ، فاستنفذ طاهر بن عبد الله ~~بن طاهر - أمير خراسان - سجستان من يده ، ثم هلك بعد ذلك فقام مقامه بأمر ~~المتطوعة رجل اسمه درهم بن الحسن ، فغلب على سجستان وكان غير ضابط لعسكره ~~وكان يعقوب هو ms5928 قائد العسكر ، فلما رأى أصحاب درهم ضعفه وعجزه اجتمعوا على ~~يعقوب بن الليث ، وملكوه أمرهم لما رأوه من تدبيره وحسن سياسته وقيامه ~~بأمرهم ، فلما تبين ذلك لدرهم لم ينازعه في الأمر ، وسلمه إليه واعتزل عنه ~~فاستبد يعقوب بالأمر ؛ وقيل بل احتال صاحب خراسان على درهم حتى قبض عليه ، ~~وحمله إلى بغداد فحبس بها ثم أطلق وخدم الخليفة ببغداد ، واستقل يعقوب بعده ~~بالأمر وعظم شأنه وتولى أمر المتطوعة ، وقام بمحاربة الشراة فظفر بهم وأكثر ~~القتل فيهم حتى كاد يفنيهم ، وخرب قراهم ، وأطاعه أصحابه طاعة لم يطيعوا ~~أحدا قبله ، فاشتدت شوكته فغلب على سجستان وأظهر التمسك بطاعة الخليفة ، ~~وكاتبه وصدر عن أمره وأظهر أنه أمره بقتال الشراة ، وملك يعقوب سجستان وضبط ~~الطريق ، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فكثر اتباعه . ذكر ملك يعقوب هراة ~~وبوشنج قال : ولما كثرا أتباعه خرج عن حد طلب الشراة ، فصار يتناول أصحاب ~~خراسان ، وسار من سجستان إلى هراة من أعمال خراسان في سنة ثلاث وخمسين ~~PageV25P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" ومائتين ، وأمير خراسان يومذاك محمد بن طاهر ~~بن عبد الله ، وعامله على هراة محمد بن أوس الأنباري فخرج منها لمحاربته ، ~~والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم ابن أوس وملك يعقوب هراة وبوشنج وصارت ~~المدينتان في يده ، فعظم أمره وهابه أمير خراسان وغيره من أصحاب الأطراف ، ~~وذلك في خلافة المعتز بالله . ذكر استيلائه على كرمان وفي سنة خمي وخمسين ~~ومائتين استولى يعقوب بن الليث على كرمان ، وسبب ذلك أن علي بن الحسين بن ~~سبل كان على فارس ، فتباطأ بحمل الخراج منها وكتب إلى المعتز بالله يطلب ~~منه كرمان ، ويذكر عجز الطاهرية عنها ، فكتب إليه بولايتها وكتب إلى يعقوب ~~أيضا بولايتها ، وقصد بذلك إغراء كل واحد منهما بالآخر فتسقط عنه مؤونة ~~الهالك منهما وينفرد بالآخر ، وكان كل منهما يظهر الطاعة للخليفة وهو في ~~باطن أمره على معصيته ، والمعتز يعلم بذلك منهما ، فأرسل علي بن الحسين ، ~~طوق بن المغلس إلى كرمان ، وسار يعقوب إليها فسبقه طوق واستولى عليها ، ~~وأقبل يعقوب حتى بقي بينه وبين ms5929 عسكر كرمان مرحلة ، فأقام بها شهرين لا ~~يتقدم إلى طوق ، ولا طوق يخرج إليه ، فلما طال ذلك عليه أظهر الارتحال إلى ~~سجستان ورجع مرحلتين ، وبلغ طوقا ارتحاله فظن أنه قد بدا له في حربه ، فوضع ~~آلة الحرب وقعد للشرب واللهو ، واتصل ذلك بيعقوب فكر راجعا وطوى المرحلتين ~~في مرحلة واحدة ، فلم يشعر طوق إلا بغبرة العسكر قد طلعت ، فقال : ما هذا ؟ ~~فقبل غبرة المواشي ، فلم يكن بأسرع من موافاة يعقوب فأحاط به وبأصحابه ، ~~فذهب أصحابه يريدون المناهضة والدفع عن أنفسهم ، فقال يعقوب لأصحابه : ~~أفرجوا لهم ، فأفرجوا لهم فمروا هاربين وتركوا أموالهم وأثقالهم ، وأسر ~~يعقوب طوقا ، وكان علي بن الحسين قد سير مع طوق قيودا في صناديق ، ليقيد ~~بها من يأخذه من أصحاب يعقوب ، وفي صناديق أطوقة وأساور يعطيها لأصحاب ~~البلاء من أصحابه ، فلما غنم يعقوب عسكرهم رأى ذلك فقال يا طوق : ما هذا ؟ ~~فأخبره ، فأعطى يعقوب الأطوقة والأساور لأصحابه ، وقيد بالقيود والأغلال ~~أصحاب علي ، ولما أخرج يد طوق ليجعل الغل فيها رآها يعقوب وعليها عصابة ، ~~فسأله عنها فقال : أصابتني حرارة PageV25P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" فقصدتها ، فأمر يعقوب بنزع خف نفسه فتساقط ~~كسر يابسة ، فقال : يا طوق هذا خفي لم أنزعه من رجل منذ شهرين ، وخبزي فيه ~~منه آكل ، وأنت جالس في الشرب ، ثم دخل كرمان مع سجستان . ذكر ملكه فارس ~~قال : ولما بلغ على بن الحسين صاحب فارس ما فعله يعقوب بطوق أيقن بمجيئه ~~إليه وكان بشيراز ، فجمع جيشه وصار إلى مضيق خارج شيراز ، من أحد جانبيه ~~جبل لا يسلك ، ومن الآخر نهر لا يخاض على رأس المضيق ، وهو مضيق لا يسلكه ~~وإلا واحد بعد واحد وقال : إن يعقوب لا يقدر على الجواز إلينا ، وأقبل ~~يعقوب حتى دنا من ذلك المضيق ونزل على ميل منه ، وسار وحده ومعه رجل آخر ~~فنظر إلى المضيق والعسكر فسبه أصحاب علي وهو ساكت ، ثم رجع إلى أصابه ، ~~فلما كان الغد سار حتى صار إلى طريق المضيق مما يلي كرمان ، ومر أصحابه ~~بالنزول وحط الأثقال ففعلوا ms5930 وركبوا دوابهم وأخذ كلبا كان قد ألفه فألقاه في ~~الماء ، فجعل يسبح إلى جانب أصحاب علي ، وكان علي وأصحابه قد ركبوا لينظروا ~~إلى فعله ويضحكون منه ، فألقى يعقوب نفسه وأصحابه في الماء على خيولهم ~~وبأيديهم الرماح ، وجعلوا يسيرون خلف الكلب ، فلما رأى علي يعقوب وقد قطع ~~عامة النهر تحير في أمره ، وانتقض عليه ما كان قد دبره ، وخرج أصاب يعقوب ~~فلما صار أوائلهم في البر هرب أصحاب علي إلى مدينة شيراز ، فسقط علي بن ~~الحسين عن فرسه فأخذ أسيرا وأتى به إلى يعقوب فقيده واحتوى علي ما كان في ~~عسكره ، ثم رحل من موضعه ودخل شيراز ليلا فلم يتحرك أحد ، فلما أصبح انتبه ~~أصحابه دار علي ودور أصحابه ، وأخذ ما في بيوت الأموال وجبي الخارج ، ورجع ~~إلى سجستان . وقيل إنه كان بينه وبين علي حرب بعد عبور النهر ، وذلك أن ~~عليا كان قد جمع عنده جمعا كثيرا من الموالي والأكراد وغيرهم ، بلغت علتهم ~~خمسة عشر ألفا من فارس وراجل ، وعبأ أصحابه وأقبل يعقوب عبر النهر فلما ~~صاروا في أرض واحدة حمل يعقوب وعسكره حملة رجل واحد ، وتابع الحملات حملة ~~بعد أخرى فانهزم أصاب علي ، وتبعهم وهو يصيح بهم فلا يرجون ، وقتل الرجالة ~~قتلا ذريعا ، وأقبل المنهزمون إلى باب شيراز وقت العصر ، فازدحموا إلى ~~الأبواب وتفرقوا في نواحي فارس ، وبلغ بعضهم إلى الأهواز فأمر يعقوب بالكف ~~عنهم ، وكانت القتلى منهم خمسة آلاف ، قيل أصحاب علي بن الحسين ثلاث جراحات ~~ثم أخذ أسيرا . PageV25P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" ودخل يعقوب مدينة شيراز وطاف بها ، ونادى ~~بالأمان فاطمأن الناس ، وعذب علي بن الحسين بأنواع العذاب ، وأخذ من أمواله ~~ألف بدرة وقيل أربعمائة ، وأخذ من السلاح والأقمشة وغير ذلك مالا يحد ، ~~وكتب إلى الخليفة المعتز بالله بطاعته ، وأهدى له هدية جليلة : منها عشرة ~~بزاة بيض وباز أبلق صيني ومائة من المسك وغير ذلك من الطرائف ، وعاد إلى ~~سجستان ومعه علي وطوق ، فلما فارق بلاد فارس أرسل الخليفة عماله إليها . ~~ذكر قصد يعقوب فارس وملكه بلخ وغيرها ms5931 وفي سنة سبع وخمسين ومائتين سار يعقوب ~~إلى بلاد فارس ، فأرسل إليه المعتمد على الله ينكر ذلك ، وكتب إليه الموفق ~~أخو المعتمد بولاية بلخ وطخارستان وسجستان والسند فقبل ذلك ، وعاد وسار إلى ~~بلخ وطخارستان ، فلما وصل نزل بظاهرها وخرب نوشاد ؛ وهي أبنية كان قد بناها ~~داود بن العباس خارج بلخ ، ثم سار إلى كابل واستولى عليها وقبض على رتيبل ، ~~وأرسل رسولا إلى الخليفة بهدية جليلة المقدار ، وفيها أصناف أخذها من كابل ~~وتلك البلاد ، وسار إلى بست فأقام بها سنة ، وسبب إقامته أنه أراد الرحيل ~~فرأى قواده قد حمل بعض أثقاله ، فغضب وقال : ترحلون قبلي ثم أقام سنة ، ~~وسار إلى بوشنج وقبض على الحسين بن طاهر ، فأنفذ إليه محمد بن طاهر بن عبد ~~الله يسأله في إطلاقه فلم يجب سؤله . ذكر ملكه نيسابور وفي شوال سنة تسع ~~وخمسين ومائتين دخل يعقوب نيسابور ، وكان سبب مسيره إليها أن عبد الله ~~السجزي كان ينازع يعقوب سجستان فلما قوي أمر يعقوب هرب منه إلى محمد بن ~~طاهر وطلبه يعقوب منه فلم يفعل ، فسار نحوه إلى نيسابور فلما قرب منها ~~وأراد دخولها وجه إليه محمد بن طاهر يستأذنه في تلقيه ، فلم يأذن له فبعث ~~PageV25P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" بعمومته وأهل بيته فتلقوه ، ودخل نيسابور ~~وأرسل إلى الخليفة يذكر تفريط محمد بن طاهر في عمله ، وأن أهل خراسان سألوه ~~المصير إليهم ، ويذكر غلبة العلويين على طبرستان وبالغ في هذا المعنى ، ~~فأنكر عليه ذلك بالاقتصار على ما أسند إليه ، ألا يسلك معه مسلك المخالفين ~~، وقيل بل كان سبب ذلك أنه كتب إلى محمد يعلمه أنه على قصد طبرستان ، لمضي ~~ما أمره به الخليفة في الحسن بن زيد العلوي المتغلب عليها ، وأنه لا يتعرض ~~إلى شيء من عمله ولا إلى شيء من أسبابه ، وكان بعض خاصة محمد وأهله لما ~~رأوا إدبار أمره مالوا إلى يعقوب وكاتبوه واستدعوه وهونوا على محمد أمر ~~يعقوب ، وأعلموه أنه لا خوف عليه منه وثبطوه عن التحرز منه ، فركن محمد إلى ~~قولهم حتى قرب يعقوب ms5932 من نيسابور ، فوجه إليه قائدا من قواده يطيب قلبه ، ~~وأمر يمنعه عن الانتزاح من نيسابور إن أراد ذلك ، ثم وصل يعقوب إلى نيسابور ~~في رابع شوال ، وأرسل أخاه عمرو بن الليث إلى محمد بن طاهر فأحضره عنده ، ~~فقبض عليه وقيده وعنفه على إهماله أمر عمله وعجزه عن حفظه ، ثم قبض على ~~جميع أهله ، وكانوا نحوا من مائة وستين رجلا ، وحملهم إلى سجستان واستولى ~~على خراسان ، ورتب نوابه في الأعمال ، وكانت ولاية محمد بن طاهر إحدى عشرة ~~سنة وشهرين وعشرة أيام . ذكر دخوله طبرستان وفي سنة ستين ومائتين سار يعقوب ~~إلى طبرستان وملكها ، وسبب ذلك أنه لما دخل نيسابور هرب منه عبد الله ~~السجزى إلى الحسن بن زيد بسارية ، فأرسل يعقوب إلى الحسن يسأله أن يبعثه ~~إليه ويرجع عنه ، فإنه إنما جاء لذلك لا لحربه فلم يسلمه الحسن ، فحاربه ~~يعقوب فانهزم الحسن ودخل بلاد الديلم ودخل يعقوب سارية وآمل ، وجبى من ~~أهلها خراج سنة ، ثم سار في طلب الحسن بن زيد فصار إلى بعض جبال طبرستان ، ~~فتتابعت عليه الأمطار نحوا من أربعين يوما فلم يتخلص إلا بمشقة شديدة ، ~~وهلك عامة ما معه من الظهر ، ثم أراد الدخول خلف الحسن فوقف على الطريق ~~الذي يريد يسلكه ، وأمر أصحابه بالتوقف عن المسير ، ثم تقدم وحده فتأمل ~~الطريق ورجع إليهم ، فأمرهم بالانصراف وقال : إن لم يكن طريق غير هذا فلا ~~طريق إليه ، وكان نساء تلك الناحية قلن للرجال : دعوه يدخل فإنه إن دخل ~~كفيناكم أمره PageV25P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" وعلينا أسره لكم ، فلما خرج من طبرستان عرض ~~رجاله ففقد منهم أربعين ألفا ، وذهب أكثر ما معه من الخيل والإبل والأثقال ~~. وكتب إلى الخليفة بما فعله من هزيمة الحسن ، وسار إلى الري في طلب عبد ~~الله السجزى ، فإنه كان قد سار إليها بعد هزيمة الحسن فلما قاربها كتب إلى ~~واليها الصلابى ، يخبره بين تسليم عبد الله إليه ويرحل عنه وبين المحاربة ، ~~فسلمه إليه فانصرف يعقوب عنه وقتل عبد الله السجزى . ذكر عود يعقوب إلى ~~بلاد فارس ms5933 والحرب بينه وبين محمد بن واصل كان سبب ذلك أن محمد بن واصل كان ~~قد تغلب على فارس وقتل الحارث بن سيما ، فأضاف المعتمد على فارس والأهواز ~~والبصرة والبحرين واليمامة إلى موسى بن بغا مع ما كان إليه ، فوجه موسى عبد ~~الرحمن بن مفلح إلى الأهواز ، وولاه إياها مع فارس وأضاف إليه طاشتمر ، ~~فقاتله محمد بن واصل برام هرمز ، فانهزم عبد الرحمن وأخذ أسيرا وقتل طاشتمر ~~، وغنم ما كان عسكرهما ، فأرسل الخليفة إلى محمد بن واصل في إطلاق عبد ~~الرحمن ، فلم يفعل وقتله وأظهر أنه مات ، وسار ابن واصل من هذه الوقعة - ~~وقد أظهر أنه يريد واسط - لحرب موسى بن بغا ، فلما رأى موسى شدة الأمر ~~استعفى من ولاية فارس ؛ فلما بلغ ذلك يعقوب - وكان بسجستان ، تجدد طعمه في ~~ملك بلاد فارس ، وأخذ ما غنمه ابن واصل من الخزائن والسلاح من عبد الرحمن ~~بن مفلح وطاشتمر ، فسار يعقوب حتى نزل البيضا من أرض فارس ، فبلغ ابن واصل ~~خبره وهو بالأهواز ، فعاد منها لا يلوى على شيء وأرسل خاله أبا بلال مرداسا ~~إلى يعقوب فوصل إليه وضمن له طاعة محمد بن واصل ، فأرسل يعقوب إلى محمد ~~كتبا ورسلا في المعنى فحبسهم ابن واصل ، وسار يطلب يعقوب والرسل معه ، وهو ~~يريد بذلك أن يخفي خبر مسيره ، وأن يصل بغتة فينال منه غرضه ويوقع به ، ~~فسار في يوم شديد الحر في أرض صعبة المسلك ، وهو يظن أن خبره قد خفي عن ~~يعقوب ، فلما كان وقت الظهر تعبت دوابهم ، فمات من أصحاب ابن واصل أكثر ~~الرجالة جوعا وعطشا وتعبا ، وبلغ خبرهم يعقوب فجمع PageV25P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" أصحابه وأعلمهم الخبر ، وقال لأبي بلال : إن ~~ابن واصل قد غدر بنا وحسبنا الله ونعم الوكيل ، وسار يعقوب إليه فلما قاربه ~~ضعفت نفوس أصحاب ابن واصل عن مقاومته ، فلما صار بينهما رميه سهم انهزم ~~أصحاب ابن واصل من غير قتال ، وتبعهم أصحاب يعقوب وأخذوا منهم جميع ما ~~غنموه من عسكر عبد الرحمن ، واستولى يعقوب على بلاد فارس ورتب ms5934 بها أصحابه ~~وأصلح أحوالها ، ومضى ابن واصل منهزما وأخذ أمواله من قلعته ، وكانت أربعين ~~ألف ألف درهم ، وأوقع يعقوب بأهل زم لأنهم أعانوا ابن واصل ، وحدث نفسه أنه ~~يستولي على الأهواز وغيرها . ذكر حرب بين الموفق ويعقوب وفي سنة اثنتين ~~وستين ومائتين في المحرم سار يعقوب من فارس إلى الأهواز ، فلما بلغ المعتمد ~~على الله إقباله أرسل إليه إسماعيل بن إسحاق وبغراج ، وأطلق من كان في حبسه ~~من أصحاب يعقوب ، وكان قد حبسهم لما أخذ يعقوب ، محمد بن طاهر ، وجاءت ~~رسالة يعقوب إلى الخليفة فجلس أبو أحمد الموفق وأحضر التجار ، وأخبرهم ~~بتوليه يعقوب طبرستان وخراسان وجرجان والري وفارس والشرطة ببغداد ، وذلك ~~بمحضر من درهم حاجب يعقوب ؛ وكان قد أرسله يطلب هذه الولاية ، فأعاده ~~الموفق إلى يعقوب ومعه عمر بن سيما بما أضاف إليه من الولايات ، فعادت رسل ~~يعقوب تقول : إنه لا يرضيه ذلك دون أن يصير إلى باب المعتمد ، وارتحل يعقوب ~~وسار إليه أبو الساج وصار معه ، فأكرمه وأحسن إليه ووصله ، وسار يعقوب إلى ~~واسط فدخلها لست بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وستين ومائتين ، وارتحل ~~المعتمد على الله من بغداد إلى الزعفرانية وقدم أخاه الموفق أمامه ، وسار ~~يعقوب من واسط إلى دير العاقول بالعساكر لمحاربته ، فجعل الموفق على ميمنته ~~موسى بن بغا وعلى ميسرته مسرورا البلخي وقام هو في القلب ، والتقوا ~~واقتتلوا فحملت ميسرة يعقوب على ميمنة الموفق فهزمتها ، وقتل جماعة من ~~القواد ثم تراجع المنهزمون ، وكشف الموفق رأسه وقال : أنا الغلام الهاشمي ، ~~وحمل معه سائر العسكر فثبت عسكر يعقوب ، وتحاربوا حربا شديدا فقتل من أصحاب ~~يعقوب جماعة ، منهم PageV25P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" حسن الدرهمي وأصاب يعقوب ثلاثة أسهم ولم تزل ~~الحرب قائمة إلى وقت العصر فانهزم أصحاب يعقوب ، وثبت هو في خاصة أصحابه ثم ~~مضوا وفارقوا موضع الحرب ، وتبعهم أصحاب الموفق وغنموا ما في عسكره ، وكان ~~فيه الدواب والبغال أكثر من عشرة آلاف ، ومن الأموال ما لا يحصى كثرة ، ومن ~~جرب المسك عدة كثيرة ، وخلص محمد بن طاهر وكان ms5935 مثقلا بالحديد ، فخلع عليه ~~الموفق وولاه الشرطة ببغداد ، وسار يعقوب من موضع الهزيمة إلى خوزستان ونزل ~~جند يسابور ، فراسله العلوي فقال لكاتبه اكتب إليه : " قل يا أيها الكافرون ~~. . . " إلى آخرها وسير الكتاب إليه ، وكانت هذه الوقعة إحدى عشرة ليلة خلت ~~من شهر رجب ، وكتب المعتمد إلى محمد بن واصل بولاية فارس فعاد إليها . ذكر ~~استيلاء يعقوب على الأهواز وغيرها وفي سنة ثلاث وستين ومائتين أقبل يعقوب ~~من فارس ، فلما بلغ النوبندجان انصرف أحمد بن الليث عن تستر ، فبلغ يعقوب ~~جنديسابور ونزلها ، فارتحل عن تلك الناحية من كان بها من عسكر الخليفة ، ~~ووجه يعقوب إلى الأهواز رجلا من أصحابه يقال له الخضر ابن العنبر ، فلما ~~قاربها خرج عنها علي بن أبان ومن معه من الزنج ونزل نهر السدرة ، ودخل ~~الخضر الأهواز وجعل أصحابه وأصحاب علي بن أبان يغير بعضهم على بعض وينال ~~بعضهم من بعض ، إلى أن استعد علي بن أبان وسار إلى الأهواز ، فأوقع بالخضر ~~ومن معه من أصحاب يعقوب وقعة عظيمة ، قتل فيها من أصحاب الخضر خلقا كثيرا ~~وهرب الخضر ومن معه ، وأقام علي بالأهواز يستخرج ما كان فيها ، ورجع إلى ~~نهر السدرة وسير طائفة إلى دورق بمن كان هناك من أصحاب يعقوب ، فأنفد يعقوب ~~إلى الخضر مددا ، وأمره بالكف عن قتال الزنج والإقتصار على المقام بالأهواز ~~، فلم يجب على ابن أبان إلى ذلك دون نقل طعام كان هناك ، فأجابه يعقوب إلى ~~ما طلب ونقل الطعام ، وترك العلف بالأهواز وكف بعضهم عن بعض . PageV25P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" ذكر وفاة يعقوب بن الليث وولاية أخيه عمرو ~~كانت وفاته من تاسع عشر شوال سنة خمس وستين ومائتين بجند يسابور من كور ~~الأهواز ، وكانت علته القولنج فأمره الأطباء بالاحتقان بالدواء ، فامتنع ~~واختار الموت على ذلك ، وكان المعتمد على الله قد أنفذ إليه رسولا وكتابا ~~يستمليه ويسترضيه ، وقلده أعمال فارس ، فوصل الرسول ويعقوب مريض فجلس له ، ~~وجعل عنده سيفا ورغيفا من الخبز الخشكار وبصلا ، وأحضر الرسول وسمع رسالته ~~وقال له : قل للخليفة إنني عليل ms5936 ، فإن مت فقد استرحت منك واسترحت مني ، وإن ~~عوفيت فليس بيني وبينك إلا هذا السيف حتى آخذ بثأري أو تكسرني وتعقرني ~~فأعود إلى هذا الخبز والبصل وأعاد الرسول ، فلم يلبث يعقوب أن مات . وكان ~~الحسن بن زيد العلوي - صاحب طبرستان - يسمى يعقوب السندان لثباته ، وكان ~~يعقوب قد افتتح الرخج وقتل ملكها البتبر وكان هذا الملك يحمل على سريره من ~~ذهب يحمله اثنا عشر رجلا ، وابتنى بيتا على جبل عال سماه مكة ، وكان يدعى ~~الإلهية فقتله يعقوب ، وافتتح الخلجية وزابل وغير ذلك ، وكان عاقلا حازما ~~وكان يقول : كل من عاشرته أربعين يوما فلا تعرف أخلاقه لا تعرفها في أربعين ~~سنة . ذكر ولاية عمرو بن الليث كانت ولايته بعد وفاة أخيه يعقوب في تاسع ~~شوال سنة خمس وستين ومائتين ، ولما ولى كتب إلى الخليفة بطاعته ، فولا ~~الموفق خراسان وأصفهان وسجستان والسند وكرمان والشرطة ببغداد وأشهد عليه ~~بذلك وسير إليه العهد والخلع ، فاستحلف عمرو بن الليث ، عبيد الله بن عبد ~~الله بن طاهر على الشرطة ببغداد وسامرا في صفر سنة ست وستين ، وخلع عليه ~~الموفق أيضا ، ولم يزل عمرو في هذه الولايات إلى أن عزله المعتمد في شهور ~~سنة إحدى وسبعين ومائتين ، وأدخل عليه حاج خراسان وأعلمهم أنه عزل عمرو بن ~~الليث عما كان قلده ، ولعنه بحضرتهم وأعلمهم أنه قد قلد خراسان لمحمد ابن ~~طاهر ، وقد يلعن عمرو على المنابر فلعن . PageV25P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" وسار صاعد بن مخلد إلى فارس لحرب الصفارية ، ~~واستخلف محمد بن طاهر على خراسان رافع بن هرثمة ، ثم كانت الحرب بين عمرو ~~بن الليث وعسكر الخليفة وعليهم أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف ، ودامت ~~الحرب بينهم من أول النهار إلى الظهر ، فانهزم عمر وأصحابه وكانوا خمسة عشر ~~ألفا ، وجرح الدرهمي مقدم جيش عمرو ، وقتل مائة رجل من جماعتهم وأسر ثلاثة ~~آلاف أسير وغنموا معسكر عمرو ، وكان الذي غنموه من الدواب ومن البقر والحمر ~~ثلاثين ألف رأس ، وما سوى ذلك فلا يدخل تحت الإحصاء ، وذلك في عاشر من شهر ms5937 ~~ربيع الأول سنة إحدى وسبعين ومائتين . وفي سنة أربع وسبعين سار الموفق إلى ~~فارس لحرب عمرو بن الليث في شهر ربيع الأول ، فبلغ عمرو الخبر فسير عباس بن ~~إسحاق في جمع كثير من العسكر إلى سيراف ، وأنفذ ابنه محمد بن عمرو إلى ~~أرجان ، وسير أبا طلحة شركب صاحب جيشه على مقدمته ، فاستأمن أبو طلحة إلى ~~الموفق ، وسمع عمرو ذلك فتوقف عن قصد الموفق ، ثم عزم أبو طلحة على العود ~~إلى عمرو فبلغ الموفق خبره ، فقبض عليه بقرب شيراز وجعل ماله لابنه المعتضد ~~، وسار يطلب عمرا فعاد عمر إلى كرمان ثم إلى سجستان على المفازة فتوفي ابنه ~~بالمفازة ، وعاد الموفق . ذكر أسر عمرو بن الليث وقتله وانقراض الدولة ~~الصفارية وفي سنة سبع وثمانين ومائتين في شهر ربيع الأول منها كانت الحرب ~~بين عمرو بن الليث وإسماعيل بن أحمد الساماني ، صاحب ما وراء النهر ، فأجلت ~~الحرب عن هزيمة أصحاب عمرو وأسره كما قدمناه مبينا في أخبار الدولة ~~السامانية ، وخيره إسماعيل في المقام عنده أو إرساله إلى الخليفة المعتضد ~~بالله ، فاختار أن يتوجه إلى المعتضد فسيره إليه ، فوصل إلى بغداد في سنة ~~ثمان وثمانين ، فلما وصل أدخل بغداد على جمل ، ثم حبس إلى أن قتل في سنة ~~تسع وثمانين ومائتين . PageV25P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" ذكر أخباره وشيء من سيرته كان عمرو أعور شديد ~~الشره عظيم السياسة ، قد منع قواده وأصحابه أن يضرب أحد منهم غلامه إلا ~~بأمره ، وكان يشتري المماليك الصغار ويربيهم ويهبهم إلى القواد ، ويجري ~~عليهم الجرايات السنية ليطالعوه بأخبار القواد ، فلا ينكتم عنه شيء من ~~أمرهم ولا يعلمون من ينقل إليه الأخبار ، وكان كثير المصادرات لعماله ~~وخواصه . حكى عنه أن محمد بن بشير أكبر حجابه - وكان يخلفه في جلائل الأمور ~~والحروب المعضلة - فدخل عليه يوما ، فأخذ يعدد عليه ذنوبه فحلف محمد بن ~~بشير بالله وبالطلاق أنه لا يملك غير خمسين بدرة وهو يحملها إلى الخزانة ~~ولا يجعل له ذنبا لم يعلمه ، فقال له عمرو : ما أعقلك من رجل ؟ احملها ~~فحملها ، ولا شيء ms5938 أقبح من هذا الفعل ، ومع ذلك فقد حكى القاضي عياض بن موسى ~~في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) عن الإمام أبي ~~القاسم القشيري أن عمرا رؤية في النوم فقيل له : ما فعل الله بك ؟ قال : ~~غفر لي ، فقيل : بماذا ؟ قال : صعدت ذروة جبل يوما فأشرفت على جنودي ، ~~فأعجبتني كثرتهم فتمنيت أني حضرت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأعنته ~~ونصرته ، فشكر الله لي ذلك وغفر لي . وانقرضت هذه الدولة بأسر عمرو ، وكانت ~~مدتها خمسا وثلاثين سنة ، أيام يعقوب ثلاث عشرة سنة وأيام عمرو اثنتين ~~وعشرين سنة . ذكر أخبار أحمد بن عبد الله الخجستاني وهذه النسبة إلى خجستان ~~وهي من جبال هراة من أعمال باذغيس وكان أحمد بن عبد الله هذا من احاب محمد ~~بن طاهر ، فلما استولى يعقوب بن الليث على نيسابور ضم أحمد هذا إلى أخيه ~~علي بن الليث وكان بنو شركب ثلاثة أخوة : إبراهيم PageV25P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" وأبو حفص يعمر وأبو طلحة منصور بنو مسلم ، ~~وإبراهيم أسنهم ، وكان قد أبلى بين يدي يعقوب عند مواقعته للحسن بن زيد ~~العلوي بجرجان بلاء حسنا ، فقدمه يعقوب فدخل عليه يوما بنيسابور وكان اليوم ~~شديد البرد ، فخلع عليه يعقوب وبرسمور كان على كتفه ، فحسده أحمد الخجستاني ~~وجاء إليه وقال : إن يعقوب يريد الغدر بك ، لأنه لا يخلع على أحد من خاص ~~ملبوسه إلا غدر به فقال إبراهيم : فكيف الخلاص ؟ فقال : الحيلة أن نهرب ~~جميعا إلى أخيك يعمر ، وكان يحاصر بلخ ومعه خمسة آلاف رجل ، فاتفقا على ذلك ~~وتواعدا للخروج في تلك الليلة ، فسبقه إبراهيم إلى الموعد وانتظره ساعة فلم ~~يره ، فسار نحو سرخس وذهب الخجستاني إلى يعقوب فأعلمه ، فأرسل في لأثر ~~إبراهيم فأدركوه بسرخس فقتلوه ، ومال يعقوب إلى أحمد ، فلما أراد يعقوب ~~العود إلى سجستان استحلف على نيسابور عزيز بن السري وولى أخاه عمرو بن ~~الليث هراة ، فاستحلف عمرو وعليها طاهر بن حفص الباذغيسى ، وسار يعقوب إلى ~~سجستان في سنة إحدى وستين ومائتين ، وأحب الخجستاني التخلف لما كان ms5939 يحدث به ~~نفسه ، فقال لعلي بن الليث : إن أخويك قد اقتسما خراسان ، وليس لك بها ما ~~يقوم بشغلك ، وأحب أن تردني إليها لأقوم بأمورك ، فاستأذن أخاه يعقوب في ~~ذلك فأذن له ، فلما حضر أحمد لوداع يعقوب أحسن إليه وخلع عليه ، فلما ولى ~~عنه قال : أشهد أن قفاه قفا غادر مستعص ، وهذا آخر عهدنا بطاعته ، فلما ~~فارقهم جمع نحو مائة رجل فورد بهم بست نيسابور ، فحارب عاملها وأخرجه عنها ~~وجباها ثم خرج إلى قومس ، فغلب على بسطام وقتل بها مقتلة عظيمة وذلك في سنة ~~إحدى وستين وسار إلى نيسابور وبها بن السري فهرب منها ، وأخذ أحمد أثقاله ~~واستولى على نيسابور ، ودعا للطاهرية وذلك في أول سنة اثنتين وستين . وكتب ~~إلى رافع بن هرثمة يستقدمه فقدم عليه ، فجعله قائد جيشه ، وكتب إلى يعمر ~~ابن شركب - وهو يحاصر بلخ - يستقدمه ليتفقا على تلك البلاد ، فلم يثق إليه ~~لما تقدم له مع أخيه إبراهيم ، وسار يعمر إلى هراة فحاربه طاهر بن حفص ~~فقتله واستولى على أعماله فسار إليه أحمد وكان بينهما مناوشات ، وكان أبو ~~طلحة منصور ابن شركب غلاما من أحسن الغلمان ، وكان عبد الله بن بلال يميل ~~إليه وهو أحد قواد يعمر ، PageV25P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" فراسل ابن لال ، الخجستاني أن يعمل ضيافة ~~ليعمر وأصحابه ويدعوهم إليه وأن يكسبهم أحمد وأنه يساعده ، واشترط عليه أنه ~~إذا ظفر يسلم إليه أبا طلحة ، فأجابه أحمد إلى ذلك وتواعدا على يوم ، وعمل ~~ابن بلال ضيافة وحضرها يعمر ، فكسبهم أحمد وقبض على يعمر وسيره إلى نيسابور ~~فقتله ، واجتمع لأبي طلحة جماعة من أصحاب أخيه فقتلوا ابن بلال ، وساروا ~~إلى نيسابور وبها الحسين بن ظاهر أخو محمد ، وقد وردها من أصفهان طمعا أن ~~أحمد يخطب لهم ، كما كان يظهر من نفسه فلم يفعل ، فخطب ابن طاهر بها لأبي ~~طلحة وأقام معه ، فسار الخجستاني من هراة في اثنتي عشر ألف عنان ، فأقام ~~على ثلاث مراحل من نيسابور ، ووجه أخاه إليها فخرج إليه أبو طلحة وقاتله ، ~~فقتل العباس وانهزم أصحابه فعاد ms5940 أحمد إلى هراة ثم كاتبه أهل نيسابور في ~~الحضور إليهم ، فسار إليهم وقدم البلد ليلا ، ففتحوا له الباب ودخلها ، ~~وسار عنها أبو طلحة إلى الحسن ابن زيد ، فأمده بالجنود فعاد إلى نيسابور ~~فلم يظفر بشيء ، فتوجه إلى بلخ وذلك في سنة خمس وستين ، ثم سار الخجستاني ~~لمحاربة الحسن بن زيد لمساعدته لأبي طلحة ، فاستعان الحسن بأهل جرجان ~~فأعانوه ، فهزمهم الخجستاني وجبى منهم أربعة آلاف ألف درهم وذلك في شهر ~~رمضان من السنة . وتوفي يعقوب بن الليث في هذه السنة وولى مكانه أخوه عمرو ~~، فوافى الخجستاني نيسابور واقتتلا فهزمه الخجستاني ، فرجع إلى هراة وأقام ~~أحمد بنيسابور ، ثم سار إلى هراة في سنة سبع وستين فحصر عمرا ولم يظفر بشيء ~~، ثم كان له حروب مع أبي العباس النوفلي وغيره ، فظفر بالنوفلي وكان قد جاء ~~لحربه من قبل محمد بن طاهر في خمسة آلاف رجل وقتله ، ثم سار إلى أبيورد ~~وجبى خراج مروا ، ولم يزل كذلك إلى سنة ثمان وستين ومائتين ، فقتله غلامه ~~زامجور غيلة وكان قد سكر ونام ثم قتل الغلام ، واجتمع أصحاب أحمد الخجستاني ~~وانضموا إلى رافع بن هرثمة . وكان أحمد هذا كريما جوادا شجاعا حسن العشرة ~~كثير البر لإخوانه الذين صحبوه قبل إمارته ، ولم يتغير عليهم ما كان ~~يعاملهم به من التواضع والأدب . ذكر أخبار رافع بن هرثمة كان رافع بن هرثمة ~~من أصحاب محمد بن طاهر ، فلما استولى يعقوب بن الليث على نيسابور وأزال ~~الطاهرية عنها التحق رافع به ، فلما عاد يعقوب إلى سجستان صحبه رافع ، وكان ~~طويل اللحية كريه المنظر قليل الطلاقة ، فدخل يوما على يعقوب PageV25P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" فلما خرج من عنده قال : إنا لا نميل إلى هذا ~~الرجل فليلحق بما شاء من البلاد ، فقيل له ذلك ففارقه وعاد إلى منزله ~~بتامين ، فأقام إلى أن استقدمه أحمد الخجستاني كما ذكرنا وجعله صاحب جيشه ، ~~فلما قتل اجتمع الجيش عليه ، وسار من هراة إلى نيسابور وكان أبو طلحة قد ~~وردها من جرجان ، فحصره فيها رافع وقطع الميرة عنها ، فاشتد ms5941 العلاء ففارقها ~~أبو طلحة إلى مرو ، وخطب رافع لمحمد بن طاهر ، ثم قلد الموفق محمد بن طاهر ~~أعمال خراسان وكان ببغداد ، فاستخلف رافع بن هرثمة على أعمال خراسان ، وسار ~~رافع إلى خوارزم في سنة اثنتين وسبعين ومائتين فجبى أموالها ، ورجع إلى ~~نيسابور . وفي سنة خمس وسبعين استولى رافع على جرجان ، وأزال عنها محمد بن ~~زيد وسار محمد إلى استراباد فحصره بها رافع نحو سنتين فغلت الأسعار وعدمت ~~الأقواد وبيع وزن درهم ملح بدرهمين فضة ، ففارقها محمد ليلا في نفر يسير ~~فتبعه رافع إلى أرض الديلم حتى اتصل بحدود قزوين ، وعاد إلى الري وأقام بها ~~إلى أن توفي المعتمد على الله في سنة تسع وسبعين ومائتين . وإنما ذكرنا ~~أخبار أحمد ورافع في هذا الموضع لتعلقهما بالدولة الصفارية . PageV25P0239 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء السادس والعشرون PageV26P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ### | AUT ذكر أخبار الدولة الديلمية الجيلية # هذه الدولة كانت ببلاد طبرستان ، والري ، وجرجان ، وقزوين ، وزنجان ~~وأبهر ، وأصفهان ، والكرج ، وغير ذلك من البلاد على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى . وملوك هذه الدولة مسلمون ، وكان على دعاهم إلى الإسلام الحسن بن ~~علي الأطرش العلوي ، وهو من أصحاب محمد بن زيد ، فلما قتل محمد بن زيد سار ~~الحسن إلى الديلم ، وأقام بينهم ثلاث عشرة سنة ، ودعاهم إلى الإسلام ، ~~واقتصر منهم على العشر ، وبنى في بلادهم المساجد ، فأجابه منهم طائفة ، ~~وخرج بهم إلى طبرستان ، وملكها ، وكان مها ليلى بن النعمان ، وكان أحد ~~قواده ، وتولى جرجان ، وقتل حمويه في سنة ثمان وثلاثمائة ، ومنهم سرجاب ، ~~وهو مقدم جيش الحسن ، مات في سنة عشرة وثلاثمائة ، ومنهم ما كان بن كالى ، ~~وكان من قواده أيضا ، واستخلفه على استراباذ ، فاجتمع عليه الديلم ، وقدموه ~~عليهم استولى على جرجان ، PageV26P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" وأخذها من بغرا نائب السعيد الساماني ، ولم يكن ~~لهؤلاء الذين ذكرناهم كبير مملكة ، وإنما كانوا يستولون على بلد من البلاد ~~، ويقيمون بها مدة ، ثم يخرجون عنها ويستولون على غيرها . أول من تقدم من ~~الديلم ، وكثرت أتباعه ، وعلا اسمه ؛ واتسعت مملكته . أسفار بن شيرويه ms5942 ~~الديلمي ونحن نذكر حاله من ابتداء أمره ، وما آل إليه ، ومن ملك بعده من ~~الديلم والجيل إلى حين انقراض دولتهم إن شاء الله تعالى ، فتقول : كان ~~أسفار هذا من أصحاب ما كان بن كالى الديلمي ، وكان سيئ الخلق والعشرة ، ~~فكرهه ما كان ، وأخرجه من عسكره ، فالتحق ببكر بن محمد بن اليسع بنيسابور ، ~~وأقام في خدمته إلى أن قتل ابن الأطرش الحسن بن كالى أخا ما كان بجرجان ، ~~واستقل ابن الأطرش بالأمر ، وجعل مقدم جيشه علي بن خرشيد ، فكتب إلى أسفار ~~يستقدمه ، فاستأذن بكرا بن محمد ، وسار إلى جرجان ، واتفق مع علي بن خرشيد ~~، وضبطا تلك الأعمال لا بن الأطرش ، فسار إليهم ما كان بن كالى ، وقاتلهم ، ~~فهزموه ، وأخرجوه عن طبرستان ، وملوكها ، وأقاموا بها ، ثم اتفقت وفاة ابن ~~الأطرش ، وعلي بن خرشيد ، فاستقل أسفار بالأمر ، وانفرد به ، فجاءه ما كان ~~ابن كالى ، وهزمه ، وأخرجه عن البلاد ، فرجع إلى بكر بن محمد ابن اليسع ~~بجرجان ، فأقام بها إلى أن توفي بكر ، فتولاها أسفار من قبل السعيد نصر بن ~~أحمد الساماني في سنة خمس عشرة وثلاثمائة ، وأرسل أسفار إلى مرداويج بن ~~زياد الجيلي يستدعيه إليه ، فجاءه وجعله أسفار أمير جيشه ، وأحسن إليه ، ~~وقصدا طبرستان واستولوا عليها . وكان ما كان بن كالى مع الحسن بن القاسم ~~الداعي العلوي بالري ، وقد استولى عليها ، وأخرج عنها نواب السعيد ، ~~واستولى على قزوين ، وزنجان ، وأبهر ، وقم ، فسار نحو طبرستان ، والتقى هو ~~وأسفار عند سارية ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم معظم أصحاب الحسن ؛ قصدا ~~للهزيمة لكراهيتهم له ، فإنه كان يمنعهم من المظالم ، وشرب الخمر ، وارتكاب ~~المحارم ، فكرهوه ، وكان أيضا قد قتل جماعة منهم ، فخذلوه في PageV26P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" هذه الحادئه ، فقتل الداعي ، واستولى أسفار على ~~البلاد على بلاد طبرستان ، والري ، وجرجان ، وقزوين ، وزنجان ، وأبهر ، وقم ~~، والكرج ، ودعا بها لصاحب خراسان نصر بن أحمد ، واستعمل هارون سندان ، وهو ~~أحد رؤساء الجيل وخال مرداويج على آمل ، وكان هارون يحتاج أن يخطب فيها ~~لأبي جعفر العلوي ، وخاف أسفار ناحية أبى جعفر أن يجدد ms5943 له فتنة وحربا ، ~~فاستدعى هارون غليه ، وأمره أن يتزوج من أعيان آمل ، ويحضر عرسه أبو جعفر ، ~~وغيره من رؤساء العلويين ، وأن بفعل ذلك في يوم ذكره له ، ففعل ، ثم سار ~~أسفار من سارية مجدا لموافاة العرس ، فوصل آمل في يوم الموعد ، وقد اجتمع ~~العلويون عند هارون فهجم على الدار على حين غفلة ، وقبض على أبى جعفر ، ~~وغيره من أعيان العلويين ، وحملها إلى بخارى ، فاعتقلوا بها . ولما فرغ ~~أسفار من ذلك سار إلى الري وبها ما كان بن كالى ، فأخذها منه ، وسار ما كان ~~إلى طبرستان ، فأقام هناك . وأحب أسفار أن يستولي على قلعة ألموت ، وهي ~~قلعة على جبل عال شاهق في حدود الديلم ، وكانت لسياه جشم ، ومعناه : الأسود ~~العين لأنه كان على إحدى عينيه نقطة سوداء ، فراسله أسفار ، ومناه فقدم ~~عليه ، فسأله أن يجعل عيال في قلعة ألموت ، وولاه قزوين ، فأجابه إلى ذلك ، ~~ونقلهم إليها ، ثم كان آيهم من يثق به من أصحابه ، فلما حصل له بها مائة ~~رجل استدعاه من قزوين ، وقبض عبيه وقتله ، وعظمت جيوش أسفار ، وطار اسمه ، ~~فتجبر وعصى على الأمير السعيد نصر بن أحمد صاحب خراسان وما وراء النهر ، ~~فسير الخليفة المقتدر هارون بن غريب إلى أسفار في عسكر ، فالتقوا ، ~~واقتتلوا نحو قزوين ، فانهزم هارون ، وقتل من أصحابه خلق كثير بباب قزوين ، ~~وكان أهل قزوين قد ساعدوا هارون ، فحقد عليهم أسفار ، ثم سار الأمير نصر بن ~~أحمد من بخاري ، وقصد حرب أسفار لخروجه عن طاعته وبلغ نيسابور ، فجمع أسفار ~~عسكره ، فأشار عليه وزيره مطرف ابن محمد بمراسلته ، والدخول في طاعته ، ~~وبذل المال له ، إن أجاب ، وإلا فالحرب بعد ذلك ، وكان في عسكره جماعة من ~~الأتراك أصحاب صاحب خراسان ، فخوفه الوزير منهم ، PageV26P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" فرجع إلى رأيه ، وراسله ، فقبل صاحب خراسان ذلك ~~منه ، وشرط عليه شروطا منها : حمل الأموال ، والطاعة ، وغير ذلك ، فشرع ~~أسفار بعد تمام الصلح في بسط الأموال على الري وأعمالها ، وجعل على كل رجل ~~دينارا إلا أهل البلد ، والمحاربين ، فحصل من ذلك مالا ms5944 عظيما أرضى منه صاحب ~~خراسان بالبعض ورجع عنه ، وعظم أمر أسفار ، وزاد تجبره ، وقصد قزوين بما في ~~من أهلها ، فأوقع بهم ، وأخذ أوالهم ، وقتل كثيرا منهم ، وسلط الديلم عليهم ~~، وسمع المؤذن يؤذن ، فأمر بإلقائه من المنارة إلى الأرض ، فاستغاث الناس ~~من شره وظلمه . وخرج أهل قزوين إلى الصحراء : والرجال ، والنساء ، والولدان ~~يتضرعون إلى الله تعالى ، ويدعون عليه ، ويسألون الله تعاى كشف ما بهم ، ~~فبلغه ذلك ، فضحك وسبهم استهزاء بهم ، فقابله الله تعالى في الغد من نهار ~~الدعاء عليه بما سنذكره . ذكر مقتل أسفار بن شيرويه كان سبب قتله أن ~~مرادويج كان اكبر قواده ، وكان قد أرسله إلى سلار صاحب سميران الطرم يدعوه ~~إلى طاعته ، فلما وصل إليه مرادويج تشاكيا ما الناس فيه من الجهد والبلاء ، ~~فتعاقدا ، وتحالفا على قصده ، والتساعد على حربه ، وكان أسفار قد وصل إلى ~~قزوين ، وهو ينتظر وصول مرادويج بكتابه ، فكتب مرادويج إلى جماعة من القواد ~~يثق بهم يعرفهم ما اتفق هو وسلار عليه ، فأجابوه إلى ذلك ، وكان الجند قد ~~سئموا أسفار ، وسوء سيرته ، وظلمه ، وجوره ، وكان الوزير مطرف بن محمد ، ~~ممن أجاب مرادويج ، ووافقه ، فسار مرادويج نحو أسفار ، فبلغه الخبر ، وأحس ~~بالشر وثار الجند به ، فهرب في جماعة من خاصته ، وذلك عقب حادثة أهل قزوين ~~، ودعائهم عليه . فورد الري ، وأراد أن يأخذ من مال من كان بها ، فمنعه ~~نائبه المقيم بها ، ولم يعطه غير خمسة آلاف دينار ، فتركه ، وانصرف إلى ~~خراسان وأقام بناحية بيهق . وأما مرداويج ، فإنه وصل إلى قزوين ، وسار منها ~~إلى الري ، وكتب إلى ما كان بن كالى ، وهو بطبرستان يستدعيه ليتساعدا على ~~أسفار ، فسار ما كان إلى أسفار ، فسار أسفار PageV26P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" إلى بست ، وركب المفازة نحو الري ليقصد قلعة ~~ألموت التي بها أهله وأمواله ، فانقطع عنه بعض أصحابه ، والتحق بمرداويج ~~واعلمه بخبره ، فخرج مرداويج من ساعته في أسره وقدم بعض قواده بين يديه ، ~~فلحقه القائد ، ونزل ليستريح ، فسلم عليه بالإمرة ، فقال له أسفار : لعلكم ~~اتصل بكم خبري ، وبعثت في طلبي قال ms5945 : نعم ، فضحك ، ثم سأل القائد عن قواده ~~الذين خذلوه ، فأخبر أن مرداويج قتلهم ، فتهلل وجهه ، وقال كانت حياة هؤلاء ~~غصة في حلقي ، وقد طابت الآن نفسي ، فامض لما أمرت به ، وظن أنه أمر بقتله ~~، فقال ما أمرت به فيك بسوء ، وحمله إلى مرداويج ، فقتله ، وانصرف إلى الري ~~. وقيل في قتله : إنه لما قصد ألموت نزل في دار هناك ، واتفق أن مرداويج ~~خرج إلى الصيد فرأى خيلا يسيرة ، فسير من يكشف خبرها ، فوجد رجل أسفار ، ~~فقبض عليه ، وذبحه بيده ، وقيل : بل دخل أسفار إلى رحآ وقد نال منه الجوع ، ~~فطلب من الطحان ما يأكله ، فقدم إليه خبزا ولبنا ، فينما هو يأكل وغلام له ~~ليس معه غيره ، إذ أقبل مرداويج إلى تلك الناحية في طلبه ، فأشرف على الرحآ ~~فرأى أثر الخيل ، فوصل إلى الرحآ ، وأخذه وقتله . ذكر ملك مرداويج وهو ~~الثاني من ملوك الدولة الديلمية الجيلية . كان ابتداء ملكه عند هرب أسفار ، ~~ولما قتله عاد إلى قزوين ، وأحسن إلى أهلها ، ووعدهم الجميل ، وتمكن ملكه ، ~~وتنقل في البلاد ، وملكها مدينة بعد أخرى ، وولاية بعد ولاية ، فملك قزوين ~~، والري ، وهمذان ، كنكور ، والدينور ، وبروجرد ، وقم ، وقاجان ، ~~PageV26P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" وجرباذقان وغيرها ثم أساء السيرة في أهل أصفهان ~~خاصة ، واخذ الأموال ، وهتك المحارم ، وطغى وتجبر ، وعمل سريرا من ذهب يجلس ~~عليه ، وسررا من فضة يجلس عليها أكابر القواد ، وإذا على السرير يقف عسكره ~~صفوفا بالبعد منه ، ولا يخاطبه أحد غير الحجاب الذين رتبهم لذلك ، وخافه ~~الناس خوفا عظيما . ذكر ملك طبرستان وجرجان وقد ذكرنا أن مرداويج كان قد ~~كاتب ما كان ، وطلب منه المعاضدة على أسفار وموافقة ما كان له ، فلما ملك ~~مرداويج ، وقوى أمره طمع في طبرستان ، وجرجان ، وكانتا مع ما كان ، فجمع ~~عساكره ، وسار نحو طبرستان ، فاستظهر على ما كان ، واستولى على البلد ، ~~ورتب فيها أبا القاسم بن باحين ، وهو اسفهسلار عسكره ، وكان حازما شجاعا ~~جيد الرأي ، ثم سار مرداويج نحو جرجان ، وكان بها من قبل ما كان شيرزيل ابن ~~سلار وياغلى بن ترلى ms5946 ، فهربا من مرداويج ، فملكها ، ورتب فيها سرجان نائبا ~~عن أبى القاسم ، فاجتمع لأبي القاسم جرجان ، وطبرستان ، وعاد مرداويج إلى ~~أصفهان ، وسار ما كان إلى الديلم واستنجد بأبي الفضل الثائر بها ، فأكرمه ، ~~وسار معه إلى طبرستان ، فلقيهما نائب مرداويج ، وتحاربوا ، فانهزم ما كان ~~والثائر ، فعاد الثائر إلى الديلم ، وقصد ما كان بنيسابور ، ودخل في طاعة ~~السعيد الساماني صاحب خراسان ، واستنجد به ، فأمده بأكثر جيشه ، فالتقوا ، ~~فانهزم أبو علي وماكان ، وعاد إلى نيسابور ، وعاد ما كان إلى الدمغان ~~ليملكها ، فمنعه نائب مرداويج بجرجان من ذلك ، فعاد إلى خراسان . وهذه ~~الوقائع كلها ساقها أبن الأثير الجزري في تاريخه الكامل في حوادث سنة ست ~~عشرة وثلاثمائة ، وما أظنها في هذه السنة خاصة ، بل فيها وفيما بعدها ، ~~لكنه والله أعلم قصد أن يكون الخبر سياقة حتى لا ينقطع ، وهذا كان دأبه في ~~كثير من الوقائع ، وهو حسن . PageV26P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" ذكر حرب بين مرداويج و بين هارون بن غريب قال : ~~ولما استتب لمرداويج الأمر أتاه الديلم من كل ناحية لبذله ، وإحسانه إلى ~~جنده ، فعظمت جيوشه ، وكثرت عساكره ، وكثر الخرج عليه ، فلم يكفه ما بيده ، ~~ففرق نوابه في النواحي المجاورة له ، وبعث إلى همذان ابن أخت له في جيش ~~كثيف ، وكان بها أبو عبد الله محمد بن خلف في عسكر للخليفة ، فتحاربوا ~~وأعان أهل همذان عسكر الخليفة ، فظفروا بالديلم ، وقتل ابن أخت مرداويج ، ~~فسار إلى همذان ، فلما سمع أصحاب الخليفة بمسير مرداريج انهزموا ، وفارقوا ~~همذان ، ونازلها مرداريج ، فتحصن أهلها منه ، فقاتلهم ، وظفر بهم ، وقتل ~~منهم خلقا كثيرا ، وأحرق وسبى ، ثم رفع السيف وأمر بنفيهم ، فأنفذ المقتدر ~~هارون بن غريب في عساكر كثيرة لمحاربته ، فالتقوا بنواحي همذان ، واقتتلوا ~~قتالا شديدا ، فانهزم هارون ، واستولى مرداويج على بلاد الجيل جميعها ، وما ~~وراء همذان ، وسير قائدا من قواده يعرف بابن عجلان القزويني إلى الدينور ، ~~ففتحها بالسيف ، وقتل كثيرا من أهلها ، وبلغت عساكره ، إلى نواحي حلوان ~~فغمت وقتلت ، ونهبت ، وسبت ، وعادت إليه . ذكر ملكه أصفهان قال : ثم أنفذ ~~مرداويج طائفة أخرى ms5947 إلى أصفهان ، فملكوها ، واستولوا عليها ، وبنواله فيها ~~مساكن أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف فسار مرداويج إليها ، ونزلها ، وهو في ~~أربعين ألفا ، وقيل خمسين ألفا ، وأرسل جمعا آخر إلى الأهواز ، فاستولوا ~~عليها وعلى خوزستان ، وجبوا أموال تلك البلاد ، والنواحي ، فقسمها في ~~أصحابه ، وادخر منها ذخائر كثيرة ، ثم أرسل إلى المقتدر رسولا يقرر على ~~نفسه مالا على هذه البلاد ، ونزل للمقتدر عن همذان ، فأجابه إلى ذلك ، وقرر ~~عليه مائتي ألف دينار في كل سنة . ذكر وصول وشمكير إلى أخيه ومرداويج قال : ~~ولما استقر ملك مرداويج أرسل في طلب أخيه وشمكير ، وهو ببلاد جيلان يستدعيه ~~. قال الجعد : أرسلني إليه فجئته فإذا هو في جماعة يزرعون الأرز ، ~~PageV26P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" فلما رأوني قصدوني وهو عرايا حفاة عليهم ~~سراويلات ملونة الخرق مرقعة ، فسلمت علي وشمكير ، فأبلغته رسالة أخيه ، ~~وأعلمته ما هو فيه ، وما حازه من الملك ، فضرط بفيه في لحية أخيه ، وقال : ~~إنه ليس السودا ، وخدم المسودة يعني الخلفاء ، فمازلت أمنيه وأطعمه حتى خرج ~~معي ، فلما بلغنا قزوين اجتهدت به حتى لبس السودا ، ورأيت من جهله أشياء ~~أستحي أن أذكرها ، ثم أعطته السعادة ما كان في الغيب ، فجاء من أعرق الملوك ~~بتدبير الممالك ، وسياسة الرعايا ، وكان وصوله إلى أخيه في سنة عشرين ~~وثلاثمائة . ذكر مقتل مرداويج كان مقتله في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة ، ~~وسبب ذلك أنه كان كثير الإساءة إلى الأتراك ، وكان يقول : إن روح سليمان بن ~~داود حلت فيه ، وإن الأتراك هم المردة والشياطين ، فإن أقهرهم ، وإلا ~~افسدوا ، فثقلت وطأته عليهم ، فلما كان في ليلة الميلاد من هذه السنة ، ~~لأمر بأن يجمع الحطب من الجبال والنواحي ، وأن يجعل على جانبي الوادي ~~المعروف بزندره ، ويعمل مثله على الجبل المعروف بكر ثم كوه المشرف على ~~أصفهان من أسفله إلى أعلاه بحيث إذا اشتعلت النيران يصير الجبل كله نارا ، ~~وعمل مثل ذلك بجميع الجبال والتلال التي هناك ، وجمع النفط ، ومن يلعب به ، ~~وجمع له أكثر من ألفي غراب وحدأة ليجعل في أرجلها النفط ، وترسل لتطير ms5948 في ~~الهواء ، وأمر بعمل سماط عظيم كان فيه مائة فرس ، ومائتا رأس من البقر ~~مشوية صحاحا ، وثلاثة آلاف رأس من الغنم شواء ، غير المطبوخ ومن الأرز ~~والدجاج عشرة آلاف طائر ، وما يناسب ذلك من الحلوي ، وركب آخر النهار ~~بغلمانه فطاف بالسماط ، ونظر إليه وإلى تلك الأخطاب ، فاستحقر الجميع لسعة ~~البرية ، ولعن وغضب وعاد فدخل خركاه ، وقام ، فلم يجسر أحد أن يكلمه ، ~~واجتمع الأمراء والقواد وغيرهم ، وكادت الفتنة تقوم لخوفهم منه ، فأتاه ~~وزيره العميد ، وتلطف به ، وعرفه ما الناس فيه ، فخرج ، وجلس على السماط ، ~~وأكل ثلاث لقم ، ونهب الناس الباقي ، ولم يجلس للشراب ، وعاد إلى مكانه ، ~~وأقام ثلاثة أيام لا يظهر ، فلما كان في اليوم الرابع أمر بإسراج الخيل ~~ليعود إلى منزله ، فاجتمع خلق كثير وشغبت الدواب مع الغلمان ، وصهلت ، ~~ولعبت ، فصار الغلمان يصيحون بال لتسكن ، فاجتمع من ذلك أصوات PageV26P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" هائلة مختلفة منكرة ، وكان مرداويج نائما ، ~~فاستيقظ ، فسمع ذلك ، وسأل عنه ، فعرف صورة الحال ، فازداد غضبا ، وقال ما ~~كفى من إخراق الحرمة ما فعلوه من نهب السماط ، وما أرجفوا به حتى انتهى أمر ~~هؤلاء الطلاب إلى هذا ، وسأل عن أصحاب الخيل ، فقيل : إنها للأتراك ، وقد ~~نزلوا للخدمة ، فأمر أن تحط السروج عن الدواب ، وتوضع على ظهور أصحابها ، ~~ويأخذون بإرسال الدواب إلى الاصطبلات ، ومن امتنع من ذلك ضربه الديلم ، ~~ففعلوا ذلك ، فكانت صورة قبيحة أنفت منها نفوسهم . قم ركب مع خاصته ، وهو ~~يتوعد الأتراك حتى صار إلى داره بعد العشاء بعد أن ضرب جماعة من أكابر ~~الأتراك ، فاجتمعوا ، وقالوا ما وجه صبرنا على هذا الشيطان ، وتحالفوا على ~~الفتك به ، واتفق دخوله الحمام ، وكان كورتكين يحرسه في حمامه وخلواته ، ~~فأمره في ذلك اليوم أن لا يتبعه ، فتأخر مغضبا ، وكان هو الذي يجمع الحراس ~~، فلم يأمر الحرس باتباعه . وكان له خادم أسود يتولى خدمته بالحمام ، ~~فاستمالوه ، فمال إليهم ، وهجم الأتراك على الحمام ، فقام أستاذ داره ، وهو ~~خادم ليمنعهم ، فضربه بعضهم بالسيف ، فقطع يده ، فصاح ، فعلم مرداريج ، ~~فغلق باب الحمام ، وتربسه بسرير ms5949 كان يجلس عليه إذا غسل رأسه ، فصعدوا السطح ~~، وكسروا الجامات ، ورموه بالنشاب ، ثم كسروا باب الحمام ، ودخلوا عليه ، ~~فقتلوه ، وكان الذي جمع الناس على قتله توزون ، وهو الذي صار أمير العساكر ~~بالعراق ، وياروق ، ومحمد ابن ينال الترجمان ، وبجكم وهو الذي تولى إمرة ~~العراق . وقال : ولما قتلوه أعلموا أصحابهم ، فنهبوا قصره ، وهربوا . هذا ~~لم يعلم بهم الديلم ، فلما علموا ركبوا في آثارهم ، فلم يلحقوا منهم إلا ~~نفرا يسيرا ، فقتلوهم ، وعادوا ، واجتمع على طاعة أخيه وشميكر . ذكر ملك ~~وشميكر بن زيار وهو الثالث من ملوك الدولة الديلمية الجيلية . وقال : ولما ~~قتل مرداويج كان وشمكير بالري ، فحملوا تابوت مرداويج ، وساروا نحو الري ، ~~فخرج وشمكير ، ومن عنده من أصحابه ، وتلقوا التابوت مشاة حفاة على أربعة ~~فراسخ ، وكان يوما مشهودا . واجتمع على وشمكير عساكر أخيه . قال : وكان ركن ~~الدولة بن بويه في جيش PageV26P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" مرداويج رهينة عن أخيه عماد الدولة ، فإنه كان ~~قد بذل من نفسه الطاعة لمرداويج ، ورهن عنده أخاه ، فلما قتل مرداويج بذل ~~للموكلين به مالا ، فأطلقوه ، فهرب إلى أخيه عماد الدولة بفارس . ذكر ما ~~فعله الأتراك بعد قتل مرداويج قال : ولما قتلوه تفرقوا على قزوين ، ففرقة ~~سارت إلى عماد الدولة بن بويه بفارس ، وفرقة سارت نحو الجبل مع بجكم ، وهي ~~أكثرها ، فنجبوا الأموال ، وخراج الدينور وغيرها ، وصاروا إلى النهران ، ~~فكاتبوا الخليفة الراضي بالله في المسير إلى بغداد ، فإذن لهم ، فدخلوا ، ~~فظن الحجرية أن ذلك مقلة بذلك ، وأطلق لهم مالا ، فلم يرضوا به ، وغضبوا ~~فكاتبهم ابن رائق ، وهو بواسط ، وله البصرة ، فاستدعاهم فمضوا إليه ، وقدم ~~عليهم بجكم وأمره بمكاتبة الأتراك والديلم أصحاب مرداويج ، فكاتبهم ، فقدم ~~منهم عدة ، فأحسن إليهم ، وأمره أن يكتب إلى الناس في كتبه بجكم الرائقي ، ~~وكان من أمر بجكم ما قدمناه في أخبار الدولة العباسية . وفي سنة تسع وعشرين ~~وثلاثمائة أرسل وشمكير جيشا كثيفا من الري إلى أصفهان ، وبها ركن الدولة بن ~~بويه ، فأزالوه عنها ، وخطبوا لوشمكير ، وسار وشكمير إلى قلعة ألموت ، ~~واستولى عليها ، ودامت أيام وشمكير إلى ms5950 سنة سبع وخمسين . ذكر وفاة وشمكير ~~كانت وفاته في المحرم سنة سبع وخمسين وثلاثمائة . وذلك أنه ركب للصيد ، ~~فعارضه خنزير قد رمى بحربه ، وهي ثابتة فيه ، فحمل الخنزير عليه ، وهو غافل ~~، فضرب الفرس الذي تحته فشب به ، فألقاه إلى الأرض ، فخرج الدم من انفه ~~وآذنيه ، فمات . وكانت مدة ملكه أربعا وثلاثين سنة تقريبا ، ولما مات قام ~~بالأمر بعده ابنه بهشيتون . PageV26P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" ذكر ملك ظهير الدولة بهشيتون بن وشمكير وهو ~~الرابع من ملوك الدولة الديلمية الجيلية . ملك ما كان في مملكة أبيه بعد ~~وفاته ، وذلك في المحرم سنة سبع وخمسين وثلاثمائة ، قال : ولما ملك صالح ~~ركن الدولة بن بويه ، فأمده بالخيل ، والمال ، والرجال ، وكان وشمكير قد ~~قصد ركن الدولة ، وأتته العساكر من قبل الأمير منصور بن نوح الساماني ، ~~وكتب إلى ركن الدولة يهدده ويسبه في كتابه ، ويقول : والله إن ظفرت بك ~~لأفعلن ، ولأصنعن ، فلم يجسر الكاتب أن يقرأه على ركن الدولة ، فقرأه هو ، ~~وقال للكاتب اكتب إليه : أما تهددك ، فو الله لئن ظفرت بك لأعاملنك بضد ما ~~كتبت ، ولأحسنن إليك ، ولأكرمنك ، فلما مات استقر الصلح بين ظهير الدولة ، ~~وركن الدولة ، ودامت أيام بهشيتون إلى سنة ست وستين وثلاثمائة ، فتوفي ~~بجرجان ، وكانت مدة ملكه تسع سنين وشهورا ، ولما مات ملك بعده أخوه . ذكر ~~ملك شمس المعالي قابوس بن وشمكير وهو الخامس من ملوك الدولة الديلمية ~~الجيلية . كان مالكه بعد وفاة أخيه بهشيتون في سنة ست وستين وثلاثمائة ، ~~وكان عند وفاته عند خاله بجبل شهريار ، وخلف بهشيتون ابنا صغيرا بطبرستان ~~مع جده لأمه ، فطمع جده أن يأخذ الملك ، فبادر إلى جرجان ، فرأى بها جماعة ~~من القواد قد مالوا إلى قابوس ، فقبض عليهم ، وبلغ قابوس الخبر ، فسار إلى ~~جرجان ، فلما قاربها خرج جيش إليه ، واجتمعوا عليه ، وأطاعوه ، وملكوه ، ~~فهرب من كان مع ابن يهشيتون ، وتركوه فأخذه عمه قابوس وكفله ، وجعله أسوة ~~أولاده ، واستولى على جرجان ، وطبرستان ، ودام ملكه إلى أن خلع ، وقتل ، ~~على ما سنذكره إن شاء الله تعالى . ذكر خلع قابوس ms5951 بن وشمكير وقتله وولاية ~~ابنه ملك المعالي منوجهر وفي سنة ثلاث وأربعمائة خلع شمس المعالي قابوس بن ~~وشمكير ، فكانت مدة ملكه سبعا وثلاثين سنة ، وكان سبب خلعه أنه مع ما كان ~~فيه من الفضائل الجمة ، PageV26P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" وحسن السياسة كان شديد المؤاخذة ، قليل العفو ~~، يقتل على الذنب اليسير ، فضجر أصحابه منه ، واستطاعوا أيامه ، واجمعوا ~~على خلعه ، والقبض عليه ، وكان حينئذ غائبا عن جرجان ببعض قلاعه ، فلم يشعر ~~إلا وقد أحاط العسكر به ، وانتهبوا أمواله ودوابه ، وقصدوا استنزاله ، ~~فمانع عن نفسه ، فرجعوا إلى جرجان ، واستولوا عليها وعصوا بها ، وبعثوا إلى ~~ابنه منوجهر وهو بطبرسان يعفونه الحال ، ويستدعونه ليولوه أمرهم ، فسار ~~عجلا خوفا من خروج الأمر عنه ، فالتقوا ، واتفقوا على طاعته إن هو خلع أباه ~~، فأجابهم على كره منه ، وكان شمس المعالي قد توجه إلى بسطام ، فقصدوه ، ~~فلما وصل منوجهر إلى أبيه اجتمع به ، وخلا معه ، وعرفه ما هو فيه ، وعرض ~~عليه أن يقاتل معه من خرج عليه ، ولو كان فيه ذهاب نفسه ، فرأى قابوس خلاف ~~ذلك ، وسهل عليه الأمر حيث صار إلى ابنه ، وسلم له خاتم الملك ، وانتقل إلى ~~قلعته : جناشك ليتفرغ للعبادة ، وسار منوجهر إلى جرجان ، وضبط الملك ، واخذ ~~في مداراة الذين خرجوا على أبيه ، فدخلوا عليه في بعض الأيام وحسنوا له قتل ~~والده ، وخوفوه ، وصمموا على إعدامه ، وهو لا يجيبهم بكلمة ، ثم فرقوه ~~وجاءوا إلى أبيه ، وقد دخل الطهارة ، وهو متخفف ، فأخذوا ما كان عليه من ~~الكسوة ، وكان فصل الشتاء ، فصار يستغيث ويقول : أعطوني ، ولو جل دابة حتى ~~مات من شدة البرد ، وجلس ولده منوجهر للعزاء وكان قابوس غزير الأدب ، وافر ~~العلم ، له رسائل ، وشعر حسن . وكان عالما بالنجوم . قال : ولما ملك منوجهر ~~لقبه الخليفة القادر بالله ملك المعالي ، ثم أرسل يمين الدولة محمود بن ~~سبكتكين ، ودخل في طاعته ، وخطب له سائر منابر بلاده ، وتزوج ابنته ، فقوي ~~عضده به ، وشرع منوجهر ف التدبير على قتله أبيه ، فأبادهم بالقتل والتشريد ~~. واستمر في الملك إلى سنة عشرين وأربعمائة ، فتوفي فيها ms5952 ، فكانت مدة ملكه ~~سبع عشرة سنة . ولما مات ملك بعده ابنه . PageV26P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" ذكر ملك أنوشروان دارا بن ملك المعالي منوجهر ~~ابن قابوس شمس المعالي وهو السابع من ملوك الدولة الديلمية الجيلية ملك بعد ~~وفاة أبيه منوجهر في سنة عشرين وأربعمائة ، وقام بتدبير دولته أبو كالجار ~~القوهي ، وتقدم على جيشه ، وتزوج بأمه ، ثم قبض عليه أنو شروان بعد ذلك ~~بمساعدة أمه ، فلما قبض عليه طمع فيه السلطان طغرلبك السلجقي ، فسار إلى ~~جرجان في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ، ومعه مرداويج بن بسو ، ونازلها ، ~~فلم يمانعه أهلها ، وفتح له أبوابها ، وقرر على أهلها مائة ألف دينار صلحا ~~، وسلمها إلى مرداويج ، وقرر عليها في كل سنة خمسين ألف دينار عن جميع ~~الأعمال ، ثم اصطلح أنو شروان ومرداويج ، وتزوج بأم أنو شروان ، وضمن له ~~أنو شروان في كل سنة ثلاثين ألف دينار ، وبقي أنو شروان يتصرف بأمر مرداويج ~~لا يخالفه في شيء ، وأقيمت الخطبة لطغرلبك . وانقرضت الدولة الديلمية ~~الجيلية ، وكانت مدة هذه الدولة منذ أسفار بن شيرويه . في سنة ست عشرة ~~وثلاثمائة ، وإلى أن استولى طغرلبك على جرجان في سنة ثلاث وثلاثين ~~وأربعمائة ، مائة سنة وثمان عشرة سنة تقريبا ، وعدة من ملك منهم سبعة ملوك ~~، وهم : أسفار بن شيرويه ، ثم مرداويج بن زياد ، ثم وشمكير بن زياد ، ثم ~~ظهير الدولة بهشيتون بن وشمكير ، ثم شمس المعالي قابوس ابن وشمكير ، ثم ملك ~~المعالي منوجهر قابوس ، ثم ابنه أنو شروان دارا . وعليه انقرضت دولتهم . ~~والله أعلم بالصواب . ذكر أخبار الدولة الغزنويه كان ابتداء هذه الدولة ~~بغزنة في سنة ست وستين وثلاثمائة ، ثم استولت على خراسان ، والغور ، والهند ~~، وغير ذلك ، وأول من قام منهم سبكتكين ، ونحن نذكر أخباره ، وابتداء أمره ~~إلى أن ملك بعده من أولاده ، وأولادهم ، إلى حين انقراض دولتهم . ~~PageV26P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" ذكر أخبار ناصر الدولة سبكتكين وابتداء أمره ~~وماكان منه إلى أن ملك كان سبكتكين من غلمان أبي إسحاق بن البتكين صاحب جيش ~~غزنة للسامانية ، وكان مقدما عنده ، وعليه مدار أمره ، وقدم إلى ms5953 بخارى أيام ~~الأمير منصور بن نوح مع أبى إسحاق ، فعرفه أرباب تلك الدولة بالعقل والعفة ~~وجودة الرأي ، وعاد معه إلى غزنة ، ثم لم يلبث أبو إسحاق أن توفي ، ولم ~~يخلف من أهله وأقاربه من يصلح المتقدم ، فأجمع أصحابه رأيهم على سبكتكين ، ~~فقدموه عليهم ، وولوه أمرهم ، وحلفوا له وأطاعوه ، فأحسن السيرة فيهم ، ~~وساس أمورهم ، وجعل نفسه كأحدهم في الحال والمال ، وكان يدخر من إقطاعه ما ~~يعمل منه طعاما لهم في كل أسبوع مرتين . فعظم شأنه ، وارتفع قدره ، وحسن ~~ذكره ، وتعلقت الأطماع بالاستعانة به . ذكر ولايته قصدار وبست كان سبب ذلك ~~أن طغان خان صاحب بست خرج عليه أمير يعرف ببابي تور ، فملك مدينة بست منه . ~~وأجلاه عنها بعد حرب شديدة ، فاستغاث بسبكتكين ، والتزم بمال يحمله إليه في ~~كل سنة ، وطاعة يبذلها ، فسار معه ، ونزل على بست ، وقاتل الخارج على طغان ~~قتالا شديدا ، وهزمه ، وتسلم طغان البلد ، فلما استقر فيه طالبه سبكتكين ~~بما استقر عليه ، فأخذ يماطله ، فأغلط له في القول لكثرة مطله ، فحمل طغان ~~الجهل على أن ضرب سبكتكين وحجز العسكر بينهما ، وقامت الحرب بينهما على ساق ~~، فانهزم طغان ، واستولى سبكتكين على بست ، وسار طغان إلى قصدار وكان ~~يتولاها أيضا فعصى بها ، واستعصم ، وظن أن ذلك بمنعه من سبكتكين ، فسار ~~إليه جريدة ، فلم يشعر إلا والخيل معه ، فأخذه من داره ثم من عليه ، وأطلقه ~~، ورده إلى ولايته ، وقرر عليه مالا يحمله في كل سنة . ذكر غزوه الهند وما ~~كان بينه وبينهم قال : ولما فرغ سبكتكين من بست وقصدار غزا الهند ، فافتتح ~~قالعا حصينة على شواهق الجبال ، وعاد سالما ظافرا ، فلما رأى جيبال ملك ~~الهند ما دهاه منه PageV26P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" حشد ، وجمع ، واستكثر من الفيلة ، وسار حتى ~~اتصل بولاية سبكتكين ، فسار سبكتكين من غزنه بعساكره ، وتبعه خلق كثير من ~~المتطوعه ، والتقوا واقتتلوا أياما كثيرة ، وكانوا بالقرب من عقبة عورك ، ~~فلما طال الأمر على ملك الهند طلب الصلح ، وقرر على نفسه مالا يؤديه ~~لسبكتكين وخمسين فيلا وبلادا يسلمها ، فجهل المال والفيلة ، وأعطى ms5954 جماعة من ~~أهله رهائن على البلاد ، وسير معه سبكتكين من يتسلمها . فلما أبعد ملك ~~الهند قبض على من معه من أصحاب سبكتكين ، وجعلهم عنده عوضا عن رهائنه ، ~~فلما اتصل ذلك بسبكتكين ، جمع العساكر وسار نحوه ، وأخرب كل ما مر عليه من ~~بلاد الهند ، وقصد لمغان ، وهي أحصن بلادهم ، فافتتحها عنوة ، وهدم بيوت ~~الأصنام ، وأقام فيها شعائر الإسلام ، وسار عنها يفتح البلاد ، ويقتل أهلها ~~، فلما بلغ ما أراده عاد إلى غزنة ، فجمع جيبال ملك الهند العساكر ، وسار ~~في مائة ألف مقاتل ، ولقيه سبكتكين ، وأمر أصحابه أن يتناوبوا القتال مع ~~الهنود ، ففعلوا ذلك حتى ضجر الهند من دوام القتال ، وحملوا حملة واحدة ، ~~واشتد القتال ، فانجلت الحرب عن هزيمة الهنود ، وأخذهم بالسيف ، وأسر منهم ~~خلق كثير ، وغنم من أموالهم ، وأثقالهم ، ودوابهم مالا يحصى كثرة ، فذل ~~الهنود بعد هذه الوقعة ، وأطاع سبكتكين الأفغانية والخلج ودخلوا تحت أمره ~~وطاعته ، فعظمت هيبته ، واتسعت مملكته . ذكر ملك محمود بن سبكتكين خراسان ~~قال : وفي سنة أربع وثمانين وثلاثمائة كانت ولاية محمود بن سبكتكين خراسان ~~من قبل الأمير نوح بن منصور الساماني عوضا عن أبي علي بن سيمجور ، ولقبه ~~الأمير نوح سيف الدولة ، ولقب سبكتكين ناصر الدولة ، وأقام محمود بنيسابور ~~، فانهزم محمود ، ثم جمع عساكره وعساكر أبيه ، فأخرجا بن سيمجور عنها في ~~بقية السنة ، واستقر ملك محمود بخراسان على ما قدمناه في أخبار الدولة ~~السامانية . ذكر وفاه ناصر الدولة سبكتكين وولاية ولده اسماعيل كانت وفاته ~~رحمه الله في شعبان سنة سبع وثمانين وثلثمائه ، وكان إذ ذاك ببلخ ، وقد ~~جعلها مقر ملكه ، وابتنى بها دورا ومساكن ، فمرض وطال مرضه ، فارتاح ~~PageV26P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" إلى هواء غزنة ، فسار عن بلخ ، فمات في طريقه ~~، ونقل إلى غزنة ، فدفن بها . وكانت مدة ملكه نحوا من عشري سنة ، وكان ~~عادلا خيرا ، ة كثير الجهاد ، حسن الإعتقاد ، فاضلا عارفا ، له نظم ونثر ~~وخطب في بعض الجمع ، وكان يقول بعد الدعاء للخليفة : رب قد آتيتني من الملك ~~، وعلمتني من تأويل الأحاديث ، فاطر السموات والأرض أنت ولي ms5955 في الدنيا ~~والآخرة ، توفني مسلما ، وألحقني بالصالحين . ولما حضرته الوفاة عهد إلى ~~ولده إسماعيل بالملك ، وكان أصغر من أخيه محمود ، فبايعه الجند بعد وفاة ~~أبيه ، وحلفوا له ، فأطلق لهم الأموال ، ثم استصغروه ، فاشتطوا في الطلب ~~حتى فنيت الخزائن التي خلفها سبكتكين . ثم استولى محمود على الملك فكانت ~~مدة ملك اسماعيل سبعة أشهر . ذكر سلطنة يمين الدولة محمود بن سبكتكين وهو ~~الثالث من ملوكها . وهو أول من تلقب بالسلطان ، ولم يتلقب بها أحد قبله قال ~~: ولما بلغه خبر وفاة والده كان بنيسابور ، فجلي للعزاء ، ثم أرسل إلى أخيه ~~إسماعيل يعزيه ، ويعرفه أن أباه إنما عهد إليه بالملك لبعده عنه ، ويذكر له ~~ما يتعين من تقديم الكبير ، وطلب منه الوفاق ، وإنفاذ ما يخصه من ميراث ~~أبيع ، فلم يفعل . وترددت الرسائل بينهما ، فلم تستقر قاعدة ، فسار محمود ~~عن نيسابور إلى هراة عازما على قصد غزنة ، واجتمع بعمه بغراجق ، فساعده على ~~إسماعيل ، وسار إلى بست ، وبها أخوه نصر ، فتبعه ، وأعانه ، وسار إلى غزنة ~~، وبلغ الخبر إسماعيل وهو ببلخ ، فسار عنها مجدا فسبق أخاه محمودا إلى غزنة ~~، وكان الأمراء الذين مع إسماعيل قد كاتبوا أخاه محمودا يستدعونه ، ووعدوه ~~الانحياز إليه فجد في السير ، والتقى هو وإسماعيل بظاهر غزنه ، واقتتلا ~~قتالا شديدا ، فانهزم إسماعيل ، واعتصم بقلعة غزنة ، فحصروه أخوه محمود ، ~~واستنزله منها بأمان ، لما نزل إليه أكرمه ، وأحسن إليه ، وشاركه في ملكه ، ~~وعاد إلى بلخ ، واستقامت له الممالك ، وعظم شأنه ، وأطاعته العساكر . ~~PageV26P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" ذكر استيلاء يمين الدولة محمود على خراسان ~~وانتزعها من السامانية كان سبب ذلك أن فايقا وبكنوزون مدبري دولة الأمير ~~منصور ابن نوح قبضا عليه ، وسماه كما قدمنا ذكر ذلك في أخبار السامانية ، ~~فسار السلطان محمود نحوهما ، والتقوا بمرو في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين ~~وثلاثمائة ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم السامانية ، فلحق عبد الملك ، ~~وفايق ببخارى ، وقصد بكتوزون نيسابور ، ثم قصد نواحي جرجان ، فأرسل محمود ~~خلفه أرسلان الجاذب ، فاتبعه حتى ألحقه بجرجان ، وعاد ، فاستخلفه محمود على ~~طوس ، وسار إلى هراة ، فلما علم ms5956 بكتوزون بمسير محمود عن نيسابور عاد إليها ~~وملكها ، فقصده محمود ، فهرب منه إلى بخارى بعد أن نهب مرو على طريقه ، ~~واستقر ملك محمود بخراسان ، وزال هذا التاريخ للطائع بعد خلعه ، وولي محمود ~~قيادة جيوش خراسان أخاه نصرا ، وجعله بنيسابور ، وسار هو إلى بلخ ، وهي ~~مستقر ملك أبيه ، واتخذها دار ملك ، واتفق أصحاب الأطراف بخراسان على طاعته ~~كآل قريغون أصحاب الجوزجان . وكالشار الساه صاحب غرشستان ، والشار : لقب ~~امن ملك غرشستان ككسري الفرس ، وقيصر الروم . وفي سنة تسعين وثلاثمائة قتل ~~بغراجق عم يمين الدولة ؛ قتله طاهر بن خلف بن أحمد صاحب سجستان في حرب ~~بينهما ، فسار يمين الدولة نحو خلف بن أحمد أبو طاهر ، فتحصن منه بحصن ~~أصهنه ، فحاصره ، وضيق عليه ، فبذل الأموال ، فأجابه إلى ما طلب ، وأخذ ~~رهائنه على ما تقرر من المال . والله أعلم بالصواب . PageV26P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" ذكر غزوة الهند وفي المحرم سنة اثنتين وتسعين ~~وثلاثمائة أحب يمين الدولة أن يغزو الهند ويجعل ذلك كفارة لقتاله مع ~~المسلمين ، فسار ونزل على مدينة برشور ، والتقى هو وجيبال ملك الهند ، ~~واقتتلوا إلى نصف النهار ، فانهزم الهند ، وقتل منهم مقتلة عظيمة ، وأسر ~~ملكهم جيبال وجماعة كثيرة من أهله وعشيرته ، وغنم المسلمون أموالهم ~~وجواهرهم ، وأخذ من عنق جيبال قلادة من الجوهر قومت بمائتي ألف دينار ، ~~واخذ أمثالها من أعناق مقدميه الأسرى ، وغنم المسلمون خمسمائة ألف من ~~الرقيق ، وفتح كثيرا من بلاد الهند ، ثم احب أن يطلق جيبالا ليراه الهنود ~~في شعار الذل ، فأطلقه على مال قرره عليه ، فأدى جيبال المال ، ومن عادة ~~الهنود أنه من حصل منهم في أيدي المسلمين أسيرا لم يعقد له بعدها رئاسة ، ~~فلما رأى جيبال حاله بعد خلاصه حلق رأسه وألقى نفسه في النار فاحترق ثم سار ~~محمود نحو ويهند ، فحاصرها ، وأخذها عنوة ، ثم بلغه أن طائفة من الهند ~~اجتمعوا في شعاب تلك الجبال ، فجهز إليهم من عساكره من قتلهم ، فلم يسلم ~~منهم إلا الشريد ، وعاد إلى غزنة مؤيدا منصورا سالما ظافرا . ذكر ملكه ~~سجستان وفي سنة تسعين وثلاثمائة ms5957 ملك يمين الدولة سجستان ، وانتزعها من خلف ~~ابن محمد ؛ وكان سبب ذلك أن يمين الدولة لما رحل عن خلف بعد مصالحته على ~~المال كما قدمناه عهد خلف لولده طاهر ، وسلم إليه مملكته ، وانقطع للاشتغال ~~بالعالم ، وإنما فعل ذلك ليظهر ليمين الدولة تخلية عن الملك لينقطع طمعه عن ~~بلاده ، فعفه ولده ، واستقل بالملك فأخذ أبوه يلاطفه ، وادعى المرض ، فزره ~~ابنه طاهر ، فقبض عليه ، وسجنه إلى أن مات في سجنه ، فتغير العسكر لذلك ، ~~وكاتبوا يمين الدولة في تسليم سجستان إليه ، فجهز من تسلمها ، وقصد خافا ، ~~وهو في حصن الطاق ، وهذا الحصن له سبعة أسوار محكمة يحيط بها خندق عريض لا ~~يغبر إليها PageV26P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" إلا من جسر منه ، فرفع الجسر بأمر يمين الدولة ~~بطم الخندق بالأخشاب والتراب ، فطموا منه ما يعبرون عليه إلى السور ، وتقدم ~~الفيل الكبير إلى باب السور واقتلعه بنابيه ، وملك سورا بعد سور ، فطلب خلف ~~الأمان ، فأمنه وحضر إليه ، فأكرمه ، وملك الحصن ، وخير خلفا في المقام حيث ~~شاء ، فاختار أرض الجوزجان ، فسيره إليها مكرما ، فأقام نحو أربع سنين ، ثم ~~بلغ يمين الدولة أنه كاذب إيلك خان ملك ما وراء النهر يحثه على قصد يمين ~~الدولة ، فنقله إلى جرذين ، فكان بها إلى أن مات في شهر رجب سنة تسع وتسعين ~~وثلاثمائة ، فسلم محمود جميع ما خلفه إلى ولده أبي حفص ، وكان خلف ها من ~~العلماء ، وله كتاب صنفه في تفسير القرآن العظيم من أكبر كتب التفاسير . ~~وقال : ولما ملك يمين الدولة سجستان استخلف عليها أميرا كبيرا من أمرائه ~~يسمى قنجى الحاجب ، ثم اقطعها لأخيه نصر بن سبكتكين مضافة إلى نيسابور . ~~والله اعلم . ذكر غزوه بهاطية وملكها وفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة غزا ~~يمين الدولة بهاطيه من أعمال الهند ، وهي وراء المولتان ، وصاحبها بجراء . ~~وهي مدينة حصينة عالية السور يحيطها خندق عميق ، فامتنع صاحبها ، ثم ظهر ، ~~فقاتل ثلاثة أيلام ، وانهزم في اليوم الرابع ، وقصد المدينة ، فسبقه ~~المسلمون إلى بابها ، وملكوها ، فهرب بخاصته إلى رءوس الجبال ، فجهز إليه ~~يمين الدولة من ms5958 يقاتله ، فلما رأى الغلبة قتل نفسه بخنجر ، وأقام يمين ~~الدولة ببهاطية حتى أصلح أحوالها ، وعاد عنها بعد أن ترك بها من يثق به ، ~~ومن يعلم من أسلم شرائع الإسلام ، ولقي في عوده شدة كثيرة من كثرة الأمطار ~~، وزيادة الأنهار ، وغرق من عسكره خلق كثير . ذكر غزوة المولتان وفي سنة ست ~~وتسعين وثلاثمائة بلغ يمين الدولة أن أبا الفتوح والي المولتان خبث اعتقاده ~~، ونسب إلى الإلحاد ، وأنه دعا أهل ولايته إلى ذلك ، فأجابوه ، فرأى أن ~~PageV26P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" يغزوه ، فسار نحوه ، فرأى الأنهار التي في ~~طريقه كثيرة الزيادة لا سيما سيحون فأرسل إلى آننديال عظيم الهند يطلب إذنه ~~في العبور ببلاده إلى المولتان ، فلم يجب إلى ذلك ، فابتدأ محمود به ، وجاس ~~خلال بلاده ، وأكثر فيها النهب والقتل والإحراق ، ففر آننديال بين يديه ، ~~وتبعه إلى أن وصل إلى قشمير ، فلما سمع أبو الفتح بمقدم يمين الدولة علم ~~العجز عنه ، فنقل أمواله إلى سرنديب ، وأخلى المولتان ، فوصل يمين الدولة ~~إليها ، وملكها عنوة ، وألزم أهلها بعشرين ألف درهم عقوبة لعصيانهم ذكر ~~غزوة كواكير قال : ثم سار إلى قلعة كواكير ، وكان صاحبها يعرف ببيدا ، وكان ~~بها ستمائة صنم فافتتحها ، وحرق الأصنام ، فهرب صاحبها إلى قلعته المعروفة ~~بكالنجار ، فسار خلفه إليها ، وهي حصن عظيم يسع خمسمائة إلف إنسان ، وفيه ~~خمسمائة فيل ، وعشرون ألف دابة ، وفيه من الأقوات ما يكفي الجميع مدة ، ~~فلما صار منه على سبعة فراسخ رأى من الغياض ما يمنعه عن سلوك الطريق ، فأمر ~~بقطعها ، فقطعت ، ورأى في الطريق واديا عظيم العمق بعيد القعر ، فأمر أن ~~يطم بالجلود المملوءة بالتراب فطموه ، ووصلوا القلعة ، فحاصرها ثلاثة ~~وأربعين يوما ، فراسله صاحبها في الصلح ، فامتنع عليه ، ثم بلغه عن خراسان ~~اختلاف بسبب قصد إيلك خان ، فصالحه على خمسمائة فيل وثلاثة آلاف من من ~~الفضة ، ولبس خلعة يمين الدولة بعد أن استعفى من شد المنطقة ، فلم يعفه ، ~~وشدها ، وقطع خنصره ، وأنفذها ليمين الدولة ، توثقه فيما يعتقدونه على عادة ~~الهنود ، وعاد يمين الدولة إلى خراسان . PageV26P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" ذكر ms5959 عبور عسكر ايلك خان إلى خراسان كان يمين ~~الدولة لما ملك خراسان من السامانية ، وملك إيلك خان ماوراء النهر منهم ~~تراسلا ، وتوافقا ، وتزوج يمين الدولة أبنة إيلك خان وانعقدت بينهما مصاهرة ~~ومصالحة ، فلم تزل السعادة حتى أفسدوا ذات بينهما ، وكتم إيلك خان ما في ~~نفسه ، فلما سار يمين الدولة إلى المولتان اغتنم إيلك خان غيبته عن البلاد ~~، فسير سباشي تكين صاحب جيشه إلى خراسان ، وذلك في سنة ست وتسعين وثلاثمائة ~~في معظم جنده ، وجهز أخاه جعفر تكين إلى بلخ في عدة من الأمراء ، وكان يمين ~~الدولة قد جعل بهراة أميرا من أمرائه يقال له أرسلان : الجاذب ، وأمره إذا ~~ظهر عليه مخالف ينحاز إلى غزنة ، فلما عبر سباشي تكين غلى خراسان سار ~~أرسلان إلى غزنة ، وملك سباشي هراه ، وأرسل إلى نيسابور من استولى عليها ، ~~فوصلت الأخبار يمين الدولة وهو بالهند ، فعاد لا يلوي على شيء ، فلما قارب ~~غزنة فرق الأموال في عساكره ، وقواهم ، واستنفر الأتراك الخلجيه ، فجاءه ~~منهم خلق كثير ، فسار بهم إلى نحو بلخ ، وبها جعفر تكين أخو إيلك خان ، ~~فعبر إلى ترمذوونزل نحو مرو ليعبر النهر ، فقاتله التركمان ، فهزمهم ، وقتل ~~منهم مقتلة عظيمة . ثم سار نحو أبيورد ، فتبعه عسكر يمين الدولة ، فوصل إلى ~~جرجان ، فأخرج عنها ، ثم عاد إلى خراسان ، فعارضة يمين الدولة ، فمنعه من ~~قصده وأسرا أخو سباشي تكين ، وجماعة من قواده ، ونجا هو في بعض أصحابه ، ~~فعبر النهر ، وانهزم من كان ببلخ مع جعفر تكين ، وتسلم يمين الدولة خراسان ~~. ذكر انهزام ايلك خان من يمين الدولة قال : ولما اخرج يمين الدولة عساكر ~~إيلك خان من خراسان راسل إيلك خان قدرخان ابن بغراخان ملك أتختن لقرابة ~~بينهما ، واستعان به ، فاستنفر الترك من أقاصي بلادها ، وسا نحو خراسان ، ~~واجتمع هو وآيك خان فعبرا النهر ، واتصل خبرهم بيمين الدولة ، وهو ~~بطخارستان ، فسبقهما إلى بلخ ، واستعد للحرب ، وجمع PageV26P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" الترك الغزية والخلج والهند والأفغانية ~~والغزنوية ، وخرج عن بلخ ، فعسكر على فرسخين منها بمكان فسيح ، وقدم إيلك ~~خان ، وقدر خان ms5960 في عساكرهما ، ونزلوا بإزائه ، واقتتلوا يومهم ذلك إلى ~~الليل ، فلما كان الغد برز بعضهم لبعض ، فاقتتلوا ، فاعتزل يمين الدولة على ~~نشر مرتفع ينظر إلى الحرب ، ونزل عن دابته ، وعفر وجهه على الصعيد تواضعا ~~لله تعالى ، وسأل النصر والظفر ، ثم حمل بفيلته على قلب عسكر إيلك خان ، ~~فأزاله عن مكانه ووقعت الهزيمة ، وتبعهم أصحاب يمين الدولة يقتلون ، ~~ويأسرون ، ويغنمون ، إلى أن عبروا النهر . وأكثر الشعراء القول في تهنئة ~~يمين الدولة بهذا الفتح ، وذلك في سنة سبع وتسعين وثلاثمائة . ذكر غزوه ~~الهند وعوده قال : ولما فرغ يمين الدولة من حرب الترك بلغه أن بعض أولاد ~~ملوك الهند وأسمه نواسد شاه ، وكان قد اسلم على يد يمين الدولة ، واستخلفه ~~على بعض ما افتتحه من بلادهم ارتد عن الإسلام ، وعاد إلا الكفر ، فسار إليه ~~مجدا ، فحين بلغ الهندي قربه فر من بن يديه ، واستعاد يمين الدولة البلاد ، ~~واستخلف عليها بعض أصحابه ، وعاد إلى غزنة في السنة المذكورة . ذكر غزوة ~~بهيم نغز وما غنمه من الأموال وغيرها وفي سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة استعد ~~يمين الدولة لغزو الهند وسار في شهر ربيع الآخر من السنة ، فانتهى إلى شاطئ ~~نهر ويهند ، فلاقاه هناك ابرهمن نال بن آننديال في جيوش الهند ، فاقتتلوا ~~مليا في النهار ، وكادت الهند تظفر بالمسلمين ثم كان الظفر للمسلمين ، ~~فانهزم الهند على أعقابهم ، وأخذهم السيف ، وتبع يمين الدولة الملك حتى بلغ ~~بهيم نغر ، وهي على جبال عال كان الهند قد جعلوها خزانة لصنمهم الأعظم ، ~~فينقلون إليها أنواع الذخائر قرنا بعد قرن ، وهم يرون ذلك تقربا لآلهتهم ~~وعبادة ، فقاتلهم عليها ، وحصرها ، ووالي الحصار ، فلما رأى الهنود كثرة ~~جموعه ، وشدة قتاله جبنوا ، وطلبوا الأمان ، وفتحوا باب الحصن ، فملكه ~~المسلون ، فصعد يمين الدولة إليه في خواص أصحابه وثقاته ، فأخذ من الجواهر ~~ما لا يحد ، ومن الدراهم تسعين ألف ألف درهم شاهية ، ومن الأواني الذهب ~~والفضة سبعمائة ألف PageV26P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" وأربعمائة من . وكان في الحصن بيت مملوء من ~~الفضة طوله ثلاثون ذراعا وعرضه خمسة عشر ذراعا ، فأخذ ms5961 جميع ما فيه إلى غير ~~ذلك من الأمتعة ، وعاد إلى غزنة بهذه الغنائم ، ففرش الجواهر في صحن داره ، ~~وكان قد اجتمع عنده رسل الملوك ، فشاهدوا ما لم يسمعوا مثله . وفي سنة ~~أربعمائة غزا يمين الدولة الهند وأحرقها ، واستباح ، ونكس أصنامها ، فلما ~~رأى ملك الهند انه لا قوة له به راسله في الصلح والهدنة على مال يؤديه إليه ~~وخمسين فيلا ، وأن يكون له في خدمة يمين الدولة ألفا فارس لا يزالون ، فقبض ~~ذلك منه ، وصالحه ، وعاد إلى غزنة . ذكر غزوة بلاد الغور واستيلائه عليها ~~وبلاد الغور تجاور غزنة ، وهي جبال منيعة ، ومضايق ، وكان أهلها قد كثر ~~فسادهم ، وتعديهم يقطعون الطريق ويخيفون السبيل ، فأنف يمين الدولة من ذلك ~~، فسار إليهم في سنة إحدى وأربعمائة ، وقاتلهم أشد قتال ، ثم سار إلى عظيم ~~الغورية آلاف مقاتل ، فقاتلهم إلى أن أنتصف النهار ، فأمر يمين الدولة أن ~~ينهزم المسلمون ، فانهزموا وتبعهم ابن سوري حتى أبعدوا عن المدينة ، ثم عطف ~~المسلمون على الغوريه ، ووضعوا فيهم السيف ، وملك المدينة ، وأسر بن سوري ، ~~فشرب سما كان معه ، فمات ، وأظهر يمين الدولة شعائر الإسلام في بلاد الغور ~~، وجعل عندهم من يعلمهم شعائر الإسلام وشرائعهم . ثم سار إلى طائفة أخرى من ~~الكفار ، فقطع مفازة رمل ، ولحق عساكره عطش عظيم حتى كادوا يهلكون بسببه ، ~~فأرسل الله تعالى عليهم مطرا سقاهم ، وسهل عليهم سلوك الرمل ، فوصلوا إلى ~~الكفار ومعهم ستمائة فيل ، فقاتلهم أشد قتال كان الظفر فيه لمسلمين ، ~~وانهزم الكفار ، واخذ غنائمهم وعاد سالما . ذكر ملكه قصدار وفي سنة اثنتين ~~وأربعمائة ملك يمين الدولة قصدار . وسبب ذلك أن ملكها كان قد صالحه على ~~قطيعة ف كل سنة يؤديها إلا يمين الدولة ، ثم قطعها اغترار بحصانة بلده ، ~~وكثرة المضايق في الطريق إليه ، واحتمى بأيلك خان ، وكان يمين الدولة إذا ~~PageV26P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" قصد المسير إليه رجع عن ذلك إبقاء لمودة إيلك ~~خان ، فلما فسد ما بينهما سار إليها في جمادى الأول من السنة ، فسبق خبره ، ~~فلم يشعر صاحبها إلا وعسكر يمين الدولة قد أحاط ms5962 به ليلا ، فطلب الأمان ، ~~فأجابه غليه ، وأخذ منه ما كان قد اجتمع عنده من المال ، وأقره على ولايته ~~وعاد . وفي سنة ثلاث وأربعمائة كانت وفاة إيلك خان ، وولاية أخيه طغان حان ~~، وكان قد تجهز للعود إلى خراسان لقتال يمين الدولة . فلما مات طغان خان ~~راسل يمين الدولة ، وتصالحا ، واتفقا أن كلا منهما يستقل بغزو من يليه من ~~الكفار ، فكان يمين الدولة يقاتل الهند ، وطغان حان يقاتل الكفار . ذكر فتح ~~نادرين وفي سنة أربع وأربعمائة سار يمين الدولة إلى الهند ، فسار شهرين حتى ~~قارب مقصده ، فسمع عظيم الهندبه فجمع ، وبرز إلى جبل صعب المرتقي فاحتمى به ~~، وطال المسلمين ، وكتب إلى الهنود ، فاجتمع إليه كل من حمل السلاح ، فلنا ~~تكاملت عدته نزل من الجبل والتقوا ، واقتتلوا ، واشتد القتال ، فهزمهم ~~المسلمون ، وأكثروا فيهم القتل ، وغنموا ما معهم من مال وفيلة وسلاح . ولما ~~عاد إلى غزنة أرسل إلى القادر بالله يطلب منه منشورا وعهدا بولاية خراسان ~~وما بيده من الممالك ، فكتب له ولقب نظام الدين . ذكر غزوة تانيشر قال : ~~وذكر ليمين الدولة أن بناحية تانيشر فيلة من جنس فيلة الصليمان الموصوفة ~~بالحرب ، وأن صاحبها غال في الكفر ، فعزم على غزوه ، فسار في سنة خمس ~~وأربعمائة ، فلقي في طريقه أودية بعيدة القعر وعرة المسالك ، وقفارا فسيحة ~~الأطراف قليلة المياه ، فقاسي شدة ، ومشقة عظيمة ، فلما قارب المقصد لقي ~~نهرا شديد الجرية صعب المخاضة ، وقد وقف صاحب تلك البلاد على طرفه يمنع من ~~عبوره ومعه عساكره وفيلته التي كان يدل لها ، فأمر يمين الدولة شجعان ~~عساكره بعبور النهر ، ففعلوا ذلك ، وشغل الهنود بالقتال عن حفظ النهر ، فما ~~كان إلا وقد عبر سائر العسكر ، وقاتلوهم من جميع جهاتهم إلى آخر النهار ، ~~فانهزم الهنود ، وغنم المسلمون ما معهم من الأموال والفيلة ، وعاد إلى غزنة ~~. PageV26P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" ذكر قتل خوارزم شاه وملك يمين الدولة خوارزم ~~وفي سنة سبع وأربعمائة قتل خوارزم شاه أبو العباس مأمون بن مأمون . وسبب ~~ذلك انه كان قد ملك خوارزم الجرجانية ، وحضر عند يمين الدولة ms5963 ، وتزوج أخته ~~، ثم بعث إليه يمين الدولة أم يخطب له على منابر بلاده ، فأجابه إلا ذلك ، ~~واستشار أمراءه ، فغضبوا من ذلك ، وامتنعوا منه ، وتهددوه بالقتل إن فعل ، ~~فعاد الرسول إلى يمين الدولة ، وأخبره بما شاهده ، ثم خافه الأمراء فقتلوه ~~غيلة ، ولم يعلم قاتله ، وأجلسوا أحد أولاده مكانه ، وتعاهدوا على قتال ~~يمين الدولة إن قصدهم ، واتصل الخبر به ، فجمع العساكر ، وسار نحوهم ~~والتقوا ، واشتدت الحرب ، فثبت الخوارزمية إلا نصف النهار ثم انهزموا ، ~~فأخذهم بالسيف ، ولم يبق منهم إلا القليل ، وجمع من اسر منهم وسيرهم إلى ~~أطراف بلاده الهند ، وملك يمين الدولة خوارزم ، واستناب بها حاجبه التونتاش ~~. ذكر غزوة قشمير وقنوج وغيرهما من الهند وفي سنة سبع وأربعمائة أيضا بعد ~~فراغ يمين الدولة من خوارزم سار إلى غزنة ، ثم منها إلا الهند عازما على ~~غزو قشمير ، واجتمع له من المتطوعة من بلاد ما وراء النهر وغيره نحو عشرين ~~ألف مقاتل ، وسار من غزنة إليها مسيرا دائما في ثلاثة أشهر ، وعبر نهر ~~سيحون ، وجيلم ، وهما نهران عميقان شديدا الجرية ، ووطئ أرض الهند ، وأتته ~~رسل ملوكها بالطاعة ، وبذل الإتاوة ، فلما بلغ درب قشمير أتاه صاحبها وأسم ~~من شهر رجب ، وفتح ما خولها من الحصون المنيعة ، حتى بلغ حصن هودب ، وهو ~~أحد ملوك الهند فنظر هودب من أعلى حصنه ، فرأى من العساكر ما هاله ، فعلم ~~أن لا ينجيه إلا الإسلام ، فنزل في نحو عشرة آلاف ينادون بكلمة واحدة ~~الإخلاص ، فاقبل عليه يمين الدولة وأكرمه وسار عنه إلى قلعة كلجند ، وهو من ~~أعيان الهند ، وكان على طريقه غياض ملتفة لا يقدر السالك على قطعها إلا ~~بمشقة ، فسير كلجند عساكره وفيلته إلى أطراف تلك الغياض يمنعون من سلوكها ، ~~فترك يمسن الدولة عليهم من يقاتلهم ، وسلك طريقا مختصرا إلا الحصن ، فلم ~~يشعروا به إلا وهو معهم ، فقاتلهم PageV26P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" قتالا شديدا ، فانهزموا وأخذهم بالسيف من ~~ورائهم ، ولقوا نهرا عميقا ، فاقتحموه ، فغرق أكثرهم ، فكان القتلى والغرق ~~قريبا من خمسين ألفا . وعمد كلجند غلا زوجته ، فقتلها ثم قتل نفسه ms5964 ، وغنم ~~المسلمون أمواله وملكوا حصونه ، ثم سار نحو بيت متعبد لهم وهو مهرة بالهند ~~، وهو من أحصن الأبنية علة نهر ، ولهم فيه كثير من الأصنام من جملتها خمسة ~~أصنام من الذهب الأحمر مرصعة بالجوهر زنتها ستمائة ألف وسبعون ألف ~~وثلاثمائة مثقال ، وبه من الأصنام المصنوعة من الفضة نحو مائتي صنم ، فأخذ ~~يمين الدولة جميع ذلك ، وأحرق الباقي ، وسار نحو قنوج وصاحبها جيبال ، فوصل ~~إليها في عبن ، فرأى صاحبها قد فارقها وعبر النهر المعروف نهر كنك ، وهو ~~نهر شريف معظم عندهم وتقدم خبره في باب الأنهار فأخذها يمن الدولة وسائر ~~قالعها وأعمالها وهي على نهر المذكور أنها عملت من مائتي ألف إلى ثلاثمائة ~~ألف سنة كذبا منهم . ولما افتتحها أباحها عسكره . ثم سار إلى قلعة البراهمة ~~، فقتلهم فتثبتوا واستسلموا للقتل ، فقتلوا ، ولم ينج منهم إلا القليل . ثم ~~سار نحو قلعة آسي وصاحبها جندياك ، فلما قاربها هرب صاحبها ، فأخذها يمين ~~الدولة بما فيها ، ثم سار إلا قلعة شروه وصاحبها جنداري ، فلما قاربه نقل ~~ما له وفيلته إلى جبال هناك منيعة ، فنازل يمين الدولة حصنه وافتتحه ، وغنم ~~ما فيه وسار في طلب جنداري جريدة ، فلحقه في آخر شعبان فقاتله ، وقتل رجاله ~~، وأسر كثيرا منهم ، وغنم ما معه من مال وفيلة ، ونجا جذاري في نفر يسير من ~~أصحابه . ثم عاد يمين الدولة إلى غزنة ، فبنى بها الجامع الذي لم يسمع ~~بمثله ، وأنفق ما غنم في هذه الغزوة على بنائه . والله أعلم بالصواب . ذكر ~~أخبار الخانية بما وراء النهر والأتراك وفي سنة ثمان وأربعمائة خرج الترك ~~من الصين ، وسبب ذلك أن طغان خان مرض مرضا شديدا ، وطال به المرض ، فطمعوا ~~في البلاد ، وساروا من الصين في عدد يزيد عن ثلاثمائة ألف خركاه من أجناس ~~الترك منهم الخطا الذين ملكوا ما وراء النهر ، فساروا إلى أن قربوا من بلاد ~~ساغون ، ويبقى بينهم وبينها ثمانية أيام واستولوا PageV26P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" على أطراف البلاد ، فسأل طغان خان الله تعالى ~~أن يعافيه لينتقم منهم ، ويحمي البلاد ، ثم يفعل به ms5965 ما يشاء ، فعافاه الله ~~تعالى ، فجمع العساكر واستنفر جميع بلاد الإسلام ، فاجتمع له من المتطوعة ~~مائة ألف وعشرون ألف مقاتل ، فلما بلغ الترك ذلك رجعوا ، فسار خلفهم نحو ~~ثلاثة أشهر ، فأدركهم وهم آمنون ، فكسبهم ، وقتل منهم زيادة على مائتي ألف ~~رجل وأسر نحو مائة ألف ، وغنم من الدواب ، والخركاهات ، والأواني الذهبية ~~والفضية ، ومعمول الصين مالا عهد بمثله ، وعاد إلى بلاساغون ، فعادوه المرض ~~، فمات رحمه الله تعالى . وكان عادلا خيرا دنيا يحب العلم وأهله ، ويميل ~~لأهل الدين ، ويصلهم ويقربهم . ولما مات ملك بعده أخوه أبو المظفر أرسلان ~~خان ، ولقبه شرف الدولة ، فخالف عليه قدر خان يوسف بن بغراخان هارون بن ~~سليمان ، وكان ينوب عن طغان خان بسمرقند ، وكاتب يمين الدولة يستنجده على ~~أرسلان ، فعقد يمين الدولة على نهر جيحون جسرا من السفن ، وضبطه بالسلاسل ~~وعبر عليه ، ولم تكن تعرف الجسور قبل ذلك هناك ، فلما عبر النهر اتفق ~~قدرخان وأرسلان خان وتعاقدا على قصد بلاد يمين الدولة واقتسمها ، فعاد يمين ~~الدولة إلى بلاده ، وسار قدرخان وأرسلان خان إلى بلخ والتقوا بيمين الدولة ~~واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر فيه ليمين الدولة عليهما ، فعادا وعبرا ~~جيحون ، وكان من غرق منهم أكثر ممن نجا . ذكر أخبار قدر خان وأولاده كان ~~قدرخان يوسف بن بغراخان هارون بن سليمان عادلا حسن السيرة كثير الجهاد ، ~~فمن فتوحه ختن ، وهي بلاد بين الصين وتركستان ، كثيرة العلماء والفضلاء ~~واستمر إلى سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة ، فتوفي . وكان يديم الصلاة في ~~الجماعة . ولما توفي ملك أولاده بعده ، واقتسموا البلاد ، فملك أبو شجاع ~~أرسلان خان ، ولقبه شرف الدولة ، كاشغر ، وختن ، وبلاساغون . وخطب له على ~~منابرها . قبل : ولم PageV26P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" يشرب الخمر قط . وكان دينا مكرما للعلماء وأهل ~~الدين يقصدونه من كل جهة ، ويصلهم ويحسن إليهم . وملك بغراخان بن قدرخان ~~طراز وأسبيجاب فقصد أخاه أرسلان خان وحاربه ، وأسره وحبسه إلى أن مات . ~~وملك بلاده ، ثم عهد بغراخان بن قدرخان بالملك لولده الأكبر واسمه حسين ~~جغرتكين . وكان لبغراخان امرأة له منها ولد صغير ، فغاظها ms5966 ذلك فسمت بغراخان ~~، فمات هو وعدة من أهله ، وخنقت أخاه أرسلان خان بن قدرخان ، وذلك في سنة ~~تسع وثلاثين وأربعمائة ، وقتلت وجوه أصحابه ، وملكت ابنها واسمه إبراهيم ، ~~وسيرته في جيش إلى مدينة برسخان ، وصاحبها ينالتكين ، فظفر به ينالتكين ~~وقتله ، وانهزم عسكره إلى أمه واختلف أولاد بغراخان ، فقصدهم طفغاج خان . ~~ذكر ملك طفغاج خان وولده هو أبو المظفر إبراهيم بن نصر بن إيلك ، ويلقب ~~عماد الدولة ، كان بيده سمرقند وفرعانه ، وكان أبوه زاهدا متعبدا ، وهو ~~الذي ملك سمرقند ، وورثها طفغاج هذا منه ، وكان طفغاج متدينا لا يأخذ مالا ~~حتى يستعني العلماء ، وورد عليه أبو شجاع العلوي الواعظ . وكان من الزهاد ، ~~فوعظه ، وقال : إنك لا تصلح للملك ، فأغلق طفغاج بابه ، وعزم على ترك الملك ~~، فاجتمع عليه أهل البلد ، وقالوا : قد أخطأ الواعظ ، والقيام بأمورنا ~~متعين عليك ، ففتح بابه ، واستمر في الملك إلى سنة ستين وأربعمائة ، ففلج ، ~~ثم مات . وكان في حياته قد جعل الملك في ولده شمس الملك نصر ، فقصده أخوه ~~طغان خان بن طفغاج ، وحصره بسمرقند ، فاجتمع أهلها إلى شمس الملك ، وقالوا ~~له : إن طغان خان قد خرب ضياعنا وأفسدها ، ولو كلن غيره ساعدناك عليه ، ~~ونحن لا ندخل بينكما ، فوعدهم المناجزة ، وخرج من البلد نصف الليل في ~~خسمسمائة غلام ، فكبس أخاه ، وهو غير متحفظ فهزمه ، وكان هذا وأبوهما باق ، ~~ثم قصده هارون بن بغراخان بن قدر خان ، وطغرل قراخان . وكان طفغاج خان قد ~~استولى على ممالكهما ، فقصدا سمرقند فلم يظفرا بشيء ، فصالحا شمس ~~PageV26P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" الملك ، وعادا فصارت الأعمال المتاخمه لنهر ~~جيحون لشمس الملك ، وأعمال الخافقة في أيديهما ، والحد بينهما خجندة . ثم ~~مات شمس الملك ، فملك بعده أخوه خضرخان ، ثم مات ، فملك بعده ابنه أحمد خان ~~، وهو الذي قبض عليه السلطان ملكشاه السلجقي ، ثم أعاده إلى ولايته ، أحمد ~~هذا هو ابن أخي تركان خاتون زوجة السلطان ملكشاه ، وكان أحمد خان قبيح ~~الصورة والفعل كثير المصادرات ، فنفر الرعية منه ، وكاتبوا السلطان ملكشاه ~~السلجوقي ، واستغاثوا به ، وسألة أن يقدم عليهم ليملك بلادهم ms5967 ، فعبر ما ~~وراء النهر في سنة اثنين وثمانين وأربعمائة ، وملك بخارى ، وما جاورها ، ثم ~~سار إلى سمرقند ، فملكها ، وهرب أحمد خان ، واختفى في بيوت بعض العامة ، ~~فغمز عليه ، وحمل إلى السلطان ، وفي عنقه حبل ، فأكرمه السلطان ، وأرسله ~~إلى إصفهان ، واستولى ملكشاه على سمرقند وبخارى ، واستعمل عليها من قبله ~~على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة السلجقية . ثم ملك ~~محمود خان ، وكان جده من ملوكهم ، وكان أصم ، فقصده طغان خان صاحب طراز ، ~~فقتله ، واستولى على الملك . واستناب بسمرقند أبا المعالي محمد بن محمد ابن ~~زيد العلوي البغدادي ، فأقام ثلاث سنين وعصى على طغان خان ، فحاصروه ، ~~وقتله معه خلقا كثيرا ، ثم خرج طغان خان إلى ترمذ يريد خراسان ، فلقيه ~~السلطان سنجر السلجقي ، فظفر به وقتله ، وصار له أعمال ما وراء النهر ، ~~فاستناب بها محمد خان بن كمشتكين بن إبراهيم بن طفغاج خان ، فأخذها منه عمر ~~خان ، وملك سمرقند ثم هرب من جنده ، وقصد خوارزم ، فظفر به السلطان سنجر ، ~~وولي محمد خان سمرقند ، وولي محمد تكين بن طغان تكين بخارى هؤلاء ملوك ~~سمرقند وما والاها . وأما كاشغر وهي مدينة تركستان ، فإنها كانت لأرسلان ~~خان بن يوسف قدر خان ، ثم صارت بعده لمحمود بغرا خان صاحب طراز والشاش خمسة ~~عشر PageV26P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" شهرا ، ثم مات ، فولى بعده طغرا خان بن يوسف ~~واستولى على املك ، وملك بلا ساغون ، وكان ملكه ستة عشر سنة . ثم توفي ، ~~وملك ابنه طغرل تكين فأقام شهرين ، ثم أتى هارون بغراخان أخو يوسف طغرل خان ~~بن طفغاج بغراخان ، وعبر كاشغر ، وقبض على هارون ، وأطاعه عسكره ، وملك ~~كاشغر وختن ، وما يتصل بها إلى بلاساغون ، وأقام في الملك عشرين سنة ، ~~وتوفي في سنة ست وتسعين وأربعمائة ، فولى بعده ابنه أحمد أرسلان خان ، ~~وراسل الخليفة المستظهر بالله يطلب منه الخلع والألقاب . فأرسل إليه ما طلب ~~ولقبه نور الدولة ، ثم صار ملك ما وراء النهر لملوك الخطا ، وانقرضت الدولة ~~الخانية ، وإنما ذكرناها في هذا الموضع لاتحادها وقربها من الدولة الغزنوية ms5968 ~~، ولتكون أخبارهم متوالية . نرجع إلى أخبار يمين الدولة محمود بن سبكتكين . ~~ذكر غزوة الهند والأفغانية وفي سنة تسع وأربعمائة جمع يمين الدولة من ~~الجموع ما لم يجمع قبله مثله ، وسبب ها الاهتمام أنه لما فتح قنوج ، وهرب ~~صاحبها منها ويلقب براي قنوج ، وراي لقب لملك ككسري ، وقيصر ، فلما عاد إلى ~~غزنة أرسل بيدا عظيم ملوك الهند وقسم مملكته كجوراهة رسلا إلى راي قنوج ~~واسمه راجيبال يوبخه على هربه ، وتسلم بلاده للمسلمين ، وطال الكلام بينهما ~~، فآل ذلك إلى الحرب بينهما ، فقتل راجيبال وأكثر جنوده ، فازداد بذلك عظمة ~~وعتوا ، وقصده بعض ملوك الهند الذين ملك يمين الدولة بلادهم ، وخدموه ، ~~وصاروا في جملة جنده ، فوعدهم بإعادة ممالكهم إليهم ، فاتصل ذلك بيمين ~~الدولة ، فتجهز للغزو ، وقصد بيدا ، وسار من غزنة ، وابتدأ بالأفغانية ، ~~وهو كفار يسكنون الجبال ويفسدون ، ويقطنون الطريق ، فخرب بلادهم ، وأكثر ~~فيهم القتل والأسر ، ثم استقل في السير ، وبلغ في الهند ما لم يبلغه غيره ، ~~وعبر نهر الكنك ، فلما جاوزه وجد قافلة تزيد على ألف جمل ، فغنمها وسار ، ~~فأتاه خبر ملك من ملوك الهند ، يقال له تروجينال ، أنه قد سار من بين يديه ~~يريد بيدا ليحتمي به ، فلحقه في رابع عشر شوال ، فاقتتلوا عامة نهارهم ، ~~فانهزم تروجينال ومن معه ، وكثر فيهم القتل والأسر ، وغنم المسلمون أموالهم ~~وأهليهم ، وأخذوا منهم جواهرا كثيرة ، وما يزيد على مائتي فيل ، وخرج ملكهم ~~، وأرسل يطلب الأمان ، فلم PageV26P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" يؤمنه ، ولم يقع ، منه بغير الإسلام ، فسار ثم ~~قتله بعض الهنود ، ولما بلغ ذلك ملوك الهند تابعوا رسلهم إلى يمين الدولة ~~يبذلون الطاعة والإتاوة ، وسار بعد الوقعة إلى بارى وهي من أحصن البلاد ، ~~فرآها قد خلت من سكانها ، فأمر بهدمها ، وعشرة قلاع معها ، وقتل من أهلها ~~خلقا كثيرا ، وسار يطلب بيدا ، فلحقه ، وقد نزل إلى جاني نهر ، وأجرى الماء ~~بين يديه ، فصار وحلا ، وترك عن يمينه وشماله طريقا يبسا يقاتل فيه إذا ~~أراد القتال ، وكان عدة من معه ستة وخمسين ألف فارس ومائة ألف وأربعمائة ~~وثمانين ألف راجل ms5969 وأربعين فيلا ، فأرسل يمين الدولة طائفة من عسكره للقتال ~~فأخرج إليهم بيدا مثلهم ، ولم يزل كل عسكر يمد أصحابه حتى كثر الجمعان ، ~~واشتدت الحرب ، ودام القتال حتى حجز بينهما الليل ، فلما كان الغد بكر يمين ~~الدولة للقتال ، فرآهم قد فارقوا موضعهم ، وانهزموا ، وركب كل فرقة منهم ~~طريقا ، ووجدوا خزائن الأموال والسلاح بحالها ، فغنم المسلمون جميع ذلك ، ~~واقتنى آثار من انهزم ، فاكثر فيهم القتل والأسر ، ونجا بيدا وعاد يمين ~~الدولة إلى غزنة . ذكر فتح قلعة من بلاد الهند وفي سنة أربع عشرة وأربعمائة ~~أو عل يمين الدولة في بلاد الهند ، فغنم وقتل حتى وصل إلى قلعة في راس جبل ~~منيع ليس يصعد إليه إلا من طريق واحد ، وفيها خمسمائة فيل ، وغلات كثرة ، ~~ومياه ، فحصرها يمين الدولة ، ودام الحصار ، وضيق عليهم ، وقتل منهم كثيرا ~~، فطلبوا الأمان ، فأمنهم ، وأقر ملكها فيها على خراج يؤخذ منه ، وأهدى له ~~هديا كثيرة ، وقيل إن هذا الملك هو كابلى ، وهو صاحب ألف فيل ، وكان فيما ~~أهداه فيلة حوامل ومراضع ، وطائر على هيئة القمري جلبابه أدكن ، وعيناه ~~ومنقاره حمر ، وجناحاه مخططان بسواد ، ومن خاصيته انه إذا حضر على راس ~~الخوان ، وكان في الطعام سم دمعت عيناه ، وجرى منهما ماء ، ويتحجر فإذا اخذ ~~ذلك الحجر ، وحك وطلى به الجراحات الواسعة ألحمها وإن كان في البدن نصل ~~تعسر إخراجه ، قوبل به ، فيجذبه حتى يمكن إخراجه ، فقيل هديته ، وأقره على ~~وجهته ، وعاد غزنة مؤيدا منصورا PageV26P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" ذكر فتح سومنات وفي سنة ست عشرة وأربعمائة فتح ~~يمين الدولة عدة حصون ومدن من بلاد الهند ، وأخذ الصنم المعروف بسومنات ، ~~وهو اعظم أصنام الهند ، وكانوا يحجون إليه كل ليلة خسوف ، فيجتمع عنده ما ~~ينوف على ألف إنسان ، وزعم الهنود أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت ~~إليه فينشئها فيما ينشأ ، وان المد والجزر غنما هو عادة للبحر ويحملون إليه ~~كل علق نفيس ، ويعطون سدنته الأموال الجليلة ، وفيه من نفيس الجواهر ما لا ~~تحصى قيمته ، وبينه وبين نهر الكنك الذي تعظمه الهنود نحو مائتي ms5970 فرسخ ~~يتحملون من ماء هذا النهر إلى سومنات ماء يغسل به كل يوم ، وعنده من ~~البراهمة ألف رجل لعبادته ، وتقديم الوراد إليه ، وثلثمائة رجل تحلق رؤس ~~زواره ولحاهم ، وخمسمائة رجل ، وخمسمائة امرأة يغنون ، ويرقصون على باب ~~الصنم ، ولكل منهم في كل يوم شيء معلوم ، وكان لسومنات من الضاع الموقفة ~~عليه ما يزيد على عشرة آلاف ضيعة . وقال وكان يمين الدولة كلما فتح فتحا من ~~بلاد الهند ، وكسر أصناما ، تقول الهنود : إنا هذه الأصنام قد سخط عليها ~~سومنات ، ولو أنه راض عنها لأهلك من تقصدها بسوء . فلما بلغ ذلك يمين ~~الدولة عزم على غزوه ، وإهلاكه لعل الهنود إذا فقدوه ، ورأوا دعاواهم باطلة ~~دخلوا في دين الإسلام ، فاستخار الله تعالى ، وسار من غزنة في عاشر شعبان ~~من هذه السنة في ثلاثين ألف رأس من عساكره سوى المتطوعة ، وسلك طريق ~~الملتان فوصلها في منتصف شهر رمضان ، وفي طريقه إلى الهند قفار لا تسلك ، ~~لا ماء فيها ولا ميرة ، فحمل ما يحتاج إليه هو وعسكره ، وزاد بعد الحاجة ~~عشرين ألف جمل ، يحملون الماء والميره ، وقصد أنهلوارة ، فلما قطع المفازة ~~رأى في طريقها حصونا مشحونة بالرجال فيسر الله فتحها عليه ، وامتار منها ، ~~وسار إلى أنهلوارة ، فوصلها في مستهل ذي القعدة ، فهرب عنها صاحبها المدعو ~~نهيم ، وقصد حصنا له يحتمي به ، فاستولى يمين الدولة على المدينة وسار إلى ~~سومنات ، فلقي في طريقه عدة حصون بها كثير من الأوثان تشبه الحجاب والنقباء ~~لسومنات ، فقاتل من بها ، وفتحها وخربها وكسر أصنامها ، وسار منها إلى ~~مفازة قفز قليلة المياه ، قلقي فيها عشرين ألف مقاتل من سكانها لا يدينون ~~لملك ، PageV26P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" فهزمهم ، وغنم مالهم ، وامتار من عندهم ، وسار ~~حتى بلغ الواره ، وهي على مرحلتين من سومنات ، وقد ثبت أهلها ظنا منهم أن ~~سومنات يمنعهم ، ويدفع عنهم ، فاستولى عليها ، وقتل رجالها ، وغنم أموالها ~~، وسار عنها ، فوصل إلى سومنات في يوم الخميس منتصف ذي القعدة ، فرأى حصنا ~~حصينا على ساحل البحر تبلغه أمواحه ، وأهله على الأسوار ينظرون المسلمين ، ~~فلما كان ms5971 الغد ، وهو يوم الجمعة زحف ، وقاتل حتى قارب السور ، فصعده ~~المسلمون . هذا والهنود تتقدم إلى سومنات ، وتعفر وجوهها في الأرض وتسأله ~~النصر ، واستمر القتال إلى الليل ، ثم بكر المسلمون إليهم ، وقاتلوهم ، ~~فأكثروا في الهنود ، وأزاحوهم عن المدينة ، فالتجئوا إلى بيت صنمهم ، ~~فقاتلوا على بابه أشد قتال ، فكان الفريق منهم بعد الفريق يفرون إلى الصنم ~~، فيستغيثون به ، ويبكون ، ويتضرعون إليه ، ويخرجون ، فيقاتلون إلى أن ~~يقتلوا حتى كاد الفناء يستوعبهم وبقي منهم شرذمة دخلوا البحر في مركبين لهم ~~، فأدركهم المسلمون فقتلوا بعضهم وغرق بعضهم . وأما البيت الذي فيه سومنات ~~، فإنه مبني على ست وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص ، وسومنات حجر ~~طوله خمسة أذرع ، ثلاثة مدورة ظاهرة ، وذراعان في البناء ، وليس هو بصورة ~~مصورة ، فكسره يمين الدولة ، وأحرق بعضه ، وأخذ بعضه معه إلى غزنة ، فجعله ~~عتبة لباب الجامع ، وكان بيت الصنم مظلما ، وإنما كان الضوء فيه من قناديل ~~الجوهر ، وكان عنده سلسلة ذهب فيها جرس وزنها مائتا من كلما مضت طائفة من ~~البراهمة من عبادتهم حركوا الجرس ، فتأتي طائفة أخرى ، وعنده خزانة فيها ~~عدة كثيرة من الأصنام الذهب والفضة وعليها الستور المرصعة بالجوهر . كل ~~منها منسوب إلا عظيم من علماء الهند ، وقيمة ما في البيوت يزيد على عشرين ~~ألف دينار ، فأخذ الجميع وكانت عدة القتلى تزيد على خمسين ألف قتيل ، ثم ~~ورد الخبر على يمين الدولة أن نهيم صاحب أنهلوارة قصد قلعة تسمى كندهة ، في ~~البحر على بينها وبين البر من جهة سومنات أربعون فرسخا ، فسار يمين الدولة ~~من سومنات ، فلما حاذى القلعة رأى صيادين ، فسألهم عن خوض البحر هناك ، ~~فقالوا إنه ممكن ، ولكن إذا تحرك الهواء غرق من فيه ، فاستعان بالله تعالى ~~، وخاض هو ومن معه ، فسلموا ، فرأوا نهيم قد فارق القلعة ، وأخلاها ، فعاد ~~عنها ، وقصد المنصورة ، وكان صاحبها قد PageV26P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" ارتد عن الإسلام ، ففارقها واحتمى بغياض منيعة ~~، فأحاط يمين الدولة بتلك الغياض ؛ فقتل أكثر من ها من الهند وغرق بعضهم ~~ولم ينجح منهم إلا القليل ، ثم سار إلى ms5972 بهاطية فأطاعه أهلها ، فرحل إلى ~~غزنة ، فوصلها في عاشر صفر سنة سبع عشره وأربعمائة ، فكانت غيبته في هذه ~~الغزوة ستة اشهر . ذكر ملكه الري وبلد الجبل وفي سنة عشرين وأربعمائة سار ~~يمين الدولة نحو الري فانصرف منوجهر بن قابوس صاحب جرجان وطبرستان بين يديه ~~، وجمل إليه أربعمائة ألف دينار ، وكان مجد الدولة بن فخر الدولة ابن بويه ~~قد كاتب يمين الدولة يشكو إليه من جنده ، وكان متشاغلا بالنساء ، ومطالعة ~~الكتب ، ونسخها . وكانت أمه تدبر المملكة ، فلما ماتت طمع فيه الجند . وقال ~~: فلما وصلت كتبه إليه سير إليه جيشا ، وجعل المقدم عليهم حاجبه ، وأمره ~~بالقبض على مجد الدولة ، فسار إلى الري ، ودخلها في شهر ربيع الآخر ، وأخذ ~~من الأموال ألف ألف دينار ، ومن الجواهر ما قيمته خمسمائة ألف دينار ، ومن ~~الثياب ستة آلاف ثوب ، ومن الآلات وغيرها مالا يحصى قيمته ، وأحضر مجد ~~الدولة وسيره إلى خراسان . ثم ملك قزوين ، وقلاعها ، ومدينة ساوة ، وآوه ، ~~وياقت ، وقبض على صاحبها ، وسيره إلى خراسان . ولما ملك يمين الدولة الري ، ~~كتب إلى الخليفة القادر بالله يذكر أنه وجد لمجد الدولة من النساء الحرائر ~~ما يزيد على خمسين امرأة ولدن له نيفا وثلاثين ولدا ، وانه لما سئل عن ذلك ~~قال : هذه عادة سلفي ، وصلب من أصحابه الباطنية خلقا كثيرا ، ونفى المعتزلة ~~إلى خراسان ، وأحرق كتب الفلسفة ومذاهب الاعتزال ، واخذ ما سواها من الكتب ~~، فكانت مائة حمل ، وتحصن منوجهر بن قابوس بن وشمكير بجبال حصينة ، فلم ~~يشعر إلا وقد أطل يمين الدولة عليه ، فهرب إلى غياض ملتفة حصينة ، وبذل له ~~خمسمائة ألف دينار ، فأجابه يمين الدولة إلى ما PageV26P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" طلب . وقبض المال وسار عنه إلى نيسابور . ثم ~~توفي منوجهر عقيب ذلك ، وولى بعده ابنه أنوشروان ، فأقره محمود على ولايته ~~، وقرر عليه خمسمائة ألف دينار أخرى ، وخطب لمحمود في أكثر بلاد الجبل إلى ~~حدود أرمينية . وخطب له بأصفهان ، وملهما من علاء الدولة . وعاد عنها ~~واستخلف بها بعض أصحابه ، فثار أهلها ، فقتلوه ، فعاد إليهم مسعود ، فقتل ~~منهم نحو ms5973 خمسمائة قتيل . وسار إلى الري فأقام بها والله أعلم بالصواب . ذكر ~~ملك مسعود بن يمين الدولة محمود همذان وفي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة سير ~~مسعود جيشا إلى همذان ، فملكها من نواب علاء الدولة بن بويه ، وسار هو إلى ~~أصفهان ، ففارقها علاء الدولة ، فغنم مسعود ما كان له بها من دواب وسلاح ~~وذخائر وغير ذلك ، ثم عاد إلى بلاده . ذكر غزوة للمسلمين بالهند وفي هذه ~~السنة غزا أحمد بن ينال تكين النائب عن محمود بن سبكتكين ببلاد الهند مدينة ~~برسى ، وهي من أعظم مدن الهند ، وكان معه نحو مائة ألف فارس وراجل ، فشن ~~الغارة على البلاد ، ونهب وسبى ، فلما وصل إلى المدينة ، دخل من أحد ~~جوانبها ونهب المسلمون يوما كاملا ، ولم يفرغوا من سوق العطارين والجوهريين ~~فحسب ، وباقي أهل الهند ، فلما جاء المساء لم يجسر أحد على المبيت فيه ~~لكثرة أهله ، وبلغ من كثرة ما نهب المسلمون أنهم اقتسموا الذهب والفضة ~~بالكيل ، ولم يصل لهذه المدينة عسكر المسلمين من قبله ولا بعده . ذكر وفاة ~~يمين الدولة محمود بن سبكتكين وشيء من سيرته كانت وفاة رحمه اله في شهر ~~ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وأرعمائة ومولده يوم عاشوراء سنة ست وستين ~~وثلاثمائة ، فكان عمره إحدى وستين وثلاثة أشهر PageV26P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" تقريبا ، ومدة سلطنته ثلاثا وثلاثين سنة ~~وشهرين ، وكان مرضه سوء مزاج وإسهال ، وبقي كذلك نحو سنتين ، وكان قوي ~~النفس لم يضع جنبه في مرضه بل كان يستند إلى مخدته ، وكان يجلس للناس طرفي ~~النهار ؛ ولم يزل كذلك حتى توفي قاعدا ، وكان عاقلا دينا خيرا عنده علم ~~ومعرفة ، وصنف له كثير من الكتب في فنون العلوم ، وقصده العلماء من أقطار ~~البلاد ، وكان يكرمهم ويقبل عليهم ويصلهم ، وكان علي الهمة ، وقد نظرنا من ~~فتوحه وغزواته ما يستدل به على ذلك ، ولم يكن فيه ما يعاب إلا طمعه في ~~الأموال ، فكان على أخذها بكل طريق ، وهو الذي جدد المشهد بطوس الذي فيه ~~قبر علي بن موسى الرضا ، والرشيد ، وكان أبوه قد أخربه . وقال : وكان ms5974 يمين ~~الدولة ربعة القامة ، وحسن الوجه ، صغير العينين ، أحمر الشعر . ذكر سلطنة ~~محمد بن محمود وهو الرابع من ملوك الدولة الغزنويه . ملك بعد وفاة أبيه في ~~شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وأربعمائة بوصية من أبيه . وقال : وهو أصغر ~~من أخيه مسعود ، وكان عند وفاة أبيه ببلخ ، فخطب له من أقاصي الهند إلى ~~نيسابور ، ولقب جلال الدولة ، فأرسل إليه أعيان الدولة يستدعونه ، ويحثونه ~~على الوصول إليهم ، ويخيفونه من أخيه مسعود ، فسارا إلى غزنة ، فوصلها بعد ~~وفاة أبيه بأربعين يوما ، واجتمعت العساكر على طاعته ، ففرق فيهم الأموال . ~~خلع جلال الدولة محمد وملك أخيه مسعود بن محمود كان سبب أن يمين الدولة لما ~~توفي كان ابنه مسعود بأصفهان ، فكتب إلى أخيه محمد يقول لا : إنني راض بما ~~أوصي لي به أبي ، وبما فتحته من بلاد طبرستان والجبل وأصفهان وغيرهما ، ~~وطلب منه الموافقة وأن يقدمه في الخطبة على نفسه ، فأجابه بجواب غبر مرضي ، ~~فسار مسعود إلى الري وأحسن إلى أهلها ، ثم سار إلى نيسابور وفعل مذل ذلك ، ~~وأما محمد فإنه استحلف عساكره ، وجعل عمه يوسف PageV26P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" على مقدمة جيشه ، وسار إلى مسعود . وكان بعض ~~عساكر مجمد يميل إلى مسعود لشجاعته ، وبعضهم يخشى سطوته ، فلما هم محمد ~~بالركوب من داره وقعت قلنسوته من رأسه ، فتطير الناس من ذلك . وسار إلى ان ~~وصل إلى تكينا باد في مستهل شهر رمضان من سنة إحدى وعشرين ، وأقام بها إلى ~~ان عيد . فلما كان ليلة الثلاثاء ثالث شوال ثار به جنده ، فاخذوه وحبسوه ~~ونادوا بشعار مسعود ، وكان الذي يسعى في ذلك ورتبه خشاوند الحاجب باتفاق ~~ومساعدة من عمه يوسف ، وأرسلوا إلى مسعود فحضر ، والتقته العساكر إلى هراه ~~. وسلموا إليه الأمر ، فكان أول ما بدأ به أن قبض على الحاجب وقتله ، ثم ~~قبض بعد ذلك على عمه يوسف ، ثم على جماعة من أعيان القواد في أوقات متفرقة ~~. وكان اجتماع الملك له ، واتفاق الكلمة عليه في ذي القعدة م السنة ، ووصل ~~إلى غزنة في ثاني جمادى الآخرة سنة ms5975 اثنين وعشرين وأربعمائة ، وأتته بها رسل ~~الملك من سائر الأقطار ، واجتمع له الملك خراسان وغزنة وبلاد الهند والسند ~~، وسجستان وكرمان ، ومكران ، والري ، وأصفهان ، وبلد الجبل ، وغير ذلك ، ~~وعظم سلطانه ، وجيف جانبه . ذكر مسيره إلى الهند وما فتحه بها وفي سنة أربع ~~وعشرين وأربعمائة بلغ السلطان مسعود أن أحمد نيالتكين النائب بالهند خرج عن ~~طاعته واستولى على البلاد ، فسار إلى الهند ، وعاد النائب إلى الطاعة ، ~~وفتح في سفرته هذه قلعة سرستي وهي من أحصن القلاع ، وكان تعذر فتحها على ~~أبيه ، ففتحها في سنة خمس وعشرين . ثم سار إلى قلعة مقسي ، فوصل إليها في ~~عاشر صفر ، وحصرها ووالى الحصار ، فخرجت عجوز ساحرة ، فتكلمت باللسان ~~الهندي طويلا ، وأخذت مكنسة فبلتها بالماء ، ورشت به إلى جهة العسكر ، فمرض ~~مسعود واشتد به المرض ، فرحل عن البلد فصح وعاد إلى غزنة . ذكر مخالفة ~~نيالتكين النائب بالهند ومقتله وفي سنة ست وعشرين وأربعمائة خالف أحمد ~~نيالتكين النائب بالهند على السلطان مسعود ، ونزع يده من الطاعة ، واظهر ~~العصيان ، فسير إليه مسعود جيشا كثيفا فقاتلهم ، وانهزم منهم ، وقصد بعض ~~ملوك الهند ببهاطيه ، ومعه جمع كثير من PageV26P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" عساكره الذين سلموا ، وطلب منه سفنا ليعبر بهم ~~السند ، فاحضر إليه السفن ، وأمرهم أن يلقوه في جزيرة في وسط النهر ، ~~فألقوه بها وهو يظن أنها متصلة بالبر ، فأقام بها تسعة أيام إلى أن نفذت ~~أزوارهم ، وأكلوا دوابهم ، وعجزوا عن خوض الماء لعمقه ، فعبر الهندي إليهم ~~في السفن وقتل وأسر ، فعندها قتل أحمد نفسه ، واستوعب أصحابه القتل والأسر ~~. وفي سنة ثلاثين وأربعمائة ، التقى الملك مسعود والسلجقية ببلاد خراسان ، ~~ووقع بينه حروب كان الظفر لمسعود ، وفتح قلعة خراسان ، واخرج طغرلبك من ~~بلاد خراسان إلى البرية ، وكان آخر الحرب بينهم في سنة إحدى وثلاثين . ذكر ~~القبض على السلطان وقتله وشيء من سيرته وفي سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة في ~~شهر ربيع الأول جهز السلطان ولده مودودا إلى خراسان في جيش كثيف ، لرد ~~السلجوقية عنها ، وسار مسعود بعد سبعة أيام إلى بلاد الهند ليشتي بها ms5976 على ~~عادة والده ، واستصحب معه أخاه محمدا وكان قد سمله ، فلما عبر سيحون وعبر ~~بعض الخزائن جمع أنوشتكين البلخي الخصي الغلمان الدارية ، ونبوا ما تخلف من ~~الخزائن ، وأقاموا أخاه محمدا ، وقاتلوا مسعود ، فانهزم وتحصن في بعض ~~الحصون ، فحصروه أخوه محمد ، فقالت له أمه : إن هذا المكان لا يعصمك ، لأن ~~تخرج إليهم بعهد خير لك من أن يأخذوك قهرا ، فخرج إليهم ، فقال له أخوه : ~~وأمه لا قاتلتك بفعلك ، ولكن اختر لنفسك جهة تكون فيها بحريمك وأولادك ، ~~فاختار قلعة كيدي ، فأنفذه إليها ، وأرسل مسعود إلى أخيه محمد يطلب منه ~~مالا ينفقه ، فأعطاه خمسمائة درهم ، فبكى وقال : بالأمس وحكمي على ثلاثة ~~آلاف حمل من الخزائن ، واليوم لا أملك ألف درهم ، فأعطاه الرسول ألف دينار ~~فقبلها ، ثم اتفق أحمد بن السلطان محمد ، وابن عمه يوسف ، وابن علي خشاوند ~~على قتل مسعود فدخلوا عليه ، وقتلوه فأنكر محمد ذلك ، وساءه ، فكانت مدة ~~سلطنة مسعود عشر سنين وخمسة شهور تقريبا ، وكان شجاعا كريما ذا فضائل كثيرة ~~، يحب العلماء ويحسن إليهم ، ويتقرب إلى خواطرهم ، وصنفوا له التصانيف ~~الكثيرة في فنون العلوم ، وكان كثير الصدقة ، تصدق مرة في شهر رمضان بألف ~~ألف درهم ، وأكثر الإدرارات PageV26P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" والصلات ، وعمر كثيرا من الشعر ويجيز الشعراء ~~، وأعطى شاعرا ألف دينار ، وأجاز آخر عن كل بيت ألف درهم . ذكر سلطنة جلال ~~الدولة محمد بن محمود السلطنة الثانية وقتله ملك ثانيا عند انهزام أخيه ~~مسعود في ثالث عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة ، كان أخوه ~~قد سمله ، وما طلب للولاية امتنع من قبولها ، فتهدده القواد بالقتل فأجاب ، ~~وفوض الأمر إلى ولده أحمد ، وكان فيه هوج ، فقتل عمه مسعودا ، وقل : إن ~~مسعودا حبس دخل عليه الرحمن وعبد الرحيم أولاد محمد ، فأخذ عبد الرحمن ~~القلنسوة من على رأس عمه مسعود ، فأخذها عبد الرحمن من يده ، وأنكر عليه ، ~~وقبلها ووضعها على رأس عمه مسعود ، وكان ذلك سبب سلامته . قال : وكتب ~~السلطان محمد إلى مودود بن أخيه مسعود يقول له : غم والدك قتل قصاصا ms5977 ، قتله ~~أولاد أحمد نيالتكين بغير رضاي ، فأجابه مودود من خراسان يقول : أطال الله ~~الأمير ، ورزق ولده المعتوه عقلا يعيش به فقد ركب أمرا عظيما ، وأقدم على ~~إراقة دم ملك مثل والدي الذي لقبه أمير المؤمنين سيد الملوك والسلاطين ، ~~وستعلمون في أي حتف تورطم ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ، ثم كتب ~~شعرا : نفلق هاما من كرام اعزة . . . علينا وهم كانوا أعق وأظلما قال : ~~وطمع الجند في محمد ، ونقصت هيبة الملك ، فمدوا أيديهم إلى أموال الرعايا ~~ونهبوها ، فخربت البلاد ، فكان الملوك يباع في بعض المدن بدينار . وقال : ~~وسار مودود بن مسعود من خراسان إلى غزنة ، وعاد عمه PageV26P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" محمد والتقيا ، فانهزم محمد وعسكره وقبض عليه ~~وعلى ولده أحمد ، فقتلهما مودود في شعبان سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة ، ~~فكانت مدة سلطنة محمد الأولى سعة أشهر ، والثانية أربعة أشهر وأياما . ذكر ~~سلطنة مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين وهو السادس من ملوك الدولة ~~الغزنوية . كان ملكه بعد انهزام عمه جلال الدولة محمد . وقال : ولما التقوا ~~وانهزم محمد وعسكره ، ثم قبض عليه وعلى أولاده وأنوشتكين البلخي والخصي ~~وابن علي خشاوند ، فقتلهم مودود ، ولم يترك منهم إلا عبد الرحمن ابن عمه بن ~~محمد لإنكاره على أخيه ، وأخذ القلنسوة من رأس مسعود ، وبنى مودود في موضع ~~الوقعة قرية ورباطا وسهماها فتح أباد ، وقتل من كان له تسبب في القبض على ~~أبيه ، ودخل غزنة في الثالث والعشرون من شعبان سنة اثنتين وثلاثين ~~وأربعمائة ، واستوزر أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد الصمد وزير أبيه ، وأظهر ~~العدل ، وأحسن السيرة ، وسلك سيرة جده محمود بن سبكتكين . ذكر مخالفة محمود ~~بن مسعود على أخيه مودود ، ووفاة محمود كان مسعود قد جهز ابنه محمودا إلى ~~بلاد الهند في سنة ست وعشرون وأربعمائة ، فبلغه خبر وفاة أبيه ، وما آل ~~الأمر إليه من سلطنة أخيه ، وكان قد فتح لهاوور ، وملتان ، فاخذ الأموال ، ~~وأظهر الخلاف على أخيه مودود ، فالضطرب لذلك ، وجهز جيشا لمنعه ، فعرض ~~محمود العساكر ، وانفق فيهم الأموال ليأخذ البلاد من ms5978 أخيه مودود وعيد عيد ~~الأضحى ، وأقام بعده ثلاثة أيام ، وأصبح ميتا بلهاوور ، فما عرف ما كان سبب ~~وفاته ، فعند ذلك ثبت قدم مودود في الملك ، وأرسلته الملوك وخافته ، وفي ~~سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ملك مودود عدة من حصون الهند ، فراسله ملوكها ~~وأذعنوا له بالطاعة . ذكر وفاة مودود وملك ولده ، ثم أخيه علي بن مسعود ، ~~ثم عبد الرشيد وفي العشرين من شهر رجب الفرد ، سنة إحدى وأربعين وأربعمائة ~~كانت وفاة مودود وعمره تسع وعشرون سنة ، ومدة ملكه تسع سنين وأحد عشر شهرا ~~، وكانت PageV26P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" وفاته بغزنة ، وعلته القولنج ، وملك بعده ولده ~~، فبقي في الملك خمسة أيام ، ثم عدل الناس عنه إلى عمه علي بن مسعود ، وكان ~~مودود لما ملك قبض على عمه عبد الرشيد ابن محمود ، واعتقله بقلعة مندين ~~بطريق بست ، فلما توفي مودود كان وزيره قد قارب القلعة بعساكر جردها مودود ~~معه لقتل السلجقية ، فنزل عبد الرشيد من القلعة إلى العسكر ، ودعاهم إلى ~~طاعته ، فأجابوه ، وسار بهم إلى غزنة ، فهرب علي بن مسعود ، وملك عبد ~~الرشيد ، ولقب شمس الله سيف الدولة ، وقيل جمال الدولة . ذكر مقتل عبد ~~الرشيد كان مقتله في سنة أربع وأربعين وأربعمائة ؛ وسبب ذلك أن طغرل الحاجب ~~مودود قد نوه بذكره ، وقدمه وزوجه أخته ، فلما توفي مودود ، وملك عبد ~~الرشيد استمر به على ما كان عليه ، وجعله حاجب حجابه ، فأشار طغرل على عبد ~~الرشيد بقصد الغز ، وإخراجهم من خراسان ، فتوقف استبعادا لذلك ، فلم يزل به ~~حتى جهز معه ألف فارس ، فسار نحو سجستان ، وبها أبو الفضل نائبا عن بيغو ، ~~فحاصر قلعة طاق أربعين يوما ، فلم يتهيأ له أن يملكها ، فسار نحو مدينة ~~سجستان ، فاتصل خبره ببيغو ، فخرج في عساكره إليه ، فلما رآه بيغو استقل من ~~معه ، فسير إليه طائفة من أصحابه ، فلم يعرج طغرل عليهم ، بل اقتحم هو ومن ~~معه على تلك الطائفة التي كانت خرجت لقتاله ، فهزمهم ، وغنم ما معهم ، ~~وانهزم بيغو إلى هراة ، ودخل طغرل الحاجب سجستان ، وملكها ، وكتب إلى عبد ~~الرشيد يعلمه ms5979 بذلك ويستمد ليسير إلى خراسان ، فأمده بعدة كثيرة من العساكر ~~، فاشتد أمره بهم ، وحدث نفسه بالاستيلاء على غزنة ، فأحسن إلى من معه ، ~~واستمالهم فمالوا إليه ، فاستوثق منهم ورجع بهم إلى غزنة ، فلما صار على ~~خمسة فراسخ منها كتب إلى عبد الرشيد يعلمه ان العسكر خالفه ، وطلبوا ~~الزيادة في العطاء ، وانهم عادوا بقلوب متغيرة ، فلما وقف على ذلك جمع ~~أصحابه ، واستشارهم ، فحذروه من طغرل ، وقالوا ، إن الأمر قد أعجل عن ~~الاستعداد ، وليس PageV26P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" إلا الصعود إلى القلعة ، والتحصن بها ، فتحصن ~~بقلعة غزنة ، وعبر طغرل غزنة ، واستولى عليها وجلس بدار الإمارة ، وأرسل ~~إلى من بالقلعة يتهددهم إن لم يسلموا عليها عبد الرشيد ، فسلموه له ، فقتله ~~، واستولى على القلعة ، وتزوج ابنة السلطان مسعود كرها ، وكان في أعمال ~~الهند أمين يسمى خزخير بعساكر كثيرة ، فأرسل إليه طغرل ، واستدعاه للموافقة ~~والمساعدة على إخراج الغزو من الأعمال ، ووعده وبذل له الرغائب ، فلم يرض ~~خزخير فعله ، وأنكر عليه وأغلط له في الجواب ، وكتب إلى زوجة طغرل ابنة ~~السلطان مسعود ، وإلى وجوه القواد يقبح عليهم موافقتهم ، وصبرهم على قتل ~~ملكهم ، فعبروا على طغرل ، وقتلوه . ذكر ملك فرخ زاد بن مسعود بن محمود بن ~~سبكتكين وهو العاشر من ملوك الدولة الغزنوية . وملك بعد مقتل طغرل الحاجب ~~المستولي على ملك عبد الرشيد ، وكان سبب ملكه أنه لما قتل طغرل وصل خرخير ~~بعد مقتله بخمسة أيام إلى غزنة ، وأظهر الحزن على عبد الرشيد ، واستشار ~~الأمراء فيمن يلي الأمر ، فأشاروا بولاية فرخ زاد ، وكان معتقلا في بعض ~~القلاع فأحضروه ، وأجلس بدار الإمارة ودبر خرخير الأمر بين يديه ، وقتل من ~~أعان على قتل عبد الرشيد . وقال : ولما بلغ داود السلجقي أخا طغرلبك صاحب ~~خراسان قتل عبد الرشيد جميع عساكره ، وسار إلى غزنة ، فخرج غليه خرخير ، ~~وقاتله فانهزم داود ، وغنم ما كان معه ، وفي سنة خمس وأربعين وأربعمائة ثار ~~مماليك فرخ زاد به ، وقصد واقتله وهو في الحمام ، فمانع عن نفسه بسيف كان ~~معه ، فأدركه أصحابه وخلصوه وقتلوا أولئك الغلمان ، واستمر ملكه ms5980 إلى سنة ~~إحدى وخمسين ، وكان بعد هذه الوقعة بكثير من ذكر الموت ويحتقر الدنيا ~~ويزدريها ، فلما كان في هذه السنة أصابه قولنج ، فمات ذكر ملك إبراهيم بن ~~مسعود بن محمود وهو الحادي عشر من ملوكها ، ملك بعد وفاة أخيه فرخ زاد في ~~سنة إحدى وخمسين وأربعمائة فأحسن السيرة ، واستعد لجهاد الهند ، واستقر ~~الصلح بينه وبين جعري بك داود السلجقي صاحب خراسان على أن يكون لكل واحد ~~منهما ما بيده ، وترك منازعة الآخر في ملوكها . ذكر غزو إبراهيم الهند وما ~~فتحه منها وفي سنة اثنين وسبعين وأربعمائة غزا بلاد الهند ، ففتح قلعة أجود ~~، وهي على مائة وعشرين فرسخا من لهاوور ، وهي حصينة تحوي عشرة آلاف مقاتل ، ~~فحصرها PageV26P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" وداوم الزحف ، فملكها في الحادي والعشرين من ~~صفر ، وفتح غيرها من الحصون في هذه السنة . فمن ذلك قلعة رومال ، وموضع ~~يقال له : دره نوره ، وكان به أقوام من الخراسانية جعل أجدادهم فيع فراسياب ~~التركي ، ولم يعترضهم أحد من الملوك ، فدعاهم إلى الإسلام فامتنعوا عليه ، ~~وقاتلوه ، فظفر بهم وأكثر فيهم القتل ، وتفرق من سلم منهم في البلاد ، وسبي ~~من النساء والصبيان مائة ألف ، وفي هذه القلعة حوض قطره نصف فرسخ لا يدرك ~~قعره ، ويشرب منه أهل القلعة ودوابهم ، ولا يظهر فيه نقص وفتح درة وهي بين ~~جبلين والسبيل غليها متعذر ، فوصلها في جمادى الأولى وأقام بها ثلاثة أشهر ~~، وافتتحها وعاد إلى غزنة . ذكر وفاة إبراهيم وشيء من سيرته كانت وفاته في ~~سنة إحدى وثمانين أربعمائة ، وكانت مدة ملكه تزيد على ثلاثين سنة ، وكان ~~عادلا كريما مجاهدا ، وكان ذا رأى سديد ، فمن رأيه أن السلطان ملكشاه ~~السلجقي قصد غزنة بعساكره وجنوده ، فلما علم إبراهيم عجزة عنه كتب إلى ~~جماعة من أمرائه يشكرهم ، ويعدهم الجميل على تحسينهم لصاحبهم ، قصد بلاده ~~ليتم له ما اتفقوا عليه من قبضه ، وأمر القاصد أن يتعرض إلى ملكشاه ، فتعرض ~~له ، فأنكره ملكشاه ، وقبض عليه وقرره بالضرب ، فأعطاه الكتب بعد امتناع ، ~~فعاد من طرقه ، وكتم ذلك عن أمرائه خوفا من ms5981 الخلاف عليه . وكان يكتب بخطه ~~في كل سنة مصفحا ، ويبعثه إلى مكة مع الصدقات والصلات ، ولما مات ملك بعده ~~ابنه . ذكر ملك علاء الدولة أبي سعد جلال الدين مسعود بن إبراهيم وهو ~~الثاني عشر من ملوك الدولة الغزنوية . وملك غزنة وما معها بعد وفاة إبراهيم ~~أبيه في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة . وهو زوج ابنة السلطان ملكشاه السلجقي ~~، واستمر ملكه إلى سنة ثمان وخمسمائة فتوفي في شوال منها بغزنة ، لم أظفر ~~بشيء من أخباره فأورده ، ولما مات ملك بعده ولده PageV26P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" ذكر ملك أرسلان شاه ابن علاء الدولة مسعود وهو ~~الثالث عشر من ملوك الدولة الغزنوية ، وأمه سلجقيه وهي أخت السلطان ألب ~~أرسلان ملك بعد وفاة أبيه في شوال سنة ثمان وخمسمائة ولما ملك قبض على ~~أخواته وسجنهم ، فهرب أخ له اسمه بهرام شاه إلى خراسان ، فوصل إلى السلطان ~~سنجر بن ملك شاه ، فأرسل إلى أرسلان شاه في معناه ، فلم يجبه ، فأعد السير ~~وقصد غزنة ومعه بهرام شاه والتقى هو وسنجرين ملكشاه على فرسخ من غزنة ~~بصحراء شهراباذ ، وكان أرسلان شاه في ثلاثين ألفا ، ومعه مائة وستون فيلا ، ~~فكادت الهزيمة تكون على سنجر ثم كانت وخمسمائة ومعه بهرام شاه ، وتسلم قلعة ~~البلد ، وكان أرسلان شاه قد اعتقل أخاه طاهرا بالقلعة الكبيرة التي بينها ~~وبين غزنة تسعة فراسخ ، وهي عظيمة لا يطمع فيها ولا عليها ، واعتقل بها ~~أيضا زوجة بهرام شاه ، فلما انهزم أرسلان شاه استمال أخوه طاهرا المتحفظ ~~بها حتى سلم القلعة للملك سنجر ، وكان قد تقرر بين السلطان سنجر وبهرام شاه ~~أن يجلس بهرام شاه على سرير جده محمود بن سبكتكين وجده ، وان الخطبة بغزنة ~~للخليفة ، ثم للسلطان محمد بم ملكشاه ، والملك سنجر ، وبعدهم لبهرام شاه ، ~~فلما دخلوا غزنة كان سنجر راكبا ، وبهرام شاه راجلا بين يديه حتى جاء إلى ~~السرير ، فصعد بهرام شاه بالسلطان على عادة آبائه ، وحصل لسنجر من الأموال ~~مالا يحد ، وكان على حيطان دور ملوك غزنة ألواح الفضة ، وسواقي المياه إلى ~~البساتين من الفضة ms5982 ، فقلع أصحاب سنجر كثيرا من ذلك ، فمنعهم سنجر ، وصلب ~~جماعة منهم ، وأقام بغزنة أربعين يوما وهو أول سلجقي خطب له بغزنة ، وعاد ~~إلى خراسان . ذكر ملك بهرام شاه ابن مسعود بن إبراهيم وهو الرابع عشر من ~~ملوك الدولة الغزنوية . وملك غزنة عند انهزام أخيه أرسلان شاه لعشر بقين من ~~شوال سنة عشر وخمسمائة ، وأما أرسلان شاه فإنه لما انهزم قصد هند وخان ، ~~وأجتمع معه أصحابه ، فلما عاد الملك سنجر إلى خراسان توجه إلى غزنة ، ~~ففارقها بهرام شاه إلى باميان ، وأرسل إلى الملك سنجر يعلمه الحال ، فأمده ~~بجيش ، وأقام أرسلان شاه بغزنة شهرا ، وسار في طلب بهرام شاه فبلغه وصول ~~عسكر PageV26P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" سنجر ، فانهزم بغير قتال ، للخوف الذي وقع في ~~قلوب أصحابه ، ولحق بجبال أوغان ، فسار بهرام شاه في طلبه بعسكر سنجر ، ~~وضايقوا البلاد التي هو فيها وأخربوها ، وتهددوا أهلها ، فسلموه إليهم ، ~~فخنقه أخوه بهرام شاه ، ودفنه بغزنة بتربة أبيه ، وكان قتله في جمادى ~~الآخرة سنة اثنتي عشرة وخمسمائة ، وعمره سبعا وعشرين سنة ، واستقر بهرام ~~شاه في الملك ، وكان بينه وبين الملوك الغورية من الوقائع ما نذكره في ~~أخبارهم إن شاء الله تعالى . ذكر وفاة بهرام شاه كانت وفاته في شهر رجب سنة ~~ثمان وأربعين وخمسمائة ، فكانت ولايته ستا وثلاثين سنة ، وكان عادلا حسن ~~السيرة جميل الطريقة يحب العلماء ويكرمهم ، ويبذل لهم الأموال الكثيرة ، ~~ولما مات ملك بعده ولده . ذكر ملك نظام الدين خسرو شاه ابن بهرام ساه بن ~~مسعود وهو الخامس عشر من ملوك الدولة الغزنوية ، ملك غزنة بعد وفاة والده ~~في شهر رجب سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، وكان عادلا حسن السيرة في رعيته ~~محبا للخير وأهله يقرب العلماء ، ويحسن إليهم ويرجع إلى أقوالهم ويقتدي ~~بآرائهم ، لم يزل كذلك إلى مدة ملكه سبع سنين وقيل غنه عاش إلى سنة تسع ~~تسعين . وأن الدولة انقرضت باعتقاله ، ولما مات ملك بعده ولده . ذكر ملك ~~ملكشاه بن خسرو شاه بن مسعود ابن إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين وهو ~~السدس ms5983 عشر من ملوك الدولة الغزنوية ، وعليه انقرضت دولتهم . وملك غزنة بعد ~~وفاة والده الحسين ملك الغور إلى غزنة ، وكان له مع ملكشاه ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى في أخبار الدولة الغورية . وفي سنة خمس وخمسين وخمسمائة قصد ~~الأتراك الغزية بلاد غزنة ونهبوا وخربوا ، وقصدوا مدينة غزنة ، ففارقها ~~ملكشاه إلى لهاوور وملكها الغزية ، وكان القيم بأمرهم زنكي بن علي بن خليفة ~~الشيباني ، ثم جمع ملكشاه العساكر ، وعاد إلى غزنة ، ودخلها في جمادى ~~الآخرة سنة تسع وخمسين ، PageV26P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" وتمكن في دار ملكه إلى أن ظهر أمر الملوك ~~الغورية ، فانقرضت الدولة الغزنوية على يد الملوك الغوريه . وذكر ان الأثير ~~الجزري في تاريخه الكامل أن دولتهم انقرضت في أيام خسروشاه بن بهرام شاه ~~والده ملكشاه ، وان خسروشاه لما ملك الغورية غزنة سار إلى لهاوور ، فحاصره ~~شاب الدين الغوري بها في سنة تسع وسبعين وخمسمائة ، وشدد الحصار عليه ، ~~وبذل له الأمان على أن لا يطأ بساطه ، وان شهاب الدين يجعل لخسروشاه مهما ~~اختار من الإقطاع ، ويزوجه ابنته ، فاستحقه على ذلك ومكنه من لهاوور ، ~~واجتمع به ، فأكرمه وعظمه ، وبقي كذلك مدة شهرين ، فورد رسول غياث الدين ~~الغوري إلى أخيه شهاب الدين وهو يستدعي خسروشاه وولده إليه ، فأعلمه بذلك ، ~~فامتنع ، فمناه شهاب الدين ، وطيب خاطره ، ثم جهزه هو وابنه إلى غياث الدين ~~، فساروا على كره ، فلما وصلا إليه رفعهما إلى بعض القلاع ، فكان آخر العهد ~~بهما . وانقرضت الدولة الغزنوية . وكان ابتداؤها في سنة ست وستين وثلاثمائة ~~، وانقرضت في سنة تسع وتسعين وخمسمائة ، فتكون مدتها مائتي سنة وثلاثة عشر ~~سنة تقريبا ، وعدة ملوك هذه الدولة ستة عشر ملكا ، وهو ناصر الدولة سبكتكين ~~، ثم ولده محمود بن سبكتكين ، ثم ولده محمد ولي مرتين ، ثم أخوه مسعود بن ~~محمود ، ثم مودود بن مسعود بعد عمه محمد في السلطنة الثانية ، ثم ولي ولد ~~لمودود خمسة أيام . ثم على بن مسعود ، ولم تطل مدته أيضا ، ثم عبد الرشيد ~~بن محمود بن سبكتكين ، ثم فرخ زاد ، ثم أخوه إبراهيم بن ms5984 مسعود ، ثم ابنه ~~علاء الدولة أبو سعد جلال الدولة بم مسعود ، ثم ابنه أرسلان شاه ، ثم أخوه ~~بهرام شاه ، ثم ابنه خسروشاه ، ثم ابنه ملكشاه ، وعليه انقرضت دولتهم ، ~~وكانت هذه الدولة من احسن الدول وأكثرها جهادا وفتوحا ، وقد ذكرنا من أخبار ~~ملوكها ما يستدل به على بعد هممهم ، وتمكن سلطانهم . ذكر أخبار الدولة ~~الغورية كان ابتداء هذه الدولة بلاد الغور في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، ~~ثم أزالت ملوك الدولة الغزنوية آل سبكتكين عن غزنة ، وملكوا بعض بلاد الهند ~~، وأول PageV26P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" من نبغ وظهر اسمه الحسين بن الحسين بن الحسن . ~~وكان قد ملك قبله بلاد الغور محمد بن الحسين ، وكان قد صاهر بهرام شاه صاحب ~~غزنة ، فعظم شأنه بمصاهرته وعلت همته ، فجمع جموعا كثيرة ، وسار إلى غزنة ~~ليملكها ، واظهر الخدمة والزيارة لبهرام شاه وهو يريد المكر فعلم به بهرام ~~شاه ، فقبض عليه وسجنه ثم قتله ، فعظم قتله على الغورية ولم يمكنهم الأخذ ~~بئأره لتمكن الدولة الغزنوية ، ثم ملك بعد محمد أخوه سام بن الحسين ، فمات ~~بالجدري ، وملك بعده محمد أخوه سام بن الحين بلاد الغور ، وقوي امره ، ~~وتمكن في مملكته ، فجمع العساكر ، وسار إلى غزنة طالبا لثأر أخيه محمد ، ~~فلما وصل إليها وملكها في جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، فارقها ~~بهرام شاه إلى بلاد الهند ، وجمع جموعا كثيرة ، وعاد إلى غزنة ، وكان عسكر ~~غزنة الذين أقاموا مع سوري قلوبهم مع بهرام شاه ، فلما التقوا انضم عسكر ~~غزنة إلى بهرام وسلموا إليه سوري وذلك في المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة ~~، فصلبه بهرام شاه ، وكان سوري هذا من الملوك الأجواد الكرام ، حتى إنه كان ~~يرمي الدرهم بالمقاليع ليتوصل بذلك إلى راحة الفقراء ، ثم ملك بعده أخوه ~~الحسين ابن الحسين هذا بلاد الغور ومدينتها فيروز كوه ، فسار في سنة خمس ~~وأربعين إلى مدينة هراة وحصرها ، وكان أهلها قد كاتبوه ، وطلبوه ليسلوها له ~~هربا من ظلم الأتراك ، فلما حاصرها امتنع أهلها عليه ثلاثة أيام ، ثم ~~سلموها له ، فدخلها واظهر طاعة السلطان سنجر ms5985 ابن ملكشاه السلجقي . ذكر ~~الحرب بينه وبين السلطان سنجر وفي سنة سبع وأربعين وخمسمائة كانت الحرب بين ~~علاء الدين الحسين صاحب الغور وبين السلطان سنجر السلجقي ؛ وسبب ذلك أن ~~علاء الدين هذا قوي أمره ، فكثرت أتباعه ، وتلقت وتعرض إلى أعمال غزنة ، ~~وسار إلى بلخ ، فملكها ، فسار إليه السلطان سنجر فثبت له ، واقتتلوا ، ~~فانهزمت الغورية ، وأسر علاء الدين ، وقتل من أصحابه خلق كثير ، واحضر بين ~~يدي السلطان ، فقال له : ياحسين لو ظفرت بي ما كنت تصنع ؟ فأخرج له قيدا من ~~الفضة ، فقال له : كنت أقيدك بهذا ، وأحملك إلى مدينة فيروزكوه . فخلع ~~السلطان عليه ، ورده إلى فيروزكوه . PageV26P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" ذكر ملكه غزنة وخروجه عنها ، وقتل أخيه قال : ~~ولما أطلقته السلطان سنجر أقام بفيروز كوه مدة حتى اجتمع له أصحابه ، وأصلح ~~ما تشعث من حال عسكره وقصد غزنة ، وملكها يوم ذاك بهرام شاه ، فلم يثبت له ~~وفارقها إلى مدجينة كرمان . وهي مدينة بين غزنة والهند ، وليست كرمان ~~المشهورة بل غيرها ، وملك علاء الدين غزنة ، واحسن السيرة في اهلها ، ~~واستعمل عليهم أخاه سيف الدين ، وأجلسه على تخت المملكة ، وخطب لنفسه ~~ولأخيه سيف الدين عده ، ثم عاد علاء الدين إلى الغور ، وأمر أخاه أن يخلع ~~على أعيان البلد خلعا نفيسة ، ويصلهم بصلات سنية ، ففعل ذلك وأحسن إليهم ، ~~فلما جاء الشتاء ووقع الثلج ، وعلم أهل غزنة أن الطريق قد انقطع بينهم ، ~~وبين الغور كاتبوا بهرام شاه واستدعوه ، فسار نحوهم في عسكره ، فلما قارب ~~البلد ثار أهلها على سيف الدين ، فأخذوه بغير قتال ، وانهزم من كان معه ، ~~فمنهم من نجا ومنهم من اخذ ثم سودوا وجه سيف الدين ، وأركبوه بقرة ، وطافوا ~~به البلد ، ثم صلبوه ، وهجوه بالأشعار ، وغنى بها حتى النساء ، ثم توفي ~~بهرام شاه ، وملك بعده ابنه خسروشاه ، فتجهز علاء الدين إلى غزنة في سنة ~~خمسين وخمسمائة ، فسار خسروشاه إلى لهاوور وملك علاء الدين البلد ، ونهبها ~~ثلاثة أيام ، وأخذ الذين أسروا أخاه ، وهم من العلويين ، فألقاهم من شواهق ~~الجبال ، وأخرب المحلة التي صلب فيها أخوه ms5986 ، وأخذ النساء الذين تغنين بجهو ~~أخيه ، فأدخلهن حماما ، ومنعهم الخروج حتى متن فيه ، وأقام بغزنة حتى ~~أصلحها ، ثم عاد إلى فيروزكوه وتلقب بالسلطان المعظم وحمل الجنر على عادة ~~السلجقية . ذكر خروج غياث الدين وشهاب الدين ابني أخي علاء الدين الحسين ~~على عمهما وموافقته قال : لما قوي أمر عمهما علاء الدين استعمل العمال ~~والأمراء على البلاد ، فكان ممن استعمل غياث الدين أبو الفتح محمد ، وأخوه ~~شهاب الدين أبو المظفر محمد ابنا سام ، على بلد من بلاد الغور ، فأحسنا ~~السيرة في أعمالها ، واستمالا قلوب الناس ، فانتشر ذكرهما ، فسعى بهما إلى ~~عمهما من حسدهما ، وأهمه أنهما يريدان الوثوب به ، وقتله ، والاستيلاء على ~~ملكه ، فأرسل يستدعيهما فامتنعا ، وكان قد علما الخبر ، فجهز إليهما عسكر ~~عمهما ، وقطعا خطبة ، فتوجه PageV26P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" إليهما وسارا إليه ، والتقوا واقتتلوا قتالا ~~شديدا ، فانهزم عسكر علاء الدين ، وأخذ أسيرا ، فأجلساه على التخت ، ووقفا ~~في خدمته ، ونادوا في عسكره بالأمان ، فبكى عند ذلك ، وقال : هذان صبيان قد ~~فعلا ما لو قدرت عليه منهما لم أفعله ، وأحضر القاضي ، وزوج غياث الدين ~~بنتا له ، وجعله ولي عهده بعده ، وبقي إلى أن مات ، وكان وفاته في شهر ربيع ~~الأول سنة ست وخمسين وخمسمائة . ذكر ملك سيف الدين محمد بن علاء الدين بن ~~الحسين بن الحسين وهو الثاني من الملوك الغورية . وملك وفاة أبيه ، وأطاعه ~~الناس ، وراسل الملوك وهاداهم ، واستمر إلى أن قتل في شهر رجب سنة ثمان ~~وخمسين وخمسمائة ، وذلك أنه جمع عساكره وحشد فأكثر وسار أنه خرج جريدة في ~~جماعة من خاصته ، فسمع به الغز فركبوا وأوقعوا به فقتل . وكان ملكا عادلا ~~حسن السيرة ، فمن ذلك أنه لما ملك هراه أراد عسكره نهبها ، فنزل على درب ~~المدينة ، وأحضر الأموال والثياب ، وفرقها في عسكره ، وقال : هذا خير من ~~نهب أموال الناس ، فإن الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم . ورحمه ~~الله تعالى . ذكر ملك محمد بن سام ابن الحسين بن الحسن وهو الثالث من ~~الملوك الغورية . وكان استقلاله بالملك بعد وفاة ابن ms5987 عمه سيف الدين في شهر ~~رجب سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ، وخطب له في الغور ، وغزنة ، منه ملك الغز ~~وغزنة منه ، وبقيت بأيديهم خمسة عشر سنة يصبون على أهلها العذاب ، ويتابعون ~~الظلم ، هذا غياث الدين يحسن السيرة في رعيته ، والناس يشكون إليه حالهم ، ~~وهو يدبر ملكه إلى أن قوي أمره ، وكثرت أتباعه ، واشتد بأسه . ذكر ملك غياث ~~الدين غزنة قال : ولما قوي غياث الدين ، وتمن في ملكه ، وزاد طغيان الغز ، ~~وأذاهم للناس ، جهز جيشا كثيفا مع أخيه شهاب الدين إلى غزنة ، وفيه أصناف ~~الغورية ، والخراسانية ، والخلج ، فساروا إليها ، فلقيهم الغز واقتتلوا ، ~~فانهزمت الغورية أولا ، ثم PageV26P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" كانت الدائرة على الغز ، فقتل أكثرهم ، ودخل ~~شهاب الدين غزنة ، وتسلمها وأحسن السيرة في أهلها ، وأفاض العدل ، وسار ~~منها إلى كرمان ، وسوران ، فملكها ، ثم تعدى بعد ذلك على السند ، وقصد ~~العبور ، إلى بلد ، وملك لهاوور ، وملكها يومئذ خسر وشاه بن بهرام شاه ، ~~فسار فيمن معه إلى ماء السند ، فمنعه من العبور فرجع عنه ، وقصد خرشابور ، ~~فملكها ، وما يليها من جبال الهند ، وأعمال الأفغان ورجع ذكر ملك شهاب ~~الدين لهاوور وانقراض الدولة الغزنوية وفي سنة تسع وخمسين وخمسمائة سار ~~شهاب الدين إلى لهاوور في جمع عظيم ، وحشد كبير ، فحصرها ، وتهدد أهلها إن ~~منعوه ، وبذل لخسرو شاه الأمان على أن يطأ بساطه ، ويخطب لأخيه فامتنع ، ~~فلما طال الحصار خذله أهل البلد ، فطلب الأمان ، فأمنه شهاب الدين ، وحلف ~~له ، ودخل الغورية البلد ، وبقي كذلك شهرين ، ثم جهز خسرو شاه هو وولده إلى ~~أخيه غياث الدين كما ذكرناه في أخبار الدولة الغزنوية . قال : ولما كثرت ~~جموع غياث الدين ، واتسعت مملكته باسلطنة ، ويلقبه بألقاب السلاطين ، وكان ~~لقبه أولا شمس الدين ، ثم تلقب غياث الدين ، ولقي الآن غياث الدنيا والدين ~~معين الإسلام قسيم أمير المؤمنين ، ولقب أخاه عز الدين . قال : ولما استقر ~~أمر لهاوور ، سار شهاب الدين إلى أخيه غياث الدين ، واتفقا على المسر إلى ~~خراسان ، فقصد مدينة هراة ، فملكها واستناب بها ، وملك عدة من بلاد خراسان ~~، ورجع غياث ms5988 الدين إلى مدينة فيروزكوه وشهاب الدين إلى غزنة . ذكر مسير ~~شهاب الدين إلى الهند قال وسار شهاب الدين إلى الهند ، وحاصر بلدا من ~~بلادها ، وملكها ، وكان قد حصرها طويلا فلم يظهر منها بطائل ، فراسل زوجة ~~الملك الهندي في أن يتزوجها ، وكانت غالبة على أمر الملك ، فأعادت عليه ~~أنها لا تصلح لذلك ، وأن لها PageV26P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" ابنة جميلة تزوجه بها ، فأجابها إلى ذلك ، ~~فسقت زوجها سما ، فمات ، وسلمت إليه البلد ، فأخذ الصبية فأسلمت ، وتزوجها ~~وحملها إلى غزنة ، ووكل بها من يعلمها القرآن ، وتشاغل عنها فتوفيت والدتها ~~، ثم توفيت بعد عشر سنين ، ولم يرها فبنى لها مشهدا ، ودفنها فيه ، فأهل ~~غزنة يزورون قبرها ، ثم عاد إلى بلاد الهند ، وملك كثيرا منها ذكر ظفر ~~الهنود بالمسلمين قال : ولما اشتدت نكاية شهاب الدين بلاد الهند تجمع ~~ملوكها من كل جهة ، وتحالفوا على التعاضد ، والتناصر على حربه ، وجاءوا من ~~كل فج عميق ، وركبوا الصعب والذلول ، وكان الحاكم على جميع الملوك امرأة من ~~ملوكها ، فلما سمع شهاب الدين باتفاقهم وتعاضدهم ؛ تقدم إليهم في عسكر عظيم ~~، والتقوا ، واقتتلوا ، فانهزم المسلمون ، وقتل منهم خلق كثير ، وأصاب شهاب ~~الدين ضربة بطلت منها يده ، وضربة على رأسه سقط منها على الأرض ، وحجز ~~الليل بين الفريقين ، ثم حمل شهاب الدين إلى مدينة أخيه على رؤوس الرجال ، ~~فعمد إلى أمراء الغورية الذين انهزموا أن ملأ لهم مخالي خيلهم شعيرا ، وحلف ~~لئن لم يأكلوه ليضربن أعناقهم ، فأكلوه . ذكر ظفر المسلمين بالهنود قال : ~~اتصل الخبر بغياث الدين أخي شهاب ، فأمد المسلمين بالعساكر ، فرجع شهاب ~~الدين إلى الهنود ، وجمع الهنود جموعا عظيمة ، وجددوا أسلحتهم ، ووفروا ~~جموعهم ، وساروا بملكتهم في عدد كثير ، فراسلها شهاب الدين ، وخدعها أن ~~يتزوجها ، فلم تجبه إلى ذك ، وقالت : إما الحرب ، وإما أن تسلم بلاد الهند ~~، وتقتصر على ملك غزنة ، فأجابها إلى العود إلى غزنة ، وأن يرسل إلى أخيه ~~في ذلك ، وإنما فعل ذلك مكرا ، وكان بين العسكرين نهر ، وقد حفظ الهنود ~~مخائضه ، وأقاموا ينظرون جواب غياث الدين ، فجاء رجل من ms5989 الهنود إلى شهاب ~~الدين ، وأعلمه بمخاصته ، فاستوثق منه ، وجهز جيشا فعبروا المخاضة والهنود ~~على غرة ، فلبسوهم ، PageV26P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" وكان مقدم الجيش الحسين بن حرميل الغوري ، وهو ~~الذي صار بعد ذلك صاحب هراة ، فوضع السيف في الهنود ، فاستغلوا به ، ~~وأغفلوا المخائض ، فعبر شهاب الدين وبقية العسكر ، ونادوا بشعار الإسلام ، ~~وأكثروا في الهنود القتل ، فما سلم منهم إلا القليل ، وقتلت ملكتهم ، وتمكن ~~شهاب الدين بعد ذلك من بلاد الهند ، ودانت له ملوكها ، وأقطع مملوكه قطب ~~الدين أيبك مدينة دهلي ، وهي كرسي الممالك التي فتحها من بلاد الهند ، ~~وأرسل عسكرا مع محمد بن بختيار ، فملكوا من بلاد الهند مواضع ما وصل إليها ~~مسلم قبلهم ، حتى قاربوا حدود الصين من جهة المشرق ، ولعل ذلك كان في سنة ~~ثلاث وثمانين . وفي سنة ست وثمانين وخمسمائة كانت الحرب بين غياث الدين ، ~~وسلطان شاه أخي خوارزم شاه . وذلك أن سلطان شاه تعرض إلى بعض بلاد غياث ~~الدين ، وجمع عساكره ، والتقوا ، فانهزم سلطان شاه ، واستعاد غياث الدين ~~بلاده وعاد إلى غزنة . ذكر الحرب بين شهاب الدين وملك بنارسي الهندي وفي ~~سنة تسع وخمسين وخمسمائة كانت الحرب بين شهاب الدين ، وبين ملك بنارسي ؛ ~~وسبب ذلك أن قطب الدين أيبك لما أقطعه شهاب الدين مدينة دهلي أوغل في بلاد ~~الهند ، وقتل وسبى وعاد ، فبلغ ذلك ملك بنارسي ، وهو أكبر ملوك الهند ، ~~وولايته من حدود الصين إلى بلاد ملاو طولا ، ومن البحر إلى مسيرة عشرة أيام ~~من لهاوور عرضا ، فجمع جيوشه ، وسار يطلب بلاد الإسلام ، ومعه سبعمائة فيل ~~، وقيل إن عسكره بلغ ألف ألف رجل ، وسار شهاب الدين نحوه ، فلتقى العسكران ~~على جون ، وهو نهر كبير يقارب دجلة ، فاقتتلوا ، فانتصر المسلون منهم تسعين ~~فيلا من جملتها فيل أبيض ، وباقي الفيلة قتل بعضها ، وانهزم بعضها ، ودخل ~~شهاب الدين باد بنارسي وحمل من خزائنها على ألف وأربعمائة جمل ، وعاد إلى ~~غزنة . وفي سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة . ستار شهاب الدين إلى الهند ، وملك ~~قلعة بهنكر ، وهي قلعة عظيمة منيعة ملكها بالأمان ، ثم سار ms5990 منها إلى قلعة ~~كواكير ، وبينهما مسيرة خمسة أيام ، فأقام عليها شهرا ، وصالحه أهلها على ~~مال ، فصالحهم على وسق فيل ذهبا ، فقبض المال ، ورحل عنها . PageV26P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" ذكر ملك الغورية مدينة بلخ وفي سنة أربع ~~وتسعين وحمسماءة ملك شهاب الدين سام ابن محمد بن مسعود مدينة بلخ ، وسام هو ~~ابن اخت غياث الدين ، وله باميان ، وكان صاحب بلخ زاير يحمل الخراج إلى ملك ~~الخطا بما وراء النهر ، فتوفي في هذه السنة ، فسار شهاب الدين سام إلى بلخ ~~، وملكها ، وخطب فيها لخاله غياث الدين ، وفيها انهزم الخطا من الغورية ذكر ~~ملك شهاب الدين وأخيه غياث الدين ما كان لخوارزم شاه بخراسان وفي سنة سبع ~~وتسعين وخمسمائة ملكا ذلك . وسبب ذلك أن محمد بن حرميل نائب الغورية ~~بالطالقان كان قد استولى على مرو الروذ فكاتبه جقر التركي نائب خوارزم شاه ~~بمرو أم يكون في جملة عسكر غياث الدين ، ويفارق خدمة الخوارزمية ، فلما وصل ~~الخبر إلى غياث الدين علم أنه ما قصد الانتماء إلا لضعف صاحبه ، فطمع في ~~البلاد ، وجهز شهاب الدين من غزنة ، وسار لذلك ، فوصله كتاب جقر يستحثه على ~~السير إليه ، ويسلم إليه مرو ، فسار إليها فقاتله أهله مع العسكر الخوارزمي ~~، ثم سألو ا الأمان ، فكف عنهم ، وتسلم البلد ، ووعده جقر الجميل ، ثم حضر ~~غياث الدين إلى مرو ، وسلمها إلى هندوخان بن ملكشاه بن خوارزم شاه ، وكان ~~قد هرب إلى مدينة سرخس ، فأخذها صلحا ، وسلمها للأمير زنكي بن مسعود ، وهو ~~من أولاد عمه ، وأقطعه معها نسا ، وأبيورد ، ثم سار إلى طوس فامتنع عليه ~~أميرها ، واغلق الأبواب دون ثلاثة أيام ، فغلت الأسعار ، وبلغ الخبز ثلاثة ~~أمناء بدينار ، فضج أهل البلد ، فطلب الأمان ، فأمنه ، فخرج إليه فأكرمه ، ~~وخلع عليه ، وسيره إلى هراة ، PageV26P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" وملك البلد ، ثم أرسل إلى علي شاه أخي خوارزم ~~شاه ، وهو ينوب عن أخيه بنيسابور يأمره بمفارقة البلد ، ويحذره من المقام ~~بها ، فامتنع عليه ، وحصن البلد ، وخرب ما يظاهره من العمارة ، فسار العسكر ~~للحصار ، فملك البلد عنوة ، ونهبه ms5991 عسكره ساعة من نهار ، فبلغ الخبر غياث ~~الدين ، فنادى من نهب أو آذى فدمه حلال فأعاد الناس ما نهبوه عن آخره ، ~~وتحصن الخوارزميون بالجامع ، فأخرجهم أهل البلد ، فنهب الغورية ما لهم ، ~~واحضر عل شاه بن خوارزم شاه إلى غياث الدين راجلا ، فأنكر ذلك على محضره ، ~~وعظم الأمر فيه ، وحضرت داية كانت لعلي شاه ، وقالت لغياث الدين ، هكذا ~~تفعل بأولاد الملوك ، فقال : لا بل هكذا ، وأخذه بيده ، وأقعده معه على ~~السرير ، وطيب نفسه ، وسير جماعة من الأمراء الخوارزمية إلى هراة تحت ~~الاستظهار ، وولى غياث الدين ابن عمه ضياء الدين محمد بن علي حرب خراسان ، ~~وضم إليه وجوه الغورية ، ورحل إلى هراة ، وسلم على شاه لأخيه هاب الدين ، ~~وأحسن إلى أهل نيسابور ، وفرق فيهم مالا كثيرا . قال : ثم سار شهاب الدين ~~إلى ناحية قهستان ، فأخرب قرية للإسماعلية ، وقتل من بها من الرجال ، ونهب ~~الأموال ، وسبى الذراري ، ثم سار إلى كتابان ، وهي من مدن الإسماعلية ، ~~فحصرها ، فطلب أهلها الأمان لخرجوا منها ، فأمنهم وأخرجهم ، وملك المدينة ، ~~وسلمها إلى بعض الغورية ، فأقدم بها شعائر الإسلام ، فكتب صاحب قهستان إلى ~~غياث الدين يقول له : إن بيننا عهدا ، فما الذي أوجب محاصرة بلادي ؟ فأرسل ~~إلى أخيه شهاب الدين يأمره بالرحيل عنها ، وقال لا : ما لك ولرعيتي ، ~~فامتنع من الرحيل ، فقال له الرسول : فإذا أفعل ما أمرني به غياث الدين ، ~~وحبذ الرسول سيفه ، وقطع أطناق سرادق شهاب الدين ، فارتحل كارها ، وتوجه ~~إلى الهند ، ولم يقم بغزنة غضبا على أخيه . ذكر ملك شهاب الدين أنهلوارة من ~~الهند قال : ولما سار شهاب الدين من بلاد الإسماعيلية إلى الهند ، أرسل ~~مملوكه قطب الدين أيبك إلى أنهلوارة ، فوصلها في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ~~، فقاتل عسكر الهند بها ، فهزمهم ، وملكها عنوة ، وهرب ملكها ، وجمع وحشد ~~فعلم PageV26P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" شهاب الدين أنه لا يستمر له ملكها إلا بمقامه ~~بها لأنها من أعظم البلاد ، فصالح على مال في العاجل والآجل ، وسلمها ~~لصاحبها ولما توجه شهاب الدين إلى الهند عاد خوارزم شاه إلى البلاد ، ~~واسترجعها ms5992 من أيدي غياث الدين ، وهرب هندرخان منه ؛ وذلك في بقية سنة سبع ~~وتسعين وسنة ثمان وتسعين . ذكر وفاة غياث الدين وشيء من سيرته كانت وفاته ~~في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وخمسمائة ، فأخفيت وفاته ، وكان أخوه شهاب ~~الدين بطوس ، وقد عزم على قصد خوارزم ، فاتاه الخبر بوفاة أخيه ، فعاد إلى ~~هراة ، وجلس للعزاء في شهر رجب ، وخلف غياث الدين من الولد ابنه محمودا ، ~~وكان غياث الدين مظفرا في حروبه لم تنهزم له راية ، وكان قليل المباشرة ~~للحروب ، وغنما كان له ذكر ومكائد ، وكان جوادا ، كريما ، حسن الإعتقاد ، ~~كثير الصدقات ، والأوقاف ، بنى المساجد ، والمدارس بخراسان للشافعية ، وبنى ~~الخانكاهات ، واسقط المكوس ، وكان عفيفا عن أموال الناس ، ومن مات في بلاده ~~ولا وارث له تصدق بما يخلفه ، ومن مات من التجار وله أهل بغير بلاده ، سلم ~~ما له لرفقته من التجار ، فان تعذر ذلك سلمه للقاضي إلى أن يصل مستحقه ، ~~وكان إذا وصل إلى بلد عم أهله بإحسانه ، سيما الفقهاء وأهل الفضل ، فإنه ~~يخلع عليهم ، ويصلهم ، ويفرض لهم الأعطيات في كل سنة من خزائنه ، وكان ~~يراعي من يقصده من العاويين ، ويجزل صلاتهم وكان حين الخط ، ذا فضل وبلاغة ~~، وكان ينسخ المصاحف بخطه ، ويوقفها في المدارس التي أنشأها ، ولم يظهر منه ~~تعصب لمذهب على مذهب ، وكان يميل إلى الشافعية لأنه متمذهب بمذهب الشافعي ~~من غير أن يطمعهم في غيرهم ، ولا يعطيهم ما ليس لهم . رحمه الله تعالى . ~~ذكر استقلال شهاب الدين بالملك وما فعله مع ورثة أخيه استقل شهاب الدين ~~الغوري بالملك بعد وفاة أخيه غياث الدين في شهر رجب سنة تسع وتسعين ~~وخمسمائة ، وولى ابن أخيه محمودا مدينة بست ، ولقبه أبيه ، وجعله عن الملك ~~بمعزل ، ولم يحسن الخلافة عليه بعد أبيه ، ولا على غيره من أهله ، فمن جملة ~~ما فعله أن غياث الدين كان له زوجة مغنية ، فلما مات أخذها PageV26P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" شهاب الدين ، وضربها ضربا مبرحا ، وضرب ولدها ~~ربيب غياث الدين ، وزوج أختها وأخذ أموالهم ، وسيرهم إلى بلاد الهند على ~~أقبح ms5993 صورة ، وكانت قد بنت مدرسة ، ودفنت فيها أباها وأخاها ، فهدمها شهاب ~~الدين ، ونبش قبور الأموات ، ورمى عظامهم ، وفعل ما يناسب هذه الأفعال ~~الشنيعة ، وتوجه إلى الهند . ذكر حصره خوارزم وانهزامه من الخطا وفي شهر ~~رمضان سنة ستمائة عاد شهاب الدين من بلاد الهند ، وقصد خراسان . وسبب ذلك ~~أنه بلغة أن خوارزم شاه حصر مدينة هراة ، فعادة من الهند حنقا عليه ، وقصد ~~خوارزم ، فأرسل إليه خوارزم شاه يقول له : إما أن ترجع ، إلا حاصرت هراة ، ~~ومنها إلى غزنة ، وكان خوارزم شاه بمرو ، فأجابه شهاب الدين : لعلك تنهزم ~~على عادتك أول مرة ، وخوارزم تجمعنا . فسار خوارزم شاه من مرو إلى خوارزم ، ~~فسبق شهاب الدين إليها ، وحرق العلوفات التي في الطريق ، وقطع الطريق ~~بإجراء المياه ، فتعذر على شهاب الدين سلوكها ، فأقام أربعين يوما حتى ~~أمكنه الوصول إلى خوارزم ، فخرج إليه خوارزم شاه ، والتقى العسكران بصوقرا ~~، ومعناه : المتء الأسود ، واقتتلوا ، وكان خوارزم شاه أرسل إلى ملك الخطا ~~يستنجد ، فسار من بلاده بما وراء النهر لقصد شهاب الدين ، فعاد عن خوارزم ، ~~ولقي أوائل عسكر الخطا في صحراء أيدي جوي في أول صفر سنة إحدى وستمائة ، ~~فقتل منهم وأسر ، ثم دهمه الخطا في اليوم الثاني ، فانهزم عسكره منهم ، ~~وبقي شهاب الدين في نفر يسير ، وقتل بيده أربعة من فيلته كانت قدعيت ، وأخذ ~~الخطا فيلين ، ودخل شهاب الدين إلى أيدي جوي ، فحصروه الخطا بها ، ثم ~~صالحوه على فيل ثالث يعطيه لهم ، ففعل ، وخلص ، وشاع الخبر في جميع بلاده ~~أنه عدم ، ثم وصل الطالقان في سبعة نفر ، وقد قتل أكثر عسكره ، ونهبت ~~خزائنه ، فاخرج إليه ، وسار إلى غزنة ، واستصحب معه الحسن بن حرميل لأنه ~~بلغه انه قصد الانضمام إلى خوارزم شاه ، فجعله شهاب الدين أمير حاجب ، قال ~~: ولما وصل الخبر بقتله إلى غزنة ، جمع تاج الدين الدز مملوك شهاب الدين ، ~~وهو أول مملوك اشتراه أصحابه ، وقصد وصل شهاب الدين إلى غزنة أنر بقتل الدز ~~، فشفع فيه مماليك شهاب الدين ، فأطلقه ، وسار مملوك الهند له أسمه أيبك ~~كان قد ms5994 سلم من المعركة ، فلحق ببلاد الهند ، ودخل المولتان ، وقتل نائب ~~السلطنة بها ، وملك البلد ، PageV26P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" وأخذ الأموال السلطانية ، وأساء السيرة في ~~الرعية ، وأشاع قتل شهاب الدين ، فلما اتصل خبره بشهاب الدين سار إلى الهند ~~، وأرسل إليه عسكرا فأخذوه ، وقتل شر قتلة ، وذلك في جمادى الآخرة سنة إحدى ~~وستمائة ، وأمر شهاب الدين أن ينادي في جميع بلاده بغزو الخطا . ذكر قتل ~~شهاب الدين بني كركر كان سبب ذلك أنه لما شاع قتل شهاب الدين خرجوا من ~~البلاد ، وأفسدوا ، وقطعوا الطريق ، وأخافوا السبيل ، فراسلهم قطب الدين ~~أيبك ، فامتنعوا عليه ، فسار شهاب الدين من غزنة ، ووصل إليهم في يوم ~~الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستمائة ، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا من أول النهار إلى العصر ، فينما هو كذلك ، إذ أقبل أيبك نائبه ~~بالهند ، فانهزم الكركرية ، ومن انضم إليهم ، وقتلوا بكل مكان ، وقصد من ~~بقي منهم أجمة هناك ، وأضرموا نارا ، وكان أحدهم يقول لصاحبه : لا تنزل ~~للمسلمين يقتلوك ، ثم يلقي نفسه في النار ، فيلقي صاحبه نفسه بعده ، فعمهم ~~البلاء ، وغنم المسلمون أموالهم وأهلهم ، وهرب ابن كركر بعد قتل إخوته ~~وأهله ، وكان معهم صاحب قلعة الجودي ، ثم سار شهاب الدين نحو لهاوور ، ~~فأقام بها إلى سادس عشر شهر رجب من السنة ، وعاد إلى غزنة . ذكر مقتل شهاب ~~الدين وشيء من سيرته كان مقتله في أول ليلة من شعبان سنة اثنتين وستمائة ، ~~وذلك أ ، ه لما عاد من لهاوور نزل بمنزلة يقال لها : دميل . بعد صلاة ~~العشاء ، وكان بعض الكركريه لزموا عسكره ، وقد عزموا على قتله لما فعله بهم ~~من القتل والأسر ، فلما كان في هذه الليلة تفرق عنه أصحابه ، وبقي وحده في ~~خركاه ، فثار أولئك النفر ، فقتل أحدهم بعض الحرس بباب السرادق ، فثار ~~أولئك أصحابه ليبصروا ما به ، فخلت مواقفهم ، وكثر PageV26P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" الزحام ، فاغتنم الكركرية غفلتهم عن التحفظ ، ~~فدخلوا على شهاب الدين ، فضربوه بالسكاكين اثنتين وعشرين ضربة ، فمات ، ~~ودخل أصحابه عليه ، فوجدوه قتيلا على مصلاه ، وهو ساجد ، فقتلوا أولئك ms5995 ~~النفر الكركرية ، وقيل إن الذي قتله الإسماعيلية لخوفهم من خروجه إلى ~~خراسان . وكان رحمه الله شجاعا مقداما ، كثير الغزو إلى بلاد الهند ، عادلا ~~في رعيته ، حسن السيرة فيهما ، حاكما بينهم بإحكام الشرع الشريف ، حكي عنه ~~أنه لقي صبيا من العلويين عمره خمس سنين ، فدعا له الصبي ، وقال : لي خمسة ~~أيام ما أكلت شيئا ، فعاد من الركوب لوقته والصبي معه ، فنزل في داره ، ~~وأطعمه من أطيب الطعام بحضرته ، وأعطاه مالا ، وسلمه إلى أبيه ، وفرق في ~~العلويين مالا عظيما ، وكان شافعي المذهب رحمه الله تعالى . ذكر ما اتفق ~~بعد وفاة شهاب الدين قال : ولما قتل شهاب الدين اجتمع الأمراء عند وزيره ~~مؤيد الملك ابن خواجا ، فتحالفوا على حفظ الخزانة والملك ، وجعلوا شهاب ~~الدين في محفة ، وساروا به ، فرتب الوزير الأمور ، وسكن الناس وجعل الشمسية ~~على المحفة ، وحفها بالحشم ، وكان شهاب الدين قد جمع أموالا عظيمة من بلاد ~~الهند في سفرته ، فكانت الخزانة التي معه ألفي حمل ومائتي حمل ، وأعاد ~~الوزير من كان معه من العسكر الهندي إلى خدمة قطب الدين ، فإن شهاب الدين ~~كان قد جمع العساكر لقصد الخطا ، وفرق فيهم أموالا كثيرة ، وسار الوزير ~~ومعه العسكر الغزنوي ، وكان الوزير والأتراك يميلون إلى غياث الدين محمود ~~بن غياث الدين ، والأمراء الغورية تميل إلى بهاء الدين سام صاحب باميان ، ~~فأرسلت كل طائفة إلى من تميل إليه يعرفونه قتل شهاب الدين ، ثم سار الوزير ~~والعسكر إلى أن وصلوا إلى كرمان المدينة التي بين لهاوور وغزنة ، وكان بها ~~تاج الدين الدز مملوك شهاب الدين ، فلم عاين المحفة ترجل ، وقبل الأرض على ~~عادته ، وتقدم وكشف شهاب عن شهاب الدين ، فلما رآه قتيلا خرق ثيابه ، وصاح ~~، وبكى ، وأبكى الناس ، وكان من أكبر المماليك الشهابية ، فطمع في ملك غزنة ~~، فسأل الوزير عن الأموال والسلاح والدواب ، فأخبره بما خرج من ذلك وما بقي ~~، فأنكر عليه ، وأساء جوابه ، وقال : إن الغورية قد كاتبوا بهاء الدين سام ~~صاحب باميان ليملكوه PageV26P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" غزنة ، وقد كتب إلى غياث الدين ، وهو مولاي ms5996 ~~وابن مولاي ، يأمرني ألا أترك أحدا يقرب من غزنة ، وقد جعلني نائبه فيها ، ~~وفي سائر الولاية المجاورة لها لاشتغاله بخراسان ، وقد أمرني أيضا أن أتسلم ~~الخزانة منك ، فلم يقدر الوزير على الامتناع لميل الأتراك إلى الدز ، ~~فتسلمها ، وسار بالمحفة إلى غزنة ، فدفن شهاب الدين بمدرسته ، وكان وصولهم ~~إليها لثمان بقين من شعبان سنة اثنتين وستمائة . ذكر مسيرة بهاء الدين سام ~~صاحب باميان إلى غزنة ووفاته بها وبهاء ادين هذا هو ابن أخت غياث الدين ، ~~وشهاب الدين ، وكانا قد ملكاه باميان ، فأحسن السيرة ، واحبه الأمراء ~~الغوريه ، وكاتبوه للحضور إلى غزنة ، فأعاد عليهم الجواب يأمرهم بحفظ البلد ~~، وأنه واصل إليهم ، وسار عن باميان مرحلتين ، فوجد في رأسه صداعا اشتد ~~عليه ، فنزل وقد وقد أيقن بالموت ، وأحضر ولديه : علاء الدين وجلال الدين ، ~~وعهد بالملك إلى علاء الدين ، وأصرهما بالأمراء الغورية ، ومات . ذكر ملك ~~علاء الدين غزنة وأخذها منه قال : ولما توفي بهاء الدين سام ، وعهد إلى ~~ابنه علاء الدين ، وسار إلى غزنة ، وعه اخوه جلال الدين ، قتلقاهما الأمراء ~~الغورية ، وخرج الأتراك معم على كره ، ونزلا دار السلطنة في مستهل شهر ~~رمضان سنة اثنتين وستمائة ، فأراد الأتراك منعهم ، فنهاهم الوزير عن ذلك ~~لقلتهم ، واشتغال غياث الدين بابن حرميل صاحب هراة ، فاستثر علاء الدين ، ~~وجلال الدين بدار السلطنة بالقلعة ، فراسلهما الأتراك أن يخرجا من الدار ، ~~وإلا قاتلوهما ، ففرقا فيهم الأموال كثيرة واستحلفاهم ، فحلفوا ، واستبوا ~~غياث الدين محمود ، فانفذا خلعا إلى تاج الدين الدز ، ووعداه الجميل والحكم ~~في دولتهما ، فوصله الرسول ، وقد سار عن كرمان لقصد غزنة ، فرده أبح رد ، ~~وقال : قل لهما يخرجان من غزنة ، ويكتفيان بباميان ، فغني لا أقدم أحدا على ~~ولد سيدي غياث الدين ، ولم يقصد الدز بذلك حفظ البيت وإنما أراد التمهيد ~~لنفسه ، فعاد الرسول ، وأبلغهما مقالته ، ووصل الدز إلى غزنة ، فخرج إليه ~~الغورية ، والتقوا في خامس شهر رمضان ، فانحاز إليه الأتراك ، وخدموه ، ~~فهزموا الغوريه ، ودخل العسكر المدينة ، ونهبوا دور الأمراء الغورية ، ~~والباميانية ، وحصر الدز القلعة ، فخرج جلال الدين منها إلى باميان ms5997 في نحو ~~عشرين فارسا ليجمع العساكر ، وأوصى أخاه علاء الدين بحفظ الحصن ، فشدد عليه ~~الدز الحصار ، وضيق عليه ، فأجاب إلى مفارقة الحصن ، وحلف الدز أنه لا ~~يؤذيه ، وسار علاء الدين من غزنة ، فلما رآه الأتراك نهبوا PageV26P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" ما كان معه ، وأقوه عن فرسه ، وأخذوا ثيابه ، ~~وتركوه عريانا بسراويل ، فبلغ الدز الخبر ، فأنكر عليهم ، وأرسل إليه بثياب ~~ودواب ومال ، واعتذر إليه ، فأخذ ما لبسه ، ورد الباقي ، ولما وصل إلى ~~باميان لبس ثياب سوداء وركب حمارا ، فاخرجوا له المراكب الملوكية والملابس ~~، فلم يلبس ولم يركب ، وقال ، أريد أن يراني الناس على هذه الحال ، وما صنع ~~بي أهل غزنة ، حتى إذا عدت إليها وخربتها ونهبت أهلها لا يلومني أحد ، ودخل ~~دار الإمارة ، وشرع في جمع العساكر . ذكر ملك تاج الدين الدز غزنة قال : ~~ولما توجه علاء الدين من غزنة ، وأقام الدز بداره أربعة أيام يظهر طاعة ~~غياث الدين إلا أنه لم يأمر بالخطبة له ولا لغيره ، وغنما : يخطب للخليفة ، ~~ويترحم على شهاب الدين فحسب ، فلما كان في سادس عشر رمضان أحضر القضاء ~~والفقهاء والقراء والمقدمين ، وأحضر رسول الخليفة ، وهو مجد الدين أبو علي ~~بن أبي الربيع مدرس النظامية ، وكان قد حضر برسالة من دار الخلافة إلى شهاب ~~الدين ، فوجده قد قتل ، وركب الدز الناس في خدمته ، وعليه ثياب الحزن ، ~~وجلس في دار السلطنة في غير المجلس الذي كان يجلس فيه مولاه شهاب الدين ، ~~فتغير الناس عليه ، وتنكروا له ، فإنهم أنما كانوا يطيعونه لإظهار الطاعة ~~غياث الدين محمود ، فلما استقل بالأمر خالفوه ، ففرق فيهم الأموال ~~والإقطاعات ، واستعان على ذلك بالخزانة التي أخذها عند مقتل شهاب الدين ، ~~وكان عند شهاب الدين جماعة من أولاد الملوك الغورية ، وغيرهم من الأكابر ، ~~فأنفقوا من خدمته ، واستأذنوه على اللحاق بغياث الدين ، فأذن لهم ، فلحق ~~بعضهم به ، وبعضهم بأصحاب باميان ، وأرسل غياث الدين إلى الدز يشكره على ما ~~فعل ويطالبه بالخطبة له ، ونقش السكة باسمه ، فلم بفعل ، وغالط في الجواب ، ~~وطلب منه أن يخاطب بالملك ، وان يعتقه من ms5998 الرق ، وان يزوج بن غياث الدين ، ~~بابنة الدز ، فلم يجبه إلى ذلك : قال ، ولما ملك الدز غزنة أحضر مؤيد الملك ~~الوزير ، والزمه الوزارة ، فوزر كره منه . ذكر حال غياث الدين محمود بن ~~غياث الدين بعد مقتل عمه شهاب الدين قال : لما قتل شهاب الدين كان غياث ~~الدين هذا ببست في إقطاعه ، فبلغه الخبر ، وكان شهاب الدين قد ولي الملك ~~علاء الدين محمود بن أبي علي بلاد الغور ، وغيرها مما يجاوزها ، فلما بلغه ~~قتل شهاب الدين ، وسار إلى مدينة : فيروزكوه ؛ خوفا أن يسبقه غياث الدين ~~إليها ، فملكها ، وكان حسن السيرة من أكابر بيوت الغورية إلا ان ~~PageV26P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" الناس كرهوا منه أنه كان كراميا ، وكانوا ~~يميلون إلى غياث الدين ، فأنف الأمراء من خدمة علاء الدين مع وجود ابن ~~سلطانهم ، وكان علاء الدين هذا قد احضر الناس ، وحلفهم انهم يساعدونه على ~~قتال خوارزم شاه ، وبهاء الدين صاحب باميان ، لوم يذكر غياث الدين احتقارا ~~له ، فحلفوا له ولولده من بعده ، هذا وغياث الدين بمدينة بست لم يتحرك ~~انتظارا لما يكون من صاحب باميان لأنهما كانا قد تعاهدا في أيام شهاب الدين ~~أن تكون خراسان لغياث الدين ، وغزنة والهند لبهاء الدين صاحب باميان ، وبعد ~~موت شهاب الدين ، فلما بلغه ما اتفق من وفاة بهاء الدين وإخراج أولاده من ~~غزنة جلس على التخت ، خطب لنفسه ، وتلقب بألقاب والده ، وكتب إلى علاء ~~الدين محمد بن أبي علي ، وهو بفيروزكوه يستدعيه ، ويستعطفه ليصدر عن رأيه ، ~~ويسلم مملكته إليه ، وكتب إلى الحسن بن حرميل وإلى هراة مثل ذلك ، فأما ~~علاء الدين فأغلط له في القول ونهدد الامراء الذين مع غياث الدين ، فسار ~~غياث الدين إلى فيروزكوه ، فارسل علاء الدين عسكرا مع ابنه ، وفرق فيهم ~~اموالا جمة ليمنعوا غياث الدين ، فلقوه بالقرب من فيروزكوه ، فلما تراءى ~~الجمعان كشف إسماعيل الخلجي المغفر عن رأسه وقال : الحمد لله إذ الأتراك لم ~~يعرفوا أباهم لم يضيعوا حق التربية ، وردوا ابن السلطان ملك باميان ، وأنتم ~~مشايخ الغورية الذين لنعم عليكم والد هذا ms5999 السلطان ورباكم ، كفرتم إحسانه ، ~~وجئتم لقتال ولده أهذا فعل الأحرار ، فقال محمد المرغني ، وهو مقدم العسكر ~~: لا والله وترجل عن فرسه ، وألقى سلاحه ، وقصد غياث الدين ، وقبل الأرض ~~بين يديه ، وبكى بصوت عال ، وفعل سائر الغورية مثل فعله ، فانهزم خواص علاء ~~الدين مع ولده ، فلما بلغه الخبر خرج عن فيروزكوه هاربا نحو الغور ، وهو ~~يقول : أجاور بمكة ، فأنفذ غياث الدين خلفه من العسكر من أدركه ، فاخذ وحبس ~~، وملك غياث الدين فيروزكوه ، وفرح به أهل البلد ، وقبض على جماعة من ~~الكرامية أصحاب علاء الدين ، فقتل بعضهم ، وسكن دار أبيه ، وأعاد رسومه ، ~~وسلك سبيل العدل والإحسان ، ثم لم تكن له همة إلا في أمر الحسن بن حرميل ، ~~وملاطفته ، فتكررت المكاتبات منه إليه ، وابن حرميل يغالطه في الجواب ، ~~ويطاوله ، وكان ابن حرميل قد كتب إلى خوارزم شاه بالانحياز إليه ، وبذل ~~الطاعة ، وأنه يسلم إليه هراة ، فكان بن حرميل إلى خوارزم شاه ، وملكه ما ~~كان للغورية بخراسان ، والله أعلم بالصواب . عود علاء الدين وجلال الدين ~~ابني بهاء الدين سام PageV26P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" ذكر عود علاء الدين وجلال الدين ابني بهاء ~~الدين صاحب باميان إلى غزنة قال : لما فارق علاء الدين غزنة على الصفة التي ~~ذكرنا ها ، والتحق بباميان ، شرع في الاستعداد وجمع العساكر لقصد غزنة ، ~~واما الدز ، فانه استولى على غزنة ، واحسن إلى الناس ، وبسط العدل والإنصاف ~~، ولم يخطب لنفسه ولا لغيره ، وكان يعد النا ، ويقول : إن رسولي عند مولاي ~~غياث الدين ، فغذا عاد خطبت له ، فتمسك الناس بقوله ، وغنما كان يفعل ذلك ~~مكرا وخديعة بهم بغياث الدين لأنه كان يضعف من مقاومة صاحب باميان ، وكانوا ~~كذلك إلى خامس ذي القعدة سنة اثنتين وستمائة ، فينما الناس على ذلك إذ ورد ~~عليهم الخبر أن صاحب باميان قد جمع الجيوش ، واقبل بها ، وعزم على نهب غزنة ~~، فجهز الدز جيوشا كثيفا من عسكره ، وسيرهم إلى طريق صاحب باميان ليمنعوه ~~من الوصول إلى غزنة ، فلم يكن لهم قبل به ، فلما التقوا قتل من الأتراك ~~جماعة ، وانهزم من سلم ms6000 ، وتبعهم علاء الدين يقتل ويأسر ، فخرج الدز من غزنة ~~هاربا إلى كرمان ، فنزل علاء الدين غزنة ، واتبع الدز إلى كرمان ، فملكها ، ~~وأمن أهلها ، وعزم على العود إلى غزنة ، ونهبها ، فراسله رسول الخليفة ، ~~وشفع في اهلها ، فشفعه فيهم بعد مراجعات ، ثم وصل علاء الدين وجلال الدين ~~إلى غزنة ، ومعها ما بقي من الخزانة التي كان الدز قد اخذها من الوزير مؤيد ~~الملك ، فكانت تسعمائة حمل ، وفيها من الثياب المنسوجة بالذهب اثنا عشر ألف ~~ثوب ، وقصد علاء الدين أن يستوزر مؤيد الملك ، فسمع جلال الدين بذلك فأحضره ~~، وخلع عليه ، واستوزره ، فغضب علاء الدين من ذلك ، وقبض على مؤيد الملك ، ~~وقيده وحبسه ، فتغيرت نيات الناس ، واختلف علاء الدين ، وجلال الدين ، ~~واقتسما ما كان في الخزانة وجرى بينهما مشاحة في القسمة لا يجري بين التجار ~~، فعلم الناس أنه لا يتم لهما أمر ، ولا يستقيم لهما دولة ، وعاد جلال ~~الدين ببعض العسكر إلى باميان ، واستقر علاء الدين بغزنة ، فأساء وزيره ~~عماد الملك السيرة في الأجناد والرعية ونهب أموال الأتراك حتى باع أمهات ~~الأولاد . ذكر عود تاج الدين الدز إلى غزنة قال : ولما انفرد علاء الدين ~~بغزنة ، وأقام بها جمع الدز جمعا كثيرا من الأتراك ، وعاد إلى كرمان ، وبها ~~عسكر لعلاء الدين مع أمير يقال له المؤيد ، وكان المؤيد قد PageV26P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" اشتغل باللهو والعب ، فلم يشعر إلا عسكر الدز ~~هجم على البلد ، وقتل من فيه من العسكر عن أخرهم في المعركة صبرا ، وقتل ~~المؤيد ، فوصل الخبر إلى غزنة في العشرين من ذي الحجة من السنة ، فصلب علاء ~~الدين الذي جاء بالخبر ، فتغيمت السماء وأمطرت حتى خرب بعض غزنة ، ووقع برد ~~كبار مثل بيض الدجاج ، فضج الناس إلى علاء الدين ، فأنزله آخر النهار ، ~~فانكشفت الطلمة ، وكتب علاء الدين إلى أخيه جلال الدين يعلمه بالخبر ، ~~ويستنجده ، ووصل الدز آخر ذي القعدة إلى غزنة ، وحاصر القلعة ، ةكان بينه ~~وبين علاء الدين قتال شدد ، وجاء جلال الدين بأربعة آلاف من عسكر باميان ، ~~فلقيه الدز بقرية بلق واقتتلوا ، فانهزم ms6001 عسكر جلال الدين ، واخذ هو أسيرا ، ~~وأسر من البامانية ألف أسير ، وعاد الدز إلى غزنة ، فبعث إلى علاء الدين في ~~تسليم القلعة أو قتل الأسرى ، فامتنع من التسليم منهم أربعمائة بإزاء ~~القلعة ، فراسله عند لك في طلب الأمان ، فأنته ، فلما خرج قبض عليه ووكل به ~~وبأخيه من يحفظهما وقبض على وزيره عماد الملك ، وكتب إلى غياث الدين بالفتح ~~، وأرسل أليه الأعلام ، وبعض الأسرى وذلك في صفر سنة 603 ذكر ما تفق لغياث ~~الدين محمود مع تاج الدين الدز وأيبك قال : ولما عاد الدز إلى غزنة كتب ~~غليه غياث الدين يطالبه بالخطبة له ، فأجابه جواب مدافع ، وكان جوابه أشد ~~مما تقدم ، فأعاد عليه الجواب يقول : غما أن تخطب لنا ، وإما ان تعرفنا ما ~~في نفسك ، فلما وصل إليه الرسول خطب لنفسه بغزنة بعد الترحم على شهاب الدين ~~، فساء الناس ذلك منه ، وتنكروا له ، ولم يروه أهلا وأن يخدموه ، ولما خطب ~~لنفسه أرسل إلى غياث الدين يقول : بماذا تشتط على هذه الخزانة ، ونحن ~~جمعناها بأسيافنا ، وهذا الملك قد أخذته ، وأنت قد اجتمع عندك الذين هم ~~أساس الفتنة ، وأقطعتهم الإقطاعات ، ووعدتني بأمور لم تف لي بشيء منها ، ~~فإن أنت عتقتني خطبت لك ، وحضرت إلى عندك ، فأجابه غياث الدين إلى العتق ~~بعد الامتناع ، واشهد عليه بعتقه ، وبعتق قطب الدين أيبك النائب ببلاد ~~الهند . وأرسل إلى كل منهما ألف قباء ، وألف قلنسوة ، ومناطق الذهب ، ~~وسيوفا كثيرة ، وجترين ، ومائة رأس من الخيل ، فقبل الدز الخلع ، ورد الجير ~~، وقال ، نحن عبيدك والجتر له PageV26P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" أصحاب ، وسار رسول أيبك ، وكان بفرشابور ، وقد ~~حفظ المملكة ، وضبط البلاد ، فلما قرب الرسول منه تلقاه وترجل وقبل حافر ~~الفرس ، ولبس الخلعة ، وقال : أما الجتر فلا يصلح للمماليك ، وأما العتق ~~فمقبول ، وسوف أجازيه بعبودية الأبد . قال : وأرسل خوارزم شاه إلى غياث ~~الدين يطلب منه أن يتظاهرا ، وانه يسير إليه العساكر إلى غزنة ، فإذا ملكها ~~من الدز اقتسموا غياث الدين إلى ذلك ، ولم يبق إلا الصلح ، فوصل الخبر إلى ~~خوارزم ساه بموت ms6002 صاحب مازندران ، فسار عن هراة إلى مرو ، وسمع الدز بالصلح ~~، فجزع لذلك جزعا عظيما ، ظهر أثره عليه ، وأرسل إلى غياث الدين يقول له : ~~ما حملك على هذا فأجابه : حملني عليه عصيانك وخلافك ، فسار الدز إلى ~~تكيناباد فأخذها ، وإلى بت وتلك الأعمال ، وقطع خطبة غياث الدين عنها ، ~~وأرسل إلى صاحب سجستان يأمره بإعادة الترحم على شهاب الدين ، وقطع هراة ~~بمثل ذلك ، وتهددهما بقصد بلادهما . ثم أن الدز أخرج جلال الدين صاحب ~~باميان من أسره ، وسير معه خمسة آلاف فارس من أيدكز لإعادته إلى ملك باميان ~~، وكان قد ملكها عباس عم جلال الدين ، وعلاء الدين لما أسرهما الدز ، ~~فاسترجعها من عمه . قال : وبلغ قطب الدين أيبك ما فعله الدز ، فكتب إليه ~~يفتح ذلك عليه ، وينكر فعله ، ويقول : إن لم تخطب له بغزنة ، وتعود إلى ~~طاعته ، وغلا قصدك بلادك ، ثم بعث أيبك إلى غياث الدين بالهدايا والتحف ، ~~وأشار عليه بإجابة خوارزم شاه إلى ما طلبه الآن ، وانه عند الفراغ من أمر ~~غزنة يسهل أمر خوارزم شاه وغيره ، قال : وحلف أيدكز على الدز ، فأقام بكابل ~~، وكتب إلى أيبك يعرفه مخالفته له ، وانتصاره لغياث الدين فصوب رأيه ، ~~وأشار عليه بقصد غزنة في غيبة الدز ، فإن حصلت له فصوب رأيه ، وأشار عليه ~~بقصد غزنة في غيبة الدز ، فإن حصلت به القلعة يقين بها إلى أن يأتيه ، وغن ~~تعذرت عليه ينحاز إلى غياث الدين ، أو يعود إلى كابل ، فوصل أيدكز إلى غزنة ~~في أول شهر رجب سنة ثلاث وستمائة ، فمنعوه القلعة ، فامر أصحابه بنهب البلد ~~فنهبوا عدة مواضع ، فتوسط القاضي بينهم أن يسلم إليه من الخزانة خمسين ألف ~~دينار ركنية ، وأخذ له من النجار شيئا آخر ، وخطب أيدكز بغزنة لغياث الدين ~~محمود ، وقطع خطبة الدز ، ففرح الناس لذلك ، واتصل الخبر بالدز ، ~~PageV26P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" ووصل إليه رسول أيبك ، فخطب لغياث الدين في ~~تكيناباد ، وأسقط اسمه من الخطبة ، ورحل إلى غزنة ، فلما قاربها فارقها ~~أيدكز إلى بلد الغور ، فأرسل إليه خلعا سنية ، وأعتقه ، وخاطبه بملك ~~الأمراء ، ورد عليه ms6003 مال الخزانة ، وقال له : أما مال الخزانة ، فقد أعدناه ~~إليك ، وأما أموال التجار وأهل البلد فقد أرسلناها إلى أربابها لئلا تقبح ~~دولتنا بالظلم ، وقد عوضتك عنها ضعفيها ، وأرسل أموال الناس إلى القاضي ~~بغزنة ، وأمره بردها على أربابها ، ففعل ذلك ، وكثر الدعاء له ، وصار الدز ~~بين الطاعة والخلاف لغياث الدين . ؟ ؟ ذكر مقتل غياث الدين محمود وانقراض ~~الدولة الغورية كان مقتلة في سنة خمس وستمائة . وسبب ذلك أن خوارزم شاه سلم ~~هراة إلى خاله أمين ملك ، وأمره أن يقصد غياث الدين محمود بن غياث الدين ~~محمد بن سام ، ويقبض عليه ، وعلى علي شاه بن خوارزم شاه ، ويأخذ فيروزكوه ، ~~فسار أمين ملك إلى فيروز كوه ، واتصل الخبر بغياث الدين ، فبذل الطاعة ، ~~وطلب الأمان ، فأمنهفلما نزل إليه من فيروزكوه قبض عليه ، وعلى علي شاه أخي ~~خوارزم شاه ، فسألهما أن يحملهما إلى خوارزم شاه ليرى فيها رأيه ، فأرسل ~~أمين ملك إلى خوارزم شاه ليرى فيهما رأيه ، فأرسل أمين ملك إلى خوارزم شاه ~~يعرفه الخبر ، فأمره بقتلهما ، فقتلا في يوم واحد ، واستقامت خراسان كلها ~~لخوارزم شاه ، وانقرضت الدولة الغورية بقتل غياث الدين هذا . وكانت من أحسن ~~الدول ، وأكثرها جهادا ، وكان غياث الدين هذا عادلا كريما حليما ، من احسن ~~الملك سيرة ، وأكرمهم أخلاقا ، وهو آخر ملوك الدولة الغورية ، وكان ابتداء ~~هذه الدولة من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، وانقراضها في سنة خمس وستمائة ، ~~فتكون مدتها ثلاثا وأربعين وخمسمائة ، وانقراضها في سنة خمس وستمائة ، ~~فتكون مدتها ثلاثا وستين سنة تقريبا ، وربما ظهرت قبل هذا التاريخ ، وإنما ~~انتشرت واشتهرت وتمكنت في سنة ثلاث وأربعين . فلذلك جعلنا ابتداءها فيها . ~~وعدة من ملك منهم عشرة ملوك ، وهم محمد بن الحسين وهو ين الحسن ملك ببلاد ~~الغور قبل سنة ثلاث وأربعين ، ولم أظفر بابتداء ملكه ، فاذكره في سنته ، ثم ~~ملك بعده أخوه سام بن الحسين ، ثم ملك بعده أخوه سوري بن الحسين ، ثم ملك ~~بعده أخوه الحسين ، وهو أول من علا ذكره ، وطار اسمه ، وتمكنت دولته ، ثم ~~ملك بعده ابنه سيف الدين محمد ms6004 بن الحسين ، ثم PageV26P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" ملك بعده شهاب الدين محمد بن سام ، ثم اضطرب ~~أمر الدولة الغورية بعده ، فملك علاء الدين ، وجلال الدين ابنا بهاء الدين ~~سام صاحب باميان ، ولم تطل مدتهما . وإنما ذكرناهما في عدد الملوك الغورية ~~، لأنهما استوليا إلى غزنة ، وخطب لهما بها ، وملك غياث الدين محمد ، وكانت ~~دولته في غاية الاضطراب كما ذكرنا . ؟ ذكر أخبار تاج الدين الدز وما كان من ~~أمره بعد مقتل غياث الدين استقبل تاج الدين الدزبملك غزنة بعد مقتل غياث ~~الدين محمودن وأحسن السيرة في الرعية ، ودام ملكه بها إلى أن ملكها السلطان ~~علاء الدين خوارزمشاه محمد بن رتكش في سنة ثنتي عشرة وستمائة على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الخوارزمية ، ولما ملكها خوارزم شاه هرب ~~تاج الدين الدز من غزنة ، وسار إلى مدينة لهاوور ، واستولى عليها من صاحبها ~~ناصر الدين قباجة وهو من المماليك الشهابية بعد حرب كانت بينهما انتصر فيها ~~الدز ، ثم سار من مدينة لهاوور إلى الهند ليملك ما بيد المسلمين منها ، ~~فلقيه شمس الدين الترمش مملوك قطب الدين أيبك ، وكان قد ملك بعد وفاة مولاه ~~، فاقتتلا قتالا شديدا ، أجلت الحرب عن قتل تاج الدين الدر ، وكان محمود ~~السيرة في ولايته ، كثير العدل والإحسان إلى رعيته ، لا سيما التجار ~~الغرباء ، ومن محاسن أعماله ومكارم أخلاقه وحلمه أنه كان له أولاد ، ولهم ~~مؤدب يعلمهم القرآن فضرب أحدهم ، فمات ، فأحضره الدز ، وقال له : يا مسكين ~~ما حملك على ما فعلت ، فقال : والله ما أردت إلا تأديبه ، فمات . فقال له : ~~صدقت ، وأعطاه نفقة ، وقال له : تغيب ، فإن أمه لا تقدر على الصبر ، وربما ~~أهلكتك ، ولا أقدر أمنعك ، وهذا نهاية الحلم ، ولم يشتهر الأحنف بن قيس ~~بالحلم أكثر من هذا ، وكان القاتل ابن أخيه ، وهذا أجنبي رحمه الله تعالى . ~~PageV26P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" الباب العاشر من القسم الخامس من الفن الخامس ~~في أخبار ملوك العراق ، وما والاه وملوك الموصل والديار الجزيرية ، ~~والبكرية والبلاد الشامية ، والحلبية ، والدولة الحمدانية ، والديليمية ~~البويهية ، والسلجوقية ms6005 ، والأتابكية ذكر اخبار الدولة الحمدانية وهذه ~~الدولة كانت بالموصل . وديار ربيعة ، وديار بكر ، والثغور ، وحلب ، وجد ~~ملوكها الذين ينسبون إليه هو مكابد المحل حمدان بن الحرث بن لقمان بن راشد ~~بن رافع بن مسعود التغلبي العدو ، إنما سمى الأمير حمدان مكابد المحل لأن ~~الموصل أجدبت في بعض السنين حتى عدم القوت بها ، فمات الناس أجمع سنتين إلى ~~أن أغيثوا ، ففيه يقول الشاعر : مازلت في قيظ المعيشة جاهدا حتى دعيت مكابد ~~المحل وكان لحمدان أبناء كثيرون . منهم الأمير أبو الهيجاء عبد الله ، ~~والمملكة في أولاده . ذكر ابتداء امارة أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن ~~حمدون بالموصل كان ابتداء إمارته في سنة اثنتين وتسعين ومائتين . وذلك أن ~~الخليفة المكتفى الله استعمله على الموصل وأعمالها في هذه السنة ، فسار ~~إليها وقدمها في أول المحرم ، فأقام بها يوما واحدا ، وخرج من الغد بمن قدم ~~معه وبمن فيها ، فأتاه الصريخ من نينوا أن الأكراد الهذانية ، ومقدمهم محمد ~~بن بلال قد أغار على البلد ، فسار من PageV26P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" وقته ، وعبر الجسر إلى الجانب الشرقي ، فلحق ~~الأكراد بالعربة على الخازر ، فقاتلوه فقتل رجل من وجوه أصحابه اسمه سيما ~~الحمداني ، فعاد عنهم ، وكتب إلى الخليفة يستمده ، فأتته العساكر بعد شهور ~~، فسار في شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين إليهم ، وكانوا قد اجتمعوا في ~~خمسة آلاف بيت ، فلما عاين الأكراد الجيش قصدا جبل السلق ، وامتنعوا به وهو ~~جبل عال مشرف على الزاب ، وجاء مقدمهم إلى أن قرب من أبي الهيجاء ، وراسله ~~في الحضور عنده ، وأن يرهن أولاده عنده ، ويتركون القتال ، فأجابه أبو ~~الهيجاء إلى ذلك ، ورجع محمد بن بلال ليأتي بالرهائن ، فحث أصحابه على ~~المسير نحو أدربيجان ، فبلغ بن حمدان خبره ، فأراه النجدة التي وصلت إليه ~~من قبل الخليفة على المسير معه ، قتثبطوا عنه ، فسار عبد الله بأصحابه ~~يقفوا أثر الأكراد ، فلحقهم وقد تعلقوا بالحبل المعروف بالقنديل ، فقتل ~~منهم جماعة ، وانصرف عنهم ، ولحق الأكراد بأذربيجان ، ورجع عبد الله إلى ~~الموصل ، ثم خرج إلى الأكراد ، وحاصرهم بجبل السلق ms6006 أشد حصار ، فنجا محمد بن ~~بلال بأهله وأولاده ومن لحق بهم ، واستولى عبد الله على بيوتهم وسوادهم ~~وأموالهم أهليهم ، فطلبوا الأمان فأمنهم ، وأبقى عليهم وردهم إلى بلدهم ، ~~ورد عليهم أموالهم ، وقتل منهم قاتل أصحابه سيما ، وأمنت البلاد معه ، ~~وأحسن السيرة في أهلها ، ثم حضر إليه محمد بن بلال بأمان ، وأقام بالموصل ، ~~وتتابع الأكراد الحميدية أهل جبل داسن إليه بالأمان ، فأمنت البلاد ، ~~واستقامت ، ولم تزل كذلك إلى سنة إحدى وثلاثمائة ؟ ؟ ؟ ذكر مخالفة عبد الله ~~بن حمدان ورجوعه إلى الطاعة وفي سنة إحدى وثلاثمائة خالف الأمير أبو ~~الهيجاء عبد الله على الخليفة المقتدر بالله ، فثار ، به أهله ، ونهبوا ~~داره ، فكتب إلى بني تغلب ، فأتوه فدخل الموصل ، PageV26P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" وأوقع بأهلها وقتل منهم فأرسل إليه الخليفة ~~مؤنسا المظفر في جيش ، فقصده أبو الهيجاء واستأمن له ، وأظهر الطاعة ، وقال ~~: إنه ما فارقها ، وسار معه إلى بغداد ، فخلع المقتدر عليه ، وولى مكانه ~~نحرير الصغير ولاه مؤنس المظفر . ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ~~؟ ؟ ؟ ؟ ذكر القبض على بني حمدان واطلاقهم وفي سنة ثلاث وثلاثمائة قبض ~~الخليفة المقتدر بالله على أبي الهيجاء ابن حمدان ، وجميع إخوته وحبسهم ، ~~وكان سبب ذلك أخاه الحسين بن حمدان خرج عن الطاعة ، وكان بالجزيرة ، فسير ~~إليه الخليفة جيشا ، وكان بينهم حروب كان آخرها أن الحسين أسر أحضر إلى ~~بغداد ، فقبض المقتدر على جميع إخوته وأهله ، وحبسهم واستمروا في الحبس ~~بدار الخليفة إلى سنة خمس وثلاثمائة فأطلقوا . وفي سنة ثمان وثلاثمائة خلع ~~المقتدر بالله على أبي الهيجاء بن حمدان ، وقلده طريق خراسان ، والدينور ، ~~وخلع على أخويه أبي العلاء وأبي السرايا . وفي سنة عشرة وثلاثمائة . أسر ~~القرامطة أبا الهيجاء بن حمدان ، ثم أطلقوه ، وقد تقدم ذكر ذلك في أخبار ~~القرامطة . وفي سنة أربع عشرة وثلاثمائة ضمن أبو الهيجاء أعمال الخراج ~~الضياع بالموصل وقردي وبازبدي ، وما مع ذلك مضافا إلى ما بيده من ولاية ~~طريق خراسان ، وغيرها ، وكان هو مقيما ببغداد وابنه ناصر الدولة يخلفه ~~بالموصل ، وأقام على ذلك إلى أن قتل في يوم الاثنين سابع عشر المحرم سنة ~~سبع ms6007 عشرة وثلاثمائة عند خلع المقتدر بالله وبيعة القاهر على ما شرحناه ~~مبينا في خلافة المقتدر بالله . وكان القاهر بالله لما بويع بالخلافة في ~~النصف من المحرم اختص بأبي الهيجاء حمدان ، فلما ثار الجند بعد يومين من ~~بيعته كان أبو الهيجاء عنده ، فبادر بالقيام ليخرج ، فتعلق القاهر بأذياله ~~، واستجار به ، فحملته الحمية العربية على الثبات ، ودخل الأجناد على ~~القاهر وهو وأبو الهيجا يتخللان القاعات حتى حصرا بقاعة ، فدخل عليهم الجند ~~من بابها ، فجرد أبو الهيجاء سيفه ، وأوقف القاهر وراءه ، وصار يحمل ~~PageV26P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" على الأجناد ، فيردهم إلى الدهاليز ، ثم يعود ~~ويعودون ، فصعد بعض الجند إلى أعلى القاعة ، ورموه بالنشاب إلى أن مات . ~~هذا أحد ما قيل في صفة قتله . وكان شجاعا فاتكا كريما محبوبا إلى الخلفاء ~~والأمراء ، وخلف من الأولاد : أبا محمد الحسن ، وأبا الحسين علي ، وأبا ~~العطاف خير ، وأبا زهير . والمملكة من هؤلاء في الحسن وعلي وعقبهما ، ~~واستبد ابنه الحسن بالأمر على ما نذكره بعد ذكرنا لأخبار عمه الحسين بن ~~حمدان . أخبار الحسين بن حمدان بن حمدون ، وهو أخو أبي الهيجاء كان الحسين ~~هذا من أمراء بني حمدان المشهورين ولي قم وأعمالها ، والموصل ، والجزيرة ، ~~وغير ذلك من الأعمال الجليلة ، وكان شجاعا ، سفاكا ، ذا همة عالية ، اجتمع ~~عنده نيف وعشرون طوقا من خلع الخلفاء كل طوق منها لقتله خارجيا ، ولم يزل ~~عند الخلفاء يعد للمهمات إلى أن خالف على المقتدر بالله في سنة ثلاث ~~وثلاثمائة . وكان إذ ذاك بالجزيرة ، وجمع نحوا من عشرة آلاف ، فبعث المقتدر ~~لحربه رائقا الحجري في جيش كثيف ، فانهزم الحسين ، وقصد ابن أبي الساج ~~بأذربيجان ، ومر على أرزن فخرج إليه واليها ليرده ، فهزمه الحسين ، وكان ~~مؤنس المظفر بالقرب من أرزن ، فبعث إليه من أدركه ، وقبض عليه ، وأدخل إلى ~~بغداد ، وهو مشهور علة جمل في زي شنيع وابنه كذلك ، وقبض عند ذلك على سائر ~~إخوته ، وهم أبو الهيجاء ، وأبو العلاء سعيد ، وأبو السرايا ، وأبو الوليد ~~، وحمدون ، واعتقلوا في دار الخلافة ، ولم يترك منهم إلا داود ، وأقام ~~الحسين ms6008 في الحبس إلى أن عزم الخليفة على إخراجه في سنة خمس وثلاثمائة ~~وتوليته مقدمة الجيش لمحاربة يوسف بن أبي الساج ، فلم يفعل ، وامتنع ، وقال ~~: الساعة لما احتجتم لي ، فغضب الخليفة لذلك ، وأمر قاهرا الخادم أن ~~PageV26P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" يقتله ، فقتله في الحبس ، ورمى رأسه إليه ~~ورميت جثته في دجلة ، وأطلق عند ذلك سائر بني حمدان ، وما منهم ، إلا من له ~~ذكر وتقدم ، وإنما خصصنا عبد الله والحسين بالذكر دون غيرهما من إخوتهما ~~لاشتهارهما في الدولة العباسية ، وتقدمهما ، ولأنهما وليا جلائل الأعمال ، ~~وتقدما على الجيوش في الحروب . وقد تقدم من أخبارهما في الدولة العباسية ما ~~يستدل به على تقدمهما وشجاعتهما ، وذكرنا أيضا في أخبار الخوارج بالموصل ~~كيف كان ظفر الحسين بهارون الخارجي الذي كانت فتنته قد عمت ، فلنذكر الطبقة ~~الثانية منهم ، وهم أولاد عبد الله بن حمدون . ذكر أخبار ناصر الدولة هو ~~أبو محمد الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان ابن حمدون . لما قتل ~~والده كان يخلفه بالموصل وأعمالها ، فتقدم في خدمة الدولة العباسية ، وتنقل ~~في الولايات إلى أن تولى الموصل في أيام الراضي بالله ، وتغلب عليها في سنة ~~ثلاث وعشرين وثلاثمائة لما ضعفت الدولة العباسية ، فندب ابن مقلة الوزير ~~إليه عمه أبا العلاء سعيد بن حمدان ، وولاه الموصل ، وأمره بالقبض على ناصر ~~الدولة ، فلما قرب من الموصل ، خرج ناصر الدولة لتلقيه ، فخالفه سعيد ، ~~ودخل البلد ونزل داره ، وقبض على خزائنه ، فبلغه الخبر فرجع عجلا ، ودخل ~~الدار ، وقبض على عمه ، وأمر بعض الغلمان بعصر مذاكيره ، فعصرت حتى مات ، ~~وذلك في شهر رجب سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة ، فاتصل الخبر بابن مقلة ، ~~فتجهز في العساكر الخليفية ، وسار من بغداد إلى الموصل لخمس خلون من شعبان ~~، وكان ناصر الدولة لدهائه ومكره لا يصافف من يقصده ، فلما بلغه خبر مسير ~~بن مقلة ، رفع أمواله وخزائنه وحرمه إلى قلعة الموصل ، وجعل فيها من خواص ~~غلمانه من يدفع عنها ، ثم خرج من الموصل في عسكره ، وأخرج معه كل تاجر في ~~البلد ، ولم يترك بالموصل علوفة ms6009 ولا قوتا إلا رفعه إلى القلعة ، فوصل ~~الوزير بن مقلة إلى الموصل ، وهي بهذه الصفة ، فأقام بحال سيئة ، وبعث ~~بالعساكر مع علي بن خلف بن طياب في طلب ناصر الدولة ، فسار خلفه ودخل ناصر ~~الدولة إلى أرمينية ، فعاد ابن طياب ولم يتبعه ، وطال المقام على ابن مقلة ~~، ونفدت الأقوات ، فقلد الموصل لعلي بن خلف ، وقلد جزيرة ابن عمر لما كرد ~~PageV26P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" الديلمى ، وقلد عبد الله بن أبي العلاء ~~المقتول والده نصيبين وعاد إلى بغداد ، وانتهى الخبر إلى ناصر الدولة ، ~~فخرج من أرمينية ، وقد أطاعه سائر ملوكها وجبى خراجها ، وقصد الجزيرة وبها ~~ما كرد ، فكاتب ما كرد من كان مع ناصر الدولة من الأمراء ، ووعدهم عن ~~الوزير ابن مقلة ، فاستأمنوا إليه ، وفارقوا ناصر الدولة ، فانفصل عن ~~الجزيرة كالمنهزم وراسل علي بن أبي جعفر الديلمى وهو مع علي بن خلف بالموصل ~~، ووعده الجميل والإحسان إليه ، فأفسد من مع ابن طياب ، ووصل ناصر الدولة ~~إلى الموصل ودخلها ، فاستأمنوا إليه ، وخرج بن طياب هاربا في ليلة الأربعاء ~~لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة ، ثم جهز ~~ناصر الدولة الجيوش مع علي بن أبي جعفر إلى الجزيرة لقتال ما كرد ، وإخراجه ~~منها ، فلما قرب منها ، فارقها ما كرد وسار إلى نصيبين ، واستنجد بأبي ثابت ~~العلاء بن المعمر ، فجمع له ، العرب وأنجده ، فكتب علي لناصر الدولة بالخبر ~~بأخيه سيف الدولة على بن عبد الله ، وأمر علي بطاعته ، ثم سار ناصر الدولة ~~بنفسه تابعا لأخيه وقاتل ما كرد وأبا ثابت ، فقتل أبو ثابت ، وهرب ما كرد ~~إلى الرقة ، وانهزمت بنو حبيب بعد مقتل أبي ثابت إلى بلاد الروم وتنصروا ~~إلى الآن ، واستقامت مملكة الموصل ، وديار ربيعة ، ومضر لناصر الدولة ، وفي ~~سنة سبع وعشرين وثلاثمائة خرج الخليفة الراضي بالله ، ومعه بجكم طالبا ~~الموصل ، فأخرج ناصر الدولة جيشه مع ابن عمه الحارث بن سعيد ، فلما التقى ~~الجيشان ، وقع في جيش ناصر الدولة أنه استأمن ، فانهزموا إلى ناصر الدولة ، ~~فدخل الموصل في ليلة الجمعة ms6010 لليلتين بقيتا في المحرم ، وصلى الجمعة ، ثم ~~خرج من الموصل ، ودخلها بجكم يوم السبت ، وسار ناصر الدولة إلى الخالدية ثم ~~رحل منها يريد برقعيد ، وبقى بها جماعة من أهله ، ووافى بجكم PageV26P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" الخالدية ، فأوقع بهم وخرج أبو وائل وتمادي ~~الأمر على ذلك ، ثم وقع الصلح على مال بذله الحسن ، وعاد ناصر الدولة إلى ~~الموصل لليلتين خلتا من شهر ربيع الآخر منها ، واستمر إلى سنة ثلاثين ~~وثلاثمائة ، والله أعلم بالصواب . ذكر ولاية ناصر الدولة امرة الأمراء ~~بالعراق كان سبب ذلك أن أبا الحسن بن البريدي لما ملك بغداد ، وهرب المتقي ~~لله إلى الموصل ، ومعه أمير الأمراء أبو بكر بن رائق ، واستنجد بناصر ~~الدولة ، فقتل ناصر الدولة ابن رائق في شهر رجب سنة ثلاثين وثلاثمائة كما ~~قدمنا ذكر ذلك في أخبار الدولة العباسية ، فرد المتقي لله تدبير الدولة إلى ~~ناصر الدولة وساروا جميعا إلى بغداد ومع ناصر الدولة أخوه سيف الدولة ، ~~فانهزم البريديون من بين يديه ، وتولى ناصر الدولة إمرة الأمراء ، ونعته ~~المتقي بهذا النعت ، ونعت أخاه : سيف الدولة ، وخلع عليهما . وذلك في شوال ~~سنة ثلاثين وثلاثمائة ، وزوج المتقي لله ولده أبا منصور بابنة ناصر الدولة ~~، وضرب ناصر الدولة السكة عيادا لم يضرب قبله مثله إلا السندي ، وزاد على ~~نقش السكة محمد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو أول من فعل ذلك ، ~~وأقام ببغداد ثلاثة عشر شهرا ، ثم اجتمعت الأتراك ، وقدموا عليهم توزون ، ~~وهو بواسط ، وسيف الدولة في عسكره معهم ، وبلغ ناصر الدولة قيام الأتراك ~~فسار إلى الموصل صحبة المتقي ، وأمر أخاه سيف الدولة بمناصبة الأتراك ، ~~فكبسه توزون ليلا ، فانهزم إلى الموصل ، ثم راسل توزون المتقي في الصلح ~~فأجاب ، ورجع فكان من أمره والقبض عليه وسمله ما قدمناه . وأقام ناصر ~~الدولة بالموصل لا يتعرض لبغداد إلى أن ملكها معز الدولة بن بويه الديلمى ، ~~فتحرك إليها في جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ، وحاصر معز ~~الدولة بن بويه حتى كاد يأخذه ، ثم رجع عنها في صورة منهزم وامتنع من حمل ms6011 ~~المال ، فتجهز معز الدولة إلى الموصل لقتاله ، فرفع أمواله إلى القلعة ، ~~ولم يترك في البلد قوتا ولا علوفة البتة وبقي في خيل جريده . فلما قرب معز ~~الدولة إلى الموصل فارقها ناصر الدولة ، وسار فكان تارة بنصيبين وتارة بآمد ~~وتارة ببلد ، ونزل معز الدولة قصر ناصر الدولة ، وأقام بالموصل ، فنفدت ~~الأزواد فبعث بغالا تقله مع سراياه إلى القري لتحصل الأقوات والعلوفات ، ~~ففرق عند ذلك ناصر الدولة بنيه ، وهم PageV26P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" ثمانية كل منهم تزيد مماليكه وغلمانه على ~~خمسمائة رجل ، فكانوا لا يجدون سرية إلا هزموها ، ولا قافلة إلا نهبوها ، ~~فإذا خرج معز الدولة في طلبهم تكشفوا بين يديه ، ويخلفه ناصر الدولة إلى ~~الموصل ، فيأخذ ما يجد بها من الأموال ، ويرفعه إلى القلعة ، وإن وجد أحدا ~~من قواده سجنه بها ، فكان هذا دأبه إلى أن استقر الصلح بينه ، وبين معز ~~الدولة في سنة خمس وثلاثين . وفي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة في شهر رجب ملك ~~معز الدولة ابن بويه الموصل ، وفارقها ناصر الدولة إلى نصيبين ، فتبعه معز ~~الدولة ، ففارقها ، وبعث أولاده إلى الموصل لقتال من فيها ، فرجع إليهم معز ~~الدولة ، فانكشفوا بين يديه ، فسار إلى بلد ، واجتمع ناصر الدولة بأولاده ، ~~وسار إلى الموصل ، فأسروا من أصحاب معز الدولة الذين تركهم بها نيفا وسبعين ~~قائدا : فقيدهم ناصر الدولة ، وحملهم إلى القلعة ، ومعهم ستمائة من الجند ، ~~ووجد مائة وثلاثين بدرة لمعز الدولة ، فأخذها ، وخرج من الموصل ومضى إلى ~~حلب ، وأقام عند أخيه سيف الدولة ، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن تم الصلح ~~بين معز الدولة بن بويه وسيف الدولة ، وأبي تغلب بن ناصر الدولة على إطلاق ~~الأسري ورد ثمانين بدرة ، فأجاب إلى ذلك ناصر الدولة ، ورجع معز الدولة إلى ~~بغداد ، وعاد ناصر الدولة إلى الموصل ، ولم يزل بها مالكا لها من غير منازع ~~إلى أن قبض عليه ولده . ذكر القبض على ناصر الدولة ووفاته وفي سنة ست ~~وخمسين وثلاثمائة في ليلة الثلاثاء لست بقين من جمادى الأولى ، قبض عدة ~~الدولة أبو تغلب فضل ms6012 الله على والده ناصر الدولة ، وهو نائم بعد أن شاخ ~~وكبر ، فحمله على فراشه إلى قلعة الموصل ، واعتقله بها ، فكان بها إلى أن ~~مات ، وكانت وفات في يوم الجمعة وقت العصر لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ~~ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، فكانت مدة تغلبه نحوا من ثلاث ~~وثلاثين سنة ، سوى ولاية الموصل قبل ذلك . وكان له من الأولاد عشرة وهم : ~~عدة الدولة الغضنفر أبو تغلب فضل الله ، وكان قد ولاه الجزيرة ، وأبو ~~المظفر حمدان ولاه نصيبين . وأبو الفوارس محمد ولاه الموصل ، وأبو القاسم ~~هبة الله ولاه بلد ، وأبو طاهر إبراهيم ولاه سنجار ، وأبو المرجى جابر . ~~وأبو البركات لطف الله ، وأبو المطاع ذو الرنين ، وأبو عبد الله الحسين . ~~PageV26P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" كتابه : دنجا بن إسحاق ، كان كاتب المطيع لله ~~، أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي ، وأبو الحسن الباهلي ، وبهلون بن ~~هاشم ، وأبو القاسم بن مكرم . ؟ ؟ ذكر أخبار سيف الدولة هو أبو الحسن على ~~بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون . كان في ابتداء أمره في خدمة ~~أخيه ناصر الدولة إلى أن دخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ، فانفرد سيف ~~الدولة بديار بكر ، والسبب في ذلك أن علي بن أبي جعفر الديلمي لما استأمن ~~إلى ناصر الدولة كما ذكرناه ، وخرج على علي بن خلف بن طياب سأله أن يوليه ~~الجزيرة عند إخراج ما كرد منها ، فاعتذر عنها ، وكان أحمد بن نصر القنسوري ~~بديار بكر في عدة قليلة ، فجهز ناصر الدولة مع علي ابن أبي جعفر جيشا ، ~~وأمره أن يسير إلى ديار بكر ، فانصرف أحمد ابن نصر عنها ، ودخلها علي بن ~~أبي جعفر ، وسكن أرزن ، وأقام الدعوة لناصر الدولة ، وهو في خلال ذلك يحصن ~~البلد ، ويستكثر من الرجال والأجناد ، فنمى الخبر إلى ناصر الدولة ، فلم ~~يأمن شره ، وأمره بالقدوم عليه ، فأبى ذلك ، وأظهر العصيان ، فندب ناصر ~~الدولة عند ذلك أخاه سيف الدولة لحربه ، وقال له : إن فتحت ديار بكر ، ~~وقبضت على علي الديلمى ، ملكتك بلادها وقلاعها من غير أن ms6013 تحمل عنها شيئا ~~لخليفة ، ولا لغيره ، فسار سيف الدولة في ألف فارس ، فتحصن منه في قلعة ~~أرزن وهي المعروفة بحصن العيون ، فنزل سيف الدولة تحتها على النهر المعروف ~~بسربط ، وحصر عليا بها ، فبعث الديلمى حاجبه بدر الجستاني إلى ابن يرنيق ~~ملك أرمينية ، وإلى سائر بطارقتها يستنجد بهم على سيف الدولة ، فاتصل خبر ~~الحاجب بسيف الدولة ، فرصده عند عوده ، فقبض عليه ، فسأله الديلمى الأمان ~~على أن يمضي إلى بغداد ، أو يبقى في خدمته ، فأجابه إلى ذلك ، وحلف له ، ~~ونزل إليه وسلم القلعة ، فوفى له سيف الدولة ، وأقام علي في خدمته إلى أن ~~استأمن إلى ابن رائق ، وملك سيف الدولة بعد ذلك جميع بلاد أرمينية وما جاور ~~بلاد بكر ، ثم ملك حلب وانتزعها من يد الأخشيدية ، ثم قلد بعد ذلك الثغور ~~الجزيرية ، وهي طرسوس ، وعين زربة ، والمصيصة ، وما جاورهم من PageV26P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" الثغور ، من غير أداء مال عن شيء مما بيده من ~~الأعمال ؛ لأنه كفى المسلمين أمر الروم نحوا من أربعين وقعة له وعليه . ~~وكان بعيد الهمة شجاعا يلقى الأمور بنفسه . وكان شاعره أبو الطيب المتنبي ~~يمدحه في كل غزاة ، ويذكر وقائعه ، فكان الدمستق يقول : بلينا بشاعر كذاب ، ~~وأمير خفيف الركاب وكان لسيف الدولة خمسمائة غلام أقران لهم بأس شديد ، إذا ~~حمل بهم في جيش حزقه . وكان سنه عند ولايته خمس عشرة سنة ، فظهرت شجاعته . ~~وكان أديبا فاضلا وله شعر ذكره الثعالبي في يتيمة الدهر ، ومن جملة غزواته ~~أنه خرج غازيا في ذي القعدة سنة ست وعرين وثلاثمائة ، فانتهى إلى حصن دادم ~~وسار إلى حصن زياد ، فشارف فتحه ، وأقام عليه تسعة أيام ، فوافاه الدمستق ~~في مائتي ألف ، فانكفأ راجعا يريد شمشاط ، وخيول الروم تسايرة ، فلما كان ~~يوم النحر وصل إلى موضع بين حصنى زياد ، ودادم وسلام ، فوقف ، وأقبلت عساكر ~~الروم ، فناجرهم القتال ، فهزم الله الروم ، وأسر سيف الدولة منهم سبعين ~~بطريقا ، ولم يزل القتل والأسر فيهم إلى الليل ، وأخذ سرير الدمستق وكرسيه ~~. ولسيف الدولة مع الروم وقائع كثيرة مشهورة ذكرها كثير ms6014 من المؤرخين ~~تركناها لاشهارها . وفي سنة ثلاثين وثلاثمائة . ملك سيف الدولة مدينة حلب ، ~~وانتزعها من يد أحمد بن سعيد الكلابي صاحب الإخشيد ، واتفق خروج العدو إلى ~~تلك النواحي ، فسار إليهم ، وأوقع بهم وقعة عظيمة ، فاعتصموا منه بجبل منيع ~~، فصعد إليهم ، فكان منهم من ألقى نفسه من الجبل فمات ، وغنم منهم غنيمة ~~عظيمة . ولما بلغ الإخشيد ذلك أنفذ عسكره مع كافور ، فهزمهم سيف الدولة ، ~~ودخل حمص وأعمالها ، فملكها وسار إلى دمشق ، ودخلها ، فكاتبه الإخشيد ، ~~وبذل له الموادعة بعد أن بذل له أن يمل إله من المال نظير ما كان يحمل لابن ~~رائق ، فم PageV26P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" يجب إلى ذلك ، وقال : جوابك إذا دخلت مصر إن ~~شاء الله . ثم جرت بينهما أمور ، واتفقا على أن يكون لسيف الدولة حمص ، ~~وحلب ، وما بينهما ، وأفرج عن دمشق ، وتزوج بابنة أخي الإخشيد . ثم مات ~~الإخشيد عند رجوعه على ما نذكره في أخباره ، وذلك في المحرم سنة خمس ~~وثلاثين وثلاثمائة ، فمضى سيف الدولة إلى دمشق ، واستأمن إيه جماعة منهم : ~~يانس المونسى ، وأقام بها . ثم سار لحرب كافور الإخشيدي ، فنزل اللجون ~~والإخشيدية بقربه ، والتقوا ، فانهزم جيش سيف الدولة ، ورجع هو إلى دمشق ، ~~فأخذ والدته وخاصته وأمواله ، وسار إلى حلب ، ثم وقع الصلح بينهم في سنة ست ~~وثلاثين على ما وقع بينه وبين الأخشيد أولا . وفي فتح سيف الدولة دمشق يقول ~~الخالديان : ياسيف الدولة آل النبي . . . حويت العلا دولة وابتداء ليهنك ~~أنك داني الندا . . . ومجدك فوق النجوم اعتلاء وأنك لما ملكت الملوك . . . ~~تكبرت أن تلبس الكبرياء ولما حويت العراق انكفيت . . . إلى عرصات الشام ~~انكفاء وجزت دمشق فطهرتها . . . وأبدلتها بالظلام الضياء وما مصر عنك ~~بممنوعة . . . إذا ما استعنت عليها القضاء وفي سنة ست وثلاثين ظفر سيف ~~الدولة القرمطي الملقب بالهادي ، واستنفد أبا وائل . وفي سنة إحدى وأربعين ~~بني سيف الدولة مرعش ، فسار إليه الدمستق ، فأوقع به سيف الدولة . وفي سنة ~~اثنتين وأربعين فتح حصن العريمة ، وأخرب مدينة ملطية ، PageV26P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" وكان الدمستق قد أخرب الحدث في سنة سبع ms6015 ~~وثلاثين ، فسار إليه سيف الدولة ، ونزل به في يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ~~ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين ، فحط الأساس ، وحفر أوله بيده ~~، وحفر الناس وأقام إلى أن بناه ووضع بيده آخر شرافة منه لثلاث عشرة ليلة ~~خلت من شهر رجب من السنة . وفي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة . ورد على سيف ~~الدولة من سائر الثغور طرسوس ، وأذنة ، والمصيصة رسل نوابه ، ومعهم رسول ~~ملك الروم في طلب الهدنة ، فهادنهم ، ولم يزل سيف الدولة في ملكه يوما له ~~ويوما عليه إلى أن كبرت سنه . وضعف في آخر عمره واضطرب أمر دولته . ذكر ~~اختلال دولته واستيلاء الدمستق على حلب ، وما أخذه من أموال سيف الدولة قال ~~: ولما كبر سيف الدولة وضعفت قدرته لمرض لحقه في آخر عمره فلج منه نصفه ، ~~وتفرقت عنه البوادي وتقاعد عنه المسلمون ، وفسد ما بينه وبين ابن الزيات ~~أمير الثغور من قبله ، واشتغل عنه أخوه ناصر الدولة بحرب معز الدولة ، فلم ~~ينجده ، فقويت الروم ، واستولى الدمستق على الثغور ، ثم قصد حلب في حشد ~~عظيم من الروم والأرمن ، فلم يشعر به سيف الدولة إلا وقد أطل على البلد ، ~~فقاتله سيف الدولة ، وحمل بنفسه وغلمانه وابن أخيه هبة الله بن ناصر الدولة ~~حتى كاد أن يؤخذ ، فانهزم ، وملك الروم دالاه بظاهر حلب وكان ذرعها ستة ~~آلاف ذراع ، وأخذ منها ما لا يحصى من الأموال ، فكان من جملة ما أخذ مائة ~~بدرة ذهبا ، ومائتا بدرة من الورق ، وثلاثمائة حمل من البز الفاخر ، وخمسون ~~حملا من الديباج ، ومن أواني الذهب والفضة ما لا يحصى كثرة ، ومن الخيل ~~ثمانمائة فرس ، ومن البغال ألفا جمل ، ونقل سقوف الدار معه . وكان نزوله ~~على حلب في يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين ~~وثلاثمائة ، وفتح البلد في يوم الثلاثاء ، وأقام فيه إلى يوم الثلاثاء ~~الكائن بعده ، وتحصن أهل حلب في القلعة بما أمكنهم من الأموال ، واستولى ~~PageV26P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" الدمستق على البلد بما فيها ، ثم فارقها ، ~~ورجع سيف الدولة إليها ms6016 ، وقد ذهب أكثر أمواله ، فبعثت له أخته هدية من ميا ~~فارقين كان من جملتها مائة ألف دينار . ذكر وفاة سيف الدولة كانت وفاته ~~رحمه الله في الضحى من نهار الجمعة لخمس بقين من صفر سنة خمس وخمسين ~~وثلاثمائة ، وكان مولده في يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة ~~ثلاث وثلاثمائة ، فكان عمره اثنين وخمسين سنة وشهرين وثمانية أيام ، وكانت ~~مدة ملكه نحوا من ثلاثين سنة ، وكان شجاعا كريما معجبا بارائه محبا في ~~الفخار والبذخ مظفرا في حروبه جائرا على رعيته ، اشتد بكاء الناس منه وعليه ~~، وكان له من الأولاد خمسة . وهم : أبو الهيجاء عبد الله ، توفي في حياة ~~أبيه في صفر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة . وأبو البركات وهو أكبرهم ، توفي ~~في حياة أبيه في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وثلاثمائة . وأبو المعالي ~~شريف ، وهو الذي ملك بعد أبيه . وأبو المكارم مات في حياته . وست الناس ~~ابنته . كتابه : أبو الحسن علي بن الحسين المغربي والد الوزير وأبو محمد بن ~~الفياض . وأبو إسحاق محمد أحمد القراريطي . وأبو الفرج محمد بن علي ~~السرمرائي ، وأبو عبد الله محمد بن سليمان بن فهد الموصلي وغيرهم . حجابه : ~~نجا غلامه ، وقرعوية ، وبقى . فهذه الطبقة الثانية من آل حمدان . فلنذكر ~~الطبقة الثالثة منهم . ذكر أخبار عدة الدولة الغضنفر وهو أبو تغلب الغضنفر ~~ابن ناصر الدولة أبي محمد الحسن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون . ~~ملك الموصل ، وما كان بيد أبيه عند قبضه على والده ناصر الدولة في ليلة ~~الثلاثاء لست بقين من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلاثمائة ، وأطاعه سائر ~~إخوته إلا أبو المظفر حمدان ، وهو الذي يليه في العمر . وكان ناصر الدولة ~~قد قلده الرحبة ، ولما مات عمه سيف الدولة سار إلى الرقة ونصيبين ، فملكها ~~، وسوغه والده ارتفاع جميع تلك البلاد . فكتب أبو المظفر إلى أخيه أبي تفلب ~~يأمره بإطلاق والدهما PageV26P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" ناصر الدولة ، وتوعده إن لم يفعل ، فغضب لذلك ~~، وفسد الحال بينهما ، وجرت بينهما أمور يطول شرحها ، فجهز أبو ms6017 تغلب جيشا ~~لقتال أخيه ، وجعل عليه أخاه أبا البركات ، فكان له معه حروب ووقائع ، ~~آخرها أن أبا المظفر حمدان ظفر بأخيه أبي البركات ، وضربه على رأسه ، فسقط ~~إلى الأرض ، فأخذه أسيرا واستباح سواده ، وانقسم عسكره بين مستأمن إلى ~~حمدان ، وأسير ، وقتيل ، ثم انكفأ حمدان إلى قرقيسياء ليعالج أخاه من ضربته ~~، فمات أبو البركات بعد أيام فأنقذه حمدان في تابوت إلى الموصل ، واستحكمت ~~عند ذلك العداوة بين بني حمدان ، وبين أخيهم أبي تغلب . واختلف باقي الأخوة ~~، وكانوا متفرقين في أعمالهم فاحتال أبو تغلب على أخيه محمد ، وكان واليا ~~على نصيبين حتى قبض عليه ، وذلك في شعبان سنة ستين وثلاثمائة واعتقله في ~~قلعة أردمشت ، فلم يزل بها حتى هرب أبو تغلب ، وملكها عضد الدولة بن بوبه ، ~~فاطلقه وأكرمه ، ورد عليه ضياعه ومنها قلعة : الشعباني ، وقلعة هارون ، ~~وغيرهما من القلاع . وفي سنة إحدى وستين وثلاثمائة سلم أخو حمدان لأمه لأبي ~~تغلب الغضنفر قلعة ماردين ، فأخذ منها جميع أمواله وحرسه ، وكان المحاصر له ~~بجيش أبي تغلب أبو اليقظان عمار بن أبي السرايا نصر بن حمدان . وفي سنة ~~اثنتين وستين وثلاثمائة في آخر يوم من شهر رمضان أوقع أبو القاسم هبة الله ~~بن ناصر الدولة بالدمستق ملك لروم الوقعة المشهورة ، وكان الدمستق في نحو ~~خمسين ألفا فأسر أبو القام ، وقتل أكثر الجيش وكانت الوقعة على بلد . قال : ~~ثم أخذ أبو تغلب في استفساد إخوته واحدا بعد واحد حتى صاروا بأجمعهم إليه ~~إلا أبو طاهر إبراهيم ، فإنه استأمن إلى بختيار ، ومضى إلى بغداد . وسار ~~أبو تغلب بجماعة إخوته إلى قرقيسياء ، فنزل بها ، وبعث أخاه ، أبا القاسم ~~هبة الله إلى الرحبة في جيش ليوقع بأخيه حمدان ، فخرج حمدان هاربا ، واتبعه ~~ابنه أبو السرايا وسلك طريق البرية ، وكاد هبة الله أن يأخذه . وقيل : إنه ~~قدر عليه وتركه ، وسار حمدان إلى بغداد ، فدخلها في ذي الحجة سنة ستين ~~وثلاثمائة ، واجتمع بأخيه إبراهيم ، وأقاما عند بختيار مدة ، ثم كوتب ~~إبراهيم من الموصل بالعودة إلى طاعة أخيه فهر ، فأغضب ذلك غز ms6018 الدولة بختيار ~~وسار إلى الموصل في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين ، فدخلها ، ورحل أبو ~~تغلب إلى PageV26P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" سنجار . ثم تقرر الصلح بينهما على أن يفرج أبو ~~تغلب لأخيه حمدان عن ضياعه التي كان قبض عليها ، فأجاب إلى ذلك ، وأفرج له ~~عنها ، واستقر ملك الغضنفر بالموصل إلى أن ملك عضد الدولة بن بوبه بغداد ، ~~وأخرج ابن عمه عز الدولة بختيار إلى الشام وشرط عليه ألا يتعرض إلى بلاد ~~عدة الدولة الغضنفر ، فأجاب إلى ذلك ، وسار وصحبته حمدان بن ناصر الدولة ~~فلما وصل مبكرا أفسد حمدان نيته ، وحرضه على طلب بلاد أخيه أبي تغلب ، فعزم ~~على ذلك ، وسار فنزل تكريت ، فوصل إليه علي بن عمر الكاتب بهدية من أبي ~~تغلب ، وصحبه في الطرق ، فلما خلا به أفسد بينه وبين حمدان وعرفه أن مصالحة ~~أبي تغلب بإفسادحمدان هي الرأي الصريح ، وذكر أنه سلم حمدان إلى أبي تغلب ~~عاضده على إخراج عضد الدولة من العراق وأعاد مملكته إليه ، ولم يزل يغريه ~~إلى أن بعث لأبي تغلب ، وأخذ عليه العهود بذلك ، وقبض عند ذلك على حمدان ، ~~وسلمه لأبي تغلب ، وأخته جميلة ، فحسباه ، ثم قتلاه صبرا ، وهرب ولده أبو ~~السرايا إلى عضد الدولة ببغداد . ذكر فساد حال عدة الدولة وزوال ملك بني ~~ناصر الدولة وما ان من أمر عدة الدولة إلى أن قتل قال : ولما قتل أخاه جمع ~~الجموع لنصرة عز الدولة بختيار وجمع بختيار أيضا ، وسارا إلى بغداد وخرج ~~عضد الدولة ، فنزل الحصن غربي سامرا ، ونزلا تجاهه ، وباكروا القتال في يوم ~~الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من السنة ، وبعث الجيوش في طلب ~~أبي تغلب عدة الدولة ، ومحمد ابن عمه معز الدولة ، فتنقل أبو تغلب في ~~البلاد من مدينة إلى أخرى ، والجيوش تطلبه إلى أن سار إلى حصن زياد ، وكاتب ~~ملك الروم قلاروس المنعوت بورد يستنجده ، وكان ورد قد خرج عليه ملك آخر ، ~~وانقضت عنه جموع الروم ، فبعث إلى أبي تغلب يسأله اللحاق به ليلقى الخارج ~~عليه ، فإن نصر عليه ms6019 عاد معه لنصرته ، فبعث إليه أبو تغلب قطعة من جيشه ، ~~ثم عاد نزل بآمد وأقام بها قريبا من شهرين ، فاستولى عضد الدولة على ~~ميافارقين والجزيرة ، وسائر بلاد عدة الدولة ففارق آمد عند ذلك ، وسار إلى ~~دمشق ، وملك عضد الدولة آمد والرحبة ، وسائر بلاد بني حمدان إلا ما كان في ~~يد سعد الدولة بن PageV26P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" سيف الدولة ، فإنه لم يتعرض إليه كحلب ، وديار ~~مضر ، وربيعة ، وما والاها من الحصون والبلاد لخدمة خدمه بها سعد الدولة ، ~~ثم ملك عضد الدولة بعد ذلك قلاع أبي تغلب التي فيا أمواله وذخائره وهي من ~~جانب دجلة الشرفي على طريق الجزيرة . قال : ولما وصل أبو تغلب إلى دمشق وجد ~~قسام العيار متغلبا عليها ، فنزل بظاهرها ، وكتب إلى العزيز خليفة مصر ~~يسأله أن يوليه الشام ، فخاف العزيز عاقبته ، وكاتبه بأن يفعل ذلك ، ~~ويأخذها من قسام ، وكاتب قسام ألا يسلم إليه البلد ، فطال الأمر على أبي ~~تغلب ، وضجر من تردد الرسائل ، واجتمع معه بنو عقيل ، فسار وقصد الرملة ، ~~وذلك في المحرم سنة تسع وستين وثلاثمائة ، فهرب دغفل بن الجراح منه ، ثم ~~حشد ، وجمع ، وقصد الرملة ، والتقى مع أبي تغلب على باب الرملة في يوم ~~الإثنين لليلة خلت من صفر سنة تسع وستين ، فانهزم بنو عقيل ، وسائر من مع ~~عدة الدولة ، ولم يبق معه إلا غلمانه ، وهم نحو سبعمائة فارس ، فانهزم بهم ~~، وأدركته الخيل ، فثنى وجهه لقتالهم ، فقتل فرسه ، وأسره سبع الطائي وهو ~~ابن عم لد غفل بن الجراح ، وسلمه إلى دغفل ، فقتله في يوم الثلاثاء لليلتين ~~خلتا من صفر سنة تسع وستين وثلاثمائة ؛ وكان مولده يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ~~ليلة خلت من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ، وكانت مدة ملكه إلى حين ~~انفصاله عن آمد نحوا من اثنتي عشرة سنة . وكان له من الأولاد . أبو الهيجاء ~~أحمد ، وأبو الفتح نصر الله . كتابه : أبو موسى النصراني . وقرة بن ديما . ~~وأبو الحسن علي بن عمر بن ميمون . وعلي بن عمر بن عمر . فلنذكر أخبار أولاد ~~سيف الدولة ms6020 : ذكر أخبار سعد الدولة هو أبو المعالي شريف بن سيف الدولة أبي ~~الحسن علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون . ملك حلب وديار بكر ~~، وغير ذلك مما كان بيد والده سيف الدولة بعد وفاته في يوم الجمعة لخمس ~~بقين من صفر سنة ست وخمسين وثلاثمائة ، ولما توفي والده سيف الدولة بحلب ~~كان سعد الدولة بديار بكر ، فاجتمعت غلمان أبيه : قرعون . وبقي . وبشاره ، ~~وغيرهم على تقديمه ونصرته ، وضبط قرعويه حلبا نيابة عنه ، وبعث بتابوت ~~مولاه إلى ديار بكر مع بقى وبشارة الخادم في جمادى الأولى من السنة وكان ~~PageV26P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" بين بقى وبشارة منافرة ، فأذاع بقى عن بشارة ~~أنه قد كاتب حمدان بن ناصر الدولة ، وكان قد غلب على الرقة ونصيبين عند ~~وفاة عمه ، وعزم على أخذ حلب وكتب بقى إلى قرعويه بذلك ، فقبض على أسباب ~~بشارة بحلب ، ولما بلغ بشارة الخبر داخل بقى وآنسه ، وأظهر له المودة فأنسر ~~به ، وأخبره بما أضمره ، وأنه يقصد الاستيلاء على ديار بكر ، ويقبض على أبي ~~المعالي ابن مولاه ، ويملك هو التدبير ، وضمن لبشارة أنه يسلم إليه ~~ميافارقين ، فأظهر بشارة القبول ، والإقال عليه ، وسار بمسيره ، فلما قربوا ~~من ميافارقين ، كتب بشارة إلى أبى المعالي يحذره من الخروجللقاء التابوت ، ~~ويعرفه ما عزم عليه بقى ، فأظهر أبو المعالي علة ، وامتنع من الركوب ، ~~وأخرج أهل البلد لتلقى التابوت ، فلم يدخل بقى المدينة ، ووكل بأبوابها ~~خلقا من الرجال الذين أعلمهم بالخبر ، وقبض على قوم من الكتاب ، وطالبهم ~~بمال ينفقه في رجاله ، فدخل بشارة المدينة ، وطلع على السور ، وأغلق ~~الأبواب ، وخاطب أصحاب بقى عن أبي المعالي بكل جميل ، فمالوا إليه ، ~~وفارقوا صاحبهم فبطل ما دبره بقى ، وسار إلى منازكرد ، وكتب إلى أبي ~~المعالي يطلب منه الأمان . فأمنه ، ولما حصل عنده قبض عليه ، وسلمه لبشارة ~~، فقتله ، وسار أبو المعالي إلى حلب في شهر رجب من السنة . ذكر مقتل أبي ~~فراس الحارث واستيلاء أبا المعالي على حمص قال المؤرخ : كان سيف الدولة قد ~~أقطع أبا فراس الحارث ابن ms6021 سعيد بن حمدان ، وهو خال أبي المعالي شريف حمص ~~بعد خلاصه من أسر الروم ، فأكثر الظلم والتعدي على أهلها . فلما توفي ~~الأمير سيف الدولة اضطربت أموره ، ثم فسد ما بينه وبين ابن أخته أبي ~~المعالي ، فسار أبو المعالي ، فارق حمص ، وانحاز إلى ضيعة له في طريق ~~البرية تعرف بصدد ، وجمع سعد الدولة أعراب بني كلاب وظالما العقيلي ، ~~وبعثهم على مقدمته مع قرعويه ، فكبس أبا فراس بصدد ، فناوشهم القتال ، ثم ~~قتله بعض غلمان قرعويه ، وعاد سعد الدولة إلى حمص ، فولاها لذكا غلام ~~قرعويه . PageV26P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" ذكر استيلاء قرعويه على حلب وإخراج أبي ~~المعالي عنها قال : ثم فسد ما بين سعد الدولة وبين قرعويه ، ووافقه أكثر ~~الغلمان ، وأهل البلد ، فأخرج أبا المعالي منها ، وقطع دعوته ، وتغلب على ~~البلد ، فسار سعد الدولة إلى أرزن ، وميا فارقين ، فمر في مسيرة بحران ، ~~فأغلق أهلها الأبواب في وجهه ، ومنعوه من الدخول ، إليها إلا أنهم لم ~~يقطعوا دعوته ، فمضى إلى ميافارقين ، وكانت والدته بها ، فبلغها أن غلمانه ~~قد عزموا على القبض عليها ، وحملها إلى القلعة ، فأغلقت أبواب المدينة في ~~وجه ابنها ثلاثة أيام إلى أن توثقت منه ، وممن معه ، ومن أجناده ، ثم فتحت ~~الأبواب وأطلقت أرزاق غلمانه ، فصلحت أحوالهم ، ثم جمع سعد الدولة واحتشد ، ~~وسار إلى حلب ، فنزل عليها في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، ~~وحاصرها ، وفي مدة غيبته نزل أبو البركات ابن ناصر الدولة بجيش على ميا ~~فارقين ، فأغلقت والدة أبي المعالي الأبواب دونه ، وضبطت البلد ، وراسلته ~~تتعرف منه سبب مقصده ، فعرفها أنه يقصد العدو ، وأنه يريد منها ما يتقوى به ~~على قصده ، فبذلت له مائتي ألف درهم ، فلم يقنع بها ، وطلب منها ضياعا كانت ~~لسيف الدولة بالقرب من نصيبين ، فأعلمت التدبير إلى أن أفسدت عليه جماعة ~~ممن معه ، ثم ركبت ، وكبسته في عسكره ، وقتلت جماعة من غلمانه ، فانهزم أبو ~~البركات ، وراسلها ، فردت عليه بعض ما نهبت منه ، وأطلقت له مائة ألف درهم ~~، وأطلقت حاجبه ، وكانت قد أسرته ، فرحل عنها . ولم يزل أبو المعالي ms6022 على ~~حصار حلب حتى فتح الروم أنطاكية في يوم النحر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، ~~واستقروا بها ، وأنفذوا جيشا لأخذ حلب ، فارتحل أبو المعالي عنها ، ونزلت ~~الروم عليها ، وملكوا المدينة ، فصالحهم قرعويه على أن يؤدي لهم جالية ، ~~ويكون في ذمتهم إلى أن يموت ، فإن مات ولي مكانه غلامه بكجور ، وكتب فيهم ~~كتابا ، ونزل أبو المعالي معرة النعمان ، ووالدته نائبة عنه بميافارقين ، ~~فورد عليها الخبر أن ملك لروم تحرك لقصد ديار بكر ، فخافت أنها لا تنهض ~~بضبط ميا فارقين ، فتبرأت من الأمر ، ودبر البلد أهله ، ثم راسلوا أبا تغلب ~~بن ناصر الدولة في وال . فبعث إليهم أبا الفوارس هزارمرد أحد مماليك سيف ~~الدولة الكبار . PageV26P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" ذكر الصلح بين سعد الدولة وقرعويه والقبض على ~~قرعويه ، وقيام بكجور ، وعود ملك حلب إلى سعد الدولة وفي سنة تسع وخمسين ~~وثلاثمائة تم الصلح بين أبي المعالي وقرعويه ، ودعا له بحلب ، وكان أبو ~~المعالي ينزل بحماه ، وكانت حمص قد أخربها الروم عند دخولهم إليها في ذي ~~الحجة سنة ثمان وخمسين ، فنزل دقطاش غلام سيف الدولة بها وعمرها لأبي ~~المعالي ، فنزلها بعد ذلك ، وكان قرعويه قد قدم غلامه بكجور على قرعويه ، ~~واعتقله ، وملك حلب ، وأقام بها نحوا من خمس سنين ، فلم يرض أهلها سيرته ، ~~وكاتبوا أبا المعالي ، فسار إليها ، ونزل معرة النعمان ، ففتحها ، ثم نزل ~~على حلب في سنة ست وستين وثلاثمائة ، وأقام عليها نحوا من أربعة أشهر ، ~~وافتتحها بحيلة ، وتحصن بكجور بالقلعة ، ثم صالح على أن يوليه سعد الدولة ~~حمص ، وسلم القلعة بما فيها ، فتسلمها سعد الدولة ، وفى لبكجور ، وعظمت ~~مملكة أبي المعالي عند ذلك ، وقويت حرمته ، وتمكنت دولته . ذكر تولية سعد ~~الدولة من قبل الخليفة وتلقيبه كان سبب ذلك أن عضد الدولة البويهي لما ملك ~~العرق بعد ابن عمه عز الدولة بختيار كاتبه أبو المعالي يبذل له الطاعة ~~والدعوة ، فتنجز له من الخليفة الطائع لله الخلع واللقب بسعد الدولة ، ~~والولاية على ما بيده من الأعمال ، وأرسل ذلك مع الرسول ، وخادم الخليفة . ~~وكان جلوس الخليفة ms6023 لذلك في شهر رجب سنة سبع وستين وثلاثمائة . ذكر خلاف ~~بكجور على الأمير سعد الدولة وما كان من أمره قال : وأقام بكجور في حمص ، ~~وعمرها أحسن عمارة ، وأمن أهلها وطرقاتها إلى أن وقع بينه وبين سعد الدولة ~~في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة . فسار بكجور إلى حلب وحاصرها ، فبلغ ذلك ~~ملك الروم ، فسار لنصرة أبي المعالي ونزل أنطاكية ، وكان معه مفرج ابن دغفل ~~بن الجراح ، وكان بين مفرج وبكجور مودة ، فكتب إليه مفرج يخبره بقصد الروم ~~، فرحل عن حلب ، وسار إلى حمص وأخذ ما أمكنه من أمواله ، وكان العزيز صاحب ~~مصر استدعى بكجورا ليوليه الشام ودمشق لما اشتهر من شهامته ، فتولى دمشق ~~بعد خطب عظيم جرى له ، واضطرب حال ، ودخلت الروم حمص الدخلة الثانية بإذن ~~سعد لدولة لأنه خاف أن يملكها بكجور بالمغاربة ، وكان دخولهم إليها في يوم ~~الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة ~~. PageV26P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" وتسلم بكجور دمشق في يوم الأحد مستهل شهر رجب ~~سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة . ثم وقع بين بكجور ، وبين يعقوب بن كلس الوزير ~~، فقبض بكجور على وكلاء الوزير بدمشق ، فاستحكمت العداوة بينهما ، وأفد ~~الوزير نفس نزار صاحب مصر على بكجور ، فبعث منيرا الخادم في سنة ثمان ~~وسبعين وثلاثمائة لصد بكجور ، وإخراجه من دمشق من غير إظهار ذلك بل أظهر ~~أنه قصد بإرساله طرد مفرج بن دغفل من دمشق ، وجرى من الأمور ما أوجب خروج ~~بكجور بأمواله وحرمه من دمشق . وكان خروجه في يوم الثلاثاء منتصف شهر رجب ~~سنة ثمان وسبعين . وسار بكجور إلى الرقة ، وكان قد بعث غلامه وصيفا في سنة ~~ست وسبعين وثلاثمائة إليها ، فتسلمها من ديلمى ، وكان بها من أصحاب عضد ~~الدولة بعد وفاته ، فلما دخلها بكجور راسل الطائع لله ، فلم يجد عنده ما ~~يؤثره ، فأقام على الدعوة لنزار صاحب مصر ، وبعث إليه نزار يقول : إني ما ~~أردت إخراجك من دمشق ، وإنما أردت طرد ابن الجراح منها ، وأبقى عليه ضياعه ~~، وأمواله بها ، وقوي أمر بكجور بالرقة ، واشتد ms6024 طمعه في أخذ حلب من سعد ~~الدولة وكاتب نزارا بذلك ، وطلب إنجاده ، فكتب نزار إلى والي طرابلس ~~بالمسير إلى بكجور متى استدعاه ، وجمع بكجور العرب وكتب إلى نزار وإلى ~~طرابلس أن يوافيه بحلب ، وكان سعد الدولة قد كاتب بسيل ملك الروم يعلمه ~~بذلك ، ويطلب منه أن يأمر نائبه بأنطاكية ، وسائر الثغور بإنجاده متى طلبهم ~~، فكتب بسيل لهم بذلك ، ثم أرسل سعد الدولة بكجور ، وبذل له أن يقطعه من ~~الرقة إلى حمص ، فقال لرسوله : قل له الجواب ما تراه دون ما تسمعه ثم سار ~~بكجور لحرب سعد الدولة ، وتقدمت مقدماتها فتطاردا ، فكان سعد الدولة يخلع ~~على من أبلى من أصحابه ، وينعم عليهم ويحملهم ، وبكجور يكتب أسماء من أبلى ~~من أصحابه لينظر في أمرهم ، فتغيرت لذلك قلوبهم . ثم كاتب سعد الدولة أعراب ~~بكجور ، وأطمعهم فعصوا على بكجور ونهبوا سواده . ثم سار كل من العسكرين في ~~يوم السبت لسبع خلون من صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة إلى الآخر ، ~~والتقوا ، واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر لسعد الدولة وأحابه على بكجور ، ~~فانهزم إلى حلب ، واستولى القتل والأسر على غلمانه ، واستخفى بكجور في بيت ~~رحى بظاهر حلب ، وتقلبت به الأحوال إلى أن استجار ببعض العرب ، فحمله إلى ~~سعد الدولة ، فرب عنقه ، ثم سار سعد الدولة بعد أن أعاد الروم إلى بلادهم ، ~~وقصد الرقة ، فنازلها وتحصن منه PageV26P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" سلامة الرشيفى غلام بكجور بحصن الرافقة ، ومعه ~~حرم بكجور وأمواله ، وابن المغربي كاتبه ، فكاتبه سعد الدولة في تسليم ~~الحصن ، فبعث سلامة إليه يقول : أنا عبدك ، ولكن لبكجور عندي صنائع تمنعني ~~من تسليم الحصن إلا أن أستوثق لحرمه وأولاده ، فإن أمنتهم على أن يكون لك ~~السلاح من أموالهم دون غيره سلمت لك الحصن ، فأجابه سعد الدولة إلى ذلك ، ~~وحلف له وتسلم الحصن . ولما نزل أولاد بكجور ، وحملوا أموالهم قال ابن أبن ~~حصين قاضي حضرة سعد الدولة : إن بكجورا مملوكك لم تعتقه ، وأولاده كذلك ولا ~~مال لهم ، ولا إثم عليك في أخذ أموالهم ، فقبض عليهم عند ذلك ، وأخذ ~~الأموال ms6025 ، وهرب ابن المغربي إلى الكوفة ، وكتب أولاد بكجور بذلك إلى العزيز ~~نزار صاحب مصر ، فكتب العزيز إلى سعد الدولة كتابا يهدده فيه ويقول : إن لم ~~تطلق آل بكجور وأموالم بعثت الجيوش لحربك . وانفذ الكتاب مع فائق الصقلبي . ~~فوصل إليه ، وقد عاد م الرقة ، وهو نازل بظاهر حلب . فلما وقف سعد الدولة ~~على الكتاب غضب ، وأحضر الرسول ، وصفعه ، وألزمه أن يأكل الكتاب فتناوله ، ~~ومضغه حتى فرغ منه ، وقال له : عد إلى صاحبك ، وقل له لا حاجة لك في إرسال ~~الجيوش ، فأنا سائر إليك ، والخبر يأتيك من الرملة ، وعزم سعد الدولة على ~~قصد العزيز صاحب مصر ، فعاجلته منيته . ذكر وفاة سعد الدولة كانت وفاته ~~ليلة الأحد لخمس بقين من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ، وسبب ذلك ~~أنه لما عاد رسول العزيز بالرسالة التي ذكرناها قدم بعض جيوشه إلى حمص . ~~وأقام هو بظاهر حلب أيامأ ليرتب أحواله ، فعرض له قولنج أشفى منه ، فأشار ~~أطباؤه عليه بدخول حلب وملازمة الحمام ، ففعل ذلك وانتفع وصح ، فلما كان في ~~اليوم الثالث من صحته زين له البلد ليركب ، فجاءته جارية في ليلة ذلك اليوم ~~من جملة حظاياه ، وكن أربعمائة حظية ، وكان سعد الدولة يهواها ، فلما رآها ~~ما تمالك عند رؤيتها أن واقعها ، فلما فرغ سقط عنها ، وقد جف نصفه الأيمن ، ~~وفلج فدخل عليه النفي الطبيب ، والتمس أن يجس نبضه ، فناوله اليد اليسرى ~~فقال : يا مولاي اليمين ، فقال : يا نفيس ما تركت لي اليمين شيئا ، أراد ~~بذلك نقض اليمين التي حلفها لآل بكجور . وتوفي في هذه المرضة . ~~PageV26P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" ومن العجب أن والده سيف الدولة الأيمن ، ~~فاجتمع منهما مفلوج ، وكانت مدة ملكه خمسا وعشرين سنة وتسعة أشهر ، وكان له ~~من الأولاد . أبو الفضائل وهو الأكبر . وأبو الهيجاء . كتابه : أبو الحسن ~~المغربي والمصيصي وغيرهما . حاجبه : لؤلؤ الكبير الجراحي وغيره . والله ~~أعلم . ذكر أخبار أبي الفضائل بن سعد الدولة أبي المعالي شريف بن سيف ~~الدولة أبي الحسن علي بن عبد الله بن حمدان بن حمدون ولي بعد وفاة ms6026 أبيه في ~~يوم الأحد لخمس بقين من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ، وذلك أن ~~والده سعد الدولة لما أدركته الوفاة عهد إليه ، وأوصى لؤلؤا الجراحي ، ~~وجعله مدبر جيشه ، وأوصاهما بالسيدة ست النساء ، وبولده أبي الهيجاء عبد ~~الله الأصغر . ذكر ما كان بين لؤلؤ الجراحي وبين العزيز نزار صاحب مصر وفي ~~سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة وصلت جيوش العزيز نزار صاحب مصر لمحاصرة حلب ~~، وسبب ذلك أن ابن المغربي لما انهزم من سعد الدولة إلى الكوفة عند القبض ~~على آل بكجور كاتب العزيز يستأذنه في الانضمام إليه ، والانحياز إلى جهته ، ~~فأذن له . فسار إليه ، ودخل القاهرة في يوم الخميس النصف من جمادى الأولى ~~سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ، وبلغ عند العزيز مرتبة عظيمة حتى صار يستشيره ~~في عظائم الأمور ، ويأتمنه على الأسرار ، فلما بلغه وفاة سعد الدولة حسن ~~للعزيز أن يبعث جيشا إلى حلب ، وكان العزيز قد بعث بمنجوتكين التركي في جيش ~~إلى دمشق في تاسع شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ، وأمره بحرب منير الذي كان ~~قد تسلم دمشق من بكجور ، ولأنه كان قد عصى على العزيز ، فأمره أنه إذا أخذ ~~دمشق يمضي إلى حلب ، واستكتب العزيز بن المغربي ، فسار إلى دمشق ، وهزم ~~منيرا ، واستولى على البلد للعزيز ، وأقام بها إلى أن انسلخت نة إحدى ~~وثمانين ، وسار إلى حلب ، وكان لؤلؤ قد كتب إلى بسيل ملك الروم ، وعقد بينه ~~وبين أبي الفضائل بن سعد الدولة كما كان بينه وبين أبيه ، فأمر بسيل البرجي ~~صاحب أنطاكية ، أن يكون ظهرا لأبي الفضائل على كل من يقصده ، وينجده متى ~~طلبه ، ولما نزل منجوتكين على حلب PageV26P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" قاتلها مدة شهرين فلم يظفر منها بشيء ، ~~فاستظهر عليه أبو الفضائل ولؤلؤ غاية الاستظهار ، فعاد عنها في شهر رمضان ~~وولى حمص لمعضاد الحمداني . ثم سار إلى حلب في سنة ثلاث وثمانين ، ثم عاد ~~عنها وار إليها في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ، وقد جمع واستعد ، فنازلها ~~وضايقها مدة شهرين ، فبعث لؤلؤ إلى البرجي صاحب أنطاكية في الحضور إليه ms6027 ، ~~فجمع الروم ، وكان قد خرج إليه من بلاد الروم رئيس عظيم عندهم يقال له : ~~أصابع الذهب ، فجمع أيضا من أمكنه ، وسارا بمن معهما حتى نزلا على نهر ~~المقلوب ، فأقاما هناك ، ورجع منجوتكين عن حلب ، ونزل بإزائهما ، وكان ~~عسكره أكثر من جمعهما ، فاقتتلوا ، فكانت الدائرة على الروم ، وذلك في ~~شعبان سنة أربع وثمانين ، وعاد منجوتكين إلى محاصرة حلب ، فحاصرها من شعبان ~~إلى شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين ، فاشتد الحصار على ألها ، وكانت ~~الأخبار ترد على بسيل ملك الروم وهو ببلاد البلغر ، وله بها سنين كثيرة ، ~~وقد استحوذ على أكثرها ، فخاف على حلب فترك قتال البلغر ، ورجع إلى ~~القسطنطينية ، وخرج في نحو أربعين ألفا من خواص أصحابه يركبون البغال ~~الراوين ويجنبون الخيل ، وسار لا يلوى على متأخر ولا يقف لمنقطع فوصل إلى ~~إعزاز في سبعة عشر ألفا ، وعزم على أن يكبس منجوتكين ، فنمى الخبر إليه ، ~~فانهزم لوقته ، وسار إلى دمشق . ذكر الصلح بين أبي الفضائل والعزيز نزار ~~صاحب مصر قال : ولما رجع منجوتكين إلى دمشق توسط بدر الحمداني في الصلح بين ~~العزيز وأبي الفضائل ، فتم ، وانعقد في بقية سنة خمس وثمانين وثلاثمائة ، ~~وورد كتاب الصلح على أبي الفضائل مع مختار الحمداني ، وأقام الأمر على ذلك ~~إلى أن توفي لؤلؤ الحمداني ، وانقطع خبر أبي الفضائل ولم يسمع له ذكر إلا ~~أن لؤلؤا الجراحي كان يدبر أمر حلب إلى سنة أربع وأربعمائة ، وكتب له سجل ~~في شوال من السنة من قبل الحاكم صاحب مصر بملك حلب ، ولقبه مرتضى الدولة . ~~PageV26P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" وانقرضت الدولة الحمدانية بعد أبي الفضائل ، ~~وكانت مدة هذه الدولة منذ ولى أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان ابن حمدون ~~ولاية الموصل في سنة اثنتين وتسعين ومائتين إلى أن استقل لؤلؤ الجراحي ~~بالملك بعد أبي الفضائل في سنة أربع وأربعمائة مائة سنة واثنتا عشرة سنة ~~تقريبا . وعدة من ملك منهم ستة ملوك ، وهم : أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان ~~. ثم ابنه ناصر الدولة أبو محمد الحسن ، ثم أخوه سيف الدولة أبو ms6028 الحسن علي ~~. وعدة الدولة الغضنفر أبو تغلب بن ناصر الدولة ، وسعد الدولة أبوالمعالي ~~شريف بن سيف الدولة . ثم أبو الفضائل بن سعد الدولة ، وعليه انقرضت دولتهم ~~من سائر البلاد ، وكان ملك هذه الدولة بعد وفاة أبي الهيجاء عبد الله في ~~فخذين : الفخذ الأول منها : في ناصر الدولة أبي محمد الحسن وبنيه ، وقاعدة ~~ملكهم الموصل ، وآمد وديار ربيعة ، وسنجار ، وما معها بخروج أبي تغلب ~~الغضنفر بن ناصر الدولة من آمد كما ذكرنا ، وافترق بعده أبناء ناصر الدولة ~~، فبعضهم دخل في طاعة الأمير عضد الدولة ، وبعضهم دخل في طاعة العزيز نزار ~~صاحب مصر ، وعضهم التحق بابن عمهم أبي المعالي شريف بن سيف الدولة ، فممن ~~سار إلى الديار المصرية : أبو عبد الله الحين بن ناصر الدولة ، وأخوه أبو ~~المطاع ذو القرنين ، وولد للحيين بمصر ولده الحسن وهو المنعوت ناصر الدولة ~~، تمكن ناصر الدولة الحسن هذا من دولة المستنصر بالله أبي تميم معد بن ~~الظاهر لإعزاز دين الله صاحب ملك مصر تمكنا عظيما ، وقاد الجيوش ، وعظم ~~شأنه ، ونفذت أوامره حتى لم يبق للمستنصر معه بالديار المصرية إلا مجرد اسم ~~لخلافة . ثم لم يرض ناصر الدولة بذلك ، ولا اقتصر عليه ، ولا قنع به إلى أن ~~حصر المستنصر في قصره ، وجرى له معه وقائع ، نذكرها إن شاء الله تعالى في ~~أخبار المستنصر بالله ، ونذكر هناك أيضا مقتل ناصر الدولة هذا . وكان مقتله ~~في شهر رجب من شهور خمس وستين وأربعمائة بداره بمصر ، وهي الدار المعروفة ~~بمنازل العز التي هي الآن مدرسة لطائفة الفقهاء الشافعية ، ولم يذكر بعد ~~ناصر الدولة هذا أحد من آل حمدان بولاية فنذكره . فهذا الفخذ الأول . ~~والفخذ الثاني منها : في سيف الدولة أبي الحسن علي وبنيه ، وقد تقدم ذكرهم ~~رحمهم الله تعالى . انتهت أخبار الدولة الحمدانية بعون الله تعالى . فلنذكر ~~أخبار الدولة الديلمية البويهية . PageV26P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" ذكر الدولة الديلمية البويهية وابتداء أمر ~~بويه ، ونسبه ، وكيف تنقلت به وببنيه الحال إلى أن استولوا على الأقاليم ~~والممالك . وسياقة أخبارهم إلى أن انقضت دولتهم ذكر ms6029 ابتداء حال بويه ، ~~ونسبه ، وما كان من أمره هو أبو شجاع بويه بن فناخسرو بن تمام بن كوهى بن ~~شيرزيل الأصغر بن شير كنده بن شبيرزيل الأكبر بن شيران شاه بن شيرويه بن ~~سنان بن شيش فيروز بن شيروزيل بن شيسناد ابن بهرام جور الملك بن يزدجرد ~~الملك بن سابور ذي الأكتاف فهم من الفرس ، وإنما نسبوا إلى الديلم لطول ~~مقامهم ببلادهم ، ولذلك لم نذكرهم عند ذكرنا لأخبار الدولة الديلمية ~~الجيلية . وأما ابتداء حال بويه فقد نقل جماعة من المؤرخين أنه كان صيادا ~~يعيش من صيد السمك ، ثم تنقلت به الحال إلى أن خدم جنديا ، وخرج مع الناصر ~~للحق الحسن بن علي العلوي ، وكان يلحظه بعين التقدم لشجاعته ، وكان له خمسة ~~أولاد المشهور منهم ثلاثة ، وهم : عماد الدولة أبو الحسن علي ، وركن الدولة ~~أبو علي الحسن ، ومعز الدولة أبو الحسين أحمد ، فهؤلاء الذين ملكوا البلاد ~~على ما نذكره إن شاء الله تعالى ، وكان له ابنان غير هؤلاء ، وهما : محمد ، ~~وإبراهيم قتل أحدهما مع الناصر للحق ، والآخر مع الحسن بن القاسم الداعي . ~~وحكى ابن الأثير في تاريخه الكامل : أن زوجة بويه ماتت ، وخلفت له ثلاثة ~~بنين ، فاشتد حزنه عليها ، فحكى شهريار رستم الديلمي قال : كنت صديقا لأبي ~~شجاع بويه ، فدخلت إليه يوما ، فعذلته على كثرة حزنه ، وقلت له : أنت رجل ~~تحتمل الحزن ، وهؤلاء المساكين أولادك يهلكهم الحزن ، وسليته جهدي ، وأخذته ~~ففرحته ، وأدخلته ، ومعه أولاده إلى منزلي ، فأكلوا طعاما ، وشغلته عن حزنه ~~، فبينهما هم كذلك إذ اجتاز بنا رجل يقول عن نفسه : إنه منجم ، ومعزم ، ~~ومعبر للمنامات ، ويكتب الرقى والطلسمات ، وغير ذلك ، فأحضره أبو ~~PageV26P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" شجاع ، وقال له : رأيت في منامي كأني أبول ، ~~فخرج من ذكرى نار عظيمة استطالت ، وعلت حتى كادت تبلغ السماء ، ثم انفرجت ، ~~فصارت ثلاث شعب ، وتولد من تلك الشعب عدة شعب ، فأضاءت الدنيا بتلك النيران ~~، فرأيت البلاد والعباد خاضعين لتلك النيران ، فقال المنجم : هذا منام عظيم ~~لا أفسره إلا بخلعة وفرس وركب ، فقال أبو شجاع : والله ms6030 ما أملك إلا الثياب ~~التي على جسدي ، فإن أخذتها بقيت عريانا ، قال المنجم : فعشرة دنانير قال : ~~والله لا أملك دينارا ، فكيف عشرة ، فأعطاه شيئا ، فقال المنجم : إعلم إنه ~~يكون لك ثلاثة أولاد يملكون الأرض ومن عليها ، ويعلو ذكرهم في الآفاق كما ~~علت تلك النار ، ويولدهم جماعة ملوك بقدر ما رأيت من تلك الشعب ، فقال أبو ~~شجاع : أما تستحي ؟ تسخر بنا ؟ أنا رجل فقير ، وهؤلاء أولادي فقراء مساكين ~~كفيف يصيرون ملوكا ؟ فقال له المنجم : أخبرني عن وقت ميلادهم ، فأخبره ، ~~فجعل يحسب ثم قبض على يد أبي الحسن علي فقبلها ، وقال هذا والله الذي يملك ~~البلاد ، ثم هذا من بعده . ثم قبض على يد أخيه أبى علي الحسن ، فاغتاط منه ~~أبو شجاع ، وقال لأولاده : اصفعوا هذا الحكيم ، فقد أفرط في السخرية بنا ~~فصفعوه ، وهو يستغيث ، ونحن نضحك منه ، ثم أمسكوه ، فقال : اذكروا لي هذا ~~إذا قصدتكم ، وأنتم ملوك ، فضحكنا منه وأعطاه أبو شجاع عشرة دراهم . ثم ~~اتفق خروج جماعة من الديلم لملك البلاد . منهم : ما كان بن كالى ، وليلى بن ~~النعمان ، وأسفار بن شيرويه . ومرداويج بن زياد ، وخرج مع كل واحد منهم خلق ~~كثير من الديلم ، وخرج أولاد أبي شجاع في جملة من خرج مع ماكان بن كالى . ~~فلما استولى مرداويج على ما كان بيد ماكان من طبرستان وجرجان ، وضعف ما كان ~~، وعجز ، قال له عماد الدولة ، وركن الدولة : نحن في جماعة ، وقد صرنا ثقلا ~~عليك وعيالا ، وأنت مضيق عليك ، والأصلح لك أن نفارقك ؛ لنخف عليك مئونتنا ~~، فإذا صلح أمرك عدنا إليك ، فأذن لهما . فسار إلى مرداويج ، واقتدى بهما ~~جماعة من قواد ما كان ، وتبعوهما ، فلما صاروا إليه قبلهم أحسن قبول ، وخلع ~~على ابني بويه ، وأكرمهما ، وقلد كل قائد من قواد ما كان الواصلين إليه ~~ناحية من نواحي الجبل ، فقلد على بن بويه الكرج . ذكر أخبار عماد الدولة ~~أبي الحسن علي بن بويه وابتداء الدولة البويهية كان عماد الدولة قد خرج مع ~~أبيه في جيش الناصر للحق ، ثم تنقلت به أمور في ms6031 خدمة الملوك ، ودخل إلى ~~خراسان كرتين ، صار من أصحاب ما كان ، ثم فارقه PageV26P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" إلى مرداويج بن زيار ، ومعه أخواه ، فولاه ~~مرداويج الكرج ، وقلد جماعة القواد المستأمنة الأعمال ، وكتب لهم العهود ، ~~وساروا إلى الري ، وبها وشمكير بن زيار أخو المرداويج ، ومعه الحسين بن ~~محمد الملقب بالعميد ، وهو والد أبي الفضل الذي وزر لركن الدولة بن بويه ، ~~فلما وصل عماد الدولة إلى الرى عرض بغلة للبيع ، فبلغت ألفي وثمانمائة درهم ~~فعرضت على العميد ، فاستجادها ، وقصد أن يبتاعها ، فخلف عماد الدولة أنه لا ~~يأخذ لها منا ، وتابع بعد ذلك مواصلة العميد وبره ، فبلغ عنده مبلغا عظيما ~~، وتمكن منه . قال : وكان مرداويج قد تعقب رأيه في تولية عماد الدولة الكرج ~~، وفي تولية القواد المستأمنة إليه لقرب عهدهم بصحبة ما كان ، فكتب إلى ~~أخيه ، وإلى العميد : بأن يمنعا عماد الدولة من النفوذ إلى الكرج إلا أن ~~يكون قد فات ، وكان الرسم جاريا أن يقرأ العميد الكتب ، ثم يوقف وشمكير ~~عليها بعد ذلك ، فلما قرأها بعث إلى عماد الدولة يأمره أن يبادر بالخروج ~~إلى عمله ، فسارع إلى ذلك ، ثم رض العميد الكتب على وشمكير ، فعول من ~~الولاة من لم يمض إلى عمله ، وأبقى عماد الدولة . قال : وتسلم عماد لدولة ~~الكرج ، وأخذ في الإفضال على الرجال ، وعلى عمل البلد ، فكانت كتب العامل ~~تمضي إلى الرى يشكره ، ثم فتح قلاعا كانت باقية في أيدي الخرمية ، وأخذ ~~منها أموالا جمة ، وغنائم كثيرة ، وصرف أكثرها في جمع الرجال عليه ~~واستجلابهم . ؟ ؟ ذكر خروج عماد الدولة بن بويه عن طاعة مرداويج ، ومخالفته ~~له ، وملكه أصفهان كان سبب ذلك أن عماد الدولة لما تحقق قدم مرداويج على ~~ولايته احتاط لنفسه ، وأخذ في جمع الرجال ، والإنعام عليهم ، وهو في ذلك ~~يظهر طاعة مرداويج ، واتفق أن مرداويج سبب لبعض قواده على الكرج بمال ، ~~فأنعم عماد الدولة على أولئك القواد ، واستمالهم ، فمالوا إليه ، وباطنوه ، ~~فلما وثق منهم أعلن بخلع مرداويج ، وبايعه الواد ، فخرج بهم عماد الدولة من ~~الكرج عد أن استفى أمواله ، وقصد ms6032 أصفهان ، وعرض أصحابه ، فكانوا ثلاثمائة ~~رجل ، لكنهم منتجبون مسنظهرون في العدة ، وسار إليها ، وبها أبو الفتح ~~المظفر بن ياقوت واليا للحرب ، وأبو علي رستم واليا للخراج ، وهما من قبل ~~الخليفة ، وكاتبهما عماد الدولة أن يدخل معهما في خدمة لسلطان ، فامتنعا من ~~ذلك ، اتفق فيغضون ذلك ، وفاة رستم ، فنزل عماد الدولة PageV26P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" بجوزنجان ، وهي قرية على ثلاث فراسخ من أصفهان ~~، وبرز إليه أبو لفتح بن ياقوت في ألوف من الرجال من جملتهم ستمائة ديلمى ، ~~فاستأمن إلى عماد الدولة منهم أربعمائة رجل ، وانفصل المائتان الأخر لاحقين ~~بما كان ، وهو يومئذ بكرمان ، وانهزم ابن ياقوت بعد حرب شديدة ، ودخل عماد ~~الدولة أصفهان في يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة إحدى ~~وعشرين وثلاثمائة ، وكانت أصفهان أول شيء استولى عليه عماد الدولة بن بويه ~~. والله أعلم . ؟ ذكر استيلائه على أرجان وغيرها ، وملك مرداويج أصفهان قال ~~: ولما بلغ مرداويج خبر الوقعة خاف جانب عماد الدولة ، وأهمه أمره ، فشرع ~~في إعمال الحيلة ، فراسله يعاتبه ، ويستميله ويطلب منه أن يظهر طاعته ليمده ~~بالعساكر الكثيرة ، لفتح بها البلاد ، ولا يكلفه سوى الخطبة له في البلاد ~~التي يستولي عليها ، ولما سير الرسل جهز أخاه وشمكير في عسكر ضخم ليكبسس ~~عماد الدولة ، وهو مطمئن ، فنمى الخبر إلى عماد الدولة ، فارتحل عن أصبهان ~~بعد أم أقام بها نحوا من شهر ، وتوجه إلى أرجان وبها أبو بكر محمد بن ياقوت ~~، فانهزم أبو بكر عنها إلى رامهرمز من غير حرب ، ودخلها عماد الدولة ، ~~واستخرج منها أموالا وانفقها في جيشه ، ثم وردت على بن بويه كتب من أبي ~~طالب زيد بن علي النوبندجاني يستدعيه إلى شيزار مدينة بلاد فارس ، ويهون ~~عليه أمر أميرها ياقوت ، وكان ياقوت في جيش كثير العدد من قبل الخليفة ، ~~فسار عماد الدولة إلى قرية تعرف بالخوان دان ، فسار إليه ياقوت ، ووردت ~~مقدمته في ألفي رجل ، فوافاهم عماد الدولة بالنوبند جان . وذلك في شهر ربيع ~~الآخر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ، فلم يثبتوا له ، وانهزموا إلى مكان ms6033 ~~يقال له : الكركان ، ووافاهم ياقوت بهذا الموضع ، وأقام عماد الدولة أربعين ~~يوما PageV26P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" في ضيافة زيد بن علي النوبند جاني . وكان مبلغ ~~ما خسر عليه في هذه المدة مائتي ألف دينار ، ثم سار بعد ذلك إلى اصطخر ، ~~وسار ياقوت وراءه يتبعه ، حتى انتهى إلى قنطرة على طريق كرمان ، فسبقه ~~ياقوت إليها ، ومنعه عن عبورها واضطره إلى الحرب . ؟ ذكر الاستيلاء على ~~شيراز قال : ولما بقه ياقوت إلى القنطرة اضطر إلى محاربته ، وابتدأت الحر ~~بينهما في يوم الثلاثاء لأبع عشرة ليلة بيت من جمادى الأولى سنة اثنتين ~~وعشرين وثلاثمائة ، واستمرت إلى يوم الخميس ، فأحضر عماد الدولة أحابه ، ~~ووعدهم الجميل ، وأنه يترجل معهم عند الحرب ، وكان من سعادته أن جماعة من ~~أصحابه استأمنوا إلى ياقوت ، فضرب ياقوت أعناقهم ، فأيقن من بقي مع عماد ~~الدولة بن بويه أنه لا أمان لهم عند ياقوت ، فقاتلوا قتال من استقتل ، ثم ~~قدم ياقوت أمام أصحبه رجالة كثرة يقاتلون بقوارير النفط ؛ ليحرقوا أتراس ~~الديلم ، فلما رموا النار انقلبت الريح ، فصارت في وجوههم ، واشتدت فعادت ~~النار عليهم ، وتعلقت في ثيابهم ووجوهم ، فاختلطوا وركبهم أصحاب بن بويه ، ~~فقتلوا أكثر الرجالة ، وخالطوا الفرسان ، فكانت الهزيمة على ياقوت وأصحابه ~~. ولما انهزم أصحاب ياقوت صعد على نشز مرتفع . ونادى في أصحابه الرجعة ~~الرجعة ، فاجتمع إليه نحو أربعة آلاف فارس ، فقال لهم اثبتوا فإن الديلم ~~يشتغلون بالنهب ، ويتفرقون ، فنأخذهم ، فثبتوا معه ، فلما رأى بن بويه ~~ثباتهم نهى أصحابه عن النهب ، وقصد ياقوت ، فانهزم ياقوت منه ، واتبعه ~~أصحاب بن بويه يقتلون ، ويأسرون ، ويغنمون ، ثم رجعوا إلى السواد ، فغنموه ~~، ووجدوا فيه برانس لبود عليها أذيال الثعلب ، ووجدوا قيودا وأغلالا فسألوا ~~عنا ، فقال أصحاب ياقوت : إن هذه كانت أعدت لكم لتجعل عليكم ، ويطاف بكم في ~~البلاد ، فأشار أصحاب بن بويه عليه ، أن يفعل ذلك بأصحاب ياقوت ، فامتنع ~~عماد الدولة ، وقال : إنه بغى ولؤم ، وقد لقى ياقوت بغيه ، ثم أحسن إلى ~~الأساري ، وأطلقهم وقال : هذه نعمة والشكر عليها يقتضي المزيد ، وخير ~~الأساري بين المقام عنده ، واللحاق ms6034 بياقوت ، فاختاروا المقام عنده ، فخلع ~~عليهم ، وأحسن إليهم ، وسار PageV26P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" من موضع الوقعة ، حتى أتى شيراز ، ونادى في ~~الناس بالأمان ، وبث العدل ، وأقام رشحنة تمنع من الظلم ، واستولى على تلك ~~البلاد . ذكر واقعة غيبة اتفقت لعماد الدولة كانت سبب ثبات ملكه وقيام ~~دولته قال : ولما دخل عماد الدولة شيراز طلب الجند أرزاقهم ، فلم يكن عنده ~~ما يعطيهم ، وكاد أمره ينحل ، فجلس في غرفة في دار الإمارة بشيراز ، وهو ~~يفكر في أمره فرأى حية خرجت من موضع في سقف تلك العرفة ، ودخلت في بخش هناك ~~، فخاف أن تسقط عليه ، فدعا الفراشين ، ففتحوا ذلك الموضع ، فرأوا وراءه ~~بابا ، فدخلوا منه إلى غرفة أخرى ، فإذا فيها عشرة صناديق مملوءة نالا ~~ومصاغا ، فكان فيها ما قيمته خمسمائة ألف دينار ، فأنفقها ، وثبت ملكه بعد ~~أن كان قد أشرف لى الزوال . وحكى . أنه أراد أن يفصل ثيابا ، فدلوه على ~~خياط كان لياقوت ، فأحضره ؛ فحضر خائفا ، وكان أصم ، فقال له عماد الدولة ~~لا تخف ، فإنما أحضرتك لتفصل لنا ثيابا ، فلم يفهم الخياط ما قال ، فابتدأ ~~وحلف بالطلاق والبراءة من دين الإسلام أن الصناديق التي عنده لياقوت ما ~~فتحها ، ولا علم ما فيها ، فعجب عماد الدولة من هذا الاتفاق ، وأمره ~~بإحضارها ، فأحضر ثمانية صناديق فيها أموال وثياب ، قيمة ما فيها ثلاثمائة ~~ألف دينار ، ثم ظهر له من ودائع ياقوت ، وخائر عمرو ، ويعقوب ابني الليث ~~جملة كبيرة ، فامتلأت خزائنه ، وثبت ملكه . ؟ ذكر تولية عماد الدولة من قبل ~~الخليفة قال : ولما تمكن عماد الدولة من شيراز ، وبت ملك ببلاد فارس ، كتب ~~إلى الخليفة الراضي بالله ، وإلى وزيره أبى علي بن مقلة يعرفهما أنه على ~~الطاعة ، ويطلب أن يقاطع على ما بيده من البلاد ، وبذل ألف ألف درهم ، ~~فأجيب إلى ذلك ، وتقدمت إليه لخلع ، وشرطوا على الرسول ألا يسلم إليه لخلع ~~إلا بعد قبض المال . فلما PageV26P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" وصل الرسول خرج عماد الدولة إلى لقائه ، وطلب ~~منها الخلع واللواء ، فذكر له ما اشترط علي ، فأخذها منه قهرا ، ولبسها ms6035 ، ~~ونشر اللواء ، ودخل البلد ، وغالط الرسول بالمال ، فمات الرسول عنده في سنة ~~ثلاث وعشرين وثلاثمائة . وقال : ولما سمع مرداويج ما حصل لعماد الدولة ابن ~~بويه قام لذلك وقعد ، فسار إلى أصفهان للتدبير عليه ، وعزم على الخروج إليه ~~بنفسه ، فبلغ عماد الدولة ذلك ، فبادر بمكاتبته ، وسأله إقراره على بلاد ~~فارس على أن يقيم له الدعوة ، ويضرب باسمه السكة ، وينفذ إليه أخاه ركن ~~الدولة بن بويه رهينة ، فقل ذلك منه ، واعتقل ركن الدولة ، فلما صار في ~~اعتقاله لم يكن بأسرع أن اتفق قتل مرداويج على ما قدمنا ذلك في أخبار ~~مرداويج ، فهرب ركن الدولة بمواطأة من سجانه ، وخرج إلى الصحراء ليفك قيوده ~~، فأقبلت بغال عليها تبن ، ومعها بعض أصحابه وغلمانه ، فلما رأوه ألقوا ~~التبن ، فكسروا قيوده ، وحملوه إلى أخيه عماد الدولة بفارس وفي سنة خمس ~~وعشرين وثلاثمائة تسمى عماد الدولة شاهنشاه ، ولبس تاجا من الذهب مرصعا ~~بالجواهر ، وجلس على السرير . ذكر وفاة عماد الدولة بن بويه وملك بن أخيه ~~عضد الدولة بن ركن الدولة ابن بويه كانت وفاته في جمادى الآخرة ، وقيل توفى ~~لأربع عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين ، وكانت علته قرحة في ~~كلاه طالت به ، وتوالت عليه الأسقام والأمراض ، ولما حس بالموت أنفذ إلى ~~أخيه ركن الدولة أن ينفذ إليه عضد الدولة فناخسروا ولده ليجعله ولي عهده ، ~~ووارث ملكه بفارس ؛ لأن عماد الدولة لم يكن له ولد ذكر ، فأنفذه ركن الدولة ~~، فوصل قل وفاته بسنة ، فخرج عماد الدولة إلى لقائه في جميع عساكره ، ~~وأجلسه على سرير ، ووقف عماد الدولة بين يديه ، وأمر الناس بطاعته ، ~~والانقياد إليه ، وقبض على من كان يخاف منه من القواد ثم توفي عماد الدولة ~~بعد ذلك بسنة ، فكانت مدة مملكته لبلاد فارس سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما ، ~~وكان عمره ما بين ثمانية وخمسين سنة إلى تسع وخمسين ، وقيل سبعة وخمسين ~~ودفن بدار المملكة بشيراز ، وكان شجاعا عاقلا كريما مجربا حسن السياسة عظيم ~~القدر ، ووزر له في ابتداء أمره أبو سعيد إسرائيل بن موسى النصراني ms6036 إلى أن ~~قتل ، ثم وزر أبو العباس أحمد بن محمد إلى أن مات عماد الدولة . وحجابه : ~~خطلخ إلى أن قتل ، ثم سباسى حتى توف ، ثم بارس إلى أن توفى عماد الدولة ، ~~ولما مات عماد الدولة استقر عضد الدولة في الملك بعده ببلاد فارس ، ~~PageV26P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" ثم كان من أمرهما نذكره إن شاء الله تعالى في ~~الطبقة الثانية من بني بويه ، وكان عماد الدولة هو الأسن الأكبر من بني ~~بويه . والمشار إليه بينهم ، فلما مات صار أخوه ركن الدولة أمر الأمراء . ~~وكان معز لدولة هو المستولي على العراق ، وهو كالنائب عنهما . ذكر أخبار ~~ركن الدولة أبى لي الحسن بن بويه كان ركن الدولة في خدمة أخيه عماد الدولة ~~يندبه في مهماته وأشغله ، وجهزه وهو في حرب ياقوت في سنة إحدى وعشرين ~~وثلاثمائة إلى كازرون ، وغيرها من أعمال فارس ، فاستخرج منها أموالا جليلة ~~، فأنفذ ياقوت عسكرا إليه لمنعه من ذلك ، فقاتلهم وهزمهم ، وهو في نفر يسير ~~، وعاد إلى أخيه بالغنائم والأموال ، ثم جهزه عماد الدولة رهينة عند ~~مرداويج في سنة ثلاث وعشرين كما ذكرناه ، فلما خلص بعد مقتل مرداويج ، ~~والتحق بأخيه عماد الدولة جهزه بالعساكر إلى أصفهان ، فاستولى عليها ، ~~وأزال عنها وعن عدة من بلاد الجبال نواب وشمكير ، وجهز العساكر نحوه ، ~~فبقيا يتنازعان ملك تلك البلاد ، وهي أصفهان ، وهمدان ، وقم ، وقاجان ، ~~وكرج ، والرى ، وكنكور ، وقزوين ، وغيرها ، ثم استولى ركن الدولة على ~~أصفهان ، وملكها فيسنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ، وملك الرى في سنة ثلاثين . ~~ذكر ملك ركن الدولة بن بويه طبرستان وجرجان وفي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة ~~في شهر ربيع الأول اجتمع ركن الدولة ، والحسن بن فيرزان ، وقصدا بلاد ~~وشمكير ، فالتقيا به ؛ فانهزم وشمكير ، وملك ركنالدولة طبرتان ، وار منها ~~إلى جرجان ، فملكها ، واسأمن إليه من قواد وشمكير مائة وثلاثة عشر قائدا ، ~~فأقام الحسن بن الفيرزان بجرجان ، ومضى وشمكير إلى خراسان يستنجد ~~بالسامانية ، واتفقت وفاة الأمير عماد الدولة ، فسار ركن الدولة لتقرير أمر ~~والده عضد الدولة بفارس ، فسار منصور ابن قراتكين صاحب جيش الأمير ms6037 نوح بن ~~نر الساماني إلى الرى ، ودخلها ، وأخرج نائب ركن الدولة منها ، وورد سجل ~~منالخليفة المطيع لله بتقليد ركن الدولة إمرة الأمراء موضع عماد الدولة ، ~~PageV26P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" فقبله ، وانصرف إلى الرى ، ففارقها نصور بن ~~قراتكين قبل وصول ركن الدولة إليها ، وسار إلى أصفهان ، ثم رحل منها ، فنزل ~~طرف مفازة بها على النهر المعروف بور بروديم ، ثم رحل عنه ، والتقى مع ركن ~~الدولة على الروذبار ، والنهر يحجز بينهما ؛ لكنه نهر يخاض ، فأقامت الحرب ~~بينهما سبعة أيام ، م عر منصور النهر بجيوش ، والتقوا من وقت العصر إلى صدر ~~من الليل ، ثم سار منصور في بقية من الليل إلى الرى ، وقدم ركن الدولة ~~مقدمته نحو قاجان ، فلما وصل إليها بلغه وفاة منصور بالرى ، فسار إليها ، ~~ودخلها إليها ، ودخلها بغير قتال وتجهز منها لحرب وشمكير لأنه الذي أغرى ~~بينه ، وبين صاحب خراسان ، فالتقيا على باب الرى بجبل طبرك ، وتواصلوا ~~أربعة أشهر حتى سقط الثلج ، فرجع وشمكير ، ثم اتفقت وفاته ، وقيام والده ~~بهسيتون في الملك بعده ، فدخل في طاعة ركن الدولة ، فزال الخوف ، وحصل ~~الأمن واست الأمر على ذلك إلى سنة خم وستين وثلاثمائة . ذكر ما قرره ركن ~~الدولة بين بنيه وما أفرده لكل منهم من الممالك وفي سنة خمس وستين ~~وثلاثمائة سار ركن الدولة من الرى إلى أصفهان ، واستدعى ولده عضد الدولة من ~~بلاد فارس ، وجمع سائر أولاده ، وحواشيهم ، فقسم ركن الدولة ممالكه على ~~أولاده ، فجع لإبنه عضد الدولة بلاد فارس ، وجعله الملك على جماعة البيت ~~بعد أن أوصاه على إخوته ، وعلى بن عمه عز الدولة بختيار بن معز الدولة ، ~~فإن معز الدولة كان قد توفى ، وملك ابنه بختيار بهده على ما نذكره إن شاء ~~اله تعلى ، وسلم ركن الدولة إلى عضد الدولة أخاه الأصغر خسرو فيروز ، وجعل ~~لمؤيد الدولة ، وهو شقيق عضد الدولة بلاد الرى ، وأصفهان ، وقم ، وقزوين ، ~~وزنجان ، وأبهر ، وما والاها ، وأفرد لفخر الدولة همذان ، والدينور ، ~~والإيغارين وما PageV26P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" اتصل بهم ، واستحلف الأخوين على طاعة عضد ~~الدولة ، واستحلف عضد ms6038 الدولة عى الوفاء لهما ، وكتب الكتاب بينهم ذو ~~الكفايتين أبو الفتح بن العميد ، ومات ركن الدولة عقيب ذلك . ذكر وفاة ركن ~~الدولة ابن بويه وشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته بالى في ليلة السبت ~~لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ست وستين وثلاثمائة ، وقد زاد على ~~سبعين سنة ، وقيل أقل من ذلك ، وكانت مدة إمارته أربعا وأربعين سنة ، وكان ~~رحمه الله حليما كريما كير البذل للمال ، حسن السياسة لرعيته وجنده ، رؤوفا ~~بهم عادلا في الحكم بينهم بعيد الهمة متحرجا من المظالم مانعا لأصحابه من ~~الظلم عفيفا عن الدماء ، وكان يجرى الأرزاق على أهل البيوتات ، ويصونهم عن ~~التبذل ، وكان يقصد المساجد الجامعة في أشهر الصيام للصلاة ، وينتصب لرد ~~المظالم ، ويتعهد العلويين بالأموال الكثيرة ، ويتصدق على ذو الحاجات ، ~~ويلين جانبه للخاص والعام ، وحكمي عنه : أنه سار في بعض أسفاره ، ونزل في ~~خركاة قد نصبت له قبل أصحابه ، وقدم إليه الطعام ، فقال لبعض أصحابه لأي ~~شيء قيل في المثل : خير الأشياء في القرية الإمارة ، فقال : لقعودك في ~~الخركاة ، ولهذا الطعام بين يديك ، وأنا لا خركاة ، ولا طعام ، فضحك ، ~~وأعطاه الخركاة ، والطعام . ومن محاسن أفعاله ما فعله من نصرة بختيار بن ~~أخيه معز الدولة على ابنه عضد الدولة على ما نكره في أخبار عز الدولة ~~بختيار . وكان له من الأولاد : عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو ، وفخر الدولة ~~أبو الحسن علي ، ومؤيد الدولة أبو منصور بويه ، وأبو العباس خسرو فيروز . ~~وزراؤه : أول من وزر له : الأستاذ أبو الفضل أحمد بن العميد إلى أن توفي في ~~سنة تسع وخمسين ، فاستوزر بعده ولده ذا الكفايتين أبا الفتح محمد ، وهو ~~اثنتين وعشرين إلى أن توفي ركن الدولة . PageV26P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" ذكر أخبار معز الدولة ابن بويه هو أبو الحسين ~~أحمد بن بويه ، ومعز الدولة أصغر إخوته سنا ، وأكثرهم سعادة ، وأوسعهم ملكا ~~، وكان في ابتداء أمره مع أخيه عماد الدولة ، وحضر معه المصاف الذي بينه ، ~~وبين ياقوت في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ، وهو صبي لم تنبت لحيته ، ~~وعمره ms6039 تسع عشرة ، وكان في ذلك اليوم من أحسن الناس أثرا في الحرب . مسيره ~~إلى كرمان وزوال يده في الحرب ، وما تفق له وفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ~~سار إلى معز الدولة إلى كرمان ، وسبب ذلك أن أخويه : عماد الدولة ، وركن ~~الدولة لما تمكنا من بلاد فارس ، وبلاد الجبل ، وبقي هو ، وهو الأصغر بغير ~~ولاية يستبد بها رأيا أن يسيراه إلى كرمان ، فسار إليها في عسكر ضخم ، فلما ~~بلغ السيرجان استولى عليها ، وجبي أموالها ، وأنفقها في عسكره ، وكانت ~~عساكر نصر بن أحمد الساماني صاحب خراسان تحاصر محمد بن إلياس بن اليسع ~~بقلعة هناك ، فلما بلغهم إقبال معز الدولة ، ساروا عن كرمان إلى خراسان ، ~~فتخلص محمد بن إلياس من القلعة ، وسار إلى مدينة قم ، وهي على أطراف ~~المفازة بين كرمان ، وسجستان ، فسار إليه معز والدولة ، فرحل عن مكانه إلى ~~سجستان بغير قتال ، فسار ابن بويه إلى جيرفت وهي قصبة كرمان ، واستخلف ثم ~~بعض أصحابه ، فلما قارب جيرفت أتاه رسول على الديحي المعروف بعلي كلويه ، ~~وهو رئيس القفص البلوص ، وكان هو وأسلافه متغلبين على تلك الناحية إلا أنهم ~~يجاملون كل سلطان يرد البلاد ، ويطيعونه ، ويحملون إليه مالا معلوما ولا ~~يطئون بساطه ، فبذل لابن بويه ذلك المال ، فامتنع من قبوله إلا بعد دخول ~~جيرفت ، فتأخر علي كلوية نحو عشرة فراسخ ، ونزل بمكان صعب المسلك ، ودخل ~~ابن بويه جيرفت ، وصالح علي كلويه ، وأخذ رهائنه ، وحطب له ، فلما استقر ~~الصلح بينهما PageV26P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" أشار بعض أصحاب ابن بويه عليه بقصد علي ~~والغدر به ، وهون عليه أمره ، وأطعمه في أمواله ، وقال له : إنه قد ترك ~~الاحتراس ، وسكن إلى الصلح ، فأجابه إلى ذلك ، وركب نحوه جريدة ، وكان علي ~~متحرزا قد وضع العيون على ابن بويه ، فعندما تحرك للمسير بلغه ذلك ، فجمع ~~أصحابه ، وكمنهم بمضيق على الطريق ، وأسروا ، ولم يلفت إلا اليسير ، وجرح ~~معز الدولة عدة جراحات ، وأصابته ضربة في يده اليسرى ، فقطعتها من نصف ~~الذراع ، وأصابت ضربة يده اليمنى ضربة أخرى ، فسقط بعض أصابعه ، وسقط إلأى ~~الأرض ms6040 ، وقد أثخن بالجراح ، وبلغ الخبر إلى جيرفت ، فهرب من بها من أصحابها ~~، ولما أصبح على كلويه تبع القتلى ، فرأى الأمير أبا الحسين وقد أشرف على ~~التلف ، فحمله إلى جيرفت ، وأحضر له الأطباء ، وبالغ في علاجه ، واعتذر ~~إليه ، وأنفذ رسله إلى عماد الدولة بالاعتذار ، ويعرفه غدر أخيه ، ويبذل من ~~نفسه الطاعة ، فأجابه عماد الدولة إلى ما بذله ، واستقر بينهما الصلح ، ~~وأطلق كل من عنده من الأسرى ، وأحسن إليهم ، ووصل الخبر إلى محمد بن إلياس ~~بما جرى على ابن بويه ، فسار من سجستان إلى جنابه ، فتوجه إليه معز الدولة ~~، وواقعه ، ودامت الحرب بينهما عدة أيام ، فانهزم ابن إلياس ، وعاد ابن ~~بويه بالظفر ، وسار إلى علي كلويه لينتقم منه ، فلما قاربه أسرى على أصحابه ~~الرجالة ، فكسبوا عسكره ليلا في ليلة شديدة المطر ، فأسروا منهم ، وقتلوا ، ~~ونهبوا وعادوا ، فلما أصبح أبن بويه ، سار نحوهم ، فقتل منهم عددا كثيرا ، ~~وانهزم علي ، وكتب معز الدولة إلى أخيه عماد الدولة بما جرى له معه ، ومع ~~ابن إلياس ، فأمره أخوه بالوقوف مكانه ، ولا يتجاوزه ، وأنفذ إليه قائدا من ~~قواده يأمره بالعود إليه إلى فارس ، ويلزمه بذلك ، فعاد إلى أخيه ، وأقام ~~عنده باصطخر إلى أن قصدهم أبو عبد الله البريدي منهزما من ابن رائق وبجكم ، ~~وأطمع عماد الدولة في العراق ، فسير معه معز الدولة كما قدمنا ذكر ذلك في ~~أخبار الدولة العباسية في أيام الراضي بالله . ذكر استيلاء معز الدولة على ~~الأهواز كان مسير معز الدولة بن بويه إلى الأهواز في سنة ست وعشرين ~~وثلاثمائة للسبب الذي قدمناه ، فسار إليه ، ومعه أبو عبد الله البيدي ، ~~وكان بها بجكم الرائقي ، PageV26P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" فسار لحربهم ، وقاتلهم بأرجان ، فانهزم منهم ~~إلى الأهواز ، وأقام بها ثلاثة عشر يوما ، ثم انهزم إلى تستر ، وسار إلى ~~واسطن واستولى معز الدولة والبريدي على الأهواز ، وأقلعا بها خمسة وثلاثين ~~يوما ، ثم هرب البريدي خوفا على نفسه من معز الدولة ، فكاتبه يعيب عليه ذلك ~~، ويعته ، فاعتذر البريدي إليه أنه خاف على نفسه ، وطلب من معز الدولة أن ms6041 ~~يفرج عن الأهواز ؛ ليتمكن من ضمانه ، وطلب من معز الدولة أن يفرج على ~~الأهواز ؛ ليتمكن من ضمانه ، فإنه كان قد ضمن الأهواز ، والبصرة من عماد ~~الدولة في سنة بثمانية عشر ألف درهم ، فرحل عنها إلى عسكر مكرم خوفا من ~~أخيه لئلا يقول له : كسرت المال ، ثم أنفذ إليه البريدي ثانيا يذكر خوفه ~~منه ، ويطلب منه أن ينتقل إلى السوس ليبعد عنه ، ويأمن هو الأهواز ، فحذره ~~أصحابه ، وخوفوه غدر البريدي ، فامتنع من إجابته إلى ذلك ، وكتب إلى أخيه ~~عماد الدولة ، فأنفذ إليه جيشا ، فقوي بهم ، واستولى على الأهواز ، وهرب ~~البريدي إلى البصرة ، وأقام معز الدولة بالأهواز ، وقصد البصرة وواسط ، ~~وعاد عنهما ، ولم يزل كذلك إلى أن استولى على بغداد . استيلائه على بغداد ~~وتلقيبه وتلقيب اخوته من ديوان الخلافة كان استيلاء معز الدولة على بغداد ~~في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة في خلافة المستكفي بالله ، وسبب ذلك أن ابن ~~شيرزاد لما استولى على إمرة الأمراء ببغداد بعد وفاة توزون ، على ما قدمناه ~~في أخبار الدولة العباسية في أيام المستكفي بالله ، استعمل ينال كوشه على ~~واسط ، فكاتب معز الدولة ، وهو بالأهواز ، ودخل في طاعته ، واستقدمه ، فسار ~~إليه ، وقصد بغداد ، فلما فارقها استتر المستكفي بالله وابن شيرزاد ، وخرج ~~الأتراك من بغداد إلى الموصل ، فلما أبعدوا ظهر المستكفي بالله ، وقدم معز ~~الدولة أبا محمد الحسن ابن محمد المهلبي إلى بغداد ، فاجتمع بالخليفة ، ~~فأظهر السرور بمقدم ابن بويه ، وأعلمه أنه إنما استتر ليتفرق الأتراك ، ~~ويحصل الأمر PageV26P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" لمعز الدولة بغير قتال ، ووصل معز الدولة إلى ~~بغداد في حادي عشر جمادى الأولى من السنة ، ونزل بباب الشماسيه ، ودخل من ~~الغد إلى الخليفة ، وبايعه ، وحلف له ، ولقبه الخليفة بمعز الدولة ، ولقب ~~أخاه أبا الحسن عليا عماد الدولة ، ولقب أبا علي الحسن ركن الدولة ، وأمر ~~بضرب ألقابهم وكناهم على الدنانير والدراهم ، وخلع الخليفة على معز الدولة ~~، وطوقه ، وسوره ، وفوض غليه ما وراء بابه ، وعقد له لواء ، وأمر بالخطبة ~~له على المنابر ، وسأل معز الدولة الخليفة أن يأذن لابن ms6042 شيرزاد في الظهور ، ~~وأن يأذن له أن يستكتبه ، فأجابه إلى ذلك ، فظهر ابن شيرزاد ، ولقي معز ~~الدولة ، فولاه أمر الخراج ، وجباية الأموال ، ونزل معز الدولة بدار مؤنس ، ~~ونزل أصحابه في دور الناس ، فلحق الناس لذلك شدة عظيمة ، وصار رسما عليهم ، ~~وهو أول من فعله ببغداد ، ولم يعرف بها قبله ، وأخذ معز الدولة في مضايقة ~~الخليفة ، والحجر علي ، حتى في نفقته ، ورتب له في كل يوم خمسة آلاف درهم ، ~~فكانت ربما تأخرت عنه ، فأفرد له ضياعا ، وسلمت إليه فولاها من قبله ، ولم ~~يبق حكم في غيرها ، ثم خلعه معز الدولة على ما ذكرناه لثمان بقين من جمادى ~~الآخرة . وبايع المطيع بالله . ذكر الحرب بين معز الدولة ، وناصر الدولة بن ~~حمدان وفي شهر رجب سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة سير معز الدولة عسكرا مقدمهم ~~ينال كوشه وموسى قيادة على مقدمته نحو الموصل ، فلما نزلوا عكبرا أوقع ينال ~~كوشه بموسى ، ومضى هو ومن معه إلى ناصر الدولة ، وكان قد خرج من الموصل ~~يريد العراق ، فوصل إلى سامرا في شعبان ، ووقعت الحرب بينه وبين أصحاب معز ~~الدولة بعكبرا ، فسار معز الدولة هو والمطيع لله إلى عكبرا في شهر رمضان ، ~~فلما سار عن بغداد التحق ابن شيرزاد بناصر الدولة ، وعاد إلى بغداد مع ~~عساكره لناصر الدولة يحارب معز الدولة ، فلما كان في عاشر رمضان ، سار ناصر ~~الدولة من سامرا إلى بغداد ، وأقام بها ، فسار معز الدولة إلى تكريت ، ~~وكانت لناصر الدولة ، فنهبها ، وعاد هو والخليفة إلى بغداد ، ونزلا لناصر ~~الدولة ، فنهبها ، وعاد هو والخليفة إلى بغداد ، ونزلا بالجانب الغربي ، ~~ونصار الدولة بالشرقي . PageV26P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" ثم وقعت الحرب بينهم ببغداد ، وانتشرت أعراب ~~ناصر الدولة بالجانب الغربي فمنعوا أصحاب معز الدولة من الميرة والعلف ، ~~فقلت الأسعار على الديلم ، وضاق الأمر على معز الدولة ، حتى عزم على الرجوع ~~إلى الأهواز ، وقال : نعمل معهم حيلة ، فإن أفادت ، وألا عدنا ، فراتب ما ~~معه من المعابر بناحية التمارين ، وأمر وزيره أبا جعفر الصيمري ، واسفهدوست ~~بالعبور ، ثم أخذ معه بقية العسكر ، وأظهر ms6043 أنه يريد قطربل ، وسار ليلا ، ~~ومعه المشاعل على شاطئ دجلة ، فسار أكثر عسكر ناصر الدولة بازائه ليمنعوه ~~من العبور ، فتمكن الصيمري ومن معه العبور ، فعبروا فلما علم معز الدولة ~~بعبور أصحابه عاد إلى مكانه : فعلموا بحيلتهن فلقيهم ينال كوشه في جماعة من ~~أصحاب ناصر الدولة ، فهزموه واضطراب العسكر الحمداني ، وانهزموا ، وتبعهم ~~ناصر الدولة ، وملك الديلم الجانب الشرقي ، وعاد الخليفة إلى داره . وذلك ~~في المحرم سنة خمس وثلاثين ، ونهب الديلم أموال الناس ببغداد ، وكان مقدار ~~ما نهبوه من أموال المعروفين دون غيرهم عشرة آلاف ألف دينار ، وأمرهم معز ~~الدولة برفع السيف ، والكف عن النهب ، وأمر الناس ، فلم ينتهوا ، فأمر ~~وزيره الصيمري ، فركب ببغداد ، وقتل وصلب جماعة ، وطاف بنفسه ، فامتنعوا ، ~~واستقر معز الدولة ببغداد ، وأقام ابن حمدان بعكبران فأرسل في الصلح بغير ~~مشورة الأتراك التوزونية ، فهموا بقتله ، في شهر المحرم سنة خمس وثلاثين . ~~ذكر اقطاع البلاد وتخريبها وفي سنة أربع وثلاثين أيضا شغب الجند على الأمير ~~معز الدولة ، وأسمعوه المكروه ؛ بسبب أرزاقهم ، فوعدهم إلى مدة ، فاضطر إلى ~~أخذ الأموال من غير وجهها ، ثم اقطع القرى جميعها التي كانت للسلطان ، ~~وأحاب الأملاك ، فبطل لذلك أكثر الدواوين ، وكانت البلاد قبل ذلك قد خربت ~~من الاختلاف والغلاء ، فأخذ القواد القرى العامرة ، فازدادت ما أخذوا خرابا ~~، واختلت البلاد بسبب ذلك ، وتعذر على معز الدولة جمع ذخيرة للنوائب ، ~~وأقطع معز الدولة غلمانه على الأتراك ، وزادهم على الديلم ، فوقع بينهم ~~بسبب ذلك الوحشة والمنافرة ، والله أعلم بالصواب . PageV26P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" ذكر استيلائه على البصرة كان معز الدولة قد ~~ضم البصرة وأعمالها لأبي القاسم بن البريدي في سنة أربع وثلاثين ، ووقع ~~الاختلاف بينهما في سنة خمس وثلاثين ، فأرسل إليه معز الدولة جيشا ، ~~فالتقوا واقتتلوا ، فانهزم أصحاب ابن البريدي ، ثم سار معز الدولة هو ، ~~والخليفة المطيع لله إلى البصرة في سنة ست وثلاثين لاستعادتها من ابن ~~البريدي ، وسلكوا البرية إليها ، فلما وصل الدرهمية استأمن إليه عساكر ابن ~~البريدي ، وهرب أبو القاسم في الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر إلى هجر ms6044 ، ~~والتجأ إلى القرامطة ، وملك معز الدولة البصرة ، وسار منها إلى الأهواز ، ~~وأقام الخليفة ، والصيمري بالبصرة ، والتقى معز الدولة بأخيه عماد الدولة ~~بأرجان في شعبان ، فنزل معز الدولة ، وقبل الأرض بين يديه ، وكان يقف قائما ~~، فيأمره بالجلوس ، فلا يفعل ، ثم عاد إلى بغداد . ذكر ملك معز الدولة ~~الموصل وعوده منها بعد الصلح وفي سنة سبع وثلاثين ، سار معز الدولة إلى ~~الموصل ، ففارقها ناصر الدولة إلى نصيبين ، وملك معز الدولة الموصل في شهر ~~رمضان ، وظلم أهلها ، وعسفهم ، وأخذ أموال الرعايا ، فكثر الدعاء عليه ، ~~وقصد الاستيلاء على جميع بلاد ناصر الدولة ، فأتاه الخبر من أخيه ركن ~~الدولة أن عساكر خراسان قد قصدت جرجان ، والري ، واستمده ، فاضطر إلى ~~مصالحة ناصر الدولة ، فترددت الرسائل بينهما ، واستقرت الحال على أن يؤدي ~~ناصر الدولة عن الموصل ، وديار الجزيرة كلها ، والشام ، في كل سنة ثمانية ~~آلاف ألف درهم ويخطب في جميع بلاده لبني بويه ، وعاد معز الدولة إلى بغداد ~~، فدخلها في ذي الحجة من السنة . ذكر وفاة الوزير الصيمري ووزارة المهلبي ~~في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة توفي أبو جعفر محمد بن أحمد الصيمري وزير معز ~~الدولة بأعمال الجامدة ، واستوزر معز الدولة بعده أبا محمد الحسن محمد ~~المهلبي في جمادى الأولى ، وكان يخلف الصيمري بحضرة معز الدولة ، فعرف ~~أموال PageV26P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" الدولة والدواوين ، وظهرت أمانته ، وكفاءته ، ~~فاستوزره ، ومكنه من الوزارة ، فأحسن السيرة وأزال كثيرا من المظالم ، ثم ~~ضربه معز الدولة بالمقارع في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ، مائة ~~وخمسين مقرعة ووكل به في داره ، ولم يعزله من وزارته بل ضربه لأمور نقمها ~~عليه ، وفي سنة خمس وأربعين في شهر رجب عصى على معز الدولة روزبهان بن ~~وندخزاشيد ، وسار إلى الأهواز ، وأطاعه أكثر الديلم فسار إليه معز الدولة ، ~~ولقيه بالأتراك فقط ، وعدتهم ألف فارس . وذلك قي يوم الاثنين سلخ شهر رمضان ~~من السنة ، فهزمه معز الدولة ، وأسره . وفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة ~~استولى معز الدولة على الموصل ؛ وسبب ذلك أنه كان قد ضمنها له ناصر الدولة ~~بن حمدان ms6045 في كل سنة بألفي درهم . فلما في هذه السنة أخر حمل المال ، فسار ~~إلى الموصل ففارقها ناصر الدولة إلى نصيبين ، ودخلها معز الدولة ، ثم سار ~~منها إلى نصيبين ، ففارقها ناصر الدولة ، وتوجه إلى أخي سيف الدولة بحلب ، ~~فراسله سيف الدولة في الصلح ، فامتنع من تضمين ناصر الدولة لخلفه معه مرة ~~أخرى ، فضمن سيف الدولة البلاد منه بألفي ألف وتسعمائة ألف درهم ، فضمنه ، ~~وذلك في المحرم سنة ثمان وأربعين ، وانحدر إلى بغداد ، وفي سنة خمسين ~~وثلاثمائة أمر معز الدولة ببناء داره ببغداد ، فشرع في عمارتها ، فكان مبلغ ~~الخرج عليها ثلاث عشر ألف درهم ، فاحتاج بسبب ذلك إلى مصادرة جماعة من ~~أصحابه . ذكر ما كتب على مساجد بغداد وفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة في شهر ~~ربيع الآخر منها كتب عامة الشيعة ببغداد بأمر معز الدولة على المساجد ما ~~صورته : لعن الله معاوية بن أبي سفيان ، ولعن من غصب فاطمة رضي الله عتها ~~فدكا ، ومن منع أن يدفع الحسين عند قبر جده عليه السلام ، ومن نفى أبا ذر ~~الغفاري ، ومن أخرج العباس من الشورى . فلما كان الليل محاه بعض الناس ، ~~فأراد معز الدولة إعادته ، فأشار عليه الوزير المهلبي أن يكتب مكان ما محى ~~: لعن الله الظالمين لآل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولا يذكر أحدا ~~في اللعن إلا معاوية ، ففعل ذلك . PageV26P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" ذكر وفاة الوزير المهلبي وفي سنة اثنتين ~~وخمسين وثلاثمائة سار الوزير المهلبي في جمادى الآخرة في جيش إلى عمان ~~ليفتحها ، فلما بلغ البحر اعتل ، واشتدت علته ، فأعيد إلى بغداد ، فمات في ~~الطريق في شعبان وحمل تابوته إلى بغداد ، فدفن بها ، وقبض معز الدولة ~~أمواله ، وذخائره ، وأخذ أهله ، وأصحابه ، وحواشيه ، حتى ملاحه ، ومن خدمه ~~يوما واحدا ، فاستعظم الناس ذلك ، واستقبحوه ، فكانت مدة وزارته ثلاث عشر ~~سنة ، وثلاث أشهر ، وكان كريما فاضلا ذا عقل ومروءة ، فمات بموتة الكرم . ~~ونظر في الأمور بعده أبو الفضل العباس بن الحسين الشيرازي . وأبو الفرج ~~محمد بن العباس بن فساعن من غير تسمية لأحد منهما ms6046 بوزارة . وفيها . في يوم ~~عاشوراء أمر معز الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم ، ويبطلوا الأسواق والبيع ~~والشراء ، وأن يظهروا النياحة ، ويلبسوا ثيابا عملوها من المسوح ، وأن تخرج ~~النساء منشرات الشعور مسودات الوجوه قد شققن ثيابهن ، ويدرن في البلد ~~بالنوايح ، ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي بن أبي طالب ، ففعل الناس ذلك ~~، ولم يكن للسنية قدرة على المنع ، لكثرة الشيعة ؛ ولأن السلطان منهم . ~~وفيها . في ثامن عشر ذي الحجة أمر معز الدولة أيضا بإظهار الزينة في البلد ~~وإشعال النيران بمجلس الشرطة ، وفتحت الأسواق ليلا ، فعل ذلك فرحا بعيد ~~الغدير ، وكان يوما مشهودا . ذكر وفاة معز الدولة بن بويه كانت وفاته في ~~ليلة الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الآخر ، سنة خمس وخمسين ~~وثلاثمائة بعلة الذرب ، وكان بواسط وقد جهز الجيوش لمحاربة عمران بن شاهين ~~الخارج عليه فابتدأ به الإسهال وقوى عليه ، فسار نحو بغداد ، وخلف أصحابه ، ~~ووعدهم أن يعود إليهم . فلما وصل إلى بغداد اشتد مرضه ، وصار لا يثبت في ~~معدته شيء ، فلما أحس بالموت عهد إلى ابنه بختيار ، واظهر التوبة ، وتصدق ~~بأكثر ماله ، واعتق ممالكيه ورد شيئا كثيرا على أصحابه وتوفي ودفن بداره ثم ~~نقل إلى مشهد بني له في مقابر قريش ، فكانت إمارته إحدى وعشرين سنة ~~PageV26P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" وأحد عشر شهرا ويومين . ومولده على ما حكاه ~~أبو اسحاق الصابي في سنة ثلاث وثلاثمائة ، فيكون عمره على هذا ثلاثا وخمسين ~~سنة تقريبا . وكان ملكا شجاعا مقداما ، قوى القلب ، صليب العود ، أبي النفس ~~، إلا أنه كان في أخلاقه شراسة ، وكانت إحدى يديه مقطوعة . وقد ذكرنا سبب ~~قطعها مما تقدم ، وقيل في قطعها غير ذلك . ومعز الدولة هذا هو الذي أحدث ~~السعاة ، ورتب لهم الجرايات الكثيرة لأنه أراد أن يصل خبره إلى أخيه ركن ~~الدولة سريعا ، فنشأ في أيامه فضل ، مرعوش ، وفاقا جميع السعاة ، وكان ~~الواحد منهم يسير في اليوم الواحد نيفا وأربعين فرسخا ، وكان أحدهما ساعي ~~السنية ، والآخر ساعي الشيعة . أولاده : عز الدولة أبو منصور بختيار مشيد ~~الدولة أبو حرب ms6047 حبشي . عمدة الدولة أبو إسحاق إبراهيم أبو طاهر محمد . ~~وزراءه : أول من وزر له أبو الحسن أحمد بن محمد الرازي ، وكان يخاطب ~~بالأستاذية إلى أن توفي بالأهوز في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة . فاستوزر ~~أبا جعفر محمد بن أحمد بن يعلى الصيمري . وكان شجاعا حسن الآثار إلى أن ~~توفي في ليلة الإثنين لست خلون من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين ، فاستوزر ~~أبا محمد الحسن ينت محمد المهلبي من ولد قبيصة بن المهلب ، وخوطب ~~بالأستاذية مدة ، ثم خوطب بالوزارة إلى أن توفي سنة اثنتين وخمسين ، فلم ~~يستوزر بعده أحدا . حجابه : مكلى التركي إلى أن قتل في وقعة ناصر الدولة ، ~~فاستحجب ينال كوشه التركي ، ثم قبض عليه ، واستحجب الحاجب الكبير سبكتكيز ~~التركي ، فطالت يده ، وتجاوز حد الحجاب إلى حد الأولاد ، وقاد جميع جيوشه ، ~~ونعت بالاسفهسلارية ، وكانت إقطاعاته في كل سنة عشرة ألاف ألف درهم ، فأقام ~~إلى أن توفي معز الدولة ، فهذه الطبقة الأولى من بني بويه قد كرناها . ~~فنذكر الطبقة الثانية منهم . ذكر أخبار عز الدولة بختيار هو أبو منصور ~~بختيار تن معز الدولة بن بويه . كان والدة معز الدولة قد عقد له الأمر من ~~بعده في يوم الجمعة لثمان خلون من شهر المحرم سنة أربع وأربعين ~~PageV26P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" وثلاثمائة ، وبايع له الأجناد ، ولقبه المطيع ~~في يوم الإثنين لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين . ثم جلس في ~~السلطنة بعد وفاة أبيه في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع ~~الآخر سنة ست وخمسين وثلاثمائة . والله أعلم بالصواب . ذكر ما كان من ~~الحوادث في أيام عز الدولة بختيار هو أبو منصور بختيار بن معز الدولة بن ~~بويه . كان والده معز الدولة قد عقد له الأمر من بعده في يوم الجمعة لثمان ~~خلون من شهر المحرم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة ، وبايع له الأجناد ، ولقبه ~~المطيع في يوم الإثنين لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين . ثم ~~جلس في السلطنة بعد وفاة أبيه في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ms6048 ليلة خلت من شهر ~~ربيع الآخر سنة ست وخمسين وثلاثمائة . والله أعلم بالصواب . الحوادث أيام ~~عز الدولة بختيار كان أبوه قد أوصاه بطاعة عمه ركن الدولة ، واستشارته في ~~جميع ما يفعله ، وأوصاه أيضا بطاعة عضد الدولة بن عمه لأنه أكبر منه سنا ، ~~وأقوم بالسياسة ، ووصاه بتقرير كاتبيه أبي الفضل العباس ابن الحسن ، وأبي ~~الفرج محمد بن العباس ، وبالحاجب سبكتكين ، فخالف جميع وصاياه ، واشتغل ~~باللعب واللهو ، وعشرة النساء ، والمساخر ، والمغنين ، وشرع في إيحاش ~~كاتبيه ، والحاجب ، فاستوحشوا ، وانقطع الحاجب عنه ، ولم يحضر داره ، ونفي ~~أكابر الديلم عن مملكته شرها في إقطاعاتهم وأموالهم ، وأبعد المتصلين بهم ، ~~فاتفق أصاغرهم ، وطلبوا الزيادات ، فاضطر إلى مرضاتهم ، واقتدى بهم الأتراك ~~، وخرج الديلم إلى الصحراء ، وطالبوا بختيار بإعادة من أسقطه منهم ، فاضطر ~~إلى إجابتهم لتغير الحاجب سبكتكين عليه ، وفعل الأتراك مثل فعلهم ، واتصل ~~خبر وفاة معز الدولة بكاتبه أبي الفرج محمد بن العباس ، وهو يتولى أمر عمان ~~، فسلمها لنواب عضد الدولة ، وسار نحو بغداد ، وإنما فعل ذلك لأن بختيار ~~لما ملك بعد وفاة أبيه انفرد أبو الفضل بالنظر في الأمور ، فخاف أبو الفرج ~~أن يستمر انفرد أبو الفضل النظر بالأمور ، فخاف أبو الفرج أن يستمرانفراده ~~عنه ، فسلم عمان إلى نواب عضد الدولة لئلا يؤمر بالقيام بها لحفظها وصلاحها ~~، ولما وصل إلى بغداد لم يتمكن مما أراد ، وانفرد أبو الفضل بالتدبير دونه ~~. ذكر خروج مشيد الدولة حبشي بن معز الدولة على أخيه عز الدولة وفي سنة سبع ~~وخمسين وثلاثمائة عصي حبش على أخيه ، وكان بالبصرة ، فسير إليه وزيره أبا ~~الفضل العباس ، وأمره بأخذه كيف أمكن ، فسار الوزير ، وأظهر أنه يريد ~~الإنحدار إلى الأهواز ، فلما بلغ واسط أقام بها ليصلح أمرها ، وكتب إلى ~~حبشي يعده أن يسلم إليه البصرة سلما ، ويصالحه عليها ، وقال : إنني قد ~~لزمني مال على الوزارة ، ولا بد من مساعدتي . فأنفذ إليه حبشي مائتي ألف ~~درهم ، وتيقن حصول البصرة له ، PageV26P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" وأرسل الوزير إلى الأهواز يأمرهم بقصد الأبلة ~~في يوم ذكره لهم ، فلم يتمكن حبشي ms6049 من إصلاح شأنه ، فظفروا به ، وأخذوا ~~أسيرا ، وحبسوه برامهرمز ، فأرسل عمه ركن الدولة ، فخلصه منها ، فصار إلى ~~عضد الدولة ، فأقطعه إقطاعا وافرا ، وأقام عنده إلى أن مات في آخر سنة تسع ~~وستين وثلاثمائة ، وأخذ الوزير أمواله بالبصرة ، وكانت شيئا كثيرا ، ومن ~~جملة ما أخذ عشرة آلاف مجلد سوى الأجزاء ، وما ليس له جلد . ذكر عزل أبي ~~الفضل الوزير ووزارة ابن بقية وفي سنة اثنتين وستين وثلاثمائة عزل الوزير ~~أبو الفضل العباس من وزارته في ذي الحجة ، واستوزر محمد بن بقية ، فعجب ~~الناس من ذلك لأنه كان وضيعا في نفسه وهو من أهل أوانا ، وكان أبوه من ~~الفلاحين لكنه كان قريبا من بختيار ، وكان يتولى مطبخه ، ويقدم إليه الطعام ~~، ومنديل الخوان على كتفه إلى أن استوزره ، وحبس الوزير أبو الفضل ، فمات ~~عن قريب ، واستقامت أمور ابن بقية ، ومشت الأحوال بين يديه بما أخذه من ~~أموال أبي الفضل وأصحابه ، فلما فني ذلك ظلم الرعية ، فخربت ، وزاد ~~الاختلاف بين الأتراك ، وبختيار ، فشرع ابن بقية في إصلاح الحال بين بختيار ~~، وسبكتكين ، فاصطلحا ، وركب سبكتكين إلى بختيار ، ومعه الأتراك ، ثم عاد ~~الحال إلى ما كان عليه من الفساد . وسبب ذلك أن ديلميا اجتاز بدار سبكتكين ~~، وهو سكران ، فرمى الروشن بزوبين في يده ، فأثبته ، فصاح سبكتكين بغلمانه ~~، فأخذوه ، وظن أنه وضع على قتله ، فقرره ، فلم يعترف ، فأنفذه إلى بختيار ~~، فأمر بقتله ، فلما قوى ظن سبكتكين أنه كان وضعه عليه ، وأنه إنما قتله ~~لئلا يذكر ذلك إذا قرره . ذكر الفتنة بين بختيار وأصحابه وفي سنة ثلاث ~~وستين وثلاثمائة ابتدأت بين الأتراك والديلم بالأهواز حتى عمت العراق جميعه ~~، واشتدت ، وسبب ذلك أن عز الدولة قلت الأموال عنده ، وكثر PageV26P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" إدلال جنده عليه ، واطراحهم لجانبه ، وشغبوا ~~عليه مرة بعد مرة ، فتعذر عليه الفرار ، ولم يجد وزيره جهة يحتال منها ، ~~فتوجه إلى الموصل في هذه السنة ، ليستولي عليها من أبي تغلب بن حمدان ، فلم ~~يفتح عليه بطائل ، ولم يحصل له من المال ما يسد به الخلة ، فرجع ، وقصد ms6050 ~~الأهواز ليتعرض إلى واليها بختكين أزاذرويه ، ويعمل له حجة يأخذ منه مالا ~~ومن غيره ، فسار بختيار ، وتخلف عنه سبكتكين ببغداد ، فلما وصل إلى الأهواز ~~خدم واليها بختيارا ، وبذل من نفسه الطاعة ، وحمل إليه أموالأ حليلة ، ~~وبختيار ، وتخلف عنه سبكتكين ببغداد ، فلما وصل إلى الاهواز خدم واليها ~~بختيارا ، وبذل من نفسه الطاعة ، وحمل إليه أموالا جليلة ، وبختيار مع هذا ~~يفكر في طريق يأخذه بها ، فاتفقت فتنة الأتراك والديلم ، وكان سببها أن بعض ~~الديلم نزل دارا بالأهواز ، ونزل بعض الأتراك بالقرب منه ، وكان هناك لبن ~~موضوع ، فأراد غلام الديلمي ، أن يبني به معلفا للدواب ، فمنعه غلام التركي ~~، فتضاربا ، وخرج كل من الديلمي ، أن يبني به معلفا للدواب ، فمنعه غلام ~~التركي ، فتضاربا ، وخرج كل من الديلمي والتركي لنصرة غلامه ، فضعف التركي ~~عنه ، فركب ، واستنصر بالأتراك ، فركبوا ، وركب الديلم ، وأخذوا السلاح ، ~~فقتل بعض قواد الأتراك ، فطلب الأتراك بثأر صاحبهم ، وقتلوا من الديلم ~~قائدا ، وخرجوا ظاهر البلد ، واجتهد بختيار في تسكين الفتنة ، فعجز عن ذلك ~~، فجمع الديلم ، واستشارهم فيما يفعله ، وكان أذنا ، فأشاروا عليه بقبض ~~رؤساء الأتراك ، فأحضر أزاذرويه ، وكاتبه سهل بن بشر ، وسباشي الخوارزمي ، ~~وبكتيجور ، وكان حموا لسبكتكين ، فقيدهم ، وأطلق أيدي الديلم في الأتراك ، ~~فنهبوا أموالهم ودوابهم ، وقتل بينهم قتلى ، فهرب الأتراك ، وأخذ بختيار ~~أقطاع سبكتكين ، وأمر فنودي في البصرة بإباحة دم الأتراك . والله أعلم ~~بالصواب . ذكر حيلة لبختيار عادت إليه كان بختيار قد واطأ والدته ، وإخوته ~~أنه إذا كتب إليهم بالقبض على الأتراك يظهرون أن بختيارا قد مات ، ويجلسون ~~للعزاء ، فإذا حضر سبكتكين عندهم قبضوا عليه ، فلما قبض على الأتراك كتب ~~إليهم على أجنحة الطيور بذلك ، عندها أوقفوا الصراخ في داره ، وأشاعوا موته ~~ظنا منهم أن سبكتكين يحضى إلى عندهم ساعة يصل إليه الخبر ، فلما سمع الصراخ ~~أرسل يتعرف الخبر ، فأعلموه ، فأرسل يسأل عن الذي أخبرهم ، وكيف أتاهم ~~الخبر ، فلم يجد نقلا يتق القلب به ، فارتاب لذلك ، ثم وصلت رسل الأتراك ~~بما جرى عليهم ، فعلم أن ذلك مكيدة ، ودعاه الأتراك إلى أن يأتمر ms6051 عليهم ~~فتوفق ، وأرسل إلى أبي إسحاق إبراهيم بن معز الدولة يعلمه أن الحال قد فسد ~~بينه ، وبين أخيه ، فلا يرجى صلاحه ، وأنه لا يرى العدول عن طاعة والدته ، ~~فمنعته منه ، فركب سبكتكين في الأتراك ، وحصر ديار بختيار يومين ، ثم ~~أحرقها ودخلها ، وأخذ أبا PageV26P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" إسحاق وأبا طاهر محمد ، ووالدتهما ، ومن كان ~~معهما ، فسألوه أن يمكنهم من الانحدار إلى واسط ، ففعل ، وانحدروا في الماء ~~، ومعهم المطيع لله ، فأعاده سبكتكين ، وذلك في تاسع ذي القعدة سنة ثلاث ~~وستين ، واستولى سبكتكين على جميع ما كان لبختيار ببغداد ، ونزل الأتراك في ~~دور الديلم ، وتتبعوا أموالهم ، وثارت العامة من السنة لنصرة سبكتكين ، ~~فأحسن إليهم ، وجعل لهم العرفاء ، والقواد ، فثاروا بالشيعة ، وحاربوهم ، ~~وسفكت بينهم الدماء ، وأحرق الكرخ ، وظهرت السنة ، ثم خلع سبكتكين المطيع ، ~~وبايع لإبنه الطائع ، على ما ذكرناه في أخبار الدولة العباسية . ذكر ما ~~اتفق لبختيار بعد قبضه على الأتراك ، ووفاة سبكتكين وقيام الفتكين قال : ~~ولما قبض بختيار على الأتراك كما ذكرناه ، ورأى ما فعله سبكتكين ، وأن بعض ~~الأتراك بواد الأهواز قد عصوا عليه ، أتاه مشايخ الأتراك من البصرة فعاتبوه ~~على ما فعل بأصحابهم ، وقال له الديلم : إنا لا نستغني عن الأتراك في الحرب ~~يدفعون عنا بالنشاب ، فاضطرب رأيه ، ثم أطلق آزاذرويه ، وجعله صاحب الجيش ~~مكان سبكتكين ، وظن أن الأتراك يأنسون به ، وأطلق المعتقلين منهم ، وسار ~~إلى واسط ، وكتب إلى عمه ركن الدولة ، وإلى ابن عمه عضد الدولة يسألهما أن ~~ينجداه ، ويكشفا ما نزل به ، وكتب إلى أبي تغلب بن حمدان يطلب منه أن ~~يساعده بنفسه ، وأنه يسقط عنه المال الذي عليه ، وأرسل إلى عمران بن شاهين ~~بالبطيحة خلعا ، وأسقط عنه باقي المال ، وطلب منه أن يسير إليه بعسكر ، ~~فأما عمه ركن الدولة ، فإنه جهر عسكرا مع وزيره أبي الفتح بن العميد ، وكتب ~~إلى ابنه عضد الدولة بإنجاد ابن عمه ، فوعد بالمسير إليه ، وانتظر ببختيار ~~الدوائر ليستولي على العراق . وأما عمران بن شاهين ، فإنه أخذ الخلع ، وقبل ~~إسقاط المال ، وأبى أن ينجده . وأما ms6052 ابن حمدان ، فإنه أجاب ، وسارع بإرسال ~~أخيه أبي عبد الله الحسين إلى تكريت في عسكر ، وانتظر انحدار الأتراك من ~~بغداد ، فإن ظفروا ببختيار دخل بغداد مالكا لها ، فلما انحدروا عن بغداد ~~سار أبو تغلب بن حمدان إليهما ، ودخلها ليوجب على بختيار الحجة في إسقاط ~~المال الذي عليه ، ووصل إلى بغداد ، والناس في بلاء عظيم من العيارين ، ~~فحمى البلد ، وكف أهل الفساد ، وأما الأتراك ، فإنهم انحدروا مع سبكتكين ~~إلى واسط ومعهم الخليفة الطائع والمطيع ، فتوفي المطيع بدير العاقول لما ~~قدمناه ، ومرض سبكتكين ، فمات ، فحملا إلى بغداد ، وقدم الأتراك عليهم ~~الفتكين ، وهو من أكابر قوادهم وموالي PageV26P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" معز الدولة ، وظن بختيار أن نظام الأتراك قد ~~انحل بموت سبكتكين ، فلم يزدد إلا قوة واشتدادا ، وسار الأتراك إليه ، وهو ~~بواسط ، فقاتلوه ، واتصلت الحرب بينهم خمسين يوما ، والظفر فيها للأتراك ، ~~وحصروه حتى اشتد عليه الحصار وأحدقوا به ، فتابع إنفاذ الرسل إلى عضد ~~الدولة ابن عمه ، وكتب عليه : فإن كنت مأكولا فكن خير آكل . . . وألا ~~فأدركني ولما أمزق فلما رأى عضد الدولة ذلك ، وأن الأمر قد بلغ ببختيار ما ~~كان يرجوه ، سار نحو العراق نجدة لبختيار في الظاهر ، وطلبا للاستيلاء في ~~الباطن . ذكر استيلاء عضد الدولة على العراق والقبض على بختيار قال : وسار ~~عضد الدولة في عساكر فارس ، واجتمع بابن العميد وزير أبيه بالأهواز ، وهو ~~بعساكر الري ، وساروا إلى واسط ، فلما بلغ الفتكين خبر وصولهم رجع إلى ~~بغداد ، واجتمع بختيار بعضد الدولة ، وسار عضد الدولة إلى بغداد في الجانب ~~الشرقي ، وأمر بختيارا أن يسير في الجانب الغربي ، ولما رجع الفتكين إلى ~~بغداد فارفها ابن حمدان إلى الموصل ، ووصل الفتكين بغداد ، وصار محصورا من ~~جميع جهاته ، وذلك أن بختيارا كتب إلى ضبة بن محمود لأسدي بالإغارة على ~~أطراف بغداد ، وقطع الميرة عنها ، وكتب بمثل ذلك إلى بني شيبان ، وكان أبو ~~تغلب بن حمدان من ناحية الموصل يمنع الميرة عنها ، وينفذ سراياه ، فغلت ~~الأسعار ببغداد ، وخرج الفتكين في الأتراك للقاء عضد الدولة ، فلقيه بين ~~ديالي والمدائن ms6053 ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم الأتراك ، وقتل منهم خلق ~~كثير ، وذلك في رابع عشر جمادى الأولى ، وسار الأتراك إلى تكريت ، وسار عضد ~~الدولة إلى بغداد ، وترك بدار الملكة ، وأراد التغلب على العراق ، واستضعف ~~بختيارا ، وإنما خاف من أبيه ركن الدولة ، فوضع جند باختيار على أن يثوروا ~~به ، ويشغبوا عليه ، ويطالبوه بالأموال ، والإحسان إليهم لأجل صبرهم معه ، ~~ففعلوا ذلك ، وبالغوا ، وكان بختيار لا يملك شيئا ، والبلاد خراب ، فلا تصل ~~يده إلى أخذ شيء منها ، وأشار عضد الدولة على بختيار أن لا يلتفت إليهم ، ~~وأن يغلط لهم في الجواب ، ولا يعدهم بما لا يقدر عليه ، وأن يعرفهم أنه لا ~~يريد الإمارة عليهم والرئاسة ، ووعده أنه إذا فعل ذلك توسط بينهم ~~PageV26P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" على ما يريده ، فظن بختيار أنه ناصح له ، ~~ففعل ذلك ، واستعفى من الإمارة ، وأغلق باب داره ، وصرف كتابه وحجابه ، ~~وراسله عضد الدولة ظاهرا بمحضر من مقدمي الجند يشير عليه بتطييب قلوبهم ، ~~وكان قد أوصاه سرا أنه لا يقبل منه ، فعمل بختيار بما أوصاه به ، وقال : ~~لست أميرهم ، وقد برئت منهم وترددت الرسائل بينهم ثلاثة أيام ، هذا ، وعضد ~~الدولة يغريهم به ، والشغب يزيد كل يوم ، فأرسل بختيار إلى عضد الدولة يطلب ~~منه إنجاز ما وعد به ، ففرق الجند على عدة جميلة ، واستدعى بختيارا وإخوته ~~، فقبض عليهم ، ووكل بهم ، وذلك لأربع بقين من جمادة الآخرة ، وجمع الناس ، ~~وأعلمهم استفعاء بختيار من الإمارة لعجزه عنها ، ووعدهم الإحسان إليهم ، ~~والنظر في أمورهم ، فسكنوا إلى قوله . والله أعلم . ذكر عودة بختيار إلى ~~ملكه قال : ولما قبض عضد الدولة على بختيار كان ولده المرزبان بالبصرة ~~متوليا لها ، فامتنع على عضد الدولة ، وكتب إلى ركن الدولة يشكو ما جرى على ~~أبيه وعميه من عضد الدولة ، ومن أبي الفتح بن العميد ، ويذكر الحيلة التي ~~تمت عليه ، فلما سمع ركن الدولة ذلك ألقى نفسه إلى الأرض ، وتمرغ عليها ، ~~وامتنع من الأكل والشرب عدة أيام ، ومرض ، وكان محمد بن بقية قد خدم عضد ~~الدولة بعد بختيار ، وضمن منه مدينة واسط ms6054 وأعمالها ، فلما صار إليها خلع ~~طاعة عضد الدولة ، وخالف عليه ، وأظهر الإمتعاض لقبض بختيار ، وكاتب عمران ~~بن شاهين ، وطلب مساعدته فأجابه إلى ذلك ، وكان عضد الدولة قد ضمن لسهل بن ~~بشر وزير الفتكين بلد الأهواز ، وأخرجه من حبس بختيار ، فكاتبه عمه أبن ~~بقية ، واستماله فأجابه ، وكاتب ركن الدولة من عصي على ابنه عضد الدولة ، ~~بالثبات والصبر ، وأنه على المسير إلى العراق لإخراج عضد الدولة ، وإعادة ~~بختيار ، فاضطربت النواحي على عضد الدولة ، وتجاسر عليه الأعداء ، وانقطعت ~~عنه موارد فارس ، ولم يبق بيده إلا قصبة بغداد ، وطمع فيه العامة ، فرأى ~~إنفاذ أبي الفتح بن العميد برسالة إلى أبيه يعرفه ما جرى له ، وما فرق من ~~الأموال ، وضعف بختيار عن حفظ البلاد ، وأنه إن أعيد خرجت المملكة وتدبير ~~الخلافة عنهم ، وكان في ذلك ، بوارهم ، وسأله ترك نصرة بختيار ، وقال لأبي ~~الفتح : فإن أجاب إلى ما تريد ، وإلا فقل له : إني أضمن منك أعمال العراق ، ~~وأحمل إليك في كل سنة ثلاثين ألف درهم ، وأبعث بختيارا وإخوته إليك ، ~~لنجعلهم بالخيار بين الإقامة عندك ، أو بعض بلاد فارس ، وإن أحببت إلى الري ~~، وأعود أنا إلى فارس ، فالأمر إليك ، وقال لإبن PageV26P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" العميد : فإن أجاب إلى ذلك ، وإلا فقل له : ~~أيها السيد الوالد أنت مقبول الحكم والقول ، ولكن لا سبيل إلى إطلاق هؤلاء ~~القوم بعد مكاشفتهم ، وإظهار العداوة ، وسيقاتلونني بغاية ما يقدرون عليه ، ~~فتنتشر الكلمة ، ويختلف أهل هذا البيت أبدا فإن قبلت ما ذكرته ، فأنا العبد ~~الطائع ، وإن أبيت وحكمت بانصرافي ، فإنني سأقتل بختيارا وإخوته ، وأقبض ~~على كل من اتهمه بالميل إليهم ، وأخرج عن العراق ، وأترك البلاد سايبة ~~ليدبرها من اتفقت له ، فخاف ابن العميد أن يسير بهذه الرسالة ، وأشار أن ~~يسير غيره بها ، ويسير هو بعده ، ويكون كالمشير على ركن الدولة بأجابته إلى ~~ما طلب ، فأرسل عضد الدولة رسولا غيره ، وسير بعده ابن العميد على الجمازات ~~، فلما حضر الرسول عند ركن الدولة ، وذكر بعض الرسالة ، ووثب إليه ليقتله ، ~~فهرب من بين يديه ، ثم رده ms6055 بعد أن سكن غضبه ، وقال : قل لفلان يعني عضد ~~الدولة وسماه بغير اسمه ، وشتمه : خرجت إلى نصرة ابن أخي ، أو الطمع في ~~ملكه ؟ أما عرفت أني نصرت الحسن بن الفيرزان ، وهو غريب مني ، مرارا كثيرة ~~أخاطر فيها بملكي ونفسي ، فإذا ظفرت أعدت له بلاده ، ولم أقبل منه ما قيمته ~~درهم واحد ، كل طلبا لحسن الذكر ، ومحافظة على الفتوة ، تريد أن تمن على ~~بدرهمين أنفقتهما على ، وعلى أولاد أخي ، ثم تطمع في ممالكهم ، وتهددني ~~بقتلهم ؟ فعاد الرسول ، ووصل ابن العميد ، فحجبه ركن الدولة ، وتهدده ~~بقتلهم ؟ فعاد الرسول ، ووصل ابن العميد ، فحجبه ركن الدولة ، وتهدده ~~بالهلاك ، وأنفذ إليه يقول : والله لا تركتك وذلك الفاعل يعني عضد الدولة ~~تجتهدان جهدكما ، ثم لا أخرج إليكما إلا في ثلثمائة جمازة ، وعليها الرجال ~~، ثم أثبتوا إن شئتم ، فوالله لا أقاتلكما إلا بأقرب الناس إليكما ، وكان ~~ركن الدولة يقول : يا أخي هكذا ، أضمنت لي أن تحفظ في ولدي ، ثم أن الناس ~~سعوا لإبن العميد هذه الرسالة ليجعلها طريقا إلى الخلاص من عضد الدولة ، ~~والوصول إليك لتأمر بما نراه ، فأذن له في الحضور عنده ، واجتمع به وضمن ~~إعاده بختيار عضد الدولة إلى فارس ، وتقريربختيار ، فرده إلى عضد الدولة ~~فعرفه جلية الحال ، فأجاب عضد الدولة إلى العود إلى فارس ، وأعاد بختيار ، ~~وخلع عليه ، وشرط عليه أن يكون نائيا عنه بالعراق ، ويخطب له ، وجعل أخاه ~~أبا إسحاق أمير الجيش ، ورد عليهم جميع ما كان لهم ، وسار إلى فارس في شوال ~~من السنة ، وأمر أبا الفتح بن العميد وزير أبيه أن يلحقه بعد ثلاثة أيام ، ~~فلما سار عضد الدولة أقام ابن العميد عند بختيار ، وتشاغلا باللذات ، ~~واتفقا في PageV26P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" الباطن أنه إذا مات ركن الدولة سار إليه ووزر ~~له ، فاتصل ذلك بعضد الدولة ، وكان سبب هلاك ابن العميد ، واستقر بختيار ~~ببغداد ، ولم يف لعضد الدولة ، ولما ثبت ملك بختيار أنفذ ابن بقية من خلفه ~~له ، وحضر عنده ، وأكد الوحشة بينه وبين عضد الدولة ، واستمال ابن بقية ~~الأجناد إليه ، وجبى ms6056 كثيرا من الأموال إلى خزائنه ، وقوى أمره . هذا ما كان ~~من أمر بختيار . بب هلاك ابن العميد ، واستقر بختيار ببغداد ، ولم يف لعضد ~~الدولة ، ولما ثبت ملك بختيار أنفذ ابن بقية من خلفه له ، وحضر عنده ، وأكد ~~الوحشة بينه وبين عضد الدولة ، واستمال ابن بقية الأجناد إليه ، وجبى كثيرا ~~من الأموال إلى خزائنه ، وقوى أمره . هذا ما كان من أمر بختيار . وأما ما ~~كان من أمر الفتكين فإنه سار إلى التتار ، واستولى على دمشق ، وأخذها من ~~ريان خادم المعز لدين الله العلوي صاحب مصر ، وخطب بها للطائع لله في شعبان ~~، وأقطع البلاد ، وكثر جمعه ، وتوفرت أمواله ، وكاتب المعز بالانقياد إليه ~~، فطلبه إلى الحضور عنده ليخلع عليه ، فلم يجبه ، فتجهز المعز وقصده ، فمات ~~، وولى بعده العزيز ، فطمع الفتكين ، واستولى على بعض بلاد الساحل ، فجهز ~~إليه العزيز العساكر مع جوهر ، فحصر دمشق ، فاستنجد الفتكين بالحسن بن أحمد ~~القرمطي ، فأتاه ، ففارق جوهر البلد بعد أن أقام عليها سبعة أشهر ، فتبعه ~~الفتكين والقرامطة ، فأدركوه بظاهر الرملة ، فاقتتلوا ، ثم حصل اتفاقهم على ~~تخلية سبيل جوهر ، فسار إلى مصر ، فخرج العزيز بجموعه ، وقاتل الفتكين ~~وأسره ، وأحسن إليه ، ونقله معه إلى مصر ، وأنزله عند قصره ، وحكمه في ~~دولته ، فتكبر على وزيره يعقوب بن كلس ، فوضع عليه من سقاه سما ، فمات . ~~والله أعلم . ذكر مقتل عز الدولة بختيار بن معز الدولة وشيء من أخباره كان ~~مقتله في ثامن عشر شوال سنة سبع وستين وثلثمائة ، وسبب ذلك أنه كان بينه ، ~~وبين ابن عمه عضد الدولة بن ركن الدولة ما قدمناه ، وقام عمه ركن الدولة في ~~نصرته حتى أعاده ، فلما مات ركن الدولة في سنة ست وستين سار عضد الدولة إلى ~~العراق وكان بينه وبين بختيار واقعة ، واصطلحا بعد ذلك ، ثم سار عضد الدولة ~~في هذه السنة ، واستولى على بغداد كما نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره ، ~~وخرج بختيار من بغداد بما زوده به عضد الدولة ، وقصد الشام ، ومعه حمدان بن ~~ناصر الدولة بن حمدان ، فلما صارا بعكبرا حسن ms6057 له حمدان قصد الموصل ، وأطعمه ~~فيها ، وقال : هي خير من الشام وأسهل ، فسارا نحو الموصل ، وأطعمه فيها ، ~~وقال : هي خير من الشام وأسهل ، فسارا نحو الموصل ، وكان عضد الدولة قد ~~حلفه أنه لا يقصد ولاية أبي تغلب بن حمدان لمودة كانت بينهما ، فنكث وقصدها ~~، فلما صار إلى تكريت أتته رسل أبي تغلب تسأله أن يقبض على أخيه حمدان ، ~~ويسلمه إليه ، وإذا فعل ذلك سار معه بنفسه وعساكره إلى العراق ، وقاتل عضد ~~الدولة ، وأعاده PageV26P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" إلى ملك بغداد ، فقبض بختيار عند ذلك على ~~حمدان ، وسلمه لرسل أخيه ، وسار بختيار إلى الحديثة ، واجتمع بأبي تغلب ~~نحوا من عشرين ألف مقاتل ، وبلغ ذلك عضد الدولة ، فسار من بغداد نحوهما ، ~~والتقوا بقصر الجص بنواحي تكريت ، فهزمهما عضد الدولة ، وأسر بختيار ، وجيء ~~به إلى عضد الدولة ، فلم يأذن له بالدخول عليه ، وأمر بقتله ، واستقر ملك ~~عضد الدولة . وكان عمر بختيار ستا وثلاثين سنة ، ومدة ملكه أحد عشر سنة ~~وستة شهور . أولاده : إعزاز الدولة المرزبان أبو عبد الله الحسن ، أبو ~~العباس سلار ، أبو القاسم ، أبو نصر شاهفرون ، أبو محمد سهلان . وزراؤه : ~~أول من وزر له : أبو الفضل العباس بن الحسين إلى أن قبض عليه في سنة تسع ~~وخمسين ، فاستوزر أبا طاهر محمد بن بقية ، وأقام إلى أن قبض عليه بعد ~~انهزامه من عضد الدولة في الكرة الثانية ، وسلمه ، ثم صلبه عضد الدولة بعد ~~أن رماه تحت أرجل الفيلة . حجابه : إبراهيم بن إسماعيل قتل في الوقعة ، ~~وأما المرزبان ابن عز الدولة ، وعماه : عمدة الدولة إبراهيم ، وأبو طاهر ~~محمد ، فإنهم وصلوا إلى دمشق والتجئوا إلى غلامهم الفتكين ، وشهدوا معه حرب ~~القائد جوهر بعسقلان ، ثم حضروا الواقعة الكائنة بين الفتكين والعزيز ، ~~فقتل محمد ، وأسر المرزبان عمه إبراهيم ، والفتكين ، ومن عليهم العزيز ، ~~واستخدمهم إلى أن توفي المرزبان بمصر في سنة ست وتسعين وثلثمائة في أيام ~~الحاكم ، وتوفي إبراهيم في أيامه أيضا لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة ~~أربعمائة بعد أن نعت بعزيز الدولة الحاكمية . ذكر أخبار عضد ms6058 الدولة هو أبو ~~شجاع فناخسرو عضد الدولة تاج الملة شاهنشاه بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن ~~بويه . PageV26P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" اجتمع له من الممالك ما تفرق لأبيه وعميه ، ~~وقد قدمنا أن عمه عماد الدولة بن بويه جعله ولي عهده ، وذلك لأربع عشرة ~~بقيت من جماد الأولى سنة تسع وثلاثين وثلثمائة ، فأول ما ظهر من أفعاله بعد ~~وفاة عمه ببلاد فارس أنه استولى على حصن ابن عمارة المتوسط لمدينة هرو ، ~~وهي مدينة على ساحل البحر الهندي من أعمال فارس قد بنيت على مصب الماء تجمع ~~المراكب المنكسرة ، والبضائع الغارقة ، فيستعين أهلها بذلك ، وأهل هذا ~~الحصن ينسبون إلى معدي يكرب ، ثم إلى الجلندي بن كركر يتوارثونه لم ينتزع ~~منهم ، ولم تفتح عنوة ، ولا صلحا قبلها . ذكر بن جوقل في كتابه : أن صاحب ~~هذا الحصن هو الملك المذكو وفي القرآن في قوله تعالى : وكان وراءهم ملك ~~يأخذ كل سفينة غصبا . ولم يباشر عضد الدولة الحصار بنفسه ، وإنما بعث عليا ~~بن الحسين السيفي في جيش إلى الحصن ، فحاصره برهة من الدهر حتى استعزل ~~صاحبه ، وهو أبو طالب بن رضوان بن جعفر بالأمان ، وتسلم الحصن بما فيه ، ~~وفي سنة ست وخمسين وثلثمائة بعث إلى عمان عسكرا مع عسكر لعمه معز الدولة ، ~~ففتحها ، ثم بعد ذلك كرمان في شهر رمضان سنة سبع وخمسين وأقطعها ولده أبا ~~الفوارس ، وأطاعه صاحب سجستان ، ونقش السكة باسمه ، وأقام له الخطبة . ثم ~~ملك قلعة بردسير وهي مثوى آل اليسع ، ولما عاد من كرمان فتح جبال القفص ، ~~وهذه البلاد لها جبل وسهل . فأهل السهل يعرفون : بالمنوجان وهو اسم البلاد ~~، وأهل الجبل يعرفون : بالقفص ، والبلوص ، وهم قبائل وشعوب ، وبلادهم هذه ~~في طرف كرمان مما يلي فارس ، ثم جرت لجيشه معهم بعد ذلك وقائع كان الظفر ~~فيها لأصحاب عضد الدولة ، وفي أثناء حرول جيشه لهم حصل استيلاء عضد الدولة ~~على هرموز ، وبلاد التيز ، ومكران في سنة ستين وثلثمائة ، ثم سألوا الأمان ~~على إقامة الصلوات ، وإيتاء الزكاة ، والإجتهاد في الطاعة ، واجتناب إخافة ~~السبيل فأمنهم ms6059 . قال المؤرخ : ثم سار عسكره ، ومقدمة كوركير إلى أمة من ~~ورائهم يقال لهم الخرمية ، والحاسكية فهزمهم ، وقتل منهم خلقا ، وأسر ~~مقدميهم ، وجماعة من رؤسائهم ، وأنفذهم إلى شيراز ، وتوطأت هذه البلاد مدة ~~، ثم كان بينهم ، وبين العسكر العضدى وقعة لإحدى عشرة ليلة يقيت من شهر ~~ربيع الأول سنة إحدى وستين PageV26P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" وثلثمائة ، ودامت إلى غروب الشمس ، فانجلى ~~ذلك اليوم عن قتل أكثر مقاتليهم ، والإحاطة بحريمهم ، وذراريهم ، ولم يبق ~~منهم إلا اليسير ، ثم كان بين عضد الدولة ، وبين عز الدولة بختيار ابن معز ~~الدولة ما قدمناه في أحبار بختيار في سنة أربع وستين وثلثمائة ، فلا فائدة ~~في إعادته ، فلما مات والده ركن الدولة في سنة ست وستين وثلاثمائة قصد ~~العراق في تلك السنة ، فخرج عز الدولة لقتاله ، والتقوا ، واقتتلوا في ذي ~~القعدة من السنة ، فالتحق بعض أصحاب بختيار بعضد الدولة ، فانهزم بختيار ، ~~واحتوى عضد الدولة على ماله ، ومال وزيره ابن بقية ، وسير عضد الدولة جيشا ~~إلى البصرة ، فملكها . ذكر القبض على أبي الفتح بن العميد العميد وفي سنة ~~ست وستين وثلاثمائة قبض عضد الدولة على أبي الفتح بن العميد وزير أبيه وسمل ~~إحدى عينيه ، وقطع أنفه ، وكان سبب ذلك أنه لما فارق عضد الدولة بغداد كما ~~بغداد كما ذكرناه في أيام بختيار ، أمر ابن العميد أن يلحقه بعد ثلاث ، ~~فخالفه ، ووافق عز الدولة ، ووعده أن يلحق به إذا مات ركن الدولة ، ثم صار ~~يكاتبه بأشياء يكرهها عضد الدولة ، وكان لإبن العميد نائب يعرض كتبه على عز ~~الدولة ، وذلك النائب يكاتب عضد الدولة بما يكتبه ابن العميد بختيار ساعة ~~بساعة ، فلما ملك عضد الدولة بعد موت أبيه كتب إلى أخيه مؤيد الدولة بالري ~~يأمره بالقبض على ابن العميد ، وعلى أهله ، وأصحابه ، ففعل ذلك ، وكان أبو ~~الفتح ليلة قبضه قد أمسى مسرورا ، فأحضر ندماءه ، والمغنين ، وأظهر من آلات ~~الذهب والفضة والزجاج ، وأنواع الطيب ما ليس لأحد مثله ، وشربوا وعمل شعرا ~~، وغنى له به ، وهو : دعوت المنى ودعوت العلى . . . فلما أجابا دعوت القدح ms6060 ~~وقلت لأيام شرخ الشباب : . . . إلى فهذا أوان الفرح إذا بلغ المرء آماله . ~~. . فليس له بعدها مقترح وشرب ليلته على هذا الشعر إلى أن سكر ، وقام ، ~~وقال لغلمانه : اتركوا المجلس على ما هو عليه لنصطبح غدا ، وقال لندمائه ~~بكروا غدا لنصطبح ، ولا تتأخروا ، فانصرف الندماء ، ودخل هو إلى بيت منامه ~~، فلما كان وقت السحر استدعاه مؤيد الدولة ، فقبض عليه ، وأرسل إلى داره ، ~~فأخذ جميع ما فيها ، ومن جملته ذلك المجلس بما فيه . PageV26P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" ذكر استيلاء عضد الدولة على العراق كان ~~اسيتلاؤه على بغداد في سنة سبع وستين ، وذلك أنه سار إلى العراق ، وأرسل ~~إلى عز الدولة ابن عمه يدعوه إلى طاعته ، وأن يتوجه من العراق إلى أي جهة ~~أحب ، فأجاب إلى ذلك ، وسار عن بغداد ، وكان من خبره ، ومقتله ما قدمناه ، ~~ولما قدم عضد الدولة إلى بغداد نزل بباب الشماسية في يوم الخميس لسبع خلون ~~من شهر ربيع الآخر من السنة ، وتلقاه الخليفة الطائع لله في البحر قبل ذلك ~~بيومين ، ثم دخل إلى دار الخلافة في يوم الأحد لتسع خلون من جمادى الأولى ~~منها ، وقبل الأرض بين يدي الخليفة الطائع لله ، فخلع عليه ، وتوجه ، وطوقة ~~، وسورة ، وقلده ما وراء داره ، وعقد له لواءين : أحدهما : على المشرق ، ~~والآخر : على المغرب ، وأرخى إحدى ذؤابتيه منظومة بالجوهر ، وزاد في لقبه ~~تاج الملة : ، وكان وزن السوادين ، والطوق : ألفين وخمسمائة مثقال . قال ~~أبو اسحاق الصباني ، وكان في غرة التاج وجوانبه من الجوهر ، وأحجار الياقوت ~~الأحمر ما يتجاوز إحصاؤها التثمين ، أو يحدها التقويم ، وطرح بين يديه من ~~نشار الذهب والورق شيء كثير على الأنطاع حتى صار كالبيدر ، وقرىء عهده بين ~~الخليفة ، ولم يجر بذلك عادة ، وأخذ الخليفة الذؤابة للرخاة ، فعقدها بيده ~~، وذلك بمسألة تقدمت من عضد الدولة ، وقلده الخليفة سيفا ثانيا وركب من ~~مراكب الخليفة بركب الذهب ، وبين يديه آخر مثله ، والجيش بين يديه ، وخلفه ~~مشاة إلى أن خرج من باب الخاصة ، فسار الجيش أمامه ، واستقر ملكه ببغداد ، ~~خطب له بها ، ولم يخطب لملك قبله ms6061 ببغداد ، وضرب على بابه ثلاث نوب ، ولم ~~تجر بذلك عادة ، قال : ولما دخل إلى بغداد أرسل إلى بختيار يطلب منه وزيره ~~محمد بن بقية ، فسلمه بختيار ، وأنفذ إليه ، فأمر عضد الدولة بإلقائه بين ~~قوائم الفيلة ، فوطئته حتى مات ، وصلب على رأس الجسر في شوال ، فرثاه أبو ~~الحسن الأنباري بقوله : علو في الحياة وفي الممات . . . لحق أنت إحدى ~~المعجزات وقد ذكرنا الأبيات في باب المراثي ، وبقي ابن بقية مصلوبا إلى ~~أيام صمصام الدولة ، فأ ، زل عن جذعه ، ودفن ، ولما استفر ملك عضد الدولة ~~ببغداد ، أتاه PageV26P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" الخبر أن عز الدولة بختيارا قد نقض العهد ، ~~واجتمع هو وابن حمدان ، واتفقا على حربه ، فخرج إليهما ، فكان من أمرهما ما ~~قدمناه في أخبار بختيار ، وأخبار الدولة الحمداينة . ذكر استيلاء عضد ~~الدولة على ملك بني حمدان قال : ولما انهزم أبو تغلب في الحرب التي قدمناها ~~مع عز الدولة سار إلى الموصل ، فسار عضد الدولة نحوه ، فملكها في ثاني عشر ~~ذي القعدة سنة سبع وستين ، وملك ما يتصل بها ، فظن أبو تغلب أنه يفعل كما ~~فعل غيره يقيم يسيرا ثم يضطر إلى المصالحة ، ويعود ، فكان عضد الدولة أحزم ~~من ذلك ، وذلك أنه لما قصد الموصل حمل معه الميرة والعلوفات ، وأقام ~~بالموصل ، وبث سراياه في طلب أبي تغلب ، فأرسل أبو تغلب يسأل أن يضمن ~~البلاد منه ، فلم يحبه إلى ذلك ، وقال : هذه البلاد أحب إلي من العراق ، ~~فسار أبو تغلب إلى نصيبين ، فسير عضد الدولة سرية استعمل عليها حاجبه طغان ~~إلى جزيرة ابن عمر ، وسرية في طلب أبي تغلب ، وعليها أبو طاهر محمد على ~~طريق سنجار ، فسار أبو تغلب مجدا إلى ميا فارقين ، ثم منها إلى بدليس ، ~~واستولى عضد الدولة علي ميافارقين ، وديار مضر ، وغيرها من بلاد الجزيرة ، ~~وذلك في سنة ثمان وستين وثلثمائة ، ثم عاد إلى بغداد في سلخ ذي القعدة من ~~السنة ، واستخلف على أعمال أبي تغلب بن حمدان أبا الوفا طاهر محمد ، وفي ~~سنة تسع وستين في شهر رجب جهز عضد الدولة ms6062 جيشا إلى بني شيبان ، وكانوا قد ~~أكثروا الغارات ، والفساد في البلاد ، وعجز الملوك عن طلبهم ، وكانوا قد ~~عقدوا بينهم وبين أكراد شهر زور مصاهرات ، وكانت شهرزور ممتنعة على الملوك ~~، فأمر عضد الدولة عسكره بمنازلتها لتنقطع أطماع بني شيبان عن التحصن بها ، ~~فاستولى أصحابه عليها ، وملكوها فهرب بنوشيبان ، وسار العسكر في طلبهم ، ~~وأقعوا بهم وقعة عظيمة قتل فيها من بني شيبان خلق كثير ، ونهبت أموالهم ، ~~ونساؤهم ، وأسر منهم ثمانمائة أسير حملوا إلى بغداد . PageV26P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" ذكر عمارة عضد الدولة بغداد وما فعله من وجوه ~~البر وفي سنة تسع وستين وثلاثمائة شرع عضد الدولة في عمارد بغداد وكانت قد ~~خربت لتوالي الفتن فيها ، وعمر مساجدها ، وأسواقها ، وأدر الأموال على ~~الأئمة ، والمؤذنين ، والفقهاء ، والغرباء ، والضعفاء ، وألزم أصحاب ~~الأملاك الخراب بعمارتها ، وجدد ما دثر من الأنهار ، وأعاد حفرها ، ~~وتسويتها وأطلق مكوس الحجاج ، وأصلح الطرق من العراق إلى مكة ، وأطلق ~~الصلات لأهل البيتوتات ، والشرف ، والضعفاء المجاورين بمكة والمدينة ، وفعل ~~مثل ذلك بمشهد على ، والحسين ، وأجرى الجرايات على الفقهاء ، والمحدثين ، ~~والمتكلمين ، والمفسرين ، والنحاة ، والشعراء والأطباء ، والحساب ، ~~والمهندسين ، وأذن لوزيره نصره بن هارون ، وكان نصرانيا بعمارة البيع ، ~~والديرة ، وإطلاق الأموال لفقرائهم . ذكر قصد عضد الدولة أخاه فخر الدولة ، ~~وأخذ بلاده قال : وفي هذه السنة سار عضد الدولة إلى بلا الجبل ، فاحتوى ~~عليها ، وسبب ذلك أن عز الدولة بختيارا كان يكاتب فخر الدولة بعد موت ركن ~~الدولة يدعوه إلى الإتفاق معه على عضد الدولة ، فأجابه إلى ذلك ، واتفقا ~~عليه ، وعلم عضد الدولة بذلك ، فكتمه إلى الآن ، فلما خلا وجهه من أعدائه ~~كاتبه يعاتبه على ما كان منه ، وستميله ، فأجاب جواب المناظر المناوىء ، ~~وكان رسول عضد الدولة إليه خواشاده ؛ وهو من أكابر أصحابه ، فاستمال أصحاب ~~فخر الدولة ، وضمن لهم الإقطاعات ، وأخذ عليهم العهود ، فلما عاد إلى عضد ~~الدولة برز من بغداد ، وقدم جيوشه يتلو بعضها بعضا ، فخرج إليه أصحاب فخر ~~الدولة ، وانضموا إلى عسكره ، وخرج فخر الدولة من همذان هاربا إلى جرجان ، ~~والتجأ إلى شمس المعالي قابوس بن ms6063 وشمكير ، فأمنه ، وأوآه ، وحمل إليه فوق ~~ما في نفسه ، وشركه فيما تحت يده من ملك وغيره ، وملك عضد الدولة ما كان ~~بيد أخيه فخر الدولة : همذان ، والري ، وما بينهما من البلاد ، وسلم لأخيه ~~مؤيد الدولة وجعله نائبه في تلك النواحي ، ثم عرج عضد الدولة على ولاية ~~حسنويه ، فقصد نهاوند ، والدينور ففتحهما وعدة قلاع ، وأخذ ما فيها من ~~ذخائر حسنوية ، وكانت جليلة المقدار ، وأصاب عضد الدولة في هذه السفرة ~~PageV26P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" صرع ، كان قد حدث به وهو بالموصل ، فكتمه ، ~~وصار كثير النسيان لا يذكر الشيء إلا بعد جهد كبير ، وبقي الصرع يعاوده إلى ~~أن قتله على ما نذكر إن شاء الله تعالى . ذكر ملك عضد الدولة بلد الهكارية ~~وفي هذه السنة سير عضد الدولة جيشا إلى الأكراد الهكارية بأعمال الموصل ، ~~فأوقع بهم ، وحصر قلاعهم ، وطال مقام الجند في خصرها ، وكان من بالحصون من ~~الأكراد ينتظرون نزول الثلج ليرحل العسكر عنهم ، فقدر الله تعالى أن الثلج ~~تأخر نزوله في تلك السنة ، فطلبوا الأمان ، فأجيبوا إليه ، وسلموا القلاع ~~ونزلوا إلى الموصل مع العسكر ، فلم يفارقوا أعمالهم غير يوم واحد حتى نزل ~~الثلج ، ثم أن مقدم الجيش غدر بالهكارية ، وقتلهم على جانبي الطريق من ~~معلثايا إلى الموصل نحو خمسة فراسخ . والله أعلم بالصواب . ذكر وفاة عضد ~~الدولة وشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته ببغداد في ثامن شوال سنة اثنين ~~وسبعين وثلثمائة ، وذلك أنه اشتد به ما كان يعتاده من الصرع ، وضعفت قوته ~~عن دفعه ، فخنقه ، فمات ، ودفن بمشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وجلس ~~ابنه صمصام الدولة للعزاء ، وأتاه الخليفة الطائع لله ، فعزاه به ، وكان ~~عمر الدولة سبعا وأربعين سنة ، مدة سلطنته بالعراق خمس سنين وستة شهور ، ~~وأما مدة ملكه ببلاد فارس منذ وفاة عمه عماد الدولة وإلى أن توفي هو : ثلاث ~~وثلاثون سنة وأربعة أشهر وواحد وعشرون يوما . قال : ولما حضرته الوفاة لم ~~ينطلق لسانه بغير قول الله تعالى : ما أغنى عني ماليه . هلك عني سلطانية ، ~~وكان عاقلا حسن السياسة ms6064 ، شديد الهيبة ، بعيد الهمة ثاقب الرأي محبا ~~للفضائل وأهلها ، باذلا في مواضع العطاء ، مانعا في أماكن الحزم ، ناظرا في ~~عواقب الأمور ، وكان له شعر حسن فمنه قوله وقد أرسل إليه أبو تغلب بن حمدان ~~يعتذر من مساعدته لبختيار ، ويطلب الأمان فقال عضد الدولة : أأفاق حين وطئت ~~ضيق خناقة . . . يبغي الأمان وكان يبغي صارما فلأركبن عزيمة عضدية . . . ~~تاجية تدع الأنوف رواغما PageV26P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" وقال أبياتا ، فمنها بيت لم يفلح بعده ، وهي ~~: ليس شرب الكاس إلا في المطر . . . وغناء من جوار في السحر غانيات سالبات ~~للنهي . . . ناعمات في تضاعيف الوتر مبرزات الكأس من مطلعها . . . ساقيات ~~الراح من فاق البشر عضد الدولة وابن ركنها . . . ملك الأملاك غلاب القدر . ~~ومن أخباره أنه كان في قصره جماعة من الغلمان يحمل إليهم مشاهراتهم من ~~الخزانة ، فأمر أبا نصر خواشاذه أن يتقدم بصرف جوامكهم إلى نقيبهم في شهر ، ~~وقد بقي منه ثلاثة أيام ، قال أبو النصر : فأنسيت ذلك أربعة أيام ، سألني ~~عضد الدولة عن ذلك ، فاعتذرت بالنسيان ، فأغلظ لي ، فقلت : أمس استهل الشهر ~~، والساعة يحمل المال ، وما هذا مما يوجب شغل القلب ، فقال : المصيبة بما ~~لا نعلم من الغلط أكبر منها في التفريط ، أما تعلم أنا إذا أطلقنا لهم ما ~~لهم قبل محله كان الفضل لنا عليهم ، وإذا أخرنا عنهم ذلك حتى استهل الآخر ~~حضروا عند عارضهم ، وطالبوه ، فيعدهم ، ثم يحضرون في اليوم الثاني ، فيعدهم ~~، ثم يحضرون في اليوم الثاني ، فيعدهم ، ثم يحضرون في اليوم الثالث ، ~~ويبسطون ألسنتهم ، فتضيع المنة ، وتحصل الجرأة ، وتكون إلى الخسارة أقرب ~~منا إلى الربح ، وكان لا يعول في الأمور إلا على الكفاءة ، ولا نجعل ~~للشفاعات طريقا إلى معارضة ما ليس من جنس الشافع ، ولا فيما يتعلق به . حكى ~~أن مقدم جيشه أسفاربن كردويه شفع في بعض أنباء العدول ليتقدم عند القاضي ~~بسماع البينة بتزكيته ، وتعديله ، فقال له : ليس هذا من أشغالك ، إنما الذي ~~يتعلق بك الخطاب في زيادة قائد ، ونقل رتبة جندي ، وما يتعلق بهم ، وأما ~~الشهادة وقبولها ، فهي إلى القاضي ms6065 وليس لنا ، ولا لك الكلام فيه ، ومتى عرف ~~القضاة من إنسان ما تجوز معه قبول شهادته ، فعلوا ذلك بغير شفاعة ، وكان ~~رحمه الله يخرج كل سنة أموالا كثيرة للصدقة ، والبر في سائر البلاد ، ويأمر ~~بتسليم ذلك إلى القضاة ، ووجوه الناس ليصرفوه إلى مستحقه ، وكان يوصل إلى ~~العمال المتعطلين ما يقوم بهم ، ويحاسبهم به إذا عملوا ، وكان محبا للعلوم ~~وأهلها ، مقربا لهم ، محسنا إليهم وكان يجلس معهم ، ويعارضهم في المسائل ، ~~فقصده العلماء من كل بلد ، وصنفوا له الكتب منها : الإيضاح في النحو ، ~~ومنها الحجة في القراآت ، ومنها الملكي في الطلب ، PageV26P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" والتاجي في التاريخ إلى غير ذلك ، وعمل ~~المصالح العامة في سائر البلاد كالبمارستان والقناطر ، فمن جملة ما عمره : ~~المدينة التي سماها كرد فناخسرو ، وهي على دون الفرسخ من شيراز ، وساق ~~إليها الماء من عين كانت على أربع فراسخ منها ، وبدأ بالعمارة في يوم الأحد ~~لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين وثلثمائة ، قال الصابي : ~~بلغت النفقة عليها عشرين ألف ألف درهم ، من غريب عمائره : السكر الذي أنشأه ~~على النهر المعروف بالكر . اصطخر ، وحرمه على عشرة فراسخ من قصبة شيراز ، ~~وهو شادروان عظيم ، ينحط الماء من رؤوس الجبال ويجتمع عليه ، وينحط إلى ~~أغوار كانت فقارا ومهامه ، فلما تم له ذلك بني في تلك الأراضي ثلثمائة قرية ~~، ونقل إليها الفلاحين ، وسماها رستاق فناخسرو ، وصار في مقدار خراج بلاد ~~فارس . قال الصابي : وانتهت النفقة عليه ألفي ألف دينار ، واجتمع لعضد ~~الدولة من المماليك سجستان ، وكرمان ، وجرجان ، وطبرستان ، والري وأصفهان ، ~~وهمذان ، وسائر بلاد أذربيجان ، وبلاد فارس ، وعمان ، والعراق ، والموصل ، ~~وديار مصر ، وديار بكر ، والجزيرة ، وكان مع ما فعله من الخير والبر أحدث ~~في آخر أيامه رسوما جائرة في المساحة ، والضرائب ، وكان يتوصل إلى أخذ ~~المال بكل طريق ، وكان يرفع إليه من الأعمال في كل سنة بعد ما رتبه من ~~الصلات ، والإدارات ، وجهات البر إثنان وثلاثون ألف ألف دينار . أولاده : ~~شرف الدولة أبو الفوارس شيرزيل ، صمصام الدولة أبو كاليجار المرزيان ، بها ms6066 ~~الدولة أبو نصر خسرو فيروز ، وقيل فيروزشاه ، تاج الدولة أبو الحسين أحمد ، ~~وهو أديب آل بويه ، أبو طاهر فيروزشاه ، أبو دلف سهلان توفي في حياته . ~~وزراؤه : الأستاذ الجليل أبو القاسم المطهر بن عبد الله إلى أن قتل نفسه في ~~سنة تسع وستين ، وهو يحاصر البطيحة ، وبهاء الحسن بن عمران بن شاهين ، ~~فاستوزر الأستاذ أبا منصور نصر بن هارون النصراني الشيرازي المشهور بعلو ~~الطبقة في الحساب . حجابه : أبو على اليتمى ، أبو حرب طغان ، أبو الفتح ~~الظفر ابن محمود ، أبو القاسم سعد بن محمد الشاسي وغيرهم . فلنذكر بقية من ~~في طبقة عضد الدولة . PageV26P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" ذكر أخبار مؤيد الدولة أبي منصور بويه ابن ~~ركن الدولة بن بويه كان مؤيد الدولة شقيقا لعضد الدولة ، وأمهما جارية ~~تركية ، وكان نائبا عن أبيه بأصفهان عند خروج عضد الدولة منها إلى بلاد ~~فارس ، فلما توفي والده مضى إلى الري ، وأصفهان ، وكان لا يبرم أمرا إلا ~~برأي أخيه عضد الدولة ، ولما وقع بين عضد الدولة وبين أخيه فخر الدولة ما ~~ذكرناه ، وأخذ بلاده من يده سلمها لمؤيد الدولة نيابة عنه ، وندبه إلى ~~المسير إلى طبرستان ، وجرجان لإنتزاعهما من يد قابوس بن وشمكير ، فسار ~~إليهما ، وانتزعهما منه ، ثم اتفقت وفاة عضد الدولة ، وأقام مؤيد الدولة ~~بعده في البلاد إلى أن توفي بجرجان في شعبان سنة ثلاث وسبعين وثلثمائة ، ~~فكانت مدة ملكه بعد وفاة أبيه سبع سنين ، وستة أشهر ، وأياما . ولده : أبو ~~النصر . وزراؤه : ذو الكفايتين أبو الفتح بن العميد إلى أن قبض عليه بأمر ~~أخيه عضد الدولة كما ذكرناه ، وقطع يده ، وأنفه ، ثم قتله بعد مصادرته ، ~~واستوزره بعده الصاحب الجليل أبا القاسم إسماعيل بن عباد ، وكان يلبس ~~القباء استخفافا بالوزارة ، وانتسابا إلى الجندية ، وإنما عرف ابن عباد ~~بالصاحب لصحبته لإبن العميد . ذكر أخبار فخر الدولة وفلك الأمة أبي الحسن ~~على بن ركن الدولة بن بويه وفخر الدولة هذا هو أوسط أولاد ركن الدولة يلي ~~عضد الدولة في السن ، وأمه ابنهة الحسن بن الفيرزان أحد ملوك الديلم ، فجمع ms6067 ~~المملكة من الطرفين ، وكان والده ركن الدولة قد جعل له همذان ، والدينور ، ~~والأيغارين ، ونهاوند ، وما والى ذلك من بلاد الجبل . ولما وقع بينه وبين ~~أخيه عضد الدولة ما ذكرناه من ميله مع ابن عمه عز الدولة بختيار على أخيه ~~عضد الدولة ، أرسل عضد الدولة جيشا مع أبي الفتح المظفر الحاجب ، وتلاه ~~بجيش آخر . ثم عززهما بجيش ثالث ، ثم سار هو بنفسه ، فالتحق به بعض أصحاب ~~فخر الدولة ، وكاتبه عبيد الله بن محمد حمدويه ، فعلم فخر الدولة أنه لا ~~قبل له بما دهمه ، ففارق بلاده ، وسار في خواص غلمانه PageV26P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" إلى هوسم من بلاد الجبل ، والتحق بعلي بن ~~الحسين العلوي ، ثم انتقل من هوسم إلى جرجان ، والتجأ إلى قابوس بن وشمكير ~~، وكان عنده مكرما إلى أن توفي عضد الدولة ، ثم توفي مؤيد الدولة بجرجان ، ~~فضبطها الصاحب بن عباد بالعساكر ، وجمع القواد واستشارهم ، وقرر الأمر لفخر ~~الدولة ، ثم خاف افتراق الأجناد ، فأجلس أبا العباس خسرو فيروز على سرير ~~المملكة ، وكاتب فخر الدولة سرا يستدعيه ، فسار عن نيسابور إلى جرجان ، ~~فدخل الصاحب على خسرو فيروز ، وقال له : هذا أخوك ، وأكبر منك قد وصل ، ~~وميل الأجناد إليه أكثر من ميلهم لك ، وحس له الخروج للقائه ، فخرج إليه ، ~~وتلقاه ، وتسلم فخر الدولة الملك ، وبالغ في إكرام الصاحب ، وعرف له حق ~~جميله ، وحسن تدبيره ، ونعته بكافي الكفاءة ، مضافا إلى الصاحب الجليل ، ~~واحتوى فخر الدولة على ممالكه التي كانت بيده ، وما كان بيد أخيه مؤيد ~~الدولة ، ومملكة قابوس بن وشمكير ، ودخل أخوه خسروفيروز في طاعته ، ثم سأل ~~فخر الدولة الخليفة الطائع لله أن يضيف إلى نعته نعتا آخر ، فنعته بفللك ~~الأمة ، واستمر في المالك إلى أن توفي في شعبان سنة سبع وثمانية وثلثمائة ، ~~فكانت مدة ملكه الأول منذ وفاة والده إلى أن انهزم من أخيه عضد الدولة ثلاث ~~سنين وشهورا ، ومملته الثانية من شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين إلى شعبان سنة ~~سبع وثمانين أربعة عشر سنة تقريبا ، وكان شاعرا بارعا ، فمن شعره ما ذكره ~~الثعالبي ms6068 : أدر الكأس علينا . . . أيها الساقي لنشرب من شمول مثل شمس . . . ~~في فم الندمان تغرب شربت منها فحالت . . . قمرا يلثم كوكب ورد خديها جنى . ~~. . لكن الناطور عقرب فإذا ما لذعت فال . . . بريق درياق مجرب وكان له من ~~الأولاد : مجد الدولة أبو طالب رستم . شمس الدولة أبو طاهر صاحب همذان . ~~عين الدولة أبو شجاع بويه . أبو منصور صاحب أصفهان . PageV26P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" وزراؤه : أبو عمر سيد بن المرزبان إلى أن ~~نكبه ، واستوزر عبيد الله بن محمد بن حمدويه إلى أن استأمن إلى عضد الدولة ~~، ثم استوزر الصاحب الجليل كافي الكفاة أبا القاسم بن عياد إلى أن توفي صفر ~~سنة خمس وثمانين وثلثمائة ، ولم ير أحد سعد بن وفاته كما كان في حياته غيره ~~، وذلك أنه لما توفي غلقت له مدينة الري ، واجتمع الناس على باب قصره ، حضر ~~فخر الدولة ، وسائر القواد مشاة مغيري الزي ، فلما خرج نعشه من الباب صاح ~~الناس بأجمعهم صيحة واحدة ، وقبلوا كلهم الأرض ، ومشي فخر الدولة فيها ، ~~وجلس العزاء أياما ، واستوزر بعده أبا على حموله . هذه الطبقة الثانية من ~~بني بويه ، فلنذكر الطبقة الثالثة : ذكر أخبار مجد الدولة ، وكنف الأمة أبي ~~طالب رستم بن فخر الدولة بن ركن الدولة بن بويه لما توفي والده فخر الدولة ~~اجتمع الأجناد على تولية ولده المذكور ، ونعته القادر بالله بهذين النعتين ~~، وكان عمره عند وفاة أبيه أربع سنين ، فدبرت والدته ابنة المرزبان المعروف ~~بالسلار الأمر ، ثم بلغ مبلغ الرجال ، فلم يكن له من اللذات غير التمتع ~~بالنساء ، والنظر في الدفاتر ، والإشتغال بالعلوم ، ثم توفيت أمه ، فورد ~~محمود بن سبكتكين ، فقبض عليه ، ثم استولى بعد ذلك ابنه أبو كالنجار على ~~الري إلى أن أتته الغز في سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة ، فاستولوا على الري ~~وتحصن هو بقلعة طبرك ، ثم استنزل منها ، وأما شمس الدولة أبو طاهر بن فخر ~~الدولة ، فإنه كان على أيام أخيه بهمذان ، ثم استولى على الجبل ، وتوفي في ~~سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ، وقام بعده ابنه سماء الدولةز ولنرجع لأخبار عضد ~~الدولة ms6069 ونجعل التراجم لمن ملك العراق وخدم الخلفاء ، ونورد في أخبار وقائع ~~من سواه : PageV26P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" ذكر أخبار صمصام الدولة وهو أبو كالنجار ~~المرزبان بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه . ولما توفي عضد الدولة ~~اجتمع القواد والأمراء على ولده أبي كالنجار المرزبان ، فبايعوه ، وولوه ~~الإمارة ، وركب الخليفة الطائع لله ، وعزاه ، ولقبه ، وقال له : نضر الله ~~وجه الماضي ، وجعلك الخلف الباقي ، وصير التعزية بعده لك لابك ، والخلف ~~عليك لا منك . قال : ولما رجع خلع على أخويه أبي الحسين أحمد ، وأبي طاهر ~~فيروز شاه وأطعهما فارس ، وأمرهما بالجد في المسير ليسبقا أخاهما شرف ~~الدولة أبا الفوارس شيرذيل إلى شيراز ، وكان عند وفاة أبيه بكرمان ، فلما ~~وصلا إلى أرجان أتاهما الخبر بوصول شرف الدولة إلى شيراز ، فعاد إلى ~~الأهواز ، وملك شرف الدولة بلاد فارس ، وقبض على نصربن هارون النصراني وزير ~~أبيه ، وقتله لأ ، ه كان يسيء صحبته أيام أبيه ، وخطب صمصام الدولة ، وأظهر ~~مشافقته ، وفرق الأموال ، وجمع الرجال ، وملك البصرة ، وأقطعهما أخاه أبا ~~الحسين ، فلما اتصل ذلك بصمصام الدولة سيرجيشا ، واستعمل عليهم الأمير أبا ~~الحسن على بن ونقش حاجب عضد الدولة ، فجهز تاج الدولة عسكرا ، واستعمل ~~عليهم أبا الأعز دبيس بن عفيف الأسدي ، فالتقيا بظاهر قرقوب ، واقتتلوا ، ~~فانهزم عسكر صمصام الدولة ، وأسر ابن ونقش مقدم الجيش ، فاستولى حينئذ أبو ~~الحسين بن عضد الدولة على الأهواز ، ورامهرمز وطمع في الملك ، وكانت هذه ~~الواقعة في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين ، وفي سنة خمس وسبعين وثلثمائة ~~ملك شرف الدولة الأهواز من أخيه أبي الحسين ، وملك البصرة من أخيه أبي طاهر ~~، وقبض عليه ، فراسله أخوه صمصام الدولة ، فاستقر الأمر على أن يخطب لشرف ~~الدولة بالعراق قبل صمصام الدولة ، وفي خلال مسير الرسل وعودهم ملك شرف ~~الدولة واسط ، وغيرها ، وكاتبه القواد ، فرجع عن الصلح ، وعزم على قصد ~~بغداد . والله أعلم . ذكر ملك شرف الدولة أبي الفوارس شيرذيل بن عضد الدولة ~~العراق والقبض على صمصام الدولة وفي سنة ست وسبعين وثلثمائة سار شرف الدولة ~~من الأهواز ms6070 إلى واسط ، وملكها ، فاستشار صمصام الدولة أصحابه في قصد أخيه ~~شرف الدولة ، فنهوه عن PageV26P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" ذلك ، وحذروه منه ، فلم يرجع إليهم ، وسار في ~~طيار إليه ، فلما وصل إليه لقيه شرف الدولة ، وأكرمه ، وطيب قلبه ، ثم قبض ~~عليه بعد قيامه من عنده ، وأرسل إلى بغداد من احتاط على دار الملكة ، وسار ~~فوصل إلى بغداد في شهر رمضان ، ونزل بالشقيقى ، ومعه صمصام الدولة ، ثم ~~سيره إلى بلاد فارس ، واعتقله بقلعة هناك ، فكانت إمارة صمصام الدولة ~~بالعراق ثلاث سنين وأحد عشر شهرا . وكان صمصام الدولة كريم النفس ندى الكف ~~إلا أنه كثرت في أيامه الخوارج ، وعنم الغلاء ، فاستنفذ ذلك أمواله ، ولم ~~يتعد أمره العراق . وزراؤه : أول من وزر له . أبو عبد الله الحسين بن أحمد ~~بن سعدان ثماينة عشر شهرا ، فاعتقله ، ثم اشترك في الوزارة بين أبي القاسم ~~عبد العزيز بن يوسف ، وأبي الحسن بن برمويه ، وكان قد أخصاه بعد أولاده ~~إلياس بن كرمان ، فأقاما شهرين ، ويومين بعد أن انفرد عبد العزيز بالوزارة ~~ثلاثة أشهر ، واتفقت فتنة ، فانهزم عبد العزيز إلى الأهواز ، وقتل ابن ~~برمويه ، وفيها يقول بشير بن هارون : وزارة قد أثخنت كل عين . . . مقسومة ~~الرتبة في ساقطين هذا بلا ذقن ولا عارض . . . وذا بلا رأى ولا خصيتين ومن ~~أعاجيب أحاديثنا . . . ما ذكره قد شاع في الخافقين أنا نرى الخصى بلا لحية ~~. . . والناقص المجبوب ذا لحيتين ثم استوزر بعدهما الأستاذ أبا الريان أحمد ~~بن محمد سبعة أشهر ، وتسعة أيام ، وقبض عليه ، وقتله ، ثم استوزر أبا عبد ~~الله بن الهيثم ، وأبا الفتح محمد بن فارس شركة ، فأقاما بقية أيامه إلى أن ~~ملك شرف الدولة ، فقبض على أبي الفتح ، وصادره ، وإعاد بن الهيثم إلى ديوان ~~النفقات . والله أعلم بالصواب . ذكر سمل صمصام الدولة وفي سنة تسع وسبعين ~~وثلثمائة سمل صمصمام الدولة ، وكان سبب ذلك أن نحريرا الخادم ، كان يشير ~~على أخيه شرف الدولة بقتله ، وهو يعرض عن ذلك ، فاتفق أن شرف الدولة اعتل ، ~~فقال له نحرير : إن الدولة مع صمصام الدولة على ms6071 خطر ، وإذا لم نقتله ، ~~فاسمله ، فأرسل في ذلك محمدا الشيرازي الفراش ، فمات شرف الدولة قبل ~~PageV26P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" وصوله إلى صمصام الدولة ، فلما وصل الفراش ~~إلى القلعة لم يقدم على سمله فاستشار أبا القاسم العلاء بن الحسن الناظر ~~هناك ، فأشار بسمله ، فسمله ، فكان صمصام الدولة يقول : ما أعماني إلا ~~العلاء ، فإنه أمضى في حكم سلطان قد مات ، ثم كان لصمصام الدولة دولة بعد ~~دولة . سنذكرها إن شاء الله تعالى ، ولم يمنعه العمى مما قدر له . ذكر وفاة ~~شرف الدولة وشيء من أخباره كانت وفاته ببغداد في مستهل جمادى الآخرة سنة ~~تسع وسبعين وثلثمائة ، وقيل في ثانية ، وكانت علته الأستسقاء وحمل إلى مشهد ~~على ابن أبي طالب رضي الله عنه ، فدفن به ، فكانت إمارته ست سنين ، وسبعة ~~أشهر ملك فيها بغداد سنتين ، وثمانية أشهر ، وكان عمره ثمانيا وعشرين سنة ، ~~وخمسة أشهر ، ونفذ أمره بين خراسان ، والموصل ، وديار بكر ، والعراق ، ~~وخوزستان ، وفارس ، وكرمان ، وسراة عمان من غير إراقة دم ، ولا إنفاق مال ، ~~وكان يحب الخير ، وينفر من الشر ، وأزال عن الناس التأويلات ، والمصادرات ، ~~وكان كريما سخيا يحب الشعر ويثيب عليه ، قال أبو اسحاق الصابي : وكانت ~~جماله في سفره ثلاثة عشر ألف رأس ، وكان له من المماليك الأتراك ألفان ، ~~ومائتا مملوك ، وكان له من الخدم ستمائة ، ولما اشتدت علته أرسل ولده أبا ~~علي إلى بلاد فارس ، وأصحبه الخزائن ، والعدد ، وجماعته كثيرة من الأتراك . ~~قال : ولما أيس أصحاب شرف الدولة منه اجتمع عليه أعيانهم ، وسألوه أن يسند ~~الملك إلى من يراه ، فقال : أنا في شغل عما تدعونني إليه ، ثم مات . ولده : ~~الأمير أبو علي . وزرآؤه : أبو القاسم العلاء بن الحسن ، ثم اعتقله مدة ~~وأطلقه وستنبابه ببلا فارس . واستوزر أبا محمد علي بن العباس ، واستوزر ~~بعده أبا منصور محمد بن الحسن بن صالحان إلى أن توفي رحمه الله . ذكر ملك ~~بهاء الدولة وضياء الملة هو أبو نصر خسرو فيروزبن عضد الدولة بن ركن الدولة ~~بن بويه ملك بعد وفاة أخيه شرف الدولة في ثاني جمادى ms6072 الآخرة سنة تسع وسبعين ~~وثلثمائة ، وكان PageV26P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" سبب ملكه أنه لما مرض شرف الدولة أشير عليه ~~أن يستنيبه إلى أن يشفى من مرضه ، فاستنابه ، فقبل النيابة بعد امتناع منه ~~، فلما مات شرف الدولة جلس بهاء الدولة للعزاء ، وركب الطائع إليه ، وعزاه ~~، وخلع عليه السلطنة ، وأقر أبا منصور الحسن بن صالحان على وزارته . ذكر ~~قيام صمصام الدولة ببلاد فارس قد ذكرنا ما كان من أمره ، والقبض عليه ، ~~وسمله ، فلما مات شرف الدولة إضطرب أمر الديلم ، ووقع بينهم وبين الأتراك ، ~~فأنزلوا صمصام الدولة من قلعة شيراز ، وحمله غلامه سعادة على كتفه ، وبايعه ~~الديلم ، وانقادوال لأمره ، فعند ذلك بايع الأتراك أبا على بن شرف الدولة ، ~~ولقبوه شمس الدولة ، وقمر الملة . ذكر مسير أبي على بن شرف الدولة إلى بلاد ~~فارس ، وما كان بينه وبين عمه صمصام الدولة ، وعودة إلى بهاء الدولة ، ~~وقتله قد ذكرنا أن شرف الدولة لما اشتدت علته جهز ابنه أبا علي إلى فارس ، ~~ومعه والدته ، وجواريه ، وسير معه الأموال ، والجواهر ، والسلاح ، فلما بلغ ~~البصرة أناة الخبر بوفاة أبيه ، فسير ما معه في البحر إلى أرجان ، وسار ~~مجدا حتى وصل إليها ، واجتمع معه من بها من الأتراك ، وسار مجدا نحو شيراز ~~، وكاتبهم متوليها ، وهو أبو القاسم العلاء بن الحسن بالوصول إليها ليسلمها ~~إليهم ، وكان صمصام الدولة ، ومن معه قد ساروا إلى سيراف ، ووقعت الفتنة ~~بها بين الأتراك ، والديلم ، فخرج الأمير أبو على إلى معسكر الأتراك ونزل ~~معهم ، فاجتمع الديلم ، وقصدوا داره ليأخذوه ، ويسلموه إلى صمصام الدولة ، ~~فرأوه قد انتقل إلى الأتراك ، فكشفوا القناع ، وجرى بينهم قتال ، ثم سار ~~أبو على والأتراك إلى فسا ، فاستولوا عليها وأخذوا ما بها من الأموال ، ~~وقتلوا من بها من الديلم ، وسار أبو على إلى أرجان ، وعاد الأتراك إلى ~~شيراز ، فقاتلوا من بها من الديلم الذين مع صمصام الدولة ، ونهبوا البلد ، ~~وعادوا إلى PageV26P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" أبي على بأرجان وأقاموا معه مديده ، ثم وصل ~~رسول من بهاء الدولة إلى أبي علي ، وطيب قلبه ، وأرسل إلى ms6073 الأتراك الذين ~~معه سرا واستمالهم إلى نفسه وأطعمهم ، فحسنوا لأبي على المسير إلى بهاء ~~الدولة ، فسار إليه ، فلقيه بواسط في منتصف جمادى الآخرة سنة ثمانين ~~وثلثمائة ، فأكرمه ، ثم قبض عليه بعد ذلك وقتله ، وتجهز بهاء الدولة للمسير ~~إلى الأهواز لقصد بلاد فارس . ذكر مسير بهاء الدولة إلى الأهواز ، والصلح ~~بينه وبين صمصام الدولة قال : وسار بهاء الدولة إلى خوزستان ، فأتاه نعى ~~أخيه أبي طاهر ، وكان مع صمصام الدولة ، فجلس للعزاء ، ورحل إلى أرجان ، ~~واستولى عليها ، وأخذ ما فيها من الأموال التي جمعها صمصام الدولة بقلعتها ~~، وكانت ألف ألف دينار فاشانية ، وثمانية آلاف ألف درهم عدليه ، ومن ~~الجواهر ، والثياب ما لا يحصى قيمته ، ففرق ذلك على الجند ، ولم يبق منه ~~إلا القليل ، ثم سارت مقدمته ، وعليها العلاء بن الفضل إلى النوبندجان ، ~~وبها عسكر صمصام الدولة عسكرا ، وعليهم فولاذ ابن ما بدار ، فواقعهم ، ~~فانهزم أصحاب بهاء الدولة ، وعادوا إليه ، ثم ترددت الرسائل بين صمصام ~~الدولة ، وبهاء الدولة في الصلح ، فاستقر على أن يكون لصمصام الدولة فارس ، ~~وأرجان ، ولأخيه بهاء الدولة خوزستان ، والعراق ، وأن يكون لككل واحد منهما ~~إقطاع في ملك الآخر ، وحلفا على ذلك ، وعاد بهاء الدولة إلى الأهواز ، ثم ~~إلى بغداد ، وفي سنة ثماني وثلثمائة أيضا قبض بهاء الدولة على وزيره أبي ~~منصور بن صالحان ، واستوزر أبا نصر سابور بن أردشر ، وكان المدبر لدولة ~~بهاء الدولة أبا الحسن بن المعلم ، وأبيه الحكم ، وفي سنة إحدى وثمانين قبض ~~بهاء الدولة على الخليفة الطائع لله ، وبايع القادر بالله كما ذكرناه في ~~أخبار الدولة العباسية ، وفيها قبض على وزيره أبي نصر سابور ، واستوزر أبا ~~القاسم عبد العزيز بن يوسف وقبض على أبي نصر خواشاذه ، وأبي عبد الله بن ~~طاهر ، وفي سنة اثنتين وثمانين قبض بهاء الدولة على أبي الحسن بن المعلم ، ~~وكان قد استولى على الأمور كلها ، وخدمه الناس كلهم حتى الوزراء ، فأساء ~~السيرة ، فشغب الجند ، وشكوا منه ، وطلبوا تسليمه إليهم ، فراجعهم بهاء ~~الدولة ، PageV26P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" ووعدهم أنه يكف يده ، فلم يقبلوا ذلك ms6074 ، فقبض ~~عليه ، وعلى جميع بهاء الدولة ، ووعدهم أنه يكف يده ، فلم يقبلوا ذلك ، ~~فقبض عليه ، وعلى جميع أصحابه ، فلم يرجع الجند ، فسلمه إليهم ، فسقوه السم ~~مرتين ، فلم يؤذه ، فخنقوه ، ودفنوه ، وقبض على وزيره أبي القاسم لأنه اتهم ~~بمباطنة الجند في أمر ابن المعلم ، واستوزر أبا نصر سابور ، وأبا منصور بن ~~صالح جميعا ، وفي سنة ثلاث وثمانين شغب الجند على بهاء الدولة ، ونهبوا دار ~~الوزير سابور ، واختفى منهم ، واستعفى ابن صالحان من الأنفراد بالوزارة ، ~~فأعفى ، واستوزر أبا القاسم على بن أحمد ، ثم هرب إلى البطيحة ، وعاد سابور ~~إلى الوزارة بعد أن أصلح الديلم . ذكر ظهور أولاد بختيار واعتقالهم ، وقتل ~~بعضهم وفي سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة ظهر أولاد عز الدولة بختيار بن معز ~~الدولة من محبسهم ، واستولوا على القلعة التي كانوا معتقلين بها ، وكان سبب ~~اعتقالهم أن شرف الدولة كان أحسن إليهم بعد وفاة والده عضد الدولة ، ~~وأطلقهم . وأنزلهم بشيراذ ، وأقطعهم ، فلما مات شرف الدولة حبسوا في قلعة ~~ببلاد فارس ، فاستمالوا مستحفظها ، ومن معه من الديلم ، فأخرجوا عنهم ، ~~فأنفذوا إلى أهل تلك النواحي ، فاجتمعوا تحت القلعة ، فبلغ ذلك صمصام ~~الدولة ، فسير إلى القلعة جيشا ، فتقرق ذلك الجمع ، وحصر جيشه القلعة ، ~~وراسل مقدم الجيش وجوه الديلم سرا ، واستمالهم ، ففتحوا القلعة ، فملكها ~~أصحاب صمصام الدولة ، وأخذوا أولاد بختيار ، وكانوا ستة ، فأمر صمصام ~~الدولة بقتل اثنين ، وحبس أربعة . ذكر مقتل صمصام الدولة كان مقتله في ذي ~~الحجة سنة ثمان وثمانين وثلثمائة ، وسبب ذلك أن جماعة كثيرة من الديلم ~~استوحشوا منه لأنه أمر بعرضهم ، وإسقاط من ليس بصحيح النسب ، فأسقط منهم ~~ألف رجل ، واتفق أن أبا القاسم ، وأبا نصر ابني عز الدولة خدعا الموكلين ~~بالقلعة ، فأخرجوا عنهما ، فجمعها لفيفا من الأكراد ، واتصل بهما الذين ~~أسقطوا من الخدمة من رجال الديلم ، وقصدوا أرجان ، فاجتمعت عليها العساكر ، ~~فتجهز صمصام الدولة ولم يكن عنده من يدبره ، فأسار عليه أصحابه بالصعود ~~إليها ، فمنعه مستحفظها ، فأشار بعض أصحابه عليه بقصد الأكراد ، والتقوا ~~بهم ، فخرج بخزائنه ، وأمواله ، فنهبه أصحابه ، وأرادوا قتله ، فهرب ms6075 وسار ~~إلى الدودمان على مرحلتين من شيراز ، فقبض عليه رئيسها طاهر ، وبلغ أبو نصر ~~الخبر ، فبادر إلى شيراز ، فدخلها PageV26P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" وأخذ صمصام الدولة ابن طاهر ، فقتله ، وقال : ~~هذه سنة سنها أبوك يعني ما كان من قتل عضد الدولة بختيار ، وكان عمر صمصام ~~الدولة يوم قتل خمسا وثلاثين أشهر ، وكان كريما حليما ، وسلمت والدته لبعض ~~قواد الديلم ، فقتلها ، وبنى عليها دكة في داره ، فلما ملك بهاء الدولة ~~فارس أخرجها ، ودفنها في تربة بني بوية . وزراؤه في مملكته الثانية : ~~العلاء بن الحسن ، ثم قبض عليه ، واستوزر أبا القاسم المعمر بن الحسين ~~الزنجي نحوا من سنة ، ثم قبض عليه ، واعتقله ، وأعاد العلاء ، ثم بعثه إلى ~~الأهواز ، فمات ، فاستوزر أبا الطيب الفرحان بن شيراز ، وأنفذ إلى الأهواز ~~، فأقام إلى أن قتل صمصام الدولة . ذكر ملك بهاء الدولة فارس وخوذستان ~~وكرمان قال : ولما قتل صمصام الدولة ، استولة ابنا بختيار على بلاد فارس ~~وكاتبا أبا علي بن أستاذ هرمز وهو بالأهواز يأمرانه بأخذ البيعة لهما ، ~~واليمين ، فخافهما أبو علي ، ثم راسله بهاء الدولة بستميله ، ويعد الديلم ~~الخير والإحسان ، فأجابوه إلى الدخول في طاعته ، وأنفذوا جماعة من أعيانهم ~~إلى بهاء الدولة ، واستوثقوا منه ، وكتبوا إلى أصحابهم المقيمين بالسوس ~~بصورة الحال رجاء أن يخرجوا إلى طاعته ، فخرجوا بالسلاح ، وقاتلوه قتالا ~~شديدا ، فضاق بذلك درعا ، فقيل له : إن عادة الديلم أن يشتد قتالهم عند ~~الصلح لئلا يظن بهم العجز ، ثم كفوا عن القتال ، وأرسلوا من يحلفه لهم ، ~~ونزلوا إلى خدمته ، واختلط العسكران ، وساروا إلى الأهواز ، فقرر أبو علي ~~ابن اسماعيل أمورها ، وقسم الإقطاعات بين الأتراك والديلم ، ثم ساروا إلى ~~رامهرمز ، فاستولوا عليها ، وعلى أرجان ، وغيرها من بلاد خوزستان ، وسار ~~أبو علي إلى شيراز ، فنزل بظاهرها ، فحاربه ابنا بختيار ، فلما اشتدت الحرب ~~مال بعض أصحابهما إليه ، ودخل بعض أصحابه البلد ، ونادوا بشعار بهاء الدولة ~~فهرب ابنا بختيار ، فأما أبو نصر فإنه لحق ببلاد الديلم ، وأما أبو القاسم ~~، فلحق ببدر بن حسنويه الكردي ، ثم قصد البطيحة ، ولما ملك أبو ms6076 على بشيراز ~~كتب إلى بهاء الدولة بالفتح PageV26P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" فسار إليها ، وأمر بنهب قرية الدودمان ، ~~وإحراقها ، وقتل من كان بها من أهلها ، وأخرج أخاه صمصام الدولة ، وجدد ~~أكفانه ودفنه ، ثم سير عسكرا مع أبي الفتح أستاذ هرمز إلى كرمان ، ففتحها ، ~~وأقام نائبا عن بهاء الدولة ، وذلك في سنة تسع وثمانين . ذكر وفاة عميد ~~الجيوش وولاية فخر الملك العراق وفي سنة إحدى وأربعمائة توفي عميد الجيوش ~~أبو علي أستاذ هرمز ببغداد ، وكانت ولايته بها ثماني سنين وأربعة أشهر ~~وسبعة عشر يوما ، وكان من حجاب عضد الدولة وجعله في خدمة ابن صمصام الدولة ~~، فلما قتل اتصل بخدمة بهاء الدولة ، فجعله نائبة ببغداد ، ولما مات استعمل ~~بهاء الدولة مكانه فخر الملك أبا غالب ، فوصل إلى بغداد في ذي الحجة من ذي ~~السنة . ذكر وفاة بهاء الدولة كانت وفاته بأرجان في عاشر جمادى الآخرة سنة ~~ثلاث وأربعمائة ، وكان مرضه تتابع الصرع مثل مرض أبيه ، وحمل إلى مشهد علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه ، ودفن عند قبر أبيه عضد الدولة ، وكان عمره ~~اثنتين وأربعين سنة وتسعة أشهر ونصف شهر ، ومدة ملكه أربعا وعشرين سنة ، ~~وأياما . أولاده : سلطان الدولة أبو شجاع فناخسروا . مشرق الدولة أبو علي . ~~جلال الدولة أبو طاهر . قوام الدولة أبو الفوارس . وزراؤه : أبو منصور بن ~~صالحان أحد وزراء أخيه شرف الدولة وزرله عشر شهر ، ثم قبض عليه في سنة ~~ثمانين ، واستوزر أبا القاسم عبد العزيز ين يوسف ، وأبا القاسم علي بن أحمد ~~الأبرهوني ، ثم قبضه ، وأعاد سابور ، ثم أشرك بينه وبين ابن صالحا ، ثم ~~استوزر أبا العباس عيسى ستة يوما . واستوزر الموفق عبد الملك أبا على الحسن ~~بن محمد بن إسماعيل سنتين وشهرين ، وقلد بعده عميد الجيوش الصاحب ، واستوزر ~~بعده فخر الملك وزير الوزراء الكامل ذا الجلالين أبا الغالب محمد بن خلف ، ~~وهو أعظم من وزر للديلم على الإطلاق ، بعد أبي الفضل بن العميد ، وابن عباد ~~. ذكر ملك سلطان الدولة هو أبو شجاع فاخسرو بن بهاء الدولة بن عضد بن ركن ms6077 ~~الدولة بن بويه . كانت ولايته بعد وفاة أبيه ، في عاشر جمادى الآخرة سنة ~~ثلاث وأربعمائة ، ولما PageV26P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" ولى سار من أرجان إلى شيراز ، وولى أخاه جلال ~~الدولة البصرة ، وأخاه أبا الفوارس كرمان ، وكان القادر بالله قد ولاه ~~العهد بسؤال أبيه ، فلما مات والده قام مقامه ، ودخل بغداد ، ودخل بغداد ، ~~وأعطى كل غلام من أشرافها سبعين دينارا ودست ثياب ، فأكثروا عليه ~~بالمطالبات ، فضجر ، وفارق بغداد ، وتوجه إلى الأهواز . ذكر قتل فخر الملك ~~ووزارة ابن سهلان وفي سنة ست وأربعمائة قبض سلطان الدولة على نائبه بالعراق ~~ووزيره فخر الملك أبي غالب ، وقتله في سلخ شهر ربيع الأول ، فكانت نيابته ~~بالعراق خمس سنين وأربعة أشهر واثني عشر يوما ، وكان حسن الولاية والآثار ، ~~ووجد له ألف ألف دينار عينا ، سوى ما نهب ، وقيمة العروض ، وكان القبض عليه ~~بالأهواز . حكي ابن علمكان ، وكان من أكابر القواد قال : قتل إنسان ببغداد ~~، فكانت زوجته تكتب إلى فخر الملك تتظلم وتتشكي ، وهو لا يلتفت إليها ، ~~فلقيته يوما فقالت له : تلك الرقاع التي كنت أكتبها إليك صرت أكتبها إليك ~~صرت أكتبها إلى الله تعالى ، فلم يمض على ذلك غير قليل حتى قبض هو وابن ~~علمكان ، فقال له فخر الملك : قد برز جواب رقاع تلك المرأة . ولما قبض على ~~فخر الملك استوزر سلطان الدولة أبا محمد الحسن ابن سهلان ، ولقب عميد أصحاب ~~الجيوش ، وفي ثمان وأربعمائة ضعف أمر الديلم ببغداد ، وطمع فيهم العامة ، ~~فانحدروا إلى واسط ، فخرج عليهم عامتها وأتراكها فقاتلوهم ، فدفع الديلم عن ~~أنفسهم ، وقتلوا من أتراك واسط ، وعامتها جماعة كثيرة ، وعظم أمر العيارين ~~ببغداد فأفسدوا ، ونهبوا . ذكر ولاية ابن سهلان العراق وفي سنة تسع ~~وأربعمائة استعمل سلطان الدولة أبا محمد الحسن ابن سهلان على العراق في ~~المحرم ، فسار ، وأوقع في طريقه بالعرب ، ولما وصل واسط وجد الفتن بها ~~قائمة ، فأصحها ، وقتل جماعة من أهلها ، وورد عليه الخبر باشتداد الفتن ~~ببغداد ، فسار إليها ، فدخلها في أواخر شهر ربيع الآخر ، فهرب منه العيارون ~~ونفى جماعة من العباسيين وغيرهم ms6078 ، ونفي أبا عبد الله محمد بن النعمان فقيه ~~الشيعة ، PageV26P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" وأنزل الديلم أطراف الكرخ وباب البصرة ، ولم ~~تكن له عادة بالنزول هناك ، ففعلوا من الفساد ما لم يشاهد مثله ، فمن ذلك ~~أن رجلا من المستورين أغلق بابه عليه خوفا منهم ، وانقطع بداره ، فلما كان ~~في أول يوم من شهور رمضان خرج لبعض شأنه وقد أطمأن لتعظيم الشهر ، وكف ~~الناس فيه عن الفساد ، فرآهم على حال على عظيم من الفساد وشرب الخمور ، ~~فأراد الرجوع إلى داره ، فمنعوه وأكرهوه على الدخول معهم إلى دار من دورهم ~~، وألزموه بشرب الخمر ، فامتنع ، فصبوها في فيه قهرا ، وقالوا له : قم إلى ~~هذه المرأة فافعل بها ، فامتنع فألزموه ، فدخل معها إلى بيت في الدار ، ~~وأعطاها دارهم ، وقال لها : هذا أول يوم من شهر رمضان ، والمعصية فيه ~~تتضاعف ، وأحب أن تخبريهم أني فعلت ، فقالت ، لا ، ولا كرامة ، ولا عزازة ، ~~أنت تصون دينك عن الزنا في هذا الشهر ، وأنا أريد أن أصون أمانتي ولساني عن ~~الكذب فيه ، فصارت هذه الحكاية سائرة في بغداد ، ثم إن واسط ، فلقوا بها ~~سلطان الدولة ، فشكوه إليه فسكنهم ، ووعدهم أن يتوجه إلى بغداد ويصلح الحال ~~، وكتب إلى ابن سهلان يستقدمه ، فخافه ، فهرب إلى بني حقاجة ، ثم إلى ~~الموصل ، ثم إلى الأنبار ثم سار إلى البطيحة . ذكر ملك مشرف الدولة أبي علي ~~بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن بن بويه العراق كان استيلاء مشرف ~~الدولة على العراق في سنة إحدى عشرة وأربعمائة ، وكان سبب ذلك أن الجند ~~شغبوا على سلطان الدولة ، ومنعوه من الحركة ، وأرادوا ترتيب مشرف الدولة ~~أخيه في الملك ، فأشير على سلطان الدولة بالقبض عليه ، فلم يمكنه من ذلك ، ~~وأراد سلطان الدولة الانحدار إلى واسط ، فقال له الجند : إما أن تجعل عندنا ~~ولدك ، أو أخالك مشرف الدولة ، فراسل أخاه مشرف الدولة بذلك ، فامتنع ، ثم ~~أجابه بعد معاودة ، ثم اتفقا ، واجتمعا ببغداد ، واستقر بينهما أنهما لا ~~يستخدمان ابن سهلان ، وفارق سلطان الدولة بغداد ، وقصد الأهواز ، واستخلف ~~أخاه مشرف الدولة ms6079 بها ، فلما انحدر سلطان الدولة ووصل تستر استوزر ابن ~~سهلان ، فاستوحش مشرف الدولة ، فانفذ سلطان الدولة ابن سهلان ليخرج أخاه ~~مشرف الدولة من العراق ، فجمع مشرف الدولة عسكرا كثيرا ، منهم أتراك واسط ، ~~وأبو الأعز دبيس بن علي بن مزيد ، ولقي ابن سهلان عند واسط ، فانهزم ابن ~~سهلان ، وتحصن بواسط ، فحصروه مشرف الدولة وضيق عليه ، PageV26P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" حتى بيع كر الحنطة بألف دينار قاشانية ، وأكل ~~الناس حتى الكلاب ، فاستخلف ابن سهلان مشرف الدولة ، وسلم إليه البلد ، ~~وخرج إليه ، فخوطب حينئذ مشرف الدولة ، وسلم إليه ، فخوطب حينئذ مشرف ~~الدولة ، وذلك في ذي الحجة سنة إحدى عشرة وأربعمائة ، و 0 حضر إليه الديلم ~~الذين كانوا بواسط ، وصاروا معه ، فحلف لهم وأقطعهم ، فلما اتصل الخبر ~~بسلطان الدولة سار عن الأهواز إلى أرجان ، وقطعت خطبته من العراق ، وخطب ~~لمشرف الدولة ببغداد ، في أول المحرم سنة نثتي عشرة وأربعمائة ، وقبض على ~~الوزير ابن سهلان ، وكحله ؛ فلما سمع سلطان الدولة بذلك ضعفت نفسه ، وسار ~~إلى الأهواز في أربعمائة فارس ، فقلت عليهم الميرة ، فنهبوا السواد في ~~طريقهم ، فاجتمع الأتراك الذين الأتراك الذين بالأهواز ، وقاتلوا أصحاب ~~سلطان الدولة ، ونادوا بشعار مشرف الدولة . قال : ولما خطب لمشرف الدولة ~~طلبوا منه أن ينحدروا إلى بيوتهم بخوز ستان ، فأذن لهم ، وأمر وزيره أبا ~~غالب بالانحدار معهم ، فقال له : إن فعلت خاطرت بنفسي ، ولكن أبذلها في ~~خدمتك ، ثم انحدر بالعسكر ، فلما وصل إلى الأهواز نادي الديلم بشعار سلطان ~~الدولة ، وهجموا على أبي غالب ، فقتلوه ، فسار الأتراك الذين كانوا معه إلى ~~طراد بن دبيس ، ولما بلغ سلطان الدولة قتله اطمأن ، وقويت نفسه ، وأنفذ ~~ابنه إلى الأهواز ، فملكها . ذكر الصلح بين سلطان الدولة وأخيه مشرف الدولة ~~وفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة حصل الإنفاق والصلح بينهما ، على أن يكون ~~العراق جميعه لمشرف الدولة ، وفارس وكرمان لسلطان الدولة ، وحلف كل منهما ~~لصاحبه . ذكر الخلف بين مشرف الدولة والأتراك وعزل الوزير ابن المغربي وفي ~~سنة خمس عشرة وأربعمائة تأكدت الوحشة بين الأثير عنبر الخادم ، ومعه الوزير ~~ابن ms6080 المغربي وبين الأتراك ، فاستأذن الأثير والوزير مشرف الدولة في ~~الانتزاح PageV26P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" إلى بلد يأمنان فيه على أنفسهما ، فقال : ~~وأنا والله أسير معكما ؛ فساروا جميعا ، ومعهم جماعة من مقدمي الديلم إلى ~~السندية ، وبها قرواش ، ثم سروا إلى أوانا ، فعظم ذلك على الأتراك ، ~~فراسلوه ، واعتذروا ، فكتب إليهم الوزير يقول : إنني تأملت ما لكم من ~~الجامكيات . فإذا هي ستمائة ألف دينار ، وعلمت دمخل بغداد ، فلإذا هو ~~أربعمائة ألف دينار ، فإن أسقطتم مائة ألف تحملت الباقي ، فقالوا : نحن ~~نسقطها ، فاستشعر منهم الوزير ، فهرب إلى قرواش ، فكانت وزراته عشرة أشهر ~~وخمسة أيام ، فلما أبعد خرج الأتراك ، وسألوا مشرف الدولة ، والأثير في ~~الانحدار معهم ، فأجابهم إلى ذلك . ذكر وفاة سلطان الدولة كانت وفاته ~~بشيراز في شوال سنة خمسة عشرة وأربعمائة ، وكان عمره اثنين وثلاثة سنة ~~وخمسة أشهر ، وخمسة أيام ، ومملكة بالحضرة ، وإمارته ببلاد فارس ، وخوزستان ~~، وكرمان ثنتي عشرة سنة ، وأربعة أشهر وثلاثة أيام . وزراؤه : فخر الملك ~~أبو غالب بن خلف إلى أن قتله بالأهواز ، واستوزر أبا محمد الحسن بن الفضل ~~بن سهلان ، واستوزر ذا السعادتين أبا غالب الحسن بن منصور ، ثم استوزر أبا ~~الفتح عبد الحيم بن إبراهيم بن الخصيب وقبض عليه واستوزر أبا محمد الحسن بن ~~محمد بن بابشاد من أهل رامهرمز . ولما مات ، ولى بعده ابنه أبو كاليجار ~~المزريان ، على ما نذكره ، بعد عمه . ذكر وفاة مشرف الدولة كانت وفاته في ~~شهر ربيع الأول سنة ست عشرة وأربعمائة ، وعمره ثلاث وعشرون سنة وثلاثة أشهر ~~، وملكه خمس سنين ، وخمسة وعشرون يوما " ، وكان ملكا عادلا ، كثير الخير ، ~~قليل الشر ، حسن السيرة . وزراؤه ، ذو السعادتين أبو غالب الحسن بن منصور ، ~~ثم عزله ، واستوزر مؤيد الملك زعيم الكفاءة مجد المعالي أبا علي الحسن في ~~سنة خمس عشرة وأربعمائة ، ثم استوزر أبا قاسم بن المغربي . PageV26P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" ذكر سلطنة جلال الدولة هو أبو طاهر فيروز ~~خسرو بن بهاء الدولة خسرو فيروز بن عضد الدولة ابن ركن الدولة بن بويه . ~~ملك بعد وفاة أخيه مشرف الدولة ، في ms6081 شهر ربيع الأول سنة ستة عشر وأربعمائة ~~وكان عند وفاته بالبصرة ، وكان أبوه قد رتبه بها في حياته ، فلما مات مشرف ~~الدولة خطب له ببغداد ، وطلب فلم يصعد إليها ، وإنما بلغ واسط ، وأقام بها ~~، ثم عاد إلى البصرة ، فقطعت خطبته ، وخطب لإبن أخيه أبي كاليجار ابن سلطان ~~الدولة في شوال ، وهو حينئذ صاحب خوزستان ، فما اتصل ذلك بجلال الدولة أصعد ~~إلى بغداد ، فانحدر عسكر ليرده عنها ، وقاتلوه ونهبوا بعض خزائنه ، فعاد ~~إلى البصرة ، وأرسلوا إلى الملك أبي كالنجار ليحضره إلى بغداد ، فوعدهم ~~بذلك ، ولم يمكنه . لأن الحرب كانت بينه وبين عمه أبي الفوارس صاحب كرمان ، ~~وانقطعت خطبة جلال الدولة إلى سنة ثمان عشرة وأربعمائة ، ثم عاد إلى ~~السلطنة ، وكان سبب ذلك أن الأتراك كانوا قد طمعوا في الناس ببغداد ، ~~وصادروهم ، وأخذوا أموالهم ، وعظم الخطب ، وزاد الشر ، وأحرقت المنازل ، ~~والدروب ، والأسواق ، وطمع العيارون ، والعامة ، فكانوا يدخلون على الرجل ~~فيطالبونه بذخائره كما يفعل السلطان بمن يصادره ، ووقعت الحرب بين العامة ~~والجد ، فطفر الجند بهم ، ونهبوا الكرخ وغيره ، وذلك في سنة سبع عشرة ، ~~فلما رأى القواد وعقلاء الجند أن الملك أبا كاليجار لا يصل إليهم ، وأن ~~البلاد قد خربت ، وطمع فيهم المجاورون لهم من الأعراب والأكراد ، وقصدوا ~~دار الخلافة ، وراسلوا الخليفة القادر بالله ، واعتذروا من انفرادهم ~~بالخطبة لجلال الدولة أولا ، وردهم له ثانيا ، وبالخطبة لأبي كالنجار ، ~~وقالوا : إن أمير المؤمنين صاحب الأمر ونحن العبيد ، وقد أخطأنا ، ونسأل ~~العفو ، ولا يدلنا ممن يجمع كلمتنا ، وسألوا أن يرسل الخليفة إلى جلال ~~الدولة ليصعد إلى بغداد ، ويملكه ويجمع الكلمة ، وأن يحلفه رسول الخليفة ، ~~فأجابهم الخليفة إلى ما سألوا ، وراسله هو وقواد الجند في الإصعاد ، ~~واليمين للخليفة ، ولهم ، فحلف لهم ، وأصعد إلى بغداد ، وانحدر الأتراك ~~إليه ، فلقوه في الطريق ، ووصل بغداد في ثالث شهر رمضان سنة ثماني عشرة ~~وأربعمائة ، ونزل بالنجمي ، فركب الخليفة في الطيار ، وانحدر لتلقيه ، فلما ~~رآه جلال الدولة ، قبل الأرض بين يديه ، ثم دخل جلال الدولة إلى دار ~~المملكة ، وأمر بضرب السوب الخمس على ms6082 بابه في أوقات الصلوات ، فراسله ~~الخليفة في قطعها ، فقطعها غضبا ، ثم أذن له الخليفة في إعادتها ففعل . ~~PageV26P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" ذكر شغب الأتراك ببغداد على جلال الدولة وفي ~~سنة تسع عشرة وأربعمائة ثار الأتراك ببغداد على جلال الدولة ، وطالبوا ~~الوزير أبا علي بن ماكولا بمالهم من المعلوم ، ونهبوا داره ودور كتاب جلال ~~الدولة ، وحواشيه ، حتى المغنين ، والمخنثين ، ونهبوا صياغات أخرجها جلال ~~الدولة ، ليضربها دنانير ودراهم ، ويغرفها فيهم ، وحصروا جلال الدولة في ~~داره ، ومنعوه الطعام والماء حتى شرب أهله ماء البئر ، وأكلوا ثمرة البستان ~~، فسألهم أن يمكنوه من الانحدار ، فتأخروا له ولأهله ، فجعل بين الدار وبين ~~السفن سرادقا لتجتاز حرمه فيه ، لئلا يراهم العامة والأجناد ، فقصد بعض ~~الأتراك السرادق ، فظن جلال الدولة أنهم يريدون الحريم ، فصاح بهم ، وقال : ~~بلغ من أمركم إلى الحريم ؟ وتقدم إليهم وبيده طبر ، فصاح صغار الغلمان ، ~~والعامة : جلال الدولة يا منصور ؛ ونزل أحدهم عن فرسه ، وأركبه إياه ، ~~وقبلوا الأرض بين يديه ، فرجعوا إلى منازلهم ، ولم تمض عشرة أيام حتى عادوا ~~، وشغبوا ؛ فباع جلال الدولة فرشه ، وثيابه ، وخيامه ، وفرق أثمان ذلك فيهم ~~، فسكنوا ، وضعف حال جلال الدولة ، وقلت الأموال عنده ، وطمع القواد فيه ، ~~حتى انتهى حاله في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة في شهر رجب أن أخرج دوابه ~~من الإصطبل ، وهي خمس عشرة دابة وسيبها في الميدان ، بغير سايس ، ولا حافظ ~~، ولا علف ، فقيل : إنه فعل ذلك لأمرين : أحدهما : عدم العلف عنده ، ~~والثاني : أن الأتراك كانوا يلتمسون دوابه يطلبونها منه ، فضجر من ذلك ، ~~فأخرجها ، وقال : هذه دوابي ، خمسة لمركوبي ، والباقي لأصحابي ، وفرق ~~حواشيه ، وفراشيه ، وأتباعه ، وأغلق باب داره لإنقطاع جاريه فثارت فتنة ~~لذلك بين العامة والجند ، وعظم الأمر ، وظهر العيارون ببغداد . ذكر وثوب ~~الجندية وإخراجه من بغداد وعوده إليها وفي سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة في ~~شهر ربيع الأول ، تجددت الفتنة بين جلال الدولة وبين الأتراك وبين الأتراك ~~، فأغلق بابه ، فجاء الأتراك ونهبوا داره ، وسلبوا الكتاب ، وأرباب الديوان ~~ثيابهم ، وطلبوا الوزير أبا إسحاق السهيلي ، فهرب ، وخرج جلال الدولة إلى ~~عكبرا ms6083 ، في شهر ربيع الآخر ، وخطب الأتراك ببغداد للملك أبي كاليجار ، ~~وأرسلول إليه يطلبونه وهو بالأهواز ، فمنعه العادل بن ماقيه من الإصعاد إلى ~~PageV26P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" أن يحضر بعض قوادهم ، فلما رأوا إمتناعه من ~~الوصول إليهم ، أعادوا خطبة جلال الدولة ، وساروا إليه ، وسألوه العود إلى ~~بغداد ، فعاد بعد ثلاثة وأربعين يوما . واستوزر أبا القاسم بن ماكولا ، ثم ~~عزله ، واستوزر بعده عميد الملك أبا سعيد عبد الرحيم ، فوزر أياما ثم استتر ~~، وسبب ذلك أن جلا الدولة تقدم إليه بالقبض على أبي المعمر إبراهيم بن ~~الحسين البسامي طمعا في ماله عليه ، وجعله في داره فقبض فثار الأتراك ، ~~وقصدوا دار الوزير ، وضربوه ، وأخرجوا من داره حافيا ، ومزقوا ثيابه ~~وعمامته ، وأخذوا خواتيمه فدميت إصبعه ، وكان جلال الدولة في الحمام ، فخرج ~~فزعا لينظر ما الخبر ، فوجد الوزير فقبل الأرض ، وذكر ما فعل به ، فقال له ~~جلال الدولة أنا ابن بهاء الدولة ، وقد فعل في أكثر من هذا ، ثم أخذ من ~~البسامي ألف دينار ، وأطلقه ، واختفى الوزير . وفي سنة أربع وعشرين ~~وأربعمائة في شهر رمضان شغب الجند على جلال الدولة ، وقبضوا عليه ، وأخرجوه ~~من داره ، ثم سألوه ليعود إليها فعاد ، وسبب ذلك أنه استقدم الوزير أبا ~~القاسم من غير أن يعلموا ، فاستوحشوا من ذلك ، واجتمعوا وهجموا عليه في ~~داره ، وأخرجوه إلى مسجد هناك ، فوكلوا به فيه ، وأسمعوا ما يكره ، ونهبوا ~~بعض ما في داره ، فجاء بعض القواد في جماعة من الجند ، وأعاده إلى داره ، ~~فنقل جلال الدولة حرمه ، وما فضل في داره بعد النهب ، إلا الجانب الغربي ، ~~ونزل وبدار المرتضى ، وعبر الوزير معه ، ثم أرسله الجند ، وقالوا نريد أن ~~تنحدر عنا إلى واسط ، وأنت ملكنا ، وتترك عندنا بعض أولادك الأصاغر ، ~~فأجابهم إلى ذلك ، وأرسل سرا إلى الغلمان الأصاغر ، واستمالهم ، وإلى كل ~~واحد من الأكابر واستماله ، وقال : إنما وثوقي بك وسكوتي إليك ، فمالوا ~~إليه ودخلوا عليه ، وقبلوا الأرض بين يديه ، وسألوه العود إلى داره ، فعاد ~~وحلف لهم على الإخلاص ، والإحسان إليهم ، وحلفوا له على المناصحة . وفي سنة ~~سبع ms6084 وعشرين وأربعمائة عاد الجند إلى الشغب وثاروا به وأرادوا إخراجه من ~~بغداد ، فاستمهلهم ثلاثة أيام ، فلم يمهلوه ، ورموه بالآجر ، فأصابه بعضه ، ~~فاجتمع الغلمان ، وردهم عنه ، فخرج من باب لطيف ، وركب في سمارية متنكرا ، ~~وصعد راجلا منها إلى دار المرتضى بالكرخ ، ثم سار إلى رافع بن الحسين ~~بتكريت ، وكسر الأتراك باب داره ، ودخلوها ، ونهبوها ، وخلعوا كثيرا من ~~ساجها وأبوابها ، فأرسل الخليفة إليهم ، وسكنهم ، وأعاده إلى بغداد . والله ~~أعلم . PageV26P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" ذكر الفتنة بين جلال الدولة و بارسطغان وقتل ~~بارسطغان وفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة كانت الفتنة بينهما ، وكان ~~بارسطغان من أكابر الأمراء ، ويلقب حاجب الحجاب ، وكان سبب الفتنة : أن ~~جلال الدولة نسبه إلى فساد الأتراك ، والأتراك نسبوه إلى أخذ الأموال ، ~~فخاف على نفسه ، فالتجأ إلى دار الخلافة ، وذلك في شهر رجب سنة سبع وعشرين ~~، فمنع الخليفة منه ، وأرسل بارسطغان إلى الملك أبي كاليجار يحثه على طلب ~~ملك العراق ، فأرسل أبو كاليجار جيشا فوصلوا إلى واسط وأخرجوا منها الملك ~~العزيز بن جلال الدولة ، فأصعد إلى أبيه ، فعند ذلك كشف بارسطغان القناع ، ~~وانضم إليه أصاغر المماليك ، ونادوا بشعار أبي كاليجار ، وأخرجوا جلال ~~الدولة من بغدادن فسار إلى أوانا ومعه البساسيري ، وأرسل بارسطغان إلى ~~الخليفة في الخطبة لأبي كاليجار ، فامتنع واحتج بعهود جلال الدولة ، فأكره ~~الخطباء على الخطبة لأبي كاليجار ، ففعلوا ، وسار الأجناد الواسطيون إلى ~~باب بارسطغان ، وكانوا معه ، ثم عاد جلال الدولة إلى الجانب الغربي ببغداد ~~، ومعه قراوش بن المقلد العقبلي ودبيس بن علي بن مزيد الأسدي ، وخطب ~~بالجانب الغربي ، ولأبي كاليجار بالجانب الشرقي ، ثم سار جلال الدولة إلى ~~الأنبار ، وسار قرواش إلى الموصل ، ووصل الخبر إلى بارسطغان بعود أبي ~~كاليجار إلى فارس ، ففارقه الديلم الذين كانوا نجدة له ، فضعف أمره ، فرفع ~~ماله وحرمه الدولة إلى دار الخلافة ، وانحدر إلى واسط ، وعاد جلال الدولة ~~إلى بغداد ، وأرسل البساسيري والمرشد وبني خفاجة في إثر بارسطغان ، ومعهم ~~جلال الدولة ودبيس ، فلحقوه بالخيزرانية ، فقاتلو ، فسقط عن فرسه ، فأسر ~~وجيء بهفأسر وجيء به إلى جلال الدولة ms6085 ، فقتله ، وكان عمره نحوا من سبعين ~~سنة ، فضعف أمر الأتراك ، وطمع فيهم الأعراب ، واستولوا على إقطاعهم . ذكر ~~الصلح بين جلال الدولة وأبي كاليجار وفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة وقع ~~الصلح بين جلال الدولة ، وأبي كاليجار ، والاتفاق ، وزال الخلف بعد أن كان ~~بين عساكرهما حرب قبل ذلك ، فاتفقا الآن ، PageV26P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" وكان الرسل في الصلح أقضى القضاة أبا الحسن ~~الماوردي ، وأبا عبد الله المردوستي ، وغيرهما ، وتزوج أبو منصور بن علي ~~أبي كاليجار بابنة جلال الدولة ، وكان الصداق خمسين ألف دينار قاشانيه . ~~والله أعلم . ذكر مخاطبة جلال الدولة بملك الملوك وفي سنة تسع وعشرين ~~وأربعمائة سأل جلال الدولة الخليفة القائم بأمر الله أن يخاطب بملك الملوك ~~، فامتنع ، ثم أجاب إذا أفتى الفقهاء بجوازه ، فأفتى قاضي القضاة أبو الطيب ~~الطبري ، والقاضي أبو عبد الله الصيمري ، والقاضي ابن البيضاوي ، بجواز ذلك ~~، ومنع منه أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي الشافعي ، ~~وجرى بينه وبين من أفتى بجوازه مراجعات ، فخطب لجلال الدولة بملك الملوك ، ~~وكان الماوردي من أخص الناس بجلال الدولة وهو يتردد إلى دار الملك في كل ~~يوم ، فلما أفتى بالمنع انقطع ، ولزم بيته من شهر رمضان إلى يوم عيد النحر ~~، استدعاه جلال الدولة ، فحضر خائفا ، فأدخل عليه وحده ، فقال له : قد علم ~~الناس أنك من أكثر الفقهاء مالا وجاها وقربا منا ، وقد خالفتهم فيما وافق ~~هواي ، ولم تفعل ذلك لعدم المحاباة منك واتباع الحق ، وقد بان لي موضعك من ~~الدين ، ومكانك من العلم ، وجعلت جزاء ذلك إكرامك ، بأن أدخلتك إلي وحدك ، ~~وجعلت إذن الحاضرين إليك ليتحققوا عودي إلى ما تحب ، فشكره ودعا له ، وأذن ~~لكل من حضر للخدمة بالانصراف ، والله أعلم . ذكر وفاة جلال الدولة كانت ~~وفاته ببغداد سادس شعبان سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ، وكان مرضه ورما في ~~كبده ، وكان مولده في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة ، وكانت مدة عمره إحدى ~~PageV26P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" وخمسين سنة ، ومدة ملكه ببغداد من خطب له ~~ثانيا ، سبع عشرة سنة وشهرين ، ومنذ وصل إليها ms6086 ست عشرة سنة وأحد عشرة شهرا ~~، وكانت أيامه كثيرة الوهن والاضطراب ، وضعفت المملكة في أيامه ، وقد تقدم ~~ما يدل على ذلك ، وكان كثير الصدقة ، وزيارة الصالحين والمشاهد ، وكان يمشي ~~حافيا قبل وصوله إلى كل مشهد نحوا فرسخ . أولاده : الملك العزيز أمير ~~الأمراء أبو منصور ، توفي بديار بكر في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة ، وعمره ~~ثلاث وثلاثون سنة وزراؤه : أبو سعد عبد الواحد بنعلي بن ماكولا ، ثم نكبه ، ~~واستوزر أخاه أبا علي الحسن ، ثم عزله ، واستوزر أبا القاسم بن ماكولا ، ~~وهو أخوهما ، ثم استوزر عميد أبو سعيد عبد الرحيم ، واستوزر غير هؤلاء ، ~~والله اعلم . ذكر أخبار السلطان شاهنشاه هو أبو كاليجار المرزبان بن سلطان ~~الدولة أبي شجاع فناخسرو بن بهاء الدولة أبي نصر خسرو فيروز بن عضد الدولة ~~بن ركن الدولة بن بويه ، ملك بعد وفاة والده سلطان الدولة ، كرمان ، وفارس ~~، وخوزستان ، ثم ملك الحضرة ببغداد ، بعد وفاة عمه جلال الدولة ، على ما ~~سنذكره إن شاء الله تعالى . ذكر ابتداء ملكه لما توفي والده سلطان الدولة ~~في شوال سنة خمس عشرة وأربعمائة بشيراز ، كان هو بالأهواز ، فطلبه الأوحد ~~أبو محمد بن مكرم ليملك البلاد ، وكان هواه معه ، وهوى الأتراك مع عمه أبي ~~الفوارس بن بهاء الدولة صاحب كرمان ، فكاتبوه أيضا يطلبونه إليهم ، فتأخر ~~أبو كاليجار ، وسبقه عمه أبو الفوارس إليها ، فملكها ، وكان أبو المكارم ~~ابن أبي محمد بن مكرم قد أشار عليه ابنه ، لما رأى الاختلاف ، أن يسير إلى ~~مكان يأمن فيه عل نفسه ، فلم يقبل قوله ، ففارقه ، وقصد البصرة ، فلما ملك ~~أبو الفوارس طالبه الجند بحق البيعة ، فأحالهم على ابن مكرم ، وألزمه ~~بإيصال المال إليهم ، فتضجر من ذلك ، فقبض أبو الفوارس عليه وقتئذ ، فلما ~~سمع ابنه بقتله صار مع الملك أبي كاليجار وأطاعه ، وتجهز الملك أبو كاليجار ~~، وقام بأمره أبو مزاحم صندل الخادم مربيه ، وساروا بالعساكر إلى فارس ، ~~فبعث أبو الفوارس عسكرا مع وزيره أبي منصور الحسن بن علي البشنوي لقتاله ، ~~فوصل أبو كاليجار والوزير فتهاون PageV26P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" به ؛ لكثرة ms6087 عساكره ، فأتوه وهو نائم ، وقد ~~تفرق عسكره في البلد ، لابتياع ما يحتاجون إليه ، وكان جاهلا بالحرب ، فلما ~~شاهد أعلام أبي كاليجار شرع الوزير يرتب العسكر ، وقد داخلهم الرعب ، فحمل ~~عليهم أبو كاليجار ، فانهزموا وغنم أموالهم ، فلما انتهى خبر الهزيمة إلى ~~أبي الفوارس ذكر عودة أبي الفوارس إلى فارس واخراجه قال : ولما ملك أبو ~~كاليجار البلاد ، ودخل شيراز ، وجرى على الديلم الشيرازية من عسكره ما ~~أخرجهم عن طاعته ، وتمنوا أنهم كانوا قتلوا مع عمه ، ثم إن عسكر أبي ~~كاليجار شغبوا عليه وطالبوه بالمال فأظهر ديلم شيراز ما في نفوسهم من الحقد ~~، فعجز عن المقام معهم ، فسار عن شيراز إلى النونبدجان ، ولقي شدة في طريقه ~~، ثم فارقها لشدة حرها ، ووخامة هوائها إلى شعب بوان ، فأقام به ، وهو أحد ~~متنزهات الدنيا الأربع ، ولما سار عن شيراز أرسل الديلم الشيرازيون إلى أبي ~~الفوارس يحثونه على الوصول إليهم ، فسار إليهم وتسلم شيراز ، وقصد أبا ~~كاليجار بشعب بوان ، ثم استقر بينهما الصلح ، على أن يكون لأبي الفوارس ~~كرمان وفارس ، ولأبي كاليجار خوزستان ، وعاد أبو الفوارس إلى شيراز ، وسار ~~أبو كاليجار إلى أرجان ، ثم إن وزيره أبي الفوارس صادر الناس ، وأفسد ~~قلوبهم ، واجتاز به مال لأبي كاليجار ولمن معه من الديلم ، فأخذه ، فحينئذ ~~حي العادل ابن ماقيه صندلا الخادم على العود إلى شيراز ، فعادت الحال إلى ~~أشد ما كانت عليه ، ثم حرج كل واحد ، من أبي الفوارس وأبي كاليجار ، ~~والتقوا واقتتلوا ، فانهزم أبو الفوارس إلى دارا بجرد ، وملك أبو كاليجار ~~فارس ، وعاد أبو الفوارس فجمع الأكراد ، فاجتمع له نحو عشرة آلاف مقاتل ، ~~والتقوا واقتتلوا نحو البيضاء ، واصطخر ، فانهزم أبو الفوارس ومن معه ، ~~وسار إلى كرمان ، واستقر ملك أبي كاليجار بفارس ، في سنة سبع عشرة ~~وأربعمائة ، وفي أثناء ذلك خطب لأبي كاليجار ببغداد ، بعد وفاة مشرف الدولة ~~، كما قدمناه في أخبار PageV26P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" جلال الدولة ، وفي سنة ثماني عشرة وأربعمائة ~~استقر الصلح بين أبي كاليجار ، وعمه أبو الفوارس صاحب كرمان لأبي الفوارس ~~وبلاد فارس لأبي كاليجار ، ويحمل ms6088 لعمه في كل سنة عشرين ألف دينار ، وفوض ~~أبو كاليجار أمور دولته إلى العادل ابن ماقية ، فأجابه بعد امتناع ، وشرط ~~عليه ألا يعارض فيما يفعله ، وفي سنة تسع عشرة وأربعمائة توفي أبو الفوارس ~~صاحب كرمان ، فاستولى أب كاليجار على كرمان . ذكر ملك أبي كاليجار العراق ~~وفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ملك العراق ، وذلك بعد وفاة عمه جلال الدولة ~~، وذلك أن جلال الدولة لما مات كان ولده الأكبر الملك العزيز بواسط ، ~~فكاتبه الأجناد بالطاعة ، وشرطوا عليه تعجيل ما جرت بع العادة من حق البيعة ~~، فترددت الرسائل بينهم في مقدار المال ، فلم يكن عنده ما يعطيه لهم ، وبلغ ~~خبر موته الملك أبا كاليجار ، فكاتب القواد والأجناد ورغبهم في المال ، ~~وبكثرته وتعجيله ، فمالوا إليه ، وعدلوا عن الملك العزيز ، وأرسل الأموال ~~وفرقها على الجند وأولادهم ببغداد ، وأرسل إلى الخليفة عشرة آلاف دينار ، ~~ومعها هدايا كثيرة ، فخطب له ببغداد ، وأرسل إلى الخليفة عشرة آلاف دينار ، ~~ومعها هداي كثيرة ، فخطب له ببغداد في صفر سنة ست وثلاثين وأربعمائة ، ~~ولقبه الخليفة محي الدين ، وسار إلى بغداد في مائة فارس من أصحابه ؛ ليلا ~~مخافة الأتراك ، فلما وصل إلى النعمانية لقيه دبيس بن مزيد ، ودخل إلى ~~بغداد في شهر رمضان ، ومعه وزيره ذو السعادتين أبو الفرج بن محمد بن جعفر ~~بن محمد بن فسابخس وزينت بغداد لقدومه ، وخلع على أصحاب الجيوش ، وهم ~~البساسيري والنشاودي والهمام أبو البقاء ، وجرى من ولاة العرض بمرأى من ~~الملك أبي كاليجار ، واستمر ملكه إلى سنة أربعين وأربعمائة فتوفي بمدينة ~~خناب من كرمان ، في رابع جمادى الأولى منها ، وقد عزم على المسير إلى كرمان ~~، وكان عمره أربعين سنة وشهورا ، ومدة ملكه ، منذ ملك فارس بعد وفاة أبيه ، ~~أربعا وعشرين سنة وسبعة أشهر ، ومنذ ملك العراق بعد عمه جلال الدولة أربع ~~سنين وشهرين ونيفا وعشرين يوما ، ولما توفي نهب العراق الأتراك الذين ~~بالعسكر الخزائن والسلاح والدواب ، وانتقل ولده أبو منصور فلا ستون إلى ~~مخيم الوزير أبي منصور ، وأراد الأتراك نهبها ، فمنعهم الديلم ، وعاد ~~PageV26P0151 # """""" صفحة رقم 152 ms6089 """""" العسكر إلى شيراز ، فملكها الأمير أبو منصور ~~، وكان رحمه الله منصفا للتجار في معاملاتهم ، يربحون عليه الأرباح الكثيرة ~~، مع بخله العظيم ، وخلف بقلعة اصطخر تسعة وعشرين ألف بدرة ورقا ، ~~وأربعمائة بدرة عينا ، سوى الجواهر والثياب . أولاده : الملك الرحيم أبو ~~نصر أبو منصور فلاستون . أبو طالب كامروا - أبو المظفر بهرام - أبو علي ~~كيخسرو شاه ، وثلاثة بنين أصاغر . وزيره : العادل أبو منصور بهرام . ذكر ~~ملك الملك الرحيم أبي نصر هو أبو خسرو فيروز بن أبي كاليجار المرزبان بن ~~سلطان الدولة فناخسروا بن بهاء الدولة أبي نصر خسرو فيروز بن عضد الدولة ~~ابن ركن الدولة ، وهو آخر ملوك الدولة البويهية ، عليه انقرضت دولتهم ، ~~وكان ملكه ببغداد بعد وفاة أبيه كاليجار ، وذلك أنه لما ورد الخبر بوفاته ~~إلى بغداد ، وبها ولده أبو نصر هذا أحضر الجند واستحلفهم ، وراسل الخليفة ~~القائم بأمر الله ، في الخطبة لنفسه وتلقيبه بالملك الرحيم ، ترددت الرسائل ~~في ذلك إلى أن أجابه الخليفة إلى الخطبة ، ولم يجبه إلى اللقب ، وقال : لا ~~يجوز أن يلقب أحد بأخص صفات الله عز وجل ، واستقر ملكه بالعراق وخوزستان ~~والبصرة ، وكان بالبصرة أخوه أبو كيخسرو واستولى أبو منصور على شيراز ، ~~فسير إليه الملك الرحيم أخاه أب سعيد في عسكر ، فملكوا شيراز ، وقبضوا على ~~أبي منصور ووالدته ، وذلك في شوال سنة أربعين وأربعمائة ، وخطب للملك ~~الرحيم بشيراز ، ثم خالفه أهلها بعد ذلك ، وصاروا مع أخيه أبي منصور ، وكان ~~بينهم حروب ووقائع يطول شرحها ، ولم يزل الملك الرحيم في الملك إلى أن قطعت ~~خطبته ، عند وصول السلطان طعرلبك السلجقي إلى بغداد ، فخطب له بها بعد ~~الخليفة ، ثم بعده للملك الرحيم ، بشفاعة الخليفة إلى السلطان طغرلبك - ثم ~~قبض طغرلبك على الملك الرحيم ، وقطعت خطبته ، لخمس بقين من شوال ، وقيل في ~~سلخ شهر رمضان سنة سبع وأربعين ، وسيره السلطان إلى الري ، واعتقله في ~~قلعتها ، فمات في سنة خمسين وأربعمائة وانقطعت الدولة البويهية من بغداد ~~بزوال ملكه . وكان ملكه سبع سنين وشهورا ، وبلغ من العمر اربعا وعشرين سنة ~~وشهورا . وزراؤه : الوزير ms6090 أبو السعادات ، وأبو الفرج بن فسانجس ، وابنه ~~الوزير أبو الغنائم ، والوزير أبو الحسن على بن عبد الرحيم . PageV26P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" جامع أخبار ملوك بني بويه عدة من ملك منهم ~~ستة عشر ملكا وهم عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه ، ركن الدولة أبو علي ~~الحسن معز الدولة أبو الحسن أحمد عز الدولة بختيار بن معر الدولة . عضد ~~الدولة أبو شجاع فناخسرو شاهنشاه . وفيه يقول المتنبي : أبو شجاع بفارس عضد ~~الدولة . . . فناخسروا شاهنشاه مؤيد الدولة أبو منصور بويه ركن الدولة . ~~فخر الدولة وفلك الأمة أبو الحسن علي بن ركن الدولة مجد الدولة ، وكنف ~~الأمة أبو طالب رستم بن فخر الدولة ، وهؤلاء الثلاثة لم يملكوا العراق - ~~صمصام الدولة أبو كاليجار المرزبان بن عضد الدولة - شرف الدولة أبو الفوارس ~~شيرذيل بن عضد الدولة بهاء الدولة وضياء الدولة أبو نصر خسرو فيروز بن عضد ~~الدولة سلطان الدولة أبو شجاع فناخسروا بن بهاء الدولة مشرف الدولة بن بهاء ~~الدولة - جلال الدولة أبو طاهر فيروز خسرو بن بهاء الدولة - الملك شاهنشاه ~~أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة . الملك الرحيم أبو نصر ، وملك منهم ~~أيضا شمس الدولة أبو طاهر بن فخر الدولة ، ملك همذان ثم استولى على الجبل ، ~~وأبو الفوارس بن بهاء الدولة صاحب كرمان . ومدة ملكهم منذ استولى عماد ~~الدولة على أصفهان لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي العقدة سنة إحدى وعشرين ~~وثلاثمائة ، وإلى أن انقطعت خطبة الملك الرحيم لخمس بقين من شوال سنة سبع ~~وأربعين وأربعمائة ، مائة سنة وخمس وعشرون سنة وأحد عشر شهرا وأربعة عشر ~~يوما . ومنذ ملك معز الدولة بغداد ، ولقبه الخليفة المستكفي بالله العباسي ~~، ولقب إخوته بالألقاب التي ذكرناها ، ونقش أسماءهم على السكة لإحدى عشرة ~~ليلة خلت من جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وإلى هذا التاريخ ، ~~مائة سنة وثلاث عشرة سنة وخمسة اشهر وأربعة عشر يوما . وكان لهم في غالب ~~الأوقات من الأقاليم : سجستان ، وطبرستان ، وجرجان ، دعوة وخطابة ، وسكة ، ~~وكرمان ، والري ، PageV26P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" وأصفهان ، وهمذان ، وبلاد فارس ، وخوزستان ، ~~والعراق ، والموصل ms6091 ، وديار بكر ، وما يليها ، وجميع عمان ، وانقرضت دولتهم ~~كأن لم تكن ، فسبحان الدائم الذي لا يزول ملكه ، ولا يفنى دوامه ، سبحانه ~~وتعالى . وحيث ذكرنا الدولة البويهية ، وأخبار ملوكها فلنذكر أخبار ~~السلجقية . ذكر أخبار الدولة السلجوقية وابتداء أمر ملوكها وكيف تنفلت بهم ~~الحال ، إلى أن استولوا على البلاد ، وما حازوه من الأقاليم والممالك ، ~~وغير ذلك من أخبارهم كان ابتداء ظهور هذه الدولة في سنة ثمان وعشرين ~~وأربعمائة ، وملوكها هم الذي ينسب إليهم القبة و الطير . يقال : إنهم ~~اتخذوا ذلك تبركا بالطائر الذي يقال إنه وقع ظله على أحد من البشر سعد ~~سعادة عظيمة ، وقيل إن ظله وقع على أبيهم سلجق ، فكان من أمره ما نذكره ، ~~وقد اختلف في انتسابهم إلى أي قبيلة ، فمن الناس من ذهب إلى أنهم من ~~التركمان ، ومنهم من يقول إنهم من الترك ، وفي أخبارهم ما يدل على أنهم ~~الأتراك . وأول من نبغ من ملوك هذه الدولة وعلا قدره ، وطار اسمه ، واستولى ~~على البلاد ، وقاتل الملوك ، وحاز الممالك ونعت بالسلطنة : طغرلبك أبو طالب ~~محمد بن ميكائيل بن سلجق بن يقاق . وطغرلبك : بضم الطاء المهملة ، وسكون ~~الغين المعجمة ، وضم الراء ، وسكون اللام ، وفتح الباء الموحدة وبعدها كاف ~~. ولنبدأ بذكر آبائه ، وابتداء أمرهم في سبيل التلخيص والاختصار ، لتكون ~~أخبارهم سياقة ، يتلو بعضها بعضا . فأما يقاق ، وقيل فيه دقاق ، ومعنى يقاق ~~: القوس الجديدة ، فكأن رجلا تركيا شهما ، صاحب رأي وتدبير ، وهو أول من ~~دخل في دين الإسلام ، وكان مقدم طائفته من الأتراك ، ومرجعهم غليه ، لا ~~يخالون له قولا ، وكان ملك الترك في زمانه بيغوا يتدبر برأيه ، ويقتدي ~~بمشورته ، ويستصحبه في حروبه ، فيقال : إن يبغو جمع عساكره ، وأرادوا ~~المسير إلى بلاد الإسلام ، فنهاه يقاق عن ذلك ، وطال الخطاب بينهما ، فأغلظ ~~له ملك الأتراك في الكلام ، فلطمه يقاق فشج رأسه فثار به خدم بيغو ، ثم صلح ~~الأمر بينهما ، فكان يقاق عند بيغو إلى أن مات . وخلف ولده سلجق . ~~PageV26P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" ذكر أخبار سلجق بن يقاق وسلجق بتفخيم الجيم ، ~~لتكون بين السين والجيم ms6092 ، ورأيت جماعة من المؤرخين اثبتوا في اسمه واوا ، ~~فقالوا : سلجوق . قال ابن الأثير : وإثبات الواو في اسمه غلط ، والصواب ~~سلجق . قال : ولما توفي والده يقاق ، ظهر على سلجق مخايل النجابة ، وإمارات ~~التقدم ، فقربه ملك الترك ، وفوض إليه تدبير العساكر ، ولقبه سباشي ، ~~ومعناه قائد الجيش ، فكانت امرأة الملك تحذره منه ، وتخوفه عاقبة أمره ، ~~لما رأت من انقياد أصحابه أليه ، وطاعة الناس له ، وأغرته بقتله ، فبلغ ~~سلجق الخبر ، فسار بجماعته ومن يطيعه ، والتحق بملك الخانية : شهاب الدولة ~~هارون بن إيلك خان ، ملك ما وراء النهر ، فأمده شهاب الدولة بجيش كثيف ، ~~ليغزو بلاد كفار الترك ، فاستشهد في بعض حروب الكفار ، وقيل : بل توفي بجند ~~ودفن بها ، قال ابن الأثير في تاريخه الكامل : إنه لما فارق بيغو أقام ~~بنواحي جند ، وأدام غزو كفار الترك ، وكان ملك الترك يأخذ الخراج من ~~المسلمين في تلك الديار ، فطرد سلجق عماله عنها ، ثم استنجد به بعض ملوك ~~السامانية على هارون بن إيلك خان الخان ، لأنه كان قد استولى على بعض بلاده ~~، فأرسل إليه سلجق ابنه أرسلان ، في جمع من أصحابه ، فقوي بهم الساماني على ~~هارون ، واستعاد ما كان أخذه من بلاده ، وعاد أرسلان إلى أبيه . قال : ولما ~~توفي سلجق كان له من العمر مائة وسبع سنين ، وخلف من الأولاد : أرسلان ، ~~وميكائيل ، وموسى ، فغزا ميكائيل بعض بلاد كفار الترك ، وباشر القتال بنفسه ~~، فاستشهد في سبيل الله ، وقيل بل مات في حبس السلطان محمود بن سبكتكين ؛ ~~لأنه طلبه أن يكون في جملة أصحابه ، فامتنع من ذلك ، فقبض عليه ، واعتقله ، ~~فمات في اعتقاله ، والله تعالى أعلم . وخلف ميكائيل من الأولاد طغرلبك محمد ~~، وجغري بك داوود ، وبيغو ، فأطاعهم عشائرهم ، وانقادوا لأمرهم ، فنزلوا ~~بالفري من بخاري ، على عشرين فرسخا منها ، فخافهم أميرها ، فأساء جوارهم ، ~~وقصد الإيقاع بهم ، فانتموا إلى بغراخان ملك تركستان ، واجتمعوا به ، ~~وأقاموا عنده ، واستقر الأمر بين طغرلبك وأخيه جغري بك PageV26P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" داود ، أنهما لا يجتمعان عند بغراخان ، وإنما ~~يحضر أحدهما ، ويقيم الآخر في أهله ؛ خوفا منه أن يقبض ms6093 عليهما معا ، فاجتهد ~~بغراخان في اجتماعهما ، فلم يتهيأ له ، فقبض على طغرلبك ، فسار داود في ~~عشائرها ومن معه ، وقصد بغراخان وقاتله وهزمه ، وخلص أخاه وانصرفوا إلى جند ~~، وهي بقرب بخارى . وأما ارسلان بن سلجق أخو ميكائيل فإن ميكائيل فإن إيلك ~~خان لما ملك مملكة السامانية ، بما وراء النهر ، ومنها بخارى ، أعظم محل ~~أرسلان ، وكان على تكين في جيش أرسلام خان أخو إيلك خان ، فهرب ولحق ببخارى ~~، واستولى عليها ، واتفق مع أرسلان بن سلجق ، وقوي أمرهما ، فقصدهما إيلك ~~خان أخو أرسلان خان ، وقاتلهما ، فهزماه ، وبقيا ببخارى ، وكان علي تكين ~~يكثر معارضة يمين الدولة محمود بن سبكتكتين ، فيما يجاوره من البلاد ، ~~ويقطع الطريق على رسله إلى ملوك الترك ، فلما عبر محمود نهو جيجون هرب على ~~تكين من بخارى ، ودخل أرسلان بن سلجق وجماعته إلى المفازة ، فكاتبه محمود ~~واستماله ورغبه ، فأتاه ، فقبض عليه لوقته ، وسجنه ونهب خركاهاته ، واستشار ~~فيما يفعل بقومه وعشيرته ، فأشار أرسلان الجاذب بقطع أباهيمهم حتى لا يرموا ~~النشاب ، أو يغرقوا في نهر جيحون ، وفرقهم في نواحي خراسان ، ووضع عليهم ~~الحرج ، فجار العمال عليهم ، وامتدت الأيدي إلى أموالهم وألادهم ، فانفصل ~~منهم ألفا رجل ، وساروا إلى كرمان ، ومنها إلى أصفهان ، وجرى بينهم وبين ~~صاحبها علاء الدولة بن كاكويه حرب ، فساروا من أصفهان إلى أذربيجان . هؤلاء ~~جماعة أرسلان ، وأما أولاد أخوته : فإن تكين صاحب بخارى أعمل الحيلة في ~~الظفر بهم ؛ فراسل يوسف بن موسى بن سلجق وهو ابن عم طغرلبك ، واستماله ، ~~وطلب منه الحضور عنده ، فأتاه ، ففوض إليه تكين التقدم على جميع الأتراك ~~الذي في ولايته ، وأقطعه إقطاعا كبيرا ، ولقبه بالأمير اينانج بيغو وقصد ~~بذلك أن يعينه على أولاد عمه وأن يأخذ بعضهم ببعض ، فعلم يوسف مراده ، فلم ~~يطعه في ذلك ، فلما رأى أن مكيدته لم تؤثر ، ولا يبلغ بها غرضا ، أمر بقتله ~~، فعظم ذلك على طغرلبك ، وداوود وعشائره ، فلبسوا ثياب الحداد ، وجمعا من ~~الأتراك ما قدرا على جمعه ، لطلب ثأر ابن عمهم ، وجمع على تكين ، وذلك في ~~سنة عشرين PageV26P0156 # """""" صفحة رقم 157 ms6094 """""" وأربعمائة ، ثم قصدا ألب قرا قاتل يوسف ابن ~~عمهما ، فقتلاه في سنة إحدى وعشرين ، وأوقعا بطائفة من عسكر علي تكين ، ~~فقتلا منهم نحو ألف رجل ، فجمع علي تكين عساكره ، ومن حمل السلاح من أصحابه ~~، وتبعهم خلق كثير من أهل البلاد ، وقصدوا السلجقية من كل جانب ، وأوقعوا ~~بهم وقعة عظيمة ، وسبوا كثيرا من نسائهم ، فألجأتهم الضرورة إلى العبور إلى ~~خراسان ، فلما عبروا جيحون ، كتب إليهم خوارزم شاه هارون بن التونتاش ، ~~يستدعيهم إليه ؛ ليكونوا يدا واحدة ، فساروا إليه واجتمعوا بظاهر خوارزم ، ~~في سنة ست وعشرين وأربعمائة ، واطمأنوا إليه فغدر بهم ، وأكثر فيهم القتل ~~والنهب ، فساروا إلى مفاذة نسا ، وقصدوا مرو في هذه السنة . وذراريهم ، ~~ونساؤهم في الأسر . ؟ ذكر ما اتفق بين طغرلبك وداود وبين السلطان مسعود بن ~~محمود بن سبكتكين قال : ولما اتفق لهم مع خوارزم شاه هارون ما ذكرناه ، ~~راسلوا الملك مسعود - وهو بطرستان - يطلبون منه الأمان ، وأن يكونوا في ~~خدمته ، ويدفعوا الطائفة التي تفسد في بلاده ، ويكونوا من أعظم أعوانه ، ~~فقبض على الرسل ، وجهز عسكرا جرارا مع حاجبه بكتغدي ، وغيره من الأمراء ، ~~فالتقوا عند نسا في شعبان سنة ست وعشرين وأربعمائة ، فانهزم السلجقية ، ~~وغنم العسكر المسعودي لأموالهم وأثقالهم ، فجرى بين العسكر منازعة على ~~الغنائم أدت إلى القتال بينهم ، فقال داود لأصحابه : إن العسكر الآن قد ~~اطمأن ، واستقر والرأي أ ، نقصصصدهم ، لعنا نبلغ منهم غرضا ، فعاد ووافق ~~وصولهم إليهم ، وهم فيما وقع بينهم من الاختلاف ، وقتال بعضهم بعضا ، ~~فأوقعوا لهم ، وقتلوا منهم ، وأسروا ، فاستردوا ما أخذوه ، وعاد المنهزمون ~~من المعسكر المسعودي إلى نيسابور ، فندم مسعود على رده السلجقية ، عند ~~بذلهم الطاعة ، وعلم أن هيبتهم قد تمكنت في قلوب عساكره ، فأرسل إليهم ~~يتهددهم ويتوعدهم ، فقال طغرلبك لإمام صلواته : أكتب اللهم مالك الملك . . ~~- إلى - قدير ، ولا تزد على ذلك ، ففعل ، فلما ورد الجواب على مسعود ، كتب ~~إليهم يعدهم المواعيد الجميلة وسير إليهم الخلع ، وأمرهم بالرحيل إلى آمل ~~الشط ، PageV26P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" وهي مدينة على نهر جيحون ، وأقطع دهشان لداود ~~، ونسا لطغرلبك ، وفراوه لبيغو ms6095 ، ولقب كل واحد منهم بالدهقان ، فاستخفوا ~~بالرسول والخلع ، ثم قالوا له : لو علمنا أن السلطان يبقي علينا إذا قدر ~~لأطعناه ، وكلنا نعلم أه متى قدر علينا أهلكنا ، فنحن لا نطيعه ، ثم أرسلوا ~~إليه يخادعونه بإظهار الطاعة له ، وأحضره عنده ببلخ ، وأفرج عنه وأمره ~~بمراسلة بني أخيه يأمرهم بالكف عن الشر ، والدخول في الطاعة ، ففعل أرسلان ~~، وأرسل إليهم مع الرسول أشفا ، فلما جاء الرسول إليهم ، وأدى الرسالة ، ~~وسلم إليهم الإشفي نفروا واستوحشوا ، وعادوا إلى ما كانوا عليه من الشر ، ~~فأعاد الملك مسعود عمهم أرسلان إلى الحبس ، وسار إلى عزنة وقصد السلجقية ~~بلخ ، ونيسابور ، وطوس ، وجوزجان ، وأقام داود بمدينة مرو ، وانهزمت ~~العساكر المسعودية من السلجقية مرة بعد أخرى ، واستولى الرعب عليهم ، هذا ~~والملك مسعود يغزو الهند ، والكتب تصل إليه بأخبار السلجقية وهو لا يجيب ~~عنها ، ولا يلوي على ما فيها لاشتغاله بما هو أهم عنده من ذلك ، وهو غزو ~~الهند ، وفتح قلاعهم ، على ما قدمناه في أخبار الدولة الغزنويه . ذكر ~~ابتداء الدولة السلجوقية وإقامة الخطبة لطغرلبك وداود كان سبب ذلك أن وزراء ~~السلطان مسعود ، وأهل دولته ، لما كرروا عليه القول وواصلوا الرسل إليه ، ~~يعرفونه ما آل إليه أمر السلجقية ، ويحذرونه عاقبة توانيه فيهم ، جهز جيشا ~~كثيفا مع حاجبه سباشي ، ومرداويج بن بسو ، فأقام سباشي بهراه ونيسابور ، ثم ~~أغار على مرو وبها داود ، فانهزم داود بين يديه ، وتبعه العسكر المسعودي ، ~~فعطف داود عليه ، وحمل على صاحب جوزجان ، فقتله ، فانهزم عسكر مسعود ، وعاد ~~داود إلى مرو ، فأحسن إلى أهلها ، وخطب لنفسه فيها في أول جمعة من شهر رجب ~~سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ، وهي أول خطبة أقيمت لهم ، ولقب في الخطبة بملك ~~الملوك ، وقويت نفوس السلجقية وزاد طمعهم في البلاد ، ثن التقى العسكر ~~السعودي بعد ذلك ، والسلجقية ، وباشر سباشي الحرب بنفسه ، واقتتلوا على باب ~~سرخس ، في شعبان سنة ثمان وعشرين ، فانهزم سباشي أقبح هزيمة ، وتبعه داود ~~إلى طوس يأخذ أصحاب سباشي باليد ، وكفوا عن القتل ، وغنموا أموالهم ، فكانت ~~هذه الواقعة هي PageV26P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" التي ms6096 أوجبت ملك السلجقية خراسان ، ودخلو ~~فصبات البلاد ، فدخل طغرلبك نيسابور ، وسكن الشادياخ ، وخطب له فيها في ~~شعبان ، ولقب بالسلطان المظفر وبثوا النواب في النواحي ، وسار داود إلى ~~هراة ، وتوجه سباشي إلى غزنة فاضطر مسعود إلى المسير إلى خراسان ، وجمع من ~~العساكر ما يضيق بها الفضا ، وفرق فيهم الأموال ، وشار من غزنة ، ومعه من ~~الفيلة عدد كثير ، فوصل إلى بلخ ، فقصده داود ، ونزل قريبا منها ، ودخلها ~~يوما جريدة ، على حين غفلة من العسكر ، فأخذ الفيل الكبير الذي على باب ~~الملك مسعود ، وعدة جنائب ، فعظم قدره في نفوس الناس وازدادت ، هيبته في ~~قلوب العسكر ، ثم سار مسعود من بلخ في مستهل شهر رمضان سنة تسع وعشرين ، ~~ومعه ألف فارس سوى الأتباع ، وسار إلى جوزجان ، فأخذ واليها الذي كان ~~للسلجقية ، فصلبه ، وسار منها ، فوصل إلى مرو الشاهجان ، وسار داود إلى ~~سرخس ، واجتمع بأخويه طغرلبك وبيغو ، فراسلهم مسعود في الصلح ، فتوجه إليه ~~بيغو بالجواب ، فأكرمه مسعود وخلع عليه ، وكان مضمون رسالته : إنا لا نثق ~~بمصالحتك بعد ما فعلناه من هذه الأفعال ، التي كل فعل منها موبق مهلك ، ~~وآيسوه من الصلح ، فسار مسعود من مرو إلى هراة ، وقصد داود مرو ، فامتنع ~~أهلها من تسليمها ، فحاصرهم سبعة أشهر ، وملكها ، فسقط في يد مسعود ، وسار ~~من هراة إلى نيسابور ثم إلى سرخس ، وكلما اتبع السلجقية إلى مكان ساروا منه ~~إلى غيره ، ولم يزل كذلك حتى أدركه الشتاء ، فأقام بنيسابور ينتظر الربيع ، ~~فلما جاء الربيع اشتغل مسعود بلهوه وشربه ، حتى انقضى فصل الربيع ، فلما ~~جاء الصيف عاتبه أصحابه على إهماله أمر السلجقية ، وعدم مناجزتهم للحرب ، ~~فسار من نيسابور في طلبهم ، فدخلت السلجقية البرية ، وتبعهم مرحلتين ، وقد ~~ضجر عسكره من التعب والكلال ، فنزل الملك مسعود منزلا قليل الماء ، فاقتتل ~~عسكره على الماء ، ونهب بعضهم بعضا ، فعلم داود بما هم فيه ، فرجع عليهم ، ~~فولوا منهزمين لا يرجع بعضهم على بعض ، وثبت مسعود ، ثم انهزم في نحو مائة ~~فارس ، حتى أتى غرشستان وغنم السلجقية من PageV26P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" المعسكر المسعودي ما ms6097 لا يدخل تحت الإحصاء ، ~~فقسم داود ذلك على أصحابه ، وآثرهم على نفسه ، ونزل في سرادق مسعود ، وجلس ~~على كرسيه ، ثم أطلق الأسرى ، ووضع خراج سنة كاملة . ذكر ملك داود وطغرلبك ~~وبيغونيسابور وبلخ وهراة قال : وسار طغرلبك إلى نيسابور ، فملكها في أواخر ~~سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ، فقيل إنه أكل لوزينجا ، فقال : هذا ططماج طيب ~~، إلا أنه لا ثوم فيه ، ورأى أصحابه الكافور ، فأكلوا منه ، وقالوا : هذا ~~ملح مر ، واستولى السلجقية حينئذ على جميع البلاد ، فسار بيغو إلى هراة ، ~~فدخلها وسار داود إلى بلخ ، وبها ألتونتاش الحاجب واليا عليها لمسعود ، ~~فراسله داود في تسليم البلد إليه ، وعرفه عجز صاحبه عن نصرته ، فحبس ~~ألتونتاش رسله ، فنازله داود ، وحصر المدينة ، فأرسل ألتونتاش إلى مسعود ~~وهو بغزنه يعرفه الحال . وما هو فيه من ضيق الحصار ، فجهز مسعود العساكر ~~الكثيرة ، فجاءت طائفة منهم إلى الرخخ ، وبها من السلجقية ، فقاتلوهم ~~فانهزمت السلجقية ، وقتل منهم ثمانمائة رجل وأسر كثير ، وخلا ذلك الصقع ~~منهم ، وسارت طائفة إلى هراة وبها بيغو ، فقاتلوه ، ودفعوا عنها ، ثم جهز ~~مسعود ولده مودودا وسيره في عسكر كبير مددا لهذا العسكر ، فسار عن غزنه في ~~سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة ، فلما قاربوا بلخ سير داود طائفة من عسكره ، ~~فأوقعوا بطلائع مودود ، فانهزمت الطلائع ، وتبعهم عسكر داود ، فلما أحس بهم ~~عسكر مودود رجعوا إلى ورائهم ، فلما اتصل هذا الخير بألتونتاش صاحب بلخ ~~أطاع داود وسلم إليه البلد ، ووطيء بساطه ، ثم اتفق قتل السلطان مسعود في ~~سنة اثنتين وثلاثين ، وملك بعده أخوه محمد ، ثم قتل مودود بن مسعود ، فتمكن ~~السلجقية . ذكر ملك طغرلبك جرجان وطبرستان وفي سنة ثلاث وأربعمائة ملك ~~طغرلبك جرجان وطبرستان ، ، ن وسبب ذلك أن أنوشروان بن منوجهر بن قابوس بن ~~وشمكير صاحبها قبض على أبي كاليجار بن ويهان القوهي صاحب جيشهن وزوج أمهن ~~فعلم طغرلبك عند ذلك انه لا PageV26P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" مانع له ، ولا دافع من البلاد ، فسار إليها ، ~~وقصد جرجان ، ومعه مرداويج بن بسو ، فلما نازلها فتح له مستحفظها أبوابها ، ~~فدخلها ، وقرر على ms6098 أصحابها مائة ألف دينار صلحا ، وسلم البلد لمرداويج ، ~~وقرر عليه في كل سنة خمسين ألف دينار ، عن جميع الأعمال ، وعاد إلى نيسابور ~~، وقصد مرداويج بن بسو أنوشروان " بسارية " ، فاصطلحا على ان ضمن له ~~انوشروان ثلاثين ألف دينار ، وأقيمت الخطبة لطغرلبك في سائر البلاد ، وتزوج ~~مرداويج ، لايخالفه في شيء ألبته ، وملك خوارزم في سنة أربع وثلاثين من شاه ~~ملك ابن علي ، وكان في طاعة مودود صاحب غزنة . ذكر مسير إبراهيم ينال إلى ~~الري وهمذان وإبراهيم ينال هو أخو طغرلبك لأمه . قال : ولما ملك إخوته ~~خراسان سار هو إلى الري ، فملكها في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ، ثم سار ~~عنها إلى البلاد المجاورة لها ، ثم انتقل بروجرد ، فملكها ، ثم قصد همذان ، ~~وكان بها أبو كاليجار كرشاسف بن علاء الدولة ، ففارقها إلى سابور خواست ، ~~ونزل إبراهيم عليها ، وأراد دخولها ، فقال له أهلها : إن كنت تريد منا ~~الطاعة ، وما يطلبه السلطان من الرعية ، فنحن باذلوه ، وداخلون تحته ، ~~فاطلب أولا هذا المخالف عليك الذي كان عندنا ، يعنون كرشاسف ، فإنا لا نأمن ~~عوده إلينا ؛ فإذا ظفرت به كنالك ، فكف عنهم ، وسار إلى كرشاسف بعد أن أخذ ~~من أهل البلد مالا ، فلما قارب سابور ، خواست تحصن منه كرشاسف بالقلعة ، ~~وملك إبراهيم البلد قهرا ونبهه ، ثم عاد إلى الري ، وذلك في سنة أربع ~~وثلاثين وأربعمائة . ذكر خروج طغرلبك إلى الري وملكه بلد الجبل قال : ولما ~~فرغ طغرلبك من خوارزم ، وجرجان ، وطبرستان خرج من خراسان إلى الري ، ~~وغيرهما من بلاد الجبل ، وسار أخوه إبراهيم ينال إلى سجستان ، وأخذ طغرلبك ~~من مجد الدولة بن بويه ، وأقام عنده مكرما ، وأمر طغرلبك PageV26P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" بعمارة الري ، وكانت قد خربت ، فوجد في دار ~~الإمارة مراكب ذهب مجوهرة ، وبرنيتين من الصيني مملوءتين ، وأمولا كثيرة ، ~~وسار إلى قزوين ، وحصرها ، فوقع الصلح على ثمانين ألف دينار ، ودخل صاحبها ~~في طاعته ، وأطاعه ملك الديلم ، وحمل إليه مالا وعروضا ، وأطاعه غيره من ~~الملوك ، وأرسل سرية إلى أصفهان ، وبها أبو منصور فرامرز الدولة ، فأغارت ~~وعادت سالمة ، وخرج طغرلبك من ms6099 الرين وقصد أصفهان ، فصالحه صاحبها ، وصانعه ~~بمال ، وسار إلى همذان ، فملكها من صاحبها كرشاسف بن علاء الدولة ، وسار ~~معه إلى من أبهر وزنجان ، وطلب منه طغرلبك تسليم قلعة كنكور ، فأرسل إلى من ~~بها ليسلموها ، فامتنعوا ، فقال طغرلبك : ما امتنعوا إلى بأمرك ورأيك ، ~~فاصعد إليهم ، وأقم معهم ، ولا تفارق موضعك حتى آذن لك ، واستناب بهمذان ~~ناصر العلوي . وفي سنة خمسين وثلاثين وصل إلى طغرلبك رسول الخليفة القائم ~~بأمر الله ، وهو أقضى القضاه أبو الحسن علي الماوردي ، فتلقاه طغرلبك على ~~أربعة فراسخ ، إجلالا لرسالة الخليفة ، وذكر طاعته للخليفة ، ووقوفه عند ~~أوامره . وفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة استوزر السلطان طغرلبك أبا القاسم ~~علي بن عبد الله الجويني ، وهو أول وزير وزر له . وفي سنة سبع وثلاثين أمرر ~~السلطان طغرلبك أخاه إبراهيم ينال بالخروج إلى بلاد الجبل ، فسار من همذان ~~، وقصد كرمان ، وبها كرشاسف بن علاء الدولة ، ففارقها خوفا ، ودخلها ~~إبراهيم ، وملكها ، وسار إلى الدينور ، فملكها ، وملك قرميسين في شهر رجب ~~بعد حصار وقتال ، وملك الصيرمة في شهر شعبان ونهبها ، وأوقع بالأكراد ~~المجاورين لهما ، ثم سار إلى حلوان ، فنهبها ، وأحرقها . ذكر ملك ينال قلعة ~~كنكور وغيرها وفي سنة تسع وثلاثين وأربعمائة سار إبراهيم إلى قلعة كنكور ، ~~وبها عكبر بن فارس ، صاحب كرشاسف ، فامتنع عكبريها إلى أن فقدت ذخائره ~~وفنيت الأقوات ، PageV26P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" فعند ذلك أعمل الحيلة ، وعمد إلى بيوت الطعام ~~التي بالقلعة فملأها ترابا وحجارة ، وسد أبوابها ، ونشر من داخل الأبواب ~~شيئا من الطعام ، وعلى رأس التراب والحجارة مثل ذلك ، وراسل إبراهيم في ~~تسليم القلعة إليه ، على أن يؤمنه على من بها من الرجال ، وما بها من ~~الأموال ، فامتنع إبراهيم من ترك المال ، فأخذ عكبر رسول إبراهيم ، وطوفه ~~على بيوت الطعام ، فرآها مملوءة وظنها طعاما ، وقال له : قل لصاحبك إنني لم ~~أرسل إليه خوفا من المطاولة ، فإن بذل لي الأمان على ما طلبته لي ، وللأمير ~~كرشاسف وأمواله ، ولمن بالقلعة ، سلمتها إليه ، وكفيته مؤنة المقام ، فلما ~~عاد الرسول إلى إبراهيم ، وأخبره بما سمع ، أجابه ms6100 إلى ما طلب ، ونزل عكبر ، ~~فلما تسلم إبراهيم القلعة تبينت له مكيدته ، وسلم إليه سرجاب ابن أبي السؤل ~~؛ ليفتح به قلاعه ، وكان الأكراد الملاذية قد قبضوا عليه ، وسلموه لإبراهيم ~~ينال ، قبل ذلك ، فسار به أحمد إلى قلعة كلكان ، فامتنعت عليه ، فسار إلى ~~قلعة دردبلوه ، فحصرها ، وامتدت طائفة ممن معه إلى تلك الأعمال ، فنهبوها ، ~~ووصلوا إلى الدسكرة ، وباجسري ، والهارونية ، وقصر سابور ، وجميع تلك ~~الأعمال ، ونهبوها ، فوصل الخبر إلى بغداد ، فارتاع أهلها ، ثم سار إبراهيم ~~ينال إلى السيروان ، فحصر القلعة ، وضيق على من بها ، وأرسل سرية نهبت ~~البلاد ، وانتهت إلى عشرة فراسخ من تكريت ، ثم تسلم السيروان من مستحفظها ~~بعد أن أمنه ، واستخلف عليها رجلا من أصحابه ، وانصرف إلى حلوان ، وعاد إلى ~~همذان . ذكر غزو إبراهيم ينال الروم وفي سنة أربعين واربعمائة غزا إبراهيم ~~الروم ، فظفر وغنم وأسر وسبى ، وكان سبب : ذلك أن خلقا كثيرا من الغز مما ~~وراء النهر ، قدموا عليه ، فقال لهم : إن بلادي تضيق عن مقامكم ، والقيام ~~بما تحتاجون إليه ، والرأي أن تمضوا إلى غزو الروم ، وتجاهدوا في سبيل الله ~~تعالى ، وتغنموا وأنا سائر في أثركم ، فساروا بين يديه وتبعهم ، ~~PageV26P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" فوصلوا إلى ملاذكرد ، وأرزن الروم ، وقاليقلا ~~، وبلغوا طرابزون ، وتلك النواحي كلها ، ولقيهم عسكر عظيم للروم والأنجاز ، ~~يبلغون خمسين ألفا ، فاقتتلوا وكانت بينهم عدة وقائع ، تارة لهؤلاء ، ثم ~~كان الظفر للمسلمين ، فأكثروا القتل في الروم ، وأسروا جماعة كثيرة من ~~بطارقتهم . وممن أسر قاريط ملك الأنجاز ، فبذل في نفسه ثلثمائة ألف دينار ، ~~فلم يجبه إلى ذلك ، ولم يزل بجوس خلال تلك الديار وينهبها ، إلى أن بقي ~~بينه وبين القسطنطينية خمسة عشر يوما ، واستولى المسلمون على تلك النواحي ، ~~وغنموا ما فيها ، وسبوا أكثر من مائة ألف رأس ، وأخذوا الدواب ، والبغال ، ~~والأموال ما لا يقع عليه الإحصاء ، قيل : إن الغنائم حملت إلى عشرة آلاف ~~عجلة ، وإنه كان في جملة الغنيمة تسعة عشر ألف درع ، والله أعلم . ذكر ~~الوحشة بين طغرلبك وأخيه إبراهيم ينال والاتفاق بينهما وفي سنة إحدى ~~وأربعين وأربعمائة ms6101 استوحش إبراهيم من أخيه السلطان طغرلبك ، وكان سبب ذلك ~~أن ، طغرلبك طلب من أخيه إبراهيم أن يسلم إليه مدينة همدان ، والقلاع التي ~~بيده في بلد الجبل ، فامتنع من ذلك ، واتهم وزيره أبا يعلى في السعي بينهما ~~، فقبض عليه وضربه ، وسمل إحدى عينيه ، وقطع شفتيه ، وجمع جمعا ، والتقى مع ~~السلطان طغرلبك ، وكان بينهما قتال ، فانهزم إبراهيم ، وسار طغرلبك في أثره ~~، وملك جميع قلاعه وبلاده ، وتحصن إبراهيم بقلعة سرماج ، فحصره طغرلبك بها ~~، فملكها في أربعة أيام ، وكانت من أحصن القلاع ، واستذل ينال منها ، وأرسل ~~إلى نصر الدولة بن مروان يطلب منه إقامة الخطبة له في بلاده ، فأطاعه ، ~~وخطب له في سائر ديار بكر ، وراسل ملك الروم السلطان طغرلبك ، وأرسل إليه ~~هدية عظيمة ، وطلب منه المعاهدة ، فأجابه إلى ذلك ، وأرسل ملك الروم إلى ~~ابن مروان يسعى في فداء ملك الأنجاز ، فأرسل نصر الدولة إلى السلطان شيخ ~~الإسلام أبا عبد الله ابن بهران في معناه ، فأطلعه بغير فداء ، فعظم ذلك ~~عنده ، وعند ملك الروم ، وأرسل إليه هدايا عظيمة ، فقيل : إنه أرسل إليه ~~ألف ثوب من الديباج ، وخمسمائة ثوب من PageV26P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" أصناف الحرير ، وخمسمائة رأس من الكراع ، إلى ~~غير ذلك ، وأنفذ إليه مائتي ألف دينار ، ومائة لبنة من الفضة ، وثلاثمائة ~~مهري ، وثلاثمائة حمار مصرية ، وألف عنز بيض الشعور ، سود العيون والقرون ، ~~وأنفذ إلى البزمرون عشرة أمناء مسكا ، وعمر مسجد القسطنطينية ، الذي بناه ~~مسلمة بن عبد الملك ، وعمر منارته ، وجعل فيها القناديل ، وعلق في محرابه ~~قوسا ، ونشابه ، وأقيمت فيه الصلاة والخطبة لطغرلبك ، فدان له الناس حينئذ ~~، وعظم شأنه ، وتمكن ملكه ، فكانت الدولة السلجقية في زيادة ، والبويهية في ~~نقص ، قال : وأما إبراهيم ينال فإنه لما نزل إلى أخيه طغرلبك أكرمه ، وأحسن ~~إليه ، ورد عليه كثيرا مما أخذ منه ، وخيره بين أن يقطعه بلادا يسير إليها ~~، وبين أن يقيم معه ، فاختار الإقامة معه . ذكر ملك طغرلبك أصفهان كان قد ~~حاصرها في ثمان وثلاثين وأربعمائة ، فلم يظفر منها بطائل ، ثم اصطلح هو ~~وصاحبها أو منصور فرامرز بن ms6102 علاء الدولة ، على مال يحمله إلى السلطان ~~طغرلبك ، ويخطب له بأصفهان ، وأعمالها ، ثم حصل بعد ذلك من صاحبها تلون ، ~~فكان يطيعه تارة ويعصيه تارة ، ويطيع الملك الرحيم بن بويه ، فجاء السلطان ~~إليها في سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة ، وحاصرها سنة ، وتسلمها في سنة ~~ثلاث وأربعين ، واستطابها ، وجعلها دار مقامه ، ونقل ما كان له بالري من ~~الذخائر والأموال والسلاح إليها ، وخرب قطعة من سورها ، وقال : إنما يحتاج ~~إلى الأسوار من تضعف قدرته وأما من حصن عساكره وسيفه ، فلا حاجة به إليها . ~~ذكر استيلاء ألب أرسلان على مدينة فسا وفي سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة ~~سار ألب أرسلان بن داود جغري بكمن مدينة مرو بخراسان إلى فارس ، وأخذ في ~~مسيره على المفازة من غير علم عمه طغرلبك ، فوصل إلى مدينة فسا ، فانصرف ~~النائب بها من بين يديه ، ودخلها ألب أرسلان ، وقتل من الديلم نحو ألف ~~دينار ، وأسر ثلاثة آلاف إنسان ، وعاد إلى خراسان ، ولم يلبث مع عمه طغرلبك ~~. والله أعلم بالصواب PageV26P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" ذكر استيلاء طغرلبك على أذربيجان وغزو الروم ~~وفي سنة ست وأربعين وأربعمائة سار السلطان طغرلبك إلى أذربيجان ، فقصد ~~تبريز ، وصاحبها الأمير أبو منصور وهشوذان ابن محمد الراوي ، فأطاعه ، وخطب ~~له ، وحمل إليه ما أرضاه ، وأعطاه ولده رهينة ، وكذلك فعل معه سائر ملوك ~~تلك النواحي ، بذلوا له الطاعة والخطبة ، وانقاد العساكر إليه ، فأبقى ~~بلادهم عليهم ، وأخذ رهائنهم ، وسار إلى أرمينية ، وقصد ملازكرد من الروم ~~فحصرها ، ونهب ما جاروها من البلاد ، وخربها ، وأثر في بلاد الروم أثارا ~~عظيمة ، ونال منهم من النهب والأسر والقتل شيئا كثيرا ، ثم عاد إلى ~~أذربيجان عند دخول الشتاء ، وعاد إلى الري ، ولله أعلم . ذكر دخول السلطان ~~طغرلبك إلى بغداد والخطبة له بها ، وانقراض الدولة البويهية كان دخول إليها ~~يوم الإثنين لخمس بقين من شهر رمضان سنة سبع وأربعين وأربعمائة ، وكان سبب ~~ذلك أن المظفر أبا الحارث ألب أرسلان التركي ، المعروف بالبساسيري ، عظم ~~أمره بالعراق ، طار اسمه في الآفاق ، واستولى على البلاد ، وعظمت هيبته في ~~قلوب العباد ، وخافه ms6103 أمراء العرب ، وخطب له على منابر العراق ، ولم يبق ~~لبني بويه معه إلا مجرد الاسم ، ووقع بينه وبين الخليفة القائم بأمر الله ، ~~من الوحشة ما قدمناه ، في أخبار الدولة العباسية ، حتى بلغ الخليفة أنه ~~يريد القبض عليه ، فعند ذلك كاتب الخليفة السلطان طغرلبك ، وهو بنواحي الري ~~يستنصر به ، ويحثه على المسير إلى بغداد ، وكان طغرلبك قد عاد إلى الري ، ~~بعد عوده من غزو الروم ، فرتب أمور الري ، وعاد إلى همذان في المحرم من ~~السنة ، وأظهر أنه يريد الحج ، وإصلاح طريق مكة ، والمسير إلى الشام ومصر ، ~~وإزالة ملك المستنصر العبيدي عنها ، وسار إلى حلوان ، وانتشر أصحابه في ~~طريق خراسان ، فأجفل الناس إلى غربي بغداد ، وأخرج الأتراك خيامهم إلى ~~ظاهرها ، وسمع الملك الرحيم بقرب السلطان طغرلبك من بغداد ، فأصعد من واسط ~~إليها ، وفراقه البساسيري بمراسلة الخليفة في معناه ، كما ذكرناه ، ووصل ~~الملك الرحيم إلى بغداد ، وأرسل طغرلبك إلى الخليفة يبالغ في إظهار الطاعة ~~والعبودية ، وإلى الأتراك البغداديين يعدهم الجميل والإحسان ، فأنكروا ذلك ~~PageV26P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" ونفروا منه ، وراسلوا الخليفة ، وقالوا : إنا ~~فعلنا بالبساسيري ما فعلناه ، وهو كبيرنا ومقدمنا ابتاعا لأمر أمير ~~المؤمنين ، ووعدنا أمير المؤمنين برد هذا الخصم ، ونراه قد قرب منا ، ولم ~~يمنع من المجيء ، وسألوا التقدم إليه في العود ، فغولطوا في الجواب ، وكان ~~رئيس الرؤساء يؤثر مجيئه ، ويختار انقراض الدولة البويهية ، ثم وصل الملك ~~الرحيم إلى بغداد ، وأرسل إلى الخليفة يظهر العبودية ، وسأل تقرير قاعدته ~~مع طغرلبك ، وكذلك سأل من معه من الأمراء ، فأجيبوا بأن المصلحة أن تدخل ~~الأجناد خيامهم ، من ظاهر بغداد ، وينصبوها بالحريم ، ويرسلوا رسولا إلى ~~طغرلبك يبذلون له الطاعة والخطبة ، فأجابوا إلى ذلك ، وراسلوه ، فأجابهم ~~إلى ما سألوه ، ووعدهم الإحسان إليهم ، وتقدم الخليفة إلى الخطباء بجوامع ~~بغداد بالخطبة للسلطان طغرلبك ، فخطب له لثمان بقين من شهر رمضان من السنة ~~، وأرسل طغرلبك يستأذن الخليفة في دخول بغداد ، فأذن له ، وخرج وزير ~~الخليفة ، ورؤساء بغداد وأعيانها ، وأمر الملك الرحيم للقائه ، واستحلفه ~~الوزير للخليفة ، وللملك الرحيم ، ودخل بغداد في يوم ms6104 الإثنين لخمس بقين من ~~شهر رمضان ، ونزل بباب الشماسية ومعه ثمانية عشر فيلا ، ودخل عسكره بغداد ~~للامتياز ، وشراء ما يريدونه من أهلها ، وأحسنوا معاملتهم ، فلما كان الغد ~~، وهو يوم الثلاثاء ، جاء بعض العسكر إلى باب الأزج ، وأخذوا واحدا من أهله ~~، فطلبوا منه تبنا ، وهو لا يفهم عنهم ما يريدون ، فاستغاث عليهم ، وصاح ~~العامة لهم ، ورجموهم ، وسمع الناس الصياح ، فظنوا أن الملك الرحيم وعسكره ~~قد عزموا على قتال طغرلبك ، فارتج البلد من أقطاره وأقبلوا من كل جهة ، ~~وقتل من الغز من وجد في محال بغداد إلا أهل الكرخ ، فإنهم لم يتعرضوا إلى ~~الغز بأذية بل حموهم ، وخرج عامة بغداد ، ومعهم جماعة من العسكر ، يقصدون ~~العسكر السلطاني ، ولم يركب الملك الرحيم ، ودخل أعيان أصحابه إلى دار ~~الخليفة ، وأقاموا بها نفيا للتهمة عن أنفسهم ، ظنا منهم أن ذلك ينفعهم ، ~~وأما عسكر السلطان طغرلبك ، فإنهم لما رأوا فعل العامة وظهورهم من البلد ~~قاتلوهم ، ففل من الفريقين خلق كثير ، وانهزمت العامة ، ونهب الغز بعض ~~الدروب ، ونقل الناس أموالهم إلى باب النوبي ، وأرسل الغز بعض الدروب ، ~~وأرسل طغرلبك من الغز إلى الخليفة يعتب ، وينسب ما جرى إلى الملك الرحيم ~~وأصحابه ، ويقول : إن حضروا رئت ساحتهم ، وإن تأخروا عن الحضور تيقنت أن ~~الذي جرى كان بوضعهم ، فتقدم الخليفة إلى الملك الرحيم وأصحابه يقصد ~~PageV26P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" السلطان ، فركبوا إليه ، وأرسل الخليفة معهم ~~رسولا يبرئهم عند السلطان ، فلما وصلوا إلى جهة السلطان ، أمر بالقبض على ~~الملك الرحيم ومن معه ، فقبضوا كلهم في آخر شهر رمضان ، وحبسو ، ثم حمل ~~الملك الرحيم إلى قلعة السيروان ، وأرسل الخليفة إلى السلطان ينكر ما جرى ، ~~من قبض الملك الرحيم وأصحابه ونهب بغداد ، ويقول : إنهم خرجوا إليك بأمري ، ~~وأماني ، فإن أطلقتهم ، وإلا فأنا أفارق بغداد فأطلق بعضهم ، وأخذ جميع ~~إقطاعات عسكر الملك الرحيم ، وأمرهم بالسعي في أرزاق يحصلونها لأنفسهم ، ~~فتوجه كثير منهم إلى البساسيري ، ولزموه ، فكثر جمعه ، وكان من أمره ما ~~قدمناه وأمر طغرلبك بأخذ أموال الأتراك البغداديين وانتشر الغز في سواد ~~بغداد ، فنهبوا ms6105 من الجانب الغربي من تكريت إلى النيل ، ومن الجانب الشرقي ~~إلى النهروانات ، وأسافل الأعمال ، فأسرفوا في النهب حتى بلغ ثمن الثور ~~ببغداد خمسة قراريط إلى عشرة ، والحمار بقيراطين إلى خمسة ، وخرب السواد ، ~~وأجلى أهله عنه ، وضمن السلطان طغرلبك البصرة ، والأهواز من هزار سب بن ~~تنكر بن عياض بثلثمائة ألف وستين ألف دينار ، وأقطعه أرجان ، وأمره أن يخطب ~~لنفسه بالأهواز ، دون الأعمال التي ضمنها ، وأقطع الأمير أبا علي بن أبي ~~كاليجار الملك قرميسين وأعمالها ، وأمر أهل الكرخ أن يؤذنوا في مساجدهم ~~سحرا للصبح : الصلاة خير من النوم ، وأمر بعمارة دار الملك ، فعمرت وزيد ~~فيها ، وانتقل إليها في شوال . طلق بعضهم ، وأخذ جميع إقطاعات عسكر الملك ~~الرحيم ، وأمرهم بالسعي في أرزاق يحصلونها لأنفسهم ، فتوجه كثير منهم إلى ~~البساسيري ، ولزموه ، فكثر جمعه ، وكان من أمره ما قدمناه وأمر طغرلبك بأخذ ~~أموال الأتراك البغداديين وانتشر الغز في سواد بغداد ، فنهبوا من الجانب ~~الغربي من تكريت إلى النيل ، ومن الجانب الشرقي إلى النهروانات ، وأسافل ~~الأعمال ، فأسرفوا في النهب حتى بلغ ثمن الثور ببغداد خمسة قراريط إلى عشرة ~~، والحمار بقيراطين إلى خمسة ، وخرب السواد ، وأجلى أهله عنه ، وضمن ~~السلطان طغرلبك البصرة ، والأهواز من هزار سب بن تنكر بن عياض بثلثمائة ألف ~~وستين ألف دينار ، وأقطعه أرجان ، وأمره أن يخطب لنفسه بالأهواز ، دون ~~الأعمال التي ضمنها ، وأقطع الأمير أبا علي بن أبي كاليجار الملك قرميسين ~~وأعمالها ، وأمر أهل الكرخ أن يؤذنوا في مساجدهم سحرا للصبح : الصلاة خير ~~من النوم ، وأمر بعمارة دار الملك ، فعمرت وزيد فيها ، وانتقل إليها في ~~شوال . ذكر مسير السلطان إلى الموصل وفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة سار ~~السلطان طغرلبك إلى الموصل ؛ وسبب ذلك ، أنه لما أقام ببغداد عم الناس ضرر ~~عسكره ، وضاقت عليهم أرزاقهم ومنازلهم ، فأرسل إليه الخليفة القائم بأمر ~~الله يذكر له ما الناس فيه من الجور والظلم ، ويعظه ، ويقول : إن أزلت ذلك ~~والإفتعين الخليفة على على الإنبراح من بغداد ، فقال السلطان لوزيره ~~الكندري : بكر إلى الخليفة واعتذر له بكثرة العساكر والعجز ms6106 عن تمهيدهم ، ~~وضبطهم ، فلما كان تلك الليلة رأى السلطان في منامه رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وكأنه عند الكعبة وهو يسلم على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~والنبي معرض عنه ، وقال : يحكمك الله في بلاده وعباده ، PageV26P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" فلا تراقبه فيهم ، ولا تستحي من جلالة الله ~~عز وجل ، في سوء معاملتهم ، وتغتر بإمهاله عند الجور عليهم ، فاستيقظ فزعا ~~، وأحضر عميد الملك الوزير ، وذكر له ما رآه ، وأرسله إلى الخليفة يعرفه ~~أنه مقابل ما رسم به بالسمع والطاعة ، وأخرج الجند من دور العامة ، وأمر أن ~~يظهر من كان مختفيا ، وأزال التوكيل عمن كان وكل به ، وعزم على الرحيل ، ~~وأتاه خير البساسيري ، والواقعة التي بينه وبين قريش بن بدران ، صاحب ~~الموصل ، على ما قدمناه في أخبار القائم بأمر الله ، فتجهز ، وسار عن بغداد ~~، في عاشر ذي الحجة من السنة ، ومعه خزائن السلاح والمجانيق ، وكان مقامه ~~ببغداد ثلاثة عشر شهرا وأياما ، لم يلق الخليفة فيها ، وسار إلى البوازيج ~~وأقام بها حتى أتاه ياقوتي بالعساكر ، في سنة سبع وأربعين ، فسار بهم إلى ~~الموصل ، وسير هزار سب بألف فارس اختارهم من العسكر ، فدخل البرية ، وأوقع ~~بالعرب ، وعاد إلى السلطان ، فعندها أرسل نور الدولة دبيس بن مزيد ، وقريش ~~بن بدران صاحب الموصل ، يسألان هزار سب أن يتوسط لهما عند السلطان طغرلبك ، ~~فسعى في ذلك ، فأجابه إليه في حقهما دون البساسيري ، فتوجه البساسيري عند ~~ذلك إلى الرحبة ، وتبعه الأتراك البغداديون ، ومقبل بن المقلد ، وجماعة من ~~عقيل ، ثم سار السلطان إلى ديار بكر ، التي هي لابن مروان ، ووصل إلى جزيرة ~~ابن عمر ، فأرسل إليه بن مروان يذكر ما هو بصدده من حفظ ثغور المسلمين ، ~~وما يعانيه من مجاهدة الكفار ، وبذل ما يصلح ، ثم وصل إبراهيم ينال إلى ~~السلطان ، يعرفهما وصوله ، ويحذرهما منه ، فسار من جبل سنجار إلى الرحبة ، ~~فلم يلتفت البساسيري إليهما ، فانحدر نور الدولة إلى بلد العراق ، وأقام ~~قريش عند البساسيري بالرحبة ، وشكى قتلمش بن عم السلطان ما لقي من أهل ~~سنجار في العام الماضي ms6107 ، عند انهزامه من البساسيري ، وأنهم قتلوا رجاله ، ~~فسير العساكر إليهما ، فصعد أهل سنجار على السور ، وسبوا السلطان ، وأخرجوا ~~جماجم القتلى وقلانسهم ، وجعلوها على القصب ، ففتحها السلطان عنوة ، وقتل ~~أميرها علي بن مرحا ، وخلقا مثيرا من رجالها ، وسبي نسائهم ، وسأل إبراهيم ~~ينال من الباقين ، فتركهم السلطان ، وسلمها هي والموصل إلى أخيه إبراهيم ~~ينال . والله أعلم بالصواب PageV26P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" ذكر عودة السلطان إلى بغداد قال : وكان عود ~~السلطان إلى بغداد ، في سنة تسع وأربعين ، فخرج رئيس الرؤساء إلى لقائه ، ~~وأبلغه سلام الخليفة ، واستيحاشه ، قبل الأرض ، وقدم رئيس الرؤساء جاما من ~~ذهب فيه جواهر ، وألبسه فرجية جاءت معه من عند الخليفة ، فلبسها ، ووضع ~~العمامة على مخدته ، فقبل السلطان الأرض ، ويم يمكن أصحابه من النزول في ~~دور الناس ، وطلب الاجتماع مع الخليفة فأذن له في ذلك ، وجلس الخليفة يوم ~~السبت لخمس بقين من ذي القعدة من السنة جلوسا عاما ، وحضر وجوه عسكر ~~السلطان ، وأعيان بغداد ، وحضر السلطان والخليفة جالس على سرير من الأرض ، ~~نحو سبعة أذرع ، وعليه بردة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وبيده القضيب ~~الخيزران ، فقبل السلطان الأرض ويد الخليفة ، واجلس على كرسي ، فقال ~~الخليفة لرئيس الرؤساء : قل له إن أمير المؤمنين شاكر لسعيك ، حامد لفعلك ، ~~مستأنس بقربك ، وقد ولاك جميع ما ولاه الله من بلاده ، ورد عليك مراعاة ~~عباده ، فاتق الله فيما ولاك ، واعرف نعمته عليك في ذلك ، واجتهد في نشر ~~العدل ، وكف الظلم ، وإصلاح الرعية ، فقبل الأرض ، وأمر الخليفة بإفاضة ~~الخلع عليه ، فقام إلى موضع لبسها فيه ، وعاد فقبل يد الخليفة ، ووضعها على ~~عينيه ، وخاطبه الخليفة بملك المشرق والمغرب ، وأعطى العهد ، وخرج ، فأرسل ~~إلى الخليفة هدية كبيرة ، منها خمسون ألف دينار ، وخمسون مملوكا أتراكا ، ~~من أجود ما يكون بخيولهم ويلاحهم ، وغير ذلك من الثياب ، وغيرها . ذكر ~~مفارقة إبراهيم ينال الموصل وما كان من آمره إلى أن قتل وفي سنة خمسين ~~وأربعمائة فارق إبراهيم ينال الموصل ، وتوجه نحو بلاد الجبل ، فنسب السلطان ~~رحيله إلى العصيان وأرسل إليه يستدعيه ، وبعث الفرجية التي ms6108 خلعها عليه ~~الخليفة ، وكتب الخليفة أيضا إليه كتبا ، فرجع إبراهيم إلى السلطان ، وهو ~~ببغداد ، فخرج الوزير الكندري لاستقباله ، وأرسل الخليفة إليه الخلع ، ولما ~~فارق إبراهيم الموصل استولى عليها البساسيري ، كما قدمناه ، فسير السلطان ~~إليها جريدة في ألفي فارس ، وكان قد فرق عساكره بسبب النوروز ، فارقها ~~البساسيري ومن معه ، فسار PageV26P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" السلطان إلى نصيبين ، ليتبع آثارهم ويخرجهم ~~من البلاد ، ففارقه أخوه إبراهيم ينال ، وسار نحو همذان ، فوصل إليها ، ~~لربع بقين من شهر رمضان سنة خمسين وأربعمائة ، وقد قيل : إن المستنضر كاتبه ~~، وكاتب البساسيري ، وأطمعه في السلطنة والبلاد ، ففعل ذلك ، وسار السلطان ~~في أثره ، وهو في قلة من العسكر ، وكان إبراهيم قد اجتمع له كثير من ~~الأتراك ، وحلف لهم أنه لا يصالح أخاه طغرلبك ، ولا يكلفهم المسير إلى ~~العراق ، فلم يقو السلطان له ، وأتى إلى إبراهيم محمد ، وأحمد ابنا أخيه ~~أرتاش في خلق كثير ، فازداد بهم قوة ، وازداد بهم قوة ، وازداد طغرلبك ضعفا ~~، فانزاح بين يديه إلى الري ، وكاتب ألب أرسلان ، وياقوتي وقارود بك أولاد ~~أخيه ، وكان داود قد مات على ما نذكره ، وملك بعده ابنه أرسلان خراسان ، ~~واستدعاهم ، فقدموا إلى عمهم طغرلبك بالعساكر الكثيرة ، فلقي إبراهيم ~~بالقرب من الري ، فانهزم إبراهيم ، ومن معه ، وأخذ أسيرا هو ، ومحمد ، ~~وأحمد ابنا أخيه ، فأمر السلطان به ، فخنق بوترقوسه في تاسع جمادى الآخرة ~~سنة إحدى وخمسين ، وقتل ولدي أخيه ، وفي أثناء هذه السنة عند اشتغال ~~السلطان طغرلبك بحرب أخيه إبراهيم استولى البساسيري على بغداد . وأخرج ~~الخليفة منها ، وكان ما قدمناه في أخبار القائم بالله ، وكان إبراهيم ينال ~~قد خرج على أخيه مرارا ، وهو يقدر عليه ، ويعفو عنه ، وإنما قتله في هذه ~~الواقعة لأنه علم أن الذي جرى على الخليفة كان بسببه ، ولما فرغ طغرلبك من ~~أمر أخيه ، عاد إلى العراق ، وأعاد الخليفة إلى بغداد ، وكان ما قدمناه من ~~مقتل البساسيري . ذكر وفاة جغري بك داود صاحب خراسان ، وملك ابنه ألب ~~أرسلان كانت وفاته في شهر رجب سنة إحدى وخمسين ، وقيل في صفر سنة ms6109 اثنين ~~وخمسين وأربعمائة ، وعمره نحو سبعين سنة ، كان له خراسان ، وكان حسن السيرة ~~معترفا بنعمة الله عليه ، شاكرا عليها ؛ فمن ذلك أنه أرسل إلى طغرلبك مع ~~عبد الصمد قاضي سرخس ، يقول : قد بلغني إخرابك للبلاد التي فتحتها وملكتها ~~، وجلاء أهلها عنها ، وهذا ما لا خفاء به مخالفة أمر الله تعالى ، في بلاده ~~وعباده ، وأنت تعلم ما فيه من سوء السمعة ، وإيحاش الرعية ، وقد علمت أننا ~~لقينا أعداءنا ، PageV26P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" ونحن في ثلاثين رجلا ، وهم في ثلثمائة ، ~~فغلبناهم ، ثم كنا في ثلثمائة ، وهم في ثلاثة آلاف ، فغلبناهم ، ثم كنا في ~~ثلاثة آلاف ، وهم في ثلاثين ألفا ، فدفعناهم ، وقاتلنا بالأمس شاه ملك ، ~~وهو في أعداد كثيرة فقهرناه ، وأخذنا مملكته بخوارزم ، وهرب بين أيدينا إلى ~~خمسمائة فرسخ من موضعه ، فظفرنا به ، وأسرناه ، وقتلناه ، واستولينا على ~~ممالك خراسان ، وسجستان ، وصنا ملوكا متبوعين ، بعد أن كنا أصاغر تابعين ، ~~وما تقتضي نعم الله علينا أن نقابلها بهذه المقابلة ، فقال طغرلبك : قل له ~~في الجواب : يا أخي أنت ملكت خراسان ، وهي بلاد عامرة ، فخربتها ، ووجب ~~عليك مع استقرار قدمك عمارتها ، وأنا وردت بلادا أخربها من تقدمني ، ~~واجتاحها من كان من قبلي ، فما أتمكن من عمارتها ، والأعداء محيطة بها ، ~~والضرورة تقود إلى طرقها بالعساكر ، فلا يمكن دفع مضرتهم عنها . ولداود ~~مناقب كثيرة ، وكان له من الأولاد : ألب أرسلان ، وياقوتي ، وسليمان ، ~~وقاورد بك ، ولما مات ملك بعده ابنه ألب أرسلان ، وتزوج طغرلبك بزوجة أخيه ~~داود ، وهي والدة سليمان ، ووصى له بالملك بعده ، في سنة اثنين وخمسين ~~توفيت زوجة السلطان طغرلبك ، فوجد عليها وجدا شديدا ، ونقل تابوتها إلى ~~الري . ذكر زواج السلطان طغرلبك بابنة الخليفة وفي سنة أربع وخمسين ~~وأربعمائة عقد السلطان طغرلبك على ابنة الخليفة القائم بأمر الله ، وكانت ~~الخطبة قد تقدمت في سنة ثلاث وخمسين ، مع أبي سعيد قاضي الري ، فانزعج ~~الخليفة من ذلك ، وأرسل في الجواب أبا محمد التميمي ، وأمره أن يستعفي ، ~~فإن أعفى والآكم الأمر ، على أن يحمل السلطان ثلثمائة ألف دينار ، ويسلم ~~واسط وأعمالها ms6110 ، فلما وصل إلى السلطان ذكر لعميد الملك الكندري الوزير ما ~~ورد فيه من الاستعفاء ، فقال : لا يحسن أن يرد السلطان ، وقد سأل وتضرع ، ~~ولا يجوز أيضا مقابلته بطلب الأموال والبلاد ، ومهما فعلته فهو الصواب . ~~فبنى الأمر على الإجابة ، وطلع به السلطان ، فسر به وجمع الناس ، وعرفهم أن ~~همته قد سمت إلى الاتصال بهذه الجهة النبوية ، وبلغ من ذلك ما لم يبلغه ~~سواه من الملوك ، وتقدم إلى الوزير عميد الملك أن يسير ، ومعه أرسلان خاتون ~~ابنة أخيه داود ، وهي زوجة الخليفة القائم بأمر الله ، وأن يصحبها مائة ألف ~~دينار برسم الجمل ، وما شاكلها من الجواهر ، وغيرها ، ووجه معه فرامرز بن ~~PageV26P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" كاكويه ، وغيره من وجه الأمراء ، وأعيان الري ~~، فلما وصلوا امتنع الخليفة من الإجابة ، وقال : إن أعفينا ، وغلا خرجنا من ~~بغداد ، فقال : عميد الملك : كان الواجب الامتناع من غير اقتراح وعد ~~الإجابة إلى ما طلب ، فالامتناع سعي على دمي ، واخرج خيامه إلى النهروان ~~فاستوقفه قاضي القضاة ، والشيخ أبو منصور بن يوسف فانهيا إلى الخليفة عاقبة ~~انصرافه ، فكتب الخليفة إلى عميد الملك يقول : نحن نرد الأمر إلى رأيك ، ~~ونعول على أمانتك ودينك ، فحضر يوما عند الخليفة ، ومعه جماعة من الأمراء ، ~~والحجاب ، والقضاة ، والشهود ، فتكلم ، وقال للخليفة : أسأل مولانا أمير ~~المؤمنين ، التطول بذكر ما شرف به العبد المخلص شاهنشاه ركن الدين فيما رغب ~~ليعرفه الجماعة ، فغالطه ، وقال : قد سطر في المعنى ما فيه كفاية ، فانصرف ~~عميد الملك ، ورحل في السادس والعشرين من جمادى الآخرة ، وأخذ المال معه ~~إلى همذان ، فكتب السلطان إلى قاضي القضاة ، وإلى الشيخ أبي منصور بن يوسف ~~يعتب ، ويقول : هذا جزائي من الخليفة الذي قتلت أخي في خدمته ، وأنفقت مالي ~~في نصرته ، وأهلكت خواصي في محبته ، وأطال العتاب ، فعاد الجواب بالاعتذار ~~، وطلب السلطان طغرلبك ابنة أخيه زوجة الخليفة ؛ لتعاد إليه ، وجرى ما كاد ~~يقضي إلى الفساد الكلي ، فلما رأى الخليفة شدة الأمر أذن في ذلك ، وكتب ~~الوكالة باسم عميد الملك الوزير ، وكان العقد في شعبان سنة أربع وخمسين ms6111 ~~بظاهر تبريز ، وهذا لم يجر مثله ، فإن بني بويه مع تحكمهم على الخلفاء ما ~~طمعوا بمثل هذا ، وحمل السلطان أموالا كثيرة ، وجواهر نفيسة للخليفة ، ~~ولولي العهد ، وللجهة المطلوبة ، ولوالدتها ، وغيرهم . ذكر وصول السلطان ~~إلى بغداد ودخوله بابنة الخليفة وفي سنة خمس وخمسين وأربعمائة في المحرم ~~توجه السلطان طغرلبك من أرمينية إلى بغداد ، وأراد الخليفة أن يستقبله ، ~~فاستعفى من ذلك ، ووصل عميد الملك إلى الخدمة ، وطالب بالجهة ، فقيل له : ~~خطك موجود بالشرط ، وأن المقصود بهذه الوصلة التشريف لا الإجتماع ، وإنه أن ~~كانت مشاهدة ، فتكون في دار الخلافة ، فقال للخليفة : السلطان يفعل هذا ، ~~ولكن يفرد له من الدور والمسكن ما يكفيه ، ومن خواصه ، وحجابه ، ومماليكه ، ~~فإنه لا يمكنه مفارقتهم ، فحينئذ نقلت إلى دار المملكة في منتصف صفر ، ~~وجلست على سرير ملبس بالذهب ، ودخل السلطان إليها ، وقبل الأرض ، وخدمها ، ~~ولم يكشف الخمار عن وجهها ، ولا قامت هي له ، وحمل لها أشياء كثيرة من ~~الجواهر ، وغيرها ، وبقي يحضر في كل يوم ، ويخدم ، وينصرف ، وعمل السماط ، ~~عدة أيام ، وخلع على عميد الملك ، وجميع الأمراء . PageV26P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" ذكر وفاة السلطان طغرلبك وشيء من سيرته كانت ~~وفاته بالري في يوم الجمعة لثمان خلون من شهر رمضان سنة خمس وخمسين ~~وأربعمائة ، وكان قد سار من بغداد في شهر بيع الأول إلى بلد الجبل ، ومعه ~~أرسلان خاتون ابنة أخيه داود ، وهي زوجة الخليفة لأنها شكت إليه اطراح ~~الخليفة لها ، واتفق مرضه ، فمات إلى مرو ، ودفن عند قبر أخيه داود ، وكان ~~عمره سبعين سنة تقريبا ، ومدة ملكه منذ خطب له بنيسابور في شعبان سنة ثمان ~~وعشرين وأربعمائة ، وإلى أن توفي سبعة وعشرين سنة ، وأياما ، ومنذ ملك ~~بغداد سبع سنين ، وأحد عشر شهرا ، واثنا عشر يوما ، وكان عاقلا حليما من ~~أشد الناس احتمالا ، وأكثرهم كتمانا لسره ، وكان يحافظ على الصلوات ، ويصوم ~~الإثنين ، والخميس ، وكان ملبسه البياض إلا أنه كان فيه ظلم وقساوة ، وكان ~~أصحابه يغصبون الناس أموالهم ، وأيديهم مطلقة في ذلك ، فال يمنعهم ، وكان ~~عقيما لم يولد له . وزراؤه : أول ms6112 من وزر له أبو القاسم علب بن عبد الله ~~الجويني في سنة ست وثلاثين وأربعمائة ، ثم وزر بعده رئيس الرؤساء أبو عبد ~~الله الحسين بن علي بن ميكائيل ، ثم وزر له بعده نظام الملك ، ثم وزر له ~~بعده عميد الملك أبو نصر الكندري ، وهو أشهر وزرائه ، وإنما اشتهر دون غيره ~~من وزرائه ؛ لأن السلطان طغرلبك عظمت دولته في وزارته ، وملك العراق ، وخطب ~~له بالسلطنة ، وقد تقدم من أخبار هذا الوزير ما يدل على تمكنه ، والله أعلم ~~. ذكر أخبار السلطان عضد الدولة هو ألب أرسلان أبو شجاع محمد بن جغري بك ~~داود بن ميكائيل ابن سلجق ، وهو الثاني من ملوك الدولة السلجقية ، ومعنى ~~اسمه رجل أسد ، واللام والباء في ألب مفخمتان . ملك خراسان بعد وفاة أبيه ~~داود في شهر رجب سنة إحدى وخمسين وأربعمائة ، وقيل في صفر سنة اثنتين ~~وخمسين ، وملك العراق وغيره بعد وفاة عمه السلطان طغرلبك في سنة خمس وخمسين ~~، وكان طغرلبك قد نص على توليه سليمان اين أخيه داود أخي ألب أرسلان لأن ~~أمه كانت عنده ، فتبع هواها فيه ، فلما مات السلطان طغرلبك نفذ الوزير عميد ~~الملك وصيته فيه ، وأجلس سليمان في السلطنة ، PageV26P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" فاختلف الأمراء عليه ، ومضى بعضهم إلى قزوين ~~، وخطب لعضد الدولة ، فلما رأى عميد الملك فساد الحال ، وميل الناس إلى عضد ~~الدولة ، لأمر بالخطبة له بالري ، ثم من بعده لسليمان ، وما اتصل بألب ~~أرسلان الخبر بوفاة عمه جمع العساكر ، وسار نحو الري ، فلما قرب منها خرج ~~إليه الوزير عميد الملك ، وأظهر طاعته ، واستقرت السلطنة له بمفرده . ذكر ~~القبض على عميد الملك الوزير وقتله قال : ولما استقر ملك عضد الدولة ، قبض ~~على الوزير عميد الملك الكندري ، وسبب ذلك أنه رأى ميل الناس إليه ، ~~وانقيادهم لأمره خافه ، فأمر بالقبض عليه ، وأنفذه إلى مرو الروذ ، واعتقله ~~بها سنة ، ثم أمر بقتله ، وكان هذا الوزير كثير البغض للشافعي وأصحابه ، ~~وكان خصيا خصاه طغرلبك لأنه أرسله يخطب له امرأة ، فتزوجها ، وعصى عليه ، ~~فلما ظفر به خصاه ، وأقره على ms6113 خدمته ، وقيل : بل أعداؤه أشاعوا عنه أنه ~~تزوجها ، فخصا نفسه ليبرأ مما قيل فيه . قال المؤرخ : ومن العجب أن ذكره ~~دفن بخوارزم لما خصي ، ودمه مسفوح بمرو ، وجسده مدفون بكندر ، ورأسه ما عدا ~~قحفه مدفون بنيسابور ، ونقل قحفه إلى كرمان ، ولما عرض على القتل ، قال ~~لقاتله : قل لنظام الملك بئسما عودت الأتراك قتل الوزراء ، وأصحاب الديوان ~~، قال : ولما قبض السلطان ألب أرسلان على الوزير عميد الملك أمر بعودة ابنة ~~الخليفة إلى بغداد ، وأعلمها أنه ما قبض عليه إلا لكونه نقلها من بغداد إلى ~~الري بغير رضا الخليفة ، وأمر الأمير أيتكين السليماني بالمسير في خدمتها ~~والمقام شحنة ببغداد ، وأنفذ أبا سهل محمد بن هبة المعروف بابن الموفق ، ~~وأمره بالسير في الصحبة ، ومخاطبة الخليفة في الخطبة له ، فمات بالجدري قبل ~~وصوله ، فأرسل العميد أبا الفتح بن المظفر بن الحسين ، فمات أيضا في الطريق ~~، فأرسل رئيس العراقيين ، فوصل إلى بغداد في نصف شهر ربيع الآخر ، واقترح ~~السلطان أن يخاطب : بالولد المؤيد ، فأجيب إلى ذلك ، ولقب ضياء الدين عضد ~~الدولة ، وجلس الخليفة جلوسا عاما في سابع جمادى الأولى ، وشافه الرسل ~~بسلطنة ألب أرسلان ، وسلمت الخلع PageV26P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" عليهم ، وأرسل من الديوان لأخذ البيعة النقيب ~~طرادا الزينبي ، فوصلوا إليه ، وهو بنقجوان من أذربيجان ، فلبس الخلع ، ~~وبايع الخليفة . ذكر ملك عضد الدولة ختلان وهراه ، وصغانيان كان أمير ختلان ~~بعد وفاة السلطان طغرلبك عصى بالقلعة ، ومنع الخراج ، فقصده السلطان ، فوجد ~~الحصن منيعا ، فحاصره ، ثم قتل صاحب الحصن بسهم جاءه ، وهو على شرفة من ~~شرفات السور ، فهلك ، وملك ألب أرسلان الحصن ، وكان فخر الملك بيغو بن ~~ميكائيل في هراة ، فعصى أيضا عليه ، وطمع في الملك لنفسه ، فسار إليه ، ~~وحصره ، وضيق عليه ، وأدام القتال ليلا ونهارا ، فسلم المدينة ، وخرج إلى ~~ابن أخيه ، فأكرمه ، وسار إلى صغانيان ، وأميرها موسى ، وكان قد عصى عليه ، ~~فلما وصل لم ينتصف النهار حتى ملك القلعة قهرا ، وأمر بقتل موسى ، فبذل في ~~نفسه أموالا كثيرة ، ثم عاد السلطان إلى مرو ، ثم منها إلى نيسابور ms6114 . ذكر ~~الحرب بين السلطان وبين شهاب الدولة قتلمش وموته كان شهاب الدولة قتلمش بن ~~سلجق قد عصى على طغرلبك ، فلما مات جمع عساكره ، وقصد الري ، واستولى عليها ~~، فسار السلطان من نيسابور في أول المحرم سنة ست وخمسين ، فوصل إلى دامغان ~~، وأرسل قتلمش يتنكر عليه ، وينهاه ، فأجاب بجواب غير مرض ، ونهب قري الري ~~، وأجرى الماء على وادي الملح ، وهي سبخة ، فتعذر على السلطان سلوكها ، ~~فجاء ، وخاض في الماء بعسكره ، ولقيه ، واقتتلوا ، فلم تثبت عسكر قتلمش ، ~~ومضى هو إلى قلعة كردكوه ، وكانت من حصونه ، واستولى القتل والأسر على ~~عسكره ، ثم عفا السلطان عنهم بشفاعة نظام الملك ، فلما سكن الغبار ، ونزل ~~العسكر ، وجد قلتمش ميتا لم يدر كيف كان موته ، فقيل إنه مات من الخوف ، ~~فبكى السلطان لموته ، وجلس لعزائه ، وعظم عليه فقده ، وقتلمش هذا هو جد ~~الملوك السلجقية ملوك الروم ، وكان قتلمش يعلم النجوم ، يعلمه أولاده من ~~بعده ، فزادوا فيه ، فنالهم به عضاضة في دينهم . PageV26P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" ذكر فتح مدينة آني وغيرها من بلاد النصرانية ~~قال : وسار ألب أرسلان من الري إلى أذربيجان في أول شهر ربيع الأول ، وقد ~~عزم على جهاد الروم ، وغزوهم ، فأتاه أمير من الروم كان يكثر غزوهم اسمه ~~طغركين ، ومعه من عشيرته خلق كثير قد ألفوا الجهاد ، وخبروا تلك البلاد ، ~~وحثه على قصد بلاد الروم ، وضمن له سلوك الطريق المستقيم ، فسار معه فوصل ~~إلى نفجوان ، وأمر بعمل السفن لعبور النهر ، وجميع العساكر ، وسار إلى بلاد ~~الكرج ، وجعل مكانه في عسكره ولده ملكشاه ، والوزير نظام الملك ، فساروا ~~إلى قلعة فيها جمع كثير من الروم ، فحصاروها ، فملكها المسلمون ، وقتل ~~أميرها ، وساروا منها إلى قلعة سمارس وهي قلعة فيها الأنهار الجارية ، ~~والبساتين ، فملكوها ، وفتحوا قلعة أخرى بالقرب منها ، وشحنوها بالرجال ~~والذخائر والأموال ، والسلاح وسم هذه القلاع إلى أمير نقجوان ، ثم سار إلى ~~مدينة مريم ونسين ، وفيها كثير لأهل هذه البلد ، وهي مدينة حصينة ، وسورها ~~من الحجر المبني بالرصاص والحديد ، وعندها نهر كبير ؛ فأعد نظام الملك ~~السفن لقتال من بها ، ودوام ms6115 القتال ليلا ونهارا إلى أن يسر الله فتحها ، ~~وأحرقوا البيع ، وقتلوا كثير من أهلها ، وأسلم كثير ، فنجوا من القتل ، ثم ~~استدعى السلطان ابنه ، والوزير ، فسارا إليه ، ففرح بما يسره الله من الفتح ~~على يد ملكشاه ابنه ، وفتح عدة من الحصون في طريقه ، واسر من النصارى ما لا ~~يحصى كثرة ، وساروا إلى سيبد سهر ، فجرى بين أهلها ، وبين المسلمين حروب ~~شديدة ، ثم يسر الله فتحها ، وملكها السلطان ، وسار منها إلى مدينة أعال ~~لال ، وهي حصينة عالية الأسوار شاهقة ، وهي من جانبيها الشرقي والغربي على ~~جبل عال ، وعليه عدة من الحصون ، ومن الجانبين الآخرين نهر كبير لا يخاض ، ~~وكان ملكها من الكرج ، فجرى عليها حروب عظيمة ، ويسر الله فتحها ، واعتصم ~~جماعة من أهلها في برج من ابراج المدينة ، فأحرقه السلطان بالنار ، وغنم ~~المسلمون من المدينة ما لا يحصى ، وخرجوا إلى خيامهم ، فلما جن الليل عصفت ~~الريح ، فاحترقت المدينة من نار البرج ، وذلك في شهر رجب سنة ست وخمسين ~~وأربعمائة ، وملك السلطان قلعة PageV26P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" حصينة كانت إلى جانب المدينة ، وأخذ ما فيها ~~، وسار منها إلى ناحية قرش ، ومدينة آني وبالقرب منها بسل وورده . وجوده ، ~~فخرج أهلها مذعنين معلنين بالإسلام ، وخربوا البيع ، وبنوا المساجد ، وسار ~~منها إلى مدينة آني ، فرآها حصينة لا ترام ، ثلاثة أرباعها على نهر رأس ، ~~والربع الآخر على نهر عميق شديد الجرية لو طرحت الحجارة فيه لحملها ، ~~والطريق إليها على خندق عليه سور من الحجارة الصم ، وهي مدينة عامرة آهلة ، ~~وضيق على من بها إلا أن المسلمين أيسوا من فتحها لما رأوا من حصانتها ، ~~فأتى من لطف الله تعالى ما لم يكن في حساب ، وانهدم من السور قطعة كبيرة لم ~~يعلم سبب هدمها ، فدخل المسلمون في المدينة ، وقتلوا من أهلها ملا لا يحصى ~~كثرة ، وأسروا نحوا مما قتلوا ، وسارت البشائر بهذا الفتح في البلاد ، وقرأ ~~كتاب الفتح ببغداد في دار الخلافة ، فبرز خط الخليفة بالثناء على ألب ~~أرسلان ، والدعاء له ، فرتب السلطان بالمدينة أميرا في عسكر جرار ، وعاد ~~عنها ms6116 وقد راسله ملك الكرج في الهدنة ، وصالحه على أداء الجزية في كل سنة ، ~~وعاد السلطان إلى أصفهان ، وكرمان ، ثم إلى مرو ، وزوج ابنة ملكشاه بابنة ~~خاقان ملك ما وراء النهر ، وزفت إليه في هذه السنة ، وزوج ابنه أرسلان شاه ~~بابنة صاحب غزنه ، فاتحد البيت السلجقي والمحمودي ، واتفقت الكلمة . وفي ~~سنة سبع وخمسين وأربعمائة ابتدئ بعمارة المدرسة النظامية ببغداد ، وكملت ~~عمارتها في سنة تسع وخمسين ، وتقرر التدريس بها للشيخ أبي سحاق الشيرازي ، ~~فلما اجتمع الناس لحضور الدروس طلب ، فلم يوجد ، وكان سبب تأخره أنه لقيه ~~صبي ، فقال : كيف تدرس في مكان مغصوب ؟ ، فلم يحضر ، فلما أيس الناس من ~~حضوره درس بها أبو نصر الصباغ صاحب الكتاب الشامل ، ثم تلطف نظام الملك ~~بالشيخ أبي إسحاق ، حتى درس بها بعد عشرين يوما . PageV26P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" ذكر تقرير ملكشاه في ولاية العهد بالسلطنة من ~~بعد أبيه وتقرير البلاد باسم أولاد السلطان وأخوته في سنة ثمان وخمسين ~~وأربع مائة سار السلطان ألب أرسلان من مرو إلى أرزكان ، ونزل بظاهرها ، ~~ومعه جماعة من أمراء دولته ، فأخذ عليهم العهود والمواثيق لولده ملكشاه ~~بأنه السلطان من بعده ، وركبه ، ومشي بين يديه يحمل الغاشية ، وخلع السلطان ~~على جميع الأمراء ، وأمر بالخطبة له في جميع بلاده ، وأقطع البلاد ، ~~ومازندران لأمير أينانج بيغو ، وبلخ لأخيه سليمان بن داود جفري بك ، ~~وخوارزم لأخيه أرسلان أرغو ومرو لابنه أرسلان شاه ، وصغانيان وطخارسان ~~لأخيه إلياس ، وولاية بغشور ، ونواحيها لمسعود بن ارتاش ، وهو من أقارب ~~السلطان . ؟ ذكر عصيان ملك كرمان وعوده إلى الطاعة وطاعة حصون فارس وفي سنة ~~تسع وخمسين وأربعمائة عصى قرار أرسلان ملك كرمان على السلطان ، ونزع الطاعة ~~، وسبب ذلك أن وزيره حسن له هذا الفعل ، فظن أنه يقدر على الإستبداد بالأمر ~~، فسار السلطان ألب أرسلان إليه ، والتقت مقدمته بمقدمته ، فانهزم أصحاب ~~قرا أرسلان بعد قتال ، وسار لا يلوي على شيء ، ، فوصل إلى قلعة ، وامتنع ~~بها ، وراسل السلطان في طلب الأمان ، وبذل الطاعة ، فأمذنه ، وحضر إليه ، ~~فأكرمه ، وأعاده إلى مملكته ، فقال قرا أرسلان ms6117 للسلطان : إن لي بنات ، وقد ~~جعلت أمرهن إليط ، وتجهيزهن ، فأعطى السلطان إلى كل منهن مائة ألف دينار ~~سوى الثياب ، ثم سار السلطان منها إلى فارس ، فوصل اصطخر ، وفتح قلعتها ، ~~واستنزل واليها ، فحمل إليه الوالي هدايا عظيمة جليلة المقدار من جملتها ~~قدح فيروزج مكتوب عليه اسم جمشيد الملك ، وأطاعه جميع حصون فارس ، وبقيت ~~قلعة هناك يقال لها : بهتزاذ ، فسار نظام الملك إليها ، وحصرها ، ففتحها في ~~اليوم السادس عشر من منازلتها ، ووصل السلطان إليها بعد الفتح ، فعظم محل ~~نظام الملك عنده ، وعلت منزلته ، وزاد في تحكمه ، والله أعلم بالصواب . ~~PageV26P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" ذكر اقامة الخطبة بحلب وفي سنة ثلاث وستين ~~وأربعمائة خطب تاج الملوك محمود بن نصر مرداس بحلب للخليفة القائم بأمر ~~الله ، وللسلطان ألب أرسلان ، وسبب ذلك أنه لما رأى انتشار الدولة السلجقية ~~، وقوتها ، وإقبالها ، جمع أهل حلب ، وقال : هذه دولة جديدة ، ومملكة شديدة ~~، ونحن تحت الخوف منهم ، وهم يستحلون دماءكم لأجل مذهبكم ، والرأي أن نقيم ~~الخطبة قبل أن يأتي وقت لا ينفعنا فيه ذلك ، فأجاب مشايخ البلد ، ولبس ~~المؤذنون السواد ، وخطب لهما ، فأخذت العامة حصر الجامع ، وقالوا : هذه حصر ~~علي بن أبي طالب ، فليأت أبو بكر بحصر يصلي عليها بالناس ، وأرسل الخليفة : ~~إلى محمود الخلع مع نقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي ، والله أعلم . ذكر ~~استيلاء السلطان على حلب وفي سنة ثلاث وستين أيضا سار السلطان إلى حلب ، ~~وجعل طريقه على ديار بكر ، فخرج إليه صاحبها نصر بن مروان ، وخدمه بمائة ~~ألف دينار ، وحمل إليه إقامة بلغ السلطان أنه بسطها على البلاد فأمر بردها ~~، ووصل إلى آمد ، فرآها ثغرا منيعا ، فتبرك به ، وجعل يمر بيده على السور ، ~~ويمسح بها صدره ، وصار إلى الرها ، فحصرها ، فلم يظفر منها بطائل ، فسار ~~إلى حلب ، فسأل صاحبها محمود نقيب النقباء رسول الخليفة أن يخرج إليه ، ~~ويعلمه أنه لبس بخلع الخليفة واستعفاه . من الحضور ، فقال : لا بد من حضوره ~~، وأن يبطل الأذان بحيي على خير العمل ، فامتنع محمود ، واشتد الحصار على ~~البلد ، وغلت الأسعار ، وزحف ms6118 السلطان يوما ، فوقع حجر منجنيق على فرسه ، ~~فلما عظم الأمر على محمود صاحب حلب خرج ليلا هو وأمه ، ودخلا على السلطان ، ~~وقالت له : هذا ولدي تفعل به ما تحب ، فتلقاهما بالجميل ، وأحسن إلى محمود ~~، وخلع عليه ، وأعاده . ذكر خروج ملك الروم إلى خلاط وأسره ولما عاد ~~السلطان من حلب وصل إلى مدينة خوى من أدربيجان ، فبلغه خروج أرمانوس ملك ~~الروم في مئتين ألوف من الروم ، والفرنج والعرب المتغره ، PageV26P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" والكرج ، والروس ، وغيرهم من طوائف تلك ~~البلاد ، وأنه وصل إلى بلاد خلاط ، فلم يتمكن السلطان من جمع العساكر ~~لبعدها ، وقرب العدو ، فسير أثقاله مع نظام الملك إلى همذان ، وسار هو ، ~~فيمن معه من العسكر ، وهم خمسة عشر ألف فارس ، وجد في السير ، وجعل له ~~مقدمة ، فالتقت بمقدمة العدو ، وهم عشرة آلاف فارس من الروس ، فقاتلوهم ، ~~فانهزم الروس ، وأسر مقدمهم ، وحمل إلى السلطان ، فجدع أنفه ، وأرسل إلى ~~ملك الروم يطلب منه المهادنة ، فأجاب : لا هدنة إلا بالري ، فلما كان يوم ~~الجمعة بعد الصلاة ركب السلطان ، وقال لأصحابه : من أراد الانصراف ، ~~فلينصرف ، فما ها هنا سلطان يأمر وينهي ، وبكى ، وأبكى ، ورمى القوس ~~والنشاب ، وأخذ السيف والدبوس ، وعقد ذنب فرسه بيده ، وفعل عسكره مثله ، ~~ولبس البياض ، وتحنط ، وقال : إن قتلت ، فهذا كفني ، وذلك لخمس بقين من ذي ~~القعدة سنة ثلاث وستين ، وزحف إلى الروم ، وزحفوا له ، فلما قاربهم ترجل ، ~~وعقر وجهه في التراب ، وبكى ، وأكثر من الدعاء ، ثم ركب وحمل ، فأعطى الله ~~النصر للمسلمين ، فقتلوا من العدو ما لا يحصى كثرة ، وأسر ملك الروم ، أسره ~~بعض غلمان كوهراتين ، ولم يعرفه ، وأراد قتله ، فقال له خدم معه : هذا ~~الملك لا تقتله ، وكان هذا الغلام قد عرض على عضد الدولة ، فلميجز عرضه ~~استحقارا له ، فشكره كوهراتين ، فقال نظام الملك : عسى أن يأتينا بملك ~~الروم أسيرا ، فكان كذلك ، فلما أسره الغلام أحضره إلى مولاه كوهراتين ، ~~فأحضره إلى السلطان ، فضربه السلطان ثالث ضربات بالمقرعة ، وقال : ألم أرسل ~~إليك في الهدنة ، فأبيت ، فقال : دعني من التوبيخ ، وافعل ms6119 ما تريد ، فقال ~~السلطان : ما عزمت أن تفعل بي إن أسرتني ؟ فقال : كنت أفعل كل قبيح ، قال : ~~فما تظن أني أفعل معك ؟ فقال : إما أن تقتلني ، وإما أن تشهرني في البلاد ، ~~والأخرى بعيدة ، وهي العفو ، وقبول الأموال ، واصطناعي باتباعك ، وقال : ما ~~عزمت على غير هذا ، ففدى نفسه بألف ألف وخمسمائة ألف دينار ، وقطيعة في كل ~~سنة ثلاثمائة ألف وستين ألف دينار ، وإطلاق كل أسير في بلاد الروم من ~~المسلمين ، وأن ينفذ إليه عساكر الروم متى طلبها ، واستقر الأمر على ذلك ، ~~وأنزله السلطان في خيمة ، وأطلق له جماعة من أسر من البطارقة ، وخلع عليه ~~من الغد ، وأرسل إليه عشرة آلاف دينار يتجهز بها ، وقام ملك الروم إلى جهة ~~الخليفة ، وكشف رأسه ، وأومأ إلى الأرض بالخدمة ، ثم جهز السلطان معه عسكرا ~~يوصله إلى مأمنه ، وشيعه فرسخا ، PageV26P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" وأما الروم فلما بلغهم خبر الوقعة وثب ~~ميخائيل على المملكة ، وملك البلاد ، فلما وصل أرمانوس الملك إلى قلعة ~~دوفنه ، بلغه الخبر ، فلبس الصوف ، وأظهر الزهد ، وأرسل إلى ميخائيل يعرفه ~~ما تقرر بينه وبين السلطان ، فأجاب ميخائيل بإيثار ما استقر ، وجمع أرمانوس ~~ما عنده من المال ، فكان مائة ألف دينار ، وطبق عليه جواهر بتسعين ألف ~~دينار ، فحمل ذلك إلى السلطان ، وحلف أنه لا يقدر على غيره ، ومضى أرمانوس ~~بمن معه إلى بلاد الأرمن ، فملكها ، وقتل ملكها ، وأرسل رأسه إلى بغداد ، ~~ودعا للسلطان بها . ذكر ملك أتسز بيت المقدس والرملة ودمشق وفي سنة ثلاث ~~وستين وأربعمائة قصد أتسز بن أوق الخوارزمي ، وهو من أمراء السلطان ملكشاه ~~، فجمع الأتراك ، وسار إلى فلسطين ، ففتح الرملة ، وسار منها إلى بيت ~~المقدس ، وحصره ، وفيه عساكر المصريين ، ففتحه ، وملك ما يجاورهما من ~~البلاد ما عدا عسقلان ، وقصد دمشق ، فحصرها ، وتابع النهب لأعمالها حتى ~~خربها ، وقطع الميرة عنها ، ولم يقدر عليها ، ثم فتحها في سنة ثمان وستين ~~وأربعمائة في سلطنة ملكشاه في خلافة المقتدي ، وذلك أنه جعل يغير عليها في ~~كل سنة ، ويقصد أعمالها عند إدراك المغل ، فيقوى هو وعسكره ، ويضعف ms6120 أهل ~~دمشق وجندها ، ثم حصر دمشق في شهر رمضان سنة سبع وستين ، وأميرها يوم ذاك ~~المعلى بن حيدره من قبل المستنصر صاحب مصر ، فعجز عن فتحها ، فانصرف عنها ~~في شوال ، واتفق أن أميرها المعلى أساء المسيرة مع الجند والرعية ، فثار به ~~العسكر ، فهرب إلى بانياس ، ثم منها إلى صور ، ثم سار إلى مصر ، فحبس بها ~~حتى مات ، ملما هرب من دمشق اجتمعت المصامدة ، وولوا عليهم انتصار بن يحيى ~~المصمودي المعروف : بزوين الدولة ، واتفق وقوع غلاء شديد حتى أكل الناس ~~بعضهم بعضا ، ووقع الخلف بين المصامدة ، وبين أحداث البلد ، فعاد أتز إلى ~~دمشق ، ونازلها في شعبان سنة ثمان وستين ، وحصرها حتى عدمت الأقوات ، ~~فتسلمها عند ذلك بالأمان ، ودخلها بعسكره في ذي القعدة ، وخطب بها للمقتدى ~~لخمس بقين من الشهر ، وعوض عنها انتصار بقلعة بانياس ، ومدينة يافا من ~~الساحل . PageV26P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" ذكر تزويج ولي العهد بابنه السلطان . وفي سنة ~~أربع وستين وأربع مائة ، أرسل الخليفة القائم بأمر الله عميد الدولة بن ~~جهير إلى السلطان بالخلع له ، ولولده ملكشاه ، وأمره أن يخطب سفري خاتون ~~ابنة السلطان لولي العهد المقتدى بأمر الله ، ففعل ذلك ، فأجيب إليه ، وعقد ~~النكاح بظاهر نيسابور ، وكان عميد الدولة الوكيل في قبول النكاح ، ونظام ~~الملك الوكيل من قبل السلطان وكان النثار من الجوهر . ذكر ملك السلطان قلعة ~~فضلون . وفي هذه السنة سير السلطان الوزير نظام الملك في عسكر إلى بلاد ~~فارس ، وكان بها حصن من أمتع حصونها ، وفيه صاحبه فضلون ، وهو لا يعطى ~~الطاعة ، فنازله ، وحاصره ، فامتنع ، وقاتل ، فلم تطل المدة حتى نادى أهل ~~الحصن بطلب الأمان بغير سبب ظاهر ولا قتال ، وظهر أن سبب ذلك أن جميع آبار ~~الحصن غارت مياهها في ليلة واحدة ، فأمنهم نظام الملك ، وتسلم الحصن ، وهرب ~~فضلون إلى القلعة ، ثم قبض عليه وجيء به إلى السلطان ، فأحسن إليه ، وأمنه ~~، وأطلقه . ذكر مقتل السلطان عضد الدولة ألب أرسلان وشيء من سيرته . وفي ~~سنة خمس وستين وأربعمائة قصد السلطان ما وراء النهر ، فعقد جسرا على جيحون ms6121 ~~، وعبر عليه في نيف وعشرين يوما ، وكان عسكره يزيد على مائتي ألف فارس ، ~~وكان ببعض القلاع رجل خوارزمي اسمه يوسف قد عصى ، وتحصن بالقلعة ، فبعث ~~إليه السلطان جماعة ، فحاصروه ، وأخذوه ، وأتوا به إلى السلطان ، فأمر أن ~~تضرب له أربعة أوتاد ، وتشد أطرافه إليها ، فقال يوسف : يا مخنث ، مثلي ~~يقتل هذه القتلة ؟ فغضب لذلك ، وأخذ القوس والنشاب ، ورماه ثلاث مرات ، وهو ~~يخطىء ، وكان لا يخطىء في رميه ، فوثب يوسف ، وضربه بسكين في خاصرته ، ~~وأدركه الجند ، فقتلوه ، وسد جرح السلطان ، وعاد إلى جيحون وقال : ما من ~~وجه قصدته ، وعدو أردته إلا استغنت بالله عليه ، فلما كان بالأمس صعدت على ~~تل ؛ فارتجت الأرض تحتي من عظم الجيش ، فقلت في نفسي : أنا ملك الدنيا ، ~~وما يقدر أحد على ، فعجزني الله تعالى بأضعف خلقه ، وأنا أستغفر الله ، ~~وأستقيله من هذا الخطأ ، وأحضر الوزير نظام الملك ، والجند ، وأوصاهم بولده ~~ملكشاه ، واستحلفهم له . PageV26P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" وتوفي في عاشر شهر ربيع الأول ، وحمل إلى مرو ~~، فدفن بها عند أبية ، وكان مولده في سنة أربع وعشرين ، فكان عمره أربعين ~~سنة وشهورا ، وكانت مدة ملكه منذ خطب له بالسلطنة تسع سنين ، وستة أشهر ، ~~وأياما . وكان كريما عادلا عاقلا لا يسمع السعايات ، وكان رحيم القلب ، ~~رفيقا بالفقراء ، كثير الصدقة ، تصدق في شهر رمضان بخمسة عشر ألف دينار ، ~~وكان في ديوانه أسماء خلق من الفقراء في جميع مملكته عليهم الإدرارات ، ~~والصلات ، ولم يسمع عنه بمصادرة بل قنع بالخراج والغنائم ، قيل : إن بعض ~~السعاة كتب إليه سعاية في نظام الملك الوزير ، وذكر ما له من الرسوم ~~والأموال ، وترك الرقعة على مصلاه ، فقرأها ، ثم سلمها إلى نظام الملك ، ~~وقال له : إن كانوا صدقوا في الذي ذكروا ، فحسن أخلاقك ، وإن كانوا كذبوا ~~فاغفر لهم زلتهم ، وأشغلهم بمهم يشتغلون به عن السعاية بالناس ، وناهيك ~~بهذه مكرمة . وكان له من الأولاد : ملكشاه ، وتكش ، وإيار ، وتتش ، وأرسلان ~~أرغو ، وتوزي برش ، وساده ، وعائشة ، وبنت أخرى . وزيره : نظام الملك . ~~ولما وصل الخبر إلى بغداد بموته حبس الوزير فخر الدولة ms6122 بن جهير للعزاء في ~~صحن دار السلام ، وملك بعده ابنه . ذكر اخبار السلطان جلال الدولة ملكشاه . ~~ابن السلطان عضد الدولة ألب أرسلان محمد بن جغري بك داود بن ميكائيل بن ~~سلجق . وهو الثالث من ملوك الدولة السلجقية . ملك بعد وفاة أبيه في عاشر ~~ربيع الأول سنة خمس وستين وأربعمائة ، وكان والده قد حلف له العساكر كما ~~قدمناه ، وكان ملكشاه قد صحب والده في هذه السفرة ، ولم يصحبه في سفرة ~~غيرها ، فأوصاه والده أن يعطي عمه قاورد بك بن داود أعمال فارس ، وكرمان ، ~~وشيئا عينه من المال ، وأن يزوج زوجته ، وكان قاورد بك بكرمان ، وأوصى بأن ~~يعطى ابنه إياز ما كان لأبيه داود ، وهو خمسمائة ألف دينار ، وقال : من لم ~~يرض بما أوصيت له به ، فقاتلوه ، واستعينوا على حربه بما جعلت له ، وعاد ~~ملكشاه من بلاد ما وراء النهر ، وقد تولى تدبير دولته الوزير نظام الملك ~~وزير PageV26P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" أبيه ، فعبر النهر في ثلاثة أيام ، وزاد ~~الأجناد سبعمائة ألف دينار ، وعاد إلى خراسان ، وقصد نيسابور ، ومنها إلى ~~الري ، وكتب إلى ملوك الأطراف بإقامة الخطبة له ، فخطب له . والله أعلم . ~~ذكر الحرب بين السلطان ملكشاه وبين عمه قاورد بك . قال : ولما بلغ قاورد بك ~~وفاة أخيه ، وكان بكرمان قصد الري ليستولي على المملكة ، فسبقه إليها ~~ملكشاه ونظام الملك ، وسارا منها ، فالتقوا بالقرب من همذان في رابع شعبان ~~، واقتتلوا ، فانهزم قاورد بك وعسكره ، ثم أسر ، وجيء به إلى السلطان ، ~~فأمر بخنقه ، وأقر كرمان بيد أولاده ، وسير لهم الخلع ، فملك سلطان شاه بن ~~قاورد بك كرمان ، وفوض السلطان جميع أمور دولته إلى نظام الملك الوزير ، ~~ولقبه ألقابا من جملتها : أتابك ، ومعناه : الأمير الوالد ، وأقطعه إقطاعا ~~وافرا زيادة على ما كان له ، من جملته طوس ، وأحسن السيرة ، وظهر من عدله ~~ما لا مزيد عليه ، وفي سنة ست وستين وأربعمائة . في ثالث صفر . ورد ~~كوهراتين إلى بغداد من قبل السلطان ملكشاه ، فجلس الخليفة القائم بأمر الله ~~له مجلسا عاما ، وسلم إليه عهد السلطان ملكشاه بالسلطنة ms6123 واللواء ، وعقده ~~الخليفة بيده ، وفيها استعاد السلطان ترمذ من خاقان تكين وكان قد غلب ~~عليهما لما مات ألب أرسلان ، فلما استقامت الأمور لملكشاه حصرها ، ~~واستعادها ، ففارقها صاحبها ، فأرسل يطلب المصالحة ، واعتذر من تعرضه إلى ~~ترمذ ، فوقع الصلح بينهما ، وعاد السلطان ، وأقطعه بلخ ، وطخارستان لأخيه ~~شهاب الدين تكش . ذكر استيلاء تكش على بعض خراسان . وفي شعبان سنة ثلاث ~~وسبعين وأربعمائة سار ملكشاه إلى الري ، وعرض العسكر ، وأسقط منهم سبعة ~~آلاف رجل ، فقال له الوزير نظام الملك : هؤلاء الجند لم يكن منهم كاتب ، ~~ولا تاجر ، ولا خياط ، وليس لهم صنعة غير الجندية ، ولا نأمن أن يقدموا ~~منهم رجلا ، ويقولوا هذا السلطان ، فيكون لنا منهم شغل ، ويخرج عن أدينا ~~أضعاف مالهم من الجاري إلى أن تظفر بهم ، فلم يقبل السلطان نصحه ، وقطعهم ، ~~فمضوا إلى أخيه تكش ، فقوى بهم ، وأظهر العصيان على أخيه ، واستولى على مرو ~~الروذ ، ومرو الشاهجان ، وترمذ ، وغيرها ، وسار إلى نيسابور طمعا في ملك ~~خراسان ، فسبقه السلطان إليها ، فعاد تكش ، وتحصن بترمذ ، وأسر جماعة من ~~أصحاب السلطان ، فقصده السلطان ، فأطلقهم ، واستقر الصلح بينهما ، ونزل تكش ~~عن ترمذ ، ثم عاد إلى العصيان في سنة سبع وسبعين ، وأخذه السلطان وسمله . ~~PageV26P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" وفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة مات للسلطان ~~ملكشاه ولد اسمه داود ، فجزع عليه جزعا شديدا ، ومنع دفنه حتى تغيرت رائحته ~~، وأراد أن يقتل نفسه ، فمنعه خواصه . ذكر قتل أبي المحاسن بن أبي الرضا . ~~وفي سنة ست وسبعين وأربعمائة في شوال قتل سيد الرؤساء أبو المحاسن بن كمال ~~الملك أبي الرضا ، وكان قد قرب من السلطان ملكشاه قربا عظيما ، وكان أبوه ~~يكتب الطغراء ، فقال أبو المحاسن للسلطان : سلم إلي نظام الملك وأصحابه ، ~~وأنا أحمل إليك منهم ألف ألف دينار ، فإنهم يأكلون الأموال ، ويقتطعونها ، ~~وعظم عنده ذخائرهم ، وأموالهم ، فبلغ ذلك نظام الملك ، فعمل سماطا عظيما ، ~~وأقام عليه مماليكه ، وهم ألوف من الأتراك ، وأقام خيلهم ، وجعل سلاحهم على ~~جمالهم ، فلما حضر السلطان ، قال له : إني قد خدمتك ، وخدمت أباك وجدك ، ~~ولي حق خدمة ms6124 ، وقد بلغك أخذي لعشر أموالك ، وقد صدق الناقل ، هذا أنا آخذه ~~وأصرفه إلى هؤلاء الغلمان الذين جمعتهم لك ، وإلى الصدقات ، والصلات ، ~~والوقوف التي عظم ذكرها ، وشكرها ، وأجرها لك ، وأموالي وجميع ما أملكه بين ~~يديك ، وأنا أقنع بمرقعة وزاوية ، فأمر السلطان بالقبض على أبي المحاسن ، ~~وأن تسمل عيناه ، وأنفذه إلى قلعة نساوة ، وسمع أبوه كمال الملك الخبر ، ~~فاستجار بدار نظام الملك ، فسلم ، وبذل مائتي ألف دينار ، وعزل عن الطغراء ~~، ورتب مكانه مؤيد الملك بن نظام الملك المقدم ذكره . ذكر ملك السلطان حلب ~~وغيرها . كان سبب ذلك أن سليمان بن قتلمش السلجقي صاحب الروم فتح انطاكية ، ~~وكان بينه وبين شرف الدولة مسلم صاحب حلب وقعة قتل فيها شرف الدولة ، ثم ~~قتل سليمان ، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار ملوك الروم ~~السلجقية ، PageV26P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" فلما وقع ذلك كتب ابن الحبيبي مقدم حلب إلى ~~السلطان ملكشاه يعلمه ذلك ، ويستدعيه ليتسلمها خوفا من تتش صاحب دمشق ، ~~فسار من أصفهان في جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وأربعمائة ، وجعل طريقه على ~~الموصل ، فوصل إليها في شهر رجب ، وسار منها إلى حران ، فسلمها إليه ابن ~~الشاطر ، فأقطعها السلطان محمد بن شرف الدولة ، وسار إلى الرها ، وهي بيد ~~الروم ، فحصرها ، وملكها وسار إلى قلعة جعبر ، فحاصرها يوم وليلة ، وملكها ~~، وأخذ صاحبها جعبر ، وهو شيخ أعمى ، وولديه ، وكانت الأذية بهم عظيمة ~~يقطعون الطريق ، ويلجئون إليها ، ثم عبر الفرات إلى مدينة حلب ، فملك في ~~طريقه مدينة منبج ، فلما قارب حلب ورحل عنها أخوه تتش ، وكان قد ملك ~~المدينة ، وسلك البرية ، ومعه الأمير أرتق ، فأشار عليه بكبس عسكر السلطان ~~، فامتنع ، وقال لا أكسر جاه أخي الذي أنا مستظل بظله ، فإنه يعود بالوهن ~~علي ، وسار إلى دمشق ، ولما وصل السلطان إلى حلب تسلم المدينة والقلعة بعد ~~امتنع مالك بن سالم بها ، ثم سلمها على أن يعوضه غيرها ، فعوضه قلعة جعبر ، ~~فبقيت في يده ، ويد أولاده إلى أن أخذها منهم نور الدين محمود بن زنكي على ~~ما نذكره إن ms6125 شاء الله تعالى ، أرسل الأمير نصر بن علي بن منقذ الكناني صاحب ~~شيزر إلى السلطان ، وبذل الطاعة ، وسلم إليه اللاذقية ، وكفر طاب ، وأقاميه ~~، فأجابه السلطان إلى المسالمة ، وترك قصده ، وأقر عليه شيزر ، ولما ملك ~~السلطان حلب سلمها إلى قسيم الدولة آق سنقر ، وهو جد نور الدين الشهيد ، ~~وقبل تسلمها في سنة ثمانين . ذكر دخول ملكشاه بغداد كان دخوله إلى بغداد في ~~ذي الحجة سنة سبع وسبعين وأربعمائة بعد رجوعه من حلب ، وهو أول دخوله إليها ~~، ونزل بدار المملكة ، وركب من الغد إلى الخليفة ، ولعب بالأكرة ، ومضى إلى ~~الصيد هو ونظام الملك في البرية ، فاصطاد شيئا كثيرا من الوحوش والغزلان ، ~~وغير ذلك ، وأمر ببناء منارة بقرون الغزلان ، وحوافر الحمر PageV26P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" الوحشية التي صادها . قال ابن خلكان في وفيات ~~الأعيان : والمنارة باقية إلى الآن ، وتعرف بمنارة القرون ، وعاد إلى بغداد ~~، ودخل الخليفة المقتدي ، فخلع عليه الخلع السلطانية ، وفوض إليه أمر ~~البلاد والعباد ، وأمره بالعدل ، وطلب السلطان بأن يقبل يد الخليفة ، فلم ~~يجبه ، فسأل أن يقبل خاتمه ، فأعطاه ، فقبله ، ووضعه على عينيه ، وأمره ~~الخليفة بالعود ، فعاد ، ولما خرج من عنده لم يزل الوزير نظام الملك قائما ~~يقدم أميرا إلى الخليفة . وكلما قدم أمير يقول : هذا العبد فلان ، وإقطاعه ~~كذا وكذا ، وعدة عسكره كذا ، إلى أن أتى على آخر الأمراء ، فخلع الخليفة ~~على نظام املك ، ودخل نظام املك إلى المدرسة النظامية ، وسمع الناس عليه ~~الحديث بالمدرسة ، وأقام ببغداد إلى صفر سنة ثمانين وسار إلى أصفهان . وفي ~~سنة ثمانين وأربعمائة جعل السلطان ولي عهده ولده أبا شجاع ، ولقبه ملك ~~الملوك عضد الدولة تاج الملة عدة أمير المؤمنين ، وأرسل إلى الخليفة أن ~~يخطب له ببغداد ، ويلقبه بهذه الألقاب ، فخطب له في شعبان ، ونثر الذهب على ~~الخطباء . ذكر ملك ملكشاه ما وراء النهر وفي سنة اثنين وثمانين وأربعمائة ~~ملك السلطان ملكشاه ما وراء النهر ، وسبب ذلك أن سمرقند كان قد ملكها أحمد ~~بن خضر خان أخو شمس الملك الذي كان قبله ، وهو ابن أخي تركان ms6126 خاتون زوجة ~~السلطان ملكشاه ، وكان ظالما قبيح الصورة كثير المصادرات للرعية ، فنفروا ~~منه ، واستغاثوا بالسلطان ، فسار من أصفهان ، وكان قد حضر إليه رسول صاحب ~~الروم بالجزية المقررة عليه ، فأخذه نظام الملك معه إلى ما وراء النهر ، ~~وحضر فتح البلاد ، وإنما فعل ذلك ليؤرخ عنهم أن ملك الروم حمل الجزية من ~~بلاده إلى كاشغر ، وليرى عظم ملك السلطان ، وكثرة جيوشه ، وسعة ممالكه ، ~~فسار السلطان من أصفهان إلى خراسان ، وجمع من العساكر ما لا يحصرها ديوان ، ~~وقطع النهر ، ووصل بخاري ، وملكها ، وملك ما على طريقه إليها ، وما جاورها ~~، وقصد سمرقند ، ونازلها ، وحصرها ، وملكها ، واختفى أحمد خان في بيت بعض ~~العوام ، فأخذ ، وحمل إلى السلطان ، وفي عنقه حبل ، فأكرمه السلطان ، وبعثه ~~إلى أصفهان ، ورتب بسمرقند الأمير العميد أبا طاهر عميد خوارزم ، وسار ~~السلطان ، وقصد كاشغر ، فبلغ بيوزكند وأرسل رسلا إلى ملك كاشغر ، فأمره ~~بإقامة الخطبة له ، وضرب السكة باسمه وتوعده إن خالف ، فأجاب إلى ذلك ، ~~PageV26P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" وفعله وحضر إلى السلطان ، فأكرمه ، وتابع ~~الإنعام عليه ، وأعاده إلى بلده ، وعاد السلطان إلى خراسان . ذكر عصيان ~~سمرقند وفتحها قال : ولما أبعد السلطان عن سمرقند لم يتفق أهلها وعسكرها ~~المعروفون بالجكلية مع العميد أبي طاهر نائب السلطان عندهم ، فاحتال حتى ~~خرج من عندهم ، ومضى إلى خوارزم ، وكاتب مقدم الجكلية ، واسمه عز الدولة ~~يعقوب تكين ، وهو أخو ملك كاشغر يستدعيه ، فحضر عنده بسمرقند ، واتفقا ، ثم ~~إن يعقوب علم أن أمره لا يستقيم معه ، فوضع عليه من الرعية من ادعى عليه ~~بدماء قوم كان قتلهم ، فقتله يعقوب ، واتصلت الأخبار بالسلطان ، فعاد إلى ~~سمرقند ، فلما وصل إلى بخاري هرب يعقوب المستولي على سمرقند ورتب بها ~~الأمير أتسز ، وسار في أثر يعقوب حتى نزل بيوزكند وأرسل العساكر إلى ملك ~~كاشغر يطلبه منه ، وأنه إذا لم يرسله قصد بلاده ، واتفق أن عسكر يعقوب ~~شغبوا عليه ، ونهبوا خزائن ، فاضطر إلى أن هرب إلى أخيه بكاشغر ، واستجار ~~به ، وكان بينهما عداوة مستحكمة ، فكاتبه السلطان في إرساله ، وإنه إن لم ~~يفعل كان هو ms6127 العدو ، فقبض عليه وسيره مع ولده ، وجماعة من أصحابه ، وأمرهم ~~أنهم إذا صاروا بالقرب من السلطان سلموه ، فإن رضي السلطان بذلك ، وإلا ~~سلموه إليه ، فلما قصدوا سمله وأحموا الميل ، جاءهم الخبر أن طغرل بن ينال ~~كبس ملك كاشغر وأسره ، فأخروا يعقوب ، وأطلقوه ، ثم اتفق هو والسلطان ، ~~وجعله السلطان يقابل طغرل ، وعاد السلطان إلى خراسان . ذكر وصول السلطان ~~إلى بغداد . وفي شهر رمضان سنة أربع وثمانين وأربعمائة وصل السلطان إلى ~~بغداد ، وهي المرة الثانية ، ونزل بدار المملكة ، ووصل إليه أخوه تاج ~~الدولة تتش صاحب دمشق ، وقسيم الدولة آق سنقر صاحب حلب وغيرهما من عمال ~~الأطراف ، وأمر السلطان بعمارة الجامع المعروف بجامع السلطان ، وابتدىء ~~بعمارته في المحرم سنة خمس وثمانين . PageV26P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" ذكر ملك السلطان اليمن قال : ولما وصل ~~السلطان إلى بغداد كان ممن حضر معه جبق أمير التركمان ، وكان صاحب قرميسين ~~، وغيرهما ، فأمر السلطان أن يسير بجماعة من أمراء التركمان إلى الحجاز ، ~~واليمن ، ويكون أمرهم إلى سعد الدولة كوهراتين ليفتحوا البلاد ، فاستعمل ~~سعد الدولة أميرا اسمه ترشك ، فساروا واستولوا على ترشك الجدري ، فتوفى في ~~سابع يوم وصوله إليها ، فعاد أصحابه إلى بغداد . ذكر مقتل الوزير نظام ~~الملك وفي ليلة السبت العاشر من شهر رمضان سنة خمس وثمانين وأربعمائة قتل ~~الوزير خواجا بزرك قوام الدين نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن اسحاق ~~بالقرب من نهاوند ، وكان هو والسلطان ملكشاه قد عادا من أصفهان إلى بغداد ، ~~فلنا كان بهذا المكان بعد أن فرغ من إفطاره ، وقام من خيمة حرمه ، أتاه صبي ~~ديلمي من الباطنية في صورة مستميح ، أو مستغيث ، فوثب عليه ، وضربه بسكين ، ~~فمات ، وهرب الصبي ، فعثر في أطناب الخيمة ، فأدركوه وقتلوه ، ولما قتل ركب ~~السلطان إلى خيمته ، وسكن عسكره وأصحابه ، وقيل في سبب موته أنه كان قد ولي ~~عثمان بن ابنه جمال الملك رئاسة مرو ، فأرسل السلطان إليها شحنة من أكبر ~~مماليكه ، وأعظم أمرائه يقال له : قودن ، فجرى بينه ، وبين عثمان منازعة ، ~~فحملت عثمان حدة الشبيبة على قبضه ، والإخراق ms6128 به ، ثم أطلقه ، فجاء إلى ~~السلطان مستغيثا ، وأخبره بما صنع به عثمان ، فغضب السلطان وأرسل إلى جده ~~الوزير نظام الملك يقول : إن كنت شريكي في الملك ، ويدك مع يدي في السلطنة ~~فلذلك حكم ، وإن كنت نائبي ، فيجب أن نلتزم حد البيعة ، والنيابة . هؤلاء ~~أولادك قد استولى كل منهم على كورة عظيمة ، وولاية كبيرة ، ولم يقنعهم ذلك ~~حتى تجاوزوا أمر الساسة إلى أن فعلوا كيت وكيت ، وأطال القول ، وأرسل إليه ~~بهذه الرسالة تاج الملك ، ومجد الملك الباسلاني وغيرهما ، من أرباب دولته ، ~~وأرسل معهم الأمير باليرد ، وكان من ثقاته ، وقال له : تعرفني ما يقول ، ~~فربما كتم هؤلاء شيئا ، فحضروا عند الوزير ، وأدوا الرسالة ، فقال : قولوا ~~للسلطان إن كنت ما عمت أني شريكك في الملك فاعلم ، فإنك ما نلت هذا الأمر ~~إلا بيدي ، ورأيي ، أما يذكر حين قتل أبوه ، فقمت بتدبير أمره ، وقمعت ~~الخوارج عليه من أهله وغيرهم ، وهو في ذلك الوقت يتمسك بي ويلازمني ، ولا ~~يخالفني ، فلما رددت الأمور إليه ، وجمعت الكلمة عليه ، وجمعت له الأمصار ~~القريبة والبعيدة سمع في السعايات . قولوا له : إن ثبات هذه PageV26P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" القلنسوة معذوق بهذه الدواة ، وأن انفاقهما ~~رباط كل رعية ، وسبب كل غنيمة ، ومتى أطبقت هذه زالت تلك . في كلام كثير ~~قاله ، فلما خرجوا من عنده اتفقوا على كتمان ما قاله عن السلطان ، ومضى كل ~~منهم إلى خيمته وجاء الجماعة بكرة النهار إلى السلطان ، فأخبروه عنه ~~بالعبودية ، فقال لهم : إنه قال : كيت وكيت ، فأشاروا عند ذلك بكتمانه ~~رعاية لحق نظام الملك ، ولعظم شأنه ، فإن مماليكه كانوا قد أنافوا على ~~عشرين ألفا غير الجند والأتباع ، فوقع التدبير عليه حتى قتل ، وظن السلطان ~~أن الدنيا قد صغت له بعد ذلك ، فما عاش بعده إلا خمسة وثلاثين يوما . ذكر ~~ابتداء حال نظام الملك وشيء من سيرته وأخباره . كان نظام الملك من أبناء ~~الدهاقين بطوس ، فزال ما كان لأبيه من مال وملك ، وتوفيت والدة نظام الملك ~~، وهو يرضع ، فكان أبوه يطوف به على المراضع يرضعنه حسبة حتى شب ms6129 وقرأ ، ~~وتعلم العربية ، وتفقه ، وصار من الفضلاء ، وسمع الحديث الكثير ، وكان يطوق ~~بلاد خراسان ، ووصل إلى غزنة في صحبة بعض المتصوفين ، ثم لزم أبا علي بن ~~شادان متولي الأمور ببلخ لداود والد السلطان ألب أرسلان ، فحسنت حاله معه ، ~~وظهرت كفايته ، وأمانته ، وصار معروفا عندهم بذلك ، فلما حضرت أبا على ~~الوفاة أوصى ألب أرسلان به ، فولاه شغله ، ثم صار وزيرا له إلى أن ولي ~~السلطنة ، وتنقل في الوزارة ، فكانت وزارته ثلاثين سنة . هذا أحد ما قيل في ~~ابتداء أمره . وأما سيرته : فإنه كان عالما أديبا جوادا كثير الحلم والصفح ~~عن المذنبين ، وكان مجلسه عامرا بالفقهاء ، والفقراء ، وأئمة المسلمين ، ~~وأهل الخير والصلاح . أمر ببناء المدارس في سائر الأمصار والبلاد ، وأجري ~~لها الجرايات العظيمة ، وأسقط المكوس والضرائب ، وأزال لعن الأشعرية من على ~~المنابر ، فإن الوزير عميد الملك الكندري كان قد حسن للسلطان لعن الرافضة ، ~~وأضاف إليهم الأشعرية ، وكان نظام الملك رحمه الله تعالى إذا سمع الأذان لا ~~يبدأ بشيء قبل الصلاة ، وله من حسن الآثار ما هو موجود باق إلى وقتنا هذا ~~رحمه الله تعالى . PageV26P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" ذكر وفاة السلطان ملكشاه وشيء من سيرته . ~~كانت وفاته ببغداد في يوم الجمعة منتصف شوال سنة خمس وثمانين وأربعمائة ، ~~وذلك أنه لما قتل الوزير نظام الملك كما قدمناه ، سار السلطان إلى بغداد ، ~~فدخلها في الرابع والعشرين من شهر رمضان من السنة ، وخرج في أوائل شوال إلى ~~ناحية دجيل للصيد ، فاصطاد وحشا وأكل من لحمه ، فابتدأت به العلة ، فعاد ~~إلى بغداد ، فتوفي ولم تشهد جنازته ، ولا صلي عليه في الصورة الظاهرة ، ولا ~~هلب عليه ذنب فرس كعادة أمثاله من الملوك ، ولا لطم عليه وجه ، وحمل إلى ~~أصفهان ، ودفن بها في مدرسة له موقوفة على طائفة الشافعية ، والحنفية . قال ~~: وكان مغرما بالعمارة ، فحفر الكثير من الأنهار ، وعمر الأسوار على كثير ~~من البلاد ، وصنع في طريقه مكة مصانع ، وكان كثير الصيد ، وكانت السبل في ~~أيامه آمنة ساكنة تسير القوافل مما وراء النهر إلى أقصى الشام ، وليس معهما ~~خفير ms6130 ، وحكى محمد ابن عبد الملك الهمذاني ، أن السلطان لما توجه لحرب أخيه ~~تكش اجتاز بمحمد علي بن موسى الرضا بطوس ، فدخل ومعه نظام الملك الوزير ~~فصليا ، وأطال الدعاء ، ثم قال لنظام الملك : بأي شيء دعوت قال : أن ينصرك ~~الله ، ويظفرك بأخيك ، فقال : أما أنا ولم أدع بهذا ، وإنما قلت اللهم انصر ~~نفعنا للمسلمين والرعية ، وحكى عنه حكايات تدل على محاسنه ، وجودته ، وخيره ~~. وكان قد قرر ملك البلاد لمماليكه ، فجعل غلامه برسق يحارب الروم ، ~~فضايقهم حتى عليهم ثلاثمائة ألف وثلاثين ألف دينار جالية ، ثم توجه إلى ~~القسطنطينية وحاصرها ، وقرر عليهم ألف ألف دينار ، وبنى قونية ، وقصرا ، ~~وسير أخاه تاج الدولة تتش إلى دمشق ، وقسيم الدولة آق سنقر بحلب ، وغيرهم ~~في كل جهة . PageV26P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" وكانت مدة ملكه عشرين سنة ، وسبعة أشهر ، ~~وستة أيام ، وكان له من الأولاد أبو المظفر بركيا روق ، ومحمد طبر ، وأبو ~~الحارث سنجر شاه ، ومحمود ، وهو أصغرهم . وزيره : نظام الملك ، وقد تقدم ~~ذكره . ذكر أخبار السلطان بركياروق هو أبو المظفر بركيا روق بن السلطان ~~جلال الدولة ملكشاه ابن السلطان عضد الدولة ألب أرسلان محمد بن داود جغري ~~بك بن ميكائيل بن سلجق ، وهو الرابع من ملوك الدولة السلجقية . وبركيا روق ~~بفتح الباء الموحدة ، وسكون الراء والكاف ، وفتح الباء المثناة من تحت ، ~~وبعد الألف راء مضمومة ، وبعد الواو الساكنة قاف . قال المؤرخ : لما مات ~~السلطان ملكشاه كتمت زوجته تركان خاتون موته ، وأرسلت إلى الأمراء ، وفرقت ~~الأموال ، واستخلفت لولدها محمود ، وعمره أربع سنين وشهورا ، وأرسلت إلى ~~الخليفة المقتدى بأمر الله في الخطبة له ، فأجابها إلى ذلك على ان يكون ~~الأمير أتسز مدبر الجيش ، وتاج الملك يتولى تدبير الأموال والدواوين ، وخطب ~~له ، ولقب ناصر الدنيا والدين ، وكانت الخطبة له في يوم الجمعة الثاني ~~والعشرين من شوال ، وكان بركيا روق إذ ذاك بأصفهان ، فكتبت تركان خاتون ~~بالقبض عليه ، فقبض عليه ، فلما ظهر موت السلطان ملكشاه ، ثارت المماليك ~~النظامية ، وأخرجوه من الحبس ، وملكوه ، فسارت تركان خاتون من بغداد إلى ~~أصفهان ، فلما قاربها ms6131 تحول بركيا روق إلى الري ، ولقيهم أرعش النظامي في ~~عساكره ، وإنما حمل النظامية على نصرة بركيا روق كراهتهم لتاج الملك ، فإنه ~~الذي دبر في قتل مولاهم . قال : وأرسلت تركان خاتون العساكر لقتال بركيا ~~روق ، فلما التقى العسكران انحاز جماعة من الأمراء الذين في عسكرها إلى ~~خدمة بركيا روق منهم : الأمير باليرد ، وكمشتكين الجاندار ، وغيرهما ، فقوي ~~بهم ، وكانت الحرب بينهم في آخر ذي الحجة من السنة ، فانهزم عسكر تركان ~~خاتون ، وعاد إلى أصفهان ، وسار بركياروق في أثرهم ، وحصرهم بها . ~~PageV26P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" ذكر قتل تاج الملك كان تاج الملك في عسكر ~~تركان خاتون ، فانهزم إلى نواحي بروجرد فأخذ ، وجيء به إلى عسكر بركياروق ، ~~وهو يحاصر أصفهان ، وكان يعرف كفايته ، فأراد أن يستوزره ، فشرع في إصلاح ~~أكابر المماليك النظامية ، وفرق فيهم مائتي ألف ، فزال ما في نفوسهم منه ، ~~فوثب عثمان الذي كان نائب نظام الملك ، ووضع الغلمان الأصاغر النظامية ، ~~واستغاثوا ألا تقنعوا إلا بقتل قاتل مولاهم ، ففعلوا ذلك ، وهجموا عليه ، ~~وقطعوه عضوا عضوا ، وذلك في المحرم سنة ست وثمانين وأربعمائة ، فاستوزر ~~بركياروق عز الملك بن نظام الملك ، واستولى بركياروق على الري ، وهمذان ، ~~وما بينهما ، وقدم بغداد في أواخر سنة ست وثمانين ، وخطب له بها في يوم ~~الجمعة رابع المحرم سنة سبع وثمانين وأربعمائة ، وحملت إليه الخلع ، فلبسها ~~، وعلم الخليفة على عهده ، ومات فجأة ، وتولى ابنه المستظهر بالله الخلافة ~~، فأرسل الخلع والعهد إلى السلطان بركياروق ، فأقام ببغداد إلى شهر ربيع ~~الأول من ، وسار إلى الموصل ، ثم إلى نصيبين ، وكان بينه ، وبين عمه تتش من ~~الحرب ما نذكره إن شاء الله تعالى . ذكر انهزام بركياروق من عمه تتش ودخوله ~~إلى أصفهان ووفاة أخيه محمود قال : ولما اتصل بتتش وفاة أخيه ملكشاه من ~~الشام ، وملك حلب ، وحران ، والرها ، والجزيرة جميعها ، وديار بكر ، وخلاط ~~وآزربيجان ، وهمذان على ما PageV26P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" نذكره في أخباره إن شاء الله تعالى ، فلما ~~قار البلاد سار السلطان بركيا روق لدفعه عنها ، ووصل إلى أربل ، وقرب من ~~جيش عمه ، ولم يكن ms6132 معه غير ألف فارس ، وكان عمه في خمسين ألفا ، فجهز عمه ~~من أمرائه من كبس عسكره ، فهرب بركيا روق ، ونهب سواد عسكره ، ولم يق معه ~~غلا برسق ، وكمشتكين الجاندار ، وبركيا روق ، وهم الأمراء الأكابر ، وخطب ~~لعمه عند هذه الحادثة ببغداد على ما نذكره ، وسار هو إلى أصفهان ، وكانت ~~تركان خاتون والدة أخيه محمود قد ماتت ، فخرج إليه أخوه الملك محمود ، ~~وتلقاه ، وأدخله البلد ، وكان ذلك خديعة ليقبض عليه ، فلما دخل بركيا روق ~~قبض عليه محمود ، وقصد سمله ، فاتفق أن محمودا حم وجدر ، فقال لهم أمين ~~الدولة بن التلميذ الطبيب إن الملك قد جدر ، وما أراه يسلم ، والمصلحة ~~إبقاء بركيا روق ، فإن مات صاحبكم ملكوه ، ولا تعاجلوه بالإتلاف ، فتركوه ، ~~فمات محمود في سلخ شوال سنة سبع وثمانين وأربعمائة فكان هذا من الفرج بعد ~~الشدة كما قيل : مصائب قوم عند قوم فوائد قال : ولما مات محمود حبس بركيا ~~روق للعزاء بع ، واستوزر مؤيد الملك بن نظام الملك في ذي الحجة ، فكاتب ~~الوزير الأمراء العراقيين والخراسانيين ، واستمالهم ، فعادوا كلهم إلى ~~بركياروق ، فعظم شأنه وكثرت عساكره ، والتقى هو وعمه تتش في سنة ثمان ~~وثمانين ، واقتتلوا بالقرب من الري ، فانهزم عسكر تتش ، وقتل على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى في أخباره ، واستقامت السلطنة لبركياروق ، وفي ستة ثمان ~~وثمانين ، عزل بركياروق وزيره مؤيد الملك بن نظام الملك واستوزر أخاه فخر ~~الملك . ذكر مقتل أرسلان أرغو وفي المحرم سنة تسعين وأربعمائة قتل أرسلان ~~أرغو بن الب أرسلان أخو ملكشاه بمرو ، وكان ملك خراسان ، وسبب قتله أنه كان ~~شديدا على غلمانه كثير الإهانة لهم والعقوبة ، فطلب غلاما منهم ، فاعتذر ، ~~فلم يقبل عذره ، وضربه ، فأخرج الغلام سكينا ، فقتله بها ، وأخذ الغلام ، ~~فقيل له : لم فعلت هذا ، فقال لأريح الناس منه . والله أعلم . ذكر ملك ~~بركياروق خراسان وتسليمها لأخيه سنجر قال : كان السلطان بركيا روق قد جهز ~~العساكر مع أخيه الملك إلى خراسان لقتال عنه أرسلان أرغو ، وجعل الأمير ~~قماج أتابكا لسنجر ، ورتب في وزارته أبا الفتح أرغو ، وجعل ms6133 الأمير قماج ~~أتابكا لسنجر ، ورتب في وزارته أبا الفتح علي بن الحسين الطوسي فلما وصلوا ~~إلى الدامغان ، بلغهم خبر قتله ، فأقاموا هناك حتى لحقهم السلطان ، وساروا ~~إلى نيسابور ، فوصلوها في خامس جمادى الأولى من السنة ، وملكها السلطان ~~وسائر البلاد الخراسانية بغير قتال ، وسار إلى بلخ ، وكان PageV26P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" عسكر أرسلان أرغو قد ملكوا ابنا صغيرا عمره ~~سبع سنين ، فلما بلغهم قدوم السلطان أبعدوا إلى جبال طخارستان ، وطلبوا ~~الأمان ، فأمنهم السلطان ، وحضروا إليه في خمسة عشر ألف فارس ، فأخذ ابن ~~عمه ، وأحسن إليه ، وتسلمته والدة بركياروق تربية ، وتفرق جيشه في خدمة ~~الأمراء ، وسار السلطان إلى ترمذ ، فسلمت إليه ، وأقام ببلخ سبعة أشهر ، ~~وأرسل إلى ما وراء النهر ، فأقيمت لخ الخطبة بسمرقند ، ودانت له البلاد . ~~ذكر خروج أمير أميران وفي سنة تسعين وأربعمائة خالف أمير اسمه محمد بن ~~سليمان ، ويعرف بأمير أميران ، وهو ابن عم ملكشاه ، على السلطان بخراسان ، ~~وتوج إلى بلخ ، واستمد صاحب غزنة ، فأمده بجيش كثير ، وشرط عليه أن يخطب له ~~في جميع ما يفتحه من البلاد الخراسانية ، فقويت شوكته ، فسار إليه الملك ~~سنجر بن ملكشاه صاحب خراسان أخو السلطان جريدة ، وكبسه ، وأسره ، وكحله . ~~ذكر ظهور السلطان محمد طبر ملكشاه والملك سنجر وخروجهما على أخيهما السلطان ~~بركياروق والخطبة لمحمد إنما ذكرنا أخبار السلطان محمد ، وأخيه سنجر في ~~دولة السلطان بركياروق لأنه في هذا التاريخ كان هو الملك المشار إليه ، ~~وهما كالخوارج عليه ، وإن كان محمد في هذه المدة ملك البلاد ، وخطب له ~~ببغداد ، وغيرها إلا أنه لم يستقل بغير منازع ، فلهذا أوردناه الآن في دولة ~~بركياروق ، وسنذكر سلطنته بعد وفاة السلطان بركياروق ، ثم نذكر بعده سلطنة ~~السلطان سنجر إن شاء الله تعالى . كان السلطان محمد طبر ، وسنجر أخوين لأب ~~وأم ، وأمهما أم ولد ، ولما مات والدهما السلطان ملكشاه كان محمد معه ~~ببغداد ، فسار مع أخيه محمود ، ووالدته تركان خاتون إلى أصفهان ، فلما حصر ~~بركياروق أصفهان خرج إليه محمد ، وسار معه إلى بغداد سنة ست وثمانين ، ~~وأقطعه بركياروق كنجه ، وأعمالها ms6134 ، وجعل معه الأمير ، فيلغ تكين أتابكا له ~~، فلما PageV26P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" قوي محمد قتله ، واستولى على جميع أعمالأران ~~إلى كنجه من جملتها ، وظهرت شهامته واتفق أن السلطان عزل المؤيد الملك بن ~~نظام الملك من وزارته ، فسار الأمير إلى الأمير أتسز ، وحسن له العصيان على ~~السلطان ، فلما قتل أتسز سار مؤيد الملك إلى السلطان محمد ، فأشار عليه ~~بمخالفة أخيه ، والسعي في طلب السلطنة ، ففعل ذلك ، وقطع خطبة السلطان ~~بركياروق من بلاده ، وخطب لنفسه بالسلطنة ، واستوزر مؤيد الملك ، وذلك في ~~سنة اثنين وتسعين وأربعمائة ، واتفق أن السلطان قتل وزيره مجد الملك ~~الباسلاني في هذه السنة ، وكان قد تمكن منه ، فنفرت خواطر الأمراء من ~~السلطان ، ففارقه مع جماعة منهم ، والتحقوا بمحمد ، فقوي بهم ، وسار نحو ~~الري ، فسبقه إليها السلطان بركياروق ، وجمع العساكر ، وسار إلى أصفهان ~~فأغلق أهلها الأبواب دونه ، فسار إلى خوزستان ، وورد السلطان محمد إلى الري ~~، واستولى عليها في ثاني ذي القعدة من السنة ، ووجد بها زبيدة خاتون ، ~~والدة أخيه بركياروق ، فسجنها مؤيد الملك بالقلعة ثم خنقها . ذكر إقامة ~~الخطبة لمحمد ببغداد قال : ولما قوي أمر السلطان محمد سار إليه سعد الدولة ~~كوهراتين من بغداد ، وكان قد استوحش من السلطان بركياروق ، فاجتمع هو ~~وكريوقا صاحب الموصل ، وجكرمش صاحب الجزيرة ، وسرجاب ابن صاحب كنكور ، ~~وغيرها ، وساروا إلى السلطان محمد ، ولقوه بقم ، فخلع عليه سعد الدولة ، ~~ورده إلى بغداد ، وسار بقيتهم في خدمته إلى أصفهان ، فلما وصل سعد الدولة ~~إلى بغداد خاطب الخليفة في الخطبة إلى محمد ، فأجاب إلى ذلك ، وخطب له في ~~يوم الجمعة سابع عشر في ذي الحجة سنة اثنين وتسعين وأربعمائة ، ولقب غياث ~~الدنيا والدين . ذكر إعادة الخطبة ببغداد للسلطان بركياروق . قال : لما سار ~~بركياروق إلى خوزستان عندما منع من دخول أصفهان كما ذكرناه جمع العساكر ، ~~وكان أمير جيشه حينئذ ينال ابن أنوشتكين الحسامي ، فتجهز ، PageV26P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" وسار إلى واسط ، ثم منها إلى بغداد ، فدخلها ~~في سابع عشر صفر سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة ، وخطب له بها في يوم الجمعة ~~نصف ms6135 صفر قبل وصوله إليها بيومين ، وكان سعد الدولة كوهراتين بالشفيعي ، ~~ومعه إيلغازي بن أرتق ، وغيره من الأمراء ، فأرسل إلى مؤيد الملك ، وإلى ~~السلطان محمد يستحثهما على الوصول إليه ، فأرسلا كريوقا صاحب الموصل ، ~~وجكرمش ، فأما جكرمش ، فاستأذن سعد الدولة في العودة إلى بلده ، فأذن له ، ~~فعاد إلى جزيرة ابن عمر ، وبقي سعد الدولة في جماعة من الأمراء ، فكتب ~~أعيانهم إلى السلطان بركياروق أن يخرج إليهم ، وأنهم لا يقاتلونه ، فخرج ~~إليهم ، فلما عاينوه ترجلوا ، وقبلوا الأرض بين يديه ، وعادوا في خدمته إلى ~~بغداد ، واستوزر السلطان الأعز أبا المحاسن بن عبد الجليل بن علي الدهشاني ~~، وقبض على عميد الدولة بن جهير وزير الخليفة ، وطالبه بالأموال ، فاستقر ~~الأمر بينهما على مائة ألف وستين ألف دينار يحملها ، وخلع الخليفة على ~~بركياروق ، والله أعلم بالصواب . ذكر الحرب بين السلطانين بركياروق ومحمد ~~والخطبة لمحمد ببغداد . وفي سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة سار السلطان ~~بركياروق من بغداد ، وجعل طريقه على شهرزور ، وأقام بها ثلاثة أيام ، ~~والتحق به عالم كثير من التركمان ، وغيرهم ، وسار نحو أخيه محمد ، فوقعت ~~الحرب بينهم في رابع شهر رجب بإسبيدروز ، ومعناه : النهر الأبيض ، وهو على ~~عدة فراسخ من همذان وكان مع نحو عشرين ألف مقاتل ، فحمل كوهراتين من ميمنة ~~بركياروق على ميسرة محمد ، وبها مؤيد الملك والنظامية ، فانهزموا ، ودخل ~~عسكر بركياروق في خيامهم ، ونهبوا ما فيها ، وعاد سعد الدولة ، فكبا به ~~فرسه ، فقتله خراساني ، وأخذ رأسه ، وكان سعد الدولة خادما من خدام الملك ~~أبي كاليجار بن سلطان الدولة من بويه ، ثم انتقل بعده إلى السلطان طغرلبك ، ~~وتنقل في خدمة الملوك السلجقية ، فلما قتل تفرقت عساكر بركياروق ، وبقي في ~~خمسين فارسا ، وأسر وزيره الأعز ، فأكرمه مؤيد الملك ، وأحسن إليه ، وأعاده ~~إلى بغداد ، وأمره بالمخاطبة في إعادة الخطبة للسلطان محمد ، ففعل ، وأجيب ~~إلى ذلك ، وخطب له في يوم الجمعة رابع عشر رجب من السنة . PageV26P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" ذكر حال السلطان بعد الهزيمة وانهزامه أيضا ~~من أخيه سنجر . قال : ولنهزم السلطان بركياروق في خمسين فارسا ، فقصد الري ~~، فاجتمع ms6136 معه جمع صالح ، فسار إلى أسفرايين ، ثم إلى نيسابور ، واستدعى ~~الأمير ذاد حبشي بن التوتيان ، وكان بيده حينئذ أكثر خراسان ، وطبرستان ، ~~وجرجان ، فاعتذر أن الملك سنجر قصد بلاده في هذا الوقت بعساكر بلخ ، وسأل ~~السلطان أن يحضر إليه ليعينه على حرب الملك سنجر ، فسار إليه في ألفي فارس ~~، فعلم بقدومه الأمراء والأكابر من أصحاب سنجر دون الأصاغر ، وكان مع ~~الأمير ذاد عشرون ألف مقاتل منهم رجالة الباطنية خمسة آلاف ووقع المصاف بين ~~بركياروق ، وسنجر خارج البوسنجان ، فانهزم أصحاب سنجر أولا ، واشتغل أصحاب ~~بركياروق بالنهب ، وكانت الدائرة عليهم ، فانهزموا ، وأسر أكثر أعيان ~~بركياروق وقتل أمير ذاد ، وسار بركياروق إلى جرجان ، ثم إلى دامغان ، وسار ~~في البرية ، فرأى في بعض المواضع ، ومعه سبعة عشر فارسا ، وجمازة واحدة ، ~~ثم كثر جمعه ، فصار في ثلاثين ألف فارس ، وسار إلى أصفهان ، فسبقه السلطان ~~محمد إليها . ذكر الحرب بين السلطانين بركياروق ومحمد ثانيا ، وقتل مؤيد ~~الملك . وفي سنة أربع وتسعين وأربعمائة في ثالث جمادى الآخرة كان المصاف ~~الثاني بينهما ، وكان مع كل واحد منهما خمسة عشر ألف فارس ، فاستأمن كثير ~~من أصحاب محمد إلى بركياروق ، ودام القتال بين الفريقين إلى آخر النهار ، ~~فانهزم السلطان محمد ، ومن معه ، وأسر وزيره مؤيد الملك ، فأمر السلطان ~~بقتله ، وأخذ ما كان له من الأموال والجواهر لبغداد ، والله أعلم بالصواب . ~~PageV26P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" ذكر حال محمد بعد الهزيمة واجتماعه بأخيه ~~سنجر . ولما انهزم السلطان محمد سار طالبا خراسان إلى أخيه سنجر ، فأقام ~~بجرجان ، وأرسل إلى أخيه يطلب منه مالا وكسوة وغير ذلك ، فسير إليه ما طلب ~~، وترددت الرسائل بينهما ، وتحالفا ، واتفقا ، ولم يكن قد بقي مع السلطان ~~محمد غير أميرين في نحو ثلاثمائة فارس ، فلما استقرت بينهما القواعد سار ~~سنجر في عساكره إلى أخيه ، فاجتمعا بجرجان ، وسارا منها إلى دامغان ، وسارا ~~إلى الري ، وانضم إليهما النظامية ، فكثر جمعهم ، وعظمت شوكتهم ، والله ~~أعلم . ذكر ما فعله بركياروق ، ودخوله إلى بغداد . قال : ولما انهزم ~~السلطان محمد أقام بركياروق بالري ، واجتمعت عليه العساكر ، فسار ms6137 معه نحو ~~من مائة ألف فارس ، فضاقت عليهم الميرة ، فتفرقت العساكر عنه ، فعاد دبيس ~~بن صدقة إلى أبيه ، وتوجه الأمير إياز إلى همذان ، وتفرقت العساكر إلى أن ~~بقي في قلة من العسكر ، فبلغه اجتماع أخويه ، وأنهما حشدا ، وكثرت جموعهما ~~، فتوجه إلى بغداد ، وضاقت عليه النفقات ، فراسل الخليفة عدة مراسلات ، ~~فتقرر أن يحمل إليه خمسين ألف دينار ، فحملهما الخليفة إليه ، فلم تغن شيئا ~~، فأفضى الحال إلى أن مد يده إلى أموال الناس ، وانتهبها ، فركب من ذلك خطة ~~شنيعة ، وخالفه الأمير صدقة بن منصور بن دبيس صاحب الحلة ، وقطع خطبته من ~~بلاده ، وخطب للسلطان محمد ، وسبب ذلك أن الوزير أبا المحاسن وزير بركياروق ~~سير يطالبه بألف ألف دينار وكسور ، وقال : إنها قد تخيرت عليك ، فإما أن ~~ترسلها وأما أن تتجهز الجيوش إليك ، فقطع الخطبة ، وعصى عليه ، والله أعلم ~~بالصواب . ذكر وصول السلطان محمد ، وسنجر إلى بغداد ، ورحيل بركياروق عنها ~~. وفي السابع والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وتسعين وأربعمائة وصل السلطان ~~محمد وسنجر الملك إلى بغداد ، ولما وصلا حلوان سار إيلغازي بن أرنق في ~~عسكره إلى السلطان محمد ، وخدمه ، وكان عسكر السلطان محمد يزيد على عشرة ~~آلاف فارس سوى الأتباع ، فلما وصلت الأخبار بذلك كان السلطان بركياروق على ~~شدة من المرض ، فخاف أصحابه ، واضطربوا ، وعبروا به في محفة إلى الجانب ، ~~وتيقن أصحابه موته ، ثم تراجعت إليه روحه ، ووصل السلطان محمد ، والملك ~~سنجر إلى PageV26P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" بغداد ، فخرج توقيع الخليفة المستظهر بأمر ~~الله يتضمن سوء سيرة بركياروق ، والأستبشار بقدومهما ، وخطب للسلطان محمد ~~بالديوان العزيز ، ونزل الملك سنجر دار كوهراتين ، ثم كانت الحرب بين ~~السلطانين في صفر سنة خمس وتسعين ، وهو المصاف الثالث ، ووقع بينهما الصلح ~~على أن يكون بركياروق السلطان ، ومحمد الملك ، وتضرب له ثلاث نوب ، ويكون ~~له من البلاد جنزة وأعمالها ، وأذربيجان ، ودياربكر ، والجزيرة ، والموصل ، ~~وأن يمده السلطان بالعساكر يفتح بها ما تمنع عليه ، وحلف كل واحد منهما ~~للآخر ، وانصرف الفريقان من المصاف في رابع شهر ربيع الأول ، وتفرقت ~~العساكر ثم ms6138 انتقض ذلك ، والتقوا في جمادى الأولى من السنة ، وكانت بينهما ~~واقعة ، وهو المصاف الرابع غير رجل واحد قتل صبرا ، وسار محمد في نفر يسير ~~إلى أصفهان ، وحمل عليه بيده ليتبعه أصحابه ، وأخذ السلطان بركياروق خزانته ~~، ووصل محمد إلى أصفهان ، فأصلح سورها ، وحفر خندقها ، واعتد للحصار ، وجاء ~~بركياروق ، وحاصره بها حصارا شديدا حتى ضاقت الميرة ، واستمر الحصار إلى ~~عاشر ذي الحجة ، واقترض محمد أموال الأعيان ، ثم فارق البلد في مائة وخمسين ~~فارسا ، ومعه الأمير ينال ، فاستخلف على البلد جماعة من الأمراء الأكابر ، ~~وبعث السلطان في طلبه ، فلم يدرك ، وسار محمد ، ووصل إلى ساوة ، واجتمع ~~عليه عسكره الذي كان بكنجه ، وأعمالها ، ورحل إلى همذان ، وبلغ جمعه ستة ~~آلاف فارس ، وأقاموا إلى آخر المحرم سنة ست وتسعين وأربعمائة ، وأتاهم ~~الخبر بقصد بركياروق لهم ، فاجتمع على محمد جماعة أخرى ، والتقوا على باب ~~خوى ، وهو الصاف الخامس ، وكان الظفر فيه لمحمد ، وانهزم بركياروق وأصحابه ~~، وسار محمد إلى خلاط ، ثم إلى تبريز ، وأذربيجان . ذكر الصلح بين السلطان ~~بركياروق وأخيه محمد . وفي سنة سبع وتسعين وأربع مائة تم الصلح بين السلطان ~~بركياروق ، وبين أخيه محمد ، وحلف كل منهما لصاحبه ، واستقرت القواعد ، ~~ووضعت الحرب أوزارها ، وتقرر بينهما أن السلطان بركياروق لا يعترض على أخيه ~~محمد ، ولا يذكر معه على منبر من مثابر البلاد التي استقرت له ، ولا يكاتب ~~أحدهما الآخر بل تكون المكاتبة من الوزير ، ولا يعارض أحد منهما العسكر في ~~قصد أيهما شاء ، وأن يكون للسلطان PageV26P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" محمد من النهر المعروف بأسبيدروز ، وباب ~~الأبواب ، ودياربكر ، والجزيرة ، والموصل ، والشام ، وبلاد سيف الدولة صدقة ~~، وانتظم الأمر على ذلك ، ولما انتظم أمر بركياروق عاجلته المنية فلم تطل ~~مدته بغير منازع ، وشغله حرب عمه وإخوته عن حروب أعدائه ، ولم يفعل شيئا ~~غير قتله للباطنية على ما نذكره في هذا الموضع ، وإنما أخرناه عن موضعه حتى ~~لا ينقطع خبره مع أخيه محمد . ذكر أخبار الباطنية وابتداء أمرهم وما ~~استولوا عليه من القلاع وسبب قتلهم . والباطنية هم الإسماعيلية ، وهم طائفة ~~من ms6139 القرامطة الذين قدمنا ذكرهم . قال ابن الأثير الجزري في تاريخه الكامل : ~~أول ما عرف من أحوال هؤلاء في هذه الدعوة الأخيرة التي اشتهرت بالباطنية ~~والإسماعيلية أنه اجتمع منهم في أيام السلطان ملكشاه ثمانية عشر رجلا ، ~~وصلوا صلاة العيد في ساوة ، فظفر بهم الشحنة ، فسجنهم ، ثم سئل فيهم ، ~~فأطلقهم ، فهذا أول اجتماعهم ، ثم دعوا مؤذنا من أهل ساوة كان مقيما ~~بأصفهان ، فلم يجب دعوتهم ، فخافوه أن ينم عليهم ، فقتلوه ، وهو أول قتيل ~~لهم ، وأول دم أراقوه ، فاتصل خبر مقتله بالوزير نظام الملك ، فأمر من يتهم ~~بقتله ، فوقعت التهمة على نجار اسمه طاهر ، فقتل ، ومثل به ، وجروا برجله ~~في الأسواق ، وهو أول قتيل منهم ، ثم إن الباطنية قتلوا الوزير نظام الملك ~~، وهي أول قتلة مشهورة كانت لهم ، وناهيك بها قتلة ، وقالوا : قتل منا ~~نجارا ، فقتلناه به ، وأول موضع غلبوا عليه وتحصنوا به عند قاين كان قائده ~~على مذهبهم ، فاجتمعوا عنده ، وقووا به ، فاجتازت لهم قافلة عظيمة من كرمان ~~بقصد قاين ، فخرجوا عليها هم ، وقائد البلد وأصحابه ، فقتل أهل القفل عن ~~آخرهم لم ينج منهم غير رجل تركماني ، فوصل إلى قاين ، وأخبره بالقصة ، فسار ~~أهلها مع القاضي الكرماني إلى جهادهم ، فلم يقدروا عليهم ، ثم مات السلطان ~~ملكشاه ، فعظم أمرهم ، واشتدت شوكتهم ، واشتغل السلطان بركياروق بحرب إخوته ~~وأهله ، فاجتمعوا ، وصاروا يسرقون من قدروا عليه من مخالفيهم ، ويقتلونه ، ~~ففعلوا ذلك بخلق كثير ، وزاد الأمر حتى إن الإنسان كان إذا تأخر عن بيته عن ~~الوقت المعتاد تيقنوا قتله ، PageV26P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" وقعدوا للعزاء به ، فحذر الناس ، وصار لا ~~ينفرد أحد ، وأخذوا في بعض الأيام مؤذنا أخذه جار له باطني ، فقام أهله ~~للنياحة ، فأصعده الباطنية إلى سطح داره ، وأروه أهله كيف يلطمون عليه ، ~~ويبكون ، وهو لا يقدر يتكلم خوفا منهم ، وذلك بأصفهان . ذكر ما استولوا ~~عليه من القلاع ببلاد العجم قال : واستولوا على عدة حصون منها قلعة أصفهان ~~، وهي التي بناها السلطان ملكشاه ، وسبب بنائها أنه ركب للصيد ، ومعه مقدم ~~من مقدمي الروم كان قد لجأ إليه ms6140 ، وأسلم ، وصار معه ، فهرب من ملكشاه كلب ~~من كلاب الصيد ، فأتبعه ، فوجده في موضع القلعة ، فقال الرومي : لو أن ~~عندنا مثل هذا الجبل لجعلناه عليه حصنا يشفع به ، فأمر ملكشاه ببنائه ، ~~فلما انقضت أيام ملكشاه ، وصارت أصفهان بيد تركان خاتون والدة السلطان ~~محمود استولى الباطنية عليه ، فكانوا يقولون : إن قلعة يدل عليها كلب ، ~~ويشير بها كافر لا تكون خاتمتها إلا بهذا الشر . ومنها ألموت وهي من نواحي ~~قزوين . قيل : إن ملكا من ملوك الديلم كان كثير الصيد ، فأرسل عقابا ، ~~وتبعه ، فرآه قد سقط على موضع القلعة ، فوجده حصينا ، فأمر ببنائه وسماها ~~قلعة الألموت ، ومعناها بالديلم : تعليم العقاب ، ويقال لهذا الوضع وما ~~جاوره : طالقان وفيها قلاع حصينة أشهرها : الألموت . ومنها قلعة طبس ، ~~وقهستان ، ومن جملتها جور ، وجوسف ، وزوزن ، وقاين ، وتون وتلك الأطراف ~~المجاورة لها ، ومنها قلعة وسنملوه وهي بقرب أبهر . ملكوها في سنة أربع ~~وثمانين وأربعمائة ، وقتل من كان بها عن آخرهم ، ومنها قلعة خالنجان وهي ~~على خمسة فراسخ من أصفهان ، ومنها كردكوه ، وهي مشهورة ، ومنها قلعة الباطن ~~بخوزستان ، وقلعة الطنبور ، وبينهما وبين أرجان فرسخان ، وقلعة الأوجان ، ~~وهي بين فارس وخوزستان ، فهذا ما ملكوه من القلاع في هذه المدة القريبة . ~~PageV26P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" ذكر قتل الباطنية وسببه كان قتلهم في سنة ~~أربع وتسعين وأربعمائة ، وسبب ذلك أنه لما اشتد أمرهم ، وقويت شوكتهم ، ~~وكثر عددهم شرعوا في قتل الأمراء ، والفتك بهم ، وكان أكثر من قتلوا من هو ~~في طاعة السلطان بركياروق بأخيه محمد انبسط جماعة منهم في العسكر ، ~~واستغووا جماعة منهم ، وأدخلوهم في مذهبهم ، وزاد أمرهم حتى كادوا يظهرون ~~بالكثرة والقوة ، فصاروا يتهدودن من لم يوافقهم بالفتك ، وانتهى الحال إلى ~~أن الأمراء ما بقي منهم من يجسر أن يمشي حاسرا . إلا بدرع تحت ثيابه ، حتى ~~الوزير الأعز كان يلبس ذردية تحت ثيابهن فأشير على السلطان بالفتك بهم قبل ~~أن يعجز عنهم ، وأعلموه ميل الناس إلى مذهبهم ، ودخولهم فيه حتى إن عسكر ~~السلطان محمد كانوا يشنعون ذلك عليه ، ويكبرون في المصاف على أصحابه ms6141 ، ~~ويقولون لهم : يا باطنية ، فاجتمعت هذه البواعث كلها ، فأذن السلطان في ~~قتلهم ، وركب هو والعسكر ، وطلبوهم ، وأخذوا جماعة ممن كان وافقهم ، فلم ~~يفلت منهم إلا من لم يعرف ، ومن جملة من اتهم : مقدمهم الأمير محمد بن علاء ~~الدولة صاحب مدينة يزد ، فهرب ، وسار يومه وليلته ، فلما كان في اليوم ~~الثاني وجد في العسكر ، وقد ضل عن الطريق ، فقتل ، ونهب خيامه ، وممن قتل ~~ولد كيقباد مستحفظ تكريت ، وقتل منهم جاو لي سقاوة في هذه ثلاثمائة رجل . ~~ذكر وفاة لسلطان بركياروق ووصيته لولده ملكشاه بالملك كانت وفاته في ثاني ~~عشر بيع الآخر سنة ثمان وتسعين وأربعمائة بأصفهان بمرض السل ، والبواسير ، ~~وسار منها في محفة يطلب بغداد ، فلما وصل إلى بروجرد ضعف عن الحركة ، فأقام ~~بها أربعين يوما ، فاشتد مرضه ، فلما أيس من نفسه خلع على ولده ملكشاه ، ~~وعمره أربع سنين وثمانية أشهر ، وجعل الأمير إياز أتابكة ، وخلع على ~~الأمراء ، واستحلفهم له ، وأمرهم بالطاعة لهما ، فحلفوا على الوفاء ، ~~وأمرهم بالسير إلى بغداد ، فساروا ، فلما كانوا على اثني عشر فرسخا من ~~برجرود ، وصل إليهم PageV26P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" خبر وفاته ، وحمل إلى أصفهان ودفن بها ، وكان ~~له من العمر خمسة وعشرون سنة ، ومدة ملكه اثنتا عشرة سنة ، وأربعة اشهر ، ~~وقاسى من الحرب والاختلاف ما قدمناه ، وكان حليما كريما صبورا عاقلا كثير ~~المداراة حسن العفو لا يبالغ في العقوبة ، عفوه أكثر من عقوبته . ذكر ~~الخطبة لملكشاه بن السلطان بركياروق ببغداد قد ذكرنا وصية والده بالملك ، ~~واستخلاف الأمراء ، وتقرير قواعده ، وإنفاذه إلى بغداد . قال : ولما جاء ~~الخبر بوفاة أبيه ، سار به أتابكه الأمير إياز ، وإيلغازي شحنة بغداد ، ~~ودخلا به إلى بغداد ، وخطب له بجوامعها في شهر بيع الآخر سنة ثمان وتسعين ~~وأربعمائة ، ولقب بألقاب جده جلال الدولة ، ونشرت الدنانير على الخطباء ، ~~ثم قدم عمه السلطان محمد على ما نذكره . ذكر أخبار السلطان محمد هو غياث ~~الدين أبو شجاع محمد طير يمين أمير المؤمنين ابن السلطان جلال الدولة ~~ملكشاه ابن السلطان عضد الدولة ألب أرسلان محمد بن داود ms6142 جغري بك بن ميكائيل ~~بن سلجق ، وهو الخامس من ملوك الدولة السلجقية . قد قدمنا من أخبار السلطان ~~، ووقائعه مع أخيه السلطان بركياروق وحروبه ، والخطبة له ببغداد مرة بعد ~~أخرى ما يستغني عن إعادته ، ونحن الآن نذكر أخباره في سلطنته بعد وفاة أخيه ~~. قال : لما مات السلطان بركياروق ، وخطب لولده ملكشاه ببغداد كما ذكرناه ، ~~كان السلطان محمد إذ ذاك يحاصر جكرمش ، وسكمان القطبي ، وغيرهما من الأمراء ~~، وكان سيف الدلو صدفة صاحب الحلة قد جمع خلقا كثيرا من العساكر بلغت عدتهم ~~خمسة عشر ألف فارس ، وعشرة آلاف راجل ، وأرسل ولديه بدران ، ودبيس إلى ~~السلطان محمد يستحثه على الحضور إلى بغداد ، فاستصحبهما معه ، فلما سمع ~~الأمير إياز بمسيره إليه خرج هو والعسكر الذي معه من الدور ، ونصبوا الخيام ~~بالزهراء خارج بغداد ، وجمع الأمراء ، واستشارهم فيما يفعله ، فبذلوا ~~الطاعة واليمين على قتال السلطان ، ودفعه عن السلطنة ، والاتفاق على طاعة ~~ملكشاه بن بركياروق ، وكان أشدهم ينال وصبارو ، فلما تفرقوا ، قال له وزيره ~~الصفي أبو المحاسن : اعلم أن حياتي مقرونة بثبات نعمتك ودولتك ، وأنا أكثر ~~التزاما بك من هؤلاء ، وليس الرأي ما أشاروا به ، فإن كل واحد منهم يقصد أن ~~يسلك طريقا ، ويقيم سوقا لنفسه ، وأكثرهم يناوئك في المنزلة ، وإنما يقعد ~~بهم عن منازعتك قلة العدد PageV26P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" والمال ، والصواب مصالحة السلطان محمد ، ~~والدخول في طاعته ، وهو يقرك ما بيدك من الإقطاع ، ويزيدك عليه ما أردت ، ~~فتردد رأي الأمير إياز في الصلح إلا أنه يظهر المباينة ، وجمع السفن التي ~~ببغداد ، وضبط المشارع من متطرق إلى عسكره ، أو إلى البلد ، ووصل السلطان ~~محمد إلى بغداد في يوم الجمعة لثمان بقين من جمادى الأولى ، سنة ثمان ~~وتسعين وأربعمائة ، ونزل بالجامع العربي ، وخطب بالجامع ، وأما جامع ~~المنصور ، فإن الخطيب قال : اللهم أصلح سلطان العالم ، ولم يزد على ذلك ، ~~وركب إياز في عسكره ، وهم عازمون على الحرب ، وسار حتى أشرف على عسكر ~~السلطان محمد ، وعاد إلى مخيمه ، فدعا الأمراء إلى اليمين مرة ثانية على ~~المخالصة لملكشاه ، فأجاب بعضهم ، وتوقف ms6143 البعض ، وقالوا : قد حلفنا مرة ، ~~ولا فائدة في إعادة اليمين لأنا إن وفينا بالأولى ، وفينا بالثانية ، فأمر ~~إياز حينئذ وزيره الصفي أبا المحاسن بالعبور إلى السلطان محمد ، والمشي في ~~الصلح ، وتسليم السلطنة إليه ، فعبر يوم السبت لسبع بقين من الشهر إلى عسكر ~~محمد ، واجتمع بوزيره سعد الملك أبي المحاسن سعد بن محمد ، وعرفه ما جاء ~~فيه ، فأحضره إلى السلطان ، فأدى الرسالة ، واعتذر عن صاحبه ، فأجابه ~~السلطان جوابا لطيفا ، وطيب نفسه ، وأجاب إلى اليمين ، فلما كان الغد حضر ~~قاضي القضاة ، والنقيبان ، والصفي وزير إياز عند السلطان ، فقال له وزيره ~~سعد الملك : إن إياز يخاف لما تقدم منه ، وهو يطلب العهد لنفسه ، وللأمراء ~~الذين معه ، فقال السلطان : أما ملكشاه فلا فرق بينه وبين أخي ، وأما إياز ~~والأمراء الذين معه ، فأحلف لهم أن لا ينال الحسامي وصبارو ، وحلف لهم ، ~~فلما كان الغد حضر الأمير إياز إلى السلطان ، فلقيه الوزير ، وكافة الناس ، ~~ووصل سيف الدولة صدفة في ذلك الوقت ، ودخلا جميعا إلى السلطان ، فأكرمهما ، ~~وأحسن غليهما ، وقيل : بل ركب السلطان ، ولقيهما ، وأقام السلطان ببغداد ~~إلى شعبان ، وسار إلى أصفهان على ما نذكره إن شاء الله تعالى . ذكر قتل ~~الأمير أياز كان سبب ذلك أنه لما سلم السلطنة لمحمد ، وصار في جملة أصحابه ~~، عمل وليمة عظيمة في ثامن جماد الآخرة في داره ، ودعا السلطان غليها ، ~~فجاء وقدم له إياز شيئا كثيرا ، من جملته حمل بلخش ، كان إياز قد أخذه من ~~تركة مؤيد الملك بن نظام الملك ، وحضر الوليمة سيف الدولة صدقة بن مزيد ، ~~فاتفق أن إياز تقدم إلى غلمانه بلبس السلاح ، ليعرضهم على السلطان ، فدخل ~~إليهم رجل من أبهر كانوا يضحكون منه ، فألبسوه ذرعا تحت قميصه ، وتناولوه ~~بأيديهم ، وهو يسألهم أن يكفوا PageV26P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" عنه ، فلم يفعلوا ، فلشدة ما ناله هرب منه ، ~~ودخل بين خواص السلطان ، فرآه السلطان مذعورا ، فاستراب منه ، وقال لغلام ~~له أن يمسكه من غير أن يعلمه أحد ففعل ، فرأى الدرع تحت ثيابه ، فأعلم ~~السلطان بذلك ، فاستشعر السوء وقال : إذا كان ms6144 أصحاب العمائم قد لبسوا ~~الدروع ، فما ظنك بغيرهم من الجند ، ونهض وعاد إلى داره ، فلما كان في ثالث ~~عشر . استدعى الأمير صدقة وإياز ، وجكرمش ، وغيرهم من الأمراء ، فلما حضروا ~~أرسل إليهم : أنا بلغنا أن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش ، قصد ديار بكر ~~ليملكها ، ويسير منها إلى الجزيرة ، وينبغي أن تجتمع أراؤكم على من يسير ~~إليه ليمنعه ، ويقاتله ، فقال الجماعة : ليس هذا الأمير إلا الأمير إياز . ~~فقال إياز : ينبغي أن أجتمع أنا وسيف الدولة صدقة على هذا الأمر ، فقبل ذلك ~~استدعى السلطان ، فاستدعى إياز وصدقة والوزير سعد الملك ، فقاموا ليدخلوا ~~عليه ، وكان قد أعد جماعة من خواصه لقتل إياز إذا دخل عليه ، فلما دخل ضرب ~~أحدهم رأسه فأبانه ، فغطى صدقة وجه بكمه ، وأما الوزير فغشي عليه ، وتفرق ~~أصحاب إياز ، وكان زوال نعمته العظيمة ودولته في مزحة مزحها غلمانه ، ولما ~~كان الغد كفنه قوم من المتطوعة ودفنوه . وكان من جملة مماليك السلطان ~~ملكشاه ، وكان غزير المروءة ، شجاعا حسن الرأي في الحرب ، ولما قتل اختفى ~~وزيره الصفي ، ثم أخذ وحمل إلى الوزير سعد الملك ، ثم قتل في شهر رمضان ، ~~وسار السلطان إلى أصفهان ، فوصل إليها في شهر رمضان وأمن أهلها . ذكر خروج ~~منكبرس على السلطان محمد والقبض عليه وفي المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة ~~أظهر منكبرس ابن الملك بوزي برس بن الب أرسلان ، وهو ابن عم السلطان محمد ~~العصيان ، والخلاف على السلطان ، وسبب ذلك أنه كان بأصبهان ، فلحقته ضائقة ~~شديدة ، وانقطعت عنه المواد ، فسار إلى نهاوند ، واجتمع عليه بها جماعة من ~~العسكر ، وظاهره عل أمره جماعة من الأمراء ، فتغلب على نهاوند ، وخطب لنفسه ~~بها ، وكاتب الأمراء بني برسق يدعوهم إلى طاعته ونصرته ، وكان السلطان محمد ~~قد قبض على أخيهم زنكن بن برسق ، فكاتب زنكي إخوته ، وحذرهم من طاعته ، ~~وأمرهم بالتدبير في القبض عليه ، فلما أتاهم كتاب أخيهم بذلك أرسلوا إلى ~~منكبرس يبذلون له الطاعة والموافقة ، فسار إليهم وساروا غليه ، واجتمعوا به ~~، وقبضوا عليه بالقرب من أعمالهم ، وهي بلد خوزستان ، وتفرق أصحابه وأتوابه ms6145 ~~إلى أصفهان ، فاعتقله السلطان مع بني عمه تكش ، وأخرج PageV26P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" زنكي بن برسق ، وأعاده إلى مرتبته ، واستنزله ~~و عمه تكش ، وأخرج زنكي بن برسق ، وأعاده إلى مرتبته ، واستنزله وإخوته عن ~~إقطاعهم وهي الأسر ، ونيسابور ، وغيرهما ما بين الأهواز وهمذان ، وأقطعهم ~~عوض ذلك الدور وغيرها وفيها ظهر بنهاوند أيضا رجل من أهل السواد ، ادعى ~~النبوة ، فأطاعه خلق كثير ، واتبعوه ، وباعوا أملاكهم ، ودفعوا أثمانها ~~إليه ، وهو يخرج جميع ذلك ، وسمي أربعة من أصحابه آبا بكر ، وعمر ، وعثمان ~~، وعليا ، ثم قتل بنهاوند ، فكان أهلها يقولون : ظهر عندنا في مدة شهرين ~~اثنان : أحدهما يدعى النبوة ، والآخر المملكة ، فلم يتم لأحد منها أمر ، ~~والله أعلم . ذكر ملك السلطان محمد قلعة شاه دز من الباطنية وقتل ابن عطاش ~~وفي سنة خمسمائة ملك السلطان القلعة التي كانت الباطنية ملكوها بالقرب من ~~اصفهان ، واسمها شاه دز ، وقتل صاحبها أحمد ابن عبد الملك بن عطاش وولده ، ~~وكانت القلعة قد بناها السلطان لملكشاه ، واستولى عليها بعده أحمد بن عبد ~~الملك وكان قد أتصل بدز دار القلعة ، فلما مات استولى عليها ، وكان ~~الباطنية بأصفهان قد ألبسوه تاجا ، وجمعوا له أموالا عظيمة ، فاشتد بأسه ، ~~وكثر جمعه ، واستفحل أمره بالقلعة ، فكان يرسل أصحابه لقطع الطريق ، وأخذ ~~الأموال ، وقتل من قدروا عليه ، فقتلوا خلقا كثيرا ، وجعلوا لهم على القرى ~~السلطانية ، وأموال الناس ، ضرائب يأخذونها ؛ ليكفوا عنها الأذى ، فتعذر ~~انتفاع السلطان بقراه ، والناس بأملاكهم ، ومشى لهم الأمر بما كان بين ~~السلطان وأخيه من الاختلاف ، فلما صفت السلطنة لمحمد ، فخرج بنفسه ، ~~وحاصرهم ، في سادس شعبان ، وأحاط بجبل القلعة ، فلما شاتد الحصار عليهم ~~طلبوا أن ينزل بعضهم من القلعة ، ويرسل السلطان معهم من يحيمهم ، إلى أن ~~يصلوا إلى قلعة الناظر بأرجان ، وكانت لهم ، وينزل بعضهم ، ويرسل معهم من ~~يوصلهم إلى طبس ، وأن يقيم منهم في ضرس من القلعة ، إلى أن يصل إليهم من ~~يخبرهم بوصول أصحابهم ، وينزلون حينئذن ويرسل السلطان معهم من يوصلهم ، إلى ~~ابن PageV26P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" الصباح بقلعة الموت ، فأجيبوا إلى ذلك ، ~~وتوجه ms6146 معهم إلى قلعتي الناظر ، وطبس ، وعاد منهم من أخبر ابن غطاس بوصولهم ~~، فلم يسلم السن الذي بيده ، ورأى السلطان منه العذر ، فملكه ، وقتل من فيه ~~من الباطنية ، واختلط بعضهم بمن دخل ، فسلموا ، وأسر ابن عطاش ، فتركه ~~السلطان أسبوعا ، ثم أمر به ، فشهر في جميع البلاد ، وسلخ جلده فمات ، وحشى ~~تبنا ، وقتل ولده ، وحملت رأساهما إلى بغداد ، وألقت زوجته نفسها من القلعة ~~، فهلكت . كانت مدة البلوي بابن عطاش ثنتا عشرة سنة . ذكر القبض على الوزير ~~وقتله ، ووزارة أحمد بن نظام الملك وفي سنة خمسمائة قبض السلطان محمد على ~~وزيره سعد الملك أبي المحاسن ، وأخذ ماله ، وصلبه على باب أصفهان ، وصلب ~~معه أربعة نفر من أعيان أصحابه ، فأما الوزير ، فنسب إلى خيانة السلطان ، ~~وأما الأربعة ، فنسبوا إلى اعتقاد مذهب الباطنية ، ثم استشار السلطان فيمن ~~يجعله وزيرا ، فذكر له جماعة ، فقال : أن آبائي رأوا على نظام الملك البركة ~~، وله عليهم الحق الكبير ، وأولاده أعذياء بنعمتنا ، ولا معدل عنهم ، ~~فاستوزر أبا نصر أحمد ، ولقب ألقاب أبيه قوام الدين نظام الملك صدر الإسلام ~~، وحكمه ، ومكنه ، وقوى أمره . ذكر قتل الأمير صدقة بن مزيد كان مقتله في ~~سنة إحدى وخمسمائة ، وكان سبب ذلك أنه قد عظم أمره ، واشتهر ذكره ، واستجار ~~به الأكابر من الخلفاء ، فمن دونهم ، وأجار على الخلفاء والملوك ، وكان ممن ~~أكد أسباب دولة السلطان محمد ، وأقام في حقه ، وعضده ، وجاهر السلطان ~~بركياروق بسببه ، فلما استوثق الأمر للسلطان محمد ، زاده على ما بيده من ~~الإقطاع زيادة عظيمة ، منها مدينة واسط ، وأذن له في أخذ البصرة ، ثم أفسد ~~ما بينهما العميد أبو جعفر محمد بن الحسن البلخي ، وقال للسلطان : إن صدقة ~~عظم أمره ، وكثر ادلاله ، وهو يحمي كل من يفر من السلطان ، والتحق به ، ~~ونسبه إلى مذهب الباطنية ، ولم يكن كذلك ، وإنما تشيع ، واتفق أن السلطان ~~محمد سخط على أبي دلف سرخاب بن كيخسرو صاحب ساوه ، فهرب منه ، وقصد صدقة ، ~~واستجار به فأجاره ، فأرسل السلطان يطلبه من صدقة ، وأمره بتسليمه إلى ~~نوابه ، فلم يفعل ، وأجاب ، إنني ms6147 لأمكن منه بل أحامي عنه ، أقول ما قاله ~~أبو طالب لقريش لما طلبوا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . ونسلمه حتى تصرع ~~حوله . . . ونذهل عن أبنائنا والحلائل PageV26P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" وظهر منه أمور أنكرها السلطان ، فتوجه ~~السلطان إلى العراق ، ليتلافى هذا الأمر ، فلما سمع صدقة به ، استشار ~~أصحابه فيما يفعله ، فأشار عليه ابنه دبيس أن ينفذه إلى السلطان ، ومعه ~~الأموال والخيل والتحف ليستعطفه ، وأشار سعيد بن حميد صاحب جيش صدقة بحربه ~~، وجمع الجند ، وتفريق المال فيهم ، واستطال في القول ، فمال صدقة إلى قوله ~~ووافقه ، وجمع العساكر ، فاجتمع له عشرون ألف فارس ، وثلاثون ألف راجل ، ~~وأرسل الخليفة المستظهر بالله إلى الأمير صدقة ، يحذره عاقبة أمره ، وينهاه ~~عن الخروج عن طاعة السلطان ، فأجاب : إنني على الطاعة ، لكن لا آمن على ~~نفسي في الاجتماع به ، ثم أرسل السلطان إلى صدقة يطيب قلبه ، ويبسط ويزيل ~~خوفه ، ويأمره بالانبساط على عادته ، فأجاب : إن أصحاب السلطان قد أفسدوا ~~قلبه علي ، وغيروا حالي عنده ، وزال ما كان عليه في حقي من الإنعام ، وذكر ~~سالف خدمته ومناصحته ، وقال سعيد بن حميد صاحب جيشه : لم يبق لنا في صلح ~~السلطان مطمع ، وليرين خيولنا ببغداد ، وامتنع صدقة من الاجتماع بالسلطان ، ~~وكان السلطان وصل إلى بغداد جريدة في خيل ، لا تبلغ ألفي فارس ، فأرسل إلى ~~جيوشه ، فأتته من كل جهة ، وكررت الرسائل من الخليفة إلى صدقة ، وهو يجيب : ~~إنني ما خالفت الطاعة ، ولا قطعت الخطبة ، وجهز ابنه دبيسا ، ليسير إلى ~~السلطان ، فبينما هو في ذلك إذ ورد الخبر أن طائفة من عسكر السلطان ، قد ~~وقعت الحرب بينهم وبين أصحاب صدقة ، وأن عسكر السلطان انهزم ، وأسر جماعة ~~من أعيانهم ، فأخر صدقة ابنه ، ثم ترددت الرسائل من الخليفة إلى صدقة ، ~~يقول : إن إصلاح قلب السلطان موقوف على إطلاق الأسرى ، ورد جميع ما اخذ من ~~العسكر المنهزم ، فأجاب أولا بالخضوع والطاعة ، ثم قال : لو قدرت على ~~الرحيب من بين يدي السلطان لفعلت ، ولكن ورائي من يثقل ظهري : ثلثمائة ~~امرأة لا يحملهن مكان ، ولو علمت أنني ms6148 إذا جئت للسلطان مستسلما قبلني ، ~~واستخدمني ، لفعلت ، ولكنني أخاف ألا يقبل عذري ، ولا يعفو ، وأما ما نهب ~~فإن الخلق كثير ، وعندي من لا اعرفه ، وقد نهبوا ودخلوا البر ، ولا طاقة لي ~~بهم ، لكن إن كان السلطان لا يعارضني فيما في يدي ، ولا فيمن أجرته ويقر ~~سرخاب على إقطاعه بساوة ، ويتقدم بإعادة ما نهب من بلدي ، ويحلفه وزير ~~الخليفة بما أثق به من الإيمان ، على المحافظة فيما بيني وبينه ، فحينئذ ~~أخدم بالمال ، وأدوس بساطه بعد ذلك ، فعادت الرسائل بذلك مع أبي منصور بن ~~معروف ، وأصر صدقة على قوله ، فعند ذلك سار السلطان في ثامن شهر رجب إلى ~~PageV26P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" الزعفرانية ، وسار صدقة في عسكره إلى قرية ~~مطر ، وأمر جنده بلبس السلاح ، واستأمن نائبه سلطان بن دبيس وهو ابن عم ~~صدقة إلى السلطان ، فأكرمه ، وعبر السلطان إلى دجلة ، ولم يعبر هو ، فصاروا ~~هو وصدقة في ارض واحدة ، بينهما نهر ، ولم يعبر هو ، فصاروا هم وصدقة في ~~أرض واحدة ، بينهما نهر ، والتقوا في تاسع عشر شهر رجب ، وكانت الريح في ~~وجه أصحاب السلطان ، فلما التقوا صارت في وجوه أصحاب صدقة ، ورمى الأتراك ~~بالنشاب فكان يخرج في كل رشقة سبعة عشر ألف فردة ، لا تقع إلا في فارس أو ~~فرس ، فكان أصحاب صدقة إذا حملوا منعهم النهر ، والنشاب يصل إليهم ، وحمل ~~صدقة على الأتراك وجعل يقول : أنا صدقة ، أنا ملك العرب فأصابه سهم في ظهره ~~، وأدركه غلام اسمه برغش ، فتعلق في صدقة وهو لا يعرفه ، فسقطا جميعا إلى ~~الأرض ، فعرفه صدقة ، وقال : يا برغش أرفق ، فضربه بالسيف ، فقتله ، وأخذ ~~رأسه وحمله إلى البرسقي ، فحمله إلى السلطان ، فلما رآه عانقه ، وأمر لبرغش ~~بصلة ، وبقي صدقة طريحا ، إلى أن سار السلطان ، فدفنه إنسان من المدائن ، ~~وكان عمر صدقة تسعا وخمسين سنة ، وكانت إمرته إحدى وعشرين سنة ، وحمل رأسه ~~إلى بغداد ، وقتل من أصحابه ما يزيد على ثلاثة آلاف فارس ، وأسر ابنه دبيس ~~، وسرخاب بن كيخسرو الديلمي ، فأحضر بين يدي السلطان ، فطلب الأمان ، فقال ~~السلطان : أنا ms6149 عاهدت الله أني لا أقتل أسيرا ، فإن ثبت عليك أنك باطني ~~قتلتك . قال : ونهب من أموال صدقة ما لا يحد ولا يوصف . وكان له من الكتب ~~المنسوبة الخطوط ألوف مجلدات ، وكان يقرأ ولا يكتب ، وكان جوادا حليما ، ~~صدوقا ، كثير البشر والخير والإحسان ، يلقي لمن يقصده بالبشاشة والفضل ، ~~ويبسط آمال قاصديه ، ويزورهم ، وكان عاقلا ، عفيفا ، دينا ، حاز الأوصاف ~~الجميلة ، رحمه الله تعالى . قال : ولما قتل صدقة عاد السلطان إلى بغداد ، ~~ولم يصل الحلة ، وأرسل أمانا لزوجة صدقة ، فأصعدت إلى بغداد ، فأطلق ~~السلطان ابنها دبيسا ، وأنفذ معه جماعة من الأمراء لتلقيها ، فلما جاءت ~~اعتذر السلطان إليها من قتل صدقة ، وقال : وددت لو أنه حمل إلي حتى كنت ~~أفعل معه ما يعجب الناس منه ، لكن الأقدار غلبتني عليه ، واستحلف ابنها ~~دبيسا أنه لا يسعى بفساد . PageV26P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" وفي سنة إحدى وخمسمائة في شعبان أطلق السلطان ~~الضرائب والمكوس ، ودار البيع ، والاجتيازات ، وغير ذلك ، مما يناسبه ~~بالعراق ، وفيها خرج السلطان إلى أصفهان ، وكان مقامه ببغداد ، في هذه ~~الدفعة خمسة أشهر وأربعة عشر يوما . وفي سنة اثنتين وخمسمائة استولى مورود ~~، وعسكر السلطان على الموصل ، وكان جاولي سقاوة قد تغلب عليها ، فأخذت منه ~~، بعد حرب وحصار ، ثم عاد جاولي إلى خدمة السلطان . وفي سنة ثلاث وخمسمائة ~~سير السلطان وزيره نظام الملك أحمد ابن نظام الملك إلى قلعة ألموت ، لقتال ~~الحسن بن الصباح ، ومن معه من الإسماعيلية ، فحصرهم ، وهجم الشتاء عليهم ، ~~فعادوا ، وفيها في شهر ربيع الآخر توجه الوزير نظام الملك إلى الجامع ، ~~فوثب عليه الباطنية ، وضربوه بالسكاكين ، فجرح في رقبته ، فمرض مدة وبرأ ، ~~وأخذ الباطني ، فسقي الخمر حتى سكر ، وسئل عن أصحابه ، فأقر على جماعة ~~بمسجد المأمونية ، فقتلوا ، وفيها عزل الوزير نظام الملك ، واستوزر بعده ~~الخطير محمد بن الحسين . وفي سنة خمس وخمسمائة بعث السلطان الجيوش لقتال ~~الفرنج ، وكانوا قد استولوا على البلاد ، ففتحوا عدة حصون للفرنج ، وقتلوا ~~من بها منهم ، وحصروا مدينة الرها ، ثم رحلوا عنها . وفي سنة تسع وخمسمائة ~~أقطع السلطان محمد الموصل ، وما ms6150 كان بيد آق سنقر البرسقي للأمير جيوش بك ، ~~وسير معه ولده الملك مسعود بن محمد . وفاة السلطان محمد ذكر وفاة السلطان ~~وشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته في الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى ~~عشرة وخمسمائة ، وكان ابتداء مرضه في شعبان ، فانقطع عن الركوب ، وتزايد ~~مرضه ودام ، وأرجف بموته ، فلما كان يوم عيد النحر ، حضر الناس إلى دار ~~السلطان ، فأذن لهم في الدخول ، وجلس السلطان وقد تلكلف ذلك ، حتى أكل ~~الناس وانصرفوا ، فلما انتصف الشهر أيس من نفسه ، فأحضر ولده السلطان ~~محمودا وقبله وبكيا ، وأمره أن يخرج ، ويجلس على تخت السلطنة ، وينظر في ~~أمور الناس ، وكان عمره إذ ذاك قد زاد على أربع عشرة سنة ، فقال لوالده : ~~إنه يوم غير مبارك ، يعني من طريق النجوم ، فقال السلطان : صدقت يا بني ~~ولكن على أبيك وأما عليك فمبارك بالسلطنة ، فخرج وجلس على تخت السلطنة ~~وبالتاج والسوارين ، وفي يوم الخميس الرابع والعشرين من الشهر أحضر الأمراء ~~، وأعلموا بوفاة السلطان ، وخطب لمحمود بالسلطنة . PageV26P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" وكان مولد السلطان محمد في ثامن عشر من شعبان ~~سنة أربع وسبعين ودعي له بالسلطنة ببغداد ، في الدفعة الأولى ، في يوم ~~الخميس سابع عشر ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ، وقطعت ، وأعيدت ~~عدة دفعات كما قدمناه في أخبار بركياروق . وكانت مدة اجتماع الناس عليه ~~بغير منازع ، منذ تسلم السلطنة من الأمير إياز أتابك ملكشاه بن بركياروق ، ~~ثنتا عشرة سنة وسبعة أشهر . وأما سيرته فكان ملكا عادلا شجاعا ، حسن السيرة ~~، فمن جملة ذلك أنه اشترى مماليك من بعض التجار ، وأحالهم بالثمن على عامل ~~خوزستان ، فأعطاهم البعض ، ومطلهم بما بقي ، فحضروا مجلس الحكم ، وأخذوا ~~معهم الغلمان القاضي إلى السلطان ، ليحضر معهم إلى مجلس الحكم ، فلما رآهم ~~، قال لحاجبه : انظر حاجة هؤلاء فسألهم ، فقالوا : لنا خصم يحضر معنا إلى ~~مجلس الحكم ، فقال : ما هو ؟ فقالوا : السلطان ؛ وذكروا قصتهم . فأعلمه ~~الحاجب ذلك ، فأمر بإحضار العامل إليهم ، وغرمه غرما ثقيلا ، ونكل به ، ثم ~~كان يقول بعد ذلك : ندمت ندامة عظيمة ، حيث لم ms6151 أحضر معهم إلى مجلس الحكم ، ~~فيقتدي بي غيري ، ولا يمتنع أحد عن الحضور إليه ، وأداء الحق ، ومن عدله ~~أنه كان له خازن يعرف بأبي أحمد القزويني ، فقتله الباطنية ، فلما قتل أمر ~~بعرض الخزانة عليه ، فعرضت ، فإذا درج فيه جوهر نفيس ، فقال : إن هذا ~~الجوهر عرض علي من أيام ، وهو في ملك أصحابه ، وسلمه إلى خادم له ، وأمر ~~بتسليمه إليهم ، فسأل عنهم وكانوا غرباء وقد تيقنوا ذهاب مالهم ، وأيسوا ~~منه ، فلم يطلبوه ، فأحضرهم وسلمه إليهم ، وأطلق المكوس والضرائب في جميع ~~البلاد ، ولم يعلم منه فعل قبيح ، ولا عرف عنه ، وعلم الأمراء سيرته ، فلم ~~يتجاسروا على الظلم ، وكفوا عنه . وكان له من الأولاد : محمود ، وطغرل ، ~~ومسعود ، وسليمان شاه ، وسلجق ، تولوا كلهم السلطنة إلا سلجق . وزراؤه : ~~مؤيد الملك بن نظام الملك . ثم سعد الملك أبو المحاسن ، إلى أن قتله ، ثم ~~أحمد بن نظام الملك ، ثم خطير الملك ، وكان في نهاية الجهل ، فعزله بعد مدة ~~، وصادره ، وولي فيرهم ، وممن استوزره : ربيب الدولة أبو منصور بن أبي شجاع ~~. ولما توفي السلطان محمد انتقلت السلطنة من العراق إلى خراسان ، وذلك أن ~~سنجر لم يبق في البيت أكبر منه ، فكان هو السلطان المشار إليه ، ولنذكر ~~الآن أخباره ، لأنه كان ملكا في حياة أخيه ، وعظم شأنه ، واستولى على عدة ~~ممالك ، فإذا انفضت دولته ، عدنا إلى ذكر أولاد محمد ، وغيرهم إن شاء الله ~~تعالى . PageV26P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" ذكر أخبارالسلطان سنجر هو معز الدين عماد آل ~~سلجوق أبو الحارث سنجر شاه برهان أمير المؤمنين ابن السلطان جلال الدولة ~~ملكشاه ، وقد تقدم ذكر نسبه ، وكان والده سماه أحمد ، وإنما قيل له : سنجر ~~؛ لأنه ولد بسنجار ، فقيل له : سنجر باسم المدينة التي ولد بها ، ونعت أيضا ~~بالسلطان الأعظم ، قال المؤرخ : ولما مات السلطان محمد كان سنجرشاه مستقر ~~الأمر بخراسان ، وقد ذكرنا ذلك في أيام أخيه السلطان بركياروق ، وكان قد ~~سلمها له لما فتحها ، في خامس جمادى الأولى سنة تسعين وأربعمائة ، وقد ~~قدمنا من أخباره في أيام أخيه السلطان بركياروق ، وحروبه معه ، ما ms6152 يستغني ~~الآن عن إعادته ، فلما مات بركياروق استغل سنجرشاه بملك خراسان ، وبقي ~~العراق وما معه بيد أخيه السلطان محمد ، على ما قدمتا ، قال : واتفق وقعتان ~~لسنجرشاه عظيمتان ، في أيام أخويه بركياروق ومحمد نحن الآن نذكرهما . فأما ~~الأولى : فهي واقعته مع قدر خان صاحب سمرقند وما وراء النهر ، وكانت سنة ~~خمس وتسعين وأربعمائة ، وذلك أن قدر خان قصد خراسان ، وطمع في ملكها لصغر ~~سن سنجر ، وجمع من العساكر ما طبق الأرض ، قيل : كانوا مائة ألف مقاتل ، ~~وقيل : مائتي ألف عنان ، مسلمون وكفار ، وكان أمن أمراء سنجر أمير اسمه : ~~كندغدي ، قد كاتب قدر خان بالأخبار ، وأعلمه بحال سنجر وضعفه ، واختلاف ~~الملوك السلجقية ، وأشار عليه بالسرعة ، فبادر قدر خان ، وقصد البلاد ، ~~فسار سنجر نحوه ليفاتله ، وكان معه كندغدي ، وهو لا يتهمه في مناصحته ، ~~فوصل إلى بلخ في ستة آلاف فارس ، وبقي بينه وبين قدر خان مسافة خمسة أيام ، ~~فهرب كندغدي ، والتحق بقدر خان ، فلما تدانى العسكران أرسل سنجر يذكر قدر ~~خان العهود القديمة والمواثيق ، فلم يصغ إلى ذلك ، فأذكى سنجر عليه العيون ~~، وبث الجواسيس فكان لا يخفى عنه شيء من أخباره ، فأتاه من أخبره أنه قد ~~نزل بالقثرب من بلخ ، وأنه خرج يتصيد في ثلاثمائة فارس ، فندب السلطان سنجر ~~الأمير برغش لقصده ، فسار إليه ، فلحقه وقاتله ، فانهزم أصحاب قدر خان ، ~~وأسر هو وكندغدي ، وأحضرهما إلى السلطان سنجر ، فأما قدر خان : فإنه قبل ~~الأرض واعتذر ، فقال له سنجر : إن خدمتنا أو لم تخدمنا فما جزاؤك إلا السيف ~~ثم أمر به ن فقتل ، وأما كندغيدي فإنه نزل في قناة ومشى فيها فرسخين تحت ~~الأرض ، على ما كان به من النقرس وقتل فيها PageV26P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" حيتين عظميتين ، وسبق أصحابه إلى مخرجهال ، ~~وسالر ثلاثمائة فارس إلأى غزنة ، وقيل : بل جمع سنجر عساكره ، والتقى هو ~~وقدر خان ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم أصحاب قدرخان ، وأسر وهو وحمل ~~إلى سنجر ، فقتله ، وحضر ترمذ ، وبها كندغدي ، فطلب الأمان ، فأكرمه صاحبها ~~علاء الدولة ، وقدمه وأحسن إليه ، قال : ولما قتل قدر خان ms6153 أحضر السلطان ~~سنجر شاه محمدا أرسلان بن سليمات بن داود بغرا خان من مرو وملكه سمر قند ، ~~وهو من أولاد الملوك الخانية ، وأمه ابنة السلطان ملكشاه ، وكان قد دفع عن ~~ملك آبائه ، فقصد مرو ، فأقام بها فأقام بها إلى آلآن ، فولاه سنجر أعمال ~~قدرخان ، وسير معه العسكر ذفملك جميع البلاد ، وعظم شأنه ، وارتفع محله ، ~~ودام في ملك ما وراء النهر ، وهو على الطاعة للسلطان سنجر ، إلى سنة سبع ~~وخمسمائة ، فظهر منه ظلم للرعية ، واستخف بأوارم السلطان سنجر ، فتجهز ~~بعساكره ، وقصده ، فخاف محمد ، وأرسل إلى السلطان يستعطفه ، واعترف بالخطأ ~~، فأجابه السلطان إلى الصلح ، على أن يحضر ويطأ بساطه ، فأرسل يذكر خوفه ~~لسوء صنيعه ، وأنه يحضر إلى الخدمة ، ويخدم السلطان وبينهما نهر جيجون ، ثم ~~يعاود بعد ذلك الحضور عنده ، والدخول عليه ، فأجاب السلطان إلى ذلك ، وكان ~~سنجر على شاطيء جيجون من الجانب الغربي ، ومحمد من الجانب الشرقي ، فترجل ~~وقبل الأرض وسنجر راكب ، وعاد كل منهما إلى خيامه ، وسكنت الفتنة ، فهذه ~~الوقعة الأولى . أما الثانية : فإنه لما مات علاء الدولة صاحب غزنة ، في ~~شوال سنة ثمان وخمسملئة ، وملك ابنه أرسلان شاه ، وأمه سلجقية ، وهي أخت ~~السلطان ألب أرسلان بن داود ، فقبض على إخوته وسجنهم ، وهرب أخ له اسمه ~~بهرام شاه غلى خراسان ، والتحق بالسلطان سنجر ، فأرسل إلى أخيه في معناه ، ~~فلم يفعل ، ولا أصغى إلى قوله سنجرشاه إلى المسير إلى غزنة ، ومعه بهرام ~~شاه ، فلما بلغ بست اتصل به نصر بن خلف ، صاحب سجستان ، وسمع أرسلان شاه ~~الخبر ، فسير جيشا كثيفا ، فهزمه سنجر ، وعاد من سلم إلى غزنة بأسوأ حال ، ~~فخضع حينئذ أرسلان شاه ، وأرسل إلى الأمير أتسز ، وكان على مقدمة سنجر يضمن ~~له الأموال الكثيرة ، ليعود عنه ، ويحسن إلى سنجر ، يضمن له الأموال ~~الكثيرة ، ليعود عنه ، ويحسن إلى سنجز العود ، فلم يفعل فأرسل أرسلان شاه ~~امرأة عمه نصر ، وهي أخت السلطان سنجر من والده بركياروق ، وكان علاء ~~الدولة قتل زوجها ، ومنعها من الخروج عن غزنة ، وسألها سؤال سنجر في الصفح ~~، وأرسل معها ms6154 PageV26P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" الأموال والهدايا والتحف ، وكان معها مائتا ~~ألف دينار ، وطلب من السلطان أن يسلم غليه أخاه بهرام شاه ، فوصلت إليه ، ~~وكانت موغرة الصدر من أرسلان شاه ، فهونت أمره عند السلطان سنجر ، وأطمعته ~~في البلاد ، وهونت عليه الأمر ، وذكرت له ما فعل بإخوته ، وأنه قتل بعضهم ، ~~من غير أن يخرجوا عن الطاعة ، فسار الملك سنجر ، وأرسل خادما من خواصه ~~برسالة إلى أرسلان شاه ، فقبض عليه واعتقله ، واستمر سنجر على سيره لقصد ~~غزنة ، فلما سمع بقربه أطلق الرسول ، ووصل سنجر إلى غزنة ، فلما سمع بقربه ~~أطلق الرسول ، ووصل سنجر إلى غزنة ، ووقع المصاف على فرسخ منها بصحراء ~~شهراباذ ، وكان أرسلان شاه في ثلاثين الف فارس ، وخلق كثير من الرجالة ، ~~ومعه مائة وستون فيلا عليهم المقاتلة ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، كان الظفر ~~لسنجر شاه ومن معه ، ودخل غزنة ، وملك قلعتها ، ورتب بهرام شاه في الملك ، ~~وقرر أن يكون الدعاء بغزنة للخليفة ، ثم للسلطان محمد ، ثم للمك سنجر ، ~~وبعدهم لبهرام شاه ، وحصل لأصحاب سنجر من الأموال ما لا يحد ، وكان من دور ~~ملوكها عدو دور ، على حيطانها ألواح الفضة وسواقي البساتين من الفضة ، فقلع ~~أكثر ونهب ، فمنع سنجر أصحابه ، وصلب جماعة ، حتى كف الناس ، وكان من جملة ~~ما حمل لسنجر خمسة تيجان قيمة ، أحدها يزيد على ألفي دينار وألف وثملثمائة ~~قطعة مصاعغة مرصعة ، وسبعة عشر سريرا من الذهب والفضة ، وأقام بغزنة أربعين ~~يوما ، حتى استقر بهرام شاه ، وعاد إلى خراسان ، ولم يخطب بغزنة لسلجقي ~~قبله . ؟ ذكر القبض على الوزير محمد قال : ولما عاد السلطان سنجر من غزنة ~~قبض على وزيره أبي جعفر محمد بن فخر الملك أبي المظفر ، بن الوزير نظام ~~الملك ، وكان سبب ذلك أنه أوحش الأمراء ، واستخف بهم ، فغضبوا من ذلك ، ~~وشكوا إلى السلطان وهو بغزنة ، فاستمهلهم إلى أن يخرج من غزنة ، ووافق ذلك ~~تغير السلطان عليه ، لأشياء نقمها منه ، منها أنه أشار على السلطان بقصد ~~غزنة ، فلما قصدها ، ووصل إلى بست ، أرسل صاحبها أرسلان شاه إلى الوزير ~~محمد ، وضمن له ms6155 خمسمائة ألف دينار إن هو أثنى على السلطان سنجر عن قصدها ، ~~ورده ، فلما أتته الرسالة أشار على السلطان بمصالحة أرسلان شاه ، والرجوع ~~إلى خراسان ، فلم يوافقه على ذلك ، وفعل بمثل ذلك بم وراء النهر ، ومنها ~~أنه نقل إليه أنه أخذ من غزنة أموالا عظيمة المقدار ، وغير ذلكن فلما عاد ~~إلى بلخ قبض عليه ، وأخذ ماله وقتله ، وكان له من الجواهر والأموال شيء ~~كثير ، ووجد له من العين ألف ألف دينار ، ولما قتله استوزر بعده شهاب ~~الإسلام PageV26P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" عبد الرزاق بن أخي نظام الملك ، ويعرف هذا ~~الوزير بابن الفقيه ، فلم يبلغ منزلة أبي جعفر في علة الهمة ، ونفاذ الكلمة ~~، ثم ندم السلطان سنجر على قتل أبي جعفر ، رحمه الله تعالى . ؟ ذكر الحرب ~~بين السلطان سنجر وبين ابن أخيه محمود بن محمد كانت الحرب بينهما في جمادى ~~الأولى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة ، وسبب ذلك أنه لما بلغ السلطان سنجر شاه ~~وفاة أخيه السلطان محمد ، وجلوس ابنه السلطان محمود ، وهو زوج ابنة السلطان ~~سنجر ، حزن لوفاة أخيه حزنا عظيما ، وجزع ، وتألم ألما شديدا ، وجلس للعزاء ~~على الرماد وأغلق البلد سبعة أيام ، وتقدم إلى الخطباء يذكر أخيه السلطان ~~محمد على المنابر بمحاسن أعماله ، من قتال الباطنية ، وإطلاق المكوس ، وغير ~~ذلك ، وكان يلقب بناصر الدين ، فتلقب بعد وفاة أخيه بمعز الدين ، وهو لقب ~~أخيه ملكشاه ، وعزم على قصد بلد الجبال والعراق ، وما هو بيد محمود بن أخيه ~~، وندم عند ذلك على قتل وزيره أبي جعفر ؛ لأنه كان يبلغ به من الأغراض ما ~~لا يبلغه بكثرة العساكر ، لميل الناس إليه ومحله عندهم . قال : ثم أرسل ~~السلطان إلى عمه سنجر شرف الدين أنوشروان بن خالد ، وفخر الدين طغابرك ، ~~ومعهما الهدايا والتحف ، وبذل له النزول عن مازندران ، وحمل إليه مائتي ألف ~~دينار في كل سنة ، فوصلا إليه وأبلغاه الرسالة ، فقال : لا بد من القتال ، ~~وسار نحو الري والأمير أتسز في مقدمته ، فلما بلغ السلطان محمود مسير عمه ~~إليه ، ووصول الأمير أتسز إلى جرجان ، تقدم إلى الأمير ms6156 علي بن عمر ، وهو ~~أمير حاجب أبيه بالمسير ، وضم غليه جمعا كثيرا من الأمراء والعساكر ، ~~فاجتمعوا في عشرة آلاف فارس ، وساروا إلى أن قاربوا مقدمة السلطان سنجر ، ~~وعليها الأمير أتسز ، راسله الأمير على بن عمر يعرفه وصية السلطان محمد ، ~~بتعظيم السلطان سنجر ، والرجوع إلى رأيه وأمره ، والقبول منه ، وأنه ظن أن ~~السلطان سنجر يحفظ السلطنة على ولده محمد ، وأنه أخذ علينا العهود بذلك ، ~~وليس لنا أن نخالفه ، وأما حيث جئتم إلى بلادنا ، فلا نحتمل ذلك ولا نعصي ~~عليه ، وقد علمت أن معك خمسة آلاف فارس ، وأنا أرسل إليك أقل منهم لتعلم ~~أنكم لا تقاوموننا ولا تقومون بنا ، فلما سمع الأمير أتسز ذلك عاد عن جرجان ~~، ولحقه بعض عسكر محمود ، وأخذوا قطعة سواده ، وأسروا عدو من أصحابه ، وعاد ~~الأمير علي إلى السلطان محمود ، وقد بلغ الري ، وأقام بها ، فشكره على ما ~~كان منه ، وأشير على محمود بالمقام بالري ، وقيل له إن عساكر خراسان إذ ~~علموا بمقامك لا يفارقون حدودهم ، ولا يتعدون ولا يتهم ، فلم يقبل ذلك ، ~~وضجر من مقامه ، وسار ووصل إليه PageV26P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" الأمير منكبرش من العراق ، في عشرة آلاف فارس ~~، والأمير منصور بن صدقة أخو دبيس ، والأمراء البلخية ، وغيرهم ، وسار إلى ~~همذان ، فبلغه وصول عمه سنجر إلى الري ، فسار نحوه ، وقصد قتاله فالتقيا ~~بالقرب من ساده ، وكأن السلطان سنجر في عشرين ألفا ، ومعه ثمانية عشر فيلا ~~، ومحمود في ثلاثين ألفا ، وهم أكابر الأمراء ، ومعه تسعمائة حمل من السلاح ~~، فلما التقوا ضعفت نفوس الخراسانة ، لما رأوا من عسكر محمود من الكثرة ~~والقوة ، فانهزمت ميمنة سنجر ، واختلط أصحابه ، وصاروا منهزمين لا يلوون ~~على شيء ، ونهب من أثقالهم شيء كثير ، وقتل من أهل السواد خلق كثير ، ووقف ~~السلطان سنجر بين الفيلة في جمع من أصحابه ، وبإذائه السلطان محمود ، ومعه ~~أتابكه عز علي ، فلما تعاظم الأمر على سنجر ألجأته الضرورة أن يقدم الفيلة ~~للحرب ، وكان من بقي معه أشاروا عليه بالهزيمة ، فقال ، إما النصر وإما ~~القتل ، وأما الهزيمة فلا ، فلما تقدمت الفيلة ms6157 نفرت منها خيل أصحاب محمود ، ~~وقال لصحابه : لا تفزعوا الصبي بحملات الفيلة ، فكفوها عنهم ، وانهزم ~~السلطان محمود ومن معه ، وأسر أتابكه عز علي ، وكان يكاتب السلطان ، ويعده ~~أنه يحمل إليه السلطان محمود ، فعاتبه على تأخيره عن ذلك ، فاعتذر بالعجز ، ~~فقتله ، قال : وتم الظفر للسلطان وأرسل من أعاد المنهزمين من أصحابه ، ونزل ~~في خيام السلطان محمود ، وتراجع أصحابه إليه ، ووصل الخبر إلى بغداد في ~~عشرة أيام ، وأرسل الأمير دبيس بن صدقة في الخطبة للسلطان سنجر ، فخطب له ~~في السادس والعشرين من جمادى الأولى من السنة ، وقطعت خطبة محمود ، وأما ~~محمود فإنه سار من موضع الكسرة إلى أصفهان ، وسار السلطان سنجر إلى همذان ، ~~فرأى قلة عسكره واجتماع العساكر على ابن أخيه محمود ، فراسله في الصلح ~~وكانت والدة السلطان سنجر تشير عليه بذلك ، وتقول له : إنك قد استوليت على ~~غزنة وأعمالها ، وما وراء النهر ، وملكت البلاد ، فتركت الجميع لأصحابه ، ~~فاجعل ولد أخيك كأحدهم ، فأجاب إلى قولها ، وراسل محمودا في الصلح ، ~~وتحالفا ، وسار السلطان محمود إلى عمه السلطان سنجر ، فبالغ في إكرامه ، ~~وحمل إليه محمود هدية عظيمة فقبلها ظاهرا ، وردها باطنا ، ولم يقبل منه سوى ~~خمسة أفراس عربية ، وكتب السلطان سنجر إلى سائر الأعمال التي بيده ، خراسان ~~، وغيرها ، وغزنة ، وما وراء النهر ، بالخطبة للسلطان محمود بعده ، وكتب ~~إلى بغداد بمثل ذلك ، وأعاد عليه جميع ما أخذ منه ، سوى الري ، وقصد بأخذها ~~أن يكون له في هذه البلاد ، لئلا يحدث محمود نفسه بالخروج عن طاعته ~~PageV26P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" ذكر قدوم السلطان سنجر إلى الري وفي سنة ~~اثنتين وعشرين وخمسمائة خرج السلطان سنجر من خرسان إلى الري في جيش كثير ، ~~وكان سبب ذلك أن دبيس بن صدقة ، والملك طغرل ، كانا قد التحقا به ، على ما ~~نذكره في أخبار السلطان محمود ، فلم يزل دبيس يطمع السلطان سنجر في العراق ~~، ويسهل عليه الأمر ، ويلقي إليه أن الخليفة المسترشد بالله ، والسلطان ~~محمود ، قد اتفقا على الامتناع منه ، حتى أجاب إلى المسير إلى العراق ، ~~فلما وصل الري كان السلطان محمود ms6158 بهمذان ، فأرسل السلطان سنجر يستدعيه ، ~~لينظر هل هو على الطاعة ، أو تغير على ما وعم دبيس بن صدقة ؟ ، فبادر إلى ~~المسير إليه ، فلما وصل العسكر بتلقيه ، وأجلسه معه على التخت ، وبالغ في ~~إكرامه ، وأقام عنده إلى منتصف ذي الحجة من السنة ، وعاد السلطان سنجر إلى ~~خراسان . ذكر ملك السلطان سنجر مدينة سمرقند من محمد خان وملك محمود بن ~~محمد وفي شهر ربيع الأول سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، ملك السلطان سنجر ~~مدينة سمرقند ، وسبب ذلك أنه لما ملكها رتب فيها محمد خان ابن أرسلان بن ~~سليمان بد داود بغراجان ، كما ذكرتاه ، فأصابه فالج ، فاستناب ابنا له يعرف ~~بنصرخان ، وكان شجاعا ، وكان بسمرقند إنسان علوي فقيه مدرس ، إليه الحل ~~والعقد ، والحكم في البلد ، فاتفق هو ورئيس البلد على قتل نصرخان ، فقتلاه ~~ليلا ، وكان أبوه محمد خان غائبا ، فعظم ذلك عليه ، وكان له أخ آخر ببلاد ~~تركستان ، فاستدعاه ، فلما قرب من سمرقند خرج العلوي ، والرئيس لاستقباله ~~فقتل العلوي في الحال ، وقبض على الرئيس ، وكان والده أرسلان خان قد أرسل ~~إلى السلطان سنجر يستدعيه ، ظنا منه أن ابنه لا يتم أمره مع الرئيس العلوي ~~، فتجهز سنجر ، وسار يريد سمرقند ، فلما ظفر ابنه بهما ندم على طلب السلطان ~~، فأرسل غليه يعرفه أنه قد ظفر بهما ، وأنه على الطاعة ، ويسأله العود إلى ~~خراسان ، فغضب من ذلك ، وبينما هو في الصيد إذ رأى أثنى عشر رجلا في السلاح ~~التام ، فقبض عليهم وعاقبهم ، فاقروا أن محمدا خان أرسلهم ليقتلوه ، فقتلهم ~~، ثم سار إلى سمرقند ، فملكها عنوة ، ونهب بعضها ، ومنع من الباقي ، وتحصن ~~منه محمد خان ببعض الحصون ، فاستنزله بأمان بعد مدة ، فلما نزل إليه أكرمه ~~وأرسله إلى ابنته ، وهي زوجة السلطان سنجر ، فبقي عندها إلى أن توفي ، ~~وأقام سنجر بسمرقند حتى أخذ الأموال ، والأسلحة ، والخزائن ، وسلم البلد ~~PageV26P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" إلى الأمير حسن تكين ، وعاد إلى خراسان ، ~~فمات حسن تكين بعد مسير السلطان ، فملك بعده عليها محمود بن محمد خان . وفي ~~سنة خمس وعشرين مات السلطان محمود بن ms6159 محمد ، أخي السلطان سنجر ، فسار ~~السلطان إلى العراق ، والتقى هو وابن أخيه السلطان مسعود بن محمد ، فانهزمت ~~جيوش مسعود ، وحضر هو إليه ، فأرساه إلى كنجة ، بعد أن كان مسعود استقر في ~~السلطنة ، وأقام السلطان سنجر في السلطنة السلطان طغرل أخيه محمد ، وكان من ~~أمره أمر أخيه مسعود ، ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبارهم . ذكر مسير ~~السلطان إلى غزنة وعوده وفي ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة ، سار ~~السلطان سنجر من خراسان إلى غزنة ، وسبب ذلك أنه نقل إليه عن صاحبها بهرام ~~شاه أنه تغير عن طاعته ، ومد يده إلى ظلم الرعية ، واغتصاب أموالهم ، وكان ~~سنجر هو الذي ملكه غزنة ، كما ذكرناه ، فلما قارب السلطان غزنة أرسل إليه ~~بهرام شاه رسلا يبذل الطاعة ، والتضرع ، وسأل العفو عن ذنبه والصفح ، فأرسل ~~إليه سنجر المقرب جوهر الخادم ، وهو أكبر أمير عنده ، ومن جملة إقطاعه الري ~~في جواب رسالته يجيبه إلى العفو ، إن حضر عنده ، وعاد إلى طاعته ، فلما وصل ~~المقرب إلى بهرام شاه أجاب بالسمع والطاعة ، وركب مع المقرب إلى بهرام شاه ~~أجاب بالسمع والطاعة ، وركب مع المقرب ، وسار لتلقي السلطان ، فلما قاربا ~~بالسلطان ونظر بهرام شاه إلى عسكره ، والخبر على رأسه ، نكص على عقبيه فلم ~~يرجع ، وولى هاربا ، ولم يعرج على غزنة ، فسار السلطان ، ودخل غزنة ، ~~وملكها واحتوى ما فيها ، وجبى أموالها ، وكتب إلى بهرام شاه يلومه على ما ~~فعله ، وحلف أنه ما أراد به سوءا ، ولا مطمع له في بلده ، ولا هو ممن يكدر ~~صنيعه ، ويعقب حسنته معه بسيئة ، وإنما قصده لإصلاحه ، فأعاد بهرام شاه ~~الجواب يعتذر ، ويتنصل ويقول : إن الخوف منعه من الحضور ، ولا لوم على من ~~خاف السلطان ، فأجابه سنجر على إعادة بلده ، وفارق غزنة ، وعاد إلى خراسان ~~ورجع بهرام شاه إلى غزنة . ؟ ذكر الحرب بين السلطان سنجر وخوارزم شاه وفي ~~سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة ، سار السلطان سنجر إلى خوارزم شاه أتسز بن محمد ~~؛ وذلك أنه بلغه أنه يحدث نفسه بالامتناع عليه ، وترك خدمته ، وجمع خوارزم ~~شاه ms6160 عسكره ، والتقوا فانهزم أصحاب خوارزم شاه ، ولم يثبتوا ، وقتل ولد ~~PageV26P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" خوارزم شاه ، وملك السلطان خوارزم ، واقطعها ~~غياث الدين سليمان شاه ، ولد أخيه محمد ، وعاد إلى مرو ، في جمادى الآخرة ~~منها ، وهذه الحرب هي التي أوجبت الفتن العظيمة ، التي نذكرها إن شاء الله ~~تعالى . ذكر انهزام السلطان سنجر من الأتراك الخطا ، وملكهم ما وراء النهر ~~وفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة ، كانت الحرب بين السلطان سنجر وبين الخطا ؛ ~~وسبب ذلك أن خوارزم شاه لما قتل ابنه في حرب السلطان ، كما ذكرناه ، حمله ~~الألم إلى أن راسل ملك الخطا يستدعيه ، لقصد سنجر وملك بلاده ، ويهون عليه ~~أمره ، فصار في ثلثمائة ألف عنان ، وسار سنجر إليه بجميع عساكره ، والتقوا ~~بما وراء النهر ، واقتتلوا قتالا شديدا ، وانجلت الحرب عن هزيمة سنجر ، ~~وقتل من أصحابه مائة ألف قتيل ، فيهم اثنا عشر ألفا كلهم أصحاب عمامة ، ~~وأربعة آلاف امرأة ، وأسرت زوجة السلطان سنجر ، وهي تركان خاتون ، ثم فديت ~~بخمسمائة ألف دينار ، وانهزم سنجر إلى ترمذ ، ولم ينهزم قبلها ، ولما تمت ~~هذه الهزيمة أرسل إلى ابن أخيه السلطان مسعود ، وأذن له أن يتصرف في الري ، ~~وما معها ، على قاعدة أبيه السلطان محمد ، وأمره أن يكون مقيما بها بعساكره ~~، بحيث إنه إذا احتاج إليه استدعاه ، ففعل ذلك ، وملك الخطا ما وراء النهر ~~، وتغلب خوارزم شاه على البلاد ، في هذا التاريخ ، على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى في أخباره ، وفي سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة حاصر السلطان سنجر ~~خوارزم شاه بخورازم ؛ فراسله ، وبذل الطاعة والأموال ، فقبل السلطان ذلك ~~منه ، وعاد عنه . ؟ ذكر انهزام السلطان سنجر من الغز ، وأسره ، وذكر أحوال ~~الغز ولنبدأ بذكر حال هؤلاء الغز ، ومبدأ أمرهم ، وما كان منهم إلى أن ~~اسروا السلطان ، فنقول ، إنهم طائفة من الترك المسلمون ، كانوا بما وراء ~~النهر ، فلما ملك الخطا أخرجوهم من بلاد ما وراء النهر ، فقصدوا خراسان ، ~~وكانوا خلقا كثيرا ، فأقاموا بنواحي بلخ ، يرعون في مراعيها ، وكان لهم ~~أمراء ، وهم : دينار ، وبختيار ، وطوطى ، وأرسلان ، وجغر ، ومحمود ، فأراد ~~الأمير ms6161 قماج ، وهو مقطع بلخ إبعادهم ، فصانعوه لشيء بذلوه له ، فعاد منه ، ~~وأقاموا على عادة حسنة ، لا يؤذون أحدا ، ويقيمون PageV26P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" الصلاة ، ويؤتون الزكاة فعاودهم قماج ، ~~واجتمع معهم غيرهم من طوائف الترك ، فسار قماج إليهم ، في عشرة آلاف فارس ، ~~فجاء إليه أمراء الغز ، وبذلوا له عن كل بيت مائتي درهم ، فلم يجبهم ، وشدد ~~عليهم في الانشراح عن بلده ، فعادوا عنه ، واجتمعوا ، وقاتلوه ، وانهزم ، ~~ونهبوا عسكره ، وأكثروا القتل في العساكر والرعايا ، واسترقوا النساء ~~والذراري ، وعملوا كل عظيمة ، وقتلوا الفقهاء ، وخربوا المدارس ، وانتهت ~~الهزيمة بقماج إلى مرو ، وبها السلطان سنجر ، فأعلمه الحال ، فراسلهم ~~وتهددهم ، وأمرهم بمفارقة البلاد ، فاعتذروا وبذلوا مالا كثيرا ؛ ليكف ~~السلطان عنهم ، ويتركهم في مراعيهم ، فلم يجبهم إلى ذلك ، وجمع عساكره من ~~أطراف البلاد ، فاجتمع له ما يزيد على مائة ألف فارس ، وقصدهم ، ووقع بينهم ~~حرب شديدة ، فانهزمت عساكر السلطان سنجر ، وانهزم هو في أصحابه ، وتبعهم ~~الغز يقتلون منهم ، ويأسرون ، حتى صارت القتلى كالتلال ، وقتل علاء الدين ~~قماج ، وأسر السلطان سنجر وجماعة من الأمراء ، فضرب الغز أعناق الأمراء ، ~~وأما السلطان سنجر فإن أمراء الغز اجتمعوا ، وقبلوا الأرض بين يديه ، ~~وقالوا : نحن عبيدك ، لا نخرج عن طاعتك ، ومضى على ذلك ثلاثة أشهر ، ودخلوا ~~معه إلى مرو ، وهي كرسي مملكة خراسان ، فطلبها منه بختيار إقطاعا ، فقال له ~~السلطان سنجر : هذه دار الملك ، ولا يجوز أن تكون إقطاعا لأحد ، فضحكوا منه ~~، وحبق له بختيار بفمه ، فلما رأى ذلك من فعلهم نزل عن سرير الملك ، ودخل ~~خانقاه مرو ، واستولى الغز على البلاد ، وظهر منهم من الجور ما لم يسمع ~~بمثله ، وولوا على نيسابور واليا فظلم الناس ، وعسفهم وضربهم ، وعلق في ~~الأسواق ثلاث غرائر ، وقال أريد ملء هؤلاء ذهبا ، فثار به العامة ، فقتلوه ~~، وقتلوا من معه ، فدخل الغز نيسابور ، ونهبوها وجعلوها قاعا صفصفا ، ~~وقتلوا من بها ببلاد ، ولم يرفعوا السيف عن كبير ، ولا صغير ، ولم يسلم من ~~بلاد خراسان غير هراة ودهستان ، لحصانتهما . ذكر هرب السلطان سنجر شاه من ~~اسر الغز قال : كان هربه ms6162 من الأسر في شهر رمضان ، سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ~~. ولما هرب سار إلى قلعة ترمذ ، هو وجماعة كانوا معه من الأمراء ، فاستظهر ~~بها على الغز ، وكان خوارزم شاه أتسز بن محمد ، والخاقان محمود بن محمد ، ~~يقصدان الغز PageV26P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" ويقاتلانهم ، وكانت الحرب بينهم سجالا ، وغلب ~~كل منهم على ناحية من خراسان ثم سار السلطان من ترمذ إلى جيحون ، يريد ~~العبور إلى خراسان ، واتفق أن علي بك مقدم القادغلية توفي ، وكان اشد على ~~السلطان من كل أحد ، فأقبلت القادغلية ، وغيرهم ، من أقاصي البلاد وأدانيها ~~إلى السلطان ، وعاد إلى دار ملكه بمرو . ذكر وفاة السلطان سنجر شاه وشيء من ~~أخباره وسيرته كانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة اثنتين خمسين وخمسمائة ، ~~أصابه قولنج بعد ذرب فمات منه ، ودفن بقبة بناها لنفسه ، وسماها دار الآخرة ~~، وكان مولده بسنجار في الخامس والعشرين من شهر رجب سنة سبع وسبعين ~~وأربعمائة ، فكان عمره أربعا وسبعين سنة وثمانية اشهر ، ومدة ملكه - منذ ~~سلم له أخوه السلطان بركياروق خراسان ، في خامس جمادى الأولى سنة تسعين ~~وأربعمائة ، وإلى هذا التاريخ - إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وأياما ، ومنذ ~~استقل بالسلطنة ، بعد وفاة أخيه محمد نحوا من أربعين سنة ، ولم يزل أمره ~~عاليا إلى أن أسره الغز ، كما ذكرناه ، وكان من أكابر الملوك ، وعظمت ~~مملكته ، ملك من نهاوند ، وغزنة ، وسمرقند ، إلى خراسان ، وطبرستان ، ~~وكرمان ، وسجستان ، وأصفهان ، وهمذان ، والري ، وأذربيجان ، وأرمينية ، ~~ودانية ، والعراق ، وبغداد ، والموصل ، وديار بكر ، وربيعة ، ومضر ، ~~والجزيرة ، والشام ، والحرمين ، وخطب له من منابرها ، وضربت السكة باسمه ، ~~في هذه الأقاليم وبلادها ، ووطئت ملوكها بساطه ، وكان من أعظم الملوك همة ، ~~وأكثرها عطاء ، ذكر عنه أنه اصطبح خمسة أيام متواليات ، ذهب في الجود بها ~~كل مذهب ، فبلغ ما أعطاه من العين سبعمائة ألف أحمر ، غير ما وهب من الخيول ~~، والخلع ، وغيرها ، وفرق في يوم واحد ألف ثوب أطلس ، واجتمع في خزانته ما ~~لم يسمع أنه اجتمع في غيره من الأكاسرة ، قال الشيخ جمال الدين أبو الحسن ~~علي بن أبي المنصور ابن ms6163 ظافر بن حسين الأزدي ، صاحب كتاب الدول المنقطعة : ~~صح عند PageV26P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" جميع الناس أن الجوهر الذي اجتمع عنده كان ~~وزنه ألفا وثلاثين رجلا ، قال : وكان لسنجر مماليك اختصهم بالمحبة ، فكان ~~يشتري أحدهم بما قام في نفسه ، ويهواه ويسعده حتى إذا بقل عذاره ، سلاه ~~وجفاه ، وطرده ، أو قتله ؛ فمنهم سنقر الخاص ، كان لصيرفي اشتراه السلطان ~~بألف ومائتي دولار ركنية ، وتشريف ، فبلغ مبلغا عظيما ؛ حكى عنه عبد العزيز ~~صاحب خزائنه عن غرامه بسنقر هذا ، قال ، استدعاني السلطان ، وقال لي : أنت ~~تعلم أن سنقر الخاص حدقتي ، التي أنظر بها ، وقلبي الذي أفهم به ، وهذه ~~خزائني تحت يدك وحمول غزنة ، وخوارزم قد وصلت ، واريد أن تصير له سرادقا ~~كسرادقي ، وخيلا مثل خيلي ، وتشتري له ألف مملوك يمشون في ركابه ، وتحل ~~إقطاع من تراه ، وتضيفه إليه ، وتعمل له خزانه كخزانتي ، وأريده يكون صاحب ~~عشرة آلاف فارس ، وحثني على ذلك ، فشرعت في ترتيبه ، وكلته ما نقلته من ~~الخزائن ومن الجواهر والثياب ، وغير ذلك ، وأخبرت السلطان به فسره ، وشكرني ~~عليه ، وفوض إلي أمر خزانته ، مضافا إلى الخزانة ، ولم يمض سنيات حتى احضر ~~عذاره فسلاه السلطان ، وتمادى هو في بسطه ، وأساءت على أكابر الأمراء ، ~~فتهدده ، فلم يلتفت ، فأمر الأمراء بقتاه إذا دخل عليه ، فقتلوه بالسيوف . ~~وممن بلغ عنده مبلغا لم يبلغه أحد قبله ، الأمر المغترب اختيار الدين جوهر ~~التاجي الخادم ، كان خادما لوالدة السلطان سنجر ، فلما توفيت في شوال سنة ~~عشر وخمسمائة انتقل إليه ، فشغف به ، وغلب حبه عليه ، وارتفع إلى حد لم ~~يرتفع إليه غيره ، وبلغت عدة عسكره ثلاثين ألف فارس ، وكان أمره لا يرد ، ~~وإذا ركب مشى الأمراء في ركابه ، وإذا جلس وقفوا ، حتى يأذن لهم ، وأعطاه ~~الري ، ثم مله بعد ذلك ، وكرهه ، ودس عليه بعض الباطنية ، فقتله غيلة . قال ~~: ولما مات السلطان سنجر انقطع استبداد السلجقية بمملكة خراسان واستولى ~~عليها خوارزم شاه أتسزبن محمد ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره ~~. وزراؤه : العميد أبو الفتح بن أبي الليث إلى أن قتل ms6164 في يوم عاشوراء سنة ~~خمسمائة ، واستوزر بعده ولده صدر الدين محمد إلى أن قتل ببلخ ، في الثالث ~~والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى عشرة وخمسمائة . قتله قليماز مملوك السلطان ~~، الذي كان يهواه ، فقتله به ، واستوزر أبا جعفر محمد بن فخر الملك أبي ~~المظفر بن PageV26P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" الوزير نظام الملك ، ثم قتله كما قدمناه ، ~~واستوزر بعده الوزير شهاب الإسلام عبد الدوام ابن إسحاق ، أخي نظام الملك ، ~~إلى أن توفي بسرخس ، في يوم الخميس سابع المحرم سنة خمس عشرة وخمسمائة ، ~~واستوزر بعده الوزير بغاي الكاشغري ، فأحسن التدبير ، وكان أعور ، فصرفه في ~~نصف صفر سنة ثمان عشرة ، واستوزر بعده معين الدين مختص القاشاني ، فقتله ~~الباطنية ، في تاسع عشر صفر سنة إحدى وعشرين ، فاستوزر نصير الدين أبا ~~القاسم محمود بن أبي توبة المروزي ، وكان من افضل الوزراء ، وأجملهم سيرة ، ~~وأحسنهم طريقة ، وأغزرهم أدبا وعلما ، وكثر أيامه أهل العلم والأدب ، وصرف ~~في سنة ست وعشرين ، واستوزر الوزير القوام أبا القاسم الدزكزيني ، واستمر ~~في وزارته إلى أن توفي ، في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة . قال : ~~ولما حضرت السلطان سنجر الوفاة استخلف على خراسان الملك محمود بن محمد ~~بغراجان ، وهو ابن أخت السلطان ، ولم يكن من السلجقية ، وإنما هو من أولاد ~~الملوك الخانية ، فأقام بها خائفا من الغز ، وبقيت خراسان على هذا الاختلاف ~~، إلى سنة أربع وخمسين وخمسمائة ، ثم راسله الغز ، وسألوه أن يملكوه عليهم ~~، فالتحق بهم ، ثم خلع في جمادى الآخرة سنة ست وخمسين ، وسمل ، وإنما ~~أوردنا اسمه ها هنا ، على سبيل الاستطراد ؛ ولأن سنجر عهد إليه بالملك بعده ~~. انتهت أخبار الدولة السلجقية بخراسان وما يليها ، والله أعلم بالصواب ، ~~وإليه المرجع والمآب . كمل الجزء السادس والعشرون من كتاب نهاية الأرب في ~~فنون الأدب للنويري رحمه الله ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم . PageV26P0225 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء السابع والعشرون PageV27P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" ### | AUT ذكر أخبار السلطان مغيث الدين # هو أبو القاسم محمود بن محمد طبر بن ملكشاه ، جلس على ms6165 تخت السلطنة في ~~النصف من ذي الحجة ، سنة إحدى عشرة وخمسمائة ، كما قدمنا ذكر ذلك قي أخبار ~~أبيه السلطان محمد ، ثم خطب له بالسلطنة ببغداد بعد وفاة أبيه على عادة ~~الملوك السلجقية ، في يوم الجمعة ثالث عشر المحرم سنة اثنتي عشرة وخمسمائة ~~، في خلافة المستظهر بالله ، ودبر دولته الوزير الربيب أبو منصور . ولما ~~ولى السلطان مغيث الدين عزل بهروز عن شحنكيه ، بغداد ، وولى أقسنقر البرسقي ~~، - وكان بالرحية - في إقطاعه ، فسار إلى السلطان محمد قبل وفاته يسأله ~~الزيادة في إقطاعه ، فبلغه وفاته قبل وصوله إلى بغداد ، وأرسل مجاهد الدين ~~بهروز PageV27P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" يمنعه من دخول بغداد ، فسار إلى السلطان محمود ~~فلقيه توقيع السلطان بولاية شحنكية بغداد وهو بحلوان ، فلما ولى هرب بهروز ~~إلى تكريت وكانت له . ثم ولى السلطان شنكحية بغداد للأمير منكبرس ، وهو من ~~أكابر الأمراء ، فسير إليها ربيبه الأمير حسين بن أرديل ، أحمد أمراء ~~الأتراك لينوب عنه . فلما فارق باب همذان اتصل به جماعة من الأمراء البلخية ~~، فلما بلغ البرسقي ذلك خاطب الخليفة المستظهر بالله أن يأمره بالتوقف عن ~~العبور إلى بغداد إلى أن يكاتب السلطان ، فأرسل إليه الخليقة في ذلك ، ~~فأجابه : إن رسم الخليفة بالعود عدت ، وإلا فلابد من الدخول إلى بغداد . ~~فجمع البرسقي أصحابه وسار إليه والتقوا واقتتلوا ، فقتل أخ للأمير حسين ~~وانهزم هو ومن معه ، وعادوا إلى عسكر السلطان ، وذلك في شهر ربيع الأول من ~~السنة . قال : وكان الأمير دبيس بن صدقة عند السلطان محمد منذ قتل والده ، ~~فلما توفي السلطان خاطب السلطان محمود في العودة إلى بلدة الحلة ، فأذن له ~~فعاد إليها ، فاجتمع له خلق كثير من العرب والأكراد وغيرهم . ذكر مسير ~~الملك مسعود ابن السلطان محمد وجيوش بك وما كان بينهما وبين البرسقي ~~والأمير دبيس بن صدقة قال : وفي جمادى الأولى سنة اثنتى عشرة وخمسمائة برز ~~اقسنقر البرسقي ، PageV27P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" ونزل بأسفل الرقة في عسكره ، ومن انضاف إليه ، ~~وأظهر أنه على قصد الحلة وإخراج الأمير دبيس بن صدقة عنها ، وجمع جموعا ~~كثيرة ms6166 من العرب والأكراد وفرق الأموال الكثيرة والسلاح . وكان الملك مسعود ~~بن السلطان محمد بالموصل عند أتابكه الأمير جيوش بك كما ذكرناه في أخبار ~~السلطان محمد ، فأشار عليهما جماعة بقصد العراق ، وقالوا لامانع دونه ، ~~فسارا في جيوش كثيرة ، ومع الملك مسعود وزيره فخر الملك أبو علي بن عمار ~~صاحب طرابلس ، وقسيم الدولة اقسنقر جد نور الدين الشهيد ومعهم صاحب سنجار ، ~~وصاحب أربل ، وكرباوى بن خراسان التركماني صاحب البوازيج . فلما علم ~~البرسقي بقربهم خافهم ، وتجهز لقتالهم عندما قربوا من بغداد ، فسار إليهم ~~ليقاتلهم ، فأرسل إليه الأمير كرباوي في الصلح ، وأعلمه أنهم إنما جاؤوا ~~نجدة له على دبيس ، فاصطلحوا وتعاهدوا . ووصل الملك مسعود إلى بغداد ، ونزل ~~بدار الملكة ، فأتاهم الخبر بوصول الأميرعماد الدين منكبرس المقدم ذكره في ~~جيش كبير ، فسار البرسقي عن بغداد ليحاربه ويمنعه من دخولها ، فلما علم ~~منكبرس بذلك قصد النعمانية واجتمع هو والأمير دبيس ابن صدقة واتفقا على ~~المعاضدة والتناصر وقوى كل منهما بصاحبه . فلما اجتمعا سار الملك مسعود ~~والبرسقي وجيوش بك ومن معهم إلى المدائن للقاء تدبيس ومنكبرس ، فأتتهم ~~الأخبار بكثرة جمعهما ، فعاد البرسقى PageV27P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" والملك مسعود وعبرا نهر صرصر ، وحفظا المخائض ~~عليه ، ونهب الطائفتان السواد نهبا فاحشا ، واستباحوا النساء ، فأرسل ~~الخليفة المسترشد بالله - وكان قد بويع له بعد وفاة أبيه - إلى الملك مسعود ~~وإلى البرسقي ينكر ذلك ، ويأمرهم بحقن الدماء ، وترك الفساد ، والموادعة ~~والمصالحة . فأنكر البرسقي أن يكون ذلك قد وقع ، وأجاب إلى العود إلى بغداد ~~، وعاد ، ووقع الصلح والاتفاق بينهما . وكان سبب الاتفاق أن جيوش بك كتب ~~إلى السلطان محمود يطلب الزيادة للملك مسعود ولنفسه ، فوصل كتاب الرسول ~~يذكر أنه لقي من السلطان إحسانا كثيرا ، وأنه أقطعها أذربيجان . فوقع ~~الكتاب إلى منكبرس ، فأرسله إلى جيوش بك ، وضمن له إصلاح السلطان محمود له ~~وللملك مسعود . وكان منكبرس متزوجا بأم الملك مسعود واسمها سرجهان ، فعند ~~ذلك تفرق عن البر سقي من كان معه ، وبطل ما كان يحدث به نفسه من التغلب على ~~العراق بغير أمر السلطان والتحق ms6167 بخدمة الملك مسعود ، واستقر منكبرس في ~~شحنكية بغداد ، وعاد الملك مسعود وجيوش بك إلى الموصل وعاد دبيس إلى الحله ~~. واستقر منكبرس ببغداد ، وأخذ في الظلم والعشق والمصادرات ، فاختفى أرباب ~~الأموال ، وانتقل جماعة إلى حريم الخلافة خوفا منه ، وكثر فساد أصحابه ، ~~حتى أن بعض أهل بغداد تزوج بامرأة فلما زفت إليه أتاه بعض أصحاب منكبرس ~~وكسر بابه وجرح الزوج عدة جراحات ، وابتنى بالمرأة . فكثر الدعاء على ~~منكبرس وأصحابه واستغاث الناس وأغلقوا الأسواق . فبلغ السلطان ذلك فاستدعاه ~~إليه وحثه على اللحاق به ، وسار إلى السلطان ، وظهر من كان قد استتر من ~~الناس . ذكر عصيان الملك طغزل على أخيه السلطان محمود . كان الملك طغرل لما ~~توفى والده بقلعة من سرجهان . وكان والده قد PageV27P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" أقطعه ساوه وآوه وزنجان في سنة أربع وخمسمائة : ~~وعمره إذ ذاك سنة ، فإن مولده كان في سنة ثلاث وخمسمائة . وجعل السلطان ~~أتابكة الأمير شيركير ، ففتح عدة من قلاع الاسماعيلية في سنة خمس وخمسمائة ~~، منها قلعة كلام وقلعة بيرة وغيرهما . فازداد ملك طغرل بما فتحه أتابكه ~~شيركير ، فأرسل السلطان محمود الأمير كندغدي ليكون أتابكا لأخيه الملك طغرل ~~ومدبرا لأمره ، وأمره بحمله إليه . فلما وصل إليه حسن له مخالفة أخيه ونزع ~~يده من طاعته ، فوافقه على ذلك ، فسمع السلطان الخبر ، فأرسل شرف الدين أنو ~~شروان بن خالد ، ومعه خلع وتحف وثلاثين ألف دينار ، ووعد أخاه باقطاع كثير ~~زيادة على ما بيده إن هو قصده واجتمع به ، فلم يجب إلى الاجتماع به ، وقال ~~كندغدي : نحن في طاعة السلطان ، وأي جهة أراد قصدناها ، ومعنا من العساكر ~~مانقاوم بهم من أمرنا بقصده . فبينما هم في ذلك إذ ركب السلطان محمود من ~~باب همذان في عشرة آلاف فارس جريدة ، وذلك في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة ~~وخمسمائة ، وكتم مقصده ، وعزم على أن يكبس أخاه طغرل والأمير كندغدى . فرأى ~~أحد خواص السلطان تركيا من أصحاب الملك طغرل ، فأعلم السلطان به ، فقبض ~~عليه . وكان معه رفيق سلم ، وسار عشرين فرسخا في ليلة ، ووصل إلى الأمير ms6168 ~~كندغدي وهو سكران ، فأيقظه بعد جهد ، وأعلمه بالخبر ، فقام كندغدي لوقته ~~وأخذ الملك طغرل وسار به مختفيا ، وقصد قلعة سميران ، فضلا عن الطريق إلى ~~قلعة سرجاهان ، وكان ضلالهما سببا لسلامتهما ، فإن السلطان جعل ~~PageV27P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" طريقه على قلعة سميران ، فسلما منه بما ظناه ~~عطبا . ووصل السلطان إلى عسكر أخيه فكبسه ونهب مافيه وأخذ من خزانة أخيه ~~ثلثمائة ألف دينار . وأقام السلطان بزنجان وتوجه منها إلى الري ونزل طغرل ~~من قاعة سرجاهان ، ولحق هو وكندغدي ، بكنجة ، وقصده أصحابه فقويت شوكته ~~وتمكنت الوحشية بينهما . وفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة كانت الحرب بين ~~السلطان سنجر شاه عليه وقطعت خطبته من بغداد وخطب لسنجر شاه وبين السلطان ~~محمود ، وكان الظفر لعمه سنجر شاه ، ثم اتفقا وحضر السلطان محمود إلى خدمة ~~عمه فأكرمه وأحسن إليه وجعله ولي عهده كما قدمناه في أخبار السلطان سنجر . ~~قال : وأقطعه عمه سنجر شاه من حد خراسان إلى الداروم بأقصى الشام ، وهي من ~~الممالك : همذان ، وأصفهان ، وبلد الجبال جميعها ، وديار مضر ، وبلاد فارس ~~، وكرمان وخوزستان والعراق ، وأذربيجان ، وأرمينية ، وديار بكر ، وبلاد ~~الموصل ، والجزيرة ، وديار ربيعة ، وما بين هذه من الممالك . قال القاضي ~~عماد الدين بن الأثير في تاريخه : ورأيت منشوره بذلك ، وليس ابن الأثير هذا ~~هو الجزري صاحب التاريخ المترجم بالكامل بل هو صاحب ديوان الإنشاء بالديار ~~المصرية وهو الذي عاصرناه . ذكر مقتل الأمير منكبرس ومنكبرس هو الذي كان ~~شحنة بغداد الذي قدمنا ذكره ، وكان مقتله في سنة PageV27P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" ثلاث عشرة وخمسمائة ، وكان سبب قتله أنه لما ~~انهزم السلطان محمود من عمه ، عاد إلى بغداد ، فنهب عدة مواضع من طريق ~~خراسان ، وقصد دخول بغداد ، فسير دبيس بن صدقة من منعه ، فعاد وقد استقر ~~الصلح بين السلطان وعمه ، فدخل إلى السلطان سنجر ومعه سيف وكفن ، فقال له : ~~أنا لاأؤاخذ أحدا وسلمه إلى السلطان محمود وقال له : هذا مملوكك ، اصنع به ~~ما تريد فأخذه ، وكان في نفسه منه أشياء : منها أنه لما توفي السلطان محمد ~~أخذ سريته والدة الملك ms6169 مسعود قهرا قبل انقضاء عدتها ، ومنها استبداده ~~بالأمور دونه ، ومسيره إلى شحنكية العراق والسلطان كاره لذلك ، ومافعله ~~ببغداد . فقتله صبرا وأراح الناس من شره والله أعلم . ذكر مقتل الأمير علي ~~بن عمر وفيها أيضا قتل الأمير علي بن عمر . حاجب السلطان محمد ، وكان قد ~~صار أكبر الأمراء ، وانقادت له العساكر ، فحسده الأمراء وأفسدوا حاله مع ~~السلطان محمود وحسنوا له قتله . فعلم بذلك فهرب إلى قلعة برجين - وهي بين ~~بروجرد وكرج - وكان بها أهله وماله ، وسار منها في مائتي فارس إلى خوزستان ~~، وكانت بيد أقبوري بن برسق وابني أخويه أرغلي بن يلبكي وهندو بن زنكي . ~~فأرسل إليهم وأخذ عهودهم بأمانة وحمايته . فلما سار إليهم أرسلوا عسكرا ~~منعوه من قصدهم ، ولقوه على ستة فراسخ من تستر فانهزم هو وأصحابه ووقف به ~~فرسه ، فانتقل إلى غيره ، فنشب PageV27P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" ذيله بسرجه الأول فأزاله ثم عاود التعلق فأبطأ ~~فأدركوه وأسروه وكاتبوا السلطان محمود في أمره ، فأمرهم بقتله فقتلوه . ذكر ~~عصيان الملك مسعود على أخيه السلطان محمود والحرب بينهما والصلح وفي سنة ~~أربعة عشرة وخمسماية في شهر ربيع الأول كان المصاف بين السلطان محمود وأخيه ~~مسعود . وكان لمسعود الموصل وأذربيجان . وكان سبب هذه الحرب أن دبيس بن ~~صدقة كان يكاتب جيوش بك أتابك الملك مسعود ، ويحثه على طلب السلطنة . وكان ~~مقصد أن يقع الاختلاف بينهما ، فينال من الجاه وعلو المنزلة ما ناله أبوه ~~بإختلاف السلطان محمد وبركباروق . وكان اقسنقر البرسقي مع الملك مسعود منذ ~~فارق شحنكية بغداد ، وأقطعه الملك مسعود مراغذ مضافة إلى PageV27P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" الرحبة . وكان بينه وبين دبيس عداوة مستحكمة ~~فكاتب دبيس جيوش بك يشير عليه بالقبض على البرسقي ، فعلم البرسقي بذلك ، ~~ففارقهم إلى السلطان محمود ، فأكرمه وأعلا محله وزاده . واتصل الأستاذ أبو ~~اسماعيل الحسين بن علي الأصبهاني الطغراني بالملك مسعود . باستوزره مسعود ~~بعد أن عزل أبا علي بن عمار ، فحسن له أيضا مخالفة السلطان ، والخروج عن ~~طاعته ، فبلغ السلطان محمود الخبر فكتب إليهم يحذرهم من مخالفته ، ويعدهم ~~الإحسان إن قاموا ms6170 على الطاعة ، فلم يصغوا إلى قوله وأظهروا ما كانوا أضمروه ~~، وخطبوا للملك مسعود بالسلطة ، وضربوا له النوب الخمس ، وكان ذلك على تفرق ~~عساكر السلطان محمود ، فقوي طمعهم وأسرعوا إليه ليلقوه وهو في قلة من ~~العسكر . واجتمع إليه نحو خمسة عشر ألف فارس . فسار السلطان إليهم فالتقوا ~~عند عقبة استراباد نصف شهر ربيع الأول ، واقتتلوا نهارا كاملا والبرسقي في ~~مقدمة عسكر السلطان محمود وأبلى يومئذ بلاء حسنا . فانهزم عسكر الملك مسعود ~~في آخر النهار ، وأسر جماعة كبيرة من أعيان أصحابه وأسر الوزير ، فأمر ~~السلطان بقتله وقال : ثبت عندي فساد نيته وكان حسن الكتابة والشعر ، وله ~~تصانيف في صنعة الكيميا ضيعت للناس من الأموال مالا يحصى كثرة . قال : ولما ~~انهزم أصحاب الملك مسعود وتفرقوا ، قصد جبلا بينه وبين المصاف اثني عشر ~~فرسخا ، واختفى فيه بألفي فارس ، وأرسل إلى أخيه يطلب منه الأمان ، فرق ~~PageV27P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" له وأجابه إلى ما طلب ، وأمر أقسنقر البخاري ~~بالمسير إليه وإعلامه بعفو السلطان وبسط أمله . ولما كتب إلى أخيه في طلب ~~الأمان وصل إليه بعد ذلك بعض الأمراء ، وحسن له المسير إلى الموصل ، ~~ومكاتبة تدبيس بن صدقة ، والاتفاق معه ، ومعاودة طلب السلطنة ، فسار من ذلك ~~الموضع ووصل أقسنقر البخاري فلم يجده فسار في أثره وجد السير ، فأدركه على ~~ثلاثين فرسخا من مكانه ذلك ، فاجتمع به وعرفه عفو أخيه عنه ، وضمن له ما ~~أراد ، وأعاده إلى العسكر ، فأمر السلطان العساكر باستقباله وتعظيمه ، ~~ففعلوا ذلك . وأمر السلطان بإنزاله عند والدته وجلس له وأحضره ، واعتنقا ~~وبكيا ، وانعطف عليه السلطان محمود ، ووفى له ، وخلطه بنفسه في جميع أحواله ~~، فعد الناس ذلك من مكارم السلطان محمود . وكانت الخطبة لمسعود بالسلطنة ~~بأذربيجان والجزيرة والموصل ثمانية وعشرين يوما . وأما أتابكة جيوش بك فإنه ~~سار إلى عقبة استر أباد ، وانتظر الملك مسعود فلم يره ، فلما أيس منه سار ~~إلى الموصل ، ونزل يظاهرها وجمع الغلات من السواد إليها ، واجتمع إليه ~~عسكره فلما بلغه ماكان من أمر الملك مسعود وأخيه ، سار إلى السلطان وهو ~~بهمذان ودخل ms6171 إليه فأمنه . وأما الأمير دبيس بن صدقة ، فإنه نهب البلاد ~~وخربها وفعل الأفعال القبيحة ، فأمنه السلطان ، والله أعلم . ذكر طاعة ~~الملك طغرل لأخيه السلطان محمود قال : كان دخول الملك طغرل في طاعة أخيه ~~السلطان محمود في المحرم سنة ست عشرة وخمسماية ، وكان قد قصد أذربيجان في ~~سنة أربع عشرة . وكان أتابكه كندغدي يحسن له ويقويه عليه ، فاتفقت وفاته في ~~شوال سنة خمس عشرة وكان الأمير اقسنقر صاحب مراغة عند السلطان ببغداد ، ~~فاستأذن السلطان في المضي إلى إقطاعه فأذن له ، فلما سار عن السلطان ظن أنه ~~يقوم مقام كندغدي عند الملك طغرل ويتنزل منزلته ، فسار إليه واجتمع به ، ~~وأشار عليه بمكاشفة أخيه ، وقال له : إذا وصلت إلى مراغة ، اتصل بك عشرة ~~آلاف فارس وراجل فسار طغرل معه ، فلما وصلا إلى PageV27P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" اردبيل ، أغلقت أبوابها دونهما ، فسارا عنها ~~إلى قرية تبريز ، فأتاهما الخبر أن السلطان محمود سير الأمير جيوش بك إلى ~~أذربيجان ، وأقطعه البلاد ، وأنه نزل على مراغة في عسكر كثيف ، فعدلا إلى ~~خويه وانتقض عليهما مما كانا فيه ، وراسلا الأمير شيران - الذي كان أتابك ~~طغرل - أيام أبيه يدعوانه إلى إنجادهما . وكان باقطاعه أبهر وزنجان ، ~~فأجابهما واتصل بهما ، وساروا إلى أبهر فلم يتم لهم ما أرادوه فعند ذلك ~~راسلوا السلطان بالطاعة وسألوا الأمان ، فأجابهما إلى ذلك ، واستقرت ~~القاعدة ، وتم الصلح . ذكر قتل الوزير السميرمي وفي سلخ صفر سنة ست عشرة ~~وخمسمائة قتل الوزير كمال الدين أبو طالب السميرمي وزير السلطان محمود وكان ~~قد برز مع السلطان ليسير إلى همذان ، فدخل إلى الحمام وخرج وبين يديه ~~الرجالة والخيالة ، وهو في موكب عظيم ، فاجتاز بمنفذ ضيق فيه حظائر الشوك ~~فتقدم أصحابه لضيق المكان ، فوثب عليه باطني ، وضربه بسكين فوقعت في بغلته ~~، وهرب الضارب إلى دجلة ، وتبعه الغلمان فخلا الموضع ، فظهر رجل آخر فضربه ~~بسكين في خاصرته ، وجذبه عن البغل إلى الأرض ، وضربه عدة ضربات وعاد أصحاب ~~الوزير فحمل عليهم رجلان باطنيان ، فانهزموا منهما ثم عادوا وقد ذبح الوزير ~~مثل الشاة ، وبه نيف ms6172 وثلاثون ، جراحة فقتلوا قتلته . PageV27P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" قال : ولما كان في الحمام أخذ المنجمون له ~~الطالع للخروج فقالوا : هذا وقت جيد ، وإن تأخرت يفوت طالع السعد فأسرع ~~وركب وأراد أن يأكل طعاما فمنعوه لأجل الطالع ، فقتل ولم ينفعه ذلك . وكانت ~~وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر ، وانتهب ماله ، وأخذ السلطان خزانته . وكانت ~~زوجته قد خرجت في هذا اليوم في موكب كبير ومعها نحو مائة جارية وجمع من ~~الخدم ، والجميع بمراكب الذهب . . فلما سمعن بقتله عدن حافيات حاسرات ، وقد ~~تبدلن عن العز هوانا ، وعن المسرة أحزانا . وكان السميرمي ظالما كثير ~~المصادرات للناس ، سيء السيرة ، فلما قتل أطلق السلطان ما كان جدده من ~~المكوس ، واستوزر بعده شمس الملك عثمان بن نظام الملك . ذكر قتل الأمير ~~جيوش بك كان مقتله في شهر رمضان سنة ست عشرة وخمسمائة . وكان السلطان قدمه ~~بعد عوده إليه ، وأحسن إليه ، وأقطعه أذربيجان ، وجعله مقدم عسكره ، فجرى ~~بينه وبين الأمراء منافرة ومنازعة ، فوشوا به عند السلطان فقتله . وكان ~~عادلا ، حسن السيرة . وفيها أقطع السلطان محمود الأمير اقسنقر البرسقي ~~مدينة واسط وأعمالها ، مضافة إلى ولاية الموصل وشحنكية العراق ، فسير ~~البرسقي إلى واسط عماد الدين زنكي . ذكر ظفر السلطان محمود بالكرج وفي سنة ~~سبع عشرة وخمسمائة اشتدت نكاية الكرج في بلاد الإسلام ، ونظم الأمر على ~~الناس ، لاسيما أهل دربند شروان . فسار منهم جماعة كثيرة من أعيانهم ~~PageV27P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" إلى السلطان ، وشكوا إليه ذلك ، فسار إليهم ~~وقد وصل الكرج إلى شماخى فنزل السلطان ببستان هناك ، وتقدم الكرج إليه ، ~~فخافهم العسكر خوفا شديدا ، وأشار الوزير على السلطان بالعود . فلما سمع ~~أهل شران بذلك ، قصدوا السلطان وقالوا : نحن نقاتل مادمت عندنا وإن تأخرت ~~ضعفت نفوس المسلمين وهلكوا فأقام بمكانه ، وبات العسكر على وجل عظيم ، ~~فأتاهم الله بفرج من عنده ، وألقى بين الكرج والقفجاق الاختلاف ، فاقتتلوا ~~تلك الليلة ، ورحلوا شبه المنهزمين ، وكفى الله المؤمنين القتال . وأقام ~~السلطان بشروان ثم عاد إلى همذان . وفي سنة ثمان عشرة وخمسمائة عزل أق سنقر ~~البر سقي عن شحنكية العراق ms6173 ورسم له بالعود إلى الموصل ، وأرسل السلطان ~~محمود إليه ولدا صغيرا له مع أمه ليكون عنده . فلما وصل الصغير إلى العراق ~~تلقته المواكب ، وكان لدخوله يوما مشهودا . وتسلم البر سقي الصغير وسار به ~~وبأمه إلى الموصل . وولى شحنكية العراق سعد الدولة برنقش وملك البر سقي في ~~هذه السنة مدينة حلب وقلعتها . ذكر وصول الملك ودبيس بن صدقة إلى العراق ~~وعودهما كان الخليفة المسترشد بالله خرج لقتال دبيس بن صدقة في سنة سبع ~~عشرة وخمسمائة ، وقاتله ، فانهزم دبيس كما ذكرناه في أخبار المسترشد ، ثم ~~التحق بعد هزيمته بالملك طغرل أخي السلطان محمود . فلما وصل إليه أكرمه ~~وأحسن إليه ، وجعله من أعيان خواصه وأمرائه . فحسن له دبيس قصد العراق ، ~~وهون الأمر عليه ، وضمن له أن يملكه ، فسار معه إلى العراق في سنة تسع عشرة ~~وخمسمائة فوصلوا إلى PageV27P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" دقوقاء في عساكر كثيرة . فكتب مجاهد الدين ~~بهروز من تكريت يخبر الخليفة بذلك ، فخرج الخليفة في العساكر والرجال ونزل ~~بصحراء الشماسية ، وبرنقش أمامه . فلما بلغ الملك طغرل الخبر ، عدل إلى ~~طريق خراسان ، وتفرق أصحابه للنهب وتوجه هو ودبيس إلى الهارونية ، وسار ~~الخليفة حتى أتى الدسكرة فاستقر الأمر بين طغرل ودبيس أن يسيرا حتى يعبرا ~~نهر ديالى ويطعا جسر النهروان ويقيم دبيس لحفظ المخايض ، ويتقدم الملك طغرل ~~إلى بغداد فيملكها وينهبها . فسارا على ذلك فحصل لطغرل حمى شديدة منعته من ~~ذلك ، وبلغ الخليفة الخبر ، فعاد إلى بغداد . وانتقض على طغرل ودبيس ~~مادبراه ، فقصدا السلطان سنجر واجتازا قي طريقهما بهمذان ، فبسط على أهلها ~~مالا كثيرا وأخذاه ، فبلغ خبرهما السلطان محمود فجد السير في إثرهما ، ~~فانهزما منه إلى خرسان ، واجتمعا بالسلطان سنجر ، وشكيا من الخليفة ، ~~وبرنقش ، وأقاما عند السلطان سنجر ؛ ثم كان من أمرهما مانذكره إن شاء الله ~~تعالى . ذكر مقتل البرسقي وملك ابنه عز الدين مسعود وفي سنة عشرين وخمسمائة ~~قتل اقسنقر البرسقي صاحب الموصل بمدينة الموصل ، قتله الباطنية في يوم ~~الجمعة بالجامع . وكان من عادته أنه يصلي الجمعة في الجامع مع العوام . ~~وكان ms6174 قد رأى في منامه في تلك الليلة أن عدة من الكلاب ثاروا به ، فقتل ~~بعضهم ونال منه الباقي ما أذاه ، فقص ذلك على أصحابه فأشاروا عليه بترك ~~PageV27P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" الخروج من داره عدة أيام ، فقال : لاأترك ~~الجمعة لشيء أبدا فغلبوه على رأيه ومنعوه من قصد الجمعة ، فعزم على ذلك ، ~~وأخذ المصحف ليقرأ فيه ، فأول ما خرج له قوله تعالى : وكان أمر الله قدرا ~~مقدورا فركب إلى الجامع على عادته . وكان يصلي في الصف الأول ، فوثب عليه ~~بضعة عشر نفسا ، عدة الكلاب التي رآها ، فجرحوه بالسكاكين ، فجرح هو ، بيده ~~ثلاثة منهم ، وقتل رحمه الله تعالى . وكان تركيا خيرا ، يحب أهل العلم ~~والدين ، كثير العدل يحافظ على الصلوات لأوقاتها ، ويصلي بالليل تهجدا . ~~ولما قتل كان ابنه مسعود بحلب يحفظها من الفرنج ، فأرسل إليه أصحاب والده ~~بالخبر فسار إلى الموصل ، ودخلها في أول ذي الحجة ، ثم توجه إلى السلطان ~~محمود فأحسن إليه وأعاده . وفي هذه السنة وقع الاختلاف بين السلطان محمود ~~والخليفة المسترشد بالله . وكان سببه برنقش ، فسار السلطان إلى العراق ، ~~وكان بينه وبين الخليفة ما قدمناه في أخبار المسترشد بالله ، ثم اتفقا على ~~مال حمله الخليفة إليه . وفي سنة إحدى وعشرين وخمسمائة أسند السلطان شحنكية ~~العراق إلى عماد الدين زنكي على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره . ~~وفيها في عاشر شهر ربيع الآخر سار السلطان محمود من بغداد وحمل إليه ~~الخليفة الخلع والدواب الكثيرة ، فقبل جميع ذلك ، ولما أبعد عن بغداد قبض ~~على وزيره أبي القاسم علي بن الناصر النسا بادي في شهر رجب لأنه اتهمه ~~بممالأة المسترشد بالله ، وأرسل إلى بغداد وأحضر شرف الدين أنو شران بن ~~خالد ، فوصل إلى السلطان وهو بإصفهان ، وعاد عليه الوزارة واستوزره ، ~~فاستمر عشرة أشهر وعزل نفسه ، وعاد إلى بغداد في شعبان سنة اثنتين وعشرين ، ~~فأعيد الوزير أبو القاسم . وفي سنة إحدى وعشرين توفي عز الدين مسعود بن ~~البرسقي أمير الموصل فأقام السلطان مقامه عماد الدين زنكي . وفي سنة اثنتين ~~وعشرين وخمسمائة قدم ms6175 السلطان سنجر عم السلطان محمود إلى PageV27P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" الري ، واستدعى السلطان محمود فسار إليه ~~فأكرمه وأجلسه معه على التخت ، ولما عاد سنجر إلى خرسان سلم دبيس بن صدفة ~~إلى السلطان محمود إلى همذان ، ودبيس في صحبته . ثم سار إلى العراق ، وقدم ~~بغداد في المحرم سنة ثلاث وعشرين ، ودبيس معه ليصلح حاله مع الخليفة ~~المسترشد بالله . فامتنع الخليفة ممن إجابة السلطان إلى ولاية دبيس ابن ~~صدقة البتة ، فلم يمكن السلطان إجباره وأقام ببغداد إلى رابع جمادى الآخرة ~~من السنة ، وعاد إلى همذان ، وجعل بهروز على شحنكية بغداد ، وسلم إليه ~~الحلة واستصحب دبيس بن صدقة معه . ذكر ما فعله دبيس بن صدقة وما كان من ~~أمره قال : ولما سار السلطان محمود من بغداد إلى همذان ماتت زوجته ابنة عمه ~~السلطان سنجر ، وكانت تعتني بأمر دبيس . فلما ماتت انحل نظامه . واتفق أن ~~السلطان مرض مرضا شديدا ، فأخذ دبيس ابنا له صغيرا وقصد العراق ، فلما بلغ ~~المسترشد خبره ، جند الأجناد وحشد وجمع . وكان بهروز بالحلة ففارقها ودخلها ~~دبيس في شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة . فلما بلغ السلطان الخبر أحضر ~~الأميرين نيزك والأحمديلي وقال : أنتما ضمنتما مني دبيس بن صدقة وأريده ~~منكما . فسارالاحمديلي إلى العراق فاتصل خبره بدبيس ، فكتب إلى الخليفة ~~يستعطفه ويقول : إن رضيت عني فأنا أريد أضعاف مما أخذت ، وأكون العبد ~~المملوك ، وترددت الرسائل بينهما ، ودبيس في خلال ذلك يجمع الرجال والأموال ~~، وكان معه ثلثمائة فارس فصار في عشرة آلاف فارس . ووصل الأحمديلي بغداد في ~~شوال ، وسار إلى دبيس ، وسار السلطان بعد ذلك إلى العراق ، فأرسل إليه دبيس ~~هدايا جليلة وبذل ثلثمائة حصان منعولة بالذهب ومائتي ألف دينار إن رضي عنه ~~السلطان والخليفة ، فلم يجبه إلى ذلك . فسار إلى البصرة وأخذ منها أموالا ~~كثيرة ، فسير الخليفة في إثره عشرة آلاف PageV27P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" فارس ففارق البصرة ودخل البرية ، ثم سار إلى ~~الشام في سنة خمس وعشرين ليملك صرخد ، وكان صاحبها قد توفي ، واستولت ~~جاريته على القلعة وما فيها ، فاستدعت دبيس بن ms6176 صدقة ليتزوج بها ، ويملك ~~القلعة . فسار إليها فضل عن الطريق ، فنزل بناس من كلب كانوا بنواحي الغوطة ~~، فأخذوه وحملوه إلى تاج الملوك صاحب دمشق ، فحبسه عنده ، فسمع أتابك زنكي ~~خبره ، فأرسل إليه يطلبه منه ويتهدده إن لم يرسله إليه ، فأرسله إليه ، ~~فأحسن إليه زنكي إحسانا لم يسمع بمثله ، وكان قد ظن أنه يهلكه فأقام عنده ~~وانحدر معه إلى العراق والله أعلم . وفي سنة أربع وعشرين وخمسمائة خرج ~~الملك مسعود بن محمد من خراسان وكان عند عمه السلطان سنجر ووصل إلى ساوة ، ~~فسار السلطان من بغداد إلى همذان ، وفي ظنه أن مسعود يخالفه على عادته . ~~فلما وصل إلى كرمان وصل إليه أخوه الملك مسعود وخدمه ، فأقطعه كنجة ~~وأعمالها . ذكر وفاة السلطان محمود وشيء من أخباره وملك ابنه داود كانت ~~وفاته بهمذان في شوال سنة خمس وعشرين وخمسمائة وكان له من العمر نحو سبع ~~وعشرين سنة ، وكنت مدة سلطنته ثلاث عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرين يوما وكان ~~حليما كريما عاقلا ، يسمع ما يكره فلا يعاقب عليه مع القدرة ، قليل الطمع ~~في أموال الناس ، عفيفا عنها ، كافا لأصحابه عن الظلم والتطرق إلى أموال ~~رعيته . PageV27P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" ونقل بعض المؤرخين أن الأموال ضاقت في آخر ~~أيامه حتى عجزوا في بعض الأيام عن إقامة وظيفة الفقاعي ، فدفعوا له بعض ~~صناديق الخزانة فباعها وصرف ثمنها في حاجته . ولما توفى والد السلطان محمد ~~خلف ثمانية آلاف ألف دينار ، سوى المصوغات والجواهر وأصناف الثياب وغير ذلك ~~، فآل الأمر في أيام محمود إلى هذه الغاية . قال : وطلب يوما من سأبور ~~الخادم الخازن غالية ، فشكا إليه الإقلال واستمهله . ثم أحضر إليه بعد مدة ~~ثلاثين مثقالا ، فقال له السلطان وكان خازن أبيه : كم كان في خزانة السلطان ~~والدي من الغالية ؟ فقال : كان في قلعة أصفهان منها في أواني الذهب والفضة ~~والبلور المحكم والصيني ما يقارب مائة وثمانين رطلا ، ومعنا في خزانة ~~الصحبة ما يقارب ثلاثين رطلا فجعل يتعجب من ذلك ويقول لمن حضر : اعجبوا من ~~التفاوت بين هذه الأيام وتلك ms6177 . وكان له من الأولاد . محمد شاه ولي السلطنة ~~، وملكاه وليها أيضا ، وجفري شاه ، وداود ووزراؤه ربيب الدولة أبو منصور ~~وزير والده . ثم نظام الدين كمال الملك أبو طالب علي بن أحمد السميرمي ، ~~صفى أمير المؤمنين إلى أن قتل كما ذكرناه . واستوزره بعده شمس الدين عثمان ~~بن نظام الملك إلى أن قتله في سنة سبع عشرة وخمسمائة . واستوزر الوزير ~~القوام أبا القاسم علي بن الناصر النساباذي ، وقبض عليه في شهر رجب سنة ~~عشرين . واستوزر شرف الدين أنو شروان بن خالد ، ثم استعفى من الوزارة وأعيد ~~الوزير أبو القاسم . قال : ولما توفي السلطان محمود جلس ابنه داود في ~~السلطنة باتفاق من الوزير أبي القاسم ، وأتابكه اقسنقر الأحمديلي ، وخطب له ~~في جميع بلاد الجبل وأذربيجان . ولما اطمأن الناس وسكنوا سار الوزير ~~بأمواله إلى الري ليأمن بها حيث هي للسلطان سنجر . وكان سبب خوفه أنه قبل ~~وفاة السلطان محمود خاف من جماعة من الأمراء وأعيان الدولة منهم : عين ~~الدولة أبو نصر أحمد بن حامد المستوفي ، والأمير أنوشتكين المعروف بشير كير ~~. وولده عمر وهو أمير حاجب ، فقبض عليهم . فأما عين الدولة فإنه أرسله إلى ~~مجاهد الدين بهروز فحبسه بتكريت ، ثم قتل بها ، وأما شيركير وولده فقتلهما ~~في جمادى الآخرة . PageV27P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" ذكرأخبار السلطان غياث الدنيا والدين أبي ~~الفتح مسعود بن ملكشاه وما كان من أمره ، وخروجه من السلطنة وسلطنة أخيه ~~السلطان طغرل وعوده إليها . وقد رأيت من قدم أخبار السلطان طغرل على أخبار ~~أخيه السلطان مسعود ثم ذكر سلطنة مسعود بعدها ، وليس كذلك لأن السلطان طغرل ~~ما تسلطن إلا بعد حرب السلطان مسعود وعمه السلطان سنجر ، ومسعود لم يحارب ~~عمه سنجر بعد أن خطب له بالسلطنة فتعين بهذا أن السلطان مسعود تقدمه في ~~السلطنة وقد بدأت بأخبار السلطان مسعود وجعلت أخبار السلطان تغزل مندمجة في ~~أخبار السلطان مسعود وبينتها بالتراجم الدالة عليها لأن السلطان مسعود ~~تسلطن قبله وعاش بعده . ذكر ما اتفق للسلطان مسعود مع أخيه الملك سلجق شاه ~~وداود بن محمود واستقرار السلطنة ms6178 بالعراق لمسعود . قال ابن الأثير الجزري ~~في تاريخه المترجم بالكامل : لم توفى السلطان محمود بن محمد ، وخطب لولده ~~الملك داود ببلاد الجبل أذربيجان سار الملك داود من همذان في ذي القعدة سنة ~~خمس وعشرين وخمسمائة إلى زنكان ، فأتاه الخبر بمسير عمه . السلطان مسعود من ~~جرجان ، وأنه وصل إلى تبرير واستولى عليها . فسار الملك داود إليه ، وحصره ~~بها وجرى بينهما قتال إلى سلخ المحرم سنة ست وعشرين ، ثم اصطلحا وتأخر ~~الملك داود مرحلة ، وخرج السلطان مسعود من تبرير ، واجتمعت عليه العساكر ~~وسار إلى همذان وكانت رسل الملك داود تقدمت إلى بغداد في طلب الخطبة ، ~~فأجاب المسترشد بالله إن الحكم في الخطبة للسلطان سنجر ، فمن أراد خطب له . ~~وأرسل PageV27P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" الخليفة إلى السلطان سنجر أن لا يأذن في ~~الخطبة لأحد ، وأنه ينبغي أن تكون الخطبة له وحده دون أخيه ، فوقع ذلك منه ~~موقعا حسنا . ثم إن السلطان مسعود كاتب عماد الدين أتابك زنكي صاحب الموصل ~~وغيرها يستنجده ويطلب مساعدته فوعده بالنصر ، فقويت نفسه بذلك على طلب ~~السلطنة . قال : ثم إن السلطان سلجق شاه بن محمد سار به أتابكة قراجا ~~الساقي صاحب بلاد فارس وخوزستان في عسكر كثير إلى بغداد ، فوصل إليها قبل ~~وصول أخيه السلطان مسعود ، ونزل بدار السلطنة ، فأكرمه الخليفة واستخلفه ~~لنفسه . ثم وصل رسول السلطان يطلب الخطبة لنفسه . ويتهدد إن منعها ، فلم ~~يجبه المسترشد إلى ما طلب ، فسار حتى نزل عباسية الخالص . فبرز عسكر ~~الخليفة وعسكر سلجق شاه قراجا الساقي نحو مسعود ، وقد عزموا على حربه ، ~~فأتاهم الخبر بوصول عماد الدين زنكي إلى المعشوق ، فعبر قراجا الساقي في ~~أكثر العساكر إلى الجانب الغربي وسار في يوم وليلة إلى المعشوق ، والتقى هو ~~وزنكي فهزمه الساقي وأسر جماعة من أصحابه ، وانهزم زنكي إلى تكريت ، وسار ~~إلى الموصل . قال : وسار السلطان مسعود من العباسية المالكية ، وحصلت ~~المناوشة بين عسكره وعسكر أخيه سلجق شاه ودامت يومين ، فأرسل سلجق شاه إلى ~~قراجا يستحثه في العود ، فعاد مسرعا . فلما علم مسعود بهزيمة زنكي رجع ms6179 إلى ~~ورائه ، وأرسل إلى الخليفة يعرفه وصول السلطان سنجر إلى الري ، وأنه عازم ~~على قصد الخليفة وغيره ، ويقول : إن رأيتم أن نتفق على قتاله ودفعه عن ~~العراق ويكون العراق لوكيل الخليفة فأنا موافق على ذلك . زترددت الرسائل ~~بينهم ، فوقع الاتفاق على أن يكون العراق PageV27P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" لوكيل الخليفة ، والسلطنة لمسعود وسلجق شاه ~~ولي عهده ، وتحالفوا على ذلك . ودخل السلطان مسعود بغداد ونزل بدار السلطنة ~~ونزل سلجق شاه بدلر الشحنكية ، وذلك في جمادى الأول سنة ست وعشرين وخمسمائة ~~. ذكر الحرب بين السلطان مسعود وعمه السلطان سنجر شاه وهزيمة مسعود وسلطنة ~~طغرل قال : ولما وصل الخبر بوفاة السلطان محمود إلى عمه السلطان سنجر شاه ، ~~سار عن خراسان إلى بلاد الجبال ، ومعه الملك طغرل ابن السلطان محمد ، وكان ~~قد لازمه ، فوصلا إلى الري ثم إلى همذان ، فاتصل الخبر المسترشد بالله ~~والسلطان مسعود ومن معه ، فاتفقوا على قتاله وأن يكون الخليفة معهم . فتجهز ~~الخليفة وتقدم السلطان مسعود وسلجق شاه وقراجا الساقي ، وساروا لقتال ~~السلطان سنجر شاه ، وتأخر الخليفة فأرسل إليه قراجا وألزمه بالخروج ، وقال ~~: إن الذي تخافه من سنجر آجلا أنا أفعله عاجلا فبرز حينئذ وسار حتى بلغ ~~خانقين وأقام بها ، وقطعت خطبة سنجر من العراق جميعه . ووصلت الأخبار بوصول ~~عماد الدين زنكي ودبيس بن صدقة إلى قرب بغداد . فأما دبيس فذكر أن السلطان ~~سنجر أقطعه الحلة وأرسل إلى الخليفة يستعطفه ويسأله الرضى عنه فامتنع من ~~إجابته . وأما زنكي فإنه ذبكر أن سنجر أعطاه شحنكسة العراق . فعاد المسترشد ~~إلى بغداد ، وأمر أهلها بالاستعداد ، وجند بها أجنادا وسار إلى السلطان ~~مسعود ، فلقيتهم عساكر سنجر وهو في مائة ألف ، منهم خوارزم شاه اتسز بن ~~محمد والتقوا عند الدينور . وكان مسعود يدافع الحرب وينتظر وصول الخليفة ، ~~فلما نازله السلطان سنجر لم يجد بدا من المصاف ، فوقعت الحرب ، وقامت على ~~ساق ، فحمل قراجا الساقي على القلب في عشرة آلاف فارس من شجعان العسكر ، ~~فجاء خوارزم شاه والملك طغرل وصاروا من وراء ظهر قراجا الساقي وصار هو في ms6180 ~~الوسط ، فقاتل إلى أن جرح عدة جراحات ، وقتل كثير من أصحابه وأسر هو فانهزم ~~السلطان مسعود ، وذلك في ثامن شهر رجب سنة ست وعشرين وخمسمائة . ~~PageV27P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" قال : ولما تمت الهزيمة على مسعود ، نزل ~~السلطان سنجر وأحضر قراجا الساقي وسبه ووبخه وقال له : يامفسد ، أي شيء كنت ~~ترجو بقتالي . قال : كنت أرجو أن أقتلك وأقيم سلطانا أحكم عليه . فقتله ~~صبرا ، وأرسل إلى السلطان مسعود يستدعيه ، فحضر إليه فأكرمه ، وعاتبه على ~~عصيانه ومخالفته وأعاده إلى كنجة . وأجلس الملك طغرل ابن أخيه محمد في ~~السلطنة ، وخطب له في جميع البلاد ، واستوزر له الوزير : أبا القاسم ~~النساباذي وزير السلطان محمود ، وعاد إلى خراسان . ذكر الحرب بين السلطان ~~طغرل بن محمد وبين أخيه الملك داود بن محمود قال : لما توجه السلطان سنجر ~~إلى خراسان عصى الملك داود بن محمود على عمه السلطان طغرل ، وجمع العساكر ، ~~وسار إلى همذان في مستهل شهر رمضان سنة ست وعشرين وخمسمائة . فخرج إليه ~~السلطان طغرل ، وعبى كل منهما أصحابه ، والتقوا فوقع الخلف في عسكر داود ، ~~فهرب أتابكة أق سنقر الأحمديلي ، وتبعه الناس ، وبقي الملك داود متحيرا إلى ~~أوائل ذي الحجة منها فقدم بغداد هو وأتابكة الأحمديلي . ذكر عود السلطان ~~مسعود بن محمد إلى السلطنة وانهزام طغرل قال : لما سمع السلطان مسعود ~~انهزام داود ، وأنه قصد بغداد ، سار هو أيضا إلى بغداد في سنة سبع وعشرين ~~وخمسمائة . فلما قاربها لقيه داود ودخل في خدمته إلى بغداد ، ونزل بدار ~~السلطنة في صفر ، وخاطب في الخطبة ، فأجيب إلى ذلك ، وخطب له ولداود بعده . ~~ودخلا إلى الخليفة فأكرمهما وخلع على مسعود في يوم الأحد لخمس خلون من شهر ~~ربيع الأول من السنة . وكانت الخلع سبع دراريع مختلفات الأجناس والألوان ~~والسابعة سوداء ، وتاجا مرصعا بالجواهر والياقوت ، وطوق ذهب وسراويل ، ~~وقلده بسيفين وعقد له لواءين بيده ، وسلم إليه داود بن أخيه وأوصاه به ~~مشافهة . ووقع الاتفاق على مسير مسعود وداود إلى أذربيجان ، وأرسل الخليفة ~~معهما عسكرا فساروا . PageV27P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" وملك مسعود سائر بلاد ms6181 أذربيجان ، وهرب من بها ~~من الأمراء مثل قراسنقر وغيره ، وتحصن كثير منهم بمدينة أردبيل ، فقصدهم ~~مسعود وحصرهم بها وقتل منهم مقتلة عظيمة ، وانهزم الباقون . ثم سار بعد ذلك ~~إلى همذان لمحاربة أخيه الملك طغرل فاستولى عليها في شعبان . ولما استقر ~~بها قتل اقسنقر الأحمديلي ، قتله الباطنية . وسار طغرل حتى بلغ قم ، ثم عاد ~~إلى أصفهان وأراد أن يتحصن بها ، فسار إليه مسعود ليحاصره بها فرحل طغرل ~~إلى بلاد فارس . واستولى مسعود على أصفهان ، وفرح أهلها به ، ثم سار منها ~~نحو فارس ، فوصل إلى موضع بقرب البيضا ، فاستأمن إليه أمير من أمراء أخيه ~~طغرل معه أربعماية فارس ، فأمنه فخاف طغرل من عسكره أن يلتحقوا بأخيه ، ~~فانهزم وقصد الري . قال : ولما تم على طغرل ماتم من الهزيمة ، قال لوزيره ~~أبي القاسم النساباذي : قد علمت أنه ما تم علي هذا الخذلان إلا لظلمك ~~للعباد فقال له : لاتقلق ، قد أمرت أهل الموت بقتل اقسنقر وسائر أعدائك وهم ~~فاعلون فأمر به فضرب وصلب ، فانقطع به الحبل ، فقطع إربا إربا ، وطيف ~~بأعضائه في كل بلد عضو ، وكان قتله بأصفهان . واستمر طغرل حتى أتى الري في ~~ثلاثة آلاف فارس ، وسار الملك مسعود في طلبه فلحقه بموضع يقال له ذكراور ، ~~فوقع بينهما مصاف هناك ، فانهزم طغرل ووقع عسكره في أرض قد نضب عنها الماء ~~، وهي وحل ، فأسر منهم جماعة فأطلقهم مسعود ، ولم يقتل في هذا المصاف إلا ~~نفر يسير . وكان هذا المصاف في ثامن عشر شهر رجب سنة سبع وعشرين وخمسمائة ، ~~ورجع الملك مسعود إلى همذان . ذكر عود الملك طغرل إلى الجبل وانهزام ~~السلطان مسعود وفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة عاد الملك طغرل إلى بلاد الجبل ~~فملكها ؛ وسبب ذلك أن السلطان مسعود لما عاد من حربه ، بلغه عصيان داود ابن ~~أخيه بأذربيجان ، فسار إليه وحصره بقلعة روندر . واشتغل بحصره ، فجمع الملك ~~طغرل PageV27P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" العساكر ، واستمال بعض أمراء السلطان مسعود ، ~~وتقدم لفتح البلاد وفتحها أولا فأولا ، وكثرت عساكره ، فقصد مسعود . فلما ~~قارب قزوين سار مسعود نحوه ، ولما ms6182 تدانا العسكران انهزم السلطان مسعود وذلك ~~في أواخر شعبان من السنة ، فأرسل إلى الخليفة المسترشد بالله في القدرم إلى ~~بغداد فأذن له . وكان نائبه بأصفهان النفيس السلاحي ومعه الملك سلجق شاه ، ~~فلما سمعا بانهزام مسعود قصدا بغداد فنزل سلجق شاه بدار السلطان فأكرمه ~~الخليفة وأنفذ إليه عشرة آلاف دينار ، ثم قدم مسعود إلى بغداد ، وأكثر ~~أصحابه على الجمال لعدم الخيل ، فأرسل إليه الخليفة مايحتاج إليه من الخيل ~~والخيام والسلاح والثياب وغير ذلك ، ونزل بدار السلطنة ، وذلك في منتصف ~~شوال من السنة . وأقام طغرل بهمذان فعاجلته المنية . ذكر وفاة الملك طغرل ~~وملك أخيه السلطان مسعود بلد الجبل كانت وفاته بهمذان في المحرم سنة تسع ~~وعشرين وخمسمائة ومولده في المحرم سنة ثلاث وخمسمائة . وكان عاقلا خيرا ~~عادلا ، محسنا إلى الرعية قريبا منهم . وكان قبل وفاته قد خرج يريد السفر ~~لقتال أخيه مسعود ، فدعا له الناس فقال : ادعو لخيرنا للمسلمين ، وكان له ~~من الأولاد أرسلان شاه ، ولي السلطنة ، ومحمد ألب أرسلان لم يلها . وزراؤه ~~: الوزير قوام الدين النساباذي وزير السطان محمود إلى أن قتله ، ثم استوزر ~~شرف الدين علي بن رجا . قال : ولما توفي وصل الخبر بموته أخيه السلطان ~~مسعود ، فسار من وقته نحو همذان ، وأقبلت العساكر إليه ودخلت في طاعته ، ~~واستقل بالسلطنة بعده . وفي هذه السنة وقع بين الخليفة المسترشد بالله ~~والسلطان مسعود ، والتقوا واقتتلوا ، فانهزمت عساكر الخليفة ثم قتل على ما ~~قدمناه في أخبار الدولة العباسية . ذكر قتل الأمير دبيس بن صدقة وفي سنة ~~تسع وعشرين وخمسمائة قتل السلطان مسعود الأمير دبيس بن صدقة PageV27P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" وهو على باب سرادقة بظاهر مدينة خوى . أمر ~~غلاما أرمنيا بقتله ، فقام على رأسه وهو ينكت الأرض بإصبعه فضرب عنقه وهو ~~لايشعر . وكان صدقة يعادي المسترشد كما ذكرناه ، فلما قتل المسترشد ظن صدقة ~~أن الدنيا قد صفت له ، فما لبث بعده ، وهذه عادة الدنيا يتبع صفاها كدرها ، ~~وجودها ضررها كما قيل . إن الليالي لم تحسن إلى أحد . . . إلا أساءت إليه ~~بعد إحسان قال : ولما ms6183 قتل دبيس كان ابنه صدقة بالحلة ، فاجتمع إليه مماليك ~~أبيه وأصحابه وكثر جمعه ، وبقي بها إلى أن قدم السلطان بغداد في سنة إحدى ~~وثلاثين ، فقصده وأصلح حاله معه ، ولزم بابه ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ذكر اجتماع ~~الأطراف على حرب السلطان مسعود وخروجهم عن طاعته وفي سنة ثلاثين وخمسمائة ~~اجتمع كثيرا من أصحاب الأطراف على الخروج عن طاعة السلطان مسعود . فسار ~~الملك داود ابن أخي السلطان في عسكر أذربيجان إلى بغداد ، فوصل إليها في ~~رابع صفر ونزل بدار السلطنة . ووصل بعده عماد الدين زنكي صاحب الموصل ، ~~ووصل الأمير برنقش بازدا صاحب قزوين وغيرها ؛ والنفيس الكبير صاحب أصفهان ~~وصدقة بن دبيس صاحب الحلة وغيرهم . فجعل الملك داود في شحنكية بغداد برنقش ~~بازدار ، وقطعت خطبة السلطان مسعود وخطب لداود ، فسار السلطان مسعود إلى ~~بغداد ، فتفرقت تلك الجيوش وسار الخليفة وزنكي إلى الموصل وخلع الراشد ، ~~وبويع المقتضي على ما قدمنا ذكره في أخبار الدولة العباسية . PageV27P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" وفي سنة ثلاثين وخمسمائة عزل السلطان وزيره ~~شرف الدين أنو شروان بن خالد واستوزر كمال الدين أبا البركات بن سلمة ~~الدركزيني وهو من خراسان . وفيها أرسل السلطان قراسنقر بعساكر كثيرة في طلب ~~الملك داود ، فسار وأدركه عند مراغة ، فالتقيا واقتتلا قتالا شديدا ، ~~فانهزم داود إلى خوزستان ، فاجتمع عليه هناك كثير من التركمان وغيرهم ، ~~فبلغت عدتهم عشرة آلاف فارس ، فقصد بهم تستر وحاصرها . وكان عمه السلطان ~~سلجق شاه ابن السلطان محمد بواسط ، فأرسل إلى أخيه السلطان مسعود يستنجده ~~ويستمده ، فأمد بالعساكر ، فسار إلى داود وهو يحاصر تستر ، فالتقوا فانهزم ~~سجلق شاه . وفي سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة أذن السلطان مسعود للعساكر التي ~~عنده ببغداد في العود إلى بلادهم ، وذلك في المحرم منها . وسبب ذلك أنه ~~بلغه أن الراشد بالله المخلوع فارق الموصل . قال : وزوج ابنته للأمير صدقة ~~بن دبيس بن صدقة ، وتزوج الخليفة المقتفى بفاطمة أخت السلطان فاطمأن ~~السلطان عند ذلك وفرق العساكر . ذكر الحرب بين السلطان مسعود والملك داود ~~ومن معه من الأمراء وفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة كانت الحرب بينهم ms6184 ، ~~وسبب ذلك أن الراشد بالله المخلوع فارق الموصل وسار نحو أذربيجان فوصل إلى ~~مراغة . وكان الملك داود بن محمود والأمير منكبرس صاحب فارس والأمير بوزابه ~~نائبه بخوزستان ، والأمير عبد الرحمن طغايرك على خوف ووجل من السلطان . ~~فتجمعوا كلهم ووافقوا الراشد على الاجتماع معه ليكونوا يدا واحدة ويردوه ~~إلى الخلافة فأجابهم إلى ذلك ، إلا أنه لم يجتمع معهم . ووصل الخبر إلى ~~السلطان وهو ببغداد ، فسارعنها في شعبان ، والتقوا واقتتلوا ، فانهزم الملك ~~داود ، وأسر الأمير منكبرس فقتل صبرا بين يدي السلطان وتفرقت عساكر السلطان ~~مسعود في النهب واتباع من انهزم ، وكان بوزابة وعبد الرحمن طغايرك على نشز ~~من الأرض ، فرأيا السلطان وقد تفرقت عساكره ، PageV27P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" فحملا عليه ، فلم يثبت لهما وانهزم ، وقبض ~~بوزابة على جماعة من الأمراء منهم صدقة بن دبيس صاحب الحلة وأتابك قراسنقر ~~صاحب أذربيجان وعنتر بن أبي العساكر ، وتركهم عنده . فلما بلغه قتل صاحبه ~~منكبرس قتلهم جميعا وصار العسكران مهزومين ، وهذا من عجيب الاتفاق . وقصد ~~السلطان مسعود أ ذربيجان وقصد الملك داود همذان ، ووصل إليها الراشد بعد ~~الوقعة واختلفت آراء الجماعة ، فمنهم من يقول : نقصد بغداد ونملكها ، ومنهم ~~من يقول : بل نتبع مسعود ، فإذا فرغنا منه هان ما بعده وكان بوزابة أكبر ~~الجماعة فرأى أن يتوجه إلى بلاد فارس ليملكها بعد صاحبها منكبرس ، فسار ~~إليها وملكها ، وصارت بيده مع خوزستان . وسار سلجق شاه إلى بغداد ليملكها ~~فمنعه من بها ، وقاتله شحنتها . قال : ولما قتل الأمير صدقة أقر السلطان ~~الحلة على أخيه محمد بن دبيس ، جعل معه مهلهل ابن أبي العشائر ، وهو أخو ~~عنتر المقتول ، ليدبر أمره . ذكر قتل الوزير الدركزيني ووزارة ابن الخازن ~~وزير قراسنقر وفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة قبض السلطان مسعود على وزيره ~~كمال الدين أبي البركات بن سلمة الدركزيني ، وكان شهما شجاعا عادلا نافذ ~~الحكم حسن السيرة ، أزال المكوس ورفع المظالم . وكان يقيم مؤنة السلطان ~~ووظائفه وجمع له خزانة وكشف أشياء من الخانات كانت مستورة ، فثقل أمره على ~~المتصرفين وأرباب الأعمال ، فأوقعوا بينه وبين ms6185 الأمراء . وكان أشدهم عليه ~~قرا سنقر صاحب أذربيجان ، فإنه فارق السلطان وأرسل إليه يقول : أما أن تنفذ ~~برأس الوزير إلي وإلا خدمنا سلطانا آخر فأشار الأمراء بقتله ، فقتله على ~~كره منه ، وأرسل برأسه إلى قرا سنقر ، فرضى وكانت وزارته سبعة أشهر ، ~~واستوزر السلطان مسعود بعده أبا العز طاهر بن محمد البروجردي وزير قراسنقر ~~، ولقب عز الملك . وضاقت الأمور على السلطان ، فاستقطع البلاد على غير رضاه ~~، ولم يبق له غير اسم السلطنة . PageV27P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" وفيها توفيت زبيدة خاتون زوجة السلطان مسعود ، ~~وهي ابنة السلطان بركياروق ، فتزوج مسعود بعدها سفري ابنة دبيس بن صدقة في ~~جمادى الأولى وتزوج أيضا ابنة قاروت ، وهو من البيت السلجقي . وفيها أيضا ~~قتل السلطان مسعود ابن البقش السلاحي شحنة بغداد لظلمه وعسفه للناس ، وجعل ~~شحنة العراق مجاهد الدين بهروز ، فأحسن السيرة . وفي سنة ثلاث وثلاثين ~~وخمسمائة قدم السلطان مسعود إلى بغداد في فصل الشتاء ، وصار يشتو بالعراق ~~ويصيف بالجبال . ولما قدمها أزال المكوس وكتب الألواح بإزالتها ، ووضعت على ~~أبواب الجوامع وفي الأسواق . وتقدم إلى الجند أن لا ينزل أحد منهم في دار ~~عامي إلا من أذن له ، فكثر الدعاء له والثناء عليه . وفي سنة تسع وثلاثين ~~وخمسمائة قبض السلطان على وزيره البروجردي ، واستوزر بعده المرزبان أبا عبد ~~الله بن بصر الأصفهاني وسلم إليه البروجردي ، فاستخرج منه الأموال ، ومات ~~مقبوضا عليه . ذكر اتفاق بوزابة وعباس على الخروج عن طاعة السلطان مسعود ~~وفي سنة أربعين وخمسمائة سار بوابة صاحب فارس وخوزستان في عساكره إلى قاشان ~~، ومعه الملك محمد ابن السلطان محمود ، واتصل بهم الملك سليمان شاه ابن ~~السلطان محمد ، واجتمع بوزابة والأمير عباس صاحب الري ، واتفقا على الخروج ~~عن طاعة السلطان وملكا كثيرا من بلاده . فأتاه الخبر وهو ببغداد ومعه ~~الأمير عبد الرحمن طغايرك - وهو الحاكم في دولته - وكان ميله إليهما . فسار ~~السلطان عن بغداد في شهر رمضان . فلما تقابل أتعسكران ولم يبق إلا القتال ، ~~لحق سليمان شاه بأخيه السلطان مسعود ، وشرع عبد الرحمن في تقرير الصلح علة ms6186 ~~القاعدة التي PageV27P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" أرادوها . وأضيف إلى عبد الرحمن ولاية ~~أذربيجان وارانية على ما بيده ، وصار أبو الفتح بن دارست وزير السلطان ~~مسعود ، وهو وزير بوزاية وصار السلطان معهم تحت الحجر . ذكر قتل عبد الرحمن ~~طفايرك وعباس صاحب الري وفي سنة إحدى وأربعين وخمسمائة قتل السلطان مسعود ~~الأمير عبد الرحمن طفايرك أمير حاجب دولته والحاكم عليها ، وكان لم يبق ~~للسلطان معه غير الاسم ، وكان سبب قتله أنه لما ضيق على السلطان وحجز عليه ~~واستبد بالأمر دونه وأبعد خواصه عنه ، فكان ممن أبعد عنه بك أرسلان المعروف ~~بخاص بك ، وكان السلطان قد رباه وقربه فأبعده عنه وحجبه ، وصار لايراه . ~~وكان في خاص بك عقل وتدبير وجودة قريحة ، فاستقر بينه وبين السلطان قتل عبد ~~الرحمن . فاستدعى خاص بك من يثق به وتحدث معهم ، فكلهم خاف الإقدام عليه ~~إلا رجل اسمه زنكي - وكان جان دارا - فإنه بذل من نفسه أن يلقاه ويبدأه ~~بالقتل ، ووافق خاص بك على ذلك جماعة من الأمراء فبينما عبد الرحمن في ~~موكبه بظاهر جنزه ، إذ ضربه زنكي الجان دار على رأسه بمقرعة حديد كانت في ~~يده ، فسقط إلى الأرض وأجهز عليه خاص بك ، وأعانه جماعة ممن كان واطأه من ~~الأمراء . PageV27P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" وبلغ السلطان الخبر وهو ببغداد ، ومعه الأمير ~~عباس صاحب الري وعسكره أكثر من عسكر السلطان ، فأنكر الأمير عباس ذلك وتألم ~~له ، فداراه السلطان ولطف به ، ثم استدعاه في بعض الأيام . فلما عبر إليه ، ~~منع أصحابه من الدخول وعدل به إلى حجرة ، وقيل له : اخلع الزردية ، وكان لا ~~يزال يلبسها ، فقال : إن لي مع السلطان أيمانا وعهودا ، فلكموه وخرج عليه ~~غلمان أعدوا له ، فتشاهد وخلع الكردية وألقاها فضربوه بالسيوف ، واجتزوا ~~رأسه ، وألقوه إلى أصحابه ، ثم ألقوا جسده ونهبت خيامه . وكان مقتله في ذي ~~القعدة . وكان من غلمان السلطان محمود حسن السيرة ودفن بالجانب الغربي ثم ~~أرسلت ابنته وحملته إلى الري ودفنته هناك . قال ابن الأثير اجزري في تاريخه ~~الكامل : ومن الاتفاق العجيب أن العبادى كان يعظ ms6187 يوما فحضره عباس فأسمع ~~العباد بعض من حضر المجلس ، ورمى بنفسه نحو الأمير عباس ، فضربه أصحابه ~~خوفا عليه ، لأنه كان شديد الاحتراس من الباطنية ، لأفارق لبس الزردية ومعه ~~الغلمان الأجلاد ؛ فقال له العبادي : يا أمير كم ذا الاحتراز ، والله لئن ~~قضى عليك بأمر لتحلن أنت بيدك أزرار الزردية ، فينفذ القضاء فيك ، فكان كما ~~قال . كان السلطان قد استوزر ابن دارست وزير بوزابة كارها ، فلما كان الآن ~~استعفى وسأل العزل والعود إلى صاحبه فعزله وقرر معه أن يصلح له بوابة ويزيل ~~ما عنده من الاستشعار بسبب قتل عبد الرحمن وعباس . وفيها حبس السلطان مسعود ~~أخاه سليمان شاه بقلعة تكريت ، والله أعلم . ذكر قتل الأمير بوازية اتصل ~~بالأمير بوابة قتل عباس جمع عساكر فارس وخوزستان وسار إلى أصفهان فحصرها ~~وسير عسكرا آخر إلى همذان ، وعسكرا ثالثا إلى قلعة الباهلي ثم سار هو عن ~~أصفهان وراسل السلطان مسعود في الصلح فلم يجبه ؛ وسار مجدا PageV27P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" فالتقيا بمرج قراتكين واقتتل العسكران ، ~~فانهزمت ميمنة السلطان وميسرته واقتتل القلبان أشد قتال وأعظمه ، وصبر ~~الفريقان فسقط بوزابه عن فرسه بسهم أصابه . وقيل بل كبا به فرسه فأخذ أسيرا ~~، وحمل إلى السلطان فقتل بين يديه ، وانهزم أصحابه ، وبلغت هزيمة ميمنة ~~السلطان وميسرته إلى همذان . وقال من الفريقين خلق كثير . وكانت هذه الحرب ~~من أعظم الحروب الكائنة بين الأعاجم وكانت في سنة اثنتين وأربعين والله ~~أعلم . ذكر الخلف بين السلطان وجماعة من الأمراء ووصولهم إلى بغداد وماكان ~~منهم وفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة فارق السلطان مسعود جماعة من الأمراء ~~الأكابر وهم : أيلدكز المسعودي صاحب كنجية وأرانية ، وتبر الحاجب ، وطرنطاي ~~المحمودي شحنة واسط ، وابن طغايرك وغيرهم . وكان سبب ذلك ميل السلطان إلى ~~خاص بك ، واطرحه لهم فخافوا أن يفعل بهم كما فعل بعبد الرحمن وعباس وبوزابة ~~، ففارقوه وساروا نحو العراق . فلما بلغوا حلوان خاف الناس ببغداد وأعمال ~~العراق ، وغلت الأسعار وأرسل الخليفة إليهم العبادي الواعظ فلم يرجعوا ، ~~ووصلوا إلى بغداد في شهر ربيع الآخر ، ومعهم الملك محمد ابن ms6188 السلطان محمود ~~، فنزلوا بالجانب الشرقي . ووقع القتال بين الأمراء وعامة بغداد ومن بها من ~~العسكر عدة توقعات ، فانهزم الأمراء من العامة في بعض الأيام خديعة ومكرا ، ~~فلما تبعوهم عطفوا عليهم وقتلوهم ، فأصيب أهل بغداد بما لم يصابوا بمثله ~~وتفرق العسكر بالمحال الغربية ، وأخذوا من أهلها الأموال الكثيرة ونهبوا ~~بلد دجيل وغيره ، وأخذوا النساء والولدان ثم اجتمع الأمراء ونزلوا مقابل ~~التاج وقبلوا الأرض أمام الخليفة PageV27P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" المقتفى ، وترددت الرسائل بينهم وبين الخليفة ~~إلى آخر النهار ، وعادوا إلى خيامهم ثم تفرقوا وفارقوا العراق . هذا كله ~~والسلطان ببلد الجبل ، والرسل بينه وبين عمه سنجر تتردد ، وكان سنجر يلومه ~~على تقدمه خاصبك خاص بك ويتهدده أن يزيله عن السلطنة إن لم يبعده ، وهو ~~يغالط ولا يفعل ، فسار السلطان سنجر إلى الري ، وسار السلطان مسعود إلى ~~خدمته واسترضاه فسكن . وكان اجتماعهما في سنة أربع وأربعين وخمسمائة . ذكر ~~وفاة السلطان مسعود . كانت وفاته بهمذان في شهر رجب سنة سبع وأربعين ~~وخمسمائة ومرض بحمى حادة نحو أسبوع ومات ، ودفن بمدرسة جمال الدين إقبال ~~الجمدار . وكان مولده في ذي القعدة سنة اثنتين وخمسمائة فيكون عمره أربعا ~~وأربعين سنة وثمانية أشهر ، ومدة سلطنته منذ وقع اسم السلطنة عليه إحدى ~~وعشرين سنة وشهورا ، بما في ذلك من أيام أخيه السلطان طغرل . وكان رحمه ~~الله حسن الأخلاق والسيرة كريما عفيفا عن أموال الرعية من أصلح الملوك سيرة ~~، وألينهم عريكة . ولما مات زالت سعادة البيت السلجقى بموته ، ولم يقم له ~~بعده قائمة ، فكأنه المعنى بقول الشاعر : وما كان قيس هلكه هلك واحد . . . ~~ولكنه بنيان قوم تهدما ذكر سلطنة ملكشاه بن محمود بن محمد طبز بن ملكشاه ~~والقبض عليه قال المؤرخ : كان السلطان مسعود قبل موته قد استدناه وقربه ~~وأقره عنده وعهد إليه بالسلطنة بعده . فلما توفى السلطان خطب الأمير خاصبك ~~بن بلنكرى PageV27P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" لملكشاه بالسلطنة باتفاق الأمراء ، ورتب ~~الأمور وقررها بين يديه ، وأذعنت له جميع العساكر بالطاعة . وكان ملكشاه ~~شريبا خميرا ، لايصحوساعة واحدة ، كثير الاشتغال باللهو ، فاجتمعا الأمراء ms6189 ~~على خلعه وتوليه السلطنة محمد بن محمود فخلعوه وقبض عليه خاصبك بمرج همذان ~~فتراخى مستحفظوه فهرب ، ولم يطلب ولاعلم له خبر فكانت مدة سلطنته شهرين أو ~~ثلاثة . وقال ابن الأثير الجزري في تاريخه : إنه توجه إلى أصفهان وكثرت ~~جموعه ، وكتب ألى بغداد في طلب الخطبة لنفسه ، فوضع الوزير عون الدين بن ~~هبيرة خصا كان خصيصا به يقال له أغلبك الكوهزاتيني فمضى إلى بلاد العجم ~~واشترى جارية من قاضي همذان بألف دينار ، وباعها من ملكشاه ووضعها لتسمه ، ~~ووعدها بمواعيد كثيرة ، فسمته في لحم مشوي . فمات في سنة خمس وخمسين ~~وخمسمائة ، وجاء الطبيب فأعلم أصحابه أنه مات بسم ، فقررت الجارية فأقرت . ~~ولما مات خرج أهل البلد أصحابه وخطبوا لسليمان شاه بن محمد والله أعلم . ~~ذكر سلطنة محمد بن محمود هو أبو شجاع محمد بن محمود ابن السلطان ملكشاه بن ~~ألب أرسلان محمد جغرى بيك داود بن ميكائيل بن سلجق . ومحمد هذا في طبقة ~~محمود ومسعود ابني محمد طبري ، وقيل هو محمد بن محمود بن محمد طبر أخو ~~ملكاه الذي ذكرناه آنفا . قال : ولما قبض خاصك على ملكشاه أرسل إلى محمد ~~وهو بخوزستان وكان عمه السلطان سنجر قد ملكه إياها ، واستدعاه ليسلطنه ، ~~وسير إليه الأمير مشيد الدين وكاتبه الزنجاني ، وكان قصد خاصبك أنه إذا حضر ~~عنده قبض عليه وخطب لنفسه بالسلطنة . فلما اجتمعا بمحمد حسنا له قتل خاصبك ~~إذا استقر في السلطنة ، وأخبراه أن محمدا قد حلف له ، وسار محمد من خوزستان ~~إلى همذان في عدة يسيرة ، فتلقاه خاصبك وخدمه وأجلسه على تخت المملكة وذلك ~~في أوائل صفر سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، وخطب له بالسلطة ، وبالغ في ~~خدمته ، وحمل إليه هدايا عظيمة جليلة المقدار . PageV27P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" ولما كان في اليوم الثاني أو الثالث من جلوسه ~~، استدعى خاصبك ليشاوره فجاء إليه ومعه زنكي الجاندار ، وهما قتلة عبد ~~الرحمن طغايرك فقتلهما جميعا ، وألقى رأسيهما إلى أصحابهما ، فتفرقوا ولم ~~ينتطح فيها عنزان . ووجد في خزانة خاصبك ألف وسبعمائة ثوب من الديباج لون ~~العنابي خاصة ، سوى ms6190 أنواع الثياب الأطلس والمصور وغير ذلك . وطلب له كفن ~~فلم يقدر عليه ، حتى جبى له من سوق العسكر . قال وكان أيدغدي التركماني - ~~المعروف بشمله - مع خاصبك لما استدعاه السلطان ، فنهاه عن الدخول إليه فلم ~~يرجع إلى قوله ، فلما قتل خاصبك مضى هو إلى خوزستان . قال : وكان خاصبك ~~صبيا تركمانيا ، اتصل بالسلطان مسعود تقدم عنده على سائر الأمراء . قال : ~~ولما قتل السلطان خاصبك أشار عليه وزيره جلال الدين ابن الوزير قوام الدين ~~أن يبعث برأي خاصبك إلى الأميرين صاحبي أذربيجان ، ففعل . فلما وصل الرأس ~~إليهما أكبرا ذلك ، وعزما على إخراج سليمان شاه عليه . ذكر سلطنة سليمان ~~شاه بن محمد طبر بن ملكشاه قال : لما أخرج سليمان شاه من محبسه بقزوين اتصل ~~به الأمير مظفر الدين بن ألب أرغو أو أخرجه معه إلى زنجان واتصل به الأمير ~~شمس الدين ايلدكز والأمير آق سنقر بعيكريهما ، وأخذاه من زنجان ومضيا إلى ~~همذان فأجفل منهما محمد إلى أصفهان . وجلس سليمان شاه على سرير السلطنة ~~بهمذان ، وأخذ في الشرب واللهو فكان لا يصحو وكذلك وزيره فخر الدين أبو ~~طاهر القاشاني فلما رأى أيلدكز ذلك عزم على الرجوع فعاد إلى بلاده ، ورجع ~~نصرة الدين آق سنقر يإلى أعماله . ثم اجتمع الأمراء مع نصير الدين أرسلان ~~وقرروا أن ينتقلوا إلى مرج قراتكين ويتركوه بهمذان ، ويقبضوا على وزيره . ~~وكان مع سليمان شاه تباتكين بن خوارزم شاه وأخوه يوسف وأختهما زوجته ~~والغالبة على أمره ، فجاءت إليه ليلا وهو معرس على ابنة ملك الكرج ، ~~وأخبرته باجتماع الأمراء بالمرج ، واتفاقهم على القبض عليه وعلى وزيره ، ~~فهرب بها وبأخويها ليلا ، وترك خاتون الكرجية ؛ وأصبح الأمراء فما علموا ~~أين راح ولاكيف ذهب . PageV27P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" ذكر عود السلطان محمد من أصفهان إلى مقر ملكه ~~قال : لما فارق همذان وصل إلى أصفهان كاتب أمراء الأطراف فأتى إليه الأمير ~~إينانج صاحب الري فقويت به يده ، واتفق رجوع أيلدكز فسار السلطان محمد إلى ~~همذان ، فدخلها في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، واستقامت له المملكة . وفي ~~سنة تسع وأربعين ms6191 عزم الخليفة المقتضي على قطع دعوة الترك من بغداد ، وفعل ~~ماقدمنا ذكره في أخبار المقتفى من إخراج الشحنة مسعود البلالي الخادم منها ~~؛ وتقوية الخليفة لوزيره عون الدين بن هبيرة ، وما أقطعه من الإقطاعات ، ~~وما حازه الخليفة من ملك العراق من أقصى الكوفة إلى حلوان ومن تكريت إلى ~~عبادان . قال : ولما عاد السلطان بعد هرب سليمان شاه ، راسل الخليفة في ~~الخطبة فامتنع ، واجتمع عند السلطان الأمراء الذين انقطعت أرزاقهم من بغداد ~~، وسألوه في الرحيل معهم إليها . وكان يرجع إلى عقل ودين ، فاستمهلهم حتى ~~يكاتب الخليفة كرة ثانية ، فامتنعوا وقالوا : نحن نكفيك أمره فوافقهم ~~فتأهبوا وخرجوا وعليهم مسعود البلالي الذي أخرجه الخليفة من بغداد ، وأخذوا ~~معهم لفيفا من التركمان ، وساقوا مواشيهم وأغنامهم ليقاتلوا عليها . وكانت ~~تكريت قد بقيت بيد مسعود البلالي ، وملكشاه بن سلجق معتقل بها وأرسلان شاه ~~بن طغرل ، فلما احتاج هذا الجمع إلى ملك يضم شملهم اجتمعوا على إخراج ~~أرسلان شاه بن طغرل ، فأخرجوه وركبوه ووصلوا به إلى نواحي العراق ، وأرهبوا ~~على الناس . وخرج الخليفة بعسكره وجنوده متوشحا بالبردة ، وبيده القضيب ، ~~وعلى مقدمته وزيره عون الدين بن هبيرة . وخيم الخليفة على مرحلتين ، من ~~بغداد وتقابلا قريبا من شهر والخليفة ينتظر البداية . فظن مسعود البلالى ~~أنه إنما ترك البداية بالحرب خورا فبدأه ، وركب الجيشان والتقيا ، وكانت ~~وقعة عظيمة انهزم فيها الملك أرسلان بن طغرل ووصل إلى أرانية ، واستقر عند ~~شمس الدين أيلد كز زوج أمة . وغنم الخليفة وعسكره معسكرهم وأغنام التركمان ~~وذراريهم والترك ، وقتلوا في كل واد . وعاد الخليفة إلى بغداد في أواخر سنة ~~تسع وأربعين وخمسماية . قال : ولما رجع العسكر إلى السلطان محمد عاتبهم ، ~~وقال : لقد أتيتم بعثرات لا تقال ، وأفسدتم هيبتنا عند الخليفة ، وأخرجتم ~~أرسلان بن طغرل وما حفظتموه ، وقد صار عند أيلدكز ، وصار الخليفة لنا خصما ~~. ولم يستقم للملوك السلجقية بعدها ببغداد سلطنة . PageV27P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" ذكر وصول سليمان شاه بن محمد طبري إلى بغداد ~~وخروجه بالعساكر وحربه هو والسلطان محمد وهزيمته وحصار السلطان محمد بغداد ~~ورجوعه وفي ms6192 سنة خمسين وخمسماية وصل السلطان سليمان شاه إلى بغداد مستنجدا ~~بالخليفة المقتفى على السلطان محمد ، فلم يلقه الوزير عون الدين بل لقيه ~~ابنه عز الدين محمد . فلما أخبره ابن الوزير سلام أمير المؤمنين عليه ترجل ~~وقبل الأرض ودخل بغداد . فلما وصل إلى باب النوبي من القصر ، أنزلوه ليقبل ~~العتبة ، فقبلها وما قبلها قبله ملك سلجقي ولا ديلمي . وأنزله الخليفة بدار ~~السلطنة وخطب له على المنابر ، ولم ينعته بالسلطان ولا بالمعظم وجهز معه ~~الخليفة جيشا كثيفا ، واستوزر له شرف الدين الخرساني وسار سليمان شاه ~~بالجيوش إلى أذربيجان ثم إلى أرانية ثقة أن يخرج معه شمس الدين أيلدكز . ~~وتحرك السلطان محمد إليه من همذان ، والتقوا ، فانهزم سليمان وعاد إلى ~~بغداد على طريق الدر بند ، فقيض عليه على كورجك ، واعتقله بقلعة الموصل ~~وذلك في شعبان سنة إحدى وخمسين وخمسمائة . وتجهز السلطان محمد بقصد بغداد ، ~~فوصل إليها في ذي القعدة من السنة ، وقد جمع الجيوش العساكر وحاصرها ، وكان ~~الخليفة قد حصن بغداد بالمجانيق والرجال والسفن وغير ذلك ، واستمر الحصار ~~والحرب إلى سنة اثنتين وخمسين وجرت في خلال هذه المدة وقائع كثيرة يطول ~~شرحها كان آخرها أنه وقع الاختلاف بين أصحاب السلطان فهزمتهم جيوش الخليفة ~~ونهبوا أثقالهم ، ولم تفلح السلجقية بعدها مع الخلفاء . PageV27P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" ذكر وفاة السلطان محمد بن محمود وما اتفق بعد ~~وفاته قال الشيخ جمال الدين أبو الحسن علي بن أبي المنصور ظافر ابن حسين ~~الأزدي في أخبار الدولة . أنه توفي في سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، وقال : ~~ولم أعرف له عقبا فأذكره وقرض الدولة السلجقية بوفاته . وقال ابن الأثير ~~الجزري في تاريخه الكامل أنه توفي سنة أربع وخمسين بباب همذان ، وكان مولده ~~في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة ، وأنه لما حضرته الوفاة ~~أحضر أمواله وجواهره وخصاياه ومماليكه ونظر إليها من طيارة وبكى ، وقال : ~~هذه العساكر والأموال والمماليك وغيرها لم تغن عني مقدار ذرة ولا يزيدون في ~~أجلى ذرة ، وفرق من ذلك شيئا كثيرا وكان كريما عادلا كثير التأني في ms6193 أموره ~~. وكان له ولد صغير فسلمه إلى اقسنقر الأحمديلي وقال له : أنا أعلم أن ~~العساكر لا بطيع هذا الطفل وهو وديعة عندك فارحل به إلى بلادك ، فرحل به ~~إلى مراغة . فلما مات اختلف الأمراء فطائفة طلبوا ملكشاه وأخاه وطائفة ~~طلبوا سليمان شاه عمه وهم الأكثر ، وطائفة طلبوا أرسلان الذي مع ايلدكز ~~فأما ملكشاه فإنه سار من خوزستان ومعه دكلا صاحب فارس وشملة التركماني ~~وغيرهما ، فوصل إلى أصفهان فسلمها إليه ابن الخجندي وجمع له مالا أنفقه ~~عليه وأرسل إلى العساكر بهمذان يدعوهم إلى طاعته فلم يجيبوه لعدم الاتفاق ~~ولأن أكثرهم كان يريد سليمان شاه . ذكر مسير سليمان شاه بن محمد طبر إلى ~~همذان وفي سنة خمس وخمسين وخمسمائة سار سليمان شاه من الموصل إلى همذان ~~وكان معتقلا بها كما قدمناه ؛ فلما مات السلطان محمد بن محمود . أرسل أكابر ~~الأمراء من همذان إلى أتابك قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل في طلبه ~~منه ليولوه السلطنة ، فاستقرت القاعدة بينهم أن سكون سليمان شاه هو السلطان ~~وقطب الدين ودود أتابكه وجمال الدين وزير قطب الدين وزيره ؛ وتحالفوا على ~~ذلك وجهزه قطب الدين بما يحتاج إليه من الأموال والخيول وغير ذلك . فلما ~~قارب بلاد الجبل PageV27P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" أقبلت العساكر إليه أرسالا فاجتمع عسكر عظيم ~~فخافهم قطب الدين مودود على نفسه ؛ وعاد إلى الموصل . فلما فارقه قطب الدين ~~لم ينتظم أمره وقبض العسكر على سليمان شاه بباب همذان في شوال سنة ست ~~وخمسين وخمسمائة . ذكر سلطنة أرسلان شاه ابن الملك طغرل ابن محمد طبر قال : ~~لما قبض الأمراء على سليمان شاه في شوال خطبوا لأرسلان شاه ، وهو الذي كان ~~قد تزوج أيلدكز بأمه ، ثم خطب له في سنة ثمان وخمسين بقومس وبسطام ودامغان ~~. وذلك أن المؤيد صاحب نيسابور فتح هذه الجهات وخطب بها لأرسلان شاه فأرسل ~~إليه الخلع فلبسها المؤيد ؛ ودان ملك أرسلان شاه إلى سنة ثلاث وسبعين ~~وخمسمائة ، فتوفى ولم أقف من أخباره على شيء فأذكره . وذلك أن الدولة ~~السلجقية كانت قد ضعفت ms6194 وبقي ملوكها يقتصرون على حفظ . ما بأيديهم دون ~~التطلع إلى ما سواه . ولما مات أرسلان شاه خطب بعده لولده طغرل . ذكر أخبار ~~السلطان طغرل بن أرسلان شاه ابن طغرل بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان خطب ~~له بالسلطنة ببلاد الجبل بعد وفاة أبيه أرسلان شاه في سنة ثلاث وسبعين ~~وخمسمائة ، ونحن نذكر ما ظفرنا به من أخباره على سبيل التلخيص والاختصار . ~~ذكر الحرب بين طغرل وجيوش الخليفة الناصر لدين الله وظفره بهم وفي سنة أربع ~~وثمانين وخمسمائة جهز الخليفة الناصر لدين الله عسكرا كثيفا ؛ وجعل المقدم ~~على الجيش وزيره جلال الدين عبيد الله بن يونس ، وسيرهم لمساعدة قزل على كف ~~السلطان طغرل عن البلاد . فسار العسكر في ثالث صفر إلى أن قارب ~~PageV27P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" همذان ، وخرج طغرل إليهم ، والتقوا واقتتلوا ~~في ثامن شهر ربيع الأول عند همذان ، فانهزمت عساكر بغداد ولم تثبت ، وأخذ ~~أصحابه ما كان مع الوزير من خزانة وغيرها وعاد إلى همذان . ذكر اعتقال طغرل ~~وخلاصه وما كان من أمره إلى أن قتل ، وانقراض الدولة السلجقية قال واتفق أن ~~قزل أرسلان بن أيلدكز ظفر بالسلطان طغرل واعتقله ولم اظفر بتاريخ اعتقاله ~~ولا كيفية فأذكره إلا أنه لم يزل في اععتقاله إلى أن مات قزل أرسلان في سنة ~~ثمان وثمانين وخمسمائة فخرج طغرل من حبسه بعد قزل واجتمع عليه جماعة والتقى ~~هو وقتلغ أينانج بن الهلوان بن أيلدكز فانهزم أينانج إلى الري وملك طغرل ~~همذان وغيرها فأرسل قتلغ أينابج إلى علاء الدين خوارزم شاه تكش يستنجده ~~فسار إليه فلما تقاربا ندم قتلغ إينانج على استدعائه خوارزم شاه وخاف على ~~نفسه فمضى بين يديه وتحصن في قلعة مات فوصل خوارزم شاه إلى الري وملكها ~~وفتح قلعة طبرك فراسله فأصلحه . ذكر مقتل السلطان طغرل وانقراض الدولة ~~السلجقية كان مقتله في الرابع والعشرين ن شهر ربيع الأول سنة تسعين ~~وخمسمائة ؛ وسبب ذلك أنه قصد الري فأغار على من به من أصحال خوارزم شاه تكش ~~وفر منه PageV27P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" قتلغ ms6195 اينانج بن البهلوان ، فراسل خوارزم شاه ~~يسأله النصر مرة ثانية . واتفق وصول رسوله الخليفة إلى خوارزم شاه يشكو تكش ~~وفرضه قتلغ اينانج بن البهلوان فراسل خوارزم شاه يسأله النصر مرة ثانية ~~واتفق وصول رسول الخليفة إلى خوارزم شاه يشكو من طغرل ويطلب منه قصد بلاده ~~ومعه منشور بإقطاعه البلاد . فسار خوارزم شاه لقتاله . فلما سمع طغرل بذلك ~~كانت عساكره متفرقة فما أمهل حتى يجمعها ، بل سار فيمن معه وكان يدل ~~بشجاعته ؛ فالتقى العسكران بالقرب من الري ؛ فحمل طغرل بنفسه في وسط عسكر ~~خوارزم شاه ، فأحاطوا به وألقوه عن فرسه ، وقتلوه وحملوا رأسه إلى خوارزم ~~شاه ، فأنفذ الرأي إلى بغداد فنصبها بباب النوبي . وملك خوارزم شاه جميع ~~تلك البلاد وانقرضت الدولة السلجوقية من العراق والجبال وخراسان ، ولم يبق ~~من البيت السلجقي إلا من هو ببلاد الروم ، على ما نذكره بعد ذكر الملوك ~~السلجقية بالشام إن شاء الله . وكانت مدة هذه الدولة منذ خطب لداود في شهر ~~رجب سنة ثمان وعشرين وأربعماية ؛ مائة سنة وإحدى وستين سنة وثمانية أشهر ~~وأياما . ومدتها بالعراق منذ خطب للسلطان طغرل بك ببغداد في الخامس ~~والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وأربعين وأربعماية ، وإلى أن قطعت عند إخراج ~~مسعود البلالي الشحنة من بغداد في شهور سنة تسع وأربعين وخمسمائة ؛ مائة ~~سنة وستين . فلنذكر أخبار الملوك السلجقية بالشام . ذكر أخبار الملوك ~~السلجقية بالشام وحلب وأول من ملك منهم السلطن تاج الدولة تتش بن ألب ~~أرسلان محمد بن جغربيك داود بن ميكائيل بن سلجق وهو أخو ملكشاه وكان ~~السلطان ملكشاه قد أقطعه الشام وما يفتحه من تلك النواحي في سنة سبعين ~~وأربعماية ، فجاء إلى حلب وحصرها ولحق أهلها مجاعة شديدة . وكان معه جماعة ~~كثيرة من التركمان فأنفذ إليه PageV27P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" الأقسيس صاحب دمشق يستنجده على العساكر ~~المصرية ، لأنها كانت قد حاصرته بدمشق من قبل أمير الجيوش بدار الجمالي ، ~~فسار إلى نصرة الأقسيس . فلما سمع العسكر المصري بقربه فارقوا البلد وعادوا ~~إلى مصر ، وخرج الأقسيس يلتقيه عند سور دمشق ms6196 ، فاغتاظ منه تتش كونه لم ~~يتقدم في تلقيه ، وعاتبه ، فاعتذر بأمور لم يقبلها منه ، فقبض عليه تتش في ~~الوقت وقتله ، وملك دمشق وأحسن السيرة في أهلها ، وعدل فيهم ، وذلك في سنة ~~إحدى وسبعين وأربعماية وقيل في سنة اثنين وسبعين . وفي سنة أربع وسبعين ~~افتتح تاج الدولة تتش الطرطوس بعض الحصون الساحلية وعاد إلى دمشق . وفي سنة ~~تسع وسبعين وأربعماية كانت الحرب بينه وبين سليمان بن قتلمش السلجقي صاحب ~~الروم وإنطاكية ، فهزم عسكره وقتله على ما نذكره إن شاء الله في أخبار ~~سليمان . وملك تتش مدينة حلب خلا القلعة ، فكتب العقابي إلى السلطان ملكشاه ~~يستدعيه ، فوصل إليها وفارقها تطش كما قدمنا ذكره . ذكر استيلائه على حمص ~~وغيرها من ساحل الشام كان تاج الدولة تتش قد توجه إلى أخيه السلطان ملكشاه ~~إلى بغداد في سنة أربع وثمانين ، وجاء إليه أيضا زعماء الأطراف ، فلما أذن ~~لهم في العود أمر ملكشاه أقسنقر صاحب حلب ، وتوران صاحب الرها ، أن يسيرا ~~في خدمة أخيه تتش بعساكرهما إلى أن يستولي على ما هو للمستنصر العلوي صاحب ~~مصر بساحل الشام من البلاد ؛ ويتوجها معه إلى مصر ليملكها . فساروا في سنة ~~خمس وثمانين ، ونزل تتش على حمص وحصرها وبها صاحبها ملاعب ، وكان الضرر به ~~وبأولاده عظيما على المسلمين ، فحصروا البلد وضيقوا على من به وملكه تتش ، ~~وأخذ ملاعب وولديه ثم سار قلعة عرقة ، وهي PageV27P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" بالقرب من طرابلس فملكها وملك أفامية ، ثم ~~نازل طرابلس وبها جلال الملك بن عمار ، فراسل ابن عمار اقسنقر وحمل إليه ~~ثلاثين ألف دينار وتحفا بمثلها وعرض عليه المناشير التي بيده من السلطان ~~بالبلد والتقدم إلى النواب بتلك البلاد بمساعدته ، والتحذير من محاربته ~~فقال اقسنقر لتتش : أنا لا أقاتل من هذه المناشير بيده ورحل من الغد ، فرحل ~~تاج الدولة وعاد بوزان إلى بلاده ، والله أعلم . ذكر ما تقوله في طلب ~~السلطنة قال : لما بلغ تاج الدولة تتش قدوم أخيه السلطان ملك شاه إلى بغداد ~~توجه من دمشق إلى خدمته ، فلما وصل إلى هيت ms6197 أتاه الخبر بموته ، فاستولى على ~~هيت وعاد إلى دمشق . فتجهز لطلب السلطنة ، وجمع العساكر وأخرج الأموال وسار ~~إلى حلب وبها قسيم الدولة اقسنقر ، فصالحه قسيم الدولة وأتبعه لما علم من ~~اختلاف أولاد صاحبه ، وأرسل إلى ياغي سيان صاحب أنطاكية وإلى بوزان صاحب ~~الرها وحران يشير عليهما بطاعة تاج الدولة ، حتى يروا ما يكون من أولاد ~~ملكشاه ، ففعلوا ذلك وصاروا معه وخطبوا له في بلادهم . وقصد تتش الرحبة ~~فملكها في المحرم سنة ست وثمانين وأربعماية ، ثم سار إلى نصيبين ففتحها ~~عنوة وقتل من أهلها خلقا كثيرا ونهب الأموال وفعل الأفعال القبيحة ، ثم ~~سلمها إلى الأمير محمد بن شرف الدولة العقيلي . وسار يريد الموصل ، وأتاه ~~الكافي بن فخر الدولة بن جهير وكان بجزيرة ابن عمر فاستوزره ، والتقى ~~بإبراهيم ابن قريش بن بدران أمير بني عقيل في شهر ربيع الأول . وكان ~~إبراهيم في ثلاثين ألفا وتتش في عشرة آلاف ، فاقتتلوا فانهزم إبراهيم ~~والعرب ، ثم أخذ أسيرا وجماعة من العرب فقتلوا صبرا ، ونهب أموالهم وما ~~معهم من الخيل والإبل والأغنام وغيرها وقتل كثير من نساء العرب أنفسهن خوفا ~~من السبي والفضيحة ، وملك تتش بلادهم الموصل وغيرها ، واستناب بها علي بن ~~شرف الدولة مسلم وهو ابن شرف الدولة مسلم وهو ابن صفية عمة تتش . ~~PageV27P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" ذكر ملكه ديار بكر وأذربيجان وعوده إلى الشام ~~قال : ثم سار تاج الدولة تتش في شهر ربيع الآخر فملك ميافارقين وسائر ديار ~~بكر من ابن مروان ، وسار منها إلى أذربيجان . وانتهى خبره إلى ابن أخيه ~~بركياروق وكان قد استولى على كثير من البلاد ، فسار في عسكره ليتبع عمه ، ~~فلما تقارب العسكران اجتمع قسيم الدولة وبوزان وقالا : نحن إنما أطعنا هذا ~~حتى ننظر ما يكون من ابن صاحبنا وقد ظهر أمره ، ففارقاه والتحقا ببركياروق ~~فعاد تتش إلى الشام . ذكر عود تتش إلى البلاد وملكه همذان وغيرها قال : ~~ولما عاد إلى الشام أخذ في جمع العساكر فكثرت جموعه وعظم جنده . فسار في ~~سنة سبع وثمانين وأربعماية عن دمشق نحو حلب ms6198 لطلب السلطنة ، فاجتمع قسيم ~~الدولة اقسنقر وبوزان وأمدهما السلطان ركن الدولة بركياروق بالأمير كربوقا ~~. فالتقوا بالقرب من تل السلطان قريب حلب واقتتلوا واشتد القتال فانهزموا ، ~~وثبت قسيم الدولة فأخذ أسيرا وجيء به إلى تاج الدولة فقال له : ما كنت تصنع ~~بي لو ظفرت ، قال : كنت أقتلك ، قال : فأنا أحكم عليك بحكمك فقتله صبرا . ~~وسار نحو حلب ، ودخلها وأسر بوقا وبوزان وتسلم الرها وحران . وسار إلى بلاد ~~الجزيرة فملكها جميعها ، وملك منها إلى همذان فملكها ، واستوزر فخر الملك ~~بن نظام الملك . PageV27P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" ذكر انهزام بركياروق منه قال : ولما سار تتش ~~إلى أذربيجان كان بركياروق بنصيبين فبلغه الخبر ، فسار إلى قتاله ولم يكن ~~معه غير ألف رجل ، وعمه في خمسين ألفا . فجهز إليه عمه بعض الأمراء فكسبه ~~وهزمه ونهب سواده ، فسار إلى أصفهان على ما ذكرناه في أخباره وخطب للسلطان ~~تاج الدولة ببغداد . ذكر قتل تاج الدولة تتش قال : ولما هزم بركياروق سار ~~من موضع الوقعة إلى همذان ، ثم سار إلى الري وكاتب الأمراء الذين بأصفهان ~~يدعوهم إلى طاعته ، ويبذل لهم الأموال الكثيرة . وكان بركياروق مريضا ~~بالجدري ، فأجابوه يعدونه أنهم ينحازون إليه ، وهم ينتظرون ما يكون من ~~صاحبهم . فلما عوفي بركياروق أرسلوا إلى تتش أنه ليس لك عندنا إلا السيف ، ~~وخرجوا له والتقوا بموضع قريب من الري ، وقد كثرت جموع بركياروق ، فانهزم ~~أصحاب تتش وثبت هو في القلب فقتله أصحاب قسيم الدولة بثأر صاحبهم ، والله ~~أعلم . ذكر حال الملك رضوان وأخيه دقاق بعد قتل أبيهما تتش قال : كان تاج ~~الدولة تتش قد أوصى أصحابه بطاعة ابنه الملك رضوان . وكتب PageV27P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" إليه من بلد الجبل قبل المصاف الذي قتل فيه ~~يأمره بالمسير إلى بغداد ، وأن يقيم بدار المملكة . فسار في عدد كثير منهم ~~إيلغازي بن أرتق ، والأمير وثاب بن محمود بن صالح ابن مرداس وغيرهما . فلما ~~قارب هيت جاءه الخبر بقتل أبيه ، فعاد إلى حلب ومعه والدته فملكها ، وكان ~~بها أبو القاسم بن علي الخوارزمي قد سلمها تتش إليه ms6199 ، وحكمه فيها وفي ~~القلعة . ولحق برضوان زوج أمه جناح الدولة الحسين بن إيتكين ، وكان مع تتش ~~فسلم من المعركة . وكان مع رضوان أيضا أخواه الصغيران أبو طالب وبهرام ~~فكانوا كلهم مع أبي القاسم كالأضياف لتحكمه في البلد ؛ فاستمال جناح الدولة ~~المغاربة ، وكانوا أكثر أجناد القلعة . فلما انتصف الليل نادوا بشعار الملك ~~رضوان ، واحتاطوا علي أبي القاسم ، وأرسل إليه الملك رضوان يطيب قلبه ، ~~فاعتذر فقبل عذره ، وخطب لرضوان على منابر حلب وأعمالها ، وكانت الخطبة قد ~~دامت باسم أبيه بعد قتله نحو شهرين . وسار جناح الدولة في تدبير الدولة ~~أحين سيرة ، وخالف عليهم الأمير ياغي سيان بن محمد بن ألب التركماني صاحب ~~انطاكية ثم صالحهم ، وأشار على الملك رضوان بقصد ديار بكر لخلوها من وال ~~يحفظها . فساروا جميعا وقدم عليهم من بالأطراف الذين كان تتش قد رتبهم فيها ~~، وقصد واسروج ، فسبقهم إليها الأمير سقمان بن أرتق فأخذها ومنعهم منها ، ~~وأمر أهل البلد فخرجوا إلى رضوان وتظلموا من عساكره وما يفسده من غلاتهم ، ~~ويسألونه الرحيل . فرحل عنهم إلى الرها ، وكان بها رجل يقال له الفارقليط - ~~كان يضمن البلد من بوزان - فقاتل قتالا شديدا ثم ملكها ، وطلب ياغي سيان ~~القلعة من رضوان فوهبها له ، فتسلمها وحصنها ، فهرب رجالها وأرسل إليهم أهل ~~حران يطلبونهم ليسلموا إليهم البلد ، فسمع ذلك قراجا فصلب ابن الفتى وغيره ~~ممن اتهمهم وجاء الخبر إلى رضوان وقد اختلف جناح الدولة وياغي سيان وأضمر ~~كل منهما لصاحبه الغدر ، فهرب جناح الدولة إلى حلب فدخلها ، واجتمع بزوجته ~~أم الملك رضوان . وسار رضوان وياغي إلى حلب ، فسمع بدخول جناح الدولة إليها ~~، ففارق ياغي سيان الملك رضوان وسار إلى انطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمي ~~ودخل رضوان حلب . PageV27P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" هذا ما كان من أمر رضوان ، وأما الملك دقاق بن ~~تتش ، فإنه كان قد حضر المصاف مع أبيه ، فلما قتل أبوه أخذه إيتكين الحلبي ~~- وهو من غلمان أبيه - وسار به إلى حلب ، فأقام عند أخيه الملك رضوان . ثم ~~راسله الأمير ساوتكين الخادم - متولي دمشق - سرا ms6200 يدعوه ليملكه دمشق ؛ قهرب ~~من حلب . فأرسل أخوه رضوان في طلبه عدة من الخدم فلم يدركوه ، وسار حتى وصل ~~إلى دمشق ففرح به ساوتكين الخادم وأظهر البشر لوروده . فلما صار بدمشق أرسل ~~إليه ياغي سيان يشير عليه أن ينفرد بملك دمشق عن أخيه رضوان . واتفق وصول ~~معتمد الدولة طغتكين إلى دمشق ومعه جماعة من خواص تتش وعسكره وقد سلموا من ~~الوقعة وكان طغتكين قد أسر ثم خلص فلما وصل إلى دمشق لقيه المللك دقاق ~~وأرباب الدولة وبالغوا في تعظيمه وإكرامه . وكان طغتكين زوج والدة دقاق ، ~~فمال إليه لذلك ووثق به وحكمه في بلاده . ثم اتفقا على قتل ساوتكين الخادم ~~فقتلاه ، وسار إليه ياغي سيان من انطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمي فجعله ~~وزيرا لدقاق ، وحكمه في دولته ، فصارت دمشق لدقاق وحلب لرضوان . ذكر الحرب ~~بين الملكين رضوان وأخيه دقاق وفي سنة تسعين وأربعماية سار الملك رضوان من ~~حلب إلى دمشق يريد الاستيلاء عليها وانتزاعها من أخيه دقاق . فلما قاربها ~~رأى حصانتها وامتناعها ، فعلم عجزه عنها . فسار إلى نابلس وإلى القدس ~~ليأخذه ، فلم يمكنه ذلك وانقطعت العساكر عنه فعاد إلى حلب ومعه ياغي سيان ~~صاحب انطاكية وجناح الدولة وكانا قد التحقا به . ثم فارقه ياغي سيان وقصد ~~دقاق وحسن له محاصرة أخيه بحلب ، فجمع دقاق عساكره وسار ومعه ياغي سيان ، ~~فأرسل رضوان إلى سقمان بن ارتق وهو بسروج يستنجده ، فأتاه في خلق كثير من ~~التركمان . فسار بهم رضوان نحو دقاق والتقيا بقنسرين ، واقتتلا فانهزم دقاق ~~وعسكره ونهبت خيامهم وأموالهم وعاد رضوان إلى حلب . ثم اتفقا على أن يخطب ~~لرضوان بدمشق وأنطاكية قبل أخيه دقاق ، وقيل كان ذلك في سنة تسع وثمانين . ~~PageV27P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" وفي سنة تسعين وأربعماية خطب الملك رضوان في ~~أكثر ولايته للمستعلي بأمر الله صاحب مصر . وسبب ذلك أن جناح الدولة كان قد ~~فارق رضوان لتغير رآه منه ، وجاء إلى حمص وكانت له ، فلما رأى ياغي سيان ~~بعده عن رضوان صالحه ، وجاء إلى حلب ، ونزل بظاهرها وكان لرضوان منجم ms6201 يقال ~~له الحكيم أبو سعد يميل إليه ، فقدمه بعد مسير جناح الدولة فحسن له مذهب ~~العلويين . وأتته رسل المستعلى تدعوه إلى طاعته ويبذل له المال وإنفاذ ~~الجيوش لأخذ دمشق ، فخطب له بشيزر وجميع أعمال ولايته سوى أنطاكية ، وقلعة ~~حلب ، والمعرة ، وكانت الخطبة أربع جمع . ثم حضر إليه سقمان بن أرتق وياغي ~~سيان إلى انطاكية فلم يقم بها غير ثلاثة أيام حتى وصل الفرنج إليها وحصروها ~~وملكوها في سنة إحدى وتسعين وأربعماية على مانذكره إن شاء الله تعالى في ~~أخبار المستعلي صاحب مصر . ذكر ملك دقاق مدينة الرحبة . وفي شعبان سنة ست ~~وتسعين وأربعماية ملك الملك دقاق مدينة الرحبة ، وكانت بيد قايماز أحد ~~مماليك السلطان ألب أرسلان ، استولى عليها لما قتل كربوقا ، فسار دقاق ~~وطغتكين أتابكه إليه وحصراه ، ثم رحلا عنه . فاتفقت وفاته في صفر من هذه ~~السنة ، وقام مقامه غلام تركى اسمه حسن ، وخطب لنفسه وخاف من الملك دقاق ، ~~فاستظهر لنفسه وأخذ جماعة من أعيان البلد وصادرهم وحبس آخرين ، فسار دقاق ~~إليه وحاصره ، فسلم العامة البلد واعتصم هو بالقلعة فأمنه دقاق وسلمها له ~~فتسلمها وأقطعه إقطاعا كثيرا بالشام ، وقرر الرحبة وجعل فيها من يحفظها ~~وعاد إلى دمشق . ذكر وفاة الملك دقاق وملك ولده ثم أخيه كانت وفاته في شهر ~~رمضان سبع وتسعين وأربعماية . ولما توفي خطب أتابكه PageV27P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" طغرتكين لولد له صغير عمره سنة واحدة ، ثم قطع ~~خطبته وخطب لبلتاش ابن تتش عم هذا الطفل في ذي الحجة وله من العمر اثنتا ~~عشرة سنة . ثم أشار عليه طغرتكين بقصد الرحبة فخرج إليها وملكها ، وعاد ~~فمنعه من دخول البلد ، فمضى إلى حصون له . وأعاد طغرتكين خطبة الطفل ولد ~~دقاق ، وقيل إن والدة بلتاش خوفته من طغرتكين وقالت له : إنه زوج أم دقاق ، ~~وهي لا تتركه حتى يقتلك ويستقيم الملك لولد ابنها ، فخاف . ثم حسن له من ~~كان يحسد طغرتكين مفارقة دمشق وقصد بعلبك وجمع الرجال والاستنجاد بالفرنج ، ~~والعود إلى دمشق وأخذها من طغرتكين . فخرج من دمشق سرا في سنة ms6202 ثمان وتسعين ~~وأربعماية مع صغر سنة ، ولحقه الأمير إيتكين الحلبي وهو صاحب بصرى ، فعاثا ~~في ناحية حوران ولحق بهما من كان يريد الفساد ، وراسلا بغدوين ملك الفرنج ، ~~يستنجدانه ، فأجابهما إلى ذلك . فسار إليه واجتمعا به ، وقررا معه القواعد ~~، وأقاما عنده ، فلم يريا منه إلا التحريض على الإفساد في أعمال دمشق ~~وتخريبها . فلما يئسا من نصرته فارقاه وتوجها في البرية إلى الرحبة فملكها ~~بلتاش ، وعاد عنها ، واستقام أمر طغرتكين بدمشق ، واستبد بالأمر وأحسن إلى ~~الناس ونشر فيهم العدل . هذا ماكان من أمر ملوك دمشق ثم انتقل ملكها إلى ~~طغرتكين وأولاده من بعده على ما نذكره إن شاء الله تعالى بعد ذكرنا لملوك ~~حلب السلجقية ومن ملكهات بعدهم إلى أن ملكها أتابك زنكي بن اقسنقر . ذكر ~~أخبار ملوك حلب قد فدمنا أن حلب ككانت بيد الملك رضوان بن تتش ، فلم تزل ~~بيده إلى أن توفي في سنة سبع وخمسمائة . وكانت أموره غير مشكورة فإنه قتل ~~أخويه أبا طالب وبهران وكان يستعين في كثير من أموره بالباطنية لقلة تدبيره ~~. فلما مات ملك بعده ابنه تاج الملوك ألب أرسلان الأخرس ، وعمره ست عشرة ~~سنة . ولم يكن أخرس ، وإنما كان في لسانه حبسه وتمتمة وأمه بنت ياغي سيان ~~الذي كان صاحب أنطاكية . PageV27P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" قال : ولما ملك باج الملوك سلك سنة أبيه في ~~قتل إخوته فقتل أخوين له وهما شقيقة ملكشاه ، ومبارك لأبيه ، واستولى على ~~أمور دولته لؤلؤ الخادم ، فلم يكن لتاج الملوك معه في السلطنة غير اسمها ، ~~ومعناها للؤلؤ . ولم تطل مدته في الملك ، فإن غلمانه قتلوه في سنة ثمان ~~وخمسماية ، وأقاموا بعده أخاه سلطان شاه بن رضوان ، فكان مع لؤلؤ كعادة ~~أخيه . فلماكان في سنة إحدى عشرة وخمسمائة - وقيل سنة عشر - قتل لؤلؤ ~~المستولى على الأمر . وكان سبب قاله أنه أراد قال سلطان شاه كمما فعل أخيه ~~، ففطن غلمان سلطان شاه لذلك ، فبادروه بالقتل . وولى أبابكة سلطان شاه ~~بعده شمس الخواص يارقتاش ، فبقي شهرا وعزلوه ، وولى بعده أبو المعالي بن ~~الملحي الدمشقي ms6203 ثم عزلوه وصادروه . فخاف أهل حلب من الفرنج فسلموا البلد ~~إلى الأمير نجم الدين إيلغاري بن أرتق وانقرضت الدولة السلجقية من حلب ، ~~والله أعلم . ذكر أخبار من ملك حلب بعد انقراض الدولة السلجتقية منها ملكها ~~الأمير نجم الدين ايلغازي بن أرتق باتفاق أهلها في سنة إحدى عشرة وخمسمائة ~~، فتسلمها . وكان له مع الفرنج وقائع كثيرة وحروب يطول شرحها . واستناب ~~بحلب ولده سليمان ، فخالفه وعصى عليه . في سنة خمس عشرة وخمسمائة وكان عمره ~~إذ ذاك عشر سنين ، فبلغ والده الخبر ، فسار مجدا فلم يشعر إلا وقد هجم ~~البلد وقبض على من كان حسن لابنه العصيان ، وقتلهم . وكان منهم إنسان من ~~أهل حماة من بيت قرناص ، كان إيلغازي قد قدمه على أهل حلب وجعل إليه ~~الرئاسة فجازاه بذلك ، فقطع يديه ورجليه وسمله فمات . وأراد قتل ولده فمنعه ~~رقة الوالد ، واستناب بحلب سليمان شاه ابن اخيه عبد الجبار بن أرتق ، ولقبه ~~بدر الدولة ، وعاد إلى ماردين ؛ فلم تزل حلب بيده ، إلى أن توفي في سنة ست ~~عشرة وخمسمائة بميافارقين . وبقي سليمان بحلب إلى أن استولى عليها ، ابن ~~عمه بلك بن بهرام بن أرتق ؛ وبقيت بيد بلك إلى أن قتل في سنة ثمان عشرة ~~وخمسمائة وهو يحاصر منبج ، وكان قد قبض على صاحبها حسان البعلبكي ، وملك ~~المدينة وحاصر القلعة ، فأتاه سهم فقتله وكان حسام الدين تمرتاش ابن ~~إيلغازي مع عمه بلك ، فحمله مقتولا إلى ظاهر حلب ، فتسلمها في العشرين من ~~شهر ربييع الأول سنة ثماني عشرة ، PageV27P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" واستولى عليها ، وجعل فيها نائبا يثق به ، ~~وعاد إلى ماردين . وكان يحب الدعة والرفاهية ، فلما عاد إلى ماردين ملك حلب ~~اقسنقر البرسقي صاحب الموصل بمكاتبه من أهلها ، لأن الفرنج كانوا حلصروهم ~~وضيقوا عليهم ، فكتبوا إليه يستنجدونه ، فحضر بعساكره ، فرحل الفرنج عنها ، ~~وملكها في ذي الحجة سنة ثماني عشرة ، فكانت بيده إلى أن قتل في سنة عشرين ~~وخمسمائة على يد الباطنية . وملك بعده ابنه عز الدين مسعود إلى أن توفي في ~~سنة إحدى وعشرين وخمسمائة ، فبقيت ms6204 بيد نائبه قومان ، ثم استناب بعده بها ~~قتلغ ، فوصل إليها بعد فاة مسعود ، وتسلمها في الرابع والعشرين من جمادى ~~الآخرة سنة إحدى وعشرين وخمسمائة ، فظهر منه بعد أيام جور عظيم وظلم شديد ، ~~ومد يده إلى أموال الناس . وكان بالمدينة بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار ~~بن أرتق - الذي كان صاحبها قديما - فأطاعه أهلها ، وقبضوا على أصحاب قتلغ ~~الذين بالمدينة في شوال من السنة ، وحاصروه في القلعة . فسمع الفرنج بذلك ~~فتقدموا إلى المدينة ، فصولحوا بمال حتى رحلوا عنها . وداموا على حصار قتلغ ~~بالقلعة إلى منتصف ذي الحجة ، ثم ملكها عماد الدين زنكي بن اقسنقر ، على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الأتابكية . هذا ما كان من أمر ~~حلب ، فلنذكر أخبار دمشق . ذكر أخبار من ملك دمشق بعد السلجقية إلى أن ~~ملكها نور الدين محمود بن زنكي أول من ملكها معتمد الدولة ظهير الدين ~~طغرتكين ، وقيل فيه طعركين وطعدكين . استولى على دمشق كما قدمناه في سنة ~~سبع وتسعين وأربعماية ، واستقل بالأمر منذ فارقها الملك بلتاش بن تتش وكان ~~لطعرتكين مع الفرنج وقائع كثيرة في سنين عديدة يطول شرحها ، أضربنا عن ~~ذكرها لانها لم تسفر عن فتح بلد ولا أسر ملك وملك طغرتكين بصرى في سنة تسع ~~وتسعين وأربعماية ، وكانت بيد إيتكين PageV27P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" الحلبي ، فلما صار مع السلطان الملط بلتاش كما ~~ذكرنا سلمها أهلها لطغرتكين ، فتسلمها وأحسن إليهم ؛ واستمر في ملك دمشق ~~إلى سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة ، فتوفي في ثامن عشر صفر منها ، وكان عاقلا ~~خيرا ، كثير الغزو والجهاد للفرنج ، حسن السيرة في رعيته ، مؤثرا للعدل ~~فيهم . ولما توفي ملك بعده ابنه والله أعلم . ذكر اخبار تاج الملوك بورى بن ~~أتابك طغرتكين ملك دمشق بعد وفاة أبيه في ثامن عشر صفر سنة اثنتين وعشرين ~~وخمسمائة بوصية من أبيه لله بالملك . وكان أكبر أولاده ، فلما ملك أقر ~~وزيره والده - وهو أبو علي طاهر بن سعيد المزدغاني - على وزارته . ذكر ~~أخبار الاسماعيلية وقتل الوزير المزدغاني كان بهرام مقدم الاسماعيلية قد ms6205 ~~هرب قديما من بغداد إلى الشام بعد قتل أخيه إبراهيم الإسدابادي ، وملك قلعة ~~بانياس ، وجعل خليفته بها يدعو الناس إلى مذهبه ، فكثروا وانتشروا ؛ وملك ~~عدة حصون منها القدموس وغيره ، وهي الآن تعرف بقلاع الإسماعيلية ، من ~~الأعمال المضافة إلى المملكة الطرابلسية . وكان بوادي أتتيم من أعمال بعلبك ~~أرباب مذاهب مختلفة منهم النصيرة الدرية والمجوس وغيرهم ، وأميرهم اسمه ~~الضحاك ، فسار إليهم بأهرام في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة وقاتلهم فخرج ~~إليه الضحاك في ألف رجل ، وكيس عسكر وقتل منهم مقتلة عظيمة ، وقتل بأهرام ~~فيمن قتل ، وانهزم من بقى وأنوا بأناس على أقبح صورة . وكان بهرام قد ~~استخلف على بانياس رجلا من أعيان أصحابه اسمه إسماعيل ، فقام مقامه ، وجمع ~~شمل من سلم من أصحابه ، وبث دعاته في البلاد ، وساعده الوزير المزدغاني ~~وعاضده وأقام المزدغاني بدمشق عوض بهرام إنسانا اسمه أبو الوفا ، فقوي أمره ~~على شأنه ، وكثر أتباعه حتى صار هو المستولى على دمشق ، وحكم أكثر من حكم ~~صاحبها تاج الملوك . ثم إن المزدغتني راسل الفرنج ليسلم إليهم مدينة دمشق ~~ويسلموا إليه مدينة صور ، واستقر الأمر بينهم على ذلك ، وتقرر الميعاد في ~~يوم جمعة عينوه ، وقرر المزدغاني مع الإسماعيلية أن يحتاطوا على أبواب ~~الجامع في ذلك اليوم ، فلا يمكنوا أحدا من الخروج منه ، لتجيئ الفرنج ~~ويملكوا البلد . فاتصل الخبر بتاج الملوك . فاستدعى الوزير المزدغاني فحضر ~~إليه فلما خلا به قتله وعلق رأسه على PageV27P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" باب القلعة ، ونادى في الناس بقتل الباطنية ، ~~فقتل منهم ستة آلاف ؛ وذلك في منتصف شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة . ~~فخاف إسماعيل متولي بانياس عند ذلك من الناس أن يثوروا به وبأصحابه ، فسلم ~~بانياس إلى الفرنج ، وانتقل إليهم هو ومن معه ، فلقوا شدة عظيمة وهوانا ~~ومات إسماعيل في أوائل سنة أربع وعشرين وخمسمائة . ذكر حصار الفرنج دمشق ~~وانهزامهم قال : ولما بلغ الفرنج ما كان من قتل المزدغاني عظمت المصيبة ~~عليهم ، واجتمعوا بجملتهم ، صاحب القدس وصاحب انطاكية وصاحب طرابلس وغيرهم ~~من ملوك الفرنج وقمامصتهم ومن وصل إليهم في البحر فكانوا ms6206 في ألفي فارس ، ~~وأما الراجل فلا يحصى كثرة ، وساروا إلى دمشق لمحاصرتها ، فبلغ ذلك تاج ~~الملوك ، فجمع العرب والتركمان فاجتمع معه ثمانية آلاف فارس ، ووصل الفرنج ~~إلى دمشق في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين فنازلوها ، وأرسلوا سراياهم إلى ~~أعمالها لجمع الميرة والإغارة . فبلغ تاج الملوك أنهم ساروا إلى حوران ، ~~فسير أميرا من أمرائه اسمه شمس الخواص في جمع من المسلمين ، فلقوا الفرنج ~~وقاتلوهم قتالا شديدا ، كان الظفر للمسلمين وقتل الفرنج فلم يفلت منهم غير ~~مقدمهم في أربعين رجلا ، وأخذوا أخذ المسلمين ما معهم وكان عشرة آلاف دابة ~~موقرة ، وثلثمائة أسير ، وعادوا إلى دمشق بالظفر والغنيمة . فألقى الله ~~الرعب في قلوب الفرنج فرحلوا شبه المنهزمين ، وأحرقوا ما تعذر عليهم حمله ~~من سلاح وغيره ، وتبعهم المسلمون يقتلون من بخلف منهم . وكان نزولهم ~~ورحيلهم في ذي الحجة . وفي سنة أربع وعشرين استوزر تاج الملوك الرئيس أبا ~~الدواد المفرج بن الحسن بن الصوفي . PageV27P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" وفي سنة خمس وعشرين وخمسمائة ثار الباطنية ~~بتاج الملوك ، فجرحوه جرحين فبرأ أحدهما وبقي الآخر ، فاشتد عليه في شهر ~~رجب سنة ست وعشرين وخمسمائة فأضعفه وأسقط قوته فمات ، في الحادي والعشرين ~~من الشهر . وكانت مدة إمارته أربع سنين وخمسة أشهر وأياما ، وكان كثير ~~الجهاد مقداما فأقام في حروبه مقام أبيه وفاق عليه ولما مات قام بعده ولده ~~إسماعيل بوصية منه . ذكر أخبار شمس الملوك اسماعيل ابن تاج الملوك بورى بن ~~طغرتكين ملك دمشق بعد وفاة أبيه في الحادي والعشرين من شهر رجب سنة ست ~~وعشرين وخمسمائة . وكان والده قد أوصى له بالملك ولولده الآخر شمس الدولة ~~محمد بمدينة بعلبك وأعمالها ، فنفذت وصيته وقام بتدبير الأمر بين يدي شمس ~~الملوك الحاجب فيروز شحنة دمشق - وهو صاحب أبيه - واعتمد عليه ، وابتدأ ~~أمره بالرفق بالرعية ، والإحسان إليهم . قال : وبلغ شمس الملوك أن أخاه شمس ~~الدولة صاحب بعلبك استولى على حصني اللبوة والراس واستمال من بهما وتسلمهما ~~، وجعل فيهما من الجند من يحفظهما . فراسله في ذلك وتلطف معه وقبح عليه ~~فعله ، وطلب ms6207 إعادتهما إليه ، فامتنع . فتجهز بعساكره في آخر ذي الحجة من ~~السنة وقصد جهة الشمال ، ثم عطف مغربا ، فلم يشعر من بحصن اللبوة إلا وقد ~~نزل عليهم ، وزحف لوقته فلم يتمكنوا من نصب منجنيق ولا غيره ، فراسلوا في ~~طلب الأمان ، فأمنهم وتسلم الحصن من يومه . وسار إلى حصن الراس موفعل به ~~كذلك ، وتسلمه وجعل فيهما من يحفظهما . ثم رحل إلى بعلبك وحصرها وبها شمس ~~الدولة وقد استعد ، فوالى الزحف حتى ملك البلد بعد قتال شديد . وتحصن شمس ~~الدولة فنازله فراسله في طلب الأمان وأن يقره على ما أوصى له به والده ، ~~فأجابه إلى ذلك وعاد إلى دمشق . PageV27P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" ذكر ملكه قلعة بانياس وفي سنة سبع وعشرين ~~وخمسمائة ملك شمس الملوك قلعة بانياس من الفرنج . وسبب ذلك أن الفرنج ~~استضعفوه وطمعوا فيه . وكانت قد تقررت بينهم هدنة ، فقصدوا نقضها ، ومدوا ~~أيديهم إلى أموال جماعة من تجار دمشق بمدينة بيروت ، فشكا التجار ذلك إلى ~~شمس الملوك ، فراسل الفرنج في إعادة ما أخذوه ، فلم يردوا شيئا . فجمع ~~العساكر وتأهب ولم يعلم أحدا بمقصده . ثم سار في آخر المحرم من السنة ونزل ~~على بانياس في صفر ، وزحف زحفا متتابعا . وقرب من سور المدينة وترجل بنفسه ~~، وتبعه الناس فوصلوا إلى السور ونقبوه ، ودخلوا البلد عنوة ، والتجأ من ~~كان فيه من جند الفرنج إلى الحصن ، فقتل كثير من الفرنج بالبلد وقاتل من ~~بالقلعة قتالا شديدا ، ثم ملك القلعة بالأمان في رابع صفر وعاد إلى دمشق . ~~ذكر ملكه مدينة حماة وفي شوال سنة سبع وعشرين وخمسمائة ملك شمس الملوك ~~مدينة حماة وهي لأتابك زنكي بن اقسنقر ، وذلك أنه لما ملك قلعة بانياس أقام ~~بدمشق إلى شهر رمضان ، وسار إلى حماة في العشر الآخر منه . وكان قد بلغه أن ~~الخليفة المسترشد بالله قد حضر إلى الموصل ، فطمع في البلاد لتغير الخليفة ~~علي زنكي ، فحصر حماة وقاتل من بها يوم العيد ، وملك البلد في اليوم الثاني ~~قهرا ، وطلب من به الأمان فأمنهم ، وحصر القلعة ، واستولى عليها وعلى ما ms6208 ~~بها من الذخائر ، وسار منها إلى قلعة شيزر ، وبها صاحبها ابن منقذ ، فحصرها ~~ونهب بلدها ، فراسله صاحبها وسار معه بمال ، فعاد إلى دمشق في ذي القعدة من ~~السنة . وفي تاسع شهر ربيع الآخر وثب على شمس الملوك بعض مماليك جدة ~~طغرتكين ، فضربه بسيف فلم يصنع فيه شيئا ، وتكاثر عليه مماليك شمس الدولة ~~فمسكوه ، فقرره ما الذي حمله على ما فعل ، فقال : أردت راحة PageV27P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" المسلمين من شرك وظلمك فلم يزل يضرب حتى أقر ~~على جماعة أنهم وضعوه على ذلك ، فقتلهم من غير تحقيق ، وقتل أخاه سونج ، ~~فعظم ذلك على الناس ، ونفروا عنه وأنفوه . ذكر ملكه شقيف تيرون ونهبه بلد ~~الفرنج وفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة سار إلى شقيف تيرون وهو في الجبل ~~المطل على بيروت وصيدا ، وكان في يد الضحاك بن جندل رئيس وادي التيم قد ~~تغلب عليه وامتنع به واحتمى على المسلمين والفرنج . فسار إليه شمس الملوك ~~وملكه في المحرم من هذه السنة ؛ فمعظم أخذه على الفرنج ، لأن الضحاك كان لا ~~يتعرض إلى شيء من بلادهم المجاورة له ، فجمع الفرنج جموعهم فساروا إلى بلد ~~حوران يخربون أمهات الضياع . فسار إليهم شمس الملوك ونزل بإزائهم وجرت ~~بينهم مناوشة عدة أيام ، ثم نهض ببعض عسكره وجعل بقيتهم قبالة الفرنج . ~~وسار وقصد بلاد طبرية والناصرة وعكا وما جاورها من البلاد ، والفرنج لا ~~يشعرون به ، فقتل وخرب وأحرق وسبى وامتلأت أيدي المسلمين من الغنائم ، فبلغ ~~الفرنج خبره ، فرجعوا إلى بلادهم ، وعاد هو على غير الطريق الذي سلكه ، ~~فوصل سالما وراسله الفرنج في تجديد الهدنة . ذكر مقتل شمس الملوك وملك أخيه ~~شهاب الدين محمود وفي شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وخمسمائة ، قتل شمس ~~الملوك إسماعيل . وسبب ذلك أنه كان قد ركب طريقا شنيعا من الظلم ومصادرات ~~العمال PageV27P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" وغيرهم من أهل البلد وأعيانه ، وبالغ في ~~العقوبات ، وظهر منه بخل زائد ودناءة نفس . ثم ظهر عنه أنه كاتب عماد الدين ~~زنكي ليسلم إليه دمشق ويحثه على سرعة الوصول ، وأخلى المدينة ms6209 من الذخائر ~~والأموال ، ونقل ذلك إلى صرخد وتابع الرسل إلى زنكي يحثه على الوصول ويقول ~~: إن أهملت المجيء سلمت البلد إلى الفرنج . فامتعض أصحاب أبيه وجده منه ، ~~وذكروا الحال لوالدته فساءها وأشفقت منه ووعدتهم بالراحة من هذا الأمر . ثم ~~ارتقب غفلة غلمانه وأمرت غلمانها بقتله فقتلوه . وأمرت بإلقائه في موضع من ~~الدار ليشاهده غلمانه ، فلما رأوه سروا بمقتله . وأمه زمود خاتون ابنة ~~جاولي ، وهي التي بنت المدرسة بظاهر دمشق المطلة على وادي الشقراء ، ونهر ~~بردى . هذا أحد ما قيل في قتله . وقيل كان سبب مقتله أن والده كان به صاحب ~~اسمه يوسف بن فيروز ، وكان متمكنا منه حاكما في دولته ثم في دولة والده هذا ~~، فاتهم بأم شمس الملوك . وبلغه الخبر فهم بقتل يوسف فهرب منه إلى تدمر ، ~~وتحصن بها وأظهر الطاعة لشمس الملوك . وأراد شمس الملوك قتل أمه ، فبلغها ~~الخبر فقتلته خوفا على نفسها ، والله أعلم . وكان مولده في سابع جمادى ~~الآخرة سنة ست وخمسمائة ، فتكون مدة حياته اثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر ~~، ومدة ملكه سنتين وتسعة أشهر وأياما . ذكر أخبار شهاب الدين محمود ابن تاج ~~الملوك بورى بن طغرتكين ملك دمشق بعد مقتل أخيه شمس الملوك في شهر ربيع ~~الأول سنة تسع وعشرين وخمسمائة ، وحلف له الناس واستقر له الأمر ثم وصل ~~أتابك زنكي إلى دمشق ونازلها في أول جمادى الأولى من السنة ، فبينما هو ~~يحاصر دمشق إذ ورد عليه رسول الخليفة المسترشد بالله بالخلع ويأمره بصلح ~~صاحب دمشق والرحيل عنها ، فصالحه ، وخطب له بدمشق مع صاحبها ، وفارق البلد ~~لليلتين بقيتا من الشهر . PageV27P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" ذكر ملكه مدينة حمص وفي الثاني والعشرين من ~~شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وخمسمائة ، تسلم شهاب الدين محمود مدينة حمص ~~وقلعتها . وذلك أن أصحابها أولاد الأمير خرخان بن قراجا الوالي عليها من ~~قبلهم ضجروا من كثرة تعرض عسكر زنكي إليها وإلى أعمالها ، وتضييقهم على من ~~بها ، فراسلوا شهاب الدين في تسليمها ، فأجابهم ، وسار إليها وتسلمها ، ~~وسلم إليهم تدمر ، وأقطع حمص لمملوك جده ms6210 معين الدين أنر وجعل فيها نائبا ~~عنه ممن يثق به من أعيان أصحابه ، وعاد إلى دمشق ثم ملكها أتابك زنكي في ~~سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة ، وتزوج زمرد خاتون والدة شهاب الدين لتحكمها ~~بدمشق ، وظن أنه تملك البلد باتصاله بها ، فلم يتهيأ له ملكها . قال : ~~واستمر ملك شهاب الدين محمود إلى سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة ، فقتل على ~~فراشه في شوال منها ، قتله ثلاثة من خواصه كانوا يبيتون عنده فقتلوه ليلا ، ~~وخرجوا من القلعة فنجا أحدهما وقتل الآخران . ذكر ملك جمال الدين محمد ابن ~~تاج الملوك بورى بن طغرتكين ملك دمشق بعد مقتل أخيه شهاب الدين محمود في ~~شوال سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة . وذلك أن محمود لما قتل ، كتب معين الدين ~~أنر إلى جمال الدين صاحب بعلبك بالخبر ، واستدعاه ليملكه البلد ، فجاء ~~مسرعا وجلس لعزاء أخيه ، وخلف الجند وفوض أمر دولته إلى معين الدين أنر ، ~~وزاده في علو مرتبته ، وأقطعه بعلبك ، وزوجه بأمه . قال : ولما اتصل بزمرد ~~خاتون قتل ابنها محمود كتبت إلى زوجها أتابك زنكي وهو بالجزيرة أن ينهض في ~~طلب ثار ابنها ، فسار مسرعا وملك بعلبك عنوة في PageV27P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين ، وحصر جمشق في سنة ~~أربع وثلاثين ، وبذل لمعين الدين حمص وبعلبك وغير ذلك على أن يسلم إليه ~~دمشق فلم يوافق ، فجد في الحصار . فبينما هو يحاصرها مرض جمال الدين محمد ~~ومات في ثامن شعبان منها ، فطمع زنكي حينئذ في البلد ووالى الزحف والقتال . ~~قال : ولما مات جمال الدين ولى بعده ولده . ذكر أخبار مجير الدين ابق ابن ~~جمال الدين محمد بن الورى ابن طغرتكين ملك دمشق بعد وفاة أبيه في ثامن ~~شعبان سنة أربع وثلاثين وخمسمائة ، وهي إذ ذال محاصرة ، فقام بتدبير دولته ~~معين الدين مدبر دولة أبيه . وداوم زنكي الحصار وضيق على أهل البلد ، فعند ~~ذلك راسل أنر الفرنج واستدعاهم لنصرته ، وإعانته على حرب زنكي ، وبذل لهم ~~بذولا من جملتها أن يحاصر بانياس ويسلمها إليهم ، وخوفهم أن زنكي إن ملك ~~دمشق قصدهم وغزاهم ms6211 . فاجتمعوا وعزموا على المسير إلى دمشق ، فاتصل ذلك ~~بزنكي فتوجه إلى حوران وقصد غزو الفرنج وذلك في منتصف شهر رمضان . فبلغ ~~خبره الفرنج فأقاموا ببلادهم ، فعاد إلى حصار دمشق ثم نزل بعذرا في سادس ~~شوال ، وأحرق عدة ضياع من المرج والغوطة ، وعاد إلى بلاده . ووصل الفرنج ~~إلى دمشق في ميعاد أنر ، بعد رحيل زنكي فسار معهم إلى بانياس وحصرها وأخذها ~~وسلمها للفرنج . ولما فعل ذلك عاد زنكي لمحاصرة دمشق فقاتله أهلها ، فرحل ~~عنهم . ثم اتفق قتل عماد الدين زنكي في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة ، فسار ~~مجير الدين ابق إلى بعلبك وحصبها وبها نجم الدين أيوب ، فخاف أن أولاد زنكي ~~لا يمكنهم إنجاده في عاجل الحال ، فصالحه وسلم القلعة إليه ، وأخذ منه ~~إقطاعا ومالا ، وملكه عدة قرى من بلد دمشق . وانتقل نجم الدين أيوب إلى ~~دمشق وسكنها ، وأقام بها ، واستمرت دمشق بيد مجير الدين إلى أن ملكها نور ~~الدين محمود بن زنكي في سنة تسع وأربعين وخمسمائة على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى في أخباره . PageV27P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" ولما ملكها نور الدين تحصن مجير الدين بالقلعة ~~، فراسله في تسليمها وبذل له إقطاعا من جملته مدينة حمص ، فأجاب إلى ذلك ، ~~وسلم القلعة وتسلم الإقطاع ، وسار إلى حمص . ثم راسل أهل دمشق بعد ذلك على ~~أن يسلموها إليه . فعلم نور الدين به ، وأخذ منه حمص وعوضه عنها بآس ، فلم ~~يرض بها ، وسار إلى بغداد وابتنى بها دارا بالقرب من النظامية . وتوفي بها ~~. هذا ما كان من أخبار ملوك دمشق على سبيل الاختصار ، وإنما أوردنا أخبارهم ~~في هذا الموضع على سبيل الاستطراد ، ولئن تكون أخبارهم متتابعة . فلنرجع ~~إلى أخبار الملوك السلحفية ، ولنذكر ملوك الروم منهم . ذكر أخبار الملوك ~~السلجقية أصحاب قوينة واقتصرا ومالطية ودقوقا من الروم أول من ملك منهم ~~شهاب الدولة قتلمش بن أرسلان بيغو ابن سلجق . وكان ابتداء أمره أنه عصى على ~~السلطان طغرل بك في سنة ثلاث وخمسين وأربعماية ، وملك قلعة كردكو وامتنع ~~بها ، وأخذ أموالا كانت حملت من خوارزم ms6212 إلى السلطان ، فسير إليه طغرليك ~~جيشا فهزمه مرة بعد أخرى . فلما مات طغرليك أظهر شهاب الدين قتلمش العصيان ~~على ألب أرسلان ابن جعفر بيك داود ، وجمع PageV27P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" جموعا كثيرة ، وقصد الري ليستولي عليها عندما ~~بلغه وفاة طغرليك ، فسار إليه السلطان ألب أرسلان والتقوا واقتتلوا فانهزم ~~عسكر قتلمش ، وفر هو لقصد كردكوه ، فوجد ميتا غير مقتول ، كما ذكرنا ذلك في ~~أخبار ألب أرسلان في سنة ست وخمسين وأربعماية ، ولما مات ملك بعده ابنه ~~سليمان . ذكر أخبار الملك سليمان ابن شهاب الدولة قتلمش وهو الثاني من ~~الملوك السلجقية بالروم ، ملك ما كان بيد أبيه بعد وفاته في سنة ست وخمسين ~~وأربعماية . ذكر فتح مدينة أنطاكية وفي سنة سبع وسبعين وأربعمائئة سار ~~سليمان من بلاده ، وقصد الشام وملك مدينة انطاكية ، وكانت بيد الروم من سنة ~~ثممان وخمسين وثلثمائة . وكان شبب ملكه إياها أن صاحبها الفزدرؤس الرومي ~~كان قد سار عنها إلى بلاد الروم ، ورتب في انطاكية شحنة وكان الفزدرؤس كثير ~~الإساءة إلى أهل البلد وإلى جنده ، حتى أنه حبس ابنه ، فاتفق ابنه والشحنة ~~على تسليم البلد إلى سليمان ، فكاتبوه يستدعونه ، فركب في البحر ومعه ~~ثلثمائة فرس وكثير من الرجالة ، وخرج منه وسار في جبال وعرة ومضايق شديدة ~~حتى وصل إليها في وقت الموعد ، فنصب السلاليم وصعد باتفاق من الشحنة وابن ~~صاحبها ، فملكها في شعبان من السنة . وقاتله أهل البلد فهزمهم مرة بعد أخرى ~~، وقتل كثيرا منهم ثم عفا عنهم ، وتسلم القلعة وأخذ من الأموال ما لا يحصى ~~كثرة ، وأحسن إلى الرعية وعدل فيهم ، وأرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره ~~بالفتح فأظهره الفرح بذلك وهنأ الناس . قال : ولما فتحها أرسل إليه شرف ~~الدولة مسلم بن قريش صاحب حلب يطلب منه حمل ما كان صاحب انطاكية يحمله إليه ~~، ويخوفه معصية السلطان . فأجابه أن صاحب انطاكية كان كافرا يحمل الجزية عن ~~رأسه وأصحابه ، وأنا مسلم والخطبة والسكة في بلادي للسلطان ، وهذا الفتح ~~إنما فتحته بسعادته وكاتبته به . فنهب شرف الدولة بلد انطاكية ، ونهب ~~سليمان بلد ms6213 حلب ، فلقيه أهل السواد ، فشكوا إليه من نهب عسكره . فقال لهم : ~~أنا كنت أشد كراهة لما جرى ، ولكن صاحبكم PageV27P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" أحوجني إلى ما فعلت ، فلم تجر عادتي بنهب مال ~~مسلم ، ولا أخذ ماحرمته الشريعة ، وأمر أصحابه بإعادة ما نهب على أصحابه ، ~~فأعادوه . ثم جمع شرف الدولة الجموع وسار لقتال سليمان ، فالتقوا واقتتلوا ~~، فانهزم عسكر شرف الدولة وقتل هو ؛ وذلك في يوم الجمعة لست بقين من صفر ~~سنة ثمان وسبعين وأربعماية . ذكر قتل الملك سليمان قتلمش قال : ولما قتل ~~سليمان بن شرف الدولة ، أرسل إلى مقدم حلب يطلب تسليمها له ، فأنفذ إليه ~~مالا ، واستمهله إلى أن يكاتب السلطان ملكشاه . وأرسل المقدم إلى تتش صاحب ~~دمشق يعده بتسليمها إليه ، فسار تتش إلى حلب . فعلم سليمان بذلك ، فسار ~~نحوه والتقوا وقاتلوا ، فانهزم أصحاب سليمان وثبت هو في القلب . فلما علين ~~الهلكة . قتل نفسه بسكين ، وقيل بل فتل في المعركة ، واستولى تتش على ~~معسكره ، وذللك قي سنة تسع وسبعين وأربعماية . وكان سليمان قد أرسل جثة شرف ~~الدولة مسلم في صعر سنة ثمان وسبعين على بغل ، ملفوفة في إزار إلى حلب ، ~~وطلب من أهلها تسليمها إليه ، فأرسل تتش جثة سليمان في صفر من السنة التي ~~تليها على تلك الهيئة ، وطلب منهم بسليمها . ولما قتل ملك بعده ببلاد الروم ~~ولده والله أعلم . ذكر اخبار قلج أرسلان بن سليمان وهو الثالث من الملوك ~~السلجقية بالروم . ملك بعد قتل أبيه في صفر سنة تسع وسبعين وأربعماية ، ~~واستمر في المملكة الرومية وملك الموصل في سنة خمسمائة . وذلك أن صاحبها ~~جكرمش كان قد حاصره جاولي سقاووا ، وأسره ومات في أسره . فكتب أصحاب جكرمش ~~إلى الأمير PageV27P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" صدقة ، وإلى مسيم الدولة اقسنقر البرسقي ، ~~وإلى قلج أرسلان ، يستدعون كل واحد منهم إليها ، ليسلموا إليه الموصل ، ~~فامتنع صدقة ، وسار قلج أرسلان . فلما وصل إلى نصيبين رحل جاولي عن الموصل ~~، واتفق وصول البرسقي وهو شحنة بغداد إلى الموصل ، ونزل بالجانب الشرقي بعد ~~رحيل جاولي وفي ظنه أنه يملك البلد ، فلم ms6214 يخرج إليه أحد من أهلها ولا ~~راسلوه بكلمة واحدة ، فعاد في بقية يومه . وأرسل أصحاب جكرمش وأهل الموصل ~~إلى قلج أرسلان واستحلفوه لهم ، فحلف ، وحلفهم على الطاعة له والمناصحة ، ~~وسار إلى الموصل وملكها لخمس بقين من شهر رجب سنة خمسماية ، وأسقط خطبه ~~السلطان وخطل لنفسه بعد الخليفة ، وأحسن إلى العسكر وخلع على ولد جكرمش ~~وأخذ القلعة ، من غزغلي مملوك جكرمش وجعل عليها دزدارا ، ودفع الرسوم ~~المحدثة في الظلم ، ونشر العدل وتآلف الناس ، وقال : من سعى إلي بأحد قتلته ~~، فلم يسع إليه أحد بأحد . ذكر قتل الملك قلج أرسلان وملك ولده الملك مسعود ~~كان مقتله في العشرين من ذي الفعدة من سنة خمسماية ، وذلك أنه لما فارق ~~جاولي الموصل سار إلى الرحبة وملكها بعد حصار وقتال ، فلما أحكم الملك قلج ~~أمر الموصل ، سار عنها لقتال جاولي ، وجعل ابنه ملكشاه في دار الإمارة ~~بالموصل ، وسنه إحدى عشرة سنة ، وجعل معه أميرا يدبره وجماعة من العسكر . ~~وكانت عدة عسكره أربعة آلاف فارس بالعدد الكاملة والخيل الجيدة . فسمع ~~عسكره بقوة جاولي وكثرة أتباعه وجنده ، فاختلفوا ، فكان أول من خالف عليه ~~إبراهيم بن ينال صاحب آمد ، وكان معه لما فتح الموصل . ففارق خيامه وأثقاله ~~وعاد من الخابور إلى بلده ثم فارقه غيره . فعمل قلج في المطاولة لما بلغه ~~من قوة جاولي وكثر جموعه ، وأرسل في طلب عساكره من الروم . وكان في جملة ~~عسكر جاولي الملك رضوان صاحب حلب ، فاغتنم جاولي قلة أصحاب قلج فقاتله قبل ~~وصول عسكره ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فحمل قلج بنفسه وانهزم أصحابه . فلما ~~رأى قلج انهزام عسكره ألقى PageV27P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" نفسه في الخابور ، وحمى نفسه بالنشاب ، فانحدر ~~به الفرس إلى ماء عميق ، وغرق ، فظهر بعد أيام ، فدفن بالسليمانية وهي قرية ~~من قرى الخابور . وسار جاولي ودخل الموصل وأرسل ملكشاه بن قلج إلى السلطان ~~محمد . قال : وملك بعده ولده الملك مسعود بن قلج ، وأقام في الملك إلى سنة ~~إحدى وخمسين وخمسماية ، فتوفي فيها . ولم أقف من أخباره على شيء أورده له ، ~~وملك ms6215 بعده ولده . ذكر أخبار الملك عز الدين قلج أرسلان بن مسعود ابن قلج ~~أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن أرسلان بيغو بن سلجق وهو الخامس من الملوك ~~السلجقية ببلاد الروم . ملك بعد وفاة والده في سنة إحدى وخمسين وخمسماية . ~~وكان ذا سياسة ، وعدل وافر ، وهيبة عظيمة ، وله غزوات كثيرة إلى بلاد الروم ~~. وكان له من بلاد الروم قونية وأعمالها واقصرا وسيواس وملطية وغير ذلك ، ~~وكان له عدة أولاد ، فلما كبرت سنه فرق بلاده على أولاده في حياته ، وملك ~~نحو تسع وعشرين سنة . ذكر تسليمه البلاد لبنيه وبني أخيه وما جعل لكل منهم ~~قال المؤرخ : لما ضعف الملك عز الدين قلج أرسلان هذا عن القيام بوظائف ~~الملك لكبر سنه ، أفرد البلاد لأولاده وأولاد أخيه وسلم لكل واحد منهم جهة ~~، فسلم إلى ابنه ركن الدين سليمان دوقاط ، وإلى ابنه غياث الدين كيخسرو ~~قونية ، ولولده محي الدين أنقرة - وتسمى أنكورية - ولولده معز الدين قيصر ~~شاه ملطية ، ولولده مغيث الدين طغرل شاه أتلستين ، ولولده نور الدين محمود ~~قيسارية ، ولولده قطب الدين سيواس وأقصرا ، ولولد أخيه نكسار ، ولولد أخيه ~~أماسيا . هذه أمهات البلاد ، ويضاف إلى كل جهة ما تجاورها . ثم ندم على ذلك ~~وأراد أن يجمع جميع المملكة لولده الأكبر قطب الدين ، وخطب له ابنة الملك ~~الناصر صلاح الدين يوسف صاحب مصر ليتقوى به ، فلما اتصل ذلك ببقية أولاده ~~امتنعوا من طاعته ، وأزالوا حكمه عنهم ، فكان يتردد بينهم على سبيل الزيارة ~~، ثم توجه إلى ولده غياث الدين كيخسرو صاحب قونية . فخرج إليه وقبل الأرض ~~بين يديه واستبشر بقدومه ، واتمر بأمره ، فقال له : PageV27P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" أريد أن أسير إلى ولدي محمود صاحب قيسارية ، ~~وآخذها منه فسار هو وولده كيخسرو ، وحصرا محمود ، فمرض قلج أرسلان ، وتوفي ~~في منتصف شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة فعاد كيخسرو إلى بلده ، واستقر ~~كل واحد منهم على ما بيده من البلاد . ذكر قتل نور الدين محمود واستيلاء ~~قطب الدين على قيسارية ووفاته واستيلاء ركن الدين سليمان على سائر المملكة ~~قال : كان ms6216 قطب الدين صاحب أقصرا وسيواس إذا توجه من أحدهما إلى الأخرة يجعل ~~طريقه على قيسارية ، ويجتمع بأخيه نور الدين محمود صاحبها ، ويظهر له ~~المودة . فاطمأن له محمود . وكان الأمير اختيار الدين حسن أحد أمراء والده ~~يحذره عاقبة طمأنينته لأخيه ، فنزل قطب الدين في بعض الأحيان بظاهر قيسارية ~~وجاء نور الدين إليه فقتله ، ورمى برأسه إلى أصحابه ، وتسلم البلد بعد أن ~~امتنع من بها عليه ، ثم قتل الأمير اختيار الدين حسن وكان من أكابر الأمراء ~~الديانين ، وألقاه في الطريق ، فجاء كلب ليأكل من لحمه ، فثار الناس وقالوا ~~: لا سمعا ولا طاعة هذا أمير كبير في الإسلام ، وبنى مدرسة للعلم ، وله ~~صدقات دارة ، ولا نتركه تأكله الكلاب ، فأمر عند ذلك بدفنه ، فدفن في ~~مدرسته . ثم مرض فطب الدين ومات ، فسار أخوه ركن الدين سليمان صاحب دوقاط ~~إلى سيواس ، وهي تجاوره ، فملكها ثم ملك قيسارية أقصرا . ثم سار بعد ذلك ~~إلى قونية ، وبها أخوه غياث الدين فحصروه بها . وملكها ، ففارقها غياث ~~الدين إلى الشام . ثم عاد إلى الروم وسار إلى القسطنطينية ، ثم ملك البلاد ~~على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وسار ركن الدين بعد ذلك إلى نكسار ~~وأماسيا فملكها من ابني عمه ، وملك ملطية في شهر رمضان سنة سبع وتسعين ~~وخمسماية ، وفارقها أخوه معز الدين قيصر شاه ، وسار إلى الملك العادل أبي ~~بكر ، وكان زوجه ابنته . فاجتمع لركن الدين سليمان ملك جميع البلاد التي ~~كانت بيد إخوته وأولاد عمه إلا أنقرة ، فإنها امتنعت عليه لحصانتها ، فجعل ~~عليها من عسكره من يحصرها ، فحوصرت ثلاث سنين كوامل PageV27P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" وتسلمها في سنة ستماية ، وعوض أخاه محي الدين ~~عنها قلعة في أطراف بلاده ، وحلف له عليها ، فسار محي الدين إليها فجهز في ~~إثره من قتله . ذكر وفاة ركن الدين سليمان وملك ولده قلج أرسلان قال : ولما ~~غدر بأخيه خحي الدين صاحب أنكورية وقتله ، لم يمهله الله عز وجل ، فمرض ~~بالقولنج ، بعد قتله لخمسة أيام ، ومات في سبعة أيام ، وكانت وفاته في سادس ~~ذي القعدة ms6217 سنة ستماية ، وكان قيما بأمر الملك ، شديدأ على الأعداء ، إلا أن ~~الياس كانوا ينسبونه إلى فساد في اعتقاده ، وأنه يقول بقول الفلاسفة . وكان ~~كل من رمى بهذا المذهب يأوى إليه ، لكنه كان يستر ذلك عن الناس ، ولا ~~يتظاهر به . قال : ولما مات اجتمع الناس بعده على ولده قلج أرسلان ، وملكوه ~~عليهم وكان صغير السن ، فبقى إلى بعض سنة إحدى وستماية . ذكر ملك غياث ~~الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قلتمش بن ~~أرسلان بيغو بن سلجق ، بلاد الروم من ابن أخيه ، وهو الثاني من ملوك ~~السلجقية بالروم ملك المملكة الرومية في شهر رجب ، سنة إحدى وستماية . وذلك ~~أن ركن الدين سليمان لما أخذ منه قونية ، كما قدمناه ، قصد الشام إلى الملك ~~الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب ، فلم يجد عنده قبولا ، فسار من عنده ~~وتنقل في البلاد إلى أن سار إلى القسطنطينة ، فأحسن إليه ملك الروم وأكرمه ~~وأقطعه إقطاعا ، فأقام عنده وتزوج بابنة بعض البطارقة الأكابر . وكان ~~للبطريق قلعة من قلاع القسطنطينية ، PageV27P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" فلما ملك الفرنج قسطنطينية ، هرب غياث الدين ~~إلى حميه ، بالقلعة ، فنزل عنده وقاسمه فيما هو فيه وقنعا بها فلمما مات ~~أخوه في سنة ستماية كما ذكرناه ، وملك ولده قلج أرسلان ، فخالف عليه بعض ~~الأمراء الأكابر وكان من الترك ، فأنف أن يملك صغيرا ، فراسل غياث الدين ~~فحضر إليه في جمادى الأولى ، واجتمع معه بعض العسكر وتوجه إلى قونية وبها ~~قلج أرسلان بن أخيه ، فخرج له بعض عسكرها فهزموه وبقي حيران ولايدري ما ~~يصنع ، ولا أين يتوجه . فقصد بلدة صغيرة من بلاد قونية يقال لها أوكرم ، ~~فقدر الله أن أهل مدينة أقصرا وثبوا على واليها ، فأخرجوه منها ونادوا ~~بشعار غياث الدين . فلما وصل الخبر أهل قونية قال أهلها : نحن أولى بذلك ~~منهم ، لأنه كان حسن السيرة فينا ، فنادوا باسمه ، وأخرجوا من عندهم ، ~~واستدعوه ، فملك المدينة وقبض على ابن أخيه ، وملك البلاد أجمع في ساعة ~~واحدة ، فسبحان من إذا أراد أمرا ms6218 هيأ أسبابه . وحضر إليه أخوه قيصر شاه ~~الذي كان صاحب ملطية ، فلم يجد عنده قبولا ، فأعطاه شيئا وأمره بمقارقة ~~البلاد ، فعاد إلى الرها ، واستتب الملك لكيخسروا وأعظم شأنه ، والله أعلم ~~. ذكر ملكه مدينة أنطاكية وفي ثالث شعبان سنة ثلاث ستماية ملك الملك غياث ~~الدين كيخسروا مدينة أنطاكية بالأمان ، وكانت للروم . وكان قد حصرها قبل ~~هذا التاريخ وهدم عدة أبرجة من سنورها ، وأشرف على فتحها عنوة ، فاستنجد من ~~بها من الروم بفرنج جزيرة قبرص ، فوصل إليها جماعة منهم فيئس منها وفارقها ~~وترك طائفة من أصحابه بالقرب منها في الجبال التي بينها وبين بلاده ، ~~وأمرهم بقطع الميرة عنها . فضاق أهلها فطلبوا من الفرنج الخروج لدفع ~~المسلمين عن مضايقتهم ، فظنوا أنهم يريدون إخراجهم من المدينة . فوقع الخلف ~~بينهم ، فاقتتلوا فأرسل الروم إلى المسلمين يطلبونهم ليتسلموا البلد ، ~~فوصلوا إليهم واجتمعوا معهم على قتال الفرنج ، فانهزم الفرنج منهم واعتصموا ~~بالحصن . فأرسل المسلمون يطلبون كيخسرو ، فجاء من قونية وحصر الفرنج وتسلم ~~الحصن . واستمر غياث الدين كيخسرو في الملك إلى أن توفي سنة سبع وستماية ~~وملك بعده ولده PageV27P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" الملك الغالب عز الدين كيكاووش ابن كيخسرو ، ~~وملك كيكاووش هذا بعض بلاد حلب ، وانتزعت منه ، واستمر في المملكة الرومية ~~إلى سنة ست عشرة وستماية ، فتوفي ولم يكن له ولد فملك بعده أخوه . ذكر ملك ~~علاء الدين كيقباذ بن غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج ~~أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن أرسلان بيغو بن سلجق وهو العاشر من ملوك ~~السلجقية بالروم ملك بعد وفاة أخيه قي سنة ست عشرة وستماية ، وكان أخوه ~~كيكاووش قد اعتقله لما ملك ، وأشار عليه أصحابه بقتله فلم يفعل . فلما مات ~~كيكاووش أخرج الجند كيقباذ وملكوه عليهم . وقيل إنه لما اشتدت علة كيكاووش ~~أخرجه من الاعتقال ، وحلف له العساكر . قال : ولما ملك كيقباذ خالف عمه ~~مغيث الدين طغرل شاه بن قلج أرسلان صاحب أرزن الروم ؛ ومغيث الدين هذا هو ~~الذي أمر ولده أن ينتصر وزوجه ملكة الكرج ، وأقام معها ms6219 مدة ، فهويت غيره من ~~مماليكها فرآه معها ، فأنكر ذلك عليها ، فاعتقلته . ومات مغيث الدين هذا في ~~سنة اثنتين وعشرين وستماية ، وملك بعده ابنه . قال : ولما ملك كيقباذ خاف ~~من الروم المجاورين لبلاده ، فأرسل إلى الملك الأشرف صاحب دمشق وصالحه ، ~~وتعاهد على المصافاة والتعاضد ، والله أعلم . وفي سنة ثلاث وعشرين وستماية ~~في شعبان سار كيقباذ إلى بلاد الملك PageV27P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" المسعود صاحب آمد ، وملك عدة من حصونه . وكان ~~صاحب آمد قد اتفق مع السلطان جلال الدين خوارزم شاه على مخالفة الأشرف صاحب ~~دمشق ، فأرسل الأشرف إلى كيقباذ بقصد آمد ، فسار وفتح حصن منصور وحصن ~~سمسنكاذا وغيرهما . فلما رأى صاحب آمد ذلك راسل الملك الأشرف ، وعاد إلى ~~موافقته . فأرسل الأشرف إلى كيقباذ يعرفه الصلح وأن يعيد إلى صاحب آمد ما ~~أخذه ، فامتنع وقال : ما أنا نائب الأشرف يأمرني وينهاني فأمر الأشرف ~~عساكره بمساعدة صاحب آمد إن أصر ملك الروم وساروا إلى كيقباذ وهو يحاصر ~~قلعة الكختا ، فالتقوا في شوال فانهزم صاحب آمد ومن معه هزيمة عظيمة ، وأسر ~~كثير من أصحابه ، وجرح ، وملك كيقباذ قلعة الكختا . وفي سنة خمس وعشرين ~~وستماية ملك كيقباذ أرزنكان وكان صاحبها بهرام شاه قد طال ملكه بها ، وجاوز ~~ستين سنة ، ولم يزل في طاعة السلجقية ملوك الروم . فلما توفي ملك بعده ولده ~~علاء الندين داود شاه ، فأرسل إليه كيقباذ يطلبه بعسكره يسير معه إلى مدينة ~~: أرزن الروم ليحاصرها . فحضر إليه فقبض عليه وأخذ مدينته ، ثم ملك حصن ~~كماخ ، وكان من أمنع الحصون . وقصد أرزن الروم ليأخذها من ابن عمه طغرل شاه ~~، فاستنجد صاحبها بالأمير حسام الدين على نائب الأشرف بخلاط ، وأظهر طاعة ~~الأشرف ، فسار إليه بمن عنده من العسكر خوفا أن كيقباذ إذا ملك أرزن الروم ~~قصد خلاط وغيرها ، فعاد ولم يقدم على قصدها ، وتوجه إلى مدينة أنطاكية ~~ليشتو بها والله أعلم . PageV27P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" ذكر اجتماع كيقباذ والأشرف على حرب جلال الدين ~~خوارزم شاه وانهزامه منهما كان سبب ذلك أن جلال الدين خوارزم شاه لما حاصر ms6220 ~~خلاط حضر إليه صاحب أرزن الروم ، وهو طغرل شاه السلجقي ابن عم كيقباذ ، ~~وأطاعه وأعانه على الحصار . وكان بينه وبين ابن عمه عدواة مستحكمة فخاف ~~كيقباذ أن السلطان جلال الدين يتوصل إلى ملك بلاده ، فراسل الملك الكامل ~~صاحب مصر . وهو إذ ذاك بحران ، وساله أن يستدعي الملك الأشرف من دمشق ، ~~فأحضر الملك الكامل أخاه الأشرف واجتمع هو وكيقباذ ، واتفقا على حرب جلال ~~الدين . وكان عسكر كيقباذ عشرين ألف فارس وعسكر الأشرف خمسة آلاف فارس ، ~~إلا أنهم كانوا من الشجعان الذين لا يقوم أحد بحربهم . فسار جلال الدين ~~لقتالهم والتقوا يوم السبت الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وعشرين ~~وستماية بمكان من أعمال أرزنجان ، فانهزم جلال الدين وعاد إلى خلاط ، فأخذ ~~من كان بها من أصحابه وفارقها ، وأسر في هذه الوقعة جماعة من أصحاب السلطان ~~. فأمر كيقباذ بضرب أعناقهم ، وأسر ابن عنه صاحب أرزن الروم ، وقصد به بلده ~~، فتسلم أرزن الروم وما معها من القلاع ، وما بها من الخزائن وغيرها . فكان ~~طغرل شاه كما قيل : خرجت النعامة تطلب قرنين فعادت بلا أذنين ؛ وكان هذا قد ~~عاهد جلال الدين عللى أنه يملكه PageV27P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" بعض بلاد كيقباذ ، فأخذ ما بيده . واستمر ~~كيقباذ في الملك إلى أن توفي ، وكانت وفاته في سنة أربع وثلاثين وستماية ، ~~وملك بعده ولده . ذكر ملك غياث الدين كيخسرو ابن الملك علاء الدين كيقباذ ~~غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن ~~قتلمش بن أرسلان بيغو بن سلجق ، وهو الحادي عشر من الملوك السلجقية ، ~~بالروم ملك المملكة الرومية بعد وفاة أبيه الملك كيقباذ في سنة أربع ~~وثلاثين وستماية . وجلس على تخت السلطنة بمدينة قونية وراسله الملوك في ~~الموافقة ، وهي السنة التي وصل التتار فيها إلى الروم . وفي سنة خمس ~~وثلاثين أرسل غياث الدين إلى والدة الملك العزيز بخطب بنت ابنها العزيز ~~لنفسه ، وأن يتزوج الملك الناصر صاحب حلب أخت السلطان غياث الدين . فاستفر ~~بينهمما الأمر ، وعقد عقد السلطان على غازية خاتون ms6221 ابنة الملك العزيز على ~~ختممسين ألف دينننار . ووصل الصاحب كمال الدين بن العديم من حلب إلى ~~السلطان . فزوج أخته من الملك الناصر على نظير هسذا الصداق . فحصل الاتفاق ~~بينهما ، ثم أرسل السلطان غياث الدين إلى حلب يطلب أن تقام له الخطبة بها ~~وتضرب السكة باسمه . فتوقفت الصاحية والدة العزيز في ذلك ، فأشير عليها ~~بالموافقة فأجلبت إلى ذلك ، وخطب له بحلب . وفي سنة إحدى وأربعين وستماية ، ~~دخل بيجو مقدم التتار إلى بلاد الروم ، والتقى هو والسلطان غياث الدين ~~فكيرهم كيخسرو ، ثم عاودوت القتال فهزموه ، وقتل جماعة من أصحابه ، والتجأ ~~إلى بعض المعاقل ؛ ثم حصلت المهادنة على أتاوة يؤديها غياث الدين للتتار في ~~كل سنة . وفي ينة أربع وخمسين وستماية وصل التتار إلى بلاد الروم صحبه ~~جرماغون وبيجو من قبل منكوفان الملك ، فخرج السلطان غياث الدين لقتالهم ~~بجميع عساكره ، واستصحب حريمه ليقاتل قتال الحريم . واستشار أصحابه فيما ~~يفعل ، فكان منهم من هول عليه أمر التتار ، وكان غياث الدين قد زوجه والده ~~بكرجى خاتون ابنة ملك PageV27P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" الكرج . فلما أفضت السلطنة إليه جعل أخاها ~~مقدما على الجيش ، وكان نصرانيا ، لم ينتقل عن ملته ، فكرهه الأمراء وكرهوا ~~السلطان بسببه . فلما كان في هذا الوقت قال للسلطان غياث الدين : ضم إلى من ~~في عسكرك من الكرج والفرنج ، وأنا ألقي التتار بهم . فغاظ الأمراء كلامه ، ~~وتقدم أحد أعيانهم فحلف أنه لا بد يلقى التتار بنفسه ، ومن صحبه ، وركب في ~~نحو عشرين ألف فارس ، وتقدم إلى التتار وهو بصحراء اقشهر زنجان ، وكان غياث ~~الدين على الجبل الأقرع واسمه كوسا داغ ، وهو مشرف على الوطأة التي نزل بها ~~التتار . وسار الأمير فيمن معه ، وتبعه السلطان ببقية الجيش فوجد المقدم ~~أمامه واد قطعه السيل ، فلم يستطع قطعه إلى جهة التتار . فركب التتار ~~وقصدوه ودنوا منه وراسلوا بالسهام ، فأهلكوا أكثر الخيل التي معه ، فكان ~~السهم لايقع إلا في فرس أوفاوس ، فتفرقوا عند ذلك ، وطلبوا النجاة لأنفسهم ~~، وهي دار المملكة ، ومسافتها من المكان الذي هو فيه نحو شهر ، فسرن ms6222 صحبة ~~أمير ، ولم يحملن معهن إلا ما خف ، ورجع السلطان وبرك الوطاق والدهاليز ~~والخيام منصوبة ، وبها الأثفال والخزائن والذخائر . وأقام التتار ثلاثة ~~أيام لم يقدموا على دخول الوطاق ظنا منهم أنها مكيدة ، ثم عبروا الوطاق ~~واستولوا على ما فيه ، ورجعوا . وتوفي غياث الدين في هذه السنة ، وخلف ~~ثلاثة أولاد : عز الدين كيكاووش ، وركن الدين فلج أرسلان وعلاء الدين ~~كيقباذ . ذكر أحوال أولاد السلطان غياث الدين كيخسرو بعد وفاة أبيهم قال : ~~لما توفي غياث الدين استقر أولاده الثلاثة في السلطنة ، ولم ينفرد بها أحد ~~عن الآخر ، وضربت السكة باسمهم جميعا ، وخطب لهم وكان والدهم قد جعل ولاية ~~عهده لولده علاء الدين كيقباذ بن كرجى خاتون ، فاتفقوا على أن يتوجه إلى ~~منكوقان يطلب منه الصلح والهدنة ، ويقرر له أتاوة . هذا بعد استولى بيجو ~~على قيسارية وأعمالها وما حولها ، وصار بيده من المملكة الرومية مسافة شهر ~~. PageV27P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" قال : فتوجه علاء الدين كيقباذ إلى منكوقان ~~ملك التتار ومعه الهدايه والتحف ، وذلك في سنة خمس وخمسين وستماية . وقصد ~~الأرد ومعه الأمير سيف الدين طرنطاوي ، وهو من أكابر الأمراء وشجاع الدين ~~ملك السواحل . وأقام أخواه بقونية فاختلفت آراؤهما آل أمرهما إلى القتال . ~~فانتصر عز الدين كيكاووش واستقر بقونية بمفرده ، واعتقل ركن الدين قلج ~~أرسلان ، كل ذلك وبيجوا بالروم . قال : ولما اعتقل قلج أرسلان ، ضاق أصحابه ~~ومنهم الصاحب شمس الدين الطغراي والأمير سيف الدين جاليش وغيرهم ، ففكروا ~~فيما يفعلون فزوروا كتابا عن السلطان عز الدين كيكاووش إلى سيف الدين ~~طرنطاي ورفيقه ، أن يسلما إليهم السلطان علاء الدين كيقباذ ، وما معهما من ~~الهدايا والتحف ، ليتوجه الصاحب بذلك إلى منكوقان ، ويعود طرنطاي ورفيقه ~~إلى قونية . وساروا بهذه الكتب الموضوعة في إثر السلطان كيقباذ ، فلحقوه ~~وقد وصل إلى أردوباطوة فدخلوا على باطو وقالوا : إن السلطان عز الدين مان ~~قد أرسل أخاه ليتوجه إلى القان وأرسل معه هذين - يعنون طرنطاي ورفيقه - ثم ~~اتضح له أنهما قد أضمرا السوء ، وأن طرنطاي ضربته صاعقة فيما مضى من الزمان ~~، فلا يصلح أن ms6223 يدخل بين يدي القان . ورفيقه شجاع الدين طبيب ساحر ، وقد أخذ ~~صحبته شيئا من السم القاتل ليغتال به منكوقان . فأرسلنا عوضا عنهما وأمر ~~بردهما ، فلما سمع باطو ما قاله الصاحب ، أمر بإحضار طرنطاي ورفيقه وفتش ما ~~معهما من القماش والأصناف ، فكان فيه براني أشربة وعقاقير ، من جملتها ~~السقمونيا ، فأمره أن يأكل من ذلك فأكل وامتنع من السقمونيا فظنها باطو سما ~~، واستدعى الأطباء فقالوا إنه من الأدوية وآخر الأمر أن باطو خير الصاحب ~~ورفقته بين أن يستصحبوا الهدايا إلى القان ، ويكون السلطان صحبة طرنطاي ~~ورفيقه أو العكس . فاختار الصاحب أن يكون السلطان معه والهديا مع طرنطاي ، ~~وافترقا على ذلك . وتوجه السلطان كيقباذ والصاحب إلى القان وتوجه طرنطاي ~~ورفيقه بالهدايا إليه ، وافترقوا في الطريق ، فكل قصد جهة . واتفقت وفاة ~~السلطان في طريقه ، وجرت لهم PageV27P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" خطوب يطول شرحها ، آخرها أنهم وصلوا إلى القان ~~بالأردو وتنافسوا الرياسة في مجلسه ، ثم اتفق الحال أن بكون مملكة الروم ~~مقسومة بين الأخوين ، فجعل لعز الدين كيكاووش من نهر سيواس إلى حد بلاد ~~اشكري ، ولركن الدين قلج أرسلان من نهر سيواس إلى تخوم أرزن الروم من الجهة ~~الشمالية المتصلة ببلاد التتار . واستقر عليهما أتاوة يحملونها إلى الأردو ~~وعاد الصاحب شمس الدين وطرنطاي ورفقتهما من عنده ، فما وصلوا إلى الروم حتى ~~دخله التتار ، وكان بينهم وبين السلطان عز الدين ما نذكره إن شاء الله في ~~أخبار التتار . قال : ووصل الصاحب ورفقته إلى الروم في سنة سبع وخمسين ~~وستماية ، واستقرت القسمة بين الأخوين على ما فرره منكوقان ، وانفرد كل ~~منهما بما استقر له ، وانضم إليه جماعة من الأمراء . ثم قدم هولاكو وملك ~~بغداد ، فاستدعاهما فسار إليه ، وحضرا معه أخذ حلب ، ثم عادا إلى بلادهما ~~على القسمة التي قسمها منكوقان فلما كان في سنة ستين وستماية بعث هولاكو ~~يستدعي شمس الدين يوتاش نائب السلطان عز الدين ، فأرسله إليه فوصل إلى ~~أرزنكان صحبة رسل هولاكو . فوافق وصولهم إليها عند غطاس النصاري ، فخرجوا ~~إلى الفرات بجمع كثير ، ومعهم الجاثليق وقد ms6224 رفعوا الصلبان على الرماح ، ~~وأعلنوا بالنواقيس والصياح ، فأنكر عليهم شمس الدين ، وقصد منعهم ، فمنعه ~~رسل هولاكو ، وقالوا : هذه بلاد السلطان ركن الدين فلا يحدث فيها وسألوا ~~الجاثليق : كيف كان عادتكم في أيام السلطان غياث الدين ؟ فقال : كنا نحمل ~~له ثلاثة آلاف درهم ، ونعمل ما نختار فأخذوا منه ثلاثة آلاف درهم ومكنوه من ~~عمل العيد كما أراد . فلما جرت هذه المفاوضة بين رسل هولاكو وشمس الدين ، ~~عاد مغضبا ورجع إلى السلطان عز الدين ، وحمله على المخالفة والعصيان ، ~~فوافقه على ذلك واستولى على أكثر بلاد أخيه ركن الدين . فتوجه ركن الدين ~~إلى هولاكو واستنصر به ، فبعث معه تومانا من PageV27P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" التتار ، فكسرهم عز الدين . ثم استمدوا هولاكو ~~، فأمدهم بتومان آخر فهرب عز الدين وفارق البلاد ودخل إلى الأشكري ~~بالقسطنطينية ، وصحبته أخواله ، وهما على دين النصرانية ، وثلاثة نفر من ~~أمرائه . واستولى ركن الدين على جميع البلاد واستقل بملكها . وأما عز الدين ~~فإنه لما وصل إلى الأشكري أكرمه وأحسن إليه ، فأقام عنده إلى سنة اثنتين ~~وستين وستماية ، فقصد الأمراء الذين كانوا معه وهم عز الدين أمير آخر ، ~~وعلى بهادر ، وأمير مجلس ، أن يثبوا على الأشكري فيقتلوه ، وأعلموا صاحبهم ~~عز الدين بذلك . وقالوا له : اكتمه عن خاليك فلم يكتمه عنهما ، وأعلمهما به ~~، وأمرهما أن يعرفا الأشكري بذلك ، وأنه لا يركب في اليوم الذي قصد الأمراء ~~الفتك به فيه . فعرفاه ، فقبض على الأمراء وكحلهم ، وقبض على السلطان عز ~~الدين واعتقله بقلعة من القلاع الغربية ، فأقام بها إلى سنة ثمان وستين ~~وستماية . وجمع الأشكري أصحاب الأمراء وأتباعهم ، وعرض عليهم الدخول في ~~دينه . فمن وافق تركه ، ومن أبى كحله . فمنهم من وافق وتنصر ، ومنهم من ~~امتنع فكحل ، وعرض على رجل منهم أن ينتصر فصاح وقال : الجنة معدة للإسلام ، ~~والنار معدة لكم فقال : هذا رجل ثابت على دينه وأطلقه ، وكتب له ورقة ~~للطريق . وفي سنة ثمان وستين وستماية خلص السلطان عز الدين وأهله من ~~الاعتقال ، وسبب ذلك أن منكوتمر بن طغان جهز عسكر إلى اسطنبول ، فأغاروا ~~عليها ms6225 ، وأخذوا عز الدين من القلعة التي كان بها ، وأحضروه إلى منكوتمر ، ~~فأكرمه وأحسن إليه وأقام ببلاده قرم ، وتزوج بها ، واستمر إلى أن توفي في ~~سنة سبع وسبعين وستماية . ذكر قتل ركن الدين قلج أرسلان وولاية ابنه غياث ~~الدين كيخسرو وفي سنة ست وستين وستماية دبر البرواناه على السلطان ركن ~~الدين ، واتفق مع التتار الذين عنده على قتله ليتمكن من البلاد . فعمل ~~وليمة واجتمع فيها التتار ، واستدعوا السلطان فحضر إليهم وأكل وشرب ، ~~فقاموا إليه وخنقوه بوتر ، فمات ، واستقر في الملك بعده ولده السلطان غياث ~~الدين كيخسرو ، وله من العمر أربع سنين ، واستولى البرواناه على الحكم في ~~المملكة الرومية ، والله أعلم . PageV27P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" ذكر خبر البرواناه معين الدين سليمان وأصله ~~وتنقله أما أصله فمن الديلم . وكان والده مهذب الدين علي . حضر وهو شاب في ~~أيام السلطان علاء الدين كيقباذ إلى سعد الدين المستوفى بالروم ، وهو إذ ~~ذاك نافذ الحكم ، فسأله أن يجري عليه جاريا في بعض المدارس ، يكون درهما في ~~اليوم ، يقتات به . وكان شابا جميلا وسيما من طلبة العلم ، فممال إليه ~~المستوفى فقال : أريد أن أتخذك ولدا وأخذه وقربه وأدناه وأحسن إليه ، وزوجه ~~بابنته ثم اتفقت وفاة المستوفى ، فوصف مهذب الدين للسلطان علاء الدين ~~بالكفاية والمعرفة والفضيلة ، فقربه منه ، وترشح للوزارة واستوزره وألقى ~~إليه مقاليد الدولة ، ورزق مهذب الدين ولده معين الدين سليمان المسمى ~~بالبرواناه . وتقدم معين الدين في الدولة السلجقية إلى أن استولى على الحل ~~والعقد . ولم يكن للسلطان غياث الدين كيخسرو هذا معه في السلطنة غير الاسم ~~. ومعين الدين هذا هو والد الأمير علاء الدين علي بن البرواناه ، أحد أمراء ~~الدولة الناصرية . وولى القاهرة ، ثم ولى نيابة دار العدل الشريف ، وتقدم ~~على الجيوش . قال : واستمر غياث الدين كيخسرو في اسم السلطنة بالروم إلى ~~أيام السلطان أحمد في سنة إحدى PageV27P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" وثمانين وستماية ، فاستدعاه إلى الأردو ، ~~وعزله عن السلطنة ، ورسم له بالإقامة بارزنكان ، فأقام بها إلى سنة اثنين ~~وثمانين وستماية . فدس عليه أرغون بن أبغا من خنقه ms6226 بوتر فمات . ولما عزل ~~غياث الدين فوض السلطان أحمد السلطنة في الروم إلى السلطان مسعود ابن ~~السلطان غياث الدين كيكاووش ابن السلطان غياث الدين كيخسرو ابن السلطان ~~علاء الدين كيقباذ ابن السلطان غياث الدين كيخسرو ابن السلطان عز الدين قلج ~~أرسلان ابن الملك مسعود ابن الملك قلج أرسلان ابن الملك سليمان ابن الملك ~~شهاب الدولة قتلمش بن رسلان بيغو بن سلجق ملك المملكة الرومية ، بعد عزل ~~غياث الدين كيخسرو ابن ركن الدين قلج أرسلان في أيام السلطان أحمد في سنة ~~إحدى وثمانين وستماية ، فاستمر وليس له من الأمر شيء إلا اسم السلطنة خاصة ~~، والحكم في المملكة الرومية للتتار وشحانهم " جمع شحنة " . هذا آخر ما ~~اتصل إلينا من أخبارهم إلى حين وضعنا هذا التأليف في سنة أربع عشرة ~~وسبعماية . فلنذكر أخبار الدولة الأتابكية ، لأنها من فروع الدولة السلجقية ~~، وبتمامها يتم هذا الباب إن شاء الله تعالى . ذكر أخبار الدولة الأتابكية ~~وهذه الدولة من فروع الدولة السلجقية كان ابتداؤها أولا بحلب في سنة تسع ~~وسبعين وأربعماية ، ثم انقطعت بقتل اقسنقر مدة ثم قامت بالموصل وحلب والشام ~~وبمصر خطبة . وقاعدة هذه الدولة وعمادها المشار إليه من ملوكها نور الدين ~~محمود بن زنكي . ونحن نذكر أصل هذا البيت الأتابكي وننقله إلى أن ملك نور ~~الدين الشهيد وما انتهى إليه حال هذه الدولة إلى حين انقراضها ، فنقول أصل ~~البيت الأتابكي اقسنقر التركي . PageV27P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" ذكر أخبار قسيم الدولة أقسنقر التركي كان ~~تركيا من أصحاب السلطان ركن الدولة ملكشاه السلجقي ، وتربى معه من صغره وهو ~~من أترابه ، واستمر في صحبته حتى أفضت إليه السلطنة ، فكان من أعيان أمرائه ~~، واعتمد عليه في مهماته وزاد في علو مرتبته ، ومما يدل على مكانته وعلو ~~شأنه كونه لقب قسيم الدولة مع صون الألقاب والمشاححة فيها في ذلك الوقت . ~~ولما ملك السلطان ملكشاه مدينة حلب كما ذكرناه في أخباره سلمها لقسيم ~~الدولة في سنة تسع وسبعين وأربعماية ، وقيل في سنة ثمانين ، فعمرها وأحسن ~~السيرة فيها فمال الناس إليه وأحبوه ، ثم ms6227 تسلم من الأمير نصر بن علي بن ~~منقذ الكناني صاحب شيزر ، اللاذقية وأفامية وكفر طاب ، فأشار الوزير نظام ~~الملك على السلطان ملكشاه أن يسلم ذلك إلى قسيم الدولة مع حماه ومنبج ، ~~فأقطعه السلطان جميع ذلك ، فعظمت هيبته ، وظهرت كفايته ، وقمع أهل الفساد ~~والبغي . ثم استدعاه السلطان إلى العراق فقدم متجملا بعسكر عظيم ، فاستحسن ~~ذلك منه وعظمه وأعاده إلى أعماله . وفي سنة إحدىوثمانين وأربعمائة قصد ~~أقسنقر شيرز ونهبها وعاد إلى PageV27P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" حلب ، وفي سنة ثلاث زثمانين حاصر مدينة حمص ~~وملكها ، فسار صاحبها ملاعب إلى الديار المصرية . وفي سنة أربع وثمانين ملك ~~حصن أفامية والرحبة . واستمر قسيم الدولة كذلك إلى أن مات السلطان ملكشاه ~~في سنة خمس وثمانين ، فجهز عند ذلك جيشا إلى تكريت فملكها . واتفق أن تاج ~~الدولة تتش صاحب دمشق طمع بعد وفاة أخيه السلطان ملكشاه في السلطنة ، فسار ~~من دمشق إلى حلب ، فلم يمكن قسيم الدولة إلا موافقته والدخول في طاعته . ~~وكان من أمر تتش ما قدمناه في أخباره ، وفارقه قسيم الدولة والتحق بالسلطان ~~بركياروق ولد صاحبه السلطان ملك السلطان ملك شاه كما قدمنا ذكر ذلك مبينا . ~~ذكر قتل قسيم الدولة قال : ولما فارق قسيم الدولة تتش واستمر في خدمة ~~السلطان بركياروق وعاد تتش إلى الشام ، أمر بركياروق قسيم الدولة وبوزان ~~صاحب حوران بالعود إلى بلادهما ليمنعا تتش من التغلب عليهما ، فعادا ، وجمع ~~تتش العساكر وسار نحو حلب ، فاجتمع قسيم الدولة وبوزان ، وأمدهما السلطان ~~بركياروق بالأمير كربوقا صاحب الموصل . فالتقوا مع تتش بالقرب من تل ~~السلطان على ستة فراسخ من مدينة حلب . فانهزم جيش قسيم الدولة وأخذ أسيرا ، ~~فقتله تتش صبرا ، ودخل بوزان وكربوقا حلب ، فحصرهما تاج الدولة تتش وفتحها ~~وأخذهما ، فقتل بوزان واعتقل كربوقا ، فلم يزل إلى أن خلص في أيام الملك ~~رضوان بعد قتل تتش . وكان مقتل قسيم الدولة في سنة سبع وثمانين وأربعماية . ~~وكان رحمه الله حسن السيرة والسياسة كثير الإحسان إلى رعيته فكانوا في ~~أيامه بين عدل غامر ورخص شامل وأمن واسع ، رحمه ms6228 الله تعالى . PageV27P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" ذكر أخبارعماد الدين أتابك زنكي بن قسيم ~~الدولة اقسنقر قال المؤرخون : لما قتل قسيم الدولة كان عمر ولده زنكي نحو ~~عشر سنين ، ولم يخلف من الذرية غيره ، فاجتمع مماليك والده عليه وأصحابه . ~~فلما خلص قوام الدين كربوقا من السجن ، بعد قتل تتش في سنة تسع وثمانين ~~وأربعماية ، وملك حران ونصيبين والموصل وماردين ، وعظم شأنه وهو في طاعة ~~السلطان بركياروق ، أحضر مماليك قسيم الدولة ، وأمرهم بإحضار عماد الدين ~~زنكي ، وقال : هو ابن أخي ، وأنا أولى الناس بتربيته فأحضروه إليه ، ~~وأقطعهم كربوقا الإقطاعات السنية واستعان بهم في حروبه ، وسار بهم إلى آمد ~~وصاحبها من أمراء التركمان ، والتقوا فهزمهم كربوقا . وهو أول مصاف حضره ~~زنكي بعد قتل والده . ولم يزل عند كربوقا إلى أن توفي كربوقا في سنة أربع ~~وتسعين وأربعماية . وملك بعده موسى التركماني ، فقتل ولم تطل مدته . ثم ملك ~~الموصل شمس الدولة جكرمش ، وهو من مماليك السلطان ملكشاه ، فاتخذ عماد ~~الدين زنكي كالولد ، فكان عنده إلى أن قتل في سنة خمسماية . ثم ملك الموصل ~~بعده جاولى سقاور ، فاتصل به عماد الدين ، وقد كبر وظهرت شهامته . ولم يزل ~~معه حتى عصى على السلطان غياث الدين بن PageV27P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" محمد بن ملكشاه ، فأرسل السلطان الأمير مودود ~~إلى الموصل ، في سنة اثنتين وخمسماية ، وأقطعه إياها ، ففارقه عماد الدين ~~وغيره من الأمراء ، والتحقوا بمودود ، فأكرم زنكي وشهد حروبه . ثم سار ~~مودود إلى الشام ففتح في طريقه قلاعا كانت للفرنج ، ثم حضر عند أتابك ظغر ~~لتكين طغتكين صاحب دمشق وسار إلى طبرية وحاصرها ، وقاتلوا قتالا شديدا ، ~~فظهر من عماد الدين زنكي شجاعة عظيمة ، منها أنه كان في نفر وخرج الفرنج من ~~البلد ، فحمل عليهم هو ومن معه فهزمهم ، واستمر في حملته وهو يظن أن أصحابه ~~يتبعونه ، فتخلفوا عنه وتقدم وحده إلى أن وصل إلى باب المدينة ، وأثر رمحه ~~فيه . وقاتل الفرنج عليه وحمى نفسه ، وعاد سالما ، فعجب الناس من إقدامه ~~وسلامته . ثم عاد إلى دمشق صحبة الأمير مودود ، فخرج مودود ms6229 لصلاة الجمعة ، ~~فلما صلى وانصرف ، فبينما هو في صحن الجامع ويده طغرلتكين وثب عليه إنسان ~~فضربه بسكين ، فحمل إلى بيت طغرلتكين فمات في بقية يومه ، وكان صائما ولم ~~يفطر ، وقتل قاتله . قال : ولما قتل كتب ملك الفرنج إلى طغرلتكين : إن أمة ~~قتلت عميدها ، في يوم عيدها ، في بيت معبودها ، حقيق على الله أن يبيدها ثم ~~أقطع السلطان الموصل وغيرها بعد قتل مودود للأمير جيوش بك ، وسير معه ولده ~~الملك مسعود ، كما ذكرناه . ثم جهز السلطان اقسنقر البرسقى في العساكر ~~لقتال الفرنج ، وكتب إلى عساكر الموصل وغيرها يأمرهم بالمسير معه ، فساروا ~~وفيهم عماد الدين زنكي . وكان يعرف في عساكر العجم زنكي الشامي ، فسار ~~اقسنقر إلى الرها وإلى سميساط وبلد سروج ، وقاتل الفرنج وأبلى زنكي في هذه ~~المواقف بلاء حسنا . فعادت العساكر تتحدث بما فعله ، وعاد البرسقي وأقام ~~زنكي بالموصل مع PageV27P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" الملك مسعود ، والأمير جيوش بك ، إلى أن أظهر ~~العصيان على السلطان في سنة أربع عشرة وخمسماية ، ثم استأمن الملك مسعود ~~لأخيه السلطان على ما قدمنا ذكر ذلك في أخبار الدولة السلجقية . ذكر ابتداء ~~حال عماد الدين زنكي وترقيه وتنقله في الولايات كان ابتداء ولايته في سنة ~~ست عشرة وخمسماية ، وذلك أن السلطان محمود أقطع الأمير اقسنقر البرسقي ~~مدينة واسط وأعمالها ، مضافا إلى ما بيده من ولاية الموصل وشحنكية العراق ~~وغير ذلك . فسير البرسقي إليها عماد الدين زنكي وأمره بحمايتها ، فسار ~~إليها في شعبان وقام بحمايتها أحسن قيام ، وحضر مع الخليفة المسترشد بالله ~~قتال دبيس بن صدقة أمير الحلة . وكان لعماد الدين في ذلك آثار حسنة ، وأقام ~~إلى أن عزل اقسنقر البرسقي عن شحنكية العراق ورجع إلى الموصل في سنة ثماني ~~عشرة وخمسماية . وكان عماد الدين إذ ذاك بالبصرة قد سيره البرسقي لحمايتها ~~، فلما توجه البرسقي إلى الموصل أرسل إليه يأمره باللحاق به ، فقال لأصحابه ~~: قد ضجرنا مما نحن فيه بالموصل ، في كل يوم أمير جديد ، ونحتاج نخدمه ، ~~وقد رأيت أن أسير إلى السلطان محمود فأكون معه ؛ فأشاروا عليه ms6230 بذلك . فسار ~~إلى السلطان محمود فقدم عليه وهو بأصفهان ، فأكرمه . وكان يقف عن يمين تخت ~~السلطان إلى جانبه لا يتقدم عليه غيره ، وهي منزلة والده من قبله . ثم بلغ ~~السلطان محمود أن العرب تجمعت ونهبت البصرة ، فأقطعها لعماد الدين زنكي ، ~~وأعاده إليها ، وهذه الولاية هي أول ولاياته من قبل السلطان ، فضبط عماد ~~الدين زنكي البصرة وأعمالها وقام فيها أحسن قيام ، وكف الأيدي عنها . فلما ~~وقع الاختلاف بين السلطان محمود والخليفة المسترشد بالله ، وحضر السلطان ~~إلى بغداد وحصرها كما قدمنا ذكر ذلك ، أرسل إلى عماد الدين زنكي وهو بواسط ~~يأمره بالحضور بنفسه ومعه المقاتلة في السفن وعلى الدواب . ففعل عماد الدين ~~زنكي ذلك وجاء في موكب عظيم في البر والبحر ، فركب السلطان للقائه ، ورأى ~~الناس من ذلك ما هالهم ، وعظم عماد الدين في أعينهم . ثم حصل الاتفاق بعد ~~ذلك بين السلطان والخليفة كما ذكرنا . PageV27P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" ذكر ولاية عماد الدين زنكي شحنكية العراق وفي ~~شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وخمسماية أسند السلطان محمود شحنكية العراق ~~إلى الأمير عماد الدين زنكي . وسبب ذلك أن السلطان لما عزم على المسير عن ~~بغداد إلى همذان ، نظر فيمن يصلح لشحنكية العراق ممن يأمن جانبه مع الخليفة ~~. واعتبر أعيان دولته ، فلم ير فيهم من يقوم بأعباء هذا الأمر مقامه ، ~~فاستشار أصحابه في ذلك فكل أشار عليه به عماد الدين وقالوا : لا يقدر على ~~سد هذا الخرق ، وإعادة ناموس هذه الولاية ، ولا يقوى نفس حد على ركوب هذا ~~الخطر ، غير عماد الدين زنكي ، ففوض إليه ولايتها ، مضافا إلى ما بيده من ~~الإقطاع . وكانت شحنكية العراق من أعظم الولايات . وسار السلطان عن بغداد ~~وقد اطمأن من جهة العراق . ولم يطل مقام زنكي ببغداد حتى انتقل إلى ولاية ~~الموصل . ذكر ولاية عماد الدين زنكي الموصل وأعمالها كانت ولاية عماد الدين ~~زنكي الموصل وأعمالها في سنة إحدى وعشرين وخمسماية . وسبب ذلك أن اقسنقر ~~البرسقي لما قتل على ما ذكرناه ، وولى بعده ابنه مسعود في ثامن ذي القعدة ~~سنة ms6231 عشرين وخمسماية ، فمات مسعود في سنة إحدى وعشرين وهو يحاصر الرحبة . ~~فمات مات قام بعده أخر له صغير ، واستولى على البلاد جاولى مملوك أبيه ، ~~ودبر أمر الصبي وأرسل إلى السلطان يطلب تقرير أعمال الموصل على الصغير ولد ~~اقسنقر البرسقي ، وبذل الأموال الكثيرة على ذلك . وكان الرسول في ذلك ~~القاضي بهاء الدين على ابن القاسم الشهرزوري وصلاح الدين محمد الباغسياني ~~أمير حاجب البرسقي ، فسارا حتى حضرا دركاة السلطان ليخاطباه في ذلك . وكانا ~~يكرهان جاولي ويخافانه ، ولا يرضيان بطاعته ، اجتمع صلاح الدين مع نصير ~~الدين جغر الذي صار ينوب عن عماد الدين . فذكر له صلاح الدين ما ورد فيه ، ~~وكان بينهما صهارة فخوفه نصير الدين من جاولي ، وقبح عنده طاعته ، وقرر في ~~نفسه أن جاولي إنما أبقاه لحاجته إليه وأنه متى أجيب إلى مطلوبه لا يبقى ~~على PageV27P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" أحد منهم ، وحسن له المخاطبة في ولاية عماد ~~الدين زنكي ، وضمن له الولايات والإقطاعات الكبيرة وكذلك للقاضي بهاء الدين ~~، فقاما وركبا إلى دار الوزير شرف الدين أنو شروان بن خالد ، واجتمعا به ~~وقالا له : قد علمت وعلم السلطان أن ديار الجزيرة والشام قد تمكن الفرنج ~~منهما ، وقويت شوكتهم بها ، واستولوا على أكثرها ، وقد أصبحت ولايتهم من ~~حدود ماردين إلى عريش مصر ، ما عدا البلاد الباقية للمسلمين . وكان البرسقي ~~بشجاعته وانقياد العساكر إليه ، يكف بعض عاديتهم وشرهم ، وقد زاد طمعهم منذ ~~قتل ، وولده هذا طفل صغير ، ولابد للبلاد من رجل شهم شجاع ذى رأي وتجربة ، ~~يذب عنها ، ويحمى حوزتها . وقد أنهينا الحال لئلا يجري خلل أو وهن على ~~الإسلام والمسلمين فيختص اللوم بنا ويقال لم لا أنهيتم إلينا جلية الحال ، ~~فرفع الوزير قولهما إلى السلطان فاستحسنه وشكرهما عليه ، وأحضرهما ~~واستشارهما فيمن يصلح للولاية ، فذكرا جماعة فيهم عماد الدين زنكي ، وبذلا ~~عنه تقربا إلى خزانة السلطان مالا جليلا ، فأجاب السلطان إلى ولايته ، ~~فأحضره وولاه جميع تلك البلاد ، وكتب منشورة بها ، وسار عماد الدين زنكي ~~إليها فبدأ بالبوازيج ليملكها ويتقوى بها ويجعلها ظهره ، لأنه خاف ms6232 من جاولي ~~أنه ربما يصده عن البلاد . ثم سار عن البوازيج إلى الموصل ، فلما سمع جاولي ~~بقربه خرج إلى لقائة ومعه سائر العسكر ، وترجل عند مقابلته ، وقبل الأرض ~~بين يديه ، وعاد في خدمته إلى الموصل ، فدخلها في شهر رمضان من السنة . ~~وأقطع جاولي الرحبة وسيره إليها ، وولي نصير الدين دزدارية قلعة الموصل ~~وجعل إليه سائر دزدارية القلاع ، وجعل صلاح الدين محمد أمير حاجب ، وبهاء ~~الدين علي الشهرزوري قاضي القضاة بجميع بلاده ، وزاده إقطاعا وأملاكا ، ~~وكان لا يصدر إلا عن رأيه . فلما فرغ من أمر الموصل سار عنها إلى جزيرة ابن ~~عمرو بها مماليك PageV27P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" البرسقي ، فامتنعوا عليه فحصرهم وراسلهم ، ~~وبذل لهم البذول الكثيرة على التسليم ، فلم يجيبوه إلى ذلك فجد في قتالهم . ~~وكان بينه وبين البلد دجلة ، فأمر الناس بإلقاء أنفسهم في الماء ، ففعلوا ~~وعبروا سباحة وعبر بعضهم في السفن والأكلاك ، وتكاثروا على أهل الجزيرة . ~~وكانوا قد خرجوا إلى أرض بين الجزيرة ودجلة ، تعرف بالزلاقة ، ليمنعوا عسكر ~~عماد الدين ، فلما رأوه قد عبر دجلة انهزموا ودخلوا البلد ، وأرسلوا في طلب ~~الأمان ، فأمنهم ودخل البلد بعسكره . ثم زادت دجلة في تلك الليلة زيادة ~~عظيمة لحقت سور البلد ، وصارت الزلاقة مملوءة بالماء ، فلو أقام بها عماد ~~الدين تلك الليلة هلك هو وعسكره ولم يسلم منهم أحد ، فأيقن الناس بسعادته . ~~ثم سار عن الجزيرة إلى نصيبين ، وكانت لحسام الدين تمرتاش ابن إيلغازي صاحب ~~ماردين ، فلما نازلها سار حسام الدين إلى ابن عمه ركن الدولة داود بن سقمان ~~بن أرتق صاحب حصن كيفا فاستنجده على أتابك زنكي ، فوعده النجدة بنفسه وجميع ~~عسكره . وعاد تمرتاش إلى ماردين ، وأرسل رقعة على جناح طائر إلى نصيبين ، ~~يعرف من بها من العسكر أنه وابن عمه واصلان إليهم بالعسكر الكثير لدفع زنكي ~~عنهم ، ويأمرهم بحفظ البلد خمسة أيام . فبينما أتابك زنكي في خيمته وإذا ~~بطائر سقط على الخيمة وهو ينظر إليه ، فأمر بمسكه فمسك ، فرأى فيه الرقعة ~~فقرأها ، وأمر بكتب غيرها يقول : إنني مضيت إلى ركن الدولة ms6233 وقد وعدني ~~النصرة بجميع العساكر وما نتأخر عن الوصول أكثر من عشرين يوما وأمرهم بحفظ ~~البلد هذه المدة ، إلى أن يصلوا وجعلها على الطائر ، وأرسله . فوصل إلى ~~نصيبين فلما قرأ من بها الرقعة ، سقط في أيديهم ، وعلموا عجزهم عن حفظ ~~البلد هذه المدة ، فأرسلوا إلى زنكي وصالحوه وسلموا إليه البلد ، فبطل على ~~داود وتمرتاش ما كانا عزما عليه . ولما ملك نصيبين سار عنها إلى سنجار ، ~~فامتنع من بها عليه ثم صالحوه وسلموها إليه ، وسير منها الشحن إلى الخابور ~~فملكه جميعه . ثم سار إلى حران وهي PageV27P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" للمسلمين . وكانت الرها وسروج والبيرة وتلك ~~النواحي جميعها للفرنج ، وأهل حران معهم في ضر عظيم ، وضيق شديد ، لخلو تلك ~~البلاد من حامي يذب عنها . فلما قاربها خرج أهل البلد إلى لقائه ، وسلموها ~~إليه ، فأرسل إلى خوستكين صاحب الرها ، وتلك البلاد وهادنه مدة يسيرة ، ~~وكان غرضه أن يتفرغ لإصلاح البلد ، ويحشد ، ويملك حلب والشام ، ثم يقاتل ~~الفرنج . ذكر ملك عماد الدين حلب وفي [ أول ] المحرم سنة اثنتين وعشرين ~~وخمسماية ، ملك عماد الدين زنكي حلب وقلعتها . وسبب ذلك أنها كانت بيد ~~قرمان نيابة عن عز الدين مسعود بن اقسنقر البرسقي . ثم استناب بعده قتلغ ~~فوصل إليها بعد وفاة مسعود ، وتسلمها . ثم ثار به أهل المدينة وسلموها إلى ~~سليمان بن عبد الجبار . فسير عماد الدين إليها الأمير سنقردار والأمير حسن ~~قراقوش في عسكر قوى ، ومعهما التوقيع من السلطان لعماد الدين بالموصل ~~والجزيرة والشام . فوصلا إلى حلب وسيرا قتلغ وابن عبد الجبار إلى عماد ~~الدين بالموصل ، فسار إليه وأقام حسن قراقوش بحلب واليا عليها . فلما وصل ~~بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار وقتلغ إلى عماد الدين أصلح بينهما ، ولم ~~يردهما إلى حلب ، وسير حاجبه صلاح الدين محمد الباغسياني في عسكر إلى حلب ، ~~فصعد إلى قلعتها ورتب الأمور ، وجعل فيها واليا . وسار عماد الدين إلى ~~الشام في جيوشه ، فملك في طريقه مدينة منيح وبزاعة ، ووصل إلى حلب ، فتلقاه ~~أهلها ، فدخلها ورتب أحوالها ، وجعل رئاستها لأبي الحسن على ms6234 بن عبد الرزاق ~~. PageV27P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" ذكر ملكه مدينة حماه وفي سنة ثلاث وعشرين ملك ~~عماد الدين زنكي مدينة حماة . وسبب ذلك أنه أظهر أنه يريد جهاد الفرنج ، ~~وأرسل إليه تاج الملوك بوري بن أتابك طغرتكين صاحب دمشق يستنجده ، ويطلب ~~منه معونته على جهاد الفرنج ، وكانوا قد حصروا دمشق . فأجاب إلى ذلك وجرد ~~تاج الملوك عسكرا من دمشق ، وأرسل إلى ابنه سونج وهو بمدينة حماه يأمره ~~بالنزول إلى العسكر والمسير به إلى زنكي . ففعل وساروا جميعهم فوصلوا إليه ~~، فأكرمهم وأحسن لقاءهم ، وتركهم أياما ، ثم قبض على سونج بن تاج الملوك ، ~~وعلى جماعة من الأمراء والمقدمين ، وأنهب خيامهم وما فيها واعتقلهم بحلب . ~~وسار من يومه إلى حماة ، فوصل إليها وهي خالية من الجند فاستولى ، عليها ، ~~وحل عنها إلى حمص . وكان صاحبها خيرخان بن قراجا في عسكر عماد الدين ، وهو ~~الذي أشار عليه بالقبض على تاج الملوك ، فقبض عليه أيضا . ونزل على حمص ، ~~وطلب منه أن يأمر أصحابه وولده بحمص بتسليمها ، فأرسل إليهم فلم يفعلوا ، ~~فحصرها مدة طويلة ، ثم رحل عنها وعاد إلى الموصل . ذكر ملكه حصن الأثارب ~~وهزيمة الفرنج قال : ولما فرغ عماد الدين من أمر البلاد الشامية ، رجع إلى ~~الموصل فأراح واستراح ، وأمر أصحابه بالاستعداد فاستعدوا . ورجع إلى حلب ~~وعزم على قصد حصن الأثارب ، وهو فيها بين حلب وانطاكية على ثلاثة فراسخ من ~~حلب . وكان من به من الفرنج يقاسمون أهل حلب على جميع أعمالها الغربية حتى ~~على رحى لأهل حلب بظاهر باب الجنان ، بينها وبين البلد عرض الطريق . فلما ~~علم الفرنج بقصده جمعوا فارسهم وراجلهم واستبعدوا وساروا نحوه ، فتقدم ~~إليهم والتقوا واقتتلوا واشتد القتال ، فانهزم الفرنج هزيمة قبيحة ، وأسر ~~كثير من فرسانهم ، وقتل كثير ، وتقدم إلى الحصن فنازله وفتحه عنوة ، وعم من ~~فيه بالقتل والأسر وأخربه ، وجعله دكا . ثم سار إلى قلعة حارم وهي بالقرب ~~من انطاكية فحصرها ، فبذل الفرنج نصف دخل بلد حارم وهادنوه فأجابهم إلى ذلك ~~، وعاد عنهم وقد اشتد أزر المسلمين وصار قصار الفرنج حفظ ما ms6235 بأيديهم ، وذلك ~~في سنة أربع وعشرين وخمسماية . PageV27P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" ولما عاد إلى ديار الجزيرة ملك سرجا ودارا ~~وهما من أعمال ركن الدولة صاحب حصن كيفا . وفي سنة ست وعشرين سار عماد ~~الدين بالعساكر من الموصل إلى العراق لنصرة السلطان مسعود بعد وفاة السلطان ~~محمود . وكان مسعود قد كاتبه واستنجد به ، فسار إليه ومعه الأمير دبيس بن ~~صدقة فسار حتى نزل إلى البادية . وخرج الخليفة المسترشد بالله لحربه - وذلك ~~في سابع عشرين شهر رجب من السنة - والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا ، فحمل ~~عماد الدين على ميمنة الخليفة وبها جمال الدولة إقبال فهزمها ، فحمل ~~الخليفة بنفسه واشتد القتال فانهزم دبيس ، وأراد عماد الدين الصبر فرأى ~~الناس قد تفرقوا عنه فانهزم ، وقتل من العسكر جماعة . ثم سار المسترشد ~~وحاصر الموصل كما ذكرناه في أخباره . وأن سبب ذلك أن الخليفة أرسل الشيخ ~~بهاء الدين أبا الفتوح الاسفرايني الواعظ إلى عماد الدين برسالة فيها خشونة ~~، زادها الشيخ أبو الفتوح زيادة ثقة بقوة الخليفة وناموس الخلافة ، فقبض ~~عليه عماد الدين وأهانه ولقبه بما يكره . فسار الخليفة في النصف من شعبان ~~سنة سبع وعشرين ونازل الموصل ، ففارقها زنكي ببعض العسكر ، وترك بعضه مع ~~نائبه نصير الدين جقز دزدار القلعة . ووصل عماد الدين إلى سنجار وقطع ~~الميرة عن عسكر الخليفة وتخطف من ظفر به من العسكر . وقام الحصار ثلاثة ~~أشهر ، ثم رحل الخليفة عنها ولم يظفر منها بشيء . وفي مدة الحصار ملك شمس ~~الملوك إسماعيل بن تاج الملوك صاحب دمشق مدينة حماة . ذكر حصره مدينة آمد ~~وملكه قلعة الصور وفي سنة ثمان وعشرين وخمسماية اجتمع عماد الدين أتابك ~~زنكي PageV27P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" وتمرتاش صاحب ماردين ، وحصرا مدينة آمد فأرسل ~~صاحبها إلى داود بن سقمان صاحب حصن كيفا يستنجده ، فجمع عساكره وغيرها وسار ~~نحو آمد ليرحلهما عنها ، فالتقوا على بابها ، واقتتلوا في جمادي الآخرة . ~~فانهزم داود وقتل جماعة من عسكره . ولم يبلغ عماد الدين من آمد غرضا ، فقصد ~~قلعة الصور من ديار بكر ، وحصرها وضايقها ، فملكها في شهر رجب ms6236 واتصل به ~~ضياء الدين أبو سعيد الكفرتوثي فاستوزره ، وكان حسن السيرة عظيم الرياسة ~~والكفاية ، والله أعلم . ذكر ملكه قلاع الأكراد الحميدية وفي سنة ثمان ~~وعشرين وخمسماية أيضا استولى عماد الدين زنكي على جميع قلاع الأكراد ~~الحميدية منها قلعة العقر وقلعة شوش وغيرهما . وكان لما ملك الموصل أقر ~~صاحبها الأمير عيسى الحميدي على ولايتها وأعمالها ، فلما حضر المسترشد ~~الموصل حضر عيسى إليه وجميع الأكراد معه . فلما رحل المسترشد أمر عماد ~~الدين بحصر قلاع الأكراد فحصرت مدة طويلة ، وقوتل من بها إلى أن ملكت في ~~هذه السنة ، فاطمأن حينئذ أهل السواد المحاورين لهذه القلاع ، لأنهم كانوا ~~مع الأكراد في ضيق عظيم من نهب أموالهم . وفيها صلح أمر زنكي مع الخليفة . ~~PageV27P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" ذكر حصره مدينة دمشق وفي سنة تسع وعشرين ~~وخمسماية نازل عماد الدين أتابك زمكي مدينة دمشق ، وحصرها في جمادي الأولى ~~. وكان سبب ذلك أن صاحبها شمس الملوك كان قد كتب إليه يستدعيه ليسلم إليه ~~البلد ، فسار إليها ، فقتل شمس الملوك قبل وصوله وملك أخوه شهاب الدين ~~محمود كما ذكرناه . فاستمر في مسيره فحاصرها . فأتاه وهو في الحصار رسول ~~الخليفة بالخلع ، ويأمره بمصالحة صاحب دمشق والرحيل عنها فصالحهم ، وخطب له ~~بدمشق ورحل عنها لليلتين بقيتا من جمادي الأولى من السنة . وفي سنة ثلاثين ~~وخمسماية استنصر الخليفة الراشد بالله بعماد الدين على السلطان مسعود كما ~~ذكرناه في أخبار الدولة العباسية فجاء إليه هو وأصحاب الأطراف إلى بغداد . ~~وكان بين الخليفة والسلطان ما ذكرناه من غلبة السلطان مسعود ومسير الخليفة ~~إلى الموصل مع عماد الدين ، وقد شرحنا ذلك مبينا في أخبار الدولة العباسية ~~، فلا فائدة في إعادته ، وإنما نبهنا عليه في هذا الموضع جريا على القاعدة ~~. ولما خلع الراشد وبويع للمقتفي لأمر الله ، أرسل إليه عماد الدين محمد بن ~~عبد الله الشهرزوري ، فحضر إلى الديوان ، فأمر الخليفة أن يعطى أتابك زنكي ~~صريفي ودرب هرون وجرى ملكا ، وهي من خاص الخليفة ، وزاد في ألقابه ~~PageV27P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" وقال : هذه قاعدة لم يسمح بها ms6237 لأحد ن زعماء ~~الأطراف أن يكون لهم نصيب من خاص الخليفة . فعظم بذلك شأنه ، وبايع للمقتفي ~~لأمر الله وخطب له بالموصل . ذكر غزاة العسكر الأتابكي إلى بلاد الفرنج وفي ~~شعبان سنة ثلاثين وخمسماية جهز عماد الدين أتابك زنكي عساكره مع الأمير ~~أسوار نائبه بحلب ، فقصدوا بلد الفرنج على حين غفلة منهم ، وساروا نحو جهة ~~اللاذقية ، فنهبوا منها شيئا كثيرا ، وقتلوا وأسروا سبعة آلاف أسير ما بين ~~رجل وامرأة وصبي ، وغنموا ماية ألف رأس من الدواب ، ما بين فرس وحمار وبقر ~~وغنم ، وغنموا غير ذلك من الأقمشة والعين والحلى ما لا يدخل تحت الإحصاء ~~وخربوا بلاد اللاذقية وما جاورها ، ورجعوا بالظفر والغنيمة ، والله أعلم ~~ذكر ملكه قلعة بعرين وهزيمة الفرنج وفي سنة إحدى وثلاثين وخمسماية حصر عماد ~~الدين زنكي حمص ، وهي لصاحب دمشق ، فلم ينل منها غرضا . فرحل عنها إلى ~~بعرين وهي للفرنج ، فحاصرها في شوال ، وهي من أمنع الحصون وأحصنها ، وزحف ~~عليها ، فجمع الفرنج فارسهم وراجلهم وساروا بملوكهم وقمامصتهم وكنودهم ~~ليرحلوه عنها . فالتقوا واقتتلوا واشتد القتال ، فأجلت الوقعة عن هزيمة ~~الفرنج ، وأخذتهم سيوف المسلمين من كل ناحية ، فاحتمى ملوكهم وفرسانهم بحصن ~~بعرين لقربه ، فحصرهم . فدخل القسوس والرهبان إلى بلاد الفرنج والروم وما ~~ولاها من بلاد النصرانية مستنفرين على المسلمين ، وقالوا : إن المسلمين ليس ~~لهم همة إلا قصد البيت المقدس فاجتمعت ملوك النصرانية وصاروا على الصعب ~~والذلول وقصدوا الشام ، وجد عماد الدين في الحصار ، فقلت الأقوات عندهم ، ~~فسألوا الأمان على أن يتركهم يتوجهوا إلى بلادهم . فلم يجب إلى ذلك ، إلى ~~أن بلغه أن ملك الروم قد أقبل بجموع الفرنج والنصرانية ، فآمنهم على تسليم ~~الحصن وخمسين ألف دينار . ففعلوا ذلك . فلما فارقوا الحصن PageV27P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" بلغهم اجتماع الروم والفرنج بسببهم ، فندموا ~~على تسليمه وفتح عماد الدين في مقامه المعرة وكفر طاب من الفرنج . ولما فتح ~~المعرة حضر إليه أهلها أرباب الأملاك ، وطلبوا أملاكهم فطلب منهم كتبها ~~فاعتذروا أنها عدمت عندما ملكها الفرنج ، فأمر بإحضار دفاتر الديوان بحلب ، ~~وكشف منها فمن وجد ms6238 باسمه خراج فيها عن ملك سلمه إليه أو لعقبه إن كان قد ~~مات . وأعاد الأملاك بهذه الطريق . وهذه غاية في الإحسان وفي تسهيل البر ~~والخير ونهاية في العدل وفيها سار عماد الدين إلى دقوقا وملكها بعد قتال ~~شديد ؟ ذكر ملكه مدينة حمص وغيرها من أعمال دمشق وفي المحرم سنة اثنتين ~~وثلاثين وخمسماية وصل زنكي إلى حماة ، وسار منها إلى بقاع بعلبك ، فملك حصن ~~المجدل وسار إلى حمص وحصرها وملكها وراسله مستحفظ بانياس وأطاعه وكان لصاحب ~~دمشق ، وبعث إلى شهاب الدين محمود صاحب دمشق يخطب أمه زمرد خاتون ابنة ~~جاولي ، فتزوجها وحملت إلي . ؟ ذكر وصول ملك الروم إلى الشام وملكه بزاعة ~~وما فعله بالمسلمين كان ملك الروم صاحب القسطنطينية قد دخل إلى البلاد في ~~سنة إحدى وثلاثين وخمسماية ، وخرج على انطاكية وسار إلى أذنه والمصيصة ، ~~وهما بيد ابن لاون PageV27P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" الأرمني صاحب الدروب فحصرها وملكها ورحل إلى ~~عين زرببة فملكها عنوة ، وملك تل حمدون وحمل أهله إلى جزيرة قبرص ، وعمر ~~ميناء اسكندرونه ثم خرج إلى الشام فحصر مدينة انطاكية في ذي القعدة فصالحه ~~صاحبها ريمند الفرنجي ، فرحل عنها إلى بغراس ودخل ابن ليون في طاعته . ثم ~~سار إلى الشام في سنة اثنتين وثلاثين وقصد بزاعة فحصرها وهي مدينة لطيفة ~~على ستة فراسخ من حلب ، فملكها بالأمان في الخامس والعشرين من رجب ، ثم غدر ~~بأهلها فقتل منهم وسبى فتنصر قاضيها وجماعة من أهلها وأعيانها نحو من ~~أربعماية نفس . وأقام الروم عشرة أيام يطلبون من اختفى ، ودخنوا على من دخل ~~المغاير ، فهلكوا . ثم رحل ملك الروم إلى حلب ونزل على قويق ومعه الفرنج ~~الذين بساحل الشام ، وكان عماد الدين يحاصر حمص فلما بلغه خبرهم ، سير ~~طائفة من العسكر ليحفظوا حلب منهم ، فلما نزلوا على حلب خرج إليهم أحداث ~~البلد وقاتلوهم قتالا شديدا ، فقتل كثير من الروم وجرح كثير ، وقتل بطريق ~~عظيم عظيم القدر عندهم . فأقاموا ثلاثة أيام ورحلوا إلى قلعة الأثارب ، ~~فخاف من بها من المسلمين فهربوا عنها في تاسع شعبان ms6239 ، فملكها الروم وتركوا ~~فيها سبايا بزاعة والأسرى ، ومعهم جمع كثير من الروم يحفظونهم ، سار بمن ~~عنده من العسكر إلى الأثارب فأوقع بالروم وقتلهم وخلص الأسرى وعاد إلى حلب ~~. PageV27P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" وأما عماد الدين فإنه فارق حمص وسار إلى سلمية ~~فنزلها ، وعبر ثقله الفرات إلى الرقة ، وأقام جريدة . وقصد الروم شيزر ، ~~وهي من أمنع الحصون وكانت للأمير أبي المعالي سلطان بن علي بن منقذ الكناني ~~، فنازلوها وحاصروها ونصبوا عليها ثمانية عشر منجنيقا فأرسل صاحبها إلى ~~عماد الدين يستنجده ، فسار إليه ونزل على نهر العاصي بينها وبين حماه ، ~~فكان يركب بعسكره إلى شيزر ويقفون حيث يراهم الروم ، ويرسل السرايا فتأخذ ~~من ظفرت به منهم . ثم أرسل إلى ملك الروم يقول : إنكم قد تحصنتم مني بهذه ~~الجبال ، فانزلوا عنها إلى الصحراء حتى نلتقي ، فإن ظفرت بكم أرحت المسلمين ~~منكم وإن ظفرتم بي استرحتم وأخذتم شيزر وغيرها . ولم تكن له بهم قوة ، ~~وإنما كان يرهبهم بهذا القول وأشباهه ، فأشار فرنج الشام على ملك الروم ~~بقتاله وهونوا عليه أمره ، فلم يفعل ، وقال : أتظنون أن ليس لهم من العسكر ~~إلا ما ترون ، إنما هو يريد أن تلقوه فيأتيه من نجدات المسلمين ما لا يحد ~~وكان عماد الدين يرسل إلى ملك الروم يقول إن فرنج الشام خائفون منه ، ولو ~~فارق مكانه لتخلفوا عنه . ويرسل إلى الفرنج فيقول : إن ملك ملك الروم من ~~الشام حصنا واحدا ملك الروم من شيزر في شهر رمضان وكان مقامه عليها أربعة ~~وعشرين يوما وترك المجانيق وآلات الحصار كما هي ، فسار عماد الدين يتبع ~~ساقة العسكر ، فظفر بكثير منهم ممن تخلف . ذكر ملك عماد الدين بعلبك وفي ذي ~~القعدة سنة ثلاث وثلاثين وخمسماية ملك عماد الدين زنكي مدينة بعلبك وهي ~~لصاحب دمشق . وسبب ذلك أن شهاب الدين محمود صاحب دمشق قتله غلمانه في هذه ~~السنة كما ذكرنا ، وملك بعده أخوه جمال الدين محمد . وكانت والدة محمود ~~زوجة عماد الدين بحلب ، فوجدت لذلك وجدا عظيما وحزنت حزنا شديدا وكتبت إلى ~~أتابك زنكي وهو ms6240 بالجزيرة تعرفه بالحادثة ونطلب أن يقصد دمشق ويطلب ثأر ~~ولدها . فبادر إلى ذلك ولم يتوقف وعبر الفرات عازما على قصد دمشق . فبلغ ~~ذلك صاحبها فاحتاط واستعد ، وسار عماد الدين إلى بعلبك فوصل إليها في ~~العشرين PageV27P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" من ذي القعدة ، وضيق على أهلها ونصب عليها ~~أربعة عشر منجنيقا ترمي ليلا ونهارا . فأشرف أهلها على الهلاك . فطلبوا ~~الأمان فأمنهم وتسلم المدينة . وبقيت القلعة وبها جماعة من شجعان الأتراك ، ~~فلما أيسوا من نصرة معين الدين أتابك صاحب دمشق - وكانت بعلبك له - فطلبوا ~~الأمان ، فأمنهم وتسلم القلعة منهم . ثم غدر بهم وصلبهم ولم ينج منهم إلا ~~القليل . فاستقبح الناس ذلك من فعله واستعظموه وحذروه ونفروا منه . قال : ~~ولما فتح بعلبك كان لمعين الدين بها جارية وكان يهواها ، فأخذها زنكي ~~وسيرها إلى حلب ، فلم تزل بها إلى أن قتل زنكي ، فسيرها نور الدين إلى معين ~~الدين ، فكانت أعظم أسباب المودة بينهما . قال : ولما فرع عماد الدين من ~~بعلبك سار إلى دمشق في شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وخمسماية ونزل على ~~داريا ، فقاتله أهل دمشق فكسرهم وتقدم إلى المصلى فقاتلوه مرة بعد أخرى . ~~كل ذلك والظفر له عليهم . وأرسل إلى صاحب دمشق يبذل له بعلبك وحمص وغيرها ~~مما يختاره من البلاد ، فمال إلى تسليمها ، فحذره أصحابه وخوفه عاقبة غدره ~~، فامتنع من الإجابة فعاد عماد الدين القتال والزحف . واتفقت وفاة جمال ~~الدين صاحب دمشق في ثامن شعبان ، وولى بعده ابنه مجير الدين أبق ، فاشتد ~~طمع عماد الدين وزحف زحفا شديدا ، فلما رأى أتابك أنر أن عمدا الدين لا ~~يندفع عنهم ، راسل الفرنج واستنصر بهم ، فاجتمعت الفرنج وعزموا على المسير ~~لدفعه عن دمشق ، فعلم عماد الدين بذلك فتوجه إلى حوران في خامس عشر رمضان ~~عازما على لقاء الفرنج قبل أن يجتمعوا مع الدماشقة . فلما بلغ الفرنج خبره ~~لم يتحركوا من بلادهم ، فعاد إلى حصار دمشق ونزل بعذرا شماليها في سادس ~~شوال ، وأحرق عدة من قرى المرج والغوطة ، ورحل إلى بلاده . ثم وصل الفرنج ~~إلى دمشق ms6241 ، وكان معين الدين قد بذل لهم أنه يحاصر بانياس ويسلمها إليهم ، ~~وكانت في طاعة زنكي . ففعل معين الدين ذلك وسلمها للفرنج . فلما ~~PageV27P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" بلغ عماد الدين ذلك رجع إلى بعلبك وفرق عساكره ~~للإغارة على بلد حوران وأعمال دمشق . وسار جريدة ، فنزل على دمشق بخواصه في ~~آخر الليل ، ولم يعلم به أحد من أهلها . فلما أصبح الناسر ورأوا عسكره ارتج ~~البلد ، واجتمع العسكر والعامة على السور ، وخرجوا إليه فقاتلوه ، فلم ~~يمكنه الإقدام على القتال لتفرق عساكره ، فأحجم عنهم وعاد إلى مرج راهط ، ~~وأقام ينتظر عود عسكره ، فعادوا إليه وقد ملأوا أيديهم من الغنائم فلما ~~اجتمعوا رحلوا إلى بلاده . ذكر ملكه شهرزور وأعمالها وفي سنة أربع وثلاثين ~~وخمسماية ملك عماد الدين زنكي شهرزور وأعمالها وما يجاورها من الحصون ، ~~وكانت بيد قفجاق بن أرسلان تاش التركماني . وكان حكمه على سائر التركمان ، ~~قاصيهم ودانيهم ، وكلمته لا تخالف ، يرون طاعته فرضا ؛ وتحاماه الملوك ، ~~وأتاه التركمان من كل فج عميق . فلما كان في هذه السنة سير أتابك عماد ~~الدين عسكرا ، فجمع قفجاق أصحابه ولقيهم ، واقتتلوا فانهزم قفجاق واستبيح ~~عسكره ، وسار الجيش الأتابكي في أعقابهم فحصروا الحصون والقلاع وبذلوا ~~الأمان لقفجاق فسار إليهم ، وانخرط في سلك العسكر وسار في الخدمة هو وابنه ~~من بعده . وفي سنة خمس وثلاثين وخمسماية كان بين أتابك زنكي وبين داود بن ~~سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا حرب شديدة انهزم فيها داود ، وملك زنكي من ~~بلاده قلعة بهمود ، وأدركه الشتاء فعاد إلى الموصل . PageV27P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" وفيها خطب له بمدينة آمد وصار صاحبها في طاعته ~~، وكان قبل ذلك موافقا لداود على قتال زنكي فلما قوة زنكي سار معه . وفيها ~~أغار العسكر الأتابكي من حلب على بلد الفرنج ، فأخربوا ونهبوا وظفروا بسرية ~~للفرنج ، فقتلوا منهم وكان عدة من قتل سبعماية رجل . توفي ضياء الدين أبو ~~سعيد الكفرتوثي وزير عماد الدين أتابك زنكي ، وكان رحمه الله حسن كريما ~~رئيسا ذكر ملك عماد الدين زنكي قلعة آشب وغيرها من بلاد الهكارية وفي سنة ms6242 ~~سبع وثلاثين وخمسماية أرسل عماد الدين جيشا إلى قلعة آشب ، وكانت أعظم حصون ~~الأكراد الهكارية وأمنعها ، وبها أموالهم وأهلوهم . فحصرها الجيش الأتابكي ~~وضيق على من بها وملكها ، فأمر عماد الدين بهدمها ، وبنى القلعة العمادية ~~وكانت العمادية حصنا عظيما من حصونهم فخربوه لكبره ، لأنه كبير جدا ، ~~فعجزوا عن حفظه فخربت الآن آشب وعمرت العمادية . والعمادية نسبة إلى عماد ~~الدين زنكي . وكان نصير الدين جقر نائب عماد الدين بالموصل قد فتح أكثر ~~القلاع الجبلية . PageV27P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" ذكر صلحه والسلطان مسعود وفي سنة ثمان وثلاثين ~~وخمسماية وصل السلطان مسعود إلى بغداد على عادته ، وجمع العساكر وتجهز لقصد ~~بلاد زنكي ، وكان قد حقد عليه واتهمه أنه أفسد عليه أصحاب الأطراف وحضرهم ~~على الخروج على السلطان . فلما بلغ زنكي ذلك أرسل إلى السلطان يستعطفه ~~ويستميله ، وأرسل إليه السلطان أبا عبد الله بن الأنباري في تقرير القواعد ~~، فاستقرت القاعدة على مائة ألف دينار ، يحملها عماد الدين إلى السلطان ~~ليعود عنه ، فحمل منها عشرين ألف دينار أكثرها عروضا . ثم تنقلت الأحوال ~~بالسلطان حتى احتاج إلى مداراة زنكي ، فأطلق له ما بقي . ومن جيد الرأي ما ~~فعله عماد الدين زنكي في هذه الحادثة ، فإن ولده الأكبر سيف الدين غازي كان ~~لا يزال عند السلطان - سفرا وحضرا - بأمر والده ، فأرسل إليه الآن يأمره ~~بالهرب من عند السلطان إلى الموصل ، وأرسل إلى نائبه بالموصل أن يمنع ابنه ~~المذكور من الدخول . فلما هرب غازي أرسل إليه يأمره بالعود إلى السلطان ، ~~ولم يجتمع به ، وأرسل معه رسولا إلى السلطان يقول : إن ولدي هرب خوفا لما ~~رأى تغير السلطان علي ، وقد أعدته ، ولم أجتمع به فإنه مملوكك والبلاد لك ~~فوقع ذلك من السلطان بموقع عظيم ، ومال إلى زنكي ذكر ملكه بعض ديار بكر وفي ~~سمو ثمان وثلاثين وخمسماية سار عماد الدين زنكي إلى ديار بكر ، فملك بها ~~عدة حصون منها مدينة طنزة ومدينة أسعرد ومدينة المعدن التي يعمل بها ~~PageV27P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" النحاس ، ومدينة حيزان وحصن الرونق ، وحصن ~~قطليس ، وحسن باناسا وحصن ms6243 ذي القرنين وغير ذلك . وأخذ من بلاد ماردين مما ~~هو بيد الفرنج حملين والموزر وتل موزر وغيرها من حصون شبختان ، ورتب أمور ~~الجميع وجعل فيها من يحفظها . وقصد مدينة آمد وحاني فحصرهما وأقام بتلك ~~الناحية . وفيها سير عسكرا إلى مدينة عانة من أعمال الفرات فملكها . ذكر ~~فتح الرها وغيرها من بلاد الجزيرة مما هو بيد الفرنج وفي سادس جمادي الآخرة ~~سنة تسع وثلاثين وخمسماية فتح عماد الدين أتابك زنكي مدينة الرها من حصون ~~الفرنج الجزيرية . وكان ضررهم قد عم بلاد الجزيرة ، ووصلت غاراتهم إلى ~~أدانيها وأقاصيها ، وبلغت آمد ونصيبين ورأس عين والرقة وكانت مملكة الفرنج ~~بهذه الديار من قريب ماردين إلى الفرات مثل الرها وسروج والبيرة وسن بن ~~عطير وحملين والموزر والقرادى وغير ذلك . وكانت هذه الأعمال PageV27P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" وغيرها مما هو غرب الفرات لجوسلين الفرنجي ، ~~وكان صاحب رأي الفرنج والمقدم على عساكرهم ، لما فيه من الشجاعة والمكر . ~~وكان عماد الدين يعمل أنه متى قصد حصرها اجتمع من الفرنج بها من يمنعها ~~ويتعذر عليه ملكها لما هي عليه من الحصانة ، فاشتغل بديار بكر ليوهم الفرنج ~~أنه غير متفرغ إلى قصد بلادهم . فاطمأنوا وفارق جوسلين الرها وعبر الفرات ~~إلى بلاده الغربية . فبلغ أتابك زنكي ذلك فنادى في العسكر بالرحيل إلى ~~الرها وجمع الأمراء عنده وقدم الطعام وقال : لا يأكل معي على مائدتي هذه ~~إلا من يطعن معي غدا في باب الرها . فلم يتقدم غير أمير واحد وصبي لا يعرف ~~، لما يعلمو من إقدام زنكي وشجاعته ، وأن أحدا لا يقدر على مساواته في ~~الحرب . فقال الأمير لذلك الصبي : ما أنت في هذا المقام فقال أتابك زنكي : ~~دعه فوالله إني أرى وجهه لا يتخلف عني . وسار والعسكر معه فوصل إلى الرها ، ~~فكان عماد الدين أول من حمل على الفرنج والصبي معه ، وحمل فارس من الفرنج ~~على زنكي عرضا فاعترضه ذلك الأمير فطعنه فقتله ، وسلم زنكي . ونازل البلد ~~وقاتل عليه ثمانية وعشرين يوما وملكه عنوة ، وملك القلعة ، ونهب الناس ~~الأموال ، وقتلوا الرجال ، وسبوا ms6244 الذرية والنساء . فلما رأى عماد الدين ~~البلد أعجبه ورأى أن تخريب مثله لا يجوز في السياسة ، فنودي بالعسكر برد ما ~~أخذوه من الرجال والنساء والأطفال إلى بيوتهم ، ورد ما غنموه من أثاثهم ~~وأمتعتهم ، فردوا ذلك وعاد البلد إلى حالته الأولى ، وجعل فيه عسكرا يحفزه ~~وتسلم مدينة سروج وسائر الأماكن التي كانت بيد الفرنج شرقي الفرات ما عدا ~~البيرة لحصانتها . وحكى ابن الأثير رحمه الله في تاريخه الكامل قال : حكى ~~لي بعض العلماء بالأنساب والتواريخ ، قال : كان صاحب صقلية قد أرسل سرية ~~إلى طرابلس الغرب وتلك الأعمال فنهبوا وقتلوا . وكان عند صاحب صقلية رجل ~~مسلم كان يكرمه ويحترمه ، ويرجع إلى قوله ، ويقدمه على من عنده من القسوس ~~والرهبان ، حتى كان أهل ولايته يقولون إنه مسلم بهذا السبب . ففي بعض ~~الأيام كان جالسا في منظرة يشرف على البحر ، وإذا بموكب لطيف قد أقبل وأخبر ~~من فيه أن عسكره دخلوا بلاد الإسلام وظفروا وغنموا وقتلوا . وكان المسلم ~~إلى جانبه ، وقد أعفى فقال له الملك : يا فلان ألا تسمع إلى ما يقولون قال ~~: لا قال : إنهم يخبرون بكذا وكذا ، أين كان محمد عن تلك البلاد وأهلها . ~~قال : كان قد غاب عنهم وشهد فتح الرها ، فقد فتحها المسلمون الآن فضحك من ~~هناك من الفرنج فقال الملك : لا تضحكوا فما PageV27P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" يقول والله إلا الحق فوصل بعد أيام الخبر من ~~فرنج الشام بفتحها . قال ابن الأثير : وحكى لي جماعة من أهل الدين والصلاح ~~أن إنسانا صالحا رأى الشهيد زنكي في منامه فقال له : ما فعل الله بك قال : ~~غفر لي بفتح الرها . ذكر مقتل نصير الدين جقر ، وولاية زين الدين على كورجك ~~كان مقتله في ذي القعدة تسع وثلاثين وخمسماية . وسبب ذلك أنه كان ينوب عن ~~عماد الدين أتابك زنكي بالموصل وسائر الأعمال التي شرقي الفرات . وكان ~~الملك ألب أرسلان المعروف بالخفاجي ولد السلطان محمود عند زنكي . وكان يظهر ~~للخلفاء والسلطان مسعود وأصحاب الأطراف أن هذه البلاد لهذا الملك . وكان ~~ألب أرسلان في هذه ms6245 السنة بالموصل ، ونصير الدين يحضر إلى خدمته في كل يوم ، ~~فحسن له بعض المفسدين طلب الملك وقالوا له : إن قتلت نصير الدين ملكت ~~الموصل وغيرها ، ولا يبقى مع أتابك زنكي فارس واحد فمال إلى ذلك . فلما دخل ~~نصير الدين إليه من عنده فقتلوه ، وألقوا رأسه إلى أصحابه ، ظنا منهم أنهم ~~يتفرقون ويخرج الملك ويملك البلاد ، فلما رأى أصحابه الرأس قاتلوا من ~~بالدار مع الملك واجتمع معهم الخلق الكثير ، فدخل القاضي تاج الدين يحيى بن ~~الشهرزوري إلى الملك ألب أرسلان وخدعه ، وكان فيما قاله حين رآه منزعجا : ~~يا PageV27P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" مولانا لم تحرد من هذا الكلب ؟ هو وأستاذه ~~مماليكك ، الحمد لله الذي أراحنا منه ومن صاحبه على يديك ثم قال له : وما ~~الذي يقعدك في هذه الدار ؟ قم لتصعد إلى القلعة وتأخذ الأموال والسلاح ~~وتملك البلد وتجمع الجند وليس دون البلاد بعد الموصل مانع فقام معه وركب ~~وأصعده إلى القلعة ، فلما قاربها أراد من بها من النقيب والأجناد القتال ، ~~فتقدم إليهم القاضي تاج الدين فقال : افتحوا الباب وتسلموه وافعلوا ما ~~أردتم ففتحوا الباب ودخل الملك والقاضي إلى القلعة ومعهما من أعان على قتل ~~نصير الدين . فلما صاروا بالقلعة سجنوا كلهم إلا القاضي . وبلغ الخبر عماد ~~الدين وهو يحاصر قلعة البيرة ، وقد أشرف على فتحها ، فخاف أن تختلف البلاد ~~الشرقية بعد قتل نصير الدين ، ففارق البيرة وأرسل زين الدين على بن بكتكين ~~إلى قلعة الموصل واليا على ما كان نصير الدين يتولاه . وسار عماد الدين عن ~~البيرة ، فخاف من بها من الفرنج أن يعود إليهم ، فسلموها لصاحب ماردين . ~~وملكها المسلمون . فإن لم يكن عماد الدين زنكي فتحها فهو سبب فتحها ذكر ~~مقتل عماد الدين زنكي كان مقتله رحمه الله لخمس مضين من شهر ربيع الآخر سنة ~~إحدى وأربعين وخمسماية . وذلك أنه كان يحاصر قلعة جعبر ، وكانت بيد سالم بن ~~مالك العقيلي منذ سلمها السلطان ملكشاه إلى أبيه ، عوضا عن قلعة حلب كما ~~تقدم في أخبار السلجقية . فحاصرها عماد الدين الآن وأقام ms6246 عيها إلى هذا ~~التاريخ ، فدخل عليه نفر PageV27P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" من مماليكه فقتلوه غيله ، وهربوا إلى القلعة ~~ولم يشعر أصحابه . فلما صعد أولئك النفر إلى القلعة صاح من بها بالعسكر ، ~~وأعلموهم بقتل صاحبهم ، فبادر أصحابه إليه فأدركوه وبه رمق . ثم مات رحمه ~~الله تعالى وكان عمره نحوا من أربع وستين سنة ، ومدة ملكه منذ ولى الموصل ~~وإلى أن قتل عشرين سنة . وكان حسن الصورة أسمر اللون ، وكان شديد الهيبة ~~على عسكره ورعيته ، عظيم السياسة لا يقدر القوى معه على ظلم الضعيف وكانت ~~البلاد قبل أن يملكها خرابا من الظلم ، وتنقل الولاة ، ومجاورة الفرنج ، ~~فعمرها وامتلأت بأهلها وغير أهلها . وكان ينهى أصحابه عن اقتناء الأملاك ~~ويقول : مهما كانت البلاد لنا فأي حاجة لكم إلى أملاك ؟ فإن خرجت عن أيدينا ~~فالأملاك تذهب معها ، ومتى صارت الأملاك لأصحاب السلطان ظلموا الرعية ، ~~وتعدوا عليهم ، وعصبوهم أملاكهم ، والإقطاعات تغنى أصحاب السلطان عنها وخلف ~~من الأولاد سيف الدين غازي وهو أكبر أولاده ونور الدين محمود وهو الملك ~~العادل ، وقطب الدين مودود ، وهو أبو الملوك بالموصل ، ونصير الدين أمير ~~أميران . فانقرض عقب سيف الدين من الذكور والإناث ، ونور الدين من الذكور ، ~~وبقي في عقب قطب الدين على ما نذكره إن شاء الله تعالى . قال : ولما قتل ~~أتابك زنكي كان ولده نور الدين محمود معه ، فأخذ خاتمه من يده وسار إلى حلب ~~فملكها . وسنذكر أخباره مفصلة بعد سيف الدين غازي ، والله أعلم . ذكر ملك ~~سيف الدين غازي ابن الشهيد عماد الدين أتابك زنكي قال : لما قتل أتابك زنكي ~~كان الملك ألب أرسلان ابن السلطان محمود معه ، PageV27P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" فاجتمعت العساكر عليه وكان الحاكم على دولة ~~زنكي والمدبر لها من أرباب الأقلام جمال الدين محمد بن علي بن منصور ~~الإصفهاني شبه الوزير ، ومعه الحاجب صلاح الدين محمد بن أيوب الباغسياني ~~فاتفقا على حفظ الملك لأولاد صاحبهم عماد الدين وتحالفا على ذلك ، وركبا ~~إلى خدمة الملك ألب أرسلان ، وخدماه ، وضمنا له فتح البلاد ، وقالا له : إن ~~أتابك زنكي إنما ms6247 كان الناس يطيعونه لأنه كان نائبك فقبل منهما ذلك وظن ~~صدقهما ومناصحتهما وقربهما ، وأرسلا إلى زين الدين علي بن مظفر الدين صاحب ~~اربل بالموصل يعرفانه بوفاة الشهيد ويأمرانه أن يرسل إلى ابنه سيف الدين ~~غازي ليحضر إلى الموصل ، وكان بشهرزور وهي إقطاعه من قبل أبيه ، ففعل ذلك ~~ووصل إلى الموصل . وأشار جمال الدين على الملك بإرسال الحاجب صلاح الدين ~~إلى حلب ليدبر أمر نور الدين فأمره بالمسير إليها فسار ، وكانت حماه إقطاعه ~~، وانفرد جمال الدين لملك ألب أرسلان فقصد به الرقة ، واشتغل بالشرب واللهو ~~واستمال جمال الدين العسكر ، وحلفهم لسيف الدين غازي ، وصار يأمر من تخلف ~~بالمسير إلى الموصل هاربا من الملك ، وبقي جمال الدين يسير بالملك من الرقة ~~إلى سنجار ، ويخذله ويطعمه ، وما زال حتى انتهى به إلى الموصل . وأرسل ~~الأمير عز الدين الدبيسي إلى الملك في عسكر ، والملك في نفر يسير ، فأخذه ~~وأدخله الموصل ، فكان آخر العهد به . فاستقر أمر سيف الدين بالموصل واستوزر ~~جمال الدين وأرسل إلى السلطان مسعود في إمرة الموصل فأمره على البلاد ، ~~وأرسل له الخلع . وكان سيف الدين قد تقدمت له خدمة على السلطان مسعود ~~ولازمه سفرا وحضرا في أيام زنكي . قال : ولما استتب الأمر لسيف الدين غازي ~~بالموصل عبر إلى الشام لينظر في أمور البلاد ، ويقرر قاعدة بينه وبين أخيه ~~نور الدين ، ولما عبر الفرات لم يحضر نور الدين إليه وخافه فراسله واستماله ~~بحسن سياسته ، فاستقرت الحال بينهما أن يجتمعا خارج العسكر السيفي ، وكل ~~منهما في خمسمائة فارس . فسار نور الدين يوم الميعاد من حلب بهذه العدة ، ~~وسار سيف الدين من معسكره في خمسة فوارس ، فلما PageV27P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" رآه نور الدين ترجل وقبل الأرض ، وأعاد ~~أصحابه فاجتمعا وتحالفا واتفقا أحسن اتفاق ، واستقر نور الدين بحلب وما ~~معها ، وسيف الدولة بالموصل وما معها . ذكر حصر الفرنج دمشق وما فعله سيف ~~الدين غازي وفي سنة ثلاث وأربعين وخمسماية وصل ملك الألمان في جمع كثير من ~~الفرنج وعزم على ملك الشام ، وظن أنه يملكه لا ms6248 محالة لكثرة أصحابه ، واجتمع ~~عليه من بالشام والسواحل من الفرنج . ووصل إلى دمشق وحاصرها ، ونزل الميدان ~~الأخضر ، فأيقن أهلها بخروجها عن الإسلام . وكان ملكها يوم ذاك مجير الدين ~~أبق بن محمد ابن بوري بن طغرتكين ، وليس له من الأمر شيء والحكم في البلد ~~لأتابكه معين الدين أنر مملوك جد أبيه ، فأرسل إلى سيف الدين غازي يستنجده ~~، فجمع عساكره والعساكر الحلبية ، وسار إلى دمشق ، فخافه الفرنج . ثم راسل ~~فرنج الساحل وأوعدهم بحصر بانياس ، فاجتمعوا بملك الألمان وقالوا له : إن ~~هذا ملك بلاد المشرق قد قدم وخوفوه عاقبة أمره ، فرحل ملك الألمان إلى ~~بلاده ، وتسلم الفرنج بانياس ، كما وقع الاتفاق عليه ، وعاد سيف الدين إلى ~~الموصل . ذكر وفاة سيف الدين غازي ابن عماد الدين زنكي كانت وفاته في أواخر ~~جمادي الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسماية بالموصل PageV27P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" لمرض حاد ، ودفن بمدرسته التي بناها بالموصل ~~. فكانت ولايته ثلاث سنين وشهرا وعشرين يوما ، وعمره نحوا من أربع وأربعين ~~سنة . وخلف ولدا ذكرا رباه عمه نور الدين محمود أحسن تربية ، وزوجه بابنة ~~عمه قطب الدين ، ولم تطل مدته ، ومات في عنفوان شبابه ، وانقرض عقب غازي ~~بوفاته . قال : وكان سيف الدين غازي يمد لعسكره في كل يوم سماطا كبيرا ، ~~طرفي النهار يكون في سماطه للغذاء مائة رأس من الغنم وأمر الأجناد أن ~~يركبوا بالسيوف والدبابيس ، فاقتدى به أصحاب الأطواف وهو أول من حمل على ~~رأسه السنجق من عمال الأطراف ، وبنى المدرسة الأتابكية العتيقة بالموصل ، ~~ووقفها على طائفتي الشافعية والحنفية ، وبنى رباط الصوفية بالموصل . ولم ~~تطل أيامه حتى يفعل ما في نفسه من وجوه البر ، رحمه الله . وسنذكر إن شاء ~~الله تعالى من ملك الموصل بعده إذا انقضت أخبار الشهيد نور الدين وولده ذكر ~~أخبار الملك العادل نور الدين أبي القاسم محمود ابن أتابك عماد الدين أبي ~~سعيد زنكي بن أقسنقر قد ذكرنا أنه لما مات والده رحمه الله في شهر ربيع ~~الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسماية ، توجه بخاتمه إلى حلب وملكها ، وذكرنا ~~أيضا ما ms6249 كان بينه وبين أخيه سيف الدين غازي رحمه الله ، وما اتفقا عليه ، ~~فلنذكر من أخباره خلاف ذلك . ولنبدأ بغزواته وفتوحاته ، ثم نذكر ما استولى ~~عليه من الممالك وغير ذلك . PageV27P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" ذكر الغزوات والفتوحات النورية وما استنقذه ~~من أيدي الفرنج ذكر عصيان مدينة الرها وفتحها الفتح الثاني ونهبها قال : ~~لما قتل أتابك زنكي كان جوسكين الفرنجي صاحب الرها في ولايته وهي تل باشر ، ~~فراسل عامة أهل الرها من الأرمن وحملهم على العصيان والامتناع على المسلمين ~~، فأجابوه إلى ذلك . فسار في عساكره إلى الرها وملك البلد ، وامتنعت عليه ~~القلعة بمن فيها . فسار نور الدين ، وجد السير إليها ، فلما قاربها هرب ~~جوسكين عنها ، وعاد إلى بلده ، ودخل نور الدين البلد ، ونهب المدينة ، وسبى ~~أهلها ، فخلت منهم ولم يبق بها إلا القليل ، وذلك في سنة إحدى وأربعين ~~وخمسماية . وفي سنة اثنتين وأربعين وخمسماية ، فتح نور الدين مدينة ارتاح ~~بالسيف ، ونهبها وحصر ما يوله وبصرفوث وكفر لاثا ، وكان الفرنج بعد قتل ~~أتابك زنكي قد طمعوا وظنوا أنهم يستردون ما أخذ منهم فخاب ظنهم . ذكر فتح ~~حصن العريمة وفي سنة ثلاث وأربعين وخمسماية فتح حصن العريمة ، وهو من أعمال ~~طرابلس . وكان ملك الألمان لما سار عن دمشق وجه إلى العريمة ولد ألفتش صاحب ~~طليطه ، وهو من أولاد أكابر ملوك الفرنج . وكان جده هو الذي فتح طرابلس ، ~~فملك العريمة ، وأظهر أنه يريد أخذ طرابلس من القمص ، فأرسل القمص إلى نور ~~الدين ، وإلى معين الدين صاحب دمشق أن يقصدا حصن العريمة ويملكاه . فسار ~~نور الدين من حلب ومعين الدين من دمشق واستمدا سيف الدين غازي ، فأمدهما ~~بعسكر كثيف مع الأمير عز الدين الدبيسي صاحب جزيرة ابن عمر ، فنازلوا الحصن ~~، وحصروه وبه ولد ألفتش ، فاستسلم من به بعد امتناع ، وملكه المسلمون ، ~~PageV27P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" وأخذوا كل من فيه من فارس وراجل وصبي وامرأة ~~. وكان ولد ألفتش ممن أسر وأخربوا الحصن ثم عادوا . ذكر انهزام الفرنج ~~بيغرا وفي سنة ثلاث وأربعين أيضا ، اجتمع الفرنج لقصد حلب ، فسار إليهم ms6250 ~~الملك العادل نور الدين بعسكره ، فالتقوا بيغري واقتتلوا قتالا شديدا ، ~~أجلت الحروب عن ظفر الملك العادل ، وانهزام الفرنج وأسر جماعة من مقدميهم . ~~ولم ينج من ذلك الجمع إلا اليسير . وأرسل نور الدين من الغنيمة والأسارى ~~إلى أخيه سيف الدين وإلى الخليفة ببغداد وإلى السلطان مسعود وغيرهم . وفي ~~هذه الوقعة يقول بن القيسراني من قصيدة أولها . يا ليت أن لصد مصدود . . . ~~أو لا ، فليت النوم مردود جاء منها وكيف لا يثنى على عيشنا المحم . . . ود ~~والسلطان محمود وصارم الإسلام لا ينثنى . . . إلا وشلو الكفر مقدود مكارم ~~لم تك موجودة . . . إلا ونور الدين موجود وكم له من وقعة يومها . . . عند ~~ملوك الكفر مشهود ذكر قتل البرنس صاحب أنطاكية وفي سنة أربع وأربعين ~~وخمسماية ، غزا نور الدين بلاد الفرنج ، من ناحية انطاكية وقصد حصن حارم ~~وهو للفرنج ، وحصره وخرب ربضه ، ونهب سواده ثم PageV27P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" رحل إلى حصن إنب فصره ، فاجتمعت الفرنج ~~لقتاله مع البرنس ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم الفرنج وقتل البرنس ~~وجماعة كثيرة من أصحابه ، واسر خلق كثير . وكان البرنس من عتاة الفرنج . ~~ولما قتل ملك بعده انطاكية ابنه بيمند ، ثم غزاهم نور الدين غزوة ثانية ، ~~فقتل وأسر ، وكان ممن أسر البرنس الثاني زوج أم بيمند صاجب انطاكية . وكان ~~قتل البرنس ريموند عظيما عند الطائفتين وأكثر الشعراء مدح نور الدين بهذا ~~الظفر ، فكان ممن قال فيه ابن القيسراني الكاتب قصيدته المشهورة وهي : هذي ~~العزائم لا ما تدعي القضب . . . وذي المكارم لا ما قالت الكتب وهذه الهمم ~~اللائي متى خطبت . . . تعثرت خلفها الأشعار والخطب صافحت يا بن عماد الدين ~~ذروتها . . . برحة للمساعي دونها تعب مازال جدك يبنى كل شاهقة . . . حتى ~~بنى قبة أوتادها الشهب أغرت سيوفك بالإفرنج راجفة . . . فؤاد رومية الكبرى ~~لها يجب ضربت كبشهم منها بقاصمة . . . أودى بها الصلب وانحطت لها الصلب ~~طهرت أرض الأعادي من دمائهم . . . طهارة كل سيف عندها جنب ذكر فتح حصن ~~أفامية وفي سنة خمس وأربعين وخمسماية فتح الملك العادل نور الدين حصن ~~أفامية من الفرنج ، وهو ms6251 مجاور شيزر وحماة ، وهو من أحصن القلاع وأنعها ، ~~فاجتمع PageV27P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" الفرنج من الساحل وساروا نحوه ليرحلوه ، فلم ~~يصلوا إلا وقد ملكه وملأه من الذخائر والسلاح وشحنة بالرجال . وسار عنه في ~~طلب الفرنج ، فعدلوا عن طريقه وسألوه الهدنة ، وعاد مظفرا منصورا . ذكر أسر ~~جوستكين وفتح بلاده كان نور الدين قد جمع عساكره في سنة ست وأربعين ~~وخمسماية وسار إلى بلاد جوستكين الفرنجي وهي شمالي حلب ، وعزم على محاصرتها ~~. وكان جوستكين فارس الفرنج وطاغيتهم ، صاحب رأي وشجاعة ، فجمع وأكثر ، ~~وسار نحو نور الدين والتقوا واقتتلوا ، فكانت الهزيمة على المسلمين ، وقتل ~~كثير منهم . واسر سلحدار نور الدين فيمن أسر ، فأخذ جوستكين سلاحه ، وأرسله ~~إلى الملك مسعود قلج صاحب الروم ، وقال : هذا سلاح زوج ابنتك وسآتيك بعده ~~بما هو أعظم منه فأهم نور الدين ذلك وعظم عليه ، وعلم أنه لا يتمكن من ~~جوستكين في حرب ، لأنه إما أن يحارب أو يحتمي بحصونه . فجعل عليه العيون من ~~التركمان ، ووعدهم إن أسروه وأتوا به أو برأسه بمواعيد كثيرة . فرصدوه إلى ~~أن خرج إلى الصيد ، وأسروه فصالحهم على مال يؤديه إليهم ، فسير في إحضار ~~المال إليهم فجاء بعضهم إلى أبي بكر بن الداية ، نائب نور الدين بحلب ، ~~وأخبره بالقضية . فسير عسكرا مع من حصر إليه بالخبر ، وكيس التركمان وأخذوا ~~جوستكين أسيرا . وكان من أعظم الفتوحات ، وأصيبت النصرانية كافة بأسرها ~~ولما أسر سار نور الدين إلى قلاعه فملكها ، وهي تل باشر وعين تاب وإعزاز ~~وتل خالد وقورس والراوندان وبرج الرصاص وحصن البادة وكفر سو ، وكفر لاثا ، ~~ودلوك ، ومرعش ونهر الجوز ، وغير ذلك من أعماله في مدة يسيرة . واجتمع ~~الفرنج في سنة سبع وأربعين ، وحشدت الفارس والراجل وساروا نحو نور الدين ~~وهو بدلوك ، فلما قربوا منه رجع إليهم واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر له ~~وقتل وأسر منهم . وعاد PageV27P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" إلى دلوك فملكها . وكان نورا لدين إذا فتح ~~حصنا من هذه الحصون شحنه بما يحتاج إليه من الرجال والسلاح الذخائر وغيرها ~~. ذكر حصر قلعة حارم وفتحها ms6252 وفي سنة إحدى وخمسين وخمسماية حصر نور الدين ~~قلعة حارم وشدد الحصار ، فصالحه الفرنج على نصف أعمال حارم ، وصالحهم ورحل ~~عنهم ثم فتحها في شهر رمضان سنة تسع وخمسين وخمسماية . ذكر ملكه بانياس وما ~~قرره على طبرية وأعمالها وفي سنة تسع وخمسين ملك حصن بانياس ، وكان بيد ~~الفرنج من سنة ثلاث وأربعين وخمسماية ، كما قدمنا . فنازله ، فجمع الفرنج ~~لقصده ، فلم يكمل جمعهم غلا وقد ملك الحصن وشحنه بالرجال والذخائر ، ثم ~~شاطر الفرنج على أعمال طبرية ، وقرروا له على الأعمال التي لم يشاطرهم ~~عليها في كل سنة مالا يحملونه إليه ، والله أعلم . ذكر فتح المنيطرة ~~والمنيطرة فيما بين طرابلس وبعلبك وهي الآن من الأعمال المضافة إلى المملكة ~~الطرابلسية . فما كان في سنة إحدى وستين وخمسماية ، سار نور الدين إليها ~~جريدة ، وملكها وأعجل الفرنج عن الاجتماع لرده ، وسبى وغنم ، فجاء الفرنج ~~بعد أن ملكها فأيسوا منها ، ورجعوا عنها ، والله أعلم . PageV27P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" ذكر فتح صافيثا وعريمة وفي سنة اثنتين وستين ~~وخمسماية جمع نور الدين العساكر وسار إليه أخوه قطب الدين من الموصل ~~واجتمعا على حمص ، فدخل بالعساكر إلى بلاد الفرنج بالساحل واجتاز على حصن ~~الأكراد ، فأغاروا ونهبوا وسبوا . وقصدوا عرقة فنازلوها وحصروها ، وحصروا ~~حلبة وأخذوها وخربوها . وسارت عساكر المسلمين في بلادهم يمينا وشمالا تغير ~~وتخرب ، وفتحوا العريمة ، وصافيثا ، وعادوا إلى حمص فصاموا بها شهر رمضان ، ~~وكان الفرنج في سنة ثمان وأربعين قد كبسوا عسكر نور الدين بالبقيعة على حين ~~غفلة من العسكر ، فنالوا من المسلمين منالا عظيما ، فجعل نور الدين في ~~مقابلة ذلك فتح حارم وبانياس والمنيطرة وصافيثا وعريمة وتخريب بلادهم ، ~~وأدرك ثأره عن غير بعد . ثم سار بعد شهر رمضان إلى بانياس ، وقصد العبور ~~إلى بيروت ، فجرى بين العسكر اختلاف أوجب رجوعه . وأعطى قطب الدين في هذه ~~السنة الرقة ، وأعاده إلى بلده . هذا ما فتحه رحمه الله من بلاد الفرنج ، ~~فلنذكر ما استولى عليه من البلاد الإسلامية . ذكر ما استولى عليه نور الدين ~~من البلاد الاسلامية في سنة أربع وأربعين ms6253 وخمسماية ، استولى الملك العادل ~~نور الدين على سنجار ، وكانت بيد أخيه قطب الدين ، ملكها بعد وفاة سيف ~~الدين غازي ، ثم حصل الاتفاق بينهما على أن يكون نور الدين صاحب حلب وحمص ~~والرحبة والشام ؛ وقطب الدين بالموصل وديار الجزيرة ، وسلم سنجار لأخيه قطب ~~الدين ، وأخذ نور الدين ما كان من الذخائر بسنجار ، وكانت كثيرة جدا ، وعاد ~~إلى حلب وقد حصل الاتفاق بينه وبين أخيه PageV27P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" ذكر ملكه مدينة دمشق وفي سنة تسع وأربعين ~~وخمسماية ملك دمشق من مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بن طغرلتكين . وسبب ~~قصده لها أن الفرنج ملكوا في السنة التي قبل هذه السنة مدينة عسقلان ، ~~واستولوا على تلك النواحي ، فلم يتمكن نور الدين من غزوهم ودفعهم ، لأن ~~دمشق تحول بينه وبينهم . ولم تمكنه مفاجأة صاحبها لعلمه أنه إن سار إليها ~~راسل صاحب دمشق الفرنج واستنجد بهم . وكان قد استقر لهم ضريبة على دمشق ~~تحمل إليهم في كل سنة ، ويحضر رسلهم لقبضها ، فزاد استيلاؤهم إلى أن أخذوا ~~كل من فيها من الغلمان والجواري ، بحيث أنهم يطلبون الغلام أو الجارية ~~ويخيروه ، فإن اختار الرجوع إليهم أخذوه ، اختار مولاه أو امتنع ؛ وان ~~اختار المقام عند مواليه تركوه . فأهم ذلك نور الدين ، وخاف أن الفرنج متى ~~استولت على دمشق ملكوا الشام أجمع ، فأخذ في إعمال الحيلة وراسل مجير الدين ~~صاحبها وهاداه وداهنه واستماله . وبقي يوقع بينه وبين أمرائه ، فكتب إليه ~~يقول : إن فلانا الأمير قد كاتبني في تسليم دمشق فقبض عليه مجير الدين حتى ~~اختل أمر عسكره وضعف . ثم راسل نور الدين الأحداث من الأمراء بدمشق ، ~~ووعدهم الجميل فمالوا إليه ووعدوه بتسليمها له ، فسار إليها . فلما نازلها ~~كاتب مجير الدين الفرنج وبذل لهم بعلبك ليمنعوا نور الدين عنه ، فحشدوا ~~فارسهم وراجلهم ، فلم يتكامل جمعهم إلا وقد ملك نور الدين دمشق ، سلمها له ~~الأمراء ، ودخلها من الباب الشرقي . وتحصن صاحبها بالقلعة ، فبذل له نور ~~الدين حمص ، فرضي وسلم القلعة وسار إلى حمص ، ثم عوضه عن حمص مدينة بالس ~~فامتنع ms6254 ، وتوجه إلى بغداد ومات بها . وفي سنة اثنتين وخمسين ، ملك نور ~~الدين حصن شيزر من آل منقذ وكانت الزلزلة قد هدمت أسواره فعمرها والله أعلم ~~. ذكر ملكه بعلبك وفي سنة اثنتين وخمسين وخمسماية ملك بعلبك وقلعتها . ~~وكانت بيد إنسان PageV27P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" يقال له ضحاك البقاعي ، منسوب إلى البقاع ~~البعلبكي ، كان صاحب دمشق قد ولاه إياها ، فلما ملك نور الدين دمشق لم ~~تمكنه مشاححته لقربه من الفرنج ، فطاوله إلى الآن وملكها منه . ذكر ملكه ~~قلعة جعبر وفي سنة أربع وستين وخمسماية ملك نور الدين قلعة جعبر من صاحبها ~~شهاب الدين مالك بن علي بن مالك العقيلي وكانت بيده وبيد آبائه كما تقدم . ~~وكان السبب في ملكه لها أن صاحبها سار إلى الصيد ، فأسره بنو كلاب وجاؤوا ~~به إلى نور الدين في شهر رجب سنة ثلاث وستين ، فاعتقله نور الدين وأكرمه في ~~اعتقاله . وأخذ في طلبها باللين ، فلم يوافق على إعطائها ثم أخذه بالشدة ~~فلم يوافق ، فسير الجيوش لحصرها ، فحوصرت مدة فلم يظفر منها بطائل ، فعاود ~~صاحبها بالملاطفة ، وعوضه عنها سروج وأعمالها والملاحة التي من بلد حلب ~~وباب بزاعه ، وعشرين ألف دينار معجلة . فقبل العوض وسلم القلعة . وهذه ~~القلعة في عصرنا هذا إلى سنة أربع عشرة وسبعماية خرابا لا باب عليها والله ~~أعلم . ذكر ملكه الديار المصرية وفي سنة أربع وستين وخمسماية ملك أسد الدين ~~شيركوه الديار المصرية بجيوش الملك العادل نرو الدين ، وهي السفرة الثالثة ~~له إليها من قبل نور الدين ونذكر ذلك مفصلا في أخبار الدولة الأيوبية ، ~~ودامت الخطبة بها للملك العادل مدة حياته ، وصدر من أيام ولده الملك الصالح ~~إسماعيل . ذكر ملكه الموصل وفي سنة ست وستين وخمسماية ملك الموصل بعد وفاة ~~أخيه قطب الدين ، وأقر عليها سيف الدين غازي بن قطب الدين ، عل ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى في PageV27P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" أخبار غازي . وأطلق نور الدين سائر المكوس ~~بالموصل وبسائر البلاد . وجاءته الخلع من الخليفة المستنصر بالله ، فلبسها ~~ثم خلعها على سيف الدين غازي ابن ms6255 أخيه . وأمر ببناء الجامع النوري بالموصل ~~، فبنى وأقام بالموصل عشرين يوما وعاد إلى الشام . ذكر وفاته رحمه الله ~~وشيء من أخباره وسيرته كانت وفاة الملك العادل نور الدين محمود في حادي عشر ~~شوال سنة تسع وستين وخمسماية ، بعلة الخوانيق ، ولقب بعد موته بالشهيد . ~~ومولده في سنة إحدى عشرة وخمسماية ، فيكون عمره نحوا من ثمان وخمسين سنة ، ~~ومدة ملكه منذ وفاة أبيه ثمانيا وعشرين سنة وستة أشهر وستة أيام . ومن ~~العجب أنه ركب إلى الميدان الأخضر بدمشق في ثاني شوال ، ونصب فيه قبقا ، ~~فسايره الأمير همام الدين مودود ، وقال له : أترى هل نكون ههنا في مثل هذا ~~اليوم من العام المقبل ؟ فقال له نور الدين : لا تقل هكذا ، قل هل نكون ~~ههنا بعد شهر ؟ فإن السنة بعيدة ورجع إلى القلعة ، وختن ابنه وأصابته العلة ~~، فمات بعد عشرة أيام . ومات الأمير همام الدين قبل استكمال الحول . ودفن ~~نور الدين بقلعة دمشق ، ثم نقل إلى مدرسته التي بناها بجوار سوق الخواصين ~~بدمشق وقبره هناك مشهور . وأما سيرته وأفعاله رحمه الله تعالى فإنه أفرغ ~~وسعه في الجهاد ، واستنقذ من أيدي الفرنج ما ذكرناه . وكان ثابتا في حروبه ~~، وبنى المدارس والمساجد والربط . والبيمار ستان والخانات والطرق والجسور ، ~~وجدد القنى وأصلحها ، وأوقف الوقوف على معلمي الخط لتعليم الأيتام ، وعلى ~~سكان الحرمين الشريفين ، وأقطع أمراء العرب PageV27P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" الإقطاعات حتى كفوا عن التعرض إلى الحاج . ~~وبنى أسوار المدن والحصون التي هدمتها الزلزلة التي ذكرناها في أخبار ~~الدولة العباسية . وكان رحمه الله مواظبا على الصلاة في الجماعة ، حريصا ~~على فعل الخير ، عفيف لبطن والفرج ، مقتصدا في الإنفاق والمطاعم والملابس ، ~~لم تسمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في سخطه وعاقب على شرب الخمر . قال الشيخ ~~عز الدين أبو الحسن علي بن عبد الكريم الجزري المعروف بابن الأثير رحمه ~~الله : قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا هذا ~~فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكا أحسن سيرة من ~~الملك العادل نور ms6256 الدين ولا أكثر تحريا للعدل والإنصاف منه قال : وكان رحمه ~~الله لا يفعل فعلا إلا بنية حسنة . كان بالجزيرة رجل من الصالحين العباد ، ~~وكان نور الدين يكاتبه ويراسله فيرجع إلى قوله ، فبلغه أن نور الدين يدمن ~~اللعب بالأكرة فكتب إليه يقول : ما كنت أظنك تلهو وتلعب وتعذب الخيل لغير ~~فائدة فكتب إليه نور الدين بخطه يقول : والله ما يحملني على اللعب بالكرة ~~اللهو والبطر ، إنما نحن في ثغر ، العدو قريب منا ، وبينما نحن جلوس إذ يقع ~~الصوت فنركب في الطلب ولا يمكننا أيضا ملازمة الجهاد ليلا ونهارا شتاء ~~وصيفا . إذ لابد من الراحة للجند ومتى تركنا الخيل على مرابطها بسرعة ~~الانعطاف في الكر والفر في المعركة فنحن نركبها ونروضها بهذا اللعب ، فيذهب ~~حمامها ، وتتعود سرعة الانعطاف والطاعة لراكبها في الحرب . فهذا والله الذي ~~بعثني على اللعب بالكرة . قال : وحكى عنه أنه حمل إليه من مصر عمامة من ~~القصب الرفيع مذهبة ، فلم يحضرها عنده ، فوصفت له ، فلم يلتفت إليها ؛ ~~فبينما هم معه في حديثها إذ جاءه رجل صوفي فأمر له بها . فقيل له إنها لا ~~تصلح لهذا الرجل ، ولو أعطى غيرها كان أنفع له . فقال : أعطوها له ، فاني ~~أرجو أن أعوض عنها في الآخرة فسلمت إليه قيل والذي أعطيها شيخ الصوفية عماد ~~الدين بن حمويه ، فبعثها إلى همذان ، فبيعت بألف دينار . PageV27P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" قالوا وكان عارفا بالفقه على مذهب أبي حنيفة ~~، وسمع الحديث وأسمعه ، وكان يعظم الشريعة المطهرة ، ويقف عند أحكامها ، ~~فمن ذلك أنه كان يلعب بالكرة عند دمشق ، فرأى إنسانا يحدث آخر ويومىء إليه ~~بيده ، فأرسل يسأله عن حاله ، فقال : لي مع الملك العادل حكومة ، وهذا غلام ~~القاضي ليحضره إلى مجلس الحكم يحاكمني على الملك الفلاني فلما قيل ذلك له ~~ألقى الجوكات من يده وخرج من الميدان وتوجه إلى القاضي كمال الدين بن ~~الشهرزوري وأرسل إليه يقول : إني قد جئت في محاكمة فاسلك معي ما تسلكه مع ~~غيري . فلما حضرا ، ساوى خصمه وحاكمه ، فلم يثبت قبله حق ، وثبت الحق ms6257 لنور ~~الدين . فعند ذلك أشهد على نفسه أنه وهب الملك للذي حاكمه ، وقال : كنت ~~أعلم أن لا حق له عندي ، وإنما حضرت معه لئلا يظن بي أن ظلمته ، فحيث ظهر ~~أن الحق لي ، وهبته له . قال : وهو أول من بنى دار الكشف وسماها دار العدل ~~وكان يجلس فيها في الأسبوع يومين ، وعنده القاضي والفقهاء لفصل الحكومات ~~بين القوي والضعيف . وكان شجاعا حسن الرأي والمكيدة في الحرب ، عارفا بأمور ~~الأجناد . وكان إذا حضر الحرب أخذ قوسين وتركشين ، وباشر القتال بنفسه . ~~وكان يقول : طالما تعرضت للشهادة فلم أدركها . قال : ومن أحسن الآراء ما ~~كان يفعله مع أجناده . كان إذا توفى أحدهم وخلف ولدا ، أقر الإقطاع عليه . ~~فإن كان كبيرا استبد بتدبير نفسه ، وإن كان صغيرا رتب معه رجلا عاقلا يثق ~~إليه يتولى أمره إلى أن يكبر . فكان الأجناد يقولون هذه أملاكنا يرثها ~~الولد عن الوالد ، فنحن نقاتل عليها ، وكان ذلك سببا عظيما للنصر في ~~المشاهد والحروب . قال : وبنى أسوار مدن الشام وقلاعها ، فمنها حلب وحماه ~~وحمص ودمشق وبارين وشيزر ومنيج ، وغيرها من القلاع والحصون ، وأخرج عليها ~~الأموال الكثيرة التي لا تسمح النفوس بمثلها . وبنى المدارس بحلب وحماه ~~ودمشق وغيرها . وبنى الجوامع في كثير من البلاد . فمنها جامعه بالموصل ، ~~إليه النهاية في الحسن والإتقان وفوض عمارته والخرج عليه للشيخ عمر الملا ، ~~وكان من الصالحين . فقيل له إنه لا يصلح لمثل هذا العمل ، فقال : إذا وليت ~~بعض أصحابي من الأجناد والكتاب ، أعلم أنه يظلم في بعض الأوقات ، فلا يقي ~~عمارة الجامع بظلم رجل مسلم ، وإذا PageV27P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" وليت هذا الشيخ غلب على ظني أنه لا يظلم ، ~~فإن ظلم كان الاثم عليه لا على وبنى أيضا بمدينة حماه جامعا على نهر العاصي ~~من أحسن الجوامع وأنزهها ، وجدد في غيرها من عمارة الجوامع ما كان قد تهدم ~~بسبب زلزلة وغيرها . وبنى البيمار ستانات في البلاد ، ومن أعظمها وأشهرها ~~البيمارستان الذي بناه بدمشق ، وقفه على كافة المسلمين من غنى وفقير ، وبنى ~~الربط . والخانقاهات للصوفية ، ووقف عليها ms6258 الوقوف الكثيرة ، وأدر عليهم ~~الإدرارات الصالحة . قال : وكان قد ضبط ناموس الملك إلى غاية لا مزيد عليها ~~، فكان يلزم الأجناد بوظائف الخدمة ، ولا يجلس عنده أمير من غير أن يأمره ~~بالجلوس ، إلا نجم الدين أيوب ، وأما من عداه كأسد الدين شيركوه وغيره ، ~~فإنهم كانوا يقفون حتى يأمرهم بالجلوس . وكان مع ذلك إذا دخل عليه الفقير ~~والصوفي والفقيه يقوم له ويجلسه إلى جانبه . وكان إذا أعطى أحدهم شيئا يقول ~~إن هؤلاء لهم في بيت المال حق ، فإذا قنعوا منا ببعضه فلهم المنة علينا . ~~ولم يزل الناس معه في غاية الأمن والخير والبركة والنمو والإحسان والعدل ~~والبر وإظهار السنة وقمع البدعة إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى . ذكر ~~أخبار الملك الصالح اسماعيل ابن الملك العادل نور الدين محمود بن عماد ~~الدين أتابك زنكي بن أقسنقر ملك بعد وفاة والده في حادي عشر شوال سنة تسع ~~وستين وخمسماية . وحلف له الأمراء وأطاعه الناس في سائر البلاد وخطب له ~~الملك الناصر صلاح الدين يوسف بالديار المصرية . ولم يكن الملك الصالح إذ ~~داك قد بلغ الحلم وتولى تربيته PageV27P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" الأمير شمس الدين محمد بن المقدم . قال ~~العماد الأصفهاني الكاتب : وورد كتاب صلاح الدين بالمثل الفاضلي معزيا ~~للملك الصالح وفي آخره : وأما العدو خذله الله تعلى فوراءه من الخادم من ~~يطلبه طلب ليل لنهاره ، وسيل لقراره ، إلى أن يزعجه من مجاثمه ، ويستوقفه ~~عن مواقف مغانمه ، وذلك من أقل فروض البيت الكريم ، وأيسر لوازمه . أصدر ~~هذه الخدمة يوم الجمعة رابع عشر ذي القعدة وهو اليوم الذي أقيمت فيه الخطبة ~~بالاسم الكريم ، وصرح فيه بذكره في الموقف العظيم ، والجمع الذي لا لعو فيه ~~ولا تأتيم ، وأشبه يوم الخادم أمسه في الخدمة ، وفيما لزمه من حقوق النعمة ~~، وجمع كلمة الإسلام عالما أن الجماعة رحمة . قال : ولما بلغ سيف الدين ~~غازي بن قطب الدين مودود وفاة عمه ، استبشر لذلك ، ونادى بالموصل بالفسحة ~~في الشرب واللهو . وكان الخبر قد أتاه وهو سائر إلى خدمة عمه نور الدين ، ~~فإنه ms6259 كان قد استدعاه بالجيوش ، فعاد وهرب سعد الدين كمشتكين ، على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى في أخبار سيف الدين غازي مبينا . قال : ولما اتفق ذلك ~~منه لم يكتب الجماعة الذين في خدمة الملك الصالح إلى صلاح الدين يوسف ~~بالخبر ، خوفا أنه إذا بلغه ذلك أقصدهم ، واستولى على الملك الصالح وأبعدهم ~~، فشق ذلك عليه وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى . قال : وأقام ~~الملك الصالح بدمشق وجماعة الأمراء عنده لم يمكنوه من المسير إلى حلب ، ~~لئلا يغلبهم عليه شمس الدين بن الداية ، ويختص بخدكته ، فإنه كان من أكبر ~~الأمراء النورية . ولما وصل كمشتكين من الموصل إلى حلب أحسن إليه الأمير ~~شمس الدين بن الداية ، وأكرمه ، وجهزه إلى دمشق لإحضار الملك الصالح منها ~~إلى حلب ، وجهز معه العساكر . فلما قارب دمشق سير الأمير شمس الدين محمدين ~~المقدم عسكرا إليه ، فهزموه . ونبوا ما معه ، فعاد إلى حلب منهزما ، فأخلف ~~عليه ابن الداية عوض ما أخذ منه ثم نظر أمراء دمشق المصلحة ، فعلموا أن ~~مسيره إلى حلب أجود من مقامه بدمشق . فأرسلوا إلى ابن الداية يطلبون سعد ~~الدين كمشتكين ليأخذ الملك الصالح ، فجهزه إليهم ، فسار إلى دمشق في المحرم ~~سنة سبعين وخمسماية ، فأخذ الملك الصالح وعاد به إلى حلب . فلما وصل إليها ~~، قبض سعد الدين على ابن الداية وإخوته ، وعلى الرئيس ابن الخشاب رئيس حلب ~~، ومقدم الأحداث بها . واستبد سعد الدين بتربية الملك الصالح ، فخاف ابن ~~المقدم وغيره من الأمراء بدمشق أن سعد الدين يسير إليهم ويفعل بهم كما فعل ~~بابن الداية ، فراسل سيف الدين PageV27P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" غازي بن مودود في الحضور من الموصل ليتسلم ~~دمشق فخشي غازي أن تكون مكيدة فلم يحضر ، فراسله سعد الدين ، واتفق الحال ~~على أن يستقر بيده ما استولى عليه من الأعمال الجزيرية . فقال أمراء دمشق : ~~حيث صالح سيف الدين ، لم يبق له مانع من المسير إلى دمشق . فراسلوا الملك ~~الناصر صلاح الدين في الحضور من مصر ليتسلمها . فوصل إليها ، وتسلمها ، ~~وملك حمص وحماه وبعلبك ms6260 . ولم يقطع خطبة الملك الصالح ، وأظهر أنه إنما حضر ~~لخدمته ، واسترجاع ما استولى عليه سيف الدين غازي وغيره من الأعمال ~~الجزيرية . ثم كان بينه وبين العسكر الحلبي من الحروب ما نذكره في أخبار ~~الدولة الأيوبية إلى أن أحوجوه إلى الاستقلال بالأمر والخطبة لنفسه وملك ~~البلاد . ذكر مقتل سعد الدين كمشتكين وحصر الفرنج حارم وفي سنة ثلاث وسبعين ~~وخمسماية قبض الملك الصالح على سعد الدين ، وهو المتولي على أمر دولته ، ~~والحاكم فيها ، وسبب ذلك أن أبا صالح بن العجمي كان من أكابر حلب ، وكان ~~مقدما عند نور الدين ، وتقدم عند ولده وأطاعه الناس ، وكثرت أتباعه ، فوثبت ~~عليه بعض الباطنية بالجامع فقتله ، فنسب ذلك لسعد الدين فوشوا به عند الملك ~~الصالح ، فقبض عليه . وكانت جارم اقطاعه ، فامتنع من بها من تسليمها فسيره ~~الملك الصالح تحت الاستظهار ليأمر أصحابه بتسليمها ؛ فأمرهم فلم يرجعوا إلى ~~قوله ، وعذب وهم ينظرون إليه إلى أن مات تحت العقوبة . فبلغ الفرنج ذلك ، ~~فنازلوا قلعة حارم ونصبوا عليها المجانيق ، فصالحهم الملك الصالح على مال ~~ففارقوها ، وتسلمها بعد حصار ثان ، ورتب فيها من المماليك النورية من ~~يحفظها . PageV27P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" ذكر وفاة الملك الصالح اسماعيل كانت وفاته ~~لخمس بقين من رجب سنة سبع وسبعين وخمسماية . وابتدأت علته في تاسع الشهر ، ~~وكان مرضه القولنج ومات وله من العمر تسع عشرة سنة . وقيل في سبب وفاته إن ~~علم الدين سليمان بن جندر سقاه في عنقود عنب وهو في الصيد ؛ وقيل بل سقاه ~~ياقوت الأسدي في شراب ، فعظم موته على سائر الناس ، وحزنوا لفقده حزنا ~~شديدا . قال ابن الأثير : ولما اشتد مرضه وصف له الأطباء شرب الخمر للتداوي ~~، فاستفتى الفقيه علاء الدين الكاشاني وأفتاه بجواز شربها ، فقال : إن كان ~~الله قد قرب أجلى أيؤخره شرب الخمر فقال : لا والله فقال : والله لا لقيت ~~الله تعالى وقد استعملت ما حرمه علي ومات رحمه الله ولم يشربها . ولما أيس ~~من نفسه أحضر الأمراء والأجناد في الثالث والعشرين من شهر رجب وأوصاهم ~~بتسليم البلد لابن عمه ms6261 عز الدين مسعود صاحب الموصل ، واستحلفهم على ذلك . ~~فقال بعض أصحابه إن عز الدين ملك الملوك وله ما يكفيه ، ولو أوصيت بها لابن ~~عمك عماد الدين زنكي فإنه تربية والدك ، وزوج أختك ، وليس له غير سنجار . ~~فقال : إن هذا لم يغب عني ، ولكن قد علمتم أن صلاح الدين قد تمكن وتغلب علا ~~عامة البلاد الشامية ، ومتى كانت حلب لعماد الدين عجز عن حفظها وعز الدين ~~بحفظها ، وإن ملكها صلاح الدين لم يبق لأهلنا معه مقام فاستحسن الناس ذلك ~~منه ، وعجبوا من جودة رأيه مع صغر سنه ، وأن مرضه لم يشغله عن حسن اختياره ~~ثم مات رحمه الله . وكان عفيف اليد والفرج واللسان ، لا يعرف له شيء مما ~~يتعاطاه الملوك والشباب ، حسن السيرة ، عادلا في رعيته . وبوفاته انقرض عقب ~~نور الدين المذكور . ولنرجع إلى ذكر ملوك الموصل الذين ملكوا بعد وفاة سيف ~~الدين غازي بن عماد الدين زنكي . PageV27P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" ذكر أخبار قطب الدين مودود بن عماد الدين ~~زنكي بن أقسنقر ملك الموصل بعد وفاة أخيه سيف الدين غازي في أواخر جمادي ~~الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسماية . وذلك أنه لما مات سيف الدين غازي ~~اجتمعت كلمة الوزير جمال الدين الأصفهاني وزين الدين على أمير الجيش على ~~تولية قطب الدين طلبا للسلامة ، فاستحلفوه وحلفوا له وركبوه إلى دار ~~السلطان ، وأطاعه سائر البلاد التي كانت تحت يد أخيه . وتزوج الخاتون ابنة ~~حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين . وكان سيف الدين غازي قد تزوجها ولم يدخل ~~بها ، فتزوجها قطب الدين وهي أم أولاده الملوك . قال : ولما ملك قطب الدين ~~كان نور الدين بحلب ، وهو أكبر منه ، فكاتبه بعض الأمراء وطلبوه ، فسار ~~إليهم ، وقصد انتزاع الملك من أخيه قطب الدين ، ثم اتفقا وعاد نور الدين ~~إلى حلب ، وشهد قطب الدين بعض الحروب مع أخيه نور الدين ؛ كما ذكرناه في ~~أخبار نور الدين . ذكر القبض على الوزير جمال الدين محمد بن علي ابن منصور ~~الأصفهاني ووفاته وشيء من أخباره وسيرته وفي سنة ثمان وخمسماية قبض قطب ms6262 ~~الدين على الوزير جمال الدين واعتقله ، فتوفى في اعتقاله في شعبان سنة تسع ~~وخمسين ولعمر ما كان يستحق أن يعتقل ، وهو الذي عمل على إثبات الملك في ~~البيت الأتابكي بعد قتل الشهيد أتابك زنكي ، على ما قدمنا في أخبار سيف ~~الدين غازي قال بن الأثير الجزري رحمه الله في تاريخه الكامل : حكى لي ~~إنسان صوفي قال له أبو القاسم ؛ كان مختصا بخدمته في الحبس ، قال : لم يزل ~~مشغولا في محبسه بأمر آخرته ، وكان يقول كنت أخشى أن أنقل من الدست إلى ~~القبر ، فلما أن PageV27P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" مرض قال لي في بعض الأيام : يا أبال القاسم ~~إذا جاء طائر أبيض إلى الدار فعرفني قال : فقلت في نفسي قد اختلط عقله فلما ~~كان الغد أكثر السؤال عنه ، وإذا طائر أبيض لم أر مثله قد سقط ، فقلت : قد ~~جاء الطائر فاستبشر ثم قال : جاء الحق وأقبل على الشهادة ، وذكر الله تعالى ~~إلى أن توفى . فلما توفى طار ذاك الطائر ، فعلمت أنه رأى شيئا في معناه . ~~ودفن بالموصل عند فتح الكرامى رحمة الله عليهما نحو سنة ، ثم نقل إلى ~~المدينة ، فدفن بالقرب من حرم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في رباط بناه ~~لنفسه . وقال لأبي القاسم : بيني وبين أسد الدين شيركوه عهد ن مات منا قبل ~~صاحبه حمله إلى المدينة فدفنه بها في التربة التي عملها ، فإذا أنا مت فامض ~~إليه وذكره . فلما توفي سار أبو القاسم إلى شيركوه في المعنى ، فقال له ~~شيركوه : كم تريد فقال أريد أجرة جمل يحمله ، وجمل يحملني وزادي فانتهره ~~وقال : مثل جمال الدين يحمل هكذا إلى مكة وأعطاه مالا صالحا ليحمل معه ~~جماعة يحجون عن جمال الدين ، وجماعة يقرءون بين يدجي تابوته إذا حمل وإذا ~~أنزل عن الجمل . فإذا وصل إلى مدينة يدخل أولئك القراءون ينادون للصلاة ~~عليه ، فيصلى عليه في كل بلد يجتاز بها ، وأعطاه أيضا مالا للصدقة فصلى ~~عليه في كريت وبغداد والحلة فيد ومكة والمدينة ، وكان يجتمع له في كل بلد ~~من الخلق ما ms6263 لا يحصى ، ولما أراد الصلاة عليه بالحلة صعد شاب على موضع ~~مرتفع وأنشد بأعلا صوته : سرى نعشه فوق الرقاب وطالما . . . سرى جوده فوق ~~الركاب ونائله يمر على الوادي فتنثنى رماله . . . عليه وبالنادي فتثنى ~~أرامله فلم ير باكيا أكثر من ذلك اليوم ، وطافوا به حول الكعبة ، وصلوا ~~عليه بالحرم الشريف ، وبين قبره وقبر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) خمسة ~~عشر ذراعا . وأما سيرته رحمه الله فكان الوزير جمال الدين محمد بن علي أسخى ~~الناس وأكثرهم بذلا للمال ، رحيما بالخلق متعطفا عليهم عادلا فيهم ، فمن ~~أعماله الحسنة أنه PageV27P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" جدد بناء مسجد الخيف بمنى وغرم عليه أموالا ~~كثيرة ، وبنى الحجر بجانب الكعبة ، وزخرف الكعبة وأذهبها وعملها بالرخام . ~~ولما أراد ذلك أرسل إلى المتقي لأمر الله هدية جليلة ، وطلب منه ذلك ، ~~وأرسل إلى الأمير عيسى أمير مكة هدية كبيرة ، وخلعا ثنية ، منها عمامة ~~شراها بثلثماية دينار ، حتى مكنه من ذلك . وعمر أيضا المسجد الذي على جبل ~~عرفات ، والدرج الذي يصعد فيها إليه ، وكان الناس يلقون شدة في صعودهم . ~~وعمل بعرفات أيضا مصانع للماء ، وأجرى الماء إليها بن نعمان في طرق معمولة ~~تحت الأرض . وأخرج على ذلك مالا كثيرا وكان يجري الماء في المصانع في كل ~~سنة أيام الحج . وبنى سورا على مدينة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . وعلى ~~فيد . وكان يخرج على باب داره في كل يوم للصعالك والفقراء ماية دينار أميري ~~؛ هذا سوى الإدرارات والتعهدات للأئمة والصالحين وأرباب البيوت . ومن ~~أبنيته العجيبة التي لم ير الناس مثلها الجسر الذي بناه على دجلة عند جزيرة ~~ابن عمر بالحجر المنحوت والحديد والرصاص والكلز فقبض قبل أن تكمل عمارته ~~وبنى أيضا جسرا كذلك على النهر المعروف بالأرفاد ، وبنى الربط . وقصده ~~الناس من أقطار الأرض . وكانت صدقاته وصلاته من أقاصي خراسان إلى حدود ~~اليمن ، وكان يشتري الأسرى في كل سنة بعشرة آلاف دينار ، هذا من الشام حسب ~~، سوى ما يشتري من الكرج . وقال ابن الأثير : أيضا حكى لي والدي عنه قال ~~كثيرا ما كنت ms6264 أرى جمال الدين إذا قدم إليه الطعام يأخذ منه ومن الحلوى ~~ويتركه في خبز بين يديه . فكنت أنا ومن يراه نظن أنه يحمله إلى أم ولده علي ~~. فاتفق أنه في بعض السنين جاء إلى الجزيرة مع قطب الدين ، وكنت أتولى ~~ديوانها ، وحمل جاريته أم ولده إلى داري لتدخل الحمام ، فبقيت في الدار ~~أياما . فبينما أنا عنده في الخيام ، وقد أكل الطعام PageV27P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" فعل كما كان يفعل . ثم تفرق الناس فقمت فقال ~~: اقعد فقعدت . فلما خلا المكان قال لي : قد آثرتك اليوم على نفسي ، فإنني ~~في الخيام ما يمكنني أن أفعل ما كنت أفعله . خذ هذا الخبر واحمله أنت في ~~كمك في هذا المنديل ، واترك الحماقة من رأسك ، وعد إلى بيتك ، فإذا رأيت في ~~طريقك فقيرا يقع في نفسك أنه مستحق ، فاقعد أنت بنفسك وأطعمه هذا الطعام ~~قال : ففعلت ذلك ، وكان معي جمع كثير ففرقتهم في الطريق لئلا يروني أفعل ~~ذلك ، وبقيت في غلماني ، فرأيت في موضع إنسانا أعمى وعنده أولاد له وزوجته ~~، وهم من الفقر على حال شديد ، فنزلت عن دابتي إليهم وأخرجت الطعام ~~وأطعمتهم إياه . وقلت للرج تجيىء غدا بكرة إلى دار فلان ، أعني داري - ولم ~~أعرفه نفسي - فإنني آخذ لك من صدقة جمال الدين شيئا . ثم ركبت إليه العصر ، ~~فلما رآني قال : ما الذي فعلت في الذي قلت لك فأخذت أذكر له شيئا يتعلق ~~بدولتهم فقال : ليس عن هذا أسألك ، إنما أسألك عن الطعام الذي سلمته إليك ~~فذكرت له الحال ففرح ، ثم قال : بقي أنك قلت للرجل يجىء إليك هو وأهله ~~فتكسوهم وتعطيهم دنانير وتجري لهم كل شهر دنانير قال : فقلت له : قد قلت ~~للرجل يجى إلي فازداد فرحا وفعل للرجل ما قال . ولم يزل يصل إليه رسمه حتى ~~قبض . قال : وله من هذا كثير . فمن ذلك أنه تصدق بثيابه من على بدنه في بعض ~~السنين التي تعذرت فيها الأقوات . ولما وقفت على ترجمته لهجت بالترحم عليه ~~، وقرأت ختمة شريفة في شهر رمضان سنة أربع عشرة ms6265 وسبعماية وسألت الله تعالى ~~أن يسطر ثوابها في صحيفة حسناته ، وقررت ذلك على نفسي في كل سنة في شهر ~~رمضان وأرجوا أن لا أقطعها ما لم أنس ذلك ، رحمه الله تعالى . ذكر فراق زين ~~الدين الموصل وتحكم قطب الدين وفي سنة ثلاث وستين وخمسماية فارق زين الدين ~~علي بن بكتكين النايب عن قطب الدين خدمته ، وسار إلى أربل . وكان هو الحاكم ~~في الدولة وأكثر البلاد بيده ، ومنها أربل وبها أهله وأولاده وخزانته ، ~~وشهرزور وجميع القلاع التي معها ، وجميع بلاد الهكارية وبلد الحمدية ، ~~وتكريت وسنجار ، وحران ، وقلعة الموصل هو بها . وكان قد أصابه طرش ثم عمى ، ~~فما عزم على مفارقة الموصل إلى بيته بأربل ، سلم جميع ما كان بيده من ~~البلاد إلى قطب الدين ، وبقي معه أربل خاصة . وكان شجاعا PageV27P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" عاقلا حسن السيرة سليم القلب ميمون النقيبة ، ~~ما انهزم من حرب قط . وكان كريما كثير العطاء للجند وغيرهم ، فمن عطاياه أن ~~الحيص بيص الشاعر قد امتدحه بقصيدة ، فلما أراد إنشادها قال له : أنا لا ~~أعرف ما تقول ولكني أعلم ما تريد وأمر له بخمسمائة دينار وخلعة وفرس فكان ~~مجموع ذلك بألف دينار . ولم يزل بأربل إلى أن مات بها في هذه السنة . ولما ~~فارق زين الدين قلعة الموصل سلمها قطب الدين إلى فخر الدين عبد المسيح ~~وحكمه في البلاد ، فعمر القلعة وكانت خرابا لأن زين الدين كان قليل ~~الالتفات إلى العمارة . وسار عبد المسيح سيرة شديدة وسياسة عظيمة وكان خصبا ~~أبيض من مماليك أتابك زنكي . ذكر وفاة قطب الدين مودود وملك ولده سيف الدين ~~غازي كانت وفاة قطب الدين مودود بن زنكي بالموصل في ذي الحجة سنة خمس وستين ~~وخمسماية ، وقيل في شوال منها . وكان مرضه حمى حادة فكانت مدة ملكه إحدى ~~وعشرين سنة وشهورا . وكان من أحسن الملوك سيرة ، وأعفهم عن أموال الرعية ، ~~كثير الإنعام والإحسان إليهم ، محبوبا إلى كبيرهم ، وصغيرهم عطوفا على ~~ريفهم ووضيعهم ، كريم الأخلاق . ولما مات رحمه الله تعالى ملك بعده ولده ~~سيف الدين ms6266 غازي . ذكر أخبار سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد ~~الدين زنكي ملك الموصل وما كان بيد والده قطب الدين بعد وفاته في ذي الحجة ~~أو شوال PageV27P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" سنة خمس وستين وخمسماية ؛ بوصية من أبيه . ~~وكان والده قد أوصى بالملك بعده لولده الأكبر عماد الدين زنكي ، فعرف عبد ~~المسيح رأيه عنه . فلما كان في اليوم الثاني استخلف سيف الدين غازي ، ~~فاستقر في الملك بعد وفاة أبيه ، واستولى عبد المسيح على المملكة . ولم يكن ~~لغازي معه غير الاسم ، فاتصل ذلك بنور الدين محمود ، فأزعجه وأنف منه وكبر ~~لديه ، فسار إلى الموصل سنة ست وستين وجخلها من غير قتال . وكان الجند ~~والعوام قد كاتبوه في تسليم البلد إليه . فلما علم بذلك بعد المسيح كاتبه ~~أيضا وسأله الأمان ، فأمنه وقال : لا سبيل أن يكون بالموصل ؛ ونقله إلى ~~الشام وجخل نور الدين الموصل في ثالث عشر جمادي الأولى ، وأقر سيف الدين ~~غازي على الموصل ، وولى القلعة خادما يقال له سعد الدين كمشتكين ، وجعله ~~دزدارا ثم عاد إلى الشام رحمه الله . ذكر ملك سيف الدين غازى البلاد ~~الجزيرية كان سبب ذلك أن عمه الملك العادل نور الدين قد استدعاه بعساكر ~~الموصل وديار الجزيرة وغيرها لقصد الغزاة فسار سيف الدين غازي وجعل على ~~مقدمته سعد الدين كمشتكين . فلما كانوا ببعض الطريق ، وافاهم الخبر بوفاة ~~نور الدين ، فهرب سعد الدين جريدة ، واستولى غازي على بركه وثقله وموجوده . ~~وعاد إلى نصيبين فملكها ، وأرسل الشحن إلى الخابور ، واستولى عليه وأقطعه . ~~وسار إلى حران فحصرها عدة أيام ، وبها قايماز الحراني مملوك نور الدين ، ~~فأطاعه بعد امتناع على أن تكون حران له . فلما نزل إليه ، قبض عليه سيف ~~الدين غازي ، وسار إلى الرها فحصرها وملكها ، وبها خادم خصي أسود لنور ~~الدين ، فسلمها وطلب عوضها قلعة الزعفران من أعمال جزيرة ابن عمر ، فأعطيها ~~ثم أخذت منه ، ثم انتهى حاله إلى أن استعطى ما يقوم به . وسير سيف الدين ~~إلى الرقة ، فملكها وملك سروج وجميع بلاد الجزيرة ، إلا قلعة ms6267 جعبر لحصانتها ~~، ورأس عين لأنها كانت لقطب الدين صاحب ماردين . وعاد عبد المسيح إلى خدمة ~~سيف الدين من سيواس ، وحسن لسيف الدين العبور إلى الشام PageV27P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" ليملكه ، فأشار عليه عز الدين محمود - وهو من ~~أكابر الأمراء - أن يقتصر على ما بيده ، فرجع إليه وعاد إلى الموصل ، وذلك ~~في سنة تسع وستين وخمسماية . ذكر حصره أخاه زنكي بسنجار وفي سنة سبعين ~~وخمسماية في شهر رمضان حصر سيف الدين غازي أخاه عماد الدين زنكي بسنجار . ~~وكان سبب ذلك أن الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين كتب إلى ابن عمه سيف ~~الدينأأخأخ غازي يستحثه على الوصول إليه ليدفع الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف عن حلب ، فجمع سيف الدين غازي العساكر ، وكاتب أخاه عماد الدين في ~~اللحاق به . وكان صلاح الدين قد كاتبه وأطعمه في الملك ، فامتنع عماد الدين ~~بسبب ذلك . فجهز سيف الدين العساكر مع أخيه عز الدين مسعود إلى الشام . ~~وتوجه هو سيف الدين لحصار أخيه بسنجار ، فحصرها وبينما هو كذلك ، إذ أتاه ~~الخبر بانهزام أخيه مسعود من صلاح الدين ، فراسل حينئذ أخاه عماد الدين ~~وصالحه على ما بيده ، ورحل إلى الموصل . ثم كان بين سيف الدين وبين الملك ~~الناصر صلاح الدين ما نذكره في أخبار الملك الناصر من هزيمة غازي في سنة ~~إحدى وسبعين . ورجع سيف الدين إلى الموصل . وعزل عز الدين زلفندار استعمل ~~مكانه في إمارة الجيش مجاهد الدين قايماز . وفي سنة اثنتين وسبعين وخمسماية ~~عصى شهاب الدين محمد بن مروان صاحب شهرزور على سيف الدين غازي وكان قبل ذلك ~~في طاعته ، فراسله في معاودة الطاعة . فعاد وحضر إلى الخدمة ذكر وفاة سيف ~~الدين غازي كانت وفاته في ثالث صفر سنة ست وسبعين وخمسماية وكان مرضه السل ~~، PageV27P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" فطال به ، ثم أدركه سرنيام فمات ، وعمره نحوا ~~من ثلاثين سنة ، وكانت مجة ولايته عشر سنين وشهورا وكان حسن الصورة تام ~~القامة أبيض اللون . وكان عاقلا وقورا قليل الالتفات إذا ركب وإذا جلس ولم ~~يذكر عنه في نفسه ms6268 ما ينافي العفاف . وكان شديد الغيرة لا يدخل دوره غير ~~الخدام الصغار فإذا كبر أحدهم منعه . وكان لا يحب سفك الدماء ولا أخذ ~~الأموال على شحه وجبنه . ولما اشتد مرضه أوصى بالملك لولده معز الدين سنجر ~~شاه ، وكان عمره حينئذ اثنتي عشرة سنة ، فخاف على الدولة من ذلك ، لتمكن ~~صلاح الدين يوسف بالشام ، وامتنع عز الدين مسعود من الموافقة والأيمان . ~~فأشار الأمراء أن يكون الملك بعده لعز الدين مسعود أخيه . ففعل ، وجعل ~~لولده سنجر شاه جزيرة ابن عمر وقلاعها ، وجعل قلعة الحميدية لولده الصغير ~~ناصر الدين كسك ذكر ملك عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين ~~زنكي ملك الموصل بعد وفاة أخيه سيف الدين غازي في ثالث صفر سنة ست وسبعين ~~وخمسماية ، وقام بتدبير دولته مجاهد الدين قايماز . وفي سنة سبع وسبعين ~~كانت وفاة الملك الصالح اسماعيل ، وأوصى بحلب لعز الدين مسعود كما ذكرناه ~~في أخباره . فكاتبه الأمراء بذلك واستدعوه لتسليمها . فسار إليها ومعه ~~مجاهد الدين قايماز ، فدخلها في العشرين من شعبان منها وأقام بحلب عدة شهور ~~ثم سار إلى الرقة . ذكر تسليم حلب إلى عماد الدين زنكي وأخذ سنجار عوضا ~~عنها قال : ولا فارق عز الدين مسعود حلب ووصل إلى الرقة ، جاءته رسل أخيه ~~عماد الدين زنكي صاحب سنجار يطلب منه أن يسلم إليه مدينة حلب ويأخذ سنجار ، ~~PageV27P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" فلم يجب إلى ذلك ، فراسله مرة أخرى وألح في ~~طلبها ، وقال متى لم تسلم إلى حلب وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين ، ~~فأشار الأمراء بتسليمها إليه فسلمها له ، وتسلم سنجار ، وعاد إلى الموصل . ~~ذكر القبض على مجاهد الدين قايماز وفي جمادي الأولى سنة تسع وسبعين ~~وخمسمائة قبض عز الدين مسعود على نائبه مجاهد الدين قايماز . ولما قصد ~~القبض عليه لم يقدم عليه مفاجأة لقوة مجاهد الدين ، فأظهر المرض وانقطع عن ~~الركوب فدخل إليه مجاهد الدين وحده ، وكان خصيصا به لا يمنع من الدخول على ~~النساء . فقبض عليه وركب لوقته إلى القلعة . واحتوى على أموال ms6269 وقايماز ~~وخزائنه ، وولى زلفندار قلعة الموصل وجعل شرف الدين أحمد بن أبي الخير - ~~وهو ابن أمير حاجب العراق - أمير حاجب ، وحكمه في دولته . وكانت أربل ~~وأعمالها تحت حكم مجاهد الدين ، ومعه فيها زين الدين يوسف بن زين الدين علي ~~، وهو صبي صغير . وتحت حكمه أيضا جزيرة ابن عمر وهي لمعز الدين سنجر شاه ~~ابن سيف الدين غازي ، وهو صبي أيضا ؛ وبيده شهرزور وأعمالها ونوابه بها ، ~~ودقوقا ، وقلعة عقر الحميدية ونائبه بها . ولم يكن مع عز الدين إلا الموصل ~~خاصة وقلعتها لمجاهد الدين . فلما قبض امتنع صاحب أربل عن الطاعة ، واستبد ~~صاحب الجزيرة وأرسل الخليفة من حصر دقوقا وأخذها ، ولم يحصل لعز الدين غير ~~شهرزور والعقر ، وصارت أربل والجزيرة أضر شيء عليه وأرسل صاحب أربل إلى ~~الملك الناصر صلاح الدين بالطاعة له ، وقوى طمع الملك الناصر في الموصل لما ~~قبض على مجاهد الدين ، فلما رأى عز الدين ما حصل من PageV27P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" الضرر والفساد بسبب قبض مجاهد الدين ، قبض ~~على شرف الدين أحمد الحاجب وزلفندار ، عقوبة لهما كونهما حسنا له القبض على ~~قايماز . ذكر اطلاق مجاهد الدين قايماز وما كان من العجم وانهزامهم قال : ~~وفي المحرم سنة ثمانين وخمسماية أطلق عز الدين مسعود مجاهد الدين قايماز ، ~~وذلك بشفاعة شمس الدين بن البهلوان صاحب همذان وبلاد الجبل . ولما أطلقه ~~سيره إلى ابن البهلوان وإلى أخيه قزل يستنجدهما على صلاح الدين . فبدأ في ~~مسيره بقزل وهو صاحب أذربيجان ، فلم يمكنه من المضي إلى شمس الدين ، وقال : ~~مهما يختار أنا أفعله وجهز معه ثلاثة آلاف فارس ، وساروا نحو أربل ليحصروها ~~. فلما قاربوها أفسدوا في البلاد وخربوها ، وسبوا وأخذوا النساء قهرا ، ولم ~~يقدر مجاهد الدين على منعهم . وسار إليهم زين الدين يوسف صاحب أربل في ~~عسكره ، فلقيهم وهم قد تفرقوا للنهب ، فانتهز الفرصة وقاتل من لقي منهم ، ~~فهزمهم وتمت الهزيمة على العجم ، وغنم الإربليون أموالهم ودوابهم وسلاحهم ، ~~وعاد العجم إلى بلادهم ، وعاد مجاهد الدين إلى الموصل ، وكان يقول : ما ~~زلنا ننتظر العقوبة من الله ms6270 عز وجل على سوء فعل العجم . ذكر وفاة عز الدين ~~مسعود كانت وفاته في التاسع والعشرين من شعبان سنة تسع وثمانين وخمسمائة . ~~ودفن بالمدرسة التي أنشأها بالموصل مقابل دار المملكة وبقي في مرضه ما يزيد ~~على عشرة أيام لا ينطق إلا بالشهادتين وتلاوة القرآن والاستغفار . وكانت ~~مدة ملكه ثلاثا وعشرين سنة وسبعة أشهر إلا أياما . وكان خير الطبع كثير ~~الخير والإحسان وزيارة الصلحاء وبرهم . وكان حليما قليل المعاقبة كثير ~~الحياء لا يكلم جلساءه إلا وهو مطرق . وما PageV27P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" قال في شيء سئله لا ولبس خرقة التصوف بمكة ، ~~وكان يلبسها في كل ليلة ، ويخرج إلى مسجد بناه في داره فيصلي فيه نحو ثلث ~~الليل ، رحمه الله . وملك بعده ولده نور الدين أرسلان شاه بن مسعود ، وقام ~~بتدبير دولته في ابتدائها مجاهد الدين قايماز مدبر دولة والده ، واستمر نور ~~الدين أرسلان شاه في الملك إلى سنة سبع وستماية ، فتوفي في أوائل شهر ربيع ~~منها ، ودفن في مدرسته التي أنشأها مقابل داره بالموصل . وكانت علته قد ~~طالت ، وكانت مدة ملكه سبع عشرة سنة وأحد عشر شهرا . وكان بينه وبين الملك ~~العادل بن أيوب مخالفة ، ثم اتفاق ومصاهرة . وكان شهما شجاعا ذا سياسة ~~للرعايا شديدا على أصحابه مانعا من تعدى بعضهم على بعض . ولما مات ملك بعده ~~ولده الملك القاهر عز الدين مسعود بن نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين ~~مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي . وكان والده قد حلف له ~~العساكر وأعطى ولده الأصغر عماد الدين زنكي قلعة عقر الحميدية وقلعة سوس ~~وأمر أن يتولى تدبير دولة القاهر فتاه بدر الدين لؤلؤ ، فقام بتدبير الدولة ~~والنظر في مصالحهما . واستمر الملك القاهر في الملك إلى سنة خمس عشرة ~~وستماية ، فتوفي في ليلة الأثنين لثلاث بقين من شهر ربيع الأول منها ، ~~فكانت ولايته سبع سنين وتسعة أشهر . وكان كريما قليل الطمع في أموال رعيته ~~مقبلا على أمرائه . وملك بعده ولده نور الدين أرسلان شاه بن الملك القاهر ~~عز الدين ms6271 مسعود بن أرسلان شاه ملك الموصل ، بوصية من أبيه . وكان عمره يوم ~~ذاك عشر سنين . وجعل الوصي عليه والمدبر لدولته بدر الدين لؤلؤ فقام أحسن ~~قيام وراسل الملوك أصحاب الأطراف المجاورين له ، وطلب منهم تجديد العهد ~~لنور الدين على القاعدة التي كانت اتفقت بينهم وبين أبيه ، فوافقوه . وكتب ~~إلى الديوان العزيز ، فجاءته الخلع والتقليد من الخليفة بولاية نور الدين . ~~ونظر بدر الدين في أمور الدولة فلم يلبث نور الدين إلى أن توفي في هذه ~~السنة . PageV27P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" ولما مات استحلف بدر الدين لؤلؤ العساكر ~~لأخيه ناصر الدين محمود بن الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه ، ~~وله من العمر ثلاث سنين . واستمر بدر الدين لؤلؤ في تدبير الدولة ، فتجدد ~~طمع عز الدين زنكي بن مسعود ومظفر الدين عميه في ملك الموصل لصغر سنة ، ~~فجمعا الرجال وتجهزا للحركة ، وقصدا أطراف الموصل بالنهب والفساد ، فخرج ~~إليهم بدر الدين لؤلؤ بعساكر الموصل ، والتقوا ، فكانت الهزيمة على العسكر ~~البدري ، وعاد إلى الموصل وتبعه مظفر الدين ، ثم حصل الاتفاق بعد ذلك ~~واستقر كل واحد على ما بيده . ثم ملك عماد الدين قلعة كواشي وهي من أحسن ~~قلاع الموصل . ثم مات ناصر الدين محمود بعد مدة يسيرة ، واستقر بدر الدين ~~لؤلؤ بملك الموصل ، وتلقب بالملك الرحيم ودامت أيامه إلى أن توفي في سنة ~~سبع وخمسين وستماية ، فكانت مجة ملكه نحو أربعين سنة ، وملك بعده أولاده ، ~~فكان الذي استقل بملك الموصل من أولاده الملك الصالح ركن الدين إسماعيل ، ~~قتله التتار في سنة تسع وخمسين وستماية ، وملك ولده الملك المجاهد سيف ~~الدين إسحاق بلاد الجزيرة ؛ وملك الملك المظفر علاء الدين على سنجار . ولما ~~استولى التتار على هذه الممالك وصل هؤلاء إلى الديار المصرية المحروسة في ~~أيام السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس ، وجهزهم صحب الخليفة المستنصر ~~بالله ؛ فكان من أمره وأمرهم ما ذكرناه ونذكره إن شاء الله تعالى ؛ فلنرجع ~~إلى ذكر أخبار عماد الدين زنكي بن مودود . ذكر أخبار عماد الدين زنكي بن ~~قطب الدين مودود ms6272 بن عماد الدين زنكي بن اقسنقر استقر ملكه بسنجار بعد وفاة ~~أبيه واستقلال أخويه سيف الدين غازي ثم عز الدين مسعود بملك الموصل ، ثم ~~تعوض عماد الدين بحلب عن سنجار كما قدمنا ذكره في أخبار عز الدين مسعود . ~~ثم أخذ الملك الناصر يوسف منه حلب ، وعوضه عنها بسنجار وربض الخابور والرقة ~~، على ما نبينه إن شاء الله في أخبار الملك الناصر فاستقر ملكه أخيرا ~~بسنجار وما معها في سنة تسع وسبعين وخمسماية ولم يزل بها إلى PageV27P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" أن توفي في المحرم سنة أربع وتسعين وخمسماية ~~وكان عادلا حسن السيرة في رعيته عفيفا عن أموالهم ، كثير التواضع ، يحب أهل ~~العلم والدين ، ويجلس معهم ، ويرجع إلى آرئهم إلا أنه كان شديد البخل . ~~ولما مات ملك بعده ولده قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي وتولى تدبير ~~دولته مجاهد الدين برنقش مملوك أبيه ، وكان دينا خيرا عادلا حسن السيرة . ~~واستمر ملك قطب الدين بسنجار إلى سنة ست عشرة وستماية ، فتوفي في ثامن صفر ~~منها . وكان كريما حسن السيرة في رعيته كثير الإحسان إليهم . وكان قد سلم ~~الأمور إلى نوابه . ولما مات ملك بعده ابنه عماد الدين شاهان شاه بن محمد . ~~ولما ملك سار بعد شهور إلى تلعفر ، وهي في مملكته فدخل عليه أخوه عمر بن ~~محمد في جماعة فقتلوه . وملك عمر بن محمد - وهو فروخ شاه - فبقي بسنجار إلى ~~أن أخذها الملك الأشرف في سنة سبع عشرة وستماية ، وعوضه عنها الرقة . وهو ~~آخر من ملك سنجار من البيت الأتابكي ، فكانت مدة ملكهم لها أربعا وتسعين ~~سنة . وتوفي بعد أخذها منه بقليل . فلنذكر أخبار أولاد غازي . ذكر أخبار ~~معز الدين سنجر شاه ابن سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي ملك جزيرة ابن عمر ~~بعد وفاة والده في صفر سنة ست وسبعين وخمسماية . وكان كثير الأذى لعمه عز ~~الدين مسعود ، فحاصر مسعود في سنة سبع وثمانين أربعة أشهر ، واستقرت ~~القاعدة بينهما على أن يكون لكل منهما نصف أعمال الجزيرة ، وتكون الجزيرة ~~بيد ms6273 سنجر شاه في جملة النصف . ودام ملكه بالجزيرة إلى أن قتل . ~~PageV27P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" ذكر مقتله وملك ولده معز الدين محمود كان ~~قتله في سنة خمس وستماية على يد ولده غازي . وسبب ذلك أن سنجر شاه كان سيئ ~~السيرة في رعيته وأولاده وجنده وغيرهم ، فكان من جملة ما اعتمده مع أولاده ~~أنه بعث ابنيه محمودا وسودودا إلى قلعة فرح من بلد الزوزان وأخرج ابنه غازي ~~إلى دار بالمدينة أسكنه بها ووكل به من يمنعه من التصرف وكانت الدار إلى ~~جانب بستان لبعض الرعية فكان يدخل إليها من البستان الحيات والعقارب وغير ~~ذلك من الحشرات ، فاصطاد غازي حية وسيرها إلى أبيه لعله يرق له ويعطف عليه ~~، فلم يزده إلا تماديا وإصرارا . فعندها أيس من خيره وأعمل الحيلة حتى نزل ~~من الدار ، ووضع إنسانا كان يخدمه أظهر أنه غازي ، وخرج من بلاد الجزيرة ~~وقصد الموصل . فشاع الخبر أن غازي قد توجه إلى الموصل وهو مختلف بالجزيرة ~~ما خرج منها ، ثم أعمل الحيلة وتسلق فنزل إلى دار أبيه ، فستر عليه سرارى ~~والده لبغضهم في أبيه . ثم اتفق أن والده شرب في بعض الأيام وسكر ودخل ~~الخلاء ، فضربه ابنه غازي هذا بسكين فقتله ، ثم ذبحه وتركه ملقى وقعد يلعب ~~مع الجواري . فخرج بعض الخدم الصغار إلى باب الدار وأعلم أستاذ الدار ~~بالخبر فأحضر أعيان الدولة ، وعرفهم الأمر وأغلق الأبواب على غازي واستحلف ~~الناس لمحمود بن سنجر شاه ودخل على غازي فمانع عن نفسه ثم قتلوه ورمى على ~~باب الدار ، وأكلت الكلاب بعضه ودفن باقيه . ووصل محمود إلى البلد وملك ~~ولقب معز الذين لقب أبيه . وغرق الجواري اللواتي اتفقن مع غازي على قتل ~~أبيه في دجلة . ثم قتل محمود أخاه مودودا بعد مدة يسيرة . PageV27P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" ثم استقرت هذه الممالك الجزيرية وغيرها في يد ~~بدر الدين لؤلؤ وهو الملقب بالملك الرحيم ، وملك أولاده من بعده إلى أن ~~استولى عليها التتار في سنة سبع وخمسين وستماية . هذا ملخص ما وصل إلينا من ~~أخبار هذه الدولة ms6274 فلنذكر ما عداها . الباب الحادي عشر من القسم الخامس من ~~الفن الخامس فب أخبار الدولة الخوارزمية والدولة الجنكزخانية الدولة ~~الخوارزمية هي من أعظم الدول الإسلامية والدولة الجنكزخانية هي دولة التتار ~~وإنما جمعناهما في باب واحد لتعلق كل دولة منهما بالأخرى ، ولأن الدولة ~~الخوارزمية انقرضت عند قيام الجنكزخانية ، وغلبة جنكزخان التمرجي على ~~البلاد على ما نشرح ذلك إن شاء الله تعالى في مواضعه . ذكر أخبار الدولة ~~الخوارزمية وابتداء أمر ملوكها وظهورهم وما استولوا عليه من البلاد ~~والأقاليم وما كان بينهم وبين الملوك من الحروب والوقائع وهذه الدولة هي من ~~جملة فروع الدولة السلجقية لأن أصل البيت الخوارزمي من مماليك أحد أمراء ~~الدولة السلجقية ، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى . ولنبدأ بذكر ابتداء ~~أمر ملوكها . وأول من نبغ منهم وترشح للولايات وما وليه وكيف تنقلت بهم ~~الحال إلى أن ملكوا أقاصي البلاد وأدانيها وما آل إليه أمرهم إلى حين ~~انقراض دولتهم ، فنقول : أول من نبغ منهم خوارزم شاه محمد بن انوشتكين ولي ~~خوارزم من قبل أمير PageV27P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" داذ حبشي متولي خراسان في شهر رجب سنة تسعين ~~وأربعماية وأبوه انوشتكين مملوك الأمير تلكاتك أحد أمراء السلجقية ، اشتراه ~~من رجل من غرشستان . وكان حسن الطريقة كامل الأوصاف فكبر وعلا محله ، وولد ~~له محمد هذا ، فانتشأ أحسن نشأة ، وتعلم وتدرب ، وتقدم بنفسه كما قيل : نفس ~~عصام سودت عصاما . ولحظته العناية الأزلية لظهور ما هو كامن في الغيب . ~~وكان سبب ولايته خوارزم أنه لما ولي أمير داذ حبشي خراسان كان خوارزم شاه ~~البلخي قد قتل فنظر الأمير حبشي فيمن يوليه خوارزم ، فوقع اختياره على محمد ~~هذا ، فولاه خوارزم ، ولقبه خوارزم شاه على عادة ولاة خوارزم فقصر أوقاته ~~على معدلة ينشرها ومكرمة يفعلها ، وقرب أهل العلم والدين ، فازداد ذكره ~~حسنا وظهر اسمه ، وعلا محله فلما ملك السلطان سنجر شاه السلجقي خراسان أقر ~~محمد على ولاية خوارزم وظهرت كفايته فعظم محله عند السلطان سنجر ، واصطلى ~~حرب الأتراك بنفسه ، وهزمهم ودام في ولاية خوارزم إلى ms6275 أن توفي في سنة إحدى ~~وعشرين وخمسمائة وولى بعده ولده اتستز بن محمد . PageV27P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" ذكر أخبار خوارزم شاه اتسز بن محمد ولي ~~خوارزم من قبل السلطان سنجر بعد وفاة أبيه . وكان قد انتشأ في حياة أبيه ، ~~وقاد الجيوش ، وقصد بلاد الأعداء وقاتلهم وملك مدينة منقشلاغ . فلما مات ~~أبوه ولاه السلطان بعده ، فأفاض العدل ، وأمن البلاد ، فأحبه السلطان سنجر ~~وقربه وأدناه وعظمه واعتضد به ، واستصحبه معه في أسفاره وحروبه ؛ فظهرت ~~كفايته فزاده تقدما وتقريبا . ولم يزل عنده في هذه المنزلة إلى أن فسد ما ~~بينهما واقتتلوا على ما نذكره . ذكر الحرب بين خوارزم شاه اتسز والسلطان ~~سنجر السلجقي واستيلاء سنجر على خوارزم ، وما كان من أمر اتسز إلى أن استقر ~~الصلح بينه وبين السلطان سنجر وكانت الحرب بينهما في سنة ثلاث وثلاثين ~~وخمسماية سبب ذلك أن السلطان بلغه أن خوارزم شاه اتسز قد عزم على الخروج من ~~طاعته والامتناع عليه ، فقصد خوارزم بعساكره فلما قاربها جمع أتسز عساكره ~~وخرج لقتاله . والتقوا ، فلم يكن له قبل بعساكر سنجر لكثرتها ، فانهزم هو ~~ومن معه وقتل من أصحابه خلق كثير ، وقتل له ولد ، فوجد اتسز عليه وجدا ~~عظيما . ولما انهزم السلطان اتسز ملك سنجر خوارزم وأقطعها لابن أخيه سليمان ~~شاه بن محمد على ما قدمناه في أخبار الدولة السلجقية . ثم عاد السلطان إلى ~~مرو فجمع خوارزم شاه أصحابه ورجع إلى خوارزم فأعانه أهلها على ملكها ، ~~ففارقها سليمان شاه ومن معه ، ورجع إلى عمه السلطان سنجر ، واستحكمت ~~العداوة بين السلطان سنجر وأتسز ، وعلم أتسز أنه لا قبل له به ، فكاتب ملك ~~الخطا بما وراء النهر ، وحثه على PageV27P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" المسير لقتال السلطان سنجر وأطمعه في ملك ~~بلاده . فسار ملك الخطا في ثلثماية ألف فارس ، وكان من انهزام سنجر ، وملك ~~الخطا ما وراء النهر ما قدمنا ذكره في أخبار سنجر ، وذلك في سنة ست وثلاثين ~~وخمسماية . ولما تمت الهزيمة على سنجر استولى خوارزم شاه اتسز على البلاد ~~وقصد خراسان فوصل إلى سرخس في ms6276 شهر ربيع الأول من السنة ورحل منها إلى مرو ~~الشاهجان ، فنزل بظاهر البلد واستدعى الفقهاء والأعيان ، فثار عامة مرو ، ~~وقتلوا بعض أصحاب خوارزم شاه وأخرجوهم من البلد ، وأغلقوا أبوابه واستعدوا ~~للامتناع ، فقاتلهم ، ودخل البلد في سابع عشر الشهر ، وقتل جماعة كثيرة من ~~أعيان البلد ، وعامتهم واستصحب جماعة من فقهائها معه ، وسار في شوال إلى ~~نيسابور فخرج إليه جماعة من العلماء والفقهاء والزهاد ، وسألوه أن لا يفعل ~~بأهل نيسابور ما فعل بأهل مرو فأجابهم إلى ذلك ، وأخذ أموال أصحاب السلطان ~~جميعها ، وقطع خطبة سنجر وخطب لنفسه ، وسير جيشا إلى أعمال بيهق فقاتلوا ~~أهلها خمسة أيام ثم ساروا ينهبون البلاد . واستمرت حال خوارزم شاه أتسز إلى ~~سنة ثمان وثلاثين وخمسماية فجمع السلطان عساكره وسار إلى خوارزم ، فتحصن ~~أتسز بها ، وجمع عساكره ولم يخرج من المدينة . وكان القتال يقع بينهما من ~~وراء السور . ثم راسل السلطان فعفا عنه وبذل له الأموال ، فأجابه إلى ذلك ~~على قاعدة استقرت بينهما ، وعاد سنجر إلى مرو واستقر خوارزم شاه بخوارزم ، ~~إلى أن مات وكانت وفاته في تاسع جمادي الآخرة سنة إحدى وخمسين وخمسماية . ~~وكان قد أصابه فالج فعالجه الأطباء منه فلم يبرأ فاستعمل أدوية شديدة ~~الحرارة بغير رأي الأطباء ، فاشتد مرضه وضعفت قوته PageV27P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" فمات . ولهج عند موته بقوله تعالى : ما أغنى ~~عنى ماليه ، هلك عنى سلطانيه وكان حسن السيرة ، كافا عن أموال رعيته ، ~~محبوبا إليهم . ولما توفي ملك بعده أحد أولاده ، فقتل نفرا من أعمامه وسمل ~~أخا له ، فمات بعد ثلاثة أيام ، وقيل بل قتل نفسه . وملك بعده أيل أرسلان ~~بن اتسز بن محمد ، وأرسل إلى السلطان سنجر ، وبذل له الطاعة والانقياد ~~لأمره . فكتب له منشورا بولاية خوارزم ، وسير إليه الخلع في شهر رمضان سنة ~~إحدى وخمسين وخمسماية ، وذلك بعد هرب سنجر من أسر الغزو ، وعوده إلى مرو ~~واستقرار ملكه . فأمن أيل أرسلان بهذه الولاية واستمر إلى سنة ثمان وستين ~~وخمسماية فتوفي بعد عوده من قتال الخطا . ولما مات ملك بعده ولده السلطان ~~شاه ms6277 . ذكر ملك سلطان شاه محمود بن ايل أرسلان ابن اتسز بن محمد ، واخراجه ~~من الملك ، وملك أخيه علاء الدين تكش لما مات ايل أرسلان ملك بعده ولده ~~سلطان شاه محمود ، ودبرت والدته المملكة والعساكر . وكان ابنه الأكبر علاء ~~الدين تكش سقيما بجند وكان والده أقطعها له ، فأنف من توليه أخيه الصغير ~~وتقديمه عليه ، وقصد ملك الخطا بما وراء النهر ، واستمده على أخيه ، وأطمعه ~~في الموال والذخاير ، فجهز معه جيشا كثيفا . فلما قارب خوارزم ، خرج منها ~~سلطان شاه وأمه ، وسارا إلى المؤيد صاحب نيسابور واستنجداه . ودخل علاء ~~الدين تكش خوارزم وملكها بغير قتال . ولما اجتمع السلطان شاه وأمه بالمؤيد ~~أهديا له هدايا جليلة ، وأطمعاه في الذخائر والأموال ، فجمع جيوشه وسار حتى ~~بقي من خوارزم على عشرين فرسخا ، فتقدم إليهم تكش بعساكره ، فانهزم المؤيد ~~، ثم أخذ أسيرا وجىء به إلى خوارزم شاه PageV27P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" تكش ، فقتل بين يديه صبرا . وهرب سلطان شاه ~~إلى دهستان فقصده تكش ، وافتتح المدينة عنوة ، وهرب سلطان شاه منها ، وأخذت ~~أمه فقتلها تكش ، وعاد إلى خوارزم وتوجه سلطان شاه إلى غياث الدين ملك الغز ~~فأكرمه وعظمه . قال : ولما ثبت قدم علاء الدين في الملك ترادفت عليه رسل ~~ملك الخطا بالتحكم في بلاده ، وطلب الأموال والمقترحات ، لأنهم رأوا أنهم ~~هم الذين ملكوه ، فأنفت نفسه من ذلك ، وداخلته حمية الإسلام والملك ، فقتل ~~أحد أقارب ملك الخطا ، وأمر وجوه أهل خوارزم أن يقتل كل رجل منهم واحدا من ~~الخطا ففعلوا . ونبذ عهد ملك الخطا فبلغ ذلك سلطان شاه ، فسار إلى ملك ~~الخطا ، واستنجده على أخيه وزعم أن أهل خوارزم معه ، وأنه إذا وصل إليهم ~~سلموا إليه البلد ، فجهز معه جيشا كثيفا من الخطا ، فسار بهم وحصر خوارزم ، ~~فأمر تكش بإجراء ماء جيحون عليهم ، فكادوا يغرقون ، فرحلوا عن البلد ولم ~~يبلغوا منها غرضا ، وندموا على قصدهم خوارزم . ولم يزل سلطان شاه مشردا في ~~البلاد ، تارة عند الخطا ، وتارة عند غياث الدين ، وكرة يغار بالخطا على ~~مرو وسرخس إلى أن مات في ms6278 شهر رمضان سنة تسع وثمانين وخمسماية . ذكر ملك تكش ~~مدينة بخارى من ملك الخطا وفي سنة أربع وتسعين وخمسماية جهز ملك الخطا جيشا ~~كثيفا لحصر خوارزم ، فحصروها . فكان خوارزم شاه يخرج إليهم في كل ليلة ، ~~ويقتل منهم خلقا كثيرا ، حتى أتى على أكثرهم ، فدخل من بقي منهم إلى بلادهم ~~. ورحل تكش في آثارهم ، وقصد مدينة بخارى فنازلها ، فقاتله أهلها مع الخطا ~~، وانتهى حالهم في نكايته أنهم أخذوا كلبا أعور وألبسوه قباء وقلنسوة ~~وقالوا هذا خوارزم شاه وكان تكش أعور - وطافوا بالكلب على السور ، ثم رموه ~~بالمنجنيق ، وقالوا للعسكر هذا ملككم . ثم ملك تكش البلد عنوة بعد أيام ~~يسيرة وعفا عن أهله ، وأحسن إليهم وفرق فيهم مالا كثيرا ، وأقام بها مدة ثم ~~عاد إلى خوارزم . PageV27P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" وفي سنة خمس وتسعين وخمسماية وصلت الخلع من ~~جهة الخليفة إلى خوارزم شاه تكش ولولده قطب الدين محمد والتقليد بما بيده ~~من البلاد ، فلبسا الخلع ، واشتغل تكش بقتال الملاحدة فافتتح قلعة على باب ~~قزوين تسمى أرسلان كشاي وانتقل إلى حصار الموت . ثم عاد إلى خوارزم ، وأمر ~~ولده قطب الدين بحصار قلعة ترشيش من حصون الملاحدة ، فحصرها فأذعنوا له ~~بالطاعة وصالحوه على ماية ألف دينار ، ففارقها وأجابهم إلى الصلح لما بلغه ~~من مرض أبيه . ورحل عنها ، وعاد إلى خوارزم فمات والده قبل وصوله إليه . ~~ذكر وفاة خوارزم شاه تكش كانت وفاته في العشرين من شهر رمضان سنة ست وتسعين ~~وخمسماية بشهر ستانة بين نيسابور وخوارزم . وكان قد سار من خوارزم لقصد ~~خراسان وبه مرض الخوانيق ، فاشتد مرضه ومات ولما اشتد به المرض أرسل من معه ~~إلى ولده قطب الدين يستدعونه ، فوصل بعد وفاة أبيه ، وتولى الملك ، ولقب ~~بلقب أبيه علاء الدين خوارزم شاه ، وأمر بحمل أبيه إلى خوارزم ، فحمل إليها ~~ودفن في تربة كان قد عملها في المدرسة التي بناها ، وكان عادلا حسن السيرة ~~وله معرفة وعلم . وكان حنفي المذهب ويعرف الأصول رحمه الله تعالى . ذكر ~~أخبار السلطان علاء الدين أبي الفتح محمد ابن ms6279 علاء الدين تكش بن ألب أرسلان ~~بن أتسز ابن محمد بن أنوشتكين وهو الذي عظم من ملوك هذه الدولة شأنه ، ~~وكثرت جيوشه وأعوانه ، وشاع بين PageV27P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" الملوك ذكره ، وعم الممالك نهيه وأمره ، ~~واجتمع في ملكه ما افترق لغيره من الممالك ، وتسهل لديه ما شسع على من سواه ~~من المسالك ، ودان لطاعته ملوك الأقطار ، فتساوى عنده الآمر والمأمور ، ~~والمملوك والمالك . قال شهاب الدين محمد بن أحمد بن علي المنشي النسوي في ~~تاريخه ، أنه ضم إلى ما ورثه من أبيه من ملك خراسان وخوارزم والعراق ~~ومازندران ؛ وضم إلى هذه الواسطة كرمان ومكران وكيش وسجستان وبلاد الغور ~~وغزنة وباميان إلى ما يليها من الهند بأغوارها وأنجادها ، والسيوف مهملة في ~~أغمادها ، والعواتق معطلة في نجادها ، ملكها بالهيبة عفوا صفوا ، وملك عن ~~الخطاية وغيرهم من ملوك الترك ، وقروم ما وراء النهر ما يقارب أربعماية ~~مدينة . وخطب له على منابر فارس وأران وأذربيجان إلى ما يلي دربندشروان . ~~قال : واشتملت جريدة ديوان الجيش على ما يقارب أربعماية ألف فارس ، فلما ~~عظم شأنه وتمكن سلطانه تطاول إلى طلب ملك آل سلجوق والحكم ببغداد ، وتكررت ~~مراسلاته إلى الخليفة فلم يجب إلى ذلك ، فاحتفل بهذا الأمر ، فكان من جملة ~~ذلك أن بطل النوب الخمس التي كانت تضرب على أبواب الملوك في أوقات الصلوات ~~الخمس على عادة من تقدمه ، وجعلها إلى أولاد السلاطين يضربونها في الأقاليم ~~التي سماها لهم على أبواب دور السلطنة واختص هو بضرب نوبة الاسكندر ذي ~~القرنين - وهي عند طلوع الشمس وعند غروبها - واستعمل بهذه النوبة سبعا ~~PageV27P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" وعشرين دبدبة من الذهب ورصعها بأنوا الجواهر ~~؛ وكذلك جمع ما يحتاج إليه من الآلات . ونص في أول يوم اختاره لضربها على ~~سبعة وعشرين ملكا من أكابر الملوك وأولاد السلاطين ليسمع بذلك . وكان منهم ~~ابن طغرل السلجقي ، وأولاد غياث الدين صاحب الغور وغزنة والهند ، والملك ~~علاء الدين صاحب باميان والملك تاج الدين صاحب بلخ ، وولده الملك الأعظم ~~صاحب ترمذ ، والملك سنجر صاحب بخارى ، وأشباه هؤلاء وأعوزه لتمام ms6280 سبعة ~~وعشرين ملكا فكملهم بابن أخيه أدبزخان ، ووزير الدولة نظام الملك ناصر ~~الدين محمد بن صالح ، فهؤلاء الذين ضربوها في اليوم الذي اختير لضربها ~~فشغله عن ملك بغداد حادثة التتار ، وهي الداهية العظمى ؛ على ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى . وها نحن نذكر سياقه أخباره وابتداء سلطنته فنقول : كان ~~ابتداء ملكه بعد وفاة أبيه في العشر الآخر من شهر رمضان سنة ست وتسعين ~~وخمسماية . ولما ملك استدعى أخاه على شاه ابن تكش من أصفهان ، فسار إليه ~~فنهب أهل أصفهان خزانته . فلما وصل إلى أخيه ولاه حرب خراسان والتقدم على ~~جندها وسلم إليه نيسابور . قال وكان هندوخان ابن أخيه ملكشاه بن تكش ، فخاف ~~عمه محمد فهرب منه بعد أن نهب كثيرا من خزائن جده تكش عند وفاته ، فإنه كان ~~معه وسار إلى مرو وجمع جموعا كثيرة ، فسير إليه عمه جيشا مقدمه جقر التركي ~~، فهرب هندوخان عن خراسان ، وسار إلى غياث الدين ملك غزنة يستنجده على عمه ~~. فأكرمه وأحسن إليه وأقطعه أقطاعا ، وأوعده النصرة ، ودخل جقر مدينة مرو ~~وبها والده هندوخان وأولاده ، فأرسلهم ، إلى خوارزم مكرمين ، ثم راسل جقر ~~غياث الدين صاحب غزنة في الانضمام إليه ومفارقة الخوارزمية ، فأطعمه ذلك في ~~البلاد ، وجهز أخاه شهاب الدين لقصد خراسان ، والاستيلاء على ما بها من ~~بلاد خوارزم شاه . فسار في جمادي الأولى سنة سبع وتسعين ، وملك مرو وسلمها ~~غياث الدين إلى هندوخان بن ملكشاه ، وملك سرخس ، وملك طوس ، وملك نيسابور ~~وبها على شاه أخو السلطان خوارزم شاه ، فسلمه إلى أخيه شهاب الدين على ما ~~قدمناه في أخبار الدولة الغورية . PageV27P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" ذكر ملك خوارزم شاه وما كان الغورية قد ملكوه ~~من بلاده كان سبب ذلك أن شهاب الدين الغوري بعد أن ملك ما ملك من بلاد ~~خوارزم شاه ، توجه إلى الهند ، بعد أن رتب في كل بلد من نوابه من يحفظه ~~ويقوم بمصالحه فلما توجه إلى الهند راسل خوارزم شاه غياث الدين وعاتبه ، ~~وقال في جملة رسالته : إنني كنت أظن أنك تنصرني على ms6281 من يقصد التطرق إلى ~~بلادي من ملوك الخطا وغيرهم ، فحيث لم تفعل فلا أقل أن لا تؤذيني في ملكي . ~~وطلب منه إعادة ما أخذه من بلاده . وقال : ومتى لم تفعل انتصرت عليك بالخطا ~~وغيرهم من الأتراك ، إن عجزت عن استرجاع بلادي ، إلى غير ذلك من الكلام ~~فأخذ غياث الدين يغالطه في الجواب ويكرر الرسائل ، وهو ينتظر خروج شهاب ~~الدين من الهند ، فإن غياث الدين كان يعجز عن ملاقاته لما به من النقرس ، ~~فجمع علاء الدين العساكر وسار في منتصف ذي الحجة سنة سبع وتسعين وتوجه إلى ~~مرو ، فلما قاربها هرب منها ابن أخيه هندوخان بن ملكشاه وتوجه إلى غياث ~~الدين ، وملكها خوارزم شاه ، وسار إلى نيسابور وبها علاء الدين محمد الغوري ~~صهر غياث الدين ، وهو الذي كان يلقب ضياء الدين ، فقاتله قتالا شديدا . ~~وطال مقام خوارزم شاه ، فراسله غير مرة في تسلم البلد وهو لا يجيب ، رجاء ~~أن يصله المدد من غياث الدين فلما طال عليه الحصار وأيس من وصول الأمداد ~~إليه ، راسل في طلب الأمان لنفسه ولمن معه من الغورية ، فأجابه إلى ذلك ~~وتسلم البلد ، وأحسن إلى علاء الدين ومن معه . ثم سار خوارزم شاه إلى سرخس ~~وبها الأمير زنكي فحصره أربعين يوما ، فضاقت الميرة على أهل البلد ، فراسله ~~زنكي أن يتأخر عن باب البلد ليفارقها هو ومن PageV27P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" معه ، واعتذر أنه لا يمكنه الاجتماع به لقرب ~~نسبه من غياث الدين ، فتأخر خوارزم شاه عن المدينة وأبعد . فخرج زنكي ، ~~وأخذ من الغلات والأقوات والأحطاب التي كانت في العسكر ما يحتاج إليه ، ~~وعاد إلى البلد وأخرج منه من كان ضاق به الأمر ، فندم خوارزم شاه على ~~موافقته ، ورحل عن البلد ، وترك عليه جماعة من أمرائه يحاصرونه . فما سار ~~خوارزم شاه عن سرخس قصد نائب الغورية بالطالقان أن يكبس العسكر الخوارزمي ~~للحاصر لسرخس . وكتب بذلك إلى زنكي ؛ فشعر الخوارزميون بذلك ففارقوا سرخس ، ~~فأدركهم نايب الطالقان ، وأوقع بهم ، وقتل أمير علمهم ، وكسر كوساتهم ، ~~فانقطع صوتها عن العسكر ، ولم يروا الأعلام ms6282 ، فانهزموا ، ونال الغورية منهم ~~منالا عظيما قتلا وأسرا . فلما اتصل هذا الخبر بخوارزم شاه ، عاد إلى ~~خوارزم ، وكتب إلى غياث الدين وراسله في الصلح ، فأجابه عن رسالته مع أمير ~~كبير من الغورية يقال له الحسن بن محمد المرغني ، ومرغن من قرى العور ، ~~فقبض عليه خوارزم شاه ، وكان أخوه عمر بن محمد المرغني نائب الغورية بهراة ~~. وسار خوارزم شاه إلى هراة بمكاتبة بعض أمرائها ، فنمى خبر من كاتبه إلى ~~المرغني ، فأمسكهم ، وأقام خوارزم شاه يحاصر المدينة أربعين يوما ، ثم رجع ~~عنها لما بلغه عود شهاب الدين الغوري من الهند وذلك بعد مصالحة أميرها ~~المرغني على مال حمله إليه . ولما عاد شهاب الدين من الهند بلغه ما فعله ~~خوارزم شاه في غيبته ، وما ملكه من بلاد خراسان ، فسار إلى خراسان ، فانتهى ~~إلى بلخ ثم إلى باميان وإلى مرو ، عازما على حربه . فالتقت أوائل عسكريهما ~~، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وتوجه خوارزم شاه شبه المنهزم ، وتوجه شهاب الدين ~~إلى طوس فشتا بها وهو على عزم المسير لمحاصرة خوارزم ، فأتاه الخبر بوفاة ~~أخيه غياث الدين ، فعاد إلى هراة وجلس للعزاء PageV27P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" واستخلف بطوس محمد بن جريك ، فجهز خوارزم شاه ~~من عساكره من حصر طوس فجرى بينهم وبين النايب بها حروب كثيرة ، آخرها أن ~~النايب بها سأل الأمان لنفسه فأمنه منغور التركي - وهو مقدم العسكر ~~الخوارزمي - فلما خرج إلى العسكر قتلوه ، وأخذوا ما معه ، وملكوا طوس . ~~واتصل هذا الخبر بشهاب الدين الغوري فعظم عليه ، وترددت الرسائل بينه وبين ~~خوارزم شاه ، فلم يحصل بينهما اتفاق . ثم قصد شهاب الدين غزو الهند على ~~عادته ، فاستعمل على هراة ابن أخيه ألب غازي ، وقلد الملك علاء الدين محمد ~~بن علي الغوري بمدينة فيروزكوه وبلد الغور ، وولاه حرب خراسان . وتوجه إلى ~~الهند ، فقصد خوارزم شاه مدينة هراة وحاصرها ، وذلك في شهر رجب سنة ستماية ~~. واستمر إلى سلخ شعبان ، وكثرت القتلى بين العسكرين ، فراسل خوارزم شاه ~~ألب غازي أن يخرج إليه ويخدمه خدمة سلطانية ليرحل عنه ، فلم يجبه إلى ذلك ~~ثم ms6283 اتفق مرض ألب غازي ، واشتد به فخاف أن يشتغل بمرضه ، فيملك البلد فأجاب ~~إلى ذلك ، واستحلفه على الصلح ، وأهدى له هدية جليلة ، وخرج من البلد ~~ليخدمه ، فسقط إلى الأرض ، فمات ولم يشعر به أحد . وارتحل خوارزم شاه إلى ~~سرخس فأقام بها . قال : ولما اتصل الخبر بشهاب الدين عاد من الهند ، وقصد ~~خوارزم ، فراسله خوارزم شاه في العود ، وتهدده إن لم يعد بحرب هراة ، ومنها ~~إلى غزنة ، فعاد عليه جوابه أن خوارزم تجمعنا . وكان خوارزم شاه قد سار من ~~سرخس إلى مرو ، ونزل بظاهرها ، فلما أتاه جواب شهاب الجين فرق عساكره وأحرق ~~جميع ما معه من العلوفات ورحل يسابق شهاب الدين إلى خوارزم فسبقه إليها ، ~~وقطع الطريق التي تسلكها الغورية بإجراء المياه فيها ، فتعذر على شهاب ~~الدين سلوكها ، وأقام في إصلاحها أربعين يوما حتى أمكنه الوصول إلى خوارزم ~~. والتقى العسكران بسوقرا ، PageV27P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" ومعناه الماء الأسود ، وجرى بينهم قتال شديد ~~، كثرت فيه القتلى من الطائفتين ، فأرسل خوارزم شاه إلى الأتراك الخطا ~~يستنجدهم على الغورية ، وهم حينئذ ملوك ما وراء النهر ، فاستعدوا وساروا ~~إلى بلاد الغورية ، فبلغ شهاب الدين خبر مسيرهم ، فعاد عن خوارزم . وكان من ~~أمره مع الخطا وقتالهم وهزيمته منهم ما قدمناه في أخباره وذلك في صفر سنة ~~إحدى وستماية ، فلا فائدة في إعادته في هذا الموضع . ولم تطل مدة شهاب ~~الدين بعد ذلك فإنه قتل في أوائل شعبان سنة اثنتين وستماية ، فاستولى ~~خوارزم شاه حينئذ على ما نذكره بخراسان وغيرها . ذكر استيلاء خوارزم شاه ~~على بلاد الغورية بخراسان كان سبب ذلك أن شهاب الدين الغوري لما قتل كما ~~ذكرنا استقر الملك بعده لغياث الدين بن غياث الدين أخيه ووقع من الاختلاف ~~بين الغورية وافتراقهم ما ذكرناه في أخبارهم ، واتفق أن الحسين بن خرميل ~~والي هراة كاتب خوارزم شاه في الانتماء إليه والخروج عن طاعة الغورية . ~~وشرع يغالط في الخطبة بهراة لغياث الدين وهو ينتظر وصول العسكر الخوارزمي ~~إليه ، فراسله غياث الدين ، في الخطبة له ، وجهز إليه الخلع فلبسها ms6284 ابن ~~خرميل وأصحابه وعد بالخطبة له في يوم الجمعة . فلما كان في يوم الجمعة قرب ~~العسكر الخوارزمي من هراة فطالبه رسل غياث الدين بالخطبة ، فقال نحن في ~~أشغل من ذلك بقرب هذا العدو . ولما وصل العسكر الخوارزمي تلقاهم ابن خرميل ~~وأنزلهم بظاهر هراة ، وجهز إليهم الإقامات ، فقالوا قد رسم لنا خوارزم شاه ~~أن نطيعك ولا نخالف أمرك ، فشكرهم على ذلك . ثم بلغه أن خوارزم شاه نزل على ~~بلخ وحاصرها ، وأن صاحبها قاتله بظاهر البلد ، وأنه نزل على أربعة فراسخ ~~منها ، فاستدل ابن خرميل بذلك على عجزه ، وندم على مراسلته ، وقال للعسكر ~~إن خوارزم شاه قد صالح غياث الدين والمصلحة أن ترجعوا ، فرجعوا . واتفق أن ~~غياث الدين بلغه ما فعله ابن خرميل ، فاحتاط على إقطاعه وقبض على من يلوذ ~~به ، فوصل الخبر إليه بذلك فأعاد العسكر الخوارزمي بعد رحيله بيومين وسلم ~~لهم البلد ، وأخرج من كان بها من العورية ، ومن PageV27P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" يميل إليهم ، ثم ملك خوارزم شاه مدينة بلخ في ~~سلخ ربيع الأول سنة ثلاث وستماية صلحا ، بعد حروب كثيرة بينه وبين عماد ~~الدين . وخلع خوارزم شاه عليه ، وأقره بالبلد ثم سار عنها إلى جرزبان ، ~~وبها على بن أبي علي ، فراسله وآيسه من نجدة غياث الدين ، فنزل عنها وسلمها ~~له ، وتوجه إلى غياث الدين وسلم خوارزم شاه جرزبان إلى ابن خرميل فإنها ~~كانت أقطاعه ، ثم قبض على عماد الدين صاحب بلخ وسيره إلى خوارزم ، واستناب ~~ببلخ جقر التركي . ذكر ملكه ترمذ وتسليمها للخطا قال : ثم سار خوارزم شاه ~~من مدينة بلخ إلى ترمذ مجدا ، وبها ولد عماد الدين صاحب بلخ ، فراسله في ~~سليمها ، ووعده الخير ، واعتذر من إرسال أبيه إلى خوارزم أنه أنكر منه حاله ~~، وأنه سيره مكرما ، فرأى ابن عماد الدين أن خوارزم شاه قد حاصره من جانب ~~والخطا حاصروه من جانب ، فضعفت نفسه وسلم البلد ، بعد أن استحلف خوارزم شاه ~~على الوفاء له . ولما تسلم خوارزم شاه البلد ، سلمها للخطا خديعة منه ~~ليتمكن من ملك خراسان . وفي ms6285 سنة اثنتين وستماية ، سار من عسكر خوارزم ساه ~~عشرة آلاف فارس إلى بلد الجبل ، فوصلوا أرزنكان ، وكان صاحبها أيتغمش قد ~~اشتغل بحرب صاحب أريل ومراغه ، فاغتنموا خلو البلاد وأفسدوا وقتلوا ونهبوا ~~، ثم عاد أيتغمش فوقع بهم ، فانهزم الخوارزميون ، وأخذهم السيف من كل جانب ~~. ذكر ملكه الطالقان قال : ولما سلم خوارزم شاه ترمذ إلى الخطا سار إلى ~~اندخوي وكان النايب بها عن غياث الدين سونج أمير شكار ، فاستماله خوارزم ~~شاه ، فأبى إلا القتال ، وبرز لقتاله فالتقوا بالقرب من الطالقان . فلما ~~تقابل العسكران حمل سونج بمفرده حتى PageV27P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" قارب عسكر خوارزم شاه ، وألقى نفسه إلى الأرض ~~، ورمى سلاحه ، وقبل الأرض ، وسأل العفو عنه . فذمه خوارزم شاه وسبه ، وأخذ ~~ما بالطالقان من مال وسلاح ودواب ، وأنفذه إلى غياث الدين مع رسول ، وأراد ~~بذلك التقرب إليه وملاطفته . واستناب بالطالقان بعض أصحابه ، ووصل رسول ~~غياث الدين إلى خوارزم شاه بالهدايا . قال : وتوجه ابن خرميل نائب خوارزم ~~شاه بهراة إلى اسفزار في صفر سنة ثلاث وستماية . وكان صاحبها قد توجه إلى ~~غياث الدين فحصرها وتسلمها في شهر ربيع الأول من السنة بالأمان . ولما ~~أخذها أرسل إلى صاحب سجستان يدعوه إلى طاعة خوارزم شاه ، والخطبة له ببلاده ~~، فأجابه إلى ذلك وخطب له . ذكر أسر خوارزم شاه وخلاصه وفي سنة أربع ~~وستماية عبر السلطان علاء الدين خوارزم شاه نهر جيحون لقتال الخطا . وسبب ~~ذلك أنهم كانت قد طالت مدتهم ببلاد تركستان وما وراء النهر ، وثقلت وطأتهم ~~على الناس . وكان لهم في كل مدينة نائب يجبى لهم الأموال وهم يسكنون ~~الخركاهات على عادتهم قبل الملك . وكان مقامهم بنواحي أوزكند وبلاساغون ~~وكاشغر . فاتفق أن سلطان سمرقند وبخارى ويلقب قان قانان ومعناه سلطان ~~السلاطين ، وهو من أولاد الملوك الخانية عريق في الإسلام والملك ، أنف من ~~تحكم الكفار الخطا على المسلمين ، فأرسل إلى خوارزم شاه يحثه على قصد الخطا ~~وقتالهم ، وأنه يكون معه عليهم ، ويحمل إليه ما يحمله إليهم ، ويخطب له ~~ببلاده ، PageV27P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" ويضرب السكة باسمه ، وحلف له ms6286 على ذلك ، وسير ~~إليه أكابر بخارى وسمرقند . فاستوثق خوارزم شاه منه وأخذ في إصلاح بلاده ~~وتقرير النواب بها ، وصالح غياث الدين محمود الغوري على ما بيده ثم جمع ~~العساكر وسار إلى خوارزم ، وتجهز منها وعبر جيحون . واجتمع بسلطان سمرقند ، ~~فاجتمع الخطا ، وجاء إليه . وكان بينهم حروب كثيرة تارة له وتارة عليه ، ~~ودامت على ذلك مدة ، فاقتتلوا في بعض الأيام فانهزم عسكره ، وقتل منهم وأسر ~~جماعة ، فكان من أسر خوارزم شاه ، أسر هو وابن شهاب الدين مسعود وهو من ~~أكابر أمرائه ، أسرهما رجل واحد . ووصلت العساكر الخوارزمية إلى خوارزم وقد ~~فقدوا السلطان فاتصل الخبر بكزلك خان والي نيسابور وكان إذ ذاك يحاصر هراه ~~بعد قتل ابن خرميل على ما نذكره ، ففارق هراه وتوجه إلى نيسابور وكان ~~خوارزم شاه لما ملكها من الغورية خرب سورها فشرع في إصلاحه وشحنها بالجند ~~واستكثر من الميرة وعزم على الاستيلاء على خراسان ، إن صح له فقد السلطان . ~~واتصل خبر خوارزم شاه بأخيه على شاه وهو بطبرستان فدعا لنفسه وقطع خطبة ~~أخيه واستعد لطلب السلطنة . هذا ما كان من أولئك ، وأما خوارزم شاه فأنه ~~لما أسر قال له ابن شهاب الدين مسعود : المصلحة أن تصير خادما لي في هذه ~~المدة لأتحيل في خلاصك فصار خوارزم شاه يخدمه ، ويقف بين يديه ، ويلبسه ~~قماشه ، ويطويه إذا قلعه ، ويقدم له الطعام ، ويعامله معاملة الغلمان . ~~فقال الذي أسرهما لابن مسعود : أرى هذا يخدمك فقال : هو غلامي قال : فمن ~~أنت قال : أنا فلان فأكرمه الخطاي وعظمه وقال له : لولا أن القوم قد عرفوا ~~بمكانك عندي أطلقتك فشكره ابن مسعود وأعقله أياما وقال له : إني أخاف أن ~~يرجع المنهزمون فلا يراني أهلي معهم ، فيظنون إنني قتلت ، فيقتسمون مالي ~~فأهلك ، وأحب أن تقرر علي ما تريد من المال ، أحمله إليك ، فقرر عليه مالا ~~وقال : أريد أن تأمر رجلا عاقلا من أصحابك يذهب بكتابي إلى أهلي ، ويخبرهم ~~بعافيتي ، ويحضر معه المال ثم قال : إن أصحابك لا يعرفون أهلنا ، وهذا ~~غلامي أنا أثق به ، ويصدقه أهلي ms6287 بسلامتي . فأذن الخطاي في إرساله ، فجهزه ~~وأرسل معه عدة من الفرسان يحمونه ، فسار حتى قارب خوارزم ، وعاد الفرسان ~~ووصل خوارزم شاه إلى خراسان ، فاستبشروا به وضربت البشائر وبلغه ما فعله ~~أخوه بطبرستان وكذلك خان بنيسابور . فأما كزلك خان فإنه لما بلغه وصوله أخذ ~~أمواله وأهله PageV27P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" وأصحابه وهرب صوب العراق ؛ وأما على شاه فهرب ~~إلى غياث الدين الغوري فأكرمه . ودخل خوارزم شاه إلى نيسابور ، وأصلح أمرها ~~، وجعل فيها نائبا وأما ابن مسعود فإن الخطاي قال له : وأصلح أمرها ، وجعل ~~فيها نائبا وأما ابن مسعود فإن الخطاي قال له : قد عدم خوارزم شاه فهل عندك ~~شيء من خبره قال : هو أسيرك قال : فلم لا أعلمتني به حتى كنت أبالغ في ~~خدمته وأسير بين يديه إلى ملكه ؟ قال : خفت عليه منك . فسار الخطاني وابن ~~مسعود إلى خوارزم شاه فأكرمهما إكراما كثيرا وبالغ في الإحسان إليهما . ذكر ~~قتل الحسين بن خرميل وحصر هراه وملك فيروزكوه والغور كان سبب ذلك أن خوارزم ~~شاه لما سار إلى بلاد الخطا ساءت سيرة من بهراة من العسكر الخوارزمي ، ~~وتعدوا على الرعية . فقبض ابن خرميل النايب بهراة عليهم وحبسهم ، وكتب بذلك ~~إلى خوارزم شاه ، فعظم ذلك عليه ، وما أمكنه الإنكار عليه لبعده عن البلاد ~~، فكتب إليه يستصوب رأيه فيهم ، ويأمره بإنقاذه ، إليه لاحتياجه إلى الجند ~~. وقال : قد أمرت عز الدين جلدك بن طغرل أن يكون عندك لعقله وحسن سيرته ، ~~وأرسل إلى جلدك أن يحتال وفي القبض على ابن خرميل فسار جلدك في ألفي فارس ~~إلى هراه ، فخرج إليه ابن خرميل ، فنهاه الوزير المعروف بخواجا الصاحب ، ~~كان قد حنكته التجارب ، وقال : أخشى عليك أن تكون مكيدة فخالفه وخرج للقاء ~~جلدك ، فلما التقيا ترجلا للسلام ؛ فحال جلدك بين ابن خرميل وأصحابه وأمسكه ~~، فانهزم أصحابه ودخلوا مدينة هراة ، وأعلموا الصاحب بذلك ، فأغلق الأبواب ~~وامتنع على جلدك ، فقدم ابن خرميل إلى السور ، وخاطب الوزير في فتح الباب ، ~~فامتنع وأظهر شعار غياث الدين الغوري ، فعندها قتل جلدك ابن خرميل ، وكتب ~~إلى ms6288 خوارزم شاه يعلمه بذلك ، فأنفذ خوارزم شاه إلى كزلك خان وإلى نيسابور ، ~~وإلى أمير الدين صاحب زوزن يأمرهما بالمسيرة إلى هراة وحصارها ، فسارا في ~~عشرة آلاف فارس ، فعجزا عنها وقال الوزير : ما أسلمها إلا لخوارزم شاه ، ~~PageV27P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" إذ أعاد هذا كله قبل أسر خوارزم شاه . فلما ~~أسر وشاع عدمه فارقها كزلك خان إلى نيسابور كما ذكرنا ، واستمر من سواه على ~~حصارها فلما عاد خوارزم شاه ودخل إلى نيسابور كما ذكرنا ، سار منها إلى ~~هراة ، وأحسن إلى العسكر الذي استمر على حصارها وشكرهم ، وطلب تسليمها ~~فامتنع الوزير وقال : لا أسلمها إلا إلى غياث الدين . ثم اتفقت فتنة بهراة ~~بين الوزير والجند ، فملكها خوارزم شاه وقبض على الوزير وقتله وذلك في سنة ~~خمس وستماية . وأصلح حال البلد وسلمه إلى خاله أمير ملك ، وهو من أعيان ~~أمرائه ، وأمره بالمسير إلى غياث الدين محمود الغوري بفيروزكوه ، وأن يقبض ~~عليه وعلى أخيه علي شاه بن تكش ، ويأخذ فيروزكوه . فسار إلى فيروزكوه ، ~~فاتصل الخبر بصاحبها غياث الدين محمود ، فبذل الطاعة وسأل الأمان ، فأمنه ~~ونزل غياث الدين إليه ، فقبض أمير ملك عليه وعلى علي شاه أخي خوارزم شاه ، ~~وكتب إلى خوارزم شاه بذلك ، فأمره بقتلهما فقتلا في يوم واحد ، وذلك في سنة ~~خمس وستماية . وانقرضت الدولة الغورية بقتل غياث الدين هذا واستقامت خراسان ~~لخوارزم شاه . ذكر عوده إلى بلاد الخطا وظفره بهم وأسر مقدمهم وملكه ما ~~وراء النهر قال : ولما استقر ملك خراسان للسلطان علاء الدين خوارزم شاه ~~محمد ، جمع العساكر وعبر نهر جيحون ، وجمع الخطا جمعا عظيما ، وكان المقدم ~~عليهم طاينكوه ، وهو شيخ دولتهم والقائم مقام الملك فيهم ، وكان عمره قد ~~تجاوز ماية سنة ، وله خبرة بالحروب . فاجتمع خوارزم شاه - هو وصاحب سمرقند ~~- والتقوا هم والخطا ، وذلك في سنة ست وستماية . فجرى بينهم حروب كان الظفر ~~فيها لخوارزم شاه وانهزم الخطا وقتل منهم وأسر خلقا كثيرا . فكان ممن أسر ~~مقدمهم طاينكوه ، فأكرمه خوارزم شاه وأجلسه معه ، ثم جهزه إلى خوارزم . ~~وقصد خوارزم شاه بلاد ms6289 ما وزراء النهر ، فملكها مدينة بعد أخرى حتى بلغ ~~أوزكند ، فجعل نوابه فيها على عادة الخطا PageV27P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" وعاد إلى خوارزم ، ومعه سلطان سمرقند . وكان ~~من أحسن الناس صورة ، فكان أهل خوارزم يتجمعون حتى ينظروا إليه ، فزوجه ~~خوارزم شاه ابنته ، ورده إلى سمرقند ، وبعث معه شحنة يكون بها على عادة ~~الخطا . ذكر غدر صاحب سمرقند بالخوارزميين قال : ولما عاد صاحب سمرقند ~~إليها ومعه الشحنة ، أقام معه سنة ، فرأى صاحب سمرقند من سوء سيرة ~~الخوارزميين ما ندم بسببه على مفارقة الخطا ، فأرسل إلى ملك الخطا يدعوه ~~إلى سمرقند ليسلمها إليه ، ويعود إلى طاعته ، وأمر بقتل كل من بسمرقند من ~~الخوارزمية ، ممن كان بها قديما وحديثا ، وأخذ أصحاب خوارزم شاه ، فكان ~~يجعل الرجل منهم قطعتين ويعلقهم في الأسواق كما يعلق القصاب اللحم . ومضى ~~إلى القلعة ليقتل زوجته - ابنه خوارزم شاه - فأغلقت الأبواب ، ووقفت ~~بجواريها ، ومانعت عن نفسها ، وأرسلت إليه تقول : أنا امرأة وقتل مثلى قبيح ~~عليك ، وما فعلت معك من الإساءة ما استوجب ذلك منك ، ولعل تركي أحمد عاقبة ~~، فاتق الله . فتركها ووكل بها من يمنعها من التصرف في نفسها . ووصل الخبر ~~إلى خوارزم شاه ، فعظم عليه ، وأمر بقتل كل من بخوارزم من الغرباء ، فمنعته ~~أمه من ذلك ، وقالت : هذا بلد قد أتاه الناس من أقطار الأرض ولم يرض كلهم ~~بما كان من هذا الرجل . فأمر بقتل أهل سمرقند فمنعته من ذلك أيضا ، فتركهم ~~. وأمر عساكره بالتجهز إلى ما وراء النهر ، وسيرهم أرسالا ، فعبروا جيحون ~~وعبر هو في آخرهم ، وسار حتى نزل على سمرقند . وأنفذ إلى صاحبها يقول : قد ~~فعلت ما لم يفعله مسلم ، واستحللت من دماء المسلمين ما لم يقدم عليه غيرك ~~من مسلم ولا كافر ، والآن عفا الله عما سلف ، فاخرج من البلاد وامض إلى حيث ~~شئت . فامتنع من ذلك ، فأمر خوارزم شاه بالزحف على سمرقند ، فلم يكن بأسرع ~~من أن فتح البلد ، وأمر أن لا يتطرق إلى الغرباء بسوء ، وأذن لأصحابه في ~~نهب البلد ، وقتل أهله ، ففعلوا ذلك ms6290 ثلاثة أيام . فيقال أنهم قتلوا من أهل ~~سمرقند مايتي ألف إنسان ، وسلم الدرب الذي فيه الغرباء ، فلم يعدم منهم أحد ~~، ثم أمر بالكف عن النهب والقتل . ثم زحف إلى القلعة فرأى صاحبها ما ملأ ~~قلبه هيبة ورعبا ، فطلب الأمان فلم يجبه خوارزم شاه إلى ذلك ، وزحف على ~~القلعة وملكها ، وقتل صاحبها صبرا وقتل PageV27P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" معه جماعة من أقاربه ، ولم يترك أحدا ممن ~~ينسب إلى الخانية . ورتب فيها وفي سائر البلاد نوابه ولم يبق لغيره بها حكم ~~. ذكر واقعة التي أفنت الخطا وهذه الواقعة قد اختلف في إيرادها ابن الأثير ~~الجزري في تاريخه المترجم بالكامل ، وشهاب الدين محمد المنشي في التاريخ ~~الجلالي ، ونحن الآن نذكر في هذا الموضع ما نقله ابن الأثير ، ونذكر في ~~أخبار الدولة الجنكزخانية ما نقله المنشي . وإنما نبهنا على ذلك في هذا ~~الموضع لئلا يقف عليه متأمل فيرى في النقل الاختلاف فيظن أن ذلك عن سهو أو ~~غلط أو التباس . فأما ما حكاه ابن الأثير فإنه قال : لما فعل خوارزم شاه ~~بالخطا ما فعل - يعنى من هزيمتهم وأسر مقدمهم طاينكوه - مضى من سلم منهم ~~إلى ملكهم ، فإنه لم يكن قد شهد الحرب ، فاجتمعوا عنده . وكانت طائفة عظيمة ~~من التتار قد خرجوا من بلادهم حدود الصين ونزلوا وراء بلاد تركستان ، وكان ~~بينهم وبين الخطا حروب كثيرة وعداوة . فلما بلغهم ما فعله خوارزم شاه ~~بعساكر الخطا قصدوهم مع ملكهم كشليخان فأرسل ملك الخطا إلى خوارزم شاه يقول ~~: أما ما كان منك من أخذ بلادنا وقتل رجالنا فمعفو عنه ، وقد أتانا من هذا ~~العدو مالا قيل لنا به ، فإن انتصروا علينا وملكوا البلاد ، فلا دافع لهم ~~عنك ، والمصلحة أن تسير إلينا بعساكرك وتنصرنا على قتالهم ، ونحن نحلف لك ~~أننا إذا ظفرنا بهم لا نتعرض لما بيدك من البلاد ، ونقنع بما في أيدينا . ~~وأرسل إليه كشليخان يقول : إن هؤلاء الخطا أعداؤك وأعداؤنا ، فساعدنا عليهم ~~، ونحلف لك أننا إذا انتصرنا عليهم لا نقر بلادك ، ونقنع بالمواضع التي ~~ينزلونها ، والمراعي التي ms6291 يرعونها . فأجاب كل منهما : إنني معك على خصمك ، ~~وسار بعساكره إلى أن نزل قريبا من الموضع الذي يتصافون ، فيه ولم يخالطهم ~~مخالطة يعلمون بها أنه مع أحد منهم على الآخر ، فكانت كل طائفة منهم تظن ~~أنه معها . PageV27P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" والتقى التتار والخطا فانهزم الخطا منهم ~~هزيمة عظيمة ، فعند ذلك مال خوارزم شاه على الخطا ، وجعل يقتل منهم ويأسر ~~وينهب ، فلم يسلم منهم إلا طائفة يسيرة مع ملكهم ، في موضع من نواحي بلاد ~~الترك ، تحيط بها جبال يتعذر الوصول إليها إلا من جهة واحدة ، فتحصنوا بها ~~، وانضم إلى خوارزم شاه منهم طائفة . وصاروا في عسكره فأنفذ خوارزم شاه إلى ~~كشليخان ملك التتار يمت عليه بأنه ساعده ، ولولا ذلك ما تمكن من الخطا . ~~فاعترف له بذلك مدة ، ثم أرسل إليه يطلب منه المقاسمة على بلاد الخطا . ~~وقال : كما أن نحن اتفقنا على إبادتهم ينبغي أن نقتسم بلادهم ، فقال : ليس ~~لك عندي إلا السيف ، ولستم بأقوى منه شوكة ، ولا أعز ملكا ، فإن رضيت ~~بالمسالمة وإلا سرت إليك وفعلت بك شرا مما فعلت بهم وتجهز كشليخان ونزل ~~بالقرب من خوارزم شاه ، فعلم خوارزم شاه أنه لا طاقة له به ، فكان يراوغه . ~~فإذا سار إلى موضع قصد خوارزم شاه أهله وأثقالهم ، فينهبها ، وإذا سارت ~~طائفة منهم عن مكانهم سار فأوقع بهم . فأرسل إليه كشليخان يقول : ليس هذا ~~فعل الملوك وإنما هو فعل اللصوص ، فإن كنت سلطانا كما تقول فيجب أن نلتقي ، ~~فإما تهزمني وتملك البلاد التي بيدي ، أو أفعل أنا بك ذلك . فكان خوارزم ~~شاه يغالطه في الجواب ، ولا يصمم على حربه ، ولكنه أمر أهل الشاش وفرغانة ~~وأسفيجاب وكاشان ، وما حول ذلك من المدن التي لم يكن في الدنيا أنزه منها ~~ولا أحسن عمارة ، بالجلاء منها واللحاق ببلاد الإسلام ، ثم خربها جميعا ~~خوفا من التتار أن يملكوها . ثم اتفق خروج جنكزخان التمرجي ملك التتار على ~~كشليخان ، فاشتغل بقتاله عن قتال خوارزم شاه ، فخلا وجهه ، وعاد من بلاد ما ~~وراء النهر إلى خراسان . PageV27P0157 # """""" صفحة رقم ms6292 158 """""" ذكر ملك خوارزم شاه كرمان ومكران من السند ~~قال : كان من جملة نواب خوارزم شاه تاج الدين أبو بكر نايبه بمدينة زوزن . ~~وكان تاج الدين هذا في ابتداء أمره جمالا ، يكرى الجمال للأسفار ، ثم صار ~~على جمال خوارزم شاه ، فرأى منه جلدا وأمانة ، فقدمه إلى أن صار من أعيان ~~أمراء عسكره ، ثم ولاه مدينة زوزن . وكان ذا عقل وسياسة ، فقال يوما ~~لخوارزم شاه : إن بلاد كرمان مجاورة لبلدي ، فلو أضاف السلطان إلى عسكرا ~~للكتها في أسرع وقت فسير معه عسكرا فمضى إلى كرمان ، فقاتل صاحبها حرب بن ~~محمد بن أبي الفضل ، وملكها في أسرع وقت ، وسار منها إلى نواحي مكران ، ~~فملكها إلى السند من حدود كابل ، وسار إلى هرمز مدينة على ساحل بحر مكران ، ~~فأطاعه صاحبها وخطب بها لخوارزم شاه ، وخطب له بقلهات وبعض عمان ، وذلك في ~~سنة إحدى عشرة وستماية أو ما يقاربها . ذكر ملكه غزنة وأعمالها قال : ولما ~~استولى خوارزم شاه على عامة بلاد خراسان ، وملك باميان PageV27P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" وغيرها ، أرسل إلى تاج الدين الدز صاحب غزنة ~~، وهو الذي ملكها من الغورية ، وهو من مماليكهم ، أن يخطب له ، ويضرب السكة ~~باسمه ، ويسير إليه قبلا ، ليصالحه ويفر بيده غزنة ، واستشار تاج الدين ~~أمراءه في ذلك فأشاروا به ، وكان الحاكم على دولته والمتصرف فيها خوشداشه ~~قتلغ تكين وهو النايب عنه بغزنة ، فكان ممن أشار بذلك ، فخطب لخوارزم شاه ~~بغزنة ، وضرب السكة باسمه ، واستقر ذلك . ثم مضى تاج الدين الدز إلى الصيد ~~، فأرسل قتلغ تكين إلى خوارزم شاه يستدعيه ليسلم إليه غزنة ، فسار مجدا ، ~~وسبق خيره ، وتسلم غزنة والقلعة من قتلغ تكين ، وقتل من بها من عسكر ~~الغورية ، فوصل الخبر إلى صاحبها تاج الدين الدز فهرب هو ومن معه إلى ~~لهاوور . وأقام خوارزم شاه بغزنة ، فلما تمكن أحضر قتلغ تكين ، وسأله كيف ~~كانت حاله مع الدز ، فأخبره أنه كان الحاكم على دولته ، والمتصرف في الحكم ~~وغيره ، وكان يعرف ذلك ، وإنما أراد إقامة الحجة عليه . فلما انتهى حديثه ~~قال خوارزم ms6293 شاه له : إذا كنت ما رعيت الحق لمن أنت وهو من بيت واحد ، وقد ~~حكمك في ملكه وصرفك فيه ، فكيف تفعل مع ابني إذا تركته عندك ؟ وأمر بالقبض ~~عليه ، وأخذ منه أموالا جمة حملها على ثلاثين دابة وأربعماية مملوك ، ثم ~~قتله . وترك ولده جلال الدين بغزنة في جماعة من عساكره وأمرائه وكان ملكه ~~لها في سنة ثنتي عشرة وستماية ، وقيل سنة ثلاث عشرة . ذكر عزمه على المسير ~~إلى العراق وقصد بغداد ، ومراسلته في طلب آل سلجق ببغداد وما أجيب به قال ~~شهاب الدين محمد المنشي في تاريخه : لما عظم أمر السلطان خوارزم شاه وتجلت ~~له الدنيا في أرفع ملابسها وأشرقت شمس دولته من أكرم مطالعها ، واستملئت ~~جريدة ديوان الجيش على ما يقارب أربعمائة ألف فارس ، سمت همته إلى طلب ما ~~كان لبني سلجوق من الحكم والملك ببغداد ، وترددت الرسل في ذلك مرارا فلم ~~يجبه الخليفة إلى مراده لعلمه بما بين يديه من الشواغل عما وراء النهر ~~وبلاد الترك . قال : وحكى القاضي فخر الدين عمر بن سعد الخوارزمي - وكان ~~عند PageV27P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" السلطان من ذوي الحظوة والاختصاص - وقد أرسله ~~إلى بغداد مرارا ، قال : كان آخر رسالاتي إليها مطالبة الديوان بما ذكرناه ~~، فأبوا ذلك وأنكروه كل الإنكار ، وقالوا : إن اختلاف الدول ، وتقلب الدهر ~~، وتغلب الخارجي على بغداد ، وتسحب الإمام القائم بأمر الله منها إلى مدينة ~~عانة ، وانتصاره بطغرلبك ابن ميكائيل هو الذي اقتضى تحكم بني سلجوق في ~~بغداد ، وإلا فليس يحسن أن يكون مع الزمان على أكتاف الخلافة محتكم يأمر ~~فيها كيف شاء بما سر وساء ، وليس فيما أنعم الله عليه به من الممالك ~~الواسعة والأقاليم المتباعدة المتشاسعة غنية عن الطمع في ملك أمير المؤمنين ~~، ومشاهد آبائه الراشدين ، قال : وأصحب في عوده الشيخ شهاب الدين السهروردي ~~رحمه الله مدافعا ، وواعظا وازعا ، عما كان السلطان يلتمسه . وتراجعت ~~المراسلات في المعنى وتكررت ، فكانت غير مجدية ، وانضاف إلى ذلك كثرة ~~استهانتهم بالسبيل الذي كان للسلطان في طريق مكة ، حتى بلغه تقديمهم سبيل ~~صاحب الإسماعيلية ms6294 جلال الدين الحسن على سبيله . قال المنشي : وسمعت القاضي ~~فخر الدين المذكور يقول : إن الشيخ شهاب الدين لما دخل على السلطان ، وعنده ~~من حسن الإعتقاد برفيع منزلته ، وعالي قدره ، وتقدمه فضلا على مشايخ عصره ، ~~ما أوجب تخصيصه بمزيد الإكرام عن سائر الرسل الواردة عليه من الديوان ، ~~فوقف قائما في صحن الدار ثم أذن له في الدخول ، فلما استقر المجلس بالشيخ ~~قال : إن من سنة الداعي للدولة القاهرة أن يقدم على أداء الرسالة حديثا من ~~أحاديث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، تيمنا وتبركا ، فأذن له السلطان في ~~ذلك ، وجثا على PageV27P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" ركبتيه أدبا عند سماع الحديث . فذكر الشيخ ~~حديثا معناه التحذير من أذية بني العباس ، فلما فرغ من رواية الحديث قال ~~السلطان : أنا وإن كنت رجلا تركيا قليل المعرفة باللغة العربية ، لكني فهمت ~~معنى ما ذكرته من الحديث ، غير أنني ما أذيت أحدا من ولد العباس ، ولا ~~قصدتهم بسوء ، وقد بلغني أن في محابس أمير المؤمنين منهم خلقا مخلدين ، ~~يتناسلون بها ، ويتوالدون ، فلو أعاد الشيخ الحديث بعينه على مسامع أمير ~~المؤمنين كان أولى وأنفع وأجدى وأنجع . فقال الشيخ : إن الخليفة إذا بويع ~~في مبدأ خلافته على كتاب الله وسنة رسوله واجتهاده ، فإن أفضى اجتهاده إلى ~~حبس شرذمة لإصلاح أمة ، لا يقدح ذلك في طريقته المثلى . وطال الكلام ، وعاد ~~الشيخ والوحشة قائمة على ساقها . واتفق بعد ذلك قتل الاسماعيلية أغلمش ~~الأتابكي ، وكان ينوب عن السلطان بالعراق ، فركب يلتقي الحاج عند منصرفهم ~~من الحج . قفز عليه باطني في زي حاج فقتله ، وانقطعت حينئذ خطبة السلطان ~~بالعراق فحركه ذلك إلى المسير لإعادتها . ذكر مسيره إلى العراق وما اتفق له ~~قال : ولما قتل أغلمش ، وكان يقيم رسمي الخطبة والطاعة للسلطان بالعراق ، ~~طمع الأتابك أزبك بن محمد صاحب أران وأذربيجان ، وسعد بن زنكي صاحب فارس ~~فيه فنهضا إليه لعلمهما ببعد السلطان ، وأنه في أعماق بلاد الترك . فرحل ~~أزبك ودخل أصفهان بمواطأة من أهلها ، وملك سعد الري وقزوين وسمنان وما تاخم ~~ذلك وداناه . فانتهى الخبر ms6295 إلى السلطان وهو بسمرقند ، فاختار من العساكر ~~ماية ألف ، وترك معظم عساكره مع أمرائه بما وراء النهر وثغور الترك . فلما ~~وصل إلى قومس اختار ممن استصحبه معه اختيارا ثانيا ، ونهض في اثني عشر ألف ~~فارس وسار مجدا PageV27P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" فسبق خبره إلى جبل برزك وهي كورة من كور الري ~~، وسعد بظاهرها . فلما رأى سعد أوائل الخيل قد أقبلت ، ظن أنهم من الأزبكية ~~المنازعين له في ملك العراق ، فركب بنفسه وعسكره وصدق القتال . فلما شاهد ~~السلطان جده أمر بنشر الجتر . وكان ملفوفا فنشر ، فحين تحقق أصحاب سعد أن ~~الجيش جيش السلطان ولوا الأدبار ونزل سعد فقبل الأرض ، فأخذ وكتف وأحضر بين ~~يدي السلطان فأمر بالاحتياط عليه ، وحمله على بعل حتى وصل إلى همذان ، وقضى ~~وطره من أزبك على ما سنذكره . وأما الأتابك أزبك صاحب أران وأذربيجان فإنه ~~لما سمع ما حل بسعد من الأسر والإهانة ، ضاقت عليه الأرض بما رحبت ، ولم ~~يبق له هوى العود إلى ملكه ، وقنع من الغنيمة بالإياب . فركب وأعد السير ~~إلى أن قارب همذان ، وهو يظن أن السلطان بالري . فلما بقي على مرحلة من ~~همذان ، بلغه أن السلطان بها ، فسقط في يده ، وتحير لا يعرف طريق الري . ~~فاستشار أصحابه ، فأشار بعضهم بعوده إلى أصفهان ، وأشر بعضهم بالمبادرة إلى ~~أذربيجان جريدة ، وترك أقاله . وأشار عليه وزيره ربيب الدين أبو القاسم بن ~~علي بالتحصن بقلعة قزوين ، وكانت قريبة منه ، وهي من أمهات قلاع الأرض ، ~~ومشاهير حصونها ، فلم يوافقه . واجتمع رأيه أن وجه أثقاله وخزائنه وبعض ~~حاشيته مع الملك نصرة الدين محمد بن تتشتكين صوب تبريز ، واستصحب من خواصه ~~زهاء مائتي فارس ، وأخذ بهم نحو أذربيجان في المسالك الوعرة والجبال الصعبة ~~. ووجه الوزير ربيب الدين إلى السلطان برسالة ، يعتذر إليه ، فوقع الأمير ~~دكجك السلحدار على أثقاله ومن معا ، فهزمهم وتبعهم إلى ميانج وهي كورة من ~~كور أذربيجان على حافة النهر الأبيض ، وأسر الملك نصرة الدين ومعظم من معه ~~، وانتهبت الخزائن والأثقال ، ووجد الوزير ربيب الدين في الطريق فساقه في ms6296 ~~جملة الأسرى إلى المخيم ، فلم يصدق في رسالته ، واعتقد أنه زورها عند ~~PageV27P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" أسره . قال : وبقي في كل يوم يساق الأتابك ~~سعد ونصرة الدين والوزير ربيب الدين إلى الميدان بهمذان فيهانون والسلطان ~~يلعب بالأكرة إذلالا لهم ، ولم يزالوا كذلك إلى أن عاد نصير الدين دولتيار ~~وهو متولي منصب الطغرا للسلطان ، وهو من المناصب الجليلة . غير أنه دون ~~كتابة الإنشا في بيت الخوارزمشاهية وفوقها عند السلاجقة وكان السلطان قد ~~بعثه رسولا إلى الأتابك أزبك ، بعد هربه يأمره بإقامة رسمي الخطبة والسكة ~~باسمه في عامة مملكته ، وأن يحمل في كل سنة إلى الخزانة السلطانية أتاوة ~~معلومة ، فجعل بالسكة والخطبة ، وخطب للسلطان على منابر أذربيجان وأران ، ~~إلى ما يلي دربند شروان وسير إلى السلطان من الهدايا والتحف والألطاف جملة ~~طائلة ، وسلم قلعة قزوين إلى نواب السلطان ، واعتذر في أمر الأتاوة أن ~~الكرج استضعفوا جانبه ، واستولوا على أطراف بلاده ، وهذه حاله والبلاد بما ~~تثمر من الأموال ، فكيف إذا انقسمت ، وحمل منها أتاوة ؟ . فقبل السلطان ~~عذره في ذلك ، ورضي منه بالسكة والخطبة ، وبعث إلى الكرج رسولا من جهته ~~يقول : إن بلاد الأتابك أزبك صارت من جملة بلادنا ، وهي كأحد ممالكنا ، ~~وحذرهم من الوصول إليها وقصدها ، فعاد رسول السلطان من الكرج ، ومعه رسولهم ~~مصحوبا بالتقادم . هذا ما كان من أمر أزبك . وأما الملك نصرة الدين فإنه ~~كان يحضر إلى الميدان في كل يوم كما ذكرنا . فنظر السلطان إليه في بعض ~~الأيام فإذا بأذنيه حلقتان كبيرتان مجوفتان في غلظ السوار ، فسأله عن ذلك ~~فقال : إن السلطان ألب أرسلان . السلجقي لما غز الكرج ونصره الله عليهم ~~وأسر أمراءهم من عليهم ، وأطلقهم ، وأمر أن يشنقوا كل واحد منهم بحلقتين ، ~~يكتب عليهما اسمه ، فلما تطاولت المدة ووهت قواعد الدولة السلجقية خلع ~~أولئك ربقة الطاعة ، ما خلا جدي فإنه أسلم وسلمت بلاده وأعقابه ، ببركتي ~~الإسلام والوفاء فرق له السلطان ، وأمر بإطلاقه ، وخلع عليه ، وغير ~~الحلقتين ، وكتب عليهما اسمه ، وأمر له بتوقيع بما كان تحت يده من البلاد ~~التي ورثها ms6297 أبا عن جد مثل مدينتي PageV27P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" أبهر وفراوي بقلاعهما وأعمالهما وأضاف إليه ~~مدينة سراة وهي أقرب المدن إليه مما يملكه أزبك ، وخلع عليه خلعة ملوكية . ~~وأما الأتابك سعد الدين زنكي صاحب فارس فإن السلطان أطلقه وتسلم قلعتي ~~اصطخر واسكناباد وسلمها السلطان إلى المؤيد الحاجب ، وزوج الأتابك سعد ~~بامرأة من بيت والدته ، وشرط عليه أن يحمل في كل سنة إلى الخزانة ثلث ~~الخراج من بلاده ، وأعاده بالخلع والتشاريف ، وكان ولده نصرة الدين أبو بكر ~~لما بلغه أسر والده انتصب مكانه واستمال قلوب الأمراء وبذل الأموال فأطاعوه ~~. فلما أطلق الأتابك سعد ، ووصل إلى شيراز - وهي كرسي مملكته - امتنع ولده ~~من تسليم الملك . فبينما نصرة الدين ذات يوم في داره لم يرعه إلا وقد فتح ~~عليه الباب ، ودخل حسام الدين تكين باش - وهو أكبر مماليك الأتابك والمقدم ~~في دولته - والأتابك وراه وبيده سيف مجرد ، فضرب به وجه ابنه ضربة أثرت في ~~وجهه ، وحجز بينهما اختلاط الفريقين ، فأمر الأتابك بالقبض على ابنه ، فقبض ~~عليه واعتقله مدة ثم أطلقه وعظم حال حسام الدين عنده ورقاه إلى درجة ~~الملوكية ، هذا ما كان من أمره . ذكر قصد السلطان بغداد وما رتبه من أحوال ~~مملكته وعوده بعد مسيره قال شهاب الدين محمد المنشي : ثم عزم السلطان على ~~قصد بغداد ، ورتب أحوال مملكته ، وأظهر الناموس . فمن ذلك أنه ضرب نوبة ~~الإسكندر على ما قدمناه ، ومنها أنه سير الملك تاج الملك بلكان خان صاحب ~~أترار إلى مدينة نسا ليقيم PageV27P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" بها ، وسير إلى خوارزم برهان الدين محمد بن ~~أحمد بن عبد العزيز البخاري المعروف بصدر جيهان ، رئيس الحنفية ببخارى ~~وخطيبها . قال : ولعله يعد من الملوك والأكابر ، وكان تحت يده ستة آلاف ~~فقيه . ومنها أنه قسم الملك بين أولاده ، وعين لكل واحد منهم بلادا ، ففوض ~~خوارزم وخراسان ومازندران إلى ولي عهده قطب الدين أزلاغ شاه ، واختار ~~لتواقيعه طرة من غير تلقيب ، وهي السلطان أبو المظفر ازلاغ شاه ابن السلطان ~~محمد ناصر أمير المؤمنين . وإنما خصصه بولاية العهد ms6298 دون جلال الدين اتباعا ~~لرأي أمه تركان خاتون . وفوض ملك غزنة وباميان والغوروبست وتكياباذ وزمين ~~وما يليها من الهند إلى ولده الملك جلال الدين منكبرتي ، واستوزر له الصدر ~~شمس الملك شهاب الدين الهروي ، واستناب عنه كريره ملك ، واستصحب جلال الدين ~~معه ، وفوض ملك كرمان وكيش ومكران لولده غياث الدين بيرشاه واستوزر له ~~الصدر تاج الدين ابن كريم الشرق النيسابوري ، وسلم ملك العراق إلى ولده ركن ~~الدين غور شايجي واستوزر له عماد الملك محمد بن الشديد الساوي واختار ~~لتواقيعه من الطرة السلطان المعظم ركن الدنيا والدين أبو الحارث غور شايجي ~~ابن السلطان الأعظم محمد قسيم أمير المؤمنين . قال : ولما رتب هذه القواعد ~~وقرر هذا النظام عزم على قصد بغداد وسير أمامه من العساكر ما غصت به ~~البيداء فضاقت برحبها ، وسار وراءهم إلى أن علا عقبة سراباد . وكان قد قسم ~~نواحي بغداد وهو بهمذان أقطاعا وعملا ، وكتب بها توقيعات ، فسقط عليه ~~بالعقبة ثلج عظيم ، فأهلك خلقا كثيرا من الجيش وتلفت الأثقال ، فرجع ~~السلطان منها ، وتطير من قصد بغداد ، وكان ذلك في سنة أربع عشرة وستماية . ~~قال : ولما رجع السلطان إلى نيسابور أتاه الخبر بوفاة مؤيد الملك قوام ~~الدين وإلى كرمان ونايبه بها ، فملك السلطان ولده غياث الدين بيرشاه كرمان ~~وكيش ومكران فسار إليها واستقام أمره بها . ذكر عود السلطان إلى بلاد ما ~~وراء النهر ووصول رسل التتار إليه وما اتفق من الحوادث قال : ثم عاد ~~السلطان عند منصرفه من العراق إلى ما وراء النهر ووصل إلى PageV27P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" سمرقند ، فوافته بعد ذلك رسل جنكزخان ملك ~~التتار وهم محمود الخوارزمي وعلى خواجه البخاري ويوسف بن كنكا الأتراري ~~مصحوبين بمجلوبات الترك من نقر المعادن ونصب الختو ونوافج المسك وأحجار ~~اليشب والثياب التي تسمى طرقوا وتتخذ من وبر الجمال البيض يباع الثوب منها ~~بخمسين دينارا وأكثر . وكانت الرسالة تشتمل على طلب المسالمة والموادعة ، ~~وقالوا له : إن الخان الكبير يسلم عليك ويقول : ليس يخفي علي عظم شأنك وسعة ~~سلطانك ، ولقد علمت بسطة ملكك ونفاذ حكمك ms6299 في أكثر أقاليم الأرض ، وأنا أرى ~~مسالمتك من جملة الواجب ، وأنت عندي مثل أعز أولادي وغير خاف عنك أيضا أنني ~~ملكت الصين وما يليها من بلاد الترك وقد أذعنت لي قبايلهم وأنت أخبر الناس ~~أن بلادي مثارات العساكر ومعادن الفضة وأن فيها لغنية عن طلب غيرها فإن ~~رأيت أن تفتح للتجار في الجهتين سبيل التردد ، عمت المنافع وشملت الفوائد . ~~قال المنشي : فلما سمع السلطان الرسالة صرف الرسل ، ثم استدعى محمود ~~الخوارزمي ليلا بمفرده ، وقال له : أنت رجل خوارزمي ، ولا بد لك من موالاة ~~فينا وسبيل إلينا ، ووعده بالإحسان إن صدقه فيما يسأله عنه ، وأعطاه جوهرة ~~نفيسة من معضدته علامة للوفاء بما وعده ، وشرط عليه أن يكون عينا له على ~~جنكزخان . فأجابه إلى ذلك رغبة أو رهبة ثم قال : أصدقني فيما يقول جنكزخان ~~أنه ملك الصين واستولى على مدينة طوغاج أصادق فيما يقول أو كاذب ؟ قال : بل ~~صادق ومثل هذا الأمر لا يخفى ثم قال له : أنت تعرف ممالكي وبسطتها وعساكري ~~وكثرتها ، فمن هذا اللعين حتى يخاطبني بالولد ؟ وما مقدار ما معه من ~~العساكر ؟ فلما شاهد محمود الخوارزمي آثار الغيظ على وجه السلطان أعرض عن ~~النصح ، وقال : ليس عسكره بالنسبة إلى عسكرك إلا كفارس في خيل ، أودخان في ~~جنح ليل . ثم أجاب السلطان إلى المهادنة واستقر الحال على المسالمة إلى أن ~~وصل من بلاد التتار تجار إلى أترار وهم عمر خواجه الأتراري ، والجمال ~~المراغي ، PageV27P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وفخر الدين البخاري وأمين الدين الهروي وكان ~~ينال خان ابن خال السلطان ينوب عن السلطان بأترار فشرهت نفسه في أموال ~~أولئك التجار ، فكاتب السلطان يقول : إن هؤلاء القوم قد جاءوا إلى أترار في ~~زي التجار وليسوا بتجار ، وإنما هم أصحاب أخبار ، وإنهم إذا خلوا بأحد من ~~العوام يهددونه ، ويقولون إنكم لفي غفلة عما وراءكم ، وسيأتيكم ما لا قبل ~~لكم به فأذن له السلطان في الاحتياط عليهم إلى أن يرى فيهم رأيه ، فقبض ~~ينال خان عليهم ، وانقطع خبرهم ، وأخذ ما كان معهم من الأموال والأمتعة ms6300 ثم ~~وردت رسل جنكزخان بن كفرج بغرا كان أبوه من أمراء السلطان تكش ومعه رجلان ~~يقولون للسلطان : إنك قد كتبت خطك وأمانك للتجار أن لا تتعرض إليهم ، وقد ~~غدرت ونكثت ، والغدر قبيح على الملوك ، فإن زعمت أن الذي ارتكبه ينال خان ~~كان من غير أمرك فسلمه إلي لأجازيه على فعله ، وإلا فأذن بالحرب فلم يرسل ~~ينال خان ، وظن أنه إن لاطف جنكزخان ، أطمعه ، وأمر بقتل رسله ، فقتلوا . ~~فيالها من قتلة هدرت دماء الإسلام ، وأجرت بكل قطرة سيلا من الدم الحرام . ~~فعند ذلك تجهز جنكزخان لقصده . ذكر ما اعتمده السلطان من سوء التدبير لما ~~قصده التتار كان أول ما اعتمده من سوء التدبير لنفاذ حكم العلي القدير أنه ~~لما بلغه خبر التتار وقصدهم البلاد ، عزم أن يبتني سورا على مدينة سمرقند ~~على كبرها ودورها ، على ما قيل اثني عشر فرسخا ، ثم يشحنها بالرجال ، لتكون ~~سدا بينه وبين الترك . ففرق عماله في سائر أقاليم مملكته ، وأمرهم أن ~~يستسلفوا خراج سنة خمس عشر وستماية برسم عمارة السور ، فجبى خراجا كاملا ~~وأعجله التتار فلم يتمكن من عمارته ، ثم بعث الحياة مرة ثانية إلى سائر ~~الممالك ، وأمرهم بجباية خراج ثالث في سنتهم ، وهي سنة أربع عشرة وستماية ، ~~وأن يستخدم بذلك رجالة ورماة ، يستخدم من كل بلد بقدر ما يتحصل من المال . ~~ثم فرق عساكره بمدن ما وراء النهر وبلاد الترك PageV27P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" فترك ينال خان بأترار في عشرين ألف فارس ~~وقتلغ خان في جماعة أخرى في عشرة آلاف فارس بشهر كنت ، والأمير اختيار ~~الدين كشكي أمير آخور ، واغل حاجب الملقب باينانج خان في ثلاثين ألف فارس ~~ببخارى ، وطغاينجان خاله وأمراء الغور في أربعين ألف فارس بسمرقند وفخر ~~الدين حبش النسوي وعسكر سجستان بترمذ ، وبلخمورخان بوخش وأبا محمد خال أبيه ~~ببلخ . ولم يترك بلدا مما وراء النهر خاليا من عسكر كبير فكان ذلك من أعظم ~~الأسباب التي استولى بها جنكزخان على البلاد الإسلامية ، ولو جمع عساكره ~~ولقي التتار لهزمهم . ولما شارف جنكزخان تخوم البلاد الإسلامية ms6301 تباشر صوب ~~أترار ، واستولى عليها بعد قتال ، وأحضر ينال خان بين يديه ، وأمر بسبك ~~الفضة ، وقلبها في أذنيه وعينيه فمات . ثم استولى جنكزخان على البلاد وتحيل ~~حتى أوقع بين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وبين أمه وأخواله . ذكر ما وقع ~~بين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وأمه وأخواله من الاختلاف بحيلة تمت ~~بجنكزخان عليهم وما فعلته والدته من القتل ومفارقة خوارزم وما آل إليه ~~أمرها كان سبب ذلك أن جنكزخان لما ملك أترار ، أحضر نايب الوزارة بها ، وهو ~~بدر الدين العميد ، واتفق معه على أن زوركتبا على لسان الأمراء أقارب والدة ~~السلطان إلى جنكزخان ، يبذلون له الدخول في طاعته ، ويقولون : إنا تسحبنا ~~من بلاد الترك بعشائرنا ومن يلوذ بنا إلى السلطان ، رغبة في خدمة والدته ، ~~فما نصرناه على كافة ملوك الأرض ، وذلت له الجبابرة وخضعت له الرقاب فها هو ~~الآن تغيرت نيته في حق والدته ، عتوا منه وعقوقا ، وهي تأمرنا بخذلانه ، ~~فنحن على انتظار وصولك واتباع PageV27P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" أمرك . وكان هذا تدبير نايب الوزارة المذكور ~~. وسلم جنكزخان الكتب إلى بعض خواصه ، وأمره أن يتوجه بها إلى السلطان ، ~~ويظهر له أنه قد هرب من صاحبه إليه ، ففعل ذلك . فلما وصل إلى السلطان ووقف ~~على الكتب لم يشك في صحة ذلك ، ونفر من هؤلاء الأمراء ، ونأى عنهم وبدد ~~مثلهم . فلما فعل ذلك بأقارب والدته تركان خاتون غضبت لذلك ، وكتب جنكزخان ~~إليها على يد دانشمند الحاجب - وهو من خواصه - وهي إذ ذاك بخوارزم ، يقول : ~~قد عرفت مقابلة ابنك حقوقك بالعقوق ، وقد قصدته بمواطأة من أمرائه ، ولست ~~بمعترض إلى ما تحت يدك من البلاد ، وأسلم لك خوارزم وخراسان وما يتاخمهما ~~من قاطع جيحون . فكان جوابها عن هذه الرسالة أن خرجت عن خوارزم ، واستصحبت ~~ما أمكنها من حرم السلطان وصغار أولاده ونفايس خزائنه ، وأمرت بقتل من كان ~~بخوارزم من الملوك المعتقلين وأبناء الملوك وأكابر الصدور ، فقتلت زهاء ~~اثنين وعشرين نفسا منهم إبنا السلطان غياث الدين الغوري وابن طغرل السلجقي ~~وعماد الدين صاحب بلخ وابنه ms6302 بهرام شاه صاحب ترمذ وعلاء الدين صاحب باميان ، ~~وجمال الدين عمر صاحب وخش وابنا صاحب سقتاق من بلاد الترك ، وبرهان الدين ~~محمد وصدرجهان وأخوه افتخار جهان وابناه ملك الإسلام وعزيز الإسلام ~~واستصحبت معها عمر خان صاحب يازر فصحبها إلى بلاده ، وخدمها أتم خدمة ، حتى ~~إذا قاربت تخوم يازر خافت أن يفارقها ، فأمرت بضرب عنقه فقتل صبرا . وسارت ~~بمن معها إلى قلعة ايلال من قلاع مازندران ، فأقامت بها وذلك في سنة خمس ~~عشرة وستماية ؛ وأمرت بتحصين القلعة ، فحصنت ؛ ثم حوصرت أربعة أشهر فكان من ~~الاتفاق العجيب أن القلعة نفذ ماؤها ، وكانت العادة أن تلك القلعة دائمة ~~الأنواء ، فقدر الله عز وجل أن صحت السماء في زمن الحصار حتى نفذ الماء ، ~~فألجأها ذلك إلى طلب الأمان ، فأجيبت إليه ، ونزلت من القلعة ومعها الوزير ~~محمد بن صالح . وذكر أنها لما نزلت من القلعة فاضت الصهاريج في هذا اليوم ، ~~حتى نزل السيل من باب القلعة وحملت تركان خاتون أسيرة إلى جنكزخان . قيل ~~أنه انتهى حالها PageV27P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" إلى أن كانت تحضر سماط جنكزخان وتحمل منه في ~~كل وقت ما يقوتها مدة بعد أن حكمت في أكثر البلاد على ما نذكره . وأما صغار ~~أولاد ابنها الذين كانوا معها فقتلوا عن آخرهم إلا أصغرهم فإنه ترك عند ~~جدته مدة ثم قتل بعد ذلك خنقا . هذا ما كان من الذكور . وأما الإناث فزوجوا ~~بالمرتدة إلا سلطان خان - التي كانت امرأة صاحب سمرقند - أخذها دوشي خان ~~واصطفاها لنفسه . هذا ما كان من أمرها وأمر من معها بعد وفاة ابنها ، ~~فلنذكر شيئا من أخبارها وما كان لها من الحكم في دولة ابنها . كانت تركان ~~خاتون والدة السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد من قبيلة بياووت وهي فرع ~~من فروع يمك ، وهي بنت خان جنكش ، ملك من ملوك الترك وتزوج بها السلطان تكش ~~. ولما انتقل الملك إلى ابنها أتته قبائل يمك ومن يجاورها من الترك فكثر ~~بهم ، واستظهر بمكانهم وتحكمت هي بهذا السبب في الممالك ، فلم يملك السلطان ~~إقليما ms6303 إلا وأفرد لخاصتها منه ناحية جليلة . ولقبت عند ارتفاع شأنها ~~بخداوند جهان ، معناه صاحبة العالم . وكانت ذات مهابة ورأى ، وإذا رفعت ~~الظلامات إليها حكمت فيها على قانون العدل والإنصاف ، غير أنها كانت جسورا ~~على سفك الدماء ، وكان لها خيرات وسبلات في البلاد قال المنشى : وكان لها ~~من كتاب الإنشاء سبعة من مشاهير الفضلاء وسادات الأكابر وإذا ورد عنها وعن ~~السلطان توقيعان مختلفان في قضية واحدة لم ينظر إلا في التاريخ فيعمل ~~بالآخر منهما في سائر الأقاليم . وكان طغرا تواقيعها عصمة الدنيا والدين ~~ألغ تركان ملكة نساء العالمين ، وعلامتها اعتصمت بالله وحده ، وكانت تكتبها ~~بقلم غليظ ، وتجود الكتابة فيها بحيث يعسر أن يزور عنها ، فلنرجع إلى أخبار ~~السلطان . ذكر ما اتفق للسلطان بعد أن ملك التتار البلاد إلى أن توفى قال : ~~لما ملك جنكزخان أترار ، ملك بعدها بخارى ثم سمرقند ، فاتصل الخبر بالسلطان ~~وهو مقيم بحدود كتلف وأندخوذ ينتظر وصول الجموع المتفرقة إليه PageV27P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" من الجهات . فلما اتصل خبر ملك جنكزخان بخارى ~~بالسلطان ، عبر جيحون وقد أيس من بلاد ما وراء النهر ، وفارقه إلى التتار ~~من الأتراك عشيرة أخواله زهاء سبعة آلاف من الخطايية ، واتصل علاء الدين ~~صاحب قندز وغيره بجنكزخان وأخذ الناس في التخاذل والتسلل ، فلما اتصلت هذه ~~الجموع بجنكزخان عرفوه بمكان السلطان وبما هو عليه من الوجل ، وبما داخله ~~من الخوف فعند ذلك جرد يمنوية وسبطى بهادر في ثلاثين ألف فارس فعبروا النهر ~~صوب خراسان ورحل السلطان من حافة جيحون إلى نيسابور ، وتسلل عنه الناس فلم ~~يقم بنيسابور إلا ساعة من نهار ، ثم سار حتى أتى العراق فنزل بمرج دولت ~~أباد ، وهي من أعمال همذان وأقام أياما يسيرة ومعه زهاء عشرين ألف فارس فلم ~~يرعه إلا صيحة الغارة وإحداق خيول التتار به ، فغاتهم بنفسه ، وشمل القتل ~~جل أصحابه ، ونجا السلطان في نفر يسير من خواصه إلى بلد الجبل ثم منها إلى ~~الاستنداد وهي أمنع ناحية من نواحي مازندران ذات دربندات ومضايق ثم منها ~~إلى حافة البحر وأقام ms6304 عند الغرضة بقرية من قراها ، يحضر إلى المسجد فيصلى ~~به إمام القرية الصلوات الخمس ويقرأ له القرآن ، وهو يبكي وينذر النذور ~~ويعاهد الله تعالى بإقامة العدل . ولم يزل كذلك إلى أن كبسه التتار فحين ~~هجموا الضيعة ركب السلطان المركب وخاضت خلفه طائفة منهم فلم يدركوه . قال ~~شهاب الدين المنشى : حدثني غير واحد ممن كان مع السلطان في المركب قال : ~~كنا نسوق المركب بالسلطان وبه من علة ذات الجنب ما آيسه من الحياة وهو يظهر ~~الاكتئاب ، ويقول لم يبق لنا مما ملكناه من أقاليم الأرض قدر ذراعين . فلما ~~وصل الجزيرة سر بذلك سرورا تاما وأقام بها فريدا طريدا والمرض يزداد به . ~~وكان في أهل مازندران ناس يتقربون إليه بالمأكول والمشروب وما يشبهه ، فقال ~~في بعض الأيام : أشتهي أن يكون عندي فرس يرعى حول خيمتي هذه - وقد ضربت له ~~خيمة صغيرة - فلما سمع تاج الدين حسن وكان من جملة سرهنكيته أهدى إليه فرسا ~~أصفر قال : وكانت جشارات خيله تنيف على ثلاثين ألف جشار متفرقة في ممالكه ~~PageV27P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" ويدل على ذلك ما قاله الأمير اختيار الدين ~~أكبر أمير أخورية السلطان ؛ وكان قد ضم إليه ثلاثين ألف فارس ، فكان يقول : ~~إن المرتب معي ثلاثون ألف فارس ولو شئت جعلتها ستين ألفا من غير أن أتكلف ~~صرف دينار أو درهم ، وذلك أنني أستدعي من كل جشار من جشارات خيل السلطان ~~جوبانا واحدا فينيفوا على ثلاثين ألفا ، فانظر إلى ما بين الحالتين في ~~الكثرة والقلة والعزة والذلة . قال : وكان من حمل إليه شيئا من المأكولات ~~وغيره في تلك الأيام كتب له توقيعا بمنصب جليل وإقطاع طايل فربما كان الرجل ~~يتولى كتابة التوقيع لنفسه لعدم من يكتب عند السلطان . وكانت هذه التواقيع ~~تسمى التواقيع الجزيرية ، وكلها برسالة جلال الدين . فلما ظهر أمر جلال ~~الدين أحضرت إليه التواقيع فأمضاها بكمالها ومن كان معه منديل أو سكين ~~علامة من السلطان بإقطاع أو غيره قبلها جلال الدين وأمضى حكمها . ذكر وفاة ~~السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن ms6305 تكش كانت وفاته بالجزيرة في سنة سبع ~~عشرة وستماية . وذلك أنه لما استقر بها اشتدت به علة ذات الجنب فمات وغسله ~~شمس الدين محمود بن يلاغ الجاوش ومقرب الدين مهتر مهتران مقدم الفراشين ، ~~ولم يكن عنده ما يكفن فيه فكفنه شمس الدين محمود المذكور بقميصه ، ودفن ~~بالجزيرة فكانت مدة سلطنته إحدى PageV27P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" وعشرين سنة ، وكان له من الأولاد خمسة وهم ~~جلال الدين منكبرتي ، وقطب الدين أزلاغ شاه ، وآق شاه ، وركن الدين غور ~~شايجي - وكان بالعراق - وغياث الدين بير شاه وفيه يقول المنشى : أذل الملوك ~~وصاد القروم . . . وصير كل عزيز ذليلا وحف الملوك به خاضعين . . . وزفوا ~~إليه رعيلا رعيلا فلما تمكن من أمره . . . وصارت له الأرض إلا قليلا وأوهمه ~~العز أن الزمان . . . إذا رامه ارتد عنه كليلا أتته المنية مغتاظة . . . ~~وسلت عليه حساما صقيلا فلم تغن عنه حماة الرجال . . . ولم يجد فيل عليه ~~فتيلا كذا يفعل الله بالشامتين . . . ويفنيهم الدهر جيلا فجيلا هذا ما اتفق ~~للسلطان ؛ وأما التتار الذين ساقوا خلفه فإنهم خربوا البلاد وسفكوا الدماء ~~واستولوا على الممالك وساووا في القتل بين المملوك والممالك ، على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى في أخبارهم . فلنذكر الآن أخبار أولاد السلطان علاء ~~الدين محمد وما كان من أمرهم بعد وفاة أبيهم ونورد أخبارهم في جملة أخبار ~~أخيهم السلطان جلال الدين فإنه الملك المشار إليه منهم . ذكر أخبار السلطان ~~جلال الدين منكبرتي وقيل فيه منكوبرتي ابن السلطان علاء الدين أبي الفتح ~~محمد ابن تكش بن ألب أرسلان بن اتسز بن محمد بن انوشتكين . ملك بعد وفاة ~~أبيه في سنة سبع عشرة وستماية ، وذلك أن والده السلطان لما اشتد مرضه ~~بالجزيرة خلع قطب الدين أزلاغ شاه وآق شاه . وقال : إن عرى السلطنة قد ~~انفصمت والدولة قد وهت قواعدها وتهدمت ، وهذا PageV27P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" العدو قد تأكدت أسبابه وتشبثت بالممالك ~~أظفاره ، وتعلقت أنيابه ، وليس يأخذ بثاري منه إلا ولدي منكوبرتي وهأنا ~~موليه ولاية العهد فعليكما بطاعته والانخراط في سلك تباعته . وشد سيفه بيده ~~في ms6306 وسط جلال الدين ثم مات بعد ثلاثة أيام . قال : ولما دفن السلطان ~~بالجزيرة ركب جلال الدين البحر ومعه أخواه ومعهم زهاء سبعين نفسا لقصد ~~خوارزم ، فلما قاربوها التقوهم منها بالدواب والأسلحة والأعلام ، وتباشر ~~الناس بمقدمهم واجتمع عندهم من العساكر ممن أضمرته البوادي ونقضتهم المجالس ~~والنوادي زهاء سبعة آلاف فارس ، أكثرهم البياووتية ومقدمهم توخى بهلوان ~~الملقب بقتلغ خان ، فمالوا إلى أزلاغ شاه للقرابة التي بينهم ، وعزموا على ~~القبض على جلال الدين وقتله أو سمله . فعلم إينانج خان بما دبروه ، فأعلم ~~بذلك جلال الدين وأشار عليه بالرحيل فرحل صوب خراسان في ثلثماية فارس ، ~~مقدمهم دمر ملك وقطع المفازة الحاجزة بين خوارزم وخراسان وهي ست عشرة مرحلة ~~في أيام قلايل ، وتخلص منها إلى بلد نسا . وكان جنكزخان لما بلغه عود أولاد ~~السلطان إلى خوارزم وجه إليها عسكرا كثيفا وتقدم إلى من بخراسان من عساكره ~~بالتفرق على حافات تلك البرية مترصدين فضربوا على البرية المذكورة حلقة من ~~تخوم مرو إلى حدود شهرستان ، حتى إذا هم أولاد السلطان بالمسير إلى خراسان ~~عند إزعاجهم من خوارزم يقبضون عليهم . وكان بحافة برية نسا منهم سبعماية ~~فارس فلما خرج جلال الدين من البرية صادفهم أمامه ، فالتقوا واقتتلوا قتالا ~~شديدا كان الظفر فيه لجلال الدين عليهم ، فعمهم بالقتل وغنم ما معهم ، ولم ~~يفلت منهم إلا الشارد . وهذا أول مصاف كان بين جلال الدين وبينهم فتقوى بما ~~غنمه منهم ووصل إلى نيسابور . وأما أخواه فإنهما أقاما بعده بخوارزم ثلاثة ~~أيام ؛ وأتاهم الخبر بحركة التتار PageV27P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" فخرجا بمن معهما مجفلين إلى صوب خراسان . ~~فلما انتهوا إلى مرج سابغ ونزلوا به ، وافتهم الأخبار أن طائفة من التتار ~~أقبلت في طلبهم ، فركب أزلاغ شاه ومن معه ورحل والتتار في طلبه إلى استوى ~~بلد خيوشان فأدركه التتار بقرية تسمى فرست ، فوقف لهم واقتتلوا قتالا شديدا ~~كان الظفر لأزلاغ شاه عليهم ، فسروا بذلك وظنوا أنه لم يكن من التتار بتلك ~~الناحية غير هذه الطائفة التي انهزمت ، واستقروا بتلك المنزلة ، فلم يرعهم ~~إلا وخيول ms6307 التتار قد أحدقت بهم إحداق الأطواق بالأعناق فثوى اليسر عسرا ~~وترادف النصر كسرا ، فكانوا إن شاء الله كما قيل : تردى ثياب الموت حمرا ~~فما أتى . . . لها الليل إلا وهي من سندس خضر فاستشهد أزلاغ شاه وآق شاه ~~ومن معهما وعاد التتار برأسيهما وقد نصبوهما على الرماح . ذكر مسير جلال ~~الدين من نيسابور إلى غزنة قال : وأقام جلال الدين بنيسابور شهرا يتابع ~~الرسل إلى الجهات في الاحتشاد والاستمداد ، إلى أن علم التتارية فأسرعوا ~~نحوه وأعجلوه عن مراده ، فخرج من نيسابور في من انضوى إليه من الخوارزمية ، ~~إلى أن وصل إلى القلعة القاهرة وهي التي بناها مؤيد الملك صاحب كرمان بزوزن ~~، فهم أن يتحصن بها فبعث إليه عين الملك ختن مؤيد الملك - وهو مستحفظها - ~~يحذره ذلك ، ويقول : إن ملكا لا يحسن به أن يتحصن بقلعة ولو بنيت على قرن ~~الفرقد أو هامة الجوزاء بل أعلا وأبعد ، وحصون الملوك متون الحصن ، وما ~~للضراغم وللمدن ولو تحصنت بالقلعة لأفنت التتار أعمارهم إلى أن ينالوا ~~الغرض . فأمر جلال الدين بإحضار ما في القلعة من الذهب فأحضر ، وفرق أكياسه ~~على من صحبه من خواصه ، وفارق القاهرة ، وجد PageV27P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" السير إلى تخوم بست ، فأعلم أن جنكزخان مقيم ~~بالطالقان بجيوش عظيمة ، فتحير في أمره لا يدري ما يصنع . ثم خاطر بنفسه ~~واستمر في السير ، فبلغه أن أمين ملك وهو ابن خالة متولى هراة ومقطعها ~~بالقرب منه ، وقد أخلى هراة ومعه زهاء عشرة آلاف فارس ، والأتراك الذين ~~سلموا من النكبة ، فبعث جلال الدين إليه يعلمه بقربه ويحثه على سرعة الوصول ~~إليه ، فاجتمعوا واتفقا على كبس التتار المحاصرين قلعة قند هار فنهضا إليهم ~~وأوقعا بهم فلم يسلم من التتار إلا من وصل بخبرهم إلى جنكزخان وهم نفر يسير ~~، فأخبروه بما تم على عسكره ، فغضب لذلك . وساق جلال الدين حتى أتى غزنة ~~وكان بها كربر ملك ينوب عنه منذ جعلها والده له كما قدمناه ، وقد ضبطها . ~~فوصل إليها جلال الدين في سنة ثماني عشرة وستماية ، فسر الناس بوصوله واتصل ms6308 ~~به سيف الدين بغراق الخلجي وأعظم ملك صاحب بلخ ، ومظفر ملك صاحب الأيغانية ~~والحسن قزلق وهم في زهاء ثلاثين ألف فارس ومعه عسكره وعسكر أمين ملك مثلها ~~. ذكر الحرب بين جلال الدين وتولى خان بن جنكزخان وانهزام التتار وقتل تولى ~~خان قال المنشى : ولما بلغ جنكزخان ما حل بعسكره بقندهار ، جرد ابنه تولى ~~خان في عسكر كثيف ، فاستقبله جلال الدين بنية في الجهاد قوية وهمة في ~~الإسلام أبية . فلما تراءى الجمعان حمل بنفسه على قلب تولى خان ، فبدد ~~نظامه ونثر تحت قوائم الخيل أعلامه وألجأه في الانهزام وإسلام المقام ، ~~وتحكمت فيهم سيوف الانتقام وقتل تولى خان فيمن قتل ، وكثر الأسر في التتار ~~حتى كان الفراشون يحضرون أساراهم إلى بين يديه فيدقون الأوتاد في آذانهم ~~تشفيا بهم ، وكانت شرذمة من التتار قد حاصرت قلعة ولخ وضايقتها فلما بلغهم ~~ما حل بأولئك رجعوا عنها . PageV27P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" ذكر الحرب بين جلال الدين وجنكزخان وانهزام ~~جلال الدين قال : ولما عاد من سلم من المعركة إلى جنكزخان قام بنفسه ~~وعساكره لقصد حرب جلال الدين . واتفق أن العساكر الخلجية فارقوا جلال الدين ~~في ذلك الوقت صحبة سيف الدين بغراق وأعظم ملك ومظفر ملك . وسبب ذلك أنهم ~~لما كسروا التتار زاحمهم الأتراك فيما أفاء الله عليهم من الغنائم ، فاتفق ~~أن بعض الأتراك الأرمينية نازع أعظم ملك في فرس من خيل التتار . وطال ~~بينهما التنازع فضربه التركي بمقرعة ، فاشمأزت لذلك نفوسهم ونفرت قلوبهم ~~وفارقوا جلال الدين ، واجتهد على ردهم فأبوا ذلك . ولما بلغه أن جنكزخان قد ~~قاربه بجيوشه علم أنه لا طاقة له بملاقاته بعد مفارقة هذه الجيوش له ، فرأى ~~أن يتأخر إلى حافة ماء السند ثم يستأنف مكاتبة من فارقه ، فإن رجعوا إليه ~~لقى جنكزخان بهم وبمن معه من الأتراك . فعاجله جنكزخان عن إمضاء ما دبره ؛ ~~وكان جلال الدين قد أصابه قولنج شديد عند خروجه من غزنة ولم يرد مع ذلك ~~الجلوس في المحفة ، وركب الفرس تجلدا ، فمن الله عليه بالعافية ، فورد عليه ~~الخبر أن مقدمة ms6309 جنكزخان نزلت بجردين فركب ليلا وكبس المقدمة فقتلهم ولم ~~يفته إلا من نجا به فرسه . فلما بلغ جنكزخان هذا الخبر هاله ، وجاء جلال ~~الدين إلى حافة ماء السند ، وضاق عليه الوقت عما كان يثق به من جمع المراكب ~~واسترجاع الكتايب ، ووصل مركب واحد فأمر بتعبير والدته وحرمه ومن ضمته ~~الدور وحجبته الستور ، فانكسر المركب قبل عبورهم . ووصل جنكزخان فلقبه جلال ~~الدين واقتتلوا قتالا شديدا فحمل جلال الدين بنفسه على قلب جنكزخان فمزقه ، ~~وانهزم جنكزخان وكادت الدائرة تكون عليهم ، لولا أن جنكزخان كان قد كمن ~~كمينا فيه عشرة آلاف فارس فخرجوا على ميمنة جلال الدين - وفيها أمين ملك - ~~فكسروها وطرحوها على القلب ، فتبدد نظامه ، وتزعزعت عن الثبات أقدامه ، ~~وانجلت المعركة عن قتلى مصرعين في الدماء ، وغرقى غاطسين في الماء ، فكان ~~الرجل يأتي إلى الماء يهوى بنفسه في تياره وهو يعلم أنه غريق لا محالة . ~~وأسر ولد جلال الدين وهو ابن سبع أو ثماني سنين فقتل بين يدي جنكزخان . ~~PageV27P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" قال : ولما عاد جلال الدين إلى حافة ماء ~~السند كثبرا رأى والدته أم ولده وجماعة من حرمه يصحن بأعلى أصواتهن : بالله ~~عليك اقتلنا وخلصنا من الأسر ، فأمر بهن فغرقن . فهذه من عجائب البلايا ~~ونوادر المصايب والرزايا . وأما العساكر الخلجية المفارقة لجلال الدين ~~فاستنزلهم جنكزخان بعد فراغه من جلال الدين من عصم الجبال والحصون ، وقتلهم ~~أجمعين . ذكر حال جلال الدين بعد عبوره ماء السند قال : ولما وصل جلال ~~الدين إلى حافة ماء السند اقتحم بفرسه ذلك الماء العظيم ، فخلص إلى البر ، ~~وخلص معه أربعة آلاف رجل من عسكره حفاة عراة ، وفيهم ثلثماية فارس كانوا قد ~~تقدموا جلال الدين ومعهم من خواصه ثلاثة نفر وهم قلبرس بهادر وقابقح وسعد ~~الدين على الشربدار ، ورمى بهم الماء إلى جهة بعيدة عن القوم ولم يعلموا ما ~~كان منه ، فاتصل بهم في اليوم الثاني . قال : وكان في الزردخانا الجلالية ~~شخص يعرف بجمال الزراد ، وقد انتبذ قبل الوقعة بما كان له من المال إلى بعض ~~الجهات ، فوصل ms6310 إذ ذاك بمركب فيه ملبوس ومأكول ، فوقع ذلك عند جلال الدين ~~موقعا عظيما وولاه أستاذ داريته ، ولقبه اختيار الدين . PageV27P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" قال : ولما علم زانه شنزه صاحب جبل الجودي ~~بما كان من أمر جلال الدين وانهزامه ، وأنه في قلة من أصحابه ، ركب في ألف ~~فارس وخمسة آلاف راجل . فقصد جلال الدين عبور الماء إلى جهة التتار ويختفي ~~بمن يسلم معه في الخياض ويعيشون بالغارات ، لعلمه أن الجنود إن ظفروا به ~~قتلوه وقتلوا من معه . فحين تواتروا على ذلك توجهت الرجالة لهذا القصد ، ~~وتأخر عنهم جلال الدين بمن معه من أصحاب الخيل على رسم الترك ، فجاء زانه ~~شنزه ، ومعه أعيان أصحابه ويخالته . فلما رأى جلال الدين حمل عليه بمن معه ~~، فلما قاربه رماه جلال الدين بسهم في صدره فقتله وانهزم عسكره وتحمل جلال ~~الدين فيما غنمه من خيله وعدته ، وما أفاء الله عليه من أمواله وأسلحته . ~~قال : ولما سمع قمر الدين نائب قباجة بدبدبة وساقون ، تقرب إلى جلال الدين ~~بهدايا جليلة وألطاف ، وفي جملتها الدهلين ، فوقع ذلك من جلال الدين موقعا ~~عظيما . ذكر ما كان بين جلال الدين وقباجة من وفاق وخلاف قال : ثم بلغ جلال ~~الدين أن بنت أمين ملك سلمت من الغرق إلى أوجاهى من مدن قباجة ، فراسله ~~جلال الدين يذكر أنها تمت له بقرابة ، وأن نساءه غرقن وطلبها ، فتقدم قباجة ~~بتجهيزها إليه وجهز معها هدايا تليق بجلال الدين . فقبل جلال الدين ذلك منه ~~وانتظم بينهما الصلح وأمنت البلاد إلى أن قضت الفرقة وتأكدت أسباب الوحشة ~~وسبب ذلك أن شمس الملك شهاب الدين ألب ، كان السلطان علاء الدين قد استوزره ~~لجلال الدين ، فرمته الوقعة إلى قباجة ، فأمنه وآواه وأحسن إليه . واعتقد ~~قباجة أن جلال الدين قتل ، فاسترسل مع شمس الملك في أمور كان الحزم يقضي ~~إخفاءها عنه ، فلما تحقق سلامة جلال الدين استوحش من شمس الملك وندم على ما ~~كان قد أبداه له ، ولما بلغ جلال الدين أن شمس الملك عنده استدعاه ، فحمل ~~قباجة التوهم منه على قتله ms6311 فقتله ، لما كان قد أودعه من أسرار خشى إذاعتها ~~. ومن ذلك أن قرن خان بن أمين ملك كانت الوقعة طرحته إلى مدينة كلور من مدن ~~قباجة ، فشرهت PageV27P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" نفوس عامتها إلى سلبه ، فقتل وحمل إلى قباجة ~~من سلبه درة كانت في أذنه فأخذها ، فحقد جلال الدين ذلك عليه وأسره في نفسه ~~إلى أن اتصل بخدمته جماعة من الأمراء المفارقين لخدمة أخيه غياث الدين بمن ~~معهم من العسكر ، فقويت نفسه بهم وقصد مدينة كلور فحاصرها وداوم القتال ~~والزحف بنفسه فأصابته نشابة في يده ، ولم يفتر في القتال ليلا ولا نهارا ~~حتى ملكها وملك مقاتلتها ثم رحل منها إلى قلعة برنوزج فحاصرها وباشر القتال ~~بنفسه وأصابته هناك نشابة أخرى ، فألحق برنوزج بأختها وتأكدت الوحشة بهذه ~~الأسباب بينه وبين قباجة . ولما رأى قباجة أن بلاده تطوى شيئا فشيئا فزع ~~إلى الاحتشاد ، فركب في زهاء عشرة آلاف فارس ، وأنجده شمس الدين ايلتتمش ~~ببعض عساكره ، فعلم جلال الدين بخبره ونيته ليلا ، وأحاط بعسكره فأعجلهم عن ~~الركوب ، فانهزم قباجة بنفسه ومن نجا به فرسه ، وترك العسكر شاغرا بما فيه ~~من الخيام والخزائن والعدد المتوفرة ، فاحتوى جلال الدين على ذلك . ذكر ~~الحوادث بعد كسر جلال الدين قباجة وما جرى بينه وبين شمس الدين ايلتتمش قال ~~: لما كسر جلال الدين قباجة نزل على نهاوور وكان بها ابن لقباجة وقد عصى ~~على والده وتغلب عليها ، فأقرها جلال الدين عليه على مال يحمله في كل سنة ~~ومال يعجله . ورحل صوب سيستان وبها فخر الدين السلارى واليا عليها من جهة ~~قباجة ، فتلقاه بالطاعة ، وسلم إليه مفاتيحها ، فجبى المال ثم رحل عنها صوب ~~أوجا فحاصرها أياما ، وقاتله أهلها فقتل من الفريقين خلق كثير ، ثم صالحوه ~~على مال حمل إليه ورحل صوب خانسر وكان ملكها من أتباع شمس الدين فخرج طائعا ~~للخدمة الجلالية . فألقى بها عصى القرار ليريح من معه ، فأتاه الخبر أن ~~إيلتتمش قاصده في ثلاثين ألف فارس ومائة ألف راجل وثلثماية فيل ، فخرج جلال ~~الدين نحوه مجدا ، PageV27P0180 # """""" صفحة رقم ms6312 181 """""" وقدم أمامه جهان بهلوان أزبك باين - وهو من ~~حماة الأبطال - فساق ، وخالفه يزك شمس الدين ، فتوسط أزبك عسكر شمس الدين ~~فهجم على جماعة منهم ، فقتل منهم وحضر إلى جلال الدين من أخبره بذلك الجمع ~~الكثير ثم ورد عليه برسول إيلتتمش في طلب الموادعة ويقول : ليس بخفي على ما ~~وراءك من عدو الدين ، وأنت سلطان المسلمين وابن سلطانهم ، ولست استحل أن ~~أكون عليك عونا ، ولا يليق بمثلي أن يجرد السيف في وجه مثلك ، إلا لضرورة ~~الدفع ، وإن رأيت أن أزوجك ابنتي لتزول الوحشة وتتأكدة الثقة بيني وبينك ~~فافعل . فمال جلال الدين إلى ذلك وأصحب رسوله باثنين من أصحابه ، يزيدك ~~بهلوان وسنقرجق طايسي ، فمضيا إليه وأقاما لديه وترادفت الأخبار على جلال ~~الدين أن ايلتتمش وقباجة وسائر ملوك الهند قد تآمروا على أن بمسكوا على ~~جلال الدين حافة ماء خجنير ، فعظمت إذ ذاك بليته وفترت في وجوه العزائم ~~نيته ، ورأى أن الزمان حزب عليه أحزابا ومتى سد للحوادث بجهده بابا فتح ~~عليه أبوابا ، فاستشار نصحاءه في ذلك ، فأشار عليه الذين وردوا من العراق ~~وهم الذين انفصلوا من أخيه غياث الدين أن يقصد العراق وينتزعه من يد أخيه ، ~~وأشار عليه جهان بهلوان أزبك باين بلزوم بلاد الهند خشية من جنكزخان ~~واستضعافا لملوك الهند ، فحمله شغفه بحب الممالك الموروثة والحكم فيها على ~~قصد العراق ، فاستناب جهان بهلوان على ما كان يملكه من بلاد الهند ، والحسن ~~قزلق على ما قد نجا من بلاد الغور وغزنة من صدمات التتار ، فاستمر جهان ~~بهلوان فيما ولاه إلى سنة سبع وعشرين وستماية ، ثم طرد عنها ووصل إلى ~~العراق على ما نذكره في موضعه ؛ واستمر قزلق إلى حين وفاته . ذكر طلوع جلال ~~الدين من الهند ووصوله إلى كرمان وما جرى له من الحوادث إلى أن ملك العراق ~~كان عوده من الهند في سنة إحدى وعشرين وستماية . قال شهاب الدين محمد ~~المنشى . قاسى جلال الدين ومن معه من رذايا الأرواح المتخلصة من مشتجر ~~الرياح في البوادي ، القاطعة بين كرمان والهند ، شدائد ms6313 نستهم سائر الكرب ، ~~وأوردتهم بأجمعهم سواقي العطب . وقد أوعزتهم في تلك القفار علالات الشفاه ، ~~وبلالات PageV27P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" الأفواه ، فضلا عن الأقوات ، فكان الرجل ~~يتنفس عند هبوب السموم كتنفس المحموم . قال : فتخلص إلى كرمان في أربعة ~~آلاف ، فيهم ركاب أبقار وحمر . وكان بها براق الحاجب ينوب عن أخيه غياث ~~الدين بير شاه . وبراق هذا كان حاجبا لكورخان ملك الخطايية ، ورد رسولا على ~~السلطان مبدأ المكاشفة بينهما ، فمنعه أن يعود إلى مرسله رغبة فيه ، ثم ~~اتصل بخدمة غياث الدين . فلما وصل جلال الدين أقام بكراشير - وهي دار ~~المملكة - شهرا ثم أحس أن براقا قد أضمر الغدر به ، فقصد جلال الدين القبض ~~عليه واستشار في ذلك ، فأشار أورخان بالقبض عليه ، وأن يواليه مملكة كرمان ~~ويستظهر بها على غيرها من الممالك . وخالفه في هذا الرأي شمس الملك علي بن ~~أبي القاسم المعروف بخواجه جهان ، وقال : هذا أول من بذل الطاعة من نواب ~~الأطراف ، وولاة البلاد ، وليس كل أحد يتحقق غدره ومكيدته ، فمتى عوجل نفرت ~~القلوب واشمأزت النفوس وتبدلت الأهواء ، وتغيرت النيات والآراء . فرحل جلال ~~الدين إلى صوب شيراز ، وورد عليه الأتابك علاء الدولة صاحب يزد ، مذعنا ~~بالطاعة ، وقدم له تقادم كثيرة فكتب له توقيعا بتقرير بلاده عليه . وكان ~~الأتابك سعد صاحب فارس قد استوحش من أخيه غياث الدين لإساءة سبقت ، فرغب ~~جلال الدين في إصلاحه لنفسه ، وسير الوزير شرف الملك إليه خاطبا ابنته ، ~~فأسرع إلى الإجابة والانقياد وزوجه ابنته وحملها إليه فاستظهر جلال الدين ~~بمصاهرته ثم تقدم من شيراز إلى أصفهان ، فخرج إليه القاضي ركن الدين مسعود ~~بن صاعد بأحسن اللقاء ، قال : ولما بلغ غياث الدين توسط جلال الدين في ~~بلاده ، ركب إليه في جموعه في زهاء ثلاثين ألف فارس ، فرجع جلال الدين حين ~~سمع بقربه وقد أيس مما طمحت إليه نفسه ، وسير إلى غياث الدين أدك أمير أخور ~~؛ وكان من دهاة خواصه ، يقول : إن الذي قاسيته بعد السلطان من الشدايد ~~الفادحة ، لو عرضت على الجبال لأشفقن منها واستثقلتها فأبين أن يقبلنها ، ~~وحين ms6314 ضاقت على الأرض بما رحبت ، وانتفضت يدي عما ورثت وكسبت ، وكنت قصدتك ~~لأستريح عندك أياما وحيث علمت أن ليس عندك للضيف إلا ظبي السيف ، ورجعت ~~بظمأ من الشوق عن المناهل . وسير إليه سلب تولى خان بن جنكزخان وفرسه وسيفه ~~. فلما سمع غياث الدين الرسالة انصرف إلى الري ، وتفرقت عساكره في المصايف ~~. PageV27P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" قال : وكان جلال الدين سير صحبة رسوله عدة ~~خواتيم ، وأمره بإيصالها إلى جماعة من الأمراء علامات منه ، يستميلهم ~~ويمينهم الإحسان ، فمنهم من تناول الخاتم وسكت وأجاب إلى الانقطاع إليه أو ~~التقاعد عن نصرة غياث الدين ، ومنهم من سارع إلى غياث الدين فناوله الخاتم ~~، فعند ذلك أمر بالقبض على الرسول المذكور والاحتياط عليه . وبادر إلى خدمة ~~جلال الدين ، أبو بكر ملك - وهو من بني أخواله - وذكر له أن القلوب مجتمعة ~~على محبته ، فركب جلال الدين في ثلاثة آلاف ضعاف ، وجد السير حتى وافى غياث ~~الدين وأعجله عن التدبير . فلما أتاه النذير ركب فرس النوبة إلى قلعة ~~سلوقان ، ودخل جلال الدين خيمته وبها بكلواي والدة غياث الدين ، فاستوفى ~~لها أدب الخدمة ، وشرط العظيم والحرمة وأنكر انزعاج غياث الدين وإخلاءه ~~مكانه ، وذكر لها إشفاقه عليه . فسيرت إليه من سكن روعته ، فعاد إلى خدمة ~~أخيه جلال الدين ونزل جلال الدين في منزلة السلطان ، وأتته الأمراء ~~واستعفوا مما كان منهم ، فأقبل عليهم وعاملهم بالإحسان . ثم جاءه من كان ~~بخراسان والعراق ومازندران من المتغلبين . فمنهم من حسنت سيرته في أيام ~~الفتنة ، فأقره وأعاده إلى مكانه ، ومنهم من ساءت طريقته فأذيق وبال طغيانه ~~، وتفرقت الوزراء والعمال في الأطراف فضبطوها بتواقيع جلال الدين . ؟ ذكر ~~مسيره صوب خوزستان ولما تمكن السلطان جلال الدين من أخيه غياث الدين ، وصار ~~معه كأحد أمرائه ، توجه نحو خوزستان ، وشتى بها ، ووجه من هناك ضياء الملك ~~علاء الدين PageV27P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" محمد بن مودود العارض النسوي رسولا إلى ~~الديوان العزيز . وكان من قبل ذلك قد جرد جهان بهلوان إيلجي برسم اليزك ، ~~فصادف المذكور عسكرا من عساكر الديوان وعربان خفاجة ، فأوقع ms6315 بهم وأخرق ~~الهيبة ، وهتك الحرمة ، فعادوا إلى بغداد على وجه غير مرضي ، وأحضرت طائفة ~~منهم إلى المخيم الجلالي ، فأطلقوا . ووصل ضياء الملك بعد الحادثة إلى ~~بغداد فطال مقامه ، وأرجف الناس به إلى أن ملك السلطان مراغة ، فأذن له في ~~العود بوفور الحظ من الإنعام . قال : ولما انجلى الشتاء رحل السلطان نحو ~~أذربيجان ، فلما أشرف على دقوقا صعد أهلها السور وشتموه ، لما بلغهم من شنه ~~الغارات على بلاد الديوان ، فغاظه ذلك وأمر بالزحف عليها ، فلم تكن إلا ~~حملة واحدة حتى ملكوا البلد ووضعوا السيف في أهلها . ثم اسر نحو أذربيجان . ~~فلما حاذى جبال همذان أتاه إيغان طايسي من أذربيجان ، وانتظم في الخدمة . ~~ذكر ملكه أذربيجان ومراغة قال : ولما انتظم أيغان طايسي في الخدمة رحل ~~السلطان صوب أذربيجان ، فلما قاربها ورد على شرف الملك كتب من أهل مراغة ، ~~حاثين عزائم السلطان بالمسير إليها لضعف الأتابك صاحبها عن دفع الكرج . ~~فساق إليها ودخلها من غير مدافع ، وأقام بها أياما . ووجه من هناك القاضي ~~مجير الدين عمر بن أسعد الخوارزمي رسولا إلى ملك الروم وملك الشام ومصر ~~بكتب تتضمن تملكه بلاد أذربيجان وقلعه ما تشبثت بها من أنياب الكرج ، ~~وإعلامهم أنه نوى أن يغزو الكرج . ثم رحل من مراغة صوب أذربيجان ، وهي أرض ~~معشبة ذات مياه جارية ، وقد خرب التتار مدينتها ، فأقام بها أياما والناس ~~يمتارون من تبريز وبها بنت طغرل بن أرسلان زوجة الأتابك PageV27P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" أزبك ، فلم يمنعوهم . وجاءه من أهل تبريز من ~~أطمعه في ملكها ، فسار نحوها ، وأحاط بها من كل جانب ، فخرج إليه الرئيس ~~نظام الدين ابن أخي شمس الدين الطغرائي ، وكان متحكما فيها ، يملك رقاب ~~أهلها موالاة له ولأسلافه . وتقدم إلى الأمراء بترتيب آلات الحصار من ~~المجانيق والدبابات والسلاليم ، فأخذوا في ترتيب ذلك . فلما كان بعد سبعة ~~أيام خرج إليه رسول من جهة بنت السلطان طغرل في طلب الأمان لها ولجواريها ~~وخدمها ، على أموالهم ودمائهم ، وعلى أن تكون مدينة خوى مفردة باسمها . ~~فأجاب إلى ذلك ، وتسلم تبريز ، وذلك ms6316 في سنة اثنتين وعشرين وستماية ، وسير ~~معها خادميه تاج الدين قليج وبدر الدين هلال ، فأوصلاها إليها بمن معها من ~~أتباعها . وولى السلطان رياسة تبريز للرئيس نظام الدين . ذكر كسر السلطان ~~الكرج قال : ولما ملك السلطان أذربيجان اجتمع الكرج بموضع يعرف بكربى - من ~~حدود دوين - في ستين ألفا ، وقد قلقوا لمجاورته ، وقصدوا باجتماعهم أعلامه ~~بما هم عليه من الكثرة والقوة ، لعله يرغب في مهادنتهم . فلما بلغ السلطان ~~اجتماعهم توجه نحوهم فيمن حضر من عساكره ، وقد كان أكثرهم تفرقوا إلى ~~إقطاعاتهم بالعراق وغيره . فحين وصل إلى شاطئ نهر أرس ، وجد هناك أمراء ~~الترك ومقدمهم جهان بهلوان ايلجي ، فأعلموه بأن العدو بالقرب منهم ، وأن ~~فيهم كثرة ، فكان جوابه عن ذلك عبوره إلى المخاضة بفرسه ، وتبعته العساكر . ~~فلما انتهى إلى كربى رأى الكرج وقد نزلوا على نشزعال ، فلم يتقدموا ، إليه ~~وبات ليلته وعليه الحرس حتى الصباح ، وقال لأصحابه : إن هؤلاء قصدهم ~~المطاولة . وأمر بالحملة عليهم من كل جهة ، فحملوا عليهم صاعدين إليهم ، ~~فبادرت ميسرة السلطان بالصعود ، وفيهم غياث الدين PageV27P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" أخوه وأورخان وأيغان طايسي وغيرهم ، فحمل ~~عليهم شلوة - وكان من فرسان الكرج المشهورين - والتقى الفريقان برأس الجبل ~~، فولت الكرج ، وقتل منهم زهاء أربعة آلاف ، ووقف السلطان على التل ، ~~والكرج تساق إليه ، وتبع المسلمون من انهزم من الكرج . قال المنشى : حكى ~~شمس الدين القمى ، وكان من حجاب الأتابك أربك - قال : أرسلني صاحبي إلى ~~الكرج أيام استيلائهم ، فخاضنني شلوة في الكلام ، حتى قال وددت أن يكون على ~~- يعني أبي طالب رضي الله عنه - باقيا في زماني ، لأريه من سطوتي ما ينسى ~~يومي بدر وحنين فلما كان في هذه الوقعة نزل إلى الأرض ولطخ وجهه بالدم ، ~~ونام بين القتلى . فحدث ابن داية غياث الدين وهو صبي به ، فأخرجه وأحضره ~~إلى السلطان مكتوفا فأمنه . قال : ووجه السلطان ملك الخواص تاج الدين قليج ~~إلى تبريز بجماعة من أمرائهم الأسرى ورؤوس القتلى . وساق من المعركة إلى ~~مدينة دوين فزحف عليها وافتتحها في الوقت . ؟ ذكر عوده من دوين إلى ms6317 تبريز ~~وتركه الميمنة ببلاد الكرج قال : لما حصل للسلطان ما ذكرناه من النصر ~~والظفر والفتوح ، بث غيارته إلى أخريات بلاد أبخاز وفي نفسه قصد تفليس ، ~~فورد عليه كتاب من شرف الملك بتبريز يذكر فيه أن شمس الدين الطغرائي وابن ~~أخيه الرئيس نظام الدين قد تآمرا على الفتك به والعصيان على السلطان ، وكان ~~ذلك إفكا وزورا وكذبا ، افتراه من كان يلوذ بشرف الملك من نوابه وخواصه . ~~وذلك أن الطغرائي كان دينا ، منصفا ، حسن السيرة ، ذابا عن الرعية ، لا ~~يمكن من الحيف عليهم ، تارة بالشفاعة ، وطورا بالتوبيخ والتشنيع ؛ ونواب ~~شرف الملك يكرهون ذلك . فلما وقف على الكتاب عزم على العود إلى تبريز ، ~~وأحضر أمراء الميمنة بباب سرادقه ، وخرج إليهم بعض الحجاب ، وقال : السلطان ~~يقول لكم : إنا قد تحققنا تقصيركم في المصاف ، واتفاقكم على أن تولوا ~~PageV27P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" وجوهكم إن حمل الكرج عليكم ، وحيث وهب الله ~~لنا النصر والظفر ، فقد عفونا عنكم ما تحققناه ، على أن تقيموا ببلادها ~~فتقلبوها بغاراتكم ظهرا لبطن إلى أن تعود إليكم . فضمنوا له ذلك ، وأقاموا ~~ثلاثة أشهر يشنون عليها الغارات إلى أن أخلوها قتلا وسبيا ، ورخصت المماليك ~~الكرجية ، حتى أن المملوك منها يباع بدينارين أو ثلاثة . قال : ورجع ~~السلطان إلى تبريز ، وكان رجوعه في شهر رجب سنة اثنتين وعشرين وستماية ، ~~وأحضر شرف الملك إلى بين يديه من الأوباش من شهد على الطغرائي وابن أخيه ~~بما كان أنهاه عنهما . فأمر بالقبض عليهما . فأما الرئيس فقتل في الوقت ~~وترك بالشارع طريحا ، وأما الطغراني فحبس وصودر على ما ينيف على ماية ألف ~~دينار كان الذي وصل منها إلى الخزانة السلطانية دون الثلاثين ألفا ، ثم حمل ~~من تبريز إلى مراغة محتاطا عليه . هذا وشرف الملك يعمل الحيلة على قتله حتى ~~أخذ خاتم السلطان بذلك ، وأراد الله تعالى إبقاءه فضن النائب بمراغة بقتله ~~، فأعانه بالخيل وهربا جميعا وسارا إلى أربل ومنها إلى بغداد . وحج في سنة ~~خمس وعشرين فلما ازدحم الناس حول الكعبة وقف تحت الميزاب وعلى رأسه مصحف ، ~~والحاج من الأقاليم ms6318 وقوفا ، والذي كان يتولى ركب السلطان فيهم ، وقال : ~~أيها الناس ، قد أجمع المسلمون كافة أن ليس لله في أرضه مقام أشرف من هذا ~~المقام ، ولا يوم أجل من هذا اليوم ، ولا كتاب أعظم من هذا الكتاب ، وأنا ~~حالف بهذه الثلاثة أن الذي نسبني إليه شرف الملك ما كان إلا إفكا مفترى . ~~وغلظ بما تغلظ به إيمان البيعة في البراءة ، وتفرق الناس إلى بلادهم وتحدث ~~بذلك كل طائفة . وتواترت به الأخبار على السلطان ، فعلم عند ذلك براءته ، ~~وندم على فعله ، وأمنه وأعاده إلى تبريز ، ورد عليه أملاكه هذا ما كان من ~~أمره . قال : وأقام السلطان بتبريز ، فصام بها شهر رمضان ، وأمر بمنبر فوضع ~~بدار السلطنة ، ونص على ثلاثين من علماء الأطراف وفضلائها ، وقد حضروا ~~لحاجاتهم ، فوعظ كل واحد منهم يوما والسلطان لجانب المنبر ، فشكر منهم من ~~وعظ وقال حقا ، وذم من بالغ في الإطراء . PageV27P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" ذكر ملك السلطان كنجة وسائر بلاد أران قال : ~~ولما استقر السلطان بتبريز بعد انصرافه من الكرج ، وجه أورخان في رجالة إلى ~~كنجة ، فتسلمها وما يضاف إليها من الكور ، مثل بيلقان وبرذعة وسكور وشيز ~~فتمكن أورخان بكنجة . ذكر نكاح السلطان بنت طغرل بن أرسلان قال : وورد على ~~السلطان نساء من قبل بنت طغرل بن أرسلان وهو بتبريز ، يعلمن السلطان ~~برغبتها في أن يملكها ، ويعلن أنها أثبتت بالشهود أنها مطلقة من زوجها ~~الأتابك أزبك ، فأجابها إلى ذلك وشهد لها أن زوجها حلف بطلاقها أن لا يغدر ~~بفلان وغدر به ، وحكم بذلك قاضي تبريز عز الدين القزويني . فتزوج بها ~~السلطان جلال الدين وسار بعد عقد النكاح إلى خوى ودخل بها ، وزادها على خوى ~~مدينتي سلماس وأرمية بأعمالهما . قال : وكان الأتابك بقلعة ألنجة من أعمال ~~نخجوان يسمع باستيلاء السلطان على بلاده ، فلم يزد على قوله : إن الأرض لله ~~يورثها من يشاء ؛ فلما بلغه أمر النكاح وأنه برغبة الملكة ، حم لوقته ومات ~~بعد أيام . PageV27P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" ذكر عوده إلى بلد الكرج وفتحه تفليس قال : ثم ~~سار السلطان بعد ms6319 عيد الفطر من سنة اثنتين وعشرين وستماية إلى غزو الكرج ~~فلما وصل إلى نهر أرس مرض مرضا شديدا تعذرت بسببه حركته ، فشتا هنالك ، ~~وقاسى من معه من شدة الثلوج أمرا عظيما . فلما انكشف الشتاء ، تقدم السلطان ~~إلى مروج تفليس ، وجر العساكر إليها متجردة عن أثقالها ، فوجدها منيعة ~~حصينة ، قد بنى معظم سورها على الجبال والشقفان . فخرج عامة أهلها فتأخر ~~الجيش حتى أبعدهم عن المدينة ، وحملوا عليهم حملة كان فيها بوارهم ، وسبقهم ~~إلى الباب غياث الدين ، فملكت المدينة ، وتحكمت السيوف في أهلها ، وقتل من ~~بها من الكرج والأرمن ، وتحصن أجناد الكرج بالقلعة - وبينها وبين المدينة ~~نهر عظيم لا يخاض - . وكان بينهما جسران من الخشب فأحرقا ، فلم يبت السلطان ~~حتى عبر النهر إلى صوب القلعة ، وأمر بنصب آلات الحصار ، فخرج رسول الكرج ~~في طلب الأمان ، فأجاب السلطان إلى ذلك ، وتسلمها بما فيها . ذكر المصاف ~~الكائن بينه وبين التتار بظاهر أصفهان وفي سنة أربع وعشرين وستماية وردت ~~الأخبار من خراسان بحركة التتار ، وأنهم على عزم العبور ، فجمع السلطان ~~عساكره وتوجه إلى أصفهان ، وجرد أربعة آلاف فارس صوب الري ودامغان لليزك ، ~~فكانت الأخبار ترد من جهتهم يوما فيوما ؛ والتتار يتقدمون واليزك يتأخر ، ~~إلى أن عادوا إلى السلطان . ونزل التتار شرقي أصفهان على مسيرة يوم بقرية ~~تسمى السين وفيهم تاجن نوين وبانك نوين وباقو نوين وأسن طغان نوين وياتماس ~~نوين وباشاور نوين وغيرهم . وكان المنجمون أشاروا على السلطان بمصابرتهم ~~ثلاثة أيام والتقائهم في اليوم الرابع ، فتأخر عن الملتقى وظن التتار ~~PageV27P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" أن ذلك فشلا منه ووهنا ، فجردوا ألفي فارس ~~إلى جبال بلاد اللؤلؤ للإغارة . فاختار السلطان من عسكره ثلاثة آلاف ، ~~فأخذوا عليهم المضايق وأوقعوا بهم ، وأحضروا منهم إلى السلطان زهاء ~~أربعماية أسير ، فأمر بضرب أعناقهم . ثم خرج للقاء التتار فلما تراى ~~الجمعان خذله غياث الدين وفارقه بعسكره وطائفة من عسكر السلطان مقدمهم جهان ~~بهلوان أيلحى ، فلم يعبأ السلطان بمفارقتهم ، وصمم على لقاء التتار ، ~~فالتقوا واقتتلوا ، وحملت ميمنة السلطان على ميسرة التتار فانهزموا وركبهم ms6320 ~~السيف إلى تخوم قاشان ، وهم يظنون أن الميسرة فعلت بالميمنة كذلك . وكان ~~للتتار كمين ، فخرج وقد جنحت الشمس للغروب على ميسرة السلطان ، فضربها على ~~القلب ، فثبت الأمراء والخانات أصحاب السلطان حتى قتلوا ، ولم يسلم منهم ~~إلا ثلاثة وهم كوج تكين بهلوان والحاجب الخاص خان بردى وأودك أمير أخور . ~~وأسر علاء الدولة أبا خان صاحب يزد ، أخذه رجل من المرتدة ، فأعطاه ما كان ~~معه من المال ، فأطلقه فوقع بالليل في بئر فمات . ووقف السلطان في القلب ~~وقد أحاطت به التتار من كل جانب ، ولم يبق معه إلا أربعة عشر من خواص ~~مماليكه ، فالتفت فإذا هو بحامل سنجقه قد ولى منهزما ، وطعنه فقتله ، وحمل ~~على التتار ، فأفرجوا له ولخواصه ، فخرج . قال : ثم تفرق القلب والميسرة ~~وطرحتهم الجفلة إلى كرمان وأذربيجان ، ومنهم من دخل إلى أصفهان . وعادت ~~الميمنة بعد يومين من جهة قاشان ، وظنوا أن السلطان بأصفهان ، فلما تحققوا ~~الحال تسحبوا . قال : وخفى أمر السلطان ثمانية أيام ، وكان المصاف في ~~الثاني والعشرين من شهر رمضان سنة خمس وعشرين وستماية . وكان الأتابك إيغان ~~طايسي لم يخرج من أصفهان يوم المصاف لمرضه ، فاتفق القاضي ومن تخلف بها من ~~أرباب الدولة على أنهم إن صلوا العيد ولم يظهر السلطان أجلسوه على سرير ~~الملك ، فلما خرج الناس لصلاة العيد حضر السلطان إلى الصلاة ، فسر الناس به ~~وأقام بها عدة أيام إلى أن تجمع ما تشتت من عساكره المتفرقة . PageV27P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" وأما التتار فإن السيوف نالت منهم منالا ~~عظيما ، ولم يخلص منهم - مع انتصارهم - إلى ما وراء جيحون إلا قليل ؛ فإن ~~السلطان لما تجمعت عساكره سار في آثارهم إلى الري . وحكى ابن الأثير في ~~تاريخه الكامل أن ابن جنكزخان أرسل إلى السلطان إثر هذه الوقعة يقول : إن ~~هؤلاء ليسوا منا . ذكر ما آل إليه أمر غياث الدين قال : وأما غياث الدين ، ~~فإنه لما فارق السلطان عند لقاء التتار ، سار إلى خوزستان ، وأرسل وزيره ~~كريم الشرق إلى الديوان العزيز معلما بمفارقته لأخيه ، ويذكر أنه قد جاور ~~الممالك الديوانية ms6321 زمانا بالعراق فأحسن الجوار ، إلى أن حضر أخوه من الهند ~~فشن الغارات عليها وقلبها بطنا لظهر وسأل أن يعان على استرجاع ما غصبه جلال ~~الدين من ملكه ، ويكون من جملة غلمان الديوان ، فأعيد رسوله بوعد جميل ، ~~وأنعم عليه بثلاثين ألف دينار . ثم تسحب غياث الدين إلى ألموت لما بلغه ~~ظهور السلطان . قال : ولما وصل السلطان إلى الري مقتفيا آثار التتار بعد ~~الوقعة ، ففرق عساكره بتخوم ألموت من حدود الري إلى أبخاز فصار علاء الدين ~~صاحب ألموت كالمجنون ، فراسل السلطان يلتمس الأمان لأخيه غياث الدين ليعود ~~إلى الخدمة ، فأجابه إلى ذلك وحلف له ؛ وأصحب رسوله رسولين من عنده إلى ~~غياث الدين وهما تاج الملك نجيب الدين يعقوب الخوارزمي وجمال الدين فرج ~~الطشتدار . فلما وصلا إلى غياث الدين ندم على طلبه الأمان ، وسأل صاحب ~~ألموت أن يعينه بما يحمله هو ومن معه ، فأعانه بثلثماية فرس أو أربعماية ، ~~فخرج ووقعت عليه طائفة من العساكر المركزة حول ألموت فلحقوه بحدود همذان ~~وكادوا يمسكونه ، ثم خلص منهم ونجا إلى كرمان - وبها الحاجب براق نائبه - ~~فسار إليه طمعا في وفائه . فأول ما اعتمده معه أنه تزوج بوالدته على كره ~~منها ومنه . ثم ذكر بعد ذلك أنها قصدت أن تسقيه سما PageV27P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" فقتلها وقتل معها الوزير كريم الشرق وجهان ~~بهلوان إيلجي ، وحبس غياث الدين ببعض القلاع ، واختلفت الأقاويل في عاقبة ~~أمره ، فقيل إن براقا قتله بعد حين وقيل إنه تخلص من الحبس إلى أصفهان وقتل ~~فيها بأمر السلطان والله أعلم . ذكر مسير السلطان إلى خلاط ومحاصرتها قال : ~~وسار السلطان إلى خلاط وكان قدم العساكر والأثقال كلها ، وتوجه هو جريدة في ~~ألف فارس صوب نخجوان وحث السير إلى ناحية بجنى وكمن بها ليلا حتى إذا أصبحت ~~رعية الكرج ، وسرحوا بمواشيهم على عادتهم ، ضرب عليها وساقها إلى نخجوان ، ~~فكان الثور الجيد يباع بدينار . وكان سبب مسيره إلى نخجوان رغبة صاحبتها في ~~الاتصال به ، فتزوجها وأقام بها أياما ، ثم سار حتى أتى خلاط ، وقد سبقته ~~العساكر إلى تخومها ms6322 ، وأقامت على مسيرة يوم منها . فلما وصل إليهم ورد عليه ~~رسول من عز الدين أيبك نائب السلطان الملك الأشرف موسى بها ، يذكر أن ~~السلطان استنابه ، وقبض على الحاجب لإساءته وتطرقه إلى بلاد السلطان جلال ~~الدين وأنه من جملة نوابه ، وبالغ في الملاطفة . فأجابه السلطان عن ذلك ~~بجواب مغالط ، وقال : إن كنت تقصد رضاي فابعث إلي بالحاجب علي . فلما عاد ~~الرسول بهذا الجواب قتل الحاجب علي ، ورحل السلطان ، ونزل على خلاط وحاصرها ~~ونصب عليها اثني عشر منجنيقا كانت العمالة منها ثمانية . ذكر الحوادث في ~~مدة حصار خلاط كان من ذلك وصول ركن الدين جهان شاه صاحب أرزن الروم ، ~~فتلقاه السلطان أحسن لقاء . وقدم المذكور إلى السلطان ما قميته عشرة آلاف ~~دينار ، وخلع السلطان عليه وعلى أصحابه وأعاده إلى بلده . وأمره أن يجهز ~~إليه ما يمكنه من آلات الحصار ، فسير منجنيقا كبيرا وأتراسا ونشابا وغير ~~ذلك . ومنها أن خان سلطان أخت السلطان التي كانت أسرت مع تركان خاتون ، ~~PageV27P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" واستخصها دوشى خاتون بن جنكزخان لنفسه على ما ~~قدمناه ، وصل رسولها إلى السلطان بخاتم كان لإبنها أمارة ، وهي تذكر أن ~~الخاقان قد أمر بتعليم أولادها القرآن ، وقد بلغه أخبار شوكتك وعزم على ~~مصاهرتك والمهادنة معك ، على أن تشاطره الملك على نهر جيحون ، فيكون لك ما ~~دونه وله ما وراءه ، فان كانت تجد من قوتك ما تقاومهم وتنتقم منهم فشأنك ~~وما أردت ، وإلا فاغتنم السلامة والمسالمة حال رغبتهم فيها . فتشاغل عنها ~~بخلاط ولم يعد عليها جوابا يقتضي الصلح . ومنها ورود سعد الدين الحاجب ~~رسولا من الديوان العزيز إلى السلطان يلتمس أشياء ، منها أنه يستصحب معه ~~رسولا من أجلاء أصحاب السلطان وخواص حضرته ليعود بالخلع ؛ ومنها أن السلطان ~~لا يحكم على بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ومظفر الدين كوكبري صاحب أربل ~~وشهاب الدين سليمان شاه ملك الأبويه وعماد الدين بهلوان بن هزارسف ملك ~~الجبال ، بل يعدهم في جملة أولياء الديوان وأتباعه وخدمه وأشياعه . ومن ~~جملتها أن السلطان علاء الدين لما رجع من جبال ms6323 همذان ولم يتم له ما نواه من ~~قصد بغداد ، أسقط خطبة الخليفة بعامة ممالكه ، واستمر الحال على ذلك . فلما ~~خاطبه رسول الديوان في ذلك أصدر تواقيعه إلى عامة بلاده بالخطبة لأمير ~~المؤمنين المستنصر بالله أبي جعفر . ذكر مسير رسول السلطان إلى الديوان ~~العزيز واجتماعه بالخليفة وما اتفق له وعوده بالخلع والتشاريف قال شهاب ~~الدين محمد المنشى وهو كاتب السلطان جلال الدين : لما انقضت أشغال رسول ~~الخليفة سعد الدين بن الحاجب أعاده السلطان وأصحبه الحاجب الخاص بدر الدين ~~طولق . وكتب السلطان إلى أمير المؤمنين يسأله أن يحضر بين يدي المواقف ~~الشريفة ، تميزا له على سائر الملوك بمزيد الإكرام ، فأجيب إلى ذلك . قال ~~المنشى : حدثني الحاجب الخاص قال : كان السلطان أمرني أني إذا حضرت إلى ~~الديوان لا أقبل يد الوزير بدر الدين القمي ولا أوفيه حق العظيم لأمور كان ~~PageV27P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" ينقمها عليه ، ففعلت ذلك امتثالا لما أمر . ~~فلما مضت أيام فإذا بحراقة في بعض العشيات وصلت إلى منزلي بحافة دجلة ، ~~ودخل على سعد الدين الحاجب ، وقال : استعد لخدمة أمير المؤمنين . فركبت ~~الحراقة وركبها سعد الدين معي ، فتكلم الملاح بكلمات غريبة لم أفهمها ؛ ~~فقفز سعد الدين من الحراقة إلى أخرى بجنبها وتركني منفردا فيها ، فسألته عن ~~ذلك ، فقال : ما كنت أعرف أن تلك من المراكب الخاصة ، وقد سيروها لك تشريفا ~~، فقمت وخدمته وشكرت ودعوت ، وسقنا إلى أن وصلنا إلى باب كبير ، فدخلت ~~وتأخر سعد الدين ولم يتغير من هناك . فقلت : لم لا تدخل ؟ فقال : وما منا ~~إلا له مقام معلوم ، ليس لي أن أتعدى هذا المقام . وكان خلف الباب خادم ، ~~فأوصلني إلى باب آخر وطرق الباب ، ففتح فدخلت وإذا بخادم شيخ جالس على دكة ~~وبين يديه مصحف وشمعة ، فأجلسني ورحب بي إلى أن جاء خادم آخر أبيض حسن ~~الصورة فصافحني ولاطفني بالعجمي وأخذ بيدي وأوصاني بتعظيم المواقف الشريفة ~~، وحسن الأدب وتقبيل الأرض حيث يشير إلي . فذكر ما اتفق له إلى أن انتهى ~~إلي الستر والوزير قائم فأمر بالوقوف بالقرب من الوزير ms6324 ، ثم قال له أمير ~~المؤمنين : كيف الجناب العالي الشاهنشاهي - وهكذا كان يخاطب في الكتب - ثم ~~وعده بمواعيد جميلة في حق السلطان ، وأنه يقدمه على سائر ملوك زمانه ، وخلع ~~عليه وأعيد ؛ وأصحب بالأمير فلك الدين ابن سنقر الطويل وسعد الدين بن ~~الحاجب ، ومعهما خلعة للسلطنة ؛ فوصلوا إلى خلاط في فصل الشتاء ، والسلطان ~~يحاصرها . قال : وكان الذي استصحبوه من الأنعام والخلع خلعتين للسلطان ~~إحداهما حبة وعمامة وسيف هندي مرصع النجاد والثانية قباء وكمة فرجية وسيف ~~قلاجوري محلى بالذهب معرقه الحياصة بالدنانير ، وقلادة مرصعة يمنية ، ~~وفرسان بالساحات والسرفسارات والطوق أثقل ما يكون وأبهى ، وثمان تطبيقات ~~طبقت حوافرها عند التسليم وزن كل تطبيقة منها مائة دينار ، وترس ذهب مرصع ~~بنفائس الجواهر ، وثلاثون فرسا من الخيل العربية مجللة بالأطلس الرومي ~~مبطنة الجلال بالأطلس البغدادي وعلى رأس كل جنيب مقود من الحرير وقد ضرب ~~عليه ستون دينارا خليفتية ؛ وثلاثون أو عشرون مملوكا بالعدة والمركوب ، ~~وعشرة فهود بجلال الأطلس وقلائد الذهب ، وعشرة صقور مكللة الكمام بصغار ~~الحب ، ومائة وخمسون بقجة في كل واحدة عشرة ثياب وخمسة أكر من العنبر ~~الأشهب مضلعة بالذهب ، وشجرة عود طولها خمسة أذرع PageV27P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" أو ستة تحمل بين يدي رجلين ، وأربع عشرة خلعة ~~برسم الخانات كلها بالخيل والساجات والكرفسارات والطوق وحوائص الذهب ~~والكنابيش ؛ وثلثمائة خلعة برسم الأمراء ، كل خلعة قباء وكمة فحسب . وكانت ~~خلعة شرف الملك الوزير عمامة سوداء وقبساء وفرجية وسيفا هنديا وأكرتين من ~~العنبر وخمسين ثوبا وبغلة . وعشرون خلعة برسم أصحاب الديوان كل خلعة منها ~~جبة وعمامة . قال المنشى : وخصصت من سائر أرباب الديوان ببغلة شهباء جيدة ~~وعشرين ثوبا أكثرها أطلس رومي وبغدادي . قال : فلبس السلطان الخلع خلعة بعد ~~أخرى في نهار واحد ولبس الناس بعده . ثم خاطب رسولا الخليفة السلطان في ~~الشفاعة في أمر خلاط . وترك الحصار فلم يرد عليهما جواب شفاعتهما . ثم بعث ~~إليهما بعد عودهما إلى منزلهما معاتبا ، وقال : قد بلغتماني عن أمير ~~المؤمنين أنه يريد إعلاء أمري وتعظيم شأني وتحكيمي على ملوك الزمان ثم ~~تشيران ms6325 علي بإزالة الحصار بعد أن آن الفتح ؟ وهذا ينافي ما ذكرتما ، ~~فاعتذار ، وقالا : إنما قلنا ذلك شفقة ، وخشينا أن يطول الحصار ، ولا تتمكن ~~منها فترجع عنها ، فيكون ذلك بوساطتنا أسلم من مطاعن المستعجزين فقبل ~~عذرهما ، واستمر الحصار . وكان أهل خلاط قد كفوا عن الشتم في أيام حضور رسل ~~الخلافة فلما تحققوا أنهم ما شفعوا عادوا إلى عادتهم في السب والشتم . ثم ~~وردت عليه رسل الملوك ، كالملك المسعود صاحب آمد والملك المنصور صاحب ~~ماردين يبذلان الطاعة ، فكتب إليهما بالخطبة له في بلادهما . ومما اتفق له ~~أن امرأة عجوزا أتته وهي من دهاة الأرض تتكلم بثلاث لغات : الفارسية ~~والتركية والأرمينية ، وكان مضمون رسالتها أن ركن الدين العجمي - وهو من ~~ذوي الحظ عند الملك الأشرف - استدعى من السلطان خمسة آلاف دينار يفرقها في ~~الأجناد بخلاط فتجلب أهواءهم وتسلم للسلطان خلاط . فدفع السلطان لها ألف ~~دينار وقال : إذا ثبت صدقك وعدت برسالة ثانية كملت لك المال ، وكانت ~~الرسالة غير صحيحة ، فشاع الخبر في العسكر حتى بلغ عز الدين أيبك فقتل ركن ~~الدين ، ثم ظفر السلطان بالعجوز بعد فتح خلاط . واستعاد الذهب منها وقد ~~صرفت منه ثلثماية دينار ، وأمر بقتلها فقتلت . PageV27P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" ذكر ملكه مدينة خلاط قال : وملك السلطان جلال ~~الدين خلاط في أواخر سنة ست وعشرين وستماية وقيل إنه حاصرها في أوائل سنة ~~ست وعشرين وملكها يوم الأحد لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين قال ~~: ولما طالت مدة الحصار وعدمت الأقوات حتى أكل الناس الكلاب والسنانير ، ~~أدلى الأمير إسماعيل الإيواني بعض أصحابه ليلا من السور ؛ فحضر إلى السلطان ~~وأعلمه أن إسماعيل يلتمس من السلطان أن يعين له أقطاعا بأذربيجان ليسلم ~~المدينة ، فأقطعه السلطان سلماس وعدة ضياع بأذربيجان ، وحلف له على تقريرها ~~بيده ولبس الناس لامة حربهم وأدلى إسماعيل الحبال ليلا ، فطلعت أعلام ~~السلطان مع رجاله ، واستعد الناس للزحف . فلما أصبحوا زحفوا على الثلمة ~~فقاتل من بخلاط من بقايا الأجناد القيمرية قتالا شديدا ، ثم نظروا إلى ~~الأبراج وإذا أكثرها قد مليت ms6326 بالرجال والأعلام السلطانية فزحف عليهم من ~~بالأبراج فولوا منهزمين ، وأسرت الأمراء القيمرية والأسد بن عبد الله ~~وغيرهم ، وتحصن عز الدين أيبك ومجير الدين وتقي الدين ابنا الملك العادل بن ~~أبي بكر ابن أيوب بالقلعة . وأراد السلطان أن يحمي خلاط من النهب فغلبوا ~~على رأيه فيها ، فأباحها ثلاثة أيام ، ومات جماعة كثيرة من أهلها بالعقوبات ~~في طلب الأموال . ثم نزل تقي الدين وناصر الدين القيمري وطلبا الأمان لعز ~~الدين أيبك ، فأمنه ، ونزل إليه هو ومجير الدين ثم قبض السلطان بعد ذلك على ~~عز الدين وحبسه وترددت رسل الملك الأشرف في الصلح فأمر السلطان بقتل عز ~~الدين أيبك في محبسه فقتل . قال : وما ملك السلطان خلاط أمر بعمارة ما ~~هدمته المجانيق منها فعمر وأقطع كورها للخانات والأمراء ، ثم وردت رسل ~~الديوان بالشفاعة في تقي الدين ومجير الدين ، فسلم السلطان تقي الدين خاصة ~~. PageV27P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" ذكر مسيره إلى بلد الروم وانهزامه من عسكري ~~الشام والروم قال : ولما ملك السلطان خلاط سار منها إلى منازجرد ليرتب ~~الحصار ، فوصل إليه ركن الدين جهان شاه بن طغرل صاحب أرزن الروم نائبا ، ~~وأعلم السلطان باتفاق ملوك الشام والروم عليه وقال : إن الرأي أن تبادرهم ~~قبل أن يجتمعوا فصوب السلطان رأيه ، وعرف نصيحته ، فاتفقا على أن يقيما ~~بخرت برت وينظرا حركة العساكر ، فأيهما تحرك أولا ساقا إليه قبل اتصاله ~~بصاحبه . فلما وصل السلطان إلى خرت برت مرض مرضا شديدا يئس منه من الحياة ، ~~وتواترت كتب ركن الدين صاحب أرزن الروم يحرضه على الحركة ، ويعلمه بحركة ~~العسكر ، والسلطان في شغل بنفسه عن قراءتها . فحين خف عنه المرض ركب بعد ~~اجتماعهما ، وكان قد أذن لبعض العساكر الأرانية والأذربيجانية والعراقية ~~والمازدندانية في العود إلى أوطانهم ، ولم يستحضرهم وسار ، وجرد أمامه ~~أوترخان في ألفي فارس برسم اليزك . ثم التقى الجمعان بعد ذلك واقتتلوا ~~قتالا شديدا ، فكانت الهزيمة على أصحاب السلطان ، وأسر ألغ خان وأطلس ملك ~~وعدة من المفاردة ؛ فأمر صاحب الروم بضرب أعناقهم . وأسر ركن الدين صاحب ~~أرزن الروم على ما ms6327 ذكرناه في أخبار السلجقية ملوك الروم . قال : وسار ~~السلطان جلال الدين إلى أن وصل إلى منازجرد ، فوجد وزيره شرف الملك قد ~~ضايقها ونصب عليها عدة من المجانيق وأشرف على فتحها ، فاستصحبه معه إلى ~~خلاط ، فلما وافاها حمل ما أمكنه من الخزائن ، وأحرق البقية لقلة الظهر ~~وضيق الوقت وفارقها إلى أذربيجان . فلما وصل إلى سكماناباذ ، خلف ~~PageV27P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" شرف الملك ومن كان معه من العراقيين هناك ~~برسم اليزك ، وأقام بخوى . وأما أصحاب السلطان الذين كانوا بزكا ، فإن ~~الهزيمة استمرت بهم إلى موقان . قال : ولما بلغ الملك الأشرف أن شرف الملك ~~هو المقيم بسكماناباذ راسله في طلب الصلح ، وقال : إن سلطانك هو سلطان ~~الإسلام والمسلمين وسيدهم ، والحجاب دونهم ودون التتار ؛ وغير خاف علينا ما ~~تم على حوزة الإسلام وبيضة الدين بموت والده ، ونحن نعلم أن ضعفه ضعف ~~الإسلام . وطلب منه أن يرغبه في الألفة وضمن له من علاء الدين كيقباذ ~~والملك الكامل أخيه ، والقيام بما يزيل عارض الوحشة ؛ فركن السلطان إلى ذلك ~~، وترددت الرسائل إلى أن تم الصلح . ذكر وصول مقدمة التتار إلى تخوم ~~أذربيجان ورحيل السلطان من تبريز إلى موقان قال : كان السلطان قد جرد يرغو ~~أحد بهلوانيته ليكشف بالعراق أخبار التتار فلما وصل إلى مرج شروان بين ~~زنجان وأبهر صادق يزك التتار ، وكان معه من أصحابه أربعة عشر نفسا فلم ينج ~~منهم غيره ، فرجع إلى تبريز بالخبر المزعج . فرحل السلطان من تبريز إلى ~~موقان ، إذ كانت عساكره بها متفرقة في مشاتيها ، فأعجلته الحادثة قبل أن ~~ينظر في أمر حرمه فيسيرها إلى قلعة حصينة من حصونه ، فخلفها PageV27P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" بتبريز ، وسار فيمن معه من خواصه متوجها إلى ~~موقان ، حاثا في السير ليجمع بها متفرق عساكره . فوصلها فوجد عساكره متفرقة ~~، منهم من أقام بها ومنهم من توجه ليشتي بشروان ، ومنهم من امتد إلى ~~المكتور . فوجه إليهم البهلوانية بقداح كانت علامات الاستقرار والاستحضار ~~وقد هجم التتار عليهم قبل اجتماعهم وانتقض هذا النظام . ذكر كبسة التتار ~~السلطان وهو بحد شيركبوت قال : لما ms6328 انفصلت البهلوانية لجمع العساكر اشتغل ~~السلطان بالصيد وهو في قل من العدد زهاء ألف فارس من خواصه ، فترك ليلة ~~بقرب شيركبوت ، وهي قلعة مبنية على تل بموقان ، يحيط بها خندق بعيد القعر ، ~~متصل متسع العرض ، ينبع الماء منه فيفيض فيسقي البلد . فبينما هو بتلك ~~المنزلة كبسه التتار ليلا فانهزم وساقوا في أثره . فلما وصل إلى نهر آرس ~~أوهم التتار أن قطع النهر صوب كنجة وعطف إلى أذربيجان ، فأقام بماهان ، وهي ~~فضاء كثيرة الصيد فشتا بها . وكان عز الدين صاحب قلعة شاهق يبعث إلى ~~السلطان ما يحتاج إليه من المأكل وغيره في المراكب . وقد كان قبل ذلك ~~يجاهره بالعداوة ، فرضي عنه السلطان كل الرضى ، وكان عز الدين يعلم بأخبار ~~التتار فلما انقضى الشتاء أخبره أن التتار قد ركبوا من أوجان لقصده ، وأنهم ~~تحققوا مكانه ؛ وأشار إليه بالعود إلى أران فرحل صوبها . ذكر القبض على شرف ~~الملك وزير السلطان وقتله قال المنشى : لما نبت الجفلة بالسلطان شرع شرف ~~الملك في تمهيد القواعد لنفسه ، وكاتب الملك الأشرف وغيره من الملوك ، وذكر ~~رجوعه عن السلطان ، ونعت جلال الدين بالمخذول ، وكتب إلى نواب الأطراف في ~~ذلك وذكره في كتبه إليهم بالظالم المخذول ؛ وصدر منه من الأفعال ما يناسب ~~ذلك ، فظفر السلطان بشيء من PageV27P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" هذه الكتب وكتمها ؛ لكنه كان يكتب إلى نواب ~~الأطراف يحذرهم منه ومن امتثال أمره ، ويغص منه في كتبه . وكان شرف الملك ~~قد استقر بقلعة حيزان وعمرها وصادر أصحاب السلطان ، وجاهر بالعداوة ، فلما ~~رجع السلطان من ماهان وقارب حيزان ، راسله في النزول إليها وتغافل عن جميع ~~ما صدر منه ، وأوهمه أنه باق على ما عهده . ونزل شرف الملك إليه فأكرمه بما ~~لم يكن يعامله به قبل ذلك ، فإنه أحضره في مجلس شرابه وشرب معه ، ولم تكن ~~هذه عادتهم مع وزرائهم ، فسر شرف الملك بذلك وظن أنه زاده تقريبا وتعظيما . ~~قال : وسار السلطان حتى قارب قلعة جاريبرد - وهي من مضافات أران - وعزم على ~~أن يحبس شرف الملك بها ، فركب إليها وصعد ms6329 لكشفها ، وصعد شرف الملك معه ، ~~فأمر السلطان واليها سرا - واسمه سملان سلك بك وهو شيخ تركي ظالم شرير - ~~أنه إذا نزل يمنع شرف الملك من النزول ويحبسه بالقلعة ويقيده . وكان يخشى ~~منه أنه يفارقه إلى بعض الجهات فيثير فتنة ، وعزم على حبسه إلى أن تخمد ~~فتنة التتار ، ثم يخرجه ويعيده إلى الوزارة من غير تقرير عشر البلاد ، بل ~~يقرر باسمه في كل شهر ألف دينار أسوة بوزير الخليفة ، ولا يطلق يده في ~~الإطلاقات فحبس شرف الملك بالقلعة ، ونزل إلى متولي القلعة بعد حبسه بأيام ~~وقد جلس السلطان للمظالم ، فكثرت الشكوى في متولي القلعة والسلطان لا يجيب ~~في أمره بشيء تألفا له . فخاف المتولي أن السلطان يعزله ، فاتفق مع شرف ~~الملك . وكان السلطان لما اعتقل شرف الملك ضم مماليكه الذين أمرهم إلى ~~أوترخان وكان كبيرهم ناصر الدين قشتمر ، فدخل يوما على أوترخان بخاتم شرف ~~الملك وقال إن متولي القلعة سيره إليه يقول : إنني قد واطأت صاحبك على ~~إطلاقه ، وأننا نصالح الكرج ، فمن رغب منكم في خدمته فليأت القلعة . فلما ~~سمع السلطان بذلك سقط في يده وفت في عضده . وكان ابن المتولي في جملة ~~بهلوانية السلطان وجماقداريته ، فبعثه إلى أبيه يقبح عليه فعله ويذكره ~~بإحسانه إليه وأنه ليس لجنايته موجب . فرجع الغلام وأخبر السلطان عن أبيه . ~~أنه على الطاعة إن وثق من السلطان أنه لا يعزله . فقال السلطان مصداق هذا ~~القول أنه يبعث إليه برأس شرف الملك . ووجه صحبة ابن المتولي خمسة من ~~السلحدارية . قال : فلما دخلوا عليه وعلم مقصدهم استمهلهم ريثما يتوضأ ~~ويصلي ركعتين . فلما فرغ من صلاته أذن لهم في الدخول . فقالوا له : ماذا ~~تختار : الخنق أم السيف ؟ فاختار السيف فقالوا : إن الملوك لا PageV27P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" تقتل بالسيف ، والخنق أهون عليك ، فقال : ~~شأنكم وما تريدون . فخنقوه وخرجوا من عنده حتى يبرد ثم يدخلوا عليه فيقطعوا ~~رأسه . فلما دخلوا عليه وجدوه قد أفاق وجلس ، فضربوا عنقه . هذا ما نقله ~~شهاب الدين المنشى في سبب قتله . وقال غيره من المؤرخين : إن ms6330 سبب خلاف شرف ~~الملك على السلطان وانضمام الناس إليه أن جلال الدين ظهر منه في هذه السنة ~~- وهي سنة ثمان وعشرين وستمائة - نقائص وأمور دلت على نقص عقله ، وأوجبت ~~انحراف وزيره وعساكره عنه . فمنها أنه كان له خادم خصى يسمى قلج ، وكان ~~جلال الدين يحبه ، فمات فأظهر عليه من الهلع والجزع ما لم يسمع بمثله ، ولا ~~نقل عن مجنون ليلى ولا غيره من جهال العرب ، الذين ضرب بهم المثل ، وأمر ~~الجند والأمراء أن يمشوا في جنازته رجاله . وكان موته بموضع بينه وبين ~~تبريز عدة فراسخ فمشى الناس كما أمرهم ، ومشى هو بعض الطريق راجلا ، فألزمه ~~وزيره وأمراؤه بالركوب ، وأرسل إلى أهل تبريز أن يتلقوا الجنازة فتلقوها ، ~~فأنكر عليهم لتأخرهم وكونهم ما تقدموا الموضع الذي لقوها فيه ، وكونهم لم ~~يظهروا من الحزن والبكاء أكثر مما أظهروا ، وقصد معاقبتهم على ذلك ، فشفع ~~فيهم الأمراء فتركهم ولم يدفن الخادم ، وكان يستصحبه معه أين سار وهو يلطم ~~ويبكي ، وامتنع من الأكل والشرب . وكان إذا اقدم له طعام يقول : احملوا من ~~هذا إلى قلج ، فيحملونه ويعودون فيقولون : هو يقبل الأرض ويقول : إنني الآن ~~أصلح مما كنت ، ولا يتجاسر أحد يقول : إنه مات ، فإنه قيل له مرة إنه مات ~~فقتل القائل . فحصل لأمرائه من الغيظ والأنفة ما حملهم على الخروج عن طاعته ~~والانحياز عنه والانضمام إلى وزيره ؛ فكان ذلك سبب خروجه . ذكر رحيل ~~السلطان صوب كنجة وتملكها ثانيا قال : كان أوباش كنجة قد قتلوا من بها من ~~الخوارزمية وتجاهروا بالفساد ، وملك زمام أمرهم رجل يعرف ببندار وأطاعه ~~الأوباش فبسط يده في المصادرات ، PageV27P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" واقتصرت أذيته على من لم يدخل معه في العتو . ~~فوجه السلطان إليه يدعوه إلى الطاعة ، ويحذره ويحذرهما من المخالفة ، فلم ~~يجيبوا إلى ذلك . فسار السلطان إليها ، ونزل ببعض بساتينها ، وترددت ~~الرسائل في بذل الأمان والوعد بالعفو ، فلم يجيبوا إلى ذلك ، وخرجوا للحرب ~~، ورموا خيمة السلطان بالسهام ووصلوا إلى حائط البستان . فركب فيمن حضر من ~~خواصه ، وأوقع بهم ، وسار حتى دخل المدينة ms6331 . وأقام بكنجة سبعة عشر يوما ~~ينتظر ما يسوغه التدبير ، ثم أجمع على الاستنجاد بالملك الأشرف موسى على ~~التتار ، وكان جماعة من الجبناء يسيرون عليه بذلك وهو يخالفهم باطنا ~~ويوافقهم ظاهرا . فسار إلى خلاط من طريق كيلكون ، والغارات تنقلب بلاد ~~الكرج بطنا لظهر ، والسلطان يتابع رسله إلى الملك الأشرف يستنجد به . ولما ~~بلغ الملك الأشرف توجه الرسل إليه يستمدونه ، توجه إلى مصر واجتمع رسل ~~السلطان بدمشق ، والكتب ترد عليهم من الملك الأشرف بأننا واصلون من مصر ~~لإنجاد السلطان . مواعيد كما لاح سراب المهمه القفر . . . فمن يوم إلى يوم ~~ومن شهر إلى شهر ثم وردت عليه كتب رسله يؤيسونه من إنجاد الملك الأشرف ، ~~فبعث إلى الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل أبي بكر يستصرخه ~~بنفسه ، ومن عنده ومن حوله من الملوك ، مثل صاحب آمد وماردين . فأجاب الملك ~~المظفر أنه غير مستقل بالأمر وإنما هو ينوب عن إخوته . وأما صاحب آمد ~~وماردين فلم يسمعا الرسالة . ذكر نزول السلطان بلد آمد وكبس التتار له وما ~~كان من أمره قال : لما آيس السلطان جلال الدين من إنجاد الملوك أحضر أمراءه ~~واتفقوا على أن يتركوا أثقالهم بديار بكر ، ويتجردوا خفافا بمن يعز عليهم ~~من نسائهم وأولادهم إلى أصفهان . فورد علم الدين سنجر - المعروف بقصب السكر ~~- رسول الملك المسعود صاحب آمد رسالة تشتمل على الطاعة والخدمة ، ويزين ~~للسلطان قصد الروم ، وأطمعه في الاستيلاء عليها وعدم من ينازعه ، ووعد ~~السلطان أن يخرج بنفسه PageV27P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" وأربعة آلاف فارس ولا يفارق خدمته . وكان سبب ~~ذلك أن صاحب الروم قد أوغر صدر الملك المسعود صاحب آمد ، واستولى على عدة ~~من قلاعه . فمال السلطان إلى كلامه ، وعدل عما كان قد عزم عليه من المسير ~~إلى أصفهان ، وعطف صوب بلد آمد ، ونزل الجسر بقربها . قال : وشرب تلك ~~الليلة حتى سكر ، فأتاه وهنا من الليل شخص تركماني وقال : إنني في منزلتك ~~التي كنت بها أمس عسكرا قد نزلها غير ذي عسكرك بخيل أكثرها شهب فكذبوه ، ~~وقالوا : هذه حيلة . فلما كان ms6332 قبيل الفجر ، أحاط التتار به وبمن معه ، ~~فكانوا كما قيل : فمساهم وبسطهم حرير . . . وصبحهم وبسطهم تراب ومن في كفه ~~منهم قناة . . . كمن في كفه منهم خضاب قال : وأحاط التتار بخركاة السلطان ~~وهو نائم في سكره ، وإذا بأورخان قد وصل بأصحابه ، وحمل على التتار حتى ~~كشفهم عن الخركاة ، ودخل بعض الخواص فأخذ بيد السلطان وأخرجه من الخركاة ~~وعليه طاقية بيضاء . فركب فرسه ولم يذكر في ذلك الوقت إلا الملكة ابنة ~~الأتابك سعد ، فجهز في خدمتها من يسوق بها إلى حيث ترميهم الجفلة ، وساق ~~وأطلاب التتار تتبعه مجدة في السير خلفه فلما رأى ذلك ، أمر أورخان أن ~~يفارقه بمن معه من العسكر ليتبع التتار سواده ، ويخلص هو بمفرده ، ففعل ذلك ~~. قال المنشى : ولقد أخطأ ، فإن أورخان لما فارقه انضوى إليه خلق كثير ، ~~ووصل إلى أربل ومعه أربعة آلاف فارس ، وساق إلى أصفهان وملكها زمنا إلى أن ~~قصدها التتار . وأما السلطان فساق بعد فراقه لأورخان إلى أن وصل إلى باشورة ~~آمد ، فرموه بالحجارة ومنعوه الدخول ، فتياسر عنها ، وانضم إليه تقدمير ~~مائة فارس ، فرمته الجفلة بهم إلى حدود جزيرة ، وبها الدربندات المنيعة ، ~~فمنعوه من العبور ، فأشار عليه أوترخان بالعود ، وقال : إن أسلم الطرق ~~اليوم طريق سلكه التتار ، فرجع ووصل إلى قرية من قرى ميافارقين ونزل ~~ببيدرها وسيب الخيل لتستوفي شبعها ، ثم ركب أوترخان وفارقه في ذلك الوقت ~~جبنا منه وخورا ، ووثوقا بما كان بينه وبين الملك المظفر شهاب الدين غازي ~~من المكاتبات ، وأقام السلطان بالبيدر طول ليلته ، فلما أصبح طلع عليه ~~طائفة من التتار فركب وعوجل أكثر من معه عن الركوب فقتل بعضهم وأسر بعضهم . ~~والله أعلم . PageV27P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" ذكر مقتل السلطان جلال الدين وانقراض الدولة ~~الخوارزمية كان مقتله رحمه الله في النصف من شوال سنة ثمان وعشرين وستمائة ~~وذلك أنه لما كبسه التتار بالبيدر وركب ، أخبرهم من أسر من رفاقه أن الذي ~~انهزم هو السلطان ، فجدوا في طلبه وساق خلفه منهم خمسة عشر فارسا ، فلحقه ~~منهم فارسان فقتلهما ، ويئس الباقون من الظفر ms6333 به فرجعوا ، ثم صعد جلال ~~الدين إلى جبل . وكان الأكراد يحفظون الطرق لما يتخطفونه فأخذوه وسلبوه على ~~عادتهم بمن يظفرون به ، وأرادوا قتله فقال لكبيرهم سرا : إنني أنا السلطان ~~فلا تعجل بقتلي ، ولك الخيار في أن تحضرني عند الملك المظفر شهاب الدين ~~فيغنيك أو إيصالي إلى بعض بلادي فتصير ملكا فرغب الرجل في إيصاله إلى بلده ~~، ومشى به إلى عشيرته ، وتركه عند امرأته ومضى بنفسه إلى الخيل لإحضار ما ~~يحمله عليه . فلما نوجه الكردي جاء شخص من سفلة الأكراد وأراذلها وبيده ~~حربة ، فقال للمرأة : ما هذا الخوارزمي ؟ ولم لا تقتلونه ؟ فقالت : قد آمنه ~~زوجي وهو السلطان فقال الكردي : كيف تصدقون أنه السلطان وقد قتل لي بخلاط ~~أخ خير منه وضربه بالحربة ضربة فمات منها . فكانت مدة ملكه منذ وفاة أبيه ~~اثنتي عشرة سنة تقريبا قال : وكان أسمر قصيرا ، تركي العبارة . وكان يتكلم ~~بالفارسية ، وكان حليما عفيف اللسان لا يكاد يضحك إلا تبسما ، وكان يحب ~~العدل . قال المنشى : وكان PageV27P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" يكتب إلى الخليفة في مبدأ خروجه من الهند ~~والوحشة قائمة ، حذوا على منوال أبيه خادمه المطواع منكوبرتي ابن السلطان ~~سنجر . ولما أتته الخلع الخليفتية بالسلطنة كتب إليه عبده والخطاب : سيدنا ~~ومولانا الخليفة أمير المؤمنين وإمام المسلمين ، خليفة رسول رب العالمين ، ~~إمام المشارق والمغارب المنيف على الذروة العلياء من لؤي بن غالب . وكان ~~يكتب إلى علاء الدين كيقباذ وملوك مصر والشام أجمع اسمه واسم أبيه منعوتا ~~بالسلطان ، ولا يزيدهم على ذلك . وكانت علامته على تواقيعه النصرة من الله ~~وحده ، وكان يكاتب بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وأشباهه بهذه العلامة وخوطب ~~من الخليفة في مبدأ طلوعه من الهند : الجناب الرفيع الخاقاني ولم يزل يقترح ~~عليهم أن يخاطب بالسلطان ، فلم تحصل الإجابة لذلك إذ لم تجر به عادة ، فلما ~~كثر إلحاحه بالجناب العالي الشاهنشاهي . وانقرضت الدولة الخوارزمية بقتل ~~السلطان جلال الدين ، وكانت مدة قيام هذه الدولة منذ ولي خوارزم شاه محمد ~~بن أنوشتكين خوارزم من قبل أمير داذ حبشي متولي خراسان في ms6334 شهر رجب سنة ~~تسعين وأربعماية ، وإلى أن قتل السلطان جلال الدين هذا ، مائة سنة وثمان ~~وثلاثين سنة وثلاثة أشهر أياما . وعدة من ولي منهم سبعة وهم خوارزم شاه ~~محمد بن أنوشتكين ، ثم ابنه اتسز بن محمد ، ثم ابنه ايل أرسلان بن اتسز ، ~~ثم ابنه سلطان شاه محمود بن ايل أرسلان ، - ولم تطل PageV27P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" أيامه - ، ثم أخوه علاء الدين تكش ، ثم ابنه ~~علاء الدين محمد بن تكش ، ثم ابنه جلال الدين منكوبرتي . ذكر أخبار الدولة ~~الجنكزخانية وابتداء أمرها وما تفرع عنها والدولة الجنكزخانية هي دولة ~~التتار وقيل فيهم التاتار ، وهذه النسبة إلى جنكزخان التمرجي . ونحن نذكر ~~ملخص أخباره وابتداء ظهوره وما كان من أمره إلى أن ملك البلاد ، ونشرح من ~~ذلك ما لخصناه مما طالعناه ونورد ما تلقفناه من أفواه الرجال وسمعناه . ~~ولما اتسعت ممالك هذه الدولة وبعدت ، وكانت بين المؤرخين الضالة التي ما ~~نشدت ، تعذر علينا أن نتحقق أحوالها ، ونجوس خلالها ونستوعب أخبارها ، ~~ونستقصي آثارها . ولم يمكن أن نخل بها وقد اشتهرت ، ونطوي أخبارها وقد ~~انتشرت ، فأوردنا من أخبار ملوكها طرفا على غير مساق ، ونبذة على غير اتساق ~~، مما أورده المنشى في تاريخه الجلالي ، وعز الدين بن الأثير الجزري في ~~تاريخه الكامل . وأما غيرهما ممن لعله أرخ لهم فلم يصل ما أرخه إلينا ، ولا ~~ورد ما دونه من أخبارهم علينا ، فنقلنا ما نورده مما لم يتضمن تاريخيهما ، ~~وما بعدهما مما نقل إلينا عن رسلهم الذين وردوا إلى أبواب ملوكنا من جهتهم ~~، ومن غيرهم ممن ورد من تلك البلاد على ما سنقف عليه إن شاء الله . ولنبدأ ~~بذكر أخبار جنكزخان . PageV27P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" ذكر أخبار جنكزخان التمرجي وابتداء أمره وسبب ~~ظهور ملكه وجنكزخان التمرجي هو أصل هذه الدولة ، والقائم بأمرها ، والناشر ~~لذكرها . وإليه يرجع ساير ملوكها الذين استولوا على أقاصي البلاد وأدانيها ~~، ورقاب العباد ونواصيها من الصين إلى الفرات وما دانا ذلك وتخلله وجاوره ~~من الممالك والمدن والحصون والقلاع والأقطار . وقد اختلف في نسبة جنكزخان ~~إلى التمرجي فقال قوم ms6335 إنه كان حدادا والتمرجي بلغتهم هو الحداد ، وقال قوم ~~بل هي نسبة إلى قبيلة تعرف بالتمرجي ، وأنهم سكان البراري ببلاد الصين وجين ~~الصين . وتسمى هذه البلاد بلغتهم جين وماجين بين الجيم والشين . ومسيرة ~~أقطارها ستة أشهر ، وبها جبال منيعة تحيط بها كالسور ، بها الأنهار العذبة ~~المتسعة ، وقيل إنه يحوي ملك الصين سور واحد لا ينقطع إلا عند الجبال ~~المنيعة والأنهار الوسيعة وكان ملك الصين ينقسم قديما إلى ستة أجزاء كل جزء ~~منها مسيرة شهر يتولى أمره خان ، والخان بلغتهم الملك ، يحكم ذلك الخان على ~~القوم القاطنين بذلك السقع ، ومرجع هؤلاء الخانات الستة إلى خان واحد هو ~~ملكهم الأكبر ، ومقامه بطوغاج بوسط أرض الصين ، وله مصايف ومشاتي يصيف في ~~هذه ويشتي في الأخرى . . . . . وأما مبدأ أمر جنكزخان وسبب ملكه فقيل إنه ~~تزهد مدة طويلة وانقطع بالجبال . وكان سبب زهده أنه سأل بعض اليهود فقال له ~~: بم أعطى موسى وعيسى ومحمد هذه المنزلة العظيمة ، وشاع لهم هذا الذكر ، ~~فقال له اليهودي : لأنهم أحبوا الله وانقطعوا إليه فأعطاهم ، فقال جنكزخان ~~: وأنا إذا أحببت الله وانقطعت إليه يعطيني ؟ قال : نعم ، وأزيدك أن في ~~كتبنا أن لكم دولة ستظهر فترك جنكزخان ما كان فيه من عمل الحديد أو غيره ~~وتزهد ، وفارق قومه وعشيرته ، والتحق بالجبال وكان يأكل من المباحات ، فشاع ~~ذكره فكانت الطائفة من قبيلته تأتيه للزيارة فلا يكلمهم ، ويشير إليهم أن ~~يصفقوا بأكفهم ، ويقولوا : يا الله الله يخشى در ، فيفعلون ذلك ويوقعون له ~~وهو يرقص ، فكان هذا دأبه وطريقته مع من يقصده للزيارة ، وهو مع ذلك لا ~~يدين PageV27P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" لديانة ولا يرجع إلى ملة بل مجرد محبة الله ~~بزعمه ، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث فهذه كانت بدايته . وأما سبب ملكه ~~فحكى شهاب الدين محمد المنشى وغيره في سبب ملك جنكزخان أنه كان من جملة ~~الستة خانات الذين يحكمون على مملكة الصين خان يسمى دوشي خان . وكان الخان ~~الكبير الذي مرجع الستة إليه في زمن ظهور جنكزخان التمرجي ملك اسمه الطون ms6336 ~~خان فاتفقت وفاة دوشي خان أحد الخانات الستة ولم يخلف ولدا ، وله زوجة هي ~~عمة جنكزخان التمرجي ، فاختارت أن ترتبه مكان زوجها دوشي خان . وكان الخان ~~الأكبر غائبا عن مدينة طوغاج فلما قصدت ذلك أرسلت إلى اثنين من الخانات ~~الستة يسمى أحدهما كشلوخان والآخر جنكزخان وهما متوليان على ما يتاخم ولاية ~~زوجها دوشي خان ، فأعلمتهما بوفاة زوجها ، وأنه لم يخلف ولدا ، وأنها تقصد ~~ترتيب ابن أخيها مكانه . وسألتهما الإعانة والمساعدة على ذلك . فأجاباها ~~إليه وأشارا أن تقيمه مقام زوجها ، وضمنا لها أمر التون خان الأكبر . ~~فأقامته ولقبته جنكزخان ، وانضم إليه أقوام من عشيرته . فلما عاد التون خان ~~إلى طوغاج حضر الخانات إلى خدمته وجاء كل منهم بما جرت به العادة من ~~التقادم ، وعرض عليه الحجاب الأمور التي اتفقت في غيبته ، وقدموا بين يديه ~~التقادوم إلى أن وصلوا إلى تقدمة جنكزخان التمرجي بحضور الخانين اللذين ~~أشارا على عمته بتقدمته . فعجب التون خان من توليته في غيبته ، وكونه ترشح ~~لما لا يستحقه ، فغضب من ذلك وخرج وأمر أن تقطع أذناب خيله وترد مطرودة . ~~ففعل ذلك وشتمه الحجاب وشتموا صاحبيه كشلوخان وجنكزخان ، وبالغوا في وعيده ~~ووعيدهما . فلما خرجوا من بين يديه نزعوا أيديهم من الطاعة وانفردوا عن ~~الخان الكبير التون خان ، وخالفوه وانضم إليه خلق كثير ، فكثرت جموعهم وأهم ~~التون خان أمرهم ، فكاتبهم يعدهم PageV27P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" ويتهددهم أخرى ، على أن يرجعوا إلى الطاعة ، ~~فأبوا إلا الخلاف . فلما أيس التون خان من رجوعهم إلى الطاعة جمع جموعه ~~وخرج فالتقوا واقتتلوا فكسروه ، وقتلوا من قبائل الترك الذين معه مقتلة ~~عظيمة ، وهرب التون خان بنفسه إلى وراء كنك وأخلى البلاد ، فتمكنوا منها ~~وملكوها ، وضعف أمر التون خان ووهى حتى راسلهم يطلب المهادنة وقنع بالسقع ~~الذي انتهى هربه إليه ، فأجابوه إلى ذلك . واستمر الأمر بين الثلاثة : ~~كشلوخان وجنكزخان الأكبر ، وجنكزخان الأصغر تمرجي ، هذا على المشاركة ، ~~فكانوا كذلك إلى أن مات جنكزخان الأكبر ، وبقي كشلوخان ، وجنكزخان تمرجي ~~مشتركين في الأمر ، وامتدت أيديهما في البلاد ، وسارا إلى بلاساغون ms6337 فملكاها ~~وما يتاخمها ويدانيها من البلاد . فاتفقت وفاة كشلوخان فقام ولده مقامه ، ~~ولقب كشلوخان بلقب أبيه ، فلم ينصفه جنكزخان واستضعف جانبه لحداثة سنه ، ~~ولم يعامله بما كان يعامل به أباه من الاشتراك في الأمر والنهي والتناصف في ~~قسمة الممالك . فجرى بينهما مراسلات ومعاتبات أفضت إلى مفارقة كشلوخان بن ~~كشلوخان إلى قيالق والمالق ، فصالحه صاحبها ممدوخان بن أرسلان واتفقا ~~وتعاضدا . واتفق أن كورخان - خان الخانية ملك الخطا - كان بينه وبين ~~السلطان علاء الدين محمد بن تكش من الحروب ما ذكرناه في أخباره ، وكان ~~السلطان علاء الدين لما هزم كورخان التجا إلى حدود كاشغر فقصده كشلوخان ~~وممدوخان وأرادا أنهما يجلسانه على تخت الملك لينضاف إليهما بسببه قبائل ~~الترك ، فنهضا إليه من قيالق وكبسا عليه وهو بحدود كاشغر وأخذاه وأجلساه ~~على سرير الملك . وكان كشلوخان يقف بين يديه عند الإذن العام موقف الحجاب ، ~~فيشاوره في سائر الأمور ولا يعمل منها إلا بما يختاره ، فكانت واقعتهم هذه ~~شبيهة بواقعة السلطان سنجر شاه السلجقي مع الغز لما أسروه ، قال : واستوليا ~~على خزانته وأمواله وذخائره ، فبلغ السلطان علاء الدين محمد بن تكش ذلك ، ~~فأرسل إلى كشلوخان يطالبه بإرساله إليه ويتهدده إن أخره عنه ، ويقول : إنه ~~كان هادنه على أن يزوجه ابنته طوغاج خاتون ويزفها إليه بما في خزانته من ~~الجواهر النفيسة والأعلاق الثمينة ، على أن يتركه في أخريات بلاده ؛ فما ~~أجاب إلى ذلك ، ودافعه عنه بالملاطفة والممالطة . PageV27P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" وفي أثناء ذلك بلغ جنكزخان تمرجي أن كشلوخان ~~استولى على كاشغر وبلاساغون وأن ملك الخطا قد وقع بين يديه ، فبعث إليه ~~ولده دوشي خان في زهاء عشرين ألف فارس فأوفع بهم دوشي خان ابن جنكزخان ، ~~وغنم ما معهم وذلك في سنة ثنتي عشرة وستمائة وكان السلطان علاء الدين قد ~~عبر النهر لقصد كشلوخان وقتاله ، فبلغه أن دوشي خان بن جنكزخان أوقع به ، ~~وجاءته رسالة دوشي خان مع من يقول له : إنه يقبل الأرض ويعتذر من عبوره إلى ~~البلاد ، ويقول : إنه إنما عبر لطلب كشلوخان وينازله في ms6338 رسالته وقال : إن ~~الغنائم بين يديه إن شاء أن ينعم على من باشر القتال بشيء منها ، وإلا ~~فالأمر إليه وإلا يرسل من يتسلمها ويسوقها إلي عنده ، وذكر له أن أبا ~~جنكزخان أوصاه بسلوك الأدب في خدمة السلطان علاء الدين إن صادفه أو صادف ~~بعض عساكره . فلم يصغ علاء الدين إلى كلامه وقال : إن كان جنكزخان أمرك أن ~~تقاتلني فالله أمرني بقتالك . وتقدم إليه والتقيا ، فكسر دوشي خان ميسرة ~~السلطان علاء الدين ومزقها ، وكادت تكون الهزيمة حتى عطفت الميمنة على ~~ميسرة دوشي خان ثم حجز بينهما الليل فأججوا نيرانا كثيرة . وركبوا وساقوا ~~في تلك الليلة مسيرة يومين ، وتمكن الرعب في قلب السلطان محمد وعاد إلى ~~سمرقند . ثم راسل جنكزخان السلطان علاء الدين خوارزم شاه وهاداه ، وطلب منه ~~أن يفسح للتجار أن تتواصل من بلادهما واتفقا على ذلك على ما قدمناه في ~~أخبار خوارزم شاه . ذكر خروج التتار إلى البلاد الاسلامية كان سبب ذلك أن ~~جنكزخان لما راسل السلطان محمد وهاداه ، وانتظم بينهما الصلح ، وفسحا ~~للتجار في الوصول إلى بلاد الإسلام وبلاد الصين ، فلم يزل الأمر على ذلك ~~إلى أن وصل إلى أترار - وهي من ممالك السلطان علاء الدين محمد - عدة من ~~تجارة جنكزخان . وكان بها ينال خان ينوب عن السلطان ، فقتلهم وأخذ ~~PageV27P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" أموالهم . فاتصل ذلك بجنكزخان ، فراسل ~~السلطان يلومه على ذلك ، ويقول : إنك كتبت خطك وأمانك للتجار ، وقد غدرت ~~ونكثت ، فإن زعمت أن الذي ارتكبه ينال خان كان عن غير أمرك فسلمه إلي ~~لأجازيه على فعله ، وإلا فأذن بالحرب . فقتل رسله كما قدمنا ذلك في أخبار ~~خوارزم شاه ، فعند ذلك تجهز جنكزخان لقصد البلاد الإسلامية . وكان من سوء ~~تدبير علاء الدين خوارزم شاه وتفرقة عساكره في كل مدينة من مدن ما وراء ~~النهر ما ذكرناه ، فتجهز جنكزخان بجموع التتار ، ولما شارف البلاد ~~الإسلامية تياسر صوب أترار واستولى عليها بعد قتال شديد ، وأحضر ينال خان ~~بين يديه وأمر بسبك الفضة وقلبها في أذنيه وعينيه ، فمات . ذكر استيلاء ~~جنكزخان على ms6339 بخارى قال : ولما استولى جنكزخان على أترار وقتل النائب بها ، ~~ورتب الحيلة التي أوقع بها بين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وبين أمه ~~وأخواله على ما قدمناه في أخبار الدولة الخوارزمية ، تقدم إلى بخارا ، وقصد ~~بذلك أن يقطع بين السلطان وبين عساكره المتفرقة ، حتى أنه لو اراد جمعهم ~~لعجز عن ذلك فلما انتهى إليها حاصرها ، وقدم بين يديه رجال أترار ، وداوم ~~الحصار والقتال ليلا ونهارا وكان بها الأمير اختيار الدين كشلي أمير آخور ~~وأغلى حاجب الملقب بإينانج خان في ثلاثين ألف فارس ، فلما رأوا أنها قد ~~أشرفت على الأخذ تخاذلوا ، وأجمعوا على الهزيمة ، فخرجوا وحملوا على التتار ~~حملة رجل واحد ، فأفرجوا لهم وانهزموا أمامهم حتى كادت الهزيمة تكون على ~~جنكزخان ، وظن أنهم يعودون للقتال . فلما علم جنكزخان أن مقصدهم الهرب أرسل ~~في آثارهم من أكابر التتار من يتبعهم ويتخطفهم إلى أن وصلوا إلى حافة نهر ~~جيحون ، فلم ينج منهم إلا إينانج خان في شرذمة يسيرة ، وشمل القتل معظم ذلك ~~الجيش وغنم التتار ما معهم . PageV27P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" قال : ولما فارق العسكر الخوارزمي بخارا طلب ~~أهلها الأمان فآمنهم وكان قد بقي من العسكر طائفة لم يمكنهم الهرب مع ~~أصحابهم فاعتصموا بالقلعة ، وفتحت أبواب المدينة بالأمان ، وذلك في يوم ~~الثلاثاء رابع ذي الحجة سنة ست عشرة وستمائة . فدخل التتار بخارا ولم ~~يتعرضوا إلى أحد بل قالوا لهم : أخرجوا إلينا جميع ما هو متعلق بالسلطان من ~~الذخائر وغيرها ، وساعدونا على قتال من بالقلعة ، وأظهروا لهم العدل وحسن ~~السيرة . ودخل جنكزخان بنفسه وأحاط بالقلعة ونادى في البلدان أن لا يتخلف ~~أحد ومن تخلف قتل . فحضروا بأجمعهم وأمرهم بطم الخندق فطموه بالأخشاب ~~والتراب وغير ذلك ، حتى كان التتار يأخذون المنابر وربعات القرآن فيلقونها ~~في الخندق ثم تابعوا الزحف على القلعة وبها أربعماية فارس من المسلمين ، ~~فبذلوا جهدهم ومانعوا اثني عشر يوما يقاتلون جميع الكفار وأهل البلد ، فما ~~زالوا كذلك إلى أن وصل النقابون إلى القلعة . واشتد الأمر ورمى المسلمون ~~بجميع ما عندهم من حجارة وسهام ms6340 ونار ثم قاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم ، وملك ~~جنكزخان القلعة ، فلما فرغ من أمر القلعة أمر بجمع رؤساء البلد ، فجمعوا ~~وعرضوا عليه فقال لهم : أريد منكم النقرة التي باعدم خوارزم شاه فإنها لي ~~وأخذت من أصحابي فأحضر كل من كان عنده شيء منها ما عنده ، ثم أمرهم بالخروج ~~من البلد مجردين فخرجوا ليس مع أحد منهم غير ثيابه التي عليه ونهب التتار ~~البلد وقتلوا من تخلف فيه . وأحاطوا بالمسلمين فأمر أصحابه أن يقتسموهم ~~ففعلوا ذلك وأصبحت بخارى خاوية ؛ على عروشها ، وارتكب التتار من الفساد ~~العظيم والناس ينظرون إليهم ولا PageV27P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" يستطيعون ردهم . فمنهم من لم يرض بذلك واختار ~~الموت وقاتل حتى قتل ، ومنهم من استسلم وأسر . وألقوا النار في البلد ~~والمدارس والمساجد وعذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب الأموال ثم ساروا إلى ~~سمرقند . ذكر استيلائه على سمرقند قال : ولما فرغ جنكزخان من أمر بخارا سار ~~إلى سمرقند وقد تحقق عجز السلطان علاء الدين عن قتاله ، وهو بمكانه بين ~~ترمذ وبلخ ، وأمر جنكزخان أن يتوجه من سلم من أهل بخارا فخرجوا مشاة على ~~أقبح حال ، فمن أعياه التعب وعجز عن المشي قتل . فلما قاربوا سمرقند ، ~~ورموا الخيالة ، وتركوا الأثقال والأسارى والرجالة وراهم ، وتقدموا شيئا ~~فشيئا ليكون ذلك أرعب لقلوب المسلمين ، فاستعظم أهل البلد سوادهم فلما كان ~~في اليوم الثاني وصلت الأسارى والرجال والأثقال ومع كل عشرة من الأسارى علم ~~، فظنه أهل البلد أن الجميع مقاتلة وأحاطوا بالبلد ، وكان طغانخان خال ~~السلطان وأمراء الغور في أربعين ألف فارس وقيل في خمسين ألف فارس ، وعامة ~~البلد لا يحصون كثرة ، فخرج إليهم شجعان أهله وأهل الجلاد رجال ، ولم يخرج ~~معهم أحد من العسكر الخوارزمي لما في قلوبهم من الجزع فقاتلهم الرجالة ~~بظاهر البلد فلم يزل التتار يتأخرون وأهل البلد يتتبعونهم ويطمعون ، فيهم ، ~~حتى بعدوا عن البلد ، وكان التتار قد كمنوا كمينا ، فلما جاوزه المسلمون ~~خرج الكمين من ورائهم وحال بينهم وبين البلد وعطف عليهم التتار فصاروا في ~~وسط القوم وآخرهم السيف ، قتلوا ms6341 عن آخرهم ، وكانوا سبعين ألفا . فضعفت نفوس ~~الجند ومن بقي من العامة وأيقنوا بالهلاك ؛ فقال الجند - وكانوا أتراكا - ~~نحن من جنس هؤلاء ولا يقتلوننا ، فطلبوا الأمان فأجابوهم له ، ففتحوا أبواب ~~البلد وخرج الجند إليهم بأهاليهم وأموالهم فقال لهم التتار : إدفعوا إلينا ~~سلاحكم وأموالكم ودوابكم ونحن نسيركم إلى مأمنكم . ففعلوا ذلك ثم وضعوا ~~فيهم السيف وقتلوهم عن آخرهم وأخذوا نساءهم فلما كان في اليوم الرابع نودي ~~في البلد أن يخرج أهله بأجمعهم ومن تأخر قتل ، فخرج جميع من به من الرجال ~~والنساء والصبيان ، ففعلوا مع أهل سمرقند كفعلهم مع أهل بخارا من النهب ~~والقتل والسبي والفساد ، ونهبوا ما في البلد ، ثم أحرقوا الجامع وتركوا ~~البلد على حاله ، وذلك في المحرم سنة سبع عشرة وستمائة . هذا وخوارزم شاه ~~مقيم PageV27P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" بمنزلته كلما اجتمع إليه عسكر سيره إلى ~~سمرقند فيرجعون ولا يقدمون عليهم . نعوذ بالله من الخذلان . قال : ولما ملك ~~جنكزخان بخارى وسمرقند فرق عساكره للاستيلاء على الممالك ، فجهز طائفة خلف ~~خوارزم شاه وهي المغربة ، وطائفة إلى خراسان وطائفة إلى خوارزم وطائفة إلى ~~بلاد فرغانة وطائفة إلى ترمذ وطائفة إلى كلاية ، فاستولت كل طائفة على ما ~~توجهت إليه وفعلت من القتل والنهب والأسر والسبي والتخريب وأنواع الفساد ما ~~فعله أصحابهم . فأول طائفة جهزها من أصحابه الطائفة المغربة وفعلت ما نذكره ~~. ذكر ما فعلته طائفة المغربة من التتار قال ابن الأثير : لما ملك جنكزخان ~~سمرقند جهز خمسة وعشرين ألف فارس من أصحابه في طلب خوارزم شاه حيث كان . ~~وهذه الطائفة تسميها التتار المغربة لأنها سارت نحو غرب خراسان ليقع الفرق ~~بينهم وبين غيرهم لأنهم الذين أوغلوا في البلاد وكان المقدم على هذه ~~الطائفة سبطى بهادر ويمنويه فساروا وقصدوا موضعا يسمى فنج اب ومعناه خمس ~~مياه ، فلم يجدوا سفينة ، فعملوا من الخشب مثل الأحواض الكبار وألبسوها ~~جلود البقر ووضعوا فيها أسلحتهم وأمتعتهم . وألقوا الخيل في الماء وأمسكوا ~~أذنابها وشدوا تلك الحياض إليهم ، فكان الفرس يجذب الرجل والرجل يجذب الحوض ~~، فعبروا كلهم دفعة واحدة ms6342 فلم يشعر خوارزم شاه إلا وقد صاروا معه في أرض ~~واحدة . وكان المسلمون قد ملئوا منهم رعبا وخوفا وحصل بينهم اختلاف ، فكان ~~ثباتهم بسبب أن نهر جيحون فاصل بينهم وبين التتار . فلما عبروه كان من أمر ~~السلطان علاء الدين وانهزامه ووفاته ما قدمناه في أخباره . ذكر استيلائهم ~~على مازندران ووصولهم إلى الري وهمذان قال ابن الأثير : لما أيس التتار ~~المغربة من إدراك خوارزم شاه قصدوا بلاد PageV27P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" مازندران فملكوها في أسرع وقت مع حصانتها ~~وصعوبة الدخول إليها وامتناع قلاعها ، فقتلوا وسبوا ونهبوا وأحرقوا البلاد ~~وألحقوها بغيرها ثم سلكوا نحو الري ، ووصلوا إليه في سنة سبع عشرة وستماية ~~أيضا . وكان مسيرهم إلى الري في طلب خوارزم شاه ، لأنهم بلغهم أنه توجه نحو ~~الري ، فجدوا السير في أثره وانضاف إليهم كثير من العساكر المسلمين ~~والكفارة والمفسدين ، فوصلوا الري على حين غفلة من أهلها فملكوها ، ونهبوا ~~وسبوا الحريم ، وأسرفوا في القتل ومضوا مسرعين في طلب خوارزم شاه ، ونهبوا ~~في طريقهم كل مدينة وقرية مروا عليها ، ووضعوا السيف في الرجال والنساء ~~والأطفال ، ولم يبقوا على شيء . وانتهوا إلى همذان ، فلما قاربوها خرج ~~رئيسها إليهم ومعه الجمل من الأموال والأقمشة والخيل وغير ذلك ، وطلب ~~الأمان لأهل البلد ، فأمنوهم ثم فارقوها . وساروا إلى زنجان ففعلوا أضعاف ~~ما فعلوه بالري ، ووصلوا إلى قزوين فاعتصم أهلها منهم بمدينتهم فقاتلوهم ~~وجدوا في قتالهم ودخلوها عنوة بالسيف واقتتلوا هم وأهل البلد في باطنه حتى ~~صاروا يقتتلون بالسكاكين وقتل من الفريقين ما لا يحصى ، فزادت القتلى من ~~أهل قزوين على أربعين ألف قتيل ثم فارقوا قزوين . ذكر مسيرهم إلى أذربيجان ~~وقتالهم مع الكرج قال : لما هجم الشتاء على التتار بهمذان وبلد الجبل ~~وترادفت الثلوج ساروا إلى أذربيجان ، وعاثوا في طريقهم ونهبوا وخربوا ما ~~مروا عليه من المدن الصغار والقرى على عادتهم ، ووصلوا إلى تبريز وبها أزبك ~~بن البهلوان صاحب أذربيجان ، فلم يخرج إليهم ولا قاتلهم لاشتغاله باللهو ~~والشرب ، وصالحهم على مال وثياب ودواب ، وحمل ذلك إليهم ، فتوجهوا من عنده ms6343 ~~يريدون ساحل البحر لقلة رده وكثرة مراعيه . فوصلوا إلى موقان وتطرقوا في ~~مسيرهم إلى بلاد الكرج فجاء إليهم من الكرج نحو عشرة آلاف ، فالتقوا ~~واقتتلوا فانهزمت الكرج ، وقتل أكثرهم وأرسل الكرج إلى أزبك صاحب أذربيجان ~~يطلبون منه الصلح ، والاتفاق على دفع التتار ، فاتفقا على أنه إذا انحسر ~~الشتا لقوهم . وراسلوا الملك الأشرف بن العادل صاحب خلاط وديار الجزيرة في ~~ذلك ، وظنوا جميعهم أن التتار لا يتحركون إلى انقضاء فصل الشتاء ، فما ~~PageV27P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" صبروا التتار وتحركوا وتوجهوا نحو بلاد الكرج ~~، وانضاف إليهم إلى التتار مملوك تركي من مماليك أزبك اسمه أقوش ، وجمع أهل ~~بلد الجبل والصحراء من التركمان والأكراد وغيرهم ، فاجتمع إليه جماعة منهم ~~، فمال التتار إليه للجنسية فسار في مقدمتهم إلى الكرج فملكوا حصنا من ~~حصونهم وخربوه ونهبوا البلاد وقتلوا ووصلوا إلى قرب تفليس ، فاجتمعت الكرج ~~، قلقيهم أقوش بمن معه فاقتتلوا قتالا شديدا ، ثم أدركهم التتار فلم يثبت ~~الكرج وانهزموا أقبح هزيمة ، وأخذهم السيف من كل جانب وقتل منهم ما لا يحصى ~~كثرة - وذلك في ذي القعدة - ونهبوا من البلاد ما كان قد سلم منهم . ذكر ~~ملكهم مدينة مراغة قال : ولما فعلوا بالكرج ما فعلوه ، ودخلت سنة ثمان عشر ~~وستمائة ساروا من بلاد الكرج ومروا على تبريز ، فصانعهم صاحبها أيضا بمال ~~وثياب ودواب ، فساروا عنه إلى مدينة مراغة فحصروها ، وليس بها من يمنعها ~~لأن صاحبتها كانت امرأة وكانت مقيمة بقلعة رويندز ، فقاتلهم أهلها ، فنصبوا ~~عليها المجانيق واستعانوا بأسرى المسلمين وكانت عادتهم التتار إذا فتحوا ~~مدينة استعانوا بأسراها على فتح غيرها ، ويجعلون الأسرى أمامهم عند القتال ~~، فيقع القتل فيهم فإذا فتحوا البلد قتلوهم بعد ذلك وتعوضوهم بمن أسروه من ~~البلد الآخر . فأقاموا عليها عدة أيام وملكوها عنوة ، وذلك في رابع صفر من ~~السنة ، ووضعوا السيف في أهلها ، ونهبوا ما صلح لهم وحرقوا ما سواه . قال : ~~واختفى بعض الناس منهم ، فكانوا يأخذون الأسارى ويقولون لهم نادوا في ~~الدروب أن التتار قد رحلوا فينادون فيسمعهم من اختفى فيظهر فيقتلونه . قال ~~ابن ms6344 الأثير : ولقد بلغني أن امرأة من التتار دخلت دارا وقتلت جماعة من ~~أهلها ، وهم يظنون أنها من الرجال ، فلما وضعت السلاح ، رأوها امرأة ، ~~فقتلها رجل كانت أخذته أسيرا . قال : وسمعت من بعض أهلها أن رجلا من التتار ~~دخل دربا فيه PageV27P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" ما يزيد على مائة رجل فقتلهم واحدا واحدا ، ~~حتى أفناهم ولم يمد أحد يده إليه . ووقعت الذلة على الناس ، نعوذ بالله من ~~الخذلان . قال : ثم رحلوا نحو مدينة أربل ، فكتب مظفر الدين صاحبها إلى بدر ~~الدين لؤلؤ صاحبه الموصل يطلب منه نجدة من العساكر ، فسير إليه جماعة ، ~~وكتب الخليفة إلى صاحبي الموصل وأربل يأمرهما بالاجتماع مع عساكره بمدينة ~~دقوقا لمنع التتار ، لما بلغه أنهم عدلوا عن إربل لصعوبتها وقصدوا العراق . ~~فسار مظفر الدين ومن معه من العسكر الموصلي في صفر . وكتب الخليفة إلى ~~الملك الأشرف بأمره بالحضور بنفسه في عساكره لتجمع العساكر ويقصدون التتار ~~فمنعه من ذلك مسيره إلى الديار المصرية لنصرة الملك العادل بن أيوب على ~~الفرنج ، واستعادة دمياط من أيديهم . فلما اجتمع مظفر الدين هو والعسكر ~~الموصلي بدقوقا ، سير إليهم الخليفة مملوكه قشتمر - وهو أكبر أمير بالعراق ~~- ومعه عشرة من الأمراء في نحو ثمان مائة فارس ، فاجتمعوا ليتصل بهم عساكر ~~الخليفة ، والمقدم عليهم مظفر الدين صاحب إربل ، فلما رأى قلة العسكر لم ~~يقدم على التتار . ولما سمع التتار باجتماع العسكر رجعوا القهقري ، ظنا ~~منهم أن العسكر يتبعهم ، فلما لم يتبعهم أقاموا وأقام العسكر بدقوقا ، ثم ~~تفرق المسلمون وعادوا إلى بلادهم . ذكر ملكهم همذان وقتل أهلها قال : لما ~~تفرق العسكر الإسلامي عاد التتار إلى همذان ، فنزلوا بالقرب منها ، وكان ~~لهم شحنة يحكم فيها ، فأرسلوا إليه أن يطلب لهم من أهلها مالا وثيابا وكان ~~رئيس همذان من الأشراف ذا رئاسة قديمة بها وهو الذي سعى في أمر أهل البلد ~~مع التتار ، وتوصل إليهم بما جمع من الأموال فما طلب المال ثانيا من أهل ~~همذان لم يجدوا ما يحملونه لهم ، فاجتمعوا إلى الشريف ومعهم انسان فقيه قام ~~في ms6345 اجتماع الكلمة على التتار ، فشكوا إلى الشريف حالهم ، وما نالهم من ~~الهوان ، وطلب ما لا PageV27P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" يقدرون عليه . فقال : إذا كنا نعجز عن دفعهم ~~فليس إلا مصانعتهم بالأموال ، فثاروا عليه ، وأغلظوا له في القول ، فوافقهم ~~على مرادهم . فأشار الفقيه بإخراج شحنة التتار فوثب العامة على الشحنة ~~فقتلوه ، وامتنعوا . فتقدم إليهم التتار وحصروهم ، فقاتلهم أهل البلد قتالا ~~شديدا ، والرئيس والفقيه في أوائلهم ، فقتل من التتار خلق كثير ، وجرح ~~الفقيه عدة جراحات وافترقوا . ثم اقتتلوا من الغد أشد مما مضى بالأمس . ~~وأرادوا الخروج في اليوم الثالث ، فلم يطق الفقيه الركوب ولم يوجد الرئيس ، ~~وهرب من سرب كان قد صنعه إلى ظاهر البلد هو وأهله ، واستعصم بقلعة هناك على ~~جبل عال . فحار الناس ثم اجتمعت كلمتهم على القتال إلى أن يموتوا ، وكان ~~التتار قد عزموا على الرحيل لكثرة من قتل منهم ، فلما تقاصر أهل البلد عن ~~الخروج إليهم طمعوا واستدلوا على ضعفهم ، فقصدوهم وقاتلوهم ، ودخلوا ~~المدينة بالسيف ، وذلك في شهر رجب سنة ثمان عشرة . وقاتلهم الناس في الدروب ~~بالسكاكين فقتل من الفريقين ما لا يحصى ، ثم قوى التتار على المسلمين ~~فأفنوهم وما سلم منهم إلا من كان عمل له نفقا في الأرض ، واختفى فيه ، ثم ~~أحرقوا البلد ورحلوا عنه . ذكر مسيرهم إلى أذربيجان وملكهم أردويل وغيرها ~~قال : لما فرغوا من همدان ساروا إلى أذربيجان فوصلوا إلى أردويل فملكوها ، ~~وقتلوا وخربوا أكثرها وساروا إلى تبريز ، ففارقها صاحبها أزبك بن البهلوان ~~وتوجه إلى نقجوان وكان كثير التخلف والشرب واللهو ، فقام بأمر تبريز شمس ~~الدين الطغرائي ، وجمع الكلمة وقوى نفوس الناس على الامتناع ، وحذرهم عاقبة ~~التخاذل والتواني ، وحصن البلد . فبلغ التتار ذلك فراسلوه يطلبون منه مالا ~~وثيابا فاستقر الأمر بينهم على قدر معلوم فأخذوه ورحلوا إلى مدينة سراو ~~فنهبوها وقتلوا جميع من فيها . ورحلوا عنها PageV27P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" إلى بيلقان من بلاد أران فنهبوا كل ما مروا ~~به من البلاد والقرى وقتلوا من ظفروا به وحصروا بيلقان ، فاستدعى أهلها ~~منهم رسولا ليقرر الصلح فأرسلوا ms6346 إليهم رسولا من أكابرهم ومقدميهم ، فقتلوه ~~، فزحف التتار إليهم وقاتلوهم وملكوا البلد عنوة ، وذلك في شهر رمضان من ~~السنة ، ووضعوا السيف فلم يبقوا على أحد من الرجال والنساء والأطفال حتى ~~شقوا بطون النسوان الحوامل وقتلوا الأجنة . وكانوا يفجرون بالمرأة ثم ~~يقتلونها . ثم ساروا إلى مدينة كنجة - وهي أم بلاد أران - فعلموا بكثرة من ~~فيها وشجاعتهم لدربتهم بقتال الكرج ، فلم يقدموا عليهم لذلك ولحصانة البلد ~~. فراسلوا أهلها في طلب المال والثياب ، فحمل إليهم ما طلبوا وساروا عنها . ~~ذكر وصولهم إلى بلاد الكرج قال : لما فرغوا من البلاد الإسلامية أذربيجان ~~وأران بعضها بالملك وبعضها بالصلح ، ساروا إلى بلاد الكرج من هذه الأعمال ~~أيضا ، وكان الكرج قد استعدوا لهم ، وسيروا جيشا كثيفا إلى طرف بلادهم ~~ليمنعوا التتار عنها ، فالتقوا ، فلم يثبت الكرج وولوا منهزمين فأخذتهم ~~سيوف التتار ، فلم يسلم منهم إلا الشديد . فكانت القتلى منهم نحو ثلاثين ~~ألفا ، ونهبوا ما وصلوا إليه من بلادهم وخربوها ، كعادتهم . ووصل من سلم من ~~الكرج إلى مدينة تفليس - وبها ملكهم - فجمع جموعا أخرى ، وسيرهم ليمنعوا ~~التتار من توسط بلادهم فرأوهم قد دخلوا البلاد ولم يمنعهم وعر ولا مضيق ، ~~فعادوا إلى تفليس ونهب التتار ما مروا عليه من بلادهم ، ورأوا البلاد كثيرة ~~المضايق والدربندات فما أوغلوا فيها ، وداخل الكرج منهم خوف عظيم . قال ابن ~~الأثير : سمعت عن بعض أكابر الكرج أنه قال : من حدثكم أن التتار انهزموا ~~وأسروا فلا تصدقوه ، وإذا حدثتم أنهم قتلوا فصدقوا ، فإنهم قوم لا يفرون ~~أبدا ، ولقد أخذنا أسيرا منهم فألقى نفسه عن الدابة وضرب رأسه بالحجر حتى ~~مات ، ولم يسلم نفسه للأسر . . . PageV27P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" ذكر وصولهم إلى دربند شروان وما فعلوه فيه ~~قال : لما عادوا من بلاد الكرج قصدوا دربند شروان فحصروا مدينة شماخي ~~وقاتلوا أهلها ، فصبروا على الحصار وقاتلوا أشد قتال ، وعلموا أن الموت لا ~~بد منه ، فقالوا نموت كراما وصبروا إلى أن كلوا وتعبوا . وتوالى الزحف ، ~~فملك التتار البلد ، وأكثروا القتل ونهبوا الأموال . ثم أرادوا عبور ~~الدربند فلم يقدروا على ms6347 ذلك ، فأرسلوا رسولا إلى شروان ملك الدربند ، ~~وطلبوا منه أن يرسل إليهم رسولا يسعى بينهم في الصلح ، فأرسل عشرة من أعيان ~~أصحابه ، فقتلوا أحدهم وقالوا لمن بقي : دلونا على طريق نعبر فيه ولكم ~~الأمان ، وإلا قتلناكم . فقالوا : ليس فيه طريق البتة ، وإنما فيه موضع هو ~~أسهل ما فيه ، فساروا بهم إلى ذلك الطريق فعبروا فيه . ذكر ما فعلوه باللان ~~وقفجاق قال : لما عبر التتار دربند شروان ، ساروا في تلك البلاد والأعمال - ~~وفيها أمم كبيرة من اللان واللكز وطوائف من الترك - فنهبوا وقتلوا كثيرا من ~~اللكز - وهم مسلمون وكفار - ووصلوا إلى اللان وهي أمم كثيرة ، فبلغهم الخبر ~~فجدوا وجمعوا جمعا من قفجاق ، فقاتلوهم فلم تظفر إحدى الطائفتين بالأخرى ، ~~فأرسل التتار إلى قفجاق فقالوا : نحن وأنتم جنس واحد واللان ليسوا منكم ، ~~ولا دينكم كدينهم حتى تنصروهم ، ونحن نعاهدكم أننا لا نتعرض إليكم ، ونحمل ~~لكم من الأموال والثياب ما PageV27P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" شئتم ، وتتركوننا وإياهم . فاستقر الأمر ~~بينهم على ما حملوه لهم من مال وثياب وغير ذلك ففارقهم قفجاق فأوقع التتار ~~عند ذلك باللان ، فقتلوا منهم وسبوا . وساروا إلى قفجاق وهم آمنون متفرقون ~~، لما استقر بينهم من الصلح فطرقوا بلادهم وأوقعوا بهم الأول فالأول ، ~~وأخذوا منهم أضعاف ما حملوه إليهم . وسمع من كان بعيد الدار من قفجاق الخبر ~~، ففروا من غير قتال ، واعتصم بعضهم بالغياض وبعضهم بالجبال ولحق بعضهم ~~ببلاد الروس . وأقام التتار ببلاد قفجاق ، وهي أرض كثيرة المرعى صيفا وشتاء ~~وفيها أماكن باردة في الصيف وأماكن حارة في الشتاء ، وغياض ، وهي على ساحل ~~البحر ، ووصلوا إلى مدينة سوداق - وهي مدينة قفجاق - فملكوها ، وفارقها ~~أهلها ، فبعضهم صعد إلى الجبال بأهله وماله ، وبعضهم ركب في البحر وساروا ~~إلى بلاد الروم التي بيد الملوك السلجقية . . . ذكر ما فعلوه بقفجاق والروس ~~قال : لما استولى التتار على قفجاق وتفرقوا ، والتحقت طائفة كثيرة منهم ~~ببلاد الروس - وهي بلاد كبيرة طويلة عريضة تجاور القفجاق وأهلها يدينون ~~بدين النصرانية - فلما وصلوا إليهم اجتمعوا كلهم ، واتفقوا على قتال التتار ~~إن قصدوهم ms6348 . فسار التتار إلى بلاد الروس في سنة عشرين وستمائة ، فسار قفجاق ~~والروس إلى طريق التتار ليلقوهم قبل وصولهم إلى بلادهم ويمنعوهم عنها ، ~~فبلغ التتار مسيرهم ، فرجعوا على أعقابهم . فطمعت القفجاق والروس فيهم ، ~~وظنوا أنهم عادوا خوفا منهم ، وعجزوا عن قتالهم ، فأتبعوهم وساقوا في إثرهم ~~اثني عشر يوما ، فعطف التتار عليهم وهم على غرة ، لأنهم كانوا قد آمنوا ~~ووثقوا بالقدرة عليهم : فلم يجتمعوا للقتال إلا وقد بلغ التتار منهم مبلغا ~~عظيما . فصبر الطائفتان صبرا لم يسمع بمثله . ودام القتال عدة أيام ، ~~فاستظهر التتار عليهم ، فانهزمت قفجاق والروس هزيمة فاضحة وكثر القتل في ~~المنهزمين ، فلم يسلم منهم إلا القليل . ووصل من سلم منهم على أقبح حال ، ~~والتتار تتبعهم يقتلون وينهبون ويخربون فاجتمع كثير من أغنياء تجار الروس ~~وأعيانهم ، وحملوا ما يعز عليهم ، وتوجهوا في البحر في عدة مراكب إلى بلاد ~~الإسلام ، فلما قاربوا المرسى الذي يقصدونه انكسر منهم مركب فغرق ونجا من ~~فيه وكانت العادة جارية أن PageV27P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" السلطان له كا مركب ينكسر فأخذ من ذلك شيئا ~~كثيرا وسلم باقي المراكب وأخبر من بها بهذه الحال . ذكر عود التتار إلى ~~ملكهم قال : ولما فعل التتار بالروس ما ذكرناه عادوا عنها وقصدوا بلغار في ~~أواخر سنة عشرين وستمائة . فلما سمع بلغار بقربهم منهم كمنوا لهم في عدة ~~مواضع ، وخرجوا إليهم فلقوهم واستجروهم إلى أن جاوزوا مواضع الكمناء ، ~~فخرجوا من وراء ظهورهم . وبقي التتار في وسطهم ، وأخذهم السيف من كل ناحية ~~، فقتل أكثرهم ولم ينج منهم إلا القليل نحو أربعة آلاف رجل ، فساروا إلى ~~سقسين وعادوا إلى ملكهم جنكزخان . وكانت الطرق منقطعة تتخللهم في البلاد . ~~فلما خلت البلاد منهم اتصلت الطرق وحمل التجار الأمتعة على عادتهم . هذا ما ~~فعله التتار المغربة منذ مفارقتهم جنكزخان وإلى أن عادوا إليه في مدة أربع ~~سنين فلنذكر أخبار غير هذه الطائفة ممن سيرهم جنكزخان . قال : ولما جهز ~~جنكزخان هذه الطائفة المغربة جهز طائفة إلى بلاد فرغانة وطائفة إلى ترمز ~~وطائفة إلى كلانة وهي قلعة حصينة إلى ms6349 جانب جيحون ، فسارت كل طائفة إلى ~~الجهة التي أمرت بقصدها ونازلتها ، واستولت عليها ، وفعلت من القتل والنهب ~~والأسر والسبي والتخريب وأنواع الفساد كما فعل أصحابهم . فلما فرغوا من ذلك ~~عادوا إلى ملكهم جنكزخان ، وهو مقيم بسمرقند ، فجهز جيشا إلى خوارزم مع أحد ~~أولاده وجهز جيشا آخر فعبروا نهر جيحون إلى خراسان . ذكر ملك التتار خراسان ~~قال أبو الحسن بن الأثير : لما سار الجيش الذي جهزه جنكزخان إلى خراسان ~~عبروا جيحون ، وقصدوا مدينة بلخ ، وطلب أهلها الأمان فأمنوهم ، فسلم البلد ~~ولم يتعرضوا PageV27P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" إليه بنهب ولا قتل ، بل جعلوا فيه شحنة . ~~وقصدوا الزوزان وميمند واندى خوى وفارياب فملكوا الجميع ، وجعلوا فيه ولاة ~~، ولم يتعرضوا إلى أهلها بسوء ، سوى أنهم كانوا يأخذون الرجال ليقاتلوا بهم ~~من يمتنع عليهم ، وذلك في سنة سبع عشرة وستماية . ثم قصدوا الطالقان ، وهي ~~ولاية تشتمل على عدة بلاد ، وفيها قلعة حصينة يقال لها منصور كوه لا ترام ~~علوا وارتفاعا وبها رجال شجعان يقاتلون فحصروها مدة ستة أشهر يقاتلون أهلها ~~ليلا ونهارا ، ولم يظفروا منها بشيء فكاتبوا جنكزخان ، وأعلموه بالعجز عنها ~~لحصانتها وكثرة من بها من المقاتلة . فسار بنفسه وبجموعه ، وحصرها ومعه خلق ~~كثير من الأسرى والمسلمين ، فأمرهم بمباشرة القتال وإلا قتلهم ، فقاتلوا ، ~~وأقام عليها أربعة أشهر أخرى ، فقتل من التتار خلق كثير . فلما رأى جنكزخان ~~ذلك أمر أن يجمع له الأحطاب والأخشاب فجمعت ، وصار يعمل صفا من خشب وحطب ~~وفوقه من التراب ما يغطيه ، حتى صار تلا عاليا يوازي القلعة ، فعند ذلك ~~اجتمع من بالقلعة وحملوا حملة رجل واحد فسلم الخيالة منهم ونجوا وسلكوا ~~الجبال والشعاب ، وقتل الرجالة ، ودخل التتار القلعة وسبوا النساء والأطفال ~~ونهبوا الأمتعة . قال : ثم جمع جنكزخان أهل البلاد الذين أعطاهم الأمان ~~ببلخ وغيرها ، وسيرهم مع بعض أولادهم إلى مدينة مرو ، فوصلوا إليها وقد ~~اجتمع بها من الأعراب والأتراك وغيرهم ممن نجا من المسلمين ما يزيد على ~~مائتي ألف رجل ، وهم معسكرون بظاهر مرو ، وقد عزموا على لقاء التتار ؛ ~~فالتقوا واقتتلوا قتالا ms6350 شديدا . ولما رأى المسلمون إقدام التتار وصبرهم ، ~~ولوا منهزمين ، فقتل منهم وأسر خلق كثير ، ولم يسلم منهم إلا القليل ، ~~ونهبت أموالهم . وأرسل ابن جنكزخان إلى ما حوله من البلاد ، وأمرهم بجمع ~~الرجال لحصار مرو ، فاجتمعوا وتقدموا للحصار ولازموا القتال . هذا وأهل ~~البلد قد ضعفت نفوسهم بانهزام تلك الطائفة الكبيرة . فلما كان في اليوم ~~الخامس من نزولهم أرسل التتار إلى أمير البلد يقولون له : لا تهلك نفسك ومن ~~PageV27P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" معك ، واخرج إلينا ولك الأمان ، ونحن نجعلك ~~أمير هذه البلد ونرحل عنك . فطلب الأمان لنفسه وأهل البلد فأمنوهم ؛ فخرج ~~إليهم فخلع عليه ابن جنكزخان واحترمه وقال له : اعرض علي أصحابك حتى أستخدم ~~منهم من يصلح لخدمتنا وأعطيه إقطاعا ويكون معي فجمعهم له ، فلما تمكن منهم ~~أمر بالقبض عليهم وعلى أميرهم ثم قال : اكتبوا لنا تجار البلد ورؤساء أرباب ~~الأموال في جريدة واكتبوا أرباب الصناعات والحرف في أخرى واعرضوا ذلك علينا ~~. ففعلوا ، فأمر أن يخرج أهل البلد منه بأهليهم وأموالهم فخرجوا بأجمعهم ، ~~فجلس على كرسي من الذهب ، وأحضر أولئك الجند الذين قبض عليهم ، وأمر بضرب ~~أعناقهم فقتلوا صبرا ، والناس ينظرون إليهم ويبكون عليهم ، وأما العامة ~~فتقاسمهم التتار فكان يوما مشهودا ، وأخذوا أرباب الأموال ، فاستصفوا ~~أموالهم وعذبوهم على طلب المال ؛ ثم أحرقوا لبلد وتربة السلطان سنجر ، ~~ونبشوا القبر طلبا للمال . ودأبوا على ذلك ثلاثة أيام ، فلما كان في اليوم ~~الرابع ، أمر بقتل أهل البلد كافة ؛ وقال : هؤلاء عصوا علينا ؛ فقتلوا ~~أجمعين ، وأمر بإحصاء القتلى فكانوا سبعمائة ألف قتيل . ثم ساروا إلى ~~نيسابور ، فحوصرت خمسة أيام ، وبها جمع صالح من العسكر الإسلامي ، فلم تكن ~~لهم بالتتار قوة ، فملك التتار المدينة ، وأخرجوا أهلها إلى الصحراء ~~فقتلوهم ، وسبوا حريمهم وعاقبوا من اتهموه بالمال ، كما فعلوا بمرو ، ~~وأقاموا خمسة عشر يوما يخربون ويفتشون المنازل ، وكانوا لما قتلوا أهل مرو ~~قيل لهم أن قتلاهم سلم كثير منهم ولحقوا ببلاد الإسلام ، فأمروا أن تقطع ~~رؤوس أهل نيسابور حتى لا يسلم منهم أحد . فلما فرغوا من ذلك سيروا طائفة ms6351 ~~منهم إلى طوس ففعلوا بها كذلك ، وخربوها ، وأحرقوا المشهد الذي فيه علي بن ~~موسى الرضا والرشيد . ثم ساروا إلى هراة وهي من أحصن البلاد ، فحصروها عشرة ~~أيام فملكوها وآمنوا وقتلوا بعضهم وجعلوا فيها شحنة . ذكر ملكهم مدينة غزنة ~~وبلاد الغور قال ابن الأثير : لما فرغ التتار من خراسان وعادوا إلى ملكهم ~~جنكزخان وهو بالطالقان ، جهز جيشا كثيفا وسيره إلى غزنة وبها السلطان جلال ~~الدين منكوبرتي ابن السلطان جلال الدين خوارزم شاه وكان قد وصل إليها بعد ~~مفارقته خوارزم كما PageV27P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" قدمناه ، وقد اجتمع عنده من الجيوش نحوا من ~~ستين ألفا . وكان الجيش الذي سار إليه من عسكر التتار نحو اثني عشر ألفا ، ~~فلما وصلوا إلى أعمال غزنة خرج إليهم المسلمون مع السلطان جلال الدين إلى ~~موضع يقال له بلق فالتقوا هناك واقتتلوا قتالا شديدا ، ودامت الحروب بينهم ~~ثلاثة أيام ، فانتصر المسلمون وانهزم التتار ، وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا ، ~~وعاد من سلم منهم إلى ملكهم بالطالقان . قال : فلما سمع أهل هراة بذلك ~~ثاروا على الوالي الذي عندهم من قبل التتار فقتلوه ، فسير إليهم جنكزخان ~~عسكرا فملكوا البلد وخربوه وقتلوا من فيه وسبوا الحريم ، ونهبوا السواد ~~أجمع وأحرقوا المدينة . وهذه الحرب والواقعة لم يذكرها شهاب الدين المنشي ~~في تاريخه ، وإنما قال : إن جلال الدين لما سار إلى غزنة اجتمع في طريقه ~~بابن خاله أمين ملك ، وهو الذي كان يتولى هراة وهي إقطاعة ، وكان قد فارقها ~~ومعه زهاء عشرة آلاف فارس ، فاتفقا على كبس التتار المحاصرين قلعة قندهار ، ~~فنهضا إليها وأوقعا بمن عليها من التتار ، فلم يسلم منهم إلا من وصل بخبرهم ~~إلى جنكزخان فغصب لذلك وجهز ابنه تولى خان ، وقد ذكرنا ذلك في أخبار جلال ~~الدين فلنذكر ما ساقه ابن الأثير . قال : ولما انهزم التتار أرسل جلال ~~الدين إلى جنكزخان رسولا يقول له في أي موضع يختار أن تكون الحرب حتى يأتي ~~إليه ، فجهز جنكزخان عسكرا كثيرا مع ابنه تولى خان فوصل إلى كابل فتوجه ~~إليهم جلال الدين بالعساكر الإسلامية ، فالتقوا ms6352 هناك واقتتلوا قتالا شديدا ~~، فانهزم جيش التتار ، وقتل تولى خان بن جنكزخان وغنم المسلمون ما معهم ~~واستنقذوا ما في أيديهم من الأسارى ، ولم يذكر ابن الأثير قتل تولى خان ، ~~وانما ذكره المنشى وهو الصحيح . فلما بلغ جنزخان انهزام عساكره وقتل ولده ~~غضب لذلك ، وتجهز بنفسه وبجيوشه ، وسار إلى صوب غزنة لحرب PageV27P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" جلال الدين وطلب ثأر ابنه . واتفق اختلاف ~~المسلمين ، ومفارقة العساكر الخلجية صحبة سيف الدين بغراق وأعظم ملك ومظفر ~~ملك للسلطان جلال الدين بسبب ما وقع منهم عند قسم الغنيمة على ما بيناه في ~~أخبار جلال الدين واجتهد جلال الدين في ردهم فعجز ، ودهمه وصول جنكزخان ، ~~ففارق غزنة وتوجه صوب السند ، فأدركه جنكزخان قبل عبوره ماء السند فاضطر ~~جلال الدين إلى القتال فكان من أمره وانهزامه وعبوره إلى بلاد الهند ما ~~قدمناه في أخباره . ولما فارق جلال الدين البلاد رجع جنكزخان إلى غزنة ~~فملكها من غير مدافع ولا ممانع لخلوها من العساكر فقتل التتار أهلها ونهبوا ~~الأموال وسبوا الحريم وألحقوها بخراسان . . . ذكر ملكهم مدينة خوارزم قال ~~شهاب الدين المنشي : كان حصار خوارزم في ذي القعدة سنة عشرين وستماية ، ~~واستيلاؤهم عليها في صفر . قال : لما انفصل جلال الدين وإخوته عن خوارزم ~~كما ذكرناه في أخباره ، وافى التتار تخومها ، وأقاموا بالبعد منها حتى ~~تكاملت عدتهم وآلات الحصار ، ثم تقدموا إليها . فأول من وصل إليها منهم ~~باجي ملك في عسكر كثيف ثم بعده أوكتاي بن جنكزخان وهو الذي انتهت إليه ~~القانية فيما بعد ثم سير جنكزخان بعدهم حلقته الخاصة ومقدمها بقرجن نوين ~~وأردفهم بابنه جغطاي ومعه طولن نوين واستون نوين وقاضان نوين في مائة ألف ~~فارس . وطفقوا يستعدون للحصار ويستعملون آلاته من المجانيق والدبابات وغير ~~ذلك . ولما رأوا خوارزم وبلدها خالية من حجارة المنجنيق وجدوا هناك من أصول ~~التوت الغلاظ ما استعملوه بدلا من الحجارة ، فكانوا يقطعونها وينقعونها في ~~الماء فتصير كالحجارة ثقلا وصلابة ، فتعوضوا بها عن الحجارة . ثم وصل دوشي ~~خان بن جنكزخان إلى بلاد ما وراء النهر فراسلهم ms6353 في الأمان وقال : إن ~~جنكزخان قد أنعم عليه بها وأنه لا يؤثر تخريبها ويضن به ويحرص على عماراتها ~~. قال : ومما يدل على ذلك أن العساكر مدة مقامهم بالقرب منها ما تعرضوا إلى ~~الغارات على رساتيقها فمال ذووا النباهة من أهلها إلى المسالمة ، فغلب ~~عليهم السفلة وامتنعوا ، فعند ذلك ساق إليها دوشي خان ، وأخذ يطويها محلة ~~محلة ، فكلما PageV27P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" أخذ واحدة منها التجأ الناس إلى أخرى ، وهم ~~يحاربون أشد حرب إلى أن أعضل الأمر ، ولم يبق معهم إلا ثلاث محال تراكمت ~~الناس فيها متزاحمين ، فأرسلوا إلى دوشي خان الفقيه علاء الدين الخياطي ~~محتسب خوارزم - وكان من أهل العلم والعمل - مستعطفا له ؛ فأمر دوشي خان ~~باحترامه ، وأن تنصب له خيمة . ثم أحضره فأدى رسالته فقال في جملة ما قال : ~~إننا قد شاهدنا هيبة الخان وقد آن أن نشاهد مرحمته . فاستشاظ غضبا وقال : ~~ماذا رأوا من هيبتي وقد أفنوا رجالي ؟ فأما أنا فشاهدت هيبتهم وها أنا ~~أريهم هيبتي . وأمر بإخراج الناس ونودي فيهم بانفراد أرباب الصنائع ~~وانعزالهم على حدة ، فمنهم من فعل ونجا ، ومنهم من اعتقد أن أرباب الحرف ~~تساق إلى بلادهم وغيرهم يترك في وطنه فلم ينفرد ، ثم وضع السيف فيهم فقتلوا ~~جميعا وحكى ابن الأثير في تاريخه الكامل أن التتار بعد ذلك فتحوا السكر ~~الذي يمنع ماء جيحون عن البلد فدخله الماء فغرق جميعه وتهدمت الأبنية ولم ~~يسلم من أهله أحد البتة ، فإن الذين اختفوا من التتار غرقهم الماء وقتلهم ~~الهدم . وهذا ما لم يسمع بمثله من قديم الزمان ولا حديثه . ثم عاد التتار ~~إلى جنكزخان وهو بالطالقان . . ذكر عود طائفة من التتار إلى همذان وغيرها ~~وهم غير التتار المغربة الذين قدمنا ذكرهم قال ابن الأثير : وفي سنة إحدى ~~وعشرين وستمائة وصلت طائفة من التتار من جهة جنكزخان إلى الري ؛ وكان من ~~سلم من أهلها قد عادوا إليها وعمروها ، فوضع التتار فيهم السيف وقتلوهم كيف ~~شاؤوا ، ونهبوا البلد وخربوه ، وتوجهوا إلى ساوة ففعلوا بها كذلك ، ثم إلى ~~قم وقاجان ms6354 وكانتا قد سلمتا من التتار والمغربة . ثم عاثوا في البلاد يخربون ~~ويقتلون ثم قصدوا همذان ، وقد اجتمع بها كثير ممن سلم من أهلها ، فأبادوهم ~~قتلا وأسرا ونهبا . PageV27P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" قال : وكانوا لما وصلوا إلى الري رأوا بها ~~عسكرا كثيرا من الخوارزمية فقتل بعضهم وانهزم الباقون إلى أذربيجان ، ~~فنزلوا بأطرافها ، فلم يشعروا إلا والتتار قد كبسوهم ، ووضعوا فيهم السيف ، ~~فانهزموا فوصلت طائفة منهم إلى تبريز ، وتفرق الباقون ووصل التتار إلى قرب ~~تبريز فراسلوا صاحبها أزبك بن البهلوان في طلب من التحق به من الخورازمية ، ~~فعمد إلى من عنده منهم فقتل بعضهم وأسر البعض ، وساق الأسرى وحمل الرؤوس ~~إلى التتار ، وأنفذ إليهم من الأموال والثياب والدواب شيئا كثيرا فعادوا عن ~~بلاده نحو خراسان . قال : ولم تكن هذه الطائفة أكثر من ثلاثة آلاف ، وكانت ~~الخوارزمية الذين انهزموا منهم نحو ستة آلاف فارس ؛ وعسكر أزبك أكثر من ~~الجميع ، ومع هذا فلم يمتنعوا عنهم ولا حدثوا نفوسهم بحربهم هذا كله وجلال ~~الدين خوارزم شاه ببلاد الهند . ثم اتفق خروجه منها في سنة إحدى وعشرين ~~وستمائة ؛ واستولى على ملك العراق ، وانتزعه من يد أخيه غياث الدين ببرشاه ~~وملك أذربيجان ومراغة وغيرها ، وقاتل الكرج على ما قدمناه في أخباره . ولم ~~يهجه التتار ولا قاتلوه إلى سنة خمس وعشرين وستمائة بعد وفاة جنكزخان وقيام ~~ولده أوكداي مقامه . هذا ما انتهى إلينا من وقائع التتار وحروبهم وما ~~استولوا عليه في أيام ملكهم جنكزخان التمرجي ؛ وهو على سبيل الاختصار لعدم ~~أن تحقق من أخبارهم ويدون آثارهم . ثم كان بعد وفاة جنكزخان وقيام من قام ~~بعده من أولاده حروب ووقائع ، نذكرها إن شاء الله تعالى بعد ذكرنا وفاة ~~جنكزخان . ذكر وفاة جنكزخان التمرجي وأسماء أولاده واخوته وما قرره لأولاده ~~من الوظائف والبقاع وغير ذلك كانت وفاة جنكزخان في سنة أربع وعشرين وستماية ~~، وقيل في سنة خمس PageV27P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" وعشرين في فصل الشتاء . قال : ولما حضرته ~~الوفاة طلب إخوته وهم أوتكين وبلكوتي ونوين والحاي نوين ووكوب ووكابي وحضر ~~من أولاده ms6355 جغطاي وأوكتاي وكتب لهم وصية وقال امتثلوها بعدي ، وإذا أنا مت ~~وجاء وقت الربيع تجمعوا كلكم وتعمل وليمة عظيمة ثم تقرأ هذه الوصية بحضوركم ~~، وينصب في الملك من عينته فيها وامتثلوا أمره ، ثم فرقهم في مشاتيهم التي ~~قررها لهم ففعلوا ذلك وامتثوا أمره على ما نذكره ، ومات هو . وكان له من ~~الأولاد تسعة عشر ولدا من امرأة واحدة وهي تسوجي خاتون ؛ منهم تلي خان وهو ~~طلوخان وهو الذي قتل في سنة ثماني عشرة وستمائة في الحرب التي كانت بينه ~~وبين السلطان جلال الدين منكوبرتي على ما قدمنا ذكر ذلك . وكان لتلي خان من ~~الأولاد منكوقان وهو الذي استقر في القانية بعد على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى ؛ وهولاكو وأريق بوكا وقبلاي ، وهو الذي جلس على تخت القانية بعد ~~منكوقان واستقرت القانية فيه وفي بنيه من بعده إلى آخر وقت ، وسنذكر لك ذلك ~~إن شاء الله تعالى . وكان جنكزخان قد فوض لابنه تلي خان هذا ترتيب العساكر ~~والجيوش وتدبيره في المقام في مشتاه ومصيفه وجعل له من البلاد خراسان ~~والعراقين وما يليها ، فقتل قبل تمام الفتوح . ومنهم دوشي خان بن جنكزخان ~~وهو الذي فتح خوارزم في حياة أبيه كما تقدم ، وفتح أيضا بعد وفاة أبيه بلاد ~~الشمال ، واستولى على ملكها ، وأباد من بها من طوائف الأتراك وقبائل ~~القفجاق وغيرهم من القبائل : كاللان ، وآلاص ، والأولاق ، والجركس والروس ~~وغيرهم من سكان البلاد الشمالية . واستقر ملك هذه البلاد بيده ، ثم بيد ~~باطوخان بن دوشي خان ثم في صرطق بن دوشي خان ، ثم في أولاد باطوخان وإخوته ~~على ما نذكره بعد . PageV27P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" ومن أولاد دوشي خان بن جنكزخان أرديوا وهو ~~صاحب غزنة وباميان . وقد قيل إن أرديوا بن جنكزخان ، وكان جنكزخان قد جعل ~~وظيفة دوشي خان ترتيب الصيد ، وهي عندهم أكبر المراتب ، وعين له من البلاد ~~والمياه لمشتاه ومصيفه حدود قيالق وبلاد خوارزم إلى أطراف سقسين وبلغار إلى ~~حيث تنتهي حوافر خيلهم من الفتوح . ومنهم أوكتاي خان بن جنكزخان وهو أوكتاي ~~، وهو ms6356 الذي جلس على تخت القانية بعد وفاة أبيه جنكزخان ، وكان جنكزخان . قد ~~جعله مشيره وصاحب الرأي وعين له من البلاد آمل وقوتاق وجعله ولي عهده من ~~بعده ، وعهد إليه أنه إذا انتهى الملك إليه أن يعطي ما بيده من البلاد ~~لولده كيوك خان ثم يتحول إلى مستقر الملك من بلاد الخطا والأيغور بقرا قورم ~~وغيرها . ومنهم جغطاي بن جنكزخان كان أبوه قد فوض إليه مهمات السياسة ~~والحكومة للياسا واليرغو ، وجعل له من البلاد للمراعي والمشاتي والمصيف من ~~حدود بقاع الأيغور وسمرقند وبخارى وما يتاخم ذلك من البلاد . وكان مقامه ~~قبل ذلك بقرب المالق وما يليها . فهؤلاء الأربعة هم المشار إليهم من أولاد ~~جنكزخان وله غير هؤلاء منهم أورخان ، وكلكان ، والغوانوين ، وجورجاي ، ~~وأولطاي خان ، وأرديوا ، وقد تقدم الخلاف فيه هل هو ابن جنكزخان أو ابن ~~دوشي خان . ومن أولاده مغل بن جنكزخان وهو جد نوغية ، ولنوغية هذا أخبار ~~تذكر بعد ان شاء الله تعالى ، وقد قيل إن مغل بن دوشي خان . وأما بقية ~~أولاد جنكزخان فلم تنقل إلينا أسماؤهم بحكم أنه لم يكن لهم ملك وإنما كانوا ~~في خدمة إخوتهم . وعين جنكزخان أيضا لأخوته وأقاربه أماكن من ملكه ، ~~فاستقرت حالهم على ما قرره لهم ، وكان قد خالف جنكزخان من قبائل التتار ~~أويرات PageV27P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" وقنورت فلم يزل جنكزخان يلاطفهم ويسوسهم إلى ~~أن قرر على نفسه أن يزوجوهم مالهم من البنات ولذريتهم . واستقرت هذه ~~القاعدة فيهم إلى وقتنا هذا . هذا ملخص ما انتهى إلينا من أخبار أولاد ~~جنكزخان وما قرره لهم ؛ فلنذكر أخبار من انتصب في القانية بعد وفاة جنكزخان ~~من أولاده وأولادهم . ذكر ملك أوكتاي بن جنكزخان قد ذكرنا أن جنكزخان كان ~~قد كتب وصية قبل وفاته بمحضر إخوته وبعض بنيه ، وقرر معهم أن يعملوا بها ~~بعده ، وأمرهم أنه إذا دخل فصل الربيع يجتمع إخوته وأولاده ، والخواتين ~~والأمراء وأن يذبحوا الدبائح ويعملوا الأفراح أربعين يوما من حين اجتماعهم ~~؛ ثم تقرأ وصيته ويعمل بمقتضاها . فلما دخل فصل الربيع وذلك في سنة ms6357 خمس ~~وعشرين وستمائة ، سير حلف الأعمام والأخوة والخواتين وأمراء التمانات ؛ ~~فكان أول من حضر منهم جغطاي بن جنكزخان ثم أخوه أوكتاي ثم حضر نقيبهم ولم ~~يتخلف منهم أحد . ثم ذبحوا الذبائح وأحضروا الخمور وألبان الخيل ، وهي ~~القمز . وعملوا الأفراح إلى أن مضت المدة التي عينها لهم ، ثم PageV27P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" اجتمعوا وأخرجوا كتاب الوصية الذي اكتتبه ~~جنكزخان ، فقرئ بمشهد منهم ، فإذا الوصية فيه بالملك لأوكديه خان . فلما ~~سمع أوكديه خان ذلك قال : كيف أجلس على كرسي الملك وفي إخوتي وأعمامي من هو ~~أكبر مني وأصلح ، فلا أجلس . فلم يرجعوا إلى قوله ، وأقام أخوه جغطاي وأخذ ~~بيده اليمنى وأخذ عمه أوتكين بيده اليسرى فأقاماه وأجلساه على كرسي الملك . ~~ثم ملأ أخوه الأصغر وهو ألغو نوين هنابا من المشروب فناوله إياه ، فعند ذلك ~~قام جميع من حضر من أعمامه وإخوته وأمراء التمانات فضربوا جوك - وهو الخدمة ~~عنهم - ؛ وكيفيته أن يبرك الرجل منهم على أحد ركبتيه ويسير بمرفقه إلى ~~الأرض ؛ وهذه الخدمة عندهم غاية التعظيم . وشرب أوكديه خان ذلك الهناب ، ~~وأمر بإجلاس الناس على مراتبهم ، ونزلهم منازلهم ، فأجلس الأعمام والإخوة ~~عن يمينه وأجلس الخواتين عن يساره . فقام الإخوة وجلسوا بين يديه وقالوا : ~~قد امتثلنا ياسا أبينا جنكزخان ، ونشد أوساطنا في الخدمة والإخلاص ، ونبذل ~~أنفسنا في الطاعة ، فشكرهم أوكديه وفتح الخزائن ، وفرق الأموال والخلع ، ~~وأنعم حتى على الغلمان والرعاة ، وفرق الناس في مصايفهم ومنازلهم واستقر هو ~~بقرا قروم وجهز أخاه دوشي خان إلى بلاد الشمال ففتحها في سنة سبع وعشرين ~~وستماية وملكها وأقام بها على ما نذكر ذلك في أخبارهم . فلنذكر الحروب ~~الكائنة بين عساكر أوكديه خان وبين السلطان جلال الدين وغيره من المسلمين . ~~ذكر الحروب بين التتار والسلطان جلال الدين ، وما كان من أمرهم إلى أن ~~ملكوا ما كان بيده كانت أول حرب وقعت بين السلطان جلال الدين منكوبرتي وبين ~~التتار بعد خروجه من الهند في سنة خمس وعشرين وستمائة بظاهر أصفهان ، ~~فهزموه ثم هزمهم ، وأذاهم بالقتل ولم يسلم منهم إلا قليلا . وحكى ms6358 أن هذه ~~الطائفة من التتار كان جنكزخان قد نقم على مقدمها وأبعده عنه ، وأخرجه من ~~بلاده ، فقصد خراسان فرآها خرابا ، فقصد الري لتغلبه على تلك النواحي . ثم ~~تقدم إلى قرب أصفهان فالتقى هو وجلال الدين ، ولما هزمه جلال الدين ، أرسل ~~إليه أوكديه بن PageV27P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" جنكزخان يقول إن هذه الطائفة ليست منا ، فأمن ~~عند ذلك جانب أوكتاي ، ثم انقطعوا عنه ثلاث سنين . وفي سنة ثمانة وعشرين ~~وستمائة في أوائلها ، وصلت طائفة من التتار من بلاد ما وراء النهر إلى تخوم ~~أذربيجان . وكان سبب ذلك أن مقدم الاسماعيلية كاتبهم وعرفهم أن جلال الدين ~~قد ضعف وانهزم من كيقباذ صاحب الروم ومن الأشرف ، وأنه وقع بينه وبين من ~~يجاوره من الملوك ، ووصلت إساءته إلى كل منهم وأنهم لا ينصرونه وضمن لهم ~~الظفر به . فبادرت طائفة منهم من التتار ودخلوا البلاد ، واستولوا على الري ~~وهمذان وما بينهما من البلاد ، ثم قصدوا أذربيجان وقتلوا من ظفروا به من ~~أهلها ، ولم يقدم جلال الدين على قتالهم لتفرق عساكره ومخالفة وزيره شرف ~~الملك عليه . وكان من كبسهم للسلطان جلال الدين ، وانهزامه منهم ، وتنقله ~~من مكان إلى آخر ما قدمناه في أخباره . ثم كبسه التتار وهو بالقرب من آمد ~~فهرب منهم . وكان من خبر مقتله ما قدمناه ، فتمكن التتار بعد مقتله من ~~البلاد وملكوها من غير ممانع عنها ولا مدافع . ذكر طاعة أهل أذربيجان ~~للتتار قال ابن الأثير الجزري : وفي سنة ثمان وعشرين وستمائة أطاع أهل ~~أذربيجان التتار . وسبب ذلك أن جلال الدين لما كبسه التتار بآمد وانهزم ~~منهم ، وانقطع خبره ، سقط في أيدي الناس وأذعنوا بطاعة التتار وحملوا إليهم ~~الأموال والثياب وغير ذلك . فممن دخل في طاعتهم أهل مدينة تبريز - وهو ~~توريز - وهي أصل أذربيجان ومرجع الجميع إليها . وكان مقدم جيش التتار نزل ~~بعساكره بالقرب منها ودعا أهلها إلى طاعته ، وتهددهم إن امتنعوا عليه ، ~~فأرسلوا إليه الأموال والتحف ومن كل شيء حتى الخمر ، وبذلوا الطاعة . ~~فشكرهم على ذلك ، وطلب حضور أكابر أهلها إليه ، فتوجه إليه ms6359 قاضي البلد ~~ورئيسه وجماعة من الأعيان ، وتخلف عنهم شمس الدين الطغرائي وكان مرجع ~~الجميع إليه ، إلا أنه لا يظهر ذلك . فلما حضروا عنده سألهم عن سبب ~~PageV27P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" امتناع الطغرائي من الحضور ، فاعتذروا ~~بانقطاعه وعدم تعلقه بالملوك وأنهم الأصل ، فسكت . ثم طلب صناع الثياب ~~الخطاي وغيرها فحضروا إليه ، فأمرهم أن يستعملوا للقان ثيابا ، وقرر ثمنها ~~على أهل تبريز ، وطلب منهم خركاة للقان أيضا فعملوا خركاة عظيمة غشوا ~~ظاهرها بالأطلس وباطنها بالسمور والقندر ، وقرر عليهم في كل سنة من المال ~~والثياب شيئا معلوما . ذكر دخول التتار ديار الجزيرة قال : لما انهزم جلال ~~الدين من التتار على آمد نهب التتار سواد آمد وميافارقين وقصدوا مدينة ~~أسعرد فقاتلهم أهلها فبذل لهم التتار الأمان ، فسلموا لهم البلد ، فعند ذلك ~~بذلوا فيهم السيف حتى كادوا يأتون عليهم ، فما سلم منهم إلا من اختفى ، ~~وقليل ما هم . قيل إن القتلى بلغت تقدير خمسة عشر ألفا ، وكانت مدة الحصار ~~خمسة أيام ، ثم ساروا منها إلى مدينة طنزة ففعلوا فيها كذلك ، وساروا منها ~~إلى واد بالقرب منها يقال له وادي القريشية ، فيه طائفة من الأكراد ~~القريشية ، وفيه مياه جارية وبساتين كثيرة ، والطريق إليه ضيق ، فمنعهم ~~القريشية منه وقتلوا كثيرا منهم ، فعاد التتار ولم يبلغوا منهم غرضا ، ~~وساروا في البلاد لا مانع يمنعهم فوصلوا إلى ماردين فنهبوا ما مروا عليه من ~~بلدها واحتمى صاحبها وأهل دنيسر بقلعة ماردين . ثم وصلوا إلى نصيبين ~~الجزيرة فأقاموا عليها بعض يوم ونهبوا سوادها ، وقتلوا من ظفروا به ، وغلقت ~~أبوابها فعادوا عنها ، وتوجهوا إلى بلد سنجار ، فوصلوا إلى البلاد من ~~أعمالها ، فنهبوا ودخلوا الخابور وصلوا إلى عربان ، فنهبوا وقتلوا وعادوا ~~وتوجهت طائفة منهم على PageV27P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" طريق الموصل ، فوصلوا إلى قرية تسمى المؤنسة ~~، وهي على مرحلة من نصيبين بينها وبين الموصل ، فنهبوا واحتمى أهلها وغيرهم ~~بخان فيها ، فقتلوا كل من فيه ومضت طائفة منهم إلى نصيبين الروم وهي على ~~الفرات من أعمال آمد ، فنهبوا وقتلوا منها ثم عادوا إلى آمد ثم إلى ms6360 بلد ~~بدليس فتحصن أهلها بالقلعة وبالجبال ، فقتلوا فيها يسيرا ، وأحرقوا المدينة ~~، ثم ساروا من بدليس إلى خلاط فحصروا مدينة من أعمالها يقال لها باكري وهي ~~من أحصن البلاد ، فملكوها عنوة وقتلوا كل من بها ، وقصدوا مدينة أرجيش من ~~أعمال خلاط ، وهي مدينة كبيرة عظيمة ففعلوا كذلك ، وذلك في ذي الحجة سنة ~~ثمان وعشرين وستمائة . قال ابن الأثير في تاريخه الكامل : لقد حكى لي عنهم ~~حكايات يكاد سامعها يكذب بها من الخوف الذي ألقاه الله تعالى في قلوب الناس ~~منهم ، حتى قيل إن الواحد منهم كان يعبر القرية أو الدرب وبه جمع كثير من ~~الناس فيقتلهم واحدا بعد واحد ولا يجسر أحد يمد يده إليه . قال : ولقد ~~بلغني أن إنسانا منهم أخذ رجلا ولم يكن معه ما يقتله به فقال له : ضع رأسك ~~على الأرض ولا تبرح ، فوضع رأسه على الأرض ومضى التتاري وأتى بسيف فقتله به ~~. قال : وحكى لي كثير من ذلك أعفيت عنه رغبة في الاختصار . قال : وفي ذي ~~الحجة سنة ثمان وعشرين وصلت طائفة من التتار من أذربيجان إلى أعمال أربل ، ~~فقتلوا من على طريقهم من التركمان الإيوائية والأكراد وغيرهم إلى أن دخلوا ~~إلى بلد أربل ، فنهبوا القري وقتلوا من ظفروا به ، ثم وصلوا إلى بلد دقوقا ~~وغيرها وعادوا ، ولم يرعهم أحد ولا وقف في وجوههم فارس . هذا آخر ما أورده ~~ابن الأثير والمنشي في تاريخيهما من أخبار التتار لم يتجاوزا سنة ثمان ~~وعشرين وستمائة ، وبعض ما أوردناه لم يورداه في تاريخيهما كوفاة جنكزخان ~~وقيام ولده ، فإنه ما وصل إليهما . والله أعلم . PageV27P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" ذكر وفاة أوكتاي خان وقيام ولده كيوك خان ~~بعده وقتله كانت وفاة أوكديه خان بن جنكزخان في سنة إحدى وثلاثين وستمائة ~~ولما دنت وفاته استدعى أعمامه والأمراء وأمرهم بإجلاس ولده كيوك خان على ~~كرسي المملكة ، وأمر أن يكون جلوسه بحضور الأعمام والإخوة والأمراء . فلما ~~مات اجتمعوا كلهم ، إلا دوشي خان فإنه كان قد أوغل في بلاد الشمال واستولى ~~عليها وعلى ما يدانيها من ms6361 القفجاق وغيرها ، فلم يمكنه الحضور لبعد المسافة ~~، فأرسل أخاه مغل بن جنكزخان ، ومغل هذا هو جد نوغيه فسار مغل وأوصى على ~~أولاده لعلمه ببعد المسافة . فلما وصل إلى قرا قروم اجتمع أهل البيت ~~الجنكزخاني والخواتين فأنكروا عليه وقالوا له : ولم لم يأت دوشي خان ، ~~فاعتذر عنه بأعذار ، فلم يقبلوها وأشاروا أن يسقوه سما فيقتلوه ، فناولوه ~~قدحا فشربه . فلما علم أن فيه السم أيس من الحياة وأخرج سكينا كان في خفه ~~ووثب على كيوك فقتله ، وخرج جماعة من أكابر الناس عليه فقتلوه . ذكر جلوس ~~منكوقان بن تلي خان بن جنكزخان على تخت القانية ومنكوقان هو الملك الرابع ~~من الملوك الذين جلسوا على تخت القانية . قال : PageV27P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" ولما قتل كيوك خان من غير وصية اجتمع أولاد ~~الخانات وأمراء التمانات ، واتفقت آراؤهم على إقامة منكوقان ، فإنهم لم ~~يجدوا في البيت أرجح منه ولا أرشح للملك ، فأجلسوه على كرسي القانية . ولما ~~استقر جرد أخاه قبلاي إلى بلاد الخطائية فعاد منهزما منهم ، فأعاد وجهز معه ~~أرنيكا ، فتوجها إليهم بعساكرهما فكسروهم وغنموا غنايم كثيرة ، فوقع بين ~~الأخوين التنازع في الغنايم ، حتى كان بينهما قتال ، فهزم أرنيكا قبلاي ثم ~~اصطلحا واستقر الأمر بينهما وكانت سائر ملوك التتار داخلة تحت طاعة من ~~ينتصب على تخت القانية يأتمرون بأمره . وانما استقل كل منهم بنفسه وانفرد ~~بمملكته بعد وفاة منكوقان . ولما ملك منكوقان انقطع التتار عن الوصول إلى ~~العراق والروم وغيرهما مما يكون داخلا في طاعة الخلفاء العباسيين مدة سنين ~~، وأري ذلك غنما كان لاشتغالهم بقتال من يليهم ، ثم رجعوا إلى هذه الممالك ~~ففتحوها مملكة بعد أخرى . ذكر دخول التتار إلى بلاد الروم وما استولوا عليه ~~من البلاد كان أول دخول التتار إلى البلاد الرومية في سنة أربع وثلاثين ~~وستمائة ، في أواخر أيام السلطان علاء الدين كيقباد وابتداء سلطنة ولده ~~غياث الدين كيخسروا . ثم وردت طائفة منهم إلى الروم في سنة إحدى وأربعين ~~وستمائة ، في أيام السلطان غياث الدين كيخسرو . وكانت هذه الطائفة من قبل ~~باطوخان بن دوشي ms6362 خان بن جنكزخان ، ملك البلاد الشمالية ؛ فجمع كيخسروا ~~العساكر وخرج إليهم والتقوا PageV27P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" واقتتلوا . فكانت الهزيمة أولا على التتار ثم ~~تراجعوا ، فهزموا صاحب الروم هزيمة عظيمة ، وقتلوا وأسروا خلقا كثيرا من ~~المسلمين ، ونهبوا من الأموال ما لا يحصى كثرة . وهرب غياث الدين إلى بعض ~~المعاقل ، وتحكمت التتار في البلاد ، ثم استولوا على بلاد خلاط وآمد ، ودخل ~~غياث الدين بعد ذلك في طاعة التتار على مال يحمله إليهم . وفي سنة ثلاث ~~وأربعين وستمائة ، قصد التتار بغداد ونهبوا ما مرو عليه في طريقهم ، ووصلوا ~~إلى ظاهرها ، واستعدت عساكر الخليفة للقائهم . فلما جاء الليل أوقد التتار ~~نارا عظيمة ورجعوا تحت الليل . ثم انقطعت أخبار التتار إلى أن جردهم ~~منكوقان في سنة أربع وخمسين وستمائة على ما نذكره . ذكر تجريد منكوقان ~~العساكر إلى بلاد الروم وما استولوا عليه منها وفي سنة أربع وخمسين وستمائة ~~جرج منكوقان جرماغون وبيجو وجماعة من عساكره إلى بلاد الروم ؛ وهي يومئذ في ~~يد السلطان غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ السلجقي . فساروا إليها ونزلوا على ~~أرزن الروم ، وبها يومئذ سنان الدين ياقوت العلائي أحد مماليك السلطان علاء ~~الدين كيقباذ . فحاصروها مدة شهرين ونصبوا عليها اثني عشر منجنيقا ، فهدموا ~~أسوارها ، ودخلوها عنوة ، وأخذوا سنان الدين ياقوت ، وملكوا القلعة في ~~اليوم الثاني ، وقتلوا الجند واستبقوا أرباب الصنائع وذوي المهن ، وقتلوا ~~ياقوت ؛ وغنموا وسبوا ، وعادوا ، وما جرماغون ثم عاد بيجو إلى الروم مرة ~~ثانية في هذه السنة ، فوصل إلى آقشهر زنجان ، ونزل بالصحراء التي هناك . ~~فجمع غياث الدين كيخسروا عساكره وسار للقائهم ، فانهزم من غير لقاء ، كما ~~ذكرناه في أخباره ، وغنم التتار خيامه وخزائنه وأثقاله إلا ما حمله مما خف ~~منها . وفر غياث الدين إلى قونية وتوفى في هذه السنة . وعاد بيجو ثم رجع ~~إلى بلاد الروم في سنة خمس وخمسين وستمائة فدخلها وشن الغارات وسبى ، وكان ~~المحرك لعوده أن بيجار الرومي حضر إلى باب السلطان PageV27P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" غياث الدين ليحضر السماط ، ولم تكن له صورة ~~بعسكر الروم ، فمنعه البرددارية ms6363 وضربه بعضهم بعصاه على رأسه ، فسقط طرطوره ~~إلى الأرض فشق ذلك عليه ، وقال : أنتم رميتم طرطوري في هذا الباب ، لا بد ~~أن أرمي عوضه رؤوسا كثيرة . وخرج من فوره وتوجه إلى بيجو وحثه على قصد ~~الروم ، فقصده وأغار وخرج بعد الإغارة . ثم عاد إلى الروم في هذه السنة ، ~~وقد استقل عز الدين كيكاوس ابن كيخسرو بالسلطنة . فلما بلغه عود التتار ، ~~جهز جيشه وقدم عليهم أميرا من أكابر أمرائه اسمه أرسلان دغمش ، فتوجه ~~بعساكر الروم وكان بيجو قد نزل بصحراء قونية . فلما كان بعد توجه أرسلان ~~بأيام شرب كيكاوس مسكرا وتوجه إلى بيت أرسلان دغمش وهو على حالة من السكر ~~ليهجم على حريمه ؛ فبلغه ذلك فغضب له وقال : أكون قد بذلت نفسي في دفع عدوه ~~ويخلفني في حريمي بهذا . وأجمع على الخلاف ، وأرسل إلى بيجو ووعده أنه ~~يتخاذل عند اللقاء وينحاز إليه . فلما التقوا ، عمل أرسلان إلى سناجق صاحبه ~~فكسرها وانهزم بالعسكر ثم توجه إلى بيجو فأكرمه وتلقاه وحضر معه إلى قونية ~~. ولما اتصل خبر الكسرة بالسلطان عز الدين فر من قونية إلى العلايا وأغلق ~~أهل قونية أبواب المدينة . فلما كان يوم الجمعة أخذ الخطيب ما يملكه من ~~ماله وحلى نسائه وأحضره معه إلى الجامع ، ورقى المنبر وقال : يا معشر ~~المسلمين ، إننا قد ابتلينا بهذا العدو وليس لنا من يعصمنا منه ، وقد بذلت ~~مالي ، فابذلوا أموالكم واشتروا نفوسكم بنفائسكم ، واسمحوا بما عندكم لنجمع ~~من بيننا ما نفدى به نفوسنا وحريمنا وأولادنا . ثم بكى وأبكى الناس وسمح كل ~~أحد بما أمكنه . وجهز الخطيب المذكور الإقامات وخرج إلى مخيم بيجو فلم ~~يصادفه ، لأنه كان قد توجه إلى الصيد ، فقدم ما كان معه إلى الخاتون زوجه ~~بيجو ، فقبلته منه وأقبلت عليه وأكل من المأكول فأكلت وقدم المشروب فأخذ ~~منه شيئا على سبيل الشاشني ، PageV27P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" وناوله لصغير . فقال له : لم لا تشرب أنت منه ~~؟ فقال : هذا محرم علينا . قالت : من حرمه ؟ قال : الله حرمه في كتابه . ~~قالت : فكيف لم يحرمه علينا ؟ فقال : أنتم ms6364 كفار ونحن مسلمون فقالت له : ~~أنتم خير عند الله أم نحن ؟ قال : بل نحن . قالت : فإذا كنتم خيرا منا عنده ~~، فكيف نصرنا عليكم ؟ فقال : هذا الثوب الذي عليك - وكان ثوبا نفيسا يمنيا ~~مرصعا بالدراتب - تعطيه لمن يكون خاصا بك أو بعيدا عنك ؟ قالت : بل أخص به ~~من يختص بي . قال : فإذا أضاعه وفرط فيه ودنسه ، ما كنت تصنعين به ؟ قالت : ~~كنت أنكل به وأقتله . فقال لها : دين الإسلام بمثابة هذا الجوهر ، والله ~~أكرمنا به فما رعيناه حق رعايته ، فغضب علينا وضربنا بسيوفكم واقتص منا ~~بأيديكم . فبكت زوجة بيجو وقالت للخطيب : من الآن تكون أبي وأكون ابنك . ~~فقال : ما يمكن حتى تسلمي . فأسلمت على يديه ، وأجلسته إلى جانبها على ~~السرير ، فحضر بيجو من الصيد ، فهم الخطيب أن يقوم له ، فمنعته وقالت : أنت ~~قد صرت حماه وهو يريد يجئ إليك ويخدمك . فلما دخل بيجو إلى الخيمة قالت له ~~: هذا قد صار أبي . فجلس بيجو دونه وأكرمه وقال لزوجته : أنا عاهدت الله ~~أنني إذا فتحت قونية وهبتها لك . فقالت : وأنا وهبتها لأبي . ثم أمر بفتح ~~قونية ، وأمن أهلها ورتب على كل باب شحنة من التتار ورسم أن لا يدخلها من ~~التتار إلا من له حاجة ، وأن يكونوا خمسين خمسين ، لا يزيدون على ذلك . فلم ~~يتعرضوا لأهلها بسوء . ثم اتفق بعد هذه الواقعة توجه رسل صاحب الروم إلى ~~منكوقان ، ومصالحتهم وبذلهم ما بذلوه وقسمه البلاد بين ولدي كيخسرو على ما ~~قدمناه في أخبارهم . ذكر مهلك منكوقان وما حصل بين اخوته من التنازع في ~~القانية كانت وفاة منكوقان بمقام نهر ألطاي من بلاد أيغور ، سنة ثمان ~~وخمسين وستمائة . وكان قد قصد غزو الخطا . وكان منكوقان يدين بدين ~~النصرانية ، وكان PageV27P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" أخوه أرنيكا ينوب عنه في كرسي المملكة ~~بقراقروم . فلما مات منكوقان ، أراد أرنيكا الاستيلاء على المملكة ، وكان ~~أخوه قبلاي مجردا ببلاد الخطا من جهة منكوقان ، فجلس في دست القانية . ~~فأرسل بركة بن باطوخان صاحب البلاد الشمالية إلى أرنيكا يقول : أنت أحق ~~بالقانية ، لأن ms6365 منكوقان رتبك فيها في حياته ، وانضم إليه بنو عمه قجى ابن ~~أوكتاي وأخوته . ثم عاد قبلاي من بلاد الخطا ، فسار أرنيكا لحربه ، والتقوا ~~واقتتلوا فكانت الكسرة على قبلاي ، وانتصر أرنيكا ، واحتوى على الغنائم ~~والسبايا واختص بها ، ولم يسهم منها لأحد من بني عمه شيئا . فوجدوا عليه ~~وتفرقوا عنه ومالوا إلى قبلاي ، فعاود القتال ، فاستظهر قبلاي عليه وأخذ ~~أرنيكا أسيرا . ذكر ملك قبلاي بن تولى خان بن جنكزخان القانية وهو الخامس ~~من ملوكهم قال : ولما انهزم جيش أرنيكا وأسر هو ، استقر قبلاي في القانية ~~بقراقروم ، وسقى أرنيكا سما فمات . وبلغ ذلك هولاكو ، فسار في طلب القانية ~~لنفسه ، فما وصل إلى البلاد إلا وقد استقر أخوه قبلاي في القانية فاستقر له ~~ما افتتحه من الأقاليم . وفي سنة سبع وثمانين وستمائة كانت الحرب بين جيوش ~~قبلاي القان وبين قيدوا بن قيجي بن طلوخان بن جنكز خان صاحب ما وراء النهر ~~. وكان سببها أنه قبلاي غضب على أمير من أمرائه اسمه طردغا ، فأحس أن قبلاي ~~قد عزم على الإيقاع به ، فهرب ولحق بقيدو وحسن له قصد قبلاي وحربه ، وأطمعه ~~في القانية . وقال : إن قبلاي قد كبر سنه وما بقي ينهض بتدبير مملكته وإنما ~~أولاده هم الذين يتولون الأمور وهم صبيان ، فسار قيدو بجيوشه وطردغا صحبته ~~، وبلغ قبلاي الخبر فجهز جيوشه صحبة ولده نمغان . فلما صار قيدوا بالقرب من ~~القوم بلغه ما هم عليه من الكثرة ، فهم بالرجعة فقال له طردغا : يعطيني ~~الملك تمانا من نقاوة PageV27P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" العسكر ، وأنا أدبر الحيلة وأهزمهم فقال له ~~قيدوا : وكيف تصنع ؟ فقال : إن الطريق أمامنا فيه واد بين جبلين ، فأتوجه ~~أنا بالتمان وأكمن في الوادي ، ويتقدم الملك إلى القوم ، فإذا التقى ~~الجمعان يرجع الملك فهم لا بد يتبعونه ، فإذا تبعوه نستدرجهم إلى أن يصيروا ~~بينه وبين الوادي ، فأخرج أنا إليهم ويعطف الملك عليهم بمن معه . ففعل قيدو ~~ذلك وفر أمامهم حتى تجاوزوا الكمين . فخرج عليهم طردغا وعطف قيدو بمن معه ~~فانكسر نمغان وعساكره وقتل منهم خلق كثير ms6366 . وسار قيدو ومن معه في آثارهم ~~حتى أشرفوا على منازلهم ، ونهبوا من النساء والصبيان شيئا كثيرا . وجلبت ~~المماليك التتار إلى الديار المصرية إثر هذه الوقعة . قال : ولما وصل نمغان ~~إلى أبيه غضب عليه ، وأرسله إلى بلاد الخطا فأقام حتى مات . ودامت أيام ~~قبلاي وطالت إلى سنة ثمان وثمانين وستمائة ، فكانت مدة ملكه نحوا من ثلاثين ~~سنة . ولما مات جلس بعده ابنه شرمون بن قبلاي بن تلي خان بن جنكزخان وهو ~~السادس من ملوكهم . كان جلوسه على تخت القانية بعد وفاة أبيه في شهور سنة ~~ثمان وثمانين وستمائة وكان لقبلاي ثلاثة أولاد وهم نمغان وشرمون وكملك . ~~فأما نمغان فإنه كان ببلاد الخطا كما ذكرنا ، فمات بها . وكان شرمون هو ~~الأكبر ، فجلس في الملك ودامت أيامه إلى سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ، وتوفي ~~فيها أو فيما يقاربها . ولما مات سار طقطا بن منكوتمر صاحب البلاد الشمالية ~~في طلب القانية ، فمات أيضا ولم يلها . وجلس على كرسي القانية أحد أولاده ~~ولم يصل إلينا جلية الخبر فنذكره . فلنذكر ملوك البلاد الشمالية من البيت ~~الجنكزخاني PageV27P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" ذكر أخبار ملوك البلاد الشمالية من أولاد ~~جنكزخان التمرجي هذه المملكة ببلاد الشمالي ونواحي الترك والقفجاق وكرسيها ~~مدينة حراي . وأول من ملك هذه المملكة من أولاد جنكزخان . دوشي خان وهو ~~الذي فتحها لما جهزه أخوه أوكديه خان عند انتصابه في القانية بعد مهلك ~~جنكزخان ، وذلك في سنة سبع وعشرين وستمائة ، وهلك في سنة إحدى وأربعين ~~وستمائة . وملك بعده ابنه باطوخان بن دوشي خان ، وهو الملقب صاين قان ، ~~واستمر في الملك من سنة إحدى وأربعين وستمائة إلى أن توفي في سنة خمسين ~~وستمائة . وكانت مدة ملكه عشر سنين وهو الثاني من ملوك هذه المملكة . ولما ~~مات صاين قان خلف من الأولاد ثلاثة ، وهم طغان وبركة وبركجار . فنازعهم ~~عمهم صرطق بن دوشي خان بن جنكزخان الملك ، واستبد به دونهم ، فملك في سنة ~~خمسين وستمائة وهو الثالث من ملوك هذا البيت واستمر في الملك إلى أن هلك في ~~سنة اثنتين وخمسين ms6367 وستمائة ، فكانت مدة ملكه سنة وشهورا . ولم يكن له ولد . ~~وكانت براق شين زوجة طغان ابن أخيه باطوخان قد أرادت أن تولي ولدها تدان ~~منكوا السلطنة بالبلاد الشمالية بعد وفاة صرطق ، وكان لها بسطة وتحكم ، فلم ~~يوافقها الخانات أولاد باطو خان عمومة ابنها ، وأمراء التمانات على ذلك . ~~فلما رأت ذلك من اقناعهم راسلت هولاكو بن تلي خان وأرسلت إليه نشابة بغير ~~ريش ، وقباءا بغير بنود ؛ وأرسلت إليه تقول له : قد تفرع الكاشن من النشاب ~~وخلا القرنان من القوس ، فتحضر لتتسلم الملك ثم سارت في إثر الرسول ، وقصدت ~~اللحاق بهولاكو أو إحضاره إلى بلاد الشمال . فلما بلغ القوم ما دبرته ~~أرسلوا في إثرها وأعادوها ، على كره منها وقتلوها . PageV27P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" هذا ما انتهى علمه إلينا من أخبار هؤلاء ~~الملوك الثلاثة ، ولم نطلع على ما كان لكل منهم من الأخبار والحروب ~~والوقائع والفتوحات فنذكره ، وإنما أوردنا ما أوردناه وما نورده مما ~~تلقفناه من أفواه الرجال . ذكر ملك بركة بن باطوخان بن دوشي خان ابن ~~جنكزخان وهو الرابع من من ملوك هذه المملكة الشمالية كان جلوسه على تخت ~~المملكة الشمالية في سنة اثنتين وخمسين وستمائة بعد وفاة عمه صرتق ، وأسلم ~~بركة هذا وحسن إسلامه ، وأقام منار الدين ، وأشهر شعائر الإسلام وأكرم ~~الفقهاء وأدناهم منه ، وقربهم لديه ووصلهم ، وابتنى المساجد والمدارس ~~بنواحي مملكته ، وهو أول من دخل في دين الإسلام من عقب جنكزخان . لم ينقل ~~إلينا أن أحدا منهم أسلم قبله . ولما أسلم أسلم أكثر قومه وأسلمت زوجته ججك ~~خاتون ، واتخذت لها مسجدا من الخيام تسافر به . وفي سنة ثلاث وخمسين ~~وستمائة كانت الحرب بين بركة وهولاكو ملك خراسان والعراقين وما مع ذلك . ~~وذلك أن هولاكو لما انتهت إليه رسالة براق شين زوجة طغان كما ذكرناه ، ~~أطمعه ذلك في ملك هذه المملكة ليضمها إلى ما بيده من الممالك . فتجهز وسار ~~بجيوشه إليها ، فكان وصوله بعد قتل براق شين وجلوس بركة على سرير الملك ~~وانتظام الأمر له . ولما اتصل ببركة خبر هولاكو وقربه من ms6368 البلاد سار بجيوشه ~~للقائه وكان بينهما نهر يسمى نهر ترك وقد جمد ماؤه لشدة البرد ، فعبر عليه ~~هولاكو بعساكره إلى بلاد بركة . فلما التقوا واقتتلوا كانت الهزيمة على ~~هولاكو . فلما وصل إلى ذلك النهر تكردس أصحابه عليه ، فانخسف بهم ، ففرق ~~منهم خلق كثير ، ورجع هولاكو بمن بقي معه من أصحابه إلى بلاده . ونشأت ~~الحرب بينهم من هذه السنة ، وكان فيمن شهد هذه الوقعة مع بركة ابن عمه ~~نوغيه ابن ططر بن مغل بن جنكزخان فأصابته طعنة رمح في عينه فغارت ولنوغيه ~~هذا أخبار نذكرها بعد إن شاء الله تعالى . PageV27P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" وراسل بركة هذا السلطان الملك الظاهر ركن ~~الدين بيبرس الصالحي ملك الديار المصرية والممالك الشامية في سنة إحدى ~~وستين وستمائة يخبره بما من الله تعالى به عليه من الإسلام فأجابه السلطان ~~يهنيه بهذه النعمة ، وجهز له هدايا جليلة ، من جملتها ختمة شريفة ذكر أنها ~~من المصاحف العثمانية ، وسجادات للصلاة وأكسية لواتية ، وعدة من النطوع ~~المصرطقة والأديم وسيوف قلاجورية مسقطة ، ودبابيس مذهبة ، وخوذ وطوارق ، ~~وفوانيس وشمعدانات ، ومشاعل جفناوات وقواعد برسمها مكفتة ، وسروج خوارزمية ~~؛ ولجم ؛ كل ذلك بسقط الذهب والفضة ، وقسي حلق وقسي بنيدق وحروج وأسنة ~~ونشاب بصناديقه وقدور برام ، وقناديل مذهبة ، وخدام سود ، وجواري طباخات ، ~~وخيول عربية سبق ، وهجن نوبية ، وحمير فرة ، ونسانيس وبغانغ وغير ذلك . ~~وأعاد السلطان الملك الظاهر رسله في شهر رمضان من السنة المذكورة ، وكتب ~~إليه يغريه بهولاكو ويحضه على حربه . وفي سنة ثلاث وستين وستمائة كانت ~~الحرب بين عساكر بركة وعساكر أبغا بن هولاكو ، وذلك أن هولاكو لما توفي في ~~هذه السنة وجلس ابنه أبغا بعده ، جهز جيشا لقتال بركة ، فلما بلغه الخبر ~~جهز جيشا وقدم عليه ييسوا نوغا بن ططر بن مغل ، فصار في المقدمة ثم أردفه ~~بمقدم آخر اسمه بستاي في خمسين ألف فارس ، فسبق نوغا بمن معه وتقدم إلى ~~عسكر أبغا وبستاي على إثره . فلما أشرفت عساكر أبغا على بستاي وهو مقبل في ~~سواده العظيم تكردسوا وتجمعوا للهزيمة ، فظن بستاي أنهم أحاطوا ms6369 بنوغا ومن ~~معه فانهزم راجعا من غير لقاء . وأما نوغا فإنه تبع عساكر أبغا وواقعهم ~~وهزمهم ، وقتل منهم جماعة وعاد إلى بركة ؛ فعظم قدره عنده وارتفع محله ، ~~وقدمه على عدة تمانات . وعظم ذنب بستاي عند بركة . ودامت أيام بركة هذا ~~بهذه المملكة إلى أن توفي في سنة خمس وستين وستمائة وهو على دين الإسلام ، ~~رحمه الله تعالى . ولم يكن لبركة ولد يرث الملك من بعده فاستقر الملك من ~~بعده لابن أخيه منكوتمر . PageV27P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" ذكر ملك منكوتمر بن طوغان بن باطوخان ابن ~~دوشي خان بن جنكزخان وهو الخامس من ملوكهم بهذه المملكة ملك هذه المملكة ~~وجلس على كرسي الملك بصراي ، وصار إليه ملك بلاد الشام والترك والقفجاق ~~وباب الحديد وما يليه ؛ وذلك في سنة خمس وستين وستمائة . ولما ملك كاتبه ~~السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي من الديار المصرية بالتهنئة ~~والتعزية بعمه ، وأغراه بأبغا بن هولاكو وحرضه عليه كما كان قد فعل لما ~~كاتب بركة ، وذلك في سنة ست وستين وستمائة . ذكر مسير عساكر منكوتمر إلى ~~بلاد القسطنطينية وفي سنة ثمان وستين وستمائة جهز منكوتمر جيشا إلى اصطنبول ~~. وكان رسول السلطان الملك الظاهر ركن الدين يومذاك عند الأشكري ، وهو فارس ~~الدين المسعودي . فخرج المذكور إلى عسكر منكوتمر وقال : أنتم تعلمون أن ~~صاحب اصطنبول صلح مع صاحب مصر وأنا رسول الملك الظاهر ، وبين أستاذي وبين ~~الملك منكوتمر مراسلة ومصالحة واتفاق . واصطنبول مصر ومصر اصطنبول . فرجعوا ~~عنها ونهبوا بلادها وشعثوا . فلما وصل الفارس المسعودي في الرسلية إلى ~~الملك منكوتمر من جهة السلطان ، أنكر عليه كونه صد جيوشه عن أخذ اصطنبول . ~~وكان المسعودي قد فعل ذلك من قبل نفسه وبرأيه ، لا برأي السلطان الملك ~~الظاهر وأمره . فلما عاد المسعودي إلى السلطان الملك الظاهر نقم عليه وضربه ~~واعتقله . ولما كان جيش منكوتمر باصطنبول ورجعوا ، مروا بالقلعة التي فيها ~~عز الدين كيكاوس صاحب الروم معتقلا فأخذوه منها ، وأحضروه إلى الملك ~~منكوتمر ، فأكرمه وأحسن إليه وأقام عنده إلى أن مات . ودامت أيام منكوتمر ~~إلى ms6370 سنة تسع وسبعين وستمائة وتوفي ، ووردت الأخبار بوفاته إلى الديار ~~المصرية في سنة إحدى وثمانين وستمائة . وكان سبب وفاته أنه طلع له دمل في ~~حلقه فبظه فمات منه في شهر ربيع الأول من السنة . فكانت مدة ملكه نحو أربع ~~عشرة سنة . PageV27P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" وخلف منكوتمر من الأولاد تسعة ، وهم ألغى ~~وأمه ججك خاتون وكان لها حرمة وبسطة لأنها من الذرية القانية ، وبرلك ، ~~وصراي بغا ، وطغرلجا ، وتلغان وتدان وطفطا وهو الذي ملك البلاد فيما بعد ، ~~وقدان ، وقطغان . وكان له منكوتمر من الإخوة لأبيه تدان منكوا ، وأدكجي ؛ ~~وتدان منكوا أكبرهم . فدفع تدان منكوا أولاد أخيه عن الملك واستقر هو في ~~الملك بعد أخيه منكوتمر . ذكر ملك تدان منكوا بن طغان بن باطوخان ابن دوشي ~~خان بن جنكزخان ملك البلاد الشمالية بعد وفاة أخيه في شهر ربيع الأول سنة ~~تسع وسبعين وستمائة . وقيل إنه جلس في جمادى الآخرة سنة ثمانين . وهو ~~السادس من ملوك هذه المملكة . وكان السلطان الملك المنصور قلاوون صاحب ~~الديار المصرية والبلاد الشامية قد أرسل رسلا إلى منكوتمر وهما شمس الدين ~~سنقر الغتمي ، وسيف الدين تلبان الخاص تركي ؛ وسير معهما ستة عشر تعبية من ~~القماش النفيس لمن يذكر : الملك منكوتمر ، وأدكجي ، وتدان منكو ، وتلا بغا ~~، ونوغاي ؛ وكان قد تقدم عنده . وما هو للخواتين من الأقمشة وهن : ججك ~~خاتون وإلجي خاتون وتوتكين PageV27P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" خاتون ، وبدارن خاتون وسلطان خاتون وخطلوا ~~خاتون . وما هو للأمراء وهم : الأمير مادوا أمير الميسرة ، والأمير طبرا ~~أمير الميمنة . وما هو لقيالق زوجة ايلجي . وما هو للسلطان غياث الدين صاحب ~~الروم وكانت هدية جليلة من الأقمشة والتحف والقسي والجواشن والخوذ . فلما ~~وصلا وجدا منكوتمر قد مات ، وجلس تدان منكوا في الملك ، فقدموا له الهدية ~~فقبلها . واستمر تدان منكوا في الملك إلى سنة ست وثمانين وستمائة ، فأظهر ~~الزهد والتخلي عن النظر في أمور المملكة وصحب الفقراء والمشايخ وقنع بالقوت ~~، فقيل له : إن المملكة لا بد لها من ملك يسوس أمورها ، فنزل عن الملك ~~لتلابغا . ذكر ملك ms6371 تلابغا بن طربوا بن دوشي خان ابن جنكزخان ملك البلاد ~~الشمالية بعد تزهد تدان منكوا في سنة ست وثمانين وستمائة ، وهو السابع من ~~ملوك هذه المملكة . فلما ملك تجهز بعساكره لغزو الكرك واستدعى نوغيه بن ططر ~~بن مغل بن دوشي خان ، وهو الذي قلعت عينه في حرب هولاكو كما ذكرناه . وأمره ~~بالمسر بمن معه من التمانات ، فسار إليه وتوافيا في المقصد ، وشنوا الغارة ~~على بلد كرك ونهبوا وقتلوا وعادوا وقد اشتد البرد وكثرت الثلوج ، ففارقهم ~~نوغيه بمن معه وسار إلى مشاتيه ، فوصل سالما . وسار تلابغا ، فضل عن الطريق ~~فهلك جماعة ممن معه واضطره الحال إلى أن أكل أصحابه دوابهم وكلاب الصيد ~~ولحوم من مات منهم لشدة ما نالهم من الجوع . فتوهم أن نوغيه قصد له المكيدة ~~فأضمر له السوء ، وكان ذلك سبب قتله . ذكر مقتل تلابغا كان مقتله في سنة ~~تسعين وستمائة وذلك أنه لما عاد من غزو الكرك اجتمع على الإيقاع بنوغيه ، ~~ووافقه على ذلك من انتمى إليه من أولاد منكوتمر . وكان نوغيه شيخا مجربا له ~~معرفة وممارسة بالمكائد ، فنمى الخبر إليه فكتمه ، ثم أرسل تلابغا يستدعي ~~نوغيه وأظهر له احتياجه إلى مشورته وأخذ رأيه ، فراسل نوغيه والدة تلابغا ~~وقال لها : PageV27P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" إن ابنك شات وإنني أحب أن أبذل له النصيحة ~~وأعرفه بما يعود عليه نفعه من مصالح ملكه ، ولا يمكن أن أبديها له إلا في ~~خلوة يجب ألا يطلع عليها سواه ، وأختار أن ألقاه في نفر يسير . فمالت ~~المرأة إلى مقالته وأشارت على ابنها بموافقته والاجتماع به وسماع ما يقول . ~~ففرق تلابغا عساكره التي كان جمعها وأرسل إلى نوغيه ليحضر عنده ، فتجهز ~~بجميع من عنده من العساكر وأرسل إلى أولاد منكوتمر الذين كانوا يميلون إليه ~~، وهم طقطا برلك وصراي بغا وتدان باللحاق معهم . ثم سار مجدا فلما صار ~~بالقرب من مقام تلابغا الذي تواعدا أن يجتمعا فيه ترك العسكر الذي معه ~~وأولاد منكوتمر طقطا وإخوته كمينا واستصحب معه نفرا يسيرا ، وتوجه نحو ~~تلابغا ، فصار تلابغا لتلقيه ms6372 ومعه من أولاد منكوتمر أولغى وطغرلجا وتلغان ~~وقدان وقتغان ، وهم الذين انحازوا إليه . فلما اجتمع تلابغا ونوغيه وأخذا ~~في الحديث لم يشعر تلابغا إلا وخيول أصحاب نوغيه قد أقبلت ، فتحير في أمره ~~وتقدم العسكر ، فأمرهم نوغيه بإنزال تلابغا ومن معه من أولاد منكوتمر عن ~~خيولهم فأنزلوهم ، ثم أمر بربطهم فربطوا وقال لطقطا : هذا تغلب على ملك ~~أبيك وهؤلاء بنو أبيك وافقوه على أخذك وقتلك . وقد سلمتهم إليك ، فاقتلهم ~~أنت كما تشاء ، فقتلهم جميعا . ذكر ملك طقطا بن منكوتمر بن طوغان ابن ~~باطوخان بن دوشي خان بن جنكزخان وهو الثامن من ملوك هذه المملكة ملك البلاد ~~الشمالية في سنة تسعين وستمائة . وذلك أنه لما قتل تلابغا وإخوته الخمسة ~~أولاد منكوتمر أجلسه نوغيه على كرسي الملك ، ورتب أمور دولته ، وسلم إليه ~~من بقي من إخوته الذين اتفقوا معه . وقال : هؤلاء إخوتك يكونون في خدمتك ~~فاستوص بهم . وعاد نوغيه إلى مقامه ، وبقي في نفسه من الأمراء الذين ~~اجتمعوا مع تلابغا عليه عندما أرسل إليه يستدعيه . ذكر ايقاع طقطا بجماعة ~~من أمرائه وفي سنة اثنتين وتسعين وستمائة ، جهز نوغيه زوجته ييلق خاتون إلى ~~الملك طقطا برسالة . فلما وصلت إلى الأردو تلقاها بالإكرام واحتفل بها غاية ~~الاحتفال ، ثم سألها عن موجب حضورها ، فقالت له : أبوك يسلم عليك ويقول لك ~~: قد بقي في PageV27P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" طريقك قليل شوك فنصفه . قال : وما هو ؟ فسمت ~~له الأمراء وهم : كلكتاي ويوقق وقرا كيوك وما جار وتاين طقطا وكبى وبركوا ~~وطراتمر والتمر ونكا وبيطرا وبيملك تمر وبيطقتمر وبيقور الطاجي وتادوة ~~وملخكا وبرلغي وكنجك وشردق وقراحين وجاجري وابشقا بينننجي . وهؤلاء هم ~~الذين اتفقوا مع تلابغا على نوغيه . فلما أبلغته هذه الرسالة ، وسمعت له ~~هؤلاء الأمراء ، طلبهم وقتلهم جميعا ، وعادت ييلق خاتون إلى نوغيه فاطمأن ~~خاطره ؛ وتحكم أولاد نوغيه وأولاد أولاده . وكان له من الأولاد الذكور ~~ثلاثة وهم جكا وتكا وطراي وابنة تسمى طغلجا وابن بنت يسمى أقطاجي . وكانت ~~ابنته متزوجة لشخص يسمى طاز بن منجك ، فقويت شوكتهم ، ثم وقع الخلف ms6373 بين ~~طقطا ونوغيه . ذكر ابتداء الخلف بين طقطا ونوغيه وفي سنة سبع وتسعين ~~وستمائة ابتدأ الخلف بين طقطا ونوغيه ، وكان لذلك أسباب منها : أن ييلق ~~خاتون زوجة نوغيه نفرت من ولديه جكا وبكا وأظهرا لها الإساءة والامتهان ، ~~فأغرت طقطا بهما وأرسلت إليه تحرضه عليهما . ومنها أن بعض أمراء طقطا ~~أوجسوا منه خيفة ففارقوه وانحازوا إلى نوغيه ؛ فقبلهم وأحسن إليهم ، ~~وأنزلهم في حوزته ، وزوج أحدهم وهو طاز بن منجك بابنته ، فطلبهم طقطا منه ~~فمنعهم عنه فأغضبه ذلك ، وأرسل إليه رسولا وصحبته محراث وسهم نشاب وقبضة ~~تراب . فجمع أكابر عشيرته وقال : ما عندكم فيما أرسله طقطا ؟ فقال كل منهم ~~قولا ، ما أصبتم وأنا أخبركم بمراده . أما المحراث فهو يقول : إن نزلتم إلى ~~أسافل الأرض أطلعتكم بهذا المحراث ؛ وأما النشابة فيقول : إن طلعتم إلى ~~الجو أنزلتكم بهذا السهم ، وأما التراب فيقول : اختاروا لكم أرضا تكونون ~~فيها للملتقى . فقال نوغيه لرسوله : قل لطقطا إن خيلنا قد عطشت ونريد ~~نسقيها من ماء تن - وهو نهر على مقام صراي وفيه منازل طقطا - وجمع جنوده ~~وسار للقائه . PageV27P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" ذكر الواقعة الأولى بين طقطا ونوغيه وفي سنة ~~سبع وتسعين وستمائة سار طقطا للقاء نوغيه ، فجمع عساكره ومن انضاف إليه ، ~~وكانوا يزيدون على مائتي ألف فارس . وسار كل منهما لقصد صاحبه ، فالتقوا ~~على نهر يقصى بين مقام طقطا ومقام نوغيه . فكانت الهزيمة على طقطا وعساكره ~~، وانتهت بهم الهزيمة إلى نهر تن ، فمنهم من عبر وسلم ومنهم من هوى به فرسه ~~فغرق . وأمر نوغيه عساكره أن لا يتبعوا منهزما ولا يجهزوا على جريح ، وأخذ ~~الغنائم والسبايا والأسلاب وعاد إلى مكانه . ذكر الوقعة الثانية وقتل نوغيه ~~وفي سنة تسع وتسعين وستمائة ، عزم طقطا على حرب نوغيه ، واتفق أن جماعة من ~~أمراء نوغيه الذين كان يعتمد عليهم فارقوه وانحازوا إلى طقطا . فقويت به ~~شوكتهم ، وكانوا في ثلاثين ألف فارس . ولما تجهز طقطا اتصل خبره بنوغيه ، ~~فتجهز أيضا لحربه وخرج كل منهما للقاء الآخر . فلما صار بينهما مسافة يوم ، ~~أرسل نوغيه ms6374 شخصا ومعه مائة فارس للكشف ، فظفر بهم طقطا وقتلهم ونجا مقدمهم ~~بمفرده . فأخبر نوغيه أن العسكر قد دهمه ، فركب فيمن معه والتقوا على كوكان ~~لك واقتتلوا ، فكانت الكسرة على نوغيه في وقت المغرب ، فانهزم أولاده ~~وعشائره وثبت هو على ظهر فرسه ، وكان قد كبر وطعن في السن ، وتغطت عيناه ~~بشعر حواجبه ، فوافاه رجل روسي من عسكر طقطا وقصد قتله ، فعرفه بنفسه وقال ~~: أنا نوغيه فاحملني إلى طقطا فلي معه حديث . فلم يصغ الروسي لمقالته وقتله ~~. وحمل رأسه إلى طقطا وقال : هذا رأس نوغيه . فقال له : ومن الذي أعلمك أنه ~~نوغيه ؟ فقص عليه القصة . فآلمه ذلك ، وأمر بقتل قاتله ، وقال : إن من ~~السياسة قتله حتى لا يجترئ أمثاله على قتل مثل هذا الرجل الكبير . ثم عاد ~~طقطا إلى مقامه . ذكر أخبار أولاد نوغيه ولما انهزم عسكر نوغيه وقتل ، ~~استقر أولاده بمقامه فلم تطل بهم الأيام حتى وقع الخلف بينهم . وقتل جكا بن ~~نوغيه أخاه بكا ، واستبد جكا بملك أبيه وأقام له نائبا يسمى طنغر ؛ فنفر ~~عنه أصحابه وعلموا أنه لا يبقي عليهم بعد أن قتل أخاه . واتفق نائبه طنغر ~~مع طاز بن منجك - وهو صهر نوغيه ، زوج ابنته طغلجا - على الإغارة على بلاد ~~أولاق والروس . فسارا وتذاكرا سوء سيرة جكا فيهم ، واتفقا على أن يقبضا ~~عليه عند عودهما ، وعادا لذلك . فبلغه الخبر ففر منهما في مائة وخمسين ~~فارسا ، ودخل بلاد آص وكان بها مقدم وطمأن من عسكره فأقام بينهم . ووصل ~~طنغر ثانية وطاز بن منجك صهره إلى بيوته فنهبوها واستولوا عليها . ~~PageV27P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" ولما أقام جكا ببلاد آص تسلل إليه كثير من ~~عسكره ، فكثرت بهم عدته ، وسار لحرب طنغر وطاز بن منجك ، والتقوا واقتتلوا ~~فاستظهر جكا عليهما وأسروا بيوتهما به . وكانت أخته طقلجا تقاتله بنفسها في ~~هذه الوقعة . فلما انكسر زوجها ومن معه ، كاتبوا طقطا يستمدونه ، فأمدهم ~~بجيش صحبة أخيه برلك بن منكوتمر . . فلما جاءهم المدد والتقوا للقتال لم ~~يكن لكيجا بهم قبل ، فهرب إلى بلاد أولاق ، وكان ملكها والحاكم ms6375 عليها صروجا ~~أحد أقارب جكا فآوى إليه ، فاجتمع أصحابه وقالوا : هذا عدو طقطا ، ولا نأمن ~~أنه إذا بلغه أنه انحاز إلينا يقصدنا بجيوشه ولا قبل لنا به . فأمسكه دعوقه ~~في قلعته واسمها تزنوا وطالع طقطا بأمره فأمره بقتله ، فقتله في هذه السنة ~~وهي سنة سبعمائة ، ودخلت مملكة الملك طقطا ممن يساويه ، واستقر يزلك بن ~~منكوتمر في مقام نوغيه من قبل أخيه طقطا . ولم يبق من أولاد نوغيه إلا ~~أصغرهم وهو طراي . ورتب طقطا بيجي بن قرمسي يرصع أباجي أخاه . وجهز ولديه ~~يكل بغا وأربصا إلى بلاد نوغيه ، فاستقر يكل بغا في صنعجي ونهر طنا وتايل ~~باب الحديد ، وهي منازل نوغيه . وأقام ايربصا ، بنق ورتب أيضا أخاه صراي ~~بغا . ذكر ما اتفق طراي بن نوغيه وصراي بغا بن منكوتمر من الخروج عن طاعة ~~الملك طقطا وقتلهما وفي سنة إحدى وسبعمائة تحرك طراي بن نوغيه في طلب ثأر ~~أبيه وأخيه من طقطا ، ولم يكن له قوة بنفسه ، فجاء إلى صراي بغا ابن ~~منكوتمر . وكان أخوه طقطا قد رتبه في مقام نوغيه فتوصل طراي إليه ولازمه ، ~~ولم يزل يلاطفه حتى حسن له الخروج على أخيه طقطا وأن يستقل بالملك ، فوافقه ~~صراي بغا ومال إليه وركب بتمانه وعبر نهر اتل ، وترك العسكر ، وتوجه جريدة ~~، اجتمع بأخيه برلك ، وعرفه ما عزم عليه وطلب منه الموافقة فأجابه إلى ما ~~طلب . ثم بادر برلك بالاجتماع بأخيه طقطا ، وعرفه الصورة وما هم به صراي ~~بغا وطراي بن نوغيه . فركب طقطا لوقته في خواصه وجهز إليهما من أحضرهما ، ~~فقتلا بين يديه ، ورتب ولده في المكان الذي كان قد رتب فيه صراي بغا . ولما ~~قتل طقطا طراي هرب قرا كشك بن جكا بن نوغيه ، وهرب معه اثنان من أقاربه ~~وهما جركتمر ويلتطلوا . - وكان بزلك قد أرسل في طلبه - PageV27P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" فانهزم هو وهذان إلى بلاد ششتمن إلى مكان ~~يسمى يدرك بالقرب من كدك ومعهم نحو ثلاثة آلاف فارس ، فآواهم ششتمن وأصحابه ~~وقاموا عنده يعبرون على الأطراف ويأكلون من كسبهم ms6376 إلى آخر أيام طقطا . وفي ~~سنة سبع وسبعمائة وردت الخبار إلى الديار المصرية أن طقطا نقم على الفرنج ~~الجنوبية الذين بقرم وكفار البلاد الشمالية لأمور نقلت إليه عنهم ، منها ~~استيلاؤهم على أولاد التتار وبيعهم بالبلاد الإسلامية ، فأرسل جيشا إلى ~~مدينة كفا وهي مسقط رؤوسهم . فشعر الفرنج بهم فركبوا في مراكبهم وتوجهوا في ~~البحر فلم يظفر الجيش منهم بأحد . فنهب طقطا أموال من كان منهم بمدينة صراي ~~وما يليها . وفي سنة تسع وسبعمائة كانت وفاة ايرصا بن طقطا حتف أنفه . وكان ~~مرشحا عند أبيه للتقدمة على العساكر . وتوفي أيضا أخوه برلك بن منكوتمر ~~ودامت أيام طقطا إلى أن توفي في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وملك بعده . أزبك ~~بن طغولجا بن منكوتمر بن طغان ابن باطوخان بن دوشي خان بن جنكزخان وهو ~~التاسع من ملوك هذه المملكة ووصلت رسله إلى أبواب مولانا السلطان الملك ~~الناصر سلطان الديار المصرية والبلاد الشامية وغيرها من الممالك الإسلامية ~~وكان وصلهم في ذي الحجة سنة ثلاث عشرة وسبعمائة ، وصحبهم من التقادم ~~لمولانا السلطان ما لم تجر بمثله عادة . وكان من جملة رسالته أنه هنأ ~~مولانا السلطان الملك الناصر بإيصال الإسلام من الصين إلى أقصى بلاد الغرب ~~؛ وقال إنه كان قد بقي في مملكته طائفة على غير دين الإسلام فلما ملك خيرهم ~~بين الدخول في دين الإسلام أو الحرب ؛ فامتنعوا وقاتلوا ، فأوقع بهم وهزمهم ~~واستأصل شأفتهم بالقتل والأسر . وجهز إلى مولانا السلطان عدة من ~~PageV27P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" سباياهم ، فأعاد مولانا السلطان رسله صحبة ~~رسل منه وأنعم عليهم وأرسل معهم الهدايا الوافرة . هذا ما نقل إلينا من ~~أخبار ملوك هذه المملكة الشمالية إلى حين وضعنا لهذا التأليف . ومهما اتصل ~~بنا من أخبارهم بعد ذلك نورده إن شاء الله في جملة أخبار الدولة الناصرية ~~بالديار المصرية المحروسة . وأما ملوك ما وراء النهر من ذرية جنكزخان فلم ~~يصل إلينا من أخبارهم ما ندونه لبعد بلادهم وانقطاع رسلهم عن ملوكنا ؛ إلا ~~أن ملك ما وراء النهر انتهى إلى قيدوا بن قيجي بن ms6377 طلوا بن جنكزخان ، وطلوا ~~هو تلي خان . ورأيت في شجرة وضعها الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار ~~المنصوري أن قيدوا ابن قيجي بن أوكديه بن جنكزخان وطالت أيام قيدوا واستمر ~~الملك إلى أن توفي في تسع وسبعمائة . وكرسي مملكته . كاشغر وقلا صاق ، وله ~~تركستان وقيالق والمالق وبخارى وغير ذلك . ولما مات ملك بعده ابنه جابار ~~واستمر إلى أن مات في سنة سبع عشرة وسبعمائة . وملك بعد أخوه ألوين بغا ابن ~~قيدوا . ولقيدوا غير هؤلاء من الأولاد تانجار وأروس . وهذه الطائفة يقابلون ~~القان الكبير الجالس على تخت القانية بقراقروم وغيره . وأما ملوك غزنة ~~وباميان وهم أولاد أرديوا بن دوشي خان ابن جنكزخان وهم أقرب إلى ملوك ~~البلاد الشمالية من غيرهم من البيوت لأن أرديوا بن دوشي خان هو أخوباطو خان ~~بن دوشي خان . فدوشي خان بن جنكزخان يجمعهم وأخبارهم أيضا منقطعة عن بلادنا ~~لبعد بلادهم ، لأن بيت هولاكو بيننا وبينهم . والذي وصل إلينا من أخبارهم ~~أن ملك غزنة وباميان انتهى إلى قيجي بن أرديوا بن دوشي خان . ودامت أيامه ~~إلى أن توفي في سنة إحدى وسبعماية ، فاختلف أولاده وبنو عمه في الملك بعد ~~وفاته وتنازعوه بينهم وافترق بعضهم عن بعض ، وكان له من الأولاد . نيان . ~~وكبلك وطقتمر . وبغاتمر . ومنغطاي . وصاحي . وكان كبلك قد استقر في الملك ~~بعد وفاة أبيه فسار أخوه نيان إلى الملك طقطا واستنجد به ، واستمده على ~~أخيه ، فأمده بأخيه برلك وسار كبلك إلى قيدوا واستعان به فأمده بجيش . ~~وعادا من جهة PageV27P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" طقطا وقيدوا ، والتقوا واقتتلوا فكسر كبلك ثم ~~مات واستقر أخوه نيان في المملكة الغزنوية ؛ واستمر إلى سنة ثمان وسبعماية ~~، فوقع الخلف بينه وبين أخيه منغطاي بن قيجي وتنازعا الملك ، وانحاز إلى كل ~~واحد منهما فئة ، فاستظهر منغطاي على أخيه نيان بكثرة من انحاز إليه ، ~~فانهزم نيان واستقر منغطاي في الملك . وأقام نيان ببلاد بكمرش وهي على ~~أطراف حدودهم . ثم توجه قرشياي بن كبلك إلى قيدوا في سنة تسع وسبعماية ، ~~واستنجده على عمه نيان ، فأنجده عليه ms6378 ، وجرد معه جيشا . فقصد نيان واقتتلا ~~فانهزم نيان وتوجه إلى عند الملك طقطا ، لأنه كان قد أمده أولا وأعانه . ~~وتمكن قرشتاي من بلاد نيان واستقر بها ، واستمر منغطاي في ملك المملكة ~~الغزنوية إلى وقتنا هذا . وانقطعت أخبارهم عنا من سنة عشر وسبعمائة فلم يصل ~~إلينا منها ما نشرحه . وإنما أوردنا هذه النبذة اليسيرة من أخبار هذين ~~البيتين لتكون دالة على وجودهم ومنبهة عن ممالكهم ، وإلا فأخبارهم كثيرة لم ~~نظفر بها . فلنذكر الآن نبذة من أخبار هولاكو بن تولي خان ابن جنكزخان ، ~~وأخبار أولاده ، وما ملكه وملكوه بعده من الأقاليم . والممالك . ذكر أخبار ~~هولاكو بن تولي خان بن جنكزخان وابتداء أمره وما استولى عليه من الممالك ~~والأقاليم ومن ملك من ذريته وهذا البيت من التتار وهو أقرب البيوت إلى ~~القان الكبير ، لأن القانية استقرت في إخوة هولاكو ، ثم في بني أخيه قبلاي ~~بن تولي خان ، كما قدمناه في أخبارهم . PageV27P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" وكان ابتداء أمر هولاكو أن أخاه منكوقان وهو ~~الجالس في أيامه على تخت القانية بقراقروم بعثه لفتح العراق في سنة خمسين ~~وستماية ، فسار فيمن معه من الجيوش إلى بلاد الاسماعيلية ، ويسمون ببلاد ~~العجم الملاحدة ، فاستولى عليها وأباد أهلها قتلا وأسرا وسبيا ونهبا . ثم ~~كان بينه وبين بركة من الحرب ما شرحناه في أخبار بركة . وكانت الهزيمة على ~~هولاكو وقتل كثير من أصحابه وغرق كثير منهم . وعاد هولاكو إلى العراق بمن ~~بقي معه . وتمكنت العداوة بين هذين البيتين ونشأت الحرب بينهم من هذه السنة ~~وهي سنة ثلاث وخمسين . ذكر استيلائه على بغداد وقتله الخليفة المستعصم ~~بالله وفي سنة ست وخمسين وستماية سار هولاكو بعساكر التتار إلى مدينة بغداد ~~ونازلها . وكان قد أرسل إلى بيجو يستدعيه من بلاد الروم ، فكره بيجو اللحاق ~~به . وما أمكنه مفاجأته بذلك ؛ فاعتذر إليه أن جمعا كثيرا من القرى تليه ~~والأكراد والياروقية قد تجمعوا في الطرقات ، ومقدمهم شرف الدين بن بلاشن ~~وأنهم أخذوا عليه وعلى من معه المضيق ، ولا سبيل لهم إلى الخروج من حدود ~~ديار ms6379 بكر . وقصد بيجو بذلك المدافعة . فجهز هولاكو تمانين من التوامين التي ~~معه ، مقدم أحدهما قدغان ومقدم الآخر كتبغا نوين لفتح الطريق . وفي أثناء ~~ذلك أوقع بالأكراد والقراتلية وقعة PageV27P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" عظيمة وجعل منهم أهل أرزنجان وتحصنوا بجبل ~~يسمى أرن سور ، فلما وصل التتار إلى أرزنجان تسلموها وحاصروا كماج ، وهزموا ~~الأكراج وقتلوا منهم وسبوا ، وأقام قدغان وكتبغا حتى وصل إليهما بيجو . ~~وأخبرني الأتمر البدري رحمه الله وهو من ذرية بيجو كما زعم ، وكان له معرفة ~~بأخبارهم ، أن منكوقان لما جهز بيجو لفتح الروم ، أوصاه أنه لا يتعرض إلى ~~بغداد ، وأنه لما جهز هولاكو أوصاه أن لا يخالف بيجو وأنه لا يصل إلى بغداد ~~، وكتب معه إلى بيجو بذلك . فغير هولاكو الكتب وجعل معناه أن بيجو لا يخالف ~~أمر هولاكو ، وكانت كراهية منكوقان لفتح بغداد أنهم رأوا فيما عندهم أنها ~~إذا فتحت لا تطول مدة القان . ثم توجه بيجو ومن عنده إلى هولاكو ونزلوا ~~بالجانب الغربي من بغداد ، ونزل هولاكو بالجانب الشرقي منها ، وحاصروها ~~واشتد الحصار ، فخرج إليهم عسكر الخليفة صحبة مجاهد الدين أيبك الدوادار ~~الكبير - وكان مقدما على عشرة آلاف فارس - فالتقى مع التتار وهزمهم ، فولوا ~~عامة ذلك النهار ، وقتل كثيرا منهم إلى أن حجز بينهم الليل ، واستبشر ~~المسلمون بالنصر . فلما أصبحوا تراجع التتار إليهم ، فانكسر الدوادار ومن ~~معه . وكان أكثر أصحابه لما أيقنوا بالظفر دخلوا بغداد في تلك الليلة ، فما ~~انهزم مجاهد الدين بمن بقي معه قصد التحصن ببغداد ، فحال بينه وبينها - ~~للقضاء المقدر - شق انبثق من دجلة ، وساحت منه مياه عظيمة ، فصار الماء ~~أمامه والتتار وراءه ، فأدركوه هو ومن معه ، وأخذهم السيف ، ومرق جماعة ~~منهم . وقتل مجاهد الدين أيبك وولده أسد الدين - وكان مقدم خمسة آلاف فارس ~~- ، وسليمان شاه ترجم . أمير علم الخليفة ، وجماعة من الأمراء ، وأسروا ~~خلقا . وحملت رؤوس هؤلاء الثلاثة إلى الموصل ، وحملت على باب المدينة ~~ترهيبا لأهلها . ورمى أهل بغداد بالداهية الكبرى والمصيبة العظمى ، وارتاع ~~الخليفة وأغلقت أبواب المدينة ، وأحاط بها التتار وضايقوها وفتحوها عنوة ms6380 ، ~~ودخلوها في العشرين من المحرم سنة ست وخمسين وستماية ؛ ووضعوا السيف فيها ~~سبعة أيام ، لم يرفعوه PageV27P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" عن شيخ كبير ولا طفل صغير . وجيئ بالخليفة ~~إلى هولاكو فأمر أن يجعل في جولق ويداس بأرجل الخيل ، ففعل به ذلك حتى مات ~~، كما ذكرناه في أخبار الدولة العباسية . ومن عادة التتار أنهم لا يسفكون ~~دماء الملوك والأكابر غالبا . وسبى التتار من بالقصر ، وأخذوا ذخائر ~~الخلافة ، واستدعى هولاكو الوزير ابن العلقمي ، وكان قد كاتبه وحثه على قصد ~~بغداد وأضعف جيوش الإسلام . فلما مثل بين يدي هولاكو سبه ووبخه على عدم ~~موافاته لمن هو غذى نعمته ، وأمر بقتله فقتل . وقيل لم يقتله بل استبقاه . ~~ثم عزم هولاكو على إحراق مدينة بغداد ، فمنعه كتبغا نوين ، وقال هذه أم ~~الأقاليم ويتحصل منها الأموال العظيمة ، والمصلحة إبقاؤها ، فأبقاها ورتب ~~فيها شحنة ، ثم سار عنها بعد انقضاء الشتاء إلى الشام ، وجرد إلى ميافارقين ~~، والله أعلم . ذكر استيلاء التتار على ميافارقين وفي سنة ست وخمسين أيضا ~~أرسل هولاكو طائفة من عساكره إلى ميافارقين صحبة صرطق نوين وقطغان نوين . ~~وكان بها الملك الكامل ناصر الدين محمد بن المظفر غازي بن العادل أبي بكر ~~ابن أيوب ، فحاصروها ونصبوا عليها المجانيق من كل ناحية ، فقاتله أهلها ، ~~وامتنعوا وصبروا على شدة الحصار ، وقلت الأقوات عندهم حتى أكلوا الكلاب ~~والسنانير والميتة . ففتحها التتار بعد سنتين ، بعد أن فنى الجند من كثرة ~~PageV27P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" القتال ، وأسر من بقي ، وأخذ الملك الكامل ~~صاحبها وتسعة نفر من مماليكه ، وأحضروا بين يدي هولاكو فقتلوا ، إلا مملوكا ~~واحدا يسمى قراسنقر سأله عن وظيفته ، فذكر أنه أمير شكار ، فأبقاه وسلم ~~إليه طيوره . وجاء قراسنقر هذا بعد موت هولاكو إلى الديار المصرية في ~~الأيام الظاهرية ، فجعله السلطان من مقدمي الحلقة المنصورة . وكان استيلاء ~~التتار على ميافارقين في سنة ثمان وخمسين وستماية . ولما قتل الملك الكامل ~~هذا حمل التتار رأسه على رمح وطيف به البلاد ومروا به على حلب وحماه ووصلوا ~~به إلى دمشق في سابع عشرين جمادى الأولى ms6381 من السنة ، وطافوا به في دمشق ~~بالمغاني والطبول ، وعلق رأسه بباب الفراديس فلم يزل إلى أن عادت دمشق إلى ~~المسلمين فدفن بمشهد الحسين داخل باب الفراديس . ذكر وفاة بيجو مقدم التتار ~~وفي سنة ست وخمسين أيضا نقم هولاكو على بيجو لما بلغه عنه من إضمار الخلاف ~~وما قصده من التأخير عنه لما طلبه وأنه قصد الانفراد ببلاد الروم . فلما ~~فرغ من فتح بغداد والعراق سقاه سما فمات . وقيل إنه كان قد أسلم قبل موته ، ~~ولما حضرته الوفاة أوصى بأن يغسل ويدفن على عادة المسلمين . وكان له من ~~الأولاد أفاك ، وسوكناي . وأفاك هذا هو أبو سلامش وقطقطو اللذين وفدا إلى ~~الديار المصرية في الأيام المنصورية . ولما فتح هولاكو العراق جاءه ملوك ~~الأطراف ، فكان ممن جاءه الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل بهدايا ~~جليلة وتحف . ولما قصد السفر من الموصل جاءه أهلها وقالوا : إنا نخشى عليك ~~من سطوة هذا الملك الجبار فقال : أرجو أن أتمكن منه وأعرك أذنيه فلما جاءه ~~وقدم ما معه أعجب هولاكو وأقبل عليه . فلما فرغ من تقدمته قال : قد بقي معي ~~شيء خاص بالقان وأخرج له حلقتي أذن من الذهب ، PageV27P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" فيهما درتان كبيرتان ، فأعجباه فقال : أشتهي ~~القان يشرفني بأن أجعلهما بيدي في أذنيه ليعظم قدري بذلك عند الملوك وأهل ~~بلادي وأعلم رضاه عني فأصغى إليه بأذنيه فمسكها ووضع الحلقتين فيهما ، ونظر ~~إلى من معه من أهل الموصل يعني : أنني قد قلت قولا وقد حققته . وأرسل إليه ~~الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز صاحب الشام ولده العزيز بهدايا ~~وتحف اقتداء بصاحب الموصل ، فقبل تقدمته وسأله عن تأخير أبيه ، فاعتذر بأنه ~~لا يمكنه مفارقة البلاد خوفا عليها من عدو الإسلام الفرنج ، فقبل عذره ~~وأعاده إلى أبيه . وجاءه عز الدين كيكاوس ، وركن الدين قلج أرسلان ملك ~~الروم فقسم البلاد بينهما على ما قرره منكوقان . وفي سنة سبع وخمسين ~~وستماية وجه هولاكوا أرغون - وهو من أكابر المقدمين - في جيش إلى كرجستان ، ~~فغزا تفليس وأعمالها ، فأغار ونهب وعاد ms6382 إليه وهو بالعراق . وفيها أيضا قدم ~~هولاكو إلى شرقي الفرات ونازل حران وملكها ، واستولى على البلاد الجزيرية ، ~~وذلك بعد وفاة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل . وأرسل هولاكو أحد أولاده إلى ~~حلب فوصل إليها في العشر الآخر من ذي الحجة من السنة . وكان الملك المعظم ~~تورانشاه ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بحلب ينوب عن ابن أخيه ~~الملك الناصر ، فخرج بالعسكر الحلبي لقتال التتار ، فأكمن التتار كمينا عند ~~الباب المعروف بباب الله قريب من مدينة حلب من شمائلها ، والتقوا واقتتلوا ~~عند بانقوسا ، فاندفع التتار بين يدي العسكر الحلبي وتبعهم العسكر حتى ~~خرجوا عن البلد ، ثم عطفوا عليهم ، فطلب المسلمون المدينة والتتار يقتلون ~~فيهم . وهلك في الأبواب جماعة من المنهزمين . ثم رحل التتار إلى اعزاز ~~وتسلموها بالأمان ، ثم تقدم هولاكو بجيوشه فبدأ بالبيرة فملكها ، ووجد بها ~~الملك السعيد ابن الملك العزيز أخا الملك الناصر معتقلا فأطلقه ، وسأله عما ~~كان بيده فقال : الصبيبة وبانياس ، فكتب له بذلك فمانا ، ثم تقدم هولاكو ~~إلى حلب . PageV27P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" ذكر منازلة هولاكو مدينة حلب واستيلائه عليها ~~وعلى بلاد الشام وفي سنة ثمان وخمسين وستماية عبر هولاكو الفرات بجموعه ، ~~ونازل حلب ، وأرسل إلى الملك المعظم توران شاه ابن الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف يقول : إنكم تضعفون عن لقاء المغل ، ونحن قصدنا الملك الناصر ، ~~فاجعلوا عندكم شحنة وبالقلعة شحنة ونتوجه نحن إلى العسكر فإن كانت الكسرة ~~عليهم كانت البلاد لنا وتكونون قد حقنتم دماء المسلمين . وان كانت الكسرة ~~علينا كنتم مخيرين في الشحنتين إن شئتم القتل أو الإطلاق فقال له الملك ~~المعظم : ليس له عندي إلا السيف . وكان الرسول إليه من جهة هولاكو صاحب ~~أرذن الروم ، فعجب من جوابه ، وتألم لما علم من ضعف المسلمين عن ملاقاة ~~التتار . وأحاط التتار بحلب في ثاني صفر وهجموا على البواشير في الثالث من ~~الشهر ؛ فقتل من المسلمين جماعة ، منهم أسد الدين ابن الملك الزاهر صلاح ~~الدين . واشتدت مضايقة التتار لحلب ، وهجموه من عند حمام حمدان وذلك في يوم ~~الأحد ms6383 تاسع صفر ، وصعد إلى القلعة خلق كثير . وبذل التتار السيف والنهب في ~~أهل حلب إلى يوم الجمعة رابع عشر الشهر ، فأمر هولاكو برفع السيف ، ونودي ~~بالأمان ، فقتل منها في هذه المدة ما لا يحصى كثرة ، وكان قد تجمع بها من ~~أهل القرى خلق كثير . وسبي من النساء والذراري زهاء مائة ألف ، بيعوا في ~~جزائر الفرنج وبلاد الأرمن ، ولم يسلم ممن كان بحلب إلا من التجأ إلى أماكن ~~كان مع أهلها فرمانات من هولاكو PageV27P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" منها : دار شهاب الدين بن عمرون ، ودار نجم ~~الدين أخي مزدكين ، ودار البازيار ، ودار علم الدين قيصر الموصلي ، ~~والخانقاه التي فيها زين الدين الصوفي ، وكنيسة اليهود . فقيل إن الذين ~~سلموا في هذه الأماكن يزيدون على خمسين ألف إنسان . واستمر الحصار على ~~القلعة والمضايقة لها نحو شهرن فوثب جماعة ممن بالقلعة على صفي الدين بن ~~طرزة رئيس حلب وعلى نجم الدين أحمد بن عبد العزيز ابن القاضي نجم الدين بن ~~أبي عصرون فقتلوهما لأنهم توهموا أنهما باطنا التتار . ثم سأل من بالقلعة ~~الأمان ، فأمنوا ، وتسلمها التتار في يوم الإثنين حادي عشر ربيع الأول من ~~السنة . وأمر هولاكو من كان بالقلعة أن يعود كل منهم إلى داره وملكه وأن لا ~~يعارض . ونزل العوام والغرباء إلى الأماكن التي أحميت بالفرمانات . وكان ~~بقلعة حلب في الاعتقال جماعة من البحرية الصالحية الذين حبسهم الملك الناصر ~~، منهم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، وسكز ، وترامق ، وغيرهم ؛ فأخذهم ~~وأضافهم إلى مقدم يسمى سلطان جق من أكابر القفجاق . وكان سلطان جق هذا قد ~~هرب من التتار لما استولوا على بلاد القفجاق وقدم إلى حلب ، فأكرمه الملك ~~الناصر وأحسن إليه وأقام عنده ، فلم توافقه البلاد فالتحق بهولاكو فأكرمه ؛ ~~هذا ما كان من أمر حلب . وأما حماه فان صاحبها الملك المنصور محمد ابن ~~الملك المظفر محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر ~~تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب كان قد فارقها وتوجه إلى دمشق ، وترك بها ~~الطواشي مرشد . فلما بلغه أخذ ms6384 حلب فارق حماه ، وتوجه إلى الملك المنصور ~~بدمشق ، فتوجه أكابر حماه بمفاتيحها إلى هولاكو . وسألوه الأمان لأهل البلد ~~، وطلبوا منه شحنة يكون عندهم ، فأمنهم وأرسل معهم شحنة من العجم اسمه خسرو ~~شاه ، كان يدعى أنه من ولد خالد بن الوليد ، فقدم حماه وأقام بها وآمن ~~أهلها . وكان بقلعة حماه مجاهد الدين قايماز أمير جاندرا فسلم القلعة إليه ~~. ودخل في طاعة التتار . ووصل إلى هولاكو وهو على حلب جماعة منهم الملك ~~الأشرف موسى بن إبراهيم بن شيركوه وهو صاحب حمص ، فأكرمه هولاكو وأعاد عليه ~~حمص . وكان الملك الناصر قد أخذها منه في سنة ست وأربعين وعوضه عنها تل ~~باشر ، فأعادها PageV27P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" هولاكو عليه الآن . ووصل إليه أيضا من دمشق ~~القاضي محيي الدين بن الزكي فأقبل عليه هولاكو وخلع عليه وولاه قضاء الشام ~~. ولما عاد ابن الزكي إلى دمشق لبس خلعة هولاكو ، فكانت مذهبة ، وجمع ~~الفقهاء وغيرهم من أكابر دمشق وقرأ عليهم تقليد هولاكو . ثم رحل هولاكو إلى ~~حارم بعد أن ولي على حلب عماد الدين القزويني . فلما وصل إليها طلب تسليمها ~~، فامتنع من بها أن يسلموها إلا إلى فخر الدين متولي قلعة حلب . فأحضره ~~هولاكو فتسلمها ، فغضب هولاكو وأمر بقتل من بها فقتلوا عن آخرهم وسبي ~~النساء . ذكر استيلاء التتار على دمشق قال : وجرد هولاكو إلى دمشق مقدما ~~يسمى السبان وصحبته علاء الدين الكازي وزين الدين الحافظي وزير الملك ~~الناصر بحلب ؛ وكان قد خدم هولاكو . وكان الملك الناصر قد فارق دمشق في ~~منتصف صفر فوصل التتار إلى دمشق ، وملكوا المدينة بالأمان ، ولم يتعرضوا ~~إلى قتل ولا إلى نهب . وعصيت القلعة عليهم فحاصرها التتار ، وجرى على أهل ~~دمشق بسبب عصيان القلعة شدة عظيمة ، وضايقوا القلعة ونصبوا عليها المجانيق ~~ثم تسلموها بالأمان في منتصف جمادى الأولى من السنة . ثم توجهوا إلى بعلبك ~~ونازلوا قلعتها فتسلموها وخربوا قلعتها . وجرد هولاكو إلى الشام كتبغا نوين ~~في اثني عشر ألف فارس وأمره أن يقيم بالشام ، فوصل إلى دمشق وهو الذي حاصر ~~قلعتها وفتحها وقتل ms6385 واليها بدر الدين بن قرمجاه ونقيبها . ونزل كتبغا ~~بالمرج ، وحضر إليه رسل الفرنج بالساحل ، وأحضروا معهم التقادم ، وحضر إليه ~~أيضا الملك الظاهر أخو الملك الناصر ، وكان بصرخد فأقره على حاله . ثم توجه ~~كتبغا إلى عجلون فامتنعت عليه قلعتها ، فحاصرها وأحضر إليه الملك الناصر ~~وهو في حصار عجلون ، فأمر من بالقلعة أن يسلموها إلى التتار فسلموها . وجهز ~~كتبغا الملك الناصر إلى هولاكو فوصل إليه وهو بحلب فسأله عن عساكر الديار ~~المصرية ، فقال : عساكر ضعيفة ، وهم نفر قليل وصغرهم عنده . وقال : يكفيهم ~~القليل من الجيش . فاقتصر هولاكو عند ذلك على كتبغا نوين ومن معه ولم يردفه ~~بغيره . PageV27P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" وعاد هولاكو من حلب إلى بلاد قراقروم لطلب ~~القانية لنفسه ، فوجدها قد استقرت لأخيه قبلاي ، كما قدمنا ذكر ذلك . ولما ~~فارق حلب أمر عماد الدين القزويني في المسير إلى بغداد ، ورتب مكانه رجلا ~~أعجميا . وأمر هولاكو أن يخرب أسوار قلعة حلب ، وأسوار المدينة ، فخربت عن ~~آخرها . وأمر الملك الأشرف موسى صاحب حمص أن يتوجه إلى حماه ويخرب أسوارها ~~وأسوار قلعتها ، فوصل إلى حماه ونزل بدار المبارز وشرع في تخريب سور القلعة ~~، فخربت أسوارها وأحرقت زردخاناتها ، وبيعت الكتب التي بدار السلطنة بأبخس ~~الأثمان ، وسلمت أسوار المدينة ، لأن حماه كان بها رجل يقال له إبراهيم بن ~~الفرنجية كان ضامن الجهة المفردة ، فبذل لخسرو شاه جملة كثيرة من المال ~~وقال : إن الفرنج بالقرب منا ، في حصن الأكراد ، ومتى ضربت أسوار المدينة ~~لا يقدر أهلها على المقام بها . فأخذ منه المال وأبقى أسوار المدينة . ولم ~~يزل خسرو شاه بمدينة حماه إلى أن انهزم التتار على عين جالوت ففارقها وعاد ~~إلى هولاكو . وأما كتبغا نوين فإنه أرسل إلى الملك المظفر قطز صاحب الديار ~~المصرية يطالبه ببذل الطاعة أو تعبية الضيافة ، فقتل قطز رسله إلا صبيا ~~واحدا فإنه استبقاه وأضافه إلى مماليكه . وتجهز وسار إلى لقاء التتار ، ~~فتجهز كتبغا لقتاله والتقوا بعين جالوت ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم ~~التتار وأخذهم السيف والأسار ، وقتل كتبغا نوين ، وفر من بقي من ms6386 أصحابه إلى ~~هولاكو . ولما استقرت القانية لقبلاي ، استقر لهولاكو ما نذكره . ذكر ~~الأقاليم التي ملكها هولاكو بعد وفاة منكوقان منها : إقليم خراسان : وكرسيه ~~نيسابور ومن مدنه المشهورة طوس وهراة وترمذ ولحج ومرو . ويضاف إليه همذان ~~ونسا وكنجة ونهاوند . عراق العجم : وكرسيه أصفهان . ومن مدنه قزوين وقم ~~وقاشان وسجستان وطبرستان وكيلان وبلاد الاسماعيلية وغيرها . عراق العرب : ~~وكرسيه بغداد ومن مدنه واسط والكوفة والبصرة والدينور وغير ذلك . ~~PageV27P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" أذربيجان : وكرسيها تبريز وهي توريز ؛ ومن ~~مدنها الأهواز وغيرها . بلاد فارس : ومدينتها شيراز ؛ ومن أعمالها كتشن ~~وكرمان وكازرون والبحرين . ديار بكر : وكرسيها الموصل ومن مدنها ميافارقين ~~ونصيبين وسنجار وأسغرد ورأس العين ودنيسر وحران والرها وجزيرة ابن عمر ~~وخرتبرت وملطية وسمياط وغيرها . بلاد الروم : وكرسيها قونية وتشتمل البلاد ~~الرومية على عدة أعمال منها : أرمينية الكبرى ، ومن ملكها سمى شاه أرمن . ~~ومن مدنها خلاط . وأعمالها وان وسطان وأرجيس وما معها . أرزن الروم ~~وأعمالها ؛ ومن مدنها شهر وبانوب وقجمار وتسمى دار الجلال . مدينة ألتى ~~وأعمالها ، وهي متصلة ببلاد الكرج وتخومها وهي ذات قلعة حصينة . أرزنجان ~~وأعمالها ، ومن مدنها أقشهر ودرخان وكماج وقلعة كغونية وما مع ذلك . سيواس ~~وبلاد دانشمند وتسمى دار العلاء ، ومن مدنها أماسيه وتوقات وقمنات وبلاد ~~كنكر وبلاد انكورية ومدينة سامسون وكستمونية وطرخلوا وبرلوا وهذه متصلة ~~بسواحل البحر المحيط وطنغزلوا وأعمالها وقرا حصار ودمرلوا وأقصرا وأنطاليا ~~والعلايا . ذكر مهلك هولاكو ونبذة من أخباره كانت وفاته في تاسع عشر شهر ~~ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وستماية PageV27P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" بالقرب من كورة مراغة . وقيل إنه حمل إلى ~~قلعة تلا ودفن بها . وكانت مدة ملكه منذ فتح بغداد سبع سنين وشهورا ومنذ ~~وفاة أخيه منكوقان واستقلاله بالملك خمس سنين . وكان لهولاكو أحكام غريبة ~~منها ما حكي عنه أن قوما أتوه واستغاثوا أن بعض صناع المبارد قتل قرابة لهم ~~، وسألوه أن يمكنهم منه ليقتلوه بصاحبهم فسأل عن صناع المبارد وكم عدتهم ، ~~فذكر له عدة يسيرة فأطرق ساعة ورفع رأسه إلى أولياء المقتول ، وأمرهم أن ~~يقتلوا بصاحبهم ms6387 بعض صناع البرادع والرحال ، فقالوا : إن الذي قتل صاحبنا . ~~مباردي ولا يقتل به غيره . فسأله بعض خواصه عن ذلك فقال : إن صناع المبارد ~~عندنا قليل ومتى قتلناه احتجنا إليه ، ولا يقوم غيره مقامه ، وصناع البرادع ~~والرحال كثير ، ومن قتلناه منهم استغنينا عنه . فلما امتنع أولياء المقتول ~~من ذلك أطلق لهم بقرة وقال : خذوا هذه بدلا من صاحبكم . ومنها أن بعض ~~الصناع الزراكشة تخاصم مع رجل فضربه ضربة أصابت إحدى عينيه فزالت ، فجاء ~~إلى هولاكو واستغاث على الزركشي أنه قلع عينه ، فأمره أن يقلع عين أحد صناع ~~النشاب . فقيل له عن ذلك فقال : إن الزركشي يحتاج إلى عينيه ومتى قلعت ~~إحداهما تضرر ، والنشابي لا يحتاج إلا إلى عين واحدة فإنه إذا قوم السهم ~~غلق إحدى عينيه ونظر بالأخرى ، وما أشبه هذه الأحكام . ولهولاكو وقائع من ~~هذا الجنس أضربنا عن ذكرها . وكان له من الأولاد الذكور خمسة عشر وهم جمغار ~~وهو أكبرهم سنا ، وأباقا وهو أبغا وهو الذي ملك بعده . ويصمت ، وتشتشين ~~وبكشي وتكدار PageV27P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" - وهو أحمد وملك بعد أبغا - . وأجاي . وألاجو ~~وسبوجي . ويشودار . ومنكوتمر . وقنغرطاي . وطرغاي وطغاي تمر وهو أصغرهم . ~~ولما مات هولاكو ملك بعده أبغا . ذكر ملك أبغا بن هولاكو بن تولي خان ابن ~~جنكزخان وهو الثاني من ملوك هذا البيت جلس على كرسي المملكة بعد وفاة أبيه ~~هولاكو في تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وستماية . فأول ما بدأ ~~به أن جهز جيشا لحرب عساكر بركة ملك البلاد الشمالية ، فتوجه العسكر والتقى ~~مع عساكر بركة ، فكانت الهزيمة على اصحاب أبغا كما شرحنا ذلك في أخبار بركة ~~، وهي الوقعة الثانية بين عسكريهما . وفي سنة اثنتين وسبعين وستماية وقع ~~بين أبغا وبين ابن عمه تكدار بن موجي بن جغطاي بن جنكزخان . وكان تكدار ~~مقدما على ثلاثين ألفا ، وهو مقيم ببلاد كرجستان ، فكاتب قيدو وقصد الاتفاق ~~معه على أبغا ، فوقعت الكتب في يد أبغا فطلب عساكره المتفرقة من الروم ~~وغيرها وقصد تكدار ، فانهزم والتجأ إلى بلاد الكرج بمن ms6388 معه ، فمنعه صاحبها ~~الملك كركيس من دخولها ، فأوى إلى جبل من جبالها هو ومن معه ، فأكلت خيولهم ~~من عشبه وكان فيه حشيشة مضرة بالدواب ، فنفقت خيولهم ، فطلبوا الأمان من ~~أبغا فأمنهم فنزلوا إليه ، ففرق أصحاب تكدار في جيوشه ، ورسم لتكدار أن لا ~~يركب فرسا قارحا ولا جزعا إلا مهرا صغيرا ، وأن لا يمس PageV27P0267 # """""" صفحة رقم 268 """""" بيده قوسا . فبقي كذلك حتى مات ، حتى أن ولدا ~~له صغيرا أحضر إليه قوسه ليوتره له ، فامتنع وقال : ما أقدر أمس القوس بيدي ~~لأجل مرسوم أبغا . وفي سنة خمس وسبعين وستمائة وقع المصاف الكائن بين ~~السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس وبين المغل أصحاب أبغا ، ومعهم ~~العسكر الرومي بالبلستين من بلاد الروم . فكانت الهزيمة على المغل وعساكر ~~الروم ، على ما نذكر ذلك إن شاء الله في أخبار دولة الترك في أيام الملك ~~الظاهر . وقتل وأسر من المغل في هذا لمصاف خلق كثير ، وقيل أيضا وأسر من ~~عسكر الروم . فلما اتصلت هذه الوقعة بأبغا جاء إلى موضع المصاف وشاهد ~~القتلى ، فاستعظم قتل المغل وأسرهم ؛ وجاءه أيبك الشيخ أحد أمراء الملك ~~الظاهر - وكان قد هرب - فأطلعه على أن البرواناه - وهو المتحكم في الروم ~~نيابة عن الملوك السلجقية - كاتب الملك الظاهر ، وحثه على قصد الروم ، فنقم ~~أبغا على البرواناه وأكد ذلك عنده أنه وجد القتلى من المغل وليس من الروم ~~إلا القليل ، فأمر عند ذلك بنهب بلاد الروم ، وقتل من بها من المسلمين ، ~~فتفرقت عساكره تقتل وتنهب المسلمين خاصة سبعة أيام ، ووكل أبغا بالبرواناه ~~من يحفظه من حيث لم يشعر بذلك . ثم سار إلى أرزنكان اشتراها ؛ واعتد ثمنها ~~من الإتاوة التي على بلاد الروم ، وأخذ في استرجاع قلاع الروم . فلما وصل ~~إلى قلعة بابرت ، خرج إليه شيخ منها ، وقال له : أريد أمان القان لأتكلم ~~بين يديه . فقال : قل ولك الأمان . فقال : إن عدوك حضر إلى بلادك ولم يتعرض ~~إلى رعيتك ، ولا أسأل لهم محجمة دم ، وأنت قصدت العدو وجئت في طلبه ، فلما ~~فاتك قتلت رعيتك ونهبت بلادهم ms6389 وخربتها . فمن هو من الخانات الذين تقدموك من ~~أسلافك فعل مثل هذا الفعل وسن هذه السنة ؟ فأنكر أبغا عند ذلك على الأمراء ~~الذين اشاروا عليه بذلك وأمر بإطلاق الأسرى المسلمين ، فأطلقوا ، وكانوا ~~أربعمائة ألف أسير ، وعاد إلى الأردو . PageV27P0268 # """""" صفحة رقم 269 """""" ذكر قتل سليمان البرواناه قال : ولما وصل ~~أبغا إلى الأردو استشار في أمر البرواناه ، فطائفة أشارت بقتله ، وطائفة ~~أشارت بإبقائه ، فهم بإعادته إلى الروم . فتجمع نساء من قتل من المغل ونحن ~~وبكين ، فسمعهن أبغا وسأل عن شأنهن ، فقيل إنهن بلغهن أن القان يريد إطلاق ~~البرواناه ، فهن يبكين على أهلهن وأزواجهن . فعند ذلك أمر أبغا كوكجي بهادر ~~- وهو من أمرائه - أن يأخذ البرواناه ويتوجه به إلى موضع عينه فيقتله . ~~فاستدعى البرواناه وقال : إن أبغا يريد أن يركب ، ورسم أن تركب أنت وأصحابك ~~معه ، فركب في اثنين وثلاثين نفرا من مماليكه وألزامه ، وتوجه مع كوكجي ، ~~فأخذ به نحو البر ومعه مائتا فارس . فلما انتهوا إلى المكان المعين أحاط به ~~فسأل المهلة أن يصلي ركعتين ، فأمهله . فلما قضى صلاته قتله وقتل من معه . ~~ولما بلغ من بقي من مماليك البرواناه قتل صاحبهم تجمعوا وفيهم سنجر ~~البرواني ، وبكتوت أمير أخور ، وأوتروا قسيهم ونكثوا نشابهم ، وقالوا : ~~نموت كراما . فطولع أبغا بخبرهم فشكرهم على ذلك وأعادهم إلى الروم . وكان ~~مقتل البرواناه في آخر صفر سنة ست وسبعين وستمائة . وفي سنة ثمانين وستماية ~~في رابع عشر شهر رجب انهزم التتار أصحاب أبغا الذين حضروا مع جهته إلى ~~الشام والتقوا مع السطان الملك المنصور قلاوون ، وكانوا صحبة منكوتمر بن ~~هولاكو . وكان أبغا قد نازل الرحبة ثم جرد هؤلاء وعاد إلى الأردو ، ووصل ~~منكوتمر بمن معه إلى حمص ، والتقوا هم والعساكر الإسلامية . فاستظهر التتار ~~في مبادئ الوقعة فانهزمت ميسرة الملك المنصور ، وما شك التتار في الظفر ، ~~ونزلوا وأكلوا الطعام . ثم كانت الدائرة عليهم فانهزموا أقبح هزيمة على ما ~~نبينه في أخبار السلطان الملك المنصور . وأما منكوتمر ابن هولاكو فإن ~~الهزيمة استمرت به إلى جزيرة ابن عمر ، فلما وصل ms6390 إليها مات . وقيل إن علاء ~~الدين الجويني صاحب PageV27P0269 # """""" صفحة رقم 270 """""" الديوان كان قد عزم على اغتياله واغتيال أبغا ~~ونقل الملك عنه ، فكتب إلى مؤمن أغا - شحنة الجزيرة - يأمره أن يتحيل على ~~منكوتمر ويقتله ، فسقاه مؤمن سما فمات . ولما مات هرب مؤمن الشحنة من ~~الجزيرة ، وعلم أصحاب منكوتمر بأمره فطلبوه فلم يدركوه ، فقتلوا نساءه ~~وأولاده . وتوجه مؤمن إلى الديار المصرية ومعه ولداه فأعطوا بها أقطاعا ، ~~وحمل منكوتمر إلى قلعة تلا فدفن بها . وفي سنة ثمانين وستماية أيضا كانت ~~وفاة علاء الدين الجويني صاحب الديوان . وكان قد تمكن في دولة التتار تمكنا ~~عظيما بسبب أخيه الصاحب شمس الدين ، فإنه كان المشار إليه . ثم نقم عليه ~~أبغا لما توهم أنه واطأ المسلمين ، واستصفى أمواله . ثم مات بعراق العجم ~~وولي بعده ولد أخيه هارون بن الصاحب شمس الدين . ذكر وفاة أبغا بن هولاكو ~~كانت وفاته في أوائل المحرم سنة إحدى وثمانين وستمائة . وكان سبب موته أن ~~الصاحب شمس الدين محمد الجويني صاحب الديوان كان إليه التصرف في الأموال ، ~~وكانت تحمل إليه من سائر بلاد التتار ، وتصرف بقلمه ، فخاف غائلة أبغا ، ~~فتحيل في قتله ، ودس إليه من سقاه سما ، فمات . وقيل إنه منذ انكسرت جيوشه ~~على حمص أخذ حاله في النقص ، ثم أتاه الخبر أن الخزائن التي جمعها هولاكو - ~~وكانت ببرج بقلعة في وسط البحر - فسقط البرج بجميع ما فيه من الأموال ~~والذخائر والجواهر في البحر . ثم دخل الحمام وخرج فسمع أصوات الغربان ، ~~فقال لمن حوله : إنني أسمع هذه الغربان تقول : أبغا مات ، وركب فعوت كلاب ~~الصيد في وجهه ، فتشاءم بذلك . ولم يلبث أن مات في التاريخ ، وقيل في نصف ~~ذي الحجة سنة ثمانين وستمائة . وخلف من الأولاد أرغون ، وكيختو . ومات أخوه ~~أجاي بعده بيومين . PageV27P0270 # """""" صفحة رقم 271 """""" ذكر ملك توكدار بن هولاكو وهو المسمى أحمد ~~سلطان ، وهو الثالث من ملوك هذا البيت كان جلسوه على كرسي المملكة بعد وفاة ~~أخيه أبغا في المحرم سنة إحدى وثمانين وستمائة . وذلك أن أبغا لما مات كان ms6391 ~~ولده الأكبر أرغون بخراسان . وكان كيختو عنده بالأردو فاجتمع الأمراء ليقع ~~اتفاقهم على من يجلس مكان أبغا . وكان بعض المغل يختار توكدار لأنه كان قد ~~استمالهم إليه ، فاجتمع رأيهم عليه . فجلس على كرسي المملكة ، وأرسل أخاه ~~قنغرطاي يقول لأرغون ابن أخيه أبغا : إن الشرط في الياسا أنه إذا مات ملك ~~لا يجلس عوضه إلا الأكبر من أهل بيته ، وهذا عمك أحمد هو الأكبر ، وقد ~~أجلسناه ، ومن خالف يموت فأطاعوه . ولما جلس كان أول ما بدأ به أنه أظهر ~~دين الإسلام وأشاعه ، وكتب إلى بغداد كتابا ، نسخته بعد البسملة : إنا ~~جلسنا على كرسي الملك ، ونحن مسلمون ، فتبلغون أهل بغداد هذه البشرى ، ~~ويعتمدون في المدارس والوقوف وجميع وجوه البر ما كان يعتمد في أيام الخلفاء ~~العباسيين ، ويرجع كل ذي حق إلى حقه في أوقاف المساجد والمدارس ، ولا ~~يخرجون عن القواعد الإسلامية . وأنتم يا أهل بغداد مسلمون ، وسمعنا عن ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : لا تزال هذه العصابة الإسلامية ~~مستظهرة ظافرة إلى يوم القيامة . وقد عرفنا أن هذا خبر صحيح ورسول صحيح . ~~رب واحد . أحد . فرد . صمد . فتطيبون قلوبكم وتكتبون إلى جميع البلاد . ~~وكتب إلى السلطان الملك المنصور قلاوون يعلمه بإسلامه . واستولى على ~~السلطان أحمد وعلى دولته الشيخ عبد الرحمن ، وأصله من الموصل ، وكان مملوكا ~~؛ ويقال له عبد الرحمن النجار ، وأظهر للمغل المخاريق والخيل ، وأخذ في ~~إفساد ما بين السلطان أحمد وبين أهله ، وقصد بذلك الاستبداد ، PageV27P0271 # """""" صفحة رقم 272 """""" وعظم أمره ، وتحدث في سائر الأوقاف ، ومال ~~إليه أبناء المغل . وانتهى من أمره أن أحمد سلطان كان يقف في خدمته ، ~~ويقتدى بما يقول ، وركب بالخبز والسلاح دارية . وحضر عبد الرحمن هذا في ~~رسلية إلى السلطان الملك المنصور قلاوون ، فقتل أحمد في غيبته ، فأقام هو ~~بالشام ، ومات به ، على ما نذكره إن شاء الله في أخبار الملك المنصور . ذكر ~~ما اتفق بين توكدار وبين أرغون ابن أخيه أبغا وفي سنة اثنتين وثمانين ~~وستماية سار أرغون بن أبغا من خراسان لقتال عمه توكدار ، فجرد ms6392 إليه عمه ~~جيوشا صحبة الناق نائبه ، فكبسهم أرغون وهم على غير استعداد ، فقتل منهم ~~جماعة . فركب أحمد سلطان في أربعين ألف فارس وسار لقصد أرغون ، وأسره من ~~غير حرب ، وعاد إلى تبريز . فجاءت زوجة أرغون وخواتين كثيرة من النساء ~~اللواتي لهن الدخول على أحمد ، وسألته العفو عن أرغون وإطلاق سبيله ~~والاقتصار به على خراسان . فلما أجاب إلى ذلك - وكان أحمد قد أمسك من أكابر ~~أمراء المغل اثني عشر أميرا وقيدهم وأهانهم - فتغيرت خواطر الأمراء عليه ~~وعزموا على قتله . ذكر مقتل توكدار بن هولاكو كان مقتله في سنة اثنتين ~~وثمانين وستمائة . وذلك أنه لما أسر أرغون ابن أخيه أبغا ، وكل به من يحفظه ~~. واتفق تشويش خواطر المغل عليه من أسباب : منها إساءته إلى أكابرهم ؛ ~~ومنها ما ألزمهم به من الدخول في دين الإسلام طوعا أو كرها ؛ ومنها وثوبه ~~على أخيه قنغرطاي وإحضاره من الروم وقتله ؛ وغير ذلك مما نقل عنه في ميله ~~إلى أبناء المغل والخلوة بهم ، وهو أمر لم يألفوه قبله . فأجمعوا على قتله ~~، وإقامة أرغون . وكان من جملة الامراء ثلاثة وهم بغا وأروق - وهما أخوان - ~~وقرمشي بن هندغون ، فتوجهوا إلى ججكب وشكوا إليه ما يلقون من أحمد ، وعرفوه ~~ما عزموا عليه ، فوافقهم ججكب ، واتفقوا جميعا . وجاءوا إلى المكان الذي ~~فيه أرغون تحت التوكيل ، فأطلقوه وكبسوا الناق نائب أحمد فقتلوه ؛ وقصدوا ~~الأردو ، فأحس بهم أحمد فركب فرسا وانهزم فأدركوه وقتلوه وأقاموا أرغون . ~~PageV27P0272 # """""" صفحة رقم 273 """""" ذكر ملك أرغون بن أبغا بن هولاكو ابن تولي ~~خان بن جنكزخان ، وهو الرابع من ملوك هذا البيت كان جلوسه على كرسي المملكة ~~في جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين وذلك أن الأمراء لما أطلقوه من توكيل ~~عمه توكدار وفر توكدار ، أجلسوه على كرسي السلطنة . وساق المغل خلفه وكان ~~قد هرب هو وصاحب الديوان شمس الدين ، فأدركوا توكدار وقبضوا عليه ، وأحضروه ~~إلى أرغون فقتل بين يديه . وأما شمس الدين صاحب الديوان ، فإن أرغون اتهمه ~~أنه دبر على أبيه أبغا وعمه منكوتمر حتى ماتا ، وأخرج الملك منه ms6393 إلى عمه ~~أحمد ، فطلبه ففر منه ولجأ إلى بعض القلاع ، فأخذ وجئ به إليه ، فقتله صبرا ~~، وأرسل كل قطعة منه إلى مكان من بلاده ، واستناب أرغون الأمير أبغا - أحد ~~الأمراء الثلاثة الذين اتفقوا على إقامته - ثم أوقع به بعد مدة يسيرة ~~وبالأميرين الآخرين ، واستناب طاجار ، ودس على ججكب جوشكاب من سقاه سما ~~فمات . وقتل غياث الدين كيخسرو صاحب الروم لتوهمه أنه واطأ عمه أحمد على ~~قتل عمه قنغرطاي ، وكان قنغرطاي قد أقام ببلاد الروم من أيام أبغا ، وقرر ~~أرغون أن بيدو يحكم على إقليم بغداد ، وأولاجو يحكم على إقليم الروم ، وترك ~~ولديه غازان وخربندا بخراسان ، ووكل أمرهما إلى نيروز ، وجعله أتابكهما ، ~~واستوزر سعد الدولة اليهودي ، وأصله من أبهر من كور عراق العجم . وكان سعد ~~الدولة في أول أمره يشتغل بالطب ، فتميز وانتقل إلى أن ترشح للوزارة . ~~وأحسن أرغون إلى والدة عمه أحمد وهي قوتوي خاتون ، وأبقى عليها بلادها التي ~~كانت لها في زمن ابنها وهي طوبان ، وميافارقين . ودامت أيامه إلى سنة تسعين ~~وستمائة فمات حتف أنفه في شهر ربيع الأول منها على شاطئ نهر الكر من بلاد ~~PageV27P0273 # """""" صفحة رقم 274 """""" أران . وقيل إنه مات مغتالا بسم . وقيل إنه ~~كان يدين بدين البخشية وهي الطائفة المشهورة بعبادة الأصنام . وكان يجلس في ~~السنة أربعين يوما في خلوة ، ويتجنب أكل لحوم الحيوان . فوفد عليه رجل من ~~الهند يزعم أنه يعلم علم الأديان والأبدان ، وأوحى إليه أنه يتخذ له معجونا ~~، من داوم مناولته طالت حياته ، وركب له . فتناول منه فأوجب له انحرافا ~~وصراعا ، فمات وملك بعده أخوه كيخاتو . ذكر ملك كيخاتو بن أبغا بن هولاكو ~~وهو الخامس من ملوك هذا البيت جلس على كرسي المملكة بعد وفاة أخيه أرغون في ~~شهر ربيع الأول سنة تسعين وستمائة . وذلك أن أرغون لما مات كان له من ~~الأولاد غازان وخربندا ؛ وكانا بخراسان ، فاجتمع الأمراء وأرباب الرأي على ~~إقامة كيخاتو فأقاموه في المملكة . فلما استقر حكمه ونفذ أمره أساء السيرة ~~، وخرج عن الياسا المقررة ، وأفحش في الفسق ، وتعرض ms6394 إلى نسوان المغل ~~وأولادهم الذكور . وتمادى على ذلك فاجتمعوا وشكوا ذلك إلى بيدو ابن عمه ، ~~فوثب به بيدو بن طرغاي وبشتاي وصنجك ، فعلم بهم فهرب من الأردو إلى نحو ~~كرخستان ، فقتل بمقام سلاسوار من أعمال موغان ، في شهر ربيع الآخر سنة أربع ~~وتسعين وستمائة . ذكر ملك بيدو بن طرغاي بن هولاكو بن تولي خان ابن جنكزخان ~~، وهو السادس من ملوك هذا البيت جلس على كرسي المملكة في جمادى الأولى سنة ~~أربع وتسعين وستماية بعد PageV27P0274 # """""" صفحة رقم 275 """""" مقتل كيخاتو . ولما ملك كان غازان بن أرغون ~~بخراسان وصحبته أتابكه نيروز ، فحسن له قصد بيدو وانتزاع المملكة منه . ~~فجمعا وحشدا وحضرا من خراسان ، وسار بيدو بعساكره إليهما . فلما تراءى ~~الجمعان تبين لغازان أن جمعه لا يقوم بمن مع بيدو ، فراسله واتفقا على ~~الصلح وعاد غازان إلى خراسان . وأقام نيروز عند بيدو ، فإنه منعه من الرجوع ~~مع غازان لئلا يتفقا على حربه مرة ثانية . فأعمل نيروز الفكرة واغتنم ~~الفرصة في مدة إقامته عند بيدو . واستمال جماعة من الأمراء لغازان واستوثق ~~منهم أنه متى دنا منهم انحازوا إليه وفارقوا بيدو . فلما استوثق منهم أعلم ~~غازان بأمرهم فتجهز للمسير من خراسان وبلغ بيدو خبره فأوجس منه خيفة ، وذكر ~~ذلك لنيروز ، فقال : أنا أكفيك أمره وأدفعه عن قصدك ، ومتى توجهت إليه ثنيت ~~عزمه ، وأرسلته إليك مربوطا . فاستحلفه بيدو أنه لا يخون ثم جهزه . فسار ~~إلى غازان وأخبره بما اتفق عليه الامراء وتعاضدا وخرجا معا لقصد بيدو ، ~~وأرسل إليه نيروز قدرا مربوطا في عدل ، وقال : قد وفيت بما قلت لك وأرسلت ~~قازان إليك ومعنى قازان في لغتهم القدر ، فغضب بيدوب لهذه الرسالة وتحقق ~~أنه خدعه ومكر به ، وسار بيدو للقائهما . فلما التقى الجمعان بنواحي همذان ~~، انحاز الأمراء الذين وافقوا نيروز إلى جهة غازان ، فقوي بهم وضعف بيدو ~~وهرب ، فأدركوه بنواحي همذان ، وقتلوه في ذي الحجة من السنة ، فكانت مدة ~~ملكه نحو سبعة أشهر . ذكر ملك غازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو ابن تولي ~~خان بن جنكزخان ms6395 وهو السابع من ملوك هذا البيت جلس على كرسي المملكة بعد ~~مقتل بيدو ابن عم أبيه في ذي الحجة سنة أربع PageV27P0275 # """""" صفحة رقم 276 """""" وتسعين وستماية . وترك أخاه خربندا بخراسان ~~واستقر نيروز أتابك العسكر ومدبر المملكة . وفي سنة خمس وتسعين وستمائة ~~فارقت الطائفة الأويراتية بلاد التتار ، وحضروا إلى الديار المصرية والشام ~~، والتجأوا إلى الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري ، وكانوا زهاء ~~ثمانية عشر ألف بيتا ومقدمهم طرغاي ، وسنذكر أخبارهم في دولة الترك في ~~الأيام العادلية ، وكان سبب هربهم أن مقدمهم طرغاي كان ممن وافق بيدو على ~~قتل كيخاتو ، فلما صار الملك إلى غازان خافه طرغاي على نفسه ، فهرب هو ومن ~~انضاف إليه . وفي سنة سبع وتسعين وستماية حضر إلى غازان جماعة من النواب ~~بالممالك الإسلامية والأمراء ، وهم : الأمير سيف الدين قفجاق نائب الشام ، ~~والأمير سيف الدين بكتمر أمير جندار المعروف بالسلاحدار ، والأمير فارس ~~الدين البكي الساقي نائب المملكة الصفدية ، والأمير سيف الدين بوزلار ، ~~والأمير سيف الدين عزاز الصالحين والتحقوا به للسبب الذي نذكره إن شاء الله ~~في أخبار الملك المنصور لاجين المنصوري . وفيها قتل غازان أتابكه نيروز ~~وسبب ذلك أن نيروز أحس بما أضمر له غازان من قتله ، فكاتب الملك المنصور ~~لاجين ، والتمس منه أن يجرد عسكرا ليساعده على الحضور إلى أبوابه ، فوقعت ~~الأجوبة في يد غازان ، فأحضره وقتله . وقتل أخويه فيما بعد ، وقتل الذي وصل ~~إليه بالأجوبة من الديار المصرية . ورتب قطلوشا في نيابته عوضا عن نيروز . ~~وفيها أيضا فارق سلامش بن أفاك بن بيجو وأخوه قطقطو بلاد التتار إلى الديار ~~المصرية وكان سلامش معدما على التمان ببلاد الروم . فلما وصل إلى الديار ~~المصرية خيره الملك المنصور لاجين في المقام بمصر أو الشام ، فسأله أن يجرد ~~معه عسكرا ليخلص أهله من الروم ، فجرد معه طائفة من العسكر بحلب . فلما ~~قاربوا بلاد الروم ظفر بهم التتار وأخذوا عليهم المضايق ففر سلامش ، والتجا ~~إلى قلعة من قلاع الروم ، ثم أحضر إلى غازان فقتله ، واستقر قطقطو بمصر . ~~PageV27P0276 # """""" صفحة رقم 277 """""" ذكر مسير ms6396 غازان إلى الشام ووقعة مجمع المروج ~~واستيلائه على البلاد الشامية وعوده عنها وفي سنة تسع وتسعين وستمائة توجه ~~غازان بعساكره وجموعه ومن انضم إليه من الكرج والأرمن وصحبته الأمراء ~~والنواب الذين التحقوا به من الديار المصرية والشام ، وسار بهم حتى قطع ~~الفرات وانتهى إلى حلب ، وتقدم إلى مجمع المروج بالقرب من حمص . وجاء ~~السلطان الملك الناصر بعساكره والتقوا في يوم الأربعاء ثامن وعشرين شهر ~~ربيع الأول من هذه السنة ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزمت ميمنة التتار ~~هزيمة قبيحة ، وقتل منهم خلق كثير ، فاعتزل غازان في نحو ثلاثين فارسا ~~واعتد للهزيمة . ثم ركب من التتار من لم يشهد الوقعة ، وحملوا على ميسرة ~~الملك الناصر ، فانهزمت وكانت الكسرة . وعاد الملك الناصر إلى الديار ~~المصرية . وكانت القتلى من جيش غازان أضعاف من قتل من العساكر الإسلامية ، ~~والنصر لهم . ولما عاين غازان من قتل من عساكره ورأى الهزيمة ظنها مكيدة ~~فتوقف عن اتباع من انهزم . ثم سار إلى حمص وبها الخزائن السلطانية فسلمها ~~إليه وإلى حمص من غير ممانعة ، وأخرج إليه مفاتيح البلد فتسلمها ، وأمن ~~أهلها . ورحل إلى دمشق ونزل بالغوطة وهي أحد مستنزهات الدنيا الأربعة ، ~~وخرج إليه أكابر دمشق بالتقادم والتحف والهدايا . وتعرض من في عسكره من ~~الأرمن إلى المدارس والمساجد والجامع بجبل الصالحية وخربوه وحرقوه . ورتب ~~الأمير سيف الدين قفجاق لتحصيل الأموال من الدماشقة ، فأخذ في جبايتها فجبى ~~من الأموال ما لا يحصى كثرة . ورسم بمحاصرة القلعة فحوصرت وبها الأمير علم ~~الدين سنجر أرجواش المنصوري فحفظها فلم يتمكن غازان منها ولما اشتد الحصار ~~خشى أرجواش أن يتمكن التتار من القلعة بما حولها من البنيان ، فهدمه جميعه ~~، فكان من جملة ما هدم دار السعادة وهي الدار التي يسكنها نواب السلطنة ؛ ~~ودار الحديث الأشرفية ، والمدرسة العادلية ، ودار تعرف بالزين الحافظي ، ~~وطواحين باب الفرج ، وغير ذلك مما جاور القلعة . وجاء رجل PageV27P0277 # """""" صفحة رقم 278 """""" منجنيقي فالتزم لغازان بأخذ القلعة ، وقرر أن ~~ينصب المجانيق عليها في جامع دمشق ، فأجمع أرجواش رأيه أنه متى نصبت ~~المجانيق بالجامع رمى ms6397 عليها بمجانيق القلعة . وكان ذلك يؤدي إلى هدم الجامع ~~، فانتدب رجال من أهل القلعة بعد أن تهيأت أعواد المجانيق ولم يبق إلا ~~رميها وخرجوا بحمية الإيمان ، وهجموا الجامع ومعهم المياسير ، فأفندوا ما ~~رتبه التتار وهيؤوه من أعواد المجانيق ، ثم جددوا غيرها واحترزوا عليها . ~~فانتدب رجل من أهل القلعة ، وبذل نفسه والتزم بقتل المنجنيقي ، وخرج إلى ~~الجامع والمنجنيقي بين المغل ، فتقدم إليه وضربه بسكين فقتله ، وهجم رجال ~~القلعة فنفرت الناس عن القاتل وحماه أصحابه فجاء إلى القلعة وبطل ما دبروه ~~من عمل المجانيق ونصبها على القلعة . وكتب غازان إلى سائر نواب القلاع ~~والحصون الشامية والساحلية في تسليمها فما أجابه أحد إلى تسليم ما بيده ، ~~وتربصوا ثقة بالله تعالى ثم بالعساكر الإسلامية أنها لا تتأخر عن دفع غازان ~~. وتقدم بكتابة الفرمانات وابتدأها بقوله بعد البسملة : بقوة الله تعالى ~~وميامين الملة المحمدية ، وأظهر فيها شعائر الإسلام واتباع السنة . هذا ~~وأفعاله تناقض أفعاله لأنه رضى بما فعله الأرمن من الفساد . ثم رتب الأمير ~~سيف الدين قفجاق قبجق في النيابة عنه بالشام ، ورتب الأمير سيف الدين بكتمر ~~السلحدار في النيابة بالممالك الحلبية والحموية وحمص ، ورتب الأمير فارس ~~الدين البكي الساقي في النيابة بالممالك الطرابلسية والصفدية والفتوحات ~~والسواحل ، وجعل الأمير يحيى ابن جلال الدين على جباية الأموال ، ومرجع ~~نواب الممالك إليه ، وجرد من عسكره عشرين ألف فارس صحبة بولاي وانشقا وججك ~~وهولاجو ، فنزلوا الأغوار ، وشنوا الغارات ، فانتهت غاراتهم إلى القدس وبلد ~~الجبل ونابلس ووصلوا إلى غزة ، وقتلوا بجامعها خمسة عشر نفرا . ورحل غازان ~~عائدا إلى الشرق في منتصف جمادى الأولى ، وترك نائبه قطلوشاه يحاصر قلعة ~~دمشق ، فحصرها أياما فلم يتمكن منها ، فجبى له قفجاق من أهل المدينة مالا ~~فأخذه وتوجه إلى غازان . ثم لم يلبث بولاي ومن معه من التتار إلا قليلا ، ~~وتوجهوا إلى بعلبك والبقاع فأغاروا عليها ورجعوا إلى الشرق في ثامن شهر رجب ~~من هذه السنة ، لما بلغهم أن السلطان الملك الناصر تجهز بجيوشه لدفعهم . ~~PageV27P0278 # """""" صفحة رقم 279 """""" وأما السلطان الملك الناصر ، فإنه لما ms6398 دخل ~~إلى الديار المصرية شرع في الاهتمام والاحتفال بالعساكر ، وأنفق فيهم ~~الأموال ، وعاد إلى الشام فبلغه توجه غازان ، فجرد نائبه الأمير سيف الدين ~~سلار واستاذ داره الأمير ركن الدين بيبرس ، ثم انحاز إليه الامراء : سيف ~~الدين قفجاق ، وسيف الدين بكتمر ، وفارس الدين البكي ، على ما نذكر ذلك في ~~أخبار الدولة الناصرية . وفي سنة سبعماية عاد غازان لقصد الشام ، وانتهى ~~إلى حلب وتقدم ونزل فيها بينها وبين حماه . ثم خرج السلطان الناصر بعساكره ~~إلى الشام ، وأقام بمنزله بدعرش بالقرب من غزة ، وجرد من العساكر طائفة . ~~ثم عاد غازان إلى الشرق والملك الناصر إلى مصر من غير قتال . ذكر مسير ~~غازان إلى الشام وعوده وتجريد عساكره وانهزامها بمرج الصفر وفي سنة اثنتين ~~وسبعماية سار غازان من الأردو ونازل الرحبة وحاصرها ، فخرج إليه نائبها ~~بلبان الغتمى بالإقامات ولاطفه ، وقال : أنت أيها الملك متوجه إلى الشام ~~فإذا أخذت البلاد فهذه القلعة لا تمتنع عليك فوافقه غازان ، وأخذ ابنه ~~ومملوكه رهينة ، ثم رحل عنها وعاد إليها . وجرد قطلوشاه وصحبته اثنا عشر ~~تمانا لقصد الشام وعاد غازان إلى العراق في أوائل شعبان من السنة . وهجم ~~عساكره على أطراف البلاد الحلبية فتأخر العسكر إلى حماة وغارت كل طائفة ~~منهم على القريتين ونهبوا من هناك من التركمان وسبوا نساءهم وذراريهم ، ~~وتوجهوا منها في البرية إلى صوب عرض ، وهم زهاء عشرة آلاف فخرج إليهم طائفة ~~من العساكر الإسلامية مقدمهم الأمير سيف الدين اسندمر كرجي نائب السلطنة ~~بالمملكة الطرابلسية ، وعدتها على التحرير ألف وخمسمائة فارس ، فالتقوا هم ~~والتتار على عرض ، واقتتلوا أشد قتال ، فكانت الكسرة على التتار ، وقتل ~~منهم خلق كثير . PageV27P0279 # """""" صفحة رقم 280 """""" ثم اتفق بعد ذلك اجتماعهم وصولهم إلى الشام ~~والعساكر تتأخر عنهم منزلة بعد أخرى ، إلى أن قاربوا دمشق ونزلوا على مرج ~~الصفر ، واجتمع به سائر نواب السلطنة بالشام ، والعساكر المجردة من الديار ~~المصرية . ووصل السلطان بعساكره إلى المرج في مستهل شهر رمضان ، وفي الساعة ~~التي انتهى السلطان فيها إلى هذه المنزلة كان وصول التتار ، وكنت ممن ms6399 شهد ~~هذا المصاف في جملة العساكر الإسلامية . فالتقى الجمعان يوم السبت مستهل ~~شهر رمضان من بعد الزوال إلى عشية النهار ، فهزمت ميسرة التتار ميمنة ~~المسلمين ، فأردفها القلب ، وألجأوا التتار إلى جبل هناك ، فارتقوا ذروته ~~وأحاطت العساكر الإسلامية بهم وهرب في هذا بولاي في نحو عشرين ألف فارس . ~~وكان مقابل الميسرة الإسلامية فلما رأى كثرة جموعها فر من غير قتال طائل . ~~وبات التتار على الجبل في تلك الليلة ، وأصبحوا يوم الأحد إلى وقت الزوال ~~ففرج لهم الأمير سيف الدين اسندمر كرجي نائب الفتوحات فرجة من طرف الميسرة ~~، فانهزموا منها على فرقتين فرقة تتلوها أخرى ، وأخذهم السيف من كل مكان . ~~وسنذكر إن شاء الله هذه الوقعة في أخبار الدولة الناصرية ونزيدها بيانا ~~وتفصيلا . ذكر وفاة غازان كانت وفاته في الثالث عشر من شوال سنة ثلاث ~~وسبعماية بمقام جبل من نواحي الري ، فكانت مدة ملكه ثمان سنين وعشرة شهور . ~~ولما مات ملك بعده أخوه خربندا ويقال فيه خدابندا . ذكر ملك خدابندا بن ~~أرغون بن أبغا ابن هولاكو بن تولي خان وهو الثامن من ملوك هذا البيت جلس ~~على تخت المملكة بعد وفاة أخيه غازان PageV27P0280 # """""" صفحة رقم 281 """""" في الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة ثلاث ~~وسبعماية ، وتلقب بأولجاتو سلطان ، وذلك بمقام أوجان . ولما جلس أطلق رسولي ~~الملك الناصر ، وكان غازان قد عوقهما ؛ وهما الأمير حسام الدين ازدمر ~~المجيري ، والقاضي عماد الدين بن السكري ، وجهزهما إلى الديار المصرية ، ~~وأصحبهما رسولا من جهته . فوصلوا في سنة أربع وسبعماية وكان مضمون رسالته ~~التماس الصلح والاتفاق . ذكر قتل قطلو شاه نائب خربندا وتولية جوبان ~~النيابة وفي سنة خمس وسبعماية جرد خربندا نائبه قطلوشاه وهو الذي كان ينوب ~~عن غازان ، وأقره خربندا إلى جبال كيلان لقتال الأكراد فسار إليهم والتقوا ~~واقتتلوا فهزمه الأكراد وقتلوه ؛ ورتب خربندا بعده في النيابة جوبان . وفي ~~سنة سبع وسبعمائة سار خربندا إلى جبال كيلان ، وأوقع بالأكراد وقتل منهم ~~خلقا كثيرا ، وسبى نساءهم وأولادهم ، وأمر ببيعهم بمدينة تبريز ، فبيعوا ~~بها . وفي سنة تسع وسبعمائة ms6400 ابتنى خربندا بابنة الملك المنصور نجم الدين ~~غازي بن المظفر قرا أرسلان صاحب ماردين ، وحملت إليه إلى الأردو ، وحمل ~~جهازها على ما نقل إلينا على ألف جمل . وفيها توفي ولد خربندا واسمه أبو ~~يزيد . وفي سنة اثنتي عشرة وسبعماية وصل إلى خربندا من نواب السلطنة بالشام ~~والأمراء جماعة وهم . الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري نائب المملكة ~~الحلبية ، والأمير جمال الدين أقش الافرم نائب المملكة الطرابلسية ، ~~والأمير عز الدين أزدمر الزردكاش ، والأمير سيف الدين بلبان الدمشقي ، وبدر ~~الدين بيسرا الحسامي ؛ والتحقوا به وأقاموا عنده . PageV27P0281 # """""" صفحة رقم 282 """""" وكان سبب ذلك أن السلطان الملك الناصر قبض ~~على جماعة من الأمراء ممن اتهمهم ونقم عليهم . فخاف هؤلاء على أنفسهم ~~ففارقوا البلاد ، ولجأوا إليه ، فقبلهم وأكرمهم وتجهز بعساكره وقصد الشام ~~ونازل الرحبة والأمراء معه . وقيل إن خربندا لم يصل إلى الرحبة ، وإنما ~~وصلت جيوشه إليها ، وحاصروها وأقام هو شرقي الفرات . ثم رجعت عساكره عنها ~~في السادس والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ولم يعلم سبب ~~رجوعهم ، وعادوا إلى بلادهم . ذكر خبر مدينة قنغر لام وتسمى السلطانية هذه ~~المدينة كان غازان قد شرع في إنشائها واهتم بأمرها ، فهلك قبل تكملتها ، ~~فأمر خدا بندا بالاهتمام بعمارتها . وهي مدينة بالقرب من قلعة كرد كوه على ~~عشرة مراحل من مدينة تبريز . ووصلت إلينا الأخبار في سنة ثلاث عشرة ~~وسبعمائة أنها كملت وسكنت وأن خدابندا نقل إليها من مدينة تبريز جماعة ~~كثيرة من التجار والمتعيشين والحاكة والصناع وغيرهم ، وألزمهم سكناها ~~والإقامة بها ، فسكنوها على كره منهم . ثم وصلت الأخبار إلينا أن أكثر ~~الحاكة والصناع تسحبوا منها وعادوا إلى تبريز وغيرها من البلاد التي نقلوا ~~منها . ذكر وفاة خدابندا وملك ابنة أبي سعيد بن خدابندا وفي سنة ست عشرة ~~وسبعمائة وردت الأخبار بوفاة خدا بندا وأن وفاته كانت في سابع شوال من ~~السنة . وكان قد أظهر الرفض وتمذهب به ، وقرب الروافض ، وأبعد أهل السنة ~~وأطرحهم وأهانهم ، ونقل إلينا أنه قبل وفاته أمر بإشهار النداء بنواحي ~~PageV27P0282 # """""" صفحة رقم 283 ms6401 """""" مملكته أنه من تلفظ بذكر أبي بكر وعمر مات ؛ ~~فأهلكه الله تعالى بعد سبعة أيام من حين أمر بذلك . ولما هلك اختلفت آراء ~~الأمراء وأرباب دولته ، فيمن يجلس على تخت السلطنة ، فذكر لنا أن منهم من ~~مال إلى ابن قازان ، ومنهم من مال إلى غيره من أهل هذا البيت الجنكزخاني ثم ~~اجتمعت كلمتهم على أن أقاموا أبا سعيد بن خدابندا وعمره أحد عشر سنة فنصبوه ~~في الملك ، وقام بتدبير دولته جوبان نائب أبيه ، ووصلت رسله وهداياه إلى ~~السلطان الملك الناصر بالديار المصرية . وتكرر ذلك منه ، وانتظم الصلح ، ~~وحصل الاتفاق . هذا ما انتهى إلينا من خبر التتار إلى حين وضعنا لهذا ~~التأليف ، ومهما ورد علينا من أخبارهم بعد هذا أوردناه في أخبار الدولة ~~الناصرية بالديار المصرية آخر كتابنا هذا إن شاء الله تعالى . كمل الجزء ~~السابع والعشرون من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب يتلوه إن شاء الله ~~تعالى في أول الجزء الثامن والعشرين الباب الثاني عشر من القسم الخامس من ~~الفن الخامس في أخبار ملوك الديار المصرية والحمد لله وحده وصلى الله على ~~سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل ~~PageV27P0283 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الثامن والعشرون PageV28P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUT الباب الثاني من القسم الخامس من الفن الخامس ملوك الديار المصرية الدولة الطولونية # فتجهز أحمد للمسير إلى الشام ، وسار في شوال سنة أربع وستين لقصده ، ~~واستخلف على مصر ابنه العباس ، وعضده بأحمد بن محمد الواسطي . وكتب إلى علي ~~بن مأجور وإلى أصحاب أبيه الذين أقاموه يذكر أن الخليفة أقطعه الشام ~~والثغور مضافا إلى ما بيده . فأجابوه بالسمع والطاعة ، وتلقاه أبن أماجور ~~بالرملة ، فأقره عليها . وسار إلى دمشق فملكها وأقر قواد أماجور على ~~إقطاعياتهم . وسار إلى حمص فتلقاه عيسى الكرخي . وكان يتقلدها ، فشكاه ~~أهلها فعزله عنهم وولاها يمن التركي . وملك حماة وحلب . وأرسل إلى سيما ~~الطويل بأنطاكية يدعوه إلى طاعته ليقر له على ولايته ، فامتنع ، ~~PageV28P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" فعاوده ، فلم يطعه ، فسار ms6402 إليه . ودلوه على ~~عورة أنطاكية فنصب عليها المناجيق ، وملك البلد عنوة ، وقاتله سيما الطويل ~~حتى قتل ، فساء أحمد قتله لأنه كان نصيحه قديما ؛ وكان ذلك في المحرم سنة ~~خمسين وستين ومائتين . ورحل عن إنطاكية إلى طرسوس ، فدخلها في جمع عظيم ، ~~وعزم على المقام بها وملازمة الغزو ، فغلا السعر وطاقت بعساكره ، فركب ~~أهلها إليه بالمخيم وقالوا له : لقد ضيقت علينا بلدنا وغليت أسعارنا ، فإما ~~أقمت في عدد يسير وإما رحلت عنا ، وأغلظوا عليه في القول وشغبوا عليه ، ~~فقال لأصحابه أن ينهزموا عن الطرسوسيين ويرتحلوا عن البلد ، ليظهر للعدو أن ~~ابن طولون على كثرة عساكره لم يقو لأهل طرسوس ، وأنه انهزم عنهم ، لتقع ~~مهابتهم في قلوب العدو . وعاد إلى الشام ، فأتاه خبر ولده العباس أنه عصي ~~عليه في مصر وأخذ الأموال وسار إلى برقة ، فلم يكترث أحمد لذلك ، وقضى ~~أشغاله ، وحفظ أطراف بلاده ، وبعث إلى حران أحمد بن جيغويه في جيش كثيف ، ~~ونزل غلامه لؤلؤ بالرقة ، في جيش كثيف ، وكانت حران لمحمد أتامش ، فأخرجه ~~أحمد بن جيغويه عنها ، وهزمه هزيمة قبيحة ، فاتصل خبره بأخيه موسى بن أتامش ~~، وكان شجاعا بطلا ، فجمع عسكرا كثيرا ، وسار بهم إلى نحو حران ، فاتصل ذلك ~~بابن طولون ، فأهمه وأقلقه وأزعجه ، فنظر إليه رجل من الأعراب يقال له أبو ~~الأغر ، فقال له : أيها الأمير أراك مفكرا منذ أتاك خبر ابن أتامش ، وما ~~هذا محله ، فإنه طائش قلق ، ولو شاء الأمير أتيته به أسيرا ، فغاظه قوله ، ~~وقال : لقد شئت أن تأتيني به أسيرا فقال الأعرابي فاضمم إلى عشرين أختارهم ~~قال : افعل ، فانتقاهم أبو الأغر ، وسار بهم . PageV28P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" فلما قارب عسكر موسى ، كمن بعضهم ، وجعل بينهم ~~وبينه إشارة إذا سمعوها ظهروا . ثم دخل العسكر فيمن بقي معه على زي الأعراب ~~، وأصحاب موسى على غرة ، وقد تفرق بعضهم في حوائجهم ، فانزعج العسكر وركبوا ~~، فركب موسى ، فانهزم أبو الأغر بين يديه ، فاتبعه حتى أخرجه من العسكر ، ~~واستمر حتى جاور الكمين ، فنادى أبو الأغر بالإشارة التي بينه وبينهم ، ~~فثاروا ، وعطف أبو ms6403 الأغر على موسى فأسره ، وأخذه حتى وصلوا به إلى ابن ~~جيغويه ، وإلى ابن طولون فاعتقلاه ، ورفع إلى مصر ، وكان وصوله إليها في ~~سنة ست وستين . . ذكر عصيان العباس بن أحمد بن طولون على أبيه وما كان من ~~أمره في سنة خمس وستين ومائتين عصى العباس بن أحمد أبيه ، وسبب ذلك أن أباه ~~لما استخلفه بمصر ، كما ذكرناه ، وخرج إلى الشام ، حسن للعباس جماعة كانوا ~~عنده أخذ الأموال والإنسراح إلى برقة ، ففعل ذلك ، وحمل معه أحمد بن محمد ~~الواسطي كاتب أبيه ، وأيمن الأسود مقيدين . فلما رجع أحمد إلى مصر وجده قد ~~أخذ ألفي ألف دينار ، واستلف من التجار ثلاثمائة ألف دينار ، وأمر صاحب ~~الخراج أن يضمنها لهم ، ففعل . فراسل أحمد ابنه واستعطفه فلم يرجع ، فخاف ~~من معه وأشاروا عليه بقصد إفريقية ، فسار إليها ، وكاتب وجوه البربر ، ~~فأتاهم بعضهم . وكتب إلى إبراهيم بن الأغلب يقول : إن أمير المؤمنين قلدني ~~إفريقيا وأعمالها ، ورحل حتى أتى حصن لبدة ، ففتحه أهله له ، فقابلهم أسوأ ~~مقابلة ، ونهبهم ، فمضى أهل الحصن إلى إلياس بن منصور النفوسي ، رئيس ~~الإباضية ، هناك ، فاستغاثوا به ، فغضب بذلك ، وسار إلى العباس ليقابله . ~~وكان إبراهيم بن الأغلب قد أرسل إلى عامل طرابلس جيشا وأمره بقتال ~~PageV28P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" العباس ، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا حتى حجز ~~بينهما الليل . فلما كان الغد وافاهم إلياس ابن منصور الإباضي في اثني عشر ~~ألفا من الإباضية ، فأجمع هو وعامل طرابلس على قتال العباس ، فاقتتلوا ، ~~فقتل من أصحابه خلق كثير ، وانهزم أقبح هزيمة ، وكان أن يؤسر ، فخلصه مولى ~~من مواليه ، ونهبوا سواده ، وأكثر ما حمله معه من مصر ، فعاد إلى برقة أقبح ~~عود ، وشاع بمصر أن العباس قد أنهزم فاغتم أبو لذلك غما شديدا ، وسير إليه ~~العساكر ، فقاتلهم وقاتلوه ، فانهزم ، وكثر القتل في أصحابه ، وأخذ أسيرا ، ~~وحمل إلى أبيه ، فحبسه في حجرة في الدار إلى أن قدم العسكر ببقية الأسرى من ~~أصحابه ، فلما قدموا أحضرهم أحمد عنده ، والعباس معهم ، وأمره أن يقطع أيدي ~~أعيانهم وأرجلهم ، ففعل ذلك . فلما فرغ ms6404 منهم وبخه أبوه وذنبه ، وقال له : ~~هكذا يكون الرئيس والمقدم . كان الأحسن أنك ألقيت نفسك بين يدي سألت الصفح ~~عنك وعنهم ، فكان ذلك أعلى لمحلك . وكنت قضيت حقوقهم . ثم أمر به فضربه ~~مائة مقرعة ، ودموع أحمد تجري على خده رقة على ولده ، ثم رده إلى الحجرة ~~واعتقله ، وذلك في سنة ثمان وستين ومائتين . ؟ ذكر خلاف لؤلؤ على أحمد كان ~~سبب ذلك أن الحسين بن مهاجر غلب على أحمد بن طولون ، وحسن له جمع الأموال ~~ومنعه من سماحته وجريه على عوائد الجميلة ، فنفرت القلوب عن أحمد ، وتغيرت ~~الخواطر عليه ، فتنكر له غلامه لؤلؤ ، وكان عمدته عليه ، وكان في يده حلب ~~وحمص وقنسرين وديار مضر . وكان أحمد إذا أنكر على لؤلؤ شيئا أوقع بكاتبه ~~محمد بن سليمان ، ويقول له ، هذا منك ليس منه فحمل محمد بن سليمان الخوف من ~~أحمد على أن حسن لؤلؤ حمل جملة من المال إلى الموفق ، فحمل إليه ذلك ، وكتب ~~إليه عن PageV28P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" لؤلؤ كتابا يعرفه رغبته في المصير إليه ، ~~والتصرف تحت أمره ونهيه ، والدخول في طاعته ، فسر الموفق لذلك واستبشر ، ~~لما في نفسه من أحمد ، ورأى أن ذلك من الفرص التي يتعين انتهازها ، فأجابه ~~بأحسن جواب وأنفذ إليه خلعا . وكانت مع لؤلؤ طائفة من خواص أحمد ، فلما ~~أنكروا حاله ، واطلعوا على ما فعله ، فارقوه ، والتحقوا بأحمد ، وأطلعوه ~~على ما كان من أمر لؤلؤ . فتألم لذلك ، وأخذ في إعمال الحيلة والمخادعة ~~للؤلؤ والتطلف به ، ومكاتبة محمد بن سليمان ، فلم يفده ذلك عنده . فكتب ~~أحمد إلى المعتمد على الله كتابا يقول فيه : إني خائف على أمير المؤمنين من ~~سوء يلحقه ، وقد اجتمع عندي مائة ألف عنان أنجاد ، وأنا أرى لسيدي أمير ~~المؤمنين الانجذاب إلى مصر ، فإن أمره يرجع بعد الامتهان إلى نهاية العز ، ~~ولا يتهيأ لأخيه الموفق شيء مما يخافه عليه . وجهز له قرين ذلك ، سفاتج ، ~~بمائة ألف دينار ، وذلك في سنة ثمان وستين ومائتي ، وأظهر أحمد الخروج لهذا ~~الأمر . فلما وصل كتابه إلى الخليفة ، تجهز لقصده ms6405 مصر ، فكان من خروجه ، ~~ورجوعه إلى بغداد ما ذكرناه في أخباره ، وأما محمد فإنه تجهز إلى الشام ، ~~وأحذ معه ابنه العباس مقيدا واستخلف ابنه خمارويه على مصر ، فسار ، فوصل ~~إلى دمشق وهو يظهر الانتصار للمعتمد ، ويقصد لؤلؤا غلامه ، فعند ذلك التحق ~~لؤلؤ بالموفق ، وكان لحاقه به في سنة تسع وستين . وانتهى إلى أحمد عود ~~المعتمد ، وأنه ضيق عليه ، فأحضر أحمد قضاة أعماله وفيهم بكار بن قتيبة ~~والعمري أبو حازم ، وغيرهم ، وخلع الموفق ، فكلهم وافقه على ذلك إلا بكار ، ~~واسقط أحمد دعوة الموفق ، وقلع اسمه من الطرز . فلما بلغ الموفق ذلك أمر ~~بلعن أحمد بن طولون في المنابر في سائر الأمصار . ثم رجع الموفق عن ذلك ، ~~وأمر كاتبه صاعد بن مخلد وجماعة من خاصته ، بمكاتبة أحمد بن طولون وتوبيخه ~~على ما فعله ، فكتبوا إليه واستمالوا ، فعلم أن ذلك عن رأي الموفق وإذنه ~~لهم ، فأجابه بأحسن جواب ، فعرضوا كتبه على الموفق ، فسره ما تضمنته ، وعلم ~~أن ابن طولون إنما PageV28P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" فعل ذلك لمغالاته في المناصحة هم . وكان الموفق ~~كامل العقل ، فسكن ذلك منه ما كان في نفسه على أحمد ، ومال قلبه إليه ، ~~وكتب الموفق إلى أخيه المعتمد يعلمه برجوعه عن أمر أحمد وندمه على ما كان ~~منه في حقه ، وسأله أن يكتب إليه ، فسر المعتمد بذلك ، وكتب إلى أحمد كتابا ~~بخطه ، وأمره بالرجوع عما هو عليه من أمر الموفق ، وبعث إليه كتاب الموفق ~~برجوعه عن لعنه ، وأنفذ الكتاب مع الحسن بن عطاف ، فلما بلغ الرقة بلغه ~~وفاة أحمد بن طولون ، فرجع إلى الحضرة . وأما لؤلؤ فإنه بلغه أن مولاه أحمد ~~باع أولاده وخدمه بسوق الرقيق بمصر ، وقبض على أملاكه ، فبلغ منه ذلك كل ~~مبلغ ، وتقدم إلى الموفق وبكى ، وسأله إنفاذ الجيوش معه ، وضمن له أخذ ~~البلاد من مولاه ، وبسط لسانه في سيرته ، فخلع الموفق عليه ، وحمله على ~~دابة ، ووعده وأمر بتجريد الجيوش معه ، كل ذلك وهو يسخر منه ويماطله ، إلى ~~أن يعود جواب أحمد مع الحسن بن عطاف ، فقبض حينئذ ms6406 على لؤلؤ ورده إلى مولاه ~~، واستقبح مع فعله لؤلؤ بحق سيده ، فلما اتفق وفاة أحمد ، أقام لؤلؤ في ~~خدمة الموفق إلى سنة ثلاث وسبعين ، فقبض الموفق عليه ، وأخذ منه أربعمائة ~~ألف دينار ، وكان لؤلؤ يقول ليس لي ذنب إلا كثرة مالي ، ولم تزل أمور لؤلؤ ~~في إدبار إلى أن افتقر ، ولم يبق له شيء ، فعاد إلى مصر في آخر أيام هارون ~~بن خمارويه بغلام واحد ، وهكذا تكون ثمرة الغدر وكفر الإحسان . ؟ ذكر وفاة ~~أحمد بن طولون وشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته في نصف الليل من ليلة ~~الأحد لعشر ليال خلون من ذي القعدة سنة سبعين مائتين قيل : وكان سبب وفاته ~~أن نائبه في طرسوس وثب عليه يازمان الخادم وقبض PageV28P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" عليه ، وأظهر الخلاف على أحمد ، فجمع أحمد ~~العساكر ، وسار إليه ، فلما وصل إلى أذنه كاتبه وراسله واستماله ، فلم ~~يلتفت يازمان الخادم إلى رسالته ، فسار أحمد إليه وحصره ، فخرق يازمان نهر ~~البلد على منزلة العسكر ، فكاد الناس يهلكون ، فرحل أحمد حنقا ، وكان ~~الزمان شتاء ، وكتب إلى يازمان ، إنني لم أرحل إلا خوفا من تنحرق حرمة هذا ~~الثغر ، ويطمع العدو فيه ، وعاد إلى إنطاكية ، فأكل من لبن الجواميس وأكثر ~~منه ، فأصابته هيضة واتصلت به حتى صار منها ذرب . وكان الأطباء يعالجونه ، ~~وهو يأكل سرا غير ما يصفونه ، فلم ينجع الدواء فيه فمات رحمه الله . هكذا ~~ذكر ابن الأثير الجرزي في تاريخه الكامل في سبب وفاته . وأما صاحب الدول ~~المنقطعة فإنه قال : أنه رجع إلى مصر واعتل بزلق المعدة ، واشتدت به العلة ~~وطالت ، فعهد إلى ابنه أبي الجيش خمارويه ، وأطلق ابنه العباس من قيده ، ~~وذلك في العقدة سنة سبعين ومائتين ، وخلع عليه وقلده جميع الأعمال الخارجة ~~عن أعمال مصر من الشامات والثغور ، وأوصاه بتقوى الله وطاعة أخيه ، ثم توفي ~~رحمه الله وسنه يومئذ خمسون سنة وشهر وثماني وعشرون يوما ، ومدة إمرته على ~~مصر ست عشر سنة وشهر واحد وسبعة وعشرون يوما . وأما سيرته ، فإنه ، رحمه ~~الله ، كان عادلا شجاعا ، كريما ms6407 متواضعا ، حسن السيرة ، يباشر الأمور بنفسه ~~ويتفقد رعاياه ، ويحب أهل العلم ، ويدنى مجالسهم ، وكان كثير الصدقات . وهو ~~الذي بنى قلعة يافا ، وكانت المدينة بلا قلعة . أولاده ثلاثة وثلاثون . ~~منهم : أبو الفضل عباس ، أبو الجيش خمارويه ، أبو العشائر مضر ، أبو الكرم ~~ربيعة ، أبو المقانب شيبان ، أبو ناهض عياض ، أو معد عدنان ، أبو الكراديس ~~خزرج ، أبو حبشون عدي ، أبو شجاع كندة ، أبو منصور أغلب ، أبو بهجة ~~PageV28P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" ميسرة ، أبو البقاء هدى ، أبو المفوض غسان ، ~~أبو الفرج مبارك ، أبو عبد الله محمد ، أبو الفتح مظفر . والبنات ست عشرة ، ~~وهن : فاطمة ، ولميس ، وتعلب ، صفية ، وغالية ، وخديجة ، وميمون ، ومريم ، ~~وعائشة ، وأم القرى ، ومؤمنة ، وعزيزة ، وزينب ، وسمانة ، وسارة ، وغريرة . ~~وخلف من الأموال والعين والورق كثيرا ، ومن الغلمان أربع وعشرين ألف غلام ، ~~ومن الموالي سبعة آلاف رجل ، ومن الخيل سبعة آلاف وثلاثمائة وخمسين رأسا ، ~~منها : لركابه ثلاثمائة وخمسون ، ومن الجمال ثلاثة آلاف جمل وألف بغل ، ومن ~~المراكب الحربية الكبار مائتي مركب بآلتها ، ومن الأمتعة والفرش والآلات ما ~~لا يحصى كثرة ولا يعد اتساعا ، وأنفق على الجامع مائة ألف وعشرين ألف دينار ~~، وعلى البيمارستان ، ستين ألف دينار ، وعلى العين التي بالمعافر مائة ألف ~~وأربعين ألف دينار ، وعلى حصن الجزيرة مائة ألف دينار . وأنفق في بناء ~~الميدان مائة ألف وخمسين ألف دينار ، وعلى مرمات الثغور وحصن يافا مائتي ~~ألف دينار . وكانت صدقاته في كل شهر ألف دينار سوى المرتبات ، وكانت له ~~وظائف من خبز ولحم تجري على قوم مستورين ، في كل شهر ألفا دينار ، وكان ~~يصنع في كل جمعة من أصناف الأطعمة ، والحلو أشياء كثيرة ، يحضرها الناس من ~~فقير ، ومستور ، ومتجمل ، ومحتج ، وكان إذا عاين ذلك وهو بمشترف عال يسجد ~~لله تعالى شكرا تارة ، ويصلي تارة ، ويدعو تارة ، ويبكي تارة ، فكانت سيرته ~~رحمه الله أجمل سيرة ، وفراسته أعظم فراسة ، بحيث إنه كان ينظر في الرجل ~~فيدرك بفراسته غرضه ، ولما مات ملك ولده بعده . ؟ ذكر ولاية أبي الجيش ~~خمارويه بن أحمد بن طولون وهو الثاني من ملوك الطولونية ms6408 ملك بعد وفاة أبيه ~~في يوم الأحد لعشر خلون من ذي العقدة سنة سبعين مائتين ، وهو ابن عشرين سنة ~~وشهور ، في خلافة المعتمد على الله ، وذلك أنه لما توفي والده اجتمع ~~الأجناد وقتلوا ولده العباس الأكبر وولوا لخمارويه ، فاستقل بالأمر . ~~PageV28P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" ذكر مسير إسحاق بن كنداجق ومحمد بن أبي الساج ~~إلى الشام قال المؤرخ : لما توفي أحمد بن طولون كان إسحاق بن كنداجق على ~~الموصل والحيرة ، وابن الساج على أرمينية والجبال ، فطمعا بالشام ، ~~واستصغرا أولاد ابن طولون ، فكاتبا الموفق واستمداه ، فأمرهما بقصد الشام ، ~~ووعدهما بإنفاذ الجيوش ، فجمعا وقصدا ما يجاروهما ، من البلاد فاستوليا ~~عليها ، وأعانهما نائب دمشق الذي كان من قبل أحمد بن طولون ووعدهما ~~بالانحياز لهما ، وأظهر العصيان ، واستولى إسحاق على حلب وحمص وإنطاكية ~~ودمشق . فلما انتهى الخبر إلى أبي الجيش خمارويه ندب العساكر المصرية إلى ~~الشام ، فملكوا دمشق ، وهرب نائبها ، وسار عسكر خمارويه ، من دمشق إلى شيزر ~~لقتال إسحاق وابن أبي الساج ، فطاولهم إسحاق ينتظر المدد من العراق ، وهجم ~~الشتاء على الطائفتين ، وأضر بأصحاب خمارويه ، فتفرقوا في المنازل بشيزر ، ~~ووصل العسكر العراقي إلى ابن كنداجق ، وعليهم أبو العباس أحمد بن الموفق ~~وهو المعتضد بالله ؟ فلما سار مجدا وصل إلى عسكر خمارويه بشيزر ، فكبسهم في ~~المنازل ووضع فيهم السيف ، فقتل منهم مقتلة عظيمة ، وسار من سلم منهم إلى ~~دمشق على أقبح صورة ، فسار المعتضد إليهم ، ففارقوا دمشق وتوجهوا إلى ~~الرملة ، وأقاموا بها ، ودخل أبو العباس المعتضد إلى دمشق في شعبان سنة ~~إحدى وسبعين ومائتين . وكتب عسكر مصر إلى خمارويه ، فخرج من مصر بعساكره . ~~؟ ذكر وقعة الطواحين وفي سنة إحدى وسبعين ومائتين كانت وقعة الطواحين بين ~~أبي العباس PageV28P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" أحمد بن الموفق ، وهو المعتضد ، وبين أبي ~~الجيش خمارويه بن أحمد . وكان سبب هذه الوقعة أن المعتضد لما مات ملك دمشق ~~سار بعساكره إلى الرملة لقصد عسكر خمارويه ، فأتاه الخبر بوصول خمارويه إلى ~~عسكره وكثرة ما معه من الجموع ، فهم المعتضد بالرجوع ، فلم يمكنه من معه من ms6409 ~~أصحاب ابن طولون الذين صاروا معه . وكان المعتضد قد أوحش ابن كنداجق وابن ~~أبي الساج ونسبها إلى الجبن ، حيث انتظراه حتى وصل إليهما ولم يناجزا عسكر ~~خمارويه الحرب ، ففسدت نيا تهما . قال : وحل خمارويه ونزل على الماء الذي ~~عليه الطواحين عند الرملة ، وملكه فنسبت الوقعة إليه . ووصل المعتضد وقد ~~عبأ أصحابه ، وفعل خمارويه كذلك ، وجعل كمينا عليهم سعد الأيسر ، فحملت ~~ميسرة المعتضد على ميمنة خمارويه فانهزمت . فلما رأى خمارويه ذلك ، ولم يكن ~~رأي مصافا قبله ، ولي منهزما في طائفة من الأحداث الذين لا علم لهم بالحرب ~~، ولم يقف دون مصر ، ونزل المعتضد إلى خيام خمارويه وهو لا يشك في تما ~~النصر ، فحرج سعد الأيسر بالكمين وانضاف من بقي من الجيش ، ونادوا بشعارهم ~~، وحملوا على عسكر المعتضد ، وقد اشتغلوا بنهب السواد ، فوضع المصريون ~~السيف فيهم ، فظن المعتضد أن خمارويه قد عاد ، فركب فانهزم لا يلوي على شيء ~~، ووصل إلى دمشق فلم يفتح له أهلها ، فمضى منهزما حتى وصل طرسوس . واقتتل ~~العسكران وليس لواحد منهم أمير ، وطلب سعيد الأيسر خمارويه فلم يجده ، ~~فأقام أخاه أبا العشائر مقامه ، وتمت هزيمة العراقيين ، وقتل منهم خلق كثير ~~، وأسر خلق كثير ، وجاءت بشائر بالنصر إلى مصر ، فسر خمارويه بالظفر ، وخجل ~~من الهزيمة ، وأكثر الصدقة ، وفعل مع الأسرى ما لم يسبق إليه ، وقال ~~لأصحابه هؤلاء ضيوفكم ، فأكرموهم . ثم أحضرهم بعد ذلك وقال : من اختار ~~المقام عندنا فله الإكرام والمواساة ، ومن أراد الرجوع جهزناه وسيرناه ، ~~فمنهم من أقام ، ومنهم من عاد مكرما . وسارت عساكر خمارويه إلى الشام ففتحه ~~أجمع ، واستقر ملك خمارويه . PageV28P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" وفي سنة اثنتين وسبعين ومائتين زلزلت مصر في ~~جمادى الآخرة زلزلة شديدة خربت الدور والمسجد والجامع ، وأحصى بها في يوم ~~واحد ألف جنازة . ذكر اختلاف محمد بن أبي الساج وإسحاق بن كنداجق والخطبة ~~لخمارويه بالجزيرة وفي سنة ثلاث وسبعين مائتين فسدت الحال بين محمد بن أبي ~~الساج وإسحاق بن كنداجق ، وكانا قبل ذلك متفقين بالجزيرة . وسبب ذلك أن ابن ~~أبي الساج نافس إسحاق ms6410 في الأعمال وأراد التقدم ، فامتنع إسحاق عليه ، فكاتب ~~محمد بن أبي الساج خمارويه فانضم إليه ، وخطب له بأعماله ، وهي قنسرين ، ~~وسير ولده ديواذاد إلى خمارويه رهينة ، فأرسل خمارويه إلى الشام ، واجتمع ~~هو وابن الساج بنابلس ، وعبر ابن أبي الساج الفرات إلى الرقة فلقيه إسحاق ، ~~وكان بينهما حرب انجلت عن انهزام إسحاق ، واستولى ابن أبي الساج على ما كان ~~معه ، وعبر خمارويه ، الفرات نزل الرافقة ، وانهزم إسحاق إلى قلعة ماردين ، ~~فحصره ابن أبي الساج بها ، وسار عنها إلى سنجار ، وأوقع بطائفة من الأعراب ~~، وسار إسحاق إلى الموصل فلقيه ابن أبي الساج ببرقعيد ، وكمن له ، واقتتلوا ~~، فخرج الكمين على إسحاق ، فانهزم وعاد إلى ماردين ، فقوى ابن أبي الساج ~~وظهر أمره ، واستولى على الجزيرة والموصل ، وخطب لخمارويه فيها ، ثم لنفسه ~~من بعده . وفيها أيضا ثار السودان بمصر ، وحصروا صاحب الشرطة ، فركب ~~خمارويه بنفسه ، وبيده سيف مسلول ، وقصد دار صاحب الشرطة ، فقتل من لقيه من ~~السودان ، فهزموا ، وكثر القتل فيهم ، وسكنت مصر . PageV28P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" ذكر الاختلاف بين خمارويه ومحمد ابن الساج ~~والحرب بينهما . وفي سنة أربع وسبعين ومائتين خالف محمد بن أبي الساج على ~~خمارويه ، فسار خمارويه إلى الشام ، فقدمها في آخر السنة ، وسار ابن أبي ~~الساج إليه ، فالتقوا عند ثنية العقاب ، على مرحلة من دمشق إلى حمص ، ~~واقتتلوا في المحرم سنة خمس وسبعين ، فانهزمت ميمنة خمارويه ، وأحاط عسكر ~~بابن أبي الساج ، فانهزم واستبيح عسكره . وكان فد خلف بحمص أموالا كثيرة ، ~~فندب خمارويه إليها قائدا من قواده في جيش جريدة ، فسبقوا ابن أبي الساج ~~إليها ومنعوه من الدخول والاعتصام بها واستولوا على أمواله التي بها ، فمضى ~~إلى حلب ، ومنها إلى الرقة ، فتبعه خمارويه ، ففارقها . وعبر خمارويه ~~الفرات وسار في أثره ، فوصل إلى مدينة بلد ، وسبقه إليها ابن أبي الساج إلى ~~الموصل ، ثم فارقها إلى الحديثة ، وأقام خمارويه ببلد ، وعمل له سرير طويل ~~الأرجل ، وكان يجلس عليه في دجلة . ذكر الدعاء لخمارويه بطرسوس في سنة سبع ~~ومائتين دعا يازمان بطرسوس لخمارويه . وسبب ذلك أن ms6411 خمارويه أنفذ إليه ~~ثلاثين ألف دينار ، وخمسمائة ثوب ، وخمسمائة مطرف ، وسلاحا كثيرا فلما وصل ~~ذلك إليه ، دعا له ، ثم وجه إليه خمسين ألف دينار ، ثم توفي يازمان في ~~جمادى الآخرة سنة ثماني وسبعين ، فخلفه ابن عجيف ، وكتب إلى خمارويه بوفاة ~~يازمان ، فأقره على ولاية طرسوس ، وأمده بالخيل والسلاح والذخائر ، ثم عزله ~~، واستعمل ابن عمه محمد بن موسى بن طولون . ذكر الفتنة بطرسوس وفي سنة ثمان ~~وسبعين ومائتين ثار الناس بطرسوس بالأمير محمد بن موسى ، فقضوا عليه ، وسبب ~~ذلك أن الموفق كان له خادم من خواصه يقال له راغب ، فلما PageV28P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" مات الموفق اختار راغب الجهاد ، فسار إلى ~~طرسوس على عزم المقام بها ، فلما وصل إلى الشام سير ما معه من دواب وآلات ~~وخيام وغير ذلك إلى طرسوس ، وسار هو جريدة إلى خمارويه ليزروه ويعرفه ما ~~عزم عليه ، فلقي خمارويه بدمشق ، فأكرمه خمارويه وأنس به وأحبه ، فاستحيا ~~راغب أن يطلب منه المسير إلى طرسوس ، فطال مقامه عنده فظن أصحابه أنه قبض ~~عليه ، وأذاعوا ذلك ، فاستعظمه الناس ، وقالوا : يعمد إلى ظن قصد الجهاد في ~~سبيل الله فيقبض عليه ، فشغبوا على أميرهم ، وقبضوا عليه ، وقالوا : لا ~~تزال في الحبس حتى يطلق ابن عمك خمارويه راغبا ، ونهبوا داره ، وهتكوا حرمه ~~. وبلغ الخبر خمارويه فأطلع راغبا عليه ، وأذن له في المسير إلى طرسوس . ~~فلما دخلها أطلق أهلها أميرهم محمد بن موسى ، فسار عنها إلى البيت المقدس . ~~ولما سار عنها وليها أحمد العجيفي ؛ وكان يليها قبل ذلك . ذكر زواج المعتضد ~~بابنة خمارويه ابن أحمد بن طولون قال : ولما توفي المعتمد على الله وتولى ~~المعتضد بالله بادر خمارويه بالهدايا الجليلة على يد الحسين بن عبد الله بن ~~منصور بن الجصاص الجوهري ، فأقره المعتضد بالله على ما بيده من الأعمال . ~~وسأل خمارويه المعتضد أن يزوج ابنته قطر الندى للمكتفي بالله ولي العهد ، ~~فقال المعتضد بل أنا أتزوجها ، وكان ذلك PageV28P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" في سنة ثمانين ، وحملت إليه في سنة إحدى ~~وثمانين ومائتين ، وأصدقها ألف ألف درهم ms6412 . وقيل : إن المعتضد أراد بزواجها ~~إفقار الطولونية ، وكذلك كان ؛ فإن خمارويه قد جهزها بجهاز لم يسمع بمثله ، ~~حتى إنه قيل إنه كان لها ألف هاون من الذهب ، وشرط المعتضد على خمارويه أن ~~يحمل كل سنة مائتي ألف دينار ، بعد القيام بجميع وظائف مصر وأرزاق الجند ، ~~فأجاب إلى ذلك . ذكر مقتل أبي الجيش خمارويه كان مقتله في ليله الأحد لثلاث ~~بقين من ذي العقدة سنة اثنتين وثمانين ومائتين ، وقيل في ذي الحجة منها ~~بدمشق . وكان سبب قتله أنه قيل له إن جواري داره قد اتخذت كل واحدة منهن ~~خصيا وجعلته كالزوج ، وقال له الناقل إن شئت أن تعلم صحة ذلك فقرر بعض ~~الجواري بالضرب ، فكتب من وقته إلى نائبه في مصر أن يسير له الجواري ، ~~فاجتمع جماعة من خدم الخاصة وتواعدوا على قتله ، فذبحوا على فراشه ليلا . ~~فلما قتل من خدمه الذين اتهموا بقتله نيف وعشرين نفسا . وحمل خمارويه إلى ~~مصر فدفن بجبل المقطم . وكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة وأياما . ؟ ذكر ~~ولاية أبي العشائر جيش ابن أبي الجيش خماروية بن أحمد بن طولون وهو الثالث ~~من الملوك الطولونية ملك بعد وفاة أبيه في يوم الأحد لثلاث بقين من ذي سنة ~~اثنتين وثمانين ومائتين . وذلك أن خمارويه لما قتل اجتمع القواد على ابنه ~~أبي العشائر وبايعوه ، وكان مع أبيه في دمشق ، وهو أكبر ولده ، ففرق فيهم ~~الأموال ، ورجع إلى مصر ، وكان صبيا غرا . ذكر عصيان دمشق على جيش وخلاف ~~جنده وقتله وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين خرج جماعة من قواد جيش بن خمارويه ~~PageV28P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" وجاهروا بالخلاف ، وقالوا : لا نرضى بك أميرا ~~، فاعتزلنا حتى نولي الإمارة عمك . وكان سبب ذلك أنه لما ولي قرب الأحداث ~~والسفل ، واخلد إلى سماع أقوالهم ، فغيروا نيته على قواده وأصحابه ، فصار ~~يقع فيهم ويذمهم ، ويظهر العزم على الاستبدال بهم ، واخذ نعمهم وأموالهم ، ~~فاتفقوا على قتله وإقامة عمه ، فبلغه ذلك فلم ينته ، وأطلق لسانه فيهم ، ~~ففارقه بعضهم ، وخلعه طغج بن جف أمير دمشق . وسار القواد الذين ms6413 فارقوه إلى ~~بغداد ، وهم : محمد بن إسحاق بن كنداجق ، وخاقان المفلحي ، وبدر بن جف أخو ~~طغج ، وغيرهم من قواد مضر ، فسلكوا البرية وتركوا أموالهم وأهليهم ، فتاهوا ~~أياما ، ومات جماعة منهم من العطش ، وخرجوا فوق الكوفة بمرحلتين وقدموا على ~~المعتضد ، فخلع عليهم ، وأحسن إليهم ، وبقي سائر الجند بمصر على خلافهم ، ~~فسألهم كاتبه على ابن أحمد الماذرائي أن ينصرفوا من يومهم ذلك ، فرجعوا ، ~~فقتل جيش عمين من عمومته ، فثار الجند إليه ، فرمى لهم بالرأسين ، فهجم ~~الجند عليه وقتلوه ، ونهبوا داره ، ونهبوا مصر وأحرقوها ، وكانت ولايته ~~تسعة أشهر ، وقيل ثمانية ، والله أعلم . ذكر ولاية أبي موسى هارون ابن أبي ~~الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون وهو الرابع من ملوك الدولة الطولونية ملك ~~بعد مقتل أخيه في سنة ثلاث وثمانين ومائتين ، وهو ابن عشر سنين ، فاختلت ~~الأحوال ، واختلف القواد وطمعوا ، فانحل النظام ، وتفرقت الكلمة ، ثم ~~اتفقوا أن يجعلوا أبا جعفر بن أبي التركي مدبر الدولة وكان مقدما عند أبيه ~~وجده ، فأصلح الأحوال جهد طاقته ، وجهز جيشا إلى دمشق عليه بدر الحمامي ~~والحسن بن PageV28P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" أحمد الماذرائي ، فأصلحا حالها ، وقررا أمور ~~الشام ، واستعملا على الشام طغج بن جف الفرغاني ، وهو والد الإخشيد ، ورجعا ~~إلى مصر ، وفي الأمور اختلال ، والقواد قد تغلبوا ، وضم كل منهم إلى نفسه ~~طائفة من الجند ، ولم يزل الأمر على ذلك إلى سنة إحدى وتسعين ومائتين . ذكر ~~انقراض الدولة الطولونية كان انقراضها في يوم الخميس لليلتين بقيتا من صفر ~~، سنة اثنتين وتسعين ومائتين . وسبب ذلك أن الخليفة المكتفي بالله ندب محمد ~~بن سليمان كاتب الجيش في سنة إحدى وتسعين ومائتين ، وخلع عليه وعلى جماعة ~~من القواد ، وأمرهم بالمسير إلى مصر والشام وانتزاعها من هارون خماروية ، ~~لما ظهر من عجزه واختلاف أصحابه عليه . فسار عن بغداد شهر رجب ، هو وعشرة ~~آلاف ، ووصل إلى حدود مصر في المحرم سنة اثنتين وتسعين ومائتين ، ووجه ~~المكتفي أيضا دميانة الرومي غلام يازمان بالمراكب ، فوصل إلى تنيس ودخل نهر ~~النيل ، فوجه إليه هارون جماعة من القواد ms6414 ، فكان أول من خرج إليه والتحق به ~~بدر الحمامي وهو رئيس القواد ففت ذلك اعضاد المصريين . وتتابع القواد إليه ~~. فلما رأى هارون ذلك خرج بمن معه من القواد لقتال محمد بن سليمان ، فكانت ~~بينهم حروب ، ثم وقع بين أصحاب هارون في بعض الأيام ، فاقتتلوا ، فخرج ~~هارون ليسكنهم ، فرماه بعض المغاربة بمزراق فقتله ، وقيل بعد ذلك بل عمه ~~شيبان ، وذلك لاثني عشرة ليلة بقيت من صفر ، سنة اثنتين وتسعين ومائتين . ~~وكانت مدة ولايته نحو تسع سنين تقريبا . فبايع الأجناد عمه أبا المقانب ~~شيبان بن أحمد بن طولون ، وهو الخامس من ملوك الدولة الطولونية ، وعليه ~~انقرضت . PageV28P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" قال : ولما بويع بذل الأموال للجند فأطاعوه ، ~~وقاتلوا معه قتالا شديدا ، ثم لم يلبثوا أن وافتهم كتب بدر الحمامي يدعوهم ~~إلى الأمان فأجابوه لذلك ، وسار محمد بن سليمان إلى مصر ، فدخلها يوم ~~الخميس لليلتين بقيتا من صفر ، سنة اثنتين وتسعين ومائتين ، فأرسل إليه ~~شيبان يطلب منه الأمان ، فأمنه ، فخرج إليه ولم يعلم أحدا من جنده ، فلما ~~أصبحوا قصدوا دار الإمارة فلم يجدوه ، فبقوا حيارى . واستولى محمد بن ~~سليمان على مصر ، وعلى منازل آل طولون وأموالهم ، وقبض عليهم كلهم ، وهم ~~عشرون رجلا ، فقيدهم وحبسهم ، واستصفى أموالهم ، وكتب بالفتح إلى الخليفة ، ~~فأمره بإشخاص آل طولون وأشياءهم من مصر والشام إلى بغداد ، فحملهم أتباعهم ~~وأنقاض قصورهم ، وعاد إلى بغداد ، وولى معونة مصر عيسى النوشري . وانقرضت ~~الدولة الطولونية ، وكانت مدتها من لدن ولاية أحمد بن طولون وإلى آخر أيام ~~أبي المقانب سبعا وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام ، وملك منهم خمسة نفر ~~. PageV28P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" ذكر أخبار من ولي مصر بعدها انقراض الدولة ~~الطولونية وإلى قيام الدولة الأخشدية من الأعمال وملخص ما وقع في أيامهم من ~~الحوادث . لما انقرضت الدولة الطولوينة كما ذكرنا ، كان أول من ولي مصر ~~عيسى النوشري ، رتبه في ولاية معونتها محمد بن سليمان الكاتب ، فلما سار ~~محمد إلى العراق ظهر بمصر رجل يسمى إبراهيم الخليجي وتغلب عليها . ذكر ~~إبراهيم الخليجي وما كان من ms6415 أمره كان إبراهيم هذا من القواد الطولونية ، ~~وكان قد تخلف عن محمد بن سليمان ، فاستمال جماعة وخالف السلطان وكثر جمعه ، ~~وعجز النوشري عنه ، فسار إلى الإسكندرية ، ودخل الخليجي مصر . وكتب النوشري ~~إلى المكتفي بالخبر ، فندب إليه الجنود مع فاتك مولى المعتضد ، وبدر ~~الحمامي ، فساروا في شوال سنة اثنتين وتسعين ومائتين ، ووصلوا إلى نواحي ~~مصر في سنة ثلاث ، فتقدم أحمد بن كيغلغ في جماعة من القواد ، فلقيهم ~~الخليجي بالقرب من العريش ، فهزمهم أقبح هزيمة ، فندب من بغداد جماعة من ~~القواد فيهم إبراهيم بن كيغلغ فخرجوا في شهر ربيع الأول ، واتصلت الأخبار ~~بقوة الخليجي حتى برز المكتفي بالله إلى باب الشماسية ، على عزم المسير إلى ~~PageV28P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" مصر ، ثم التقى القواد بالخليجي ، واقتتلوا ~~قتالا شديدا عدة دفعات ، كان آخرها أن انهزم الخليجي ودخل فسطاط مصر ، ~~واستتر عند رجل من أهلها ، ودخل عسكر الخليفة فظفروا به وأخذوه هو والذي ~~استتر عنده وحبسوهما ، وكتبوا بذلك إلى الخليفة ، ووجه فاتك إبراهيم ~~الخليجي إلى بغداد ، فدخلها هو ومن معه في شهر رمضان ، فحبسهم المكتفي . ~~واستقر عيسى النوشري بمصر سنة سبع وتسعين ومائتين ، فتوفي في شعبان منها ، ~~وحمل إلى البيت المقدس فدفن فيه . واستعمل المقتدر على مصر تكين الخاصة في ~~منتصف شهر رمضان من السنة . وفي ثلاثمائة ندب تكين عسكرا وجعل مقدمه أبا ~~النمر أحمد بن صالح ، فمضى إلى برقة والتقى مع عسكر حباسة قائد المهدي ، ~~وأبلى بلاء حسنا ، ثم صرفه تكين وولى حر المنصوري فمضى إلى برقة فوجد أبا ~~النمر موافقا لحباسة ، فلم علم أبو النمر بعزله تخاذل حنقا على تكين ، ~~فاغتنم حباسة الفرصة وحاربهما ، فكسرهما ، وعادا إلى مصر . ذكر استيلاء ~~حباسة على الإسكندرية وفي المحرم سنة اثنتين وثلاثمائة سار حباسة قائد ~~المهدي من برقة ودخل الإسكندرية وملكها ، فوصل من بغداد أحمد بن كيغلغ ، ~~وأبو قابوس محمود بن حمد ، والقاسم بن سيما ، في جمع من القواد والعساكر ، ~~وكان وصولهم في العشرين من صفر ، فخرج بهم تكين إلى الجيزة في يوم الاثنين ~~لسبع خلون من جمادي ms6416 الأولى فعسكر بها ، وسار حباسة من الإسكندرية بعسكر ~~مستوفي ، ونودي في فسطاط مصر بالنفير في PageV28P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" العشرين من الشهر ، فخرج الناس إلى الجيزة ، ~~ولم يتخلف أحد من الخاصة والعامة ، وتقدم حباسة في جيوشه والتقى الفريقان ~~وكثرت القتلى بينهم ، فقتل أكثر رجال حباسة ، وانهزم بمن بقى معه . ثم قدم ~~مؤنس الخادم من العراق في منتصف شهر رمضان من السنة ، ومعه جمع من الأمراء ~~، وأمر أحمد بن كيغلغ بالمسير إلى الشام ، وصرف تكين الخاصة عن ولاية مصر ~~لأربع عشرة ليلة خلت من ذي العقدة . فكانت مدة ولايته خمس سنين وشهرين . ~~وفي سنة ثلاث وثلاثمائة قدم أبو الحسن ذكا الأعور الرومي أميرا على مصر ، ~~وذلك لأثني عشرة ليلة خلت من صفر ، وخرج مؤنس بجيوشه إلى العراق لثمان خلون ~~من شعر ربيع الأول ، وخرج ذكا إلى الإسكندرية لإصلاحها ، وجعل فيها ولده ~~مظفرا وتتبع من كان يذكر بمكاتبه المهدي ، فحبس جماعة منهم ، وقطع أيدي ~~جماعة وأرجلهم . ذكر وصول أبي القاسم بن المهدي إلى الديار المصرية ~~واستيلائه على الإسكندرية والفيوم والأشمونين وفي سنة سبع وثلاثمائة ، في ~~الثاني من صفر ، وصل أبو القاسم بن المهدي بجيوش المغرب إلى الإسكندرية ، ~~وملكها ، ثم عاد إلى إفريقية ، ووافق وصوله الآن والجند مخالفون لذكا أمير ~~مصر ، فتقاعدوا عن الخروج معه للقاء عسكر المهدي ، فخرج إلى الجيزة في عسكر ~~قليل في النصف من صفر ، وابتنى حصنا بالجيزة ، واحتفر خندق على عسكره ، ثم ~~صرف ذكا ، وتوفي لليلة خلت من شهر ربيع الأول من السنة ، وكانت مدة إمارته ~~أربع سنين وأياما . وقدم أبو قابوس محمود بن حمد أمير الشام بعساكره نصرة ~~لعساكر مصر ، فكان قدومه لثمان خلون من شهر ربيع الأول ، ونزل الحيرة ، ثم ~~قدم إبراهيم ين كيغلغ لسبع بقين من شهر ربيع الآخر ، ودخل تكين الخاصة ~~متوليا لإحدى عشرة ليلة خلت من PageV28P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" شعبان سنة سبع وثلاثمائة ، ونزل الجيزة ، وحفر ~~خندقا ثانيا ، وأقبلت مراكب المهدي صاحب إفريقية ، وهي مائة مركب حربية ، ~~وعليها سليمان الحاكم ، فبعث تكين إلى بمال الخادم ms6417 أمير طرسوس أن ينجده ، ~~فحضر إليه في مراكبه ، وانتهى إلى ثغر رشيد ، والتقت مراكبه بمركب المهدي ~~لعشر بقين من شوال من السنة ، وكان بينهم حرب شديدة ، وهبت ريح على مراكب ~~المهدي فألقتها إلى البر ، وتكسر أكثرها ، وأسر من فيها ، وقتل منهم خلق ~~كثير ، ودخل من بقي منهم إلى الفسطاط ، وهم سبعمائة نفر ، فقتلوا عن أخرهم ~~. وقدم مؤنس الخادم من بغداد في الخامس من المحرم سنة ثمان وثلاثمائة ، ~~وتولى إمرة مصر من بغداد هلال بن بدر ، ودخلها في السادس من ربيع الآخر سنة ~~تسع وثلاثمائة ، وأقام إلى سنة عشرة ، فشغب عليه الجند ، وكثر النهب والقتل ~~والفساد بمصر فصرف هلال عن مصر في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة ~~، فكانت مدة ولايته نحو سنتين . وتولى مصر أحمد بن كيغلغ فقدمها في شهر رجب ~~من السنة ، فأقام بمنية الأصبغ ، واحضر الجند ، ووضع الغطاء فيهم ، وأسقط ~~كثيرا من الرجالة ، فسعت الرجال إليه ، وخرجوا لقتاله ، فانقل إلى فاقوس ~~وأقام بها إلى أن قدم رسول تكين الخاصة بولاية مصر ، وذلك في ذي العقدة من ~~السنة . وقدم تكين من العراق لعشر مضين من المحرم سنة اثنتين عشرة ~~وثلاثمائة ، فكان PageV28P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" بها إلى أن توفي في السادس من شهر ربيع الآخر ~~سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ، وحمل إلى بيت المقدس فدفن هناك ، فكانت مدة ~~ولايته هذه تسع سنين وأربعة أشهر إلا أربعة أيام ، واستخلف ابنه محمد ، ~~وكان الوزير بمصر والمتولي خراجها يومئذ محمد بن الماذرائي فوقع بينه وبين ~~محمد بن تكين فتنة لأربع بقين من الشهر ، وانتشرت حتى قامت الحرب بينهما ، ~~وقتل فيها جماعة من الفريقين وأحرق دور الماذرائي الوزير وجماعة من أصحابه ~~. وخرج محمد بن تكين هاربا من مصر ، ودعي بمصر لمحمد بن طغج بن جف الإخشيدي ~~في يوم الجمعة لاثني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان من السنة ، ثم دعي لأحمد ~~بن كيغلغ في شوال من السنة ، ثم رجع أحمد بن تكين إلى مصر في يوم الأحد ~~لثلاث عشر خلت من صفر سنة اثنتين ms6418 وعشرين وثلاثمائة ، وأقام بالجيزة أياما ، ~~ودخل دار الإمارة بمصر ، واستقر بها لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع ~~الأول ، ودعي له بالإمارة ثم وقع بينه وبين عرب المغاربة حرب انجلت عن ~~انهزامهم إلى الصعيد ، وأقام محمد بن تكين ثلاثة اشهر واثنين وعشرين يوما ، ~~ثم هرب مع جماعة من أصحابه ، لخمس خلون من شهر رجب . ودخل أحمد بن كيغلغ في ~~يوم السبت السادس من الشهر ، ثم رجع أحمد بن تكين لقتاله لثلاث بقين منه ، ~~وكان بينهما حرب انجلت عن انهزام محمد بن تكين ، ثم نفي بعد ذلك إلى الصعيد ~~، فلم يزل هناك على أن جاء محمد بن طغج . PageV28P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" ذكر أخبار الدولة الإخشيدية وابتداء أمر من ~~قام بها وكيف كان سبب ملكه وقيامه ومن ملك بعده إلى أن انقرضت أيامهم كانت ~~هذه الدولة بمصر والشام ، وهي من الدول المشهورة . وأول من ولي من ملوكها ~~الإخشيد أبو بكر محمد بن طغج ، واسم طغج عبد الرحمن ابن جف بن يلتكين بن ~~فوري بن خاقان الملك ، وهو من فرغانة ، وكان طغج من القواد الطولونية ، ~~وتولى لخماروية بن أحمد بن طولون دمشق والشام ، ولما مات طغج ترك من ~~الأولاد أبا بكر محمدا الإخشيد ، وأبا القاسم عليا وأبا المظفر الحسين ، ~~وأبا الحسن عبيد الله ، وكان أبو بكر أكبرهم فتولى الولايات وتنقل في ~~المراتب إلى أن ملك مصر والشام . وكان ابتداء ولايته الديار المصرية ~~والدعاء له فيها في يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة إحدى ~~وعشرين وثلاثمائة ، كما قدمناه ، ولم تثبت ولايته هذه . ثم دعي لأحمد بن ~~كيغلغ ، وكان ما ذكرناه ، ثم ولى مصر في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة في ~~خلافة الراضي بالله . وكانت هذه الولاية مفتعلة في ابتدائها ، وذلك أن ~~التقليد من دار الخلافة ببغداد خرج باسم محمد بن تكين الخاصة ، وكان بن طغج ~~بالساحل فقبض على الرسول الواصل من دار الخلافة وأخذ منه التقليد وكشط تكين ~~وكتب طغج ، وأنفذ التقليد إلى مصر فورد يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت ms6419 من ~~شعبان ، فاعتزل أحمد بن PageV28P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" كغيلغ ، النظر ، وامتنع محمد ابن علي ~~الماذرائي الوزير من التسليم له ، وكان غالبا على أمر أحمد بن كيغلغ وعزم ~~على قتال محمد بن طغج ، فبلغه ذلك ، فبعث صاعد بن كلملم بمراكب كثيرة من ~~ساحل الشام ، وسار هو في البر ، فقدمت عساكره مصرا برا وبحرا ، ووصل صاعد ~~إلى الجيزة في يوم الخميس لخمس بقين في شعبان ، وأقام خمسة أيام ، وأحرق ~~الجسر ، ووصل الإخشيد إلى مصر فلقيه محمد بن علي الماذرائي الوزير واحمد بن ~~كيغلغ ومحمد بن عيسى النوشري وبرزوا لقتاله ، فلما تصافوا للقتال انحاز ~~أحمد بن كيغلغ وانضم إلى الإخشيد ، وقاتل الماذرائي وابن النوشري قتالا ~~شديدا ، ثم انهزما إلى الفيوم . ودخل الإخشيد مصر بعد القتال في يوم ~~الأربعاء لسبع بقين من شهر رمضان من السنة ، فندب صاعدا لقتال الماذرائي ~~وابن النوشري ، فوقع بينهما حرب انجلت عن قتل صاعد وهرب النوشري إلى برقة ، ~~وراسل القائم صاحب إفريقية يطلب نجدة ، فسير إليه عسكرا عليه أبو تازرت ~~فدخلوا الإسكندرية وملكوها ، فخرج إليهم أبو المظفر الحسين بن طغج ومعه ~~صالح ابن نافع ، ووقع القتال ، فانهزم النوشري وعسكر المغاربة ، وقتلوا أبو ~~تازرت ، وأسر عامر المجنون ، وجماعة منهم ، وأما محمد بن علي الماذرائي ~~الوزير فإنه استتر ، ودام استتاره على أن دخل الوزير أبو الفضل جعفر بن ~~الفرات المعروف بابن حنزابة وتلقاه الإخشيد ، وزينت له مصر ، فأخرجه . ثم ~~وصل التقليد من دار الخلافة لمحمد بن طغج في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة . ~~وفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة نعت الخليفة الراضي بالله محمد بن ظغج ~~بالإخشيد بسؤال منه في ذلك . ومعنى الإخشيد ملك الملوك . وفي سنة إحدى ~~وثلاثين وثلاثمائة خرج الإخشيد إلى الشام واجتمع بالخليفة المتقي بالله ~~بالرقة ، وخدمه ومشى بين يديه ، وسأله المسير معه إلى مصر وخوفه من توزون ~~التركي ، فلم يقبل منه . فضم إليه الإخشيد عسكرا وقائدا من قواده ورجع ~~الإخشيد إلى الشام ، ثم إلى مصر . وولاه المتقي مصر والشام والحرمين ، وعقد ~~لولديه PageV28P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" من بعده ، أنوجور وعلي ms6420 ، على أن يكلفهما كافور ~~الخصي ، وكان عود الإخشيد إلى مصر يوم الأحد الثالث عشر من جمادي الأولى ، ~~وأخذ البيعة على الناس لولده أبي القاسم أنوجور لليلتين بقيتا من ذي العقدة ~~منها . ذكر مسير الإخشيد إلى الشام ووفاته وشيء من أخباره وسيرته وفي خامس ~~شعبان سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة خرج الإخشيد إلى الشام والتقى بأصحاب ابن ~~حمدان ، على اللد ، وهزمهم ، ثم سار إلى حمص وقاتل سيف الدولة بن حمدان ، ~~ومضى إلى حلب ، ثم وقع الصلح بينهما ، وتسلم الإخشيد من سيف الدولة حلب ~~وإنطاكية ، وتزوج سيف الدولة بنت عبيد الله بن طغج الإخشيدي ثم عاد الإخشيد ~~إلى دمشق فتوفي بها في يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين ~~وثلاثمائة ، وكان عمره ستا وستين سنة وخمسة أشهر وسبعة أيام ، وكانت مدة ~~ولايته الثانية من لدن دخوله مصر وإلى حين وفاته إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر ~~إلا يوما واحدا . قال التنوخي : وكان الإخشيد حازما شديدا ، يتيقظ في حروبه ~~، حسن التدبير ، مكرما للأجناد ، أيدا في نفسه ، لا يكاد يجر قوسه الأفذاذ ~~من الناس لقوته ، حسن PageV28P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" السيرة في رعيته ، وكان جيشه يحتوي على أربعة ~~آلاف رجل ، وله ثمانية آلاف مملوك ، يحرسه في كل ليلة منهم ألفا مملوك ، ~~وكان إذا سافر يتنقل بين الخيام عند النوم حتى كان ينام في خيمة الفراشين . ~~قال وترك الإخشيد سبعة بيوت مال ، في كل بيت منها ألف ألف دينار من سكة ~~واحدة . أولاده : أبو القاسم أنوجور ، وأبو الحسن علي . كتابه : أبو جعفر ~~المنفق ، وابن قوماقس ، وابن الرودباري . ولما مات ملك بعده ابنه أنوجور . ~~ذكر ولاية أبي القاسم أنوجور ومعنى أنوجور محمود ، ابن أبي بكر بن ظعج ، ~~وهو الثاني من ملوك الدولة الإخشيدية . كانت ولايته بالشام بعد وفاه أبيه ~~لثمان بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ، وبويع له بمصر عند ~~ورود الخبر بوفاة الإخشيد في اليوم الثاني من محرم سنة خمس وثلاثين ، وعمره ~~يومئذ اثنتا عشرة سنة ، وقام ببيعته الوزير أبو بكر بن علي ms6421 بن مقاتل . وكان ~~أبو المظفر الحسن بن طغج بمصر فقبض على الوزير محمد بن علي المذكور في ثالث ~~المحرم ، وعزله ، وولى الوزارة محمد بن علي الماذرائي ، وحبس ابن مقاتل ، ~~فلم يزل في الاعتقال إلى أن قدم كافور بالعسكر من الشام فأفرج عنه . وكان ~~قدوم كافور بالعسكر في يوم الثلاثاء لثمان مضين من صفر سنة خمس وثلاثين . ~~ثم خرج كافور بالعسكر إلى الشام ومقدمه أبو المظفر بن ظغج ، أخو الإخشيد ، ~~وذلك لسبع بقين من شهر ربيع الأول . وكان سبب خروجه أن سيف الدولة بن حمدان ~~طمع في ملك الشام لما توفي الإخشيد ، فسار إلى دمشق وملكها ، ثم سار إلى ~~الرملة فلقيه كافور بها وقاتله ، وكانت الهزيمة على ابن حمدان ، واستعاد ~~الإخشيدية ما كان سيف الدولة استولى عليه ، وأقام كافور بالشام . ~~PageV28P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" ذكر قيام أبي نصر غلبون بن سعيد المغربي وما ~~كان من أمره كان قيامه في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة ، وكان يتولى عمل ~~أسيوط وأخميم من صعيد مصر ، فعزله 18 كافور عنها وهو بالشام فامتنع وطمع ~~لخلو البلاد من الأستاذ كافور ، فندب إليه عسكرا فهزمهم علبون وهزم عسكرا ~~ثانيا وتقوى بمن أخذه منهم ، ثم سار إلى الشرقية ، في أواخر السنة ثم سار ~~منها ونزل على بركة الجيش فخرج إليه جماعة من الإخشيدية فهزمهم . فرحل عند ~~ذلك أبو القاسم أنوجور وأخوه وأهلهما ، والوزير إلى الشام ، وأخليت دار ~~الإمارة ، فدخل علبون مصر وسير عسكرا إلى أبي القاسم أتبعه إلى مسجد تبر . ~~ومسك الوزير محمد ين الماذرائي وجيء به إلى علبون ، فلما رآه أطلقه . وسار ~~أبو القاسم نحو الشام ، فلقيه مرتاح الشرابي في أثناء الطريق ، وقد قدم من ~~قبل كافور في جماعة من الإخشيدية ، فرده . فعاد أبو القاسم إلى مصر بالعسكر ~~فوجدوا علبون قد تفرق عنه أصحابه في البلد ، فحاربهم نفر يسير ، فانهزم . ~~ودخلوا دار الإمارة ، فوجدوا الوزير محمد بن الماذرائي ، فهموا بقتله ، ~~فأخذه القائد مجنح وخبأه عنده ، ونهبت دوره وأحرق بعضها . ووصل الخبر إلى ~~كافور بالشام فقبض على ولده ، واستوزره عوضا ms6422 عنه أبا الفضل جعفر بن الفرات ~~المعروف بابن حنزابة ، ثم قدم الأستاذ كافور من الشام في شهر رمضان ، سنة ~~ست وثلاثين ، فأطلق الوزير ابن الماذرائي وأكرمه ، ورد عليه ضياعه وأملاكه ~~، واستوزر محمد بن علي بن مقاتل . PageV28P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" وفي سنة تسع وثلاثون لست خلون من صفر زلزلت ~~مصر ، وتتابعت الزلازل بها ، فتهدم أكثر دورها ، وسقط الجامع العتيق بمصر ~~قطعة ، وتوالت الزلازل في سنة أربعين أيضا ثلاثة أيام متوالية ، وخسف بعض ~~القرى وهلك من كان بها . فقال محمد بن عاصم من قصيدة مدح بها كافور جاء بها ~~، ما زلزلت مصر من سوء يراد بها . . . وإنما رقصت من عدله فرحا وفي سنة ~~ثلاث وأربعين وثلاثمائة انقضت نار من السماء فأحرقت أكثر دور مصر . ذكر ~~وفاة الوزير أبي بكر محمد بن الماذرائي وشيء من أخباره ومآثره وفي شوال من ~~سنة خمس وأربعين وثلاثمائة مات الوزير أبو بكر محمد بن علي بن إبراهيم ~~الماذرائي ، وزير لخمارويه بن أحمد ولغيره من أمراء مصر ، ومولده بالعراق ~~سنة سبع وخمسين ومائتين ، وكان له ضياع وأملاك ، قيل إن مقدار ارتفاعها في ~~كل سنة أربعمائة ألف دينار ، وواصل الحج من سنة إحدى وثلاثمائة إلى سنة ~~اثنتين عشرين ، وكان ينفق في كل حجة مائة ألف وخمسين ألف دينار ، وكان يحمل ~~معه أحواضا من الخشب على الجمال ، مزروع فيها الخضراوات ، وكان لا ينصرف عن ~~الحجاز إلا وقد استغنى فقراؤه ، ثم أوصل الحج من سنة نيف وعشرين إلى سنة ~~أربعين . وقام أربعين سنة يصوم . وقال المسبحي في تاريخه : حبس هذه الوزير ~~على مكة والمدينة ضياعا ارتفاعها نحو مائة ألف دينار كل سنة ، منا كورة ~~سيوط ، ومنها نوير ، ومنها بركة الحبش . وحبس أيضا عليهما بالشام ، وقال في ~~كتب وقفه ، من بدلها فرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خصمه ، رحمه الله ~~تعالى . وفي سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة خالف شبيب العقيلي ، وكان واليا ~~على الرملة والساحل ، وسار إلى دمشق وفتحها ، ودخل إليها من باب الجابية ، ~~فوقع عن فرسه ميتا ، PageV28P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" واختلف في ms6423 موته ، فقيل إن امرأة أرخت عليه حجر ~~طاحون ، وقيل بل مات حتف أنفه ، واتصل الخبر بالأستاذ كافور فسكن بعد قلق ~~عظيم . والله أعلم . ذكر وفاة أبي القاسم أنوجور وولاية أخيه أبي الحسن علي ~~بن الإخشيد كانت وفاته لسبع خلون من ذي العقدة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة ، ~~وكانت مدة وقوع اسم الملك عليه أربع عشرة سنة وعشره أشهر وأياما . وكان ~~كافور هو الغالب على أمره والحاكم في دولته ، وليس لأبي القاسم إلا مجرد ~~الاسم . ولما مات عقدت البيعة بعده لأخيه أبي الحسن في يوم الأحد لثمان ~~خلون من ذي القعدة ، فجرى الأستاذ كافور معه على قاعدته مع أخيه ، وزاد على ~~ذلك بأن حجبه ومنعه من الظهور إلى الناس إلا معه . ولم يزل الأمر على ذلك ~~إلى أن توفي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة خمس وخمسين وثلاثمائة ، ~~وكانت مدة ملكه خمس سنين وشهرين وأياما ، وقيل : إن وفاته كانت في هذا ~~التاريخ ، من سنة أربع وخمسين ، وكان مولده لأربع بقين من صفر سنة ست ~~وعشرين وثلاثمائة ، وخلف ولدا واحدا هو أبو الفوارس أحمد . ذكر ولاية أبي ~~المسك كافور الخصي الإخشيدي واستقلاله بملك مصر بدون شريك أو منازع . كانت ~~ولايته بعد وفاة أبي الحسن علي ، ابن سيده ، لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم ~~سنة خمس وخمسين وثلاثمائة ، وقيل هذا التاريخ من سنة أربع وخمسين . قال ~~الفراغاني المؤرخ : لما توفي علي بن الإخشيد استدعاني كافور وقال لي : ما ~~ترى أن تصنع ؟ فقلت له : أيها الأستاذ إن للمرحوم عندك صنائع وآثارا تنقضي ~~أن ينظر لعقبه ، والرأي عندي أن تنصب أحمد بن الأمير على مكان أبيه ، وتدبر ~~أنت أمور الدولة كما كنت ، فاعتذر بصغره ، فقلت : عقد لأبيه ولم يبلغ سنه ، ~~وأجاز ذلك ثلاثة أئمة : PageV28P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" المتقي والمستكفي والمطيع ، فقال ننظر في ذلك ~~، وانصرفت . فبلغني أنه قال بعدي : أبو محمد لا يشك بولائه ولكنه يميل إلى ~~الفرغانية ، ثم لم يقبل ما أشار به الفرغاني ، بل وثب على الأمر وأنزل اسم ~~مواليه عن المنابر ، وأقام ms6424 كذلك إلى أن توفي في يوم الثلاثاء لعشرين بقين ~~من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة . وكان سبب وفاته أنه سم في ~~لوزينج قدمته له إحدى جواريه وقد أتى من الميدان وهو جائع ، فأكله ومات ، ~~وقتلت الجارية بعده ، وكانت قد وضعت لذلك ، ومات وله من العمر خمس وستون ~~سنة على التقدير ، فإنه جلب في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وعمره أربعة عشر ~~سنة ، وبيع باثني عشر دينارا . قال المؤرخ : وكان لكافور معروف في كل سنة ~~للحاج أكثر ما ينفذ معهم مالا وكسوة وطعاما ، ويبعث معهم صندوقين من كسوة ~~بدنه تفرق على الأشراف ، وكان له من الغلمان الأتراك ألف وسبعون غلاما يغلق ~~عليهم باب داره ، وتمام الألفي غلام روم ، وسوى المولدين والسودان ، يكون ~~عدة غلمانه أربعة آلاف غلام . وكان راتبه في مطبخه في كل يوم ألف وسبعمائة ~~وطل لحما سوى الدجاج والفراريج ، والخراف المشوية والحلوى وغير ذلك . وخطب ~~له بالحرمين الشريفين ، ونفذ حكمه في الشام والحجاز وطرسوس . وكانت له ~~خزانة شراب يفرق منها في كل يوم خمسون قرابة من سائر الأشربة في الحاشية ، ~~ولما مات كافور خلف في خزائنه عينا وجواهرا وثيابا وسلاحا PageV28P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" بمبلغ ألف ألف دينار . وحكي أنه كان في ابتداء ~~أمره قبل اتصاله بالإخشيد لحقه جرب حتى كان لا يقابل فطرده سيده ، وكان ~~يمشي سوق بني نجاسة ، وفيه طباخ يبيع الطبخ ، فطلب كافور منه أن يطعمه ، ~~فضربه بالمغرفة على يده ، وهي حارة ، فسقط مغشيا عليه ، فأخذه رجل من ~~المصريين وداواه حتى وجد العافية فأتى إلى سيده فقال ل سيده : خذ أجرة ما ~~فعلت . فأبى ؛ وقال : أجري على الله . وكان كافور كلما عزت نفسه يذكرها ~~بضرب الطباخ بالمغرفة ، وربما يركب ويأتي الخط وينزل ويسجد شكرا لله تعالى ~~. وحكى أيضا أنه أجتاز يوما بالنحاسين وهو في موكبه فوقف على حانوت هراس ، ~~وكان إلى جانبه الوزير ابن الفرات فبكى كافور بكاءا شديدا وكان يقول في ~~بكائه : فاز الجمال فاز الجمال ، وساق وهو على تلك الحال ، فلما استقر ~~بمكانه وسكن ، سأله ms6425 الوزير عن سبب بكائه ، فقال : لما طلعت من المركب من ~~بحر الحجاز ، وكان يومئذ سيدي الذي جلبني إبراهيم البلوقي ، فركب الجمل ~~وقصدنا قوص ونزلنا في بعض الأيام وجلست مع الجمال ورجل آخر كان معنا قد وصل ~~من الحج ، فقال الرجل : أشتهي على الله قدر هريسة قدامي . فقلت له : أنا ~~أشتهي على الله ملك مصر ، فقال الجمال : اشتهيت على الله الجنة ، وغاب عني ~~الحديث . فاتفق أن سيدي إبراهيم باعني لمحمد بن هاشم ، ثم باعني لأبي أحمد ~~بن عياش ، فوهبني لجارية له ، ثم وهب 20 أبو أحمد الجارية بعد مدة للإخشيد ~~، فطلبني تكين الخاصة من الإخشيد فأهداني إليه ، فلم أزل إلى أن ملكت مصر ، ~~وصاحب الحانوت الذي وقفت عنده هو الذي اشتهى قدر الهريسة ، فعرفت أن ذلك ~~الوقت وهب الله لكل منا ما اشتهى ، ففاز الجمال بالجنة . وحكى أبو جعفر ~~المنطقي قال : دعاني كافور يوما وقال لي : أتعرف منجما كان يجلس في دار ~~فلان ؟ فقلت : نعم ، قال : ما صنع ؟ قلت : مات منذ سنين كثيرة ، فقال : ~~مررت عليه يوما فدعاني وقال : انظر لك ؟ قلت : افعل ، فنظر ، ثم قال : ~~ستملك هذه المدينة وتأمر فيها وتنهى ، وكان معي درهمين فدفعتهما إليه ، ~~وقلت : ما معي غيرهما ، وقال : وأزيدك ؛ ستملك هذه المدينة وغيرها وستبلغ ~~مبلغا عظيما ، فاذكرني ، فانصرفت ، فلما نمت البارحة رأيته في منامي وهو ~~يقول لي : ما على هذا فارقتني . وأريد أن تمضي وتسأل عن حاله ، وهل له ورثة ~~؟ فسألت عنه فقيل : له ابنتان إحداهما بكر والأخرى متزوجة ، وأعلمته ؛ ~~فاشترى لهما دارا بأربعمائة دينار ، ودفع للبكر مائتي دينار تتجهز بهما . ~~وقال الحسن بن زولاق المصري المؤرخ : كان الشريف عبد الله بن أحمد ~~PageV28P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" الحسيني ، وهو ابن طباطبا ، يرسل إلى كافور في ~~كل يوم جامين حلوى ، ورغيفا في منديل مختوم ، فخوطب كافور في الرغيف وقيل ~~له الحلوى حسن فما تصنع بالرغيف ؟ فأرسل إليه وقال : يجريني الشريف في ~~الحلوى على العادة ، ويعفيني من الرغيف ، فركب الشريف إليه وقال : أيدك ~~الله ، أنا ما أنفذ الرغيف تطاولا ولا ms6426 تعاظما وإنما هي صبية حسنية تعجنه ~~بيدها وتخبزه ، فأرسله على سبيل التبرك ، فإذا كرهته قطعناه ، فقال : لا ~~والله ، ولا يكون قوتي سواه . وقيل أنه ركب يوما في موكبه والشريف أبو جعفر ~~نقيب الطالبين يسايره ، فوقعت مقرعته ، فنزل الشريف فناوله إياها ، فتذمم ~~كافور من ذلك وتأوه وبلغ منه مبلغا عظيما . فلم نزل داره أرسل إلى الشريف ~~جميع ما كان يملكه في موكبه من مماليك ودواب وآلة واعتذر منه . قال التنوخي ~~في نشوار المحاضرة : وكان قيمه ما سيره إليه خمسة عشر ألف دينار . وفي سنة ~~ست وأربعين وثلاثمائة قدم عليه أو الطيب المتنبي فأكرمه وخلع عليه ، وأنزله ~~بداره ، وحمل إليه ألوفا من المال ، فقال أبو الطيب قصيدته التي أولها : ~~كفى بك داء أن ترى الموت شافيا . . . وحسب المنايا أن تكون أمانيا تمنيتها ~~لما تمنيت أن أرى . . . صديقا ، فأعيا أو عدوا مداجيا وجاء منها في مدح ~~كافور : فجاءت به إنسان عين زمانه . . . وخلت بياضا خلفها ومآقيا ~~PageV28P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" فحسن طالعه عند كافور ، ثم هرب منه وهجاه بما ~~هو مسطر في ديوانه . ولما مات كافور قام بالأمر بعده أبو الفوراس أحمد بن ~~علي بن الإخشيد محمد بن طغج بن جف ، كانت ولايته بعد الأستاذ كافور لعشر ~~بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة ، وذلك أن القواد والغلمان ~~الإخشيدية اجتمعوا وتحالفوا ألا يختلفوا ، وعقدوا الرئاسة له ، وهو ابن ~~إحدى عشر سنة ، وجعلوا الخليفة عنه الحسن بن عبد الله ابن طغج ، وهو ابن عم ~~أبيه ؛ وردوا تدبير العساكر والرجال إلى شمول الإخشيدي ، وتدبير الأموال ~~إلى جعفر بن حنزابة الوزير ؛ وذلك كله قبل دفن كافور . وأقام الأمر على ذلك ~~ثلاثة أشهر وثمانية عشر يوما ، واشترك معه ابن عم أبيه الحسن بن عبيد الله ~~بن طغج ، وكان يخطب لهما جميعا بمصر والشام والحرمين ، يبدأ في الخطبة بأبي ~~الفوارس ويثني بأبي محمد الحسن . ثم سار الحسن إلى الشام لقتال القرامطة ، ~~وصادر الوزير جماعة من المصريين ، وقبض على يعقوب بن كلس وصادره على أربعة ~~آلاف وخمسمائة دينار ، وقبض ms6427 على إبراهيم بن مروان النصراني ، كاتب أنوجور ~~وعلى ابني الإخشيد وصادره عشرة آلاف دينار . ولم يقدر الوزير على رضا ~~الإخشيدية والكافورية لتباين أغراضهم ، فاضطرب التدبير على الوزير ؛ واستتر ~~مرتين ، ونهبت داره ودور أصحابه ، فكتب جماعة من وجوه البلد إلى المعز ~~بإفريقية يستدعون منه إنفاذ العسكر . PageV28P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" وكان بمصر في هذه السنة غلاء شديد وفناء عظيم ~~، فإن النيل انتهت زيادته في سنة ست وخمسين وثلاثمائة إلى اثني عشر ذراعا ~~وتسعة عشر إصبعا ، ولم يوف في السنة التي قبلها ، فاشتد الغلاء ، وكثر ~~الوباء . نقل بعض المؤرخين أنه أحصى من كفن ودفن خارجا ، عدا من رمي في ~~البحر ، ستمائة ألف إنسان . وفي سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة قدم الحسن بن ~~عبيد الله من الشام منهزما من القرامطة ، ودخل مصر ، وقبض على جعفر بن ~~الفرات الوزير ، واستوزر الحسن بن جابر الرياحي ، ثم أطلق الوزير بن الفرات ~~، بواسطة أبي جعفر مسلم الحسيني الشريف ، وفوض إليه الوزارة ، ثم سار الحسن ~~بن عبيد الله إلى الشام في مستهل شهر ربيع الآخر ، وخرج جماعة من الأولياء ~~والكتاب والأشراف إلى الشام ، وخرج يعقوب بن كلس إلى الغرب مستترا ، ثم صار ~~منه ما نذكره إن شاء الله تعالى . ثم تواترت الأخبار في جمادى الآخرة سنة ~~ثمان وخمسين وثلاثمائة أن المعز صاحب إفريقية ، قد جهز عساكره مع غلامه ~~جوهر إلى مصر ، فجمع الوزير القواد ووقع رأيهم على تقديم نحرير سويران ~~فاستدعوه من الأشمونين وعقدوا له الرئاسة . ووصل الخبر بوصول جوهر إلى برقة ~~، فاجتمع رأي الجماعة أن بعثوا الشريف أبا جعفر مسلما الحسني وأبا إسماعيل ~~بن أحمد الزيني وأبا الطيب العباس والقاضي أبا الظاهر ، وغيرهم ، لتقرير ~~الصلح بينهم وبين جوهر على تسليم البلاد له ، فساروا في يوم الاثنين لأثني ~~عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة فلقوه على تروجة ، ~~فأكرمهم وأجابهم إلى ما طلبوه ثم بعد انفصالهم اجتمع القواد على إبطال ~~المصالحة وتجهزوا للحرب ، ورجع أولئك النفر بكتاب الأمان ، فلم يقبل القواد ~~ذلك ، فخرجوا إلى الجيزة بأجمعهم . ووصل ms6428 جوهر وابتدأ القتال يوم الخميس ~~الحادي عشر من شعبان من السنة ، ثم PageV28P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" سار جوهر بعد ذلك إلى منية شلقان وملك المخايض ~~، فبعث المصريون مزاحم بن أرتق لحفظها فلم يحفظها ، وخامر عليهم ، وعدي ~~جوهر وانهزم الإخشيديون ، ودخل جوهر مصر بعد العصر من يوم الثلاثاء لثلاث ~~عشرة ليلة بقيت من شعبان منها ، وندب القائد جوهر المعزى بعد ذلك جعفر بن ~~فلاح إلى الشام ، والتقى هو والحسن بن عبيد الله على الرملة في شهر رجب سنة ~~تسع وخمسين وثلاثمائة ، واقتتلا فانهزم الحسن وأسر ، وملك جعفر الشام أجمع ~~. وانقرضت الدولة الإخشيدية ، وكانت مدتها خمسا وثلاثين سنة ، وتسعة أشهر ، ~~وأياما . PageV28P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" ذكر أخبار الدولة العبيدية التي انتسب ملوكها ~~إلى الشرف وألحقوا نسبهم بالحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما . هذه ~~الدولة من الدول التي امتدت أيامها واتسعت ممالكها ، واستولت ملوكها على ~~كثير من الممالك المشهورة شرقا وغربا ، ببلاد المغرب ، والديار المصرية ، ~~والبلاد الشامية ، والثغور والعواصم ، وغير ذلك . وكان ابتداء ظهور هذه ~~الدولة ببلاد المغرب ، وإنما أوردناها في أخبار ملوك الديار المصرية ، ~~وألحقنا ملوكها بملوك هذا الوادي لأن الديار المصرية قاعدة ملكهم وبها قام ~~أكثر ملوكهم . ولنبدأ بذكر أخبار ملوك هذه الدولة ابتداء أمرهم ، وما قيل ~~في نسبهم وإلى من ينسبون ، وكيف تنقلت بهم الحال إلى أن ملكوا البلاد ، ~~واستولوا على الأقاليم ، ولهذه الدولة أسباب ولوازم وشيعة ، هم الذين مهدوا ~~لهم البلاد ، ووطنوا الممالك ، وهزموا الجيوش ، وفتحوا الأقاليم ، وأبادوا ~~الأبطال ، حتى استقر الملك لملوك هذه الدولة وتسلموه عفوا صفوا . لا بد لنا ~~أن نبتدئ بذكر أخبارهم ، وما فتحوه واستولوا عليه قبل ظهور المهدي الذي هو ~~أول ملوك هذه الدولة ، ثم نذكر عاقبة أمر من قرر لهم الملك معهم ، ونذكر من ~~ملك من ملوك الدولة واحدا بعد واحد إلى أن انقرضت دولتهم وبادت أيامهم . ~~فنقول وبالله التوفيق : أول من ملك منهم عبيد الله المنعوت بالمهدي ، ونسب ~~نفسه أنه : عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى ms6429 بن جعفر بن ~~محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وأهل العلم بالأنساب من ~~المحققين ينكرون ذلك وينفونه عن PageV28P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" الشرف ، ويقولون : اسم عبيد الله سعيد بن ~~الحسين بن أحمد بن عبد الله القداح بن أبي شاكر ميمون بن ديصان بن سعيد ~~الغضبان ، صاحب كتاب الميدان في نصر الزندقة ، وهو من أهل رامهرمر ، كورة ~~من كور الأهواز ، وكان من خرمية المجوس ، ومن المؤرخين من زعم أن الحسين بن ~~أحمد زوج أم سعيد وأن أبا سعيد يهودي ، وقال القاضي أبو بكر بن الطيب في ~~كتابه المسمى بكشف الأسرار وهتك الأستار : إن سعيد هذا كان قد رباه عمه ~~محمد بن أحمد المكنى بأبي الشلغلغ ، وكانوا دعاة لمحمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق ، يأكلون البلاد باسمه ويدعون أنه حي يرزق إلى زمانهم ، وفيه عمل ~~ابن المنجم قصيدته التي يقول فيها : فإنك في دعواك أنك منهم . . . كمن يدعي ~~أن النحاس من الذهب متى كان مولى الباهليين ملحقا . . . بآل رسول الله يوما ~~إذا انتسب ولما ملك بهاء الدولة أبو نصر بن عضد الدولة فنا خسروا ، ابن ~~بويه ، بغداد جمع الطالبيين من آفاق العراق ، وسألهم عنهم ، فكلهم أنكرهم ~~ونفاهم ، وتبرأ منهم ، فأخذ خطوطهم بذلك . وكان ممن شهد الشريفان الرضي ~~والمرتضى وأبو حامد PageV28P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" الأسفرايني ، وأبو الحسين القدروي ، وغيرهم ، ~~وذلك في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة ، بأمر القدر بالله العباسي . هذا مع ~~ما ينسب إلى بني بويه من التشيع ، فلنذكر ابتداء أمرهم وأول من قام منهم . ~~ذكر ابتداء أمرهم وأول من قام منهم قال أبو أحمد عبد العزيز ين شداد بن ~~الأمير تميم بن المعز بن باديس في كتابه المترجم بالجمع والبيان في أخبار ~~المغرب والقيروان : أول من قام منهم أبو شاكر ميمون بن ديصان بن سعيد ~~الغضبان ، وكان ممن صحب أبا الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسد ، فألقوا ~~إلى كل ما اختصوا به أن لك شيء من العبادات باطنا ، وأن الله تعالى ما أوجب ~~على أوليائه صلاة ولا ms6430 زكاة ولا صوما ولا حجا ، ولا حرم عليهم شيئا من ~~المحرمات ، وأباح لهم نكاح البنات والأخوات ، وإنما هذه العبادات عذاب على ~~الأمة وأهل الظاهر ، وهي ساقطة عن الخاصة ، يقولون ذلك لمن يثقون به ~~ويسكنون إليه ، ويقولون في آدم وكافة الأنبياء : كذابون محتالون طلاب ~~للرئاسة . فاشتدت شوكة هؤلاء في الدولة العباسية ، وتفرقوا في البلاد شرقا ~~وغربا ، يظهرون التقشف ، والزهد ، والتصوف ، وكثرة الصلاة والصيام ، يعرفون ~~الناس بذلك وهم على خلافه ، ويذكرون أبا الخطاب إلى أن قامت البينة بالكوفة ~~، أن الخطاب أسقط العبادات وأحل المحارم ، فأخذه عيسى بن موسى الهاشمي ، مع ~~سبعين من أصحابه ، فضرب PageV28P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" أعناقهم ، فتفرق بقية أصحابه في البلاد ، فصار ~~قوم ممن كان على مذهبه إلى نواحي خراسان ، وقوم إلى الهند ، وصار أبو شاكر ~~ميمون بن سعيد إلى البيت المقدس مع جماعة من أصحابه ، وأخذوا في تعلم ~~الشعوذة والنارنجيات والحيل ومعرفة الرزق من صنعة النجوم والكيمياء ، ~~ويحتالون على كل قوم بما يتفق عندهم ، وعلى العامة بإظهار الزهد والورع ، ~~ونشأ لأبي شاكر ابن يقال له عبد الله القداح ، علمه الحيل واطلعه على أسرار ~~هذه النحلة ، فتحذق وتقدم ، وكان يظهرون التشيع والبكاء على أهل البيت ~~ويزيدون أكاذيب اخترعوها ، يخدعون بها ضعفاء العقول . وكان من كبار ~~الشعوبية رجل اسمه محمد بن الحسين بن جهار نجار الملقب دندان وهو بنواحي ~~الكرج ، وأصفهان له حال واسعة وضياع عظيمة ، وهو المتولي على تلك المواضع ، ~~وكان يبغض العرب ويذمهم ، ويجمع معايبهم ، وكان كل من طمع في نواله تقرب ~~إليه بذم العرب ، فسمع به عبد الله بن ميمون القداح وما ينتحله من بغض ~~العرب وصنعة النجوم ، فسار إليه ، وكان عبد الله يتعاطى الطب وعلاج العين ، ~~ويقدح الماء النازل فيها ، ويظهر أنه إنما يفعل ذلك حبسة وتقربا إلى الله ~~عز وجل ، فطار له هذا الاسم بنواحي أصفهان والجبل ، فأحضره دندان وفاتحه ~~الحديث ، فوجده كما يحب ويهوى ، وأظهر له عبد الله من مساوئ العرب والطعن ~~عليهم أكثر مما عنده ، فاشتد إعجابه به ، وقال له : مثلك لا ينبغي أن ms6431 يطب ، ~~وإن قدرك يرتفع ويجل عن ذلك ، فقال : إنما جعلت هذه ذريعة لما وراء مما ~~ألقيه إلى الناس وإلى من أسكن إليه على رفق ومهل ، من الطعن على الإسلام ، ~~وأنا أشير عليك ألا تظهر ما في نفسك إلى العرب ، ومن يتعصب لهذا الدين ، ~~فإن هذا الدين قد غلب على الأديان كلها فما يطيقه ملوك الروم ، ولا الترك ، ~~والفرس ، والهند ، مع بأسهم ونجدتهم ، وقد علمت شدة بابك الخرمية وكثرة ~~عساكره ، وأنه لما أظهر ما في نفسه من بغض الإسلام وترك PageV28P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" التستر بالتشيع 23 كما يقول أولا قلع أصله ، ~~فالله الله أن تظهر ما في نفسك ، والزم التشيع والبكاء على أهل البيت ، ~~فإنك تجد من يساعدك على ذلك من المسلمين ، ويقول : هذا هو الإسلام وسب أبا ~~بكر وعمر ، وادع عليها عداوة الرسول وتغيير القرآن وتبديل الأحكام ، فإنك ~~إذا سببتهما سببت صاحبهما ؛ فإذا استوى لك الطعن عليهما فقد اشتفيت من محمد ~~، ثم تعمل الحيلة بعد ذلك في استئصال دينه ، ومن ساعدك على هذا فقد خرج من ~~الإسلام من حيث لا يشعر ، ويتم لك الأمر كما تريد ، فقال دندان : هذا هو ~~الرأي . ثم قال له عبد الله القداح : إن لي أصحابا وأتباعا أبثهم في البلاد ~~فيظهرون التقشف والتصوف والتشيع ، ويدعون إلى ما نريده بعد إحكام الأمر ، ~~فاستصوب دندان ذلك وسر به ، وبذل لعبد الفتاح ألفي ألف دينار . فقبل المال ~~وفرقه في كور الأهواز والبصرة وسواد الكوفة ، وبطالقان ، وخراسان ، وسلمية ~~من أرض حمص . ثم مات دندان فخرج عبد الله القداح إلى البصرة وسواد الكوفة ، ~~وبث الدعاة ، وتقوى بالمال ، ودبر الأمر . وحكى الشريف أبو الحسين محمد بن ~~علي الحسين المعروف بأخي محسن في كتابه أن عبد الله بن ميمون هذا كان قد ~~نزل عسكر مكرم فسكن بساباط أبي نوح ، وكان يتستر بالتشيع والعلم ، فلما ظهر ~~عنه ما كان يضمره ويسره من التعطيل والإباحة ، والمكر والخديعة ، ثار الناس ~~عليه ، فأول من جاءه الشيعة ، ثم المعتزلة وسائر الناس ، وكبسوا داره ، ~~فهرب إلى البصرة ، ومعه رجل ms6432 من أصحابه يعرف بالحسين الأهوازي ، فنزل بباهلة ~~على موال لآل عقيل بن أبي طالب ، وقال لهم : أنا من ولد عقيل ، وداع ~~PageV28P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، فلما ~~أقام وانتشر خبره طلبه العسكريون فهرب وأخذ طريق الشام ومعه الحسين ~~الأهوازي ، فلما توسطا الشام عدلا على سلمية ليخفي أمرهما فأقام بها عبد ~~الله وأخفى أمره . نرجع إلى قول ابن شداد ، قال : ثم مات عبد الله ، وكان ~~له جماعة من الولد فخلفه منهم ابنه أحمد ، فقام مقام أبيه ، وجرى على ~~قاعدته وبث الدعاة ، واستدعى رجلا من أهل الكوفة يقال له أبو الحسين رستم ~~بن الكرخيين بن حوشب بن زادان النجار ؛ وكان هذا الرجل من الإمامية الذين ~~يقولون بإمامة موسى بن جعفر ، فنقله إلى القول بإمامة إسماعيل بن جعفر . ~~وكانوا يرصدون من يرد من المشاهد وينظرون إليهم ، فمن كان فيه مطمع وجهالة ~~استدعوه ، ولا يستدعون إلا الجهال ومن له بأس وجلد ، وعشيرة ومال ، وعز ~~ومنعة ، ويتجنبون الفقهاء والعلماء ، والأدباء والعقلاء . وكانوا يطلبون ~~أطراف البلاد ، فقال لهم بعض من ورد عليهم : إن بجيشان والمدحرة والجند من ~~أرض اليمن رجلا جلدا كثير المال والعشيرة يتشيع ، وبهذه الناحية شاعر يقال ~~له ابن خيران يسب في شعره أبا بكر وعمر ، والمهاجرين والأنصار ، على مثل ~~سبيل الحميري الشاعر ، فورد ذلك الرجل المذكور ، وهو أبو الخير محمد بن ~~الفضل من أهل جيشان من اليمن ، ودخل إلى الحيرة ، فرأوه يبكي على الحسين بن ~~علي ، فلما فرغ من زيارته أخذ الداعي يده وقال له : أني رأيت ما كان منك من ~~البكاء والقلق على صاحب هذا القبر ، فلو أدركته ما كنت تصنع ؟ قال كنت ~~أجاهد بين يديه ، وأجعل خدي أرضا يطأ عليها ، وأبذل مالي ودمي دونه ، فقال ~~له : أتظن أن ما بقي لله حجة بعد هذا القبر ؟ قال : بلى ، ولكن لا أعرفه ~~بعينه ، قال : فتريده ؟ قال إي PageV28P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" والله ، فسكت عنه الداعي . فقال له محمد ابن ~~الفضل : ما قلت هذا القول إلا وأنت عارف به ، فألح ms6433 عليه وقال له : الله ~~الله في أمري ، اجمع بيني وبينه ، فإني خرجت إلى الحج وجئت إلى هذه الديار ~~أريد الله ، فسكت الداعي وازدادت رغبة أبو الفضل ، فصار يتضرع إليه ، ~~ويسأله ، ويقبل يده ، فقال له الداعي : اصبر ، ولا تعجل ، وأقم ، فهذا ~~الأمر لا يتم بسرعة ، ولا بد له من صبر ومهلة ، فقال ابن الفضل لأصحابه ومن ~~كان معه من جيشان : انصرفوا فلي بالكوفة شغل ، فانصرفوا ، وأقام هو واجتمع ~~بالداعي : فقال له : ما عملت في حاجتي ؟ فقال انتظرني حتى أعود إليك ، ~~فانصرف عنه ومضى إلى أحمد بن القداح وعرفه حال ابن الفضل وحرصه إلى إلقاء ~~الحجة وإمام الزمان ، وبقي الداعي يرقبه ويراه لا يكاد يبرح المسجد من غير ~~أن يعلم ابن الفضل به ، فلما كان أربعين يوما أتاه إلى المسجد وهو جالس ~~فقال له : أنت بعدها هنا ؟ فقال : نعم ؛ ولو لا تخشى لأقمت في هذا المسجد ~~إلى أن أموت . فعلم الداعي أنه قد قصده ، فأخذه وجمع بينه وبين أحمد بن عبد ~~الله بن ميمون . وحكى الشريف أبو الحسين في كتابه الذي صرح فيه فنفى هؤلاء ~~عن النسب إلى الحسين بن علي ، رضي الله عنهما ، واستدل على ذلك بأدلة يطول ~~شرحها - أن أحمد بن عبد الله بن ميمون لما قام بالأمر بعد أبيه عبد الله ~~بعث الحسين الأهوازي من سلمية داعية العراق ، فلما انتهى إلى سواد الكوفة ~~لقي حمدان بن الأشعث ، وهو قرمط الذي ينسب إليه القرامطة ، فصحبه ، وأتبعه ~~قرمط ، وتابعه كثير من الناس . فلما مات الأهوازي أسند الأمر من بعده إلى ~~حمدان بن الأشعث ، قرمط ، وقد ذكرنا هذه القصة في أخبار القرامطة . نرجع ~~إلى قول ابن شداد ، قال : وكان أحمد يقول للحسن بن حوشب الكوفي النجار : يا ~~أبا القاسم هل لك في غربة الله ؟ فيقول الأمر إليك يا مولاي ، فلما اجتمع ~~بابن الفضل قال له : قد جاء ما كنت تريد يا أبا القاسم ، هذا رجل من أهل ~~اليمن ، وهو عظيم الشأن ، كثير المال ، ومن الشيعة ، قد أمكنك ما تريد ، ~~وثم خلق من ms6434 الشيعة ، فاخرج وعرفهم أنك رسول المهدي ، وأنه في هذا الزمان ~~يظهر في اليمن ، واجمع المال ، والرجال ، والزم الصلاة والصوم والتقشف ، ~~واعمل بالظاهر ولا تظهر الباطن ، وقل لكل شيء باطن ، وإن ورد عليك شيء لا ~~تعلمه فقل لهذا من يعلمه ، وليس هذا وقت ذكره ، وجمع بينه وبين ابن الفضل ، ~~وخرجا جميعا إلى ارض اليمن . PageV28P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" ونزل ابن حوشب بعدن ، وكان فيها قوم من الشيعة ~~يعرفون ببني موسى ، وخبرهم عند ابن ميمون ، فنزل ابن حوشب بالقرب منهم ، ~~وأخذ في بيع ما معه من القماش ، ولزم التقشف والزهد ، فقصده بني موسى ~~وقالوا له : فيم جئت ؟ قال : للتجارة : قالوا : لست بتاجر ، وإنما أنت رسول ~~المهدي ، وقد بلغنا خبرك . وعرفوه بأنفسهم ، فأظهر أمره عليهم ، وسار إلى ~~عدن لاعة ، وسار ابن الفضل إلى بلده ، ولما وصل ابن حوشب إلى عدن لاعة قوى ~~عزائمهم وقرب أمر المهدي عليهم ، وأنه من عندهم يخرج ، وأمرهم بالاستكثار ~~من الخيل والسلاح . ولم يزل أمر بن حوشب يقوى وأخباره ترد على من بالكوفة ~~من الإمامية وطبقات الشيعة ، فيبادرون إليه ، ويقول بعضهم لبعض : دار ~~الهجرة ، فكبر عددهم واشتد بأسهم ، وأغار على من جاوره ونهب وسبى ، وجبى ~~الأموال ، وأنفذ إلى من بالكوفة من ولد عبد الله القداح أموالا عظيمة ، ~~وهدايا وطرفا ، وكذلك لابن الفضل . وكانوا نفذوا إلى المغرب رجلين ، أحدهما ~~يعرف بالحلواني والآخر بأبي سفيان ، وتقدموا إليهما بالوصول إلى أقاصي ~~المغرب ، والبعد عن المدن والمنابر ، وقالوا لها ينزل كل واحد منكما بعيدا ~~عن الآخر ، وقولا : لكل شيء باطن ، ونحن فقد قيل لنا اذهبا فالمغرب أرض بور ~~فاحرثاها وأكرباها حتى يأتي صاحب البذر ، فنزل أحدهما بأرض كتامة بمدينة ~~مرمجنه ، والآخر سوق حمار ، فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما ، وصارا ~~يحملان التحف التي تحمل إليها إلى ابن القداح ، ثم ماتا على قرب بينهما بعد ~~أن أقاما سنين كثيرة . فقال ابن حوشب لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن ~~زكريا الشيعي ، وكان قد هاجر إليه ، يا أبا عبد الله أرض كتامة من المغرب ~~قد حرثها ms6435 الحلواني وأبو سفيان وقد ماتا ، وليس لها غيرك ، فبادر إليها ~~فإنها موطأة ممهدة لك ، فخرج أبو عبد الله وأخرج ابن حوشب معه عبد الله بن ~~أبي ملاحف ، وأمده بمال ، وأوصاه بما يعمل وكيف يحتال . PageV28P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى . ~~وأما أحمد بن عبد الله بن ميمون فإنه لما قوي أمره ، وكثرت أمواله ، ادعى ~~أنه من ولد عقيل ابن أبي طالب ، وهم مع هذا يسترون أمرهم ، ويخفون أشخاصهم ~~، ويغيرون أسماءهم وأسماء دعاتهم ، وينتقلون في الأماكن ، ثم مات أحمد ~~فخلفه محمد ، وكان لمحمد ولدان ، أحمد والحسين ، فمات أحمد فصار الحسين إلى ~~سلمية وله بها أموال من ودائع جده عبد الله القداح ، ووكلاء ، وأتباع ، ~~وغلمان ، وبقي ببغداد من أولاد القداح أبو الشلغلغ ، وهو محمد بن أحمد بن ~~عبد الله بن ميمون بن ديصان ، وهو مؤدب بآداب الملوك . وكان الذي بسلمية ~~يدعي أنه الوصي وصاحب الأمر دون بني القداح ، ويكاتب الدعاة ، ويراسلونه من ~~اليمن ، والمغرب ، والكوفة ، واتفق أنه جرى بحضرته بسلمية حديث النساء ~~فوصفوا امرأة رجل يهودي حداد مات عنها زوجها ، وأنها في غاية الجمال ، فقال ~~لبعض وكلائه زوجني بها ، فقال إنها فقيرة ولها ولد ، فقال : ما علينا من ~~الفقر ، زوجني بها فأرغبها وأبذل لها ما شاءت ، فتزوجها وأحبها ، وحسن ~~موقعها عنده ، وكان ابنها يماثلها بالجمال ، فأحبه وأدبه ، وعلمه ، وأقام ~~له الخدم والأصحاب فتعلم الغلام ، وصارت له نفس كبيرة وهمة عظيمة . فمن ~~العلماء من أهل هذا الدعوة من يقول : إن الإمام الذي كان بسلمية من ولد ~~القداح مات ولم يكن له ولد ، فعهد لابن اليهودي الحداد ، وهو عبيد الله ~~الذي نعت بالمهدي ، وأنه عرفه أسرار الدعوة من قول وفعل ، وأعطاه الأموال ، ~~وتقدم إلى أصحابه ووكلائه بطاعته ، وخدمته ومعونته ، وعرفهم أنه الإمام ~~والوصي ، وزوجه ابنة عمه أبي الشلغلغ . هذا قول ابن القاسم الأبيض العلوي ~~وغيره من العلماء بهذه الدعوة ، وبعض الناس ، وهم قليل ، يقولون إن عبيد ~~الله هذا ، المنعوت بالمهدي ، من ولد القداح . ومنهم من يقول فيه قولا ms6436 آخر ~~، نذكر إن شاء الله عز وجل . فهذا ما حكي في ابتداء أمرهم ، فلنذكر أخبار ~~الشيعي ببلاد المغرب ، والله أعلم . PageV28P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" ذكر أخبار أبي عبد الله الشيعي داعي المغرب ~~وما كان من أمره وكيف ظهر وما فتحه من بلاد المغرب قال أبو إسحاق إبراهيم ~~بن القاسم الكاتب المعروف بابن الرقيق ، في تاريخ إفريقية ، وغير ابن ~~الرقيق ممن ذكر أخبار هذه الدولة : كان أبو عبد الله الشيعي من أهل الكوفة ~~، وقيل من أهل صنعاء ، واسمه الحسين ابن أحمد بن زكريا ، فاتصل بالذي يدعى ~~أنه الإمام ، وهو ابن القداح الذي ذكرناه المختلف في نسبه ، فأرسله إلى أبي ~~القاسم الحسن بن حوشب الكوفي النجار ، وهو المعروف بالصناديقي ، داعيتهم ~~باليمن وكتب إليه أن ينصره ويرشده ، وقال لأبي عبد الله : امتثل سيرته ، ~~وانظر إلى مخارج أفعاله فاعمل بها ، ثم اذهب إلى المغرب . فخرج حتى انتهى ~~إلى أبي القاسم ، فأنزله وأكرمه ، وأقام عنده من وقت انصراف الحاج من مكة ~~إلى اليمن إلى وقت خروجهم في العام المقبل . فخرج أبو عبد الله مع الحاج ~~إلى مكة . فلما قضى الناس حجهم واستقروا بمنى جعل الشيعي يمشي بمنى وينظر ~~إلى الناس ، فمر بجماعة من كتامة وهم في رحالهم ، وكانوا من الشيعة الذين ~~تشيعوا بسبب الحلواني وفيهم حريث الجيملي وموسى بن وجاد ، فسمعهما الشيعي ~~يذكران لأصحابهما فضائل علي بن أيطالب ، رضي الله عنه ، فجلس إليهما وذكر ~~من ذلك شيئا ، وأقبل القوم وحدثهم طويلا ، ثم نهض ليقوم فقاموا معه ، ومشوا ~~بمشيه ، وعرفوا مكانه ، ثم أتوا من الغد فأوسع لهم الحديث ، فزادهم ذلك فيه ~~رغبة ، وعليه إقبالا ، ثم صحبهم في طول الطريق بعد انصرافهم من الحج إلى أن ~~وصلوا إلى مصر ، وهم يبالغون في خدمته ، ويرحلون برحيله ، وينزلون بنزوله ، ~~وهو يسألهم عن بلادهم في خلال ذلك ، وعن طاعتهم لملوكهم ، فيقولون ما علينا ~~طاعة لهم ، وهو لا يعرض لهم PageV28P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" بقصده ولا رغبته في بلادهم ، فلما أتوا مصر ~~أظهر أنه يريد الإقامة بها ، فتألموا لفراقه ، وقالوا ما الذي تقصد ms6437 بمقامك ~~في مصر ؟ قال : التعليم ، فسألوه أن يصحبهم إلى بلادهم وأنهم يوجبون له على ~~أنفسهم أجرة كل سنة ، وما أوجب . ولم يجبهم إجابة كلية ؛ ورغبتهم كل يوم ~~تزيد فيه ، فأجابهم إلى الخروج معهم ، ففرحوا بذلك واستبشروا ، وجعلوا ~~يزيدون في بره ، ويقولون له : عندنا كثير من إخوانك ومن يذهب إلى مذهبك ، ~~ولو رأوك ما رضوك إلا شيوخهم ، فضلا عن صبيانهم ؛ ولسنا نخليك للتعليم بل ~~نعدك لما هو أعظم منه . فلما عزم على المسير معهم جمعوا له دنانير وأتوه ~~بها ، فامتنع من قبولها ، وقال لم يكن مني ما يوجب ذلك ، فعظم في أنفسهم ، ~~وزادت هيبته في صدورهم . وخرجوا به من مصر ، وساروا حتى إذا كان بسوجمار من ~~أرض سماتة ، تلقاهم رجال من الشيعة ، فأخبروهم بخبر الشيعي ، ونظروا إلى ~~تعظيم الكتاميين له ؛ فرغب كل واحد منهم أن يكون نزوله عنده ، حتى رموا ~~عليه السهام ، فخرج سهم أبي عبد الله الأندلسي فنزل عنده ، ونزل كل واحد ~~على صاحبه . وأصاب أبو عبد الله عندهم من علم الشيعة أصلا قويا ، فزاد في ~~الكلام معهم ، فأجلوه . ثم سار القوم فدخلوا حد الكتامة يوم الخميس النصف ~~من شهر ربيع الأول سنة ثمانين ومائتين ، ومعهم أبو عبد الله الأندلسي وأبو ~~القاسم الورفجومي ، فأراد كل واحد من الكتاميين نزول الشيعي عنده ، ~~وتنازعوا في ذلك حتى خيروه في النزول ، فقال أي موضع عندكم فج الأخيار ؟ ~~قالوا : عند بني سكتان فقال : فإياه نقصد ، ثم نأتي كل قوم منكم في موضعهم ~~، ونزورهم في بيتوهم ، ولا نجعل لأحد منكم حظا من نفسي دون أحد إن شاء الله ~~تعالى ، فأرضاهم كلهم بذلك ، وسار كل قوم إلى جهتهم ، وسار الشيعي مع موسى ~~بن حريث وأبي القاسم الورفجومي وأبي عبد الله الأندلسي إلى إيكجان موضع ~~موسى بني سكتان . قال ولما نزل عبد الله بإيجكان ومضى كل معه من الحجيج إلى ~~مرافقهم أخبروا من قدموا عليه من أصحابهم بخير ، ووصفوه لهم مع الناس ، ~~فتسامع الناس به ، وأقبلوا إليه من كل ناحية ؛ فكان يجلس لهم ويحدثهم بظاهر ~~فضائل على ms6438 رضي الله عنه . PageV28P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" قال : فاتصل خبر الشيعي بإبراهيم بن أحمد صاحب ~~إفريقية ، فكتب إلى موسى بن عياش يسأل عن خبره فضعف موسى أمره فكتب إليه ~~ثانيا وأرسل ابن المعتصم المنجم ، وأمر إبراهيم بن أحمد موسى بن عياش أن ~~يتلطف في اتصاله إلى أبي عبد الله ، وأن يختبر أحواله ، ويأتيه بصحيح خبره ~~، وأوصاه بوصايا أمره أن يذكرها له . فلما وصل إلى موسى أرسل إلى بني سكتان ~~يخبرهم أن إبراهيم قد بعث برجل إلى أب يعبد الله ليجتمع به . فرفع ذلك إلى ~~أبي عبد الله ، فأذن له . فلما انتهى إليه قربه وأقبل عليه ، فقال له ابن ~~المعتصم : إن الأمير إبراهيم ابن أحمد وجهني إليك برسالة ، فإن أذنت لي ~~أديتها . فقال له : أد رسالتك قال : وأنا آمن ؟ قال : نعم . فقال : يقول لك ~~الأمير : ما حملك على التعرض لسخطي ، والوثوب في ملكي ، وإفساد رعيتي ، ~~والخروج علي ؛ فإن كنت تبتغي عرضا من أعراض الدنيا فإنك تجده عندي ، وإن ~~أنت تلافيت أمرك ، ورجعت عن غيك ، فصر إلى وأنت آمن ؛ فإن أردت المقام ~~ببلدنا أقمت ، وإن أحببت الانصراف انصرفت . وإن كان قصدك قصد من سولت له ~~نفسه الخلاف على الأئمة ، واستفساد جهلة الأمة ، فلقد عرفت عواقب من تمنيه ~~نفسه أمنيتك ، وسولت له ما سولت لك ، من الهلاك العاجل ، قبل سوء المصير في ~~الآجل . ولا يغرنك ما رأيت من إقبال هؤلاء الأوباش عليك ، وأتباعك ، فإني ~~لو صرفت وجهي إليك لأسلموك ، وتبرءوا منك ، واعلم أني أردت الأعذار إليك ، ~~لاستظهار الحجة عليك ، وهذا أول كلامي وآخره ، لا أقبل لك بعد هذا توبة ، ~~ولا أقيلك عثرة ، ولا أجعل جواب ما يمكن منك إلا النهوض إليك بنفسي ، وجميع ~~أبطال رجالي ، وأنصار دولتي ، وجملة أهل مملكتي فعند ذلك تندم حين لا ينفعك ~~الندم ، ولا تقبل منك التوبة ، فانظر في يومك لغدك ، وقد أعذر إليك من انذر ~~. فقال له أبو عبد الله الشيعي : قد قلت فاسمع ، وبلغت فابلغ : ما أنا ممن ~~يروع بالإيعاد ، ولا ممن يهوله الإبراق والإرعاد . فأما تخويفك إياي ms6439 برجال ~~مملكتك ، وأنصار PageV28P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" دولتك ، أبناء حطام الدنيا ، الذين يقتادون لك ~~سائق ، ويجيبون كل داع وناعق ، فإني في أنصار الدين ، وحماة المؤمنين ، ~~الذين لا تروعهم كثرة أنصار الباطل ، مع قول الله تعالى ، وهو أصدق ~~القائلين : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، والله مع ~~الصابرين " فأما ما أطمع به من دنياه وعرضه من زبدها وحطامها ، فلست من أهل ~~الطمع فأميل إليه ، ولا ممن يرغب فيما عنده فيأته . وإنما بعثت رسولا لأمر ~~قد حم وقرب ، فإن سولت له نفسه ما وعد به ، ودعته إليه ، فسوف يعلم أن الله ~~عز وجل من ورائه ولن تغني عنه فئة شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين فهذا ~~جواب ما جئت به ، فبلغه إن شاء الله . قال : ولما اشتهر أمر الشيعي ببلد ~~كتامة ، ونظر رؤساء القبائل وولاة البلدان فلم يروا في إبراهيم بن أحمد ~~نهضة في أمر ، وخافوا على زوال الرئاسة من أيديهم ، وتقديم من يسارع إلى ~~أمره عليهم ، ممن كانوا يرونه دونهم ، كتب بعضهم إلى بعض في ذلك ، فاجتمعوا ~~وتعاقدوا . وكان ممن سعى في ذلك موسى بن عياش صاحب ميلة ، وعلى بن عسلوجة ~~صاحب سطيف وحي بن تميم صاحب بلزمه وكل هؤلاء أمراء هذه المدن ، وعندهم ~~العدة والعدة والأموال الكثيرة والنجدة ، والقوة ، ومن مقدمي كتامة وكبارهم ~~وولاة أمورهم : فتح بن يحيى المشالي ، وكان يقال له الأمير ، ومهدي بن ~~كناره ، رئيس لهيصة ، وقرح بن خيران ، رئيس أجاته ، وثميل بن فحل رئيس ~~لطاية ، واستعملوا آراءهم في أخذ الشيعي فعلموا ، أنهم لا يقدرون عليه عنوة ~~من أيدي PageV28P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" بني سكتان لأنهم يمنعونه ، ويجتمع عليهم جميلة ~~وغيرها من قبائل كتامة ، فتفرق ذات البين ، ويكون ذلك داعية إلى أن يجعلوا ~~له أنصارا ، وتصير كتامة فريقين ، ولم يأمنوا سوء العواقب ، فقصدوا بنان بن ~~صقلان ، وهو من وجوه بني سكتان ، ولم يكن له يومئذ دخل في أمر الشيعي ، ~~وأرسلوا جماعة منهم إليه ، وبعثوا له أربعة أفراس وأغنما وهدية ، وقالوا له ~~: إن هذا الرجل قد بدل ms6440 الدين ، وفرق الجماعة ، وشتت الكلمة ، وأدخل ~~الاختلاف بين الأقارب وقد قصدناك في أمره ، وأملكناك في قطع هذا المكروه ~~بأن تقبض على الشيعي وتخرجه من بلدنا ، وتنفيه عنا إن كرهت قتله ، ونجعل لك ~~بعد ذلك بعد ذلك التقدمة على جميع كتامة والعرب ، فيكون لك شرف الدنيا ~~وفخرها ، وثواب الآخرة وأجرها ، وتزيل عن أهل بيتك مكروها ، وتقطع عنهم شرا ~~، واخذوا معه في ذلك وحذروه عواقب السلطنة . فقال لهم بنان : هذا رجل صار ~~بين أظهرنا ، وهو ضيف عندنا ، كيف ينبغي أن نفعل فيه مثل هذا الفعل ، ~~فتنازعوا في ذلك طويلا ، وكان آخر خطاب بنان لهم أن قال : الرأي أن نجمع ~~العلماء إليهم فيناظرهم ، فإن كان على حق فما أولانا وإياكم بنصرته وأتباعه ~~، وإن كان على باطل عرفنا من اتبعه أن يرجعوا عنه . فانصرفوا إلى أصحابهم ~~وأخبروهم بما كان من بنان ، فخافوا أن تقوم حجته ، ويستحكم أمره ، فتزول ~~رئاستهم بسببه . فاجمعوا على أن يمضوا في جماعة ويظهروا أنهم أثو بالعلماء ~~، فإذا خرج إليهم قتلوه ، وانصرفوا على حمية . فاجتمعوا في عدد عظيم من ~~الخيل والرجل ، فلما رآهم بنو سكتان ركبوا خيولهم ؛ والتقى الجمعان . ~~فقالوا لبنان إنما أتيناك لما كان بيننا وبينك . فقال : إنما كان بيننا أن ~~تأتوا بالعلماء ، وقد أتيتم بالزحف والعدة ، وعلا الكلام بينهم ، فالتحم ~~القتال ، وتداعت جيملة من كل مكان ؛ فانهزم القوم ، وانصرف عنهم بنو سكتان ~~، وكان الشيعي قد سير في مبادئ هذا الأمر ، وخاف عليه أصحابه . ثم أرسل ~~الجماعة بنانا مرة ثانية ، وقالوا : قد كنا أخطأنا فيما أتينا به من الجمع ~~، ولم يكن ذلك عن قصد ، ولكن تسامع الناس بنا فتبعونا . وقد رجوناك لإصلاح ~~جماعتنا ، وقدمناك ، واخترناك لأنفسنا ، لتحقن دماءنا ، وتجمع ما تبدد من ~~شملنا ، فقد عادى من أجل هذا الرجل من أهل المشرق ، وهم كما علمت شياطين ، ~~وعلماؤنا PageV28P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" بربر ، وقوم ليست لهم تلك الأذهان ؛ ناظروه ~~يظهر عليهم ولم يجدوا حجة . يحتجون بها عليه . وقالوا له : أترى نحن ~~وآباؤنا والناس كلهم في ضلالة ، وهذا وحده على الحق والهدى ، وكرروا ms6441 عليه ~~ما وعدوه به من التقدمة عليهم ؛ فأصغى إليهم ووعدهم أن يتلطف في إخراجه . ~~فجعل يتكلم في ذلك ويحتج على أهل بيته ، ويخوفهم العواقب ؛ فاتصل كلام بنان ~~بالشيعي فانتقل عنهم . ذكر انتقال أبي عبد الله الشيعي عن بني سكتان إلى ~~بني عصمة بتازرارت قال : واتصل هذا الخبر بالحسن بن هاورن العصمي ، وكان قد ~~دخل في هذا الأمر ، وهو معروف بالأدب وكثرة النعمة ، وهو مطاع في قومه . ~~فأتى الشيعي ورغب إليه في الانتقال إلى مكانه ، ووعده بالذنب عنه ، ~~والمدافعة بنفسه وأهله وماله ؛ وذكر ذلك لأصحابه فأشاروا عليه به . وعظم ~~ذلك على بني سكتان وكرهوه ، وقالوا له : نحن ندافع عنك بأنفسنا حتى نقتل ~~كلنا دونك . فشكر قولهم ، وانتقل إلى الحسن بن هارون إلى تازرارت فتلقاه من ~~بها من أصحابه وغيرهم . وقام العصميون بما احتاج إليه الشيعي وأصحابه ، ~~وقاسموه أموالهم . وأقبل أصحاب الشيعي من كل ناحية ، وكل منهم يأتي بما ~~يملكه ، ويبذله بين يديه . فاجتمع أمره ، وامتنع جانبه ، واجتمعت عصمان على ~~نصرته ، وخلق كثير من قبائل كتامة ، وندم بنان بن صقلان على ما كان منه في ~~حقه ، وعظم شأن الحسن بن هاورن بفعله . وكان للحسن أخ وهو أسن منه ، اسمه ~~محمود ، فوجد في نفسه من ذلك ، وكان قبل ذلك مقدما على أخيه لسنه ، وكان ~~أيضا مطاعا في أهل بيته ، فنكل بذلك ، وفشا عنه PageV28P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" هذا والحسن يداريه ويستعطفه ، خوفا من أن ~~يفترق جماعة عصمان . فلما صار أمر الشيعي . بتازرارت إلى ما صار إليه ~~وانتهى ذلك إلى القوم الذين كانوا تعاقدوا عليه أولا ، فسقط في أيديهم ، ~~وعظم أمره عليهم ، فرجوا أن يصلوا من محمود بن هارون إلى ما يريدونه من أمر ~~الشيعي ، فاجتمعوا إلى مهدي بن أبي كتامة اللهيمي ، فذكروا له ما بلغهم عن ~~محمود ، وقالوا له : هذا جارك وصديقك ، فلعلك أن تستميله فتفرق به جماعة ~~عصمان ، فيمكننا ما تريد . فركب مهدي إلى محمود ، وذكر له اجتماع وجوه ~~كتامة وأنهم أرسلوه إليه وقالوا إنه قد أجحف أخوك بنفسه وأهل بيته وجاء إلى ms6442 ~~عصمان ببلية قد تعافى منها بنو سكتان ، وتخلصوا من شرها 28 وجعل يخوفه من ~~سوء العواقب ، ووعده عنهم بالتقدمة على أنفسهم . فاستماله بذلك مع ما داخله ~~من الحسد لأخيه والغيرة منه . فقال : القول في ذلك ما قلت ، ولكنه قد تمكن ~~وقوي وكثرت أتباعه ، وليس هو الآن كما كان في بني سكتان ، وقد أجابته عصمان ~~وكثير من عامة كتامة ، فهم يقاتلون دونه ؛ فمتى دعوت من يطيعني من عصمان ~~إلى أخذه صرنا فريقين ، واهلك بعضنا بعضا ، وما أرى في أمره إلا ما رأى لي ~~بنان : أن يأتي بالعلماء إليه فيناظروه ، فإن قامت حجتهم عليه وجدنا السبيل ~~إليه ، وإن كانت الأخرى دبرنا رأيا آخر إن شاء الله تعالى . وانصرف مهدي ~~إلى القوم فأخبرهم . فقالوا : من الذي يناظره من علمائنا وأنت ترى الواحد ~~من جهالنا إذا دخل في أمره ناظرهم فقطعهم ، فكيف به ، فقال : قد رأيت من ~~محمود في قتله ومال إلى ما وعدناه به من التقدمة ، مع ما داخله من الحسد ~~لأخيه ؛ ولم أجد عنده غير ما فارقته عليه ، وما علينا أن نأتي بالعلماء ~~فإذا هم أخرجوه وقعنا عليه أسيافنا فقتلناه ، ويكون بعد ما عساه أن يكون ، ~~فأرسلوا في طلب العلماء من كل ناحية ، وقالوا لا نأتيه في احتفال كما فعلنا ~~ببني سكتان . واتصل الخبر بالحسن بن هارون ، وبالشيعي ، فقال لهم ليجتمع ~~جماعة عصمان إلى محمود فيلاطفوه ويذكروا له ما اتصل بهم ، ويحذروه العار ، ~~والنقص ، وسوء PageV28P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" العواقب ، ويقدموه على أنفسهم ، ويعظموه ، ~~ويرفعوا من شأنه ، ففعلوا ذلك ؛ ووافاه أخوه الحسن وجماعة عصمان ، وقالوا : ~~نحن أهل بيتك وعشيرتك وأنت أميرنا ومقدمنا ، وهذا الرجل ضيفك وضيفنا ، وقد ~~رأيت ما لحق ببني سكتان من النقص بإخراجه ، وأنهم ندموا عليه ، وأن بنانا ~~حاول رده إليه ليصلح ما أفسده على نفسه فلم يجبه إلى ذلك . فلا تجعل علينا ~~عارا ولا نقصا . وحلفوا له وقدموه على أنفسهم فمال إليهم . فلما علم محمود ~~أن أولئك القوم قربوا من تازرارت ركب في جماعة واركب الشيعي أصحابه معه ~~وقال لهم ms6443 : إن قدرتم أن تلحموا الحرب فافعلوا . فلما التقوا قالوا لمحمود : ~~هؤلاء العلماء قد جئنا بهم ، وعزلوهم ناحية ، فقال لهم محمود : انصرفوا ~~ودعوهم عندنا حتى نجمع بينهم وبين الرجل ، مع عشرة رجال من وجوهكم وخياركم ~~، في مجلس ، فننظر ما يكون بينهم ، فانحل ما عقدوه ، فقالوا : وما عليكم أن ~~تخرجوه إلى ها هنا ونشهد ما يكون منه ومن العلماء ، فيكون ذلك أشهر وأقطع ~~للأمر : فقال محمود : قد بلغنا عنكم أنكم عقدتم أمرا وطمعتم أن تنزعوا ~~ضيفنا من أيدينا بالتغلب . فردوا عليهم . فحمل عليهم هو وأصحابه ، والتحم ~~القتال ، وقاتل محمود قتالا شديدا فجرح ، ثم افترقوا ، فمات محمود من جراحه ~~، فسر أخوه والشيعي بموته ، واظهروا الطلب بدمه ، واجتمعت عصمان ألبا واحدا ~~وصحت الرئاسة للحسن بن هارون وولاه الشيعي أعنة الخيل ، وقوده وعوده على ~~جميع أصحابه . واشتعلت الحرب بين عصمان ولهيصة بسبب قتل محمود . واجتمع ~~أمراء بلزمة وأكثر القبائل للشيعي وأظهر نفسه ، وكان يشهد الحرب ويباشرها . ~~وطالت الحرب بينهم ، ثم اصطلحت لهيصة وعصمان بعد أن قتل مهدي ، وانضموا ~~كلهم إلى الشيعي ، واشتد أمره ، وحاربوا من بينهم من القبائل ، وشنوا ~~الغارات على من بعد منهم ، وبعث الشيعي خيلا مغيرة إلى مزاتة ورئيس مزاته ~~يومئذ يوسف القنطاسي ، وكان قدم على إبراهيم بن أحمد فوصله وحياه ، وكساه ، ~~وأعطاه جارية ، فكبسته خيل الشيعي ، وأخذوا جميع ما كان له ، وسبوا الجارية ~~، وقتلوا من قدروا عليه من أصحابه ، واختفى هو فنجا ، ووصلوا إلى الشيعي ~~بالغنيمة فاصطفى الجارية لنفسه وهي أم ولده . فلما رأت القبائل ظهور الشيعي ~~واجتماع لهيصة له ، وقتل مهدي ، مشى بعضهم إلى بعض ، وأرسلوا مزاته ، ~~فاجتمع رأيهم على أن يدخلوا إليه بعيالاتهم ويحيطوا به من كل جانب ، فتسلمه ~~عصمان ولهيصة ومن معهم ويستأصلوهم ، فانتهى الأمر إلى PageV28P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" الشيعي ، فجمع أصحابه كلهم بتازرارت ، وجاءت ~~كتامة من أطرافها وأحاطوا به . فخندق على نفسه ، أشار عليه وجوه أصحابه أن ~~يعتزل الحرب وهم يقاتلون . فشكرهم على ذلك ، وأبى أن يقبله ، ووعدهم بالنصر ~~، وحثهم على القتال ، فأخرج كل واحد ما عنده من ms6444 مال وسلاح وكراع ، وتشاورا ~~فيه ، وكملوا عدتهم وعدتهم ، فبلغوا سبعمائة فارس ، لا يزيدون ولا ينقصون ، ~~وألفي رجل ، والتقوا بعد مراسلة لم تجد شيئا واقتتلوا قتالا شديدا ، ودام ~~القتال بينهم ثلاثة أيام ، ودام في اليوم الثالث إلى العصر ، وكان الظفر ~~لأصحاب الشيعي . وانهزم أولئك ، وتبعوهم وقد امتلأت أيدي أصحابه من الغنائم ~~والأموال ، وتفرق ذلك الجمع ، قال : فبيع الجمال كل عشرة بدينار 29 والحمار ~~بعشر صلات ، وغنموا من الخيل ما لا يحصى . وانصرف الشيعي إلى تازرارت ~~وابتنى بها قصرا يسكنه ، واتخذها دار مقامه ؛ وأقطع أصحابه دورا حول قصره ، ~~وارتحل إليه أصحابه من كل ناحية ، وابتنوا وسكنوا ، وقوي أمرهم ، واستأمن ~~إليه كثير من القبائل ؛ وشن الغارات ، ودوام الحرب ، فأقبل الناس إليه من ~~كل جهة . ولحق فتح بن يحيى بإفريقية فقدم على أبي العباس بن إبراهيم ابن ~~أحمد ، وهو يومئذ بتونس بعد خروج أبيه إبراهيم إلى صقلية ، فوصله وأدناه ، ~~وأكرمه ، وسأله عن الشيعي ، فضعف أمره ، فقال : أليس قد اجتمعتم عليه في ~~عساكر عظيمة فلم تقدروا عليه ، فقال : ليس أمرنا من أمرك في شيء ، إنما نحن ~~مقاتلة بغير رأس ، ونقاتل من يعرفنا من أهل بلدنا ، ولو جاءه عسكر من قبلك ~~لكانت هيبته في صدور الناس . فأطعمه أبو العباس ، ثم أمسك عنه . قال : ~~واستولى الشيعي عل جميع بلد كتامة ، وظهرت دعاته في كل ناحية منها ، وغلب ~~عليها ؛ وكانت وقائع كثيرة ببلد كتامة . وأقام بعد انهزام الجمع نحو سنتين ~~وهو يشن الغارات ، ويغنم الأموال ، حتى أجابوه ، وسلموا الأمر إليه . ولم ~~يبق إلا المدينة الحصينة ومن فيها من أمرائها ومن انضم إليها من القبائل . ~~PageV28P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" ذكر تغلبه أبي عبد الله الشيعي على مدينة ميلة ~~قال ابن الرقيق : كان سبب ذلك أن قيس بن أبي جرير من وجوه أهل ميلة ، وهم ~~من ربيعة وكان رئيسهم يومئذ حسن بن أحمد ، فوصل إلى الشيعي سرا وأطلعه على ~~أمر المدينة ، فتقدم الشيعي إليها وقاتل من بها ، وغلب على جميع أرضها ، ~~فدخل جميع من كان بها إلى الحصن ، ثم سألوا الأمان ms6445 ، فأمنهم ما لم يحدثوا ~~حدثا . ففتحوا أبواب المدينة ودخلها أصحاب الشيعي ، وخرج إبراهيم بن موسى ~~بن عياش مع جماعة منهم في الليل ، فهربوا إلى إفريقية ، إلى أبي العباس بن ~~إبراهيم ، فأخبروه بالخبر ، وضعفوا عنده أمر الشيعي ، وسألوه في إخراج عسكر ~~إليه ، وضمنوا أمره ، فأمر بالحشد ، وجمع وجه رجاله ، وأمر عليهم ابنه محمد ~~المعروف بأبي حوال فاجتمع له عساكر عظيمة انتقى منها اثني عشر ألف فارس ، ~~واتصل الخبر بالشيعي فاستعد للقاء . ذكر الحرب بين أبي عبد الله الشيعي ~~وبين أبي الحوال محمد بن أبي العباس قال : وخرج أبو حوال بالعسكر الذي ~~اختاره من مدينة تونس ، في سنة تسع وثمانين ومائتين ، وكل من مر عليه من ~~القبائل ، بدأهم بالعطاء وخلق على وجوههم ، وقصد إلى سطيف ، فلم يصل إليها ~~حتى زاد في عسكره مثله . وتلقاهم بنو عسلوجة أصحاب سطيف ، وبنو تميم أصحاب ~~بلزمة ، ومن حولهم ممن لم يدخل في طاعة الشيعي ، فقتل من وجوههم قتلا ذريعا ~~، وانتهب أموالهم ، وسبى نساءهم وذراريهم ، وقصد الشيعي بتازرارت ، واتصل ~~به الخبر ، فبرز إليه بمن معه ، والتقوا ببلد بلزمة ، PageV28P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم الشيعي وأصحابه ~~، واتبعهم أبو حوال إلى الليل ؛ ثم أصبح فلقوه واقتتلوا قتالا شديدا ، ~~فانهزم الشيعي ثانية إلى تازرارت وجاءهم ثلج عظيم ، فحال بينهم . ولم ير ~~الشيعي أن تازرارت تحصنهم ، فأخذوا ما قدروا عليه ، وانضموا إلى إيكجان ، ~~فلما ارتفع الثلج تقدم أبو حوال إلى تازرارت فأخربها وهدم قصر الشيعي وسار ~~إلى ميلة ، ثم التقى هو والشيعي واقتتلوا في الليل ، فانهزم أبو حوال إلى ~~تونس ، ورجع الكتاميون إلى ميلة ، واعتل الحسن بن هارون فمات بإيجكان ، ~~وسكنها الشيعي وابتنى بها قصرا . وجاء الخبر إلى الشيعي بوفاة إبراهيم بن ~~أحمد وأن ابنه العباس ولي الأمر بعده ، وجلس في المسجد ورد على الناس ~~ظلاماتهم ، وأنه يجلس عل حصير وبين يديه الدرة ، فاغتم لذلك لأن العوام ~~مالت إليه ، ثم أتاه الخبر بمقتل أبي العباس وأن ابنه زيادة الله قتله وولي ~~مكانه ، وأنه شرب الخمور وارتكب المحارم ، وعكف على ms6446 الملاهي ، فسره ذلك ، ~~وقال لهم : قد زال عنكم ما كنتم تخافونه ، وهذا آخر ما تحاربون ، وسيصير ~~الأمر إليكم . قال : ثم خرج أبو حوال بالعساكر ثانية قبل وفاة أبيه ، فهزمه ~~الشيعي واستولى على ميلة ، وعاد أبو حوال إلى بلاده وقد ملك زيادة الله ، ~~فقتله زيادة الله 30 وقتل اخوته ، والله أعلم . ذكر تغلب أبي عبد الله ~~الشيعي على مدينة سطيف كانت مدينة سطيف لعلي بن حفص ، والمعروف بابن عسلوجة ~~، وكان قد زحف مع أبي حوال لقتال الشيعي ، فلما استقام أمر الشيعي واخذ ~~ميلة ذهب بجموعه إلى سطيف وأقام عليها أربعين يوما وهو يقاتله ، ثم انصرف ~~إلى إيكجان فأقام بها شهرا ، وجمع من قدر عليه ، وعاد إلى مدينة سطيف فأحاط ~~بها ، وقاتله علي ين عسلوجة ، فهزمه الشيعي فتحصن بالمدينة ، وأقام أياما ~~يحاصره ، فمات علي بن عسلوجة ، هو وأخوه أبو PageV28P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" حبيب ، في أيام قلائل فاستولى الشيعي عليها . ~~ذكر خروج إبراهيم بن حنبش إلى بلد كتامة قال : لما اتصل بالأمير زيادة الله ~~أخبار الشيعي ، وظهوره على بلد كتامة ، وافتتاحه ميلة ، ووصل زيادة الله من ~~كتامة من خاف على نفسه ، وعرفوه أنه لم يعاجل الشيعي زاد أمره ، أخذ زيادة ~~الله عند ذلك في الاحتشاد وزاد في العطاء ، فاجتمعت له عساكر عظيمة ، فقدم ~~عليها إبراهيم بن حنبش ، فبلغت عدة من خرج معه أربعين ألفا ، من فارس وراجل ~~، وأخرج معه أموالا جليلة وسلاحا كثيرا ، وعددا عظيمة ، وأمر ببذل الأموال ~~، وأخرج معه وجوه رجاله ومن وصل إليهم من كتامة . فسار إبراهيم بن حنبش حتى ~~أتى قسطنطينية ، وبينها وبين إيكجان التي بها الشيعي نحو مرحلتين ، وأردفه ~~زيادة الله بسديد بن أبي شداد ، فاجتمع معه نحو مائة ألف . وأقام ~~بقسطنطينية ستة أشهر لا يتقدم إليه الشيعي ، فلما رأى ذلك زحف بعساكره كلها ~~، فندب الشيعي خيلا اختارها من كتامة ليخبروه بروز حنبش ، فأتوه . فلما رأى ~~الخيل قصدها بنفسه . هذا والأثقال على الدواب ؛ فانتشبت الحرب ، واقتتلوا ~~قتالا شديدا . واتصل الخبر بأبي عبد الله الشيعي ؛ فزحف بمن معه ، فوقعت ~~الهزيمة ms6447 ، على ابن حنبش وأصحابه ، واسلموا الأثقال ، وتبعهم أصحاب الشيعي ~~يومهم ذلك إلى الليل ، ومن الغد ، يقتلون ويغنمون ، فقتلوا منهم كثيرا ~~وغنموا الأموال والأمتعة والسلاح والكراع ما لا يحصى كثرة . ووصل ابن حنبش ~~إلى باغاية وكتب كتابا بخطه إلى زيادة الله يخبره بالخبر ، ثم قدم إفريقية ~~، فاضطربت وماجت بأهلها ، وعظم أمر الشيعي ثم غلب على مدينة PageV28P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" طبنة ثم على مدينة بلزمة ، ثم مدينة تيجس ، ثم ~~مدينة باغاية ، ثم قفصة ، وقصطيلية ، ثم مدينة الأربس ، وكان له في خلال ~~هذه الفتوحات وقائع كثيرة كان آخرها مع إبراهيم بن أبي الأغلب لثمان بقين ~~من جمادى الآخرة ، سنة ست وتسعين ومائتين ، فانهزم إبراهيم إلى جهة ~~القيروان واتبعهم أصحاب الشيعي يقتلون ويغنمون ويأسرون . ذكر هرب زيادة ~~الله إلى المشرق قال : ولما وصل خبر هذا الهزيمة إلى زيادة الله وهو برقادة ~~وكان قد علم أنه لا يقوم له أمر إذا انهزم إبراهيم ، لأنه آخر ما جمع من ~~الجيوش واستنفد فيه الوسع والطاقة ، فلما جاء خبر الهزيمة أظهر أنه جاءه ~~الفتح ، وأرسل إلى السجون فأحضر رجالا منها فضرب أعناقهم ، وأمر أن يطاف ~~برؤوسهم في القيروان ، وأخذ في تجهيز أثقاله ، وحملها وحمل أمواله ، وأنذر ~~خاصته وأهل بيته بالخروج معه ، وعرفهم بالخبر ؛ فأشار عليه ابن الصائغ ~~بالمقام ، فأبى ذلك وخرج إلى مصر ، كما ذكرناه وأقبل الناس في صبيحة يوم ~~هرب زيادة الله وانتهبوا رقادة ، والله أعلم . PageV28P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" ذكر رجوع أبي عبد الله الشيعي إلى إفريقية قال ~~: ولما وافاه الخبر زيادة الله أمير إفريقية ، وهو بناحية سبيبة رحل لوقته ~~، وخرج إليه شيوخ القيروان ، وتلقوه ، فأكرمهم ، ودخل أبو عبد الله الشيعي ~~رقادة في يوم السبت غرة شهر رجب ، سنة ست وتسعين ومائتين ، ونزل ببعض ~~قصورها ، وفرق دورها على كتامة ، ولم يكن قد بقي بها أحد من أهلها ، وأمر ~~مناديه فنادى في القيروان بالأمان ، فرجع الناس إلى أوطانهم . وغير ~~المنكرات ، وولى قضاء القيروان محمد بن عمر المروزي ، وأمره ، وتب الخطباء ~~وأمرهم بضرب السكة ، وأن ينقش على الوجه الواحد ms6448 " بلغت حجة الله " ونقش على ~~خاتمه الذي يطبع به الكتب " وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا " ورسم في جلال ~~الخيل " الملك لله " ذكر خروج أبي عبد الله الشيعي إلى سلجماسة قال : ولما ~~استقر أبو عبد الله الشيعي برقاده ، أتاه أخوه أبو العباس محمد ابن ~~PageV28P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" أحمد ، فسر بمقدمه ، وكان أسن من أبي عبد الله ~~وأحد ذهنا ، وكان الشيعي يعظمه ، فإذا دخل قام إليه ، وإذا دخل هو على أبي ~~العباس قبل يده ووقف حتى يأمره بالجلوس فيجلس . ولما وصل أبو العباس أراد ~~أن ينفى من القيروان من خالف مذهبه ، فقال له أبو عبد الله إن دولتنا دولة ~~حجة وبيان ، وليست دولة قهر واستطالة ، فاترك الناس على مذاهبهم ، فتركهم . ~~وأخذ أبو عبد الله في الخروج إلى سلجماسة ، فرحل إليها في النصف من شهر ~~رمضان من السنة ، في جيوش عظيمة ، واستخلف على إفريقية أبا زاكي تمام ابن ~~معارك وأخاه أبا العباس . قال : ولما خرج اهتز الغرب لخروجه وزالت زناته ~~والقبائل عن طريقه ، وأوقع بقبائل عرضت له في الطريق حتى إذا قرب من ~~سجلماسة راسل أميرها أليسع بن مدرار ، وكان من أمره معه ما نذكره بعد في ~~أخبار المهدي عبيد الله إن شاء الله . فهذه أسباب ظهور هذه الدولة وقيامها ~~وخبر شيعتها . فلنذكر أخبار المهدي وما كان أمره ، وخروجه من بلاد الشام ، ~~وما اتفق له في مسيره إلى أن تسلم الملك من أبي عبد الله الشيعي ، بعد أن ~~مهد له القواعد وفتح البلاد . ثم نذكر في أخبار عبيد الله ، المنعوت ~~بالمهدي ، تتمه أخبار أبي عبد الله الشيعي إلى أن قتل هو وأخوه أبو العباس ~~محمد بن أحمد . فنقول وبالله التوفيق . . ذكر ابتداء الدولة العبيدية ~~وأخبار المهدي عبيد الله وما كان من أمره منذ خرج من الشام إلى أن ملك ~~البلاد وتسلم الأمر من أبي عبد الله الشيعي كان ابتداء ظهور هذه الدولة ~~وقيامها ببلاد المغرب في سنة ست وتسعين ومائتين ، PageV28P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" عند ظهور عبيد الله بن الحسن المنعوت بالمهدي ~~، وخلاصه من ms6449 سجلماسة وقتله الحسن بن مدرار . ومنهم من يجعل ابتداءها عند ~~وصول عبيد الله إلى رقادة في يوم الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة ~~سبع وتسعين ومائتين ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى . ولنبدأ بأخبار ~~المهدي في رحلته إلى المغرب . ذكر رحيل عبد الله من الشام ووصوله إلى ~~سجلماسة وكان سبب ذلك أن المعتضد بالله أبا العباس العباسي طلب عبيد الله ~~هذا طلبا شديدا ، فخاف على نفسه إن هو أقام بالموضع الذي هو فيه من أرض ~~الشام ، فخرج بنفسه وبولده أبي القاسم محمد ، وهو يومئذ غلام حدث وعبيد ~~الله شاب ، وخرج معه خاصته ومواليه ، يريدون المغرب ، وذلك في خلافة ~~المكتفي بالله العباسي ، وأمير إفريقية يومئذ زيادة الله بن أبي العباس بن ~~إبراهيم بن أحمد . فلما انتهى عبيد الله إلى مصر أراد أن يقصد اليمن ، وكان ~~بها أبو القاسم الحسن بن حوشب الكوفي الداعي كما ذكرنا ، وقد استقام له ~~الأمر وملك أكثر البلاد ، ثم بعث على بن الفضل فاستحل المحارم ودعا الناس ~~إلى الإباحات ، فلما اتصل ذلك به كره دخول اليمن على هذه الحال ، وبلغه ما ~~فعل الشيعي بالمغرب ، وما فتح على يديه فأقام في مصر مستترا في زي التجار ، ~~وعامل مصر يومئذ عيسى النوشري بعد انقراض الدولة الطولونية ، فأتته الكتب ~~بصفته ، وأمر القبض عليه . وكان بعض خاصة النوشري يتشيع ، قيل إنه ابن ~~المدبر ، فبادر إلى عبيد الله فأخبره ، وأشار عليه بالمسير ؛ فخرج من مصر ~~بمن صحبه ففرق النوشري الرسل وذكر لهم صفته ، ثم خرج بنفسه فأدركه وقد رحل ~~من تروجة ، وهي على مرحلة من الإسكندرية ، فمشى النوشري في القافلة التي ~~عبيد الله فيها ، وجعل ينظر إلى وجوه القوم ، حتى رأى عبيد الله على هيئته ~~التي وصفت له ، فقبض عليه وعلى من كان معه ، وأطلق الرفقة وعاد به إلى ~~بستان فنزل به ، وأنزل عبيد الله ومن معه بمفردهم ووكل بهم ، ثم خلا به ~~وقال له أصدقني عن أمرك فأني ألطف في خلاصك ، فقد جاءت صفتك من قبل أمير ~~المؤمنين ms6450 وأمر بطلبك ، وذكر أنك تروم الخلافة ، فقال عبيد الله ~~PageV28P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" إنما أنا رجل تاجر ، ولست أعلم شيئا مما تقول ~~، وأنت غني عن تقلد إثمي ، فما زال يلاطفه يومه وليلته حتى أطلقه وقال : ~~امض إلى سبيلك وأنا أبعث معك خيلا تشيعك . فشكره وقال : أنا استغني بنفسي ~~ومن معي ، وانصرف . فرجع أصحاب النوشري عليه بالملامة ، وقالوا له : ماذا ~~صنعته بنفسك ؟ عمدت إلى بغية أمير المؤمنين وطلبته فاطلقته ، فندم على ~~إطلاقه وهم أن يبعث إليه خيلا ترده . فلما سار عبيد الله أميالا افتقد أبو ~~القاسم كلبة صيد كانت له ، فبكى عليها فعرفه عبيده أنهم تركوها بالبستان ؛ ~~فرجع عبيد الله في طلبها ، فرآهم النوشري ، فقال : من هؤلاء ؟ فقال بعض ~~أصحابه الرجل قد رجع . فبعث غلمانه فسألوا أصحاب عبيد الله عن سبب رجوعه ، ~~فقالوا افتقد ولد سيدنا كلبة ، وهو عزيز على أبيه ، فعاد معه في طلبها بعد ~~أن قطع أميالا كثيرة ، فقال النوشري لأصحابه : قبحكم الله أردتم أن تحملوني ~~على رجل حاله مثل هذه الحال أعتقله بشبهة ، لو كان مرتابا لطوي المراحل ما ~~عاد إلينا من مسافة بعيدة في طلب كلبة صيد . ورجع النوشري من وقته إلى مصر ~~؛ وعاد المهدي لحق برفقته . فلما انتهى إلى مدينة طرابلس ، فارق من كان معه ~~من التجار ، وقدم أبا العباس محمد بن أحمد بن محمد بن ذكريا ، أخا أبي عبد ~~الله الشيعي إلى القيروان ببعض ما كان معه ، وأمره أن يلحق بكتامة . فلما ~~وصل أبو العباس إلى القيروان وجد الكتب قد سبقت إلى زيادة الله في أمر عبيد ~~الله فأحضر الرفقة وسألهم عنه ، فأخبروه أنه تخلف بطرابلس وذكروا أن أبا ~~العباس من أصحابه ؛ فأخذ وقرر ، فأنكر ، فحبس . واتصل الخبر بعبيد الله ~~بطرابلس فصادف رفقة خارجة إلى قصطيلية ، فخرج معهم ، واتى كتاب زيادة الله ~~إلى طرابلس بصفته وطلبه ، فكتب إليه عاملها أنه خرج من عمله ، وسار عبيد ~~الله حتى وصل إلى قصطيلية ، ثم منها إلى سجلماسة ، وصاحب سجلماسة يومئذ ~~أليسع بن مدرار ، فهاداه عبيد الله ، فأكرمه أليسع وعظمه ms6451 ، فلم يزل على ~~كذلك إلى أن أتاه كتاب زيادة الله يخبره أنه هو الذي يدعو إليه الشيعي ، ~~فتغير أليسع عند ذلك عليه إلا انه لم يكن منه في حقه ما يكره . ثم كان من ~~تغلب الشيعي ما قدمناه ، وعلم بمكان عبيد الله ، وكان يكاتبه في السر ، ~~فلما هزم الشيعي جيش إبراهيم بن حنبش كتب إلى عبيد الله يخبره بالفتح ، ~~فأرسل إليه مالا مع رجال من قبيلة من كتامة ، وكان ذلك أول فتح ورد على ~~عبيد الله ، PageV28P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" فسر به ، ثم استولى الشيعي على ما ذكرناه ، ~~وهرب منه زيادة الله ، وملك رقادة والقيروان ، وسار إلى سجلماسة فلما انتهى ~~خبره إلى أليسع بن مدرار وقرب من سجلماسة سأله فحلف أنه ما اجتمع بالشيعي ~~ولا رآه قط ولا عرفه ، وقال : إنما أنا رجل تاجر فاغلظ له بالقول فلم يغير ~~كلامه الأول ولم يخرج عنه ، فجعله في دار وجعل عليه حرسا ، وجعل ابنه أبا ~~القاسم في دار أخرى ، وفرق بينهما . واختبر كل واحد منهما فلم يجد خلافا ، ~~وامتحن رجالا كانوا معهما بالعذاب ليقروا فلم يعترفوا بشيء . واتصل الخبر ~~بالشيعي فعظم عليه ، وأرسل إلى أليسع بن مدرار يؤمنه جانبه ويذكر أنه إنما ~~قصد سجلماسة لحاجة ويعده الجميل والبر والإكرام ، وأكد له ذلك وبالغ فيه ~~فلما وصلت رسل اليسع رمى بالكتب وقتل الرسل ، واتصل ذلك بالشيعي فعاوده ~~ولاطفه ، كل ذلك خوفا منه أن يكون منه في حق عبيد الله ما يكره ؛ فقتل ~~الرسل أيضا فلما رأى الشيعي إصراره عبأ عساكره ودنا من المدينة فخرج إليه ~~أليسع بمن معه ، فناوشهم القتال ، فقتل من أصحابه جماعة وكان ذلك في آخر ~~النهار ، فحجز بينهما الليل . فلما جن الليل هرب أليسع بن مدرار مع أهل ~~بيته وبات الشيعي ومن معه في غم عظيم تلك الليلة ، لا يعلم ما صنع بعبيد ~~الله وابنه ، ولم يمكنه دخول المدينة ، وما علم بهرب أليسع حتى أصبح ، فخرج ~~إلى الشيعي وجوه أهل المدينة فأخبروه بهرب أليسع ، فدخل إلى المكان الذي ~~فيه عبيد الله ms6452 فأخرجه وأخرج ولده أبا القاسم ، وقرب لهما فرسين وحفت بهما ~~العساكر ، وسار الشيعي والدعاة بين يدي عبيد الله وهو يقول : هذا مولاي ~~ومولاكم ؛ حتى انتهى عبيد الله إلى فسطاط ضرب له ، فدخله ، وهو إذ ذاك شاب ~~لي ينبذه الشيب ، وابنه حرطر شاربه . هذا ما حكاه إبراهيم بين الرقيق في ~~تاريخه . وقال غيره إن أليسع بن مدرار لما أراد الخروج من سجلماسة أحضر ~~الشخص الذي اعتقله وقتله قبل هروبه ، وأن الشيعي لما دخل وعلم بقتل عبيد ~~الله خاف من كتامة لأنه كان يعدهم بخروج المهدي وملكه الأرض على زعمه ، ~~وخشي أن يفتضح فيهلك ويزول ما حصل في يده ، فأخرج لهم رجلا يهوديا كان يخدم ~~الشخص المقتول ، وقال هذا إمامكم وإمام الإسماعيلية ، وأركبه ومشى في ركابه ~~وانسلخ له من الأمر ، وهذا فيه بعد ، وأراه من التغالي في نفيهم عن النسب ، ~~والذي حكاه ابن الرقيق أشبه . فلنرجع إلى ما حكاه إبراهيم بن الرقيق . ~~PageV28P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" قال : ولما استقر عبيد الله بالفسطاط أمر بطلب ~~أليسع بن مدرار حيث كان ، فخرجت الخيل في طلبه ، فأدركوه ومن معه من أهل ~~بيته ، فأخذهم وأتوا بهم إلى عبيد الله ، فأمر بضرب أليسع بالسياط ، فضرب ~~وطيف به بلاد سجلماسة ؛ ثم أمر بقتله وقتل كل من هرب معه من أهل بيته ~~وغيرهم ، وأمن الناس بعد ذلك وسكنهم ، واستعمل عليهم عاملا ، وأتته القبائل ~~من كل ناحية فأكرمهم ، ووعدهم بكل جميل . وأقام بسجلماسة أربعين يوما ، ثم ~~سار يريد إفريقية . فلما حازى بلاد كتامة مال إليها ، ووصل إلى إيكجان ، ~~وأمر بإحضار الأموال التي كانت مع الشيعي والشيوخ ، فأحضرها وشدها أحمالا ~~وقدم بها ، وكان وصوله إلى رقادة في يوم الخميس لعشر بقين من شهر ربيع ~~الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين . وفي هذا السنة زال ملك بني الأغلب وكان له ~~بإفريقية مائة سنة واثنتا عشرة سنة ، وزال بزواله ملك بني مدرار وكان له ~~بسجلماسة وما حولها مائة سنة وثلاثون سنة . قال : ولما قارب عبيد الله ~~القيروان تلقاه شيوخها ومشوا بين يديه ، فجزاهم خيرا ونزل ms6453 عبيد الله بقصر ~~من القصور برقادة ، وأنزل العساكر بدورها ودعي له بالخلافة في يوم الجمعة ~~لتسع بقين من شهر ربيع الآخر من السنة برقادة والقيروان والقصر القديم ~~وأنفذ رسله ودعاته وأتته وفود البلدان . ثم قال عرض عليه الشيعي جواري ~~زيادة الله فاصطفى منهن لنفسه وأعطى ولده ، وفرق أكثرهن على وجوه كتامة ؛ ~~وقسم عليهم أعمال إفريقية ، واستعمل وجوههم على مدنها ، وأمرهم بالتجمل ~~وحسن اللباس ، فلبسوا الثياب الفاخرة وركبوا بالسروج المحلاة ، ورتب ~~الدواوين وأنعم على الناس ، فرفع إليه صاحب بيت المال ما أخرجه من الصلات ~~في شهر رمضان ، فبلغ مائة ألف دينار واستكثره صاحب بيت المال فقال عبيد ~~الله : لو بلغت ما أؤمله ما رضيت بمثل هذا المال لرجل واحد من أوليائي . ~~PageV28P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" ذكر أخبار أبي عبيد الله الشيعي وأخيه أبي ~~العباس وما كان من أمرهما بعد قيام عبيد الله المهدي إلى أن قتلهما قال : ~~لما استقامت الأمور لعبيد الله المهدي داخل أبا العباس محمدا أخا الشيعي ~~فساد دينه . وسبب ذلك أن أخاه أبا عبد الله كان يعظمه ويقبل يده 34 كما ~~قدمناه ، وكان لأبي عبد الله من الرئاسة ونفوذ الكلمة والغلبة على الأمر ~~كله ما ذكرناه ، فلما صار الأمر لعبيد الله المهدي زالت تلك الرئاسة عن أبي ~~عبد الله وأخيه ، فداخله الحسد ، فجعل يزري على عبيد الله عند أخيه وأبو ~~عبد الله ينكر ذلك على أخيه ، وأبو العباس لا يرعوي ، ويؤكد أسباب النفاق ، ~~ثم قال أبو العباس لأخيه : لقد ملكت أمرا عظيما وأنطاع لك الناس ، فجئت بمن ~~أزالك عنه وأخرجك منه ، وكان الواجب عليه ألا يهتضمك هذا الإهتضام . ولم ~~يزل يغريه بمثل ذلك إلى أن أثر ذلك فيه ، وحمله على مشافهة عبيد الله ~~المهدي ببغضه ، وأشار عليه بتفويض الأمور إليه والانقطاع عن قصره والاحتجاب ~~عن الناس ، وقال هذا أهيب لك وأشد لأمرك . فرد عليه في ذلك ردا لطيفا . ~~وكان المهدي قد بلغ ما هو عليه ، فحققه ولم يره أنه أطلع على شيء من ذلك . ~~وعمد أبو العباس إلى الدعاة ms6454 ، وكانوا يعظمونه لما يرون من تعظيم أخيه أبي ~~عبيد الله له ، بجعل يرمز لهم ، ثم صرح ، وطعن في عبيد الله ، وأدخل فيه ~~الشبهة ، وكل ذلك يبلغ عبيد الله فيعرض عنه ويغضي عليه ، هذا والشيعي في ~~ذلك مدار لم يبلغ حد النفاق إلى أن فشا أن حال أبي العباس قد أنهيت إلى ~~عبيد الله . ومازال أبو العباس يتخيل إلى أن قال للدعاة إن الإمام هو الذي ~~يأتي بالآيات والمعجزات ويختم خاتمة البلاط ، فأما هذا فقد شككنا فيه ، ~~فعند ذلك أرسل هارون بن يونس أحد المشايخ إلى عبيد الله يقول : قد شككنا في ~~أمرك فأتنا بآية إن كنت المهدي كما قلت . فتعاظم ذلك وقال : ويحكم أنكم قد ~~أيقنتم والشك لا يزيل اليقين ، فأبيتم إلا إصرارا ثم أمر من قتله . فلما ~~علم أبو العباس والقوم الذي استزلهم بقتله جعلوا ذلك سببا لمباينة عبيد ~~الله واجمعوا على النقض والإبرام في دار PageV28P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" أبي زاكي ابن معارك ، وعزموا على الفتك بعبيد ~~الله . واجتمع كتامة إلا قليلا منهم ؛ وكان غزوية بن يوسف يأتي بأخبارهم ~~لعبيد الله ، فجمع عبيد الله إليه من سلم من النفاق والعبيد واستعد لهم ، ~~على كثرتهم وقلة المبايعين له ، فجمعوا له الجموع وأحاطوا بقصره ليوقعوا به ~~، وهو في ذلك جالس منتصب غير مكترث ؛ فقذف الله في قلوبهم الرعب على كثرتهم ~~وقلة من معه ، حتى كانوا يعبرون وقد عزموا على الفتك به ، فإذا قابلوه ملأت ~~الهيبة قلوبهم فإذا انصرفوا ندموا على تركه : " ليقضي الله أمرا كان مفعولا ~~" . فنظر عبيد الله في بعض الأيام إلى أبي عبيد الله الشيعي وقد لبس ثوبه ~~مقلوبا ، ودخل عليه ثلاثة أيام وهو على تلك الحال ، فقال له في اليوم ~~الثالث : يا أبا عبد الله ؛ ما هذا الأمر الذي شغلك وأذهلك عن أمر نفسك ؟ ~~فقال : وما هو يا مولاي ؟ قال : إن ثوبك مقلوب عليك منذ ثلاثة أيام ما ~~اهتديت له ، وما أحسبك نزعته . فنظر إليه وقال : والله يا مولاي ما اهتديت ~~له ، فقال : إن هذا لشغل عظيم ؛ فأين ms6455 تبيت منذ كذا من الليالي ؟ فسكت فقال ~~: ألست تبيت في دار أبي زاكي ؟ قال له : بلى . قال : وما أخرجك من دارك ~~التي أنزلتك بها ؟ قال : يا مولاي خفت . قال : وما يخاف المرء إلا من عدوه ~~، والمؤمن لا يخاف وليه . فسكت أبو عبد الله وأيقن أن عورته قد بدت لعبيد ~~الله ، وحجبت حجته عليه ، وحل له قتله ، فانصرف وأعلم القوم بما جرى بينهما ~~، فأمسكوا عن الدخول إلى عبيد الله وخافوا على أنفسهم منه . ثم جاءوه بعد ~~ذلك وأظهروا له البراءة مما قيل فيهم ، واعتذروا ؛ فرد عليهم ردا جميلا ، ~~وأخرج جماعة منهم إلى البلدان ، فتفرقت جماعتهم . وأخرج فيمن أخرج أبا زاكي ~~بن معارك إلى طرابلس ، وكان غزوية ين يوسف واليا عليها ، فلما وصل إليه كتب ~~إليه عبيد الله ، فقتله وبعث برأسه إليه . وقتل جماعة منهم كذلك في البلدان ~~بصنوف من القتل . وخرج أبو عبد الله في بعض الأيام هو وأخوه العباس يريدان ~~قصر عبيد الله على العادة ، فحمل غزوية بن يوسف على أبي عبد الله ، وحمل ~~خير بن PageV28P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" ماشيت على أبي العباس . فقال أبو عبد الله ~~لابن غزوية : يا بني لا تفعل . فقال : الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك . ~~وقتلاهما فيما بين القصرين ؛ وذلك في يوم الاثنين ، النصف من جمادى الآخرة ~~سنة ثمان وتسعين ومائتين ؛ وأمر عبيد الله بدفنهما . قال : وهذا اليوم هو ~~اليوم الذي قتل فيه أبو زاكي بطرابلس . قال : ولما قتل أبو عبد الله وأبو ~~العباس ثار جماعة من بني الأغلب وأصروا على النفاق ، وكانوا بالقصر القديم ~~، فأخرجوا منه الكتاميين وقتلوا جماعة منهم ، فأحاط به من حوله من كتامة ، ~~فقاتلهم بنو الأغلب ، وقتل من الطائفتين قتلى كثير ، فبلغ ذلك عبيد الله ~~فرد كتامة وأنكر عليهم ، فتفرق بنو الأغلب وانصرفوا إلى دورهم ، فتركهم ~~عبيد الله ثم قبض عليهم فقتلوا على باب رقاده ؛ ثم تتبع من بقي منهم فقتلهم ~~. ولما استقامت الأمور لعبيد الله 35 عهد إلى ولده أبي القاسم ، وخرجت كتبه ~~: من ولي عهد المسلمين محمد بن عبيد الله ms6456 . ذكر أخبار من خالفه على عبيد ~~الله وما كان من أمرهم قال : وبقيت بقية من المنافقين عليه ، فساروا إلى ~~بلد كتامة ، فأقاموا غلاما حدثا من جبل أوراس من جهة أورسه وزعموا أنه ~~المهدي ، ثم نحلوه النبوة ، وزعموا أن الوحي يأتيه ، وقالوا : أبو عبد الله ~~حي لم يمت ؛ وأباحوا الزنا ، وأحلوا المحارم ، وزحفوا إلى ميلة فأخذوها . ~~فبلغ ذلك عبيد الله فأخرج لهم ولي العهد في عسكر فحاصرها مدة ، ثم قاتلوه ~~فهزمهم حتى انتهى بهم إلى البحر ، وقتل منهم خلقا كثيرا ، وأخذ الغلام الذي ~~نصبوه فأتى به إلى أبيه ، فأمر بقتله ، فقتل . وخالف عليه أهل طرابلس ، ~~فأخرج إليهم عسكرا مع أبي يوسف ، فحاصرها ، ثم انصرف عنها ولم يفتحها ، ~~فخرج إليها بعد ذلك أبو القاسم ، وقد قدموا على أنفسهم ابن إسحاق القرشي ، ~~وكان خروجه يوم الأحد لليلتين خلتا من جمادى الأولى سنة ثلاثمائة ، ~~فحاصروها وضيق على من بها حتى أكلوا الجيف ، ففتحوا في آخر شهر رجب من ~~السنة ، فعفا عنهم ، لكنه غرمهم جميع ما أنفق من مال وغيره ، وكانت جملته ~~ثلاثمائة ألف PageV28P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" وأربعين ألف دينار ، وحمل وجوه رجالهم معه إلى ~~رقاده رهائن ، واستخلف عليها ، وانصرف . ذكر بناء مدينة المهدية وفي سنة ~~ثلاثمائة خرج عبيد الله إلى تونس وقرطاجنة وغيرها ، يرتاد لنفسه موضعا على ~~ساحل البحر يبتني به مدينة ، فاختار موضع المهدية ، فأمر ببنائها وتحصينها ~~بالسور وأبواب الحديد المحكم ، فجعل في كل مصراع من الحديد مائة قنطار . ~~وكان ابتداء الشروع في بنائها في يوم السبت لخمس خلون من ذي العقدة من ~~السنة . وانتقل إليها في سنة ثمان وثلاثمائة ، قال : ولما عزم على الانتقال ~~إليها ثقل ذلك على جنده ، فقال : نحن لا ننتقل إليها ندعكم بمكانكم ، وعما ~~قليل ستنتقلون . ففعلوا ذلك ، فما كان إلا أن أرسل الله عليهم أمطارا غزيرة ~~، فهدمت مساكنهم ، فسألوه النقلة إليها فأذن لهم . وفي سنة ثلاث وثلاثمائة ~~خرج ولي العهد أبو القاسم إلى الديار المصرية وكان خروجه من رقادة لست بقين ~~من جمادى الآخرة منها ؛ وكان من أمره ms6457 وأمر حباسة بن يوسف ووصولهما إلى ~~الإسكندرية ما قدمناه في الحوادث فيما كان بين الدولتين الطولونية والدولة ~~الإخشيدية . ولما وصل حباسة إلى عبيد الله أمر بقتله على ما كان من انهزامه ~~. ثم خرج أبو القاسم بابنه إلى الديار المصرية ، وكان خروجه يوم الاثنين ~~غرة ذي العقدة ، سنة ست وثلاثمائة ، فخرج عنها عامل المقتدر ، وملكها أبو ~~القاسم . ثم ملك الفيوم والأشمونين ، وغير ذلك وأقام نحو سنتين . ثم وقع ~~الفناء في عسكره ، وماتت خيلهم ، وجاء مؤنس من بغداد واجتمعت عليه العساكر ~~كما ذكرنا ، فعجز عن قتالهم ، فرجع إلى إفريقية . وكان وصوله إلى المهدية ~~لعشر ليال مضين من شهر رمضان سنة تسع وثلاثمائة . PageV28P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" ذكر خروج أبي القاسم إلى بلاد المغرب وبنائه ~~مدينة المسيلة قال : وفي سنة خمس عشرة وثلاثمائة خرج أبو القاسم ، ولي عهده ~~، إلى بلاد المغرب في عسكر عظيم وكان خروجه من المهدي في يوم الخميس لسبع ~~مضين من صفر منها ، ففتح مزاته ، وهوارة ، ومطماطة ، ولماية ، وكل من ~~خالطهم من الصفرية والإباضية وبلغ ما وراء تاهرت . ولما انصرف من سفرته ~~اختط مدينة المسيلة برمحه ، وأمر علي بن حمدون الأويسي ببنائها ، واستعمله ~~على المحمدية فبناها وحصنها ، وكانت خطة لبني كملان فأخرجهم منها ، وأمرهم ~~أن يرتفعوا إلى فحص القيروان ، وانتقل الناس إليها وعظم أمرها . ذكر وفاة ~~المهدي وشيء من أخباره كانت وفاته ليلة الثلاثاء ، النصف من شهر ربيع الأول ~~، سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ؛ وهو ابن ثلاث وستين سنة ، وكانت إمارته ~~منذ وصل إلى رقادة إلى يوم وفاته أربعا وعشرين سنة وعشرين سنة وعشر ة أشهر ~~وعشرين يوما . قال : ولما مات كتم أبنه أبو القاسم موته سنة حتى دبر أمره . ~~أولاده : أبو القاسم عبد الرحمن ، ولي عهده وتسمى بالمغرب محمدا . أبو علي ~~أحمد ، مات بمصر للنصف من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة ودفن ~~بالقصر . أبو طالب موسى ، مات بمصر في ذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ~~ودفن بالقصر . PageV28P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" أبو الحسين عيسى ، توفي برقادة في سنة اثنتين ~~وثمانين وثلاثمائة ms6458 . أبو عبد الله الحسين ، توفي بالمغرب في أيام القائم . ~~أبو سليمان داود ، توفي بالمغرب في أيام القائم . وكان له سبع بنات ، ومن ~~السراري أمهات الأولاد ستة . قضاته : أبو جعفر محمد بن عمر المروروزي ، مات ~~بعد أن عزل في سنة ثلاث وثلاثمائة ، ثم إسحاق بن المنهال ؛ ثم محمد بن ~~محفوظ المصمودي ، مات في المحرم سنة سبع وثلاثمائة ؛ ثم محمد بن عمران ~~النفطي ، مات في سنة عشر وثلاثمائة ، ثم إسحاق بن المنهال ثانيا . حاجبه : ~~جعفر بن علي . حامل مظلته : مسعود الصقلبي ، ثم غرس الصقلبي . ذكر بيعة ~~القائم بأمر الله هو أبو القاسم محمد ؛ وقيل أبو العباس ، ويدعى نزارا ، ~~وكان اسمه بالشرق عبد الرحمن فتسمى محمد بن عبيد الله المهدي ، وهو الثاني ~~من ملوك الدولة العبيدية ؛ بايع له أبوه بولاية العهد كما تقدم ، ثم جددت ~~له البيعة بعد وفاة أبيه بسنة ، فإنه كتم وفاته سنة كاملة ، حتى مهد قواعد ~~دولته ، ثم أظهرها ، واستقل بالأمر وهو ابن سبع وأربعين سنة ، فقام مقام ~~أبيه ، واقتفى آثاره ، وأظهر عليه من الحزن ما لم يسمع بمثله وواصل الحزن ~~لفقده ، ولم يرق سريرا ، ولا ركب دابة منذ أفضى إليه الأمر إلى أن مات إلا ~~مرتين ، مرة صلى على جنازة ومرة صلى بالناس العيد ، وافتتحت في أيامه مدائن ~~كثيرة من مدن الروم ، وثار عليه ثوار فتمكن منهم ، فكان ممن ثار عليه ابن ~~طالوت القرشي ، فسار ناحية طرابلس وزعم للبربر أنه المهدي فقاموا معه ~~واتبعوه ، فزحف PageV28P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" بهم على مدينة طرابلس في عدد عظيم ، ثم تبين ~~للبربر أمره فقتلوه ، وأتوا برأسه إلى أبي القاسم . قال : وأول ما بدأ به ~~أنه أمر باتخاذ أنواع السلاح في سائر البلاد ، وأخرج ميسور الصقلبي في عدد ~~عظيم إلى المغرب ، وانتهى إلى مدينة فاس ، وهزم ابن أبي العافية ، وأخذ ~~ابنه الثوري أسيرا ؛ وأخرج بعد ذلك يعقوب بن إسحاق على أسطول عظيم إلى بلد ~~الروم ، فافتتح بلد جنوة . وكان ممن خرج عليه أبو زيد مخلد بن كيداد في سنة ~~اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ، وهو رجل ms6459 إباضي ، يظهر الزهد ، وأنه إنما قام ~~عليهم غضبا لله . وكان لا يركب غير حمار ، ولا يلبس إلا الصوف . وكان ~~بينهما وقائع كثيرة ، فملك أبو زيد جميع مدن القيروان ، ولم يبق للقائم غير ~~المهدية ، فحاصرها أبو زيد إلى أن هلك القائم ، وكان بينه وبين ابنه ~~المنصور ما نذكره إن شاء الله تعالى . ذكر وفاة القائم بأمر الله وشيء من ~~أخباره كانت وفاته بالمهدية في يوم الأحد الثالث عشر من شوال سنة أربع ~~وثلاثين وثلاثمائة ، ومولده بسلمية التي بالقرب من مدينة حماة من الشام في ~~المحرم سنة ثماني ومائتين ، وكان عمره أربعا وخمسين سنة وتسعة أشهر ، ومدة ~~ملكه اثنتي عشرة سنة وستة شهور وأياما . أولاده : كان له من الأولاد الذكور ~~سبعة ، وهم أبو الطاهر إسماعيل قام بالأمر بعده ، وأبو عبد الله جعفر ، ~~توفي في أيام المعز ، وحمزة ، وعدنان ، وأبو كتامة ، قضوا بالمغرب ؛ ويوسف ~~، مات ببرقة سنة اثنتين وستين وستمائة ، وأبو القران عبد الجبار ، توفي ~~بمصر في سنة سبع وستين وثلاثمائة ، وأربع بناب وسبع سرار . قضاته : إسحاق ~~بن أبي المنهال إلى أن توفي ؛ ثم أحمد بن بحر إلى أن قتله أبو زيد لما فتح ~~أفريقية في صفر سنة ثلاثين ؛ ثم أحمد بن الوليد ؛ ولته الرعية فأقره . ~~حاجبه : جعفر بن علي حاجب أبيه . PageV28P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" ذكر بيعة المنصور بنصر الله هو أبو الظاهر ~~إسماعيل بن القائم بأمر الله بن عبيد الله المهدي ، وهو الثالث من ملوكهم . ~~بايع له أبوه القائم بأمر الله في حياته ، وولاه حرب أبي زيد ؛ وهلك أبوه ~~القائم بأمر الله ، فأخفى إسماعيل موته ، وناصب أبا زيد حتى رجع إلى ~~المهدية ، وتوجه أبو زيد إلى سوسة فحاصرها ، فأدركه المنصور إسماعيل فطرده ~~عنها ؛ ووالي عليه الهزائم إلى أن أسره في يوم الأحد لخمس بقين من المحرم ~~سنة ست وثلاثين وثلاثمائة ؛ فمات بعد أسره بأربعة أيام من جراحة كانت به ، ~~فأمر المنصور بسلخه ، وحشى جلده قطنا وصلبه ، وبنى مدينته المسماة ~~بالمنصورية في موضع الوقعة ، واستوطنها في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة . ~~وكان المنصور شجاعا ms6460 بليغا يرتجل الخطب . حكى المروروذي قال : خرجت مع ~~المنصور يوم هزم أبو زيد ، فسايرته وبيده رمحان فسقط أحدهما مرارا وأنا ~~أمسحه وأناوله إياه وتفاءلت له بذلك ، فأنشدت : فألقت عصاها واستقر بها ~~النوى . . . كما قر عينا بالإياب المسافر فقال : ألا قلت ما هو خير من هذا ~~وأصدق : " وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون ، فوقع ~~الحق وبطل ما كانوا يعملون ، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين " ذكر وفاته ~~المنصور بنصر الله وشيء من أخباره كان وفاته في يوم الجمعة آخر شوال سنة ~~إحدى وأربعين وثلاثمائة . وكان سبب وفاته أنه خرج في شهر رمضان من السنة ~~إلى جلولاء ومعه جاريته قضيب ، وكان يحبها ، فجاء مطر عظيم وريح شديدة ~~بجلولاء واشتد البرد بها ؛ فخرج منها على فرس وقضيب في غمازية وهو يريد ~~المنصورية ، ودام عليه المطر والبرد . PageV28P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" قال أبو الرقيق : أخبرني من كان معه ، قال : ~~كنا ننظر إلى العبيد السودان على الطريق قعودا فنتأملهم فنجدهم موتى ، وقد ~~جفوا من البرد ، ووصل المنصور إلى قصر آخر النهار ، فدخل الحمام ، فاعتل ~~لوقته ، وصلى العيد بالناس في مبادئ علته ، ثم اشتدت به ، فمات في التاريخ ~~المذكور ، وأوصى ابنه أن يمنع من النوح عليه . وكان مولده بالقيروان ، في ~~سنة اثنتين وثلاثمائة ، وكان عمره أربعين سنة . وقال ابن الرقيق : إنه ولد ~~برقادة في سنة إحدى وثلاثمائة ، وكان عمره أربعين سنة تقريبا . ومدة ملكه ~~سبع سنين وأيام . أولاده من الذكور خمسة ، وهم : أبو تميم معد ، وهاشم ، ~~وحيدرة ، مات بمصر سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة ، وأبو عبد الله الحسين ، ~~وأبو جعفر طاهر . وكان له خمس بنات ، وثلاث أمهات أولاد . قضاته : أحمد بن ~~محمد بن الوليد ، ثم محمد بن أبي المسطور ، ثم عبد الله بن هاشم ، ثم علي ~~بن أبي شعيب ، علي المنصورية ، ثم أبو محمد زرارة بن أحمد ، ثم أبو حنيفة ~~النعمان بن محمد التميمي . حاجبه : جعفر بن علي ، حاجب أبيه وجده . ذكر ~~بيعة المعز لدين الله هو أبو تميم معد بن منصور بن القائم بن ms6461 المهدي ، وهو ~~الرابع من ملوك الدولة العبيدية . وأول من ملك مصر والشام منهم . صار الأمر ~~إليه ببلاد المغرب بعد وفاة أبيه المنصور ، وفي آخر شوال سنة إحدى وأربعين ~~وثلاثمائة ، فدبر الأمور واحكمها إلى يوم الأحد السابع من ذي الحجة من ~~السنة ، فجلس على سرير الملك ، ودل عليه الخاصة وكثير من العامة فسلموا ~~عليه PageV28P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" بالخلافة ، وتلقب بالمعز لدين الله ، ولم يظهر ~~على أبيه حزنا ، وكان عمره يوم ولي أربعا وعشرين سنة ، وأرسل إلى جميع من ~~بالمهدية من عمومته وعمومة أبيه ، فأتوا وسلموا عليه بالإمارة ، فأخذ عليهم ~~البيعة ، ومشوا بين يديه رجاله ، وأرضاهم بالمصلاة ، واستقام الأمر له ، ~~وصلى بالناس عيد الأضحى ، ثم صرفهم إلى المهدية . ودخل في طاعته من العصاة ~~من عصى على غيره ممن كان بجبل أوراس من بني كملان ومليلة ، وهما من قبائل ~~هوارة . ثم بعث القائد جوهرا في يوم الخميس لسبع خلون من صفر ، سنة سبع ~~وأربعين وثلاثمائة ، في جيش عظيم إلى المغرب ، فسار حتى بلغ البحر المحيط ، ~~فأمر أن يصاد من سمكه ، وجعله في قلة فيها الماء ، وحملها إلى المعز صحبة ~~البريد ، وجعل في باطن كتابة ضريع البحر ، وعاد وفتح فاس يوم الخميس لعشر ~~بقين من شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة ؛ واستخلف عليها وعلى ~~سجلماسة وتاهرت وعاد جوهر من المغرب إلى رقادة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة ~~بقيت من شعبان . وفي سنة خمسي وثلاثمائة ، في النصف من المحرم ، غلبت الروم ~~على جزيرة إقطريش ، ففتحوا المدينة وقتلوا من أهلها مائتي ألف رجل وسبوا من ~~النساء والصبيان مثل ذلك ، وحرقوا المصاحف والمساجد ، وكانوا قد أتوا في ~~سبعمائة مركب . وفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة بعث المعز لدين الله عماله ~~من برقة إلى سجلماسة ، إلى جزيرة صقلية ، وأمرهم أن يكتبوا جميع الأطفال ~~الذين ي أعمالهم من الخاصة والعامة ليختنوا مع أولاده ، فبلغوا عدة لا تحصى ~~، فلما كان أول يوم من شهر ربيع الأول من هذه السنة ابتدأ بطهور أولاده ~~وأهل بيته وأولاد خاصته من الكتاب ورجال الدولة وغيرهم ms6462 ، وأعطاهم الصلات ~~والكساوي . قال : وازدحم الناس في يوم الاثنين لإحدى عشر ليلة خلت من شهر ~~ربيع الأول فمات من الرجال مائة وخمسون نفسا . وفي سنة خمس وثلاثمائة أمر ~~المعز لدين الله بحفر الآبار في طريق مصر وأن PageV28P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" يبني له في كل موضع يقيم فيه قصور ، فأخذوا في ~~عمل ذلك ، حتى تم ، وفي يوم الجمعة لليلة بقيت من جمادى الآخرة ، سنة سبع ~~وخمسين وردت النجب من مصر بوفاة كافور الإخشيدي ، وكانت وفاته لعشر بقين من ~~جمادى الأولى . كما تقدم . ذكر خبر إرسال القائد جوهر الكاتب بالعساكر إلى ~~الديار المصرية وفي سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة قدم القائد جوهر من المغرب ~~بعسكر عظيم من كتامة والجند والبربر ؛ فأمره المعز بالاستعداد والخروج إلى ~~مصر فأقام بقصر الماء قرب المنصورية ليجتمع إليه الحشود ، وفتح المعز بيت ~~المال ووضع العطاء . وحشد من إفريقية من الكتامين والزويليين والجند ~~والبربر ، وأعطى مائة دينار إلى عشرين دينار حتى عمهم بالعطاء . وتصرفوا ~~بالقيروان وصبره في ابتياع ما يحتاجون إليه ، ثم أمر المعز بالرحيل ، فرحل ~~في يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول منها ، وفارقه خمسمائة ~~فارس من البربر ، فجرد خلفهم عدة من الوجوه فلم يرجعوا ؛ فقال المعز : الله ~~أكرم أن ينصرنا بالبربر ، ثم سار جوهر بجميع من معه من العساكر ، ومعه ألف ~~حمل من المال ، ومن السلاح والعدد والكراع مالا يوصف ، وأغذ السير حتى أقبل ~~على الديار المصرية . ذكر خبر وصول جوهر القائد بالعساكر إلى الديار ~~المصرية وما كان بينه وبين الإخشيدية والكافورية من المراسلة في طلب الأمان ~~وتقرير الصلح ونكثهم وقتاله إياهم إلى أن ملك الديار المصرية واختط القاهرة ~~. قال ابن جلب راغب في تاريخ مصر : وفي جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين ~~وثلاثمائة وردت الأخبار إلى مصر بقدوم القائد جوهر ، فاضطرب المصريون لذلك ~~اضطرابا شديدا ، ووقع اتفاق أرباب الدولة بحضرة الوزير جعفر بن الفضل على ~~مراسلته في الصلح وطلب الأمان ، وإقرار ضياعهم وأعمالهم في أيديهم ، ~~فراسلوه في ذلك . واشترط نحرير سويران ألا يجتمع ms6463 مع القائد جوهر ، وأن يكون ~~له الأشمونين إقطاعا ، PageV28P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" وتقلد مكة والمدينة ، ويتوجه فيقم بالحجاز ، ~~فسألوا الشريف أبا جعفر مسلم الحسني في المسير برسالتهم إلى جوهر ، فأجابهم ~~، شرط أن يكون معه جماعة من الأعيان ، فجهزوا معه أبا إسماعيل إبراهيم بن ~~أحمد الزينبي ، وأبا الطيب العباس بن أحمد العباسي والقاضي أبا الطاهر ، ~~وغيرهم . وكتب الوزير كتابا بما يريد . وسار أبو جعفر بمن معه في يوم ~~الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر رجب من السنة ، وقيل منه ، فلقي ~~القائد جوهرا قد نزل بتروجة فاجمعوا به فبالغ القائد في إكرام الشريف ، ~~وأدى الشريف إليه الرسالة وأعطاه كتب الجماعة ، وعرفه ما التمسوه ، فأجابهم ~~إلى ذلك ، وكتب كتابا بالأمان نسخته . بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب ~~من جوهر الكاتب ، عبد أمير المؤمنين المعز لدين الله صلوات الله عليه ، ~~لجماعة من أهل مصر من الساكنين بها وبغيرها . إنه قد ورد من سألتموه الترسل ~~إلي والاجتماع معي ، وهم : أبو جعفر الشريف أطال الله بقاءه ، وأبو طاهر ~~إسماعيل الرئيس ، أيده الله ، وأبو الطيب الهاشمي ، أيده الله ، والقاضي ~~أبو طاهر أعزه الله ، وأبو جعفر أحمد بن نصر أعزه الله . فذكروا عنكم أنكم ~~التمستم كتابا يشتمل على أمانكم في أنفسكم وأموالكم ، وبلادكم ونعمكم وجميع ~~أحوالكم ؛ فعرفتم ما تقدم به أمر مولانا وسيدنا أمير المؤمنين ، صلوات الله ~~عليه ، من نصره لكم . لتحمدوا الله تعالى على ما أولاكم وتحمدوه على ما ~~حباكم ولتدأبوا فيما يلزمكم ، وتسارعوا للطاعة العاصمة لكم ، العائدة ~~بالسعادة عليكم ، المقضية بالسلامة لكم ، وهو أنه صلوات الله عليه ، لم يكن ~~إخراجه هذا العساكر PageV28P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" المنصورة ، والجيوش المظفرة إلا لما فيه ~~إعزازكم وحمايتكم ، والجهاد عنكم ؛ إذ قد تخطفتم الأيدي ، واستطال عليكم ~~المشرك ، وأطعمته نفسه بالاقتدار على بلادكم في هذه السنة ، والتغلب عليه ، ~~واسر من فيه والاحتواء على نعمكم وأموالكم ، حسب ما فعله غيركم من أهل ~~بلدان المشرق ، وتأكد عزمه واشتد كلبه ، فعاجله مولانا وسيدنا أمير ~~المؤمنين ، صلوات الله عليه ، بإخراج العساكر المنصورة وبادره بإنفاذ ~~الجيوش المظفرة ms6464 لتقاتله دونكم ، وتجاهده عنكم وعن كافة المسلمين ببلد ~~المشرق ، الذين عمهم الخزي ، وعلتهم الذلة ، واكتنفتهم المصائب ، وتتابعت ~~لديهم الرزايا ، واتصل عندهم الخوف ، وكثرت استغاثتهم ، وعظم ضجيجهم ، وعلا ~~صياحهم ، ولم يغثهم إلا من أرمضه حالهم ، وأبكى عنه ما ناله ، وأسهره ما حل ~~بهم ، وهو مولانا وسيدنا فرجا بفضل الله ، وإحسانه لديه ، وما عوده وأرجاه ~~عليه ، استنفاذ من أصبح منهم في ذل مقيم ، وعذاب أليم أمير المؤمنين ، ~~صلوات الله عليه ، وأن يؤمن من استولى عليه المهل ويفرخ روع من لم يزل في ~~خوف ووجل . وآثر إقامة الحج الذي تعطل ، وأهمل العباد فروضه وحقوقه ، للخوف ~~المستولي عليهم ، وإذا لا يأمنون على أنفسهم ولا أموالهم ، PageV28P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" وإذا قد وقع بهم مرة بعد أخرى ، فسفكت دماؤهم ~~. وأطال جوهر في كتابة ، وحضهم على الطاعة ؛ وأشهد عليه الشهود فيه ، وخلع ~~على الجماعة ، وحملهم . قال : ولما توجه الشريف ومن معه إلى القائد جوهر ، ~~اضطرب بعده البلد شديدا ، وأخذت الإخشيدية والكافورية في إخراج مضاربهم ، ~~وأقام رجل من أهل بغداد يعرف بابن شعبان ، يوم الجمعة في المسجد قبل الصلاة ~~فقال : أيها الناس قد أظلكم من أخرب فارس وسبى أهلها ، وذكر ما حل بأهل ~~بلاد المغرب منه ، وقال : القوا الرجل القليل المعرفة ، يعني الوزير جعفر ~~ابن حنزابة ، فإنه قد شرع في إتلاف بلدكم وسفك دمائكم بمراسلة هذا الرجل ، ~~يعني القائد جوهرا ، فسمع الناس كلامه ، ورجعوا عما سألوه من الأمان . وبلغ ~~الشريف ومن معه انتقاض الإخشيدية والكافورية ، وعزمهم على القتال ، فكتموه ~~عن القائد جوهر خوفا أن يعتقلهم ، وبادروا 40 بالعود وساروا . فبلغ القائد ~~ذلك بعد رحيلهم ، فردهم ، وقال : قد بلغني إن القوم قد نقضوا ورجعوا ، ~~فردوا على خطى فرفقوا به وداروه ، وقالوا : إذا يظفرك الله وينصرك ، فقال ~~للقاضي : ما تقول فيمن أراد أن يشق مدينة مصر فيجعلها طريقا لجهاد المشركين ~~والحج إلى بيت الله الحرام ؟ فمنعوه ، من الجواز له أن يقابلهم ، فقال : ~~نعم ، اكتب خطك بذلك . ثم سار الشريف ومن معه إلى مصر فوصلها لسبع خلون من ~~شعبان ، فركب الوزير ms6465 والناس إليهم ، واجتمع الإخشيدية والكافورية وغيرهم ، ~~فقرأ عليهم السجل الذي كتبه القائد ، وأوصل إلى كل واحد جواب كتابه بما ~~أراد من الأمان والولاية والإقطاع . فلما قرؤوا الكتب خاطبوا الشريف بخطاب ~~طويل ؛ فقال نحرير ما بيننا وبينه السيف فقدموا عليهم نحرير سويران ، ~~وعبأوا عساكرهم ، وعدوا إلى الجيزة والجزيرة ، وحفظوا الجسور . ووصل جوهر ، ~~وابتدأ القتال بينهم في حادي عشر من شعبان . ثم مضى القائد جوهر بعد ذلك ~~إلى منية الصيادين ، واخذ المخاضة بمنية شلقان واستأمن إليه جماعة من ~~PageV28P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" أهل مصر وغلمانهم في مراكب ، ووقع القتال ، ~~وزحف جعفر بن فلاح ، بالرجال ، وقاتل عسكر مصر ، ووقع القتل في الإخشيدية ~~والكافورية فانهزموا ليلا ودخلوا مصر وأخذوا كل ما في دورهم ، وساروا إلى ~~الشام . قال : ولما انهزم ركب الناس إلى دار الشريف أبي جعفر مسلم وسألوه ~~كتابا إلى القائد جوهر بإعادة الأمان عليهم ؛ فكتب كتابا إليه يهنئه بالفتح ~~، وسأله إعادة الأمان للمصريين ؛ فكتب القائد أمانا وبعثه إلى الشريف ، ~~فقرأه على الناس ، وهو : " بسم الله الرحمن الرحيم . وصل كتاب الشريف ، ~~أطال الله بقاءه وأدام الله عزه وتأييده وتمكينه ، يهنئ بما هيأه الله من ~~الفتح المبارك ، وهو أيده الله ، المهنأ بذلك لأنها دولته ودولة أهله ، وهو ~~المخصوص بذلك ، وأما ما سأل من الأمان وإعادة الأمان الأول ، فقد أعيد إليه ~~طلب ، وجعلت إليه عن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين ، صلوات الله عليه ، أن ~~يؤمن الناس كيف شاء بما شاء . وقد كتب الوزير ، أيده الله ، بالاحتياط على ~~بيوت الهاربين إلى أن يدخلوا في الطاعة ، وما دخلت فيه الجماعة ، ويعمل ~~الشريف أيده الله ، على لقائي في يوم الأحد لأربع عشرة ليلة تخلو من شعبان ~~بجماعة الأشراف والعلماء والثناء ، وأهل البلدان إن شاء الله تعالى . فقرأ ~~الشريف الكتاب على الناس وسكنهم وهدأهم ، ففتحوا البلد ، وأخذ الناس في ~~التجهز إلى لقاء القائد جوهر ، وقتل نحرير وميسر وبلال ويمن الطويل ، وجيء ~~برءوسهم إلى القائد . قال : وخرج الناس إلى الجيزة والتقوا القائد ، فنادى ~~مناد ينزل الناس كلهم إلا الشريف والوزير ، ففعلوا ذلك ، وسلموا ms6466 عليه واحدا ~~واحدا ، وأبو جعفر يعرفه بالناس ، والشريف أبو جعفر مسلم عن يمينه ، وأبو ~~الفضل الوزير عن يساره . PageV28P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" فلما فرغ السلام انصرف الناس ، وابتدأ العسكر ~~في الدخول منذ زوال الشمس ، فعبروا الجسر بالدروع والجواشن ، ودخل القائد ~~جوهر إلى المدينة بعد العصر من يوم الثلاثاء لاثني عشرة ليلة بقيت من شعبان ~~، سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، والبنود الطبول بين يديه ، ونزل الموضع الذي ~~اختط فيه القاهرة واختط القصر . وأصبح المصريون حضروا إليه للهناء ، فوجدوه ~~قد حفر أساس القصر في تلك الليلة . قال : ولم يكن في المكان عمارة ألبتة ~~إلا بستان كافور . ولم يزل هذا البستان على حالته إلى سنة خمس وأربعين ~~وستمائة فعمر مكانه مساكن وهو الخط الذي يعرف الآن بالكافوري . قال صاحب ~~كتاب خطط مصر : لما دخل جوهر القائد واختط القاهرة وقرر كل جانب منها على ~~أمير من أمراء عسكره وأرصده لبناء تلك الحارة حسبما أمره المعز لدين الله ~~فسميت كل حارة باسم مقدمها أو الطائفة التي نزلت بها . وابتدأ بالعمارة في ~~شهر رمضان من السنة . قال المؤرخ : ودخل القائد جوهر مصر ، وبين يديه ألف ~~ومائتا صندوق مالا ، وأقام عسكره يدخل سبعة أيام . وبعث إلى مولاه المعز ~~لدين الله يبشره بالفتح . قال : ولما دخل القائد مصر كان الغلاء بها ، ~~فنادى مناديه : من عنده قمح فليخرجه . وفرق الصدقات على الناس ، وأقر أبا ~~الفضل على الوزارة ، وجهز جعفر بن فلاح إلى الشام . PageV28P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" ذكر إقامة الخطبة ، وضرب السكة بمصر ، للمعز ~~لدين الله في الدعاء له على المنبر ، وما نقش على السكة . وفي يوم الجمعة ~~لعشر بقين من شعبان من السنة ركب القائد جوهر إلى المسجد الجامع العتيق ~~لصلاة الجمعة ، ولإقامة الدعوة ، في عسكر كثير . وخطب هبة الله بن أحمد ~~خليفة عبد السميع بن عمير العباسي ، لغيبة عبد السميع ، فخطب وعليه البياض ~~، ودعا للمعز لدين الله ، وقال في دعائه في الخطبة الثانية : اللهم صل على ~~عبدك ووليك ، ثمرة النبوة ، وسليل العترة الهادية المهدية ، عبد الله ~~الإمام معد أبي تميم ms6467 المعز لدين الله ، أمير المؤمنين ، كما صليت على آبائه ~~الطاهرين وأسلافه المنتخبين ، الأئمة الراشدين . اللهم ارفع درجته ، وأعل ~~كلمته ، وأوضح حجته ، واجمع الأمة على طاعته ، والقلوب على موالاته وصحبته ~~، واجعل الرشاد في موافقته ، وورثه مشارق الأرض ومغاربها ، وأحمده مبادئ ~~الأمور وعواقبها ، فإنك تقول وقولك الحق " ولقد كتبنا في الزبور من بعد ~~الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " " فلقد امتعض لدينك ، ولما انتهك من ~~حرمتك ودرس من الجهاد في سبيلك ، وانقطع من الحج إلى بيتك ، وزيارة قبر ~~رسولك ( صلى الله عليه وسلم ) وأعد للجهاد عدته ، وأخذ لكل خطب أهبته فسير ~~الجيوش لنصرك ، وأنفق الأموال في طاعتك ، وبذل المجهود في رضاك ، فارتدع ~~الجاهل ، وقصر المتطاول ، وظهر الحق وزهق الباطل . فانصر اللهم جيوشه التي ~~سيرها ، وسراياه التي انتدبها لقتال المشركين وجهاد الملحدين ، والذود عن ~~المسلمين ، وعمارة الثغور والحرم وإزالة الظلم والتهم ، وبسط العدل في ~~الأمم . اللهم اجعل راياته عالية منشورة ، وعساكره مؤيدة منصورة ، وأصلح به ~~وعلى يديه ، واجعل لنا منه واقية عليه . PageV28P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" وضربت السكة على الدنانير ، وكان على الوجه ~~الواحد لا إله إلا الله محمد رسول الله ، علي خير الوصيين ، ووزير خير ~~المرسلين ، محمد رسول الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الذين كله ولو كره ~~المشركون . وعلى الوجه الآخر الدعاء دعاء الإمام معد ، لتوحيد الإله الصمد ~~، المعز لدين الله ، أمير المؤمنين . ضرب بمصر في سنة ثمان وخمسين ~~وثلاثمائة . قال : وأشرك القائد جوهر في الدواوين المصريين والمغاربة ، ~~فجعل في كل مكان مصريا ومغربيا . وفي ذي الحجة من السنة تكامل بمصر من ~~الإخشيدية وقوادهم خمسة آلاف فارس استأمنوا القائد جوهر ، وفيهم أربعة عشر ~~رئيسا فأمنهم ، ثم قبض عليهم واعتقلهم ، ثم سيرهم إلى المعز في إفريقية . ~~وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ، في يوم الجمعة لثمان خلون من شهر ربيع ~~الآخر ، صلى القائد جوهر في جامع ابن طولون وأذن " حي على خير العمل " وهو ~~أول ما أذن به بمصر ، ثم أذن بذلك بالجامع العتيق بمصر في الجمعة الثانية . ~~ذكر خروج تبر الإخشيدي والقبض عليه ms6468 وفي شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ثار ~~تبر الإخشيدي بناحية أسفل الأرض ، ودعا للخليفة المطيع لله ، وكتب اسمه على ~~البنود ، فراسله جوهر ، فلم يقبل ؛ وكان معه أبو القاسم العلوي الأقطيني . ~~فأنفذ القائد جوهر العساكر لقتاله برا وبحرا ، وكان قد كبس صهرجت ونهبها ، ~~فأمر القائد بنهب دوره في مصر ، وقبض على صهره فأغار تبر ، ونهب ضياعا . ~~فوافته العساكر بصهرجت ، فانهزم إلى تنيس ، وركب البحر الملح يريد الشام ، ~~ثم إلى الروم ، فأنفذ القائد جوهر أسطولا خلفه ، فلما بلغ صور PageV28P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" دخل بها الحمام ، فقبض عليه وجماعته من أتباعه ~~وغلمانه ، وذلك في شهر رمضان منها ، وحمل إلى مصر ، فقدمها لأربع عشرة ليلة ~~خلت من شوال ، فأدخل على فيل وبين يديه رجل وخلفه رجل ، وغلامه عجيب على ~~جمل خلفه ، ومعه قرد ، وخلفه غلامه سرور على جمل ، وجماعة على جمل منكسي ~~الرؤوس ، ثم اعتقلوا واستصفى القائد أمواله وودائعه ، وطولب بالأموال ، ~~فلما اشتد عليه الطلب جرح نفسه فمات بعد أيام فسلخ جلده وحشى تبنا وصلب ~~جلده ، وضرب شلوه . ذكر فتوح الشام قد ذكرنا أن القائد جوهرا جهز جعفر بن ~~فلاح إلى الشام بالعساكر في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، فسار جعفر ولقي ~~الحسن بن عبد الله بن طغج بالرملة ، وهو يومئذ صاحب الشام ، فهزمه جعفر بن ~~فلاح وأسره ، وبعث به إلى مصر ، ثم سار إلى دمشق فملكها في سنة تسع وخمسين ~~بعد حرب شديدة . فكتب إلى القائد جوهر بالفتح ، واستأذنه في المسير إلى غزو ~~إنطاكية ، فأذن له القائد فسار نحوها في نحو عشرين ألف فارس . فحاصر ~~أنطاكية مدة إلى أن اتصل به مسير مدد الروم إليها ، فعاد عنها إلى دمشق . ~~ذكر مقتل جعفر بن فلاح واستيلاء القرامطة على دمشق وفي سنة ستين وثلاثمائة ~~وصل الحسن الأعصم القرمطي إلى دمشق . وقيل أنه إنما قدم بأمر الخليفة ~~المطيع فخرج إليه جعفر بن فلاح وقاتله ، وكان عليلا وانهزم وأصحابه ونصب ~~رأسه على دمشق . وملك القرمطي دمشق والشام ، وسار إلى الرملة فانحاز عنه ~~سعادة بن حيان PageV28P0084 # """""" صفحة رقم 85 ms6469 """""" إلى يافا وتحصن بها ، فسار إليه وحاربه ، ثم ~~سار يريد مصر ، فتأهب القائد جوهر لذلك ، وحفر خندقا ، وبنى عليه بابا ~~كبيرا ، وركب عليه الباب الحديد الذي كان على الميدان الإخشيدي ، وبنى عليه ~~بابين آخرين ، وبنى القنطرة على الخليج ، وجعلها ممرا لمن يريد المقس ، ~~وكاد القرمطي يأخذ القاهرة ، ثم رجع عنها بغير سبب علم ، وكبس الفرما ، ثم ~~قاطع أهلها على مال فحملوه إليه ، واخذ عاملها عبد الله بن يوسف ، وقيل أنه ~~كان معه خمسة عشر ألف بغل تحمل صناديق الأموال وأواني الذهب والفضة والسلاح ~~، سوى ما تحمل من المضارب والخيام والأثقال . وفي سنة ستين وثلاثمائة أيضا ~~بنى جوهر سورا على القصور التي بناها في سنة ثمان وخمسين وجعلها بلدا ~~وسماها المنصورية ، ولما استقر المعز سماها القاهرة . وفي سنة إحدى وستين ~~وستمائة ، في المحرم ، كبس ياروق الفرما وأخرج منها ابن العمر القرمطي ، ~~وأرسل إلى مصر رؤوسا وأعلاما وغير ذلك ، وفي هذا الشهر عصى أهل تينس وغيروا ~~الدعوة ، ودعوا للمطيع والقرامطة ، وحاربوا ياروق . وفي صفر وصل ياروق ~~منهزما من القرامطة حتى بلغوا عين شمس واستعد القائد جوهر للقائهم ، وأغلق ~~الأبواب التي بناها . وفي مستهل ربيع الأول جاءت مقدمة القرامطة ووقفوا على ~~الخندق ، فقاتلهم القائد ، واشتد القتال ، وقتل من الفريقين قتلى كثيرة ، ~~وأصبح الناس متكافئين للقتال ، وسار الأعصم القرمطي بجميع عساكره ، ووقع ~~القتال على الخندق والباب مغلق ، وعمل القائد جوهر الحيلة فانهزم عن ~~القرمطي ، ودام القتال إلى الزوال ، ثم فتح القائد الباب وانتصب للقتال ، ~~وخرجت العبيد والمغاربة إلى القرامطة ، واشتد القتال واضطرب الناس في ~~المدينة وكثرت القتلى من الفريقين . وانهزم الأعصم القرمطي ، وأراد ~~المغاربة أتباعه PageV28P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" فمنعهم القائد جوهر لدخول الليل ، وخشية من ~~مكيدة أو كمين . ونهبت صناديق القرمطي ودفاتره ، وفارق القرمطي من كان معه ~~من الإخشيدية والعرب ، قيل : وهذه أول هزيمة كانت للقرامطة . ثم وصل بعد ~~الكسرة بيومين أبو محمد الحسن بن عمار بمدد معه من جهة المعز وهرب القرمطي ~~الذي كان بتينس وعادت الدعوة المعزية بها . وفي شهر ربيع الآخر ms6470 قبض القائد ~~جوهر على أربعمائة وأربعين رجلا من الإخشيدية والكافورية وحبسهم . وفي ~~شعبان منها ورد على القائد جوهر رسول من ملك الروم برسالته وهديته . وفي ~~شهر رمضان لسبع خلون منه كمل بناء الجامع بالقاهرة ، وجمعت فيه الجمعة . ~~وفي شوال منها ابتدأ القائد جوهر يحفر الخندق الذي كان عبد الرحمن ابن جحدم ~~، خليفة عبد الله بن الزبير ، حفره قبلي مصر ، ثم شق الخندق حتى بلغ قبر ~~الإمام الشافعي رحمه الله ، فعدل به عنه ، ثم شقه مشرقا إلى الجبل على ~~المقابر ، أراد بذلك أن يحفظ طريق الحج من ناحية القلزم . وفي ذي القعدة ~~منها خرج أبو محمد الحسن بن عمار إلى تنيس فسار إليه أسطول القرامطة فواقعه ~~وأسر منه سبع مراكب ، وسيرها إلى مصر ومعها خمسمائة رجل منهم . ذكر خروج ~~المعز لدين الله من بلاد المغرب إلى الديار المصرية وما رتبه ببلاد المغرب ~~قبل مسيره . وفي يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى ستين وثلاثمائة ، ~~رحل المعز PageV28P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" لدين الله من المنصورية إلى سردانية ومعه يوسف ~~بن زيري بن مناد فسلم إليه إفريقية وأعمالها وسائر المغرب ، وذلك من يوم ~~الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة منها ، وأمر الناس بالسمع والطاعة له ؛ ~~وفوض إليه أمور البلاد كلها إلا بلاد جزيرة صقلية وطرابلس . وأقام المعز ~~بسردانية أربعة أشهر ، ورحل منها لخمس خلون من صفر سنة اثنتين وستين ~~وثلاثمائة ، وسار حتى أتى قابس ، ثم وصل إلى طرابلس فأقام بها أياما ، ورحل ~~منها في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر منها ، وسار ~~فوصل إلى الإسكندرية في يوم الجمعة لست خلون من شعبان ، ونزل تحت المنار ~~وأنزل الناس حولها ، وأتاه أهلها فسلموا عليه ، ووافى يوم الأحد أبو طاهر ~~قاضي مصر ، ومعه العدول وقدم أبو عبد الرحمن بن أبي الأعز في بني عمه ~~وغيرهم من العرب ، فركب لهم المعز فسلموا عليه وانصرفوا . ثم رحل من ~~الإسكندرية يوم الاثنين لثلاث بقين من شعبان . فلما كان يوم السبت لليلتين ~~خلتا من شهر رمضان ms6471 نزل المنية بساحل مصر ، وهي بولاق ، فأقام بها إلى يوم ~~الاثنين ؛ فخرج إليه الشريف أبو جعفر مسلم الحسيني قبل وصوله في جماعة ~~الأشراف ووجوه البلد ، فرأى المعز وهو سائر والمظلة على رأسه ، فنادى مناد ~~: يتقدم الشريف أول الناس ، فتقدم وسلم على المعز . ثم تقدم الناس كلهم ~~وسلموا عليه واحدا بعد واحد حتى فرغوا ، وهو واقف على دابته ؛ ثم سار ~~والشريف يحادثه . قال : وأخذ الناس في التعدية بعيالاتهم وأثقالهم في هذه ~~الأيام إلى ساحل مصر ، وتفرق الناس في الدور بمصر والقاهرة ، وأكثرهم في ~~المضارب فيما بين القاهرة ومصر . PageV28P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" ثم عبر المعز لدين الله إلى القاهرة يوم ~~الثلاثاء لخمس خلون من شهر رمضان ، سنة اثنتين وستين وثلاثمائة ، ولم يدخل ~~إلى مصر ودخل إلى قصره ، فلما انتهى إلى الإيوان الكبير خر ساجدا لله تعالى ~~، وجلس على سرير الجوهر الذي صنعه له جوهر ، وقبل الهناء ، ومدحه الشعراء . ~~قال : وكان تلقي القائد جوهر له عند جوازه من الجسر الثاني ، فكانت مدة ~~تدبير جوهر للديار المصرية إلى أن قدم المعز ، أربع سنين وعشرين يوما . ~~وحكى بعض المؤرخين أنه لما وصل المعز وخرج الأشراف للقائه ، قال له : أبو ~~محمد عبد الله بن أحمد بن طباطبا الحسيني ، من بينهم يا مولانا ، إلى من ~~تنتسب ؟ فقال المعز : سنقعد لكم ونجمعكم ونسرد عليكم نسبنا ، فلما استقر في ~~قصره جمع الناس في مجلس عام وقال : هل بقي من جماعتكم أحد ؟ فقالوا : لم ~~يبق منا معتبر فجرد عند ذلك سيفه إلى نصفه وقال هذا نسبي وفرق المال وقال : ~~هذا حسبي فقالوا : سمعنا وطعنا . وكان الخليق بما قيل : جلوا صارما وتلوا ~~باطلا . . . وقالوا : صدقنا ؟ فقلنا : نعم وقال ابن جلب في تاريخه : إن ~~المعز لما قدم صعد المنبر وخطب خطبة بليغة ، فذكر نسبه إلى علي بن أبي طالب ~~، رضي الله عنه ، فكتب إليه بعض المصريين ورقة ولصقها بالمنبر فيها : إنا ~~سمعنا نسبا منكرا . . . يتلى على المنبر في الجامع إن كنت فيما تدعي صادقا ~~. . . فاذكر أبا بعد الأب الرابع أو فدع الأنسب ms6472 مستورة . . . وادخل بنا في ~~النسب الواسع أو كنت فيما تدعي صادق . . . فانسب لنا نفسك كالطائع ~~PageV28P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" قال : وكان يتظاهر بذكر المجريات قبل وقوعها ~~لإطلاعه على علم النجامة ، ولكتب كاتب عنده يستدل ، فكتب إليه بعض المصريين ~~ورقة طرحها في مجلسه ، فيها : بالظلم والجور قد رضينا . . . وليس بالكفر ~~والحماقة إن كنت أوتيت علم غيب . . . فقل لنا كاتب البطاقة وقال بعض ~~المؤرخين : لما قدم المعز إلى مصر أحضر معه توابيت آبائه وكان معه خمس عشر ~~ألف رجل تحمل صناديق الأموال والسلاح وغير ذلك ، وكان معه مائة تحمل شبه ~~طواحين من الذهب ، وثلاثة آلاف جمل على كل جمل صندوقان وألف وثمانمائة بختي ~~محملة ، وثلاثمائة جمل تحمل الخركاهات وجملان يحملان الإكسير الذي يصنع به ~~الكيمياء 44 وثلاثة آلاف شيني وغراب في البحر تحمل الموجود ، ومن الرجال ~~المقاتلة من قبيلة كتامة مائة ألف ، ومن البربر أربعون ألفا ، ومن الرموح ~~ستون ألفا ، وغير هؤلاء من قبائل العرب والمغاربة ، وهو مع ذلك شديد الخوف ~~من القرمطي . قال ابن زولاق في تاريخ مصر : ولما انقضى شهر رمضان ركب المعز ~~لصلاة العيد وصلى بالناس ، وكان القاضي ابن النعمان يبلغ عنه في التكبير ، ~~وقرأ في الأولى بعد الفاتحة " هل أتاك حديث الغاشية " " وفي الثانية بعد ~~الفاتحة صورة الضحى ، ثم صعد المنبر وخطب بعد أن سلم على الناس يمينا ~~وشمالا ، وذلك PageV28P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" بالمصلى الذي بناه القائد جوهر . قال : وأقام ~~المعز بعد مقدمه أياما وعزل القائد جوهر م جميع ما كان إليه من النظر على ~~الدواوين وجباية الأموال ، وتدبير الأمور ، وغير ذلك ، والله أعلم . ذكر ~~مكاتبة المعز لدين الله القرمطي وجواب القرمطي له . قال بعض المؤرخين : لما ~~استقر المعز بالقاهرة أهمه أمر الأعصم القرمطي فرأى أن يكتب إليه كتابا ~~يعلمه فيه أن المذهب واحد ، وأن القرامطة منهم استمدوا وهم سادتهم في هذا ~~الأمر ، وبهم وصلوا إلى هذه الرتبة ، فكتب المعز كتابا مشحونا بالمواعظ ~~وضمنه من أنواع الكفر ما لا يصدر إلا عن مارق من الدين . كان عنوان الكتاب ~~: من ms6473 عبد الله ووليه ، وخيرته وصفيه ، معد أبي تميم بن إسماعيل ، المعز ~~لدين الله أمير المؤمنين ، وسلالة خير النبيين ، ونجل علي أفضل الوصيين إلى ~~الحسن بن أحمد ، وأول الكتاب : رسوم النطقاء ، ومذهب الأئمة والأولياء ، ~~ومسالك الرسل والأنبياء ، السالف منهم والآنف ، صلى الله علينا وعلى آبائنا ~~أولي الأيدي والأبصار ، في متقدم الدهور والأكوار ، وسالف الزمان والإعصار ~~، عند قيامهم بأحكام الله وانتصابهم لأمر الله ، الابتداء بالأعذار ، ~~والانتهاء إلى الإنذار ، قبل نفاذ الإنذار ، في أهل الشقاق والإصرار ، ~~ولتكون الحجة على من خالف وعصى والعقوبة على من باين وغوى ، حسبما قال الله ~~تعالى : " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " ، " وإن من أمة PageV28P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" إلا خلا فيها نذير " " يوقد ذكرنا في أخبار ~~القرامطة جملة من مواعظ هذا الكتاب على ما نقف عليه هناك ومن جملة ما لم ~~نذكره هناك . أما علمت أني " نار الله الموقدة ، التي تطلع على الأفئدة " ~~اعلم " خائنة الأعين وما تخفى الصدور " وحشاه بأنواع من الكفر وحضه على ~~اقتفاء آثار آبائه وعمومته وموالاتهم ، فقال : إن آباءك كانوا من أتباع ~~آبائي ، ثم قال فيه بعد الإطالة : وكتابنا هذا من فسطاط مصر ، وقد جئناها ~~على قدر مقدور ، ووقت مذكور ، لا نرفع قدما إلا بعلم مصنوع ، وعلم مجموع ، ~~وأجل معلوم ، ثم قال فيه : وما أنت إلا أيها الغادر الخائن الناكث المباين ~~عن هدى آبائه وأجداده ، المنسلخ عن دين أسلافه وأنداده ، الموقد لنار ~~الفتنة ، الخارج عن الجماعة والسنة ، لم أغفل أمرك ، ولا خفي علي خبرك ، ~~وإنك مني بمنظر وبمسمع ، قال الله تعالى : " إنني معكما اسمع وأرى " ، " ما ~~كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا " فعرفنا على أي رأي ضللت وأي طريق ~~سلكت . وقال في فصل منه : إنا لسنا مهمليك ولا ممهليك إلا ريثما يرد به ~~كتابك والوقوف على مجرى جوابك ، فانظر لنفسك ما يبقى ليومك معادك ، قبل ~~انغلاق باب التوبة ، وطول وقت النوبة ، حينئذ " لا ينفع نفسا إيمانها لم ~~تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا " ثم ختمه بأن قال : فما أنت ms6474 ~~وقومك إلا كمناخ نعم ، أو مراح غنم ، فأما " نرينك بعض الذي نعدهم أو ~~نتوفيك " ، " فإن عليهم مقتدرون " هكذا رأيت ، والتلاوة في سورة يونس " أو ~~نتوفيك فإلينا مرجعهم " فعندها تخسر " الدنيا PageV28P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين " . وأنذرتهم ~~، " نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى ، الذي كذب وتولى " ، " يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون " . ~~فليتدبر من كان ذا نذير . وليتفكر من كان ذا تفكير ؛ وليحذر يوم القيامة ، ~~يوم الحسرة والندامة . " أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت من جنب الله " . ~~" ويا حسرتنا على ما فرطنا " . ويا ليتنا " نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل " ~~. " والسلام على من اتبع الهدى " . وسلم من عواقب الردى . وهو حسبنا ونعم ~~الوكيل . قال : فلما وقف الحسن بن أحمد القرمطي على هذا الكتاب المطول كتب ~~جوابه بالبسملة : وصل كتابك الذي كثر تفصيله وقل تحصيله ؛ ونحن سائرون على ~~إثره والسلام . وقيل : الجواب ما تراه دون أن تسمعه . وقيل أنه كتب إليه : ~~ظنت رجل الغرب أن سهولتي . . . بمحالها ، وأخو المحال ذليل إن لم أرو النيل ~~من دمهم ، فلا . . . نلت المراد ، ولا سقاني النيل وفي سنة ثلاث وستين ~~وثلاثمائة ، في شعبان ، بلغت تقدمة القرامطة إلى أرياف مصر وأطراف المحلة ، ~~فنهبوا ، واستخرجوا الخراج ، واشتهر الأعصم القرمطي ببلبيس فتأهب المعز ~~للقائه ، وعرض العساكر ، وفرق فيهم الأموال والسلاح . وسير جيشا قدم عليه ~~ولده الأمير عبد الله ، فالتقى مع الأعصم ، فانهزم PageV28P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" القرمطي وأسر جماعة من رجاله ، وجهز جيشا آخر ~~قدم عليه ريان الصقلبي في أربعة آلاف فارس ، فأزال القرامطة من المحلة ~~ونواحيها . وفي هذا الوقت ورد خبر من الصعيد الأعلى أن عبيد الله أخا ~~الشريف مسلم أوغل في الصعيد واستخرج الأموال ، وقتل ألفا من المغاربة . وفي ~~هذا السنة ، في المحرم منها ، انبسطت المغاربة في نواحي القرافة ، ونزلوا ~~في الديور ، وأخرجوا الناس من أماكنهم ، وشرعوا في السكن في المدينة ، وكان ~~المعز أمرهم أن يسكنوا أطراف المدينة ، فاستغاث الناس إلى المعز فأمر ms6475 أن ~~يسكنوا نواحي عين شمس ، وركب بنفسه وشاهد المكان ، وأخبرهم بالبناء فيه ، ~~وهو الموضع المعروف الآن بالخندق ، وجعل لهم واليا وقاضيا ، ثم سكن أكثرهم ~~بالمدينة مخالطين للناس . ذكر فتوح طرابلس الشام كان فتوحها في سلخ شهر ~~ربيع الآخر سنة أربع وستين وثلاثمائة ، على يد ريان الخادم غلام المعز ، ~~وهرب ابن الزيات بعد أن كان نصب عليها الصلبان وجعلها للروم . وفي جمادى ~~الأولى منها سار نصير الخادم غلام المعز في عسكر كثير ، ودخل إلى بيروت ، ~~وتواقع مع الروم على طرابلس وهزمهم ، وكانت الوقعة في نصف شعبان . وفي هذا ~~الشهر وصل الخبر إلى المعز بوصول أفتكين التركي من بغداد إلى دمشق بقصد مصر ~~، فشرع المعز في تجهيز العساكر . وفي شهر رمضان منها كثرت الأراجيف بمسير ~~الروم إلى الشام لأن أفتكين التركي كاتب ابن السنهسكي فسار بالروم إلى ~~بيروت ، فلقيهم نصير غلام المعز فهزموه وأسروه ، وتوجهوا إلى صيدا فخرج ~~إليهم أفتكين التركي وقبل الأرض لابن السنهسكي وهادنه على دمشق ، وانصرف ~~ابن السنهسكي معلولا ، فسر المعز بذلك ، وهنأه الناس بهذا الفتح ، ومدحه ~~الشعراء . PageV28P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" ذكر وفاة المعز لدين الله وشيء من أخباره كانت ~~وفاته لسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة ؛ وقيل في يوم ~~الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من الشهر . وكانت مدة حياته خمسا وأربعين سنة ~~وخمسة أشهر وعشرة أيام ، ومدة مقامه بمصر سنتين وسبعة اشهر وأياما . وكان ~~نقش خاتمه : بنصر العزيز العليم ينتصر الإمام أبو تميم . وقيل : كان لتوحيد ~~الإله الصمد دعاء الإمام معد ، وقيل : لتوحيد الإله العظيم دعاء الإمام أبو ~~تميم . أولاده : أبو المنصور نزار تميم الظاهر ، وبه كنى ، توفي بمصر في ذي ~~القعدة سنة أربع وسبعين وثلاثمائة ، الأمير عقل ، توفي في شعبان من السنة ، ~~وسبع بنات . قضاته : قاضيه الواصل معه من المغرب أبو حنيفة النعمان بن محمد ~~الداعي ، مات بمصر في سلخ جمادى الآخرة سنة خمس وستين وثلاثمائة ، ولم يل ~~القضاء بها ؛ واستقضى بالمغرب أبا طالب أحمد بن القائم بن محمد بن المنهال ~~؛ ولما وصل ms6476 مصر وجد القائد جوهرا قد استخلف على القضاء أبا طاهر محمد بن ~~أحمد بن عبد الله الذهلي البغدادي ، وهو القاضي على أيام كافور ، فأقره ، ~~وكان أبو سعيد عبد الله بن محمد بن أب ثوبان حكم بمصر والمغاربة الجند ~~والتجار إلى أن مات في شهر ربيع الأول سنة خمس وستين ؛ فتولى أبو الحسن علي ~~بن النعمان على قاعدته إلى أن مات 46 أبو طاهر ، فقضى أبو الحسن على الجميع ~~. كتابه : كان جوهر قد فوض تدبر الأموال في أيامه إلى علي بن العرمرم وأبي ~~محمد الرودباري ، ورجاء بن صولات ، وعبد الله بن عطاء الله ، وأبي الحسن ~~الكرخي ؛ ورد تدبير هؤلاء الكتاب إلى الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن ~~الفرات . واستقر الأمر بعد وصول المعز على عسلوج ، ويعقوب بن يوسف . ~~PageV28P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" وممن وزر للمعز يعقوب بن كلس ، وهو أول وزراء ~~دولتهم بمصر ، وهو من جملة كتاب الدولة الإخشيدية ، وسنذكر خبره إن شاء ~~الله مستوفى أخبار العزيز . حاجبه : جعفر بن علي إلى أن توفي ، فولي عمار ~~بن جعفر ، والله أعلم بالصواب . ؟ ؟ ؟ ذكر بيعة العزيز بالله وهو أبو ~~المنصور نزار بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي ، وهو الخامس من ~~ملوك الدولة العبيدية ، والثاني من ملوك مصر والشام منهم . كان قد ولي ~~العهد من أبيه في حيات ، ثم بايعه الناس في يوم وفاة أبيه ، لسبع خلون من ~~شعر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة . حكى الرئيس ابن القلانسي في ~~تاريخ الشام وسبب بيعة العزيز الأولى أن أباه المعز لدين الله كان مغرما ~~بعلم النجوم والنظر فيما تقتضيه أحكام مولده ، فحكم له بقطع ، فاستشار ~~منجمه فيما يزيله عنه ، فأشار عليه أن يعمل له سردابا تحت الأرض ويتوارى ~~فيه مدة إلى حين زوال ذلك القطع ، فصنع ذلك وأحضر وجوه دولته ، وقال لهم : ~~أن بيني وبين الله عهدا وعدنيه قد قرب أوانه ، وقد جعلت عليكم ولدي نزارا ، ~~ولقبته بالعزيز بالله ، واستخلفه عليكم ، وعلى تدبير أحوالكم مدة غيبتي ؛ ~~فألزموا الطاعة المناصحة له ، فقالوا : نحن عبيدك ms6477 وخدمك ، فأخذ البيعة له ~~ووصاه بما أراد ، وجعل القائد جوهر مدبرا لأموره ، ونزل السرداب الذي اتخذه ~~وأقام به سنة ، فكانت المغاربة إذا رأوا سحابا ترجلوا الأرض وأوموا بالسلام ~~عليه ، ثم خرج بعد ذلك ، وجلس الناس ، فدخلوا على طبقاتهم وسلموا عليه ؛ ~~ولم يلبث بعد ذلك إلا مدة يسيرة ، واعتل فمات . ؟ ذكر حرب بين أفتكين ~~التركي وعساكر العزيز بالله ولنذكر ابتداء أمر أفتكين لتأتي أخباره بسياقه ~~. PageV28P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" هو أبو المنصور أفتكين المعزي ، أحد مماليك ~~معز الدولة بن بويه ، وكان سبب وصوله إلى الشام أنه لما وقعت الفتنة بين ~~الترك والديلم ببغداد وخلع المطيع كما ذكرناه ، وتوالت تلك الفتن ، انفصل ~~أفتكين عن بغداد في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة في ثلاثمائة غلام ، وسار حتى ~~قدم حمص فأقام أياما يسيرة ، وسار منها إلى دمشق ، فوجد أحداث البلد قد ~~تحكموا فيها والفتن بين أهلها وبين عساكر المغاربة ، فخرج إليه شيوخ دمشق ~~وأظهروا السرور به ، وسألوه أن يتولى عليهم ، ويكف أيدي المفسدين ، وتوثقوا ~~منه وتوثق منهم بالإيمان ، ودخل البلد وأصلح أمره ، وأحسن السيرة ، وكف ~~المفسدين ، فاستقام له الأمر وثبت قدمه ، فاضطر إلى مكاتبة المعز لدين الله ~~بمصر فكاتبه وخادعه ، وغالظه ، وأظهر الانقياد له والطاعة لأمره ، فأجابه ~~المعز يستدعيه إلى حضرته ليشاهده ، ويصطفيه لنفسه ، ويعيده إلى ولايته ؛ ~~فلم يثق إلى ذلك وامتنع من الإجابة ، ووافق ذلك علة المعز ووفاته . وكتب ~~أفتكين في أثناء القضية إلى مولاه ببغداد يقول إن الشام قد صفا في يدي ، ~~فإن سيرت لي عسكرا مالا وسلاحا فتحت ديار مصر ، فبعث إليه الجواب : غرك عزك ~~فصار قصار ذلك ذلك فاخش فاحش فعلك ، فعلك تهدأ بهذا ، فلما يأس أفتكين من ~~إنفاذ العساكر إليه من بغداد اضطر عند ذلك إلى مكاتبة القرامطة ، فقصدوه ~~ووافوه في سنة خمس وستين وثلاثمائة ؛ وكان الذي أتاه منهم إسحاق ، وكسرى ، ~~وجعفر ، فنزلوا بظاهر دمشق ، ووافاه معهم كثير من العجم ، فأكرمهم أفتكين ~~وحمل إليهم الميرة ، فأقاموا أياما وتوجهوا إلى الرملة ، فخرجت إليهم عساكر ~~الساحل ، واقتتلوا ، فهزمهم أفتكين ، وقتل منهم مقتلة عظيمة ms6478 . وكان على ~~الساحل مظلوم بن موهوب العقيلي ، فانهزم إلى صور ، وأحصي القتلى فجاءوا ~~أربعة آلاف فارس ، فكاتب العزيز بن المعز أفتكين واستماله ووعده إن وطئ ~~بساطة أن يرفع منزلته . فأبى إلا مخالفته ، وأغلظ له في الجواب . فاستشار ~~العزيز وزيره يعقوب بن كلس فيما يفعله فأشار عليه بإخراج 47 جوهر القائد ~~إليه ؛ فشرع العزيز في ذلك وجهز جوهرا ، فلما سمع أفتكين ذلك عاد ~~PageV28P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" إلى دمشق واستشار أهلها ، وقصد التوجه لبلاد ~~الروم ؛ وكان أهل دمشق يكرهون المغاربة لمخالفتهم لهم بالاعتقاد ، فطمأنوه ~~، وثبتوا للقاء عساكر مصر . وخرج جوهر في العساكر العظيمة بعد أن استصحب ~~أمانا من العزيز لأفتكين . فلما وصل جوهر إلى الرملة كاتب أفتكين ولاطفه ، ~~وعرفه ما معه له من الأمان ، فلاطفه أيضا أفتكين في الجواب واعتذر إليه ~~بأهل دمشق ، فعلم جوهر أنه لا بد من الحرب ، فسار إليه ونزل بالشماسية فبرز ~~إليه أفتكين ؛ ونشبت الحرب بين الفريقين مدة شهرين ، وقتل من الطائفتين عدد ~~كثير وظهر من شجاعة أفتكين ما عظم قدره في النفوس ، فأشار عليه أهل دمشق ~~بمكاتبة أبي محمد الحسن بن محمد القرمطي واستدعائه لدفع عساكر مصر ، فكاتبه ~~فأتاه القرمطي ، فعلم جوهر أنه إن أقام استظهر أفتكين عليه ، فرجع إلى ~~طبرية وتبعه أفتكين والقرمطي فقاتلاه ، فانهزم إلى عسقلان فتبعه أفتكين ~~وحصره بها حتى أشرف جوهر على الهلاك ، فصالحه ، ووقع الصلح بينهما على أن ~~يخرج جوهر وأصحابه حفاة عراة لا شيء يستر عورتهم . وكان العزيز قد خرج من ~~الديار المصرية لإغاثة جوهر ، فلقيه في الطريق على تلك الحال ، فأخبره جوهر ~~أن كتامة خذلوه فقبض عليهم ، ثم أظهر الغضب على جوهر وعزله عن الوزارة . ~~ذكر حرب أفتيكن وأسره وفي سنة ثمان وستين ثلاثمائة ، في المحرم منها ، وصل ~~العزيز بالله إلى الرملة وأفتكين وعسكره بالطواحين ، ووقع المصاف بينهما ، ~~ونشبت الحرب في يوم الخميس سابع الشهر ، فانهزم أصحاب أفتكين وقتل عامتهم ~~وشوهد العزيز في هذا اليوم وقد انفرد عن عسكره وصلى على الأرض وهو يقول ~~اللهم ارحمني وارحم من ورائي من ms6479 هذت القبلة ، وانصرني ، فما استمد النصر ~~إلا منك ، وهو يعفر وجهه على التراب ويبكي ، ثم ركب وقد انتصر عسكره ، وجيء ~~بأفتكين أسيرا ، أسره مفرج بن دغفل ابن الجراح الطائي أمير طيء ، فجاء به ~~وفي عنقه حبل ، فاحسن إليه العزيز لما رأى من شجاعته ، ومن عليه ، ورجع به ~~إلى مصر ، فأقام بها إلى أن مات في سنة سبعين وثلاثمائة ، والحجاب والأكابر ~~يركبون إلى داره . PageV28P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" ولما رجع العزيز هنأه الناس بهذا الفتح ، ~~ومدحه الشعراء ، فمنهم الحسين ابن عبد الرحيم الزلالي بقصيدته التي أولها : ~~لاح للحق شهاب فوقد . . . فرأى قاصده أين قصد بالعزيز بن المعز اعتضدت . . ~~. دولة الحق ، وبالله اعتضد يا أمير المؤمنين المرتضى . . . وعماد الدين ، ~~والركن الأسد بنزار بن معد ، وهما . . . خير أبناء نزار بن معد ومنها : ~~أصلح الشام بما دبره . . . وتلافاه وقد كان قد فسد أطفأ الفتنة فيه ، بعدما ~~. . . أبرق التركي فيها ورعد وكان عود العزيز إلى مصر ووصوله إليها في يوم ~~الاثنين لست بقين من شهر ربيع الأول سنة ثمان وستين وثلاثمائة . وفي سنة ~~تسع وستين وثلاثمائة ، في ثامن عشر شهر ربيع الأول ، تزوج العزيز بابنة عمه ~~وأمهرها مائتي ألف دينار عينا . ؟ ذكر فتوح اللاذقية وفي سنة اثنين وسبعين ~~وثلاثمائة ، في حادي عشر شهر ربيع الأول ، ورد كتاب نزال يذكر فيه أنه واقع ~~الروم بساحل الشام ، وكسرهم ، وأخذ اللاذقية . ثم ورد نزال من الشام في ~~العاشر من جمادى الآخرة ، ومعه نحو خمسمائة نفر من الروم أسرى في السلاسل . ~~وفي هذه السنة وصل من تنيس رجل وامرأة بمولودة لها رأسان ووجهان وأربع أيدي ~~كاملة الخلق في جسد واحد ، وسنها دون العشرين . وفيها كان النوروز لسبع ~~خلون من شعر ربيع الأول وأكل الناس 48 الرطب قبل PageV28P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" النوروز على عاداتهم ، وأصرمت النخل ، ولم يبق ~~عليها شيء ألبتة ، ثم حمل النخل ثانية ، فأكل الناس البلح والبسر مرة ثانية ~~؛ ولم يتفق مثل ذلك في زمن من الأزمنة . ذكر فتح قنسرين وحمص وفي سنة ثلاث ~~وسبعين وثلاثمائة ، في شهر ربيع ms6480 الأول منها ، دخلت عساكر العزيز إلى قنسرين ~~وحمص ، وأقاموا الدعوة له بها . وفيها في ثامن شوال صرف العزيز وزيره يعقوب ~~بن كلس واعتقله وحمل من ماله خمسمائة ألف دينار ؛ ثم أفرج عنه بعد ذلك ، ~~وأعاده إلى الوزارة ، في سنة أربع وسبعين ، ووهب له العزيز مالا كثيرا ~~وألفا وخمسمائة غلام تكون في خدمته ، وإليهم تنسب حارة الوزيرية بالقاهرة . ~~وفي هذا السنة اشتد الغلاء بمصر وبلغت حملة الدقيق الجشكار أحد عشر دينارا ~~والعلامة اثني عشرة دينارا ؛ والحملة ثلاثمائة رطل بالمصري . وفيها في ~~العشرين من ذي القعدة ورد الخبر أن ابن حمدان خطب للعزيز بحلب والجزيرة ~~كلها . وفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة خطب للعزيز بمعرة النعمان . وفي سنة ~~ثمان وسبعين وثلاثمائة استجد العزيز في جامع مصر العين الفوارة ، ودامت إلى ~~أيام العاضد ، فخربت في الحريق في سنة أربع وستين وخمسمائة ؛ ثم جددها ~~الملك العادل أبو بكر بن أيوب وفيها لاعن القاضي محمد بن النعمان بين رجل ~~من لدن عقيل وامرأته . وفي سنة ثمانين وثلاثمائة اختط العزيز الجامع ~~بالقاهرة ، وهو الجامع المعروف بالحاكم بباب الفتوح . PageV28P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" وفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة خرج منير ~~والي دمشق على العزيز بالله ، وقتل ابن أبي العواد الكاتب ولحقه بشارة ~~الإخشيدي فسار نزال والي الرملة إلى دمشق ، فحاربه منير ، فهزمه نزال ، ~~وكانت الوقعة بمرج عذارء في تاسع شهر رمضان وهرب منير يريد حلب ، فأخذه ~~العرب وأحضروه إلى دمشق لنزال ، فوجدوا منجوكتين قد وصل إليها فأخذ منيرا ~~وحرسه على جمل وإلى جانبه قرد وعليه طرطور . وأقام منجوتكين بدمشق بقية سنة ~~إحدى وثمانين . وأمده العزيز في سنة اثنتين وثمانين بخمسمائة فارس وخزانة ~~وسلاح صحبة صالح بن علي وجيلين التركي ، فاشتمل عسكر منجوتكين على ثلاثة ~~عشر ألف فارس فطمع في ملك حلب وخرج إليها في ثلاثين ألف فارس ونازلها ، ~~وفتحها في شهر ربيع الآخر ، وبقيت القلعة بيد أبي الفضل بن سعيد الدولة بن ~~حمدان ولؤلؤ ، فكاتبا بسيل ملك الروم ، فكتب لصاحب أنطاكية ، وهو من قبله ، ~~بأن يجمع العساكر ويتوجه إلى ms6481 حلب لنصرة صاحبها ، ودفع المغاربة عنها ، فسار ~~إليها في خمسين ألف راجل . وقال المسبحي : كان عسكر الروم سبعين ألفا وعسكر ~~منجوتكين خمس وثلاثين ألفا . فنزل الروم على الجسر الحديد بين أنطاكية وحلب ~~، فأشار أصحاب منجوتكين عليه PageV28P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" بقصد الروم ، فتوجه نحوهم وانضم إليه جماعة ~~من بني كلاب ، فالتقوا فانكسرت عساكر الروم ، وغنم منجوتكين ومن معه من ~~الغنائم الجزيلة ، وجمع رؤوس الروم مقدار عشرة آلاف رأس فسيرها إلى مصر . ~~وتبع منجوتكين الروم إلى أنطاكية ، وأحرق ضياعا ، ونهب رساتيقها ، ورجع إلى ~~حلب . فعمل لؤلؤ مقدم حلب على رجوع منجوتكين عن بلده ، فكاتب أبا الحسين بن ~~المغربي وزير منجوتكين وخواصه أن يحسنوا له الرجوع إلى دمشق والعود إلى حلب ~~في العام المقبل ، ووعدهم على ذلك بالأموال الجزيلة ، فذكروا ذلك لمنجوتكين ~~فصادف هذا الرأي موقعا لسوقه إلى دمشق ، فرجع عن حلب . ولما بلغ العزيز ~~رجوعه عنها انزعج لذلك وعلم أنه تدبير وزيره ابن المغربي ، فعزله عن وزارة ~~منجوتكين ، وولي صالح بن علي الروزباري . وفي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة ~~ظهر من الجراد والكمأة على جبل المقطم بمصر ما لم يعهد بمثله ، فخرج الناس ~~إليه وجعلوا يدخلون القاهرة ومصر كل يوم ، فبيع الجراد أربعة أرطال بدرهم ، ~~والكمأة سبعة أرطال بدرهم . وفيها في يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الآخرة ~~احترقت صناعة الإنشاء بمصر بما فيها من المراكب الحربية وآلات السلاح وغير ~~ذلك ، فاتهم الأمراء بذلك ، فقتل منهم مائة وسبعة نفر ، ثم أحضر عيسى بن ~~نسطورس من بقي من الروم فاعترفوا بذلك ، فأمر العزيز بالله أن تنهب كنيسة ~~الروم فنهبت وأخذ منها ما ينيف عن تسعين ألف درهم ؟ ذكر وفاة العزيز بالله ~~وشيء من أخباره وأخبار وزيره يعقوب بن كلس ومن ولي بعده . كانت وفاة العزيز ~~بالله بعد الظهر من يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة ست ~~وثمانين وثلاثمائة بمدينة بلبيس في مسلخ الحمام بعلتي القولنج والحصاة . ~~PageV28P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" وكان مولده بالمهدية في يوم الخميس لأربع ~~عشرة ليلة خلت من المحرم سنة أربع ms6482 وأربعين وثلاثمائة . وكانت مدة حياته ~~اثنتين وأربعين سنة وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما ، ومدة ولايته إحدى ~~وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا . وكان أسمر ، طويلا ، بدينا ، أشهل ، أعين ، ~~أصهب الشعر ، عريض المنكبين ، وكان لا يؤثر سفك الدماء ، قال المؤرخ : وجدد ~~في أيام العزيز من الأبنية قصر الذهب ، وجامع القرافة ، والفوارة ، وبستان ~~السردوس ، وقصور عين شمس ، والمصلى الجديد بالقاهرة ، وهو أول من بنى دار ~~الفطرة ، وقرر الرواتب ، وسن إعطاء الضحايا للأولياء ، وكان قريبا من الناس ~~، بصيرا بالخيل والجوارح والصيد . ولده أبوعلي المنصور ، وهو الحاكم بأمر ~~الله . ؟ ذكر أخبار الوزير يعقوب بن كلس وكنيته أبو الفرج ، وهو أول من ~~خوطب بالوزارة في دولتهم ، وكان يهوديا من أهل بغداد ، فهاجر منها إلى ~~الشام ونزل الرملة ، فجلس وكيلا للتجار بها ، فاجتمع عنده مال فاكتنزه ، ~~وسافر إلى مصر ، واتصل بخدمة كافور ، فتاجر في متاع كان يحيله بثمنه على ~~PageV28P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" الضياع ، فكان إذا احتيل على عمل بمال لا ~~يخرج منه حتى يعلم مستخرجه ونفقته وارتفاعه ، فعلم أحوال ديار مصر ، فأخبر ~~كافور ، فقال : لو كان هذا مسلما لصلح أن يكون وزيرا . فبلغه ذلك ، فأسلم ~~على أيدي كافور ، في يوم الجمعة في الجامع العتيق ، في سنة خمسين وثلاثمائة ~~. ثم تعلقت به مطالبات ديوانيه في الدولة الإخشيدية فهرب بسببها من مصر ، ~~فلقي العسكر المغربي قاصدا مصر فعاد بصحبته ، فلما ملك القائد جوهر مصر ~~تصرف ابن كلس في الأمور الديوانية مدة أيام المعز ، ثم انتقل إلى خدمة ولده ~~العزيز ، فاختص به وتمكن منه ، واقتنى الأموال ، فاستوزره في يوم الجمعة ~~ثامن عشر شهر رمضان سنة ثمان وستين وثلاثمائة ؛ وأقطعه بمصر والشام في كل ~~سنة ثمانية آلاف دينار - وبسط يده في الأموال ، وكتب اسمه على الطرز ، ~~وابتدأ بنفسه في المكاتبات والعناوين ، من يعقوب بن يوسف وزير أمير ~~المؤمنين . وتمكن من الدولة حتى أسقط المغاربة ، واستخدم المشارقة في سنة ~~سبعين وثلاثمائة ، من الترك والإخشيدية . وأذل جوهر الرومي غلام المعز ، ~~وجعله على المرمة ، وكان جوهر يقول قبح الله طول هذا العمر الذي أحوج ms6483 لمثل ~~هذا . ثم نكبه العزيز النكبة التي ذكرناها في سنة ثلاث وسبعين ، ثم أطلقه ~~وأعاده إلى الوزارة ، وقال له : عزلت بالإغراء ، وردت بصميم الآراء ، ووهب ~~له ألفا وخمسمائة غلام كما ذكرنا . ولم يزل كلس على ذلك إلى أن توفي لست ~~خلون من ذي الحجة سنة ثمانين وثلاثمائة ، ولما مرض مرضته التي مات فيها ركب ~~العزيز إليه ، وعاده ، وقال له : وددت أنك تباع فأبتاعك بملكي وولدي . [ أو ~~تفدى فافديك فهل من حاجة توصي بها ] . PageV28P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" ولما مات أمر العزيز أن يدفن في داره في قبة ~~كان بناها لنفسه ، وحضر جنازته وصلى عليه ، وألحده في قبره . وبلغ قيمة ~~الكفن الذي أنفذه العزيز له ، وهو خمسون مثقلة سبعة آلاف دينار . وانصرف من ~~دفنه ، وأظهر الحزن وأغلق الدواوين ثمانية عشر يوما ، وعطل الأعمال أياما ، ~~واشتملت تركته على مال عظيم . ولم يستوزر العزيز بعده أحدا بل ضمن أموال ~~الدولة بجماعة من المستخدمين وجعل الغالب عليهم عيسى بن نسطورس النصراني ، ~~فمال إلى النصارى وقلدهم الأعمال . واستناب بالشام منشا ين إبراهيم اليهودي ~~فقدم اليهود ومال إليهم ، ، وأطرح المسلمين ، فوقفت للعزيز امرأة بيدها قصة ~~مكتوب فيها : يا أمير المؤمنين بالذي أعز النصارى بابن نسطورس وأعز اليهود ~~بمنشا بن إبراهيم ، وأذل المسلمين بك إلا ما نظرت في أمري وكشفت ظلامتي ~~فقبض على عيسى ، وكتب بالقبض على منشا بالشام ثم شفعت ست الملوك ابنة ~~العزيز في عيسى فرده إلى ما كان عليه ، وحمل الخزانة ثلاثمائة ألف دينار ، ~~وشرط عليه استخدام المسلمين في دولته وأعماله . قضاته : أبو طالب محمد بن ~~أحمد البغدادي إلى أن استعفى ، ثم علي بن النعمان إلى أن توفى في شهر رجب ~~سنة أربع وسبعين ، فرد القضاء إلى أخيه أبي عبد الله محمد بن النعمان . ~~حجابه : الأمير منجوتكين 50 القائد ياروخ . ولما مات العزيز قام بالأمر ~~بعده ولده أبوعلي المنصور . ؟ ذكر بيعة الحاكم بأمر الله وهو أبوعلي ~~المنصور بن العزيز بالله نزار ، بن المعز لدين الله أبي تميم معد ، بن ~~PageV28P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" المنصور بنصر الله ms6484 أبي طاهر إسماعيل ، ين ~~القائم بأمر الله أبي القاسم محمد ، بن المهدي عبيد الله ، وهو السادس من ~~ملوك الدولة العبيدية ، والثالث من ملوك مصر والشام منهم . بايع له أبوه ~~العزيز قبل وفاته ببلبيس ، وكان ولي قبله ابنه محمد فهلك في حياة أبيه ~~العزيز ، ثم جددت البيعة للحاكم بأمر الله صبيحة وفاة أبيه في يوم الأربعاء ~~لليلة بقيت من شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة ، ولبس أثواب الخلافة ، ~~وتعمم بعمامة عليها الجواهر ، وعمره آنذاك إحدى عشرة سنة وستة أشهر ، وتولى ~~كفالته برجوان الخادم ، وقام بأمر الجيوش وتدبير أمور الدولة أبو محمد ~~الحسن بن عمار ابن أبي الحسين ، وتلقب بأمين الدولة ، وهو أول لقب في ~~دولتهم في مصر ، وكان ذلك بوصية من العزيز . قال : وكان الكتاميون قد ~~أضعفهم الوزير ابن كلس ، فأظهرهم ابن عمار وردهم إلى ما كانوا عليه . ذكر ~~القبض على الوزير عيسى بن نسطورين النصراني وقتله كان القبض عليه في تاسع ~~شوال سنة ست وثمانين وثلاثمائة ، وذلك أن ابن عمار اتهمه بالإغراء عليه ~~ومباطنة منجوتكين ، فبسط عليه العذاب واستخرج منه سبعمائة ألف دينار ، ثم ~~أخرجه لثلاث بقين من المحرم سنة سبع وثمانين على حمار ، إلى المقس ، وضرب ~~عنقه هناك ، رحم الله ابن عمار الآمر بقتله ، فلقد حكى عنه جوره بالمسلمين ~~واطراحه لهم ما لا مزيد عليه . حكى الأثير بن بيان المصري أن بعض رؤساء ~~المصريين كتب ورقة يعاتب فيها عيسى على قبح فعله بالمسلمين وبالغ فيها ~~فأجابه عيسى عنها يقول : أن شريعتنا متقدمة ، والدولة كانت لنا ثم صارت لكم ~~، فجرتم علينا بالجزية والذلة ، فمتى كان منكم إلينا إحسان حتى تطالبونا ~~بمثله ، إن مانعناكم قاتلتمونا ، وإن سالمناكم أهنتمونا ، فإذا وجدنا لكم ~~فرصة فماذا تتوقعون أن نصنع بكم ، ثم تمثل في آخرها بيتين : بنت كرم غصبوها ~~أمها . . . ثم داسوها ، هوانا ، بالقدم ثم عادوا حكموها فيهم . . . وأناهيك ~~بخصم قد حكم PageV28P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" ذكر مخالفة منجوتكين بدمشق وحربه وأسره وسبب ~~ذلك كان سبب ذلك أن ابن عمار أظهر الكتاميين وبالغ في الإحسان إليهم ms6485 ، ~~وخولهم الأموال وبسط أيديهم ، وفرق فيهم ما خلفه العزيز . قال بعض المؤرخين ~~: إن العزيز كان عنده عشرون ألف عليقة ما بين فرس وبغل ، وجمل وحمار ، ومن ~~الأموال ما لا يدخل تحت الإحصاء ، ففرق ابن عمار ذلك فيمن أراد اصطناعه ، ~~فلما كان في سنة سبع وثمانين ومائتين انبسطت يد كتامة وجاروا على الناس ~~بديار مصر ، وامتدوا لأخذ أموالهم ، ثم اجتمع مشايخهم وحسنوا للحسن بن عمار ~~قتل الحاكم ، فعلم برجون بذلك ، فبالغ في حفظ الحاكم وضم إليه شكر العضدي ~~من غلمان عضد الدولة بن بويه ، وكاتبا منجوتكين أمير دمشق يعرفانه ما عزم ~~عليه ابن عمار ، وأنه بسط يد كتامة في الأموال ومكنهم من الجور وأنهم حصروا ~~الحاكم بقصره ، وأشار عليه أن يقصد مصر ليكون عوضا عن الحسن بن عمار . فلما ~~قرأ منجوتكين الكتاب جمع القواد والأجناد وغيرهم بجامع دمشق ، وعرفهم ما ~~جرى من كتامة ، وبكى ، وخزق ثيابه ، فأطاعه الناس وحلفوا له على طاعة ~~الحاكم وقتال ابن عمار ، فأنفق فيهم الأموال ووثق منهم ، وبرز من دمشق ستة ~~آلاف فارس . فلما اتصل ذلك بابن عمار عظم عليه وجمع وجوه كتامة وعرفهم ~~الحال ، فقالوا : نعرف الناس إن منجوتكين قد عصى الحاكم وخالف عليه وخرج ~~عنه ، ليبالغوا بقتاله ففعل ذلك وأظهره ، وفرق الأموال في وجوه الدولة . ثم ~~أحضر برجوان وشكر العضدي وقال لهما : أنا شيخ كبير وقد كثر الكلام علي ~~والقول في ، وليس لي غرض إلا حفظ الإمام الحاكم ، وسألهما أن يحلفا له على ~~المساعدة فما وسعهما إلا أن حلفا له ، وندب من وقته أبا تميم سليمان بن ~~جعفر بن فلاح وقدمه على العسكر ، وأمره بالمسير إلى الشام ، فخرج في ستة ~~عشر ألف فارس وراجل ، فسار سليمان في ثاني صفر ، ورحل منجوتكين إلى الرملة ~~فملكها ومعه مفرج بن دغفل بن جراح ، وسار سليمان حتى نزل بظاهر عسقلان . ~~وتقابل الجيشان بعد ثلاثة أيام ؛ وكان المصاف في يوم الجمعة لأربع بقين من ~~جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وثلاثمائة ، فاستأمنت العرب من أصحاب دغفل ~~وغيرهم إلى سليمان ، فاستظهر ، وقتل ms6486 من أصحاب منجوتكين أربعة قواد ، وانهزم ~~منجوتكين وأحصيت القتلى من أصحابه فجاءت ألفي فارس ، وامتلأت أيدي أصحاب ~~PageV28P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" سليمان ، وبذل سليمان لمن يحضر منجوتكين عشرة ~~آلاف دينار ومائتي ثوب ، فأسره علي بن الجراح وحمله إلى سليمان ، فسيره إلى ~~مصر ، فاصطنع الحسن بن عمار منجوتكين ، وسار سليمان ونزل طبرية . فلما بلغ ~~أهل دمشق ما اتفق لمنجوتكين نهبوا داره ، وبعث سليمان أخاه إلى دمشق في ~~خمسة آلاف فارس ، فلما وصلها أغلقوا دونه الأبواب ، فكتب لأخيه بذلك ، فسار ~~إلى دمشق وتلطف بأهلها ، وطيب قلوبهم ، ففتحوا له الأبواب ، ودخل البلد ~~واستقر أمره ، وثبت قدمه ، واستتب له الأمر ، فنظر في أمر الساحل واستبدل ~~بولاية الجابريين ، وعزل الأمير جيش بن الصمصامة من طرابلس الشام واستعمل ~~عليها أخاه ، فحضر جيش إلى مصر ولم يجتمع به . ؟ ذكر الفتنة بين المشارقة ~~والمغاربة وهرب ابن عمار ما كان من أمره كان سبب ذلك أن سليمان بن جعفر لما ~~عزل جيش بن الصمصامة ، عن طرابلس حضر جيش إلى مصر واجتمع بشكر الخادم ~~وبرجوان سرا وعرفهما بغض أهل الشام في المغاربة ، وكان جيش أيضا من كتامة ~~وبينه وبين سليمان عداوة متمكنة ، فحسن لهما الفتك بالحسن بن عمار ، فوقع ~~هذا الكلام من برجوان بالموقع العظيم مع ما تقدم بينهما من الوحشة . وعلم ~~برجوان أن القاهرة ومصر قد خلتا من المغاربة فلم يبق فيها إلا العدد القليل ~~وأمكنه الفرصة فانتهزها ، وراسل الأتراك والمشارقة في القبض على الحسن بن ~~عمار . وأحس ابن عمار بذلك فقصده المبادرة إلى الإيقاع ببرجوان وشكر ، ورتب ~~جماعة في دهليز داره ، وقرر معهم الفتك بهما إذا دخلا إليه ، وكان لبرجوان ~~عيون كثيرة فأطلعوا على ما دبره ابن عمار عليه ، واتفق أن الحسن استدعاه ~~ومعه شكر ، فركبا إلى داره ، وكانت آخر القاهرة مما يلي الجبل ، ومعهما ~~جماعة من الغلمان ، فلما وصلا باب الدار ظهرت لها عين القضية فعادا إلى ~~القصر بسرعة وجرد الغلمان سيوفهم ، فدخلا قصر الحاكم ، فثارت الفتنة ، ~~واجتمع الأتراك والديلم والمشارقة وغيرهم على باب القصر ، وبرجوان يبكي ، ~~وهم ms6487 يبكون لبكائه ، وهو يحرضهم على القيام بواجب خدمة الحاكم . ~~PageV28P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" وركب الحسن بن عمار في كتامة إلى الجبل ، ~~وتبعه وجوه الدولة فصار في عدد كثير وفتح برجوان خزائن السلاح وفرقها ، على ~~الغلمان وغيرهم ، وأحدقوا بالقصر ، فبرز منجوتكين وفارحتكين وينال الطويل ~~في خمسمائة فارس من الأتراك ، ووقعت الحرب بينهم وبين الحسن بن عمار إلى ~~وقت الظهر من يوم الخميس سلخ شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة ، فانهزم ابن ~~عمار ، ورجعت العامة إلى داره فنهبوها ونهبوا خزائنه ؛ واستتر عند بعض ~~العوام وتفرقت عنه جموعه . وفتح برجوان باب القصر ، وأجلس الحاكم ، وأوصل ~~إليه الناس ، وجدد له البيعة على الجند ، فلم يختلف إليه أحد ، وكتب ~~الأمانات لوجوه كتامة وقواد الديلم وراسلهم بما يطيب قلوبهم فأتوه ، ~~واستقام أمر برجوان وكتب إلى أهل دمشق يطيب قلوبهم ويأمرهم بالقيام على ~~سليمان والإيقاع به ، فثار أحداث دمشق وقصدوا دار أميرها سليمان ، فوجدوه ~~وقد التهى بالشرب وانهمك على لذاته ، فهرب على ظهر فرسه ونهبت خزائنه ~~وأمواله ، وجعل برجوان الحسين بن القائد جوهر قائد القواد ، وبعث جيش بن ~~محمد بن الصمصامة إلى دمشق ، وتلطف في إخراج الحسن بن عمار من استتاره ، ~~فخرج ، فأعاد برجوان عليه ما كان بيده من الإقطاعيات وحلفه ألا يخرج من ~~داره . وفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة عصى أهل صور على الحاكم بسبب فتنة ~~برجون وابن عمار وقتلوا جماعة من جند المصريين ، وثار بعض الملاحين من ~~أهلها ، ويعرف بالعلاقة ، فملك البلد . وثار مفرج بن دغفل الجراحي بالرملة ~~ونهبها . فندب برجون إلى الشام أبا الحسن عبد الصمد ابن أبي يعلى ، وضم ~~إليه عسكرا ، فسار من القاهرة لأربع عشر ليلة خلت من ذي القعدة ، سنة ثمان ~~وثمانين ، فلما وصل إلى الرملة حضر إليه من جند الساحل خمسة آلاف فارس ، ~~ووجد سليمان بن PageV28P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" جعفر بن فلاح بها فقبض عليه وسيره إلى مصر ، ~~وسير إلى صور أبا عبد الله الحسن بن ناصر الدولة وياقوت الخادم ومن معه من ~~عبيد الشراء ، فوقعت الحرب بينهم وبين أهل صور ، ثم ms6488 طلبوا الأمان فأمنوا ، ~~وأسر العلاقة الثائر ، وكان قد استنصر بالروم ، فسلخ وهو حي ، وحشي جلده ~~تبنا وصلب . وكان قد ضرب على الدينار بصور عز بعد فاقة ، وشطارة بلباقة ، ~~للأمير العلاقة . وفيها في شعبان ورد الخبر بفتح إنطاكية على يد الأمير جيش ~~بن محمد بن الصمصامة . ذكر قتل برجوان الخصي كان مقتله في ثالث عشر شهر ~~ربيع الآخر سنة تسعين وثلاثمائة . وسبب ذلك أنه كان لفرط إشفاقه على الحاكم ~~منعه من الركوب خوفا عليه ، ومنعه من العطاء لغير مستحق ، فثقل على الحاكم ~~، ولم يبق للحاكم في الأمر غير الاسم ، واستبد برجوان بالأمر ، وكان عند ~~الحاكم خادم اسمه ريدان الصقلبي كان قد اختص به وأنس إليه ، فشرع في إغراء ~~الحاكم على برجوان ، وكان من جملة ما قال : إن هذا ليقصد أن يفعل بك كما ~~فعل كافور الإخشيدي مع أولاد سيده ، فباطن الحاكم الحسين بن جوهر قائد ~~القواد على قتل برجوان ، ووعده أن يفوض إليه تدبير الأمر بعده ، ثم ركب ~~الحاكم وبرجوان في بعض الأيام إلى بستان اللؤلؤة على عادته ، فمال عليه ~~ريدان بسكين فضربه بها في ظهره وأخرجها من صدره ، فقال برجوان للحاكم : ~~غدرت ، فزعق على الخدام فاحتزوا رأسه ، فانزعج الناس لذلك ولبسوا السلاح ، ~~فسبق الحاكم فدخل القصر ، وحضر شكر الخادم والجند ظنا منهم أن الحسن بن ~~عمار تمم على الحاكم حيلة ، فلما رأى الحاكم ذلك تراءى للناس فترجلوا ~~وقبلوا الأرض ، وسكنت الفتنة ، PageV28P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" ثم فتح الحاكم القصر واستدعى أكابر الناس ~~وقال لهم : أنكرت علي برجوان وقتله ، واستدعى الحسين بن جوهر وأمره بصرف ~~الناس إلى منازلهم فصرفهم . وركب مسعود الحاكمي إلى دار برجوان فأحاط على ~~ما فيها ، وكان من جملة ما وجد ألف سروال ديبقي بألف تكة حرير ، وناهيك ~~بموجود يكون هذا من جملته . و إلى برجوان هذا تنسب حارة برجوان التي ~~بالقاهرة . واستقر الحسين بن جوهر في تدبير أمور الدولة في ثالث جمادى ~~الأولى من السنة . وقتل في أثناء الفتنة الحسن بن عمار الكتامي ، وتوفي جيش ~~ابن محمد بن ms6489 الصمصامة أمير الشام بدمشق في ثالث عشر ربيع الأول منها ، وندب ~~الحاكم لولايتها القائد تميم بن إسماعيل المعزي الملقب بفحل . ذكر ما شذ به ~~الحاكم بأمر الله وأمر به من الأمور الدالة على اضطراب عقله بعد أن استقل ~~بالأمر بمفرده . كان أول ذلك أنه نهى في سادس شهر رجب سنة تسعين وثلاثمائة ~~أن يخاطب الناس بعضهم بعضا بسيدنا أو مولانا ، وألا يخاطب بذلك غيره . وفي ~~إحدى وتسعين ، في شهر محرم ، أمر أن تزين مصر ويفتح الناس دكاكينهم ليلا ، ~~ولازم ركوب الخيل بالليل ، وكثر ازدحام الناس ، وصار البيع بالليل أكثر من ~~النهار ، وأكثر الناس الوفود . وغلب النساء على أزواجهم على الخروج ، فأمر ~~في رابع عشر الشهر ألا تخرج امرأة من العشاء لهذا السبب ، فلم يخرجن بعد ~~أمره . وفي سنة ثلاث وتسعين حصل للحاكم مرض المانخوليا ، فأخذ في قتل أرباب ~~الدولة وذوي المناصب وغيرهم ، وصدر عنه الأفعال 53 ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى بتواريخه على حكم السنين . ذكر بناء الجامع المعروف باسم راشده كان ~~ابتداء عمارته في سابع شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة ، وكان ~~سبب إنشائه أن أبا منصور الزيات الكاتب زرع هذا الموضع وبنى للنصارى فيه ~~كنيسة فرفع أمره للحاكم ، فأمر بهدم الكنيسة وأن يجعل موضعها مسجدا ، ثم ~~أمر PageV28P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" بالتوسعة فيه ، فخربت مقابر اليهود والنصارى ~~، وجمع فيه الجمعة لليلتين بقيتا من الشهر ، وبنى فيه منبر من الطين ، وصلى ~~فيه ابن عصفورة القارئ ثم ظهر بعد ذلك أن المحراب وضع على غير صحة فهدم ما ~~كان من ارتفاع البناء ، ثم بني عليه ما هو عليه الآن . ذكر بناء الجامع ~~المعروف بالحاكم الذي هو باب النصر وباب الفتوح بالقاهرة قد ذكرنا أن ~~العزيز بالله كان قد اختطته في سنة ثمانين وثلاثمائة ، ومات العزيز بالله ~~ولم تكمل عمارته ، فلما كان في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة ، لليلتين بقيتا ~~من جمادى الأولى ، أمر الحاكم بالله إتمامه ، وقيل إن الوزير يعقوب بن كلس ~~، وزير العزيز ، هو الذي بدأ بعمارته وقدر له ms6490 أربعين ألف دينار ، فاخرج له ~~خمسة آلاف دينار ومات ولم يكمل ، فابتدأ بعمارته في هذا التاريخ . وفي هذه ~~السنة قتل الحاكم مقداد ابن حسن كاتب جوهر ، ضرب عنقه وأحرق بالنار ، وفيها ~~لليلتين خلتا من ذي الحجة قتل ريدان الصقلبي الخادم ، وكان خصيصا به مكينا ~~عنده ، وإليه ينسب الريدانية التي هي بظاهر القاهرة خارج باب النصر ، وفيها ~~قتل منجمه العكبري صاحب الرصد الحاكمي وكان شديد الاختصاص به ، ونادي ~~مناديه بإباحة دم المنجمين ، وأنهم كفار ، فهربوا فلم يبق بالديار المصرية ~~منجم . وفي سنة أربع وتسعين وثلاثمائة ، اشتدت السوداء على الحاكم ، فصار ~~يركب في الهاجرة حمارة بلقاء والسياف بين يديه ، فيقتل من يخطر بخاطره قتله ~~. فقتل خلقا كثيرا وغرق وأحرق ، حتى قتل اركابية وأصحاب الستر والوزراء ~~والقضاة واستمر به هذا الحال PageV28P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" وفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائةفي رابع عشري ~~المحرم قرئ سجل من الحاكم بمنع الملوخية والمتوكلية والترمس المعفن والدليس ~~وعمل الفقاع ، وعن ذبح البقر ، وألا يدخل أحدا المنبر إلا بمئزر ولا تكشف ~~امرأة عن وجهها في طريق ولا خلف جنازة ، وألا يباع من السمك ما ليس له قشر ~~، وفي رابع صفر منها كتب على المساجد بسب الصحابة رضي الله عنهم ، وعلى ~~حيطان الشوارع والقياسر ، ثم نهى عن ذلك سبع وتسعين ، وأمر اليهود والنصارى ~~إلا الحبابرة بلبس السواد ، وأن يحمل النصارى الصلبان على أعناقهم ، وأن ~~يكون طول الصليب ذراعا وزنته عشرة أرطال ، وعلى أعناق اليهود قوامي الخشب ~~والجلاجل ، وألا يركبوا شيئا من المراكب المحلاة ، وأن يكون ركبهم من الخشب ~~وألا يستخدموا أحدا من المسلمين ولا يركبوا حمارا لمكار مسلم . وفي سابع ~~عشري صفر منها نودي بالقاهرة ألا يخرج أحدا بعد عشاء المغرب إلى الطريق ولا ~~يظهر بها . وفي سادس عشر شهر ربيع الآخر منها أمر بقتل الكلاب فقتلت عن ~~آخرها . وفي تاسع عشر جمادى الآخرة فتحت دار بالقاهرة وسميت دار الحكمة ، ~~وجلس فيها الفقهاء وحملت إليها الكتب من خزائن القصور ، ونسخ الناس من ~~الكتب ما اختاروه ، وجلس فيها القراء والفقهاء والنحاة ms6491 واللغويون ، ~~والأطباء والمنجمون ، بعد أن فرشت وزخرفت ، وعلقت الستور ، على جميع ~~أبوابها وممراتها ، وجعل لها قوام وخدام ، وحصل في هذه الدار من الكتب ~~والخطوط المنسوبة ما لم ير مثله ، وأجريت بها الأرزاق ، وفي هذه الشهر منع ~~الناس من العبور إلى القاهرة ركابا مع المكارية ، ومنع من PageV28P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" الجلوس على باب الزهومة إلى أقصى الباب ~~المعروف بباب الزمرد . وفي سنة ست وتسعين وثلاثمائة ، ركب الحاكم في موكبه ~~ومعه أرباب دولته فمر على الموضع الذي يباع فيه الأحطاب وقد تراكمت الأحطاب ~~فيه بعضها على بعض ، فوقف وأمر أن تؤجج النار في بعضها ، ثم أمر بقاضي ~~القضاة بمصر ، وهو الحسين بن النعمان ، فأنزل عن دابته ورمي به في تلك ~~النار حتى هلك ، ولم يتقدم له مقدمة توجب ذلك ، ثم مر كأن لم يصنع شيئا . ~~ذكر أبي ركوة وظهوره وما كان من أمره إلى أن قتل كان ظهوره في سنة خمس ~~وتسعين وثلاثمائة ، وأدعى أنه الوليد بن هشام بن عبد الملك بن عبد الرحمن ~~الأموي ، وتلقب بالثائر بأمر الله ، والمنتقم من أعداء الله ، ونحن الآن ~~نذكر أخباره وابتداء أمره ، وكيف تنقلت به الحال إلى أن كان منه ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى . كان مولده في الأندلس ونشأ بها بحال سيئة يجوب البلاد ~~إلى أن وصل إلى القيروان ، ففتح فيها مكتبا يعلم الصبيان فيه القرآن ، ثم ~~توجه منها إلى الإسكندرية ، ومنها إلى مصر فأقام بها وبأريافها يعلم ~~الصبيان ، ثم توجه إلى الفيوم وعلم بها الصبيان أيضا ، وعاد إلى مصر ، وخرج ~~إلى سبك الضحاك فنزل به على رجل يعرف بأبي اليمن ، ثم نزل بقرنفيل وسار ~~منها إلى البحيرة فنزل على بني قرة ، وكان PageV28P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" الحاكم قبل ذلك في سنة خمس وتسعين قد بعث ~~إليهم جيشا مقدمه أبو الفتيان التركي وقتل الحاكم بعضهم وحرقه بالنار ، ~~فوجدهم قد أجمعوا على أن يقتلوه ويحاربوه ، ولم يعلموا من يقدمونه عليهم ، ~~فعرفهم أبو ركوة أنه من بيت الخلافة ، فانقادوا إليه وبايعوه بالخلافة ، ~~ونعت بأمير المؤمنين ، وانضاف ms6492 إليهم من لوانة ومزاتة وزناتة جمع كثير ، ~~وجاءوا إلى مكان بالقرب من برقة . فلما بلغ الحاكم أمره جهز عساكره لقصده ، ~~فأول من خرج بها ينال الطويل التركي في منتصف شعبان سنة خمس وتسعين ~~وثلاثمائة ، فالتقوا واقتتلوا ، فقتل ينال وعامة من معه من العساكر ، ~~وغنموا ما معهم ، وسار أبو ركوة إلى برقة وأخذها بعد حصار ، فاستفحل أمره . ~~وشرع الحاكم في تجريد العساكر إليه ، فجهزها في ربيع الأول سنة ست وتسعين ~~وعليها ابن الأرمينية ، فسار إلى المكان المعروف بالحمام ، فلقيه بنو قرة ~~في جماعتهم فهزموه وقتلوه وانتهبوا ما كان معه . فندب الحاكم عسكرا وقدم ~~عليه أبا الحسن ابن فلاح وجلين وإبراهيم بن الإفرنجية ؛ ثم ندب القائد أبا ~~الفتوح فضل بن صالح لقتاله ، فخرج إلى أرض الجيزة في رابع شوال وأنفق في ~~العساكر ، وكوتب على بن الجراح ، بالوصول إلى الحضرة ، فورد من الشام في ~~سابع عشر شوال ، وورد الخبر بنهب الفيوم ، فبعث الحاكم سرية لحفظه ، وسار ~~الفضل بن صالح عن مكانه إلى ذات الكوم في رابع ذي القعدة ، وكسر أبو ركوة ~~عسكر ابن فلاح ونهب سواده والخزائن التي معه ، وقتل من أصحابه جماعة ؛ ~~فاضطرب الناس واشتد خوفهم ، وباتوا في الدكاكين والشوارع . وتوجه القائد ~~فضل بن للقاء أبي ركوة ، فالتقيا بموضع يعرف برأس البركة ، على نصف مرحلة ~~من مدينة الفيوم ، لثلاث خلون من ذي الحجة . واقتتل العسكران قتالا شديدا ~~وانجلت الحرب عن قتل عامة عسكر أبي ركوة ، وانهزم أبو ركوة إلى بلاد النوبة ~~وتبعه الفضل إلى الأعمال القوصية . وذكر بعض المؤرخين أن الحاكم لما أعياه ~~أمره دس إليه جماعة من أولياء دولته وأمرهم بطاعته ، وأن يذكروا انحرافهم ~~عن الحاكم بسبب قتله لهم ، ففعلوا ذلك ، فاغتر به ، ووصل معهم إلى أوسيم ~~على ثلاثة فراسخ من القاهرة ، فالتقى هو والفضل كما PageV28P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" ذكرنا ، وأتبعه ، فبلغه أنه وصل إلى بلاد ~~النوبة فكتب إلى متملكها يقول إن عدو أمير المؤمنين الحاكم في بلادك ، وكتب ~~إلى صاحب الجبل وهو نائب صاحب دنقلة ومقره ببلد الدو فيما بين ms6493 دنقلة وأسوان ~~، وندب الفضل من العسكر من توجه لقبضه ، وكان المساعد على مسكه الشيخ أبو ~~المكارم هبة الله ، شيخ بني ربيعة وقيل أنه وجد في دير يعرف بدير أبي شنودة ~~في أطراف النوبة ، فمسك ، وكان الطعن به في شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ~~وثلاثمائة . وعاد القائد فضل إلى القاهرة فوصل إلى بركة الجيش في يوم ~~الجمعة ، النصف من جمادى الآخرة منها ، وتلقاه أكابر الدولة الحاكمية ، ~~وركب في سابع عشر الشهر وأبو ر كوة على جمل وعلى رأسه طرطور ، وطيف به على ~~هذه الصفة وخلفه قرد يصفعه ثم صلب 55 وضربت عنقه وجهزت إلى البلاد . ونفل ~~بعض المؤرخين أنه لما اعتبرت الأكياس التي خرجت مع القائد فضل للقاء أبي ~~ركوة ، وكان زنتها فوارغ خمسة وعشرين قنطارا ، وقيل إن جملة ما انفق ألف ~~دينار والله أعلم . وفي سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة أمر الحاكم بقتل أصحاب ~~الأخبار حيثما وجدوا ، وذلك أن كان قد قتل خلقا كثيرا لسعايتهم ، ثم أطلع ~~على خيانتهم وأنهم صيروا ذلك معيشة ، فقتلهم عن أخرهم . وفيها أمر بهدم ~~كنيسة قمامة بالبيت المقدس ، فكتب ابن خيران صاحب ديوان الإنشاء في ذلك خرج ~~أمر الإمامة بهدم كنيسة قمامة ، فليصير طولها عرضا ، وسقفها أرضا . ~~PageV28P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" وفي سنة ثمان وتسعين أيضا ، في سابع عشري ~~شعبان ، عزل القائد حسين بن جوهر عن جميع ما كان يتولاه ، وكتب سجل بتولية ~~صالح بن علي بن صالح الروزباري فانصرف الحسين إلى داره وأمر بلزومها ، ثم ~~خلع عليه وركب في رابع جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة . وفي سنة ~~تسع وتسعين وثلاثمائة ، في يوم الجمعة التاسع من شهر رمضان ، حضر الناس إلى ~~القصر وقرئ سجل صالح بن علي لقب فيه بثقة الثقات للسيف والقلم ، وخلع عليه ~~، وقيد بين يديه بغلات وخيل . وفيها مرض الحاكم فداواه بن معشر ، فأعطاه ~~عشرة آلاف دينار . وفيها سخط الحاكم على وزيره ابن المغربي وقتله ، وقتل ~~أخاه وابنه ، وهرب ابنه الآخر إلى الشام ، وفيها في تاسع ذي الحجة أمر ~~الحاكم بهدم كنائس ms6494 القنطرة التي في طريق المقس وكنائس حارة الروم ، فهدم ~~جميع ذلك . وفي سنة أربعمائة ، في يوم الخميس حادي عشر شهر رمضان ، جمع ~~الأولياء . وأصحاب الدواوين في صحن الإيوان بالقصر ، وخلع على أبي نصر بن ~~عبدون ، وقرئ سجله ، ولقب بالكافي ، وولي مكان صالح بن علي بن صالح ~~الروزباري ، وكانت مدة ولاية صالح سنتين وأربعة عشر يوما . ذكر خروج آل ~~الجراح على الحاكم ومتابعتهم لأبي الفتوح الحسن بن جعفر الحسني وما كان من ~~أمرهم كان سبب ذلك أن نصر بن عبدون كان بينه وبين بني المغربي عداوة متمكنة ~~، فسعى بهم عند الحاكم وأغراه ، إلى أن أمر بضرب أعناقهم ، وذلك في ثالث ذي ~~القعدة سنة أربعمائة ؛ فقتل أخوي الوزير وولده وثلاثة من أهل بيته ، واستتر ~~الوزير أبو القاسم بن المغربي وهرب إلى الشام ، في تاسع ذي القعدة منها ، ~~والتجأ إلى حسان بن المفرج بن دغفل الجراح ، واستجار به فأجاره ؛ وانشده ~~عند دخوله عليه : أما وقد خيمت وسط الغاب . . . فليقسون على الزمان عتابي ~~يترنم الفولاذ دون مخيمي . . . وتزعزع الخرصان دون قبابي وإذا بنيت على ~~الثنية خيمة . . . شدت إلى كسر القنا إطنابي PageV28P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" وهي قصيدة مطولة مدح بها آل الجراح ، فلما ~~سمعها حسا هش لها وجدد من القول ما طاب به قلب الوزير وسكن جأشه . ثم حسن ~~ابن المغربي لبني الجراح أن يخرجوا على طاعة الحاكم ، فوافقوه ، على ذلك ، ~~وقتلوا تارتكين أحد الأمراء الحاكمية المقيم بالرملة ، ثم حسن لهم أن ~~يقيموا أبا الفتوح حسن بن جعفر الحسني خليفة ، وهو أمير الحرمين يومئذ ، ~~وأن يحضروه من مكة ، فأجابوه إلى ذلك ، وأرسلوا إلى مكة وأحضروه إليهم ، ~~فلما قرب أبو الفتوح من ديار بني الجراح خرجوا إليه وتلقوه ، وقبلوا الأرض ~~بين يديه ، وبايعوه بالخلافة ولقبوه بالراشد بالله ، فحينئذ صعد أبو القاسم ~~ين المغربي المنبر وخطب خطبة يحرض فيها الناس على الخروج على الحاكم ، ~~فأشار إلى مصر وقرأ : " طسم ، تلك آيات الكتاب المبين ، نتلوا عليك من نبأ ~~موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ، إن فرعون قد علا في ms6495 الأرض وجعل أهلها شيعا ~~يستضعف طائفة منهم بذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين ، ونريد ~~أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم من الوارثين ، ~~ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون " ~~فلما سمع الحاكم ذلك أزعجه ، فندب الجيوش لقتالهم ، مع ياروخ تكين العزيزي ~~، فاعترضه حسان بين رفح والداروم ، والتقوا واقتتلوا ، فانهزمت أصحاب ياروخ ~~تكين ، وأسره هو ونقل إلى الرملة ، وسمع غناء جواريه وحظاياه بحضوره وهو ~~مقيد معه في المجلس ، وارتكب معه الفواحش العظيمة ، ثم قتله صبرا بين يديه ~~. وبقي الشام لبني الجراح ، فشرع الحاكم 56 يأخذهم بالملاطفة ، وراسلهم ، ~~وبذل لهم الرغائب والأموال ، والأقمشة والجواري ، وقرر لكل واحد منهم خمسين ~~ألف دينار عينا ، واستمالهم عن أبي الفتوح ، فاتصل ذلك بأبي الفتوح ، فقال ~~لهم : إن أخي قد خرج بمكة ، وأخاف أن يستأصل ملكي بها ، فأعادوه إلى مكة في ~~شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة ، وكان الحاكم قد أرسل إلى الوزير أبي ~~القاسم المغربي وكتب له أمانا واستماله ، وبني على أهله تربا في القرافة ، ~~وهي ست ترب ، وتعرف بالسبع قباب إلى هذا الوقت . PageV28P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" ولما ورد أمان الحاكم على أبي القاسم وهو ~~مقيم عند بني الجراح أجابه برسالة وضمن لها بيتين : وأنت وحسبي أنت ، تعلم ~~أن لي . . . لسانا أمام المجد يبني ويهدم وليس كريما من تباس يمينه . . . ~~فيرضى ، ولكن من يعض فيحلم وسأل آل الجراح أن يجهزوه إلى العراق فجهزوا معه ~~من أخرجه من بلاد المغاربة ؛ وعاد بنو الجراح إلى طاعة الحاكم ، وأقام ابن ~~المغربي بالعراق إلى أن توفي بميافارقين في سنة ثمان عشرة وأربعمائة ، وحمل ~~إلى الكوفة فدفن فيها ، ولما فارق آل الجراح قدم بغداد وتقلد الوزارة لمشرف ~~الدولة بن بويه كما ذكرنا في أخبار الدولة البويهية . ذكر تفويض السفارة ~~والساطة لأحمد بن محمد القشوري وقتله وفي سنة إحدى ومائة في يوم الخميس ~~رابع المحرم استدعى الحاكم الناس على طبقاتهم إلى القصر فركبوا معه إلى ~~خارج باب الفتوح ، ثم عاد إلى ms6496 قصره وأمر من مكان بالموكب بالنزول إلى القصر ~~، فنزلوا وحضروا في الإيوان ، فخرج من عند الحاكم خادم فاخذ بيد أحمد بن ~~محمد المعروف بالقشوري الكاتب وأخرجه من بين القوم ، ثم عاد القشوري وقد ~~خلع عليه وبيده سجل ، فأخذه أبوعلي العباسي الخطيب وقرأه على الناس ، فإذا ~~هو يتضمن تقليده السفارة والوساطة بين الناس والحاكم ، وتفويض الأمور إليه ~~، وصرف ابن عبدون ، وأقام القشوري إلى الثالث عشر من الشهر ، فقبض عليه وقت ~~الظهر وهو في مجلس ولايته ، وضربت رقبته ، ولف في حصير ورمي ، فكانت ولايته ~~عشرة أيام ، وكان سبب ذلك إكرامه للقائد حسين بن جوهر وتعظيمه له وكثرة ~~سؤاله الحاكم في معناه . وفوضت هذه الوظيفة في يوم الأحد رابع عشر الشهر ~~لأبي الخير زرعة ابن PageV28P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" عيسى بن نسطورس النصراني الكاتب ، على عادة ~~من تقدمه ، ولم يخلع عليه إذ ذاك ، ثم خلع عليه في سابع عشر شهر ربيع الآخر ~~منها . وفي السادس والعشرين منه قرئ بجامع مصر سجل يتضمن النهي عن معارضة ~~الحاكم فيما يفعله ، وترك الخوض فيما لا يعني ، وإعادة حي على خير العمل ~~إلى الآذان ، وإسقاط الصلاة خير من النوم ، والنهي عن صلاة التراويح والضحى ~~. وفي ثاني عشر شهر جمادى الآخرة دخل قائد القواد حسين بن جوهر ، والقاضي ~~عبد العزيز بن النعمان إلى القصر ، وكان قد خلع عليهما في ثاني صفر ، فلما ~~أرادا الانصراف بعث إليهما زرعة بن نسطورس يقول إن الخليفة يريدكما لأمر ~~يختاره ، فجلسا حتى انصرف الناس ، فقتلا وقتل معهما أبوعلي أخو الفضل بن ~~صالح ، ووقعت الحوطة على دارهم . وفي سنة إحدى وأربعمائة قامت دعوة الحاكم ~~بالمدائن ، وهي على نصف مرحلة من بغداد ، وخطب له بمدينة الأنبار وقصر ابن ~~هبيرة ، من العراق بدخول مالك بن عقيل بن قراوش بن المقلد في طاعته وإظهار ~~تشيعه ، وذلك أيام الخليفة القادر العباسي ثم بلغ قراوش بن المقلد اختلال ~~الحاكم وقتله أرباب الدولة وأن المانخوليا قد غلبت عليه ، فأعاد الخطبة ~~العباسية . وفيها قام بدعوة الحاكم بمدينة الجامعين وهي الحلة وما جاورها ms6497 ~~من العراق الأمير علي بن مزيد الأسدي ، وكان قد هزم خفاجة واستولى على ~~بلادهم وخطب فيها للحاكم . وفي سنة اثنتين وأربعمائة تاب الحاكم ونهى عن ~~شرب الخمر وعن كل ما يعمل PageV28P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" منه ، كالزبيب والعسل ، ونفى المغاني ، وحرم ~~الملوخية ، ومنع أن تقبل الأرض بين يديه ، وأن تقبل يده ، وأن يخاطب مولانا ~~، واقتصر على قولهم السلام على أمير المؤمنين . وفي سنة ثلاث وأربعمائة ~~قطعت كروم العنب بأسرها ورميت إلى الأرض ودرست بالبقر ، وجمع ما كان من ~~الخمر بالمخازن وأريق في البحر ، وفيها كسرت جرار العسل ؛ وأمر اليهود ~~والنصارى بلبس العمائم السوداء إلا الحبابرة ، ومنعوا أن يستخدموا المسلمين ~~، وأن يركبوا مع المكاريه ، وإذا دخل النصراني الحمام يكون الصليب في عنقه ~~، واليهودي الجلجل ، ثم أفرد بعد ذلك حمامات النصارى وحمامات اليهود ، ~~وأسلم جماعة من النصارى في شهر ربيع الأول . وفيها في شهر ربيع الآخر شدد ~~الحاكم على النصارى واليهود في حمل الصلبان ، وأن يكون الصليب في طول ذراع ~~وزنته خمسة أرطال ، فلما اضر ذلك بهم دخلوا في دين الإسلام . وفيها في شهر ~~رمضان أمر الحاكم ببناء مصلى العيد بسفح المقطم وأحسن بناءه ، وكان قبل ذلك ~~ضيقا صغيرا ، فهدمه الحاكم وبناه على ما هو عليه الآن . ذكر هدم كنائس ~~الديار المصرية وفي العشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة أمر ~~الحاكم بهدم جميع الكنائس بالديار المصرية فسأل جماعة من النصارى أن يتولوا ~~هدم كنائسهم بأيديهم وأن يبنوا مساجد ؛ فوهب الحاكم جميع الكنائس بجميع ما ~~فيها من أواني الذهب والفضة وغيرها من الحواصل والمآكل ومالها من رباع ~~وأملاك لجماعة الصقالبة والفراشين والسعدية ، ولم يرد من سأله شيئا منها ، ~~وكوتب كل متصرف في عمل من الأعمال بهدم ما في علمه من الكنائس ، فهدمت من ~~جميع أعمال الديار المصرية . وفي ثالث شعر رجب منها قرئ سجل بتحبيس ضياع ~~ومواضع على الفقراء والفقهاء والمؤذنين بالجوامع . وفي رابع عشر جمادى ~~الآخرة منها أمر الحاكم بعمل رصد بالقرافة ، فنزل القاضي مالك بن سعد واشرف ~~على الرصد وابتدأ ms6498 بعمله ولم يتم . PageV28P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" ذكر البيعة بولاية العهد لأبي القاسم عبد ~~الرحيم وفي ثالث شهر ربيع الأول ، سنة أربع وأربعمائة عهد الحاكم بولاية ~~العهد بعده لابن عمه أبي القاسم عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدي ~~فبويع بولاية العهد ، وكتب اسمه على السكة ، ودعي له في المنابر ، وفيها ~~منع الحاكم النساء من الخروج مطلقا لا ليلا ولا نهارا ، ومن دخول الحمامات ~~، وطلوع الأسطحة ، ومنع الأساكفة من عمل الخفاف لهن ، وشدد في ذلك ، فشكى ~~إليه التجار من ذلك ، فأمرهم أن يحملوا ما يبيعونه في الأسواق ويطوفوا به ~~في الدروب ويبيعوا النساء ، وأن يكون للمرأة شيء مثل المغرفة بساعد طويل ~~تتناول ما تبتاعه من الرجل ، ثم أمر بإطلاق العجائز والإماء في يوم الخميس ~~تاسع شهر رمضان منها ، فخرج بعض النساء إلى القصر داعيات للحاكم ، فعلم بهن ~~فأعاد المنع والتشدد في يومه ، ولم يسمح إلا للنساء المتظلمات للشرع ، ~~والخارجات للحج ، والإماء للبيع ، والأرامل ، وغواسل الأموات ، والأرامل ~~اللواتي يبعن الغزل . ذكر إحراق مصر وقتال أهلها كان سبب ذلك أن الحاكم ركب ~~في ذي القعدة سنة عشر وأربعمائة ، فوجد امرأة متردية عممت من قراطيس ، وفي ~~يديها ورقة فيها سب للحاكم وأسلافه وذكره بقبيح الأفعال ، فلما وقف عليها ~~أمر بنهب مصر وحرق بعض دورها ، وفرق السلاح على السودان والعبيد ، فتبادورا ~~على إليها وفعلوا ما أمرهم به ، فقام أهلها وقاتلوا قتالا شديدا ثلاثة أيام ~~، ثم أرسلوا إلى الحاكم يستقيلون فلم يقلهم ، فعادوا القتال ، وأحرق من مصر ~~جانب جيد ، فلما رأى الحاكم أن الأمر يؤول إلى التلاف كف عنهم بعد أن تلف ~~من العقار ما تحصى قيمته ، وسير عيادا الصقلبي إليها في جماعة من الجند ~~لتسكين الفتنة ، فشاهد أمرا عظيما ، فعاد إلى الحاكم وذكر له قبح النازلة ~~PageV28P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" وعظيم الفادحة وقال : لو أن بسيل ملك الروم ~~دخل مر لما استحسن أن يفعل فيها هذا الفعل ، فغضب الحاكم من كلامه وأمر ~~بقتله ، فقتل . وفي سنة عشر وأربعمائة أمر الحاكم وولي العهد ، عبد الرحمن ~~بن ms6499 إلياس بالخروج إلى دمشق واليا عليها ، ثم عزله في شهر ربيع الآخر سنة ~~إحدى عشرة وأربعمائة . وفي شهر رجب 58 منها اشتد غضب الحاكم على أهل مصر ~~فأحرق الساحل ، ووقع النهب في الأسواق والقياسر . وسنذكر إن شاء الله السبب ~~الذي أوجب خروج الحاكم على أهل مصر إلى أن فعل بهم ما فعل . ذكر غيبة ~~الحاكم بأمر الله وعدمه والسبب الذي نقل في إعدامه ، وشيء من أخباره وسيرته ~~غير ما تقدم قال المؤرخ : لما كان في آخر ليلة الاثنين السابع العشرين من ~~شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة ، ركب الحاكم حماره وخرج على جاري عادته ، ~~فأصبح عند قبر الفقاعي بقرافة مصر ورد من كان معه ، ففقد من ذلك الوقت ، ~~ولم يزل الناس يخرجون ويلتمسون رجوعه إلى يوم الخميس سلخ الشهر ، ثم خرج ~~مظفر حامل المظلة في يوم الأحد الثالث من ذي القعدة ومعه جماعة من الأمراء ~~والكتاميين إلى حلوان ، وأمعنوا بالكشف ، فبينما هم كذلك إذ بصروا بالحمار ~~الذي كان الحاكم قد خرج عليه وهو على قرنة الجبل ، وقد ضربت يداه بالسيف ~~فأثر فيهما ، فتتبع الأثر فإذا أثر الحاكم وأثر آخر خلفه وآخر أمامه ، ~~فقصوه حتى انتهوا إلى بركة القصب شرقي حلوان ، فأنزلوا رجلا من الرجالة ~~فوجد ثياب الحاكم في البركة ، وهي سبع جباب مزررة لم بحل أزرارها ، وفيها ~~أثر السكاكين فعادوا إلى القصر ولم يشكوا بقتله . وأما السبب الذي نقل في ~~إعدامه فقالوا : أن السبب في ذلك أن ست لملك أخت الحاكم وقع بينها وبينه ، ~~فتنكر لها وهم بقتلها ، وكرهت بعض أمورا صدرت منه منها أنه رأى بعض ~~قهارمتها داخلة إلى القصر ، فقال لها : قد سمعت أنكم تجمعون الجموع ~~PageV28P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" وتدخل إليكم الرجال ، والله لأقتلنكم أجمعين ~~. وتكرر هذا القول منه فأعملت ست الملك الحيلة في إعدامه ، وخرجت ليلا إلى ~~دار الأمير سيف الدين حسن بن دواس ، فدخلت عليه واختلت به وعرفته بنفسها ~~أنها ابنة العزيز أخت الحاكم ، فعظمها ، وبالغ في إكرامها ، فقالت له : إنك ~~قد علمت ما فعل أخي وما ms6500 صدر منه من سفك الدماء وقتل الأولياء ووجوه الدولة ~~بغير سبب ، وقد عزم على قتلك وقتلي . فقال لها : فكيف الحيلة في أمره ، ~~فأشارت : أن تجهز إليه رجالا يقتلونه إذا خرج إلى حلوان فإنه ينفرد بنفسه ~~هناك ، ووعدته أن يكون هو المدبر لدولة ولده والوزير لها ، فاتفقا على ذلك ~~وتحالفا عليه ، ورجعت هي إلى قصرها . فلما ركب الحاكم وانفرد عند وصوله ~~المقطم على عادته ، كان ابن دواس قد احضر عشرة من العبيد ، وأعطى كل واحد ~~منهم خمسمائة دينار ، وحلفهم ، وعرفهم كيف يقتلونه ، فسبقوه إلى الجبل في ~~تلك الليلة ؛ فلما انفرد خرجوا إليه وقتلوه بالمكان الذي ذكرناه ، وخرج ~~الموكب لتلقيه على العادة ، فطال انتظارهم له فلم يرجع ، فعادوا ؛ ثم خرجوا ~~ثانيا وقصوا الأثر ، فوجد حماره وثيابه ، كما ذكرناه ، فعادوا إلى القصر ~~وطلبوه من أخته ست الملك وقالوا إن مولانا ما جرت عادته بهذا ، فقالت لهم : ~~إن رقعته قد وصلت إلينا أنه يأتي بكرة الغد ، فتفرقوا . فبعثت الأموال إلى ~~وجوه الدولة والقواد على يد ابن دواس ، وبقي الأمر مستمرا والحال متماسكا ~~إلى عاشر ذي الحجة من السنة ، فجرى بين العساكر وبين ست الملك كلام كثير ~~أوجب أنها أخرجت إليهم ولده أبا الحسن عليا في يوم الأضحى فبايعه الناس ، ~~على ما نذكر إن شاء الله تعالى في أخباره ، هذا ما حكي في سبب إعدامه . ~~وأما سيرته وأفعاله وأخباره فقد قدمنا منها على حكم السنين ما قدمناه ، ~~فلنذكر خلاف ذلك . PageV28P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" قال المؤرخ : كان الحاكم سيئ الإعتقاد ، كثير ~~التنقل من حال إلى حال . كان في ابتداء أمره يلبس الثياب الفاخرة والمذهبة ~~، والعمائم المنظومة بالجوهر النفيس ، ويركب السروج المحلاة ، ثم ترك ذلك ~~على تدريج أن يتنقل منه إلى لباس المعلم غير المذهب ، ثم لباس الساذج ، ثم ~~زاد به الأمر حتى لبس الصوف والشواشي وركب الحمير ، وأظهر الزهد ، وكثر ~~استطلاعه على أخبار الناس ، فلم يخف عليه خبر رجل ولا امرأة من حواشيه ~~ورعيته وكان يأخذ بيسير الذنوب ، ولا يملك نفسه عند الغضب ، أفنى خلقا ~~كثيرا ms6501 ، وأقام هيبة عظيمة ، وكان مع طغيانه المستمر وفتكه ، وسفكه للدماء ، ~~وظلمه ، يركب وحده تارة وفي الموكب أخرى ، وفي المدينة طورا وفي البرية ~~آونة ، والناس كافة على غاية الهيبة له والخوف منه ، وهو بينهم كالأسد ~~الضاري . ثم عن له أن يدعي الإلهية ، ويصرح بالحلول والتناسخ ، ويحمل الناس ~~عليه ، وألزم الناس أن يسجدوا له مدة إذا ذكر ، فلم يذكر في محفل أو غيره ~~إلا سجد من سمع بذكره ، وقبل الأرض إجلالا له 59 ثم لم يرضه ذلك . فلما كان ~~في شهر رجب سنة تسع وأربعمائة ظهر رجل يقال له حسن ابن حيدرة الفرغاني ~~الأخرم يرى حلول الإله في الحاكم ويدعو إلى ذلك ، ويتكلم في إبطال النبوة ، ~~ويتأول جميع ما وردت به الشريعة ، فاستدعاه الحاكم وقد كثر تبعه ، وخلع ~~عليه خلعا سنية ، وحمله على فرس بسرجه ولجامه ، وركبه في موكبه وذلك في ~~ثاني شهر رمضان منها . فبينما هو يسير في الموكب في بعض الأيام تقدم إليه ~~رجل من الكرخ وهو على جسر طريق المقس فألقاه عن فرسه ، ووالى الضرب عليه ~~حتى قتله وارتج الموكب ، وأمسك الكرخي فأمر الحاكم بقتله ، فقتل لوقته ، ~~ونهب الناس دار الأخرم في القاهرة . وكان بين الخلع عليه وقتله ثمانية أيام ~~، ثم ظهر رجل من دعاته في سنة عشر وأربعمائة يقال له حمزة اللباد ، أعجمي ~~من الزوزن ، ولازم الجلوس في المسجد الذي عند سقاية ريدان خارج باب النصر ، ~~وأظهر الدعاء إلى عبادة الحاكم وأن الإله حل فيه ، واجتمع الناس إليه جماعة ~~من غلاة الإسماعيلية ، وتلقب بهادي المستجيبين . وكان الحاكم إذا ركب إلى ~~تلك الجهة خرج إليه من المسجد وانفرد به وحادثه ، وتمادى على PageV28P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" ذلك فارتفع شأنه ؛ وأتخذ لنفسه خواص لقبهم ~~بألقاب ، منهم رجل لقبه بسفير القدرة وجعله رسولا له ، وكان يرسله لأخذ ~~البيعة على الرؤساء على اعتقاده في الحاكم ، فلم يمكنهم مخالفته خوفا على ~~نفوسهم من بطشه . ثم نبع شاب من مولدي الأتراك اسمه أنوشتكين النجاري ، ~~ويعرف بالدرزي ، فسلك طريق الزوزني وكثرت أتباعه ، وكان الحاكم أيضا يقف ms6502 ~~معه ويخلو به ؛ وسمى نفسه سند الهادي وحياة المستجيبين . واستمر الأمر على ~~ذلك إلى الثاني عشر من صفر ، سنة إحدى عشرة وأربعمائة ، فاجتمع جماعة من ~~أصحاب حمزة الزوزني على خيول وبغال ، ودخلوا الجامع العتيق ركبانا وهم ~~يعلنون بمذهبهم ، وجاء ثلاثة منهم إلى الموضع الذي يجلس فيه قاضي القضاة ، ~~والمتحاكمون جلوس ينتظرونه ، فتكلموا بكلام أنكره الناس وضجوا بالتكبير ~~والتهليل والثناء على الله عز وجل ، واجتمع أهل مصر بالجامع من كل جهة ، ~~ومضى بعض الناس للقاء القاضي فلقوه وعرفوه ما جرى ، فجاء إلى المجلس ، ~~فتقدم إليه أحد الثلاثة فناوله رقعة الزوزني في أولها بسم الحاكم الله ~~الرحمن الرحيم يأمره فيها بالاعتراف بإلهية الحاكم ، فلم يجبه القاضي بشيء ~~سوى أن قال حتى أدخل إلى حضرة مولانا فطاوله الكلام ، فقتله العوام وقتلوا ~~رفيقيه والجماعة الذين بالجامع أبرح قتل ، ووثب العوام على قوم كانوا ~~يعرفونهم بهذا المعتقد فقتلوا من وجدوه منهم وحرقوه . فلما اتصل ذلك ~~بالحاكم أمر بعزل صاحب الشرط وولى غيرهم ، وأمرهم بطلب من اعتدى على أصحاب ~~الزوزني ، فقبضوا على جماعة منهم يناهزون الأربعين ، فقتلوا في أوقات ~~متعددة . واجتمع الأتراك وقصدوا دار الزوزني فغلقها عليه وعلى من عنده ، ~~وقاتلهم من أعلاها ، فهدموا ونهبوا ما فيها ، وقتلوا نحو من الأربعين رجلا ~~ممن كان معه فيها ، وفر الزوزني فلم يقدر عليه ، ودخل إلى القصر ، فأخفاه ~~الحاكم فيه ، فاجتمع الأتراك ولبسوا سلاحهم وطلبوه من الحاكم ، فوعدهم ~~بتسليمه لهم ، فانصرفوا ، ثم ركبوا في اليوم الثاني وطلبوه منه ، فخرج ~~جوابه لهم أنه قتل ، فرجعوا إلى ريدان في طلب PageV28P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" الزوزني فلم يجدوه ، وأظهر الحاكم الغضب على ~~كافة الجند طول شهر ربيع الأول ، ثم رضي عنهم في الرابع من شعر ربيع الآخر ~~. وتحقق الحاكم أن أول من جرأ عليه العسكر وحملهم على قتل دعاته أهل مصر ، ~~فأمهلهم حتى دخل جمادى الآخر ، ثم ابتدأ في التدبير عليهم . فأول ما عمل أن ~~سلط عليهم الرجالة ومقدمي السودان وغيرهم ، وقرر معهم أن ينزلوا إلى مصر ~~على هيئة المناسر ، فيكسبون الحمامات ومنازل ms6503 أهل مصر ، فكانوا يفعلون ذلك ~~نهارا . وتكرر ذلك منهم ، فاجتمع الناس ووقفوا للحاكم وسألوه أين يكف عنهم ~~أيديهم ، فما أجابهم بجواب فتزايد بهم الضرر إلى أن بقيت الرجالة تكبس ~~مساكنهم ويأخذون ما فيها ، ويعرونهم في الطرقات ، ويفتحون دكاكين البزازين ~~وغيرهم ، وينهبون ما فيها ويحرقون أبوابها بعد ذلك ، والناس يستغيثون فلا ~~يغاثون ، ثم نزل بعد ذلك جمع كثير من بعد أن غلقت الدروب ، وكانت بقيت تغلق ~~من النحاسين والأبزاريين والسكريين ودار الشمع ، وغير ذلك مما تقرب من هذه ~~الأسواق ، وأخذوا ما أرادوا منها ، وأفسدوا بقية ما فيها ، فكانوا يخلطون ~~العقاقير والأصناف بعضها ببعض ، والمياه المختلفة بالزيت ، ويفسدون ما لا ~~يمكنهم حمله ، وطرحوا النار في أبواب القياسر المجاورة للجامع بعد ذلك ، ~~فأخذ الناس في الانتقال إلى القاهرة ، وضجوا بالابتهال إلى الله تعالى في ~~كشف ما بهم من البلاء . قال : وكان الحاكم قبل ذلك قد ضيق على النصارى ~~واليهود كما 60 قدمناه ، وأمرهم بالتظاهر بالإسلام ، فأسلم بعضهم وهرب ~~بعضهم إلى بلاد الروم ، وهدم جميع الكنائس ، فلما كان في شهر جمادى الآخرة ~~سنة إحدى عشرة وأربعمائة ، أذن لهم بالرجوع إلى دينهم ، فارتدوا ، وأذن لهم ~~ببناء الكنائس فأعادوها ، فاشتد غضب العسكر وحنقهم ، فاجتمع الأتراك ~~والكتاميون وتحالفوا على قتل الرجالة الذين فعلوا بالمصريين ما فعلوا ، ~~فوقع اقتتال بينهم ، فقتل الرجالة أبرح قتل ، ورأى أهل مصر فيهم وفي حرمهم ~~ومنازلهم PageV28P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" ما أسلاهم ، عما جرى عليهم . وتمادى الحال ~~على ذلك والحرب قائمة بينهما ، والحاكم على حاله في ركوبه وهيبته ، فإذا ~~بلغه ركوبهم للحرب تركهم تارة وجاء أخرى ، فإذا رأوه تفرقوا لهيبته . ولم ~~يزل الأمر على ذلك إلى أن فقد الحاكم في التاريخ الذي ذكرناه . ذكر مولد ~~الحاكم ومدة عمره وملكه وأولاده وكتابه ووسائطه وقضاته ونقش خاتمه كان ~~مولده بالقاهرة في يوم الخميس لست بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمسين وسبعين ~~وثلاثمائة ، فكانت مدة عمره ستا وثلاثين سنة وستة أشهر ويومين ، ومدة ~~ولايته خمسا وعشرين سنة وشهر واحدا إلا ثلاثة أيام إلى يوم ركوبه الذي ms6504 عدم ~~فيه . أولاده : أبو الحسن علي ، وهو الظاهر أبو الأشبال الحارث ، مات في ~~حياته لعشر بقين من ربيع الآخر سنة أربعمائة كتابه ووسائطه : أمين الدولة ~~أبو محمد الحسن بن عمار ، ثم الأستاذ برجوان الخصي إلى أن قتل ، ثم استقل ~~الحاكم بالأمر وولي من ذكرناهم وغيرهم . وكتب له أبو العلاء فهد بن إبراهيم ~~النصراني . قضاته : أبو عبيد الله محمد بن النعمان إلى أن توفي في سنة تسع ~~وثمانين وثلاثمائة ، وأقام الناس بغير قاض تسعة عشر يوما ؛ ثم ولي أبا عبد ~~الله الحسن ابن علي بن النعمان إلى أن صرفه في شهر رمضان سنة أربع وتسعين ؛ ~~وولي أبا القاسم عبد العزيز ين محمد بن النعمان ثم صرفه ، في شهر رجب سنة ~~ثمان وتسعين ، وولي مالك ، بن سعيد إلى PageV28P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" أن قتله في سنة خمس وأربعمائة ، لأربع بقين ~~من شهر ربيع الآخر ، وأقام الناس بغير قاض إلى أن ولي أبا العباس أحمد بن ~~محمد بن عبد الله بن أبي العوام في يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادي ~~الآخرة منها إلى آخر وقت . نقش خاتمه : بنصر العلي الولي ينتصر الإمام ~~أبوعلي . ذكر بيعة الظاهر لإعزاز دين الله هو أبو هاشم ، وقيل أبو الحسن ، ~~علي بن الحاكم ، وهو السابع من ملوك الدولة العبيدية ، بويع له بعد أن تحقق ~~الناس عدم الحاكم بأمر الله في يوم الأضحى من سنة إحدى عشرة وأربعمائة ، ~~وأقام الناس منذ فقد الحاكم في سابع عشر شوال منها إلى هذا التاريخ بغير ~~خليفة ، وست الملك ، ابنة العزيز وأخت الحاكم ، تدبر أمور الدولة ، وتسكن ~~الجيوش ، وتفرق الأموال على يد الأمير سيف بن دواس ، ثم جرى بينها وبين ~~العساكر كلام كثير أوجب أنها أخرجت إليهم أبا هاشم هذا وقت الظهر من يوم ~~الأضحى ، فبايعه الناس وازدحموا عليه ، فركب تحت الأرض في السرداب إلى قصر ~~الذهب ، وخرج من بابه إلى العيد ، فأجلسته وقالت : هذا خليفتكم ، فلما رآه ~~ابن دواس قبل الأرض وسلم عليه بالخلافة ، فبايعه الأمراء والأجناد ، ولقب ~~الظاهر لإعزاز دين ms6505 الله . وكتبت الكتب لسائر الأعمال بأخذ البيعة ، وجمعت ~~ست الملك الأجناد وأحسنت إليهم ، ورتبت الأمور أحسن ترتيب ، وعدلت عن ولي ~~العهد إلياس بن داود بن المهدي وجئ وبايع والسيف على رأسه ، وحبس ، وكان ~~آخر العهد به ، وكان يشار إلى الخلافة إلى عبد الرحيم بن إلياس ابن أحمد بن ~~المهدي ، فأدخل عليه الشهود وهو يتشحط في دمه فأشهدهم أنه فعل ذلك بنفسه . ~~ثم قضى نحبه وقام ابن دواس بتدبير الدولة هو العزيز PageV28P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" عمار بن محمد ، وكانا لا يصدران إلا عن رأي ~~ست الملك عمة الظاهر . مقتل الحسين بن دواس قال : لما استقر أمر الظاهر ~~لإعزاز دين الله وسكنت الأحوال خرج من القصر خصي وبيده سيف مجرد ، واستدعى ~~وجوه الدولة ، والوزير في دسته والحسين بن دواس إلى جانبه . فقال الخصي أمر ~~مولانا أن يقتل بهذا السيف قاتل مولانا الحاكم ، فنادوا بالسمع والطاعة ~~فصبه على ابن دواس فقتله ، ولم يختلف اثنان . وقيل إنه لما قتل في شهر رجب ~~سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ، والله أعلم وباشرت السيدة ست الملك للأمور ~~بنفسها وقامت هيبتها عند الناس . وفي ثالث عشر ذي الحجة من السنة ، في ~~اليوم الرابع من بيعة الظاهر ، قرئ لأصحاب الأخبار أنهم لا يعرفون مالا ~~فائدة فيه مما كان ينهى إلى الحاكم . وفي يوم الاثنين سابع يوم الحجة منها ~~ركب القاضي عبد العزيز بن النعمان ومعه جماعة توجهوا نحو الجبل لافتقاد ~~الحاكم وعادوا . وفي يوم الخميس لعشرين منه أقيمت المآتم في القصر وسمع ~~الصراخ واتصل بالليل ، وأصبح الناس على وجل ، وأغلقت أبواب القاهرة . وفي ~~المحرم سنة اثنتي عشرة وأربعمائة سومح بمكس الفقاع ، وكان مبلغه في الشهر ~~سبعمائة دينار . وفي حادي عشر ذي القعدة ، سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ، توفيت ~~ست الملك ابنة العزيز ؛ وكان مولدها في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ~~ببلاد المغرب ، وكانت من الدهاة . وفي سنة أربع عشرة وأربعمائة ظهر ببلاد ~~الفيوم بركة ينصب إليها الماء ، فاستخرج منها سمك بلطي ، ومقدارها أربعة ~~آلاف فدان . وفي شهر ربيع الآخر سنة ms6506 خمس عشرة وأربعمائة ورد الخبر بإقامة ~~الدعوة الظاهرية بالموصل والبصرة والكوفة وأعمال المشرق . وفيها وردت ~~الأخبار أن سنان بن صمصام الدولة وصالح بن مرداس جمعا PageV28P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" العساكر وحشدا العربان لحصار دمشق ، وأنهم ~~حاصروها وقطعوا أشجارها وقتلوا فلاحي الضياع وتقرر الحال أن يقاتل العوام ~~يوما وعسكر السلطان يوما ؛ واتصلت الحرب بينهم وقتل جمع عظيم ، وحاصر صالح ~~بن مرداس حلب ؛ واضطربت أحوال الشام بأسره ، وتغلبت الحرب عليه ، وطلب سنان ~~من أهل دمشق ثلاثين ألف دينار ويرتحل عنهم ، فأجابه أهل البلد لذلك ، ~~فمنعهم الشريف ابن الحسن وأشار بنفقتها في عياري البلد ، فأنفقوها وقاتلوا ~~قتالا شديدا ، فقتل من العرب جمع كثير . وطلب العرب الصلح فأجيبوا إليه ، ~~ثم عادوا إليها في الوقت برأي ابن الجراح . ووصل الخبر من جهة بني قرة ، ~~عرب البحيرة ، أنهم أقاموا عليهم إنسانا ببرقة ولقبوه بأمير المؤمنين . وفي ~~الحادي والعشرين من ذي الحجة سنة خمس عشرة وأربعمائة اجتمع من العبيد ألف ~~عبد عند سفح المقطم وقصدوا نهب مصر ، فأركب الظاهر لإعزاز دين الله من ~~حفظها ، وأمر أهل مصر بقتل من ظفروا به منهم ، ونهبوا في اليوم الثاني ~~أطراف مصر ، فقاتلهم الناس فانهزموا . وفي سنة سبع عشرة وأربعمائة جرد ~~الظاهر أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري من مصر بعساكر كثيرة لدفع العرب عن ~~الشام ، وخرج الظاهر لتوديعه . وسار في سبعة آلاف فارس غير العرب ، وعيد ~~عيد الأضحى بالرملة ، وجمع العساكر ، فلما بلغ حسان بن مفرج خروجه بعث إلى ~~صالح بن مرداس فأتاه من حلب في بني كلاب ، ووقعت الحرب بينهم بالأقحوانية ~~من عمل طبرية يوم الأربعاء لخمس بقين من شهر PageV28P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" ربيع الآخر سنة عشرين وأربعمائة . فطعن صالح ~~بن مرداس ، فسقط عن فرسه ، فقتل ، فحمل رأسه إلى أمير الجيوش . فعندها ~~انهزم حسان ، وقتل من أصحابهم مقتلة عظيمة ، وهرب أصحاب صالح إلى بعلبك ~~وحمص وصيدا وحصن عكار . واستولى نصر بن صالح وأخوه ثمال على حلب وأعمالها ~~وبالس ومنبج وسار الدزبري حتى أتى دمشق ، ثم إلى حلبن فظفر بشبل الدولة نصر ~~بن ms6507 صالح فقتله ، ثم عاد إلى دمشق فأقام بها وعلت منزلته . ذكر وفاة الظاهر ~~لإعزاز دين الله على ابن الحاكم بأمر الله وشيء من أخباره كانت وفاته في ~~ليلة الأحد النصف من شعبان المكرم من شهور سنة سبع وعشرين وأربعمائة ببستان ~~الدكة بالمقس ، فركب الوزير صفي الدين أبو القاسم علي الجرجرائي إلى ~~البستان ، وحمل الظاهر منه إلى القصر . وكان مولد الظاهر في يوم الأربعاء ~~لعشر خلون من شهر رمضان المعظم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة . وكانت مدة عمره ~~إحدى وثلاثين سنة وأحد عشرا شهرا وخمسة أيام ، ومدة ملكه خمس عشرة سنة ~~وثمانية أشهر وستة أيام ، وكان أجمل الناس صورة . وتولى غسله قاضي القضاة ~~عبد الحكيم ، ومعه ظاهر عبد الخالق بن أحمد PageV28P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" ابن المهدي شيخ القرافة ، وصلى عليه قاضي ~~القضاة وأخذه سبله ، قال واستمرت النوائح تنحن عليه مدة شهر . وكان كريما ~~مشتغلا 62 بملذاته معولا على وزيره . ولده أبو تميم معد المستنصر بالله ، ~~وهو الذي ولي الأمر من بعده على ما نذكره . وزراءه ووسائطه : أبو الحسين ~~عمار بن محمد ، أحد وسائط أبيه الحاكم بأمر الله ، إلى أن زال أمره في ذي ~~القعدة سنة اثنتي عشرة وأربعمائة ، ثم قتل ؛ وتولى الوساطة أبو الفتوح موسى ~~بن الحسن ، وذلك في المحرم سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ، إلى أن قبض عليه في ~~العشرين من شوال وقيل صبيحته ؛ وتولى الوزارة عميد الدولة أبو محمد الحسن ~~بن صالح الروزباري ، أحد وسائط الحاكم بأمر الله ، ثم عزل في سنة ثماني ~~عشرة وأربعمائة بالوزير القاسم علي بن أحمد الجرجرائي إلى آخر المدة ، ولقب ~~بالوزير الأجل والأوحد صفي الدين ؛ وكان أقطع اليدين ، وتمكن من الظاهر ~~تمكنا عظيما ، حكى من تمكنه أنه كان بينه وبين خليل الدولة بن العداس عدواه ~~، فاتفق أن خليل الدولة سأل الظاهر لإعزاز دين الله أن يشرفه بزيارته ببركة ~~الحبش فأجابه الظاهر إلى ذلك وحضر عنده ، فاغتنم ابن العداس الفرصة وجعل ~~يذكر للظاهر مثالب الوزير . فسد عليه الظاهر مسامعه وقال لابن العداس : أني ~~وإن رعيت حق تشريفي ms6508 إياك بزيارتي فما أترك حق من أرتضيه لوزارتي ، ولا بد ~~أذكر له طرفا من ذلك ، فاذكر خيرا لأحكيه له . فرجع عن ذكر مثالبه وأثنى ~~عليه ، فذكر الظاهر للوزير عنه خيرا ، فكان ذلك سبب الصلح بينهما ، وسنذكر ~~إن شاء الله تعالى أخبار الوزير الجرجرائي مستوفاة عند ذكر وفاته في سنة ست ~~وثلاثين في أخبار المستنصر . ذكر بيعة المستنصر بالله هو أبو تميم معد بن ~~الظاهر لإعزاز دين الله أبي هاشم علي ، بن الحاكم بأمر PageV28P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" الله أبي علي المنصور ، بن العزيز بالله أبي ~~المنصور نزار ، بن المعز لدين الله أبي تميم معد ، بن المنصور بنصر الله ~~أبي طاهر إسماعيل ، بن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد ، بن المهدي عبيد ~~الله . وهو الثامن من ملوك الدولة العبيدية وهو الخامس من ملوك مصر والشام ~~منهم . بويع له صبيحة يوم الأربعاء لاثني عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة سبع ~~وعشرين وأربعمائة ، وذلك أن الوزير الجرجرائي أحضر وجوه القبائل من ~~الكتاميين ، وغيرهم من الأتراك ، فلما اجتمعوا قال لهم : مولانا ضعيف ~~والآجال بيد الله سبحانه ، فإن قضي الله بانتقاله ما تقولون في ولده الأمير ~~معد ؟ قالوا : الذي يقوله الوزير نحن راضون به ، وله سامعون . فلما رتب هذا ~~الأمر استدعى الوزير ، فنهض قائما ودخل إلى قاعة من قاعات القصر ، ثم أحضر ~~الجماعة ، فوجدوا الأمير معد على سرير الملك وعليه التاج ، فقال : هذا ~~مولاكم ، سلموا عليه بالخلافة ، فسلموا عليه وانصرفوا ، ولقب بالمستنصر ~~بالله ، وكان عمره إذ ذاك سبع سنين . فلما كان في صبيحة يوم مبايعته ، وهو ~~يوم الخميس ، وقف الكتاميون وعبيد الشراء وغيرهم بباب القصر ، وأغلظوا في ~~الكلام وطلبوا أرزاقهم واستحقاقهم من الوزير ، فقال : أنا كنت وزير الظاهر ~~لإعزاز دين الله وقد توفي ، وأنا أحمل إليكم جميع ما في داري ، وأصبح حمل ~~جميع ما في داره إلى القصر ، فغضب الأتراك له ، وأعادوا ما أحضره إلى مكانه ~~. وتقرر اجتماعه يوم السبت ، فاجتمع الأتراك والديلم وعليهم السلاح ، وجاء ~~الكتاميون ، فلما اجتمعوا بباب القصر خرج إليهم أحد الخدم وقال ms6509 : ليدخل من ~~كل طائفة عشرة أنفس ، فدخل جماعة ، فقال لهم الوزير : مولانا يقرئكم السلام ~~ويقول لكم : إذا كان مستهل شهر رمضان أمر بالنفقة فيكم ، فانصرفوا ، وجلس ~~قاضي القضاة عبد الحاكم يحلف الناس للمستنصر بالله ، فلما استهل شهر رمضان ~~انفق في الأشراف والكتاميين والعرب والديلم وغيرهم لكل واحد منهم ثلث رزقه ~~، فلم يرضوا بذلك . PageV28P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" ودامت النفقة إلى العشر الأوسط من شوال ~~فتحالف الكتاميون والأتراك أن يكونوا عصبة واحدة في طلب واجباتهم . ~~واجتمعوا بباب القصر ، فخرج إليهم الأمير أن احضروا بكرة الغد ، فحضروا ، ~~وركب المستنصر إلى أن بلغ باب البحر ، فرموه بالحجارة وصاحوا عليه ، ورماه ~~أحد العبيد بحربة فلم يصبه ، فرمى بنفسه عن دابته ودخل باب البحر إلى القصر ~~، وانصرف الناس ، وعادوا بكرة نهار الغد ، فدخل من كل طائفة مائة نفر ، ~~ووقع كلام كثير ، وتقرر في آخر الأمر أن يحضروا 63 البغاة منهم ، وخرجوا ~~على مثل ذلك ، ثم عادوا بعد ذلك وتنصلوا من ذنوبهم . وسكن الوزير جميع ~~الطوائف ، واختلف بنو قرة مع كتامة بالجيزة ، فأخرج الوزير عسكرا فأصلح ~~بينهم واستقرت الأمور . وركب المستنصر في مستهل المحرم سنة ثمان وعشرين ~~وأربعمائة من باب العيد إلى باب الذهب ؛ ومشى الناس كافة بين يديه والوزير ~~راكب خلفه ، ودخل الوزير إلى مكانه ، فدخل عليه جماعة من الأتراك الصغار ~~وطلبوا أرزاقهم وأغلظوا له في القول ، وقصدوا قتله ؛ فدخل بعض الأمراء ~~الكبار فخلصه منهم . ذكر عود حلب إلى ملك ملك الديار المصرية وفي سنة تسع ~~وعشرين وأربعمائة ملكت حلب على يد أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري أمير الشام ~~، وذلك بعد أن التقى هو ونصر بن صالح بن مرداس ، صاحب حلب ، يوم الجمعة ~~لسبع بقين من جمادى الآخرة فانهزم عسكر ابن صالح . ثم كانت وقعة ثانية ~~فانهزم ثمال بن صالح وأخوه نصر ، فبادر ثمال بدخول البلد ، وأخذ من قلعة ~~حلب أموالا وتحفا ، واستخلف بها عمه مقلد بن كامل بن مرداس ، وسار يستنجد ~~بأخواله بني خفاجة ، فثار العوام ونهبوا حلب . ووافى طغان ، أحد الأمراء ~~الذين مع أمير الجيوش ms6510 ، فدخل حلب بموافقة أهلها ، ثم وصل أنوشتكين الدزبري ~~إليها في يوم PageV28P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" الثلاثاء لثمان خلون من شهر رمضان ، وأقام ~~بها إلى أخر السنة ، ورجع إلى دمشق في تاسع عشري الحجة منها . ذكر الوحشة ~~الواقعة بين أبي القاسم الجرجرائي وأمير الجيوش أنوشتكين الدزبري قال ~~المؤرخ : كان ابتداء الوحشة بينهما في سنة ثلاثين وأربعمائة ، وسبب ذلك أن ~~شبيب بن وثاب النميري صاحب الجزيرة توفي ، فقصد أمير الجيوش أنوشتكين أن ~~يزوج ابنته لولد أحمد بن مروان ليكون له عونا على بني نمير أصحاب الجزيرة ، ~~وكتب أمير الجيوش إلى مصر يستدعي ابنته ، فلم يطلقها الوزير ولا رأى إتمام ~~الزواج لانضمام ابن مروان إلى الدولة العباسية وتظاهره بموالاتها ، وكتب ~~لولاة الشام إلا يمتثلوا أمر أمير الجيوش . فوقعت الوحشة بينهما ، وأطلق ~~أمير الجيوش لسانه في الوزير ، وسبه . ودامت الوحشة إلى سنة ثلاث و ثلاثين ~~وأربعمائة ، فصرفه الوزير عن دمشق ، واستعمل عليها ناصر الدولة الحسن بن ~~الحسين بن حمدان ، فلما علم بذلك أهل دمشق تنكروا على أميرهم ، وحاصروه ~~بقصره ظاهر دمشق ، في سابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين ، فهرب إلى ~~حلب ، وقاسى مشقة عظيمة في طريقه ، ونهبت أمواله ، فلما دخل حلب أقام بها ~~ثلاثة أيام ومرض فتوفي يوم الأحد النصف من جمادى الأولى ، ووصل سجل ثمال بن ~~صالح بن مرداس بولاية حلب ، وذلك قبل وفاة أنوشتكين أمير الجيوش . ذكر ظهور ~~سكين المشبه بالحاكم وقتله وفي شهر رجب سنة أربع وثلاثين وأربعمائة ظهر ~~بالقاهرة رجل يسمى سكين يشبه الحاكم وكان بمصر أقوام يعتقدون أن الحاكم حي ~~وأنه غاب لرأي رآه ، وهذه الطائفة باقية إلى وقتنا هذا ، ويحلفون فيما ~~بينهم فيقولون : وحق غيبة الحاكم ، إلا أنهم لا يتظاهرون بذلك لكل واحد . ~~قال : فلما كان في هذه السنة ظهر هذا الرجل ، فاجتمع عليه القائلون بغيبة ~~الحاكم وزفوه إلى القصر ، وأدخلوه إياه ، وقد دهش الناس ، فأدى ~~PageV28P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" الأمر إلى أن حاربهم أولياء الدولة ، وركب ~~الوزير ، فأخذوا جميعا وصلبوا أحياء ورشقوا بالسهام حتى هلكوا . [ ومن ~~جملتهم ms6511 محمد لن عاني الكتامي أحد دعاته ] . ذكر وفاة الوزير صفي الدين أبي ~~القاسم أحمد بن علي الجرجرائي وشيء من أخباره كانت وفاته لثلاث بقين من شهر ~~رمضان سنة ست وثلاثين وأربعمائة ، 64 وأوصى أن يدفن في داره في المكان الذي ~~كان يجلس فيه ، فأخرج وصلى المستنصر عليه في الإيوان ، وأعيد إلى داره فدفن ~~بها ، ثم نقل إلى تربته في القرافة . وكانت وزارته سبع عشرة سنة وثمانية ~~أشهر وثمانية عشر يوما وهذه النسبة إلى جرجرايا ، قرية من قرى العراق . قدم ~~إلى مصر هو وأخوه أبو عبد الله محمد ، فتنقلت به الحال إلى أن خدم في ~~الصعيد ، فكثرت المرافعات في أيام الحاكم ، فاعتقله في شهر ربيع الآخر سنة ~~أربع وأربعمائة ، ثم أمر بقطع يده ، فأخرج اليسار عوضا عن اليمين ، فقطعت ، ~~فقيل للحاكم فقال : إنما أنا أمرت بقطع يمينه ؛ وأمر بقطع اليمين ، فقطعت ~~على باب القصر المعروف بباب البحر ، وهو الباب الذي مقابل دار الحديث ~~الكاملية في وقتنا هذا . وكان قطعهما في ثامن عشر شهر ربيع الآخر منها . ~~قال : ولما قطع الحاكم يديه مضى من وقته وجلس في ديوانه ، فقيل له في ذلك ، ~~فقال : إن أمير المؤمنين أدبني وما صرفني . فبلغ الحاكم ذلك ، فأمر ~~باستمراره ، ثم صرفه وولاه ديوان النفقات في سنة ست وأربعمائة ، ثم رتب أن ~~يكون واسطة في نظر الدواوين مع أبي عبيد الله محمد بن العداس ، في سنة ~~اثنتي عشرة وأربعمائة ، ثم وزر للظاهر لإعزاز دين الله في سنة ثماني عشرة ~~وأربعمائة ، فاستكتب أبا الفرج البابلي وأبا علي الرئيس . وكان القاضي أبو ~~عبد الله القضاعي صاحب كتاب الشهاب يكتب عنه PageV28P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" العلامة وهي الحمد لله شكرا لنعمه ، وكانت ~~أيامه تسمى الأعراس لطيبها ، وضبط الأمور أحسن ضبط واستعمل الأمانة التامة ~~، وتمكن في الدولة الظاهرية ، على ما قدمناه . قال : وهجاه جماعة من ~~الشعراء . فمن ذلك قول أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجلبي المعروف بالفكيك ~~ويعرف بجاسوس الفلك : يا جرجرائي اتئد . . . وارفق ودع عنك التحامق أزعمت ~~أنك الثقا . . . ة فهبك ms6512 فيما قلت صادق أعلى الأمانة والتقى . . . قطعت يداك ~~من المرافق قال : ولما مات أوصى أن تفوض الوزارة بعده لأبي نصر صدقة بن أبي ~~الفضل يوسف ابن علي الفلاحي ، فخلع عليه خلع الوزارة ، وكان يهوديا ، ولقب ~~بالوزير الأجل تاج الرئاسة فخر الملك مصطفى أمير المؤمنين ، ثم أسلم بعد ~~الوزارة . ذكر مقتل أبي سعيد التستري وعزل الوزير وقتله ووزارة ابن ~~الجرجرائي وفي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة قتل أبو سعيد التستري اليهودي ، ~~وكان يتولى ديوان والدة المستنصر . وذلك أنها كانت جاريته ، فأخذها الظاهر ~~منه واستولدها فولت المستنصر بالله . فلما أفضت الخلافة إلى ولدها فوضت ~~إليه أمر ديوانها ، فعظم أمره وانبسطت كلمته بعد وفاة الجرجرائي الوزير حتى ~~لم يبق للوزير الفلاحي معه إلا اسم الوزارة ، فدبر الفلاحي في قتله فقتل . ~~وقيل بل كان السبب في قتله أن عزيز الدولة ريحان الخادم كان قد خرج في هذه ~~السنة إلى بني قرة ، عرب البحيرة ، لما افسدوا في البلاد ، فظفر بهم وقتل ~~منهم ، وعاد إلى القاهرة وقد عظم قدره وزاد إدلاله فثقل أمره على أبي سعيد ~~. واستمال المغاربة وزاد في أرزاقهم ونقص من أرزاق الأتراك ومن ينضاف إليهم ~~، فجرى بين الطائفتين حرب بباب زويلة . PageV28P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" ومرض إثر ذلك عزيز الدولة ومات فاتهم سعيد ~~أنه سمه ، فلما كان في يوم الأحد لثلاث خلون من جمادى الأولى ركب أبو سعيد ~~من داره في موكب عظيم وتوجه إلى القصر على عادته ، فاعترضه ثلاثة الغلمان ~~الأتراك واختلطوا بالموكب وقتلوه ، فاجتمعت الطوائف إلى المستنصر بالله ~~وقالوا : نحن قتلناه ، وقطع لحمه ، فاشترى أهله ما وصلوا إليه من أعضائه ، ~~وأحرق ما بقي ، وضم أهله ما اشتروه منه في تابوت وغطوه بستر ، وأوقدوا أمام ~~التابوت الشموع ووضعوه في بيت مفرد ، وزروا البيت بالستور ، فوصل لهب النار ~~إلى بعض الستور فاحترق ، وقويت النار فأحرقت التابوت بما فيه . قال : وكان ~~التستري قد زاد أذاه في حق المسلمين حتى كانوا يحلفون : وحق النعمة على بني ~~إسرائيل . ولما قتل ولي مكانه في نظر ديوان والدة المستنصر بالله ms6513 أبو محمد ~~الحسن بن علي بن عبد الرحمن اليازوري . وحقدت والدة المستنصر بالله 65 على ~~الوزير الفلاحي وتحققت أنه تسبب في قتله فقبضت عليه وصرفته عن الوزارة هذه ~~السنة ، واعتقلته بخزانة البنود ، ثم قتل بعد ذلك أبو منصور صدقه ودفن في ~~خزانة البنود ، وذلك سنة أربعين وأربعمائة . ووالد هذه الوزير هو أبو الفضل ~~يوسف بن علي الذي هجاه الواساني بقصيدته المشهورة التي أولها : يا أهل ~~جيرون هل لسامركم . . . إذا استقلت كواكب الحمل وقد أوردنا أكثر هذه ~~القصيدة في الباب الثاني من القسم الثالث من الفن الثاني . ولما قبض عليه ~~ولي الوزارة أبو البركات الحسين بن محمد بن أحمد PageV28P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" الجرجرائي ، ابن أخي الوزير صفي الدين . وفي ~~سنة أربعين وأربعمائة صرف ناصر الدولة الحسن بن حمدان عن ولاية دمشق وأحضر ~~تحت الحوطة وولي مكانه القائد طارق ، ثم أطلق ابن حمدان في سنة إحدى ~~وأربعين . وفي سنة إحدى وأربعين صرف أبو البركات الحسين بن الجرجرائي عن ~~الوزارة ونفي إلى صور واعتقل بها ، ثم أطلق ، فسار إلى دمشق . ونظر في ~~الدواوين بعده عميد الدولة أبو الفضل صاعد بن مسعود . ثم فوضت الوزارة لأبي ~~محمد بن علي بن عبد الرحمن اليازوري . وفي سنة ثلاث وأربعين أظهر المعز بن ~~باديس الصنهاجي ، صاحب إفريقية ، الخلاف على المستنصر بالله ، وقد ذكرنا ~~سبب ذلك في أخبار ملوك إفريقية ، وكتب المعز إلى بغداد ، فأجيب عن رسالته ~~على لسان رسول من بغداد ، يعرف بأبي غالب الشيرازي ، وسير إليه صحبته عهدا ~~بالولاية ولواء أسود وخلعه فاجتاز أبو غالب ببلاد الروم فقبض عليه صاحب ~~القسطنطينية وبعثه إلى المستنصر بالله ، فقدم الرسول إلى مصر وهو مجرس على ~~جمل ، وحفر بين القصرين حفرة ، وحرق فيها العهد والخلع واللواء . وفيها في ~~ذي القعدة عصى بنو قرة ، عرب البحيرة ، على المستنصر بالله ، وكان سبب ذلك ~~إن الوزير اليازوري قدم عليهم رجل يقال له المقرب ، فنفروا منه واستعفوا ~~PageV28P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" منه ، فلم يجب الوزير سؤالهم ، ثم دخلوا على ~~الوزير وطالبوه بواجبهم ، واغلظوا له في ms6514 القول ، فتوعدهم باستئصال شأفتهم ، ~~ففارقوه وأظهروا العصيان ، واجتمعوا بالجيزة في جمع كثير ، فندب الوزير ~~عسكرا لقتالهم فكسروه ، فندب عسكرا ثانيا فهزمهم وقتل منهم قتلى كثيرة ، ~~وحمل إلى الخزانة المستنصرية من أموالهم جملة عظيمة ، فهربوا إلى برقة . ~~وفي سنة ثمان وأربعين بعث المستنصر بالله ووزيره اليازوري خزائن الأموال ~~إلى أبي الحارث أرسلان البساسيري ليقيم الدعوة المستنصرية في بغداد واستنفد ~~ما كان بالقصر من الأموال ، وكان من أمر البساسيري وقيامه ، والخطبة ~~للمستنصر ببغداد سنة خمسين وأربعمائة ، ورد الخبر إلى مصر فزينت القاهرة . ~~وكان عند المستنصر مغنية تغني بالطبل ، فدخلت عليه وغنته في ذلك اليوم : يا ~~بني العباس ردوا . . . ملك الأمر معد ملككم ملك معار . . . والعواري تسترد ~~فقال لها : تمني . فقالت أتمنى الأرض المجاورة للمقسم ، فقال : هي لك . ~~فعرفت الأرض بأرض الطبالة إلى وقتنا هذا . PageV28P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" ذكر القبض على الوزير أبو محمد الحسن بن علي ~~بن عبد الرحمن اليازوري وقتله وشيء من أخباره وفي المحرم سنة خمسين ~~وأربعمائة سعي بالوزير المذكور عند المستنصر بالله أنه كاتب السلطان طغرلبك ~~السلجوقي وحسن له قصد الديار المصرية ، فقبض عليه وجهزه إلى تينس ، ثم أمر ~~بقتله ، فقتل في الثاني والعشرين من صفر منها ، وكان من أكابر وزراء ملوك ~~هذه الدولة . قال المؤرخ : كان والد اليازوري قاضي يازور ، وهي قرية من ~~أعمال الرملة ، فلما توفي خلفه ولده الحسين المذكور ، ثم عزل عنها ، فقدم ~~إلى مصر وسعى في إعادته لحكم يازور ، فرأى من قاضي مصر إطراحا لجانبه ، ~~فصحب رفق المستنصري - وكان خصيصا بوالدة المستنصر ، فكلم القاضي في أن يسمع ~~قوله بمصر ففعل ، فلما قتل أبو سعيد التستري أشار رفق على والدة المستنصر ~~أن يكون اليازوري وزيرها ، فرتبته في وزارتها ، فخافه الوزير أبو البركات ~~الجرجرائي أن يلي الوزارة ، فسعى له في الحكم ليشغله عن الوزارة ، فامتنع ~~اليازوري من ذلك ، فأشارت عليه والدة المستنصر بقبول الولاية فقبل ، ولم ~~تمض مدة يسيرة حتى صرف ابن الجرجرائي عن الوزارة وفوضت الوزارة إلى ~~اليازوري مضافة لما بيده من قضاء القضاة وديوان والدة ms6515 المستنصر بالله . قال ~~القاضي أبو الحسين أحمد الأسواني في تاريخه : حدثني القاضي إبراهيم بن مسلم ~~الفوي قال : شهدت خطير الملك ، ولد اليازوري الوزير ، وكان قد ناب عن والده ~~في قضاء القضاة والوزارة وغير ذلك ، وسار إلى الشام بعساكر عظيمة فاصلح ~~أمره . ورأيته بعد ذلك بمسجد فوه وهو يخيط للناس بالأجرة وهو في حال شديدة ~~من الفقر والحاجة ، فرأيته ذات يوم وهو يطالب رجل بأجرة خياطة خاطها له ، ~~والرجل PageV28P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" يدافعه ويماطله ، وهو يلح في الطلب ، فلما ~~ألح عليه قال له الرجل : يا سيدنا اجعل هذه القدر اليسير من جملة ما ذهب ~~منك في السفرة الشامية ، فقال : دع ذكر الماضي . فسألته عن ذلك فلم يحدثني ~~بشيء ، وسألت غيره فقال : الذي ذهب منه في سفرته في نفقات سماطه ستة عشر ~~ألف دينار . قال المؤرخ : وكان اليازوري سيئ التدبير ، أوجب سوء تدبيره ~~خروج إفريقية وحلب عن المستنصر بالله . قال : ولما قبض على اليازوري ولي ~~الوزارة بعده صاحبه أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلي ، وكان خصيصا به ، ~~فلما ولي الوزارة بعده سعى في قتل كل السعي ، ويقال أنه جهز إليه من قتله ~~بغير أمر المستنصر ، فلما اطلع على ذلك عظم عليه ، وعزل البابلي في شهر ~~ربيع الأول منها ، واستوزر أبا الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن علي الحسين ~~المغربي ، ثم صرفه في شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وأعيد البابلي . وفي سنة ~~خمسين وأربعمائة استعمل ناصر الدولة بن حمدان على ولاية دمشق . وفي سنة ~~ثلاث وخمسين ، في المحرم ، صرف البابلي عن الوزارة ووليها عبد الله بن يحيى ~~بن المدبر ، ثم صرف في بقية السنة وولي أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم ~~بن سعيد الفارقي في شهر رمضان من السنة ، فقال أبو الحسن علي بن يسر الرحمن ~~بن بشر الصقلبي يخاطب ابن المدبر : لا تجزعن عن الأمور إذا التوت . . . ~~وابشر بلطف مسبب الأسباب ما كنت إلا السيف ، جرد ماضيا . . . وأقر مذخورا ~~ليوم ضراب لله سيرتك التي ما سرتها . . . إلا بقوم سنة ms6516 وكتاب شيدت للوزراء ~~يا بن مدبر . . . شرفا لهم يبقى على الأعقاب PageV28P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" وجمعت بين طهارة الأعراق ، وال . . . خلاق ، ~~والأفعال ، والأثواب جعل الإله لكل قوم سادة . . . وبنو المدبر سادة الكتاب ~~وفي سنة أربع وخمسين وأربعمائة في المحرم توفي الوزير أبو محمد عبد الكريم ~~، فردت الوزارة إلى أخيه أبي علي أحمد بن عبد الحاكم ، وكان يلي قضاء ~~القضاة ؛ وصرف عن الحكم في صفر ، ثم صرف عن الوزارة ، وقيل أنه صرف عنها ~~بعد سبعة عشر يوما من ولايته ، وأعبد للبابلي مرة ثالثة في شهر ربيع الأول ~~من السنة ، واستعفى بعد خمسة أشهر ، فاستوزر المستنصر بالله سديد الدولة ~~أبا عبد الله الحسين بن علي الماسكي ، وكان يلي نظر الدواوين بدمشق ، ثم ~~صرف في شوال وأعيد البابلي . ذكر الفتنة الواقعة التي أوجبت خراب الديار ~~المصرية كان ابتداء هذه الفتنة في سنة أربع وخمسين وأربعمائة ، وسببها أن ~~المستنصر بالله كان في كل سنة يركب على النجب ومعه النساء والخمر إلى ~~المكان المعروف بجب عميرة ، وهو موضع نزهة ، ويذكر أنه خرج يريد الحج ، على ~~سبيل الاستهزاء والتهكم ، ومعه الخمر في الروايا بدلا من الماء ، يسقيه ~~للناس كما يسقي الماء في طريق مكة 76 ، شرفها الله ، فلما كان في هذه السنة ~~خرج على عادته في جمادى الآخرة ؛ فاتفق أن بعض الأتراك جرد سيفه على سكر ~~منه على بعض عبيد الشراء ، فاجتمع عليه طائفة من العبيد وقتلوه ، فجاء ~~الأتراك للمستنصر وقالوا : إن كان هذا عن رضاك فالسمع والطاعة ، وإن كان عن ~~غير رضاك فلا تصبر عليه ، فأنكر المستنصر ذلك ؛ فاجتمع جماعة من الأتراك ~~وقتلوا جماعة من العبيد ، بعد قتال شديد على كوم شريك ، PageV28P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" وكانت والدة المستنصر تعين العبيد بالأموال ~~والسلاح ، فاطلع بعض الأتراك على ذلك ، فجمع طائفة كبيرة من الأتراك ودخل ~~على المستنصر بهم ، وأغلظوا له بالكلام ، فحلف إنه لم يكن عنده علم من ذلك ~~، ودخل على والدته وأنكر عليها ، وصار السيف بين الطائفتين ، ثم سعى أبو ~~الفرج بن المغربي ، الذي كان يلي الوزارة ms6517 ، وجماعة معه ، في الصلح بين ~~الطائفتين ، فاصطلحوا ؛ ولم تصف طائفة منهم للأخرى . ثم اجتمع العبيد ~~وخرجوا إلى شبرا دمنهور في جمع كثير . وكان سبب كسرتهم إن والدة المستنصر ~~لما قتل سيدها ووزيرها أبو سعيد التستري غضبت لقتله ، وشرعت في شراء العبيد ~~السودان واستكثرت منهم ، وجعلتهم طائفة لها ، فاشتد أمرهم إلى أن صار العبد ~~منهم يحكم حكم الولاة . فلما ولي أبو البركات بن الجرجرائي أمرته أن يغري ~~العبيد بالأتراك ، فخاف العاقبة فلم يفعل ، فصرفته وولت وزيرها اليازوري ~~وأمرته بذلك ، فلم يقبل منها ، ودبر الأمر وساسه إلى أن قتل ، ووزر البابلي ~~فأمرته بذلك ، ففعل ، ووقع بين الطائفتين . قال : فلما خرج العبيد إلى شبرا ~~دمنهور قويت شوكة الأتراك وطلبوا الزيادات في أرزاقهم إلى أن خلت الخزائن ~~من الأموال وضعفت الدولة ، والعبيد على حال من الضرورة وهم يتزايدون عدة ، ~~فتكامل منهم ما بين فارس وراجل خمسون ألفا . فبعثت والدة المستنصر لقواد ~~العبيد ، في سنة تسع وخمسين وأربعمائة ، وأغرتهم بالأتراك ؛ فاجتمعوا ~~ووصلوا إلى الجيزة ، فخرج الأتراك لقتالهم ، والمقدم عليهم ناصر الدولة ~~الحسن بن حمدان ، فلقيهم فكسره العبيد ونهبوا عسكره ، واشتغلوا بالنهب ، ~~فعطف عليهم ابن حمدان وهزمهم إلى الصعيد ، وقد قويت شوكته . ثم تجمع العبيد ~~في الصعيد في خمسة عشر ألف فارس وراجل ، فقلق الأتراك PageV28P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" لذلك قلقا شديدا ، وحضر المقدمون إلى ~~المستنصر ليشكوا ذلك إليه ، فأمرت والدته من عندها من العبيد والخدم ~~بالهجوم عليهم ، وقتل الأتراك ففعلوا ذلك ، وسمع ناصر الدولة ابن حمدان ~~بالخبر ، فركب إلى ظاهر القاهرة واجتمع إليه من بقي من الأتراك ووقعت الحرب ~~بينهم وبين العبيد المقيمين بمصر والقاهرة ، ودامت بين الفريقين أياما ، ~~فانتصر ناصر الدولة والأتراك على العبيد ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، ولم ~~يبق منهم بالقاهرة ومصر إلا القليل . وبقي العبيد المقيمون بالصعيد على ~~حالهم ، وكان بالإسكندرية منهم جماعة ، فسار ناصر الدولة إليهم ، فسألوا ~~الأمان ، فأمنهم ، ورتب بالإسكندرية من يثق به ، وانقضت سنة تسع وخمسين في ~~حربهم . وقويت شوكة الأتراك في سنة ستين وأربعمائة ، وطمعوا بالمستنصر ~~بالله ، وقل ناموسه ms6518 عندهم ، وكان مقررهم في كل شهر ثمانية وعشرين ألف دينار ~~، فصار كل شهر أربعمائة ألف دينار ، وطالبوا المستنصر بالأموال ، فاعتذر ~~إنه لم يبق عنده شيء منها ، فطالبوه بذخائره فأخرجها إليهم ، وقومت بأبخس ~~الأثمان . وخرج ناصر الدولة بن حمدان في جماعة من الأتراك إلى الصعيد لقتال ~~من فيه من العبيد ، وكان قد كثر فسادهم ، فالتقوا واقتتلوا ، فكانت الهزيمة ~~على ناصر الدولة والأتراك ، فعادوا إلى الجيزة ، فاجتمع على ناصر الدولة من ~~سلم من عسكره ، وشغبوا على المستنصر بالله ، واتهموه أنه يمد العبيد ~~بالنفقات سرا ، فحلف لهم على ذلك . ثم خرج الأتراك إلى العبيد وقاتلوهم ، ~~فقتل منهم مقتلة عظيمة ولم ينج منهم إلا القليل . وزالت دولة العبيد ، وعظم ~~أمر ناصر الدولة بن حمدان . ذكر الوحشة الواقعة بين ناصر الدولة والأتراك ~~وفي سنة إحدى وستين وأربعمائة ابتدأت الوحشة بين ناصر الدولة بن حمدان وبين ~~الأتراك . وسبب ذلك أن ناصر الدولة قوي واشتدت شوكته ، وانفرد بالأمر دون ~~قواد الأتراك ، فعظم ذلك عليهم وفسدت نياتهم 68 وشكوا ذلك إلى الوزير ~~الخطير ، وقالوا : كلما خرج من الخزانة مال أخذ ناصر الدولة أكثره وفرقه في ~~حاشيته ، ولايصل إلينا منه إلا القليل . فقال : ما وصل هذا الأمر وغيره إلا ~~بكم ، ولو فارقتموه لم PageV28P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" يتم له أمر ، فاتفق أمرهم على محاربته ~~وإخراجه من الديار المصرية ، فاجتمعوا وذكروا ذلك للمستنصر ، وسألوه أن ~~يخرجه عنهم ، فأرسل إليه يأمره بالخروج ويتهدده إن لم يفعل ، ففارق ناصر ~~الدولة القاهرة وغدا إلى الجيزة ، ونهبت دوره ودور حواشيه وأصحابه . فما ~~جاء الليل دخل ناصر الدولة ، واجتمع بالقائد تاج الملوك شادي ، وقبل رجليه ~~، وسأله أن يعينه على ألدكز والوزير الخطير ، قال : وكيف الحيلة إلى ذلك ؟ ~~قال : تركب أنت وأصحابك وتسير بين القصرين ، فإذا أمكنتك الفرصة فاقتلهما . ~~فأجابه إلى ذلك . وركب شادي من بكرة الغد للتسير فعلم أن إلدكز بمراده ، ~~فهرب إلى القصر واستجار بالمستنصر فسلم ، وأقبل الوزير في موكبه فقتله شادي ~~، وسير إلى ناصر الدولة يأمره بالحضور ، فعدى من الجيزة إلى القاهرة ، ~~فأشار إلدكز ms6519 على المستنصر بالركوب ، قال : متى لم تركب هلكت وهلكنا معك . ~~فلبس سلاحه وركب ، وتبعه خلق من عامة الناس والجند ، واصطفوا للقتال ، ~~فحملت الأتراك على ناصر الدولة فانهزم ، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة ، ومضى ~~لا يلوي على شيء وتبعه أصحابه فالتحق ببني سنبس بالبحيرة فأقام عندهم ~~وصاهرهم ، وتقوى بهم . ولما تحقق ناصر الدولة ميل المستنصر عنه قصد إبطال ~~دعوته ، وكتب إلى السلطان ألب أرسلان السلجوقي ملك خراسان والعراق يسأله أن ~~يسير إليه عسكرا يفتح له مصر ويقيم الدعوة العباسية بها ، فتجهز ألب أرسلان ~~من خراسان بعساكره ، وكتب إلى صاحب حلب يأمره بقطع دعوة المستنصر وإقامة ~~الدعوى العباسية ، ففعل ذلك ، وانقطعت دعوة المستنصر من حلب ؛ ثم ملكها ألب ~~أرسلان ، كما ذكرناه PageV28P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" في أخبار الدولة السلجوقية ، ثم ملكت عساكره ~~دمشق . ذكر الحرب بين ناصر الدولة والأتراك قال : ولما اتصل بالمستنصر ما ~~فعله ناصر الدولة من مكاتبة ألب أرسلان جرد عسكرا لقتاله من الأتراك ، ~~فساروا ثلاث فرق ، فأراد أحد المقدمين أن يلقاه ليكون الظفر له دون رفيقيه ~~، فتقدم والتقى بناصر الدولة ، فهزمه ناصر الدولة وقتل جماعة من أصحابه ~~وأسره ، ثم التقى العسكر الثاني ولم يعلموا ما جرى للأول ، فهزمهم أقبح ~~هزيمة ، وهرب العسكر الثالث ، وقوي ناصر الدولة بهذا الظفر ، وقطع الميرة ~~عن القاهرة ومصر ، ونهب اكثر الوجه البحري ، وخطب للقائم بأمر الله العباسي ~~، وعدمت الأقوات في القاهرة ومصر واشتد الغلاء ، وكثر والوباء ، وامتدت ~~أيدي الجند إلى نهب العوام . ذكر الصلح بين ناصر الدولة والأتراك وفي ~~المحرم سنة ثلاث وستين وأربعمائة وقع الصلح بين ناصر الدولة بن حمدان ~~والأتراك واشتدت بهم الضائقة لقطع الميرة ، فاضطروا عل مصالحته ، فصالحوه ~~على أن يكون مقيما بمكانه ويحمل إليه مال قرره المستنصر ، ويكون تاج الملوك ~~شادي نائبا عنه ، فرضي بذلك وسير الغلال إلى مصر ، ثم وقع الخلاف بينهم بعد ~~شهور فجاء ناصر الدولة من البحيرة ، وعساكر كثيرة ، وحاصر مصر في ذي القعدة ~~من السنة ، ودخل أصحابه فنهبوا شطرا منها ، وأحرقوا دور الساحل ؛ ثم عادوا ~~إلى البحيرة ms6520 والله أعلم . PageV28P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" ذكر الحرب بين ناصر الدولة وتاج الملوك شادي ~~وما كان من أمر ناصر الدولة إلى أن قتل . وفي سنة أربع وستين وأربعمائة جمع ~~ناصر الدولة جموعه من العربان وجاء إلى الجيزة ، واستدعى إليه تاج الملوك ~~شادي وبعض المقدمين ، فخرجوا للقائه ، فقبض عليهم ونهب مصر 69 وأحرقها . ~~وكان سبب ذلك أن شادي كان قد قطع عن ناصر الدولة ما كان قد تقرر حمله إليه ~~من المال ، ولم يوصل إليه إلا اليسير منه . فلما قبض عليهم سير المستنصر ~~عسكرا كثيفا ، فهزموه ، فهرب إلى البحيرة وجمع جموعه من العربان وغيرهم ، ~~وقطع خطبة المستنصر وأبطل ذكره ، ثم قدم ناصر الدولة في شعبان من السنة ~~ودخل إلى مصر وحكم بها ، وأرسل إلى المستنصر يطلب منه المال ، فرآه الرسول ~~وهو جالس على حصير وحوله ثلاثة خدم ، ولم ير شيئا آخر من آثار المملكة ، ~~فلما ذكر الرسول رسالته للمستنصر قال : ما يكفي ناصر الدولة أن أجلس مثل ~~هذه البيت على هذه الحال فبكى الرسول ، وعاد إلى ناصر الدولة وذكر له الحال ~~، فأطلق ناصر الدولة للمستنصر بالله في كل شهر مائة دينار ، وحكم في ~~القاهرة ، وبالغ في إهانة المستنصر ، وقبض على والدته وعاقبها ، وأخذ منها ~~الأموال . وتفرق عن المستنصر جميع أقاربه وأولاده ، ومضوا إلى بلاد المغرب ~~والعراق . وعمل ناصر الدولة على إقامة الدولة العباسية ، فنهض إلدكز أحد ~~الأمراء ، ويلدكوز ، واجتمعا بمن بقي من الأتراك ، واتفقوا كلهم على قتل ~~ناصر الدولة ، وكان قد آمن وترك الاحتراس لقوته وسطوته ، وظن أن الدنيا صفت ~~له ، فتواعد الأتراك وركبوا إلى داره ، في شهر رجب سنة خمس وستين وأربعمائة ~~، وهو إذ ذاك في مصر بمنازل العز ، فدخلوا عليه من غير استئذان إلى أن ~~بلغوا صحن الدار ، فخرج إليهم في رداء ، فقتلوه وأخذوا رأسه ، وكان الذي ~~تولى قتله إلدكز ، وقتل أخوه فخر العرب وأخوهما تاج المعالي وجماعة من أهل ~~بيته ، وانقطع ذكر آل حمدان ، ولم يبق بمصر لهم ذكر . PageV28P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" وناصر الدولة هذا هو الحسن بن الحسين ms6521 بن ناصر ~~الدولة الحسن بن عبد اله بن أبي الهيجاء حمدان بن حمدون . نرجع إلى ذكر ~~حوادث الدولة المستنصرية . وفي سنة خمس وخمسين وأربعمائة ندب أمير الجيوش ~~بدر الجمالي لولاية دمشق وكان على حربها ، وفوض إليه في سنة ثمان وخمسين ~~وأربعمائة ولاية الشام بأسرها . ذكر الغلاء الكائن بالديار المصرية كان ~~ابتداؤه في سنة سبع وخمسين وأربعمائة واشتد من سنة إحدى وستين ، وقلت ~~الأقوات في الأعمال حتى أكل الناس الميتة ، وتزايد في سنة اثنتين وستين : ~~وكثر الوباء بالقاهرة ومصر حتى إن الواحد كان يموت في البيت فيموت في بقية ~~اليوم أو الليلة كل من بقي فيه ، وخرج من القاهرة ومصر جماعة كثيرة إلى ~~الشام والعراق ، وأكل بعض الناس بعضا ، ودام ذلك إلى سنة أربع وستين ، ~~وشبهت هذه السنين بسني يوسف عليه السلام . قال ابن الهمذاني في تاريخه : ~~وفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة ورد من مصر الرجال والنساء هربا من الجوع ~~والفتنة ، وأخبروا أن بعضهم أكل بعضا ، وورد التجار ومعهم ثياب صاحب مصر ~~وآلاته وذخائره ، وكان معهم أشياء كثيرة نهبت عند القبض على الطائع ، في سن ~~إحدى وثمانين وثلاثمائة ؛ وما نهب في وقعة البساسيري . قال : وخرج من خزانة ~~المستنصر بالله أشياء عظيمة ، من جملتها ثلاثون ألف قطعة بلور كبار ، وخمس ~~وسبعون ألف ثوب ديباج خسرواني . وأحد عشر ألف درع ، وعشرون ألف سيف محلاة ، ~~وغير ذلك ، قال المؤرخ : ومن جملة ما بلغ من أمر الغلاء أن امرأة كان لها ~~حلي باعت ما PageV28P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" يساوي ألف دينار بثلاثمائة دينار واشترت به ~~حنطة ، فنهبت منها في الطريق ، فنهبت مع من نهب ، فحصل ما جاء لها رغيفا ~~واحدا . وحكى أن بعض أهل اليسار وقف بباب القصر وصاح واستصرخ إلى أن حضر ~~بين يدي المستنصر ، فقال له : يا مولانا ، هذه سبعون قمحة وقفت علي بسبعين ~~دينارا ، كل قمح بدينار ، في أيامك ، وهو أني اشتريت أردب قمح بسبعين دينار ~~، فنهب مني فنهبت مع من نهب ، فوقع في يدي هذه ، فكل قمحة بدينار ، فقال ~~المستنصر : الآن فرج ms6522 الله عن الناس فإن أيامي حكم لها أن القمحة تباع ~~بدينار . قالوا : ولم يكن هذه الغلاء عن نقص النيل ، وإنما كان الاختلاف ~~الكلمة وحروب الأجناد ، وتغلب المتغلبين على الأعمال ، وكان النيل يزيد ~~ويهبط كل سنة ، ولم يجد من يزرع الأراضي ؛ وانقطعت الطرقات برا وبحرا إلا ~~بالخقارة الكثيرة ، وأبيع الرغيف الخبز بأربعة عشر دينارا أو درهما ، قال ~~الجواني : وأبيع الأردب القمح بمائتي دينار . ذكر قدوم أمير الجيوش بدر ~~الجمالي إلى مصر واستيلائه على الدولة كان تقدمه في سنة ست وستين وأربعمائة ~~، وسبب ذلك أن المستنصر تواترت عليه الرزايا وحصره ابن حمدان كما ذكرنا ~~فلما قتل ابن حمدان استطال إلدكز والأتراك والوزير أبي كدينة ، فضاق ~~المستنصر ذرعا ، وكاتب أمير الجيوش بدر الجمالي PageV28P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" وحسن له أن يكون المتولي لأمر دولته ، فأعاد ~~الجواب شرط أن يستخدم عسكرا ، وألا يبقى على أحد من عسكر مصر ، فأجابه إلى ~~ذلك ، فاستخدم العساكر وركب في البحر الملح ، وكان إذ ذاك بعكا ، وسار في ~~مائة مركب في أول كانون وهو وقت لم تجر العادة بركوب البحر في مثله ، فوصل ~~دمياط ، وركب منها ، وسار إلى أن نزل بظاهر قليوب ، وأرسل إلى المستنصر ~~بالله أن يقبض على إلدكز ، فقبض عليه ، ودخل أمير الجيوش إلى القاهرة في ~~شهر ربيع الآخر منها ، وقيل في جمادى الأولى ، فما لبث أن بعث كل أمير من ~~أمرائه إلى قائد من قواد الدولة ليلا وأمره أن يأتيه برأسه ، فأصبح وقد ~~أحضر إليه من رؤوس قواد الدولة شيء كثير . وقبض على الأتراك وقويت شوكته ، ~~وقمع كل مفسد ، حتى لم يبق أحد منهم بمصر والقاهرة ، وخلع المستنصر على بدر ~~الجمالي بالطيلسان ، وصار أمير المستخدمين في حكمه ، والدعاة والقضاة نوابه ~~. قال : ولما قدم مصر حضر إليه المتصدرون بالجامع ، فقرأ ابن العجمي : " ~~ولقد نصركم الله ببدر " وسكت عن تمام الآية . فقال له بدر : والله لقد جاءت ~~في مكانها ، وسكوتك عن تمام الآية أحسن وأحسن إليه ، وقيل : بل قال له : لم ~~لا قرأت " إن هو إلا عبدا أنعمنا عليه ms6523 " وقتل أمير الجيوش من أماثل ~~المصريين ووزرائهم وحكامهم جماعة ، وشرع في إصلاح الأعمال وقتل المفسدين . ~~وفي سنة ثمان وستين وأربعمائة خطب للمستنصر بمكة المدينة ، وكانت الخطبة ~~بهما قد انقطعت منذ خمس سنين . وفيها حضر أتسيز دمشق وملكها ، على ما ~~ذكرناه في الباب العاشر من القسم الخامس من هذه الفن في أخبار الدولة ~~السلجقية . وانقطعت خطبة المستنصر من الشام . PageV28P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" ذكر هلاك عرب الصعيد وقتل كنز الدولة وفي سنة ~~تسع وستين وأربعمائة اجتمع جماعة كثيرة من عرب جهينة والجعافرة الثعالبة ~~وغيرهم بمدينة طوخ العليا من صعيد مصر ، واتفقوا على قتال أمير الجيوش ، ~~فخرج إليهم ، فلما قاربهم هجم عليهم في نصف الليل ، فهزمهم وأبادهم بالقتل ~~، وغرق خلق كثير منهم ، وغنم أموالهم وحملت إلى المستنصر . وكان كنز الدولة ~~محمد قد تغلب على ثغر أسوان ونواحيها وعظم شأنه وكثرت أتباعه ، فقاتله أمير ~~الجيوش وقتله ، وبنى في المكان مسجدا سماه مسجد النصر ، وكانت هذه الوقعة ~~آخر إصلاح حال مصر وعربانها ، وقيل كان قتل كنز الدولة في سنة خمس وسبعين ~~والله أعلم . وفي غيبة أمير الجيوش هجم أتسيز على الديار المصرية ، وكان ~~ابن يلدكوز قد التحق به وأهدى له تحفا جليلة المقدار ، منها ستون حبة لؤلؤ ~~مدحرج تزيد كل حبة على مثقال ، وحجر ياقوت زنته سبعة عشر مثقالا ، وغير ذلك ~~، وأطمعه في ملك الديار المصرية ، وملك ما وصل إليه ، فجمع أمي الجيوش ~~عساكره وخرج إليه ، وقاتله وهزمه ، وقتل خلقا كثيرا من أصحابه بعد أن أقام ~~بأرياف مصر جماديين وبعض شهر رجب . وفيها خرج على أمير الجيوش عرب قيس ~~وسليم وفزارة ، فخرج إليهم وقاتلهم ، وهزمهم ، وطردهم إلى برقة . وفي سنة ~~سبعين وأربعمائة فوض لأمير الجيوش بدر الجمالي قضاء القضاة ، ونعت بكافل ~~قضاة المسلمين ، وهادي دعاة المؤمنين . وفي سنة سبع وسبعين وأربعمائة خالف ~~الأوحد بن أمير الجيوش على والده ، واجتمع معه جماعة من العربان وغيرهم ، ~~واستولى على الإسكندرية ، فسار إليه والده وحاصره بها ، و فتحها ، وقبض على ~~ولده : وبنى أمير الجيوش الجامع المعروف بجامع العطارين بالإسكندرية ms6524 من ~~أموال أخذها من أهل البلد ، وكانت عمارته في شهر ربيع PageV28P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" الأول سنة تسع وسبعين . وقامت الخطبة بهذا ~~الجامع إلى أخر أيام العاضد . وفي سنة اثنتين وثمانين 71 وأربعمائة ندب ~~أمير الجيوش بدر الجمالي عسكرا إلى الساحل ففتح صور وصيدا ، وصار بيده ~~نوابه . ثم سار بعد ذلك وفتح جبيل وعكا ، وكان ذلك في يد تاج الدولة تتش ~~صاحب دمشق . ذكر بناء باب زويلة بالقاهرة وفي سنة خمس وثمانين وأربعمائة ~~أمر أمير الجيوش بدر الجمالي ببناء باب زويلة الكبير ، الذي هو الآن باق ، ~~وعلى أرضه ، وأراد أن يجعل له عطفة على عادة أبواب الحصون حتى لا تهجم عليه ~~العساكر في أوقات الحصار ، وتعذر دخوله جملة ، فأشار عليه بعض المهندسين أن ~~يعمل بابه زلاقة من حجارة الصوان ، فعمله الحكم ، ولم يزل كذلك إلى أن دخل ~~منه السلطان الملك الكامل بن الملك العادل ، فزلق فرسه فرسم أن يخفف من ~~حجارته ، فخفف منها ، ولم يبق إلا القليل على ماهو عليه الآن . ~~PageV28P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" وفي سنة ست وثمانين وأربعمائة ملك تاج الدولة ~~تتش ثغر صور بمواطأة من نائب بدر بها . ذكر وفاة أمير الجيوش بدر الجمالي ~~وولاية ولده الأفضل كانت وفاته في شهر ربيع الأول ، وقيل في جمادى الأول ، ~~سنة سبع وثمانين وأربعمائة ، وكان حكمه بديار مصر حكم الملوك ولم يبق ~~للمستنصر بالله أمر ، بل سلم الأمور إليه فضبطها أحسن ضبط . وكان شديد ~~الهيبة ، سريع البطش ؛ قتل خلقا كثيرا من أكابر المصريين وقوادهم وكتابهم ؛ ~~وعلى يديه صلحت الديار المصرية بعد أن خربت ، وكان له نحو الثمانين سنة ، ~~وكان أرمني الجنس مملوكا لجمالي الدولة بن عمار وإليه ينسب وتولى إمرة ~~الشام والساحل . ولما كان يلي دمشق جرت فتنة بين عسكره وأحداث البلد خرب ~~بسببها قصر الإمارة والجامع الأموي . ذكر وفاة المستنصر بالله وشيء من ~~أخباره قال المؤرخ : ولما ولي مصر أطلق الخراج للمزارعين ثلاث سنين إلى أن ~~أمنت أحوالهم واتسعت أموالهم ، وكانت إمارته بمصر إحدى وعشرين سنة . ولما ~~توفي ولي بعده الوزارة ms6525 ولده الأفضل ، ونعت بنعوت أبيه وقبض على جماعة من ~~الأمراء كانوا قد ثاروا عليه . وفاة المستنصر بالله وشيء من أخباره كانت ~~وفاته في ليلة الخميس الثامن عشر من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة ، ~~ومولده في يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة سنة عشرين وأربعمائة ، فكانت ~~مدة حياته سبعا وستين سنة وستة اشهر وثلاثة أيام ، ومدة ولايته ستين سنة ~~وأربعة أشهر . ولقي في ولايته أهوالا عظيمة وشدائد كثيرة وفاقة متمكنة حتى ~~جلس على نخ PageV28P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" وكانت أيامه ما بين غلاء ووباء وفتن ، على ما ~~نذكره ، وكان قد عتا وتجبر واشتهر ، وذلك أنه اشتهر عنه أنه نصب خركاه في ~~القصور التي بعين شمس وبنى فسقية عظيمة وحمل إليها الخمر في الروايا وأخرج ~~جميع من في قصره من الملاهي والقيان إلى الخركاه وهم يغنون بأصوات مرتفعة ~~ويستقون من فسقية الخمر ، ويطوفون بالخركاه ، يضاهون بذلك البيت المعظم ~~وزمزم ، ويقول : هذا أطيب من زيارة الحجارة ، وسماع صوت كريه ، وشرب ماء ~~آسن ، فأخذه الله سبحانه وتعالى وعجل العقوبة ، وأراه الذل مع قيام سلطانه ~~، وسلط عليه أنصار دولته حتى نهبوا أمواله واستولوا على قصره ، ولم يبق إلا ~~بساط فجذبوه من تحته ، وصار إذا ركب لا يجد ما يركبه حامل مظلته إلا أن ~~يستعار له بغلة ابن هبة ، صاحب ديوان الإنشاء ، وكل خواصه مشاة ليس لديهم ~~دواب يركبونها ، وكانوا إذا مشوا يتساقطون في الطرقات من الجوع ، وكانت ~~ابنة بابشاذ تبعث إليه برغيفين في كل يوم ، وهذه عاقبة الطغيان الاستهتار . ~~وكان له أولاد منهم : أبو القاسم أحمد ، وأبو المنصور نزار ، وأبو القاسم ~~محمد ، وأبو الحسن جعفر ، وغيرهم . ووزر له جماعة وهم : أبو القاسم ~~الجرجرائي الأقطع ، وزير والده ، إلى أن توفي فاستوزر من ذكرناهم 72 إلى ~~آخر سنة أربع وخمسين وتكرر بعضهم في الوزارة مرارا واستوزر أبا غالب عبد ~~الظاهر بن فضل العجمي غير مرة ، دفعة في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين صرف ~~بعد ثلاثة أشهر ، ودفعة في شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين وصرف بعد ثلاثة ms6526 ~~وأربعين يوما ، ثم وليها ثالثة في أيام الفتنة ولقب بتاج الملوك شادي ، ~~وقتل سنة خمس وستين ، وولي له الحسن بن ثقة الدولة بن أبي كدينة القضاء ~~والوزارة ، كل منصب منها خمس دفعات ، ويقال إنه من ولد عبد الرحمن ابن ملجم ~~قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه . ولما وصل أمير الجيوش بدر الجمالي ~~أرسله إلى دمياط وأمر بضرب عنقه ، فدخل عليه السياف بسيف كليل فضربه عدة ~~ضربات حتى أبان رأسه ، وكان عدة ما ضربه عدة ما ضربه عدة ولاياته الحكم ~~والوزارة . وولي أبو المكارم أسعد ثم قتله أمير الجيوش ، ووزر بعده أبو علي ~~الحسن بن أبي سعد إبراهيم بن سهل التستري عشرة أيام ثم استعفى ، وكان ~~يهوديا فأسلم ، وولي أبو القاسم PageV28P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" هبة الله محمد الرعباني دفعتين كل دفعة عشرة ~~أيام ، ووزر الأثير أبو الحسن الأنباري أياما ثم صرف ، ووزر أبو علي الحسين ~~بن سديد الدولة الماسكي مرة ثانية أياما ثم صرف ، ووزر أبو شجاع محمد بن ~~الأشراف بن فخر الملك ، وفخر الملك هو الذي وزر لبهاء الدولة ابن بويه ، ~~فصرف وسار إلى الشام فقتله أمير الجيوش في مسيره ، واستوزر أبا الحسن ابن ~~الوزير الطرابلسي ، ومن طرابلس الشام ، ثم صرفه ، وكان أحد الكتاب بديوان ~~الإنشاء ، واستوزر أبا عبد الله محمد بن أبي حامد السيسي يوما واحدا ثم قتل ~~، فاستوزر أبا سعيد منصور بن أبي اليمن سورس بن مكرواه بن زنبور ، وكان ~~نصرانيا ثم أسلم ، والنصارى ينكرون إسلامه واستوزر أبا العلاء عبد الغني بن ~~نصر بن سعيد وصرف وبقي أياما وقتله أمير الجيوش . ثم قدم أمير الجيوش بدر ~~الجمالي من عكا ووزر للسيف والقلم والحكم إلى أن مات ، ثم ولده الأفضل من ~~بعده . قضاته : كان منهم جماعة من الوزراء قد ذكرناهم ، ومن لم يل الوزارة ~~عبد الحاكم بن سعيد الفارقي في أول خلافته ، ثم القاسم بن عبد العزيز بن ~~النعمان ، وفي ولاية أمير الجيوش أبو يعلى العرقي إلى أن مات ، فولي أبو ~~الفضل القضاعي . ثم جلال الدولة أبو ms6527 القاسم عب بن أحمد بن عمار ، ثم صرفه ~~وولى أبا الفضل بن عتيق ، ثم أبا الحسن علي بن يوسف الكحال النابلسي ؛ ثم ~~فخر الأحكام محمد بن عبد الحاكم . وكان نقش خاتم المستنصر بالله بنصر ~~السميع العليم ينتصر الإمام أبو تميم ذكر بيعة المستعلي بالله هو أبو ~~القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد ، وهو التاسع من ملوك الدولة ~~العبيدية ، والسادس من ملوك مصر منهم ، بويع له في بكرة نهار الخميس لاثني ~~عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة . وذلك أن المستنصر ~~بالله لما توفي بادر الأفضل أمير الجيوش بدخول القصر PageV28P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" وأجلسه على تخت المملكة ، وسير إلى إخوته ~~نزار وعبد الله وإسماعيل ، وأعلمهم بوفاة أبيهم ، وأمرهم بسرعة الحضور ، ~~فلما حضروا شاهدوا أخاهم الصغير وقد جلس على سرير الخلافة ، فامتعضوا من ~~ذلك ، فقال لهم الأفضل : تقدموا وقبلوا الأرض لله تعالى ولمولانا المستعلي ~~بالله وبايعوه ، فهو الذي نص عليه الإمام المستنصر بالله قبل وفاته ~~بالخلافة من بعده ، فقال نزار : لو قطعت ما بايعت من هو أصغر مني سنا ، وخط ~~والدي عندي بولاية العهد ، وأنا أحضره . وخرج مسرعا ليحضر الخط فمضى إلى ~~الإسكندرية ، فسير الأفضل خلفه من يحضره ، فلم يعلم أحد أين توجه ولا كيف ~~سلك ، فانزعج الأفضل لذلك . وقيل أنه لما توفي المستنصر بالله جلس بعده ~~ولده أبو منصور نزار ، وهو ولي العهد وأراد أخذ البيعة لنفسه فامتنع أمير ~~الجيوش من ذلك لكرهته فيه واجتمع الأمراء والخواص وقال لهم : إن هذا كبير ~~السن ولا نأمنه على نفوسنا ، والمصلحة أن نبايع لأخيه الصغير أبي القاسم ~~أحمد ، فوافقوه على ذلك إلا محمود بن مصال اللكي ، فإن نزار كان قد وعده ~~بالوزارة والتقدمة على الجيوش مكان الأفضل ، فلما علم ابن مصال الحال أطلع ~~نزارا عليه . وبادر الأفضل وبايع أحمد بالخلافة ، ونعته بالمستعلي بالله ~~وأجلسه على سرير الملك ، 73 وجلس الأفضل على دكة الوزارة . وحضر قاضي ~~القضاة الإمام علي بن الكحال ومعه الشهود ، وأخذ البيعة على مقدمي الدولة ~~ورؤسائها وأعيانها ms6528 ، ثم مضى إلى إسماعيل وعبد الله ، وهما بالقصر في المسجد ~~وعليهما التوكيل ، فقال لهما : إن البيعة قد تمت لمولانا المستعلي بالله ، ~~وهو يقرئكما السلام ويقول لكما : تبايعاني أم لا ؟ فقالا : السمع والطاعة ؛ ~~إن الله قد اختاره علينا . وبايعاه ، وكتب بذلك سجل قرأه على الأمراء ~~الشريف سناء الملك محمد بن الحسني الكاتب بديوان الإنشاء ، بادر نزار وأخوه ~~عبد الله ومحمود بن مصال إلى الإسكندرية ، وعليها ناصر الدولة أفتكين ~~التركي ، أحد مماليك أمير الجيوش بدر الجمالي ، فعرفوه الحال ووعدوه ~~بالوزارة ، فبايعه ، وبايعه أهل الثغر ، ولقب بالمصطفي لدين الله . ~~PageV28P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" ذكر ما اتفق لنزار ومن معه قال : وفي المحرم ~~سنة ثمان وثمانين وأربعمائة خرج الأفضل أمير الجيوش بعساكره إلى الإسكندرية ~~لقتال نزار وأفتكين وابن مصال ، فلما قرب منها خرجوا إليه ، والتقوا ، ~~واقتتلوا قتالا شديدا ، فكانت الهزيمة للأفضل ومن معه ، فرجع إلى مصر ونهب ~~نزار ومن كان معه من العرب أكثر بلاد الوجه البحري . ثم خرج الأفضل ثانيا ~~وحاصر الإسكندرية ، واشتد الحصار إلى ذي القعدة ، فلما اشتد الحال رأى ابن ~~مصال مناما ، فلما أصبح أحضر رجلا أعجميا وقال له : رأيت كأني راكب فرسا ~~وكان الأفضل يمشي في ركابي . فقال له الأعجمي : الماشي على الأرض أملك لها ~~، فلما سمع منه ذلك جمع أمواله وهرب إلى لك قرية من قرى برقة . فعند ذلك ~~ضعفت قوة نزار وأفتكين ، فاضطر إلى مسألة الأفضل وبعثا يطلبان الأمان ، ~~فأمنهما وفتحت البلد . ودخل الأفضل الإسكندرية وقبض على نزار وأفتكين ، ~~وسيرهما إلى مصر ، وكان آخر العهد بنزار ، قيل إنه جعله بين حائطين إلى أن ~~مات ، وكان مولده في عاشر شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وأربعمائة ، وأما ~~أفتكين فإنه أظهر قتله بعد ذلك للناس ، وأما محمود بن مصال فكاتبه الأفضل ~~ورغبه في العود ، فعاد إلى مصر ، فأكرمه الأفضل . وفي سنة تسعين وأربعمائة ~~خطب الملك رضوان صاحب حلب للمستعلي بالله أربع جمع ، ثم قطع خطبته ، على ما ~~ذكرناه في أخبار الدولة السلجقية والله أعلم . ذكر الاستيلاء أمير الجيوش ~~على البيت المقدس ms6529 وفي شعبان سنة إحدى وتسعين وأربعمائة خرج الأفضل أمير ~~الجيوش بعساكره إلى الشام ونزل على البيت المقدس ، وهو في يد الأمير سقمان ~~وإيلغازي ، ابني PageV28P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" أرتق ، وجماعة من أقاربهما ، وخلق كثير من ~~الأتراك . فراسلهما يلتمس منهما تسليم بيت المقدس من غير حرب ولا سفك ، فلم ~~يجيباه إلى لذلك . فنصب المناجيق وهدم منه قطعة ، وقاتل ، فاضطر إلى تسليمه ~~له ، فخلع عليهما وأطلقهما ، وعاد الأفضل إلى مصر . ونقل محمد بن علي بن ~~يوسف بن جلب راغب في تاريخ مصر أن الأفضل لما رجع من بيت المقدس مر بعسقلان ~~، وكان في مكان دارس بها رأس الحسين بن علي ، رضي الله عنهما ، فأخرجه ~~فعطره وطيبه ، وحمل في سفط إلى أجل دار بها ، وعمر المشهد ، ولما تكامل حمل ~~الأفضل الرأس على صدره وسعى ماشيا إلى أن رده إلى مقره ، ثم نقل إلى مصر ~~على ما نذكره إن شاء الله ، وقيل إن المشهد بعسقلان ابتدأ بعمارته بدر ~~الجمالي وكمله الأفضل . ذكر استيلاء الفرنج على ما نذكره من البلاد ~~الإسلامية بالساحل والشام والبيت المقدس لم يكن جميع ما استولوا عليه مما ~~نذكره داخلا في ملك الدولة العبيدية ، بل كان منها ما هو في أيدي نواب ~~المستعلي وما هو بيد الملوك الذين تغلبوا على الأطراف ، ولم يكن أيضا في ~~أيام المستعلي خاصة ، وإنما وردناه بجملته في هذا الوضع لتكون الأخبار ~~متتابعة ولا تنقطع بالسنين والدول . وقد نبهنا عليه فيما تقدم من أخبار ~~الدولة العباسية . والذي نذكره الآن في هذا الموضع هو ما استولوا عليه 74 ~~من سواحل الشام سنة إحدى وتسعين وأربعمائة وما بعدها . وكان ابتدأ ظهورهم ~~وامتدادهم وتطرقهم إلى البلاد الإسلامية في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ، ~~وذلك أن بلاد الأندلس لما تقسم ملوكها بعد بني أمية وصارت كل جهة بيد ملك ، ~~وأيقنت نفس كل واحد أن ينقاد إلى الآخر ، ويدخل تحت طاعته ، فكانوا كملوك ~~الطوائف في زمن الفرس ، وعجز كل واحد عن مقاومة من يليه أو يقصده ~~PageV28P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" من الفرنج ، أدى ذلك إلى ms6530 اختلال الأحوال ، ~~وتغلب الأعداء على البلاد الإسلامية ، فأول ما استولوا عليه مدينة طليطلة ~~من الأندلس ، على ما ذكرناه ، في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ، ثم ملكوا ~~جزيرة صقليه في سنة أربع وثمانين وأربعمائة ، وتطرقوا إلى أطراف إفريقية ~~فملكوا منها شيئا ثم استرجع منهم ، على ما قدمناه . ذكر ملكهم مدينة ~~أنطاكية كان استيلاء الفرنج خذلهم الله تعالى ، على مدينة أنطاكية في جمادى ~~الأولى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة ، وكانت بيد ملوك الروم من سنة ثمان ~~وخمسين وثلاثمائة إلى أن فتحها الملك سليمان بن شهاب الدين ولد قتلمش ~~السلجقي ، صاحب أقصرا وقونيه وغير ذلك من بلاد الروم في سنة سبع وسبعين ~~وأربعمائة ، على ما ذكرناه في أخبار الدولة السلجقية ، وبقيت في يده إلى أن ~~قتل ، وتداولتها أيدي المتغلبين من ملوك الإسلام وأمرائهم إلى أن استقرت ~~بيد ياغي سيان وهو يخطب فيها للملك رضوان بن تتش صاحب حلب ، ولأخيه الملك ~~دقاق صاحب دمشق . فلما كان في سنة تسعين وأربعمائة جمع بغدوين ملك الفرنج ~~جمعا كثيرا من الفرنج ، وكان تسيب رجار الفرنجي صاحب صقلية ، فأرسل بغدوين ~~يقول : قد جمعت جمعا كثيرا وأنا أصل إليك وسائر من عندك إلى إفريقية أفتحها ~~وأكون مجاورا لك . فجمع رجار أصحابه واستشارهم فقالوا كلهم : هذا جيد لنا ~~ولهم ، وتصبح البلاد كلها للنصرانية ، فلما سمع رجار كلامهم وما اجتمعوا ~~عليه ، رفع رجله وحبق حبقة طويلة وقال : وحق ديني هذه خير من كلامكم ، ~~قالوا : وكيف ذلك ؟ قال إذا وصلوا إلي احتجت إلى كلفة كثيرة ، ومراكب ~~تحملهم إلى إفريقية ، عساكر من جهتي معهم ، فإن PageV28P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" فتحوا البلاد وكانت لهم وصارت مؤونتهم من ~~صقلية وينقطع عني ما يصل إلي من المال من ثمن الغلات كل سنة ، وإن لم ~~يفتحوها رجعوا إلى بلادي وتأذيت بهم ، ويقول تميم ، صاحب إفريقية غدرت بي ~~ونقضت عهدي ، وتنقطع الأسفار بيننا وبين بلاد إفريقية ، وإفريقية باقية متى ~~وجدنا قوة أخذناه بها . ثم أحضر رسوله وقال إذا عزمتم على جهاد المسلمين ~~فاقصدوا بذلك فتح بيت المقدس وخلصوه من أيدهم ، ويكون ms6531 لكم الفخر ، وأما ~~إفريقية فبيني وبين أهلها أيمان وعهود ، فاخرجوا إلى الشام . وقيل أن ~~المستنصر ، أو المستعلي ، لما رأى قوة الدولة السلجوقية وتمكنها ، وأنهم ~~استولوا على ملك بلاد الشام إلى غزة ، ولم يبق بينهم وبين مصر ولاية أخرى ~~تمنعهم ، راسل الفرنج يدعوهم للخروج إلى الشام ، ليملكوه ، ويكونوا بينه ~~وبين المسلمين ، والله تعالى أعلم . قال فلما عزم الفرنج على قصد الشام ~~ساروا إلى قسطنطينية ليعبروا المجاز إلى بلاد الإسلام ويسيروا في البر ~~فيكون أسهل عليهم ، فمنعهم ملك الروم من ذلك ، ولم يمكنهم أن يمروا من ~~بلاده ، وقال : لا أمكنكم من العبور إلا أن تحلفوا أنكم تسلمون إلي أنطاكية ~~، وكان قصده أن يحثهم على الخروج إلى بلاد الإسلام ظنا منه أن الترك لا ~~يبقون منهم أحدا لما أري من صرامتهم وملكهم البلاد . فأجابوه إلى ذلك ~~وعبروا الخليج في سنة تسعين وأربعمائة ، ووصلوا إلى بلاد قلج أرسلان بن ~~سليمان بن قتلمش ، فلقيهم في جموعه ومنعهم ، فقاتلوه وهزموه ، وذلك في شهر ~~رجب منها ، ومروا في بلاده إلى بلاد ابن ليون الأرمني ، فسلكوها وخرجوا ~~منها إلى أنطاكية ، فحصروها . PageV28P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" قال المؤرخ : فلما سمع صاحبها ياغي سيان ~~بتوجههم إليها خاف من النصارى الذين بها ، فأخرج ما بها من المسلمين ~~بمفردهم أول يوم وأمرهم أن يحفروا الخندق ، ثم أخرج النصارى من الغد لذلك ، ~~فعلموا فيه إلى العصر ، فلما أرادوا دخول البلاد منعهم ، وقال لهم : ~~أنطاكية لكم فهبوها لي حتى أنظر ما يكون بيننا وبين الفرنج ، فقالوا : من ~~يحفظ أولادنا ونساءنا ؟ فقال : أنا أخلفكم فيهم فأمسكوا حتى صاروا في عسكر ~~الإفرنج . وحصرت أنطاكية تسعة أشهر وظهر من حزم ياغي سيان واحتياطه وجودة ~~رأيه ما يشاهد مثله ، وهلك 75 أكثر الفرنج موتا وقتلا ، وحفظ ياغي سيان أهل ~~نصارى أنطاكية الذين أخرجهم ، وكف الأيدي عنهم . فلما طال مقام الفرنج ~~عليها راسلوا أحد المستحفظين للأبراج ، وهو ذراد ، ويعرف بروزبة ، وبذلوا ~~له مالا إقطاعا ، وكان يتولى حفظ برج يلي الوادي ، وهو مبنى على شباك في ~~الوادي . فما تقرر الأمر بينهم ms6532 وبينه ، جاءوا إلى الشباك ففتحوه ودخلوا منه ~~، وصعد جماعة كثيرة منهم بالحبال ، فلما زاد عددهم إلى خمسمائة ، ضربوا ~~البوق وذلك عند السحر وقد تعب الناس من كثرة السهر والحراسة ، فاستيقظ ياغي ~~سيان وسأل عن الحال فقيل له : هذا البوق من القلعة ولا شك أنها قد أخذت ولم ~~تكن من القلعة وإنما من البرج . فداخله الرعب ؛ ففتح باب البلد وهرب في ~~ثلاثين غلاما ، وجاء نائبه ليحفظ البلد ، فقيل له انه قد هرب ، فخرج من ~~الباب الآخر هاربا ، وكان ذلك إعانة للفرنج ، ولو ثبت ساعة لهلكوا . ثم أن ~~الفرنج دخلوا البلد من بابه ، ونهبوا وقتلوا من فيه من المسلمين . وأما ~~ياغي سيان فإنه لما طلع النهار رجع إلى عقله وكان كالولهان فرأى نفسه وقد ~~قطع عدة فراسخ ؛ فقال لمن معه : أين أنا ؟ فقالوا : على أربعة فراسخ من ~~أنطاكية . فندم كيف خلص سالما ولم يقاتل حتى يزيلهم عن البلد أو يقتل . ~~وجعل يتلهف على ترك أهله وأولاد المسلمين ، ويسترجع ؛ فسقط عن فرسه ~~PageV28P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" لشدة ما ناله ، وغشي عليه ، فأراد أصحابه أن ~~يركبوه فلم يكن فيه مسكة ، وكان قد قارب الموت ، فتركوه وساروا عنه ، ~~فاجتاز به إنسان أرمني كان يقطع الخشب وهو بآخر رمق فقتله وحمل رأسه إلى ~~الفرنج بأنطاكية . ذكر مسير المسلمين لحرب الفرنج وما كان من أمرهم قال : ~~ولما اتصل خبر أنطاكية بالأمير قوام الدين كربوقا صاحب الموصل جمع العساكر ~~وسار لحربهم واجتمع معه الملك دقاق صاحب دمشق وصاحب حمص وصاحب سنجار . فلما ~~بلغ الفرنج اجتماعهم عظمت عليهم المصيبة وداخلهم الخوف لما هم فيه من الوهن ~~وقلة الأقوات . وسار المسلمون حتى نازلوا أنطاكية ، فأساء كربوقا السيرة ~~فيمن معه من المسلمين ، فأغضب الأمراء وتكبر عليهم ، ظنا منه أنهم يقيمون ~~معه على هذا الحال . فأغضبهم ذلك وأضمروا في أنفسهم الغدر به إذا كان قتال ~~، وعزموا على إسلامه عند الصدمة . قال : وأقام الفرنج بإنطاكية بعد أن ~~ملكوها ثلاثة عشر يوما ليس لهم ما يأكلونه ، فتقوت الأقوياء بدوابهم ~~والضعفاء بالميتة وورق الشجر ، فلما انتهت ms6533 حالهم إلى ذلك أرسلوا إلى كربوقا ~~يطلبون منه الأمان ليخرجوا من البلد ، فلم يعطهم ، وقال : لا يخرجون منه ~~إلا بالسيف . وكان معهم من الملوك بغدوين وصنجيل وكندفري والقمص صاحب الرها ~~وبيمند صاحب أنطاكية وهو مقدم العسكر ، وكان معهم راهب مطاع فيهم فقال لهم ~~: إن المسيح عليه السلام كان له حربة مدفونة بالقسيان الذي بأنطاكية ، وهو ~~بناء عظيم ، فإن وجدتموها فإنكم تظفرون ، وإن لم تجدوها فالهلاك متحقق . ~~وكان هو قد دفنها قبل ذلك وعفا أثرها ، وأمرهم بالصوم ثلاثة أيام والتوبة ؛ ~~PageV28P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" ففعلوا ذلك فلما كان اليوم الرابع أدخلهم ~~جميعهم وجميع عامتهم والصناع ، وحفروا عليها في ذلك المكان فوجدوها كما ذكر ~~، فقال لهم : ابشروا بالظفر فخرجوا في اليوم الخامس من خمسة وستة إلى نحو ~~ذلك ، فقال المسلمون لكربوقا : ينبغي أن نقف على الباب فقتل كل من يخرج فإن ~~أمرهم الآن سهل ، فقال أمهلوهم حتى يتكاملوا ؛ ولم يمكن من معاجلتهم ، فقتل ~~قوم من المسلمين جماعة من الخارجين ، فجاء إليهم بنفسه ومنعهم . فلما تكامل ~~خروج الفرنج ولم يبق أحد منهم في أنطاكية ضربوا مصافا عظيما ، فانهزم ~~العسكر الإسلامي لما عاملهم به كربوقا من الاستهانة بهم والإعراض عنهم ، ~~فتمت الهزيمة عليهم ، ولم يضرب أحد منهم بسيف ولا طعن برمح ، ولا رمي بسهم ~~، وآخر من انهزم سقمان بن أرتق وجناح الدولة ، لأنهما كانا في الكمين ، ~~وانهزم كربوقا معهم ، فلما رأى الفرنج ذلك ظنوه مكيدة فخافوا أن يتبعوهم ؛ ~~وثبت جماعة من المجاهدين وقاتلوا حسبة ورغبة في الشهادة فقتل الفرنج منهم ~~ألوفا ، وغنموا ما في العسكر من الأقوات والأموال والدواب ، وغير ذلك ، ~~فصلحت حالهم وعادت إليهم قوتهم . ذكر ملكهم معرة النعمان 76 - قال المؤرخ : ~~ثم سار الفرنج إلى معرة النعمان فنازلوها وحصروها ، وقاتلهم أهلها قتالا ~~شديدا ، فرأى الفرنج منهم شدة ونكاية عظيمة ، فعمل الفرنج عند ذلك برجا من ~~خشب يوازي سور المدينة ، ووقع القتال عليه ، فصبر المسلمون على القتال إلى ~~الليل ، ثم خاف قوم منهم وفشلوا ، وظنوا أنهم إذا تحصنوا ببعض الدور الكبار ~~امتنعوا بها ، فنزلوا ms6534 عن السور وأخلوا مكانهم الذي كانوا يحفظونه ، وفعلت ~~طائفة أخرى مثل ذلك . ولم تزل كل طائفة منهم تتبع الأخرى حتى خلا السور ، ~~فصعد الفرنج عليهم على السلالم ، فلما علوه تحير المسلمين ودخلوا دورهم ، ~~ووضع الفرنج فيهم السيف ثلاثة أيام ، فقتلوا ما يزيد على مائة ألف وسبوا ~~السبي الكثير . وأقاموا بها أربعين يوما وساروا إلى عرقة ، فحصروها أربعة ~~أشهر ، ونقبوا PageV28P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" سورها عدة نقوب ولم يقدروا عليها ، وراسلهم ~~ابن منذر صاحب شيزر ، وصالحهم عليها ، ثم ساروا إلى حمص وحصروها ، فصالحهم ~~صاحبها جناح الدولة ، وخرجوا على طريق النواقير إلى عكا فلم يقدروا عليها ؛ ~~فساروا إلى البيت المقدس . ذكر استيلائهم خذلهم الله تعالى على البيت ~~المقدس كان استيلاء الفرنج ، خذلهم الله تعالى ، على البيت المقدس في يوم ~~الجمعة ، ضحى ، لسبع بقين من شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ، وكان إذ ~~ذاك بيد افتخار الدولة نيابة عن المستعلي بالله ، فإنه كان بيد تاج الدولة ~~تتش السلجقي صاحب الشام ، واقطعه للأمير سقمان بن أرتق التركماني ، فجاءه ~~الأفضل أمير الجيوش واستولى عليه ، وبقي بيد نوابه إلى الآن . فقصده الفرنج ~~عند عجزهم عن فتح عكا ، وحصروه نيفا وأربعين يوما ، ونصبوا عليه برجين ، ~~أحدهما من ناحية صهيون ، فأحرقه المسلمون وقتلوا جميع من فيه من الفرنج . ~~فلما فرغوا من ذلك أتاهم الصارخ أن المدينة قد ملكت من الجانب الآخر ، وهو ~~الجانب الشمالي ، وركب الناس السيف ولبث الفرنج أسبوعا يقتلون فيهم . ~~واحتمى جماعة من المسلمين بمحراب داود وقاتلوا فيه ثلاثة أيام ، فبذلك لهم ~~الفرنج الأمان ، فسلموه إليهم ، فوفوا لهم ، وخرجوا ليلا إلى عسقلان ~~وأقاموا بها . وقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا ، منهم ~~جماعة كثيرة من PageV28P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" أئمة المسلمين وعلمائهم ، وعبادهم وزهادهم ، ~~ممن فارق أهله ، ووطنه وجاور بذلك الموضع الشريف . وأخذوا من عند السخرة ~~نيفا وأربعين قنديلا من الفضة ، زنة كل قنديل ثلاث آلاف وستمائة درهم ، ~~وأخذوا تنورا من فضة وزنه أربعون رطلا ، بالرطل الشامي ، وأخذوا من ~~القناديل الصغار مائة وخمسين قنديلا من الفضة ، ومن ms6535 الذهب نيفا وعشرين ~~قنديلا . وغنموا ما لا يقع عليه الإحصاء . وورد إلى بغداد القاضي سعيد ~~القروي في شهر رمضان ، ومعه جماعة ، يستنفرون الناس ، وأوردوا في الديوان ~~كلاما أبكى العيون ، وصدع القلوب واستغاثوا بالجامع يوم الجمعة ، وبكوا ، ~~وذكروا ما نزل بالمسلمين من البلاء ، وما حل بهم من المصيبة . فأمر الخليفة ~~أن يسير القاضي أبو محمد الدامغاني ، وأبو بكر الشاشي ، وغيرهما ، إلى ~~السلطان بسبب ذلك ، فاتفق ما ذكرناه من الاختلاف الذي وقع بين الملوك ~~السلجقية ، فتمكن الفرنج من البلاد . قال : ولما اتصل خبر هذه الحادثة ~~العظيمة بالأفضل أمير الجيوش جمع العساكر وخرج إليهم ، فقاتلهم في شهر ~~رمضان من السنة . ثم كبسه الفرنج هو ومن معه ، وهم على غير تعبئة ، فهزموهم ~~وقتلوا منهم مقتلة عظيمة . وحاصر الفرنج عسقلان ، فصالحهم أهلها على عشرة ~~آلاف دينار ، وقيل عشرين ألف دينار ، فعادوا إلى القدس . قال : وكان الذي ~~ملك البيت المقدس من الفرنج كندفرى . ذكر ظفر المسلمين بالفرنج قال المؤرخ ~~: وفي ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة لقي كمتكين بن الدانشمند طايلو ~~، وهو صاحب ملطية وسيواس ، بيمند الفرنجي بالقرب من ملطية ، وكان ~~PageV28P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" صاحبها قد كاتبه واستقدمه عليه ، فورد عليه ~~في خمسة آلاف ، فلقيهم ابن الدانشمند ، وقاتلهم ، فهزم بيمند وأسر . ثم وصل ~~من البحر سبعة قناصة من الفرنج ، فأرادوا خلاص بيمند ، فأتوا إلى قلعة ~~أنكورية فأخذوها وقتلوا من بها من المسلمين ، وساروا إلى قلعة أخرى فحصروها ~~وفيها إسماعيل بن الدانشمند فجمع الدانشمند جمعا كثيرا ، ولقي الفرنج ، ~~وجعل له كمينا فقاتلهم وخرج عليهم الكمين فقتلهم . وكانوا ثلاثمائة ألف لم ~~يفلت منهم غير ثلاثة آلاف هربوا . وسار ابن الدانشمند إلى ملطية فملكها ~~وأسر صاحبها . قال أبن الأثير الجزري : وكانت هذه الوقائع في شهر و قريبة . ~~قال : ولم يزل بيمند في أسره إلى سنة خمس وتسعين ، فأخذ منه مائة ألف دينار ~~وأطلقه . ذكر قتل كندفري وملك أخيه بغدوين وما استوى عليه الفرنج من البلاد ~~وهي : حيفا . وأرسوف . وقيسارية . والرها . وسروج وفي سنة أربع وتسعين ~~وأربعمائة سار كندفري صاحب ms6536 البيت المقدس إلى عكا ، فحاصرها ، فأصابه سهم ~~فقتله . وكان قد عمر مدينة يافا وسلمها إلى قمص من الفرنج اسمه طنكري . ~~فلما قتل كندفري سار أخوه بغدوين إلى البيت المقدس في خمسمائة فارس وراجل ، ~~فبلغ ذلك الملك شمس الملوك دقاق صاحب دمشق ، فنهض إليه في عسكره ومعه ~~الأمير جناح الدولة في جموعه ، فنصر على الفرنج . وفي هذه السنة ملك الفرنج ~~مدينة حيفا عنوة وهي على ساحل البحر بالقرب من عكا ، وملكوا أرسوف بأمان ~~وأخرجوا أهلها منها ، وملكوا قيسارية بالسيف وقتلوا أهلها . وفيها ملك ~~الفرنج مدينة سروج من ديار الجزيرة ، وكانوا قبل ذلك قد ملكوا الرها ~~PageV28P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" بمكاتبة من أهلها لأن أكثر أهلها أرمن . فما ~~كان الآن جمع الأمير سقمان بن أرتق جمعا عظيما من التركمان وزحف بهم إليهم ~~، فلقوه وقاتلوه ، فهزموه في شهر ربيع الأول . فلما تمت الهزيمة على ~~المسلمين سار الفرنج إلى سروج ، فتسلموها ، وقتلوا كثيرا من أهلها وسبوا ~~حريمهم ، ونهبوا أموالهم ، ولم يسلم منهم إلا من انهزم . ذكر أخبار صنجيل ~~الفرنجي وما كان منه في حروبه وحصار طرابلس والطوبان وملك أنطرسوس وفي سنة ~~خمس وتسعين وأربعمائة لقي صنجيل الملك قلج أرسلان صاحب قونية ، وصنجيل في ~~مائة ألف مقاتل وقلج في عدد يسير ، واقتتلوا ، فانهزم الفرنج وأسر كثير ~~منهم ، وفاز قلج بالظفر والغنيمة . ومضى صنجيل مهزوما في ثلاثمائة ، فوصل ~~إلى الشام ، فأرسل فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس إلى الأمير جناح الدولة ~~بحمص وإلى الملك دقاق بدمشق يقول : من الصواب معاجلة صنجيل إذ هو في العدد ~~يسير . فخرج إليه جناح الدولة بنفسه وسير دقاق ألفي مقاتل ، أتتهم الإمداد ~~من طرابلس . وصافوا صنجيل فأخرج مائة ن عسكره إلى أهل طرابلس ومائة إلى ~~عسكر دمشق وخمسين إلى عسكر حمص وبقي هو في خمسين . فأما عسكر حمص فانهزموا ~~عند المشاهدة تبعهم عسكر دمشق . وأما عسكر طرابلس فإنهم قتلوا المائة الذين ~~قاتلوهم ، فحمل صنجيل في المائتين الباقيتين ، فكسروا أهل طرابلس وقتلوا ~~منهم سبعة آلاف رجل ونازل طرابلس وحصرها . وأتاه أهل الجبل فأعانوه ms6537 على ~~حصرها ، هم وأهل السواد ، لأن أكثرهم نصارى . فقاتل من بها أشد قتال ، فقتل ~~من الفرنج ثلاثمائة : ثم هادنهم ابن عمار على مال وخيل ، PageV28P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" فرحل صنجيل عنهم إلى مدينة أنطرسوس ، وهي من ~~أعمال طرابلس ، فحصرها وفتحها . وقتل من بها من المسلمين . ورحل إلى حصن ~~الطوبان ، ومقدمه ابن العريض ، فقاتلهم فنصر عليهم وأسر فارسا من أكابر ~~فرسانهم ، فبذل فيه صنجيل عشرة آلاف دينار وألف أسير فلم يجبه ابن العريض ~~إلى ذلك . ثم سار صنجيل إلى حصن الأكراد فحصره ، فجمع أمير جناح الدولة ~~عسكره ليسير إليه ويكبسه ، فقتله باطني بالمسجد الجامع . فلما قتل صبح ~~صنجيل حمص من الغد ونازلها وملك أعمالها . ذكر ملك الفرنج جبيل وعكا وفي ~~سنة سبع وتسعين وأربعمائة وصلت مراكب من بلاد الفرنج إلى مدينة لاذقية ، ~~فيها التجار والمقاتلة والحجاج وغيرهم ، فاستعان بهم صنجيل الفرنجي على ~~حصار طرابلس فحاصروها معه وضايقوها ، فلم يروا فيها مطمعا ، فرحلوا عنها ~~إلى مدينة جبيل فحصروها وقاتلوا عليها قتالا شديدا . فلما رأى أهلها عجزهم ~~عن الفرنج طلبوا الأمان على تسليمها ، فبذل لهم صنجيل الأمان ، وتسلم البلد ~~منهم فلم يف لهم . وأخذ الإفرنج أموالهم وعاقبوهم عليها بأنواع العذاب . ثم ~~ساروا إلى عكا نجدة لبغدوين ، صاحب القدس ، على حصارها ، فنازلوها وحصروها ~~في البر والبحر ، وعليها زهر الدولة الجيوشي ، فقاتلهم أشد قتال . فلما عجز ~~عن حفظ البلد فارقه ، وملك الفرنج عكا بالسيف ، وفعلوا بأهلها الأفعال ~~الشنيعة . وساروا منها إلى دمشق ثم إلى حمص . وفي سنة تسع وتسعين وأربعمائة ~~ملك الفرنج حصن أفامية وسرمين من أعمال حلب . PageV28P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" وفي سنة اثنتين وخمسمائة فتح السرداني عرقة ، ~~وذلك أنها كانت بيد غلام فخر الملك بن عمار وقد عصى على مولاه ، فضاق به ~~القوت وانقطعت عنه الميرة ، فكاتب طغزتكين صاحب دمشق أن يرسل إله من يتسلم ~~الحصن لعجزه عن حفظه . فبعث إليه طغزتكين صاحبا له اسمه إسرائيل في ~~ثلاثمائة ، فتسلم الحصن . فلما نزل غلام ابن عمار رماه إسرائيل بسهم فقتله ~~في الاختلاط طمعا في المال الذي ms6538 بعرقة لئلا يطلع طغزتكين عليه . قال وأراد ~~طغزتكين أن يشحن الحصن بالعساكر والأقوات ، فتوالت الأمطار والثلج مدة ~~شهرين ، فعجز عن ذلك . فلما انقطع المطر ركب أربعة آلاف فارس وجاءوا إلى ~~عرقة ، فتوجه إليه السرداني وهو يحاصر طرابلس ومعه ثلاثمائة فارس ، فانهزم ~~عسكر طغزتكين عندما أشرفت الخيل من غير قتال ، فأخذ السرداني أثقالهم وتسلم ~~الحصن بأمان ، وقبض على إسرائيل ، وقال لا أطلقه إلا بفلان وهو من أكابر ~~الفرنج كان أسيرا ، ففودي به ذكر ملك الفرنج طرابلس وبيروت كان صنجيل لما ~~ملك مدينة جبيل ، كما ذكرنا ، حصر طرابلس ، فلما لم يتمكن منها وعجز عن ~~الاستيلاء عليها بنى بالقرب منها حصنا وجعل تحته ربضا ، وأقام يرصدها ينتظر ~~فرصة ، فخرج فخر الملك أبو علي بن عمار ، صاحب طرابلس ، فأحرق ربضه ، فوقف ~~صنجيل على سقوفه المحروقة ، ومعه جماعة من القمامصة والفرسان ، فانخسف بهم ~~. فمرض صنجيل عشرة أيام ، ومات ، وحمل إلى القدس فدفن هناك . وذلك في سنة ~~تسع وتسعين وأربعمائة . ودامت الحرب على طرابلس خمس سنين . فسار فخر الملك ~~ابن عمار إلى بغداد يستنجد بالخليفة والسلطان على الفرنج ، على ما ذكرناه ~~وعاد من بغداد في منتصف المحرم سنة اثنتين وخمسمائة وتوجه إلى جبيلة فدخلها ~~وأطاعه أهلها . PageV28P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" وأما طرابلس فإن ابن عمار لما فارقها راسل ~~أهلها الأفضل أمير الجيوش يلتمسون منه واليا يكون عندهم ومعه الميرة في ~~البحر ، فسير إليهم الأفضل شرف الدولة بن أبي الطيب واليا ، ومعه الغلال ~~وغيرها . فلما صار إليها قبض على جماعة من أهل ابن عمار واستولى على ما ~~وجده من أمواله وذخائره . فما كان في شعبان سنة ثلاث وخمسمائة وصل أسطول ~~كبير من بلد الفرنج ، مقدمه قمص كبير اسمه ريمند بن صنجيل ، ومراكبه مشحونة ~~بالرجال والسلاح والميرة وليس ربمند هذا ابن صنجيل صاحب الحصن المقدم ذكره ~~. فنزل على طرابلس وكان السرداني وهو ابن أخت صنجيل محاصرا لها قبله ، فجرت ~~بينهما فتنة أدت إلى الشر والقتال فوصل تتكري صاحب أنطاكية إليها إعانة ~~للسرداني ، ووصل بغدوين صاحب البيت المقدس في عسكره ms6539 ، فأصلح بينهم ونزل ~~الفرنج بأجمعهم على طرابلس وضايقوها ، وذلك في شعبان ، وألصقوا أبراجهم ~~بسورها ، فلما شاهد الجند وأهل البلد ذلك سقط في أيديهم ، وذلت نفوسهم ، ~~وزادهم ضعفا . فتأخر الأسطول المصري عنهم بالميرة والنجدة ، وداوم الفرنج ~~القتال والزحف إلى أن ملكا البلد عنوة ، وذلك في يوم الاثنين لإحدى عشرة ~~ليلة خلت من ذي الحجة ، سنة ثلاث وخمسمائة . ونهبوا ما فيها ، وأسروا ~~الرجال ، وسبوا النساء والذرية ، وغنموا من أهلها من الأموال والأمتعة وكتب ~~العلم الموقوفة ما لا يحد ولا يوصف . وكانت طرابلس من أعظم البلاد وأهلها ~~من أكثر الناس أموالا . وسلم الوالي الذي كان بها وجماعة من جندها كانوا ~~التمسوا الأمان قبل فتحها ، فوصلوا إلى دمشق ، وعاقب الفرنج أهل طرابلس ~~بأنواع العقوبات ، وأخذت دفائنهم وذخائرهم . ووصل الأسطول المصري بالرجال ~~والغلال وغيرها ، ما يكفيهم سنة ، وكان وصول الأسطول إليها بعد أن ملكت ~~بثمانية أيام ، ففرق ما في الأسطول على الجهات المجاورة لها : صور وصيدا ~~وبيروت . PageV28P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" ذكر ملك الفرنج جبلة وبلنياس قال : ولما فرغ ~~الفرنج من طرابلس سار تنكري صاحب أنطاكية إلى بلنياس فافتتحها وأمن أهلها ، ~~ونزل على مدينة جبلة وبها فخر الملك ابن عمار ، وكان القوت قد قل بها ، ~~فقاتل من بها إلى أن ملكها في الثاني والعشرين من ذي الحجة بالأمان . وخرج ~~فخر الملك ابن عمار وقصد شيزر ، فأكرمه صاحبها الأمير سلطان ابن علي بن ~~منقذ الكناني . ثم سار إلى دمشق فأكرمه طغزتكين صاحبها ، وأجزل له في ~~العطية وأقطعه أعمال الزبداني ، وذلك في المحرم سنة أربع وخمسمائة . ذكر ~~ملكهم مدينة صيدا وفي جمادى الأولى سنة أربع وخمسمائة ملك الفرنج مدينة ~~صيدا ، وكانت من جملة ما هو بيد طغزتكين صاحب دمشق . وذلك أنه وصل في البحر ~~ستون مركبا للفرنج مشحونة بالرجال والذخائر مع بعض ملوكهم ، ليحج إلى القدس ~~ويغزو المسلمين بزعمه ، فاجتمع به بغدوين صاحب القدس وقرر معه الغزو فنزلوا ~~على مدينة صيدا في ثالث شهر ربيع الآخر ، وضايقوها في البر والبحر ، ومنعوا ~~الأسطول المصري من الوصول إليها ، وكان بساحل ms6540 مدينة صور ، فعمل الفرنج برجا ~~من الخشب وأحكموه ، وجعلوا عليه ما يمنع النار والحجارة عنه ، وزحفوا به . ~~فلما عاين أهل صيدا ذلك ضعفت نفوسهم وأشفقوا أن يصيبهم مثل ما أصاب أهل ~~بيروت ، فأرسلوا قاضيها ومعه جماعة من شيوخها إلى الفرنج وطلبوا الأمان ، ~~فأمنهم على PageV28P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" نفوسهم وأمواله والعسكر الذي عندهم ، ومن ~~أراد المقام بها عندهم أمنوه ، ومن أراد المسير عنهم لا يمنعونه ، وحلفوا ~~لهم على ذلك فخرج الوالي وجماعة كثيرة معه تحت الأمان ، وكانت مدة الحصار ~~سبعة وأربعين يوما . ورحل بغدوين عنها إلى القدس ، ثم عاد إليها بعد مدة ~~يسيرة يقرر على المسلمين الذين أقاموا بها عشرين ألف دينار ، فاستغرق ~~أموالهم وأفقرهم . ذكر استيلائهم على حصن الأثارب وحصن زردنا وفي سنة أربع ~~وخمسمائة جمع صاحب أنطاكية الفارس والراجل وسار إلى حصن الأثارب ، وهو على ~~ثلاث فراسخ من حلب ، فحصره ومنع لميرة عمن فيه ، فضاق الأمر عليهم . فنقب ~~المسلمون من القلعة نقبا وقصدوا أن يخرجوا منه إلى خيمة صاحب أنطاكية ~~فيقتلوه . فلما فعلوا ذلك استأمن إليه صبي أرمني فعرفه الحال ، فاحتاط ~~لنفسه واحترز ، وجد في قتالهم حتى ملك الحصن عنوة ، وقتل من أهله ألفي رجل ~~وسبى . ثم سار إلى حصن زردنا ، فحصره وفتحه ، وفعل بأهله مثل ذلك . فلما ~~سمع بذلك أهل منبج فارقوها خوفا من الفرنج ، وكذلك أهل بالس ، فطلب أهل ~~الشام الهدنة ، فامتنع الفرنج ثم أجابوا . فصالحهم الملك رضوان صاحب حلب ~~على اثنتين وثلاثين ألف دينار ، وخيول وثياب ، وصالحهم ابن منقذ صاحب شيزر ~~على أربعة آلاف دينار ، وصالحهم علي الكردي صاحب حماة على ألفي دينار . ~~وكانت عدة الهدنة إلى إدراك المغل وحصاده . ثم جاءت العساكر من العراق ولم ~~يبلغوا غرضا . ذكر حصر مدينة صور وفتحها كان استيلاء الفرنج ، خذلهم الله ~~تعالى ، على مدينة صور في الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة ثماني عشرة ~~وخمسمائة . وكان ابتداء الحصار في سنة خمس وخمسمائة ، وذلك أن الفرنج في ~~هذه السنة اجتمعوا مع بغدوين صاحب القدس على PageV28P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" حصارها . وكانت ms6541 إذ ذاك بيد نواب الآمر بأحكام ~~الله وبها من قبله عز الملك الأعز ، فحصروها في الخامس والعشرين من جمادى ~~الأولى من السنة ، وعملوا ثلاثة أبراج من الخشب علو البرج سبعون ذراعا في ~~كل برج ألف رجل ، ونصبوا عليها المجانيق . وألصقوا أحد الأبراج بسور صور ، ~~فجمع عز الملك أهل البلد واستشارهم في حيلة يدفعون بها شر الأبراج . فقام ~~شيخ من أهل طرابلس وضمن إحراقها ، وأخذ ألف رجل بالسلاح التام ، ومع كل رجل ~~حزمة حطب ، فقاتلوا الفرنج حتى وصلوا إلى البرج الملتصق بالسور وألقوا ~~الحطب من جهاته ، وأشعلوا فيه النار . ثم خاف أن يشتغل الفرنج الذين في ~~الأبراج بإطفاء النار ، فرماهم بجرار مملوءة بالعذرة كان قد أعدها لهم فلما ~~سقطت عليهم اشتغلوا بما نالهم من الرائحة الكرهة ، فتمكنت النار من البرج . ~~وأحرق المسلمون البرجين الآخرين أيضا . وكاتب عز الملك طغزتكين ، صاحب دمشق ~~فأنجده بالرجال ، وأرسل أصحابه للإغارة على بلاد الفرنج ، فرجعوا من حصار ~~مدينة صور في شوال من السنة . ثم عادوا في سنة ست وخمسمائة إلى الحصار ، ~~وضايقوا البلد ، فأرسل أهل صور إلى طغزتكين صاحب دمشق يطلبون منه أن يرسل ~~إليهم من جهته من يتولى أمرهم ويحميهم ، وتكون البلد له . فسير إليهم عسكرا ~~، وجعل عندهم واليا اسمه مسعود ، وكان شهما شجاعا عارفا بالحرب ومكايدها ، ~~وأمده بالعساكر والميرة ، فطابت قلوب أهل البلد . ولم يقطع خطبة الآمر ~~بأحكام الله ولا غير سكته ، وكتب إلى الأفضل أمير الجيوش يعرفه ما عمل ~~ويقول : متى وصل من مصر من يتولاها ويذب عنها سلمتها إليه ، وطلب منهم ألا ~~ينقطع الأسطول عنها بالرجال والميرة . فأجابه الأفضل إلى ذلك ، وشكره على ~~ما فعل ، وجهز أسطولا إليها ، فاستقامت أحوال أهلها . ولم يزل كذلك إلى سنة ~~ست عشرة وخمسمائة ، بعد قتل الأفضل أمير الجيوش . وذلك أن المأمون بن ~~البطائحي لما ولى إمرة الجيوش بعد قتل الأفضل سير إلى مدينة صور أسطولا على ~~العادة ، وأمر المقدم عليه أن يعمل الحيلة على الأمير مسعود ، الوالي من ~~قبل طغزتكين ، ويقبض عليه ، ويتسلم البلد منه . وكان ms6542 سبب ذلك أن أهل صور ~~شكوا منه إلى الآمر بأحكام الله . فلما وصل الأسطول وجاء الأمير مسعود ~~ليسلم على المقدم قبض المقدم عليه واعتقله ، وحمله إلى الآمر ، فأكرمه ~~وأعاده إلى صاحبه بدمشق . PageV28P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" واستولى مقدم الأسطول على مدينة صور ، وراسل ~~الأمير طغزتكين بالخدمة ، واعتذر إليه ، فقبل عذره ، ووعده المساعدة . فما ~~سمع الفرنج بانصراف مسعود عن صور قوى طمعهم فيها ، وشرعوا في الجمع ، واتصل ~~خبرهم بواليها ، فعلم أنه لا قوة له ولا طاقة بهم ، لقلة من بها من الجند ~~والميرة ، وأرسل إلى الآمر بذلك ، فرأى أن يرد ولاية صور إلى طغزتكين ، ~~فأرسل إليه بذلك ، فملكها ورتب بها الجند وغيرهم . وسار الفرنج إلى صور ، ~~ونازلوها في شهر ربيع الأول سنة ثماني عشرة ، وضيقوا عليها ولازموا القتال ~~، فقلت الأقوات ، وسئم من بها القتال ، وضعفت نفوسهم . وسار طغزتكين إلى ~~بانياس ليقرب منها ويذب عن البلد ، وأرسل إلى الآمر يستنجده ، فلم ينجده ، ~~وأشرف أهلها على الهلاك . فحينئذ راسل طغزتكين الفرنج على أن يسلم إليهم ~~البلد ويمكنوا من بها من الجند والرعية ن الخروج بما قدروا عليه من أموالهم ~~وغيرها فاستقرت القاعدة على ذلك ، وفتحت أبواب البلد ، وفارقه أهله ، ~~وحملوا ما أطاقوا وتفرقوا في البلاد ، ولم يتعرض الفرنج إليهم . وملك ~~الفرنج البلد في التاريخ الذي قدمناه ، ولم يبق بصور إلا ضعيف عاجز عن ~~الحركة . وفي سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة ملك الفرنج حصن القدموس من المسلمين ~~، وملكوا بانياس بمراسلة إسماعيل الإسماعيلي ورغبته في ذلك ، وانضمامه إلى ~~الفرنج ، على ما قدمناه ذكره في أخبار تاج الملوك طغزتكين صاحب دمشق . هذا ~~ما استولى عليه الفرنج من البلاد الإسلامية . فلنرجع إلى أخبار الدولة ~~العبيدية . ذكر وفاة المستعلي بالله كانت وفاته في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ~~بقيت من صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة . PageV28P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" ومولده لعشر بقين من المحرم سنة سبع وستين ~~وأربعمائة ، وكان عمره ثمانيا وعشرين سنة وثمانية وعشرين يوما . ومدة ~~ولايته سبع سنين وشهرا واحدا وثمانية وعشرين يوما . ولم تكن له سيرة تذكر ، ~~فإن الأمر ms6543 كان للأفضل أمير الجيوش ، لم يكن للمستعلي معه من الأمر إلا ~~الاسم ، والرسم للأفضل . وكان للمستعلي من أولاد أبو علي المنصور ، وجعفر ، ~~وعبد الصمد . وزيره الأفضل أمير الجيوش . قضاته : أبو الحسن بن الكحال ~~النابلسي ، ثم أعاد بن عبد الحاكم ، ثم أبو طاهر محمد بن رجاء ، ثم أبو ~~الفرج محمد بن جوهر بن ذكا النابلسي . ذكر بيعة الآمر بأحكام الله هو أبو ~~علي المنصور بن المستعلي بالله ، وهو العاشر من ملوك الدولة العبيدية ~~والسابع من ملوك الديار المصرية منها . قال المؤرخ : لما مات المستعلي ~~بالله أجلس الأفضل أمير الأفضل أمير الجيوش ولده أبا علي هذا سرير الخلافة ~~، وذلك في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة خمس وتسعين ~~وأربعمائة ، وبايع له الناس ولقبه بالآمر بأحكام الله وله من العمر خمس ~~سنين وشهر واحد وأيام . قال : ودبر الأفضل الأمر على ما كان عليه في أيام ~~أبيه المستعلي . PageV28P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" وفي سنة خمسمائة بني الأفضل أمير الجيوش ~~الدار المعروف بدار الملك على شاطئ النيل بمصر ، وكملت عمارتها في سنة إحدى ~~وخمسمائة ، وسكنها . ومدحه الشعراء . فمن مدحه أبو الفضل بن أمية المغربي ~~من قصيدة جاء منها : دار هي الفلك الأعلى ، وأنت بها . . . شمس الضحى ، ~~وبنوك الأنجم الزهر ودار الملك هذه هي دار الوكالة الآن ، وكان موضعها ~~أخصاص موقوفة على الأشراف ، فأمر أن يؤخذ ما كان لهم من الحكر على الأخصاص ~~من مال الرياع السلطانية . ذكر إنشاء ديوان التحقيق وفي سنة إحدى وخمسمائة ~~جدد الأفضل ديوانا وسماه ديوان التحقيق ، واستخدم فيه أبا البركات يوحنا بن ~~أبي الليث النصراني ، وبقي فيه إلى أن قتل في سنة ثمان وعشرين . واستمر هذا ~~الديوان إلى أن انقرضت الدولة العبيدية وانقطع ، ثم أعاده السلطان الملك ~~الكامل بن الملك العادل في سنة أربع وعشرين ، واستخدم فيه أبو كوجك اليهودي ~~. ثم أبطل في سنة ست وعشرين وستمائة فلم يعد . واستخدم في أيام السلطان ~~الملك المعز أيبك صفي الدين عبد الله بن علي المغربي في استيفاء مقابلة ~~الدواوين ، وهو نوع ms6544 منه . ذكر حل الإقطاعيات وتحويل السنة وفي سنة إحدى ~~وخمسمائة كثرت شكاوى الأجناد وطوائف العساكر المصرية PageV28P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" بسبب إقطاعياتهم ، وأنها خربت وقل ارتفاعها ، ~~وأنها لا تقوم ببعض كلفهم ، وأن الإقطاعيات التي بيد الأمراء زائدة عن ~~الارتفاع . فأحضر الأفضل محمد بن فاتك البطائحي ، وهو وزيره وأستاذ داره ، ~~واستشاره فيما يفعل في ذلك ، فأشار عيه بحل جميع الإقطاعيات التي بيد ~~الأمراء وغيرهم ، وأن يجمع الأمراء والطوائف للمزايدة فيها . فاتفق الرأي ~~على ذلك . وأحضر الأمراء والأجناد في دار الوزارة ، وتحدث معهم في ذلك ، ~~فقال الأمراء : لنا في إقطاعياتنا أملاك وبساتين ومعاصر وغيرها . فقال ~~الأفضل : الأملاك لملاكها على حالها يتصرفون فيها بالبيع والإيجار . ثم حل ~~الإقطاعيات ووقعت الزيادة فيها ، وتميز لكل منها إقطاع ، وكتبت بذلك ~~المناشير بذلك . ثم شكى إليه كثرة عبرة البلاد وأن متحصلها لا يفي بالعبرة ~~. وحصل للديوان ضياع مفرده عبرتها خمسون ألف دينار في كل سنة . ونقلت السنة ~~الشمسية الخراجية إلى الهلالية ، وكانت سنة إحدى وخمسمائة الهلالية وسنة ~~سبع وتسعين وأربعمائة الخراجية فنقلت إلى سنة إحدى وخمسين . ذكر أخذ الفرما ~~وهلاك بغدوين الفرنجي صاحب القدس وفي سنة إحدى عشرة وخمسمائة أغار بغدوين ~~ملك الفرنج على الفرما وقتل جميع من بها ، وأحرق جامعها ومساجدها ، وذلك ~~بعد أن حاصرها أياما والفرما PageV28P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" كانت بلدة بين القصير والغرابي من منال الرمل ~~، وهي الآن خراب . وقصد بغدوين مصر فرحل عن الفرما . ورجع إلى البيت المقدس ~~، وهو مثقل بالمرض ، فهلك بموضع يقال له جور قبل وصوله إلى العريش . فشق ~~الفرنج بطنه وألقوا مصارينه هناك ، فهي ترجم إلى وقتنا هذا ، ودخلوا بجثته ~~، فدفنوها بقمامة بالبيت المقدس . وفي سنة إحدى عشرة وخمسمائة رتب ذخيرة ~~الملك جعفر في ولاية القاهرة ، ونظر الحسبة وظلم وعسف ، وهو الذي بنى ~~المسجد بسوق الخيل المعروف : بالذخيرة ، ومسجد لا بالله ، وسبب تسميته بلك ~~أنه كان يقبض الناس من الطريق ويعسفهم ، فيقولون لا بالله ، فيقيدهم ~~ويستعملهم فيه بغير أجرة . ولم يعمل فيه صانع إلا وهو مكره مقيد . فابتلى ~~الله ذخيرة الملك ms6545 بأمراض شديدة ، لما مات تجنب الناس الصلاة عليه وتشييعه . ~~ذكر نهب ثغر عيذاب وفي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة عمر الشريف أبو محمد قاسم ~~بن أبي هاشم ، أمير مكة ، مراب حربية وشحنها بالمقاتلة وسيرهم إلى عيذاب ، ~~فنهبوا مراكب التجار وقتلوا جماعة منهم . فحضر من سلم من التجار إلى باب ~~الأفضل وشكوا ما حل بهم فأمر بعمارة حراريق بجهزها ، ومنع الناس أن يحجوا ~~في سنة أربع عشرة ، وقطع الميرة عن الحجاز ، فغلت الأسعار . وكان الأفضل قد ~~كتب إلى الأشراف بمكة يلومهم على فعل صاحبهم ، فكتب الشريف إلى الأفضل ~~يعتذر ، والتزم برد المال إلى أربابه ، ومن قتل من التجار فماله لورثته . ~~وأعاد الأموال في سنة خمس عشرة . PageV28P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" ذكر مقتل الأفضل شاهنشاه أمير الجيوش ابن ~~أمير الجيوش بدر الجمالي وشيء من أخباره كان مقتله في يوم الأحد سلخ شهر ~~رمضان سنة خمس عشرة وخمسمائة ، وقد ركب من دار الملك بمصر فقتل عند كرسي ~~الجسر ، تلة الباطنية . قيل بمواطأة من الآمر لأنه كان قد ضاق منه لتحكمه ~~عليه ومنعه من شهواته ، فقصد اغتياله إذا دخل عليه للسلام ، فمنعه أبو ~~الميمون عبد المجيد بن أبي القاسم ، ابن عمه ، وقال : إن هذا الأمر فيه من ~~قبح الأحدوثة وسوء الشناعة ما لا تحمد عاقبته ، لأن هذا الرجل ما عرف له ~~ولا لأبيه إلا المودة في خدمة هذا البيت والذب عنه ، وإن قتلناه غيلة لا ~~غنية أن نولي منصبه لغيره ، فيكون المتولي بعده على وجل واحتراس . وإنما ~~الرأي أن ندبر عليه . فدبر عليه حتى قتل . هذا كان أحد الأقوال في قتله . ~~قال : ولما وثب الباطنية عليه ضرب ثماني ضربات ، فمات لوقته ، وحمل على ~~أيدي مقدمي ركابه ، والقائد الميمون محمد وأخوته لا يمكنون أحدا من الدنو ~~منه ، وهم يبشرون الناس بسلامته ، حتى وضعوه على سريره وغطى . ونفذ المأمون ~~أخاه حيدرة إلى الآمر يقول له : أدركني وتسلم ملكك لئلا أغلب عليه أنا وأنت ~~، وأوصاه أن يهنء من وجده بسلامة الأفضل . ففعل حيدرة ذلك ، وهنأ حرم ~~الأفضل وغيرهم . فعزم ms6546 أولاده على إثارة فتنة وأنهم يطلبون الآمر لأخيهم تاج ~~المعالي ، فأمر الآمر بحمل أولاد الأفضل إلى الاعتقال بخزانة البنود ، ~~فحملوا إليها ، وبات الأمر بدار الملك . قال : وكان الأفضل حسن الإعتقاد في ~~مذهب السنة ، جميل السيرة ، مؤثرا للعدل ، صائب الرأي والتدبير ، حسن الهمة ~~، كريم النفس ، صادق الحديث . ونال الناس بعد قتل الأفضل من الظلم والجور ~~والعسف ما لا يعبر عنه . فجاء الناس إلى باب الآمر واستغاثوا ، ولعنوا ~~الأفضل وسبوه أقبح سب ، فخرج إليهم الخدم وقالوا : مولانا يسلم عليكم ويقول ~~لكم : ما السبب في سب الأفضل وقد كان قد أحسن إليكم وعدل فيكم ؟ فقالوا : ~~إنه عدل وتصدق وحسن آثاره ، ففارقنا بلادنا حبا لأيامه ، وأقمنا في بلده ~~فحصل بعده هذا الجور ، فهو السبب في خروجنا عن أوطاننا واستقرارنا ببلده . ~~PageV28P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" قال المؤرخ : لما قتل الأفضل أحضر الآمر ~~وزيره الشيخ أبا الحسن علي الحلبي والقائد عبد الله محمدا وسألهما عن ~~الأموال ، فقال القائد : أما السر فأعلمه وأما الظاهر فالوزير يعلمه ، ~~وأخبراه بذخائره وأمواله . وأقام الآمر في دور الأفضل ، وهي دار الملك بمصر ~~ودار الوزارة بالقاهرة ، وغيرهما ، أربعين يوما ، والكتاب بين يديه يكتبون ~~ما ينقلونه إلى القصور ، فوجد له من الذخائر النفيسة ما لا يحصى . وذكر أن ~~الذي وجد له من الأموال ستة آلاف دينار عينا ، وفي بيت الخاصة ثلاث آلاف ~~ألف دينار ، وفي البيت البراني ثلاثة آلاف ألف ومائتان وخمسون دينارا ، ~~وخمسون أردبا دراهم ورق وثلاثون راحلة من الذهب العراقي المغزول برسم الرقم ~~، وعشرة بيوت في كل بيت منها عشرة مسامير من الذهب ، زنة كل مسمار مائتا ~~مثقال ، عليها العمائم المختلفة الألوان مغطاة بالمناديل المزركشة ، ~~وتسعمائة ثوب من الديباج الملون ، وخمسمائة صندوق من دق دمياط وتنيس برسم ~~كسوة جسده ، ولعبة من العنبر على قدر جسده برسم ثيابه توضع ثيابه عليه ~~لتكبسم رائحتها . وترك من الطيب والآلات والنحاس ما لا يحصى . وترك من ~~الأبقار والجواميس والأغنام ما بلغ ضمان ألبانها ونتاجها أربعين ألف دينار ~~في السنة . وكانت الدواة التي يكتب منها مرصعة بالجواهر ms6547 ، فقوم ما عليها من ~~الجواهر باثني عشر ألف دينار . وخلف من الكتب خمسمائة ألف مجلد . وحكى ~~القاضي زكي الدين أبو زكريا يحيى بن علي الدمشقي في تاريخه عما خلفه الأفضل ~~فقال : خلف . جملة لم يسمع أن أحدا من الملوك والخلفاء في هذا الزمان ~~PageV28P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" جمع مثله و لا ادخر مثل بعضه : وأن الآمر ~~بأحكام الله شرع في حمل ما في دوره إلى القصر ، فحلم على عدة كثيرة من ~~الجمال والبغال ، ونقل في شهرين وأيام . قال : وحكى الدينبلي التاجر الآمدي ~~أن متولي الخزانة بالقصور ذكر له جملا مما حمل من موجودة في الدار ، منها ~~ستة آلاف ألف وأربعمائة ألف دينار ، ومن الورق ما قيمته مائتا ألف وعشرون ~~ألف دينار ، ومن أطباق الذهب والفضة سبعمائة طبق ، ومن الآلات مثل أتوار ~~واصطال وصحاف وشربات وأباريق وزبادي وقدور وقطع من الفضة والذهب مختلفة ~~الأجناس ما لا يحصى كثيرة ، وبراني صيني كبار ، وعيبات مملوءة جواهر ، ومن ~~أصناف الديباج العابي وغيره تسعون ألف ثوب ، وثلاث خزائن مملوءة صناديق ~~كلها من الدبيقي والشرب استعمال تنيس ودمياط ، وخزانة الطيب مملؤة أسفاطا ، ~~وعود ، وبراني مسك ونوافج ، وبراني زجاج مملوءة من الكافور القنصوري ، غير ~~مصاعد ، ومن العنبر ما لا يحصى كثرة . وكان له مجلس يجلس فيه للشراب في ه ~~صور ثماني جواري متقابلات ، أربع منهن بيض من كافور ، وأربع سود من عنبر ، ~~قيام في المجلس ، عليهن أفخر الثياب وأثمن الحلي وأحسن الجواهر ، فكان إذا ~~دخل باب المجلس نكسن رؤوسهن خدمة له ، فإذا جلس في صدر المجلس استوين ~~قائمات . ووجد له من المقاطع والستور ، والديباج والدبيقي الحريري ، والذهب ~~، والفرش ، والمخاد والمساند على اختلاف أجناسها ، كل حجرة مملوءة من ذلك ، ~~وعدة صناديق مملوءة حقاق ذهب عراقي برسم الاستعمال ووجد له ثمانمائة جارية ~~منهن حظايا خمس وستون ، لكل جارية حجرة وخزانة مملوءة من الكساوي والآلات ~~الديباج والذهب والفضة . ومن كل صنف . قال الخازن : هذا ما حضرني حفظه مما ~~في داره . وأما ما كان في مخازنه وتحت يد عماله وجباته وضمان النواحي ms6548 فما ~~لا يحصى كثرة ، من الأموال والغلال والحبوب والقطن والكتان والشمع والحديد ~~والأخشاب وغير ذلك . وكل نوع منه ما يجاوز الحد PageV28P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" والإحصاء ، ولا يمكن تحرير حسابه إلا في ~~المدة الطويلة . وأما العدد والخيول والسلاح والبقر والغنم والخيام ، فقال ~~الخازن لم تتحرر لكثرتها . وقال حمل من داره أربعة آلاف بساط ، وستون حمل ~~طنافس ، وخمسمائة قطعة بلور كبار وصغار ، وخمسمائة قطعة محكم ، وألف عدل من ~~متاع اليمن والإسكندرية والغرب ، وسبعة آلاف مركب من أصنافها . وأما ما ~~عمره من المساجد فمنها : جامع الفيلة ، وقيل إنه لم يكمله . وحكى الشريف ~~محمد بن أسعد الجواني في كتابه المترجم بالنقط في ذكر الخطط أن جامع الفيلة ~~بناه الأفضل في سنة ثمان تسعين وأربعمائة ، وأن الأفضل مات ولم يكمله فكمله ~~المأمون في وزارته ، وولى خطابته الشريف أمين الدولة أبا جعفر ، محمد بن ~~محمد بن هبة الله الحسيني الطرابلسي النسابة ، وأمر أن يحضر جميع وجوه ~~الدولة والرؤساء في أول جمعة ، فحضروا . فلما رقي الشريف المنبر قال : ~~الحمد لله ، وأرتج عليه دهش ، فلم يزل يكررها إلى أن أضجر الناس ، ونزل وقد ~~هم ، ومضى إلى داره ، فاعتل ومات في سنة سبع عشرة وخمسمائة . ومنها المسجد ~~الذي على جبل المقطم . وبنى في جامع عمر بن العاص المئذنة الكبيرة والمئذنة ~~السعيدية . والمئذنة المستجدة به أيضا وجامع الجيزة . وغير ذلك وهو الذي ~~أنشأ التاج والخمسة وجوه . PageV28P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" قال ناظم سيرة المأمون : وعمل الأفضل خيمة ~~سماها خيمة الفرج ، ثم سميت بالقاتول لأنها كانت إذا نصبت يموت تحتها من ~~الفراشين رجل أو رجلان . اشتملت على ألف ألف ذراع وأربعمائة ألف ذراع وكان ~~ارتفاعها خمسين ذراعا بذراع العمل ، أنفق عليها عشرة آلاف ألف دينار . ~~ومدحه جماعة من الشعراء وذكروا هذه الخيمة ، منهم أبو جعفر محمد بن هبة ~~الله الطرابلسي بقصيدته التي يقول فيها : ضربت خيمة عز في مقر علا . . . ~~أوفت على عذبات الطود ذي القنن جاءت مدى الطرف ، حتى خلت ذروتها . . . تأوى ~~من الفلك الأعلى إلى سكن أقطارها ملئت من منظر ms6549 عجب . . . يهدي إليك ذكاء ~~الصانع الفطن فمن رياض سقاها القطر صيبه . . . فما بها ظمأ يوما إلى المزن ~~وجامع في عنان لا يجاذبه . . . وطائر غير صداح على فنن وأرقم لا يمج السم ~~ريقته . . . وضيغم ليس بالعادي ولا الوهن ومائلين صفوفا في جوانبها . . . ~~لو يستطيعون خر الجمع للذقن زينت بأروع ، لا تحصى فضائله . . . ماض من ~~المجد والعلياء في سنن وأطلع الدست فيها شمس مملكة . . . يرى التأمل فضل ~~العين والأذن وعد على السعد أن النصر يضربها . . . بالصين ، بعد فتوح الهند ~~واليمن وقال أبو علي حسن بن زيد الأنصاري ، الكابت بديوان المكاتبات ، ~~يصفها ويمدح الأفضل : [ من البسيط ] PageV28P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" مهلا ، فقد قصرت عن شأوك الأمم . . . وأبدت ~~العجز منها هذه الهمم أخيمة ما نصبت اليوم ، أم فلك . . . ويقظة ما نراه ~~منك ، أم حلم ما كان يخطر في الأفكار قبلك أن . . . تسمو علوا على أفق ~~النهى الخيم حتى أتيت بها شماء شاهقة . . . في مارن الدهر من تيه بها شمم ~~إن الدليل على تكوينها فلكا . . . أن احتوتك ، وأنت الناس كلهم ومنها لديك ~~جيش ، وجيش في جوانبها . . . مصور ، وكلا الجيشين مزدحم إذا الصبا حركتها ~~ماج موكبها . . . فمقدم منهم فيها ومنهزم أخيها خيلك اللاتي تغير بها . . . ~~فليس تنزع عنها الحزم واللجم علمت أبطالها أ ، يقدموا أبدا . . . فكلهم ~~لغبار الحرب مقتحم أمنتهم أن يخافوا سطوة لردى . . . فقد تسالمت الأسياف ~~والقمم كأنها جنة ، والقاطنون بها . . . لايستطيل على أعمارهم هرم علت ، ~~فخلنا لها سرا تحدثه . . . للفرقدين وفي سمعيهما صمم إن أنبتت أرضها زهرا ، ~~فلا عجب . . . وقد همت من كفها الديم قال المؤرخ : وكان للأفضل شعر حسن ، ~~فمن قوله في غلامه المعالي : أقضيب يميس ، أم هو قد . . . أم شقيق يلوح ، ~~أم هو خد أنا مثل الهلال سقما عليه . . . وهو كالبدر حين وافاه سعد وكانت ~~ولاية لأفضل سبعا وعشرين سنة وخمسة أشهر . ذكر تفويض أمور الدولة وإمرة ~~الجيوش للمأمون البطائحي قال المؤرخ : وفي الخامس من ذي الحجة من سنة خمس ~~عشرة وخمسمائة فوض الآمر بأحكام الله أمور الدولة وإمرة الجيوش للقائد أبي ~~عبد ms6550 الله محمد بن الأمير ثقة PageV28P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" الدولة أبي شجاع فاتك بن الأمير منجد الدولة ~~أبي الحسن مختار المستنصري المعروف بابن البطائحي ، وكان قبل ذلك عند ~~الأفضل أستاذ داره . واستقرت نعوته في سجله المقروء على كافة الأمراء ~~والأجناد بالأجل المأمون ، تاج الخلافة ، وجيه الملك ، فخر الصنائع ، ذخر ~~أمير المؤمنين . ثم نعت بعد ذلك بالأجل المأمون ، تاج الخلافة ، عز الإسلام ~~، فخر الأنام ، نظام الدين والدعاة . ثم نعت بعد ذلك بنعوت الأفضل وهي : ~~السيد الأجل المأمون ، أمير الجيوش ، سيف الإسلام ، ناصر الأنام ، كافل ~~قضاة المسلمين ، وهادي دعاة المؤمنين . قال ناظم سيرة المأمون : ولما كان ~~يوم الثلاثاء الثالث عشر من ذي الحجة من السنة ، وهو يوم الهناء بعيد النحر ~~، جلس المأمون في داره وقت أذان الفجر ، وجاء الناس لخدمته للهناء على ~~طبقاتهم في أرباب البيوت والأقلام ، ثم الشعراء ، وركب إلى القصور ، فأتى ~~باب الذهب ، فوجد المرتبة المختصة بالوزارة قد هيئت له في موضعها الجاري به ~~العادة ، وأغلق الباب الذي اعتادها على الرسم المعتاد لوزير السيف والقلم ، ~~وهذا الباب يعرف بباب السرداب . فلما شاهد المرتبة توقف عن الجلوس عليها ~~لأنه لم يذكر له ذلك قبل حضوره ، ثم ألجأته الضرورة ، لأجل حضور الأمراء ، ~~إلى الجلوس عليها فجلس وأولاده الثلاثة عن يمينه ، وأخواه عن يساره ، ~~والأمراء المطوقون خاصة قائمون بين يديه ، ومن عداهم لا يصل هذا الموضع . ~~فما كان بأسرع من أن فتح الباب وخرج عدة من الأستاذين المحنكين وخرج إليه ~~الأمير الثقة متولي الرسالة PageV28P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" وزمام القصور ، فوقف أمام المرتبة وقال : ~~أمير المؤمنين يرد على السيد الأجل المأمون السلام . فوقف المأمون عند ذلك ~~وقبل الأرض ، وجلس في موضعه ، وتأخر الأمير الثقة حتى نزل من على المصطبة ~~التي عليها المرتبة وقبل الأرض ويد المأمون ، ودخل من فوره من الباب ، ~~وأغلق الباب ، على حاله على ما كان عليه الأفضل . وقال : وكان الأفضل يقول ~~: ما أزال أعد نفسي سلطانا حتى أجلس على تلك المرتبة وغلق الباب في وجهي ~~والدخان في أنفي ، لأن الحمام كانت خلف ms6551 الدار في السرداب . قال : ثم فتح ~~الباب وعاد الثقة وأشار بالدخول إلى القصر ، فدخل المأمون إلى المكان الذي ~~هيئ له ، ودعي لمجلس الوزارة . وبقي الأمراء بالدهاليز إلى أن جلس الخليفة ~~واستفتح المقرئون . واستدعى المأمون فحضر بين يديه وسلم عليه أولاده واخوته ~~، ثم دخل الأمراء وسلموا على طبقاتهم ، ثم الأشراف وديوان المكاتبات ~~والإنشاء ، ثم قاضي القضاة ، والشهود ، والداعي ، ثم مقدمو الركاب ومتولي ~~ديوان المملكة . ثم دخل الأجناد من باب البحر ، وهو الباب الذي يقابل ~~المدرسة الكاملية الآن ، ثم دخل والي القاهرة ووالي مصر وسلما ببياض أهل ~~البلدين ، ثم البطريرك والنصارى والكتاب منهم ، وكذلك رئيس اليهود . ودخل ~~الشعراء على طبقاتهم ، وأنشد PageV28P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" كل منهم ما سمحت به قريحته . وكانت هذه عادة ~~السلام على ملوك هذه الدولة . وإنما أوردنا ذلك ليعلم منه كيف كانت عادتهم ~~. وفي سنة سبع عشرة وخمسمائة ورد إلى الديار المصرية طائفة كثيرة من عرب ~~لواته من جهة المغرب ، وانتهوا إلى الإسكندرية وأعمالها ، وأفسدوا فسادا ~~متحكما . فندب المأمون إليهم أخاه نظام الملك حيدرة ، الملقب بالمؤتمن ، ~~فقاتلهم وهزمهم ، وغنم أموالهم . وتوجه إلى الإسكندرية ودخلها ، فصادف ~~مراكب البنادقة قد هجموا على ساحل الثغر وأسروا ، فخرج إليهم ، وحاربهم ~~وهزمهم ، فعادوا . ذكر القبض على المأمون قال : وفي سنة تسع عشرة وخمسمائة ~~في يوم السبت لأربع خلون من شهر رمضان قبض الآمر بأحكام الله على وزيره ~~المأمون أبي عبد الله محمد وعلى إخوته الخمسة وثلاثين نفرا من خواصه وأهله ~~، واعتقله ، ولم يزل في اعتقاله إلى سنة اثنتين وعشرين ، فصلبه مع أخوته . ~~وقيل في سبب ذلك أن المأمون راسل الأمير جعفرا ، أخا الآمر ، وأغراه بقتل ~~أخيه وأنه يقيمه مكانه في الخلافة واستقرت القاعدة بينهما على ذلك ، واتصل ~~ذلك PageV28P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" بالشيخ أبي الحسن علي بن أبي أسامة ، متولي ~~ديوان المكاتبات ، وكان خصيصا بالآمر قريبا منه . وناله من المأمون أذى ~~كثير ، فأعلم الآمر بالحال . وكان المأمون كثير التطلع لأخبار الناس والبحث ~~عن أحوالهم ، وكثر الوشاة في أيامه . قال ابن الأثير الجزري في تاريخه ~~الكامل ms6552 : كان ابتداء حال المأمون أن والده كان من جواسيس الأفضل بالعراق ، ~~فمات ولم يخلف شيئا ، فتزوجت أمه وتركته فقيرا فاتصل ببعض البنائين بمصر ، ~~ثم صار يحمل الأمتعة بالسوق الكبير . فدخل مع الحمالين إلى دار الأفضل مرة ~~بعد أخرى فرآه الأفضل خفيفا رشيقا ، حسن الحركة حلو الكلام والحجة ، فسأل ~~عنه ، فقيل هو ابن فلان ، فاستخدمه مع الفراشين . ثم تقدم عنده وكبرت ~~منزلته وعلت درجته ، إلى أن انتهى إلى ما ذكرنا . قال محمد بن علي بن يوسف ~~بن جلب راغب في تاريخ مصر : إن ابن الأثير وهم في وفاة والد المأمون ، وأن ~~والده مات في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة ، والمأمون إذ ذاك مدبر دولة الأفضل ~~. وأكثر الناس يذكرون ما ذكره ابن الأثير . وقال صاحب كتاب البستان في ~~حوادث الزمان : إن المأمون كان يرش بين القصرين ، وجده من غلمان المستنصر ~~بالله . والله أعلم . ذكر أخبار أبي نجاح بن قنا النصراني الراهب وقتله كان ~~هذا الراهب من أهل أشموم طناح . وكان قد خدم والي الدولة يحنا بن أبي الليث ~~، ثم اتصل بالخليفة الآمر بعد القبض على المأمون . وبذل في مصادرة قوم من ~~النصارى مائة ألف دينار ، فأطلق يده فيهم . وتسلسل الأمر إلى أن عم البلاء ~~منه جميع رؤساء الديار المصرية وقضاتها وكتابها وغيرهم . ولم يبق أحد إلا ~~ناله منه مكروه من الضرب والنهب وأخذ المال . وارتفع شأنه عند الآمر حتى ~~كان يعمل له ملابس مخصوصة به بدمياط وتنيس من الصوف الأبيض المنسوج بالذهب ~~، فكان يلبسها ويلبس من فوقها الغفافير الديباج . وكان يتطيب في كل يوم ~~بعدة مثاقيل من المسك ، وكان PageV28P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" يركب الحمير بالسروج المحلاة بالذهب والفضة ، ~~ويجلس في قاعة الخطابة بالجامع العتيق بمصر ويستدعي الناس للمصادرة . ~~فاستدعى في بعض الأيام رجلا يعرف بابن الفرس ، وكان من أكابر العدول ذوي ~~الهيئات والديانة ، والناس يعظمونه ويبجلونه - وأوقع به الإهانة والإخراق ، ~~فخرج من عنده ووقف في الجامع يوم الجمعة وقال : يا أهل مصر ، انظروا عدل ~~مولانا الآمر في تمكينه هذا النصراني من المسلمين فارتج ms6553 الناس لكلامه وكادت ~~تكون فتنة ، فدخل جماعة على الآمر وخوفوه العاقبة . وعرفوه ما حل بالمسلمين ~~منه فاستدعاه ، وكان في المجلس رجل من الأشراف ، فأنشد أبياتا منها : إن ~~الذي شرفت من أجله . . . يزعم هذا أنه كاذب فقال له الآمر : ما تقول يا ~~راهب ؟ فمسكت . فأمر به فقتل . وكان الذي تولى قتله الأمير مقداد والي مصر ~~، وصلبه على الجسر . ثم أنزل وربط على خشبة ورمي في بحر النيل وخرجت الكتب ~~إلى الأعمال البحرية أنه إذا ألقاه الماء إلى جهة أخرجوه عنها حتى ينتهي ~~إلى البحر المالح . ولما قتل هذا الراهب وجدوا له مقطعا فيه ثلاثمائة طراحة ~~سامان محشوة ، جددا ، لم تستعمل . هذا من هذا النوع ، خلا ما وجد من الذهب ~~والفضة والأقمشة والديباج . ذكر مقتل الآمر بأحكام الله وشيء من أخباره كان ~~مقتله في يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة أربع وعشرين ~~PageV28P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" وخمسمائة ، بجزيرة مصر بالقرب من المقياس . ~~وثب عليه عشر نفر من النزارية وقتلوه ، فحمل في جل إلى الجامع ، ونقل في ~~مركب عشاري ، وأحدر إلى اللؤلوة في الخليج ، ثم حمل إلى القصر ، فتوفي بقية ~~يومه . وقتل القوم الذين قتلوه . وكان مولده في يوم الثلاثاء لليلة خلت من ~~المحرم سنة تسعين وأربعمائة وقتل في يوم الثلاثاء سابع عشر المحرم منها ، ~~فكان عمره أربعا وثلاثين سنة وعشرة أشهر وولايته تسعة وعشرين وثمانية أشهر ~~ونصف شهر . وكان محكوما عليه إلى أن قتل الأفضل وتولى المأمون فظهر أمره ، ~~وصار يتصرف ويركب في يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الثلاثاء وإذا لم يركب في ~~يوم منها ركب في غيره . ولم يستوزر بعد المأمون وزيرا للسيف والقلم ، بل ~~استبد بأموره وباشرها بنفسه . وكان قبيح السيرة في رعيته ، يظلمهم ويأخذ ~~أموالهم ويغتصب أملاكهم ، وسفك دماءهم ، وارتكب المحذورات ، واستحسن ~~القبائح . ويكفي من سوء سيرته تمكينه الراهب من المسلمين ، وقد تقدم خبره . ~~وولد للآمر في هذه السنة ولد سمى أبا القاسم الطيب وجعله ولي عهده ، ~~PageV28P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" فأخفاه الحافظ . وزراءه : الأفضل ، ثم ~~المأمون . قضاته : ابن ms6554 ذكا النابلسي إلى أن رفع إبراهيم حمزة الشاهد إلى ~~الأفضل أمير الجيوش أنه أحدث في مجلس الحكم فعزله ، وولي أبا الفضل نعمة بن ~~بشير الجليس النابلسي إلى أن استقال ، فولي الرشيد أبا عبد الله محمد بن ~~قاسم الصقلي إلى أن توفي ، فأعاد الجليس ثم صرفه ، وولي أبا الفتح مسلم ، ~~فبقى إلى أن تولى المأمون فعزله ونفاه لما أخطأ في قراءته ، وولي أبا ~~الحجاج يوسف بن أيوب الأندلسي إلى أن توفي في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة ، ~~فولي الآمر أبا عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسر القيسراني ، فاستمر إلى ~~أن قتل الآمر بأحكام الله . ذكر بيعة الحافظ لدين الله هو أبو الميمون عبد ~~المجيد بن محمد بن المستنصر بالله ، وهو الحادي عشر من ملوك الدولة ~~العبيدية والناس من ملوك الديار المصرية منهم . بويع له بعد مقتل ابن عمه ~~الآمر ، في يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة أربعة وخمسمائة ، ~~بولاية العهد إلى أن يستبرئ نساء الآمر وهل فيهن من هي مشتملة على حمل أم ~~لا . ذكر قيام أحمد بن الأفضل وما كان من أمر أحمد إلى أن قتل قال المؤرخ : ~~لما بويع الحافظ لدين الله ثار الجند الأفضلية وأخرجوا ابن مولاهم ، أبا ~~علي أحمد بن الأفضل ، الملقب بكتيفات ، وولوه إمرة الجيوش ، وذلك في يوم ~~الخميس السادس من ذي القعدة منها ، فحكم ، واعتقل الحافظ صبيحة يوم بيعته ، ~~ودعا للإمام المنتظر ، وقوي أمر ابن الأفضل . وفي سنة خمس وعشرين رتب أحمد ~~بن الأفضل في الأحكام أربعة قضاة : PageV28P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" الشافعية والمالكية والإسماعيلية والإمامية ، ~~يحكم كل قاض بمقتضى مذهبه ويورث بمقتضاه ، فكان قاضي الشافعية الفقيه سلطان ~~، وقاضي المالكية اللبني ، وقاضي الإسماعيلية أبو الفضل ابن الأزرق ، وقاضي ~~الإمامية ابن أبي كامل . وسار أحمد بن الأفضل سيرة جميلة بالنسبة إلى أيام ~~الآمر ، ورد على الناس بعض مصادراتهم ، وأظهر مذهب الإمامية الاثني عشرية ، ~~وأسقط من الأذان قولهم حي على خير العمل ، وأمر بالدعاء لنفسه على المنابر ~~بدعاء اخترعه لنفسه وهو : السيد الأجل الأفضل ، مالك ms6555 أصحاب الدول ، ~~والمحامي عن حوزة الدين ، وناشر جناح العدل على المسلمين ، الأقربين ~~والأبعدين ، ناصر إمام الحق في حالتي غيبته وحضوره ، والقائم بنصرته بماضي ~~سيفه ، وصائب رأيه وتدبيره ، أمين الله على عباده ، وهادي القضاة إلى إتباع ~~شرع الحق واعتماده ، ومرشد دعاة المؤمنين بواضح بيانه وإرشاده ، مولي النعم ~~، ورافع الجور عن الأمم ، مالك فضيلتي السيف والقلم : أبو علي أحمد ين ~~السيد الأجل الأفضل شاهنشاه أمير الجيوش . واستمر أمره إلى يوم الثلاثاء ~~سادس عشر المحرم سنة ست وعشرين وخمسمائة . فاتفق ركوبه في هذا اليوم إلى ~~الميدان بالبستان الكبير ظاهر القاهرة ، للعب بالأكرة على جاري عادته ، ~~فوثب عليه مملوك رومي ، وقيل بل من صبيان الخاصة ، فطعنه طعنة ألقاه بها عن ~~فرسه ، ونزل واحتز رأسه ، ومضى به إلى القصر ، PageV28P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" وذلك بموافقة من الأجناد . فكانت مدة تغلبه ~~على الأمر سنة واحدة وشهرين وثلاثة عشر يوما ، ودفن بتربة أبيه خارج باب ~~النصر . ذكر بيعة الحافظ لدين الله الثانية قال : ولما قتل أحمد بن الأفضل ~~بويع الحافظ بالخلافة بيعة عامة ، وظهر الحمل المنتظر بنتا ، فانتقلت ~~الخلافة إليه ، وأمر أن يدعى له على المنابر ، اللهم صل على الذي شيدت به ~~الدين بعد أن رام الأعداء دثوره ، وأقررت الإسلام بأن طلوعه على الأمة ~~وظهروه ، وجعلته آية لمن يدبر الحقائق بباطن البصيرة ، مولانا وسيدنا وإمام ~~عصرنا وزماننا ، عبد المجيد أبي الميمون ، وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه ~~الأكرمين ، صلاة دائمة إلى يوم الدين . قال : ولما تم أمر الحافظ استوزر ~~أبا الفتح يانس ، وهو رومي من مماليك الأفضل ، ولقبه بأمير الجيوش ، فقتل ~~الطائفة المعروفة بصبيان الخاص ، ومن جملتهم قاتل أحمد بن الأفضل . وكان ~~عظيم الهيبة ، بعيد الغور ، فخافه الحافظ وتخيل منه ، وتخيل يانس أيضا من ~~الحافظ ، فدبر كل واحد منهما على صاحبه ، فسبق تدبير الحافظ فيه فسمه في ~~إبريق استعمل الماء منه عند الطهارة فعولج وكاد أن يبرأ فكلم الحافظ بعض ~~الأطباء ، فقال له الطبيب : إن رأي مولانا أمير المؤمنين أن يمضي إليه ~~ويزوره ويهنئه بالعافية فإنه لابد أن ينهض إليك ms6556 ويمشي ، فإذا مشى لا يكاد ~~يعيش أبدا . فمضى إليه الحافظ فقام إليه وتلقاه ، فمات في ليلته ، وذلك في ~~السادس والعشرين من ذي الحجة ، فكانت مدة وزارته تسعة أشهر . ذكر الخلاف ~~بين ابني الحافظ لدين الله قال المؤرخ ، وفي شعبان سنة ثمان وعشرين ~~وخمسمائة جرى بين أبي تراب حيدرة وحسن ، ولدي الحافظ ، حرب شديدة ، وافترقت ~~العساكر على فرقتين ، وهما الريحانية والجيوشية ، وكان بينهما وقعة في خامس ~~شهر رمضان ووقع الحرب بينهما بين القصرين ، وقتل من الطائفتين تقدير عشرة ~~آلاف إنسان ، . وكان سبب ذلك أن الحافظ PageV28P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" جعل ولده حيدرة ولي عهده من بعده ، فلم يرض ~~حسن بذلك ، فوقع الاختلاف والحرب بينهما . واستظهر حسن على أخيه حيدرة ، ~~فهرب حيدرة إلى أبيه ، فأرسل الحافظ إلى ابنه حسن ليدخل إليه ، فامتنع ~~وضايق القصر ، وطالبه بأخيه حيدرة ، فتلافاه الحافظ وجعله ولي عهده من بعده ~~. وتمكن حسن من الدولة والتصرف فيها بحسب رأيه ، ولم يبق للحافظ معه حكم . ~~ذكر مقتل حسن بن الحافظ كان مقتله في يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ~~جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة وذلك أنه لما استقر في ولاية العهد ~~والوزارة والتدبير واستبد بالأمر ، وقبض على جماعة من الأمراء وقتلهم ، ~~بسبب قيامهم مع أحمد بن الأفضل . وأقام غيرهم ، فخافه من بقي من الأمراء ~~العتق ، وأجمعوا على خلع أبيه من الخلافة وولده حسن من الوزارة فاجتمعوا ~~بين القصرين ، وراسلوا الحافظ ، وأعلموه بما أجمعوا عليه ، فاستعطفهم ~~الحافظ واعتذر إليهم ، وهرب الحسن إلى أبيه فقبض عليه وقيده ، وذكر ذلك ~~للأمراء ، فقالوا : لابد من قتله ، فسقاه أبوه سما فمات ، وجعله على سرين ، ~~وأمر الأمراء بمشاهدته ، فدخلوا عليه ورأوه فسكتوا . وقيل إن قيام الأمراء ~~كان بتدبير الحافظ . ذكر وزارة بهرام الأرمني وفي يوم الجمعة سادس عشر ~~جمادى الآخرة ، وقيل لإحدى عشرة ليلة خلت منه ، استوزر الحافظ بهرام ~~الأرمني النصراني ، ونعته بسيف الإسلام تاج الملوك . وكان PageV28P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" بهرام المذكور قد وصل إلى الديار المصرية ~~واجتمع بالحافظ ، فرأى منه عقلا وافرا وإقداما في الحرب وحسن ms6557 تدبير . وكان ~~سبب وصوله من بلاده أن القائم بأمر الأرمن مات ، وكان بهرام أحق بمكانه من ~~غيره فعدل الأرمن عنه وولوا غيره ، فغضب لذلك وخرج من تل باشر وقدم مصر ، ~~فعينه الحافظ للوزارة . واستشار بعض أهله وأكابر دولته فيه ، فكلهم كره ذلك ~~وأشار عليه ألا يفعل ، وقالوا : إنه نصراني لا يرضاه المسلمون ، وإن من ~~شروط الوزارة أن الوزير يرقى المنبر مع الإمام في الأعياد ليزر عليه المزرة ~~الحاجزة بينه وبين الناس ، وأن القضاة هم نواب الوزراء ، من زمن أمير ~~الجيوش . بدر الجمالي ، ويذكرون في النيابة عنهم في الكتب الحكمية النافذة ~~عنهم إلى الآفاق وكتب الأنكحة . فقال الحافظ : إذا رضيناه نحن فمن يخالفنا ~~، وهو وزير السيف ؟ وأما صعود المنبر فيستنيب عنه الناس فيه قاضي القضاة ، ~~وأم ذكره في الكتب الحكمية فلا حاجة إلى ذلك . واستوزر والناس ينكرون ذلك ~~عليه . وقال بعض المؤرخين : إن بهرام كان والي الغربية يومئذ وأنه سار منها ~~مجدا إلى أن وصل إلى القاهرة وحاصرها يوما واحدا ودخلها . فلما ولي الوزارة ~~وثبتت بها قدمه سأل الحافظ أن يسمح له بإحضار إخوته وأهله ، فأذن له في ذلك ~~. فأرسل إليهم وأحضرهم من تل باشر ، فتواصلوا حتى كمل منهم ومن غيرهم من ~~الأرمن تقدير ثلاثين ألف إنسان ، فاستطالوا على المسلمين . وبنيت في أيامه ~~كنائس كثيرة وديرة حتى إن كل رئيس من أهله بني له كنيسة ، وخاف أهل مصر ~~منهم أن يغيروا الملة الإسلامية ، وكثرت الشكايات فيه . وكان أخوه المعروف ~~بالباساك ، وإليه تنسب المنية التي بالقرب من إطفيح ، قد ولي الأعمال ~~القوصية فجار فيها جورا عظيما واستباح الأموال ، فعظم ذلك على الناس . ~~PageV28P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" ذكر خروج بهرام من الوزارة ووزارة رضوان ابن ~~الولخشي قال : ولما ثقلت وطأة بهرام على الناس اجتمع الأمراء وكاتبوا رضوان ~~بن الولخشي ، وذلك في صفر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة ، وكان يومئذ متولي ~~الغربية ولاه بهرام إياها إبعادا له ، فلما أتته كتب الأمراء نهض في طلب ~~الوزارة ، ورقى المنبر ، وخطب خطبة بليغة حرض الناس فيها على الجهاد . ~~فأجابوه ms6558 . وحشد العربان وقدم إلى القاهرة . كان الأمراء قد كاتبوه وقالوا : ~~إذا وقع الوجه في الوجه ارفع المصاحف على الرماح فإننا ننحاز إليك ، ففعل ~~ذلك . وخرج بهرام إليه لما قرب من القاهرة ، فلما عاين الأمراء والجند ~~المصاحف التحقوا جميعهم برضوان ، وبقي بهرام في الأرمن خاصة . فراسل الحافظ ~~وقال : أنا ألقاهم بمن معي . فخاف الحافظ عاقبة ذلك ، فأمره أن يتوجه إلى ~~قوص ويقيم عند أخيه الباساك إلى حين يدبر أمرا . فعاد بهرام إلى القاهرة ~~وأخذ ما خف حمله ، وخرج من باب البرقية في حادي عشر جمادى الأولى ، وتوجه ~~إلى الأعمال القوصية . قال : ولما انفصل عن القاهرة أتت العوام منازل ~~الأرمن ، وكانوا قد نزلوا الحسينية وعمروها دورا . ولما اتصل بأهل قوص ~~انهزام بهرام ثاروا بأخيه الباساك وقتلوه ومثلوا به ، وربطوا في رجليه كلبا ~~ميتا ، ورموه على مزبلة . فقدم بعد ذلك بهرام بعد ذلك بيومين ، ومعه طائفة ~~من أقاربه ، فرأى الباساك على هذه الحال ، فقتل جماعة من أهل قوص بالسيف ~~ونهبها وسار إلى أسوان . ثم رجع ونزل بالديرة البيض ، وهي من أعمال أخميم ~~بالجانب الغربي . قال : ولما فارق بهرام القاهرة دخلها رضوان ووقف بين ~~القصرين ، واستأذن الحافظ فيما يفعله ، فأمره بالنزول بدار الوزارة ، ~~فنزلها ، وخلع عليه خلع الوزارة ، ونعته بالأفضل ، وندب رضوان جماعة من ~~العسكر مع أخيه ناصر الدين ، فتوجهوا إلى بهرام ، فاستقر الأمر بينهم أن ~~يقيم بالديرة البيض ، وعاد الجند الذين مع بهرام إلى مصر ودبر رضوان الأمر ~~أحسن تدبير ، وصادر جماعة من أصحاب بهرام وشدد عليهم الطلب ، وقتلهم بالسيف ~~. PageV28P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" وفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة أحضرت من ~~تنيس امرأة بغير يدين ، وموضع يديها مثل الحلمتين ، فجيء بها إلى مجلس ~~الوزارة بين يدي رضوان ، فعرفته أنها تعمل برجليها ما يعمله الناس باليدين ~~من خ ورقم وغير ذلك . فأحضر لها دواة ، فتناولت الأقلام برجلها اليسرى ~~وتأملتها قلما قلما فلم ترض شيئا منها ، فأخذت السكين وبرت لنفسها قلما ~~وشقته وقطته ، واستدعت ورقة فمسكتها برجلها اليمنى ، وكتبت باليسرى بأحسن ~~خط ما تكتب النساء بأيديهن ms6559 مثل ، وحمدت الله في آخر الرقعة ، وناولتها ~~للوزير . فتناولها فوجدتها قد سألته الزيادة في رابتها ، فزادها ، وأعادها ~~إلى بلدها . وفيها بنى رضوان المدرسة المعروفة به بالإسكندرية ، واستدعى ~~الفقيه أبا طاهر بن عوف إلى حضرته وأسند إليه تدريسها . ذكر خروج رضوان من ~~الوزارة وما كان من أمره إلى أن قتل وفي شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين ~~وخمسمائة أحضر الحافظ يهرام الأرمني من الصعيد ، وأسكنه في القصور وأكرمه ، ~~فعظم ذلك على الأفضل رضوان ، فشغب الحافظ عليه الجند ، فقام بعضهم عليه ، ~~وجرت بينهم حرب بالقاهرة . وطلب رضوان أن يسكن مع الحافظ في القصور ، فلم ~~يمكنه . فتزايد الحال على الأفضل وضعفت قدرته على لقاء العساكر ، فهرب إلى ~~الشام ، وذلك في منتصف شوال منها ، وقصد كمشتكين والي صرخد ، فأقام عنده ~~PageV28P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" فأكرمه . ثم عاد إلى مصر في سلخ المحرم سنة ~~أربع وثلاثين وقد جمع جمعا صالحا من الجند ، فخرج إليه العسكر وحاربوه عند ~~باب الفتوح ، فمضى ونزل عند الرصد ، ثم مضى إلى الصعيد . فندب إليه الحافظ ~~الأمير سيف الدولة أبا الفضل بن مصال بأمان ، فسار إليه وتلطف به ، إلى أن ~~أحضره إلى القصر ، في رابع شهر ربيع الآخر من السنة ، فاعتقله في بعض قاعات ~~القصور . فأقام في الاعتقال إلى سنة واثنتين وأربعين ، فخرج من نقب نقبه في ~~القصر ، وذلك في ليلة الثلاثاء لسبع بقين من ذي القعدة منها . وركب وحوله ~~جماعة ممن كان يكاتبه ، وتوجه إلى الجيزة ، ولي عسكر الحافظ وقاتلهم عند ~~جامع ابن طولون ، فهزمهم . ودخل القاهرة ، ونزل بالجامع الأقمر ، وأغلق ~~الحافظ باب القصر في وجهه ، فاستحضر رضوان أرباب الدولة والدواوين ، وأمر ~~ديوان الجيش بعرض الجند ، فعرضهم ، وأخذ أموالا كثيرة خارجة عن القصر كانت ~~في الدواوين ، وأنفق : وأرسل إلى الحافظ في طلب المال ، فأرسل إليه عشرين ~~ألف دينار ، وأرسل إلى الحافظ في طلب المال ، فأرسل إليه عشرين ألف دينار . ~~وأمر الحافظ مقدمي السودان بالهجوم على رضوان وقتله ، فهجموا عليه ، فهم ~~بالركوب ، فاعجلوه عن ذلك ، وضربه بعضهم بسيف فقتله . وقتل معه أخوه ، ~~وأحضرت ms6560 رأساهما إلى الحافظ . وسكنت الفتنة ، وأرسل الحافظ الرأس لزوجة ~~رضوان فلما وقع في حجرها قالت : هكذا تكون الرجال . فلم يكن في وقت رضوان ~~أسمع منه . وكان مولده في سنة تسع وثمانين وأربعمائة . وأول ولاية وليها ~~الأعمال PageV28P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" القوصية والأعمال الإخميمية في سنة ثمان ~~وعشرين وخمسمائة . ذكر وفاة بهرام الأرمني كانت وفاته لست بقين من شهر ربيع ~~الآخر سنة خمس وثلاثين وخمسمائة بالقصور ، وكان الحافظ قد أسكنه بدار بها ~~ولم يمكنه من التصرف ، وكان يشاوره في تدبير الدولة والأمور ويصدر عن رأيه ~~. فلما هلك حزن عليه حزنا شديدا ، وأمر بغلق الدواوين ثلاثة أيام . وأحضر ~~الحافظ بطرك الملكية بمصر ، وأمره بتجهيزه ، فجهزه . وأخرج وقت صلاة الظهر ~~في تابوت عليه الديباج ، وحوله جماعة من النصارى يبخرون باللبان والسندروس ~~والعود ، وخرج الناس كلهم مشاة ولم يتخلف عن جنازته أحد من الأعيان . ثم ~~خرج الحافظ على بغلة خلف التابوت وعليه عمامة خضراء وثوب أخضر بغير طيلسان ~~. ولم تزل الناس مشاة والقسوس يعلنون بقراءة الإنجيل ، والحافظ على حالته ~~إلى دير الخندق بظاهر القاهرة ، وقيل بل في بستان الزهري في الكنيسة ~~المستجدة ونزل الحافظ عن بغلته ، وجلس على شفير القبر ، وبكى بكاء كثيرا . ~~وفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة طلع النيل حتى بلغ تسعة عشر ذراعا وأربع ~~أصابع ، ووصل الماء إلى الباب الجديد أول الشارع الأعظم بالقاهرة ، وصار ~~الناس PageV28P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" يتوجهون من القاهرة إلى مصر من جهة المقابر . ~~ولما وصل الماء إلى الباب أظهر الحافظ الحزن والانقطاع ، فدخل عليه بعض ~~خواصه وسأله عن السبب ، فأخرج له كتابا وقال له : انظر هذا السطر ، فقرأه ، ~~فإذا فيه . إذا وصل الماء إلى الباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد . وقال ~~: هذا الكتاب الذي تعلم منه أحوالنا وأحوال الدولة وما يأتي بعدها . ذكر ~~وفاة الحافظ لدين الله وشيء من أخباره ذكر وفاة الحافظ لدين الله وشيء من ~~أخباره كانت وفاته في ليلة الخميس لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة أربع ~~وأربعين وخمسمائة ، ومولده في المحرم سنة أربع وستين وأربعمائة ms6561 ، وقيل في ~~المحرم سنة ثمان وستين . فكانت مدة عمره ستا وسبعين سنة وشهورا ، ومدة ~~ولايته منذ بويع البيعة العامة الثانية ، بع قتل أحمد بن الأفضل ، ثماني ~~عشرة سنة وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما . قال المؤرخ : وكان الحافظ موصوفا ~~بالبطش والتيقظ ، وكان شديد المناقشة . وهو الذي عمل طبل القولنج الذي كسره ~~الملك الناصر صلاح الدين يوسف ، وكان هذا الطبل قد عمل من سبعة معادن ~~والكواكب السبعة في إشراقها . وكان خاصته أنه كلما ضرب به ضربة خرج الريح ~~من مخرج الضارب . قال بعض المؤرخين : إن الحافظ خطر بباله أن ينقل رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) من لمدينة إلى القاهرة ، وكانت المدينة إذ ذاك ~~يخطب بها لبني العباس ، لظهور ملوك الدولة PageV28P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" السلجقية ، فأرسل نحوا من أربعين رجلا من أهل ~~النجدة والقدرة ، فتوجهوا إلى المدينة وأقاموا بها مدة ، وتحيلوا بأن حفروا ~~سربا من مكان بعيد ، وعملوا حساب الخروج من المكان المقصود . فعصم الله ~~تعالى نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) من أن ينقل من المكان الذي اختاره له ، ~~فيقال إن السرب انهار عليهم فهلكوا ، وقيل بل سعي بهم فأهلكوا . وكان ~~للحافظ من الأولاد : أبو علي حسن ، هلك كما ذكرنا ، وعبد الله ، هلك في ~~حياته أيضا ، وأبو المنصور إسماعيل ، وأبو الأمانة جبريل ، ويوسف . ووزراؤه ~~، تقدم ذكرهم . ولما قتل رضوان بن الولخشي لم يستوزر بعده أحدا ، وإنما ~~كانوا كتابا . فمن أشهر كتابه أبو علي حسن الأنصاري كان القاضي الفاضل يقول ~~: لم يسمح الزمان بمثله . ومن أشهر شعرائه الشريف أبو الحسن الأخفش المغربي ~~، في جملة شعره في قصيدة : ذكر الدوح وشاطئ بردى . . . وحبابا فيه يحكى ~~بردا والصبا يمرح في أرجائه . . . وتحوك الريح منه زردا ينثر الدر عليه فضة ~~. . . وتذيب الشمس فيه عسجدا ورشأ لو لم تكن ريقته . . . خمرة صافية ما ~~عربدا قضاته : لما غلب أحمد بن الأفضل على الآمر ، أبقي محمد ابن هبة الله ~~ابن ميسر القيسراني على القضاء ، ثم صرفه الحافظ واستقضى أبا الفخر صالح بن ~~عبد الله بن أبي رجاء ، ثم قبض ms6562 عليه الوزير يانس الرومي وقتله ، فولي سراج ~~الدين أبو الثريا نجم من جعفر ، مضافا إلى الدعوة ، إلى أن قتل في ذي ~~القعدة سنة ثمان وعشرين ، فأعيد سناء الملك بن ميسر ، فأقام إلى أن قبض ~~عليه يوم الأحد لسبع خلون من المحرم سنة إحدى وثلاثين ، وسير تنيس فقتل بها ~~. وولي بعده القاضي الأعز أبو المكارم أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي ~~عقيل ، إلى أن توفي في شعبان سنة ثلاث وثلاثين . وأقام الناس بغير قاض ~~ثلاثة أشهر ، ثم ولي أبو الفضائل هبة الله بن عبد الوارث الأنصاري لإحدى ~~عشرة ليلة خلت من ذي القعدة منها . ثم جرت مفاوضة بينه وبين النبيه أبي ~~الحسن علي بن إسماعيل ، قيل أدت إلى مصافعة خرج في PageV28P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" أثنائها القاضي إلى القصر وهو مخرق الأثواب ~~وقد تحلقت عمامته في حلقه ، فعظم على الحافظ خروجه على هذه الهيئة وغرمه ~~مائتي دينار ، واستناب أبا طاهر إسماعيل بن سلامة الأنصاري ، فأقام في ~~النيابة إلى مستهل المحرم سنة خمس وثلاثين ، فوفر جاري القضاء ، وهو أربعون ~~دينارا في كل شهر ، وخدم لجاري التقدمة في الدعوة ، وهو ثلاثون دينارا ، في ~~الوظيفتين ، فأجيب إلى ذلك وأقام إلى أن صرف لسبع خلون من صفر سنة ثلاث ~~وأربعين ، وبقي على الدعوة . وولي القضاء أبو الفضائل يونس بن محمد بن ~~الحسن المقدسي إلى آخر المدة . ذكر بيعة الظافر بأعداء الله هو أبو المنصور ~~إسماعيل بن الحافظ لدين الله ، وهو الثاني عشر من ملوك الدولة العبيدية ~~والتاسع من ملوك الديار المصرية منهم . بويع له بعد وفاة أبيه لخمس خلون من ~~جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة . واستوزر الأمير نجم الدين أبا ~~الفتح سليم بن محمد بن مصال ، ونعته بالسيد الأجل المفضل أمير الجيوش ، ~~وكان إذ ذاك من أكابر أمراء الدولة . وفي الرابع من شعبان من السنة اجتمع ~~السودان وجماعة من المفسدين بالبهنسانية ، فخرج إليهم الوزير فحاربهم ~~وهزمهم . PageV28P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" ذكر قيام العادل بن السلار ووزارته ومقتل ابن ~~مصال في هذه السنة ثار الأمير ms6563 المظفر أبو الحسن على بن السلار والي ~~الإسكندرية وخرج وحشد وتقدم بمن معه ، ودخل القاهرة في يوم الأربعاء سابع ~~شعبان ، ووقف على باب القصر ، وراسل الظافر والمدبر له من النساء ، فراجعت ~~في ذلك وفاء لابن مصال ، ثم أجيب إلى ما سأله . وفتح باب القصر ، وخل على ~~المظفر خلع الوزارة ولقب بالعادل . فلما اتصل ذلك بابن مصال جمع عربان ~~البلاد ، ووافقه بدر بن رافع مقدم العربان بتلك البلاد ، وقصد ابن السلار ~~فندب إليه ربيبه عباس بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بعسكر معه . فعسكر ~~ببركة الحبش . فندب ابن مصال لحربه الأمير الماجد فجد في السير وكبس عسكر ~~عباس ، فأثخنهم جراحا وقتلا ، فانهزم عباس . وأجمع ابن مصال رأيه على قصد ~~بلاد الصعيد ، فعاجله ابن السلار وأمد ربيبه بالعساكر وأمره بمعاجلته قبل ~~الجمع ، فأدركه بالقرب من دلاص ، والتقوا بينها وبين مهد ، وهي قرية هناك ، ~~واقتتلوا ، فانجلت الحرب عن قتل ابن مصال وبدر بن رافع . وكانت هذه الوقعة ~~في يوم الأحد تاسع عشر شوال . وحمل رأس ابن مصال إلى القاهرة ، وطيف به . ~~وخلع على العادل في ذلك اليوم . وفي السادس والعشرين من شهر رمضان أغلق ~~العادل أبواب القاهرة والقصور ، وقبض على صبيان الخاص وقتلهم ، وكانوا جمعا ~~كثيرا وهو أولاد الأجناد والأمراء وعبيد الدولة فكان الرجل إذا توفي وخلف ~~أولادا حملوا إلى حضرة الخلافة وأودعوا في أماكن مفردة لهم ، ويؤخذ في ~~تعليمهم الفروسية وغير ذلك ، وتسموا صبيان الخاص . وكان سبب إيقاع العادل ~~بهم أنه بلغه أنهم تعاقدوا على قتله ، فبادر بهم . وقبض عليهم ، وقتل ~~أكثرهم ، وجعل من بقي منهم في المراكز بالثغور . وفي يوم الجمعة لأربع خلون ~~من شوال من السنة قتل العادل أبا المكرم الموفق PageV28P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" محمد بن معصوم التنيسي ناظر الدواوين ، وكان ~~سبب ذلك أن العادل في مبدأ أمره كان من صبيان الحجر وكان يتكرر دخوله إلى ~~الموفق برسائل ويكلمه بكلام غليظ فكرهه الموفق ، ثم كتب بعد ذلك لابن ~~السلار منشور بإقطاع ، فدخل به إليه ، فتغافل عنه وأهمل أمره ms6564 : فقال له ابن ~~السلار : ما تسمع ؟ فقال : كلامك ما يدخل في أذني أصلا . فأخذ ابن السلار ~~منشوره وخرج من حيث أتى . فلما ولي أمر الدولة دخل عليه الموفق وسلم عليه ، ~~فقال له : ما أظن كلامي يدخل في أذنك . فتلجلج بين يديه وقال : عفو السلطان ~~. فقال : قد استعملت للعفو من حين خروجي من عندك ، ما أتيتك به . وأشار ~~لبعض خدمه فأحضر مسمارا من حديد عظيم الهيئة ، وقال : هذا والله أعددته لك ~~من ذلك الوقت . وضرب المسمار من أذنه حتى نفذ من الأخرى ، وحمل إلى باب ~~زويلة الأوسط ودق المسمار في خشبة ، وعلق عليها حتى مات . ذكر ما فعله ~~الفرنج بالفرما وما جهزه العادل من الأسطول إلى بلادهم وفي شهر رجب سنة خمس ~~وأربعين وخمسمائة أغار الفرنج على الفرما فنهبوها وأحرقوها وعادوا إلى ~~بلادهم . فجهز العادل المراكب الحربية وشحنها بالرجال وسفرها في شهر ربيع ~~الأول سنة ست وأربعين ، فمضت إلى يافا وقاتلوا من بها في المراكب ، ~~واستولوا على عدة كثيرة من مراكب الفرنج ، وأحرقوا ما عجزوا عن أخذه ، ~~وقتلوا خلقا كثيرا . ثم امتدوا إلى ثغر عكا وفعلوا فيه كفعلهم بيافا . ~~وكذلك فعلو بصيدا وبيروت وطرابلس . وأنكوا في الفرنج نكاية عظيمة . ووجدوا ~~طائفة كثيرة من حجاج الفرنج فقتلوهم عن آخرهم . وكان جملة ما أنفق في هذه ~~الأسطول ثلاثمائة ألف دينار . وفي سنة ست وأربعين قطعت جميع الكساوي ~~المرتبة للأمراء والدواوين عن أربابها ، وتوفرت . ذكر مقتل العادل بن ~~السلار وسلطنة ربيبة عباس كان مقتله في السادس من المحرم سنة ثمان وأربعين ~~وخمسمائة . وكان سبب ذلك أن العادة كانت جارية بتجريد عسكر من مصر في كل ~~سنة لحفظ عسقلان من الفرنج ، وكان الفرنج قد حاصروها في سنة سبع وأربعين . ~~فلما كان في هذه السنة وقعت القرعة في البدل على عباس ربيب العادل ، وهو ~~ابن يحيى بن تميم بن المعز بن PageV28P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" باديس ، فجرده العادل بالعساكر ، وقال له : ~~هذا الثغر قد نازله الفرنج ، ولا غنية أن تتوجه بالعساكر إليه لتدفعهم عنه ~~. فخرج عباس من ms6565 القاهرة ومعه جماعة من أكابر الأمراء ، منهم أسامة بن منقذ ~~، وكان خصيصا بعباس فلما وصلوا إلى بلبيس تذاكر عباس وأسامة القاهرة وطيب ~~المقام بها وما خرجا إليه ، وما يلقيانه من الشدائد ولقاء العدو ، فتأوه ~~عباس لذلك ولام عمه كونه جرده ، فقال له أسامة : لو أردت أنت كنت سلطان مصر ~~. قال : وكيف الحيلة في ذلك ؟ فقال : هذا ولدك نصر ، بينه وبين الظافر مودة ~~عظيمة ، فأرسله إليه وخاطبه على لسانه أن تكون أنت السلطان مكان عمك ، فهو ~~يختارك ويكره العادل . فإن أجابك لذلك فاقتل عمك . فجهز عباس ابنه وعرفه ما ~~تقرر مع أسامة . فدخل إلى القاهرة على حين غفلة من العادل ، واجتمع بالظافر ~~وأعلمه في الحال ، فأجاب لما طلب . ثم مضى نصر إلى عند جدته ، زوجة العادل ~~، وأعلم العادل أن والده أعاده شفقة عليه من السفر . ومضى العادل إلى مصر ~~وجهز المراكب الحربية ، وأنفق في رجالها ليلحق عباسا وأقام طول نهاره في ~~العرض والنفقة على رجالها ، وعاد إلى داره بالقاهرة وهو على غاية من التعب ~~. فلما نام على فراشه احتز نصر بن عباس رأسه ، ومضى به إلى القصر ، ودخل ~~إلى الظافر ، وجهز إلى أبيه ، فركب لوقته ، ودخل القاهرة صبيحة نهار الأحد ~~الثاني عشر من المحرم ، فوجد جماعة من الأتراك ، كان العادل قد اصطنعهم ~~لنفسه ، قد ثاروا لذلك ، فلاطفهم وطمأنهم ، فلم يطمئنوا . ومضوا إلى دمشق . ~~وكانت وزارة العادل ثلاث سنين ونصف سنة تقريبا ، وكان من الأكراد الزرزارية ~~. ولما قتل طيف برأسه في القاهرة جميعا . ونصب الظافر عباسا في السلطنة . ~~ذكر مقتل الظافر بأعداء الله وأخويه كان مقتله في ليلة الخميس سلخ المحرم ~~سنة تسع وأربعين وخمسمائة . وذلك PageV28P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" أنه خرج ليلا متنكرا ومعه خادمان وجاء إلى ~~دار نصر ابن عباس ، وهي الدار المعروفة قديما بدار جبر بن القاسم ثم عرفت ~~يسكن المأمون بن البطائحي ، وهي المدرسة المعروفة بالسيوفية في وقتنا هذا ، ~~المقابلة لحافر الدبابله . بخد سوق السيوفيين بالقاهرة وهي لطائفة الفقهاء ~~الحنفية . فلما جاء الظافر إليه قتله نصر بن عباس ، وحفر ms6566 له تحت لوح رخام ~~ودفنه ، وقتل أحد الخادمين وهرب الآخر . وكان سبب ذلك أن الأمراء استوحشوا ~~من أسامة بن منقذ لما حسن لعابس وقال له : كيف تصبر على ما يقوله الناس في ~~ولدك واتهامهم أن الخليفة الظافر يفعل به ما يفعله مع النساء فعظم ذلك على ~~عباس . وقيل بل كان الظافر قد أنعم على نصر بن عباس بقليوب ، فجاء نصر إلى ~~والده وأعلمه بذلك ، فقال له أسامة : ما هي بمهرك غالية . فقال عباس لأسامة ~~: كيف تكون الحيلة على هذا الأمر ؟ فقال : إن الخليفة في كل وقت يأتي لولدك ~~في هذا الدار خفية ، فإذا أتاه فأمره بقتله . وأوصى عباس ابنه بذلك ، فلما ~~جاءه قتله نصر . قال : ولما كان صبيحة يوم قتله ركب عباس وولده على العادة ~~وأتى إلى القصر ، فقال لبعض الخدم : أعلم مولانا ليجلس للاجتماع معه . فدخل ~~وأعلم أهل القصر بما التمسه عباس من الاجتماع بالخليفة . فقالوا : قل له ~~إنه خرج البارحة ولم يعد . فجاء الخادم إليه وأعلمه الخبر ، فشدد عباس في ~~طلب الظافر ، ودخل إلى القاعات ومعه أكابر الخدم ، وقال : لا بد من مولانا ~~. فقيل له عند ذلك : أنت أعلم بحاله . فأحضر أخويه PageV28P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" يوسف وجبريل وقال لهما : أنتما قتلتما مولانا ~~. فأنكرا ذلك وحلفا عليه الأيمان المغلظة . وأحضر القاضي وجماعة من الأعيان ~~أهل الفتيا وداعي الدعاة وقال : قد صح عندي أن أخوي الظافر قتلاه . فأفتوه ~~بقتلهما ، فقتلا بين يديه وقيل إنه قتل معهما أبا البقاء ابن حسن بن الحافظ ~~، وصارم الدولة ، مصلح ، زمام القصر . قال : وكان الظافر من أحسن خلق الله ~~وجها . وكان مولده يوم الأحد ، النصف من شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين ~~وخمسمائة ، فكانت مدة عمره إحدى وعشرين سنة وتسعة أشهر وخمسة عشر يوما ، ~~ومدته ولايته أربع سنين وسبعة أشهر وخمسة أيام . ولده : أبو القاسم عيسى . ~~وزراؤه : تقدم ذكرهم . قضاته : أبو الفضائل يونس ، إلى أن صرفه العادل بن ~~السلار في سنة سبع وأربعين ، وولي أبا المعالي مجلي بن نجا المخزومي ، ~~فأقام إلى أخر الدولة . ذكر ms6567 بيعة الفائز بنصر الله هو أبو القاسم عيسى بن ~~الظافر بأعداء الله ، وهو الثالث عشر من ملوك الدولة العبيدية والعاشر من ~~ملوك الديار المصرية منهم . بويع له بعد مقتل والده في يوم الخميس سلخ ~~المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة ، وعمره خمس سنين . وذلك أنه لم ~~PageV28P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" قتل الظافر استدعى عباس ابنه أبا القاسم عيسى ~~هذا وحمله على كتفه ، ووقف في القاعة ، وأمر أن تدخل الأمراء ، فدخلوا ، ~~فقال : هذا ولد مولاكم وقد قتل أبوه وعماه كما ترون ، والواجب الطاعة لهذا ~~الطفل . فقالوا بأجمعهم : سمعنا وأطعنا ، وصاحوا صيحة عظيمة زل منها عقل ~~الصبي واختل . ثم سيره إلى أمه ولقب بالفائز ، فأقام يصر في كل يوم . ~~وانفرد عباس بالوزارة وبتدبير الأمور ، ولم يبق على يده يد ، وظن أن الأمر ~~استقام له . ذكر خروج عباس من الوزارة وما آل إليه أمره قال المؤرخ : لما ~~قتل الظافر بأعداء الله أكثر أهل القصر النواح عليه ، وشرعوا في إعمال ~~الحيلة على عباس ، ووافق ذلك نفور الأمراء منه لإقدامه على القتل : فاختلفت ~~الكلمة عليه ، وهاجت العساكر . وتفرقت الفرق ، ولبسوا السلاح . فخرج إليهم ~~عباس في يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأول من السنة ، فقاتلهم وهزمهم ، وقتل ~~جماعة منهم . فأرسلت عمة الفائز أخت الظافر شعور أهل القصر طي الكتب إلى ~~الأمير طلائع بن رزيك ، وهو إذ ذاك متولي الأعمال السيوطية ، وقيل كان ~~متولي منية بني خصيب ، وسألوه الانتصار لمولاه فجمع العربان والأجناد ~~ومقطعي البلاد ، وسار إلى القاهرة ، فوصل إليها في تاسع عشر شهر ربيع الأول ~~من السن ، وخرج الناس للقائه . فاستشار عباس أسامة بن منقذ فأشار عليه ~~باللحاق بالشام . فدخل إلى القصر وأخذ في جمع تحفه وحمل أمواله ، وسار هو ~~وأسامة بن منقذ إلى الشام على طريق أيلة . فأرسلت عمة الفائز إلى الفرنج ~~بعسقلان رسلا على البريد تعلمهم الحال وتبذل لهم الأموال في الخروج على ~~عباس وأخذ ما معه . فخرجوا إليه وقاتلوه ، فتخاذل عنه أصحابه ، ونهبوا ما ~~معه فأسره الفرنج وحملوه إلى عسقلان ، ونجا أسامة إلى دمشق . وقيل ms6568 إن ~~الفرنج قتلوا عباسا وأسروا ابنه نصرا ففداه الصالح بن رزيك ، وأحضره إلى ~~القاهرة وضرب عنقه . PageV28P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" ذكر وزارة الصالح أبي الغارات طلائع بن رزيك ~~قال المؤرخ : لما توجه عباس نحو الشام وافق ذلك قدوم طلائع من رزيك ، فخرج ~~الأمراء والعساكر إليه . فمن الأمراء من شهر سلاحه وقاتله ، ومنهم من التحق ~~به ، ثم انجلى الأمر بعد ساعة عن دخول طلائع إلى القاهرة والعساكر بين يديه ~~. وشق القاهرة وهو لابس السواد ، وأعلامه سود كذلك حزنا على الظافر ، وشعور ~~نساء القصر التي سيرت إليه على الرماح . ونزل طلائع دار المأمون التي كان ~~بها نصر بن عباس ، وأحضر الخادم الذي كان مع الظافر لما قتل وأعلمهم بمكانه ~~، فأخرج وغسل وكفن ، وحمل في تابوت على أعناق الأمار والأستاذين ، وبان ~~رزيك يمشي أمام التابوت . وأتوا به إلى القصر فصلى عليه ابنه الفائز ودفن ~~في تربتهم بالقصر وجلس الفائز في بقية النهار ، وخلع على ابن رزيك بالموشح ~~والعقد ، وعلى ولده وإخوته وحاشيته ، وقرئ سجله بالوزارة ، ونعت بالملك ~~الصالح . وقبض على جماعة من الأمراء وقتلهم ، في ثالث عشري شهر ربيع الأول ~~من السنة . وفي سنة خمس وخمسمائة خرج الأمير تميم . متولي إخميم وأسيوط ، ~~PageV28P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" علي الصالح ، وجمع جمعا ( صلى الله عليه وسلم ~~) صالحا ، فأخرج إليه الصالح عسكرا ، فالتقوا واقتتلوا ، فقتل تميم في سابع ~~عشر رجب . وفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة انفسخت الهدنة بين الصالح بن ~~رزيك والفرنج ، فجهز الصالح الجيوش والسرايا إلى بلاد الفرنج . فوصل سرية ~~إلى عسقلان وغنمت وعادت سلمة . وجهز المراكب في البحر إلى نحو بيروت ، ~~فأوقعت بمراكب الفرنج . وجهز سرية إلى جهة الشوبك فعانوا في تلك النواحي ، ~~وعادوا سالمين بالغنائم والأسرى . وفي يوم الثلاثاء تاسع عشر ذي الحجة سنة ~~اثنتين وخمسين قبض الصالح ابن رزيك على الأمير ناصر الدولة ياقوت وأولاده ~~واعتقلهم ، وسبب ذلك أنه بلغه أنه كاتب أخت الظافر وقصد القيام على الصالح ~~، وكان واليا عاملا على الأعمال القوصية ، وهو بالقاهرة . ولم يزل في حبسه ~~إلى أن توفي في ms6569 شهر رجب سنة ثلاث وخمسين . وفي سنة أربع وخمسين ثار علي ~~الصالح طرخان بن سليط بن ظريف ، متولي الإسكندرية ، وجمع جموعا من العربان ~~وغيرها ، وتقدم بها لحره ، فندب الصالح إليه الأمي عز الدين حسام بن فضة ~~بعسكر ، فالتقوا واقتتلوا ، فهزم حسام جيوشه وظفر به ، فاعتقله الصالح . ~~فلما كان في المحرم سنة خمس وخمسين ثار أخوه إسماعيل طلبا لثأره ، وتلقب ~~بالملك الهادي ، فندب الصالح إليه الجيوش . فلما هجمت عليه هرب وأتى الجيزة ~~، واستتر عند بعض العربان . فلما كان في يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الآخر ~~هرب طرخان من الاعتقال هو والموكل به ، فقبض عليه في السادس من الشهر وصلب ~~على باب زويلة ، ورمي بالنشاب ، ثم مسك أخوه إسماعيل وصلب إلى جانبه بعد أن ~~ضرب عنقه . وفي سنة أربع وخمسين بنى الصالح حصنا من اللبن على مدينة بلبيس ~~. ذكر وفاة الفائز بنصر الله كانت وفاته في ليلة الجمعة السابع عش رمن شهر ~~رجب سنة خمس وخمسين PageV28P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" وخمسمائة ، وقيل لليلة بقيت منه ، وكان مولده ~~في يوم الجمعة لتسع بقين من المحرم سنة أربع وأربعين ، فكان عمره إحدى عشرة ~~سنة وستة أشهر وأياما ، ومدة ولايته ست سنين وخمسة أشهر وسبعة عشر يوما . ~~وزراؤه : الأفضل عباس بن يحيى بن تميم ، ثم الصالح طلائع بن رزيك . قضاته : ~~أبو المعالي مجلي بن نجا القرشي المخزومي ، ثم صرف في أول وزارة الصالح ، ~~وأعيد أبو الفضائل يونس ، ثم صرف بالقاضي المفضل أبي القاسم هبة الله بن ~~كامل . ذكر بيعة العاضد لدين الله هو أبو محمد عبد الله بن يوسف ، بن ~~الحافظ بن عبد المجيد ، بن محمد ، ابن المستنصر بالله أبي تميم معد ، بن ~~الظاهر لإعزاز دين الله أبي هاشم المعز لدين الله أبي تميم معد ، بن ~~المنصور بنصر الله أبي طاهر إسماعيل ، ابن القائم بأمر الله أبي القاسم ~~محمد ، بن المهدي عبيد الله . وهو الرابع عشر من ملوك الدولة العبيدية ، ~~والحادي عشر من ملوك الديار المصرية منهم ، وعليه انقرضت دولتهم . بويع له ~~بعد وفات الفائز بنصر ms6570 الله في يوم الجمعة السابع عش رمن شهر رجب سنة خمس ~~وخمسين وخمسمائة . وكان الملك الصالح طلائع قصد أن يبايع لشخص من أقارب ~~العاضد ، فقال له بعض أصحابه لا يكن عباس أحزم منك حيث اختار صغيرا وترك من ~~هو أسن منه ، واستبد هو بالأمر . فعدل الصالح إلى العاضد ، وبايع له وهو ~~مراهق البلوغ ، فكانت الخلافة للعاضد اسما وللصالح رسما . ويوسف أبو العاضد ~~هو أحد الأخوين الذين قتلهما عباس بعد قتل الظافر . PageV28P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" وفي سنة ست وخمسين تزوج العاضد لدي الله ~~بابنة الملك الصالح بن رزيك ، وكان العاضد توقف عن زواجها ، فجبره الصالح ~~على ذلك واعتقله إلى أن تزوجها ، وقصد بذلك أن يرزق العاضد منها ولدا فتحصل ~~الخلافة والملك لبني رزيك ، فجاء بخلاف ما قصد . ذكر مقتل طلائع بن رزيك ~~وقيام ولده الملك العادل رزيك كان مقتله في السابع عشر من شهر رمضان سنة ست ~~وخمسين وخمسمائة . وذلك أنه ركب في هذا اليوم من دار الوزارة إلى القصر ، ~~وجلس على مرتبته على عادته ، فلما انقضى المجلس خرج ، فبينما هو في دهاليز ~~القصر وثب عليه جماعة فضربوه بالسكاكين عدة ضربات مهلكة . وكان سبب ذلك أنه ~~تحكم في الدولة لخلوها منا الأمراء وصغر سن العاضد ، وكان قد فرق الأمراء ~~وقتل بعضهم ، فبعثت ست القصور عمة العاضد الأموال إلى بعض الأمراء وأغرتهم ~~به ، فرتبوا ذلك . قال : ولما كان ضرب بالسكاكين ألقى ابن الزبد نفسه عليه ~~وقاتل ونه ودخل بقية الأمراء فخلصوه فركب وبه بعض رمق . فلما رأته ست ~~القصور وقد ركب أيقنت بالهلاك . قال : ولما استقر في منزله أرسل إلى العاضد ~~يعاتبه على ما كان منه ، فحلف وأنكر أن يكون اطلع ، فتوقف العاضد عن ذلك ، ~~فأرسل الصالح إلى ست القصور وأخرجها ، فلما جاءت إلى منزله أمر بخنقها ، ~~فخنقت بين يديه حتى ماتت . ومات الصالح في بقية ليلته . قال : وكان الصالح ~~شديد التشيع متغاليا في مذهب الإمامية ، وكان يكره أهل السنة . وقيل إنه ~~كان يسب الصحابة ، رضي الله عنهم ، وغضب على من يتنقصهم ms6571 . وكان في بخل وحسد ~~. ومنع في أيامه من بيع الغلال حتى غلت الأسعار . وكان كثير التطلع إلى ما ~~في أيدي الناس ، وصادر جماعة ليس لهم تعلق بالدولة وأفنى الأمراء قتلا ~~واعتقالا . وهو أول من وطب بالملك في الديار المصرية . PageV28P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" وقال ابن الحباب في سيرته : إنه من ولد جبلة ~~بن الأيهم الغساني الذي ارتد عن الإسلام في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه . قال المؤرخ : وكان والد الصالح يسمى أسد رزيك ، قدم مع أمير الجيوش ~~بدر الجمالي . قال : وكان الصالح مع ذلك حازما ضابطا لأمور دولته شاعرا ~~أديبا . قال القاضي الأرشد عمارة اليمني : دخلت على الصالح قبل وفاته ~~بليلتين فناولني رقعة وقال : قد عملت هذين البيتين في هذه الساعة ، فإذا ~~فيها : نحن في غفلة ونوم وللمو . . . ت عيون يقظانة لا تنام قد رحلنا إلى ~~الحمام سنينا . . . ليت شعري متى يكون الحمام فقلت : هما صالحان ، وقمت ، ~~فكان آخر عهدي به . قال المؤرخ : وكان الصالح يقطع الليل أثلاثا فالثلث ~~الأول مع أمراء دولته ووجوهها ، والثلث الثاني مع جلسائه وندمائه وشعرائه ، ~~والثلث الثالث مع خواص نسائه . فكان يسمى : أبو العمرين قال : وكذلك كان ~~أمير الجيوش بدر الجمالي : ومن شعر الصالح قوله : يا مريض القلب بالذن . . ~~. ب ، متى بالعفو تبرأ كلما جددت يوما . . . توبة ضيعت أخرى تشتهي الأجر ~~ولا تف . . . عل ما يكسب أجرا أترى بعد ذهاب ال . . . عمر تستأنف عمرا ~~وقوله : يا ما شيا فوق الثرى . . . رفقا ، فسوف تصير تحته إن قلت أني أعرف ~~ال . . . مولى القدير ، فما عرفته إن كنت تعبد للمخا . . . فة والرجاء ، ~~فما عبدته PageV28P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" والصالح هو الذي بنى الجامع خارج باب زويلة ~~المعروف به ، وكان يقول : ندمت على ثلاثة : أحدها أنني بنيت الجامع بظاهر ~~القاهرة وجعلته عونا على باب زويلة فيضرها وقت الحصار ، والأخرى توليتي ~~شاور أعمال الصعيد ، والله لا كان خراب دولة بني رزيك إلا على يديه ، ~~والثالثة أنني أنفقت في العسكر مائتي ألف دينار لأجل فتح بيت المقدس فتأخرت ~~عن ذلك . قال ms6572 : ولما توفي دفن بدار الوزارة ثم نقل إلى تربته التي بقرافة ~~مصر . قال : ولما حضرته الوفاة أحضر ولده رزيك وأوصاه بوصايا كثيرة ، من ~~جملتها أنه لا يعزل شاور ولا يغير عليه مغيرا . قال : ورثاه الشعراء بقصائد ~~كثيرة ، فيها ما قاله القاضي الأرشد عمارة اليمني : أفي ذا النادي عليم ~~أسائله . . . فإني لما بي ، ذاهب العقل ذاهله سمعت حديثا أحسد الصم عنده . ~~. . ويذهل واعيه ، ويخرس قائله ومنها : وقد رابني من شاهد الحال أنني . . . ~~أرى الست منصوبا وما فيه كافله وأني أرى فوق الوجوه كآبة . . . تدل على أن ~~النفوس ثواكله دعوني . فما هذا أوان بكائه . . . سيأتيكم طل البكاء ووابله ~~PageV28P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" وهي قصيدة طويلة أتى فيها بكل عجيب قال : ~~ولما مات الصالح خرجت الخلع من القصر لولده ، وتلقب بالملك العادل مجد ~~الإسلام . ذكر ظهور حسين بن نزار وقتله وفي شهر رمضان سنة سبع وخمسين ~~وخمسمائة ورد حسين بن نزار ، بن المستنصر بالله ابن الظاهر لإعزاز دين الله ~~من بلاد المغرب ، وقد جمع جمعا عظيما وتلقب بالمنتصر بالله ، فخرج إليه ~~الأمير عز الدين حسام بن فضة ابن رزيك على صورة الانضمام واللحاق به . فما ~~صار عنده في خيمته غدر به وقتله ، وحمل رأسه إلى العاضد لدين الله . وفيها ~~بنى الأمير أبو الأشبال ضرغام البرج المعروف به بثغر الإسكندرية . ذكر ~~انقراض دولة بني رزيك قد ذكرنا أن الملك الصالح بن رزيك ، والد العادل ، ~~لما حضرته الوفاة أوصى ابنه العادل بوصايا كثيرة منها أنه لا يعزل شاور من ~~عمله ولا يحركه ، وحذره من ذلك فلما صار في سنة سبع وخمسين اجتمع أقارب ~~العادل وحسنوا له عزل شاور عن ولاية الصعيد ، فذكرهم بوصية أبيه ، فأصروا ~~على عزله ، وكان أشدهم في ذلك الأمير عز الدين حسام ابن فضة ، فألزم العادل ~~إلى أن كتب كتابا يستدعي فيه شاور ويأمره بالحضور إلى القاهرة فكتب إليه ~~شاور يستعطفه ويظهر الطاعة والإدلال لسابق الخدمة لأبيه ، ومناصحته في ~~القيام بأمور الدولة ، ثم قال فيه إن كان القصد أن يلي الأعمال أحدكم ~~فليرسل ms6573 السلطان من يتسلمها غير عز الدين حسام ، وإن كان غيركم من الأمراء ~~فأنا أحق به من سواكم ، وقد سمعتم وصية أبيكم الصالح في حقي وما كرره عليكم ~~وإقرار أعمال الصعيد في يدي . وأرسل الكتاب إلى العادل ، فوقف عليه ، وأوقف ~~عليه أقاربه وأهله . فقالوا : إن أبقيته طمع في البلاد ولا يحمل إليك مالا ~~. فقال العادل لهم : المصلحة تركه . فصمموا على عزله . فأحضر العادل نصير ~~الدين شيخ الدولة ، وهو من أقاربه ، وخلع عليه وولاه PageV28P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" الأعمال القوصية ، وكتب على يده إلى شاور ~~بتسليم الأعمال إليه ووصوله إلى القاهرة . وتوجه نصير الدين . فلما وصل إلى ~~إخميم أقام بها وأرسل الكتاب إلى شاور طي كتابه ، فلما وقف شاور على الكتاب ~~أرسل إلى نصير الدين رسولا من جهته برسالة يقول له : إن بيني وبينك صحبة ~~ولا تغتر بقول حسام ، وارجع من حيث أتيت فهو خير لك . رجع نصير الدين إلى ~~القاهرة ولم يعاوده . وأظهر شاور العصيان على الدولة . وأحضر جماعة من ~~العربان من بني شيبان وغيرهم ، وتوجه من الأعمال القوصية ، وجعل طريقه على ~~الواحات ، وخرج منها إلى تروجه ، وحشد العربان وأنفق فيهم الأموال ، ~~فوافقوه وانطاعوا له ، فسار بهم نحو القاهرة ، فندب العادل لحربه سيف الدين ~~حسينا ، صهره ، ومعه جماعة من الأمراء . فراسلهم شاور واستمالهم ، وبذل لهم ~~الأموال الجمة ، فمالوا إليه فلما التقوا انحازوا إلى جماعته وفارقوا ~~مقدمهم ، فانهزم حسين واستجار بظريف بن مكنون أمير جذام فأجاره ، وحمله في ~~البحر ، فمضى إلى مدينة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فمات هناك فندب إليه ~~العادل عز الدين حساما ، فانهزم منه أيضا . فعند ذلك خرج العادل من القاهرة ~~وتوجه إلى إطفيح ، واستصحب أهله وذخائره . وستجار بسليمان بن الفيض اللخمي ~~، وكان من أصحاب أبيه الصالح ، فأنزله عنده ، ومضى من وقته إلى شاور وأخبره ~~بخبر العادل ، فندب إليه جماعة فأخذوه أسيرا هو ومن معه ، ونهب أصحاب ابن ~~الفيض ما كان معه . وحمل إلى شاور فوصل إليه في ليلة الجمعة لثلاث بقين من ~~المحرم سنة ثمان وخمسين وخمسمائة فأمر شاور ms6574 باعتقاله ، وقال لسليمان بن ~~الفيض : لقد خبأك الصالح ذخيرة لولده حين استجار بك فأسلمته لي ، وأنا ~~أخبئك ذخيرة لولدي . ثم أمر به فشنق . وسميت فرقة ابن الفيض غمازة من ذلك ~~اليوم ، فهي تعرف الآن بهذا الاسم . فكانت أيام العادل سنة واحدة وثلاثة ~~أشهر وأياما . وجميع دولة بني رزيك تسع سنين تقريبا . ذكر وزارة شاور ~~الأولى وخروجه منها كانت وزارته في يوم الأحد لثمان بقين من المحرم سنة ~~ثمان وخمسين وخمسمائة . وذلك أنه لما انهزمت جيوش العادل بن رزيك وهرب هو ~~إلى إطفيح خلت PageV28P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" القاهرة منهم ، فدخلها شاور ، وحضر بين يدي ~~الخليفة العاضد لدين الله ، فخلع عليه خلع الوزارة ، وسلطنه ، ولقبه بأمير ~~الجيوش . وأطلق شاور لأهل القصور الإطلاقات الكثيرة ، وزادهم على مقرراتهم ~~في أيام بني رزيك واستدعى أموال بني رزيك وودائعهم . وبسط العدل أياما ، ثم ~~شرع في ظلم الناس ، وبسط يده ويد أولاده في الدولة ، وقطع أرزاق الأمراء ~~والجند واستخف بهم وبالعاضد . وعتا ولده الكامل وتجبر ، وليس بداء الكبر ، ~~وبذخ في الأموال ، وصرفها في غير وجوه مصارفها . وساءت سيرته في الأمراء ~~فأجمعوا على إخراج العادل من الاعتقال ونصبه في الوزارة . فاتصل ذلك ~~بالكامل بن شاور ، فأشار على أبيه بقتل العادل ، فامتنع من ذلك وقال : إنه ~~أولاني خيرا فلا أقتله ، فقتله الكامل من غير إذن أبيه . فعظم ذلك على شاور ~~وعلى الأمراء ، وغضب الأمراء لقتل العادل ، وخرجوا عن شاور ، وافترقوا على ~~فرقتين : فكان الضرغام وإخوته وأهله فرقة ، و والظهير عز الدين مرتفع وعين ~~الزمان وابن الزبد فرقة . وكان الضرغام ومن معه أظهر الفرقتين . فخرج على ~~شاور وحاربه ، فجمع شاور أمواله وذخائره وغلمانه ، وخرج ليلا من القاهرة ، ~~فركب الضرغام في أثره فلحقه عند باب النصر ، فقاتله طي بن شاور ، فقتل طي ، ~~وأسر أخوه الكامل ، ومضى شاور إلى الشام . وذلك في صبيحة يوم الجمعة لثلاث ~~بقين من شهر رمضان من السنة . فكانت وزارته ثمانية أشهر وخمسة أيام . والله ~~أعلم . ذكر وزارة الضرغام بن سوار قال : ولما توجه شاور إلى الشام وعاد ms6575 ~~الضرغام إلى القصر وأرسل إلى العاضد بما كان من أمر شاور ، ومضى إلى داره ~~بقية ليلته . وجاء القصور من بكرة النهار ، فاستدعاه العاضد لدين الله ، ~~وولاه الوزارة ، ولقبه بالملك المنصور ، واستحلف له الأمراء . وأرسل علم ~~الملك بن النحاس إلى الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ، صاحب الشام ، ~~يقبض على شاور . فأظهر نور الدين الإجابة لذلك ، وباطنه بخلاف ظاهره . قال ~~: ولما ولي الضرغام الوزارة خرج عليه الأمير علي بن الخواص ، فظفر به ~~الضرغام ، فأشهره بالقاهرة ، وصلبه . وأحضر جماعة من الأمراء إلى داره ~~لدعوة عملها ، PageV28P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" فلما حضروا إليه قبض عليهم وقتلهم . ذكر قدوم ~~شاور من الشام وعوده إلى الوزارة ثانيا وقتل الضرغام كان قدومه في جمادى ~~الآخرة سنة تسع وخمسين وخمسمائة . وذلك أنه لما توجه إلى دمشق اجتمع بالملك ~~العادل نور الدين محمود بن زنكي ، وحسن له أن يجهز معه جيشا يفتح به مصر ، ~~ووصفها له ورغبه فيها ، والتزم أنه يحمل خزائنها إليه يستعين بها على قتال ~~الفرنج . فمال إليه ، وجهز معه أسد الدين شيركوه بعساكر . فلما قاربوا مصر ~~ندب إليهم الضرغام عسكرا وقدم عليه أخاه ناصر المسلمين ، فلقيهم على بلبيس ~~، فانهزم العسكر المصري وعاد إلى القاهرة . وسار شاور والعساكر الشامية ، ~~فنزل بظاهر القاهرة في آخر الشهر ، واجتمع معه خلق كثير من العربان . فعلم ~~الضرغام أنه لا قبل له بما دهمه ، فركب إلى القصر ، وطاف به ، وجعل ينادي ~~العاضد ، وهو يخاف أن ينزل إليه . فأرسل إليه العاضد يقول : انج بنفسك فخرج ~~من القاهرة يريد مصر ، ودخل شاور وشيركوه إلى القاهرة ، وندب جماعة إثر ~~الضرغام فأدركوه عن مشهد السيدة نفيسة ، فقتلوه هناك في يوم الجمعة ، ~~لليلتين بقيتا من جمادى الآخر . وطيف برأسه القاهرة على رمح ، وبقيت جثته ~~ملقاة بين الآكام ثلاثة أيام حتى أكلتها الكلاب . ودفن ما بقي منه عند بركة ~~الفيل ، وعمل عليه قبة ، فكانت مدة ملك الضرغام تسعة أشهر . وكان فارسا ~~بطلا ، كريما ، عاقلا ، أديبا ، يحب العلماء ويقربهم ، وله مجلس يجتمع فيه ~~أهل العلم والأدب دون غيرهم ms6576 . وكان حسن الخط ، يقال إنه كان يحاكي ابن ~~البواب في خطه . PageV28P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" قال : ودخل شاور إلى العاضد لدين الله في ~~مستهل شهر رجب ، فعاتبه على ما كان منه في إحضار العسكر الشامي ، وحذره ~~عاقبة ذلك ، فوعده أنه يصرفهم إلى بلادهم ، فقبل ذلك منه ، وخلع عليه خلع ~~الوزارة . ذكر غدر شاور بشيركوه قال : ولما انتصب شاور في الوزارة وتم له ~~ما أراد ، أخذ في التدبير على العسكر الشامي ، وحلف الأمراء ، وتخاذل عن ~~شيركوه ، وصار يخرج إليه بوجه عليه آثار الغضب . ففهم أسد الدين شيركوه عنه ~~، وعلم شاور أنه لا قبل له بشيركوه ، فاستعان بالفرنج واستدعاهم من الساحل ~~لنصرته ، ووعدهم بالأموال . واتصل ذلك بأسد الدين فحاصر القاهرة . واتصل ~~خبر شاور بالملك العادل نور الدين ، فكتب إلى أسد الدين وأعلمه بما بلغه من ~~مباطنة الفرنج ، وأمره بالخروج عن الديار المصرية . فأبى ذلك وتوجه إلى ~~بلبيس ، واحتوى على بلاد الحوف ، وجعل مدينة بلبيس ظهره . فاجتمعت العساكر ~~المصرية ومن أتاهم من الفرنج ، ونازلوا أسد الدين ، وحصروه ببلبيس ثلاثة ~~اشهر ، وهو ممتنع بها لم يبرز إليهم ، فبينما هم كذلك إذ ورد الخبر على ~~الفرنج أن نور الدين ملك حارم وسار إلى بانياس ، فراسلوا شيركوه يسألونه ~~الصلح ، فأجابهم إلى ذلك ، وخرج من مدينة بلبيس ، فلما صار بظاهرها أشار ~~شاور على تلك الفرنج بمهاجمته وقبضه فامتنع مري ، ملك الفرنج ، وأبى إلا ~~الوفاء بيمينه لشيركوه . وسار أسد الدين إلى الشام ، وعاد شاور إلى القاهرة ~~، ومعه طائفة من الفرنج يتقوى بهم . وكان قد بذلك لهم على نصرته أربعمائة ~~ألف دينار ، ويهادنهم خمس سنين . وكان دخول شاور إلى القاهرة لست مضين من ~~ذي الحجة من السنة ، واستمر بمصر من غير منازع ، إلى سنة اثنتين وستين ~~وخمسمائة . PageV28P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" ذكر عود أسد الدين شيركوه إلى الديار المصرية ~~بالعساكر الشامية وانفصاله قال المؤرخ : لما انفصل أسد الدين شيركوه عن ~~الديار المصرية في سنة تسع وخمسين ، بقي عنده منها أمر عظيم . وكان إذا خلا ~~بنور الدين الشهيد يرغبه فيها . فجهزه بالعساكر ms6577 والحشود ، فسار من الشام في ~~شهر ربيع الأول سنة اثنين وستين وخمسمائة ، فاتصل ذلك بشاور ، فراسل الفرنج ~~وانتصر بهم . فخرج الفرنج ووقفوا على الطريق التي يسلكها شيركوه إلى الديار ~~المصرية ، فعدل شيركوه عن تلك الطريق وجعلها عن يمينه ، وسار حتى نزل إطفيح ~~، في سادس شهر ربيع الآخر . وعبر النيل إلى الجانب الغربي ، ونزل الجيزة ، ~~وأقام عليها إلى العشرين من جمادى الأولى . واستولى على الغربية وغيرها . ~~فأرسل شاور إلى الفرنج يستحثهم ، فأتوه على الصعب والذلول ، وقد طمعوا في ~~ملك الديار المصرية . فلما تكاملوا بالقاهرة توجه أسد الدين شيركوه نحو ~~الصعيد ، وسار شاور والفرنج في آثارهم . فجمع أسد الدين الأمراء واستشارهم ~~في العبور إلى الجانب الشرقي والعود إلى الشام ، فوافقوه على ذلك ، فنهض ~~شرف الدين بزغش ، أحد الأمراء المماليك النورية ، وكان شجاعا مقداما ، ~~وأنكر ذكر كل الإنكار ، وامتنع من الموافقة ، وقال : من خاف من الأسر أو ~~القتل فلا يخدم الملوك ويأكل رزقهم ، ويكون في بيته عند امرأته . وقال : ~~والله لا نزال نقاتل إلى أن نقتل عن أخرنا أو ننتصر . فوافقه أسد الدين ، ~~وجمع عسكره ورتبهم ، وجعل أثقاله في القلب ليكثر بها السواد ولئلا ينهبها ~~أهل البلاد . فبينما هم في التعبئة إذا بشاور والفرنج قد أقبلوا ، ورتبهم ~~واقتتلوا ، فكانت الهزيمة على شاور والفرنج وتوالت عليهم الحملات من العسكر ~~الشامي ، فتمادت بهم الهزيمة إلى الجيزة ، وشيركوه في آثارهم . وقتل منهم ~~خلق وغرق كثير منهم . وأسر أسد الدين صاحب قيسارية . ودخل شاور والفرنج إلى ~~القاهرة ، وملك أسد الدين البر الغربي بكماله ، وقصد الإسكندرية ليحاصرها . ~~فلما قرب منها خرج إليه أهلها وسلموها إليه من غير ممانعة ، PageV28P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" وكان والي الثغر يوم ذاك نجم الدين بن مصال . ~~فدخل شيركوه البلد ، وأقام بها أياما قلائل ، واستناب بها صلاح الدين يوسف ~~بن أخيه نجم الدين أيوب ، وتركه بها ومعه ألف فارس . وتوجه هو إلى الصعيد ~~فاستولى عليه ، واستخرج أمواله وصام شهر رمضان بمدينة قوص . هذا وشاور ~~يتجهز للخروج ويرتب أحواله وأحوال الفرنج ويرم ما تلف لهم . فلما ms6578 تكامل ما ~~يحتاج إليه قصد الإسكندرية ، فأخرج أهلها الأموال وأنفقوها ، واستعدوا ~~للحصار ، فكان في جملة ما أخرجوه للحصار أربعة وعشرون ألف قوس زنبورك وما ~~يناسب ذلك من الآلات . وسار شاور ومري ملك الفرنج ، فنازلوا الإسكندرية . ~~فلما رأوا شدة أهلها واجتماعهم على الحصار ، تقدم شاور إليهم وقال : سلموا ~~إلى صلاح الدين ومن معه وأضع عنكم المكوس ، وأعطيكم الأخماس . فامتنعوا ~~وقالوا : معاذ الله أن نسلم المسلمين إلى الفرنج والإسماعيلية . فعند ذلك ~~وقع الحصار واشتد على أهل الإسكندرية إلى أن قلت الأقوات . وبلغ ذلك أسد ~~الدين فسار من الصعيد وجد في السير إلى الإسكندرية ، وكان شاور قد أفسد ~~التركمان الذين مع أسد الدين فصاروا معه ، واجتمع لشيركوه طائفة كبيرة من ~~العربان ، فملا علم شاور بقربه خافه وراسله في طلب الصلح ، وبذل له خمسين ~~ألف دينار ، سوى ما أخذه من خراج البلاد ، على أن يفارق الديار المصرية . ~~فأجاب أسد الدين إلى ذلك ، وشرط عليهم أن يرجع هو إلى الشام ويرجع الفرنج ~~إلى بلادهم . فاستقرت هذه القاعدة ، وحلف الفرنج عليها . ففتحت الإسكندرية ~~عند ذلك ، وخرج صلح الدين يوسف إلى مري ملك الفرنج وجلس إلى جانبه . فدخل ~~شاور عليهما ، فقال لمري : سلمه إلي وأعطيك في كل سنة خمسين ألف دينار . ~~فقال مري : نحن إذا حلفنا لا نغدر ، ووبخه . وكان أسد الدين قد شرط على ~~شاور أن الفرنج يرحلون ولا يلتمسون من البلاد درهما ولا ضيعة ولا غير ذلك . ~~قال : وارتحل أسد الدين ، ودخل مصر برضاء أهلها ، وسار إلى بلبيس . وأرسل ~~PageV28P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" إلى ابن أخيه يوسف أن يوجه في المراكب إلى ~~عكا ، هو ومن معه من العسكر ، وما معه من الأثقال ، ففعل ذلك ، وركب من عكا ~~إلى دمشق . هكذا حكى ابن جلب راغب في تاريخه . قال : وارتحل أسد الدين من ~~بلبيس في نصف شوال ، ودخل شاور إلى الإسكندرية ، ثم خرج منها وعاد إلى ~~القاهرة ، فدخلها في مستهل ذي القعدة ، وتلقاه العاضد لدين الله . وأما ~~الفرنج ، فاستقر بينهم وبين شاور أن يكون لهم شحنة بالقاهرة وتكون ms6579 أبوابها ~~بيد فرسانهم ، ويكون لهم في كل سنة مائة ألف دينار . وفي سنة ثلاث وستين ~~وخمسمائة خرج يحيى بن الخياط على شاور وطلب الزارة ، فندب شاور عسكرا لحربه ~~، فانهزم ومضى إلى بلاد الفرنج . ذكر وصول الفرنج إلى القاهرة وحصارها ~~وحريق مصر قال المؤرخ : وفي سنة أربع وستين وخمسمائة عاد الفرنج إلى ~~القاهرة . وذلك انهم لما توجهوا في سنة اثنتين وستين رتبوا في القاهرة ~~جماعة من أبطالهم وشجعانهم وفرسانهم ليحموها من عسكر يأتي إليها من الشام ، ~~فلما رأوا خلو مصر من الأجناد راسلوا ملكهم مري واستدعوه ، وكان من الشجاعة ~~والمكر على أمر عظيم . فامتنع وقال : الرأي ألا نقصدها فإنها طعمة لنا ، ~~وأموالها تحمل إلينا نتقوى بها على قتال نور الدين ، وإن قصدناها حمل ~~أصحابها الخوف على تسليمها لنور الدين ، وإن أخذها وجعل فيها مثل أسد الدين ~~شيركوه فهو لهلاك الفرنج وخروجهم من الشام . فلم يقبلوا رأيه ، وقالوا ما ~~يصل عسكر نور الدين إلينا إلا وقد ملكناها . وغلبوا على رأيه . فتجهز ~~الفرنج وساروا حتى وصلوا إلى مدينة بلبيس ونالوها ، فوقع الإرجاف بمصر ، ~~وشرع شاور في إنشاء حصن على مصر واستعمل فيه الناس ، فلم يبق أحد إلا وعمل ~~فيه ، وحفر خندقا . وملك الفرنج بلبيس عنوة وسبوا وقتلوا خلقا PageV28P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" كثيرا . وكان معهم بعض الأمراء المصرين ممن ~~هرب من شاور ، منهم يحيى الخياط . ثم ساروا إلى القاهرة وأحاطوا بها ، وذلك ~~في العاشر من صفر ، فخاف أهلها إن أهملوا القتال أن يحل بهم ما حل بأهل ~~بلبيس ، فجدوا في القتال والاحتراز . قال : ولما قرب الفرنج من القاهرة أمر ~~شاور بنهب مصر وإحراقها ، فأحرقت في تاسع صفر ، ونهبت ، وأمر أهلها ~~بالانتقال إلى القاهرة ، فانتقل بعضهم وتحصن البعض بالجزيرة ، وتوجه آخرون ~~في المراكب إلى ثغرى الإسكندرية ودمياط ، وطائفة إلى الوجه القبلي ، ~~وتفرقوا وذهبت أموالهم . كل ذلك قبل نزول الفرنج على القاهرة بيوم . قال : ~~وبقيت النار تعمل فيها أربعة وخمسين يوما ، إلى حادي عشر شهر ربيع الآخر . ~~قال : ولما علم العاضد لدين الله عجز أهل القاهرة ms6580 عن مقاومة الفرنج أرسل ~~إلى الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي يستغيث به ، وسير إليه شعور ~~نسائه في طي الكتب . وقيل إن شاورا أرسل إلى نور الدين أيضا . وأرسل شاور ~~إلى مري ملك الفرنج يذكره بسابق الصحبة والعهود القديمة ، وقرر أن يحمل ~~إليه ألف ألف دينار ، فأجاب مري إلى ذلك وقال لأصحابه : نأخذ المال ونتقوى ~~به ونمضي ثم نرجع فلا نبالي بعد ذلك بنور الدين . فاستوثق شاور منه ~~بالأيمان وعجل له مائة ألف دينار ، وماطله بالبقية ، وشرع يجمع له من أهل ~~القاهرة المال ، فلم يحصل له من جهتهم غير خمسة آلاف دينار لضعفهم . هذا ~~والرسل تتابع إلى الملك العادل ويستغيثون به . وقرر له ثلث الديار المصرية ~~. قال : ولما وصلت الكتب إليه طلب أسد الدين شيركوه من حمص ، فسار منها إلى ~~PageV28P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" حلب في ليلة واحدة ، فجهزه نور الدين وأعطاه ~~مائتي ألف دينار سوى الثياب والسلاح وغير ذلك . فاختار أسد الدين من العسكر ~~ألفي فارس من الأقوياء ، وستة آلاف من بقية العسكر . وأنفق نور الدين لكل ~~فارس عشرين دينارا . ثم سار شيركوه ، فكان خروجه من دمشق في منتصف شهر ربيع ~~الأول ، وأردفه نور الدين بجماعة من الأمراء ، منهم مملوكه عز الدين جرديك ~~، وشرف الدين بزغش وعين الدولة الياروقي ، وناصح الدين خمارتكين ، وقطب ~~الدين ينال بن حسان المنتبجي ، وغيرهم . والله أعلم . ذكر قدوم أسد الدين ~~شيركوه إلى الديار المصرية ورحيل الفرنج عنها قال : وقدم أسد الدين شيركوه ~~بالعساكر ، فكان وصوله إلى مصر في يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شهر ربيع ~~الأول سنة أربع وستين وخمسمائة . ولما بلغ الفرنج قربه عادوا عن القاهرة ~~إلى بلادهم ، وكان رجوعهم في يوم السبت ثالث شهر ربيع الآخر ، ومعهم من ~~الأسرى اثنا عشر ألف نفس . ودخل أسد الدين إلى القاهرة في سابع شهر ربيع ~~الآخر ، وخرج إليه العاضد لدين الله وتلقاه . وحضر يوم الجمعة التاسع من ~~الشهر إلى الإيوان وجلس إلى جانب العاضد ، وخلع عليه ، وفرح الناسب بقدومه ~~وعاد أهل مصر إليها ، وشرعوا في ms6581 إطفاء النيران وإصلاح ما تشعث . وكانت سقوف ~~جامع عمرو بن العاص بمصر قد احترقت فجدده الملك الناصر صلاح الدين يوسف . ~~قال : وأمر العاضد أسد الدين بالنزول على شاطئ النيل بالمقس ، ورتب له شاور ~~ولمن معه الإقامات الوافرة ، وأظهر له ودا كثيرا ، وصار يتردد إليه في كل ~~يوم . فطلب أيد الدين من شاور مالا ينفقه في عسكره ، فمطله فسير إليه ~~شيركوه الفقيه عيسى الهكاري يطالبه بالنفقة ويقول له : إن العسكر قد طال ~~مقامهم وطالبوا بالنفقة وتغيرت قلوبهم عليك ، وإني أخشى عليك منهم . فلم ~~يكترث شاور بذلك ، وشرع في المماطلة فيما كان قرره لنور الدين . وعزم شاور ~~على أن يصنع دعوة ويحضر أسد الدين وجماعة من الأمراء الذين معه إلى داره ، ~~ويقبض عليهم ، ويستخدم من معه من الجند فيمتنع بهم من الفرنج . فنهاه عن ~~PageV28P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" ذلك ولده الكامل ، وحلف أنه إن صمم على هذا ~~الأمر عرف به شيركوه . فقال له أبوه : والله لئن لم تفعل هذا قتلنا عن ~~آخرنا . فقال الكامل لأبيه : صدقت ، ولأن نقتل ونحن مسلمون خير من أن نقتل ~~وقد ملكها الفرنج ، فإنه ليس بينك وبين عود الفرنج إلا أن يسمعوا أن أسد ~~الدين قد قبض عليه ، وحينئذ لو مشى العاضد إلى نور الدين ما أغاثه ، ~~ويملكون البلاد ، فترك ما عزم عليه . واتصل بالعاضد فأعلم شيركوه . ذكر ~~مقتل شاور كان مقتله في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر ~~من السنة . وذلك أن الأمراء النورية لما رأوا مماطلته بالنفقة وبلغهم أنه ~~قد عمل على القبض عليهم اتفق صلاح الدين يوسف وعز الدين جرديك ، وغيرهما ~~على قتله وأعلموا أسد الدين بذلك ، فنهاهم عنه . واتفق أن شيركوه خرج ~~لزيارة قبر الإمام الشافعي هذا اليوم ، وحضر شاور له على عادته ، فقيل إنه ~~توجه للزيارة ، فقال : نتوجه إليه . فتوجه ومعه يوسف وجرديك وهما يسايرانه ~~، فأنزلاه عن فرسه ، وكتفاه ، فهرب عنه أصحابه . فجعلاه في خيمة ، وأحاط ~~بهم جماعة ولم يمكنهم من قتله بغير أمر أسد الدين . فحضر من القصر جماعة ms6582 من ~~قبل العاضد ، يستحث على قتله ، وحضر أسد الدين إلى المخيم ورسل العاضد ~~تتواتر لأسد الدين يأمره بقتله فقتل ، وأرسل رأسه إلى العاضد على رمح . ~~ومضى أولاده إلى القصور واستجاورا بالعاضد ، فقتلوا بعد العقوبة الشديدة ، ~~في يوم الاثنين لأربع خلون من جمادى الأولى منها . وهم : الكامل ، والمعظم ~~، وركن الإسلام . وتأسف شيركوه بعد ذلك على الكامل لأنه بلغه ما جرى بينه ~~وبين أبيه . قال : ولما قتل شاور استدعى العاضد أسد الدين شيركوه ، فدخل ~~إلى القاهرة في الساعة التي قتل فيها شاور ، فرأى العوام وقد اجتمعوا ، ~~فأهاله ذلك ، فقال لهم : إن مولانا العاضد لدين الله أمير المؤمنين يأمركم ~~أن تنهبوا دور شاور . فتفرق الناس عنه ، ونهبوها . ودخل شيركوه إلى القصر ، ~~فتلقاه العاضد ، وخلع عليه خلع الوزارة ، ولقبه الملك المنصور أمير الجيوش ~~. ولم تطل مدته في الوزارة حتى توفي إلى رحمة الله تعالى PageV28P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" بعد خمسة وستين يوما ، وقام بالأمر بعده ~~الملك الناصر صلاح الدين يوسف ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار ~~الدولة الأيوبية . ذكر انقراض الدولة العبيدية والخطبة للمستضيئ بنور الله ~~العباسي كان انقراض هذه الدولة عند خلع العاضد لدين الله ، وذلك في يوم ~~الجمعة لسبع مضين من المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة . وكان سبب ذلك أن صلاح ~~الدين يوسف لما ثبتت قدمه في ملك الديار المصرية واستمال الناس بالأموال ~~قتل مؤتمن الخلافة جوهرا زمام القصور ، ونصب مكانه قراقوش الأسدي الخصي ~~خادم عمه ، ثم كانت وقعة السودان فأفناهم بالقتل ، على ما نذكره إن شاء ~~الله مستوفي في أخباره . ثم أسقط من الأذان قولهم : حي على خير العمل ، ~~وأبطل مجلس الدعوة ، وضعف أمر العاضد معه إلى الغاية فعند ذلك كتب الملك ~~العادل نور الدين إلى الملك الناصر صلاح الدين يأمره بالقبض على العاضد ~~وأقاربه ، والخطبة للخليفة المستضيئ بنور الله ، وكان المستضيئ قد راسله في ~~ذلك . فامتنع صلاح الدين ، وكره إزالة هذه الدولة . فكتب إلى الملك العادل ~~يعتذر ، وقال : إن فعلنا هذا الأمر لا نأمن من قيام أهل مصر ms6583 علينا لميلهم ~~إلى هذه الدولة . وكان صلاح الدين أن يتقوى بالعاضد على نور الدين إن هو ~~أراد الدخول إلى الديار المصرية . فلما ورد جوابه على نور الدين بالاعتذار ~~انزعج لذلك ، ورادف رسله إليه يأمره بخلع العاضد والقبض عليه . ~~PageV28P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" فاستدعى الملك الناصر الأمراء واستشارهم في ~~ذلك ، فمنهم من حذره ، ومنهم من هونه عليه . فأحضر الفقيه أليسع بن يحيى بن ~~أليسع ، وعرفه الحال . فلما كان في هذه الجمعة صعد إلى المنبر بجامع مصر ~~قبل طلوع الخطيب ، ودعا للمستضيئ بنور الله ، فلم ينكر عليه أحد . فلما كان ~~في الجمعة الثانية أمر الملك الناصر الخطباء بمصر والقاهرة أن يخطبوا ~~للمستضيئ بنور الله أبي محمد الحسن ، بن المستنجد بالله العباسي ، فخطبوا ~~له . ثم توفي العاضد لدين الله إثر هذا الخلع ، في يوم عاشوراء من السنة ، ~~بعد ثلاثة أيام من خلعه . وكان ضعيفا لما قطعت خطبته ، فقال صلاح الدين : ~~لا تعلموه ، فإن عوفي أعلمناه ، وإن توفي فلا نفجعه بهذه الحادثة . وقال ~~بعض المؤرخين : إن صلاح الدين لما قطع خطبته دخل عليه وقبض عليه واعتقله ، ~~فلما رأى ذلك كان في ذخائره فص في خاتم ، فمصه ، فمات لوقته . فكان صلاح ~~الدين يقول : ندمت على كوني دخلت على العاضد وفعلت به ما فعلت ، وكان أجله ~~قد قرب . ولما مات جلس الملك الناصر للعزاء به . فكانت مدة ولايته إحدى ~~عشرة سنة وخمسة أشهر وتسعة عشر يوما ، ومولده في يوم الثلاثاء لعشر بقين من ~~المحرم سنة ست وأربعين وخمسمائة ، فعمره على هذه إحدى وعشرون سنة إلا أحد ~~عشر يوما . وكان له من الأولاد ثلاثة عشر وهم علي ، وموسى ، وعبد الكريم ، ~~وأبو الحداد يوسف ، وأبو الفتوح ، وإبراهيم ، وجعفر ، ويحيى ، وعبد القوي ، ~~وعبد الصمد ، وأبو البشر ، وعيسى . فاعتقلهم الملك الناصر بأجمعهم ، ~~واستمرا في الاعتقال إلى سنة اثنتين وستمائة ، فكان من أمرهم ما نذكره في ~~أخبار الدولة الأيوبية . ووزر له من ذكرنا أخبارهم ، وهم : الصالح أبو ~~الغارات طلائع بن رزيك ، ثم ولده العادل رزيك ، ثم شاور ، ثم الضرغام ، ثم ~~عاد شاور ms6584 ، ثم أسد الدين شيركوه ، ثم الملك الناصر صلاح الدين يوسف . قضاته ~~: أبو القاسم هبة الله بن كامل ، وأبو الفتح عبد الجبار بن إسماعيل بن عبد ~~القوي ، ثم الأعز أبو محمد الحسن بن علي بن سلامة ، ثم أعيد عبد الجبار ، ~~ثم أعيد ابن الكامل ، ثم صرف على أيام الملك الناصر بالقاضي صدر الدين أبي ~~القاسم عبد الملك بن درباس . وكان العاضد شديد التشيع متغاليا في سب ~~الصحابة ، رضوان الله عليه أجمعين . إذا رأى سنيا استحل دمه . PageV28P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" جامع أخبار الدولة العبيدية ومدتها ومن ملوك ~~من ملوكها كانت مدة تغلب ملوك هذه الدولة على البلاد منذ أن أخرج أبو عبد ~~الله الشيعي عبيد الله ، المنعوت بالمهدي ، ومن سجلماسة ، ومن سجن أليسع ~~ابن مدرار إلى أن مات العاضد هذا مائتي سنة وسبعين سنة وشهرا . منها ببلاد ~~الغرب ، منذ دخل عبيد الله المهدي رقاده إلى أن وصل المعز لدين الله إلى ~~القاهرة أربع وستون سنة وعشرة أشهر وخمسة وعشرون يوما . وباقي هذه المدة ~~بمصر والشام ، إلى أن انقطعت دعوتهم . بخروج عسقلان عن يد المسلمين ~~واستيلاء الفرنج عليها ، في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، في ~~أيام الظافر بأعداء الله في وزارة عباس بن يحيى بن تميم . وعدة من ملك منهم ~~أربعة عشر ملكا تسموا كلهم بالخلافة ، وهم : عبد الله المنعوت بالمهدي ، ثم ~~ابنه القائم بأمر اله أبو القاسم محمد ، ثم ابنه المنصور بنصر الله أبو ~~الظاهر إسماعيل ، ثم ابنه المعز لدين الله أبو تميم معد ، وهو أول من ملك ~~الديار المصرية والبلاد الشامية منهم ، وإليه تنسب القاهرة المعزية ، ثم ~~ابنه العزيز بالله أبو المنصور نزار ، ثم ابنه الحاكم بأمر الله أبو علي ~~المنصور ، ثم ابنه الظاهر لإعزاز دين الله أبو هاشم ، وقيل أبو الحسن ، علي ~~، ثم ابنه المستنصر بالله أبو تميم معد ، ثم ابنه المستعلي بالله أبو ~~القاسم أحمد ، ثم ابنه الآمر بأحكام الله أبو علي المنصور ، ثم ابن عمه ~~الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن محمد بن المستنصر بالله ms6585 ، ثم ~~ابنه الظافر بأعداء الله أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ ، ثم ابنه الفائز ~~بنصر الله أبو القاسم عيسى بن الظافر ، ثم ابن عمه العاضد لدين الله أبو ~~محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد بن المستنصر ~~، وعليه انقرضت دولتهم ، وانتهت أيامهم ، وباد ملكهم ، فلم يعد إلى وقتنا ~~هذا . قال المؤرخ : ولما خلع العاضد ومات واعتقل الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف أولاده بالقصور مر القاضي الأرشد عمارة اليمني الشاعر بالقصور ، وهي ~~مغلقة الأبواب ، مهجورة الجناب ، خاوية على عروشها ، خالية من أنيسها ، ~~فأنشأ قصيدته المشهورة التي رثى بها القصور وأهلها ، وهي من عيون المراثي ~~وأولها : [ من البسيط ] PageV28P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" رميت يا دهر كف المجد بالشلل . . . وجيده بعد ~~حسن الحلي بالعطل سعيت في منهج الرأي العثور ، فإن . . . قدرت من عثرات ~~الدهر فاستقل هدمت قاعدة المعروف عن عجل . . . على فجيعتنا في أكرم الدول ~~قدمت مصر فأولتني خلائفها . . . من المكارم ما أربي على الأمل قوم عرفت بهم ~~كسب الألوف ومن . . . جمالها أنها جاءت ولم أسل منها : ياعاذلي في هوى ~~أبناء فاطمة . . . لك الملامة إن قصرت في عذلي بالله زر ساحة القصرين ، ~~وابك معي . . . عليهما ، لا على صفين والجمل وقل لأهلهما : والله ما التحمت ~~. . . فيكم جراحي ، ولا قرحي بمندمل ماذا ترى كانت الإفرنج فاعلة . . . في ~~نسل آل أمير المؤمنين علي هل كان في الأمر شيء غير قسمة ما . . . ملكتم بين ~~حكم السبي والنفل مررت بالقصر ، والأبواب خالية . . . من الوفود ، وكانت ~~قبلة القبل PageV28P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" فملت بوجهي خوف منتقد . . . من الأعادي ، ~~ووجه الود لم يمل أسلت من أسفي دمعي غداة خلت . . . حال الزمان عليها ، وهي ~~لم تحل وهي قصيدة مشهورة مطولة . ولما انقرضت هذه الدولة الأيوبية على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار ملوكها والله أعلم . PageV28P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" ذكر أخبار الدولة الأيوبية وهي دولة السلطان ~~الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وأولاده ، ودولة أخيه الملك العادل ~~سيف الدين أبو بكر وأولاده ، رحمهم الله تعالى . ولنبدأ ms6586 بذكر نسب نجم الدين ~~أيوب والد ملوك الدولة الأيوبية وابتداء حاله وحال أخيه أسد الدين ، وكيف ~~تنقلت بهم الحال إلى أن ملك أسد الدين شيركوه الديار المصرية ، وكيف انتقل ~~الملك من بعده إلى ابن أخيه الملك الناصر صلاح الدين يوسف . ثم نذكر أخبار ~~من ملك من أولاده وأخيه الملك العادل وأولاده في حربهم وسلمهم إلى حين ~~انقراض دولتهم . وبالله التوفيق ذكر نسب الملك الأفضل نجم الدين هو أبو ~~سعيد أيوب بن شادي بن مروان . هذا هو المقطوع به الذي لا نزاع فيه ، ولا ~~خلاف بين أحد من المؤرخين ونقلة أخبارهم . قال الملك الأمجد مجد الدين أبو ~~محمد الحسن ، ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبي المفاخر داود ، ابن ~~السلطان الملك المعظم شرف الدين أبي المظفر عيسى ، ابن السلطان الملك ~~العادل سيف الدين أبي بكر محمد ، ابن الملك الأفضل نجم الدين أبي سعيد أيوب ~~، رحمهم الله تعالى ، في كتابه المترجم بالفوائد الجلية في الفرائد ~~الناصرية ، سمعت من يقول : مروان بن محمد ، وقال بعض الناس محمد بن يعقوب . ~~وقال شهاب الدين أبو شامة عبد الرحمن في كتابه المترجم بالروضتين في أخبار ~~الدولتين سمعت من يقول : مروان بن يعقوب . وقال الملك الأمجد : وقد اختلف ~~في نسبهم على ثلاثة أقوال : القول الأول : ما قاله عز الدين علي بن أثير ~~الجزري المؤرخ أن نجم الدين PageV28P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" أيوب من بلد دوين من أذربيجان ، وأصله من ~~الأكراد الروادية ، وهذا القبيل هم أشرف الأكراد . قال الملك الأمجد : وهذا ~~شيء يجري على ألسنة كثير من الناس ، ولم أر أحدا ممن أدركه من مشايخ بيتنا ~~يعترف بهذا النسب ، لكنهم لا ينكرون أن نجم الدين كان بدوين . قال : ~~والمشهور عند بيتنا أن جدنا نزل على الأكراد وتزوج منهم ، فصارت بيننا ~~وبينهم خؤولة لا غير . ويد على ذلك أن السلطان الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف لما ملك البلاد تقدم في دولته جماعة من الأكراد ، فلم يبق أحد منهم ~~إلا جاء بنو عمه وأقاربه ، حتى صار في عصبة من أهله ، والسلطان ms6587 رحمه الله ~~لم يأت إليه من يمت بقرابة إلا من جهة النساء فقط ، ولو كان من الروادية ~~لكان جميع القبيلة أولاد عمه وإن لم يكن له ابن عم قريب فيكون ابن عم بعيد ~~لأن قطعا لأن القبيلة كلها أولاد رجل واحد . ولا شك أن الدواعي تتوفر على ~~الانتماء إلى الملك ما لا تتوفر على الانتماء إلى الأمراء . القول الثاني : ~~أنهم من أولاد مروان بن محمد الأموي ، آخر خلفاء الدولة الأموية . قال ~~الملك الأمجد : وهذا شيء ادعاه الملك المعز فتح الدين أبو الفداء إسماعيل ~~بن الملك العزيز ظهير الدين أبي الفوارس سيف الإسلام طغتكين ، بن أيوب ، ~~باليمن ، لما ملكه بعد أبيه ، وتلقب بالإمام الهادي بنور الله المعز لدين ~~الله أمير المؤمنين . وقال يحيى بن حميد بن أبي طي : قد نقبت عن ذلك فأجمع ~~الجماعة من بني أيوب على أنهم لا يعفرون جدا فوق شادي . القول الثالث : ما ~~ذكره حسن بن عمران الجرشي فإنه جاء إلى الملك المعظم وعمل شجرة لنسب بني ~~أيوب ، فوصله بعلي من أحمد المري ممدوح أبي الطيب المتنبي الذي يقول فيه : ~~شرق الجو بالغبار إذا سا . . . ر على بن أحمد بن القمقام PageV28P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" وقال أيضا في مدحه : إنما بن عوف بن سعد . . ~~. جمرات لا تشتهيها النعام ولم ينكر الملك المعظم عليه ذلك بل قبل منه . ~~قال : وهذا سرد النسب الذي عمله الجرشي ، وهو : أيوب بن شادي بن مروان بن ~~أبي علي . قال الملك الأمجد : قلت : ويحتمل أن يكون أبو علي هذا هو محمد ~~المقدم ذكره - وأبو علي كنية له - ابن عنترة بن الحسن بن علي بن أحمد ابن ~~أبي علي بن عبد العزيز بن هدية بن الحصين بن الحارث بن سفيان بن عمرو بن ~~مرة بن شبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر ~~بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ، وبقية النسب معروف ، هذا ما ~~قيل في نسبه . وأما ابتداء حاله : ذكر ابتداء ms6588 حال الملك الأفضل نجم الدين ~~أيوب وأخيه أسد الدين شيركوه قال المؤرخ : قدم نجم الدين أيوب وأخوه أسد ~~الدين شيركوه من بلد دوين إلى العراق في خلافة المسترشد بالله ، وخدما ~~مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد . فرأى من نجم الدين عقلا ورأيا وحسن سيرة ، ~~وكان أسن من أخيه أسد الدين ، فجعله مجاهد الدين دزدارا بقلعة تكريت ، ~~وكانت له ، فسار إليها ومعه أسد الدين . وقيل بل كان نجم الدين قد خدم ~~السلطان محمد بن ملكشاه السلجقي ، فرأى منه أمانة وعقلا ، وسدادا وشهامة ، ~~فولاه قلعة تكريت ، فقام بها أحسن قيام . فلما ولي PageV28P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" السلطان مسعود أقطع قلعة تكريت لمجاهد الدين ~~بهروز ، فأقر نجم الدين في الولاية . وكان أتابك عماد الدين زنكي بن آق ~~سنقر ، والد السلطان الشهيد نور الدين لما انهزم من قراجا الساقي في سنة ست ~~وعشرين وخمسمائة ، كما ذكرنا ، بلغت به الهزيمة إلى تكريت ، فقام الدين ~~بخدمته أتم قيام ، وأقام له السفن إلى أن عبر دجلة ، فكان ذلك سبب وصلته ~~بالبيت الأتابكي وتقدمه . قال : ثم اتفق بين أسد الدين وبين قوارص النصراني ~~، كاتب بهروز ، مشاجرة في بعض الأيام ، فكلمه النصراني بكلمة أمضته ، فضرب ~~عنقه بيده ، ورماه برجله فلما اتصل الخبر ببهروز وحضر عنده من حذره من جرأة ~~شيركوه وتمكين نجم الدين واستحواذه على قلوب الرعايا خاف عاقبة ذلك ، وكتب ~~بالإنكار عليه بسبب ما كان من أخيه ، وعزله . فسار نجم الدين أيوب وشيركوه ~~إلى عماد زنكي في الموصل ، فلما وصلا إليه سر بهما وأحسن إليهما ، فأقطعهما ~~الإقطاعيات الجليلة ، وشهدا معه حروب الكفار وقتال الفرنج . فما ملك زنكي ~~قلعة بعلبك ، في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة جعل نجم الدين دزدارا بها ، ~~فأقام بها إلى أن قتل عماد الدين زنكي ، في سن إحدى وأربعين وخمسمائة . ~~وحاصر معين الدين أنر ، صاحب دمشق قلعة بعلبك ، حتى ضاق الأمر على نجم ~~الدين ، فاضطر إلى تسليمها إليه ، وتعوض عنها إقطاعا وأملاكا ، وكان عنده ~~من الأكابر الأمراء . واتصل أسد الدين شيركوه بخدمة الملك العادل نور الدين ~~محمود بن ms6589 زنكي ، فجعله مقدما على عسكره ، وجعل له حمص والرحبة وغيرهما . ~~فلما تعلقت همة نور الدين بملك دمشق أمر أسد الدين بمكاتبة أخيه نجم الدين ~~أيوب في ذلك ، فراسله ، فأعان نور الدين على فتح دمشق ، فعظم محلها عند نور ~~الدين . فكان نجم الدين إذا دخل عليه جلس من غير أن يؤذن له في الجلوس ، ~~ولم تكن هذه الرتبة لغيره من سائر الأمراء . فلما كان من أمر شاور ما ~~قدمناه وقصد نور الدين PageV28P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" محمود أو استغاث به ، أرسل معه أسد الدين ~~بالعساكر ، وكان من أمره في المرة الأولى ، في سنة تسع وخمسين وخمسمائة ، ~~والمرة الثانية ، في سنة اثنتين وستين ، والمرة الثالثة في سنة أربع وستين ~~وخمسمائة على ما قدمنا ذكره في أخبار الدولة العبيدية في أيام العاضد لدين ~~الله . ذكر وزارة الملك المنصور أسد الدين شيركوه بالديار المصرية ووفاته ~~كانت وزارته للعاضد لدين الله في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ~~ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة . وذلك أنه لما كان من أمر شاور ومقتله ~~ما ذكرنا آنفا استدعى العاضد لدين الله أسد الدين شيركوه ، فدخل إلى ~~القاهرة في الساعة التي قتل فيها شاور ، فرأى اجتماع العوام ما أهاله ، ~~فخاف على نفسه ، فقال لهم : أمير المؤمنين يأمركم بنهب دار شاور . فقصدها ~~الناس ونهبوها ، وتفرقوا عنه ، ولما نزل أسد الدين بدار شاور ، وهي دار ~~الوزارة ، لم يجد فيها ما يجلس عليه . قال : ولما تفرق الناس للنهب دخل أسد ~~الدين على العاضد لدين الله ، فتلقاه وخلع عليه الوزارة ، ولقبه بالملك ~~المنصور أمير الجيوش ، وكتب له تقليد الوزارة ، وكتب عليه العاضد بخطه عهدا ~~: عهد لم يعهد لوزير مثله ، وتقليد أمر رآك أمير المؤمنين أهلا لحمله : ~~والحجة عليك عند الله بما أوضحه لك من مراشد سبله ، فخذ كتاب أمير المؤمنين ~~بقوة ، واسحب ذيل الفخار بان اعتززت بخدمتك من النبوة ، واتخذ الفوز سبيلا ~~: " ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلكم الله عليكم كفيلا " . وخرج ~~من عند العاضد وركب على دار الوزارة وسكنها ms6590 ، واستقل بالأمر . واستعمل على ~~الأعمال من يثق به من كفاة أصحابه ، وأقطع البلاد لعساكره . وأرسل إلى ~~ديوان الإنشاء بالقصر يطلب من يكتب بين يديه ، فأرسل إليه متولي الديوان ~~القاضي PageV28P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" الفاضل عبد الرحيم البيساني ؛ وظن أن رؤساء ~~ديوان المكاتبات أن هذا الأمر لا يتم ، وأن أسد يقتل عن قريب كما قتل غيره ~~، فأرسلوا إليه القاضي الفاضل وقالوا لعله يقتل معه ، فكان من أمره ما كان ~~. ولم تطل مدة أسد الدين في الوزارة بل انقضت أيامه ، وفاجأه حمامه ، فتوفي ~~يوم السبت لثمان بقين من جمادى الآخرة من السنة . واختلف في سبب وفاته ، ~~فقيل مات فجأة ، وقيل بعلة الخوانيق ، وقيل بل سم . فكانت مدة وزارته خمسا ~~وستين يوما ؛ وعمل عزاؤه ثلاثة أيام ، وحمل إلى المدينة النبوية ، على ~~ساكنها أفضل الصلاة والسلام ؛ ودفن هناك برباط الوزير 108 جمال الدين وزير ~~الموصل . ولما مات أسد الدين شيركوه استقر بالوزارة بعده الملك الناصر صلاح ~~الدين بن يوسف بن أيوب ذكر أخبار الملك الناصر صلاح الدين بن يوسف ابن ~~الملك الأفضل بن نجم الدين أيوب وزارته في الديار المصرية كانت وزارته ~~بالديار المصرية عقب وفاة عمه المنصور أسد الدين شيركوه وقد تطاول جماعة من ~~الأمراء النورية للوزارة ، ومنهم عين الدولة الياروقي ، وقطب الدين قايماز ~~، وسيف الدين المشطوب الهكاري ، وشهاب الدين محمود الحارمي ، وهو خال صلاح ~~الدين ؛ وخطبها كل منهم لنفسه ، فأشار جماعة من المصريين وخواص ~~PageV28P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" العاضد لدين الله على العاضد أن يولي صلاح ~~الدين ، وقالوا : إنه أصغر الجماعة سنا ولا يخرج من تحت أمر أمير المؤمنين ~~. فإذا استقر وضعنا على العساكر من يستميلهم إلينا ، فيبقى عندنا من الجند ~~من نتقوى به ، ثم نأخذ يوسف بد ذلك أو نخرجه فإن أمره أسهل من غيره ، ~~فاستدعاه العاضد لدين الله ، وخلع عليه خلع الوزارة . ولقبه بالملك الناصر ~~، فلم يطعه أحد من الأمراء الذين كانوا تطاولوا للوزارة ولا خدموه . وكان ~~الفقيه عيسى الهكاري معه ، فسعى مع الأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب ~~حتى استماله ms6591 إليه ، وقال له : إن هذا الأمر لا يصل إليك مع الياروقي ~~والحارمي وغيرهما . ثم اجتمع بالحارمي وقال مثل ذلك ، وقال له : إن صلاح ~~الدين ولد أختك ، وعزه وملكه لك ، وقد استقام له الأمر ، فلا تكن أول من ~~سعى في إخراج الأمر عنه . واجتمع بالأمراء واستمالهم . فأطاعه بعضهم عصى ~~بعضهم . فأما الياروقي فإنه قال : لا أخدم يوسف أبدا ، وعاد إلى الملك ~~العادل نور الدين هو وجماعة من الأمراء . وصال صلاح الدين نائبا عن الملك ~~العادل نور الدين ، والخطبة لنور الدين ولا يكاتبه إلا : بالأمير ~~الأسفهسلار صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية . يفعلون كذا وكذا . ~~ويفعل علامته في الكتب ، عظمة أن يكتب اسمه . ولما وزر صلاح الدين ثبت قدمه ~~، واستمال قلوب الناس بالأموال فمالوا إليه فقوي أمره ، وضعف أمر العاضد . ~~ذكر مقتل مؤتمن الخلافة جوهر زمام المقصور انتقال وظيفته إلى قراقوش الأسدي ~~وحرب السودان كان مقتل مؤتمن الخلافة في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي ~~القعدة ، من سنة أربع وستين وخمسمائة . PageV28P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" وسبب ذلك أن الملك الناصر شرع في نقض إقطاع ~~المصريين ، فاتفق هذا الخادم مع جماعة من الأمراء المصريين على مكاتبة ~~الفرنج واستدعائهم إلى الديار المصرية ، والاعتضاد بهم على صلاح الدين ومن ~~معه ، وأرسل الكتب مع إنسان ، فجعلها في نعل ولبسه ، وسار أنه فقير ورث ~~الهيئة . فلما وصل إلى البيضاء وجده تركماني ، فأنكر حاله إذ هو رث الهيئة ~~جديد المداس . فأخذ مداسه وفتقه ، فوجد الكتب فيه ، فحمله بها إلى الملك ~~الناصر ، فوقف عليها ، وكتم الأمر ، وقرر الرجل بالعقوبة ، فأقر أن الكتب ~~بخط رجل يهودي ، فاستحضره ، فأقر بها . ثم قتل صلاح الدين القاصد . واستشعر ~~مؤتمن الخلافة من الملك الناصر ، فلزم القصور واحترز على نفسه ، فكان لا ~~يخرج منها . فلما طال ذلك عليه خرج من هذا اليوم لقصر له بالخرقانية ، ~~فأرسل إليه الملك الناصر جماعة فقتلوه ، وأتوه برأسه ، فرتب حينئذ على أزمة ~~القصور قراقوش الخصي ، وكان من مماليك عمه أسد الدين ليطالعه بما يتجدد ~~بالقصور . قال : ولما قتل مؤتمن الخلافة ثار ms6592 السودان لذلك وأخذتهم المحمية ~~، وعظم عليهم قتله ، لأنه كان رأسهم ورئيسهم ، فحشدوا واجتمعوا ، فزادت ~~عدتهم على خمسين ألف عبد ، وكانوا أشد على الوزراء من العسكر . فندب الملك ~~الناصر العسكر لقتالهم ، وقدم على العسكر أبا الهيجاء السمين ، فالتقوا بين ~~القصرين واقتتلوا ، فقتل من الفريقين جمع كثير ، فلما رأى الملك الناصر ~~قوتهم وشدة بأسهم أرسل إلى محلتهم المعروفة بالمنصورة ، خارج باب زويلة ، ~~فأحرقها ، فاتصل ذلك بهم ، فضعفت نفوسهم ، فانهزموا إلى محلتهم فوجدوا ~~النيران تضرم فيها . واتبعهم العسكر فمنعهم من إطفائها . ودام القتال بينهم ~~أربعة أيام ، نهارا وليلا ، إلى يوم السبت الثامن والعشرين من ذي القعدة ، ~~فخرجوا بأجمعهم إلى الجيزة وقد أيقنوا بالهلاك ، وخرج إليهم تورانشاه أخو ~~الملك الناصر فقتلهم ، ولم ينج منهم إلا اليسير . وكتب الملك الناصر إلى ~~ولاة البلاد بقتل من يجدونه منهم ، فقتلوا من عند آخرهم . PageV28P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" وبقي الملك الناصر يخشى من أهل القصر لما ~~فعله بمؤتمن الخلافة جوهر ، فكان جوهر هذا سبب زوال ملك الدولة العبيدية ~~وجوهر القائد سبب ملك المعز للبلاد ، فشتان بين الجوهرين . ذكر الحوادث في ~~الأيام الناصرية غير الفتوحات والغزوات لم نقدم هذه الحوادث التي نذكرها ~~الآن على الغزوات والفتوحات إلا أنها سابقة على ذلك في التاريخ ، ولأنا ~~أردنا أن نفرد غزواته وفتوحاته ليأتي الكلام عليها سياقة يتلو بعضه بعضا ، ~~ولا ينقطع بغيره ، فكان مما نذكره . ذكر وصول الملك الأفضل نجم الدين أيوب ~~والد الملك الناصر إلى الديار المصرية كان الملك الناصر قد كتب في طلب ~~والده ، رحمهما الله تعالى ، فوصل بأولاده وأهله إلى القاهرة في السابع ~~والشرين من شهر رجب سنة خمس وستين وخمسمائة ، ولما وصل تلقاه الخليفة ~~العاضد لدين الله بظاهر باب الفتوح عند شجرة الإهليلج ، ولم تجر بمثل ذلك ~~عادة ، فكان يوما مشهودا . وخلع العاضد عليه ، ولقبه الملك الأفضل ، وحمل ~~إليه من أنواع التحف والألطاف شيئا كثيرا ، وأقطعه الإسكندرية ودمياط ~~والبحيرة ، وأقطع ولده شمس الدولة ، أخا الناصر ، قوص وأسوان وعيذاب ، ~~وكانت عبرتها يوم ذاك مائتي ألف وستة وستين ألف دينار . ذكر ms6593 إبطال الأذان ~~بحي على خير العمل قال المؤرخ : ولعشر مضين من ذي الحجة سنة خمس وستين ~~وخمسمائة أمر PageV28P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" الملك الناصر أن يسقط من الأذان قولهم حي على ~~خير العمل ، محمد وعلي خير البشر ، وكانت أول وصمة دخلت على الشيعة والدولة ~~العبيدية ، ويئسوا بعدها من خير يصل إليهم من الملك الناصر . ثم أمر أن ~~يذكر في الخطبة بكلام مجمل ، ليلبس على الشيعة والعامة : اللهم أصلح العاضد ~~لدينك . ذكر ما أنشأه الملك الناصر صلاح الدين بالقاهرة ومصر من المدارس ~~والخوانق قال المؤرخ : وفي أول سنة ست وستين وخمسمائة أمر الملك الناصر ~~بهدم دار المعونة المجاورة للجامع العتيق بمصر . ودار المعونة هي المكان ~~الذي يعتقل فيه الناس . وأمر ببنائها مدرسة لطائفة الفقهاء الشافعية ، ~~وتعرف هذه المدرسة بابن زين التجار . وإنما عرفت به لأنه درس بها . ثم عمر ~~دار الغزل المجاورة لباب الجامع المعروف بباب الزكخته مدرسة للطائفة ~~المالكية ودرس فيها ابن أبي المنصور . وفيها اشترى تقي الدين عمر بن ~~شاهنشاه ، ابن أخي صلاح الدين ، الدار المعروفة بمنازل العز بمصر ، وبناها ~~مدرسة للطائفة الشافعية . وكانت هذه الدار يسكنها الأمير ناصر الدولة بن ~~حمدان في الأيام المستنصرية ، وقد تقدم ذكر ذلك . ثم أمر الملك الناصر ~~ببناء مدرسة الشافعي والبيمارستان ، وعمر الخانقاه المعروفة بسعيد السعداء ~~على ما يأتي ذكر ذلك . وفي هذه السنة أيضا أبطل الملك ا لناصر مجلس الدعوة ~~من الجامع الأزهر وغيره ، وكان من سنة الدولة العبيدية أن يقوموا لهم دعاة ~~كالخطباء والله أعلم . PageV28P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" ذكر تفويض القضاء بالديار المصرية للقاضي صدر ~~الدين بن درباس وفي سنة ست وستين وخمسمائة في ثامن عشري جمادى الآخرة فوض ~~السلطان الملك الناصر القضاء بالديار المصرية إلى القاضي صدر الدين أبي ~~القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس المارداني ، فاستمر إلى آخر الأيام ~~الناصرية . وفي سنة سبع وستين وخمسمائة ، في سابع المحرم قطعت خطبة العاضد ~~لدين الله ، ومات في يوم عاشوراء كما قدمناه . وفيها في الثالث عشر من ~~جمادى الأولى كشف حاصل الخزائن ms6594 بالقصور ، فوجد فيه ما يزيد على مائة صندوق ~~، ومن الذخائر النفيسة ما لا مزيد عليه . وفيها في صفر أمر الملك الناصر ~~بإبطال المكوس بالقاهرة والأعمال عن التجار المترددين إليها وإلى ساحل ~~المقسم صادرا وواردا ، فكان مبلغ ذلك مائة ألف دينار عينا . وفيها رسم ~~بتحويل سنة خمس وستين الخراجية إلى سنة سبع وستين الهلالية ، وكانت قد حولت ~~في سنة خمسمائة في أيام الأفضل أمير الجيوش . ذكر وفاة الملك الأفضل نجم ~~الدين أيوب كانت وفاته رحمه الله تعالى في يوم الثلاثاء السابع والعشرين من ~~ذي الحجة سنة ثمان وستين وخمسمائة . وذلك أنه ركب من داره ، فلما انتهى إلى ~~باب القصر في وسط المحجة شب به فرسه فسقط عنه ، فحمل إلى منزله ، فعاش ~~ثمانية أيام ومات فدفن إلى جانب قبر أخيه أسد الدين في الدار السلطانية ، ~~ثم نقلا إلى المدينة النبوية ، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، وقبرا في ~~تربة الوزير جمال الدين الأصفهاني وزير الموصل رحمه الله . وفي سنة تسع ~~وستين وخمسمائة أمر الملك الناصر ببيع الكتب التي بخزانة القصر ، فكانت ~~أكثر من مائة ألف كتاب من سائر المصنفات ، فبيعت بأخس الأثمان . ذكر عمارة ~~قلعة الجبل والسور وفي سنة تسع وستين وخمسمائة أيضا أمر الملك الناصر ~~بعمارة قلعة الجبل PageV28P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" والسور الدائر على القاهرة ومصر ، وجعل مبدأه ~~من شاطئ النيل إلى شاطئه . فكان دور السور على القاهرة ومصر والقلعة تسعة ~~وعشرين ألف ذراع ، وثلاثمائة ذراع وذراعين . من ذلك ما بين قلعة المقسم ~~والبرج بالكوم الأحمر بساحل مصر عشرة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع ، ومن القلعة ~~بالمقسم إلى حائط قلعة الجبل ثمانية آلاف ذراع وثلاثمائة واثنان وتسعون ~~ذراعا ، ومن حائط قلعة الجبل إلى البرج بالكوم الأحمر سبعة آلاف ومائتا ~~ذراع . ودائر قلعة الجبل ثلاثة آلاف ومائتا ذراع عشرة أذرع ، كل ذلك ~~بالذراع الهاشمي . وتولى عمارة ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي ، وحفر ~~في رأس الجبل بئرا يتوصل إلى مائها المعين من درج منحوتة من الجبل ، وتوفي ~~الملك الناصر قبل أن تكمل عمارته . وفيها ms6595 أمر ببناء المدرسة عند تربة ~~الإمام الشافعي رحمه الله ، وتولاها الفقيه الزاهد نجم الدين الخبوشاني . ~~وأمر باتخاذ دار في القصر بيمارستانا للمرضى ، ووقف على ذلك وقوفا . وهذا ~~البيمارستان يسمى في وقتنا هذا البيمارستان العتيق . وفيها أسقط مكوس مكة ، ~~شرفها الله ، المقررة على الحاج وعوض أميرها عن ذلك في كل ثمانية آلاف إردب ~~قمحا تحمل إلى ساحل جدة ، وعين لذلك ضياعا بالديار المصرية وقرب أيضا حمل ~~غلات إلى المجاورين بالحرمين الشريفين والفقراء : فقال الشيخ الحسين محمد ~~بن جبير الأندلسي في ذلك من قصيدة يمدح بها الملك الناصر . رفعت مكارم مكس ~~الحجاز . . . بإنعامك الشامل الغامر وأمنت أكناف تلك البلاد . . . فهان ~~السبيل على العابر وسمت أياديك فياضة . . . على وارد وعلى صادر فكم لك ~~بالشرق من حامد . . . وكم لك بالغرب من شاكر PageV28P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" ذكر قتل جماعة من المصريين وفي سنة تسع وستين ~~وخمسمائة أيضا ، في ثاني شهر رمضان صلب جماعة ممن أراد الوثوب بمصر من ~~أصحاب الخلفاء العبيديين . وسبب ذلك أن جماعة من شيعتهم ، منهم عمارة ~~اليمني الشاعر ، وعبد الصمد الكاتب ، والقاضي الأعز سلامة المعروف بالعوريس ~~، والقاضي ضياء الدين نصر بن عبد الله بن كامل ، وداعي الدعاة ، وغيرهم من ~~جند العبيديين ورجال السودان وحاشية القصر ومن وافقهم من الأمراء الصلاحية ~~والجند - اتفق رأيهم على استدعاء الفرنج من جزيرة صقلية ومن سواحل الشام ~~إلى الديار المصرية على شيء بذلوه لهم من المال والبلاد ، وقرروا أن الملك ~~الناصر إذا خرج إليهم بنفسه ثار هؤلاء بالقاهرة ومصر وأعادوا الدولة ~~العبيدية ، العلوية بزعمهم ، ويعود من معه من العساكر الذين وافقوهم عنه ~~فلا يبقى له مقام بالبلاد . وإن أقام هو وأرسل العساكر إليهم ثاروا به ~~فأخذوه باليد . وقال لهم عمارة : وأنا فقد أبعدت أخاه إلى اليمن خوفا أن ~~يسد مسده ، وتجتمع الكلمة عليه بعده . وأرسلوا إلى الفرنج وتقررت هذه ~~القاعدة بينهم . قال : وكان ممن أدخلوه معهم في هذا الأمر زين الدين علي بن ~~نجا الواعظ ، وهو القاضي ابن نجية ، ثم اختلفوا في وزارة الخليفة ، فقال ~~بنو رزيك ms6596 : يكون الوزير منا . والقاضي وقال بنو شاور : بل يكون الوزير منا ~~فحضر ابن نجا إلى الملك الناصر وأعلمه بصورة الحال ، فأمره بمباطنتهم ~~وموافقتهم ، ومطالعته بأحوالهم . ففعل ذلك . ثم وصل رسول من ملك الفرنج إلى ~~الملك الناصر بهدايا ، وهو في الظاهر له وفي الباطن لهؤلاء ، فوضع الملك ~~الناصر عليه من النصارى من داخله وباطنه ، فذكر له الحال على جليته ، فأعلم ~~به الملك الناصر . فلما تحققه قبض على هؤلاء وصلبهم ، فكان ممن صلب عمارة ~~اليمني ، وعبد الصمد الكاتب ، والقاضي الأعز العوريس ، وغيرهم . ~~PageV28P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" وجاء عمارة إلى باب القاضي الفاضل لما مسك ~~فاحتجب عنه ، فقال عمارة : [ من مجزوء الكامل ] . عبد الرحيم قد احتجب . . ~~. إن الخلاص من العجب ونودي في أجناد المصريين بالرحيل من ديار مصر ~~ومفارقتها إلى أقاصي الصعيد ، واحتاط الملك الناصر على من بالقصر من سلالة ~~العاضد وأهله . وأما من كان قد وافقهم من أصحابه فلم يخاطبهم في ذلك ولا ~~أوهمهم أنه علم به . وبلغ ذلك فرنج الساحل فلم يتحركوا من أماكنهم ، وأما ~~فرنج صقلية فإنهم قصدوا ثغر الإسكندرية على ما نذكره . وفي سنة سبعين ~~وخمسمائة ، في أوائلها ، خالف الكنز ، أمير العرب ، على الملك الناصر بصعيد ~~مصر ، واجتمع معه جماعة كبيرة من رعايا البلاد والعربان والسودان وغيرهم ، ~~وقتل أخا الأمير أبي الهيجاء السمين ، وكان قد توجه لإقطاعه بالصعيد . فعظم ~~قتله على أخيه ، وكان من أكابر الأمراء الناصرية ، فسار إلى قتال الكنز . ~~وندب معه الملك الناصر جماعة من الأمراء والعسكر ، فوصلوا إلى مدينة طود ، ~~وهي على مسافة يوم من مدينة قوص إلى جهة الصعيد ، فامتنع من بها عليهم ، ~~فقاتلوهم وظفوا بهم وقتلوا كثيرا منهم ، وخربوا البلد ، فهي إلى وقتنا هذا ~~تعرف بطود الخراب ، وغيطانها عامرة . ثم سار العسكر منها إلى الكنز ، ~~فقاتلوه ، فقتل هو ومن معه من الأعراب ، وأمنت البلاد واستقر أهلها . وفي ~~سنة سبع وسبعين وخمسمائة ظهر بالديار المصرية فأر كثير جدا . قال القاضي ~~الفاضل عبد الرحيم حدثني من شاهد هذا الفأر وهو يرحل من بقعة إلى أخرى ~~فيغطي الأرض ms6597 بكمالها حتى لا يظهر منها شيء البتة وأنه شاهده يمر بأماكن فلا ~~يلم بها ولا يخرج عليها والزروع بها محصورة ، ويمر بأخرى فلا يلبس أن يفسد ~~جميع ما فيها و لا يرتحل عنها وبها شيء من الزرع ولا المقات بالجملة . ~~PageV28P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" وفي سنة تسع وسبعين وخمسمائة ظهر بأبوصير ~~السدر من أعمال الجيزة بيت أشاع الناس أنه بيت هرمس ، ففتح بحضور القاضي ~~نظام الدين بن الشهرزوري وأخرج منه أشياء ، من جملتها صور كباش وضفادع ~~بأزهر ، وقوارير دهنج ، وفلوس من فضة ونحاس ، وأصنام نحاس وياقوت ، وغير ~~ذلك من الذهب والفضة والتحف القديمة ووجد فيه خلق كثير من الأموات . وفي ~~سنة ثمانين وخمسمائة في يوم الاثنين مستهل المحرم درس في المدرسة الفاضلية ~~التي أنشأها القاضي الفاضل عبد الرحيم بالقاهرة بدرب ملوخية ، ورتب فيها ~~لإقراء كتاب الله تعالى الشيخ الإمام العالم الزكي أبو محمد القاسم بن فيره ~~الرعيني الشاطبي ، وفي التدريس على مذهبي الشافعي ومالك الفقيه أبو القاسم ~~عبد الرحيم بن سلامة الإسكندري ، رحمهما الله تعالى . وحيث ذكرنا هذه ~~النبذة من الحوادث التي أتفقت في خلال دولته ، فلنذكر ما استولى عليه من ~~البلاد الإسلامية . ذكر ما استولى عليه الملك الناصر من البلاد الإسلامية ~~بنفسه وأتباعه كان من البلاد التي خطب بها للملك الناصر صلح الدين يوسف ~~طرابلس الغرب وبعض بلاد إفريقية ، منها مدينة قابس . وسبب ذلك أن شرف الدين ~~قراقوش مملوك تقي الدين عمر ، ابن أخي الملك PageV28P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" الناصر ، توجه في سنة ثمان وستين وخمسمائة في ~~طائفة من الأتراك إلى جبال نفوسة ، واجتمع به مسعود بن زمام المعروف ~~بالبلاط ، وهو من أعيان أمراء تلك الناحية ، وكان خارجا عن طاعة ابن عبد ~~المؤمن . فاتفقا وكثر جمعهما ، ونزلا على طرابلس الغرب ، فحاصراها مدة ~~وضيقا على أهلها ، ثم فتحاها ، فاستولى قراقوش عليها ، وأسكن أهله بقصرها . ~~ثم ملك كثيرا من بلاد أفريقية إلا المهدية وسفاقس وقفصة وتونس وما والاها ~~من القرى والمواضع . وكثر جمع قراقوش ، فحكم على تلك البلاد ، وجمع أموالا ~~عظيمة جمعها بمدينة ms6598 قابس ، وقويت نفسه ، وطمع أنه يستولي على جمي أفريقية ~~لبد ابن عبد المؤمن عنها واشتغاله بجهاد الإفرنج . ثم جاء نورابه مملوك تقي ~~الدين أيضا ، بطائفة من الترك فزاد بهم قوة إلى قوته . ثم اجتمع الأتراك ~~وعلي ابن إسحاق الملثم المعروف بابن غانية وملكوا بجاية في سنة ثمانين ، ~~وانقادوا إلى الملثم واستعانوا به ، لأنه من بيت المملكة والرئاسة القديمة ~~، ولقبوه بأمير المسلمين ، وقصدوا بلاد أفريقية فملكوها شرقا وغربا إلا ~~تونس والمهدية فإن الموحدين حفظوها . ولما حصل استيلاؤهم على بلاد أفريقية ~~قطعت خطبة أولاد عبد المؤمن وخطب للناصر لدين الله العباسي ، وقصدوا مدينة ~~قفصة فتسلموها في سنة اثنتين وثمانين ، وأقام بها طائفة من الملثمين ~~والأتراك . فلما اتصلت هذه الأخبار بالأمير يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ~~اختار من PageV28P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" عسكره عشرين ألف فارس من الموحدين ، وسار بهم ~~في صفر سنة ثلاث وثمانين ، فوصل إلى مدينة تونس . وأرسل ستة آلاف مع ابن ~~أخيه فساروا إلى الملثم والأتراك بقفصة ، فهزمهم الملثم ومن معه في شهر ~~ربيع الأول من السنة . فجاء يعقوب بن يوسف بمن معه في نصف شهر رجب منها ، ~~والتقوا على مدينة قابس ، فانهزم الأتراك والملثم ، وقتل : كثير منهم . ~~وفتح يعقوب قابس ، وأخذ أموال قراقوش وأهله وحملهم على مراكش . وحصر مدينة ~~فقصة ثلاثة أشهر وبها الترك ، فطلبوا الأمان لهم ولأهل البلد ، فأمنه وسير ~~الأتراك إلى الثغور لما رأى من شجاعتهم . هذا ما اتفق لهذه الطائفة ، وإن ~~كانت هذه الفتوحات لا تختص كلها بالدولة الأيوبية ، إلا أنهم كانوا سببا ، ~~وهم الذين استولوا على البلاد كما ذكرنا فأوردناها في أخبارهم . ذكر ~~استيلائه على اليمن وفي سنة تسع وستين وخمسمائة جهز الملك الناصر أخاه ~~الملك المعظم شمس الدولة تورانشاه إلى اليمن ، فسار في مستهل شهر رجب . ~~وكان عمارة اليمني الشاعر يذكر له البلاد ويحسنها له ويحثه على قصدها ، ~~ويعظم مملكتها . فسار ووصل إلى مكة شرفها الله تعالى ، ومنها إلى زبيد وبها ~~صاحبها عبد النبي المتغلب عليها . فلما قرب منها ورأى أهلها انهزموا ، فوصل ~~المصريون ms6599 إلى سور زبيد فلم يجدوا عليه من يمانع عنه ، فنصبوا السلالم ~~وصعدوا عليها إلى السور فملكوا البلد عنوة ونهبوه ، وأسر المتغلب عليها عبد ~~النبي وزوجته المدعوة بالخيرة ، وكانت امرأة صالحة كثيرة الصدقة . وسلم شمس ~~الدولة عبد النبي إلى يوسف سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ ، وهو من ~~أمرائه ، وأمره أن يستخرج منه الأموال ، فاستخرج منه شيئا كثيرا وأظهر ~~دفائن كانت له . ودلتهم الخيرة على ودائع لها كثيرة . ثم أصلح أمر زبيد ~~وخطب بها للناصر لدين الله . PageV28P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" ثم سار إلى ثغر عدن ، وهي فرضة الهند والزنج ~~والحبشة وعمان وكرمان وكش وفارس وغير ذلك ، وهي من جهة البر من أمنع البلاد ~~وأحصنها . وصاحبها يومئذ رجل اسمه ياسر فخرج إليه وقاتله ، فانهزم هو ومن ~~معه ، فسبقه بعض عسكر الدولة فدخلوا البلد قبل أهله وملكوه ، وأسر صاحبه . ~~وقصد العسكر نهب البلد ، فمنعهم شمس الدولة ، وقال : ما جئنا لنخرب البلاد ~~، وإنما جئنا لنملكها ونعمرها وننتفع بها . ثم عاد إلى زبيد وحصر ما في ~~الجبل من الحصون فملك قلعة تعز واسمها الدمولة ، وهي من أحصن القلاع ، وبها ~~تكون خزائن صاحب اليمن . وملك غيرها من الحصون والمعاقل ، واستناب بثغر عدن ~~عز الدين عثمان الزنجيلي ، وبزبيد سيف الدين مبارك بن كامل بن منقذ . وجعل ~~في كل حصن نائبا من أصحابه . وأحسن شمس الدولة إلى أهل البلاد ، وعادت زبيد ~~إلى أحسن ما كانت عليه من العمارة والأمن . ثم عاد شمس الدولة من اليمن ، ~~وقدم إلى دمشق بعد أن ملكها الملك الناصر ، فوصل إليها في سنة إحدى وسبعين ~~وخمسمائة . ذكر ملكه مدينة دمشق قال المؤرخ : لما توفي الملك العادل نور ~~الدين الشهيد محمود ابن الزنكي رحمه الله ، كما قدمناه في أخباره ، وولي ~~بعده ولده الملك الصالح إسماعيل أقر الملك الناصر الخطبة باسمه بعد أبيه ، ~~ولم يخطب لنفسه ثم اتفق ما ذكرناه من نقلة الملك الصالح من دمشق إلى حلب ، ~~ولم يستأذن الملك الناصر في ذلك ولا كتب له فيه ، فسار الملك الناصر من ~~الديار المصرية إلى ms6600 الشام في شهر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة ، ووصل إلى ~~دمشق في يوم الاثنين سلخ الشهر - وقال ابن شداد في سلخ شهر ربيع الآخر - ~~وتسلم دمشق من أمير شمس الدين بن المقدم ونزل بدار العقيقي ، وكانت ~~PageV28P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" سكن أبيه ، وأحسن إلى الأمراء وأكرمهم ، ~~وأظهر أنه إنما حضر إلى الشام نصرة للملك الصالح ، وليعيد عليه ما أخذه ابن ~~عمه سيف الدين غازي من بلاده . وأقرب خطبتها لم يقطعها ولا خطب لنفسه . ذكر ~~ملكه مدينة حمص وحماه قال المؤرخ : ولما ملك دمشق استخلف بها أخاه سيف ~~الإسلام طغزتيكين بن أيوب ، وتوجه إلى مدينة حمص في مستهل جمادى الأولى ، ~~فنازلها ، فملك المدينة ولم يشتغل بالقلعة ، وترك بالمدينة من يحفظها ويمنع ~~من في القلعة من التصرف . وسار منها فوصل إلى مدينة حماة في مستهل جمادى ~~الآخرة ، وكان بقلعتها الأمير عز الدين جرديك ، وهو من المماليك النورية ، ~~فامتنع من تسليمها . فأرسل إليه يعرفه ما هو عليه من الطاعة للملك الصالح ، ~~فاستحلفه جرديك على ذلك ، وخرج إليه ، وترك أخاه بالقلعة ليحفظها . وتوجه ~~عز الدين جرديك إلى حلب ليكون سفيرا بين الملك الناصر وبين كمشتكين فاعتقل ~~بحلب فلما بلغ أخاه ذلك سلم القلعة إلى الملك الناصر . ذكر حصره حلب وعوده ~~عنها وملكه قلعة حمص وبعلبك قال : ولما بلغ الملك الناصر خبر عز الدين ~~جرديك والقبض عليه ، توجه إلى حلب وحصرها في جمادى الآخرة من السنة ، ~~فقاتله أهلها ، وركب الملك الصالح وهو صبي وعمره اثنتا عشرة سنة وجمع أهل ~~حلب ، وذكرهم بإحسان والده إليهم ، واستنصر بهم في دفع صلاح الدين ، فبكوا ~~وحلفوا له على بذل النفوس والأموال ، وقاتلوا أشد قتال . وأرسل سعد الدين ~~كمشتكين إلى سنان ، مقدم الإسماعيلية ، مالا كثيرا على قتل الملك الناصر ، ~~فسير إليه جماعة ، فظفر صلاح الدين بهم وقتلهم . ورحل عن حلب في مستهل شهر ~~رجب من السنة . وكان سبب رحيله أن كمشتكين أرسل إلى القومص ريمند الصنجيلي ~~، صاحب PageV28P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" طرابلس ، أن يجهز إلى بلاد صلاح الدين من ~~الفرنج من يمنعه ms6601 من الوصول إليها . فلما بلغه ذلك فارق حلب وعاد إلى حماة ~~في ثامن الشهر ، بعد نزول الفرنج على حمص بيوم . فلما سمع الفرنج بقربه ~~رحلوا عن حمص ، ووصل صلاح الدين إلى حمص ، وملك القلعة بعد حصار . وكان ~~ملكه لها في الحادي والعشرين من شعبان من السنة . ثم سار منها إلى بعلبك ، ~~وكان بها يمن الخادم متوليها من أيام نور الدين ، فحصرها الملك الناصر ، ~~فطلب يمن الأمان ، فأمنه وتسلم القلعة في رابع شهر رمضان . ذكر انهزام عسكر ~~سيف الدين غازي من الملك الناصر وحصره حلب ثانيا قال المؤرخ : كان الملك ~~الصالح كتب إلى عمه سيف الدين غازي يستنجده على قتال صلاح الدين ودفعه فجهز ~~العسكر صحبة أخيه عز الدين مسعود ، وتأخر هو لما وقع بينه وبين أخيه عماد ~~الدين من الاختلاف الذي قدمناه في أخبار الدولة الأتابكية فسارت العساكر ~~السيفية ، واجتمع معها العسكر الحلبي ، وسارو ا كلهم لقتال الملك الناصر ~~فأرسل إلى سيف الدين يبذل له تسليم حمص وحماة وأن يقر بيده مدينة دمشق ~~نيابة عن الملك الصالح : فلم يجب إلى ذلك وقال : لا بد من تسليم جميع ما ~~أخذه من بلاد الشام ويعود إلى مصر . فلما امتنع سيف الدين من إجابته تجهز ~~عند ذلك للقاء عز الدين مسعود ومن معه وقتالهم ، فالتقوا في تاسع عشر شهر ~~رمضان بقرون حماة ، فلم تثبت عساكر سيف الدين وانهزموا لا يلوي بعضهم على ~~بعض . وتبعهم الملك الناصر وغنم معسكرهم ، ووصل إلى حلب وحاصرها ، وقطع ~~خطبة الملك الصالح وأزال اسمه . فلما طال الحصار على من بحلب راسلوه في ~~الصلح على أن يكون له ما بيده من بلاد الشام ولهم ما بأيديهم منها ، ~~فأجابهم إلى ذلك ، وانتظم الصلح . فرحل عن حلب في العشر الأول من شوال ووصل ~~إلى حماة . ووصلت إليه بها رسل الخليفة المستضيئ بنور الله ، ومعهم الخلع ~~والأعلام السود وتوقيع من الديوان العزيز بالسلطنة ببلاد مصر والشام . ~~وفيها ملك قلعة بعرين في العشر الأول من شوال من صاحبها فخر الدين ~~PageV28P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" مسعود ms6602 بن الزعفراني ، وكان من أكابر الأمراء ~~النورية ، فجاء إلى خدمة الملك الناصر ، وظن أنه يكرمه ويقربه ، فلم ير من ~~ذلك شيئا ، ففارقه وعاد إلى قلعته . فلما استقر الصلح بين الملكين الناصر ~~والصالح نازل الناصر بعرين ونصب عليها المجانيق وملكها . ذكر الحرب بين ~~الملك الناصر وسيف الدين غازي وانهزام غازي قد قدمنا انهزام عز الدين مسعود ~~بالعسكر السيفي من الملك الناصر في سنة سبعين وخمسمائة . فلما كان في سنة ~~إحدى وسبعين جمع سيف الدين غازي جميع عساكره وفرق فيهم الأموال ، واستنجد ~~بصاحب حصن كيفا وصاحب ماردين وغيرهما ، وسار إلى حلب واستصحب سعد الدين ~~كمشتكين مدبر دولة الملك الصالح والعسكر الحلبي . وكان صلاح الدين في قلة ~~من العسكر لأنه جهز أكثر عساكره في الديار المصرية فما بلغه ذلك أرسل ~~يستدعي عساكره ، فلم تلحقه ، وأعجلته الحركة ، فسار من دمشق إلى حلب للقاء ~~غازي ومن معه ، فالتقى العسكران بلت السلطان بالقرب من حلب ، في عاشر شوال ~~من السنة . وكان عز الدين زلفندار مقدم العسكر الموصلي قليل المعرفة ~~بالحروب ، فجعل أعلام صاحبه في وهدة من الأرض لا يراها إلا من هو بالقرب ~~منها فلم يرها الناس ظنا أن سيف الدين غازي قد انهزم ، وانهزموا لا يلوي ~~الأخ على أخيه . ولم يقتل من العسكر على كثرته غير رجل واحد . وانهزم سيف ~~الدول إلى الموصل وترك أخاه عز الدين بحلب . قال العماد الأصفهاني : إن سيف ~~الدين غازي كان في عشرين ألف فارس ، وخطأه ابن الأثير الجزري في ذلك وقال ~~إن أخاه مجد الدين أبا السعادات المبارك كان يتولى كتابة الجيش ، وأنه وقف ~~على جريدة العرض فكانت ستة آلاف . PageV28P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" وإن جمعنا بين قوليهما فنقول : إن الجريدة ~~التي وقف عليها ابن الأثير كانت للجيش المختص بسيف الدين غازي خاصة ، والذي ~~نقله العماد الأصفهاني عن جميع ما صحبه من سائر الجيوش الحلبية والحصفية ، ~~والماردينية ، والله أعلم . ذكر ما ملكه الملك الناصر من بلاد الملك الصالح ~~بعد هذه الوقعة قال المؤرخ : لما استولى الملك الناصر على أثقال العسكر ms6603 ~~الموصلي وغنمها ، واتسع هو وعسكره بها ، سار إلى بزاعة ، فحصرها وملكها بعد ~~قتال من بقلعتها ، وجعل بها من يحفظها . ثم سار إلى منبج فحصرها في آخر ~~شوال ، وبها صاحبها قطب الدين ينال بن حسان المنبجي ، وكان شديد العداوة ~~للملك الناصر والتحريض عليه ، فملك المدينة وحاصر القلعة وملكها عنوة ، ~~وأسر صاحبها ينال ، ثم أطلقه ، فسار إلى الموصل ، فأقطعه سيف الدين غازي ~~مدينة الرقة . ثم سار إلى قلعة عزاز فنازلها في ثالث ذي القعدة ونصب عليها ~~المجانيق ، ولام الحصار ثمانية وثلاثين يوما وتسلمها في حادي عشر ذي الحجة ~~من السنة . ووثب عليه في مدة الحصار باطني فضربه بسكين في رأسه ، فرد عنه ~~المغفر ، وضربه عدة ضربات وقعت في زيق كزاغنده . ذكر حصره مدينة حلب والصلح ~~عليها قال : ثم رحل الملك الناصر عن أعزاز ونازل حلب في نصف ذي الحجة ~~PageV28P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" وحصرها إلى العشرين من المحرم سنة اثنتين ~~وسبعين وخمسمائة . وترددت الرسائل بينهم في الصلح ، فاستقرت القاعدة بين ~~الملك الناصر وسيف الدين غازي والملك الصالح وصاحب ماردين وصاحب حصن كيفا ، ~~وتحالفوا أن كلهم عونا على الناكث منهم . فتم الصلح وأعاد الملك الناصر ~~إليهم قلعة أعزاز ورجع عن حلب . ذكر نهبه بلاد الإسماعيلية قال : لما عاد ~~الملك الناصر من حلب قصد بلاد الإسماعيلية في شهر المحرم سنة اثنتين وسبعين ~~لقتالهم ، لأنهم أرادوا قتله ؛ فنهب بلادهم وخربها ؛ ونازل قلعة مصياف . ~~فأرسل سنان مقدم الإسماعيلية إلى الأمير شهاب الدين الحارمي صاحب حماة ، ~~وهو خال الملك الناصر ، يطلب منه الدخول بينهما في الصلح والشفاعة ، وتهدده ~~بالقتل إن لم يفعل ففعل ذلك ، وتم الصلح . وتوجه الملك الناصر إلى دمشق ، ~~ثم رحل منها إلى الديار المصرية لأربع خلون من شهر ربيع الأول ، ووصل إلى ~~القاهرة لأربع بقين منه . ذكر عبوره الفرات وملكه الديار الجزيرية وفي سنة ~~ثمان وسبعين وخمسمائة كان الملك الناصر يحاصر بيروت ، فأتته كتب مظفر الدين ~~كوكبري بن زين الدين علي بن تكين مقطع حران يطلبه إلى البلاد ويعده ~~المساعدة . فسار وعبر الفرات ، وكاتب ملوك ms6604 الأطراف 116 ووعدهم ، وبذل لهم ~~البذول على نصرته فأجابه نور الدين محمد صاحب حصن كيفا ، فسار الملك الناصر ~~إلى مدينة الرها فحصرها في جمادى الأول ، وداوم الحصار ، فطلب صاحبها فخر ~~الدين مسعود الزعفراني الأمان ، فأمنه وتسلم البلد ، وصار صاحبها في خدمته ~~، وتسلم القلعة . فلما ملكها سلمها لمظفر الدين صاحب حران ، ثم سار عنها ~~إلى الرقة وكان بها مقطها قطب الدين ينال بن حسان المنبجي ، فملكها وسار ~~صاحبها إلى عز الدين أتابك ، وسار إلى الخابور فملكه ، بكماله . ثم سار إلى ~~نصيبين ، فملك المدينة لوقته وحصر القلعة عدة أيام فملكها وأقطعها للأمير ~~أبي الهيجاء السمين ، وهو من أكابر الأمراء وسار عنها ومعه نور الدين صاحب ~~الحصن ، فحاصر الموصل فلم يظفر منها بشيء لحصانتها وكثرة من بها . ~~PageV28P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" ذكر ملكه مدينة سنجار قال : ثم سار الملك ~~الناصر من الموصل إلى سنجار ، فسير مجاهد الدين قايماز إليها نجدة من عسكره ~~، فمنعهم الملك الناصر الوصول إليها وأوقع بهم وأخذ سلاحهم ودوابهم وسار ~~إليها ونازلها وبها شرف الدين صاحب الموصل ، فملكها بأمان بعد حصار عظيم ~~وسار شرف الدين ومن معه إلى الموصل . واستقر للملك الناصر جميع ما ملكه في ~~هذه الوقعة بملك سنجار واستناب بها سعد الدين بن معين الدين أنر ، وهو من ~~أكابر الأمراء ، وأحسنهم صورة ومعنى . وعاد إلى نصيبين ، فلقيه أهلها وشكوا ~~إليه من أبي الهيجاء السمين فأنكر عليه وعزله . وسار إلى حران فوصل إليها ~~في أوائل ذي القعدة ، فكاتب عز الدين صاحب الموصل صاحب خلاط وهو شاه أرمن ~~واستنجد به على حرب الملك الناصر . فلما بلغه اجتماعهما سار إلى بحرزم ~~بالقرب من ماردين . ذكر ملكه مدينة آمد وتسليمها إلى صاحب حصن كيفا قال : ~~ثم سار من هذه الجهة إلى آمد فوصل إليها في سابع ذي الحجة فنازلها وحاصرها ~~، ونصب عليها المناجيق ، وهي من أحصن البلاد ، يضرب المصل بحصانتها ، وكان ~~صاحبها ابن نيسان في غاية الشح يبخل ببذل المال ، فمله أصحابه وتخاذلوا عنه ~~. فأخرج نساء إلى القاضي الفاضل وسأله أن يأخذ له ms6605 الأمان ولأهله ، وأن يؤخر ~~ثلاثة أيام حتى ينقل ماله بالبلد من الأموال والذخائر . فأجابه الملك ~~الناصر إلى ذلك ، وتسلم البلد في العشر الأول من المحرم سنة تسع وسبعين ~~وخمسمائة . وانقضت الأيام الثلاثة قبل فراغه من نقل أمواله . فمنع مما بقي ~~. وسلم الملك الناصر البلد بما فيه إلى نور الدين صاحب الحصن ، وكان فيه من ~~الذخائر ما تزيد قيمته على ألف ألف دينار . ذكر ملكه تل خالد وعين تاب قال ~~: ثم سار الملك الناصر إلى تل خالد من أعمال حلب فحصرها ورماها ~~PageV28P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" بالمجانيق ، فطلب أهلها الأمان ، فأمنهم ، ~~وتسلمها في المحرم أيضا . وسار منها إلى عين تاب ، وبها ناصر الدين محمد بن ~~خمارتكين من أيام نور الدين الشهيد ، فحصرها ، فراسله في طلب الأمان على أن ~~يكون الحصن بيده ويكون في خدمته ، فأجابه إلى ذلك ، وحلف له عليه ، فنزل ~~إليه واتصل بخدمته . ذكر ملكه حلب قال : ثم سار من عين تاب إلى حلب في ~~المحرم أيضا ونزل بالميدان الأخضر عدة أيام ثم انتقل إلى جبل جوشن ؛ فنزل ~~بأعلاه وأظهر أنه يريد أن يبني مساكن لنفسه ولأصحابه وعساكره ، وأقام أياما ~~والقتال بين العسكرين في كل يوم . وكان صاحبها عماد الدين زنكي بن مودود بن ~~زنكي مجدا في القتال ، فطالبه بعض الجند بأرزاقهم 117 فاعتذر بقلة المال ~~عنده ، وكان قد شح بإخراجه ، فقال له من يريد حفظ حلب يخرج الأموال ولو باع ~~حلي نسائه ، فجنح إلى تسليمها فراسل الملك الناصر في طلب العوض عنها : ~~سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج . فسلم مثل حلب وأعمالها وتعوض عنها ~~قرى ومزارع ، وجرت الأيمان على ذلك . وتسلمها الملك الناصر في ثامن عشر صفر ~~. فسب الناس عماد الدين الزنكي واسمعوه المكروه على فعلة . واستقرت الحال ~~بينهما أن عماد الدين يحضر إلى الملك الناصر متى استدعاه بنفسه وعسكره ولا ~~يحتج بحجة . قال : ولما تسلم الملك الناصر حلب امتدحه القاضي محي الدين ابن ~~الزكي ، قاضي دمشق ، بقصيدة جاء منها : وفتحكم حلبا بالسيف في صفر . . . ~~مبشر بفتوح القدس في رجب PageV28P0256 # """""" صفحة ms6606 رقم 257 """""" فكان ذلك . ونقل الملك الناصر أخاه الملك ~~العادل من نيابة الديار المصرية إلى حلب في سنة تسع وسبعين ، وأعطاه حلب ~~وقلعتها وأعمالها ومنبج وما يتعلق بها ، وسيره في شهر رمضان . ذكر فتح ~~الملك الناصر حارم قال : ولما فتح الملك الناصر حلب كان بقلعة حارم سرخك ، ~~وهو من المماليك النورية ، فامتنع من تسليمها ، فراسله في ذلك وخيره فيما ~~يريد من القلاع ، ووعده الإحسان ؛ فاشتط في الطلب . فترددت الرسائل بينهم ، ~~فراسل سرخك الفرنج ليحتمي بهم ، فبلغ ذلك من معه من الأجناد فخافوا أن ~~يسلمها للفرنج ، فقبضوا عليه واعتقلوه ، وراسلوا الملك الناصر في طلب ~~الأمان ، فأجابهم فتسلم الحصن ورتب فيه دزدار من بعض خواصه ، وأقام الملك ~~الناصر بحلب إلى أن قرر قواعدها وأقطع أعمالها . ذكر حصار الموصل وفي سنة ~~إحدى وثمانين وخمسمائة حاصر الملك الناصر الموصل . وذلك أنه سار من دمشق في ~~ذي القعدة سنة ثمانين لقصد حصارها فلما وصل إلى مدينة بلد سير إليه عز ~~الدين صاحب الموصل والدته وابنة عمه الملك العادل نور الدين الشهيد وغيرهما ~~من النساء في جماعة من أعيان الدولة يسألونه المصالحة ، وبذلوا موافقته ~~وإنجاده بالعساكر متى طلبها ، ليعود عن قصد الموصل . وإنما أرسلهن ظنا منه ~~أنه لو سير ابنة نور الدين إلى الملك الناصر في طلب الشام أعطاه لأنها ابنة ~~مخدومه . فتلقاهن بالإكرام ، وأحسن إليهن ، واستشار أصحابه ذلك ، فكل أشار ~~عليه بموافقتهن . فقال له الفقيه عيسى الهكاري وعلي المشطوب : مثل الموصل ~~لا تترك لامرأة ، وإن عز الدين ما أرسلهن إلا وقد عجز عن الحرب . فوافق ذلك ~~هواه فردهن خائبات ، PageV28P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" واعتذر بأعذار غير مقبولة ، وقصد الموصل ~~وحاصرها ، وكان بينهم مناوشات فلم يتمكن منها ، فندم حيث لم يحبس النساء ، ~~ففي أثناء ذلك توفي شاه أرمن صاحب خلاط ، فأشار عليه أصحابه بمفارقة الموصل ~~وقصد الخلاط ففارقها . ذكر ملكه ميافارقين قال : ولما سار الملك الناصر إلى ~~خلاط جعل طريقه ميافارقين وكان صاحبها قطب الدين صاحب ماردين قد توفي وملك ~~بعده ابنه وهو طفل وكان حكمها إلى ms6607 شاه أرمن وعسكره بها ، فتوفي شاه أرمن ~~أيضا ، فطمع في أخذها ونازلها ، فرآها مشحونة بالرجال ، وفيها زوجة قطب ~~المتوفى وبناته ، والمقدم على جيشها أسد الدين برتقش ، وكان فيه شجاعة ~~وشهامة ، فحضره الملك الناصر من أول جمادى الأولى ، ونصب عليها المناجيق ~~والعرادات ، واشتد القتال فلم يظفر منها بشيء ؛ فرجع عن القوة إلى إعمال ~~الحيلة . فراسل امرأة قطب الدين المقيمة بالبلد يقول إن أسد الدين قد مال ~~إلينا في تسليم البلد ، ونحن نرعى حق أخيك نور الدين فيك بعد وفاته ، ونريد ~~أن يكون لك نصيب وأنا أزوج بناتك بأولادي ، وتكون ميافارقين وغيرها لك ~~وبحكمك ، 118 ووضع من أرسل إلى أسد الدين يعرفه أن الخاتون قد مالت إلى ~~تسليمها ، وأن من بخلاط قد كاتبوه ليسلموها إليه ، فسقط في يده ، وضعفت ~~نفسه ، وأرسل إلى الملك الناصر يقترح إقطاعا ومالا ، فأجيب إلى ذلك ، وسلم ~~البلد في سلخ جمادى الأولى ، وعقد نكاح بعض أولاده على بعض البنات . ذكر ~~عوده إلى بلد الموصل والصلح بينه وبين صاحبها قال : ولما تسلم الملك الناصر ~~ميافارقين وفرغ من أمرها وتدبير أحوالها عاد إلى الموصل لحصارها . فترددت ~~الرسائل بينه وبين عز الدين صاحبها ، ووقع الاتفاق على أن يسلم للملك ~~الناصر شهرزور وأعمالها ، وولاية القرابلي ، وجميع ما وراء نهر الزاب ، وأن ~~يخطب له على منابر بلاده ، ويضرب السكة باسمه ، وتحالفا على ذلك ، فتسلم ~~الملك الناصر البلاد ، وسكنت الدهماء . PageV28P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" ورحل إلى حران فمرض بها وطال مرضه حتى أيس ~~منه ؛ ثم عوفي . وعاد إلى دمشق في المحرم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة . ~~قال : ولما كان الملك الناصر مريضا بحران كان عنده ابن عمه ناصر الدين محمد ~~بن شيركوه ، وله من الإقطاع حمص والرحبة ، فسار إلى حمص واجتاز بحلب ، ~~وأحضر جماعة من أحداثها ، ووعدهم ، وأعطاهم مالا ؛ ثم وصل إلى حمص وراسل ~~جماعة من الدماشقة على تسليم البلد إذا مات الملك الناصر ، وأقام ينتظر ~~موته ، فتوفي ناصر الدين ليلة عيد الأضحى سنة إحدى وثمانين ، وعوفي الملك ~~الناصر . وكان الملك الناصر لما بلغه ما اعتمده ms6608 ناصر الدين بحلب ومراسلته ~~للدماشقة ، وضع عليه الناصح بن العميد سقاه سما فمات ، وطلب ابن العميد من ~~الغد فلم يوجد وسار من ليلته إلى الملك الناصر ؛ فقويت الظن بذلك . ولما ~~توفي أعطي الملك الناصر إقطاعية لولده شيركوه ، وعمره اثنتا عشرة سنة ، ~~وخلف ناصر من الأموال والخيول والآلات شيئا كثيرا ، فحضر الملك الناصر إلى ~~حمص وعرض تركته ، واخذ أكثرها ، واستعان به على الجهاد ، ولم يترك إلا ما ~~لا خير فيه . وحضر شيركوه عند الملك الناصر بعد موت أبيه بسنة فأجلسه في ~~حجره وسأله إلى أين انتهى من القرآن فقال إلى قوله تعالى : " إن الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " ~~فاضطرب الملك الناصر لذلك وظن أنه عرض بفعله ، وطلب مؤدبه ولوحه فوجده كذلك ~~. فعوضه عما أخذه من مال أبيه الضياع الخراب بالشام في ذلك الوقت ، وهو ~~الذي يعرف إلى زماننا هذه بالخراب الأسدي ، وورثته إلى هذا التاريخ يبيعون ~~خراب ضياع الشام والسواد والبلقاء وغير ذلك ، واستولوا من الخراب ما ليس في ~~كتابهم ، فباعوا مالا هو لهم فإنه قيل إن الذي اشتمل عليه كتاب المبايعة ~~أربعمائة ضيعة ، وهي التي كانت قد استولى عليها الخراب في ذلك الوقت ، ~~فأباع ورثته جميع ما خرب بعد ذلك مما لم يتضمنه كتابهم وأعانهم على ذلك ~~أنهم يبيعونه لأرباب الجاهات PageV28P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" بأحسن الأثمان . واعرف بلدا يسمى رمدان من ~~بلاد البلقاء بالقرب من الرقيم والجادية وسنجاب اشتراها الملك المنصور حسام ~~الدين لاجين المنصوري لما كان ينوب عن السلطنة في الشام ، من الورثة ~~الأسدية بسبعمائة درهم فلما مات وانتقل بعض ميراثه إلى السلطان الملك ~~الناصر بالولاء الشرعي . وكنت أباشر ديوانه بالشام ، حصلت من مغل هذه ~~البلدة في سنة إحدى وسبعمائة ما أبيع بنيف وعشرين ألف درهم . فانظروا هذه ~~التفاوت العظيم . ذكر غزوات الملك الناصر وما افتتحه من بلاد الفرنج وقد ~~رأيت أن أفرد غزوات الملك الناصر وفتوحاته ونكايته في الفرنج ، ولا أضم ذلك ~~إلى غيره من أخباره ، لأن فيه ما يدل على ms6609 قوة الإسلام ، وأن الله تعالى لم ~~يزل يؤيد هذا الدين من عباده بمن يناضل عنه ، ويحمي حوزته ، ويذب عن أهله ، ~~ويستأصل شأفة عدوهم . ونذكر ذلك على الترتيب . فكان أول ذلك وصول الفرنج ~~على ثغر دمياط ورجوعهم عنه . كان وصل الفرنج ، خذلهم الله تعالى ، إلى ثغر ~~دمياط في صفر سنة خمس وستين وخمسمائة ، 119 فحاصروا الثغر وكان سبب ذلك أن ~~أسد الدين شيركوه لما ولي الوزارة للخليفة العاضد لدين الله خافه فرنج ~~الساحل ، فكاتبوا أهل صقلية والأندلس من الفرنج يستمدونهم ويخبروهم أن أسد ~~الدين قد ملك الديار المصرية ، وأنهم لا يأمنونه على البيت المقدس ، ~~فأمدوهم بالمال والرجال والسلاح ، فنازلوا دمياط وضيقوا على أهلها ، فأرسل ~~الملك الناصر إليهم العساكر برا وبحرا ، وكتب إلى الملك العادل نور ~~PageV28P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" الدين الشهيد بذلك ، ويعرفه أنه لا يمكنه ~~الخروج من القاهرة لأنه لا يأمن أمر الشيعة وأنهم يثورون بعده ، فيبقى ~~الفرنج أمامه والمصريون خلفه ، فأمده نور الدين بعسكر وخرج نور الدين بنفسه ~~إلى بلاد الفرنج للإغارة عليها ؛ فاستباح أموالها لخلو البلاد الساحلية ~~منهم فلما بلغهم ذلك رجعوا إلى بلادهم بساحل الشام بعد مقامهم على دمياط ~~نيفا وخمسين يوما ، ولم يظفروا منها بشيء ، وأخرج العاضد للملك الناصر في ~~هذه الغزاة ألف ألف دينار مصرية ، سوى الثياب والأسلحة . ذكر غزوه بلاد ~~الفرنج وفتح إيلة وفي سنة ست وستين وخمسمائة سار الملك الناصر عن القاهرة ~~وأغار على أعمال عسقلان والرملة وهجم على ربض غزة فنهبه . وأتاه ملك الفرنج ~~في قلة من العسكر ليرده ، فهزمه الملك الناصر بعد أن اشرف على أسره وعاد ~~إلى القاهرة ، وعمل مراكب مفصلة ونقلها على الجمال إلى البحر . فجمع قطعها ~~وشدها ، وألقاها في الماء ، وحصر إيلة برا وبحرا ، وفتحها في العشر الأول ~~من شهر ربيع الآخر ، واستباح أهلها وما فيها ؛ وعاد إلى الديار المصرية . ~~ذكر محاصرة الشوبك وعوده عنها قال المؤرخ : وفي صفر سنة سبع وستين توجه ~~الملك الناصر إلى حصن شوبك ونازله ، وحصره ، وضيق على من به من الفرنج . ~~ودام القتال ، فطلب ms6610 أهله الأمان ، واستمهلوه إلى عشرة أيام فأجابهم إلى ذلك ~~، ثم بلغه أن الملك العادل نور الدين جاء من دمشق إلى الشوبك من الجانب ~~الآخر ، فخاف أن نور الدين متى ملك الشوبك قبض عليه ، فعاد إلى الديار ~~المصرية ، وكتب نور الدين يعتذر بمرض أبيه بمصر ، فقبل عذره ظاهرا ، ووقعت ~~الوحشة بينهما باطنا . ذكر وصول أسطول صقليه إلى ثغر الإسكندرية وانهزامه ~~كانت هذه الحادثة في سنة سبعين وخمسمائة ، ولم يكن للملك الناصر بها غزاة ~~إلا نفسه ولا مباشرة للحرب ، وكان سبب وصول هذا الأسطول إلى الثغر ما ~~قدمناه من PageV28P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" مكاتبة المصريين الذين صلبهم صلاح الدين ~~الفرنج ، فوصل من صقلية مائتا شيني تحمل الرجال وست وثلاثون طريدة تحمل ~~الخيل وست مراكب تحمل آلة الحرب ، وأربعون مركبا تحمل الأوازد ، وفي ~~المراكب من الرجال : خمسون ألفا ومن الفرسان ألف فارس وخمسمائة فارس ، وكان ~~المقدم عليهم ابن عم صاحب صقلية ، فوصلوا إلى الثغر في السادس والعشرين من ~~ذي الحجة سنة تسع وستين على حين غفلة ، فخرج إليهم أهل الثغر بعددهم ~~وأسلحتهم ، فمنعهم المتولي عليهم ، وأمرهم أن يقاتلوا من وراء السور ، وطلع ~~إلى البر ونصبوا الدبابات ، وقاربوا السور ؛ وقاتلهم أهل البلد قتالا شديدا ~~. وجاء إلى الإسكندرية من كان إقطاعه بالقرب منها . وكتب إلى الملك الناصر ~~بذلك ، فتجهز بنفسه ، وقدم من يعلم أهل الثغر بوصوله ، وكان أهل الثغر قد ~~انكوا في الفرنج وقتلوا وجرحوا كثيرا منهم ، وحرقوا الدبابات . ولما علم ~~الفرنج بمقدم الملك الناصر جنحوا إلى الهرب ، وأخذتهم سيوف أهل الثغر ، ~~وحرقوا بعض مراكبهم ، ونهبوا خيامهم وأخذوا سلاحهم ؛ وكثر القتل فيهم ، ~~وهرب من بقي ؛ واحتمى ثلاثمائة من الفرسان على تل ، فقاتلهم المسلمون طوال ~~الليل إلى ضحى الغد فأخذوا بين أسير وقتيل . 120 - ذكر مسيره إلى عسقلان ~~وغيرها وانهزام عسكره وعوده وفي سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة خرج الملك الناصر ~~إلى غزة وعسقلان . وكان رحيله من القاهرة بعد صلاة الجمعة لثلاث ليال خلون ~~من جمادى الأولى من السنة ، فوصل إلى عسقلان في يوم الأربعاء لليلة بقيت من ms6611 ~~الشهر ، فسبى وسلب ، وضرب أعناق الأسرى ، وتفرق عسكره للإغارة على الأعمال ~~. ثم سار إلى الرملة في يوم الجمعة مستهل جمادى الآخرة ، فاعترضه الفرنج ~~وقد جمعوا جموعا كثيرة ؛ فكان بينهما وقعة عظيمة استشهد فيها أحمد ولد ~~الملك المظفر تقي الدين عمر ، وأسر ولده الثاني شاهنشاه ، وأقام في الأسر ~~سبع سنين حتى أفكه السلطان بمال كثير ، وأسر الفقيه عيسى الكهاري . ثم كانت ~~على المسلمين . وذلك أن العساكر كانت قد تعبت للحرب ، فلما قاربهم ~~PageV28P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" العدو أراد بعض الأمراء أن ينقل الميمنة إلى ~~الميسرة إلى القلب ، فلما اشتغلوا بهذه التعبئة هجم عليم الفرنج ، فانكسروا ~~وطلبوا الديار المصرية ، وضلوا الطريق ، وعاد السلطان ومن معه إلى القاهرة ~~في يوم الخميس منتصف الشهر . ذكر وقعة مرج عيون وانهزام الفرنج واسر ملوكهم ~~كانت هذه الوقعة في يوم الأحد لثمان خلون من شهر المحرم سنة خمس وسبعين ~~وخمسمائة ؛ وكان الفرنج في عشرة آلاف مقاتل . فلما التقوا مع المسلمين ~~انهزم ملكهم مجروحا عند اللقاء وأسر منهم جماعة منهم : مقدم الداوية ، ~~ومقدم الإستبارية وصاحب طبرية ، وأخو صاحب جبيل ، وابن القومصية ، وان ~~بارزان صاحب الرملة ، وصاحب جينين ، وقسطلان يافا ، وابن صاحب مرقية وعدة ~~خيالة من القدس وعكا وغيرهم من المقدمين الأكابر زادت عدتهم على مائتين ~~وسبعين ، سوى غيرهم ، فنقلهم السلطان إلى دمشق . فأما ابن بارزان فإنه بذل ~~في نفسه مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار صورية ، وإطلاق ألف أسير من ~~المسلمين ، والتزم بفكاك الفقيه عيسى الهكاري ، وأما ابن القومصية فافتكته ~~أمه بخمس وخمسين ألف دينار صورية ، وأما مقدم الداوية فإنه هلك ، فطلبت ~~جثته بإطلاق ألف أسير من مقدمي المسلمين . PageV28P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" قال : وفي هذا اليوم ظفر الأسطول المصري ~~ببطشة كبيرة للفرنج . فاستولى عليها وعلى أخرى وعاد إلى الثغر بألف أسير . ~~والله أعلم . ذكر هدم بيت الأحزان كان الفرنج قد عمروا حصن بيت الأحزان في ~~مدة مقام الملك الناصر على بعلبك واشتغاله بأمرها ؛ فبنوه على مخاضة بيت ~~الأحزان ، وبينه وبين صفد وطبرية نصف يوم . وكان في بنائه ضرر عظيم ms6612 على ~~المسلمين ، فبذل لهم الملك الناصر في هدمه مائة ألف دينار فأبوا ذلك ، فجهز ~~إليه الجيش فوصل إلى المخاضة يوم السبت لإحدى عشر ليلة بقيت من شهر ربيع ~~الأول سنة خمس وسبعين ، والحصن مبنى دونها من الغرب ، فنصبوا عله المجانيق ~~بعد العصر من يوم الأحد ، فما جاء الليل إلا وقد استولوا على الباشورة ، ثم ~~أدار حوله النقوب ، فاستمرت إلى يوم الخميس ، لست بقين من الشهر ، فهدم ~~الجدار ، ودخل العسكر الحصن وغنموا ما فيه ؛ فكان ما غنموه من أنواع السلاح ~~الجديدة مائة ألف قطعة ؛ واسروا سبعمائة أسير ، ومن أسرى المسلمين مائة . ~~ثم هدم الحصن إلى الأساس ، وكان سمكه عشرة أذرع . قال : ولما عمر الفرنج ~~بيت الأحزان قال النشو أحمد الدمشقي هلاك الفرنج أتى عاجلا . . . وقد آن ~~تكسير صلبانها ولو لم يكن قد دنا حتفحها . . . لما عمرت بيت أحزانها ذكر ~~مسيره الملك الناصر إلى بلاد الأرمن 121 - وفي سنة ست وسبعين وخمسمائة ، ~~توجه الملك الناصر إلى بلاد الأرمن ، وذلك أن ابن لاوون ملك الأرمن كان قد ~~استمال قوما من التركمان ، فلما أتوه ، وهم آمنون أسرهم ، فدخل الملك ~~الناصر إلى بلاده واستولى على قلعة تعرف بالمانقير ، وهدمها PageV28P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" إلى الأساس ، وأخذ ما فيها من الآلات . ووجد ~~المسلمون في أرضها صهريجا مملوءا من الآلات والفضة والنحاس . فبذل ابن ~~لاوون جملة من المال ، وأنه يطلق الأسرى ، ويشتري خمسمائة أسير من بلاد ~~الفرنج ويطلقهم ، فأجابه السلطان إلى ذلك ، وأخذ رهينة عليه ، ثم عاد إلى ~~الديار المصرية ، وأقام بها إلى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة . ذكر مسيره إلى ~~الشام والإغارة على طبرية وبيسان وما كان من الظفر بمراكب الفرنج ببحر ~~عيذاب وفي سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ، توجه السلطان الملك الناصر لقصد ~~الشام عند وفاة الملك الصالح بن الملك العادل نور الدين ، فأغار على طبرية ~~وبيسان في العشر الأوسط من شهر ربيع الأول ، فانتصر بعد قتال . وفيها كان ~~الظفر بالفرنج ببحر عيذاب وذلك أن البرنس صاحب الكرك عمل أسطولا بالكرك ، ~~ونقل قطعه إلى بحر أيلة ، وجمعها وألقاها ms6613 في البحر ، وشحنها بالمقاتلة ، ~~فساروا في البحر وافترقوا فرقتين : فرقة حصلت أيلة وفرقة توجهت إلى عيذاب ، ~~وأفسدوا السواحل ، ونهبوا ، وأخذوا ما وجدوا من المراكب الإسلامية ومن فيها ~~، من التجار . وجاءوا على حين غفلة ، فرأى الناس ما لم يعهدوا ، فإن هذه ~~البحر لم ير الناس فيه فرنجيا قط ، لا تاجرا ولا مقاتلا قبل هذا الوقت . ~~وكان الملك العادل ينوب عن أخيه الملك الناصر بالديار المصرية ، فعمر ~~أسطولا وجهز فيه جماعة من المسلمين ، ومقدمهم حسام الدين لؤلؤ الخاص ، فسار ~~في طلبهم ، وابتدأ بالمركب التي على أيلة ، فظفر بها ، وقتل بعض من فيها ~~وأسر بعضهم . وتوخه لوقته بعد ظفره بهم إلى الذين توجهوا إلى عيذاب ، ~~وكانوا قد عزموا على الدخول إلى الحجاز وأخذ الحاج ، والدخول بعد ذلك إلى ~~اليمن ، فوصل لؤلؤ إلى عيذاب فوجدهم قد نهبوا ما وجدوه بها وتوجهوا ، فسار ~~في أثرهم ، فبلغ رابع والحوراء فأدركهم بها وأوقع بهم فلما تحققوا العطب ~~خرجوا إلى البر واعتصموا ببعض تلك الشعاب ، فنزل من مراكبه وقاتلهم في البر ~~أشد قتال ، وأخذ خيلا من الأعراب الذين هناك فركبها ، PageV28P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" وقاتلهم ، فظفر بهم وقتل أكثرهم واسر من بقي ~~، وأرسل بعضهم إلى منى لينحروا بها عقوبة لهم على قصدهم البيت الحرام وعاد ~~إلى مصر ببقية الأسرى ، فقتلوا . ذكر الإغارة على الغور قال : ولما ملك ~~الملك الناصر حلب وعاد إلى دمشق ثم رحل منها في ثامن جمادى الآخرة سنة تسع ~~وسبعين وخمسمائة نزل على بيسان فوجد أهلها قد ارتحلوا عنها ، فنهبها العسكر ~~الناصري وتقووا بما فيها ، وحرقوا ما لم يمكنهم أخذه وسار بهم حتى أتى ~~الجالوت ، وهي قرية عامرة وعندها عين جارية ، فعبأ أصحابه للقتال ، ورحل ~~إلى الفولة ، ووقع القتال بينه وبين الفرنج ، وكان الظفر لهم ، ثم عاد إلى ~~دمشق ، فوصل إليها في يوم الخميس الرابع والعشرين من جمادى الآخرة من السنة ~~. وتوجه إلى الكرك في هذه السنة وعاد . ثم جمع العساكر المصرية والحلبية ~~وغيرها وقصد الكرك في سنة ثمانين وخمسمائة ، وهي الدفعة الثانية ؛ فجمع ~~الفرنج فارسهم ms6614 وراجلهم للذب عنها ، ففارقها السلطان ، وجهز طائفة إلى نابلس ~~فنهبوها وعادوا إليه . ذكر غزوة الكرك والشوبك وفتح طبرية ومجدل يابا ويافا ~~قال العماد الأصفهاني في البرق الشامي : وفي سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة برز ~~الملك الناصر من دمشق في أول المحرم ، في العسكر العرمرم ومضى بأهل الجنة ~~لجهاد أهل جهنم ، فلما وصل إلى رأس الماء أمر ولده الأفضل بالمقام عندها ~~ليجتمع الأمراء الواصلون من الجهات ، وسار السلطان 122 إلى بصرة ، ومن ثم ~~منها إلى الكرك ، ورعى الزورع وقطع الأشجار ، ثم سار إلى الشوبك وفعل مثل ~~ذلك ، ووصل إليه العسكر المصري ففرقه على قلعتي الكرك والشوبك ، وأقام إلى ~~أن انقضى من السنة شهران ، والملك الأفضل مقيم رأس الماء ، وقد اجتمعت عنده ~~العساكر ، فتقدم إلى PageV28P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" سرية منهم بالغارة على أعمال طبرية ، فانتهوا ~~إلى صفورية فخرج إليهم الفرنج فقاتلوهم ، فكان الظفر للمسلمين ، وهلك مقدم ~~الأستبار ؛ وعادوا إليه فكانت مقدمة النصر المبين . وانتهت البشائر إلى ~~الملك الناصر وهو بنواحي الكرك والشوبك ، فسار بمن معه في يوم الجمعة سابع ~~شهر ربيع الأول ، وعرضهم في اثني عشر ألف فارس . وعزم على دخول الساحل ، ~~فانتهى إلى ثغر الأقحوانة فاجتمعت الفرنج زهاء خمسين ألفا ، ونزلوا على مرج ~~صفورية بأرض عكا ، فلم يتقدموا عنها ، فتقدم السلطان إلى الأمراء أن يقيموا ~~في مقابلتهم ، ونزل هو بمن معه من خواصه على طبرية وشرع في نقب سورها ، ~~فهدموه في ساعة من النهار ، وامتنعت القلعة بمن فيها . فلما اتصل بالفرنج ~~فتح طبرية تقدموا ، وذلك في يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر ، فترك السلطان ~~على طبرية من يحفظ قلعتها ، وتقدم بالعسكر ، فالتقيا على سطح جبل طبرية ~~الغربي منها ، وحال بينهما الليل ، فباتا إلى صبيحة يوم الجمعة ، فتصادما ~~بأرض قرية اللوبيا ؛ واستمرت الحرب بينهما إلى الليل فكانت من أعظم الحروب ~~. ثم باتا إلى صبيحة يوم السبت ، فالتقيا . فلما عاين القومص أن الدائرة ~~تكون على طائفته هرب في أوائل الأمر قيل اشتداده ، وسار نحو صور ، فتبعه ~~جماعة من المسلمين ، فنجا بمفرده ، ثم انهزمت طائفة ms6615 أخرى فتبعها أبطال ~~المسلمين ، فلم ينج منها واحد ، واعتصمت الطائفة الأخرى بتل حطين ، فضايقهم ~~المسلمون وأشعلوا حولهم النيران ، فقتلهم العطش ، فأسر مقدمهم ، وقتل ~~الباقون وأسروا ، وألقى الله عليهم الخذلان . قال القاضي أبو المحاسن ابن ~~شداد : لقد حكى لي من أثق به أنه لقي بحوران شخصا واحدا ومعه طنب خيمة فيه ~~نيف وثلاثون أسيرا . وأما القومص الذي هرب فإنه وصل طرابلس ، واصابه ذات ~~الجنب ، فأهلكه الله . PageV28P0267 # """""" صفحة رقم 268 """""" قال : وبات السلطان بالمنزلة ، ونزل يوم ~~الأحد على طبرية وتسلم قلعتها في بقية يومه ، وأقام بها إلى يوم الثلاثاء . ~~قال : ولما يسر الله هذا الفتح كتب السلطان إلى أخيه الملك العادل سيف ~~الدين بمصر يبشره به ، وأمره بالمسير إلى بلاد الفرنج من جهة مصر بمن بقي ~~لديه من العساكر ، ومحاصرة ما يليه منها ؛ فسارع إلى ذلك ، وسار ونازل حصن ~~مجدل يابا وفتحه ، وغنم ما فيه ، ثم سار إلى يافا وفتحها عنوة ، وقتل وسبى ~~، وأسر وغنم . . ذكر فتح عكا ونابلس وحيفا وقيسارية وصفوريه والناصرة ~~ومعليا والفولة والطور الشقيف وغير ذلك . قال ابن شداد : ثم رحل السلطان ~~طالبا عكا ، وكان نزوله عليها في يوم الأربعاء سلخ شهر ربيع الآخر سنة ثلاث ~~وثمانين ، وقاتلها بكرة الخميس مستهل جمادى الأولى ، فأخذها ، واستنفد من ~~كان فيها من الأسرى ، وكانوا زهاء أربعة آلاف ، واستولى على ما فيها من ~~الأموال والذخائر . ثم تفرقت العساكر في بلاد الساحل فأخذوا نابلس ، وحيفا ~~، وقيسارية ، وصفورية ، والناصرة ، ومعليا ، والفولة ، والطور ، والشقيف ، ~~وقلاعا على هذه كثيرة ، وكان ذلك لخلوها من الرجال فإنهم عمهم القتل والأسر ~~. ذكر فتح تبنين وصيدا وصرفند وبيروت وجبيل قال : ثم أرسل السلطان بن أخيه ~~تقي الدين إلى تبنين ، فضايقها ، وكتب إلى السلطان أن يأتيه بنفسه ، فوصل ~~إليها ونازلها يوم الحادي عشر من جمادى الأولى ، فسأل من بها من الأمان ~~واستمهلوا خمسة أيام لينزلوا بأموالهم ، وأطلقوا الأسرى ، فخرجوا إليه ، ~~واستمهلوا خمسة أيام لينزلوا بأموالهم ، وأطلقوا الأسرى ، فخرجوا إليه ، ~~فسر بهم وكساهم ، وخلص في تلك السنة 123 من الأسرى أكثر من عشرين ms6616 ألف أسير ~~، ووقع في أسره من الكفار مائة ألف . قال : ثم رحل السلطان من تبنين إلى ~~صيدا ، فاجتاز في طريقه بصرفند فأخذها بعد قتال . PageV28P0268 # """""" صفحة رقم 269 """""" ثم سار إلى صيدا ، ففارقها صاحبها وتركها ~~خالية ، فتسلمها ساعة وصوله إليها لتسع بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث ~~وثمانين . وسار من يومه نحو بيروت فقاتل أهلها على سورها وظنوا انهم قد ~~قدروا على حفظه ، فدخلها المسلمون من الجانب الآخر ، فسألوا الأمان فأمنهم ~~على أنفسهم وأموالهم ، وتسلمها في التاسع والعشرين من الشهر . وأما جبيل ~~فكان صاحبها في جملة الأسرى الذين نقلوا إلى دمشق ، فسأل إطلاقه ، وتسليمها ~~، فأحضره مقيدا ، فسلم البلد وأطلق أسرى المسلمين ، وأطلقه السلطان . ذكر ~~فتح عسقلان وما يجاورها قال : وسار السلطان إلى عسقلان والرملة وغزة ~~والدروام وغير ذلك . فنزل على عسقلان في يوم الأحد سادس جمادى الآخرة ، ~~ونصب عليها المجانيق ، فسلموها على خروجهم بأموالهم سالمين وذلك في يوم ~~السبت سلخ جمادى الآخرة . ثم تسلم حصون الداوية وهي غزة ، والداروم ، ~~والرملة ، وتبنى ، وبيت لحم ، ومشهد الخليل ، ولد ، وبيت جبريل . قال : ~~وكان الفتح بين عسقلان وأخذ الفرنج لها من المسلمين خمس وثلاثون سنة ، فإن ~~العدو استولى عليها في السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين ~~وخمسمائة . قال العماد : وفوض السلطان القضاء والحكم الخطابة وجميع المناصب ~~الدينية بمدينة عسقلان وأعمالها إلى جمال الدين عبد الله بن عمر الدمشقي ، ~~وهو المعروف بقاضي اليمن . ذكر فتح بيت المقدس قال المؤرخ : لما فرغ ~~السلطان الناصر من أمر عسقلان وما يجاورها سار PageV28P0269 # """""" صفحة رقم 270 """""" إلى البيت المقدس ، فكان وصوله إليه في يوم ~~الأحد الخامس عشر من شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ، وكان به البطرك ~~المعظم عندهم ، وهو أعظم شأنا من ملكهم ، وبه أيضا ياليان بن بارزان صاحب ~~الرملة ومن خلص من فرسان الفرنج من حطين ، واجتمع به أهل عسقلان وغيرها ، ~~كلهم يرى الموت عليه أهون من أن يملك البيت المقدس . فنزل السلطان بالجانب ~~الغربي وأقام خمسة أيام يطوف حول البلد لينظر من أين يقاتله ، ثم ms6617 انتقل إلى ~~الجانب الشمالي يوم الجمعة ، العشرين من الشهر وكانت من به من المقاتلين ~~ستين ألفا غير النساء والصبيان فنصب السلطان المجانيق في تلك الليلة ، ونصب ~~الفرنج على السور المجانيق أيضا ، وقاتلوا أشد قتال رآه الناس لأن كلا من ~~الفريقين يرى ذلك عليه من الواجبات لا يحتاج فيه على سلطان ، وكانت خيالة ~~الفرنج يخرجون كل يوم إلى ظاهر البلد فيقاتلون ويبارزون ، وتوالى الزحف ، ~~ونقب المسلمون السور مما يلي وادي جهنم . فلما رأى الفرنج ذلك أخلدوا إلى ~~طلب الأمان ، وبعثوا جماعة من أكابرهم في ذلك ؛ فامتنع الملك الناصر من ذلك ~~وقال ، لا أفعل بكم إلا كما فعلتم بأهله حين ملكتموه في سنة إحدى وسبعين ~~وأربعمائة من القتل والسبي ، فلما رجع الرسل إليهم ، أرسل باليان بن بارزان ~~يطلب الأمان لنفسه ليحضر إلى الملك الناصر ، فأمنه ، فحضر إليه وسأله ~~الآمان فلم يجبه ، واستعطفه فلم يتعطف ، واسترحمه فلم يرحمه ، فلما أيس منه ~~قال له ما معناه : أيها السلطان ، اعلم أننا في هذه المدينة في خلق كثير لا ~~يعلمهم إلا الله تعالى ، وإنما يفترون عن القتال رجاء الأمان ، وهم يكرهون ~~الموت ويرغبون بالحياة ؛ فإذا رأينا أن الموت لا بد منه والله لنقتلن ~~أبناءنا ونساءنا ، ونحرق أموالنا وأمتعتنا ، فلا نترككم تغنمون منها دينار ~~واحدا ولا درهما ، ولا تسبون ولا تأسرون رجلا أو امرأة 124 فإذا فرغنا من ~~ذلك خربنا الصخرة والمسجد الأقصى ؛ وغير ذلك من المواضع الشريفة ؛ ثم نقتل ~~من عندنا من أسرى المسلمين ، وهم خمسة آلاف ، ولا نترك لنا دابة ولا حيوانا ~~إلا قتلناه ، ثم نخرج إليكم ، كلنا ، فنقاتلكم قتال من يريد يحمي دمه ونفسه ~~، فلا يقتل الرجل منا حتى يقتل ، فإما نموت أعزاء أو نظفر كراما . ~~PageV28P0270 # """""" صفحة رقم 271 """""" فلما سمع الملك الناصر كلامه استشار عند ذلك ~~أصحابه ، فأشاروا عليه بموافقتهم . ووقع الصلح على أن يسلموا أسرى المسلمين ~~ويبذلون عن كل رجل من الفرنج عشرة دنانير ، وعن كل امرأة خمسة ، وعن كل طفل ~~وطفلة دينارين ، يستوي في ذلك الغني والفقير ، وبذل ابن بارزان في ms6618 الفقراء ~~ثلاثين ألف دينار من ماله ، وعلى أن تكون المدة أربعين يوما فمن أدى ذلك ~~قبل المدة خلص ومن تأخر استرق . وتسلم السلطان المدينة في يوم الجمعة ~~السابع والعشرين من شهر رجب وكان يوما مشهودا ، رفعت فيه الأعلام الإسلامية ~~على الأسوار ، ورتب السلطان على أبواب البلد الأمناء من الأمراء يأخذون من ~~أهله ما استقر عليهم ، فخانوا ، ولو أدوا الأمانات لامتلأت الخزائن . قال : ~~وصلى الملك الناصر الجمعة الثانية في رابع شعبان في قبة الصخرة ، وكان ~~الخطيب والإمام القاضي محي الدين ابن الزكي قاضي دمشق . ثم رتب له خطيبا ~~وإماما ونقل إليه المنبر الذي كان عمله الملك العادل نور الدين بحلب برسم ~~البيت المقدس إذا فتحه ، وكان بين عمله وفتح البيت المقدس ما يزيد عن عشرين ~~سنة . ثم تقدم أمر السلطان بعمارة المسجد الأقصى ومحو ما كان الفرنج صنعوه ~~من الصور على عادتهم ، ونقل إليه المصاحف ، وطهره من أدناس الكفر ، رحمه ~~الله تعالى ، وتقدم بعمل الربط والمدارس ، وجعل دار الأسبتار مدرسة ~~للشافعية . ذكر رحيله ومحاصرة صور قال المؤرخ : وأقام السلطان الملك الناصر ~~بالبيت المقدس إلى الخامس والعشرين من شعبان من السنة ، ثم سار لقصد محاصرة ~~صور وقد اجتمع فيها خلق كثير من الفرنج ، وقدم إليها المركيس في البحر ~~بأموال عظيمة ؛ وكانت عادته أن يحضر إلى البيت المقدس بأموال يفرقها ، فلما ~~حضر في هذا الوقت ووصل عكا فرآها قد خرجت PageV28P0271 # """""" صفحة رقم 272 """""" عن أيدي الفرنج سار إلى صور وملكها ، وأنفق ~~ما معه على من بها ، فقوي أمره وانحاز إليه جميع من خلص بالأمان من سائر ~~البلاد ، فأنفق على سور صور وخنادقها ، وعمقها ، فصارت كالجزيرة في البحر ~~لا يمكن الوصول إليها . فوصل الملك الناصر إلى عكا في مستهل شهر رمضان ، ~~فأصلح من شأنها ، ثم رحل عنها ونازل صور في تاسع شهر رمضان ونزل على نهر ~~بالقرب من البلد ، ثم نزل على تل يقارب صور في الثاني والعشرين من الشهر ، ~~وقسم القتال على العسكر لكل جمع منهم وقت معلوم . واستدعى الأسطول المصري ، ~~وكان بعكا ms6619 ، فجاءته عشر شوان ، وكان للفرنج في البحر مراكب فيها رماة ~~الجروخ والزنبوركات يرمون من دنا برا بحرا ؛ ثم أغفلوا أمرهم فملك الفرنج ~~من الشواني خمسة وأسروا مقدمها . ثم كانت حروب كثيرة ووقائع ثم رحل السلطان ~~عنها في آخر شوال ، وهو أول كانون وسار إلى عكا ، وأذن للعساكر بالعود إلى ~~أوطانهم للراحة في الشتاء والعود في الربيع ، فعادت عساكر الشرق والموصل ~~والشام ومصر ، وبقي السلطان في عكا في حلقته وخاصته ، ورد أمرها إلى الأمير ~~عز الدين جرديك . ذكر فتح هونين قال المؤرخ : كان السلطان لما فتح تبنين ~~امتنع من بهونين من تسليمها ، وهي من أحصن القلاع وأمنعها ، فرتب من ~~يحاصرها ؛ فطلب من بها الأمان لما كان السلطان يحاصر صور ، فأمنهم ، ونزلوا ~~منها وتسلمها ، واتفق أن فتح هذه المدن والحصون جميعها من جبلة إلى سرمينية ~~، مع كثرتها ، PageV28P0272 # """""" صفحة رقم 273 """""" كان في ست جمع مع أنها في أيدي أشجع الناس ، ~~125 وأشدهم عدواة للمسلمين ، فيسر الله فتحها ايسر مدة . ذكر فتح حصن برزية ~~قال : ولما رحل السلطان من قلعة الثغر سار إلى قلعة برزية ، وبحصانتها يضرب ~~المثل ، وهي تقابل حصن أفاميا ، وتناصفها في أعمالها ، وبينهما بحيرة تجتمع ~~من ماء العاصي ، ومن عيون تنفجر من جبل برزية وغيره . وكان أهلها أضر شيء ~~بالمسلمين يقطعون الطريق ويبلغون في الأذى . فنزل السلطان شرقها في رابع ~~عشري الشهر ، وركب من الغد وطاف عليها لنظر موقعا يقاتلها منه ، فلم يجد ~~إلا من جهة الغرب ، وهذه القلعة لا يمكن أن تقاتل من جهتي الجنوب والشمال ~~البتة ، فإن جبلها لا يصعد إليه من هاتين الجهتين ؛ وأما الجانب الشرقي ~~فيمكن الصعود منه لغير مقاتل لصعوبته وارتفاعه ؛ وأما جهة الغرب فإن ~~PageV28P0273 # """""" صفحة رقم 274 """""" الوادي المطيف بجبلها قد ارتفع هناك ارتفاعا ~~كثيرا حتى قابل القلعة ، بحيث يصل منه حجر المنجنيق والسهام ، فنزله ~~المسلمون ونصبوا المجانيق ، ونصب أهل القلعة منجنيقا ، فرأى السلطان ~~المجانيق لا تفيد ، فتركها وعزم على الزحف ومكاثرتها بالرجال ؛ فقسم العسكر ~~ثلاثة أقسام يزحفون بالنوبة ، فطال ذلك على أهلها وعجزوا ms6620 عن مقاتلتهم ~~فملكها المسلمون عنوة ونهبوا واسروا وسبوا ، وأخذوا صاحبها وأهله وأمست ~~خالية خاوية ، وألقى المسلمون النار في بعض البيوت فاحترقت . ذكر فتح قلعة ~~دربساك قال : ثم رحل السلطان بعد فتوح برزية من الغد فأتى جسر الحديد ، وهو ~~على العاصي بالقرب من إنطاكية ، فأقام هناك حتى وافاه من تخلق عنه من عسكره ~~ثم سار إلى قلعة دربساك ، فنزل عليها في ثامن شهر رجب سنة أربع وثمانين ~~وخمسمائة ، وهي من أحصن معاقل الداوية وقلاعهم التي يدخرونها عند نزول ~~الشدائد بهم ، فنصب عليها المجانيق ، وتابع الرمي بالحجارة ، فهدم قطعة ~~يسيرة من سورها ، ثم أمر بالزحف عليها ومهاجمتها ، فتوالى الزحف والقتال ، ~~وتقدم النقابون فنقبوا منها برجا وعلقوه فسقط ، وطلب أهله الأمان فأمنهم ~~على أن لا يخرجوا منها بغير ثيابهم خاصة ، فخرجوا كذلك ، وتوجهوا إلى ~~إنطاكية ، وتسله في تاسع عشر شهر رجب . ذكر فتح قلعة بغراس قال : ثم سار عن ~~دربساك إلى قلعة بغراس ، فحصرها بعد أن اختلف أصحابه في حصرها ، فمنهم من ~~أشار به ، ومنهم من نهى عنه وقال هو حصن حصين ، وقلعة منيعة ، وهو بالقرب ~~من إنطاكية ، فسار إليها وجعل عسكره مقابل إنطاكية يغيرون على ضياعها ، ~~وبقي هو في بعض أصحابه على القلعة ونصب عليها المجانيق فلم يؤثر فيها ، ~~فغلب على الظنون تعذر فتحها ، فبينما هم في ذلك إذ جاء رجل من القلعة يطلب ~~الأمان لرسول ، فأعطيه ، وجاء رسول يطلب الأمان لأهلها ، وسلموها على قاعدة ~~دربساك ، وعاد الرسول ومعه الأعلام السلطانية فرفعت على رأس PageV28P0274 # """""" صفحة رقم 275 """""" القلعة ، وتسلمها السلطان وأمر بتخريبها ~~فخربت . ذكر الهدنة بين المسلمين وبين صاحب إنطاكية قال : ولما فتح السلطان ~~بغراس قصد حصار إنطاكية فجاءته رسل بيمند وسأله الهدنة ثمانية أشهر بحيث ~~يطلق جميع ما عنده من أسرى المسلمين ، فاستشار السلطان أصحابه ، فأشار ~~أكثرهم بذلك ليستريح العسكر ويجددون 126 ما يحتاجون إليه ، فأجاب إلى ذلك ~~ووقعت الهدنة ثمانية أشهر أولها تشرين الأول . وتوجه السلطان إلى حلب فوصل ~~إليها في ثالث شعبان ، وفرق العساكر الشرقية : عماد الدين زنكي بن ms6621 مودود ~~صاحب سنجار ، وعسكر الموصل ، وغيرهما ، ثم رحل إلى دمشق فدخلها في أول شهر ~~رمضان من السنة . ذكر فتح الكرك والشوبك وما يجاورهما قد ذكرنا أن السلطان ~~قد جعل على الكرك من يحاصرها وهو سعد الدين كمشبه ، في أول سنة أربع ~~وثمانين ، فلازم الحصار هذه المدة الطويلة حتى نفذت ذخائر الفرنج ، وأكلوا ~~داوبهم ، فراسلوا الملك العادل أخا السلطان . وكان السلطان قد جعل بتلك ~~النواحي في جمع من العسكر ، وسألوه الأمان ، فأجابهم إلى ذلك ، وأرسل إلى ~~سعد الدين مقدم العسكر فتسلم القلعة منهم وأمنهم . وتسلم أيضا ما قارب هذا ~~الحصن من الحصون وهو الشوبك وهرمز ، والوعيرة ، والسلع فأمنت القلوب من تلك ~~الجهة . ذكر فتح قلعة صفد قال : ولما وصل السلطان إلى دمشق أشير عليه أن ~~يفرق العساكر ، فقال : إن العمر قصير والأجل غير مأمون ، وقد بقي بيد ~~الفرنج هذه الحصون : صفد والكواكب ، ولا بد من الفراغ من ذلك فإنهما في وسط ~~بلاد الإسلام ، وأقام بدمشق إلى منتصف شهر رمضان من السنة ، وسار إلى قلعة ~~صفد ، فحصرها ونصب عليها المجانيق ، وداوم الرمي ليلا ونهارا ، فسألوا ~~الأمان ، فأمنهم وتسلمها ، وخرج أهلها إلى صور . PageV28P0275 # """""" صفحة رقم 276 """""" ذكر فتح كوكب قد قدمنا أن السلطان كان قد جعل ~~على كوكب الأمير قايماز النجمي ، فلما حضر السلطان صفد أرسل من بصور من ~~الفرنج نجدة من جهاتهم إلى كوكب ، وهم مائتا رجل من الشجعان ، فظفر بهم ~~قايماز فقتلهم عن آخرهم ، وأرسل إلى السلطان المقدمين عليهم ، وهما رجلان ~~من فرسان الأسبتار ، فأمر بقتلهما فقال أحدهما ما أظن إننا ينالنا سوء بعد ~~أن رأينا وجهك الصبيح ، فعفا عنهما واعتقلهما . ولما ملك صفد سار عنها إلى ~~كوكب وشدد الحصار ووالى الزحف ، واشرف على أخذها ، فسأل الفرنج الأمان ~~فأمنهم وأطلقهم ، وتسلم الحصن في منتصف ذي القعدة سنة أربع وثمانين ~~وخمسمائة . فالتحق من كان به بصور فقويت شوكتهم وكثروا ، لأنه اجتمع عندهم ~~شجعان الفرنج وكماتهم . وتابعوا الرسل إلى ملوك الفرنج بالأندلس وصقلية ~~والجزائر يستغيثون بهم ويسألون الإمداد ، فكان من أمرهم ما نذكره ms6622 إن شاء ~~الله تعالى . قال : ثم سار السلطان إلى البيت المقدس فعيد فيه عيد الأضحى ، ~~ثم سار منه إلى عكا وأقام بها إلى أن انسلخت السنة . وفي سنة أربع وثمانين ~~وخمسمائة ثار بالقاهرة اثنا عشر رجلا من الشيعة ، ونادوا بشعار العلويين ، ~~وصاحوا : يا لعلي ، وسلكوا الدروب ينادون ، ظنا منهم أن أهل البلد يلبون ~~دعوتهم ويخرجون معهم فيعيدون الدولة العبيدية ويملكون البلد ويخرجون من ~~بالقصر من العلويين ؛ فلم يجيبهم أحد من الناس . فلما خاب سعيهم تفرقوا ~~فأخذوا . وكتب بذلك إلى السلطان فأهمه وأزعجه . فقال له القاضي الفاضل عبد ~~الرحيم : ينبغي أن يفرح السلطان بذلك ولا يحزن ، حيث علم من بواطن رعيته ~~المحبة له والنصيحة ، وترك الميل إلى عدوه ، ولو وضع السلطان جماعة يفعلون ~~مثل هذه الحالة لعلم بواطن أصحابه ورعيته وخسر الأموال PageV28P0276 # """""" صفحة رقم 277 """""" الجليلة لكان قليلا فسرى عنه . 127 ذكر فتح ~~شقيف ارنوم وفي شهر ربيع الأول سنة خمسين وثمانين وخمسمائة سار السلطان إلى ~~شقيف ارنوم ، وهو من أمنع الحصون ، ليحصره ، ونزل بمرج عيون فنزل صاحب ~~الشقيف وهو أرناط صاحب صيدا ، إلى السلطان ؛ وكان من أكثر الناس دهاء ومكرا ~~، فقال : أنا محب لك ولدولتك ، ومعترف بإحسانك ، وأخاف أن يطلع المركيس على ~~بيني وبينك فينال الأذى أولادي وأهلي منه أذى ، فإنهم عنده بصور ؛ وأحب أن ~~تمهلني حتى أتوصل إلى تخليصهم من عندهن وحينئذ أحضر أنا وهم إلى عندك ونسلم ~~الحصن إليك ، ونكون في خدمتك ، نقنع بما تعطينا من الإقطاع ، فأجابه ~~السلطان إلى ذلك وظن صدقه ، واستقر الأمر بينهما أن يسلم الشقيف في جمادى ~~الآخرة . وأقام السلطان بمرج عيون ينتظر الأجل وهو قلق مفكر انقضاء الهدنة ~~بينه وبين صاحب إنطاكية فأمر تقي الدين ابن أخيه أن يسير فيمن معه من عساكر ~~ومن يأتيه من بلاد الشرق ويكون مقابل إنطاكية لئلا يغير صاحبها على ما ~~يجاوره من بلاد الإسلام عند انقضاء الأجل . وكان السلطان أيضا منزعج الخاطر ~~لما بلغه من اجتماع الفرنج بصور وما يصل إليهم منه الإمداد ، وأنهم اجتمعوا ~~في خلق ms6623 كثير وخرجوا من مدينة صور إلى ظاهرها ، فخاف أن يترك الشقيف وراء ~~ظهره ، وكان أرناط في هذه المدة يشتري الأقوات من سوق العسكر ، والسلاح ، ~~وغير ذلك مما يحصن به شقيفه ، فيبلغ السلطان فلا ينكره بحسن ظنه ، وكان قصد ~~أرناط إلى أن يظهر الفرنج من صور ، فلما قرب الأجل تقدم السلطان إلى الشقيف ~~، واستدعى أرناط وقد بقي من الأجل ثلاثة أيام فجاءه ، فتحدث معه في تسليم ~~الحصن ، فاعتذر بأولاده وأهله وأن المركيس لم يمكنهم من المجيء إليه ، وطلب ~~المهلة مدة أخرى ، فحينئذ تحقق السلطان من مكره وخداعه ، فأخذه وحبسه وأرخ ~~بتسليم الشقف فطلب قسيسا وحمله رسالة سرا ، وأظهر أنه أمر بتسليمه ، فامتنع ~~من بالحصن من تسليمه : فسير أرناط إلى دمشق وسجنه ، PageV28P0277 # """""" صفحة رقم 278 """""" وتقدم إلى الشقيف وضيق من به ، وترك عليه من ~~يحفظه ويمنع الوصول إليه . فتسلمه في يوم الأحد خامس عشر شهر ربيع الأول ~~سنة ست وثمانين ، وأطلق صاحبه . ذكر مسير السلطان من مرج العيون إلى صور ~~وما كان عليه من الوقائع قال : وجاءت السلطان كتب من أصحابه الذين جعلهم ~~يزكا في مقابلة الفرنج على مدينة صور يخبرونه إن الفرنج قد اجتمعوا على ~~عبور الجسر الذي لصور ، وعزموا على حصار صيدا ، فسار جريدة في شجعان أصحابه ~~، فوصل بعد أن كانت الوقعة بين الفرنج ولين اليزك . وذلك أن الفرنج خرجوا ~~من مدينة صور فلقيهم اليزك على مضيق وقاتلوهم ومنعوهم ، وكانت حربا شديدة ، ~~وأسر من الفرنج جماعة ، منهم سبعة رجال من فرسانهم المشهورين ، وقتل من ~~المسلمين جماعة ، ثم عجز الفرنج عن الوصول إلى صيدا فعادوا إلى صور والله ~~أعلم . ثم كانت وقعة ثانية بعد وصول السلطان مع المتطوعة . وذلك أن السلطان ~~لما جاء إلى صور أقام مع اليزك في خيمة صغيرة ينتظر عودة الفرنج للخروج ؛ ~~فركب في بعض الأيام في عدة يسيرة لينظر إلى مخيم الفرنج من الجبل ، فظن أن ~~هناك من المتطوعة أنه قصد الغزاة ، فساروا مجدين أوغلوا في أرض العدو ~~وبعدوا 128 عن العسكر ، وخلفوا السلطان وراء ظهورهم ؛ فبعث ms6624 من يردهم فلم ~~يرجعوا ، وظن الفرنج أن وراءهم من يحميهم فأحجموا عنهم ؛ فلما علموا ~~بانفرادهم حملوا عليهم حملة رجل واحد ، فقتل منهم جماعة من المعروفين : فشق ~~على السلطان والمسلمين ، وكانت هذه الوقعة في تاسع جمادى الأولى . فلما رأى ~~السلطان ذلك انحدر من الجبل بمن معه ، وحمل على الفرنج فردهم إلى الجسر ، ~~فرموا بأنفسهم في الماء ، فغرق منهم مائة دارع سوى من قتل ، وعادوا إلى ~~مدينة صور ، فعادا السلطان إلى تبنين ثم إلى عكا . ثم كانت وقعة ثالثة في ~~يوم الاثنين ثامن جمادى الآخرة صبر فيها الفريقان . PageV28P0278 # """""" صفحة رقم 279 """""" ذكر مسير الفرنج إلى عكا ومحاصرتها قال ~~المؤرخ : لما كثر جمع الفرنج بصور ، على ما ذكرناه من أن السلطان كان لكما ~~فتح حصنا أو مدينة بالأمان سار أهلها إلى صور بأموالهم وأهلهم ، اجتمع بها ~~منهم عالم كثير لا يحصون ، وأموال كثيرة ، ثم أن الرهبان والقسوس لبسوا ~~السواد وأظهروا الحزن على خروج بيت المقدس منهم ، وتابعهم جماعة من ~~المشهورين ، فأخذهم البطرك ودخل بهم إلى بلاد الفرنج يطوفها بهم ويستنجدون ~~أهلها ويستجيرون بهم ، ويحثونهم على الأخذ بثأر البيت المقدس وصوروا صورة ~~المسيح عليه السلام وصورة رجل أعرابي والعربي يضربه بين جماعة ، وقالوا : ~~هذا المسيح يضربه محمد نبي المسلمين ، وقد جرحه وقتله . فعظم ذلك على ~~الفرنج وحشدوا ، حتى النساء فإنهم كان معهم على عكا عدة من النساء يبارزن ~~الأقران ، ومن لم يستطع أن يخرج استأجر عنه أو يعطيهم مالا ، فاجتمع لهم من ~~الرجال والأموال ما لا يحصى كثرة . واجتمعوا بصور والبحر يمدهم بالأموال ~~والأقوات والعدد والذخائر ، فضاقت عليهم مدينة صور ، باطنها وظاهرها ، ~~فأرادوا قصد صيدا ، فكان من ردهم ما ذكرناه . فاتفقوا على قصد عكا ~~ومحاصرتها ؛ فساروا إليها بفارسهم وراجلهم ، ولزموا البجر في مسيرهم ، لا ~~يفارقونه في السهل والوعر ، ومراكبهم تسايرهم وفيها السلاح والذخائر . فكان ~~رحليهم من مدينة صور في ثاني شهر رجب سنة خمس وثمانين وخمسمائة ، ونزولهم ~~على عكا في منتصف الشهر ، فتخطف المسلمون منهم في مسيرهم واخذوا من انفرد . ~~وجاء الخبر إلى السلطان ms6625 برحيلهم ، فسار حتى قاربهم . ثم نزلوا على عكا قبل ~~وصوله إليها ، ونازلوها من سائر جهاتها برا وبحرا فلم يبق للمسلمين إليها ~~طريق . ونزل السلطان عليهم وضرب خيمته على تل كيسان وامتدت ميمنته إلى تل ~~العياضية PageV28P0279 # """""" صفحة رقم 280 """""" وميسرته إلى النهر الجاري ، ونزلت الأثقال ~~بصفورية ، وسير الكتب إلى الأطراف يستدعي العساكر ، فأتاه عسكر الموصل ، ~~وديار بكر ، وسنجار ، وغيرها من بلاد الجزيرة ، وأتاه تقي الدين ابن أخيه ، ~~ومظفر الدين بن زين الدين صاحب حران والرها ، فكانت الأمداد تأتي المسلمين ~~في البر وتأتي الفرنج من البحر . وكان بين الفريقين مدة مقامهم على عكا ~~حروب كثيرة . نحن نذكر المشهور منها على سبيل الاختصار ؛ وأما الحروب التي ~~تكون بين بعض هؤلاء وبعض هؤلاء والمناوشات ، فلو شرحناها لطال بها الكتاب ~~لأن مدة الحصار كانت ثلاث سنين وشهرا . وكان ابتداء القتال في مستهل شعبان ~~من السنة ، فقاتلهم السلطان في ذلك اليوم ولم يبلغ منهم غرضا ، ثم باكرهم ~~القتال واستدار عليهم من سائر جهاتهم إلى أن انتصف النهار ، وصبر الفريقان ~~أعظم صبر ، فحمل تقي الدين من الميمنة على من يليه منهم وأزاحهم عن مواقفهم ~~، فركب بعضهم بعضا لا يلوي الأخ على أخيه ، والتجأوا إلى من يليهم من ~~أصحابهم . وانكشف نصف البلد ، وملك تقي الدين مكانهم ، ودخل المسلمون البلد ~~وخرجوا منه ، واتصلت الطريق وزال الحصار . وأدخل السلطان إلى البلد 129 من ~~أراد من الرجال ، وما أراد من الذخائر ، والأموال ، والسلاح ، فكان من جملة ~~من أمره السلطان بالدخول إليها الأمير حسام الدين أبو الهيجاء السمين ، ~~وقتل من الفرنج في هذا اليوم خلق كثير . ثم كانت بينهم وقعات في ثامن شعبان ~~، وتاسعه ، وعاشره ، وحادي عشره ، ثم كانت وقعة في تاسع عشر شعبان بين أهل ~~عكا والعدو فقتل من في الطائفتين وجرح . ثم كانت الوقعة الكبرى في الحادي ~~والعشرين من شعبان وذلك أن الفرنج اجتمعوا وتشاوروا ، وقالوا أن العسكر ~~المصري إلى الآن ما قدم وهذا فعل السلطان ، فكيف إذا قدمت عساكره فاجمعوا ~~رأيهم على مناجزة الحرب ، وكانت عساكر السلطان متفرقة : منها ms6626 طائفة في ~~مقابلة إنطاكية تمنع صاحبها من الإغارة على الأعمال الحلبية ، وطائفة أخرى ~~على حمص في مقابلة طرابلس ، وطائفة أخرى تقاتل من بقي في صور ، وطائفة ~~بالديار المصرية لحماية ثغرى الإسكندرية ودمياط ، ومن بقي من العسكر المصري ~~إلى الآن لم يصل ؛ وهذا ما أطمع الفرنج في الظهور . قال : وأصبح المسلمون ~~في هذا اليوم على عادتهم ، فمنهم من يتقدم إلى القتال PageV28P0280 # """""" صفحة رقم 281 """""" ومنهم من هو في خيمته ، ومنه من قد توجه في ~~حاجته ، فخرج الفرنج من معسكرهم كالجراد المنتشر قد ملأوا الأرض ، فكانت ~~وقعة عظيمة ابتداؤها المسلمين ، ثم أنزل الله نصره عليهم ، فهزموا الفرنج ~~أقبح هزيمة ، وقتل من رؤسائهم عشرة آلاف ، وقتل من المسلمين في هذه الموقعة ~~من الغلمان ومن لم يعرف مائة وخمسون ومن المعروفين : الأمير مجلى بن مروان ~~والظهير أخو الفقيه عيسى الهكاري ، وكان والي البيت المقدس ، جمع العلم ~~والدين والشجاعة ، والحاجب خليل الهكاري وجمال الدين بن رواحة الحموي ، ولم ~~يكن بالمصاف ، وأسر من الفرنج مقدم الداوية وكان السلطان قد أسره فيما تقدم ~~وأطلقه ، فقتله الآن . قال : وأمر السلطان بجمع القتلى وإلقائهم في النهر ~~الذي يشرب منه الإفرنج . قال العماد الأصفهاني رحمه الله : ومن العجب أن ~~الذي ثبتوا في هذه الوقعة لم يبلغوا ألفا وردوا مائة ألف ، وآتاهم الله قوة ~~بعد ضعف . قال ابن الأثير : وأخذ من جملة الأسرى ثلاث نسوة فرنجيات كن ~~يقاتلن على الخيل ، فلما أسرن وألقي عنهن السلاح عرفن . ذكر رحيل السلطان ~~عن منزلته وتمكن الفرنج من حصار عكا كان رحيله في رابع شهر رمضان من السنة ~~، وسبب ذلك أنه لما قتل من الفرنج هذه المقتلة العظيمة جافت الأرض منهم ~~وتغير الهواء ، وحدث للأمزجة فساد ، وحصل للسلطان مرض القولنج ، وكان ~~يعتريه ، فأشار عليه الأمراء والأطباء بالانتقال ، وقالوا لو أراد الفرنج ~~أن ينصرفوا لما قدروا فإنا ضيقنا عليهم ، والرأي أن ينتقل عن هذه المنزلة ، ~~فإن رحلوا فقد كفينا شرهم ، وإن أقاموا عدنا للقتال ، فوافقهم . وكان بئس ~~الرأي . ورحل السلطان إلى منزلة الخروبة ، وكتب أهل عكا ms6627 يعلمهم بسبب رحيله ~~ويحثهم على حفظ البلد وغلق أبوابها . قال : ولما رحل السلطان بعساكره عن ~~تلك المنزلة أمن الفرنج وانبسطوا ، وانبثوا ، وعادوا على حصار عكا في البر ~~والبحر ، وشرعوا في حفر خندق عليهم يكون بينهم PageV28P0281 # """""" صفحة رقم 282 """""" وبين المسلمين إن قصدوهم وعملوا سورا من تراب ~~، وجاءوا بما لم يكن بالحسبان ، هذه والسلطان قد اشتد به المرض فلم يستقل ~~منه إلى أن تكامل حفر الخندق وعمل السور من ترابه . ذكر وصول العسكر المصري ~~في البر والأسطول في البحر قال : وفي منتصف شوال سنة خمس وثمانين وصلت ~~العساكر المصرية ومقدمها الملك العادل سيف الدين ، فلما وصلت قويت قلوب ~~الناس ، وأحضر من آلات الحصار شيئا كثيرا . ثم وصل بعده الأسطول المصري في ~~خمسين قطعة ومقدمهم الأمير حسام الدين لؤلؤ ، وكان شهما شجاعا ، مقداما ~~ميمون النقيبة ، خبيرا بقتال البحر ؛ فوصل بغتة فوقع على بطشة كبيرة للفرنج ~~، فغنمها وأخذ ما فيها من الأموال الكثيرة والميرة ، وعبر بذلك إلى عكا ؛ ~~فسكنت نفوس الناس بذلك . وقال العماد : أنه ظفر ببطشتين . ذكر خبر ملك ~~الألمان وما كان من أمره إلى نهايته قال العماد الأصفهاني : ونمى الخبر ~~بوصل ملك الألمان إلى قسطنطينية في ثلاثمائة ألف مقاتل على قصد العبور إلى ~~بلاد الإسلام . فاستنفر الملك الناصر الجيوش والعساكر من كل جهة ، وجهز ~~القاضي بهاء الدين شداد وأمره بالمسير إلى الديوان العزيز ببغداد وأن يمر ~~على صاحب سنجار ، وصاحب الموصل ، وصاحب إربل ، ويستدعيهم بأنفسهم وعساكرهم ~~. قال ابن شداد : فسرت في حادي عشر شهر رمضان سنة خمس وثمانين PageV28P0282 # """""" صفحة رقم 283 """""" وخمسمائة ، وأبلغت الرسائل ، فأجابوا إلى ذلك ~~، فعدت في خامس شعر ربيع الأول سنة ست وثمانين ، وسبقت العساكر . ثم وصلت ~~العساكر عند انقضاء الشتاء في شهر ربيع الأول وأمده الخليفة بحمل النفط ~~الطيار وحملين من القنا ، وتوقيع بعشرين ألف دينار يقبض على الديوان العزيز ~~من التجار ، وخمسة من الزراقين . وكان العدو قد اصطنع ثلاثة أبرجة من الخشب ~~والحديد كالجبال وألبسها الجلود المسقاة بالخل ، فيسر الله تعالى على ~~المسلمين إحراقها ، وذلك في ms6628 الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول . قال : ~~وكان السلطان قد كتب إلى مصر بعمارة الأسطول وإحضاره إلى عكا ، فوصل في يوم ~~الخميس ثامن الشهر ، فكانت الحرب في هذا اليوم في ثلاثة مواضع في البحر ، ~~والحصار في البر ، وكان النصر بحمد الله للمسلمين . هذا ما كان من أمر ~~السلطان لما بلغه خبر ملك الألمان . وأما ملك الألمان فقال ابن الأثير في ~~تاريخه الكامل : وفي سنة ست وثمانين وخمسمائة خرج ملك الألمان من بلاده ، ~~وهم طائفة من الفرنج من أكثرهم عددا وأشدهم بأسا ، وكان قد أزعجه ملك ~~المسلمين البيت المقدس ، فجمع عساكره وسار بهم ، وطريقه في مسيره على ~~القسطنطينية ، فأرسل ملك الروم بخبره إلى السلطان ، ووعده أنه لا يمكنه من ~~العبور إلى بلاده ، فلما وصل ملك الألمان إلى القسطنطينية عجز ملكها عن ~~منعه من العبور لكثرة جموعه ، لكنه منع عنهم الميرة ، فقلت أزواده ، وساروا ~~حتى عبروا خليج القسطنطينية ، وصاروا على ارض بلاد الإسلام ، وهي مملكة ~~الملك قلج أرسلان بن مسعود السلجقي ، فلما وصلوا إلى أوائلها ثار عليهم ~~التركمان فما زالوا يسايرونهم ، فيقتلون من انفرد منهم ويسرقون ما قدروا ~~عليه ؛ فنالهم لذلك مشقة عظيمة ، وهلك كثير منهم من الجوع والبرد وكثرة ~~الثلوج . فلما قاربوا مدينة قونية خرج إليهم الملك قطب الدين ملكشاه بن قلج ~~أرسلان PageV28P0283 # """""" صفحة رقم 284 """""" ليمنعهم ، فعجز عن ذلك ، فعاد إلى قونية ~~وأرسلوا له هدية وطلبوا منه أن يأذن للرعية في بيع الأقوات عليهم فأذن بذلك ~~. وطلبوا من الملك قطب الدين أن يأمر رعيته بالكف عنهم وأن يجهز معهم جماعة ~~من أمرائه رهائن ، فخافهم ، وسلم إليهم نيفا وعشرين أميرا كان يكرههم ، ~~فساروا بهم معهم ، ولم يمتنع اللصوص وغيرهم من أذاهم ؛ فقبض ملك الألمان ~~على من معه من الأمراء وقيدهم ، فمنهم من مات في أسره ومنهم من فدى نفسه . ~~قال ابن شداد : وأعوزهم الزاد وعراهم جوع عظيم . وعجزوا عن حمل أقمشتهم ، ~~فجمعوا عددا كثيرا وسلاحا 131 وجعلوا ذلك بيدرا وأضرموا فيه النار ، لعجزهم ~~عن حمله ، ولئلا ينتفع به غيرهم . قال : وبقيت ms6629 بعد ذلك رابية من حديد . قال ~~ابن الأثير : ثم سار إلى أن أتى إلى بلاد الأرمن ، وصاحبها يومئذ لافون بن ~~اصطفانه بن ليوم الأرمني ، فأمدهم بالأقوات والعلوفات ، وحكمهم في بلاده ، ~~وأظهر الطاعة لهم ، ثم سار إلى إنطاكية ، وكان في طريقهم نهر فنزلوا عنده ، ~~وعبر ملكهم إليه ليغتسل فيه ، فغرق في مكان لا يبلغ الماء وسط الرجل فيه . ~~وكفى الله شره . وقال ابن شداد : إنه لما وصل إلى طرسوس سبح في النهر فمرض ~~من شدة برد الماء فمات ؛ ولما مات سلقوه في خل وجمعوا عظامه في كيس ~~ليحملوها إلى القدس ويدفنوها به . قال ابن الأثير : وكان معه ولد كبير فملك ~~بعده وسار إلى إنطاكية ، فاختلف أصحابه عليه ؛ وأحب بعضهم العود إلى بلاده ~~فتخلف عنه ، ومال بعضهم إلى تمليك أخ له فعاد أيضا ، وسار هو فيمن بقي معه ~~، فعرضهم ، وكانوا نيفا وأربعين ألفا وقع فيهم الموت والوباء ، فوصلوا إلى ~~إنطاكية وكأنهم نبشوا من القبور فتبرم صاحبها وحسن لهم المسير إلى عكا ، ~~فساروا على اللاذقية وجبلة وغيرهما من البلاد التي ملكها PageV28P0284 # """""" صفحة رقم 285 """""" المسلمون ؛ وخرج أهل حلب وغيرها إليهم وأسروا ~~خلقا كثيرا ، ومات أكثر ممن أسر . قال : وبلغوا إلى طرابلس وأقاموا فيها ~~أياما فكثر فيهم الموت فلم يبق منهم إلا نحو ألف رجل ، فركبوا في البحر إلى ~~الفرنج الذين على عكا . ولما وصلوا ورأوا ما نالهم في طريقهم وما هم فيه من ~~الاختلاف عادوا إلى بلادهم ، فغرقت بهم المراكب ، فلم ينج منهم أحد . وقال ~~ابن شداد : إنهم لما وصلوا إلى إنطاكية طلب ابن ملكهم من صاحبها قلعتها ~~لينقل إليها من أمواله وخزائنه وأثقاله ، فسلمها إليه طمعا في ماله ، وكان ~~كذلك ، فإنه لم يعد إليه واستولى الإبرنس على ما فيها . قال : وجاءت فرقة ~~منهم على حصن بغراس وظنوا أنه للفرنج ، ففتح لهم والي الحصن الباب وتسلم ~~منهم الأموال ، واسر جماعة منهم وقتل ، وخرج إليهم العسكر الحلبي فقتل منهم ~~وأسر ، ثم أخذ من بقي منهم على طريق طرابلس فخرج عليهم من باللاذقية وجبلة ~~، فقتلوا ms6630 منهم وأسروا . ثم ركب ملك الألمان في البحر من طرابلس بمن بقي معه ~~لقصد عكا ، في أواخر شعبان ، فثارت عليهم ريح كسرت منهم ثلاثة مراكب ، ووصل ~~الباقون إلى صور ثم إلى عكا في سادس شهر رمضان سنة ست وثمانين ؛ وكان ~~لقدومهم وقع عظيم . سيأتي ذكر ما تجدد بعد وصولهم إلى عكا إن شاء الله ~~تعالى . فلنذكر ما كان قبل وصولهم من الوقائع . ذكر الوقعة العادلية على ~~عكا كانت هذه الوقعة في يوم الأربعاء العشرين من جمادى الأولى سنة ست ~~وثمانين . قال ابن شداد : لما بلغ السلطان وصول ملك الألمان إلى بلاد ~~الأرمن جهز بعض العساكر إلى البلاد المتاخمة لطريق عسكر العدو . وتقدم أمره ~~بهدم سور طبرية وهدم يافا ، وأرسوف وقيسارية ، وهدم سور صيدا وجبيل ونقل ~~أهلها غلى بيروت . فلما علم الفرنج إن العساكر قد تفرقت نهضوا للقتال بغتة ~~وهجموا على الميمنة وفيها مخيم PageV28P0285 # """""" صفحة رقم 286 """""" الملك العادل ، فلما بصر بهم ركب فيمن معه ، ~~وتلاحقت به العساكر ، واقتتلوا ، فكانت من أعظم الوقائع ، قتل فيها خلق ~~كثير من الفرنج . قال : ولقد خضت في الدماء بدابتي واجتهدت أن أعدهم فما ~~قدرت على ذلك لكثرتهم وتفرقهم ، وشاهدت منهم امرأتين مقتولتين ، وكانت هذه ~~الواقعة فيما بين الظهر والعصر في الميمنة وبعض القلب ، ولم نفقد من ~~المسلمين فيها غير عشرة غبر معروفين . قال : ولما أخبر من بعكا من المسلمين ~~بهذه الوقعة خرجوا إلى مخيم العدو من البلد ، وجرى بينهم مقتلة عظيمة انتصر ~~فيها المسلمون ، ونهبوا ما كان بخيام الفرنج من الأقمشة وغيرها ، حتى ~~الطعام الذي في القدور ، وسبوا النساء . قال : واختلف الناس في عدد من قتل ~~من الفرنج في هذه الوقعة ، فقيل ثمانية آلاف ، وقيل سبعة آلاف ، ولم ينقصهم ~~حازر عن خمسة آلاف . ذكر وصول الكندهري إلى عكا نجدة للفرنج وما جدده من ~~آلة الحصار قال : ثم وصل الكندهري في البحر نجدة للفرنج في عدد كبير أضعاف ~~ما نقص منهم ، ففرق الأموال واستخدم ونصب المجانيق على عكا فحرقها المسلمون ~~؛ ثم نصب منجنيقين فأحرقا في أول ms6631 شعبان ، وكان قد أنفق عليهما ألف دينار ~~وخمسمائة دينار وأسر من الفرنج سبعون في هذا اليوم ومن جملتهم فارس كبير ~~عندهم فقتله المسلمون . ثم جهز الفرنج بطشا لمحاصرة برج الذبان وهو برج وسط ~~البحر على باب ميناء عكا ، فعمدوا إلى بطشه من البطش وعملوا برجا على ~~صاريها وملأوه حطبا ونفطا على أنهم يلحقون البطشة ببرج الذبان ، ثم يحرقون ~~البرج الذي على الصاري ، وجعلوا في البطشة وقودا كثيرة حتى يلقوه في البرج ~~إذا اشتعلت فيه النيران ، وعبؤوا PageV28P0286 # """""" صفحة رقم 287 """""" بطشة ثانية وملأوها حطبا على أنها تدخل بين ~~المراكب الإسلامية ثم يلهبونها فتحترق هي والبطش الإسلامية ، وجعلوا بطشة ~~ثالثة جماعة من المقاتلة . وقدموا البطشة نحو البرج ، وكان الهواء مساعد ~~لهم ، فلما أحرقوا البطشة والبرج الذي قصدوا بهما إحراق بطش المسلمين وبرج ~~الذبان انعكس الهواء عليهم بإذن الله تعالى ، فاحترقت البطشتان ، وانقلبت ~~الثالثة بمن فيها من المقاتلة . والله أعلم . ذكر ما كان من أمر الفرنج بعد ~~وصول ابن ملك الألمان إلى عكا وما اتخذوه من آلات الحصار قال : ولما وصل ~~ابن ملك الألمان القائم في الملك بعد أبيه إلى عكا كان وصوله إليها في سادس ~~شهر رمضان سنة ست وثمانين وخمسمائة فكان أول ما بدأ به أنه خرج إلى إنطاكية ~~يزكيه السلطان وقاتلهم فقتل من أصحابه وجرح خلق كثير ، وانكسروا ورجعوا إلى ~~المخيم غروب الشمس من ذلك اليوم ؛ وقتل من المسلمين اثنان وجرح جماعة . ~~فلما عاين ذلك رجع إلى قتال من في البلد ، واتخذ من آلات الحصار ما لم ير ~~قبل ذلك مثله ، فكان مما أحدثه آلة عظيمة تسمى دبابة يدخل من تحتها ~~المقاتلة وهي من الخشب الملبس بصفائح الحديد ، ولها من تحتها عجل يحرك من ~~داخلها حتى تنطح السور بشدة عظيمة فتهدمه بتكرار نطحها ، وآلة أخرى وهي قبو ~~فيه رجال تسحبه وفيه كبش ، ورأس تلك الآلة ممدة تشبه سكة المحراث ، ورأس ~~الكبش مدور ، هذه يهدم بثقله ، وتلك تهدم بحدتها وثقلها ، وهي تسمى سفودا ، ~~وأعد الستائر والسلالم وغير ذلك ، وأعد في البحر ms6632 بطشة عظيمة وصنع فيها برجا ~~بخرطوم إذا أرادوا قلبه على السور بحركة انقلب بحركات ويبقى طريقا إلى ~~المكان الذي ينقلب عليه تمشي عليه المقاتلة ، ونصب المجانيق وحكمها على ~~السور ، وتوالت حجارتها حتى أثرت فيها أثرا بينا فأخذ المسلمون سهمين ~~عظيمين من سهام الجروح وأحرقوا نصالها حتى بقيا كالشعلة من النار ثم رميا ~~في منجيق الفرنج فاحترق ، واتصل لهبه بالآخرة فأحرقه . ثم زحف العدو على ~~البلد في شهر رمضان في خلق كثير ، فأمهلهم أهل البلد حتى سحبوا آلتهم ~~المذكورة وقاربوا أن يلصقوها بالسور ويحصل منهم في الخندق جماعة كثيرة ، ~~فأطلقوا عليه الجروخ والمجانيق والسهام والنيران ، وفتحوا الأبواب ~~PageV28P0287 # """""" صفحة رقم 288 """""" وهجموا على العدو من كل مكان ، وكبسوهم في ~~الخندق ، فانهزموا ؛ ووقع السيف فيمن بقي في الخندق منهم . ثم القوا النار ~~في كبشهم ، فاحترق ، وسرت ناره إلى السفود فاحترق أيضا ، وعلق المسلمون في ~~الكبش الكلاليب الحديد فسحبوه وهو يشتعل ، فحصل عندهم ، فأطفأوه بالماء وزن ~~ما كان عليه من الحديد فكان مائة قنطار بالشامي 133 فكان هذه اليوم من أحسن ~~أيام الإسلام . قال : واستأنف الفرنج عمل دبابة أخرى وفي رأسها شكل عظيم ~~يقال له الكبش وله قرنان في طول الرمح كالعمد الغلاظ ، وسقوفها هي والكبش ~~بأعمدة الحديد ، ولبسوا رأس الكبش بعد الحديد بالنحاس . فلم يبق للنار ~~عليها سبيل ؛ وشحنوها بالرجال ، فنصب المسلمون عليها المجانيق ورموها ~~بالحجارة ، فأبعدت الرجال من حولها ، ثم رموها بحزم الحطب فأحرقوا ما بين ~~القرنين ، وخسفها المنحنيق ، وخرج أهل عكا فقطعوا رأس الكبشين . قال : وفي ~~العشر الأوسط من شهر رمضان ألقت الريح بطشتين فيها رجال ونساء وصبيان ، ~~وميرة عظيمة وأغنام ، فغنمها المسلمون . وكان في إحداها امرأة محتشمة كثيرة ~~الأموال ؛ واجتهد الفرنج في استنقاذها فلم يجابوا إلى لذلك . وكان بينهم في ~~بقية السنة عدة وقائع يطول شرحها . وفي سابع ذي الحجة هدمت قطعة عظيمة من ~~سور عكا فسدها المسلمون وقاتلوا عليها قتالا شديدا حتى أحكموا بناءها . وفي ~~ثاني ذي الحجة هلك ابن ملك الألمان وكند كبير ، ومرض الكندهري ، ووقع فيهم ~~فناء ms6633 عظيم ، والله أعلم . ؟ ذكر وصول ملك افرنسيس كان وصوله في ثاني عشر ~~شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين وخمسمائة في ست بطش عظام مشحونة بالمقاتلة ~~، وكان ملكا مطاعا فيهم ، ووعدهم بالإمداد خلفه . وكان معه باز عظيم الخلق ~~أبيض اللون ، فطار من يده وسقط على سور عكا ، فأخذه المسلمون وأنفذوه إلى ~~السلطان ، فبذل الفرنج فيه ألف دينار فلم يجاوبوا لذلك . قال : وزحف الفرنج ~~على عكا في يوم الخميس الرابع من جمادى الأولى سنة PageV28P0288 # """""" صفحة رقم 289 """""" سبع وثمانين ، ونصبوا عليها سبعة مجانيق . ~~وبلغ من مضايقتهم لها أنهم كانوا يلقون في خندقها ما يموت من دوابهم وما ~~يؤيس منه ممن أثخنته الجراح . وانقسم أهل البلد أقساما : قسم ينزلون إلى ~~الخندق ويقطعون الدواب ليسهل نقلها ، وقسم ينقلون ذلك إلى البحر ، وقسم ~~يذبون عنهم ، وقسم في المنجنيقات وحراسة الأسوار . قال : وكانوا قد صنعوا ~~دبابة عظيمة أربع طبقات ، الأولى من الخشب ، والثانية من الرصاص ، والثالثة ~~من الحديد ، والرابعة النحاس ، فكانت تعلوا على السور وتركب فيها المقاتلة ~~، وقربوها من السور فكاد أهل البلد يطلبون الأمان ، فأعان الله على حرقها ~~وكان في جمادى الأولى عدة وقعات . قال : ولما حرقت دبابات الفرنج وكباشهم ~~وأبرجتهم الخشب وستائرهم أقاموا أمام خيامهم مما يلي عكا تلا مستطيلا عاليا ~~من التراب ، فكانوا يقفون وراءه ويحولونه ليقربوه من السور ، إلى أن صار ~~بينه وبين السور مقدار نصف غلوة سهم . فلم تعمل فيه النار . ذكر وصول ملك ~~الإنكلتير كان وصوله إلى عكا في ثالث عشر جمادى الأولى من السنة بعد أن ملك ~~في ميسره قبرص عنوة ، ووصل في أربعين قطعة . ولما قدم توالى الزحف والقتال ~~. ثم مرض مرضا شديدا وجرح الإفرنسيس ، وهم مع ذلك لا يدعون القتال . هذا ~~واللصوص يدخلون على الرجل من الفرنج وهو نائم فيوقظونه ، ويشيرون إليه ~~بالسلاح : إن تكلمت ذبحناك ، ويحملونه ويخرجون به إلى عسكر المسلمين . ~~فعلوا ذلك مرارا كثيرة . قال : ثم ترددت الرسائل من الفرنج إلى السلطان ~~مدافعة بسبب مرض الإنكلتير ، ثم استأذن في إهداء جوارح ، وقال إنها قد ضعفت ms6634 ~~وتغيرت من البحر ، وطلب أن يسر لها دجاجة وطير تأكله لتقوى به ثم يهدى ~~للسلطان . ففهم السلطان أنه يحتاج ذلك لنفسه لأنه حديث عهد بمرض ، فسير ~~إليه ذلك . ثم أرسل في طلب فاكهة وثلج ، فأرسل إليه وهم مع ذلك يحاصرون ~~البلد أشد حصار . PageV28P0289 # """""" صفحة رقم 290 """""" ذكر استيلاء الفرنج على عكا قال : ثم اشتد ~~الحصار في سابع جمادى الآخرة ، فركب السلطان بالعسكر وجرى قتال عظيم إلى ~~الليل عاد إلى خيامه . ثم باكر القتال ، فوصلت مطالعة من بالبلد يذكرون أن ~~العجز قد بلغ بهم الغاية ، وأنهم في الغد متى لم يعمل ما يمنع العدو طلبوا ~~الأمان وسلموا البلد . فرأى السلطان مهاجمة العدو ، فلم يساعده العسكر . ~~فضعفت نفوس أهل البلد ، وتمكن العدو من الخنادق فملكوها ، ونقبوا السور ~~وأحرقوه ، فوقعت بدنة من الباشورة ودخل العدو إليها ، فقتل منها زهاء مائة ~~وخمسين نفسا ، وكان منهم ستة من أكابر ، فقال أحدهم : لا تقتلوني حتى أرحل ~~الفرنج عنكم . فقتل رجل من الأكراد وقتل الخمسة ، فناداهم الفرنج من الغد ~~احفظوا الستة فإنا نطلقكم كلكم بهم . فقالوا : لقد قتلناهم . فقوي عزم ~~الفرنج على عدم المصالحة وأنهم لا يطلقون من في البلد إلا بإطلاق جميع ~~الأسرى الذين في أيدي المسلمين ، وتعاد إليهم البلاد الساحلية . فصالحهم من ~~بالبلد على أنهم يسلمون إليهم البلد وجميع ما فيه من الآلات والعدد ~~والمراكب ، ومائتي ألف دينار ، وألف وخمسمائة أسير مجاهيل الأحوال ، ومائة ~~أسير معينين ، وصليب الصلبوت ، على أنهم يخرجون بأنفسهم ونسائهم وذراريهم ، ~~وما معهم من أموالهم وأقمشتهم . فكتبوا في ذلك إلى السلطان ، فأنكر هذا ~~الأمر واستعظمه ، وعزم على أن يكتب بالإنكار على من بعكا . وجمع أمراءه ~~وأصحاب المشورة ، فما شعر المسلمون إلا وقد ارتفعت أعلام الكفر وصلبانه على ~~أسوار البلد ، وذلك ظهر نهار الجمعة السابع عشر من جمادى الآخرة ، سنة سبع ~~وثمانين وخمسمائة . فعظمت المصيبة على المسلمين وتحيز المسلمون إلى بعض ~~أطراف البلد . ثم ترددت الرسائل بينهما على تقرير القاعدة في خلاص من بعكا ~~من المسلمين ، فاستقرت الحال على مائة ألف دينار وستمائة ms6635 أسير وصليب ~~الصلبوت . وأنفذوا ثقاتهم وعاينوا الصليب في ثامن عشر شهر رجب ، ثم طلبوا ~~أن يسلم ذلك إليهم فإذا صار عندهم أطلقوا الأسرى ، فامتنع السلطان من ذلك ~~إلا بعد تسليم الأسرى . فلما رأوه قد امتنع منه أخرجوا خيامهم إلى ظاهر ~~الخنادق في الحادي والعشرين من الشهر ، ثم ركبوا في وقت العصر في اليوم ~~السابع والعشرين من شهر رجب سنة PageV28P0290 # """""" صفحة رقم 291 """""" سبع وثمانين ، وجمعوا الأسرى ، وحملوا عليهم ~~حملة الرجل الواحد ، فقتلوهم صبرا ، طعنا بالرمح وضربا بالسيف ، رحمة الله ~~عليهم ، ولم يبقوا من المسلمين إلا أكابرهم . فلما اتصل الخبر بالسلطان حمل ~~المسلمون عليهم ، وجرت بينهم حرب عظيمة دام القتال فيها طول النهار . وتصرف ~~السلطان فيما كان قد حصله من المال ، وأعاد الأسرى إلى أماكنهم ، ورد صليب ~~الصلبوت إلى مكانه . ؟ ذكر ما كان بعد أخذهم عكا قال : ثم سار الفرنج إلى ~~صوب عسقلان في مستهل شعبان ، وسار السلطان في عراضهم ، والمسلمون يتخطفونهم ~~ويقتلون منهم ويأسرون ، وكل أسير جيء به إلى السلطان أمر بقتله . ثم كانت ~~وقعة عظيمة في تاسع شعبان عند رحيلهم من قيسارية ، انتصر فيها المسلمون . ~~ثم رحل السلطان فنزل شعراء أرسوف . وطلب ملك الإنكلتير الاجتماع بالملك ~~العادل خلوة ، فاجتمعا ، فأشار بالصلح . وكان حاصل كلامه أنه قد طال بيننا ~~القتال ونحن في نصرة فرنج الساحل ، ورأيي الصلح ، ويرجع كل منا إلى مكانه . ~~فقال له الملك العادل : على ماذا يكون الصلح ؟ قال : على أن تسلموا لأهل ~~الساحل ما أخذ منهم من البلاد . فأبى الملك العادل . ثم كانت وقعة أرسوف في ~~يوم السبت رابع عشر شعبان ، وكانت الدائرة على الفرنج . ذكر هدم عسقلان قال ~~: ثم رحل السلطان بعد وقعة أرسوف في تاسع عشر شعبان ، ونزل بالرملة ، ~~واستشار أصحابه في أمر عسقلان ، فأشاروا عليه بتخريبها خشية أن يستولي ~~العدو عليها وهي عامرة ، فتكون سببا لأخذ البيت المقدس وقطع طريق مصر . ~~فعلم السلطان عجز المسلمين عن حفظها لقرب عهدهم بقتال عكا : فسار حتى ~~عسقلان ، وأمر بتخريبها ، وكان هو وولده الملك الأفضل يستعملان الناس في ms6636 ~~الخراب خشية حضور العدو فيتعذر هدمها ، ثم حرقها بالنار ، والأخبار تتواتر ~~من جهة العدو بعمارة يافا . واستمر الخراب والحريق إلى سلخ شعبان . ~~PageV28P0291 # """""" صفحة رقم 292 """""" ثم رحل السلطان عنها يوم الثلاثاء ، ثاني شهر ~~رمضان فنزل على الرملة يوم الأربعاء ، وأمر بتخريب حصنها وتخريب كنيسة لد . ~~وركب جريدة إلى القدس الشريف ، فوصل إليه في يوم الخميس وفي يوم الجمعة ~~ثاني عشر شهر رمضان من السنة كانت بينهم وقعة انتصر فيها المسلمون . قال : ~~ثم سار السلطان إلى الرملة في سابع شوال وأقام بها عشرين يوما ، فجرت وقعات ~~، منها وقعة في ثامن شوال ، وفي سادس عشره ، والدائرة فيها على العدو . وفي ~~ثامن عشر شوال اجتمع الملك العادل والإنكلتير على طعام ، وانفصلا على توادد ~~، وسأله الاجتماع بالسلطان فامتنع السلطان من ذلك . ثم رحل الفرنج في ثالث ~~ذي القعدة إلى الرملة ، وأظهروا قصد بيت المقدس والحرب مستمرة بين المسلمين ~~وبينهم . ورحل السلطان إلى القدس في الثالث والعشرين من ذي القعدة بنية ~~المقام به ، وشرع في تحصينه . ذكر وقوع الصلح والهدنة العامة بين المسلمين ~~والفرنج قال : ولم تزل الحرب قائمة والمراسلات متصلة بينهم على طلب الصلح ، ~~والسلطان لا يرضى بما يختارونه ، وهم لا يوافقون على ما يريده السلطان ، ~~إلى الحادي والعشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ، فوقعت هدنة عامة ~~في البر والبحر ، وجعل لهم من يافا إلى قيسارية إلى عكا إلى صور ، وأدخلوا ~~في الصلح طرابلس وإنطاكية . وأخرج من عمل يافا الرملة ومجدل يابا ومن عمل ~~عكا الناصرة وصفورية واشترط خراب عسقلان . ووقعت المصالحة مدة ثلاث سنين ~~وثلاثة أشهر ، أولها مبتدأ أيلول الموافق لهذا التاريخ ، وذلك بعد سؤال ملك ~~الإنكلتير وتكرار رسائله . قال : ثم أمر السلطان أن ينادى في الطرقات ~~والأسواق : ألا إن الصلح قد انتظم ، PageV28P0292 # """""" صفحة رقم 293 """""" فمن شاء من بلادنا يدخل بلادهم ومن شاء من ~~بلادهم يدخل بلادنا فليفعل . ووقع له عزم الحج في ذلك المجلس . ثم أمر ~~بإرسال مائة نقاب لتخريب سور عسقلان وإخراج الفرنج منها ، فخربت . وكان يوم ~~الصلح يوما ms6637 مشهودا واختلط العسكران . ثم اشتد المرض بالإنكلتير فرحل ليلة ~~الأربعاء التاسع والعشرين من شعبان وسار معه الكندهري إلى جهة عكا ، ولم ~~يبق بيافا إلا مريض أو عاجز . ثم أذن السلطان للناس في الرجوع إلى أوطانهم ~~، فسار عسكر إربل والموصل وسنجار ، وقوي عزمه على الحج . ثم عاد السلطان ~~إلى القدس ورتب أحواله وعين الكنيسة التي في شارع قمامة للبيمارستان ونقل ~~إليه العقاقير والأدوية ، وأدار سور القدس . وأقام بالقدس إلى يوم الأربعاء ~~رابع شوال ، وخرج في يوم الخميس خامس الشهر قاصدا دمشق . فلما انتهى إلى ~~طبرية وصل إليه بهاء الدين قراقوش الأسدي وقد خلص من الأسر ، فاستصحبه معه ~~وكشف القلاع والحصون ، ودخل إلى دمشق في يوم الاثنين السادس عشر من شوال ~~سنة ثمان وثمانين وخمسمائة : وجلس الناس يوم الخميس ، وأنشده الشعراء ، ~~وكان مجلسا عاما ، وعم الناس فيه بعدله . ولم يزل كذلك إلى أن مات ، رحمه ~~الله تعالى . ذكر وفاة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب كانت وفاته ~~رحمه الله تعالى بعد صلاة الصبح يوم الأربعاء لثلاث بقين من صفر سنة تسع ~~وثمانين وخمسمائة . وكان مولده بقلعة تكريت في شهور سنة اثنتين وثلاثين ~~وخمسمائة ، فكان عمره سبعا وخمسين سنة تقريبا . ومدة ملكه منذ ولي وزارة ~~العاضد لدين الله ولقب بالملك الناصر لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة أربع ~~وستين وخمسمائة وإلى هذا التاريخ أربعا وعشرين سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام ~~، ومنذ خلع العاضد في سابع المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة اثنتين وعشرين ~~سنة وشهرا واحدا وعشرين يوما . PageV28P0293 # """""" صفحة رقم 294 """""" وكان ابتداء مرضه يوم السبت سادس عشر صفر ، ~~ونال المسلمون لوفاته من الألم ما لا يعبر عنه . ولما مات دفن بقلعة دمشق ~~في منزله ، وما زال ابنه الأفضل يتروى في موضع ينقله غليه ، فشرع في بناء ~~تربته عند مسجد القدم وبنى عندها مدرسة للشافعية . وأمر ببناء التربة في ~~سنة تسعين وخمسمائة ، فاتفق وصول ابنه العزيز تلك السنة من الديار المصرية ~~للحصار ، فخرب ما كان قد ارتفع من البناء . ثم أمر بعمارة القبة ms6638 في حد جامع ~~دمشق ، فعمرت ونقل إليها يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة ، ومشى ~~الأفضل أمام تابوته وأخرج من باب القلعة على دار الحديث إلى باب البريد ، ~~وأدخل منه إلى الجامع ، وصلى عليه قدام باب السر ، صلى عليه القاضي محي ~~الدين بن علي بإذن الأفضل . ثم حمل إلى لحده ، وألحده الأفضل وجلس في ~~الجامع ثلاثة أيام . وكان الملك الناصر رحمه الله كريما جوادا شجاعا ، حسن ~~الأخلاق ، مضت أكثر أيامه في الجهاد في سبيل الله تعالى . قال ابن شداد : ~~لما مات السلطان لم يخلف في خزائنه من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ~~ناصرية وجراما واحدا ذهبا صوريا ، ولم يخلف ملكا في سائر أنواع الأملاك . ~~وحسب ما وهبه من الخيل في مدة مقامه على عكا فكان تقديره اثني عشر ألف رأس ~~، ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به ، وصاحبه يلازمه في طلبه ~~، وما حضر اللقاء إلا استعار فرسا فركبه . وكان لا يلبس إلا ما يحل كالكتان ~~والقطن والصوف . وكان له ركعات يصليها من الليل . وخلف رحمه الله من ~~الأولاد ، على ما نقله العماد الأصفهاني وغيره سبعة عشر ولدا : الملك ~~الأفضل نور الدين أبو الحسن علي ، وهو أكبرهم ، والملك العزيز PageV28P0294 # """""" صفحة رقم 295 """""" عماد الدين ، أبو الفتح عثمان ، والملك ~~الظاهر غياث الدين ، وقيل شهاب الدين أبو منصور غازي ، والملك الظافر مظفر ~~الدين أبو العباس خضر ، والملك المعز فتح الدين أبو يعقوب ويوسف ، والملك ~~الأعز شرف الدين أبو يوسف يعقوب والملك المؤيد نجم الدين أبو الفتح مسعود ، ~~والملك الزاهر مجير الدين أبو سليمان داود ، والملك المفضل قطب الدين أبو ~~محمد موسى ، والملك الأشرف عز الدين محمد ، والملك المحسن شهاب الدين أبو ~~العباس أحمد ، والملك الجواد ركن الدين أبو سعيد أيوب ، والملك المظفر فخر ~~الدين أبو منصور تورانشاه ، والملك العادل نور الدين أبو المظفر ملكشاه ، ~~والملك المنصور نصرة الدين مروان ، والملك الصالح معين الدين إسماعيل ، ~~وعماد الدين شادي ، ويسمى عمر ، وابنة صغيرة . ذكر من ملك الممالك التى ~~كانت جارية في ms6639 ملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف رحمه الله تعالى ~~من أولاده وأقاربه وإلزامه بعد وفاته استقر ملك دمشق وما معها للملك الأفضل ~~نور الدين أبي الحسن علي ، وهو أكبر أولاده وولي عهده ، وعنده أخواه شقيقاه ~~الملك الظافر خضر والملك المفضل موسى . واستقر ملك الديار المصرية للملك ~~العزيز عماد الدين أبي الفتح عثمان . واستقر ملك حلب ما يليها للملك الظاهر ~~غياث الدين غازي ، وعنده أخوه الملك الزاهر داود ، فجعله من قبله على ~~البيرة . واستقر ملك حمص والرحبة وتدمر للملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن ~~محمد بن شيركوه ، وهو ولد ابن عم السلطان الملك الناصر . واستقر ملك حماة ~~وسلمية والمعرة ومنبج للملك المنصور ناصر الدين محمد بن تقي الدين عمر بن ~~شاهنشاه بن أيوب . واستقر ملك حران والرها وميافارقين والرقة وقلعة جعبر ~~والكرك والشوبك للملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب ، وهو أخو السلطان ~~. PageV28P0295 # """""" صفحة رقم 296 """""" واستقر ملك بعلبك للملك الأمجد بهرامشاه بن ~~فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب . واستقر ببعرين أفاميه وكفرطاب عز الدين ~~إبراهيم بن شمس الدين بن المقدم . واستقر بصهيون ناصر الدين منكورس بن ~~خمارتكين غلام أبي قبيس . واستقر بتل باشر بدر الدين دلدرم بن ياروق . ~~واستقر بعينتاب ناصر الدين شحنة حلب . هذه الممالك التي كانت جارية في ملك ~~السلطان الملك الناصر رحمه الله . فلنذكر الآن أخبار الديار المصرية ومن ~~ملكها بعد وفات السلطان الملك الناصر ، ونجعل ما يقع لهؤلاء الملوك ، أو في ~~ممالكهم ، من الحوادث في ضمن أخبار ملوك الديار المصرية ، وننبه عليها ~~بالتراجم ، على ما نقف عليه إن شاء الله تعالى . ذكر أخبار الملك العزيز ~~عماد الدين أبي الفتح عثمان ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وهو ~~الثاني من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية ملك الديار المصرية عندما ~~وصل إليه الخبر بوفاة والده السلطان الملك الناصر ، رحمه الله تعالى ، وذلك ~~في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وخمسمائة . ولما ملك أحسن السيرة وأطلق ~~جميع ما كان يؤخذ من التجار وغيرهم من المكوس على ms6640 اسم الزكاة . وجهز إلى ~~البيت المقدس عشرة آلاف دينار لتصرف في مصالحه ، أكرم أصحاب أبيه وعاملهم ~~الأفضل أخوه صاحب دمشق بخلاف ذلك ، فمالت القلوب إلى الملك العزيز ونفرت عن ~~الملك الأفضل . فاستشعر الأفضل من أمرائه ، وعزم على القبض عليهم ، فبلغهم ~~الخبر ففارقوه ، واتصلوا بخدمة أخيه الملك عبد العزيز بالديار المصرية في ~~بقية السنة فأكرمهم وقربهم وكان منه ما نذكره إن شاء الله تعالى . ~~PageV28P0296 # """""" صفحة رقم 297 """""" ذكر استيلاء الفرنج على جبيل كان استيلاؤهم ~~على حصن جبيل في مستهل صفر سنة تسعين وخمسمائة بمواطأة ممن كان فيه . وذلك ~~أن الحصن كان عدة من فيه خمسة عشر رجلا ، فندب متولي البلد منهم عشرة ~~لجباية الجزية ، وخرج متولي الحصن إلى الحمام ، فاستصحب أحد الخمسة الذين ~~تأخروا بالحصن معه ، وبقي به أربعة من الأكراد ، فأغلقوا باب الحصن . وتوجه ~~أحدهم إلى الفرنج الذين بالتيرون فأخبرهم بخلو الحصن ، وكان به حداد نصراني ~~، فصعد هو والثلاثة إلى أعلى الحصن . فلما عاد الوالي منعوه من الدخول ~~ورموه بالحجارة ، فكسروا يده ، وقالوا هذه القلعة قد صارت للقومص . وجاء ~~أهل التيرون بالليل فطردوا من كان بالباشورة من المسلمين . ووصل ابن ريمون ~~صاحب جبيل وتحدثوا مع الأكراد ، فنزل أحدهم إليهم وقرر معهم أن يعطوا نصف ~~ما بالحصن من سائر الحواصل وغيرها ، وأن تكون لهم ثلاثة ضياع من عمل طرابلس ~~، واستحلفهم على ذلك . وتسلموا الحصن ، فرتب الفرنج فيه من الجرخية ألفا ~~وخمسين جرخيا . فلما اتصل الخبر بالسلطان الملك العزيز عظم عليه ، وأخرج ~~خيامه في يوم الأحد العشرين من شهر ربيع الأول ، وأمر بالاستعداد للخروج ~~إلى الشام لاستنقاذ جبيل من الفرنج ، وأرسل شمس الخلافة رسولا إلى الفرنج ~~بسبب إعادة جبيل فتوجه في سادس عشر شهر ربيع الآخر . وفي سنة تسعين ~~وخمسمائة ، لسبع بقين من شهر ربيع الأول ، عزل القاضي صدر الدين بن درباس ~~وفوض القضاة بالديار المصرية للقاضي زين الدين أبي الحسن علي بن يوسف بن ~~عبد الله بن رمضان الدمشقي ، فولي سنة وعزل في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة ، ~~وأعيد القاضي صدر الدين ms6641 . وقيل بل ولي القاضي محي الدين محمد بن عبد الله ~~بن أبي عصرون ، وعزل في يوم الأحد سادس عشر المحرم سنة اثنتين وتسعين ~~وخمسمائة . وأعيد القاضي زين الدين الدمشقي فولي سنة ، ثم عزل وأعيد القاضي ~~صدر الدين إلى أن توفي في سنة خمس وستمائة والله أعلم . ذكر مسير الملك ~~العزيز إلى الشام ذكر والصلح بينه وبين أخيه الملك الأفضل وعوده إلى ~~القاهرة قال : وفي تاسع عشر شعر ربيع الآخر سنة تسعين وخمسمائة توجه الملك ~~العزيز PageV28P0297 # """""" صفحة رقم 298 """""" إلى الشام وترك بالقاهرة من الأمراء بها ء ~~الدين قراقوش وصيرم ، وجهز ثلاثة عشر لواء إلى ثغرى الإسكندرية ودمياط ~~ومعهم سبعمائة فارس . واستصحب معه من الأمراء سبعة وعشرين أميرا عدتهم ~~تقدير ألفي فارس ، ومن الحلقة ألف فارس . فلما اتصل بالأفضل خروجه استعد ~~وأنفق النفقات الوافرة ، وخرج إلى رأس الماء في سبعمائة فارس ، ولما وصل ~~الملك العزيز إلى الغور احتاط على الخاص الأفضلي به ، وشرع في إقطاع أعمال ~~الشام . وجهز من أمرائه : قايماز ، وعشرين أميرا ، منهم ، جهاركس ، وميمون ~~القصري ، وسنقر الكبير ، والشجاع الخادم ، والجناح ، وجرديك . فتقدموا ~~ووقعوا على أطراف العسكر الشامي ، فرجع الأفضل إلى دمشق وغلقت أبواب البلد ~~لما قرب العسكر المصري منها . وتقدم العزيز وترك ثقله بمسجد القصب بظاهر ~~دمشق ، ونزل هو بالكسوة ، فاستنجد الأفضل بعمه الملك العادل فحضر إلى دمشق ~~، وحضر الظاهر من حلب ، وناصر الدين صاحب حماة ، وأسد الدين صاحب حمص ، ~~وعسكر الموصل وغيره . فلما رأى العزيز اجتماعهم علم أن لا قدرة له بهذا ~~الجمع ، وكتب إلى عمه العادل يقول : أنا ما خرجت من الديار المصرية إلا ~~لاستنقاذ جبيل من الفرنج ، فبلغني أن الملك الأفضل حالف الفرنج علي ، ~~واستنصر بهم ، ووعدهم أن يعيد البلاد إليهم ، فاقتضى ذلك سوقنا إليه . ~~وبلغنا أنك تدخل بيننا وبينه ، وحوشيت من ذلك ، وأنا خير لك من غيري . وإن ~~أردت أن تكون السلطان ورئيس الجماعة فأنا راض بذلك . وكتب لأخيه الملك ~~الظاهر وغيره من حكام الممالك وترددت الرسائل بينهم . وتقررت الحال على أن ~~يكون للملك العزيز ms6642 البيت المقدس وما جاوره من أعمال فلسطين ، وأن تكون دمشق ~~وبرية وأعمال الغور للملك الأفضل ، وأن يعطي الأفضل لأخيه الملك الظاهر ~~جبلة واللاذقية ، وأن يكون للملك العادل بالديار المصرية إقطاعه الأول ، ~~وأن يخطب للملك العزيز ببلاده وتنقش السكة باسمه ، وأن الملك العزيز يمده ~~بألف فارس إعانة له على فتح خلاط . واجتمع الملك العادل بالملك العزيز ، ~~وتزوج العزيز ابنته ، وجاء الملك الظاهر صاحب حلب إلى أخيه الملك العزيز . ~~وتقررت قواعد الصلح . PageV28P0298 # """""" صفحة رقم 299 """""" وتأخر الملك العزيز إلى الكسوة ثم إلى مرج ~~الصفر ، ومرض به ثم أفاق . ولما عزم على العود إلى الديار المصرية خرج ~~لوداعه سائر الملوك الذين حضروا لنصرة الأفضل ، ثم خرج إليه الأفضل في سابع ~~شعبان وأدركه بنيق ، وهي أعلى الغور ، فأكرمه الملك العزيز ، وبالغ في ~~احترامه وسأله الأفضل أن يرجع إلى دمشق ليزور قبر أبيه ، فأجاب إلى ذلك ، ~~ثم أشار عليه أصحابه ألا يفعل ، فامتنع . وعاد الأفضل ، وسار العزيز إلى ~~الديار المصرية فدخلها في أواخر شعبان . وفي مستهل جماد سنة تسعين وخمسمائة ~~هبت رياح عاصفة بالقاهرة من وقت العصر ، وسقط في ثالث الشهر برد كثير أكبره ~~قدر البيض وأصغره قدر النبق ، وصار على جبل المقطم منه شيء كثير كالجبل ~~الثاني ، ونقل الناس منه مدة أربعة أيام ، ثم سال حتى ملأ الخندق ، ودخل ~~الماء من المرامي التي في السور إلى القاهرة ، وعلا ، حتى خيف على البلد . ~~ذكر خروج الملك العزيز لقصد الشام ثانيا ورجوعه وقصد العادل والأفضل الديار ~~المصرية وما تقرر من القواعد كان سبب ذلك أن الملك الأفضل قلد وزارة دمشق ~~لضياء الدين ابن الأثير الجزري وحكمه في البلاد ، فقصد الأمراء بالأذى ~~والاطراح ، وتشاغل الأفضل عنهم . ففارق خدمة الأفضل فارس الدين ميمون ~~القصري وشمس الدين وسنقر الكبير وعز الدين سامة ، وغيرهم . وحضر بعض هؤلاء ~~إلى الديار المصرية وانضموا إلى الملك العزيز ، وقالوا له : إن الأفضل ~~مسلوب الاختيار ، وحرضوه على قصد دمشق ، فخرج إليها في سنة إحدى وتسعين ~~وخمسمائة . فلما اتصل خبر خروجه بالأفضل ركب من دمشق في ms6643 رابع جمادى الأولى ~~وتوجه إلى عمه الملك العادل ، وهو بقلعة جعبر ، واستنجد به ، وسار إلى أخيه ~~الملك الظاهر بحلب واستنجد به أيضا ، فركب الملك العادل وجد في السير إلى ~~دمشق خوفا أن يسبقه العزيز إليها . وكاتب الملك العادل الأمراء الذين صحبة ~~العزيز ، وكان العزيز قد نزل بمنزلة الفوار على مرحلتين من دمشق ، ~~واستمالهم وحذرهم من العزيز ، فمالوا إليه ، واستمالوا أبا الهيجاء السمين ~~، وفارقوا العزيز وقصدوا دمشق ، وذلك في يوم الاثنين رابع شوال من السنة . ~~PageV28P0299 # """""" صفحة رقم 300 """""" فلما وصلوا إلى دمشق اتفق العادل والأفضل ، ~~وتحالفا على قصد العزيز انتزاع الديار المصرية منه ، على أن يكون ثلث ~~الديار المصرية للملك العادل إقطاعا والثلثان للملك الأفضل . وساروا في طلب ~~العزيز ، فرجع إلى الديار المصرية وجد في السير ودخل القاهرة . قال : ولما ~~وصل العادل والأفضل إلى القدس سلماه وأعماله وما يجاوره من أعمال الساحل ~~لأبي الهيجاء السمين ، فرتب فيه نوابه ، وسار معهما إلى الديار المصرية . ~~فنزل الملك العادل على بلبيس ، وكان السعر ما شيا فاستظهر العزيز عليهم . ~~قال : ولم يكن غرض العادل قصد مصر وإنما خشي على الملك العزيز من الأمراء ~~أن يقتلوه ويستولوا على الديار المصرية ، فقصدها لهذا السبب . ولما ضاقت ~~الميرة على العسكر الشامي وقلت أزوادهم ندموا على وصولهم إلى الديار ~~المصرية ، فأرسل الملك العادل إلى القاضي الفاضل عبد الرحيم في الاجتماع به ~~، فأذن له العزيز في ذلك ، فخرج إليه ، فاستبشر الناس بخروجه رجاء وقوع ~~الصلح . وركب العادل وتلقاه على فراسخ ، فاجتمعا ، واستقرت القواعد على أن ~~يكون إقطاع العادل بمصر على عادته ، وأن تكون إقامته عند الملك العزيز ~~بالقاهرة ، وأن يعفو العزيز عن الأسدية والأكراد . واجتمع العادل بالأفضل ~~وأمره بالرجوع إلى دمشق . ثم اجتمع الأفضل بالعزيز ، واستقر الصلح بينهما ، ~~وأهدى العزيز إليه هدايا جليلة المقدار . ورجع الأفضل إلى دمشق ومعه أبو ~~الهيجاء السمين ، فدخلها في المحرم سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة . ولم تطل ~~المدة إلى أن بلغ الملك العادل عن الأفضل ما استوغر خاطره ، فعند ذلك قرر ، ~~مع الملك العزيز ، أن يجهز ms6644 العساكر لتمهد قواعد الملك بالشام وسائر البلاد ~~، واتفقا على أن يكون العزيز بدمشق والعادل ينوب عنه بالديار المصرية . ذكر ~~ملك الملك العزيز دمشق وخروج الأفضل إلى صرخد قال : ولما اتفق الملك العادل ~~والملك العزيز على ما قرراه تجهز الملك العادل PageV28P0300 # """""" صفحة رقم 301 """""" للمسير إلى دمشق وبرز بخيامه من القاهرة في ~~يوم السبت مستهل شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة في ثلاثة آلاف ~~فارس . ثم برز الملك العزيز في يوم الثلاثاء ، رابع الشهر ، وظاهر خروجه ~~وداعه لعمه الملك العادل ، وحث العساكر المجردة على الخروج . وأقام ببركة ~~الجب . فلما كان في العشرين من الشهر اتصل بالملك العادل عن الملك الأفضل ~~انه كاتب الأسدية ، وأنه قبض على أموال كانت للعادل بدمشق ، وألق رهائن ~~كانت عند نوابه ، وأنه وافق الظاهر صاحب حلب ، فقرر مع الملك العزيز أن ~~يتوجها جميعا ويأخذا دمشق من الأفضل وحلب من الظاهر ، فاتفقا على ذلك وعقدا ~~بينهما يمينا . وشرع الملك العزيز في تجهيز رجال الحلقة والأعيان ، ورحل هو ~~وعمه الملك العادل من البركة في يوم الثلاثاء ثامن جمادى الأولى ، فحصل ~~للعادل ضعف في هذا النهار منعه عن الحركة . وكان وصولهما إلى بلبيس في سابع ~~عشر الشهر ، وكملت صحة العادل في العشرين من الشهر ، وسار إلى الشام على ~~مهل ورفق . فلما تحقق الملك الأفضل قصدهما لبلاده استشار شيوخ دولته ، ~~فأشاروا عليه أن يستقبل أخاه وعمه ويسلم لهما الأمر ، وأشار وزيره ضياء ~~الدين ابن الأثير الجزري بالتصميم والمخالفة ، فرجع إلى رأيه وحصن البلد ، ~~وفرق الأمراء على الأسوار . فلما رأى شيوخ الدولة وأكابرها أنه لم يرجع ~~إليهم واعتمد على رأي وزيره راسلوا الملك العزيز والملك العادل في انتهاز ~~الفرصة ، فركبا بعساكرهما وتأهبا في يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر ~~رجب وخرج أهل دمشق لقتالهم ، والتقوا في السابع والعشرين من الشهر . فلم ~~يكن بأسرع من انهزام العسكر الشامي . وتبعهم العزيز والعادل حتى ألجئوهم ~~إلى سور البلد ، ودخلوا دمشق ، وتبعهم العسكر ، فملكت البلد . فعندها ركب ~~الملك الأفضل إلى خيمة أخيه الملك العزيز ، واجتمع ms6645 به بظاهر دمشق . قال : ~~ودخل الملك العادل ومن معه باب توما والباب الشرقي ، ونزل بالدار الأسدية . ~~ودخل الملك العزيز من باب الفرج وبت في دار عمته الحسامية . وملك العزيز ~~دمشق وأقيمت له الخطبة في يوم الجمعة الثامن والعشرين من الشهر . ~~PageV28P0301 # """""" صفحة رقم 302 """""" قال : ولما ملك الملك العزيز دمشق ندم على ما ~~كان قرر من إقامته بالشام وتمكين عمه الملك العادل من الديار المصرية ~~واعتذر إلى أخيه الملك الأفضل في السر . فأظهر الأفضل سره لمن معه فظنوا أن ~~هذه خديعة . فأرسل إلى العادل وأعلمه بمرسلة العزيز ، فعتبه العادل ، فأنكر ~~الحال . وخرج الأفضل إلى صرخد وقرر له في كل سنة مائتي ألف درهم من صرخد ~~وغيرها ، وهو كاره لذلك . وسأل أن يكون بمكة ، وينقطع إلى الله تعالى ، ~~وينزل عن الملك ، فلم يجبه العزيز . وكان خروج الأفضل من دمشق إلى صرخد يوم ~~الاثنين ، ثاني شعبان سنة اثنتين وتسعين ، فكانت مدة ملكه لدمشق منذ وفاة ~~والده إلى أن ملكها العزيز ، ثلاث سنين وخمسة أشهر . ودخل الملك العزيز ~~قلعة دمشق واستقر بها في يوم الأربعاء رابع شعبان من السنة المذكورة ، وجلس ~~يوم الجمعة بدار العدل وأسقط من المكوس بدمشق ما هو مقرر على سوق الرقيق ~~وسوق الدواب ودار البطيخ ، والملاهي ، والعصير ، والفحم ، والحديد ، وسبكى ~~الفولاذ والزجاج . قال : وهرب ضياء الدين ابن الأثير ونهبت داره . ونودي في ~~دمشق أن يلبس أهل الذمة العمائم الغيار ليعرفوا من المسلمين وكان سبب ذلك ~~أن الملك العزيز لما جلس بدار العدل دخل عليه رجل له هيئة حسن ، فما شك ~~العزيز أنه من الأشراف ، فلما علم أنه ذمي أمر بذلك . قال : ولاطف الملك ~~العزيز عمه الملك العادل إلى أن قام بدمشق في النيابة ، فأجاب إلى ذلك بعد ~~امتناع . وسلم ديوان دمشق لصفي الدين ابن شكر كاتب العادل . وفارق الملك ~~العزيز دمشق في العشر الأوسط من شعبان ، وعاد إلى الديار المصرية بعد أن ~~استخلف الملك العادل وسلم إليه دمشق وما هو مضاف إليها من القلاع والحصون ~~والأعمال ، والخطبة والسكة باسم الملك ms6646 العزيز . ودخل العزيز إلى القاهرة ~~جريدة في رابع شهر رمضان ، وفوض شد الأموال والخطاب عليها للأمير فخر الدين ~~إياز جهاركس ، وضمن الخمور في كل سنة بسبعة PageV28P0302 # """""" صفحة رقم 303 """""" عشر ألف دينار ، فتجاهر الناس بها وظهر ~~الفساد وفشا في الناس ، واجتمع الرجال والنساء في شهر رمضان من غير استتار ~~، سيما في الخليج وساحل مصر ، ورتب ضمان الخمر في النفقة على طعام السلطان ~~، وهذه من البلايا التي لم يسمع بمثلها ، فإن عادة الملوك والأكابر أن ~~يجتهدوا أن يكون مأكلهم من أجل الجهات كالجوالي وما يناسبها . وبسبب إطلاق ~~الخمور كثر القتل بالقاهرة والجراحات ، وخطف العمائم والأمتعة والمآكل من ~~الأسواق . قال المؤرخ : وغلت الأسعار في هذه السنة بالديار المصرية ، واشتد ~~الأمر على الناس ، وكثر الوباء ، وبلغ القمح كل أردب بدينارين ، وأظن ~~الدينار ثلاثة عشر درهما وثلث درهم ، وهذا كان نهاية الغلاء في ذلك العصر . ~~ولقد وصف الفاضل من عظم ما حل بالناس غلو السعر أمرا عظيما فكيف لو أدرك ~~الفاضل الديار المصرية في سنة خمس وتسعين وستمائة وقد أبيع القمح سعر ~~الإردب ثلاثة عشر دينارا ونصف دينار وأبيع الفروج بخمسين درهما ، ورطل ~~البطيخ الأخضر بأربعة دراهم ، والسفرجل بثلاثين درهما . قال المؤرخ : وفي ~~سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة كانت وفاة الشيخ السيد الشريف عبد الرحيم ، قدس ~~الله روحه ونور ضريحه ، بقنا من أعمال قوص ودفن بجبانتها ، وضريحه معروف ~~هناك من أعظم مزارات أهل الصلاح بالدنيا . ومما نقل من كلامه ، قدس الله ~~روحه ، وقد سمع المؤذن يقول : أشهد أن لا إله غلا الله ، فقال الشيخ شهدنا ~~بما شاهدنا . ومن كلامه : لا يستطيع العارف أن يوصل إلى من لا يعرف حقيقة ~~ما عرف ، كما لا يستطيع البصير أن يوصل إلى الأكمه حقيقة الألوان . وعرض ~~هذا الكلام على الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام ، رحمه الله ونفع ~~به ، فقال هذا كلام من غرق في الحقيقة . PageV28P0303 # """""" صفحة رقم 304 """""" ذكر استيلاء الفرنج على بيروت وفي يوم الجمعة ~~عاشر ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ملك الفرنج مدينة ms6647 بيروت من ~~المسلمين وسبب ذل أن فرنج الساحل راسلوا ملك الألمان في سنة اثنتين وتسعين ~~وخمسمائة ، وكان قد ملك جزيرة صقلية ، وعرفوه أن المسلمون قد اشتغلوا بحرب ~~بعضهم بعضا ، فأقبل في مراكبه إلى عكا . وصادف ذلك سقوط الكندهري ملك عكا ~~من شباك فهلك ، فملك ملك قبرص عكا ، وخرج إلى بيروت فملكها من المسلمين ، ~~وكان بها عز الدين أسامة . فعمرها الفرنج ولم تزل بأيديهم إلى أن فتحها ~~الملك الأشرف في سنة تسعين وستمائة ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في ~~أخبار دولة الترك . وفيها خرجت المراكب الحربية لقصد بلاد الفرنج ، فوجدوا ~~بطشا للفرنج فملكوها ، فوجد المسلمون فيها أموالا جليلة . وفيها أنشأ ~~الأمير فخر الدين إياز جهاركس الناصري القيسارية المعروفة به بالقاهرة ~~المحروسة ، وجاءت من أحسن الأبنية . ذكر وفاة سيف الإسلام بن أيوب ملك ~~اليمن وملك ولده شمس الملوك وفي يوم الأربعاء الثالث من شوال سنة ثلاث ~~وتسعين وخمسمائة توفي الملك العزيز سيف الإسلام طغتكين بن أيوب ، أخو ~~السلطان الملك الناصر صلاح الدين بالمنصورة التي أنشأها باليمن . وكان قد ~~طرد ولده شمس الملوك إسماعيل إلى PageV28P0304 # """""" صفحة رقم 305 """""" الحجاز . فلما سمع بوفاة ولده سار إلى اليمن ~~وملك بعده . وإلى سيف الإسلام هذا ينسب البستان الذي كان بظاهر القاهرة ، ~~وهو الآن عمائر تعرف أرضها بحكر سيف الإسلام . ذكر وفاة الملك العزيز وشيء ~~من أخباره كانت وفاته في ليلة الأحد العشرين من المحرم سنة خمس وتسعين ~~وخمسمائة بداره بالقاهرة . وكان قد خرج إلى الفيوم لقصد الصيد إلى ذات ~~الصفا ، فحم ، فعاد إلى القاهرة واشتد مرضه ، فمات . وقيل إنه ساق خلف ~~الصيد فكبا به فرسه مرة بعد أخرى ، فمات بعد ثلاث . ودفن بداره بالقاهرة ~~وكان مولده بالقاهرة في ثامن جمادى الأولى سنة سبع وستين ، وقال الفاضل في ~~جمادى الآخرة . فكانت مدة عمره سبعا وعشرين سنة وثمانية أشهر واثني عشر ~~يوما ، ومدة ملكه خمس سنين وعشرة أشهر وعشرين يوما . وكان رحمه الله عادلا ~~كريما بالمال ، بخيلا على طعامه شجاعا حسن الأخلاق . وكان رحمه الله عادلا ms6648 ~~كريما بالمال ، بخيلا على طعامه شجاعا حسن الأخلاق . وخلف من الأولاد أحد ~~عشر ولدا ، وهم الملك المنصور محمد ، القائم بعده ، وعلي ، وعمر ، وإبراهيم ~~، وعيسى ، ومحمود ، ورعاه ، ويوسف ، ويونس ، وولدان صغيران . ولم يخلف في ~~خزانته ذهبا ولا دراهم إلا بعض قماش ليس بالطائل . ذكر سلطنة الملك المنصور ~~محمد بن الملك العزيز ابن الملك الناصر وهو الثالث من ملوك الدولة الأيوبية ~~بالديار المصرية ملك الديار المصرية بعد وفاة أبيه في يوم الأحد العشرين من ~~المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة بوصية منه . ولما مات الملك العزيز كان عمه ~~الملك العادل يحاصر PageV28P0305 # """""" صفحة رقم 306 """""" ماردين فاجتمعت الأمراء الصلاحية وعقدوا ~~الأمر لولده ولقبوه بالملك المنصور ، وكان قبل ذلك يلقب بالناصر وإنما ~~تركوا الناصر لموافقته لقب الخليفة وركب في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين ~~من المحرم ، وشق القاهرة من باب زويلة إلى باب النصر ، والأمراء في خدمته . ~~وكتب الأمراء إلى الملك العادل يعزونه في ابن أخيه الملك العزيز ، ويذكرون ~~اتفاقهم على تنصيب ولده في السلطنة بعده ، وأنهم على طاعة الملك العادل . ~~ثم اجتمع الأمراء الأسدية والصلاحية بظاهر القاهرة وقالوا : إن الذي فعلناه ~~من حفظ الملك العزيز في ولده هو نعم الرأي ، وإنما هو صغير السن لا يفهم ما ~~يقال له ، ولا يقوم بأعباء الملك ، ولا بد لنا من كبير من هذا البيت يربيه ~~ويكفله ويدبر أحوال الدولة ، وليس أن يكتبوا إليه ويستدعوه فكره بعضهم شدة ~~أخلاقه ومماقتته للجند فعدلوا عنه واتفقوا على استدعاء الملك الأفضل من ~~صرخد . وأن يتولى أتابكية الملك المنصور وأن ينوب عن الأفضل إلى حين وصوله ~~، أخوه الملك الظافر خضر ، فاستقر ذلك . وكتبوا إلى الأفضل وذلك في يوم ~~الخميس سادس عشر صفر من السنة ونزل الملك الظافر بدار السلطنة في القاعة ~~العزيزية ، وقام بنيابة السلطنة . قال : ولما وصل كتاب الأمراء إلى الأفضل ~~خرج من صرخد في ليلة الأربعاء التاسع والعشرين من صفر ، وسلك البرية إلى ~~البيت المقدس . ذكر وصول الملك الأفضل إلى القاهرة واستقراره في تدبير دولة ~~المنصور كان وصوله إلى القاهرة في ms6649 يوم الخميس السابع من شهر ربيع الأول سنة ~~خمس وتسعين وخمسمائة ، فبرز الناس للقائه ، وزينت المدينة ، لقدومه . ولما ~~دخل أقر الخطبة باسم الملك المنصور ابن أخيه ، ونقش السكة باسمه ، وكان ~~الأفضل يذكر بعده . وكتب إلى عمه الملك العادل يبذل له الطاعة والانقياد ~~إلى أمره . PageV28P0306 # """""" صفحة رقم 307 """""" قال : ولما وصل الأفضل إلى بلبيس خرج فخر ~~الدين إيازجهاركس وزين الدين قراجا على أنهما يلتقيانه ، فتوجها إلى الملك ~~العادل . ثم خرج في يوم وصوله الأمير شمس الدين سراسنقر بمماليكه وجماعة من ~~أصحابه والتحق بالملك العادل ، وسار إليه ، إلى ماردين . ذكر مسير الملك ~~الأفضل إلى الشام وحصار دمشق وعوده عنها وخروجه عن الديار المصرية قال : ~~ولما استقر الأفضل في تدبير الدولة بالديار المصرية ، ولم يبق للملك ~~المنصور معه إلى الشركة في الخطبة ، حمله أصحابه على قصد دمشق وحصرها ، ~~وقالوا : هي لك بوصية أبيك الملك الناصر . فعزم على المسير إليها ، وأمر ~~العساكر بالاستعداد لذلك . وبرز إلى المخيم ببركة الجب ، هو وابن أخيه ~~الملك المنصور ، في يوم السبت العشرين من جمادى الأولى من السنة واستحث ~~العسكر على الخروج . وصل إليه في يوم الأربعاء ، السادس من جمادى الآخرة ، ~~رسول من أخيه الملك الظاهر صاحب حلب وهو يلومه على إنفاذ الرسل بالطاعة ~~للعادل ، ويقول : إن أكثر الناس كانا منصرفين عنه فانصرفوا إليه ، وحثه على ~~سرعة قصد دمشق ، ويقول : اغنم الفرصة ما دام العادل في حصار ماردين ، ووعده ~~بالوصول إليه فأكد ذلك ما عنده ، وأقام ببركة الجب وهو يحث العسكر على سرعة ~~الحركة ، إلى ثاني شهر رجب فرحل عنها . وفي مدة مقامه ببركة الجب أحضر قاضي ~~القضاة والشهود ، وأشهدهم على نفسه أنه وقف المطرية ومنية الباسل والرباع ~~المسوغة والمستمرة بيد الديوان على عمارة سور القاهرة ومصر والبيمارستان . ~~قال : ولما وصل الأفضل إلى بلبيس احتاط على ما كان باسم العادل وإلزامه ~~بالديار المصرية ، وأقطعه ، ثم قبض على أخيه الملك المؤيد وقيده وأعاده إلى ~~القاهرة ، فاعتقل بالقلعة . وتمادى الملك الأفضل في سيره إلى دمشق . هذا ما ~~كان منه . وأما الملك ms6650 العادل فإن سراسنقر الناصري وصل إليه بماردين واستحثه ~~على العود PageV28P0307 # """""" صفحة رقم 308 """""" إلى دمشق ، فأوصى ولده الملك الكامل ~~بمحاصرتها . وفارقها العادل لخمس بقين من شهر رجب ، ووصل إلى دمشق في يوم ~~الاثنين حادي عشر شعبان ، وأخذ في تحصين البلد . ووصلت العساكر المصرية في ~~يوم الخميس ، ورتب الأطلاب وسار الملك المنصور بن الملك العزيز في القلب ~~وزحف على البلد فأخذ قصر حجاج والشاغور . وكان العادل لما شاهد إقبال ~~العساكر أمر بإحراق قصر حجاج ، فأحرق ، واحترق فيه عدة مساجد وأطفال . ~~وأحاطت العساكر المصرية بدمشق ، ودخلها جماعة منهم من باب السلامة ، ~~وانتهوا إلى السوق الكبير ، وحرجوا من باب الفراديس . وقدم الأفضل الميدان ~~الأخضر ثم تأخر إلى ميدان الحصى ، واستقر بهذه المنزلة بهذه المنزلة أكثر ~~من ستة أشهر . وكاتب الملك العادل جماعة من الأمراء المصريين ، ففارقوه ~~ودخلوا إلى دمشق فأكرمهم . ثم وصل الملك الظاهر صاحب حلب ومعه أخواه الظافر ~~والمعز وجاءهم الملك المجاهد صاحب حمص ، وعسكر حماة دون سلطانها ، وحسام ~~الدين بشارة صاحب حمص بانياس ، وكان من أكابر الدولة ، فأشار بالصلح . قال ~~: ولما حاصر الملك الأفضل دمشق منع من يدخل إليها بشيء من الميرة ، وقطع ~~عنها الأنهار ، فاشتد الأمر على أهل دمشق واستغاثت الرعايا على العادل ، ~~وتسلطوا عليه ، وحملوه على تسليم البلد . وانتقل أكثر من البلد إلى العسكر ~~، ونصبوا به أخصاصا ومساكن ، وأقيمت الأسواق به . فلما اشتد الأمر على ~~العادل كتب إلى الظاهر يستميله وقال : أنا أسلم البلد إليك دون غيرك ، فنمي ~~الخبر إلى الأفضل ، فاضطرب رأيهما ، وقيل بل كتب إليهما يقول : أنا اسلم ~~البلد إليكما بعد سبعة أشهر فأجاباه إلى ذلك . وقيل إنه كان يكتب إلى ~~الأفضل يقول الظاهر قد صالحني ، وإلى الظاهر بمثل ذلك . واتفق في فساد حال ~~الأفضل أن جماعة الأمراء كان بأيديهم إقطاعيات بالديار المصرية جليلة ~~المقدار ، فحسدهم آخرون عليها ، فكانوا يأتون إلى الملك الأفضل ويقولون : ~~إن فلانا قد عزم على قصد عمك العادل والانضمام إليه ، ويأتون لذلك الأمير ~~فيقولون : إن الأفضل قد عزم القبض عليك ، ويأتي ذلك الأمير ms6651 إلى الأفضل ~~PageV28P0308 # """""" صفحة رقم 309 """""" فيرى في وجهه التغير لما نقل عنه ، فلا يشك ~~ذلك الأمير في صدق الناقل فالتحق به جماعة من الأمراء . فبينما الأفضل كذلك ~~إذ قدم الملك الكامل بن الملك العادل من الشرق ، في تاسع عشر صفر سنة ست ~~وتسعين وخمسمائة ، بالعساكر والتركمان فاشتد به عضد أبيه . وتأخر الأفضل ~~بمن معه إلى سفح جبل العقبة ، ثم انتقل إلى مرج الصفر في يوم الاثنين ثاني ~~عشر صفر ، وعاد الظاهر والمجاهد . واشتد البرد على العسكر المصري فعاد ~~الأفضل إلى الديار المصرية ، وساق العادل بعساكره في أثره . فكان وصول ~~الأفضل إلى بلبيس في حادي عشري شهر ربيع الأول فأشار عليه أصحابه بالإقامة ~~بها . قال : ولما وصل الملك العادل إلى تل العجول أقام به حتى اجتمع إليه ~~أصحابه ، وراسل الأفضل ، فعاد جوابه أنه لا يصالحه حتى يفارق الأمراء ~~الصلاحية . فلما اتصل ذلك بالصلاحية غضبوا وعزموا على المسير إليه . هذا ~~والأفضل على بلبيس ، وقد تفرق معظم أصحابه إلى إقطاعياتهم وجماعة منهم ~~باطنوا الملك العادل . ومضى الملك العادل يطوي المراحل إلى أن دخل الرمل ~~وبلغ الملك الأفضل ذلك ، فرام جمع عساكره ، فتعذر ذلك عليه لتفرقهم في ~~أخبارهم ، وتشتتهم في الأماكن التي يربعون فيها خيلهم ، فخرج في جمع قليل ، ~~ونزل السانح . ووصل الملك العادل ، وضرب معه مصافا ، فانكسر عسكر الملك ~~الأفضل ، وولوا منهزمين لا يلوون على شيء . ثم سار الملك العادل بالعساكر ، ~~ونزل بركة الجب ، وسير إلى الملك الأفضل يقول له : أنا لا أحب أن أكسر ~~ناموس القاهرة ، لأنها أعظم معاقل الإسلام ، ولا تحوجني إلى أخذها بالسيف ، ~~واذهب إلى صرخد وأنت آمن على نفسك . فاستشار الملك الأفضل الأمراء فرأى ~~منهم تخاذلا ، فأرسل إلى عمه يطلب منه أن يعوضه عن الديار المصرية بالشام ، ~~فامتنع من ذلك ، فطلب أن يعوضه حران والرها PageV28P0309 # """""" صفحة رقم 310 """""" فامتنع ، فطلب منه جافى وجبل جول وميافارقين ~~وسميساط ، فأجابه إلى ذلك ، وتسلم القاهرة منه . انتهى الجزء الثامن ~~والعشرون من كتاب : نهاية الأرب في فنون الأدب ، يتلوه إن شاء الله تعالى ~~الجزء ms6652 التاسع والعشرون ، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وىله ~~وصحبه وسلم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ] . PageV28P0310 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء التاسع والعشرون PageV29P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUT ذكر أخبار السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب ، وسلطنته # كان دخول السلطان الملك العادل إلى القاهرة في يوم السبت ، لاثنتي عشرة ~~ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر ، سنة ست وتسعين وخمسمائة - في يوم خروج الملك ~~الأفضل منها . فاستبقى رضاء الأمراء الناصرية ، بإبقاء الخطبة للملك ~~المنصور بن الملك العزيز . وأعاد قاضي القضاة : صدر الدين عبد الملك بن ~~عيسى بن درباس ، إلى PageV29P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" القضاء - وكان الأفضل قد عزله واستقضى زين ~~الدين علي بن يوسف . واستدعى الملك العادل ابنه الملك الكامل من حران إلى ~~الديار المصرية ، ليستنيبه بها . فسلم تلك الولاية لأخيه الملك الفائز ، ~~ووصل إلى دمشق ، في سادس عشر شعبان من السنة - ومعه شمس الدين ، المعروف ~~بقاضي دارا ، وهو وزيره . وخرج من دمشق في الثالث والعشرين من الشهر ، ووصل ~~إلى القاهرة لثمان بقين من شهر رمضان . فالتقاه والده وأنزله بالقصر . ثم ~~ركب إليه بعد يومين ، واستصحبه معه إلى الدار - وكان قد زوجه بابنة عمه ~~الملك الناصر ، فدخل بها . قال : وركب الملك العادل - في يوم الاثنين - ~~بالصنجق السلطاني . وأمر الخطباء بالخطبة له ولولده : الملك الكامل بولاية ~~العهد من بعده - بعد الخليفة - فخطب لهما في الحادي والعشرين من شوال ، سنة ~~ست وتسعين وخمسمائة . وانقطعت خطبة المنصور بن الملك العزيز ، وأولاد الملك ~~الناصر صلاح الدين يوسف ، فلم تعد إلى الآن . وانتقل ملك الديار المصرية ~~إلى البيت العادلي ، فكان فيهم إلى أن انقرضت الدولة الأيوبية . قال المؤرخ ~~: ولم يقطع الملك العادل خطبة الملك المنصور إلا بعد أن أحضر الفقهاء ~~والقضاة ، واستفتاهم : هل تجوز ولاية الصغير والنيابة عنه ؟ فقالوا : إن ~~الولاية غير PageV29P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" صحيحة ، ولا تصح النيابة - لا سيما في السلطنة ~~- فإنه لاحق فيها للصغير . فأحضر الأمراء وخاطبهم في اليمين له ، فأجابوه ~~إلى ذلك ، وحلفوا له . قال : وركب الملك ms6653 الكامل في يوم السبت بالصنجق ~~السلطاني - على عادة الملوك . قال : ولما وصل الملك العادل ، كان الصاحب : ~~صفي الدين عبد الله ابن علي بن شكر في صحبته ، فاستوزره . وكان - على ما ~~حكى - قد استحلف الملك العادل بالبيت المقدس ، أنه متى حصل له ملك الديار ~~المصرية يمكنه من المصريين ، فحلف له على ذلك . فلما ولى السلطنة استوزره ، ~~ومكنه . ذكر الغلاء الكائن بالديار المصرية في الدولة العادلية وهو الغلاء ~~المشهور قال المؤرخ : كان ابتداء هذا الغلاء من استقبال شوال - وقيل ذي ~~القعدة - سنة ست وتسعين وخمسمائة ، إلى ذي القعدة سنة تسع وتسعين ، فكانت ~~مدته ثلاث سنين وشهرا . وذلك أن قرار النيل في سنة ست وتسعين كان مقداره ~~ذراعان ، وبلغ غايته إلى اثني عشر ذراعا وإحدى وعشرين إصبعا . فصام الناس ~~ثلاثة أيام ، قبل يوم التروية ، واستسقوا ثلاثة أيام ، آخرها يوم العيد . ~~ثم أخذ الماء في النقص ، فاشتد الغلاء وامتد PageV29P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" البلاء ، وهلك القوى ، فكيف الضعيف . قال ~~العماد الأصفهاني : وبلغ سعر القمح عن كل إردب الكيل المصري خمسة دنانير . ~~واستقر القاع في سنة سبع وتسعين على ذراعين ، وبلغ غايته خمسة عشر ذراعا ~~ونصف ذراع . فعدم الناس القوت ، وأكل بعضهم بعضا ، وأكلوا أولادهم والميتة ~~. وخرج خلق كثير من الديار المصرية إلى الشام والسواحل . وحكى ابن جلب راغب ~~في تاريخ مصر : أنه نودي على دجاجة ، تزويد فيها إلى أن بلغت ألف درهم ورقا ~~. وبيعت بطيخة بفرس . قال : وكانت الدجاجة تباع بالأوقية . وحكى - أيضا - ~~أن بعض الناس سمع صياح امرأة ، تفتر ثم تعاود الأنين والصراخ فتتبع الصوت ، ~~حتى انتهى به إلى منزل وفيه امرأة سمينة ملقاة ، وشاب يقطع من لحم فخذها . ~~فلما رأتهم قالت : لا تعارضوه فإنه ابني ، وأنا قلت له يقطع من لحمي ، ~~ويأكل ويطعمني ، مما آلمنا من الجوع ؟ ولم يسمع بمثل هذا . ذكر وفاة القاضي ~~الفاضل وشيء من أخباره هو القاضي الفاضل الأسعد محي الدين ، أبو علي عبد ~~الرحيم ، بن القاضي الأشرف أبي الحسين علي بن الحسن ، بن الحسين بن أحمد ، ~~بن الفرج بن ms6654 أحمد ، اللخمي - الكاتب . كانت وفاته فجأة في ليلة الأربعاء ، ~~السابع من شهر ربيع الآخر ، سنة ست وتسعين وخمسمائة . ومولده بعسقلان في ~~خامس عشر جمادى الآخرة ، سنة تسع وعشرين وخمسمائة . وكان أبوه قاضي عسقلان ~~، وصاحب ديوانها . ونسبته إلى بيسان نسبة انتقال . PageV29P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" وذلك أن قاضي عسقلان كان قاضي البلاد الشمالية ~~من ساحل الشام ، وبيسان في ولايته . وكان إذا خرج إليها قاض لحقه من الوخم ~~ما يوجب مرضه ، ومنهم من يموت . فقرر قاضي عسقلان على الشهود أن يخرج كل ~~واحد منهم إلى بيسان ثلاثة أشهر ، ويعود ، ويخرج غيره . فجاءت النوبة لحد ~~القاضي الفاضل ، فمضى إليها وصح بها جسمه . فاختار الإقامة بها . فأجيب إلى ~~ذلك وعمر بها أملاكا ، فعرف بالبيساني . ثم تقلبت بوالد القاضي الأحوال إلى ~~أن ولي القضاء بعسقلان ، والنظر في أموالها . وبقي إلى زمن الظافر ، فدخل ~~إلى مصر لمحاققة واليها بسبب كند كبير ، من الفرنج كان الوالي داجى عليه ~~وأطلقه . فانتصر بعض الأمراء للوالي ونصروه ، فخانق الأسعد . وصودر ، ووقع ~~التحامل عيه ، إلى أن لم يبق له شيء . وخرج ولده الفاضل إلى ثغر الإسكندرية ~~، واجتمع بابن حديد - القاضي والناظر بها - وعرفه بوالده فعرفه بالسمعة ، ~~فاستكتبه ابن حديد ، وأطلق له معلوما . وبقيت كتبه ترد إلى مجلس الخلافة ~~بخط الفاضل وهي مشحونة بالبلاغة . فكشف عن ذلك ابن الخلال والجليس بن ~~الحباب - وكانا في ديوان المكاتبات - فحسداه على فضيلته ، وعلما أنه يتقدم ~~، فقالا للظافر عنه : انه قصر في المكاتبة . وكان صاحب ديوان المجلس - ~~الأثير بن بنان - يحكى أنه دخل على الظافر ، فأمره أن يكتب لابن حديد بقطع ~~يد كاتبه ، بسبب أنه جعل بين السطرين الأولين مقدار شبر ، وهذا سوء أدب ، ~~فقال الأثير للظافر : يا أمير المؤمنين ، تأمر بإحضار الكتب ، فأحضرت . ~~فلما قرأها الأثير علم فضل الفاضل ، فقال له : هذا الكاتب لم يحصل منه سوء ~~أدب ، وانما حسد على بلاغته ، فعمل على أذاه . فقال : اكتب لابن حديد يسيره ~~PageV29P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" إلينا ، لنستخدمه . فصار من كتاب الدرج ، في ~~أواخر الدولة العبيدية . وأما اتصاله بملوك ms6655 الدولة الأيوبية فحكى عن الأثير ~~بن بنان أنه قال : لما ولي أسد الدين شيركوه اختص به ابن الصقيل البلنسي . ~~وكنت بالقصر أنا والفاضل ، فدخل علينا ابن الصقيل وقال : كنت البارحة عند ~~السلطان ، وذكركما وتوعدكما بالقتل . ثم خرج من عندنا . فلم يكن بأسرع من ~~أن طلبنا أسد الدين من العاضد ، فأرسلنا إليه . قال الأثير : فلما دخلنا ~~عليه وجدنا الأمراء عنده . فسلمت سلاما سمعه من حضر ، فلم يرد علينا فقلت ~~له : ولم لا ترد السلام ؟ فالتفت إلي ، وقال : لستما عندي من أهل السلام ~~لأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : السلام تحية لملتنا ، وأمان ~~لذمتنا . ولا تحية لكما عندي فوقفنا ، فقلت : لا قدرة لي على القيام ، فقال ~~أجث ، فجثوت . ثم قلت ولم لا أتربع ؟ ففسح لي في ذلك . قلت : وصاحبي . قال ~~: وصاحبك . ثم التفت إليه دوني ، وقال له : تكتب للفرنج على لسان شاور ، ~~وتقول في حقنا ما قلت ، وتحثهم على قتالنا والله لأقتلنك شر قتلة ، ولأسلن ~~لسانك ، ولأقطعن يدك ورجلك ، من خلاف فقلت : أدام الله سلطان مولانا . هذا ~~القاضي إذا عدم ، لا يوجد مثله في جميع البلاد . فالتفت إلي ، وقال : نجرب ~~قولك . وقال له : أكتب كتابين : أحدهما للمولى نور الدين بن زنكي ، يقرأ ~~على منبر دمشق يهنيه بالفتوح ، وكتاب يقرأ على منبر PageV29P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" القاهرة . واشتغل في الحديث . فسارع الفاضل في ~~انجاز الكتابين ، وجعل أسد الدين يسارقه النظر ، والفاضل يكتب كأنه يكتب من ~~حفظه . وفرغ منهما إلى أسرع وقت . فقال أسد الدين : أقرأهما ، فقرأهما . ~~قال الأثير : والله لو حسن الرقص في ذلك المكان ، لرقصت . فعند ذلك التفت ~~إلى أسد الدين ، وقال : يا قاضي ، جزاك الله خيرا في حقه . عندنا كتبة ~~بالشام نأمرهم بالشيء ، فيمضون ويقيمون اليوم واليومين ، ولا يأتون به على ~~الغرض . وهذا قلنا له كلمتين ، كتب هذه الكتب التي لا نظير لها . وأقمنا ~~عنده إلى صلاة المغرب ، فقام للصلاة . فقال لي : تقدم . فقلت : هذا أفضل ~~مني ، لأني توليت المكوس ، وهذا لم يل شيئا منها . فتقدم الفاضل وصلى . ~~واتصل به . هذا ms6656 ما نقل عن الأثير بن بنان . وقيل : إنه لما اتصل بخدمة ~~الملك الناصر صلاح الدين ، وأن الأثير كان يكتب بين يديه قبله ، فاشتكى من ~~بطئه في المكاتبات ، فقيل له : إن الأسعد البيساني لم يكن في الكتاب أرشق ~~منه . فاستدعاه وأمره بكتاب ، فكتب بين يديه وبالغ فيه ، وأسرع في انجازه ~~وقرأه عليه . فعظم عند الملك الناصر ، ونعته بالقاضي الفاضل . وكان له شعر ~~حسن . وقيل : إن أول اتصال الفاضل بالدولة العبيدية في أيام العادل بن ~~الصالح ابن رزيك . وأنه استخدم في ديوان الجيوش ، فأقام فيه مدة . فلما ~~كانت دولة شاور الثانية ، نقله إلى ديوان المكاتبات شريكا للموفق بن الخلال ~~. فلم يزل إلى أيام أسد الدين ، فاتفق له ما ذكرناه . PageV29P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" ولما استقر الملك الناصر في الملك ، علت ~~منزلته عنده ، واختص به وقرب منه ، وتمكن في دولته . قال : ومن سعادة ~~الفاضل أنه مات قبل ملك العادل ، لأنه كان بينهما شحناء باطنة . ولما مات ، ~~صلى عليه الملك الأفضل . ودفن بسفح المقطم - رحمه الله . وقد ذكرنا من ~~كلامه في باب كتابة الإنشاء ما يدل على تمكنه وفضله . واستهلت سنة سبع ~~وتسعين وخمسمائة ذكر الخلف الواقع بين الأمراء الصلاحية والسلطان الملك ~~العادل قال المؤرخ : كان ابتداء فساد الحال بينهم في سنة سبع وتسعين ~~وخمسمائة . وسبب ذلك أن الملك العادل لما ملك الديار المصرية أقطع ~~الإقطاعات المحلولة عن الأمراء المنصرفين عن الخدمة ، وحاسب المستمرين ~~حسابا شديدا ، فساءت ظنونهم وتغيرت قلوبهم ، وفسدت نياتهم . وكان فارس ~~الدين ميمون القصري مقيما بنابلس ، فلما بلغه إسقاط خطبة الملك المنصور بن ~~العزيز ، واستقلال الملك العادل بالملك - عظم ذلك عليه ونفر منه ، وأنكره . ~~وكتب إلى الملك العادل يقول : إنا إنما دخلنا في طاعتك ، ونصرناك على ~~موالينا : أولاد الملك الناصر ، مراعاة للملك العزيز ، وخوفا أن يتطرق إلى ~~ولده ضرر ويزول عنه ملكه ، ولا بد أنه تعيده إلى حاله . وإن لم ترجع عما ~~فعلت ، كان ذلك سبب فساد قلوب الجند ، ودخول الوهن على الدولة . فغالطه ~~العادل في الجواب . فراسله ميمون ثانيا يقول إنا ms6657 كنا حلفنا على قاعدة ، فإن ~~كانت تغيرت فلا يسعنا المقام بعد ذلك بهذه الدار ، وأنا أسال أن أعطى ~~دستورا ليقوم عند الله وعند الناس عذرى ، فأرسل إليه الملك العادل ، يقول : ~~لم أدخل في هذا الأمر إلا بعد أن رضي به الجماعة . فإن كرهت مجاورتي فصر ~~إلى أرزن الروم ، وتزوج بصاحبتها ماما خاتون ، فإنها أرسلت إلي وطلبت مني ~~من أنفذه إليها . وكان ميمون قد كاتب الأمراء الصلاحية ، فأجابوه : إنا قد ~~افتضحنا بين الناس بأننا نقيم في كل يوم ملكا ، ونعزل آخر . ثم إلى من نسلم ~~هذا الأمر ؟ أما الملك الأفضل PageV29P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" فغير أهل ، وغيره من إخوته فغير عظيم في ~~الأنفس . والملك الظاهر بعيد عنا ، ولا يمكنه أن يترك بلاده ويصير إلينا . ~~قال : واتفق ورود رسل الملك الظاهر - صاحب حلب - إلى عمه العادل ، في شهر ~~ربيع الآخر من السنة ، وهما : نظام الدين كاتبه ، وعلم الدين قيصر الصلاحي ~~. فلما وصلا إلى بلبيس ، أرسل العادل إليهما أن لا يدخلا القاهرة . وأن ~~يذكرا رسالتهما لقاضي بلبيس يبلغها عنهما ، وإن لم يفعلا فيرجعا إلى ~~صاحبهما . فعادا إلى الملك الظاهر ، واجتمعا بميمون القصري في عودهما ، ~~ورغباه في الخدمة الظاهرية . فمضى إلى صرخد وبها الملك الظافر أخو الأفضل . ~~ولحق بميمون جماعة من الصلاحية . واعتزل عنه فخر الدين جهاركس في قلاعه - ~~وكان معه بانياس وتبنين وشقيف أرنون ووافقه على الاعتزال زين الدين قراجا ، ~~وأظهر الاعتزال عن الفريقين . وباطنهما مع الملك العادل . قال : ولما وصل ~~ميمون إلى صرخد ، كاتب الأفضل والظاهر ودعاهما إليه . وأنفذ إلى الملك ~~الظاهر فخر الدين الطنبا الجحاف فلما وصل إليه ، قوى عزم الملك الظاهر على ~~الخروج . فراسل ميمون ، وأخذ عليه وعلى من معه من الأمراء العهود والأيمان ~~. PageV29P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" ثم قدم عليه أخوه الأفضل في تاسع جمادى الأولى ~~، وسارا إلى أفاميه ، وبها قراقوش - مملوك شمس الدين بن المقدم - فأغلق ~~الأبواب دونهما ، وامتنع من تسليمها . فضرب الظاهر ابن المقدم تحت القلعة ~~ضربا موجعا ، بحيث يراه مملوكه قراقوش ، فلم يكترث لذلك . وراسله ابن ~~المقدم في ms6658 تسليمها ، فامتنع كل الامتناع . فلما أيس الظاهر منه أرسل ابن ~~المقدم إلى حلب ، وأمر باعتقاله بها . وسارا بعد ذلك إلى بعلبك لقصد دمشق ، ~~وسار إليهما ميمون القصري ومن معه والملك الظافر ، واجتمعوا بمكان يعرف ~~بالزراعة . وتشاوروا على قصد دمشق ، وبها يومئذ الملك المعظم عيسى بن ~~العادل وهو صغير ، والقيم بأمره فلك الدين سليمان بن شروة بن جلدك - وهو ~~أخو العادل لأمه - ومن الأمراء الأكابر عز الدين أسامة . فساروا بأجمعهم ~~إلى دمشق ، وحاصروها في رابع عشر ذي القعدة ، سنة سبع وتسعين ، واشتد ~~الحصار . قال : ولما اتصل بالملك العادل خروج الظاهر من حلب ، خرج من ~~القاهرة في شهر رمضان من السنة . وجد السير إلى أن نزل على نابلس ، وجعل ~~يعمل الحيل والمكايد بين الظاهر والأفضل ، وإفساد قلوب الأمراء الذين مع ~~الظاهر . وأرغب الملك الظاهر أنه إن فارق أخاه الأفضل يملكه قطعة من بلاد ~~المشرق ، التي بيد العادل . وكاتب الظاهر فخر الدين جهاركس ، وزين الدين ~~قراجا ، وأرغبهما في الانضمام إليه . فوقع الاتفاق معهما - بعد مراجعة - أن ~~الأفضل يسلم لزين الدين قراجا صرخد وعشرة آلاف دينار ، وللأمير فخر الدين ~~جهاركس عشرين ألف دينار . واستقرت القاعدة على ذلك . فلما تسلما ذلك وصلا ~~إلى الخدمة الظاهرية ، واجتمعا بالأفضل والظاهر . PageV29P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" ثم شرعا يستوقفان الأمراء عن حصار دمشق . ~~فاتصل ذلك بالملكين فهرب جهاركس وقراجا وصار إلى بانياس ، فراسلهما الظاهر ~~وقبح فعلهما . فأعادا الجواب : إنا قد استشعرنا الخوف بسبب ما نسب الينا . ~~ونحن على الطاعة ومتى فتحت دمشق كنا في خدمتكما . وجد الظاهر في حصار دمشق ~~إلى أن نزل وقاتل بنفسه ، وجرح في رجله بسهم . ثم هرب الطنبا الهيجاوي من ~~عسكر الظاهر وتلاه علاء الدين شقير ، ودخلا دمشق . ودخل معهما جماعة من ~~المفاردة فانحل لذلك عزم الظاهر ، ورجع عن دمشق إلى بلاده وصحبه الملك ~~الأفضل . وقيل : بل كان سبب الرجوع عن دمشق أن الاتفاق كان قد حصل بين ~~الأخوين : الأفضل والظاهر ، على أنه إذا فتحت دمشق كانت للأفضل . فإذا ~~استقر بها ، سار هو والظاهر إلى مصر ms6659 ، وقاتلا العادل ، فإذا حصلت مصر لهما ~~تكون حينئذ للأفضل ، ودمشق للظاهر . فلما قوى الحصار على دمشق ولم يبق إلا ~~فتحها ، حسد الظاهر أخاه الأفضل عليها ، وقال آخذها لنفسي . فلاطفه الأفضل ~~وسأل أن ينعم بها عليه ، فامتنع ، وقال : إن فتحت تكون لي دونك . فلما أيس ~~منه الأفضل ، خرج من ساعته واجتمع بالأمراء ، وقال : إن كنتم خرجتم إلى فقد ~~أذنت لكم في الرجوع إلى العادل ، وإن كنتم خرجتم إلى أخي الظاهر فشأنكم ~~وإياه . وكتب في الوقت إلى عمه الملك العادل ، وهو يطلب منه سميساط وسروج ~~ورأس العين ، فأعطاه ذلك ، وحلف عليه . فلما اتصل ذلك PageV29P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" بالظاهر كتب أيضا إلى عمه العادل ، يطلب منه ~~منبج وأفامية وكفر طاب ، فأعطاه ذلك . وارتحلا عن دمشق . فبقى الأفضل ~~بسميساط ، إلى أن مات . وعاد الظاهر إلى حلب . وصحبه ميمون القصري . فأقطعه ~~الظاهر إقطاعات عظيمة . وهي : أعزاز وقلعتها ، والخوار وبلدها ، ونهر الجوز ~~وبلده ، وجسر الحديد وبلدها ، وأماكن متفرقة ، وأكرمه إكراما تاما . وبقي ~~في خدمته ، إلى أن مات في سنة عشر وستمائة . وسار معه أيضا سرا سنقر ~~والفارس البكي ، وجماعة الصلاحية ، وأقطعهم الإقطاعات الحسنة . وكان رحيلهم ~~عن دمشق في ذي الحجة ، سنة سبع وتسعين وخمسمائة ، وسار الملك العادل ودخل ~~دمشق . واصطلح مع الملك المنصور صاحب حماه . وتزوج العادل ابنته . ذكر ~~اتفاق الملوك الأيوبية وما استقر لكل منهم من الممالك قال المؤرخ : ثم ~~استقرت القاعدة بين الملوك ، في سنة تسع وتسعين وخمسمائة على أن يكون للملك ~~العادل الديار المصرية ، ودمشق والسواحل وبيت المقدس ، وجميع ما هو في يده ~~ويد أولاده ببلاد الشرق . PageV29P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" وأن يكون للملك الظاهر حلب وما معها . وأن ~~يكون للملك المنصور - ناصر الدين محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب ~~- حماه وأعمالها ، والمعرة وسلمية وبارين . وأن يكون للملك المجاهد أسد ~~الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه حمص ، والرحبة ، تدمر . وأن يكون للملك ~~الأمجد ، بن فرخشاه ابن شاهنشاه بن أيوب ، بعلبك وأعمالها . وأن يكون للملك ~~الأفضل ، بن الملك الناصر ، سميساط وبلادها ، لا ms6660 غير . وأن يقطع الملك ~~الظاهر خبز عماد الدين المشطوب ولا يستخدمه . فقطع خبزه ، فصار إلى الملك ~~العادل فلم يستخدمه ، وقال له : تخدم بعض أولادي . فقصد الملك الأوحد ، فلم ~~يستخدمه . فاستخدمه الملك الأشرف ، وندبه لحصار ماردين ، وحلف له على ~~أربعمائة فارس ، إذا فتحت . فسار ابن المشطوب إليها وحاصرها ، فأرسل صاحبها ~~إلى الملك الأشرف خمسة آلاف دينار ، فتركها . نعود إلى أخبار الملك العادل ~~، في أثناء هذه المدة التي قدمنا ذكرها ، والحوادث التي وقعت في خلالها . ~~وفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة ، في ذي القعدة ، اعتقل الملك العادل ، الملك ~~المؤيد والملك العزيز وهما : ابنا أخيه صلاح الدين يوسف . رحمه الله تعالى ~~. PageV29P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" ذكر خبر الزلزلة الحادثة بالديار المصرية ~~والبلاد الشامية ، وغيرها وفي هذه السنة في شعبان ، جاءت زلزلة من الصعيد ، ~~فعمت الدنيا في ساعة واحدة . وهدمت أماكن كثيرة بالديار المصرية ، ومات تحت ~~الهدم خلق كثير . وامتدت إلى الشام والساحل ، فهدمت مدينة نابلس ، فلم يبق ~~بها جدار قائم إلا حارة السامرة ، ومات تحت الهدم ثلاثون ألفا . وهدمت عكا ~~وصور وجميع قلاع الساحل . وامتدت إلى دمشق ، فرمت بعض المنارة بالجامع ، ~~وأكثر الكلاسة والبيمارستان النورى ، وعامة دور دمشق إلا القليل . وهرب ~~الناس إلى الميادين . وسقط من الجامع ستة عشر شرفة ، وتشققت قبة النسر . ~~وتهدمت بانياس وهونين وتبنين . وخرج قوم من بعلبك يجمعون الريباس من جبل ~~لبنان ، فالتقى عليهم الجبلان ، فماتوا بأسرهم . وتهدمت قلعة بعلبك - مع ~~عظم حجارتها . وامتدت إلى حمص ، وحماه ، وحلب ، والعواصم . وقطعت البحر إلى ~~قبرص ، وانفرق البحر فصار أطوادا ، وقذف بالمراكب إلى الساحل ، فتكسرت . ثم ~~امتدت إلى خلاط وأرمينية وأذربيجان والجزيرة . وأحصى من هلك في هذه السنة ، ~~بسبب هذه الزلزلة ، فكانوا ألف ألف إنسان ، ومائة ألف . وكانت قوة الزلزلة ~~، في مبدأ الأمر ، بمقدار ما يقرأ الإنسان سورة الكهف . ثم دامت بعد ذلك ~~أياما . حكى ذلك أبو المظفر يوسف سبط بن الجوزي في تاريخه : مرآة الزمان . ~~وقد ذكرت زلزلة أيضا في شعبان ، سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ، وذكر مما حدث ~~بسببها نحو هذا . فالله أعلم ms6661 : هل هي هذه ، أو هما اثنتان ؟ . PageV29P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" وفي هذه السنة توفي الأمير بهاء الدين قراقوش ~~الأسدي ، الزمام ، في مستهل شهر رجب بالقاهرة ، وله من العمر ثمان وثمانون ~~سنة . وهو الذي عمر سور القاهرة ، وقلعة الجبل وقناطر نهيا من الجيزة . ~~وعمر بالمقس رباطا ، وبظاهر القاهرة - خارج باب الفتوح - سبيل . والناس ~~ينسبون إليه في ولايته أحكاما غريبة ، حتى وضع الأسعد بن مماتى خبرا لطيفا ~~، سماه الفاشوش في أحكام قراقوش ، ذكر فيه أشياء يبعد وقوعها من مثله ، فإن ~~الملك الناصر صلاح الدين يوسف ، مع حسن تدبيره وسداد رأيه ، كان يعتمد عليه ~~في المهمات الجليلة والمناصب العالية ، وثوقا بمعرفته وكفايته . والله أعلم ~~. ولما مات ، أقطع الملك العادل إقطاعه لابنه الملك الكامل . وفيها ، في ~~يوم الاثنين مستهل شهر رمضان ، توفي بدمشق القاضي عماد الدين PageV29P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" محمد بن محمد بن حامد ، الأصفهاني ، الكاتب ، ~~صاحب الخريدة ، والرسائل المشهورة . ومولده في يوم الاثنين ، ثاني جمادى ~~الآخرة ، سنة تسع عشرة وخمسمائة . وفيها كانت وفاة الشيخ جمال الدين أبو ~~الفرج : عبد الرحمن ، بن علي ، بن عبيد الله ، بن حماد ، بن أحمد ، بن جعفر ~~، الجوزي الواعظ ، البكري التيمي ببغداد ، في الليلة المسفرة عن يوم الجمعة ~~، ثالث عشر رمضان . ودفن يوم الجمعة عند قبر الإمام أحمد بن حنبل - رحمهما ~~الله تعالى . واستهلت سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ذكر عمارة المسجد الجامع ~~بقاسيون في هذه السنة ، شرع الشيخ أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة ~~المقدسي الحنبلي شيخ المقادسة - رحمه الله تعالى - في بناء المسجد الجامع ، ~~بجبل قاسيون . وكان بالجبل رجل فامى ، يقال له أبو داود ، فوضع أساسه وبلغ ~~قامة ، وأنفق عليه ما كان يملكه . وبلغ مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل ~~ذلك ، فبعث إلى الشيخ أبي عمر مالا يملكه ، ووقف عليه وقفا . ثم أرسل ألف ~~دينار . وأراد أن يسوق إليه الماء من برزه ، فقال الملك المعظم عيسى : طريق ~~الماء كلها مقابر ، فكيف يجوز أن تنبش أموات المسلمين وأشار أن يشترى بغل ~~يدور بدولاب ، ويشترى ببقية المال ms6662 مكان يوقف عليه . ففعلوا ذلك . ذكر وفاة ~~الملك المعز صاحب اليمن وقيام أخيه نجم الدين أيوب كانت وفاة الملك المعز : ~~فتح الدين أبي الفدا إسماعيل ، بن الملك العزيز ، ظهير PageV29P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" الدين أبي الفوارس : سيف الإسلام طغتكين بن ~~أيوب ، ملك اليمن بالقرو من أعمال زبيد ، في شهر رجب سنة ثمان وتسعين ~~وخمسمائة . وكان قد ادعى أنه من بني أمية ، وتلقب بألقاب الخلفاء ، وهو ~~الإمام الهادي بنور الله ، المعز لدين الله ، أمير المؤمنين . وغير زيه ، ~~فلبس القميص الواسع والعمامة والطيلسان . وكتب إليه عمه العادل ينكر عليه ~~ذلك ، فلم يجبه . وكان سبب ذلك أن الشعراء باليمن سموه في مدائحهم بالخليفة ~~، وفضلوه على من سواه . ومنهم من امتدحه بقوله : بني العباس هاتوا ناظرونا ~~. . وهي أبيات لم يقع لي منها غير هذا . ولما مات ، قام بعده بملك اليمن ~~أخوه : نجم الدين أيوب ، وتلقب بالناصر . وكان دون البالغ ، فقام بأمره سيف ~~الدين : مملوك أبيه . وفيها توفي الرئيس مؤيد الدين ، أبو المعالي : أسعد ، ~~بن عز الدين أبي يعلى حمزة ، بن القلانسي التميمي بدمشق ، فجأة في رابع ~~عشرين شهر ربيع الأول . ومولده في سابع عشر شهر رمضان سنة سبع عشرة ~~وخمسمائة . وكان رئيس دمشق وكبيرها وصدرها . وسائر أهل البلد تحت حكمه ، ~~وهو المقدم عليهم . وكان الدماشقة في الزمن الأول لكل طائفة منهم مقدم ، ~~يركبون مع الملوك ويجاهدون الفرنج . ولكل طائفة قطعة من السور يحفظونها ، ~~بغير إقطاع لهم على ذلك ولا جامكية . وما برح الحال على ذلك إلى زمن الملك ~~المعظم عيسى بن PageV29P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" الملك العادل ، فأبطل ذلك وقال : لا نقاتل ~~بالعوام . وإنما فعل ذلك خوفا على نفسه منهم ، فإنهم كانوا إذا طلبهم ملك ~~قتلوه . ولما ولى الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل دمشق ، شرع في ~~مصادرة أكابر دمشق واستئصال أموالهم . فاشتغلوا بالظلم عما كانوا بصدده ، ~~من ركوب الخيل وجمع السلاح ، وغير ذلك . وكان مؤيد الدين هذا رئيس دمشق في ~~زمانه ، ومقدم الجماعة . بحيث أنه لا يباع من أملاك دمشق ملك ، حتى يأتيه ~~جماعة ويشهدون ms6663 عنده أنه ملك البائع ، انتقل إليه بالميراث أو الابتياع . ~~فإذا ثبت ذلك عنده كتب بخطه في ذيل الكتاب ليشهد فيه بالتبايع ، فيشهد ~~الشهود بعد ذلك . وخطه موجود في الكتب القديمة بذلك . وكان رحمه الله تعالى ~~من أرباب المروءات لمن قصده ولجأ إليه . وله نظم حسن ، فمن نظمه : يا رب جد ~~لي إذا ما ضمني جدثي . . . برحمة منك تنجيني من النار أحسن إلي إذا أصبحت ~~جارك في . . . لحدي ، فإنك قد أوصيت بالجار وتوفي والده عز الدين حمزة يوم ~~الجمعة ، سابع شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة . ودفن بقاسيون . ~~وكان فاضلا حسن الخط والنظم . وجمع تاريخا لحوادث سنة أربعمائة إلى حين ~~وفاته - رحمهما الله تعالى . وفي يوم عيد النحر من هذه السنة ، ورد إلى فوه ~~مراكب الروم فنهبوها نهبا شديدا . واستهلت سنة تسع وتسعين وخمسمائة : في ~~هذه السنة أخرج الملك العادل الملك المنصور ، بن العزيز ، من الديار ~~PageV29P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" المصرية إلى الرها . وفيها ملك الفرنج ~~القسطنطينية من الروم . وخرج الفرنج منها لقصد الساحل . فجمع الملك العادل ~~عساكره وخرج إليهم . فاستقر الصلح بينه وبينهم على أن يكون لهم من بلاد ~~المناصفات أشياء ، مثل الرملة والناصرة . وفيها بعث الخليفة - الناصر لدين ~~الله - الخلع إلى الملك العادل وأولاده ، وسراويلات الفتوة ، فلبسوها في ~~شهر رمضان . ذكر حصار ماردين وما حصل من الاتفاق وفي سنة تسع وتسعين ~~وخمسمائة ، جمع السلطان الملك العادل عساكره ، وفرق فيهم السلاح والأموال ، ~~وقدم عليهم ولده : الملك الأشرف موسى ، وأمره بالمسير إلى ماردين . فسار ~~إليها وحاصرها ، وشدد الحصار . فدخل الملك الظاهر غازي ، صاحب حلب ، في ~~الصلح بين عمه وصاحب ماردين . فأجاب الملك العادل إلى الصلح - على أن يخطب ~~له صاحب ماردين في PageV29P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" جميع بلاده ، ويضرب السكة باسمه ، ويحمل إليه ~~مائة ألف وخمسين ألف دينار ، ويكون عسكر ماردين في خدمته ، متى طلبه . ~~فأجاب صاحب ماردين إلى ذلك . فرحل الملك الأشرف عنها ، وحمل صاحب ماردين ~~إلى الملك الظاهر عشرين ألف دينار ، لتوسطه في الصلح . وحكى أن السبب في ~~حصار ماردين ms6664 أن شاعرا ، يقال له الكمال ، قال : متى تقبل الرايات من أرض ~~جلق . . . وتنتزع الشهباء من كف أرتق فبلغ هذا البيت أرتق صاحب ماردين ، ~~فاعتقل هذا الشاعر . فاتصل خبره بالملك العادل ، فندب هذا الجيش إليها . ~~والله أعلم . وفي هذه السنة - في أواخرها - حصل الشروع في عمارة سور قلعة ~~دمشق . فابتدئ ببرج الزاوية القبلى منها ، المجاور لباب النصر . وفيها ماجت ~~النجوم شرقا وغربا ، وتطايرت كالجراد المنتشر ، يمينا وشمالا . ولم ينقل ~~ذلك إلا في مبعث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وفي سنة إحدى وأربعين ~~ومائتين . ويقال إن هذه السنة كانت أكثر انتشارا . والله أعلم . واستهلت ~~سنة ستمائة في هذه السنة وصلت مراكب الفرنج من ساحل عكا إلى فوه ، فنهبوها ~~وغنموا كثيرا من أطرافها . وأقاموا عليها خمسة أيام . وخرج بعض عساكر مصر ~~فقاتلتهم . وفيها كانت وفاة الحافظ : عبد الغني بن عبد الواحد بن علي ، ابن ~~سرور بن رافع بن حسن بن جعفر ، المقدسي الحنبلي ، الجماعيلي . ولد بجماعيل ~~- وهي قرية من أعمال نابلس ، في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة . PageV29P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" وفيها ، في العاشر من جمادى الأولى ، كانت ~~وفاة القاضي السعيد أبو القاسم : هبة الله بن أبي الرداد - متولى المقياس ~~بجزيرة مصر - وكان خطيب الجامع . واستهلت سنة إحدى وستمائة : في هذه السنة ~~رخصت أسعار الديار المصرية . وبلغ سعر القمح ستة أرادب بدينار . وفيها قدم ~~الملك العادل من الشام في ثالث جمادى الآخرة وتوجه إلى الإسكندرية ، وحصل ~~منها أموالا جمة . وفيها ، أخرج الملك الكامل أولاد الخليفة العاضد لدين ~~الله ، وهم : داود والمظفر ، إلى الإيوان بالقصر ، وقيدهم ، وأخذ جميع ما ~~كان عندهم من الأقمشة والأواني وغير ذلك . وفيها ابتدأ الصاحب صفي الدين بن ~~شكر بمصادرة أصحاب الدواوين ، ومستخدمي الدولة والمتعينين ، وأهانهم ، لما ~~كان في باطنه منهم . وفيها توفي القاضي كمال الدين أبو السعادات : أحمد بن ~~القاضي جلال الدين أبي المعالي شكر ، بن محمود بن يعقوب اللخمي . وكان ناظر ~~الدواوين في الأيام الناصرية والعزيزية . وكانت وفاته بثغر الإسكندرية . ~~وهو الذي نوه بذكر الصاحب صفي الدين ورباه ، وصفي الدين ms6665 ربيبه . كان جلال ~~الدين شكر والمخلص أبو الحسن - والد الصاحب صفي الدين - إخوة لأم . ؟ ~~واستهلت سنة اثنتين وستمائة : في هذه السنة هدمت قنطرة الباب الشرقي بدمشق ~~، وبلط بحجارتها صحن الجامع ، وفرغ منها في شهر رمضان سنة أربع وستمائة ، ~~وفيها في شوال غير قبة النسر بجامع دمشق ، عدة أضلاع من شماليها . والله ~~أعلم . PageV29P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" واستهلت سنة ثلاث وستمائة ذكر قصد العادل بلاد ~~الفرنج في هذه السنة في جمادى الأولى ، وقيل في شعبان ، خرج الملك العادل ~~بعساكره وقصد عكا . فصالحه أهلها . فعاد إلى دمشق . وخرج الفرنج من طرابلس ~~، وأغاروا على حمص . فخرج الملك العادل من دمشق ، ونزل على بحيرة قدس بظاهر ~~حمص ، وحضرت إليه عساكر البلاد . فأقام إلى آخر شهر رمضان . وتوجه يوم ~~العيد إلى حصن الأكراد ، وقاتل أشد قتال ، وفتح برجا بالقرب من الحصن ، ~~وأخذ منه خمسمائة رجل وسلاحا . ثم سار إلى القليعات ، فأخذها بعد حصار . ~~وتقدم إلى طرابلس ، وقاتل قتالا شديدا ، وأقطع ثمارها . ثم أنس من عسكره ~~فشلا ، فعاد إلى حمص . فأنفذ إليه صاحب طرابلس وطلب الصلح ، وأرسل مالا ~~وأسرى . وفيها توفي الطواشي جمال الدين إقبال ، الخادم الصلاحي ، من خدام ~~الملك الناصر صلاح الدين يوسف . وكانت وفاته بالبيت المقدس ، بعد أن وقف ~~داريه بدمشق مدرستين : إحداهما على الطائفة الشافعية ، والأخرى على طائفة ~~الحنفية ، ووقف عليهما أوقافا : جعل ثلثيها للشافعية وثلثها للحنفية . وذلك ~~في رابع عشر ذي القعدة . واستهلت سنة أربع وستمائة ذكر انتقال السلطنة من ~~دار الوزارة بالقاهرة إلى قلعة الجبل وأول من سكن قلعة الجبل من الملوك ~~الملك الكامل ناصر الدين محمد ، بن السلطان الملك العادل . وذلك في سنة ~~أربع وستمائة - وهو إذا ذاك ينوب عن والده بالديار المصرية . PageV29P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" وأول من بدأ بعمارتها الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف . فعمر بها برجا ، وهو المطل على مشهد السيدة نفيسة . ثم كملت في أيام ~~الملك العادل . ونقل أولاد العاضد من القصر إلى قلعة الجبل ، وبنى لهم بها ~~مكان اعتقلوا فيه . فكانوا فيه إلى سنة إحدى وسبعين وستمائة ms6666 . وتوفي الأمير ~~داود في هذه السنة . ذكر ورود رسل الخليفة الناصر لدين الله بالخلع للملك ~~العادل وأولاده ووزيره كان السلطان الملك العادل قد جهز القاضي نجم الدين ~~خليل الحنفي - قاضي عسكر الشام - رسولا إلى الخليفة الناصر لدين الله ، ~~فوصل إلى بغداد في هذه السنة فجهز الخليفة إلى السلطان رسولين ، وهما : ~~الشيخ شهاب الدين اسهروردي ونور الدين سنقر الركني الخليفتي . وأصحبهما ~~الخلع للسلطان ، ولولديه : الأشرف والمعظم ، ولوزيره صفي الدين بن شكر ، ~~ولأستاذ داره شمس الدين إلدكز العادلي . وكانت خلعة السلطان جبة أطلس وسيعة ~~الكم بطراز ذهب ، وعمامة سوداء بطراز ذهب ، وطوق ذهب مجوهر ، وسيف جميع ~~ملبس بالذهب ، وحصان أشهب بمركب ذهب ، وقصبة ذهب عليها علم أسود ، مكتوب ~~عليه بالبياض . فتلقاها السلطان الملك العادل إلى الغسولة بجميع عساكره ، ~~وعاد . ولبسوا الخلع من القصر إلى القلعة بدمشق . وحمل الأمير بدر الدين ~~دلدرم التقليد على رأسه بين يدي السلطان ، ودخلوا جميعهم من باب الحديد وقت ~~أذان الظهر . وقرأ الوزير PageV29P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" التقليد قائما ، بمحضر من القضاة وبياض البلد ~~، بإيوان القلعة ، والسلطان وأولاده وسائر من حضر قياما إلى أن تكاملت ~~قراءته . وتضمن التقليد تفويض البلاد إلى السلطان ، وهي ديار مصر والساحل ~~ودمشق ، وبلاد الشرق وخلاط . وحضرت رسل الملوك : الظاهر صاحب حلب ، ~~والمنصور صاحب حماة ، وصاحب حمص ، ومع كل منهم ألف دينار ، ينثرها على ~~السلطان . فرسم السلطان بتوفير ذلك لرسول الخليفة . وسار الشيخ شهاب الدين ~~ورفيقه إلى القاهرة ، بخلعة الملك الكامل . فتلقاهما الملك الكامل ، وزينت ~~القاهرة ومصر لدخول الرسل . ولبس الكامل الخلعة الخليفية . ثم عاد الشيخ ~~شهاب الدين السهروردي ورفيقه إلى بغداد . وأصحبهما السلطان أستاذ داره شمس ~~الدين ، وصحبته التحف والألطاف . فوصل إلى بغداد في سنة خمس وستمائة . ~~فتلقى بالموكب . ونقم الخليفة على الشيخ شهاب الدين السهروردي كونه مد يده ~~إلى الأموال وقبلها ، وحضر دعوات الأمراء بالشام ، منهم الأمير عز الدين ~~سامه وغيره . وكان قبل ذلك قد اشتهر بالزهد . فاعتذر أنه إنما قبل الأموال ~~ليفرقها في الفقراء فلم يقبل عذره . ومنع من الوعظ ، وأخذ منه ms6667 الربط التي ~~كانت بيده . وفرق الشيخ ما كان قد حصل له من الأموال - وكانت جملة طائلة - ~~فاغتنى بها جماعة من الفقراء . وقبل الخليفة ما كان مع شمس الدين إلدكز من ~~الهدايا ، وشرفه وأعاده إلى مرسله . ذكر استيلاء الملك الأوحد ابن السلطان ~~الملك العادل على خلاط وفي سنة أربع وستمائة ، استولى الملك الأوحد : نجم ~~الدين أيوب ، بن الملك العادل على مدينة خلاط ، بمكاتبة أهلها . وكان سبب ~~ذلك أن الهزار ديناري قتل صاحبها ابن بكتمر - وكان شابا لم يبلغ عشرين سنة ~~- وقيل انه غرقه في بحر خلاط . وكانت أخته بنت بكتمر زوجة صاحب أرزن الروم ~~، فقالت : لا أرضى إلا بقتل قاتل أخي . فسار صاحب أرزن إلى خلاط فخرج إليه ~~الهزار ديناري وتبارزا ، فقتله صاحب أرزن الروم . وعاد إلى أرزن . وبقيت ~~خلاط بغير ملك . وكان الملك الأوحد - صاحب ميافارقين - يكاتبه أعيان خلاط . ~~فجاء إليهم PageV29P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" واستولى على المدينة . واشترط عليه مقدموها ~~شروطا ، وكانوا جبابرة ، فقبل الشروط . ثم أبادهم - قتلا وتغريقا - وبدد ~~شملهم . ومن عجيب ما اتفق أن الملك العادل ، سيف الدين ، كان له عدة أولاد ~~، ليس فيهم أقبح صورة من الملك الأوحد هذا ، فإنه كان قصيرا ألثغ زري ~~المنظر . فخرج مع والده وإخوته إلى الصيد . فأرسل والده بازيا على طائر ، ~~فسقط البازي على رأس الأوحد ، فضحك السلطان والده ، وقال : قد صاد بازينا ~~اليوم بومة فانكسر خاطر الأوحد لذلك ، وتألم وأسرها في نفسه . فلما قدر ~~الله تعالى له بفتح خلاط ، وخطب له بشاه أرمن على قاعدة ملوك خلاط ، كتب ~~إلى أبيه الملك العادل ، يبشره بالفتح ، ويقول له : إن البومة - التي صادها ~~بازي مولانا السلطان في اليوم الفلاني - قد اصطادت مدينة خلاط ، وصارت شاه ~~أرمن وكان بين الواقعتين عشر سنين . وفي هذه السنة ، في شهر رجب ، وضعت ~~الساعات بالمئذنة الشمالية بجامع دمشق . وفيها حصل الشروع في عمارة البرج ~~الذي يقابل المدرسة القيمازية من قلعة دمشق . وفيها حدثت زلازل ورياح شديدة ~~ببلاد خلاط ، وخسف بمكان الملك الأوحد بن الملك العادل قد نزل به ثم ms6668 رحل ~~عنه ، قبل الخسف بليلة . وفيها كانت وفاة الأمير داود ، بن الخليفة العاضد ~~لدين الله ، في محبسه بقلعة الجبل . وكان دعاة الإسماعيلية يقولون إن ~~العاضد نص عليه بالإمامة ، وأنه صاحب الأمر بعده . وكان عظيما عند العامة . ~~فلما توفي انقطعت دعوة الإسماعيلية وزال أمرهم . وأشهر العادل وفاته ، فعظم ~~موته على من هو يتوالي فيهم . فاستأذن الناس الملك PageV29P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" الكامل في النياحة عليه وندبه ، فأذن لهم . ~~فبرز النساء حاسرات ، والرجال في ثياب الصوف والشعر ، وأخذوا في ندبه ~~والبكاء عليه . واشتهر من كان مستترا من الإسماعيلية . فلما اجتمعوا وكملوا ~~، أرسل الملك الكامل جماعة من عسكره ، فنهبوا ذلك الجمع ، وقبض على ~~المعروفين منهم ، وملأ بهم الحبوس ، واستصفى أموال ذوي اليسار منهم ، وهرب ~~جماعة آخرون . وزال أمر الإسماعيلية من الديار المصرية . ولم يتجاهر بعد ~~ذلك أحد بمذهبهم . واستهلت سنة خمسة وستمائة : في هذه السنة في يوم الجمعة ~~، خامس شهر رمضان ، ولى قاضي القضاة عماد الدين عبد الرحمن ، بن عبد العلي ~~، بن علي ، السكري - القضاء بالديار المصرية . وذلك أن الملك العادل كان قد ~~خرج إلى الشام في شعبان ، فلما وصل إلى العباسة ، بلغه وفاة قاضي القضاة : ~~صدر الدين عبد الملك بن درباس . وكانت وفاته في ليلة الأربعاء ، الخامس من ~~شهر رجب ، من هذه السنة . ومولده في أواخر سنة ست عشرة ، أو أوائل سنة سبع ~~عشرة وخمسمائة . ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى . ولما اتصلت وفاته ~~بالسلطان ، استدعى الفقيه عماد الدين ، فسار إلى العباسة . فولاه الحكم ، ~~وعاد إلى القاهرة . فدخلها في يوم الاثنين ، ثامن الشهر . ولما وصل إلى ~~مسجد التبن ، دخل إليه - ومسجد التبن بظاهر القاهرة - ولبس الطرحة وألقى ~~الطيلسان . وكانت العادة جارية أن لا يتطرح إلا من علم فضله واشتهر . وفيها ~~كانت وفاة الملك الأمجد : مجد الدين حسن ، بن السلطان الملك العادل سيف ~~الدين أبي بكر محمد ، بالقدس - وهو شقيق الملك المعظم والملك العزيز - ~~رحمهم الله تعالى . واستهلت سنة ست وستمائة : في هذه السنة - وقيل في سنة ~~سبع - نزلت الكرج على خلاط ، وبها الملك PageV29P0028 # """""" صفحة ms6669 رقم 29 """""" الأوحد ، بن الملك العادل . وملك الكرج اسمه ~~إيراني . واتفق في أمر هذا الحصار واقعة غريبة ، ذكرها الشيخ شمس الدين ~~محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم الجزري في تاريخه : حوادث الزمان ~~عمن حكى لوالده ، قال : كنت في خلاط ، وقد أشرف الكرج على فتحها ، ولم يبق ~~إلا دخولهم إليها . فبلغ الملك الأوحد أن منجم ايراني قد حكم لصاحبه أنه ~~متى زحف يوم السبت أول النهار ، دخل خلاط ، وجلس على تحت الملك ، ولا يبيت ~~ليلة الأحد إلا في قلعته . فأحضر الملك الأوحد منجمه ، وذكر له ما بلغه ، ~~فقال له : لا تخف ، فإن خلاط لا تخرج عن ملكك ، وأنت مستظهر على الكرج . ~~واتفق أن إيراني شرب الخمر ، وركب في جيوشه وقصد باب أرجيش ، وحمل ليدخل ~~البلد قبل أخيه ، فكبا به فرسه في حفيرة ، فسقط إلى الأرض . واتفق خروج ~~جماعة من القيمرية من ذلك الباب ، ليدفعوا الكرج من البلد ، فرأوا إراني قد ~~سقط ، فحملوا على أصحابه وكشفوهم عنه ، وأسروه . ودخلوا باب المدينة ، وقد ~~تجهز الملك الأوحد للهزيمة ، فجلس في القلعة أمام تخت المملكة على كرسي . ~~وكان بقلعة خلاط تخت عظيم ، لا يجلس عليه الملك إلا في يوم ملكه ، ثم لا ~~يعود يجلس عليه . فلما أحضر ملك الكرج إليه ، تلقاه وأكرمه ، وأجلسه على ~~تخت الملك وجلس بين يديه على كرسي ، وقال له : البلاد لك . فكتب إيراني إلى ~~أخيه ، وإلى الكرج ، بالانصراف عن البلد ، فرحلوا . وتحالف الملك الأوحد ~~وملك الكرج على الموافقة والمعاضدة . وتزوج الملك الأوحد ابنة إيراني ، ~~وجهزه إلى مدينته تفليس ، بعد أن استأذن والده على ذلك ، فأذن له . ويقال ~~كان إطلاقه في ثاني عشر جمادى الأولى ، سنة سبع وستمائة . والله أعلم . ~~وزفت PageV29P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" البنت إلى الملك الأوحد بعد ذلك ، وهي على ~~دينها ، وبنى لها بيعة بقلعة خلاط . وأطلق الكرج القلاع التي كانت أخذت - ~~وهي احدى وعشرون قلعة - ومائة ألف دينار . ووافق قول كل من المنجمين : جلس ~~الكرجي على تخت الملك ، وبات بالقلعة ، وانتصر الأوحد . وفيها جهز الملك ~~العادل جمال ms6670 الدين المصري رسولا إلى الخليفة . فأدى ، وأعيد . وصحبه من ~~الديوان العزيز ابن الضحاك وأقباش الناصري . فاجتمعوا بالسلطان الملك ~~العادل على رأس العين . ذكر حصار الملك العادل سنجار ورجوعه عنها وأخذ ~~نصيبين والخابور وفي سنة ست وستمائة ، سار الملك العادل إلى سنجار - ~~وصاحبها ، يوم ذاك ، قطب الدين بن عماد الدين زنكي . فلما خيم بظاهرها ، ~~أخرج صاحبها نساءه وخدمه ، يسألن العادل إبقاء المدينة عليه . فلما حصلن ~~عنده ، أمر باعتقالهن . وأرسل إلى قطب الدين ، يقول : انه لا يطلقهن إلا ~~بعد تسليم البلد . فاضطر إلى موافقته . وتقررت الحال بينهما : أن يعوض قطب ~~الدين الرقة وسروج وضياع في بلاد حران . فأطلق العادل النسوة ، وأرسل ~~أعلامه إلى البلد ، فلما دخلن البلد ، ودخلت الأعلام العادلية ، أمر قطب ~~الدين بغلق الأبواب وتكسير الأعلام . وأرسل إلى العادل ، PageV29P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" يقول : غدرة بغدرة ، والبادي أظلم . فحاصرها ~~العادل ، وقطع أشجارها وهدم جواسقها . فانتصر صاحب الموصل لصاحب سنجار ، ~~خوفا على بلاده . وراسل مظفر الدين صاحب إربل ، وكان بينهما وحشة . وكان من ~~جملة رسالة صاحب الموصل له : أن الأحقاد تذهبها الشدائد . فراسل مظفر الدين ~~العادل ، يشفع عنده في صاحب سنجار . فرد رسوله أقبح رد . فمضى إلى صاحب ~~الموصل ، واتفق معه ، وراسلا صاحب الجزيرة . وأرسل مظفر الدين إلى صاحب ~~سنجار ، يشير عليه بمراسلة الخليفة . فأرسل إليه ، فمضى الرسول إلى بغداد . ~~فأرسل الخليفة إلى العادل ، يشفع عنده في صاحب سنجار . فلم يجب العادل لذلك ~~. فغضب رسول الخليفة ، وعاد إلى الموصل ، وقال لمن بها من الملوك : قد أذن ~~لكم أمير المؤمنين في قتال العادل . فكتبوا إلى الملك الظاهر صاحب حلب ، ~~وأغروه بعمه . فأرسل أخاه الملك المؤيد : نجم الدين مسعود إلى عمه ، يشفع ~~في صاحب سنجار . فرده أقبح رد . فبرز الظاهر من حلب ، في ثامن شعبان ، لقصد ~~العادل . فتفرقت عساكره ، والتحق بعضها بالعادل . ثم رأى أهل سنجار أن من ~~خرج منهم غصبه عسكر العادل ، وفسقوا بمن خرج من النساء ، فقاتلوا قتال ~~الحريم . فاضطر العادل إلى الصلح مع صاحب سنجار . فتقرر أن يسلموا إلى ~~العادل : نصيبين والخابور ms6671 ، ويحملوا إليه مالا . ففعل ، وفارق سنجار . ~~وفيها كانت وفاة الملك المؤيد : نجم الدين مسعود بن السلطان صلاح الدين ~~يوسف بن أيوب ، برأس عين ، عند منصرفه من عند عمه الملك العادل ، برسالة ~~أخيه بسبب سنجار . وكان قد نام في بيت مع ثلاثة نفر ، وعندهم منقل فيه نار ~~، والبيت بغير منفذ ، فانعكس البخار فأخذ على أنفاسهم ، فماتوا جميعا فحمل ~~المؤيد في محفة إلى حلب ، فدفن بها . وفيها توفي الشيخ الإمام العلامة : ~~فخر الدين أبو عبد الله ، محمد بن عمر بن الحسين بن علي بن محمد ، التيمي ~~البكري الطبرستاني الأصلي ، الرزاي - المعروف بابن PageV29P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" خطيب الري ، الفقيه الشافعي ، صاحب التصانيف ~~المشهورة . وكانت وفاته بهراه في يوم الاثنين - وهو يوم عيد الفطر - سنة ست ~~وستمائة . ومولده في خامس عشر شهر رمضان ، سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة . ~~وفيها كانت وفاة القاضي الأسعد : أبي المكارم أسعد بن الخطير أبي سعيد ، ~~مهذب بن مينا بن زكريا بن أبي قدامة ، بن أبي مليح مماتي ، المصري الكاتب ~~الشاعر . كان يتولى نظر الدواوين بالديار المصرية . وكان نصرانيا فأسلم في ~~ابتداء الدولة الناصرية الصلاحية ، هو وجماعته . وله مصنفات عديدة : نظم ~~سيرة الملك الناصر صلاح الدين ، ونظم كتاب كليلة ودمنة . وله ديوان شعر . ~~وباشر ديوان الجيش الصلاحي ، ثم ولى نظر الدواوين . وخاف الصاحب صفي الدين ~~بن شكر فهرب إلى حلب ، والتحق بالملك الظاهر صاحبها . وكانت وفاته بحلب في ~~سلخ جمادى الأولى سنة ست وستمائة ، وعمره اثنتان وستون سنة . ودفن بالمقبرة ~~المعروفة بالمقام ، على جانب الطريق بالقرب من مشهد الشيخ الهروي . ومماتي ~~لقب أبي المليح جده الأعلى . وسبب تلقيبه بهذا اللقب أنه وقع بمصر غلاء ~~عظيم ، وكان كثير الصدقة والإطعام ، خصوصا لأطفال المسلمين ، وكان الأطفال ~~إذا رأوه نادوه : مماتي ، فغلب عليه . حكى ذلك ابن خلكان عن الحافظ زكي ~~الدين عبد العظيم - رحمه الله تعالى . واستهلت سنة سبع وستمائة : في هذه ~~السنة - في يوم الاثنين الثاني والعشرين من شعبان - قدم الملك العادل إلى ~~القاهرة ، وصحبته الصاحب صفي الدين عبد الله بن شكر . ثم ms6672 توجه إلى الطور ~~لعمارته . PageV29P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" وفي هذه السنة ، في سابع شوال ، حصل الشروع في ~~عمارة مصلى ظاهر دمشق ، وهي المجاورة لمسجد النارنج ، فعمرت لصلاة العيدين ~~، ثم عمل بالمصلى رواقات في سنة ثلاث عشرة وستمائة ، وعملت حيطانه ورتب فيه ~~خطيب لإقامة صلاة الجمعة في سابع عشر من شهر رمضان . وفيها ، في حادي عشر ~~من شهر شوال جددت أبواب جامع دمشق من جهة باب البريد ، وعملت بالنحاس ~~الأصفر وركبت . وفي سادس عشر من شوال حصل الشروع في إصلاح الفوارة بجيرون . ~~وعمل الشاذروان والبركة . بساحتها ، واتخذ فيها مسجد بإمام راتب . وأول من ~~رتب فيه - بأمر الصاحب صفي الدين بن شكر - الشيخ نفيس الدين المصري ، كان ~~يلقب بوق الجامع لقوة صوته ، وكان حسن الصوت . وفيها في سابع عشر من ذي ~~القعدة ، وصلت مراكب الفرنج إلى ثغر دمياط ، على غرة من أهله . فنهبوا ~~أطراف الثغر ، وأسروا جماعة من المسلمين . واستهلت سنة ثمان وستمائة : ~~والسلطان الملك العادل ، وابنه الملك المعظم ، نازلان بالمخيم على الطور ، ~~ومعهما العساكر ، لعمارة حصنه . وهما مجتهدان في إدارته حوشا . ذكر بناء ~~القبة على ضريح الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - وعمارة السوق كان ~~ابتداء عمارة هذه القبة في سنة ثمان وستمائة وكانت أرض هذا المكان مقبرة ~~عتيقة . فاتفق أن الملك الناصر صلاح الدين يوسف أنشأ المدرسة المجاورة ~~للضريح . فلما كان في هذه السنة ، في خامس عشر من صفر ، توفيت والدة الملك ~~الكامل ، وكان الملك الكامل ، قبل وفاتها بأيام ، ركب وطوف القرافة على ~~مكان يبنيه عليها ، ويجعل فيه سوقا . فوقع الاختيار على دفنها بالضريح . ~~فلما توفيت ، دفنها وعمر عليها هذه القبة الموجودة الآن . وغرم عليها ~~أموالا جليلة المقدار ، أجرى إليها الماء الحلو من بركة PageV29P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" الحبش وانتقل البناء من القرافة الكبرى إلى ~~هذا الموضع . ثم تغالى الناس بعد ذلك في العمائر بالقرافة وزخرفوها ، حتى ~~صارت على ما هي عليه الآن . وفي هذه السنة ، كانت وفاة الأمير فخر الدين ~~أبي المنصور ، أياز جهاركس ، الناصري الصلاحي ، بدمشق في صفر ، ودفن ~~بقاسيون . وكان ms6673 الملك العادل قد أقطعه بانياس وتبنين والشقيف وهونين وتلك ~~البلاد ، لأجل انحرافه عن الملك الأفضل ، ابن أخيه الملك الناصر . ولما مات ~~جهاركس ، أقر السلطان ما كان بيده على ابنيه . وقام بالأمر والتدبير الأمير ~~صارم الدين خطلبا التبنيني أحسن قيام ، وسد تلك الثغور . واشترى صارم الدين ~~ضيعة بوادي بردى تسمى الكفر ، ووقفها على تربة جهاركس ، وعمر له قبة . ~~وفيها توفي الأمير صارم الدين برغش العادلي ، بدمشق ، في ثالث وعشرين صفر ، ~~ودفن بقاسيون غربي بالجامع المظفري . واستهلت سنة تسع وستمائة ذكر عزل ~~الصاحب صفي الدين عبد الله بن علي بن شكر وولاية الصاحب الأعز بن شكر وفي ~~يوم الاثنين ، لسبع مضين من شهر ربيع الأول ، سنة تسع وستمائة ، صرف الصاحب ~~صفي الدين من الوزارة وألزم داره . ونحن الآن نذكر في هذا الموضع سبب ~~اتصاله بخدمة السلطان العادل ، وموجب انفصاله . PageV29P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" كان قد اتصل بالخدمة العادلية في أواخر الأيام ~~الناصرية . فلما مات ابن النحال النصراني - كاتب الملك العادل - تقدم صفي ~~الدين ، فرآه شهما مقداما فقدمه ، وتمكن من دولته . فلما كانت حادثة الأفضل ~~، ورجوعه عن دمشق بعد حصارها ، وخرج العادل في طلبه اجتاز بالبيت المقدس ، ~~ومعه صفي الدين ، فتحلف معه أنه إن قدر الله تعالى له بملك الديار المصرية ~~، يمكنه من المصريين ، وحلفه على ذلك فحلف له . فلما ملك العادل الديار ~~المصرية ، لم يتمكن صفي الدين من مصادرات المصريين ، لأمرين : أحدهما ما حل ~~بالناس من الغلاء المشهور ، والثاني ملازمة العادل ببلاد الشام . فلم يزل ~~كذلك إلى سنة اثنتين وستمائة عند قدوم العادل من الشام ، فأمسك الصاحب ~~جماعة من رؤساء المصريين ، وأصحاب الدواوين والمستخدمين وغيرهم ، وعاقبهم ~~أشد عقوبة ونكل بهم ، وفعل بهم ما أوجب حقد الناس عليه . وكثر بطشه بالناس ~~، وأقام لنفسه حرمة عظيمة زادت على حرمة السلطان وعظم أمره ، حتى كان أولاد ~~الملك العادل يأتون إلى داره فيجلسون على بابه ، حتى يؤذن لهم ، فثقل ذلك ~~على أمراء الدولة وخاطبوا السلطان في أمره ، وهو لا يسمع فيه كلام متكلم . ~~فلما كان في سنة ms6674 ست وستمائة - والسلطان على سنجار - اتفق أن الصاحب تحدث ~~معه في شيء ، لم يوافق رأى السلطان ، فتوقف عن إجابته . فقام الصاحب من ~~مجلس السلطان ، وقد غضب ، وجرح جرحا مفرطا في المجلس ، حتى خجل العادل ممن ~~حضره ، ووجدوا للكلام مجالا فتكلموا فيه . وكان العادل من أثبت الناس ، ~~وأحلمهم وأقلهم بطشا ، وصفي الدين بخلاف ذلك . فبقيت هذه الحادثة في نفس ~~السلطان كامنة . وكان القاضي الأعز بن شكر في هذه السفرة نائب الوزارة ~~بالديار المصرية ، وهو ناظر الدواوين بها في خدمة الملك الكامل ، فحصل ~~بينهما مودة . فحسده من كان ينوب عن الصاحب في الوزارة قبله . وكانوا ~~يكاتبون الصاحب ويقولون له إن الأعز قد توثب عليك ، واتصل بالكامل وتمكن ~~منه . فلما كان في ذي الحجة ، سنة سبع وستمائة ، اجتمع بنو شكر عند الصاحب ~~على طعامه . فأشار أن توضع زبدية طعام مخصوص بين يدي الموفق - وهو أحد من ~~كان ينوب عن الوزارة - فقال أحد الحاضرين : يده طويلة - يريد أنها تطول ~~لمكان الزبدية . فقال آخر : طولها الذي صرفه من نيابة الوزارة - يعرض به ~~أنه كان يتبرطل فضحك الأعز ضحكا مفرطا ، بمعنى أنه أمين ، ليس فيه ما يقال ~~كما قيل في غيره فغضب PageV29P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" الصاحب لذلك وانتهره ، لإساءته في مجلسه ~~بالضحك . فأسرع الأعز في القيام إلى داره . فلما قام ، قال بعض من حضر ~~للصاحب : لا تأمنه من سوء يكيدك به . وأغروه به ، فأمر باحضاره . فلما جاءه ~~الرسول ، علم أنه إن وقع في يده لا يأمنه على نفسه . فتسور من مكان في داره ~~، وطلع إلى القلعة ، واحتمى بالكامل . فلما سمع الصاحب بذلك طلبه من الكامل ~~، فدافعه به . فغضب واجتمع بالملك العادل ، وقال : ان الأعز لزمه حساب ، ~~وقد أحماه الكامل علينا . وكرر عليه القول . فتحدث العادل مع ابنه الكامل ~~في ذلك ، فقال : يصلح بينهما . وقصد الكامل بذلك مدافعة الأيام ، ليقع سفر ~~العادل إلى الشام معه ، فيسكن ما عند الصاحب منه ، فلم يزده ذلك إلا حنقا . ~~فلما كان في آخر ذي الحجة - سنة ثمان وستمائة - ركب الكامل إلى ms6675 دار الوزارة ~~، وحضر مجلس الوزير ، والأعز معه ، وأصلح بينهما . فاصطلحا ظاهرا ، ~~والبواطن بخلاف ذلك . وقصد الصاحب أن الأعز إذا انصرف إلى داره ، قبض عليه ~~، فلم يفارق الأعز الخدمة الكاملية بالقلعة . فازداد الصاحب حنقا عليه ، ~~وتحدث مع العادل أن يعزل عن نظر الدواوين . فتوقف السلطان في ذلك . وتمادى ~~الأمر ، إلى آخر صفر . فامتنع الصاحب من الكتابة على المناشير والتواقيع ، ~~وحلف أنه لا يباشر والأعز يكتب معه أيدا ، فتعطلت أحوال الناس ، وشكوا ذلك ~~إلى السلطان . فأرسل إلى الصاحب بروضه ، ويقول : لا بد أن أمكنك من الأعز ، ~~وهو لا يزداد إلا غضبا وإساءة في الجواب . فإذا عاد رسول السلطان إليه ، لا ~~يمكنه مخاطبته بما قاله الصاحب ، ويغالط في الجواب . فأرسل السلطان بعض ~~الأمراء إلى الصاحب برسالة ، ومعه أحد مماليكه ، وقال له احفظ ما يقوله ~~الصاحب ، وأعده علي . فكان من جملة قول الصاحب : والله لاكتبت والأعز يكتب ~~معي أبدا . فعند ذلك ، خرج السلطان على ابنه الكامل وانتهره ، وأغلظ في ~~القول ، وقال : يسلم الأعز إلى الصاحب في هذه الساعة . فلما عاد الكامل إلى ~~القلعة ، تلقاه الأعز على عادته . فقال : قد أمر السلطان بتسليمك للصاحب ، ~~وخرج علي بسببك ، وعجزت عن حمايتك . فقال له الأعز : يا مولانا ، والله ~~عداوتي للصاحب بسببك وهو أنه كاتبني في حقك أنه لا بد أن يعمل على صرفك من ~~مملكة الديار المصرية ، وأن يجعل عوضا عنك الأشرف موسى . وهذه كتبه إلي . ~~فلما وقف الكامل على الكتب كان من جملة ما تضمنته : وأما هذا المجنون - ~~يشير إلى الكامل - فلا بد من صرفه ، وإحضار الأشرف إلى الديار المصرية . ~~وتضمنت من سبه وشتمه كثيرا . فعاد الكامل للعادل ، والكتب معه ، وجاء في ~~غير الوقت المعتاد . فقال له العادل : PageV29P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" ما جاء بك الآن ؟ فقال : هذا الصاحب يريد أن ~~يوقع بين السلطان وأولاده ، وبين الإخوة . هذه كتبه للأعز ، وعداوته بسببها ~~. فلما وقف العادل عليها ، عظم عليه سبه لابنه - وكان العادل يداري جميع ~~أولاده ، خوفا أن يقوم أحدهم عليه ، فتنخرق حرمته - فقال نعزله ، ولا يسلم ~~إليه ms6676 الأعز . ويكتب الأعز وحده . فخرج الكامل لوقته ، واستدعى الأعز فخر ~~الدين أبا الفوارس مقدام ، بن القاضي جمال الدين أحمد بن شكر . وأمر أمير ~~جانداره بجمع الدواوين وتسليمهم للأعز . فسلمهم إليه . وجلس الصاحب الأعز ، ~~وتحدث في الوزارة لوقته . وقام الصاحب صفي الدين من مجلس الوزارة ولازم ~~داره . ثم كان من خبر مصادرته ، وإخراجه من الديار المصرية ما نذكره - إن ~~شاء الله تعالى . ذكر حادثة الأمير عز الدين أسامة واعتقاله والاستيلاء على ~~قلاعه كان الأمير عز الدين أسامة الجبلي من أكابر الأمراء ، وصهر الملك ~~العادل . وهو الذي بني الجسر الذي على نهر الأردن ، المعروف بجسر أسامة . ~~وقيل أنه هو الذي بني قلعة عجلون . وكانت داره بدمشق ، التي هي الآن ~~المدرسة البادرائية بدمشق . PageV29P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" فاتهمه السلطان بمباطنة الملك الظاهر صاحب حلب ~~، واستوحش هو أيضا من السلطان الملك العادل وأولاده ، فقصد الانحياز إلى ~~قلاعه - وكان له عجلون وقلعة كوكب . واتفق أن السلطان توجه في هذه السنة ~~إلى ثغر دمياط ، وصحبته أولاده الملك الكامل والملك المعظم والملك الفائز ، ~~فاغتنم عز الدين أسامة غيبتهم ، وركب من القاهرة في يوم الاثنين سلخ جمادى ~~الآخرة ، وخرج وأظهر أنه يريد الصيد . فلما مر ببلبيس ، بطق متوليها إلى ~~السلطان يخبره . فقال الملك العادل : من ساق خلفه فله أمواله وقلاعه . ~~فانتدب الملك المعظم لذلك . وركب من ثغر دمياط ليلة الثلاثاء ، غرة شهر رجب ~~. وساق في ثمانية ممن يعتمد عليهم ، وعلى يده حصان جنيب فوصل إلى غزة صبح ~~الجمعة ، وسبق أسامة إليها ، وأمسك عليه الطرق . وأما أسامة فإنه تقطعت عنه ~~مماليكه ومن كان معه ، وبقي وحده ، وبه مرض النقرس . ووصل إلى الداروم ~~فعرفه بعض الصيادين ، فأعطاه أسامة ألف دينار ، وقال : خذ هذه وأوصلني إلى ~~الشام . فأخذه وجاء إلى رفاقه فعرفوه ، وتوجهوا به على طريق الخليل ، ~~ليتوجهوا به إلى عجلون . فوصلوا به إلى القدس ، في يوم الأحد سادس من شهر ~~رجب . ونزل بصهيون - وهي ضيعة بالقدس . وعلم به الملك المعظم ، فأرسل إليه ~~بثياب وطعام ، ولاطفه ، وقال له أنت شيخ كبير ما ms6677 يصلح لك الحصون ، فسلم إلى ~~كوكب وعجلون . وقال أنا أحلف لك على مالك وملكك وجميع أسبابك ، وتعيش بيننا ~~مثل الوالد . فامتنع من ذلك ، وسب المعظم أقبح سب . فلما يئس منه ، بعث به ~~إلى الكرك واعتقله بها واستولى على قلاعه وأمواله وذخائره . فكان قيمة ما ~~أخذ له ألف ألف دينار . وأما السلطان الملك العادل فانه كان توجه في ~~العشرين من جمادى الأولى إلى ثغر دمياط ، وتوجه منه إلى ثغر الاسكندرية ، ~~ثم عاد وتوجه إلى الشام ، في ثاني شوال PageV29P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" من هذه السنة . وحاصر كوكب أشد حصار ، واستولى ~~عليها . وأخذ منها أموالا عظيمة وهدمها وعفى أثرها . وذلك في العشر الأوسط ~~من ذي القعدة ذكر وفاة الملك الأوحد صاحب خلاط واستيلاء أخيه الملك الأشرف ~~عليها وفي هذه السنة ، كانت وفاة الملك الأوحد نجم الدين أيوب ، بن السلطان ~~الملك العادل ، وهو صاحب خلاط . وكانت وفاته بملازكرد في ثامن شهر ربيع ~~الأول ، ودفن بها . وكان قد استزار أخاه الملك الأشرف من حران ، فأقام عنده ~~أياما . واشتد مرضه ، فقصد الأشرف الرجوع إلى حران لئلا يتخيل منه الأوحد . ~~فقال له الأوحد : يا أخي كم تلح ؟ والله ، إني ميت ، وأنت تأخذ البلاد ثم ~~مات . فدفنه الملك الأشرف . وجاء إلى خلاط ، واستولى عليها ، وعلى ما بها ~~من الأموال . فتوجه الملك العادل إليه ، وقد غضب لكونه فعل بغير أمره . ~~فلما وصل إليها ، اعتذر الملك الأشرف أنه إنما فعل ذلك خوفا أن يسبقه غيره ~~من ملوك الأطراف إليها ، فقبل عذره ، واستمر به فيها . وأنعم السلطان على ~~ولده الملك المظفر شهاب الدين غازي بميافارقين وأعمالها . واستهلت سنة عشر ~~وستمائة ذكر قيام أهل مصر على الملك الكامل ورجمه وفي جمادى الأولى سنة عشر ~~وستمائة ، شغب العوام بمصر على الملك الكامل ورجموه ، وسبب ذلك أن أبا شاكر ~~النصراني الطبيب كان الملك الكامل يميل إليه ، وكان PageV29P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" إلى جانب الكنيسة المعلقة بمصر مسجد قد عفى ~~أثره ، فقصد العوام تجديده . فامتنع الكامل من إجابتهم إلى ذلك ، بسبب أبي ~~شاكر . فثار العوام ، وقالوا ms6678 لا بد من عمارته . فركب الملك الكامل من ~~القلعة ، وجاء إلى الكنيسة المعلقة ، وكشف المكان بنفسه . فلما شاهده ، قال ~~: ما كان هذا مسجدا قط . فاستغاث العوام ، وشغبوا ورموه بالحجارة ، فهرب ~~منهم إلى القلعة . وفيها توجه الملك الظافر الخضر ، بن السلطان الناصر : ~~صلاح الدين يوسف بن أيوب ، من حلب لقصد الحج . فنزل بالقابون في يوم الأحد ~~رابع شوال ، ثم انتقل إلى مسجد القدم في خامس الشهر . وكان الملك المعظم ~~بحوران ، فوصل إلى دمشق ، وأدخله إليها وعمل له ضيافة . ثم توجه إلى الحجاز ~~، صحبة الركب الشامي ، فلما وصل إلى المدينة زار رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . وأحرم بالحج من ذي الحليفة ، فلما انتهى إلى بدر وجد عسكر الملك ~~الكامل قد سبقه من مصر إلى بدر ، خوفا منه أن يتوجه إلى اليمن . فقالوا له ~~: ترجع . فعلم مرادهم . فقال إنه قد بقي بيني وبين مكة مسافة يسيرة ، وإني ~~قد أحرمت . ووالله ما قصدي اليمن ولا أقصد غير الحج ، فقيدوني ، واحتاطوا ~~بي ، حتى أقضي المناسك وأعود . فلم يوافقوه على ذلك ، وأعادوه إلى الشام ~~فصنع كما صنع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حين صده المشركون عن البيت : ~~قصر وذبح ما تيسر ، وعاد إلى الشام . وفيها توفي الأمير فارس الدين ميمون ~~القصري بحلب في رابع عشر من شهر PageV29P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" رمضان . وكان من أكابر الأمراء الناصرية . ~~وكانت أعزاز إقطاعه . وخلف أموالا جمة . وهذه النسبة إلى القصر الذي ~~بالقاهرة ، كان تربى فيه - رحمه الله . واستهلت سنة إحدى عشرة وستمائة ذكر ~~استيلاء الملك المسعود ابن الملك الكامل على اليمن وفي هذه السنة جهز الملك ~~الكامل ابنه الملك المسعود ، صلاح الدين أتسز - وهو أقسيس - إلى الحجاز ، ~~ويتوجه من هناك إلى اليمن . وكان سبب إرساله إلى اليمن أن الناصر أيوب ، بن ~~سيف الإسلام بن أيوب ، قد توفي ، واستولى على اليمن سليمان بن شاهنشاه ، بن ~~تقي الدين عمر ، بن شاهنشاه بن أيوب - باتفاق من أجنادها - وتزوج بأم ~~الناصر . ووصل الخبر إلى الملك الكامل بذلك ، فجهز ابنه الملك المسعود . ~~فرحل من ms6679 بركة الجب في يوم الاثنين ، سابع عشر من شهر رمضان ، ومعه ألف فارس ~~، ومن الجاندارية والرماة خمسمائة وكان ذلك بعد أن سيره إلى خدمة السلطان ~~الملك العادل بدمشق ، ولقبه بالملك المسعود ، وأعاده إلى القاهرة . فتوجه ~~إلى مكة - شرفها الله تعالى ، فلما قضى مناسك الحج توجه إلى بلاد اليمن . ~~فكان وصوله إلى زبيد في يوم السبت مستهل المحرم ، سنة ثنتي عشرة وستمائة . ~~فملكها من غير قتال ، وتسلم ثمانية حصون من تهامة . وندب قطعة من العسكر ~~لحصار تعز PageV29P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" - وكان سليمان قد تحصن بها - ففتح الحصن في ~~ثالث صفر ، ودخله العسكر المسعودي ، ومسك سليمان واعتقل . ثم جهزه إلى ~~الديار المصرية هو زوجته . وكانت صنعاء في يد عبد الله بن حمزة - المدعي ~~الخلافة - فجرد الملك المسعود إليه عسكرا ، فوصل العسكر إلى صنعاء في مستهل ~~جمادى الأولى . فهرب عبد الله لما سمع بقرب العسكر ، وجعل لا يخرج من مدينة ~~إلا بعد تخريب أسوارها ، وتعفية ما يستطيع من أثرها ، وهدم منار المساجد ، ~~ولحق بالجبال وتعلق بها . وملك الملك المسعود البلاد . وكان جبارا فاتكا ، ~~فيقال إنه قتل باليمن ثمانمائة شريف ، وخلقا كثيرا من الأكابر . وفيها ~~استولى الملك المعظم - شرف الدين عيسى - على قلعة صرخد ، وأخذها من ابن ~~قراجا ، وعوضه عنها مالا وإقطاعا ، وأعطاها لمملوكه ، أستاذ داره عز الدين ~~أيبك المعظمى . فبقيت في يده إلى أن أخرجه منها الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب ، في سنة أربع وأربعين وستمائة . وفيها أحدثت المعاملة بالقراطيس ~~السود العادلية بدمشق ، كما يتعامل الناس بالورق بالديار المصرية . فبقيت ~~زمانا ، ثم بطل ضربها وتناقصت من أيدي الناس ، إلى أن توفي الملك العادل . ~~وفيها توجه الملك المعظم شرف الدين عيسى ، بن الملك العادل ، من دمشق إلى ~~الحجاز . وجدد في الطريق البرك والمصانع والمناهل ، وأحسن إلى الناس ، ~~وتصدق ، وحج قارنا - وكان حنفي المذهب - وعاد إلى الشام . وفيها اهتم ~~السلطان - الملك العادل - بعمل الميدان الذي بسوق الخيل ، بظاهر القاهرة ، ~~والفساقى المجاورة لها . وفيها ، في ثالث شهر ربيع الأول ، فوض تدريس ~~الحنفية ، بالمدرسة النورية PageV29P0042 # """""" صفحة رقم ms6680 43 """""" بدمشق ، للشيخ جمال الدين محمد بن الحصيري ~~العجمي . وحضر الملك المعظم درسه مع الفقهاء . واستهلت سنة ثنتي عشرة ~~وستمائة : في هذه السنة ، وصل الملك المعظم شرف الدين عيسى من الحجاز ، ~~وصحبته الأمير السيد الشريف : سالم بن قاسم ، أمير المدينة النبوية - على ~~ساكنها أفضل الصلاة والسلام . وكان قد شكى من قتادة : أمير مكة ، فوعده ~~بالمساعدة عليه . فلما وصل الآن معه ، اجتمع بالسلطان الملك العادل - وكان ~~بخربة اللصوص - وقدم الشريف إلى السلطان ما أحضره - على سبيل الهدية - من ~~تحف الحجاز ، وعشرين فرسا من خيل الحجاز ، فأكرمه السلطان . واستخدم معه ~~جماعة من أمراء التركمان والرجال ، فتوجه بهم في ثالث عشر شعبان . واتفقت ~~وفاته قبل وصوله إلى المدينة ، فقام ولد أخيه الأمير جماز بن شيحه بالأمر ~~بعد عمه ، واجتمع أهله على طاعته . فمضى من كان مع عمه لقصد قتادة أمير مكة ~~. فجمع قتادة عسكره وأصحابه والتقوا بوادي الصفراء . وكان الظفر لجماز ومن ~~معه ، واستولوا على عسكر قتاده ، قتلا ونهبا وأسرا . وانهزم قتادة إلى ~~الينبع وتحصن بقلعته ، فتبعوه وحصروه . PageV29P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" ثم عاد من كان مع الأمير سالم من التركمان ~~وغيرهم ، صحبة الناهض ابن الجرخي ، وفي صحبتهم كثير مما غنموه ، من أموال ~~قتادة ومن النساء والصبيان . وظهر منهم جماعة من الأشراف ، فسلموا إلى ~~أكابر أشراف دمشق ، ليكفلوهم ويشركوهم في وقف الأشراف وفي هذه السنة حصل ~~الشروع في عمارة المدرسة العادلية بدمشق وحضر السلطان الملك العادل لترتيب ~~وضعها . وفيها في سابع من شهر ربيع الأول ، عزل قاضي القضاة : زكي الدين ~~أبو العباس الطاهر ، بن محيي الدين ، عن الحكم بدمشق وأعمالها . وولي من ~~الغد الشيخ جمال الدين الحرستاني ، وهو ابن اثنتين وتسعين سنة وشهور . ~~وفيها أبطل السلطان الملك العادل ضمان الخمر والقيان بدمشق ، في رابع عشرين ~~جمادى الآخرة . وبقي الأمر على ذلك ، إلى أن توفي الملك العادل في سنة خمس ~~عشرة وستمائة . وفيها وصل رسول الخليفة من بغداد ، وهو الشيخ شهاب الدين ~~السهروردي ونزل بجوسق العادل . وتوجه إلى السلطان فلحقه بالقدس الشريف ، ~~فأدى الرسالة وعاد ms6681 ، في خامس عشر شوال . PageV29P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" وفيها - في منتصف شعبان ، توفي الشيخ الصالح ~~العارف : أبو الحسن على بن حميد ، المعروف بابن الصباغ قدس الله روحه . ~~وكانت وفاته بقنا - من الأعمال القوصية من الصعيد الأعلى . ودفن بجانبها ~~عند قبر شيخه : الشيخ السيد القطب عبد الرحيم . وضريحهما من المزارات ~~المشهورة - نفع الله تعالى بهما . واستهلت سنة ثلاث عشرة وستمائة : في هذه ~~السنة كانت الحادثة بين أهل الشاغور والعقيبة بدمشق . وحملت كل طائفة منهم ~~السلاح ، واقتتلوا . فركب العسكر للفصل بينهم . وحضر الملك المعظم من جوسق ~~الرئيس لتسكين الفتنة - وكان مقيما به . وقبض على جماعة من مقدمي الحارات ~~واعتقلوا ، بسبب ذلك . ذكر القبض على الصاحب الأعز وفي يوم الاثنين ، سابع ~~عشر جمادى الآخرة ، سنة ثلاث عشرة وستمائة . قبض الملك العادل على وزيره ~~الصاحب فخر الدين الأعز ، وضربه وقيده ، وحمله إلى قلعة بصرى فاعتقله بها . ~~PageV29P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" وكان لذلك أسباب : منها أنه صرف ما غرم على ~~القبة بالشافعي من مال الديوان - وكان تقرر صرفه من مال الديوان الكاملي . ~~ومنها أنه كشف على الأموال التي أنفقت في تجهيز الملك المسعود إلى اليمن ، ~~وكانت جملة عظيمة ، فأنكر عليه ذلك ، وفعل به ما فعل . وعرضت الوزارة على ~~القاضي الأشرف : أحمد بن القاضي الفاضل عبد الرحيم ، فتوقف عنها . ثم خوطب ~~فقال : كان والدي في الأيام الناصرية لا يكتب في الدولة . فأجيب إلى ذلك ، ~~واستقرت القاعدة أنه يتحدث في الأموال بلسانه ، دون قلمه . ورتب القاضي ~~عماد الدين بن جبريل صاحب ديوان الدولة ، ورتب شمس الدين أبو القاسم بن ~~التبني وزير الصحبة . وفيها في شهر المحرم ، صرف قاضي القضاة عماد الدين ~~عبد الرحمن ، ابن عبد العلي بن علي السكري - عن القضاء بالديار المصرية . ~~وكان سبب ذلك أن السلطان عقد مجلسا بحضوره بسبب وقف المدرسة - التي أوقفها ~~إبراهيم بن شروه ، وولي القطب ، قاضي قوص ، النظر عليها - فلم يمض القاضي ~~عماد الدين الوقف . فقال السلطان : هذه القضية أنا أعرفها وأشهد بها . ~~فامتنع من إثباتها . فغضب السلطان ، وأشهد على نفسه بعزله في ms6682 المجلس . ثم ~~صرف عن الخطابة بالجامع الحاكمي ، وولاها الشيخ بهاء الدين بن الجميزي ~~لأربع بقين من شهر ربيع الآخر من السنة . ولما عزله السلطان عن القضاء ، ~~استشار شيخ الشيوخ : صدر الدين أبا الحسن بن حمويه ، فيمن يوليه القضاء . ~~فأشار أن يقسم العمل شطرين : قبليا وبحريا ، وأن يولي PageV29P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" ابن عين الدولة القاهرة والوجه البحري ، وابن ~~الخراط مصر والوجه القبلي . فعمل برأيه . وفوض السلطان قضاء القاهرة والوجه ~~البحري للقاضي شرف الدين بن عين الدولة ، في يوم السبت ثاني صفر منها - ~~وقيل في المحرم - وفوض قضاء مصر والوجه القبلي للقاضي تاج الدين : أبي محمد ~~عبد السلام بن علي بن الخراط - وكان قاضي دمياط - وذلك في يوم الاثنين سابع ~~عشر صفر - وقيل في يوم الاثنين ثالث عشر المحرم . هذا هو السبب الظاهر ~~للناس في عزل القاضي عماد الدين بن السكري وأما السبب الباطن - وهو مما ~~أخبرني به والدي رحمه الله تعالى عن جده زكي الدين عبد الدايم ، وغيره - أن ~~الفقيه الشيخ الصالح الشهيد الناطق : رضي الدين : عبد الرحمن العقيلي ، ~~المعروف بالنويري وهي نسبة انتقال ، وانما هو قدم من بلاد المغرب مع أبيه ~~وسكنا النويرة ، واستوطنها الشيخ عبد الرحمن وخدمه أهلها ، وكانوا يفتخرون ~~بالانتساب إلى خدمته ، واختص بخدمته جد والدي زكي الدين عبد الدايم ، فكان ~~أخص الناس به ، وأعلاهم منزلة عنده - كان مع ما هو عليه من العبادة والصلاح ~~المشهور ، ينوب عن القاضي عماد الدين في الحكم بالنويرة ، وما معها . فاتفق ~~أن رجلين تداعيا في بقرة ، فكتب أحدهما محضرا أن البقرة ملكه وشهد فيه ~~جماعة من الشهود ، وأدوا شهادتهم بذلك عند الفقيه ، ولم يبق إلا تسليمها ~~لصاحب المحضر . فتأمل الفقيه البقرة ، ونظر إليها . وسأله الذي شهد له ~~الحكم بما ثبت عنده ، وتسليمها إليه . فقال : كيف أسلمها إليك ، وهي تقول ~~أنها لخصمك ، وتخبرني أن المحضر زور - أو ما هذا معناه ؟ ؟ . وسلمها لخصمه ~~. فاعترف الخصم الذي أثبت بصحة ما أخبر به الشيخ الفقيه رضي الدين عن ~~البقرة ، وأظهر التوبة والإنابة . فلما اتصلت هذه الواقعة ms6683 بالقاضي عماد ~~الدين ، كتب إلى الشيخ رضي الدين يقول : كان ينبغي أن تعمل في هذه القضية ~~بظاهر الشرع ، وتسلم البقرة لمن أثبت . وعزله عن نيابته . فلما اتصل العزل ~~به ، قال لمن حضر عنده : اشهدوا علي اني قد عزلته ، وعزلت ذريته من بعده . ~~فعزل في تلك الساعة . ولم يعد إلى القضاء بعدها ، ولاولي القضاء بعده أحد ~~من ذريته . وأعرف أن القاضي عماد الدين ، ولد ولده فوه له بالقضاء غير مرة ~~، PageV29P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" وعين وربما فصلت له خلعة الولاية ، ورسم ~~بكتابة تقليده ، ثم يعدل عنه إلى غيره ، ولا يتم أمره . ومات - رحمه الله ~~تعالى - ولم يل القضاء . ولم يبق من ذريته في وقتنا هذا من فيه أهلية لذلك ~~. وهذه الحكاية التي ذكرتها لا أشك فيها ولا أرتاب ، وهي مشهورة يعرفها ~~كثير من الناس . وفي سنة ثلاث عشرة وستمائة - في العشرين من جمادى الآخرة - ~~توفي الملك الظاهر : غياث الدين غازي ، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف ، ~~صاحب حلب - رحمه الله تعالى بحلب . وكان مولده بالقاهرة ، في منتصف شهر ~~رمضان ، سنة ثمان وستين وخمسمائة . وملك بعده ولده : الملك العزيز غياث ~~الدين محمد . وكان صغير السن ، يقال كان عمره ثلاث سنين ، فقامت ضيفة خاتون ~~- ابنة الملك العادل - بتدبير الدولة . ونصبت شهاب الدين طغرل الخادم في ~~أتابكية الدولة . PageV29P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" ذكر مصادرة الصاحب صفي الدين بن شكر ونفيه من ~~الديار المصرية كان سبب ذلك أن السلطان الملك العادل ، لما قدم من الشام ، ~~ظن الصاحب صفي الدين أنه يعيده إلى الوزارة . فصار يركب في المواكب ، ~~ويستعرض للقاء السلطان . ثم فتح بابه وصار الناس يدخلون إليه ، والأعز ~~وغيره يذكروه ذلك للملك الكامل . فاتفق أن الملك الكامل مر بدار الصاحب ~~فوجد الخيل على بابه ، فقال لمن معه من الأمراء : ما هذا إلا أحمق يفتح ~~بابه ويأمر الناس أن يدخلوا إليه ويمد السماط ، والسلطان غير راض عنه . ~~فبلغ العادل ما قاله الكامل . فقال في مجلسه : ما يكفي ابن شكر أنه أخذ ~~مالي ، حتى أطرح جانبي بفتح بابه . فاتصل ms6684 ذلك بالصاحب ، فركب إلى القلعة ، ~~وأراد الاجتماع بالملك الكامل - وكان الملك الكامل على الشراب . فسير إليه ~~، وقال ما حاجتك ؟ فإن لنا الآن شغلا فقال : القصد أن يستخدمني السلطان ، ~~أو يتركني أخرج من بلاده . وسأل أن يكون الكامل سفيره عند أبيه الملك ~~العادل . فعز كلامه عليه ، وقال للرسول قل له : هذا ما لا أدخل فيه . فعاد ~~خجلا ، ومضى إلى دار والدة الملك المعز مجير الدين يعقوب ، بن السلطان ~~الملك العادل ، وتعلق بذيل ستر الباب . ووافق أن العادل كان عندها في ذلك ~~الوقت . فعظم ذلك عليه . لكونه قصد زوجته ، وأراد قتله ، ثم سكن ، وأرسل ~~إلى الملك الكامل يقول : إن ابن شكر أخذ مني وأنا على سنجار ستمائة ألف ~~دينار ، فطالبه بها . فأحضره الملك الكامل في مجلس شرابه ، ووبخه ، وأمر ~~بأخذ أملاكه وحسبها له ، بستمائة ألف دينار . ثم حضر جماعة بعد ذلك إلى ~~الملك الكامل ، فقالوا : هذا كان في ابتداء أمره قطانا ، فمن أين له هذا ~~المال ؟ فقال ابن التبني : أنا صانعته عن نفسي بمائتي ألف دينار ، وصانعه ~~شهاب الدين بن الفاضل بثلاثمائة ألف دينار . فنقل المجلس إلى الملك العادل ~~، وذكر له من أخذ منه المصانعات ، فأمر بنفيه . فاستمهل إلى أن يبيع موجوده ~~، فأذن له . فشرع في بيع موجوده إلى أن كمل ثم أرسل إليه السلطان يقول : ~~أخرج من بلادي إلى بلد ، لا تقام لي فيه خطبة . فخرج من القاهرة في يوم ~~الخميس ، لخمس بقين من جمادى الآخرة من السنة . فلما وصل إلى بلبيس أمر ~~السلطان الملك العادل بتعويقه ، وأخذ منه مالا ووكل به أياما ببلبيس ثم ~~أطلقه فتوجه إلى آمد . PageV29P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" وفيها صادر السلطان الملك العادل حسام الدين ~~يونس ، متولي الإسكندرية ، على ثلاثمائة ألف دينار . وفيها في سابع شوال ، ~~توجه العادل إلى ثغر الإسكندرية . وذلك أنه اجتمع بها من تجار الفرنج نحو ~~ثلاثة آلاف رجل ، فخاف أهل الثغر جانبهم . فخرج السلطان بعساكره إلى الثغر ~~، وبه ملكان من ملوك الفرنج . فأحضرهما ، فذكرا أن التجار صمموا على الوثوب ~~بأهل الثغر وقتلهم ، وأخذه ms6685 . فقبض حينئذ على تجار الفرنج واستصفى أموالهم ، ~~واعتقلهم ، واعتقل الملكين . وعاد إلى القاهرة ، في سابع ذي الحجة من السنة ~~. واستهلت سنة أربع عشرة وستمائة ذكر مسير السلطان إلى الشام وفي يوم الأحد ~~، التاسع من شهر ربيع الآخر ، من هذه السنة - توجه السلطان الملك العادل ~~إلى الشام ، لما بلغه قصد الفرنج بلاد الشام . وكان رحيله من البركة يوم ~~السبت لثمان بقين من الشهر ، وتوجه إلى البيت المقدس . وقال الشيخ شهاب ~~الدين أبو شامة ، في كتاب الروضتين في أخبار الدولتين أنه توجه إلى قلعة ~~الكرك بذخائره وأمواله ، وأقام بها مدة ، وترك الأموال والذخائر بها . وقال ~~غيره : إنه بقي بالقدس إلى أن وصلت أمداد الفرنج في البحر ، من روميه ~~الكبرى ومن الغرب الشمالي - وكان المقدم عليهم صاحب روميه - فنزلوا على عكا ~~. وسار الملك العادل على أنه يسبقهم إلى الماء بخربة اللصوص ، فسبقوه إليها ~~. فلما قاربهم ، حيد عنهم إلى جهة دمشق . فأغاروا على بيسان فنهبوها وما ~~حولها ، وعادوا إلى مرج عكا بالسبي والغنائم . وجهزوا آلات الحصار ، وقصدوا ~~الطور - وكان العادل قد بناه في سنة تسع وستمائة - فحاصروه سبعة عشر يوما . ~~فقتل بعض ملوكهم بسهم ، ففارقوا الحصن . PageV29P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" واستشهد على حصار الطور من أبطال المسلمين : ~~الأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم ، وسيف الدين بن المرزبان - وكان من ~~الصالحين الأجواد . وكتب الملك المعظم إلى الخليفة كتابا أوله : ؟ قل ~~للخليفة - لا زالت عزائمه لها على الكفر إبراق وإرعاد إن الفرنج بأرض القدس ~~قد نزلت . . . لا تغفلن ، فأرض القدس بغداد وفي نسخة : إن الفرنج بحصن ~~الطور قد نزلوا . . . لا تغفلن ، فحصن الطور بغداد ذكر قصد الفرنج جزين ~~وقتلهم قال : ولما انفصل الفرنج ، قصد ابن أخت الهنكر جبل صيدا وقال : لا ~~بد لي من أهل هذا الجبل . فنهاه صاحب صيدا ، وقال إن أهله رماة ، وبلده وعر ~~. فلم يقبل قوله . وصعد في خمسمائة من أبطال الفرنج إلى مدين - وهي ضيعة ~~الميادنة بالقرب من مشغرا - فأخلاها أهلها . ونزلها الفرنج وترجلوا عن ~~خيولهم للراحة . فتحدرت عليهم الميادنة من الجبال ms6686 ، فأخذوا خيولهم وقتلوا ~~عامتهم . وأسروا ابن أخت الهنكر . وهرب من بقي منهم نحو صيدا . وكان معهم ~~رجل يقال له الجاموس ، كانوا أسروه من المسلمين ، فقال لهم أنا أعرف إلى ~~صيدا طريقا سهلا أوصلكم إليها . فقالوا : إن فعلت أغنيناك . فسلك بهم أودية ~~وعرة ، والمسلمون خلفهم يقتلون ويأسرون ، ففهموا أن الجاموس قصد ذلك ، ~~فقتلوه . ولم يفلت منهم إلى صيدا غير ثلاثة ، وكانوا خمسمائة . وجاءوا ~~بالأسرى إلى دمشق ، وكان يوما مشهودا . وفي هذه السنة ، احترق مسجد الحسين ~~بالقاهرة . وفيها ، توفي قاضي القضاة جمال الدين أبو القاسم : عبد الصمد بن ~~محمد بن أبي الفضل ، الأنصاري الحرستاني وكانت وفاته بدمشق في رابع ذي ~~الحجة ، ودفن PageV29P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" بقاسيون . ومولده في سنة عشرين وخمسمائة . ~~وأعيد القاضي زكي الدين إلى القضاء ، بعد وفاته . واستهلت سنة خمس عشرة ~~وستمائة ذكر تخريب حصن الطور في هذه السنة استدعى السلطان الملك العادل ~~ولده الملك المعظم ، وقال له : إنك قد بنيت هذا الطور ، وهو يكون سبب خراب ~~الشام ، وقد سلم الله تعالى من كان فيه من أبطال المسلمين ، والسلاح ~~والذخائر . وأرى من المصلحة خرابه ، ليتوفر من فيه من المسلمين والعدد على ~~حفظ دمياط ، وأنا أعوضك عنه . وكانت دمياط قد حوصرت - على ما نذكره . فتوقف ~~الملك المعظم ، وبقي أياما لا يدخل على أبيه العادل . فبعث إليه وأرضاه ~~بمال ، ووعده ببلاد بالديار المصرية . فأجاب ، وبعث فنقل ما كان فيه من ~~العدد والذخائر إلى القدس وعجلون والكرك ، ودمشق ، وهدمه . ذكر وفاة ~~السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب وشيء من أخباره كانت ~~وفاته - رحمه الله تعالى - في يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة ، سنة خمس عشرة ~~وستمائة ، بعالقين . وذلك أنه لما عرج عن الفرنج وقصد دمشق ، أقام بظاهرها ~~مدة وهو مريض . فلما بلغه أخذ برج السلسلة بثغر دمياط ، ضرب بيده على صدره ~~، وانزعج ، وحصل له من الغم ما أفضى به إلى الوفاة - رحمه الله تعالى . ~~ومات ، وله ست وسبعون سنة تقريبا . وذلك أنه سئل عن مولده ، فقال : ولدت ~~سنة فتوح الرها ms6687 . وذلك في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة . PageV29P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" وقيل كان مولده ببعلبك ، لما كان والده في ~~خدمة الملك العادل : نور الدين الشهيد . ومدة ملكه تسع عشرة سنة ، وأربعين ~~يوما . ولما مات لم يشعر بوفاته غير كريم الدين الخلاطي . وكان ولده الملك ~~المعظم عيسى بنابلس . وكان قد التقى مع الفرنج على القيمون في هذا الشهر ، ~~فانتصر عليهم ، وقتل منهم مقتلا عظيمة ، وأسر من الداوية مائة فارس ، ~~وأدخلهم القدس منكسة أعلامهم . وأقام بنابلس . فكتب إليه على جناح طائر ~~يعلمه بالخبر ، فجاء يوم السبت إلى عالقين . فاحتاط على الخزائن ، وصبر ~~أباه العادل وكتم موته ، وجعله في محفة ، وعنده خادم يروح عليه ، ورفع طرف ~~سجاف المحفة وأظهر أنه مريض . ودخلوا به إلى دمشق في يوم الأحد ، والناس ~~يشيرون إلى من بالمحفة بالخدمة والسلام ، والخادم يوميء إلى جهة السلطان ، ~~كأنه يخبره بمن يسلم عليه ، ودخلوا به إلى قلعة دمشق . قال الشيخ شهاب ~~الدين أبو شامة ، وشمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي ، في تاريخهما : ~~ومن العجائب أنهم طلبوا له كفنا فلم يقدروا عليه ، فأخذوا عمامة النجيب ~~الفقيه ابن فارس فكفنوه بها ، وأخرجوا قطنا من مخدة فلفوه به ، ولم يقدروا ~~على ما يحفرون به ، فسرق كريم فأسا من الخندق فحفروا له به . ودفن بقلعة ~~دمشق ، إلى أن بني له القبة المجاورة لمدرسته ، فنقل إليها في سنة تسع عشرة ~~وستمائة . وحصل لابنه الملك المعظم وهم ، فلما دفن السلطان قام قائما ، وشق ~~ثيابه ولطم على رأسه ووجهه . واشتهرت وفاته بعد دفنه . وعمل عزاؤه ثلاثة ~~أيام ، وصلى عليه في غالب مدن الإسلام . ونودي ببغداد : من أراد الصلاة على ~~الملك العادل الغازي ، المجاهد في سبيل الله ، فليحضر إلى جامع القصر . ~~فحضر الناس وصلوا عليه صلاة الغائب . ولم يتأخر غير الخليفة . وتقدموا إلى ~~خطباء الجوامع بأسرهم ، فصلوا عليه بعد صلاة الجمعة . PageV29P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" وكان - رحمه الله - قد امتد ملكه واتسعت ~~ممالكه . وكان ثبتا حازما ، حسن التدبير صفوحا ، يدبر الملك والممالك على ~~الوجه المرضي ، متمسكا بأوامر الشرع الشريف ونواهيه ، منفذا ms6688 للأحكام ~~الشرعية ، عادلا مجاهدا عفيفا ، كثير الصدقة ، آمرا بالمعروف ناهيا عن ~~المنكر . طهر جميع ممالكه من الخمور والفواحش بأسرها ، وأسقط كثيرا من ~~المكوس والمظالم . وكان الذي يتحصل من هذه الجهات بدمشق خاصة مائة ألف ~~دينار ، فأبطل ذلك . وشدد في أمر الخمر ، ومنع من دخوله إلى دمشق - رحمه ~~الله تعالى . ذكر تسمية أولاد السلطان الملك العادل وما استقر لهم من ~~الممالك والإقطاع كان له رحمه الله تعالى من الأولاد الذكور سبعة عشر ، وهم ~~: الملك الكامل ، ناصر الدين محمد ، ملك الديار المصرية . والملك المعظم : ~~شرف الدين عيسى ، صاحب دمشق والبيت المقدس ، والكرك والشوبك ، والسواحل . ~~والملك الأشرف : مظفر الدين موسى ، صاحب خلاط وما والاها وحران والرها ، ~~وما مع ذلك . والملك المظفر شهاب الدين غازي ، صاحب ميافارقين وما والاها ~~والملك المظفر شهاب الدين الحافظ أرسلان صاحب قلعة جعبر وأعمالها . والملك ~~العزيز : عثمان له بانياس وتبنين وأعمال ذلك ، وعدة أماكن من بلد دمشق ، ~~مثل نوى وغيرها . PageV29P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" والملك الصالح : عماد الدين اسماعيل ، له قلعة ~~بصرى وأعمالها ، والسواد جميعه - وهو والعزيز في خدمة أخيهما الملك المعظم ~~. والملك الفائز : إبراهيم ، كان السلطان قد اقطعه الأعمال القوصية والملك ~~المفضل : قطب الدين ، أقطعه السلطان أيضا الأعمال الفيومية ، فأقر الملك ~~الكامل ذلك بأيديهما . والملك المعز : مجير الدين يعقوب . والملك الأمجد : ~~تقي الدين أبو الفضائل عباس - عند أخيهما الملك الأشرف صاحب خلاط . وله ~~أيضا غير هؤلاء : الملك القاهر : إسحاق ، وخليل - وهو أصغرهم . ومات له من ~~الأولاد - في حياته - أربعة ، وهم : شمس الدين مودود ، والد الملك الجواد ~~يونس . والملك الأوحد : نجم الدين أيوب ، الذي افتتح خلاط ، كما تقدم . ~~والملك المغيث : محمود . والملك الأمجد حسن - وهو شقيق الملك المعظم ، ~~والملك العزيز . وكان له عدة بنات ، أجلهن ضيفة خاتون ، والدة الملك العزيز ~~، ابن الملك الظاهر صاحب حلب . ولما مات السلطان الملك العادل ، أقر ولده - ~~الملك المعظم - أحوال دمشق ، على ماهي عليه في أيام والده بقية جمادى ~~الآخرة . فلما استهل شهر رجب ، أعاد المكوس وأطلق الخمور والمنكرات ، وما ~~كان والده السلطان قد أبطله ms6689 . فقيل له في ذلك ، فاعتذر بقلة الأموال وقتال ~~الفرنج . ثم سار إلى بانياس ، وراسل الأمير صارم الدين التبيني في تسليم ~~الحصون التي بيده ، فأجاب إلى ذلك ، وسلمها ، فأخرب الملك المعظم بانياس ~~وتبنين . وأعطى ما كان بيد أولاد الأمير فخر الدين جهاركس لأخيه الملك ~~العزيز عثمان ، وزوجه ابنة جهاركس . ونزل الأمير صارم الدين وولده وأصحابه ~~من الحصون ، فأكرمهم الملك PageV29P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" المعظم وأحسن إليهم ، وأظهر أنه ما أخرب ~~بانياس وتبنين ، إلا خوفا من استيلاء الفرنج عليها . ذكر أخبار السلطان ~~الملك الكامل ناصر الدين ابن السلطان الملك العادل سيف الدين ، أبي بكر ~~محمد بن أيوب وهو السادس من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية . ملك ~~الديار المصرية بعد وفاة والده الملك العادل ، في جمادى الآخرة سنة خمس ~~عشرة وستمائة . وكان قبل ذلك ينوب عن والده بها كما تقدم . ونحن نذكر أخبار ~~الملك الكامل ، وما اتفق من الحوادث والوقائع في أيامه ، بالديار المصرية : ~~في كل سنة نبدأ بذلك ، ثم نذكر في بقية السنة أخبار ملوك الشام من إخوته ~~وغيرهم ، ومن توفي فيها من المشهورين ، ونأتي بالسنة التي بعدها ، على ما ~~تقف عليه - إن شاء الله . ذكر نزول الفرنج على ثغر دمياط كان نزول الفرنج ~~على ثغر دمياط في يوم الثلاثاء ، لثلاث خلون من شهر ربيع الأول ، سنة خمس ~~عشرة وستمائة - وذلك قبل وفاة الملك العادل ، وهو إذ ذاك بمرج الصفر . ~~ونزلوا بالبر الغربي . فخرج إليهم الملك الكامل بعساكره ، وكتب إلى السلطان ~~بالخبر . فأرسل إليه عساكر الديار المصرية التي كانت في صحبته . وأقام ~~الملك الكامل بثغر دمياط بظاهرها ، واتصل القتال بين الفريقين . فلما كان ~~في جمادى الأولى ، ملك الفرنج برح السلسلة - وهو بين دمياط والبر ~~PageV29P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" الغربي ، في وسط بحر النيل - وذلك أنهم عملوا ~~برجا من الخشب على بطسة كبيرة ، وأسندوه إلى البرج . وحصل القتال بين ~~المسلمين المقيمين به وبين الفرنج ، إلى أن ملكوه في يوم السبت ، ثامن ~~الشهر . ثم كانت وقعة كبيرة بين المسلمين والفرنج . فلما كان في شهر رمضان ~~، عمل ms6690 الفرنج مرمة عظيمة ، وزحفوا بها في بطسة ، وقصدوا سور دمياط . ~~فأحرقها المسلمون . وغرق للفرنج في هذا الشهر مراكب كثيرة ، في البحر الملح ~~. ذكر حوادث وقعت في مدة حصار ثغر دمياط كان مما اتفق في مدة الحصار جباية ~~التبرع من التجار ، من أرباب الأموال وذلك في ذي القعدة ، سنة خمس عشرة . ~~وفي يوم الثلاثاء ، سابع عشر من الشهر ، رحل السلطان الملك الكامل عن ثغر ~~دمياط ، وتأخر إلى أشموم . وسبب ذلك أن الملك الفائز كان عند أخيه الملك ~~الكامل بثغر دمياط ، وكان الأمير عماد الدين بن المشطوب يكره الملك الكامل ~~، فأراد القبض عليه ، وإقامة الملك الفائز . فاتصل ذلك بالكامل ، فارتحل عن ~~دمياط ليلا ، وترك خيامه وخزائنه . فشعر المسلمون برحيله ، فارتحلوا ~~بأجمعهم ، وتركوا أثقالهم وأموالهم . وأصبح الفرنج فلم يروا أحدا في البر ~~الشرقي . فظنوا أن ذلك مكيدة ، فارتابوا . ثم حققوا الأمر ، فلما اتضح ~~PageV29P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" لهم عدوا بجملتهم ، وكبسوا المنزلة ونهبوا ما ~~كان بها ، واحتاطوا بدمياط برا وبحرا . وكان السلطان قصد أن يتوجه إلى مصر ~~، لخوفه من ابن المشطوب ، فأشار عليه بعض الأمراء بالإقامة على المنصورة ، ~~فاستقر بها . وثارت الفتن بالديار من العربان ، فكانوا على المسلمين أشد من ~~الفرنج . ذكر وصول الملك المعظم عيسى صاحب دمشق وإخراج عماد الدين بن ~~المشطوب وما اتفق له بعد خروجه كان وصول الملك المعظم شرف الدين عيسى إلى ~~المنصورة في يوم الخميس ، لليلة بقيت من ذي القعدة ، من السنة . فاشتد به ~~عضد أخيه الملك الكامل . ولما وصل ، شكى له ما يحذره من أمر عماد الدين بن ~~المشطوب . فركب الملك المعظم وجاء إلى خيمة عماد الدين . فلما أخبر بذلك ، ~~قال لغلمانه قولوا له هو نائم فذكروا ذلك للملك المعظم ، فقال : ننتظره إلى ~~أن يستيقظ ، وثنى رجله إلى عنق فرسه . فلما طال ذلك على عماد الدين ، خشى ~~عاقبة هذا الأمر . فخرج إليه وهو بغير خف ، وقبل يده . فقال له المعظم : ~~ليركب الأمير ، حتى يحصل الاتفاق معه على نصب المجانيق على أطراف البحر . ~~فلما ركب ، سايره الملك المعظم وشغله ms6691 بالحديث حتى أحاط به عسكر المعظم . ثم ~~نظر إليه نظرة مغضب ، وقال له : لما مات السلطان الملك العادل كان من ~~أولاده من اسمه : عماد الدين بن المشطوب ؟ قال : الله الله ، يا مولانا ~~فأمر بإنزاله عن فرسه فأنزل . وحمل على بغلة إلى أشموم . PageV29P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" ولما أمر الملك المعظم بسفره ، اعتذر أن لا ~~نفقة معه ، وسأل الرجوع إلى خيمته ليلبس خفه ، ويأخذ نفقة . فأعطاه الملك ~~المعظم خمسمائة دينار ، وقال له : جميع ما تخلف من أموالك وأثقالك ودوابك ~~يصل إليك . ثم رجع المعظم إلى خيمة ابن المشطوب ، فجهز إليه خيله وأثقاله ~~وغلمانه ، وجميع ما يتعلق به ، فلحقوه إلى الشام . ووصل ابن المشطوب إلى ~~دمشق ، ثم إلى حماه وأقام بها . فبعث إليه الملك الأشرف منشورا ، بأرجيش ~~ببلاد خلاط ، وزيادة . وبعث إليه بالخلع . فتوجه إلى خدمته ، فأكرمه وأحسن ~~إليه . فصار يركب بالشبابة ، ويمشي مشي الملوك . ثم خرج عن طاعة الملك ~~الأشرف ، في سنة سبع عشرة . وعاث في أرض سنجار ، وساعده صاحب ماردين . فسار ~~إليه الملك الأشرف ، ونزل على دنيسر . وجاء الملك الصالح ، فأصلح بين ~~الأشرف صاحب ماردين . ودخل ابن المشطوب إلى تل أعفر . فسار إليه فارس الدين ~~بن صيره من نصيبين ، وبدر الدين لؤلؤ من الموصل ، وحصراه بها . فاستنزله ~~الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ بالأمان ، وحمله معه إلى الموصل ، ثم قيده ~~وبعث به إلى الملك الأشرف . فاعتقله بالجب فمات بالجوع والقمل . وكانت ~~وفاته في سنة تسع عشرة وستمائة . على ما نذكره . ذكر وصول الصاحب صفي الدين ~~بن شكر ووزارته وفي مستهل ذي الحجة ، سنة خمس عشرة وستمائة ، قدم الصاحب ~~صفي الدين PageV29P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" ابن شكر من آمد ، وكان السلطان قد استدعاه . ~~فلما قدم ، ركب إليه وتلقاه وأكرمه وذكر له السلطان ما يحتاج إليه من ~~الأموال والكلف ، فالتزم له بتحصيل ذلك . وشرع في مصادرات أرباب الأموال ~~والتجار والأكابر . وقرر التبرع على الأملاك ، وأحدث حوادث كثيرة . وجبي ~~الأموال ، حتى من الساسة والصوانع والمغاني ومعلمي المكاتب ، وغيرهم . ~~واستهلت سنة ست عشرة وستمائة : في مستهل المحرم ms6692 منها ، أمر السلطان بخروج ~~أهل مصر والقاهرة ، لقتال الفرنج . فخرج الناس . وأقام الصاحب بالقاهرة إلى ~~سابع عشرين من شهر رمضان ، سنة ست عشرة . فاستدعاه السلطان واستوزره ، ~~وصرفه . واحتجب الملك الكامل من الناس بعد ذلك . وكان قبل ذلك يركب بنفسه ، ~~ويستحث العوام على جهاد الفرنج . ذكر خراب القدس كان ابتداء الخراب بالقدس ~~في بكرة يوم الأحد سابع المحرم ، سنة ست عشرة وستمائة . وسبب ذلك أن الملك ~~المعظم لما توجه إلى أخيه الملك العادل ، بلغه أن طائفة من الفرنج قد عزموا ~~على قصد القدس . فاتفق مع جماعة من الأمراء على إخرابه . وقال : قد خلا ~~الشام من العساكر ، فلو أخذه الفرنج حكموا على دمشق وبلاد الشام . فأمر ~~بإخرابه . وكان بالقدس الملك العزيز عثمان ، وعز الدين أيبك أستاذ الدار . ~~ووقع في البلد ضجة عظيمة . وخرج الناس أجمع ، حتى البنات المخدرات والعجائز ~~والشيوخ وغيرهم ، إلى الصخرة والأقصى ، فقطعوا شعورهم ومزقوا ثيابهم . ~~وخرجوا على وجوههم وتركوا أموالهم . وامتلأت بهم الطرقات ، فمنهم من توجه ~~إلى الديار المصرية ، ومنهم من توجه إلى الكرك ، وبعضهم إلى دمشق . وصار ~~البنات المخدرات يمزقن ثيابهن ، ويلففنها على أرجلهن ، من الحفا . ومات خلق ~~كثير من الجوع والعطش . ونهب ما كان لهم بالقدس ، حتى بيع القنطار الزيت ~~بالقدس بعشرة دراهم ، ورطل النحاس بنصف درهم . وأكثر الشعراء القول في ذلك ~~، فقال بعض أهل العلم - يشير إلى الملك المعظم - من أبيات : في رجب حلل ~~الحميا . . . وأخرب القدس في المحرم PageV29P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" ذكر استيلاء الفرنج على دمياط كان استيلاء ~~الفرنج على ثغر دمياط في يوم الثلاثاء ، لخمس بقين من شعبان سنة ست عشرة - ~~وقيل لثلاث بقين منه . وذلك أنهم كانوا قد أحاطوا بها برا وبحرا ، ومنعوا ~~الميرة عن أهلها ، حتى هلكوا من الجوع ، ومات أكثرهم . وعدمت الأقوات ، ~~وغلت الأسعار حتى بيع السكر بزنته ذهبا ، والدجاجة بثلاثين دينارا ، ~~والبيضة بدينار ، وبيعت بقرة بألف وستمائة دينار ، واشترط البائع أن يكون ~~له بطنها ورأسها ، فباع ذلك بمائة دينار وأربعة عشر دينارا مصرية - على ما ~~حكاه ابن جلب راغب في ms6693 تاريخه . قال : فلما اشتد بهم ذلك ، بذل لهم الفرنج ~~الأمان على أنهم يخرجون منها ويتسلمها الفرنج ، فأجابوه إلى ذلك ، وخرج ~~الناس منها . وبقي من عجز عن الحركة ، فأسرهم الفرنج ، وحملوا في المراكب ~~إلى عكا . فكانت مدة الحصار على ثغر دمياط ستة عشر شهرا ، واثنين وعشرين ~~يوما . وكان السلطان إذا أراد أن يرسل إلى دمياط أرسل العوامين ، فيحلمون ~~الكتب ويغطسون في الماء ، ويطلعون من تحت سور دمياط . فلما أحس الفرنج بذلك ~~، عملوا شباكا وخطاطيف من دمياط إلى البر الغربي ، وثبتوا ذلك في المراكب . ~~فصار العوام إذا غطس في الماء وقع في الشباك أو الخطاطيف ، فيأخذونه فلا ~~يكاد يفوتهم عوام ، ويقتلون من يجدونه . فامتنع الدخول إليها . ولما استولى ~~الفرنج على ثغر دمياط ، أشار السلطان الملك الكامل على أخيه الملك المعظم ~~بالعود إلى الشام ، وغزو الفرج من تلك الجهة ، واستجلاب العساكر من بلاد ~~الشرق . ذكر عود الملك المعظم شرف الدين عيسى إلى الشام وما اعتمده قال ~~الشيخ أبو المظفر : يوسف ، سبط بن الجوزي في تاريخه : لما استولى الفرنج ~~على ثغر دمياط ، كتب إلى الملك المعظم كتابا بخطه ، يخبرني بما جرى على أهل ~~دمياط من الكفر ، ويقول : إني كشفت ضياع الشام فوجدتها ألفي ضيعة : ألف ~~وستمائة أملاك لأهلها ، وأربعمائة سلطانية . وكم مقدار ما تقوم هذه ~~PageV29P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" الأربعمائة من العساكر ؟ وأريد أن يخرج ~~الدماشقة ، ليذبوا عن أملاكهم - الأصاغر منهم والأكابر - ويكون لقاؤنا وهم ~~في صحبتك إلى نابلس ، في وقت سماه . قال : فجلست في جامع دمشق ، وقرأت ~~كتابه عليهم ، فأجابوا بالسمع والطاعة فلما حل ركابه بالساحل وقع التقاعد ~~من الأماثل ، فأوجب ذلك أخذ الثمن والخمس من أموالهم ، مؤاخذة لهم . قال : ~~وخرجت أنا إليه بالساحل وهو نازل على قيسارية ، فأقام بها حتى فتحها عنوة ، ~~وفتح غيرها . وعاد إلى دمشق . ذكر وفاة ست الشام ابنة أيوب وإيقافها ~~أملاكها ، وتفرقة أموالها ، وما فعله الملك المعظم مع قاضي الشام ، بسبب ~~ذلك وفي هذه السنة في ذي القعدة ، كانت وفاة ست الشام بنت أيوب : أخت ~~السلطان الملك الناصر صلاح ms6694 الدين ، والملك العادل . وهي شقيقة الملك المعظم ~~: شمس الدولة تورانشاه ، وسيف الاسلام : ابني أيوب . وكانت سيدة الخواتين . ~~وهي التي ينسب إليها المدرستان ، بدمشق وظاهرها ، أحداهما قبلى البيمارستان ~~النورى ، والأخرى ظاهر دمشق بالعوينة . وتعرف أيضا بالحسامية ، نسبة إلى ~~ابنها حسام الدين بن لاجين - وكانت دفنته بها . ودفنت هي معه في قبره . وهو ~~القبر الذي يلي الباب القبو من القبور الثلاثة . والقبلي قبر تورانشاه بن ~~أيوب ، والأوسط قبر ابن عمها : ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شادي - وكان ~~قد تزوجها بعد لاجين . وكانت - رحمها الله - كثيرة الصدقة والبر . وكانت ~~تصنع الأشربة والأدوية PageV29P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" والمعاجين والعقاقير ، في كل سنة بألوف دنانير ~~، وتفرقها على الناس . وكانت ست الشام ، وأختها ربعية خاتون ، محرما على ~~نيف وثلاثين ملكا وسلطانا . وكان الملك المعظم يتهمها أن عندها من الجواهر ~~ما لا يحصى قيمته . وأن ذلك اتصل إليها مما كان بالقصور بالقاهرة . وكان ~~كثير الإحسان إليها والبر بها ، ويمنعها من الخروج من دمشق ، ويظهر أن ذلك ~~برأيها . ويرجو وفاتها عنده ، ليستولي على أموالها وأملاكها ، فاتفقت ~~وفاتها وهو بالصيد . ولما مرضت ، جاء وكيلها ابن الشيرجي إلى قاضي القضاة : ~~زكي الدين ، وطلبه إليها بدارها . فأخذ معه أربعين عدلا من أعيان دمشق ، ~~فشهدوا عليها أنها أوقفت أملاكها على مدرستها ، ووجوه البر وأنواع القربات ~~، وجعلت دارها مدرسة ووقفت عليها وقوفا ، وأبرأت جواريها وخدمها ووكلاءها . ~~وماتت بعد ذلك . وأسندت وصيتها إلى القاضي . فعاد السلطان من الصيد ، فوجد ~~الأمر قد مضى على ذلك . فتألم لوقوعه ، وأنكر على القاضي ، وقال : يحضر إلى ~~دار عمتي من غير إذني ، ويسمع كلامها ، هو والشهود . ثم اتفق بعد ذلك أن ~~القاضي طلب جابي أوقاف المدرسة العزيزية - وهو سالم بن عبد الرازق ، خطيب ~~عقربا - أخو المؤيد العقرباني - وطلب منه حسابها ، فأغلظ له في القول . ~~فأمر القاضي بضربه ، فضرب بين يديه ، كما تفعل الولاة . فوجد الملك المعظم ~~سبيلا إلى إظهار ما عنده ، فأرسل إلى القاضي بقجة ، وهو في مجلس حكمه ، وفي ~~مجلسه الجمال المصري وكيل بيت المال ، وجماعة كثيرة من ms6695 العدول والمتحاكمين ~~، فجاءه الرسول ، وقال للقاضي : السلطان يسلم عليك ويقول لك : الخليفة - ~~سلم الله عليه - إذا أراد أن يشرف أحدا من أصحابه خلع عليه من ملابيسه ، ~~ونحن نسلك طريقه وقد أرسل إليك من ملابيسه ، وأمر أن تلبسها في مجلسك هذا ، ~~وأنت تحكم بين الناس . وكان الملك المعظم أكثر ما يلبس قباء أبيض ، وكلوتة ~~صفراء . وفتح الرسول البقجة . فلما نظر القاضي إلى ما فيها وجم . ~~PageV29P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة : فأخبرني ~~الرسول الذي أحضر هذه الخلعة والرسالة بذلك ، قال : وكان السلطان قد أمرني ~~أن ألبسه إياها بيدي ، إن امتنع أو توقف . فأشرت عليه بلبسها ، وأعدت عليه ~~الرسالة . فأخذ القباء ووضعه على كتفه ، ووضع عمامته بالأرض ولبس الكلوتة ~~الصفراء على رأسه ، ثم قام ودخل بيته إثر هذه الحادثة ، ورمى كبده ومات . ~~ويقال أن ذلك كان في يوم الأربعاء ، سابع عشرين شهر ربيع الأول سنة سبع ~~عشرة وستمائة . وفوض السلطان قضاء الشام بعده للجمال المصري وكيل بيت المال ~~، وذلك في شهر رجب سنة ثمان عشرة وستمائة . قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي ~~: وكانت حركة قبيحة وواقعة شنيعة ، لم يجر في الإسلام أقبح منها . وكانت من ~~غلطات الملك المعظم . قال ولقد قلت له : ما فعلت إلا بصاحب الشرع ، ولقد ~~وجبت عليك دية القاضي . فقال : هو أحوجني إلى هذا . ولقد ندمت . واتفق أن ~~الملك المعظم بعث إلى شرف الدين بن عنين الشاعر - حين تزهد - خمرا ونردا ، ~~وقال : سبح بهذا - إشارة إلى أن زهده ليس حقيقة فكتب إليه ابن عنين : يا ~~أيها الملك المعظم ، سنة . . . أحدثتها ، تبقى على الآباد تجرى الملوك على ~~طريقك بعدها . . . : خلع القضاة وتحفة الزهاد وفي هذه السنة ، توفي الشيخ ~~جلال الدين أبو محمد : عبد الله بن نجم ابن شاس بن نزار ، بن عشائر بن عبد ~~الله بن محمد بن شاس ، الجذامي السعدي : الفقيه المالكي . وكان عالم مذهب ~~مالك في زمانه . وصنف في مذهب مالك كتابا نفيسا ، سماه : الجواهر الثمينة ~~في علم صاحب المدينة . فانتفع به المالكية انتفاعا كثيرا ms6696 . وكان مدرسا ~~بمدرسة PageV29P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" المالكية بمصر ، المجاورة للجامع . ثم توجه ~~إلى ثغر دمياط بنية الجهاد ، فتوفى هناك في جمادى الآخرة ، أو رجب ، سنة ست ~~عشرة وستمائة - رحمه الله تعالى . وفيها ، توفي بالقاهرة القاضي : جمال ~~الدين أبو الحسن علي ، ابن القاضي شرف الدين أبو المعالي شكر ، بن القاضي ~~كمال الدين أبو السعادات : أحمد بن شكر ، الشافعي - رحمه الله تعالى . ~~واستهلت سنة سبع عشرة وستمائة : في هذه السنة ، كانت وقعة البرلس : بين ~~السلطان الملك الكامل والفرنج . وكانت من الوقعات العظيمة ، المشهورة . قتل ~~من الفرنج فيها عشرة آلاف . وغنم المسلمون خيولهم وسلاحهم . فرجعوا إلى ~~دمياط . وفيها أخذ ابن حسون - مقدم الشواني الإسلامية - للفرنج إحدى عشرة ~~حراقة وفيها في يوم الاثنين ، السابع عشر من جمادى الآخرة ، احترق بمدينة ~~قوص ، بظاهرها - خان الأمير مجد الدين مكرم بن اللمطي . وعدم للتجار فيه ما ~~يقارب قيمته خمسمائة ألف دينار . وكان متولي الأعمال القوصية ، يومئذ ، ~~الأمير سيف الدين : سنقر الدوادار العادلي . PageV29P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" فكتب الأديب الفاضل : نجم الدين عبد الرحمن ~~ابن وهيب القوصي ، عن المتولي ، كتابا إلى السلطان الملك الكامل ، يخبره ~~بهذه الحادثة ، وهو : المملوك يقبل الأرض بالمقام العالي ، المولوي ~~السلطاني ، الملكي الكاملي الناصري : غياث الاسلام ، سلطان الأنام ، ولي ~~النعمة ، كاشف غياهب الغمة ، جامع فضيلتي السيف والقلم ، ورافع زينتي العلم ~~والعلم - لا زالت آيات ملكه باهرة ، ونجوم خرصانه في سماء العجاج زاهرة ، ~~ووجوه أوليائه ناضرة ، إلى ربها ناظرة ووجوه أعدائه ساهية ساهرة ، تظن أن ~~يفعل بها فاقرة . وينهى وقوع الكائنة التي عظم مصابها وأصاب عظيمها ، وآلم ~~موجعها وأوجع أليمها ، وسقم بها من القلوب صحيحها ، وصح بها من الخطوب ~~سقيمها . وأحالت الأفكار في ميدان الفكرة ، وأطلق من الألسن والأعين عنان ~~العبرة والعبرة . وهي حلول النار بالخان ، الذي أنشأه الأمير مجد الدين ~~مكرم بن اللمطي بظاهر مدينة قوص وهذا الخان المذكور ، قد كان محطا للرفيق ~~ومجتمعا للسفار ، يأتون إليه من كل فج وطريق ، خصوصا الكارم الإسكندري - ~~عوضهم الله أموالهم ، وبلغهم آمالهم - فلا ينزلون بغيره منزلا ، ولا ~~يختارون ms6697 سواه حصنا وموئلا . وإذا حل به أحدهم فكأنه ما فارق وطنه . يتخيرون ~~منازله وغرفه ، ويهرعون إليه كما يهرعون ليوم عرفة . فاتفق لقضاء الله ~~السابق وقدره اللاحق ، وإظهار ما كان من مغيبه مستورا ، وتلاوتهم كان ذلك ~~في الكتاب مسطورا - فاتفق يوم الاثنين السابع عشر من جمادى الآخرة ، أن ~~خطبت على أعاليه ألسن النيران ، واسود الفضاء المشرق لتتابع الدخان . وعاين ~~أهله الهلاك ، وجاءهم الموت من كل مكان . فلم يلبثوا إلا ساعة من نهار ، ~~وقد احدقت بهم PageV29P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" النار إحداق الإجفان بالأحداق واستدار عليهم ~~اللهب استدارة الأطواق بالأعناق . وتلا لهم لسان القدر : ما عندكم ينفد وما ~~عند الله باق . وزحفت الخطوب إليه زحفا ، وصار للوقت دكا دكا . والناس حوله ~~صفا صفا . ولسان النار يقول : هل من مزيد ؟ ومدامع الخلق تهمى وتزيد ، فعلت ~~الأصوات عند ذلك بالدعاء ، وكاد اللهب يخمد من جريان ماء البكاء ، وشهد ~~الناس منه اليوم المشهود . وهبت الأرياح فلم تخمد للأرواح ضراما ، وخالفت ~~هذه النار نار الخليل ، فلم تعقب بردا وسلاما فكل مالك لموضع صار فيه مالكا ~~. وكل ذي حال حسنة حاله حالكا . فمن فائز بنفسه دون نفائسه ، ومن راغب في ~~هربه لشدة رهبه ، ومن آبق بمرده دون أهله وولده . قد لزم كل منهم ما يعنيه ~~، وعمل بقوله عز وجل : يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، ~~لكل امريء منهم يومئذ شأن يغنيه . فإنا لله وانا إليه راجعون ، ولأمره ~~طائعون . لا صادق لمصادف قضائه ، ولا صارف لصرف بلائه . لم يبق هذا المصاب ~~لهؤلاء القوم جلدا ، ولم يؤخر عنه حزنا ولا كمدا . وكل أحد منهم يقول : ~~أهلكت مالا لبدا . فكم من كريم كان يجزل الهبات فصار جديرا بأن يتصدق بها ~~عليه . وكم من ممول كان يؤدى الزكاة فصار مستحقا بأن تصرف إليه . كانوا ~~أعزاء في الغربة بأموالهم ، فصاروا أذلاء في المواطن لإقلالهم . لم يخلص ~~لهم إلا النزر اليسير ، والشيء الحقير ، والقليل من الكثير مقدار أزوادهم ~~إلى مواطنهم ، وكفافهم إلى وصول مساكنهم . هذا ، ولم يعلم السبب في وقوع ~~النار ms6698 . فقال قوم : صاعقة سمائية ، وقال قوم : آفة أرضية . وتزاحمت في ذلك ~~الظنون ، وعند الله من علمه السر الكنون . إلا أن المملوك أرسل عليه من ~~الماء طوفانا ، وأجرى إليه بحارا - ولا أقول غدرانا - إلى أن عاد غريقا بعد ~~ما كان حريقا ، وصار موردا بعد ما كان موقدا . وأصبح ماء ثجاجا بعد ما كان ~~سراجا وهاجا . وعلموا أن المدفوع من بلاء الله أعظم ، وقرأوا : ولكن الله ~~سلم . PageV29P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" أنهى المملوك ذلك ، ليطالح بخفى الأحوال ~~وجليها ، حتى لا يخفى عن علمه السامي خافية - لا زالت أنوار المملوك بذلك ~~المقام متوالية متلالية - إن شاء الله تعالى . وفيها ، في العشر الآخر من ~~شعبان ، صرف قاضي القضاة تاج الدين ابن الخراط عن القضاء ، بمصر والوجه ~~القبلى . وسبب ذلك أن إحدى بنات مرزوق العلائي تزوجت بإنسان علاف اسمه داود ~~، وهو غير كفء لها . فاستدعاه السلطان إلى المنصورة ، وعقد له مجلسا وسلم ~~المرأة لزوجها . وصرف القاضي عن الحكم ، وصك الشهود . وأضاف قضاء مصر ~~والوجه القبلي لقاضي القضاة : شرف الدين بن عين الدولة الصفراوي . ثم ولى ~~القاضي تاج الدين المذكور ، بعد ذلك ، قضاء دمياط وكان بها ، إلى أن مات - ~~رحمه الله . وفيها خربت صفد . ثم عمرها الفرنج بعد ذلك ، عندما تسلموها من ~~الملك الصالح إسماعيل - في سنة ثمان وثلاثين . وفيها قتل صاحب سنجار أخاه . ~~فسار الملك الأشرف إليها ، فأخذها وعوض صاحب سنجار الرقة وفيها قصد مظفر ~~الدين بن زين الدين - صاحب إربل - الموصل . فخرج إليه بدر الدين لؤلؤ ، ~~فهزمه زين الدين ، فأفلت لؤلؤ وحده . فانتصر الملك الأشرف له ، ونازل ~~PageV29P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" إربل . فبعث الخليفة إليه ، فرده عنها ، وأصلح ~~بين الملوك . وفي هذه السنة ، كانت وفاة الملك الفائز : إبراهيم ، بن الملك ~~العادل . وكان قد وافق الأمير عماد الدين بن المشطوب ، وحلف له جماعة من ~~الأمراء بالديار المصرية على الملك الكامل . وكاد أمره يتم . فاتفق من ~~إخراج ابن المشطور ما قدمناه . وبقي الملك الكامل في ضيق منه . فيقال انه ~~استشار الصاحب - صفي الدين بن شكر الوزير - في أمره ms6699 ، فأشار بإرساله إلى ~~الملوك ببلاد الشرق ، يستحثهم على الحضور . فلما كانت واقعة البرلس ، قال ~~السلطان الملك الكامل للملك الفائز : إن الملك المعظم قد أبطأ علينا والملك ~~الأشرف ، وليس لهذا المهم سؤال ، فتوجه إلى أخيك الملك الأشرف ، وعرفه ما ~~نحن فيه من الضائقة . فتوجه . وكان الملك الأشرف على الموصل . فمرض الفائز ~~بين سنجار والموصل . فمات - وقيل انه سم - فرده من معه إلى سنجار . فدفن ~~عند تربة عماد الدين زنكي - رحمهما الله تعالى . وحكى ابن جلب راغب ، في ~~وفاته ، أن السلطان جهزه إلى الملك الأشرف ، باتفاق من الملك المعظم ، ~~وبرأي الصاحب صفي الدين ، وأنه جهز معه شيخ الشيوخ ، فسقاه سما في طريقه . ~~فلما شعر الفائز به ، قال له : يا شيخ السوء فعلتها بي كل من هذا الذي ~~أحضرته . فأكل منه ، فماتا جميعا . وحكى غير ابن جلب راغب - وهو أقعد منه ~~بهذه الحادثة - في وفاة شيخ الشيوخ ، فقال ما معناه : كانت وفاة شيخ الشيوخ ~~: صدر الدين أبي الحسن محمد ، بن الإمام شيخ الشيوخ عماد الدين أبي الفتوح ~~عمر ، ابن الفقيه أصيل خراسان أبي PageV29P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" الحسن علي ، بن الإمام الزاهد : أبي عبد الله ~~محمد ، بن حمويه ، الحموي الخراساني النيسابوري الجويني ، البحيراباذي ~~الشافعي - في منتصف جمادى الآخرة - وقيل في يوم الاثنين رابع عشرين الشهر ~~بالموصل ، بعلة الذرب . وكان الملك الكامل قد أرسله إلى الخليفة ، يستنجده ~~على الفرنج ، فمرض بين حران والموصل ، فوصل إلى الموصل ومات بها . وقيل ~~كانت وفاته في جمادى الأولى . ومولده بجوين في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة . ~~وجوين هذه ، التي نسب إليها ، ناحية كبيرة من نواحي نيسابور ، وإليها ينسب ~~إمام الحرمين أبو المعالي : عبد الملك الجويني . وأما أبو المعالي الجويني ~~: محمد بن الحسن ابن عبد الله - فهو منسوب إلى جوين : قرية من قرى سرخس . ~~وهو إمام فاضل . وأما وقاد بن قيس الجويني الشاعر فمنسوب إلى جوين : بطن من ~~سنبس . وفي هذه السنة كانت وفاة السيد الشريف : قتادة بن إدريس ، الزيدي ~~الحسني العلوي ، أمير مكة . وكنيته أبو عزيز . كان رحمه الله - عادلا ms6700 منصفا ~~. واطمأن الحاج في أيامه . وما وطيء بساط خليفة قط . وكان يحمل إليه في كل ~~سنة من بغداد الخلع والذهب . وكان يقول : أنا أحق بالخلافة من غيري . وبعث ~~إليه الخليفة الناصر يستدعيه ، ويقول له : أنت ابن العم والصاحب ، وقد ~~بلغني شهامتك وحفظك للحاج ، وعدلك وشرف نفسك ، وقد أحببت أن أراك وأشاهدك ، ~~وأحسن إليك . فكتب إليه : ولى كف ضرغام أدل ببسطها . . . وأشرى بها بين ~~الورى وأبيع تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها . . . وفى وسطها للمجدبين ربيع ~~PageV29P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" أأجعلها تحت الرجا ، ثم أبتغي . . . خلاصا لها ~~، إني إذا لوضيع وما أنا إلا المسك في كل بقعة . . . يضوع ، وأما عندكم ~~فيضيع وكانت وفاته - رحمه الله - إحدى الجماديين ، بمكة - شرفها الله تعالى ~~- وله سبعون سنة . وملك بعده ابنه الحسن - وقيل أن ابنه الحسن سمه - وكان ~~له ولد آخر اسمه : راجح . وكان قتادة قد اتسعت ولايته من حدود اليمن إلى ~~المدينة : وله قلعة ينبع واستكثر من المماليك . وذكر ابن الأثير وفاته في ~~سنة ثمان عشرة . والله أعلم . وفيها ، كانت وفاة الملك المنصور : محمد بن ~~عمر بن شاهنشاه ابن أيوب - صاحب حماه . وكان شجاعا محبا للعلماء . وصنف ~~كتابا سماه : المضمار جمع فيه جملة من التواريخ ، وأسماء من ورد عليه وأقام ~~عنده ، في عشرة مجلدات . وكان كثير الصدقة ، حافظا لرعيته . وكانت وفاته ~~بحماه في شوال ، ودفن عند أبيه . وقام بعده بملك حماه ولده الأكبر : الملك ~~الناصر قليج أرسلان . ثم أخذ منه الملك الكامل حماه ، وأعطاه لأخيه الملك ~~المظفر ، واعتقل قليج أرسلان في الجب بقلعة الجبل ، بظاهر القاهرة المعزية ~~. وفيها كانت وفاة الملك الصالح : نجم الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان ~~بن أرتق ، صاحب آمد . وكان شجاعا عاقلا جوادا ، محبا للعلماء . وكان الملك ~~الأشرف يحبه ، وحضر إلى خدمة الأشرف غير مرة إلى دنيسر ، وغيرها . ومات ~~بآمد في صفر . وقام بعده ولده الملك المسعود . وكان ضد اسمه : بخيلا فاسقا ~~. حضره الملك الكامل بعد ذلك في آمد ، ووجد في قصره خمسمائة امرأة من ~~الحرائر يفترسهن ، من بنات الناس . فأخذه ms6701 الكامل إلى مصر ، وأحسن إليه . ~~وكاتب الروم وسعى في هلاك الكامل . فقبض عليه واعتقله في الجب . ثم أطلقه ، ~~فتوجه إلى التتار . وكان معه جواهر كثيرة ، وأخت جميلة ، فقتله التتار ، ~~وأخذوا ما معه . وفيها ، في العشر الأول من ذي الحجة ، توفي الشيخ القدوة ~~العارف : أسد الشام PageV29P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" عبد الله اليوناني صاحب الكرامات المشهورة ~~والرياضات والمجاهدات . وكان - رحمه الله ورضي عنه - لا يقوم لأحد من ~~الملوك ولا لغيرهم ، تعظيما لله تعالى ، ويقول : لا ينبغي القيام لغير الله ~~تعالى . وكان لا يمس بيده درهما ولا دينارا ، ولا يلبس غير الثوب الخام ، ~~وقلنسوة من جلد الماعز . ويبعث إليه بعض أصحابه في الشتاء بفروة قرظ ، ~~يلبسها ، ثم يؤثر بها إذا اشتد البرد . وكان إذا لبس ثوبا قال : هذا لفلان ~~وهذا لفلانة ، يوعد به ويعطيه إذا أتاه غيره . وكان من خبر وفاته أنه دخل ~~الحمام في يوم الجمعة واغتسل ، ولبس ثوبيه ، وكان قد سماهما لا مرأتين ، ~~وصلى الجمعة بجامع بعلبك وهو صحيح . وجاءه داود المؤذن وكان يغسل الموتى ، ~~فقال له : ويحك يا داود ، انظر كيف تكون غدا فلم يفهم . ثم صعد الشيخ ~~المغارة ، وكان قد أمر الفقراء أن يقطعوا الصخرة التي عند اللورة ، التي ~~كان ينام تحتها ويجلس عندها ، وعندها قبره . فنجزت في نهار الجمعة ، وبقي ~~منها مقدار نصف ذراع . فقال لهم : لا تطلع الشمس إلا وقد فرغتم منها . وبات ~~في ليلة السبت ، وهو يذكر أصحابه ومعارفه ، ويدعو لهم حتى طلع الفجر . فصلى ~~بهم الصبح ، وخرج إلى صخرة كان يجلس عليها ، فجلس وبيده سبحة . وقام ~~الفقراء ليكملوا حفر الصخرة ، فطلعت الشمس وقد فرغوا منها ، والشيخ قاعد ~~وبيده السبحة . وجاء خادم من القلعة إليه في شغل ، فرآه نائما ، فما تجاسر ~~أن يوقظه . فجلس ساعة ، فلما طال مجلسه قال لخادم الشيخ : يا عبد الصمد ، ~~ما أستطيع أن أقعد أكثر من هذا . قال عبد الصمد : فتقدمت إليه ، وناديته : ~~سيدي سيدي فما تكلم . فحركته ، فإذا هو ميت فارتفع الصياح . وكان الملك ~~الأمجد - صاحب بعلبك - في الصيد ، فأرسلوا إليه ms6702 . فجاء ، فرآه على تلك ~~الحال : لم يقع : ولا وقعت السبحة من يده ، وهو كأنه نائم فقال : نبني عليه ~~بنيانا وهو على حاله ، ليكون أعجوبة فقال أتباع الشيخ : السنة أولى . وغسله ~~داود ، ودفع الثوبين للمرأتين . ولما ألحدوه ، قال له الحفار : يا شيخ عبد ~~الله ، اذكر ما فارقتنا ، أو اذكرنا عند ربك . قال : ففتح عينيه ، ونظر إلى ~~شزرا . ودفن رحمه الله في يوم السبت ، وقد جاوز ثمانين سنة . والأخبار عنه ~~في الكرامات كثيرة ، قد اقتصرنا على هذه النبذة . PageV29P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" واستهلت سنة ثماني عشرة وستمائة ذكر وصول ملوك ~~الشرق إلى السلطان الملك الكامل وانهزام الفرنج واستعادة ثغر دمياط ، ~~وتقرير الهدنة في هذه السنة ، توجه الملك المعظم شرف الدين عيسى ، بن ~~السلطان الملك العادل ، إلى أخيه الملك الأشرف ، واجتمعا على حران . وكان ~~الملك المعظم من أحرص الناس على إعانة أخيه الملك الكامل ، على استعادة ثغر ~~دمياط من الفرنج . وكان الملك الأشرف قد باين الملك الكامل ، وتقاعد عنه في ~~هذه الحادثة : فتلطف الملك المعظم بالملك الأشرف ، ولم يزل به حتى قطع ~~الفرات بالعساكر ، والمعظم يقدمه ، إلى أن نزل الملك المعظم على حمص ، ~~والأشرف على سلمية . قال أبو المظفر يوسف ، في تاريخه : وكنت قد توجهت إلى ~~حمص لطلب الغزاة ، وكان العزم قد وقع على دخول العساكر إلى طرابلس . ~~فاجتمعت بالملك المعظم على حمص في شهر ربيع الآخر . فقال لي : قد سحبت ~~الأشرف إلى ههنا بأسناني وهو كاره ، وكل يوم أعتبه في تأخره وهو يكاشر ، ~~وأخاف من الفرنج أن يستووا على مصر . وهو صديقك ، فتوجه إليه ، فإنه قد ~~سألني عنك مرارا . قال : ثم كتب كتابا إلى أخيه بخطه نحو ثمانين سطرا ، ~~فأخذته وتوجهت إليه إلى سلمية ؟ فتلقاني وأكرمني ، فقلت له : المسلمون في ~~ضائقة ، وإذا أخذ الفرنج الديار المصرية ، ملكوا حضرموت وعفوا آثار مكة ، ~~وأنت تلعب ؟ قم الساعة وارحل . فأمر برمي الخيام والدهليز لوقته . وقمت ~~فركبت ، وسبقته إلى حمص . فركب المعظم والتقى بي ، وقال : والله ما نمت ~~البارحة ، ولا أكلت في يومي هذا فأخبرته أن الملك ms6703 PageV29P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" الأشرف يصل إليه بكرة الغد . فسر بذلك ، ودعا ~~لي . وأقبلت الأطلاب من الغد . وجاء الأشرف فما رأيت أجمل من طلبه ، ولا ~~أحسن رجالا ولا أكمل عدة . قال : وبات الأخوان الملكان في تلك الليلة ~~يتشاوران . فاتفقا على الدخول في السحر إلى طرابلس ، وكانوا على أحسن حال . ~~فأنطق الله الملك الأشرف - من غير قصد - وقال للمعظم : يا خوند ، م عوض ~~دخولنا إلى الساحل ونضعف عساكرنا وخيلنا ، ونضيع الزمان ، ما نتوجه إلى ~~دمياط ونستريح فحلفه المعظم بقول رماة البندق فحلف ، وقبل المعظم قدمه . ~~ونام الأشرف ، فخرج المعظم من الخيمة ونادى في الناس : الرحيل إلى دمياط ، ~~وما كان يظن أن الأشرف يسمح بذلك . وساق المعظم إلى دمشق ، وتبعته العساكر ~~. ونام الأشرف في خيمته إلى وقت الظهر ، وانتبه فدخل الحمام فلم ير حول ~~خيمته خيمة فسأل عن العساكر ، فأخبر بالخبر . فسكت وركب إلى دمشق . ونزل ~~القصر في رابع عشر جمادى الأولى ، فأقام بها إلى سلخ الشهر . وعرض العساكر ~~، وتوجه إلى مصر ، هو والملك المعظم - في غرة جمادى الآخرة . ووصلوا إلى ~~المنصورة ، في ثالث شهر رجب من السنة . ووصل أيضا الملك المظفر بن الملك ~~المنصور ، صاحب حماه ، وغيره من الملوك . هذا ما كان من خبر هؤلاء . وأما ~~الملك الكامل ، فإنه في هذه السنة اجتهد في قتال الفرنج . . واستمر القتال ~~بينهم وبينه في البر والبحر . وطلع النيل وعم البلاد ، وجرى في بحر المحلة ~~، فرتب السلطان مراكب الأسطول في بحر المحلة ، ومنع الميرة عن الفرنج . ~~فاشتد ضررهم لذلك ، وعدموا القوت . وعزموا على الرجوع إلى دمياط ، فأحرقوا ~~أثقالهم وهربوا ليلا . فأمر السلطان بقطع جسر البرمون ، وغيره من الجسور ، ~~فقطعت . فأحاط بهم النيل من PageV29P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" كل جانب . وكان فيهم مائة كند ، وثمانمائة من ~~الخيالة المعروفين ، وملك عكا ، والدوك واللوكان نائب الباب ، ومن الرجالة ~~ما لا يحصى كثرة . فلما عاينوا الهلاك ، رسالوا السلطان ، وبذلوا له أن ~~ينزلوا على ثغر دمياط ، ويؤمنهم على أنفسهم وأموالهم . فأجابهم إلى ذلك . ~~ووصل الملكان : الأشرف والمعظم في هذه الأيام . وتقررت الهدنة ms6704 ثماني سنين ، ~~وأنه يطلق جميع الأسرى من الجهتين . PageV29P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" وجلس الملك الكامل مجلسا عظيما . ووقف الملك ~~الأشرف والملك المعظم وسائر الملوك في خدمته . ولم يجلس معه إلا الملك ~~المعظم محمد بن سنجرشاه ، بن أتابك ، صاحب جزيرة ابن عمر - وكان قد وصل إلى ~~الملك الكامل في أوائل هذه السنة ، قبل وصول الأشرف والمعظم - وعظمه الملك ~~الكامل تعظيما كثيرا . وكان في مدة مقامه عنده ، إذا حضر رسل الفرنج يقول ~~لهم الملك الكامل : إنه الآن لا حكم لي ، وحديثكم مع ملك الشرق ، والأمر له ~~. وحضر رسول الفرنج مرة ، فوقف الملك الكامل بين يدي الملك المعظم هذا ، ~~وكذلك من كان بحضرته من الملوك الأيوبية . وكان الملك المعظم محمد شكلا ~~مهيبا ، جهوري الصوت ، هيول الخلقة ففرق رسل الفرنج منه . ولما جلس السلطان ~~في هذا اليوم ، أراد الملك المعظم الوقوف بين يديه مع الملوك الأيوبية ، ~~فلم يمكنه من ذلك ، وأجلسه إلى جانبه . وحضر الملك يوحنا - صاحب عكا - إلى ~~السلطان بظاهر البرمون ، بعد أن أعطاه السلطان رهاين : ولده الملك الصالح ~~نجم الدين أيوب ، وأخاه الملك المفضل قطب الدين ، وجماعة من أولاد الأمراء ~~. فحلف يوحنا للسلطان ، ولأخويه : الأشرف والمعظم ، وحلفوا له . وذلك في ~~يوم الأربعاء ، لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب ، من السنة . وتسلم ثغر ~~دمياط في تساع عشر شعبان من السنة . فكانت مدة استيلاء الفرنج على الثغر ~~سنتين ، إلا ستة أيام . ومدة مقامهم بالديار المصرية ثلاث سنين ، وأربعة ~~أشهر ، وستة عشر يوما . وتوجه الفرنج إلى عكا : بعضهم في البر ، وبعضهم في ~~البحر . وعاد الملك المعظم ، صاحب الجزيرة ، والملك المعظم ، صاحب دمشق ، ~~إلى ممالكهما . وتأخر الملك الأشرف عند السلطان الملك الكامل ، وتصافيا ، ~~وزال ما عند كل منهما من الآخر . واتفقا على الملك المعظم صاحب الشام . ~~PageV29P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" ذكر رجوع السلطان إلى القاهرة وإخراج الأمراء ~~إلى الشام قال : ولما تسلم السلطان ثغر دمياط ، وعاد الفرنج إلى بلادهم ، ~~رجع السلطان إلى القاهرة . واستقر بقلعة الجبل . ثم ركب في ذي القعدة ، ~~وجاء إلى منظرة الصاحب صفي الدين ms6705 بن شكر ، لزيارته . فزاره ، واستشاره في ~~أمر الأمراء ، الذين كانوا مع عماد الدين بن المشطوب ، لما قصد إقامة ~~الفائز . فأشار بإخراجهم من البلاد . وكانوا في الجزيرة ، مقابل ثغر دمياط ~~، لعمارتها . فكتب السلطان إليهم بالانصراف ، إلى حيث اختاروا . فتوجهوا ~~إلى الشام . ولم يتعرض لشيء من موجودهم ، وأقطع أخبازهم لمماليكه . في هذه ~~السنة - أعنى سنة ثماني عشرة وستمائة - كانت وفاة أمين الدين أبو الدر : ~~ياقوت بن عبد الله الموصلي ، الكاتب المعروف بالمالكي - نسبة إلى السلطان ~~ملكشاه السلجقي . إليه انتهى حسن الخط وجوده الكتابة في زمانه ، وما أدى ~~أحد طريقة ابن البواب في زمانه مثله . وكتب كثيرا من الكتب . وانتشر خطه . ~~وكان مغرى بنقل صحاح الجوهري ، كتب منها نسخا كثيرة : كل نسخة في مجلدة ~~واحدة . قال ابن خلكان : ورأيت منها نسخا عدة ، وكل نسخة تباع بمائة دينار ~~. وكتب عليه خلق كثير ، وانتفعوا به . وقصده الناس من البلاد إلى الموصل . ~~وبها مات ، وقد أسن وتغير خطه - رحمه الله . واستهلت سنة تسع عشرة وستمائة ~~: في هذه السنة - في أولها - وصل الملك الأشرف إلى القاهرة إلى أخيه الملك ~~الكامل ، وأمر بعمارة تربة لوالدته بالقرافة . وعاد في شعبان من السنة . ~~وفيها ظهر بالشام جراد كثير ، لم يعهد مثله . فأكل الزرع والشجر . فأظهر ~~الملك المعظم أن ببلاد العجم طائرا ، يقال له : السمرمر يأكل الجراد . ~~فأرسل الصدر البكري PageV29P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" محتسب دمشق ، ورتب معه صوفية ، وقال : تمضي ~~إلى العجم . فهناك عين يجتمع فيها السمرمر ، فتأخذ من مائها قوارير ، ~~وتعلقه على رءوس الرماح ، فكلما رآه السمرمر يتبعك وكان قصد الملك المعظم ~~في إرسال البكري أن يتوجه إلى السلطان : جلال الدين خوارزم شاه ويتفق معه ، ~~لما بلغه إتفاق الملك الكامل والأشرف عليه . فتوجه البكري ، واجتمع ~~بالسلطان جلال الدين ، وقرر معه الأمور ، وجعله سندا للملك المعظم . وكان ~~الجراد قد قل ، فلما عاد البكري كثر وولاه الملك المعظم مشيخة الشيوخ مضافة ~~إلى الحسبة . وفيها نقل الملك العادل في تابوته من قلعة دمشق إلى مدرسته ، ~~التي أنشأها عند دار العقيقي . وأخرجت جنازته من ms6706 القلعة ، وعليها مرقعته ، ~~وأرباب الدولة حوله . ودخلوا من باب البريد إلى الجامع ، ووضع في صحن ~~الجامع ، قبالة حائط النسر . وصلى عليه الخطيب الدولعي . ثم حملوا جنازته ~~وخرجوا من باب البطاقين ، خوفا من ازدحام الناس في الطريق . فلم يصل إلى ~~تربته إلا بعد جهد ، لضيق المسلك . وتردد القراء والفقهاء مدة إلى التربة ، ~~غدوة وعشية . ولم تكن كملت عمارتها . ثم درس فيها قاضي القضاة جمال الدين ~~المصري ، قبل كمال عمارتها . وحضر السلطان الملك المعظم ، وتكلم في الدرس ~~مع الجماعة . PageV29P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" وكان الإجماع بالإيوان الشمالي بالمدرسة . ~~وجلس عن يمين السلطان إلى جانبه - الشيخ جمال الدين الحصيري شيخ الحنفية ، ~~ويليه شيخ الشافعية : الشيخ فخر الدين بن عساكر ، ثم القاضي شمس الدين ~~الشيرازي ، ثم القاضي محيي الدين بن الزكي . وجلس عن يسار السلطان ، إلى ~~جانبه ، مدرس المدرسة قاضي القضاة ، وإلى جانبه سيف الدين علي الآمدي ، ثم ~~القاضي شمس الدين يحيى بن سني الدولة ، ثم القاضي نجم الدين خليل قاضي ~~العسكر . ودارت حلقة صغيرة ، والناس وراءهم متصلون ملء الإيوان . وكان في ~~تلك الحلقة أعيان المدرسين والفقهاء . وقبالة السلطان الشيخ تقي الدين بن ~~الصلاح وغيره . وكان مجلسا جليلا ، لم يقع مثله إلا في سنة ثلاث وعشرين ~~وستمائة . ذكر توجه الملك المسعود بن الملك الكامل من اليمن إلى الحجاز ، ~~وما اعتمده في هذه السنة ، حج الملك المسعود بن السلطان الملك الكامل ~~بالناس من اليمن ، في عسكر عظيم . وجاء إلى الجبل وقد لبس هو وأصحابه ~~السلاح ، ومنع علم الخليفة . أن يصعد إلى الجبل . وأصعد علم أبيه : الملك ~~الكامل ، وعلمه . وقال لأصحابه : إن طلع البغاددة بعلم الخليفة فاكسروه ، ~~وانهبوهم . ووقفوا تحت الجبل من الظهر إلى غروب الشمس ، يضربون الكوسات ~~ويتعرضون إلى الحاج العراقي ، وينادون : يا ثارات ابن المقدم . ~~PageV29P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" فأرسل إليه حسام الدين بن أبي فراس - أمير ~~الحاج العراقي - أباه ، وكان شيخا كبيرا ، فعرفه ما يجب من طاعة الخليفة ، ~~وما يلزمه من ذلك من الشناعة . فيقال إنه أذن في صعود العلم قبيل الغروب . ~~وقيل لم يأذن ms6707 . وبدا من الملك المسعود أقسيس في هذه الواقعة جنون عظيم ، ~~وأفعال شنيعة . قال أبو المظفر : حكى لي شيخنا جمال الدين الحصيري ، قال : ~~رأيت أقسيس قد صعد على قبة زمزم ، وهو يرمى حمام مكة بالبندق قال : ورأيت ~~غلمانه في المسعى يضربون الناس بالسيوف في أرجلهم ، ويقولون : اسعوا قليلا ~~قليلا ، فإن السلطان نائم سكران في دار السلطنة التي بالمسعى . والدم يجري ~~من ساقات الناس . وفيها ، في العشرين من شعبان ، ظهر كوكب كبير في الشرق ، ~~له ذؤابة طويلة غليظة . وكان طلوعه وقت السحر ، فبقي كذلك عشرة أيام . ثم ~~ظهر أول الليل في المغرب مما يلي الشمال . فبقي كذلك إلى آخر شهر رمضان . ~~وفي هذه السنة ، توفي الملك المفضل قطب الدين أحمد بن الملك العادل سيف ~~الدين أبي بكر محمد بن أيوب ، بالفيوم . ونقل إلى القاهرة فدفن بالقرافة ~~الصغرى . وإلى قطب الدين هذا ، تنسب الدار القطبية التي بين القصرين ~~بالقاهرة المعزية ، التي هي الآن البيمارستان المنصوري . وكان قد جمع ~~أخواته بنات الملك العادل ، بعد وفاة أبيه ، وسكنها ، وهن تحت كنفه ، فسميت ~~الدار القطبية به - رحمه الله تعالى . وفيها توفي الأمير عماد الدين : أبو ~~العباس أحمد ، بن الأمير الكبير سيف الدين أبي الحسن علي ، بن أحمد ، بن ~~أبي الهيجا ، بن عبد الله ، بن أبي الخليل بن مورتان ، الهكاري ، المعروف ~~بابن المشطوب . والمشطوب لقب والده ، لقب به لشطبة كانت بوجهه . وكان أميرا ~~كبيرا ، وافر الحرمة عند الملوك ، يعدونه بينهم كواحد منهم . وكان عالي ~~الهمة غزير الجود ، واسع الكرم ، شجاعا أبي النفس . وكان من أمراء الدولة ~~PageV29P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" الصلاحية . فإن والده لما توفي ، كانت نابلس ~~إقطاعا له ، أرصد منها السلطان الملك الناصر صلاح الدين الثلث لمصالح بيت ~~المقدس ، وأقطع ولده عماد الدين هذا بقيتها . ولم يزل قائم الجاه والحرمة ~~نافذ الكلمة ، إلى أن صدر منه على ثغر دمياط ما قدمنا ذكره . وكان من خبره ~~واعتقاله ما قدمناه . ثم كانت وفاته بحران . وبنت له ابنته قبة على باب ~~مدينة رأس عين ، ونقلته من حران إليها ، ودفنته بها ms6708 . وأما والده - رحمه ~~الله تعالى - فكان من أكابر الأمراء الصلاحية . وكان الملك الناصر قد رتبه ~~بعكا ، هو وبهاء الدين قراقوش الأسدي . ولما خلص منها ، وصل إلى السلطان ~~وهو بالقدس . قال ابن شداد : إنه دخل عليه بغتة ، وعنده الملك العادل ، ~~فنهض إليه واعتنقه ، وسر به سرورا عظيما . وأخلى له المكان ، وتحدث معه ~~طويلا . ولم يكن في الدولة الناصرية من يضاهيه في الرتبة وعلو المنزلة . ~~وكانوا يسمونه : الأمير الكبير . وكان ذلك علما عليه عندهم ، لا يشاركه فيه ~~غيره . وكان إقطاعه - نابلس وغيرها - بعد خلاصه من الأسر - ثلاثمائة ألف ~~دينار . وكانت وفاته - أعنى والده - بالقدس ، في يوم الخميس سادس عشر شوال ~~، سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ، بعد خلاصه من الأسر بعكا بمائة يوم . وفدن ~~بداره ، بعد أن صلى عليه في المسجد الأقصى - رحمه الله تعالى . وفيها توفي ~~جلال الدين أبو بكر ، بن القاضي كمال الدين أبي السعادات : أحمد بن شكر . ~~واستهلت سنة عشرين وستمائة ذكر ملك الملك المسعود ابن السلطان الملك الكامل ~~مكة - شرفها الله تعالى وفي هذه السنة ، ملك الملك المسعود أقسيس بن ~~السلطان الملك الكامل - صاحب اليمن - مكة - شرفها الله تعالى . وكان صاحبها ~~يومئذ : الأمير حسن بن قتادة ، وكان قد اساء السيرة . فسار إليه الملك ~~المسعود وقاتله بالمسعى ببطن مكة ، PageV29P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" في رابع شهر ربيع الآخر . فتغير الخليفة ~~الناصر لدين الله على الملك الكامل ، بسبب ذلك . ذكر عصيان الملك المظفر ~~شهاب الدين غازي على أخيه الملك الأشرف وقتاله ، وانتصار الملك الأشرف وفي ~~هذه السنة ، عاد الملك الأشرف موسى من الديار المصرية ، من عند أخيه الملك ~~الكامل . فلما وصل إلى دمشق ، تلقاه أخوه الملك المعظم عيسى ، وعرض عيه ~~النزول بالقلعة . فامتنع ، ونزل بجوسق أبيه . وبدت الوحشة بين الإخوة : ~~الكامل والمعظم والأشرف . وركب الأشرف من الجوسق في وقت السحر ، فسار ونزل ~~ضمير . ولم يعلم المعظم برحيله . وسار يطوي البلاد إلى حران . وكان الأشرف ~~قد استناب أخاه الملك المظفر شهاب الدين غازي ، صاحب ميافارقين ، بخلاط ، ~~لما توجه إلى مصر ، وجعله ولي عهده ، ومكنه ms6709 في جميع بلاده . فسولت له نفسه ~~العصيان ، وحسنه له أخوه الملك المعظم ، وغيره ، ووعدوه المساعدة والإنجاد ~~على أخيه الأشرف . فسار الأشرف من حران إلى سنجار . وكتب إلى أخيه غازي أن ~~يحضر إليه ، فامتنع . فكتب إليه ثانيا ، يحذره عاقبة العصيان ، ويلاطفه ~~ويقول له : أنت ولي عهدي ، والبلاد والخزائن بحكمك ، فلا تخرب بيدك وتسمع ~~كلام أعدائك . فأصر على العصيان . فجمع الأشرف عساكر الشرق وحلب ، وتجهز ~~وسار إليه . وجمع غازي جمعا ، وخرج إليه . والتقوا ، واقتتلوا ، في سنة ~~إحدى وعشرين وستمائة . وقاتل غازي قتالا شديدا . وكان أهل خلاط يحبون الملك ~~الأشرف . فبينما غازي يقاتل من باب فتح أهل خلاط بابا آخر . وأصعدوا صناجق ~~الأشرف منه ، ونادوا بشعاره . فهرب غازي إلى القلعة ، وتحصن بها يومين . ثم ~~نزل إلى أخيه الملك الأشرف ، واعتذر . فقبل عذره ، وأعاده إلى ميافارقين ~~وديار بكر . فتوجه إلى ميافارقين ، مريضا من جراحات أصابته . وأقام الملك ~~الأشرف PageV29P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" بخلاط ثلاثة ايام ، وسلمها لمملوكه أيبك ~~والحاجب علي ، ورجع إلى رأس عين . وكان الملك المعظم قد خرج من دمشق ، ونزل ~~بالقطنة ، لإنجاد أخيه غازي على أخيه الأشرف . وبعث إليه عيسى الدباهي سرا ~~. فوصل ، وقد فات الأمر . ورجع المعظم إلى دمشق ، وذلك في سنة إحدى وعشرين ~~وستمائة . وفيها كانت وفاة مبارز الدين سنقر الحلبي - الصلاحي - والد ~~الظهير . وكان قبل ذلك مقيما بحلب ، ثم انتقل إلى ماردين فخاف الملك الأشرف ~~عاقبة قربه ، فبعث إلى أخيه الملك المعظم يقول : ما دام المبارز في الشرق ~~لا آمن على نفسي فبعث إليك الملك المعظم ولده الظهير غازي ، يلتمس منه ~~وصوله إليه ، ويعرفه رغبته فيه ، ووعده أن يقطعه نابلس ، وما اختار من بلاد ~~الشام . فتوجه إليه ولده الظهير ، وأبلغه رسالة الملك المعظم إليه . وعرفه ~~رغبته فيه . فأشار عليه صاحب ماردين أن يقيم ، ولا يتوجه ، وقال : هذه ~~خديعة . ومكنه من مملكته وخزائنه . فأبى إلا الانحياز إلى الملك المعظم . ~~وتوجه إلى الشام ، في سنة ثماني عشرة وستمائة . فخرج المعظم إليه وتلقاه ، ~~ولم ينصفه . ونزل بدار شبل الدولة الحسامي بقاسيون . وأعرض المعظم ms6710 عنه ، ~~إلى أن تفرق عنه من كان حوله ، وأنفق ما كان في حاصله ، واحتاج إلى بيع ~~دوابه وقماشه . ولم يزل كذلك إلى أن مات غما ، في هذه السنة . وكان قد وصل ~~إلى الشام ، ودائرته بمائة ألف دينار ، فمات وليس له ما يكفن فيه ؟ ؟ فقام ~~بتجهيزه شبل الدولة كافور الحسامي ، وابتاع له تربة بألف درهم ، ودفنه بها ~~. وكانت للمبارز المواقف المشهودة ، حتى يقال إنه لم يكن في زمانه أشجع ولا ~~أكرم منه . ويقال إنه كان مملوك شمس الدولة تورانشاه بن أيوب - رحمهما الله ~~تعالى . واستهلت سنة إحدى وعشرين وستمائة ذكر وصول الملك المسعود من اليمن ~~وفي هذه السنة ، قدم الملك المسعود أقسيس - بن الملك الكامل - من اليمن إلى ~~PageV29P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" القاهرة ، من جهة الحجاز . وإنما جاء طمعا في ~~أخذ دمشق والشام . وكان معه من الهدايا والتحف أشياء كثيرة : من جملة ذلك ~~ثلاثة أفيلة ، الكبير منها يدعى بالملك ، وعليه محفة بدرابزين ، يجلس فيها ~~على ظهره عشرة أنفس ، وفياله راكب على رقبته ، وبيده كلاب يضربه به ، ~~ويسوقه كيف أراد وركب السلطان الملك الكامل للقائه . فلما دنت الفيلة منه ، ~~وضعت رؤوسها إلى الأرض ، خدمة للسلطان وكان في جملة الهدية مائتا خادم ، ~~وأحمال من العود والمسك والعنبر ، وتحف اليمن . وقيل إن قدمته هذه كانت في ~~سنة ثلاث وعشرين . والله أعلم . وفيها ، أنشأ الملك الكامل دار الحديث ~~الكاملية التي بالقاهرة المعزية بين القصرية وهي تقابل باب القصر ، المعروف ~~بباب البحر . وفي سنة إحدى وعشرين أيضا - في سلخ شعبان - توفي الوزير الأعز ~~فخر الدين أبو الفوارس مقدام بن القاضي كمال الدين أبو السعادات أحمد بن ~~شكر ومولده في سنة إحدى وستين وخمسمائة . وتوفي الصاحب صفي الدين أبو محمد ~~عبد الله ، بن المخلص أبي الحسن علي ، بن الحسين بن عبد الخالق ، بن الحسين ~~بن الحسن بن منصور - الشيبي القرشي المالكي ، المعروف بابن شكر . ولم يكن ~~من بني شكر ، إنما هو ابن عم كمال الدين أحمد بن شكر لأمه ، فعرف به . ~~ومولده بالدميرة : بلدة من الأعمال الغربية بالديار ms6711 المصرية - في تاسع صفر ~~، سنة ثمان وأربعين وخمسمائة . وقد تقدم ذكر وزارته وعزله وإعادته ، وغير ~~ذلك من أحواله . وكانت وفاته في يوم الجمعة ثامن شعبان ، ودفن برباطه الذي ~~أنشأه بالقاهرة ، PageV29P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" بالقرب من مدرسته . وكان شديد البطش ، عظيم ~~الهيبة سريع البادرة ، جسورا مقداما . وقاسى الناس منه شدائد كبيرة . ~~وانتزح جماعة من الأكابر عن أوطانهم بسببه . وكان كريما ، إلا أنه لم يسمع ~~بوزير من المتعممين كان أظلم منه . ولما مات ، استوزر السلطان الملك الكامل ~~بعده ولده : الصاحب تاج الدين يوسف ، نحو شهرين . ثم قبض عليه واعتقله . ~~وانتصب السلطان الملك الكامل للأمور بنفسه ، وقرر مصالح دولته ، ونظر في ~~وجوه الأموال ومصارفها ، واستصفى أموال الصاحب صفي الدين ، وذخائره وأملاكه ~~. وفيها ، في سلخ شوال ، توفي القاضي الأسعد : أبو البركات عبد القوي ، بن ~~القاضي الجليس : مكين الدولة أبي المعالي عبد العزيز بن الحسين ، بن عبد ~~الله بن الحباب - رحمه الله تعالى . واستهلت سنة ثنتين وعشرين وستمائة ذكر ~~ابتداء المعاملة بالفلوس بالديار المصرية في هذه السنة في ذي القعدة ، ضربت ~~الفلوس بالقاهرة ومصر ، وصارت من جملة النقود . وتقررت القيمة عن كل درهم ~~ورق ، من معاملة الديار المصرية ، ستة PageV29P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" عشر فلسا . ثم أبطلت المعاملة بها ، في سنة ~~ثلاثين وستمائة . ثم عادت . وفيها ضربت دراهم مستديرة ، وأمر السلطان أن لا ~~يتعامل بالدراهم المصرية العتق ، وحصل للناس ضرر عظيم بسبب ذلك ، وصار كل ~~ما يتحصل منها يسبك ويضرب من الجديد ، وبلغ ضرب العتيق ستين درهما بدينار . ~~وفيها ، في يوم الأربعاء سابع عشر شعبان ، استخدم السلطان الملك الكامل ~~القاضي سديد الدين : أبا عبد الله محمد بن سليم ، صاحب ديوان الجيوش . ثم ~~صرف بعد ذلك بمدة يسيرة . وهو والد الصاحب بهاء الدين علي ، المعروف بابن ~~حنا : وزير الدولة الظاهرية الركنية - وسيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى . ~~وفيها صلب الملك المعظم عيسى رجلا ، يقال له : ابن الكعكي ، ورفيقا له . ~~وكان ابن الكعكي رأس حرب ، وله جماعة أتباع وكانوا ينزلون على الناس في ~~البساتين ، ويقتلون وينهبون . والمعظم يوم ms6712 ذاك بالكرك ، وبلغه أن ابن ~~الكعكي قال لأخيه الملك الصالح إسماعيل : أنا آخذ لك دمشق ، وكان إسماعيل ~~ببصرى . فكتب الملك المعظم إلى متولي دمشق أن يصلب ابن الكعكي ، ورفيقه ، ~~منكسين . فصلبا ، في العشر الآخر من شهر رمضان . فأقاما أياما لا يجسر أحد ~~أن يطعمهما ولا يسقيهما ، فماتا . وقدم الملك المعظم دمشق بعد وفاتهما ، ~~فمرض مرضا أشفى منه ، ثم أبل . ولم يزل ينتقض عليه ، حتى مات . وكان رفيق ~~ابن الكعكي خياطا ، شهد له أهل دمشق بالصلاح ، والبراءة مما رمى به . وفيها ~~كانت وفاة الملك الأفضل ، نور الدين علي بن السلطان الملك الناصر : صلاح ~~الدين يوسف بن أيوب - فجأة - في صفر ، سنة ثنتين وعشرين وستمائة ، بسميساط ~~. ونقل إلى حلب ، فدفن بها بظاهرها بتربته . وكان مولده بالقاهرة في سنة ~~خمس وستين وخمسمائة ، يوم عيد الفطر . وكان فاضلا شاعرا حسن الخط قليل الحظ ~~، تقلبت به الأحوال . وقد تقدم ذكر ملكه دمشق PageV29P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" ومصر ، وغير ذلك . ثم استقر آخرا بسميساط . ~~ومما يعزى إليه من الشعر أنه كتب إلى الخليفة الناصر - لما أخرج من دمشق ، ~~واتفق عليه أخوه الملك العزيز عثمان وعمه الملك العادل أبو بكر : مولاي ، ~~إن أبا بكر ، وصاحبه . . . عثمان ، قد غضبا بالسيف حق علي فانظر إلى حظ هذا ~~الاسم ، كيف لقي . . . من الأواخر ، ما لاقى من الأول فأتاه الجواب من ~~الإمام الناصر ، وفي أول الكتاب : وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا . . . ~~بالود ، يخبر أن أصلك طاهر غضبوا عليا حقه إذ لم يكن . . . بعد النبي له ~~بيثرب ناصر فابشر ، فإن غدا عليه حسابهم . . . واصبر ، فناصرك الامام ~~الناصر وقيل أن الخليفة جرد لنصرته سبعين ألف فارس ، فبلغه فوات الأمر ~~فأعاد العسكر إلى بغداد . وفيها ، في يوم الخميس سادس عشر ذي الحجة - وقيل ~~سابع عشر ذي القعدة - توفي الإمام فخر الدين أبو عبد الله : محمد بن ~~إبراهيم بن أحمد ابن طاهر ، بن أبي الفوارس الخبري الفارسي الشيرازي ~~الفيروزبادي ، الشافعي الصوفي ، من أجل مشايخ الطريقة ، كبير الشأن . وكانت ~~وفاته بمعبده : معبد ذي النون بالقرافة الصغرى ms6713 ، على شفير الخندق من غربيه ~~. ودفن بتربته ، وقبره من المزارات المباركة المشهورة . وكان من علماء ~~مشايخ وقته ، شديد الهيبة في قلوب الناس . وله تصانيف كثيرة في الطريق ، ~~وشعر . قدم دمشق في شهر رجب ، سنة ست وستين وخمسمائة ، ودخل مصر في نصف ~~شعبان من السنة : ورحل إلى الإسكندرية ، وسمع بها من الحافظ السلفي ، وحدث ~~PageV29P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" بالكثير عنه . وتوفي ، وله من العمر ثلاث ~~وتسعون سنة . وجاور بمكة ، وحدث بها . وقال : نحن من خبر سروشين ، وهو ~~إقليم من عمل شيراز ، مشربهم من جبل الدينار . ولهم خبر آخر يقال له : خبر ~~سمكان ، من عمل شيراز أيضا . وخبر ثالث ، يقال له : خبر فيروز أباد - خبر ~~بإسكان الباء الموحدة . واستهلت سنة ثلاث وعشرين وستمائة ذكر وصول رسول ~~الخليفة إلى الملوك أولاد السلطان الملك العادل ، وطلب الصلح بينهم ~~والاتفاق في هذه السنة ، قدم الشيخ جمال الدين أبو محمد يوسف بن الجوزي ، ~~رسولا من الخليفة الظاهر بأمر الله - إلى السلطان الملك الكامل وإخوته ، ~~وصحبته الخلع للملك الكامل ، والتقليد بالولاية . والخلع لولديه : الملك ~~المسعود ، والملك الصالح . وخلعة لوزيرة الصاحب صفي الدين - وكان قد مات - ~~فأمر السلطان الفخر سليمان ، كاتب الإنشاء ، أن يلبس خلعة الصاحب ، فلبسها ~~. ولبس السلطان وولداه الخلع ، وعبروا من باب النصر ، وخرجوا من باب زويلة ~~بالقاهرة ، وطلعوا إلى القلعة . وكان يوما مشهودا . PageV29P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" ووصل أيضا - صحبته - الخلع للملك المعظم شرف ~~الدين عيسى ، وللملك الأشرف : مظفر الدين موسى . وتضمنت رسالته إلى الملك ~~المعظم رجوعه عن السلطان جلال الدين خوارزم شاه ، والصلح مع إخوته : الملك ~~الكامل والملك الأشرف . وكان الملك المعظم قد راسل السلطان جلال الدين - ~~كما تقدم . ثم بعث إليه مملوكه الركين ، فرحله من تفليس ، وأنزله على خلاط ~~. والأشرف يومئذ بحران . فقال الملك المعظم للشيخ جمال الدين : الرسول : ~~إذا رجعت عن السلطان جلال الدين ، وقصدني ، إخوتي ينجدونني ؟ قال : نعم . ~~فقال : ليس لكم عادة تنجدون أحدا هذه كتب الخليفة الناصر عندنا ونحن على ~~دمياط ، ونحن نكتب إليه نستصرخ به ، ونقول انجدونا . فيجيء الجواب : إنا قد ms6714 ~~كتبنا إلى ملوك الجزيرة ، ولم يفعلوا . ثم ضرب له مثلا وحكى عليه حكاية . ~~وقال : إن إخوتي قد اتفقوا علي ، وقد أنزلت السلطان جلال الدين خوارزم شاه ~~على خلاط . فإن قصدني الأشرف منعه ، وإن قصدني الكامل قدرت على ملاقاته ~~ودفعه . وفي هذه السنة ، عاد الملك المسعود إلى اليمن . وكان عوده في ذي ~~القعدة . وقد تقدم ذكر وصوله إلى خدمة أبيه بالهدايا ، في سنة إحدى وعشرين ~~وستمائة . وذكر ابن جلب راغب : أن قدومه وعوده كان في هذه السنة . والله ~~أعلم . وفيها وصل الملك الأشرف إلى أخيه الملك المعظم بدمشق ، وأعطاه رسالة ~~، وتضرع إليه واعترف له بسابق فضله وسالف إحسانه ، وسأله أن يرسل إلى ~~السلطان جلال الدين خوارزم شاه يرحله عن خلاط . فبعث إليه فرحله عنها ، ~~وكان قد أقام عليها أربعين يوما . وسقط عليه وعلى أصحابه بها ثلج عظيم . ~~وأقام الملك الأشرف عند أخيه الملك المعظم بدمشق . وكان المعظم يلبس خلعة ~~خوارزم شاه ، ويركب فرسه ، وإذا جلسوا على الشراب يحلف برأس خوارزم شاه ، ~~والأشرف يتألم لذلك أشد الألم ، ولا يستطيع أن يتكلم . ثم توجه الملك ~~الأشرف إلى ضيافة أخيه الملك الكامل بالديار المصرية . وفيها ، عقد السلطان ~~الملك الكامل نكاح ابنته على ابن صاحب الروم . PageV29P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" وفيها توفي شبل الدولة : كافور بن عبد الله ~~الحسامي ، خادم ست الشام . وكان عاقلا أديبا فاضلا ، له حرمة وافرة في ~~الدولة ، ومنزلة عالية عند الملوك . وبني مدرسة على نهر ثورا وتربة ، ووقف ~~عليها الأوقاف ، ونقل إليها الكتب الكثيرة . وبني الخانقاه للصوفية ، إلى ~~جانب مدرسته . وفتح طريقا للناس من الجبل إلى دمشق ، قريب عند القفارات ، ~~على طريق عين الكرش . وبني المصنع الذي على رأس الزقاق ، ومصنعا آخر عند ~~المدرسة . وكان كثير الإحسان إلى الفقراء ، وصدقاته دارة إلى الآن . وسمع ~~الحديث ورواه . وكانت وفاته في شهر رجب الفرد ، ودفن بتربته إلى جانب ~~مدرسته - رحمه الله تعالى . وفيها في نصف شهر رجب ، توفي قاضي القضاة جمال ~~الدين : أبو محمد وأبو الفضل وأبو الوليد وأبو الفرج : يونس بن بدران بن ms6715 ~~فيروز ، بن صاعد بن علي بن محمد بن علي ، القرشي الشيبي ، الحجازي الأصل ، ~~المليجي المولد المصري الدار ، الدمشقي الوفاة ، المعروف بالمصري . مولده ~~تقريبا سنة خمسين وخمسمائة . وبلده التي ولد بها مليج : من الأعمال ~~المنوفية ، بالديار المصرية . تفقه بمصر ، وسمع بالإسكندرية والقاهرة . ~~وترسل لبغداد . وتولى وكالة بيت المال بدمشق ، ثم ولى القضاء بها - كما ~~تقدم - في سنة ثمان عشرة وستمائة . رحمه الله تعالى . وفيها كانت وفاة ~~الشريف حسن بن قتادة ، بن إدريس الحسني : أمير مكة - شرفها الله تعالى . ~~وكان قد ولى الإمارة بعد أبيه كما تقدم - مغالبة - وكان سيئ السيرة ، ظلوما ~~مقداما . وقتل أقباش أمير الحاج العراقي ، في سنة سبع عشرة . وأحدث بمكة ~~أمورا PageV29P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" منكرة . ولما وصل الملك المسعود إلى مكة ، ~~وأخذها منه ، هرب . فتوجه إلى بغداد مريضا ، فمات بالجانب الغربي على دكة . ~~فلما علم به ، غسل وكفن وصلى عليه وحمل إلى مشهد موسى ، ودفن هناك . ~~واستهلت سنة أربع وعشرين وستمائة : في هذه السنة ، عاد الملك الأشرف موسى ~~إلى بلاده . وفيها قدم رسول الأنبرور إلى الملك الكامل ، بطلب الفتوح . ~~وتوجه إلى الملك المعظم بدمشق ، فأغلظ له . وقال : قل لصاحبك ما أنا مثل ~~الغير ، ليس عندي إلا السيف وفيها كان ختان الملك العادل بن الملك الكامل ، ~~وعمل سماط عظيم بالميدان الأسود ، تحت قلعة الجبل . ذكر هدم مدينة تنيس وفي ~~شوال ، سنة أربع وعشرين وستمائة ، أمر السلطان الملك الكامل بهدم مدينة ~~تنيس . وسير إليها النقابين والحجارين ، فهدمت بكاملها في هذا الشهر ، ~~وأخليت ولم يبق بها ساكن . وكانت من المدن الجليلة : كدمياط والإسكندرية . ~~ذكر الوحشة الواقعة بين السلطان الملك الكامل وبين أخيه المعظم وفي هذه ~~السنة ، تأكدت الوحشة بين السلطان الملك الكامل وبين أخيه الملك المعظم : ~~صاحب دمشق . فكتب الملك الكامل إلى الأنبرور - ملك الألمان - أن ~~PageV29P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" يحضر إلى الشام والساحل ، ويعطيه البيت المقدس ~~، وجميع الفتوحات الصلاحية بالساحل . وكتب الملك المعظم إلى السلطان : جلال ~~الدين خوارزم شاه ، يسأله أن ينجده ويعينه على أخيه الملك الكامل . ويكون ~~من جملة المنتمين ms6716 إليه ، ويخطب له على منابر بلاده ، ويضرب باسمه الدينار ~~والدرهم ، فأجابه إلى ذلك . وسير إليه خلعة فلبسها ، وشق بها مدينة دمشق . ~~وغرم على رسل السلطان جلال الدين ، في مدة تسعة أشهر ، تسعمائة ألف درهم . ~~وقطع خطبة الملك الكامل . فتجهز الملك الكامل وخرج لقصد دمشق . فكتب إليه ~~الملك المعظم يقول : إنني قد نذرت لله تعالى أن كل مرحلة رحلت منها لقصدي ~~أتصدق بألف دينار ، فإن جميع عسكرك معي وكتبهم عندي ، وأنا آخذك بعسكرك . ~~هذا ما كتب له في الباطن . وكتب إليه في الظاهر يقول : أنا مملوكك ، وما ~~خرجت عن محبتك وطاعتك ، وأنا أول من حضر لخدمتك قبل ملوك جميع الشام والشرق ~~. فأظهر السلطان هذا الكتاب للأمراء ، وعاد إلى القاهرة ، وقبض على جماعة ~~من الأمراء الذين توهم فيهم أنهم كاتبوا الملك المعظم : من جملتهم الأمير ~~فخر الدين الطنبا الحبيشي ، وفخر الدين الطنبا الفيومي أمير جاندار ، وعشرة ~~من الأمراء البحرية العادلية ، وأخذ جميع أموالهم . وفيها ، في يوم ~~الأربعاء ، سابع عشر شهر ربيع الأول ، توفي القاضي ناصر الدولة أبو الحجاج ~~يوسف ، بن الأمير فخر الدين شاهان شاه ، بن الأمير عز الدين أبي الفضل غسان ~~، بن الأمير العظم جلال الدين أبي عبد الله : محمد بن جلب راغب الآمري ، ~~وقد تجاوز سبعين سنة . وهو من أولاد الأمراء المصريين ، لم يزالوا أمراء من ~~الدولة الآمرية إلى أيام شاور الوزير ، فأبادهم وقتل بعضهم . ولما جاء أسد ~~الدين شيركوه إلى الديار المصرية تزيا القاضي ناصر الدولة بزي القضاة ، ~~وخدم في الخدم الديوانية ، وعند الأمراء . وناصر الدولة هذا هو جد تاج ~~الدين محمد بن علي ، المعروف بابن ميسر ، صاحب التاريخ - رحمه الله تعالى . ~~PageV29P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" وفيها في يوم الأحد تساع عشر شوال ، كانت وفاة ~~قاضي القضاة : عماد الدين عبد الرحمن ، بن عفيف الدين أبي محمد عبد العلي ~~بن علي ، السكري . تفقه على الفقيه شهاب الدين الطوسي ، وعلى الفقيه أبو ~~المنصور ظافر بن الحسين . وسمع الحديث وحدث به . وولي القضاء - كما تقدم . ~~وولي الخطابة بالجامع الحاكمي بالقاهرة ، والتدريس بمدرسة منازل ms6717 العز بمصر ~~. ثم صرف عن القضاء والخطابة كما تقدم . وكان هيوبا . وصحب جماعة من ~~المشايخ ، وله معهم أحوال ومكاشفات . ومولده بمصر في سنة ثلاث وخمسين ~~وخمسمائة . رحمه الله تعالى . ذكر وفاة الملك المعظم عيسى وشيء من أخباره ~~وسيرته ، وقيام ولده الملك الناصر داود وفي هذه السنة ، في يوم الجمعة ~~مستهل ذي الحجة ، كانت وفاة الملك المعظم شرف الدين عيسى ، بن السلطان ~~الملك العادل : سيف الدين أبي بكر محمد ، بن أيوب بن شادي - صاحب دمشق ، ~~وكانت مدة ملكه ، بعد وفاة والده الملك العادل ، تسع سنين وستة أشهر ، إلا ~~ثمانية أيام . ومولده بالقاهرة في سنة ست وسبعين وخمسمائة . وكان - رحمه ~~الله - قد جهز العساكر إلى نابلس ، خوفا من اتفاق أخيه الملك الكامل مع ~~الأنبرور ، فمرض في منتصف شوال واشتد به مرضه ، وأصابه ذرب مفرط حتى رمى ~~قطعة من كبده . وقيل أنه سم ، ومات وغسله كريم الدين الخلاطي ، والنجم يصب ~~عليه الماء . وكان قد أوصى أن لا يدفن بقلعة دمشق ، وأن يخرج إلى الميدان ~~فيصلي عليه ويحمل إلى قاسيون ، فيدفن على تربة والدته تحت الشجرة . فلم ~~تنفذ وصيته ، ودفن بالقلعة . ثم أخرج منها بعد مدة ، لما ملك الملك الأشرف ~~، على حالة غير مناسبة لمثله ، وبين يديه نصف شمعة ومعه العزيز خليل ، ودفن ~~مع والدته في القبة - وفيها أخوه الملك المغيث . PageV29P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" وكان الملك المعظم - رحمه الله تعالى - فقيها ~~فاضلا ، نحويا ، قرأ القرآن وتفقه على مذهب أبي حنيفة على الشيخ فخر الدين ~~الرازي ، وحفظ المسعودي ، واعتنى بالجامع الكبير . واشتغل بالأدب على تاج ~~الدين الكندي ، فأخذ عنه كتاب سيبويه ، وشرحه للسيرافي ، والحجة في ~~القراءات لأبي على الفارسي ، والحماسة . وقرأ الإيضاح لأبي علي ، حفظا . ~~وسمع مسند أحمد بن حنبل بدمشق على ابن طبرزد ، وأشياء من مسموعاته . وسمع ~~السيرة لابن هشام ، وغير ذلك . وله ديوان شعر . وصنف في العروض ، وكان مع ~~ذلك لا يقيم وزن الشعر في بعض الأوقات . وكان شجاعا مقداما كثير الحيا ~~متواضعا ، حسن الصوت ضحوكا غيورا ، جوادا حسن العشرة ، محافظا على الصحبة ms6718 ~~والمودة وكان إذا خرج إلى الغزاة لا ينام إلا على حبل طرح ، وزرديته مخدته ~~. ولا يقطع الاشتغال بالقرآن والجامع الكبير وسيبويه . وكان يركب في كل يوم ~~غالبا ، فإذا نزل مد السماط ، فإذا أكل الناس انتصب لقضاء الحوائج إلى ~~الظهر . وكان في ايام الفتح مع الفرنج يرتب النيران على الجبال ، من باب ~~نابلس إلى عكا . وله جماعة على جبل الكرمل - المقابل لعكا - عليه المنورون ~~، وبينهم وبين الجواسيس علامات . وله في عكا أصحاب أخبار - وأكثرهم نساء ~~الخيالة - وكانت طاقات بيوتهم مقابلة الكرمل - فإذا عزم الفرنج على الإغارة ~~فتحت المرأة طاقتها . فإن كان يخرج مائة فارس ، أوقدت شمعة واحدة . وإن ~~كانوا مائتين ، أوقدت شمعتين . وتشير بالنار إلى الجهة التي يقصد الفرنج ~~الإغارة عليها . وكان الفرنج لا يقصدون جهة ، إلا يجدون عسكر المعظم قد ~~سبقهم إليها . وكان يعطى النساء الجواسيس في كل فتح جملة كثيرة . ~~PageV29P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" قال الشيخ أبو المظفر ، يوسف سبط ابن الجوزي : ~~قلت للملك المعظم في بعض الأيام : هذا إسراف في بيوت الأموال . فقال : أنا ~~أستفتيك : لما أن عزم الأنبرور على الخروج إلى الشام ، أراد أن يخرج من عكا ~~بغتة ، ويسير إلى باب دمشق ، فبعث فارسا عظيما ، وقال له : أخف أمرنا ~~ومجيئنا إلى البلاد لنغير بغتة . وكان بعكا إمرأة مستحسنة ، فكتبت إلي ~~تخبرني الخبر . فبعثت إليها ثيابا ملونة ، ومقانع وعنبرا ، فلبست ذلك ، ~~واجتمعت بذلك الفارس . فدهش ، وقال : من أين لك هذا ؟ فقالت : من عند صديق ~~لي من المسلمين . فقال : من هو ؟ فقالت : الكريدي . فصلب على وجهه ، وقام ~~فخرج من عندها . فما زالت تلك المرأة تتلطف به ، حتى تسحب المودة بيني ~~وبينه . فصرت أهاديه ، حتى كان يبعث إلي كتب الأنبرور التي يبعثها إليه ، ~~مختومة . وأرسل إليه ، فيكتب ما أقول . فأنا أداري عن المسلمين بهذا القدر ~~اليسير ، وأفدي به الخطير ، فإن الأنبرور لو جاء بغتة ، أسر من أهل الشام ، ~~وساق من مواشيهم وأموالهم ما لا يحصى قيمته . وكان الملك المعظم - رحمه ~~الله - قد أمر الفقهاء أن يجردوا له مذهب أبي حنيفة ، دون ms6719 صاحبيه . فجردوا ~~له المذهب في عشر مجلدات ، وسماه التذكرة . فكان لا يفارقه سفرا ولا حضرا ، ~~ويديم مطالعته . ويكتب على كل مجلد : أنهاه - حفظا - عيسى بن أبي بكر بن ~~أيوب . قال أبو المظفر : فقلت له : ربما تؤخذ عليك ، لأن أكبر مدرس في ~~الشام يحفظ القدوري مع تفرغه ، وأنت مشغول بتدبير الملك . فقال : ليس ~~الاعتبار بالألفاظ ، وإنما الاعتبار بالمعاني . باسم الله ، سلوني عن جميع ~~مسائلها . وكان رحمه الله تعالى - حسن التدبير للملك . وكان وزيره شرف ~~الدين بن عنين ، الشاعر الهجاء المشهور . واستعفى من الوزارة ، وكتب إلى ~~الملك المعظم : أقلني عثارى ، واتخذها وسيلة . . . تكون برحماها إلى الله ~~راقيا كفى حزني أن لست ترضى ، ولا أرى . . . فتى راضيا عني ، ولا الله ~~راضيا أخوض الأفاعي طول دهري دائبا . . . وكم يتوفى من يخوض الأفاعيا ~~فأعفاه . ولابن عنين أخبار نذكرها ، إن شاء الله تعالى - عند وفاته . ولما ~~مات الملك المعظم ، ملك بعده دمشق ولده : الملك الناصر صلاح الدين ~~PageV29P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" داود . فأساء السيرة ، واشتغل عن مصالح دولته ~~بالشرب واللهو والطرب . فاقتضى ذلك ما نذكره ، من إخراجه من دمشق . واستهلت ~~سنة خمس وعشرين وستمائة : وفي هذه السنة ، وصل إلى دمشق الأمير عماد الدين ~~بن الشيخ ، من جهة السلطان الملك الكامل ، إلى ابن أخيه الملك الناصر ، ~~ومعه جلدك بالخلع والتغيير للملك الناصر . وأقام عماد الدين بدمشق . وفيها ~~عزم الملك الكامل على المسير إلى الشام ، وبرز بخيامه ظاهر القاهرة . ولما ~~عزم على ذلك سلطن ولده نجم الدين أيوب ، ونعته بالملك الصالح ، وركب بشعار ~~السلطنة في سلخ شعبان ، ووالده الملك الكامل مبرز بظاهر القاهرة . ورتب ~~السلطان مع الملك الصالح - في النيابة - الأمير فخر الدين : يوسف بن الشيخ ~~. فأساء الملك الصالح السيرة بعد توجه والده ، واشترى بستان الخشاب ، ~~PageV29P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" وعمر فيه مناظر . ففارقه الأمير فخر الدين بن ~~الشيخ ، في العشرين من شوال ، ولحق بالسلطان الملك الكامل . وفيها في سادس ~~عشر شعبان ، أفرج السلطان الملك الكامل عن تاج الدين : يوسف ، بن الصاحب ~~صفي الدين بن شكر - وكان قد استوزره بعد ms6720 وفاة والده ، ثم اعتقله بعد شهرين ~~- كما تقدم . فأفرج عنه الآن ، وأنعم عليه بمائة وخمسين دينارا ، واستخدمه ~~موقعا . وفيها كان الوقعة على صور . وذلك أن الملك العزيز عثمان ، وصارم ~~الدين التبنيني ، كمنا للفرنج قريبا من صور . فلما تعالى النهار . خرج أهل ~~صور : فارسهم وراجلهم بمواشيهم ، فخرجا عليهم فيمن معهما من الكمين ، ~~فقتلوا وأسروا سبعين فارسا ، واستاقوا الأغنام والجواميس . ولم يسلم ممن ~~خرج من الفرنج ، غير ثلاثة . وفيها توفي شرف الدين أبو المعالي : شكر بن ~~القاضي كمال الدين أبي السعادات ، أحمد بن شكر . وهو أخو الوزير الأعز فخر ~~الدين مقدام . وكان قد ولي نظر ثغر الإسكندرية وغيرها - رحمه الله تعالى . ~~وفيها توفي أبو الفتح : نصر بن صغير بن داغر ، أبو خالد القيسراني الحلبي ~~كان شيخا أديبا ، له نظم حسن . رحمه الله تعالى . واستهلت سنة ست وعشرين ~~وستمائة ذكر تسليم بيت المقدس وما جاوره للفرنج كان تسليم البيت المقدس وما ~~جاوره للفرنج في العشر الآخر ، من شهر ربيع الأول ، من هذه السنة . وسبب ~~ذلك أن السلطان الملك الكامل ، لما اتصلت به أفعال ابن أخيه الملك الناصر ~~داود ، خرج من القاهرة في الثالث والعشرين من شعبان سنة خمس وعشرين ، ~~PageV29P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" واستناب ولده الملك الصالح كما تقدم ، وبقي ~~إلى العشر الأوسط من شهر رمضان ، وسار إلى البيت المقدس . ثم عاد ونزل بتل ~~العجول . فأرسل الملك الناصر داود الفخر بن بصاقة إلى عمه الملك الأشرف ~~ليستنجده ، ويعرفه قصد الملك الكامل بلاده . فجاء الأشرف إلى دمشق ، ونزل ~~ببستانه بالنبرب . ولما شاهد حركات ابن أخيه المذمومة ، أطمعته نفسه في أخذ ~~دمشق لنفسه . ووصل الملك الكامل إلى نابلس ، ورتب الولاة والنواب في البلاد ~~الساحلية . فبلغه أن الأنبرور فرديك قد وصل إلى يافا في ميعاده . فعاد إلى ~~تل العجول ، وترددت الرسائل بينه وبين الأنبرور . وكان السفير بينهما ~~الأمير فخر الدين يوسف بن الشيخ ، والصلاح الإربلي . فتقرر الصلح على : أن ~~السلطان يعطى الأنبرور البيت المقدس ، والقرايا التي على طريقه من يافا إلى ~~القدس ، ومدينة لد وتبنين وأعمالها . ووقعت ms6721 الهدنة مدة عشر سنين . وتسلم ~~الأنبرور البيت المقدس ، وهذه الأماكن . فحضر الأئمة والمؤذنون ، الذين ~~كانوا بالصخرة والمسجد الأقصى ، إلى باب الدهليز الكاملي ، وأذنوا في غير ~~وقت الأذان . فأمر الملك الكامل أن يؤخذ منهم ما معهم من الستور والقناديل ~~والآلات ، وأن يتوجهوا إلى حال سبيلهم . PageV29P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" قال : ولما وصلت الأخبار بتسليم بيت المقدس ~~للفرنج ، عملت الأعزية في جميع بلاد الإسلام ، بسبب ذلك . وأشار الملك ~~الناصر داود - صاحب دمشق - إلى الشيخ شمس الدين أبي المظفر : يوسف سبط ابن ~~الجوزي ، أن يذكر ما جرى على القدس في مجلس وعظه بجامع دمشق ، ليكون ذلك ~~زيادة في الشناعة على عمه الملك الكامل . فجلس ووعظ ، وقال : انقطعت عن بيت ~~المقدس وفود الزائرين يا وحشة للمجاورين كم كانت لهم في تلك الأماكن ركعة ~~كم جرت لهم في تلك المساكن من دمعة . بالله لو صارت عيونهم عيونا لما وفت ، ~~ولو انقطعت قلوبهم أسفا لما اشتفت . أحسن الله عزاء المسلمين . يا محلة ~~ملوك المسلمين . لهذه الحادثة تسكب العبرات ، ولمثلها تنقطع القلوب من ~~الزفرات ، لمثلها تعظم الحسرات . ثم أنشد قوله : أعيني لا ترقى من العبرات ~~. . . صلى بالبكا الآصال بالبكرات وهي أبيات ذكر فيها البيت المقدس وفضله ، ~~وزواره ، وما حل به من هذه الحادثة - تركنا ذكرها اختصارا . وكان الملك ~~الأشرف قد قال للملك الناصر داود : أنا أتوجه إلى عمك الملك الكامل ، وأصلح ~~حالك معه . وتوجه إلى السلطان فوجده قد سلم البيت المقدس للفرنج ، فشق ذلك ~~عليه ولامه . فقال الملك الكامل : ما أحوجني إلى هذا إلا المعظم - يشير إلى ~~أن المعظم أعطى الأنبرور من الأردن إلى البحر ، وأعطاه الضياع التي من باب ~~القدس إلى يافا ، وغيرها . ولما اجتمع الملك الأشرف بالملك الكامل اتفقا ~~على حصار دمشق . وقبض الملك الناصر على فخر الدين بن بصاقة ، وابن عمه ~~المكرم ، واعتقلهما في الجب ، واستأصل أموالهما . وكان قد اتهم الفخر أنه ~~حسن للأشرف الاستيلاء على دمشق . وفي هذه السنة في آخر صفر ، فوض الملك ~~الناصر داود القضاء بدمشق للقاضي : محيي الدين أبي الفضائل ، يحيى ms6722 بن محمد ~~بن علي بن محمد بن يحيى ، القرشي : المعروف بابن الزكي - شريكا لقاضي ~~القضاة : شمس الدين أحمد الخويى . وعزل PageV29P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" القاضي نجم الدين : أحمد بن محمد بن خلف ~~المقدسي - وكان ينوب عن القاضي شمس الدين الخويي في القضاء . وصار الخويي ~~وابن الزكي في القضاء جميعا . ذكر توجه السلطان إلى دمشق وحصارها ، وأخذها ~~من ابن أخيه : الملك الناصر داود ، واستقرارا الملك الناصر بالكرك وما معها ~~قال : لما سلم السلطان الملك الكامل البيت المقدس وما جاوره إلى الأنبرور ، ~~سار إلى دمشق ، وصحبه الملك الأشرف . ووصل إليه الملك العزيز عثمان ، صاحب ~~بانياس ، ومعه ولده الملك الظاهر ، فأعطاه خمسين ألف دينار ، وأعطى ولده ~~عشرة آلاف ، وأنعم عليهما بقماش وخلع ، وذلك بمنزلة سكاء . ثم قدم عليه ~~الأمير عز الدين أيدمر المعظمى - وكان الملك الناصر بن سيده قد أساء إليه - ~~فأنعم عليه السلطان بعشرين ألف دينار من الخزانة ، وكتب له توقيعا بعشرين ~~أردب غلة ، على الأعمال القوصية ، وأعطاه أملاك الصاحب صفي الدين بن شكر . ~~وكان قد عزم على العود إلى الديار المصرية ، فلما جاءه الأمير عز الدين قال ~~: قد جاءني مفتاح الشام ، وسار إلى أن وصل إلى دمشق وحاصرها . وكان نزوله ~~عليها في شهر ربيع الآخر . وشدد الحصار ، وضيق على من بالبلد . فخرج إليه ~~الملك الناصر داود سرا ، ووقف على باب الدهليز وأرسل مملوكه خلف أحد الحجاب ~~، فلما جاء إليه الحاجب ، قال له : قل لمولانا السلطان : مملوكك داود ابن ~~أخيك بالباب ، فأعلم الحاجب السلطان فخرج إليه وتلقاه واعتنقه ، فقبل ~~الناصر رجله وقال : يا عم قد جئتك بذنوبي وهؤلاء حرم أخيك . فبكي الملك ~~الكامل ، وقال : والله يا ولدي ، لو كان وصولك إلى قبل إستنجادك بعمك ~~الأشرف ، وحضوره من بلاده - أبقيت دمشق عليك . ولكن إذ جاء الملك الأشرف ~~إلى عندي ، أنا أعطيك الكرك والشوبك والساحل والغور . وإذا سيرت إليك فلا ~~توافق حتى يكمل لك ألف وخمسمائة فارس . عد إلى مكانك . فعاد الناصر ، وهو ~~طيب النفس . PageV29P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" وبلغ الملك الأشرف خروج الملك الناصر إلى ms6723 ~~السلطان ، فركب وأسرع ليدركه ويقبض عليه ، فلم يدركه . فوبخ الأشرف الكامل ~~على إطلاقه وتمكينه من دمشق . فقال له الملك الكامل : إنه جاءني وبكى ، ~~وقال هؤلاء حرم أخيك . ثم قال الملك الكامل : هؤلاء أولادنا ، لا بد لهم من ~~مكان يأوون إليه . فقال الأشرف : يكون لهم الشوبك . فقال الكامل : ما ~~يكفيهم إلا أن تكون الكرك معها . فسير إلى الناصر في إعطائه الكرك والشوبك ~~، فلم يرض بذلك . ولم يزل إلى أن يقرر له الكرك والشوبك والغورين والبلقاء ~~، فأجاب إلى ذلك . وخرج الناصر عن دمشق ، وتسلمها الملك الكامل في غرة ~~شعبان . فكان مدة المقام عليها أربعة أشهر . ومضى إلىالكرك ، وتسلم ما أقطع ~~باسمه . وقيل إن السلطان لم يعطه الشوبك ، وسأله إياها ، فقال له : يا ابن ~~أخي أنا ليس لي حصن يحمي رأسي ، وافرض أن هذا الحصن لك وقد وهبتني إياه . ~~وإنه أعطاه الكرك وعجلون ونابلس وبلاد القدس . والله أعلم . ذكر تسليم دمشق ~~للملك الأشرف قال : لما تسلم الملك الكامل دمشق ، سأله أخوه : الملك الأشرف ~~موسى ، أن يهبه دمشق ، ويعوضه عنها حران وأعمالها ، والرها وسروج ، ورأس ~~عين والرقة ، وجملين . فرضي كل منهما بذلك . وتسلم الملك الأشرف دمشق . ~~ووجه الملك الكامل الأمير فخر الدين بن الشيخ ، فتسلم ذلك . وتسلم الملك ~~الأشرف دمشق . وتوجه الملك الكامل إلى هذه الجهات ، فرتب أحوالها . قال : ~~ولما أقام الملك الأشرف بدمشق ، دخل عليه شرف الدين بن عنين الشاعر ، فلم ~~ير منه ما كان يعهده من الملك المعظم ، من الإنبساط ، وما كان يقع في مجلسه ~~من سماع أهاجي ابن عنين ، فيما كان يفعله . فنهاه الملك الأشرف ، وقال : ~~ليس مجلسي كما عهدت . يكفيني ما أنا فيه ، حتى أضيف إليه ثلب المسلمين . ~~فخرج من عنده ، وقال : وكنا نرجى بعد عيسى محمدا . . . لينقذنا من شدة الضر ~~والبلوى فأوقعنا في تيه موسى كما ترى . . . حيارى ، بلا من لديه ولا سلوى ~~PageV29P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" فبلغ الأشرف ذلك ، فأمر بقطع لسانه . فدخل عل ~~جماعة من الأكابر ، وحلف أن الشعر ليس له . ثم هرب إلى بلاده بزرع وحوران . ~~فكف ms6724 الملك الأشرف عن طلبه . ذكر أخذ مدنية حماه وتسليمها للملك المظفر قال ~~: لما توجه السلطان الملك الكامل إلى بلاد الشرق ، اجتاز بمدينة حماه ، ~~فأخذها من صاحبها : قليج أرسلان بن الملك المنصور - وكان قد استولى عليها ~~لما قدم الملك المظفر إلى الملك الكامل بالمنصورة . فلما استقر الملك ~~الكامل بمصر ، أرسل إلى قليج أرسلان يقبح عليه فعله ، ويلتمس منه الخروج عن ~~حماه ، وإعادتها إلى أخيه . فلم يجب إلى ذلك . فأقطع الملك الكامل المظفر ~~إقطاعا بمصر . فلما اجتاز الملك الكامل الآن بحماه ، خرج إليه قليج أرسلان ~~فقبض عليه ، وسلم حماه للملك المظفر ، وهو أخو قليج أرسلان ، فتسلمها . وفي ~~هذه السنة في شهر رجب ، وصل القاضي بهاء الدين بن شداد ، قاضي حلب ، في ~~خطبة ابنة السلطان الملك الكامل للملك العزيز بن الملك الظاهر ، صاحب حلب . ~~فزوجه السلطان بابنته . وفيها قبض السلطان الملك الكامل على ورثة ولد ~~القاضي الفاضل ، وسائر أملاكه . وأخذت الكتب من داره وحملت إلى القلعة ، ~~فكانت عدتها أحد عشر ألف مجلدا . ذكر وفاة الملك المسعود ، صاحب اليمن كانت ~~وفاة الملك المسعود صلاح الدين أقسيس بن السلطان الملك الكامل ، ~~PageV29P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" صاحب الحجاز واليمن - في ثالث جمادى الأولى ~~سنة ست وعشرين وستمائة . ومولده في شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين وخمسمائة ~~. وكان بلغه وفاة عمه الملك المعظم بدمشق ، فطمع في الشام . وتجهز جهازا لم ~~يسبقه أحد من الملوك إليه . وذلك أنه نادى في التجار ببلاد اليمن : من أراد ~~السفر صحبة السلطان إلى الديار المصرية والشام فليتجهز . فتجهز معه سائر ~~التجار الذين وصلوا من الهند ، بالأموال والأقمشة والجواهر . فلما تكاملت ~~المراكب ، قال اكتبوا لي ما معكم من البضائع ، لأحميها من الزكاة . فكتبوها ~~له . فصار يكتب لكل تاجر برأس ماله على بعض بلاد اليمن ، واستولى على ~~البضائع . فاجتمعوا واستغاثوا ، فلم يسمع شكواهم . فيقال إن نقله كان في ~~خمسمائة مركب ، ومعه ألف خادم ، ومائة قنطار من العنبر والعود والمسك ، ~~ومائة ألف ثوب ، ومائة صندوق فيها الأموال والجواهر . وركب إلى مكة ، فمرض ~~في طريقه . فما دخل ms6725 مكة إلا وقد فلج ويبست يداه ورجلاه ، ورأى في نفسه ~~العبر . فلما احتضر بعث إلى رجل مغربي بمكة وقال : والله ما أرضى لنفسي ، ~~من جميع ما معي ، كفنا أكفن فيه ، فتصدق علي بكفن فبعث إليه نصف ثوب بغدادي ~~، ومائتي درهم ، فكفنوه بهما . ودفن بالمعلى . ويقال إن الهواء ضرب المراكب ~~فرجعت إلى زبيد ، فأخذها أصحابها . وحكى أن الملك الكامل - والده - سر ~~بوفاته . ولما جاء خزنداره إليه ، لم يسأله كيف مات ، بل قال : كم معك من ~~المال والتحف وكان الملك المسعود قد استناب باليمن أستاذ داره : عمر بن علي ~~ابن رسول . PageV29P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" فتزوج زوجته : ابنة صاحب جوزا وملك البلاد . ~~وكتب إلى السلطان الملك الكامل ، وجهز إليه الأموال والتحف . واستقر على ~~حكم النيابة . ثم استقل بعد ذلك بملك اليمن ، وتلقب بالملك المنصور . وأرسل ~~رسولا إلى الديوان العزيز في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ، فوصل في سابع ~~عشر صفر منها ، فتلقاه بعض الأمراء ودخل ، وقبل العتبة بالباب النوبي . ~~وحضر في اليوم الثالث من وصوله إلى دار الوزير وأدى رسالته ، وأنهى إلى ~~الديوان العزيز استيلاء مرسله على جميع بلاد اليمن ، وأنه مخلص في طاعة ~~الديوان . وهو يسأل قبول ما سيره من التحف والهدايا . حكاه ابن الساعي في ~~تاريخه . واستمر الملك بالديار اليمانية فيه وفي أولاده من بعده ، إلى ~~وقتنا هذا . وفيها في جمادى الأولى ، توفي ناصر الدين منكورس بن بدر الدين ~~خمارتكين عتيق مجاهد الدين بزان صاحب صرخد . وكان ناصر الدين المذكور صاحب ~~صهيون . وتولى مملكة صهيون بعده ولده مظفر الدين عثمان . واستهلت سنة سبع ~~وعشرين وستمائة : في هذه السنة ، في ثاني عشر شهر رجب منها ، قدم السلطان ~~الملك الكامل إلى الديار المصرية . وكان سبب عوده أنه بلغه أن ابنه الملك ~~الصالح - نجم الدين أيوب - قد ترتب على الملك بالديار المصرية ، وأنه اشترى ~~ألف مملوك ، فعاد . وأخرج ابنه الملك الصالح إلى بلاد الشرق ، ولم يعطه ~~شيئا . ولما وصل الملك الكامل إلى قلعة الجبل ، عمل له صلاح الدين الإربلي ~~دعوة PageV29P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" في داره ms6726 ، فحضرها السلطان . فأنشده الصلاح : ~~لو تعلم دارنا بمن قد جمعت . . . مالت طربا وصفقت واستمعت والخمرة لو تعلم ~~من يشربها . . . كانت شكرت لعاصريها ، ودعت وفيها قصر النيل فلم يوف ، ~~وانتهى إلى ثلاثة عشر ذراعا وثلاثة وعشرين أصبعا وقيل أنه انتهى إلى أربعة ~~عشر ذراعا ، وأصابع ، وقيل بل بلغ ستة عشر ذراعا وعشرة أصابع . فارتفع سعر ~~الغلة . فسعر الملك الكامل القمح بعشرين درهما ورقا الإردب . وأمر مستخدمي ~~الأهراء السلطانية ببيع القمح بخمسة وعشرين درهما ورقا . ومنع الناس من ~~شراء الكثير منه ، إلا المؤونة . واستمر السعر كذلك بقية السنة . ثم أطلق ~~السلطان سعر الغلة ، في ثالث المحرم سنة ثمان وعشرين ، وأمر أن يباع بالسعر ~~الواقع . فأبيع القمح في هذا الوقت بخمسين درهما ورقا الإردب ، والخبز ~~أربعة أرطال بدرهم ورق . فنال الناس من ذلك شدة عظيمة . هكذا نقل مؤرخو ذلك ~~العصر . فكيف لو شاهدوا ما شاهدناه في سنة خمس وتسعين وستمائة ، على ما ~~نذكره - إن شاء الله تعالى . ذكر استيلاء الملك الأشرف على بعلبك وفي هذه ~~السنة ، بعث الملك الأشرف - صاحب دمشق - أخاه الملك الصالح إسماعيل إلى ~~بعلبك . فحصرها ونصب عليها المجانيق ، ورماها بأحجارها . ثم توجه إليها ~~الملك الأشرف . ودخل الصاحب صفي الدين - إبراهيم ابن مرزوق - بين الملك ~~الأشرف والملك الأمجد صاحب بعلبك ، وحصل الاتفاق . فتسلمها PageV29P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" الملك الأشرف ، وانتقل الأمجد منها إلى دمشق ~~. وأقام بداره بها ، وهي الدار المعروفة بدار السعادة ، التي ينزلها نواب ~~السلطنة في وقتنا هذا . ولم تطل مدة حياته ، فإنه قتل في سنة ثمان وعشرين ~~وستمائة . وفيها استولى السلطان : جلال الدين خوارزم شاه على مدينة خلاط ، ~~بعد أن حاصرها مدة عشرة أشهر . وقد تقدم ذكر ذلك في أخبار جلال الدين . ~~ولما ملكها ، أخذ منها مجير الدين يعقوب وتقي الدين عباس : ابني الملك ~~العادل ، وأخذ الكرجية : زوجة الملك الأشرف ، ودخل بها من ليلته ، وقتل عز ~~الدين أيبك الأشرفي . وبلغ الملك الأشرف ذلك ، وهو بدمشق ، والملك الكامل ~~بالرقة فتوجه من دمشق إلى الرقة . وأتته رسل السلطان علاء الدين كيقباذ - ~~صاحب ms6727 الروم - في الإجتماع على حرب جلال الدين . فاستشار الملك الأشرف أخاه ~~الملك الكامل في ذلك ، فأشار به . وقطع الملك الكامل الفرات في سبعة آلاف ~~فارس ، وتوجه إلى الديار المصرية - للسبب الذي ذكرناه . وسار الملك الأشرف ~~إلى حران في سبعمائة فارس ، فأقام بها . وكتب إلى حلب والموصل والجزيرة ~~فجاءته العساكر ، وتوجه إلى صاحب الروم واجتمعوا . والتقوا بالسلطان جلال ~~الدين خوارزم شاه ، فكسروه . وقد ذكرنا خبر استيلاء جلال الدين على خلاط ، ~~في أخباره . وذكرنا خبر هذه الكسرة في أخبار السلطان علاء الدين كيقباذ ~~صاحب الروم ، في أخبار الدولة السلجقية . فلنذكر الآن ما يتعلق بالملك ~~الأشرف . ولما انهزم جلال الدين ، قال الملك الأشرف للسلطان علاء الدين ~~كيقباذ : لا بد PageV29P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" لي من خلاط . فأعطاه علاء الدين . وأنعم على ~~أصحابه : من الأموال والخلع والثياب والتحف والخيول ، ما قيمته ألف ألف ~~دينار . وتوجه كيقباذ إلى بلاده ، وجرد في خدمة الملك الأشرف جماعة ، فتوجه ~~بهم إلى خلاط . فوجد جلال الدين قد أخذ مجير الدين وتقي الدين والكرجية معه ~~. فساق الأشرف خلفه . ثم تراسلا ، واصطلحا . فأطلق جلال الدين مجير الدين ~~وتقي الدين ، وبعث بهما إلى الخليفة ببغداد . فأنعم الخليفة على كل منهما ~~بخمسة آلاف دينار . وعاد الملك الأشرف إلى دمشق ، في سنة ثمان وعشرين ~~وستمائة . فأقام بها شهرا ، وتوجه إلى أخيه الملك الكامل بالديار المصرية . ~~وفي هذه السنة ، استخدم الملك المظفر : شهاب الدين غازي - صاحب ميافارقين - ~~العز بن الجاموس على ديوانه . وأمره وأعطاه الكوسات والأعلام ، وقدمه على ~~جماعة ومكنه . ودعى بالصاحب الأمير عز الدين . فظلم الناس وعسفهم ، وأخذ ~~أموالهم . فلم تمهله المقادير ، ومات في بقية سنة سبع وعشرين بميافارقين . ~~واستولى الملك المظفر على تركته ، وظهر له سوء فعله ، فصار يصرح بلعنه . ~~وجاء عمه من دمشق يطلب ميراثه ، فسبه المظفر ، ثم أعطاه ألف درهم وعاد إلى ~~دمشق . وفيها ، في ثامن جمادى الآخرة ، توفي بمصر الفقيه الإمام : شرف ~~الدين أبو عبد الله محمد ، بن الشيخ أبي حفص عمر ، بن الشيخ أبي عبد الله ~~محمد بن عمرو بن ms6728 جعفر ، الأزدي الغساني ، المالكي - المعروف بابن اللهيب . ~~ومولده في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة . وتولى التدريس بالمدرسة الصاحبية ~~بالقاهرة ، إلى حين وفاته . وهو من بيت الخير والصلاح والفقه . ؟ واستهلت ~~سنة ثمان وعشرين وستمائة : في يوم الاثنين ، عاشر جمادى الآخرة ، قدم الملك ~~الأشرف إلى القاهرة ، لخدمة السلطان الملك الكامل - ومعه صاحب الجزيرة . ~~وفيها ، في منتصف شعبان ، إبتدأ السلطان الملك الكامل بحفر البحر ، من دار ~~PageV29P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" الوكالة إلى صناعة التمر الفاضلية . واستعمل ~~فيه الملوك والأمراء ، وعمل بنفسه . وكان هذا البحر في أوان احتراق النيل ~~يكون طريقا سالكا إلى المقياس . وتمر المراكب ما بين الروضة والجيزة . ثم ~~صار على العكس من ذلك في سنة ثلاث عشرة وسبعمائة ، فصار في احتراق النيل ~~ليس بين الروضة وبين بر الجيزة غير ماء قليل يخاض ، فلا يغطى أكثر من خلخال ~~. ثم أخذ في الزيادة بعد ذلك . إلى أن صار ، في سنة عشرين وسبعمائة وما ~~بعدها تسافر فيه المراكب صيفا وشتاء . والبحران الآن على ذلك . ولكن البحر ~~فيما بين الروضة ومصر أكثر ، وهو البحر الذي تسافر فيه السفن في الاحتراق . ~~نعود إلى سياقة أخبار سنة ثمان وعشرين وستمائة . وفيها بني أسد الدين ~~شيركوه - صاحب حمص والرحبة - قلعة بالقرب من سلمية وسماها شميمس ، وهي على ~~تل عال . وفيها كان مقتل الملك الأمجد : بهرام شاه ، بن فرخشاه ، بن ~~شاهنشاه ابن أيوب - صاحب بعلبك . كان وكانت بعلبك بيده ، منذ أعطاه إياها ~~السلطان الملك الناصر صلاح الدين عند وفاة أبيه ، في سنة ثمان وسبعين ~~وخمسمائة . فلم تزل بيده ، إلى أن انتزعها الملك الأشرف منه - كما تقدم - ~~في السنة التي قبلها . وأعانه على ذلك صاحب حمص : أسد الدين شيركوه . وكان ~~سبب مقتله أن بعض مماليكه سرق له حياصة وداواة - قيمة ذلك مائتا دينار - ~~وخبأهما عند ملوك آخر ، فلما ظهر له ذلك حبس السارق في خزانة داره - ~~والخزانة خلف المكان الذي يجلس فيه الملك الأمجد - وتوعد ذلك المملوك - ~~بقطع اليد . فلما كانت ليلة الأربعاء ، ثاني عشر شوال ، جلس على عادته أمام ~~الخزانة - وعنده ms6729 عباس بن أخي الشريف البهاء وهما يلعبان بالنرد ، وعنده ~~فهيد المنجم وبيده الاسطرلاب ليأخذ له طالع الوقت . فقال له فهيد : يا ~~مولانا انظر إلي ، فهذه ساعة سعيدة ، لو أردت أخذ دمشق لأخذتها . فقال له : ~~لا تكلمني ، فقد تعين لي الغلب وكان مع المملوك الذي في الخزانة ~~PageV29P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" سكين ، فعالج رزة الخزانة برفق فقلعها ، وفتح ~~الباب . فهجم على الملك الأمجد وأخذ سيفه فجذبه وضربه به . فصاح ، فحلت ~~الضربة كتفه ، ونزل السيف إلى ثديه . ثم ضربه أخرى ، فقطع يده وقطعته في ~~خاصرته . وهرب يصعد إلى السطح ، فتبعوه . فألقى نفسه إلى الدار . فماتا ~~جميعا . وجهز الملك الأمجد ودفن في تربة أبيه ، التي على الميدان على الشرف ~~الشمالي . وكان فاضلا شاعرا ، وله ديوان شعر بأيدي الناس - رحمه الله تعالى ~~. قال أبو المظفر : ورآه بعض أصحابه في المنام بعد موته ، فقال له : ما فعل ~~الله بك ؟ قال : كنت من ذنبي على وجل . . . زال عني ذلك الوجل أمنت نفسي ~~بوائقها . . . عشت لما مت يا رجل قال أبو المظفر : وكان الأمجد قد قتل ابنا ~~له جميلا ، كان واطأ عليه الملك العزيز عثمان ، وكتب إليه يقول : قد يسرت ~~باب السر فسر إلينا وقت السحر . وكان الملك العزيز بالصبيبة ، فسار منها في ~~أول الليل - والمسافة بعيدة - فوصل إلى بعلبك وقد طلعت الشمس ففاته الغرض . ~~واطلع الأمجد على ما فعله ابنه فقتله . وقيل بني عليه بيتا ، فمات . وفيها ~~توفي المهذب الدخوار ، الطبيب : رئيس الأطباء بدمشق . وكان طبيبا ~~PageV29P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" حاذقا ، وما كان يرى أن في الدنيا مثله . ~~وكان يقرأ عليه الطب . وكانت له دار بدمشق وبستان ، فوقف الدار مدرسة يقرأ ~~فيها الطب ، ووقف بستانه عليها . والمدرسة باقية بدمشق ، تعرف بالدخوارية ، ~~رأيتها في سنة ثلاث وسبعمائة . وفيها ، في ثامن عشر شعبان ، توفي الأمير ~~شجاع الدين أبو المنصور : جلدك بن عبد الله المظفري التقوى ، بالقاهرة . ~~سمع من الحافظ السلفي . وكان مكرما لأهل العلم والفضلاء ، مساعدا لهم بماله ~~وجاهه . وحضر مواقف كثيرة في قتال العدو بالساحل . وتولى ثغر دمياط ~~والإسكندرية ms6730 ، وقوص ، وشد الدواوين ، وغير ذلك . وكان يكتب في كل بلد ~~يتولاه ختمة . فحكى عنه أنه قال : كتبت بخطى أربعا وعشرين ختمة . وكان قد ~~قارب ثمانين سنة - وقيل مات في عشر التسعين . والله أعلم . واستهلت سنة تسع ~~وعشرين وستمائة : في هذه السنة توجه السلطان الملك الكامل إلى بلاد الشرق ، ~~بسبب فتح آمد . وسنذكر ذلك . وفيها - في جمادى - عزل قاضي القضاة : شمس ~~الدين بن سنى الدولة الخويى ، وقاضي القضاة شمس الدين بن سنى الدولة - ~~جميعا - عن قضاء القضاة بدمشق ، وفوض ذلك إلى قاضي القضاة : عماد الدين عبد ~~الكريم ، بن قاضي القضاة جمال الدين الحرستاني . وفيها توفي الأمير فخر ~~الدين عثمان بن قزل الكاملي بحران ، في الثامن والعشرين من ذي الحجة ، ودفن ~~بظاهرها . ومولده بحلب في سنة إحدى وستين وخمسمائة . وكان أحد الأمراء ~~الأكابر في الدولة الكاملية . وكان راغبا في فعل الخير ، مبسوط اليد ~~بالصدقة والإسعاف ، يتفقد أرباب البيوت وغيرهم . وأنشأ المدرسة المعروفة ~~بالقاهرة المعزية ، والمسجد المقابل لها ، وكتاب السبيل والرباط بالقرافة ~~بسفح المقطم . وأوصى بوصية ذكر فيها كثيرا من أنواع البر - رحمه الله تعالى ~~. PageV29P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" واستهلت سنة ثلاثين وستمائة ذكر استيلاء ~~السلطان الملك الكامل على آمد وحصن كيفا كان الاستيلاء على ذلك في سنة ~~ثلاثين وستمائة . وكان السلطان قد توجه في سنة تسع وعشرين وستمائة ، واستقل ~~ركابه من مقر ملكه ، بقلعة الجبل المحروسة بظاهر القاهرة المعزية ، في ثامن ~~جمادى الآخرة ، واستصحب عساكر الديار المصرية . ووصل إلى دمشق واستصحب أخاه ~~الملك الأشرف ، وولده الملك الصالح نجم الدين أيوب . وكان سبب قصده هذه ~~الجهة أن أخاه الملك الأشرف ، بما حضر إلى الديار المصرية ، عرف السلطان أن ~~الملك المسعود مودود بن الملك الصالح بن أرتق ، صاحب آمد وبلادها وحصن كيفا ~~- قد اشتغل عن مملكته باللهو والشرب والطرب ، وأنها خالية من العساكر . ~~فتجهز إليها . ولما بلغ الملك المسعود أن السلطان قصد بلاده ، بادر بإرسال ~~وزيره شرف العلا إلى السلطان يستعطفه ، ويسأل مراحمه في إبقاء ما بيده ~~والكف عن طلبه . فوصل إلى السلطان ، وكان إلبا ms6731 على صاحبه ، وعرف السلطان ~~إقباله على اللهو والطرب ، وأن مملكته خالية من العساكر ، فأطمعه في أخذ ~~البلاد . فسار إليها ، ونازلها في يوم الأربعاء الخامس والعشرين من ذي ~~الحجة ونصب عليها المجانيق . وأنذر صاحبها الملك المسعود ووعده بالإقطاعات ~~الكبيرة ، فلم يصغ إلى ذلك . ثم شاهد الغلبة ، فخرج إلى السلطان وفي عنقه ~~منديل . فوكل به ، وتسلم آمد في مستهل المحرم ، سنة ثلاثين وستمائة . ~~واستولى على أمواله وذخائره ، وطلب منه تسليم القلاع فسلمها بجملتها . ودخل ~~الملك الكامل إلى آمد . فترجل في خدمته جميع الملوك الأيوبية ، وسائر ملوك ~~الشرق - إلا صاحب الروم السلطان : علاء الدين كيقباذ السلجقي ، وصاحب ~~الجزيرة الملك المعظم : محمد بن سنجر شاه ، فإنهما أرادا أن يترجلا فلم ~~يمكنهما الملك الكامل من ذلك ، ودخلا راكبين لركوب السلطان ، ونزلوا جميعا ~~في القلعة . PageV29P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" وبقي حصن كيفا بيد نائبه ، لم يسلمه . فكتب ~~الملك المسعود إلى نائبه أن يسلمه ، فامتنع من ذلك . فبعث السلطان الملك ~~الكامل أخاه الملك الأشرف إلى الحصن ، ومعه الملك المسعود ، فتوجه به ~~وعاقبه تحت الحصن ، وكان يبغضه ، فأصر النائب على الامتناع من تسليمه . ~~وكان بينهما إشارة ، فلما آلمته العقوبة جاء إلى تحت الحصن ، وقبض على شعر ~~نفسه وقطعه بمقص ، فعند ذلك سلم النائب الحصن - وكانت هذه إشارة بينهما . ~~وكان تسليم الحصن في صفر من السنة . وكان الملك المسعود ، لما حاصر السلطان ~~آمد ، قد كتب إلى نائبه بحصن كيفا يقول له : من مر عليك من أهل الجزيرة ~~فاعتقله ، لأن صاحب الجزيرة كان قد توجه إلى خدمة السلطان الملك الكامل . ~~وكان المتولي يرصد القفول إذا مرت بالحصن ، فمن كان منهم من أهل الجزيرة ~~قبض عليه واعتقله . واجتمع في حبسه خلق كثير منهم . فلما فتح الحصن أفرج ~~السلطان عنهم . وأنعم الملك الكامل على ولده ، الملك الصالح نجم الدين أيوب ~~، بحصن كيفا وأعماله - وكان ، منذ أخرجه من الديار المصرية ، بغير ولاية . ~~وجعل شهاب الدين غازي - بن شمس الملوك - نائب السلطنة بآمد . ومعين الدين ~~بن الشيخ الوزير ، والطواشي شمس الدين صواب العادلي متولي تدبير ms6732 تلك ~~الممالك . قال أبو المظفر : قال لي الملك الأشرف : وجدنا في قصر الملك ~~المسعود خمسمائة حرة من بنات الناس للفراش . وعاد السلطان إلى الديار ~~المصرية في سنة ثلاثين وستمائة ، واستصحب أكابر أهل آمد وأعيانها ، صحبته ، ~~إلى الديار المصرية - وكان منهم بدر الدين ، وموفق الدين ، وابن أخيهما شمس ~~الدين ، وجماعة كبيرة . فأما هؤلاء الثلاثة فإنهم باشروا وترقوا في المناصب ~~بالديار المصرية ، والشام . ومن عداهم من أهل آمد نالتهم فاقة شديدة وضرورة ~~، حتى استعطوا بالأوراق . وأما الملك المسعود فإن السلطان أنعم عليه ~~بالإقطاعات بالديار المصرية . ذكر توجه رسول السلطان الملك الكامل إلى ~~بغداد ، وعوده هو ورسول الخليفة بالتقليد في هذه السنة توجه القاضي الأشرف ~~: بهاء الدين أبو العباس ، أحمد ابن القاضي PageV29P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" محيي الدين عبد الرحيم البيساني - رسولا من ~~جهة السلطان الملك الكامل إلى الديوان العزيز . فعاد في صحبة رسول الخليفة ~~، وهو الشيخ جمال الدين أبو محمد يوسف بن الجوزي ، ومعهما جماعة من الأجناد ~~. وأعطي ابن الجوزي محفة تمييزا له . ونفذ معهما تقليد ، من إنشاء الوزير ~~أبي الأزهر : أحمد بن الناقد ، بخط العدل ناصر بن رشيد الحربوي . وفي أعلاه ~~بخط الوزير ما مثاله : للآراء المقدسة - زادها الله تعالى جلالا وتعظيما - ~~مزيد في شرفها في تتويجه . والعلامة المستنصرية عليه ، تحت البسملة : الله ~~القاهر فوق عباده . ونسخة التقليد بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله الذي ~~أطمأنت القلوب بذكره ، ووجب على الخلائق جزيل حمده وشكره ، ووسعت كل شيء ~~رحمته ، وظهرت في كل أمر حكمته . ودل على وحدانيته بعجائب ما أحكمه صنعا ~~وتدبيرا ، وخلق كل شيء فقدره تقديرا - ممد الشاكرين بنعمائه التي لا تحصى ~~عددا . وعالم الغيب الذي لا يظهر على غيبه أحدا . لا معقب لحكمه في الإبرام ~~والنقض ، ولا يثوده حفظ السموات والأرض . تعالى أن يحيط به الضمير ، وجل أن ~~يبلغ وصفه البيان والتفسير ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . وأحمد الله ~~الذي أرسل محمدا - ( صلى الله عليه وسلم ) - بالحق ، بشيرا ونذيرا . وداعيا ~~إلى الله بإذنه ، وسراجا منيرا . وابتعثه هاديا للخلق ، وأوضح به ms6733 مناهج ~~الرشد وسبل الحق . واصطفاه من أشرف الأنساب وأعز القبائل . واجتباه لإيضاح ~~البراهين والدلائل ، وجعله لديه أعظم الشفعاء وأقرب الوسائل . فقذف - صلى ~~الله عليه - بالحق على الباطل . وحمل الناس بشريعته الهادية على المحجة ~~البيضاء والسنن العادل ، حتى استقام إعوجاج كل زائغ ، ورجع إلى الحق كل ~~حائد عنه ومائل . وسجد لله كل شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل . صلى ~~الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام الأفاضل ، صلاة مستمرة بالغدوات والأصائل ~~- PageV29P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" خصوصا على عمه وصنو أبيه : العباس بن عبد ~~المطلب ، الذي اشتهرت مناقبه في المجامع والمحافل . ودرت ببركة الاستسقاء ~~به أخلاف السحب الهواطل ، وفاز من تنصيص الرسول - ( صلى الله عليه وسلم ) - ~~على عقبه ، في الخلافة المعظمة ، بما لم يفز به أحدا من الأوائل . والحمد ~~لله الذي حاز شريف مواريث النبوة والإمامة ، ووفر جزيل الأقسام من الفضل ~~والكرامة ، لعبده وخليفته ، ووارث نبيه ومحيي شريعته : الذي أحله الله عز ~~وجل من معارج الشرف والجلال في أرفع ذروة ، وأعلقه من حسن التوفيق الإلهي ~~بأمتن عصمة وأوثق عروة ، واستخرجه من أشرف نجار وعنصر ، واختصه بأزكى منحة ~~وأعظم مفخر . ونصبه للمؤمنين علما ، واختاره للمسلمين إماما وحكما ، وناط ~~به أمر دينه الحنيف ، وجعله قائما بالعدل والإنصاف بين القوى والضعيف : ~~إمام المسلمين ، وخليفة رب العالمين : أبي جعفر المنصور ، المستنصر بالله ، ~~أمير المؤمنين ، ابن الإمام السعيد التقي أبي نصر محمد : الظاهر بأمر الله ~~، ابن الإمام السعيد الوفي أبي العباس أحمد : الناصر لدين الله ، ابن ~~الإمام السعيد الزكي : أبي محمد الحسن المستضيء بأمر الله ، أمير المؤمنين ~~- صلوات الله عليهم أجمعين ، وعلى آبائه الطاهرين ، الأئمة المهديين ، ~~الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون . ولقوا الله تعالى وهو عنهم راض ، وهم ~~عنه راضون . وبعد : فبحسب ما أفاضه الله تعالى على أمير المؤمنين - صلوات ~~الله عليه وسلامه - من خلافته في الأرض ، وفوضه إلى نظره المقدس في الأمور ~~من الإبرام والنقض ، واستخلصه له من حياطة بلاده وعباده ، ووكله إلى شريف ~~نظره ومقدس اجتهاده - لا يزال صلوات الله عليه - يكلأ العباد بعين الرعاية ~~، ويسلك ms6734 بهم في المصالح العامة والخاصة مذاهب الرشد وسبل الهداية ، وينشر ~~عليهم جناحى عدله وإحسانه ، وينعم لهم النظر في ارتياد الأمناء الصلحاء ، ~~من خلصاء أكفائه وأعوانه - متخيرا للاسترعاء من استحمد إليه بمشكور المساعي ~~وتعرف إليه في سياسة الرعايا بجميل الأسباب والدواعى ، وسلك في مفروض ~~الطاعة الواجبة على الخلائق قصد السبيل . وعلم منه حسن الاضطلاع في مصالح ~~المسلمين بالعبء الثقيل . والله عز وجل يؤيد آراء أمير PageV29P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" المؤمنين - صلوات الله عليه - بالتأييد ~~والتسديد . ويمده أبدا من أقسام التوفيق الإلهي بالموفور والمزيد ، ويقرن ~~عزائمه الشريفة باليمن والنجاح ويسنى له فيما يأتى ويذر أسباب الخير ~~والصلاح . وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله - عليه يتوكل وإليه ينيب . ~~ولما وفق الله تعالى نصير الدين : محمد ، بن سيف الدين أبي بكر ، بن أيوب - ~~من الطاعة المشهورة ، والخدم المشكورة ، والخطوة في جهاد أعداء الدين ~~بالمساعي الصالحة ، والفوز من المراضي الشريفة الإمامية - أجلها الله تعالى ~~- بالمغانم الجزيلة والصفقة الرابحة - لما وصل فيه سالف شريف الاختصاص ~~بآنفه . وشفع تالده في تحصيل مأثور الاستخلاص بطارفه . واستوجب بسلوكه في ~~الطاعة المفروضة مزيد الإكرام والتفضيل ، وضرع في الإنعام عليه بمنشور شريف ~~إمامي يسلك في اتباعه هداه . والعمل بمراشده سواء الصراط وقصد السبيل - ~~اقتضت الآراء الشريفة المقدسة - زادها الله تعالى جلالا متألق الأنوار ، ~~وقدسا يتساوى في عظيمه من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار - الإيعاز بإجابته ~~إلى ما وجه أمله إلى الإنافة فيه به إليه . والجذب بضبعه إلى ذروة الاجتباء ~~الذي تظهر أشعة أنواره الباهرة عليه . فقلده - على خيرة الله تعالى - ~~الزعامة والصلاة ، وأعمال الحرب ، والمعاون والأحداث ، والخراج والضياع ، ~~والصدقات والجوالي ، وسائر وجوه الجبايات ، PageV29P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" والفرض والعطاء والنفقة في الأولياء ، ~~والمظالم والحسبة في بلاده ، وما يفتتحه ويستولي عليه من بلاد الفرنج ~~الملاعين ، وبلاد من تبرز إليه الأوامر الشريفة بقصده ، من المارقين عن ~~الإجماع المنعقد بين المسلمين ، ومن يتعدى حدود الله تعالى ، بمخالفة من ~~جعلت الأعمال الصالحات بولائه المفروض على الخلائق مقبولة ، وطاعته - ضاعف ~~الله جلاله - بطاعته وطاعة رسول الله ( صلى الله ms6735 عليه وسلم ) موصولة ، حيث ~~قال - عز من قائل : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم . واعتمد - صلوات الله عليه وسلامه - في ذلك على حسن نظره ، ~~ومدد رعايته . وألقى مقاليد التفويض فيه إلى وفور اجتهاده ، وكمال سياسته . ~~وخصه من هذا الإنعام الجزيل بما يبقى له على تعاقب الدهر واستمراره ، ويخلد ~~له على ممر الزمان حسن ذكره وجزيل فخاره . وحباه بتقليد يوطد له قواعد ~~الممالك ، ويفتح بإقليده رتاج الأبواب والمسالك ، ويفيد قاعدته في بلاده ~~زيادة قرير وتمهيد ، ويطير به صيته في كل قريب وبعيد . ووسمه بالملك الأجل ~~: السيد الكامل ، المجاهد المرابط ، نصير الدين ، ركن الإسلام ، جمال ~~الأنام ، جلال الدولة فخر الملة . عز الأمة . سند الخلافة . تاج الملوك ~~والسلاطين ، قامع الكفرة والمشركين ، قاهر الخوارج والمتمردين ، إلب غازي ~~بك ، محمد ، بن أبي بكر بن أيوب ، معين أمير المؤمنين - رعاية لسوابق خدمه ~~، وخدم آبائه وأسلافه ، وإبانة عن وفور احتبائه ، وكمال ازدلافه . وإنافة ~~به من ذروة القرب إلى محل كريم ، وإختصاصا له بالإحسان الذي لا تلقاه إلا ~~من هو - كما قال الله تعالى - ذو حظ عظيم - وثوقا بصحة ديانته التي يسلك ~~فيها سواء سبيله ، وإستنامة إلى أمانته في الخدمة التي ينصح فيها لله تعالى ~~ولرسوله . وركونا إلى كون الإنعام عليه PageV29P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" موضوعا بحمد الله تعالى في أحسن موضع ، واقعا ~~به لديه في خير مستقر ومستودع . وأمير المؤمنين - صلوات الله عليه - لا ~~زالت الخيرة موصولة بآرائه ، والتأييد الإلهي مقرونا بإنفاذه وإمضائه - ~~يستمد من الله عز وجل حسن الإعانة في اصطفائه ، الذي اقتضاه نظره الشريف ~~واعتماده ، وأدى إليه إرتياده المقدس الإمامي واجتهاده . وحسب أمير ~~المؤمنين الله ونعم الوكيل - . أمره بتقوى الله تعالى ، التي هي الجنة ~~الواقية ، والنعمة الباقية ، والملجأ المنيع والعماد الرفيع ، والذخيرة ~~النافعة في السر والنجوى ، والجذوة المقتبسة من قوله سبحانه : وتزودوا فإن ~~خير الزاد التقوى . وأن يدرع شعارها في جميع الأقوال والأفعال ، ويهتدى ~~بأنوارها في مشكلات الأمور والأحوال . وأن يعمل بها سرا وجهرا ، ويشرح ~~للقيام بحدودها الواجهة صدرا . قال الله ms6736 تعالى : ومن يتق الله يكفر عنه ~~سيئاته ويعظم له أجرا . وأمره بتلاوة كتاب الله متدبرا غوامض عجائبه ، ~~سالكا سبيل الرشاد والهداية في العمل به . وأن يجعله مثالا يتبعه ويقتفيه ، ~~ودليلا يهتدى بمراشده الواضحة في أوامره ونواهيه . فإنه الثقل الأعظم ، ~~وسبب الله المحكم ، والدليل الذي يهدي للتي هي أقوم . ضرب الله تعالى فيه ~~لعباده جوامع الأمثال ، وبين لهم بهداه الرشد والضلال . وفرق بدلائله ~~الواضحة وبراهينه الصادعة بين الحرام والحلال . فقال - عز من قائل - : هذا ~~بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين . وقال تعالى : كتاب أنزلناه إليك مبارك ~~ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب . وأمره بالمحافظة على مفروض الصلوات ، ~~والدخول فيها على أكمل هيئة من قوانين الخشوع والإخبات . وأن يكون نظره في ~~موضع نجواه من الأرض ، وأن يمثل لنفسه في ذلك موقفه بين يدي الله تعالى يوم ~~العرض . قال الله تعالى : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون . ~~وقال سبحانه : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا . وأن لا يشتغل ~~بشاغل عن أداء فروضها الواجبة ، ولا يلهو بسبب عن إقامة سننها الراتبة ، ~~فإنها عماد الدين الذي سمت أعاليه ، ومهاد الشرع الذي رست قواعده ومبانيه . ~~قال الله تعالى : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ، وقوموا لله قانتين . ~~وقال سبحانه : إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر . PageV29P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" وأمره أن يسعى إلى صلوات الجمع والأعياد . ~~ويقوم في ذلك بما فرض الله تعالى عليه وعلى العباد . وأن يتوجه إلى المساجد ~~والجوامع متواضعا ، ويبرز إلى المصليات الضاحية في الأعياد خاشعا . وأن ~~يحافظ في تشييد قواعد الإسلام على الواجب والمندوب . ويعظم باعتماد ذلك ~~شعائر الله التي هي من تقوى القلوب . وأن يشمل بوافر اهتمامه واعتنائه ، ~~وكمال نظره وإرعائه ، بيوت الله التي هي محال البركات ومواطن العبادات ، ~~والمساجد التي تأكد في تعظيمها وإجلالها حكمه والبيوت التي أذن الله أن ~~ترفع ويذكر فيها اسمه . وأن يرتب لها من الخدم من يتبتل لإزالة أدناسها . ~~ويتصدى لإذكاء مصابيحها في الظلام وإيناسها . ويقوم لها بما تحتاج إليه من ~~أسباب الصلاح والعمارات . ويحضر إليها ما ms6737 يليق من الفرش والكسوات . وأمره ~~باتباع سنة النبي - ( صلى الله عليه وسلم ) - التي أوضح جددها وثقف - عليه ~~السلام - أودها . وأن يعتمد فيها على الأسانيد التي نقلها الثقات . ~~والأحاديث التي صحت بالطرق السليمة والروايات . وأن يقتدى بما جاءت به من ~~مكارم الأخلاق ، التي ندب - ( صلى الله عليه وسلم ) - إلى التمسك بسببها ، ~~ورغب أمته في الأخذ بها والعمل بأدبها . قال الله تعالى : " وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " . وقال سبحانه وتعالى : " من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله " . وأمره بمجالسة أهل العلم والدين ، وأولي الإخلاص ~~في طاعة الله تعالى واليقين . والاستشارة بهم في عوارض الشك والالتباس . ~~والعمل بآرائهم في التمثيل والقياس . فإن في الاستشارة بهم عين الهداية ، ~~وأمنا من الضلال والغواية . وبها يلقح عقم الأفهام والألباب ، ويقتدح زناد ~~الرشد والصواب . قال الله تعالى في الإرشاد إلى فضلها ، والأمر في التمسك ~~بحبلها : " وشاورهم في الأمر " . وأمره بمراعاة أحوال الجند والعسكر في ~~ثغوره ، وأن يشملهم بحسن نظره وجميل تدبيره . مستصلحا نياتهم بإدامة التلطف ~~والتعهد ، مستوضحا أحوالهم بمواصلة التفحص عنها والتفقد . وأن يسوسهم سياسة ~~تبعثهم على سلوك المنهج السليم . وتهديهم في انتظامها واتساقها إلى الصراط ~~المستقيم . وتحملهم على القيام بشرائط الخدم ، PageV29P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" والتلزم بها بأقوى الأسباب وأمتن العصم . ~~ويدعوهم إلى مصلحة التواصل والائتلاف . ويصدهم عن موجبات التخاذل والاختلاف ~~. وأن يعتمد فيهم شرائط الحزم في الإعطاء والمنع . وما تقتضيه مصلحة ~~أحوالهم من أسباب الخفض والرفع . وأن يثيب المحسن منهم على إحسانه ، ويسبل ~~على المسيء - ما وسعه العفو واحتمل الأمر - صفحه وامتنانه . وأن يأخذ برأي ~~ذوي التجارب منهم والحنكة ، ويجتنى بمشاورتهم في الأمر ثمر الشركة . إذ في ~~ذلك أمن من خطأ الإفراد ، وتزحزح عن مقام الزيغ والاستبداد . وأمره بالتبتل ~~لما يليه من البلاد ويتصل بنواحيه من ثغور أولي الشرك والعناد . وأن يصرف ~~مجامع الالتفات إليها . ويخصها بوفور الإهتمام بها والتطلع عليها . وأن ~~يشمل ما ببلاده من الحصون والمعاقل بالإحكام والإتقان ، وينتهي في أسباب ~~مصالحها إلى غاية الوسع ونهاية الإمكان ، وأن يشحنها بالميرة الكثيرة ~~والذخائر ms6738 ، ويمدها من الأسلحة والآلات بالعدد المستصلح الوافر ، وأن يتخير ~~لحراستها من يختاره من الأمناء التقاة ، ويسدها بمن ينتخبه من الشجعان ~~الكماة . وأن يتأكد عليهم في أسباب الحيطة والاستظهار ، ويوقظهم للاحتراس ~~من غوائل الغفلة والاغترار . وأن يكون المشار إليهم ممن تربوا في ممارسة ~~الحروب على مكافحة الشدائد وتدربوا في نصب الحبائل للمشركين والأخذ عليهم ~~بالمراصد وأن يعتمد هذا القبيل بواصلة المدد وكثرة العدد ، والتوسعة في ~~النفقة والعطاء ، والعمل معهم بما يقتضيه حالهم وتفاوتهم في التقصير ~~والغناء . إذ في ذلك حسم لمادة الأطماع في بلاد الإسلام ، ورد لكيد ~~المعاندين من عبدة الأصنام . فمعلوم أن هذا الغرض أولى ما وجهت إليه ~~العنايات وصرفت ، وأحق ما قصرت عليه الهمم ووقفت . فإن الله تعالى جعله من ~~أهم الفروض التي ألزم فيها القيام بحقه ، وأكبر الواجبات التي كتب العمل ~~بها على خلقه . فقال سبحانه وتعالى - هاديا في ذلك إلى سبيل الرشاد ، ~~ومحرضا لعباده على قيامهم له بفروض الجهاد : ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا ~~نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون PageV29P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" موطئا يغيظ الكفار ، ولا ينالون من عدو نيلا ~~إلا كتب لهم به عمل صالح ، إن الله لا يضيع أجر المحسنين . ولا ينفقون نفقة ~~صغيرة ولا كبيرة ، ولا يقطعون واديا - إلا كتب لهم ، ليجزيهم الله أحسن ما ~~كانوا يعملون . وقال تعالى : " فاقتلوهم حيث ثقفتموهم " . وقال النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : من نزل منزلا يخيف فيه المشركين ويخيفونه ، كان له كأجر ~~ساجد لا يرفع رأسه إلى يوم القيامة ، وأجر قائم لا يقعد إلى يوم القيامة ، ~~وأجر صائم لا يفطر . وقال عليه السلام : غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما ~~طلعت عليه الشمس . هذا قوله - ( صلى الله عليه وسلم ) - في حق من سمع هذه ~~المقالة فوقف لديها . فكيف بمن كان كما قال عليه السلام : ألا أخبركم بخير ~~الناس : ممسك بعنان فرسه في سبيل الله ، كلما سمع هيعة طار إليها . وأمره ~~باقتفاء أوامر الله تعالى في رعاياه ، والاهتداء إلى رعاية العدل والإنصاف ~~والإحسان بمراشده ms6739 الواضحة ووصاياه ، وأن يسلك في السياسة بهم سبل الصلاح ، ~~ويشملهم بلين الكنف وخفض الجناح . ويمد ظل رعايته على مسلمهم ومعاهدهم ، ~~ويزحزح الأقذاء والشوائب عن مناهلهم في العدل ومواردهم . وينظر في مصالحهم ~~نظرا يساوي بين الضعيف والقوي ، ويقوم بأودهم قياما يهتدى به ويهديهم فيه ~~إلى الصراط السوي . قال الله تعالى : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي ، يعككم لعلكم تذكرون " ~~. وأمره باعتماد أسباب الاستظهار والأمنة ، واستقصاء الطاقة المستطاعة ~~والقدرة الممكنة ، في المساعدة على قضاء تفث حجاج بيت الله الحرام وزوار ~~نبيه - عليه أفضل الصلاة والسلام . وأن يمدهم بالإعانة في ذلك على تحقيق ~~الرجاء وبلوغ المرام ، ويحرسهم من التخطف والأذى في حالتي الظعن والمقام . ~~فإن الحج أحد أركان الدين المشيدة وفروضه الواجبة المؤكدة . قال الله تعالى ~~: ولله على الناس حج البيت . وأمره بتقوية أيدي العاملين بحكم الشرع في ~~الرعايا ، وتنفيذ ما يصدر عنهم من الأحكام والقضايا ، والعمل بأقوالهم فيما ~~يثبت لذوي الاستحقاق ، والشد على أيديهم فيما يرونه من المنع والإطلاق . ~~وأنه متى تأخر أحد الخصمين عن إجابة داعي الحكم ، أو تقاعس في ذلك لما يلزم ~~من الأداء والغرم - جذبه بعنان القسر إلى مجلس الشرع ، PageV29P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" واضطره بقوة الإنصاف إلى الأداء بعد المنع . ~~وأن يتوخى عمال الوقوف التي تقرب المتقربون بها ، واستمسكوا في ظل ثواب ~~الله بمتين سببها . وأن يمدهم بجميل المعاونة والمساعدة وحسن الموازرة ~~والمعاضدة ، في الأسباب التي تؤذن بالعمار والاستنماء ، وتعود عليها ~~بالمصلحة والاستخلاص والاستيفاء . قال الله تعالى : وتعاونوا على البر ~~والتقوى . وأمره أن يتخير من أولي الكفاية والنزاهة من يستخلصه للخدم ~~والأعمال ، والقيام بالواجب من أداء الأمانة والحراسة والتثمير ، لبيت ~~المال وأن يكونوا من ذوي الاضطلاع بشرايط الخدم المعينة وأمورها ، ~~والمهتدين إلى مسالك صلاحها وتدبيرها . وأن يتقدم إليهم بأخذ الحقوق من ~~وجوهها المتيقنة ، وجبايتها في أوقاتها المعينة . إذ ذاك من لوازم مصالح ~~الجند ووفور الاستظهار ، وموجبات قوة الشوكة بكثير الأعوان والأنصار ، ~~وأسباب الحيطة التي يحمى بها البلاد والأمصار . ويأمرهم بالجري في الطقوس ms6740 ~~والشروط على النمط المعتاد ، والقيام في مصالح الأعمال أقدام الجد ~~والاجتهاد . وإلى العاملين على الصدقات بأخذ الزكوات على مشروع السنن ~~المهيع ، وقصد الصراط المتبع ، من غير عدول في ذلك عن المنهاج الشرعي ، أو ~~تساهل في تبديل حكمها المفروض وقانونها المرعى فإذا أخذت من أربابها الذين ~~يطهرون ويزكون بها سعي في العمل في صرفها إلى مستحقيها بحكم الشريعة ~~النبوية وموجبها . وإلى جباة الجزية من أهل الذمة بالمطالبة بأدائها في أول ~~السنة ، واستيفائها منهم على حسب أحوالهم بحكم العادة في الثروة والمسكنة . ~~إجراء في ذلك على حكم الاستمرار والانتظام ، ومحافظة على عظيم شعائر ~~الإسلام . وأمره أن يتطلع على أحوال كل من يستعمله في أمر من الأمور ، ~~ويصرفه في مصلحة من مصالح الجمهور ، تطلعا يقتضى الوقوف على حقائق أماناتهم ~~، ويوجب تهديتهم في حركاتهم وسكناتهم ، ذهابا مع النصح لله تعالى في بريته ~~، وعملا بقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : كلكم راع وكلكم مسؤول عن ~~رعيته . وأمره أن يستصلح من ذوي الاضطلاع والغناء ، من يرتب للفرض والعطاء ~~، والنفقة في الأولياء وأن يكونوا من المشهورين بالحزم والبصيرة ، ~~والموسومين في PageV29P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" المناصحة بإخلاص الطوية وإصفاء السريرة ، ~~حالين من الأمانة والصون بما يزين . ناكبين عن مظان الشبه والطمع الذي بصم ~~ويشين . وأن يأمرهم باتباع عادات أمثالهم في ضبط أسماء الرجال ، وتحلية ~~الأشخاص والأشكال واعتبار شيات الخيول وإثبات أعدادها ، وتحريض الجند على ~~تخيرها واقتناء جيادها . وبذل الجهد في قيامهم من الكراع والبرك والسلاح ~~بما يلزمهم ، والعمل بقول الله تعالى : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ~~رباط الخيل ، ترهبون به عدو الله وعدوكم ، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ~~الله يعلمهم " . فإذا نطقت جرائد الجند المذكورين بما أثبت لديهم ، وحقق ~~الاعتبار والعيان قيامهم بما وجب عليهم ، أطلقت لهم المعايش والأرزاق بحسب ~~إقراراتهم ، وأوصلت إليهم بمقتضى واجباتهم واستحقاقاتهم . فإن هذه الحال ~~أصل حراسة البلاد والعباد ، وقوام الأمر فيما أوجبه الله تعالى من أمر ~~الاستعداد بفرض الجهاد . قال الله تعالى : " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا ، وإن الله لمع المحسنين " . وأمره ms6741 بتفويض أمر الحسبة إلى من يكون ~~بأمرها مضطلعا ، وللسنة النبوية في إقامة حدودها متبعا . فيعتمد في الكشف ~~عن أحوال العامة في تصرفاتها الواجب . ويسلك في التطلع على معاملاتهم ~~السبيل الواضح والسنن اللاحب . ويأتيهم في الأسواق لاعتبار المكاييل ~~والموازين ، ويعتمد في مؤاخذة المطففين وتأديبهم بما تقتضيه شريعة الدين . ~~ويحذرهم في تعدي حدود الإنصاف شدة نكاله ، ويقابل المستحق للمؤاخذة بما ~~يرتدع به الجمع الكثير من أمثاله . قال الله تعالى : " أوفوا الكيل ولا ~~تكونوا من المخسرين . وزنوا بالقسطاس المستقيم . ولا تبخسوا الناس أشياءهم ~~ولا تعثوا في الأرض مفسدين " . وقال سبحانه : " ويل للمطففين الذين إذا ~~اكتالوا على الناس يستوفون ، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون . ألا يظن أولئك ~~أنهم مبعوثون ليوم عظيم . يوم يقوم الناس لرب العالمين " . PageV29P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" فليتول الملك الأجل ، السيد الكامل المجاهد ~~المرابط ، نصير الدين ركن الإسلام أثير الإمام ، جمال الأنام ، جلال الدولة ~~، فخر الملة عز الأمة ، سند الخلافة ، تاج الملوك والسلاطين ، قامع الكفرة ~~والمشركين ، قاهر الخوارج والمتمردين ، أمير المجاهدين : ألب غازي بك ، ~~معين أمير المؤمنين - ما قلده عبد الله وخليفته في أرضه ، القائم له بحقه ~~الواجب وفرضه : أبو جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين - بقلب ~~مطمئن بالإيمان ، ونصح لله تعالى ولخليفته - صلوات الله عليه - في السر ~~والإعلان وليشرح بما فوض إليه من هذه الأمور صدرا ، وليقم بالواجب عليه من ~~شكر هذا الإنعام الجزيل سرا وجهرا . وليعمل بهذه الوصايا الشريفة الإمامية ~~، وليقتف آثار مراشدها المقدسة النبوية . وليظهر من أثر الجد في هذا الأمر ~~والإجتهاد ، وتحقيق الظن الجميل فيه والإرشاد - ما يكون دليلا على تأيد ~~الرأي الأشرف المقدس - أجله الله تعالى - في اصطناعه واستكفائه ، وإصابة ~~مواقع النجح والرشد في التفويض إلى حسن قيامه وكمال غنائه وليقدر النعمة ~~عليه في هذه الحال حق قدرها ، وليمتر - بأداء الواجب عليه من جزيل الشكر - ~~غزير درها ، وليطالع مع الأوقات بما يشكل عليه من الأمور الغوامض . ولينه ~~إلى العلوم الشريفة المقدسة - أجلها الله تعالى - ما يلتبس عليه من الشكوك ~~والعوارض . ليرد عليه من الأمثلة ما يوضح له ms6742 وجه الصواب في الأمور ، ويمدمن ~~المراشد الشريفة التي هي شفاء لما في الصدور ، بما يكون وروده عليه ، ~~وتتابعه إليه ، نورا على نور - إن شاء الله تعالى . وكتب في شهر رجب من سنة ~~ثلاثين وستمائة . والحمد رب العالمين . وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمي ~~، وآله الطاهرين . وفي هذه السنة ، فتحت دار الحديث الأشرفية المجاورة ~~لقلعة دمشق المحروسة ، ليلة النصف من شعبان . وأملى بها الشيخ الإمام ~~العلامة : تقي الدين بن الصلاح الشافعي . ووقف عليها الملك الأشرف أوقافا ~~جليلة . PageV29P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" ذكر ركوب الملك العادل بشعار السلطنة وفي ~~الساعة التاسعة من يوم الثلاثاء ، ثامن عشر شهر رمضان ، من هذه السنة - ~~سلطن السلطان الملك الكامل ولده الملك العادل سيف الدين أبا بكر ، وركبه في ~~هذه الساعة بشعار السلطنة . وشق القاهرة ، وفي خدمته جميع الأمراء والقضاة ~~وأصحاب الدواوين والأماثل وغيرهم . وفيها - في صفر - تسلم راجح بن قتادة ~~مكة - شرفها الله تعالى - وكان قد قصدها في سنة تسع وعشرين ، وصحبته عسكر ~~صاحب اليمن : الملك المنصور عمر بن علي بن رسول . وكان الأمير فخر الدين بن ~~الشيخ بمكة . ففارقها . وفيها كانت وفاة الملك العزيز : فخر الدين عثمان بن ~~السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب . وهو شقيق الملك المعظم . ~~وكان صاحب بانياس وتبنين وهونين والحصون . وهو الذي بني قلعة الصبيبة . ~~وكان عاقلا قليل الكلام ، مطيعا لأخيه الملك المعظم ، وإنما أخرجه عن ~~موالاة ولده - الملك الناصر داود - أنه كان قصد بعلبك في سنة خمس وعشرين ~~وستمائة ، بمواطئة من ابن الملك الأمجد صاحبها - كما تقدم - فلما فاته وقت ~~الميعاد ، الذي اتفقا عليه ، نزل على بعلبك ، وأخذ في حصارها . فأرسل الملك ~~الأمجد إلى الملك الناصر يقول له : أنت تعلم ما كان بيني وبين والدك الملك ~~المعظم من المودة ، وأنني كنت صديق من صادقه وعدو من عاداه ، فرحل عني ~~الملك العزيز . فأنفذ الملك الناصر داود الغرس خليلا إلى الملك العزيز ، ~~وأمره بالرحيل . وقال له : متى لم يرحل ، ارم خيمته على رأسه فرحل العزيز ~~إلى بانياس وأوجبت هذه الحادثة ms6743 غضبه ، إلى أن التحق بالملك الكامل ، وجاء ~~معه إلى دمشق - كما تقدم . وكانت وفاة الملك العزيز في يوم الاثنين ، عاشر ~~شهر رمضان ، سنة ثلاثين وستمائة ، ببستانه في الناعمة ، ببيت لهيا من غوطة ~~دمشق . ودفن بقاسيون في تربة الملك المعظم ، عند والدته - رحمه الله تعالى ~~. PageV29P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" وفيها ، في يوم الاثنين ، سابع عشرين شهر ~~ربيع الأول ، توفي بالقاهرة الشيخ جلال الدين أبو العزائم : همام بن راجي ~~الله سرايا ، بن أبي الفتوح ناصر ، بن داود الشافعي : إمام جامع الصالح ، ~~بظاهر باب زويلة رحل إلى بغداد واشتغل بها مدة ، وسمع الحديث ، واشتغل ~~بالأدب بمصر على ابن برى ولقي جماعة من الأدباء ، وصنف كتبا كثيرة في ~~الأصول والفروع والخلاف ، مختصرة ومطولة . وله شعر . ومولده بونا من صعيد ~~مصر ، في ذي القعدة أو ذي الحجة سنة تسع وخمسين وخمسمائة . رحمه الله . ~~ولما مات ، ولى الإمامة بالجامع الصالحي بعده ولده : نور الدين علي . وفيها ~~كانت وفاة الشيخ شهاب الدين أبي حفص : عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي . ~~وهو ينتسب إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فيما قيل . وذكر ابن خلكان ~~أن وفاته كانت في مستهل ذي الحجة ، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة . ومولده ~~بسهرورد ، في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة . وقد تقدم ذكر تردده في الرسالة ، ~~من جهة الخليفة إلى الملك العادل ، وغيره . وكان رجلا صالحا عابدا ، زاهدا ~~ورعا . وصنف كتابا للصوفية ، سماه عوارف المعارف . حكى أنه جلس يوما ببغداد ~~على منبر وعظه ، فذكر أحوال القوم ، وأنشد : ما في الصحاب أخو وجد نطارحه . ~~. . حديث نجد ، ولا صب نجاريه وجعل يردد البيت ويطرب فصاح به شاب من طرف ~~المجلس - عليه قباء وكلوتة - وقال : يا شيخ ، كم تشطح وتنتقص القوم والله ~~إن فيهم من لا يرضى أن يجاريك ، ولا يصل فهمك إلى ما تقول هلا أنشدت : ~~PageV29P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" ما في الصحاب ، وقد سارت حمولهم . . . إلا ~~محب له في الركب محبوب كأنما يوسف في كل راحلة . . . والحي في كل بيت منه ~~يعقوب فصاح الشيخ ، ونزل عن المنبر ms6744 وقصد الشاب ، ليعتذر إليه . فلم يجده . ~~ووجد في موضعه حفرة فيها دم ، مما فحص برجله عند إنشاد الشيخ البيت . وفيها ~~توفي الشيخ الفاضل : عز الدين أبو الحسن علي ، بن أبي الكرم محمد بن محمد ~~بن عبد الكريم ، بن عبد الواحد الشيباني - المعروف بابن الأثير الجزري . ~~وكانت وفاته في هذه السنة من شعبان . ومولده في رابع جمادى الأولى سنة خمس ~~وخمسين وخمسمائة ، بجزيرة ابن عمر . وكان رجلا فاضلا ، صنف في التاريخ كتاب ~~الكامل من أول الزمان إلى آخر سنة ثمان وعشرين وستمائة . وهو من أجود ~~التواريخ التي رأيناها . واختصر كتاب الأنساب لأبي سعيد عبد الكريم بن ~~السمعاني ، واستدرك عليه في مواضع . ونبه على أغاليط ، وزاد أشياء . وهو ~~كتاب مفيد في ثلاث مجلدات وأصله في ثمانية ، وهو عزيز الوجود . وفضائله ~~وآدابه مشهورة - رحمه الله تعالى . وفيها كانت وفاة شرف الدين أبي المحاسن ~~: محمد بن نصر بن مكارم ، ابن الحسن بن علي بن محمد ، بن غالب الأنصاري ، ~~المعروف بابن عنين - الكوفي الأصل ، الدمشقي المولد . وقيل بل هو من زرع من ~~إقليم حوران . نشأ في دمشق ، وسافر عنها ، وطوف البلاد شرقا وغربا . ودخل ~~بلاد الجزيرة والروم والعراق وبغداد وخراسان وما وراء النهر ، وبلاد الهند ~~واليمن والحجاز ومصر . ومدح ملوك هذه الأماكن وأعيانها . وكان ظريفا حسن ~~الأخلاق جميل العشرة . غزير المادة في الشعر ، مولعا في الهجاء وثلب أعراض ~~الناس - خصوصا الأكابر . وله قصيدة طويلة جمع فيها خلقا كثيرا من رؤساء ~~الشام وأهل دمشق ، سماها : مقراض الأعراض ، يقال إنها خمسمائة بيت . ~~PageV29P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" وكان السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ~~قد نفاه من دمشق ، بسبب وقوعه في الناس . ولما نفى كتب من الهند إلى دمشق : ~~فعلام أبعدتم أخاثقة . . . لم يجترم ذنبا ولا سرقا انفوا المؤذن من بلادكم ~~. . . إن كان ينفى كل من صدقا ولما مات الملك الناصر صلاح الدين ، وملك ~~الملك العادل دمشق ، سار متوجها إلى الشام . وكتب إلى الملك العادل قصيدته ~~الرائية ، واستأذنه في الدخول إلى دمشق . ووصفها وصف ما قاسى في الغربة ، ~~ولما ms6745 فرغ من وصف دمشق وأنهارها وبساتينها ومستنزهاتها ، قال في قصيدته : ~~فارقتها لاعن رضى ، وهجرتها . . . لا عن قلى ، ورحلت لا متخيرا أسعى لرزق ~~في البلاد مشتت . . . ومن العجائب أن يكون مقترا وأصون وجه مدائحي متقنعا . ~~. . وأكف ذيل مطامعي متسترا جاء منها في شكوى الغربة ، وما قاساه منها : ~~أشكو إليك نوى ، تمادى عمرها . . . حتى حسبت اليوم منها أشهرا لا عيشتي ~~تصفو ولا رسم الهوى . . . يعفو ، ولا جفني يصافحه الكرى أضحى عن الأخوى ~~المريع محلأ . . . وأبيت عن ورد النمير منفرا ومن العجائب أن تفيأ ظلكم . . ~~. كل الورى ، ونبذت وحدى بالعرا فلما وقف العادل على هذه القصيدة ، أذن له ~~في الدخول إلى دمشق ، فدخلها . وقال : هجوت الأكابر في جلق . . . ورعت ~~الوضيع بسب الرفيع وأخرجت منها ، ولكنني . . . رجعت على رغم أنف الجميع ~~PageV29P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" وكانت وفاته في عشية يوم الأثنين ، العشرين ~~من شهر ربيع الأول ، سنة ثلاثين وستمائة . ومولده في يوم الاثنين ، تاسع ~~شعبان ، سنة تسع وأربعين وخمسمائة - حكاه ابن خلكان وابن الساعي . وقال أبو ~~المظفر في مرآة الزمان : إن وفاته كانت في سنة ثلاث وثلاثين . قال : وكان ~~خبيث اللسان هجاء ، فاسقا متهتكا . قال : ولما عاد إلى دمشق ، استوزره ~~الملك المعظم . وكانت مجالسه معمورة بقبائحه . قال : وحضر مجلس الإمام فخر ~~الدين الرازي بن خطيب الري ، وهو يعظ ، فجاءت حمامة وخلفها جارح ، فألقت ~~نفسها على الإمام فخر الدين ، فغطاها بكمه . فقال ابن عنين ، بديها : يا ~~ابن الكرام ، المطعمين إذا شتوا . . . في كل مسغبة وثلج خاسف العاصمين إذا ~~النفوس تطايرت . . . بين المخارم والوتين الراعف من أنبا الورقاء أن بجلكم ~~. . . حرما ، وأنك ملجأ للخائف وفدت عليك ، وقد تدانى حتفها . . . فحبوتها ~~ببقائها المتانف ولو أنها تحيي بمال ، لانثنت . . . من راحتيك بنائل متضاعف ~~جاءت سليمان الزمان بشكرها . . . والموت يلمع من جناحي خاطف PageV29P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" قرم لواه الفوت حتى ظله . . . بإزائه يجري ~~بقلب خائف قال : فرمى عليه الإمام فخر الدين جميع ما كان عليه ، وفعل ~~الحاضرون كذلك . فبلغ قيمة ذلك أربعة آلاف دينار وكتب معه كتابا إلى الملك ~~الناصر ms6746 ، وكتابا إلى الملك العادل ، يشفع فيه . فقبل الملك شفاعته . ولما ~~عاد هجا العادل ، فقال : إن سلطاننا الذي نرتجيه . . . واسع المال ضيق ~~الإنفاق هو سيف كما يقال ، ولكن . . . قاطع للرسوم والأرزاق وهجا أيضا ~~أولاد شيخ الشيوخ الأربعة ، فقال : أولاد شيخ الشيوخ قالوا . . . ألقابنا ~~كلها محال لا فخر فينا ولا عماد . . . ولا معين ، ولا كمال وأهاجيه في ~~الأكابر والأعيان كثيرة - سامحه الله تعالى وإيانا : واستهلت سنة إحدى ~~وثلاثين وستمائة ذكر مسير السلطان الملك الكامل إلى بلاد الروم وفي هذه ~~السنة ، وصل الملك الأشرف ، صاحب دمشق ، إلى السلطان بالديار المصرية ، ~~وحرضه على قصد بلاد الروم . فخرج بالعساكر من القاهرة في ليلة السبت ، لخمس ~~خلون من شعبان ، واستناب بالديار المصرية ولده الملك العادل : سيف الدين ~~أبا بكر . وسار حتى وصل إلى دمشق ، وجمع سائر الملوك . وسار من دمشق ، فنزل ~~بظاهر البيرة . واجتمعت الملوك ، فكانوا ثلاثة عشر ملكا : كلهم من بني أيوب ~~. وعرض العساكر أطلابا ، فكبرت نفسه وتعاظم . ثم دخل بهم الدربندات ، وأشرف ~~على أرض PageV29P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" الروم ، وما شك في أخذها . فاجتمع الملوك إلى ~~الملك الأشرف ، قالوا : متى فتح الملك الكامل بلاد الروم ، استولى على ~~ممالكنا ، وعوضنا عنها من بلاد الروم . فاتفقوا على خذلانه ، ومكاتبة صاحب ~~الروم : علاء الدين كيقباد ، بن كيخسرو السلجقي ، فكاتبوه . فوقعت الكتب ~~إلى الملك الكامل ، فرحل عن الدربندات لوقته ، وعاد إلى السويدات وخيم بها ~~. وكان عند نزوله على الدربندات ، أرسل الملك المظفر صاحب حماه ، والطواشي ~~شمس الدين صواب ، وجماعة من الأمراء ، إلى خرت برت . وكان بها عسكر كثيف من ~~عساكر الروم ، فكسروهم ، وأسروا بعض الأمراء الكاملية ، وطلع الملك المظفر ~~، والطواشي صواب ، والبانياسي وجماعة من الأمراء ، إلى القلعة ، فأقاموا ~~بها سبعة عشر يوما ، وطلبوا الأمان من صاحب الروم . فأمنهم على تسليم ~~القلعة ، ولا يأخذوا منها شيئا . ففعلوا ذلك ، ونزلوا إليه . فخلع عليهم ~~وأعادهم إلى الملك الكامل . ولم يسلم من خيلهم في هذه الوقعة إلا سبعة أو ~~ثمانية : كل أمير على فرس . فسير السلطان الملك الكامل إليهم الخيول ، ~~فركبوها ووصلوا إلى ms6747 السلطان إلى السويدا ، فأحسن إليهم . ثم عاد إلى الديار ~~المصرية ، وقد حصلت الوحشة بينه وبين سائر الملوك . وكان وصوله في جمادى ~~الأولى ، سنة اثنتين وثلاثين . ولما رجع ، جهز صاحب الروم جيشا كثيفا إلى ~~حران والرها وآمد ، والسويدا وقطينا ، فاستولى على ذلك ، ورتب فيهم من ~~يحفظهم . وكانت هذه الجهات تحت يد شهاب الدين غازي - أخي السلطان - والملك ~~الصالح نجم الدين أيوب : ولده . فلما اتصل ذلك بالملك الكامل ، تجهز ~~بعساكره وخرج من القاهرة ، في ثالث عشرين ذي القعدة من السنة : وكان قد ~~أوصى ولده الملك الصالح نجم الدين وأخاه شهاب الدين غازي - أن صاحب الروم ~~إذا قصد البلاد يتركونها ، ويحضرون ، وقال له : إذا أخذ البلاد استعدتها ~~منه ، وإذا أخذكم لا أقدر على استعادتكم منه . فلما وصل عسكر صاحب الروم ~~إلى البلاد ، تركاها ، وسارا بعسكرهما إلى سلميه . PageV29P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" ولما قدم السلطان إلى دمشق ، كان بها ولدا ~~ولده الملك الصالح ، وهما : جلال الدين ، وتورانشاه ، فخرجا يسلمان على ~~جدهما ، فانتهرهما ، فخرجا من عنده . واتصل ذلك بأبيهما ، فعلم أن الغضب ~~إنما هو عليه ، لا على ولديه . فأرسل إليهما وأخذهما من دمشق ، ولم يشعر ~~بذلك جدهما . وسار عن سلميه ، ومعه شهاب الدين غازي ، فوصل إلى حصن كيفا ، ~~ووصل شهاب الدين إلى ميافارقين . فعظم ذلك على السلطان ، وذكر ما فعله ~~الصالح لبعض الأمراء . فتلطف في الاعتذار عنه ، وقال : الملك الصالح معذور ~~، لأن السلطان سلم له البلاد وجعله تحت الحجر . ثم فعل السلطان بأولاده ما ~~فعل . فأرسل إليه وطيب قلبه ، وأمره أن يمضي هو وشهاب الدين غازي لمحاصرة ~~السويداء ، فتوجها إليهما . ووصل السلطان إليها أيضا . ثم مضى إلى آمد ، ~~فهرب العسكر الرومي منها . ووصل السلطان إلى حران ، وفتحها عنوة في ثالث ~~جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين . وفتح قلعة الرها عنوة . وتسلم السويداء ~~عنوة ، في جمادى الآخرة . وهدم قلعة الرها . وأسر من كان في هذه القلاع من ~~الروم . وأخذ قطينا في شهر رجب عنوة ، ونزل على دنيسر فأخربها ، إلا الجامع ~~. وسير جميع الأمراء إلى الديار المصرية في الجوالق ms6748 ، وكانوا أكثر من ثلاثة ~~آلاف . ورتب ولده الملك الصالح بآمد . ورتب ولده الملك الصالح بآمد . وأضاف ~~إليه حران والرها ونصيبين ، والخابور ورأس عين والرقة ، وجعله سلطانا ~~مستقلا . وعاد إلى الديار المصرية . فوصل إلى القاهرة في شعبان ، سنة ثلاث ~~وثلاثين وستمائة . نعود إلى تتمة حوادث سنة إحدى وثلاثين وستمائة . فيها ~~ولي الأمير جمال الدين يغمور شد الدواوين بالديار المصرية وفيها عمر الملك ~~الأشرف مسجد جراح خارج باب الصغير بدمشق ، ورتب فيه خطبة للجمعة ، يصلي فيه ~~سكان الشاغور وغيرهم . وفيها قدم رسول الأنبرور ملك الفرنج بالهدايا والتحف ~~، وفي جملة ذلك دب أبيض ، شعره مثل شعر السبع ، ينزل إلى البحر فيصيد السمك ~~ويأكله ، وطاووس أبيض ، وغير ذلك . PageV29P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" وفيها عزل قاضي القضاة عماد الدين بن ~~الحرستاني عن قضاء الشام ، ووليه قاضي القضاة شمس الدين بن سني الدولة . ~~وفيها ، توفي الأتابك : شهاب الدين طغرل الخادم ، عتيق السلطان الملك ~~الظاهر ، صاحب حلب - وكان أرمني الجنس ، حسن السيرة محمود الطريقة ، صالحا ~~عفيفا ، زاهدا كثير الصدقة والإحسان ، يقسم الليل أثلاثا : فالثلث الأول ~~يجري حكايات الصالحين وأحوال الناس ومحاسنهم ، وينام الثلث الأوسط ، ويحيي ~~الثلث الآخر قراءة وصلاة وبكاء . وكان حسن الوساطة عند الملك الظاهر . ولما ~~توفي الظاهر ، قام بأمر ولده العزيز أحسن قيام . واستمال الملك الأشرف ، ~~حتى حفظ على الملك العزيز البلاد - ولما استعاد الملك الأشرف تل باشر ، ~~دفعها لهذا الخادم ، وقال هذه تكون لصدقاتك وما يلزمك ، فإنك تكره أن تتصرف ~~في أموال الصغير ، فنقل إليها من الأموال والذخائر كل نفيس . وكان قد طهر ~~حلب من الفسق والفجور والمكوس . وكان الملك الأشرف يقول : إن كان لله تعالى ~~في الأرض ولي ، فهو هذا الخادم ، الذي فعل ما عجز عنه الفحول . فلما ترعرع ~~الملك العزيز بن الملك الظاهر ، في سنة تسع وعشرين وستمائة - قال له بعض ~~خواصه : قد رضيت لنفسك أن تكون تحت حجر هذا الخادم فأخذ منه تل باشر ، ونزع ~~يده منه . وبقي الأتابك لا ينفذ له أمر ثم مرض وتوفي بحلب ، في ليلة الحادي ~~عشر من ms6749 المحرم ، من هذه السنة . ودفن بمدرسة الحنفية خارج باب الأربعين - ~~رحمه الله تعالى . وفيها توفي الشيخ أبو عبد الله : الحسين بن محمد بن يحيى ~~، بن مسلم الزبيدي . سمع أبا الوقت عبد الأول بن عيسى ، وغيره . وهو من ~~ساكني باب البصرة ، وحضر إلى الشام وحدث بدمشق بصحيح البخاري عن أبي الوقت ~~غير مرة . وهو شيخ شيوخنا . ولما وصل إلى دمشق ، أكرمه الملك الأشرف ، وحصل ~~له دنيا صالحة بعد فقر وضرورة . ثم عاد إلى بغداد ، فمرض قبل وصوله إليها ، ~~وتوفي بعد أن دخلها بأيام . PageV29P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" كانت وفاته يوم الاثنين ، الثالث أو الرابع ~~والعشرين من صفر ، سنة إحدى وثلاثين وستمائة . وسئل عن مولده ، فقال : سنة ~~ست ، أو سبع ، وأربعين وخمسمائة - الشك منه - ودفن بمقبرة جامع المنصور . ~~وفيها توفي ركن الدين منكرس الفلكي : مملوك فلك الدين - أخي الملك العادل ~~لأمه - كان من أكابر الأمراء . ولاه العادل مصر والشام نيابة عنه . وكان ~~صالحا دينا ، عفيفا عادلا ، كثير الصدقات . وله بقاسيون مدرسة وتربة أوقف ~~عليها أشياء كثيرة . وكانت وفاته . بجرود : قرية من قرى دمشق ، وحمل منها ~~فدفن بتربته بقاسيون - رحمه الله تعالى . وفيها توفي الأمير كريم الدين ~~الخلاطي . وكان كثير المروءة حسن الملتقى ، يتعصب في الخير . خدم الملك ~~الكامل والمعظم والأشرف . وتقدم في زمن الملك العادل . وكانت وفاته بدمشق ، ~~ودفن بقاسيون - رحمه الله تعالى . وفيها توفي صلاح الدين أبو العباس : أحمد ~~بن عبد السيد بن شعبان ابن محمد بن جابر ، بن قحطان الإربلي - وهو من بيت ~~كبير بإربل . وكان حاجبا عند الملك المعظم : مظفر الدين بن زيد الدين صاحب ~~إربل . فتغير عليه واعتقله مدة . فلما أفرج عنه ، خرج منها إلى الشام ، ~~واتصل بخدمة الملك المغيث : محمود بن العادل - وكان قد عرفه من إربل - ~~فحسنت حاله عنده . فلما توفي الملك المغيث ، انتقل الصلاح إلى الديار ~~المصرية ، وخدم الملك الكامل فعظمت منزلته عنده ، ووصل منه إلى ما لم يصل ~~إليه غيره ، واختص به في خلواته . وجعله أميرا . وكان الصلاح ذا فضيلة تامة ~~، ومشاركة حسنة . وله نظم ms6750 حسن ، ودوبيت . ثم تغير عليه الملك الكامل ، ~~واعتقله ، في المحرم سنة ثمانية عشر وستمائة ، والسلطان PageV29P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" بالمنصورة . فاستمر في الاعتقال بقلعة الجبل ~~، مضيقا عليه ، إلى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين . فعمل الصلاح دوبيت ، ~~وأملاه على بعض المطربين ، فغنى به عند الملك الكامل . وهو : ما أمر تجنيك ~~على الصب خفى . . . أفنيت زماني بالبكا والأسف ماذا غضب بقدر ذنبي ، ولقد . ~~. . بالغت وما قصدك إلا تلفى فاستحسنه الملك الكامل ، وسأل لمن هو ؟ فقيل : ~~للصلاح الإربلي . فأمر بالإفراج عنه . وقيل إن الشعر غير هذا ، وهو : اصنع ~~ما شئت ، أنت أنت المحبوبما لي ذنب ، بلى كما قلت ذنوب هل يسمح بالوصال في ~~ليلتنا . . . يجلو صدا القلب ويعفو ، وأتوب ولما أفرج عنه ، عادت مكانته ~~عنده إلى أحسن ما كانت عليه ولما توجه الملك الكامل إلى بلاد الروم كان في ~~خدمته ، فمرض بالعسكر بالقرب من السويدا ، فحمل إلى الرها فمات قبل وصوله ~~إليها ، في خامس عشرين ذي الحجة ، سنة إحدى وثلاثين وستمائة . وكان مولده ~~في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة . ولما مات وجد بداره بدمشق ~~خمسة عشر ألف دينار ، وبداره بالقاهرة خمسة آلاف دينار . ولما عاد السلطان ~~الملك الكامل إلى الديار المصرية ، أقطع ولده صنافير PageV29P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" بالقليوبية خاصا له ، وجعل معه أقارب والده ~~ومماليكه - وعدتهم سبعة عشر نفرا - وذلك في سنة اثنتين وثلاثين . وتوفي ~~الأديب الفاضل : نجم الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي محمد عبد الوهاب ~~بن الحسن بن علي ، المعروف بابن وهيب القوصي ، بحماه . وكان قد توجه في ~~خدمة الملك المظفر - صاحب حماه - ووزر له . وكانت بينهما مودة ورعاية . ثم ~~نقم عليه أمرا ، فقتله - رحمه الله تعالى . وكان فاضلا ، له اليد الطولى في ~~الأدب والترسل ، والشعر الرائق . وقد تقدم من كلامه ما كتب به عن متولي ~~الأعمال القوصية ، في معنى حريق خان المكرم ، ظاهر مدينة قوص . واستهلت سنة ~~اثنتين وثلاثين وستمائة : في هذه السنة ، توجه الأمير أسد الدين جغريل أحد ~~مماليك السلطان الملك الكامل - إلى مكة ، شرفها الله ms6751 تعالى ، وصحبته ~~سبعمائة فارس فتسلمها في شهر رمضان . وهرب منها الأمير : راجح بن قتادة ، ~~ومن كان بها من عسكر اليمن . ذكر إنشاء جامع التوبة بالعقيبة بدمشق في هذه ~~السنة ، شرع السلطان الملك الأشرف في هدم خان الزنجبيلي ، الذي كان ~~بالعقيبة بظاهر دمشق ، وكان قد جمع أنواع الفساد من الخمور والفسق فقيل ~~للسلطان إن مثل هذا لا يصلح أن يكون في بلاد الإسلام ، فهدمه وعمره جامعا ، ~~غرم عليه جملة كثيرة ، وسماه الناس جامع التوبة . قال القاضي شمس الدين بن ~~خلكان في وفيات الأعيان : وجرت فيه نكتة لطيفة أحببت ذكرها ، وهي أنه كان ~~بمدرسة ست الشام التي خارج البلد إمام ، فعرف بالجمال الستي - أعرفه شيخا ~~حسنا ، ويقال إنه كان في صباه يلعب بشيء من الملاهي ، وهي PageV29P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" التي تسمى الجعانه . ولما أسن حسنت طريقته ، ~~وعاشر العلماء وأهل الصلاح ، حتى عد في الأخيار . فولاه الملك الأشرف خطابة ~~الجامع ، لثناء الناس عليه . فلما توفي ، ولي بعده العماد الواسطي الواعظ ، ~~وكان يتهم بالشراب . وكان صاحب دمشق يومئذ الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ~~، فكتب إليه الجماع عبد الرحيم : المعروف بابن زوينة الرحبى : يا مليكا ~~أوضح الحق لدينا وأبانه جامع التوبة قد قلدني منه أمانه قال : قل للملك ~~الصالح . . . أعلى الله شانه : يا عماد الدين ، يا من حمد الناس زمانه كم ~~إلى كم أنا في ضر وبؤس وإهانه لي خطيب واسطي يعشق الشرب ديانه والذي قد كان ~~من قبل يغنى بالجعانه فكما نحن ، وما زلنا ولا أبرح حانه ردني للنمط الأول ~~، واستبق ضمانه وفي هذه السنة ، في تاسع صفر ، كانت وفاة الملك الزاهد : ~~مجير الدين أبو سليمان ، داود بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن ~~أيوب - صاحب قلعة البيرة . وكان يحب العلماء وأهل الأدب ، ويقصدونه من ~~البلاد . وكان فاضلا أديبا شاعرا ، جوادا سمحا . ومولده بالقاهرة لسبع بقين ~~من ذي القعدة - وقيل ذي الحجة - سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة . ولما مات ، ~~توجه الملك العزيز ، ابن أخيه الملك الظاهر ، إلى قلعة البيرة ، فملكها . ~~PageV29P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" وفيها ms6752 توفي الأمير الأجل الطواشي : شمس الدين ~~صواب ، مقدم عسكر الملك العادل . وكانت وفاته بحران ، في العشر الآخر من ~~شهر رمضان . وكان السلطان الملك الكامل قد جعله بها ، وبغيرها ، من تلك ~~البلاد - كما تقدم . وكان أميرا كبيرا في الدولتين : العادلية والكاملية . ~~وكان خادما عاقلا ، دينا شجاعا جوادا . وكان العدل والكامل يعتمدان عليه . ~~وكان له مائة خادم ، تعين جماعة منهم وتأمروا بعد وفاته : منهم بدر الدين ~~الصوابي ، وشبل الدولة : كافور الخزندار بدمشق ، وشمس الدين صواب السهيلي ~~بالكرك ، وغيرهم . وكان شمس الدين صواب العادلي - هذا - إذا حمل في الأعداء ~~يقول : أين أصحاب الحصى . وكان له بر وصدقة ، وفيه إنصاف - رحمه الله تعالى ~~. وفيها توفى الصاحب تاج الدين : أبو اسحاق يوسف بن الصاحب الوزير : صفي ~~الدين أبي محمد عبد الله ، بن القاضي المخلص أبي الحسن علي ، الشيبي ~~المالكي بمدينة حران ، في الحادي عشر من شهر رجب ، ودفن بها ومولده بمصر في ~~شوال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وكان فقيها مالكيا ، درس بمدرسة أبيه ~~بالقاهرة . وناب عن والده في الوزارة بالديار المصرية . وولى الوزارة بعد ~~والده نحو شهرين . ثم صرف واستخدم في التوقيع . ثم ولي نظر الدواوين ~~بالديار المصرية . ثم عزل واعتقل ، ثم أفرج عنه في سادس عشر شعبان ، سنة ~~خمس وعشرين وستمائة . ثم ولي الجزيرة وديار بكر وحران في الدولة الكاملية ~~ومات هناك - رحمه الله تعالى . وفيها توفي شرف الدين ، أبو حفص وأبو القاسم ~~: عمر بن علي بن المرشد بن علي ، الحموي الأصل ، المصري الدار والمولد ~~والوفاة : المعروف بابن الفارض ، الشاعر . له ديوان شعر مشهور . وكانت ~~وفاته بالجامع الأزهر بالقاهرة المعزية ، في يوم الثلاثاء الثاني من جمادى ~~الأولى ، ودفن من الغد بسفح المقطم . ومولده بالقاهرة في الرابع والعشرين ~~من ذي القعدة ، سنة ست وسبعين وخمسمائة . PageV29P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" واستهلت سنة ثلاث وثلاثين وستمائة : في هذه ~~السنة ، حصل بمصر وباء عظيم ، مات فيه خلق كثير . واستمر ثلاثة أشهر . ~~وفيها ، في المحرم ، وصل الملك الناصر داود ، صاحب الكرك ، إلى بغداد . ~~واجتاز في طريقه بالحلة ، وبها الأمير شرف ms6753 الدين ، بن الأمير جمال الدين ~~قشتمر ، زعيم الحلة ومقدم الجيوش ، فتلقاه وأكرمه ، وأقام له الإقامات ~~الوافرة . وعمل له دعوة عظيمة اشتملت على أنواع من المآكل . قال ابن الساعي ~~في تاريخه : بلغت النفقة على تلك الدعوة اثني عشر ألف دينار . ثم قصد بغداد ~~، فوصل إليها في يوم الاثنين سادس عشر المحرم ، فبرز لتلقيه الموكب ، وفيه ~~جميع الحجاب والدعاة ، وفي صدره قطب الدين : أبو عبد الله بن الأقساسي ، - ~~نقيب الطالبيين - وعن يمينه وشماله خادمان من خدم الديوان العزيز . وحين ~~وافى باب النوبي نزل وقبل العتبة . وحضر دار الوزارة ، فأكرم وخلع عليه ~~قباء أطلس ، وشربوش ، وأعطى فرسا بمركب ذهب . وأسكن محلة المقتدى ، بالدار ~~المنسوبة إلى أبي تميم الموسوي ، وأقيمت له الإقامات الوافرة من المخزن ~~المعمور في كل يوم . وأنهى للديوان العزيز ما اعتمده معه عماه من إخراجه من ~~دمشق - وهي مملكه PageV29P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" أبيه - ونقله إلى الكرك . وأقام ببغداد إلى ~~خامس عشرين شعبان . ثم أحضر إلى دار الوزارة ، وخلع عليه قباء أطلس أسود ، ~~وفرجيه مموج ، وعمامة قصب كحلية مذهبة . وأنعم عليه بفرس عربي بمركب ذهب ، ~~وكنبوش ومشدة إبريسم . وأعطى العلم والجفتاوات والكراع والخيام والمفارش ~~والآلات ، وخمسة وعشرين ألف دينار ، وعدة من الخيل وجوز من الثياب الفاخرة ~~. وشرف من معه من أصحابه وأتباعه ومماليكه . وأذن له في التوجه إلى بلده - ~~وذلك بعد الصلح بينه وبين عميه : الكامل والأشرف . وخرج من بغداد في ثالث ~~شهر رمضان - وصحبته الأمير : سعد الدين حسن بن علي - إلى الملك الكامل ، ~~يأمره عن الديوان العزيز بإجابة سؤاله . ذكر ذلك ابن الساعي في تاريخه . ~~وفيها ، توفي الحافظ : أبو الخطاب عمر بن الحسن بن محمد بن دحية الأندلسي ~~البلنسي ، المعروف بذي النسبين . طلب الحديث في أكثر بلاد الأندلس ~~الإسلامية ، ولقي علماءها ومشايخها . ثم رحل إلى بر العدوة ودخل مراكش ~~واجتمع بفضلائها . ثم ارتحل إلى إفريقية ، ومنها إلى الديار المصرية ، ثم ~~إلى الشام والشرق والعراق . ودخل إلى عراق العجم وخراسان ، وما والاها ، ~~ومازندران ، في طلب الحديث والاهتمام بأئمته ، والأخذ عنهم . وهو في ms6754 ذلك ~~يؤخذ عنه ، ويستفاد منه . وقدم مدينة إربل ، في سنة أربع وستمائة ، عند ~~توجهه إلى خراسان . واجتمع PageV29P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" بصاحبها : الملك المعظم بن زين الدين . وكان ~~المعظم عظيم الاحتفال بمولد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فألف له كتابا ~~سماه : التنوير في مولد السراج المنير ، وقرأه عليه فأعطاه ألف دينار . وله ~~عدة تصانيف . ولما عاد إلى الديار المصرية ، ولاه الملك الكامل دار الحديث ~~الكاملية بالقاهرة . ثم عزله منها قبل وفاته ، وولى أخاه محي الدين أبا ~~عمرو . وتوفي أبو عمرو بالقاهرة ، في يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى ، ~~سنة أربع وثلاثين وستمائة . وكان حافظا للغة العرب . وكانت وفاة أبي الخطاب ~~بالقاهرة في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ، ودفن ~~بسفح المقطم . ومولده في مستهل ذي القعدة سنة ست وأربعين وخمسمائة . وفيها ~~، في سلخ شهر ربيع الآخر - توفي الأمير أبو التقي صالح بن الأمير المكرم ~~أبي الطاهر إسماعيل بن أحمد بن الحسن بن اللمطي ، بمنية بني خصيب من صعيد ~~مصر . وصلى عليه على ساحل البحر ، وحمل في مركب وأحدر إلى مصر ، فوصل بعد ~~صلاة العصر مستهل جمادى الأولى ، ودفن بسفح المقطم ، بتربة كان أنشأها ~~لنفسه قبل وفاته بيسير - وقد قارب الستين . سمع ببغداد جماعة كبيرة ~~وبنيسابور وبمرو وهراه وهمدان ودنيسر ودمشق . وجال في البلاد كثيرا ، ودخل ~~ما وراء النهر . ولم يحصل من مسموعاته إلا اليسير - رحمه الله تعالى . ~~وفيها في شهر ربيع الأول ، توفي الأمير فخر الدين أياز البانياسي بخرتبرت ~~من ديار الجزيرة . وحمل إلى القاهرة ، ودفن بتربته التي أنشأها بالقرافة ~~الصغرة ، وأنشأ بجانبها حوض سبيل . وكان قد ولى مصر مدة ، وله غزوات وتقدم ~~في الدولتين العادلية والكاملية . وكان مشهورا في شبيبته بالقوة . وكان ~~محبا لأهل الخير متفقدا لهم - رحمه الله تعالى . وفيها ، توفي خطيب مصر ~~الشيخ الفقيه : أبو الطاهر محمد بن الحسين ابن عبد الرحمن الجابري - من ولد ~~جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه . وهو المشهور بالمحلى ، وهو من ~~أصحاب الشيخين : الشاطبي والقرشي . PageV29P0140 # """""" صفحة رقم ms6755 141 """""" واستهلت سنة أربع وثلاثين وستمائة ذكر وقوع ~~الوحشة بين السلطان الملك الكامل وأخيه الملك الأشرف كان وقوع الوحشة بين ~~الملكين الأخوين في هذه السنة . وسبب ذلك أن الملك الأشرف طلب من أخيه ~~الملك الكامل الرقة ، وقال إن الشرق قد صار للسلطان ، وأنا في كل يوم في ~~خدمته ، فتكون هذه برسم عليق دوابي . وجعل الفلك المسيري واسطة بينه وبين ~~السلطان . فكتب الفلك إلى الملك الكامل بذلك ، فأجابه الملك الكامل بكتاب ~~أغلظ له فيه . وكان الملك الكامل ، لما عاد من بلاد الشرق في سنة ثلاث ~~وثلاثين ، بلغه اتفاق الملوك عليه ، فعجل السير إلى الديار المصرية . فكتب ~~إليه الملك الأشرف يقول : إنك أخذت مني الشرق . وقد افتقرت لهذه البواكير ، ~~ودمشق بستان ليس لي فيها شيء . فبعث إليه عشرة آلاف دينار ، فردها عليه ، ~~وقال : أنا أدفع هذه لأميرين . فغضب الملك الكامل ، وقال : الملك الأشرف ~~يكفيه عن الملك عشرته للمغاني وتعلمه لصناعتهم فاتصل ذلك بالملك الأشرف ، ~~فتنمر له وقال : والله لأعرفنه قدره . وراسل الملوك : بحلب وحماه وبلاد ~~الشرق ، وصاحب الروم ، وقال : قد عرفتم بخل الكامل وطمعه في البلاد . ~~فحلفوا كلهم واتفقوا ، وسيروا رسلهم إلى الملك الكامل يقولون : انهم معه ~~صلحا ، ما أقام بالديار المصرية ولم يخرج إلى الشام لفتح شيء من البلاد . ~~وفاة الملك العزيز صاحب حلب وقيام ولده الملك الناصر وفي سنة أربع وثلاثين ~~وستمائة ، كانت وفاة الملك العزيز غياث الدين محمد ، بن الملك الظاهر غازي ~~، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - صاحب حلب ، بها . ومولده في ~~ذي الحجة سنة تسع أو عشر وستمائة . وملك بعده ولده PageV29P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" الملك الناصر صلاح الدين يوسف . وكان عمره ~~يوم ذاك ست سنين . فقام بتدبير المملكة والدة أبيه ، وهي ابنة الملك العادل ~~. وجعلت الأمير شمس الدين لؤلؤ أتابكه . ثم زوجه السلطان الملك الكامل ~~ابنته عاشورا شقيقة الملك العادل ، في تاسع عشر ذي الحجة من السنة . ~~واستهلت سنة خمس وثلاثين وستمائة وفاة الملك الأشرف وشيء من أخباره وقيام ~~أخيه الملك الصالح إسماعيل وإخراجه من ms6756 الملك في يوم الخميس رابع المحرم ، ~~سنة خمس وثلاثين وستمائة ، توفي الملك الأشرف : مظفر الدين موسى ، بن الملك ~~العادل : سيف الدين أبي بكر محمد ابن أيوب - صاحب دمشق - بها . ودفن ~~بقلعتها ، ثم نقل إلى تربته بالكلاسه ، بجوار الجامع الأموي . ومولده ~~بالقاهرة - وقيل بقلعة الكرك - في سنة ست وسبعين وخمسمائة . وقيل إنه قبل ~~أخيه الملك المعظم بليلة واحدة . وكان - رحمه الله تعالى - عفيفا عن ~~المحارم ، ما خلا بامرأة قط إلا أن تكون زوجته أو جاريته . وحكى أبو المظفر ~~يوسف بن قزوغلي سبط ابن الجوزي عنه ، في كتابه : مرآة الزمان ، من الأوصاف ~~الجميلة ، والمروءة الغريرة ، والكف عن المحارم ، والعفة عنها مع التمكن ~~منها ، ما يرجى له به الخير عند الله تعالى . وكان مما حكاه عنه قال : جلست ~~يوما عنده في منظرة بقلعة خلاط ، يعتب على أخيه الملك المعظم في قضية بلغته ~~عنه ، ثم قال : والله ما مددت عيني إلى حريم أحد : لا ذكر ولا أنثى . ولقد ~~كنت يوما قاعدا في هذه الطيارة ، فدخل الخادم فقال : على الباب امرأة ~~PageV29P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" عجوز ، تذكر أنها من عند بنت شاه أرمن - صاحب ~~خلاط . فأذنت لها ، فدخلت ، ومعها ورقة من عند بنت صاحب خلاط ، تذكر أن ~~الحاجب علي قد أخذ ضيعتها وقصد هلاكها ، وما تتجاسر أن تظهر ، خوفا منه . ~~فكتبت على الورقة بإطلاق القرية ، ونهيت الحاجب عنها . فقالت العجوز : هي ~~تسأل الحضور بين يديك ، فعندها سر ما يمكن ذكره إلا للسلطان فأذنت لها . ~~فتوجهت وعادت بعد ساعة ، ومعها امرأة ما رأيت في الدنيا أحسن من قدها ، ولا ~~أظرف من شكلها ، كأن الشمس تحت نقابها فخدمت ووقفت . فقمت لها وقلت : وأنت ~~في هذا البلد ، وما علمت بك ؟ فسفرت عن وجهها فأضاءت منه المنظرة فقلت : غط ~~وجهك ، وأخبريني بحالك . فقالت : أنا بنت شاه أرمن ، صاحب هذه البلاد . مات ~~أبي ، واستولى بكتمر على الممالك ، وتغيرت الدول ، وكانت لي ضيعة أعيش منها ~~، أخذها الحاجب علي وما أعيش إلا من عمل النقش ، وأنا ساكنة في دار بالأجرة ~~قال : فبكيت ، وأمرت ms6757 الخادم أن يكتب لها توقيعا بالضيعة وبالوصية ، وأمرت ~~لها بقماش من الخزانة ، وأمرت لها بدار تصلح لسكنها ، وقلت باسم الله ، ~~امضي في حفظ الله ودعته . فقالت العجوز : يا خوند ، ما جاءت إلى خدمتك إلا ~~حتى تحظى بك الليلة قال : فلما سمعت كلامها ، وقع الله في قلبي تغير الزمان ~~، وأن يملك خلاط غيري ، وتحتاج بنتي إلى أن تقعد مثل هذه القعدة بين يديه : ~~فقلت : يا عجوز ، معاذ الله والله ما هو من شيمتي ، ولا خلوت بغير محارمي ، ~~فخذيها وانصرفي ، وهي العزيزة الكريمة ومهما كان لها من الحوائج تنفذ إلى ~~هذا الخادم . فقامت ، وهي تبكي ، وتقول - بالأرمنية : صان الله عاقبتك ، ~~كما صنتني . قال : فلما خرجت ، أفتتني نفسي ، وقالت : ففي الحلال مندوحة عن ~~الحرام ، تزوجها . فقلت : يا نفسا خبيثة ، فأين الحيا والكرم والمرؤة والله ~~لا فعلته أبدا . ومما حكاه أبو المظفر - أيضا - قال : كنت عنده بخلاط ، ~~فقدم النظام بن أبي الحديد ، ومعه نعل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~فأخبرته بقدومه ، فأذن بحضوره . فلما جاء ، ومعه النعل ، قام ونزل من ~~الإيوان ، وأخذ النعل فقبله ، ووضعه على عينيه ، وبكى وخلع على النظام ~~PageV29P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" وأعطاه نفقة ، وأجرى عليه جراية ، وقال يكون ~~في الصحبة نتبرك به . ثم عزم على أخذ قطعة من النعل تكون عنده . قال بعد ~~ذلك : فلما عزمت على ذلك بت مفكرا ، وقلت : إن فعلت هذا فعل غيري مثله ، ~~فيتسلسل الحال ويؤدي إلى استئصاله . فرجعت عن هذا الخاطر . وتركته لله ، ~~وقلت : من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه . ثم أقام النظام عندي شهورا ~~ومرض ، وأوصى لي بالنعل ، ومات وأخذته بأسره . ولما اشترى دار قايماز ~~النجمي ، وجعلها دار حديث ، ترك النعل فيها ، ونقل إليها الكتب الثمينة ، ~~وأوقف عليها الأوقاف . وعمر غيرها من الأماكن الشريفة : منها مسجد أبي ~~الدرداء بقلعة دمشق - بناه وزخرفه - وكان غالب إقامته به . والمسجد الذي ~~عند باب النصر ، وجامع العقيبة ومسجدا خارج باب الصغير ومسجد القصب خارج ~~باب السلامة ، وجامع بيت الآبار . ووقف على ذلك الأوقاف الكثيرة . وزاد وقف ~~دار ms6758 الحديث النورية . هذا وتربته بالكلاسة بدمشق ، وتربة والدته بالقرافة ~~بمصر . وبني أيضا ببلاد الشرق وخلاط خانات السبيل . وكان - رحمه الله تعالى ~~- حسن الظن بالفقراء ، يحسن إليهم ويزورهم ويتفقدهم بالمال والأطعمة . وكان ~~في ليالي شهر رمضان لا يغلق باب قلعة دمشق ، ويرسل في الليل جفان الحلو إلى ~~الجامع والزوايا والربط ، ما قرب منه وما بعد . وكان ابتداء مرضه في شهر ~~رجب ، سنة أربع وثلاثين وستمائة ، مرضين مختلفين في الأعالي والأسافل . ~~وكان الحرائحي يخرج العظام من رأسه ، وهو يسبح الله ويحمده ثم اشتد به ~~الذرب ، فلما يئس من نفسه قال لوزيره - جمال الدين بن جرير - : في أي شيء ~~تكفنني ؟ فقال : حاشاك فقال دعني من هذا ، فما بقي في قوة يحملني أكثر من ~~نهار غد ، وتواروني . فقال في الخزانة تصافي . فقال : حاش لله أن أكفن من ~~هذه الخزانة . وقال : لعماد الدين بن موسك أحضر لي الوديعة . فقام ، وعاد ~~وعلى رأسه مئزر صوف أبيض تلوح منه الأنوار ، ففتحه وإذا فيه خرق الفقراء ~~وطواقي الأولياء ، وفيه إزار عتيق ما يساوي خمسة قراطيس . فقال يكون هذا ~~على جسدي أتقى به حر PageV29P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" الوطيس ، فان صاحبه كان من الأبدال وكان ~~حبشيا ، أقام بحبل الرها يزرع قطعة زعفران يتقوت بها ، وكنت أصعد إليه ~~وأزوره ، وأعرض عليه المال فلا يقبله ، فسألته شيئا من أثره أجعله في كفني ~~، فأعطاني هذا الإزار ، وقال قد أحرمت فيه عشرين حجة . وكان آخر كلامه : لا ~~إله إلا الله . ثم مات في التاريخ المذكور . قال أبو المظفر : ولما أحس ~~بوفاته في آخر سنة أربع وثلاثين ، قلت له : استعد للقاء الله فما يضيرك ، ~~قال : لا والله بل ينفعني . ففرق البلاد ، وأعتق مائتي مملوك وجارية . ووقف ~~دار فرخشاه ، التي يقال لها دار السعادة ، وبستان النيرب على ابنته . وأوصى ~~لها بجميع الجواهر . قال أبو المظفر : وحكى لي الفقيه محمد اليوناني ، قال ~~: حكى لي فقير صالح من جبل لبنان ، قال : لما مات الأشرف رايته في المنام ~~وعليه ثياب خضر ، وهو يطير بين السماء والأرض ، مع جماعة من ms6759 الأولياء . ~~فقلت له يا موسى ، إيش تعمل مع هؤلاء ، وانت كنت تفعل في الدنيا وتصنع ؟ ~~فالتفت إلي وتبسم ، وقال : الجسد الذي كان يفعل تلك الأفاعيل تركناه عندكم ~~، والروح التي كانت تحب هؤلاء قد صارت معهم - رحمه الله تعالى . ذكر ملك ~~الملك الصالح عماد الدين إسماعيل - ابن الملك العادل - دمشق ، ووصول الملك ~~الكامل إليها وحصار دمشق وأخذها وتعويض الصالح عنها لما مات الملك الأشرف : ~~مظفر الدين موسى - رحمه الله تعالى - ملك دمشق بعده - بوصية منه - أخوه ~~الملك الصالح : عماد الدين إسماعيل ، الملقب بأبي الخيش وإنما لقب بذلك ، ~~لأنه - فيما حكى عنه - كان يملأ خيشة تبنا ويبيتها في الماء ، ثم يطعنها ~~برمحه فيرفعها عليه . فلقب بذلك . ولما انفصلت أيام عزاء الملك الأشرف ، ~~ركب الملك الصالح إسماعيل بشعار السلطنة ، وترجل الناس في ركابه ، وأسد ~~الدين شيركوه صاحب حمص إلى جانبه ، وحمل الأمير عز الدين أيبك - صاحب صرخد ~~- الغاشية بين يديه . ثم عاد كل منهما PageV29P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" إلى مملكته ، واستقر هو بدمشق . وصادر جماعة ~~من أهلها ، اتهمهم بمكاتبة الملك الكامل : منهم العلم تعاسيف وأولاد مزهر ~~وابن عريف البدري ، واستصفى أموالهم . وأفرج عن الشيخ على الحريري من ~~الاعتقال بقلعة عزتا - وكان الملك الأشرف قد اعتقله بها في سنة ثمان وعشرين ~~وستمائة - فأفرج عنه الآن ، ومنعه من الدخول إلى دمشق . وأما الملك الكامل ~~فإنه لما بلغه وفاة أخيه الملك الأشرف ، سر بذلك سرورا عظيما ، لما كان قد ~~وقع بينهما من الوحشة التي تأكدت أسبابها - وقد تقدم ذكرها . فتجهز بعساكر ~~الديار المصرية وتوجه من قلعة الجبل ، لقصد دمشق ، في ثالث عشرين صفر . ~~ولما اتصل خبره بالملك الصالح حصن دمشق ، وقسم الأبراج على الأمراء ، وغلق ~~أبواب المدينة . وجاء الأمير عز الدين أيبك من صرخد ، وأمر بفتح الأبواب ~~ففتحت . ووصل الملك الكامل بعساكره ، ونزل عند مسجد القدم . ونزل الملك ~~الناصر داود بالمزة ، ونزل مجير الدين وتقي الدين ابنا الملك العادل ~~بالقابون ، وهم في طاعة الملك الكامل . وأحدقت العساكر بدمشق ، وقطع الملك ~~الكامل عنها المياه . ورد ماء بردى إلى ms6760 ثورا . وشدد الحصار ، فغلت الأسعار ~~. وسد الصالح أبواب دمشق ، إلا بابي الفرج والنصر . وتقدم الملك الناصر ~~داود إلى باب توما ، وعمل النقوب فيه . ولم يبق إلا فتح البلد . فأرسل ~~الملك الكامل إليه فخر الدين بن الشيخ ، فرده عنها ، ورحله إلى أرض برزه . ~~وأحرق الصالح إسماعيل قصر حجاج والشاغور ، وأخرب ظاهر دمشق خرابا لم يعهد ~~مثله . واحترق جماعة من سكان هذه الجهات في دورهم ، ومن سلم منهم لم ~~PageV29P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" يبق له ما يرجع إليه إلا الكدية وسؤال الناس ~~. وحكى أن الصالح - أو ابنه - وقف على العقيبة ، وقال للزراقين أحرقوها ، ~~فضربوها بالناس . وكان لرجل من سكانها عشر بنات ، فقال لهن : اخرجن ، فقلن ~~لا والله ، النار ولا العار ، ما نفتضح بين الناس فاحترقت الدار وهم فيها ، ~~فاحترقوا . وجرى من الخراب بظاهر دمشق ما لم يجر مثله قبل ذلك . ثم راسل ~~الملك الصالح أخاه الملك الكامل يقول : بلغني أنك تعطي دمشق للملك الناصر ~~داود وأنت أحق بها ، وان أنت لم تعطني ما أريد ، وإلا ضربت قوارير النفط في ~~أربع جوانب دمشق وأحرقتها ، وأحرقت قلعتها ، وأخربها خرابا لا تعمر بعده ~~أبدا . فعلم الملك الكامل من جرأته أنه يفعل ، فأعطاه ما طلب . ودخل بينهما ~~الشيخ محيي الدين بن الجوزي - رسول الخليفة - وكان بدمشق - فوقع الاتفاق ~~والصلح على أن الملك الكامل أقر بيد أخيه الملك الصالح بصري والسواد ، ~~وأعطاه بعلبك وأعمالها . ولو طلب أكبر من ذلك أعطاه ، خوفا من أن يحرق دمشق ~~. وتسلم الملك الكامل دمشق ، ودخلها في عاشر جمادى الأولى - وقيل في أواخر ~~الشهر المذكور . وأفرج عن الفلك المسيري ، وكان الملك الأشرف قد اعتقله في ~~حبس الحيات . ولما دخل الملك الكامل إلى دار رضوان بقلعة دمشق ، رأى قبر ~~أخيه الأشرف فرفسه برجله وسبه ، وقال انقلوه الساعة . فنقلوه إلى الكلاسة . ~~ولما ملك الملك الكامل دمشق ، عزم على قصد حمص ، لاتفاق صاحبها الملك ~~المجاهد شيركوه ، فيما مضى ، مع الأشرف . فصالحه الملك المجاهد على أن يحمل ~~إلى خزانته ألف درهم ، ودخل عليه بالنساء ، فأجاب الملك إلى ذلك ms6761 . ومات ~~الكامل قبل حمل المال . ذكر وفاة السلطان الملك الكامل كانت وفاته في يوم ~~الأربعاء ، وقيل ليلة الأربعاء - الحادي والعشرين من شهر PageV29P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" رجب ، سنة خمس وثلاثين وستمائة ، بقلعة دمشق ~~بقاعة الفضة . ومولده بالقاهرة في ذي الحجة ، سنة خمس وسبعين وخمسمائة . ~~وكان أسن أولاد الملك العادل . وكانت مدة عمره تسعا وخمسين سنة وسبعة أشهر ~~- تقريبا . ومدة ملكه - بعد وفاة والده الملك العادل عشرين سنة ، وشهرين ~~وستة عشر يوما . وملك دمشق واحدا وسبعين يوما . ومنذ خطب له بولاية العهد ، ~~ثمانيا وثلاثين سنة وتسعة أشهر ، وستة عشر يوما . ودفن بالقلعة . ثم نقل ~~إلى تربته بجوار الجامع الأموي بدمشق . وكان مدة مرضه نيفا وعشرين يوما ، ~~بالإسهال والسعال ونزلة في حلقه ، ونقرس في رجله . وأظهروا موته يوم الجمعة ~~. ولم يظهروا الحزن عليه بدمشق . حكى عن خادمه الذي كان يعلله في مرضه ، ~~قال : طلب مني الملك الكامل الطشت لسقيا ، فأحضرته له . وكان الناصر داود ~~على الباب يطلب الإذن . فقلت له : داود على الباب . فقال : ينتظر موتي ~~وانزعج . فخرجت إليه ، وقلت له : ليس هذا وقت عبورك ، فإن السلطان منزعج . ~~فتوجه إلى دار أسامة - وكان قد نزل بها . ودخلت إلى السلطان ، فوجدته قد ~~قضى ، والطشت بين يديه ، وهو مكبوب على المخدة . وكان ملكا حازما ، ضابطا ~~لأموره . متطلعا لجمع المال ، يباشر الحمول التي تصل إليه بنفسه ويكتبها ~~بخطه في دفتر له ، ويحاقق المستخدمين فيما يطلع عليه . وجمع مالا عظيما ، ~~حتى يقال إنه خلف ألف إردب ذهب . وهذا ما لم يسمع بمثله . وأراه - والله ~~أعلم - من التغالي . وكان يجلس في مجلس خاص في كل ليلة جمعة ، يجتمع فيه ~~الفقهاء والأدباء والشعراء وغيرهم . وله في بقية الجمعة ليال ، يختلى فيها ~~مع ندمائه على الشراب وسماع PageV29P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" القيان . وكان حسن الإعتقاد في السنة . وكان ~~جهوري الصوت ، وله هيبة عظيمة في قلوب الرعايا والخواص . وعمر قاعة بقلعة ~~الجبل ، يجلس فيها مع الفقهاء والصالحين في شهر رمضان ، سماها قاعة رمضان . ~~وهي الآن من جملة الخزائن السلطانية . ذكر ما اتفق ms6762 بدمشق بعد وفاة السلطان ~~الملك الكامل في هذه السنة لما توفي الملك الكامل اجتمع الأمراء ، وهم : ~~سيف الدين علي بن قليج ، وعز الدين أيبك ، وركن الدين الهيجاوي ، وعماد ~~الدين ، وفخر الدين : ابنا شيخ الشيوخ ، وتشاوروا في أمر دمشق ، وانفصلوا ~~عن غير شيء . وكان الملك الناصر داود بدار أسامة ، فأتاه الركن الهيجاوي ~~ليلا ، وبين له وجه الصواب . وأرسل إليه أيبك المعظمي يقول له : أخرج المال ~~، وفرقه في مماليك أبيك والعوام ، فهم معك ، وتملك البلد ، ويبقى هؤلاء ~~بالقلعة محصورين . فلم يتفق ذلك . ثم اجتمع هؤلاء الأمراء بالقلعة في يوم ~~الجمعة ، وذكروا الملك الناصر داود ، والملك الجواد مظفر الدين : يونس بن ~~مودود بن الملك العادل . وكان فخر الدين بن الشيخ يميل إلى الملك الناصر ، ~~وعماد الدين يكرهه فأشار عماد الدين بالملك الجواد ، ووافقه الأمراء ، ~~وقالوا لفخر الدين بن الشيخ : ما تقول فيه ؟ فقد اتفق الأمراء عليه . فقال ~~: المصلحة أن نولي بعض الخدام نائبا عن الملك العادل : ابن أستاذنا الملك ~~الكامل ، فمتى شاء عزله وإن رضي أبقاه ، ولا تولوا من بيت الملك فيتعذر ~~عزله ويستقل بالملك . وبلغ ذلك الملك الجواد فجاء إليه ، وتحدث معه ، وذكر ~~له سالف صحبة ومودة ، وترفق له ووعده أن يعطيه إقطاع مائة وخمسين فارسا ، ~~وعشرة آلاف دينار . فقال : والله لا وافقت إلا على ما فيه مصلحة لابن ~~أستاذي . فلما يئس منه ، فرق ضياع الشام على الأمراء وخلع عليهم ، وأعطاهم ~~ما في الخزائن - وكان بها تسعمائة ألف دينار . وتوجه فخر الدين بن الشيخ ~~إلى الديار المصرية ، ومعه جماعة من الأمراء ، بعد أن تردد إلى الملك ~~الناصر مرارا ، وهو بالقابون . واستقر أمر الملك الجواد في يوم الجمعة . ~~وأرسل الأمراء الأمير ركن الدين الهيجاوي إلى الملك الناصر داود - وهو في ~~دار أسامة - فأمره بالخروج إلى مملكته بالكرك . فقام وركب ، وقد اجتمع ~~الناس من باب داره إلى القلعة ، وهم لا يشكون أنه PageV29P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" يطلع إلى القلعة . فتوجه ، وخرج من باب الفرج ~~، وصاحت العامة واستغاثوا ، محبة له ورغبة فيه . وتوجه إلى القابون . وأما ms6763 ~~الملك الجواد فانه فرق الأموال وخلع الخلع ، فيقال إنه خلع خمسة آلاف خلعة ~~، غير الأموال . وأبطل الخمور والمكوس ، ونفى الخواطي . وأقام الملك الناصر ~~بالقابون أياما ، وعزموا على القبض عليه ، فرحل ، وبات بقصر عفرا . وركب ~~خلفه أيبك الأشرفي ليمسكه ، فبعث إليه عماد الدين بن موسك في السر فعرفه ، ~~فسار في الليل إلى عجلون وعاد أيبك إلى دمشق . ذكر ما وقع بين الملكين : ~~الناصر والجواد وهرب الناصر إلى الكرك قال : ولما توجه الملك الناصر إلى ~~عجلون ، سار منها إلى غزة . واستولى على الساحل بموافقة عسكره ، ومقدمهم . ~~الأمير مجد الدين عمر - أخو الفقيه عيسى الهكاري - ووصلت غاراته إلى ~~الورادة وخرب برج الحمام بها . فخرج إليه الملك الجواد في عسكر مصر والشام ~~، وأمر الأمراء الأشرفية بمكاتبة الناصر وإطماعه في الملك ، ففعلوا ذلك . ~~فاغتر بكتبهم واطمأن إليهم ، وركب من غزة في سبعمائة فارس ، وقصد نابلس ~~باثقاله وخزائنه وأمواله - وكانت على سبعمائة جمل - وضرب دهليزه على سبسطيه ~~، وترك عساكره مقطعة خلفه . PageV29P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" والملك الجواد على جينين فركب بعسكره وأحاط ~~به . فركب الناصر في نفر يسير ، وساق نحو نابلس ، واستمرت به الهزيمة إلى ~~قلعة الكرك لا يلوى على شيء . واستولى الملك الجواد على خزائنه وذخائره ، ~~وخيوله وخيامه وأثقاله - وكان فيها ما لا يحصى قيمته . وكانت هذه الواقعة ~~في رابع عشرين ذي الحجة من السنة . قال أبو المظفر : وبلغني أن عماد الدين ~~بن الشيخ وقع بسفط صغير ، فيه اثنا عشر قطعة من الجوهر ، وفصوص ليس لها ~~قيمة ، فدخل على الجواد وطلبه منه ، فأعطاه إياه . قال : وهذه الأموال - ~~التي كانت على جمال الملك الناصر - هي التي جهز بها الملك المعظم ابنته دار ~~مرشد ، لما زوجها بالسلطان : جلال الدين خوارزم شاه - أخذها الناصر منها ~~ظنا منه أنه يعوضها إذا فتح البلاد ، فكان الأمر بخلاف ما ظن . وكان نصحاؤه ~~أشاروا عليه - وهو بغزة أنه يبعث بالأموال والأثقال إلى الكرك ، على عقبة ~~الزويره ، ويجمع عسكره ويتوجه إليهم جريدة . فاغتر بمكاتبة الأشرفية . وجهز ~~الملك الجواد الطلعات والصناجق إلى الديار المصرية ، فوصلت ms6764 في سادس وعشرين ~~الشهر . وعاد إلى دمشق بالظفر والغنيمة . هذا ما كان بدمشق ، فلنذكر أخبار ~~الملك الصالح نجم الدين أيوب ، ببلاد الشرق . ذكر أخبار الملك الصالح نجم ~~الدين أيوب ببلاد الشرق في هذه السنة كان الملك الصالح نجم الدين قد استخدم ~~الخوارزمية ، الذين سلموا من أصحاب PageV29P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" السلطان جلال الدين خوارزم شاه ، في سنة أربع ~~وثلاثين وستمائة . وكانوا - قبل ذلك - خدموا صاحب الروم السلطان : علاء ~~الدين . كيقباذ ، ففارقوه . واستخدمهم الملك الصالح ، واستعان بهم ، ~~فخالفوا عليه في سنة خمس وثلاثين . وأرادوا القبض عليه - وكان على الفرات - ~~فهرب إلى سنجار ، وكان قد ملكها واستولى عليها بعد وفاة عمه الملك الأشرف . ~~وترك خزانته وأثقاله ، فنهبوا ذلك بجملته . ولما صار بسنجار ، وعلم الملك ~~الرحيم : بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل - مخالفة الخوارزمية ، قصده وحصره ~~بسنجار ، في ذي القعدة . فأرسل الملك الصالح إليه يسأله الصلح . فقال : لا ~~بد من حمله إلى بغداد في قفص وكان بدر الدين لؤلؤ وملوك الشرق يكرهون ~~مجاورة الملك الصالح ، وينسبونه إلى الكبر والظلم . فبعث الملك الصالح ~~القاضي بدر الدين - أبا المحاسن يوسف - قاضي سنجار إلى الخوارزمية ، فتحيل ~~في الخروج من سنجار ، بأن حلق لحيته وتدلى من السور بحبل ، وتوجه إليهم . ~~وشرط لهم كل ما أراداوا . فساقوا جرايد من حران ، وكبسوا بدر الدين لؤلؤ ~~وعسكر الموصل بسنجار . فهرب منهم على فرس ، وترك خزائنه وأثقاله وخيوله . ~~فنهبت الخوارزمية جميع ذلك ، واقتسموه . فصلحت به أحوالهم واستغنوا . هذا ~~ما كان من أخبار دمشق والشام ، وأخبار الملك الصالح بالشرك بعد وفاة والده ~~: الملك الكامل ، في سنة خمس وثلاثين . فلنذكر أخبار الملك العادل . ذكر ~~أخبار السلطان الملك العادل [ الصغير ] هو سيف الدين : أبو بكر ، بن ~~السلطان الملك الكامل : ناصر الدين أبي المعالي محمد ، بن السلطان الملك ~~العادل : سيف الدين أبي بكر محمد ، ابن أيوب . وهو السابع من ملوك الدولة ~~الأيوبية ، بالديار المصرية . PageV29P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" استقر في الملك بعد وفاة والده : السلطان ~~الملك الكامل . وذلك أنه لما مات والده بدمشق ، كان هو ينوب عنه بالديار ms6765 ~~المصرية . فاجتمع الأمراء الذين كانوا بدمشق ، في خدمة السلطان الملك ~~الكامل ، الأمير سيف الدين علي بن قليج ، والأمير عماد الدين ، وفخر الدين ~~: ابنا الشيخ ، وغيرهم من أكابر الأمراء ، في قاعة المسرة بقلعة دمشق ، ~~وحلفوا للملك العادل هذا ، واستحلفوا له جميع العساكر المصرية والشامية . ~~وذلك في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر رجب ، سنة خمس وثلاثين وستمائة ~~. ورتبوا الملك الجواد : مظفر الدين يونس بن مودود - ابن عمه - في نيابة ~~السلطنة بدمشق ، كما تقدم . وطالعوا السلطان الملك العادل بالخبر . فخطب ~~للملك العادل بالديار المصرية ، في سابع شعبان من السنة ، وأعلن بوفاة ~~الملك الكامل . فقال القاضي برهان الدين بن الفقيه نصر : قل للذي خاف من ~~مصر ، وقد أمنت . . . ماذا تألمه منها وخيفته إن كان قد مات عن مصر محمدها ~~. . . فقد أقيم أبو بكر خليفته قال : ولما استقر في الملك ، وضع المكوس ، ~~وزاد الأجناد ، ووسع على الناس في أرزاقهم . ورضي ما قرره الأمراء من ~~استنابة الملك الجواد بدمشق ، وأرسل إليه الخلع والصنجق . فركب بذلك في يوم ~~الأحد تاسع عشرين شهر رمضان من السنة . ووصلت العساكر المصرية التي كانت مع ~~الملك الكامل بالشام - وكان ابتداء وصولهم في ثاني عشر شعبان ، وكملوا في ~~مستهل شهر رمضان من السنة - وتأخر منهم من جرد مع الملك الجواد . فأكرمهم ~~الملك العادل وخلع عليهم ، وزاد في أرزاقهم . ثم عاد من تأخر منهم إلى ~~الديار المصرية ، بعد هرب الملك الناصر داود من سبسطية - كما تقدم . وكان ~~وصولهم في ثامن المحرم سنة ست وثلاثين وستمائة . وفي سابع عشرين شوال ، من ~~سنة خمس وثلاثين ، وصل الشيخ محيي الدين يوسف بن أبي الفرج الجوزي ، برسالة ~~الخليفة بالتعزية للملك العادل بأبيه ، والتهنئة له بالملك . واستحلفه ~~للخليفة ، في ثاني ذي القعدة منها . PageV29P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" ذكر ما وقع في هذه السنة من الحوادث - خلاف ~~ما تقدم - في هذه السنة ، في ليلة الإثنين سادس جمادى الآخرة ، أمر السلطان ~~الملك الكامل أن لا يصلى بالمسجد الجامع بدمشق صلاة المغرب إلا خلف إمام ~~واحد : وهو خطيب الجامع الشافعي . وأبطل ms6766 من عداه من الأئمة المالكية ~~والحنفية والحنابلة ، في صلاة المغرب خاصة ، لانحصارها في وقت واحد ، ~~واشتباه الحال على المأمومين وفيها قصد الملك المنصور : عمر بن علي بن رسول ~~- متملك اليمن - مكة . فلما بلغ الأمير أسد الدين جغريل الخبر ، خرج من مكة ~~بمن معه من العسكر إلى الديار المصرية ، في سابع شهر رجب ، ووصلوا إلى ~~القاهرة متفرقين ، في العشر الأوسط من شعبان . ودخل صاحب اليمن مكة في تاسع ~~شهر رجب . وفيها ولي الشريف : شمس الدين الأرموي الشافعي - قاضي العسكر - ~~نقابة الأشراف بالديار المصرية - وذلك في يوم الأربعاء سلخ ذي القعدة . ~~وقريء تقليده بجامع مصر ، وحضر قراءته الأمير جمال الدين بن يغمور ، وفلك ~~الدين المسيري ، وابن النجيلي . وفيها في شعبان ، ولي الشيخ كمال الدين : ~~عمر بن أحمد بن عبد الله ابن طلحة النصيبي - الخطابة ، بعد وفاة عمه ~~الدولعي - وكانت وفاته في رابع عشر جمادى الأولى ، ودفن بالمدرسة التي ~~أنشأها بجيرون . وكان له أخ جاهل فولى الخطابة ، ثم عزل . فوليها الشيخ ~~كمال الدين . PageV29P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" وفيها كانت وفاة قاضي القضاة : شمس الدين أبو ~~البركات - يحيى بن هبة الله - بن الحسن ، المعروف بابن سني الدولة ، في يوم ~~الأحد سادس ذي القعدة ، ودفن بقاسيون . وكان فقيها إماما فاضلا عفيفا - ~~رحمه الله تعالى . وولى القضاء بعده قاضي القضاه : شمس الدين أحمد بن ~~الخليل الخويي في ذي القعدة ، استقلالا وعدل جماعة كبيرة من أهل دمشق وهو ~~أول قاض رتب مراكز الشهود بدمشق وكان قبل ذلك مورقون يورقون المكتوب ، ~~ويتوجه أربابه إلى بيوت العدول فيشهدونهم . وفيها توفي الأمير صارم الدين ~~خطلبا التبنيني ، في يوم الاثنين ثالث شعبان ، ودفن بتربته التي أنشأها ~~بقاسيون . وكان دينا صالحا عاقلا . أقام في الثغور مدة سنين ، يجاهد العدو ~~. وكان كثير الصدقة دائم المعروف ، طاهر اللسان ، رحمه الله تعالى . ~~واستهلت سنة ست وثلاثين وستمائة ذكر القبض على الصاحب صفي الدين مرزوق ~~ومصادرته واعتقاله في هذه السن - في أولها - قبض الملك الجواد على الصاحب ~~صفي الدين بن مرزوق ، وصادره ، وأخذ منه أربعمائة ألف دينار ms6767 . وكان سبب ذلك ~~أنه كان بينه وبين الملك المجاهد - أسد الدين صاحب حمص - عداوة مستحكمة ، ~~لما استوزره الملك الأشرف . وكان الملك الجواد لا يخرج عن رأي الملك ~~المجاهد ، فحسن الملك المجاهد للملك الجواد القبض عليه . وكان ابن مرزوق قد ~~استشعر ذلك ، فعمد إلى تابوت وضع فيه جواهر ولآليء ، وأظهر أن إحدى سراريه ~~قد ماتت وهي عزيزة عنده ، وأنه يريد دفنها في داره المجاورة للمدرسة ~~النورية ، بالقرب من الخواصين - وهي التي تعرف الآن بالنجيبية الشافعية - ~~وعمل في القبة أزجا ، ثم أخرج التابوت على أعناق غلمانه وخدامه إلى الجامع ~~، وحضر الناس للصلاة على الميتة ، بزعمهم ، وعمل العزاء وتردد القراء إلى ~~التربة أياما . ثم قبض على مرزوق بعد أيام قلائل ، وأخذ جميع موجوده ، وحبس ~~بقلعة دمشق . PageV29P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" فاتفق أن خادمه الكبير ضرب خادما صغيرا ، ~~فجاء الخادم ، وسأل الاجتماع بالملك الجواد . واجتمع به وأخبره بالواقعة . ~~فأرسل القاضي والشهود وأمير جاندار وأستاذ الدار ، فتوجهوا وفتحوا التربة ، ~~وأحضروا التابوت بحاله . وكشف بين يدي الجواد وصاحب حمص ، فوجد فيه من ~~الجواهر ما قوم بمائتي ألف دينار وستين ألف دينار . وكانوا - قبل ذلك بأيام ~~- قد طولب ابن مرزوق بمال يحمله ، فحلف برأس الملك الجواد أنه لا يملك شيئا ~~. فلما وجد هذا التابوت ، سلمه الجواد للملك المجاهد ، فاعتقله بقلعة حمص . ~~فأقام سنين لا يرى الضوء ، وقيل أنه حبس اثنتي عشرة سنة . وأظهر أسد الدين ~~موته ، وكتب بينه وبينه مبارأة . ذكر خروج دمشق عن الملك العادل وتسليمها ~~لأخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب كان سبب ذلك أن السلطان الملك العادل - ~~لما حضر الأمير عماد الدين عمر بن شيخ الشيوخ من الشام إلى الديار المصرية ~~- أنكر عليه ، ولامه وتهدده لكونه سلم دمشق للملك الجواد . فقال : أنا ~~أتوجه إلى دمشق وأنزل بالقلعة ، وأبعث الملك الجواد إلى السلطان . وان ~~امتنع ، أقمت نائبا عن السلطان عوضه . وتوجه من القاهرة في شهر ربيع الأول ~~، وقرر أن يقطع الملك الجواد ثغر الإسكندرية . ولما عزم على المسي ، أشار ~~عليه أخوه فخر الدين أن لا يتوجه ms6768 إلى دمشق ، وقال أخاف عليك من ابن ممدود - ~~يعني الجواد . فقال أنا ملكته دمشق ، ولا يخالفني فقال : أنت فارقته وهو ~~أمير ، وتعود إليه وقد صار سلطانا ، فتطلب منه تسليم دمشق ، وتعوضه ~~الإسكندرية ، ويقيم عندكم ، فكيف يطيب له هذا ؟ أو تسمح نفسه بمفارقة الملك ~~؟ فأما إذا أبيت إلا التوجه ، فانزل على طبرية وكاتبه . فإن أجاب ، وإلا ~~تقيم مكانك وتكتب إلى الملك العادل . فلم يرجع إلى رأيه ، وتوجه إلى دمشق . ~~وخرج الجواد إليه ، وتلقاه بالمصلى ، وأنزله بالقلعة في قاعة المسرة . ~~وأرسل إليه الملك الجواد الخلع والأموال والأقمشة والخيل ، ففرق عماد الدين ~~الخلع على أصحاب . وجاء الملك المجاهد أسد الدين - صاحب حمص - إلى دمشق . ~~قال : ولما قال الأمير عماد الدين للملك الجواد أن يتوجه إلى الديار ~~المصرية ، PageV29P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" ويأخذ ثغر الإسكندرية - غضب ، ورسم عليه في ~~الدار ، ومنعه من الركوب . ثم جاء إليه وقال : إذا أخذتم دمشق مني ، ~~وأعطيتموني الإسكندرية ، لا بد لك من نائب بدمشق ، فاجعلوني ذلك النائب . ~~ومتى لم تفعلوا هذا ، فقد كاتبت الملك الصالح نجم الدين أيوب ، فأسلم إليه ~~دمشق ، وأتعوض عنها سنجار . فقال له ابن الشيخ : إذا فعلت هذا ، اصطلح ~~السلطان الملك العادل والملك الصالح ، ولا تحصل أنت على شيء ألبتة . ففارقه ~~الجود وخرج مغضبا ، وحكى ما جرى بينه وبين ابن الشيخ للملك المجاهد . فقال ~~: والله إن اتفق الصالح والعادل لا تركا بيد أحد منا شيئا ، وسلبانا ملكنا ~~وما بأيدينا ، حتى نحتاج إلى الكدية في المخالي . ثم جاء صاحب حمص إلى ابن ~~الشيخ ، وقال له : المصلحة أن تكتب إلى الملك العادل ، وتشير عليه بالرجوع ~~عن هذا الرأي : يعني إخراج الملك بالرجوع عن هذا الرأي . يعني إخراج الملك ~~الجواد من دمشق . فقال : حتى أتوجه إلى برزه ، وأصلي صلاة الاستخارة . فقال ~~له أسد الدين : كأنك تريد أن تتوجه إلى برزة ، وتهرب منها إلى بعلبك . فغضب ~~عماد الدين وانفصلا على هذه الحال . واتفق الجواد وصاحب حمص على قتل عماد ~~الدين . وتوجه أسد الدين إلى حمص . وكان عماد الدين قد مرض ، وأبل ms6769 . فلما ~~كان في يوم الثلاثاء ، السادس والعشرين من جمادى الأولى ، بعث الجواد إلى ~~الأمير عماد الدين يقول له : إن شئت أن تركب وتتنزه فاركب إلى ظاهر البلد . ~~فظن أن ذلك بوادر الرضا . ولبس فرجية كان الجواد قد بعث بها إليه ، وقدموا ~~له حصانا كان سيره إليه أيضا ، فلما خرج من باب الدار إذا هو بنصراني من ~~نصارى قارا قد وقف وبيده قصبة وهو يستغيث ، فأراد الحاجب أن يأخذ القصبة ~~منه ، فقال : لي مع الصاحب شغل . فقال عماد الدين : دعوه . PageV29P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" فتقدم إليه ، وناوله القصبة . فلما تناولها ، ~~ضربه النصراني بسكين في خاصرته وجاء آخر وضربه بسكين على ظهره ، فمات وأعيد ~~إلى الدار ميتا واحتاط الجواد على جميع موجوده ، وكتب محضرا أنه ما مالأ ~~على قتله . وقصد استخدام مماليكه ، فامتنعوا وقالوا له : أنت تدعي أنك ما ~~قتلته ، وهذا له إخوة وورثة ، فبأي طريق تأخذ ماله ؟ فاعتقلهم . وجهز عماد ~~الدين ، ودفن بقاسيون في زاوية الشيخ سعد الدين . وكان مولده في يوم ~~الاثنين سادس عشر شعبان ، سنة إحدى وثمانين وخمسمائة - رحمه الله تعالى . ~~ولما قتل عماد الدين ، علم الجواد أنه إن دخل الديار المصرية وسلم من القتل ~~، صار ضميمة . واتفق وصول رسول الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى الملك ~~الجواد ، وهو يبذل له أن يكون له سنجار والخابور ونصيبين والرقه ، ويسلم ~~دمشق للملك الصالح . فأذعن إلى ذلك ، لعلمه أن دمشق لا تبقى له . وقيل إن ~~الملك الجواد هو الذي كتب إلى الملك الصالح ، والتمس منه ذلك ، فأجاب الملك ~~الصالح إليه . ورتب ولده : الملك المعظم غياث الدين تورانشاه في بلاد الشرق ~~، وجعل مقامه بحصن كيفا . ورتب النواب آمد ، وأقطع الخوارزمية حران والرها ~~والرقة وبلاد الجزيرة وسار إلى دمشق ، فوصل إليها يوم الأحد مستهل جمادى ~~الآخرة ، سنة ست وثلاثين وستمائة . وحلم الجواد الغاشية بين يديه من تحت ~~القلعة ، وحملها الملك المظفر صاحب حماه - من باب الحديد . وتسلم الملك ~~الصالح القلعة ، وخرج الجواد منها في تاسع الشهر ، وترك دار فروخشاه . ~~واستوزر الملك الصالح جمال الدين ms6770 بن جرير . ثم توجه الملك الصالح في شهر ~~رمضان إلى نابلس ، وكان ما نذكره . ذكر أخبار الملك الجواد ، وما كان من ~~أمره بعد تسليم دمشق قال المؤرخ : لما قدم الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى ~~دمشق ، رتب له الملك الجواد الضيافات كل يوم ، في قاعة من قاعات دمشق ، ~~ورتب في كل قاعة ما تحتاج إليه من الفرش والآلات وأواني الفضة ، وغير ذلك . ~~وكان إذا حضر إلى قاعة سلمها إليه بجميع ما فيا ، ثم ينتقل إلى قاعة أخرى ، ~~وكان آخر الضيافة في قاعة المسرة . ثم خرج PageV29P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" الملك الجواد ، وركب والعسكر في خدمته ، فقال ~~لهم : سلطانكم الملك الصالح . فحلف الصالح العساكر في تلك الساعة ، إلا ~~الأمير سيف الدين على ابن قليج ، فإن الصالح قبض عليه . فعظم ذلك على ~~النواب ، ولامه أصحابه على ما فعل من تسليم السلطنة للملك الصالح . فأراد ~~نقض ما أبرمه ، والقبض على الملك الصالح . فاستدعى المقدمين والجند ~~واستحلفهم ، وجمع الصالح أصحابه عنده في القلعة ، وأراد أن يحرق دار فرخشاه ~~. فدخل جمال الدين بن جرير بينهما ، وأصلح الأمر . وخرج الجواد إلى النيرب ~~، واجتمع الناس على باب القصر يدعون عليه ويسبونه في وجهه - وكان قد أساء ~~السيرة فيهم ، وسلط عليهم خادما لبنت كرجي يقال له الناصح ، فأخذ أموالهم ~~وصادرهم ، وعلقهم وضربهم ، فيقال إنه أخذ منهم ستمائة ألف درهم . وأرسل ~~الملك الصالح إلى الجواد يأمره أن يعطى الناس أموالهم ، فلم يصغ إلى قوله ، ~~ولا أجابه عن ذلك بجواب . وتوجه إلى بلاد الشرق . فلما وصل إلى ضمير رأى ~~بدويا فاستراب منه ، فقبض عليه ، فوجد معه كتبا من الملك الصالح إلى ~~الخوارزمية - وكانوا على حمص - يحسن لهم القبض على الملك الجواد ، وأخذ ما ~~معه ، وأن يسيروه إليه . فعند ذلك أخذ على طريق السماوة وعرج عن حمص ، وسار ~~إلى عانة ، فدخلها وأقام بها . فبلغه أن صاحب الموصل يحاصر سنجار - وبها ~~أيدمر مملوك الجواد - فسار إليه في مائتي فارس . ولما قرب منها رسم أن يضرب ~~في كل ناحية طبل باز وفرق من معه ms6771 فرقا ، وجعل كل فرقة طبلخاناه ومشاعل ، ~~وأمرهم أن يضربوا طبلخاناتهم جملة PageV29P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" واحدة وسار إلى سنجار ليلا على هذه الصفة ، ~~فظن صاحب الموصل أن معه عسكرا ، فارتحل عن سنجار في ليلته ، ودخلها الملك ~~الجواد بكرة النهار ، وأقام بها سنة . وحاصره الخوارزمية ، وعادوا عنه ~~وترددت الرسائل بينه وبين صاحب الموصل في المصاهرة بينهما . وقصد الجواد أن ~~يتصل بابنة صاحب الموصل ، ليكون عضدا له . فعقد عقد النكاح بالموصل ، وكان ~~وكيل الجواد زريق مملوكة . ثم سأله صاحب الموصل الاجتماع ، وسري ولده رهينة ~~. فوافق الجواد على ذلك وتوجه إلى عانة . هذا ، وصاحب الموصل قد أفسد أهل ~~سنجار . ولما سار الجواد من سنجار ، جاء صاحب الموصل إليها فدخلها من غير ~~ممانع - وذلك في سنة سبع وثلاثين وستمائة . فسار الجواد إلى بغداد ، ~~واستنصر بالخليفة . وأقام ببغداد ستة أشهر . فوصله الخليفة بأربعة آلاف ~~دينار ، وأمره بالخروج عن بغداد . فسار إلى عانه وأقام ها ، ثم اشتراها ~~الخليفة منه بمائة وعشرين ألف درهم . فقبض الجواد المال وسلمها - وهي جزيرة ~~في وسط الفرات . وسار الجواد بعد تسليمها إلى حران ، وهي بيد الخوارزمية ، ~~فأقام عندهم سنة . وسار إلى حلب معهم وقاتل أهلها ، ثم عاد معهم إلى حران . ~~فاستدعاه الملك الصالح نجم الدين - بعد أن ملك الديار المصرية - فسار ومر ~~على قرقيسيا ، واجتاز بالرحبة بالبرية ، وأقام عند ابن صدقه أياما . وسار ~~في البرة إلى الشوبك ، وسير مملوكه زريق إلى الصالح في البرية . فعظم ذلك ~~على الصالح ، وأنكر كونه حضر من البرية . ووصل الجواد إلى العباسة ، فأرسل ~~إليه الملك الصالح الطواشي دينارا وأمره برده ، وأن يعود إلى الشوبك ، ولا ~~يدخل مصر . فسار على طريق الرمل يريد الساحل ، ووصل إلى رفح . فندب الملك ~~الصالح كمال الدين بن الشيخ للقبض عليه . فعلم بذلك فتوجه إلى الملك الناصر ~~داود - وكان إذ ذاك بالقدس - وتحالفا على قتال الصالح ، وذلك في سنة تسع ~~وثلاثين وستمائة . فاستبشر الناصر بقدومه ، وجرد العساكر معه . وجاء كمال ~~الدين بن PageV29P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" الشيخ ، والتقوا على مكان يقال له بيت قوريك ms6772 ~~- وهي قرية من قرى نابلس - بالقرب منها ، فيما بينها وبين الغور من جهة ~~أريحا ، فكسره الجواد وأسره . وأحضره إلى عند الملك الناصر داود ، فوبخ ~~الناصر كمال الدين . وأقام الجواد عند الناصر فتخيل منه وقبض عليه بعد أيام ~~، وأراد قتله ، لما كان بينهما من الذحول القديمة . ثم سيره إلى بغداد في ~~البرية تحت الاحتياط ، فنزل قريبا من الأزرق ، فعرفه جماعة من العرب ~~فأطلقوه . فتوجه إلى عمه الملك الصالح إسماعيل - صاحب دمشق - فلم يمكنه من ~~الدخول إليها ، وبعث إليه بالنفقات . وجرد معه خمسمائة فارس ، وكتب إليه ~~بالمسير إلى الساحل والاجتماع بملوك الفرنج ومقدم الديوية . فتوجه إليهم ~~واجتمع بهم بقيسارية - وكانت أمه فرنجية - فمالوا إليه . فبلغ ذلك الملك ~~الصالح نجم الدين ، فكتب إليه يعده بمواعيد جميلة ، وطلب منه أن يستميل ~~الفرنج إلى طاعته ، ويعدهم عنه بجميع ما يختارونه . ففعل الجواد ذلك ، ~~واستمالهم ، وكتب إليه أن يسير رسوله إليهم . ففعل الملك الصالح ذلك ، ~~وأرسل رسوله إلى الفرنج ، واستحلف الملك الجواد ومقدم الديوية وأكابر ~~الفرنج . فلما وثق الصالح بذلك ، سير الأمير ركن الدين الهيجاوي . إلى غزة ~~بعسكر ، وكتب إلى الجواد أن يرحل وينزل عند الهيجاوي ، ويتفق معه على الصلح ~~. ففعل الجواد ذلك . ثم كتب الملك الصالح إلى الهيجاوي يأمره بالقبض على ~~الملك الجواد ، وإرساله إليه . فأخبره الهيجاوي بذلك . فاتفقا على مفارقة ~~الملك الصالح أيوب . فتوجه الجواد إلى عكا ، والتجأ إلى الفرنج . وتوجه ~~الركن الهيجاوي إلى دمشق ، والتحق بصاحبها الملك الصالح إسماعيل وأقام عنده ~~. ولم يخدمه ، بل كان يتردد إليه فيكرمه ويستشيره في أموره . ثم كتب الملك ~~الصالح إسماعيل إلى الملك الجواد يعنفه . على لحاقه بالفرنج وطلبه إليه ثم ~~أرسل إلى الفرنج وطلب منهم المعاضدة على صاحب مصر ، ووعدهم أنه إذا ملك مصر ~~أعطاهم البلاد الساحلية ، وجميع فتوح الملك الناصر صلاح الدين يوسف . ~~فاستشاروا الجواد في ذلك ، فكتب إليهم يحذرهم من الملك الصالح إسماعيل ، ~~PageV29P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" وينهاهم عن موافقته . فوقع بخطه للملك الصالح ~~إسماعيل ، فقبض عليه بمنزلة العوجاء ، وسيره إلى دمشق ، واعتقله بعربا . ~~فمات في ms6773 شوال سنة إحدى وأربعين وستمائة . وطلبه الفرنج وشددوا في طلبه ، ~~فأظهر أنه مات . وأهله يقولون إنه خنقه . والله أعلم . ولما مات دفن ~~بقاسيون في تربة الملك المعظم - رحمهما الله تعالى . هذا ما كان من أمر ~~الملك الجواد . فلنرجع إلى بقية أخبار الملك العادل صاحب مصر . ذكر مخالفة ~~الأتراك على السلطان الملك العادل ، وتوجههم إلى أخيه الملك الصالح نجم ~~الدين أيوب بدمشق وفي سنة ست وثلاثين وستمائة ، ندب السلطان الملك العادل ~~العساكر إلى الساحل ، وقدم عليهم الأمير ركن الدين الهيجاوي ، وأنفق فيه ~~الأموال - وذلك في جمادى الآخرة . فأقاموا ببلبيس إلى العشرين من شهر رمضان ~~. وأظهر جماعة من الأتراك والمضافين إليهم الخروج عن طاعة الملك العادل ، ~~وشيعوا أه يقصد القبض عليهم ، وعزموا على قصد الملك الصالح أيوب . فأرسل ~~الملك العادل إليهم الأمير فخر الدين بن الشيخ ، وبهاء الدين ابن ملكشو ، ~~وطيب قلوبهم واستمالهم ، فلم يجيبوا . ولما كان في الحادي والعشرين من شهر ~~رمضان ، خرج جماعة من الحلقة من القاهرة ، من باب النصر وغيره ، تقدير ألف ~~فارس من الأتراك - وأظهروا أن السلطان عزم على القبض عليهم ، وقصدوا اللحاق ~~بمن كان على بلبيس من الأمراء فبطق الملك العادل إلى الأمراء الأكراد ~~ببلبيس ، بمناجزة الأتراك وقتالهم ، فقاتلهم الأكراد قبل وصول الحلقة إليهم ~~. فانهزم الأتراك إلى جهة الشام وانضم أكثرهم إلى الأكراد . ولما انهزموا ~~تبعهم الأكراد ، ثم رجعوا خوفا على أثقالهم من الحلقة فوجدوا الحلقة قد ~~PageV29P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" وصلوا إلى بلبيس ، فلم تتعرض إحدى الطائفتين ~~إلى الأخرى بقتال ، لدخول الليل . وتوجه الأتراك للحاق بأصحابهم الذين ~~انهزموا ، وساروا إلى دمشق واتصلوا بخدمة الملك الصالح أيوب . ذكر وصول ~~الملك الناصر داود - صاحب الكرك - إلى السلطان الملك العادل وفي خامس شوال ~~، سنة ست وثلاثين وستمائة ، وصل نجاب من الملك الناصر داود - صاحب الكرك - ~~إلى السلطان ، يخبره بوصوله . فخرج السلطان للقائه في سابع الشهر ، وزينت ~~القاهرة ومضر زينة لم يشاهد مثلها ، وعاد السلطان والملك الناصر معه في ~~ثامن الشهر ، واستبشر بقدومه وحلف كل منهما لصاحبه . وفي العشرين من شوال ms6774 ، ~~وردت الأخبار بوصول عسكر الملك الصالح نجم الدين أيوب - صحبة ولده الملك ~~المغيث جلال الدين عمر - إلى جينين فجمع الملك العادل والناصر الأمراء ، ~~وتحالفوا على قتاله . وخرج الملك الناصر داود في يوم الأحد تاسع ذي القعدة ~~، لقصد الشام . وندب الملك العادل جماعة من الأمراء في خدمته ، لقتال الملك ~~الصالح نجم الدين أيوب . وجهز صحبته خزانة مال وسلاح خاناه ، وخرج لوداعه ~~إلى بركة الجب ، وعاد إلى القلعة . ثم خرج الملك العادل في يوم الثلاثاء - ~~سلخ ذي الحجة - لقصد الشام ، لقتال أخيه الملك الصالح ، فنزل على بلبيس وفي ~~هذه السنة ، في يوم الأحد ثامن صفر ، كانت وفاة الشيخ الإمام جمال الدين ~~أبي المحامد ، محمود بن أحمد الحصيري الحنفي ، بدمشق . وأصله من بخارى ، من ~~قرية يقال لها حصيره . تفقه في بلده ، وسمع الحديث الكثير . وقدم الشام ، ~~ودرس بالنورية . وانتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة . وقرأ عليه الملك ~~المعظم الجامع الكبير ، وغيره . وصنف الكتب الحسان ، وشرح الجامع الكبير . ~~وكان كثير الصدقة PageV29P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" غزير الدمعة نزها عفيفا . وكان إذا أتى قلعة ~~دمشق لا ينزل عن حماره إلا على الإيوان السلطاني ، والملوك تعظمه وتجله . ~~ودفن بمقابر الصوفية عند المنيبع ، على الجادة رحمه الله تعالى . وفيها ~~توفي الوزير جمال الدين بن جرير ، وزير الملك الأشرف . ثم وزر للملك الصالح ~~نجم الدين أيوب بدمشق دون الشهر ، ومات . وأصله من الرقة . وكانت وفاته في ~~يوم الجمعة - السابع والعشرين من جمادى الآخرة - بعلة الخوانيق . ودفن ~~بمقابر الصوفية عند المنيبع - رحمه الله تعالى . وفيها في شعبان ، توفي ~~الأمير علاء الدين أبو الحسن علي ، بن الأمير شجاع الدين أبو المنصور جلدك ~~، بن عبد الله المظفري التقوي ، بثغر دمياط - وكان واليا به - رحمه الله ~~تعالى . ذكر عود السلطان الملك العادل من بلبيس إلى قلعة الجبل قد ذكرنا أن ~~السلطان كان قد خرج من قلعة الجبل في سلخ ذي الحجة سنة ست وثلاثين ، لقصد ~~الشام . ونزل على بلبيس وأقام بها ، إلى سادس عشر المحرم من هذه السنة ، ثم ~~رجع . وكان سبب رجوعه ms6775 أن الأمراء قصدوا القبض عليه ، وتحيلوا على ذلك ، ~~فسألوه أن يعمل كل منهم دعوة ويحضرها للسلطان ، ففسح لهم في ذلك . وحضر عند ~~بعضهم فأكل ، ثم قدم الشراب فشرب ، ورأى ما أنكره فقام ، ودخل إلى خربشت ~~لقضاء الحاجة ، فخرج من ظهر خربشت ، وركب فرسا وساق إلى القلعة . فلما طال ~~على الأمراء انتظاره ، دخلوا فلم يجدوه فتفرقوا ، وعلموا أنه شعر بما ~~أرادوه من اغتياله . فسيروا إليه يطلبونه ، فأظهر أنه ما دخل إلى القاهرة ~~إلا ليخلق المقياس ويكسر الخليج ، ويعود إليهم . ثم ألجأته الضرورة إلى ~~الخروج ، فخرج إلى العباسة في يوم PageV29P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" الخميس الرابع والعشرين من الشهر ، وقبض على ~~الأمير فخر الدين بن الشيخ ، وزين الدين غازي ، وفتح الدين بن الركن ، ووصل ~~بهم إلى قلعة الجبل بكرة نهار الأحد السابع والعشرين من الشهر . وفي خامس ~~عشرين صفر ، توجه الملك الناصر داود من العباسة إلى الكرك ، وصحبته ابن ~~قليج وجماعة من أمراء مصر . وفي يوم الخميس ، الحادي والعشرين من جمادى ~~الآخرة ، عملت والدة الملك العادل وليمة عظيمة في الميدان تحت قلعة الجبل ، ~~لجميع الناس : الخواص والعوام ، ذبحت فيها ألف رأس من الغنم ، وجملة من ~~الخيل والبقر والجاموس والإبل ، وحلت ما يزيد على مائة قنطار من السكر ، في ~~ثلاث فساقي كانت على جانب الميدان مما يلي القلعة ، وتفرق الناس ذلك ~~بالأواني . وكان ذلك فرحا باعتقال الملك الصالح أيوب ، فإنه كان قد اعتقل ~~بالكرك - على ما نذكره ، إن شاء الله تعالى في أخباره . ذكر قتال الفرنج ~~وفتح القدس وفي يوم الخميس - ثامن عشر شهر ربيع الأول ، من السنة - وردت ~~الأخبار ، إلى السلطان الملك العادل ، أن الفرنج قصدوا الأمير ركن الدين ~~الهيجاوي ومن معه من العسكر ، والتقوا واقتتلوا ، في يوم الأحد رابع عشر ~~الشهر ، عند سطر الجميز بالقرب من غزة . وكانت الهزيمة على الفرنج . وأسر ~~ملكهم ، وثلاثة من جنودهم ، وما يزيد على ثمانين فارسا ، ومائتين وخمسين ~~راجلا . وقتل منهم ألف وثمانمائة إنسان . ولم يقتل من المسلمين في هذه ~~الوقعة إلا دون العشرة ، منهم : الأمير سيف ms6776 الدين محمد بن الأمير أبي عمر ، ~~وعثمان بن الأمير علكان ابن أبي علي الكردي الهيجاوي - وكان شابا صالحا - ~~وعمره ثلاثون سنة - رحمه الله تعالى . فخذلت هذه الكسرة الفرنج . ثم فتح ~~الملك الناصر داود صاحب الكرك - ومن معه من العسكر المصري - البيت المقدس ، ~~في يوم الاثنين تاسع جمادى الأولى . فقال جمال الدين بن مطروح : المسجد ~~الأقصى له عادة . . . سارت ، فصارت مثلا سائرا إذا غدا للشرك مستوطنا . . . ~~أن يبعث الله له ناصرا PageV29P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" فناصر طهره أولا . . . وناصر طهره آخرا قال : ~~ولما فتح البيت المقدس ، تحصن جماعة من الخيالة والرجالة ، ببرج داود ~~والأبراج والبدنات ، فنصب عليها المجانيق وهدمها . فسألوا الأمان على ~~أنفسهم خاصة ، فأمنهم . ذكر وفاة الملك المجاهد صاحب حمص وفي ثامن عشر شهر ~~رجب ، من السنة - وقيل في يوم الثلاثاء العشرين منه - توفي الملك المجاهد ~~أسد الدين شيركوه ، بن ناصر الدين محمد ، بن الملك المنصور أسد الدين ~~شيركوه ، بن شادي - صاحب حمص - بها ، ودفن بها . وكانت حمص بيده ، منذ ~~أعطاها إياه السلطان الملك الناصر : صلاح الدين يوسف بن أيوب - عم أيبه - ~~بعد وفاة والده ، في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة . فكانت مدة ملكه بحمص سبعا ~~وخمسين سنة ، تقريبا . وكان شجاعا شهما ، مقداما ، يباشر الحروب بنفسه . ~~وحفظ بلاده من الفرنج والعرب . وبنى الأبراج على مخائض العاصي ورتب فيها ~~الرجال والطيور . وكان الفرنج إذا خرجوا أطلق الرجال الطيور ، فيركب بنفسه ~~وعساكره ، فيسبق الفرنج ويردهم . وكذلك كان يقصد العرب من جهة البرية . ~~وكان قد منع النساء أن يخرجن من باب حمص ، مدة ولايته . وكان إذا اعتقل ~~إنسانا أطال حبسه . وملك بعده حمص ولده الملك المنصور إبراهيم . ذكر وصول ~~رسل الخليفة إلى السلطان الملك العادل بالتشاريف وفي ثامن عشر شهر رمضان - ~~سنة سبع وثلاثين وستمائة - وصل الشيخ محيي الدين بن الجوزي - رسول الخليفة ~~- وفلك الدين المسيري ، بخلع الخليفة إلى السلطان الملك العادل ، ولولده . ~~ولقب ولده - الملك المغيث - من الديوان العزيز بألقاب الملك PageV29P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" الكامل جده ، وسمى باسمه ، ثم انتفض ذلك ، ~~وأعيد إلى ألقابه ms6777 الأول ، وهي الملك المغيث فتح الدين عمر . ووصلت الخلع ~~أيضا لجماعة من الأمراء ، وخلعة للوزير - ولم يكن للسلطان الملك العادل ~~وزير - فرسم بنقل خلعة الوزير إلى الخزانة العادلية . وكانت جملة الخلع ~~ثماني عشرة خلعة . وسير للسلطان مع خلعته فرس له سرج مشغول بالذهب ، وعلمان ~~، وسيفان ، تقلد بهما عن اليمين والشمال . فلبس السلطان الخلعة بظاهر ~~القاهرة ، وشق البلد . ثم اتصل بالملك العادل أن الملك الصالح قد أطلق من ~~حبسه بالكرك ، وأنه قصد نابلس ، وخطب له بها . فخرج من القاهرة في يوم ~~السبت الخامس من شوال ، ونزل على بلبيس ، فأقام بها ، إلى أن قبض الأمراء ~~عليه . ذكر القبض على السلطان الملك العادل وخلعه وفي يوم الجمعة ، لثمان ~~مضين من ذي القعدة ، سنة سبع وثلاثين وستمائة - وقيل لسبع بقين من شوال ، ~~منها - قبض الأمراء على السلطان الملك العادل ، وخلعوه . وذلك أن الأمير عز ~~الدين أيبك الأسمر - مقدم الأشرفية - ومقدمي الحلقة ، وهم : الطواشي مسرور ~~الكاملي ، وكافور الفائزي ، وجوهر النوبي ، وجماعة من الحلقة - اتفقوا على ~~خلعه ، والقبض عليه ، واستدعاء أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب . فخلعوه ~~وقبضوا عليه . فكانت مدة سلطنته سنتين ، وثلاثة أشهر ، وثمانية عشر يوما . ~~ولما قبض على الملك العادل ، ركب جماعة من الأتراك وقصدوا أمراء الأكراد ، ~~لما كان بينهم من الذحول التي أثرتها وقعة بلبيس . وكان الأكراد على غير ~~أهبة ، فنهبهم الأتراك . ووافقهم ممالك الأكراد على أستاذيهم ، ومالوا ~~للأتراك للجنسية ، فاستولى الأتراك على خيامهم وأثقالهم وخيولهم . وانهزم ~~الأكراد ، كل منهم على فرس ، ودخلوا القاهرة . وقبض المراء على خواص الملك ~~العادل وحرفائه . PageV29P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" وكان الملك العادل قد اشتغل باللهو والهزل ~~واللعب . وكان لا يؤثر قيام ناموس المملكة . ووثق بكرمه وبذلك الأموال ، ~~وظن أن ذلك يغنيه عن التحفظ . وكان من أكرم الناس وأكثرهم عطاء ، ودليل ذلك ~~أنه فرق في مدة سلطنته ما يزيد على ستة آلاف ألف دينار ، وعشرين ألف ألف ~~درهم ، من الأموال التي خلفها والده : السلطان الملك الكامل . ذكر اخبار ~~السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل ms6778 - وما كان من ~~أمره بعد وفاة أبهي إلى أن ملك الديار المصرية كان السلطان الملك الصالح ، ~~لما توفي والده السلطان الملك الكامل ، مقيما بسنجار - وله آمد وحران ~~والرها ، ونصيبين والخابور ، ورأس عين والرقة - من سنة ثلاث وثلاثين ~~وستمائة . وتوفي السلطان الملك الكامل والده ، والأمر على ذلك . ثم كان من ~~أخباره مع الخوارزمية ، ومفارقتهم له ، ومحاصرة الملك الرحيم بدر الدين ~~لؤلؤ له بسنجار ، واستنصاره بالخوارزمية وعودهم إلى خدمته ، وهرب بدر الدين ~~لؤلؤ - ما قدمناه . وملك بعد ذلك دمشق من الملك الجواد - كما تقدم . ولما ~~ملك دمشق ، راسل عمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل - صاحب بعلبك - ~~والتمس منه مساعدته على قصد الديار المصرية ، وانتزاعها من أخيه الملك ~~العادل . وشرط له أنه إذا فتح الديار المصرية تكون له ، وتكون دمشق للصالح ~~إسماعيل . فأجابه إلى ذلك ، وشرع في الاستعداد والاستخدام والاحتشاد . ~~فاتصل ذلك بالملك العادل ووالدته ، فكتبا إلى الملك الصالح إسماعيل ، وكتب ~~PageV29P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" إليه بعض ا " لأمراء المصريين ، وهم يصرفون ~~رأيه عن مساعدة الملك الصالح أيوب ، وحسنوا له أخذ دمشق . فاتفق الصالح ~~إسماعيل ، وصاحب حمص على مخالفة الملك الصالح نجم الدين . وخرج الملك ~~الصالح أيوب من دمشق في شهر رمضان سنة ست وثلاثين وستمائة ، وقصد نابلس - ~~وهي في جملة مملكة الملك الناصر داود ، صاحب الكرك - فاستولى عليها وعلى ~~بلادها - وذلك في شوال من السنة . وتوجه الملك الناصر داود إلى الديار ~~المصرية - كما تقدم . وأقام الملك الصالح نجم الدين بنابلس ، ينتظر وصول ~~عمه الملك الصالح إليه بعسكره ، ليتوجها إلى الديار المصرية . وكان بقلعة ~~دمشق الأمير ناصر الدين القيمري ، ينوب عن الملك الصالح ، فاتصل به خبر ~~الملك الصالح إسماعيل وما عزم عليه . فكتب إلى الملك الصالح أيوب ، يعلمه ~~أن عمه الصالح إسماعيل قد عزم على مخالفته ، واستخدم الرجال لذلك ، وحذره ~~منه مرة بعد أخرى . ووالى كتبه إليه ، وهو لا يكترث بقوله . فلما كرر كتبه ~~بذلك ، أجابه : إن مقرعتي إذا وقعت في فلاة لا يقدر أحد أن يمسها بيده ، ~~ولا يتجاسر عليها فلما وقف على ms6779 جوابه كف عنه . وكان الملك المسعود بن الملك ~~الصالح إسماعيل في خدمة الملك الصالح أيوب - هو والأمير ناصر الدين بن ~~يغمور - فتواترت كتب الملك الصالح إلى عمه الصالح يستحثه على اللحاق به . ~~وهو يتقاعد عنه ، ويجيبه إنني لا يمكنني إخلاء قلعة بعلبك بغير حافظ ، ~~والقصد إرسال ولدي إلي لأجعله بها ، وأحضر إليك . فعند ذلك جهز الملك ~~الصالح نجم الدين أيوب الحكيم سعد الدين بن صدقة المعري ، إلى عمه الملك ~~الصالح ، برسالة ، ظاهرها استحثاثه على سرعة الوصول إليه ، وأمره أن يطالعه ~~بما يظهر له من أحوال عمه ، وهل هو على الطاعة أو العصيان . فلما وصل ~~الحكيم إلى بعلبك ، اطلع على ما اتفق عليه الصالح إسماعيل وصاحب حمص : من ~~قصد دمشق ، وانحرافهما عن الملك الصالح . فكان يكتب إليه بذلك ، ويدفع ~~البطايق إلى البراج ليرسلها على الحمام ، فيرصده الصالح إسماعيل ويأخذها ~~منه ، ويغيرها بخط أمين الدولة السامري ، بما معناه أن الملك الصالح ~~إسماعيل محب في السلطان ، وقد استخدم واحتفل ، وهو على عزم القدوم إلى ~~السلطان . فتصل هذه البطايق المزورة إلى الملك الصالح أيوب ، فلا يشك أنها ~~صحيحة . فعند ذلك أرسل الملك المسعود إلى أبيه ببعلبك ، وقد طابت نفسه ووثق ~~أن عمه معه . فلما حصل ولده عنده ، سار من بعلبك ، وسار صاحب حمص من حمص ، ~~وتوافوا بجبل قاسيون . وكان جملة من استخدم الملك الصالح إسماعيل ألف فارس ~~PageV29P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" وأحد عشر ألف راجل . واستخدم صاحب حمص أربعة ~~آلاف راجل . وتقرر بينهما أن يكون ثلثا دمشق وأعمالها للملك الصالح إسماعيل ~~، والثلث لصاحب حمص . وكان الصالح اسماعيل قد أفسد بعض أمراء الصالح أيوب . ~~كل ذلك والأمير ناصر الدين القيمري يطلع عليه ، ويطالع به الملك الصالح ~~أيوب ، وهو لا يلتفت إليه ، ولا يرجع إلى نصحه . ذكر استيلاء الملك الصالح ~~عماد الدين إسماعيل ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن ~~أيوب - على دمشق قال : ولما تكامل للملك الصالح ما أراد من الاستخدام ~~والاحتشاد ، ووافقه صاحب حمص - الملك المجاهد أسد الدين شيركوه - راسل ~~الأمير ناصر ms6780 الدين القيمري النائب بقلعة دمشق ، وبذل له عشرة آلاف دينار ~~على تسليم القلعة . فوافقه على ذلك ، ووقع منه بموقع ، لأنه كان قد كرر ~~نصائحه لمخدومه الملك الصالح - نجم الدين أيوب - وحذره ، فما رجع إليه ، ~~وأجار بما تقدم ذكره . فحمله ذلك على موافقة الملك الصالح عماد الدين ، ~~وتقرر بينهما أن الصالح يحاصر قلعة دمشق ثلاثة أيام ، ويسلمها إليه ، ففعل ~~ذلك . ودخل إلى دمشق في يوم الثلاثاء ، سادس أو سابع عشرين صفر ، سنة سبع ~~وثلاثين وستمائة . وكان دخوله من باب الفراديس ، من غير ممانعة ، فإنه لم ~~يكن عليه من يدفع عنه ، ولا عن البلد . ونزل الصالح بداره بدرب الشعارين . ~~ونزل صاحب حمص في داره . وزحفوا في يوم الأربعاء ثامن عشرين الشهر على ~~القلعة ، ونقبوها من ناحية باب الفرج ، وقاتل عليها ثلاثة أيام ، وتسلمها ~~من القيمري - كما تقرر بينهما وكان بها الملك المغيث : جلال الدين عمر بن ~~الملك الصالح نجم الدين أيوب ، فاعتقله الملك الصالح إسماعيل عم أبيه في ~~برج بالقلعة . واتصل الخبر بالملك الصالح أيوب ، وهو بمخيمه بظاهر نابلس ، ~~وقيل له : إن القلعة ما أخذت فاستحلف عسكره ، وخلع على عميه : مجير الدين ~~وتقي الدين ، والركن والنميس وغيرهم ، وأعطاهم الأموال واستشارهم . فقالوا ~~: نتوجه إلى دمشق قبل أخذ القلعة . فركب بهم من نابلس ، فلما انتهوا إلى ~~القصير المعيني بالغور أنفق في PageV29P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" عسكره ، وجدد عليهم الإيمان وقت صلاة المغرب ~~. وبلغهم أن قلعة دمشق قد استولى عليها الصالح إسماعيل . فلما كان في نصف ~~الليل ، رحلوا عنه بأجمعهم ، وتركوه وليس معه إلا دون المائة من مماليكه . ~~وتفرق عنه بقية مماليكه وخواصه . فرجع يقصد نابلس ، ومعه جاريته أم ولده ~~خليل : المدعوة شجر الدر . وطمع فيه حتى الغوارنة والعشران وكان مقدمهم رجل ~~شيخ جاهل ، يقال له تبل من أهل بيسان ، قد سفك الدماء وركبت الجيوش بسبه ~~مرارا ، فتبعه بمنمعه . وقد توجه الملك الصالح على طريق جينين يريد نابلس ، ~~والغوارنة والعشران يتبعونه ، وهو يرجع إليهم ويحمل عليهم بمماليكه فيفرق ~~جماعتهم . وأخذ بعض خيولهم ، واستولوا هم أيضا على ms6781 بعض ثقله . ووصل إلى ~~سبسطية . وكان الوزيري - نائب الملك الناصر داود - عاد إلى نابلس ، بعد ~~خروج الملك الصالح منها . فأرسل إليه الملك الصالح أيوب يقول : إنه قد مضى ~~ما مضى ، وما زال الملوك على هذه الحال . وقد جئت الآن مستجيرا بابن عمي ~~الملك الناصر . ونزل في الدار بنابلس . وكان الملك الناصر داود قد عاد من ~~الديار المصرية على غير رضا . ووصل إلى الكرك . فكتب إليه الوزيري يخبره ~~بخبر الملك الصالح نجم الدين أيوب . ذكر القبض على الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب واعتقاله بقلعة الكرك قال : ولما وصل كتاب الوزيري إلى الملك الناصر ~~بالكرك ، ندب الأمير عماد الدين بن موسك ، والظهير بن سقر الحلبي ، في ~~ثلاثمائة فارس إلى نابلس . فركب الملك الصالح أيوب وتلقاهم ، فخدموه وقالا ~~له : طيب قلبك ، إنما جئت إلى بيتك . فقال : لا ينظر ابن عمي إلى ما فعلت ، ~~فما زال الملوك على هذا . وقد جئت إليه ، أستجير به ، فقالا له : قد أجارك ~~، ولا بأس عليك . وأقاموا أياما حول الدار . PageV29P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" فلما كان في بعض الليالي ، ضرب بوق النفير ، ~~وقيل جاء الفرنج إلى الظهر . فركب الناس وركب مماليك الملك الصالح ووصلوا ~~إلى سبسطية . فجاء عماد الدين والظهير والعسكر إلى الدار التي بها الملك ~~الصالح ، ودخل الظهير عليه ، وقال له : تتوجه إلى الكرك ، فإن ابن عمك له ~~بك اجتماع . وأخذ سيفه . وكانت جاريته حاما ، فأسقطت . وأخذوه ، وأركبوه ~~بغلة ، بغير مهماز في رجله ، ولا مقرعة في يده - وذلك في ليلة السبت ، ~~لثمان بقين من شهر ربيع الأول - وتوجهوا به حتى وصلوا إلى الرية . قال أبو ~~المظفر : إن الملك الصالح أخبره ، قال : إلى الرية في ثلاثة أيام ، والله ~~ما كلمت أحدا منهم كلمة ، ولا أكلت لهم طعاما ، حتى جاء خطيب الرية ومعه ~~بردة وعليها دجاجة ، فأكلت منها - قال : وأقاموا بالرية يومين ، وما علمت ~~المقصود بي ما هو ؟ وإذا هم يريدون أن يأخذوا طالعا نحسا ، يقتضى أن لا ~~أخرج من الكرك . ثم أدخلوني الكرك ليلا ، على الطالع الذي كان سبب سعادتي ms6782 . ~~ووكل بي الناصر مملوكا له فظا غليظا ، يقال له زريق وكان أضر علي من كل ما ~~جرى . قال : فأقمت عندهم إلى شهر رمضان ، سبعة أشهر - يعني من سنة سبع ~~وثلاثين . وحكى الملك الصالح له ما ناله من الضائقة والشدة والإهانة شيئا ~~كثيرا . ولما توجهوا به إلى الكرك ، جهز الوزيري خزانته ونساءه ، وخيله ~~وأسبابه ، إلى الصلت . وعاد مماليك الملك الصالح فلم يجدوه ، فتفرقوا وأما ~~عسكره الذي فارقه من منزلة القصير - فانهم توجهوا إلى دمشق . فمنعهم الصالح ~~من الدخول إليها ، وقال : هذه بلد الملك العادل فلا تدخلوها إلا بإذنه . ثم ~~استخدم بعد ذلك جماعة منهم ، وطرد طائفة واعتقل طائفة . وزينت مصر والقاهرة ~~للقبض على الملك الصالح شهرا . وعملت والدة الملك العادل الوليمة التي ~~ذكرناها . وأرسلت القاضي الشريف شرف الدين موسى ، والعلاء بن النابلسي ، ~~إلى الملك الناصر ، بقفص حديد ، ليجعل فيه الملك الصالح ، ويرسله معهما إلى ~~الديار المصرية وبذلت فيه للملك الناصر مائة ألف دينار . وكاتبه الصالح ~~إسماعيل وصاحب حمص ، في إرساله إلى دمشق . وبذل الصالح إسماعيل فيه للناصر ~~ربع دمشق . PageV29P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" فما أجاب الناصر إلى ذلك . وقيل : كان السبب ~~في امتناع الملك الناصر من تسليمه ، لمن بذل فيه ما بذل ، أن الصالح أيوب ~~كان قد أرسل جمال الدين بن مطروح - الكاتب - إلى الخوارزمية في الحضور إليه ~~، لمحاصرة دمشق . فتوجه لذلك . فلما قبض على الصالح ، أرسل ابن مطروح رسولا ~~على النجب إلى الملك الناصر ، يقول له : إن فرط في الملك الصالح أمر ، ~~فاعلم أن الخوارزمية لا يبقون لك في البلاد قعر قصبة ، فقد حلفوا على ذلك . ~~وقيل إن والدة الملك الناصر اهتمت بأمر الملك الصالح ، وخدمته أتم خدمة ، ~~وتولت ذلك بنفسها ، وكانت تطبخ له بيدها . وحلفت على ولدها أنه إن فعل به ~~ما يكره ، لا أقامت عنده . وقالت له : ما ملكنا البلاد ، وجعلنا في هذا ~~الحصن إلا والده - تعنى : الملك الكامل . فتوقف عن إرساله . والله أعلم . ~~ذكر إطلاق الملك الصالح من الاعتقال بالكرك ، وما كان من أمره إلى أن ملك ~~الديار ms6783 المصرية قال : ولما كان في أواخر شهر رمضان ، استشار الملك الناصر ~~داود الأمير عماد الدين بن موسك ، وابن قليج ، والظهير ، في أمر الملك ~~الصالح . فوقع الاتفقا على تحليفه وإخراجه . فاجتمع الناصر والصالح وتحالفا ~~، وأفرج عنه وذلك في أواخر شهر رمضان ، سنة سبع وثلاثين وستمائة . ولما ~~أخرجه الناصر من اعتقاله ، ركبه بالكرك بشعار السلطنة ، وحمل الغاشية بين ~~يديه ، وأظهر الناصر الخلاف على الملك العادل . وحكى عماد الدين بن شداد - ~~في سبب خلاص الملك الصالح - أن الملك العادل كان قد حلف الناصر ، وحلف له ~~على الاتفاق واجتماع الكلمة على قتال الملك الصالح ، وأن تكون دمشق إذا ~~فتحت للملك الناصر . فلما اتفق هجوم الملك الصالح إسماعيل على دمشق ، ~~وأخذها ، أرسل إليه الملك العادل يصوب رأيه ، ويشكر فعله . فعظم ذلك على ~~الملك الناصر ، وكان سبب خلاص الملك الصالح . وحكى أبو المظفر يوسف سبط ابن ~~الجوزي ، في كتابه : مرآة الزمان أن الملك الصالح نجم الدين أيوب أخبره - ~~بعد أن ملك الديار المصرية - قال : حلفني الناصر على أشياء ، ما يقدر عليها ~~ملوك الأرض ، وهو أن آخذ له دمشق ، وحمص ، وحماه وحلب ، والجزيرة والموصل ~~وديار بكر ، وغيرها ، وأن يكون له نصف الديار المصرية ، PageV29P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" ونصف ما في الخزائن : من الأموال والجواهر ~~الخيول والثياب وغيرها . فحلفت من تحت القهر والسيف . وقد شاهدت أنا بعض ~~نسخة اليمين عند المولى الملك العزيز : فخر الدين عثمان ، بن الملك المغيث ~~فتح الدين عمر - صاحب الكرك - كان بالقاهرة - وفيها أشياء كثيرة من هذا ~~النوع ، وإلزامات ، يعلم المستحلف العاقل أن الحالف لا يفي بها ، لكثرتها ~~وخروجها عن حد القدرة البشرية ، وأن النفوس لا تسمح بها لوالد مشفق ، ولا ~~ولد بار ، فكيف لابن عم عدو . قال المؤرخ : ولما أطلقه الملك الناصر ، ركب ~~الملك الصالح من يومه ، وسار إلى نابلس . فوصل إليها في يوم السبت ، تاسع ~~عشرين الشهر ، وخطب له بها يوم عيد . ونثر ابن موسك على الخطيب والناس ~~الذهب . وخرج الركن الهيجاوي إلى الديار المصرية ، فأرسل إليه الملك العادل ~~يأمره بالإقامة على بلبيس ms6784 ، إلى أن تصل إليه العساكر . ثم خرج الملك العادل ~~بعساكره - في خامس شوال - لقتال أخيه الصالح ، فقبض الأمراء عليه - كما ~~قدمنا . ذكر سلطنة الملك الصالح نجم الدين أيوب بالديار المصرية وهو ~~السلطان الثامن من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية قال المؤرخ : لما ~~قبض الأمراء الذين قدمنا ذكرهم على الملك العادل ، كتبوا إلى الملك الصالح ~~يستدعونه ، فسار لوقته . وكان وصوله - والملك الناصر داود - إلى بركة الجب ~~، في يوم الخميس الحادي والعشرين من ذي القعدة ، سنة سبع وثلاثين وستمائة . ~~فنزل في خيمة الملك العادل - والملك العادل بمعتقل في خركاه . واستدعى ~~الملك الصالح معين الدين بن شيخ الشيوخ ، واستوزره ، ورد إليه النظر في ~~الدواوين . وأقام ببركة الجب إلى يوم الأحد ، لست بقين من الشهر . فركب ~~وصعد إلى القلعة في الثالثة من النهار - وذلك باتفاق المنجمين . واعتقل ~~أخاه الملك العادل في بعض آدر القلعة . وبقي ابنه الملك المغيث - فتح الدين ~~عمر - في خدمة عمه السلطان الملك الصالح مدة ، ثم رأى منه نجابة فحجبه في ~~PageV29P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" الدار القطبية ، عند عمته ابنة السلطان الملك ~~العادل ، أخت الملك الكامل . فلم يزل الملك المغيث بها ، إلى أن مات عمه ~~الملك الصالح وملك ابنه الملك المعظم ، فنقله إلى الشوبك واعتقله بها . ~~وكان من أمره ما نذكره - إن شاء الله تعالى . وفي الثامن والعشرين من ذي ~~القعدة ، من السنة - تقدم أمر السلطان بتجريد جماعة من الأمراء والعساكر ~~إلى الأعمال القوصية ، لإصلاح العربان بالوجه القبلي . وجعل المقدم عليهم ~~الأمير زين الدين بن أبي زكري . ذكر عود الملك الناصر داود إلى الكرك كان ~~عوده إلى الكرك في ذي الحجة ، من السنة . وسبب ذلك أنه اجتمع هو والسلطان ~~الملك الصالح ، بقلعة الجبل على شراب ، فلما جنهم الليل وأخذ منهم الشراب ، ~~قال الملك الناصر للسلطان : أفرج عن أخيك الملك العادل في هذه الساعة . ~~فلاطفه الملك الصالح ، وهو يكرر عليه القول وكان آخر كلام الملك الناصر أن ~~قال للسلطان : لو غسلت رجلي وشربت ماءهما ، ما أديت حقي فأمر السلطان ~~مماليكه بإخراجه . فأخرجوه وركبوه ms6785 إلى الوزارة . فلما أصبح ، سأل عما كان ~~منه ، فأخبر به . فقال : ما بقي لنا مقام في هذه الديار . وأحضر النجب ، ~~وعمل عليها الأخراج - وفيها ما كان معه من الأموال - وهم أن يركبها . ~~فبينما هو يتهيأ للركوب ، إذ حضر إليه الأمير : عز الدين أيدمر الجمدار ~~الصالحي ، ومعه عشرة آلاف دينار ، وعشرة أفراس وخلع ، وقال له : يقول لك ~~السلطان : هذه ضيافة ، خذها وامض إلى بلادك . فأخذها ، وركب من وقته ، وسلك ~~طريق البرية . ثم ندم السلطان على إطلاقه ، وكونه ما قبض عليه ليأمن شره . ~~وقيل : إن السبب عوده أن الملك الصالح إسماعيل راسل الفرنج ، في قصد بلاد ~~الناصر . فتوجهوا إلى نابلس ، فقاتلهم أهلها وهزموهم ، فرجعوا إلى بلادهم . ~~فعاد بسبب ذلك . هذا ما حكاه ابن جلب راغب ، في تاريخه ، في سبب عود الملك ~~الناصر . وحكى أبو المظفر يوسف ، في مرآة الزمان ، عما أخبره به الملك ~~الصالح نجم الدين - من لفظه - عندما حضر إليه في سنة تسع وثلاثين وستمائة ، ~~عن وقائع اتفقت له ، PageV29P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" بين خروجه من اعتقال الملك الناصر إلى أن ملك ~~ورجع الناصر . منها أنه قال : والله لم أحضر الملك الناصر معي إلى الديار ~~المصرية ، إلا خشية أن يكون قد عمل علي . ومنذ فارقنا غزة ، تغير علي ولا ~~شك أن بعض أعدائي أطمعه في الملك . فذكر لي جماعة من مماليكي أنه تحدث معهم ~~في قتلي . قال : ومنها أنه لما أخرجني ندم ، وعزم على حبسي ، فرميت روحي ~~على ابن قليج ، فقال : ما كان قصده إلا أن نتوجه إلى دمشق أولا ، فإذا ~~أخذناها عدنا إلى مصر . ومنها أنه لما وصلنا إلى بلبيس ، شرب وشطح إلى ~~العادل ، فخرج العادل من الخركاه وقبل الأرض بين يديه ، فقال له : كيف رأيت ~~ما أشرت به عليك ، ولم تقبل مني ؟ فقال : يا خوند ، التوبة . فقال طيب قلبك ~~، الساعة أطلقك . قال الصالح : وجاء فدخل علينا الخيمة ، ووقف . فقلت له : ~~باسم الله اجلس . فقال : ما أجلس حتى تطلق العادل . فقلت : اجلس - وهو يكرر ~~هذا القول . ثم سكت . ولو أطلقته ضربت ms6786 رقابنا كلها ثم نام وما صدقت بنومه . ~~وقمت في بقية الليل ، وأخذت العادل في محفة ، ودخلت به إلى القاهرة . قال : ~~ولما دخلنا القاهرة ، بعثت إليه بعشرين ألف دينار ، فعادت لي مع مماليكي . ~~ومنها أنه قال في بعض الأوقات : قبل قدمي ورجلي - إلى غير ذلك ، مما لا ~~تصبر عليه النفوس . ذكر عدة حوادث وقعت في سنة سبع وثلاثين وستمائة - خلاف ~~ما قدمناه في هذه السنة - في شهر ربيع الأول - أخرج الملك الكامل من مدفنه ~~بقلعة دمشق ، إلى تربته شمالي حائط الجامع الأموي ، وفتح في الحائط ثلاث ~~شبابيك إلى الجامع : أحدها باب يتوصل منه إلى الجامع . وفيها فوض السلطان ~~الملك الصالح إسماعيل - صاحب دمشق - الخطابة بالجامع الأموي لشيخ الإسلام : ~~عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام - وذلك في شهر ربيع الآخر . وفيها أمر ~~الملك الصالح - المذكور - الخطباء بدمشق والشام ، بالخبطة لصاحب الروم . ~~PageV29P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" وفيها فوض الصالح - أيضا - قضاء الشام للقاضي ~~: رفيع الدين أبي حامد ، عبد العزيز بن عبد الواحد ، بن إسماعيل بن عبد ~~الهادي بن عبد الله الجيلي الشافعي - وكان قبل ذلك قاضي بعلبك . وظهر منه ~~من سوء السيرة والعسف والظلم ، ومصادرات أرباب الأموال ، ما لا يصدر مثله ~~من ظلمة الولاة . وكانت عاقبة ذلك ما نذكره - إن شاء الله تعالى - من قتله ~~. وفيها ، في ليلة الثلاثاء خامس عشر ذي القعدة ، سقط كوكب عظيم قبل طلوع ~~الفجر بمنزلة ، وكان مستديرا على هيئة ومقدار ، فأضاءت منه الدنيا ، وصارت ~~الأرض أشد نورا من ليلة التمام . وشاهده من كان ببلبيس عابرا عليها آخذا من ~~المشرق إلى نحو القبلة ، وشاهده من كان بظاهر القاهرة ، عابرا من جهة باب ~~النصر إلى صوب قلعة الجبل . ثم قطع البحر إلى ناحية الجزيرة ، وكانت له ~~ذؤابة طويلة خضراء ، مبتورة قدر رمحين . واعتقبه رعد شديد ، وتقطع منه قطع ~~. وأقام ، من حين إدراك النظر له حين انطفائه ، بقدر ما يقرأ الانسان سورة ~~الإخلاص ثلاثين مرة - هكذا قدره من شاهده - على ما نقل إلينا . وفيها في ~~شعبان - كانت وفاة قاضي القضاء ، شمس ms6787 الدين أحمد ، ابن الخليل بن سعادة بن ~~جعفر بن عيسى ، الخويي الشافعي ، بالمدرسة العادلية ، بدمشق ، ودفن بقاسيون ~~. ومولده في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة . وكان - رحمه الله تعالى - حسن ~~الأخلاق ، لطيفا كثير الإنصاف ، عالما فاضلا في علوم متعددة ، عفيفا ~~متواضعا - رحمه الله تعالى . وكان وروده إلى دمشق ، في أيام الملك المعظم ~~شرف الدين عيسى ، ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب . وحكي أنه ~~لما ورد إلى دمشق ، كان مع فضيلته وعلومه يلعب بالقانون ، ويغني عليه ، وقد ~~أتقن صناعته . فأنهى إلى الملك المعظم أمره ، فاستحضره إلى مجلس أنسه ، ~~ولعب بين يديه بالقانون ، وغنى عليه ، ونادمه فأعجبه . وأمره بملازمته في ~~أوقات خلواته ومجالس شرابه . هذا سبب اجتماعه بالملك المعظم . وأما سبب ~~ولايته القضاء بدمشق ، فإنه كان قد بلغ الملك المعظم عن القاضي جمال الدين ~~المصري - قاضي قضاة دمشق - أنه يتعاطى الشراب . فأراد تحقيق ذلك ~~PageV29P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" عيانا ، فاستدعاه ، وهو في مجلس الشراب ، ~~فحضر إليه . فلما رآه قام إليه ، وناوله هنابا مملوءا خمرا . فولى القاضي ~~جمال الدين المصري ورجع ، فغاب هنيهة ، ثم عاد وقد خلع ثياب القضاء : ~~الطرحة والبقيار والفوقانية ، ولبس قباء ، وتعمم بتخفيفه وحمل منديلا . ~~ودخل على الملك المعظم في زي الندماء . وقبل الأرض ، وتناول الهناب من يده ~~وشرب ما فيه . ونادم المعظم فأحسن منادمته فأعجبه . واعتذر من قراره أنه ما ~~كان يمكنه تعاطي ذلك ، وهو في زي القضاة . فاغتبط الملك المعظم به . ولما ~~انقضى مجلس الشراب ، ورجع المعظم إلى حسه ، علم أنه لا يجوز له أن يقره على ~~ولاية القضاء - وقد شاهد من أمره ما شاهد . ففوض القضاء للقاضي شمس الدين ~~الخويي ، وخلع عليه . وجلس للحكم بين الناس ، وأحسن السيرة . وانقطع عن ~~مجلس الملك المعظم وحضوره ، إلا في أوقات المواكب ، على عادة القضاة . ~~واستمر على ذلك مدة . ثم ذكره الملك المعظم واشتاق إلى منادمته ، وسماع ~~قانونه . فاستدعاه وتحدث معه ، واستوحش منه . ثم كلمه في الحضور إلى مجلس ~~الأنس معه ، في بعض الأوقات ، وأنه لا يخليه منه جملة ، وتلطف به ms6788 في ذلك . ~~فأجابه عن ذلك ، بأن قال : إذا أمر السلطان - أعزه الله بهذا - امتثلت أمره ~~، وفعلت . ولكن يكون هذا بعد عزلي عن منصب القضاء والحكم بين الناس ، ~~وتولية قاض غيري . فإنني لا أجمع بين منصب القضاء وما يضاده أبدا ، لما ~~يترتب على ذلك من فساد عقود أنكحة المسلمين ، ويتعلق ذلك بذمة السلطان . ~~فإن أحب السلطان ذلك ، فليول قاض غيري . فأعجب الملك المعظم ذلك منه ، ~~وسربه ، وقال : بل نرجح مصلحة المسلمين على غرضنا . واستقر على القضاء . ~~وما سمع عنه بعد ولائه القضاء ما يشينه في دينه ولا يغض من منصبه - رحمه ~~الله تعالى . PageV29P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" واستهلت سنة ثمان وثلاثين وستمائة : في هذه ~~السنة في شهر ربيع الآخر ، رتب السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب دار ~~العدل . وجعل افتخار الدين ياقوت الجمالي نائبا عنه بها . ونصب شاهدان من ~~العدول ، وجماعة من الفقهاء ، منهم : الشريف شمس الدين الأرموي نقيب ~~الأشراف ، والقاضي فخر الدين بن السكري ، والفقيه عز الدين . فصار الناس ~~يأتون إليها ، ويتظلمون وتكشف ظلاماتهم . وإنما فعل السلطان ذلك ، لأنه كان ~~غليظ الحجاب ، فاستغنى بذلك عن مواجهة الناس . وفيها ، في رابع المحرم ، ~~حصل الشروع في بناء القنطرة على الخريج الحاكمي - وهي المعروفة في وقتنا ~~هذا بقنطرة السد . وفيها في تاسع شهر ربيع الأول ، رسم السلطان بتجهيز زرد ~~خاناه وشواني وحراريق إلى القلزم لقصد اليمن . وجرد جماعة من الأمراء ~~والجند بسبب ذلك ، في سادس عشر الشهر . ثم عاد العسكر في خامس شهر رمضان ، ~~بسبب حادثة الأشرفية التي نذكرها . لأنهم بلغهم أن الأشرفية ومن شايعهم ~~عزموا على نهب العسكر المذكور - وكان ببركة الجب . وبطل التجريد إلى اليمن ~~. ثم توجه من جملة العسكر ثلاثمائة إلى مكة ، في أواخر شهر رمضان . فدخلوا ~~مكة سلما ، في ذي القعدة ، وهرب من كان بها من العسكر اليمنى . وفي شهر ~~ربيع الأول من السنة ، قبض السلطان على الأمير عز الدين أيبك PageV29P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" الأسمر ، والخدام الذين وافقوه على القبض على ~~أخيه الملك العادل ، وهم : جوهر النوبي ، وشمس الخواص سرور ms6789 ، وكافور ~~الفايزي ، وعلى جماعة من الأتراك والحلقة ، ونفي جماعة من الأتراك ، وسيرهم ~~مخشبين في المراكب نحو الصعيد وبلاد المغرب ، وأخذ أموالهم وقتل بعضهم . ~~وانهزم بعض الأشرفية ، واختفى بعضهم . وأمر السلطان مماليكه ، وأعطاهم ~~الإقطاعات . وفيها في يوم السبت - تاسع شهر ربيع الآخر - وقيل في خامس عشرة ~~- ولد للسلطان الملك الصالح ولد ذكر ، من سريته : شجر الدر ، وسماه خليلا . ~~ثم مات بعد مدة يسيرة . وفيها ، في تاسع شهر ربيع الأول ، صرف الأمير سيف ~~الدين بن عدلان ، عن ولاية الصناعة بمصر . ووليها أسد الدين ، بن الأمير ~~شجاع الدين جلدك . وفيها ، في سابع عشرين شهر ربيع الآخر ، نقل الأمير بدر ~~الدين باخل من ولاية مصر إلى ولاية ثغر الإسكندرية . وفيها ، في سابع شهر ~~ربيع الآخر ، صرف عن شد الدواوين علم الدين كرجي ، وولي الأمير حسام الدين ~~لؤلؤ . وفي يوم الاثنين خامس شعبان ، أمر السلطان بالشروع في عمارة قلعة ~~البحر ، التي بالروضة . فابتدئ في حفر أساسها في هذا اليوم ، وبني ~~PageV29P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" فيها في آخر الساعة الثالثة من يوم الجمعة ، ~~سادس عشر الشهر . وهدمت الدور التي كانت بالجزيرة وتحول الناس إلى مصر . ~~ذكر مسير الملك الصالح إسماعيل ، صاحب دمشق ، منها لقصد الديار المصرية ، ~~وقتاله الملك الناصر صاحب الكرك ، وعوده إلى دمشق قال المؤرخ : لما اتصل ~~بالملك الصالح إسماعيل - صاحب دمشق - ما وقع بمصر من الفتن ، والقبض على ~~الأمراء الأشرفية والخدام وغيرهم ، عزم على قصد الديار المصرية ، وأطمعته ~~آماله في الإستيلاء عليها . فتجهز بعساكره ، ومعه الملك المنصور صاحب حمص ، ~~ونجدة من حلب ، وقصد الديار المصرية . فبلغه أن الملك الناصر صاحب الكرك ~~على حسبان من بلد البلقاء ، فقصده بمن معه . والتقوا واقتتلوا ، فانكسر ~~صاحب الكرك . واستولى الصالح إسماعيل على أثقاله ، وأسر جماعة من أصحابه . ~~ثم رحل ونزل على نهر العوجا ، وطلب الملك الجواد - وكان عند الفرنج - فحضر ~~إليه . واستنصر بالفرنج ، فكتب الجواد إليهم يحذرهم منه . فوقع كتابه ~~للصالح ، فقبض عليه واعتقله - كما ذكرنا - وعاد إلى دمشق ، وتفرقت العساكر ~~التي كان قد جمعها . ذكر تسليم صفد وغيرها ms6790 للفرنج وما فعله الشيخ عز الدين ~~بن عبد السلام - بسبب ذلك - وما اتفق له مع الملك الصالح وفي هذه السنة ، ~~خاف الملك الصالح عماد الدين إسماعيل على نفسه من الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب ، فكاتب الفرنج واستنصر بهم ، واتفق معهم على معاضدته . وأعطاهم قلعة ~~صفد وبلادها ، وقلعة الشقيف وبلادها ، ومناصفة صيدا ، وطبرية وأعمالها ، ~~وجبل عامله ، وجميع بلاد الساحل . ومكنهم من دخول دمشق لابتياع السلاح . ~~PageV29P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" فشق ذلك على المسلمين . واستفتى المتدينون ، ~~ممن يبيع السلاح ، الشيخ عز الدين : عبد العزيز بن عبد السلام ، في مبايعة ~~الفرنج السلاح . فأفتاهم أنه يحرم عليهم بيعه للفرنج . وتوقف عن الدعاء ~~للملك الصالح إسماعيل على منبر الجامع بدمشق ، وجدد دعاء يدعو به على ~~المنبر ، بعد الخطبة الثانية قبل نزوله ، وهو : اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا ~~رشيدا ، يعز فيه وليك ويذل فيه عدوك ، ويعمل فيه بطاعتك ، وينهي فيه عن ~~معصيتك . والناس يصيحون بالتأمين ، والدعاء للمسلمين . فكوتب الصالح ~~إسماعيل بذلك ، فورد كتابه بعزله واعتقاله . واعتقل الشيخ أبو عمرو بن ~~الحاجب أيضا ، لموافقته الشيخ على الإنكار . ثم وصل الصالح بعد ذلك إلى ~~دمشق ، فأفرج عنهما ، واشترط على الشيخ عز الدين أنه لا يفتى ، ويلزم بيته ~~، ولا يجتمع بأحد . فسأله الشيخ أن يفسح له في صلاة الجمعة ، والاجتماع ~~بطبيب أو مزين ، إن دعت حاجته إليهما ، وفي دخول الحمام ، فأذن له في ذلك . ~~ثم انتزح الشيخان : عز الدين وأبو عمرو ، عن دمشق إلى الديار المصرية - على ~~ما نذكره ، إن شاء الله تعالى . وفيها كانت الوقعة بين عسكر حلب ~~والخوارزمية . وكان الملك الجواد والملك المنصور - صاحب حمص - مع ~~الخوارزمية . فقصدوا حلبا ، ونزلوا على باب بزاعة في خمسة آلاف فارس . وخرج ~~إليهم عسكر حلب في ألف وخمسمائة ، فكسروهم ، وأسروا من أمرائهم ونهبوا من ~~أثقالهم . فتوجه الخوارزمية حيلان وقطعوا الماء عن حلب ، وضايقوهم . ثم ~~عادوا إلى منبج ، فنهبوها ، وقتلوا أهلها وفضحوا النساء ، ثم عادوا إلى ~~حران . وكان الملك المنصور إبراهيم - صاحب حمص - قد نزل على شيزر ، ~~فاستدعاه الحلبيون ، فجاء إلى حلب ، ونزل ms6791 بظاهرها - ومعه عسكر حمص . ~~PageV29P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" وفيها سلم الملك الحافظ قلعة جعبر إلى صاحب ~~حلب ، وعوضه عنها أعزاز . وكان سبب ذلك أنه حصل له فالج ، فتوجه ولده إلى ~~الخوارزمية يستنجدهم على أبيه ، وطلب منهم عسكرا لمحاصرته ، فخشى من ذلك ، ~~فسلمها لصاحب حلب . وفيها تسلم عسكر صاحب الروم آمد ، بعد حصار شديد . ~~ويقال إنهم اشتروها بثلاثين ألف دينار . وفيها ، في ليلة الجمعة ثاني عشر ~~ربيع الآخر ، توفي الشيخ محيي الدين : أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد ، ~~المغربي الحاتمي الطائي ، المعروف بابن العربي ، وهو من أهل الأندلس . ~~ومولده في ليلة الاثنين ، سابع عشر شهر رمضان ، سنة ستين وخمسمائة ، بمرسية ~~من بلاد الأندلس . ونشأ بها ، وانتقل إلى إشبيلية ، في سنة ثمان وتسعين . ~~ثم رحل إلى بلاد الشرق ، ودخل بلاد الروم . وطاف البلاد وحج . وصحب الصوفية ~~. وصنف كتبا كثيرة في علوم القوم . وكانت وفاته بدمشق ، ودفن بقاسيون . ~~واستهلت سنة تسع وثلاثين وستمائة : وفي هذه السنة ، حصل الشروع في عمارة ~~المدرستين الصالحيتين ، بالقاهرة المعزية ، بين القصرين - والمكان التي ~~عمرتا فيه من جملة القصر . وكان الشروع في الهدم والإنشاء في ذي الحجة . ~~ولما كملتا ، أوقفهما على طوائف الفقهاء : الشافعية والمالكية والحنفية ~~والحنابلة ، وأوقف عليهم الأوقاف . ويقال انه لما فرغ من عمارتها ندم ، ~~لكونه لم يبن مكانهما جامعا ، ويرتب فيه الدروس التي رتبها فيهما . ذكر صرف ~~قاضي القضاة شرف الدين ابن عين الدولة عن القضاء بمصر والوجه القبلي ، ~~وتفويض ذلك لقاضي القضاة بدر الدين السنجاري وفي يوم الجمعة عاشر شهر ربيع ~~الآخر ، من هذه السنة ، كتب السلطان الملك PageV29P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" الصالح إلى قاضي القضاة شرف الدين بن عين ~~الدولة كتابا ، من جملته : أن القاهرة المحروسة لما كانت دار المملكة ، ~~وأمراء الدولة وأجنادها مقيمون بها ، وحاكمها مختص بحضور دار العدل - ~~تقدمنا أن يتوفر القاضي على القاهرة وعملها ، لا غير . وفوض السلطان قضاء ~~القضاة ، بمصر والوجه القبلي ، للقاضي بدر الدين أبي المحاسن : يوسف ~~السنجاري قاضي سنجار . ثم مرض القاضي شرف الدين المذكور ، إثر ذلك ، ومات ms6792 ~~في هذه السنة . ذكر وفاة قاضي القضاة شرف الدين ابن عين الدولة ، وشيء من ~~أخباره وفي ليلة الخميس ، التاسع عشر من ذي القعدة ، سنة تسع وثلاثين ~~وستمائة - كانت وفاة قاضي القضاة شرف الدين أبو المكارم : محمد بن عبد الله ~~ابن الحسن بن علي ، بن عين الدولة : أبي القاسم صدقة بن حفص الصفراوي ~~الإسكندراني . وكان قد ولي القضاء في أيام السلطان الملك العادل : سيف ~~الدين - جد السلطان - كما تقدم ، واستمر بعده . ولما مات - رحمه الله - صلى ~~عليه بمصلى بني أمية ، وشهد جنازته خلق كثير ، ودفن بعد صلاة الظهر ~~بالقرافة ، وأم الناس عليه ولده محيي الدين : أبو الصلاح عبد الله . ومولده ~~- رحمه الله تعالى - بثغر الإسكندرية في يوم السبت ، مستهل جمادى الآخرة ، ~~سنة إحدى وخمسين وخمسمائة . وكانت مدة عمره ثمانيا وثمانين سنة ، وخمسة ~~أشهر وثمانية عشر يوما . ومدة ولاية القضاء - استقلالا - ستا وعشرين سنة ، ~~وتسعة أشهر ، وسبعة عشر يوما . وناب عن القضاء قبل ذلك ثمانيا وعشرين سنة . ~~وشهرين وأياما . وكان رحمه الله تعالى - ذا رياسة قديمة ، ووالده وجده من ~~كبراء أهل الثغر . وجد أبيه - القاضي الجليل - من رؤسائه . وبلغ من محله في ~~الدولة العبيدية أن لقب بعين الدولة ، ولقب ولده بثقة الدولة ، وولده ولده ~~بعين الدولة . فسأل تخصيصا مانعا ، لاشتباه الولد بالجد ، فميز الولد بعين ~~الدولة ومكينها ، ووالده بثقة الدولة وأمينها - بتقليد من الخلفاء ~~العبيديين . وعمر القاضي الجليل مائة سنة وأربع سنين . ومات عن عدة أولاد ~~ذكور ، ما منهم إلا من عدل بالديار المصرية ، وتولى الأحكام الشرعية . وكان ~~القاضي شرف الدين - رحمه الله تعالى - مالكي المذهب ، ثم انتقل إلى مذهب ~~الإمام الشافعي وسبب ذلك أنه قدم من ثغر الإسكندرية إلى مصر وسكن بها ، في ~~شهر ربيع PageV29P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" الآخر سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة . واتصل ~~بالقاضي المرتضى ابن القسطلاني ، ثم اتصل بقاضي القضاة : صدر الدين عبد ~~الملك بن عيسى ابن درباس الهذباني ، فعدله واستكتبه ، في ذي القعدة سنة ~~ثلاث وسبعين وخمسمائة . فلما عزل ابن الجاموس من خطابة الجامع بالقاهرة ، ~~أمره القاضي صدر ms6793 الدين أن يخطب ، فخطب وأجاد وأبلغ في الموعظة ، ونزل فصلى ~~وجهر بالبسملة . فلما فرغ من الصلاة ، وجلس بين يدي القاضي صدر الدين ، ~~شكره وأثنى عليه - والمجلس غاص بالفقهاء والصدور وأرباب المناصب - فقال بعض ~~الأكابر : يا شرف الدين جهرت بالبسملة ، وخالفت مذهبك . فأنشد قول المتنبي ~~في كافور : فراق ، ومن فارقت غير مذمم . . . وأم ، ومن يممت خير ميمم ~~فاستحسن ذلك القاضي والجماعة . وصار شافعيا من ذلك اليوم . واشتغل بمذهب ~~الشافعي على القاضي : ضياء الدين أبي عمرو عثمان بن درباس ، مصنف الاستقصاء ~~، وعلى الفقيه : أبي إسحاق إبراهيم بن منصور العراقي واستنابه القاضي صدر ~~الدين عنه في الحكم بمصر ، في يوم الاثنين والخميس ، في العشر الأوسط من ذي ~~القعدة ، سنة أربع وثمانين وخمسمائة . فحضر إليه يستعفى من ذلك . وكان جمال ~~الدولة : أبو طالب شراتكين - سلف القاضي صدر الدين - حاضرا ، هو من الأجناد ~~- فأسر إليه ، وقال له : لا تستعفى ، فأنت ، والله ، بعد اثنتين وثلاثين ~~سنة ، قاضي القضاة . فأرخها فلم تزد ولم تنقص . PageV29P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" ووقع للقاضي زين الدين علي بن يوسف الدمشقي ، ~~أيام ولايته . ثم عاد القاضي صدر الدين إلى الحكم ، فعاد إليه . وولي ~~القاضي محيي الدين : أبو حامد محمد بن القاضي شرف الدين بن أبي عصرون ، ~~فوقع له . ثم عاد صدر الدين ، فعاد إليه ، ولم يزل كاتبه إلى أن توفي . ~~وكان كثير الركون إليه ، والاعتماد عليه . حتى إن شرف الدين مرض ، فسأل عنه ~~القاضي صدر الدين ، فأخبر بشدة مرضه ، فقال : والله لئن قضى عليه بمحتوم ، ~~لأعزلن نفسي ، لأنني لا أجد من اثق به سواه . ولما ولي القاضي عماد الدين : ~~عبد الرحمن بن عبد العلي السكري القضاء ، كتب له ، إلى أن عزل القاضي عماد ~~الدين في شهر المحرم ، سنة ثلاث عشرة وستمائة ، فقسم السلطان الملك العادل ~~القضاء شطرين : فولي القاضي شرف الدين هذا القاهرة والوجه البحري ، في ~~الشهر المذكور - وقيل في يوم السبت ثاني صفر - وولي القاضي تاج الدين بن ~~الخراط مصر والوجه القبلي ، كما تقدم . ثم أضاف السلطان الملك الكامل إليه ~~قضاء مصر ms6794 والوجه القبلي ، في العشر الآخر من شعبان - أو في شهر رمضان - سنة ~~سبع عشرة وستمائة ، كما تقدم ذكر ذلك وكان السلطان الملك الكامل كثير ~~التنويه بذكره ، والافتخار بولايته ، والابتهاج بما يراه من أحكامه ، وما ~~يبلغه من سيرته ، وما يتحققه من حسن طويته ، وجميل سريرته ، وكان إذا نظر ~~إليه يقول : والله لنتعبن بعد هذا ، إذا فقدناه ، ولا نجد بعده من يقوم ~~مقامه وكان إذا كتب إلى السلطان ، يستأذنه في عزل نائب من نوابه بالأعمال ، ~~أو في أمر يقصد فعله ، يجيبه عن كتابه بخطه على ظهر كتابه ، أو بين سطوره . ~~وكان يقترح ذلك على السلطان ، في بعض الأحيان . وكان الرسم في المكاتبات ~~والأجوبة جاريا على غير ما هو عليه ، في عصرنا هذا . وقد رأينا أن نثبت من ~~مكاتبات قاضي القضاة إلى السلطان ، وأجوبته له ، في هذا الموضع ، ما يعلم ~~منه كيف كان الرسم جاريا . فمن ذلك ما كتب به إلى السلطان الملك الكامل : ~~اللهم إني أسألك حسن الفاتحة ، والخاتمة في عافية . المملوك يخدم المقام ~~المولوي السلطاني المالكين الكاملي - بلغه الله تعالى كل مراد وأمل ، ووفقه ~~لطاعة ربه في كل قول وعمل - وينهى : أن النائب في الحكم بإطفيح قد كثر من ~~القول فيه ما PageV29P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" تقتضي المصلحة الاستبدال به وهو ابن أخت ~~الأجل مجد الدين ، أخي الفقيه الأجل عيسى - وقد كان المتظلمون ، من مدة ، ~~حضروا شاكين لأمره ، وطالع المملوك مولانا بحاله ، وكان مولانا في بعض ~~متوجهاته الميمونة . فورد الجواب ، بأن مولانا ينظر في ذلك . وقد كثر القول ~~. والمملوك يستأذن على ما يفعله في أمره ، من صرف أو إبقاء . المملوك يخدم ~~، وينهي أن النائب في الحكم بالمحلة قد ظهر من أحواله ، وتحايفه على من ~~يحقد عليه ، ويقصد مضادته لما في نفسه - ما يقتضى كف يده وهو يستند إلى ~~متولي الحرب بالمحلة ، ويعول على ثنائه عليه وميله إليه - على ما ذكر ~~للمملوك . وهو يستأذن على أمره . المملوك يسأل الإجراء - على عادة الفضل ~~والكرم - في أنه ، إن حسن التشريف عن هذين الفضلين بالجواب ، أن ms6795 يكون تشريف ~~الخط الكريم - لا زال عاليا - ليكون سببا لستر القضية ، إلى أن يعتمد فيها ~~ما يرسم من توقف أو إمضاء والله تعالى يمن على المملوك بدوام جميل آراء ~~مولانا وعضده له ، وتقوية يده في نيابته عن مولانا فيما فوضه إليه . ~~المملوك ينهى أن من اعتمد في أمره من الشهود والنواب - الأمر الذي أرشد ~~مولانا المملوك فيه إلى الصواب - لكل منهم جهة ربما شق عليها ما جرى ، وصحل ~~منها في حق المملوك ما يقضي بتغيير خاطر وتقسيم فكر . والله ما يبالي ~~المملوك - بعد رضي الله تعالى - إلا برضي مولانا بمن أحب أو أبغض ، أو أعان ~~أو تعصب . ولو كان كل الناس عنى بجانب . . . لما ضرني ، إذ كنت منك بجانب ~~المملوك ينهي أن مولانا ، لما شرف المملوك في الخدمة ، كان في التقليد أنه ~~لا يستنيب إلا من كان على مذهب الإمام الشافعي - قدس الله روحه . ولما كان ~~بعد ذلك ، ورد مكتوب من مولانا في زمن إقامة ركابه بالمنصورة ، يتضمن أن ~~أمر الإستنابة إلى المملوك . وفي النواب اليوم شخصان على مذهب مالك - رحمه ~~الله تعالى . فيحيط PageV29P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" العلوم أنه ما خالف إلا بعد ما ورد ما ذكره . ~~وكان ممن تقدم المملوك في الحكم من استناب الشافعية والحنفية والمالكية ~~بمصر نفسها ، وبالأعمال . أنهى ذلك ، والرأي أعلى في التشريف بالجواب - إن ~~شاء الله رب العالمين . فأجابه على ظهر كتابه - بخطه - ما مثاله : اخترتك ~~دون غيرك ، لبراءة ذمتنا وذمتك . افعل ما يخلصك عند الله ، من خير معنا ~~تفعله ، ومع نفسك - إن شاء الله تعالى وختمه . وكتب على الختم القاضي شرف ~~الدين قاضي القضاة . وأضاف السلطان إليه الحكم في الينبع ، في بعض شهور سنة ~~ست وعشرين وستمائة ، فاستناب فيه . ثم أضاف إليه الحكم بغزة والخليل الأردن ~~وطبرية وبانياس ، في سنة إحدى وثلاثين ، فاستناب عنه فيها نوابا . ثم تقدم ~~إليه أن يستنيب عنه خطيبا وحاكما بثغر دمياط ، في شعبان سنة أربع وثلاثين ~~وستمائة ، فاستناب في ذلك . وكتب إلى السلطان - قبل أن يستنيب - يستأذنه في ~~النيابة ms6796 ، ويستوضح عن أمر البلاد الشامية ، فأجابه : ورد كتاب الحضرة - ~~أعاد الله علينا من بركاتها ، ونفعنا بمتقبل دعواتها ، وأسعد آراءها ، ووفق ~~قصودها وأنحاءها ، ولا زالت تصرفاتها في الشريعة أبدا ميمونة ، وأحكامها ~~بإصابة الحق مقرونة - وفضضنا ختمها ووقفنا عليها ، وأحاط علمنا بما اشتملت ~~عليه ، وما أومأت الحضرة إليه وشكرنا اجتهادها المفوف البرود ، وتحرزها في ~~الأمور الشرعية الجليلة العقود . وأتينا على ديانتها التي رقتها عندنا إلى ~~المقام المحمود . فأما إشارتها إلى أنها تستنيب في غزة وما معها ، عنا أو ~~عن نفسها ، فنحن أضفنا ذلك إليها ، وهي تستنيب عن نفسها من يكون أهلا لذلك ~~. وأما استفهامها أن المواضع المذكورة : هل لها جامكيات مقررة أم لا ؟ نعم ~~لها جامكيات مقررة ، والديوان شاهد بها . وأما استيضاحها : هل لهذه المواضع ~~أصل ، حتى يقال : الموضع الفلاني وعمله ، فيولي فيه شخصا واحدا ، أو كل ~~موضع ، وإن قل ، مفتقر إلى نائب مفرد - فلتعلم الحضرة أن مرادنا أن نستنيب ~~شخصين : أحدهما لغزة وطبرية والأردن وجبل الخليل ، والآخر لبانياس وعملها . ~~ثم ذكر غير ذلك في جوابه ، وقال : وكتب لسبع خلون من شوال سنة إحدى وثلاثين ~~وستمائة ، بمنزلة تقابل البيرة بشاطئ الفرات ، من بر الشام المحروس - شفاها ~~. وكتب إلى السلطان أيضا يستأذنه في صرف بعض النواب ، فأجابه : ~~PageV29P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" وردت مكاتبة الحضرة - أيدها الله بتوفيقه في ~~جميع حالاتها ، ولا أخلى من صالح دعواتها في شريف أوقاتها ، وأجراها من ~~السداد والتحرز على مختار دعواتها في شريف أوقاتها ، وأجراها من السداد ~~والتحرز على مختار عاداتها - ووقفنا عليها جميعا ، وأحاطت علومنا بما أشارت ~~إليه ، وما نبهت فيها عليه . فأما إشاراتها إلى صرف قاضي الفيوم والاستبدال ~~به بخطيب البلد وصرف قاضي قوص ، وتعريضها بأنها لا يجوز لها إعادته . ~~وعزمها على صرف قاضي إخميم ، وما عرضت به من انتمائه إلى كريم الدين ~~الخلاطي . وإصرارها على صرف قاضي منية زفتي ، وتصريحها بأنه ذاكر أنا نعرفه ~~، وقد خلعنا عليه - فجوابنا عن جميع ذلك : أنا قلدناها هذا الأمر العظيم ، ~~وذممناها هذا الخطب الجسيم ، ونهجنا بها السلوك في طريقه المستقيم ، وفوضنا ms6797 ~~ذلك إليها ، وجعلنا أزمة نقضه وإبرامه بيديها ، وصيرنا ركائب آمال طالبي ~~التولية مناخة لديها - نرجو بذلك براءة الذمة عند الله تعالى ، وأن لا تقوم ~~الحجة علينا ولا عليها . فمن استصلحته ورضيته من النواب ، فلتقره على حاله ~~. ومن ظهر لها اعوجاجه وسخطته ، فلتصرفه ، ولا تعرج على أساطير أقواله . ~~فالإرهابات والتمويهات لا مدخل لها في أمور الدين ، والشرع الشريف منزه عن ~~شفاعة الشافعين . فلتعلم الحضرة ذلك ، ولتواصل بالمتجددات ، موفقة في ذلك - ~~إن شاء الله تعالى . سطرت لأحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة ، سنة إحدى ~~وثلاثين وستمائة ، بظاهر السويدا - مشافهة . هذا كان الرسم في المكاتبات ~~والأجوبة . وفيه دليل على أن قاضي القضاة بالديار المصرية ، في ذلك الوقت ، ~~كان لا يستقل بعزل نائب من نوابه بالأعمال - وإن صغرت جهة ولايته - إلا بعد ~~مراجعة السلطان ، واستئذانه . وما زال الأمر جاريا على ذلك ، إلى أن ملك ~~السلطان الملك الصالح نجم الدين ، فغلظ حجابه ، وتعذر خطابه وجوابه ، ~~وتعاظم أن يشاور في الجزئيات ، وأن يشافه إلا في الأمور المعضلات . فاستقل ~~حينئذ القضاة وغيرهم ، واستبدوا بالولايات والعزل . ولنرجع إلى أحوال قاضي ~~القضاة : شرف الدين ، وسيرته . وكان - رحمه الله تعالى - جوادا كريما ، ~~زاهدا لا يدخر شيئا : ولا يملك إلا سجادة خضراء من الصوف ، وسجادة من أدم ~~ومشطا وسبحه ، ومقراضا ، وعودا من أراك . وليس له إلا بدلة واحدة ، فإذا ~~تغيرت ، غسلت له ليلا . وبغلة واحدة . فإذا كان زمن الربيع ، استأجر بغلة ~~في كل يوم بثلاثة دراهم ، ويقوم بعلفها من عنده . ما ملك عقارا ، ~~PageV29P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" ولا وجبت عليه زكاة في عمره . وكان مضبوط ~~المجلس ، لا يسار أحدا في مجلسه ولا يضحك فيه . وكان كثير العبادة ، يسرد ~~الصوم ، ولا يفطر إلا الأيام التي لا يجوز صومها ، كثير التلاوة للقرآن ، ~~والذكر والأدعية . وكان . لا يكلف أحدا قضاء حاجة ، إلا ويعطيه فوق أجرته . ~~حتى كان يدفع ملء إبريق ماء حارا في الشتاء من الحمام ، عند كل صلاة ، نصف ~~درهم للحمامي ، وربع درهم لحامل ذلك إليه . وكان يدفع لباري أقلامه أجرة ، ~~من درهمين ms6798 إلى ثلاثة . وكان له شعر حسن ، قد وقفت منه على قصائد ، يمدح بها ~~السلطان الملك الكامل - تركنا إيرادها إختصارا . فمن شعره ، بديهة : وليت ~~القضاء ، وليت القضا . . . ء لم يك شيئا توليته وقد قادني للقضاء القضا . . ~~. وما كنت قدما تمنيته وكان حسن النثر . وكانت علامته : الحمد لله متولي ~~السرائر . ويكتب تحت خط الشهود : أقام شهادته عندي بذلك ، وشخص المذكور . ~~والله على كل شيء شهيد . وأخباره - رحمه الله تعالى - وأوصافه الحسنة كثيرة ~~، وقد أتينا منها بما فيه الكفاية . ولما مات قاضي القضاة شرف الدين في ~~التاريخ المذكور ، خرج الأمر السلطاني بالإذن للعقاد والنواب عنه بالقاهرة ~~- في يوم الأحد الثاني والعشرين من ذي القعدة من السنة - بالإستمرار ، إلى ~~أن يقع الإختيار على قاض ، ولم يؤذن لنائبه : القاضي محيي الدين عثمان بن ~~يوسف القليوبي - بشيء - وهو الذي كان خليفة القاضي شرف الدين بن عين الدولة ~~في الحكم - إلى أن مات . واستمر ذلك إلى يوم الأربعاء ، الخامس والعشرين من ~~الشهر . ففوض السلطان قضاء القاهرة والوجه البحري لقاضي القضاة : بدر الدين ~~السنجاري - وصرف عن الحكم بمصر والوجه القبلي . وكان قد استناب بمصر ابن ~~عمه : القاضي شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم ابن خلكان ، وفوض إليه ~~عقود الأنكحة وقضاء الجيزة ، واستناب شمس الدين عنه في قضاء الجيزة أخاه : ~~بهاء الدين محمد بن محمد . فلما ولي القاضي بدر الدين القاهرة ، استناب ~~القاضي شمس الدين - المذكور - بها . فجلس في يوم الخميس - السادس والشعرين ~~من ذي القعدة - بجامع PageV29P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" الأزهر ، وأمر الشهود بالانتقال إلى حرم ~~الجامع . ثم شرك بينه وبين القاضي محيي الدين ، في النيابة بالقاهرة . وولي ~~قضاء مصر الشيخ عز الدين بن عبد السلام . ذكر وصول شيخ الإسلام عبد العزيز ~~بن عبد السلام - إلى الديار المصرية ، وما اتفق له بعد خروجه من الشام إلى ~~أن وصل ، وتفويض القضاء بمصر والخطابة بها - وغير ذلك - إليه ، وما فعله ~~وعزله نفسه كان وصوله إلى الديار المصرية في سنة تسع وثلاثين وستمائة . ~~وذلك أنه لما وقع له مع الملك الصالح ms6799 إسماعيل بدمشق ما وقع ، وعزله وألزمه ~~داره - كما تقدم - فارق دمشق ، وقصد البيت المقدس . فوافاه الملك الناصر ~~داود صاحب الكرك بالغور ، فأكرمه ونقله إلى الكرك . وقال له : تقيم عندي ~~بهذا الحصن وأنا لا أخرج عن أمرك . فأقام عنده مدة يسيرة . ثم استأذنه في ~~الخروج ، فسأله عن موجب خروجه وكراهة مقامه . فقيل إنه قال له : هذا بلد ~~صغير ، وأنا أحب الانتقال إلى بلد أنشر به ما عندي من العلم . فأذن له ، ~~وتوجه الشيخ إلى القدس ، وأقام به . فجاء الملك الصالح إسماعيل بعساكره إلى ~~القدس - وصحبته الفرنج - فأرسل إلى الشيخ بعض خواصه بمنديله ، وقال له : ~~ادفع إليه منديلي وتلطف به واستنزله ، وعده بعوده إلى مناصبه . فإن أجاب ، ~~فائتني به . وإن خاشنك فاعتقله في خيمة إلى جانبي خيمتي . فأتاه الرسول ~~ولاطفه ، ثم قال له : بينك وبين أن تعود إلى مناصبك ، وتعود إلى ما كنت ~~عليه وزيادة ، أن تقبل يد السلطان . فقال له : والله ما أراضه أن يقبل يدي ~~، فضلا أن أقبل يده فقال : إنه قد رسم أن أعتقلك إذا لم توافق . فقال ~~افعلوا ما بدالكم فاعتقله في خيمة إلى جانب خيمة السلطان . وكان يقرأ ~~القرآن والسلطان يسمعه . فقال يوما لملوك الفرنج : تسمعون هذا الذي ~~PageV29P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" يقرأ ؟ قالوا نعم : قال هذا أكبر قسوس ~~المسلمين ، وقد حبسته لإنكاره على تسليمي لكم حصون المسلمين ، وعزلته من ~~الخطابة بدمشق وعن مناصبه ، ثم أخرجته عن دمشق فجاء إلى القدس . وقد جددت ~~اعتقاله لأجلكم . فقالوا له : لو كان هذا قسيسنا ، لغسلنا رجليه ، وشربنا ~~مرقتها ثم فارق الصالح القدس . وقدم الشيخ إلى الديار المصرية . فأقبل عليه ~~السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ، وأكرمه ، وفوض إليه الخطابة ~~والإمامة بجامع عمرو بن العاص بمصر ، في يوم الجمعة العاشر من شهر ربيع ~~الآخر ، سنة تسع وثلاثين وستمائة ، عوضا عن أبي المجد الإخميمي - وكان أبو ~~المجد قد ولي الخطابة بعد وفاة أبي طاهر المحلى ، وكان ينوب عنه في حال ~~حياته . وخطب الشيخ عز الدين في هذا اليوم . وأذن الأذان الثاني على الدكة ms6800 ~~يومئذ ، مؤذن واحد - خلاف العادة . ثم فوض إليه القضاء بمصر والوجه القبلي ~~- في يوخم الثلاثاء التاسع من ذي الحجة ، من السنة - بعد انتقال قاضي ~~القضاة بدر الدين السنجاري منها إلى القاهرة والوجه البحري . وشغرت مصر عن ~~حاكم ، فيما بين نقل القاضي بدر الدين وتولية الشيخ ، أربعة عشر يوما ~~ووليها الشيخ ، أربعة عشر يوما ووليها الشيخ مضافة إلى الخطابة . وجلس في ~~هذا اليوم ، وحكم بين الناس . واستناب الشيخ عنه ، في الحكم ، القاضي صدر ~~الدين موهوب : قاضي جزيرة ابن عمر . وفي يوم جلوس الشيخ للحكم ، أسقط عدلين ~~من العدول المتقدمة . وسبب ذلك أنه وجد مسطورا ، فيه شهادتهما ، وهو غير ~~مؤرخ ، وفي خط كل منهما : كتبه فلان في تاريخه . وسأل أحدهما عن فرائض ~~الصلاة ، فلم يجبه جوابا مرضيا . ثم أسقط ، بعد ذلك بأيام ، القاضي فخر ~~الدين بن قاضي القضاة عماد الدين بن السكري - مدرس منازل العز - لأنه وجد ~~شرط الواقف بالمدرسة أن يكون المدرس بها عارفا بالأصولين ، وهو عار عن ~~معرفتهما . فأسقطه لذلك . وأسقط أيضا جماعة من عدول القاضي شرف الدين بن ~~عين الدولة . ثم أسقط PageV29P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" ولده محيي الدين أبا لاصلاح . وطلبه فخرج ~~مستخفيا إلى ثغر الإسكندرية . واستند في إسقاط كل منهم إلى موجب ظاهر . ثم ~~عزل نفسه . فتلطف السلطان في إعادته ، فعاد . ثم أسقط الصاحب معين الدين بن ~~شيخ الشيوخ : وزير السلطان الملك الصالح ونائبه ، ومقدم جيوشه . وعزل نفسه ~~عن القضاء ثانيا . وسبب ذلك : أن الصاحب معين الدين كان قد بني فراشخاناه ~~على ظهر مسجد ، بجوار داره . وكان السلطان قد فوض إلى الشيخ أيضا النظر في ~~عمارة المساجد ، بمصر والقاهرة . فأرسل إليه يأمره بهدم ما استجده على ظهر ~~المسجد وإزالته ، وإعادة المسجد إلى ما كان عليه . فلم يجب إلى ذلك . ثم ~~عاوده فلم يفعل . فلما طال ذلك على الشيخ ، أمر الفقهاء طلبته أن يأتوه في ~~غد - ومع كل واحد منهم معول - ففعلوا ذلك . فلما رآهم العوام اجتمع منهم ~~خلق كثير بالمساحي . وركب الشيخ إلى دار الصاحب معين الدين ، وهو ms6801 في خدمة ~~السلطان ، وأمر بإخراج ما في ذلك المكان ، فأخرج ، ثم أمر بهدمه فهدم . ~~فتألم الصاحب معين الدين لذلك ، ولم يمكنه أن يحدث فيه شيئا . فلما كان بعد ~~مدة يسيرة ، جلس الشيخ بجامع مصر لتعديل من شهد بعدالته ، منهم : فخر الدين ~~محمد بن الصاحب هباء الدين علي بن محمد . واجتمع لذلك جمع كثير من العلماء ~~والفقهاء والأكابر والقراء - وكانت العادة كذلك في إنشاء العدالة . فاتصل ~~الخبر بالصاحب معين الدين ، فأمر والي مصر أن يدخل إلى المجلس ، ويفرق ذلك ~~الجمع ، ويقول للشيخ عز الدين : يقول لك الصاحب : بلد السلطان لا يجتمع فيه ~~الجموع . ففعل الوالي ذلك . فصرخ الشيخ في المجلس بإسقاط عدالة الصاحب معين ~~الدين ثم عزل نفسه عقيب ذلك . وكثر اللغط ، وارتفعت الأصوات . ولما اتصل ~~خبر هذا الإسقاط بالسلطان ، منع الصاحب معين الدين من الدخول إليه ثلاثة ~~أيام ، حتى لفق صيغة شهدت أن الشيخ إنما أسقطه بعد أن عزل نفسه ، وأن ~~إسقاطه لم يصادف محلا ، وأنه باق على عدالته . PageV29P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" وأثر هذا الإسقاط في الصاحب معين الدين أثرا ~~مولما . وهو أنه حكى أن السلطان أرسل رسولا إلى الديوان العزيز ببغداد ، ~~وكان المشافه للرسول عن السلطان الصاحب معين الدين . فلما أبلغ الرسالة قال ~~له الوزير : أيوب شافهك بهذه الرسالة ؟ قال : لا ، إنما شافهني بها عنه ~~الصاحب معين الدين . فقال له الوزير : معين الدين أسقط الشيخ عز الدين ~~عدالته ، فلا يرجع إلى مشافهته . ولما عزل الشيخ نفسه ، أراده السلطان على ~~العود إلى القضاء ، فامتنع من ذلك . ففوض السلطان الملك الصالح القضاء بعده ~~، بمصر والوجه القبلي ، إلى نائبه : القاضي صدر الدين أبي منصور موهوب ، بن ~~عمر بن موهوب ، بن إبراهيم ، الجزري الشافعي - وذلك في سنة أربعين وستمائة ~~. فأعاد بعض من أسقطهم الشيخ عز الدين إلى العدالة . ولم تطل ولايته ، فإنه ~~استمر في القضاء نحو سنة . وعزل ، ولم يل القضاء بعدها . وفي سنة تسع ~~وثلاثين وستمائة - أيضا - توجه السلطان الملك المنصور - صاحب حمص - وعسكر ~~حلب ، إلى حران ، والتقوا مع الخوارزميه ، ومزقوهم كل ms6802 ممزق ، فكسروا ~~الخوارزمية . واستهلت سنة أربعين وستمائة : في هذه السنة ، عزم السلطان ~~الملك الصالح نجم الدين على التوجه إلى الشام ، فبلغه أن العساكر مختلفة ، ~~والبلاد مختلة ، فأقام . وفيها كانت وقعة عظيمة بين عسكر حلب والخوارزمية . ~~وكان الملك المظفر شهاب الدين غازي - صاحب ميافارقين - مع الخوارزمية ، ~~وكانوا قد حلفوا له وحلف لهم . وأخربوا بلاد الموصل وماردين ، فاضطر صاحب ~~ماردين إلى موافقتهم . وجمع غازي الخانات الخوارزميه ، وأشار عليهم بقصد ~~بلاد الموصل فقالوا : لا بد من لقاء العسكر الحلبي ، فألجأته الضرورة إلى ~~موافقتهم . وركبوا في ثامن عشرين المحرم ، من جبل ماردين إلى الخابور ، ~~وساقوا إلى PageV29P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" المجدل . ووقف الخانات ميمنة وميسرة ، ووقف ~~الملك المظفر غازي في القلب ، والتقوا . فصدمهم العسكر الحلبي صدمة رجل ~~واحد . فانهزموا لا يلوون على شيء ، ومعهم الحلبيون يقتلون ويأسرون . ~~وأخذوا أثقال غازي وأغنام التركمان ، وخيلهم ونساءهم ، وكانوا خلقا كثيرا . ~~فبيع الفرس بخمسة دراهم ، ورأس الغنم بدرهم . ونهبت نصيبين ، وسبي نساؤها - ~~وكانت قد نهبت مرارا في سنة تسع وثلاثين - يقال نهبت سبع شعرة مرة ، من ~~المواصلة والخوارزمية وعسكر ميافارقين وماردين - وعاد الملك المظفر غازي ~~إلى ميافارقين . وتفرقت الخوارزمية ، ثم اجتمعوا على نصيبين . ثم رحلوا ~~فنزلوا رأس عين ، فقتلوا أهلها ، ونهبوا الأموال وسبوا النساء . وفعلوا ~~بالخابور كذلك ، ونهبوا أغنام التركمان . وفيها وصل إلى الملك المظفر - ~~شهاب الدين غازي - منشور بخلاط وأعمالها ، مع شمس الدين النائب بالروم ، ~~فتسلمها وما فيها . وفيها توفيت ضيفة خاتون ، ابنة الملك العادل : سيف ~~الدين أبي بكر ابن أيوب . وهي والدة الملك العزيز : بن الملك الظاهر صاحب ~~حلب - والد الملك الناصر . وكانت هي التي دبرت الدولة ، وحفظ الملك بسببها ~~على ابنها وابنه ، بعد وفاة الملك الظاهر . ولما توفيت ، قام بتدبير الدولة ~~الحلبية الأمير الأتابك : شمس الدين لؤلؤ ، أتابك الملك الناصر صاحب حلب . ~~ذكر الإتفاق والاختلاف بين الملكين الصالحين : نجم الدين أيوب صاحب مصر ، ~~وعماد الدين إسماعيل صاحب دمشق في هذه السنة ترددت الرسل بين الملكين ~~الصالحين : نجم الدين أيوب صاحب PageV29P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" الديار المصرية ، وعمه ms6803 عماد الدين إسماعيل ~~صاحب الشام ، وتوجه شرف الدين بن التيني والأصيل الإسعردي الخطيب ، إلى ~~دمشق . فأطلق الملك الصالح إسماعيل الملك المغيث جلال الدين - ولد السلطان ~~الملك الصالح نجم الدين - من الاعتقال . وركب وخطب لابن أخيه الملك الصالح ~~أيوب بدمشق . ورضي الملك الصالح أيوب بإقرار دمشق بيد عمه الصالح إسماعيل ، ~~بعد أن يسلم إليه ولده . وحصل الاتفاق على ذلك ، ولم يبق إلا أن يتوجه ~~الملك المغيث إلى أبيه . فصرف أمين الدولة السامري - وزير الملك الصالح ~~إسماعيل - رأيه عن ذلك وقال : هذا خاتم سليمان ، لا تخرجه من يدك يعدم ~~الملك . فتوقف ، ولم ينتظم الحال . وقطع خطبة ابن أخيه ، وأعاد الملك ~~المغيث إلى الاعتقال بالبرج ، واستمر به إلى أن مات . وكان وفاته يوم ~~الجمعة ثاني عشر شهر ربيع الآخر ، سنة اثنتين وأربعين وستمائة . وحمل إلى ~~تربة جده الملك الكامل فدفن بها . وكان عاقلا ، ما حفظت عنه كلمة فحش - ~~رحمه الله تعالى . ولما رجع الصالح إسماعيل عن الصلح ، كتب الملك الصالح ~~أيوب إلى الخوارزميه في الحضور إلى الشام . فعبروا إلى الفرات وانقسموا ~~قسمين : قسم جاءوا على البقاع البعلبكي ، وقسم على غوطة دمشق . ونهبوا ~~وسبوا وقتلوا . وسد الصالح إسماعيل أبواب دمشق . وتوجه الخوارزميه إلى غزة ~~. وكان من خبرهم ما نذكره - إن شاء الله تعالى . وفيها عزل قاضي القضاة : ~~صدر الدين موهوب الجزري عن القضاء بمصر والوجه القبلي ، وفوض السلطان الملك ~~الصالح ذلك إلى القاضي : أفضل الدين أبي عبد الله ، محمد بن نامادر ، بن ~~عبد الملك ، بن زنجلين ، الخونجي ، وكانت ولايته في يوم عيد النحر من هذه ~~السنة . واستمر في القضاء إلى أن مات . وفيها في يوم الجمعة بعد الصلاة ، ~~ثاني العيد الأضحى ، أمر الملك الصالح إسماعيل بالقبض على أعوان القاضي ~~رفيع الدين الجيلي - وكانوا ظلمة آذوا الناس . PageV29P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" وكان كبيرهم الموفق حسين بن عمر بن عبد ~~الجبار - المعروف بابن الواسطي . ثم قبض على القاضي الرفيع بعد أيام . وأمر ~~بمصادرتهم فصودروا ، وعوقبوا وعذبوا بأنواع العذاب - وكانوا لذلك أهلا . ثم ~~قتل الرفيع في سنة اثنتين ms6804 وأربعين وستمائة ، ببعلبك : جهزه أمين الدولة ~~السامري إليها ، فقتل هناك . وكان القاضي الرفيع هذا قد صادر أهل دمشق ، ~~وفعل ما لا يفعله ظلمة الولاة . وكتب إلى السلطان يقول : إنني قد حملت إلى ~~خزانتك ألف ألف دينار ، من أموال الناس . فقال السامري : ولا ألف ألف درهم ~~. وكان السامري قد تمكن من الملك الصالح تمكنا عظيما ، لا يخالفه في شيء ~~ألبته . فقال الملك الصالح : أنا أحاققه ، فإنه قد أكل الأموال ، وأقام ~~علينا الشناعة ، والمصلحة تقتضي عزله ومؤاخذته ، ليعلم الناس أنك لم تأمره ~~بأذاهم . فعزله عن القضاء . ثم تسبب في قتله . ولما عزل ، فوض القضاء بعده ~~لقاضي القضاة محيي الدين يحيى ، بن قاضي القضاه محيي الدين محمد ، بن علي ~~بن يحيى ، القرشي . وقريء تقليده بالجامع بدمشق ، في خامس عشرين ذي الحجة . ~~وحكم بإسقاط عدالة أصحاب الرفيع ، وهم : المعز بن القطان ، والزين الحموي ، ~~والجمال بن سيده ، والموفق الواسطي ، وسالم المقدسي ، وابنه محمد - لما ~~فعلوه بالمسلمين من أنواع الأذى ، وقطع المصانعات . واستهلت سنة اثنتين ~~وستمائة ذكر الواقعة الكائنة بين عسكر مصر - ومن معه من الخوارزمية - وبين ~~عسكر الشام - ومن شايعهم من الفرنج ، وانهزام الفرنج وعسكر الشام ، على غزة ~~قد ذكرنا وصول الخوارزمية إلى الشام ، ونزولهم على غزه . ولما استقروا بها ~~، أرسل إليهم السلطان الملك الصالح النفقات والخلع والكساوى ، وطائفة من ~~العسكر المصري . فاتفق الملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق ، والملك المنصور ~~صاحب حمص ، والملك الناصر داود صاحب الكرك ، وراسلوا الفرنج . وكان الصالح ~~إسماعيل قد سلم إليهم من الحصون ما تقدم ذكره . PageV29P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" ووعدهم الآن أنه متى ملك الديار المصرية ، ~~أعطاهم الأعمال الساحلية بأسرها . واستقر ذلك بينهم وبين الملوك الثلاثة ~~المذكورين . وخرج الملك المنصور - صاحب حمص - بعسكره وعساكر دمشق . وأقام ~~الصالح بدمشق . وجهز الملك الناصر داود عسكره من نابلس - صحبة الظهير سنقر ~~الحلبي والوزيري ، وأقام هو بالكرك . واجتمعت هذه العساكر ، وعساكر الفرنج ~~: الديوية والإسبتار والكنود ، على يافا . والعسكر المصري والخوارزمية على ~~غزه . قال أبو المظفر : وساق صاحب حمص وعسكر دمشق ، تحت أغلام الفرنج - ~~وعلى رؤوسهم ms6805 الصلبان ، والأقساء في الأطلاب يصلبون على المسلمين ويقسسون ~~عليهم ، وبأيديهم كؤوس الخمر والهنابات يسقونهم . وساق العسكر المصري ~~والخوارزمية . والتقوا بمكان يقال له أربيا - بين غزة وعسقلان . وكان ~~الفرنج في الميمنة ، وعسكر الناصر داود في الميسرة ، وصاحب حمص في القلب . ~~وكان يوما عظيما ، لم يجر في الإسلام بالشام مثله ، واقتتلوا . فانكسرت ~~الميسرة ، وهرب الوزيري ، وأسر الظهير سنقر الحلبي وجرح في عينه . ثم انهزم ~~صاحب حمص . وكان العسكر المصري قد انهزم ، ووصل إلى قرب العريش . وثبت ~~الخوارزمية والفرنج ، واقتتلوا ، فمالت الخوارزمية عليهم بالسيوف ، ~~يقتلونهم كيف شاؤوا . قال أبو المظفر : وكنت يوم ذاك بالقدس ، فتوجهت في ~~اليوم الثاني من الكسرة إلى غزة ، فوجدت الناس يعدون القتلى بالقصب ، ~~فقالوا : إنهم يزيدون على ثلاثين ألفا . PageV29P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" وبعث الخوارزمية بالأسارى والرؤوس إلى الديار ~~المصرية . وفي جملة الأسرى الظهير سنقر وجماعة من المسلمين . وكان يوم ~~وصولهم إلى القاهرة يوما مشهودا . وعلقت رؤوس القتلى على الأسوار ، وامتلأت ~~الحبوس بالأسرى . ووصل صاحب حمص إلى دمشق في نفر يسير ، ونهبت خزانته وخيله ~~وسلاحه ، وقتل أكثر أصحابه . فكان يقول : والله لقد علمت ، حيث سقنا تحت ~~أعلام الفرنج - أننا لا نفلح وفي هذه السنة ، توفي شيخ الشيوخ : تاج الدين ~~أبو محمد عبد الله بن عمر بن علي بن محمد بن حمويه ، بن محمد بن محمد بن ~~أبي نصر بن أحمد ، بن حمويه بن علي . وكانت وفاته بدمشق ، في سادس صفر . ~~وصلى عليه بجامعها ، ودفن بمقابر الصوفية . ومولده يوم الأحد ، رابع عشر ~~شوال ، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة . وهو عم الأمراء : فخر الدين ، وعماد ~~الدين ، ومعين الدين ، وكمال الدين : أولاد صدر اليدين شيخ الشيوخ . وكان ~~شيخا حسنا متواضعا ، عالما فاضلا ، نزها عفيفا أديبا ، صحيح الإعتقاد ، ~~شريف النفس علي الهمة ، قليل الطمع ، لا يلتفت إلى أحد من أبناء الدنيا ، ~~لا إلى أهله ولا إلى غيرهم ، بسبب دنياهم . وصنف التاريخ وغيره - رحمه الله ~~تعالى . وفيها توفي الأمير عمر : بن الملك المظفر شهاب الدين غازي ، بن ~~الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب . وكان ms6806 يلقب : بالملك السعيد . ~~وكان شابا حسن الأخلاق ، جميل الصورة ، جوادا شجاعا . وكان التتار قد ~~استولوا على ديار بكر ، وأخذوا خلاط . فخرج الملك المظفر غازي من ميافارقين ~~، ليستنجد عليهم الخليفة والملوك . وخرج معه ولده عمر هذا ، وأمير حسن بن ~~تاج الملوك أخي غازي . فوصلوا إلى الهرماس ، لوداع الملك المظفر : فقال ~~المظفر لولده عمر : المصلحة تقتضي أن ترجع إلى ميافارقين ، وتحفظ المسلمين ~~من التتار ، وأنا أتوجه إلى بغداد وإلى مصر أستنجد الملوك . فقال : والله ~~لا أفارقك . وجاء حسن بن تاج الملوك وجلس إلى جنبه ، وأخرج PageV29P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" سكينا وضرب عمر في خاصرته . وهرب ليرمي نفسه ~~في ماء العين فيغرق . فصاح الملك المظفر : امسكوه ، فقد قتل عمر ولدي وقام ~~غازي ليقتله ، فقصد حسن الملك المظفر ليقتله . فرمى عمر نفسه على أبيه ، ~~وقال لحسن : يا عدو الله ، قتلتني وتقتل والدي فضربه حسن بالسيف ، فقطع ~~خاصرته فسقط إلى الأرض . وأمر غازي بحسن فقط قطعا ، وحمل عمر إلى الحصن ~~فدفن به - رحمه الله . ذكر وفاة الملك المظفر تقي الدين محمود صاحب حماه ~~وملك ولده المنصور وفي هذه السنة ، في يوم السبت ثامن جمادى الأولى ، توفي ~~الملك المظفر تقي الدين محمود ، بن الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالي ~~محمد ، بن الملك المظفر تقي الدين عمر ، بن الأمير نور الدولة شاهنشاه بن ~~أيوب - صاحب حماه . ومولده في يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان ، سنة تسع ~~وتسعين وخمسمائة . وملك حماه في سنة ست وعشرين وستمائة ، كما تقدم . ولما ~~مات ملك بعده ولده الملك المنصور : ناصر الدين محمد . وفيها كانت وفاة ~~السلطان نور الدين أرسلان شاه ، بن عماد الدين زنكي ، بن نور الدين أرسلان ~~شاه ، بن عز الدين مسعود ، بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي ، بن ~~قسيم الدولة : آقسنقر . كان والده - رحمه الله تعالى - لما ملك شهرزور ، ~~PageV29P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" وحضرته الوفاة - أخذ العهود على الأمراء ~~والأجناد والأعيان ، فاستقر بها . وقاتل التتار مرارا عديدة . ثم مات - ~~رحمه الله تعالى . وكانت وفاته في يوم الأحد ، رابع عشر شعبان . وفيها ms6807 في ~~يوم الأربعاء ، العشرين من ذي القعدة ، كانت وفاة الشيخ شهاب الدين أبو ~~طالب : محمد بن أبي الحسن بن علي ، بن علي بن الفضل ابن التامغاز ، المعروف ~~بابن الخيمي . كان إماما في اللغة ، راوية للشعر والأدب . وكان مولده في ~~الثامن والعشرين من شوال ، سنة تسع وأربعين وخمسمائة ، بالحلة المزيدية . ~~وله نظم حسن : رحمه الله تعالى . واستهلت سنة ثلاث وأربعين وستمائة ذكر ~~استيلاء الملك الصالح نجم الدين أيوب على دمشق ، وأخذها من عمه الملك ~~الصالح إسماعيل . وعود الصالح إسماعيل على بعلبك وما معها لما اتفقت الوقعة ~~- التي ذكرناها - بين عساكر السلطان الملك الصالح نجم الدين ومن انضم إليها ~~من الخوارزمية ، وبين عسكر الملك الصالح إسماعيل والفرنج وحصلت المكاشفة - ~~جهز الملك الصالح نجم الدين جيشا كثيفا إلى دمشق ، في سنة اثنتين وأربعين ~~وستمائة ، وقدم عليه الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ . وأقامه مقام نفسه ، ~~وأمره أن يجلس في رأس السماط على عادة الملوك ، ويقف الطواشي شهاب الدين ~~رشيد - أستاد الدار - في خدمته ، وأمير جاندار ، والحجاب . فسار إلى دمشق ، ~~ومعه الخوارزمية ، فحاصروها أشد حصار . فلما كان في يوم PageV29P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" الإثنين ثامن المحرم - سنة ثلاث وأربعين ، ~~بعث الملك الصالح إسماعيل إلى الأمير الصاحب - معين الدين بن الشيخ - سجادة ~~وإبريقا وعكازا ، وقال : اشتغالك بهذا أولى من اشتغالك بقتال الملوك فبعث ~~إليه الصاحب معين الدين جنكا وزمرا ، وغلالة حرير أصفر وأحمر ، وقال : أما ~~ما أرسلت به إلي فهو يصلح لي ، وقد أرسلت بما يصلح لك ثم أصبح معين الدين ~~وركب في العسكر ، وزحفوا على دمشق من كل ناحية ، ورميت بالمجانيق . وكان ~~يوما عظيما . وبعث الملك الصالح إسماعيل الزراقين ، في يوم الثلاثاء تاسع ~~الشهر ، فأحرقوا الجوسق العادلين ومنه إلى زقاق الرمان والعقيبة بأسرها . ~~ونهبت أموال الناس . وفعل فيها كما فعل عند حصار الملك الكامل دمشق ، وأشد ~~منه . واستمر الحال على ذلك . ثم خرج الملك المنصور صاحب حمص في شهر ربيع ~~الأول إلى الخوارزمية ، واجتمع ببركة خان وعاد إلى دمشق . وجرت وقائع في ~~خلال هذا الحصار ms6808 . ثم أرسل السامري وزير الملك الصالح إلى الأمير معين ~~الدين ، يطلب منه شيئا من ملبوسه . فأرسل إليه فرجية وعمامة وقميصا ومنديلا ~~، فلبس ذلك وخرج إليه بعد العشاء الآخر ، وتحدث معه وعاد إلى دمشق . ثم خرج ~~إليه مرة أخرى ، فوقع الاتفاق على تسليم دمشق - على أن يكون للملك الصالح ~~إسماعيل ما كان له أولا ، وهو بعلبك وأعمالها وبصرى وبلادها ، والسواد . ~~وأن يكون للملك المنصور حمص وبلادها ، وتدمر والرحبة . فأجاب الأمير معين ~~الدين إلى ذلك ، وتسلم دمشق . ودخلها في يوم الإثنين - العاشر من جمادى ~~الأولى ، سنة ثلاث وأربعين وستمائة . وتوجه الملك الصالح إلى بعلبك . وصاحب ~~حمص إلى بلده . ونزل الأمير الصاحب معين الدين - بدار أسامة ، والطواشي ~~شهاب الدين رشيد بالقلعة . وولي الأمير معين الدين بن الشيخ الجمال هارون ~~المدينة . وعزل قاضي القضاة PageV29P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" محيي الدين ، وفوض القضاء لقاضي القضاة : صدر ~~الدين بن سني الدولة . ووصل الأمير سيف الدين بن قليج من عجلون ، منفصلا من ~~خدمة الملك الناصر داود ، وأوصى بعجلون وما له بها من الأموال للملك الصالح ~~، ونزل بدمشق بدار فلوس . وجهز الأمير - معين الدين بن الشيخ - الأمير ناصر ~~الدين بن يغمور إلى الديار المصرية - وكان الملك الصالح إسماعيل قد اعتقله ~~بقلعة دمشق ، في سنة إحدى وأربعين وستمائة ، لموافقته الملك الجواد ، ~~فاستمر في الاعتقال إلى الآن - فجهزه ، وجهز أيضا أمين الدولة السامري إلى ~~الديار المصرية ، تحت الاحتياط . فاعتقلا مدة ، ثم شنقهما الملك الصالح نجم ~~الدين على قلعة الجبل . وكان أمين الدولة يطب في ابتداء أمره . ثم تمكن من ~~الملك الصالح إسماعيل ، ووزر له . وارتفع محله عنده ، بحيث إنه ما كان يخرج ~~عن إشارته . وكان يتستر بالإسلام ولا يتمسك بدين . وقيل إنه مات في سنة ~~ثمان وأربعين وستمائة . قال أبو المظفر : وظهر له من الأموال والجواهر ~~واليواقيت ، والتحف والذخائر ما لا يوجد في خزائن الخلفاء والسلاطين . ~~وأقاموا ينقلونه مدة . قال : وبلغني أن قيمة ما ظهر له ثلاثة آلاف ألف ~~دينار - غير الودائع التي كانت له عند ثقاته والتجار . ووجد له عشرة ms6809 آلاف ~~مجلد ، من الكتب النفيسة والخطوط المنسوبة . وأما الخوارزمية فإنهم ما ~~عملوا بالصلح إلا بعد وقوعه . فرحلوا إلى داريا ، فنهبوها . وقيل إن معين ~~الدين منعهم من الدخول إلى دمشق ، وأقطعهم أكثر بلاد الشام والسواحل ~~بمناشيره . ودبر الأمر أحسن تدبير . قال : ولما بلغ السلطان خروج عمه الملك ~~الصالح إلى بعلبك ، كتب بالإنكار على الطواشي شهاب الدين رشيد والأمراء ، ~~لكونهم مكنوه من المسير إلى بعلبك . وقال إن الأمير معين الدين حلف ، وأنتم ~~ما حلفتم . فلم يفد إنكاره شيئا ، بل أثر ما نذكره - إن شاء الله تعالى . ؟ ~~ذكر وفاة الأمير الصاحب معين الدين وفي ليلة الأحد - ثاني عشر شهر رمضان ، ~~من السنة - كانت وفاة الأمير الصاحب معين الدين الحسين ، بن شيخ الشيوخ صدر ~~الدين محمد ، ابن عمر بن حمويه - بدمشق ، وهو يومئذ نائب السلطنة بها . ~~PageV29P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" ومات وله ست وخمسون سنة . ودفن إلى جانب أخيه ~~عماد الدين . وكان جوادا كريما دينا صالحا - رحمه الله تعالى . ولما مات ، ~~كتب السلطان إلى الطواشي شهاب الدين رشيد أن يتولى نيابة السلطنة ، بدمشق . ~~ذكر محاصرة الملك الصالح إسماعيل صاحب بعلبك دمشق ، وما حصل بها من الغلاء ~~بسبب الحصار قال المؤرخ : لما بلغ الملك الصالح عماد الدين - صاحب بعلبك - ~~إنكار الملك الصالح نجم الدين أيوب - ابن أخيه - على الأمراء ، لكونهم ~~مكنوه من التوجه إلى بعلبك - خاف على نفسه ، وعلم سوء رأي السلطان فيه ، ~~وأنه متى ظفر به لا يبقى عليه ، فكاتب الأمير عز الدين أيبك المعظمي صاحب ~~صرخد وأكابر الخوارزمية ، واتفقوا ونازلوا دمشق ، في ثالث عشرين ذي القعدة ~~، من السنة . وحاصروها ، ونهبوا بلادها وغاثوا فيها ، وقطعوا الميرة عنها . ~~فغلت الأسعار ، وعدمت الأقوات . وبلغ سعر القمح - عن كل غرارة - ألف درهم ~~وثمانمائة درهم ناصرية . فمات أكثر أهل البلد جوعا واستمر ذلك مدة ثلاثة ~~شهور . وفي هذه السنة ، وصل رسول الخليفة المستعصم بالله - وهو الشيخ جمال ~~الدين عبد الرحمن ، بن الشيخ محيي الدين يوسف بن الجوزي - إلى السلطان ~~الصالح نجم الدين أيوب ، بالخلع والتقليد . وكانت خلعة السلطان عمامة ms6810 سوداء ~~، وفرجية مذهبة ، وثوبين مذهبة ، وسيفين محلاة ، وقلمين ، وطوق ذهب ، وحصان ~~بسرج ولجام وعدة خلع لأصحاب السلطان . وقرأ الشيخ جمال الدين - رسول ~~الخليفة - التقليد على منبر والسلطان قائم على قدميه ، وقد لبس خلعة ~~الخليفة ، حتى انتهت قراءة التقليد . وكان من جملة الخلع الواصلة من ~~الخليفة خلعة سوداء للوزير معين الدين - PageV29P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" وكان قد توفي - فرسم السلطان أن يلبسها أخاه ~~الأمير فخر الدين بن الشيخ ، فلبسها - وكان السلطان قد أفرج عنه من ~~الاعتقال في هذه السنة ، بعد أن لاقى شدائد كثيرة - وكان له في الاعتقال ~~ثلاث سنين وفي هذه السنة ، بعث الملك الصالح نجم الدين الأمير حسام الدين ~~بن بهرام إلى حصن كيفا ، لإحضار ولده الملك المعظم تورانشاه إلى الديار ~~المصرية . وكتب إليه : الولد يقدم خيرة الله ، ويصل إلى بالس ، ويعدى عندها ~~، فقد اتفقنا مع الحلبيين ، وذكروا أنهم يجردون ألف فارس في خدمتك . واعبر ~~ببلد ماردين ليلا ، فما نحن متفقين . فلما قرأ الكتاب كره ذلك ، وما كان ~~يؤثر الخروج من الحصن . وقال لابن بهرام : يكون الإنسان مالك رأسه يصبح ~~مملوكا محكوما عليه ولم يجبه . ولما اتصل خبر طلبه بالملك الرحيم بدر الدين ~~لؤلؤ - صاحب الموصل أرسل إليه المماليك والخيل والخيام . وكذلك فعل شهاب ~~الدين غازي . قال أبو المظفر : حكى لي الأمير حسام الدين بن أبي علي أن ~~الملك الصالح كان يكره مجيء ابنه المعظم إليه . وكنا إذا قلنا له : أحضره ، ~~ينفض يديه ويغضب ، ويقول : أجيبه أقتله ؟ وكأن القضاء موكل بالمنطق وفيها ~~وصلت الكرجية بنت إيواني ملك الكرج . وهي التي كانت زوجة الملك الأوحد بن ~~الملك العادل ، وتزوجها بعده أخوه الملك الأشرف موسى . ثم أخذها جلال الدين ~~خوارزم شاه ، عندما استولى على خلاط . فوصلت الآن إلى خلاط ، ومعها فرمان ~~القان - ملك التتار - بخلاط وأعمالها . فراسلت الملك المظفر شهاب الدين ~~غازي بن الملك العادل تقول : أنا كنت زوجة أخيك ، والقان قد أقطعني خلاط ، ~~فإن تزوجت بي فالبلاد لك . فما أجابها إلى ذلك . فأقامت بخلاط . وكانت ~~غارات عساكرها تصل إلى ميافارقين . وفي ms6811 هذه السنة ، توفي فلك الدين المسيري ~~، وزير العادل وابنه الكامل . وكانت وفاته في يوم الجمعة تاسع شهر رجب . ~~وكان عالي المنزلة في الدولة الأيوبية . وفيها توفيت ربيعة خاتون بنت أيوب ~~، أخت الملك الناصر والملك العادل ، PageV29P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" وأخت ست الشام . وكانت وفاتها بدمشق بدار ~~العقيقي - وقد قاربت ثمانين سنة . وكانت زوجة سعد الدين مسعود ، بن معين ~~الدين أتسز ، ثم مات عنها . فزوجها الملك الناصر - أخوها - من مظفر الدين ~~بن زين الدين - صاحب إربل - فأقامت بإربل . ثم قدمت دمشق فأقامت بها ، ~~وخدمتها أمة اللطيف العالمة - بنت الناصح بن الحنبلي - وحصل لها من جهتها ~~الأموال الكثيرة . فلما ماتت ربيعة خاتون ، لقيت أمه اللطيف شدائد كثيرة ، ~~وصودرت وطولبت بالأموال ، واعتقلت بقلعة دمشق ثلاث سنين . ثم أطلقت من ~~الحبس وتزوجت بالملك الأشرف - ابن صاحب حمص - وتوجه بها إلى الرحبة . ~~فتوفيت في سن ثلاث وخمسين وستمائة . وظهر لها من الأموال والذخائر ما قيمته ~~ستمائة ألف درهم - غير الأملاك والأوقاف . وفيها كانت وفاة الشيخ الإمام : ~~تقي الدين أبو عمرو عثمان ، بن عبد الرحمن بن عثمان ، بن الصلاح - المحدث ~~المفتي المشهور . وكانت وفاته بدمشق في ليلة الأربعاء ، الخامس والعشرين من ~~شهر ربيع الآخر . ومولده في سنة سبع وسبعين وخمسمائة ، بشهرزور . وفيها في ~~ثاني عشر المحرم ، توفي بالقاهرة الأمير شجاع الدين بن أبي زكري . كان من ~~أعيان الأمراء . وفيها توفي القاضي الأشرف : بهاء الدين أبو العباس أحمد ، ~~بن القاضي الفاضل : محيي الدين عبد الرحيم البيساني ، في سابع جمادى الآخرة ~~بمصر . ومولده في المحرم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة . وكان الملك الكامل قد ~~عرض عليه الوزارة فأباها ، وتوفر على الترسلية إلى الديوان العزيز ، ~~والمشورة . وكان صالحا نزها عفيفا ، سمع الحديث وأسمعه . وفيها كانت وفاة ~~الشيخ الإمام ، المقريء المفتي : علم الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عبد ~~الصمد ، المصري السخاوي . قرأ القرآن على الشاطبي ، وشرح قصيدته . ~~PageV29P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" وكانت وفاته بدمشق ، في ليلة الأحد ثامن عشر ~~جمادى الآخرة ، ودفن بقاسيون . سمع الحافظ السلفي وأبا القاسم البوصيري ، ~~وغيرها . واستهلت ms6812 سنة أربع وأربعين وستمائة : وقعة الخوارزمية وقتل مقدمهم ~~[ حسام الدين بركة خان ] واستيلاء الملك الصالح على بعلبك وأعمالها ، وصرخد ~~وفي سنة أربع وأربعين ، كانت الوقعة بين الخوارزمية - ومن انضم إليهم - ~~وبين العساكر الحلبية والشامية والحمصية . وذلك أن السلطان الملك الصالح ~~نجم الدين كان قد استمال الملك المنصور - صاحب حمص - إليه . فوافقه ومال ~~إليه ، وانحرف عن الملك الصالح إسماعيل . ثم كتب إلى الحلبيين يقول : إن ~~هؤلاء الخوارزمية قد كثر فسادهم ، وأخربوا البلاد ، والمصلحة أن نتفق عليهم ~~، فأجابوه . وخرج الأتابك شمس الدين لؤلؤ بالعساكر الحلبية . وجمع صاحب حمص ~~أصحابه ، ومن إنضم إليه من العربان والتركمان . وخرج إليهم عسكر دمشق . ~~واجتمعت هذه العساكر كلها على حمص . واتفق الملك الصالح إسماعيل ~~والخوارزمية ، والملك الناصر داود صاحب الكرك ، وعز الدين أبيك المعظمي ~~صاحب صرخد ، واجتمعوا على مرج الصفر ولم ينزل الملك الناصر من الكرك ، بل ~~سير عسكره وأقام . وبلغهم أن صاحب حمص يريد قصدهم . فقال بركة خان : إن ~~دمشق لا تفوتنا ، المصلحة أن نتوجه إلى هذا الجيش ونبدأ بهم . فساروا ~~والتقوا على بحرة حمص ، في يوم الجمعة - سابع أو ثامن المحرم - من هذه ~~السنة . وكانت الدائرة على الخوارزمية . وقتل مقدمهم بركة خان في المعركة . ~~وهرب الملك الصالح إسماعيل ، وعز الدين أيبك المعظمي ، ومن سلم من العسكر ، ~~كل منهم على فرس ونهبت أموالهم . ووصلوا إلى حوران . PageV29P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" وتوجه صاحب حمص والعسكر الحلبي إلى بعلبك ، ~~واستولى على الربض ، وسلمه للأمير ناصر الدين القيمري ، وجمال الدين هارون ~~. وعاد إلى حمص ، وودع الحلبيين . وتوجهوا إلى حلب . وجاء الملك المنصور ~~إلى دمشق ، خدمة للملك الصالح ، فنزل ببستان أسامة . ومضت طائفة من ~~الخوارزمية إلى البلقاء ، فنزل إليهم الملك الناصر صاحب الكرك وصاهرهم ~~واستخدمهم ، وأسكن عيالهم بالصلت . وفعل الأمير عز الدين المعظمي كذلك . ~~وساروا فنزلوا نابلس ، واستولوا عليها . وعاثوا في الساحل . فندب السلطان ~~الملك الصالح نجم الدين الأمير فخر الدين بن الشيخ بالعساكر إلى الشام . ~~فلما وصل إلى غزة ، عاد من كان بنابلس من الخوارزمية إلى الصلت . فتوجه ~~إليهم ، وقاتلهم ms6813 على حسبان وكسرهم ، وبدد شملهم . وكان الملك الناصر معهم ، ~~فسار إلى الكرك وتحصن بها . وتبعه الخوارزمية ، فلم يمكنهم من دخول الكرك . ~~وأحرق ابن الشيخ الصلت . وكان الأمير عز الدين أيبك المعظمي مع الناصر ، ~~فعاد إلى صرخد وتحيز بها . وكانت كسرة الخوارزمية هذه في سابع عشر شهر ربيع ~~الآخر . ونزل الأمير فخر الدين بن الشيخ على الكرك ، في الوادي . وكتب إلى ~~الملك الناصر يطلب من عنده من الخوارزمية . وكان عنده صبي مستحسن من ~~الخوارزمية ، إسمه طاش بورك بزخان ، فطلبه ابن الشيخ ، فقال الناصر : هذا ~~طيب الصوت ، وقد أخذته ليقرأ عندي القرآن . فكتب إليه ابن الشيخ كتابا ~~غليظا ، وذكره غدره بأيمانه وخبثه ، وقال : لا بد من الصبي ، وأنا أبعث ~~إليك عوضك أعمى يقرأ أطيب منه . فبعثه إليه . وتسلم أعيان الخوارزمية . ~~ورحل عن الكرك . وأحسن الأمير فخر الدين إلى الخورازمية وخلع عليهم . ~~واستصحبهم معه . PageV29P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" ذكر استيلاء جيش السلطان الملك الصالح نجم ~~الدين أيوب على بعلبك ، وخروج الملك الصالح إسماعيل عنها وفي هذه السنة - ~~أيضا - توجه الأمير حسام الدين بن أبي علي من دمشق إلى بعلبك ، وتسلم ~~قلعتها - باتفاق من الساماني ، مملوك الملك الصالح إسماعيل ، وكان حاكما ~~عليها . وبعث أولاد الصالح إسماعيل وعياله إلى مصر وتسلم نواب الملك الصالح ~~نجم الدين بصرى - وكان بها الشهاب غازي واليا ، فأعطى حرستا القنطرة وفيها ~~، في شهر ربيع الآخر ، توجه الملك الصالح إسماعيل في طائفة من الخوارزمية ، ~~هاربين إلى حلب . ولم يبق للصالح إسماعيل بالشام مكان يأوى إليه . فتلقاهم ~~الملك الناصر يوسف - صاحب حلب - وأنزل الصالح إسماعيل في دار جمال الدولة ~~الخادم . وقبض على كشلوخان والخوارزمية ، وملأ بهم الحبوس . ذكر وفاة الملك ~~المنصور صاحب حمص ، وقيام ولده الملك الأشرف وفي هذه السنة - في العاشر من ~~صفر - وقيل في يوم الأحد حادي عشرة - كانت وفاة الملك المنصور إبراهيم ، بن ~~الملك المجاهد أسد الدين شيركوه ، بن ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شادي ، ~~ببستان الملك الأشرف بالنيرب ، بظاهر دمشق وكانت مدة ملكه حمص ست سنين ، ~~وسبعة أشهر ms6814 . وكان شجاعا مقداما . وملك بعده ولده الملك الأشرف : مظفر ~~الدين موسى . وفيها بعث السلطان الملك الصالح نجم الدين الصاحب جمال الدين ~~يحيى بن مطروح إلى دمشق ، وزيرا . وأنعم عليه بإقطاع ، وعدة سبعين فارسا ، ~~فوصل إلى دمشق وباشر ما رسم له به . ثم كان من أمه وعوده ما نذكره - إن شاء ~~الله تعالى . PageV29P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" ذكر توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب إلى الشام ، وما استولى عليه في هذه السفرة ، وما قرره ، وعوده في هذه ~~السنة ، توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية إلى ~~الشام . فوصل إلى دمشق في تاسع عشر ذي القعدة ، وأحسن إلى أهلها وفرح الناس ~~به وزينت البلد لمقدمه ، وكان يوما مشهودا . وأقام خمسة عشر يوما وتوجه إلى ~~بعلبك وكشفها ثم رجع ، وتوجه نحو صرخد . وسعى الأمير ناصر الدين القيمري ~~والصاحب جمال الدين بن مطروح ، في الصلح بين السلطان والأمير عز الدين أيبك ~~المعظمي صاحب صرخد . وتوجه السلطان من دمشق إلى بصرى . ونزل إليه الأمير عز ~~الدين أيبك . وتسلم صرخد ، وصعد إليها - وذلك في ذي الحجة منها . وقدم عز ~~الدين أيبك إلى دمشق ، ونزل بالنيرب وكتب له منشور بقرقيسيا والمجدل وضياع ~~في الخابور ، فلم يحصل له منها شيء . ثم كان من خبره ما نذكره - إن شاء ~~الله تعالى - في سنة خمس وأربعين وستمائة . ولما تسلم الملك الصالح صرخد ، ~~عاد إلى الديار المصرية ودخل إلى القدس . وتصدق فيه بألفي دينار عينا . ~~وأمر بعمارة سور القدس فذرع ، فكان ستة آلاف ذراع بالهاشمي ، فرسم أن يصرف ~~مغل بلاد القدس عليه ، وإن احتاج إلى زيادة جهزت من الديار المصرية . قال ~~أبو المظفر : وكنت لما أطلقه الملك الناصر من اعتقاله ، وجاء إلى القدس ، ~~أخذت يده على ذلك . وفي هذه السنة ، تسلم السلطان - أيضا - حصن الصبيبة من ~~الملك السعيد : مجد الدين حسن ، بن الملك العزيز ، بن الملك العادل سيف ~~الدين أبي بكر ، في سابع PageV29P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" عشرين ذي الحجة . وتسلم الصلت من ابن عمه ~~الملك الناصر داود . وفيها ms6815 قبض الملك الناصر داود على عماد الدين ، بن ~~الأمير عز الدين بن موسك في الكرك ، واحتاط على موجوده . ثم شفع فيه الأمير ~~فخر الدين بن الشيخ فأفرج عنه . وخرج من الاعتقال ، وفي حلقه خراج كبير فبط ~~، وحشى من الدواء الحارق ، فمات بالكرك . ودفن بمشهد جعفر الطيار . وكان - ~~رحمه الله تعالى - من الأجواد . وفيها توفي الأمير ركن الدين الهيجاوي ، في ~~معتقله بالديار المصرية . وكان سبب اعتقاله أنه فارق خدمة السلطان الملك ~~الصالح ، والتحق بدمشق . وكان قدومه على العساكر ، فقبض عليه ، واعتقله . ~~فمات في اعتقاله - رحمه الله تعالى . وكان خيرا جوادا ، عفيفا نزها ، كثير ~~الإحسان إلى جيرانه ، يبر غنيهم وفقيرهم . واستهلت سنة خمس وأربعين وستمائة ~~: في هذه السنة ، جهز السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب جيشا ، وقدم ~~عليه الأمير فخر الدين بن الشيخ ، وبعثه إلى بلاد الفرنج . ففتح عسقلان - ~~في ثامن عشرين جمادى الآخرة - وأخربها . ورحل عنها إلى طبرية ، ففعل بها ~~كذلك . ثم كتب إليه أن يتوجه إلى دمشق ، ويقيم بها بمن معه من العساكر ، ~~لأمر بلغه عن الملك الناصر - صاحب حلب . وفيها تسلم نواب السلطان الملك ~~الصالح نجم الدين قلعة شميمس ، من الملك الأشرف صاحب حمص . فأمر السلطان ~~بتحصينها ، وبعث إليها الخزائن . وفيها جهز السلطان تاج الدين بن مهاجر ، ~~والمبارز نسيبه ، إلى دمشق ، ومعهما تذكرة فيها أسماء جماعة من الدماشقة ، ~~رسم بانتقالهم إلى الديار المصرية ، وهم : القاضي محيي الدين بن الزكي ، ~~وابن الحصيري ، وابن العماد الكاتب ، وبنو صصري الأربعة ، وشرف الدين بن ~~العميد ، وابن الخطيب العقرباني ، والتاج الإسكندراني - الملقب بالشحرور ، ~~وأبو الشامات ، مملوك الملك الصالح إسماعيل ، وغازي - وإلى بصرى - والحكيمي ~~، وابن الهادي المحتسب . PageV29P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" فتوجهوا إلى الديار المصرية ، وأمروا بالمقام ~~بها ، ولم يحجر عليهم ، وخلع على بعضهم . وأقاموا بالديار المصرية ، إلى أن ~~توفي الملك الصالح أيوب ، فعادوا إلى دمشق . وكان سبب طلبهم أن السلطان ~~بلغه أنهم خواص الملك الصالح إسماعيل . وفيها في شهر ربيع ، فوضت الخطابة ~~بدمشق للقاضي عماد الدين بن الحرستاني ، ورسم بإخراج العماد خطيب بيت ~~الآبار ، الخطيب ms6816 بالجامع ، إلى بيت الآبار . ذكر القبض على الأمير عز الدين ~~أيبك المعظمي ، ووفاته وفي هذه السنة - في ثالث عشر ذي القعدة - اعتقل ~~الأمير عز الدين أيبك المعظمى صاحب صرخد - كان - في دار فرخشاه . وذلك ~~بترتيب الصاحب جمال الدين بن مطروح وغيره . ووضعوا مترجما أنه جاءه من حلب ~~، من جهة الملك الصالح إسماعيل . وكتبوا بذلك إلى السلطان الملك الصالح . ~~فأمر أن يحمل إلى القاهرة تحت الاحتياط . فحمل واعتقل في دار صواب . ورافعه ~~ولده إبراهيم ، وقال للسلطان : إن أموال أبي قد بعث بها إلى الحلبيين وأنه ~~لما خرج من صرخد كانت أمواله في ثمانين خرجا ، أودعها عند ابن الجوزي . ~~ولما وصل إلى الديار المصرية مرض ، ولم يسمع منه كلمة حتى مات . ودفن ~~بمقابر باب النصر ، ثم نقل إلى دمشق ، ودفن بتربته . وكان خيرا دينا ، كثير ~~الصدقة والإحسان إلى خلق الله تعالى . اشتراه الملك المعظم ، في سنة سبع ~~وستمائة ، لما كان على الطور ، وجعله أستاد داره ، وأعطاه صرخد . وكان عنده ~~في منزلة الولد . رحمهم الله تعالى . وطلب جماعة اتهموا بأمواله ، بسعاية ~~ولده إبراهيم ، وهم : البرهان كاتبه ، وابن الموصلي صاحب ديوانه ، والبدر ~~الخادم ، وسرور ، وغيرهم ، وحملوا إلى الديار المصرية . فمات البرهان بظاهر ~~دمشق ، عند مسجد النارنج ، لما ناله من الفزع . وأما بقيتهم فإنهم عوقبوا ~~على أمواله ، فلم يظهر عندهم الدرهم الواحد . وفيها كانت وفاة الشيخ الصالح ~~المحقق على الحريري ، المقيم بقرية بشر ، المجاورة لزرع من بلاد حوران . ~~وبهذه القرية قبر اليسع - عليه السلام . وهذا الشيخ هو شيخ طائفة الحريرية ~~. PageV29P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" واستهلت سنة ست وأربعين وستمائة : في هذه ~~السنة ، استولى الملك الناصر - صاحب حلب - حمص ، وانتزعها من الملك الأشرف ~~موسى صاحبها ، وعوضه عنها تل باشر . ذكر توجه السلطان الملك الصالح نجم ~~الدين أيوب من الديار المصرية إلى دمشق ، وما اعتمده في هذه السنة ، توجه ~~السلطان من الديار المصرية إلى دمشق ، وعزل الطواشي شهاب الدين رشيد الدين ~~عن النيابة ، والصاحب جمال الدين بن مطروح عن الوزارة . وفوض نيابة السلطنة ~~بدمشق إلى الأمير جمال الدين ms6817 موسى بن يغمور . وجهز العساكر مع الأمير فخر ~~الدين بن الشيخ إلى حمص . وسخر الفلاحين لحمل المجانيق إلى حمص ، فنالهم ~~لذلك مشقة عظيمة ، وكان يغرم على العود الذي يساوي درهما ألف درهم ، فخرب ~~الشام لذلك . ونصب المجانيق على حمص . وكان الشيخ نجم الدين البادرائي ~~بالشام ، فدخل بين الطائفتين ، ورد الحلبيين إلى حلب ، والعسكر الصالحي إلى ~~دمشق . وفيها احترق المشهد الحسيني بالقاهرة . وذكر من تتبع التواريخ أنه ~~ما احترق مكان شريف إلا وأعقبه غلاء ، أو جلاء من العدو . وكان كذلك : أخذت ~~دمياط ، على ما نذكره . ذكر وفاة الملك المظفر شهاب الدين غازي وقيام ولده ~~الملك الكامل في هذه السنة ، توفي الملك المظفر شهاب الدين غازي ، بن الملك ~~العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب - صاحب ميافارقين . وقام بأمر ~~مملكته . بعده ولده الملك الكامل ، ناصرا لدين محمد . وفيها ، توفي الملك ~~العادل : سيف الدين أبو بكر ، بن الملك الكامل ، بن الملك العادل - أخو ~~السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب . وكان السلطان قد رسم أن يتوجه إلى ~~الشوبك ، بنسائه وولده وعياله ، في خامس شوال ، على ما حكاه سعد الدين ~~مسعود بن شيخ الشيوخ تاج الدين . وبعث إليه الطواشي محسن الخادم ، فأخبره ~~بما رسم به السلطان من توجهه . فامتنع ، وقال : إن أراد قتلي في ~~PageV29P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" الشوبك فههنا أولى ، ولا أتوجه أبدا . فعذله ~~محسن الخادم ، فرماه بدواة كانت عنده . فعاد إلى السلطان وأخبره . فقال له ~~: دبر أمره . فأخذ ثلاثة مماليك - وقيل أربعة - ودخلوا عليه ، في ليلة ~~الأثنين ثاني عشر شوال ، فخنقوه بشاش علمه - وقيل بوتر - وعلقوه بعمامته ، ~~وأظهروا أنه شنق نفسه . وخرجت جنازته كجنازة الغرباء ، ودفن بتربة شمس ~~الدولة . ولم يتمتع الملك الصالح بعده بالدنيا ، فإنه مات بعد ذلك بعشرة ~~أشهر . وفيها ، في خامس شهر رمضان ، كانت وفاة قاضي القضاة : أفضل الدين ~~أبو عبد الله محمد بن ناماد بن عبد الملك ، ابن زنجلين ، الخونجي - قاضي ~~مصر والوجه القبلي . ودفن بالقرافة ، بالقرب من تربة الإمام الشافعي . ~~ومولده في جمادى الأولى ، سنة تسعين وخمسمائة . وكان ms6818 قد تفرد في زمانه بعلم ~~المنطق ، حكيما أصوليا ، فاضلا ، مشاركا فيما عدا ذلك ولما مات - رحمه الله ~~تعالى - أقر نائبه - القاضي جمال الدين يحيى - على القضاء ، إلى جمادى ~~الأولى سنة سبع وأربعين ثم فوض القضاء بمصر والوجه القبلي للقاضي عماد ~~الدين أبي القاسم إبراهيم ، بن هبة الله بن إسماعيل ابن نبهان ، بن محمد ~~الحموي المعروف بابن المقنشع - في جمادى الأولى سنة سبع وأربعين . وفيها ~~كانت وفاة الشيخ الإمام العلامة : جمال الدين أبو عمرو عثمان ، ابن عمر بن ~~أبي بكر بن يونس ، الدويني ثم المصري ، الفقيه المالكي - المعروف بابن ~~الحاجب . كان والده حاجب الأمير عز الدين موسك الصلاحي - متولي الأعمال ~~القوصية - ومولده بإسنا - مدينة مشهورة من عمل قوص - في سنة سبعين وخمسمائة ~~. وانتقل إلى القاهرة في صغره ، فقرأ القرآن ، واشتغل بالعلم على مذهب ~~الإمام مالك ، فتفقه . واشتغل بالعربية ، فبرع وأكب على الاشتغال حتى صار ~~يشار إليه . وانتقل إلى دمشق ، ودرس بجامعها . وكان من أحد الناس ذهنا . ~~وغلب عليه علم العربية . وقيل أنه قدم إلى دمشق مرارا ، آخرها سنة سبع عشرة ~~وستمائة . وصحب شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ، واختص به ولازمه . ~~PageV29P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" وخرج معه من دمشق ، في سنة ثمان وثلاثين ~~وستمائة ، وقدم إلى الديار المصرية . وأقام بالقاهرة واشتغل الناس عليه . ~~وله مصنف في مذهب الإمام مالك - هو من أجود مختصرات المالكية ، ما حفظه ~~طالب منهم إلا وأشير إليه بالفقه . ثم انتقل إلى ثغر الإسكندرية للإقامة به ~~، فلم تطل مدة إقامته بالثغر . وكانت وفاته في ضحى يوم الخميس ، سادس عشر ~~شوال ، ودفن بخارج باب البحر - رحمه الله تعالى . وفيها ، في شهر رمضان ، ~~توفي الوزير : أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم ، بن عبد الواحد بن موسى ~~بن أحمد بن محمد إسحاق ، القفطي - المعروف بالقاضي الأكرم ، وزير حلب . كان ~~جم الفضائل ذا فنون ، مشاركا لأرباب كل علم في علومهم : من القراءات ، ~~والحديث والفقه ، والنحو واللغة ، والأصول والمنطق ، والنجوم والهندسة ، ~~والتاريخ ، والجرح والتعديل - يتكلم في كل علم مع أربابه أحسن كلام ms6819 . وله ~~شعر حسن . وصنف كتبا كثيرة ، منها : كتاب الضاد والظاء ، وهو ما اشتبه في ~~اللفظ واختلف في الخط ، وكتاب الدر الثمين في أخبار المتيمين . وكتاب من ~~ألوت الأيام عليه فرفعته ، ثم ألوت عليه فوضعته . وكتاب أخبار المصنفين ، ~~وما صنفوه . وكتاب أخبار النحويين . وكتاب تاريخ مصر ، من ابتدائها إلى حين ~~ملكها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - في ست مجلدات . وكتاب تاريخ ~~الألموت ، ومن تولاها . وكتاب تاريخ اليمن ، منذ اختطت إلى زمانه . وكتاب ~~الحلي والشيآت . وكتاب الإصلاح لما وقع من الخلل في كتاب الصحاح . وكتاب ~~الكلام على الموطأ وكتاب الكلام على صحيح البخاري . وكتاب تاريخ محمود بن ~~سبكتكين وبنيه ، إلى حين انقراض دولتهم ، وكتاب تاريخ السلجقية ، من ابتداء ~~أمرهم إلى انتهائه . وكتاب الإيناس في أخبار آل مرداس . وكتاب الرد على ~~النصارى . وغير ذلك . وكان - رحمه الله - سخي الكف ، طلق الوجه . وكان محبا ~~للكتب ، جماعا لها ، جمع منها ما لم يجمعه أحد من أمثاله . واشتهر بالرغبة ~~فيها ، والمغالاة في أثمانها ، فقصده الناس بها من الآفاق . فاجتمع له منها ~~ألوف كثيرة ، بالخطوط المنسوبة ، وخطوط المشايخ والمصنفين . ولم يقع له ~~كتاب مليح فرده ، بل يبالغ في إرضاء صاحبه بالثمن . PageV29P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" فإذا ملكه استوعب قراءته ، ثم جعله في خزائنه ~~، ثم يشح في إخراجه ، فلا يكاد يظهر عليه أحدا ، صيانة له وضنا به . قال ~~الحافظ محب الدين بن النجار : كنا عنده ليلة ، في شهر رمضان ، فجرى بحث ~~أفضى إلى اعتبار كلمة وكشفها من كتاب الصحاح . فقال لبعض مماليكه : إذهب ~~إلى المؤيد - يعني أخاه - وأحضر من عنده نسخة من الصحاح . قال : فقلت له : ~~والمولي ما عنده نسخة من الصحاح ؟ فقال : وحياتك - يا محب - عندي خمس نسخ ، ~~وما يطيب على قلبي أن أخرج منها نسخة - لا سيما بالليل ، ونحتاج إلى إدخال ~~الضوء . وله في شغفه بالكتب حكايات كثيرة ، أضربنا عن ذكرها . وأوصى بكتبه ~~بعد وفاته للملك الناصر : صلاح الدين يوسف ، بن الملك العزيز ، صاحب حلب . ~~وكانت تساوي خمسين ألف دينار . ودفن بحلب - رحمه الله تعالى ms6820 . وفيها توفي ~~عماد الدين ، بن سديد الدين ، محمد بن سليم بن حنا - وهو أخو الصاحب بهاء ~~الدين . واستهلت سنة سبع وأربعين وستمائة : والسلطان الملك الصالح نجم ~~الدين بدمشق ، وهو مريض . فعاد إلى الديار المصرية في محفة ، لشدة ما ناله ~~من المرض . وكان خروجه من دمشق في يوم الإثنين ، رابع المحرم ، ونادى في ~~الناس : من كان له علينا أو عندنا شيء ، فليحضر لقبضه . فطلع الناس إلى ~~القلعة ، وأخذوا ما كان لهم . وفي هذه السنة ؛ رسم السلطان لنائبه بدمشق - ~~الأمير جمال الدين بن يغمور - بهدم دار أسامة ، وقطع أشجار بستان القصر ~~بالقابون ، وهدم القصر . فتوقف عن ذلك مدة ، ثم ترادفت عليه الكتب بذلك ، ~~ففعل . ذكر استيلاء الفرنج على ثغر دمياط وفي سنة سبع وأربعين وستمائة ، ~~وصل ريد افرنس بعساكره وجموعه إلى ثغر دمياط . PageV29P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" وخرج السلطان الملك الصالح بعساكره إلى ~~المنصورة ، ونزل بها . وجرد إلى ثغر دمياط جماعة من الأمراء ، فالتقوا مع ~~ريدا فرنس ، واقتتلوا قتالا شديدا فقتل الأمير شهاب الدين بن شيخ الإسلام ، ~~والأمير صارم الدين أزبك الوزيري . وخرج أمراء الكنانية من دمياط وأخلوها ، ~~فاستولى عليها ريدا فرنس في يوم الأحد ، لسبع بقين من صفر ، من السنة . ~~فشنق السلطان أمراء الكنانية - وكانوا نيفا وخمسين أميرا - بعد أن استفتى ~~في شنقهم - لخروجهم عن الثغر بغير أمره . وكان قد جعل عندهم من الميرة ما ~~يكفيهم زمنا طويلا . ذكر استيلاء السلطان على قلعة الكرك وبلادها وفي هذه ~~السنة ، ملك الملك الصالح نجم الدين أيوب قلعة الكرك ، وبلادها . وسبب ذلك ~~أن صاحبها الملك الناصر داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى - توجه منها ~~إلى بغداد ، واستخلف أولاده بها . فكاتبوا السلطان ، واتفقوا معه على ~~تسليمها . واشترطوا عليه شروطا ، وتولى ذلك من أولاده : الملك الأمجد أبو ~~علي الحسن . فأجاب السلطان إلى ما التمسوه ، وتسلم القلعة ، ووفي لهم بما ~~اشترطوه - وذلك في جمادى الآخرة . وأخرج عيال الملك المعظم وأولاده وبناته ~~، وأم الملك الناصر ، وجميع من كان بالحصن . وبعث الملك الصالح إلى الحصن ~~ألف ألف دينار - عينا ms6821 - وجواهر وذخائر وأسلحة ، وغير ذلك . ولما عاد الملك ~~الناصر من بغداد ، ووجد الأمر على ذلك ، توجه إلى الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف ، صاحب حلب ، وأقام عنده ، إلى أن ملك دمشق . وحضر في خدمته إليها . ~~ثم بلغه عنه أسباب ردية ، فأخرجه إلى البويضا بظاهر مدينة دمشق . فمات بها ~~حتف أنفه . وكانت وفاته في سنة خمس وخمسين وخمسمائة . ونقل من البويضا ، ~~وصلى عليه عند باب النصر ، ودفن عند أبيه بالتربة المعظمية ، بقاسيون - ~~رحمه الله تعالى . PageV29P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" ذكر وفاة الملك السلطان الصالح نجم الدين ~~أيوب كانت وفاته - رحمه الله تعالى - بمنزلة المنصورة ، في ليلة الإثنين ~~النصف من شعبان ، سنة سبع وأربعين وستمائة . ومولده بالقاهرة المعزية في ~~سنة ثلاث وستمائة . ولما مات ، كتم أمر وفاته ، ودفن بالمنصورة . ثم نقل - ~~في سنة ثمان وأربعين وستمائة - إلى تربته ، التي بنيت بعد وفاته ، بجوار ~~مدرسته بالقاهرة المحروسة ، بين القصرين . فكانت مدة سلطنته بالديار ~~المصرية عشر سنين ، إلا خمسين يوما . وكان ملكا مهيبا ، شجاعا حازما ، ذا ~~سطوة . وكانت البلاد في أيامه آمنة ، والطرق سابلة . وكان عفيف الذيل . غير ~~أنه كان عظيم الكبر ، غليظ الحجاب . وكان محبا لجمع المال . ويقال إنه عاقب ~~امرأة أبيه - أم أخيه الملك العادل - وأخذ منها الأموال والجواهر . وقتل ~~أخاه وجماعة من الأمراء . ومات في حبسه ما يزيد على خمسة آلاف . ولما مات ، ~~كانت سريته - والدة خليل - في صحبته بالمنصورة . فكتم أمر وفاته إلا عن ~~خواص الأمراء . وكان السماط يمد على العادة . والأمراء ، ومن جرت عادته ~~بحضور السماط ، يدخلون ويأكلون وينصرفون . ويظنون أن السلطان إنما احتجابه ~~بسبب مرضه . وكانت والدة خليل تكتب خطا يشبه خط السلطان ، فتخرج العلائم ~~بخطها . واتفق الأمراء على إحضار ولده : الملك المعظم غياث الدين تورانشاه ~~من حصن كيفا . وكان السلطان الملك الصالح قد كتب كتابا بخطه ، يشتمل على ~~وصيته لولده الملك المعظم ، نذكر - إن شاء الله تعالى - مضمونه في أخبار ~~الملك المعظم . فتوجه لإحضاره الأمير فارس الدين أقطاي الصالحي - مملوك ~~والده . وقام بتدبير الدولة - فيما بين وفاة السلطان الملك ms6822 الصالح ووصول ~~الملك المعظم - الأمير فخر الدين : يوسف بن الشيخ ، إلى أن قتل . ذكر خبر ~~الأمير فخر الدين أبي الفضل يوسف ابن الشيخ ، وقتله لما مات السلطان الملك ~~الصالح ، قام بتدبير الأمر بعده - إلى أن يصل ولده PageV29P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" الملك المعظم - الأمير فخر الدين أبو بكر أبو ~~الفضل : يوسف ، بن شيخ الشيوخ صدر الدين . وكان هو وزير السلطان ومقدم ~~جيوشه ، والمشار إليه في دولته . فدبر الأمر أحسن تدبير ، وأقطع البلاد ~~بمناشيره . وأطلق السكر والكتان أن يسافر به التجار إلى الشام - وكان ذلك ~~قد منع ، وأراد جماعة من العسكر أن يملكوه ، فامتنع من ذلك . وتنكر له بعض ~~الأمراء المماليك الصالحية ، وعزموا على قتله فاستدعى أكابر الأمراء ، ~~وأعلمهم أنه لا طمع له في الملك ولا رغبة ، وأنه إنما يحفظه للملك المعظم ~~إلى أن يصل . فاعتذروا له وحلفوا . وكان المتهم بإغراء الأمراء الطواشي ~~محسن ، وجماعة . وجهز جماعة يستحث الملك المعظم من دمشق ، بعد وصوله إليها ~~. فلما كان في يوم الثلاثاء - رابع ذي القعدة أو خامسه - هجم الفرنج على ~~عساكر المسلمين ، واندفع المسلمون بين أيديهم . وكانت وقعة عظيمة . فركب ~~فخر الدين في وقت السحر ليكشف الخبر ، وأنفذ إلى الأمراء والحلقة ليركبوا . ~~وساق بنفسه في طائفة من مماليكه وأجناده . فصدمه طلب الداوية وحملوا عليه . ~~فهرب من كان معه ، وثبت هو . فطعن في جنبه ، فوقع عن فرسه . فضربوه ضربتين ~~في وجهه ، طولا وعرضا ، بالسيف فقتلوه . وجاء مماليكه إلى داره ، فكسروا ~~صناديقه ، ونهبوا أكثر ما فيها . ونهبت أمواله وخيله . وأخذ الجولاني قدور ~~حمامه ، والدمياطي أبواب داره . ثم أخرج من المعركة بقميص واحد ، وجعل في ~~حراقة وأرسل إلى مصر . وحمل إلى تربته بالقرافة الصغرى ، بجوار تربة الإمام ~~الشافعين فدفن عند والدته . واشتد بكاء الناس عليه ، وعملت له الأعزية . ~~وكان له من العمر ، يوم مات ست وستون سنة - رحمه الله تعالى . وكان له شعر ~~جيد كثير ، فمن شعره : عصيت هوى نفسي صغيرا ، فعندما . . . رمتني الليالي ~~بالمشيب وبالكبر PageV29P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" أطعت الهوى عكس القضية ليتنيخلقت كبيرا ، ~~وانتقلت إلى ms6823 الصغر ذكر اخبار السللطان الملك المعظم غياث الدين تورانشاه بن ~~السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ، ابن السلطان الملك الكامل ناصر ~~الدين محمد ، بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد ، بن أيوب ، ~~وهو التاسع من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية ملك الديار المصرية ~~والشام ، بعد وفاة والده السلطان الملك الصالح وكان مقيما بحصن كيفا ، وما ~~مع ذلك ، منذ تركه والده هناك - كما تقدم . فلما مات السلطان ، اجتمع رأى ~~الأمراء على إقامته ، وجهزوا لإحضاره الأمير فارس الدين أقطاي ، كما ذكرنا ~~آنفا . وكان السلطان الملك الصالح ، في مرض موته ، قد كتب إلى ولده الملك ~~المعظم هذا كتابا ، أسند فيه الملك إليه ، واشتمل كتابه على جملة من ~~الوصايا . وقد وقفت على الكتاب المذكور - وهو بخط السلطان الملك الصالح ~~بجملته . وقد رأيت أن أشرح ما تضمنه ، لما فيه من الوصايا التي يتعين على ~~الملوك التمسك بها والرجوع إليها ، والإعتماد عليها . ابتدأ السلطان الملك ~~الصالح كتابه هذا - الذي منه نقلت - بأن كتب في طرته قبل البسملة : والده ~~أيوب بن محمد بسم الله الرحمن الرحيم الولد تورانشاه - أصلحه الله ووفقه يا ~~ولدي ، أنت تعلم ما سبب تأخير طلبك إلا ما أعلمه منك ، من الصبيانية ~~والجرأة وقلة الثبات . والملك ما يحتمل هذا . والوالد ما يشتهى لولده إلا ~~الخير . والخصائل التي أعرفها منك اتركها ، يدوم لك الملك . وإن أنت ~~PageV29P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" خالفت أمري وبقيت علي ما أعلمه منك ، يروح ~~منك الملك . واثبت في جميع أمورك . وسن سيرتي في العسكر . واترك الأشياء ~~على ما هي عليه : كل أحد متولي الشغل الذي هو فيه ، ولا تحدث حادث . ~~والوصية بجميع الأمراء ، وأكرمهم واحترمهم ، وأرفع منزلتهم . فهم جناحك ~~الذي تطير به ، وظهرك الذي تركن إليه . وطيب قلوبهم ، وزيد في إقطاعهم . ~~وزيد كل أمير على ما معه من العدة عشرين فارس . وأنفق الأموال . وطيب قلوب ~~الرجال ، يحبوك وتنال غرضك في دفع هذا العدو . ولا تؤاخذ بما جرى في دمياط ~~، فهذا أمر سماوي ، ما لأحد في هذا حيلة . والأخ فخر الدين ms6824 بن الشيخ ما ~~عندي من أقدم سواه ، فأكرمه ، واحترمه كما تحترمني . واجعله عندك كالوالد . ~~واسمع قوله ورأيه ولا تخالفه . واجعل له من العدة مائتي فارس . يا ولدي : ~~الوصية بأم خليل ، فلها علي من الحقوق والخدمة ما لا أقدر أصفه ، ارعى ~~جانبها وأكرمها واحترمها ، وارفع منزلتها ، فهي عندي بمنزلة عظيمة . وكنت ~~طيب القلب بصحبتها ، آمنا على نفسي من جهتها ، فاجعلها لك مثل الوالدة . ~~واجتهد في اتصال الراحة إليها ، وطيب قلبها ، واجعلها حاكمة على جميع أمورك ~~وأموالك . ولا يبدو منك كلمة تضيق صدرها ، ولا توجع لها قلبا أبدا ، ولا من ~~يتعلق بسببها ، ولا من يضيق صدرها بسببه . ولا تخرج عن رأيها وتدبيرها . ~~وهذه وصيتي فلا تخالف أمري . واخدمها كما تخدمني ، واحترمها كما تحترمني . ~~ولا تجعل على يدها يد . والوصية بجميع العيال ، أحسن إليهم فلهم علي خدمة . ~~ولا تقصر في حق الصغير منهم والكبير . واحفظ وصيتي ، فمتى خالفتني يروح منك ~~الملك ، وتكون عاقا لي . وكتبت هذه الوصية ولم يطلع عليها أحد ، لئلا تضيق ~~صدورهم . وكتبتها في مدة طويلة . واعلم يا ولدي أن الملك في ابتداء ملكه ~~كمثل الشجرة في ابتداء طلوعها ، فيأتي ريح يهب عليها يحركها ، وربما يقلعها ~~من أصلها . فإذا مضت عليها الأيام والسنين قوي أصلها ، واشتد ساقها ، فلا ~~تحركها الرياح العواصف . فاعلم يا ولدي إشارتي ، وتنبه لغرضي . وإن ضاق ~~صدرك من شخص فاحتمله ، وأحسن إليه تحسن سيرتك ، ويحبك عدوك . ولا تعجل ~~بالعقوبة . واعلم أن الناس أعداء لبعضهم البعض ، فلا تسمع كلام أحد دون أن ~~تقابل بينه وبين خصمه ، ولو أتاك مقطوع اليد . فربما خصمه أسوأ حالا منه . ~~فإذا عرف هذا منك ، تقل الشكاوي والرفاعات ، ويستريح خاطرك . PageV29P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" والذي أعرفك به يا ولدي : لما نزل العدو على ~~زمن الشهيد - رحمه الله - على دمياط ، ما كان فيها سوى الوالي والكنانية ، ~~وأهلها حفظوها إلى أن وصل الشهيد من القاهرة ، وعسكر مصر من الشام . وما ~~قدر العدو ينزل بر دمياط ، وما كان فيها ذخيرة شهر واحد . فلما اختلف ~~العسكر على الشهيد - رحمه الله ms6825 - وتحزبوا - مثل ابن المشطوب والأكراد - مع ~~الملك الفائز ، غضب الشهيد ، وساق إلى أشموم . وتبعه العساكر ، وتركوا جميع ~~الخيم والقماش . وخرج من دمياط من خرج ، والوالي . وما بقي فهيا إلا أهلها ~~. وغلقوها وقعدوا فيها وحفظوها ، إلى أن مات أكثر من فيها والباقي تكشحوا ، ~~وخلت الأصوار من المقاتلين . فصعدت الفرنج وأخذتها ، بعد أن تعبوا من ~~النقوب من تحت الأرض ، وشربوا بالبتاتي ، والزحف عليها من جميع الجهات ، ~~وما قدروا يأخذوها . وأنا قويت دمياط ، وملأتها ذخائر من كل شيء ، يكفيها ~~عشرين سنة ، مع ما كان عند أهلها من الذخائر . واكشف من الديوان يعرفوك ما ~~كان فيها من الخيرات . وقويتها بجميع عسكر الديار المصرية ، من فارس وراجل ~~، ونقدين وما خليت لها عذر ، حتى بقيت وحدى في أشموم بسبب المرض . فلما أن ~~أقبل العدو وشاهدوه وطلبوا البر بالحراريق ، انهزموا وسلموا لهم البر ، ~~واشتغلوا بالنساء ونقلهم من دمياط ، وهربت العوام وتبعهم الأجناد . وكان ~~المقدم عليهم الأخ فخر الدين ساق خلفهم وردهم ، وجعل على أبواب دمياط كل ~~باب أمير . فلما أصبح ، ما وجد في المدينة أحد . هربوا الكنانية في الليل ، ~~وكسروا الخوخ ونزولوا من السور ، وتركوا أموالهم وذخائرهم نهبوها المسلمين ~~بعضهم بعض . وأخلوا دمياط ، حتى أخذتها الفرنج ثاني يوم . وهذا كله بقضاء ~~الله وقدره . . واصبر تنال ما تريد . وهذا العدو المخذول ، إن عجزت عنه ، ~~وخرجوا من دمياط وقصدوك ، ولم يكن لك بهم طاقة وتأخرت عنك النجدة ، وطلبوا ~~منك الساحل وبيت المقدس وغزة وغيرها من الساحل - أعطيهم ولا تتوقف ، على أن ~~لا يكون لهم في الديار المصرية قعر قصبة . PageV29P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" وإن نزلوا منزلة من تقدمهم من العدو قبالة ~~المنصورة ، فرتب العسكر يكونوا ثابتين خلف الستاير مع البحر ، ليل ونهار . ~~فهم ما لهم زحف إلا بالشواني ، فقووا الشواني ، كيفما قدرتم . واجهدوا أن ~~يكون بعض الحراريق على بحر المحلة من خلف مراكبهم ، تقطع عنهم الميرة . وهو ~~يكون - إن شاء الله - سبب هلاكهم . فتلك المرة ما انتصر الشهيد - رحمه الله ~~- عليهم إلا من بحر المحلة . وتكون العرب مع الخوارزمية مع ms6826 ألفين فارس ~~بينهم وبين دمياط . واستخدم ، الفارس والراجل . وأنفق الأموال ولا تتوقف . ~~وإن كان الشرق لا ينجدوك لأجل الناصر وإسماعيل ، واشترطوا أن ترد عليهم ~~بلادهم . ورأيت الغلوبية ، ولا بد من ذلك وإلا ذهب الملك - فالضرورات لها ~~أحكام . إعلم - يا ولدي - أن الديار المصرية هي كرسي المملكة ، وبها تستطيل ~~على جميع الملوك . فإذا كانت بيدك ، كان بيدك جميع الشرق . ويضربوا لك ~~السكة والخطبة . فاتفق أنت والأخ فخر الدين ، وأرضى الناصر بما يطيب به ~~قلبه . فالناصر ما أخرجه من يدي إلا تغيري عليه ، بسبب أوراق كانت تصل إلي ~~عنه أنه فعل وصنع . وكشفت عن ذلك ، ما رأيت لها صحة . فلما انقطع رجاه مني ~~لتغيري ، استند إلي إسماعيل وابن ممدود ، وجرى منهم ما جرى . كل ذلك من ~~إسماعيل وابن ممدود ، وهو يشاركهم في جميع ما يفعلوه . وأما الذي فعله معي ~~على نابلس فما كان إلا مصلحة عظيمة ، أنا أشكره عليها . طلع بي الكرك إلى ~~أن ذهبت أيام القطوع . لولا ذلك أخذني إسماعيل ، لأنه ضيق علي أرض الشام ~~بالعسكر في طلبي ، فما فعل في حقي إلا خير . فهو كان السبب في خروجي ، في ~~الوقت الذي كان قدر الله بتوجهي فيه إلى الديار المصرية بالملك . فلا يضيع ~~له هذا القدر . وكنت نويت له كل خير . فإن حصل بينكما اتفاق ، وصفت نيته في ~~محبتك ، ووفي لك باليمين ، فخاطرك به مستريح في أمر الساحل . فما ذنوبه ~~عندي ذنوب إسماعيل ، الذي بارزني ، وأخذ مني دمشق ، واعتقل ودلين وفعل في ~~حقي ما فعل ، وأعطى الساحل والحصون التي فيه لعدو الدين ، واستعان بالكفر ~~علي ، وعلى أخذ بلادي . فارضيه بشيء يستعين به : بصري مع السواد ، ولا تعطى ~~له قلعة بعلبك . وتحسن إلى PageV29P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" أولاده وأهله ، وينفذوا إليه . فالله يقابل ~~المسيء ، ويجازي المحسن وأطلق المحتبسين كلهم ، إلا من كان له تعلق في قبض ~~عمك ، أو مفسد في الدولة . فإن قدر الله لك بالنصر على هذا العدو المخذول ، ~~وأخذت دمياط - إن شاء الله تعالى - ابني باشورة تكون طول قامة ، وبسطة ~~بشراريف ms6827 ، ورمامي من فوق وأسفل ، وتكون الباشورة عرض يتمكن القتال عليها ، ~~إما بالحجر أو بالطوب الأحمر ، ويكون لها سلالم ، بين كل سلم وسلم ثلاثين ~~خطوة . تعمل هذه الباشورة من قبالة برج السلسلة ، قريب من الماء البحر إلى ~~البرزخ ، إلى المكان الذي نزلوا فيه الفرنج ، وفوق منه بثلاث رميات نشاب . ~~ومن آخر هذه الباشورة تحفر خندق ، من البحر المالح إلى البحر الحلو ، مثل ~~ما حفره الشهيد تلك المرة ، بحيث إذا جاء العدو لا يقدر على الماء الحلو ، ~~ولا يبقى له منزلة ينزل فيها . وبين كل سلمين لعبتين يرموا بالحجارة ، ~~والعسكر تقاتل من على الباشورة والمنجنيق والرماة ترمى من خلف الباشورة من ~~المرامي ، ما يقدر أحد يقرب البر . وعجبت كيف غفل عن هذا الشهيد - رحمه ~~الله - وعمل قلعة . فهذه الباشورة فيها ألف مصلحة قسطها على الأمراء وعلى ~~بيت المال والأسرى الفرنج تعمل فيها . واجتهد في عملها تأمن على دمياط ~~وتستريح وإن لم يخرج العدو من دمياط وتطاول الأمر ينتظروا نجدة تصل إليهم ، ~~ازحف عليهم من بر دمياط ومن بر البرزخ ، بالفارس والراجل وبالشواني من ~~البحر ، لعل أن تملكوا بر البرزخ . فإذا ملكتوه ملكتم فم البحر ، ومنعتوا ~~أن يدخل إليه مركب ، أو يخرج . ويا ولدي : قلدت إليك أمور المسلمين ، فافعل ~~فيهم ما أمرك الله به ورسوله . يا ولدي إياك والشرب ، فإن جميع الآفات ما ~~تأتي على الملوك إلا من الشرب . ولا تخالفني تندم ، وتدخل عليك العارض . ~~فما يسقيك إلا من تأمن إليه ، ولا يدخل عليك العارض إلا من القريب . يا ~~ولدي : وامنع المسلمين والنصارى أن يعصروا الخمر . وطهر العساكر من القحاب ~~، والمدن . ولا تجلس مع من يشرب ، فيزين لك الشيطان فتشرب ، فتكون قد ~~خالفتني ، وتدخل عليك العارض . وأنا قد جربت الأشياء ووقعت PageV29P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" فيها ، وتحققت الخطأ من الصواب ، وندمت وقت ~~لا ينفع الندم . فاجتنب يا ولدي ما حذرتك منه . فقد أخبرك مجرب صادق ، مشفق ~~عليك وانظر يا ولدي في ديوان الجيش . فهم الذين أفسدوا البلاد وأخربوها - ~~وهم النصارى - أضعفوا العساكر ، وكأن البلاد ms6828 ملكهم يبيعوها بيع . إذا كتب ~~منشور لأمير يأخذوا منه المائتين وأكثر ، ومن الجندي من المائة ونازل . ~~ويكون الجندي خبزه ألف دينار يفرقوا خبزه في خمس ست مواضع : في قوص وفي ~~الشرقية وفي الغربية ، فيريد الجندي أربع وكلاء ، يروح الخبز لوكلا . ومتى ~~يحصل للجندي من خبزه شيء ، إذا كان مثلا في بيكار ويقاسي العليقة بثلاثة ~~نقرة ، كيف يكون حاله ظ يخرب بيته ويهلك فهذا سبب هلاك الجندي . والنصارى ~~يقصدوا هذا ، لخراب البلاد وضعف الأجناد ، حتى تروح منا البلاد . وجندي ~~يحصل له وجندي ما يحصل له شيء أصلا . ترد عبرة البلاد إلى ما كانت عليه في ~~زمن صلاح الدين - رحمه الله . والجندي لا يكون خبزه مفرق ، بل في موضع أو ~~موضعين قريبين . فتعمر البلاد ويقوى الجندي ويقوى الفلاح . فإذا كانوا ~~جماعة في بلد ، وكل أحد يخرب من ناحية ويجور المقطعين على الفلاحين ، تخرب ~~البلاد . وهذا كله فعل النصارى . وبلغني أنهم بعثوا إلى ملوك الفرنج في ~~الساحل في الجزائر ، وقالوا لهم . أنتم ما تجاهدوا المسلمين ، بل نحن ~~نجاهدهم الليل والنهار ، بأخذ أموالهم ونستحل نساهم ، ونخرب بلادهم ونضعف ~~أجنادهم . تعالوا خذوا البلاد ، ما تركنا لكم عاقة . فالعدو معك في دولتك - ~~وهم النصارى . ولا تركن لمن أسلم منهم ولا تعتقد عليه ، فما يسلم أحد منهم ~~إلا لعلة ، ودينه في قلبه باطن كالنار في الحطب يا ولدي ، أكثر الأجناد ~~اليوم عامة ، وباعة وقزازين : كل من لبس قباء وركب فرس ، وجاء إلى أمير من ~~هؤلاء الترك ، وقدم له فرس ، ويبرطل نقيبه وأستاذ داره على PageV29P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" خبز جندي ، من جندي معروف بالشجاعة والحرب - ~~طرده أميره ، وأعطى خبزه لذاك العامي الذي لا ينفع وأكثرهم على هذه الحالة ~~. فإذا عاينوا العدو وقت الحاجة هربوا ، وينكسروا العسكر . لأنهم ما يعرفوا ~~قتال ، ولا هو شغلهم . فينبغي أن لا يستخدم إلا من يعرف يلعب بالرمح على ~~الفرس ، ويرمى بالنشاب والأكرة ، وتظهر فروسيته - حينئذ يستخدم . واحفظ يا ~~ولدي ما أقوله لك ، فهذا جميعه ما عرفني به إلا الأخ فخر الدين ، وأخبرني ~~أنه ms6829 وقف على كتاب بخط صلاح الدين ، أن الفيوم وسمنود والسواحل والخراج ~~للأسطول . فالأسطول أحد جناحي الإسلام . فينبغي أن يكونوا شباعا . ورجال ~~الأسطول إذا أطلق لهم كل شهر عشرين درهم مستمرة راتبه ، جاؤوا من كل فج ~~عميق ، ورجال معروفين بالقذف والقتال . وإنما تجو وقت الحاجة تقبضوا ناس ~~مستورين لهم أطفال وبنات ، وهو الذي يطعمهم ويسقيهم ، تأخذوه في الأسطول ~~ولا ينفع ، تموت أطفاله بالجوع ، ويدعو علينا كيف تنتصر على العدو ؟ ~~وتأخذوا إلى البحر عند قبض الأسطول كل يوم ألف دينار ، لأنه يقبض من الصبح ~~إلى المغرب ، مساتير وبياعين وأرباب معايش ، يجو أهاليهم إلى بيت الوالي ، ~~كل أحد يزن الذهب ويخلص نفسه . والفقير الذي ماله قدرة تحدروه في المراكب . ~~فقد نبهت الولد على هذه الأشياء . والأخ فخر الدين عرفني بهذه الأحوال ~~جميعها . فاسمع ما بقوله لك . الولد يتوصى بالخدام : محسن ورشيد والخدام ~~المقدمين ، لا تغيرهم . فما قدمت أحد من الخدام ولا من المماليك إلا بعد ما ~~تحققت نصحه وشفقته . وأستاذ الدار وأمير جاندار تتوصى بهم . وكذلك الحسام ~~لا تغيرهم . فإني أعتمد عليهم في جميع أموري . القيمرية ، الولد لا يسمع ~~كلام بعضهم في بعض . وناصر الدين عند كذب وخبث . وما باطنه جيد . وقد عرفت ~~الأخ فخر الدين الرسل الذي مسكوا من دمشق إلى حلب من عنده . والحسام يكون ~~بمفرده لا حل ولا ربط . وضيا الدين القيمري ، إن احتاجوا إلى أن يخرج عسكر ~~إلى جهة من الجهات ، يكون مقدم . وناصر الدين أرجل لا يخرج مع عسكر . وسيف ~~الدين القيمري تعمل معه ما يقرر مع الأخ فخر الدين ، يكون مقدم العسكر في ~~دمشق . وابن يغمور مشد ، وناصر الدين على المظالم . فابن يغمور ~~PageV29P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" يصلح أن يكون مشد ووالي وجابي الأموال ، ولا ~~يصلح يكون مقدم على عسكر ، ولا يصلح لجنديه . ولا تؤمن إليه كل الأمن . بل ~~تمشي به الحال في مكان مدة ، ثم ينقل إلى غيره . وهو بالكتاب أليق . وكذلك ~~قرائب فخر الدين عثمان كلهم لا يصلحوا لجندية . ابن العزيز الرأي عندي أن ~~تؤخذ جماعته ms6830 ، ويبقى هو ومماليكه بمفردهم ، ويقطع له ولمماليكه ، وحاشيته ~~ودوره ، ما يقوم بهم من خاصة . فالأخ فخر الدين يعرف ما جرى منه ، فهو نحس ~~مفسد مخسخس . وقد عرف الأخ فخر الدين حاله وما جرى منه في دمياط وغير دمياط ~~، فما يصلح لصالحة . متولي ديوان الأحباس اصرفه . وولي ابن النحوين فقد ~~سألني المتصدرين ذلك . وطرائق بن الجباب غير صالحة . والوكيل اصرفه . وولي ~~ابن الفقيه نصر ، فهو رجل جيد فقيه عنده خوف من الله . وقد عينت في ورقة ~~عند الأخ فخر الدين عشرين من المماليك تقدمهم ، تعطى لكل واحد كوس وعلم ، ~~وتحسن إليهم . وتتوصى بالمماليك غاية الوصية . فهم الذي كنت أعتمد عليهم ، ~~وأثق بهم . وهم ظهري وساعدي . تتلطف بهم ، وتطيب قلوبهم ، وتوعدهم بكل خير ~~. ولا تخالف وصيتي . ولولا المماليك ما كنت قدرت أركب فرس ، ولا أروح إلى ~~دمشق ، ولا إلى غيرها . فتكرمهم وتحفظ جانبهم . فهذه وصيتي إليك ، فاعمل ~~بما فيها ولا تخالف وصيتي . وكل يوم طالعها ، واقف عليها . ولا تعمل شيء ~~دون أن تشاور الأخ فخر الدين . والله يقدر بما فيه الخير - إن شاء الله ~~تعالى . يا ولدي ، إن ألزموك - الحلبيين - أن تدفع الكرك إلى الناصر ، ~~فأعطه الشوبك . PageV29P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" وإن لم يرض زده من الساحل ، حتى يرضي . ولا ~~تخرج الكرك من يدك . الله الله احفظ وصيتي . فلا تعلم ما يكون من هذا العدو ~~والمخذول ، لعله - والعياذ بالله - أن يتقدم إلى مصر يكون ظهرك الكرك ، ~~تحفظ فيه رأسك وحريمك ، فمصر مالها حصن . ويجتمع عندك العسكر وتتقدم إليهم ~~، تردهم عن مصر . وإن لم يكون لك ظهر مثل الكرك ، تفرقت عنك العساكر . وقد ~~عزمت أن أنقل إليها المال والذخائر والحرم ، ولك شيء أخاف عليه ، واجعلها ~~ظهري . والله ما قوي قلبي واشتد ظهري ، إلا لما حصلت في يدي . الحمد لله ~~وحده ، وصلواته على سيدنا محمد نبيه - وآله وصحبه - وسلامه هذا آخر ما ~~تضمنه كتاب الوصية . وقد نقلته بنصه وهيئته - على ما فيه من لحن في بعض ~~ألفاظه ، ونقص ألفات في بعضه . ولم يعتمد الملك المعظم ms6831 ما أوصاه به ، ولا ~~رجع إليه ولا عرج عليه ، بل خالفه في جميع ما تضمنته وصيته . وكان من أمره ~~، وزوال ملكه ، ما نذكره . ولنرجع إلى سياقة أخبار الملك المعظم : قال : ~~ولما وصل إليه الأمير فارس الدين ، وهو بحصن كيفا ، رحل وسلك البرية . ~~وأخفى أمره عن الملوك المجاورين له . خشية من غائلتهم . وترك بالحصن ولده ~~الملك الموحد ، وسار حتى انتهى إلى دمشق . فكان وصوله إليها في يوم السبت ، ~~سلخ شهر رمضان ، سنة سبع وأربعين وستمائة . وعيد بها عيد الفطر . وخلع ~~وأنعم على الأمراء ، وأقر الأمير جمال الدين موسى بن يغمور على النيابة ~~بدمشق . وأفرج عن كل من كان في حبس والده . قال أبو المظفر : وبلغني أنه ~~كان بدمشق ثلاثمائة ألف دينار ، فأخذها صحبته ، وتجهز إلى الديار المصرية . ~~وكان رحيلته من دمشق في الخامس والعشرين من شوال ، منها . وكان سبب تأخره ~~بدمشق ، هذه المدة ، أن الأمير فخر الدين يوسف بن الشيخ كان قد سير إليه ~~جماعة من المماليك الصالحية ، يستحثه على سرعة الحضور . فأوهمه بعضهم أن ~~فخر الدين حلف العساكر لنفسه ، وأنه متى حضر قتله ، واستقل بالأمر . فأنفق ~~الملك المعظم الأموال PageV29P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" بدمشق ، واستحلف العساكر . وحلف المماليك ~~الذين حضروا من جهة الأمير فخر الدين ، على قتل فخر الدين . فحلفوا له . ~~فاتفق قتل فخر الدين قبل وصول الملك المعظم ، كما تقدم . وجهز الملك المعظم ~~كاتبه - معين الدين ، هبة الله بن أبي الزهر حشيش - إلى قلعة الكرك ، في ~~مستهل ذي القعدة . فحقق ما بها من الأموال والذخائر ، وحمل إليه من حاصلها ~~مائتي ألف دينار ، عينا ، مما كان الملك الصالح قد نقله إليها . ولحق معين ~~الدين السلطان إلى الرمل . وكان نصرانيا فوعده بالوزارة ، فأسلم . ووصل ~~السلطان إلى العساكر الديار المصرية ، بمنزلة المنصورة - في يوم الثلاثاء ~~سابع عشر ذي القعدة ، من السنة . ولما وصل ، وضع يده على ما سلم مت تركة ~~الأمير فخر الدين يوسف ابن الشيخ ، وأخذ مماليكه الصغار ، وبعض قماشه - ~~وثمن ذلك بخمسة عشر ألف دينار - وهي دون نصف القيمة ، فيما قيل ms6832 . ولم يعوض ~~الورثة عن ذلك شيئا ، فإنه قتل قبل ذلك . ذكر عدة حوادث كانت في سنة سبع ~~وأربعين وستمائة ، غير ما تقدم في هذه السنة تأمر بمكة - شرفها الله تعالى ~~- أبو سعد علي بن قتادة ، وذلك في العشرين من ذي القعدة . وفيها قتل الأمير ~~شيحه ، صاحب المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - وولي بعده ~~ولده عيسى بن شيحه . وفيها في خامس عشر شعبان ، توفي الطواشي مسرور ~~بالقاهرة ، ودفن بتربته بالقرافة . وفيها توفي الشيخ صالح أبو الحسن علي ، ~~بن أبي القاسم بن عربي بن عبد الله ، الدمياطي ، المعروف بابن قفل - في يوم ~~الأحد الرابع والعشرين من ذي الحجة ، برباطه بالقرافة ، وبه دفن . وفيها ~~توفي شهاب الدين ابن قاضي دارا . وكان من النظار في الدولة الكاملية ، ~~وبعدها . ولي نظر الأعمال القوصية . وكان السلطان الملك الكامل يكتب إليه ~~بخطه ، PageV29P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" ويأمره وينهاه . ويقال إنه كان من ظلمة ~~النظار ، يضرب بظلمه المثل . سامحه الله - وإيانا بكرمه . واستهلت سنة ثمان ~~وأربعين وستمائة ذكر هزيمة الفرنج وأسر ملكهم ريدا فرنس قال المؤرخ : لما ~~وصل السلطان الملك المعظم إلى المنصورة ، كان ملك الفرنج ريدا فرنس - ~~بعساكره وجموعه - بالجزيرة التي قبالة المنصورة ، وهي الدقهلية . فرحل بمن ~~معه طالبا دمياط . وذلك في ليلة الأربعاء ، مستهل المحرم ، من السنة . ~~فتبعته عساكر المسلمين إلى فارس كور ، وقاتلوه قتالا شديدا وأخذوه أسيرا - ~~هو وأخوه - واستولوا على عساكر الفرنج ، وقتلوا منهم زيادة عن عشرة آلاف ~~فارس . وأسر من الخيالة والرجالة ما يناهز مائة ألف . وجيء بريدا فرنس ~~وأخيه إلى المنصورة ، فاعتقلا في دار فخر الدين بن لقمان بها . ورتب ~~السلطان الأمير فخر الدين الطوري لقتل أسرى الفرنج فكان يقتل منهم في كل ~~ليلة ثلاثمائة نفر ، ويرميهم في البحر . وكتب السلطان الملك المعظم - كتابا ~~بخطه إلى الأمير جمال الدين موسى ابن يغمور النائب بدمشق ، مضمونه بعد ~~البسملة : ولده تورانشاه . الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن . وما النصر إلا ~~من عند الله . ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ، ينصر من يشاء وهو العزيز ms6833 ~~الرحيم . وأما بنعمة ربك فحدث . وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها . يبشر ~~المجلس السامي الجمالي - بل PageV29P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" يبشر الإسلام كافة - بما من الله به على ~~المسلمين ، من الظفر بعدو الدين . فإنه كان قد استفحل أمره ، واستحكم شره ، ~~ويئس العباد من البلاد والأهل والأولاد . فنودوا : لا تيأسوا من روح الله . ~~ولما كان في يوم الأربعاء - مستهل السنة المباركة - تمم الله على الإسلام ~~بركاتها - فتحنا الخزائن ، وبذلنا الأموال ، وفرقنا السلاح ، وجمعنا ~~العربان والمطوعة ، واجتمع خلق لا يحصيهم إلا الله تعالى ، وجاؤوا من كل فج ~~عميق ، ومن كل مكان بعيد سحيق . ولما رأى العدو ذلك أرسل يطلب الصلح ، على ~~ما وقع الاتفاق بينهم وبين الملك الكامل ، فأبينا . ولما كان الليل ، تركوا ~~خيامهم وأموالهم وأثقالهم ، وقصدوا دمياط هاربين ، ونحن في آثارهم طالبين . ~~وما زال السيف يعمل في أدبارهم ، عامة الليل . وحل بهم الحرب والويل . فلما ~~أصبحنا نهار الأربعاء قتلنا منهم ثلاثين ألفا ، غير من ألقى نفسه في اللجج ~~. وأما الأسرى فحدث عن البحر ولا حجر . والتجأ الإفرنسيس إلى المنية ، وطلب ~~الأمان فأمناه ، وأخذناه وأكرمناه . وتسلمنا دمياط بعون الله تعالى ، وقوته ~~وجلاله وعظمته . وذكر كلاما طويلا . وبعث مع الكتاب غفارة ريدا فرنس إلى ~~الأمير جمال الدين ، فلبسها . وهي PageV29P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" اسقلاط أحمر ، تحته سنجاب ، وفيها شكل يكلة ~~ذهب . فنظم الشيخ نجم الدين محمد ، بن الخضر بن إسرائيل ، مقطعات ثلاثا ، ~~ارتجالا ، وهي : إن غفارة الفرنسيس التي جا . . . ءت حباء لسيد الأمراء ~~كبياض القرطاس لونا ، ولكن . . . صبغتها سيوفنا بالدماء وقال - يخاطب ~~الأمير جمال الدين : يا واحد العصر الذي لم يزل . . . يجوز في نيل المعالي ~~المدا لا زلت في عز وفي رفعة . . . تلبس أسلاب ملوك العدا وكتب عن الأمير ~~جمال الدين مقدمة كتاب ، للسلطان : أسيد أملاك الزمان بأسرهم . . . تنجزت ~~من نصر الإله وعوده فلا زال مولانا يبيح حمى العدا . . . ويلبس أسلاب ~~الملوك عبيده ولما وصل هذا الكتاب بهذه البشرى ، اجتمع عوام دمشق في ~~العشرين من المحرم ودخلوا كنيسة مريم بالمغاني والبشائر ، وهموا بهدمها . ~~وأما النصارى ms6834 ببعلبك فيقال إنهم سودوا وجوه الصور ، التي في كنائسهم ، حزنا ~~على هذه الحادثة . فعلم بهم متولي البلد ، فجناهم جناية شديدة ، وأمر ~~اليهود بصفعهم وضربهم وإهانتهم . وفيها نفى السلطان الملك المعظم الملك ~~السعيد مجير الدين حسن ، بن الملك العزيز عثمان ، بن الملك العادل - وهو ~~ابن عم أبيه - من الديار المصرية إلى الشام . ووصل إلى دمشق ، واعتقل بعزتا ~~ثم أفرج عنه ، على ما نذكره - إن شاء الله تعالى . PageV29P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" ذكر مقتل السلطان الملك المعظم كان مقتله - ~~رحمه الله تعالى - في يوم الثلاثاء ، السابع والعشرين من المحرم ، سنة ثمان ~~وأربعين وستمائة وسبب ذلك أنه لما ملك شرع يبعد مماليك والده وغلمانه ~~وترابيه ، ويقرب غلمانه الذين وصلوا معه من بلاد الشرق وجعل خادمه الطواشي ~~مسرور أستاد داره ، والطواشي صبيح أمير جاندار - وكان عبدا حبشيا فحلا - ~~وأمر أن يصاغ عصاة من ذهب ، وأنعم عليه بالأموال والإقطاعات . وتوعد جماعة ~~من مماليك والده ، وأهانهم . وكان يسميهم بأسمائهم ، من غير أن ينعت أحدا ~~منهم . وكان قد وعد فارس الدين أقطاي بالإمرة ، فلم يف له . فاستوحش منه . ~~وكانت والدة خليل - سرية أبيه - قد توجهت إلى القلعة لما وصل إلى الشام ، ~~فأرسل إليها يتهددها ، ويطلب منها الأموال والجواهر . فيقال إنها خافته ، ~~وكتبت إلى المماليك الصالحية بسببه . فاجتمع منهم جماعة ، واتفقوا على قتله ~~. فلما كان يوم الإثنين - سادس أو سابع عشرين المحرم ، جلس السلطان على ~~السماط ، واجتمع الأمراء على العادة . فلما تفرقوا ، تقدم أحد مماليك والده ~~، وضربه بالسيف . فالتقى الضربة بيده ، فانهزم الضارب فقام السلطان ، ودخل ~~إلى برج خشب كان في خيمته ، وقال : من ضربني ؟ قالوا : الحشيشية . فقال : ~~لا والله ، إلا البحرية والله لا أبقيت منهم بقية وقد عرفت الضارب واستدعى ~~الجرائحي ليخيط يده . فاجتمع الجماعة الذين اتفقوا على قتله ، وهجموا عليه ~~، وبأيديهم السيوف مجذوبة . فهرب إلى أعلى البرج ، وأغلق بابه . فحرقوه ~~بالنار ، فنزل من البرج ، PageV29P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" وهرب إلى البحر . فأدركوه ، وضربوه بالسيوف ~~فرمى نفسه في البحر ، وهو يستغيث بهم ، وتعلق بذيل أقطاي ، واستجار به ، ~~فما أجاره ms6835 . وهو يقول : دعوني أعود إلى الحصن ، فوالله ما أريد الملك . وهم ~~لا يلتفتون إلى قوله . وقتلوه في الماء ، فمات قتيلا حريقا غريقا وكانت مدة ~~سلطنته واحدا وسبعين يوما . وانهزم أصحابه الذين وصلوا صحبته من الشرق ، ~~واختفوا . وكان الذين باشروا قتل الملك المعظم ، من مماليك أبيه ، أربعة ~~حكى عن سعد الدين مسعود ، بن تاج الدين شيخ الشيوخ ، أنه قال : أخبرني صادق ~~أن السلطان الملك الصالح ، لما أمر الطواشي محسن الخادم بقتل أخيه الملك ~~العادل - أمره أن يأخذ معه من المماليك من يخنقه ، فعرض محسن ذلك على جميع ~~المماليك ، فامتنعوا بأسرهم ، إلا هؤلاء الأربعة ، فإنهم أجابوه وتوجهوا ~~معه ، وخنقوا الملك العادل . فسلطهم الله تعالى على ولده الملك المعظم هذا ~~، فقتلوه . قال أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزي : وحكى لي العماد بن درباس ~~، قال : رأى جماعة من أصحابنا الملك الصالح نجم الدين في المنام ، وهو يقول ~~: قتلوه شر قتله . . . صار للعالم مثله لم يراعوا فيه إلا . . . لا ، ولا ~~من كان قبله ستراهم عن قليل . . . لأقل الناس أكله والملك المعظم هذا هو ~~آخر ملوك الدولة الأيوبية ، بالديار المصرية ، المستقلين بالملك . وملكت ~~بعده شجر الدر . ذكر ملك شجرة الدر والدة خليل سرية الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب قال : ولما قتل الملك المعظم ، اتفق الأمراء الصالحية والبحرية على ~~إقامة شجر PageV29P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" الدر - سرية السلطان الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب - وحلفوا لها ، واستحلفوا جميع العساكر الشامية والمصرية . وكانت ~~المناشير والتواقيع تخرج باسمها . ويكتب عليها ما صورته : والدة خليل . ~~ويكتب الموقع : خرج الأمر العالي المولوي السلطاني الخاتوني الصالحي ، ~~الجلالي العصمي الرحيمي - زاده الله شرفا ونفاذا . وقد شاهدت منشورا منها ، ~~هذه ترجمته . وتواقيعها موجودة بأيدي الناس ، إلى وقتنا هذا . وخطب باسمها ~~على المنابر . واستقر الأمير عز الدين أيبك - التركماني الصالحي - أتابك ~~العساكر . ذكر استعادة ثغر دمياط من الفرنج وإطلاق ريدا فرنس قال : ثم حصل ~~الاتفاق بين الأمراء وريدا فرنس - ملك الفرنج - على أن يسلم ثغر دمياط ، ~~ويحمل إليهم وظيفة تقررت بينهم ، ويطلقوه . فسلم إليهم الثغر في يوم ms6836 الجمعة ~~، ثالث صفر ، سنة ثمان وأربعين وستمائة . وتوجه هو - وأخوه وزوجته ، ومن ~~بقي من الفرنج - إلى بلادهم . فكانت مدة استيلائهم على الثغر أحد عشر شهرا ~~، وتسعة أيام . ذكر خلع شجر الدر نفسها من الملك وانقراض الدولة الأيوبية ~~من الديار المصرية كان سبب ذلك أن الأمراء اتفقوا على أن يتزوج الأمير عز ~~الدين أيبك التركماني شجر الدر ، فتزوجها ، وخلعت نفسها من الملك ، وسلمت ~~السلطنة إليه - في التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة . وكانت مدة ~~ملكها ثلاثة أشهر وقد قيل إن زواجه بها كان في سنة تسع وأربعين وستمائة ~~وانتصب الأمير عز الدين في السلطنة ، وتلقب بالملك المعز . وأقام معه الملك ~~الأشرف : مظفر الدين موسى ، بن صلاح الدين يوسف ، بن الملك المسعود صلاح ~~الدين PageV29P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" أقسيس ملك اليمن ، بن الملك الكامل - وكان ~~عمره ست سنين . فأقام على ذلك زمنا ، ثم حجبه الملك المعز ، واستقل بالملك ~~. وانقرضت الدولة الأيوبية من الديار المصرية . الأيوبيون في غير الديار ~~المصرية وبقي من ملوكها من نذكرهم : بالشام ، وحصن كيفا ، ونصيبين ، ~~وميافارقين . وهم : الملك الناصر صلاح الدين يوسف ، بن الملك العزيز غياث ~~الدين محمد ، بن الملك الظاهر غياث الدين غازين بن الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف بن أيوب بن شادي - صاحب دمشق وحلب وحمص ، وما مع ذلك وليس من الذرية ~~الصلاحية من يخطب له بمملكة ، سواه . ومن الذرية العادلية من نذكرهم . وهم ~~: الملك المغيث فتح الدين عمر ، بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر ، بن ~~الملك الكامل ناصر الدين محمد ، بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد ، ~~بن أيوب - صاحب الكرك والشوبك . والملك الموحد : تقي الدين عبد الله ، بن ~~الملك المعظم غياث الدين تورانشاه ، بن الملك الصالح نجم الدين أيوب - صاحب ~~حصن كيفا ونصيبين ، وأعمال ذلك . والملك الكامل ناصر الدين محمد ، بن الملك ~~المظفر شهاب الدين غازي ، بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب - ~~صاحب ميافارقين . ومن الذرية الأيوبية : الملك المنصور ناصر الدين محمد ، ~~بن الملك المظفر تقي الدين محمود ابن ms6837 الملك المنصور محمد ، بن الملك المظفر ~~تقي الدين أبي سعد عمر ، بن شاهنشاه ، بن أيوب - صاحب جاه . هؤلاء ابن أيوب ~~ومن الذرية الأسدية : شيركوه بن شادي الملك الأشرف مظفر الدين موسى ، بن ~~الملك المنصور إبراهيم ، بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه ، بن الأمير ~~ناصر الدين محمد ، بن الملك المنصور أسد PageV29P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" الدين شيركوه ، بن الأمير ناصر الدين محمد ، ~~بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادي - صاحب تل باشر والرحبة . ~~وسنورد في هذا الموضع نبذا من أخبارهم ، تدل على ملخص أحوالهم ، إلى حين ~~وفاة كل منهم ، ومن قام بعده من أولاده ، إن كان - على سبيل الاختصار . أما ~~السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ، بن الملك العزيز ، بن الملك الظاهر ~~، ابن الملك الناصر : صلاح الدين يوسف بن أيوب - فإنه كان بيده ملك حلب ~~وأعمالها ملك ذلك بعد وفاة والده الملك العزيز - كما تقدم - في سنة أربع ~~وثلاثين وستمائة . ثم استولى على حمص ، في سنة ست وأربعين وستمائة : ~~انتزعها من الملك الأشرف موسى ، بن الملك المنصور إبراهيم ، بن شيركوه ، ~~وعوضه عنها تل باشر - وقد تقدم أيضا . ثم استولى على دمشق . ذكر استيلاء ~~الملك الناصر [ صاحب حلب ] على دمشق وفي سنة ثمان وأربعين وستمائة - بعد ~~مقتل الملك المعظم تورانشاه - تجهز الملك الناصر من حلب بعساكره ، فوصل إلى ~~قارا في مستهل شهر ربيع الآخر . وسبب ذلك أن الأمراء القيمرية ، الذين ~~بدمشق ، كاتبوه وباطنوه على أخذها . فإن الأمير جمال الدين موسى بن يغمور - ~~نائب السلطنة بها - اتفق هو والأمراء الصالحية النجمية ، الذين كانوا بدمشق ~~، وتظافروا ، واجتمعت كلمتهم . فتغيرت بواطن الأمراء القيمرية ، فكاتبوه ، ~~فسار إلى دمشق . ولما اتصل خبر مقدمه بالأمير جمال الدين بن يغمورن أحضر ~~الملك السعيد بن الملك العزيز عثمان ، من قلعة عزتا إلى دمشق - وكان قد ~~اعتقله بها - كما تقدم ، وأنزله في دار فرخشاه . PageV29P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" وتقدم الملك الناصر بعساكره ، ونزل القصر . ~~ثم انتقلوا إلى داريا ، في يوم السبت سابع الشهر . وزحفوا على المدينة يوم ~~الأحد ثامنه ، وجاؤوا إلى باب ms6838 الصغير - وكان مسلما إلى الأمير صارم الدين ~~القيمري ، وإلى باب الجابية وكان مسلما إلى الأمير ناصر الدين القيمري . ~~فلما انتهى العسكر الناصري إلى البابين ، كسرت أقفالها من داخل المدينة ، ~~وفتح البابان ، ودخل العسكر الناصري منهما . ونهبت دار الأمير جمال الدين ، ~~بن يغمورن وسيف الدين المشد . ونهب عسكر دمشق ، وأخذت خيولهم من إسطبلاتهم ~~. ودخل الأمير جمال الدين بن يغمور القلعة ، وبها الملك المجاهد إبراهيم . ~~ثم نودي بالأمان . ونزل الملك الناصر في دهليز ضرب له بالميدان الأخضر . ~~ونزل الأمير شمس الدين لؤلؤ - أتابكه - في الجوسق العادلي . ثم انتقل الملك ~~الناصر بعد ذلك إلى القلعة ، واستولى على ما بها من الخزائن والذخائر . ~~واعتقل الأمير جمال الدين بن يغمور ، ثم أفرج عنه وأحسن إليه . واعتقل ~~الأمراء الصالحية ، وأرسلهم إلى الحصون ، وأقطع أصحابه أخبازهم . وكان ~~الملك الناصر داود - بن الملك المعظم - قد نزل بالعقيبة ، فجاءه الملك ~~السعيد بن الملك العزيز عثمان ، فبات عنده ليلة . ثم هرب إلى قلعة الصبيبة ~~- وكان بها أحد خدامه ، وقد كاتبه - فوصل إليها وفتح له الباب ، فدخلها ~~واستقر بها . وتسلم الملك الناصر داود بعلبك من الحمدي ، وتسلم بصرى وصرخد ~~. ثم قبض عليه الملك الناصر يوسف بعد ذلك - في ثاني شعبان من السنة . وذلك ~~أن السلطان كان قد مرض ونزل بالمزة ، ونزل الناصر داود بالقصر بالقابون ، ~~فأرسل إليه الأمير PageV29P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" ناصر الدين القيمري ونظام الدين بن المولى ، ~~فأحضراه إلى المزة ، وضربت له خيمة واعتقل بها . واختلف في سبب القبض عليه ~~: فنقل أنه كان قد طلب من السلطان دستورا إلى بغداد ، فأذن له وأعطاه ~~أربعين ألف درهم ، فأنفقها في الجند وعزم على قصد الديار المصرية . وقيل : ~~إن الملك الصالح إسماعيل جاءه كتاب من الديار المصرية ، فأوقف الأتابك شمس ~~الدين لؤلؤ عليه . وأخبر القاصد أنه أحضر إلى الناصر داود كتابا ، فسئل عن ~~ذلك ، فأنكره . فنقم عليه السلطان بسبب ذلك . وقيل : بل أشار عليهم الملك ~~الصالح إسماعيل بالقبض عليه ، وقال أنتم ما تعرفونه ، نحن نعرفه . وأنتم ~~على قصد الديار المصرية ، والمصلحة أن لا ms6839 نتركه خلفنا ، ولا نستصحبه . فقبض ~~عليه ، واعتقل بالمزة أياما . ثم نقل في قلعة حمص ، واعتقل بها . وأسكن ~~أهله ووالدته وأولاده في خانقاه الصوفية ، التي بناها شبل الدولة كافور ~~الحسامي . ثم نقل إلى البويضا - وهي قرية قبلي دمشق ، كانت تكون لعمه الملك ~~المعز مجير الدين يعقوب بن العادل . وتوفي بها ، كما تقدم . ذكر توجه رسول ~~السلطان الملك الناصر يوسف إلى الديوان العزيز ببغداد ، وما جهزه صحبته من ~~الهدايا والتقادم ، وما أورده الرسول في الديوان العزيز من كلامه ولما ~~استولى الملك الناصر على دمشق ، جهز الصاحب كمال الدين أبا حفص عمر بن أبي ~~جراده - المعروف بابن العديم إلى الديوان العزيز . قال تاج الدين علي بن ~~أنجب - المعروف بابن الساعي - في تاريخه : كان وصول كمال الدين بن أبي ~~جراده إلى بغداد ، في شعبان ، سنة ثمان وأربعين فأكرم ، وخرج إلى لقائه ~~موكب الديوان العزيزي ، مصدرا بعارض الجيش ، مجنحا بخادمين من خدم الدار ~~PageV29P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" العزيزة . فالتقاه ظاهر البلد ، ودخل معه . ~~وقبل صخرة باب النوبي على العادة ، وانكفأ إلى حيث أنزل . وحضر - في اليوم ~~الثالث من قدومه - دار الوزير ، وأدى رسالته . وعرض ما صحبه من تحف وهدايا ~~. ومن جملة ذلك : دار خشب بديعة الصنعة ، وخمسة وعشرون جملا ، وعشرة أرؤس ~~من الدواب : منها أربع بغلات ، وبقيتها من جياد الخيل ، مجللة بالأطلس ~~وزرديات وخوذ - عمل الفرنج - ومائة وخمسين طقشا ، وثلاثمائة ترس لليد ، ~~وعشرين ثوبا سقلاط . ومن الثياب : الأطلس والروسي والخطائي والمموج ، ~~ومقاصير ونقايير وخياشى مذهبة ، وحريري ألف وخمسمائة قطعة ، وصناديق بها ~~أواني ذهب وفضة مجوهرة ، وثلاثمائة مجلد بخطوط منسوبة ، وأصول صحيحة الضبط ~~، ومصحف كريم بخط ابن الخازن ، وكتب عليه من نظمه قوله : وعليكم نزل الكتاب ~~وفيكم . . . وإلى ربوعكم نحن ونرجع قال : وكان قد جلس له الوزير في الشباك ~~العالي ، وجلس بين يديه على الصفة الطويلة ، ظاهر الشباك ، حاجبا باب ~~النوبي - وذكر جماعة . قال : ثم أذن للرسول في الدخول ، وجلس إلى جانب حاجب ~~باب النوبي . وقرأ القراء ، ثم نهض الرسول ، وخطب خطبة بلغية من إنشائه . ~~قال ابن ms6840 أنجب : وكنت حاضرا ومن خطه الرائق نقلتها ، وهذه نسختها : بسم الله ~~الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أسبغ علينا جزيل النعمة . ودفع عنا وبيل ~~النقمة . ومن علينا بالخلفاء الراشدين ، والأئمة المهديين . وجعلنا باقتفاء ~~آثارهم والاهتداء بأنوارهم خير أمة . أحمده على هباته السنية ، وصلاته ~~الهنية ، ومننه التي لا تحصى بحد ونعمه التي لا تستقصي بعد - حمد من لزمه ~~الحمد ووجب . وتمسك من الطريقة المثلى بأقوى سبب . وأحلنا الله دار المقامة ~~من فضله ، لا يمسنا فيها نصب . وأشهد أن لا إله الله وحده ، شهادة من أزال ~~عنه الشك ونفى ، وخلص منه PageV29P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" الإيمان وصفا . وتبوأ من منازل الفوز غرفا ، ~~واكتسب بطاعة إمامه فخرا وشرفا . وأشهد أن محمدا عبده المصطفى المجتبي ، ~~ورسوله الذي اقتعد ذروة الشرف واجتبى . وتبوأ على المقامات رتبا ، وفضل ~~العالمين أصلا ونسبا - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ، ما هبت شمال وصبا ~~. والصلاة والسلام على قسيم النبي في النسب ، وشريكه في مدارج الفخار ~~والرتب . واحدى ماله من المناقب والحسب : خليفة الله في أرضه . القائم ~~بسننه وفرضه . المستخرج من عنصر النبوة ، المخصوص بفضيلتي . العلم والأبوة ~~: إمام الزمان ، المتهجد بتلاوة القرآن . الذي هجر في حفظ دين الله وسنه . ~~ودعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة . ذي الفضل المبين ، والحق ~~اليقين . الإمام الأواه : المستعصم بالله ، أمير المؤمنين لا زالت جباه ~~الملوك العظماء بثرى عتباته الشريفة موسومة . وأرزاق العباد بما جرى من ~~أوامره اللطيفة مقسومة . والأقضية والأقدار جارية بما يوافق حكمه ومرسومة . ~~والأقذية والأقذار بطول بقائه منفية محسومة : ماذا يقول الذي يتلو مدائحه . ~~. . وقد أتتنا بها الآيات والسور إن قال ، فالقول يفنى دون غايتها . . . ~~وإن أطال ، ففي تطويله قصر خليفة الله ، لا تحصى مناقبكم . . . إن البليغ ~~بها في حصرها حصر أما الشفاعة عنكم في المعاد لنا . . . لذي الكبائر ~~والزلات تدخر أما الندى من نداكم جاد صيبه . . . من بعد ما ضن ، فاستسقى به ~~عمر فالغيث في هذه الدنيا لنا بكم . . . والغوث نرجوه في الأخرى وننتظر ~~وبعد : فإن الله - وله الحمد - جعل لنا أئمة خيرة ms6841 ، راشدين بررة . يهتدى ~~بهداهم ، ويجتدى نداهم . دفع عنا الشبة والياس ، ورفع بهم النقمة والالتباس ~~. وآخر نسل عم نبيه العباس . من تمسك بهداهم اهتدى . ومن حاد عن طريقهم حاد ~~الله واعتدى . PageV29P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" بحبهم يدرك الأمل والسول وطاعتهم مقرونة ~~بطاعة الله والرسول . تعظيمهم واجب مفترض . وبموالاتهم يدرك الفوز والغرض . ~~أقرب الناس إلى الله من هو في ولايتهم عريق ، وأولاهم بالنجاة من هو في بحر ~~محبتهم غريق . ولما كان عبد الديوان العزيز : يوسف بن محمد بن غازي - ~~المستعصمي - ممن تقمص بلباس هذه الأوصاف ، وتخصص باقتباس هذه الشيم الشراف ~~. وتردى بالتمسك في هذه الحلة الجميلة ، وتبدي بالتنسك بهذه الخلة الجليلة ~~. واغتدى متقلبا في صدقات الديوان . واغتذى من نعمه بلبان الإحسان ، وورث ~~ولاء هذا البيت النبوي الفاخر ، كابرا عن كابر ، وأصبح أولا في العبودية ، ~~وإن أمسى زمنه الآخر . وكان أحق العبيد بأن يقبل - لسلفه سوالف الخدم . ~~وأولاهم بأن يسبل عليه معاطف أذيال الجود والكرم - أحب أن تظهر عليه آثار ~~هذه النعمة ، وأن يدرك بها الفضل في الدنيا ، كما يرجو في الآخرة الرحمة . ~~فارتاد من رعيته من يقوم مقامه في تقبيل الأرض ، ويقف عنه هذا الموقف ~~الجميل لأداء الفرض . ووجد هذا العبد المملوك - الماثل بين يدي مولانا : ~~سلطان الوزراء وسيد الملوك - أقدمهم في ولايات هذه الدولة النبوية المعظمة ~~أصلا ، وأبلغهم في موالاة المواقف المقدسة المكرمة نسلا ، وأصلبهم ، عند ~~العجم في دعوى الرق والولاء عودا . وأثبتهم في التعلق بدولة الحق والانتماء ~~عمودا . فندبه إلى المسير إلى دار السلام . والنيابة عنه في هذا المقام . ~~والطواف حول كعبة الرجاء والاستلام . وإنهاء ما تجدد من الأحوال بمصر ~~والشام . وأن يضرع إلى عواطف الإفضال ، ومشارع النوال ، ويخضع لمواقف ~~الآمال ، وشوارع الإقبال في أن يحفظ له حق الآباء والجدود . وقد وقف العبد ~~المملوك عنه في هذا الموقف الجليل ، وحج عن فرضه إلى كعبة الجود والتأميل . ~~وحظى باستلام حجر ركنها وفاز بالتقبيل . ويود مرسله لو فاز به أو استطاع ~~إليه سبيل . فإنه قد حصل للعبد من القبول والثواب . ما أفاء على ms6842 الأمل وزاد ~~على الحساب . وتصدق عليه من الديوان العزيز بصدقة ، يبقى فخرها في الأعقاب ~~. ولا ينسخ حكمها مر السنين والأحقاب . والله تعالى يسبغ ظل الديوان العزيز ~~على كافة أوليائه . ويمتعهم بدوام اقتدار سلطانه وطول بقائه . ويوزعهم شكر ~~مولانا سلطان الوزراء وجزيل آلائه . ويتولى حسن مجازاته عنهم ، فإنهم ~~عاجزون . والحمد لله رب PageV29P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" العالمين . وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه ، وسلم تسليما . قد سير عبد الديوان العزيز : يوسف ، إلى الخزائن ~~المقدسة ، والمواطن التي هي على التقوى مؤسسة - خدمة على يد أقل مماليك ~~الديوان وعبيده من طارف إنعام الديوان العميم وتليده ، وسالف الإحسان ~~القديم وجديده . وهو يضرع إلى العواطف الرحيمة ، ويسأل من الصدقات العميمة ~~، أن ينعم عليه بقبولها ، والتقدم بحملها إلى الخزائن الشريفة ووصولها . ~~وأن يكسى بذلك فخرا لا يبلى جدته مر الليالي والأيام . ولا يذهب نضرته كر ~~السنين والأعوام . والسلام . فعند ذلك ، أذن الوزير مؤيد الدين بن العلقمي ~~في إحضار الهدايا والمد ، المقدم ذكره ، فأدخل شيئا فشيئا - والرسول قائم - ~~إلى أن أحضر جميعه ، وعرف قبوله . ثم انكفأ إلى منزله ، واستحسن إيراده ، ~~واستجيد إنشاده وزيد في احترامه ، وبولغ في إكرامه . الحرب بين الملك ~~الناصر والملك المعز وفي سنة ثمان وأربعين وستمائة - أيضا - كانت الحرب بين ~~الملك الناصر ، والملك المعز صاحب الديار المصرية . وذلك أنه لما استقر له ~~ملك دمشق ، وأضافها إلى ما بيده ، حسن له أتابكه - شمس الدين لؤلؤ - ~~والأمراء القيمرية ، أن يقصد الديار المصرية ، وينتزعها من الملك المعز : ~~عز الدين أيبك التركماني . وكان شمس الدين لؤلؤ - المذكور - يستقل عساكر ~~الديار المصرية ، ويقول : أنا آخذ الديار المصرية بمائتي قناع . فسار ~~بجيوشه إليها ، فخرج إليها الملك المعز بالعساكر المصرية . والتقوا ~~واقتتلوا بمنزلة الكراع ، بالقرب من الخشبي . فكان الظفر له أولا ، وبلغت ~~الهزيمة بالعسكر المصري إلى القاهرة . ومنهم من فر إلى جهة الصعيد وذلك في ~~يوم الخميس ، العاشر من ذي القعدة من السنة . واتصل خبر الهزيمة بمن بقلعة ~~الجبل ، فخطب للملك الناصر بها - في يوم الجمعة الحادي عشر من الشهر . ولما ms6843 ~~حصلت هذه الهزيمة على العسكر المصري ، ثبت الملك المعز في نحو PageV29P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" ثلاثمائة فارس أبطال أصحابه . وحلم بهم على ~~الصناجق الناصرية ، رجاء أن يكون الملك الناصر تحتها ، فيظفر به . وكان ~~الملك الناصر قد احتاط لنفسه واعتزل المعركة ، وتحيز إلى فئة . فرجع إلى ~~الشام - وصحبه نوفل الزبيدي ، وعلى السعدي . وكان من انهزام عساكره وتمزيق ~~جيوشه ، وقتل أتابكه ، ما نذكره في أخبار الملك المعز - جريا على القاعدة . ~~وكان الأتابك شمس الدين لؤلؤ قد أسر ، فأراد الملك المعز إبقاءه ، وأشار ~~عليه بذلك الأمير حسام الدين بن أبي علي ، وقال : لا تقتله ، فإنك تأخذ به ~~الشام . فقال الأمير فارس الدين أقطاي : هذا الذي يقول : إنه يأخذ مصر ~~بمائتي قناع فضربوا عنقه . وكان - رحمه الله تعالى - أرمني الجنس ، صالحا ~~عابدا ، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر . وقتل وقد ناف على ستين سنة . ولما ~~حصلت هذه الوقعة ، تأكدت أسباب الوحشة بين الملكين : الناصر والمعز ، وثارت ~~الفتن بينهما . وتجردت الجيوش من كل من الطائفتين مقابلة الأخرى ، إلى أن ~~قدم الشيخ نجم الدين البادرائي رسول الخليفة ، فأصلح بين الملكين . ووقع ~~الاتفاق على أن يأخذ الملك المعز من الملك الناصر القدس وغزة ، وجميع ~~البلاد الساحلية ، فتسلم ذلك . وحلف كل من الملكين للآخر . ثم استعاد الملك ~~الناصر ذلك من الملك المعز ، لما التحق بها لأمراء البحرية عند هربهم من ~~الديار المصرية ، بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاي - على ما نذكر ذلك - إن ~~شاء الله تعالى . فلنذكر خلاف ذلك من أخباره . ذكر اتصال السلطان الملك ~~الناصر بابنة السلطان علاء الدين كيقباذ وفي سنة اثنتين وخمسين وستمائة ، ~~وصلت الخاتون الكبرى ، ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ السلجقي - صاحب ~~الروم ، وأمها ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب - صحبة ~~الشريف عز الدين المرتضى - وكان السلطان قد عقد نكاحها قبل ذلك ، فزفت إليه ~~الآن . ووصلت إلى دمشق ، واحتفل لها إحتفالا عظيما ، وتلقاها القضاة ~~والأكابر ، وقدموا لها التقادم الكثيرة ، وتجمل الملك الناصر لقدومها تجملا ~~، لم ير الناس مثله . PageV29P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" وفي ms6844 هذه السنة ، توفي الملك القاهر : نصرة ~~الدين بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - وهو عم والد الملك الناصر ~~. وكانت وفاته بحلب - رحمه الله تعالى . وفي سنة أربع وخمسين وستمائة فتحت ~~المدرسة الناصرية ، التي عمرها الملك الناصر داخل باب الفراديس بدمشق ، ~~وذكر بها الدرس بحضرة السلطان . وفيها شرع الملك الناصر في عمارة تربته ~~ورباطه ، غربي قاسيون . وفيها وصل الشيخ نجم الدين البادرائي رسولا من جهة ~~الخليفة ، إلى دمشق . فرتب له في كل يوم مائة دينار ، والإقامات الوافرة . ~~وبنيت له المدرسة البادرائية بدمشق - وكانت قبل ذلك الدار المعروفة بأسامه ~~. وفيها - أيضا - كانت وفاة الملك المعز مجير الدين يعقوب ، بن الملك ~~العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب . ودفن بتربة والده بالمدرسة العادلية ~~بدمشق ، وحضر السلطان جنازته وغلق البلد . وخلف ولدين وهما : شهاب الدين ~~غازي المعروف بالأسود ، وسيف الدين أبو بكر ، وابنة - رحمه الله . وفيها ~~كانت وفاة الشيخ الإمام ، العالم الواعظ ، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن ~~قزغلي : سبط الشيخ جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي . كان والده قزغلي تركيا ~~من عتقاء الوزير عون الدين بن هبيرة ، زوجه أبو الفرج بن الجوزي ابنته ، ~~فولدت شمس الدين هذا ، فنسب إلى جده ، لا إلى أبيه . وكانت وفاته بدمشق في ~~ليلة الثلاثاء ، حادي عشر ذي الحجة ، بمنزله بقاسيون ، PageV29P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" ودفن هناك . ومولده في سنة إحدى وثمانين ~~وخمسمائة ببغداد . وشهد السلطان جنازته . وكان كريما على الملوك الأيوبية ، ~~تقدم من أخباره ما يدل على ذلك . وله مصنفات منها : مرآة الزمان - رحمه ~~الله تعالى . وفي سنة ست وخمسين وستمائة : كانت وفاة الأمير سيف الدين : ~~علي بن عمر بن قزل التركماني ، الياروقي ، المصري المولد والمنشأ ، الدمشقي ~~الوفاة ، المعروف بالمشد . ودفن بقاسيون . ومولده في شوال سنة اثنتين ~~وستمائة . وكان فاضلا أديبا . وله ديوان شعر مشهور - رحمه الله تعالى . ~~وفيها توفي الشيخ محي الدين : محمد بن علي بن محمد بن أحمد ، الطائي ~~الحاتمي ، المعروف بابن العربي ، بدمشق - في ثاني جمادى الآخرة ، ودفن ~~بقاسيون . ومولده في سابع عشر رمضان ms6845 ، سنة ثمان عشرة وستمائة . ذكر سياقة ~~أخبار الملك الناصر ومراسلته هولاكو وغير ذلك من أحواله - إلى أن قتل - ~~رحمه الله قالوا : ولما اتصل بالملك الناصر صلاح الدين ما ذكرناه ، من ~~أخبار هولاكو ، واستيلائه على الممالك ، وتقدم جيوشه ، ارتاع لذلك وسقط في ~~يده . وكان قبل ذلك قد تغافل عن مراسلة هولاكو منذ وصل إلى العراق ، ~~فاستدرك الفارط ، وجهز ولده الملك العزيز إلى خدمته ، وبعث معه كتابا إلى ~~بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ، والتمس منه أن يحسن السفارة بينه وبين هولاكو ~~، ويعتذر عنه . وكتب علاء الدين بن يعيش - كاتب الملك الناصر - كتابا إلى ~~صاحب الموصل ، يذكر أنه سير ولده إلى خدمة هولاكو ، واستشهد فيه بقول ~~الشاعر : والجود بالنفس أقصى غاية الجود : فقال الملك الناصر : لو استشهدت ~~ببيتي أبي فراس كان أنسب . فقال : وما هما ؟ قال : قوله : من الطويل ~~PageV29P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" فدى نفسه بابن عليه كنفسه . . . وفي الشدة ~~الصماء تفنى الذخائر وقد يقطع العضو النفيس لغيره . . . ويدفع بالأمر ~~الكبير الكبائر فأصلح الكاتب الكتاب . وتوجه الملك العزيز بالهدايا النفيسة ~~والتحف ، وذكر الملك الناصر زين الدين الحافظي والأمير سيف الدين الجاكي ، ~~وجماعة من الحجاب - وذلك في سنة خمس وخمسين وستمائة . فلما وصلوا إلى ~~هولاكو وقدموا التقادم ، سأل عن سبب تأخر الملك الناصر عن خدمته . فاعتذروا ~~أن الفرنج بجوار بلاده ، وأنه خشى إن فارقها أن يستولى عدوه عليها ، وأنه ~~سير ولده ينوب عنه . فأظهر هولاكو قبول العذر - وباطنه بخلاف ذلك - وأعادهم ~~. وكان وصوله إلى الملك الناصر في سنة سبع وخمسين وستمائة . فعرف الزين ~~الحافظي الملك الناصر أن هولاكو أقبل عليهم ، وأحسن إليهم . فقال بعض ~~الأمراء ، الذين كانوا في صحبة الملك العزيز : ليس الأمر كذلك ، وإنما ~~الزين الحافظي كان يتردد إلى هولاكو ويجتمع به سرا ، وأطمعه في البلاد . ~~وكان الأمر كذلك . وفي خلال ذلك ، وصل الأمراء الشهروزورية إلى الشام ، عند ~~انهزامهم من هولاكو - وكانوا نحو ثلاثة آلاف فارس . فأشار الأمراء القيمرية ~~باستخدامهم ، ليكثر بهم جمعه ويستظهر بهم على أعدائه . فاستخدمهم ، وأنعم ~~عليهم وأحسن إليهم ، ووصلهم بالأموال ms6846 ، وهم لا يزدادون إلا طلبا . ثم بلغه ~~عنهم أنهم مالوا إلى الملك المغيث صاحب الكرك ، فزاد في الإحسان إليهم ، ~~فلم يفد ذلك فيهم . ثم فارقوه ، وقصدوا الملك المغيث واتصلوا به . فاجتمع ~~عند البحرية والشهرزورية ، فقويت نفسه وطمع في أخذ دمشق ، وكاتب جماعة من ~~الأمراء الناصرية وكاتبوه . فاتصل ذلك بالملك الناصر ، فأنعم على أمرائه ~~وطيب خواطرهم ، وجدد عليهم الأيمان . فامتنع جماعة من الأمراء العزيزية - ~~مماليك والده - من الحلف ، فزادهم وبالغ في الإحسان إليهم ، ولم يكلفهم ~~اليمين . PageV29P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" ثم بلغه أن الملك المغيث خرج من الكرك لقصد ~~دمشق . فخرج بعساكره في أوائل سنة سبع وخمسين ، ونزل ببركة زيزا ، وخيم بها ~~نحوا من ستة أشهر . ثم وقع الصلح بين الملكين . وحصل الاتفاق على أن يسلم ~~الملك المغيث إليه البحرية ، فسلم إليه من نذكره منهم . وعاد إلى دمشق . ~~فلما استقر بها ، بلغه أن هولاكو وصل إلى حران ، ونازلها بعساكره . فاستشار ~~الأمراء فيما يفعله . فأشاروا عليه أن يخرج الشامي إلى ظاهر دمشق ، وصمموا ~~على قتال هولاكو . فخرج بعسكره وخيموا بظاهر برزة . فصار نجم الدين الحاجب ~~والزين الحافظي - وجماعة معهما - يذكرون شدة عزم هولاكو ، ويعظمون أمره ، ~~ويقولون : من الذي يلتقي مائتي ألف فارس ؟ ؟ ؟ فضعفت نفسه عن ملاقاته . ثم ~~بلغه أن هولاكو ملك قلعة حران ، وأنه عزم على عبور الفرات إلى جهة الشام ، ~~ومنازلة حلب . فازداد ضعفا إلى ضعفه . فاجتمعت آراء الأمراء والعساكر أن ~~يسيروا نساءهم وأولادهم إلى الديار المصرية ، ويقيمون هم في خدمة الملك ~~الناصر جرائد ، ففعلوا ذلك . وبعث الملك الناصر زوجته : ابنة السلطان علاء ~~الدين كيقباذ بن كيخسرو السلجقي صاحب الروم - وكان قد تزوج بها في سنة تسع ~~وأربعين وستمائة - إلى الديار المصرية ، وبعث معها ولده وأمواله وذخائره . ~~وكذلك فعل جميع أمرائه وأجناده ، وصار الجند يتوجهون بنسائهم على أنهم ~~يوصلونهم ويرجعون ، فمنهم من يعود ، ومنهم من لا يعود . فتفللت العساكر ~~وتفرقت الجنود ، وضعفت النفوس . ولم يبق مع الملك الناصر إلا جماعة من ~~أمرائه جرائد . ونازل هولاكو مدينة حلب في المحرم ، سنة ثمان وخمسين ms6847 ~~وستمائة . وفتحها عنوة . وسفك فيها من الدماء ما لم يسفك مثله ، ببلاد ~~العجم وأسر التتار من النساء والصبيان ما يزيد على مائة ألف . ثم فتح قلعة ~~حلب ، في حادي عشر ربيع الأول من السنة ، وأخذ جميع ما فيها . وأسر أولاد ~~الملك الناصر وأمهاتهم . وخرج إليه الملك المعظم تورانشاه بن الملك الناصر ~~صلاح الدين يوسف بن أيوب - وكان شيخا كبيرا - فلم يتعرض هولاكو إليه ، ~~وأمنه على نفسه . ومات الملك المعظم بعد أيام يسيرة . واستمر هولاكو ~~بالوزير المؤيد بن القفطي ، على حاله . PageV29P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" فورد الخبر على الملك الناصر بأخذ حلب ، وهو ~~نازل على برزة . فاستشار الأمراء ، فأشاروا عليه أن يتأخر إلى غزة ، وأن ~~يكاتب الملك المظفر قطز ويستدعيه بعساكر الديار المصرية ، ليجتمع الكل على ~~لقاء هولاكو ، ودفعه عن البلاد . فعمل برأيهم . ورحلوا يوم الجمعة بعد ~~الصلاة ، منتصف صفر ، سنة ثمان وخمسين وستمائة . فانقضت مملكة الملك الناصر ~~في ذلك اليوم . وكانت مدة ملكه بحلب ثلاثا وعشرين سنة ، وسبعة أشهر ، ومدة ~~ملكه منها بدمشق عشر سنين ، إلا خمسين يوما . ونزل الملك الناصر بمن معه ~~على غزة ، وأقام بها . ولما توجه الملك الناصر ، دخل الزين الحافظي إلى ~~دمشق وجمع أكابرها ، واتفقوا على تسليم دمشق لنواب هولاكو ، وأن يحقنوا ~~دماء أهلها . فتسلمها فخر الدين المردغاوي وابن صاحب أرزن والشريف علي - ~~وكان هؤلاء رسل هولاكو إلى الملك الناصر - وكانوا عنده بظاهر دمشق : فلما ~~دخلوا إليها وتسلموا قلعتها ، كتبو بذلك إلى هولاكو . فسير إليها المان ~~التتري وعلاء الدين الكازي العجمي ، نوابا ، وأمرهما هولاكو أن لا يخرجا عن ~~إشارة الزين الحافظي . وأوصاهما بالإحسان إلى أهل دمشق . ثم بلغ هولاكو ~~وفاة أخيه منكوقان ، فعاد من حلب - كما قدمناه في أخباره . وبعث كتبغانوين ~~في جيش كثيف إلى الشام فوصل كتبغا إلى دمشق ، وأقام بها أياما ، ورحل عنها ~~إلى مرج برغوث . ثم وصل الملك الأشرف صاحب حمص من عند هولاكو - وكان قد ~~توجه إلى خدمته وهو بحلب - فعاد ، وبيده مرسومة ، أن يكون نائب المملكة ~~بدمشق وحلب ، وجميع البلاد الشامية . فاجتمع ms6848 بكتبغا في مرج برغوث . فبعث ~~إلى الزين الحافظي ونواب دمشق بالاتفاق مع الملك الأشرف ، على مصالح البلاد ~~. ثم عصى بعد ذلك محمد بن قرمجاه ، وجمال الدين بن الصيرفي - نقيب قلعة ~~دمشق - وأغلقوا أبواب القلعة . فحصرها كتبغا ومن معه وقاتل قتالا شديدا ، ~~ثم تسلمها بالأمان . فكتب الزين الحافظي بذلك إلى هولاكو ، فعاد ~~PageV29P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" جوابه بقتل محمد ابن قرمجاه وجمال الدين بن ~~الصيرفي . فقال كتبغا للزين الحافظي : أنت كتبت إلى هولاكو بسببهم ، ~~فاقتلهم أنت . فقتلهما الزين الحافظي صبرا ، بيده وسيفه ، بمرج برغوث . ~~وبعث كتبغا نوين جيشا إلى نابلس ، وقدم عليهم كشلوخان ، فمضى إليها ، وبها ~~فخر الدين إبراهيم بن أبي ذكرى ، نائب السلطنة بها . فركب ومعه الأمير علي ~~بن الشجاع الأكتع ، وفخر الدين درباس المصري وجماعة ، فصادفهم كشلوخان في ~~زيتون نابلس ، فقتلهم بأجمعهم . قال : ولما اتصل بالملك الناصر ومن معه من ~~الأمراء وصول كشلوخان إلى نابلس وما فعله ، حملهم الخوف على دخول الرمل ~~فبلغ الملك المظفر دخولهم ، فتوهم أن ذلك مكيدة لتملك الديار المصرية . ~~فكتب إلى الأمراء الناصرية والشهرزورية ، يعدهم بالإكرام والإحسان إن وصلوا ~~إليه . ففارقوا الملك الناصر ومضوا إلى المظفر ، أولا فأولا . ولم يبق مع ~~الملك الناصر إلا الملك الصالح نور الدين إسماعيل بن صاحب حمص ، والأمير ~~ناصر الدين القيمري ، وأخوه شهاب الدين ، وابن عمه شهاب الدين يوسف بن حسام ~~الدين . فوصلوا إلى قطيا . ثم خشى عاقبة دخوله إلى الديار المصرية ، فعطف ~~من قطيا ، وسلك البرية إلى الشوبك بهم . فوصلوا إليها ، ولم يبق لكل واحد ~~منهم إلا الفرس الذي تحته ، وكل منهم في نفرين أو ثلاثة ، وقد نهبت خزائنهم ~~وأموالهم وذخائرهم وبيوتات الملك الناصر . ثم توجه الملك الناصر بمن معه ~~إلى الكرك . وأرسل إليه الملك المغيث ما يحتاج إليه من الخيل والأقمشة ~~والبيوتات وغير ذلك ، وعرض عليه المقام عنده ، والانفراد بالشوبك . وقصد ~~مكافأته عن سالف إحسانه ، فإنه كان قد أحسن إلى ولده الملك العزيز فخر ~~الدين عثمان ، لما توجه إليه إلى دمشق - على ما نذكره . فلم يجب الملك ~~الناصر إلى ms6849 ذلك ، ومضى إلى البلقاء وأقام بأطراف البلاد . وسير حسين الكردي ~~الطبردار إلى كتبغا نوين ، يلتمس أمانه . وقيل : بل حسين الكردي ، لما شعر ~~بالملك الناصر ، توجه إلى كتبغا وأعلمه بمكانه . فركب كتبغا بنفسه في جيش ~~كثيف إلى الملك الناصر وقبض عليه ، وعلى من معه . فاعتقل الأمراء القيمرية ~~PageV29P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" بدمشق . وكان الملك الظاهر - أخو الناصر - ~~نازلا على قلعة صرخد بحربها ، بأمر هولاكو . فأمر كتبغا بطلبه ، وقبض عليه ~~. وجاء إلى قلعة عجلون وحاصرها - والملك الناصر معه - وقدمه إلى القلعة ، ~~فأمر من بها أن يسلموها ، فسلموها بعد امتناع . ثم جهز الملك الناصر وأخاه ~~الملك الظاهر ، والملك الصالح بن الملك الأشرف ، صاحب حمص ، إلى هولاكو - ~~وصحبتهم الملك العزيز فخر الدين عثمان ، بن الملك المغيث صاحب الكرك . ~~فأخبرني المولى الملك العزيز المشار إليه - مد الله في عمره - أنهم توجهوا ~~جميعا إلى هولاكو ، واجتمعوا به بتوريز . فأما الملك العزيز فأعاده بعد ~~يومين أو ثلاثة ، فوصل إلى دمشق - على ما نذكره . وأما الملك الناصر وابنه ~~الملك العزيز ، والملك الظاهر ، وابن صاحب حمص - فإن هولاكو أخرهم عنده . ~~قال : وبلغني أنه سأله عن أحوال الديار المصرية وعساكرها ، فهون أمرها عنده ~~، والتزم له بفتحها ، وحمل أموالها وأموال الشام إليه . ولم يزل يتلطف إلى ~~أن أمر بعوده . فلما رجع من عنده ، لقيه من سلم من الجيش الذين كانوا مع ~~كتبغا نوين ، لما كسرهم الملك المظفر قطز . فقبضوا عليه وأعادوه معهم إلى ~~هولاكو . وقالوا له : ما كان على عسكرك أضر من مماليك هذا ، ومماليك أبيه . ~~وهم الذين قاتلونا وقتلوا كتبغا نوين ، وهزموا عساكرك . فأمر بضرب عنقه ، ~~وعنق ولده الملك العزيز ، وأخيه الملك الظاهر ، وابن صاحب حمص - وذلك في ~~سنة ثمان وخمسين وستمائة . واجتمع الناس لعزائه بجامع دمشق في سابع جمادى ~~الأولى ، سنة تسع وخمسين وستمائة . ومولده بقلعة حلب في يوم الأربعاء تاسع ~~شهر رمضان ، سنة سبع وعشرين وستمائة . وكان - رحمه الله تعالى - ملكا حليما ~~كريما ، لم يكن لأحد من الملوك قبله - فيما سمعنا - ما كان له من التجمل . ~~فإنه كان يذبح ms6850 في مطبخه في كل يوم ، أربعمائة رأس من الغنم الكبار - خارجا ~~عن الخراج الرضع والأجدية والدجاج والحمام . وكان الغلمان يبيعون فضلات ~~الطعام بظاهر قلعة دمشق ، بأبخس الأثمان ، حتى استغنى أهل دمشق في أيامه عن ~~الطبخ في بيوتهم . حتى حكى عن علاء الدين علي بن نصر الله ، قال : جاء ~~السلطان إلى داري بغتة ، ومعه جماعة من أصحابه . فمددت له في الوقت سماطا ، ~~فيه من الأطعمة الفاخرة والدجاج المحشو بالسكر والحلويات شيئا كثيرا . فعجب ~~من ذلك ، وقال : في أي وقت PageV29P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" تهيأ لك هذا كله ؟ فقلت : والله هذا كله من ~~نعمتك وسماطك ، ما صنعت منه شيئا ، وإنما اشتريته من عند باب القلعة . وحكى ~~مباشرو البيوت بدمشق أن نفقة مطابخه كانت في كل يوم تزيد على عشرين ألف ~~درهم . وكان إذا مات أحد من أرباب الوظائف في دولته ، وله ولد فيه أهلية ، ~~فوض ما كان بيده من المناصب لولده . فإن كان صغيرا استناب عنه إلى أن يصلح ~~. ومن مات من أرباب الرواتب والصدقات ، أقر ما كان باسمه باسم أولاده - ~~رحمه الله تعالى . وكان له شعر رقيق جيد . فمن شعره قوله ، يتشوق إلى حلب : ~~سقى حلب الشهباء في كل لزبة . . . سحابة غيث نوءها ليس يقلع فتلك ربوعي ، ~~لا العقييق ولا الغضا . . . وتلك دياري ، لا زرود ولعلع إلا أنه كان ضعيف ~~الرأي ، شغلته الملاذ والشعر والغزل وتلحين الأقوال عن النظر في أمر دولته ~~. فآل أمره إلى ما ذكرناه . هذا ما كان من أمر الملك الناصر - على سبيل ~~الاختصار . وبقي بعد مقتله عند التتار صغار أولاده ، الذين أسروا من حلب ، ~~زمنا طويلا بعد أن هلك هولاكو . ومات بعضهم هناك . وبقي منهم ولده الصغير ~~نجم الدين أيوب ، فحضر إلى الشام ، ثم إلى الديار المصرية ، ورتب له راتب ~~من جهة الملوك - أسوة أولاد الملوك الأيوبية . وهو باق إلى وقتنا هذا ، ~~مقيم بالقاهرة المعزية - حماها الله تعالى . PageV29P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" وأما الملك المغيث فتح الدين عمر ابن السطان ~~الملك العادل ، بن السلطان الملك الكامل ، بن السلطان الملك ms6851 العادل بن أيوب ~~- صاحب الكرك والشوبك فإنه لما قبض الأمراء على والده - كما قدمنا ذكر ذلك ~~- وملك عمه الملك الصالح نجم الدين أيوب الديار المصرية ، مشى في خدمته مدة ~~. ثم رأى منه نجابة ونبلا وشهامة ، فأمر باعتقاله في الدار القطبية عند عمة ~~السلطان وعمة والد الملك المغيث - وهي ابنة السلطان الملك العادل ، أخت ~~الملك الكامل - رحمهم الله تعالى . فلم يزل عندها ، إلى أن مات الملك ~~الصالح وملك ولده الملك المعظم تورانشاه . فأمر بإرساله إلى قلعة الشوبك ، ~~واعتقاله بها . وندب لذلك الأمير عز الدين الحلي ، والأمير سيف الدين بلبان ~~النجاحي ، فتوجها به إلى الشوبك ، واعتقلاه بها ، وعادا إلى الديار المصرية ~~. فما كان بأسرع من أن قتل الملك المعظم تورانشاه - كما ذكرنا - فلما اتصل ~~خير مقتله بابن رسول ، وشهاب الدين عمر بن صعلوك - وكانا متوليي أمر الشوبك ~~- نهضا وأخرجا الملك المغيث من الاعتقال ، وملكاه وحلفا له ، وحلفا من ~~عندهما - وكانوا نحو عشرة - وحلفاه بالوفاء لهم . فأرسل إليهما بدر الدين ~~بدر الصوابي الخادم - النائب بقلعة الكرك - وأنكر عليهم إقدامهما على هذا ~~الأمر بغير إذنه . فأرسلا إليه يقولان : بك فعنا ذلك . فأعاد عليهما الجواب ~~: إذا كان كذلك ، فانقلاه إلى عندي . فحلف للملك المغيث وحلف الملك المغيث ~~له ، وتوثق كل منهما من صاحبه بأكيد الإيمان . فانتقل الملك المغيث من ~~الشوبك إلى الكرك - في سنة تسع وأربعين وستمائة . وتسلم ما بها من الخزائن ~~، التي بقيت مما نقل إليها الملك الصالح نجم الدين أيوب - بعد ما أخذه ~~الملك المعظم منها . فوجد بها تسعمائة ألف وتسعين ألف دينار عينا . واستمر ~~بالكرك والشوبك ، ورزق بها أولاده . وراسل الملك الناصر صلاح الدين يوسف - ~~صاحب دمشق وحلب - وأرسل إليه والده الملك العزيز : فخر الدين أبا المظفر ~~عثمان ، برسالة . فأكرمه الملك الناصر وأبره وقربه ، وأجلسه في مجلسه ~~بالقرب منه . ورتب له في كل يوم ألف درهم ، وأربعمائة جراية وأربعمائة ~~عليقة ، وغير ذلك ، ونقله في مستنزهات دمشق ، وأقام عنده نحو ثلاثة شهور . ~~PageV29P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" ثم ركبه الملك الناصر بشعار السلطنة ، وأعاده ~~إلى ms6852 أبيه . وقد عامله بنهاية البر وغاية الإكرام . وكان للملك المغيث أخبار ~~، يأتي ذكرها في أثناء دولة الترك . وبعث الملك المغيث ولده العزيز إلى ~~هولاكو ، يلتمس له أمانا . وجهز معه شهاب الدين بن صعلوك والنجيب خزاعة - ~~وهما أعيان أصحابه . فأخبرني الملك العزيز أنه اجتمع بهولاكو بتوريز ، ~~فأمره بالجلوس ، مع صغر سنه في ذلك الوقت . فنظرت إليه الخاتون - زوجة ~~هولاكو - وسألته بترجمان عن أمه ، وهل هي باقية أم لا ؟ فقال : هي باقية ~~عند أبي . فقالت للترجمان : قال له : تحب أن أردك إلى أبيك وأمك ، أو تقيم ~~عندي ؟ قال : فأعدت عليها : أنه لا أمر لي في هذا ، وإنما أبى أرسلني إلى ~~القان يسأله الأمان لنفسه ولمن عنده ، وأنا تحت أوامره . فنهضت قائمة وكلمت ~~هولاكو ، وشفعت . فأشار إليها ، فقالت : قد أعطاك القان أمانا لأبيك ، ~~ودستورا بالعود . قال : فضربت له جوكا ، ورجعت من عنده . وأرسل معي من ~~التتار من يوصلني إلى الكرك ، ويكون بها شحنه . قال : فلما وصلت إلى دمشق ~~نزلت بدار العقيقي ، ونزل التتار بمدرسة العادلية . وكان كتبغا نوين قد ~~توجه للقاء العساكر المصرية . فكانت الكسرة على التتار - على ما نذكره . ~~قال : فاتصل الخبر بنا ، فتحصنا بدار العقيقي . فلما كان في نصف الليل رجع ~~التتار هاربين . فقصدوا أخذي معهم ، فمانع عني من معي ، وأعجلهم الهرب عن ~~حصار الدار ، فتركوني . قال : ولما جاء الأمير جمال الدين المحمدي إلى دمشق ~~- قبل وصول الملك المظفر قطز إليها - خرجت إليه وتلقيته ، وسلمت عليه . ~~فسأل عني ، فأخبر أنني ابن الملك المغيث ، فعوقني إلى أن قدم السلطان الملك ~~المظفر قطز . فأمر بإرسالي إلى قلعة الجبل . فنقل إليها . فكان بها معوقا ~~في برج ، عند الأمير سيف الدين بلبان النجاحي . إلى أن أعاده الملك الظاهر ~~بيبرس إلى أبيه الملك المغيث - على ما نذكره إن شاء الله تعالى ، في أخباره ~~. PageV29P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" ولم يزل الملك المغيث بالكرك والشوبك ، إلى ~~أن استولى الملك الظاهر على الشوبك ، لأربع بقين من ذي الحجة ، سنة تسع ~~وخمسين ، عندما جرد إليها الأمير بدر الدين الأيدمري . وبقي بيد ms6853 الملك ~~المغيث الكرك وأعمالها . ثم حصل الاتفاق بين السلطان الملك الظاهر ركن ~~الدين بيبرس والملك المغيث ، وحلف السلطان الملك الظاهر له يمينا مستوفاة ، ~~وأشهد عليه بما تضمنه مكتوب الحلف . وقد شاهدت المكتوب . وهو بخط القاضي ~~فخر الدين : إبراهيم بن لقمان - صاحب ديوان الإنشاء . وما فيه من اسم ~~السلطان بخط السلطان ، ومثاله : بيبرس . ونسخة هذه اليمين - على ما شاهدته ~~ونقلت منه : بسم الله الرحمن الرحيم أقول وأنا بيبرس . والله والله والله ، ~~وتا لله وتا لله وتا لله ، وبا لله وبا لله وبا لله ، العظيم الرحمن الرحيم ~~، الطالب الغالب الضار النافع ، عالم الغيب والشهادة والسر والعلانية ، ~~القائم على كل نفس بما كسبت ، والمجازى لها بما احتسبت . وجلال الله وعظمة ~~الله وكبرياء الله ، وسائر أسماء الله الحسنى وصفاته العليا - إنني من وقتي ~~هذا وساعتي هذه ، وما مد الله في عمري ، قد أخلصت نيتي وأصفيت سريرتي ، ~~وأجملت طويتي ، في موافقة المولى : الملك المغيث فتح الدين عمر ، بن سلطان ~~الشهيد الملك العادل سيف الدين أبي بكر ، بن محمد ، بن أبي بكر بن أيوب ، ~~ومصافاته ومودته . لا أضمر له سوءا ولا غدرا ولا خديعة ولا مكرا لا في نفسه ~~ولا في ماله ، ولا في أولاده ، ولا في مملكته ولا في قلعته ، ولا في بلاده ~~، ولا في أمرائه ، ولا في أجناده ، ولا في غلمانه ، ولا في مماليكه ، ولا ~~في ألزامه ولا في عربانه ، ولا في رعيته ، ولا فيما يتعلق به وينسب إليه ، ~~من قليل وكثير . وإنني والله لا أعارضه ولا أشاققه ، ولا آمر من يعارضه في ~~بلاده الجارية في مملكته ، وهي : قلعة الكرك المحروسة ، وربضها وسائر عملها ~~، والغور المعروف بغور زغر - بكماله ، وحد ذلك من القبلة الحسا ، ومن ~~الشمال حد الموجب نصف القنطرة PageV29P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" والمسيل ، ومن الشرق الثنيتين ، ومن الغرب ~~السبخة المعروفة بأبي ضابط ، ومنتهى حد الغور المذكور من القبلة الكثيب ~~الرمل المعروف بالدبة ، ومن الشمال الماء النازل من الموجب إلى البحيرة . ~~وإنني واله لا آمر ولا أشير ، ولا أكتب ، ولا آذن بصريح ولا بكناية ms6854 ، ولا ~~بقول لأحد ، في التعرض لبلاده المذكورة ، ولا السعي فيها بفساد . وإنني ~~ولله متى حضر المولى الملك المغيث فتح الدين عمر المذكور إلى خدمتي ، عند ~~حلولي بالشام المحروس ، لمنازلة عدو يطرق بلادي ، أو لعدو يطرق بلاده ، لا ~~أتعرض إليه بأذية ، ولا أقصده بسوء في نفسه ولا في ما له ولا في بلاده ، ~~ولا في أمرائه ولا في أجناده ، ولا في عربانه ولا في مماليكه ، ولا في ~~رعيته ، ولا فيمن يصل صحبته من أصحابه . وإنني والله لا أطالبه ، و أطالب ~~أحدا من أمرائه وأجناده ، وأصحابه ومماليكه ولا من غلمانه ، ولا من رعيته ~~ولا من عربانه ، ولا أحدا من سائر أصحابه ، بسبب متقدم إلى تاريخ هذه ~~اليمين المباركة . ولا أمكن أحدا من أمراء دولتي ، ولا من جندها ، ولا من ~~سائر مماليكي ، وأصحابي من الجماعة البحرية وغيرهم ، من مطالبته ولا مطالبة ~~أحد من أمرائه وأجناده ومماليكه ورعيته ، وسائر أصحابه ، أهل الكرك وغيرهم ~~، بسبب متقدم عن تاريخ هذه اليمين المباركة - صامت كان أو غير صامت - من ~~قماش وأثاث ، وغير ذلك . وإنني والله ، لا أستخدم أحدا من أمراء المولى ~~الملك المغيث : فتح الدين عمر المذكور ، ولا من أجناده ولا من أجناد أمرائه ~~، ولا من مماليكه ولا من مماليك أمرائه ، ولا من عربانه ولا من غلمانه ، ~~إلا من انفصل عنه بدستور . ومتى تسحب أحد من أمرائه أو أجناده ، أو أجناد ~~أمرائه أو مماليكه ، أو ممالك أمرائه أو غلمانه أو عربه ، أو غير ذلك من ~~أصحابه وفلاحي بلاده ، وحضر إلى بلادي أو إلى مملكة من ممالكي ، والتمس ~~عوده إليه - تقدمت بإعادته إليه ، بجهدي وطاقتي . وإنني والله متى قصد بلاد ~~المولى الملك المغيث فتح الدين عمر المذكور عدو - مسلما كان أو كافرا - ~~أعنته على دفعه وزجره وردعه ، جهدي وطاقتي . وإنني والله ، متى تعرض أحد من ~~عرب بلادي إلى بلاد المولى الملك المغيث فتح الدين عمر المذكور ، أو إلى ~~جهة من جهات مملكته ، أو إلى أحد من رعيته أو أحد من سائر أصحابه ، أو سعى ~~بفساد فيما يتعلق بمملكته ms6855 ، واطلعت عليه - تقدمت بزجره وردعه عن ذلك ، ~~وفعلت في أمره ما تقتضيه السياسة . وإنني والله - أفي للمولى الملك المغيث ~~: فتح الدين عمر ، بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر ، بن الملك ~~الكامل محمد ، بن أبي بكر بن أيوب - بهذه اليمين من أولها إلى أخرها ، ما ~~دام وافيا لي باليمين التي يحلفه بها نائبي ، لا أنقضها ولا PageV29P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" شيئا منها ، ولا أستثني فيها ولا في شيء منها ~~، ولا أستفتي فيها ولا في شيء منها ، طلبا لنقضها أو نقض شيء منها . ومتى ~~نقضتها أو نقضتها فيها أو في شيء منها ، طلبا لنقضها أو نقض شيء منها ، فكل ~~ما أملكه من صامت وناطق - صدقة على الفقراء والمساكين من المسلمين . وكل ~~مملوك أو أمة في ملكي ، أو أتملكهما فيما بقي من عمري ، حر من أحرار ~~المسلمين . وعلى أن أفك عشرة آلاف رقبة مؤمنة من أيدي الكفار ، إن خالفت ~~هذه اليمين أو شيئا منها . وهذه اليمين يميني ، وأنا بيبرس . والنية فيها ~~بأسرها نية المولى الملك المغيث فتح الدين عمر ، بن السلطان الملك العادل ~~سيف الدين أبي بكر ، بن الملك الكامل ناصر الدين محمد ، بن أبي بكر ، بن ~~أيوب ، ونية مستحلفي له بها - أشهد الله على بذلك ، وكفى به شهيدا . فمن ~~نكث فإنما ينكث على نفسه ، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ~~. وشهد على السلطان الملك الظاهر ، بهذه اليمين ، من نذكرهم وهم : الأتابك ~~فارس الدين أقطاي ، وأقوش النجيبي ، وقلاوون الألفي ، وعز الدين أزدمر ، ~~وأيدمر الحلى ، وبيسري الشمسي ، وبيليك الكرندار ، وأيبك الأفرم ، وكاتب ~~اليمين إبراهيم بن لقمان بن أحمد . وهي مؤرخة في الثالث والعشرين من المحرم ~~، سنة ستين وستمائة . وشهد على السلطان اثنان ممن حضر من الكرك ، وهما : ~~أمجد الكركي - وهو كاتب الملك المغيث - وكان قد أمره ، وآخر لم أحقق اسمه ~~عند قراءته . وبآخر رسم خط الشهود خط المستحلف . وصورته : أحلفت مولانا ~~السلطان الكبير ، العالم المجاهد ، المرابط المؤيد المنصور ، الملك الظاهر ~~أبا الفتح بيبرس بن عبد الله ، الصالحي ، أعز الله سلطانه ms6856 - بهذه اليمين ~~المباركة من أولها إلى آخرها ، على الوجه المشروح فيها ، تاريخ الثالث ~~والعشرين من المحرم ، سنة ستين وستمائة - أحسن الله تقضيها . وكتبه خزاعة ~~بن عبد الرزاق بن علي - حامدا لله تعالى ومصليا . وجهز السلطان الملك ~~الظاهر للملك المغيث ولده الملك العزيز فخر الدين عثمان - وكان معتقلا ~~بالقلعة من الأيام المظفرية ، كما قدمنا - فأطلقه السلطان الآن ، وأقطعه ~~ذبيان بمنشور ، ثم سير إليه السلطان بعد ذلك صنجقا وشعار السلطنة . فقبل ~~PageV29P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" الملك المغيث عقب الصنجق ، وركب بشعار ~~السلطنة . وظن الملك المغيث أن الصلح قد انتظم بمقتضى هذه اليمين ، فركن ~~إلى ذلك . ثم جهز والدته ي سنة إحدى وستين وستمائة إلى الملك الظاهر . ~~فوجدها السلطان بغزة ، فأنعم عليها إنعاما كبيرا ، وعلى من معها . وأجرى ~~معها الحديث في وصول الملك المغيث إليه ، لينتظم الصلح شفاها ، وتتأكد ~~أسبابه . وأعاد عليها العطاء ثانيا ، وجهزها إلى الكرك ، وجهز في خدمتها ~~الأمير شرف الدين الجاكي المهمندار ، لتجهيز الإقامات للملك المغيث . فاغتر ~~الملك المغيث بذلك . واستخلف ابنه الملك العزيز فخر الدين بالكرك ، واستحلف ~~له من تركه بقلعة الكرك ، وترك عنده بقية أولاده - إخوة الملك العزيز - ~~وكان له سبعة أولاد ذكور ، أسهم الملك العزيز فخر الدين عثمان . وولد له ~~بعد قبضه ابنان . وكان الملك العزيز ، يوم ذاك ، صغير السن ، فإن مولده - ~~كما أخبرني به - في الأول من يوم الإثنين ثالث شوال ، سنة اثنتين وخمسين ~~وستمائة . وفارق الملك المغيث الكرك ، وتوجه إلى السلطان الملك الظاهر ، ~~وهو بمنزلة الطور . فلما بلغ السلطان وصول الملك المغيث إلي بيسان ، ركب ~~إليه وتلقاه ، وساقا جميعا إلى منزلة السلطان . فلما وصل الملك المغيث إلى ~~باب الدهليز ، ترجل ودخل إلى الخيمة . فأدخل على خركاه ، وقبض عليه وعلى من ~~معه - وذلك في يوم السبت السابع والعشرين من جمادى الأولى ، سنة إحدى وستين ~~وستمائة . وأظهر السلطان لقبضه سببا ، نذكره في أخبار السلطان الملك الظاهر ~~- إن شاء الله تعالى - تقف عليه بعد هذا . ولما قبض عليه ، جهزه في تلك ~~الليلة إلى قلعة الجبل - صحبة الأمير شمس الدين ms6857 آقسنقر الفارقاني . ولما ~~وصل إلى قلعة الجبل ، أدخل البرج الذي كان به ولده الملك العزيز فخر الدين ~~عثمان ، فقال للأمير سيف الدين بلبان النجاحي - متولي قلعة الجبل - : في ~~هذا البرج كان ولدي عثمان ؟ قال : نعم . ولم يستقر بذلك البرج ، بل نقل منه ~~في يومه ، وأدخل إلى قاعة من قاعات الدور السلطانية ، فقتل من يومه . وكان ~~آخر العهد به . PageV29P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" وتولى ذلك الأمير عز الدين أيدمر الحلى - ~~نائب السلطنة - بالغيبة . واستدل على قتله أن بعض الخدام حكى ، فقال : لما ~~أدخل الملك المغيث إلى القاعة ، طلب له طعام من الآدر السلطانية - قال ~~الخادم : فتوجهت لإحضار الطعام ، فأتيت به على رأس خادم آخر ، فوجدت الأمير ~~عز الدين قد خرج من القاعة ، وأغلق الباب فقلت : قد حضر الطعام . فقال : ~~بعد أن أغلقنا الباب لا نفتحه في هذه الليلة . فرجعت بالطعام . ولم يفتح ~~ذلك الباب ، إلى ثلاثة أشهر أو نحوها . وكان مولد الملك المغيث - رحمه الله ~~تعالى - بمنزلة العباسة في شهر ربيع الأول ، سنة أربع وثلاثين وستمائة . ~~ولما قبض عليهم ، جهز الملك الظاهر ، إلى الكرك ، الأمير بدر الدين بيسرى ، ~~والأمير أيدمر الظاهري ، وكتب إلى من بها يعدهم الإحسان . ثم توجه بنفسه ~~إليها ، وتسلمها على ما نذكره ، إن شاء الله تعالى ، في أخباره . وأنعم على ~~ولده : الملك العزيز فخر الدين عثمان بإمرة مائة فارس . ورتب لإخوته وأهله ~~الرواتب . ثم قبض عليه ، بعد ذلك ، واعتقله - على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى . وأما الملك الموحد تقي الدين عبد الله ابن الملك المعظم تورانشاه ، ~~بن الملك الصالح نجم الدين أيوب ، ابن الملك الكامل ناصر الدين محمد ، بن ~~الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب - صاحب حصن كيفا ونصيبين ~~وأعمالها فإن والده الملك المعظم كان قد تركه بحصن كيفا ، عند قدومه إلى ~~الديار المصرية ، وهو دون البلوغ . فاستمر بالحصن بعد مقتل والده ، ودبر . ~~أمر دولته خادما أبيه : افتخار الدين ياقوت ، وجمال الدين طقز . فلم تزل ~~هذه المملكة بيده ، إلى أن استولى هولاكو على البلاد . فلما ms6858 قارب بلاد ~~الملك الموحد خرج إليه بأمان وتلقاه ، وقدم له أشياء مما كان PageV29P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" عنده من التحف ونفائس الذخائر ، فأقره على ~~عمله . ولم يتعرض لحصن كيفا ، ولا هراق به دما . وقرر عليه قطيعة في كل سنة ~~أحد عشر ألف دينار ثمنها ستة وستين ألف درهم . ثم خرجت نصيبن عنه . وذلك أن ~~صاحب ماردين : الملك المظفر ، بن الملك السعيد بن أرتق - ضمنهما من التتار ~~، وأضافها إلى مملكته . ثم نقل أبغا بن هولاكو - في أول دولته - الملك ~~الموحد إلى الأردوا ، وأخلى قلعة حصن كيفا ، وخربها . وسبب ذلك أن الملك ~~الظاهر ركن الدين بيبرس ، لما ملك الديار المصرية وما معها ، خشي عاقبة ~~الملك الموحد ، وأنه من البيت الأيوبي ، وملك الديار المصرية لأبيه وجده ، ~~وجد أبيه وجد جده . فأمر بمكاتبته ومكاتبة خادميه - عن جماعة من الأمراء ~~الصالحية - يستدعون الملك الموحد إليهم ، ليملكوه ملك آبائه . ووصلت الكتب ~~بذلك إليهم ، فمالت نفوس الخدام إلى ذلك ورغبوا فيه ، ولم يخشوا عاقبة ~~المكايد . فحملهم حب ذلك على أن أجابوا الأمراء عن كتبهم : أنهم يصلون ~~إليهم بالملك الموحد . وأخذ القصاد الكتب ورجعوا ، فظفر بهم مقدم التتار . ~~فأرسل الكتب إلى أبغا ، فأحضره ، وأحضر الخادمين ، وقتلهما . وأقره ~~بالأردوا مدة سبع سنين - هذا ، ونائبه مقيم بحصن كيفا . ثم أطلقه وأعاده ~~إلى الحصن . فكان به إلى أن توفى . وكانت وفاته - رحمه الله - ضحى يوم ~~الأحد ، النصف من شهر ربيع الآخر ، سنة اثنتين وثمانين وستمائة . وكان له ~~من الأولاد الذكور ثلاثة عشر ، وهم : الأمير سيف الدين أبو بكر شادي الكبير ~~، وعلاء الدين علي الكبير ، ومغلطاي - وإنما سمي بذلك ، لأنه ولد بالأردوا ~~، فأمرت قولى خاتون ، زوجة هولاكو ، أن يسمى بذلك . وأرسلان ، ويوسف ، ~~وزكرى ، وعثمان ، وخليل ، وعلي الأصغر ، وإبراهيم شقيقه ، وأبو بكر الأصغر ~~- وهو ابن أخت ناصر الدين يحيى ، بن جلال الدين الحيتي ، أحد مقدمي التتار ~~. ونجم الدين أيوب ، وحسن . ومات من أولاده - قبل وفاته - الملك المعظم ~~محمد - مات قبل والده بسبع PageV29P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" أيام . واللمسن - وهو شقيق أرسلان . ولما مات ~~الملك الموحد ms6859 ، ملك حصن كيفا بعده ولده : الملك الكامل سيف الدين أبو بكر ~~شادي - بتقرير التتار . فاستمر إلى شهر رجب ، سنة تسع وتسعين وستمائة . ثم ~~قتله قازان ، ملك التتار . وسبب ذلك أن بعض إخوته شكوه له ، وذكروا أنه قتل ~~بعضهم . وملك بعده الملك العادل سيف الدين أبو بكر الأصغر ، ملكه قازان ، ~~رعاية لحق أخواله . فملك أربعة أشهر ، وقتل بمنزلة الميدان - بقرب إربل - ~~قتله الأكراد ، هو وأخوه أرسلان - وكان نازلين بتلك المنزلة مع جماعة من ~~التتار ، كبسهم الأكراد الشهرية بها . وملك بعده أخوه الملك المعظم ، حسام ~~الدين خليل - أربعة أشهر - فعسف وظلم فنازعه في المملكة ابن أخيه الملك ~~الصالح صلاح الدين يوسف ، بن الملك الكامل سيف الدين أبي بكر ، بن الملك ~~الموحد ، وشكاه إلى التتار ، فسلم إليه عمه الملك المعظم ، فخنقه . واستقر ~~الملك الصالح هذا في المملكة بحصن كيفا ، خمس سنين . ثم نازعه عمه حسن ، ~~وتوجه إلى التتار فملكوه الحصن . ولقب الملك الظاهر بدر الدين حسن ، ~~وأرسلوا معه عسكرا ، فهرب ابن أخيه أمامه . وأقام بالحصن سنة . ولحق الملك ~~الصالح بالشيخ الشرف ، بن الشيخ عدي الهكاري ، بجبل هكار ، وأقام سنة . ثم ~~جمع جمعا كثيرا من الأكراد ، وعاد إلى الحصن ، عند خلو البلاد من التتار ، ~~وحاصر عمه الملك الظاهر حسن ، مدة أربعة أشهر . فوافقه أهل القلعة وسلموه ~~إليه ، فقتله ، وعاد إلى مملكته . وأرسل إلى التتار وأرضاهم ، فأقروه . فهو ~~إلى وقتنا هذا . أخبرني بذلك المولى الأمير علاء الدين علي ، بن الملك ~~الموحد - وهو على الأصغر ، المقدم الذكر - وهو يوم ذاك بالقاهرة المعزية . ~~وكان قد فارق الحصن ، لما حصل من ابن أخيه هذا : من قتل إخوته أولاد الملك ~~الموحد . ووصل إلى الديار المصرية ، في أوائل سنة ثلاث وسبعمائة ، واستقر ~~بها . وأقطعه السلطان الملك الناصر إقطاعا متميزا ، بحلقتها . وأخبرني أنه ~~لم يبق من أولاد الملك الموحد - لصلبه - سواه . وأن بقية من ذكرناهم أفناهم ~~الموت والقتل . وذلك في سنة أربع وعشرين وسبعمائة . PageV29P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" وأما الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك ~~المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك ms6860 العادل : سيف الدين أبي بكر بن أيوب صاحب ~~ميافارقين فإنه لم يزل بها ، إلى أن ملك التتار البلاد . فندب هولاكو صرطق ~~نوين ، وقطغان نوين لمحاصرته بميافارقين ، بطائفة كثيرة من التتار . ~~فحاصروه مدة سنتين ، حتى قلت الأقوات عندهم ، وأكلوا الكلاب والسنانير ~~والميتة . ففتحها التتار بعد أن فنى من عنده من الجند ممن القتال - وذلك في ~~سنة ثمان وخمسين وستمائة . وأسر الملك الكامل ، وتسعة نفر من مماليكه ، ~~وأحضروا بين يدي هولاكو ، فقتلوا ، إلا مملوكا واحدا - كما تقدم في أخبار ~~هولاكو وكان الملك الكامل هذا - رحمه الله تعالى - ملكا حازما كريما ، كثير ~~الزهد والورع . ولما قتل - رحمه الله - حمل التتار رأسه على رمح ، وطيف به ~~البلاد . ومروا به على حلب وحماه . وأتوا به إلى دمشق - في سابع عشر جمادي ~~الأولى من السنة - وطافوا به دمشق ، وأمام الرأس المغاني والطبول وعلق رأسه ~~بباب الفراديس ، إلى أن دخل الملك المظفر قطز إلى دمشق - بعد هزيمة التتار ~~- فأنزل الرأس ، ودفن بمشهد داخل باب الفراديس . فقال الشيخ شهاب الدين أبو ~~شامه الحسين في ذلك ، من أبيات : PageV29P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" ابن غازي غزا وجاهد قوما . . . أثخنوا في ~~العراق والمشرقين طاهرا عاليا ، ومات شهيدا . . . بعد صبر عليهم عامين لم ~~يشنه إذ طيف بالرأس منه . . . وله أسوة برأس الحسين ثم واروا بمشهد الرأس ~~ذاك الرأ . . . س ، فاستعجبوا من الحالتين وأما الملك المنصور ناصر الدين ~~محمد ابن الملك المظفر تقي الدين محمود ، بن الملك المنصور أبي عبد الله ~~محمد ، بن الملك المظفر تقي الدين أبي سعيد عمر ، بن شاهنشاه بن أيوب صاحب ~~حماه فإنه كان قد ملك حماه بعد وفاة والده - في ثامن جمادي الأولى ، سنة ~~اثنتين وأربعين وستمائة . فاستمر في ملك حماه ، وطالت مدته . وكان يتردد ~~إلى الديار المصرية في الأيام الظاهرية والمنصورية ، وهم يعظمونه . وهداياه ~~وتقادمه تصل إلى الملوك . وهو يشهد معهم الحروب والوقائع ، بعسكر حماه . ~~وما زال كذلك ، إلى أن توفي في شوال ، سنة ثلاث وثمانين وستمائة . ومولده ~~في الساعة الخامسة من يوم الخميس ، لليلتين بقيتا من شهر ms6861 ربيع الأول ، سنة ~~اثنتين وثلاثين وستمائة . ولما توفي ، رتب السلطان الملك المنصور سيف الدين ~~قلاوون في ملك حماه ولده : الملك المظفر تقي الدين محمود بن محمد . وكوتب ~~من ديوان الإنشاء بما كان يكاتب به والده . وحملت إليه وإلى أهله وإلى أهل ~~بيته الخلع والتشاريف السلطانية واستقر في ملك حماه إلى أن توفي في يوم ~~الخلع والتشاريف السلطانية واستقر في ملك حماه إلى أن توفي في يوم الخميس ، ~~الحادي والعشرين من ذي القعدة ، سنة ثمان وتسعين وستمائة ، ودفن ~~PageV29P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" ليلة الجمعة . وكان مولده في الساعة العاشرة ~~من ليلة الأحد ، خامس عشر المحرم ، سنة سبع وخمسين وستمائة . واستقرت ~~المملكة الحموية بعد وفاته في يد نواب ملوك مصر . وكان أول من وليها من ~~النواب : الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري ، نقل من الصبيبة إليها . ثم ~~نقل منها إلى نيابة حلب ، في سنة تسع وتسعين وستمائة ، بعد وقعة قازان . ~~وفوضت نيابة السلطنة بحماه غل الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري - ~~وكان قبل ذلك بصرخد - فلم يزل بها إلى أن مات ، في سنة اثنتين وسبعمائة . ~~فوليها الأمير سيف الدين قبجاق المنصوري ، فكان بها إلى أول الدولة ~~الناصرية الثانية . ونقل منها ، في سنة تسع وسبعمائة ، إلى نيابة المملكة ~~الحلبية . وفوضت نيابة السلطنة بحماه للأمير سيف الدين أسندمر كرجى فكان ~~بها ، إلى أن فوض السلطان - الملك الناصر - نيابة المملكة الحموية إلى ~~الأمير عماد الدين إسماعيل ، بن الملك الأفضل نور الدين علي ، ابن الملك ~~المظفر محمود ، بن الملك المنصور محمد ، بن الملك المظفر تقي الدين عمر ، ~~بن شاهانشاه بن أيوب ، في سنة عشر وسبعمائة فاستمر في نيابة السلطنة مدة ثم ~~كوتب بعد ذلك من ديوان الإنشاء بالمقام العالي الملكي العمادي ولم يزل كذلك ~~، إلى أن فوض السلطان الملك الناصر إليه سلطنة حماه ، ولقبه بالملك المؤيد ~~. وركب بالقاهرة المحروسة بشعار السلطنة ، وذلك في يوم الخميس سابع عشر ~~المحرم ، سنة عشرين وسبعمائة - على ما نذكره ذلك ، إن شاء الله تعالى ، في ~~أخبار الدولة الناصرية . وهو باق إلى وقتنا ms6862 هذا . ويصل في كل سنة إلى ~~الأبواب السلطانية الملكية الناصرية بالتقادم والتحف ، ويحصل له الإنعام ~~السلطاني ، والتشاريف ، وغير ذلك . PageV29P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" وملوك حماه - وإن لقبوا بألقاب الملوك ، ~~وخوطبوا وكوتبوا بما يخاطب ويكاتب به الملوك - فلا تعد أيامهم من جملة ~~الدولة الأيوبية ، لأنهم في الخدمة السلطانية على رسم النواب . وإنما ~~أوردنا ما ذكرناه من أخبارهم ، لتعلم . وأما الملك الأشرف مظفر الدين موسى ~~ابن الملك المنصور إبراهيم ، بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه ابن الأمير ~~ناصر الدين محمد ، بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه ابن شادي 00 صاحب تل ~~باشر والرحبة فقد ذكرنا أنه كان بيده حمص وتدمر والرحبة ، إلى أن استولى ~~الملك الناصر - صاحب حلب - على حمص ، في سنة ست وأربعين وستمائة ، وعوضه ~~عنها تل باشير . فلم يزل بها إلى أن استولى هولاكو على حلب - كما ذكرنا في ~~سنة ثمان وخمسين وستمائة - فحضر إليه ، فأكرمه هولاكو ، وأعاد عليه حمص ، ~~وفوض إليه نيابة السلطنة بالشام والسواحل . فلما هزم الملك المظفر سيف ~~الدين قطز التتار على عين جالوت ، ووصل إلى دمشق - أقره على حمص والرحبة ~~وتدمر . وأقر الملك الظاهر - بعده - ذلك بيده ، إلى أن توفي في حادي عشر ~~صفر ، سنة اثنتين وستين وستمائة . ولم يكن له عقب ، فاستقر ما كان بيده في ~~يد نواب السلطنة ، إلى وقتنا هذا . ولبعض من ذكرنا أخبارهم في هذا الوضع ، ~~أخبار ووقائع مع الملوك ، يأتي ذكرها في أخبار ملوك الديار المصرية - على ~~ما تقف على ذلك ، إن شاء الله تعالى ، في مواضعه . وإنما ذكرناهم في هذا ~~الموضع ، لتكون أخبارهم مجتمعة ، على سبيل الاختصار . PageV29P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" إنتهاء الدولة الأيوبية وكانت هذه الدولة ~~الأيوبية بالديار المصري - منذ ولي الملك المنصور أسد الدين شيركوه وزارة ~~العاضد لدين الله العبيدي ، ولقبه بالملك المنصور أمير الجيوش ، في سابع ~~عشر شهر ربيع الآخر ، سنة أربع وستين وخمسمائة ، إلى أن ملك السلطان الملك ~~المعز عز الدين أيبك التركماني الصالحي ، في التاسع والعشرين من شهر ربيع ~~الآخر ، سنة ثمان وأربعين وستمائة - أربعا وثمانين سنة ms6863 ، وأربعة أشهر ، ~~واثني عشر يوما - وإلى أن استولى هولاكو على الشام ، وهرب الملك الناصر ، ~~صاحب الشام وحلب ، في النصف من صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة ، ثلاثا وتسعين ~~سنة ، وعشرة أشهر ، تقريبا . هذا ما أمكن إيراده من أخبار هذه الدولة ~~الأيوبية ، على سبل الاختصار . فلنذكر أخبار دولة الترك ، وهي فرع الدولة ~~الأيوبية . PageV29P0266 # """""" صفحة رقم 267 """""" ذكر أخبار دولة الترك وابتداء أمر ملوكها ، ~~وما ملكوه من الممالك والحصون والأقاليم والثغور والأعمال ، وما افتتحوه ، ~~وغير ذلك من أخبارهم كان ابتداء هذه الدولة بالديار المصرية . ثم انتشر ~~بالبلاد الشامية ، ثم امتدت إلى الممالك الحلبية والفراتية . ثم استولت على ~~الثغور والقلاع والحصون الساحلية . واستنفذت حصون الدعوة من أيدي ~~الإسماعيلية . وبلغت المملكة الرومية . ودانت لها الأقطار اليمانية ~~والحجازية . وانتمت إليها الطوائف القرمانية . ورغب في مسالمتها الملوك ~~الجنكزخانية . ونفذت أوامرها واتصلت أحكامها ببلاد إفريقية وما يليها ، ~~والتكرور وما يدانيها . ودخل في طاعتها وعقد ذمتها من بإقليم النوبة ، من ~~بلاد الدو ، المجاور لثغر أسوان ، إلى بلاد الكرسي والعريان ، وهو آخر ~~العمل بالقرب من مجرى نهر النيل . على ما نورد ذلك ، إن شاء الله تعالى ، ~~ونوضحه ونبينه ونشرحه . PageV29P0267 # """""" صفحة رقم 268 """""" ولنبدأ بذكر أخبارهم ، وسبب الاستيلاء عليهم ~~. ذكر أخبار الأتراك وابتداء أمرهم وكيف كان سبب الاستيلاء عليهم ، ~~واتصالهم بملوك الإسلام . ومن استكثر منهم ، وتغالى في اتباعهم وقدمهم على ~~العساكر قد ذكرنا في أخبار الدولة العباسية من اتصل منهم بالخلفاء ، وتقدم ~~على العساكر ، وعلا قدره وطار اسمه . وذكرنا أيضا في أخبار الدولة العبيدية ~~- في أيام المستنصر بالله - ما كان من أمرهم ، وقيامهم ، ومحاربتهم ناصر ~~الدولة بن حمدان - تارة ، ومعه أخرى . ثم ذكرنا أن الملك الناصر - صلاح ~~الدين يوسف بن أيوب - كان من اهتم بتحصيلهم ، وأخوه الملك العادل ، ثم ابنه ~~الملك الكامل . وكانوا إذ ذاك لا يجلبهم التجار إلا خفية ، ولا يقدرون على ~~تحصيلهم إلا سرقة ، لأن حماهم كان مصونا من التجاهر ببيعهم ، أو التطرق ~~إليهم . وأما السبب الموجب للاستيلاء عليهم ، وبيعهم في الأمصار - فهو أنه ~~لما ظهر جنكزخان التمرجي ، ملك ms6864 التتار ، واستولى على البلاد الشرقية ~~والشمالية ، وبث عساكره في البلاد ، فانتهوا إلى بلاد القفجاق واللان ، ~~وأوقعوا بهم - على ما قدمنا ذكره ، في أخبار الدولة الجنكزخانية - فبيعت ~~ذرارى الترك والقفجاق ، وجلبها التجار إلى الأمصار . ثم رجعت عنهم هذه ~~الطائفة الذين ندبهم جنكزخان إليهم ، في سنة ست عشرة وستمائة - وهم التتار ~~المغربة - وعادوا إلى ملكهم جنكزخان . واستقرت طوائف الأتراك بأماكنهم من ~~البلاد الشمالية . وهو أصحاب عمود ، لا يسكنون دارا ، ولا يستوطنون جدارا ، ~~بل يصيفون في أرض ويشتون بأخرى . وهم قبائل كثيرة فمن قبائلهم ما أورده ~~الأمير ركن الدين بيبرس ، الدواداري المنصوري ، نائب السلطنة الشريفة كان - ~~أحسن الله عقباه ، وقد فعل ، وعامله بألطافه فيما بقي من الأجل - في تاريخه ~~: قبيلة طقصبا . وتيبا . وبرج أغلى . والبرلي ، وقنغر أغلى . وأنجغلي . ~~PageV29P0268 # """""" صفحة رقم 269 """""" ودروت . وقلابا أغلى . وجرتان وقرا تركلي . ~~وكتن . قال : ولم يزالوا مستقرين في مواطنهم ، قاطنين بأماكنهم ، إلى سنة ~~ست وعشرين وستمائة . فاتفق أن شخصا من قبيلة دروت يسمى منغوش بن كتن خرج ~~متصيدا ، فصادفه شخص من قبيلة طقصبا اسمه آق كبك - وكان بينهما منافسة ~~قديمة - فأخذه أسيرا ، ثم قتله . وأبطأ خبر منغوش عن أبيه وأهله ، فأرسلوا ~~شخصا اسمه جلنغر لكشف خبره ، فعاد إليهم وأخبرهم بقتله . فجمع أبوه أهله ~~وقبيلته وساق إلى آق كبك . فلما بلغه مسيرهم نحوه ، جمع أهل قبلته وتأهب ~~لقتالهم . فالتقوا واقتتلوا ، وكان الظفر لقبيلة دروت ، وجرح آق كبك وتفرق ~~جمعه . فعند ذلك أرسل أخاه أنص إلى دوشي خان بن جنكزخان - وكان أوكدى ، وهو ~~الملك يومئذ بكرسي جنكزخان ، قد ندبه إلى البلاد الشمالية - مستصرخا به ، ~~وشكا إليه ما حل بقومه من قبيلة دروت القبجاقية ، وأعلمه أنه إن قصدهم لم ~~يجد دونهم من يمانع . فسار إليهم في عساكر ، وأوقع بهم ، وأتى على أكثرهم ~~قتلا وأسرا وسبيا . فاشتراهم عند ذلك التجار ، ونقلوهم إلى البلاد والأمصار ~~. وأما أول من استكثر منهم وتغالى فيهم ، وقدمهم على العساكر ، فهو الملك ~~الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل . وقد ذكرنا في أخبار الدولة ~~الكاملية - في سنة سبع ms6865 وعشرين وستمائة - أن الملك الكامل اتصل به أن ابنه ~~الملك الصالح ابتاع ألف مملوك ، وأنه توثب على الملك ، فنقم عليه وأخرجه من ~~الديار المصرية . فلما أفضت السلطنة إليه ، استكثر منهم ، وأمرهم وقدمهم ~~على العساكر . فكانوا في خدمته ، إلى أن مات . وملك بعده ابنه الملك المعظم ~~تورانشاه ، فعاملهم بما يكرهونه . وبذل لسانه فيهم ، وتواعدهم ، فحملهم ذلك ~~على قتله ، وطلب الملك لأنفسهم . وكان ما ذكرناه من إقامة شجر الدر ، ~~وخلعها . فنذكر ملوك دولة الترك : أول من ملك من ملوك هذه الدولة : ~~PageV29P0269 # """""" صفحة رقم 270 """""" السلطان الملك المعز عز الدين أيبك التركماني ~~الصالحي وليس بتركماني ، وإنما هي نسبة إلى أولاد التركماني ، لأنه كان عند ~~أحدهم ، ثم ملكه الملك الصالح نجم الدين أيوب . وهو تركي الجنس . ملك ~~الديار المصرية ، في يوم السبت التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر ، سنة ~~ثمان وأربعين وستمائة . وأقام معه في السلطنة الملك الأشرف مظفر الدين موسى ~~، بن الملك ناصر صلاح الدين يوسف ، بن الملك المسعود صلاح الدين يوسف ، بن ~~الملك الكامل ، وأجلسه على كرسي السلطنة في يوم الأربعاء - ثالث جمادي ~~الأولى ، سنة ثمان وأربعين . وركب وشق المدينة في يوم الخميس - وكان عمره ~~نحو ست سنين . وكانت المناشير والتواقيع والمراسيم تخرج عن الملكين ، وليس ~~للأشرف معه إلا مجرد التسمية ، والأمر للملك المعز . ولم يزل كذلك ، إلى أن ~~قتل الأمير فارس الدين أقطاي في سنة اثنتين وخمسين - على ما نذكره . فاستقل ~~حينئذ بالملك . وكان الملك الأشرف في هذه المدة قد حجب عن الناس ، واسمه ~~قائم دون شخصه . ذكر الحرب الكائنة بين الملك المعز والملك الناصر صاحب ~~الشام ، وانتصار المعز وفي سنة ثمان وأربعين وستمائة ، كانت الحرب بين ~~السلطان الملك المعز وبين الملك الناصر - صاحب الشام . وسبب ذلك أن الملك ~~الناصر ، لما استولى على دمشق في هذه السنة - كما قدمنا في أخباره - أشار ~~عليه أتابكه - شمس الدين لؤلؤ - والأمراء القيمرية ، بقصد الديار المصرية . ~~فسار من دمشق . واتصل خبره بالملك المعز ، فخرج إليه بعساكر الديار ~~PageV29P0270 # """""" صفحة رقم 271 """""" المصرية . والتقيا على منزلة الكراع ms6866 ، بالقرب ~~من الخشبي . واقتتل العسكران ، في يوم الخميس ، العاشر من ذي القعدة من ~~السنة . فكانت الهزيمة على العسكر المصري . ووصلت طائفة من العسكر المصري ~~إلى القاهرة . ومنهم من فر إلى جهة الصعيد . وثبت الملك المعز ، واختار من ~~عسكره ثلاثمائة فارس ، وحمل بهم على صناجق الملك الناصر ، طمعا أن يكون ~~بجهتها فيظفر به . وكان الملك الناصر تحيز إلى فئة ، واعتزل المعركة خوفا ~~على نفسه ، واحتياطا لها . فلما عاين الحملة الملك المعز ، وشاهد إقدامه ، ~~انهزم ، ورجع إلى الشام - كما تقدم . وساقت الأمراء العزيزية - مماليك ~~والده - بأطلابهم إلى خدمة الملك المعز ، ودخلوا في طاعته ، وهم : الأمير ~~جمال الدين أيدغدي العزيزي ، والأمير شمس الدين أقش البرلي ، والأمير شمس ~~الدين أقش الحسامي ، وأمثالهم . وكان سبب انصرافهم عن سلطانهم الملك الناصر ~~أنه أضافهم ، يوم الحرب ، إلى طلب الأمير شمس الدين لؤلؤ - أتابكه - فعز ~~ذلك عليهم ، وفارقوا خدمة الملك الناصر . قال : واجتمع الأمراء القيمرية ، ~~وغيرهم ، إلى شمس الدين لؤلؤ ، وهنوه بالنصر على زعمهم - وتفرقت جماعتهم في ~~طلب المكاسب . فلم يبق معهم من مماليكهم إلا نفر قليل . فصادفهم الملك ~~المعز بمن معه من عسكره ، فقاتلهم . فقتل شمس الدين لؤلؤ ، وجماعة من ~~الأمراء القيمرية ، وهم : حسام الدين ، وصارم الدين ، القيمريان ، وسعد ~~الدين الحميدي ، ونور الدين الزرزاري ، وجماعة من أعيان مماليك الملك ~~الناصر . وقتل أيضا تاج الملوك ، بن الملك المعظم تورانشاه . وأسر جماعة ، ~~وهم : الملك الصالح بن العادل سيف الدين أبي بكر ابن أيوب . ثم قتله الملك ~~المعز في سنة تسع وأربعين ، ودفنه بالقرافة . وأسر أيضا الملك المعظم ~~تورانشاه ، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ، وأخوه نصرة الدين ، ~~والملك الأشرف صاحب حمص ، وشهاب الدين بن حسام الدين القيمري ، وغيرهم . ~~وأما بقية الأمراء الناصرية ، فإنهم ما علموا بشيء من ذلك . بل ساقوا خلف ~~من انهزم من العسكر ، إلى أن وصلوا إلى العباسة وخيموا بها . ثم بلغهم ~~الخبر فرحلوا PageV29P0271 # """""" صفحة رقم 272 """""" بمكاسبهم وأثقالهم . قال : ولما انتصر الملك ~~المعز ، وقتل من قتل ، وأسر من أسر ، ساق إلى العباسة ليلتحق بعساكره ms6867 . ~~فرأى دهليز الملك الناصر وعساكره قد خيم على العباسة ، فعرج عن طريقها . ~~وسار على طريق العلاقمة إلى بلبيس فلم يجد بها من العسكر أحدا . وبلغه أن ~~منهم من دخل إلى القاهرة ، ومنهم من انهزم إلى الصعيد . فنزل على بلبيس بمن ~~كان معه ، إلى أن تحقق عود من سلم من العسكر الشامي . وعاد الملك المعز إلى ~~قلعة الجبل ، مؤيدا منصورا . قال : ولما طلع إلى القلعة ، وجد جماعة من ~~الأمراء المعتقلين بها ، لما بلغهم وصول المنهزمين من العسكر المصري ، ظنوا ~~أن الهزيمة تستمر ، فخطبوا للملك الناصر على منبر الجامع بالقلعة ، في يوم ~~الجمعة حادي عشر ذي القعدة من السنة . فعظم ذلك على الملك المعز ، وشنق ~~الأمير ناصر الدين إسماعيل بن يغمور الصالحي ، وأمين الدولة وزير الملك ~~الصالح ، على شراريف قلعة الجبل - وكانا من جملة المعتقلين بها - ومن أشار ~~بالخطبة للملك الناصر . ثم أخرج جميع من دخل إلى القاهرة من العسكر ~~الناصرية ، وأعادهم إلى دمشق على دواب - وكانوا ثلاثة آلاف نفس - ولم يركب ~~أحدا منهم فرسا ، إلا نور الدين بن الشجاع الأكتع ، وأربعة من مماليك الملك ~~الناصر . واستهلت سنة تسع وأربعين وستمائة : في هذه السنة ، خرج الملك ~~المعز بعساكر الديار المصرية ، لقصد الملك الناصر ، فنزل على أم البارد عند ~~العباسة . واتصل ذلك بالملك الناصر ، فجهز العسكر الشامي إلى غزة ، ليكون ~~قبالة العسكر المصري . وأقام العسكران في منازلهما ستين يوما . ونزل الملك ~~الناصر على غمتا من الغور ، وخيم عليها . وأقام بعسكره ستة أشهر . وفيها في ~~شعبان ، عزل قاضي القضاة : عماد الدين أبو القاسم إبراهيم ابن هبة ~~PageV29P0272 # """""" صفحة رقم 273 """""" الله بن إسماعيل بن نبهان بن محمد ، الحموي ، ~~المعروف بابن المقنشع - عن القضاء بمصر والوجه القبلى . وأضيف ذلك إلى قاضي ~~القضاة : بدر الدين السنجاري . فاجتمع له الآن قضاء القضاة بالمدينتين ، ~~والوجهين القبلي والبحري ، ولم يجتمعا له قبل ذلك . وفيها ، قصد الأمير ~~جماز بن شيحة المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - وقبض على ~~أخيه عيسى ، وأقام بالمدينة . وفيها ، كانت وفاة الشيخ الإمام العالم بهاء ~~الدين ms6868 علي بن سلامة بن المسلم بن أحمد ، بن علي اللخمي المصري ، المعروف ~~بابن الجميزي . وكان إماما فاضلا ، عالما بمذهب الإمام الشافعي . وأخذ ~~العلم عن الشيخ شهاب الدين محمد الطوسي ، وعن محمد بن يحيى ، وشرف الدين بن ~~أبي عصرون . وتفقه بالشام ، وقرأ القرآن على جماعة منهم الشاطبي والبطايحي ~~. وسمع الحديث الكثير ، ورواه سمع شهدة ببغداد ، والحافظ السلفي بمصر . ~~وأجيز بالفتيا في سنة خمس وسبعين وخمسمائة وهو سبط الفقيه أبي الفوارس ~~الجميزي . وكان دمث الأخلاق ، كريم النفس ، قل أن يدخل إليه أحد إلا وأطعمه ~~وكان يخالط الملوك ، ويعظمونه . ولم يزل كذلك إلى أن حج في سنة خمس وأربعين ~~وستمائة . فأهدى له صاحب اليمن هدية بمكة ، فقبلها . فأعرض عنه الملك ~~الصالح نجم الدين أيوب . وكانت وفاته بمصر في ليلة الخميس ، رابع عشر ذي ~~الحجة . ودفن يوم الخميس بالقرافة ، قريبا من روزبهان . ومولده يوم النحر ~~سنة تسع وخمسين وخمسمائة - رحمه الله تعالى . وفيها توفي الفقيه الشيخ ، ~~الرياضي ، علم الدين قيصر : بن أبي القاسم بن عبد الغني بن مسافر ، الحنفي ~~المصري ، المعروف بتعاسيف . كان إماما في علوم الرياضة ، وفي فنون كثيرة . ~~وكانت وفاته بدمشق ، في يوم الأحد ثالث عشر شهر رجب ، ودفن خارج باب شرفى ، ~~ثم نقل إلى الباب الصغير . ومولده سنة أربع وسبعين وخمسمائة ، بأصفون من ~~PageV29P0273 # """""" صفحة رقم 274 """""" أعمال مدينة قوص ، من الصعيد الأعلى بالديار ~~المصرية . وأصفون بلدة مشهورة هناك . وفيها ، توفي الصاحب الوزير : جمال ~~الدين أبو الحسين يحيى ، بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين بن علي بن حمزة بن ~~إبراهيم ، بن الحسين - بن مطروح . من أهل صعيد مصر ، ونشأ هناك وأقام ~~بمدينة قوص مدة وتنقلت به الأحوال في الخدم والولايات . ثم اتصل بخدمة ~~السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ، في نيابته عن أبيه السلطان الملك ~~الكامل بالديار المصرية . وانتقل في خدمته عند توجهه إلى بلاد الشرق ، في ~~سنة تسع وعشرين وستمائة . ولم يزل هناك إلى أن ملك الملك الصالح الديار ~~المصرية ، فوصل إلى خدمته ، في أوائل سنة تسع وثلاثين وستمائة . فرتبه ناظر ms6869 ~~الخزانة . ثم نقله إلى دمشق ، لما ملكها ثانيا ، من عمه الملك الصالح ~~إسماعيل ، وجعله وزيرا وأميرا . واستمر إلى أن وصل السلطان الملك الصالح ~~إلى دمشق في شعبان سنة ست وأربعين وستمائة ، فعزله عن الوزارة وسيره مع ~~العسكر لحصار حمص . ثم عاد في خدمة السلطان إلى الديار المصرية ، وأقام معه ~~بالمنصورة - وقد تغير عليه لأسباب اتصلت به عنه - ومع ذلك فلم يزل يلازم ~~الخدمة ، إلى أن مات السلطان الملك الصالح بالمنصورة . فجاء إلى مصر ، ~~وأقام بداره إلى أن مات . وكان حسن الأخلاق . وله ديوان شعر . وكانت وفاته ~~بمصر في ليلة الأربعاء ، مستهل شعبان ، سنة تسع وأربعين وستمائة . ودفن ~~بسفح المقطم . ومولده بمدينة سيوط من صعيد مصر ، في يوم الإثنين ثامن شهر ~~رجب ، سنة اثنتين وتسعون وخمسمائة - رحمه الله تعالى . واستهلت سنة خمسين ~~وستمائة : والاختلاف بين الملكين : الناصر - صاحب دمشق والشام - والمعز ~~صاحب الديار المصرية - على حاله ، والعساكر من الطائفتين مجردة ، كل طائفة ~~معتدة للأخرى . ولم يكن فيها من الأخبار ما نذكره . PageV29P0274 # """""" صفحة رقم 275 """""" واستهلت سنة إحدى وخمسين وستمائة ذكر الصلح ~~بين الملكين : المعز والناصر قال : ولم تزل الفتنة بين الملكين : المعز ~~والناصر قائمة ، إلى أن وصل الشيخ نجم الدين البادرائي رسول الخليفة ، فسعى ~~في الصلح بينهما . فوقع الاتفاق : على أن يأخذ الملك المعز من الملك الناصر ~~القدس وغزة ، وجميع البلاد الساحلية - إلى حدود نابلس . واستحلف الشيخ نجم ~~الدين الملكين على ذلك . فتم الصلح بينهما وانتظم . وأفرج الملك المعز عن ~~الملك المعظم صلاح الدين يوسف بن أيوب ، والملك الأشرف صاحب حمص ، وأولاد ~~الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ، وغيرهم . من الأمراء الذين كانوا قد ~~أسروا في المصاف ، الكائن في سنة ثمان وأربعين وستمائة ، وذلك في المحرم من ~~هذه السنة . وفي هذه السنة ، لثلاث خلون من شعبان ، قتل أبو سعد : الحسن بن ~~علي بن قتادة - صاحب مكة - شرفها الله تعالى . واستهلت سنة اثنتين وخمسين ~~وستمائة ذكر خبر عريان الصعيد ، وتوجه الأمير فارس الدين أقطاي إليهم ~~وإبادتهم كان من خبر العربان بالصعيد ، أنه لما ms6870 اشتغل الملك الصالح نجم ~~الدين أيوب وعساكره بقتال الفرنج بالمنصورة ، وحصل ما قدمنا ذكره : من ~~وفاته ، ومقتل ولده الملك المعظم ، واشتغال الملك المعز بحرب الملك الناصر ~~، وتجريد الجيوش إلى جهتة ، وعدم الالتفات إلى غير ذلك - تمكن العربان بهذه ~~الأسباب من البلاد ، وكثر شرهم ، وزاد طغيانهم وبغيهم . وحصل لأهل البلاد ~~منهم ، من أنواع الأذى ونهب الأموال والتعرض إلى الحريم ، وأمثال ذلك ، ما ~~لا حصل من الفرنج أكثر منه . واجتمعوا على الشريف حصن الدين بن ثعلب ~~الجعفري وأطاعوه ظاهرا ، PageV29P0275 # """""" صفحة رقم 276 """""" وانقادوا له . إلا أنه لا يستطيع دفعهم عن كل ~~ما يقصدونه من أذى . وأخذ أموالهم ، وكثرت جموعهم معه ، حتى زادوا على اثني ~~عشر ألف فارس ، وستين ألف راجل ، بالسلاح والعدد . فلما تم الصلح بين ~~الملكين ، وتفرغ وجه السلطان الملك المعز من جهة الشام ، صرف فكرته إلى ~~جهتهم ، وانتدب لحربهم الأمير فارس الدين أقطاي . واستشار الأمير عز الدين ~~أيبك الأفرم الصالحي في عدة العسكر الذي يقوم بحربهم ، فأشار بانتخاب ألفي ~~فارس من العسكر ، والتزم أنه يفرق بهذه العدة جموعهم ، ويبيدهم بها . ~~فانتخب الأمير فارس الدين هذه العدة من العسكر ، وتوجه بهم - وصحبته الأمير ~~عز الدين المذكور - وتوجه إلى جهة الصعيد ، وقصد العربان . وكانوا قد ~~اجتمعوا بمكان يسمى الصلعا بمنشاة إخميم ، في البر الغربي - وهي أرض وسيعة ~~، تسع عدتهم . فساق الأمير فارس الدين ومن معه من العسكر ، من جهة الحاجز ~~بالبر الغربي ، سوقا عظيما ، ما سمع الناس بمثله ، وانتهى إليهم في ثلاث ~~علايق - وهذه المسافة لا يستطيع البريد أن يصل إليها في مثال هذه المدة ، ~~إلا إن أجهد نفسه . وطلع عليهم في صبح اليوم الرابع ، ودهمهم بعتة بهذا ~~المكان . فلما شاهد كثرتهم ، كاد يقف عن ملاقاتهم ، وأنكر على الأمير عز ~~الدين ، وقال : لقد غششتنا ، فإن هذه العدة التي معنا لا تقوم بهذه الجموع ~~الكثيرة . فقوى نفسه ، وقال : أنا أعرف هؤلاء ، وهذه بلاد ولايتي . وحمل ~~عليهم ، ورمتهم العسكر بالنشاب ، فما كان السهم يقع إلا في أحدهم . فما كان ~~بأسرع من أن انهزموا أقبح ms6871 هزيمة ، وأخذهم السيف . وتفرقت تلك الجموع ، ~~واختفوا ، وغيروا لباسهم . وقتل منهم في المعركة والطلب خلق كثير . ولما ~~عاين الشريف حصن الدين انهزام أصحابه ، بادر بالهزيمة . وحمل معه ألف دينار ~~، واستصحب حظية له ، وتوجه إلى الوجه القبلى . ثم قبض عليه بعد ذلك - على ~~ما نذكره ، إن شاء الله تعالى . وعاد الأمير فارس الدين إلى القاهرة بعسكره ~~، ومعه جماعة من العربان ، من جملتهم : ابن عم الشريف حصن الدين بن ثعلب ، ~~فشنق تحت قلعة الجبل . ثم قتل الأمير فارس الدين أقطاي ، في هذه السنة . ~~PageV29P0276 # """""" صفحة رقم 277 """""" ذكر خبر الأمير فارس الدين أقطاي وما كان من ~~أمره إلى أن قتل كان الأمير فارس الدين أقطاي ، الجمدار الصالحي ، قد ~~استفحل أمره في الدولة المعزية بالديار المصرية ، وقويت شوكته في سنة إحدى ~~وخمسين وستمائة . وانضم إليه الأمراء البحرية واعتضد بهم . وتطاول ، إلى أن ~~خطب ابنه الملك المظفر صاحب حماه . وكان الرسول في ذلك الصاحب فخر الدين ~~محمد ، بن الصاحب بهاء الدين على - قبل وزارة والده - فأجيب إلى ذلك . وعقد ~~النكاح ، وحملت إليه ، فوصلت إلى دمشق . وقتل ، قبل وصولها إليه . ولما ~~تزوج بها زادت نفسه قوة ، وعظمه الأمراء ، وخفضوا من جانب الملك المعز ، ~~وألان الملك المعز جانبه له ، ولهم . واستمر الأمر على ذلك إلى سنة اثنتين ~~وخمسين وستمائة . فامتدت أطماعه إلى صلب ثغر الإسكندرية ، إقطاعا ، فلم ~~يمكن الملك المعز مخالفته ، لقوة شوكته . وتطاول البحرية ، واشتطوا في طلب ~~الإقطاعات والزيادات . واتصل بالملك المعز أنهم يدبرون عليه ، وأنهم عزموا ~~على الوثوب ، فبادر عند ذلك بالتدبير والاحتياط . ولما كان في يوم الاثنين ~~- حادي عشر شعبان ، من هذه السنة ، استدعاه السلطان على العادة ، وكمن له ~~عدة من مماليكه ، بقاعة الأعمدة . وقرر معهم أنه إذا عبر إليه يغتالوه . ~~فحضر في نفر يسير ، ثقة منه واسترسالا ، واطراحا لجانب السلطان ، وأنه لا ~~يجسر أن يقدم عليه ، ولم يشعر به خوشد اشيته . فلما قرب ، منع مماليكه من ~~الدخول معه ، ووثب عليه المماليك المعزية فقتلوه وحكي عن عز الدين أيبك ~~الفارسي - أحد مماليكه - في خبر ms6872 مقتله ، قال : كان قد PageV29P0277 # """""" صفحة رقم 278 """""" ركب إلى قلعة الجبل في يوم مقتله ، واجتمع ~~بالسلطان ، وطلب منه أن ينعم على بعض البحرية بمال . فاعتذر الملك المعز أن ~~الخزائن قد خلت من الأموال ، وقال له : توجه بنا إلى الخزانة لنشاهدها ، ~~ونتحقق حالتها . فتوجها جميعا إلى الخزانة من جهة الدور . وإنما فعل المعز ~~ذلك ، لأن الوصول إلى الخزانة من جهة الدورحرج المسلك ، ويمر المار على بعض ~~قاعات الحريم ، فلا يمكن استصحاب الكثير من المماليك . وكان الملك المعز قد ~~كمن في عطفة من عطفات الدهاليز مملوكه الأمير سيف الدين قطز - ومعه عشرة من ~~المماليك المعزية ، من ذوي القوة والإقدام . فلما وصلوا إلى ذلك المكان ، ~~تأخر السلطان : واسترسل الأمير فارس الدين على ما هو عليه ، وتقدم إلى ~~المكان . فوثبوا عليه ، وقتلوه . قال : وأمر الملك المعز بغلق قلعة الجبل ، ~~فغلقت . وركب مماليكه وحاشيته - وكانوا نحو سبعمائة فارس - وجماعة من ~~البحرية ، وقصدوا قلعة الجبل ، وظنوا أنه قد قبض عليه ، ليطلقوه . فلما ~~صاروا تحت القلعة ، أمر السلطان بإلقاء رأسه إليهم ، من أعلى السور فعلموا ~~فوات الأمر فيه ، فتفرقوا . وكانت هذه الواقعة شبيهة بواقعة عمرو بن سعيد ~~الأشدق مع عبد الملك بن مروان . وتفرق شمل البحرية لمقتله ، وانتشر نظامهم ~~. وكان من خبره ما نذكره . ولما قتل الأمير فارس الدين أقطاي ، وهرب ~~البحرية ومماليكه ، ركب السلطان الملك المعز بشعار السلطنة بالقاهرة . وذلك ~~في يوم الأحد ، سابع عشرين شعبان المذكور . وجهز الملك الأشرف ، الذي كان ~~قد شركه معه في الملك إلى دمشق - في هذا الشهر . واستقل بالسلطنة . وانفرد ~~بالأمر ، بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاي . ومن المؤرخين من جعل هذا ~~التاريخ ابتداء سلطنة الملك المعز ، وجعله فيما مضى أتابكا للملك الأشرف ~~مظفر الدين موسى . إلا أن الأمر منذ خلعت شجر الدر نفسها ، كان للملك المعز ~~، مع تمكن الأمير فارس الدين أقطاي من الدولة وتحكمه . وفي هذه السنة ، ~~أقطع الأمير جمال الدين أيد غدى العزيزي دمياط - زيادة على إقطاعه - وكان ~~متحصلها يومئذ ثلاثين ألف دينار . وفيها ، عزل قاضي القضاة : بدر ms6873 الدين ~~السنجاري ، عن تدريس المدرسة الصالحية ، PageV29P0278 # """""" صفحة رقم 279 """""" بالقاهرة المعزية . وفوض ذلك لشيخ الاسلام عز ~~الدين عبد العزيز بن عبد السلام . وتوجه قاضي القضاة بدر الدين السنجاري ~~إلى الحجاز الشريف ، من جهة البحر ، وعاد في البر . وفي هذه السنة ، وصلت ~~الأخبار من مكة - شرفها الله تعالى - أن النار ظهرت من بعض جبال عدن ، وأن ~~شررها يطير في الليل ويقع في البحر ، ويصعد منها دخان عظيم في النهار . فظن ~~الناس أنها النار التي أخبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنها تظهر في ~~آخر الزمان ، وهي من أشراط الساعة . فتاب الناس ، وأقلعوا عما كانوا عليه ~~من الظلم والفساد ، وشرعوا في أفعال الخير والصدقات . ذكر اخبار الأمراء ~~البحرية وما اتفق لهم بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاي قد رأينا أن نذكر ~~أخبار الأمراء البحرية في هذا الموضع - متتابعة - من حين هربهم ، ولا ~~نقطعها بالسنين ، لتكون أخبارهم سياقة يتلو بعضها بعضا . كان من خبرهم ، ~~أنه لما شاع الخبر بمقتل الأمير فارس الدين أقطاي ، واتصل ذلك بالأمراء ~~خوشداشيته - وفيهم الأمير ركن الدين البندقداري ، والأمير سيف الدين قلاوون ~~الألفي ، والأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، والأمير سيف الدين بلبان الرشيدي ~~، والأمير بدر الدين بيسري الشمسي ، والأمير سيف الدين سكز ، والأمير عز ~~الدين أزدمر السيفي ، والأمير سيف الدين سنقر الرومي ، والأمير سيف الدين ~~بلبان المستعربي ، والأمير سيف الدين برامق ، وغيرهم من الأمراء ، ومن انضم ~~إليهم من خوشداشيهم - خرجوا من القاهرة ليلا ، وأحرقوا باب القراطين ، ~~وتوجهوا إلى الشام . واعتقل السلطان - الملك المعز - من بقي منهم بالقاهرة ~~. وتوجه الذين خرجوا من القاهرة حتى نزلوا غزة ، وكاتبوا السلطان الملك ~~الناصر صاحب الشام ، وسألوه أن يأذن لهم في الوصول إليه ، فأجابهم إلى ذلك ~~. ووصلوا إليه ، فأنعم عليهم بالأموال والخلع ، وأقطعهم الإقطاعات . ~~وأقاموا عنده يحرضونه على قصد الديار المصرية ، فما وثق بهم . وكان الملك ~~المعز قد كتب إليه وخيله منهم ، وأوهمه . PageV29P0279 # """""" صفحة رقم 280 """""" فطلب الملك الناصر من الملك المعز القدس ~~وجميع البلاد الساحلية - التي كان قد أخذها منه عند وقوع ms6874 الصلح - بحكم أنها ~~كانت جارية في إقطاع البحرية ، وأنهم انتقلوا إلى مملكته ، واستقروا في ~~خدمته ، فأعادها الملك المعز إليه . فأمر الملك الناصر كل من له إقطاع في ~~هذه البلاد على إقطاعه ، وكتب مناشير بذلك . وأقاموا في خدمته إلى سنة خمس ~~وخمسين وستمائة . ثم فارقوه ، لما رأوه من ضعف رأيه ، وتوجهوا إلى نابلس . ~~وقصدوا الملك المغيث صاحب الكرك ، فوصلوا إلى خدمته - في عاشر شوال - ~~فقبلهم وأكرمهم فالتمسوا منه المساعدة على قصد الديار المصرية ، وأوهموه أن ~~الأمراء بالديار المصرية كاتبوهم ، وراسلوهم في ذلك . فجمع الملك المغيث من ~~قدر عليه ، وسار بهم وبسائر البحرية - وذلك في سلطنة الملك المنصور نور ~~الدين ، بن الملك المعز . فخرج إليهم الأمير سيف الدين قطز المعزى بالعساكر ~~المصرية ، والتقوا واقتتلوا - في يوم السبت الخامس والعشرين ، من ذي القعدة ~~، سنة خمس وخمسين وستمائة . فانكسر الملك المغيث ، ومن معه من البحرية . ~~واستولى العسكر المصري على أثقالهم ، وقتل : الأمير عز الدين الرومي ~~الصالحي ، وسيف الدين الكافوري ، وبدر الدين إيغان الأشرفي . وأسر الأمير ~~سيف الدين قلاوون الألفي ، والأمير سيف الدين بلبان الرشيدي . ولما أسر ~~الأمير سيف الدين قلاوون ، ضمنه الأمير سيف الدين قيزان المعزى أستاذ الدار ~~السلطانية ، فما تعرض إليه أحد . وأقام بالقاهرة برهة يسيرة . ثم تسحب ~~واختفى بالحسينية ، عند الأمير سيف الدين قطليجا الرومي . وقصد اللحاق ~~بخوشداشيته ، فزوده وجهزه ، فتوجه إلى الكرك . ثم فارق البحرية الملك ~~المغيث ، وتوجهوا نحو الغور . فصادفهم الأمراء الشهرزورية ، عندما جفلوا من ~~بلاد الشرق . فاجتمع البحرية بهم ، وتزوج الأمير ركن الدين بيبرس ~~البندقداري - وهو الملك الظاهر - منهم . فبلغ الملك الناصر ذلك ، فجهز جيشا ~~لقتالهم ، فالتقوا بالغور ، واقتتلوا . فانهزم العسكر الناصري . فغضب الملك ~~الناصر لذلك ، وخرج بنفسه إليهم . فعلموا عجزهم عن مقابلته ، فتوجهوا إلى ~~الملك المغيث بالكرك ، وتوجه الشهرزورية إلى الديار المصرية . واتفق للأمير ~~ركن الدين البندقداري مع الملك المغيث حكاية عجيبة . وهو أنه كان في يده ~~نتوء في اللحم شبه خرزة ، فجلس في بعض الأيام بين يدي الملك المغيث ~~PageV29P0280 # """""" صفحة رقم 281 """""" وقد أتى بلوز أخضر وعسل ms6875 ، فجعل يفرك اللوز ~~على العسل - فنظر الملك المغيث إلى النتوء الذي في يده ، فقال : ما هذا يا ~~ركن ؟ قال : هذه خرزة الملك فتغير وجه الملك المغبث وعلم جرأته وقصد قتله ~~ثم تركه . أخبرني بذلك المولى شرف الدين أبو الروح ، عيسى بن الملك المغيث ~~، عمن حضر هذه الواقعة وسمع ذلك من لفظهما . قال المؤرخ : ولما بلغ الملك ~~الناصر عود البحرية إلى خدمة الملك المغيث ، كتب إليه يطب منه تسلميهم ، ~~ويهدده إن لم يفعل . فدافع عنهم . فسار الملك الناصر بنفسه ، ونزل ببركة ~~زيزا ، وعزم منازلة الكرك - إن أصر الملك المغيث على الامتناع من تسليمهم ~~إليه . وكان الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري قد تخيل من الملك المغيث ، ~~للحكاية التي قدمناها . فأرسل إلى السلطان الملك الناصر الأمير بهاء الدين ~~أمير أخور ليلا ، يطلب منه الإذن في حضوره إلى خدمته ، ومفارقة الملك ~~المغيث ، وأن يستحلفه له ولجماعة معه أن لا يغدر بهم ، وأن يكون السفير في ~~ذلك الأمير عماد الدين بن المجير . فأجاب الملك الناصر إلى ذلك . فبعث إليه ~~الأمير ركن الدين الشيخ يحيى ، برسالة ، مضمونها : أن يحلف له ولعشرين من ~~أصحابه ، وأن يقطعه خبز مائة فارس ، وشرط أن تكون قصبة نابلس وجينين وزرعين ~~مما يقطعه له . فأجاب إلى نابلس لا غير ، وحلف له . فقدم الأمير ركن الدين ~~إلى الملك الناصر ، في العشر الأول من شهر رجب - وصحبته الجماعة الذين حلف ~~لهم ، وهم : الأمير بدر الدين بيسري الشمسي ، والأمير سيف الدين أتامش ~~المسعودي ، والأمير علاء الدين طيبرس الوزيري ، وجمال الدين أقش الرومي ، ~~وسيف الدين بلبان الداودار ، وعلاء الدين كشتغدى الشمسي ، وحسام الدين ~~لاجين الدوادار ، المعروف بالدرفيل ، وعلاء الدين أيدغمش الحكيمي ، وعلاء ~~الدين كستغدي المشرفي ، وعن الدين أيبك الشيخوركن الدين بيبرس خاص ترك ~~PageV29P0281 # """""" صفحة رقم 282 """""" الصغير وعز وشيف الدين بلبان المهراني ، وعلم ~~الدين سنجر الأسعدي ، وعلم الدين سنجر الهمامي ، وشمس الدين أباز الناصري ، ~~وشمس الدين طمان ، وعز الدين أيبك العلائي ، وحسام الدين لاجين الشقيري ، ~~وسيف الدين بلبان الأقسيسي ، وعلم الدين سلطان الألدكزي - فأكرمهم الملك ~~الناصر ms6876 ، ووفى لهم ، وخلع عليهم وأحسن إليهم ، وأقطعهم . ثم أمسك الملك ~~المغيث من بقي عنده من البحرية ، وسيرهم إلى الملك الناصر ، وهم : الأمير ~~سيف الدين سنقر الأشقر ، والأمير سيف الدين سكز ، والأمير سيف الدين برامق ~~- فأرسلهم الملك الناصر إلى قلعة حلب ، واعتقلهم بها . حتى استولى هولاكو ~~على حلب ، فأفرح عنهم وأضافهم إلى عسكره . وبقي الأمير ركن الدين ~~البندقداري ، والأمير سيف الدين قلاوون ، وغيرهما ، ممن لم يمسك من ~~خوشداشيتهما ، في خدمة الملك الناصر ، إلى أثناء سنة ثمان وخمسين وستمائة . ~~ففارقوه ، لما ملك التتار حلب ، وعلموا عجزه عن ملاقاتهم ، ففارقوه وتوجهوا ~~إلى غزة . وكان للبحرية في بعض هذه المدة أحوال يطول شرحها ، حتى أعوزهم ~~القوت في بعض الأوقات . ثم اجتمعوا بعد مفارقة الملك الناصر ، وتوجهوا إلى ~~خدمة الملك المظفر سيف الدين قطز ، وشهدوا معه حرب التتار - على ما نذكره ، ~~إن شاء الله تعالى ، في موضعه . فلنرجع إلى سياقة أخبار الملك المعز . ~~واستهلت سنة ثلاث وخمسين وستمائة ذكر مخالفة الأمير عز الدين أيبك الأفرم ~~وخروجه عن الطاعة ، وتجريد العسكر إليه وإلى من وافقه ، وانتقاض أمره كان ~~الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحي أقام في البلاد ، بعد أن هزم الأمير ~~فارس الدين أقطاي الصالحي العرب - كما تقدم - وتأخر هو لتمهيد البلاد . ~~فلما قتل الأمير فارس الدين أقطاي ، تظاهر بالعصيان ، واستولى على الأعمال ~~القوصية - بموافقة متوليها الأمير ركن الدين الصيرمي . واستولى أيضا على ~~الأعمال الإخميمية والأسيوطية ، وقطع الحمول عن بيت المال بقلعة الجبل من ~~هذه الأعمال ، واقتطع الأموال لنفسه . ووافقه الشريف حصن الدين بن ثعلب . ~~فندب السلطان العساكر لذلك ، وقدم عليها الصاحب شرف الدين هبة الله بن صاعد ~~الفائزي . فتوجه إلى جهة الصعيد ، وظفر بالشريف حصن الدين بن ثعلب . ~~PageV29P0282 # """""" صفحة رقم 283 """""" فأحضره إلى السلطان ، فاعتقله بقلعة الجبل ، ~~ثم نقله إلى ثغر الإسكندرية ، واعتقله هناك . فلم يزل في الاعتقال ، إلى أن ~~شنقه السلطان الملك الظاهر ركن الدين - على ما نذكره . وأما الأمير عز ~~الدين الأفرم ، فإنه وأما الأمير ركن الدين الصيرمي - متولي الأعمال ~~القوصية - فإنه كان ms6877 قد ظن أنه يستبد بالأمر ، ويستولي على البلاد ويستمر له ~~ذلك ، وتخيل ذلك بذهنه . فلما انتقض عيه هذا الأمر ، تحيل في الهرب ، وتوجه ~~إلى دمشق . والتحق بخدمة السلطان الملك الناصر . وكان وصوله إلى دمشق في ~~جمادي الآخرة ، سنة أربع وخمسين وستمائة - بعد أن نهبت أمواله ، وقتلت ~~رجاله . ولما وصل ، أنزل بالمدرسة العزيزية على الشرف الأعلى ، فقال ~~للفقهاء : اعذروني ، فأنتم اخلوا لي الجوسق الذي على الميدان ، وما انتقل ~~إليه إلا بطالع . وأحضر المنجم ، وأخذ له الطالع ، وانتقل إلى الجوسق . ~~فاستقل الناس عقله . فإنه وصل من النهب والهرب ، والشتات وقتل الرجال ، وهو ~~يتمسك بالطوالع وأقوال المنجمين . واستهلت سنة أربع وخمسين وستمائة ذكر ~~تفويض قضاء القضاة بالديار المصرية للقاضي تاج الدين عبد الوهاب ابن القاضي ~~الأعز خلف في هذه السنة ، فوض السلطان - الملك المعز - قضاء القضاة بمصر ~~والوجه القبلي ، لقاضي القضاة : تاج الدين عبد الوهاب ، بن القاضي الأعز ~~خلف ، بن محمود بن بدر العلامي - وهو المعروف بابن بنت الأعز . وكتب له ~~تقليد شريف معزى ، تاريخه PageV29P0283 # """""" صفحة رقم 284 """""" تاسع شهر رمضان . وكان ذلك جاريا في ولاية ~~قاضي القضاة : بدر الدين يوسف السنجاري . فاستقر القاضي بدر الدين - قاضي ~~القضاة - بالقاهرة والوجه البحري . ثم فوض ذلك ، في بقية هذا الشهر ، لقاضي ~~القضاة تاج الدين ، المشار إليه - بتقليد تاريخه لثمان بقين من شهر رمضان ~~من السنة . فكمل له بهذه الولاية قضاء القضاة بالمدينتين ، والعملين القبلي ~~والبحري ، وسائر أعمال الديار المصرية . وعزل قاضي القضاة : بدر الدين ~~السنجاري عن القضاء . وقد شاهدت تقليدي قاضي القضاة تاج الدين . ونسخة ~~التقليد الأول - بعد البسملة ، ومثال العلامة المعزية : - حسبني الله . ~~الحمد لله مقيم منار الشريعة الهادية ، وناشر أعلامها . ورافع محلها على ~~الشرائع ومعلى مقامها . وهادي الخليقة إلى اتباع أقضيتها وأحكامها . وناصر ~~دينه باتساقها وانتظامها . ومشيد أركانها بصالحي أئمتها وحكامها ، وجاعلهم ~~أئمة يهدون بأمره في نقض الأمور وإبرامها . وصلى الله على سيدنا محمد ، ~~خاتم الرسل وإمامها . ومنير الملة بعد إظلامها . وعلى آله وأصحابه ، نجوم ~~سماء المعارف وبدور تمامها - صلاة لا تنقطع مادة ms6878 دوامها ، ولا يأتي النفاد ~~على لياليها وأيامها . أما بعد . فإنا لما فوض الله إلينا من أمور بريته ، ~~واستحفظنا إياه من تدبير خليقته ، وآتانا بقدرته من اليد الباسطة ، وجعلنا ~~بينه وبين عقد خلقه الواسطة ، ومنحناه من السلطان والتمكين ، وخصنا به من ~~الفضل المبين - لا نزال من حسن التدبير في تصعيد وتصويب ، ومن مصالح ~~الإسلام في تمهيد وترتيب ، ومن الرأي الأصيل في خبب وتقريب ، عالمين بأن ~~الله تعالى يسأل كل راع عما استرعاه ، وكل ساع عما سعاه ، ويحاسبه عليه يوم ~~رجعاه ، ويجد عمله مكتوبا مسطرا ، وتجد كل نفس ما عملت من خير محضرا - وكان ~~أولى الأمور بالنظر ، وأحقها أن يصان صفوها عن الكدر ، منصب الشريعة ، الذي ~~هو ملاك الدين وقوامه ، وانتظام الإسلام والتئامه ، والطريق التي فرض الله ~~اتباعها على خلقه ، والسبيل التي من فارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه - ~~. ارتدنا لهذا المنصب الشريف من يرعاه ويصونه ، وتجري على يده حياطته ~~وتحصينه . ونظرنا فيمن يقع عليه سهم الاختيار ، ويظهر جوهره الابتلاء ~~والاختبار . فكان PageV29P0284 # """""" صفحة رقم 285 """""" المجلس السامي القاضي الأجل ، الإمام الصدر ، ~~الفقيه الكبير العالم العامل الفاضل ، الأعز المرتضى ، الورع الكامل ~~المجتبي ، الأشرف السعيد ، تاج الدين جلال الإسلام ، مفتي الأنام ، شمس ~~الشريعة ، صدر العلماء ، قاضي القضاة ، سيد الحكام ، خالصة أمير المؤمنين : ~~عبد الوهاب بن القاضي الأجل ، الفقيه العالم الأعز ، أبي القاسم خلف - أدام ~~الله تأييده وتمكينه ، ورفعته وتمهيده ، وقرن بالنجح قصوده - طلبتنا ~~المنشودة ، وإرادتنا المقصودة . لما جمع الله فيه من الخلال الفاخرة ، ~~والديانة الجامعة لخير الدنيا والآخرة ، والعلم الذي أمسى به للهداة علما ، ~~وعلى أئمة وقته مقدما . وأصبح كل مانع إليه مسلما . وراح بقداح الفضائل ~~فائزا ، ولكنوز العلوم الشريفة حائزا . فهو فقيه مصره ، لا ، بل فقيه عصره ~~. وبكار زمانه علما وورعا ، وسوار وقته تقمصا بالتقوى وتدرعا . قدمنا خيرة ~~الله تعالى ، ووليناه قضاء القضاة وحكم الحكام ، بمصر المحروسة ، وجميع ~~الوجه القبلي : من البرين الشرقي والغربي ، إلى منتهى ثغر عيذاب ، وما ~~يجاوره - من حدود مملكتنا ، وبلاد دعوتنا ، وجميع ما في هذه الولاية من ~~المدارس ms6879 وأوقافها ، وكل ما كان في نظر القاضي الفقيه شرف الدين بن عين ~~الدولة - رحمه الله - من ذلك ، وما استجد بعده ، واستقر في نظر الحكام . ~~وفوضنا إليه ذلك التفويض التام . وبسطنا يده في الولاية والعزل . وحكمناه ~~في العقد والحل . فليستخر الله في تقلد ما قلدناه ، وقبول ما فوضناه إليه ~~ورددناه . وليحكم بين الناس بما أراد الله . فإن قبول ذلك يجب عليه وجوبا ، ~~لما يتحقق أن الله يجريه في أحكامه ، ويقدره في أيامه ، من حياطة الدين ~~ومصالح المسلمين . وإذا احتاج الحكام وولاة الأمور إلى وصايا يطال فيها ~~ويطنب ، ويبالغ في توكيدها ويسهب - وجدناه غنيا عن ذلك ، بما سناه الله له ~~ويسره ، وخلقه من كماله وقدره . ومثله لا يوصى ، ولا يستوعب له القول ولا ~~يستقصى . والله تعالى يرقيه إلى درجات الكرامة ، PageV29P0285 # """""" صفحة رقم 286 """""" ويجعل فيما فوض صلاح الخاصة والعامة ~~والاعتماد فيه على العلامة الشريفة ، السلطانية الملكية المعزية - زاد الله ~~علاها وشرفها ، إن شاء الله عز وجل . كتب في التاسع من شهر رمضان ، سنة ~~أربع وخمسين وستمائة . الحمد لله رب العالمين . وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله الطيبين الطاهرين ، وسلم تسليما كثيرا . وحسبنا الله ونعم الوكيل . ~~ونسخة التقليد الثاني : الحمد لله ، كافل المزيد لمن شكره ، ورافع الدرجات ~~لمن أطاعه فيما نهاه وأمره ، وهادى أمة الحق إلى السبيل الذي يسره ، وشرعه ~~الذي ارتضاه لدينه وتخيره . وجاعل العلماء ورثة أنبيائه ، فيما أباحه من ~~الأحكام وحظره . أحمده حمدا لا يحصى عدده . وأشكره شكرا يتجدد كلما طال ~~أمده . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ، لا شريك له ، شهادة تستنفد الإمكان ~~. ويشهد بالإخلاص فيها الملكان - . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، الذي ~~اصطفاه وانتخبه . وفرض اتباعه على خلقه وأوجبه . وبعثه رسولا في الأميين . ~~وأرسله رحمة للعالمين . ونصب شريعته سبيلا منجيا . وطريقا إلى الرسل مؤديا ~~. وشرف رتبتها وعظمها . وأعلى قدر من رقي ذروتها وتسنمها - صلى الله عليه - ~~ما تعاقب شمس وقمر . وذكر مبتدأ وخبر وجرى بالكائنات مشيئة وقدر . وعلى ~~الأنبياء ، الذي أخلصهم بخالصة ذكرى الدار ، وجعلهم من المصطفين الأخيار ms6880 . ~~وعلى آله أولى الأيدي والأبصار . وأصحابه المهاجرين والأنصار . صلاة دائمة ~~الاستمرار . باقية على تعاقب الليل والنهار . أما بعد ، فإن الله . تعالى - ~~جعل شريعة نبيه صراطا متبعا وطريقا مهيعا ومحلا مرتفعا . وأنزل بتعظيمها ~~قرآنا ، وجعلها بين الحق والباطل فرقانا . فقال مخاطبا لنبيه - تنبيها ~~وتعليما ، وتبجيلا لقدرته وتعظيما : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ، لتحكم ~~بين الناس بما أراك اله ولا تكن للخائنين خصيما . وعظم قدر العلماء في ~~آياته المحكمات ، وكلماته البينات ، فقال عز وجل : يرفع الله الذين آمنوا ~~منكم ، والذين أوتوا العلم درجات . فتعين بذلك على ولاة الأمور ، من ~~الاجتهاد المأثور ، أن يتخيروا لهذا المنصب الشريف ، من الولاة : من هو ~~أجلهم علما . وأعدلهم حكما ، وأنفذهم في الحق سهما . PageV29P0286 # """""" صفحة رقم 287 """""" وأضواهم حسا ، وأشرفهم نفسا ، وأصلحهم يوما ~~وأمسا . وأطهرهم وأورعهم . وأجداهم للإسلام وأنفعهم . وكنا قد مثلنا كنانة ~~العلماء بمصرنا ، فعجمنا عيدانها . واختبرنا أعيانها . فوجدنا المجلس ~~العالي : القاضي الأجل ، الصدر الكبير ، الإمام العالم العامل الزاهد ~~العابد ، الكامل الأوحد ، المجتبي المؤيد الأعز الأسعد ، تاج الدين جلال ~~الإسلام ، ضياء الأنام ، بهاء الملة ، شمس الشريعة سيد الحكام ، قدوة ~~العلماء : يمين الملوك والسلاطين ، قاضي قضاة المسلمين ، خالصة أمير ~~المؤمنين : عبد الوهاب ، بن القاضي الفقيه ، الأجل الأعز ، أبي القاسم خلف ~~- أدام الله تأييده وبسطته ، وتمكينه ورفعته - قد زادت صفاته على هذه ~~الصفات ، وأوفت عليها أتم الموافاة . واختبرنا منه رجلا ، لو عرضت عليه ~~الدنيا لم يردها . ولو صور نفسه لم يزدها . ووقع على سيادته إجماع الحاضرين ~~والبادين ، والمسودين والسائدين . وشهدوا بها ، ونحن على ذلك من الشاهدين . ~~ففوضنا إليه ما فوضناه : من قضاء القضاة بمصر المحروسة ، والأقاليم القبلية ~~، وما معها . والأوقاف والمدارس وما جمعها - الجارية في نظر الحكم العزيز . ~~ثم تجدد لنا نظر يعم المسلمين شانه ، ومنظر يرمقهم بالمصالح إنسانه . ~~وعلمنا أن هذه الولاية بعض استحقاقه ، وأنها قليلة في جنب نصحه للمسلمين ~~وإشفاقه . وأن صدره الرحيب لا يضيق بأمثالها ذرعا ، ولا يعجز - بحمد الله - ~~أن يرعيها بصرا من إيالته وسمعا . إذ كان قد أحيي بها السنة السلفية ، ~~وأظهر أسرار العدل ms6881 الخفية . وزاد الحق بنظره وضوحا ، والمعروف دنوا والمنكر ~~نزوحا - رأينا أن نجمع إليه قضاء القضاة بالقاهرة المعزية والوجه البحري ، ~~وما كان يتولاه من قبله ، من أوقاف البلاد ومدارسها ، وربطها ومحارسها ، ~~ومنابت العلوم ومغارسها . وقد أكملنا له بذلك قضاء القضاة بجميع الديار ~~المصرية : أرجاء وأكنافا ، ومداين وأريافا ، وأوساطا وأطرافا . وجعلناه ~~الحاكم في أقضيتها ، والمتصرف في أعمالها ومدانيها . وأقاصي بلادها ~~وأدانيها . وأطلقنا يده في أحكامها ، وما يراه من تولية وعزل لحكامها . ~~والنظر فيما كان الحكام قبله يتولونه من الوقوف . وهو غنى أن يوصى بنهى عن ~~منكر أو أمر بمعروف . لما فيه من صفات الكمال ، وشريف الخلال . ولم نستوف ~~وصية في عهدنا إليه ولم نستقصها ، واستغنينا عن مبسوط الأقوال بملخصها - ~~تحققا أنه صاحب قياس الشريعة ونصها . PageV29P0287 # """""" صفحة رقم 288 """""" فليحكم بما فوضناه إليه ، وبسطنا فيه يديه : ~~من الجرح والتعديل ، والإقرار والتبديل . والله يوفقه فيما تولاه قائلا ~~وفاعلا ، ويرشده لمراضيه مسئولا وسائلا ، ويجعل الصلاح للكافة به شاملا . ~~ويقرن التقوى بلسانه وقلبه ، ويلبسه من السعادة ملبسا لا تتخطى الخطوب إلى ~~سلبه . ويجعله داعيا إلى الله على بصيرة من ربه . إن شاء الله عز وجل . كتب ~~لثمان بقين من شهر رمضان المعظم ، من سنة أربع وخمسين وستمائة . بالإشارة ~~العالية الصاحبية ، الوزيرية المولوية الشرفية ، ضاعف الله علاها . الحمد ~~لله رب العالمين . وصلى الله علي سيدنا محمد نبيه وآله ، وسلم . حسبنا الله ~~ونعم الوكيل . وكتب الوزير الصاحب شرف الدين الفائزي - على كل من هذين ~~التقليدين ، تحت خط السلطان في بيت العلامة ، ما مثاله : تمثيل الأمر ~~العالي - أعلاه الله وشرفه . وقد نقلت ذلك من التقليدين ، كما شاهدته . ولم ~~يتعرض الموقع فيهما إلى ذكر جامكية ولا جراية . والله أعلم . ولم تطل مدة ~~هذه الولاية . فإنه صرف في السنة التي تليها ، سنة خمس وخمسين - في ثالث ~~شهر ربيع الأول ، وقيل بعد ذلك بقليل ، والله أعلم . ذكر ما حدث بالمدينة ~~النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - من الزلزال والنار التي ظهرت ~~بظاهرها وفي سنة أربع وخمسين وستمائة ، وردت كتب من المدينة النبوية ms6882 - على ~~ساكنها أفضل الصلاة والسلام - بخبر هذه الحادثة . من جملتها ، كتاب القاضي ~~شمس الدين سنان ، بن عبد الوهاب بن نميلة الحسيني - قاضي المدينة - وإلى ~~بعض أصحابه بدمشق ، مضمونه : لما كانت ليلة الأربعاء . ثالث جمادى الآخرة - ~~حدث بالمدينة في الثلث الأخير من الليل ، زلزلة عظيمة ، أشفقنا منها ، ~~ودامت بقية تلك الليلة . تزلزل كل يوم وليلة قدر PageV29P0288 # """""" صفحة رقم 289 """""" عشر نوبات . والله ، لقد زلزلت مرة ، ونحن ~~حول حجرة النبي - ( صلى الله عليه وسلم ) - حتى اضطرب لها المنبر ، وسمعنا ~~منه صوت الحديد الذي فيه واضطربت قناديل الحرم الشريف ودامت الزلزلة إلى ~~يوم الجمعة ضحى ، ولها دوى مثل دوى الرعد القاصف ثم طلع ، يوم الجمعة ، في ~~طريق الحرة في رأس قريظة ، على طريق السوارقية بالمقاعد ، مسيرة من الصبح ~~إلى الظهر - نار عظيمة مثل المدينة العظيمة وما ظهرت لنا إلا ليلة السبت . ~~وأشفقنا منها وخفنا خوفا عظيما . وطلعت إلى الأمير وكلمته ، فقلت له : قد ~~أحاط بنا العذاب ، ارجع إلى الله تعالى . فأعتق ممالكه ، ورد جماعة أموالهم ~~. فلما فعل هذا ، قلت له : اهبط الساعة معنا إلى النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . فهبط ، وبنا ليلة السبت ، والناس جميعا والنسوان وأولادهم ، وما ~~بقي أحد ، لا في النخيل ولا في المدينة - إلا عند النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . وأشفقنا منها ، وظهر لها لسان - حتى رؤيت من مكة ، ومن الفلاة ~~جميعها . ثم سال منها نهر من نار ، وأخذ في وادي أحيلين ، وسد الطريف . ثم ~~طلع إلى بحرة الحاج ، وهو نهر نار يجري - وفوقه جمر تسير إلى أن قطعت ~~الوادي - وادى الشظاة . وما عاد يجيء في الوادي سيل قط ، لأنها حرة ، تجى ~~قامتين وثلاثا علوها . وتمت تسير ، إلى أن سدت بعض طرق الحاج ، وبعض البحرة ~~، بحرة الحاج . وجاء في الوادي إلينا منها قتير وخفنا أنه يجيئنا . واجتمع ~~الناس ، ودخلوا على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وباتوا عنده جميعهم ~~ليلة الجمعة . فطفىء قتيرها الذي يلينا ، بقدرة الله سبحانه . وهي إلى الآن ~~وما نقصت ، إلا ترى مثل الجمال حجارة من نار . لها ms6883 دوي ، ما يدعنا نرقد ولا ~~نأكل ولا نشرب . وما أقدر أصف لك عظمها ، وما فيها من الأهوال . وأبصرها ~~أهل التنعيم ، وندبوا قاضيهم ابن أسعد . وجاء وعدى إليها ، وما قدر يصفها ~~PageV29P0289 # """""" صفحة رقم 290 """""" من عظمها . قال : وكتبت الكتاب ، يوم خامس ~~رجب ، وهي على حالها ، والناس منها خائفون . والشمس والقمر ، من يوم طلعت ، ~~ما يطلعان إلا كاسفين . نسأل الله العافية . قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة ~~: بان عندنا بدمشق أثر الكسوف من ضعف نورها على الحيطان . وكنا حيارى من ~~ذلك ، لا ندري ما هو ؟ إلى أن اتضح ، وجاء هذا الخبر عن هذه النار . وجاء ~~كتاب آخر من بعض بنى القاشاني بالمدينة ، يذكر فيه خبر هذه الحادثة ، نحو ~~ما تقدم ، ويقول : ومن قبل ذلك بيومين ، سمع الناس صوتا مثل صوت الرعد - ~~ساعة بعد ساعة - وما في السماء غيم ، حتى يظن أنه منه . ثم زلزلت الأرض في ~~يوم الأربعاء المذكور آنفا ، فرجفت بنا رجفة لها صوت كدوي الرعد . ففزع ~~الناس إلى المسجد ، وضجوا بالاستغفار والصلاة . ودامت ترجف بالناس ، ساعة ~~بعد ساعة ، من ليلة الأربعاء إلى صبح يوم الجمعة . فارتجت الأرض رجة قوية ، ~~إلى أن اضطرب بنا المسجد ، وسمع لسقف المسجد صرير عظيم وسكتت الزلزلة بعد ~~صبح يوم الجمعة ، إلى قبل الظهر . ثم ظهرت نار من الحرة تتفجر من الأرض ، ~~فارتاع الناس لها روعة عظيمة . ثم ظهر لها دخان عظيم في السماء ، ينعقد ، ~~حتى بقي كالسحاب الأبيض ، يتصل إلى قبيل مغيب الشمس من يوم الجمعة . ثم ظهر ~~للنار ألسن تصعد إلى السماء حمر ، وعظمت حتى غطت حمرة النار السماء كلها . ~~وبقي الناس في مثل ضوء القمر . وأيقن الناس بالهلاك والعذاب . وذكر من توبة ~~الناس ، وفعل الأمير بالمدينة وعتقه مماليكه ، ووضعه المكوس ، نحو ما تقدم ~~. قال : وبقيت النار تلتهب التهابا ، وهي كالجبل العظيم ، ولها حس كالرعد . ~~فدامت كذلك . فدامت كذلك أياما . ثم سالت في وادي أحيلين ، فتحدرت في ~~الوادي إلى الشظاة ، حتى لحق سيلانها بالبحرة بحرة الحاج ، بحرة الحاج ، ~~والحجارة معها تتحدر وتسير ، حتى كادت ms6884 تقارب حرة العريض . ثم سكنت ووقفت ~~أياما . ثم عاد يخرج من النار حجارة أمامها وخلفها ، حتى بنت جبلين أمامها ~~وخلفها ، وما بقي يخرج منها من بين الجبلين لسان لها أياما . ثم انها عظمت ~~الآن ، وسناها إلى الآن ، وهي تتقد كأعظم ما يكون . ولها صوت عظيم من آخر ~~الليل إلى صحوة في كل يوم . ولها عجائب ما أقدر أصفها ، ولا أشرحها لك على ~~الكمال . وإنما هذا منها طرف . قال : وكتبت هذا الكتاب ، ولها شهر وهي في ~~مكانها ، ما تتقدم ولا تتأخر . وقال بعض أهل المدينة في ذلك شعرا ، وهو : ~~يا كاشف الضر : صفحا عن جرائمنا . . . لقد أحاطت بنا يا رب بأساء ~~PageV29P0290 # """""" صفحة رقم 291 """""" نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها . . . حملا ، ~~ونحن بها ، حقا أحقاء زلازلا تخشع الصم الصلاب لها . . . وكيف يقوى على ~~الزلزال شماء أقام سبعا يرج الأرض ، فانصدعت . . . عن منظر ، منه عين الشمس ~~عشواء بحر من النار ، تجري فوقه سفن . . . من الهضاب ، لها في الأرض إرساء ~~كأنما فوقه الأجبال ، طافية . . . موج علاه لفرط الهيج غثاء يرى لها شرر ~~كالقصر طائشة . . . كأنها ديمة تنصب هطلاء تنشق منها قلوب الصخر ، إن زفرت ~~. . . رعبا ، ويرعد مثل السعف رضواء منها تكاثف في الجو الدخان إلى . . . ~~أن عادت الشمس منه وهي دهماء قد أثرت سفعة في البدر لفحتها . . . قليلة ~~التم بعد النور ليلاء تحدث النيرات السبع ألسنها . . . بما يلاقي بها تحت ~~الثرى الماء وقد أحاط لظاها بالبروج ، إلى . . . أن كاد يلحقها بالأرض ~~إهواء فيالها آية من معجزات رسول . . . الله يعقلها القوم الألباء فباسمك ~~الأعظم المكنون إن عظمت . . . منا الذنوب ، وساء القلب أسواء فاسمح وهب ~~وتفضل وامح واعف وجد . . . واصفح ، فكل لفرط الجهل خطاء فقوم يونس لما ~~آمنوا أمنوا . . . كشف العذاب ، وعم القوم نعماء ؟ ونحن أمة هذا المصطفى ، ~~ولنا . . . منه إلى عفوك المرجو دعاء هذا الرسول الذي لولاه ما سلكت . . . ~~محجة في سبيل الله بيضاء فارحم وصل على المختار ، ما خطبت . . . على علا ~~منبر الأوراق ورقاء PageV29P0291 # """""" صفحة رقم 292 """""" ذكر خبر احتراق مسجد المدينة النبوية ms6885 على ~~ساكنها أفضل الصلاة والسلام وفي هذه السنة - في ليلة الجمعة أول شهر رمضان ~~- احترق مسجد المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام . ابتدأ ~~حريقه من زاويته الغربية ، من الشمال . وكان سبب ذلك أن أحد القومة دخل إلى ~~الخزانة ، ومعه نار ، فعلقت في آلات ثم ، واتصلت بالسقف بسرعة ، ثم دبت في ~~السقوف ، فأعجلت الناس عن قطعها . فما كان إلا ساعة ، حتى احترقت سقوف ~~المسجد أجمع ، ووقعت بعض أساطينه وذاب رصاصها - وذلك قبل أن نام الناس . ~~واحترق سقف الحجرة الشريفة . قلت : وفي وقوع هذه النار معجزة لنبينا - ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، فإن الخلفاء والملوك بعده - ( صلى الله عليه وسلم ) ~~- زادوا في عمارة المسجد بأنواع من العمارة ، وتفننوا في النقوش والإتقان ، ~~وهو - ( صلى الله عليه وسلم ) - كره ذلك ، وقال - في مرضه الذي انتقل فيه ~~إلى جوار ربه : لعن الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . ~~وقالت عائشة - رضي الله عنها - ولولا ذلك لأبرز قبره - ( صلى الله عليه ~~وسلم ) . فجاءت هذه النار ، فأكلت ما كرهه ( صلى الله عليه وسلم ) . ~~واستهلت سنة خمس وخمسين وستمائة ذكر مقتل السلطان الملك المعز وشيء من ~~أخباره ، ومقتل شجر الدر الصالحية كان مقتله - رحمه الله تعالى - في يوم ~~الثلاثاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول ، سنة خمس وخمسين وستمائة . ~~وسبب ذلك أن شجر الدر - سرية الملك الصالح زوجته - اتصل بها أنه سير يخطب ~~ابنة صاحب الموصل . فتنكرت لذلك . وكان هو أيضا قد تغير عليها ، بسبب ~~امتنانها عليه ، وأنها هي التي ملكته الديار المصرية ، وسلمت إليه الخزائن ~~. وعزم المعز على قتلها ، فلم يخفها ذلك . فبادرت بالتدبير عليه ، واتفقت ~~هي ومحسن الجوجري الخادم ، ونصر العزيزي ، على قتله . فلما كان في هذا ~~التاريخ ، طلع الملك المعز من الميدان إلى قلعة الجبل عقيب اللعب بالكرة - ~~فأمر بإصلاح الحمام ، وعبر إليها . فدخل عليه محسن الجوجري ، وغلام له شديد ~~القوة ، فقتلوه في الحمام PageV29P0292 # """""" صفحة رقم 293 """""" وشاع الخبر بقتله ، في بكرة نهار الأربعاء ، ~~فسمر محسن الجوجري الخادم وغلامه على باب قلعة الجبل . وأما نصر ms6886 العزيزي ~~فإنه هرب إلى الشام . وأحضرت شجر الدر إلى أم نور الدين بن الملك المعز ، ~~فمازالت تضربها - وهي وجواريها وخدمها - إلى أن ماتت . وألقيت من أعلى ~~السور إلى الخندق . وبقيت أياما عريانة ملقاة في الخندق . ثم حملت ودفنت في ~~تربتها المجاورة لمشهد السيدة نفيسة . وكانت شجر الدر هذه سرية الملك ~~الصالح نجم الدين أيوب ، وهي والدة خليل ابنه . وكانت قد ملكت الديار ~~المصرية ، وخطب لها وخرجت تواقيعها ومناشيرها ، بالأرزاق والمباشرات ~~والإقطاعات - وقد تقدم ذكر شيء منها . ولما ملك السلطان الملك المعز ~~وتزوجها ، ما زالت تخاطب بالسلطنة ، وتخرج تواقيعها بالإطلاقات وإبطال ~~الحوادث وكف المظالم ، فتنفذ كنفوذ التواقيع السلطانية . وقد شاهدت منها ~~توقيعا على ظهر قصة ، مترجمها على بن هاشم ، مضمونها : يقبل الأرض بالمقام ~~العالي السلطاني الخاتوني ، عصمة الدين ، بسط الله ظلها في مشارق الأرض ~~ومغاربها - وينهى أن له خدمة على مولانا الشهيد - قدس الله روحه - وله مليك ~~اقتناه في أيامه ، ولم يسقع عليه قط . وفي هذه الأيام التمسوه ، وسأل ~~إجراءه على عادته ، من غير حادث . وخرج التوقيع في ظهرها ، ومثال العلامة ~~عليه : والدة خليل الصالحية : المرسوم ، بالأوامر العالية المولوية ~~السلطانية - زادها الله شرفا وعلوا - أن يجرى الأمير الأجل الأخص الأمجد ~~الأعز : نور الدين مترجمها - أدام الله توفيقه - على عادته . ولا يطلب بسبب ~~تصقيع ولا غيره ، وليعف من ذلك - رعاية لحق خدمته على الدولة الشريفة ، ~~ولقدم هجرته وانقطاعه إلى الله تعالى . فليعتمد ذلك بعد الخط الشريف أعلاه ~~وثبوته - إن شاء الله تعالى . كتب في ثاني عشرين جمادي الآخرة ، سنة ثلاث ~~وخمسين وستمائة - برسالة الطواشي شرف الدين مختص الجمدار - أيده الله تعالى ~~. وكتب عليه بالامتثال . ونفذ حكمه وعمل بمقتضاه . وإنما شرحنا هذا التوقيع ~~، ليعلم أن تواقيعها كانت جارية بلفظ السلطنة ، في الدولة المعزية . وكانت ~~مدة سلطنة الملك المعز ست سنين وأحد عشر شهرا ، إلا أربعة أيام . وكان ملكا ~~حازما شجاعا ، سئوسا حسن التدبير - إلا أنه كان سفاكا للدماء . قتل جماعة ~~PageV29P0293 # """""" صفحة رقم 294 """""" من خوشداشيته بغير ذنب ، ليقيم ناموس ملكه . ~~ووزر له الصاحب ms6887 الأسعد : شرف الدين هبة الله بن صاعد الفائزي . وتمكن منه ~~تمكنا عظيما . وقدمه على العساكر وصرفه في الأموال . وكان الوزير المذكور ~~من قبط مصر . خدم الملك الفائز أخا الملك الكامل كاتبا ، ثم تقدم وترقى ~~وتنقل في المراتب ، إلى أن وزر . وتحول في الدولة وابتاع المماليك لنفسه . ~~وتعالى في أثمانهم ، فكان يبتاع المملوك بألف دينار عينا . واجتمع له نحو ~~من سبعين مملوكا ، يركبون في خدمته وينزلون . وكان يقول في وزارته : كنت ~~كاتب المصايد بقنطرة سيوط ، بدرهم وثلث في كل يوم ، ثم ترقيت إلى هذه ~~الغاية . وكان ظالم النفس ، أحدث في وزارته حوادث كثيرة ومكوسا . واستناب ~~القاضي زين الدين بن الزبير ، لفضيلته وكفايته ومعرفته باللغة التركية . ~~وكان يحفظ له نظام المجلس . ولما قتل الملك المعز ملك بعده ولده الملك ~~المنصور . ذكر أخبار السلطان الملك المنصور نور الدين على بن السلطان الملك ~~المعز وهو الثاني من ملوك دولة الترك بالديار المصرية ملك الديار المصرية ~~بعد مقتل أبيه - رحمه الله تعالى - في يوم الخميس السادس والعشرين من شهر ~~ربيع الأول ، سنة خمس وخمسين وستمائة . وذلك باتفاق من الأمراء المعزية - ~~مماليك والده - فحلفوا له ، واستحلفوا جميع العساكر . وجعلوا الأمير فارس ~~الدين أقطاي ، المستعرب الصالحي - خوشداش والده - أتابكه ، بحكم صغر سن ~~الملك المنصور . ثم استقرت الأتابكية - بعد ذلك - للأمير سيف الدين قطز ، ~~المعزى - مملوك والده . ووزر له الصاحب شرف الدين الفائزي ، أياما قلائل ، ~~ثم قتل . وذلك أن الأمير سيف الدين قطز عزله عن الوزارة ، وأمر بالحوطة على ~~أمواله وأسبابه وذخائره . وكان PageV29P0294 # """""" صفحة رقم 295 """""" مثريا ، وله ودائع كثيرة ، فتتبعت واستخرجت ~~ممن كانت تحت يده . واعتقل ، فسأل أن يعطى مالا ، فداء عن نفسه . حكى عن ~~الصاحب بهاء الدين السنجاري أنه قال : دخلت عليه في محبسه ، فسألني أن ~~أتحدث في إطلاقه - على أن يحمل في كل يوم ألف دينار . قال : فقلت له : كيف ~~تقدر على هذا ؟ فقال : أقدر عليه إلى تمام سنة . وإلى انقضاء سنة يفرج الله ~~ولما بذل هذا المال ، امتنعت والدة الملك المنصور من ذلك ، ولم ms6888 ترض إلا ~~بقتله . لأنها كانت مجفوة من السلطان الملك المعز ، وكان قد اتخذ سرارى ~~وجعلهن عند الوزير شرف الدين ، فنقمت ذلك عليه ، وأمرت بقتله . فقتل صبرا . ~~ذكر أخبار الوزراء ، ومن ولي وزارة الملك المنصور إلى أن استقر في الوزارة ~~قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز لما صرف الصاحب شرف الدين الفائزي ، ~~فوضت الوزارة بعده للفقيه : نور الدين علي بن رضوان القرافي مؤدب الملك ~~المنصور هذا ، وخلع عليه خلع الوزراء . فامتنع أن يخط بقلمه ، أو يكتب على ~~توقيع أو منشور ، واستمر كذلك عشرين يوما ، واستعفى . فأرسل إليه قاضي ~~القضاة بدر الدين السنجاري ، يلتمس منه أن يتحدث له في الوزارة ، ويعده عنه ~~، فيما قيل - للأتابك : أنا لا أصلح لهذا المنصب ، ولا أنفع ولا أنتفع به : ~~وأشار بالقاضي بدر الدين . فعند ذلك فوض للفقيه نور الدين هذا نظر الأحباس ~~والأوقاف ، والشافعي والخانقاه والترب ، وغير ذلك من الأوقاف وفوضت الوزارة ~~لقاضي القضاة : بدر الدين السنجاري ، فوليها ثلاثة أشهر وأياما ، ثم عزل . ~~وفوضت الوزارة بعده لقاضي القضاة : تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز - ~~وكان قد صرف عن القضاء قبل ذلك ، وأعيد قاضي القضاء بدر الدين . وكانت ~~وزارته في العاشر من شهر رمضان ، سنة خمس وخمسين وستمائة . ونسخة التقليد - ~~على ما نقلته عنه - ومثال العلامة السلطانية بعد البسملة : الحمد لله وبه ~~توفيقي . الحمد لله الذي أوضع بعد الغى سبيل الرشد . وتدارك من المجد ما ~~أخلق من أبراده الجدد . وثقف قناة الملك حتى لا يرى فيها عوج ولا ~~PageV29P0295 # """""" صفحة رقم 296 """""" أود . واستغنى في تدبير سلطانه العظيم عن ~~وزير به يعتضد . أحمده على نعم سهلت صعبا . وسقت على ظمأ باردا عذبا . ورجع ~~بها ما ضاق من الأمور واسعا رحبا . والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الذي ~~أضحى به معهد الإيمان معهودا . ونظام المكرمات منضودا . وعلى آله وأصحابه ، ~~الذين كان سعيهم في الإسلام محمودا ، وأنوار مناقبهم متوقدة لا تعرف خمودا ~~. وبعد ، فلما كان المجلس السامي ، الصاحب الأجل ، الصدر الكبير ، الإمام ~~العالم ، الوزير الكامل ، المجتبى المختار ، تاج الدين ms6889 ، بهاء الإسلام ، ~~مجد الأنام ، شرف الوزراء زين الفضلاء ، رئيس الأصحاب ، صفوة الملوك ~~والسلاطين ، مفتى الفرق ، خالصة أمير المؤمنين : عبد الوهاب ابن القاضي ~~الأعز خلف - أدام الله سعادته ، وقرن بالتأييد بدأه وإعادته - ممن سلكت به ~~التجربة حزنا وسهلا ، وراض جامح الأمور ناشئا وكهلا ، وتمت كلمات تفضيله ~~بفضائله صدقا وعدلا ، وجددت له مساعيه الحميدة ملابس ثناء لا تبلى . وأجلى ~~من أبكار معانيه بدورا لا تعرف أفولا ولا كسوفا ، واستل من آرائه شعلا ، ~~فلو طبعت لكانت سيوفا . واتسق نظام بلاغته ، فكأنه نظام فريد . واستعيدت ~~ألفاظه فما أخلقها العود على المستعيد . وحلى بدرر مساعيه جيدا من الملك ~~عاطلا ، وعاد ربع المكارم بمناقبه عامرا آهلا . رسم بالأمر العالي المولوي ~~السلطاني ، الملكي المنصوري النوري - شرفه الله وأعلاه ، وأنفذه وأمضاه - ~~أن يفوض إليه أمر الوزارة ، لما علم فيه من السودد الذي اقتاد به صعب ~~المكارم والمفاخر ، التي حاز منها ما لم يحزه الأوائل ، وإن جاء في الزمن ~~الآخر . والفضائل التي فاز منها بقصب السبق ، والأحكام التي تحلى فيها بدر ~~الأناة والرفق . والسياسة التي سلك بها نهج السبيل إلى الحق . والمعالي ~~التي أبدى في كسبها ما أبداه ، من ثغره الضاحك ووجهه الطلق . والنزاهة التي ~~أهلته لأشرف المناصب ، وقضت له بسلامة العواقب ، والصنايع التي غذت معارفه ~~عند مناكرة النوائب ، والمكارم التي لحت في العلو ، فكأنها تحاول أخذ ثأر ~~من الكواكب . ولقد أمعنا النظر في إرتياده . وانتقدناه من بين الناس ، فلم ~~نأل جهدا في انتقاده . وخطب لهذه الرتبة الرفيعة لما أوراه في المكرمات من ~~زناده . وأهل لهذا المنصب الشريف الذي يدع الآباء والأبناء من حساده . ~~فليتول ما وليناه من أمر الوزارة ، فهو لها من الأكفاء . وما اصطفيناه إلا ~~هو جدير PageV29P0296 # """""" صفحة رقم 297 """""" بهذا الاصطفاء . ولمثل هذه الرتبة يتخير ~~الأكارم من الرجال . وإذا تناسبت الأشياء ، ظهر عليها نضرة وجمال . فليرهف ~~لتدبيره عزمه الماضي الضرائب . وليستر بمحاسن سعيه ما يبدو له من المعايب . ~~وليهتم بأمر الأموال ، فإن الأغراض منها مستفادة . وليول من الأمناء من ~~يستحق منا الحسنى وزيادة . ولينعم النظر في ms6890 عمارة البلاد . واستعمال العدل ~~الذي به تدر أرزاق العباد . وبنوره يهدي إلى سبيل المراشد كل هاد . وعنده ~~يوجد تصديق ظنون الرواد والوراد . وليكن لأحوال ولاة الأمور متفقدا ، ~~وللنظر في أحوالهم مجددا . وليضرب عليهم بالأرصاد مغيبا ومشهدا . وليصفح عن ~~من لم يكن منهم للزلة متعمدا . فما نؤثر إلا أن يكون الإحسان للناس شاملا ، ~~والبر إليهم متواصلا . وما تحسن السير إلا إذا تحلت بالمناقب والمفاخر . ~~وتضمنت محاسنها بطون الأوراق وصدور الدفاتر . وليتناول من الجامكية ~~والجراية ، لاستقبال المباشرة في الشهر ، من العين مائة دينار من الجوالي ~~بالصرف الحاضر . ومن الغلات ، من الأهراء المباركة بمصر المحروسة ، خمسين ~~إردبا قمحا وشعيرا - ثلثين وثلث . ومن الراتب - الشاهد به الديوان المعمور ~~لمن تقدمه - النصف . وعين جهات الراتب ، فقال : الخبز من المخابز ، واللحم ~~مع التوابل والخضر المثمنة ، وما هو مقرر على دار الوكالة مشاهرة ، من ~~عرصتي الفاكهة بالقاهرة ومصر والرباع ، وغير ذلك . والعليق المقرر على ~~الاسطبلات من الأهراء أيضا . وإن تعذر حصول الغلة المقدم ذكرها ، والعليق ~~المذكور ، يثمن بالسعر الحاضر ، وتكون جهته من جهة الجامكية . فليستعن بهذا ~~المقرر على كلف أوقاته . وليصرفه في وجوه نفقاته ، بعد العلامة الشريفة ~~أعلاه ، وثبوته بحيث يثبت مثله ، إن شاء الله تعالى . PageV29P0297 # """""" صفحة رقم 298 """""" وكتب في العاشر من شهر رمضان المبارك ، سنة ~~خمس وخمسين وستمائة ، بالإشارة العالية المولوية الأتابكية الفارسية - أدام ~~الله علوها . الحمد لله وحده . وصلواته على سيدنا محمد نبيه ، وآله ، ~~وسلامه . وكتب هذا التقليد في ورق بغدادي في قطع الربع . وعادة تقاليد ~~الوزراء - في وقتنا هذا - تعظم أربابها في النعوت والكتابة ، أكثر من هذا . ~~وفي هذه السنة - وقيل في السنة الآتية - كانت الوقعة بين العساكر المصرية ~~والملك المغيث والبحرية ، وانتصر العسكر المصري ، وانهزم الملك المغيث ~~والبحرية . وقد تقدم ذكر ذلك في أخبار البحرية ، فلا فائدة في إعادته . ~~واستهلت سنة ست وخمسين وستمائة : في هذه السنة ، كانت وفاة بهاء الدين أبو ~~الفضل زهير ، بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسن ، بن جعفر بن منصور بن عاصم ~~المهلبي الكاتب . كان من ms6891 فضلاء عصره . وكان قد خدم الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب ، لما كان ينوب عن والده الملك الكامل . وتوجه في خدمته إلى الشرق ، ~~ولازمه إلى أن قبض على الملك الصالح واعتقل بالكرك . فأقام بنابلس محافظة ~~لمخدومه ، إلى أن خلص ، فعاد إلى خدمته . وحضر في صحبته إلى الديار المصرية ~~، وتمكن منه واطلع على سره . وكانت وفاته قبيل المغرب من يوم الأحد ، رابع ~~عشر ذي القعدة . ودفن من الغد ، بعد صلاة الظهر ، بتربته بالقرافة الصغرى ، ~~بالقرب من تربة الإمام الشافعي . ومولده بمكة - شرفها الله تعالى - في يوم ~~الأربعاء ، خامس ذي الحجة ، سنة إحدى وثمانين وخمسمائة . وفيها ، توفي ~~الإمام الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم ، بن عبد القوي بن عبد الله ~~بن سلام ، بن سعد بن سعيد المنذري . وكانت وفاته بالقاهرة ، في يوم السبت ، ~~أول الساعة العاشرة ، ثالث أو رابع ذي القعدة ، سنة وخمسين وستمائة . وصلى ~~عليه في يوم الأحد - بعد الظهر - بالمدرسة PageV29P0298 # """""" صفحة رقم 299 """""" الكاملية بالقاهرة المعزية . ثم صلى عليه تحت ~~القلعة . وصلى عليه عند قبره قبل العصر . ودفن بسفح المقطم . وكان مولده ~~بفسطاط مصر ، في غرة شعبان ، سنة إحدى وثمانين وخمسمائة . وانتهت إليه ~~رياسة الحديث في زمانه - رحمه الله تعالى . وفيها ، توفي الشيخ الفقيه ~~الإمام : أبو إسحاق إبراهيم ، بن يحيى بن أبي المجد ، الأسيوطي الشافعي . ~~وكانت وفاته بالقاهرة المعزية ، في عشية اليوم السابع من ذي القعدة ، من ~~هذه السنة ، ودفن بسفح المقطم . ومولده في سنة سبعين وخمسمائة - تقريبا . ~~وكان أحد المشايخ المشهورين بمعرفة مذهب الشافعي . وكان كثير الإيثار مع ~~الإقتار ، والإفضال مع الإقلال ، كريم الأخلاق . رحمه الله تعالى . واستهلت ~~سنة سبع وخمسين وستمائة : في هذه السنة - ثاني عشر جمادى الآخرة - جبى ~~التسقيع بالقاهرة . وفيها ، في شعبان - أمسك شخص يعرف بالكوراني ، فضرب ~~ضربا شديدا ، وحبس على بدع رؤيت منه وسمعت عنه . ثم جدد إسلامه وتاب ، على ~~يد شيخ الإسلام : عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام ، وأطلق من الحبس . ~~وكان مقامه بالجبل الأحمر . ذكر القبض على الملك المنصور ، وعلى أخيه قاآن ms6892 ~~، واعتقالهما كان القبض على السلطان الملك المنصور ، بن السلطان الملك ~~المعز ، في يوم الجمعة - السابع والعشرين من ذي القعدة - سنة سبع وخمسين ~~وستمائة . وسبب ذلك أنه تشاغل باللهو واللعب ، والمسابقة بالحمير الفره ، ~~بين يديه ، وأمثال ذلك . وكانت أمه تدبر المملكة تدبير النساء . فأطمعت ~~الأمير سيف الدين قطز المعزى نفسه بالملك . واتفق خروج خوشداشيته إلى الصيد ~~، فانتهز الفرصة ، وقبض على الملك المنصور ، وعلى أخيه قاآن ، وعلى والدته ~~. واعتقلهما في برج السلسلة بثغر دمياط ، ثم سفر إلى القسطنطينية في الأيام ~~الظاهرية الركنية . فكانت مدة سلطنته سنتين ، وثمانية أشهر ، ويومين . ~~PageV29P0299 # """""" صفحة رقم 300 """""" ذكر أخبار السلطان الملك المظفر سيف الدين ~~قطز المعزى وهو الثالث من ملوك دولة الترك بالديار المصرية ملك الديار ~~المصرية في يوم السبت ، لليلتين بقيتا من ذي القعدة ، سنة سبع وخمسين ~~وستمائة - بعد أن قبض على الملك المنصور ، بن مولاه الملك المعز . قال : ~~ولما ملك ، حضر خوشداشيته من الصيد ، وتنكروا له ، وامتعضوا من ملكه . فقبض ~~عليهم واعتقلهم ، وأعجلهم عن التدبير . وهم : الأمير علم الدين سنجر الغتمي ~~، والأمير شرف الدين قيزان المعزى ، وعز الدين أيبك النجيبي الصغير ، وشمس ~~الدين قرا سنقر المعزى . واعتقل أيضا شمس الدين الدود : خال الملك المنصور ~~بن المعز ، والطواشي حسام الدين بلال المغيثي اللالا . واستحلف الأمراء ~~والعساكر ، وأظهر الحزم . واستوزر الصاحب زين الدين بن الزبير . وعزل ~~الأمير حسام الدين بن باذ عن وظيفة شاد الدواوين . وولي الأمير نور الدين ~~بن السديد . واستمر بالأمير فارس الدين أقطاي المستعرب على الأتابكة ، وفوض ~~إليه أمر العساكر . واحتفل بأمر الجند ، واستعد للجهاد . وأرسل إلى الملك ~~الناصر صاحب الشام ، وطلب منه الاتفاق واجتماع الكلمة . والمظافرة على ~~العدو ، وأن يكونا يدا واحدة على حرب التتار . فحلف له على ذلك . ثم كان من ~~أمر الملك الناصر ، واضطراب أمره ، وزوال ملكه ، واستيلاء التتار على حلب ~~ودمشق وغيرها - ما قدمناه . وملك التتار الشام بأسره . وجرد هولاكو كتبغا ~~نوين في جيش كثيف ، اختاره PageV29P0300 # """""" صفحة رقم 301 """""" من المغل ، وبعثه إلى الشام . وكان من أمره ، ~~وأمر جيوش الشام ms6893 ، وتحللهم بلاد الشام ، ووصولهم إلى نابلس ، وقتل من قدمنا ~~ذكره بها - ما شرحنا ذلك في أخبار الملك الناصر . فلا فائدة في إعادته . ~~وفي سنة سبع وخمسين وستمائة . توفي الأمير منيف بن شيحة ، صاحب المدينة ~~النبوية . وقام بعده بالمدينة أخوه : جماز بن شيحه . وفيها ، توفي الشيخ ~~الفاضل الصدر الكبير فتح الدين أبو العباس : أحمد بن الشيخ جمال الدين أبي ~~عمرو عثمان ، بن أبي الحوافر - رئيس الأطباء بالديار المصرية . وكانت وفاته ~~في ليلة الخميس ، رابع عشر رمضان ، ودفن بالقرافة . وولي رياسة الأطباء ~~بعده ابن أخيه : الصدر شهاب الدين أحمد ، بن محيي الدين رشيد بن جمال الدين ~~عثمان ، بن أبي الحوافر . واستهلت سنة ثمان وخمسين وستمائة ذكر وصول ~~البحرية والشهرزورية إلى خدمة السلطان الملك المظفر في هذه السنة ، فارق ~~الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري - ومن معه من الأمراء البحرية - السلطان ~~الملك الناصر صاحب الشام ، لما رأوه من ضعف رأيه ، وتخاذله عن ملاقاة عدوه ~~. وتوجهوا إلى غزة . واجتمعوا هم والأمراء الشهرزورية . وأرسل الأمير ركن ~~الدين بيبرس - المذكور - الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري إلى السلطان ~~الملك المظفر ، يستأذنه في الحضور إلى خدمته - هو ومن معه - ويلتمس إيمانه ~~لهم . فأجاب الملك المظفر إلى ما طلب . فتوجه من غزة بمن معه . وكان وصولهم ~~إلى القاهرة في يوم السبت ، الثاني والشعرين من شهر ربيع الأول . فركب ~~الملك المظفر للقائهم ، وأنزل الأمير ركن الدين بدار الوزارة . وأقطعة قصبة ~~قليوب ، لخاصه . فأشار الأمير ركن الدين عليه بحرب التتار . وقوي عزائمه ~~على ذلك . PageV29P0301 # """""" صفحة رقم 302 """""" ذكر خبر المصاف الكائن بين السلطان الملك ~~المظفر ومن معه من الجيوش الإسلامية ، وبين جيش التتار على عين جالوت . ~~وانهزام التتار وقتل مقدمهم كتبغا نوين ، وما يتصل بذلك من الأخبار لما ملك ~~التتار الممالك الشامية ، وزالت دولة الملك الناصر صلاح الدين يوسف من ~~الشام - كما قدمنا ذكر ذلك - راسل كتبغا نوين ، مقدم جيش التتار ، السلطان ~~الملك المظفر ، وأرسل إليه ، يطالبه ببذل الطاعة ، وتعبئة الضيافة . فقتل ~~الملك المظفر رسله ، إلا صبيا واحدا ، فإنه استبقاه ، وضمه إلى ms6894 جملة ~~مماليكه . واستعد للجهاد ، وخرج بعساكر الديار المصرية ، ومن انضم إليه من ~~جيوش الشام - الذين فارقوا الملك الناصر - ومن حضر إليه من الأمراء البحرية ~~، والأمراء الشهرزورية ، وغيرهم . وراسل الملك الأشرف مظفر الدين موسى ، ~~صاحب حمص - وكان قد عاد من جهة هولاكو من حلب - وفوض إليه نيابة السلطنة ~~بالشام أجمع ، وحلب ، وغير ذلك ، والملك السعيد بن الملك العزيز عثمان بن ~~الملك العادل - وكان قد أخذ من هولاكو فرمانا بالصبيبة وبانياس . وسألهما ~~المظافرة والمعاونة على حرب العدو ، وأن تكون الكلمة واحدة . فتوجه رسوله ، ~~واجتمع بالملك السعيد . فسبه وسب من أرسله ، وقال : من هو الذي يوافق هذا ~~الصبي ، أو يدخل في طاعته أو ينضم إليه ؟ ونحو هذا من الكلام . ففارقه ~~وتوجه إلى الملك الأشرف . فخلا الملك الأشرف بالرسول ، وقبل الأرض بين يديه ~~تعظيما لمرسله . وأجلسه مكانه على مرتبته وجلس بين يديه ، وسمع رسالته . ~~وقال له : قبل الأرض بين يدي مولانا السلطان الملك المظفر ، وأبلغه عني ~~أنني في طاعته وموافقته ، وامتثال أمره . والحمد لله الذي أقامه لنصرة هذا ~~الدين . ووعد أنه ، إن حضر المصاف مع التتار ، انهزم بهم ، إلى غير ذلك . ~~وأعطى الرسول ذهبا جيدا ، واعتذر إليه . فعاد الرسول ، وأبلغ الملك المظفر ~~عن كل من الملكين ما قال له . فعامل كلا منهما ، عند ظفره ، بما نذكره . ~~PageV29P0302 # """""" صفحة رقم 303 """""" قال : وجمع السلطان الملك المظفر الأمراء ~~بالصالحية ، واستشارهم : أين يكون لقاء العدو ؟ فأشاروا أن يكون بالصالحية ~~. وصمموا على ذلك . فوافقهم على رأيهم ظاهرا . وركب في صبيحة ليلة المشورة ~~من منزلة الصالحية . وحرك الكوسات ودخل الرمل . فانجرت العساكر خلفه ، ولم ~~يتخلف منهم أحد عنه . وسار بعساكره وجموعه ، حتى انتهى إلى عين جالوت - من ~~أرض كنعان ، بالقرب من بيسان ، مدينة غور الشام . وأقبل كتبغا نوين بجيوش ~~التتار ، ومن انضم إليه . والتقوا واقتتلوا - وذلك في يوم الجمعة ، الخامس ~~والعشرين من شهر رمضان ، سنة ثمان وخمسين وستمائة . وثبت الملك المظفر أحسن ~~ثبات . حكى بعض من حضر هذه الواقعة قال : كنت خلف السلطان الملك المظفر ، ~~لما التحم القتال ووقعت الصدمة ms6895 الأولى ، فاضطر جناح عسكر السلطان ، وتتعتع ~~طرف منه . فلما رأى الملك المظفر ذلك ، رمى خوذته عن رأسه ، وصاح : وا ~~إسلاماه وحمل ، فأعطاه الله تعالى النصر . وكانت الدائرة على التتار ، ~~وأخذهم السيف والإسار . وقتل كتبغا نوين ، فيمن قتل . وانهزم من سلم من ~~التتار ، لا يلوون على شيء . وكان الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري ممن ~~شهد هذه الوقعة ، وأبلى يومئذ بلاء حسنا . وكان ممن أسر من التتار ، في هذه ~~الوقعة : كتبغا المنصوري - وهو يومئذ شاب - وهو الذي ملك الديار المصرية - ~~بعد ذلك - في سنة أربع وتسعين وستمائة ، ولقب بالعادل . ووقع في ذلك حكاية ~~غريبة ، نذكرها - ان شاء الله تعالى - عند ذكرنا لسلطنة الملك العادل كتبغا ~~. قال : ولما تمت الهزيمة على التتار ، جاء الملك السعيد - بن الملك العزيز ~~- إلى السلطان الملك المظفر ، مستأمنا . وكان شهد الوقعة مع التتار . فترجل ~~عن فرسه ، وتقدم إلى السلطان ليقبل يده . فضربه برجله على فمه ، فأدماه . ~~وجاء أحد سلاح دارية PageV29P0303 # """""" صفحة رقم 304 """""" السلطان ، فضرب عنقه وفعل ذلك به ، مؤاخذة له ~~على جوابه ، الذي ذكره لرسول السلطان . ذكر مسير السلطان الملك المظفر إلى ~~دمشق ووصوله إليها ، وملكه الممالك الشامية ، وما قرره من ترتيب الملوك ~~والنواب ، وغير ذلك مما اتفق بدمشق قال المؤرخ : ولما تم النصر ، تقدم ~~السلطان الملك المظفر ، طالبا جهة دمشق . واتصل الخبر بالزين الحافظي ونواب ~~التتار بدمشق ، ومن كان قد وصل - صحبة الملك العزيز فخر الدين عثمان بن ~~الملك المغيث ، صاحب الكرك - من جهة هولاكو من توريز ، ليكون شحنة بالكرك ، ~~وكانوا بدمشق . فخرجوا هاربين إلى هولاكو . وكان النصارى بدمشق ، في أيام ~~التتار ، قد استطالوا على المسلمين ، ومدوا أيديهم ، وبسطوا ألسنتهم فيهم . ~~فلما اتصل خبر النصر بالمسلمين ، ثار جماعة من العوام ، وحرقوا كنيسة مريم ~~، وخربوا بعضها . فأقاموا كذلك من يوم الجمعة إلى يوم الثلاثاء . إلى أن ~~وصل الأمير جمال الدين أقش المحمدي ، بكتاب السلطان الملك المظفر ، ودخل ~~دمشق . ونزل دار السعادة ، وسكن الناس وطمنهم . ثم وصل السلطان في يوم ~~الأربعاء ، سلخ شهر رمضان . ونزل على الجسورة ، وخيم ms6896 بها . وعيد عيد الفطر ~~، ثم دخل إلى دمشق ، في ثاني شوال ، وملك البلاد . ورتب النواب في المماليك ~~الشامية : ففوض نيابة دمشق إلى الأمير - علم الدين سنجر الحلبي - الصالحي . ~~وجعل معه الأمير فخر الدين : أبا الهيجا بن خشترين . وأقر الملك الأشرف ~~مظفر الدين موسى على مملكته ، بحمص والرحبة وتدمر . وبعث الملك المظفر بن ~~الملك الرحيم - بدر الدين لؤلؤ - إلى حلب نائبا بها ، ونعته بالملك السعيد ~~- لمشاركة النعت . وأقر الملك المنصور بن الملك المظفر على مملكته بحماه . ~~وأقطع البلاد الشامية والحلبية . وأصلح ما اضطرب من الأمور . وعاد لقصد ~~الديار المصرية ، فقتل - قبل وصوله إليها . PageV29P0304 # """""" صفحة رقم 305 """""" ذكر مقتل السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز ~~، ونبذة من أخباره كان مقتله - رحمه الله تعالى - في يوم السبت ، الخامس ~~عشر من ذي القعدة ، سنة ثمان وخمسين وستمائة - وقيل في سابع عشر الشهر . ~~وذلك أنه لما قرر أمور الشام ، ورتب الملوك والنواب والممالك ، عاد من دمشق ~~لقصد الديار المصرية ، في سادس عشر شوال . فلما وصل إلى منزلة القصير من ~~منازل الرمل ، ركب إلى الصيد . وكان الأمير بدر الدين أنص الأصفهاني ، ~~وجماعة معه ، تظافروا هم والأمير ركن الدين بيبرس البندقداري ، على اغتياله ~~. فقصدوه - وهو في الصيد - وقتلوه غيلة وحكى في كيفية قتله : أنه كان قد ~~تغير خاطره على الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري . فلما تقدم الأمراء ~~إليه ، سأله الأمير بدر الدين أنص الرضا عن الأمير ركن الدين . فقال : قد ~~رضيت عنه . فترجل الأمير ركن الدين ليقبل يده . فلما تناولها قبض عليها ، ~~وجذبه عن سرجه ، وبدره أولئك الأمراء بالضرب ، فقتلوه - رحمه الله تعالى . ~~ويقال : إن الأمراء الذين اتفقوا على قتله هم : الأمير سيف الدين بلبان ~~الرشيدي ، والأمير سيف الدين بهادر المعزى - خوشداشه - والأمير بدر الدين ~~بكتوت الجوكان دار المعزى ، والأمير سيف الدين بيغان الركني ، والأمير سيف ~~الدين بلبان الهاروني ، ومن ذكرنا . وكان الملك الظاهر يدعى أنه هو الذي ~~قتله بيده . وقال جماعة : إنه لم يباشر قتله ، وإنما كان يدعى ذلك ، ~~افتخارا . وقد نقل أن الملك الظاهر لما ms6897 قبض على يده ، ضربه الأمير بدر ~~الدين بكتوت الجوكان دار على عاتقه بالسيف ، فأبانه . وألقاه الأمير بدر ~~الدين أنص عن فرسه . ثم رماه الأمير سيف الدين بهادر المعزى بسهم ، أتى على ~~روحه - PageV29P0305 # """""" صفحة رقم 306 """""" رحمه الله تعالى . فكأنه المعني بقول الشاعر ~~: وما كان إلا السيف ، لاقى ضريبة . . . فقطعه ، ثم انثنى فتقطعا وكانت مدة ~~ملكه أحد عشر شهرا ، وسبعة عشر يوما . وأما غير ذلك من أحواله - رحمه الله ~~تعالى - : فقد حكى أنه كان من أولاد الملوك الخوارزمية . وأنه محمود بن ~~ممدود ، ابن أخت السلطان خوارزم شاه . وإنما أبيع ، لما استولى التتار على ~~البلاد ، وملكوا ملك الخوارزمية . وقتلوا الرجال وأسروا النساء والصبيان ، ~~وكان هو ممن أسر وأبيع . وقد كان هو يصرح بذلك - فيما حكى عنه - ويستكتم من ~~يحكيه له . وقد نقل الشيخ شمس الدين : محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن ~~إبراهيم ابن عبد العزيز ، بن أبي الفوارس الجزري ، ثم الدمشقي - في تاريخه ~~: حوادث الزمان وأنبائه أن والده أخبره أن الحاج على الفراش أخبره ، قال : ~~لما كان قطز في رق ابن الزعيم بدمشق - وكان سكنه بالقصاعين - غضب عليه في ~~بعض الأيام فلطم وجهه ، ولعنه ولعن والديه وجده . قال : فبكى قطز بكاء ~~شديدا ، وجعل ينتحب طول نهاره ، وامتنع من الأكل . وركب أستاذه بعد صلاة ~~الظهر إلى الخدمة ، فقال لي : استرضه وأطعمه ، واعتبه على بكائه . قال ~~الفراش : فجئت إليه وجعلت ألومه على بكائه من لطمة واحدة ، فكيف لو ضربت ~~ألف عصاة أو دبوس ، أو جرحت بسيف ؟ فقال : والله ما بكائي وغيظي من أجل ~~لطمة ، وإنما كونه لعن أبي وأمي وجدي . فقلت له : ومن أبوك وجدك وأمك ؟ ~~فقال : والله أبي خير من أبيه ، وأمي خير من أمه ، وجدي خير من جده . فقلت ~~له : أنت مملوك تركي ، كافر بن كافرين . فقال : والله ، ما أنا إلا مسلم ، ~~ابن مسلمين : أنا محمود بن ممدود ، ابن أخت خوارزم شاه ، من أولاد الملوك . ~~قال : فسكت عنه وطايبته . وتقلبت به الأحوال ، إلى أن ملك الديار المصرية ~~والشام . ولما ملك دمشق ms6898 أحسن إلى الحاج على الفراش المذكور ، PageV29P0306 # """""" صفحة رقم 307 """""" وأعطاه خمسمائة دينار ، ورتب له راتبا جيدا . ~~قال الشيخ شمس الدين : وقد حكى لي ولوالدي ، هذه الحكاية عنه . هذا معنى ~~كلامه ولفظه . ومما يؤيد هذه الحكاية أيضا - ويشهد لها - ما حكاه الشيخ شمس ~~الدين - المذكور - عن والده ، قال : حكى لي الحاج أبو بكر بن الدريهم ~~الإسعردي ، والحاج زكي الدين إبراهيم الجزري - المعروف بالجبيلي ، أستاذ ~~الفارس أقطاي - قالا : كنا عند الأمير سيف الدين قطز في أول دولة أستاذه : ~~الملك المعز ، وقد حضر عنده منجم ورد من بلاد المغرب - وهو موصوف بالحذق في ~~علم الرمل والفلك . فأمر قطز أكثر من عنده من حاشيته بالانصراف ، فانصرفوا ~~. وهممنا بالقيام ، فأمرنا بالجلوس ، فجلسنا . وما ترك عنده إلا من يثق به ~~من خواصه . وقال للمنجم : اضرب الرمل . ففعل . وحدثه بأشياء كثيرة ، مما ~~كان في نفسه . وكان آخر ما قال له : اضرب وانظر من يملك بعد أستاذي ، ومن ~~يكسر التتار ؟ فضرب ، وحسب حسابا طويلا ، وبقي يفكر ويعد أصابعه . وقال : ~~قد طلع معي خمس حروف بغير نقط ، وأبوه أيضا خمس حروف بغير نقط . وأنت اسمك ~~ثلاث حروف ، وابن السلطان كذلك . فقال له : لم لا تقول : محمود بن ممدود ؟ ~~فقال المنجم : لا يقع غير هذا الاسم . فقال قطز : أنا محمود بن ممدود . ~~وأنا أكسر التتار ، وآخذ بثأر خالي خوارزم شاه . ثم استكتمنا هذا الأمر . ~~وأنعم على المنجم بثلاثمائة درهم ، وصرفه . وحكى عن المولى المرحوم تاج ~~الدين أحمد بن الأثير - رحمه الله تعالى - ما معناه : أن الملك صلاح الدين ~~يوسف صاحب الشام - رحمه الله تعالى - لما كان على برزة ، في أواخر سنة سبع ~~وخمسين وستمائة - وصل إليه قصاد من الديار المصرية ، بكتب ، تتضمن أن قطز ~~قد تسلطن وملك الديار المصرية ، وقبض على الملك المنصور بن أستاذه الملك ~~المعز . قال القاضي تاج الدين : فطلبني السلطان - رحمه الله - فقرأت عليه ~~الكتب . فقال لي : خذ هذه الكتب ، وتوجه إلى الأمير ناصر الدين القيمري ، ~~والأمير جمال الدين بن يغمور ، وأوقف كلا منهما عليها . قال : فأخذتها ms6899 ~~وخرجت من عنده . فلما PageV29P0307 # """""" صفحة رقم 308 """""" بعدت عن الدهليز ، لقيني حسام الدين البركة ~~خاني ، فسلم علي ، وقال ، جاءكم بريد أو قصاد من الديار المصرية فوريت ، ~~وقلت : ما عندي علم بشيء من هذا . قال : قطز يتسلطن ، ويملك الديار المصرية ~~، ويكسر التتار . قال القاضي تاج الدين : فعجبت من كلامه ، وقلت له : ايش ~~هذا القول ؟ من أين لك هذا ؟ قال : والله هذا قطز هو خوشداشي . كنت أنا ~~واياه عند الهيجاوي من أمراء مصر ، ونحن صبيان . وكان عليه قمل كثير ، فكنت ~~أسرح رأسه - على أنني كلما أخذت عنه قملة ، آخذ منه فلسا أو صفعة . فلما ~~كان بعض الأيام أخذت عنه قملا كثيرا ، وشرعت أصفعه ، ثم قلت في غضون ذلك : ~~والله ما أشتهي إلا أن الله يرزقني إمرة خمسين فارسا ، فقال لي : طيب قلبك ~~، أنا أعطيك إمرة خمسين فارسا . فصفعته ، وقلت : والك ، أنت تعطيني إمرة ؟ ~~قال نعم فصفعته فقال لي : والك ، ايش يلزم لك إلا إمرة بخمسين فارس ، أنا ~~والله ، أعطيك . قلت : والك ، كيف تعطيني ؟ . قال : أملك الديار المصرية : ~~قلت : تملك الديار المصرية ؟ قال : نعم ، رأيت النبي - ( صلى الله عليه ~~وسلم ) - في المنام ، وقال لي : أنت تملك الديار المصرية ، وتكسر التتار . ~~وقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لا شك فيه . فسكت . وكنت أعرف منه الصدق ~~في حديثه وعدم الكذب . وتنقلت به الأحوال ، وارتفع شأنه . إلى أن صار هو ~~المحتكم في الدولة . وما أشك أنه يملك الديار المصرية - مستقبلا - ويكسر ~~التتار - كما أخبره النبي ( صلى الله عليه وسلم ) - في المنام . قال القاضي ~~تاج الدين : فلما قال لي هذا القول ، قلت له : والله قد وردت الأخبار أنه ~~تسلطن في الديار المصرية . قال لي : والله ، وهو يكسر التتار . فما مضى إلا ~~مدة يسيرة ، حتى خرج وكسر التتار . قال المولى تاج الدين - رحمه الله - ~~فرأيت الأمير حسام الدين البركة خاني ، الحاكي لي - بعد ذلك - بالديار ~~المصرية ، بعد كسرة التتار . فسلم علي وقال لي : تذكر ما قلت في الوقت ~~الفلاني ؟ قلت : نعم . قال : والله ، حالما عاد الملك الناصر من ms6900 قطيا ، ~~ودخلت أنا إلى الديار المصرية ، أعطاني إمرة خمسين فارسا ، كما قال - رحمه ~~الله - لا زايد على ذلك . وقد ذكر هذه الحكاية الشيخ قطب الدين اليونيني في ~~تاريخه ، وقال أيضا : PageV29P0308 # """""" صفحة رقم 309 """""" وحكى لي الأمير عز الدين بن أبي الهيجا ما ~~معناه : أن الأمير سيف الدين بلقاق حدثه ، أن الأمير بدر الدين بكتون ~~الأتابكي حكى له ، قال : كنت أنا والملك المظفر قطز ، والملك الظاهر ركن ~~الدين بيبرس - رحمهم الله تعالى - في حال الصبا ، كثيرا ما نكون مجتمعين في ~~ركوبنا وغير ذلك . فاتفق أن رأينا منجما في بعض الطرق بالديار المصرية . ~~فقال له الملك المظفر : أبصر نجمي . فضرب بالرمل وحسب ، وقال له : أنت تملك ~~هذه البلاد ، وتكسر التتار فشرعنا نهزأ به . ثم قال له الملك الظاهر : ~~فأبصر نجمي . فضرب بالرمل وحسب ، وقال : وأنت تملك الديار المصرية وغيرها . ~~فتزايد استهزاؤنا به ثم قالا لي : لا بد أن يبصر نجمك . فقلت له أبصر لي . ~~فضرب وحسب ، وقال لي : وأنت تحصل لك إمرة بمائة فارس ، يعطيك هذا - وأشار ~~إلى الملك الظاهر . فاتفق أن الأمر وقع كما قال . وهذا من عجيب الاتفاق . ~~قال الشيخ قطب الدين اليونيني - نفع الله به - : وكان السلطان الملك المظفر ~~بطلا شجاعا ، ولم يكن يوصف بشح ولا كرم ، بل كان متوسطا . وهو أول من أجترأ ~~على التتار ، وكسرهم ، بعد خوارزم شاه ، كسرة عظيمة ، جبر بها الإسلام . ~~قال : ومما حكى لي عنه : أنه قتل في يوم المصاف جواده بعين جالوت ، ولم ~~يصادف في تلك الساعة أحد من أوشاقيته ، الذين معهم جنائبه ، فبقي راجلا . ~~ورآه بعض الأمراء الشجعان ، فترجل عن حصانه وقدمه له ليركبه . فامتنع ، ~~وقال له ما معناه : ما كنت لآخذ حصانك في هذا الوقت ، وأمنع المسلمين ~~الانتفاع بك ، وأعرضك للقتل . وحلف عليه أن يركب فرسه . فامتثل أمره ، وركب ~~. ووافاه الأوشاقية بالجنائب ، فركب جنيبا . فلامه بعض خواصه على ذلك ، ~~وقال : لو صادفك - والعياذ بالله - بعض المغل ، وأنت على الأرض راجلا ، كنت ~~رحت ، وراح الإسلام فقال : - أما أنا فكنت أروح إلى الجنة ms6901 - إن شاء الله ~~تعالى . وأما الإسلام ، فما كان الله عز وجل ليضيعه . فقد مات الملك الصالح ~~، وقتل ولده الملك المعظم ، والأمير فخر الدين بن الشيخ - مقدم العساكر - ~~ونصر الله الإسلام ، بعد اليأس من نصره - يشير إلى نوبة المنصورة . ~~PageV29P0309 # """""" صفحة رقم 310 """""" قال : ولما قدم إلى دمشق بعد الكسرة ، أجرى ~~الناس كافة ، على ما كانوا عليه إلى آخر الأيام الناصرية ، في رواتبهم ~~ومقرراتهم وإطلاقاتهم . ولم يتعرض إلى مال أحد ، ولا إلى ملكه . ثم توجه ، ~~بعد تقرير قواعد الشام . فرزقه الله الشهادة ، فقتل مظلوما . رحمه الله ~~تعالى . انتهى الجزء التاسع والعشرون من كتاب " نهاية الأرب " للنويري ~~والحمد لله . PageV29P0310 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الثلاثون PageV30P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" سنة ثمان وخمسين وستمائة ### | AUT ذكر أخبار السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي # وهو الرابع من ملوك دولة الترك بالديار المصرية المحروسة ، وهو تركي ~~الجنس من قبيلة البرلي ، ملك الديار المصرية والبلاد الشامية في يوم السبت ~~المبارك الخامس عشرمن ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة ، وكان ذلك بمنزلة ~~القصير من منازل الرمل ، في اليوم الذي قتل فيه السلطان الملك المظفر سيف ~~الدين قطز المعزى . وذلك أنه لما قتل الملك المظفر ساق الأمراء إلى الدهليز ~~ونزلوا به ، وجلسوا كلهم دون طراحة السلطنة ، وتشاوروا فيمن يملكونه عليهم ~~، فوقع اختيارهم عليه . ويقال إن الأمير فارس الدين أقطاى المستعرب الصالحي ~~الأتابك قال في ذلك المجلس : " ينبغي ألا يلي السلطنة إلا من خاطر بنفسه في ~~قتل السلطان وأقدم على هذا الأمر العظيم " فقال الملك الظاهر : " أنا قتلته ~~" ووثب وجلس على طراحة السلطنة ، PageV30P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" فبايعه الأمير فارس الدين المذكور ، وحلف له ، ~~ثم الأمير سيف الدين بلبان الرشدي ، ثم الأمراء على طبقاتهم . ثم قال له ~~الأمير فارس الدين الأتابك : " إن السلطنة لاتتم لك إلا بدخولك إلى قلعة ~~الجبل " ، فركب لوقته ، وركب معه الأمير فارس الدين الأتابك ، و الأميرسيف ~~الدين قلاون الألفي ، والأمير بدر الدين بيسرى الشمسي ، ومماليكه وخواصه . ~~وتوجه " بيبرس " إلى قلعة الجبل ، ورتب في مسيره إليها أرباب الوظائف : ~~فرتب ms6902 الأمير جمال الدين أفش النجين الصالحي استاد دارا ، والأمير عز الدين ~~أيبك الأقرم الصالحي أمير جاندار ، والأمير حسام الدين لاجين الدرفيل ، ~~والأمير سيف الدين بلبان الرومي في الدوادارية ، والأمير بهاء الدين أمير ~~آخور على عادته . ولقيه في طريقه الأمير عز الدين إيدمر الحلى ، وكان ينوب ~~عن الملك المظفر بقلعة الجبل ، وقد خرج لتلقيه ، فأعلمه الملك الظاهر بما ~~اتفق ، وعرض عليه أن يحلف ، ثم تقدم " إيدمر " إلى القلعة واجتمع بمن بها ، ~~ووعدهم عن السلطان المواعيد الجميله فأجابوه ، ولم يزل على باب القلعة إلى ~~أن وصل السلطان إليها ، فدخلها ليلا وتسلمها . ويقال إنه لما ملك " بيبرس " ~~تلقب بالملك القاهر ووصل إلى قلعة الجبل ولقبه ذلك ، فأشار الصاحب زين ~~الدين بن الزبير بتغيير هذا اللقب ، وقال إنه ما لقب به أحد فأفلح لقب به ~~القاهر بن المعتضد فلم تطل وخلع وسمل . ولقب به صاحب الموصل فسم . فنقل ~~السلطان لقبه إلى الملك الظاهر والله أعلم . قال المؤرخ وكانت القاهرة ومصر ~~قد زينتا لقدوم الملك المظفر ، والناس في سرور لمقدمه إثر هذا النصر العظيم ~~، فلم يرعهم إلا ومناد ينادي : " معشر الناس ، رحمكم الله ، ترحموا على ~~الملك المظفر ، وادعوا لسلطانكم الملك الظاهر ركن الدين " فوجم الناس لذلك ~~، وتألموا خوفا من شدة البحريه وما كانوا يعتمدونه من PageV30P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" الظلم والسلطنة في غيرهم ، فكيف وقد صارت فيهم ~~. فعاملهم السلطان بما سرهم به ، وهو أن الملك المظفر كان قد جدد على الناس ~~حوادث في سنة ثمان وخمسين وستمائة : منها تصقيع الأملاك وتقويمها وأخذ ~~زكاتها ، وأخذ ثلث الترك الأهلية ، ومضاعفة الزكاة ، وجباية الدينار من كل ~~إنسان ، ومبلغ ذلك ستمائة ألف دينار . فأبطل السلطان " بيبرس " ذلك ، وكتب ~~به توقيعا قرىء على المنابر ، فطابت قلوب الناس . قال : ولما أصبح السلطان ~~" بيبرسط في يوم الأحد جلس بالإيوان بقلعة الجبل وحلف العساكر لنفسه ، ~~واستناب مملوكه الأمير بدر الدين بيليك الخزنداروأقر الأمير فارس الدين ~~أقطاى المستعرب في الأتابكية . وكاتب الملوك والنواب والأمراء بالممالك ~~الشامية يخبرهم بما جدده الله تعالى له من أمر السلطنة ms6903 ، ويطلب منهم بذل ~~الطاعة والموافقة واستهلت سنة تسع وخمسين وستمائة في هذه " السنة " كان ~~للسلطان في ابتداء سلطنته أخبار متشعبة متباينة : منها ما هو في حضرته بمقر ~~ملكه بالديار المصرية ؛ ومنها ما هو بدمشق ، ومنها ما هو بحلب ، وكل ذلك في ~~هذه السنة ، وبعضه في أواخر سنة ثمان وخمسين . وقد رأينا أن نبدأ من ذلك ~~بما كان في مقر مملكته في بعض هذه السنة خاصة ، ثم نذكر ما كان بدمشق وحلب ~~من الحوادث والوقائع إلى أن استقرت قواعد سلطنته وتأكدت أسباب دولته ، ثم ~~نذكر ما يشمل المملكة عموما ، ثم نذكر بعد ذلك ما اتفق " له " من الأحوال ، ~~وما رتبه من الأمور ، وما أمر به من العمائر والأوقاف وغير ذلك بمصر والشام ~~، ونذكر الأخبار والوقائع على حكم السنين نقدم ما قدمه التاريخ ونؤخر ما ~~أخره . لا نستثني مما نورده من أخبار دولته إلا الغزوات والفتوحات : فإنا ~~نذكرها مفردة ، ونختم بها أخبار دولته ، فإنها من الفتوحات الجليلة ~~والغزوات المشهورة فأحببنا إيرادها في موضع واحد ، لئلا تنقطع بغيرها من ~~أخباره ، على ما تقف على ذلك إن شاء الله تعالى . PageV30P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" فأما ما كان من الأخبار والحوادث في مقر ملكه ~~بالديار المصرية فمن ذلك ركوب السلطان من قلعة الجبل في يوم الإ ثنين سابع ~~صفر من السنة بشعار السلطنة ، وساق خارج المدينة إلى باب النصر ودخل منه ، ~~وشق القاهرة وخرج من باب زويلة إلى قلعة الجبل ، والأمراء وأعيان الدولة ~~مشاة في خدمته . ومنه تفويض وزارة الدولة إلى الصاحب بهاء الدين . ذكر ~~تفويض الوزارة إلى الصاحب الوزير بهاء الدين علي بن القاضي سديد الدين أبي ~~عبد الله محمد بن سليم المعروف بابن حنا في هذه السنة ، فوض السلطان إليه ~~وزارة دولته وخلع عليه ، وركب في خدمته الأعيان والأكابر ، والأمير سيف ~~الدين بلبان الرومي الداودار ، وجماعة من الأمراء ، وذلك في يوم الإثنين ~~ثامن شهر ربيع الأول وقبيل ثانية ، وتمكن " الصاحب بهاء الدين " من السلطان ~~ودولته تمكنا عظيما . وحكى لي بعض الأكابر الثقات " أن " الصاحب ms6904 بهاء الدين ~~رأى في منامه قبل وزارته أنه ذبح السلطان الملك الظاهر ، فقص ذلك على من ~~يثق به ممن له معرفة بالتعبير ، فقال له : " تتمكن منه تمكن الدابح من ~~المدبوح " . وكان منه في أقرب منزلة وأعز مكانة . ذكر القبض على جماعة من ~~الأمراء المعزية وفي شهر ربيع الأول أيضا ، قبض السلطان على جماعة من ~~الأمراء المعزية وسبب ذلك أنه حضر إلى السلطان أحد أجناد الأمير عز الدين ~~الصيقلي وأنهى أن مخدومه فرق جملة من الذهب على جماعة ، وقرر معهم الوثوب ~~على السلطان وقتله ، وكذلك الأمير علم الدين الغتمي ، والأمير سيف الدين ~~بهادر المعزى ، والأمير شجاع الدين بكتوت وغيرهم . فقبض عليهم ، ثم قبض على ~~الأمير بهاء الدين بغدى الأشرفي ، في شهرربيع الآخر ، واعتقله فلم يزل في ~~اعتقاله حتى مات . PageV30P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" ذكر تفويض قضاء القضاء بالديار المصرية لقاضي ~~القضاة تاج الدين بن بنت الأعز وفي هذه السنة فوض السلطان الملك الظاهر ~~قضاء القضاة بالديار المصرية لقاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن القاضي ~~الأعز خلف بن بنت الأعز ، وعزل قاضي القضاة بدر الدين السنجاري ، وعوق عشرة ~~أيام ، ثم أفرج عنه وعطل عن الحكم . ونسخة التقليد السلطاني : " لقاضي ~~القضاة تاج الدين " ومثال العلامة الظاهرية عليه بعد البسملة : " المستعلي ~~بالله " . " الحمد لله الذي أنار مطالع الهدى ، وصان ما ابتذل من الأمور ~~التي ما أهملت سدى ، وألبس الشريعة المطهرة ثوبا من الشرف مجددا ، وأعلى ~~منارها بمن أضاءت مساعيه ، فلو سرى بها الركب لا هتدى " . " أحمده على نعم ~~توالي هطل غمامها ، ومنن أضحت متناسقة عفود نظامها " . " والصلاة والسلام ~~على سيدنا محمد الذي عزت به أمور الإسلام بعد اهضامها ، وعلى آله وأصحابه ~~الذين أضحت بهم عرى الذين الحنيف وثيقة بعد انفصامها . وبعد ، فلما كان ~~المجلس السامي ، القاضي الأجل ، الصدر الكبير ، الإمام العالم ، الفقيه ~~الفاضل ، المختار المرتضي ، الصاحب تاج الدين ، عز الإسلام ، مجد الأنام ، ~~شمس الشريعة ، مفتى الفرق ، رئيس الأصحاب ، ذخر الملوك والسلاطين ، قاضي ~~القضاة عبد الوهاب بن خلف ، أدام الله سعادته ونعمته ، ممن أحرز في ms6905 الفضائل ~~قصب سبقه ، ووصل سح غمامه في العلوم الشرعية ببرقه واجتنى ثمارها الدانية ~~القطوف ، واجتلى أقمار معانيها التي لا تتوارى عنه بالسجوف وسلك سبيلا ~~PageV30P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" من العفاف أضحى به وحيدا منفردا ، ومارس أمور ~~الشريعة فثقف منها أودا ، وأعمل فكرته الصافية فحلل منها عقدا ، وأنعم نظره ~~فيها فأوضح له من الضلال رشدا . رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي ~~الظاهري الركني ، زاد الله في علائه ، وضاعف مواد نفاذه ومضائه أن يفوض ~~إليه الحكم العزيز بجميع الديار المصرية المحروسة ، لما علم فيه من فضل ~~مازالت ثماره تجتني ، ومساع حميدة ما برح بها إلى الخلائق محسنا ، ودين ~~متين يشيد من أمور الآخرة ما بنا ، وسؤدد مازال فيه وفي بيته مستوطنا ، ~~وأوصاني جميلة خصته بنباهة أضحى بها متقدما وآراء مسددة أضاءت من سبل ~~الرشاد ما كان مظلما ، ونزاهة ما زالت له خلقا لا تخلقا ، وعفاف ما برح منه ~~مثريا لا معلقا . فليباشر هذا المنصب الذي أضحى ظل شرفه وارفا ، وكعبة حرمه ~~التي يتوجه إليها من كان باديا أو عاكفا ، عاملا فيه بالتقوى التي يحافظ ~~عليها مسرا ومعلنا ، ويتمسك بأسبابها إذا صد عنها غيره وانثنى ، فهي المعقل ~~الذي لا يستباح له حمى ، والمقام الذي يجد الخائف أمنه فيه محققا لا غيبا ~~مرجما ، والعصمة التي تنجي من العطب ، والموكب الذي تجد به الأنفس راحتها ~~الكبرى بعد التعب . وليول من القضاة من يحيي من الحق سننا ، ويميت من ~~الباطل بدعا ، ويكون رجاؤه بالآخرة متصلا ، ومن الدنيا منقطعا ، ليرجع به ~~سبيل الحق بعد ضيقه متسعا ، وشمل الباطل بعزيمته مفترقا لا مجتمعا . ~~وليتفقد أمر العدول الذين أضحوا على الحقيقة عدولا عن المنهج القويم ، ~~راغبين عن المحامد بما يأتونه من وصف ذميم . ولا يترك منهم إلا شاهدا كان ~~عن المعايب غائبا أو متورعا ، لا يعتمد منم الأمور إلا ما كان واجبا ، ~~لتسلم عدالته من وصمه التجريح ، وتظهرمساعيه التي تذلل له من العلا كل جموع ~~. وأموال الأيتام والأوقاف فلا يباشرها إلا من كان لمباشرتها أهلا ، ومن ~~تتحقق أنه يكون عليها ms6906 قفلا . فطالما ابتذلت أيدي الخونة منها مصونا ، وجعلت ~~العين منها أثرا حين مدت إليها عيونا . ولا تخلها من نظر يحفظ منها مضاعا ~~ويحسم عنها أطماعا ، ويخصها بمزية الزيادة بعد النقصان ، ويكتب لها من ~~مخاوف الخونة كتاب أمان . فقد قلدناك هذه الأحكام التي ترجو بك الخلاص من ~~تبعاتها ، ورعينا بك حق الرعية ، فلا تخل أمورهم من مراعاتها ، وامضي ~~عزيمتك في إقامة منار الشريعة بعد PageV30P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" القمود ، واعل همتك في نظم ما يتبدد له من ~~العقود . واجتهد في أمره الاجتهاد الذي يرفل منه في ضافي البرود ، ومتع ~~الخلائق بأيام بيض من أحكامك غير سود ، ففيك من السؤدد ما ينقاد به المفاخر ~~، ومن الأوصاف الجميلة ما تتميز به على الأوائل وأن جئت في الزمن الآخر . ~~وقد قررنا لك من الجامكية والجراية نظير ما كان مقررا لمن تقدمك ، وهو في ~~كل شهر أربعون دينارا صرف أربعين وستمائة وستة وستون درهما ناصرية وثلثان ~~وخمسة وعشرون أردبا غلة نصفين . فليوصل ذلك إليه على تمامه وكماله عند ~~وجوبه واستحقاقه ، بعد العلامة الشريفة أعلاه إن شاء الله تعالى . وكتب في ~~السابع عشر من جمادى الأولى سنة تسعة وخمسين وستمائة . الحمد لله وحده ~~وصلواته على سيدنا محمد نبيه ، وآله وصحبه الظاهرين وسلامه . وعين جهة ~~الجامكية على الجوالي بالديار المصرية ، والغلة على الأهراء المباركة بمصر ~~المحروسة . واستمر " الصاحب تاج الدين " في قضاء بجميع الديار المصرية ، ~~إلى شوال من السنة ، فاقتطع منه قضاء مصر والوجه القبلي ، وفوض ذلك إلى ~~القاضي برهان الدين الخضر بن الحسن بن علي الخضر السنجاري في ثالث شوال ، ~~ثم عزل " برهان الدين الخضر " وأعيد قاضي القضاة تاج الدين بتقليد سلطاني ~~تاريخه الثامن من صفر سنة ستين وستمائة . وقد شاهدت هذا التقليد ووقفت عليه ~~. ذكر ما اعتمده السلطان في ابتداء سلطنته ورتبه من المصالح وقرره من ~~القربات والأوقاف والعماير كان ما ابتدأ به ، رحمه الله تعالى وعفا عنه ~~وأنابه ، عمارة الحرم الشريف النبوي وسنذكره . PageV30P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" ثم وصلت الكتب في سنة تسع وخمسين أن القبة ms6907 ~~التي بالصخرة الشريفة ببيت المقدس قد تداعت ، فكتب إلى دمشق بتجهيز الصناع ~~إليها وما يحتاج إليه من الآلات ، ونجزت العمارة بها في سنة ستين . وكانت ~~عدة ضياع من أوقاف الخليل قد دخلت في الإقطاعات ، فأمر " السلطان " ~~بارتجاعها ، وعوض الأمراء عنها ، وأعادها إلى الأوقاف ، وأوقف قرية أذنا ~~على الخليل عليه السلام . ذكر بناء قلعة الجزيرة كان السلطان الملك المعز ~~قد أمر بهدمها ، وأباح ما بها من الرخام والأصناف التي غرم عليها السلطان ~~الملك الصالح الأموال العظيمة ، فرسم السلطان " بيبرس " بعمارتها ، وندب ~~لذلك الأمير جمال الدين بن يغمور ، فشرع في إصلاح ما استهدم من قاعاتها ، ~~ورتب فيها الجاندارية ، وأعادهاإلى ما كانت عليه من الحرمة . وفرق السلطان ~~الأبراج : فرسم أن يكون برج الزاوية للأمير سيف الدين قلاون الألفي ، ~~وثانيه للأمير عز الدين الحلى ، والبرج الثالث للأمير عز الدين إيغان ، ~~وبرج الزاوية الغربي للأمير بدر الدين بيسرى الشمسي . وفرق بقية الأبراج ~~على الأمراء ، ورسم أن تكون بيوتاتهم واسطبلاتهم بها ، وسلم إليه المفاتيح ~~. ووسم بعمارة القناطر بجسر شبرمنت بالجيزية وأكثر ما كانت الجيزية تشرق ~~عنه . PageV30P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" فبنيت القناطر في هذا الجسر تلتقي صدمه الماء ~~الأولى وتفتحت لتصريف المياه أولا فأولا " كذا " . ورسم بعمارة مشهد النصر ~~بعين جالوت ، وكتب بذلك إلى نواب الشام . وحث على عمارة الأسوار بثغر ~~الإسكندرية وحفر خنادقها ، ورتب جملة من الأموال في كل شهر تصرف في نفقة ~~العماير وبنى مرقبا لثغر رشيد لكشف مراكب الفرنج . ورسم بردم فم بحر دمياط ~~، وتوغيره بالقراتيص ، وتضييقه ليمنع السفن الكبيرة من الدخول فيه . ورسم ~~بحفر بحر أشموم طناح ، وندب لذلك الأمير سيف الدين بلبان الرشيدي فتوجه ~~لذلك وحفر ما يجب حفره ، وغرق المراكب قبلي فم البحر من الجانب الغربي حتى ~~ترد الماء إليه . واهتم بعمارة الشواني وأعادها إلى ما كانت عليه من الأيام ~~الكاملية والصالحية . وأمر بعمارة شواني الثغرين وأحضرها إلى ساحل مصر ، ~~وكانت تزيد على أربعين قطعة ، وعدة كثيرة من الحراريق والطرائد والسلالير . ~~وركب الخليفة والسلطان في يوم الأحد تاسع عشر شهر رجب ms6908 سنة تسعة وخمسين ~~وستمائة من القلعة إلى ساحل مصر ، وركبا في الحراريق ، وتفرجا ، وطلعا إلى ~~قلعة الجزيرة وجلسا بمقعد البانياسي ، ولعبت الشواني ، ثم عادا إلى القلعة ~~. ورسم بعمارة القلاع المنصورة بالبلاد الشامية وهي : قلعة دمشق ، والصلت ~~وعجلون ، وصرخد ، وبصرى ، وبعلبك ، والصبية ، وشيزر ، وشميس ، وكان التتار ~~قد خربوا أسوارها فرسم بإعادة ما استهدم و إصلاح ما تشعث . ورسم بعمارة ~~مدرسته التي بالقاهرة ، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى . هذا ما قرره من ~~المصالح العامة ورتبه من المهمات في ابتداء سلطنته ، فلنذكر خلاف ذلك من ~~المتجددات . PageV30P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" ذكر وصول من يذكر من الملوك إلى خدمة السلطان ~~وما قرره لكل منهم وما عاملهم به من الإحسان وفي سنة تسع وخمسين وستمائة ، ~~وردت كتب النواب بدمشق يذكرون وصول الملك الصالح صاحب الموصل بأهله وغلمانه ~~وأولاده ، فكتب السلطان إلى النواب بدمشق بالمبالغة في خدمته وترتيب ~~الإقامات له ولمن معه في الطرقات من دمشق إلى القاهرة ، فوصل في شعبان من ~~السنة ، فتلقاه السلطان وأنزله في أدر أخليت له . ثم ورد بعده بأيام الخبر ~~بوصول أخيه الملك المجاهد صاحب الجزيرة فاعتمد السلطان معه نظير ما اعتمده ~~في حق أخيه . وكان الملك المظفر أخوهما قد اعتقله الأمراء بحلب على ما ~~نذكره ، فأفرج السلطان عنه وأحضره إلى الديار المصرية ، وذلك قبل وصولهما ~~إليه ، فلما وصل أخواه استأذن في تلقيهما ، فأذن له السلطان في ذلك . وأنعم ~~السلطان عليهم بالأموال والخيول والخلع والحوائص لهم ولأصحابهم وعين جماعة ~~من البحرية برسم خدمتهم والتصرف في مهاماتهم ، ثم رسم السلطان بكتابة ~~تقاليدهم ببلادهم ، وكان الخليفة قد فوض ذلك إلى السلطان بتقليد على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى . فكتب تقليد الملك الصالح ركن الدين إسماعيل ~~بالموصل وولاياتها : بالوصا ، والجزيرة " و " مدينة البوازيج ، والزيادة : ~~عقر " و " شوش ، ودارا وأعمالها ، والقلاع العمادية ، " و " كنكور وبلدها . ~~وكتب تقليد الملك المجاهد سيف الدين إسحاق ببلاد الجزيرة وأعمالها وزيادة ~~حمرين . PageV30P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" وكتب تقليد الملك المظفر : سنجار وأعمالها . ~~وكتب لعلاء الملك ولد الملك الصالح تقليد بقلعة ms6909 الهيثم . ولما توجه السلطان ~~إلى الشام وخيم بظاهر القاهرة سيرت هذه التقاليد إليهم ومعها أحمال الكوسات ~~والصناجق والأموال . وأعفوا من الحضور والخدمة عليها ، وساروا في خدمة ~~السلطان إلى الشام فسلطنهم . وذلك أنه أحضرهم مجلسه وجهز لهم خيل النوبة ~~والعصائب والجمدارية ، ولبسوا الخلع وقبلوا الأرض وخرجوا بشعار السلطنة ، ~~والأتابك في خدمتهم ، وتوجهوا صحبة الخليفة على ما نذكره . فاتفق انفصالهم ~~منه في أثناء الطريق لأسباب جرت ، وتوجه كل منهم إلى مملكته : فأما الملك ~~الصالح فتوجه إلى الموصل وأقام بها ، فاتفق اجتماع التتار عليها وحصارها . ~~وأما أخواه فإنهما خافا مهاجمة العدو فعادا إلى الشام ، واستأذنا في الحضور ~~، فأذن لهما السلطان فحضرا ، وسألا السلطان إنجاد أخيهما فجرد الأمير شمس ~~الدين سنقر الرومي وجماعة من البحرية والحلقة . فتوجهوا في رابع جمادى ~~الأولى سنة ستين وستمائة ، وكتب " السلطان " إلى دمشق بخروج عسكرها صحبة ~~الأمير علاء الدين طيبرس ورحل العسكر المصري والشامي من دمشق في عاشر جمادى ~~الآخرة . ذكر وصول الخليفة المستعصم بالله إلى الديار المصرية ومبايعته ~~وتجهيزه بالعساكر إلى بلاد الشرق وما كان من أمره إلى أن قتل قال المؤرخ : ~~و في العشر الأخر من جمادى الآخر سنة تسع وخمسين وستمائة PageV30P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" ورد كتاب علاء الدين طيبرس ، والأمير علاء ~~الدين البندقدار مضمونه أنه وصل إلى جهة دمشق في أول الغوطة رجل ادعى أنه ~~أحمد بن الإمام الظاهر بن الإمام الناصر ومعه جماعة من عرب خفاجة في قريب ~~من خمسين فارسا ، وأن الأمير سيف الدين قليج البغدادي عرف أمراء العرب ~~المذكورين وقال : " بهؤلاء يحصل القصد من العراق " فكتب السلطان بخدمته ~~وتعظيم حرمته وأن يسير صحبته حجاب . فكان وصوله إلى القاهرة في يوم الخميس ~~تاسع من شهر رجب من السنة ؛ فخرج السلطان للقائه وساير أهل المدينتين ، ~~وكان يوما مشهودا ، وشق القاهرة وهو لابس شعار بني العباس ، وطلع إلى ~~القلعة راكبا ، ونزل في المكان الذي أخلي له . وفي يوم الاثنين ثالث عشر ~~أحضر السلطان الفقهاء والأئمة والعلماء والأمراء والصوفية والتجار وغيرهم ~~بقاعة العمد ، وحضر الخليفة وأثبت نسبه ms6910 على ما قدمنا ذكره في أخبار الدولة ~~العباسية . ولما ثبت النسب بايعه السلطان على كتاب الله وسنة رسوله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد في ~~سبيل الله ، وأخذ الأموال بحقها وصرفها في مستحقها ، ثم قلد الخليفة ~~السلطان الملك الظاهر البلاد الإسلامية وما سيفتحه الله من أيدي الكفار . ~~وكتب بذلك تقليد شريف عن الخليفة للسلطان ، وبايع الناس الخليفة على اختلاف ~~طبقاتهم . وكتب السلطان إلى سائر الأعمال بأخذ البيعة له وأن يخطب باسمه ~~على المنابر وتنقش السكة باسمه . ولما كان في يوم الجمعة سابع عشر شهر رجب ~~خطب الخليفة بالناس في جامع القلعة ، واهتم السلطان بذلك ونثرت جمل من ~~الذهب والفضة . وحصل للخليفة توقف في الخطبة . وفي يوم الاثنين رابع شعبان ~~ركب السلطان إلى خيمة ضربت في البستان الكبير والناس في خدمته ، وحملت ~~الخلع صحبة الأمير مظفر الدين وشاج الخافجي وخادم الخليفة . ودخل السلطان ~~إلى خيمة أخرى ولبس الخلعة الخليفية ، وهي عمامة سوداء مزركشة ، ودراعة ~~بنفسجي ، وطوق ، وعدة سيوف تقلد منها وحملت خلفه ، ولواءان ، PageV30P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" وسهمان كبيران ، وترس ، وغير ذلك مما جرت ~~العادة به . وقدم له فرس أشهب في رقبته مشدة سوداء ، وعليه كنبوش أسود . ~~وطلب الأمراء وخلع عليهم ، وعلى الصاحب بهاء الدين ، وقاضي القضاة ، وصاحب ~~ديوان الإنشاء الشريف : وهو القاضي فخر الدين بن لقمان ، وطلع ابن لقمان ~~على منبر قد جلل بالأطلس الأصفر ، وقرئ التقليد على كافة الناس وهو : بسم ~~الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أضفى على الإسلام ملابس الشرف وأظهر ~~بهجة درره وكانت خافية بما استحكم عليها من الصدف . وشيد ما وهى من علاثه ~~حتى أنسى ذكر ما سلف . وقيض لنصره ملوكا اتفق عليهم من اختلف . أحمده على ~~نعمه التي تسرح الأعين منها في الروض الأنف ، وألطافه التي وقف الشكر عليها ~~فليس عليها منصرف . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة توجب ~~من المخاوف أمنه وتسهل من الأمور ما كان حزنا ، واشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~الذي جبر ms6911 من الدين وهنا ، وأظهر من المكارم فنونا لافتا ، صلى الله عليه ~~وعلى آله الذين أضحت مناقبهم باقية لا تفنى ، وأصحابه الذين صحبوه في ~~الدنيا فاستحقوا الزيادة من الحسنى ، وسلم تسليما " . " وبعد : فإن أولى ~~الأولياء بتقديم ذكره ، وأحقهم أن يصبح القلم راكعا وساجدا في تسطير مناقبه ~~وبره ، من سعى فأضحى سعيه الحميد متقدما ، ودعا إلى طاعته فأجابه من كان ~~منجدا ومتهما ، وما بدت يد من المكرمات إلا كان لها زندا ومعصما ، ولا ~~استباح بسيفه حمى وغى إلى أضرمه نارا وأجراه دما . ولما كانت هذه المناقب ~~الشريفة مختصة بالمقام العالي المولوي السلطاني الملكي الظاهري الركني - ~~شرفه الله وأعلاه - ذكرها الديوان العزيز النبوي تنويها الشريف قدره ، ~~واعترافا بصنعه الذي تنفد العباره ولا تقوم بشكره ، وكيف لا وقد أقام ~~الدولة العباسية بعد أن أفعدتها زماتة الزمان ، وأذهبت ما كان لها من محاسن ~~وإحسان ، وعتب دهرها المسئ فأعتب ، وأرضى عنها زمنها وقد كان صال عليها ~~PageV30P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" صولة مغضب ، وأعاده لها سلما بعد أن كان عليه ~~حربا ، وصرف لها اهتمامه فرجع كل مضيق من أمرها واسعا رحبا . ومنح أمير ~~المؤمنين عند القدوم عليه حنوا وعطفا ، وأظهر من الولاء رغبة في ثواب الله ~~مالا يخفى ، وأبدى من الاحتفال بأمر الشريعة والبيعة أمرا لورامه غيره لا ~~متنع عليه ، ولا تمسك بحبله متمسك لانقطع به قبل الوصول إليه ، لكن الله ~~أدخر هذه الحسنة ليثقل بها ميزان ثوابه ، ويخفف بها يوم القيامة حسابه . ~~والسعيد من خفف حسابه ، فهذه منقبة أبى الله إلا أن يخلدها في صحف صنعه ، ~~ومكرمة " قضت " لهذا البيت الشريف النبوي بجمع شمله بعد أن حصل الإياس من ~~جمعه " . " وأمير المؤمنين يشكر الآن " لك " هذه الصنائع . ويعترف أنه لولا ~~اهتمامك بأمره لاتسع الخرق على الراقع . وقد قلدك الديار المصرية والبلاد ~~الشامية والديار الجزرية ، والبكرية ، والحجازية ، واليمنية وما يتجدد من ~~الفتوحات غورا ونجدا ، وفض أمر جندها ورعاياها إليك حتى أصبحت بالمكارم ~~فردا : وكل جعل منها بلدا من البلاد ولا حصنا مستثنى ولا جهة من الجهات تعد ~~في ms6912 الأعلى ولا في الأدنى " . فلاحظ أمور الأمة فقد أصبحت لثقلها حاملة ، ~~وخلص نفسك اليوم لك التبعات ، ففي غد تكون مسئولا عنها لا سائلا . ودع ~~الاغترار بأمر الدنيا ، فما نال أحد منها طائلا ، وما لحظها أحد بعين الحق ~~إلا رآها خيالا زائلا ، فالسعيد من قطع منها آماله الموصولة ، وقدم لنفسه ~~زاد التقوى فتقدمته غير التقوى مردودة لا مقبولة . وأبسط يدك بالإحسان ~~والعدل ، فقد أمر الله بالعدل والإحسان وكرر ذكره في مواضع من القرآن ، ~~وكفر به عن المرء ذنوبا كتبت عليه آثاما ، وجعل يوما واحدا منه كعبادة ستين ~~عاما ما سلمك " أحد " سبيل العدل واجتنيت ثماره من أفنان ، ورجع الأمن بعد ~~تداعى أركانه مشيد الأركان ، وتحصن به من حوادث الزمان فكانت أيامه في ~~الأيام أبهى من الأعياد ، وأحسن من الغرر في أوجه الجياد ، وأحلى من العقود ~~إذا حلى بها عاطل الأجياد " . " وهذه الأقاليم المنوطة بنظرك تحتاج إلى ~~حكام وأصحاب رأى من أرباب السيوف والأقلام ، فإذا استعنت بأحد منهم في أمرك ~~فنقب عليه تنقيبا ، واجعل عليه في تصرفاته رقيبا ، وسل عن أحواله ، ففي يوم ~~القيامة تكون عنه مسئولا وبما اجترم PageV30P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" مطلوبا ، ولا تول منهم إلا من تكون مساعيه ~~حسنات لك لا ذنوبا . وأمرهم بالأناة في الأمور والرفق ، ومخالفة الهوى إذا ~~ظهرت أدلة الحق ، وأن يقابلوا الضعفاء في حوائجهم بالثغور الباسم والوجه ~~الطلق . وألا يعاملوا أحدا على الإحسان والإساءة إلا بما يستحق ، وأن ~~يكونوا لمن تحت أيديهم من الرعية إخوانا ، وأن يوسعهم برا وإحسانا ، وألا ~~يستحلوا حرماتهم إذا استحل لهم الزمان حرمانا ، والمسلم أخو المسلم ، وإن ~~كان أميرا عليه أو سلطانا . فالسعيد من نسج ولاته في الخير على منواله ، ~~واستنوا بسنته في تصرفاته وأحواله ، وتحملوا عنه ما تعجز قدرته عن حمل ~~أثقاله " . " ومما يؤمرون به أن يمحي ما أحدث من سيئ السنن ، وجدد من ~~المظالم التي هي على الخلائق من أعظم المحن ، وأن يشتري بإبطالها المحامد ، ~~فإن المحامد وخيصة بأغلى الثمن . ومهما جنى منها من الأموال فإنها فانية ~~وإن كانت حاصله ms6913 ، وأجياد الخزائن وإن أصبحت بها خالية فإنما هي الحقيقة ~~عاطلة وهل أشقى ممن احتقب إثما ، واكتسب بالمساعي الذميمة ذما ، وجعل ~~السواد الأعظم يوم القيامة له خصما ، وتحمل ظلم الناس مما صدر عنه من ~~أعماله ، وقد خاب من حمل ظلما . وحقيق بالمقام الشريف السلطاني الملكي ~~الظاهري الركني أن تكون ظلامات الأيام مردودة بعدله ، وغزائمه نخفف عن ~~الخلائق ثقلا لا طاقة لهم بحمله ، فقد أضحى على الإحسان قادرا ، وصنعت له ~~الأيام ما لم تصنعه لمن تقدم من الملوك وإن جاء آخرا ، فأحمد الله على ما ~~آن وصل إلى جنابك إمام هدى واجب لك مزية التعظيم وتنبيه الخلائق على ما خصك ~~الله به من هذا الفضل العظيم . وهذه أمور ينبغي أن تلاحظ وترعى ، وأن توالي ~~عليها حمد الله ، فإن الحمد يجب عليها عقلا وشرعا . وقد تبين أنك صرت في ~~الأمور أصلا ، وصار غيرك فرعا " . ومما يجب ذكره : الجهاد الذي أضحى على ~~الأمة فرضا ، هو والعمل الذي يرجع به مسود الصحائف مبيضا . وقد وعد الله ~~المجاهدين بالأجر العظيم ، وأعد لهم عنده المقام الكريم ، وخصهم بالجنة لا ~~لغو فيها ولا تأثيم " . " وقد تقدمت لك في الجهاد يد بيضاء أسرعت في سواد ~~في سواد الحساد ، وعرف منك عزمة هي أمضي مما تحت ضمائر الأغماد . واشتهرت ~~لك مواقف في القتال هن أبهى وأشهى إلى القلوب من الأعياد . وبك صان الله ~~حمى الإسلام من أن يبتذل ، PageV30P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" ويعزمك حفظ على المسلمين نظام هذه الدول ، ~~وبسيفك الذي أثر في الكافرين قروحا لا تندمل ، وبك يرجى أن يرجع مقر ~~الخلافة المعظمة إلى ما كان عليه من الأيام الأول . فأيقظ لنصره الإسلام ~~جفنا ما كان هاجعا ، وكن في مجاهدة أعداء الله إماما متبوعا لا تابعا . ~~وأيد كلمة التوحيد فما تجد في تأييدها إلا مطيعا سامعا " . " ولا تخل ~~الثغور من اهتمام بأمرها تتسيم له الثغور ، واحتفال يبدل ما دجى من ظلماتها ~~بالنور ، واجعل أمرها على الأمور مقدما ، وسد منها ما عادروه العدو متداعيا ~~متهدما ، فهذه حصون يحصل منها " الانتفاع " وبها ms6914 تحسم الأطماع ، وهي على ~~العدو داعية افتراق لا اجتماع " . " وأولادها بالاهتمام ما كان البحر له ~~مجاورا ، والعدو إليه ملتفتا ناظرا ، ولا سيما ثغور الديار المصرية ، فإن ~~العدو وصل إليها رابحا ، ورجع خاسرا ، واستأصلهم الله فيما مضى حتى ما أقال ~~منهم عاثرا " . وكذلك الأصطول الذي ترى خيلة كالأهلة وركائبه بغير سائق ~~مستقلة ، وهو أخو الجيش السليماني ، فإن ذلك غدت له الرياح حاملة وهذا ~~تكفلت يحمله المياه السائلة . وإذا لحظها الظرف سائرة في البحر كانت ~~كالأعلام ، وإذا شبهها قال هذه ليال تقلع في أيام " . " وقد سنى الله لك من ~~السعادة كل مطلب ، وأتاك من أصالة الرأي الذي يريك المغيب ، وبسط بعد القبض ~~منك الأمل ، ونشط من السعاده ما كان قد كسل ، وهداك إلى مناهج الحق وما زلت ~~مهتديا إليها ، وألهمك المراشد فلا تحتاج تنبيه عليها ، والله تعالى يؤيدك ~~بأسباب نصره ، ويوزعك شكر نعمه ، فإن النعم تستتم بشكره ، بمنه وكرمه " ثم ~~ركب السلطان وشق المدينة بعد أن زينت ، وحمل التقليد الأمير جمال الدين ~~النجيب استاد الدار العالية ، والصاحب الوزير بهاء الدين في بعض الطريق ~~وبسط أكثر الطريق للسلطان بالثياب الفاخرة " و " مشى عليها بفرسه ، ووصل ~~إلى القلعة . وشرع السلطان في الأستخدام للخليفة : فكتب للأمير سابق الدين ~~بوزبا أتابك PageV30P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" العسكر بألف فارس ، وللأمير ناصر الدين محمد ~~بن صيرم الخازندار بمائتي فارس ، وللأمير الشريف نجم الدين استاد الدار ~~بخمسمائة فارس ، وأمر جماعة من العربان ، وحملت إليهم الطلبخاناة والصناجق ~~، وأنفق فيهم الأموال لعدة شهور . واشترى السلطان مائة مملوك جمدارية وسلاح ~~دارية للخليفة ، وأعطى لكل واحد منهم ثلاثة أرؤس خيلا وجملا لعدته ، ولم ~~يبق أحد ممن تدعو الحاجة إليه من صاحب ديوان وكاتب إنشاء وديوان وأئمة ~~ومؤذنين وغلمان وحكماء وجرائحية إلا استخدموا . ولما تكامل ذلك كله تقدم ~~السلطان بتجهيز العساكر . وفي يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان من السنة ~~ركب السلطان هو والخليفة في السادسة من النهار ، ونزل كل منهما في دهليزه ، ~~واستمرت النفقة في أجناد الخليفة . وفي يوم العيد ركب الخليفة والسلطان تحت ms6915 ~~الجتر ، وصليا العيد ، وفي هذه الليلة حضر الخليفة إلى خيمة السلطان وألبسه ~~الفتوة بحضور من يعتبر حضوره في ذلك . وفي يوم السبت سادس شوال رحلا ~~متوجهين إلى الشام ، فلما وصلا إلى الكسوة خرج عسكر الشام للقائمها ، ودخلا ~~دمشق في يوم الاثنين سابع ذي القعدة . ونزل السلطان بالقلعة ، ونزل الخليفة ~~في تربة الملك الناصر بجبل الصالحية . وجرد الأمير سيف الدين بلبان الرشيدي ~~، والأمير شمس الدين سنقر الرومي إلى جهة حلب ، وأمرهم السلطان بالمسير إلى ~~الفرات ، وأنه متى ورد عليهم كتاب الخليفة يطلب أحدا منهم إلى العراق يتوجه ~~إلى خدمته لوقته . وركب السلطان وودع الخليفة ، وسير إليه الملوك الذين ~~ذكرناهم . ثم ورد كتاب الخليفة يذكر أنه وصل إلى حديثه وعانا ، وولى فيها ~~ثم كان ما PageV30P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" ذكرنا من خروج طائفة من التتار وقتال الخليفة ~~لهم واستشهاده ، رحمه الله تعالى ، على ما قدمناه في أخباره ، في أخبار ~~خلفاء الدولة العباسية . وحسب ما أنفق في مهم الخليفة والملوك فكان ألف ألف ~~دينار عينا . وفي هذه السنة قبل مسير السلطان إلى الشام ، كتب منشور الأمير ~~شرف الدين عبسي بن مهنا بالإمرة على جميع العربان ، وأطلق السلطان العريان ~~الغلال من بلد حلب ، وذلك قبل خروج السلطان إلى الشام . هذا ما كان من ~~الأخبار بالديار المصرية ، فلنذكر ما اتفق بالشام من حين ابتداء سلطنة ~~السلطان الملك الظاهر إلى أن استقرت قواعد ملكه . ذكر استيلاء الأمير علم ~~الدين سنجر الحلبي على دمشق وسلطنته بها ، وأخذها منه ، وتقرير نواب ~~السلطان بها . قد ذكرنا أن السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز كان قد فوض ~~نيابة السلطنة بدمشق للأمير علم الدين سنجر الحلبي ، فلما اتصل به خبر قتل ~~الملك المظفر وثب على السلطنة بدمشق وحلف العساكر الشامية لنفسه ، ولقب ~~نفسه بالملك المجاهد ، وركب بشعار السلطنة ، فلما اتصل ذلك بالسلطان الملك ~~الظاهر كتب إليه يقبح فعله ويسترجعه عنه ، فعادت أجوبته بالمغالطة . فأرسل ~~إليه السلطان الأمير جمال الدين أقن المحمدي يستميله ويرده عن تعاطي ما لا ~~يتم له ، وسير إليه صحبته ms6916 مائة ألف وعشرين ألف درهم وحوائص ووخلعا وملابس ~~بألفي دينار عينا . فلما وصل ذلك إليه جلس الأمير علم الدين الحلبي مجلسا ~~عاما للناس وأشهدهم على نفسه أنه قد نزل عن الأمر الذي كان قد استحلف الناس ~~عليه ، وأنه من جملة النواب الظاهرية . ثم رجع عن ذلك وركب بشعار السلطنة ~~على ما كان عليه أولا ، فركب الأمير علاء الدين ايدكين البندقدار وخرج إلى ~~ظاهر دمشق ، ونادى باسم السلطان الملك الظاهر ومعه جماعة فساق بهم إلى جهة ~~السواد ، فندب الحلبي جماعة لقتالهم ، فانهزم أصحاب الحلبي ، ثم رأى انحراف ~~الناس عنه واتفاقهم عليه ، ففارق دمشق وتوجه إلى قلعة بعلبك . ودخل الأمير ~~علاء البندقدار ودمشق ، وحلف الناس للسلطان الملك الظاهر وجهز إلى بعلبك من ~~أحضر الحلبي تحت الاحتياط . وكتب بذلك إلى PageV30P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" السلطان ، فجدد السلطان المناشير للأمراء ~~والجند ، وقرر الحديث في الأموال ونيابة القلعة للأمير علاء الدين طيبرس ~~الوزيري ، ورسم بإحضار الحلبي ، فلما وصل إليه اعتقله بقلعة الجبل ، ثم ~~أطلقه بعد ذلك وخلع عليه ، واستمر في الخدمة إلى أن جهزه إلى نيابة حلب . ~~هذا ما اتفق بدمشق . ذكر ما اتفق بحلب في أمر النيابة كان السلطان الملك ~~المظفر قد استناب بالمملكة الحلبية الملك المظفر علاء الدين ابن صاحب ~~الموصل ، ولقبه بالملك السعيد على ما ذكرناه ، فتوجه إلى حلب ، وحصلت منه ~~أمور أنكرها عليه الأمراء ، وكان الملك المظفر قطز قد أقطع جماعة من ~~الأمراء العزيزية والناصرية بالبلاد الجبلية ، فلما اتصل بهم قتل الملك ~~المظفر اجتمعوا وقبضوا على الملك السعيد ونهبوا وطاقة ، وكان قد برز إلى ~~الباب المعروف بباب الله للقاء التتار ، واستولوا على خزائنه فلم يجدوا ~~فيها مالا طائلا ، فتهددوه بالعذاب إن لم يقر لهم بالمال ، فأخرج لهم من ~~تحت الأشجار مالا كان قد دفنه ، تقدير خمسين ألف دينار مصرية ، ففرقت في ~~الأمراء واعتقلوا الملك السعيد بالشغر ، ثم أفرجوا عنه بعد ذلك ، وقدموا ~~عليهم الأمير حسام الدين الجوكندار العزيزي ، فكتب السلطان إليه تقليد ~~بنيابة المملكة الحلبية . ذكر وصول طائفة من التتار إلى البلاد ms6917 الإسلامية ~~وما فعلوه بحلب وتقدمهم إلى حمص وقتالهم وانهزامهم وما كان من خبر عودهم ~~وفي سنة تسع وخمسين وستمائة بلغ التتار أن الأمراء العزيزية والناصرية قد ~~وقع بينهم اختلاف ، فتجمعوا من كل جهة وعبروا الفرات ، ولما بلغ الملك ~~السعيد خبرهم وأنهم وصلوا إلى جهة البيرة جرد إليهم جماعة قليلة من العسكر ~~الحلبي ، وقدم عليهم سابق الدين أمير مجلس الناصري ، فنهاه الأمراء ~~العزيزية والناصرية عن ذلك ، واستقلوا العسكر المجرد ، فلم يرجع إلى قولهم ~~، وصمم على إرساله ، فسار سابق الدين ومن PageV30P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" معه حتى قاربوا البيرة ، فصدمهم التتار ، فهرب ~~سابق الدين منهم ودخل البيرة ، بعد أن قتل أكثر من معه . فكان ذلك من أكبر ~~الأسباب التي أوجبت القبض على الملك السعيد ثم توجه التتار إلى جهة حلب ، ~~فاندفع الأمير حسام الدين الجوكندار والعسكر الحلبي بين أيديهم إلى جهة ~~حماه ، ووصل التتار إلى حلب في أواخر سنة ثمان وخمسين وستمائة وملكوها ، ~~وأخرجوا أهلها إلى قرنبيا ، واسمها قديما مقر الأنبياء ، فسماها العامة ~~قرنبيا ، فلما اجتمعوا بها بذل التتار فيهم السيف فقتلوا أكثرهم وتقدم ~~التتار إلى جهة حماة ، ففارقها العسكر الحلبي وصاحبها الملك المنصور إلى ~~حمص ، واجتمعوا هم والملك الأشرف مظفر الدين موسى صاحب حمص ، واتفقوا على ~~قتال التتار ، وانضم إليهم الأمير زامل بن أمير العربان ، ووصل التتار إلى ~~حمص ، والتقوا واقتتلوا في يوم الجمعة خامس المحرم من السنة فانهزم التتار ~~أقيح هزيمة ، وقتل أبطالهم وشجعانهم ، فاستشهدوا فيهم بقول الشاعر : فإن ~~كان أعجبكم عامكم . . . فعودوا إلى حمص في قابل فإن الحسام الصقيل الذي . . ~~. قتلتم به يد القاتل وقد شاهد جماعة كثيرة في هذه الواقعة طيورا كثيرة ~~بيضاء تحوم حال القتال . حكي عن الأمير بدر الدين محمد القيمري قال : " ~~والله ، لقد رأيت بعيني طيورا بيضا وهي تضرب بأجنحتها في وجوه التتار " . ~~وقد ذكر ذلك جماعة كثيرة حتى بلغ حد التواتر ، فما كان بأسرع من انهزام ~~التتار . قال المؤرخ : ثم اجتمع من سلم من التتار ونزلوا بسليمة ، وعادوا ~~إلى حماة ، ورحلوا عنها إلى أفامية ، وكان ms6918 قد وصل إلى أفامية الأمير سيف ~~الدين الدبيلي الأشرفي ومعه جماعة فأقام بقلعتها وبقى بغير على التتار ، ~~فرحلوا عن أفامية وعادوا إلى حلب ، فأخرجوا من PageV30P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" بها من الرجال والنساء ولم يبق إلا من ضعف عن ~~الحركة واختفى خوفا على نفسه ، ثم نادوا فيهم : من كان من أهل حلب فليعتزل ~~. فلم يعلم الناس ما يراد بهم ، فظن الغرباء النجاة لأهل حلب ، وظن أهل حلب ~~النجاة للغرباء فاعتزل بعض كل من الطائفتين مع الأخرى بحسب ما أدى كل منهم ~~اجتهاده ، فلما تميز الفريقان أخذ التتار الغرباء وتوجهوا بهم إلى بابلي ~~فضربوا أعناقهم ، وفيهم جماعة من أهل حلب وأقارب الملك الناصر ، ثم أعادوا ~~من بقي من أهل حلب إليها ، وسلموا كل طائفة إلى رجل من الأكابر ، ثم أحاطوا ~~بالبلد ولم يمكنوا أحدا يدخل إليه ولا يخرج منه . ثم فارق التتار حلب في ~~أوائل جمادى الأول سنة تسع وخمسين وستمائة وكان سبب رحيلهم عنها أن السلطان ~~الملك الظاهر جرد في العشر الأول من شهر ربيع الأول الأمير فخر الدين ~~الطنبا الحمصي والأمير حسام الدين لاجين الجو كان دار والأمير حسام الدين ~~العين تابى في عسكر لدفع التتار عن حلب . فلما وصلوا إلى غزة أرسل فرنج عكا ~~إلى التتار يخبرهم فرجعوا وفارقوا حلب . ولما رحل التتار عن حلب تغلب عليها ~~جماعة من أحداثها لخلوها من العسكر ، منهم نجم الدين أبو عبد الله بن ~~المنذر ، وعلي بن الأنصاري ، وأبو الفتح ، ويوسف بن معالي ، فقتلوا ونهبوا ~~، وبلغوا أغراضهم ممن كان في قلوبهم منهم ضغائن " فلما قاربوا الأمير فخر ~~الدين الحمصي والأمير حسام الدين العين تابى ، ومن معهما هرب هؤلاء عن حلب ~~. ولما دخلها الأمير فخر الدين الحمصي صادر أهلها وعذبهم واستخرج منهم ألف ~~ألف درهم وستمائة ألف درهم بيروتية ، وأقام بها إلى أن وصل الأمير شمس ~~الدين أقش البرلي ، ففارقها . ذكر الغلاء الكائن بحلب قال الشيخ شمس الدين ~~بن الجزري في تاريخه : وفي سنة تسع وخمسين وستمائة بعد أن توجه التتار من ~~البلاد الإسلامية ms6919 غلت الأسعار بحلب ، وقلت الأقوات فبلغ رطل اللحم سبعة عشر ~~درهما ، ورطل السمك ثلاثين ، ورطل اللبن خمسة عشر ، ورطل الشيرج سبعين ، ~~ورطل الخل ثلاثين ، ورطل الأرز عشرين ، ورطل الحب رمان PageV30P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" ثلاثين ، ورطل السكر خمسين ، والحلوى كذلك ، ~~ورطل العسل ثلاثين ، ورطل الشراب ستين ، وجدي الرضيع بأربعين درهما ، ~~والدجاجة بخمسة دراهم ، والبيضة بدرهم ونصف ، والبصلة بنصف درهم ، وباقة ~~البقل بدرهم ، والبطيخة بأربعين درهما ، والتفاحة بخمسة دراهم ، ولم يذكر ~~سعر الخبز والقمح ، ولعل ذلك لعدمه . قال : وكانت المكاسب كثيرة والدرهم ~~متيسر الحصول . ذكر اختلاف العزيزية والناصرية ومفارقة الأمير شمس الدين ~~أقش البرلي البلاد ، وتولية الحلبي نيابة حلب وعزله ، وعود البرلي إليها ~~وخروجه منها ، ونيابة البندقدار وعود البرلي إليها ثانية وخروجه وفي سنة ~~تسع وخمسين وستمائة ، بعد وقعة التتار ، اختلف الأمراء العزيزية الناصرية ، ~~وحضروا إلى الساحل ، فأعطى السلطان بعضهم الإقطاعات ، وحضر الباقون إلى ~~الديار المصرية ، وكان الأمير شمس الدين أقش البرلي مقطعا مدينة نابلس من ~~الأيام المظفرية ، فزاده السلطان بيسان وجعل بمملوكه قجقار عدة نواحي وتوجه ~~إلى دمشق . ثم أمر السلطان بإمساك الأمير بهاء الدين بغدى الأشرفي فغضب ~~البرلي لذلك ، واجتمع معه العزيزية والناصرية ، ونزلوا بالمرج وتوجهوا إلى ~~حلب . وكان السلطان قد استناب الأمير علم الدين الحلبي بحلب قبل حدوث هذه ~~الواقعة ، وأمر جماعة وقرر لهم وظائف وهم : الأمير شرف الدين قيران الفخري ~~وجعله أستاذ الدار ، والأمير بدر الدين جماق وجعله أمير جاندار ، والأمير ~~علاء الدين إيدكين الشهابي وجعله شاد الدواوين . فتوجه الأمير علم الدين ~~ووصل إلى حلب في يوم السبت ثالث شعبان من السنة ووصلت مطالعته إلى السلطان ~~يذكر عبوره إلى حلب ، وأن جماعة من العزيزية والناصرية حضروا إليه يطلبون ~~الأمانات . ولما وصل الحلبي إلى حلب جرد جماعة من العسكر خلف البرلي ومن ~~معه من العزيزية والناصرية ، فعطف عليهم العزيزية والناصرية فهزموهم ، فعزل ~~السلطان الحلبي لذلك . وقيل إنه إنما عزله لأسباب آخر اتفقت أوجبت عزله . ~~ولما عزل الحلبي فارق حلب PageV30P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" وعاد إلى دمشق ، فحلت مدينة حلب ، فحضر ms6920 الأمير ~~شمس الدين البرلي إليها وأقام بها ، وسير الأمير بدر الدين أيدمر الحلي ~~رسولا منه إلى السلطان يبذل له الطاعة ، فأبى السلطان إلا حضوره إلى الخدمة ~~. وأقام البرلي بحلب إلى أن وصل السلطان إلى دمشق في سنة تسع وخمسين ، فجرد ~~العساكر إليها ففارقها البرلي وتوجه إلى الفرات ، وعاد العسكر وأغار على ~~بلاد أنطاكية ، وكان في العسكر صاحب حمص وصاحب حماة ، فأخذت المينا وأحرقت ~~المراكب ، وأخذت الحواصل ، وعادت العساكر إلى القاهرة في يوم الخميس تاسع ~~وعشرين شهر رمضان سنة ستين وستمائة وصحبتهم ما يزيد على مائتين وخمسين ~~أسيرا . ثم استناب السلطان بجلب الأمير علاء الدين ايدكين البندقدار ، ~~فتوجه إليها وأقام بها . ثم خشي عاقبة عود الأمير شمس الدين اقش البرلي ، ~~ففارق حلب وعاد وأقام بحماة واعتذر أنه إنما فارق حلب لشدة الغلاء وعدم ~~الأقوات . وكان الأمير شمس الدين البرلي قد أرسل إلى السلطان الأمير علم ~~الدين جكم بكتبه يسأله للصفح ، فلما فارق البندقدار حلب عاد البرلي إليها ~~وكتب إلى السلطان يعتذر من رجوعه إلى حلب ، وأنه ما رجع إلا طائعا ، وأن ~~الأمير علاء الدين انفضل عن حلب اختيارا منه ، ولو أقام لما قصده أحد ، ~~وتوالت كتبه بالاعتذار واستأذن في توجهه إلى الموصل ، والسلطان يغلظ له ~~تارة ويلين أخرى . ثم جرد السلطان عسكرا صحبه الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ~~نجده لصاحب الموصل ، وانفق فيهم الأموال . فلما اتصل الخبر بالأمير شمس ~~الدين البرلي توجه إلى سنجار والتقى التتار وقاتلهم قتالا شديدا . وكان معه ~~نحو ألف فارس وهم في جموع كثيرة فلم تساعده المقادير ، وذلك إنه سقط عن ~~فرسه فانكسرت رجله فركبه أحد مماليكه وساق يوما كاملا ولم يعلم من معه أن ~~رجله كسرت ، ثم كان من أمره ما نذكره ، إن شاء الله تعالى هذا ما اتفق ~~بالشام وحلب . ذكر ما اتفق للسلطان بالشام في مدة مقامه بدمشق وما وقع في ~~سفرته هذه خلاف ما قدمنا ذكره من أمر الخليفة من ذلك أنه لما وصل إلى دمشق ~~وصل إلى خدمته الملك المنصور صاحب PageV30P0025 # """""" صفحة ms6921 رقم 26 """""" حماة ، والملك الأشرف صاحب حمص والرحبة ، ~~فتلقاهما وأكرمهما وأنعم عليهما بخيل النوبة والعصائب وشعائر السلطنة ، ~~وركب كل منهما بمفرده والأمراء مترجلون في خدمته ، وكتب لهما التقاليد ، ~~وزاد الملك الأشرف تل باشر والملك المنصور بلاد الإسماعيلية ، وتوجه إلى ~~بلادهما . ومن ذلك أن أمراء العريان حضروا إلى خدمة السلطان فأنعم عليهم ~~ووصل أرزاقهم ، وسلم إليه خفر البلاد ، وألزمهم حفظها إلى حدود العراق . ~~ومن ذلك أنه فوض نيابة السلطنة بالشام إلى الأمير الحاج علاء الدين طيبرس ~~الوزيري ، وكان قبل ذلك بنيابة قلعة دمشق ، والأموال . ذكر ركوب السلطان ~~إلى الميدان بدمشق ولعبه بالكرة ومن كان في خدمته من الملوك . وقال المولوي ~~محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر في السيرة الظاهرية ولعب السلطان في ~~ميدان دمشق ، فرأيت في خدمته جماعة من الملوك وهم : الملك الصالح صاحب ~~الموصل والملك السعيد والملك المسعود وأولاد الملك الصالح عماد الدين ~~إسماعيل الملك المجاهد صاحب الجزيرة ، " و " الملك المظفر صاحب سنجار ، " و ~~" الملك علاء الملك . " و " الملك الأشرف صاحب حمص ، " و " الملك الزاهر ~~أسد الدين ، " و " الملك المنصور صاحب حماة ، " و " الملك الأمجد تقي الدين ~~بن الملك العادل سيف أبي بكر بن أيوب ، " و " الملك المنصور ، " و " الملك ~~الأمجد وأخوته أولاد الملك الناصر داود ، " و " الملك الأشرف بن ولد أقسيس ~~" و " الملك القاهر بن الملك المعظم ، جماعة كثيرة منهم . قال : وهذا ما لا ~~رآه ملك آخر . PageV30P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" ذكر الصلح مع ملوك الفرنج لما توجه السلطان ~~إلى الشام سير سيرجوان ديكين ، كند يافا ، يبدل الطاعة ، ولما وصل السلطان ~~إلى العوجا سأل الأمان للحضور إلى الدهليز ، فتوجه الأتابك إليه وأحضره إلى ~~السلطان . فأكرمه وكتب له منشورا ببلاده ورده إلى بلده . قال : ثم وردت رسل ~~ملوك الفرنج يهنون السلطان بالسلامة ومعهم الإقامات الكثيرة . فلما وصل ~~السلطان إلى دمشق حضر رسول من عكا يسأل أمانا للرسل المتوجهون من ساير ~~البيوت . فكتب إلى متولي بانياس بتمكينهم ؛ فحضر أكابر الفرنج والتسموا ~~الصلح ، فتوقف السلطان واشترط شروطا كثيرة فتوقفوا فأهانهم وزجرهم . وكان ms6922 ~~العسكر قد توجه للإغارة على بلاد الفرنج من جهة بعلبك ، فسألوا في رجوعه ~~وتقرير الصلح على ما كان الأمر إلى آخر الأيام الناصرية وإطلاق الأسرة ، من ~~حين إنفصال الأيام المذكورة إلى وقت هذه الهدنة . وتوجهت الرسل معهم لأخذ ~~العهود عليهم . وكذلك تقررت الهدنة لصاحب يافا ومتملك بيروت على حكم الأيام ~~الناصرية ، وآمنت السبل وكثرت الأجلاب . وشرع السلطان في جمع الأسارى ~~وسيرهم إلى مدينة نابلس حفظا للعهود ، والفرنج يكاسرون في أمر الأسارى . ~~فلما طال ذك رسم السلطان بنقل الأسارى إلى دمشق واستعمالهم في العمائر بقي ~~الحال موقوفا . ذكر الغارة على العرب والفرنج قال : ولما وصل السلطان إلى ~~الشام جرد الأمير جمال الدين المحمدي ، وجرد معه جماعة من العسكر المنصور ، ~~ورسم لهم بالإغارة على بلدة الفرنج فتوجهوا ونهبوا وكسبوا ، وعادوا ساطين . ~~PageV30P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" وجرد جماعة من البحرية وكتم خبرهم . وكان ~~السلطان بلغه أن جماعة من عرب زبيد قد كثر فسادهم وأنهم مخالطون الفرنج ~~وموافقوهم في الباطن ويدلونهم على عورات المسلمين ؛ فساق البحرية إليهم ~~وانتهبوا أموالهم وقتلوا منهم وذبحوا جماعة كثيرة ، وكفا الله الإسلام شرهم ~~. وفي هذه السنة والسفرة ، عزل السلطان القاضي نجم الدين بن قاضي القضاة ~~صدر الدين بن سنى الدولة عن القضاء بدمشق ، وفوضه للقضاة شمس الدين أحمد بن ~~بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن خلكان البرمكي من العريش إلى سليمة ، وفوض ~~إليه النظر في جميع الأوقاف بالشام ، منها الجامع والبيمارستان والمدارس ~~وغير ذلك ؛ وفوض إليه تدريس سبع مدارس وهي : العادلية ، والعذراوية ، ~~والناصرية ، والفلكية ، والركنية ، والإقبالية ، والبهنسية ، وكان تدريس ~~هذه المدارس بيد القاضي نجم الدين المعزول ؛ ووكل بالقاضي نجم الدين وأمره ~~أن يتوجه إلى الديار المصرية . وكان مذموم السيرة في ولايته . ذكر الشيخ ~~شهاب الدين أبو شامة جملة من معانيه . ذكر عود السلطان إلى الديار المصرية ~~قال : ولما استقرت هذه الأمور عاد السلطان إلى الديار المصرية ، وكان وصوله ~~في يوم السبت سابع عشر ذي الحجة سنة تسع وخمسين وستمائة . ذكر أخذ الشويك ~~كان السلطان قد جهز الأمير بدر الدين الأيدمري ms6923 وصحبته جماعة من العسكر وما ~~أعلم أحدا ممن جرد بالجهة التي يتوجهون إليها ؛ فتوجه إلى الشويك وبذل ~~المال والخلع فسلمت إليه . ووصل الخبر بتسليمها في سادس عشرين ذي الحجة من ~~السنة . وولى نيابتها الأمير سيف الدين بلبان المحتصبي ، واستخدم بها ~~النقباء والجاندارية ، وأفرد لخاص القلعة ما كان لها إلى آخر أيام الصالحية ~~النجمية . PageV30P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" وفي هذه السنة ، كانت وفاة الصاحب صفي الدين ~~أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن هبة الله بن أحمد بن مرزوق العسقلاني ، ~~وكان قد وزر للملك الأشرف ابن الملك العادل بدمشق مدة ، ثم عزل بجمال الدين ~~بن جريد ، وكان تاجرا مشهورا بالثروة وكثرة الأموال . وكان ابتداء أمره كما ~~حكي عنه أنه حكاه عن نفسه قال : أرسلني والدي إلى القاهرة من مصر لأبتاع له ~~قمحا ، وكان له طاحون بمصر ، فتوجهت إلى دار بعض الأمراء فاشتريت ألف أردب ~~بخمسة آلاف درهم ، وتسلمتها ، وبت في تلك الليلة بالقاهرة وأصبحت فتحسن ~~سعرها فبعتها في سبعة آلاف ، فأوفيت الثمن ، وأخذت ما بقي وصرفت به مائة ~~وثلاثين دينارا . وأتيت والدي فسألني عن القمح ، فقلت : بعته ، فقال : ولم ~~لا أتيت به ؟ فقلت له : إنك لم ترسل معي الثمن حتى ولم تعطني دابة أركبها ، ~~وعندك عشرين دابة ، وما هان عليك أن أركب منها دابة . وكنت قد مشيت من مصر ~~إلى القاهرة فحقدت ذلك عليه . قال : ثم اتجرت في ذلك المال الذي ربحته من ~~ثمن القمح فبارك الله لي فيه حتى جمعت منه ستمائة ألف دينار عينا ، غير ما ~~اشتريت من العقار والأثاث والخدم والدواب والمسفر وغيره . وكانت وفاته بمصر ~~ودفنه بسفح المقطم . ومولده في شهر رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة . رحمه ~~الله تعالى . وفيها توفي الأمير مظفر الدين عثمان بن ناصر الدين منكورس بن ~~بدر الدينم خماردكين ، وهو صاحب صهيون ، وجده عتيق الأمير مجاهد الدين صاحب ~~صرخد . وكانت وفاته في ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وخمسين وستمائة ~~بقلعة صهيون ودفن بها ، وولى بعده ولده سيف الدين محمد . وكان هو قد ms6924 ولى ~~صهيون بعد وفاته والده ناصر الدين منكورس في سنة ستة وعشرين وستمائة . وخلف ~~الأمير مظفر الدين من الأموال ما لا يحصى كثره . حكى الشيخ شمس الدين بن ~~الجزري في تاريخه قال : حكى لي الصاحب مجد الدين إسماعيل بن كسيرات الموصلي ~~قال : كان مظفر الدين صاحب صهيون يحلس في كل يوم في باب القلعة ويأخذ قطعا ~~من الشمع ويختم عليها بختامه ، فمن كان له دعوة على خصمه أو محكاكمة جاء ~~إليه وأحضر معه شيئا من المأكول فيضعه في الدركاه بين يدي الأمير مظفر ~~PageV30P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" الدين ، ويأخذ قطعة من ذلك الشمع المختوم ~~ويتوجه إلى خصمه ويقول هذا ختم السلطان ، فيأخذ الخصم معه شيئا ايضا ويحضر ~~إلى بين يديه فيحكم بينهما بنفسه . قال : فسألته عن مقدار ما يحضره الواحد ~~منهم . قال : يأتي كل واحد بحسبه من الرأس الغنم إلى خمس بيضات . ومات وقد ~~ناف على تسعين سنة ، رحمه الله . وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله محمد بن ~~عبد الملك بن عيسى بن درياس المارداني الشافعي ، وكانت وفاته بالقاهرة في ~~يوم السبت سادس شوال ، ودفن من يومه بسفح المقطم . ومولده في ليلة الثلاثاء ~~ثاني عشرين شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى . ~~واستهلت سنة ستين وستمائة وفي هذه السنة ، في ثالث عشرين المحرم ، أعرس ~~الأمير بدر الدين بيليك الخزندار الظاهري نائب السلطنة الشريفة على ابنة ~~الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل كان ، وكان عقد النكاح قد عقد في ~~ثالث عشر شوال سنة تسع وخمسين وستمائة ، وذلك أن السلطان قد استدعى الملوك ~~أخوتها في اليوم المذكور وعرفهم مكانه الأمير بدر الدين منه ، وأن محله محل ~~الولد ، وخطب أختهم له ، فأجابوا إلى ذلك وعقد النكاح . وملكه السلطان في ~~ذلك اليوم بانياس وقلعتها بالبيع الشرعي . ثم كان البناء بها في هذه السنة ~~، وعمل العرس بالميدان الأسود . واحتفل السلطان به احتفالا عظيما ، وفوض ~~إليه بعد أيام قلائل النظر في أمر الجيش : يقطع الإقطاعات ويزيد وينقص ؛ ~~وفوض إليه أمر الرعاية وكشف ظلاماتهم ms6925 وغير . وفيها ، حصل الصلح بين السلطان ~~والملك المغيث صاحب الكرك ، وكان ولده الملك العزيز في الاعتقال من الأيام ~~المظفرية . فإن والده كان قد سيره إلى هولاكو كما ذكرنا فاتفق عوده إلى ~~دمشق عند دخول الملك المظفر إليها ، فأمر بإرساله إلى PageV30P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" قلعة الجبل واعتقاله بها . فأطلقه السلطان ~~الآن ، وأقطعه دبنان بمنشور ، وحلف السلطان لأبيه ثم بعد ذلك سير السلطان ~~له سنجفا وشعائر السلطنة ، فقبل عقب الصنجق وركب بشعائر السلطنة وفيها ، ~~انتصب السلطان لعرض العساكر بنفسه وحلف الناس لولده الملك السعيد ناصر ~~الدين بركة خاقان ، فحلفوا له ، وسيرت نسخ الإيمان إلى القلاع والممالك ~~والناس بأجمعهم . ذكر وصول الأمير شمس الدين سلار البغدادي وشيء من أخباره ~~وفي نصف شهر رجب سنة ستين وستمائة وصل الأمير شمس الدين سلار البغدادي من ~~العراق إلى الديار المصرية ، وكان رجلا تركيا من قبيلة دروت وهو من مماليك ~~الخليفة الظاهرة بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله . ولاه واسط ~~الكوفة والحلة . فأقام به في الأيام الظاهرية والمستنصرية والمستعصمية . ~~فلما استولى هولاكو على بغداد وقتل الخليفة ، اجتمع سلار هذا وصاحب شستر ~~ومن أنضم إليهما ، وقاتلوا التتار قلم يكن لهم بهم طاقة لكثرة التتار فتوجه ~~إلى برية الحجاز فأقام بها نحوا من ستة أشهر ثم راسله هولاكو وكتب له ~~فرمانا بإفراده على ما كان عليه في الأيام المستعصمية ، فحضر إليه فأقره ، ~~فلما أفضت السلطنة بالديار المصرية إلى السلطان الملك الظاهر كاتبه السلطان ~~، وطلب منه الوصول إليه مرة بعد أخرى فتقرر حضوره إليه وتأخر ذلك إلى أن ~~يتحمل لنفسه ويجمع أمواله فاتفق أن السلطان تحدث على قليج البغدادي في بعض ~~الأيام فقال له السلطان : خوشداشك سلار يصل إلينا ؟ فقال : هذا لايتصور ~~وقوعه ، لأن سلار من الملوك بالعراق ، فكيف يفارق ما هو فيه ويحضر إلى هذه ~~البلاد ؟ فقال السلطان متى لم يحضر برضاه أحضرته بغير رضاه . وبعث قاصدا ~~يكتب إليه على أنها أجوبة كتبه ، نوبعث قاصدا آخر وقال له : إذا قربت من ~~الأردو فاقتل هذا القاصد واتركه ms6926 وما معه ، ففعل ذلك فلما قتل القاصد وجده ~~القراؤل ، فأحضروه إلى هولاكو فقرأ ما معه من الكتب فوجدت أجوبة سلار . ~~وكان بمقام هولاكو جماعة من أولاد مماليك الخليفة أخذهم لنفسه وجعلهم خواصا ~~عنده ، PageV30P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" فسيروا إلى سلار في الوفت يعلمونه الخبر ، ~~فعلم أنها مكيدة ، ورسم هولاكو بطلبه إلى الأردو فوصل إليه قبل ورود مرسوم ~~هولاكو بطلبه . وكان حال وصول الخبر إليه يتصيد ، فعلم أنه متى وصل إلى ~~هولاكو قتله ، فساق لوقته إلى أن وصل إلى الديار المصرية . وترك جميع ~~أمواله وذخائره وأهله وأولاده . وما وصل أكرمه السلطان وعامله بإحسان كثير ~~، وأنزله بالكبشن وأمره طبلخانا ، وأقطعه منية بني خصيب . فقال للسلطان : ~~لقد ضيع السلطان على المسلمين أموالا عظيمة ، فإنك لو تركتني حتى أحضر بما ~~جمعته من الأموال والذخائر انتفع بيت المال به ، فإني جمعت خراج سنتين ، ~~فقال له السلطان : إنما كان قصدي حضورك ، ولم أقصد الأموال . ولا تجلس بين ~~يدي . السلطان لا يرفع أحدا عليه . ثم جرده السلطان في مقابلة الفرنج بساحل ~~عكا ، فكتب إلى السلطان يسأله أن يقيم بالشام فأقطعه نصف " مدينة " نابلس ، ~~وأقام ستة أشهر ثم أعاده " السلطان " إلى الديار المصرية وكان السلطان قبل ~~وصول سلار البغدادي قد اعتقل الأمير سيف الدين قليج لأمر صدر منه ، فأطلقه ~~السلطان بغير شفاعة ، وأحسن إليه وأعاده إلى الأمرة ولعب معه الكرة . ذكر ~~عود رسل السلطان من جهة الأنيرور وفي شعبان سنة ستين وستمائة ، وصل الأمير ~~سيف الدين الكرزي ، والقاضي أصيل الدين خواجة إمام ، وكان السلطان بعثها ~~إلى الأنبرور ، وذكرا أن الأنبرور اهتم بأمرهما اهتماما عظيما ، وأنه ~~أحضرهما ساعة وصولهما وعرضت عليه الهدية ، وكان في جملتها زرافة فأعجبته ~~إعجابا عظيما ، وشاهد التتار الذين سيروا إليه " ذلك " ، وذكرا أنه جهز ~~رسولا وهدية تحضر فيها بعد . وكان في جملة رسله إلى السلطان نفران من ~~البحرية ، فلما وصلا ، أمر PageV30P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" السلطان بتأديبهما لما بلغه من سوء اعتمادهما ~~، وسيرهما إلى قلعة الجزيرة يعملان فيها . ذكر عود رسل السلطان من جهة صاحب ~~الروم ووصول ms6927 رسله إلى السلطان ما قرره السلطان من بلاده وفي هذا الشهر ، ~~وصل الأمير شرف الدين الجاكي ، والشريف عماد الدين الهاشمي . وكان السلطان ~~قد سيرهما إلى السلطان عز الدين كيكاوس بن كيخسرو صاحب الروم ووصل صحبتهما ~~الأمير ناصر الدين نصر الله بن كوح رسلان أمير حاجب ، والصدر صدر الدين ~~الخلاطي رسولان منه ، ومعهما كتابا إلى السلطان يذكر أنه نزل للسلطان عن ~~نصف بلاده ، وسير درجا فيها علائم بما يقطع من البلاد لمن يختاره السلطان ~~ويؤمره " وسأل أن " يكتب له من جهته منشورا قرين منشور صاحب الروم . فلما ~~وصل الرسل إلى السلطان أكرمهم وجهز جيشا نجدة لصاحب الروم . وأمر بكتب ~~المناشير ، وعين الأمير ناصر الدين أغلمش السلاح دار الصالحي لتقدمه الجيش ~~، وعين له ثلاثمائة فارس ، وأقطعه في الروم ، وكتب للأمير ناصر الدين ~~الرسول المذكور منشورا بثلاثمائة فارس وأقطعه أمد وأعمالها ، وتقرر سفره ~~صحبة العسكر ، وأن يتوجه صدر الدين رفيقه في البحر صحبة رسل السلطان . ووقع ~~الاهتمام في كتب المناشير وتجريد الأمراء من الشام وحلب . وفي شهر رجب من ~~السنة ، وصل الأمير عماد الدين ولد الأمير مظفر الدين صاحب صهيون رسولا من ~~جهة أخيه الأمير سيف الدين ، وصحبته الهدايا الحسنة . فأحسن السلطان إليه ~~وكتب له منشورا في بلاد حلب بثلاثين فارسا ، وكتب له منشورا آخر في بلاد ~~الرومية بمائة طواش . وفي هذه المدة ورد كتاب صاحب الروم يذكر أن العدو لما ~~بلغهم إتفاقه مع السلطان ولوا هاربين ، وأنه سير إلى قونية يحاصرها ليأخذ ~~من بها من أصحاب أخيه . وفي هذا التاريخ ، وصلت كتب الأمير علاء الدين ~~الخزندار مقدم العسكر PageV30P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" المتوجه إلى الصعيد بسبب العربان عندما قتلوا ~~الأمير عز الدين الهواش متولي الأعمال القوصية يذكر تبديد شملهم وأبادتهم ~~وأنه أراح المسلمين من فسادهم . وفي شعبان منها توالى وصول جماعة ممن كان ~~صحبة الأمير شمس الدين أقش البرلي من العزيزية والناصرية ، فأحسن السلطان ~~إليهم ، ولم يأخذهم بما كان منهم ذكر عود رسل السلطان من جهة الأشكري وخبر ~~مسجد القسطنطينية وفي هذه السنة ms6928 ، وصل الأمير فارس الدين أقش المسعودي الذي ~~كان توجه رسولا إلى الأشكري ، وكان الأشكري ، قد سير رسولا إلى السلطان ~~يلتمس بطركا للنصاوى الملكيين فعين لذلك الرشيد الكحال ، وسير إليه صحبه ~~الأمير فارس الدين المذكور ، فأكرمه الأشكري وأكرم من صحبه من الأساقفة ~~وصادف وصولهم إلى الأشكري فتح القسطنطينية فركب يوما ليفرج فارس الدين ~~المذكور فيها وفي عمارتها . فمر بمكان وقال : هذا جامع ، وقد أبقيته ليكون ~~ثوابه للسلطان ، فلما سمع السلطان هذا الخبر استبشر به وفرح فرحا عظيما . ~~وأمر لوقته بتجهيز الحصر العبداني والقناديل المذهبة والستور المرموقة ~~والسجادات والمباخر والعنبر والعود وللمسك وماء الورد . وهذا المسجد كانت ~~عمارته في سنة ست وتسعين للهجرة . وكان قد وقع الصلح مع الروم على أن يبني ~~بها مسجد جامع فبنى . ولما طالت المدة جعلوه حبسا . وقيل : أن الصلح كان قد ~~تقرر على أن يبني مسجد قدر جلد بعير ، وتقررت العهود على ذلك فعمد المسلمون ~~إلى جلد بعير فقدروه سيورا ومدوها . فأنكر ذلك فقال المسلمون : هذا جلد ~~بعير ، لم نزد عليه شيئا ، وعليه وقع الاتفاق . فسكتوا وقيل : إن بانيه ~~مسلمة بن عبد الملك في أيام أخيه الوليد . والله أعلم . PageV30P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" ذكر حضور الأمير شمس الدين أقش البرلي العزيزي ~~إلى الديار المصرية قد ذكرنا من أخباره وتردده إلى حلب وقاتله التتار في ~~سنة تسع وخمسين وستمائة ما قدمناه قال المؤرخ : ولم يزل السلطان يكاتبه ~~ويرغبه ويعطيه العهود والمواثيق على الوفاء ، وسير إليه الأمير بدر الدين ~~بكتاش الفحري في رسالة ، وشافهه باليمن ، فقال له الأمير شمس الدين " قد ~~جاءتني رسالة هولاكو يطلبني إليه ، وحلف لي . وهذه رسالة السلطان ويمينه ، ~~وأتاه ، والله " أعلم أنه هولاكو يفي ، وأن السلطان لا يفي " وكان أولاده ~~وأهله بالقاهرة فترجح عنده الحضور فحضر ، ولما وصل إلى دمشق كتب السلطان ~~إلى النواب بخدمته وترتيب الإقامات له في جميع الطرقات والمنازل إلى أن يصل ~~إلى القاهرة وكان متمرضا من جراحة في رجله فجهز إليه الأدوية واهتم بأمره ~~اهتماما عظيما ، وكان وصوله إلى القاهرة في ثاني ms6929 ذي الحجة سنة ستين وستمائة ~~، فركب السلطان لتلقية وحمل إليه من الأموال والأقمشة والخلع والخيول وآلات ~~البيوتات ما لا يكون مثله إلا لملك . ولم يترك شيئا مما يحتاجه الأمراء إلا ~~سيره إليه . وكتب له منشورا بستين فارسا ، وأعطاه طبلخاناه ، وأمر من صحبة ~~من الأمراء . وأعطى كل واحد منهم يحسب حاله . قال : ولما استقر أرسل إلى ~~السلطان يسأله زيادة في الشام أو في نابلس أو في بلاد الصلت أو بعلبك أو ~~حران ، وينزل عن البيرة ، ويقول : إن قدرته تعجز عن حفظها ، فشكره السلطان ~~ولم يقبل البيرة منه . وقال : " أنا أرجو لك الزيادة " وصار السلطان يقربه ~~فيسايره إذا ركب ، ويستشيره إذا جلس ، ويساهمه في كل شيء حتى فيما يكون بين ~~يديه من الطرف ، ولازمه حتى لم يفارقه صيد ولا غيره ، ثم جدد السؤال في ~~قبول البيرة ، فقبلها السلطان منه وأعطاه الرها وغيرها ، وأمر PageV30P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" مماليكه . وسافر في صحبة السلطان إلى الطور ثم ~~قبض عليه لأسباب نذكرها ، إن شاء الله تعالى . ذكر القبض على علاء الدين ~~طيبرس الوزيري نائب السلطنة بالشام وفي سنة ستين وستمائة ، بلغ السلطان عن ~~الأمير الحاج علاء الدين طيبرس الوزيري النائب بدمشق أمور أنكرها عليه ، ~~فسير الأمير عز الدين الدمياطي ، والأمير علاء الدين أيدغدي الحاج الركني ~~فتوجها من الديار المصرية في شوال ، ودخلا إلى دمشق في ثالث ذي القعدة . ~~فلما خرج إليهما ليتلقاهما ووصل إلى الأمير عز الدين الدمياطي أهوى ليكارشه ~~على ما جرت العادة به في السلام ، فقبض الدمياطي بيده على عضد طيبرس وبيده ~~الأخرى على سيفه ، وأنزل عن فرسه وركبوه بغلا ، وقيد وأرسل إلى السلطان ~~ووقعت الحوطة على أمواله وحواصله بدمشق ، وكان قد سير جملة منها مع العرب . ~~وكان طيبرس قد أساء السيرة في أهل دمشق ، وضيق عليهم ، وتسلم الأمير علاء ~~الدين الركني دمشق ينظر فيها إلى حين حضور نائب مستقل . ومن عجيب ما وقع في ~~القبض عليه ما حكاه شمس الدين الجزرى في تاريخه عن الرشيد فرج الله كاتب ~~البيرتات بدمشق ، قال : لما وصل ms6930 الأمراء الذين قبضوا على طيبرس إلى الكسوة ~~طلبني وقال : جهز سماطا جيدا لهؤلاء الأمراء ، وأحضره أنت بنفسك واحترز ~~عليه ، فأنا لا أحضره . قلت : لأي سبب يتأخر مولانا عنه ؟ فأسر إلي وقال : ~~إن هؤلاء جاءوا ليقبضوا على قبل دخولهم إلى دمشق . فقلت : يكفيك الله ، ~~وبكيت . فقال : هذا أمر لا بد منه ، فأبصر أنت كيف تكون . فخرجت من عنده ، ~~وجهزت السماط كما رسم ، وكان من قبض ما تقدم قال الرشيد : فدخلت يوما على ~~الأمير علاء الدين الركني وهو يحكم بدمشق ، فسألني عن أشياء تتعلق بالديوان ~~والسماط . الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري وأثنى عليه خيرا ، فوجدت مجالا ~~للكلام ، فذكرت له هذه الحكاية . فقال لي : أنا أحكي لك أعجب من هذا : بينا ~~أنا في داري بالقاهرة في وقت القايلة وإذا برسل السلطان تستدعيني إليه ، ~~فما شككت حين طلبني في غير الوقت المعتاد أنه يقبض علي . فأوصيت استاداري ~~بما يعتمده ، وودعت أهلي ، وركبت إلى القلعة ، فوافيت الأمير عز الدين ~~الدمياطي وقد طلب كما طلبت ، فتحققنا جميعا إننا نمسك ، ثم دخلنا على ~~السلطان فوجدناه في خلوة ، فلما أقبلنا عليه نهض قائما ، و أكرمنا فقبلنا ~~الأرض بين يديه وزال عنها ما كنا نجده ، ثم PageV30P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" أمرنا بالقرب منه ، فتقد منا حتى التصقت ركبنا ~~بركبتيه ثم أخرج من جيبه ختمة واستحلفنا أننا لا نذيع له سرا ، وأن نفعل ما ~~يأمرنا به ، فحلفنا ، فلما تمت اليمين قال : تتوجه الساعة إلى دمشق ~~وتستصحبا معكما العسكر المقيم بغزة ، وتمسكوا علاء الدين طيبرس نائب الشام ~~، وتكون أنت مكانه ، وإن سمعت هذا الحديث من أحد من خلق الله تعالى قبل أن ~~تفعلاه شنقتكما ، فخرجنا من عنده فلما صرنا تحت القلعة إذا بحرفوش يقول ~~لآخر : هؤلاء رايحين إلى دمشق يقبضوا على طيبرس نائب السلطنة بها ، فأصفر ~~عند ذلك لوني ولون الدمياطي ، وحلفنا جميعا لا نصل إلى بيوتنا ، وقال كل ~~منا لا ستادداره أن يلحقه بهجين وجنيب إلى البئر البيضاء وسقنا من وقتنا ~~إليها . فلحقنا غلمائنا وما نحتاج إليه بعد العصر ، واستمر بنا ms6931 السير حتى ~~نفذنا أمر السلطان . وهذا شيء أجراه الله تعالى على ألسنة عوام مصر ، لا ~~ينطقون بشيء في غالب الأوقات إلا ويكون كذلك . ذكر وصول جماعة من التتار ~~إلى خدمة السلطان قال المؤرخ : كان السلطان قد جهز كشافة من الأمراء وهم ، ~~جمال الدين أقش الرومي السلاح دار من الخواص ومعه الخيول الجياد ، ثم جهز ~~الأمير علاء الدين أفسنقر الناصري ، وكتب إلى الشام بأردافهم ، وأرسل أمراء ~~العربان فساقوا إلى حدود العراق . وكانت الأخبار من جهة القصاد قد وردت أن ~~هولاكو جمع جمعا كبيرا ولم يعلم قصده ، فاحترز السلطان وسير هذه الكشافة . ~~فأمسكوا من وسط التتار جماعة ، واستطلعوا منهم الأخبار ، وكانوا مسلمين ، ~~فأطلقهم الأمير علاء الدين . ولما توالت الأخبار بحركة هولاكو عمل السلطان ~~بالحزم ، وتقدم إلى أهل دمشق بالحضور بأهاليهم لتخف ظهورهم وترخص الأسعار ~~فحضر منهم جماعة كثيرة . وكتب إلى النواب بحلب بحريق الأعشاب ، وسير جماعة ~~إلى بلاد آمد ومواضع الأعشاب فأحرقوا من المروج مسيرة عشرة أيام ، وكذلك ~~أعشاب بلاد خلاط حتى صارت كلها رمادا . ثم ورد كتاب الأمير الحاج علاء ~~الدين أقسنقر الناصري أن الكشافة وجدوا PageV30P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" جماعة كثيرة من التتار مستأمنين وافدين إلى ~~باب السلطان ، وأنهم من أصحاب الملك بركة ، وكانوا نجدة عند هولاكو ، فلما ~~وقع بينهما كتب الملك بركة إليهم بالحضور إليه وإن عجزوا ينحازوا إلى عسكر ~~الديار المصرية وأنهم يذكرون أن العداوة قد استحكمت بين الملكين هولاكو ~~وبركة ، وأن ولد هولاكو قتل في المصاف ، وأنهم فوق مائتي فارس ، فكتب ~~السلطان إلى نواب الشام بإكرامهم وترتيب الإقامات لهم في الطرقات وحمل ~~الخلع إليهم وإلى نسائهم ، وأحسن إلى مقدميهم الأربعة ، فوصلوا يوم الخميس ~~رابع عشرين ذي الحجة سنة ستين ، وخرج السلطان للقائهم يوم السبت السادس ~~والعشرين من الشهر . وكان السلطان قد رسم بعمارة أدر ومساكن لهم بقرب اللوق ~~، فسكنوها ، فحملت إليهم الخلع وسيقت الخيول ، وفرقت فيها الأموال ، ولعبوا ~~الكرة مع السلطان ، وأمر أكابرهم بمائة فارس فما دونها ، ونزل بقيتهم في ~~جملة بحريته ومماليكه ، وأفردت لهم جهات يستخرج منها ms6932 مرتبهم . وأسلموا وحسن ~~إسلامهم . وبلغ التتار ما نال هؤلاء من الإحسان وما شملهم من الأنعام ~~فتوافدوا جماعة بعد جماعة ، والسلطان يعتمد مع كل من يحضر منهم مثل ما ~~اعتمد مع من قبلهم . ذكر إنفاذ الرسل إلى الملك بركة قال : ولما وصلت جماعة ~~التتار إلى السلطان ، واستطلع منهم الحال وعرف أحوال الملك بركة ومقامه ~~والطريق إليه جهز إليه رسله وهم : الأمير سيف الدين كشربك وهو رجل تركي كان ~~جمدار السلطان خوارز مشاه يعرف البلاد واللغات ، والفقيه مجد الدين ~~الروذراورى ، وسير صحبتهم نفرين من التتار الذين وصلوا إليه من أصحاب الملك ~~بركة . وكتب على أيدي الرسل كتابا يستميله ويحثه على الجهاد ، ويصف العساكر ~~الإسلامية وكثرتهم وعدة أجناسهم من الترك وعشاير الأكراد وقبائل العربان ~~ومن أطاعها من الملوك الإسلامية والفرنجية ، ومن خالفها ، ومن وافقها ، ومن ~~PageV30P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" هاداها وهادنها ، وأن جميعها في طاعته وسامعه ~~لإشارة إلى غير ذلك من الإغراء بهولاكو وتهوين أمره وتقبيح الغفلة عنه ، ~~وأعلمه بوصول من وصله من التتار وادعائهم أنهم من أصحابه ، وأن الإحسان ~~إليهم إنما هو من أجله . وكان الخليفة الحاكم بأمر الله قد حضر وبويع بحضور ~~الرسل وكتب نسبته وأذهبت وأشهد على ثبوت نسبه ، وسير ذلك إلى الملك بركة . ~~وزود الملك الظاهر الرسل لمدة شهور ، وتوجهوا في المحرم سنة إحدى وستين . ~~ووصلوا إلى بلاد الأشكري فأحسن إليهم وصادف وصولهم وصول رسل الملك بركة إلى ~~الأشكري ، فسيرهم صحبتهم ورجع الفقيه مجد الدين لمرض حصل له ، وتوجه الرسل ~~صحبة رسل الملك بركة : الأمير جلال الدين والشيخ نور الدين علي ، ووصلت كتب ~~الأشكري أن رسل السلطان توجهوا سالمين . ذكر تفويض نيابة السلطنة بالشام ~~إلى الأمير جمال الدين النجيبي الصالحي قال : ولما تسلم الأمير علاء الدين ~~الركني مدينة دمشق على ما قدمناه اختار السلطان الأمير جمال الدين أقش ~~النجيبي الصالحي لنيابة السلطنة بدمشق ، وجهز معه الصاحب عز الدين عبد ~~العزيز بن وداعة وزير الشام . وكان قد حصل بينه وبين الأمير علاء الدين ~~طيبرس مفاوضات أوجبت حضوره إلى الباب السلطاني صحبة ms6933 الركاب الشريف فرسم ~~بعوده على وظيفته . وفي هذه السنة في ذي القعدة ، خرج أمر السلطان لقاضي ~~القضاة تاج الدين أن يستنيب نوابا من المذاهاب الثلاثة ، فاستناب القاضي ~~صدر الدين سليمان الحنفي ، والشيخ شرف الدين عمر السبكي المالكي ، والشيخ ~~شمس الدين الحنبلي . وفيها : اشتد الغلاء بالشام ، وأبيعت غرارة القمح ~~بأربعمائة وخمسين درهما ، والشعير بمائتين وخمسين ، وأبيع القمح بحماة عن ~~كل مكوك أربعمائة درهم ، ثم غلت سائر الأصناف ، ومات خلق كثير من الجوع . ~~وفيها : في ذي الحجة ظهر بالقاهرة عند الركن المخلق معبد وفيه حجر مكتوب ~~عليه هذا مسجد موسى بن عمران عليه السلام ، فجددت عمارته . وهو إلى الآن ~~يعرف بمعبد موسى . PageV30P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" ذكر وفاة شيخ الإسلام عز الدين أبي محمد ابن ~~عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم ابن الحسن بن أبي محمد السلمي ~~الدمشقي الشافعي وشيء من أخباره كانت وفاته ، رحمه الله تعالى ، بالمدرسة ~~الصالحية النجمية بالقاهرة المعزية ، في يوم السبت قبيل العصر من جمادى ~~الأول سنة ستين وستمائة ، ودفن يوم الأحد قبل الظهر بسفح المقطم . ومولده ~~تقريبا في سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة ، وولي من المناصب الدينية ~~بدمشق : تدريس زاوية الغزالي ، وخطابة الجامع الأموي . وولي بالديار ~~المصرية : القضاء بمصر والوجه القبلي ، وخطابة جامع عمرو بن العاص ، وتدريس ~~المدرسة الصالحية بالقاهرة ، والنظر في عمارة المساجد بالقاهرة ومصر . وكان ~~، رحمه الله تعالى ، أحد أئمة المسلمين ، إليه انتهت الفتيا في زمانه ، ~~وصنف التصانيف المشهورة ، منها : الإمام في أدلة الأحكام ، وقواعد الفقه ~~الكبرى ، والوسطى ، والصغرى ، والغابة في اختصار النهاية ، وجمع بين الحاوي ~~والنهاية ، واختصر الشامل لابن الصباغ ، واختصر الكشاف ، واختصر تفسير ابن ~~عباس والماوردي ، وفسر سورة البقرة في مجلدة ، وفسر من سورة يس إلى سورة ~~الناس ، واختصر صحيح مسلم في مجلدين ، وعمل عليهما حواشي مفيدة ، واختصر ~~الرعاية ، وصنف في الزهد شجرة المعارف ، وغير ذلك من التصانيف المفيدة . ~~وكان ، رحمه الله ، كثير الزهد والإيثار ، لا يعتني بالملابس ، ولا يكترث ~~بها ، ولا تأخذه في الله لومة لائم ولا يخشى سطوة ملك ms6934 ، لم يزل يصدع الملوك ~~بمر الحق ، ويفتي بحكم الله وسنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإن خالف ~~ذلك آراء الملوك واعتقادهم ، وكرهوه منه ، ونهوه عنه فلا يرجع عما علمه ، ~~ويطلب المناظرة عليه . واتفقت له وقائع مع الملوك راموا فيها قتله ، فحماه ~~الله تعالى منهم ، وهي وقائع تدل على صلابة دينه ، وحسن يقينه ، وتمسكه من ~~السبب الأقوم بمتينه . منها : واقعته مع الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن ~~الملك العادل صاحب دمشق في مسألة الكلام . وكان الملك الأشرف قد صحب جماعة ~~من مبتدعة الحنابلة من صغره ممن يقول بالحرف والصوت ، فاستمالوه إلى مذهبهم ~~وقرروه عنده حتى أمتزج بلحمه ودمه ، واعتقد كفر من يعتقد خلافه وأنه مباح ~~الدم . وكان في ابتداء سلطنته يميل إلى الشيخ عز الدين لما يبلغه عنه ، ~~وقصد حضوره إليه ، والشيخ يأبى PageV30P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" ذلك ويمنع منه ولا يجيب إليه . فألقى إلى ~~السلطان من صحبه من الحنابلة أن الشيخ مخالف لرأيه مباين لمذهبه ، وأنه ~~يقدح فيمن يعتقده ويذمه ويسبه ، فاتهمهم السلطان في ذلك ، وطلب منهم تحقيقه ~~عنده ، فاجتمعوا وكتبوا فتيا في مسألة الكلام وأرسلوها إلى الشيخ ، وكان قد ~~اتصل به خبر مكيدتهم ، فلما أتته كتب عليها بما يعتقده من تعظيم الله تعالى ~~وتنزيهه وتوحيده ، وأنه حي مريد سميع بصير عليم ، قدير متكلم قديم أزلي ليس ~~بحرف ولا صوت ولا يتصور في كلامه أن ينقلب مدادا في الألواح والأوراق ، بل ~~الكتابة من أفعال العباد ، ولا يتصور في أفعالهم أن تكون قديمة ، ويجب ~~احترامها لدلالتها على ذاته ، كما يجب احترامها لدلالتها على صفاته . وأطال ~~في الفتيا وبسط الكلام واستدل ، ونفى عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ، ~~وأكابر أصحابه خلاف ذلك ، وأخرج الفتيا من يده وقد تحقق ما يؤول أمرها إليه ~~، فعرضت على السلطان ، ومن عرضها لا يشك أن فيها سفك دم الشيخ . فلما وقف ~~عليها استشاط غضبا وقال : صح عندي ما قالوه عنه ، وتكلم في حقه بأشنع ~~الكلام ، وكفره ، وكان ذلك في شهر رمضان ، وقد اجتمع على سماطه القضاة ~~والعلماء ms6935 ، فما استطاع أحد منهم أن يرد عليه لما عنده من الحرج . فقال ~~بعضهم : السلطان أولى بالعفو والصفح لا سيما في مثل هذا الشهر ، وموه آخرون ~~بكلام يوهم صحة فذهب خصمه ، ثم انفصلوا من المجلس . فنهض في ذلك الشيخ جمال ~~الدين أبو عمرو بن الحاجب المالكي ، رحمه الله تعالى ، وهو عالم مذهبه في ~~زمانه . واجتمع بالقضاة والأعيان الذين حضروا المجلس ، ووبخهم ولامهم وشدد ~~عليهم النكير كونهم ما ذكروا الحق وكونهم سألوا العفو والصفح ، وقال : هذا ~~يوهم الذنب ، ولم يزل إلى أن أخذ خطوطهم بموافقة الشيخ . فعند ذلك التمس ~~الشيخ من السلطان أن يعقد مجلسا للشافعية والحنابلة ويحضره المالكية ~~والحنفية وغيرهم من علماء المسلمين . وقال : الذي يعتقد في السلطان أنه إذا ~~ظهر له الحق يرجع إليه ، وأنه يعاقب من موه الباطل عليه ، وهو أولى الناس ~~بموافقة والده السلطان الملك العادل ، تغمده الله برحمته ، فأنه كان قد عزر ~~جماعة من أعيان الحنابلة المبتدعة تعزيرا بليغا رادعا وبدع بهم وأهانهم . ~~فأجابه السلطان بخطه ما مثاله : بسم الله الرحمن الرحيم " وصل إلي ما ~~التمسه الفقيه ابن عبد السلام ، أصلحه الله ، من عقد مجلس وجمع المفتيين ~~والفقهاء . وقد وقفنا على خطه وما أفتى به ، وعلمنا من عقيدته ما أغنى عن ~~PageV30P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" الاجتماع به . ونحن فنتبع ما عليه الخلفاء ~~الراشدون الذين " قال " ( صلى الله عليه وسلم ) ، في حقهم . " عليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " . وعقائد الأئمة الأربعة فيها كفاية لكل ~~مسلم يغلب هواه ويتبع الحق ويتخلص من البدع ، اللهم إلا أن كنت تدعي ~~الاجتهاد فعليك أن تثبت ، ليكون الجواب على قدر الدعوى لتكون صاحب مذهب ~~خامس . وأما ما ذكرته عن الذي جرى في أيام والدي ، تغمده الله برضوانه ، ~~فذلك الحال أنا أعلم به منك . وما كان له سبب إلا فتح باب السلامة ، لا ~~لأمر ديني وجرم جره سفهاه قوم فحل بغير جانيه العذاب . ومع هذا فقد ورد في ~~الحديث الفتنة نائمة ، لعن الله مثيرها ؛ ومن تعرض إلى إثارتها قابلناه بما ~~يخلصنا من الله ، وما ms6936 يعضد كتاب الله وسنة رسوله " . فلما وصلت هذه الرقعة ~~إلى الشيخ قرأها ، وقال للرسول : اذهب فقد وصلت . فقال : تقدمت الأوامر ~~المطاعة السلطانية بإحضار جوابها ، فكتب الشيخ ما مثاله : بسم الله الرحمن ~~الرحيم " فوربك لنسألنهم أجمعين . عما كانوا يعملون " أما بعد حمدا لله ~~الذي جلت قدرته وعلت كلمته وعمت رحمته وسبغت نعمته ، فإن الله تعالى قال ~~لأحب خلقه إليه وأكرمهم لديه : " وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل ~~الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون " وقد أنزل الله تعالى كتبه ~~وأرسل رسله بنصائح خلقه . فالسعيد من قبل نصائحه وحفظ وصاياه . وكان فيما ~~أوصى به خلقه أن قال : " يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ~~أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " وهو سبحانه وتعالى ~~أولى من قبلت نصيحته وحفظت وصيته . وأما طلب المجلس وجمع العلماء فما حملني ~~عليه إلا النصح للسلطان وعامة المسلمين . وقد سئل رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) عن الدين فقال : " الدين النصيحة " ؛ قيل لمن ؟ يا رسول الله : ~~قال : " لله وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم " ، فنصح الله بامتثال ~~أوامره واجتناب نواهيه ، ولكتابه بالعمل بمواجبه ، وللائمة بأرشادهم إلى ~~أحكامه والوقوف عند أوامره ونواهيه ، ولعامة المسلمين بدلالتهم على ما ~~يقربهم إليه ويؤلفهم لديه . وقد اديت ما علي في ذلك . والفتيا التي وقعت في ~~هذه القضية يوافق عليها علماء المسلمين من الشافعية والمالكية والحنفية ~~والفضلاء من الحنابلة ؛ وما يخالف في ذلك إلا رعاع لا يعبأ الله ~~PageV30P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" بهم ، وهو الحق الذي لا يجوز دفعه ، والصواب ~~الذي لا يمكن رفعه . ولو حضر العلماء مجلس السلطان أعلم صحة ما أقول ~~والسلطان أقدر الناس على تحقيق ذلك . وقد كتب الجماعة خطوطهم بمثل ما قلته ~~، وإنما سكت من سكت في أول الأمر لما رأوا من غضب السلطان . ولولا ما ~~شاهدوه من غضب السلطان لما أفتوا أولا إلا بما رجعوا إليه آخرا . ومع ذلك ~~فيكتب ما ذكرته في هذه الفتيا وما ذكره الغير ، ويبعث إلى بلاد ms6937 الإسلام ~~ليكتب فيها من يجب الرجوع إليه ويعتمد في الفتيا عليه . ونحن نحضر كتب ~~العلماء المعتبرين ليقف عليها السلطان . وبلغني أنهم ألقوا إلى سمع السلطان ~~أن الأشعري يستهين بالمصحف . ولا خلاف بين الأشعرية وجميع علماء المسلمين ~~أن تعظيم المصحف واجب . وعندنا أن من استهان بالمصحف أو بشيء منه فقد كفر ، ~~وانفسخ نكاحه ، وصار ماله فيئا للمسلمين ، وتضرب عنقه ، ولا يغسل ، ولا ~~يكفن ، ولا يصلى عليه ، ولا يدفن في مقابر المسلمين ، بل يترك بالقاع طعمة ~~للسباع . ومذهبنا أن كلام الله سبحانه وتعالى قديم أزلي قائم بذاته ، لا ~~يشبه كلام الخلق ، كما لا تشبه ذاته ذات الخلق ولا يتصور في شيء من صفاته ~~أن يفارق ذاته ، إذ لو فارقته لصار ناقصا ، تعالى الله عما يقول الظالمون ~~علوا كبيرا ، وهو مع ذلك مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء بالألسنة ~~، وصفة الله القديمة ليست بمداد الكاتبين ولا ألفاظ اللافظين . ومن اعتقد ~~ذلك فقد فارق الدين وخرج عن عقائد المسلمين بل لا يعتقد ذلك إلا جاهل غبي ، ~~وربنا المستعان على ما تصفون . وليس رد البدع وإبطالها من باب إثارة الفتن ~~. فإن الله سبحانه وتعالى أمر العلماء بذلك ، وأمرهم ببيان ما علموه . ومن ~~امتثل أمر الله ونصر دين الله لا يجوز أن يلعنه رسول الله . وأما ما ذكر من ~~أمر الاجتهاد والمذهب الخامس : فأصول الدين ليس فيها مذاهب فإن الأصل واحد ~~، والخلاف في الفروع . ومثل هذا الكلام مما اعتمدتم فيه قول من لا يجوز أن ~~يعتمد قوله . والله أعلم بمن يعرف دينه ويقف عند حدوده . PageV30P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" وبعد ذلك فأنا نزعم أنا من جملة حزب الله ~~وأنصار دينه وجنده . وكل جندي لا يخاطر بنفسه فليس بجندي . وأما ما ذكر من ~~أمر باب السلامة ، فنحن تكلمنا فيه بما ظهر لنا من أن السلطان الملك العادل ~~، تغمده الله برحمته ، إنما فعل ذلك إعزازا للدين ونصرة للحق . ونحن نحكم ~~بالظاهر والله يتولى السراير ، والحمد لله وحده ، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه وسلم " . وكتب الشيخ هذا ms6938 الجواب مسترسلا بحضرة رسول السلطان ، ~~ودفعه إليه . فلما قرأه السلطان اشتد غضبه وأرسل إليه أستادداره غرس الدين ~~خليلا برسالة ؛ وكان غرس الدين يحب الشيخ ويعتقده ، فحضر إليه وجلس بين ~~يديه ، وتلطف به واستأذنه في أداء الرسالة ، فقال : أدها كما قبلت لك . ~~فقال : يقول لك السلطان : " إنا قد شرطنا عليك ثلاثة شروط أحدها : ألا تفتي ~~، والثاني : ألا تجتمع بأحد ، والثالث : أن تلزم بيتك " . فقال له : إن هذه ~~الشروط من نعم الله الجزيلة علي ، المستوجبة للشكر لله تعالى على الدوام . ~~أما الفتيا : فإني والله كنت متبرما بها وأكرهها . وأعتقد أن المفتي على ~~شفير جهنم . ولولا أني كنت أراها متعينة علي لما أفتيت . والآن فقد سقط عني ~~الوجوب وتخلصت ذمتي ولله الحمد والمنة . وأما ترك اجتماعي للناس ولزومي ~~لبيتي : فهذا من سعادتي لتفرغي لعبادة الله تعالى . والسعيد من لزم بيته ~~وبكى على خطيئته واشتغل بطاعة الله تعالى . وهذا تسليك من الحق ، وهدية من ~~الله تعالى إلي أجراها على يد السلطان وهو غضبان وأنا بها فرحان . والله لو ~~كان عندي خلعة تصلح لك على هذه الرسالة المتضمنة لهذه البشارة لخلعتها عليك ~~ونحن على الفتوح ، خذ هذه السجادة صل عليها فقبلها الحاجب وقبلها ، وانصرف ~~إلى السلطان وقص عليه ما قاله الشيخ . فقال لمن حضره : قولوا لي ما أفعل به ~~، هذا رجل يرى العقوبة نعمة ، اتركوه ، بيننا وبينه الله . وبقي على ذلك ~~ثلاثة أيام إلى أن ركب الشيخ العلامة جمال الدين الحصيري شيخ الحنفية حماره ~~وتوجه إلى القلعة ، وكان معظما عند السلطان وقد جمع العلم والعمل ، فلما ~~بلغ السلطان وصوله إلى القلعة أرسل خواصه يتلقونه ، وأمرهم أن يدخلوا به ~~إلى داره على حماره ففعل . ولما رآه السلطان وثب إليه وتلقاه ، وأنزله عن ~~حماره وأجلسه على تكرمته واستبشر به . وكان ذلك عند غروب الشمس . فلما أذن ~~PageV30P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" المؤذن وصلوا المغرب قدم السلطان إليه شرابا ~~وناوله إياه بيده . فقال : ما جئت إلى طعامك ولا إلى شرابك . فقال : يرسم ~~الشيخ ونحن نمتثل أمره . فقال : أي شيء بينك ms6939 وبين ابن عبد السلام ؟ هذا رجل ~~لو كان في الهند أو في أقصى الدنيا كان ينبغي للسلطان أن يسعى في حلوله في ~~بلاده لتتم بركته عليه وعلى بلاده ويفتخر به سائر الملوك . قال : عندي خطه ~~باعتقاده في فتيا ، وخطه أيضا في رقعة جواب رقعة سيرتها إليه . فيقف الشيخ ~~عليهما ويكون الحكم بيني وبينه . ثم أحضر الورقتين فقرأهما الشيخ وقال : ~~هذا اعتقاد المسلمين و شعار الصالحين ونفس المؤمنين ، وكل ما فيهما صحيح ، ~~ومن خالف ما فيهما وذهب إلى ما قاله الخصم من إثبات الحرف والصوت فهو حمار ~~. فقال السلطان : نحن نستغفر الله مما جرى ، ونستدرك الفارط في حقه ، والله ~~لأجعلنه أغنى العلماء . وأرسل إليه واسترضاه ، وطلب محاللته ومخاللته . ~~وتقدم السلطان إلى الفريقين بالإمساك عن الكلام في مسألة الكلام وألا يفتي ~~أحد فيها بشيء سدا لباب الخصام . ثم وصل السلطان الملك الكامل إلى دمشق . ~~وكانت الواقعة قد اتصلت به ، فرام الاجتماع بالشيخ فاعتذر إليه ، فطلب أن ~~يكتب له سورة الواقعة مستقصاة ، فأمر ولده الشيخ شرف الدين أن يكتب ذلك من ~~أوله إلى آخره ففعل . وأرسله إلى الملك الكامل فقرأه وكتمه . ثم سأل أخاه ~~الملك الأشرف عن الواقعة . فقال : منعت الطائفتين من الكلام في المسألة ، ~~وانقطع بذلك الخصام . فقال له السلطان الملك الكامل : ليست هذه سياسة حسنة ~~، نساوي بين أهل الحق والباطل ، وتمنع أهل الحق من الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر ، وتأمرهم أن يكتموا ما أنزل الله إليهم . كان الطريق أن تمكن ~~أهل السنة أن يلحنوا بحججهم وأن يظهروا دين الله ، إلى غير ذلك من الكلام . ~~وتحقق الملك الأشرف صحة ما قاله الشيخ وصرح بخجله منه ، وصار يترضاه ، ~~ويعمل بفتاويه ، ويأمر أن يقرأ عليه تصانيفه الصغار مثل : الملحة في اعتقاد ~~أهل الحق ، ومقاصد الصلاة ، وكرر قراءتها عليه في يوم ثلاث مرات . واستمر ~~الحال على ذلك إلى أن مرض الملك الأشرف مرضة موته . وأرسل أكبر أصحابه إلى ~~الشيخ وقال : قل للشيخ محبك موسى بن العادل أبي بكر يسلم عليك ويسألك أن ~~تعوده وتدعو له ms6940 وتوصيه بما ينتفع به غدا عند الله تعالى . فأبلغه الرسول ~~الرسالة ، فتوجه إلى السلطان فسر برؤيته ، وقال له اجعلني في حل ، وادع لي ~~، وأوصني ، وانصحني : ففعل الشيخ ذلك ، وتحدث معه في أشياء منها : إبطال ~~PageV30P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" المنكرات بدمشق . فأمر بإبطالها ، وتولى الشيخ ~~إزالة بعضها بنفسه ، وأطلق السلطان له ألف دينار عينا ، فردها عليه : هذه ~~اجتماعه لله تعالى ، لا أكدرها بشيء من الدنيا . ثم مات الملك الأشرف إثر ~~ذلك . ولما حضر الملك الكامل إلى دمشق وانتزعها من أخيه الصالح إسماعيل كما ~~تقدم ، حضر الشيخ إلى مجلس السلطان فأكرمه ، وفوض إليه تدريس زاوية الغزالي ~~بجامع دمشق ثم فوض إليه قضاء القضاة بعد ذلك بدمشق . فاشترط شروطا كثيرة ~~ولم يله . وقيل أنه تولاه مدة يسيرة وعزل نفسه . ثم كانت واقعة مع الملك ~~الصالح عماد الدين إسماعيل " بن العادل " صاحب دمشق " عندما أذن للفرنج في ~~دخول دمشق وشراء السلاح . . . فأفتى الشيخ عز الدين ابن عبد السلام بتحريم ~~بيع السلاح للفرنج . . . وكان الصالح غائبا عن دمشق فورد كتابه بعزل ابن ~~عبد السلام . وولى خطابة " دمشق ، بعد عز الدين بن عبد السلام ، علم الدين ~~داود بن عمر بن يوسف بن خطيب بيت الآبار . فلما سلم الملك الصالح صفد ~~والشقيف وغير ذلك للفرنج وصالحهم ، كما تقدم ، امتنع " الشيخ ابن عبد ~~السلام " من الدعاء له على المنبر الجامع بدمشق فكان من خبر عزله واعتقاله ~~وخروجه من الشام ووصوله إلى الديار المصرية وولايته الخطابة بجامع عمرو بن ~~العاص بمصر ، والقضاء بمصر والوجه القبلي ، وعزله نفسه مرة بعد أخرى ، وغير ~~ذلك من أحواله ما قدمناه في أخبار الدولة الصالحية النجمية . ولم يزل الشيخ ~~، رحمه الله تعالى ، معظما عند الملك الصالح وغيره من الملوك بعده بالديار ~~المصرية يرجعون إلى رأيه ويعتمدون على فتاويه ، ويقف الأكابر عند أوامره ~~إلى أن ملك السلطان الملك الظاهر فزاد في تعظيمه وإكرامه وبره ، واستشاره ~~في ابتداء دولته فيما يفعله مما فيه صلاح دولته ، فقال له : إن الدولة لا ~~تقوم إلا بأمرين ؛ أحدهما : قيام الشرع الشريف ms6941 . والثاني : تحصيل الأموال ~~من وجوهها ، ولا أرى لمنصب القضاء مثل تاج الدين عبد الوهاب يريد ابن بنت ~~الأعز ، وللوزارة مثل بهاء الدين علي . فرجع السلطان إلى رأيه وتمسك بقوله ~~، وفوض المنصبين لهما ، فقام كل منهما في منصبه أحسن قيام . وحمدت عاقبة ~~هذه الولاية ، وشكر سداد هذا الرأي . ولما توفى الشيخ ، رحمه الله تعالى ، ~~تألم السلطان لفقده ، وشيع جنازته أمراء PageV30P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" الدولة وأكابرها ، وحملوا نعشه إلى أن وضع في ~~قبره ، رحمه الله تعالى . وهذا الذي أوردته من أخبار الشيخ في مسألة الكلام ~~نقلته من خط ولده الشيخ شرف الدين محمد ، رحمه الله تعالى . وفضائله ~~ومناقبه ، رحمه الله تعالى ، كثيرة . وقد أتينا منها بما يدل على مجموعها . ~~وفيها : أيضا توفى الصاحب كمال الدين عمر ، ابن قاضي القضاة نجم الدين أبي ~~الحسن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى ابن عيسى ~~بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة الحنفي المعروف بابن العديم الحلبي ، كان ~~فاضلا أديبا شاعرا كاتبا رئيسا مؤرخا ، وكانت وفاته بمصر في العشرين من ~~جمادى الأولى سنة ستين وستمائة ، ودفن بسفح المقطم ، ومولده بحلب في العشر ~~الأول من ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة . واستهلت سنة إحدى وستين ~~وستمائة ذكر البيعة للإمام الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد العباسي كان ~~وصوله إلى الديار المصرية في سنة ستين وستمائة فتلقاه السلطان وأكرمه وخدمه ~~، وأنزله بقلعة الجبل ، وأدر عليه النفقات ، ثم بايعه في يوم الخميس الثاني ~~من المحرم سنة إحدى وستين وستمائة على ما قدمناه ذكره في أخبار الدولة ~~العباسية . ذكر القبض على الملك المغيث صاحب الكرك واعتقاله كان القبض على ~~الملك المغيث فتح الدين عمر صاحب الكرك في يوم السبت السا بع والعشرين من ~~جمادى الأول سنة إحدى وستين وستمائة . وذلك أن السلطان توجه من قلعة الجبل ~~المحروسه لقصد الشام في سابع شهر ربيع الآخر من السنة ، PageV30P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" وخيم بظاهر القاهرة إلى أن تجهز الناس ، ورحل ~~في حادي عشر الشهر ms6942 فوصل إلى غزة المحروسة فوجد والدة الملك المغيث بها ، ~~فأحسن إليها وأنعم عليها ، وأعطاها شيئا كثيرا ، وحصل الحديث معها في حضور ~~ولدها " إلى السلطان " ، وتقررت الأمور سرا ولم يعلم أحد بما تقرر ، وأعاد ~~عليها العطاء والإنعام وعلى كل من حضر معها ، وتوجهت صحبتها الأمير شرف ~~الدين الجاكي المهندار ، برسم تجهيز الإقامات للملك المغيث إذا حضر من ~~الكرك . ونظر السلطان في أمر أمراء التركمان وخلع عليهم . وأحضر أمراء ~~العابد وجرم وثعلبة وضمنهم البلاد ، وألزمهم بالعداد وشرط عليهم إقامة خيل ~~البريد في المراكز . ثم سار من غزة ونزل الطور ، في ثاني عشر جمادى الأول . ~~وسير الملك الأشرف صاحب حمص إلى السلطان يلتمس الإذن له في الحضور إلى ~~الخدمة فأذن له ، فحضر في نصف الشهر فتلقاه السلطان وأحسن إليه . وصارت رسل ~~الملك المغيث تتوالى إلى السلطان وهو ينعم عليهم . وخرج " إليه " الملك ~~المغيث من الكرك وأقام مدة في الطريق . وأظهر السلطان من الاحتفال بأمره ~~شيئا كثيرا وخدعه أعظم خديعة . ولما وصل الملك المغيث إلى بيسان ركب ~~السلطان لتلقيه فالتقاه وساق الملك المغيث إلى جانبه ، فلما وصل إلى باب ~~الدهليز ترجل ودخل إلى الخيمة فأدخل إلى خركاه PageV30P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" واحتيط عليه وعلى أصحابه . وكان السلطان قد ~~استدعى قبل ذلك قاضي القضاة بدمشق والعلماء وأظهر أن ذلك لمبايعته ، ولم ~~يطلع أحد على غير ذلك . فلما وقعت الحوطة على الملك المغيث أحضر السلطان ~~الملوك والأمراء وقاضي القضاة والشهود والأجناد ورسل الفرنج وأخرج كتبا من ~~جهة العدو المخذول إليه . وقال الأتابك لمن حضر : " السلطان يسلم عليهم ~~ويقول ما أخذت الملك المغيث إلا بهذا السبب " . وقرئت الكتب . وانصرف الملك ~~الأشرف ومن حضر . وقال للقاضي وجماعة العلماء : ما طلبتكم إلا بهذا السبب . ~~وكتب مكتوب بصورة الحال ، وكتب فيه القاضي والجماعة . ثم جهز الملك الأشرف ~~وركب السلطان لوداعه . وفي اليوم الذي قبض فيه على الملك المغيث جلس ~~السلطان بعد انقضاء المجلس وأمر بالكتب إلى الكرك : يعد من فيها بالإحسان ، ~~ويحذرهم عاقبة مخالفته . وسير الأمير بدر الدين بيسري الشمس والأمير ms6943 عز ~~الدين أيدمر الظاهري أستاد الدار العالية إلى جهة الكرك وجهز الخلع ~~والأموال ليلحقهما بها ، وجهز الملك المغيث عشية النهار إلى الديار المصرية ~~صحبة من أختاره لذلك ، وأطلق أهله وحاشيته ، وسير حريمه إلى مصر وأطلق لهم ~~الرواتب . وكان من خبر وفاة الملك المغيث ما قدمناه في أخباره ، رحمه الله ~~. وفي هذه المنزلة وصلت رسل دار الدعوة ومعهم الهدايا ووصل ولدا الصاحبين ~~مقدمي الدعوة ، فأحسن السلطان إليهما وتوجها . وفيها : أغار السلطان على ~~عكا ، وكان من أخبار الفرنج ما نذكر إن شاء الله تعالى في غزوات السلطان ~~وفتوحاته . ولما رجع السلطان من الغارة توجه إلى نحو الكرك ، وكان رحيله من ~~منزلة الطور في يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الآخرة من السنة . وجرد صحبته ~~جماعة من العسكر وطائفة أخرى صحبة الأمير علاء الدين أمير جاندار إلى ~~الصالحية . ووصل PageV30P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" السلطان إلى القدس الشريف في يوم الجمعة ، ~~فزار تلك الأماكن الشريفة وعاين ما يحتاج إليه من العمارة ، وكتب إلى دمشق ~~يتجهز جميع ما يحتاج إليه من الأصناف والصناع . ثم صلى الجمعة ، وتصدق وكتب ~~بحماية الأوقاف ، وتوجه نحو الكرك . ذكر أخد الكرك وفي يوم الخميس ثالث ~~وعشرين جمادى الآخرة سنة إحدى وستين وستمائة نزل السلطان على الكرك وصحبته ~~العساكر ، وأحضرت السلاليم الخشب من الصلت وغيرها . وكان السلطان قد استصحب ~~من الديار المصرية جماعة من الحجارين والبنائين والنجارين والصناع على أنه ~~يبني الطور ، وأحضر جماعة من دمشق وغيرها وسيروا إلى عين جالوت ، وأشاع أن ~~ذلك لبناء جامع ، ولم يكن ذلك إلا لأجل الكرك . وعزم على الطلوع إليها ~~بنفسه . فخاف أهل الكرك ونزل أولاد الملك المغيث ، وقاضي المدينة ، وخطيبها ~~وجماعة من أهلها ، ومعهم مفاتيح الحصن والمدينة ، وطلبوا العوض فحلف ~~السلطان على ما طلبوا وأرضاهم بالعطاء ، وسير الأمير عز الدين أيدمر أستاد ~~الدار والصاحب فخر الدين لتسلم الحصن . فطلعا في ليلة الجمعة وقت المغرب ~~وتسلماه . ودعى للسلطان في بكرة الجمعة على أسوارها ، ونصبت الصناجق ~~السلطانية على أبراجها . وأصبح السلطان وطلع إلى الحصن في الثالثة من نهار ms6944 ~~الجمعة وجلس في القاعة الناصرية ورتب أحوال الحصن واهتم بأمره ، وعين ~~للقلعة خاصا . وأعطى أولاد الملك المغيث جميع ما حواه الحصن من مال وقماش ~~وأثاث ، وكذلك سائر غلمانهم وجميع الأمراء والمغادرة والأجناد ، ولم يتعرض ~~لأحد منهم في شيء ، ونزلوا جميعهم في ذلك النهار ، وصلى السلطان بها الجمعة ~~وخطب له . ونزل وقت المغرب . وفي يوم الأحد ، سير إلى الملك المغيث الخلع ~~والقماش ، وكذلك " إلى " الطواشي بهاء الدين صندل والأمير شهاب الدين بن ~~صعلوك أتابكة . PageV30P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" وكتب السلطان إلى الشام بحمل الغلال والذخائر ~~والأصناف إليها . وطلع إليها يوم الاثنين وكتب المناشير لعربانها ومن بها . ~~وكانت تزيد على ثلاثمائة منشور في وقت واحد ، وعلم عليها ، وثبتت ، وسلمت ~~لأصحابها بعد تحليفهم بين يدي السلطان ، كل هذا في بعض يوم . وجرد السلطان ~~بها جماعة من البحرية والظاهرية ، واستناب الأمير عز الدين أيدمر أستاد ~~الدار بالكرك ، وأضاف إليه النظر على الشوبك وأعمالها . وحلف مقدمي المدينة ~~وحلف نصارها على الإنجيل ، وحمل ما كان معه إلى الحصن من الزردخاناه ~~والأغنام والشعير وغير ذلك من سائر الأصناف والأقمشة وسبعين ألف دينار عينا ~~، ومائة ألف وخمسين ألف درهم ، وأعطى الأمير عز الدين أستاد الدار ثلاثين ~~ألف درهم وجملة من القماش . وتوجه السلطان إلى القاهرة في يوم الأربعاء " ~~تاسع عشر جمادى الآخرة " فكان دخوله إليها في سابع عشر رجب ، وزينت المدينة ~~أحسن زينة ، وشق السلطان المدينة ، وخلع على الأمراء والمقدمين والمغادرة ~~وجميع حاشيته وغلمانه وأمر ولد الملك المغيث الأكبر : مائة فارس . ذكر ~~القبض على الأمراء وهم : الأمير سيف الدين بلبان الرشيدي والأمير شمس الدين ~~أقش البرلي والأمير عز الدين الدمياطي ، وما نقل من الأسباب الموجبة لذلك ~~وفي شهر رجب الفرد سنة إحدى وستين وستمائة ، قبض السلطان على الأمراء ~~PageV30P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" المذكورين واعتقلهم . وسبب ذلك أن السلطان كان ~~قد أحسن إليهم إحسانا عظيما . وكان مما اعتمده مع الأمير سيف الدين بلبان ~~الرشيدي أنه فوض إليه أمر المملكة ، وأنفذ كلمته ، وأطلق له في كل جمعة ~~خوانين من عنده يمدان بجميع ms6945 ما يحتاج إليه حتى ماء الورد ، إلى غير ذلك . ~~ورتب له في كل شهر كلوتتين زركشا بمائة دينار عينا ، وكلبنداتها ، كل كلبند ~~بأربعين دينارا . كل ذلك زيادة على الإقطاعات العظيمة والمرتبات الكثيرة ، ~~وعلى الإنعام حتى جامكيات البزدارية والفهادين وعليق خيلهم . واشتغل ~~الرشيدي بالشرب واللهو . وأما الأمير عز الدين الدمياطي فإن السلطان أعطاه ~~وزاده ، ومن جملة ما كان بيده نصف مدينة غزة زيادة ، وكتب له توقيعا أنه ~~إذا سافر في جميع المملكة لا يمنع شيئا يطلبه في الشام من غزة إلى الفرات . ~~وأما الأمير شمس الدين البرلي فقد تقدم ما عامله به عند وصوله واستمر ذلك ~~إلى آخر وقت . ثم بلغ السلطان أن الرشيدي قد فسدت نيته فجعل عليه عيونا ~~تحفظ جميع ما يجري منه ، فكان مما أنكر السلطان عليه أن الأمير أسد الدين ~~أستاد دار الملك المغيث أخبر السلطان أن كتاب الرشيدي وصل إلى الملك المغيث ~~يقول له لا تحضر فإن السلطان يريد أن يمسكك . وكان جواب السلطان : " إن كان ~~الملك الرشيدي فلا يحضر ، وإن كان حلف لي فيحضر " . ولم يظهر للرشيدي شيئا ~~من ذلك . ولما سير السلطان الأمير بدر الدين بيسري الشمسي إلى الكرك كتب ~~إلأى السلطان يقول إنني أمسكت كتابا من الرشيدي للكرك يقول : " لا تسلموها ~~" ، ويحسن لهم PageV30P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" التوقف على التسليم ويعرض عليهم الاتفاق معه ~~على أن يحضر هو ويستلمها منهم ويحفظها لهم ، فكتم السلطان ذلك وأمر الأمير ~~بدر الدين بيسري بالأحتراز والتحفظ . ولما توجه السلطان إلى الكرك جعل على ~~الرشيدي عيونا فبلغ السلطان أنه لما نزل الكفرين ونمرين قصد الركوب في ~~أصحابه وممالكه ويسبق إلى الكرك فيدخلها هجما . فركب السلطان إليه ونزل عند ~~ولاطفه ومازحه ، ففاته ما دبره ، وحفظ السلطان عليه الطرقات ، ثم نزل ~~السلطان بركة زيزاء ، فبلغه أن الرشيدي قد عزم على الركوب إلى الكرك فخدعه ~~السلطان بأن أرسل إليه أحد خواصه يبشره بتسليم الكرك . فلما سمع الرشيدي ~~ذلك وقف عن فعله وخلع على المبشر . فلما رجع السلطان من الكرك ونزل غزة قام ms6946 ~~ليسبغ الوضوء على العادة ، وتفرقت الخاصكية للوضوء والتهيؤ لصلاة الجماعة . ~~وقام السلطان يتركع قبل الأذان ، وإذا بالرشيدي قد أقبل في مقدار ثلاثمائة ~~فارس مستعدة من مماليكه والدمياطي والبرلي ، فلما قضى السلطان صلاته شد ~~سيفه ، وقال للأمير شمس الدين سنقر الرومي : ما الذي رأيت ؟ فقال : " جماعة ~~ما جاءوا في خير " . ثم حضر الأمير سيف الدين قلاون الألفي وركب فرسا جيدا ~~ووقف ، واجتمعت الخصاكية . وركب السلطان وأتى الرشيدي فوقف بالقرب من ~~السلطان في مكان ما جرت عادته بالوقوف فيه ، فحضر الأمير عز الدين إيغان ~~الركني فقال للرشيدي : " أراك في هذا المكان ما هذا مكانك يا سيف الدين : ~~ومازحه وما زال به حتى ساق من ذلك المكان وساق الدمياطي والبرلي وتفرقوا . ~~وكان الدمياطي قد جرت منه قضية أخرى وهي أن السلطان لما ملك الكرك وأنزل ~~أولاد الملك المغيث أعطاهم السلطان خلعا وأقمشة وإنعاما كثيرا وأنزلهم في ~~المنظرة التي في الوادي تحت الكرك بقرب منزلة السلطان : سير الدمياطي ضواء ~~وجماعة يمشون حولهم بغير أمر السلطان ، ثم حضر في الليل إليه جماعة من ~~ممالكه بالسيوف متلثمين فكسروا الصناديق وأخذوا القماش الذي كان السلطان ~~أنعم عليهم به ظن منهم أن تقوم فتنة وشوشة في العسكر ولا يعلم أنهم مماليك ~~الدمياطي ، فكشف الله ذلك ، وظهر القماش عند خواص ممالكه ، وأطلع السلطان ~~على ذلك ، وتحدث الأمير شجاع الدين المهندار مع الدمياطي فما أنصف من ~~مماليكه ، وقال : " أنا أغرم عنهم " ، وأحضر بعض القماش ، وقرر أن تكون ~~بدراهم عن بقية ذلك . هذا والسلطان لا يتكلم بكلمة بل كتم ذلك إلى أن استقر ~~بقلعة الجبل فلما PageV30P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" أصبح طلب الرشيدي فاعتقله ، وطلع الأمراء إلى ~~الخدمة في اليوم الثاني ، فأمسك الدمياطي والبرلي وأحسن إلى مماليكهم ~~وخواصهم وأقرهم على أخبارهم ، ولم يغير على أحد منهم ولا تعرض على بيوت ~~الأمراء . ذكر وصول " رسل " الملك بركة قال : ولما وصل السلطان إلى غزة عند ~~عوده من الكرك ، وصل إليه البريد من الأمير عز الدين الحلي نائب السلطنة ~~بالديار المصرية يذكر أن رسل الملك ms6947 بركة وصلوا إلى ثغر الإسكندرية ، وهم ~~الأمير جلال الدين بن القاضي ، والشيخ نور الدين علي ومعهما جماعة ، وبخبر ~~بوصول رسل الملك الأشكري ، ورسل مقدم الجنوية ، ورسل السلطان عز الدين صاحب ~~الروم . فكتب بالإحسان إلى جميعهم ، ولما استقر السلطان بقلعة الجبل أحضرهم ~~واجتمع بهم بحضور الأمراء وغيرهم ، وقرئت الكتب ومضمونها ؛ السلام والشكر ~~وطلب الإنجاد على هولاكو والإعلام بما هو عليه من مخالفة يسق جنكرخان ، وأن ~~جميع ما فعله من إتلاف النفوس بطريق العدوان منه ، وأنني قد قمت أنا وأخوتي ~~الأربعة بحربه من سائر الجهات لإقامة منار الإسلام ، والتمس إنقاذ جماعة من ~~العسكر إلى جهة الفرات لإمساك الطريق على هولاكو ، ويوصي على السلطان عز ~~الدين صاحب الروم ويستمد مساعدته . فأنعم السلطان على الرسل إنعاما عظيما ، ~~ورسم بتجهيز الهدية إلى الملك بركة . قال القاضي محيي الدين عبد الله بن ~~عبد الظاهر : وكان في جملة الهدية ختمة شريفة ذكر أنها خط عثمان بن عفان ~~رضي الله عنه ، ونمر لقات ، وسجادات وذكر أشياء كثيرة من جملتها زرافة ، ~~وسافرت الرسل في سابع عشر شهر رمضان سنة إحدى وستين وستمائة . ذكر توجه ~~السلطان إلى ثغر الإسكندرية وفي سادس شوال سنة إحدى وستين وستمائة ، توجه ~~السلطان إلى ثغر الإسكندرية ، وذلك بعد أن توجه نحو الصيد وتصيد . وكان ~~دخوله إلى الثغر في يوم PageV30P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" الأربعاء مستهل ذي القعدة ، ودخل من باب رشيد ~~. ورسم بمكتوب برد مال السهمين ، وصلة أرزاق الفقراء ، ووضع المظالم ، ثم ~~لعب الكرة ، وخلع على الأمراء ووصلهم بالأموال والأقمشة . وركب لزيارة ~~الشيخ القباري والشاطبي وجلس بدار العدل في يوم الخميس تاسع الشهر وبسط ~~المعدلة وأمر بتطهير الثغر من الخواطي الفرنجيات . ثم رجع السلطان في حادي ~~عشر الشهر . وفي آخر ذي القعدة من السنة نزل السلطان إلى القاهرة ، وعاد ~~الأمير سيف الدين قلاون الألفي ، والأمير علاء الدين أيدغي الركني والأمير ~~حسام الدين بركة خان . وفي ليلة الأربعاء الخامس من ذي الحجة توفي الأمير ~~حسام الدين المذكور ، فحضر السلطان جنازته ومشى فيها . ذكر وصول التتار ~~المستأمنين وفي ms6948 سابع ذي القعدة من السنة ، وردت الكتب من البيرة وحلب أن ~~جماعة من التتار مستأمنة واردة إلى الباب العزيز ، يزيدون على ألف ~~وثلاثمائة فارس من المغل والبهادرية . فكتب السلطان بالإحسان إليهم وتجهيز ~~الإقامات لهم . وفي يوم الخميس السادس والعشرين من ذي الحجة كان وصولهم ، ~~فركب السلطان وتلقاهم ، فنزلوا عندما رأوا السلطان ، وقبلوا الأرض . وكان ~~السلطان قد رسم بعمارة مساكن لهم فعمرت باللوق فنزلوها ، وأحسن إليهم . ثم ~~وردت الكتب بقدوم جماعة أخرى كثبرة منهم . فاحتفل بهم وركب لتلقيهم ثم ورد ~~جماعة أخرى فاعتمد معهم من الإحسان نظير أولئك . وكان الواصل إلى الخدمة في ~~هذه الثلاث مرار من أكابر أمرائهم من يذكر . وهم : كرمون أغا ، وهو الذي ~~فتح بلاد الترك جميعها ، وامتغا أغا ونوكا أغا ، وجبراك أغا ، وقنان أغا ، ~~وطيشور ، وناصغبة ونبتو ، وصجتي PageV30P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" وجوجلان ، واجقرقا ، وأرقدق وصلاعنة وميقتدم ، ~~واجتمعوا بمن كان قد وصل قبلهم وهم : صراغان أغا ومن كان قد وصل معه . ثم ~~عرض السلطان عليهم الإسلام فأسلموا على يديه . وفي هذه السنة أمر السلطان ~~بعمل جامع خام يضرب على يمنة الخيمة السلطانية ، وعمل له محاريب وعدة أبواب ~~ومقصورة برسم السلطان . وفيها : أمر السلطان بعمارة دار العدل تحت قلعة ~~الجبل ، وتجديد بنائها . وفيها : وصلت رسل اليمن بتقادم ومعهم هدايا لخواص ~~الأمراء ، فأمر السلطان بإنفاذها إلى من عينت له وأذن لهم في قبولها . ~~وفيها : عرض السلطان العساكر ، وكان يجلس لذلك في كل خميس واثنين . وفيها : ~~جهز السلطان عرب خفاجة ، وسير الخلع إلى كبراء العراق ، وكتب إلى صاحب ~~شيراز وغيره بالإغراء بهولاكو . وفيها : توفي الأمير فخر الدين أبو الهيجا ~~بن عيسى بن خشترين الأزكشي الكردي أحد الأمراء بدمشق ، وكان شجاعا أبلى في ~~وقعة عين جالوت بلاد حسنا ، رحمه الله تعالى . وفيها : توفي الملك الأشرف ~~مظفر الدين موسى بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك المسعود صلاح ~~الدين أقسيس بن الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل سيف الدين ~~أبي بكر محمد بن أيوب . وكانت وفاته بنابلس في خامس عشر ms6949 ذي الحجة سنة إحدى ~~وستين وستمائة ، ومولده بدار الوزارة بالقاهرة في سنة اثنتين وأربعين ~~وستمائة ، وهو الذي كان قد ملك الديار المصرية في أيام الملك المعز عز ~~الدين أيبك كما تقدم . فلما ملك السلطان الملك الظاهر أمره بالشام ، وخلف ، ~~رحمه الله ، ولدا اسمه ناصر الدين محمد ، ونعته بالملك الكامل . ~~PageV30P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" واستهلت سنة اثنتين وستين وستمائة ذكر تفويض ~~أمر جيش حماة إلى الطواشي شجاع الدين مرشد الحموي وفي أول هذه السنة طلب ~~السلطان الطواشي المذكور وتحدث في اشتغال صاحب حماة مخدومه بالملاذ واللهو ~~، وقال : " كتب إليه أو تنبهه من هذه الغفلة ، وسيرت إليه شرف الدين عبد ~~العزيز شيخ الشيوخ في ذلك فما أفاد ، وقد اعتمدت عليك في مصلحة هذا البلد ، ~~لما فيك من الديانة والخير والشجاعة " ، والزمه بتكملة الجيش والزام الجند ~~بإقامة البرك والعدة الكاملة . فالتزم بهذه الأمور . وكتب تقليده بذلك ~~وتوجه . ذكر عمارة المدرسة الظاهرية وترتيب الدروس كان الشروع في عمارة ~~المدرسة الظاهرية التي هي بالقاهرة المحروسة بين القصرين في ابتداء الدولة ~~في ثامن شهر ربيع الآخر سنة ستين وتنجر بابها ودهليزها وأبوابها وكتاب ~~السبيل في أواخر شعبان من السنة المذكور . ولم يشرع في بنائها حتى رتب أمور ~~أوقافها ، وكان المتولي عمارتها الأمير جمال الدين ابن يغمور ، ورسم له ~~السلطان إلا يستعمل أحدا فيها بغير أجرة . وكان اجتماع أهل العلم بها في ~~يوم الأحد الخامس من صفر سنة اثنتين وستين وستمائة . وفوض السلطان تدريس ~~الحنفية للصدر مجد الدين بن الصاحب كمال الدين بن العديم ، وتدريس الشافعية ~~لقاضي تقي الدين بن رزين . وصدر الافراء للفقيه كمال الدين المحلي ، ~~والتصدر لإفادة الحديث النبوي للشيخ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي ~~شيخنا . وذكرت الدروس بها في هذا اليوم ، وحضر السلطان ، ومدت الأسمطة ~~وأنشد الشعراء وخلع عليهم . وفي صفر من سنة ، خرج السلطان متصيدا إلى الجهة ~~الغربية وتوجه إلى ثغر دمياظ وزار البرزخ ومر في عوده لبلاد أشموم ، وتصيد ~~بمنزلة ابن حسون ، وسار من المنزلة إلى الشرقية . PageV30P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" وفيه ms6950 سأل الفرنج أن يؤذن لهم في زراعة ما ~~بيدهم من بلادى الشام وتقويتها بجملة منة الغلال ، فتقررت الهدنة معهم إلى ~~أيام ، وأذن لهم في ذلك فزرعوا وتصيد بمنزلة ابن حسون ، وأخذ على بلاد ~~الشرقية ذكر وفاة الملك الأشرف مظفر الدين موسى صاحب حمص والرحبة وفي يوم ~~الجمعة حادي عشر صفر من هذه السنة ، توفى الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن ~~الملك المنصور إبراهيم بن الملك المجاهد شيركوه بن الأمير ناصر الدين محمد ~~بن أسد الدين شيركوه بن شادي " بن مروان " رحمه الله تعالى . ولم يكن له ~~ولد ولا أخ ولا ولي عهد ، فسير السلطان إلى نوابه بتسليمها . فوصل البريد ~~في سابع عشرين صفر بأن بدر الدين بيليك العلائي أحد الأمراء قد تسلما ، ~~وحلف الناس بهما للسلطان . وفي هذا التاريخ ورد كتاب الأمير جمال الدين ~~النجيبي النائب بدمشق يذكر أنه ولى حران للأمير جمال الدين الجاكي ، والرقة ~~لأمير آخر . وفي هذا الشهر : سأل الفرنج نواب السلطان أنهم يأذنون لهم ~~بزراعة البلاد وتقويتها من أموالهم وهي جملة كثيرة من الغلال ؛ فتقررت ~~الهدنة معهم إلى أيام الحصاد . وفي هذه السنة : ثمن القرط الذي قضمته ~~الخيول السلطانية وجمال PageV30P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" المناخات فكان ثمنه خمسين ألف دينار . وفيها : ~~استدعى السلطان الأمير علاء الدين الشهابي النائب بحلب وأمره أن يستنيب عنه ~~الأمير نور الدين بن محلى ففعل ذلك . ولما وصل الملك إلى الأبواب السلطانية ~~عزله السلطان عن نيابة حلب ، وأقر الأمير نور الدين بن محلى في نيابة حلب ~~فأحسن السيرة ، وعمر البلاد وأعاد الفلاحين ، وأفرد الخاص على ما كان عليه ~~في الأيام الناصرية . ذكر جلوس السلطان بدار العدل وما رتبه عند غلو ~~الأسعار قال : وفي شهر ربيع الآخر من السنة غلت الأسعار " بمصر " وبلغ ثمن ~~الأردب إلى قريب المائة درهم نقرة . فرسم السلطان بالتسعير طلبا للرفق . ~~فاشتد الحال وعدم الخبز . فأمر السلطان أن ينادى باجتماع الفقراء تحت ~~القلعة ، ونزل إلى دار العدل في يوم الخميس سابع الشهر ، فأول ما تكلم فيه ~~إبطال التسعير . ورسم أن ms6951 يباع من الأهراء في كل يوم خمسمائة أردب بما يقدره ~~الله من ويبتين فما دونها تباع على الضعفاء والأرامل . ونزل الحجاب تحت ~~القلعة وكتبت أسماء للفقراء ، وسير إلى كل جهة حاجبا لكتابة الأسماء في ~~القاهرة ومصر وحواضرها ، ولما تكامل حصر العالم أخذ السلطان ألوفا ، وأعطى ~~لنواب ولده الملك السعيد كذلك ، وأعطى لكل أمير جماعة على قدر عدته ، وفرق ~~على الأجناد ومفاردة الحلقة والمقدمين والبحرية ، وعزل التركمان والأكراد ~~البلدين ، ورسم أن يعطي لكل فقير مئونته مدة ثلاثة شهور ، ويسلم نواب ~~الأمراء والأكابر والتجار الفقراء . ثم قال السلطان : " هؤلاء الفقراء ~~PageV30P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" جمعناهم في هذا اليوم وقد انقضى نصف النهار ~~فليعط كل منهم نصف درهم يتقوت به خبزا ، ومن غد يتقرر الحل " . فانفق فيهم ~~جملة كثيرة بهذا القدر خاصة . وأخذ الصاحب جماعة العميان والأتابك " جماعة ~~" التركمان ، ولم يبق أحد من الخواص والحواشي وأرباب المناصب وغيرهم إلا ~~أخذ جماعة . فانحطت الأسعار لذلك وكثر الخبز . وفي ثالث شهر ربيع الآخر من ~~السنة رسم السلطان بمسامحة بنات الأمير حسام الدين الجوكندار العزيزي بما ~~وجب للديوان في تركة أبيهن ، أربعمائة ألف درهم نقرة . وفي هذه السنة ، قصد ~~متملك الأرمن حلب المحروسة مرة بعد أخرى ، فلم يظفر بشىء ، وخاب سعيه على ~~ما نشرحه إن شاء الله في غزوات السلطان وفتوحاته . وفيها : رسم السلطان ~~بحفر خليج الإسكندرية ، وكانت قد استدت فوهته ، وندب لذلك الأمير عز الدين ~~أمير جاندار فأهتم بذلك وحفر المكان المعروف بالنقيدي ، وأمر ببناء مسجد ~~هناك ليكون تذكرة باقية . وجهز الأمير جمال الدين موسى بن يغمور أستاد ~~الدار العلية وأمره بالاهتمام بأمر جزيرة بني نصر لما بلغه قلة ريها ، ~~فاحتفل بها كل الاحتفال . وفيها : في جمادى الأول ، تقدم أمر السلطان إلى ~~الأمير سيف الدين بلبان الزيني أمير علم بالتوجه إلى الشام للاهتمام بأمر ~~القلاع والبلاد وعرض عساكر حماة وحلب ورجال الثغور ، والنظر في المهمات ~~الخاصة والعامة ، وإلزام الأمراء بتكملة العدد والعدة وإزاحة الأعذار وأخذ ~~الأهبة للجهاد ، وكتب على يده إلى دمشق بحمل خزانة كبيرة إلى ms6952 البيرة برسم ~~نفقاتها ، فتوجه لذلك . وفي العشر الأوسط من جمادى الآخرة حصل الظفر ~~بجاسوسين للتتار ، وكانت أخبارهما وحلاهما وصلت إلى السلطان من جهة القصاد ~~والناصحين بالأردو ، وكذلك من كل جهة يصلان إليها ، إلى أن ركبا من عكا في ~~البحر ، فلما وصلا إلى ثغر دمياط مسكا وأحضرا إلى بين يدي السلطان فذكر ~~لهما الأماير ، فأقرا ، ووجد معهما فرمانين للأتابك وأراه PageV30P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" ذلك ، ولم يصدق ذلك فيه ، ومزق ذلك وحرقه ، ~~واستدل بذلك على ضعف هولاكو . وفي هذه السنة تنجز البرج الذي أمر السلطان ~~بعمله في قارا ، وشرع في بناء برج أكبر منه لحفظ الطرقات وصون الرعية من ~~عوادي الفرنج المجاورين . وفي جمادى الأول من السنة شرع النواب بالشام في ~~بناء شقيف نيرون . وفي الشهر أنعم السلطان على عسكر الساحل الذين هم صحبة ~~الأمير ناصر الدين القيمري بمائتي ألف درهم فرقت عليه . ذكر جلوسه بدار ~~العدل وما قرره من مشاركة أمناء الحكم للأوصياء وفي مستهل شهر رجب سنة ~~اثنتين وستين وستمائة ، جلس السلطان بدار العدل ، فتقدم رجل من الأجناد ~~ومعه صغير ، فقال : " أنا وصي هذا الصغير " وشكا من قضية تتعلق به . فقال ~~السلطان لقاضي القضاة : " أعلم أن الأجناد يموت الواحد منهم فيستولي خوشدا ~~شيته على موجوده ويجعل اليتيم أو شاقية ، ويموت اليتيم فيستولي الوصي على ~~الموجود ، أو يكبر اليتيم ولا يجد شيئا ولا يقوم له حجة على موجوده ، وقد ~~يموت الوصي فينغمس مال اليتيم في ماله ، وأنا أرى ألا ينفرد أحد من ~~الأوصياء بوصية ، وأن يكون نظر الشرع شاملا ، وأموال اليتامى مضبوطة ، ~~وأمناء الحكم يحاققون على المصروف وطلب نواب الأمراء ونقباء العساكر وأمرهم ~~بذلك . واستمرت الحال عليه إلى وقتنا هذا . ذكر وصول جماعة من عسكر شيراز ~~وفي جمادى الآخر ، بلغ السلطان أن جماعة من عسكر شيراز وصلوا لقصد الخدمة ~~الشريفة ، فأمر بالإحسان إليهم . ووصلوا في ثالث شهر رجب ومقدمهم بكلك ~~ورفقته وهم : سيف الدين إقبار جمدار PageV30P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" السلطان جلال الدين خوارز مشاه والأمراء ~~الأتابكية غلمان أتابك سعد منهم : سنقر ms6953 جاه وغيره من الأتابكية . ووصل ~~صحبتهم حسام الدين بن ملاح أمير العراق وجماعة من أمراء خفاجة ، فتلقاهم ~~السلطان وأحسن إليهم ، وأمرالأمير سيف الدين بكلك وأعطاه طبلخاناه ، وكذلك ~~أمراء خفاجة ، والأمير مظهر الدين وشاح بن سهرى ، وأطلق لحسين ابن ملاح ~~قرية في الشام ، وجهزهم إلى بلادهم . وفي شهر رمضان وصل رسول من الملك شارل ~~أخي الملك افرنسيس وهو صاحب مرشيلية ، وصحبته عدة من السناقر الشهب ~~والأمتعة . ومضمون كتابه المحبةةةة والمشابعة . ووصل كتاب استادداره يقول : ~~إن مخدومه أمره أن يكون أمر السلطان نافذا في بلاده ، وأن يكون نائب ~~السلطنة كما هو نائبه . وفي يوم الجمعة خامس عشر شهر رمضان : قرىء مكتوب ~~بجامع مصر بأبطال ما قرره على ولاية مصر من الرسوم وهي مائة ألف درهم ~~وأربعة آلاف درهم " نقرة " . وفي هذا الشهر أحضرت فلوس من جهة قوس وجدت ~~مدفونة فأخذ منها فلس : فإذا عليه صورة ملك واقف ، وفي يده اليمنى ميزان ، ~~وفي اليسرى سيف ، ومن الوجه الآخر رأس مصور بآذان كبيرة ، ويداير الفلس ~~سطور ، فقرأها راهب يوناني : فكان تاريخه إلى وقت قراءته ألفين وثلاثمائة ~~سنة . وفيه مكتوب : أنا غلياث الملك ، ميزان العدل ، والكرم في يميني لمن ~~أطاع ، والسيف في يساري لمن عصى ، وعلى الآخر : أنا غلياث الملك ، أذني ~~مفتوحة لسماع كلمة المظلوم ، وعيني مفتوحة أنظر بها مصالح ملكي . ذكر سلطنة ~~الملك السعيد وفي يوم الخميس ثالث عشر شوال سنة اثنتين وستين وستمائة ، حصل ~~الإتفاق على سلطنة الملك السعيد ، فأركبه السلطان بشعار السلطنة ، ومشى ~~بنفسه في ركابه PageV30P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" وحمل الغاشية . ثم أخذها الأمراء وحملوها ~~وعليهم الخلع الفاخرة ، ورجع السلطان . ولم يزل الملوك والأمراء في خدمته ~~إلى باب النصر ، ودخلوا القاهرة رجالة يحملون الغاشية ، وقد زينت المدينة ~~أحسن زينة . وشق الملك السعيد القاهرة وأتابكه عز الدين الحلى راكب إلى ~~جانبه . وبسط الأمراء الثياب الأطلس والعتابي وغيرها تحت حوافر فرسه . ولم ~~يزل أن عاد إلى القلعة . وكانت " الثياب " بجملة عظيمة تفرقها المماليك ~~السلطانية وأرباب المنافع . وكتب له تقليد شريف أنشأه المولى محيي الدين ms6954 بن ~~عبد الله بن عبد الظاهر ، وقرئ بحضور الأمراء وقاضي القضاة والعلماء في ~~سابع عشر الشهر . وفي العشر الأول من ذي القعدة من السنة ، عرض السلطان ~~الجيش ، وكان قبل ذلك رسم بتكملة العدة والتأهب للغزاة فجلس في هذا اليوم ~~على الضفة التي بجانب دار اعدل عند طلوع الشمس ، وساق كل أمير في طلبه ، ~~وعليهم لامة الحرب ، وجروا الجنائب عليها عدة الحرب دون غيرها من التشاهير ~~والمروات المتخذة للزينة . وعبرت العساكر خمسة خمسة . فلما طال الأمراء ~~عبروا عشرة عشرة ، وهلك الناس من الزحام . وإنما قصد السلطان عرض العسكر في ~~يوم واحد حتى لا يقال إن أحدا استعار من أحد شيئا . وكان الناس يدخلون من ~~باب القرافة ويخرجون من جهة الجبل إلى صوب باب النصر إلى الدهليز المضروب ~~هناك . ولما قرب وقت المغرب ركب السلطان وساق في وسط العساكر في جماعة ~~يسيرة من سلاح درايته وخواصه ، ونزل إلى الدهليز ، ورتب المنازل ، ورجع إلى ~~قلعته وقت المغرب . ثم اهتم الناس بعد ذلك باللعب بالقبق ، PageV30P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" ولبسوا خيولهم التشاهير والبراجم البحرية ~~والمروات والأهلة الذب والفضة والأطلس وغير ذلك . وساق السلطان إلى ميدان ~~العيد وبين يديه جنائيه العظيمة وهي مزينة . حكى القاضي محيي الدين عبد ~~الله بن عبد الظاهر في السيرة الظاهرية قال : قال لي القاضي فتح الدين بن ~~سناء الملك وهو صاحب ديوان الخزائن قبل هذا الوقت بمدة سنة : إن الذي دخل ~~في المراوات من البنود الأطلس الأصفر قيمته عشرة ألاف دينار ، وما تجدد بعد ~~ذلك لا يحصى . قال : وشرط السلطان لكل أمير يصيب القبق فرسا من خيوله بما ~~عليه من التشاهير ، ولكل مفردى أو مملوك أو جندي خلعة تليق بمثله . ودخل ~~الناس بالرماح بكرة النهار ، ثم شفع السلطان ذلك برمي النشاب . وحضر رسل ~~الملك بركة في ذلك الوقت ووقفوا مع السلطان وشاهدوا ذلك واستعظموه ، وأقام ~~العسكر كذلك أياما . وفي تاسع عشر ذي القعدة خلع السلطان على الملوك ~~والأمراء والبحرية والحجاب والمفاردة وأرباب المناصب من الوزراء والقضاة ~~وأرباب البيوت . وحضر الناس بالخلع ms6955 والتشاريف ولعبوا بقية ذلك النهار . ~~فقالت رسل الملك بركة للسلطان : PageV30P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" " هذه عساكر مصر والشام ؟ " . فقال : " بل ~~عساكر المدينة خاصة ، غير الذين في الثغور ، والمجردين والذين في إقطاعهم " ~~فعجبوا من ذلك . ذكر ختان الملك السعيد ومن معه قال : وفي عاشر ذي القعدة ~~من السنة رسم السلطان بعمل سماط عظيم ، ومد بالقلعة لختام الملك السعيد بن ~~السلطان ، فأكل الناس وختن الملك السعيد ثم ختن بعده ابن الأمير عز الدين ~~الحلى ، وابن الأمير شمس الدين سنقر الرومي ، وولد الأمير سيف الدين سكر ، ~~وولد الأمير حسام الدين بن بركة خان ، وولد الملك المجاهد ابن صاحب الوصل ، ~~ثم أولاد الملك المغيث صاحب الكرك الخمسة وولد فخر الدين الحمصي ، وجماعة ~~أخر من أولاد الأمراء . وكان قد تقدم قبل ذلك بكسوة جماعة من الأيتام ~~وأبناء الفقراء بالقاهرة ومصر ، فأحضروا إلى القلعة وختنوا . وحمل السلطان ~~عن الأمراء والخواص كلفة التقادم . التي جرت العادة بها للملوك في مثل هذا ~~المهم ، فلم يقدم أحد من الخاصة شيئا البتة ذكر خبر غازية الخنافة وفي هذه ~~السنة ظهر بخليج القاهرة قتلى ، وفقد جماعة من الناس أتهم بهم معارفهم ، ~~والتبس أمرهم . ودام ذلك شهورا . ثم ظهر أن امرأة حسناء وضيئة تسمى غازية ~~كانت تتبرج بزينة فاخرة وتطمع من يراها من الأحداث في نفسها ، ومعها امرأة ~~عجوز ، فإذا رأت أحدا قد مال إليها تعرضت له وخاطبته في أمرها وقالت : هذه ~~لا يمكنها أن تجتمع بأحد إلا في منزلها خوفا على نفسها . فمنهم من يحمله ~~الغرض على موافقتها فيتوجه معها ، فإذا حصل عندها خرج إليه رجلان فيقتلانه ~~ويأخذان لباسه وما معه . وكانوا ينتقلون من مكان إلى آخر مخافة الشعور بهم ~~، ثم سكنوا خارج باب PageV30P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" الشعرية على الخليج ، وكان بالقاهرة ماشطة ~~مشهورة فجاءتها العجوز وقالت لها : عندنا امرأة قد زوجناها ونحتاج إلى قماش ~~وحلي تتجمل به بالأجرة على العادة ، فأحضري لها ما يمكنك ونحن نزيدك في ~~الأجرة ، وواعدتها أن تأتيها ليلا ففعلت الماشطة ذلك وأتتها ومعها جارية ~~تحمل القماش والمصاغ ms6956 ، فوصلتها الجارية وعادت ، فلما دخلت الماشطة قتلت ~~وأخذوا ما معها ، ثم جاءت الجارية من الغد وطلبت الماشطة فأنكروها ، فتوجهت ~~الجارية إلى متولي المدينة ، فجاء وهجم الدار ، فوجد فيها الصبية والعجوز ، ~~فأخذوهما وقررهما ، فأقرتا على نفسيهما وعلى رجلين آخرين فحبسهما . وجاء ~~أحد الرجلين يتفقد أمرهما في الاعتقال فقبض عليه وعوقب فأقر ودل على رفيقه ~~وعلى رجل طواب كان يحرق لهم من يقتلونه في قمين الطوب . فطولع السلطان في ~~أمرهم ، فأمر بتسمير الخمسة فسمروا تحت القلعة ، وشفع بعض الأمراء في إطلاق ~~المرأة فأطلقت وفكت المسامير فماتت بعد أيام . وهدم عوام القاهرة الدار ~~التي كانوا يسكنونها ويقتلون فيها . وبنيت مسجدا بمأذنة ، وظهر في الدار ~~حفيرة فيها قتلى كثيرة . ذكر وصول رسل الملك بركة قد ذكرنا أن السلطان كان ~~قد جهز الأمير سيف الدين كشريك والفقيه مجد الدين الروذ راوري إلى الملك ~~بركة ، وأنهما توجها في المحرم سنة إحدى وستين وستمائة وذكرنا عود الفقيه ~~مجد الدين للمرض الذي أصابه فتوجه الأمير سيف الدين ومن معه من المفل ، ~~وكان اجتماعهم بالأشكري في أنبه ، ثم رحلوا إلى القسطنطينية في عشرين يوما ~~. ومنها إلى اسطنبول ، ومنها إلى دفنسيا ، وهي ساحل PageV30P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" السوادق من جهة الأشكري ، ثم ركبوا في البحر ~~إلى البر الآخر ومسيرة ما بين العشرة أيام إلى يومين ، ثم طلعوا إلى جبل ~~يعرف بسوادق ، فالتقاهم وإلى تلك الجهة في قرية اسمها القرم ، يسكنها عدة ~~أجناس من القفجاق والروس واللان . ومن الساحل إلى هذه القرية مسيرة يوم ، ~~ثم ساروا من القرم إلى برية يوما واحدا ، فوجدوا بها مقدم عشرة آلاف وهو ~~حاكم على تلك الجهات ، ثم ساروا عشرين يوما في صحراء عامرة بالخركاهات ~~والأغنام إلى بحر إتل ، وهو بحر حلو سعته سعة نهر النيل ، وفيه مراكب الروس ~~ومنزلة الملك بركة على طول ساحله . قال : وحملت إليهم الإقامات في طول ~~الطرقات . ولما قاربوا الأردو تلقاهم الوزير شرف الدين القزويني . ثم حضروا ~~عند الملك بركة ، وكانوا قد علموا آدابه التي تعتمد معه ، وهي الدخول عليه ~~من جهة ms6957 اليسار ، فإذا أخذت الكتب منهم انتقلوا إلى جهة اليمين ، ويكون ~~القعود على الركبتين . ولا يدخل أحد معه إلى خركاته بسيف ولا سكين ولا عدة ~~، ولا يطأ برجله عتبة الخركاه ، ولا يقلع الإنسان عدته إلا على الجانب ~~اليسار ، ولا يترك القوس في القربان ، ولا يخليه موترا ولا يخط في تركاشه ~~نشابا ، ولا يأكل الثلج ، ولا يغسل ثوبه في الأردو . قال : ووجد الملك بركة ~~في خركاه تسع خمسمائة رجل مكسوة لبادا أبيض ، مستورة من داخلها بالصندات ~~والخطاي مرصعة بالجواهر واللؤلؤ ، وهو جالس على تخت ، وإلى جانبه الخاتون ~~الكبرى ، وعنده خمسون أو ستون أميرا على كراسي الخركاه . ولما دخلوا إليه ~~أمر وزيره بقراءة الكتاب ، ثم نقلهم عن اليسار إلى اليمين ، وسأله عن النيل ~~، وقال : " سمعت أن عظماء لابن آدم ممتدا على النيل يعبر الناس عليه ؟ " ~~فقالوا : " ما رأينا هذا " . قال : وأخذ قاضي القضاة الذي عنده هذا الكتاب ~~وفسره وبعث به نسخة إلى PageV30P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" القان . وقرئ كتاب السلطان التركي على من عنده ~~، ففرحوا به . وأعادوا الرسل بجوابه ، وسير معهم رسله ، فكان وصولهم في ذي ~~القعدة من هذه السنة . ذكر توجه السلطان إلى الإسكندرية وتقديم سيف الدين ~~عطاء الله على عرب برقة قال : ولما فرغ السلطان من هذا المهم توجه إلى ثغر ~~الإسكندرية متصيدا ، فعد في ذي القعدة من السنة وسار إلى تروجة ، ومنها إلى ~~الحمامات ، وسار إلى منزلة الكرش بالقرب من العقبة الصغرى ، وضرب حلفة هناك ~~، ووصلت المسيرة إلى فرب العقبة الصغرى ، وعيد عيد الأضحى ، وصلى صلاة ~~العيد ، ونحر الأضاحي ، وبلغه أن بعض العربان قد عصوا في البراري ، فجرد ~~إليهم جماعة ، وحضر جماعو من عرب هوارة وعرب سليم فكتب عليهم الحجج بعمارة ~~البلاد ، وألا يقربوا أحدا من العربان العصاة . وعاد السلطان إلى ~~الإسكندرية ، وصلى في الجامع الغربي ، ولعب الكرة بميدانها . وزار الشيخ ~~الشاطبي ، ورجع إلى القاهرة فلما وصل إلى تروجة رسم بتقديم سيف الدين عطاء ~~الله بن عزار على عرب برقة ، وتحدث معه في أمر العربان وكونهم ينتفعون من ~~مصر بأثمان الخيول ms6958 المحلوية والأغنام ، وأنهم يستنتجون الأغنام ويزرعون ولا ~~يقومون بحق الله . فالتزم المذكور بحفظ البلاد واستخراج الزكاة من ~~PageV30P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" العربان . وأنعم عليه السلطان بصنجق ونقارات ، ~~وتوجه . قال : ولما وصل السلطان من الإسكندرية وصل شحنة تكريت ومعه جماعة ~~فأحسن إليهم . ذكر الواقعة الكائنة بين المسلمين والفرنج ببلاد الأندلس ~~وانتصار المسلمين كانت هذه الواقعة في سنة اثنتين وستين وستمائة . وورد ~~الخبر بها إلى الاديار المصرية في سنة ثلاث وستين بمقتضى كتاب ورد في جمادى ~~الآخرة يتضمن انتصار المسلمين على الفرنج . وأمير المسلمين وسلطانهم يومئذ ~~أبو عبد الله بن الأحمر وكان ألفنش ملك الفرنج قد طلب منه الساحل من طريف ~~إلى الجزيرة ، ومالقة إلى المرية ، وحضر بمجموعة ، فاجتمع المسلمون ولقوهم ~~واقتتلوا ، فانهزم الفرنج مرارا ، وأخذ أخو ألفنش أسيرا . ثم اجتمع الفرنج ~~في جموع كثيرة ونزلوا على أغرناطة فقتل المسلمون منهم مقتلة عظيمة ، وجمعوا ~~من رؤوسهم نحو خمسة وأربعين ألف رأس ، وجعلت تلا ، وأذن المسلمون فوقه . ~~وأسر من الفرنج عشرة آلاف . وذلك في يوم PageV30P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" الخميس رابع عشر شهر رمضان سنة اثنتين وستين ~~وستمائة . وانهزم ألفنش إلى اشبيلية ، وكان قد دفن أباه بجامعها فأخرجه من ~~قبره ، خوفا من استيلاء المسلمين عليها وحمله إلى طليطلة ، واستعاد ~~المسلمون من الفرنج اثنتين وثلاثين بلدا من جملتها اشبيلية ومرسية وشريش ~~وغير ذلك . وفي هذه السنة كانت وفاة الأمير حسام الدين لاجين العزيزي ~~الجوكندار بدمشق ، ودفن بفسح قاسيون . وقيل أنه سم ، وأن مملوكه جمال الدين ~~أيدغدي واطأ عليه . وكان شجاعا كريما متواضعا يحب الفقراء ويكرمهم ويتولى ~~خدمتهم بنفسه ، رحمه الله تعالى . ذكر مقتل الزين الحافظي وفي أواخر سنة ~~اثنتين وستين وستمائة ، أحضر هولاكو زين الدين أبا المؤيد سليمان بن عامر ~~العقرياني ، المعروف بالحافظي ، وقال له ما معناه : قد ثبت عندي خيانتك ~~وتلاعبك بالدول ، وأنك خدمت صاحب طبيبا ، فخنته ، واتفقت مع غلمانه على ~~قتله . ثم انتقلت إلى خدمة الملك الحافظ الذي عرفت به ونسبت إليه ، فلم ~~تلبث أن خنته ، وباطنت الملك الناصر حتى أخرجت قلعة جعبر عن ms6959 يد مخدومك ، ثم ~~انتقلت إلى خدمة الملك الناصر فخنته معي ، ثم انتقلت إلي ، فاحسنت إليك ~~إحسانا لم يخطر ببالك أن تصل إلى بعضه مني ، وقد شرعت تعاملني بما عاملت به ~~الملك الناصر . وعدد له ذنوبا أخر من خيانته في الأموال التي كانت قد ندبه ~~باستخراجها من البلاد ، وأمر بقتله هو وأهله فقتل هو أخوته وأولاده وأقاربه ~~ومن يلوذ بهم ، وكانوا نحو الخمسين لم ينج منهم إلا ولده مجير الدين محمد ~~وولد أخيه اختفى بالسوق وقيل أن السلطان الملك الظاهر تسبب في قتله ، فأنه ~~أحسن إلى أخيه عماد الدين أحمد ، ورتب له راتبا كبيرا ، وأمره بمكاتبة أخيه ~~واستدعائه ، وأنه إذا وصل كان له ما يقترحه ، بشرط المواطأة على هولاكو ~~وإفساد من يقدر على إفساده منهم . فلما وصلت إليه الكتب حملها إلى هولاكو ~~وقال : إن صاحب مصر إنما يكاتبني بمثل هذا لتقع الكتب في يدك فتقتلني ، وقد ~~عزمت على أن أكاتب الأمراء القائمين بدولته والأعيان ، وأكيده كما كادني . ~~فأبى هولاكو ذلك ، فلم يزل يراجعه حتى أذن له . فكاتب جماعة فعلم السلطان ~~أنها مكيدة ، فكتب إليه يشكره على عرض الكتب على هولاكو ، PageV30P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" ويستصوب رأيه في عرضها لنزول التهمة عنه ، ~~وأمر القصاد أنهم إذا وصلوا إلى شط جزيرة ابن عمر يتجردوا من ثيابهم ~~ويتجيدوا في إخفاء أنفسهم ليظن أنهم قصدوا السباحة فغرقوا ، ففعلوا ذلك . ~~وجاء نواب التتار فوجدوا الثياب فأخذوها وجهزوا الكتب إلى هولاكو فقرأها . ~~وكان ذلك من أسباب قتله ، والله تعالى أعلم . واستهلت سنة ثلاث وستين ~~وستمائة في المحرم منها ، وصل الأمير جمال الدين سكز بن الدوادار ، وكان ~~أبوه المجاهد دوادار الخليفة ببغداد ، وكانت له نعمة عظيمة ، فأحسن إليه ~~السلطان وأمره بطبلخاناه . وفي صفر من السنة ، وقف السلطان الخان بالقدس ~~الشريف وقرئ كتاب وقفه بحضور السلطان وقاضي القضاة تاج الدين ووقف اسطبلين ~~تحت القلعة يعرف أحدهما بجوهر النوبى ، وحبسهما على وجوه البر . وفيها في ~~العشر الآخر من المحرم أنهى إلى السلطان أن جماعة من الأمراء والأجناد ~~اجتمعوا في دار على ms6960 ططماج وجرى بينهم كلام كثير أفض إلى الغض من الدولة ، ~~فاتصلذلك بالسلطان وعين له ثلاثة نفرا وسعوا في الكلام في ذلك فأمر ~~بتسميرهم ، فسمر أحدهم ، وكحل الثاني ، وقطعت رجل الثالث . وأفرج عن بقيتهم ~~، وأمر ألا يجتمع أميران في مكان ، وألا تعمل وليمة ولا ضيافة عن غير موجب ~~، فحسمت مادة الاجتماعيات . وفي صفر ورد كتاب الأمير عز الدين أيدمر النائب ~~بالكرك أنه رتب راتب الأسمطة والضيافة بحرم الخليل عليه الصلاة والسلام ~~للوافدين . وكان ذلك قد قطع من مدة طويلة . وفيها في تاسع عشر شهر ربيع ~~الأول قطع السلطان أيدي جماعة من نواب متولي القاهرة والخفراء وأصحاب ~~الأرباع والمقدمين ، وكانوا ثلاثة وأربعين رجلا ، وكان سبب ذلك على ما حكاه ~~الصاحب عز الدين بن شداد ، ظهور شلوح ومناسر بالقاهرة وضواحيها ينهبون ~~ويقتلون حتى تعرضوا للعريان الذين تحت القلعة ، فارتفعت أصواتهم ~~PageV30P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" حتى سمعها السلطان وسأل عن خبرهم فأخبر بصورة ~~الحال ، فلما أصبح أتته ورقة الصباح وليس فيها ذكر هذه الحادثة ، فأنكر على ~~متولي القاهرة ، فاعتذر أن نوابه لم يطالعوه بها ، فأمر السلطان بقطع ~~أيديهم فمات بعضهم وسلم البعض . وحكى غيره ، عن الأمير عز الدين أيدمر ~~الظاهري ، أن السلطان خرج ليلة متنكرا وجعل يطوف أزقة القاهرة ، وكان يفعل ~~ذلك ويتفقد أمور الناس واحوالهم ويسمع من ألفاظهم ما لا ينقل إليه ، فمر في ~~بعض أزقة المدينة فوجد بعض مقدمي الوالي قد امسك امرأة وهو يتهددها ، وهي ~~تقول له : اتقي الله ، والله ما أفعل هذا " إلا " من حاجة وأنت تعلم أن ~~عندي خمسة أيتام . فقال : أما ما أعرف هذا ، ولا بد افعل وأصنع . فقالت له ~~تقدم عني ناحية . وخلعت لباسها وناولته إياه ، وقالت : والله ما أمسك سواه ~~أخذه وأطلقها . فعرفه السلطان ثم لم تكن له همة إلا أن جمعهم وقطع أيديهم ، ~~وشاهد فيما قطع ، ذلك المقدم بعينه . وفي هذه السنة توجه السلطان إلى الصيد ~~بجهة العباسة ، وذلك بعد عوده من ثغر الإسكندرية ، فرمى البندق ، وأصرع ~~جماعة وادعو للسلطان ، ومن جملتهم الملك العزيز فخر الدين ms6961 عثمان بن الملك ~~المغيث صاحب الكرك . وتوجه السلطان من العباسة إلى قلعة الجبل فأقام ليلة ~~واحدة ، وجهز العساكر ، ثم توجه بعدها إلى الشاموصرع بشرا بالقرب من رأس ~~الماء ، وذلك في ثالث شهر ربيع الأول . وكان سبب توجهه ما بلغه من محاصرة ~~التتار البيرة وكان في هذه السفرة من الغزوات والفتوحات ما نذكره ، إن شاء ~~الله تعالى ، في موضعه . وفي هذه السنة رسم السلطان بتبطيل المزر بالديار ~~المصرية وأن تخرب البيوت PageV30P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" التي يعمل فيها وتكسر مواعين ويسقط من الديوان ~~ارتفاعها ، ورسم بتعويض المقطعين عنه . وكتب بذلك إلى الأمير عز الدين ~~الحلي فابطلها . ولما فتح السلطان في هذه السفرة ما نذكره من بلاد الفرنج ~~عاد إلى مقر ملكه ، وكان رحيله من أرسوف في يوم الثلاثاء ثالث وعشرين شهر ~~رجب سنة ثلاث وستين وستمائة ، ودخوله إلى القاهرة في يوم الخميس حادي عشر ~~شعبان من السنة ، وشق المدينة والأسارى بين يديه ، وعم الناس بالخلع ~~والإنعام ، من الأمراء والوزراء والمقدمين والمفاردة والخواص حتى البرد ~~دارية وجميع الحاشية . وتصدق بجملة عظيمة من الدراهم والغلال على الفقراء ، ~~وفرق كساوي بالجوامع . ذكر خبر الحريق بالقاهرة ومصر واتهام أهل الذمة وما ~~قرره عليهم من الأموال بسببه وفي هذه السنة في جمادى الآخرة وقعت نار بحارة ~~الباطلية بالقاهرة ، فأحرقت ثلاثا وستين دارا جامعة . ثم كثر الحريق بعد ~~ذلك بمصر حتى احترق من رباعها المشهورة ربع فرح ، وكان وقفا على الأشراف ~~بالمدينة وأكثر ربع العادل وغير ذلك . وكانت توجد لفايف من المشاق والكبريت ~~والأصناف النفطية على الأسطحة . وشاع الخبر أن PageV30P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" النصارى يفعلون ذلك لأجل ما فعله السلطان ~~ببلاد الفرنج من إحراق الكنائس . فجمع السلطان عند عوده من الشام النصارى ~~واليهود وأنكر عليهم هذه الأمور التي تفسخ عهودهم ، وأمر بتحريقهم ، فجمع ~~منهم عالم كثير تحت القلعة وأحضرت الأحطاب والحلفا . فسأل أهل الذمة مراحم ~~السلطان ، فقرر عليهم حمل خمسمائة ألف دينار إلى بيت مال المسلمين ، والتزم ~~بتوزيعها واستخراجها بطرك النصارى ، والتزموا أنهم لا يعودون إلى شيء مما ms6962 ~~كانوا يعتمدونه من المنكرات ، ولا يخرجون عن الذمة وشرطها وحمل المال ~~المقرر شيئا بعد شيء . وفي هذه السنة ، اعتقل السلطان الأمير نور الدين ~~زامل بن علي ، وكان قد حصل منه إساءات وفتن مرة بعد أخرى . وقبض السلطان ~~عليه ثم أطلقه وأصلح بينه وبين الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا والأمير أحمد ~~بن حجي ، والأمير هارون ، وحلفهم ، وأعاد إقطاع زامل إليه وإمرته . فلما ~~توجه لم يتأن إلى أن يصل البلاد بل ساق من أوائل الرمل " وهجم على بيوت ~~عيسى " وافسد ، وأمسك قصاد السلطان ومملوك الأتابك المتوجه إلى شيراز ، ~~وأخذ منهم الكتب ، وتقرب بها إلى هولاكو ، وتوجه إليه وأطمعه في البلاد ~~فأعطاه إقطاعا في العراق . وتوجه " زامل " إلى الحجاز فنهب وقتل وانتهك ~~حرمة الأشراف ، وحضر إلى أوائل الشام . وكان السلطان قد أعطى إقطاعه وإمرته ~~لأخيه أبي بكر ، فراسل زامل السلطان في طلب العفو ، فتقرر حضوره في وقت ~~معلوم وأنه متى تأخر عنه ليس له عهد ولا أيمان ، فتأخر عن المدة المعينة ثم ~~وصل فاعتقله السلطان . وفيها : حضر السلطان نعجة قد ولدت خروفا على صورة ~~الفيل له خرطوم طويل وأنياب وإلية خروف . وفيها : جهز السلطان الأخشاب ~~والحديد والرصاص والآلات والصناع ، فكانوا ثلاثة وخمسين رجلا لإتمام عمارة ~~الحرم الشريف النبوي . وأنفق فيهم الأموال وجهز معهم المئونة ، وندب لذلك ~~الطواشي شهاب الدين محسن الصالحي ، ورضي الدين أبا بكر ، والأمير شهاب ~~الدين غازي بن فضل اليغموري مشدا ، ومحيي الدين أحمد بن أبي الحسين بن تمام ~~طبيبا إلى البيمارستان الذي بالمدينة ، ومعه أدوية وأشربة ومعاجين ومراهم ~~وسكر لأجل من يعتريه من الجماعة مرض . وكان خروجهم من القاهرة في سابع عشر ~~شهر رجب . ووصلوا إلى المدينة في ثاني شوال . واستمر العمل في العمارة إلى ~~سنة سبع وستين وستمائة . وكان السلطان يمدهم بما يحتاجون إليه من النفقات ~~والآلات . PageV30P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" وفيها : توجه السلطان إلى بحر أشموم ، وغرق ~~عدة مراكب لإصلاحه ، وتولى الحفر بنفسه ، وشاهد الناس على كتفه قفة مملوءة ~~نرابا . فلم يبق أحد من الأمراء وغيرهم إلا بادر ms6963 وفعل مثل ذلك . فتنجز ذلك ~~في ثمانية أيام ، وذلك في شوال من السنة . وفي حادي عشرين الشهر رسم ~~السلطان بإبطال حراسة النهار ، وكانت جملة مستكثرة وكتبت بإبطالها . وفي ~~الشهر قرئ مكتوب بجامع أشموم بمسامحة الأعمال الدقهلية والمرتاحية بأربعة ~~وعشرين ألف درهم عن رسوم الولاية والمال المستخرج برسم النقيدي . وفيه توجه ~~شجاع الدين بن الداية الحاجب رسولا إلى الملك بركة ، في كف غارات الملك ~~بركة عن بلاد الأشكري حسب سؤاله في ذلك ، وسير معه ثلاث عمر أعتمر بها بمكة ~~للملك بركة ، وسير معه قمقمان من ماء زمزم ، ودهن بلسان وغير ذلك . وفي ذي ~~القعدة وصل الأمير جمال الدين النجيبي نائب السلطنة بالشام فتحدث السلطان ~~معه في مهمات ، وكتب على يده تذكرة وعاد في ذي الحجة . ذكر تفويض القضاة ~~لأربعة حكام وفي ذي القعدة سنة ثلاث وستمائة فوض السلطان القضاء بالقاهرة ~~والديار المصرية لأربعة قضاة ، لكل مذهب قاض . وسبب ذلك أن الأمير جمال ~~الدين أيدغدي العزيزي كان يكره قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز ويغض ~~منه عند السلطان لتثبته في أحكامه وتأنية واحترازه ، فانفق أن السلطان جلس ~~بدار العدل فقدمت له PageV30P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" قصة من بيت الملك الناصر تتضمن أنهم ابتاعوا ~~دار من القاضي بدر الدين السنجاري وأن ورثته بعد وفاته ادعوا أنها وقفت قبل ~~ذلك ، فأخذ الأمير جمال الدين أيدغدي ينتقص المتعممين فقال السلطان للقاضي ~~تاج الدين : " هكذا تكون القضاة ؟ " . فأجابه بالآية : " ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى " . قال : " فكيف العمل في هذا ؟ " . قال : " إذا ثبت الوقف يستعاد ~~الثمن من الورثة من مال مورثهم " . فقال السلطان : " فإن عجزوا عن الثمن ؟ ~~" قال : " الوقف باق على أصله " . فامتعض السلطان لذلك . فلم يتم الكلام ~~حتى تقدم رسول صاحب المدينة النبوية وقال : " حملت كتاب السلطان إلى قاضي ~~القضاة أن يسلم إلى المال الذي تحت يده من الوقف ؛ لأنفقه في فقراء أهل ~~المدينة ، فلم يفعل " . فسأل السلطان القاضي عن ذلك . فقال : " صدق هذا ~~الرجل ، أنا لا أعرفه ، ولا أسلم المال إلا لمن أعرفه وأثق بدينه ms6964 وأمانته ، ~~فإن تسلمه السلطان أحضرته بين يديه " . فقال السلطان : " تخرجه من عنقك ~~وتجعله في عنقي ، لا تسلم المال إلا لمن تختاره وترضاء " . وتقدم بعض ~~الأمراء في المجلس وشكي من القاضي تاج الدين في قضية آخرى هي شهادة لم ~~يثبتها لبعض أولاد خوشد اشيته فقال القاضي : " لم تأتنى بينة " . فقال ~~الأمير : حضرت البينة فلم تسمعها . فسأله السلطان عن امتناعه من سماع ~~البينة . قال : " لاحاجة إلى ذكر الجواب " . فقال الأمير جمال الدين أيدغدي ~~العزيزي للقاضي نحن نترك مذهب الشافعي لك ويولي السلطان من كل مذهب قاضيا ، ~~فرجع السلطان إلى قوله ، وفوض النظر في الأحكام والقضايا إلى حكام أربعة ~~وهم : قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب المشار إليه ، قاضي الشافعية . ~~والشيخ شرف الدين أبو حفص عمر بن عبد الله ابن صالح بن عيسى السبكي ، قاضي ~~المالكية ، والقاضي صدر الدين سليمان قاضي الحنفية والشيخ شمس محمد بن ~~الشيخ عماد الدين إبراهيم المقدسي ، قاضي الحنابلة . وجعل لهم السلطان أن ~~يولوا في الأعمال نوابا عنهم وخص قاضي القضاة ، تاج الدين الشافعي ، بالنظر ~~في أموال PageV30P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" الأيتام والأوقاف بمفرده بالديار المصرية ، ~~بتقليد سلطاني نسخته بعد البسملة ، ومثال العلامة السلطانية بين السطرين ~~المستعلي بالله . " الحمد لله مجرد سيف الحق لمن اعتدى ، وموسع مجاله لمن ~~راح إليه واغتدى ، وموضح طريقة لمن اقتاد به واقتدى ، ومزين سمائه بنجوم ~~تستمد الأنوار من شمس الهدى ، الذي أعذب لشرعه الشريعة المحمدية ينبوعا ، ~~وأقامها أصلا مد بثمار الرشد فروعا ، نحمده على نعمة التي ألزمتنا التشييد ~~" في " مباني الإنصاف شروعا " . " ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له ، شهادة نعمر بها من القلوب والأفواه ربوعا . ونصلي على سيدنا محمد الذي ~~بعثه الله إلى العلم جميعا ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، صلاة يناجي ~~القائل بها بصيرا سميعا " . " وبعد : فإن أحاق من استوعبت كليات المحامد له ~~بالتعيض ، وطافت الممادح من كعبة العلم بركن منه طواف المفرض لا طواف ~~المفيض وخلد له إرضاءه الأحكام وإمضاء التفويض ، وريش جناحه وإن لم يك ~~بالمهيض ، وفسح ms6965 مجاله وإن كان الطويل العريض ، ورفع قدره على الأقدار ، ~~وتقسمت من سحائبه الأنواء ، ومن أشعته الأنوار ، ووغزر مدة فجرت منه في ~~رياض الرشد الأنهار ، وغدا تخشع لتقواه القلوب وتنصب لفتواه الأسماع وترنو ~~لمحياه الإبصار ، من أوفد إرشاده للأمة والأئمة لطفا فلطفا ، وأوقد من علمه ~~جذوة لا تخبو ، ومن عدله قبسا بالهوى لا يطفأ ، وفات النظراء والنظار فلا ~~يرسل أحد معه طرفا ، ولا يمد إليه حياء منه طرفا ، وقد جاز واحتوى من ~~العلوم على ما تفرق في غيره وغدا خير دليل إلى الحق ، فلا يقتدى في ~~المشكلات إلا برأي اجتهاده ، ولا يهتدى في المذاهب إلا بسيره ، وأصبح لفلك ~~الشريعة المحمدية قطبا ، ولجثمانها قلبا ولسوارها قلبا وأضحى لدليلها ~~برهانا ، ولإنسانها عينا ، ولعينها إنسانا ، فكم أرضى بعدله وفضله بني ~~الأيام عن الأيام ، وكم أغضى مع قدرته على الانتقام وكم أمضى حكما لا ~~انفصال لعروته ولا انفصام ، وكم أفضى بالحور إلى ماله وبالعدل إلى الأيتام ~~، فلو استعداه الليل على النهار لأنصفه من تعديه ، ولم يداجه لكونه يستر ~~غليه تعبده في دياجيه ، فهو الحاكم بالحق ولو على نفسه ، والمسترد الحقوق ~~الذاهبة حتى لغده من يومه وليومه من أمسه . " ولما كان المجلس السامي ~~القضائي الإمامي ، العالمي والعاملي ، الأشرف PageV30P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" الزاهدي الأثيري الماجدي الذخيري الأفضلي ~~الجلالي التاجي ، حجة الإسلام ، شرف الأنام ، مجد الأمة ، فخر الأئمة ، صدر ~~الشريعة مقتدى الفرق ، رئيس الأصحاب ، لسان الحق ، ذخر الملوك والسلاطين ، ~~ولى أمير المؤمنين ، قاضي القضاة ، عبد الوهاب بن القاضي الأجل الأوحد ~~الأعز أبي القاسم خلف ، حرس الله جلاله ، ممن هو في أحسن هذه السمات يتصور ~~، وله أنوار بركات تعد ونجوم السماء بها تتكثر ، وقد تجوهر بالعلوم فأصبح ~~التاج المجوهر ، وله مزايا السؤدد التي لا يشك ولا يرتاب ، وسجايا الديانة ~~التي إذا دخل غيره إليها من باب واحد دخل هو إليها من عدة أبواب ، وهو شجرة ~~الأحكام ومصعد كلم الحكام ، ومطلع أنجم شرائع الإسلام ، ومهبط وجي التقدمات ~~والارتسام وعكاظ قضايا الحلام والحرام " . " خرج الأمر العالي المولوي ~~السلطاني الملكي الظاهري الركني ms6966 ، لا زال ماضيا وبالسداد قاضيا : بتجديد ~~هذا التقليد الشريف له بقضاء القضاة بالديار المصرية فليحكم جميعها بما ~~أراه الله من مذهب الإمام المطلي محمد بن إدريس الشافعي ، رضي الله عنه ، ~~وأموالي اليتامى على اختلاف أجناسها هي ودائع الأموات ، ودخائر كل ممنوع من ~~التصرفات ، وقد أوصى الله بها ، وأوسع المتعدي عليها إنكارا وتحذيرا ، وخوف ~~من أكلها ظلما ، فقال جل وتعالى : " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " . وقد رأينا أن تخصص المجلس ~~السامي بالنظر في جميع أمورها وإذ قد غدت ذخر كل منقطع فنجعله من ذخرها ، ~~فلينظر في جميع أموال الأيتام على اختلاف أجناسها بالقاهرة ومصر المحروستين ~~والديار المصرية بمفرده وبمن يستنيبه عنه ، وليحطها بنظره ، ويضبطها بحسن ~~تأثيره وأثره ، وكذلك ما يختص بمذهبه من الجوامع والمناصب والمساجد والربط ~~والتصديرات والأوقاف ، ينظر في جميعها ويولي في أصولها وفروعها ، والأوقاف ~~العامة من الصدقات وغيرها ، ينظر فيها بنفسه وبنوابه ، حافظا لأمورها ~~وملاحظا لتدبيرها ، ومجتهدا في صلاحها وتثميرها ، وليستصحب من ذلك ما هو ~~ملي باستصحابه ، وليستمر على إقامة منار الحق الذي هو موثق عراء ومؤكد ~~أسبابه ، عالما بأن كل إنارة أضأنها من قبسه وأن استضأنا بها في دياجي ~~المنى ، وكل ثمرة من مغترسه وإن مددنا إليها يد إلا جنتا ، وكل جدول هو من ~~بحره وإن بسطت إليه راحة الاغتراف وكل منهج هو من جادته وإن ثنيت إليه أعنة ~~الاستطلاع للإفادة والاستكشاف وهو بحمد الله PageV30P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" المجتهد المصيب . والمادة للعناصر وإن كان ~~يصيبه منها أوفر نصيب ، والصادق الذي ينبئ بالحق إذا وامرته المراسيم ، ولا ~~ينبؤك مثل خبير ، ووصاياه منها يسترشد ، فلا يفاوض فيها ، ومنه تتعلم فلا ~~نكرر عليه ما يستفاد منه من معانيها ، والله تعالى يسد بأحكامه الذريعة ، ~~ويحمي بها حمى الشريعة إن شاء الله تعالى ، وكتب في ثامن وعشرين ذي القعدة ~~سنة ثلاث وستمائة بالإشارة العالية المولوية الأتابكية الفارسية وأعزها ~~الله ، الحمد لله وحده وصلاته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه " . ولما ~~فوض السلطان القضاء بالديار المصرية ms6967 لحكام الأربعة ، فعل مثل ذلك بدمشق ، ~~وجهز التقاليد إلى الحكام الذين وقع الاختيار عليهم ، وهم : القاضي شمس ~~الدين أحمد بن محمد بن خلكان الشافعي ، على عادته ، والشيخ زين الدين عبد ~~السلام الزواوي المالكي قاضي المالكية ، والقاضي شمس الدين عبد الله بن ~~محمد بن عطاء الأذرعي الحنفي قاضي الحنفية ، والشيخ شمس الدين عبد الرحمن ~~بن الشيخ أبي عمر الحنبلي قاضي الحنابلة ، ووصلت تقاليدهم بذلك في سادس ~~جمادى الأول سنة أربع وستين وستمائة ، فامتنع المالكي والحنبلي من قبول ~~الولاية والدخول في باب القضاء ، فطولع السلطان بذلك ، فورد جوابه ~~بإلزامهما ، وأنهما إن استقرا على الامتناع وصمما عليه يعزلا عما بأيديهما ~~من المناصب ويخرجا من بلاد السلطان ، فقبلا الولاية ، وامتنعا من قبول ~~المعلوم المقرر للقضاة وقالا : " نحن في كفاية عن قبول المعلوم " . ذكر ~~القبض على الأمير شمس الدين سنقر الأقرع وفي ذي الحجة سنة ثلاث وستين ~~وستمائة ، قبض السلطان على الأمير شمس الدين سنقر الأقرع . وسبب ذلك ان ~~رسول الملك بركة أحضر معه رجلا ادعى أنه الملك الأشرف بن الملك المظفر شهاب ~~الدين غازي ، فطلب السلطان من يشهد له بصحة ذلك ، فشهد له المذكور ، فبحث ~~السلطان عن أمره ، فوجد الأمير شمس الدين المشار إليه بعث إليه واستدعاه من ~~عند الملك بركة لغرض كان في نفسه ، فقبض السلطان عليه واعتقله ، واعتقل من ~~شهد له بخزانة البنود . ذكر القبض على الأمير شمس الدين سنقر الرومي وذنوبه ~~السالفة وفي رابع وعشرين ذي الحجة من السنة ، أمسك السلطان الأمير شمس ~~الدين PageV30P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" سنقر الرومي . وسبب ذلك ؛ أنه كان له مملوك ~~جميل الصورة ، فبلغه أن السلطان ربما تعرض إليه بفعل ، فغضب لذلك ، وشفع ~~السلطان عنده فيه فلم يقبل شفاعته ، وضربه وحمى سفودا من الحديد وجعله في ~~دبره فمات ، فطلبه السلطان من وقته واعتقله . وأما ذنوبه السالفة فإنه كان ~~جمدار الملك الصالح ، وكان مؤاخي الملك الظاهر لما كانا في الخدمة الصالحية ~~وبينهما صداقة ، ولما كان من أمر البحرية ما قدمناه كانا جميعا وكان الملك ~~الظاهر يتفقده بالمال والقماش ms6968 ، ولما قتل الملك المظفر لم يكن شمس الدين ~~حاضرا ، وأعطاه السلطان الإقطاعات العظيمة فصار يخلو بجماعة بعد جماعة ~~ويفرق عليهم المال الذي ينعم به السلطان عليه ، فاتصل ذلك بالسلطان فأرسل ~~إليه يحذره مع خوشداشيته ، فلم يفد ذلك شيئا ، وبقى ذلك في خاطر السلطان ، ~~فلما قتل الآن مملوكه وقبض عليه أرسل يقول : " أشتهي أعرف ذنبي " ، فسير ~~السلطان إليه من عدد ذنوبه ، فتحسر وقال : " آه ، لو كنت حاضرا قتل الملك ~~المظفر حتى أعاند السلطان في الذي جرى " ، وكان قد تكلم بهذا الكلام وشافه ~~السلطان به في حال إحسانه إليه ، واستمر في الاعتقال إلى أن توفي ، وكانت ~~وفاته في يوم الأحد عاشر جمادى الأول سنة ست وسبعين وستمائة . ذكر وفاة ~~قاضي القضاة بدر الدين السنجاري وشيء من أخباره في هذه السنة في يوم السبت ~~رابع عشر شهر رجب : كانت وفاة قاضي القضاة بدر الدين أبي المحاسن يوسف بن ~~الحسن بن علي بن الخضر السنجاري الشافعي ، رحمه الله تعالى ، فجأة ، وكان ~~قد أكل بطيخا أصفر وسلنجنينيا عقب خروجه من الحمام . ودفن في يوم الأحد ~~بمدرسته بالقرافة بجوار تربة الإمام الشافعي ، وصلى عليه قاضي القضاة تاج ~~الدين بن بنت الأعز . ومولده بسواد إربل في رابع عشر شهر ربيع الأول سنة ~~ثمان وسبعين وخمسمائة ، وكان قاضيا بسنجار ، وكان له على السلطان الملك ~~الصالح من الخدمة بسنجار ما قدمنا ذكره ، فلما ملك الملك الصالح دمشق كما ~~تقدم ، ولاه قضاء بعلبك وأعمالها وقرر له معلوما كثيرا ، وكان قد وصل في ~~صحبته ، ولما ملك الديار المصرية حضر إليه فأكرمه ، وفوض إليه القضاء بمصر ~~والوجه القبلي ، ثم بالقاهرة والوجه البحري كما تقدم ذكر ذلك . وولي ~~الوزارة كما تقدم أيضا في أيام PageV30P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" الملك المنصور نور الدين بن الملك المعز ، ~~وكان ، رحمه الله تعالى ، مكينا عند السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ، ~~وكان الأمير فخر الدين بن الشيخ يكرهه ، فكتب إلى السلطان الملك الصالح ~~يذكر عنه انه يأخذ من نوابه الأموال ، ومن يعدله من الشهود ، وأشباه ذلك ، ~~فأجابه السلطان ms6969 في طرة كتابه : " يا أخي فخر الدين : للقاضي بدر الدين على ~~حقوق عظيمة لا أقوم بشكرها ، والذي وليناه قليل في حقه ، وما قمت له بما ~~يجب على من مكافئته " ، فلم يعاوده الأمير فخر الدين في أمره ، وبقيت هذه ~~الورقة عنده في جملة أوراقه ، فلما قتل وخلف بنت صغيرة ، احتاط ديوان ~~الأيتام على موجوده فوجدوا هذه الورقة فحملوها إلى ىالقاضي بدر الدين ، ~~فأوقف الناس عليها ، وكان رحمه الله تعالى ، كريما كثير الاحتمال كثير ~~المروءة ، حسن العشرة ، يقبل الاعتذار ، ولا يكافئ على السيئة بمثلها ، بل ~~يحسن لمن ظهرت اساءته ، ويبره بماله ويستميله بإحسانه ، إلا أنه شهر عنه في ~~ولاية القضاء قبول هدايا النواب ، حتى قيل إنه ربما كان قرر على كل منهم ما ~~لا يحمله في كل مدة في مقابلة ولايته على قدر الولاية ، وكذلك أيضا من يقصد ~~إنشاء عدالته حتى كثر المعدلون في أيامه ، ووصل إلى العدالة من ليس من ~~أهلها ، ولما ولي قاضي تالقضتة تاج الدين أسقط كثيرا من عدوله ، ولقد جاء ~~بعد ذلك زماننا وأدركت بقايا عدوله فكانوا أميز العدول وأجل الناس ، ومنهم ~~من ولي قضاء القضاة وبلغ ، رحمه الله تعالى ، خمسة وثمانين سنة وثلاثة أشهر ~~، رحمه الله تعالى . وفي هذه السنة في يوم الاثنين مستهل شعبان توفي الأمير ~~جمال الدين موسى بن شرف الدين يغمور بن جلدك بلمان بن يغمور استاد دار ~~السلطان الملك الظاهر ، وهو الذي كان ينوب عن الملك الصالح نجم الدين أيوب ~~بدمشق ، وكان عالي المنزلة عند الملوك الأيوبية ومن بعدهم ، ودفن بسفح ~~المقطم ، وكان مولدهبالقرية اليغمورية بقرب سمهود من الأعمال القوصية في ~~جمادى الآخر سنة تسع وتسعين وخمسمائة ، وهو ياروقي الأصل ، : وكان عفيفا ~~كريما سمحا جوادا ، كيسا لطيفا ، متواضعا حسن العشرة والسيرة ، كثير البر ~~والصدقة ، رحمه الله تعالى . PageV30P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" وفي ذي القعدة سنة ثلاث وستين وستمائة أيضا : ~~أمر السلطان بشنق الشريف حصن الدين بن ثعلب الجعفري بالإسكندرية ، فشنق ~~خارج باب البحر ، وكان السلطان قد اعتقله بها ، وسبب شنقه أن الشريف ~~السرسناي أحد ms6970 عدول الثغر كان يتردد إليه في معتقله لتأنيسه وقضاء حوائجه ، ~~فاتصل بالسلطان أنه أعمل الحيلة في هروبه ، وكان الشريف قد حضر إلى مصر ~~لقضاء حوائج حصن الدين فأحضره السلطان وسأله عن ذلك ، فأنكره ، فأراه ~~الخطوط الواردة من الإسكندرية بالشهادة عليه بذلك ، وأمر بشنقه فشنق تحت ~~قلعة الجبل . وسير السلطان عز الدين أيبك الأغا حصاري إلى الإسكندرية فشنق ~~الشريف حصن الدين . واستهلت سنة أربع وستين وستمائة في هذه السنة توجه ~~الملك السلطان الظاهر إلى الشام في مستهل شعبان ، واستناب بقلعة الجبل ~~الأمير عز الدين أيدمر الحلى ، وجعله في خدمة ولده الملك السعيد هو والصاحب ~~بهاء الدين ، وتوجه . وكان في سفرته هذه من فتوح صفد والغارات على بلاد ~~الفرنج ما نذكره ، إن شاء الله تعالى . ذكر عمارة جسر دامية وفي جمادى ~~الأول سنة أربع وستين وستمائة ، رسم السلطان ببناء جسر على نهر الأردن ، ~~وهو النهر الذي يشق غور الشام ، ويسمونه الشريعة . وهذا الجسر هو بقرب ~~دامية ، فيما بينها وبين فراوى . واتفق فيه أعجوبة لم يسمع بمثلها : وذلك ~~أن السلطان ندب الأمير جمال الدين بن نهار المهندار لعمارته ، ورسم أن يكون ~~خمس قناطر . واجتمع الولاة لذلك ومنهم : الأمير بدر الدين محمد بن رحال ~~متولي نابلس وحصلوا الأصناف وجمعوا الصناع ، وعمروه على ما رسم به السلطان ~~. فلما تكاملت عمارته وتفرق ذلك الجمع اضطرب بعض أركان الجسر ، فقلق ~~السلطان لذلك وأنكر عليهم وأعادهم إصلاح ذلك . فتعذر عليهم لزيادة الماء ~~وقوة جريانه ، فأقاموا كذلك أياما PageV30P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" وقد تيقنوا العجز عنه . فلما كان في الليلة ~~المسفرة عن السابع عشر من شهر ربيع الأولى سنة ست وستين انقطع ماء الشريعة ~~حتى لم يبق بها شيء منه ، فتبادروا وأشعلوا النيران الكثيرة والمشاعل ~~واغتنموا هذه الحادثة وأصلحوا الأركان وقووها ، وأصلحوا منها ما لا كان ~~يمكن عمله . وركبوا من يكشف خبر هذه الحادثة ، فساقوا الخيل فوجدوا كتارا ~~مرتفعا كان يشرف على الشريعة من الجانب الغربي ، والكتار شيء يشبه الجبل ~~وليس بجبل لأن الماء يحله بسرعة كالطين ، قد سقط في ms6971 الشريعة فسدها ، وانسكر ~~الماء وتحامل على جهة الغور مما وراء السكر ، فعادوا الخبر ، وانقطع الماء ~~من نصف الليل إلى الرابعة من النهار ، ثم تحامل الماء وكسر ذلك الكتار ، ~~وجاء طول رمح فلم يؤثر في ذلك البناء لإتقانه ، وحمل الماء ما كان هناك من ~~آلات العمارة . وهذه الحادثة من عجائب الاتفاق . وهذا الجسر باق إلى وقتنا ~~هذا . وفي جمادى الأولى تكاملت عمارة الدار الجديدة المرسوم بعمارتها عند ~~باب السر المطل على سوق الخيل . وعمل بها دعوة للأمراء . وفي هذه السنة ~~اهتم السلطان بحفر خليج الإسكندرية ، وندب الأمير علم الدين المسروري بذلك ~~. ثم توجه السلطان بنفسه وباشر الحفر وأزيلت الرملة التي كانت على الساحل ~~بين النقيدي وفم الخليج ، ثم عدى إلى بر أبيار ، وغرق المراكب هناك وبنى ~~عليها بالحجارة ، ثم رجع إلى القاهرة . وفي شهر رمضان من السنة وصل إلى ~~دمشق ولد الخليفة المستعصم بالله المسمى بالمبارك الذي كان عند هولاكو ، ~~وصحبته جماعة من أمراء العربان . فأنزله الأمير جمال الدين النجيبي في أعز ~~مكان . فلما وصل السلطان إلى دمشق سير إليه جمال الدين بن الدوادار ~~والطواشي مختار ، فما عرفاه . وظهر أنه بخلاف ما ادعاه ، فسير إلى مصر تحت ~~الاحتياط . وفي ذي القعدة وصل شخص آخر أسود ادعى أنه من أولاد الخلفاء ، ~~فسير إلى مصر أيضا . PageV30P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" ذكر الوثوب على الأمير عز الدين الحلى وضربه ~~بالسكين وسلامته وقتل الأمير صارم الدين المسعودي قال : لما كان في يوم ~~الاثنين منتصف ذي الحجة سنة أربع وستين وستمائة جلس الأمير عز الدين الحلى ~~بدار العدل ، ومعه الصاحب بهاء الدين والقضاة ، وإذا بإنسان يخترق الصفوف - ~~وبيده قصة - ، فوقف قدامه ، وكان بيده سكين بين أثوابه ، فضرب بها حلق ~~الأمير عز الدين . فأمسكها بيده فجرحت يده ، ثم رفسه برجله ونام على ظهره ~~وقصد أن يضربه مرة أخرى أو يضرب الصاحب . فلما رفع يده جاءت السكين في فؤاد ~~الأمير صارم الدين قايماز المسعودي فمات لساعته . وكان فخر الدين المتولي ~~الجيزة حاضرا فأمسكه ورماه . فوقع على قاضي القضاة ، فضرب ms6972 بالسيوف فمات . ~~وعرف الضارب أنه من الجانداريه . وكانت به شعبة من الجنون . ولما وصل الخبر ~~بسلامة الحلى إلى السلطان وهو راجع من أفامية أعطى مملوك الحلى ألف دينار ~~عينا ، وأعطى رفيقه ثلاثة آلاف درهم ، واحسن إلى ورثة المسعودي . وفي هذه ~~السنة فتحت صفد على ما نذكره ، إن شاء الله تعالى . ورجع السلطان منها إلى ~~دمشق ، وأنعم على أمرائها وقضاتها وأرباب المناصب بالتشاريف . ونظر السلطان ~~في أمر الجامع الأموي ومنع من مبيت الفقراء به . وفيها : أبطل السلطان ضمان ~~الحشيشة وأمر بتأديب أهلها . PageV30P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" وفيها : في ثالث ذي القعدة توفي الأمير كرمون ~~أغا بدمشق بعد منصرفه من فتح صفد فشهد السلطان جنازته ، ودفن برأس ميدان ~~الحصا عند قباب التركمان . وفيها : في ليلة عرفة ، كانت وفاة الأمير جمال ~~الدين أيدغدي العزيزي وكان قد جرح على صفد وبقي مدة والألم يتزايد به إلى ~~أن مات ، رحمه الله تعالى . وكان من أكابر الأمراء ، وسمع الحديث ، وحدث ، ~~وكان مشهورا بالشجاعة والكرم والديانة وسعة الصدر وكثرة الصدقة ، وكان قد ~~رتب على نفسه صلة للفقراء من أرباب البيوت والزوايا في كل سنة تزيد على ~~مائة ألف درهم وألوف أرادب غلة ، هذا غير صدقاته . وكان مقتصدا في ملبسه ~~يلبس الثياب القطن من الهندي والبعلبكي وغيره مما يباح ولا يكره لبسه . ~~وكان من السلطان بالمنزلة العلية لا يخرج عن رأيه ومشورته سيما في الأمور ~~الدينية وأحوال القضاة . ومما يدل على ذلك : ما تقدم من إشارته بتولية ~~الحكم لأربعة قضاة . فرجع السلطان في ذلك إلى رأيه ، وفعله لوقته . وكان ~~رحمه الله من حسنات الزمان ، وقد ختم له بالشهادة ، فإنه مات من ألم تلك ~~الجراحة . ودفن في مقبرة الملك الناصر بسفح قاسيون ، رحمه الله . واستهلت ~~سنة خمس وستين وستمائة ذكر عود السلطان إلى الديار المصرية وبناء الجامع ~~الظاهري كان خروج السلطان من دمشق في يوم الاثنين ثاني المحرم سنة خمس ~~وستين وستمائة . فلما وصل إلى منزلة الفوار فارق العسكر وتوجه إلى الكرك . ~~ولما وصل إلى بركة زيزاء تقنطر على فرسه ms6973 ، وذلك PageV30P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" في يوم الأحد ثامن المحرم ، فتأخر هناك أياما ~~، ونزل إليه الأمير عز الدين نائبه بالكرك فأعطاه ألف دينار ، وخلع عليه ~~وسير الخلع إلى من بالكرك . ثم توجه في محفة حملها الأمراء والخواص على ~~أكتافهم والخواص على أكتافهم إلى غزة . ووصل إلى بلبيس في ثالث عشر صفر ~~فتلقاه ولده الملك السعيد والأمير عز الدين الحلى ، وزينت المدينة لمقدمه . ~~وفي أول شهر ربيع الأول ركب السلطان فرسه وضربت البشائر لذلك ، ونزل بباب ~~النصر وأقام هناك إلى خامس الشهر ، ثم توجه إلى بركة الجب لرمي البندق . ~~وفي شهر ربيع الآخر ، سير السلطان الأتابك والصاحب فخر الدين ولد الصاحب ~~لكشف مكان يعمل به جامعا بالحسينية . فاتفقا على مناخ الجمال السلطانية . ~~فقال السلطان : " أولى ما جعلت ميداني الذي هو نزهتي جامعا " . وركب في ~~ثامن شهر ربيع الآخر وصحبته الوزير والقضاة ونزل إلى ميدان قراقوش ، ورتب ~~أمور بنائه جامعا ، وأن يكون بقية الميدان وقفا عليه ، ورجع ودخل مدرسته ~~بالقاهرة . وفي هذه السنة أمر السلطان بإنشاء القناطر على بحر الرجا فأنشئت ~~، وتولى عمارتها الأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندار فحصل الرفق بها ~~للمسافرين وكانوا يجدون شدة وإزدحاما بسبب المعادي . وفي سابع وعشرين شهر ~~ربيع الآخر وصل الملك المنصور صاحب حماة ، وكان السلطان قد توجه إلى ~~العباسة فتلقاه إلى رأس الملء وسير له ولمن معه التشاريف ، وعاد السلطان ~~إلى قلعته . وطلب صاحب حماة التفرج في الإسكندرية فسير إليها وسير في خدمته ~~الأمير شمس الدين سنقر جاه الظاهري ، فوصل إليها وعظم تعظيما كثيرا ، ثم ~~عاد ، وتوجه في خدمة السلطان إلى غزة ثم توجه إلى مملكته . وفي جمادى ~~الآخرة وصلت رسل صاحب الدعوة وصحبتهم جملة من الذهب PageV30P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" وقالوا : هذا المال الذي كنا نحمله قطيعة ~~للفرنج قد حملناه لبيت مال المسلمين ، وكان السلطان قد شرط ذلك عليهم عند ~~وصول رسلهم وسؤالهم الصلح وشرطه على بيت الاسبتار في جملة ما اشترط عليهم . ~~ذكر إقامة الجمعة بالجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة وشيء من اخباره وفي يوم ms6974 ~~الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة خمس وستين وستمائة أقيمت صلاة الجمعة ~~بالجامع الأزهر . وسبب ذلك أن الأمير عز الدين الحلى خاطب السلطان في أمره ~~وتبرع بجملة من ماله في عمارته ، وانتزع أشياء من أوقافه كانت مغصوبة في ~~أيدي جماعة ، وشرع في عمارته ، فعمر ما وهي من أركانه وجدرانه وبيضه وبلطه ~~، وأصلح سقوفه وفرشه . واستجد به مقصورة حسنة ، وعمل الأمير بدر الدين ~~بيليك الخازندار الظاهري فيه مقصورة كبيرة ورتب فيها مدرسا وجماعة من ~~الفقهاء الشافعية ، ورتب فيها محدثا يسمع الحديث النبوي والرقائق ، وسبعا ~~لقراءة القرآن . ووقف على ذلك أوقافا ، وولى خطابته زين الدين أدريس بن ~~صالح بن وهيب المصري القليوبي ، واستمر به إلى أن توفي . وكانت وفاته في ~~ليلة السبت رابع عشر من ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وستمائة ، ومولده سنة ~~ثمان عشرة وستمائة . وهذا الجامع هو أول مسجد جامع وضع للناس بالقاهرة ~~المعزية ، وفرغ من بنائه وأقيمت فيه الجمعة في شهر رمضان سنة إحدى وستين ~~وثلاثمائة . فلما ولي العزيز بن المعز جدد به أشياء وعمر به عدة أماكن . ~~ويقال إن به طلسم لا يسكنه بسببه عصفور ولا يفرخ فيه ، وفي سنة ثمان وسبعين ~~وثلاثمائة سأل الوزير أبو الفرج يعقوب بن كلس الخليفة أن يأذن له في صلة ~~رزق جماعة من الفقهاء ، فأذن له . فأطلق كل منهم كفايته واشترى لهم دارا ~~إلى جانب الجامع ، فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع وذكروا فيه دروس ~~فقه وكان أبو يعقوب قاضي الخندق ، وكانوا نيفا وثلاثين فقيها لأن دولة ~~العبيد بينما كان يستقل فيها بفقيه ، ولما عمر الحاكم الجامع نقل الخطبة ~~إليه . PageV30P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" ذكر إنشاء القصر الأبلق بالميدان بظاهر دمشق ~~وفي سنة خمس وستين وستمائة ، أمر السلطان الملك الظاهر بإنشاء القصر الأبلق ~~بالميدان الأخضر بظاهر دمشق ، فعمر على ما هو عليه الآن . واتفق في عمارته ~~واقعة غربية ، حكى بعض من كان يباشر عمارته ، قال : لما انتهت عمارة ~~القنطرة التي بالإيوان ولم يبق من ختمها إلا وضع حجر واحد أسود ، فرفع ~~بالجبال ms6975 بعد أن نحت وجهز ليوضع في مكانه وتشد به القنطرة ، فانقطع الحبل ~~وسقط الحجر إلى أرض الإيوان فانكسر ، فتألم المهندس لذلك ، ثم دخل إلى ~~مرحاض القصر العتيق لقضاء الحاجة ، " فرأى " في أحد كراسيه حجر أسود منحوتا ~~، فقاسه فوجده قدر الحجر الذي انكسر سواء ، فاستأذن المهندس ، الأمير جمال ~~الدين النجيبي على قلعه ووضعه في رأس القنطرة ، فأذن في ذلك ، فقلع من كرسي ~~المرحاض وجعل في رأس القنطرة بالإيوان فختمت به . وجاء كأنه عمل لها ، ووضع ~~الحجر الذي انكسر مكانه . وهذا من عجيب الاتفاق ، وقد وقع نظير هذه الواقعة ~~في أساس سور بغداد وعتبة جامع غزنة ، وتقدم ذكر ذلك . ذكر توجه السلطان إلى ~~الشام وعمارة قلعة صفد وفي العشرين من جمادى الآخرة توجه السلطان إلى الشام ~~في جماعة من أمرائه وأراح بقية العسكر . ولما وصل إلى غزة وردت إليه رسل ~~الفرنج بهدية وجماعة من أسرى المسلمين . وتوجه السلطان إلى صفد بقصد عمارته ~~فرتب أمورها . وتوجه إلى دمشق مسرعا عندما بلغه أن التتار عزموا على قصد ~~الرحبة ، فأقام بها خمسة أيام واهتم بأمر الرحبة وعاد إلى صفد في رابع ~~وعشرين شهر رجب ، فقسم الخندق على الأمراء ، وأخذ نصيبا وافرا لنفسه ~~ومماليكه وحاشيته ، وعمل السلطان بنفسه وبيده ، فلم أحد من العمل . ولما ~~كملت عمارة قلعة صفد رسم السلطان أن يكتب على أسوارها : PageV30P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض ~~يرثها عبادي الصالحون " . " أولئك حزب الله ، ألا أن حزب الله هم المفلحون ~~" أمر بتجديد هذه القلعة المحروسة وتحصينها وتكملة عمارتها وتحسينها من ~~خلصها من أيدي الفرنج الملاعين ، ووردها إلى أيدي المسلمين ، ونقلها من ~~مسكن أخوة الدواوية إلى سكن أخوة المؤمنين ، فأعادها للإيمان كما بداها أول ~~مرة ، وجعلها للكفار خسارة وحسرة ، ولم يزل بنفسه يجتهد ويجاهد حتى عوض عن ~~الكنائس بالجوامع والبيع بالمساجد ، وبدل الكفر بالإيمان ، والناقوس ~~بالآذان ، والإنجيل بالقرآن ووقف بنفسه التي هي أعز النفوس حتى حمل تراب ~~خنادقها وحجارتها منه ومن خواصه على الرؤوس ، سلطان الإسلام والمسلمين ~~ومسترد صوال ms6976 الدين ، مبيد التتار ، فاتح القلاع والحصون والأمصار ، وارث ~~الملك ، سلطان العرب والعجم والترك ، إسكندر الزمان ، صاحب القرآن أبو ~~الفتح بيبرس قسيم أمير المؤمنين ، خلد الله سلطانه ، فمن صارت إليه هذه ~~القلعة من ملوك الإسلام ، ومن سكنها من المجاهدين المثاغرين على الدوام ~~فليجعل لهذا السلطان فاتحها ومجددها نصيبا من أجره ، ولا يخله من الرحمة في ~~سره وجهره في طول عمره ، فإنه جعلها دار يمن وأمان ، بعد أن كانت دار كفر ~~وطغيان ، وصار يقال عمر الله سرحها ، بعد أن كان يقال عجل الله فتحها ، ~~والعاقبة للمؤمنين إلى يوم الدين . " ولما كملت العمارة طلع السلطان إلى ~~القلعة فرأى بالبرج صنما كبيرا كان الفرنج يقولون أن القلعة في خفارته ~~ويسمونه أبا جرج ، فأمر بقلعة وتكسيره ، وعمر مكانه محرابا . ورسم بتجديد ~~عمارة حرم الخليل ، وكتب بذلك إلى دمشق ، وتوجه الأمير جمال الدين بن نهار ~~لذلك ، فجدد الأخشاب والمقاصير والأبواب ، ودهن ما يحتاج منها إلى الدهان ، ~~وجددت الضرائح المقدسة . ووصلت رسل الفرنج إلى السلطان وهو على صفد ، ~~وتحدثوا معه في أمر بلادهم ، وأجابوا إلى ما قاله من مناصفة صيدا وهدم ~~الشقيف . ثم أغار على عكا على ما نذكره إن شاء الله ، ولم ينتظم أمر الصلح ~~. ثم حضرت رسل سيس ورسل بيروت ومعهم جماعة من أسرى المسلمين ، PageV30P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" وردوا مال التجار . وفيها : توفي القاضي صدر ~~الدين موهوب بن عمر بن إبراهيم الجزري الشافعي وهو الذي كان ينوب عن الشيخ ~~عز الدين بن عبد السلام بمصر ، وولى القضاء بعده كما قدمنا ذكر ذلك ، وكان ~~فاضلا عالما بمذهب الشافعي ومشاركا في غيره من العلوم . وكان في مبدأ أمره ~~على قضاء جزيرة ابن عمر . وكان كثير المال مرزوقا في التجارة ، فاكتسب مالا ~~جزيلا فمد صاحب الجزيرة عينه إلى أمواله وقصد أخذها ، فبلغه ذلك ، فأرسل ~~أكثر أمواله إلى مصر والشام صحبة التجار ثم هرب واختفى ، ووصل إلى الشام ثم ~~إلى الديار المصرية . ولما ولى الصاحب بهاء الدين الوزارة قصد أذاه فخافه ~~خوفا شديدا . حكى عنه أنه قال : لما خفت ms6977 الصاحب بهاء الدين رأيت رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) في المنام فسألني عن حالي فقلت : يا رسول الله ، ~~إني خائف من الصاحب فقال لي : لا تخف منه وقل له بأمارة كذا وكذا لا تؤذني ~~، فإن رسول الله قد شفع في عندك ، قال : فانتبهت فرحا بمقابلة رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ، ولما صليت الصبح ركبت دابتي ووقفت للصاحب في طريقه ~~إلى القلعة ، فسلمت ، عليه وقلت له : معي رسالة ، فقال : ممن هي ؟ قلت : من ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهو يقول لك : بأمارة كذا وكذا لا ~~تؤذني فأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، قد شفع في عندك ، فقال : ~~صدقت أنت ، وصدق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأنت اليوم فقد بقيت ~~أتشفع بك إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، والله لا حصل لك مني سواء ~~أبدا ، فالمولي يرسم والمملوك يتمثل ، ومن اطلع عليه مولانا وله حاجة من ~~مضرور أو مظلوم ترسل إلى تعرفني حتى أقضى حاجته بنفسي ، واعتذر إليه ، وبقي ~~يعظمه ، ولو فسح في أجله لولاه القضاء بعد القاضي تاج الدين ولكنه مات قبله ~~. وكانت وفاته في مستهل شهر رجب سنة خمس وستين وستمائة . وقيل بل كانت ~~وفاته فجأة في تاسع الشهر ، ودفن بسفح المقطم . ومولده في النصف من جمادى ~~الآخرة سنة تسعين وخمسمائة بالجزيرة . ولما مات ترك ما يقارب ثلاثين ألف ~~دينار ، وكان له ابنتان : إحداهما بالجزيرة . والأخرى زوجة القاضي بدر ~~الدين ولد القاضي تقي الدين بن رزين ، فورثتاه وشركهما بيت PageV30P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" المال ، وكان رحمه الله كثير المروءة والإحسان ~~إلى أهل بلده ومن يقصده . ذكر وفاة قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز ~~ونبذة من أخباره رحمه الله ومن ولى قضاء الشافعية وغيره من مناصبه بعد ~~وفاته وفي السابع والعشرين من شهر رجب الفرد سنة خمس وستين وستمائة ، كانت ~~وفاة قاضي القضاة ، تاج الدين أبي محمد عبد الوهاب بن القاضي الأعز أبي ~~القاسم خلف بن رشيد أبي الثناء محمود بن بدر العلامي - ونبو علامة ms6978 بطن من ~~لخم - وهو المشهور بابن بنت الأعز والأعز هذا هو جده لأمه ، وهو الصاحب ~~الأعز فخر الدين أبو الفوارس مقدام بن القاضي كمال الدين أبي السعادات أحمد ~~بن شكر ، أحد وزراء السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب ، ~~وقد تقدم ذكره في أخبار الدولة العادلية . ومولد القاضي تاج الدين ~~ذبالقاهرة في مستهل شهر رجب سنة أربع وستمائة . ولما مات والده الأعز خلف - ~~رحمه الله تعالى - ترك دنيا عريضة ، فيقال إنه خلف اثني عشر ألف دينار عينا ~~، وقيل سبعة الآف ، فانفقت والدته ابنة الصاحب الأعز جميع ذلك على نفسها ~~ومن يلوذ بها من أهلها ، ونشأ فلم يجد شيئا من ذلك ، فما شافهها فيه بكلمة ~~، وكان بارابها ، وأشتغل بالعلم ، وولى إعادة المدرسة المعروفة بزين التجار ~~بمصر ، وولى شهادة بيت المال في الدولة الكاملية . وكان سبب ذلك أن الشريف ~~شمس الدين الأرموي نقيب السادةالأشراف ، رحمه الله تعالى ، كان يلي تدريس ~~المدرسة المذكورة فتوجه متن جهة السلطن الملاك الكامل في رسالة واستناب ~~القاضي تاج الدين هذا في التدريس والنظر ، فأحسن الخلافة عنه وعمر الوقف ~~وقام بالوظيفة أحسن قيام ، فلما عاد الشريف ووجد الأمر على ذلك ، أنهاه إلى ~~السلطان وشكره وأثنى عليه ، فرسم السلطان الملك الكامل له بمباشرة شهادة ~~بيت المال فباشر ذلك ، وكان إذ ذاك على غاية الفاقة ، وسلك طريقي الضبط ~~والأمانة ، وهذه الوظيفة هي أول مناصبه الديوانية ، فاشتهر بحسن المباشرة ~~والأحتراز ، فتقدم في الأيام الصالحية النجمية وما بعدها ، وولى نظر بيت ~~المال ، ثم ولى نظر الدواوين بالديار المصرية في أيام الملك المعظم غياث ~~الدين نورانشاه ابن الملك الصالح ، بتقليد معظمي ، تاريخه لخميس بقين من ذي ~~القعدة سنة سبع وأربعين وستمائة ، نعت فيه بالحضرة السامية : القاضي ، ثم ~~كتب له منشورا كريم خاتوني بأقطاع لخاصه ولأربعة أتباع . وقد رأيت أن أشرح ~~هذا المنشور بنصه وابين وضعه ليعلم منه كيف كان الرسم والمصطلح في مثله ، ~~PageV30P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" وهو أن الموقع كتب عن يمين الدرج ما مثاله : " ~~الصالحية " بقلم أغلظ من قلم ms6979 المنشور ، ثم كتب البسملة بعد هذه اللفظة بقدر ~~أصبعين وكتب تلو البسملة ما مثاله : خرج الأمر العالي المولوي السلطاني ~~الخاتوني الصالحي الجلالي العصمي الرحيمي ، زاده الله شرفا ونفاذا ، أن ~~يجري في إقطاع المجلس السامي ، القاضي الأجل ، الصدر الكبير ، الرئيس ~~الفقيه ، العلم الإمام ، الفاضل الأوحد ، العامل المرتضي ، الكامل المجتني ~~، المختار تاج الدين مجد الإسلام بهاء الأنام اختيار الدولة ، مجتبي الملوك ~~السلاطين ، فخر الرؤساء ، علم العلماء ، شرف الفقهاء ، رضي أمير المؤمنين ~~عبد الوهاب بن خلف الناظر بالدواوين المعمورة ، أدام الله رفعته ونعمته ، ~~ما رسم له به الآن من الإقطاع لخاصه ولأربعة أتباع معه في السنة ما يأتي ~~ذكره . خاصه : الثلثان من أبواب الهلالي بمدينة الفيوم . كفور سفط رشين ~~خارجا من بني شريان ، ومعصرة أبي دخان ، ودبيس ، وهي منشأة ابن مليح ، كوم ~~بني مؤمنة ، كوم الحمير ، كوم مغنين ، منشأة حراز ، فزونة ، قيالة الحعاف . ~~وذلك في الإقطاع لاستقبال مغل سنة سبع وأربعين وستمائة بعد الإعتداد على ~~غايته بما قبضة من الجامكية لاستقبال المدة من جملة ما يعوض به ، وفي ~~الخدمة مستهل المحرم منها . أتباعه وعدتهم أربعة في السنة : ستة عشر ألف ~~درهم ناصرية جهة ذلك من متحصل السدس من بحيرة تنيس لاستقبال تاريخ عرضهم ~~بالديوان المعمور بعد الخط الشريف ، أعلاه الله ، وثبوته حيث ثبتت مثله . ~~كتب في ثامن ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وستمائة ، وبين السطرين الأول ~~والثاني بخطها ما مثاله : والده خليل . ورأيت في هذا المنشور أشياء تستغرب ~~ويستنكر مثلها في وقتنا هذا : وهو أن بيت العلامة الذي هو بين السطرين كتبت ~~فيه الملكة ، وفيه تحت خطها بين السطرين : خط ناظر الدواوين ومثاله : ليثبت ~~بديوان النظر على الدواوين المعمورة إن شاء الله PageV30P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" تعالى ، وخط شاد الدواوين : امتثل الخط الشريف ~~، وبينهما في بيت العلامة أيضا : خط ناظر الفيوم ومثاله : ليثبت إن شاء ~~الله تعالى بديوان نظر الفيوم . وما معه وفي سامته السطر الثاني ما مثاله : ~~ليثبت بالديوان المعمور مما يختص بالوجه القبلي ، واسفل منه ما مثاله : ~~ليثبت بالديوان المعمور بالوجه البحري ms6980 ، وإلى جانبه عن يسار ليثبت بديوان ~~الجيوش المنصورة إن شاء الله تعالى ، ثم بعد ذلك خطوط الكتاب ، ولعل ناظر ~~الفيوم الذي كتب في هذا الموضع هو شرف الدين هبة الله الفايري الذي ولى ~~الوزارة فيما بعد ، فإنه كان ناظر الصناعة والفيوم في ذلك الوقت ، والله ~~أعلم . ثم ولى القاضي تاج الدين نظر بيت المال في الأيام المعزية ، بتوقيع ~~تاريخه ثالث عشر صفر سنة إحدى وخمسين وستمائة ، وقرر له في كل شهر خمسون ~~دينارا ، وفي السنة مائتا أردب واثني عشر أردبا نصفين ، ثم ولى بعد ذلك نظر ~~الدواوين . فهذه مناصبة قبل أن يلي القضاء والوزارة . ثم ولى قضاء القضاة ~~بمصر والوجه القبلي في تاسع شهر رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة ، عوضا عن ~~القاضي بدر السنجاري ، وجمع له القضاء بالقاهرة والوجه البحري في الشهر ~~المذكور لثمان بقين منه ، وعطل القاضي بدر الدين السنجاري عن القضاء . ولما ~~ولى القضاء شدد على العدول وأسقط كثيرا منهم ، فكان يكتب الإسجالات بأسقاط ~~عدالة جماعة بعد جماعة من عدول السنجاري ، ويشهد على نفسه بما تضمنته ، ~~فقلق الناس لذلك ، ولما تطل مدة ولايته هذه ، فإنها عزل في بعض شهور سنة ~~خمسة وخمسين وستمائة كما قدمنا ذكر ذلك ، ثم فوضت إليه الوزارة بالديار ~~المصرية كما تقدم ذكره ، ثم عطل عن الوزارة والقضاء في الأيام المظفرية - ~~قطز - إلى أن كانت الدولة الظاهرية الركنية ، ففوض السلطان الملك الظاهر له ~~قضاء القضاة بجميع الديار المصرية في السابع عشر من جمادى الأول سنة تسع ~~وخمسين وستمائة ، عوضا عن القاضي بدر الدين السنجاري ، ثم أفردت عنه مصر ~~والوجه القبلي في السنة المذكورة ، وفوض ذلك إلى القاضي برهان الدين الخضر ~~السنجاري ، ثم أعيد ذلك إليه في الثامن من صفر سنة ستين وستمائة . وقد ~~شرحنا مضمون تقاليد هذه الولايات في مواضعها . وفوض غليه تدريس المدرسة ~~الصالحية النجمية بتوقيع ظاهري تاريخه ثاني عشر جمادى الأول سنة ستين ~~وستمائة بعد وفاة الشيخ عز الدين بن عبد السلام . ثم فوض إليه النظر العام ~~على الأشرف والأوقاف والأحباس ، ومشهد السيد ms6981 الحسين ومدرسة الإمام الشافعي ~~، والخانكاه والمشاهد بالباب الشريف وبجميع أعمال الديار المصرية بتوقيع ~~ظاهري تاريخه السابع PageV30P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" من جماد الآخر سنة ستين وستمائة . وفوض إليه ~~تدريس مدرسة الشافعي بتقليد تاريخه نصف ذي الحجة سنة إحدى وستين . ثم قسم ~~القضاء بين أربعة حكام ، فكتب له تقليد كما تقدم تاريخه ثامن عشر ذي القعدة ~~سنة ثلاث وستين ، وخص بالنظر في جميع أموال الأيتام بالقاهرة ومصر والديار ~~المصرية بمفرده والأوقاف ، وقد شرحنا ذلك . واستمر كذلك إلى أن مات رحمه ~~الله تعالى ، وكان رحمه الله ، كثير الاحتراز والتحفظ ، وضبط ناموس الشرع ، ~~وإقامة الحرمة ، وكف الأيادي العادية ، والتطلع على جهات الأوقاف ، وأخبار ~~العدول ، وغير ذلك مما هو متعلق بمنصب الشرع الشريف . ولما مات ، رحمه الله ~~تعالى ، قسم قضاء الشافعية بعده ، ففوض قضاء مصر والوجه القبلي للقاضي محيي ~~الدين بن الصلاح عبد الله بن قاضي القضاة شرف الدين محمد بن عين الدولة ~~الصفراوي . وفوض قضاء القاهرة والوجه البحري للقاضي تقي الدين محمد بن ~~الحسين بن رزين . وولى النظر علة ديوان الأحباس القاضي تاج الدين أبو الحسن ~~علي بن الشيخ أبي العباس أحمد المعروف بالقسطلاني ، وولى تدريس المدرسة ~~الصالحية القاضي صدر الدين أبو حفص عمر ولد قاضي القضاة تاج الدين المشار ~~إليه . وولى نظر الخانقاه قاضي القضاة شمس الدين الحنبلي ، وولى تدريس ~~مدرسة الإمام الشافعي فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين . وفيها أيضا : ~~توفي الأمير ناصر الدين الحسين بن عزيز بن أبي الفوارس القيمري مقدم الجيش ~~بالساحل ، وكانت وفاته في ثالث شهر ربيع الأول بالساحل ، ومولده في سنة ~~ستمائة بقيمر ، وهو الذي بنى المدرسة الشافعية بدمشق بناحية مادنه فيروز . ~~وكان جوادا كريما جليلا مقدما تقدمن على جيوش الشام في الأيام الصالحية ~~الناصرية وكان جميع الأكراد في طاعته وخدمته . وكان في أمره في الأيام ~~الناصرية أنفذ من أمر السلطان لانقياد الجيوش إليه . ثم خمل في الأيام ~~الظاهرية إلى أن أقطعه السلطان الملك الظاهر إقطاعا بالساحل ، وقدمه على ~~أمراء الساحل ، فصلحت حاله ، وكان مقامه بجنين ، رحمه ms6982 الله تعالى . ~~PageV30P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" ذكر وصول الشريف بدر الدين مالك بن منيف ~~وإعطائه نصف إمرة المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وفي سنة ~~حمس وستين وستمائة : وصل الشريف بدر الدين مالك بن منيف بن شيحة ، وكان على ~~صفد ، فشكى من الشريف عز الدين جماز ، وقال : إن المدينة كانت بين أبي ~~وبينه نصفين ، وتوفي والدي وأنا صغير ، فظلمني وأخذ نصيبي ، وقد جثت ~~مستجيرا بالسلطان في رد حقي . فكتب السلطان إلى الشريف جماز يأمره بتسليم ~~النصف الذي كان لمنيف لولده مالك ، وكتب تقليده بنصف إمرة المدينة ونصف ~~الأوقاف ، وسلم إليه نصف الأوقاف التي بمصر والشام ، وتوجه . وورد جواب ~~الشريف عز الدين جماز إلى السلطان بامتثال الرسوم ، وأرسل خادمين من خدام ~~الضريح النبوي يشهدان بذلك ، فكتب السلطان إليه يشكره على ذلك . ثم عاد ~~السلطان إلى مقر ملكه بقلعة الجبل . وكان وصوله إليها في يوم الثلاثاء رابع ~~ذي الحجة سنة خمس وستين وستمائة . ذكر تسمير من يذكر بالقاهرة وفي العشرين ~~من ذي الحجة من السنة بعد عود السلطان إلى الديار المصرية بتسمير جماعة ~~كانوا معتقلين بحزانة البنود منهم : أقش القفجاقي أحد المماليك الصالحية ، ~~وكان قد أدعي النبوة وأحضر في شهر رمضان إلى دار العدل ، فأمر نائب السلطنة ~~باعتقاله . فلما حضر السلطان إليه أمره فاستحضره وسمع كلامه وأمر بتسميره . ~~ومنهم : الناصح الواحي كان في ابتداء أمره ضامن الواحات ، ثم ترقى إلى أن ~~ولي نظر أخميم وأسيوط وغير ذلك بالوجه القبلي . وكان يركب بالطبلخاناه ، ~~وقويت نفسه وكثرت أتباعه واتسعت أمواله . فأرسل السلطان وقبض عليه وأمر ~~باعتقاله بخزانة البنود ، فأنهي إلى السلطان أنه اتفق مع الملك الأشرف بن ~~شهاب الدين غازي ومع رجل نصراني على أن ينقبوا خزانة البنود ويخرجوا منها ~~ويتوجهوا إلى الواحات فيتسلطن بها الملك الأشرف ويكون الناصح وزيره ~~والنصراني كاتبه ، فأمر السلطان بتسميرهم ، فسمروا في يوم واحد . ~~PageV30P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" واستهلت سنة ست وستين وستمائة ذكر أخذ الزكاة ~~من عرب الحجاز كان السلطان قد اهتم بأمر الزكاة من سائر الجهات حتى المغرب ms6983 ~~والحجاز ، وأذعن عريان بلاد برقة لذلك وقاموا بالزكاة . وفي صفر سنة ست ~~وستين وستمائة : وصل الأمير ناصر الدين بن محيي الدين الجزري الحاجب من ~~المدينة النبوية ، وكان توجه لاستخراج الزكاة والعشر ، فأحضر صحبته مائة ~~وثمانين جملا وعشرة آلاف درهم فاستقلها السلطان وأمر بردها عليه ، ثم وصل ~~بنو صخر ، وبنو لام ، وبنو عنزة وغيرهم من عريان الحجاز ، والتزموا بزكاة ~~الغنم والإبل ، وتوجه معهم مشدون لاستخراج ذلك . هذا والسلطان على صفد ~~لعمارتها . ذكر ظهور الماء بالقدس الشريف وفي سنة ست وستين وستمائة : ورد ~~كتاب قاضي القدس أن الماء انتزح من بئر السقاية وعظمت مشقة الناس رجل البئر ~~وشاهد قناة مسدودة من زمن بخت نصر الذي هدم البيت المقدس ، فأحضر الأمير ~~علاء الدين الحاج الركني " نائب القدس " بنائين وكشف القناة السليمانية ، ~~ومشوا فيها تحت الأرض إلى الجبل الذي تحت الصخرة المقدسة فوجدوا بابا ~~مقنطرا ففتحوه ، فخرجت عين ماء كادت تغرقهم . وكان خروج الماء في ذي الحجة ~~سنة خمس وستين . ووردت كتاب الأمير الحاج علاء الدين الركني أنه نقص ماء ~~السقاية الذي ظهر ونزح ، ودخل الصناع إليه فوجدوا سدا ، فنقب فيه الحجارون ~~مقدار عشرين يوما ووجد سقف مقلفط به مائة وعشرين ذراعا بذراع العمل ، فخرج ~~الماء وملأ القناة . وفي هذه السنة : وصلت هدية صاحب اليمن ورسله ، وأحضر ~~من الخيل المسومة عشرون فرسا بالبركسطوانات الأطلس المزركشة وفيلة وحمارة ~~وحش عنابية اللون ، وغير ذلك من المسك والعنبر والعود والصيني وغيره ، ~~فقبلت هديته ، PageV30P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" وجهزت له هدية وصنجق وخلعة وشعار السلطنة ~~وجوشن وكبش وغيره من آلة الحرب ، وسير إليه طيور جوارح . وكوتب بالمقام ~~العالي المولوي السلطاني ، وكاتبه السلطان بالمملوك . وتوجه بالهدية فخر ~~الدين المقري ووصل صحبة أحد رسوليه - وهو ابن الماكساني التاجر - بها ، ~~وذكر أن والده صاحب اليمن سير به للمجاهدين ولوجوه البر ، فأودع ثمنه ~~بالخزانة . ولما توجه السلطان إلى الغزاة أنفق منه جملة في إقامة مجانيق ~~أفردها لها ، وأفتك ببقيته جماعة من أسارى المسلمين . ذكر خبر الحبيس ~~النصراني ومقتله هذا الحبيس من نصارى مصر ms6984 ، وكان في ابتداء أمره من كتاب ~~صناعة الإنشاء ، ثم ترهب وانقطع في جبل حلوان ، فيقال إنه وجد في مغارة منه ~~ما لا للحاكم العبيدي كان قد وضعه هناك ، فتصدق هذا الحبيس على الفقراء من ~~سائر الملل . واتصل بالسلطان خبره فطلبه ، وطلب منه المال ، فقال : " أما ~~أني أعطيك من يدي إلى يدك فلا يتصور ، ولكنه يصل إليك من جهة من تصادره ولا ~~يقدر على ما تطلبه منه ، فأساعد بمال يحمله إليك " وشفع فيه ، فأطلقه ~~السلطان . ولما كانت واقعة النصارى المتقدمة ، كان يحضر عند مشد المستخرج ، ~~ومن عجز عن أداء ما قرر علي ساعده به وأداه عنه ، نصراني كان أو يهوديا . ~~وكان يدخل إلى الحبوس ويطلق منها من عليه دين ويقوم بما عليه . وكان يعطي ~~ما ينافر العقول . وتوجه إلى الصعيد ، ودفعه عن أهل الذمة أكثر ما قرر ~~عليهم ، وتوجه إلى الإسكندرية ، وعامل أهلها بما هالهم من بذل الأموال . ~~فوصلت فتاوى الفقهاءإلى السلطان بقتله ، وعللوه ذلك : " خوف الفتنة " . ~~فوافق ذلك رأي السلطان فأحضره في سنة ست وستين وستمائة ، وطلب منه المال ~~وأن يعرفه من أين أصله ، وكيف حصل له ، فلم يعرفه فجعل يغالطه ويدافعه ، ~~إلى أن قرر عليهم ، وتوجه إلى الإسكندرية ، وعامل أهلها بما هالهم من بذل ~~الأموال . فوصلت فتاوى الفقهاء إلى السلطان بقتله ، وعللوه ذلك : " خوف ~~الفتنة " . فوافق ذلك رأي السلطان فأحضره في سنة ست وستين وستمائة ، وطلب ~~منه المال وأن يعرفه من أين أصله ، وكيف حصل له ، فلم يعرفه فجعل يغالطه ~~ويدافعه ، إلى أن قرر عليهم ، وتوجه إلى الإسكندرية ، وعامل أهلها بما ~~هالهم من بذل الأموال . فوصلت فتاوى الفقهاء إلى السلطان بقتله ، وعللوه ~~ذلك : " خوف الفتنة " . فوافق ذلك رأي السلطان فأحضره في سنة ست وستين ~~وستمائة ، وطلب منه المال وأن يعرفه من أين أصله ، وكيف حصل له ، فلم يعرفه ~~فجعل يغالطه ويدافعه ، إلى أن قرر عليهم ، وتوجه إلى الإسكندرية ، وعامل ~~أهلها بما هالهم من بذل الأموال . فوصلت فتاوى الفقهاء إلى السلطان بقتله ، ~~وعللوه ذلك : " خوف الفتنة " . فوافق ذلك رأي السلطان ms6985 فأحضره في سنة ست ~~وستين وستمائة ، وطلب منه المال وأن يعرفه من أين أصله ، وكيف حصل له ، فلم ~~يعرفه فجعل يغالطه ويدافعه ، إلى أن يأس السلطان منه فعذبه حتى مات . وأخرج ~~من القلعة ورمي بظاهرها على باب القرافة . وذكر أن مبلغ ما وصل إلى بيت ~~المال وما واسى به من مدة سنين : ستمائة ألف دينار عينا ، مما أحصى بقلم ~~الصيارفة اللذين كان يجعل الأموال عندهم ويكتب إليهم أوراقة بما يعطيه . ~~وذلك غير ما كان يعطيه سرا من يده . PageV30P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" ذكر بناء القرية الظاهرية قرب العباسية وفي ~~سنة ست وستين وستمائة : مر السلطان على وادي السدير قرب العباسة فأعجبه . ~~فأختار منه مكانا بنى به قرية سماها الظاهرية ، وعمر بها جامعا . وفيها : ~~توجه السلطان إلى الشام . وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى من الفتوحات . ~~ذكر إيقاع الحوطة السلطانية على الأملاك والبساتين وما تقرر على أربابها من ~~المال وفي سنة ست وستين وستمائة : لما كان السلطان نازلا على الشقيف أمر ~~بإيقاع الحوطة على البساتين والقرى والضياع التي بأيدي أهل دمشق ملكا وحبسا ~~. وقال : " نحن فتحنا هذه البلاد بالسيف ، وانتزعناها من أيدي التتار " . ~~وكان قد تحدث بذلك في السنة الخالية . وعقد مجلس حضره السلطان والقضاة ~~والفقهاء ، فقال قاضي القضاة شمس الدين بن عطاء الحنبلي : " هذا لا يحل ولا ~~يجوز لأحد أن يتحدث فيه " وقام مغضبا ، فتوقف السلطان ثم تقدم الآن بإيقاع ~~الحيطة على البساتين فاتفق وقوع صقعة باردة على البساتين فأحرقت أكثر ~~أشجارها ، فظن أهل دمشق أن هذه الحادثة تبعث السلطان على الإفراج عنها فلم ~~يقعل ، ولما وصل إلى دمشق وعزم على العود إلى الديار المصرية عقد مجلسا ~~بدار العدل حضره القضاة والفقهاء وأهل البلد ، وأجرى ذلك ذكر البساتين ~~وأخرج فتاوى الفقهاء من الحنفية باستحقاقها ، فتوسط الصاحب فخر الدين بن ~~الصاحب بهاء الدين عند السلطان على أن يقرر على أصحاب البساتين ألف ألف ~~درهم ، فامتنعوا من ذلك . وقالوا : " لا طاقة لنا بها معجلة " ، وسألوا أن ~~يقسطها ، فامتنع السلطان ، وتمادى الحال إلى ms6986 أن خرج من دمشق ، ولما وصل إلى ~~منزلة اللجون عاوده الصاحب فخر الدين والأتابك والأمراء ، فاستقر الحال أن ~~يعجلوا منها أربعمائة ألف درهم ويعقد لهم نواب السلطان من المغل ، ويقسط ما ~~بقي ، في كل سنة مائتي ألف درهم ، وكتب بذلك توقيع وقرئ على المنبر بدمشق . ~~ذكر وصول الأمير شمس الدين سنقر الأشقر من بلاد التتار والصلح مع التكفور ~~إيتوم صاحب سيس كان السلطان قد جهز العساكر إلى سيس ، واسروا ليفون بن ~~هيتوم ولد صاحب سيس على ما نذكره ، إن شاء الله تعالى ، فترددت الرسل منه ~~إلى السلطان يعرض عليه PageV30P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" كل ما تقرر عليه من مال وقلاع . فاقترح ~~السلطان عليه أمورا ، منها أن يحضر الأمير شمس الدين سنقر الأشقر من بلاد ~~التتار ، وأن يرد القلاع التي أخذها من المملكة الحلبية ، فسأل مهلة سنة ~~إلى أن توجه إلى الأردو ، وكشف خبره وأجيب إلى إطلاقه . ثم ورد كتاب صاحب ~~سيس يذكر أنه حصله . وورد كتاب الأمير شمس الدين المذكور بعلائم وأماير . ~~فتوقف صاحب سيس في الإجابة إلى رد بعض القلاع ، فرد السلطان رسله وكتب إليه ~~: " إنك إذا كنت قسوت على ولدك وولي عهدك ، أنا أقسو على صديق ما بينه ~~وبيني نسب ، ويكون الرجوع منك لا مني . ونحن خلف كتابنا . ومهما شئت افعل ~~بسنقر الأشقر " . فلما وصل إليه هذا الكتاب والسلطان إذ ذاك على أنطاكية ~~خاف وبذل ما رسم به السلطان ، وتقرر الصلح على تسليم قلعة بهسنا والدربساك ~~ومزريان ورعبان والروب وشيح الحديد ؛ وجميع ما كان أخذه من بلاد الإسلام ، ~~وردها بحواصلها كما تسلمها ، وإطلاق الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، وأن ~~يطلق السلطان له ولده وولد أخيه وغلمانهما . وأنه يحضر رهينة باسال أخ ~~الملك ، ويسير ريمون اخ زوجة الملك ليفون ، ويبقى باسيل المأسور بن كندا ~~صطبل هو وهؤلاء رهائن على تسليم القلاع . وكتبت الهدنة بذلك في شهر رمضان ~~بأنطاكية . وأرسل السلطان الأمير بدر الدين بجكا الرومي على خيل البريد إلى ~~قلعة الجبل ، فأحضر ليفون وتوجه به إلى أبيه على خيل البريد ms6987 في حادي عشر ~~شوال . ثم توجه الأمير سيف الدين بلبان الرومي الداودار إلى سيس لتقرير ~~فصول رسم بها السلطان . ولما وصل ليفون إلى أبيه أطلق الأمير شمس الدين ~~سنقر الأشقر . وكان السلطان يتصيد بجرود بالقرب من بلاد حمص مما يلي دمشق ، ~~فلما بلغ السلطان ، قربه ، ركب مختفيا والتقاه وأحضره معه إلى الدهليز ~~وباتا جميعا . ولما أصبح واجتمع الناس للخدمة خرج إليهم السلطان والأمير ~~شمس الدين في خدمته ، فبهت الناس لرؤيته . وانعم عليه السلطان بالأموال ~~والخلع والحوائص والخيل والبغال والجمال والمماليك وجميع ما يحتاجه الأمراء ~~ولما حضر إلى الديار المصرية أمره ، وبنيت له دار بقلعة الجبل . وأما ~~القلاع المذكورة فتسلمها نواب السلطان ، وأطلقت الرهائن . ولما ترتبت هذه ~~المصالح وفتحت هذه الفتوحات العظيمة التي نذكرها ، رجع السلطان من أنطاكية ~~ووصل إلى شيزر ، وتوجه منها في البرية إلى حمص للصيد . ووصل السلطان إلى ~~دار النائب بحمص في ثلاثة نفر وهم : الأمير بدر الدين PageV30P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" بيسرى ، والأمير بدر الدين الخزندار ، ~~والأمير حسام الدين الدوادار . ثم دخل دمشق في سادس عشرين شهر رمضان ~~والأسرى بين يديه ، وخرج منها في ثامن عشر ذي القعدة ، وعيد بأم البارد " ~~وهي السعيدية " ورحل إلأى قلعته في حادي عشر ذي الحجة وحمل عن الناس كلفة ~~الزينة . وفيها : توفي الصاحب عز الدين عبد العزيز بم منصور بن محمد بن ~~محمد بن محمد بن وداعة الحلبي . وقيل أنه كان في ابتداء أمره خطيبا بجبلة ، ~~ثم اتصل بالملك الناصر وصار من خواصه ، فولاه شد الدواوين بدمشق ، وكان ~~يعتمد عليه . فلما ملك السلطان الظاهر ولاه وزارة الشام ، فوقع بينه وبين ~~الأمير علاء الدين طيبرس نائب السلطنة مفاوضة اقتضت حضوره إلى الديار ~~المصرية ، ثم أعيد إلى الوزارة بالشام عندما فوض السلطان نيابة السلطنة ~~بدمشق للأمير جمال الدين النجيبي كما تقدم ، فوقع بينه وبينه " خلاف " أيضا ~~، فكان يهينه ، فكتب إلى السلطان يذكر أن الأموال قد انكسرت ، وأن الشام ~~يحتاج إلى مشد تركي شديد المهابة مبسوط اليد وتكون أمور الأموال والولايات ~~والعزل راجعة إليه ، وقصد ms6988 بذلك رفع يد الأمير جمال الدين النجيبي عن ~~الأموال ، وظن أن المشد يكون بحكمه ولا يتصرف إلا عن أمره . فرتب السلطان ~~في المشد الأمير علاء الدين كشتغدى الشقيري وبسط يده حسب ما اقترح ابن ~~وداعة ، فلم يلبث أن وقع بينهما " خلاف " وكان يهينه بأنواع " الإهانات " ~~ويسبه ، فيشمو ذلك إلى النجيبي فلا يلبي دعوته ، ويقول له : " أنت طلبت ~~مشدا تركيا ، وقد جاء ما طلبت " . ثم كاتب الشقيري في حقه ، فورد الجواب ~~بمصادرته ، فصادره وضربه بالمقارع وعصره وعلقه ، فكان كالباحث عن حتفه ~~بظلفه ، وباع موجوده وأماكن كان قد وقفها وحمل ثمن ذلك ، ثم طلب إلى الباب ~~السلطاني فتوجه ، وحدث نفسه بالعود إلى منصبه ، فأدركته منيته ، فمات في ذي ~~الحجة من السنة ، ودفن في مستهل المحرم سنة سبع . PageV30P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" واستهلت سنة سبع وستين وستمائة في هذه السنة ~~في أولها ، جهز السلطان من كان عنده من رسل الملوك فتوجهوا إلى مرسليهم ذكر ~~تجديد الحلف للملك السعيد وفي يوم الخميس تاسع صفر سنة سبع وستين وستمائة : ~~جلس السلطان في مرتبته ، وجلس الأمير فارس الدين الأتابك والأمير عز الدين ~~الحلي بين يديه ، والصاحب بهاء الدين ، وكاتب الإنشاء . وكان قبل ذلك يتحدث ~~مع الأمراء في أمر ولد الملك السعيد وتفويض الأمور إليه فأجابوا بالسمع ~~والطاعة . وحلف الأمراء في هذا اليوم وسائر العساكر المنصورة . وفي ثالث ~~عشر الشهر ركب الملك السعيد في الموكب كما يركب والده ، وجلس في الإيوان ، ~~وقرئت عليه القصص . وفي العشرين من الشهر قرىء تقليده بتفويض السلطنة إليه ~~. وهو من إنشاء المولى فخر الدين بن لقمان وخطه . ونسخته بعد البسملة ~~والعلامة السلطانية الظاهرية : " الحمد لله الذي أجزل العطاء والمواهب ، ~~وضاعف النعماء التي يفيض شعابها ، وأموه العيون نواضب ، وضاعف عزا لا يعز ~~معه مقصد ، ولا يتعذر معه المطالب ، وحلي عطا الأيام بالمحاسن التي تستر ~~بها ما ظهر من المعايب . أحمده على نعمه التي تجلي بنورها ظلم الغياهب ، ~~والألطافلاالتي نظمت من المجد عقدة المتناسق ورده المتناسب " . " وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك ms6989 له شهادة تبلغ بها يوم الإشهاد قاصيه المنى ، ~~وتجعل كل صعب هينا . وأشهد أن محمد عبده الذي صدع بالحق معلنا . ورسوله ~~الذي أظهر الإسلام وما تباحد عزمه ولا انثني ، صلى الله عليه وعلى آله ~~الذين شيدوا من المعالي البنا ، وأصحابه الذين أحسنوا الله يحب من من كان ~~محسنا " . " وبعد : فإنا لما أتانا الله تعالى من السلطان الذي ملك به العز ~~ما جمح ، والقدرة التي قربت من الآمال ما نزح ، والمهابة التي ملأت عيون ~~الأعداء بالذل لا PageV30P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" الوطف ، والعزايم التي أذكرت من مواقف ~~المهاجرين والأنصار ما سلف ، والهمم التي نهضنا بها لفتح معاقل الكفار ، ~~والجهاد الذي كانت أثارنا فيه من أحسن الآثار ، والغزوات التي كان معروفها ~~منكرا ، والوقائع التي نصر الله فيها حزب الإيمان فأضحى الدهر ينشر حديثه ~~متعطرا ، وشدأزرنا بولدنا الملك السعيد الأجل الكبير العالم العادل ناصر ~~الدين بركه خاقان ، امتع الله الإسلام ببقائه ، وأفرعيون المجد بنصر لوائه ~~، وتوسمنا فيه مخايل السعادة بادية الغرر ، وظهرت فيه أدلة النجابة ، ~~والأدلة إذا ظهرت لاتستتر ، وبدت فيه مساع أوجبت له مزبة التكريم ، وعم ~~فيها فضله فتغين أن يخص بالتعظيم ، ولاحت منه إشارات يعرب عن الرشد ، وتدل ~~أنه في تدبيره حسن القصد ، وسما نور هلاله فاتفقت النفوس أن يكون بدرا ~~كاملا ، ووثقت الآمال أن يرجع حاليا كل ما كان عاطلا ، رأينا أن نفوض إليه ~~حكم كل ما أمضى الله فيه حكمنا من البلاد ، وتحققنا أن رائد نظرنا في أمره ~~يصدق فيما اختار من الارتياد . وقلدناه أمر الديار المصرية والبلاد الشامية ~~والقلاع والحصون ، وهي : الديار المصرية ، البلاد الشامية ، البلاد الحلبية ~~، البلاد الحموية ، البلاد الحمصية . فهذا الملك إليه ممتد الرواق ، ودو ~~نظامه يتزين بحس الإنساق ، ونواحيه مع اتساع محروسة بهممه ، فكأنه خصر ~~اشتمل عليه النطاق ، ونعم الله محروسة معه بالشكر ، مقيده عنده بالإطلاق ، ~~والدين الحنيفي من عزمه عالي المنار ، والنفوس واثقة أن تكون بناصره دائمة ~~الانتصار ، وأخبار نصره تحفظها الليالي مما تكرره ألسن العمار ، ومهابته ~~تسري إلى قلوب الأعداء فتحول منها الأفكار ، والدولة ms6990 الزاهرة به محاطة ~~الأرجاء ، وسحائب إحسانه متدفق الأنواء ، وآثار نعمة الله فيها ظاهرة ، ~~والله يحب أن يرى على عبده أثر النعماء . والشريعة المطهرة بتأييده نافذة ~~الأحكام ، وأمورها مرعية بهممه التي أضحت المعالي أنها لا تنام . وأطلقنا ~~تصرفه وحكمه في الخزائن والأموال ، وتعيين الإقطاعات في الغيبه منا والحضور ~~. وأمرنا أن لايرد أمره في جميع ما يقتضيه رأيه الشريف من الأمور . فبيديه ~~الحل والعقد ، وإلى أبوابه ينتهي القصد . فقد أضحى بحمد الله حلية للمجد ، ~~والأيام تزهو به كما تزهو الدرر بواسطة العقد ، وإليه في الأمور النقض ~~والإبرام . وعليه المعتمد في فصل الأحكام . وإليه ترجع الولاية والعزل ، ~~وهو الفرع الذي زكا ، ولا يزكو الفرع إلا إذا كان طيب الأصل . ومن شيمته ~~الإقتداء بنا في بسط الإحسان والعدل PageV30P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" وإحياء سنتنا مما يضفيه على الأولياء من ~~ملابس الفضل ، واقتفاء آثارنا في غزو بلاد الكفار ، والمجاهدة التي تطول ~~بها أيدي الكماة بالسيوف القصار ، وإلى الله نرغب أن يوفقه لمراضيه ، ~~ويلهمه رشده فيما يستقبل من أموره ، ويمضيه ويؤيده بالنصر الذي تروى ~~أحاديثه وتتلى ، ويمده بتوفيقه الذي يرشده من الضلال ناشئا وكهلا ، ويساعده ~~بالتأييد الذي يستجد له ذكرا خالدا لايبلى ، والظفر الذي تستحلى أحاديثه ~~إذا أعيدت ، وإن كان الحديث المستعاد لايستحلى . ونسأل كل واقف على هذا ~~التقليد أو من يسمع به الأمراء والنواب والعساكر المنصورة - أيدهم الله ~~تعالى - امتثال أمره ، والقيام بما يجب عليه من طاعته في سره وجهره ، ~~والنهوض في خدمة ركابه ، والاجتهاد في تسهيل ما يصعب من طلابه ، والمسير ~~عند سيره تحت علمه ، والالتجاء في السراء والضراء إلى حرمه ، والوفود إلى ~~جنابه المنيع المريع ، فهو بحمد الله كعبة تحج عليها الآمال ، وحرم خفف ما ~~على الأعناق من أعباء الخدم الثقال . والاعتماد على الخط الشريف أعلاه ، ~~وكتب في عاشر صفر سنة سبع وستين وستمائة . وقرئ هذا التقليد بالإيوان بحضور ~~الأمراء وأعيان الدولة واستمر جلوس الملك السعيد وركويه . وفي ثاني عشر ~~جمادى الآخرة توجه السلطان إلى الشام واستصحب أكابر الأمراء وجماعة من ~~العسكر المنصور . وفي ms6991 غرة شهر رجب شرع السلطان في النفقة في الأمراء الذين ~~صحبته ، ونزل أرسوف لكثرة مراعيها . ووصل إليه رسل أبغا بن هولاكو ، ~~فقرئعلى السلطن كتابه ومعناه الرغبة في الصلح ، وأعاد الرسل بالجواب ، ~~وكاتب أبغا نظير ما كاتبه به . ذكر توجه السلطان على خيل البريد إلى الديار ~~متنكرا وعوده إلى مخيمه بخربة اللصوص ولم يعلم من به بتوجهه قال القاضي عبد ~~الله بن عبد الظاهر في السيرة الظاهرية عن هذه الوقعة حسبما أملاه السلطان ~~من لفظه : لما خرج السلطان من دمشق ، بعد تجهيز رسل أبغا ، ودع الأمراء ~~كلهم وتوجهوا إلى الديار المصرية ، ولم يبق معه من الأمراء الأكابر غير ~~الأتابك ، والمحمدي ، والأيدمري ، وأبن أطلس خان ، وأقش الرومي ، توجه إلى ~~القلاع ، فابتدأ بالصبيبة ومنها إلى الشقيف وصفد ، وبلغه وفاة الأمير عز ~~الدين الحلى ، فكتب إلى الأمير شمس الدين آقسنقر استاد الدار بالحضور ~~بالأثقال والعساكر إلى خربة اللصوص والعسكر قد خيم بها . وخطر له التوجه ~~إلى الديار المصرية ، فكتب إلى النواب بالشام بمكاتبة الملك السعيد ~~والإعتماد على أجوبته ، ورتب أنه كلما جاء بريد PageV30P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" يقرأ عليه ويخرج علائم على دروج بيض تكتب ~~عليها اجوبة البريد ، واستقرة هذه القاعدة مدة . وفي رابع عشر شعبان أظهر ~~تشويشا ، وأحضر الحكماء إلى الخيمة وحصل احتفال ظاهر بهذا الأمر ، وأصبح ~~الأمراء فدخلوا وشاهدو مجتمعنا في صورة متألم ، وكتب إلى دمشق باستدعاء ~~الأشربة . وتقدم إلى الأمير بدر الدين الأيد مري وسيف الدين بكتوك جرمك ~~الناصري ، بأنهما يتوجهان إلى حلب على خيل البريد ، وودعاه وصحبتهما بريدي ~~، وتوجها في ليلة السبت سادس عشر شعبان ، وأوصاهم أنهم إذا ركبوا يحيدون ~~إلى خلف الدهليز ليتحدث معهم مشافهة . وجهز آقسنقر الساقي في البريد إلى ~~الديار المصرية زأعطاله تركاشة ، وأمره بالوقوف خلف خيمة الجمدارية خلف ~~الدهليز . ولبس السلطان جوخة مقطعة وتعمم بشاش دخاني عتيق ، وأراد أن يخرج ~~ولا يعلم به الحارس ، فأخذ قماش نوم لأحد المماليك ، وطلب خادما من خواصه ~~وقال له : ها أنا خارج بهذا القماش فامش أمامي ، فإن سألك أحد فقل : هذا ms6992 ~~بعض البابية معه قماش أحد الصبيان حصل له مرض وما يقدر يحضر إلى الخدمة هذه ~~الليلة ، وهذا غلامه خارج إليه بقماشه . فخرج بهذه الحيلة ، وتوجه إلى ~~الجهة التي واعد آقسنقر إليها . وكان قد سير بهاء الدين أمير آخور ومعه ~~أربعة أرؤس من الخيل ، وأمره أن يقف بها في مكان ، فتوجه إليه ، وأخذ ~~آقسنقر الخيل ، وسير بهاء الدين أمير آخور إلى التل فأحضر الأيدمري ورفقته ~~، وساق بهم السلطان وهم لايعرفونه فلما اختلطوا قال للأيدمري : " تعرفني ؟ ~~" قال : " أي والله " ، وأراد النزول لتقبيل الأرض فمنعه . وقال : لجرمك " ~~تعرفني " ، فقال : " إيش هذا ياخوند " ؟ فقال له : " لاتتكلم " وكان معهم ~~علم الدين شقير مقدم البريدي PageV30P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" فصاروا خمسة ، معهم أربعة جنائب من خيل ~~السلطان الخاص . وساقوا إلى جهة مصر ، فوصلوا إلى القصير المعيني نصف الليل ~~، فدخل السلطان ليأخذ فرس الوالي ، فقام إليه يهاوشه بأربعين خمسين راحلا ، ~~وقال له : " هذه الضيعة ملك السلطان ما يقدر أحد يأخذ منها فرسا ، فإن رحتم ~~وإلاقاتلناكم " . فتركوه وتوحهوا إلى بيسان فأتوا دار الوالي وقالوا : " ~~نريد خيلا للبريد " . فقال : " انزلوا خذوا " ، فنزلوا ، وقعد السلطان عند ~~رجلي الوالي وهو نايم . ثم قال للأيد مري " الخلائق على بابي وأنا على باب ~~هذا الوالي لايلتفت إلى ، ولكن الدنيا نوب " . وطلب من الوالي كوزا فقال : ~~" ما عندنا كوز ، إن كنت عطشان اخرج واشرب " فأحضر له الأيدمري كوزا شرب ~~منه . وركبوا فصابحوا جينين ، فوجدوا خيل البريد بها عرجا معقرة ، فركب ~~السلطان منها فرسا ما كاد يثبت عليه من رائحة عقوره . ولما وصلوا العريش ~~قام السلطان والأمير سيف الدين جرمك ونقيا ابلشعير . فقال السلطان للأيدمري ~~: " أين السلطنة ، واستاد الدار ، وأمير جا ندار الخلق الوقوف في الخدمة ؟ ~~هكذا تخرج الملوك من ملكهم ، وما يدوم إلا الله سبحانه وتعالى " . ووصلوا ~~إلى قلعة الجبل ليلة الثلاثاء الثلث الأول ، فأوقفهم الحراس حتى شاوروا ~~الوالي . ونزل السلطان في باب الأسطبل وطلب أمير آخور ، وكان قد رتب مع ~~زمام الأدر أنه لا يبيت إلا خلف باب السر ، فدق السلطان باب السر ، وذكر ms6993 ~~علايم لزمام الأدر ، ففتح الباب ، وأحضر السلطان رفقته إلى باب السر ، ~~وأقام هووهم يومي الثلاثاء والأربعاء وليلة الخميس لايعلم بهم أحد إلا زمام ~~الأدر ، وهو ينظر إلى الأمراء وغيرهم في سوق الخيل . فلما قدم الفرس للملك ~~السعيد يوم الخميس قدم أمير آخور للسلطان فرسه . ولم خرج الملك السعيد ما ~~أحس إلا والسلطان قد خرج إليه ، فخاف ، فلما عرفه قبل الأرض ، وركب السلطان ~~وخرج والوقت مغلس ، فأنكر PageV30P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" الأمراء ذلك ووضعوا أيدهم على قبضة سيوفهم ~~وطلعوا في وجه السلطان فلما حققوه قبلوا الأرض . وساق السلطان إلى ميدان ~~العيد ، وعاد إلى القلعة ، فقضى أشغال الناس ، ولعب الكرة يوم السبت . ~~وتوجه يوم الأحد إلى مصر لرمي الشواني ، وركب في الحراريق ، وسافر ليلة ~~الأثنين على البريد . ولما قربوا من الدهليز المنصور رد الأيدمري وجرمك إلى ~~خيامهم ، وأخذ السلطان جراب البريد على يده وفي كفه فوطة ، وتوجه راجلا ~~ودخل من جهة الحراس ، فمانعه حارس وأمسك الحارس أطواقه ونتشه ، فانجذب منه ~~ودخل من باب الدهليز . وركب عصر يوم الجمعة ، وحضر الأمراء إلى الخدمة ، ~~فأظهر أنه كان متغلث المزاج ، وضربت البشائر بالعافية ، ولم يدر بهذه ~~الأمور إلا الأتابك واستاد الدار وخواص الجمدارية . وفي هذه السنة في تاسع ~~جمادى الآخرة رسم السلطان بأبطال الخواطي من القاهرة ومصر والديار المصرية ~~، وأمر بحبسهن وتزويجهن . وفيها أيضا وردت الأخبار أن زلزلة حدثت ببلاد ~~مسيس أخربت قلاعها مثل سر فند كار ، وحجر شعلان ، وقتل بسببها جماعة حتى ~~سال النهر دما . ذكر وفاة الأمير عز الدين أيدمر الحلى " الصالحي نائب ~~السلطنة " لما خرج السلطان لسماع رسالة الملك أبغا خرج الأمير عز الدين ~~المذكور في خدمته ، فلما استقر السلطان طلب دستورا وتوجه إلى دمشق لملاحظة ~~أملاكه ، فلما دخل السلطان إلى دمشق أطلق له شيئا كثيرا ، وزار السلطان ~~فقيرا بجبل الصالحية ومعه الأمير عز الدين ، فقام عز الدين ليجدد الوضوء ، ~~فقال الشيخ للسلطان : " هذا يموت في هذه الأيام ولا يخرج من دمشق " ، وكان ~~إذ ذاك كالأسد قوة ، فمرض في اليوم الثاني ، وتوفي في ms6994 أوائل شعبان سنة سبع ~~وستين . وحضر ولده إلى الدهليز بخربة اللصوص فأحسن السلطان إليه وسيره إلى ~~القاهرة . ولما وصل السلطان إلى القاهرة أمره بأربعين فارسا . PageV30P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" وفيها : توفي الأمير أسد الدين سليمان بن ~~الأمير عماد الدين داود عز الدين موسك الدوادى الهذباني ، من بيت الإمرة ~~وله اختصاص كبير بالملوك والتقدم عندهم . وجده الأمير عز الدين من أكابر ~~الأمراء الصالحية ، وترك أسد الدين هذه الخدم وتزهد ولازم مجالس العلماء ، ~~ولبس الخشن من الثياب ، وكانت له نعمة عظيمة ورثها من أبيه فأذهبها ، ولم ~~يبق له سوى ريع أملاكه ، فكانت تقوم بكفايته إلى أن توفي في يوم الثلاثاء ~~مستهل جمادى الأول بدمشق ، ودفن بقاسيون وله شعر حسن ، رحمها لله تعالى . ~~ذكر توجه السلطان الملك الظاهر إلى الحجاز الشريف قال : لما قوى عزم ~~السلطان على الحجاز الشريف كتم ذلك ، وأنفق ونفى من جيشه ، وجرد جماعة صحبة ~~الأمير جمال الدين أقش الرومي السلاح دار ، وهم المتوجهون صحبة السلطان ، ~~وجرد العساكر التي بقيت صحبة الأمير شمس الدين آفسنقر أستاد الدار إلى دمشق ~~، فنزلوا بظاهرها . وتوجه السلطان إلى الكرك في صورة أنه يتصيد ، فوصل إلى ~~الكرك في مستهل ذي القعدة ، وكان رسم بتجهيز جميع ما يحتاج إليه برسم ~~الحجاز هناك . فسير الثقل في رابع ذي القعدة ، وتوجه السلطان في السادس من ~~الشهر إلى الشوبك ، وتوجه منه في حادي عشر الشهر ، ووصل إلى المدينة ~~النبوية ، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، في الخامس والعشرين منه ، فزار ~~ورحل في السابع والعشرين . فقدم مكة ، شرفها الله تعالى ، في خامس ذي الحجة ~~، فتصدق بصدقات وافرة وكساوي كثيرة ، وبقي كأحد الناس بغير حاجب ، ثم غسل ~~الكعبة ، وبقي في وسط البيت ، ومن رمى له إحرامه غسله له بما ينصب من الماء ~~في الكعبة ويرميه إلى صاحبه ، ثم جلس على باب الكعبة وأخذ بأيدي الناس ~~ليطلع بهم إلى الكعبة . وتعلق أحد العوام به فلم يصل إلى يده لازدحام الناس ~~عليه ، فتعلق بإحرامه وكاد يرميه إلى الأرض وهو مستبشر بهذا الأمر ، وعلق ~~كسوة البيت ms6995 الشريف ورفعها بيده على أركان البيت الشريف هو وخواصه . وسبل ~~البيت الشريف لسائر الناس ، وتردد إلى الصالحين . وكان قاضي القضاة صدر ~~الدين سليمان معه في طول الطريق يستفتيه . وكتب إلى صاحب اليمن كتابا ينكر ~~عليه أمورا وكتب فيه : " سطرتها من مكة وقد أخذت طريقها في سبع ~~PageV30P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" عشرة خطوة " يريد بالخطوة المنزلة . وقضى ~~السلطان فرض الحج ومناسكه كما يحب ، محلق ، ونحر ، وأحسن إلى أميري مكة ، ~~شرفها الله تعالى : الأمير نجم الدين أبي نمى ، والأمير إدريس بن قتادة ، ~~إلى صاحب ينبع و " أمير " خليص ، وزعماء الحجاز كلهم ، وطلب أميرا مكة ~~نائبا من السلطان ، فرتب شمس الدين مروان . وزاد أميري مكة جملة من الغلال ~~في كل سنة بسبب تسبيل البيت الشريف ، وزاد أمراء الحجاز ، إلا جما ومالك ~~أميري المدينة ، فإنهما انتزحا من بين يديه . وخرج السلطان من مكة ، شرفها ~~الله تعالى ، في ثالث عشر ذي الحجة ، ووصل إلى المدينة في العشرين منه ، ~~وخرج في بكرة النهار الثاني ، ووصل إلى الكرك في يوم الخميس سلخ ذي الحجة . ~~واستهلت سنة ثمان وستين وستمائة واستهلت سنة ثمان وستين وستمائة والسلطان ~~الملك الظاهر بقلعة الكرك ، فأقام بها حتى صلى الجمعة ، وركب من الكرك بعد ~~الصلاة مستهل المحرم في مائة فارس جريدة ، وعلى يد كل واحد من أصحابه جنيب ~~، وساق إلى دمشق . فلما قارئها والناس لا يعلمون شيئا من حاله ولا يجسر أحد ~~يتكلم ، سير أحد خواصه في البريد بكتب البشاير بسلامته وقضاء حجة إلى دمشق ~~. فأحضر الأمير الأمير جمال الدين النجيبي الأمراء وغيرهم ليقرأ عليهم كتاب ~~البشري ، فبينما هم في ذلك وقد بلغهم أن السلطان في الميدان . فتوجه إليه ~~الأمير جمال الدين النجيبي فوجد السلطان قد نزل بالميدان بمفرده ووهب فرسه ~~لإنسان من مناديه سوق الخيل عرفة وقبل الأرض بين يديه وحضر الأمراء إلى ~~الخدمة وأكلوا شيئا ، وتوجهوا ليستريح السلطان ، فقام وركب في جماعته ~~اليسيرة وتوجه إلى حلب ، فعادوا إلى الخدمة فلم يجدوا أحدا . ودخل السلطان ~~حلب والأمراء في الموكب فساق إليهم فما عرفة ms6996 أحد ، وبقي ساعة ثم عرفة ~~الصروري ، فنزل في الأمراء وقبلوا الأرض ، ونزل بدار السلطنة بحلب ، وشاهد ~~قلعتها ، وعاد منها ، فوصل إلى دمشق في ثالث عشر المحرم ، ولعب الكرة وركب ~~في ليلته وتوجه إلى PageV30P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" القدس والخليل عليه الصلاة والسلام فزار تلك ~~الأماكن المقدسة وتصدق . وكان العسكر المصري قد سبقه صحبة الأمير شمس الدين ~~آفسنقر استاد الدار إلى تل العجول . هذا كله وما غير عباءته التي عليه ، ~~وذلك كله في عشرين يوما . وركب من تل العجول ووصل إلى قلعة الجبل في ثالث ~~صفر . ثم توجه إلى ثغر الإسكندرية في ثاني عشر صفر ودخل الثغر في الحادي ~~والعشرين من الشهر . وكان الصاحب بهاء الدين قد سبقه إلى الثغر وجهز ~~الأموال والتعابي من الأقمشة ، فخلع على الأمراء وأنعم عليهم بالتعابي ~~والنفقات . ولعب الكرة بالإسكندرية . وخرج منها إلى الحمامات ، ونزل ~~بالليونة ، وابتاعها من وكيل بيت المال . وبلغه حركة التتار فعاد إلى قلعته ~~، فوصل إليها في ثامن ربيع الأول سنة ثمان وستين وستمائة . ذكر توجه ~~السلطان إلى الشام جريدة قال : ولما بلغ السلطان حركة التتار ، وأنهم ~~تواعدوا مع فرنج الساحل ، وأن التتار أغاروا على الساجور بقرب حلب ، وعلى ~~جهة أخرى وأخذوا مواش العربان ، فأراح العسكر وجرد الأمير علاء الدين ~~أيدكين البندقدار بجماعة من العسكر ليقيموا في أوائل البلاد الشامية . وركب ~~في جماعة يسيرة من قلعته ، وذلك في ليلة الاثنين حادي عشرين شهر ربيع الأول ~~ووصل إلى غزة ، وتوالت الأمطار ، فوصل إلى دمشق في سابع شهر ربيع الآخر ، ~~ووردت إليه الأخبار برجوع التتار لما بلغهم خروجه ، فأغار على عكا ، ~~واستولى على بلاد الإسماعيلية على ما نذكره إن شاء الله تعالى . واقام ~~السلطان بالشام بقية سنة ثمان وستين وستمائة . وفي هذه السنة نصيب ~~الدارابزين على الحجرة الشريفة النبوية . وذلك أن السلطان لما توجه إلى ~~الحجاز رأى الضريح النبوي والزوار تقف إلى جانب الحائط ، فرأى أن يعمل ~~داربزبنا ليكون حرما حول الحجرة ، فأمر بعمله ، فعمل وكمل ، وسير إلى ~~المدينة في سنة ثمان وستين صحبة الشيخ مجد ms6997 الدين عبد العزيز بن الخليلي ، ~~فنصب . PageV30P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" وفيها : كانت وفاة قاضي القضاة محيي الدين ~~أبي الفضل يحيى بن قاضي القضاة محيي الدين أبي المعالي محمد بن قاضي القضاة ~~زكي الدين أبي الحسن على بن قاضي القضاة مجد الدين أبي المعالي محمد بن ~~قاضي القضاة زكي الدين أبي الفضل يحيى بن على بن عبد العزيز العثماني . ~~وكانت وفاته بفسطاط مصر في رابع عشر شهر رجب سنة ثمان وستين . ودفن ~~بالقرافة . ومولده بدمشق في ليلة الجمعة الخامس والعشرين من شعبان سنة ست ~~وتسعين وخمسمائة ، ورياسته وأصالته أشهر من أن يأتي عليها . وفيها : توفي ~~الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين على ، وزير الصحبة ، ضحى يوم ~~الاثنين الحادس والعشرين من شعبان ودفن بكرة نهار الثلاثاء بتربتهم ~~بالقرافة . ومولده في اثنين وعشرين وستمائة بفسطاط مصر ، وفوضت وزارة ~~الصحبة بعده لولده الصاحب تاج الدين محمد . وفيها : نوفي الصاحب الوزير زين ~~الدين أبو يوسف يعقوب بن عبد الرفيع بن زيد الزبيري ، المعروف بابن الزبير ~~نسبة إلى الزبير بن العوام الأشدي رضي الله عنه . وكانت وفاته في ليلة ~~الأربعاء رابع عشر شهر ربيع الآخر . ومولده سنة ست وثمانين وخمسمائة . وكان ~~عالما فاضلا رئيسا يتكلم باللغة التركية . وزر للملك المظفر فظفر ، ثم وزر ~~بعده للسلطان الملك الظاهر أياما ، ثم عزله ، فلزم داره إلى أن مات ، رحمه ~~الله تعالى ، وكان له شعر حسن رقيق . وفيها : توفي الشيخ الإمام الخطيب ~~أصيل الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عمر بن على العوفي الأسعردي ~~المولد . قدم دمشق في الدولة الصالحية وولى الخطابة بها . ثم عزل بالشيخ عز ~~الدين بن عبد السلام ، وعاد ثم عزل بالقاضي عماد الدين بن الحرستاني . ~~وانتقل إلى الديار المصرية صحبة الملك المظفر في سفرته التي قتل فيها . ~~وتولى خطابة الجامع الصالحي خارج بابي زويلة . وتولى نيابة الحكم بالشارع ~~الأعظم نيابة عن قاضي القضاة بدر الدين السنجاري . واستمر على الخطابة ~~والحكم إلى أن توفي في يوم الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وستين ms6998 في ~~PageV30P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" بيت الخطابة قبل صلاة الجمعة ، وجاء ريس ~~المؤذنين كما جرت العادة فوجده ساجدا وعليه ثياب الخطابة وقد قضى نحبه ، ~~فأحضر ولده في تلك الساعة وأعلم بموت والده ، فطلع النبر وخطب وصلى بالناس ~~. ودفن الخطيب في بكرة يوم السبت بسفح المقطم بقرافة سارية . وكان لطيفا ~~حسن العبادة والصوت . وله تصانيف ونظم ونثر ، رحمه الله تعالى . واستهلت ~~سنة تسع وستين وستمائة في هذه السنة ، توجه السلطان إلى عسقلان في سابع صفر ~~فهدمها وعفي آثار عمارتها ورمى حجارتها في ميناها ، وعاد فوصل إلى قلعته في ~~ثامن شهر ربيع الأول . وفيها : هلك الملك المحبير هيتوم بن قسطنطين صاحب ~~سيس ؛ ووردت مطالعة ولده ليفون في سابع عشرين شهر ربيع الأول مضمومها : أنه ~~لما كان في خامس عشرين تشرين الأول ترهب والده وانتقل إلى الدير وخرج عن ~~أمور الدنيا . فلمافلما كان في نهار الثلاثاء ثامن عشرين تشرين الأول وهو ~~حادي وعشرين ربيع الأول مات وقت مغيب الشمس ، وسأل شموله بالمراحم ~~السلطانية في ضمه إلى جناح الرحمة . فكتب بتغريته بأبيه وتهنئته بما صار ~~إليه من الملك ، وإطابة قلبه . ذكر القبض على الملك العزيز فخر الدين عثمان ~~بن الملك المغيث صاحب الكرك والأمراء الشهرزورية قد ذكرنا أن السلطان لما ~~تسلم الكرك من المشار إليه بعض القبض على والده أمره بمائة فارس . واستمر ~~المذكور في الخدمة الشريفة ولازم السلطان في أسفاره وغزواته . وكان يلعب ~~معه بالكرة ، ويحضر معه في أوقات الصيد وغير ذلك من مشاهده العامة . وظهرت ~~منه شهامة . وأحسن رماية النشاب وأخذ نفسه في ذلك بمأخذ الفرسان ~~PageV30P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" الشجعان . ولما كان السلطان على هدم عسقلان ~~أفرد له جانبا يهدمه ، فمر السلطان عليه في بعض الأيام وهو قائم يستعمل ~~الرجالة ومحثهم على الهدم ويجتهد فيما هو فيه . فبينما السلطان ينظر إليه ~~ويتأمله إذا انهدم ما تحته من البناء فوثب من مكانه وألقى نفسه إلى الأرض ~~ووثب أخرى فسلم والسلطان ينظر إليه . فعجب السلطان من اهتمامه مع حداثة سنه ~~. ثم عاد إلى ما كان ms6999 عليه من الهدم ولم يتأثر لذلك . وبينما السلطان في ~~أواخر هدم عسقلان ورد عليه كتاب نائبه الأمير بدر الدين الخزندار يستحثه ~~على العود إلى قلعة الجبل ، ويعمله أنه لا يأمن وثوب الأمراء الشهرزورية ، ~~وأن قدرته تضعف عن مقاومتهم في غيبة السلطان . وحال ورود كتابة أمر الناس ~~بالرحيل ورجع لوقته إلى الديار المصرية . ولما رجع رمي الملك العزيز بقوة ~~وحش بيده في أثناء الطريق وحملها إلى السلطان والأمير شمس الدين المذكور : ~~انظر إلى هذا الصغير وما هو عليه ، والله ما يقصر ؟ ؟ . فقال له سنقر ~~الأشقر : لقد ربيت حية صغيرة بين ثيابك تنتفع بها إذا كبرت . وكان سنقر ~~الأشقر يكرهه لقبض أبيه عليه وتسليمه للملك الناصر واعتقاله كما تقدم ، ~~فأراد مكافأته في ولده . ولما وصل السلطان إلى قلعة الجبل في ثامن شهر ربيع ~~الأول ، كما تقدم ، نزل إلى الميدان في يوم الثلاثاء الثاني عشر من الشهر ~~ولعب الكرة ، ودخل الملك العزيز على عادته إلى الميدان ولعب بالكرة فجاء ~~الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ليأخذ الكرة منه ، والملك العزيز مجتهد في ~~ضربها ، ورفع جوكانه ليضربها فوقع في رأس الأمير شمس الدين ولم يقصد ذلك ، ~~فكاد أن يسقط إلى الأرض لولا " أن " اعتنق عنق فرسه حتى سكن ما به من ألم ~~الضربة . فجاء السلطان إليه وهو يمازحه ، فقال له : " كاد هذا الصغير أن ~~يرميك عن فرسك حتى اعتنقت رقبته . " فنظر إلى السلطان وقال : " والله إن ~~كان اليوم ما رماني ، فغدا يرميك أنت ، وهذا الصبي والله لك بئس الذخيرة " ~~. فلما كان في يوم الخميس رابع عشر الشهر جلس السلطان في مجلسه واستدعى ~~الأمراء الشهرزورية وهم عشرة منهم : الأمير بها الدين يعقوبا ، وتوتلت ~~وسنقران وقبض عليهم ، وقبض على الملك العزيز معهم واعتقلوا ، ثم أحضر ~~الأمراء الشهرزورية وغيرهم وقرررهم ، فاعترفوا أنهم قصدوا قتل الملك السعيد ~~ابنه ، وقيامهم بالأمر فإن أطاعهم الناس وإلا أقاموا الملك العزيز ، فسألهم ~~: " هل كان هذا الأمر عن مباطنته ؟ " فحلفوا أنه لم يطلع على ما عزموا عليه ~~ولا باطنهم فيه . واستمر الملك العزيز في ms7000 الاعتقال إلى آخر أيام الملك ~~السعيد عندما حوصر بالقلعة فأفرج عنه وعن PageV30P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" الأمراء الشهرزورية وغيرهم . وكان قد رزق ~~أولادا في اعتقاله في الدولة الظاهرية ، فلما أفرج عنه الملك السعيد أمره ~~أن ينصرف في حال نفسه ويتوجه إلى الأمراء إن أحب ذلك ، أو يقيم بالقلعة إلى ~~أن ينفصل الأمر . وخرج بعض من أفرج عنهم إلى الأمراء فقبضوا عليهم ~~واعتقلوهم ، فخشي الملك العزيز من ذلك فسأل أن يرجع إلى معتقله ويقيم مع ~~أولاده فرجع إليهم ، فاستمر في الاعتقال إلى أن ملك الملك الأشرف خليل بن ~~السلطان الملك المنصور قلاون فأفرج عنه في سنة تسعين وستمائة على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى . ولنرجع إلى سياقة أخبار الدولة الظاهرية : وفي عاشر ~~جمادى الآخرة من السنة توجه السلطان إلى الشام وصحبته ولده الملك السعيد ، ~~فكان دخول الملك السعيد إلى دمشق في ثامن شهر رجب . وخرج هو والأمير بدر ~~الدين الخزندار من جهة القطيفة . وكان السلطان قد توجه من جهة بعلبك ووصل ~~إلى طرابلس ، فأغار وقتل وفتح صافيتا وحصن الأكراد وحصن عكا وبلاد ~~الإسماعلية ، وغير ذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وفيها في تاسع ~~شوال : دخل الشيخ خضر شيخ السلطان إلى دمشق ، وجاء إلى كنيسة اليهود ~~وأخرجهم منها وجعلها زاوية ، وعمل لأصحابه بسيسة عشرة قناطير بالدمشقي ، ~~فأكلوا منها ، وحضر المغاني تعمل سماعا ورقصوا على بقية البسيسة بأرجلهم ، ~~فما أفلح بعد ذلك . فاجتمع اليهود وخرجوا عن مظالم كانت بينهم ورفعوا ~~أصواتهم بالدعاء وقالوا : " يا محمد بن عبد الله ، نحن في ذمتك وعهدك ، لا ~~دولة لنا ولا سلطان ، فانتصر لنا " . فكانت حادثة السيل ، وخروج الشيخ خضر ~~من الكنيسة على صورة منكرة . PageV30P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" ذكر حادثة السيل بدمشق وقي ثاني عشر شوال سنة ~~تسع وستين وستمائة ، وهو يوم عيد عنصرة اليهود ، جاء سيل عظيم على دمشق في ~~الساعة الثامنة من النهار ، وعلا على سور دمشق قدر رمح ، وفي بعض المواضع ~~أحد عشر ذراعا ، ودخل من باب الفراديس بعد أن خرب حسره ، وأهرب ms7001 جسر بابي ~~السلامة وتوما ، ووصل إلى المدرسة الفلكية وصار فيها مقدار قامه وبسطه . ~~واستمر ثلاث ساعات من النهار وهبط . وكان مبدأ هذا السيل إنه انعقد على ~~جبال بعلبك غيم متكاثف فسمع لرعده دوى هائل في يوم السبت حادي عشر شوال ، ~~وكان بذلك الوادي ثلوج كثيرة ، فوقع المطر على الثلوج فحلها ، وسال في يوم ~~الأحد من جهة عين الفيجة بعد أن رمى فيها صخورا عظيمة ساقها بين يديه ، ~~واقتلع أشجار جوز عادية ، وانتهى إلى دمشق وخرب عدة كثيرة من دور العقبية ، ~~وخرب حيطان الميدان وقطاير البساتين ، وأهلك خلقا كثيرا من الروم والعجم ~~كانوا قد قدموا حجاجا ونزلوا بالميدان وغرقوا عن آخهم هم وجمالهم ودوابهم ، ~~وأغرق من الحيوانات على اختلاف أجناسها مما لا يعد كثرته ، وردم الأنهار ~~بطين أصفر ، واقتلع الأشجار من أصولها ، ودخل السلطان بعد ذلك بأيام إلى ~~دمشق فما وجد بها ماء ولا حماما يدور ، وشرب الناس من الصهاريج والآبار ~~ويقال أنه هلك بهذا السيل عشر آلاف نفس ، وأخذ الطواحين بحجارتها . وحكي أن ~~فقيرا يعرف بالخير حضر إلى دار نائب السلطنة بدمشق قبل هذه الحادثة وقال : ~~" عرفوا الأمير أن أريد أعدو إلى بعلبك " . فقال له الأمير : " رح ، أجر " ~~. وضحكوا منه فتوجه ، وعاد وهو ينذر الناس بالسيل فضحكوا منهم ولم يعبأوا ~~بكلامه بكلامه فما أحسوا إلا والسيل قد هجم . وفي هذه السنة : عزل قاضي ~~القضاة شمس الدين أحمد بن خلكاه عن قضاء دمشق ، وخرج منها ذي القعدة . ~~وكانت مدة ولايته عشر سنين سواء . وقلد القضاء بعده بالشام قاضي القضاة ، ~~عز الدين أبو المفاخر محمد بن عبد القادر المعروف بابن الصايغ ، وكان ~~تقليده قد كتب والسلطان على طرابلس ، وتأخر إلى أن حضر السلطان إلى دمشق ، ~~وكان وصول السلطان إلى دمشق ، وكان وصول السلطان إلى دمشق في يوم الأربعاء ~~خامس عشر شوال . PageV30P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" ذكر سفر الشواني الإسلامية إلى قبرس وكسرها ~~وأسر من كان بعا وخلاصهم وفي شوال سنة تسع وستين وستمائة : كتب السلطان من ~~الشام إلى الديار المصرية بتسفير الشواني لقصد ms7002 قبرس ، فأشار ابن حسون برأي ~~كان بئس الرأي ، وهو أنه قال : " لو دهنت الشواني سواد تشبها بشواني الفرنج ~~، وعملت لها أعلام بصلبان حتى إذا دخلت إلى بلاد الفرنج يعتقدونها لهم ، ~~فتغتنم الغرة منهم " فاتبع رأيه . وتتطاير الناس بذلك ، وسافرت الشواني ~~فانكسرت بالقرب من قبرس فورد كتاب صاحب قبرس إلى السلطان وفيه تقريع : " إن ~~الشواني كسرها الريح وأخذتها ، وهي أحد عشر شينيا ، وأسرت من فيها " . فكتب ~~السلطان إلى الديار المصرية وهو بالشام بإنشاء عشرين شينيا وإحضار خمسة ~~شواني كانت بقوص . وأجاب " السلطان " صاحب قبرس بتقريع وتوبيخ ، ويعلمه أنه ~~فتح القرين في كلام كثير تركنا إيراده اختصارا . وبقي القواد في الأسر هم ~~والرماة . ففادي بهم الفرنج أسرى ، وبقي الاحتياط على الرؤساء وهم ستة نفر ~~، منهم ريس الإسكندرية ، وريس دمياط ، وأبو العباس المغربي وغيرهم . ~~واستمروا في الأسر إلى سنة ثلاث وسبعين وستمائة . وقصد السلطان ابتياعه ~~وسير الأمير فخر الدين المقري الحاجب إلى صور بسبب ذلك ، فتغالى الفرنج ~~فيهم . وكانوا قد نقلوا إلى عكا وحصل الاحتزام عليهم ، وجعلوا في حبس حصين ~~. فرسم السلطان للأمير سيف الدين بن خطلبا - أحد النواب بصفد - بسرقتهم ، ~~فأرغب الموكلين بهم بالمال حتى دخلوا إليهم بمبارد ومناشير ، وسرقوا من جب ~~القلعة ، وخرجوا في مركب . وكانت خيل مهيأة ، فركبوا ووصلوا إلى القاهرة ~~ولم يدر بهم أحد بعكا . ثم قامت فتنة بعكا بسببهم . PageV30P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" ذكر عود السلطان إلى قلعته ووصول رسل اليمن ~~واهتمامه بأمر الشواني ، وما أنعم به من الخلع والخيول على الأمراء ~~والأجناد قال : وسار السلطان إلى الديار المصرية فدخل قلعة الجبل في ثاني ~~عشر ذي الحجة سنة تسع وستين ، وعند وصوله جهز الأمير شمس الدين آفسنقر ~~أستاد الدار بالعساكر إلى الشام ، فخرجوا في الشهر المذكور . ووصلت هدية ~~صاحب اليمن في الشهر " المذكور " وفيها التحف الثمينة وفيل ودب أسود . والي ~~السلطان النزول إلى مصر بنفسه والأمراء في خدمته لمباشرة عمل الشواني وفي ~~الشهر المذكور خلع وفرق بالميدان على ألف وسبعمائة نفر من الأمراء والخلقة ~~أثمان خيل ، وفرق ألفا وثمانمائة ms7003 وخمسين رأسا ، وذلك في ثاني عشرين الشهر . ~~ثم عاد العطاء في الثالث والعشرين منهم حتى فرغ الناس وعمهم بالعطاء ، ~~ولازم صناعة الإنشاء عدة أيام بسبب الشواني . ذكر القبض على من يذكر من ~~الأمراء وفي هذه السنة في خامس عشر ذي الحجة أمر السلطان بالقبض على جماعة ~~من الأمراء منهم الأمير علم الدين سنجر الحلبي الكبير ، والأمير جمال الدين ~~الأقش المحمدي ، والأمير جمال الدين أيدغدي الحاجبي الناصري ، والأمير عز ~~الدين إيغان الركني سم الموت ، والأمير شمس الدين سنقر المساح ، والأمير ~~سيف الدين بيغان الركني ، والأمير علم الدين سنجر طردح الأمدي وغيرهم ، ~~وحبسوا في قلعة الجبل . وسبب ذلك أن السلطان بلغه عنهم وهو بالشقيف أنهم قد ~~عزموا على القبض عليه ، فأسرها في نفسه إلى أن وصل إلى القاهرة وقبض عليهم ~~واعتقلهم ، ثم أفرج بعد ذلك عن بعضهم . PageV30P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" وفيها : في سابع عشر ذي الحجة تقدم أمر ~~السلطان بإراقة الخمور في سائر بلاده ، والوعيد لمن يعصرها بعد ذلك بالقتل ~~والنهب . فأهريقت بأعمال بالديار المصرية وأبطل ضمانها ، وكان في كل يوم ~~بالديار المصرية خاصة يزيد على ألف دينار وكتب بذلك توقيع قرئ على الناس ~~بالقاهرة ومصر . وفي هذه السنة : أمر السلطان بإنشاء جامع بمنشأة المهراني ~~، وهي التي على نهر النيل ، والخليج الحاكمي فارق بينهما وبين مصر ، فعمر . ~~وفيها : توفي قاضي القضاة شرف الدين أبو حفص عمر بن عبد الله بن صالح بن ~~عيسى السبكي المالكي قاضي قضاة المالكية بالديار المصرية . وكانت وفاته ~~بالقاهرة في ليلة الأحد الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة تسع وستين ~~وستمائة . ودفن في الغد بمقابر باب النصر . ومولده بالصالحية من الأعمال ~~القليوبية في ذي الحجة سنة خمس وثمانين وخمسمائة . وكان رحمه الله تعالى ~~عالما ، وكان قد ولي الحسبة بالقاهرة مدة وعقود الأنكحة ، ثم ولي نيابة ~~الحكم بالقاهرة عن قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز . ثم فوض إليه ~~القضاء أحد الأربعة كما تقدم ذكر ذلك ، رحمه الله تعالى . وولي بعده قضاء ~~المالكية القاضي نفيس الدين أبو البركات محمد ms7004 بن القاضي المخلص هبة الله بن ~~القاضي كمال الدين بن السعادات أحمد بن شكر . وفيها : أيضا توفي القاضي شمس ~~الدين أبو إسحاق إبراهيم بن المسلم بن هبة الله بن البارزي قاضي حماة ~~الشافعي ، رحمه الله ، وولى قضاة حماة في سنة اثنتين وخمسين وستمائة ، ~~واستمر إلى أن توفي الآن . وفيها : كانت وفاة الملك الأمجد تقي الدين أبي ~~الفضائل عباس بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب . وهو آخر ~~من مات من أولاد الملك العادل ، وكان محترما عند الملوك الأيوبية ، معظما ~~عند السلطان الملك الظاهر ، لا يرتفع عليه أحد من المجلس ولا الموكب وكان ~~رحمه الله دمث الأخلاق سمحا كريما عاقلا حازما . وكانت وفاته بدمشق في يوم ~~الجمعة ثاني عشرين جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون ، وليس له عقب . وفيها : ~~توفي القاضي كمال الدين أبو السعادات أحمد بن الوزير فخر الدين الأعز أبي ~~الحمايل مقدام بن القاضي كمال الدين أبي السعادات أحمد بن شكر كان أحد ~~الأكابر المشهور بن الديار المصرية متأهل للوزارة وغيرها . وهو خال قاضي ~~PageV30P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" القضاة تاج الدين بن بنت الأعز ، رحمهما الله ~~تعالى ، وكانت وفاته بالقاهرة في السادس والعشرين من شهر رمضان ودفن في ~~الغد من يوم وفاته بسفح المقطم ، وكان يومئذ ناظر بيت المال ، رحمه الله ~~تعالى . وفيها : توفي الأمير علم الدين سنجر الصيرفي وكان من أعيان الأمراء ~~بالديار المصرية ، فلما تمكن السلطان الملك الظاهر أخرجه إلى الشام وأقطعه ~~إقطاعا جيدا وزاده عدة قرى ببعلبك ، فتوجه إليها فمات في يوم الأربعاء سادس ~~صفر وهو في عشر الستين رحمه الله تعالى . وفيها : توفي الشيخ العارف قطب ~~الدين أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن محمد بن سبعين ~~المرسي الزقوطي ، أحد المشايخ المشهورين بسعة العلم ، وله تصانيف عدة ~~وجماعة كثيرة ينسبون إليه ، وأقام بمكة سنين كثيرة إلى أن توفي بها في ~~الثامن والعشرين من شوال من هذه السنة ، ومولده في سنة أربع عشر وستمائة . ~~والوقوطي نسبة إلى حصن من عمل مرسية ms7005 يسمى زقزطة رحمه الله تعالى . وفيها : ~~توفي العدل الرئيس زين القضاء أبو المكارم عبد الوهاب بن القاضي الرئيس فخر ~~القضاء أبي الفضائل أحمد بن المرتضى أبي عبد الله محمد بن الجليس أبي ~~المعالي عبد العزيز بن الحسين بن عبد الله بن الحباب التميمي السعدي ~~الأغلبي ، سمع وحدث وهو من بيت الرياسة والعدالة والفضل بالديار المصرية ~~منذ سكنوها ، وهم من ذرية زيادة الله بن الأغلب آخر ملوك بني الأغلب ~~بإفريقية . وكانت وفاته بمصر في التاسع والعشرين من جمادى الأول من السنة . ~~ومولده في غرة المحرم سنة تسع وثمانين وخمسمائة . وفيها : توفي الطواشي ~~الأمير شجاع الدين مرشد الخادم المظفري عتيق صاحب حماة ومقدم جيشها ، وكان ~~من الشجعان الأبطال ، وكان إذا حمل في جيش العدو يقول : أين أصحاب الخصي ~~وكان السلطان الملك الظاهر يعتمد عليه لأمانته وشجاعته . وكان يتصرف في ~~المملكة الحموية تصرف ملوكها للوثوق به . PageV30P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" واستهلت سنة سبعين وستمائة ذكر توجه السلطان ~~إلى الكرك ثم إلى الشام وعزل الأمير جمال الدين النجيبي عن نيابة دمشق ~~وتولية الأمير عز الدين أيدمر نائب الكرك نيابة السلطنة بالشام وإستنابة ~~الأمير علاء الدين أيدكن أستاد الدار بالكرك وفي سنة سبعين وستمائة : بلغ ~~السلطان أن الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا وغيره من العربان تغيرت نياتهم ~~وعزموا على الانضمام إلى التتار . فعلم أنه إن استدعاهم لا يحضرون وينكشف ~~الحال ، وإن قصد الشام تسحبوا ، فنزل إلى الميدان في سابع محرم وفرق على ~~خواصه أربعمائة ألف درهم ، واثني عشر ألف دينار عينا ، وستين حيصة ذهبا ، ~~وأمر بتجهيز العساكر إلى عكا بعد الربيع . وتوجه السلطان من قلعته بعد ~~المغرب من ليلة تسفر عن سابع وعشرين المحرم في جماعة يسيرة من خواصه ، وخرج ~~من الزعقة في البرية إلى الكرك وأخفى مقصده ، فوصل في سادس صفر ، وطلع إلى ~~قلعة الكرك ، وكتب تقليد الأمير عز الدين أيدمر نائب الكرك بنيابة الشام ، ~~ولم يعلمه بذلك " حتى تسلم أيدكين نيابة الكرك " بل أفهمه أنه يستنيبه بحصن ~~الأكراد ، وتوجه إلى دمشق فوصل إليها ms7006 في ثالث عشر الشهر وسير للأمير جمال ~~الدين النجيبي " نائب دمشق " تشريفا وأمره أن يتوجه إلى الديار المصرية ، ~~وولى الأمير عز الدين أيدمر الظاهري نيابة السلطنة بالشام . وركب السلطان ~~في ليلة سادس عشر صفر وتوجه إلى حماة ونزل بظاهرها بالجوسق ، ونزل صاحب ~~حماة في خيمة أسوة الناس ، ورتب أستاد داره وأمير جانداره وحواشيه في خدمة ~~السلطان لأنه كان جريد . فكان أول ما شرع فيه أمر العربان . وكان سبب ~~نفورهم اشياء من جملتها أخذ أولادهم رهائن . ولما وصل إلى حماة وجد عثمان ~~بن مانع وعمرو بن مخلول وجماعة من أكابر العربان بغتة فأكرمهم ، وما أظهر ~~لهم شيئا ، وكتب إلى الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا يطلب منه فرس فلان ، ~~والفرس الفلاني تسكينا له ، وكان عيسى قد كتب إلى السلطان قبل خروجه من ~~الديار المصرية يستأذن في الحضور خديعة ، فخدعه السلطان PageV30P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" ورسم أن لا يحضر حتى يطلب . فكتب إليه الآن : ~~" إنك كنت طلبت الحضور ، ونحن الآن بحماة ، فإن أردت الحضور فاحضر " فحضر ~~فسأله السلطان عما نقل عنه العربان ، فاعترف به ، فرعي له حق الصدق . وأحسن ~~إليه وإلى أمراء العربان ، وأطلق رهائنهم ، وأطلق لعيسى نصف خبزه الذي كان ~~أخذه منه في سنة ثمان وستين من سلمية وغيرها ، وهو مائة ألف وثلاثون ألف ~~درهم ، وأطلق له من حلب ألف مكوك غلة إنعاما ، وأطلق لغيره من العربان من ~~خمسمائة مكوك إلى مادونها . وفي مستهل شهر ربيع الأول ، ركب السلطان من ~~حماة بعد العشاء الآخرة ولم يعلم بقصده ، وسار على طريق حلب ، ثم عرج فأصبح ~~بظاهر حمص ، وتوجه إلى حصن الأكرد وعكار فكشفهما ، وتوجه إلى دمشق . وورد ~~الخبر أن جماعة من التتار أغاروا على عين تاب ، وتوجهوا إلى عمق حارم في ~~نصف شهر ربيع الأول ، فكتب " السلطان " إلى الديار المصرية بتجريد الأمير ~~بدر الدين بيسرى بثلاثة آلاف فارس ، وتوجه بذلك صارم الدين المشرقي ، وخرج ~~من دمشق الثالثة من نهار الأحد ثامن عشر شهر ربيع الأول ، ودخل القاهرة ~~الثالثة من ليلة الأربعاء حادي عشرين ms7007 ، فخرج الأمير بدر الدين بيسرى ~~واالعسكر بكرة نهارالأربعاء المذكور . ووصل الأمير شمس الدين أستاد الدار ~~بالعسكر المجرد وكانوا على جينين وهم خمسمائة فارس . وكان التتار قد أغاروا ~~على حارم والمروج وقتلوا جماعة ، وتأخر بن مجلى والعسكر الحلبي إلى حماة ، ~~وجفل أهل دمشق ، وبلغت قيمة الجمل ألف درهم ، وأجرته إلى مصر مائتي درهم . ~~ووصل الأمير بدر الدين بيسرى والعسكر إلى دمشق في رابع شهر ربيع الآخر ، ~~وتوجه السلطان بالعسكر إلى حلب ، وجرد الأمير شمس الدين أستاد الدار وجماعة ~~معه إلى مرعشن ، وجرد الأمير الحاج علاء الدين طيبرس الوزيري والأمير شرف ~~الدين PageV30P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" عيسى بن مهنا إلى حران والرها ، فتوجها وصلا ~~إلى حران ، فاتصل الخبر بمن فيها من نواب التتار فخرجوا فالتقاهم الأمير ~~شرف الدين عيسى وطاردهم وطاردوه ، ثم وصل العسكر فخرج عليهم كمينه ، فلما ~~رأوه نزلوا عن خيولهم ، وقبلوا الأرض ، وألقوا سلاحهم ، فقبضوا على آخرهم ، ~~فكانوا ستين رجلا . ثم سار الأمير علاء الدين طيبرس إلى حران ، فلما أشرف ~~عليها أغلق من فيها أبوابها وتركوا بابا واحد ، فخرج منه الشيخ محاسن أحد ~~أصحاب الشيخ حياة ومعه جماعة كثيرة ، وذلك في يوم الثلاثاء ثالث عشر ربيع ~~الآخر ، وأخرج لهم طعاما قليلا لأجل البركة ، فتلقاه الأمير علاء الدين ~~وترجل له . فلما اجتمع به أخرج له الشيخ مفاتيح حران وقال له : " هذا بلد ~~السلطان فتسلمه " . فقال له : " طيب قلوب الجماعة ويكونون على ما هم عليه ~~إلى أن يصل السلطان " . وعصى برج باب يزيد وفيه شحنة التتار فطلبه فامتنع ، ~~وقال : " إذا جاء السلطان خرجت إليه " ؛ فعاد الأمير علاء الدين طيبرس ولم ~~يدخل حران ، وعبر الفرات سباحة . وبعد توجهه فارق أكابر أهل الحران البلد ~~ووصلوا إلى دمشق مثل : أمين الدين بن شقير ، وخطيبها الشيخ شهاب الدين بن ~~تيمية ، وأولاد بشر ، وابن علوان وغيرهم . وأقام جماعة كثيرة من أهل حران ~~بحلب وحماة وحمص وتفرقوا في البلاد ، وبقي جماعة بحران . فلما كان في ~~الخامس والعشرين من شهر رمضان من السنة ، وصل جماعة من التتار إلى حران ، ~~فأخربوا ms7008 أسوارها وأكثر أسواقها ودورها ونقضوا جامعها واخذوا أخشاب سقوفه ، ~~واستصحبوا معهم من بقي فيها ، فخرجت وأخليت ودثرت إلى الآن . وكانت من ~~المدن الجليلة . ذكر عود السلطان من حلب ورجوعه إلى الديار المصرية وعوده ~~إلى الشام وفي آخر شهر ربيع الآخر بلغ السلطان أن الفرنج أغاروا على قاقون ~~، وقتل الأمير حسام الدين أستاد الدار وجرح الأمير ركن الدين بيبرس العجمي ~~الجالق وجرح PageV30P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" " بجكا العلائي " وإلى قاقون . فرحل السلطان ~~من حلب ، ودخل دمشق وبين يديه التتار الذين أسروا من حران . وأما الفرنج ~~فإنهم لما قصدهم العسكر المجرد بقاقون تأخروا عنهم ، ووصل الأمير جمال ~~الدين أقش الشمسي بعسكر عين جالوت ، فولوا مدبرين ، ولحقهم العسكر واسترجع ~~منهم تركمانا ، وقتل من رجالاتهم وعرقب من خيولهم " خمسمائة رأس " . وخرج ~~السلطان من دمشق في ثالث جمادى الأول وصحبته العساكر بنية الغارة على ~~الفرنج ، وقصد عكا فتوالت الأمطار وهو على مرج برغوث حتى كاد الناس يهلكون ~~. فانثنى عزمه عن الإغارة . ورد العسكر الشامي وصار إلى الديار المصرية . ~~فوصل إلى قلعة الجبل في الثالث والعشرين من جمادى الأول وأقام بقلعته أياما ~~. ثم توجه إلى الجيزية للتنزه في يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة في جماعة ~~من أمرائه وخواصه ، فحضر إليه مطالبيه ، وأخبروه أن بناحية بوصير السدر من ~~الجيزية مغارة بها مطلب . فتوجه إليها وأمر بحفرها . فجمع متولي الجيزية ~~جماعة ، فحفروا وأعمقوا ، فأخرجوا قطاطا ميتة ، وكلاب صيد وطيور وغير ذلك ~~من الحيوانات ، وهي ملفوفة في خرق ، فإذا حلت اللفائف عنها وأصابها الهواء ~~صارت ترابا تذروه الرياح ، ولم يوجد فيها خلاف ذلك . وعاد السلطان من ~~الجيزية في يوم الثلاثاء العشرين من الشهر . ذكر إيقاع الحوطة على القاضي ~~شمس الدين الحنبلي واعتقاله وفي سنة سبعين وستمائة : أمر السلطان بإيقاع ~~الحوطة على منزل قاضي القضاة شمس الدين محمد بن الشيخ عماد الدين إبراهيم ~~المقدسي الحنبلي . وسبب ذلك أن تقي الدين شبيب الحراني كان أخوه ينوب عن ~~قاضي القضاة المشار إليه بالمحلة فعزله ، فغضب أخوه المذكور لذلك ، وكتب ~~قعة إلى السلطان يقول ms7009 : " إن القاضي شمس الدين عنده ودائع للتجار من أهل ~~بغداد وحران والشام وغيرهم جملة كثيرة ، وقد مات بعض أهلها واستولى عليها " ~~. فاستدعاه السلطان وسأله PageV30P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" عن ذلك فأنكره وجحد ، فطلب منه اليمين فحلف ~~وتأول يمينه ، فعند ذلك أمر السلطان بهجم داره ، فهجمت ووجد فيها كثير مما ~~ادعاه شبيب ، بعضه قد مات أربابه ، فأخذت زكاة ما وجد مدة سنتين . وسلم ما ~~بقي لأصحابه ، فعضب السلطان عند ذلك على قاضي القضاة ، وأمر باعتقاله ، ~~وتوجه السلطان إلى الشام وهو في الاعتقال ، فتسلط شبيب عليه حينئذ وادعى ~~أنه حشوي وأنه يقدح في الدولة . وكتب بذلك محضرا ، فأمر الأمير بدر الدين ~~الخزندار نائب السلطنة بعقد مجلس ، فعقد له يوم الاثنين حادي عشر شعبان من ~~السنة واستدعى من شهد في المحضر ، فنكل بعضهم عن الشهادة فأطلقوا ، وشهد ~~الباقون ، وفأخرق بهم وجرسوا ، ثم تبين للأمير بدر الدين الخزندار تحامل ~~شبيب لما ظهر له من إساءته على القاضي شمس الدين والقدح فيه ، فأمر ~~باعتقاله والحوطة على موجوده . وأعاد القاضي إلى الاعتقال فاستمر به إلى أن ~~أفرج عنه في النصف من شعبان سنة اثنتين وسبعين وستمائة ، " ولم يول السلطان ~~بعده قضاء الحنابلة أحدا " . ذكر توجه السلطان إلى الصيد ثم إلى الشام قال ~~: ولما عاد السلطان من الجيزية ، أقام بقلعة الجبل إلى شهر رجب من هذه ~~السنة ، وخرج متصيدا إلى جهة الصالحية ، فبلغه حركة التتار فرجع إلى القلعة ~~وتجهز . وخرج إلى الشام في ثالث شعبان من السنة ، ونزل بمرج قيسارية وحصلت ~~الهدنة مع الفرنج . ونزل السلطان بمنزلة الروحاء وعيد بها عيد الفطر ، ورحل ~~منها في ثاني شوال إلى خربة اللصوص ، ثم توجه إلى دمشق . ووردت رسل التتار ~~، وهم رسل صمغار مقدم عسكر التتار بالروم ، ورسل البرواناه ، فحضروا بين ~~يدي السلطان وسمع مشافهتهم ، وتضمن الكتاب الذي على أيديهم الرغبة في الصلح ~~وطلب رسل من السلطان . فجهز إليهم الأمير مبارز الدين الطوري أمير طير ، ~~والأمير فخر الدين المقري الحاجب ، فتوجها هما والرسل في نصف شوال سنة ~~سبعين ، واجتمعا بصمغار ، بين ms7010 سيواس والجسر ، فأكرمهم وأوصلوه ما كان معهم ~~من الهدية ، وهي : قسى تسعة ، دبابيس تسعة ، واعتذروا عن قلتها كونهم حضروا ~~على خيل البريد . وفي اليوم الثاني اجتمعا بالبرواناه وأعطياه قماشا فاخرا ~~كان PageV30P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" السلطان قد سيره إليه خفية ، وسير معهما هدية ~~لأبغا بن هولاكو ، وهي جوشن ريش قنفد ، وخوذة كذلك ، وسيف ، وقوس ، ودركاش ~~، وتسع فردات نشابا ، وتوجهوا صحبة البرواناه إلى الأردو ، وأوصلوا إلى ~~أبغا هديته . وقال له الأمير مبارز الدين لطوريغ الطوري : " السلطان يسلم ~~عليك ويقول : إن رسل منكوتمر وردوا إليه مرارا " أن السلطان يركب من جهته . ~~ويركب الملكط منكوتمر من جهته ، وأين وصلت خيل سلطاننا كان له ، وأين وصلت ~~خيل منكوتمر كان له " فانزعج أبغا انزعاجا عظيما ، وقام وركب وخرجت الرسل ~~إلى خيامهم ، ثم طلب أمراءه للمشورة ، وبعد ذلك خلع على الرسل وأذن لهم ~~بالصفر فعادوا . وأما السلطان فإنه أقام بدمشق حتى ضحى بها ، وأحسن إلى ~~صاحب حماة ، وأمر بجلوسه معه بطراحة ومسند وكرسي في رأس السماط مسامتا ~~للسلطان . ثم توجه بعد ذلك إلى حصن الأكراد وعكار وشاهد العمارة بهما ، ~~وعمل بيده ، وخلع على من بحصن الأكراد من الأمراء وأرباب الوظائف . وعاد ~~فتصيد في الطريق وخلع مقدار خمسمائة تشريف على من أحضر صيدا ، ورجع إلى ~~دمشق ودخلها في خامس المحرم سنة إحدى وسبعين . وفي سنة سبعين وستمائة : ~~كانت وفاة الملك الأمجد أبي الحسن بن الملك الناصر صلاح الدين داود بن ~~الملك المعظم شرف الدين عيسى بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر ~~محمد بن أيوب ، رحمهم الله تعالى ، بدمشق فجأة في يوم الاثنين سادس عشر ~~جمادى الأولى ، ودفن بسفح قاسيون وله من العمر ما ينيف على خمسين سنة ~~تقريبا . وكان من الفضلاء ، وله مشاركة في العلوم ومعرفة بالأدب ، وتنقلت ~~به الأحوال في عمره ، وصحب الفقراء والمشايخ ، وانتفع بهم وأخذ عنهم . وكان ~~كثير البز لمن يصحبه من المشايخ . وكانت همته عالية ونفسه ملوكية ، وله صبر ~~على المكاره . وكان جميع أهل بيته يعظمونه ويعترفون له بالتقدمة ، حتى عم ~~أبيه ms7011 الملك الأمجد تقي الدين الذي قدمنا ذكر وفاته . وكان حسن الخط والترسل ~~، وكان واسطة عقد هذا البيت . فإن أمه ابنة الملك الأمجد مجد الدين حسن بن ~~السلطان PageV30P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" الملك العادل الكبير ، تسمى باسم جده . وإلى ~~جده لأمه المذكور ابن الملك العادل ينسب الغور الأمجدي وهو الخميلة ، ~~والنويعمة ، ودامية ، والحمام ، وورثة أولاد الملك الناصر عن أمهم . وتزوج ~~الملك الأمجد هذا ابن الملك الناصر داود ، ابنة الملك العزيز غياث الدين بن ~~الملك الظاهر أخت الملك الناصر صاحب الشام وأولدها ولدا سماه صلاح الدين ~~محمود . وفيها : توفي الصدر الكبير وجيه الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن ~~سويد بن مالي بن محمد بن أبي بكر الربعي التغلبي التكريتي التاجر المشهور ~~بسعة المال والثروة والجاه ونفوذ الكلمة ، " بلغ " ما لم يبلغه أحد من ~~أمثاله . وكانت كتبه تنفذ عند سائر الملوك ، حتى عند ملوك الفرنج بالساحل . ~~وكانت النجابون تأتيه من بغداد إلى دمشق في مهمات تتعلق بالخلافة . وكانت ~~متاجره لا يتعرض إليها . وكان خصيصا بالملك الناصر صاحب الشام لا يخرج عن ~~إشارته ورأيه . وانبسطت يده في دولته . وكان عنده فضة كثيرة ، مراود وجسرا ~~، فاستأذن الملك الناصر على ضربها دراهم فأذن له ، وجعل دار الضرب بدمشق ~~بيده ، فضرب منها شيئا كثيرا ، وكانت مغشوشة ، فخسر الناس فيها أموالهم . ~~ولما ملك هولاكو البلاد وصل إليه فرسان من جهته يتضمن تأمينه على نفسه ~~وماله فما وثق به . وفارق دمشق إلى الديار المصرية . وغرم جملة مقارب ألف ~~ألف درهم بسبب الدراهم المغشوشة وغيرها . ثم تمكن في الدولة الظاهرية تمكنا ~~كبيرا ، ووكله السلطان الملك الظاهر وجعله وصيه على أولاده من بعده وناظر ~~أوقافه ، وخوطب في مكاتباته بالمجلس السامي المولوي . وكان مع تمكنه من ~~الملك الناصر لا يكتب له عنها إلا الصدر الأجل . وكان سبب تمكنه من السلطان ~~الملك الظاهر ما حكاه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن أبي بكر الجزري في ~~تاريخه عن والده ، رحمه الله تعالى ، قال : كنت عند وجيه الدين في داره في ~~أيام الملك الناصر ms7012 ، وقد جاء إليه الملك الظاهر وهو يومئذ في خدمة الملك ~~الناصر من أمرائه ، وشكى إليه ضعف إقطاعه وأنه قد ركبه دين كثير ، وليس ~~عنده كسوة لصغاره ، وسأله أن يتحدث له مع الملك الناصر ، وكان قد وصل إلى ~~وجيه الدين في تلك الساعة من عكا جوخ سقلاط وغيره ، فأعطاه منه كفاية عشرة ~~أقبية ، وخرق كتان فرنجي مائتي ذراع ، وخمس تقاطيع سكندري ، وتفصيلتين حرير ~~، وألف درهم . وقال له : " ياخوند مهما PageV30P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" كان لك من حاجة أو خدمة أطلب ذلك مني ، ولا ~~حاجة بقول السلطان " . قال : والله لقد رأيت الملك الظاره وقد أهوى إلى ~~أقدام وجيه الدين ليقبلها ، فرعى له السلطان الملك الظاهر حق هذا الإحسان . ~~وملك وجيه الدين المذكور عدة من ضياع دمشق وأملاكها . وكان مع لك كله فيما ~~حكي عنه شحيحا على طعامه ، لكنه كان يتكرم بماله . وكانت وفاته بدمشق في ~~ليلة الجمعة التاسع والعشرين من شوال سنة سبعين وستمائة . ومولده بتكريت في ~~ذي القعدة سنة تسع وستمائة ، رحمه الله تعالى . واستهلت سنة إحدى وسبعين ~~وستمائة ذكر توجه السلطان إلى الديار المصرية على خيل البريد وعوده إلى ~~الشام قال : لما عاد السلطان من كسف الحصون في خامس المحرم من هذه السنة ، ~~استشار خواص الأمراء في أن التتار تواترت الأخبار بحركتهم ، وأنهم متى ~~قصدوا البلاد والعساكر والخزائن غير حاضره صعب الأمر وعرفهم أنه يتوجه إلى ~~الديار المصرية على البريد . وركب ليلة السادس من المحرم بعد عشاء الآخرة ، ~~وصحبته الأمير بدر الدين بيسرى ، والأمير جمال الدين أقش الرومي ، وجبرك ~~السلاح دار ، وجرمك الناصري ، وسنقر الأألفي السلاح دار ، وعلم الدين شقير ~~مقدم البريدية ، فدخل قلعته يوم السبت ثالث عشر المحرم ، ولم يشعر الناس ~~إلا وهو داخل من باب القلعة ، فدخل وتوجه إلى الميدان ولعب الكرة ، وكتب ~~إلى الأمراء المقيمين بالشام أنه سطرها من البيرة ، وسير علائم بخطه ليكتب ~~عليهاأجوبة البريد من دمشق إلى الأطراف . وكان الأمير سيف الدين الدوادار ~~بقلعة دمشق لتجهيز الكتب والبريد . وفي يوم الاثنين توجه إلى مصر وركب في ms7013 ~~البحر ولعب بالشواني . وفي ليلة الأربعاء سابع وعشرين المحرم سابع وعشرين ~~المحرم جهز العسكر المجرد إلى الشام ، وتوجه هو إلى الشام في ليلة التاسع ~~والعشرين من الشهر هو ومن كان معه من الأمراء . ووصل إلى دمشق في ثالث صفر ~~، ودخل قلعتها ليلا . وحضر إليه رسل أبغا وكان مضمون مشافهتهم طلب الاتفاق ~~. ثم توجه السلطان إلى قلعة البيرة عندما نازلها التتار . وكان من انهزامهم ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى في الغزوات والفتوحات . PageV30P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" ثم عاد إلى السلطان إلى الديار المصرية فدخل ~~قلعته في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وسبعين وستمائة . وفي ~~السابع والعشرين من الشهر : أفرج عن الأمير عز الدين الدمياطي وأنزله بدار ~~الوزارة ورتب له الرواتب ، وكان في الاعتقال من سنة رجب سنة إحدى وستين ~~وستمائة . وفي شهر رجب : خلع السلطان على الأمراء والقضاة والوزراء ~~والمقدمين ، وعم بذلك المسافرين والمقيمين . وقي هذه السنة : نجزت عمارة ~~قبة الصخرة الشريفة ، وذلك في يوم عرفة ، وكان السلطان قد توجه إليها وجميع ~~الصناع لعمارتها كما قدمناه . ذكر اعتقال الشيخ خضر والأسباب التي أوجبت ~~ذلك وفي يوم الاثنين ثاني عشر شوال سنة إحدى وسبعين : أحضر الشيخ خضر ابن ~~أبي بكر بن موسى العدوي المهراني شيخ السلطان إلى قلعة الجبل ، وأحضر جماعة ~~خانقوه على أشياء كثيرة منها اللواط والزنا وغيره ، فتقدم أمر السلطان ~~باعتقاله . وكان سبب ذلك أنه تعاطى أمورا منكرة وأفحش ، ثم شرع يغض من ~~الأمير بدر الدين بيليك الخزندار نائب السلطنة ، والصاحب بهاء الدين ، ~~وانتقل إلى حد المهاجرة لهما بالقول بحضرة السلطان ، وهو أن السلطان أطلق ~~له شيئا فتوقف الأمير بدر الدين في إمضائه ، فقال له بين يدي السلطان : " ~~كأنك تشفق على السلطان وعلى أولاده ، كما فعل قطز بأولاد الملك المعز " . ~~فخشي عاقبة ذلك فانفق هو والصاحب بهاء الدين على التدبير عليه وإطلاع ~~السلطان على ما خفي عنه من حقيقته حاله ، ووافقهما على ذلك الأمير عز الدين ~~أيدمر نائب السلطنة وبالشام ، ورتبه ، وذلك أنه طلب إسماعيل ومظفر نائبه ~~بدمشق ms7014 وآخر من أتباعه اسمه محمد بن بطيخ وتهددهم أولا ، ثم وعدهم أنهم متى ~~اعترفوا على شيخهم بما يعتمده أحسن إليهم وجعل لهم الرواتب . فذكروا عنه ~~أشياء كثيرة وأشهدوا على أنفسهم بذلك . فكاتب السلطان في أمره ، فأمر ~~بإرسالهم على خيل البريد فأرسلوا . ولما حضروا بين يدي السلطان سمع كلامهم ~~. ثم أحضره وقال له : " هؤلاء نوابك بالشام ما تقول فيهم ؟ " فذكر من خبرهم ~~وصدقهم وأنه رضي بما يقولونه فيه . PageV30P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" فذكروا عنه من القبائح والمنكرات وارتكاب ~~المحرمات شيئا كثيرا ، وخانقوه على ذلك . فأطلقهم السلطان وامر بإيقاع ~~الحوطة على موجوده . وحكى الشيخ قطب الدين اليونيني في تاريخه : أنه لما ~~حضر أولئك لمخانقته كان ذلك بحضور الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب ~~الأتابك ، والأمير سيف الدين قلا ون ، والأمير بدر الدين بيسرى ، والأمير ~~سيف الدين قشتمر العجمي ، فخانقه أصحابه على كل عظيمة لا تصدر من مسلم . ~~فقال : " ما أعرف ما تقولون . ومع هذا ، أنا ما قلت إني رجل صالح ، أنتم ~~قلتم هذا . فإن كان الذي تقولون صحيح فأنتم كذبتم " . فقام السلطان وقال ~~للأمراء : " قوموا بنا لئلا نحترق بمجاوبته " . فقاموا وانتقلوا إلى طراف ~~الإيوان . فاستشار السلطان الأمراء في أمره ، فقال له الأتابك : " هذا مطلع ~~على أسرار الدولة وبواطن أحوالها وما ينبغي إبقاؤه ، ووافقه من حضر من ~~الأمراء على هذا الرأي ، وقالوا : ببعض ما قيل عنه يباح دمه . ففهم ما هم ~~فيه ، فقال للسلطان : " واسمع ما أقول لك ، أنا أجلي قريب من أجلك ، وما ~~بيني وبينك إلا مدة أيام يسيرة من مات منا لحقه الآخر عن قريب " . فلما سمع ~~السلطان كلامه وجم ، وقال للأمراء : " ما تشيرون في هذا " ؟ فسكنوا . فقال ~~السلطان : " أرى أن يجلس في مكان لا يصل إليه أحد ولا يسمع كلامه ، فيكون ~~كمن قبر وهو حي " . ثم أمر به فحبس في مكان منفرد بقلعة الجبل ، ولم يدخل ~~إليه إلا من يثق السلطان به غاية الوثوق . وكان يرسل إليه الأطعمة الفاخرة ~~والفواكه والملابس ، واستمر في الاعتقال إلى أن توفي في سنة ست وسبعين ~~وستمائة ms7015 قبل وفاة السلطان بأحد وعشرين يوما . وسنذكر إن شاء الله تعالى ، ~~مبدأ أمره وسياقة أخباره عند ذكر وفاته . وفيها : هرب الأمير عمرو بن مخلول ~~من آل فضل من قلعة عجلون هو وحامد رفيقه . وكان السلطان قد اعتقلهما في برج ~~من أبراج القلعة ، فحفر حفيرة ملاصقة للسور ووقدوا النار حتى تكلس حجر ~~السور ، فنقباه وخرجا منه ، وقد كانت أعدت لهما خبل سوابق فركباها وتوجها ~~إلى بلاد التتار ، ثم ندما على ما فعلاه ، فكتبا إلى السلطان يسألان مراحمة ~~، فحلف أنه لا يرضي عنهما إلا أن يعودا إلى قلعة عجلون ويضعا أرجلهما في ~~القيود على ما كانا عليه ، ففعلا ذلك وكان عودهما من بلاد التتار في ذي ~~الحجة سنة اثنتين وسبعين وستمائة . ولما رجعا إلى الطاعة وفعلا ما أمر ~~السلطان به عفا عنهما وأطلقهما وأحسن إليهما . وفي هذه السنة في رابع عشرين ~~ذي الحجة : توفي الملك المغيث فتح الدين عمر PageV30P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" ابن الملك الفائز إبراهيم بن الملك السلطان ~~العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب ، رحمهم الله تعالى ، في معتقله يجب ~~خزانة البنود ، ودفن بتربتهم بالقرافة بجوار الإمام الشافعي . ومولده في ~~صفر سنة ست وستمائة ، رحمه الله تعالى . وفيها : كانت وفاة الأمير سيف ~~الدين محمد بن الأمير مظفر الدين عثمان ابن الأمير ناصر الدين منكورس بن ~~بدر الدين خمردكين صاحب صهيون وبرزية في شهر ربيع الأول . وكانت وفاته ~~بصهيون وقد ناف على ستين سنة ، ودفن بتربة والده . وتسلم صهيون وبرزية بعده ~~ولده الأمير سابق الدين سليمان ، ثم أخذهما السلطان منه في هذه السنة على ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى . وفيها : كانت وفاة الحافظ الخطيب فخر الدين ~~أبي محمد وأبي الفرج عبد القاهر بن الشيخ علاء الدين عبد الغني بن محمد بن ~~تيمية الحراني . وكانت وفاته بدمشق في ثاني عشر شوال من هذه السنة . ودفن ~~بمقابر الصوفية . ومولده اثنتي عشرة وستمائة ، سمع الحديث من جده ومن ابن ~~اللتي ، وخطب بجامع حران وكان فاضلا دينيا ، وهو من بيت معروف بالعلم ~~والفضيلة ms7016 رحمه الله تعالى . واستهلت سنة اثنتين وسبعين وستمائة ذكر طلسم ~~الذي وجد بباب القصر بالقاهرة قال المولى محيي الدين عبد الله بن عبد ~~الظاهر ، رحمه الله تعالى ، في السيرة الظاهرية : لمل كان يوم عاشوراء من ~~هذه السنة وجد ما سنذكره ، وذلك أنه كان قد رسم بنقض علو أحد أبواب القصر ~~المسمى بباب البحر قبالة دار الحديث الكاملية ، لأجل نقل عمد منه لبعض ~~العمائر السلطانية ، فظهر صندوق في حائط مبني عليه ، وللوقت أحضرت الشهود ~~وجماعة كثيرة وفتح الصندوق . فوجد فيه صورة من نحاس أصفر مفرغ على كرسي شكل ~~الهرم ، ارتفاعه قدر شبر له أربعة أرجل تحمل الكرسي ، والصنم جالس عليه ~~متوركا ، وله يدان مرفوعتان ارتفاعا جيدا ، يحمل صفيحة يكون دورها قريب ~~الثلاثة أشبار ، وفي هذه الصفيحة أشكال بايتة ، الأوسط صورة رأس ~~PageV30P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" بغير جسد ، وعليه دوائر مكتوب عليها كتابة ~~بالقبطي بالقلفطريات ، وإلى جانبها في الصفيحة شكل له قرنان يشبه شكل ~~السنبلة ، وإلى الجانب الآخر شكل على رأسه صليب ، وأخر في يده عكاز وعلى ~~رأسه صليب وتحت أرجلهما أشكال طيور . وفوق رؤوس الأشكال كتابة كثيرو أكثر ~~من نصف الصفيحة . وعلى الأشكال كتابة . ووجد مع هذا الصنم في الصندوق لوح ~~من ألواح الصبيان التي يكتبون فيها في المكاتب مدهون وجهه الواحد أبيض ، ~~ووجهه الآخر أحمر ، وفيه كتابة قد تكشط أكثرها من طول المدة وقد بلي اللوح ~~وما بقيت الكتابة تلتم ولا الخط يفهم . قال : والوجه الأبيض مكتوب بقلم ~~الصفيحة القبطي . وذكر ما ظهر من الكتابة على الوجه الأحمر وهي ثلاثة عشر ~~سطرا ، ذكر ألفاظا غير ملتئمة ، إلا أن المفهوم منها على غير التئامه : " ~~الإسكندر ذو الملك يزجر " . وذكر ما ظهر في كل سطر ، وأخلى لما تكشط منه ~~مما لا فائدة في ذكره ، والذي شرحه من السطر الثاني عشر ما صورته : " شد ~~أيضا كل أمار أشد به " . قال : وقيل أن هذا اللوح بخط الحاكم خليفة مصر . ~~وأعجب ما فيه اسم السلطان وهو بيبرس . قال : ولما شاهد السلطان ذلك أمر ~~بقراءته ، فعرض على ms7017 قراء الأقلام ، فقرئ ، وهو بالقلم القبطي ، ومضمونه ~~طلسم عمل الظاهر بن الحاكم ، وفيه أسماء ملائكة وعزائم ورقي وأسماء روحانية ~~وصور ملائكة ، وأكثره حرس للديار المصرية وثغورها وصرف الأعداء وكفهم عن ~~طروقهم إليها ، وابتهال إلى الله بأقسام كثيرة بحماية الديار المصرية ، ~~وصونها من الأعداء ، وحفظها من كل طارق ومن جميع الأجناس . قال : وتضمن هذا ~~الطلسم كتابه بالقلفطريات وأوفاق وصور وخواص لا يعلمها إلا الله تعالى . ~~وحمل هذا الطلسم إلى السلطان فبقي في ذخائره . قال القاضي محيي الدين بن ~~عبد الظاهر : رأيت في كتاب عتيق رث سماه مصنفه : وصية الإمام العزيز والد ~~الإمام الحاكم لولده المذكور وقد ذكر فيه الطلسمات التي على أبواب القصر . ~~وقال : إن أول الكواكب الحمل وهو قلب المريخ ، وشرف الشمس ، وله القوة على ~~جميع سلطان الفلك ، لأنه صاحب السيف ، وله الأمر والحرب والسلطان والقوة ، ~~والمستولي لقوة روحانية على مدينتنا عندما بنيناها . وقد PageV30P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" أقمنا لساعته ويومه لقهر الأعداء وذل ~~المنافقين ، في مكان أحكمناه على شرافة عليه والحصن والجامع لقصره مجاور ~~لأول باب بنيناه . هذا نص ما في الكتاب ، والله أعلم . ذكر توجه السلطان ~~إلى الشام وفي سنة اثنتين وسبعين وستمائة : وردت الأخبار بحركة أبغا بن ~~هولاكو ملك التتار ، فخرج السلطان في ليلة السادس والعشرين من المحرم ، ~~وصحبته جماعة من أمرائه الخواص ، منهم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، ~~والأمير بدر الدين بيسرى الشمسي ، والأمير سيف الدين أوتامش السعدي . فلما ~~وصل إلى عسقلان بلغه أن أبغا وصل إلى بغداد وقد خرج إلى الزاب متصيدا ، ~~فكتب إلى القاهرة يستدعي العساكر . فخرج منها يوم السبت حادي عشر صفر أربعة ~~آلاف فارس " مع " مقدميهم : الأمير علاء الدين طيبرس الوزير ، والأمير جمال ~~الدين أقش الرومي ، والأمير شمس الدين أقش المعروف بقطليجا ، والأمير علم ~~الدين سنجر طردح . ورحلوا من البركة في يوم الاثنين . ثم قويت الأخبار ، ~~وهو في أثناء الطريق بحركة التتار ، فكتب السلطان بخروج العساكر جميعها ~~والعربان من الديار المصرية صحبة بدر الدين بيليك الخزندار ، ورسم بأن جميع ~~من في مملكته ممن ms7018 له فرس يركب إلى الغزاة ، وأن يخرج أهل كل قرية بالشام من ~~بينهم خيالة على قدر حال أهل البلد ، ويقومون بكلفتهم . ودخل السلطان إلى ~~دمشق في سابع عشر صفر . وكان رحيل العساكر من القاهرة في العشرين من صفر ، ~~فوصلوا إلى يافا ، وورد المرسوم بنزولهم قريبا منها ، وركب السلطان من دمشق ~~في نحو اربعين فارسا جرائد ، ولم ييستصحبوا ركاب دار السلطان ولا غيره . ~~فوصل وقد طلبت العساكر وقاربوا المنزلة ، فاعترضهم السلطان وجماعته وقد ضرب ~~كل منهم على وجهه لثاما ، فظن الحجاب أنهم من التركمان ، فرسموا لهم ~~بالترجل فما ترجلوا . وساق السلطان منفردا وجاء من خلف الصناجق وحسر اللثام ~~PageV30P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" عن وجهه ، فعرفه السلاح دارية فأفرجوا له ، ~~فدخل وساق بالموكب فنزل الناس وقبلوا الأرض ، وساق السلطان ونزل بدهليزه ~~فرتب المصالح . وأصبح في اليوم الثاني وركب في موكبه ، ونزل فقضى حوائج ~~الناس ، وركب عند المساء ، هو ومن حضر معه عاد إلى دمشق . ذكر وصول الملك ~~شمس الدين بهادر صاحب شميصاط وشيء من أخباره هذا المذكور هو الملك شمس ~~الدين بهادر بن الملك فرج ، وأمير الطست للسلطان جلال الدين خوارزم شاه ~~منكربرتي ، وكان والده قد ملك بعد السلطان جلال الدين قلعة كيران وست قلاع ~~أخرى في ناحية نقجوان . ووصل إلى بلاد الروم فأقطع أقصرا ، فكاتب شمس الدين ~~هذا السلطان وراسله ، وتقرب إليه بإعلامه بحقيقة أخبار العدو ، وذلك في سنة ~~إحدى وسبعين وستمائة . واتفق السلطان معه على نكته غريبة قتل بسببها ~~الجاثليق النصراني ، وكان قد أهان المسلمين ببغداد وسكن بواطن الخلافة ~~وأفسد أمور المسلمين . فكتب السلطان كتابا إلى الجاثليق مضمونه : عرفنا ~~محبتك وتوصيتك على النصارى الذين ببلادنا ، وقد أكرمناهم لأجلك وعرفنا ~~أخبار المغل الباطنة التي أشرت إليها . ؟ وذكر في الكتاب أمورا موهمة لا ~~أصل لها ، منها : الذي التمسته لمن أشرت قد أجبنا إليه ، وتسليم الأمكنة ~~لمن عينت قد حلفنا على تسليمها ، والدواء الذي تقرر السعي في استعماله لمن ~~أشرت إليه قد علم ، والله يقدر ذلك ، والذي طلبته من دهن البلسان والآثار ~~المسيحية قد ms7019 سيرناها ، وسيرنا قطعة من صليب الصلبوت ، وسيرنا ذلك إلى ~~الرحبة ، وعرفنا النائب بها الأمارة التي PageV30P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" قررت . فأرسل من تثق إليه الأمارة ليستلم ذلك ~~. وسير السلطان هذا الملطف إلى النائب بالبيرة ، ورسم له أن يجهزه صحبة ~~أرسنى يوصله إلى الجاثليق ، وأنه إذا جهزه يرسل إلى الملك شمس الدين بهادر ~~يعرفه بخبره وحليته . ففعل ذلك ، وأرسل بهادر من أمسك هذا القاصد وسير به ~~إلى أبغا . فلما وقف أبغا على الملطف كان فيه هلاك الجاثليق ، وتقرب شمس ~~الدين بهادر إلى السلطان بأشياء كثيرة مثل ذلك ، فشعر التتار به فأمسكوه ~~وتوجهوا به إلى الأردو ، وهربت حاشيته ومماليكه ، فوصلوا إلى باب السلطان ~~وهم يزيدون على ألفي نفر من مماليك وأجناد وغيرهم ، فأحسن إليهم ورتب لهم ~~الرواتب . وأما الملك شمس الدين بهادر فإنه هرب ونجا بنفسه ووصل البيرة ~~فتلقاه أهلها ، وسير إلى السلطان ، وذكر أنه أقام سبعة أيام لم يأكل شيئا . ~~ولما وصل تلقاه السلطان وأكمه وأعطاه الإقطاعات بالديار المصرية وأحسن إليه ~~. ذكر الظفر بملك الكرج وفي سنة اثنتين وسبعين وستمائة : ظفر السلطان بملك ~~الكرج . وذلك أنه حضر لزيارة بيت المقدس ، فاتصل ذلك بالسلطان ، فأرسل من ~~يعرف حريته فامسك هو وثلاثة نفر من أعيان الكرج من بين الزوار ، وسير " وا ~~" إلى السلطان وهو بدمشق فطيب قلوبهم ، وعرفهم أنه متيقظ لمن يدخل إلى ~~بلاده ، واحترز عليهم . ولما سكنت الأخبار عاد السلطان والعساكر فدخل إلى ~~قلعته في رابع عشرين جمادى الآخرة من هذه السنة . وفي شعبان من هذه السنة : ~~رسم السلطان بعمارة جسرين قناطر بالقرب من الرملة لعبور العساكر ، فعمرت . ~~وفيها : في يوم السبت عاشر ذي القعدة حضر متولي القرافة إلى مستنيبه الأمير ~~سيف الدين أبي بكر بن اسباسلار متولي مصر ، وأخبره أن شخصا دخل إلى تربة ~~الملك المعز وجلس عند القبر يبكي ، فسأله من بالمكان عن بكائه ، فأخبرهم ~~أنه قاءان بن الملك المعز ، وكان الملك المظفر قد أرسله مع أخيه الملك ~~المنصور إلى بلاد الأشكري كما تقدم ، فأحضر وقيد واعتقل . وطولع السلطان ~~بأمره ، فأحضره ms7020 وسأله عن PageV30P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" أمره ، فذكر أنه عاد إلى الديار المصرية منذ ~~ست سنين ، وأنه توكل للجند . فطلب منه من يعرفه ، فذكر أن رجلا معتقلا ~~بالإسكندرية كان يتردد إلى بلاد الأشكري ، فأمر السلطان بإحضاره واعتقال ~~قائم ، فحبس في حبس اللصوص بمصر ، وأجرى عليه بعض مماليك المعز نفقة . ~~وفيها : أفرج السلطان عن الأمير سيف الدين الجوكندار ، وكان له مدة في ~~الاعتقال . وفي ثاني عشر شهر رمضان من السنة : توجه الملك السعيد إلى الشام ~~، وجرد السلطان في خدمته الأمير سيف الدين أستاد دار وجماعة من أكابر ~~الأمراء والخواص . ودخل إلى دمشق في سادس عشرين الشهر ، ولم يشعر به نائب ~~السلطنة إلا وهو بينهم في سوق الخيل ، فنزلوا وقبلوا الأرض ، ودخل الملك ~~السعيد القلعة وخلع على الأمراء في ليلة العيد وخلع أيضا على المقدمين ~~والمفاردة والأكابر ، وخرج متصيدا بالمرج ، ثم توجه إلى الشقيف وصفد ، وعاد ~~إلى مصر في حادي عشر شوال منها . ذكر ختان الملك المسعود نجم الدين خضر ولد ~~السلطان الملك الظاهر كان ختانه في يوم عيد الفطر سنة اثنتين وسبعين ~~وستمائة ، وحمل السلطان على الناس كلفة التقادم والهدايا وشملهم بالخلع ~~والإنعام والعطاء . ذكر نكتة غريبة وفي هذه السنة : ورد كتاب الغرس بن شاور ~~وإلى الرملة يذكر أنه في هذه السنة حصل لأهل البلاد مرض وحمايات من شرب ~~مياه الىبار وزاد ذلك ، فحضر إليه رجلي نصراني فقال : " هذه الآبار قد حاضت ~~كما جرى في السنة التي جاء التتار فيها إلى الشام وأن الفرنج أنفذوا إلى ~~قرية تسمى عابور في الجبل أخذوا من مائها PageV30P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" وسكبوه في الآبار فزاد الوخم . " فلما سمع ~~ابن شاور ذلك سير إلى الضيعة المذكورة وأخذ من مائها وصبه في الآبار التي ~~بياقا ، وكان الماء قد كثر فيها . فلما سكب الماء فيها نقصت إلى حدها ~~المتعارف . وقيل : إن هذه الآبار إناث تحيض ، وآبار الجبل ذكور . ذكر ورود ~~كتاب متملك الحبشة قال القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر في السيرة ~~الظاهرية : في هذه السنة وصل ms7021 كتاب متملك الحبشة إلى السلطان عطف كتاب صاحب ~~اليمن . وهو يقول : " إن سلطان الحبشة قد قصدني في حاجة عند السلطان ، وقد ~~سيرت كتابه عطف كتابي " فكان مضمون كتاب متملك الحبشة إلى السلطان : - " ~~أقل المماليك ، محرا ملاك يقبل ملاك يقبل الأرض وينهي بين يدي السلطان ~~الملك الظاهر ، خلد الله ملكه ، أن رسولا وصل من " جهة " وإلى قوص بسبب ~~الراهب الذي جاءنا ، فنحن ما جاءنا مطران وبلادنا بلاد مولانا السلطان ونحن ~~عبيده . فيرسم مولانا يأمر الأب البطرك يعمل لنا مطرانا رجلا جيدا عالما لا ~~يحب ذهبا ولا فضة ، ويسيره إلى أبواب السلطان . وما كان سبب تأخر الرسل عن ~~الحضور إلى السلطان إلا أنني كنت في بيكار . والملك داود توفي ، وقد ملك ~~ولده ، يا مولانا . وعندي في PageV30P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" عسكري مائة ألف فارس مسلمين . وإنما النصارى ~~كثير لا تعد . وكلهم غلمانك وتحت أوامرك . والمطران " الكبير " هو يدعو لك ~~، وهذه الخلق كلهم يقولون : آمين بطول بقاء عمر سلطاننا مالك مصر ، ويهلك ~~الله عدوه ، ويقول الخلق آمين . وكل من يصل من المسلمين إلى بلادنا أقل ~~المماليك يحفظهم ويسفرهم كما يحبون . وإنما الرسول الذي سيره والي قوص فجدر ~~وهو مريض . وبلادنا بلاد وخمة أي من مرض ما يقدر أحد يدخل إليه ، وأي من شم ~~رائحته يمرض ويموت . والراهب قال : ما يروح " بغير " رفيق . ونحن فنحفظ كل ~~من يأتي من المسلمين ، وارسموا فسيروا مطرانا يحفظهم " . أنهى ذلك . هذا نص ~~كتابه ومخاطبة ملك اليمن له بالسلطان . قال : فكتب جوابه عن السلطان : " ~~ورد كتاب الملك الجليل الهمام العادل في مملكة حطى ملك امحره ، أكبر ملوك ~~الحبشان ، الحاكم على مالهم من البلدان ، نجاشي عصره " وفريد مملكته في ~~دهره " سيف الملة المسيحية ، عضد " دولة " دين النصرانية ، صديق الملوك ~~والسلاطين سلطان الأمحرة ، حرس الله نفسه ، وبنى على الخير أسه . فوقفنا ~~عليه وفهمنا ما فيه فأما طلب المطران ، فلم يحظر من جهة الملك رسول حتى كنا ~~نعرف الغرض المطلوب ، وإنما كتاب مولانا السلطان الملك المظفر ورد . مضمونه ~~: أنه وصل من جهته كتاب ms7022 وقاصد ، وأنه أقام عنده حتى يسير الجواب . وأما ما ~~ذكره من كثرة عساكره وأن من جملتها مائة ألف فارس مسلمين ، فأخبار البلاد ~~عندنا ، ولا تخفى عنا ، فالله يكثر عساكره المسلمين . وأما وخم بلاده ~~فالآجال مقدرة من الله ، وما يموت PageV30P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" أحد الا بأجله ، ومن فرغ أجله مات ، وكم من ~~جريح بالسيف عاش وصحيح مات ، والأمر لله في الجميع " . وفي هذه السنة : ~~كانت وفاة الصاحب بهاء الدين علي بن محمد ، في ليلة الاحد التاسع والعشرين ~~من شعبان ؛ ودفن من الغد بسفح المقطم ؛ سمع من جماعة ، وحدث ودرس بمدرسة ~~والده " التي أنشأها بزقاق القناديل بمصر " وكان منقطعا عن المناصب يحب ~~التخلي والانفراد كثير الصدقة ، وبنا رباطا بمصر ، ومولده بالفسطاط في سنة ~~ست وثلاثين وستمائة ، رحمه الله تعالى . وفيها : في ليلة الثلاثاء رابع عشر ~~الآخر توفي الشيخ العالم الزاهد الورع أبو محمد عبد الله بن عمر بن يوسف ~~الحميدى القصرى ، ودفن من يومه بالقرافة الصغرى . كان أوحد أهل زمانه في ~~أصول الدين والفقه ، وله معرفة بكلام الفقراء وأحوالهم رحمة الله تعالى . ~~وفيها : في ليلة الأثنين الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر توفي أبو ~~المحاسن يوسف بن عبد الله بن نهار البكرى ، خطيب جامع ابن طولون ، ودفن ~~بالقرافة ومولده بالقاهرة في سنة ثلاث وستمائة ، رحمه الله تعالى . وفيها : ~~في يوم الأحد رابع عشر المحرم توفي الصدر الرئيس الأصيل مؤيد الدين أبو ~~المعالي أسعد بن المظفر بن أسعد بن حمزة بن أسد بن علي بن محمد التميمي ~~الدمشقي ، المعروف بابن القلانسي رئيس دمشق وكبيرها والمشار إليه . وكان ~~متواضعا كريما سمحا جوادا متصدقا حسن السيرة جميل الطريقة طاهر اللسان . ~~وكان السلطان الملك الظاهر قد عرض عليه نظر الشام فلم يقبل ، فألزمه ~~بوكالته الخاصة PageV30P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" والنظر في ديوان ولده الملك السعيد ، فباشر ~~ذلك . وكانت وفاته بدمشق ودفن بتربته بسفح قاسيون ، ومولده بدمشق في سنة ~~تسع وتسعين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى ، وهو والد الصاحب الرئيس عز الدين ~~حمزة . وفيها : في ليلة الأربعاء ثالث عشر ms7023 شعبان توفي الشيخ الإمام العالم ~~العلامة شيخ النجاة جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الله ~~بن مالك الطائي الجياني ، وكانت وفاته بالمدرسة العادلية بدمشق ، ودفن ~~بقاسيون بتربة بني الصايغ ، له التصانيف المفيدة في علم العربية ، وشهرته ~~أكثر من أن يؤتى على شرحها ، رحمه الله تعالى . واستهلت سنة ثلاث وسبعين ~~وستمائة في هذه السنة : وصل الملك المنصور صاحب حماة إلى خدمة السلطان ، ~~فأحسن إليه وإلى ولده وأخيه وعاد إلى بلاده . وفي ثامن صفر منها : توجه ~~السلطان إلى الكرك على الهجن من الطريق البدرية ، فوصل إلى الكرك والشوبك . ~~وأقام بالكرك ثلاثة عشر يوما ، وعاد إلى قلعته في ثاني عشرين شهر ربيع ~~الأول . وفيها : في سادس عشر ربيع الآخر وتوجه السلطان إلى العباسة ، وفي ~~صحبته ولده الملك السعيد ، فصرع الملك السعيد أوزة خيبة ، وقيل له : " لمن ~~تدعى " ؟ فقال : " لمن أدعو بحياته " . فقبله السلطان . وعاد السلطان بعد ~~خمسة أيام . وكان سبب عوده أنه ظفر يكتب من جماعة من الأمراء إلى التتار ، ~~وهم : قحماد الحموي ، وتوغان بن منكو ، وسريغا ، وطنغري يوري ، وطنغري برمس ~~، وأنوك ، وبرمش ، بلبان مجلي ، والبغلائي المرتد ، وبلاغا ، وطغيني ، ~~وأيبك ، وسنجر الحواشي ، وقبض عليهم وقررهم فأقروا ، وكان آخر العهد بهم . ~~PageV30P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" وفيها : أقبل السلطان على الأمير شهاب الدين ~~يوسف بن الأمير حسام الدين الحسن بن أبي الفوارس القيمري ، وهو من أعيان ~~الأمراء في الدولة الصالحية النجمية والدولة الناصرية وكان السلطان قد نقم ~~عليه ، فإنه تخيل أنه كان يثبط الملك الناصر عن قتال التتتار ، فواخذه بذلك ~~وقطع خبره ، وعطل ، وأطلق له في كل يوم عشرين درهما ، ودام على ذلك فأعطاه ~~الآن إمرة أربعين . وفيها : توجه السلطان إلى الشام في شعبان بجميع العساكر ~~واستحلف بقلعة الجبل الأمير شمس الدين آفسنقر الفارقاني ، والصاحب بهاء ~~الدين ، واستصحب معه الصاحب تاج الدين وزير الصحبة وكان في هذه السفرة غزاة ~~سيس على ما نذكر ذلك . وفيها : رسم السلطان بعمارة ما كان تداعى من منارة ~~الإسكندرية . وفيها : في يوم السبت تاسع جمادى الآخرة ms7024 توفي الأمير فارس ~~الدين آقطاي المستعرب الصالحي الأتابك ، ودفن بالقرافة بالقرب من تربة ~~الإمام الشافعي ، ومشى السلطان في جنازته ، وحضر دفنه ، وحزن عليه وبكى ~~بكاء شديدا . وكان يستحق ذلك منه ، رحمه الله تعالى . وفيها : توفي قاضي ~~القضاة شمس الدين عبد الله بن " محمد بن الحسن بن عطاء بن الحسن " عطاء ~~الأذرعي الحنفي بدمشق في يوم الجمعة تاسع جمادى الأولى . ولما مات عزل قاضي ~~القضاة زين الدين الزواوي المالكي نفسه من القضاء حال دفنه ، فإنه أخذ بيده ~~من تراب الاقبر وحثاه عليه وقال : " والله لا حكت بعدك ، فإن لك اربعين سنة ~~تحكم ، ثم هذه مالك " . وعزل نفسه من الحكم ، وبقي نائبه القاضي جمال الدين ~~يوسف الزواوي يحكم على حاله . وفوض السلطان قضاء الحنفية بعده للقاضي مجد ~~الدين أبي المجد عبد الرحمن ابن الصاحب كمال الدين عمر بن العديم الحنفي ~~فوصل إلى دمشق في يوم الاثنين سلخ ذي القعدة ، وحكم في ذي الحجة من السنة . ~~وفيها : توفي الحافظ جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن أحمد بن يحمود الأسدي ~~اليغموري بالمحلة في ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من شهر ربيع ~~PageV30P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" الآخر . كان ففيها أصوليا مشاركا في علوم ~~كثيرة ، وصحب الأمير جمال الدين بن يغمور فعرف به ، وكان قد توجه لزيارة ~~الأمير شهاب الدين بن يغمور بالمحلة فمات . ومات الأمير شهاب الدين بعده ~~بشهرين ويومين ، رحمهما الله تعالى . وفيها : توفي الأمير سليمان بن الملك ~~السعيد بن الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب ~~، وكانت وفاته بدمشق في حادي عشر صفر رحمه الله تعالى . واستهلت سنة أربع ~~وسبعين وستمائة استهلت سنة أربع وسبعين وستمائة والسلطان بالشام ، فرسم ~~بإحضاره ولده الملك السعيد ، فتوجه الأمير بدر الأمير بيليك الخزندار نائب ~~السلطنة على خيل البريد لذلك ، في الرابع والعشرين من المحرم . ووصل إلى ~~قلعة الجبل ، فأرسل إليه الملك السعيد ألف دينار وتشريفا . وكان السلطان ~~أيضا قد رسم للأمراء بإحضار أولادهم فتجهزوا . وتوجه الملك السعيد على خيل ~~البريد ، في صلخ المحرم ووصل ms7025 إلى دمشق في سادس صفر ، وركب السلطان للقائه ، ~~وحضر بعد ذلك طلبه ومماليكه . وفي هذه السنة : وصلت رسل برواناه ، وأخبر ~~بقصد التتار والبيرة ، وقال إنه اتفق هو وجماعة على أن العساكر إذا أقبلت ~~من بر الشام وشاهدوا الصناجق السلطانية يضع السيف في التتار ، فلم يف بذلك ~~ثم بلغ السلطان حركة التتار ، وأن قصدهم البيرة ، فجمع العساكر من جميع ~~البلاد ، وأقام ينتظر خبرا محققا ، فوصل الخبر أن التتار ، نازلوا البيرة ، ~~في يوم الخميس ثاني جمادى الآخرة ، وأنهم أقاموا في تلك الليلة أحد عشر ~~منجيقا ، واهتموا بالحصار ونصب المجانيق ، وكان مقدمهم إبتاي ، فأنفق ~~السلطان في العساكر وتولى النفقة بنفسه . وخرج بالعساكر ، فلما وصل إلى ~~القطيفة بلغه وحيل التتار لانقطاع المسيرة عنهم ، فوصل إلى حمص ، ثم عاد ~~إلى دمشق في مستهل شهر رجب متوجها إلى الديار المصرية ، فدخل إلى قعة الجبل ~~في ثامن عشر الشهر . PageV30P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" ذكر شنق الطواشي شجاع الدين عنبر المعروف ~~بصدر الباز وغيره كان هذا الطواشي المذكور قد تمكن في الدولة الظاهرية وكبر ~~شأنه ، وتعاظم في نفسه ، وصار في غيبة السلطان يركب إلى الميدان ويلعب ~~بالكرة ويعود إلى القلعة ، ثم تعاطى بعد ذلك ، فيما نقل ، إدمان شرب الخمر ~~في دور السلطان ، ويجتمع على ذلك مع الخدام : فاتصل ذلك بالسلطان ، فلما ~~عاد أحضره بين يديه ليلا ، وقام السلطان إليه بنفسه ولكمه وقصد أن يؤدبه ~~بالضرب زالإخراق ليرتدع بذلك . وكان لهذا الخادم على السلطان إدلال كبير ، ~~فحمله غدلالة على أن خاطب السلطان بما لا يليق أن يخاطب به ، فكان مما قال ~~له : " هذا الضرب لا يفيدك ، ولكن اشنقني " . فغضب السلطان وأمر بشنقه ، ~~فشنق بالميدان الأسود تحت عن العرض بحمص ، وشفع في جماعة أخر من الجند ، ~~فحبسوا بخزانة البنود . وأمر السلطان بمن كان يحضر مع صدر الدين من الخدام ~~على الشراب فقطعت أيديهموأرجلهم من خلاف وسملت أعينهم . وقد حكى لي حكاية ~~عجيبة عن هذا الخادم وهي : أن السلطان ، قبل وصوله إلى الديار المصرية ، ~~كان قد كتب إلى النائب بقلعة الجبل أن ms7026 يتقدم بنصب مائة خشبة بالميدان ~~الأسود للشنق فنصبت ، وما علم لمن هي ، فكان الطواشي إذا توجه إلى الميدان ~~يمر على الخشب فينظر إلى خشبة منها ، ويقول : أجد قلبي يحن إلى هذه الخشبة ~~، وتكرر منه ، فشنق عليها . وهذا من عجيب الإنفاق في إحساس الخواطر . ذكر ~~متجددات اتفقت بعد وصول السلطان إلى الديار المصرية غير ما تقدم ذكره منها ~~: وصول هذية صاحب اليمن ، ومن جملتها الفيل والكركدن والحمار الوحشي ~~العنابي وأصناف من التحف والبهار وغير ذلك ، فعرض ذلك على السلطان وجهز " ~~السلطان " له هدية سينة وسيرها صجبة رسله . ومنها : تجهيز رسل الملوك ، وهم ~~: رسل الملك منكوتمر ملك البلاد الشمالية ، PageV30P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" ورسل الأشكري ، ورسل الفنش ، ورسل جنوة ، ~~وإرسال الرسل إلى أشبيلية . ذكر توجه السلطان إلى اشبيلية وما كان من خبرهم ~~كان الفنش صاحب أشبيلية قد سير رسولا لى السلطان اسمه دينار ، وعلى يده ~~هذية سينة ورسالة ، مضمونها : استدعاء مودة السلطان ، وذلك قبل هذا التاريخ ~~. فسير السلطان إليه الآن رسلا ، وهم : الأمير سيف الدين الجلدكي والأمير ~~عز الدين أيبك الكبكي ، والفقيه العدل " " الدين الحسين بن همام بن مرتضى ، ~~وعلى أيديهم هذية سنية وعقاقير . فتوجهوا من القاهرة في العشرالآخر من شوال ~~وتوةجهوا إلى الإسكندرية ، وتوجهوا منها منها في البحر في ذي القعدة ، ~~فوصلوا إلى سنقريس ، فعوقهم صاحب برشنونة أياما ثم أفرج عنهم ، فساروا حتى ~~وصلوا إلى مرعش ، وهي من جملة مملكة الفنش ، فأعلم بوصلوهم فاستدعاهم ، ~~وكان يومئذ ببنطورية فتوجهوا إليه ، فكانوا كلما مروا ببلد خرج إليهم أهل ~~البلد وتلقوهم بالأفراج ، إلى أن وصلوا إلى بنطورية ، فخرج جميع من بها من ~~الخيالة والرجالة والتقوهم بظاهرها ، ثم استدعاهم الملك بعد ثلاث وأكرمهم ~~غاية الإكرام ، واستحضرهم في اليوم الثاني واحضروا الهدية ، فاستبشر وطابت ~~نفسه وقبلها ، ثم جهز لهم مركبا ببرشنونة فتوجهوا في البر إليها ، ثم ركبوا ~~منها في المركب في آخر ذي الحجة ، فوصلوا إلى الإسكندرية في صفر سنة خمس ~~وسبعين وستمائة . ذكر اتصال الملك السعيد بابنة الأمير سيف الدين قلاون وفي ~~هذه السنة : في يوم ms7027 الخميس ثاني عشر ذي الحجة ، عقد نكاح الملك السعيد ناصر ~~الدين محمد بركة قان بن السلطان الملك الظاهر على " غازية خاتون " ~~PageV30P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" ابنة الأمير سيف الدين قلاون الألفي العلائي ~~الصالحي ، وكان العقد بالإيوان بقلعة الجبل على صداق مبلغه خمسة آلاف دينار ~~، ومعاملة صرف الدينار ثلاثة عشر درهما وثلث درهم . وكان الوكيل عن الأمير ~~سيف الدين قلاون ، الأمير شمس الدين أفسنقر أستاد الدار العالية ، بعد أن ~~ثبت التوكيل في المجلس عند قاضي القضاة صدر الدين سليمان الحنفي . وجرى ~~العقد بين الوكيلين بحضوره ، وحضر السلطان والوزراء والقضاة والأكابر ~~واعيان الأمراء والمقدمين وكان الصداق بخط القاضي محيي الدين عبد الله بن ~~الشيخ رشيد عبد الظاهر ، وإنشائه ، وقرأه في المجلس ، فخلع عليه وأعطى مائة ~~دينار . ونسخة : بسم الله الرحمن الرحيم " الحمد لله موفق الآمال لأسعد ~~حركة ، ومصدق الفال لمن جعل عنده أعظم بركة ، ومحقق الإقبال لمن أصبح بشيبه ~~سلطانه وصهرة ملكه ، الذي جعل للأولياء من لدنه سلطانا ونصيرا ، وميز ~~أقدارهم باصطفاء تأهليه هحتى حازوا نعيما وملكا كبيرا ، وأفرد فحارهم ~~بتقربه حتى أفاد شمس آمالهم ضياء وزاد قمرها ذروا ، وشرف وصلتهم حتى أصبح ~~الله عليهم بها عظيما وأفضاله كثيرا ، مهييء أسباب التوفيق العاجلة والآجلة ~~، وجاعل ربوع كل أملاك من الأفلاك بالشموس والبدور والأهلة أهلة ، جامع ~~أطراف الفخار لذوي الإيثار حتى وصلت لهم النعمة الشاملة ، وحلت عندهم ~~البركة الكاملة . " " نحمده على " أن " أحسن عند الأولياء بالنعمة لستيداع ~~وأحمل لتأمليهم الاستطلاع ، وكمل لاختيارهم الأجناس من الغرو والأنواع ، ~~وآتى آمالهم مل لم يكن في حساب أحسابهم من الابتداء بالتخويل والابتداع . " ~~" وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة حسنة الأوضاع ملية ~~بتشريف الألسنة وتكريم الأسماع . " PageV30P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" " ونصلى على سيدنا محمد الذي أعلا الله به ~~الأقدار وشرف به الموالي والأصهار ، وجعل كرمه دارا لهم في كل دار ، وفخره ~~على من استطلعه من المهاجرين والأنصار مشرق الأنوار ، صلى الله عليه وعليهم ~~صلاة زاهية الأزهار يانعة الثمار . " " وبعد ، فلو كان إفضال كل شيء بحسب ms7028 ~~المتصل به في تفصيله لمما استصلح البدر شيئا من المنازل لنزوله ، ولا الغيث ~~شيئا من الرياض لهطوله ، ولا الذكر الحكيم لسانا من الألسسنة لترتليه ، ولا ~~الجوهر الثمين شيئا من التيجان لحلوله ، ولكن ليتشرف بيت يحل به القمر ، ~~ونبت يزوره المطر ، ولسان يتعوذ بالآيات والسور ، ونضار يتجمل باللآلئ ~~والدرر . وكذلك تجملت برسول الله صلى عليه وسلم أصهاره من أصحابه ، وتشرفت ~~أنسابهم بأنسابه ، تزوج ( صلى الله عليه وسلم ) منهم ، وتمت لهم به مزية ~~الفخار حتى رضوا عن الله ورضي عنهم . والمرتب على هذه القاعدة إفاضة نور ~~يستمد الوجود ، وتقرير أمر يقارن سعد الأجنة منه سعد السعود . وإظهار خطبة ~~يقول الثريا لانتظام عقودها كيف ، وإبراز وصلة يتجمل بترصيع جوهرها متن ~~السيف ، الذي يغطيه " على " إيداع هذا الجوهر به كل سيف ، ونسج صهارة يتم ~~بها إن شاء الله تعالى كل أمر شديد ، ويتفق بها كل توفيقي ، تخلق الأيام ~~وهو جديد . ويختار لها أبرك طالع ، وكيف لا تكون البركة في ذلك الطالع وهو ~~السعيد ، وذلك أن المراحم الشريفة السلطانية أرادت أن تحض المجلس السامي ~~الأمير - وذكر نعوته - بالإحسان المبتكر ، وتقوده التي ترهف بها منه الحد ~~المنتظر ، وأن ترفع من قدره بالصهارة ، مثل ما رفعه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~من قدر صاحبيه أبي بكر وعمر ، فخطب إليه أسعد البرية وأمنع من تحميها ~~السيوف المشرفية ، وأعز من تسبل عليها ستور العيون الخفية ، وتضرب دونها ~~خدور الجلال الرضية ، وتتجمل بنعوتها العقود . وكيف لا ، وهي الذرة الألفية ~~. فقال والدها الأمير المذكور : هكذا ترفع وتزان ، وكذا يكون قران السعد ~~وسعد القران . وما أسعد روضا أصبحت هذه المراحم الشريفة السلطانية له خميلة ~~، وأشرف سيفا غدت منطقة بروج PageV30P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" سمائها له خميلة ، وما أعظمها معجزة آتت ~~الأولياء من لدنها سلطانا ، وزادتهم مع إيمانهم إيمانا ، وما أفخرها صهارة ~~يقول التوفيق لإبرامها : ليت ، وأشرفها عبودية كرمت سلمانها بأن جعلته من ~~أهل البيت . وإذ قد حصلت الاستخارة في رفع قدر المملوك ، وخصصه بهذه المزية ~~التي تقاصرت عنها أمال أكابر الملوك . فالأمر لمليك البسيطة ms7029 في رفع درجات ~~عبيده كيف يشاء والتصدق بما يتفوه به هذا الإنشاء ، وهو : بسم الله الرحمن ~~الرحيم " هذا كتاب مبارك تحاسدت رماح الخط على تحريره ، وتنافست مطالع ~~النوار ومشارق الأنوار على نظم سطوره ، فأضاء نور الجلالة وأشرق ، وهطل ~~نوره بالإحسان فأغدق . وتناسبت فيه أجناس من تجنيس لفظ التفضيل ، فقال ~~الاعتراف ، هذا ما تصدق ، وقال العرف ، هذا ما أصدق مولانا السلطان - وذكر ~~نعوته وألقابه - أصدقها ما ملأ خزائن الأحساب فخارا وشجرة الأنساب ثمارا ~~ومشكاة الجلالة أنوارا ، وأضاف إلى ذلك ما لولا أدب الشرع لكان أقاليم ~~ومدائن وأمصارا . فبذل لها من العين المصري ما هو باسم والده قد تشرف ، ~~بنعوته قد تعرف ، وبين يدي هباته وصدقاته قد تصرف " . ثم كان الدخول بها في ~~شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وستمائة . واهتم السلطان بذلك اهتماما لم ~~يسمع بمثله ، وخلع على جميع أكابر دولته من الأمراء والمقدمين والوزارء ~~والقضاة والكتاب . وأنعم على الأمير سيف الدين قلاون بتشريف كامل بشربوش ~~كان السلطان قد لبسه ثم خلعه عليه . ذكر توجه السلطان إلى الكرك واستبداله ~~يمن فيها من الرجال وعوده وفي يوم الخميس ثاني عشر ذي الحجة من هذه السنة : ~~حالة انقضاء العقد ، ركب السلطان على الهجن وتوجه إلى الكرك في جمع يسير من ~~جهة البرية ، فوصل إلى قلعة الكرك في ثالث وعشرين الشهر . وكان سبب ذلك أنه ~~بلغه عن بعض رجال القلعة أنهم عزموا على إثارة فتنة ونقل دولة ، وأنهم ~~عزموا على الوثوب بنواب السلطان PageV30P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" بالكرك فيقتلونهم ويسلمون الحصن لأخ كان ~~للملك القاهر بن الملك المعظم لأمه ، كونه ينسب إلى الملك الناصر ، وكان ~~مقيما بالكرك لا يؤبه له . فدخل السلطان إلى الكرك بغتة ، واستدعى الرجالة ~~، وكانوا زهاء ستمائة ، وأمر بالقبض عليهم وشنقهم ، فشفع ما كان معه فيهم ، ~~فأخرجهم من الحصن وقطع أيدي وأرجل ستة نفر منهم من خلاف ، كانوا سبب الفتنة ~~. وكان السلطان قد استخدم رجالا يثق بهم ، وسفرهم إلى غزة ، ولم يعرف أحدا ~~قصده بهم ، فأحضرهم إلى الكرك ورتبهم عوض من كان ms7030 بها من الرجال . واستدعى ~~السلطان الطواشي شمس الدين صواب السهيلي الصالحي - وكان يتولى صناعة ~~الإنشاء بمصر - وسلم إليه الحصن ، وفوض إليه النظر في أمواله وحواصله ~~وذخائره . وخرج متوجها إلى دمشق في يوم الجمعة ثامن عشرين ذي الحجة سنة ~~أربع وسبعين وستمائة . واتفق للسلطان في هذه السفرة أمور ، وشاهد أبنية ~~ومنازل غربية في مسيره من الديار المصرية إلى الكرك . وقد ذكرها المولى ~~محيي الدين بن عبد الظاهر واعتذر في بسط القول فيها لغرابتها . فأحبنا أن ~~نذكر ذلك تلخيصا . قال : رحل السلطان من قلعته يوم الخميس المذكور فنزل ~~بلبيس ، وأقام إلى قرب وقت العصر ، ورحل فنزل رأس الملء بوادي السدير ، ~~ورحل منه في نصف ليلة السبت ، فنزل الكراع وأقام إلى غروب الشمس ، وحمل ~~الملء لكفاية يومين ، وتوجه على طريق البدرية ، وساق سوقا عنيفا إلى وقت ~~الفجر من يوم الاثنين ، لم يرح ولم يسترح إلا بقدر ما تشرب الخيل الملء ~~وتستوفي العليق ، فنزل جبل بدر ، ثم ركب بعد الإسفار لشدة الوعر فوصل إلى ~~بدر ، ونزل عند العين . قال : وهي عين تخرج من جبل أخضر ليس فيه ثبات ، ~~ومنيعها من جهة الغرب تحت جبل شاهق ، وهي شكل مغارة منقوبة ، يدخل الإنسان ~~منها مقدار عشرة خطى ، فيجد عينا تنبع عن بسرة الداخل إليها . وكان السلطان ~~قبل وصوله إلى العين قد بعث جماعة من العرب وأمرهم أن يجمعوا من ماء العين ~~ما يكون حاصلا للورد ، فصنعوا حول العين حياضا في الأرض شكل البرك محوطة ~~بالحجارة ، وملأوها من ماء العين ، فوردها السلطان ومن معه ، PageV30P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" وارتفقوا بها ، ولولا ذلك لهلكوا من الازدحام ~~على الماء . ثم دخل السلطان بنفسه إلى المغارة ، وجلس عند العين ، وكان ~~يملأ لمن معه قربهم بيده ويناول كل قرية لصاحبها حتى ملأوا ما معهم . ثم ~~رحل من بدر فنزل حسنة ، وهي بئر واحدة . ورحل منها حتى انتهى إلى عين تعرف ~~بالمليحة فوردها . ورحل وبات تحت جبل يعرف بنقب الرباعي ، فلما أسفر الصبح ~~صعد إلى الجبل وإذا هو جبل عظيم به عقاب صعبة ms7031 - وهي حجارة رخوة تشبه الرمل ~~المتجمد ، متغيرة الألوان إلى الحمرة والزرقة والبياض - وثم ثقوب في الجبل ~~يعبر الراكب منها ، وبها أمكنة تشبه السلالم من حجارة . وبها قبر هارون نبي ~~الله أخا موسى بن عمران ، عليهما السلام ، على يسره السالك المتوجه إلى ~~الشام . وثم قلعة تعرف بالأصوات صعدها السلطان وشاهدها ، فوجدها من أعجب ~~الحصون وأمنعها لا يكون أحصن منها . ونزل من نقوب الرباعي إلى مدائن بني ~~إسرائيل ، وهي ثقوب من الجبال من أحسن الأشكال ذات بيوت بالعمد وأبواب ، ~~وظواهر البيوت مصوفة بالنقوش في الحجارة بالإزميل ، وكلها مخربة ، بها صور ~~أشكال وهي على قدر دور الناس المبنية الآن ، وداخل هذه البيوت الأواوين ~~المنورة المعقودة والصفف المتقابلة والخزائن والدهاليز والحرميات . وليس ~~ذلك مبنيا بل جميعه منحوت بالحديد أشكال المغاير . قال : وقد خلق الله ~~تعالى جبلين متقابلين ، بينهما طريق ، وكل جبل منهما كأنه شكل سور مرتفع ، ~~والدور متصلة يمينا وشمالا . ثم خرج السلطان من تلك الأمكنة إلى وادي ~~المدرة ، ثم منه إلى قرية تعرف بالعذبة ، عرفت بذلك لأن بها العين التي ~~بجسها موسى بن عمران عليه السلام بعصاه ، وكانت تجري دما ، فقال : " عد ~~بأمر الله ماء عذبا " فعادت العين ماء حلوا رائقا باردا . فبات السلطان بها ~~، ورحل منها ليلة السبت حادي عشرين الشهر ، فوصل قلعة الشوبك نصف نهار ~~الأحد ، وخيم هناك ، وحضر أمراء بني عقبة وغيرهم من أمراء العربان ، وقدموا ~~الخيول والهجن وغير ذلك ، ثم رحل من الشوبك نصف نهار الاثنين على طريق ~~الحسا ، فوصل إلى الكرك نصف نهار الثلاثاء ثالث عشرين الشهر . قتال : ولما ~~كان في سابع وعشرين الشهر يوم الجمعة خرج السلطان إلى باب قلعة الكرك ، ~~وأحضر رجالها ، وذكر من خبر إخراجهم نحو ما تقدم . PageV30P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" وفي هذه السنة : توفي الملك المسعود جلال ~~الدين عبد الله بن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل سيف ~~الدين أبي بكر محمد بن ايوب . وكانت وفاته بدمشق في خامس عشر جمادى الآخرة ~~ودفن بسفح قاسيون . وكان من أجمل الناس صورة وألطفهم خلقا ms7032 وأكثرهم أدبا ، ~~كثير المكارم وحسن العشرة . رحمه الله تعالى . وفيها : توفي الصاحب موفق ~~الدين أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن محمد المذحجي الآمدي ، وكان من ~~أعيان الأكابر ممن يرشح الوزارة ، وولي نظر الدواوين ثم رتب آخرا ناظر ~~الكرك والشوبك ، فباشر ذلك مكرها ، واستمر على ذلك إلى أن مات بالكرك . ~~وكانت وفاته في ثامن عشر ذي الحجة ، ودفن قريبا من مشهد جعفر التيار رضي ~~اله عنه . وفيها : في يوم الأحد ثالث عشر ربيع الأول كانت وفاة الأمير ركن ~~الدين خاص ترك الكبير بدمشق ودفن بقاسيون . وفيها : في العشرين من شهر ~~رمضان توفي الشيخ الإمام الفاضل تاج الدين أيو الحسن علي بن الأنجب ~~البغدادي - المعروف بابن الساعي - المؤرخ خازن كتب المدرسة المستنصرية . ~~كان فلاضلا ، وله تاريخ مذيل على تاريخ ابن الأثير الجزري ، رحمهما الله ~~تعالى واستهلت سنة خمس وسبعين وستمائة ذكر وصول جماعة من أمراء الروم إلى ~~خدمة السلطان وطاعتهم له قال : ووصلت الأخبار أن جماعة من أمراء الروم ~~ظهروا طاعة السلطان وتجاهروا بذلك . وأن البرواناه أنفرد عنهم وتقرب إلى ~~التتار ورجع عما كان مشتركا PageV30P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" معهم فيه من طاعة السلطان ، وتوجه إلى الأردو ~~وطلب من أكابر أمراء الروم النجاة بأنفسهم . واخذ الأمير شرف الدين مسعود ~~بن الخطير وأخوه ضياء الدين محمود : السلطان غياث الدين صاحب الروم وتوجها ~~إلى قلعة نكيدة ، وكاتبوا السلطان . كذلك الأمير حسام الدين بينجار وولده ~~بهاء وأولاده ، وجماعة من الأمراء وهم إثنا عشر أميرا ، وطلبوا من السلطان ~~أنه يتداركهم بعسكره . فركب " السلطان " من الكرك كما تقدم ، ووصل إلى دمشق ~~في رابع عشر المحرم ، فوصل الأمير حسام الدين بينجار والأمير بهاء الدين ~~بهادر وولده " أحمد " ، ثم وصل بعدهما الأمير سيف الدين حيدربك صاحب ~~الآبلستين ، والأمير مبارز الدين " سواربن " الجاشنكير وجماعة من أمراء ~~الروم ، فتلقاهم السلطان بنفسه وأحسن إليهم ووصل حريمهم وأولادهم ، فجهزهم ~~إلى الديار المصرية . وكتب السلطان إلى الأمير بدر الدين بيسرى والأمير شمس ~~الدين أقش " البرلي " " و " قطليجا . فحضرا إلى دمشق على خيل البريد ms7033 ، فطلب ~~الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وتوجه السلطان إلى حلب ، وجهز الأمير سيف ~~الدين بلبان الزيني الصالحي وصحبته جماعة من العسكر ، فوصلوا إلى عين تاب ، ~~وقرر معهم التوجه إلى القلعة التي بها السلطان غياث الدين وابن الخطسر . ~~فورد كتاب الزيني أنه وصل إلى كرصو ، فبلغه أن التتار وصلوا إليها ~~PageV30P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" أيضا ، وبقي بينه وبين العدو النهر ، وجالوا ~~بين العسكر وبين قلعة نكيدة ، فرجع العسكر إلى عين تاب ، وهرب شرف الدين بن ~~الخطير إلى بعض القلاعه فتقرب إلى العدو بتسليمه " السلطان " إليهم . وبقي ~~أخوه ضياء الدين في خدمة السلطان " الظاهر بيبرس " لأنه كان حضر إليه ~~مستنجدا وسير هذا العسكر بسبب حضوره . واما السلطان غياث الدين فعلم التتار ~~أنه محكوم عليه فعفوا عنه ، وسلموه إلى الصاحب والبرواناه . وعاد السلطان ~~إلى دمشق ومنها إلى الديار المصرية ، فدخل الجبل في رابع عشر شهر ربيع ~~الأول سنة خمس وسبعين وستمائة ، فأقام إلى شهر رمضان من السنة وتوجه إلى ~~الشام في العشرين من الشهر ، فكانت غزوة الروم على ما نذكر ذلك إن شاء الله ~~تعالى ، في الغزوات . ذكر ظهور المسجد بجوار دير البغل وإقامة شعائر ~~الإسلام به وفي التاسع عشر من شوال من هذه السنة : خرج جماعة إلى دير ~~القصير ، المعروف بدير البغل ظاهر مصر ، فرأوا أثر باب بجوار الدير ، ~~فدخلوا المكان فرأوا آثار محاريب المسلمين ، فأنهوا ذلك إلى الصاحب بهاء ~~الدين ، فتقدم إلى القاضي بهاء الدين ناظرا الأحباس أن يتوجه وصحبته نواب ~~الحكم والعدول والمهندسون ومن يعتبر حضوره في مثل ذلك . فتوجه وصحبته ~~القضاة " و " المشايخ : وجيه الدين البهنسي ، وظهير الدين الترمنتي ، وعلم ~~الدين السمنودي نائب الحكم ، ونظام الدين الخليلي ، وجماعة من المهندسين ، ~~فشاهدوا المكان ورأوا به من الأثار ما يدل على أنه مسجد ، وشهدوا بذلك عند ~~القاضي علم الدين السمنودي فأثبته ، ونقل الحكم إلى قاضي القضاة محيي الدين ~~بن عين الدولة . وطولع الملك السعيد بذلك ، فأمر الصاحب بهاء الدين يعمارته ~~وإقامة من يحتاج إليه من إمام ومؤذن وزيت وفرش ، فرتب ذلك له ms7034 ، وهو باق إلى ~~يومنا هذا . وفي هذه السنة في رابع شوال : كانت وفاة الصاحب بدر الدين جعفر ~~بن محمد بن علي بن محمد المذحجي الآمدي بدمشق وهو يومئذ ناظر النظار بها ، ~~ودفن بقاسيون . ومولده في سنة سبع وتسعين وخمسمائة ، وكان هو وأخوه موفق ~~الدين من أمناء المباشرين وأرباب الستر على الكتاب ، ولقب كل منهما بالصاحب ~~، ولم يليا وزارة . ولما حضرا من بلاد آمد في سنة ثلاثين وستمائة هما وابن ~~أختهما شمس لما نقل الملك الكامل أهل آمد منها . فلما عبر الفرات قال موفق ~~الدين لهما : " اعلما أننا نقدم على بلاد لا نعرف فيها أحدا ، وليس لنا ~~فيها معين إلا الله تعالى ، PageV30P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" فتعاهداني والله تعالى ، على الأمانة وألا ~~نخون السلطان ولا الناس " . فتعاهدوا على ذلك ودخلوا إلى الديار المصرية . ~~وولوا المناصب فوقيا بما عاهدا عليه ، ونكث ابن أختهما شمس الدين ، قسلما ~~في مباشراتهما . وكان شمس الدين كثير النكبات والمصادرات . وفيها : كانت ~~وفاة الشيخ الصالح برهان الدين أبي إسحاق بن سعد الله بن جماعة بن علي بن ~~جماعة الكناني الحموي بالقدس الشريف يوم عيد الفطر ، رحمه الله تعالى . ~~وفيها : كانت وفاة القاضي شرف الدين محمد بن يشكور المصري الكاتب ، ولى ~~مناصب جليلة ، منها : نظر الجيش ونظر الدواوين بالديار المصرية . وكان بينه ~~وبين الصاحب بهاء الدين مصاهرة ووحشة وكانت وفاته بداره على الخليج بالقرب ~~من مصر في ليلة الأحد خامس عشرين جمادى الأولى . ودفن يوم الأحد بالقرافة ~~الصغرى . ومولده سنة ست عشرة وستمائة . وفيها : توفي الأمير عز الدين إيغان ~~ولا دمر الركني المعروف بسم الموت في محبسه بقلعة الجبل ، وسلم إلى أهله في ~~يوم الخميس ثامن عشر جمادى الآخرة ، فدفن من يومه بمقابر باب النصر . وكان ~~من الأمراء الأكابر ، وقد تقدم ذكر اعتقاله . هذا آخر ما لخصناه من الحوادث ~~في الأيام الظاهرية ، فلنذكر الغزوات والفتوحات الظاهرية . ذكر غزوات ~~السلطان الملك الظاهر وفتوحاته وما استولى عليه من البلاد الإسلامية ولنبدأ ~~من ذلك بذكر ما استولى عليه من البلاد الإسلامية مما كان ms7035 بيد غيره من ~~الملوك وأصحاب الحصون . ثم نذكر الغزوات والفتوحات على ما ساقها بمقتضى ما ~~يقدمه التاريخ ويؤخره توفية للشرط الذي شرطناه . ذكر ما استولى عليه من ~~القلاع والحصون والبلاد الإسلامية وأضافه إلى ممالكه كان مما استولى عليه ~~السلطان الملك الظاهر من القلاع والحصون والبلاد بعد أن استقر في الملك : ~~الشوبك ، والكرك ، وقلعة البيرة ، وحمص ، والرحبة . وقد تقدم ذكر ~~PageV30P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" ذلك في أثناء أخباره فلا فائدة في إعادته . ~~واستولى على خلاف ذلك مما نذكره الآن وهو : سواكن من بلاد اليمن ، وخيبر من ~~بلاد الحجاز ، وقرقسيا ، وبلاطنس ، وصهيون ، وبرزية ، وحصون الدعوة من ~~الشام وما ولاه . ذكر فتوح سواكن كان فتخها في سنة أربع وستين وستمائة . ~~وسبب ذلك أن صاحبها " الشريف " علم الدين أسبغاني كان قد تعرض للتجار ، ~~وأخذ ميراث من مات منهم في البحر ومنع أولادهم منه ، وكوتب في ذلك وحذر من ~~العود إليه ، فلم تغن المكتبات شيئا . فرسم الأمير علاء الدين الخزندار ~~متولي الأعمان القوصية والأعمال الأخميمية ، فقصده ، فورد كتابه أنه وصل ~~إلى ثغر عيذاب وسير عسكرا إلى سواكن فهرب صاحبها ، ثم توجه علاء الدين ~~المذكور إليها من عيذاب في عشرة أيام ، وكان معه من المراكب الكبار والصغار ~~نيف وأربعون مركبا ، ووصل إليه من القصير كلالين موسقة بالمقاتلة ، ودخل ~~سواكن وأقام بها ومهدخا وقرر أحوالها ، ثم رجع إلى مدينة قوص . ولما فارق ~~سواكن عاد صاحبها إليها فقاتله من بها أشد قتال ، وعاد منها . ذكر فتوح ~~خيبر كان فتحها في سنة اثنين وستين وستمائة ، وذلك أن أصحابها عبيد على بن ~~أبي طالب ، رضي الله عنه ، وصلت كتبهم إلى السلطان يبذلون الطاعة والخدمة ، ~~فسير نجابين تستصح الأخبار ، وندب الأمير أمين الدين موسى بن التركماني ، ~~وجهز الرماة والمقاتلة ، وأنفق فيهم الأموال وجهز الخلع للمقدمين والمشايخ ~~وكتب إلى نائب الكرك بتجهيز أمراء العربان وجماعة من البحرية صحبته ، وجهز ~~الغلال والذخائر لهذه القلعة ، فتوجه الأمير أمين الدولة وافتتحها . ~~PageV30P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" ذكر فتوح قرقيسيا وقرقيسيا هذه من اقدم المدن ~~وكانت تعرف بالزباء الملكة ms7036 . وفيها يقول ابن دريد : فاستنزل الزباء قسرا ~~وهي في . . . عقاب لوح الجو أعلا منتما وكان السلطان قد راسل أهلها ، وسير ~~إليها الأمير كمال الدين الطوري وملكها وأقام بها مدة ، فقصدها التتار ، ~~فعاد كمال الدين إلى السلطان وتركها . وفي شهر رمضان سنة ثلاث وستين ~~وستمائة ، أرسل مقدموها إلى عز الدين السكندري النائب بالرحبة ، وسألوه عفو ~~السلطان وسيروا رهائنه . فتوجه إليها جماعة من الخيالة والأقحية ، وساقوا ~~من أول الليل إلى نصفه وباتوا على ماكسين ، فلما أصبح الصبح أحاط بها ~~المسلمون والعسكر وقتلوا من كان بها من عسكر التتار والكرج ، وأسروا إلى ~~المرتدة نيفا وثمانين نفرا ، وتنسلموا الجسر ومراكبه والسلسلة ، في نصف ~~الشهر . ذكر أخد بلاطنس وخبرها كانت بلاطنس جارية في مملكة الملك الناصر ~~صلاح الدين يوسف صاحب الشام ، فلما دخل التتار البلاد استولى عليها الأمير ~~مظفر الدين عثمان صاحب صهيون ، فطلب السلطان منه رد هذا الحصن ، فصار يدافع ~~ويقول : " أنا من جملة النواب " . فلما توجه السلطان إلى أنطاكية أرسل إليه ~~هدية ردها السلطان عليه ، وسير جماعة من عسكر حلب أغاروا عليها . فتوالت ~~رسله بالإذعان بالتسليم ويطلب قرية توقف عليها ، فعين السلطان له قرية ~~الحلمة من بلد شيزر ، ووقفها عليه وعلى أولاده ، وقرر أن يعطي صاحب بلاطنس ~~شيئا من بلد صهيون فقرر له السلطان منها PageV30P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" بلادا تغل ثلاثين ألف درهم ، وتسلمت بلاطنس ~~منه في سادس عشر شهر رمضان سنة سبع وستين وستمائة . وهذا الحصن من جملة ~~معاقل الإسلام الحصينة لأنه بري بحري سهلي ، ما أخذ بالسيف قط ، بناه رجال ~~يعرفون ببني الأحمر من أهل الجبال وحصنوه ، فلما سمع بهم قطبان أنطاكية ~~المسمى ببقيطا عاجلهم قبل إتمامه فملكه بالأمان ، وأخذ في تحصينه وإتمام ~~بنائه ، وذلك في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة . فلما كان في سنة إحدى عشر ~~وخمسمائة ، خرج روجار صاحب أنطاكية فدوخ بلاد الإسلام ، وقصد حصن بلاطنس ~~وفيه بنو ضليعة أولاد أخي القاضي شرف الدين ، فنزل على بلاطنس في يوم ~~الثلاثاء ثامن عشرين ذي الحجة من السنة ، وأجلب عليه فتسلمه في ms7037 يوم السبت ~~ثاني عشر المحرم سنة اثنتي عشرة ، وعوضهم عنه بأنطاكية ثلاث قرى . فلما كان ~~في يوم السبت سابع وعشرين شعبان سنة ثلاثين وخمسمائة وثب أهل بلاطنس على ما ~~فيه من الفرنج فقتلوهم ، فاحتمت عليهم القلة . فأرسل أهل الجبال إلى منكجك ~~التركماني صاحب بكسرائيل يستنجدونه فأتاهم وأقام يحاصرها مدة . فعمل الفرنج ~~الذين بها حيلة عليه ، وراسلوه وبذلوا له تسليمها على شرط أن يخفر نساءهم ~~وأولادهم حتى يصلوا إلى جبلة أو إلى صهيون . فإذا جاءت لهم العلامة بوصولهم ~~سالمين سلموها له ، فلما وصلهم امتنعوا من التسليم . وكان ذلك حيلة منهم ، ~~فإن الأقوات ضاقت عندهم وضاقت الغلة عليهم ، فاستراحوا بخروجهم عنهم وقويت ~~نفوسهم . واتصل الخبر بأنطاكية فسيروا إليها عسكرا دفعه عنها . واستقرت ~~بأيديهم إلى أن ملكها السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على ما ~~قدمناه . ذكر تسليم صهيون وبرزية وفي سنة إحدى وسبعين وستمائة : تسلم ~~السلطان صهيون وبرزية ، وذلك أن صاحبها الأمير سيف الدين محمد بن الأمير ~~مظفر الدين عثمان بن ناصر الدين منكورس بن بدر الدين خمردكين توفي في هذه ~~السنة كما تقدم ، وكان السلطان يومئذ PageV30P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" بدمشق فاستدعى ولده الأمير سابق الدين سليمان ~~فحضر ، وأقطعه إمرة بأربعين فارسا ، فكتب إلى عمه جلال الدين بتسليم القلعة ~~إلى نواب السلطان بذخائرها ، فتسلموا ذلم في ثاني عشر شهر ربيع الأول منها ~~. وأقطع السلطان عميه جلال الدين مسعود ومجاهد الدين إبراهيم ؛ وكل منهما ~~إمرة عشرة طواشية ، ووصل أهل صاحب صهيون إلى دمشق . ذكر أخبار الإسماعيلية ~~وابتداء أمرهم والاستيلاء على حصونهم أول من قام بدعوتهم الحسن بن الصباح ~~المعروف بالكيال ، هو من تلامذة بن عطاش الطبيب . قدم مصر في زمن المستنصر ~~العبيدي في زي تاجر في سنة ثمانين وأربعمائة ، ودخل عليه وخاطبه في إقامة ~~الدعوة ببلاد العجم فأذن له . وكان الحسن كاتبا للرئيس عبد الرزاق بن بهرام ~~بالري . ادعي أنه قال للمستنصر : " من إمامي بعدك ؟ " فأشار إلى نزار : فمن ~~هنا سموا بالنزارية . وقال ابن السمعاني في تاريخه : إنما سموا ~~بالإسماعيلية لأن ms7038 جماعة من الباطنية ينسبون إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق لانتساب زعيمهم المصري إلى محمد بن إسماعيل المذكور . وكان أول ~~إظهار دوتهم بالأمولات وطلوعه أعلامه في سنة ثلاث وأربعمائة وجرى لنزار ما ~~قدمناه بعد وفاة أبيه ومسك من الإسكندرية وجيء به إلى القصر فكان آخر العهد ~~به ، وانفصل أهل الألموت من العبيديين من ذلك الوقت . وشرع الإسماعيلية في ~~افتتاح الحصون ، فأخذوا قلعة وبنوا أخرى وأظهروا شغل السكين . وأول عملهم ~~بالسكين ، أن ابن الصباح كان ذا دين في الظاهر ، وله جماعة من نسبته ~~يتبعونه ، فلما حضر من مصر إلى الألموت وهي حصيسنة وكان أصحابها ضعفاء ~~فقالوا لأصحابها : " نحن قوم زهاد نعبد الله ونستري منكم نصف هذه القلعة ~~ونقيم معكم نعبد " . فاشترى نصفها بتسعة آلاف دينار . ثم قوى واستولى عليها ~~وصاروا جماعة ، فبلغ خبرهم ملك تلك البلاد فقصدهم بعساكره . فقال رجل منهم ~~يعرف بعلي اليعبوقي : " أي شيء يكون لي عندكم إن كفيتكم أمر هذا الجيش " ؟ ~~قالوا : PageV30P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" " نذكرك في تسابيحنا " . فقال : " رضيت " . ~~فنزل بهم وقسمهم أرباعا في أرباع العسكر وجعل طبولا . وقال : " إذا سمعتم ~~الصايح فاضربوا الطبول وقولوا يا آل علي " بم هجم بهم على الملك فقتله فصاح ~~أصحابه ، فضرب أولئك الطبول ، فامتلأت قلوبهم خوفا وهربوا لا يلوي منهم أحد ~~على أحد ، وأصبحت خيامهم خالية ، فنقلوا ما فيها إلى القلعة . وسنوا السكين ~~من ذلك الوقت . ثم بعثوا داعيا من دعاتهم يعرف بأبي محمد إلى الشام فملك ~~قلاعا من بلاد الناصرية . ثم ملك بعده سنان : وهو سنان بن سليمان بن محمد ~~البصري ، وأصله من قرية من قرى البصرة تعرف بعقر السدن . وأقام في الشام ~~نيفا وثلاثين سنة ، وكان يلبس الخشن ، ولا يراه أحد يأكل ولا يشرب ولا يبول ~~ولا يبصق ، بل يجلس على صخرة ، فاعتقدوا فيه التأل . ثم ولى مكانه أبو ~~منصور بن محمد وكان أبن الصباح ، الذي قدمنا ذكره . " و " لما قتل نزار ~~طالبوه به ، فقال : " إنه بين أعداء كثيرة والبلاد بعيدة ولا يمكنه الحضور ~~، وقد عزم على أن ms7039 يختفي في بطن امرأة ويجيئ سالمن ويستأنف الولادة " . ~~فقنعوا بذلك ، وأحضر لهم جارية قد أحبلها وقال : " إنه قد اختفى في هذه " ، ~~فعظموها فولدت ابنا سماه حسنا . وقال : " نغير الاسم لتتغير الصورة " . ~~ومات حسن في سنة خمس عشر وخمسمائة ، وخلف ولده محمدا . ولمحمد ولد أسمه حسن ~~خلف أباه بعد موته . ولما سمع ملك خوارزم شاه قصد بلادهم . وأظهر محمد بن ~~حسن هذا أنه رأى على بن أبي طالب في المنام يقول له : " تعيد شعار الإسلام ~~وفرائضه وسننه " فعرف جماعته بذلك . ثم قال لهم : " الذين لنا ، نتصرف تارة ~~بوضع التكاليف عنكم وتارة نأخذها منكم " . فقالوا " السمع والطاعة " فكتب ~~إلى بغداد وسائر البلاد بذلك ، واستدعى القراءة والفقهاء وأستخدم أهل قزوين ~~في ركابه . وسير الخليفة رسولا صحبة رسوله إلى حلب بتقوية PageV30P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" يد نوابه وأن يقتل النائب القديم ويولى هذا ~~الواصل فخلصوا بذلك من صولة خوارزم شاه . هذا ابتداء أمر هذه الطائفة . وقد ~~ذكرنا طرفا من أخبارهم فيما تقدم فلنذكر سبب الاستيلاء على بلادهم ، وكيف ~~انتزعها السلطان الملك الظاهر منهم . ذكر استيلاء السلطان على بلاد ~~الإسماعيلية وشيء من أخبارها وهي مصياف والعليقة والرصافة والكهف والمنيقة ~~والقدموس والخوابي . وكان السلطان الملك الظاهر ، رحمه الله ، قد كسر شوكة ~~هذه الطائفة الإسماعيلية وأبطل رسومهم التي كانت مقررة لهم على ملوك الديار ~~المصرية ، وقرر عليهم فطيعة يحملونها إلى بيت المال . ثم لم يرضه ذلك إلى ~~أن استولى على حصونهم وانتزعها من أيديهم . وأول ما استولى عليه من حصونهم ~~مصياف : استولى عليها في العشر الأوسط من شهر رجب سنة ثمان وستين وستمائة . ~~وذلك أن السلطان كان قد حضر في جمادى الآخرة من هذه السنة إلى حصن الأكراد ~~وأغار على البلاد الساحلية ، ونزل بالقرب من البلاد الإسماعيلية ، وحضر إلى ~~خدمته صاحب حماة وصاحب صهيون ، ولم يحضر نجم الدين " حسن " ابن صاحب ~~الإسماعيلية ولا ولده شمس الدين . وسيروا يطلبون أن ينقصوا من القطيعة التي ~~كانوا يقدمون بها للفرنج وأبطلها السلطان وتقررت لبيت المال وكان السلطان ~~قبل ذلك قد غضب ms7040 على صارم الدين ابن " مبارك " الرضى صاحب العليقة لأجلهم ، ~~فتوصل صاحب صهيون في إصلاح أمرهم ، فحضر إلى السلطان فرضى عنه وقلده بلاد ~~الدعوة استقلال ، وأعطاه طلبخاناه ، وعزل نجم PageV30P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" الدين " حسن الشعراني " وولده من نيابة ~~الدعوة . ونعت صارم الدين بالصحوبية على عادة نواب الدعوة ، وتوجه في سابع ~~عشر جمادى الآخرى وصحبت عز الدين العديمي أحد مفاردة الشام لتقرير أمره ، ~~وجرد صحبته جماعة من شيزر وغيرها ن فوصلوا إلى مصياف وتحدثوا مع أهلها ، ~~فامتنعوا ، فسير السلطان إليهما ، فسلموها في العشر الأوسط من شهر رجب . ~~ومصياف هذه كرسي مملكة الدعوة ، وبها أكابرهم ، ومنها رسلهم إلى الملوك ، ~~فلما علم نجم الدين وولده سرعة هذا الاستيلاء سألوا الحضور . وحضر الصاحب ~~نجم الدين " حسن " وعمره تسعون سنة ، فرحمه السلطان وعفا عنه وولاه النيابة ~~شريكا لابن الرضى لأنه صهره ، وكان أبوه هو المشار إليه . وقرر حمل مئة ~~وعشرين ألف درهم في كل سنة . وتوجه نجم الدين وبقي ولده ملازما باب السلطان ~~، وتقرر على صارم الدين بن الرضى حمل ألفى دينار في كل سنة . وكانت مصياف ~~قديمة بيد الأمير وثاب بن محمود بن ناصر بن صالح بن مرداس من أمراء بني كلب ~~في سنة خمس وتسعين وأربعمائة ، فملكها ولده ناصر الدين سابق ، فباعها لعز ~~الدين أبي العساكر سلطان بن منقذ في سنة أحدى وعشرين وخمسمائة ، وجعل فيها ~~الحاجب سنقر ، فقتله الباطنية وملكوا الحصن في سنة خمس وثلاثين وخمسمائة ، ~~وبقي في أيديهم إلى الآن . ذكر فتوح العليقة والرصافة هذا الحصن من أمنع ~~الحصون ، وكان مختصا بالرضى ، ثم بولده صارم الدين ، فجرت من المذكور أمور ~~أوجبت اعتقاله بمصر ، ورسم للعسكر المقيم ببلاطنس بمنازلها ، وسير إلى عبد ~~الظاهر النائب بها وإلى جماعة من أهلها بالترغيب والترهيب ، فتسلمها نواب ~~السلطان في يوم السبت حادي عشر شوال سنة تسع وستين وستمائة ، واستخدم بها ~~الرجالة ، ثم هجم نواب السلطان على الاصافة ، وملكت في آخر الشهر المذكور . ~~PageV30P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" ذكر فتوح بقية حصون الدعوة كان قد تقرر على ~~الصاحب نجم الدين ms7041 عند وصوله إلى السلطان مائة ألف وعشرين ألف درهم في كل ~~سنة ، واستقر شمس الدين في صحبة ركاب السلطان ، فنسب إليه أنه كاتب الفرنج ~~. فحضر والده نجم الدين في سنة تسع وستين وستمائة عند فتوح حصن الأكراد ~~فاعتذر عنه ، وتحدث هو وولده المذكور مع الأتباك في تسليم القلاع ، وأنهما ~~يحضران إلى باب السلطان ، فأجابهم إلى ذلك . وتوجه شمس الدين إلى الكهف ~~لتدبير أمور أهله في عشرين يوما ويعود ، وسافر أبوه في الخدمة إلى القرين ~~ثم إلى الديار المصرية ، فلما حضر والده وصار يعتذر عن الحضور . فكتب إليه ~~السلطان : " أن الذي كنتم سألتموه من تسليم القلاع كأنكم رجعتم عنه ، ~~والوعد الذي وعدناكم نحن ما نخلفه ، من أننا نعطيك إمرة بأربعين فارسا ، ~~وقد تسلم والدك الإقطاع " . فورد جوابه يعتذر عن الحضور ويطلب حصن العليقة ~~، وأنه يسلم بقية الحصون . فأجيب إلى ذلك . وسير السلطان الأمير علم الدين ~~سنجر الدواداري وقاضي حمص فخلفا شمس الدين بحصن الكهف ، ثم طالبوه من ~~التسليم فامتنع أهل الكهف عن ذلك باتفاق منه ، فعادت الرسل بذلك . ثم أعيد ~~إليه الأمير علم الدين شقير مقدم البريدية ، فمنعا من الدخول إلى الكهف ، ~~ولم تؤخذ منهم الكتب . فأمر السلطان بمضايقتهم ، فندم شمس الدين ونزل من ~~الكهف ، وجاء إلى السلطان بظاهر حماة في سادس وعشرين صفر سنة تسع وستين ، ~~فأكرمه السلطان ، فسير ورقة إلى السلطان يقول : " إن أهل الكهف كانوا جهزوا ~~فداوية إلى الأمراء . " فغضب السلطان وأمر بإمساكه في الوقت وإمساك أصحابه ~~، وسيروا إلى مصر . واستمرت مضايقة حصونهم ، وأمسك وإلى الدعوة والناظر ~~بسرمين ، وكان لهم أقارب بالخواني ، فأشار عليهم الأمير سيف الدين بلبان ~~الدوادار بمكاتبة أقاربهم بالتسليم . فحضر منهم جماعة ، وأعطاهم السلطان ~~الخلع والنفقات وأجراهم على رسومهم ، فسلموا حصن الخوابي في سنة تسع وستين ~~وستمائة . واستمر امتناع أهل الكهف والمنيقة والقدموس من التسليم ، فرسم ~~السلطان PageV30P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" للملك المنصور بمضايقة الكهف . واستمر ذلك ~~إلى أواخر سنة إحدى وسبعين وستمائة . فأما المنيقة : فتسلمها نواب السلطان ~~في ثالث ذي القعدة من السنة . والقدموس : حضر ms7042 جماعة من أكابر أهلها وبذلوا ~~الطاعة وتسلمت في ذي القعدة . وأما الكهف : فتسلمه الأمير جمال الدين أقش ~~الشهابي أحد أمراء الشام في ثاني وعشرين ذي الحجة من السنة ، وسيرت مفاتيحه ~~صحبة رسلهم ورسل صاحب حماة ، وتكمل بذلك قلاع الدعوة . وأقيمت بها الجمع ~~وترضي عن الصحابة رضي الله عنهم ، وأظهرت شعائر الإسلام بها . ذكر أخبار ~~هذه الحصون فأما حصن الكهف : فقد ذكر في الكتب أنه الكف بغيرها ، وسمعت ~~أكثر أهل تلك البلاد لا ينطقون في اسمه بالهاء . وكان هذا الحصن في يد نوا ~~بالعبيديين ملوك مصر ، فانتزعه الأمير ليث الدولة بن عمرون وأخذه ، وبقي ~~إلى ولاية سيف الدولة بن عمرون ، فذبح على فراشه في سنة تسع وعشرين ~~وخمسمائة . وتولى ولده الحسن وهو خائف مما جرى على أبيه ، فالتجأ إلى ~~الإسماعيلية ، واستدعى قوما منهم وأسكنهم معه في الحصن ليتقوى بهم على بني ~~عمه الذين يقصدونه . فأخرجوه من الحصن وملكوه إلى هذا الوقت . وأما القدموس ~~: فإنه كان في يد بني محرز بعد ولاية العبيديين ، وكان آخر بني محرز ، منير ~~الدولة حمدان بن حسن بن محرز ، فتوفي وملكه بعده ولده علم الدولة يوسف ، ~~فضعف عن حفظه ، فسلمه الإسماعيلية في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة . وأما حصن ~~المنيقة : وهو في جبل الرواديف ، وباينه رجل اسمه نصر بن مشرف الروادفي كان ~~قد استولى على جميع المسلمين الساكنين بجبل الرواديف وما يليه واستحقل أمره ~~، فأخذ وحمل إلى أنطاكية ، فاستتيب وأطلق ، فعاد إلى أذية المسلمين والروم ~~، فأخذ وطلب العفو ، وأعطى ولده رهينة . وتنصح للروم وقال : " إن في آخر ~~عمل الروم من آخر جبل الرواديف ضيعة تعرف بالمنيقة ، ومكانها يصلح أن يكون ~~به حصن ليحفظ على جميع الأعمال " . فأجابوه إلى ذلك . فقال : " إن المسلمين ~~لا PageV30P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" يمكنونكم من بنائه ، وإنما أنا أدفع المسلمين ~~عنه ، وأفهمهم أنني أبنيه لنفسي ، فإذا بنيته سلمته لكم " ، فاغتر الروم ~~بقوله وأعانوه ، فلما بناه استعصى به ، وشرع في بناء حصن آخر امنع منه . ثم ~~إن نقيطا قطبان أنطاكية أتى إلى الحصن وحاصره في سنة ms7043 اثنتين وعشرين ~~وأربعمائة ، فلم يظفر به ، ثم عاد إليه وملكه وخرب أبرجته إلى الأرض ، ثم ~~عمرت وصارت بعد ذلك للإسماعيلية . وأما حصن الخوابي : وهو من جبل بهراء ، ~~فإن محمد بن علي بن حامد سلمه للروم في سنة إحدى عشرة وأربعمائة ، ثم صار ~~للإسماعيلية . هذا ما أمكن إيراده من أخبار هذه الفتوحات وابتداء أمر هذه ~~الطائفة . فلنذكر خلاف ذلك من الغزوات الظاهرية والفتوحات ، وما يتخلل ذلك ~~ويناسبه من الصلح والمهادنات إن شاء الله تعالى . ذكر غزوات السلطان ~~وفتوحاته وما وقع من المصالحات والمهادنات ولنبدأ من ذلك بالأمور التي ~~أوجبت انحراف السلطان عن الفرنج بالبلاد الساحلية وأخذ بلادهم . قد ذكرنا ~~ما كان قد تقرر من الهدنة عند وصول السلطان إلى الشام في سنة تسع وخمسين ~~وستمائة ، وأن الفرنج لم يفوا بما تقرر من إطلاق الأسرى ، فلما وصل السلطان ~~إلى جهة الطور على ما قدمناه في سنة إحدى وستين عند القبض على الملك المغيث ~~صاحب الكرك ، وكان الفرنج قد شرعوا يحيدون عن الحق ويطلبون زرعين ، ~~والسلطان يجاوبهم " إنكم أخذتم العوض عنها في الأيام الناصرية ضياعا من مرج ~~عيون ، وقايضهم بها صاحب تبنين " . ثم وردت رسلهم الآن يهنئون بالسلامة ~~ويقولون : " ما عرفنا بوصول السلطان " . فأجابهم : " إن من يريد يتولى ~~PageV30P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" أمرا ينبغي أن يكون فيه يقظة ، ومن خفي عنه ~~هذه العساكر وجهل ما علمه الوحوش في الفلاة والحيتان في المياه من كثرة هذه ~~العساكر ، التي لعل بيوتكم ما فيها موضع إلا ويكنس منه التراب الذي أثارته ~~خيل هذه العساكر ، ولعل وقع سنابكها قد أصم سماع من وراء البحر من الفرنج ~~وفي موغان من التتار . فإذا كانت هذه العساكر تصل إلى أبواب بيوتكم ولا ~~تدرون بها فأي شيء تعلمون " . وانفصل الرسل على هذا الحال . ووصلت نواب ~~يافا ، ونواب أرسوف بهدية أخذت منهم ، وكانت كتبهم وردت قبل ذلك مضمونها : ~~طلب فسخ الهدنة والندم عليها ، فصارت ترد الآن ببقائهم عليها وتمسكهم ~~بالمواثيق . وجرت أمور ومراسلات يطول شرحها اقتضت تغير السلطان ، ثم كاتبهم ~~السلطان يقول : " أنتم ms7044 في أيام الملك الصالح إسماعيل أخذتم صفد والشقيف على ~~أنكم تنجدونه على السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ، وخرجتم جميعا ~~خدمته ونجدته ، وجرى ما جرى من خذلانه ، وقتلكم وأسركم واسر ملوككم ~~ومقدميكم . وقد نقصت تلك الدولة ولم يؤاخذكم السلطان الشهيد عند فتوجه ~~البلاد وأحسن إليكم ، فقابلتم ذلك بأنكم رحتم إلى الريد أفرانس وأتيتم ~~صحبته إلى مصر وساعدتموه حتى حوى عليكم ما جرى من القتل والأسرة ، فأي مرة ~~وفيتم فيها لملكة مصر . وبالجملة فأنتم أخذتم هذه البلاد من الصالح إسماعيل ~~إعانة مملكة الشام وطاعة ملكها ونصرته ، وقد صارت ملكة الشام وغيرها لي ~~وأنا لا أحتاج إلى نصرتكم ، فتردون ما أخذتموه بهذا الطريق ، وتفكون جميع ~~أسرى المسلمين ، وغير ذلك لا أقبله . " فلما سمعوا هذه المقالة قالوا : " ~~نحن لا ننقص الهدنة ونطلب مراحم السلطان في استدامتها ، ونفك الأسرى " . ~~فقال السلطان : " كان هذا قبل خروجي في هذا الشتاء ووصول هذه العساكر " . ~~وانفصلوا على هذه الصورة ، وامر أنهم لا يبيتون في الوطاق . ورسم بهدم ~~كنيسة الناصرة وهي أكبر مواطن عبادات النصرانية . فتوجه PageV30P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري إليها ~~وهدمهاإلى الأرض ، فلم يجسر أحد من سائر الفرنجية أن يخرج من باب عكا . ثم ~~جرد السلطان الأمير بدر الدين الأيدمري وصحبته جماعة فتوجهوا إلى جهة عكا ~~وهجموا إلى ابوابها ، ثم توجه الأمير المذكور مرة أخرى فأغار على المواشي ~~واستباح منها شيئا كثيرا ، وأحضر ذلك إلى المخيم المنصور . ذكر مسير ~~السلطان إلى عكا وفي ليلة السبت رابع جمادى الآخرة سنة إحدى وستين : ركب ~~السلطان وجرد من كل عشرة فارسا صحبته ، واستناب الأمير شجاع الدين الشبلي ~~أمير مهمندار في الدهليز ، وساق من منزلة الطور نصف الليل . فلما أصبح وقف ~~قريب عكا الوادي الذي بقربها ، ومنه يشرف عليها . وامر الناس بلبس السلاح ~~ورتب العساكر وساق وطاف بعكا من جهة البر ، وسير جماعة إلى برج كان قريبا ~~منها فيه جماعة فحاصروه ، وللوقت عملت فيه الثقوب إلى قرب وقت المغرب ~~والفرنج ينظرون من أبواب المدينة وتل الفضول . ثم رجع ms7045 السلطان إلى الدهليز ~~قريب البرج المذكور عند الماء . ولما أصبح ركب وساق إليها ، وكان الفرنج قد ~~حفروا خنادق حول تل الفضول وجعلوها معاثر في الطريق . ووقف الفرنج صفوفا ~~على التل ، ورتب السلطان العساكر للقتال بنفسه ، وردمت تلك الخنادق بحوافر ~~الخيل وايدي الغلمان والفقراء والمجاهدين . وطلع الناس إلى تل الفضول ~~وانهزم الفرنج إلى المدينة . وحرق الناس ما حول عكا من الأبراج والأسوار ~~وقطعوا الأشجار . وساق العسكر إلى أبواب عكا يقتلون ويأسرون ، فقتل جماعة ~~كثيرة من الفرنج في ساعة واحدة ، وأسرت جماعة بخيولهم ، وجرح أكابرهم ~~ووقعوا في الخندق بخيولهم ، وهرب من بقي من الفرنج إلى الأبواب . ثم ساق ~~السلطان وقت العصر إلى البرج الذي كان النقابون علقوه ، ووقف حتى رمي وأخرج ~~منه بالأمان أربعة خيالة أخوة ، ونيف وثلاثين راجلا " وبات السلطان على ذلك ~~" . واصبح السلطان وكشف بلاد الفرنج مكانا مكانا ، وعبر على كنيسة الناصرة ~~، ثم رجع على مبسطة كان قد أمر ببنائها قبالة الطور ، وأوقد الشموع ~~PageV30P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" وأحضر الصاحب فخر الدين وزير الصحبة ، وجماعة ~~كتاب الدرج ، وكتاب الجيش ، والسديد المعز مستوفي الصحبة . وجعل الأمير سيف ~~الدين بلهان الزيني أمير علم جالسا عند ديوان الجيش لكتابة الأمثلة وتجهيز ~~الطلبخاناه ، والأتابك بين يدي السلطان . واستدعى من جشاراته حمسمائة فرس ~~برسم الطلبخاناه وخيول PageV30P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" الأمراء ، وأحضرت الخلع الكثيرة ، ولم تزل ~~المثالات والمناشير تكتب والسلطان يعلم ، وكتب بين يديه في تلك الليلة ستة ~~وخمسون منشورا كبارا بخطب وهو يعلم ، والنائب يكتب ، " وكتاب " ديوان الجيش ~~يئبتون ، ومستوفي الصحبة ينزل حتى كملت بين يديه . واصبح السلطان فخلا ~~بنفسه وجهز الطلبخاناه والصناجق والخيل والخلع للأمراء ، وجعل الأمير ناصر ~~الدين القيمري نائب السلطنة بالفتوحات الساحلية ، ورحل من الطور وتوجه إلى ~~الكرك وفتحها على ما قدمنا ذكره . ذكر قصد متملك الأرمن حلب المحروسة وفي ~~سنة اثنتين وستين وستمائة : وصل هيتوم بن قسطنطين متملك الأرمن من جهة ~~هولاكو ، وتوجه قبل دخوله إلى بلاده إلى السلطان ركن الدين صاحب الروم ، ~~فعزم " صاحب الروم " على الإيقاع به على غرة ، ثم ms7046 ينسب ذلك إلى التركمان ، ~~فشعر هيتوم بذلك ، وكان قد استصحب معه قاضي بلاد هولاكو ليصلح بينه وبين ~~صاحب الروم ، وأعطاه كثيرا واستماله ، فقال له هيتوم : " لا أقدر على دخول ~~بلاد الروم حتى تحضر جماعة من التتار يخفرونني " . فكتب القاضي إلى التتار ~~الذين بالروم ، فحضر منهم أربعمائة فارس ، فتوجه بهم إلى السلطان ركن الدين ~~، فخرج إليه وتلقاه مترجلا لأجل القاضي ، والأرمتي لم يترجل ، وقدم كل ~~منهما للآخر تقدمة ، لكن كانت تقدمة صاحب الروم لهيتوم أكثر ، ثم جاءوا ~~جميعهم إلى هرقلة وتحالفا واتفقا ، واهتم هيتوم بجدمع العساكر لقصد البلاد ~~الإسلامية . وكان في عسكره من بنى كلاب ألف فارس فقصد عين تاب . وكان ~~السلطان قد اطلع على هذا الأمر لاهتمامه بالاستطلاع على الأخبار ، فسير إلى ~~عسكر حماة وعسكر حمص بالتوجه إلى حلب ، فتوجهوا ، وتوجه جماعة من العسكر ~~المصري ، فأغاروا على الأرمن وأسر أمير من أمراء هيتوم ، وأخذ له مائة جمل ~~من البخاتي فولوا منهزمين ، وقتل منهم جماعة ، وجرح صاحب حموص قرابة هيتوم ~~الملك جراحة شديدة ، فكتب الأرمني إلى التتار PageV30P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" الذين بالروم ، وهم سبعمائة ، فحضروا إليه ~~لقصد الشام ؛ فلما وصلوا إلى مرج حارم وقعت ثلوج شديدة ، وكان الأرمني قد ~~كتب إلى أنطاكية يطلب نجدة ، فأنجد منها بمائة وخمسين فارسا ، ولبسوا كلهم ~~السراقوجات تشبها بالتتار ، واجتمعوا كلهم بالقرب من مرج حارم فكادوا ~~يهلكون من كثرة الثلوج والأمطار ، وخرج العسكر المنصور لقصدهم ، وانقطعت ~~عنهم الميرة فتأخروا راجعين ، فعدم من أصحاب الأرمني مائة وعشرون فارسا ، ~~وثلاثون تتريا ، وستة من خيالة أنطاكية وجماعة من رجالتهم . ثم اهتم هيتوم ~~بعد ذلك وجمع العساكر وفصل ألف قباء تتري وألف سراقوج ألبسها أصحابه ، ~~ليوهم أنهم نجدة من التتار . فجرد السلطان عسكرا من دمشق إلى حمص وجماعة من ~~حماة ، وتوجه الأمير حسام الدين العين تابي فأغار على مرزبان وقتل واسر ~~وعاد سالما . وتوالت الغارات من جميع الجهات ، فتفرق جمع هيتوم ، وعدل ~~العسكر الإسلامي إلى أنطاكية فغنم وقتل وأسر . وفي جمادى الآخرة منها : ~~أغارت العساكر التي بالساحل صحبة الأمير ناصر ms7047 الدين القيمري ووصلت إلى ~~أبواب عكا . وفي شهر رمضان من السنة : وصل كتاب الأمير ناصر الدين المذكور ~~، يذكر أن بلغه أن الفرنج توجهوا إلى جهة يافا ، فأمره السلطان بالغارة على ~~قيسارية وعثليث ، فساق إلى باب عثليث فنهب وقتل واسر ، ثم ساق إلى قيسارية ~~واعتمد فيها مثل ذلك . فرجع الذين بيافا . ذكر محاصرة التتار البيرة وتجريد ~~العساكر وانهزام العدو كان السلطان قد توجه إلى جهة العباسة ، في أوائل سنة ~~ثلاث وستين وستمائة ، للصيد ورمى البندق كما قدمناه ، فأتته الأخبار أن ~~التتار قد جمعوا ونازلوا البيرة ، وللوقت أمر الأمير بدر الدين الخزندار ~~بالركوب على الخيل السوابق إلى القلعة ، وأنه ساعة وصوله يجرد أربعة آلاف ~~فارسا من العسكر الخفيف . ورجع السلطان إلى القلعة فبات ليلة واحدة ، وجهز ~~الأمير عز الدين إيغان ورسم له بتقدمة العساكر وصحبته الأمير فخر الدين ~~الحمصي ، والأمير بدر الدين بيليك الأيدمري ، والأمير علاء الدين كشتغدى ~~الشمسي وجماعة من الأمراء والحلقة . وتوجهت هذه PageV30P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" العساكر في رابع عشر ربيع الأول ، وأمر ~~الأمير جمال الدين إيدغدي الحاجبي بالسفر في أربعة آلاف فارس آخر ، فخرجوا ~~بعد العسكر الأول بأربعة أيام ، وشرع السلطان في التجهيز ، وخرج في خامس ~~شهر ربيع الآخر ، ورحل في سابع الشهر ، ووصل إلى غزة في العشرين منه ، ~~فوصلت كتب النواب : إن العدو نصب على البيرة سبعة عسرة منجنيقا . فكتب إلى ~~الأمير عز الدين إيغان يستحثه على سرعة الحركة ، ويقول : " متى لم تدركوا ~~هذه القلعة ؟ ةإلا سقت إليها بنفسي جريدة " . فساق العسكر وحث السير ، فلما ~~كان في السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر ، ورد البريد من جهة الأمير جمال ~~الدين النجي نائب السلطنة بالشام وعطف كتابه بطاقة من الملك المنصور صاحب ~~حماة مضمونها : إنه وصل إلى البيرة بالعساكر المنصورة صحبة الأمير عز الدين ~~إيغان ، وإن التتار عندما شاهدوه هربوا ، ورموا مجانيقهم وغرقوا وغرقوا ~~مراكبهم ، وانهزموا لا يلوي أحد منهم على أحد . ثم وصلت أربعة من مماليك ~~الأمراء بالبشارة . وورد كتاب الأمير جمال الدين أقوش المغيثي النائب ~~بالبيرة يذكر ms7048 صورة الحال ، وإنه لما كثر العدو على القلعة وطم الخندق ، حفر ~~أهل البيرة حفيرا قدر قامة ، وعملوا منه سردابا نافذا إلى الأحطاب ، التي ~~كان العدو رماها في الخندق فأضرموا فيها النار ، فاحترقت جميعها ، ثم سد ~~المسلمون السرب المحفور . وذكر مصابرة أهل الثغر ، وإن نساءهم فعلن من حسن ~~البلاء في مصابرة الأعداء ما لم يفعله الرجال . ومن جملة ما وصف أن برجا ~~واحدا كان عليه خمسة عشرة منجنيقا وثبت شهرين . فكتب السلطان بإطابة قلوب ~~من بالثغر ، وعيت أمثلة بالإقطاعات لمن جاهد من البحرية وغيرهم بالبيرة . ~~واستشهد صارم الدين بكتاش الزاهدي أحد الأمراء المجردين بها بحجر منجنيق ، ~~وترك موجودا كثيرا وبنتا واحدة ؛ فرسم السلطان بجميع ميراثه لابنته . واهتم ~~السلطان بأمر القلعة ، وكتب إلى جميع القلاع والولايات بما يحملون إلى هذا ~~الثغر من الأموال والغلال والأسلحة والعدد وغير ذلك ، مما يحتاج أهل هذه ~~القلعة إليه لمدة عشر سنين . وكتب إلى الأمراء والملك المنصور صاحب حماة ~~أنهم لا يتحركون من مكانهم حتى ينظفوا الخندق وينقلوا الحجارة التي فيه ، ~~ففعلوا ذلك وأقاموا مدة بسببه . ووردت كتب الأمراء يخبرون أنه لما كانت ~~نوبة الأمير عز الدين إيغان والأمير فخر الدين الحمصي والأمير PageV30P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" بدر الدين الأيدمري وجماعة من البحرية ، ~~وكانت خيلهم ترعى في الجانب الشامي وهم يعملون ، فأحاط بهم في القابلة ~~التتار المغل ملبسين ، فأجمعوا ورموهم بالنشاب وأنكرهم بالجراحات فولوا ~~منهزمين ، وساق العسكر خلفهم فوجدوا منهم جماعة قد هلكوا في الطريق من ~~الجراحات ، وقتل جماعة في ذلك اليوم . فاستدعى السلطان من الديار المصرية ~~مائتي ألف درهم ومائتي تشريف ، وكتب إلى دمشق بتجهيز مائة تشريف ودراهم ، ~~وجهز ذلك إلى البيرة ، وكتب إلى الأمير عز الدين إيغان بأن يحضر أهل القلعة ~~جميعهم من الأمراء والجند والعوام ويخلع عليهم وينفق فيهم المال حتى الحراس ~~والضوية . ثم عاد الأمراء بعد أن نظفوا الخندق ونقلوا إلى القلعة زلطا ~~كثيرا . ولما وصلوا رسم السلطان أن يكون الأمير جما الدين المحمدي مقدما ~~على العساكر المصرية والشامية لكبر سنه ، والأمير عز الدين ms7049 إيغان يتحدث في ~~المهمات وإطلاق الأموال وترتيب أمور البلاد . هذا ما اتفق من أمر البيرة . ~~فلنذكر ما افتتحه السلطان من البلاد الساحلية في هذه السفرة . ذكر الفتوحات ~~بالبلاد الفرنجية في هذه السفرة قال : لما وصلت الأخبار إلى السلطان وهو ~~بالساحل بانهزام التتار ، واستقر خاطره من تلك الجهة ، ثنى أعنته إلى جهة ~~الفرنج وجرد العزائم نحوهم . وركب من العوجاء بعد رحيل الأطلاب للصيد في ~~غابة أرسوف . ورتب الحلقة ودخل الغابة وتصيد . ثم ساق إلى أرسوف وقيسارية ~~وشاهدهما وعاد إلى دهليزه ، فوجد أخشاب المجانيق قد وصلت صحبة زرد خانا . ~~فأمر الأمير عز الدين أمير جاندار أن ينصب عدة مجانيق مغربية وفرنجية ، ~~فعمل في ذلك اليوم أربع منجنيقات كبار وعدة من الصغار . وكتب إلى القلاع ~~يطلب المجانيق والصناع والحجارين ورسم للعسكر بعمل سلاليم وعين لكل أمير ~~عدة منها ، ورحل إلى قريب عيون الأساور من وادي عارة PageV30P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" وعرعرة وأمر العسكر بعد العشاء الآخرة بلبس ~~السلح واخذ أهبة الحرب ، وركب قريب وقت الصبح وساق إلى قيسارية على حين ~~غفلة من أهلها . ذكر فتوح قيسارية نزل السلطان عليها في يوم الخميس تاسع ~~جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وستمائة ، وللوقت طاف بها وهاجمها الناس ، ~~والقوا نفوسهم في خنادقها ، وعمدوا إلى سك الخيل الحديد والشبح والمقاود ~~فتعلقوا فيها وطلعوا من كل جانب ، ونصبت عليها السناجق ، وحرقت أبوابها ، ~~فهرب أهلها إلى قلعتهم . فنصبت المجانيق على القلعة وهي من أحصن القلاع ~~أحسنها ، وتعرف بخضراء . وكان الريدا فرانس حمل إليها العمد الصوان وأتقنها ~~، ولم يرى في الساحل أحسن منها عمارة ولا أمنع ولا أرفع ، لأن البحر حاف ~~بها ، وجايز في خنادقها ، والنقوب لا تعمل فيها للعمد الصوان المصلبة في ~~بنائها ، حتى إذا علقت لا تقع . فاستمر الزحف عليها ورمى المنجنيقات وعملت ~~دبابات وزحافات . وكان السلطان يركب في بعض الدبابات وتجر من PageV30P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" تحته بالعجل حتى يصل إلى الأسوار ويرى النقوب ~~واخذ في بعض الأيام بيده ترسا وقاتل ، وما رجع إلا وفي ترسه عدة سهام . وفي ~~ليلة ms7050 الخميس منتصف الشهر حضر الفرنج وسلموا القلعة بما فيها ، وتسلق ~~المسلمون إليها من الأسوار وحرقوا الأبواب ودخلوا من أعلاها واسفلها ، وأذن ~~بالصبح عليها . وطلع السلطان إلى القلعة قسم المدينة على أمرائه وخواصه ~~ومماليكه وحلقته ، وشرع في الهدم واخذ بيده قطاعة وهدم بنفسه ويده . ~~وقيسارية هذه من المدن القديمة فيحت في صدر الإسلام في سنة تسع عشرة للهجرة ~~، على يد معاوية بن أبي سفيان ، بعد قتال عظيم ، ولم يكن معاوية امير الجيش ~~، إنما كان من قبل أخيه يزيد بن معاوية . وفي جماد الأول : جرد السلطان ~~الأمير شهاب الدين القيمري بجماعة من عسكر الساحل لجهة بيسان ، فسير جماعة ~~من العربان والتركمان للإغارة على عكا فأغاروا ووصلوا إلى أبوابها وغنموا ~~وعادوا . ذكر التوجه إلى عثليث وأخذ حصن الملوحة وحيفا قال : ولما قارب ~~السلطان الفراغ من هدم قيسارية سير الأمير شمس سنقر الألفي الظاهري ، ~~والامير سيف الدين المستعربي ، وجماعة فهدموا قلعة للفرنج عند الملوحة ~~وكانت عاصية فدكوها إلى الأرض . وفي سادس وعشرين جمادى الأولى : توجه ~~السلطان إلى عثليث جريدة ، وسير الأمير شمس الدين سنقر السلاح دار الظاهري ~~والأمير عز الدين الحموي ، والأمير شمس الدين سنقر الألفي الظاعري إلى حيفا ~~، فساروا إليها ودخلوا قلعتهما ، فنجا الفرنج بأنفسهم إلى المراكب بعد أن ~~قتل منهم وأسر . وأحضرت الأسرى والرؤوس ، وأخربوا المدينة وقلعتها وأحرقوا ~~أبوابها ، وذلك جميعا في يوم واحد . وأما السلطان فإنه وصل إلى عثليث وأمر ~~بتشعيثها وقطع أشجارها ، فقطعت جميعها وخربت أميتها في ذلك النهار ، وعاد ~~السلطان إلى قيسارية وكمل هدمها . PageV30P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" " حتى لم يدع لها أثرا ، وقدمت منيقات من ~~الصبيبة وزدخاناه من دمشق . وورد عدة من الفرنج للخدمة ، فأكرمهم السلطان ~~وأقطعهم الإقطاعات . ذكر فتوح أرسوف وفي تاسع وعشرين جمادى الأولى من السنة ~~: رحل السلطان من قيسارية وسار إلى أرسوف ، فنازلها في مستهل جمادى الآخرة ~~، وأمر بنقل الأحطاب فصارت حولها كالجبال الشاهقة ، فعملت منها الستائر ، ~~وأمر بحفر سربين من خندق المدينة إلى خندق القلعة ، وأسقفت بالأخشاب وسلمها ~~لأكابر الأمراء ، وعمل طريق من الخندقين إلى ms7051 القلعة ، فخرج الفرنج لإحراق ~~الأحطاب فطلبهم الأمير سيف الدين قلاون الألفي وغيره ، وقلب على الأحطاب ~~المياه فطفئت النيران . ولما تكامل ردم الخندق بالأحطاب ، تحيل الفرنج ~~ونقبوا من داخل القلعة إلى أن وصلوا إلى تحت الردم وعملوا بتاتي ملآنة ~~أدهانا وشحوما وأضرموا النيران وعملوا في النقوض المفاتح ، ولم يعلم العسكر ~~بذلك إلا بعد تمكن النيران ، فاحترقت تلك الأحطاب جميعها وكان ذلك الليل . ~~وجاء السلطان بنفسه وسكب المياه بالروايا ، فلم تقد شيئا . فعند ذلك تقدم ~~السلطان إلى الأمير شمس الدين سنقر الرومي والأمير بدر الدين بيسرى ، ~~والأمير بدر الدين الحزندار ، والأمير شمس الدين الدكز الكركي ، وجماعة من ~~الأمراء ، وهم نصف الأمراء الصنجقية ، وميمنة الأمراء البحرية ، وميمنة ~~الأمراء البحرية ، وميمنة الأمراء الظاهرية ، وميمنة الحلقة ، بأن يأخذوا ~~من مكانهم في باب السرب من حافات الخندق من جهة سورة حفرا إلى البحر الملح ~~. وتقدم إلى الأمير سيف الدين قلاون الألفي ، والأمير علم الدين الحلبي ، ~~والأمير سيف الدين كرمون وجماعة الأمراء ، وهم نصف الأمراء الصنجقية من جهة ~~الميسرة وميسرة الحلقة والبحرية ، بأن يحفروا من الجهة الأخرى ، وأن يحفر " ~~وا " من كل ناحية من هذه النواحي سربا يكون حائط خندق وساترا له . وتحفر في ~~هذا الحائط PageV30P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" أبواب يرمى التراب فيها ويترك في هذه السروب ~~حتى يساوي أرضها بأرض الخندق ، وعذق هذا الأمر بعز الدين أيبك الفخري أحد ~~أصحاب الأتابك ، فاستمر العمل في هذه الخنادق والسلطان طائف فيها بنفسه ~~ويعمل بيده ، وهو تارة في السروب ، وتارة في الأبواب التي تفتح ، وتارة على ~~حافة البحر ، ويرامي مراكب الفرنج ويجر في المنجنيق ويرمي من الستائر . ~~وحكى عنه الأمير جمال الدين بن نهار ، رحمه الله ، قال : " رأيت السلطان في ~~هذا النهار رمى بثلاثمائة سهم نشابا " . واتفق أن السلطان حضر إلى السرب ~~وقعد في رأسه خلف طاقة يرمى فيها ، فخرج جماعة من الفرنج الفرسان ومعهم ~~الرماح بالخطاطيف فلم يشعر إلا وهم على باب السرب ، فقام وقاتلهم يدابيد ، ~~وكان معه الامير شمس الدين سنقر الرومي والأمير بدر الدين بيسرى والأمير ms7052 ~~بدر الدين الحزندار وغيرهم . وصار سنقر الرومي يناوله الحجارة ، فقتل بها ~~فارسين ، وقطع الأمير حسام الدين الدوادار أحد الخطاطيف بسيفه وجرح في عضده ~~، ورجع الفرنج على أسوأ حال . وحضر في هذه الغزاة جمع كبير من العباد ~~والزهاد والفقهاء والفقراء وأصناف العباد ، ولم يعهد فيها خمر ولا شيء من ~~الفواحش ، بل كانت النساء الصالحات يسقين الملء ويجرون في المجانيق . وأطلق ~~السلطان لجماعة من الصالحين الرواتب مثل : الشيخ على المجنون والشيخ إلياس ~~، وأطلق للشيخ على البكا جملة من المال . قال : واهتم بأمر المجانيق ~~واحضرها من دمشق ، وعمل كرمون أغا منجنيقا بسبعة سهام وأثر أثرا حسنا . ~~وكان للأمير عز الدين أيبك الأقرم أمير جاندار في هذه الغزاة أوفر نصيب ، ~~وهو الذي تولى أمر المجانيق . قال : ولما أثرت المجانيق في هذه الأسوار ~~ونجزت الأسربة التي إلى جانب الخندق من الجهتين وفتحت فيها أبواب متسعة حصل ~~الزحف على أرسوف في يوم الاثنين ثامن شهر رجب سنة ثلاث وستين وستمائة ، ~~وافتحت في يوم الخميس . وذلك أن الباشورة سقطت في الساعة الرابعة من النهار ~~، وطلع المسلمون إليها PageV30P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" تسلقا ، وما أحس الفرنج بالمسلمين إلا وقد ~~خالطوهم من كل باب . ورفعت الأعلام على الباشورة ، وحفت بها المقاتلة ، ~~وطرحت النيران في أبوابها . وأعطى السلطان صنجقة للأمير شمس الدين الرومي ، ~~وأمره أن يؤمن الفرنج به من القتل عندما طلبوا الأمان . فلما رآه الفرنج ~~بطلوا القتال ، وسلم الصنجيق للأمير علم الدين سنجر المسروري الحاجب ~~المعروف بالخياط ، ودليت له الحبال من قلعةأرسوف فربطها في وسطه والصنجق ~~معه ، ونشله الفرنج إلى القلعة فأخذ سيوفهم ، وأحضروا في الجبال " إلى ~~السلطان " . ولما خلت القلعة من الفرنج أباجها السلطان للمسلمين بجميع ما ~~فيها من أموال وغلال وذخائر ، وكان بها جملة من الخيول والبغال لم يتعرض " ~~لشيء " منها إلا لما اشتراه بالمال . وكان في أسر الفرنج حماعة من المسلمين ~~خلصوا في تلك الساعة وأخذت قيودهم وقيد بها الفرنج . وجرد جماعة من ~~المقدمين يتوجهون مع الأسرى . وسير لكل أمير جماعة . وشرع السلطان في تقسيم ~~أبراج أرسوف ms7053 على الأمراء ، وجعل هدمها دستورهم ، ورسم بأحضار الأسارى ~~لإخرابها ، فكانوا كما قال الله تعالى : " يخربون بيوتهم بأيديهم وايدي ~~المؤمنين " . ورحل السلطان عن أرسوف بعد استكمال هدمها في يوم الثلاثاء ~~ثالث وعشرين شهر رجب سنة ثلاث وستين وستمائة . ذكر ما ملكه السلطان لأمرائه ~~من النواحي التي فتحها الله على يده قال : لما فتح الله تعالى على السلطان ~~قيسارية أمر الأمير سيف الدين الدوادار الرومي بكشف بلادها وتحقيق ~~متحصلاتها ، وعملت أوراق بذلك . ولما فتح الله أرسوف طلب " السلطان " قاضي ~~القضاة بدمشق وجماعة من العدول ووكيل بيت PageV30P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" المال ، وتقدم بأن يملك الأمراء " المجاهدون ~~" من البلاد التي فتحها الله على يديه ما يأتي ذكره . وكتبت التواقيع لكل ~~منهم ولم يطلعوا عليها ، ولما كملت التواقيع قرئت على أربابها ، وكتب بذلك ~~مكتوب جامع بالتمليك : ونسخته بعد البسملة : أما بعد حمد الله على نصرته ~~المتناسقة العقود ، وتمكينه الذي وفلت الملة الإسلامية منه في أصفى البرود ~~، وفتحه الذي إذا شاهدت العيون مواقع نفعه وعظيم وفعه علمت أنه علمت أنه ~~الأمر ما يسود من يسود . والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي جاهد الكفار ~~، وجاهرهم بأعمال السيف البتار ، وأعلمهم لمن عقبي الدار ، صلى الله عليه ~~وعلى آله وصحبه صلاة تتواصل بالعشي والإبكار . فإن خير النعم نعمة وردت بعد ~~اليأس ، وجاءت بعد توحشها وهي حسنة الإيناس ، وأقبلت على فترة من تخاذل ~~الملوك وتهاون الناس ، " وصرعت أبواب الجهاد وقد غلقت في الوجوه ، وأنطقت ~~السنة المنابر وشفاة المحابر بالبشائر التي ما اعتقد أحد أنه بها يفوه " ، ~~فأكرم بها نعمة على الإسلام وصلت للملة المحمدية أسبابا ، وفتحت للفتوحات ~~أبوابا ، وهزمت من التتار والفرنج العدوين ، ورابطت بين الملح الأجاج ~~والعذب الفرات بالبرين والبحرين ، وجعلت عساكر الإسلام تذل الفرنج بغزوهم ~~في عقر الدار ، وتجوس من حصونهم المانعة خلال الديار والأمصار ، وتملأ ~~خنادقهم بشاهق الأسوار ، وتقود من فضل عن شبع السيف الساغب في قبضة القيد ~~إلى حلقات الأسار . ففرقة منها تقتلع للفرنج قلاعا وتهدم حصونا ، وفرقة ~~تبني ما هدم التتار بالمشرق وتعليه تحصينا . وفرقة ms7054 تتسلم بالحجاز قلاعا ~~شاهقة وتتسم هضابا سانقة ، فهي بحمد الله البانية الهادمة والمفيدة العادمة ~~والقاسمة الراحمة . كل ذلك بمن اقامه الله للأمة الإسلامية راحما ، وجرد به ~~سيفا قد شحذت التجارب حديه ففرى ، وحملت رياح النصرة ركابه تسخيرا فسار إلى ~~مواطن الظفر وسرى ، وكونته السعادة ملكا إذا رأته في دستها قالت تعظما : " ~~هذا ملك ما هذا بشرا " . وهو مولانا السلطان الأجل العالم PageV30P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" العادل المؤيد المنصور ، ركن الدنيا والدين ، ~~سلطان الإسلام والمسلمين ، سيد الملوك والسلاطين ، محيي الدل في العالمين ، ~~قاتل الكفرة والمشركين ، قاهر الخوارج والمتمردين ، سلطان بلاد الله ، حافظ ~~عباد الله ، وارث الملك سلطان العرب والعجم والترك ، اسكندرالزمان ، صاحب ~~القرآن ، ملك البحرين صاحب القبلتين ، خادم الحرمين الشريفين ، الآمر ببيعة ~~الخليفتين صلاح الجمهور صاحب البلاد والأقاليم والثغور ، فاتح الأمصار ، ~~مبيد التتار ، ناصر الشريعة المحمدية ، رافع علم الملة الإسلامية ، مقتلع ~~القلاع من الكافرين ، القائم بفرض الجهاد في العالمين أبو الفتح بيبرس قسيم ~~أمير المؤمنين ، جعل الله سيوفه مفاتيح البلاد وأعلامه أعلاما من الأسنة ، ~~على رأسها نار لهداية العباد ، فإنه آخذ البلاد ومعطيها ، وواهبها بما فيها ~~، وإذا عامله الله بلطفه شكر ، وإذا قدر عفا وأصلح ، فكم وافقه قدر ، وإذا ~~أهدت إليه النصرة فتوجا بسيفه قسمها في حاضريها لذيه منكرما ، وقال الهدية ~~لمن حضر ، وإذا خوله الله تخويلا من بلاد الكفر وفتح على يديه قلاعا جعل ~~الهدم للأسوار ، والدماء للسيف البتار ، والرقابللإسار ، والنواحي المزروعة ~~للأولياء والأنصار ، ولم يجعل لنفسه إلا ما تسطره الأملاك في الصحائف ~~لصاحفه من الأجور ، وتطوي عليه طويات السير التي غدت بما فتحه الله من ~~الثغور باسمه الثغور . فتى جعل البلاد من العطايا . . . فأعطى المدن واحتقر ~~الضياعا سمعنا بالكرام وقد رأينا . . . عيانا ضعف ما فعلوا سماعا إذا فعل ~~الكرام على قياس . . . جميلا كان ما فعل ابتداعا ولما كان - خلد اله سلطانه ~~- بهذه المثابة ، وفتح الفتوحات التي أجزل الله بها أجره وثوابه ، وله ~~أولياء كالنجوم إنارة وضياء ، وكالأقدار نفاذا ومضاء ، وكالعقود تنافسا ، ~~وكالوبل تلاحقا إلى الطاعة وتسابقا ، وكالنفس الواحدة عبودية له ms7055 تصادقا ، ~~رأى - خلد الله سلطانه - أن ينفرد عنهم بنعمة ، ولا يتخصص ولا يستأثر بمنحة ~~غدت بسيوفهم تستنقذ ، وبعزائمهم تستخلص ، وأن يؤثرهم على نفسه ، ويقسم ~~عليهم الأشعة من أنوار شمسه ، ويبقى للولد منهم وولد الولد ما يدوم إلى آخر ~~الدهر ويبقى على الأبد ، ويعيش الأبناء في نعمته كما عاش الآباء . وخير ~~الإحسان ما شمل ، PageV30P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" وأحسنه ما خلد ، فخرج الأمر العالي لا زال ~~يشمل الأعقاب والذراري ، وينير إنارة الأنجم الدراري ، أن يملك جماعة ~~إمرائه وخواصه الذين يذكرون ، وفي هذا المكتوب الشريف يسطرون ، ما يعين من ~~البلاد والقرى والضياع على ما يشرح ويبين من الأوضاع وهو : المولى الأتابك ~~فارس الدين أقطاي الصالحي عتيل بكمالها الأمير جمال الدين إيدغدي العزيزي ~~النصف من زيتا الأمير بدر الدين بيسرى الشمسي الصالحي نصف طور كرم الأمير ~~بدر الدين بيليك الخزندار الظاهري نصف طور كرم الأمير شمس الدين الدكز ~~الكركي ربع زيتا الأمير سيف الدين قليج البغدادي ربع زيتا الأمير ركن الدين ~~بيبرس خاص ترك الكبير الصالحي أفراسين بكمالها الأمير علاء الدين أيدكين ~~البندقدار الصالحي باقة الشرقية بكمالها الأمير عز الدين أيدمر الحلى ~~الصالحي نصف قلنسوة الأمير شمس الدين سنقر الرومي الصالحي نصف قلنسوة ~~الأمير سيف الدين قلاون الألفي الصالحي نصف طيبة الاسم الأمير عز الدين ~~إيغان الركني سم الموت نصف طيبة الاسم الأمير جمال الدين أقش النجيبي نائب ~~سلطنة الشام أم الفحم بكمالها من قيسارية الأمير علم الدين سنجر الحلبي ~~الصالحي بثان بكمالها PageV30P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" الأمير جمال الدين أقش المحمدي الصالحي نصف ~~بورين الأمير فخر الدين الطنبا الحمصي نصف بورين الأمير جمال الدين أيدغدي ~~الحاجبي الناصري نصف بيزين الأمير بدر الدين بيليك الأيدمري الصالحي نصف ~~بيزين الأمير فخر الدين عثمان بم الملك المغيث ثلث حلمة الأمير شمس الدين ~~سلار البغدادي ثلث حلمة الأمير صارم الدين ضراغان التتري ثلث حلمة الأمير ~~ناصر الدين القيمري نصف البرج الأحمر الأمير سيف الدين بلبان الزيني ~~الصالحي نصف البرج الأحمر الأمير سيف الدين إيتامش السعدي نصف يما الأمير ms7056 ~~شمس الدين آفسنقر السلحدار الظاهري نصف يما الملك المجاهد سيف الدين إسحاق ~~صاحب الجزيرة نصف ديابة الملك المظفر علاء الدبن أخوه صاحب سنجار نصف ديابة ~~الأمير بدر الدين محمد بي بن أبي بركة خان دير الغصون بكمالها الأمير عز ~~الدين أيبك الأفرم أمير جاندار نصف الشويكة الأمير سيف الدين كرمون أغا " ~~التتري " نصف الشويكة الأمير بدر الدين بيليك الوزيري نصف طبرس الأمير بدر ~~الدين منكورس الدواداري نصف طبرس PageV30P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" الأمير سيف الدين قشتمر العجمي علار بكمالها ~~الأمير علاء الدين أخو الدوادار نصف عرعرا الأمير سيف الدين سنجق البغدادي ~~نصف عرعرا الأمير سيف الدين دكاجك البغدادي نصف فرعون الأمير علم الدين ~~سنجر الأزكشي نصف فرعون الأمير علم الدين سنجر طردح الأمدي استابا بكمالها ~~الأمير حسام الدين إيتمش بن أطلس خان سيدا بكمالها الأمير علاء الدين ~~كندغدي الظاهري أمير مجلس الصبر الفوقا الأمير عز الدين أيبك الحموي ~~الظاهري نصف أرتاح الأمير شمس الدين سنقر الألفي نصف أرتاح الأمير علاء ~~الدين طيبرس الظاهري نصف باقة الغربية الأمير علاء الدين علي سكز نصف باقة ~~الغربية الأمير عز الدين أيدمر الفخري الأتابكي القصير بكمالها الأمير علم ~~الدين سنجر الصيرفي الظاهري أخصاص بكمالها الأمير ركن الدين بيبرس المعزي ~~نصف قفين الأمير شجاع الدين " طغريل الشبلي " أمير مهمندار نصف كفر راعي ~~الأمير علاء الدين كندغدي الحبيشي مقدم الأمراء البحرية نصف كفر راعي ~~PageV30P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" الأمير شرف الدين يعقوب بن أبي القاسم نصف ~~كسفا الأمير بهاء الدين يعقوب بن الشهرزورى نصف كسفا الأمير جمال الدين ~~موسى بن يغمور أستاد الدار العالية نصف برويكة الأمير علم الدين سنجرا ~~الحلبي الغزاوي نصف برويكة الأمير علم الدين سنجرا أمير جاندرا نصف حانوتا ~~من أرسوف الأمير سيف الدين بيدغان الركني فردسيا بكمالها من قيسارية الأمير ~~عز الدين أيدمر الظاهري نائب الكرك ثلث جبلة من أرسوف الأمير شمس الدين ~~سنقرجاه الظاهري ثلث جبلة من أرسوف " الأمير جمال الدين أقوش السلاح دار ~~الرومي ثلث جبلة من أرسوف " الأمير برد الدين بكتاش ms7057 الفخري أمير سلاح ثلث ~~جلجولية المير بدر الدين بكتوت بجكا الرومي ثلث جلجولية الأمير علاء الدين ~~كشتغدي الشمسي الصالحي ثلث جلجولية وكتب في كتاب التمليك الشرعي الجامع نسخ ~~، وفرقت لكل أمير نسخة بمكانه ، وخلع على قاضي القضاة ، وتوجه " السلطان " ~~إلى دمشق . ذكر قصد البرنس صاحب طرابلس حمص وانهزامه وفي ثامن صفر سنة أربع ~~وستين وستمائة ، جمع البرنس بيمند بن بيمند جموعه ، واستنصر بالدولة ~~والإسبتار ، وقصد جهة حمص . وكان النائب بها الأمير PageV30P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" علاء الدين " سنجر " الباقشردي قد اطلع على ~~حركته ، فاحترز وجعل الطلائع على المخائض . فقصد البرنس مخاضة بلاله فسيقه ~~الباقشردي إليها وملكها . فلما جاء البرنس ورآها قد ملكت عدل إلى غيرها ~~فقويت نفوس المسلمين ، وعدوا الماء إليه وتبعوه فانهزم ، وساقوا خلفه ~~يقتلون ويأمرون وينهبون إلى أن توغل في بلاده . ذكر إغارة العساكر على ~~طرابلس بالشام وفتح قلعة حلبا وقلعة عرقا وفي سنة أربع وستين وستمائة في ~~شهر رجب ، أهتم السلطان بأمر الغزاة ، وطلب الأجناد من إقطاعاتهم من سائر ~~أعمال الديار المصرية . فحضروا بأجمعهم . وخرج السلطان في مستهل شعبان ورحل ~~في ثالثه . ولما وصل إلى غزة جرد الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي والأمير ~~سيف الدين قلاون الألفي وجماعة من العسكر المنصور . وتوجه السلطان لزيارة ~~البيت المقدس والخليل ، صلوات الله عليه ، فزار وكشف المظالم ومد سماط ~~الخليل ، عليه الصلاة والسلام ، وأكل منه وأكل الناس ، وفرق جملة من المال ~~على الأئمة والفقراء والمؤذنين والعوام وغيرهم ، وبلغه أن اليهود والنصارى ~~يؤخذ منهم حقوق زيارة الخليل ، والنزول في المغارة ، فأنكر ذلك ، وكتب ~~مرسوما بمنع أهل الذمة من دخول المقام الشريف . ثم رحل إلى عين جالوت . ~~وأما العسكر المجرد : فوصلوا إلى حمص فورد عليهم كتاب السلطان بالتوجيه إلى ~~طرابلس ، فركبوا على غرة من العدو ، فأصبحوا على حصن الأكراد ، وأغاروا إلى ~~ساحل البحر من جهة طرابلس ، ونزلوا على حصن ثيب من عمل حصن الأكراد فأقاموا ~~عليه يوما واحدا ، فأخذوه وأسروا منه جماعة وهرب من كان بحلبا من الفرنج ~~وأخلوها ، فدخلها العسكر وكسبوا منها شيئا ms7058 كثيرا من نحاس وصناديق وسكر ~~وغيره ، ولما هرب أهلها أدرك العسكر أواخرهم ، فقتلوهم وأخذوا نسائهم . ~~ولما شاهد أهل عرقا ما حل بحلبا نجوا بأنفسهم ، فأخرب العسكر القلعتين ~~ونزلوا على حصن القليعات فتسلموه في رابع شهر رمضان بالأمان وهدموه ، وعادت ~~العساكر . فنزل الأمير سيف الدين قلاون بالقرب من القليعات ، وسير بالليل ~~بعض المقدمين ليترقب من يخرج من PageV30P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" الفرنج ، فوجد خمسين نفرا متوجهين من صافيتا ~~إلى حصن الأكراد أقجية وجرخية فقتلهم جميعا ، وأحضرت رؤوسهم . وخرج جماعة ~~من الداوية للغارة على الغلمان الذين يحشون لخيل العسكر ، وكان الأمير سيف ~~الدين قلاون قد رتب مع الغلمان جماعة من العسكر ، فلما جاءهم الداوية خرج ~~عليهم العسكر فقتلوا بعض الفرنج وأسروا البعض . وسير صاحب صافيتا جاسوسا ~~فأمسك وشنق . وكان في جملة هذا العسكر من العربان ألفا فارس وجاهدوا أتم ~~جهاد ، وجرح الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا جرحين . ورسم السلطان أنه من ~~عدم له فرس يعوض عنه رأسين من البقر ، ورسم بتجريد جماعة لحمص وعود العسكر ~~. ذكر إغارة العسكر على صور قال : ولما نزل السلطان على عين جالوت رحل منها ~~إلى جهة عكا ، وجرد الأمير علاء الدين البندقدار والأمير عز الدين إيغان ~~الركتي بجماعة من العسكر إلى جهة صور ، فأغاروا عليها وغنموا كثيرا من ~~الجمال والبقر والغنم . وأسر كمندور صاحب سيس ونفران معه كانوا انحازوا إلى ~~برج فأخذوا بالأمان ، وأخذ وزير صور وجماعة من الفرنج . وتوجه الأمير سيف ~~الدين أوتامش إلى جهة صيدا ؛ ورسم لهم السلطان بحضور إلى جهة صفد . وتوجه ~~السلطان إلى عكا ، وجرد الأمير بدر الأيدمري والأمير بدر الدين بيسري إلى ~~جهة القرين ، وجرد الأمير فخر الدين الحمصي إلى جبل عاملة ، فأغارت العساكر ~~" على الفرنج " من كل جهة ، وحاصر الأمراء القرين ، وأخذت قلعة بالقرب من ~~عكا ، وتوالت المكاسب حتى لم يوجد من يشتري الأبقار والجواميس لكثرتها . ~~PageV30P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" ذكر فتوح صفد كان السلطان ، قبيل توجهه إلى ~~عكا ، قد رسم للأمير علاء الدين أيدكين الشهابي أحد الأمراء بالشام ولجماعة ~~من العسكر ms7059 أن يتوجهوا إلى بلاد الفرنج ، ولم يعلم إلى أي جهة . ثم كتب ~~كتابا زأمره أن لا يقرأه إلا إذا ركب هو والعساكر ، وكان مضمونه أن يتوجه ~~إلى صفد ، ويتوجه الأمير فخر الدين الفايزى إلى الشقيف . فتوجه الأمير علاء ~~الدين إليها وأحاط بها إحاطة حافظ لا مقاتل ، ثم جرد الأمير بدر الدين ~~بكتاش الفخري أمير سلاح ومعه دهليز إلى صفد ، ثم حضر إليها الأمير علاء ~~الدين البندقدار والأمير عز الدين إيغان الركني بعد إغارتهم على صور فنزلوا ~~إليها وضايقوها ، وأقام السلطان على عكا . ثم حضرت عساكر الغارات ، وعمل " ~~السلطان " عدة مجانيق وفرقها على الأمراء ليحملوها ، ثم رحل والعساكر لابسة ~~وساق إلى قريب باب عكا ووقف على تل الفضول ، ثم دخل إلى عين جالوت ، وكان ~~الأمير سيف الدين الزيني قد توجه إلى دمشق لإحضار المجانيق ، فأحضرها وحملت ~~على الرقاب ، وسار السلطان ونزل على صفد في يوم الاثنين ثامن شهر رمضان سنة ~~أربع وستين وستمائة . وأنفق السلطان في العساكر ، وأتفق أن الناس تناوشوا ~~القتال فساق الأمير عز الدين خاص ترك الظاهري وحمل وواصل الطعن ، فتقدم ~~الحجارون وأخذوا في النقوب ورمي الزراقون بالنفط فاحترق الباب . وأنعم ~~السلطان على خاص ترك بعشرة آلاف درهم وفرس وجوشن وخلعة . ثم أقيمت المجانيق ~~ورمت في سادس وعشرين الشهر ، وكان وصولها في حادي العشرين منه ، ولما وصلت ~~إلى جسر يعقوب عجز الجمال عن نقلها ، فندب السلطان الأمراء والجند وسائر ~~الناس لحملها على الرقاب ، وخرج " السلطان " بنفسه وخواصه وجر أخشابها بيده ~~. ووصلت العساكر التي كانت في الغارة ببلاد طرابلس ، واستمر الحصار وشرع ~~الناس والزحف في شوال ، وأمر السلطان بتحريك الطلبخاناه في نصف الليل ، ~~وركب وهجم خندق الباشورة ، فقاتل الفرنج قتالا شديدا ، وابلى المؤمنون بلاء ~~حسنا واستشهد جماعة من المجاهدين ، وصار الإنسان PageV30P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" يرى رفيقه قد قتل فيجره ويقف مكانه ، وتكاثرت ~~النقوض ودخلت النقابون إليها ، وأعطاه السلطان ثلاثمائة دينار ، وصار كل من ~~عمل شيئا جزاء السلطان لوقته عنه بالخلع والمال . وفي أثناء ذلك نظر ~~السلطان إلى الناس وقد تعبوا ms7060 في وقت القائلة من القتال ، وتفرق بعضهم وهو ~~راكب ملازم ، فأمر خواصه بالسوق إلى الصواوين وإقامة الأمراء والجند منها ~~بالدبابيس ، وسب الأمراء . وقال : " المسلمون على هذه الصورة وأنتم ~~تستريحون " ورسم بأمساك الأمراء وكانوا نيفا وأربعين أميرا فقيدهم ونقلهم ~~إلى الزردخاناه ، فوقعت الشفاعة فيهم فأطلقهم وأمرهم بملازمة مواضعهم . ~~ووسعت النقوب وشرطت الأسوار ، فحرق الفرنج الستائر التي كانت على الباشورة ~~ليحموها من التسلق . فأمر السلطان بضرب الطبلخاناه ، وقام كل أحد إلى جهته ~~، فضرب المسلمون سكك الخيل في سفح الباشورة ، فما أصبح الصبح إلا والصناجق ~~على أسوار الباشورة من كل جهة ، واندفع الفرنج إلى القلعة وسلموا الباشورة ~~في يوم الثلاثاء نصف شوال . وفي هذا اليوم أخذت النقوب في برج اليتيم وغيره ~~من أبراج القلعة . فعند ذلك أتت رسل الفرنج إلى السلطان يسألون الأمان ، ~~فاشترط عليهم ألا يستصحبوا سلاحا ولا لامة حرب ولا شيئا من الفضيات ، ولا ~~يتلفوا ذخائر القلعة بنار ولا هدم ، فعادوا لأصحابهم على ذلك . وبقي ~~السلطان يعطي الأمانات من المرامي ويسير المناديل ، وتقرر مع جماعة أنهم ~~يفتحون الأبواب ، فتسامع الفرنج بذلك ، ووقع بينهم الاختلاف ، وحضر خمسة ~~عشر نفرا من القلعة منفردين في وقت واحد فخلع عليهم ونودي في العسكر بأن لا ~~يرموا أحدا من الفرنج غير الديوية . فأمسك الفرنج من تلك الساعة عن القتال ~~، وردوا الأمان وقالوا : " ما ندخل في شرط " ، ورمي الرسل الخلع والمال ~~المنعم عليهم من الأسوار . ثم أيقنوا بالهلاك ، فسيروا رسلهم في يوم الجمعة ~~ثامن عشر الشهر يطلبون ما كانوا يطلبوه أولا ، فامتنع السلطان من ذلك ، ~~فأخذ الأتابك منديل جمال الدين أقش القليجي مقدم الجمدارية وأعطاه لهم على ~~أنهم لا يخرجون شيئا مما ذكرناه . فتوجه الرسل وصاح الفرنج بعد صلاة الجمعة ~~: " يا مسلمين الأمان " وفتحت أبواب القلعة وقت العصر ، وطلعت الصناجق . ~~ووقف السلطان راكبا على باب صفد ، ونزل الفرنج أولا فأولا وصاروا جميعهم ~~بين يديه ، PageV30P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" وأخرجوا معهم الأسلحة والفضيات وأخفوها في ~~قماشهم ، وأخذوا جماعة من أسرى المسلمين وصغارهم على أنهم نصارى . فلم يخف ~~الله ذلك ms7061 ، ورسم بتفتيشهم فوجد ذلك معهم فأخذ منهم ، وأنزلوا عن خيولهم ~~وجعلوا في خيمة ، وقد حصل منهم ما ينقص العهد أن لو كان ، فكيف ولم يكن ~~حقيقة . وأمر السلطان بضرب أعناقهم ، فضربت رقابهم على تل بالقرب من صفد ~~كانوا يضربون رقاب المسلمين فيه . ولم يسلم منهم غير نفرين ، أحدهما الرسول ~~بحكم أن السلطان كان قد شرب قمزا في النقب وخرج إليه الرسول فسقاه منه ، ~~فعفا السلطان عنه وخيره في التوجه إلى قومه أو الإقامة عندهم ، فاختار ~~المقام في خدمة السلطان وأسلم فأعطاه السلطان إقطاعا ، وأما الآخر فإن ~~الأتابك شفع فيه فأطلقه السلطان . ودخل السلطان القلعة وفرق على الأمراء ما ~~فيها من العدد الفرنجية والجواري والمماليك ، واستناب في القلعة الأمير عز ~~الدين العلائي ، وولى الأمير مجد الدين الطوري ومقدم العسكر الأمير علاء ~~الدين أيدغدي السلاح دار ، ونقلت إليها الزردخاناه التي كانت صحبة السلطان ~~وصار يحمل النشاب على كتفه ، فنقلت في أسرع وقت ، وطلب من الرجال من دمشق ، ~~وتقررت نفقة رجالها في كل شهر ثمانين ألف درهم . واستخدم على جميع بلادها ~~الأمراء ، وعمل بها جامع بالقلعة وجامع في الربض ، ووقف على الشيخ على ~~المجنون نصف وربع الحفاف والربع منها على الشيخ إلياس ، ووقف على قبر خالد ~~بن الوليد قرية منها . خفوها في قماشهم ، وأخذوا جماعة من أسرى المسلمين ~~وصغارهم على أنهم نصارى . فلم يخف الله ذلك ، ورسم بتفتيشهم فوجد ذلك معهم ~~فأخذ منهم ، وأنزلوا عن خيولهم وجعلوا في خيمة ، وقد حصل منهم ما ينقص ~~العهد أن لو كان ، فكيف ولم يكن حقيقة . وأمر السلطان بضرب أعناقهم ، فضربت ~~رقابهم على تل بالقرب من صفد كانوا يضربون رقاب المسلمين فيه . ولم يسلم ~~منهم غير نفرين ، أحدهما الرسول بحكم أن السلطان كان قد شرب قمزا في النقب ~~وخرج إليه الرسول فسقاه منه ، فعفا السلطان عنه وخيره في التوجه إلى قومه ~~أو الإقامة عندهم ، فاختار المقام في خدمة السلطان وأسلم فأعطاه السلطان ~~إقطاعا ، وأما الآخر فإن الأتابك شفع فيه فأطلقه السلطان . ودخل السلطان ~~القلعة وفرق على الأمراء ms7062 ما فيها من العدد الفرنجية والجواري والمماليك ، ~~واستناب في القلعة الأمير عز الدين العلائي ، وولى الأمير مجد الدين الطوري ~~ومقدم العسكر الأمير علاء الدين أيدغدي السلاح دار ، ونقلت إليها ~~الزردخاناه التي كانت صحبة السلطان وصار يحمل النشاب على كتفه ، فنقلت في ~~أسرع وقت ، وطلب من الرجال من دمشق ، وتقررت نفقة رجالها في كل شهر ثمانين ~~ألف درهم . واستخدم على جميع بلادها الأمراء ، وعمل بها جامع بالقلعة وجامع ~~في الربض ، ووقف على الشيخ على المجنون نصف وربع الحفاف والربع منها على ~~الشيخ إلياس ، ووقف على قبر خالد بن الوليد قرية منها . ورحل منها إلى دمشق ~~في سابع وعشرين شوال ، فنزل بالجسورة وأمر أن العساكر لا تدخل دمشق بل ~~تتوجه إلى سيس . PageV30P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" ذكر غزوة سيس وأسر ملكها وقتل أخيه وعمه وأسر ~~ولد عمه قال : وجهز السلطان الملك المنصور صاحب حماة ، وجرد معه الأمير عز ~~الدين إيغان والأمير سيف الدين قلاون ، ورسم للأمراء بتعظيمه . وتوجهوا في ~~خامس ذي القعدة من سنة أربع وستين . فوصلوا إلى الدرب ساك ودخلوا الدربند . ~~وكان الملك المجير هيتوم بن قسطنطين بن باساك قد ملك ولده ليفون وانقطع هو ~~مترهبا ، فلما طلب المسلمون وقف ليفون في عسكره وطلب ، وتوهم أن المسلمين ~~لا يقدرون على الطلوع في الجبال لأن التكفور كان قد بنى على رؤوس الجبال ~~ابراجا ، فكانت كقول الشاعر : وإن بين حبطانا فإنما . . . أولئك عقالاته لا ~~معاقلة فطلعت العساكر في رؤوس الجبال ، فلما وقعت العين في العين أسر الملك ~~ليفون ، وقتل أخوه وعمه ، وانهزم كندا سطبل عمه الآخر وأسر ولده ، وهرب ~~صاحب حموص . وكان فيهم اثنا عشر ملكا تمزقوا كل ممزق ، وقتلت أبطالهم . ~~وساقت العساكر في هذا النهر واقامت على كونجيد من عمل سرفند كار ، ونزلت في ~~اليوم الثاني بأعمال تل حمدون ، وهي تقتل وتأسر وتحرق . وأحرق حموص ثم ~~توجهوا إلى نهر جهان فخاضته العساكر ونزلوا بقرب العمودين ، وهي قلعة حصينة ~~شاهقة للداوية . فلما طافت بها العساكر أذعن أهلها لتسليمها وكان فيها ~~ألفان ومئتان نفرا ، فقتل ms7063 الرجال ، وفرقت السبايا على العساكر . وأحرقت هذه ~~القلعة وما فيها من الحواصل والذخائر . ورحلوا إلى سيس فأخربوها وأقامت ~~العساكر أياما تحرق وتقتل وتأسر . وأقام الملك المنصور صاحب حماة بها . ~~وتوجه الأمير عز الدين إيغان إلى جهة الروم ، والأمير سيف الدين قلاون إلى ~~المصيصة وأدنة وإياس وطرسوس فقتلوا واسروا وأحرقوا . وهدمت قلعة الداوية ~~المعروفة بالبنية ، وحرقت لهم أماكن كثيرة من حصون وبلاد وهدمت . ~~PageV30P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" ثم عادت العساكر إلى سيس بعد أن غنمت غنائم ~~كثيرة حتى بيع الرأس البقر بدرهمين ولم يجد من يشتريه ، وأستاقت العساكر ~~الغنائم . ووردت هذه الأخبار إلى السلطان وهو يتصيد بجرود فأعطى المبشر ألف ~~دينار ودخل دمشق فتجهز وخرج لتلقي عساكره . ذكر قتل أهل قارا وسبي ذراريهم ~~لما توجه السلطان من دمشق ليلقى عساكره الواردة من سيس مر بقارا في سادس ذي ~~الحجة فأمر بنهبها وقتل من بها . وكان سبب ذلك أن بعض الركابية كان قد خدم ~~الطواشي مرشد مقدم العسكر بحماة لما عاد من الخدمة السلطانية كما تقدم ووصل ~~إلى منزلة العيون مرض بها وبات ولم يشعر به الطواشي . فأتاه رجلان من أهل ~~قارا وتوجها به إليها ليضيفاه ، فأقام عندهم ثلاثة أيام حتى عوفي ، ثم ~~أخذاه بالليل وتوجها به إلى حصن أكراد فأباعاه بها بأربعين دينارا صورية . ~~واتفق في تلك السنة توجه بعض تجار دمشق إلى حصن الأكراد لابتياع أسرى ، ~~فاشترى ذلك الركابي في جملو ما اشتراه وحمله إلى دمشق وأطلقه ، فخدم بعض ~~الجند وخرج فيمن فرج السلطان . فلما وصل إلى قارا حضر الركابي إلى مجلس ~~الأمير فارس الدين الأتابك وأنهى إليه صورة الحال ، فسأله هل يعرف الذي ~~باعه ؟ قال : " نعم " . فسير معه جاندارية ، فتوجه ووجد أحد الرجلين فقبض ~~عليه وأحضره . فأنهى الأتابك ذلك إلى السلطان فأحضرهما بين يديه ، وتقابلا ~~فأنكر القارى . فقال الركابي : " فأنا أعرف بيته وما فيه " ، فعند ذلك ~~اعترف القاري ، وقال : " ما أنا أفعل هذا جميع بقارا يفعله " . وكان قد حضر ~~من قارا رهبان بضيافة إلى باب الدهليز ، فأمر السلطان بالقبض عليهم ms7064 ، وركب ~~بنفسه وقصد الديرة التي خارج قارا ، فقتل من بها ونهبها ثم عاد وأمر العسكر ~~بالركوب ، وقصد التل الذي بظاهر قارا من جهة الشمال ، واستدعى أبا العز ~~الريس بها ، وقال له : " نحن بقصد الصيد فمر أهل قارا بالخروج بأجمعهم " . ~~فخرج منهم جماعة إلى ظاهر القرية فلما أبعدوا عنها أمر بضرب رقابهم فضربت ~~ولم يسلم منهم إلا من هرب واختفى بالعمائر والآبار ، وعصى بالأبرجة بها ~~جماعة فأمنوا وأخذوا أسرى ، وكانوا ألفا وسبعين نفرا من رجل وامرأة وصبي ~~وانتمى جماعة إلى أبي العز ريسها فأطلقهم السلطان له ثم أمر بتوسيط ~~PageV30P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" الرهبان الذين حضروا بالضيافة فوسطوا . ~~وتقدموا إلى العسكر بنهب قارا فنهبوها ، ثم أمر أن يجعل كنيستها جامعا ، ~~ونقل إليها الرعية من التركمان وغيرهم حتى شحنها بالناس ، ورتب فيها خطيبا ~~وقاضيا ، وكانت قبل ذلك يسكنها النصارى . وكان السبب في إبقاء الرئيس أبي ~~العز أن السلطان الملك الظاهر لما ساق خلف التتار بعد وقعة عين جالوت مر ~~بقارا فخرج إليه هذا الرئيس واضافه ، فرعى السلطان له ذلك وأحسن إليه . ~~وبيعت أولاد أله قارا فتربوا بين المماليك وتكلموا باللغة التركية ثم صاروا ~~بعد ذلك أجنادا ، وتأمر منهم جماعة وتولوا الأقاليم الكبار والمناصب ~~بالديار المصرية ، وتمولوا . قال : ولما فرغ السلطان من قتل أهل قارا ~~ونهبها توجه إلى حماة فعيد بها عيد الأضحى ، وسار منها إلى أفاميا ، ورحل ~~للقاء العساكر في ثالث عشر ذي الحجة . وكان قد أفرد نصيب السلطان من ~~الغنائم ، ففرق ذلك على عساكره . وأحسن إلى صاحب سيس ومن معه في الأسر ، ~~وعاد إلى دمشق في رابع وعشرين الشهر فدخلها مطلبا وصاحب سيس وابن عمه ~~وأصحابه بين يديه ، وخلع على الملوك والأمراء والأكابر وسير لصاحب حماة ~~ولأصحابه الخيول والخلع والأموال ، وودعه ، وتوجه إلى مملكته . وخرج ~~السلطان من دمشق في ثامن المحرم على ما قدمناه . ذكر وقعة مع الفرنج كانت ~~النصرة فيها للمسلمين وفي المحرم سنة خمس وستين وستمائة : بلغ العسكر ~~الصفدي أن العدو أجاز على بلد طبرية ، فركب العسكر وطلبوا جهة عكا ms7065 ، فلما ~~وصلوا إلى وادي علين خرج عليهم الفرنج ، وكان قد وصلهم نجدة من قبرص وغيرها ~~، فضرب العسكر معهم PageV30P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" مصافا فانكسر الفرنج ، وكانت عدتهم ألف ومائة ~~فارس فقتل أكثرهم ، وعملت أعزبة عظيمة بعكا لمن قتل من ملوكهم في هذه ~~الوقعة . ذكر إغارة السلطان على عكا قد ذكرنا أن السلطان قد توجه إلى الشام ~~لعمارة صفد في سنة خمس وستين وستمائة ، وأن رسل الفرنج أتوه بها وتحدثوا ~~معه في أمر بلادهم . وأجابوا إلى ما قاله لهم من مناصفة صيدا وهدم الشقيف . ~~قال : وأنكر السلطان عليهم إغارتهم على مشغر ، وأقيموا قياما مزعجا ، وأمر ~~السلطان العساكر بالركوب خفية للغارة . وركب السلطان ، والفرنج قد اطمأنوا ~~بإرسال رسلهم إليه ، فما أحسوا إلا والعساكر قد وصلت إليهم . وساق السللطان ~~ونزل على عكا بتل الفضول ، وأحضرت إليه رؤوس القتلى من كل جهة ، وضرب ~~دهليزه تحت التل وبات فيه ، ثم أصبح على تلك الحالة ، وعاد إلى جهة صفد . ~~ووصلت رسل سيس بالهدايا فشاهدوا ، هم ورسل الفرنج ، رؤوس القتلى على الرماح ~~. وأحضر جماعة ممن أسر في هذه الغارة فقتلوا في صفد . وطلب السلطان رسل ~~الفرنج وقال : " هذه الغارة قبالة إغارتكم على بلاد الشقيف " . ولم ينتظر ~~أمر الصلح ، فرد الرسل الفرنجية بغير جواب . وركب " السلطان " في حادي ~~وعشرين شعبان من السنة وساق " من صفد " إلى عكا ، فما علموا إلا وهو على ~~أبوابها ، فقسم الحجازين والناس على البساتين والأبنية والآبار للهدم ~~والقطع . وعمل اليزك بنفسه على باب عكا تحت ذيل التل . وأقام أربعة أيام ~~حتى تكامل الهدم والإحراق والقطع ، وسير إلى طاحون كردانة التي لبيت ~~الإسبتار فهدمها . وفي هذه الأيام أحضر رسل سيس ورسل بيروت " هدايا " ~~وجماعة من أسرى المسلمين وردوا مال التجار ، وكتبت أجوبتهم وتوجهوا . وفي ~~شهر رمضان وصل رسل صور وسألوا استمرار الهدنة فقال السلطان : PageV30P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" " أنا ما فعلت ما فعلت إلا لأنكم قتلتم ~~السابق شاهين غلامي ، وإذا قمتم بديته استمرت الهدنة " . وأحضر أولاد ~~السابق شاهين فقرر ديته خمسة ألف دينار صورية ، أحضر الرسل نصفها ms7066 وجماعة من ~~المغاربة واستمهلوا بالبقية وقال السلطان : " تبنين وهدنين وبلادهما " بلاد ~~" أخدتهما بسفيى فصارت للإسلام فاستقرت للمسلمين " . وأجيبوا إلى الصلح ~~وكتبت الهدنة لمدة عشر سنين . واستقرت أيضا قاعدة الصلح ببيروت بعد أن تقرر ~~عليهم أن يردوا أموال التجار الذين كانوا أخذوا بمراكب الأتابك واطلقهم ~~وثمن المراكب . ثم قبلت هديتهم واستمرت هدنتهم . ذكر الصلح مع بيت الإسبتار ~~على حصني الأكراد المرقب كان بيت الإسبتار قد تقدم طلبهم بذلك . فاستقر هذا ~~الأمر بشرط أن الفسخ يكون للسلطان وحضرت رسلهم الآن ، والتمسوا أن يحلف لهم ~~السلطان . فقررت الهدنة لعشر سنين وعشر شهور وعشر أيام وعشر ساعات وبطلت ~~القطائع عن بلاد الدعوة وهي ألف مائتا دينار ، ومائة مدي حنطة وشعيرا ، وعن ~~مملكة حماة وهي أربعة آلاف دينار ، وعن شيزار وأفامية وهي في كل سنة على ~~أبواب بقبيس ستمائة دينار مصرية ، وعلى عينتاب خمسمائة دينار صورية ، ~~والرسم المعروف بالمفادنة ، وهو عن كل فدان مكوكان غلة وستة دراهم . وسير ~~لإستحلاف مقدم الإسبتار ، الأمير فخر الدين المقري والقاضي شمس الدين بن ~~قريش كاتب الدرج . ذكر فتوح يافا قال : كان الصالح قد استقر بين السلطان ~~وصاحب يافا جوان ديكين ، فصار نوابه يتعدون ، وسيروا مترجمة في زي صيادين ~~إلى قطيا . فاتفق هلاك صاحب يافا وقيام PageV30P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" ولده جاك بعده . ولما كان السلطان على صفد ~~لعمارتها حضر إليه قسطلان يافا وسأله في هدنة لولد صاحبها . فامتنع السطان ~~من ذلك . ثم وصلت الأخبار أن أهل يافا يحملون الميرة إلى عكا ، وكانت ~~ممنوعة عنها . وأقاموا في ايفا حانة وأوقفوا فيها عدة من المسلمات ، ~~واعتمدوا أسباب ليست في هدنة . فلما كان في سنة ست وستين وستمائة ، خرج ~~السلطان من الديار المصرية متوجها إلى الشام ، وذلك في مستهل جمادى الآخر ~~ورحل في ثالثه ووصل إلى غزة ، وبلغه أن جماعة من تالجمالي تعرضوا إلى ~~الزروع فقطع أنواعها . وبلغه أن علم الدين سنجر الحموي أحد أمرائه ، ساق في ~~زرع فأنزله عن فرسه وأعطاه " وأعطى " سرجه ولجامه لصاحب الزرع . ونزل ~~السلطان على العوجاء فأحضر إليه ms7067 القسطلان وأكابر يافا ، فعوقوا إلى أن ~~يخرجوا من الدعاوى ، فبذلوا للسلطان تسليم المدينة والقلعة على أن يطلقوا ~~بأموالهم واولادهم . فأجيبوا إلى ذلك . وركب السلطان في العشرين من جمادى ~~الآخرة وساق إليها وما أحسن أهلها إلا والعساكر قد أطلقت بها . وأخذ ~~الأتابك من حصل معه من حصل معه الحديث منهم وحضر به إلى يافا ، فما تفاوضوا ~~في الحديث إلا والعسكر قد طلعتها من كل جانب ، وفتحت أبوابها . ثم زحفوا ~~على القلعة فسلمها أهلها في اليوم الثاني ، ومنع السلطان من نهبها ، وطلع ~~إلى القلعة وجهز أهلها إلى مأمنهم ، وجرد معهم الأمير بدر الدين بيسرى ، ~~وشرع في هذم القلعة فهدمت ، وأخذ من أخشابها وألواح رخام وجدت فيها ما أوسق ~~بها مركبا وسيرها إلى القاهرة . ورسم يعمل ذلك الخشب مقصورة في الجامع ~~الظاهري بالحسينية والرخام لمحرابه . ورتب السلطان الخفراء على السواحل ~~وألزمهم بدركها ، ورسم أن المال المتحصل من هذه البلاد لا يغمس في غيره ، ~~وجعل مأكوله ومشروبه منه . وملك الأمير علاء الدين منها قرية ، والأمير علم ~~الدين سنجر الحموي قرية . ورتب إقامة التركمان بالبلاد الساحلية لحمايتها ، ~~وقرر عليها خيلا وعدة . ورسم بتجديد مقام الخليل ، عليه الصلاة والسلام ، ~~وعمل مكان الخوان ناحية من الحرم . PageV30P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" وهذه يافا فتحها عمرو بن العاص في خلافة أبي ~~بكر رضي الله عنه ، ويقال بل فتحها معاوية ، ذكره البلاذاري . وذكر عز ~~الدين بن عساكر الملك طنكي بناها في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة ، ونزل ~~عليها السلطان الملك الناصر رحمه الله ، في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة . ~~وخرج البطرق الصغير وجماعة منها وسألوا السلطان على أنهم يسلموها بالأمان ~~ويكونوا أسارى ، واستمهلوه في التسليم إلى الصبح فأمهلهم . فوصل ملك ~~الأنكتيرر في تلك الليلة إليها ودخل قلعتها ، ونقض ما كان تقرر ، فرحل ~~السلطان عنها ونزل اللاطون ، ثم نزل عليها الملك العادل بعساكر ولد أخيه ~~الملك العزيز صاحب مصر ففتحها في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة . هكذا حكاه ~~القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في فتحها ، وقد تقدم أنها من الفتوح ~~الناصرية . قال : وما حضر ms7068 الأنيرور فرديك في أيام الملك الكامل نزلها وحصن ~~قلعتها وبناها . وما حضر الريدافرنس بعد خلاصه من الأسر في سنة ثمان ~~واربعين وستمائة ، عمر مدينتها وأنفق عليها أموالا كثيرة . قال : ولما فرغ ~~السلطان من هدم يافا رحل عنها في ثامن عشر رجب ، ووصل إلى صفد ثم منها إلى ~~الشقيف . ذكر فتوح شقيف أرنون كان السلطان قد كتب إلى الأمير جمال الدين ~~النجيبي ، نائب السلطنة بالشام ، PageV30P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" بتجهيز العسكر الشامي إلى أن يحضر بريدي يسير ~~قدامهم . ولما خرج إلى الشام في هذه السفرة توجه البريدي . وكان السلطان قد ~~قرر مع النجيبي أمارة يمسكها البريدي من يده ، فوصل البريدي وأمسك الأمارة ~~من يده . فأحضر الأمراء للوقت ورسم لهم باتباع البريدي ، فسار بهم إلى ~~بانياس ، فأخرج لهم بريدي آخر كتبا مختومة في بانياس للأمير علم الدين ~~الحصني والأمير بدر الدين الأتابكي متضمنة منازلتهم للشقيف ، وأنهم ~~لايجذبون قتالا ولا غيره ، فما عرف بهم إلا وقد نازلوا الشقيف . وكان جماعة ~~من الفرنج قد توجهوا من الشقيف إلى عكا وصيدا ، فنازله العسكر إلى جهة صيدا ~~فأسروا وقتلوا . وجهز هذا العسكر أخشاب المجانيق والستائر . ثم جهز السلطان ~~بعد فتوح يافا الأمير بدر الدين بكتوت من عكا بعسكر مصري فنزلوا على الشقيف ~~. وتوجه السلطان فوصل إليه يوم الأربعاء تاسع شهر رجب ، فأقام منجنيقين ~~ورمى بهما في اليوم الثاني من وصوله . واتفق أن الفرنج الذين بالقيف كانوا ~~سيروا شخصا إلى عكا لما نزل عليها العسكر الشامي يعلمونهم بحالهم ويذكرون ~~لهم عورات الحصن ، فسيروا الجواب . فلما وصل القاصد وحضر إلى السلطان وأحضر ~~رسالة أخوية لأ أهل عكا إليهم " تتضمن إعلام النواب بالقيفين أن المسلمين ~~لايقدرون على أخذالحصن إن احتفظتم به فجدوا في أمركم " . فحصل التحيل في ~~قراءتها ، وعلم منها أسماء المقدمين الذين بالشقيف ، فكتبت الأمارات لهم ~~بأسمائهم ورمى بها إلى الحصن بالنشاب . وكتب أحد الترجمة عوض " رسالة " ~~أخوية عكا ، وعكس عليهم فيها القضايا . وكان في الكتاب أن الوزير لا يكون ~~خاطره متغلثا بسبب المصادرة له ، ففي ساعة يمكن تعويضه ms7069 عن ذلك ، فعكس ذلك : ~~وقيل للمقدم بالشقيف يحترز من الوزير كليام ، ففي قلبه إحنة من مصادرتنا له ~~، وأغرى بينهم بهذا القول وما يناسبه . ورميت هذه الكتب في سهم فحصل ~~الاختلاف بينهم ، ووجدوا الأمانات التي كانت كتبت PageV30P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" للمقدمين ، فأمسكوا جماعة وتوهموا من الوزير ~~. وكان الفرنج لما تسلموا الشقيف من الملك الصالح إسماعيل ، في سنة ثمان ~~وثلاثين وستمائة ، هو وصفد ، عمروا إلى جانبه قلعة أخرى ، فعجزوا في هذا ~~الوقت عن حماية جهتين . فلما كان في ليلة الأربعاء السادس والعشرين من شهر ~~رجب عمدوا إلى هذه القلعة المستجدة وحرقوا جميع ما بها من غلة وقماش وغيره ~~، وانتقلوا إلى القلعة المستقرة ، وأصبح المسلمون وتسلموها ، وقدمت ~~المجانيق إلى هذه القلعة في سابع وعشرين الشهر ورمى بها . وأقام السلطان في ~~سطح برج من أبراجها بالقرب من العدو ، فعرف الفرنج موضعه فرموا حجرا قريبا ~~منه فقتل ثلاثة نفر ، ولم ينتقل السلطان عن موضعه . وكان باب هذه القلعة ~~تجاه باب القلعة الأخرى ، فعمل السلطان سربا طويلا في أعلى القلعة نازلا ~~إلى أسفلها وصار يتعلق به ويطلع وينزل وهو لابس عدته . قال . واشتد القتال ~~، فبينما الناس في ذلك وإذا بالوزير كليام قد خرج مستأمنا ، ثم سألوا ~~الأمان على نفوسهم وأنهم يوخذون أسارى ، وسألوا إطلاق الحريم والأطفال ، ~~فأجاب السلطان إلى ذلك . وفي يوم الأحد سلخ شهر رجب سنة ست وستين وستمائة ، ~~استدعو الصناجق فرفعت على القلعة . وسير الأمير بدر الدين الخزندار فتسلمها ~~، وخرج الفرنج إلى الخنادق فقيدوا ، وأخرج النساء والأطفال . وجرد الأمير ~~بدر الدين بيسرى الشمسي صحبتهم فاوصلهم إلى جهة صور ، وسلم الرجال إلى ~~العساكر . قال : وهذا الشقيف من أحصن المعاقل وأحسنها وكان مضرة على بلاد ~~الصبيبة . وكان الملك العادل الكبير قد جدده ، وما زال في يد الإسلام إلى ~~أن سلمه الصالح اسماعيل للفرنج على ما قدمناه . قال : ولما قدر الله تعالى ~~فتح الشقيف ، اتفق " السلطان " في جميع العساكر وخلع على الملوك الذين في ~~خدمته ، مثل : الملك المنصور صاحب حماة وأخيه ، وأولاده صاحب الموصل ، ~~والملك الأمجد بن ms7070 العادل ، وغيرهم من أولاد الملوك ، وعلى الأمراء ~~والمقدمين ، ومن جرت عادتهم بالخلع . وشرع السلطان في هدم القلعة المستجدة ~~فهدمت إلى الأرض ورتب الأمير صارم الدين قاريماز الظافري نائبا لهذه ~~PageV30P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" القلعة ، ورتب فيها الأجناد والرجالة ، ورتب ~~بها قاضيا وخطيبا ، وأقيمت شعائر الإسلام بهذه القلعة وجميع تلك البلاد ، ~~وولى الأمير سيف الدين بلبان الزيني عمارتها ، وكان قد خرج منهخا جماعة من ~~المسلمين حالة الحصار فكتب لهم السلطان فدنا وقفا عليهم . ذكر توجه السلطان ~~إلى طرابلس وإغارته عليها كان بيمند صاحب طرابلس قد كثر تعديه على بلاد ~~الإسلام ، وأخذ البلاد المجاروة له بعد زوال الأيام الناصرية واستيلاء ~~التتار على الشام ، وكان من أكبر أعوان التتار . فلما رحل السلطان من ~~الشقيف نزل قريبا من جسر بانياس ، وجهز الأثقال إلى دمشق وجرد الأمير عز ~~الدين غيغان بجماعة توجهوا من جهة ، والأمير بدر الدين الأيدمري بجماعة من ~~جهة أخرى ، فحفظت الطرقات وامتلأت بالعساكر ، وتوجه إلى طرابلس على جهة ~~جبال الطنين ، وكان البرنس قد وعر الطرقات ، فوصل السلطان في نصف شعبان ~~وملك هذه الجبال التي يقول فيها المتنبي : وجبال لبنان وكيف بقطعها . . . ~~وهو الشتاء وصيفهن شتاء لبس الثلوج بها على مسالكي . . . فكأنها ببياضها ~~سوداء وخيم السلطان قريبا من طرابلس واستمر على الركوب إليها ، والعساكر ~~تناوش " أهلها " القتال ويرامونهم بالنشاب ، وافتتح برجا قد عصى فيه جماعة ~~من الفرنج " و " ضرب رقابهم وجرد جماعة خربوا الحرث ونهبوا تلك الجبال ~~واخذوا عدة مغاير بالسيف ، وقطعت الأشجار وهدمت الكنائس وقنى المياه ~~والقناة الرومانية ، وقسم السلطان الغنائم في العساكر ورحل عن طرابلس في ~~العشر الآخر من شعبان من السنة . ذكر فتوح أنطاكية لما رحل السلطان عن ~~طربلس لم يطلع أحدا على الجهة التي يقصدها ، فتوجه PageV30P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" إلى حمص في سابع وعشرين شعبان ، وأمر ببناء ~~مسجد بحمص ، ولما وصل إلى حماة رتب العساكر ثلاث فرق : فرقة صحبة الأمير ~~بدر الدين الخزندار ، وفرقة مع الأمير عز الدين إيغان ، وفرقة صحبة الركاب ~~السلطاني . فتوجه الأمير بدر الدين الخزندار إلى السويدية ms7071 ، وتوجه الأمير ~~عز الدين إيغان إلى الدرب ساك ، فقتلوا وأسروا . وتوافوا جميعهم بأنطاكية ، ~~ونزل السلطان أفامية ، ومنها إلى جسر تحت الشغر وبكاس ، وأصبح مغيرا على ~~أنطاكية وذلك في مستهل شهر رمضان . وتقدم في الجاليش الأمير شمس الدين ~~أفسنقر أستاد الدار ، فصادف جماعة من عسكر أنطاكية وأنتشبت الحرب بينهم ، ~~فحمل أحد أجناد الأمير شمس الدين أفسنقر وهو فلان الدين المظفري على كندا ~~سطيل فأسره وأحضره إلى السلطان ، فأمره السلطان واحسن إليه . واطافت ~~العساكر بأنطاكية من كل جانب . وكان النزول عليها بالخيام والثقل ، بكرة ~~يوم الجمعة ثالث شهر رمضان سنة ست وستين وستمائة . ولما حضر كندا سطبل إلى ~~السلطان رآه رجلا عاقلا ، فسأل أنه يدخل إلى أنطاكية ويتوسط لأهلها ، فجرى ~~السلطان على عادته في الإنذار قبل المهاجمة . فسير كندا سطبل " من " أحضر ~~ولده رهينة ، ودخل البلد وتحدث ، وخرج مع جماعة من القسيسين والرهبان ، ~~وأقاموا يترددون ثلاثة أيام فظهر منهم قوة نفس وخوف من صاحبهم البرنس . وفي ~~بكرة السبت أنذرهم بالزحف ، وصبر حتى دخل الأقساء والرهبان إلى أنطاكية ، ~~ورسم بالزحف . فزحفت العساكر وأطافت بالمدينة والقلعة على اتساعها ، وقاتل ~~أهلها قتالا شديدا . فتسور المسلمون الأسوار من جهة الجبل بالقرب من القلعة ~~ونزلوا المدينة ، فهرب أهلها إلى القلعة . وشرعت الغساكر في النهب والقتل ~~والأسر ، وما رفع السيف عن أحد من الرجال بالمدينة ، وكان بها فوق المائة ~~ألف نفر . وأخذ التركمان من النائم مالا يحصى . ثم رسم السلطان بحفظ أبواب ~~المدينة والإحتراز عليها . وأما القلعة فاجتمع فيها ثمانية آلاف مقاتل غير ~~الحريم والأولاد ، فتحاشروا بها فمات عالم . وأما البالي والوزير الوالي ~~فإنهم لما شاهدوا هذا الحال PageV30P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" هربوا رجالة في الليل ، تدلوا بالحبال ، ~~وأصبح أهل القلعة فما وجدوا أحدا منهم ، ولم يكن بالقلعة ماء ولا طواحين ~~تكفيهم . فسيروا يوم الأحد ثاني يوم الفتح يطلبون الأمانة من القتل وأنهم ~~يؤخذون أسرى . فللوقت طلع السلطان فصادف جميع من في القلعة قد خرج إلى ~~ظاهرها وعليهم الملابس الحسنة واستغاثوا للسلطان ، فعفا عنهم من القتل ، ~~وأحضرت الحبال فربطوا ms7072 بها ، وتسلم كل أمير جماعة من الأسرى ، وكذلك كل مقدم ~~، والكتاب ينزلون ذلك ، وكتبت كتب البشائر ، ومن جملتها كتاب إلى صاحب ~~إنطاكية : نسخته بعد البسملة : " قد علم القومص الجليل " البجل العزز ~~الهمام ، الأسد الصرغام ، بيمند فخر الأمة المسيحية ، رئيس الطائفة ~~الصليبية كبير الأمة العيسوية " بيمند المتنقلة مخاطبته بأخذ أنطاكية " منه ~~" من البرنسية إلى القومصية ، ألهمه الله رشده ، وقرن بالخير قصده ، وجعل ~~النصيحة محفوظة عنده . ماكان من قصدنا طرابلس وغزونا له في عقر الدار ، وما ~~شاهده بعد رحيلنا من إخراب العمائر ، وهدم الأعمار ، وكيف كنست تلك الكنائس ~~من بساط الأرض ، ودارت الدوائر على كل دار ، وكيف جعلت تلك الجزائر من ~~الأجساد على ساحل البحر كالجزائر ، وكيف قتلت الرجال ، واستخدمت الأولاد ، ~~وتملكت الحرائر ، وكيف قطعت الأشجار ، ولم يترك إلا ما يصلح لأعواد ~~المجانيق " إن شاء الله " والستائر ، وكيف نهبت لك ولرعيتك الأموال والحريم ~~والأولاد والمواشي ، وكيف استغنى الفقير وتأهل العازب واستخدم الخديم وركب ~~الماشي " . " هذا وأنت تنظر المغشى عليه من الموت ، وإذا سمعت صوتا قلت ~~فزها : على هذا الصوت ، وكيف رحلنا عنك رحيل من يعود ، وأخرناك وما كان ~~تأخيرك إلا لأجل PageV30P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" معدود . وكيف فارقنا بلادك ، وما بقيت ماشية ~~إلا وهي لدينا ماشية ، ولا جارية إلا وهي في ملكنا جارية ، ولا سارية إلا و ~~هي في أيدي المعاول سارية ، ولا زرع إلا وهو محصود ، ولا موجود لك إلا وهو ~~منك مفقود ، ولا منعت تلك المغاير التي هي في رؤوس الجبال الشاهقة ، ولا ~~تلك الأدوية التي هي في التخوم مخترقة وللعقول خارفة . وكيف سقنا عنك ولم ~~يسبقنا إلى مدينتك أنطاكية خير . وكيف وصلنا إليها وأنت لا تصدق أننا نبعد ~~عنك ، وإن بعدنا فسنعود على الأمر . وها نحن نبلغك بما تم ، ونفهمك بالبلاء ~~الذي عم " . " كان رحيلنا عنك " و " عن طرابلس يوم الأربعاء رابع عشرين ~~شعبان ، ونزولنا أنطاكية في مستهل شهر رمضان . وفي حالة النزول خرجت عساكرك ~~المبارزة فكسروا ، وتناصروا فما نصروا ، وأسر من بينه كندا سطبل ، فسأل ~~مراجعة أصحابك . فدخل إلى ms7073 المدينة ، فخرج هو وجماعة من رهبانك وأعيان ~~أعوانك فتحدثوا معنا ، فرأيناهم على رأيك في إتلاف النفوس بالغرض الفاسد ، ~~وأن رأيهم في الخير مختلف ، وقولهم في الشر واحد ، فلما رأيناهم قد فات ~~فيهم الفوت ، وأنهم قد قدر الله عليهم الموت رددناهم وقلنا : " نحن الساعة ~~لكم نحاصر ، وهذا هو الأول في الإنذار والآخر " فرجعوا متشبهين بفعلك ~~ومتعقدين إنك تدركهم بخيلك ورجلك ، ففي بعض ساعة مر شأن المرشان ، وداخل ~~الرهب الرهبان ، ولان للبلاء القسطلان ، وجاءهم الموت من كل مكان " . " ~~وفيحنا بالسيف في الساعة الرابعة من يوم السبت رابع شهر رمضان ، وقتلنا كل ~~من اخترته لحفظها والمحاماة عنها ، وما كان أحد منهم إلا وعنده شيء من ~~الدنيا ، فما بقي أحد منا إلا وعنده شيء منهم ومنها . فلو رأيت خيالتك وهم ~~صرعى تحت أرجل الخيول ، وديارك والنهاية فيها تصول ، والكسابة فيها تجول ، ~~وأموالك وهي PageV30P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" توزن بالقنطار ، وداماتك وكل أربع منهن تباع ~~، فتشتري من مالك بدينار ، ولو رأيت كنائسك وصلبانها قد كسرت ونشرت ، ~~وصحفها من الأناجيل المزورة قد نثرت ، وقبور البطارقة قد بعثرت . ولو رأيت ~~عدوك المسلم وقد داس مكان القداس والمدبح ، وقد ذبح فيه الراهب والقسيس ~~والشماس ، والبطارقة وقد دهموا بطارقة ، وأبناء الملوك وقد دخلوا في ~~المملكة . ولو شاهدت النيران وهي في قصورك تخترق ، والقتلى بنار الدنيا قبل ~~الآخرة تحترق ، وقصورك وأحوالها قد حالت ، وكنيسة بوليص وكنيسة القسيان قد ~~زلت كل منها وزالت ، لكنت تقول : " يا ليتني كنت ترابا ، ويا ليتني لم أوتي ~~بهذا الخبر كتابا " ، ولكانت نفسك تذهب من حسرتك ، ولكنت تطفئ تلك النيران ~~بماء عبرتك . ولو رأيت مغانيك وقد أقفرت من معانيك ، ومراكبك وقد أخذت في ~~السويدية بمراكبك ، فصارت سوانيك من شوانيك ، لتيقنت أن الإله الذي أنطاك ~~أنطاكية منك استرجعها ، والرب الذي أعطاك قلعتها منك قلعها ، ومن الأرض ~~اقتلعها . ولتعلم أنا قد أخذنا بحمد الله منك ما كنت أخذته من حصون الإسلام ~~وهو : ديركوش ، وشقيف تلميس ، وشقيف كفر دنين ، وجميع ما كان من بلاد ~~انطاكية ، " و " استنزلنا أصحابك من الصياصي ms7074 وأخذناهم بالنواصي ، وفرقناهم ~~في الداني والقاصي ، ولم يبق شيء يطلق عليهم اسم العصيان إلا النهر ، فلو ~~استطاع لما سمي بالعاصي ، وقد أجرى دموعه ندما ، وكان يذرفها عبرة صافية ، ~~فهو أجراها بما سفكناه فيه دما " . " وكتابنا هذا يتضمن البشرى لك بما وهبك ~~الله من السلامة وطول العمر ، بكونك لم تكن لك في أنطاكية في هذه المدة ~~إقامة ، وكونك ما كنت بها ستكون إما قتيلا ، وإما أسيرا ، وإما جريحا ، ~~وإما كسيرا . وسلامة النفس هي التي يفرح بها الحي ، إذا شاهد الأموات ، ~~ولعل الله ما أخرك إلا لأن تستدرك من الطاعة والخدمة ما فات . ولما لم يسلم ~~أحد يخبرك بما جرى خبرناك ، ولما لم يقدر أحد يباشرك بالبشرى بسلامة نفسك ~~PageV30P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" وهلاك ما سواها باشرناك بهذه المفاوضة ~~وبشرناك ، لتحقق الأمر على ما جرى . وبعد هذه المكاتبة لا ينبغي أن لك أن ~~تبلغ لنا خيرا ، كما أن بعد هذه المخاطية يجب أن لا تسأل غيرها مخيرا . " ~~قال : ولما وصل إليه هذا الكتاب اشتد غضبه ، ولم يبلغه خبر أنطاكية إلا من ~~هذا الكتاب . ولما تسلم السلطان القلعة سلمها للأمير بدر الدين " بيليك " ~~الحزندار والأمير بدر الدين بيسرى الشمسي . وأما كندا سطبل فإن السلطان ~~أطلقه وأطلق أهله وأقاربه ، فاختار التوجه إلى سيس ، ففسح له في ذلك . ذكر ~~ملخص أخبار أنطاكية ذهب المفسرون لكتاب الله تعالى في قوله تعالى : " واضرب ~~لهم مثلا أصحاب اقرية إذ جاءها المرسلون " أن القرية أنطاكية . وقال اصحاب ~~الأخبار فيها : إن الملك أنتيوخس قصد بناء مدينة يعمرها ليكون نسبتها إليه ~~، فسير حكماه ووزراه لاختيار مكان يكون طيب الهواء والماء ، قريبا من البحر ~~والجبل ، فوجدوا هذا المكان . فاختاروه لأنه جبلي بحري يحكم عليه الهواء ~~الغربي ، وعيون المياه العذبة حوله والبحيرة الحلوة شرقية ، والبحر المقلوب ~~وهو العاصي ، خارج سورها وعليه طواحينها ، وفيه المراكب تحمل الغلات إليها ~~وغير ذلك فعرفوا ملكهم هذه الصفات ، فأمر ببنائها ، وأخرج النفقات ، وطلبوا ~~حجرا جيدا لبنائها ، فوجدوه في مسافة يومين منها . فاستخدم لها من الرجال ~~والبنائين ثمانين ألف رجل ms7075 وثمانمائة رجل ، ومن العجل ستمائة عجلة ، وألف ~~وتسعمائة حمار ، ومائة زروق لنقل الحجارة ، خارجا عما في ميناء السويدية من ~~العجل والرجال والزوارق التي تحمل الرخام والعمد والقواعد . فنجزت في ثلاث ~~سنين ونصف ، وبنيب أسوارها وأبراجها وهي مائة وثلاثة وخمسون برجا ، ومائة ~~وثلاثة وخمسون بدنة ، وسبعة أبواب ، منها خمسة كبار وبابان صغارا . وجعل ~~فيها سبع عوادي ترمي إلى النهر عند الوادي PageV30P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" المسمى الحسكروت ، وجعل منه باب في الجبل ~~ينزل منه إلى المدينة ، وعليه قناطر يعبر الناس عليه ، وإذا امتلئ يخرج من ~~تحت السور ، وساقوا الملء إليها في قناتين : البوليط والعاوية . ولما فرغت ~~حضر الملك إليها ورأها فأكرم الصناع ومد لهم طعاما ثلاثة أيام ، وأمر ببناء ~~الأدر والدكاكين ، فشرع الناس في بنائها ووهب كل من يحضر إليها وينزل حولها ~~خراج ثلاث سنين ، وبنى الكنائس وبيوت عباداتهم فاجتمع العالم إليها . واتفق ~~أن الملك جلس في بعض الأيام وهو مسرور فرح ، فقال له وزيره : " لو عرفت ما ~~أنفقت في هذه المدينة ما كنت تفرح " فاستيقظ لنفسه وأمر بعمل حساب ماأنفق ~~فيها سوى الضيافات والجواميس التي أخذت من المروج والبهائم بغير ثمن ، فجاء ~~أربعة آلاف قنطار وخمسين قنطارا ذهبا ، فعظم ذلك عنده ، وأمك عن العمارة ، ~~وشرع في بناء المدائن تغل ، فبنى سبع مدائن ، وأسكن الناس فيها . واستمرت ~~في يد الملك ومن ملك بعده ، وعمارتها تتزايد ، وكل ملك يؤثر بها تأثيرا ~~ويجدد بها طلسما إلى أن ظهر المسيح عليه السلام . وما زالت في يد الروم إلى ~~أن فتحها المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه كما قدمناه في ~~خلافته . ولما ولي معاوية بن أبي سفيان نقل إلى أنطاكية في سنة اثنتين ~~وأربعين جماعة من الفرس وأهل بعلبك وحمص ، وكان منهم : مسلم بن عبد الله جد ~~عبد الله بن حبيب بن مسلم الأنطاكي . ولم تزل بيد عمال الخلفاء في الدولتين ~~الأموية والعباسية ، ثم استقرت في يد بني حمدان . فلما مات سيف الدولة ابن ~~حمدان اتفق أهلها أنهم لا يمكنون أحدا من الحمدانية ms7076 يدخلها ، وولوا شخصا ~~يسمى بغلوش الكردي ، وكان قد ورد الغزاة من خراسان خمسة آلاف رجل فأمسكهم ~~وتقوى بهم واشتد أمره ، وكان منهم رجل أسود من الصعاليك يعرف بالزعلي قد ~~جمع طائفة وسموا نفوسهم بالغزاة . فدخل يوما عليه السلام ، فقتل الكردي ~~وهرب أصحابه ، واستولى الأسود على المدينة هو ومن معه . وكان في بغراس نائب ~~للروم اسمه ميخائيل البرجي وبطرس . فحضرا إليها في جمع كبير ، فعجز ~~المسلمون عن حفظها لاتساعها ، فملكها الروم في يوم الخميس لثلاث عشرة خلت ~~من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة . فطرح المسلمون النار بينهم وبين ~~الروم ، وفتحوا باب البحر وخرجوا منه . وأسر الروم جميع من كان المسلمين ، ~~فتقوى الروم بفتحها ، وتوجهوا إلى حلب PageV30P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" فصالحهم أهلها وأهل حمص على ما يحمل في كل ~~سنة إلى ملك الروم وهو عشرة قناطير ذهبا ، ومن كل مسلم دينار سوى ذوي ~~العاهات ، وأقامت إلى سنة ست وستين وثلاثمائة ، فسير جعفر بن فلاح غلامه " ~~فتوحا " إلى أنطاكية فحاصرها خمسة أشهر فلم يظفر بها . وحدثت في هذه السنة ~~زلزلة عظيمة هدمت قطعة من سورها فأنفذ ملك روم ثانيا ، أثني عشر ألف دينارا ~~وصناعا لاصلاح ذلك ، فبنيت أحسن ما كانت . وبنى فلعتها لاون بن الفقاس ~~وحصنها ، وكان في خدمته جماعة من الأرمن ، ومات فكمل عمارتها الملك بسيل ~~وهو الذي وجد له لما مات ستة آلاف قنطار ذهبا ، ولما ولى كان في حاصل بيت ~~المال أربعة قناطير لا غير ، وهو الذي ملك أرجيش من بلاد أرمينية في سنة ~~خمس عشرة وأربعمائة ، وكان ملكه تسعا وأربعين سنة وأحدى عشر شهرا . وبقيت ~~في أيدي الروم إلى أن فتحها الملك سليمان من قتلمش السلجقي في سنة سبع ~~وسبعين وأربعمائة على ما أوردناه في أخبار الدولة السلجقية ، وبقيت في يده ~~إلى أن قتل في سنة تسع وسبعين وأربعمائة ، فصارت بيد وزيره الحكم بن طاهر ~~الشهر ستاني يتولى أمرها . فلما استرد السلطان ملكشاه بلاد الشام استردها ~~وضمها إلى الوزير المذكور ، فأقام بها إلى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة ، ثم ms7077 ~~فارقها " الوزير " ودخل الروم ، فسلمها لباغي شيان بن ألب " أرسلان " وكانت ~~بنته متزوجة للملك رضوان صاحب حلب . وحدثت زلزلة بأنطاكية في التاسع عشر من ~~شعبان سنة أرلابعة وثمانين وأربعمائة خربت دورها وأهلكت خلقا كثيرا ، ورمت ~~من أبراجها نحو السبعين برجا ، فتقدم السلطان بعمارة ما انهدم في سنة خمس ~~وثمانين . واستمرت أنطاكية بيد ملوك الإسلام إلى أن ملكها الفرنج في جمادى ~~الأولى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة على ما قدمناه . وكان قد اجتمع عليها ~~جماعة من ملوك PageV30P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" الفرنج والملك الكبير المشار إليه منهم اسمه ~~كند فري ، فقرر أن كل ملك من الملوك يحاصرها عشرة أيام ، ومن فتحت في نوبته ~~فهي له ، ففتح في نوبة ملك منهم اسمه ميمون . فلما اتصل ذلك بملوك الإسلام ~~بالشام اجتمعوا ومقدميهم ظهير الدين طغرتكين صاحب دمشق ، وجناح الدولة حسن ~~صاحب حمص ، وكربغا صاحب الموصل ، وحاصروا أنطاكية ، وكان الفرنج في قل ، ~~فسألوا الأمان ليخرجوا منها فلم يجيبوهم ، ووقع تنافس بين المسلمين فخرج ~~الفرنج إليهم فاتهزموا من غير قتال . وبقي ميمون مالكها حتى كسره الدانشمند ~~وأسره وقتل أكثر عسكره ، وذلك في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة ، فاشترى نفسه ~~بعد ذلك بمائة ألف دينار واستخلف ميمون فيها ولد أخيه طنكري ، وركب في ~~البحر وسار إلى بلاده ليستنجد الفرنج ويعود ، فأهلكه الله تعالى . واستمر ~~طنكري ملكا لأنطاكية وأعمالها إلى أن أهلكه الله تعالى في ثاني عشر شهر ~~ربيع الأول سنة ست وخمسمائة ، وملكها بعده روجار . وكان طنكي قد استدعاه من ~~بلده وجعله ولي عهده ، وهو الذي حضر إلى بيت المقدس في ملك بغدوين ، وكان ~~بغدوين شيخا كبيرا ، فاجتمعا بالبيت المقدس وقررا عهدا : أن من مات منهم ~~قبل الآخر انتقل ملكه إلى الباقي منهما . وتزوج بنت بغدوين ، فقتل روجار في ~~حرب كانت بينه وبين نجم الدين إيلغازي بن أرتق في يوم السبت ثامن عشر شهر ~~ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وخمسمائة . فقتل روجار وجميع من معه ، فسار ~~بغدوين إلى أنطاكية وملكها ، وأقام بها إلى أن وصل شاب ، في ثامن عشر ms7078 شهر ~~رمضان سنة ست وعشرين وخمسمائة ، من الفرنج في البحر وادعى أنه ميمون بن ~~ميمون الذي كان صاحب أنطاكية ، فسلم بغدوين أنطاكيه له فملكها ، وكان شجاعا ~~مقداما ، وأقام بها إلى أن سار نحو الدروب فلقيه ابن الدانشمند فكسره وقتل ~~جماعة من عسكره بأرض عين زرية ، وذلك في نصف شهر رمضان سنة أربع وثلاثين ~~وخمسمائة . ومثلك بعده الأبرنس ، ولقي الملك العادل نور الدين محمود بن ~~زنكي على حصن الأكراد في شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة فكسر المسلمون ~~وقتل جماعة PageV30P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" منهم ، واستولى الفرنج على أثقالهم . فجمع ~~نور الدين العساكر ، والتقاه في يوم الأربعاء الحادي والعشرين من صفر سنة ~~أربع وأربعين وخمسمائة فقتله فرسانه واستولى على خيامه . وولى أنطاكية بعده ~~الأبرنس أرناط ، فأقام إلى أن لقيه مجد الدين أبو بكر الملك العادل في ~~المملكة الحلبية ، وذلك في صفر سنة إحدى وخمسين وخمسمائة فكسره وقتل أصحابه ~~وأخذه أسيرا ، فأقام في حبس الملك العادل وملك أنطاكية وهو في الأسر رجل من ~~ذريته اسمه بيمند وخلص أرناد ، وتزوج صاحبة الكرك وأقام بالحصن حتى ملكه ~~السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وقتله . وفي سنة أربع ~~وثمانين وخمسمائة عقد السلطان الملك الناصر الكبير مبيمند صاحب أنطاكية ~~هدنة لمدة ثمانية مائة أشهر من تشرين الأول إلى آخر آيار ، وحلفا على ذلك ، ~~ورحل الناصر عنها وتوجه إلى حلب على ما ذكرناه في أخباره . ثم ملكها ~~الإبرنس المعروف بالأسير ، وملكها ابنه بعده ، ثم ملكها بيمنده ولده أيضا ، ~~وهو الذي أخذت منه الآن في الدولة الظاهرية . هذا تلخيص خبر أنطاكية من حين ~~عمرت إلى حين فتحت هذا الفتح . ذكر ما اعتمده السلطان في قسمة غنائم ~~أنطاكية وإحراقه قلعتها وما افتتحه مما هو مضاف إليها وهو : دير كوش وشقيف ~~كفردنين وشقيف كفر تلميس قال ولما فتحت أنطاكية وفرغ الناس من نهبها ، رسم ~~السلطان بإحضار المكاسب للقسمة ، وركب وأبعد عن الخيام وحمل ما غنمه وما ~~غنمه من مماليكه وخواصه . وقال للأمراء : " ينبغي أن تخلصوا ذمتكم وتحضروا ~~ما غنمتوه ms7079 ، وأنا أحلف الأمراء والمقدمين ، وهم يحلفون أجنادهم ومضافيهم " ~~. فأحضر الناس الأموال والمصاغ من الذهب والفضة ، فطال الوزن ، فقسمت ~~النقود بالكاسات والشربوشات ، ولم يبقى غلام إلا أخذ . وتقاسم الناس ~~النسوان والبنات والأطفال وبيع الصغير بأثني PageV30P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" عشر درهما ، والجارية بخمسة دراهم وباشر ~~السلطان القسمة بنفسه ، وما ترك شيئا حتى قسمه من الأموال والمصوغ والدواب ~~والمواشي . ثم ركب إلى قلعة أنطاكية وأحرقها وعم الحريق أنطاكية . وكان ~~صاحب طرابلس قد استولى على عند أخذ التتار حلب على ديركوش ، وهو من أمنع ~~الحصون وعلى شقيف كفر دنين وعلى شقيف كفر تلميس ، وكانت هذه الحصون شجى في ~~حلق المسلمين . فلما فتحت أنطاكية انقطعت حيلة هذه الحصون فطلبوا الأمان ~~على أنهم يسلمون الحصون ويؤسرون ، فسير الأمير بدر الدين بيليك الأشرفي ~~الظاهري ، فتسلم دركوش في ليلة الجمعة حادي عشر شهر رمضان ، وتسلم بقية هذه ~~الحصون . ذكر صلح القصير على المناصفة كان القصير للبطرك الكبير خاصة ، ~~وزعموا أن بأيديهم خط عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فلما نزل السلطان في ~~هذه الجهات بذلوا نصف البلاد للسلطان ، فكتبت لهم هدنة ، وانضاف إلى مملكة ~~الإسلام نصف بلاد القصير . ذكر فتوح حصن بغراس من الديوية قال : ولما فتح ~~الله تعالى هذه الحصون والجهات على السلطان ولم يبقى بتلك الجهات سوى بغراس ~~، وخاف من بها من الديوية ، فانهزموا وتركوا . فجهز السلطان الأمير أقسنقر ~~" الفرقاني " أستاد الدار العالية بعسكر فتسلمه في يوم السبت ثالث عشر شهر ~~رمضان من السنة ، ولم يجد به سوى امرأة عجوز ، ووجده عامر بالحواصل ~~والذخائر . وقال البلاذري : كانت أرض بغراس بمسلمة بن عبد الملك فوقفها في ~~سهيل البر ، ولما قصد المسلمون غزاة عمورية صحبة مسلمة ، حمل هو والعسكر ~~النساء معهم للجد في القتال . فلما صاروا في عقبة بغراس عند الطريق ~~المستدقة التي تشرف على الوادي سقط جمل عليه امرأة ، فأمر مسلم النساء أن ~~يمشين فسميت تلك العقبة عقبة النساء . قال : وكان في تلك الطريق سباع لا ~~يسلك فيها بسببها ، فشكا الناس ذلك إلى الوليد بن عبد الملك ms7080 فبعثت أربعة ~~آلاف جاموسة وفحولها ، فانكفأت السباع . ثم بناها PageV30P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" بعد ذلك وحصنها أتم تحصين الملك نقفور ملك ~~الروم الذي خرج إلى بلاد الشام في آخر سنة سبع وخمسين وثلاثمائةوقتل وسبى . ~~ولما بنى هذه الحصن ، الذي هو حصن بغراس . رتب فيه نائبا له يعرف بالبرجي ، ~~ورتب معه ألف رجل ، وحصت بغراس . ثم ملكه الفرنج وما زالوا يتداولونه ~~ويحصنونه على طول المدد ، إلى أن ملكه السلطان الملك الناصر صلاح الدين بن ~~أيوب ، في ثاني شعبان سنة أربع وثمانين وخمسمائة ، على ما قدمناه ، ثم ملكه ~~الديوية بعد ذلك . ذكر الإغارة على صور كانت قد تقررت مهادنة بين السلطان ~~وبين صاحب صور ، فلما توجهت الرسل إليه حلف على بعضها ، واسقط فصولا لم ~~يحلف عليها . فلما كان السلطان بالشام ، في سنة سبع وستين وستمائة ، ووقفت ~~له امرأة ذكرت أنها كانت أسيرة في صور ، وأنها اشترت نفسها ثم قطعت على بنت ~~لها قطيعة ، وحصلت من أوقاف دمشق مبلغا اشترتها به من صور بمكاتبة عليها خط ~~الفرنج ، ولما خرجت بها إلى قرب بلاد صفد سير خلفها جماعة من صور أخذوا ~~البنت منها ونصروها . فلما سمع السلطان كلامها غضب الله تعالى وكتب يطلب ~~هذه البنت ، فاعتذروا بأنها تنصرت . وكان بالنواقير من جهة صفد جماعة " من ~~المسلمين " سير صاحب صور أمسكهم وقتل منهم نفرين واعتقل الباقيين . وطلبهم ~~السلطان فأصروا على منعهم ، فركب السلطان في العشرين من شهر رمضان ، وساق ~~بنفسه ومن معه من العسكر الخفيف ، وتوجه الأمير جمال الدين المحمدي من جهة ~~، والأتابك من جهة ، ووصلوا إلى صور ، فأمسكوا جماعة من الرجال والنساء ~~والصغار ، وهرب في ذلك الوقت للأمير جمال الدين أقش الرومي فنصره صاحب صور ~~بوقته . وطلب منه فدافع عنه ، وأمسك السلطان عن إتلاف زرعه ورد الحريم ~~والأطفال ورجع إلى المخيم وأمهل عليه مدة ، فلما استمر على منع البنت ~~والملوك ، جرد السلطان جماعة لاستغلال بلاده . ذكر الإغارة على بلاد كركر ~~وأخذ قلعة شرموشاك وفي هذه السنة توجهت الغيارة في البيرة وغيرها إلى جهة ~~كركر فأحرقوا ms7081 بلدها PageV30P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" وأخذوا مواشي ، وتوجهوا إلى قلعة بين كركر ~~والكختا اسمها شرموشاك ، فزحفوا عليها وأخذوها وقتلوا رجالها ونهبوا من ~~المواشي شيئا كثيرا ، وأخرجوا من الفلاحين إلى البلاد السلطانية خلقا كثيرا ~~، وأخذ الخميس من الغنيمة للديوان ورسم بترتيب الناجعين في البلاد الحمصية ~~والشيزرية وجهة أنطاكية . ذكر الإغارة على عكا وفي سنة ثمان وستين وستمائة ~~، توجه السلطان جريدة إلى الشام ، وكان الفرنج بعكا اعتمدوا أشياء لا يصبر ~~عليها : منها أن أربعة من مماليك السلطان هربوا ودخلوا عكا ، فلما طلبهم ~~منهم طلبوا العوض عنهم ، فأنكر السلطان ذلك عليهم ، فنصروهم ، وذلك في سنة ~~سبع وستين . فكنب السلطان إلى النواب بوقوع الفسخ ، فأغار عليهم الأمير ~~جمال الدين أقش الشمسي فقتل وأسر منهم جماعة . واتفقت حركة للسلطان إلى ~~الحجاز فأطلق الذين أسروا ، وعوق رسل الفرنج على إحضار المماليك ، وأطلق ~~منهم وزير الاستبار خاصة ، لأنه كان يخدم السلطان . فلما كان في هذه السنة ~~بلغ السلطان أن الفرنج وصل إليهم سفائن من جهة الردراكون ، أحد ملوك الغرب ~~فيها جماعة من أصحابه وأقاربه وكتبه ، يقول فيها : إنه واعد أبعى بن هولاكو ~~أنه يوافيه بالبلاد الإسلامية ، وأنه واصل لمواعدته " من جهة سيس في سفن ~~كثيرة " ، فأرسل الله تعالى ريحا مزعجة كسر عدة من سفائنه ولم يسمه لها خبر ~~. وأما أهل عكا فإنهم خرجوا هم ومن وصل ليهم من الغرب إلى ظاهر عكا وخيموا ~~وصاروا يركبون " وتوجهت طائفة منهم إلى عسكر جينين وعسكر صفد " ، وبلغهم أن ~~السلطان وصل جريدة فتوهموا أنه لا يقصدهم . واتفق أن السلطان خرج متصيدا ~~إلى جهة الحارسة ، وعاد مسرعا وتوجه على أنه يتصيد في مرج برغوث . ولما وصل ~~في أثناء الطريق إلى برج الفلوس سير الأمير عز الدين معن الظاهري السلاح ~~دار لاحضار السلاح ، وسير الأمير ركن الدين إياجي لإحضار العسكر الشامي كله ~~، فتكامل الناس PageV30P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" عنده في مرج برغوث في بكرة نهار الثلاثاء ~~الحادي والعشرين في شهر ربيع ، وركب وساق ووصل جسر يعقوب عشية النهار ، ~~فساق فأصبح الصبح وهو بأول المرج . وكان ms7082 قد سير إلى الأمير جمال الدين ~~الشمسي مقدم عسكر عين جالوت ، والأمير علاء الدين إيدغدي مقدم عسكر صفد ~~بالإغارة في ثاني وعشرين ، وأنهم ينهزمون قدام الفرنج . فخرج جماعة من ~~الفرنج مقدمهم كندلوفير المسمى زيتون ، وفيهم أقارب الريداركون وغيرهم ، ~~ودخل السلطان الكمين فعندما خرج الفرنج لقتال العسكر الصفدي تقدم الأمير عز ~~الدين إيغان الركني ، وبعده الأمير جمال الدين الحاجبي ، ومعهما أمراء ~~الشام . وساق قدام السلطان الأمير شمس الدين إيتمش السعدي ، والأمير علاء ~~الدين كندغدي الظاهري أمير مجلس ومعهما مقدموا الحلقة . وقاتل الأمراء ~~الشاميون أحسن قتال ، وأمسك الأمير عز الدين إيغان فارسا اسمه ريمون دكوك . ~~وأما السلطان ومن كان قدامه من الأمراء فما وصلوا إلى الأمراء المقدمين إلا ~~والعدو قد انكسر فلم يحصل لهم اختلاط . وكان القتال شديدا تماسكوا فيه ~~بالأيدي ، وأكمن زيتون فجال العسكر بينهم واخذوا عليه وعلى أكابر الفرنج ~~حلقة وقتل أخو زيتون وابن أخت الريدراكون ، وجماعة من الخيالة ، ونائب ~~فرنسيس بعكا ، ولم يعدم من عسكر الإسلام إلا الأمير فخر الدين الطونبا ~~الفائزي . وعاد السلطان ورؤوس القتلى بين يديه إلى صفد ، وتوجه منها إلى ~~دمشق ، فدخلها في يوم الأحد سادس وعشرين الشهر ، والأسرى والرؤوس بين يديه ~~. ذكر فتوح قلعة صافيتا وفي سنة تسع وستين وستمائة ، توجه السلطان من ~~الديار المصرية في عاشر جمادى الآخرة وصحبته ولده الملك السعيد ، ودخل ~~الملك السعيد إلى دمشق في ثامن شهر رجب ، وخرج هو والأمير بدر الدين ~~الخزندار من جهة القطيفة . وكان السلطان قد توجه من جهة بعلبك وتوجه من جهة ~~بعلبك وتوجه إلى طرابلس ، فقتل من رعاياها وأسر ، واتصلت الغارة بصافيتا ، ~~فطلب من فيها الأمان ، ثم نكثوا ، فرحل عنهم السلطان وأنزل PageV30P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" جماعة حولهم . فسير كمندور أنطرطوس إلى ~~السلطان يشفع الإخوة الديوية بصافيتا ، على أنه يأمرهم بالتسليم ، فأجابهم ~~الشسلطان إلى ذلك ، فأرسل إليهم فنزلوا ، وكانوا سبعمائة رجل ، خارجا عن ~~النساء والأطفال ، وأحضروا إلى السلطان وهو على حصن الأكراد ، فأطلقهم وجهز ~~معهم من أوصلهم إلى مأمنهم ، وتسلم السلطان صافيتا وبلادها ، وتسلمت الحصون ~~والأبراج ms7083 المجاورة لحصن الأكراد ، مثل تل خليفة وغيره . وقد ذكرنا ما كان ~~وقع من المهادنة على حصن الأكراد والمرقب ، ثم اتفق من بيت الاسبتار أمور ~~أوجبت فسخ الهدنة : منها أن السلطان لما أغار على طرابلس في سنة وست وستين ~~وستمائة ، وكتب إلى النائب بحمص بأن يقيم بحدود حصن الأكراد لدفع الضرر عن ~~بلاد الهدنة وكتب إلى عدة جهات بالوصية بهم ، وحر رسول حصن الأكراد يسأل ~~الوصية ، فأعطاهم علما برنكة . ولما عبرت الأثقال من جهة القصب ، عبر أحد ~~الحرافشة ومعه رفقه له على بستان بقرب تل خليفة المجاور للحصن فأخذوا منه ~~شيئا لا قيمة له ، فأخذهم المقدم " الفرنجي " بتل خليفة وضرب رقاب بعضهم ~~وأسر البعض . فنزل النائب بحمص على تل خليفة وطلب الخصوم . فامتنع النائب ~~بها عن تسلميهم وقال : " أنا قتلت " ، واساء في القول . فحاصرهم " نائب حمص ~~" وسير إليهم شجاع الدين عنبر ، فاحتال إلى أن استنزل الخصوم ، وسيروا إلى ~~السلطان . فحضرت رسل من حصن الأكراد تطلبهم ، فأجابهم السلطان إنه لا بد من ~~تحقيق هذه الواقعة ؛ فقوت نفوس الذين في الحصن . وغلق النائب " الفرنجي " ~~باب الحصن ومنع الميرة ، وألبس جماعة العدد . ولما رجع السلطان من طرابلس ~~عند توجهه إلى أنطاكية ومر تحت الحصن متوجها إلى حمص ، فسير يقول : " ما ~~كان ينبغي لكم تعبرون من ههنا إلا بأمري " . وقيل لهم : " لأي معنى غلقتم ~~الأبواب ولبستم العدد ، وأنتم صلح ؟ " . فقال : " ما غلقناها إلا شفقة على ~~عسكر السلطان من الفرنج الغرب الذين عندنا ، لأنهم لا يخافون الموت " . فعز ~~ذلك على السلطان لأن الغرب الذين عنده عدتهم دون المائة نفر . وكان هذا ~~الأمر مقدمة انحراف السلطان عليهم ؛ وبقي ذلك في خاطره . فلما توجه إلى ~~الشام جريدة في سنة ثمان وستين وتوجه إلى حماة ثم رحل عنها في ثالث ~~PageV30P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" جمادى الآخرة توجه إلى حصن الأكراد بمقدار ما ~~ثنى فارس بغير عدة ، وصعد جبل الحصن في أربعين فارسا ، فخرج له جماعة من ~~الفرنج ملبسين ، فحمل عليهم وكسرهم ، وقتل منهم جماعة ووصل إلى الخندق ، ~~وقال - وهو متنكر ms7084 لا يعرف من هو - : " قولوا لذلك الرسول الذي حضر سنة ~~طرابلس يخلي الفرنج الغرب يخرجوا ، فما نحن أكثر من أربعين فارسا بأقبية ~~بيض " . وعاد إلى مخيمه ، ورعت الخيول المروج والزروع ، فكان ذلك أحد أسباب ~~الإستيلاء على الحصن لأنه ليس له مادة إلا من زرع بلده . فلما توجه السلطان ~~، وفي سنة تسع وتسعين وستمائة إلى الشام ، وأغار على طرابلس كما قدمنا نازل ~~حصن الأكراد ، في تاسع شهر رجب من السنة وملك أرباض الحصن في العشرين منه ، ~~وحضر الملك المنصور صاحب حماة ، فتلقاه السلطان وترجل لترجله ، وساق ~~السلطان تحت صناجق صاحب حماة بغير جمدارية ولا سلاح دارية أدبا معه ، وسير ~~إليه دهليزا أمره بنصبه . ووصل الأمير سيف الدين صاحب صهيون ، والصاحب نجم ~~الدين صاحب الدعوة . وفي أواخر شهر رجب ، تكمل نصب عدة مجانيق ، وفي سابع ~~شعبان ، أخذت الباشورة بالسيف ، وفي سادس عشر الشهر ، تشقق برج من أبارج ~~القلعة ، وزحف العسكر وطلع الناس إلى القلعة وتسلموها ، وطلع الفرنج القلعة ~~" الأخرى " وأحضرت جماعة من الفرنج والنصارى ، فأطلقهم السلطان ، نقلت ~~المجانيق إلى القلعة ونصبت على القلة . وكتب السلطان كتابا على لسان مقدم ~~الفرنج بطرابلس إلى من بالقلعة يأمرهم بالتسليم . ثم طلبوا الأمان ، فكتب ~~لهم أمان على أنهم يتوجهون إلى بلادهم . وفي يوم الثلاثاء رابع عشرين شعبان ~~، خرج الفرنج من القلعة وجهزوا إلى بلادهم ، وتيلم السلطان الحصن . ورتب ~~الأمير صارم الدين الكافري نائبا بحصن الأكراد ، وفوض أمر عمارة الحصن إلى ~~الأمير عز الدين أيبك الأفرم وعز الدين أيبك الشيخ . وهذا الحصن كان قديما ~~يبد المسلمين ، فلما نازل صنجيل طرابلس كان يشن الغارات على هذا الحصن وما ~~قاربه من الحصون ، ثم قصده في سنة ست وتسعين وأربعمائة وحاصره وضيق على من ~~به وأشرف على أخذه ، فاتفق قتل جناح الدولة صاحب حمص فطمع فيها ورحل عنه . ~~وهلك صنجيل وملك ابنه ، فجرى على عادة أبيه في أذية أهل هذا الحصن وإفساد ~~أعماله ، ثم فارقه وتوجه لحصار بيروت . فجاء PageV30P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" طنكلي صاحب أنطاكية ونازله ، وأهله في غاية ~~الضعف ms7085 ، فسلمه صاحبه إليه ، وكان يرجو أنه يبقيه فيه لأنه اختاره على صنجيل ~~فأنزله وأهله منه ، وأخذه صحبته ، ورتب فيه من يحفظه من الفرنج ؛ وحكى ذلك ~~ابن عساكر . وذكر ابن منقد في كتاب البلدان أن : نور الدين محمود بن زنكي ، ~~رحمه الله تعالى ، كان قد عامل بغض رجالة التركمان المستخدمين من جهة ~~الفرنج بهذا الحصن ، إلى أنه إ ذا قصده نور الدين يثور هو وجماعة من أصحابه ~~في الحصن ويرفعون علم نور الدين على الحصن وينادون باسمه . وكان هذا ~~التركماني له أولاد وإخوة قد وثق بهم الفرنج ، وكان الإنفاق بينه وبين نور ~~الدين أن يقف على رأس الباشورة ، فكتم نور الدين هذا الأمر عن أصحابه وتقدم ~~أوائل العسكر النوري فرأوا التركماني على الباشورة فرموه بالنشاب فمات ، ~~واشتغل أهله بوفاته ، فلم يتم لنور الدين ما دبره . ولم يفتحه السلطان ~~الملك الناصر صلاح الدين . وكان فتحه على يد السلطان الملك الظاهر الآن . ~~ذكر صلح أنطرطوس والمرقب قال : وسأل كمندور أنطرطوس ومقدم بيت الإسبتار ~~السلطان على الصلح ، فأجابهم على أنطرطوس خاصة ، خارجا عن صفيتا وبلادها ، ~~وعلى المرقب . واسترجع منهم بلدة وأعمالها وما أخذوه في الأيام الناصرية ، ~~وعلى أن جميع مالهم من المناصفات والحقوق على بلاد الإسلام يتركونه . وعلى ~~أن تكون بلاد المرقب ، وحلف لهم السلطان على ذلك ، وتوجه لتحليف المقدم ~~المذكور بأنطرطوس الأمير فخر الدين المقري الحاجب ، وأخلى الفرنج برج قرميص ~~، وأحرقوا ما لا أمكنهم حمله من موجدوهم ، وتسلم البرج المذكور في هذه ~~الأيام ، وكذلك البرج الذي في بلدة هدم الفرنج بعضه الفرنج بعضه وحرقوه ، ~~ورسم السلطان بهدم باقية . ذكر فتوح حصن عكار قال : ولما رتب السلطان أمور ~~حصن الأكراد توجه إلى حصن عكار ونازله ، وفي PageV30P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" يوم الأربعاء سابع عشر رمضان ، ورتب طلوع ~~المجانيق ، وركب بنفسه على الأخشاب فوق العجل في تلك الجبال إلى أن أوصلها ~~إلى مكان نصبت به ، وشرع في نصيب المجانيق الكبار في العشرين من الشهر . ~~وفي هذا اليوم ، استشهد الأمير ركن الدين منكورس الدواراري ، وكان يصلي في ms7086 ~~خيمته فجاء حجر منجنيق فمات ، رحمه الله تعالى . وفي التاسع والعشرين من ~~الشهر ، طلب أهل الحصن الأمان ورفعت الصناجق السلطانية على أبراجه ، وفي ~~يوم الثلاثاء سلخ الشهر ، خرج أهل حصن عكار منه ، جهزوا إلى مأمنهم ، وعيد ~~السلطان بالحصن " ورحل إلى مخيمه بالمرج . وهذا الحصن يعرف بابن عكار ، ~~وكان بيد المسلمين ، فلما ملك الفرنج طرابلس وغيرها ترددت الرسائل بينهم ~~وبين طغتكين وهو بحمص ، فوقع الاتفاق على أن يكون للفرنج ثلث بلاد البقاع ~~ويتسلمون حصن المنيطرة وحصن عكار ، وإلا يتعرضوا إلى البلاد بغارة . وتقرر ~~معهم أن مصياف وحصن الوادي وحصن الطوبان وحصن الأكراد في الصلح ، ويحمل إلى ~~الفرنج مال عنها . فلما تسلم الفرنج الحصنين عادوا إلى ما كانوا عليه ~~الغارات ، وصار هذا الحصن لما تسلمه الفرنج من أضر شيء على المسلمين ~~المارين من حمص إلى بعلبك ، ولم يكن له كبير ذكر فيما مضى ، إلى ان وصل ~~ريدافرنس إلى الساحل بعد فكاكه من الأأسر بمصر فرآه حصنا صغيرا ، فأشار على ~~صاحبه الأبرنس أن يزيد فيه وهو يساعده في عمارته ، فزاد فيه زيادة كثيرة من ~~جهة الجنوب . وهو في واد بين جبال محيطو به من أربع جهاته . ولما فتحه ~~السلطان الملك الظاهر كتب إلى صاحب طرابلس ما مثاله قبل البسملة : " قد علم ~~القومص يمند - جعله الله ممن ينظر لنفسه ويفكر في عاقبة يومه من أمسه - ~~نزولنا بعد حصن الأكراد على حصن عكار ، وكيف نقلنا المنجنيقات إليها في ~~جبال تستصعبها الطيور لاختيار الأوكار ، وكيف صبرنا في جرها على مناكدة ~~الأوحال ومكابدة الأمطار ، وكيف نصبنا المنجنيقات على أمكنة يزلق عليها ~~النمل إذا مشى ، وكيف هبطنا تلك الأودية التي لو أن الشمس من الغيوم ترى ~~بها ما كان غير جبالها رشا ، وكيف صارت رجالك الذين ما قصرت في انتخابهم ، ~~وحسنت بهم استعانة نائبك الذي انتحى بهم " . PageV30P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" وكتابنا هذا يبشرك أن علمنا الأصفر نصب مكان ~~علمك الأحمر ، وأن صوت الناقوس صار عوضه الله أكبر ، ومن بقي من رجاله ~~أطلقوا ولكن جرحى القلوب والجوارح ، وسلموا ولكن ms7087 من ندب السيوف إلى بكاء ~~النوايح ، وأطلقناهم ليحدثوا القومص بما جرى ، ويحذروا أهل طرابلس أنهم ~~يغترون بحديثك المفتري ، وليروهم الجراح التي أريناهم بها نفادا ، ولينذروه ~~لقاء يومهم هذا ، ويفهموكم أنه ما بقي من حياتكم إلا القليل ، وأنهم ما ~~تركونا إلا على رحيل ، فتعرف كنائسك وأسوارك أن المنجنيقات تسلم عليها إلى ~~حين الاجتماع عن قريب ، ونعلم أجساد فرسانك أن السيوف تقول إنها عن الضيافة ~~لا تغيب ، لآن أهل عكار ما سدوا لها جوعا ، ولا قضت من ريها بدمائهم الوطر ~~، وما أطلقوا إلا لما عاقب شرب دمائهم . وكيف لا ، وثلاثة أرباع عكار عكر . ~~يعلم القومص هذه الجملة المسرودة ويعمل بها ، وإلا فيجهز مراكبه ومراكب ~~أصحابه ، وإلا فقد جهزنا قيودهم وقيوده . وقال المولى محيي الدين عبد الله ~~بن عبد الظاهر : يا مليك الأرض بشرا . . . ك فقد نلت الإرادة إن عكار يقينا ~~. . . هي عكا وزيادته ذكر صلح طرابلس قال : ولما استقر أمر حصن عكار رحل ~~السلطان من منزلته بالأرزوية هو وجميع العساكر والأثقال ، وساق على عزم ~~حصار طرابلس ، فوردت الأخبار أن ملك الإنكتار وصل إلأى عكا ، في أواخر شهر ~~رمضان من هذه السنة ، وصحبته ثلاثمائة فرس ، وثماني بطس وشواني ومراكب ~~تكملة ثلاثين مركبا ، غير ما كان سبقه صحبة استاد داره ، وأنه يقصد الحج . ~~ففتر عزم السلطان ونزل قريبا من طرابلس جريدة ، وتردد الأتابك إلى جهة ~~طرابلس ، والأمير سيف الدين الدوادار واجتمعا بصاحبها . وأراد السلطان قدر ~~ما بقي من الأشجار ، فسير البرنس يطلب الصلح وخرج وزراؤه ، وكتبت الهدنة ~~لمدة عشر سنين . وجهز السلطان فخر الدين من جلبان ، وشمس الدين الأخنائي ~~شاهد الخزانة ومعهما ثلاثة آلاف دينار مصرية لفكاك الأسرى وتوجه السلطان ~~إلى حصن عكار ، ثم عاد إلى مخيمه بالأرزونية ، ثم توجه إلى حصن الأكراد ، ~~PageV30P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" ثم رحل فوصل إلى دمشق في نصف شوال . ذكر فتوح ~~القرين كان حصن القرين إسبتار الأرمن ، ولم يكن لهم بالساحل غيره ، وكان من ~~أمنع الحصون وأضرها على صفد ، فتوجه السلطان إليه من دمشق ، في الرابع ~~والعشرين من شوال ms7088 سنة تسع وستين وستمائة ووصل إلى صفد وجهز منها المجانيق ~~وسار إلى القرين ونازله . وبينما السلطان واقف لنصر المجانيق وردت رسل عكار ~~. واتفق أن السلطان " كان " يرمي نشابا على القلعة فمر به طائر فرماه فإذا ~~فيه بطاقة من جاسوس في العسكر للفرنج مضمونها أخبار السلطان ، وذلك بحضور ~~الرسل ، فسلم السلطان الطائر لهم وقال : " واستصحبوه معكم لتقرأ الفرنج هذه ~~البطاقة ، ونحن نفرح بمن نخبركم بأخبارنا " . وفي مستهل ذي القعدة ملك ~~الربض ، وفي ثانيه أخذ الباشورة ، وأخذت النقوب في السور ، وشرط السلطان ~~للحجارين عن كل حجر ألف درهم . واشتد القتال ، فحضر رسلهم ، وتقرر خروجهم ~~وتوجههم حيث شاءوا ، وأنهم لا يستصحبون مالا ولا سلاحا . وكتب الأمان بذلك ~~، ورفعت الصناجق السلطانية عليها ، وركب السلطان وأصبح على أبواب عكا مطلبا ~~، فما ترك أحد من الفرنج ، وعاد إلى مخيمه بالقرين ، وأمر بهدم القلعة ~~فتكمل هدمها في رابع وعشرين ذي القعدة من السنة . ذكر صلح صور وما تقرر من ~~المناصفة وحضرت رسل صاحب صور ، وحصل الاتفاق على أن يكون لهم من بلاد صور ~~عشرة بلاد خاصا ، وللسلطان خمسة بلاد يختارها تخصه ، وبقية البلاد مناصفة ، ~~وحلف السلطان على ذلك . وجهز الرسل فحلفوا صاحب صور على ما تقرر . ذكر ~~منازلة التتار البيرة وكسرهم على الفرات وقتل مقدمهم جنقر وفي تاسع شهر ~~ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وستمائة وردت الأخبار بحركة التتار ، فجرد ~~السلطان الأمير فخر الدين الحمصي بجماعة من العساكر المصرية PageV30P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" والشامية إلى جهة حارم ، ثم جهز الأمير علاء ~~الدين الحاج طيبرس الوزيري بجماعة من العساكر وجماعة من العربان وعد التتار ~~البر الشامي لقصد الرحبة فتقسم فكر السلطان ليقسمهم على البيرة والرحبة ، ~~ورحل من ظاهر دمشق ، فبلغه رحيل العدو عن الرحبة ، فجد في مسيره ووصل إلى ~~الفرات إلى مخاضة تعرف بمخاضة الحمام ، فوجد التتار قد وقفوا على شط الفرات ~~، وعدتهم قريب الخمسة آلاف فارس ، ومقدمهم جنقر أحد مقدميهم الكبار وحفظوا ~~فم المخاضة . وكان السلطان قد استصحب عدة مراكب من دمشق وحمص فرست في ~~الفرات ، وركب فيها ms7089 الرجالة الاقجية لكشف البر . وعمل التتار مكيدة : وهي ~~أنهم تركوا المخاضة السهلة ووقفوا على مكان بعيد الغور وعملوا الستائر ، ~~فاعتقد المسلمون أن المكان الذي حفظوه هو المخاضة السهلة فخاضوا منه ، وكان ~~العدو قد عملوا سيبا على البر من جانبهم ليقاتلوا من ورائها ، فرتبت ~~العساكر الإسلامية نفوسها بخيولها ، وعاموا أطلابا ، الفارس إلى جانب ~~الفارس ، متماسكين بالأعنة معتمدين على الرماح ، كما قال القائل : فعمنا ~~إليهم بالحديد سباحة . . . ومن عجب أن الحديد يعوم وازدحم الناس وانسكر ~~الماء بهم فصار كالجبال . وطلع المسلمون ، والسلطان في أوائل القوم ، فلم ~~يلبث التتار أن انهزموا أقبح هزيمة ، وقتل مقدمهم جنقر وجماعة كثيرة منهم ~~وأسرت جماعة ، وأقام السلطان إلى العصر وجمع الأسرى ورؤوس القتلى وبات في ~~مكان النصر ، والعساكر لابسة والخيل ملجمة ، وأصبح يوم الاثنين بمنزلته حتى ~~عاد من كان قد ساق خلف العدو ، واستبرئ أمر العدو ، ثم عادت العساكر ، وكان ~~العود عليهم أشق . ولما صار السلطان بالبر الشامي بلغه أن التتار الذين ~~كانوا نازلوا البيرة ومقدمهم درباي قد هربوا وتركوا أزوادهم والمجانيق التي ~~معهم ، ورموا النار في بعض ذلك ، ونزل أهل البيرة وحملوا من ذاك شيئا كثيرا ~~. فنزل السلطان على جبل مشرف قرب البيرة من الجانب الشامي ، وتوجه إليها ~~على الجسر الذي مده العدو وهو جسر كبير تحته المراكب والصواري والسلاسل ، ~~ومعه جماعة من الأمراء ، وأنعم على النائب بها بألف دينار ، و " الأمير سيف ~~الدين " الصروي المجرد بها بألف دينار ، وعم من بها بالتشاريف ، وأنعم على ~~أهل الثغر بمائة ألف درهم ، وجرد بها جماعة زيادة من بها ، وعاد إلى مخيمه ~~، وسار إلى دمشق فدخلها في ثالث جمادى الآخرة والأسرى بين يديه . ~~PageV30P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" ذكر فتوح كينوك كان قد كثر فساد أهل كينوك ~~وتعديهم على التجار والقصاد ، وكتب إلى صاحب سيس في ذلك فلم تفد فيه ~~المكاتبة ، فجرد الأمير حسام الدين العين تأبى مقدم العسكر الحلبي إلى ~~كينوك ، فوصل إليها في ثالث المحرم ، فأخذوا الحوش البراني ، ودخل الأرمن ~~إلى القلعة ، فقاتلهم المسلمون وملكوها وقتلوا الرجال وسبوا الحريم ms7090 ، وأغار ~~العسكر على أطراف طرطوس ونهبوا وسبوا . وهذه كينوك هي الحدث الحمراء التي ~~بناها سيف الدولة على بن حمدان ، ومعنى تسميها كينوك أي المحترقة . وكان ~~قسطنطين صاحب سيس قد أخذها من ملوك الروم السلجقية وأحرقها . وهي التي يقول ~~فيها المتنبي عند بنائها يمدح سيف الدولة في قصيدته التي أولها : " على قدر ~~أهل العزم تأتي العزائم " سل الحدث الحمراء يعرف لونها . . . ويعلم أي ~~الساقيين الغمائم سقتها الغمام الغر قبل نزوله . . . فلما دنا منها سقتها ~~الجماجم بناها على والقنا تقرع . . . وموج المنايا حولها متلاطم وكان بها ~~مثل الجنون فأصبحت . . . ومن حيث القتلى عليها تمائم أن الحد أ وكان من ~~خبرها : أن سيف الدولة بن حمدان سار لبنائها ، وكان أهلها سلموها بالأمان ~~للدمستق ملك الروم ، وفي سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة ، فنزلها سيف الدولة في ~~يوم الأربعاء ثاني جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعبن وثلاثمائة ، فحط الأساس ~~من يومه ، وحفر أول الأساس بيده ، وأقام حتى كمل بناؤها في يوم الثلاثاء ~~ثالث عشر شهر رجب من السنة . ذكر إغارة عيسى بن مهنا على الأنبار وفي سنة ~~لثنتين " وسبعين " وستمائة : رسم السلطان للأمير شرف الدين عيسى ~~PageV30P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" ابن مهنا " أمير العرب " بالإغارة على بلاد ~~العراق ، فوصل إلى الأنبار فوجد بها جماعة من التتار ، وكان السلطان قد ~~اختفى أمره ، فلما وصل عيسى إلى الأنبار توهموا أن السلطان دهمهم ، فعدوا ~~إلى البر الآخر ، واقتتل عيسى وخفاجة ، ودام القتال نصف نهار ، وكانت هذه ~~الإغارة في ثامن عشر شعبان . ذكر الإغارة على مرعش وفي سنة ثلاث وسبعين ~~وستمائة : توجه عسكر حلب صحبة الأمير حسام الدين العين تابي إلى جهة مرعش ، ~~وأغاروا على بلاد سيس ، وحازوا غنائم كثيرة ، وقلعوا أبواب ربض مرعش ، وغرق ~~ربيعة بن الظاهر بن غنام في نهر هناك . ذكر غزوة سيس كان صاحب سيس قد ~~اعتمدوا ما يقتضي فسخ الهدنة التي وقع الإتفاق عليها في سنة ست ستين عند ~~إطلاق ولده ليفون ، وقطع الهدايا المقررة عليه ، وخالف الشروط من أنه لا ~~يجدد بناء ولا يحصن قلعة ، وصار ms7091 لا يطالع بخبر صحيح كما تقرر معه ، ثم لم ~~يقتصر على ذلك إلى أن صار يلبس الأرمن السراقوجات ويخيف القوافل ويدعى أنهم ~~من عسكر التتار ، فاقتضى ذلك أخذ كينوك وإخرابها كما ذكرنا ، فتصور صاحب ~~سيس من ذلك . فذكر السلطان لرسوله سوء اعتماده ، وأرسل إليه يعرفه أنه عزم ~~على قصد سيس ، ثم أسر السلطان في نفسه قصده ولم يبده لأحد ، بل أظهر الحركة ~~إلى الشام وعرض العساكر في يوم واحد تحت القلعة ، وخرج ثالث شعبان سنة ثلاث ~~وسبعين وستمائة ، ووصل إلى دمشق في سلخ الشهر ، وخرج منها في سابع شهر ~~رمضان بجميع العساكر . ولما وصل إلى حماة خرج الملك المنصور صاحب حماة ~~بعساكره ، ثم سار وفي خدمته العساكر والعربان . فجرد الأمير شرف الدين بن ~~مهنا ، والأمير حسام الدين العين تابي إلى جهة البيرة بصورة جاليش العسكر ~~PageV30P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" المنصور فوصلوا إليها . ولما وصل السلطان إلى ~~سرمين رحل منها إلى جهة الدربساك ، وآخر الأثقال وبعض العسكر صحبة الأمير ~~شمس الدين سنقر جاه بسرمين ، وجرد الأمير عز الدين الأفرم أمير جاندار ، ~~والأمير مبارز الدين الطوري لتمهيد جوانب النهر الأسود ، فقطعته العساكر ~~بمشقة . ونزل السلطان بين الدربساك وبغراس ، وأمر جماعة من مقدمي الألوف أن ~~يتوجه كل منهم إلى جهة وطلعوا تلك الجبال ، وأمر الناس بوقود الشموع فقطعوا ~~تلك الجبال والأوعار والمضايق . وكان السلطان قد حمل ثلاثين مركبا لأجل ~~التعدية ، ونزل السلطان داخل باب اسكندرونة خلف السور الذي بناه الملك ~~هيتوم والد ليفون صاحب سيس ، ثم رحل إلى قرب المثقب ، وملكت العساكر جسر ~~المصيصة وملكوا المصيصة ، وغلبت العساكر على ما فيها ، وقتلوا من وجدوا بها ~~، وغنم الناس ما لا يحصى كثرة من البقر والجاموس والغنم ، وحضر إلى الطاعة ~~جماعة كبيرة من التركمان والعربان بمواشيهم وخيولهم ، فجهزهم السلطان إلأى ~~البلاد الإسلامية ، وساق مطلبا في تاسع وعشرين شهر رمضان ، فوصل إلى سيس ، ~~فعدل عنها ووصل دربند الروم ، ووجد بقايا من حريم التتار فسبين ، وعاد فبات ~~في تلك الجبال ، وعيد بمدينة سيس ، وهي كرسي ملك الأرمن ، وبها ms7092 بستان ~~متملكها ومناظره . فانتهبت مدينة سيس وهدمت وأحرقت وتحصن أهلها بقلعتها ~~ولما فرغ من إحراق المدينة وهدم قصور التكفور وعادت الجاليشية بما سبوه من ~~حريم المغول وأولادهم ، وسيقت الغنائم ، وعاد السلطان ورعت العساكر الزروع ~~. ووصل الأمير جمال الدين المحمدي ، والأمير عز الدين الدمياطي إلى طرسوس ~~ووجدوا بها من الخيل والبغال مقدار ثلاثمائة رأس فاستاقوها . وتوجه الأمير ~~مبارز الدين الطوري ، والأمير عز الدين كرجي إلى قريب البحر وقاتلوا جماعة ~~من العدو ، ووجدوا مراكب في البحر فدخلوا إليها وأخذوها وقتلوا من فيها . ~~ووصل الأمير سيف الدين الزيني إلى قلعة البرزين ، ووصل الأمير بدر الدين ~~الأيدمري إلى أذنة ، وغنموا نساء وأطفال . وأغارت العساكر في تلك الجبال ~~وقتلوا رجالا كثيرة ووصل الأمير بدر الدين بيسرى والأمير سيف الدين أيتمش ~~السعدي إلى أياس ، وكان خبر العسكر قد وصل إلى من بها من الفرنج فنقلوا ~~أموالهم إلى المراكب فاحرقت العساكر وقتلت جماعة كبيرة في البر والبحر ، ~~وحضر بعد ذلك كتاب وإلى اسكندرونة يتضمن : أن العساكر لما قصدت أياس ركب ~~جماعة منها من الفرنج والأرمن قريب ألفي نفس هاربين فغرقوا جميعهم ، وأخذ ~~الأمير بدر الدين أمير سلاح جشارات خيول . هذا ما يتعلق بغزوة سيس . ~~PageV30P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" وأما العسكر والعربان الذين توجهوا إلى جهة ~~البيرة فوصلوا إلى رأس عين وغنموا غنائم كثيرة ، وانهزم من كان في تلك ~~الجهة من التتار ، وعاد العسكر سالما منصورا . ووصل السلطان إلى المصيصة ~~وأحرقت من الجانبين . ولما تكامل حضور الأمراء بالغنائم وخروج التركمان ~~والعربان الواصلين إلى الطاعة من الدربندات ، رحل السلطان وعبر على بحيرة ~~بها أغصان ملتفة مثل الغابة وبها جزائر قد تحصن بها جماعة من تلك البلاد ~~ونقلوا إليها حريمهم وأموالهم ، فرمى العسكر نفوسهم فيها عوما بالخيل ~~فقتلوا وسبوا . ثم عبروا على تل حمدون ، وقلعة النقير فعاثت العساكر فيهما ~~، وخرج العسكر من الدربندات فشاهدوا الغنائم قد ملأت المروج طولا وعرضا ، ~~فوقف السلطان بنفسه وفرق الغنائم وعم بها الناس ، وما أخذ لنفسه شيئا منها ~~. ثم سار بعد القسمة فنزل دهليزه بحارم . فقال ms7093 القاضي محيي الدين بن عبد ~~الظاهر : يا ملك الأرض الذي عزمه . . . كم عامر للكفر منه خرب قلبت سيسا ~~فوقها تحتها . . . والناس قالوا سيس لا تنقلب ذكر شيء من أخبار بلاد سيس ~~وسبب استيلاء الأرمن عليها المصيصة بناها عبد الملك بن مروان في أيام أبيه ~~، في سنة أربع وثمانين من الهجرة النبوية . وأما طرسوس فهمي من المدن ~~القديمة ، وفيها دفن الخليفة عبد الله المأمون بن الرشيد كما ذكرنا . ~~وطرسوس وأذنة وما يليهما تسمى قيليقيا ، وتعرف هذه البلاد بالدروب والعواصم ~~، وبها كان الغزو والرباط والجهاد والمثاغرة ، وكانت مضافة إلى مملكة مصر ~~في إمارة أحمد بن طولون ومن بعده ، حتى استولى الروم عليها كما قدمنا ~~واستمرت بيد الروم إلى أن استولى عليها مليح بن ولان الأرمني ، وذلك في ~~أيام العادل نور الدين الشهيد ، بمساعدته ، وهزم " مليح " جيش الروم فقوى ~~عند ذلك البلاد ، وكانت هزيمته للروم في يوم الأحد سلخ شهر ربيع الآخر سنة ~~ثمان وستين وخمسمائة ، وأسر من مقدميهم ثلاثين أسيرا ، فأحسن إليه نور ~~الدين وخلع عليه ، وكتب إلى بغداد يعظم أمر الروم ويذكر أن هذا مليح ~~الأرمني من جملة غلمانه ، وأنه كسر الروم ، ومن بذلك على أهل بغداد . ~~PageV30P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" واستمر ملك هذه البلاد في هذا البيت إلى الآن ~~. نعود إلى أخبار السلطان الملك الظاهر . قال : ثم رحل السلطان وخيم بمرج ~~أنطاكية ، وانبثت العساكر في تلك المروج ورعت الأعشاب ، ثم رحل . ذكر ~~منازلة حصن القصير وفتحه هذا الحصن مما لم يفتحه السلطان الملك الناصر صلاح ~~الدين بن يوسف بن أيوب رحمه الله ، وقيل إنه صالح عليه ، وما زال لمن يكون ~~بابا برومية ؛ والبابا خليفة عند الفرنج ينفذ أمره وحكمه في سائر ملوك ~~الفرنج . وأمر الحصن راجع إلى بترك أنطاكية ، والفرنج تميزه وتؤثره . وأهله ~~أهل شره ومنعه وفساد ، وكان مضرة على الفرعة وتلك الجهات . ولما فتح ~~السلطان أنطاكية سأل أهل القصير الهدنة والمناصفة ، فأجيبوا إلى ذلك كما ~~قدمناه . فما وفوا وأخفوا في المناصفة . ولما وصل صمغار " مقدم التتار " ~~إلى جهة حارم ضرب ms7094 أهل القصير البشائر ، ودلوا على الطريق وأمثال ذلك مما ~~يقتضي فسخ الهدنة . وكان السلطان قد رسم للأمير سيف الدين الدوادار بالتردد ~~إلى كليام النائب بالقصير وإظهار مصافاته . واعتمد ذلك وتوجه المذكور إليه ~~في خامس عشر شوال سنة ثلاث وسبعين وستمائة ، ومعه جماعة من السلاح دارية ~~بصورة أصحابه ، فوصلوا إلى القصير وأظهر الأمير سيف الدين غضبا كون كليام ~~ما خرج للقائه وقصد الرجوع فبلغه ذلك فخرج مسرعا ليسترضيه ويرده ، فأدركه ~~فامتنع من الرجوع . واستدراجه حتى أبعد عن الحصن ، ثم قتل من كان معه وأخذ ~~كليام وأحضره إلى السلطان . فكتب إلى أصحابه بالتسليم فما رجعوا إلى كلامه ~~. فجرد السلطان جماعة من أمراء حلب وهم : سيف الدين الصروي وشهاب الدين ~~مروان وإلى أنطاكية وجماعة من الرجال ، فنازلوا القصير . وتوجه السلطان إلى ~~دمشق واستصحب كليام معه ، وكان شيخا كبيرا وكان ابنه في الأسر ، فمات كليام ~~في الأسر بعد اجتماعه بابنه . ولما اشتد الحصار على القصير وعدموا الأقوات ~~سلموا الحصن المذكور في يوم الأربعاء ثالث وعشرين جمادى الأولى ~~PageV30P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" سنة أربع وسبعين . وحمل أهله إلى الجهات التي ~~قصدوها . ذكر وفاة الأبرنس صاحب طرابلس وما انفق بعد وفاته وفي تاسع شهر ~~رمضان سنة ثلاث وسبعين وستمائة : توفي الأبرنس بيمند بن بيمند صاحب طرابلس ~~. ووصل ملك قبرص ، وهو ابن عم الأبرنس إلى طرابلس لتعزية ولده ، وكان ~~السلطان قد كتب إلى البرنس يقول : " إن اللاذقية النصف ، فتترك النصف الآخر ~~فإنه من حقوق المسلمين " . فلما سمع الفرنج ذلك قووا البرج ، وخاف المسلمون ~~عاديتهم . فرسم السلطان لركن الدين النائب ببلاطنس بنقل من باللاذقية من ~~المسلمين إلى البلاد السلطانية . فوصل كتاب نائب البرنس الذي باللاذقية ~~يذكر أنهم ما برحوا في الطاعة ، وقد عز عليهم خروج من عندهم . ووردت رسل ~~ملك عكا وهو يشفع عند السلطان قد سير عسكرا للحوطة على عرقا ومغل بلادها ، ~~فسير ملك عكا وقبرص يتوسل في أمرهم ، وسأل إنفاد من يوثق به لأجل الدعاوى ، ~~ويكون منه إلى نواب السلطان ومن ملك عكا إلى نواب البرنس . فسير ms7095 الأمير سيف ~~الدين الدوادار فتوجه إلى عرقا . وأقام بها ، فاجتمع عنده نائب بعلبك ، ~~وولاه البر ومشايخ البلاد ومستخدميها ونواب الفرنجية . وكتبت الدعاوى ~~وترددت الرسل . واتفقت وفاة الأمير صارم الدين الظافري النائب بحصن الأكراد ~~، فبقي الفرنج يعتذرون به وأنكروا الدعاوى ثم سأل الملك حضور الأمير سيف ~~تالدين إلى طرابلس فدخلها في ثامن المحرم في تجمل كثير من المماليك ~~السلطانية ومماليكه وأجناده ، وتلقاه أبناء الملوك بها ، واجتمع بالملك ~~وسلم إليه كتاب السلطان ، وتقرر على الفرنج القيام بعشرين ألف دينار صورية ~~وعشرين أسيرا من المسلمين . ذكر غزوة النوبة وفي سنة أربع وسبعين وستمائة : ~~كثر تعدي داود متملك النوبة ، وحضر إلى قريب أسوان وأحرق سواقي . وكان قبل ~~ذلك قد حضر إلى عيذاب ، وفعل الأفعال الشنيعة . وتوجه الأمير علاء الدين ~~الخزندار وإلى قوص إلى أسوان فلم يدركه وظفر بنائبه الأمير قمر الدين " ~~بقلعة " الدو المسمى صاحب الجبل وجماعة معه ، فجهزهم إلى PageV30P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" السلطان فوسطوا . وأمر السلطان بتجريد الأمير ~~شمس الدين أفسنقر استاد الدار ، والأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندار ~~، وصحبتهم جماعة من العسكر ومن أجناد الولايات والعربان بالوجه القبلي . ~~وكان قد حضر ابن أخت ملك النوبة مرمشكد الذي أخذ داود الملك منه . فجهز ~~العسكر المنصور وتوجه " مرمشكد " صحبتهم . فأغار الأمير عز الدين على قلعة ~~الدو وقتل وسبى ، وسار الأمير شمس الدين في أثره يستأصل شأفه من بقي ، ونزل ~~الأمير شمس الدين بجزيرة ميكائيل وهي رأس جنادل النوبة ، وهي كثيرة الأوعار ~~وفي وسط البحر ، فقتلوا وأسروا . وكان نائب قلعة الدو الذي ولى عوض الموسط ~~قد هرب إلى الجزائر ، فأعطى أمانا واستمر على نيابته ، وحلف لمرمشكد ~~المتوجه صحبة العسكر ما دام على الطاعة . وخاص الأمير عز الدين في وسط ~~البحر إلى برج فحاصره ، وأخذه وقتل به مائتين وخمسين نفرا . ثم ساق العسكر ~~والتقوا الملك داود ، ومازال السيف يعمل فيهم حتى أفناهم وما سلم إلا من ~~ألقى نفسه في البحر . وهرب داود ، وأسر أخوه سنكوا . وجرد جماعة من العسكر ~~وساقوا ثلاثة أيام وأمسكوا أم الملك ms7096 داود وأخته . وقرروا على الملك مومشكد ~~المتوجه صحبة العسكر قطيعة في كل سنة وعرض على أهل النوبة الإسلام أو ~~القيام بالجزية أو القتل ، فاختاروا القيام بالجزية وأن يقوم كل واحد ~~بدينار عينا ، وحرقت كنيسة سوس التي كان داود يزعم أنها تحدثه بما يؤديه . ~~وكان داود قد بنى مكانا سماه عيذاب عمره على أكتاف المسلمين " الذين أسرهم ~~من عيذاب وأسوان " وفيه منازل وكنائس ، وميدان صور فيه قتلى المسلمين ~~بعيذاب وأسرهم بأسوان ، فمحيت لك النصاوير منه وخرب وتقرر حمل ما هو مخلف ~~عن الملك داود واقاربه . وكانت إقامة العسكر بدنقلة سبعة عشر يوما حتى ~~تمهدت البلاد واستنقذت أسرى المسامين المأسورين من أسوان وعيذاب ، وألبس ~~مركشد التاج على عادة ملوك النوبة ، وأجلس بمكان الملك " داود " وحلف ~~اليمين العظيمة عندهم على ما تقرر وهي : " والله ، والله والله ، وحق ~~الثالوث المقدس ، والإنجيل الطاهر : والسيدة الطاهرة العذراء أم النور ~~والمعمورية ، والأنبياء المرسلين والحواريين والقدسيين ، والشهداء ~~PageV30P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" الأبرار . وألا أجحد المسيح كما أجحده بودس ، ~~وأقول فيه ما يقول اليهود وأعتقد ما يعتقدونه . وألا أكون بودس الذي طعن ~~المكسيح بالحربة ، أنني أخلصت نيتي وطويتي من وقتي هذا وساعتي هذه للسلطان ~~الملك الظاهر ركن الدنيا والدين بيبرس ، وأنى أبذل جهدي وطاقتي في تحصيل ~~مرضاته ، وأني ما دمت نائبه لا أقطع ما قرر على في كل سنة تمضي ، وهو ما ~~يفضل من مشاطرة البلاد على ما كان يتحصل لمن تقدم من ملوك النوبة ، وأن ~~يكون النصف من المتحصل للسلطان مخلصا من كل حق ، والنصف الآخر أرصده لعمارة ~~البلاد وحفظها من عدو يطرقها ، وأن يكون على كل سنة : من الأفيلةثلاثة ، ~~ومن الزرافات ثلاث ، ومن إناث الفهود خمس ، ومن الصهب الجياد مائة ، ومن ~~الأبقار الجياد المنتخبة أربعمائة . وأنني أقرر على كل نفر من الرعية الذين ~~تحت يدي في البلاد من العقلاء البالغين دينارا عينا ، وأن تفرد بلاد العلى ~~والحيل خاصا للسلطان . وأنه مهما كان لداود ملك النوبة ولأخيه سنكوا ولأمة ~~وأقاربه ، من قتل من عسكره بسيوف العساكر المنصورة ، أحمله إلى ms7097 الباب ~~العالي مع من يرصد لذلك . وأثنى لا أترك شيئا منه قل ولا جل ، ولا أخفيه ~~ولا أخفيه ولا أمكن أحدا من إخفائه ، ومتى خرجت عن جميع ما قررته أو شيء من ~~هذا المذكور أعلاه كله كنت بريئا من الله تعالى ، ومن المسيح ، ومن السيدة ~~الطاهرة ، وأخسر دين النصرانية ، وأصلى إلى غيره الشرق ، وأكفر بالصليب ، ~~وأعتقد ما تعقد اليهود ، وإني لا أترك أحدا من العربان ببلاد النوبة ، ومن ~~وجدته منهم أرسلته إلى الباب السلطاني ، ومهما سمعت من الأحبار السارة ~~والنافعة طالعت به السلطان في وقته وساعته ، ولا أنفرد بشيء من الأشياء إذا ~~لم تكن مصلحة ، وأنني ولي من والي السلطان وعدو من عاداه ، والله على ما ~~تقول وكيل . " " ثم هذا عهد آخر صادر من أمير بطاعة مرمشكد وبطاعة بيبرس . ~~" " وحلفت الرعية أيضا بتلك الجهات بأنهم يطيعون نائب السلطان ، وهو الملك ~~مرمشكد المقيم برنقلة ، وكل نائب يكون للسلطان أطيعه ولا أرى عليه برأي ، ~~ولا أخبي عنه مصلحة ، وكل ما أسمعه من الأخبار الجيدة والردية أطالع نائبه ~~به ، ومتى علمت على نائبه الملك مرمشكد أمرا يخالف المصلحة لا أطيعه فيه ~~وأطالع السلطان به في الوقت والساعة . وأنني لا أدخل في حكم داود ، ولا ~~أكون معه ، ولا أطالعه بخبر من الأحبار ، ولا أرتضي به ملكا ، ورضيت بأن ~~أقوم بدينار عينا في كل سنة خالية على " . PageV30P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" وعاد العسكر وأحضر من النوبة ما نذكر ، وهو ~~ما وجد في كنيسته سوس من الصلبان الذهب وغيرها : أربعة آلاف وستمائة ~~وأربعون دينارا ونصف ، وأواني فضيات ثمانية آلاف وستمائة وستون دينارا ، ~~والذي أحضر من الرقيق ، وسبعمائة رأس . وأما الملك دواد فإنه هرب إلى جهة ~~الأبواب ، فقاتله صاحبها الملك أدر ، وقتل ولده ، وأمسكه وسيره إلى السلطان ~~. ذكر غزوات النوبة في الإسلام أول ما غربت النوبة في سنة إحدى وثلاثين ~~للهجرة النبوية ، غزاها عبد الله بن سعد في خمية آلاف فارس ، وأصيب في ذلك ~~اليوم معاوية بن حديج في عينه ، وأصيب أبرهة الصباح في عينه ، واصيب أبرهة ~~الصباح ms7098 في عينه ، وكانوا يسمون النوبة : رماة الحدق . وهادنهم عبد الله بن ~~سعد بعد أن وصل دنفلة . وفي ذلك يقول الشاعر : لم تر عيني مثل يوم دنفلة . ~~. . والخيل تعدو بالدروع مثقلة ترى الحماة حولها مجدلة . . . كأن أرواح ~~الجميع مهملة وقال يزيد بن أبي حبيب : " ليست الموادعة بين أهل مصر والنوبة ~~موادعة هدنة ، وإنما هي هدنة أمان ، نعطيهم سيئا من قمح وعدس ، ويعطونا ~~رقيقا ، ولا بأس بما يشترب من رقيقهم " . وكان البقط المرتب على النوبة وهو ~~الرسم على ما قرر : في كل سنة أربعمائة رأس من الرقيق ، وزرافة واحدة . ~~لأمير المؤمنين ثلاثمائة وستون رأسا ، وللنائب بمصر أربعون رأسا . ويطلق ~~لرسله ، إذا وصلوا بالقبط تاما ، ألف وثلاثمائة أردب قمح ، لرسله منها ~~ثلاثمائة . وقال البلاذري في كتاب الفتوحات : " إن المقرر على النوبة ~~أربعمائة رأس يأخذون بها طعاما أي غلة " . وألزمهم المهدي العباسي ~~بثلاثمائة وستين رأسا ورزافة . ثم غزيت في زمن عبد الملك بن مروان ، ولم ~~تفتح وإنما كان قتال ونهب وسبي . PageV30P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" وغزاها يزيد بن أبي حاتم بن قبيصة بن المهلب ~~بن أبي صفرة ، على يد عبد الأعلى بن حميد وغزاها أبو منصور تكين التركي هي ~~وبرقة في عام واحد ، ولم تفتح النوبة . ثم غزاها كافور الإخشيدي ، وكان ~~أكثر جيشه السودان . فقال الشاعر : ولما غزا كافور دنقلة غدا . . . بجيش ~~لطول الأرض من مثله عرض غز الأسود السودان في رونق الضحى . . . فلما التقى ~~الجمعان أظلمت الأرض ثم غزاها ناصر الدولة بن حمدان ، فكبسه السودان ، ونهب ~~جيشه ، وأخذت أثقاله ، وذلك في سنة تسع وخمسين وأربعمائة في أيام المستنصر ~~العبيدي . ثم غزاها بعد ذلك شمس الدولة توران بن أيوب أخو الملك الناصر ~~صلاح الدين يوسف في سنة ثمان وستين وخمسمائة ، ولم يصل إلا إلى أبريم . وكل ~~هذه غزوات ، وإنما الفتح هذا . ذكر غزوة الروم وقتل التتار قد ذكرنا في ~~أخبار السلطان في سنة خمس وسبعين وستمائة ؛ طاعة أمراء الروم ووصولهم إلى ~~خدمة السلطان ، وإكرامه لهم وإحسانه إليهم وما عاملهم به . ولما وصل ~~السلطان إلى الديار ms7099 المصرية في رابع عشر شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين ~~وستمائة . أقام بها إلى شهر رمضان منها ثم عزم على السفر . وجهز من وصل ~~إليه من أمراء الروم بالخيول والخيام وغير ذلك وتوجه من قلعة الجبل ~~المحروسة ، بعساكر الديار المصرية في يوم الخميس العشرين من شهر رمضان من ~~السنة . ورتب الأمير شمس الدين أفسنقر أستاد الدار في النيابة عنه بقلعة ~~الجبل والصاحب بهاء الدين وجعلهما في خدمة ولده الملك السعيد . واستصحب معه ~~الصاحب زين الدين أحمد بن الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين وزير ~~الصحبة ، وهي أول سفرة سافرها صحبته ، واستصحب أكثر كتاب الإنشاء ، وفوض في ~~هذا اليوم نظر الجيوش للقاضي عز الدين إبراهيم بن الوزير الأعز فخر الدين ~~مقدام بن شكر ، والشهادة به للقاضي شمس الدين الأرمني ، واستصحبها صحبته . ~~PageV30P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" ثم رحل يوم السبت ثاني عشرين الشهر وصحبته ~~أمراء الروم ، وسار فما مر بمملكة إلا واستصحب عسكرها وخزائنها وأسلحتها ، ~~وكان وصوله إلى دمشق في يوم الأربعاء سابع عشر شوال ، وخرج منها متوجها إلى ~~حلب في يوم السبت العشرين من الشهر ، وكان وصوله إلى حلب في يوم الأربعاء ~~مستهل ذي القعدة ، وخرج منها في يوم الخميس ثاني الشهر إلى حيلان فترك بها ~~بعض الثقل ، وتقدم إلى الأمير نور الدين علي بن مجلي نائب السلطة بحلب أن ~~يتوجه إلى الساجور ، ويقيم على الفرات بمن معه من عسكر حلب ، لحفظ معابر ~~الفرات ، خشية أن يعبر منها أحد من التتار إلى الشام . ووصل إلى الأمير نور ~~الدين ، الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا . ولما اتصل خبر نزول هذا الجيش ~~بالتتار المقدمين بالعراق جهزوا إليهم جماعة من عرب خفاجة لينالوا من ~~العسكر غرة ، فاتصل خبرهم بالأمير نور الدين " نائب حلب وهو على الفرات " ~~فركب إليهم وقاتلهم وهزمهم ، وأخذ منهم ألفا ومائتي جمل . ورحل السلطان من ~~حيلان يوم الجمعة ثالث الشهر إلى عين تاب ثم إلى دلوك ، ثم إلى مرج الديباج ~~ثم إلى كينوك ، ثم رحل منها إلى كراصوا ، ثم إلى ms7100 أقجا دربند ، فوصله يوم ~~الثلاثاء سابع الشهر فقطعه في نصف نهار ، وبات في وطأة هناك . وقدم الأمير ~~شمس الدين سنقر الأشقر في جماعة من العسكر جاليشا ، فوقع على ثلاثة آلاف ~~فارس من التتار مقدمهم كرأي ، فهزمهم وأسر منهم وقتل ، وذلك في يوم الخميس ~~تاسع الشهر . ثم ورد الخبر على السلطان أن عسكر المغل ومقدمهم تتاون وعسكر ~~الروم ومقدمهم " معين الدين " البرواناه قد قربوا من العسكر ، فرتب السلطان ~~وطلعت العساكر على جبال مشرفة على صحراء هوني من بلد أبلستين ، وكان العدو ~~في تلك الليلة قد بات على نهر جهان ، وهو نهر جيحان ، فأقبل المسلمون من ~~علو الجبل ، وترتبت المغل أحد عشر طلبا بمفرده " لئلا يكون مخامرا عليهم " ~~. PageV30P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" وكان أبغا بن هولاكو قد انتخب هذا الجيش من ~~عسكره ، وكان فيه جماعة من أكابر مقدمي المغل . فوقف السلطان وتقدم إليهم ~~جماعة من مماليكه وخواصه ، فأخلدت فرقة منهم إلى الأرض وقاتلوا قتالا شديدا ~~، وحملت فرقة منهم من ميسرتهم واستدارت خلف الصناجق السلطانية ، فحمل ~~السلطان عليهم ، فانجلت الحرب عن قتل التتار ، وكان من بقي منهم كما قيل : ~~فلزهم الطراد إلى قتال . . . أحد سلاحهم فيه القذاره وكانت وقعة عظيمة ~~مشهورة فثبت فيها المغل . واستشهد من المسلمين في هذا اليوم شرف الدين ~~قيران العلائي أحد مقدمي الحلقة ، وعز الدين أخو المحمدي . ونزل السلطان في ~~المنزلة التي كان العدو نازلا بها ، وأحضرت بين يديه الأسارى من المغل ، ~~فاستبقى السلطان بعض أكابرهم وقتل من بقي منهم ، وأسر جماعة من أكابر أمراء ~~الروم ، ووصل جماعة منهم إلى الخدمة . وكان ممن أسر ووصل من الروم بكلاء بن ~~البرواناه ومعه ولد أخته ، وولد خواجا يونس ، والأمير نور الدين بن جاجا ، ~~والأمير قطب الدين أخو الأتابك ، والأمير سراج الدين جاجا ، وسيف الدين ~~سنقر جاه الزوباشي ، ونصرة الدين صاحب سيواس ، والأمير كمال الدين ، عارض ~~الجيش بالروم ، وحسام بركاول ، قريب البرواناه ، وسيف الدين بن عليشير ~~التركماني ، والأمير سيف الدين جاليش النائب بالروم ، وهو أمير داد ، ~~ومعناه أمير العدل ، وظهير الدين فتوح مشرف ms7101 الممالك ، ومرتبته دون الوزارة ~~، والأمير نظام الدين أوحد بن الأمير شرف الدين بن الخطير وإخواته ، وقاضي ~~القضاة حسام الدين قاضي الروم ، ومظفر الدين بن حجاف ، وأولاد الأمير صارم ~~الدين بن الخطير ، وجماعة من أصحابهم ، وسيف الدين كجكنا الجاشنكير ، ونور ~~الدين المنجنيقي ، واولاد رشيد الدين صاحب ملطية كمال الدين وإخوته ، وأمير ~~على صاحب كركر ، وأكثر هؤلاء حضروا بيوتهم وأولادهم ، وأما البرواناه فإنه ~~هرب . PageV30P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" قال القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد ~~الظاهر في السيرة الظاهرية : وأما البرواناه فإنه شمر الذيل وامتطى هربا ~~أشهب الصبح وأحمر الشفق وأصفر الأصيل وأدهم الليل ، ودخل قيسارية في وقت ~~السحر من يوم الأحد ثاني عشر الشهر ، فأفهم سلطانها غياث الدين كيكاوس بن ~~كيخسرو والصاحب فخر الدين وزيرها ، والأتابك مجد الدين والأمير جلال الدين ~~المستوفي ، والأمير بدر الدين ميكائيل النائب ، والطغرائي وهو ولد أخي ~~البرواناه : أن جيش الإسلام كسر بعض المغل ، وأن بقية المغل انهزموا ويخشى ~~أن يدخل المغل قيسارية ويقتلون من بها حنقا على الإسلام ، فأخذهم وأخذ ~~زوجته بنت غياث الدين صاحب أرزن الروم ، وتوجهوا كلهم إلى توقات . ولهذه ~~كرجي خاتون " امرأة البرواناه " أربعمائة جارية استصحبن معها . وكانت أم ~~هذه كرجي خاتون ملكة الكرج . وتوقات مكان حصين مسيرة أربعة أيام من قيسارية ~~. وجرد السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بجماعة لإدراك من انهزم من ~~المغل ، والتوجه أمامه إلى قيسارية ، وكتب بتأمين أهلها . فمر بفرقة من ~~التتار معهم البيوت ، فأخذ عنهم جانبا . وحال بينهم الليل ، فمر كل منهم في ~~جهة . ورحل السلطان يوم السبت حادي عشر الشهر من مكان المعركة ونزل قريبا ~~من قرية رمان ، وهي قريب الكهف والرقيم حقيقة كما نقل ، لا ما يقال إن ~~الكهف والرقيم من عمل بيسان والبلقاء . وقرية رمان هذه بيوتها مبنية حول سن ~~جبل قائم كالهرم ويطوف بها جبال كأنها أسوار ، ويخرج منها أنهار عليها ~~قناطر لا تسع غير راكب . واشتدت الأمطار ، ثم سار بكرة النهار إلى الليل ، ~~ونزل بوطأة من أعمال صاروس العتيق ، وبقربها معدن الفضة . فأتى ms7102 السلطان ~~مخبر أن التتار في فجوة هناك بالعساكر فعاقته كثرة الأمطار فعاد وبات في ~~تلك المنزلة . واصبح فسلك جبالا وعرة ، ومر على قرية أوترال ومنها إلى خان ~~قريب من حصن سمندو ، وكان السلطان قد سير كتابا إلى نائبها ، فقبله وأذعن ~~إلى النزول عنها إن أمره السلطان ، فشكره وأحسن إليه ، وكذلك متولي قلعة ~~درندا ، ووالى دوالوا ، أجابوا كلهم إلى الطاعة . ثم نزل PageV30P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" السلطان قرية قريبة من قيسارية شرقي جبل عسيب ~~، وركب يوم الأربعاء ، نصف ذي القعدة سنة خمس وسبعين وستمائة ، والعساكر في ~~خدمته ، وخرج أهل قيسارية ، العلماء والأكابر وغيرهم حتى النساء والأطفال ~~فتلقوا السلطان ، وكان دهليز صاحب الروم وخيامه قد نصبت في وطأة كينجسرو ~~قريبا من المناظر التي لملوك الروم ، فنزل السلطان به ، وارتفعت أصوات ~~العالم بالتهليل والتكبير ، وضربت به نوبة آل سلجق على العادة ، وحضر أصحاب ~~الملاهي فردوا ، واعتمد السلطان على الأمير سيف الدين جاليش في النيابة ، ~~وكان أولاد قرمان " أمراء التركمان " قد رهنوا أخاهم الصغير على بك بالروم ~~، فخرج إلى السلطان فأكرمه ، وطلب منه توافيع وصناجق له ولأخوته فأعطاه ~~وتوجه ، وكتب السلطان إليهم في الحضور إلى خدمته ، وأكد في ذلك . فكان من ~~خبرهم في الوصول إلى بلاد الروم بعد رحيل السلطان ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى . قال : ثم ركب السلطان في يوم الجمعة سابع عشر الشهر ، وعلى رأسه ~~جتر بني سلجق ودخل قيسارية . وكانت دار السلطانة قد هيئت لنزوله ، وتحت آل ~~سلجق قد نصب لحلوله ، فجلس في مرتبة السلطنة بكرة النهار ، وحضر القضاة ~~والفقهاء والوعاظ والقراء والصوفية وأعيان قيسارية ، وذوو المراتب على ~~العادة السلجقية في أيام الجمع ، ووقف له أمير المحفل - وهو عندهم ذو حرمة ~~ومكانه ، وعليه أكبر ثوب وأكبر عمامة - فرتب المحفل ، وقرأ القراء ، ثم ~~أنشد أمير المحفل بالعربية والعجمية مدائح في السلطان . ومد السماط ، فأكل ~~من حضر وانصرفوا . وتهيأ السلطان السلطان لصلاة الجمعة وحضر إلى الجامع ~~وصلى ، وخطب الخطباء في جوامع قيسارية باسمه ، وهي سبعة جوامع . ثم عاد إلى ~~دار السلطنة وأحضر بين ms7103 يديه دراهم عليها السكة الظاهرية . وظهر لمعين الدين ~~سليمان البرواناه ولزوجته كرجى خاتون موجود عظيم ، فحمل إلأى السلطان وكذلك ~~موجود من نزح ؛ ففرق أكثره على أمرائه . وحكى الصاحب عز الدين بن شداد في ~~السيرة الظاهرية قال : حكى لي من أثق به أن البرواناه بعث إلى السلطان لما ~~دخل قيسارية يهنئه بالجلوس على التخت ، فكتب إليه يأمره بالوفود عليه ~~ليوليه فكتب إليه يسأله أن ينتظره خمسة عشر يوما ، وكان مراده PageV30P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" أن يصل إلى أبغا ويحثه على المسير " بنفسه " ~~والسلطان بالبلاد ، فسلم يدر ذلك في حدس السلطان . فاجتمع تتاون بالأمير ~~شمس الدين سنقر الأشقر وعرفه قصد البرواناه في طلبه الانتظار ، وأن مقصده ~~أن السلطان يتربض حتى يدركه أبغا في البلاد ، فكان ذلك سبب رحيل السلطان عن ~~قيسارية . ذكر رحيل السلطان عن قيسارية وهرب عز الدين أيبك الشيخي ولحاقة ~~بأبغا وعود السلطان إلى ممالكه كان رحيل السلطان من قيسارية في يوم الاثنين ~~العشرين من ذي القعدة ، وقيل في الثاني والعشرين منه ، لقلة الأقوات ، وقيل ~~للسبب الذي تقدم ذكره ، وجعل على يزكه الأمير عز الدين أيبك الشيخي ، وكان ~~السلطان قد ضربه لسبقه الناس وتقدمه ، فحقد ذلك . وتسحب يومئذ والتحق بأبغا ~~بن هولاكو . ونزل السلطان بقيرلو فورد عليه فيها رسول البرواناه ، ومعه رجل ~~آخر اسمه ظهير الدين الترجمان ، وهو يستوقف السلطان من الحركة ، وما كانوا ~~علموا بقصد السلطان في مسيره إلى أية جهة ، وكان الخبر قد شاع أن حركة ~~السلطان إلى سيواس ، فأجاب السلطان البرواناه : " أن كتبك وكتب غيرك كانت ~~تأتيني واشترطتم شروطا لم تفوا بها ولا فقتم عندها ، وقد عرفت الروم وطريقة ~~، وما كان جلوسنا على التخت رغية فيه إلا لنعلمكم أنه لا عائق لنا عن شيء ~~نريده بحول الله وقوته ، ويكفينا أخذنا أمك وابنك وابن بنتك وما منحناه من ~~النصر الوجيز ، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز . " ثم رحل ، ونزل ~~خان كيقباد فلما نزل به بعث الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري إلى قرية ~~رمانة فحرقها ، وقتل من كان ms7104 بها من الأرمن وسبى حريمهم ، لأنهم كانوا قد ~~أخفوا جماعة من المغل . ولما رحل السلطان من منزلة روزان كودلوا مر في وطأة ~~خلف حصن سمندر من طريق غير الطريق الذي كان توجه عليها إلى قيسارية . ويعرف ~~هذا المكان بقزل صو ، ومعناء النهر الأحمر ، وهو بعيد المستقى ، كثير الزلق ~~والوحل ، فوقف السلطان وجرد سيفه حتى بسطت جملة من اللبابيد الحمر تحت ~~حوافر الخيل وأخفاف الجمال ، ووقف راجلا حتى عبر الناس أولا فأولا ، ثم ركب ~~وعبر ونزل في واد فيه مرعى ، ثم رحل إلى صحراء فراحا بالقرب من بازاريلوا . ~~وهذا البازار هو الذي كانت الخلائق تجتمع إليه من أقطار الأرض ، ويباع فيه ~~كل شيء يجلب من الأقاليم . PageV30P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" ثم رحل يوم السبت وسار إلى وطأة أبلستين ومر ~~بمكان المعركة لمشاهدة رمم التتار ، وحضر جماعة من أهل أبلستين ، وسئلوا عن ~~قتلى التتار ، فقال رجل منهم : " عددت ستة آلاف وسبعمائة وسبعين من المغل ~~خاصة في المعركة غير من قتل خارجها " . ولما بلغ السلطان أقجا دربند بعث ~~الأثقال والخزائن والصناجق صحبة الأمير بدر الدين بيليك الخزندار ليعبر بها ~~الدربند ، وتأخر السلطان ساقة العسكر يوم الأأحد ، ورحل يوم الاثنين فدخل ~~الدربند ، وحصل للناس مشقة ، ولما خرجوا منه قطعوا النهر الأزرق ، وبات . ~~ثم رحل السلطان فنزل قريبا من كينوك ، ثم نزل يوم الثلاثاء سادس ذي الحجة ~~قريبا من حارم ، ونزل بعساكره هناك وعيد عيد الأضحى ، ووصلت إليه رسل ~~الأمير شمس الدين محمد بن قرمان أمير التركمان وكتبه بما اعتمده بالروم بعد ~~عود السلطان ، وأنه حضر في عشرين ألف فارس من التركمان وثلاثين ألف راجل ~~متركشة إلى خدمة السلطان فلم يدركه . ذكر ما اعتمده الأمير شمس الدين محمد ~~بك بن قرمان أمير التركمان في البلاد الرومية كان الأمير شمس الدين المذكور ~~قد باين التتار ونابذهم ، وخرج عن طاعتهم وطاعة الروم ، وانحاز إلى السواحل ~~. فلما بلغه خبر كسرة التتار ووصول السلطان إلى قيسارية جمع جموعا كثيرة من ~~التركمان وقصد أقصرا ، فلم ينل منها طائلا فرحل عنها وقصد ms7105 قونية في ثلاثة ~~آلاف فارس ونازلها ، فغلق أهلها أبوابها في وجهه ، فرفع على رأسه صناجق ~~السلطان التي سيرها مع أخيه علي بك ، وبعث إليهم يعرفهم أن السلطان الملك ~~الظاهر كسر التتار ودخل قيسارية وملكها ، فقال أهل البلد : " أما الأبواب ~~فنحن لا نفتحها ، ولكن أحرقوها وأذخلوا فنحن لا نمنعكم " ، فأحرقوا باب ~~الفاخراني ، وباب سوق الخيل ودخلوا قونية يوم عرفة ، وهو يوم الخميس . وكان ~~النائب بها إذ ذاك أمين الدين ميخائيل . فقصد من معه داره ودار غيره من ~~الأمراء ، والأسواق والخانات فنهبوها ، ثم ظفروا بأمين الدين ، فأخرجوه إلى ~~ظاهر البلد وعذبوه إلى أن استأصلوا ماله ثم قتلوه وعلقوا رأسه داخل البلد ، ~~وامتنع أهل البلد من تسليمها ، فاعملوا الحيلة ، ورتبوا رجلا على أن يتوجه ~~إلى قمين من أقمنة حملم عينوه له ، فإذا رأى هناك شابا رمى نفسه عليه وقبل ~~رجليه ، فإذا قال له الشاب : " من اين تعرفني ؟ " فيقول : ما أنت ~~PageV30P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" علاء الدين كيخسروا بن السلطان عز الدين ~~كيقباذ " أنسيت تربيتي لك وحملك على كتفي ؟ " وليكن ذلك بمشهد من العامة ، ~~فلما فعل ذلك وسمعت العامة ما دار بين الرجل والشاب ازدحموا عليه ، وإذا ~~جماعة من التركمان كان قد رتب معهم أنهم إذا رأوا العامة قد أحدقوا به ~~فيأخذونه من بين أيديهم ويحملونه إلى الأمير شمس الدين محمد بك ، ففعلوا ~~ذلك ، فلما رآه أقبل عليه وضمه إليه ، وعقد له لواء السلطنة وحمل االصناجق ~~على رأسه ، وذلك في الرابع عشرين ذي الحجة ، فلما رأى أهل قونية ما فعلوه ~~حملتهم المحبة في آل سلجوق على متابعتهم ، ثم نازلوا القلعة ، فامتنع من ~~فيها من تسليمها ، فحاصروها ، ثم تقرر بينهم الصلح على تسليمها ويعطى من ~~فيها سبعون ألف درهم ، فدخلوها وأجلسوا علاء الدين فيها على تخت الملك ، ثم ~~بلغ ابن قرمان والتركمان أن تاج الدين محمدا ، ونصرة الدين محمود ، ابنا ~~الصاحب فخر الدين خواجا على ، قد حشدا وقصداهم ، فسار " ابن قرمان " إليهما ~~وعلاء الدين معه ، فالتقوا على آمد شهر ، فكسرها وقتلهما ، وقتل خواجا سعد ~~الدين يونس ms7106 بن سعد الدين خسرو بك بن شمس الدين يوناس بكلارتسي ، وأخذوا ~~رؤوسهم وعادوا بهم إلأى قونية في آخر ذي الحجة . واستمروا بقونية إلى ان ~~دخلوا سنة ست وسبعين وستمائة ، فبلغهم أن أبغا وصل بعد خروج الملك الظاهر ~~من الروم إلى مكان الوقعة ، فرحلوا عن قونية إلى جبالهم . وكانت مدة مقامهم ~~بقونية سبعة وثلاثين يوما . ذكر وصول أبغا إلى بلاد الروم ومشاهدته مكان ~~الوقعة وما فعله بأهل الروم من القتل والنهب كان البرواناه معين الدين لما ~~تمت الهزيمة على التتار وعليه ، قد كتب إلى أبغا يستنصر به ويستحثه على ~~الوصول إلى بلاد الروم ، فتوجه أبغا إلى الروم ، ولما شارف PageV30P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" البلاد خرج إليه البرواناه بمن معه ، وتوجه ~~في خدمته بالعساكر إلى أن وصل إلى البلستين ، ووقف على موضع المعركة ، ~~فتأسف على المغل وبكى ، ثم قصد منزلة السلطان الملك الظاهر ، فقاسها بعصا ~~الدبوس فعلم عدة من كان نازلا بها من العساكر وأنكر على البرواناه كونه لم ~~يغرفه جلية حال العسكر ، فاعتذر بأنه ما علم بذلك ، وأن العسكر حضر بغتة ، ~~فلم يقبل عذره . وكان الأمير عز الدين آيبك الشيخ في خدمة أبغا ، فقال له : ~~أرني مكان الميمنة والقلب والميسرة فأقام له في كل منزلة رمحا ، فلما رأى ~~بعد ما بين الرماح قال : " ما هذا العسكر الذي حضر معي يكفي هؤلاء " ، وكان ~~في خدمته من عسكره ثلاثون ألف ، وكان قد سيرهم إلى الشام فأعادهم من كينوك ~~، وتوجه إلى قيسارية وسأل أهلها فقال : " هل كان مع صاحب مصر جمال ؟ " ، ~~فقالوا : " لم يكن معه إلا خيل وبغال " ، فقال : " هل نهب منكم شيئا ؟ " ، ~~قالوا : " لا ، إلا مشتري بالذهب " ، فقال : " منذ كم فارقكم ؟ " قالوا : " ~~منذ خمسة وعشرين يوما " فقال : " هم الآن عند جمالهم " . ثم عزم على قتل من ~~بقيسارية من المسلمين ، فاجتمع إليه القضاة والفقهاء ، وقالوا : " هؤلاء ~~رعية ولا طاقة لهم بدفع عسكرنا إذا نزل عليهم ، وهم مع الزمان عبيد من ملك ~~" ، فسلم يرجع إلى ذلك ، وأمر بقتل جماعة من أهل البلد ، وقتل قاضي القضاة ~~جلال ms7107 الدين حبيب ، وأمر عسكره أن يبسط في المملكة الرومية ، فقتل من ~~الرعايا ما يزيد على مائتي ألف ، وقيل بلغت عدة من قتل من الرعايا ~~والفلاحين وغيرهم خمسمائة ألف من قيسارية إلى أرزن الروم ولمن يقتل أحدا من ~~النصارى ، ثم عاد أبغا إلى الأردو ، وكان من خبر قتل البرواناه معين الدين ~~ما قدمنماه . نعود إلى سياقة أخبار السلطان الملك الظاهر قد قدمنا أن ~~السلطان نزل بالقرب من حارم ، وعيد عيد الأضحى هناك ، وحضر إلى خدمته أمراء ~~بني كلاب ، ثم نزل السلطان بالقرب من أنطاكية في مروجها ورحل إلى دمشق ، ~~فكان دخوله إليها في خامس المحرم سنة ست وسبعين وستمائة وقيل في سابعه . ~~PageV30P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" قال المؤرخ : كان السلطان لما توجه إلى الروم ~~كلف أهل دمشق جباية مال يسبب إقامة الخيل ، فحضر إليه الشيخ محيي الدين ~~النواوي وكلمه في ذلك بكلام خشن ، فلاطفه السلطان ، وقال له : " يا سيدي : ~~مد يدك أعاهدك أنني متى كسرت العدو في هذه السفرة أبطل الجباية ويكون خاطرك ~~معي " ، فعاهده على ذلك . فلما فنح البلاد وكتب إلى الشام بالبشارة ، وكتب ~~إلى الشام بالبشارة ، كتب إلى الأمير بدر الدين بكتوب الأقرعي ، شاد ~~الدواوين بدمشق ، كتابا مضمونه : أنه لا يحل ركابا إلا وقد استخرجت من أهل ~~دمشق مائتي ألف درهم ، ومن برها ثلاثمائة ألف درهم ، ومن قراها ثلاثمائة ~~ألف درهم ، ومن البلاد القبلية تكملة ألف ألف درهم ، فتبدل فرح أهل الشام ~~لذلك حزنا ، وتمنوا زوال الدولة ، فما كملت خباية نصف المال حتى مات ~~السلطان . واستهلت سنة ست وسبعين وستمائة ذكر وفاة السلطان الملك الظاهر ~~ركن الدين بيبرس الصالحي رحمه الله تعالى قال القاضي محيي الدين عبد الله ~~بن عبد الظاهر في السيرة الظاهرية : ودخل السلطان دمشق في خامس المحرم وقد ~~رنح النصر أعطافه ، وروى من دماء الأعداء أسيافه ، وقدامه مقدمو التتار قد ~~ركبوا وهم في القيود عوض شهب الجياد ، وبعد أن كانوا مقترنين صاروا مقرنين ~~في الأصفاد . ونزل بقصره في الميدان الأخضر ، معتقدا أن الدنيا في يده قد ~~حصلت ms7108 ، والبلاد التي حلها ركابه عنه انفصلت ، وأن سعده استخلص له الأيام ~~وأصفاها ، والممالك شرفا وغربا لو لم يكن بها غيره لكفاها ، وإذا بالمنية ~~قد أنشبت أظفارها ، والأمنية وقد وضعت حوبها " و " أوزارها والعافية وقد ~~شمرت الذيل ، والصحة وقد قالت لطيبه : " أهلك والليل " ، ورماح الخط وقد ~~قالت لأقلام الخط : " أصبت في لبس الحداد من المداد " ، والقلوب وقد قالت ~~عند شق الجيوب : " نحن أحق منك بهذا المراد " ، والحصون وقد قالت لقصره ~~الأبلق : " ما كان بناؤك على هذه الصورة إلا فألا بما تسود الجدران به عند ~~الفجائع من السواد " . قال : وكان ابتداء مرضه الذي اعتل به الوجود ، ~~وتباشرت به الأكفان واللحود : ليلة السبت خامس عشر المحرم . فإنه ركب وقت ~~العصر من يوم الجمعة رابع عشرة وكأنه مودع لأخدانه ورؤية موكبه وركوب حصانه ~~، ونزل والتاث جسمه بعض النيات ، PageV30P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" وأصبح وليس عنده ذلك الانبعاث . فلما انقضت ~~مدة أجله ، وانطوت صحيفة عمله ، قبض الله روحه الزكية ، ورجعت إلى ربها ~~راضية مرضية ، وذلك بعد الزوال من يوم الخميس سابع عشرين المحرم سنة ست ~~وسبعين وستمائة . وكأن نفوس العالم كانت نفسا ، وأنزل الله السكينة فلا ~~تسمع إلا همسا ، واستصحب مهابته السكون وخادعت العقول حتى أن ما كان من ~~وفاته كاد كل يحلف إنه ما يكون . وحمل في محفة إلى قلعة دمشق في تلك اليلة ~~، وسكنت الشفاة والألسنة ، وتناومت العقول من غير نوم ولا سنة . وجعل في ~~بعض القاعات بالقلعة على سرير يوما إليه بالترحم والسلام ، ولا يزوره غير ~~الملائكة الكرام . قال المؤرخ : وتولى غسله وتحنيطه وتصبيره وتكفينه ~~المهتار شجاع الدين عنبر ، والفقيه كمال الذين الإسكندري المعروف بابن ~~المنبجي ، والأمير عز الدين أيبك الأفرم جاندار ، ثم جعل في تابوت وعلق في ~~بيت من بيوت قاعة البحرة بقلعة دمشق . وكانت مدة مرضه ، رحمه الله تعالى ، ~~ثلاثة عشر يوما ، وهي مدة مرض الشهيد الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ، ~~رحمه الله تعالى . وأول ما فتحه السلطان بنفسه : قيسارية الساحل ، وآخر ما ~~فتحه قيسارية الروم ، واستمر بقلعة دمشق إلى ms7109 أن اتباع ولده السلطان الملك ~~السعيد دار العقيقي بدمشق بستين ألف درهم ، وحصل الشروع في عمارتها ووضع ~~الأساس في يوم الأربعاء خامس جمادى الآخرة من السنة ، وكانت النفقة على ~~العمارة من ربع أملاكه . وحمل إليها ليلة الرغائب الخامس من شهر رجب سنة ست ~~وسبعين وستمائة ، " و " بعد أن صلى عليه في صحن جامع دمشق ليلا ، أدخل من ~~باب البريد وخرجوا به من باب النطاقين إلى تربته وتولى حمله الأمير عز ~~الدين أيدمر نائب السلطنة بالشام والأمير عز الدين أيدمر نائب السلطنة ~~بالشام والأمير عز الدين الدوادار والطواشي صفى الدين جوهر الهندي ، وألحد ~~القاضي عز الدين الشافعي . ولما تمت له سنة من يوم وفاته عملت له الأعزية ~~بالقرانين ، ومدت الأسمطة للقراء والفقراء وفرقت على الزوايا ، وحضر الناس ~~على اختلاف طبقاتهم . وقرئ له PageV30P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" عدة ختمات ، وعمل له بعد ذلك عدة أعزية ~~بمدرسة الشافعي ، والجامع الطولوني ، والجامع الظاهري ، والمدارس الظاهرية ~~، والصالحية ، ودار الحديث الكاملية ، والخانقاه الصلاحية ، والجامع ~~الحاكمي ، وعمل للتكاررة خوان حضره جماعة من الفقراء والصالحين . مدة حكمه ~~وكانت مدة ملكه ، رحمه الله تعالى سبع عشرة سنة واثني عشرة يوما . وكان له ~~من الأولاد : السلطان الملك السعيد ناصر الدين محمد قاءان بركة ، وأمه ابنة ~~الأمير حسام الدين بركة خان بن دولة خان الخوارزمي ، والملك المسعود نجم ~~الدين الخضر ، والملك العادل بدر الدين سلامش ، وسبع ينات . وتزوج أيضا ~~ابنة الأمير سيف الدين نوكبة التتاري ، وابنة الأمير سيف الدين كراي ~~التتاري ، وابنة الأمير سيف الدين تماجي التتاري ، وامرأة شهرزورية تزوجها ~~لما قدم غزة وحالف الشهرزورية ، ثم طلقها لما ملك الديار المصرية . نائبه : ~~مملوكه الأمير بدر الدين بيليك الخزندار . وزراءه : الصاحب زين الدين بن ~~الزبير مدة يسيرة ، ثم استوزره بعده الصاحب : بهاء الدين علي بن محمد ~~المعروف بابن حنا قضاته : وقد تقدم ذكر قضاته في أخبار دولته . ~~PageV30P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" ذكر أخبار السلطان الملك السعيد ناصر الدين ~~محمد بركة قاءان ابن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدار ~~الصالحي وهو الخامس من ملوك ms7110 دولة الترك ملك الديار المصرية والبلاد الشامية ~~، بعد وفاة والده السلطان الملك الظاهر ، في يوم الخميس سابع عشرين المحرم ~~سنة ست وسبعين وستمائة ، وكان ولي عهد أبيه ، على ما قدمناه في أخبار ~~الدولة الظاهرية ، في يوم الخميس ثالث عشر شوال سنة اثنتين وستين وستمائة ، ~~وجدد له الحلف ، في يوم الخميس تاسع صفر سنة سبع وستين وستمائة . قال : ~~ولما توفي السلطان بدمشق كان الملك السعيد بمصر ، وكان الأمير بدر الدين ~~بيليك الخزندار إلى الملك السعيد كتابا بخطة يخبره بوفاة السلطان ، ويعلمه ~~بما دبره من كتمان ذلك إلى أن يصل بالعساكر والخزائن إلى خدمته ، وسأله ~~كتمان الحال إلى أن يصل بالعساكر والخزائن إلى خدمته ، وسأله كتمان الحال ~~إلى أن يصل إليه ، وسير إليه المطالعة على يد الأمير بدر الدين الجوكان دار ~~الحموي ، والأمير علاء الدين أيدغمش الحكمي الجاشنكير ، فلما وصلا ~~بالمطالعة وأنهيا ما معهما من المشافهة خلع عليهما وأنعم على كل منهما ~~بخمسة آلاف درهم ، وأظهر أن ذلك بسبب بشارتهما بعود السلطان إلى دمشق . ثم ~~ركب الأمراء في بكرة يوم السبت تاسع عشرين الشهر على العادة إلى سوق الخيل ~~بدمشق . ثم رحلوا من دمشق في صفر بالجيوش والعساكر ، وبينهم محفة محمولة ، ~~وجماعة من المماليك السلطانية في خدمتها يظهرون أن السلطان الملك الظاهر ~~فيها وهو PageV30P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" ضعيف ، كل ذلك حفظا للمهابة ، وما زال الأمر ~~كذلك إلى أن وصلوا إلى الديار المصرية ، وكان وصول المحفة والأمراء إلى ~~قلعة الجبل في يوم الخميس خامس عشرين صفر سنة ست وبعين وستمائة ، وسلم ~~الأمير بدر الدين الخزندار الخزائن والعساكر للسلطان الملك السعيد ، ~~وأظهروا عند ذلك وفاة السلطان وحلف الناس للملك السعيد ، واستقر له الملك ~~وعمره يومئذ تسع عشرة سنة . وكتب " الملك السعيد " إلى دمشق وسائر الممالك ~~الشامية يخبر " النواب " بوفاة السلطان وسلطنته ، ويطلب منهم اليمين ، فوصل ~~الأمر في البريد بذلك إلى دمشق في يوم الأحد ثالث عشر ربيع الأول ، فجمع ~~النائب عن السلطنة بها وهو الأمير عز الدين أيدمر الظاهري ، الأمراء ~~والمقدمين ، وقرئ عليهم كتاب ms7111 السلطنة فحلفوا ، وحلف جميع العسكر والقضاة ~~والأعيان ، ثم رسم لمتولي دمشق أن يحلف أهل دمشق ، فحلف أهل حارة بحضور ~~عدلين ، ورسم لمتولي البريد بذلك ، فحلف أهل القرى والضياع ، ودامت مدة ~~الحلف بدمشق أحد عشر يوما حتى كملت . ثم خلع على الأمراء والمقدمين والقضاة ~~والأعيان والنظار وكتاب الإنشاء بدمشق في سادس عشر الشهر ، وخلع على ~~الأعيان والأكابر بالطرحات ، وما كان قبل ذلك يخلع بالطرحة ، إلا على قاضي ~~القضاة ، وحلف أيضا صاحب حماة وأهل بلده ، ونائب حلب وأمراؤها وجندها ~~وأهلها ، وسائر الممالك الشامية لم يختلف منهم أحد ولا توقف عن اليمين . ~~ذكر وفاة الأمير بدر الدين بيليك الخزندار كانت وفاته : رحمه الله تعالى ، ~~بقلعة الجبل في ليلة الأحد سادس شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين وستمائة ، ~~وذلك أنه لما وصل إلى خدمة السلطان الملك السعيد وقف وحلف الأمراء والخواص ~~والأجناد وغيرهم للملك السعيد ، فلما تكامل ذلك توجه إلى والدة السلطان ~~زوجة مخدومه ليغريها بالسلطان ويهنيها بسلطنة ابنها ، فشكرت فعله وما ~~اعتمده من حق ولدها من حفظ السلطنة عليه ، ثم أخرجت له هنابا فيه مشروب ، ~~وقالت له : " اشرب هذا فأنك قد تعبت في هذا اليوم وما أكلت شيئا . " فقال ~~لها : " والله لي ثلاثة أيام ما آكل في كل يوم نصف أوقية طعام خوفا على ~~السلطان الملك السعيد ، ولم أزل أداري الأمراء منذ وفاة السلطان إلى أن كمل ~~هذا الحلف PageV30P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" المبارك " . وتناول الهناب وشرب منه جرعتين ~~وأعادة في الثالثة لكثرة إلحاحهم عليه ، وتوجه إلى داره فحصل له قولنج ، ~~وانقطع وتزايد به الأمر ، فمات ، رحمه الله تعالى . وهذا الفضل الذي دبرته ~~والدة الملك السعيد من سوء التدبير وقبح المكافأة ، فأنه وقع الخيال عندها ~~وعند ابنها منه ، ولعل هذا الخيال كان غير صحيح : فإنه أحسن السياسة وأجمل ~~التدبير ووفى لمخدومه ، وكان رحمه الله تعالى ، تربية السلطان ، اشتراه وهو ~~مفردي ورياه من صغره ، وكان خزنداره ، ثم أستاد داره في الإمره ، ونائبه في ~~السلطنة وكانت مكانته عنده مكينة ، يرجع إلى رأيه ويعتمد عليه في سائر ms7112 ~~أحواله ويثق بنصحه ، وتمكن في الدولة الظاهرية تمكنا عظيما ، وكان له ~~بالديار المصرية إمرة مائة فارس وبالشام إمرة خمسين فارسا ، وجعل له ~~السلطان عند زواجه بابنة الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل قلعة ~~الصبيبة وبانياس وأعمالها والشغر وغير ذلك . ولما مات وقعت الأوهام في نفوس ~~الأمراء وتخيلوا ، فإنهم علموا ما أسلفة المذكور من الخدمة للملك السعيد ~~وحفظ الخزائن والعساكر ، وأنه أدى الأمانة في طاعته . واستناب السلطان بعد ~~وفاته الأمير شمس الدين أقسنقر الفارقاني الظاهري أستاد الدار ونائب ~~السلطنة بالديار المصرية في غيبة السلطان ، وأقر الصاحب بهاء الدين على ~~وزارته . وركب السلطان في يوم الأربعاء سادس عشر شهر ربيع الأول بشعار ~~السلطنة والأمراء في خدمته ، وتوجه صوب الجبل الأحمر ، وذلك أول ركوبه ، ~~وخلع على الأمراء والأعيان . ذكر القبض على من يذكر من الأمراء والإفراج ~~عنهم ومن مات منهم كان من سوء التدبير الذي اعتمده السلطان الملك السعيد : ~~أنه قبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، والأمير يدر الدين بيسرى ~~الشمسي قي يوم الجمعة حادي عشرين شهر ربيع الأول ، واعتقلهما بقلعة الجبل ، ~~وكانا من أكبر الأمراء ، وأخصهم بصحبة السلطان والده ، فتغيرت لذلك قلوب ~~الأمراء ، ثم اجتمع مماليكه ومماليك الأمير بدر الدين بيليك الخزندار ، ~~وحسنوا له القبض على نائبه الأمير شمس الدين أقسنقر الفاراقاني واستعانوا ~~بالأمير سيف الدين كوندك الساقي ، وأمسكوه وهو جالس PageV30P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" عند باب القلعة وسحبوه إلى الدور وضربوه ~~ونتفوا لحيته ، وذلك في يوم السبت ثامن عشر ربيع الآخر ، واعتقل فلم يلبث ~~إلا قليلا ومات . ثم أفرج عن الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وبدر الدين ~~بيسرى في يوم السبت ثاني جمادى الأولى وخلع عليهما وأعادهما إلى ما كانا ~~عليه . ثم قبض على خاله الأمير بدر الدين محمد بي بن الأمير حسام الدين ~~بركة خان في يوم الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة ، واعتقله بقلعة الجبل ، ~~فغضبت أخته والدة السلطان لذلك ، وأنكرته على ابنها ، فأفرج عنه في ليلة ~~الثلاثاء خامس عشرين الشهر وخلع عليه وأعاده إلى ما كان عليه . وشرع ms7113 في ~~خلال ذلك في تقديم مماليكه وترجيحهم وسماع آرائهم . قال : ولما صدرت منه ~~هذه الأفعال اجتمع الأمراء وتشاورا ، وقصدوا أن يتوجهوا إلى الشام ، ثم ~~رجعوا عن ذلك وبعثوا إلى السلطان وقد اجتمعوا في يوم الخميس ، وامتلأت بهم ~~القلعة ، وأنكروا فعله ، وحذروه عاقبة ما يطرق إليه ، فلاطفهم وحلف لهم أنه ~~لا يريد بهم سوءا ، وتولى الأمير بدر الدين الأيدمري اليمين ، فسكنت ~~خواطرهم ، واستقر الحال مدة لطيفة . وكان السلطان لما قبض على الأمير شمس ~~الدين آفسنقر الفارقاني رتب في النيابة بعده الأمير شمس الدين آفسنقر ~~الألفي المظفري ، فلم يرضه الخاصكية لأنه غير ظاهري . واتفق أنه ولى ~~خوشداشه الأمير علم الدين سنجر المظفري ، المعروف بأبي خرص ، نيابة المملكة ~~الصفدية ، وزاده على إقطاع النيابة نواحي من الخاص السلطاني ، وهي أريحا ~~وكفرين ونمرين من الغور ، فأوهموا السلطان منه وزعموا أنه يقصد إقامة ~~المظفرية ولا تؤمن غائلته ، فعزله عن قريب ، وولى الأمير سيف الدين كوندك ~~الساقي نيابة السلطنة " لأنه ربى معه في المكتب " وقيل إن ولايته كانت في ~~سنة سبع وسبعين . ولما فوضت إليه النيابة أمر الوزير الصاحب بهاء الدين أن ~~يجلس بين يديه وألا يوقع إلا بأمره . وتقدم من المماليك السعيدية الأمير ~~حسام الدين لا جين الزيني ، وانضم إليه PageV30P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" الخاصكية ، وقويت شوكته وأخذ لخواشداشيته ~~الإقطاعات ، ونافس النائب . فضم النائب إليه الأمراء الأكابر ، ومال إليهم ~~واستجلبهم ، هذا كله في سنة ست وسبعين وستمائة ، وبعضه في سنة سبع على ما ~~قيل . وفي سنة ست وسبعين وستمائة أيضا في يوم السبت سابع ذي القعدة : برز ~~السلطان الملك السعيد بالعساكر إلى منزلة مسجد التبن لقصد الشام ، ثم انتقل ~~بخواصه من هذه المنزلة في يوم السبت حادي عشر الشهر ونزل بالميدان السعيدي ~~وعادت العساكر إلى منازلهم وبطلت الحركة . وفيها : في شهر رمضان طلعت سحابة ~~عظيمة بصفد ، لمع منها برق عظيم خارق ، وسطع منها لسان كالنار ، وسمع صوت ~~رعد هائل ، ووقع على منارة جامعها صاعقة شقت المنارة من رأسها إلى أسفلها ~~شقا يدخل فيه الكف . وفيها : سأل قاضي ms7114 القضاة صدر الدين سليمان " بن أبي ~~العز " الحنفي أن يؤذن له في الإقامة بدمشق مدرسا ومجاورا لتربة السلطان ، ~~فأذن له ، فأقام بدمشق . وفوض قضاء الحنفية بالديار المصرية لنلئبه القاضي ~~معز الدين . ذكر عزل قاضي القضاة محيي الدين عبد الله بن محمد بن عين ~~الدولة وإضافة عمله إلى قاضي القضاة تقي الدين بن زرين وفي يوم الأربعاء ~~ثامن عشر ذي القعدة من هذه السنة ، عزل القاضي محيي الدين أبو الصلاح عبد ~~الله بن قاضي القضاة شرف الدين محمد بن عين الدولة الصفرواي عن القضاء بمصر ~~والوجه القبلي . وسبب ذلك أنه كان قد حصل له فالج منذ خمس سنين ، فأقعد ~~وعجز عن الكتابة ، وكان يعلم عنه كاتب الحكم ، فعزل الآن . وأضيفت ولايته ~~إلى القاضي تقي الدين بن رزين ، وعطل القاضي محيي الدين وانقطع بمنزلة إلى ~~PageV30P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" أن مات ، وكانت وفاته بمصر في رابع شهر رجب ، ~~وقيل في خامسه من سنة ثمان وسبعين وستمائة ، رحمه الله تعالى . وفيها : فوض ~~السلطان الملك السعيد قضاء القضاة بدمشق والشام أجمع من العريش إلى سلمية ~~لقاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان الشافعي ، وعزل القاضي عز الدين بن ~~الصايغ ، وتوجه القاضي شمس الدين إلى دمشق في سابع وعشرين ذي الحجة ، فوصل ~~إليها في ثالث عشرين المحرم ، وخرج الناس للقائه إلى غزة . ومنهم من وصل ~~إلى الصالحية ، وكانت الشفاعة قد قويت بولايته قبل وقوعها . وفيها : كانت ~~وفاة قاضي القضاة الشيخ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن الشيخ العماد ~~إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الحنبلي ، في يوم السبت ثاني ~~عشرين المحرم سنة ست وسبعين ، ودفن يوم الأحد بتربة عمه الحافظ عبد الغني . ~~وكان مولده في يوم الأحد رابع عشر صفر سنة ثلاث وستمائة بدمشق ، ولما أفرج ~~عنه بعد القبض عليه كما تقدم لزم بيته بالمدرسة الصالحية وتوفر على اشتغال ~~الطلبة إلى أن توفي . وكان كريما سمحا كثير العبادة والذكر وولى أيضا مشيخه ~~الخانقاه الصلاحية بالقاهرة ، رحمه الله تعالى . ذكر وفاة الشيخ خضر ms7115 وشيء ~~من اخباره وفي سابع المحرم سنة ست وسبعين وستمائة : كانت وفاة الشيخ خضر ~~ابن أبي بكر بن موسى العدوي المهراني شيخ الملك الظاهر في معتقله بقلعة ~~الجبل ودفن بسفح المقطم . وقد حكى الشيخ شمس الدين محمد بن مجد الدين ~~إبراهيم الجزري في تاريخه ، " حوادث الزمان وأنبائه " ، مبدأ أمره ، وكيف ~~تنقلت به الحال ، فقال : كان في مبدأ أمره يخدم الأكابر ببلد الجزيرة ، ثم ~~استخدم لشيل زبائل دور السلطنة والقلعة بجامكية وجراية . ثم ذكر عنه أنه ~~أفسد بعض جواري الدور ، فرسم بخصبه ، فهرب إلى حلب ، وخدم بابا عند ابن ~~قراطابا فأحبل جارية ، فطلب فهرب إلى دمشق ، والتجأ إلى الأمير ضياء الدين ~~القيمري ، وأقام بمغارة في زاويته بجبل المزة ، فيقال إنه اجتمع بجماعة من ~~الصالحين وبشروه بما يكون منه ومن السلطان الملك الظاهر . واتفق اجتماع ~~الملك الظاهر . واتفق اجتماع الملك PageV30P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" الظاهر به في مدة مقامه بدمشق في خدمة الملك ~~الملك الناصر فبشره بالملك . وكان الشيخ خضر قد احتوى على عقل الأمير سيف ~~الدين قشتمر العجمي أحد الأمراء البحرية ، فكان يخبره بسلطنة الملك الظاهر ~~قبل وقوعها ، ويخبره بأكثرما وقع ، ثم اجتمع به الأمير سيف الدين ايتامش ~~السغدي فأخبره أيضا بخبر الملك الظاهر ، ثم كان من سلطنة الملك الظاهر ~~فأقدمناه وصار هو في صحبة قشتمر العجمي وخرج معه عند خروج السلطان إلى ~~الشام بسبب الملك الغيث صاحب الكرك فلما نزل السلطان ففأعلى الطور سأل عنه ~~الأمير سيف الدين قشتمر العجمي فأخبره أنه قد انقطع في مغارة عند قبر أبي ~~هريرة ، رضي الله عنه ، فتوجه السلطان إليه واجتمع به ، فأخبره بوقائع ~~كثيرة لم يحزم ، فاغتبط به ولازمه ، وبقي السلطان إذا حاصر بلدا من البلاد ~~الساحلية والجبلية يخبره الشيخ بما يكون من أمره فيها ، وبالوقت الذي يفتح ~~فيه ، فلا يخرم ذلك ، ولما قصد السلطان أن يتوجه إلى الكرك في سنة خمس ~~وستين وستمائة استشاره في ذلك فأشار عليه ألا يتوجه إليها في هذه السفرة ، ~~وأن يتوجه إلى الديار المصرية فخالفه وتوجه إليها ، فانكسرت ms7116 فخذه ببركة ~~زيرا قبل وصوله كما قدمنا ذكر ذلك . ولما رأى السلطان ذلك منه عظم عنده ~~وبنى له زاوية بطاهر القاهرة بالحسينية بجوار أرض الطبالة ، ووقف عليها ~~أحكارا بجملة كثيرة ، وبالقدس زاوية ، وبدمشق زاوية بالمزة ، وببعلبك زاوية ~~، وبحماة زاوية ، ثم هدم كنيسة اليهود بدمشق ، وهي الكنيسة العظمى عندهم ، ~~وجعلها زاوية كما تقدم ، وهدم كنيسة النصارى بالقدس ، وقتل فسيسها بيده ~~وعملها زاوية ، وهدم كنيسة الروم بالإسكندرية ، وهي كرسي كنائسهم يعقدون ~~فيها البتركية ، ويزعمون أن رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام فيها ، وهو ~~عندهم يحنا المعمداني الذي عمد المسيح بن مريم وجعلها مسجدا وبنى فيها ~~المحاريب وسماها المدرسة الخضراء ، وفتح لها شباكا إلى الطريق ، ورتب فيها ~~فقراء من جهته ، كذلك في جميع زواياه : جعل بكل زاوية منها فقراء يقطعون ~~المصانعات ويحمون أرباب الجرائم من اللصوص وغيرهم ، ويتعاطون الفسق . قال : ~~ولقد سأله مرة والدي إبراهيم فقال : " يا أخبي ، أشتهي أعرف كيف كان سبب ~~وصلتك إلى هذه المنزلة ؟ " ، فقال له : " والله لا أقول لك حتى تقول لي ~~الذي تعرف مني " فقال له : " أعرفك شيخ نحس نفوك من الجزيرة ثم من حلب ومن ~~PageV30P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" دمشق ، وما رأيتك إلا وقد صرت في هذه المنزلة ~~" ، فقال : " والله العظيم صدقت ، وما صدقني أحد في الحديث إلا أنت يا أخي ~~، لما هربت من الجزيرة طلعت إلى جبل الجودي ، فيقيت احتطب في كل يوم جرزة ~~حطب أبيعها بدرهم ونصف ، فلما كان في بعض الأيام إذا أنا بفقير عريان ليس ~~عليه لباس ، وقد أنبت الله له شعرا على جسده ، يستر عورته ، فقال لي : " يا ~~خضر ، ايش تعمل ؟ " ، قلت : " أحتطب " فقال : " تعالى غدا إلى هذا المكان ~~وخذ منه جرزتين حطب ، بع الواحدة لنفسك والأخرى اشتر لي بثمنها موسى ومقصا ~~ومشطا ، " فقلت : نعم . فلما كان الغد قصدت ذلك المكان فوجدت به جرزتين ~~حطبا ، فبعت إحداهما واشتريت له ما طلب ، وبعث الأخرى لنفسي ، قلما اجتمعت ~~به قال لي : " اذهب إلى الشام ، فسوف يكون لك مع ملكه شأن عظيم " . فقدر ~~الله تعالى أنني ms7117 سكنت هذه المغارة بالمزة ، فحصل لي اجتماع بالسلطان الملك ~~الظاهر لما كان في خدمته الملك الناصر ، وفتح علي بأن بشرته بالملك ، فلما ~~ملك كان سبب الوصلة بيني وبينه الأمير سيف الدين قشتمر العجمي . قال : " ~~وكان ذلك الفقير قد أخبرني بجميع ما يقع لي في عمري وبجميع ما يقع للسلطان ~~واقعة بعد أخرى " . قال : قال والدي : وكان في ذلك الوقت قد حصل لي وجع في ~~ظهري ، فقلت له : إن ظهري يؤلمني فمسح بيده على ظهري ، فسكن الوجع ، فقال : ~~" يا مجد الدين ، سكن الوجع أم لا ؟ " . أما الوجع فقد سكن ، وأما أنني ~~اعتقد أنك رجل صالح فلا ، وإنما هذا من جملة السعادة التي حصلت لك . ثم كان ~~من قبض السلطان عليه واعتقاله ما تقدم ذكره ، ولم يزل في اعتقاله إلى أن ~~مات . قال : ولما عاد السلطان من غزاة الروم إلى دمشق كتب بإطلاقه فورد ~~البريد بعد وفاته . وكان واسع الصدر كريم النفس ، يعطى الدراهم والذهب ~~الكثير ، ويصنع له الطعام في قدور كبيرة مفرطة في الكبر ، وكانت أحواله غير ~~متناسبة والأقوال فيه مختلفة ، فمن الناس من يثبت صلاحه ، منهم من يرميه ~~بالعظائم ، وكان يكتب إلى صاحب حماة وغيره من الأمراء في أوراقه إليهم : ~~خضر نياك الحمارة ، وكتب بذلك إلى قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز ورقة ~~، فأغضى عنها ، ثم أخرى كذلك ، فلما وصلت إليه الورقة الثالثة أحضر رسوله ~~وقال له : " قل له ، والله لئن وصل إلى ورقة بعد هذه فيها مثل هذا : أحضرته ~~إلى مجلس الحكم وقابلته بما يستحقه بمقتضى ما كتب به خطه " ، فامتنع بعد ~~ذلك من مكاتبته . ومات ولخ نيف وخمسون سنة ، وكان ربع PageV30P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" القامة ، كث اللحية ، في لسانه عجمة سامحه ~~الله وإيانا . وفيها : كانت وفاة الأمير جمال الدين أقش المحمدي الصالحي ~~بالقاهرة في ليلة الخمسين ثالث عشر ربيع الأول ودفن من الغد بتربته ~~بالقرافة الصغرى ، وقد ناهز سبعين سنة . وكان السلطان قد نقم عليه وحبسه ~~مدة ثم أفرج عنه وأعاده إلى الإمرة ، وكان رحمه الله تعالى ms7118 عديم الشر . ~~وفيها : توفي الأمير عز الدين أيبك الدمياطي الصالحي النجمي أحد الأمراء ~~الأكابر المقدمين ، وكان السلطان الملك الظاهر قد اعتقله كما تقدم ثم أفرج ~~عنه ، وكانت وفاته بالقاهرة في ليلة الاربعاء تاسع شعبان ، ودفن بتربته ~~التي أنشأها بين القاهرة ومصر ، المجاورة لحوض السبيل المعروف به ، وقد ناف ~~على سبعين سنة ، وكان كريما جدا ، له مروءة تامة ، رحمه الله تعالى . وفيها ~~: توفي الأمير عز الدين أيدمر العلائي ، وكان ينوب عن السلطنة في قلعة صفد ~~فجرى بينه وبين النواب مفاوضة أدت إلى أن طلب الدستور من السلطان لينهي ~~مصالح ، فأذن له فجضر إلى الديار المصرية فأدركته منيته ، فتوفى في ليلة ~~الأربعاء سابع عشر شهر رجب ، ودفن في يوم الأربعاء بالقرافة الصغرى . كان ~~عفيفا أمينا محبا للعلماء والفقراء ، وهو أخو الأمير علاء الدين أيدكن ~~الصالحي العمادي ، رحمه الله تعالى . وفيها : توفي الأمير شمس الدين بهادر ~~المعروف بابن صاحب صهيون ، وكان قد قدم إلى خدمة السلطان الملك الظاهر قبل ~~وفاته بثلاثة سنين ، فأحسن إليه وأكرمه ، وكانت وفاته بالقاهرة في ليلة ~~الأحد العشرين من شعبان ، ودفن من الغد بتربته التي أنشأها خارج باب النصر ~~، وقد ناف على أربعين سنة ، رحمه الله تعالى . وفيها ، كانت وفاة الملك ~~القاهر بهاء الدين أبي محمد عبد الملك بن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن ~~السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب ، فجأه في يوم السبت ~~خامس عشر المحرم من غير مرض ، بل كان راكبا بسوق الخيل بدمشق فاشتكى ألما ~~في فؤاده ، فعاد إلى منزل كريمته زوجة الملك الزاهذ مجير الدين داود بن ~~صاحب حمص ، فأدركته منيته ، فمات عند دخوله إليها ، وقيل أنه مات في باب ~~الدار قبل الدخول إليها ، ودفن بسفح قاسيون . وكان مولده في سنة اثنتي ~~وعشرين وستمائة ، وكان رحمه الله تعالى رجلا جيدا شجاعا بطلا مقداما ، ~~PageV30P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" سليم الصدر حسن الأوصاف كريم الأخلاق ، لين ~~الكلمة كثير التواضع ، حسن الإعتقاد في الفقراء والصالحين ، وكان يلبس ~~ملابس العرب ويتزين بزيهم ويركب كمركبهم ويتخلق ms7119 بأخلاقهم في كثير من أفعاله ~~، رحمه الله . وقد حكى الشيخ قطب الدين اليونيني ، نفع الله به ، في تاريخه ~~، في سبب وفاته ، قال : حكى لي تاج الدين نوح بن شيخ السلامية حكاية غريبة ~~معناها : أن الأميرعز الدين أيدمر العلائي نائب السلطنة بقلعة صفد حدثه بها ~~، قال : كان السلطان الملك الظاهر مولعا بالنجوم وما يقوله أرباب التقاويم ~~، فأخبر أن يموت بدمشق في هذه السنة ، سنة سبع وستين وستمائة ، بالسم ملك ، ~~فحل عنده من ذلك أثر كبير . قال : وكان الملك الظاهر عنده حسد شديد لمن ~~يوصف بالشجاعة أو بذكر جميل ، ولما دخل الملك القاهر له صحبة السلطان ظهر ~~يوم المصاف عن شجاعة ، وظهرت نكايته في العدو حتى تعجب من فعله من شاهده ، ~~ورآه الملك الظاهر فتأثر منه وانضاف إلى ذلك أن السلطان حصل منه في ذلك ~~اليوم فتور على خلاف عادته ، وظهر عليه الندم كونه تورط في بلاد الروم - ~~بكلمة الملك القاهر في ذلك الوقت - بكلام فيه إشارة إلى الإنكار وتقبيح ~~فعله ، فأثر ذلك عنده أثرا آخر ، فلما عاد من غزاته وسمع الناس يلهجون بما ~~فعله الملك القاهر تأثر من ذلك أيضا ، وتخيل في ذهنه أنه إذ سمه فمات هو ~~الذي ذكره أرباب النجوم لأنه يطلق عليه اسم ملك وله ذكر ، فأحضره السلطان ~~عنده لشرب القمز ، وأعد له سما في ورقة وجعلها إلى جانبه ، من غير أن يطلع ~~على ذلك أحد ، وللسلطان هنايات ثلاثة تختص به مع ثلاثة من سقاته ، لا يشرف ~~فيها غيره إلا من يكرمه ويناوله أحدها من يده ، وانفق قيام الملك القاهر ~~لقضاء الحاجة ، فجعل السلطان ما في الورقة في هناب وأمسكه في يده فلما عاد ~~الملك القاهر ناوله إياه فقبل الأرض وتناوله وشرب ما فيه ، وقام الملك ~~الظاهر لقضاء الحاجة فأخذ الساقي الهناب من يد الملك القاهر وملأه على ~~العادة وهو لا يشعر بما وضعه السلطان فيه ، فلما عاد السلطان تناول ذلك ~~الهناب فشرب ما فيه وهو لا يظن أنه الذي جعل فيه ما جعل ، فلما شربه أحس ~~واستشعر ms7120 وعلم أنه قد شرب من ذلك الهناب الذي في أثار السم وبقاياه وتخيل ~~وامتد به المرض ومات كما تقدم . وأما الملك PageV30P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" القاهر فمات من غد ذلك اليوم . وذكر الأمير ~~عز الدين العلائي أنه بلغة ذلك من مطلع لا يشك في أخباره ، والله تعالى ~~أعلم . وفيها : قتل الأمير عز الدين أيبك الموصلي الظاهري ، كان نائب ~~السلطنة بحمص ثم نقله السلطان إلى نيابة السلطنة بحصن الأكرد وما معه ، ~~وكان ذا صرامة ونهضة وذكاء ومعرفة ، وكان يتشيع ، قتل غيلة ليلة الأربعاء ~~سابع عشرين شهر رجب . وفيها : كانت وفاة الشيخ الإمام العالم الزاهد الورع ~~محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف الدين بن مري بن الحسن بن الحسين بن حرام ~~بن محمد النواوي الشافعي وكانت وفاته عند أبيه بنوى في يوم الأربعاء خامس ~~عشر شهر رجب سنة ست وسبعين وستمائة ، ومولده بنوى في سنة إحدى وثلاثين ~~وستمائة ، فيكون مدة عمره خمسا وأربعين سنة تقريبا . وكان رحمه الله تعالى ~~كثير الورع والزهد واسع العلم له مصنفات مشهورة مفيدة منه : كتاب الروضة في ~~الفقه ، عليه تعتمد الشافعية وبه يحتجون غالبا ، وشرح مسلم ، ورياض ~~الصالحين ، وكتاب الأذكار ، وشرح التنبيه ، ومات قبل أن يكمله . ولم يكن في ~~زمانه مثله في روعه وزهده ، وكان لا يأكل إلا مما يأتي من جهة أبيه من نوى ~~، فكان يخبز له الخبز بها ويقمر ويرسل إليه فيأكل منه ، وما كان يجمع بين ~~إدامين ، فيأكل إما بالدبس أو الخل أو الزيت أو الزبيب ، ويأكل اللحم في كل ~~شهر مرة . وكان يتولى دار الحديث الأشرفية ، ويجمع المباشر للوقف جامكيته ~~بها ، ثم يستأذنه فيما يفعل بها إذا اجتمعت ، فتارة يشتري بها ملكا ويوقفه ~~على المكان ، وتارة يشتري بها كتبا ويوقفها ويجعلها في خزانة المدرسة ~~المذكورة . وكان لا يقبل لأحد هدية ، ولا يأكل أحد من أهل دمشق طعاما ولا ~~غيره ، وكان رحمه الله تعالى يواجه السلطان الملك الظاهر بالإنكار عليه في ~~أفعاله ، ويلاطفه السلطان ويحمل جفوة كلامه ويخاطبه يا سيدي ، رحمه الله ~~تعالى . وعاش ms7121 والده الحاج شرف بعده إلى سنة إحدى وثمانين فمات في سابع عشر ~~شهر صفر ، وقيل فية سنة اثنتين وثمانين ، ودفن بنوى ، رحمه الله تعالى . ~~PageV30P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" واستهلت سنة سبع وسبعين وستمائة ذكر توجه ~~السلطان إلى الشام وإقامته بدمشق وتجريد العساكر في هذه السنة : توجه الملك ~~السعيد إلى الشام وصحبته أخوه الملك المسعود نجم الدين خضر ، ووالدته ابنة ~~الأمير حسام الدين بركة خان ، واستصحب الأمراء والعساكر . وكان رحيله من ~~قلعة الجبل في ذي القعدة ، ووصل إلى دمشق في يوم الثلاثاء خامس ذي الحجة من ~~السنة . ولما حل ركابه بدمشق أمر بأبطال الجبايات والمظالم التي كانت حدثت ~~في الدولة الظاهرية ، فاستبشر الناس بذلك . ولما استقر السلطان لدمشق جرد ~~العساكر المصرية والشامية ، وجرد الأمير سيف الدين قلاون الألفي الصالحي في ~~عشرة آلاف ، وأمره أن يتوجه إلى جهة سيس ، وجرد الأمير بدر الدين بيسرى ~~الشمسي في عشرة آلاف وأمره أن يتوجه إلى قلعة الروم ، وأقام هو بدمشق في ~~مماليكه وخواصه ، ونائبه الأمير سيف الدين كوندك . وأقام بدمشق من الأمراء ~~الأكابر الأمير شمس الدين سنقر الاشقر ، والأمير علم الدين سنجر الحلبي ، ~~وكان السلطان قد أفرج عنه بعد وفاة والده الملك الظاهر وأحسن إليه . قالوا ~~: نوأراد السلطان بتجريد الأمراء الأكابر وإبعادهم عنه أن يتمكن في غيبتهم ~~من التدبير عليهم ، وعزم أنهم إذا عادوا قبض عليهم وأقطع أخبازهم لمماليكه ~~، وظن أن ذلك يتم له ، والمقادير بخلاف ظنه . فتوجه الأمراء إلى الغزاة " ~~وفي نفوسهم من ذلك إحن " وكان من أمرهم عند عودهم ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى . ذكر أمر شاد الدواوين وفي هذه السنة في رابع عشرين ذي الحجة : حصل ~~بين الأمير بدر الدين بكتوت الأقرعي شاد الواوين بدمشق ، وبين نائب السلطنة ~~بها ، مفاوضة أدت إلى شكواه إلى السلطان فانتصر الأمراء لنائب السلطنة ، ~~فرسم بتفويض شاد الدواوين بالشام إلى PageV30P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" الأمير علم الدين سنجر الدواداري ، وكان من ~~جملة الأمراء بحلب ، وخلع عليه وأقطع خبز الأقرعي ، ونقل الأقرعي إلى حلب ~~على إقطاع الدواداري . وفي هذه ms7122 السنة ، في ليلة بسفر صاحبها عن يوم ~~الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي القعدة وهي سنة سبع وسبعين وستمائة : ولد ~~مؤلف هذا الكتاب وجامعه ، فقير رحمة ربه أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد ~~الدايم بن عبادة بن علي بن طراد بن خطاب بن نصر بن إسماعيل ابن إبراهيم بن ~~جعفر بن هلال بن الحسين بن ليث بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ~~بكر الصديق عبد الله بن عتيق ، صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وابن ~~صاحبه ، وأبي أصحابه ، وجد صاحبه ، والخليفة من بعده ، وهو ثاني اثنين ابن ~~أبي قحافة عثمان ، رضوان الله عليهم ، ابن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن ~~تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن ~~خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار ابن معد بن عدنان ، عرف مؤلفه ~~بالنويري ، عفا الله عنه ولطف به ، وكان مولده بمدينة أخميم من صعيد مصر في ~~التاريخ المذكور . وفي هذه السنة : كانت حوادث ووفاة جماعة من أرباب ~~المناصب ، وولاية غيرهم ، نذكرها الآن في هذا الموضع . ولا نشترط في ~~إيرادها الترتيب ، بل نوردها بمقتضى المناصب ، فمن ذلك : ذكر وفاة الأمير ~~جمال الدين أقش النجيبي الصالحي كانت وفاته بالقاهرة في يوم الجمعة خامس ~~شهر ربيع الآخر . وكان يلي أستار دارية السلطان الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب . وتولى أستاد دارية السلطان الملك الظاهر في ابتداء سلطنته ، ثم نقله ~~إلى نيابة السلطنة بالشام كما تقدم . وكان رحمه الله تعالى ، دينا كثير ~~الإحسان إلى الرعية والرفق بهم . وكان يكره السعاية في الناس ومن سعى عنده ~~بأحد أبعده ، وكان يحب أهل الخير ويقربهم . وأنشأ PageV30P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" بدمشق للشافعية وخانقاه للصوفية على الميدان ~~بالشرف الأعلى ، وخانا للسبيل بميدان الحصا . ووقف بالديار المصرية وقفا ~~على المجاورين . ولم يرزق في عصره ولدا . وكان عظيم الشكل والخلقة ، كبير ~~البطن ، جهوري الصوت ، أكولا رحمه الله تعالى . ذكر وفاة الصاحب بهاء الدين ms7123 ~~وفي هذه السنة : كانت وفاة الصاحب الوزير بهاء الدين " أبو الحسن " علي بن ~~محمد بن سليم المعروف بابن حنا ، بمصر وقت آذان العصر من يوم الخميس سلخ ذي ~~القعدة . ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة وتربته بالقرافة . ومولده بمصر في سنة ~~ثلاث وستمائة ، ومات وهو جد جد . وكان في ابتداء أمره في دكان يبيع الخام ، ~~ثم تنقلت به الأحوال وباشر في الديوان السلطاني حتى انتهى إلى هذه الغاية . ~~وكان من رجال الدهر حزما وعزما وتدبيرا ، وكتابة وتحصيلا للأموال وقياما ~~بمصالح الدولة ، وكان شديد الغيرة على منصبه ، فإذا تعرض أحد من المتعممين ~~المباشرين إلى الاجتماع بالسلطان عمل على إتلاقه ، وكذلك من يجتمع بأكابر ~~الأمراء من هذه الطائفة ، ويحسن إلى من يتصل بخدمته وخدمة أولاده ، وينتمي ~~إليهم ويقدمهم وكان حسن الظن بالفقراء والمشايخ كثير الإكرام لهم ولا يمل ~~من حوائجهم ، ويتشفع الناس عنده بهم فلا يردهم ، وكان أمينا في وزارته ، ما ~~تكلم عليه ولا على أولاده بخيانة وإنما كانوا كلهم يتجهون تجاه الغل ~~ويزرعون فاتسعت بذلك أحوالهم وكثرت أموالهم ، وعمروا الأبنية العظيمة ~~والمساكن البديعة والمنزهات ، وعمر هو مدرسة بزقاق القناديل بمصر ، ووقف ~~عليها أوقافا ، وكان كثير الصدقة والتزم صوم الدهر في وزارته . وكان يثيب ~~الشعراء على مدائحهم ، وامتدحه الشيخ رشيد الدين الفارقي فقال : وقايل في ~~الورى نبه لها عمرا . . . فقلت إن علينا قد تنبه لي مالي إذا كنت محتاجا ~~إلى عمرا . . . من حاجة فليتم حسبي انتباه علي PageV30P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" وكان متمكنا من السلطان الملك الظاهر ، يصرح ~~باعتقاد بركته ، حتى رام جماعة من الأمراء الأكابر خوشداشية السلطان أذاه ~~عند السلطان وذكر معايبه في أوقات ، فكان السلطان إذا تنسم ذلك منهم أو من ~~أحد بادره السلطان بذكر محاسنه وأنه في بركته ، فيقف من يقصد أذاه عن ذلك . ~~ولما مات وصل الخبر إلى السلطان وهو بمنزلة الكسوة ، فأمر بإيقاع الحوطة ~~على الصاحب تاج الدين ولد وولده ، وكان صحبته ، وأخذ خطه بمائة ألف دينار ، ~~وأرسله إلى مصر ، ورسم أن يستخرج من أخيه الصاحب زين الدين مائة ms7124 ألف دينار ~~، ومن الصاحب عز الدين بن الصاحب محيي الدين مائة ألف دينار . وفوض السلطان ~~وزارته للصاحب برهان الدين الخضر السنجاري ، وفوضت وزارة الصحبة للصاحب فخر ~~الدين إبراهيم بن لقمان صاحب ديوان الإنشاء في هذا التاريخ ودخل إلى دمشق ~~متوليا . ذكر وفاة مجد الدين عبد الرحمن بن الصاحب كمال الدين عمر بن ~~العديم وفيها : توفي القاضي مجد الدين " أبو محمد " عبد الرحمن بن الصاحب ~~كمال الدين عمر بن العدين قاضي الحنفية بدمشق ، وكانت وفاته بدمشق في يوم ~~الثلاثاء سادس شهر بيع الآخر ، ومولده بحلب في جمادى الأولى سنة أربع عشرة ~~وستمائة . وكان رجلا دينا صالحا فاضلا لطيفا ، وتولى تدريس المدرسة ~~الظاهرية بالقاهرة كما تقدم ، وخطابة الجامع الظاهري بظاهر القاهرة ، ثم ~~نقل إلى قضاء دمشق كما تقدم . ولما مات فوض قضاء القضاة الحنيفة بدمشق ~~لقاضي القضاة الشيخ صدر الدين أبي الربيع سليمان بن أبي العز بن وهيب ~~الحنفي ، وكان قاضي القضاة الحنفية بالديار المصرية ، وتوجه في الصحبة ~~الظاهرية إلى غزوة الروم ، فلما عاد واتفقت وفاة السلطان سأل أن يكون مدرسا ~~بدمشق ومجاورا لتربة السلطان ففوض إليه تدريس المدرسة الظاهرية بدمشق ، ~~وكان ابتداء جلوس المدرسين بها في ثالث صفر من هذه السنة ، وولى تدريس ~~الشافعية بها الشيخ رشيد الدين الفارقي ، واستمر القاضي صدر الدين في ~~القضاء أربعة أشهر ومات . وكانت وفاته بدمشق في ليلة الجمعة سادس شعبان ، ~~ودفن بسفح قاسيون بتربته وكان له ، رحمه الله ، التصانيف المفيدة في مذهبه ~~، ولما مات فوض الاقضاء بعده بدمشق لقاضي القضاة حسم الدين الحسن بن أحمد ~~بن الحسن بن أنوشروان قاضي ملطية ، وكان قد حضروا إلى الشام صحبة السلطان ~~الملك PageV30P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" الظاهر ، ففوض إليه القضاء بدمشق في التاسع ~~والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وسبعين وستمائة ، وقيل في شوال منها . وفيها ~~: كانت وفاة الشيخ تاج الدين محمد بن علي بن يوسف بن شاها نشاه بن غسيان بن ~~محمد بن جلب راغب المعروف بابن ميسر المصري ، وكان فاضلا جمع تاريخا لمصر ، ~~وقد نقلنا عنه مواضع ms7125 فيما سلف من كتابنا هذا ، وكانت وفاته بمصر في يوم ~~السبت ثاني عشر المحرم ، وذفن بسفح المقطم . ومولده في يوم الثلاثاء ثالث ~~جمادى الأول سنة ثمان وعشرين وستمائة بمصر ، رحمه الله تعالى . ذكر وفاة ~~الشيخ العارف نجم الدين أبو المعالي محمد بن الخضر الشيباني الحريري وفيها ~~في ليلة الأحد رابع عشر شهر ربيع الآخر : توفي الشيخ العارف المحقق نجم ~~الدين أبو المعالي محمد بن الخضر بن سوار بن اسرائيل الشيباني الحريري ~~بدمشق ، ودفن بقبة الشيخ أرسلان بمقبرة باب توما . ومولده في يوم الاثنين ~~ثاني عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستمائة بدمشق ، وكان دينا صالحا كريما ~~متواضعا فاضلا أديبا ناظما وله ديوان شعر ، وشعره كثير المعاني ، رحمه الله ~~تعالى . واستهلت سنة ثمان وسبعين وستمائة " استهلت " والسلطان الملك السعيد ~~بدمشق ، وفي خدمته من الأمراء من ذكر والعساكر مجردة كما تقدم . وفي هذه ~~السنة في ثامن المحرم : فوضت وزارة دمشق للصاحب فتح الدين عبد الله بن ~~القيسراني الحلبي ، وركب والرؤساء والأكابر في خدمته وباشر من يومه وفيها ~~في شهر ربيع الأول : وقع بين الأمراء الخاصكية وبين الأمير سيف الدين كوندك ~~نائب السلطنة فتنه ، وكان سببها أن السلطان الملك السعيد أكثر من الأنعام ~~على PageV30P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" الخاصكية وأوسع في العطاء لهم ، فاتفق إنه ~~أنعم على بعضهم بألف دينار ، فتوقف النائب في إمضاء المرسوم ، فاجتمع ~~المنعم عليه بيقيه خواشدشيته وعرفهم ذلك ، فاجتمعوا وحضروا إلى الأمير سيف ~~الدين كوندك وأسمعوه ما يكره ، ودخلوا إلى السلطان وصمموا على عزله ، ~~فأجابهم إلى ذلك . فخرجوا إليه ليوقعوا به ويقبضوا عليه أو يقتلوه . وكان ~~ذلك بحضور الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، فمنعهم من ذلك وأخذه وضمه إليه . ~~فخرج منشور السلطان له في اليوم الثاني بإمرة أربعين فارسا بحلب ، فاستمر ~~عند الأمير شمس الدين سنقر الأشقر سبعة أيام . ووردت الأخبار بعود الأمراء ~~. ذكر عود الأمراء من الغزاة وظهور الوحشة والمنافرة بينهم وبين السلطان ~~الملك السعيد وتوجيههم إلى الديار المصرية قال : ولما عاد الأمراء من ~~الغزاة وقصدوا العبور إلى دمشق ms7126 ، أرسل إليهم الأمير سيف الدين كوندك يخبرهم ~~بجلية الخبر ويعلمهم بما تقرر سرا . ثم ركب وخرج إليهم وتلقاهم ، واجتمع ~~بالأمير سيف الدين قلاون الألفي ، وبدر الدين بيسرى الشمسي ، وتحدث معهما ~~فأقاما بالمرج بمن معهما من الأمراء ولم يعبرا " إلى " دمشق ، وسير إلى ~~السلطان يقولان له : " إن الأمير سيف الدين كوندك حضر إلينا وشكى من لاجين ~~الزيني شكاوي كثيرة ، ولا بد لنا من الكشف عنها ، فييسره السلطان إلينا ~~لنسمع كل منهما وننصف بينهما " . فلم يعبأ " السلطان " بقولهما ، وكتب إلى ~~الأمراء الظاهرية التي معهما أن يفارقوهما ويعبروا إلى دمسق . فوقع القاصد ~~بالكتب إلى الأمير سيف الدين كوندك فأحضره إلى الأمراء وأوقفهم على الكتب ، ~~فتحققوا سوء رأيه فيهم . ورحلوا من وقتهم من المرج ونزلوا بالجسورا وأظهروا ~~الأمور الدالة على الخلاف . وندم السلطان وبعث الأمير شمس الدين سنقر ~~الأشقر ، والأمير شمس الدين سنقر التكريتي الظاهري استاد الدار إليهم ، ~~وتلطف بهم وقصد رجوعهم ، فما وافقوا على الرجوع . ثم خرجت إليهم والدة ~~السلطان إلى منزلة الكسوة ، واجتمعت PageV30P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" بالأمراء وسألتهم الرجوع فما رجعوا . وساروا ~~إلى الديار المصرية ، فوصلوا إليها ونزلوا تحت الجبل في شهر ربيع الآخر ، ~~فاتصل بالأمراء المقيمين بالقلعة قدومهم ، وكان بها الأمير عز الدين أيبك ~~الأفرم الصالحي أمير جاندار ، والأمير علاء الدين أقطوان الساقي ، وسيف ~~الدين بلبان الزريقي ، فتقدموا إلى متولي القاهرة بغلق أبوابها فغلقت ، ~~وبنى خلف أكثرها الحيطان . فأرسلوا إلى الأمراء الذين بالقلعة في فتح ~~الأبواب ليعبر العسكر إلى بيوتهم ، فنزل الأمير عز الدين الأفرم ، والأمير ~~علاء الدين أقطوان إلى الأمراء ليجتمعا بهم ، فقبض عليهما الأمير سيف الدين ~~كوندك ، وأرسل الأمراء ففتحوا أبواب المدينة . ودخل الناس إلى بيوتهم ~~بأثقالهم . ولما قبض على الأمير عز الدين الأفرم وعلاء الدين أقطوان نقلان ~~إلى دار الأمير سيف الدين قلاون بالقاهرة . وأغلق الأمير سيف الدين بلبان ~~الزريقي أبواب القلعة واستعد للحصار . ذكر وصول السلطان إلى قلعة الجبل وما ~~كان من أمره إلى أن انخلع من السلطنة قال المؤرخ : ولما رأى السلطان توجه ~~الأمراء إلى الديار ms7127 المصرية وانفرادهم عنه ، جمع من كان بدمشق من بقايا ~~العسكر المصري والعساكر الشامية ، واستدعى العربان وأنفق الأموال فيهم ~~بدمشق ، وسار إلى الديار المصرية . وكان رحيله من دمشق في يوم الجمعة ثاني ~~شهر ربيع الآخر ، وسلم قلعة دمشق إلى الأمير علم الدين سنجر الدوداري وجعله ~~نائبا إلى حين عود الأمير عز الدين أيدمر النائب ، فلما وصل السلطان إلى ~~غزة تسلل أكثر العربان وتفرقوا ، ولم يصل إلى بلبيس ومعه من العسكر الشامي ~~إلا اليسير . فأعطى من بقي منهم دستورا ، فعادوا صحبة الأمير عز الدين ~~أيدمر الظاهري نائب الشام ، وكان وصولهم في مستهل جمادى الأول . وكان ~~الأمير سيف الدين قلاون لما عاد من غزاة سيس جرد من العسكر الشامي بحلب ~~الأمير ركن الدين بيبرس العجمي الجالق الصالحي ، والأمير عز الدين أزدمر ~~العلائي ، والأمير شمس الدين قراسنقر المعزي ، والأمير جمال الدين أقش ~~الشمسي وغيرهم من نحو ألفي فارس ، فلما اتصل بهم خبر هذا الاختلاف رجعوا ~~إلى دمشق في شهر ربيع الآخر وقدموا عليهم الأمير جمال الدين أقش الشمسي . ~~ووصل الأمير عز الدين أيدمر النائب بالشام إلى دمشق هو ومن معه فخرج ~~الأمراء الذين وصلوا من حلب يتلقونه . فلما التقوه سبه الأمير ركن الدين ~~الجالق والأمير عز الدين أزدمر العلائي وقالا له : " كيف PageV30P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" فارقت السلطان " . فلما وصلوا إلى باب ~~الجابية أخذه الأمير جمال الدين أقش الشمسي إلى داره وقال له : " تكون ~~بداري إلى أن يرد مرسوم السلطان ، ولا تكون سبب إقامة فتنة " . فتوجه معه ~~إلى داره فأقام عنده إلى عشية النهار ، وجاء الأمير ركن الدين الجالق ~~وازدمر العلائي إلى الأمير جمال الدين أقش الشمسي بعد صلاة العصر وأخذ ~~الأمير عز الدين النائب من عنده وتوجها به إلى القلعة وسلماه إلى الأمير ~~علم الدين سنقر الدواداري فتسلمه منهما وجعله بقاعة البحرة ، ورسم عليه ~~ومكنه من دخول الحمام . فجاء الأميران إلى القلعة في يوم الاثنين . بعد ~~العصر واجتمعا بالدواواري وانكرا عليه كونه مكنه من دخول الحمام ، وقالوا : ~~تسلمه إلينا نتوجه به إلى الديار المصرية ms7128 . فقال : إنه ما جاءني ولا جاءكم ~~مرسوم بالقبض عليه . وقد قبضتم عليه ووصل إلى عندي ، فكيف أسلمه إليكما ~~وبأي عذر أعتذر إلى السلطان " . فأغلظوا له في القول . فلما أنكر حالهم وثب ~~من بينهما وأمر رجاله بالقلعة بغلق أبوابها . فوثب الأميران وجردا سيوفهما ~~وخرجا على حمية ، وأغلق الدوادري باب قلعة دمشق . هذا ما كان بالشام أما ~~الملك السعيد فإنه لم يبق معه من الأمراء الأكابر إلا الأمير شمس الدين ~~سنقر الأشقر والأمير علم الدين الحلبي ، والبقية من المماليك السعيدية ، ~~كلاجين الزيني ومن يجري مجراه ، فلما وصل إلى قرب المطرية فارقه الأمير شمس ~~الدين سنقر الأشقر وانفرد عنه وعن الأمراء . قال : ولما بلغ الأمراء أن ~~السلطان يقصد طلوع القلعة من وراء الجبل الأحمر ركبوا ليمنعوه من الوصول ~~إلى القلعة ، فجاء سحاب أسود وأظلم الوقت حتى أن الإنسان لا يرى رفيقه الذي ~~يسايره ، فطلع السلطان إلى القلعة ، وما رأوه . ولما استقر بها حاصره ~~الأمراء وأحاطوا بالقلعو ، واتفقا أن لاجين الزيني أنكر على الأمير سيف ~~الدين بلبان الزريقي وشتمه ، فتغير خاطره ونزل من القلعو وانحاز إلى ~~الأمراء ؛ وتسلل المماليك من القلعة واحدا بعد واحد ونزلوا إلى الأمراء . ~~وأشار الأمير علم الدين سنقر الحلبي على السلطان بالإفراج عن المعتقلين ، ~~فأفرج عن الأمراء الشهرزورية وغيرهم ، واستشار السلطان الأمير المشار إليه ~~فيما يفعل ، فقال : " أرى أن أخذ المماليك السلطانية واهجم بهم على الأمراء ~~وأفرق شملهم " . فلم يوافقه على ذلك PageV30P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" وتمادى الأمر اسبوعا ، فأرسل السلطان إلى ~~الأمراء وسألهم أن يكون الشام بكماله لهم ، فأبوا ذلك إلا أن يخلع نفسه من ~~الملك . فالتمس من الأمير سيف الدين قلاون والأمير بدر الدين بيسرى أن ~~يعطوه قلعة الكرك فأجاباه إلى ذلك . ونزل من القلعة بعد أن حلفوه ألا يتطرق ~~إلى غيرها وأن لا يكاتب أحدا من النواب ولا يستميل أحدا من الجند . وحلفوا ~~له أنهم لا يؤذونه في نفسه ولا يغيرون عليه . وسفروه لوقته صحبة الأمير سيف ~~الدين بيغان الركني وجماعة يوصلونه إلى الكرك فأوصلوه إليها وتسلمها من ms7129 ~~الأمير علاء الدين أيدكين الفخري النائب بها ، وتسلم ما بها من الأموال ~~والذخائر . وكان خروجه من السلطنة في شهر ربيع الآخر ثمان وسبعين وستمائة . ~~فكانت مدة سلطنته بعد وفاة والده سنتين وشهرين وأياما . ثم ملك بعد أخوه ~~السلطان الملك العادل بدر الديم سلامش بن السلطان الملك الظاهر ركن الدين ~~بيبرس الصالحي وهو السادس من ملوك دولة الترك بالديار المصرية . ملك بعد ~~خلع أخيه السلطان الملك السعيد في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وستمائة ~~. وذلك أنه لما سفر الملك السعيد إلى الكرك عرضت السلطنة على الأمير سيف ~~الدين قلاون فأبى ذلك ، وقال : " لم أخلع الملك طمعا في السلطنة إلا حفظا ~~للنظام ، وألفه لأكابر الأمراء أن يتقدم عليهم الاصاغر ، والأولى إلا تخرج ~~السلطنة عن الذرية الظاهرية ، فأقام بدر الدين سلامش هذا وله من العمر سبع ~~سنين ، وخطب له على المنابر ، وضربت السكتة باسمه ، ودبر الأمر سيف الدين ~~قلاون أتابكية الدولة . ولم يكن للملك العادل معه غير مجرد الاسم . وأقر ~~الصاحب برهان الدين السناجري على الوزارة وعزل قاضي القضاة تقي الدين محمد ~~بن الحسين بن زين على القضاء بالديار المصرية ، وفوضه إلى القاضي صدر الدين ~~عمر بن قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز وذلك في جمادى الأولى سنة ثمان ~~وسبعين وستمائة . وعزل القاضي شمس الدين بن شكر المالكي ، والقاضي معز ~~الدين الحنفي عن القضاء . ثم أعيد بعد مدة يسيرة . وفوض قضاء الحنابلة ~~للقاضي عز الدين المقدس الحنبلي . واستناب الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ~~بالشام وسيره إلى دمشق . وكان وصوله إليها . في يوم الأربعاء ثاني جمادى ~~الأخرى . وحال وصوله طلب الأمير علم الدين سنجر PageV30P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" الدواداري نائب قلعة دمشق وأمره بتسليم ~~القلعة للأمير سيف الدين الصالحي . حسب ما رسم به ، فتسلمها واستمر نائبا ~~بها . وفي يوم الجمعة رابع جمادى الآخرة أمر الأمير شمس الدين بالقبض على ~~الصاحب فتح الدين ابن القيسراني وإيقاع الحوطة على موجوده وسير إلى الأبواب ~~السلطانية تحت الاحتياط . قال : وأخذ الأمير سيف الدين قلاون في القبض على ms7130 ~~الأمراء الظاهرية وهو في أثناء ذلك يدير الأحوال ويفرق الأموال ويوس ~~الممالك ويمهد لنفسه المسالك . وأما الأمير بدر الدين بيسرى فإنه اشتغل ~~بالشرب واللهو . فاجتمعت أراء الأمراء على استقلال الأمير سيف الدين قلاون ~~بالسلطنة ، فأجابهم إلى ذلك ، وخلع الملك سلامش من السلطنة . فكان " كذا " ~~مدة وقوع اسم السلطنة عليه مائة يوم . وكان حسن الصورة جميل الهيئة ، كثير ~~السكون والحياء والعقل والأدب والتأني على صغر سنه PageV30P0256 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الحادى والثلاثون PageV31P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" بسم الله الرحمن الرحيم هو حسبي وكفي ### | AUT ذكر أخبار السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي النجمي # وهو السابع من ملوك دولة الترك بالديار المصرية . وهو من خالصة القفجاق ~~، من قبيلة برج أغلي . وكان مملوك الأمير علاء الدين أقسنقر الساقي العادلي ~~. اشتراه بألف دينار ، فعرف بالألفي . واتفقت وفاة أستاذه في الأيام ~~الصالحية ، في يوم الجمعة ، الثامن والعشرين ، من شهر رجب ، سنة ثمان ~~وسبعين وستمائة ؛ فارتجع إلى المماليك السلطانية هو وجماعة من خشداشيته ، ~~فهم يعرفون بالعلائية . PageV31P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" وكان السلطان الملك المنصور هذا ، في جملة ~~البحرية الذين خرجوا من الديار المصرية ، بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاي ~~. ثم تنقلت به الحال إلى هذه الغاية . ملك الديار المصرية والبلاد الشامية ~~، وما مع ذلك . وجلس على تخت السلطنة ، بقلعة الجبل ، في يوم الأحد ، ~~العشرين من شهر رجب الفرد ، سنة ثمان وسبعين وستمائة . واستحلف الأمراء ~~والمقدمين ، ومن جرت العادة باستحلافه . وخطب له على المنابر ، وكتب إلى ~~دمشق ، والى سائر الممالك يخبرهم بذلك . فوصل البريد إلى دمشق في الثامن ~~والعشرين من الشهر . وساق بعض مماليك الملك المنصور من باب الإسطبل ~~السلطاني ، بظاهر قلعة الجبل إلى دمشق ، في يومين وسبع ساعات . وحلف الناس ~~له بالشام . وخطب له على منابر دمشق ، في يوم الجمعة ثاني شعبان . وكان من ~~أول ما اعتمده السلطان عند جلوسه على تخت السلطنة ، أنه أمر بإبطال زكاء ~~الدولية ، بالديار المصرية ، وكانت قد أجحفت بالرعية . وأفرج عن الأمير عز ~~الدين أيبك الأفرم الصالحي ، ورتبه في نهاية السلطنة ms7131 . فتولاها مدة يسيرة ، ~~ثم استعفى PageV31P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" منها فأعفاه ، وفوض نيابة السلطنة بعده ، ~~لمملوكه الأمير حسان الدين طرنطاي ، وذلك في يوم السبت الثالث والعشرين من ~~شهر رمضان من السنة . وأقر الصاحب برهان الدين السنجاري على الوزارة ، ورتب ~~مملوكه الأمير علم الدين سنجر الشجاعي في شد الدولة . وكان أول ركوب ~~السلطان الملك المنصور بشعار السلطنة ، في يوم السبت الثالث من شعبان . ~~وكتب إلى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بركوبه ، والكتاب بخط القاضي تاج ~~الدين بن الأثير ، جاء منه : ولازالت أيامه بمحابها تهنى ، وترى من النصر ~~ما كانت تتمنى ، وتتأمل آثارها فتملأها حسنا . وتشاهد من أماير الظفر ما ~~يوسع على العباد أمنا . ويستزيد الحمد على ما وهب من الملك ، الذي أولى كلا ~~منا منا . المملوك يهدي من لطيف أنبائه ، ووظائف دعائه ، وما استقر من ~~عوارف الله لديه ، وما حباه به من النعم ، التي ملأت يديه ، ما يستروح ~~بنسيمه ؛ ويستفتح لسان الحمد بتقديمه ، وتزداد به مسرة نفسه وابتهاجها ، ~~وتزدان عقود السعود ، وإنما يزين اللآلئ في العقود ازدواجها ، وتقوى به قوى ~~العزائم ، وتمثله الأعداء في أفكارها ، فتكاد تجر ذيول PageV31P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" العزائم ، وتبعث الآمال على تمسكها بالنصر ، ~~وتظهر منه المحاب التي لو قصدت الأقلام لحصرها ، لعجزت عن الحصر . وهو أن ~~العلم الكريم ، قد أحاط بالصورة التي استقرت ، من دخول الناس في طاعة ~~المملوك ، واجتماع الكلمة عليه ، واستقلاله بأمر السلطنة المعظمة . ولما ~~كان يوم السبت ، الثالث من شعبان المبارك ، سنة ثمان وسبعين وستمائة ، ركب ~~المملوك بشعار السلطنة ، وأبهة الملك ؛ وسلك المجالس العالية ، الأمراء ~~والمقدمون والمفاردة والعساكر المنصورة ، من آداب الخدمة ، وإخلاص النية ، ~~وحسن الطاعة كل ما دل على انتظام الأمر واتساق عقد النصر . ولما قضينا من ~~أمر الركوب وطرا ، وأنجزنا للأولياء وعدا من السعادة منظرا ، عدنا إلى قلعة ~~الجبل المحروسة ، والأيدي بالأدعية الصالحة لنا مرتفعة ، والقلوب على محبة ~~أيامنا مجتمعة ، والآمال قد توقفت بالعدل واستمراره ، والأبصار قد استشرفت ~~من التأييد مطالع أنواره . وشرعنا من الآن في أسباب الجهاد ، وأخذنا في كل ~~ما يؤذن ms7132 ، إن شاء الله تعالى ، بفتح ما بأيدي العدو من البلاد . ولم يبق ~~إلا أن تتثنى الأعنة ، وتسدد الأسنة ، ويظهر ما في النفوس ، من مضمرات ~~المقاصد المستكنة . ورسمنا بأن تزين دمشق المحروسة ، وتضرب البشائر في ~~البلاد ، وأن يسمعها كل حاضر وباد . والله تعالى ، يجعل أوقاته بالتهاني ~~مفتتحة ، ويشكر مساعيه ، التي مازالت في كل موقف ممتدحة ، إن شاء الله ~~تعالى ، والحمد لله وحده . ذكر عزل الصاحب برهان الدين السنجاري عن الوزارة ~~، وتفويضها للصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان وغير ذلك وفي هذه السنة ، في ~~السادس والعشرين ، من شهر رمضان ، عزل السلطان ، الصاحب برهان الدين الخضر ~~السنجاري عن الوزارة ، ولزم مدرسة أخيه قاضي القضاة بدر الدين ، بالقرافة ~~الصغرى . واستوزر السلطان بعده ، الصاحب فخر الدين إبراهيم بن PageV31P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" لقمان " صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالديار ~~المصرية " . وفيها ، في شعبان ، رسم السلطان بإعفاء تقي الدين توبة ~~التكريتي بيع الخزانة بدمشق ، من هذه الوظيفة ؛ وأن يسامح بما عليه من ~~البواقي . وفوض إليه نظر الخزانة بدمشق فباشرها ، واستمر إلى خامس شوال ~~منها . ثم فوض إليه وزارة الشام ، وخلع عليه خلع الوزراء . وفيها ، في ~~أواخر شوال ، حضر الأمير عز الدين أيدمر الظاهري ، من دمشق ، تحت الاحتياط ~~، وجرد معه جماعة ، فلما وصل إلى قلعة الجبل اعتقل بها . وفيها ، فوض ~~السلطان قلعة دمشق لمملوكه الأمير حسام الدين لاجين السلاح دار ، وهو ~~المعروف بلاجين الصغير ، فوصل إليها وسكنها ، وذلك في العشرين من ذي الحجة ~~من هذه السنة ، فتخيل منه الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، نائب السلطنة ~~بالشام . وكان من خروجه عن طاعة السلطان ، وسلطنته بدمشق ما نذكره . وقد ~~رأينا أن نذكر أخباره ، وما كان من أخبار أولاد السلطان الملك الظاهر ~~بالكرك في هذا الموضع إلى آخر أخبارهم ، ليكون ذلك سياقة . ثم نذكر الغزوات ~~والفتوحات في الأيام المنصورية بجملتها ، على توال واتساق . بمقتضى ما ~~يقدمه التاريخ . ثم نشرح بعد ذلك حوادث السنين ، وما وقع فيها من الولاية ~~والعزل والأخبار ، والوفيات ، إلى انقضاء الدولة ، على ما تقف على ذلك إن ~~شاء الله ms7133 تعالى في مواضعه . PageV31P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" ذكر أخبار الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وخروجه ~~عن طاعة السلطان ، وسلطنته بدمشق ، وما كان من أمره إلى أن عاد للطاعة ، ~~ورجع إلى الخدمة السلطانية قد قدمنا أن السلطان الملك المنصور ، في زمن ~~أتابكيته ، في سلطنة الملك العادل بدر الدين سلامش . جهزه إلى الشام ، ~~نائبا عن السلطنة بدمشق ، وكان قد نقل الأمير جمال الدين أفش الشمسي من ~~دمشق إلى نيابة السلطنة بحلب . فلما ملك السلطان الملك المنصور ، واستقر ~~بالسلطنة ، خطر ببال الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، أن يستبد بسلطنة الشام ~~، ويصير الأمر على ما كان عليه في أواخر الدولة الأيوبية . فجمع الأمراء ~~الذين عنده ، وأوهمهم أن الأخبار وصلت إليه ، أن السلطان الملك المنصور قد ~~قتل ، وهو يشرب الخمر . ودعاهم إلى طاعته ، واستحلفهم لنفسه . فأجابوه ، ~~وحلفوا له ، وتلقب بالملك الكامل ، وركب بشعار السلطنة ، وأبهة الملك ، ~~بدمشق ، وذلك في الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وسبعين وستمائة . ~~وفي الوقت ، قبض على الأمير حسام الدين لاجين المنصوري ، نائب السلطنة ~~بقلعة دمشق ، وعلى الصاحب تقي الدين توبة . وجهز الأمير سيف الدين بلبان ~~الحبيشي ، إلى سائر الممالك الشامية والقلاع ، ليحلف من بها من النواب ~~وغيرهم " يولي فيها من جهته من PageV31P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" يريد " . واستوزر الصدر مجد الدين أبا الفدا ~~اسماعيل بن كسيرات الموصلي ، وجعل وزير الصحبة الصدر عز الدين أحمد بن ميسر ~~المصري ، وانتقل بأهله من دار السعادة ، التي يسكنها نواب السلطنة بدمشق ، ~~إلى القلعة . وأمر عند انتقال أهله ، بغلق باب النصر ، وفتح باب سر القلعة ~~، المقابل لدار السعادة ، بجوار باب النصر ، ففعلوا ذلك . فتطاير الناس له ~~بأشياء ، وقالوا : أغلق باب النصر ، وانتقل من دار السعادة ، وسكن القلعة ، ~~وولى وزارته ابن كسيرات ، فهذا لا يتم أمره ، وكان كذلك . ذكر التقاء ~~العسكر المصري والعسكر الشامي وانهزام عسكر الشام ، وأسر عدد من أمرائه في ~~المرة الأولى كان السلطان الملك المنصور ، قد جهز الأمير عز الدين أيبك ~~الأفرم إلى الكرك على سبيل الإرهاب ، عندما بلغه وفاة الملك السعيد ، على ~~ما ms7134 نذكر ذلك ، إن شاء الله . فبلغ الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، أنه خرج ~~من الديار المصرية ، في طائفة من عساكرها ، فظن أنه يقصده . فكتب إليه ~~ينهاه عن التقدم ، ويقول : إنني مهدت الشام ، وفتحت القلاع ، وخدمت السلطان ~~، وكان الاتفاق بيني وبنيه ، أن أكون حاكما على ما بين الفرات والعريش ، ~~فاستتاب أقوش الشمسي بحلب ، وعلاء الدين الكبكي بصفد ، وسيف الدين بلبان ~~الطباخي بحصن الأكراد . وآخر الحال أنه يسير إلي من يقصد مسكي . واتبع سنقر ~~الأشقار كتابه ، بتجريد العساكر . فلما وصل الكتاب إلى الأمير عز الدين ~~الأفرم ، كتبت مطالعة إلى السلطان ، وجهز الكتاب الذي أرسله سنقر ~~PageV31P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" الأشقر عطفها . فكتب السلطان إلى الأمير شمس ~~الدين سنقر الأشقر ، وكتب إليه أيضا الأمراء خوشداشيته ، يقبحون عليه فعله ~~، ويحضونه على الرجوع إلى الطاعة . وتوجه بالكتب الأمير سيف الدين بلبان ~~الكريمي العلائي خوشداشة ، فوصل إلى دمشق في ثامن المحرم سنة تسع وسبعين ~~وستمائة . فخرج إليه سنقر الأشقر ، وتلقاه وأنزله عنده ، بقلعة دمشق وأكرمه ~~. ومع ذلك ، لم يصغ إلى قوله ، ولا رجعل إلى ما أشار به خوشداشيته . قال : ~~ولما وصل كتاب سنقر الأشقر إلى الأمير عز الدين الأفرم ، رجع إلى غزة . ~~وعاد الأمير بدر الدين الأيدمري من الشوبك ، بعد أخذها ، على ما نذكره ، إن ~~شاء الله تعالى ، فاجتمعا على غزة . وجمع سنقر الأشقر العساكر ، من حلب ~~وحماه وحمص . واستدعى علي الكبكي من صفد ، والعربان من البلاد ، وجهز جماعة ~~من عسكر الشام ، وقدم عليهم الأمير شمس الدين قراسنقر المعزي ، فتوجه إلى ~~غزة . والتقوا هم والعسكر المصري . فانكسر عسكر الشام ، وأسر جماعة من ~~أعيان الأمراء ، منهم بدر الدين كنجك الخوارزمي ، وبهاء الدين يحك الناصري ~~، وناصر الدين باشقرد الناصري ، وبدر الدين بيليك الحلبي ، وعلم الدين سنجر ~~التكريتي ، وسنجر البدري ، وسابق الدين سليمان صاحب صهيون ، وسيروا إلى ~~السلطان ، فأحسن إليهم ، وخلع عليهم ، ولم يؤاخذهم . ذكر تجريد العساكر إلى ~~دمشق ، وحرب سنقر الأشقر وانهزامه وإخلائه دمشق ، ودخول العسكر المصري ~~إليها قال : ولما وصل خبر الكسرة ، إلى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ms7135 ، ~~المنعوت بالملك الكامل ، بدمشق ، أخذ في الاهتمام وجمع العساكر . وكتب إلى ~~الأمراء الذين بغزة ، من جهة الملك المنصور ، يعدهم ويستميلهم ، وعين لكل ~~منهم قلعة . وعسكر بظاهر دمشق . فجرد السلطان ، الأمير علم الدين سنجر ~~الحلبي ، والأمير بدر PageV31P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" الدين بكتاش الفخري أمير سلاح ، بالعساكر ومن ~~معهما من مضافيهما . فاجتمعا بالأميرين عز الدين الأفرم ، وبدر الدين ~~الأيدمري ومن معهما . وساروا ، والمقدم عليهم الأمير علم الدين سنجر الحلبي ~~. وكان سنقر الأشقر ، قد برز من قلعة دمشق ، بعساكر الشام في ثاني عشر صفر ~~، سنة تسع وسبعين وستمائة ، ونزل بالجسورة . ووصل العسكر المصري إلى الكسوة ~~، وترتب الأطلاب وتقدمت . والتقى العسكران بالجسورة ، في خامس عشر الشهر . ~~وعند اللقاء انهزم عسكر حماه والعسكر الحلبي . وانحاز جماعة من الشاميين ~~إلى العسكر المصري . وحمل سنجر الحلبي على سنقر الأشقر ، فانهزم لوقته . ~~وصحبه من الأمراء الأخصاء به ، الأمير عز الدين ازدمر الحاج ، والأمير علاء ~~الدين الكبكي ، والأمير شمس الدين قراسنقر المعزي ، والأمير سيف الدين ~~بلبان الحبيشي . وكان سنقر الأشقر ، من عشية يوم الجمعة ، ثالث عشر صفر ، ~~قد جهز أولاده وحريمه وحواصله إلى صهيون . فلما انهزم توجه به العرب إلى ~~الرحبة ، وكان من خبره ما نذكره . قال : ولما انهزم سنقر الأشقر غلقت أبواب ~~المدينة ، مخافة أن ينهبها العسكر المصري . وامتنعت القلعة أيضا . ونزل ~~الأمير علم الدين الحلبي بالقصر الأبلق ، بالميدان الأخضر ، وبات العسكر ~~حوله إلى اليوم الثاني . فجاء الأمير سيف الدين الجوكندار ، PageV31P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" وهو نائب القلعة ، من جهة الأمير شمس الدين ~~سنقر الأشقر ، إلى الأمير ركن الدين بيبرس العجمي الجالق ، والأمير حسام ~~الدين لاجين المنصوري ، والصاحب تقي الدين توبة ، وهم في الاعتقال بالقلعة ~~، وحلفهم أنهم لا يؤذونه إذا أخرجهم ، ولا يؤذون أحدا من مستخدمي القلعة ، ~~وأمنوا الناس . وكان الأمير علم الدين الحلبي قد نادى ظاهر دمشق بالأمان ، ~~ثم فتح الأمير حسام الدين لاجين المنصوري باب الفرج ، ووقف عليه ، ومنع ~~العسكر المصري من الدخول إلى المدينة خوفا أن يشعثوا . ثم نودي بإطابة قلوب ~~الناس ، وأمر بالزينة ودق البشائر ms7136 . وكتب الأمير علم الدين سنجر الحلبي ، ~~إلى السلطان بالنصر . وسير الأمراء الذين قبض عليهم ، فأحسن إليهم ، ولم ~~يؤاخذهم . وتوجه بالبشائر إلى السلطان الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير ~~بدر الدين بكتاش الفخري ، أمير سلاح ، فأنعم السلطان عليه . وأمره بعشرة ~~طواشية . ثم كان من أمر دمشق وأخبار أهلها ، وما استقر من أمر النيابة بها ~~، ما نذكره إن شاء الله تعالى ، في حوادث السنين . ذكر توجه الأمير شمس ~~الدين سنقر الأشقر إلى صهيون وتحصنه بقلعتها قال : لما انهزم الأمير شمس ~~الدين المشار إليه ، من دمشق ، كما تقدم توجه الى PageV31P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" الرحبة ، ففارقه أكثر من كان معه ، وامتنع ~~الأمير موفق الدين خضر الرحبي ، النائب بقلعة الرحبة ، من تسليمها إليه ، ~~فعند ذلك كاتب أبغا بن هولاكو ، ملك التتار ، يعرفه بما وقع بين العساكر ~~الإسلامية من الاختلاف ، وحثه على قصد البلاد بجيوشه ، ووعده الانحياز إليه ~~، والإعانة والمساعدة على ذلك وكتب إليه ، الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا ، ~~بمثل ذلك وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى . قال : وكان سنقر الأشقر ، لما ~~تغلب على الشام ، كاتب نواب القلاع . فمنهم من أطاعه ، ومنهم من امتنع عليه ~~. وكان ممن أطاعه ، نائب صهيون وبرزية وبلاطنس والشغر وبكاس ، وشيزر وعكار ~~وحمص . فلما انهزم سنقر الأشقر ، جرد السلطان خلفه جيشا صحبة الأمير حسام ~~الدين ايتمش بن أطلس خان . فبادر هو ، وعيسى بن مهنا ، بالهرب إلى صهيون ، ~~وذلك في جمادى الأولى من السنة المذكورة . وعاد ابن أطلس خان ومن معه ، ~~واستمر سنقر الأشقر بصهيون . ذكر انتظام الصلح بين السلطان الملك المنصور ~~وبين سنقر الأشقر وما استقر بينهما ، وانتقاض ذلك ، وأخذ صهيون منه وفي سنة ~~ثمانين وستمائة ، انتظم الصلح بين السلطان الملك المنصور ، والأمير ~~PageV31P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" شمس الدين سنقر الأشقر . وذلك أن السلطان جرد ~~الأمير عز الدين أيبك الأفرم ، والأمير علاء الدين كشتغدي الشمسي إلى شيزر ~~. فترددت الرسائل بين السلطان وبين سنقر الأشقر ، وطلب منه تسليم شيزر ، ~~فطلب منه الشغر وبكاس ، وكانتا قد أخذتا منه ، وطلب معهما فامية ، وكفر طاب ms7137 ~~وأنطاكية وبلادها ، فأجيب إلى ذلك . وتقرر أن يقيم شمس الدين سنقر الأشقر ، ~~على هذه البلاد ، وعلى ما بيده قبل ذلك من البلاد ، وهي صهيون وبلاطنس ~~واللاذقية بستمائة فارس ، لنصرة الإسلام ، وإن الأمراء الذين معه ، إن ~~أقاموا عنده ، يكونون من أمرائه ، وإن حضروا إلى السلطان يكونون آمنين ، ~~ولا يؤاخذون . وحضر عنده الأمير علم الدين سنجر الداوداري ، بنسخة اليمين ~~على ما تقرر ، فحلف السلطان على ذلك . وكتب له تقليدا بالبلاد ، وسأل سنقر ~~الأشقر ، أن ينعت بلفظ الملك ، فما أجاب السلطان إلى ذلك ، ونعت بالإمرة . ~~وسير السلطان ، الأمير فخر الدين أباز المقري الحاجب فحلفه ، وسير إليه ~~السلطان من الأقمشة والأواني والأنعام شيئا كثير . وانتظم الصلح والاتفاق . ~~وحضر مع السلطان في مصاف حمص ، وعاد PageV31P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" إلى صهيون على ما نذكره إن شاء الله تعالى ؛ ~~واستمر ذلك إلى سنة أربع وثمانين وستمائة . فلما حضر السلطان لحصار المرقب ~~، وهي بالقبر من صهيون ، لم يحضر الأمير شمس الدين إلى خدمة السلطان . ~~فتنكر السلطان لذلك ، وحنق عليه بسببه . وأرسل سنقر الأشقر ولده ناصر الدين ~~صمغار إلى خدمة السلطان يتلافى ذلك ، فمنعه السلطان من العود إلى والده . ~~واستمر إلى سنة ست وثمانين وستمائة . فجرد السلطان نائبه بالديار المصرية ، ~~الأمير حسام الدين طرنطاي ، إلى صهيون ، في جماعة كثيرة من العساكر ، ~~فنازلها ، وراسله في تسليمها ، وذكر له مواعيد السلطان له . فامتنع من ذلك ~~، فضايقه ، ونصب المجانيق حتى أشرف على أخذ حصن صهيون عنوة . فلما رأى ~~الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ذلك ، أرسل في طلب الأمان والأيمان . فحلف له ~~الأمير حسام الدين طرنطاي ، إن السلطان لا يضمر له سوءا . فنزل إلى الأمير ~~حسام ، وسلم إليه الحصن . فأخبرني من ذكر أنه شهد كيف كان نزوله إليه ، وما ~~عامل كل منهما الآخر به ، فقال : بينما الأمير حسام الدين جالس في خيمته ، ~~إذ قيل له ، هذا الأمير شمس الدين قد جاء . فوثب وأسرع المشي ، وخرج إليه ~~وتلقاه ، فترجل الأمير شمس الدين . وخلع الأمير حسام الدين قباء كان عليه ، ~~وبسطه على الأرض ، ليمشي الأمير ms7138 شمس الدين عليه . فرفعه الأمير شمس الدين ~~عن الأرض ، وقبله ولبسه . فأعظم الأمير حسام الدين طرنطاي ذلك ، وعامل ~~الأمير شمس الدين بأتم الخدمة وغاية الأدب . ورتب في الحصن تائبا وواليا ~~ورجاله . وسار هو والأمير شمس الدين إلى الديار المصرية . فلما قرب من قلعة ~~الجبل ، ركب السلطان وولداه الملك الصالح علاء الدين علي ، والملك الأشرف ~~صلاح الدين خليل ، وأولاد الملك الظاهر ، والعساكر . وتلقاه الأمير شمس ~~الدين وتعانقا ، وطلعا إلى القلعة ، وحمل السلطان إليه الخلع والأقمشة ~~والحوائص الذهب والتحف ، وساق إليه الخيول ، وأمره بمائة فارس ، وقدمه على ~~ألف . واستمر في الخدمة السلطانية ، من أكابر أمراء الدولة . PageV31P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" فهذا ما اتفق له ، في خروجه وعوده على سبيل ~~الاختصار . ثم كان من أخباره بعد ذلك ، ما نذكره إن شاء الله تعالى في ~~مواضعه . فلنذكر حال الملك السعيد وأخيه المسعود . ذكر خبر الملك السعيد ~~وما كان من أمره بالكرك واستيلائه على الشوبك واستعادتها منه قال المؤرخ : ~~لما توجه الملك السعيد إلى الكرك ، كان السلطان الملك المنصور ، قد شرط ~~عليه ، أنه لا يكاتب الأمراء ، ولا يفسد العساكر ، ولا يتطرق إلى غير الكرك ~~. فلما استقر بها حركه مماليكه ، وحسنوا له التطرق إلى الحصون وأخذها ، ~~أولا فأولا ، فوافقهم على ذلك . وكاتب النواب وسير الأمير حسام الدين لاجين ~~، رأس نوبة الجمدارية ، إلى الشوبك ، فتغلب عليها ، وأقام بها . فكاتبه ~~السلطان الملك المنصور ، ونهاه فلم ينته ، فجرد الأمير بدر الدين بيليك ~~الأيدمري إلى الشوبك ، فنزل عليها ، وضايق أهلها ، وتسلمها في العاشر من ذي ~~القعدة سنة ثمان وسبعين وستمائة ، ورتب بها نائبا وعاد عنها . ذكر وفاة ~~الملك السعيد وقيام أخيه الملك المسعود خضر مقامه بالكرك قال : وفي سنة ~~ثمان وسبعين وستمائة ، ركب الملك السعيد ، إلى الميدان PageV31P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" بالكرك ، ولعب بالكرة ، فتقنطر عن فرسه ، فصدع ~~وحم أياما قلائل ، فمات . وكانت وفاته ، رحمه الله تعالى ، في ثالث عشر ذي ~~القعدة ، من السنة . وعمل السلطان الملك المنصور له عزاء ، بقلعة الجبل ، ~~في الثاني والعشرين من الشهر . وحضره وعليه ثياب البياض ، وحضر ms7139 الأمراء ~~والقضاة والعلماء ، والوعاظ . ولما توفي صبر ، ووضع في تابوت مدة ، ثم حمل ~~إلى التربة الظاهرية بدمشق ، وذلك في سنة ثمانين وستمائة ، ووصلت والدته ~~إليها في ثامن عشرين شهر ربيع الآخر ، والسلطان الملك المنصور يوم ذاك ~~بالشام . فأدخل التربة الظاهرية ليلافي تابوت ، ولم يدخلوا به من باب ~~المدينة ، وإنما رفعوا تابوته من أعلى السور ، ودلوه من الجانب الآخر ، ~~ووضع في قبره ، وألحده القاضي عز الدين بن الصائغ ، كما ألحد والده . وحضر ~~السلطان الملك المنصور في بكرة دفنه إلى التربة الظاهرية ، ومعه القضاة ~~والعلماء والقراء والوعاظ ، وأظهر الحزن عليه ، وذلك في سلخ شهر ربيع الآخر ~~. ومولده بمنزلة العش ، من ضواحي القاهرة ، في صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة ~~. قال : وكان الملك السعيد ، لما استقر بالكرك ، رتب في النيابة بها الأمير ~~علاء الدين ايدغدي الحراني الظاهري ، لما فارقه الأمير علاء الدين الفخري ~~النائب بها إلى الديار المصرية . فلما مات اتفق نائبه الأمير علاء الدين ~~ايدغدي الحراني ومن معه ، وأقاموا أخاه خضرا مقامه ، ولقب بالملك المسعود . ~~فشرع المماليك ، الذين حول الملك PageV31P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" المسعود نجم الدين خضر ، في سوء التدبير ، ~~ففرقوا أموال الذخائر ، وأرادوا أن يستجلبوا بها الناس ، وانضم إليه كل من ~~قطع رزقه . وتوجه منهم جماعة إلى الصلت فاستولوا عليها ، وأرسلوا إلى صرخد ~~، وقصدوا الاستيلاء عليها ، فعجزوا عن ذلك . وشرعوا في استفساد الناس ، ~~وتسامع بهم العربان والطماعة ، أنهم يبذلون الأموال ، فقصدوهم من كل الجهات ~~، وهم يبذلون الأموال لمن يقصدهم ويصل إليهم . فكان جماعة من العربان ~~وغيرهم يقصدونهم من أطراف البلاد ، ويجتمعون ويحضرون إلى الملك المسعود ، ~~ويبذلون له الطاعة ، ويتقربون إليه بالنصيحة . فإذا وثق بهم ، وأنفق فيهم ~~الأموال ، وحصلوا عليها ، وبلغوا الغرض مما راموه تسللوا وفارقوه ، وعادوا ~~من حيث جاءوا وتفرقت جماعاتهم . وهو ومن عنده لا يرجعون عن بذل المال لمن ~~يصل إليهم ، إلى أن فنيت أكثر تلك الذخائر ، التي كانت بالكرك ، التي حصنها ~~السلطان الملك الظاهر ، وجعلها بهذا الحصن ذخيرة لأوقات الشدائد ، فنفقوها ~~فيما لا أجدى نفعا ، بل جلب ضررا ، وغلت الخواطر ms7140 . ثم كاتبوا الأمير شمس ~~الدين سنقر الأشقر نائب السلطنة بدمشق في الموافقة معهم . واتصل ذلك ~~بالسلطان ، فجرد الأمير عز الدين أيبك الأفرم إلى الكرك على سبيل الإرهاب . ~~وكان بينه وبين الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ما قدمناه . ذكر الصلح بين ~~السلطان والملك المسعود وانتقاض ذلك وإخراجه من الكرك وفي سنة ثمانين ~~وستمائة ، وردت رسل الملك المسعود إلى السلطان في طلب الصلح ، والزيادة على ~~الكرك ، وأن يكون له ما كان للناصر داود ، فلم يجبه السلطان إلى ذلك ، ولا ~~إلى إقامته بالكرك بالأصالة . وترددت رسائله إلى السلطان ، وسأل أن يقر ~~بيده الكرك وأعمالها من حد الموجب إلى الحسا . فأجابهم السلطان ، وحلف لهم ~~؛ والتمسوا PageV31P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" شروطا : منها تجهيز الإخوة الذكور والإناث ، ~~أولاد الملك الظاهر إلى الكرك ، ورد الأملاك الظاهرية عليهم ، وتم الصلح ~~وحلف السلطان عليه . وتوجه الأمير بدر الدين بيليك المحسني السلاح دار ، ~~والقاضي تاج الدين ابن الأثير ، إلى الكرك ، وحلفا الملك المسعود . وكوتب ~~من ديوان الإنشاء ، كما يكاتب صاحب حماه ، واستمر الأمر على ذلك إلى سنة ~~اثنتين وثمانين وستمائة ، فبلغ السلطان أنهم نقضوا ما كان قد تقرر . وحضر ~~الأمير علاء الدين ايدغدي الحراني ، نائب الملك المسعود بالكرك ، وأنهى إلى ~~السلطان ما اعتمدوه ، مما يغلت الخواطر . فكتب السلطان إلى الملك المسعود ~~ومن معه ينهاهم عن ذلك ، فلم ينتهوا . فجرد إلى الكرك في هذه السنة الأمير ~~بدر الدين بكتاش الفخري ، أمير سلاح ، وأمره بمراسلتهم ، فراسلهم ، فلم ~~يرجعوا عن اعتمادهم ، فضايق الكرك ، ورعت خيول العسكر تلك الزراعات كلها ، ~~ثم عاد عن الكرك . وتراخى الأمر ، واستمر الملك المسعود بالكرك إلى سنة خمس ~~وثمانين وستمائة . فجرد السلطان الملك المنصور ، الأمير حسام الدين طرنطاي ~~، نائب السلطنة ، بجيش كثيف ، وأمره بمنازلة الكرك ومحاصرتها فتوجه إليها ، ~~وأحضر آلات الحصار ، من الحصون الإسلامية ، وضايقها وقطع الميرة عنها . ~~واستدعى بعض الرجالة ، وأحسن إليهم ، فوافقوه على الملك المسعود . فلما رأى ~~الملك مسعود نجم الدين خضر ، وأخوه بدر الدين سلامش الحال على ذلك ، أرسل ~~الملك المسعود إلى الأمير حسام الدين طرنطاي ، في ms7141 طلب الأمان ، فأمنه عن ~~السلطان . فقال لابد من أمان السلطان وخاتمه . فطالع الأمير حسام الدين ~~السلطان بذلك ، فأرسل السلطان بأمانه الأمير ركن الدين بيبرس الداوادار ~~المنصوري ، فاجتمع بهما ، وأبلغهما أمان السلطان ، فنزلا من قلعة الكرك ، ~~إلى الأمير حسام الدين طرنطاي ، وذلك في صفر سنة خمس وثمانين وستمائة . ~~PageV31P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" فرتب الأمير حسام الدين ، عز الدين أيبك ~~الموصلي المنصوري ، في نيابة السلطنة بالشوبك منذ استعيدت من الملك السعيد ~~. ورحل الأمير حسام الدين طرنطاي ، وولدا الملك الظاهر صحبته ، فلما وصلوا ~~إلى الديار المصرية ، وقربوا من قلعة الجبل ، ركب السلطان ، وتلقاهما وأقبل ~~عليهما ، وطلعا إلى القلعة ، وذلك يوم الثلاثاء ثاني عشر ربيع الأول . وأمر ~~كلا منهما إمرة مائة فارس . واستمرا يركبان معه في الموكب والميدان ، ~~ونزلهما منزلة أولاده . ثم بلغه عنهما ما تنكر له ، فقبض عليهما واعتقلهما ~~، وبقيا في الاعتقال في أيام السلطان الملك الأشرف ، فسيرهما إلى ~~القسطنطينية . هذا ما كان من أخبار هؤلاء المناوئين في الملك ، فلنذكر ~~الفتوحات والغزوات ، ونوردها في الترتيب ، على حكم السنين ، إن شاء الله ~~تعالى . ذكر الفتوحات والغزوات التي شهدها السلطان بنفسه ، والتي ندب إليها ~~عساكره المؤيدة ذكر عبور التتار إلى الشام والمصاف الذي وقع بينهم وبين ~~العساكر المنصورة بحمص وانهزام التتار قال المؤرخ : وفي سنة ثمانين وستمائة ~~، وردت الأخبار بدخول منكوتمر ، إلى بلاد الروم ، بعساكر المغل ، وأنه نزل ~~بين قيسارية وابلستين ، فتوجه كشافة من عين تاب ، فوقعوا بفرقة من التتار ~~بالقرب من صحراء هوتي ، الذي كسر الملك PageV31P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" الظاهر التتار عليها . فظفروا منهم بإنسان ~~يسمى حلتار بهادر أمير آخور أبغا ابن هولاكو ، كان قد توجه لكشف المروج ، ~~فأمسكوه وأحضروه إلى السلطان إلى دمشق . فوانسه السلطان ، وسأله عن الأخبار ~~، فذكر أنهم في عدد كثير يزيدون على ثمانين ألف فارس من المغل ، وعزمهم ~~أنهم يقصدون البلاد ، قولا جازما ، ويركبون من منزلتهم أول شهر رجب . ثم ~~ورد الخبر في جمادى الآخرة ، أنهم ركبوا من منزلتهم ، وأنهم يسيرون برفق ، ~~وأن فرقة منهم توجهت صحبة أبغا إلى الرحبة ، ومعه ms7142 صاحب ماردين ، فسير ~~السلطان كشافة إلى الرحبة ، صحبة بجكا العلائي . وركب السلطان من دمشق ، ~~ووصل العدو المخذول إلى صوب حارم . وراسل السلطان الأمير شمس الدين سنقر ~~الأشقر عدة مراسلات ، إلى أن تقرر أنه ينزل من صهيون بمن معه للغزاة ، بشرط ~~أن يعود إليها ، إذا انقضى المصاف . فنزل ووافى السلطان على حمص ، هو ومن ~~كان عنده من الأمراء ، وهم ايتمش السعدي ، وازدمر الحاج ، وسنجر الداواداري ~~، وبجق البغدادي ، وكراي ، وشمس الدين الطنطاش وابنه ، ومن معهم من ~~الظاهرية . ففرح المسلمون بحضورهم ، وكان ذلك قبل المصاف بيومين . ثم ورد ~~الخبر أن منكوتمر على حماه بعساكر التتار ، في ثمانين ألف ، منهم خمسون ألف ~~من المغل ، وبقيتهم مرتدة وكرج وروم وأرمن وفرنج ، وأنه نفر إليهم مملوك من ~~مماليك الأمير ركن الدين بيبرس العجمي الصالحي الجالق ، ودلهم على عورات ~~المسلمين وأخبرهم بعددهم . PageV31P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" ودخلوا ليلة الخميس عن حماه ، ورتبوا جيشهم . ~~فكان طرف ميمنتهم حماه ، وطرف ميسرتهم ، وساقوا طالبين اللقاء ، والمقدم ~~عليهم من قبل أبغا ، منكوتمر بن هولاكو ، أخو أبغا . ورتب السلطان الملك ~~المنصور عساكره ، وبات المسلمون على ظهور خيولهم . واتفق أن شخصا من عسكر ~~التتار ، دخل حماه ، وقال للنائب بها : اكتب الساعة إلى السلطان ، على جناح ~~طائر ، وعرفه أن القوم ثمانون ألف مقاتل في القلب ، منهم أربعة وأربعون ألف ~~من المغل وهم طالبون القلب ، وميمنتهم قوية جدا ، فتقوى ميسرة المسلمين ، ~~وتحترز على الصناجق . فكتب النائب بذلك إلى السلطان . فلما قرأ الكتاب ركب ~~عند إسفار الصباح . في يوم الخميس رابع عشر شهر رجب ، سنة ثمانين وستمائة ، ~~وهو يوم اللقاء . ورتب العساكر المنصورة الإسلامية ، على ما نذكره ، بمقتضى ~~ما أورده الأمير ركن الدين بيبرس الداوادار المنصوري في تاريخه وهو : ~~الميمنة المنصورة ، فيها الملك المنصور صاحب حماه ، والأمير بدر الدين ~~بيسرى الشمسي ، والأمير علاء الدين طيبرس الوزيري والأمير عز الدين أيبك ~~الأفرم ، والأمير علاء الدين كشتغدي الشمسي ومضافوهم ، والأمير حسام الدين ~~لاجين نائب الشام PageV31P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" والعسكر الشامي . وفي رأس الميمنة الأمير شرف ~~الدين عيسى ابن مهنا ms7143 وآل فضل وآل مري ، وعربان الشام ، ومن انضم إليهم . ~~الميسرة المباركة ، فيها الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ومن معه من الأمراء ~~، والأمير بدر الدين بيليك الأيدمري ، والأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح ، ~~والأمير علم الدين سنجر الحلبي ، والأمير بجكا العلائي ، والأمير بدر الدين ~~بكتوت العلائي ، والأمير سيف الدين خبرك التتري ، ومن معهم من المضافين . ~~وفي رأس الميسرة التركمان بجموعهم وعسكر حصن الأكراد . ذكر الجاليش وهو ~~مقدمة القلب ، فيه الأمير حسام الدين طرنطاي ، نائب السلطنة ، ومن معه من ~~مضافيه ، والأمير ركن الدين اياجي الحاجب ، والأمير بدر الدين بكتاش بن ~~كرمون ، ومن معهم من المماليك السلطانية . ووقف السلطان تحت الصناجق ، ~~وحوله مماليكه وألزامه وأرباب الوظائف . وأشرفت كراديس التتار . وكان ~~الملتقى بوطأة حمص ، بالقرب من مشهد خالد بن الوليد . فالتقى الجمعان ، في ~~الساعة الرابعة ، من نهار الخميس ، وجاءت ميسرة العدو ، تجاه الميمنة ~~الإسلامية ، وصدموا الصدمة الأولى ، فثبت المسلمون . وانكسرت ميسرة التتار ~~كسرة تامة ، وانتهت إلى القلب الذي للتتار ، وبه منكوتمر . PageV31P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" وأما الميسرة الإسلامية ، فصدمتها ميمنة ~~التتار ، فلم تثبت لترادف كراديسهم . وساق التتار وراء المسلمين ، حتى ~~انتهوا إلى تحت حمص . ووقعوا في السوقة والعوام ، فقتلوا منهم خلقا كثيرا . ~~ولم تعلم المسلمون ما تهيأ للميمنة من النصر ، ولا علم التتار ما أصاب ~~ميسرتهم ، فاستقل بعض من انهزم إلى دمشق ، وبعضهم إلى قرب صفد . ومنهم من ~~وصل غزة . ولما رأى التتار ، أنهم قد استظهروا ، نزلوا عن خيولهم في المرج ~~الذي عند حمص ، وأكلوا الطعام ، ونهبوا الأثقال والوطاقات ، والخزانة . ~~وانتظروا قدوم بقيتهم ، فلما أبطأوا عنهم ، أرسلوا من يكشف خبرهم ، فعاد ~~الكشافة وأخبروهم أن منكوتمو هرب ، فركبوا خيولهم ، وكروا راجعين . هذا ~~والسلطان ثابت في موقفه ، في نفر يسير من المماليك ، والعساكر قد تفرقت . ~~منهم من تبع التتار الذين انهزموا ، ومنهم من استمر به الهرب . فلما رجعت ~~ميمنة التتار ، أمر السلطان أن تلف الصناجق ، وتبطل الكوسات ، فمروا ولم ~~يقدموا عليه . وأخذوا على طريق الرستن ، ليلحقوا بأصحابهم . وعندما تقدموه ~~قليلا ، ساق عليهم ، فانهزموا لا يلوون على شيء ms7144 . وكان ذلك تمام النصر ، ~~وهو عند غروب الشمس من يوم الخميس . ومر هؤلاء المنهزمون من التتار نحو ~~الجبل ، يريدون منكوتمر . وكان ذلك من تمام نعمة الله على المسلمين وإلا لو ~~قدر الله أنهم رجعوا على المسلمين ، لما وجدوا فيهم قوة . ولكن الله نصر ~~دينه ، وهزم عدوه مع قوتهم وكثرتهم . وانجلت هذه الواقعة عن قتلى كثيرة من ~~التتر لا يحصى عددهم . وكتبت البطائق بالنصر . PageV31P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" وعاد السلطان من يومه إلى المنزلة ، بعد ~~انفصال الحرب . وكان قد فرق ما بالخزانة من الذهب ، في أوساط مماليكه ، ~~فسلم بجملته . وبات السلطان بالمنزلة ليلة الجمعة . فلما كان عند السحر ، ~~ثار صياح بالوطاقات ، فظن الناس عود العدو ، فركب السلطان ومن معه وكان ~~بالوطاقات ، فانكشف الخبر بعد ساعة ، أن جماعة من العسكر ، الذين تبعوا ~~التتار عند الهزيمة رجعوا . وقتل من التتار في الهزيمة ، أكثر من الذين ~~قتلوا في المصاف ، واختفت منهم طائفة بجانب الفرات . فأمر السلطان أن تضرم ~~النيران بالأزوار التي على الفرات ، فأحرق أكثر من اختفى فيها . وهلكت فرقة ~~منهم ، كانوا سلكوا درب سلمية . ولما وصلت البطائق إلى الرحبة ، بخبر النصر ~~وهزيمة التتار ، كان أبغا ملك التتار يحاصرها ، فدقت البشائر ، وأعلن الناس ~~بالنصر ، ففارقها أبغا وتوجه إلى بغداد . وعاد الأمير شمس الدين سنقر ~~الأشقر إلى صهيون . ورجع إلى الخدمة السلطانية ممن كان معه ، ايتمش السعدي ~~، وسنجر الداواداري وكراي التتاري وولده ، وتماجي ، وجماعة من الأمراء ~~الذين كانوا عنده . وعاد السلطان إلى دمشق ، فكان وصوله إليها ، في يوم ~~الجمعة ثاني عشر شهر رجب الفرد . وامتدحه الشعراء ، وأكثروا المدائح ~~والهناء بهذا النصر . وخرج السلطان من دمشق ، عائدا إلى الديار المصرية ، ~~في يوم الأحد ثاني شعبان . وكان وصوله إلى قلعة الجبل ، في يوم السبت ~~الثاني والعشرين من الشهر ، فزينت له المدينة ، ودخل ، وبين يديه الأسرى ، ~~وبعضهم يحمل صناجقهم المكسورة وطبولهم . وخلع السلطان على الأمراء والأكابر ~~. واستشهد في هذه الواقعة من الأمراء من نذكر : منهم الأمير عز الدين ازدمر ~~الحاج . وهو الذي جرح منكوتمر ، وكان من أعيان الأمراء ، وكانت ms7145 نفسه تحدثه ~~أنه يملك . والأمير بدر الدين بكتوت الخازندار ، والأمير سيف الديان بلبان ~~الرومي الداوادار الظاهري ، والأمير شهاب الدين توتل الشهرزوري ، رحمهم ~~الله تعالى . PageV31P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" هذا ما كان من خبر هذه الواقعة . ذكر فتوح ~~قلعة قطيبا وهذه القلعة كانت في الزمن الأول محسوبة في جملة قلعة آمد ، ثم ~~صارت في يد ملك الروم ، وصارت في يد العدو المخذول من التتار ، وفيها ~~نوابهم . وكانت مضرة بقلعة كركر والثغور المجاورة لها ، وما كان يمكن أخذها ~~بحصار ، فتلطف النواب ، واستمالوا من كان بها . فلما كان في سنة اثنتين ~~وثمانين وستمائة . خلت هذه القلعة من الغلال . فجرد السلطان إليها رجالة ~~كركر ، فضايقوها . فسأل أهلها مراحم السلطان فأجيبوا إلى ملتمسهم . وتسلمها ~~نواب السلطان ، وأحضروا إليها جماعة من الرجالة من قلعة البيرة وعين تاب ~~والروندان . وجعل فيها ما يحتاج إليه من الغلال والسلاح والعدد . وصارت من ~~حصون الإسلام المنيعة . ذكر فتوح ثغر الكختا وفي سنة اثنتين وثمانين ~~وستمائة أيضا ، فتحت قلعة الكختا . وهي من أمنع الحصون وأعلاها وأتقنها ~~بنية . فاجتهد السلطان في تحصيلها وإضافتها إلى الحصون الإسلامية . ووعد من ~~بها المواعيد الجميلة . فأجابوا بالسمع والطاعة . وقتلوا النائب بها ، وهو ~~الشجاع موسى . وراسلوا نائب السلطنة الشريفة بالمملكة الحلبية ، وبذلوا ~~تسليم القلعة . فجهز إليهم الأمير جمال الدين الصرصري ، والأمير ركن الدين ~~بيبرس السلاح PageV31P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" دار ، والأمير شمس الدين أقش الشمسي العينتابي ~~، ومن معهم . فتسلموا الحصن ، وحلفوا من به للسلطان ولولده الملك الصالح ، ~~وألبسوهم التشاريف ، ثم جهزوا من كان بها ، طائفة بعد أخرى إلى الأبواب ~~الشريفة السلطانية . فأحسن السلطان إليهم ، وأقطع منهم من يستحق الإقطاع ، ~~وجهزت إليهم الزردخانات ، وآلات الحصار ، واستقرت في جملة الحصون الإسلامية ~~. وصارت هذه القلعة شجى في حلق الأرمن ، وحصل الاستظهار بها على الغارات . ~~ذكر الإغارة على بلاد سيس وفي سنة اثنتين وثمانين وستمائة أيضا ، كتب ~~السلطان إلى نائب السلطنة بالمملكة الحلبية ، أن يوجه من يغير على بلاد سيس ~~، بسبب ما كان الأرمن اعتمدوه ، من إحراق جامع حلب ، لما جاءوا صحبة التتار ms7146 ~~. وجرد السلطان عسكرا من الديار المصرية ، ومن عسكر الشام لذلك . فتوجهوا ~~وأغاروا ، ووصلوا إلى مدينة أياس ، فقتلوا من أهلها جماعة ، ونهبوا وخربوا ~~. فلما عادوا ووصلوا إلى باب اسكندرونه ، أتاهم عسكر الأرمن فاقتتلوا . ~~فانهزم الأرمن ، وتبعهم العسكر إلى تل حمدون ، واقتلعوا جماعة من خيلاتهم ، ~~وعاد العسكر الإسلامي بالظفر والغنيمة . ذكر فتوح حصن المرقب وفي سنة أربع ~~وثمانين وستمائة ، توجه السلطان الملك المنصور إلى المرقب ، ونازله في ~~أوائل شهر ربيع الأول . وذلك أن أهله فعلوا ما يوجب نقض الهدنة ، التي كانت ~~حصلت بينهم وبين السلطان ، على ما نذكرها في حوادث السنين ، ولم يتفقوا عند ~~شروطها . فحاصر السلطان الحصن ، وعملت النقوب ، وأشرفت الفرنج على أنه يفتح ~~عنوة . فطلبوا الأمان ، وسلموا الحصن . فتسلمه السلطان ، وذلك في الساعة ~~الثامنة من نهار الجمعة سابع عشر شهر ربيع الأول . وكان هذا الحصن لبيت ~~الاسبتار ، وجهز أهله إلى طرابلس . PageV31P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" ذكر غزوتي النوبة الأولى والثانية كانت الغزوة ~~الأولى في سنة ست وثمانين وستمائة . وذلك أن السلطان الملك المنصور ، جهز ~~الأمير علم الدين سنجر المسروري ، المعروف بالخياط ، متولي القاهرة والأمير ~~عز الدين الكوراني ، وجماعة من أجناد الولايات ، بالوجه القبلي ~~والقراغلامية . وجرد الأمير عز الدين أيدمر السيفي ، السلاح دار ، متولي ~~الأعمال القوصية ، بعدته ومن عنده من المماليك السلطانية ، المركزين ~~بالأعمال القوصية ، وأجناد مركز قوص ، وعربان الإقليم وهم : أولاد أبي بكر ~~، وأولاد عمر ، وأولاد شريف ، وأولاد شيبان ، وأولاد الكنز ، وجماعة من ~~العربان الريسية وبني هلال . فتوجه الأمير علم الدين الخياط بنصف الجيش من ~~البر الغربي . وتوجه الأمير عز الدين أيدمر بالنصف الثاني من البر الشرقي ، ~~وهو الجانب الذي فيه مدينة دنقلة . وكان متملك النوبة في ذلك الوقت اسمه ~~سمامون ، وكان ذا دهاء ومكر وبأس ، بالنسبة إلى أمثاله . فلما وصل الجيش ~~إلى أطراف البلاد ، أخلا سمامون البلاد ، وأرسل إلى نائبه بجزائر ميكائيل ~~وعمل الدو ، وهو جريس - ويسمى من يتولى هذه الولاية ، عند النوبة ، صاحب ~~الجبل - فأمره بإخلاء البلاد التي تحت يده أمام الجيش . فكانوا يرحلون أمام ~~الجيش منزلة بمنزلة ، إلى ms7147 أن انتهوا إلى متملك النوبة بدنقلة . فأقام بها ~~إلى حيث وصل PageV31P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" الأمير عز الدين ومن معه ، فالتقوا واقتتلوا ، ~~فانهزم سمامون ، وقتل من أصحابه خلق كثير . واستشهد من المسلمين أناس قلائل ~~. ولما انهزم سمامون ، تبعه الجيش إلى ميسرة خمسة عشر يوما من دنقلة ، ~~فأدركوا جريس ، فأخذوه ، وأخذوا ابن خاله متملك النوبة ، وهو من أعيان ~~أصحابه ، وممن يرجع إليه الملك . فرتب الأمير عز الدين ، ابن أخت الملك ~~ملكا ، وربت جريس في النيابة عنه ، وجرد معهما جماعة من العسكر ، وقدر ~~عليهما قطيعة ، يحملونها إلى الأبواب السلطانية في كل سنة . وعاد الجيش بعد ~~أن غنموا غنائم كثيرة من الرقيق ، والخيل ، والجمال ، والأبقار ، والأكسية ~~. ولما فارق الجيش النوبة وعاد ، وتحقق سمامون عودهم ، رجع إلى دنقلة ، ~~وقاتل من بها ، وهزمهم واستعاد البلاد . فحضر الملك المستجد وجريس ، ومن ~~كان معهما من العسكر المجرد ، إلى الأبواب السلطانية ، وأنهوا ما اتفق من ~~سمامون . فغضب السلطان لذلك ، وجرد جيشا كثيفا . ذكر تجريد الجيش في ~~المرتبة الثانية إلى النوبة قال : وجرد السلطان الأمير عز الدين أيبك ~~الأفرم ، أمير جاندار إلى النوبة ، وصحبته من الأمراء ، الأمير سيف الدين ~~قبجق المنصوري ، والأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار ، والأمير عز الدين ~~أيدمر ، متولي الأعمال القوصية . وجرد أيضا من أطلاب الأمراء ، من نذكر : ~~طلب الأمير زين الدين كتبغا المنصوري ، وطلب الأمير بدر الدين بيدرا ، وطلب ~~الأمير سيف الدين بهادر ، رأس نوبة الجمدارية ، وطلب الأمير علاء الدين ~~الطيبرس ، وطلب الأمير شمس الدين سنقر الطويل . وسار أجناد المراكز بالوجه ~~القبلي ، ونواب الولاة من العربان بالديار المصرية ، من الوجهين القبلي ~~والبحري ، وعدتهم أربعون ألف راجل . وجهز معهم متملك النوبة ، ونائبه جريس ~~. وكان توجه الجيش من الأبواب السلطانية ، في يوم الثلاثاء ، ثا من شوال ، ~~سنة ثمان وثمانين . وصحب هذا الجيش من الحراريق والمراكب الكبار والصغار ، ~~لحمل الأذواد ، والزردخاناة والأثقال ، ما يزيد على خمسمائة مركب . ~~PageV31P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" ولما وصل العسكر إلى ثغر أسوان ، مات متملك ~~النوبة ، فدفن بأسوان . وطالع الأمير عز الدين الأفرم السلطان بذلك . فأرسل ~~إليه ms7148 ، من أولاد أخت الملك داود رجلا ، كان بالأبواب السلطانية . ورسم له ~~أن يملكه بالنوبة ، فأدركهم على خيل البريد ، قبل رحيل العسكر من أسوان . ~~ولما وصل إليهم انقسم العسكر نصفين على العادة . فكان الأمير عز الدين ~~الأفرم ، والأمير سيف الدين قبجاق ، ونصف العسكر ونصف العربان بالبر الغربي ~~، والأمير عز الدين أيدمر ، متولي الأعمال القوصية ، والأمير سيف الدين ~~بكتمر الجوكندار ، ونصف العسكر ونصف العربان بالبر الشرقي . وتوجهوا ورسموا ~~الجريس نائب النوبة أن يتقدمهم ، منزلة بمنزلة ، ومعه أولاد الكنز ، أمراء ~~أسوان ، ليطمئنوا أهل البلاد ويؤمنوهم ، ويجهزوا الإقامات للعسكر . فكان ~~الجيش إذا وافى بلدا ، خرج من بها من المشايخ وأعيانها ، وقبلوا الأرض بين ~~يدي الأمراء ، وأخذوا أمانا واستقروا ببلدهم ، وذلك من الدو إلى الجزائر ~~ميكائيل ، وهي البلاد التي كانت تحت يد جريس ، صاحب الجبل . وأما ما عدا ~~ذلك من البلاد ، التي لم يكن لجريس عليها ولاية ، فإنها أخليت ، طاعة ~~لمتملك النوبة . فكان العسكر ينهب ما يجد بها ، ويقتل من تخلف من أهلها بها ~~، ويرعون زروعهم ، ويحرقون سواقيهم ومساكنهم ، إلى أن انتهوا إلى مدينة ~~دنقلة . فوجدوا الملك قد أخلاها ، وأجلى أهلها ، ولم يجد الأمراء بها إلا ~~شيخا كبيرا وعجوزا . فسألوهما عن أخبار الملك ، فذكرا أنه توجه إلى جزيرة ~~وسطى ، في بحر النيل ، مسافتها من دنقلة خمسة عشر يوما . واتساع هذه ~~الجزيرة مسافة ثلاثة أيام طولا . فتبعهم الأمير عز الدين ومن معه إلى ~~الجزيرة المذكورة ولم يصحبهم حراق ولا مركب ، لتوعر البحر بالأحجار . فلما ~~انتهوا إلى قبالة الجزيرة ، شاهدوا بها عدة من مراكب النوبة ، وجمعا كثيرا ~~. فسألوهم عن الملك ، فأخبروهم أنه بالجزيرة المذكورة ، فعرضوا عليه الدخول ~~في الطاعة والحضور ، وبذلوا له الأمان ، فأبى ذلك . فأقام العسكر ثلاثة ~~أيام ، وأوهموه أنهم أرسلوا يطلبون المراكب والحراريق ، ويعدون إليه ~~ويقاتلونه . فانهزم من الجزيرة إلى جهة الأبواب ، وهي مسافة PageV31P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" ثلاثة أيام في الجزيرة ، وليست داخلة في ~~مملكته . ففارقه من كان معه من السواكرة ، وهم الأمراء ، وفارقه أيضا ~~الأسقف والقسوس ، ومعه الصليب الفضة ، الذي يحمل على رأس الملك ms7149 ، وتاج ~~المملكة ، وطلبوا الأمان ، ودخلوا تحت الطاعة . فأمنهم عز الدين المتولي ، ~~وخلع على أكابرهم ، ورجعوا معه إلى دنقلة ، وهم في جمع كثير ، ولما وصلوا ~~إليها ، عدى الأمير عز الدين الأفرم ، والأمير سيف الدين قبجاق ، إلى البر ~~الشرقي ، دون من معهما من العساكر . واجتمع الأمراء بدنقلة ، ولبست العساكر ~~آلة الحرب ، وطلبوا من الجانبين وزينت الحراريق في البحر . ولعب الزارقون ~~بالنفط ، ومد الأمراء الأخوان السماط في كنيسة أسوس ، وهي أكبر كنيسة ~~بدنقلة . فلما أكلوا الطعام ، ملكوا الملك الواصل من الأبواب السلطانية . ~~وألبسوه التاج ، وحلفوه للسلطان . وحلفوا له أهل البلاد . وتقرر عليه البقط ~~المستقر أولا ، والبقط هو المقرر . وجرد عنده طائفة من العسكر . وقدم عليهم ~~ركن الدين بيبرس العزي ، أحد مماليك الأمير عز الدين متولي قوص . وعاد ~~العسكر ، وكان وصوله إلى القاهرة في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وستمائة ~~، وكانت مدة غيبته منذ خرج من ثغر أسوان ، إلى أن عاد إليه ستة أشهر ، ~~وغنموا غنائم كثيرة . فلما عاد العسكر عن دنقلة ، حضر سمامون إليها ليلا ، ~~وصار يقف على باب كل سوكري بنفسه ويستدعيه . فإذا خرج ورآه ، قبل الأرض بين ~~يديه وحلف له . فما طلع PageV31P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" الفجر حتى ركب معه جميع العسكر النوبي . فزحف ~~بهم على دار الملك ، وقبض على الملك . وأرسل إلى ركن الدين بيبرس العزي . ~~أن يتوجه إلى مخدومه ، بحيث لا يلتقيان . فتوجه ركن الدين ، ومن معه إلى ~~قوص . واستقر الملك سمامون بدنقلة . وأخذ الملك الذي ملكه العسكر ، فعراه ~~من ثيابه ، وذبح ثورا ، وقد جلده سيورا ، ولفها عليها طرية ، وأقمه مع خشبة ~~. فيبست عليه تلك السيور فمات . وقتل جريس أيضا . وكتب سمامون إلى السلطان ~~الملك المنصور يستعطفه ويسأله الصفح عنه . والتزم أن يقوم بالبقط المقرر في ~~كل سنة ، وزيادة عليه . وأرسل من الرقيق والتقادم عدة كثيرة ، فوصل ذلك في ~~أواخر الدولة المنصورية . وحصل اشتغال السلطان بما هو أهم من النوبة . ~~فاستقر سمامون بالنوبة إلى أيام العادلية الزيتية كتبغا ، وكان من أمره ، ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى . ذكر فتوح طرابلس ms7150 الشام كان فتح طرابلس ، في ~~الساعة السابعة ، في يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع الآخر ، سنة ثمان ~~وثمانين وستمائة ، عنوة . وذلك أن السلطان الملك المنصور توجه إلى الشام ، ~~في شهر المحرم من هذه السنة ، وعزم على غزو طرابلس . لأن أهلها كانوا قد ~~نقضوا قواعد الصلح ، ونكثوا أسباب الهدنة . فكتب السلطان إلى النواب ~~بالممالك الشامية ، والحصون الإسلامية ، بتجهيز الجيوش إليها ، وإنقاذ ~~المجانيق وآلات الحصار . ووصل السلطان إلى دمشق ، بعساكر الديار المصرية ، ~~في يوم الإثنين ثالث عشر PageV31P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" صفر من هذه السنة . وتوجه منها في العشرين من ~~الشهر ، ونازل طرابلس بالجيوش وحاصرها . ووالى الزحف والحصار والرمي ~~بالمجانيق . وعملت النقوب ، فنقبت الأسوار ، وافتتحت عنوة في التاريخ ~~المذكور . وكانت مدة المقام عليها ، أربعة وثلاثين يوما . وكانت عدة ~~المجانيق التي نصبت عليها ، تسعة عشر منجنيقا ، وهي فرنجية ستة ، وقرابغا ~~ثلاثة عشر . وعدة الحجارين والزراقين ألف وخمسمائة نفر . ولما فتحت المدينة ~~، فرت طائفة من الفرنج إلى جزيرة تعرف بجزيرة النخلة ، حيال طرابلس في ~~البحر ، لا يتوصل إليها إلا في المراكب . فكان من السعادة الأزلية للمسلمين ~~، أن البحر زجر وانطرد عن طرابلس فظهرت للناس المخائض . فعبر الفارس ~~والراجل إلى هذه الجزيرة ، وأسروا وقتلوا من فيها ، وغنموا ما كان معهم . ~~وكان جماعة من الفرنج قد ركبوا في مركب وتوجهوا ، فألقتهم الريح إلى الساحل ~~، فأخذهم الغلمان والأوشاقية . وقتل منهم خلق كثير وغنم المسلمون غنائم ~~كثيرة . وكان السلطان أمر بإبقاء المدينة ، وإنزال الجيش بها . فأشير عليه ~~أن هدمها أولى من بقائها ، فأمر بهدمها فهدمت . وكان عرض سورها بمقدار ما ~~يسوق عليه ثلاثة فرسان بالخيل . ووصل إلى الزردخاناة السلطانية من الأسرى ، ~~ألف أسير ومائتا أسير . PageV31P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" واستشهد عليها من المسلمين ممن يعرف ، الأمير ~~عز الدين معن ، والأمير ركن الدين منكورس الفارقاني ، ومن الحلقة خمسة ~~وخمسون نفرا ، رحمهم الله تعالى . وحكى الشيخ قطب الدين اليونيني في تاريخه ~~قال : ولما فتح السلطان طرابلس ، تسلم أنفة ، وأمر بإخراب حصنها ، وكان ~~حصنا منيعا ، وأبقى على أخت البرنس صاحب طرابلس قريتين من ms7151 قراها . قال ، ~~وحضر إلى السلطان ، وهو بظاهر طرابلس ولد سيركي صاحب جبيل ، وكان صاحب ~~طرابلس قتل أباه في سنة إحدى وثمانين وستمائة . فخلع السلطان عليه ، وأقر ~~جبيل عليه ، على سبيل الإقطاع ، وأخذ منه معظم أموالها . وتسلم السلطان ~~البترون ، وجميع ما بتلك الخط من الحصون والمعاقل . ثم عاد السلطان بعد ~~النصر إلى دمشق ، وكان من خبره ما نذكره ، إن شاء الله تعالى في حوادث ~~السنين . ذكر أخبار طرابلس الشام ، منذ فتحها المسلمون في خلافة عثمان إلى ~~وقتنا هذا وإنما ذكرناه في هذا الموضع ملخصا مختصرا ، لتكون أخبارها مجتمعة ~~، فنقول وبالله التوفيق : كان ابتداء فتح طرابلس ، أنه لما استخلف عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه ، وأقر PageV31P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" معاوية بن أبي سفيان على الشام ، وجه معاوية ~~إلى طرابلس سفيان بن نجيب الأزدي ، وكانت إذ ذاك ثلاث مدن مجتمعة ، فبنى في ~~مرج على أميال منها حصنا ، سمي بحصن سفيان . وقطع الميرة عن أهل طرابلس ، ~~وحاصرها . فلما اشتد الحصار على أهلها ، اجتمعوا في أحد الحصون الثلاثة ، ~~وكتبوا إلى ملك الروم ، يسألونه أن يمدهم ، أو يبعث إليهم بمراكب ينهزمون ~~فيها . فسير إليهم مراكب كثيرة ، فركبوها ليلا وهربوا . فلما أصبح سفيان ، ~~وتقدم لقتالهم على عادته ، وجد الحصن خاليا ، فملكه ، وكتب إلى معاوية ~~بالفتح . فأسكنه معاوية جماعة كثيرة من اليهود ، وهو الحصن الذي فيه المينا ~~ثم بناه عبد الملك بن مروان وحصنه . وكان معاوية يوجه في كل سنة جماعة من ~~الجند ، يشحنها بهم ، ويوليها نائبا . فإذا غلق البحر ، عاد الجند وبقي ~~النائب في جماعة يسيرة . فما برح أمرها كذلك ، حتى ولى عبد الملك بن مروان ~~. فقدم بطريق في بطارقة الروم ، ومعه خلق كثير . فسأل أن يعطى الأمان ، على ~~أن يقيم بها ، ويؤدي الخراج ، فأجيب إلى ذلك . فلم يلبث غير سنتين أو أكثر ~~بأشهر ، عند عود الجند منها ، حتى أغلق بابها ، وأسر من بقي بها من الجند ، ~~وعدة من اليهود ، وتوجه هو وأصحابه إلى بلاد الروم . فقدر الله ، عز وجل أن ~~ظفر به المسلمون بعد ذلك ، في ms7152 البحر وهو متوجه في مراكب كثيرة ، فأسر وأحضر ~~إلى عبد الملك ، فقتله وصلبه . وقد قيل إنه إنما كان تغلبه عليها ، وقتل من ~~بها ، بعد وفاة عبد الملك . ثم فتحها الوليد بن عبد الملك . ولم يزل في ~~طرابلس نواب الخلفاء ، مدة أيام بني أمية ، وأيام بني العباس ، إلى أن ~~استولى العبيديون ملوك مصر على دمشق ، على ما قدمنا ذكر ذلك في أخبارهم . ~~فأفردوا طرابلس عن دمشق ، وكانت قبل ذلك مضافة إليها . وولوا عليها من ~~جهتهم ريان الخادم ، ثم سند الدولة ثم أبا السعادة ، ثم علي بن عبد الرحمن ~~بن حيدرة ، ثم نزال ، ثم مختار الدولة بن نزال . ثم تغلب عليها قاضيها أمين ~~الدولة أبو طالب الحسن بن عمار . ولم يزل بها إلى أن توفي ، في سنة أربع ~~وستين وأربعمائة . وكان ابن عمار هذا ، رجلا عاقلا ، PageV31P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" سديد الرأي ، وكان شيعيا ، من فقهائهم . وكانت ~~له دار علم بطرابلس ، فيها ما يزيد على مائة ألف كتاب وقفا . وهو الذي صنف ~~كتاب ترويج الأرواح ومصباح المرور والأفراح ، المنعوت بجراب الدولة . ولما ~~مات أمين الدولة ، كان بطرابلس ، سديد الملك بن منقذ ، هرب من محمود بن ~~صالح . فساعد جلال الملك أبا الحسن علي بن محمد بن عمار وعضده بمماليكه ، ~~وبمن كان معه من أصحابه . فأخرجوا أخا أمين الدولة من طرابلس ، وولى جلال ~~الملك . فلم يزل متوليا عليها ، حتى مات في سلخ شعبان ، سنة اثنتين وتسعين ~~وأربعمائة ، وملكها بعده أخوه فخر الملك عمار بن محمد بن عمار ، واستقر بها ~~، إلى أن نازلها صنجيل ، واسمه ميمنت وهو ميمون . وصنجيل اسم مدينة نسب ~~إليها . فنزل صنجيل بجموعه على طرابلس ، في شهر رجب سنة خمس وتسعين ~~وأربعمائة ، وحاصرها وضايقها ، وابتنى عليها حصنا ، يقاتل أهلها منه ، ~~ويعرف به إلى وقتنا هذا . فبعث فخر الملك الهدايا والتحف إلى الملوك ~~واستنجدهم واستنصرهم ، فلم ينجده أحد منهم . فلما أيس منهم بذل لصنجيل في ~~رحيله عنه أموالا ، وبعث إليه ميرة ، فلم يجبه إلى ذلك . فلما ضاق ذرعا ~~بالحصار ، وعجز عن دفعه ، خرج من ms7153 طرابلس ، بعد أن استناب بها ابن عمه ، أبا ~~المناقب ، ورتب معه سعد الدولة فتيان ابن الأغر . وأنفق في العسكر ستة شهور ~~. وصار يقصد السلطان محمود بن ملكشاه السلجوقي . فجلس أبو المناقب في بعض ~~الأيام ، وعنده وجوه طرابلس وأكابرها ، فخلط في كلامه ، فنهاه سعد الدولة ~~بلطف فجرد سيفه ، وضرب سعد الدولة فقتله . وانهزم من كان في المجلس . وقام ~~أبو المناقب ، وصعد على السور ، وصفق بإبطيه ، فأمسكه أهل البلد وحبسوه ، ~~ونادوا بشعار الأفضل أمير الجيوش ، شريك الخليفة الفاطمي صاحب مصر ، وذلك ~~في شهر رمضان سنة خمسمائة . ثم مات صنجيل في ثامن وعشرين رمضان ، وتولى ~~مكانه مقدم اسمه السرداني . PageV31P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" ولما نادى أهل طرابلس بشعار الأفضل ، وبلغه ~~ذلك حضر إليهم جيشا في البحر ، وقدم عليهم تاج العجم . فلما وصل إلى طرابلس ~~، أخذ جميع الأموال ، وما يحفظ به البلد . وبلغ الأفضل أنه يقصد العصيان ~~بطرابلس . فقبض على ما كان حصله ، وولى بدر الدولة ابن أبي الطيب الدمشقي . ~~فوصل إلى طرابلس ، وكان أهلها قد ضاقت صدورهم ، من طول الحصار . ثم رأوا من ~~خلفه ، ما رغبهم عنه ، ونفرهم منه ، فعزموا على طرده . ثم رأوا إبقاءه ، ~~لأنهم لا ملجأ لهم إلا من جهة المصريين . ثم وصلت مراكب من مصر بالغلات ~~والرجال ، فقرر المذكور مع مقدم الأسطول ، القبض على أعيان البلد ، وأصحاب ~~فخر الملك بن عمار وحريمه . فأخذهم وسيرهم في البحر إلى مصر . وبعث معهم ما ~~كان في طرابلس من السلاح والذخائر ما لم يكن عند أحد من الملوك مثله . وبعث ~~مائة ألف دينار عينا . فلما وصلوا إلى مصر ، اعتقل الأفضل أهل بني عمار . ~~وأما فخر الملك بن عمار ، فإنه وصل إلى بغداد ، واجتمع بالسلطان محمود . ~~وأقام ببغداد ، فما تهيأ له منه ما طلبه ، وبلغه رجوع أمر طرابلس إلى ~~المصريين ، وأن حريمه وأمواله وذخائره وسلاحه نقل إلى مصر . فرجع إلى دمشق ~~، فدخلها في نصف المحرم ، سنة اثنتين وخمسمائة ، فأكرمه أتابك طغتكين صاحب ~~دمشق . فسأله أن يعينه على الدخول إلى جبله ، فسير معه عسكرا فدخلها . وأما ~~الفرنج ms7154 ، فإنهم لازموا الحصار ، وضايقوا البلد حتى ملكوه ، وقتلوا وأسروا ~~ونهبوا وسبوا ، وذلك يوم الثلاثاء ثالث ذي الحجة سنة اثنتين وخمسمائة . وقد ~~تقدم أن أخذها كان في يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ~~ثلاث وخمسمائة ، والله أعلم . وحكي أن السبب في أخذ طرابلس ، أنه لما ~~ضايقها الفرنج ، كتب من بها إلى الديار المصرية ، يستنجدون الخليفة ، ~~ويسألونه الميرة ، وأقاموا ينتظرون ورود الجواب بالمدد والميرة . فبينما هم ~~في ذلك ، إذا بمركب قد أقبل ، فما شكوا أن فيه نجدة . فطلع منه رسول ، وقال ~~قد بلغ الخليفة ، أن بطرابلس جارية حسنة الصورة ، وأنها تصلح PageV31P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" للخدمة . وقد أمرنا بإرسالها إليه ، وأرسلوا ~~إليه من حطب المشمش ما يصنع منه عيدان للملاهي . فعند ذلك آيسوا من نصره ، ~~وضعفت قواهم ، وخارت نفوسهم وذلوا ، وملكها الفرنج في التاريخ المذكور . ~~وكانت مدة الحصار سبع سنين وأربعة أشهر . ولما ملكها السرداني ، تحكم فيه ~~واستقل بملكها . فبينما هو كذلك ، وإذا بمركب قد وصل إليها ، وفيه صبي ادعى ~~أنه ولد الملك صنجيل ، واسمه تبران ، ومعه مشايخ من أصحاب والده ، يخدمونه ~~ويدبرون أمره . فطلعوا إلى السرداني ، وقالوا له هذا ولد صنجيل ، وهو يريد ~~تسليم مدينة والده التي فتحها عسكره . فأنكر السرداني ذلك ، وقام ورفس ~~الصبي وأخرجه . فأخذه أصحابه ، وجعلوا يطوفون به على الفرسان ، فرحموه ، ~~وتذكروا أيمانهم لأبيه ، وقالوا : إذا كان نهار الغد ، ونحن عنده ، فاحضروا ~~وتحدثوا معه ، ففعلوا . وتحدث الصبي ابن صنجيل ، فصاح به السرداني ، فقام ~~الفرسان كلهم على السرداني ، وأخرجوه من المملكة ، وسلموها إلى الصبي ابن ~~صنجيل . فأقام ملكا حتى قتله بزواج ، وذلك في يوم الأحد ، لأربع خلون من ~~شهر رجب ، سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة . وقتل أكثر أصحابه ، وأسر بطرس ~~الأعور . واستخلف في طرابلس ولد القومص بدران ، فأسره أتابك زنكي ، لما كان ~~في صحبة متملك القدس فلك بن فلك . وذلك بالقرب من قلعة بعرين ، فطلع الملك ~~وجماعة معه إلى قلعة بعرين ، فحاصرهم زنكي وضايقهم ، فصالحه الملك على ~~تسليم حصن بعرين ، واستخلص القومص صاحب طرابلس وجميع الأسرى . وعاد ms7155 القومص ~~إلى طرابلس ، وأقام حتى وثب عليه الإسماعيلية ، فقتلوه . فتولى بعده ريمند ~~، وهو صبي ، وحضر الحرب مع PageV31P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" الفرنج على حارم . فكسرهم الملك العادل نور ~~الدين محمود الشهيد بن زنكي ، وقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر . وكان من أسر ، ~~القومص ريمند ، وذلك في سنة تسع وخمسين وخمسمائة ، وبقي في اعتقاله إلى أن ~~ملك الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب . فأعتقه في تاسع عشري شهر ربيع ~~الأول سنة سبعين وخمسمائة . وبقي الملك بيده ، ويد أولاده من بعده ، إلى أن ~~فتحت هذا الفتح المبارك سنة ثمان وثمانين وستمائة في الأيام المنصورية ~~وهدمت المدينة . واستقر العسكر على عادته بحصن الأكراد والنائب عن السلطنة ~~الأمير سيف الدين بلبا الطباخي المنصوري ، وكان اليزك ينزل إلى طرابلس ، من ~~حصن الأكراد . ثم عمر المسلمون مدينة مجاورة للنهر . واختلفوا بها ، وعمروا ~~فيها حمامات وقياسر ومساجد ومدارس للعلم . وأجريت المياه في دورها بقساطل ~~وعمرت دار السلطنة ، ينزلها نائب السلطنة بالمملكة ، وهي عالية مشرفة على ~~المدينة . واستمر الأمير سيف الدين الطباخي في النيابة ، إلى أن نقل إلى ~~حلب ، في الدولة الأشرفية ، في سنة إحدى وتسعين وستمائة . وولاها السلطان ~~الأمير سيف الدين طغريل الإيغاني ، فأقام أياما ، واستعفى فأعفاه السلطان ~~الملك الأشرف . ورتب في النيابة ، الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصوري ~~، فبقي في النيابة إلى الأيام العادلية الزينية كتبغا المنصوري ، فعزل عنها ~~في سنة أربع وتسعين وستمائة . ودفن بتربته التي أنشأها ، وهي بجوار حمامه ~~بطرابلس وفوضت النيابة بها بعده إلى الأمير سيف الدين كرت الحاجب ، فلم تطل ~~أيامه إلى أن كان من دخول التتار البلاد ، ما نذكره إن شاء الله تعالى ، في ~~أخبار الدولة الناصرية ، فشهد الوقعة وعدم ، وربما استشهد رحمه الله تعالى ~~. ثم فوضت النيابة بعد خروج التتار من الشام ، إلى الأمير سيف الدين قطلبك ~~المنصوري ، فتوجه إليها ، وأقام بها ، إلى سنة سبعمائة . واستعفي من ~~النيابة فأعفي ، واستقر في جملة الأمراء بدمشق . وفوضت نيابة السلطنة إلى ~~الأمير سيف الدين استدمر كرجي المنصوري ، فاستمر PageV31P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" بها إلى سنة ms7156 تسع وسبعمائة . وعمر بها حماما ~~عظيما ، أجمع التجار ومن يجوب البلاد ، أنه ما عمر مثله في بلد من البلدان ~~، وعمر قيسارية وطاحونا . وأنشأ مماليكه بها مساكن حسنة البناء ، تجري ~~إليها المياه بالقنوات ، وتجري في طباقها ، وعمر أيضا بعض القلعة ، وأقام ~~أبراجا . وهذه القلعة مجاورة لدار السلطنة بطرابلس . وتمكن استدمر تمكنا ~~كثيرا ، وتأمر عدة من مماليكه ، ثم نقل إلى حماه . وفوض السلطان الملك ~~الناصر نيابة المملكة الطرابلسية وما معها إلى الأمير سيف الدين الحاج ~~بهادر الحاجب ، كان المعروف بالحلبي فأقام بها إلى أن توفي في ثامن عشر شهر ~~ربيع الأول سنة عشر وسبعمائة . وفوضت النيابة بها إلى الأمير جمال الدين ~~أقش الأفرم ، فأقام بها إلى مستهل المحرم سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وفارقها ~~، وتوجه إلى بلاد التتار ، على ما تذكر ذلك ، إن شاء الله تعالى في أخبار ~~الدولة الناصرية . وفوضت النيابة بعده إلى الأمير سيف الدين كستاي الناصري ~~، فأقام بها ، إلى أن توفي في شهر رجب سنة ست عشرة وسبعمائة . وفوضت ~~النيابة بعده إلى الأمير شهاب الدين قرطاي الصالحي ، وهو النائب بها الآن ، ~~إلى حين وضعنا لهذا الجزء ، وذلك في سلخ شهر رجب ، سنة خمس وعشرين وسبعمائة ~~. وسنذكر إن شاء الله تعالى ، أخبار هؤلاء النواب في موضعها من هذا الكتاب ~~على ما سنقف عليه . وإنما أوردناها في هذا الموضع ، لتكون أخبار طرابلس ~~سياقة ، وإن كان على سبيل الإجمال والاختصار . ولنرجع إلى سياقة أخبار ~~الدولة المنصورية . ذكر ما اتفق عليه في الدولة المنصورية على حكم السنين ~~خلاف ما ذكرناه من إقامة النواب ، ومهادنة الفرنج ، والحوادث الغريبة ، ~~التي يتعين إيرادها والوفيات سنة ثمان وسبعين وستمائة [ 678 ه 1279 م ] قد ~~قدمنا بعض حوادث هذه السنة ، في ابتداء الدولة المنصورية ، وبقي منها تتمة ~~نذكرها في هذا الموضع . في هذه السنة فوض السلطان الملك المنصور نيابة ~~السلطنة ، بحصن الأكراد ، وما معه من الفتوحات ، لمملوكه الأمير سيف الدين ~~بلبان الطباخي . وفيها ، في ذي القعدة ، فوض نظر الدواوين بدمشق ، للصدر ~~جمال الدين PageV31P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" إبراهيم بن صصري ms7157 ، وذلك بعد وفاة الناظر بها ، ~~القاضي علم الدين محمد بن العادلي . وكانت وفاته في يوم الأربعاء خامس ~~عشرين شوال . وتوفي أيضا قبله ، أخوه القاضي تاج الدين ناظر حلب ، بها في ~~حادي عشرين شهر رمضان . وفي هذه السنة ، توفي الأمير بدر الدين محمد ابن ~~الأمير حسام الدين بركة خان الخوارزمي ، خال الملك السعيد . وكانت وفاته ~~بدمشق ، في تاسع شهر ربيع الأول . وصلى عليه الملك السعيد ، بسوق الخيل ، ~~ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى . وفيها ، لما كان العسكر ببلاد سيس ، في ~~الأيام السعيدية ، توفي جماعة من الأمراء ، أصحاب الطبخانات ، منهم سيف ~~الدين البطاح ، وعلم الدين بلبان المشرفي ، وناصر الدين بلبان النوفلي ، ~~وسيف الدين جمق ، وسيف الدين فلاحا الركني ، وجمال الدين أقش الشهابي ~~وغيرهم ، رحمهم الله تعالى . وفيها ، في يوم الأحد ، ثامن شوال ، توفي شيخ ~~الشيوخ شرف الدين أبو بكر عبد الله ابن شيخ الشيوخ تاج الدين ، أبي محمد ~~عبد السلام ، ابن شيخ الشيوخ عماد الدين عمر بن علي بن محمد حمويه بدمشق ، ~~ودفن بقاسيون ، رحمه الله تعالى . واستهلت سنة تسع وسبعين وستمائة [ 679 ه ~~1280 م ] في هذه السنة ، في يوم الإثنين خامس المحرم ، توفي الأمير جمال ~~الدين أقش الشمسي ، نائب السلطنة بالمملكة الحلبية . وهو خوشداش الأمير بدر ~~الدين بيسري ، كلاهما كان مملوك الأمير شمس الدين سراسنقر الكاملي . ففوض ~~بعد وفاته ، نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية ، للأمير علم الدين سنجر ~~الباشقردي . وفي هذه السنة ، كان من خبر الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، ~~وانهزامه من دمشق ، وتوجهه إلى صهيون ما قدمناه . وكان بدمشق بعد مفارقته ~~لها ، أمور نذكرها في هذا الموضع . PageV31P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" ذكر ما تجدد بدمشق ، بعد أن فارقها الأمير شمس ~~الدين سنقر الأشقر لما انهزم الأمير شمس الدين ، المشار إليه ، كما تقدم ، ~~دخل العسكر المصري إلى دمشق . ونزل الأمير علم الدين سنجر الحلبي بالقصر ~~الأبلق ، بالميدان الأخضر . وكان هو المشار إليه في الولاية والعزل ، ~~والعطاء والمنع وغير ذلك . فرسم بإيقاع الحوطة على مجد الدين اسماعيل بن ~~كسيرات ، وزير سنقر الأشقر ، وجمال الدين ms7158 بن صصري ناظر الدواوين بدمشق ، ~~وأخذ خطوطهما بجملة . ورسم على قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان . وضرب ~~زين الدين وكيل بيت المال ، ومحيي الدين بن النحاس . ثم ورد بعد ذلك كتاب ~~السلطان بأمان أهل دمشق . ذكر تفويض نيابة السلطنة بالشام للأمير حسام ~~الدين لاجين وشد الدواوين للأمير بدر الدين بكتوت العلائي ، والوزارة ~~للصاحب تقي الدين توبة التكريتي كان الأمير بدر الدين بكتوت العلائي ، قد ~~وصل إلى دمشق ، في جملة الجيش المجرد إليها ، لدفع سنقر الأشقر عنها ، صحبة ~~الأمير علم الدين الحلبي . فلما استقر أمر دمشق للسلطان ، تحدث في نيابة ~~السلطنة بدمشق . واستند في ذلك ، إلى أن السلطان الملك المصور ، لما جرده ~~رسم له بها مشافهة . إلا أنه كان في نيابته يلزم الأدب مع الأمير علم الدين ~~الحلبي . واستمر الأمر على ذلك ، إلى حادي شهر ربيع الأول من هذه السنة . ~~فلما كان في هذا اليوم ، ورد من الباب السلطاني ، سبعة نفر على خيل البريد ~~، PageV31P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" ومعهم تقليد للأمير حسام الدين لاجين الصغير ~~المنصوري ، بنيابة السلطنة بالشام ، وتقليد للأمير بدر الدين بكتوت العلائي ~~، بشد الدواوين ، وتقليد للصاحب تقي الدين توبة التكريتي بوزارة الشام ، ~~ولكل منهم تشريف ، وتشريف لصاحب حماه . فلما كان في يوم الخميس ، ثاني عشر ~~الشهر ، اجتمع سائر الأمراء بالميدان الأخضر . ولبس الأمير حسام الدين ~~لاجين تشريف النيابة ، ولبس الأمير بدر الدين بكتوت تشريف الشد . وركب ~~الأمير علم الدين الحلبي ، والأمير عز الدين الأفرم ، والأمير بدر الدين ~~بيليك الأيدمري ، وسائر الأمراء والعساكر المصرية والشامية ، وساقوا كلهم ~~في خدمة الأمير حسام الدين . فلما انتهوا إلى باب سر القلعة ، ترجلوا ~~بأجمعهم ، وقبل الأمير حسام الدين عتبة باب السر ، ثلاث مرات . ثم تقدم ~~الأمير علم الدين الحلبي ، والأمير عز الدين الأفرم ليعضداه حتى يركب ، ~~ويمشيان في خدمته ، إلى دار السعادة . فسلك سبيل الأدب معهما ، وامتنع من ~~الركوب ، واستمر ماشيا ، والأمير علم الدين عن يمينه ، والأمير عز الدين ~~الأفرم عن يساره ، وبقية الأمراء والعساكر ، بين يديه ، وكذلك القضاة ~~والأعيان والأكابر . ولم يزل ms7159 ماشيا ، إلى أن دخل دار السعادة ، وجلس بها في ~~رتبة النيابة ، وقرئ تقليده . ثم خلع في هذا النهار ، بعد الظهر ، على ~~الصاحب تقي الدين توبة ، وأعطى دواة الوزارة بالشام . ذكر عزل قاضي القضاة ~~شمس الدين أحمد بن خلكان عن القضاء بدمشق وإعادته ، وما اتفق في هذه السنة ~~الحادثة كان السلطان الملك المنصور ، قد رسم بشنق قاضي القضاة شمس الدين ~~ابن خلكان لأنه بلغه أنه أفتى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، بجواز قتال ~~السلطان . فلما ورد كتاب السلطان بأمان أهل دمشق ، قرئ بحضور القاضي شمس ~~الدين . فقال الأمير علم الدين الحلبي : هذا كتاب أمان لمن سمعه ، وقد سمعه ~~القاضي ، فهو آمن . ثم عزله في حادي عشر صفر ، وفوض القضاء لقاضي القضاة ~~نجم الدين ابن قاضي القضاة صدر الدين سني الدولة . وكان ابن خلكان بالمدرسة ~~العادلية ، فطالبه القاضي نجم الدين بإخلاء مسكنها ليسكن فيه ، وكرر عليه ~~الطلب . وكان ابن سني الدولة ، قد أرسل الى PageV31P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" حلب ، لإحضار أهله . فاتفق وصولهم إلى ظاهر ~~دمشق ، في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول . فخرج لتلقيهم ، ورسم على ~~القاضي شمس الدين بن خلكان ، إلى أن ينتقل من المدرسة ، وضيق عليه ، وبقي ~~في شدة بسهب ذلك . وسئل ابن سني الدولة ، أن يمهل عليه أياما ، إلى أن ~~ينتقل إلى مكان آخر ، فامتنع وشدد في ذلك ، وصمم عليه . وبقي القاضي شمس ~~الدين في الترسيم ، إلى الرابعة من النهار المذكور ، وهو يجمع كتبه ، ويعبي ~~قماشه للنقلة ، ونقل بعضه . فبينما هو كذلك ، وإذا بجماعة من الجاندارية ~~حضروا في طلبه ، فظن أن ذلك بسبب خلو المكان فأراهم أنه يهم في النقلة . ~~فقالوا له ، إنك لم تطلب لذلك ، وإنما قد حضر بريدية من باب السلطان ، ~~فطلبت لذلك . وظن أن الطلب لأمر ، هو أشد من النقلة . وخاف ، وتوجه إلى ~~نائب السلطنة . فإذا كتاب السلطان قد ورد ، وهو ينكر ولاية ابن سني الدولة ~~القضاء وهو أطروش . ويقول نحن بيننا وبين القاضي شمس الدين معرفة ، من ~~الأيام الصالحية . وسير إليه تقليدا بالقضاء على ms7160 عادته . فرجع إلى المدرسة ~~قاضيا واستقر بها . وعدت هذه الواقعة من الفرج بعد الشدة . ويقال إن ابن ~~سني الدولة كان قد أعطى الحلبي على ولايته القضاء ألف دينار ، والله أعلم . ~~ذكر إعادة الصاحب برهان الدين السنجاري إلى الوزارة وعزله وفي هذه السنة ، ~~في أواخر جمادى الآخرة ، أعيد الصاحب برهان الدين الخضر السنجاري إلى ~~الوزارة ، وعزل الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان ، فعاد إلى ديوان ~~الإنشاء . وكتب من جملة الكتاب ، وتصرف عن أمر صاحب الديوان . وولي الصاحب ~~برهان الدين الوزارة ، واستمر إلى أن عزل وقبض عليه ، وعلى ولده وألزامه ، ~~في شهر ربيع الأول سنة ثمانين وستمائة . واعتقل إلى يوم عرفة من السنة ، ~~فأفرج عنه في اليوم المذكور ولزم داره . وفيها ، جرد السلطان ، الأمير عز ~~الدين أيبك الأفرم لحصار شيزر ، وبها PageV31P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" الأمير عز الدين أيبك كرجي من قبل الأمير شمس ~~الدين سنقر الأشقر . فبينما هو يحاصرها ، وردت الأخبار ، أن التتار قد ~~وصلوا على ثلاث فرق : فرقة من جهة الروم ، ومقدمتم صمغار ، وتنجي ، وطونجي ~~، وفرقة من الشرق ومقدمتهم بيدو بن طوغاي بن هولاكو ، وصحبته صاحب ماردين ، ~~والفرقة الثالثة فيها معظم العسكر ، شرة المغل صحبة منكوتمر بن هولاكو . ~~فرحل الأمير عز الدين عن شيزر ، وكتب السلطان إلى سنقر الأشقر يستميله ، ~~وذلك قبل انتظام الصلح فجنح إلى السلم ، ونزل من صهيون ، على عزم إنجاد ~~المسلمين . وجفل عسكر حلب وحماه وحمص . ولم يحصل قتال التتار هذه السنة . ~~ذكر تفويض السلطنة ولاية العهد للملك الصالح علاء الدين علي ابن السلطان ~~الملك المنصور في هذه السنة ، في شهر رجب ، فوض السلطان الملك المنصور ~~ولاية عهده وكفالة السلطنة لولده السلطان الملك الصالح علاء الدين أبي ~~الفتح علي ، وذلك عندما PageV31P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" عزم على التوجه للقاء التتار . وركب الملك ~~الصالح بالقاهرة بشعار السلطنة ، وخطب له على سائر المنابر بعد والده . ~~وكتب تقليده بذلك ، وهو من إنشاء المولى محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر ~~وبخطه ، أجاد فيه وأبلغ ، تركنا إيراه اختصارا . وفيها ، في شهر رمضان ، ~~عزل ms7161 السلطان القاضي صدر الدين عمر ابن قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ~~ابن بنت الأعز ، عن القضاء بالديار المصرية . وكان قد سلك في ولايته ، طريق ~~الخير والصلاح والصلابة ، وتحرى الحق والعدل في أحكامه . ثم مات رحمه الله ~~تعالى ، في عاشر المحرم سنة ثمانين وستمائة . ولما عزل ، أعيد قاضي القضاة ~~تقي الدين محمد بن الحسين بن رزين إلى القضاء بالديار المصرية . ذكر توجه ~~السلطان إلى غزة ، وعوده إلى الديار المصرية وفي هذه السنة ، توجه السلطان ~~إلى الشام ، وصحبته العساكر الإسلامية ، لدفع التتار ، فوصل إلى غزة . وكان ~~التتار قد وصلوا إلى عين تاب وبغراس والدربساك ، وتقدموا إلى حلب ، فوجدوها ~~خالية ، وقد جفل العسكر وأهلها منها ، فأحرقوها وذلك في العشر الأوسط من ~~جمادى الآخرة . ولما بلغهم اهتمام السلطان وخروجه ، تفرقوا إلى مشاتيهم . ~~وعاد السلطان إلى الديار المصرية ، لاستحقاق الربيع . PageV31P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" وجرد الأمير بدر الدين بكتاش النجمي إلى حمص ، ~~والأمير علاء الدين أيدكين البندقدار الصالحي ، إلى الساحل لحفظ البلاد من ~~الفرنج . وفيها ، كتب الأمير سيف الدين بلبان الطباخي ، نائب السلطنة ~~الشريفة بحصن الأكراد ؛ إلى السلطان يستأذن في غزو الفرنج بالمرقب ، لأنهم ~~لما بلغهم قدوم التتار ، قويت نفوسهم ، وامتد طمعهم . فأذن السلطان له في ~~ذلك . فجمع جيوش الحصون ، وأمر التركمان والرجالة ، واستصحب المجانيق وآلات ~~الحصار . وتقدم إلى حصن المرقب ، ونزل بالقرب منه ، فاختفى أهله ، ولم ~~يتحركوا في مبدأ الحال . فقوي طمع العسكر فيهم ، وتقدموا إلى جانب الحصن ، ~~فرشقهم الفرنج بالسهام والجروخ من أعلى الحصن ، وسهام المسلمين لا تصل ~~إليهم . فاضطرب العسكر ، وأمرهم الطباخي أن يتأخروا عن الحصن ، فظنوها ~~هزيمة وولوا ، فما أمكنه إلا أن يتبعهم . وخرج الفرنج في أعقابهم ونالوا من ~~المسلمين ، وجرحوا منهم جماعة ، ونهبوا وأسروا جماعة من الرجالة . وبلغ ~~السلطان ذلك ، فأنكره وكبر لديه ، وعزم على السفر . ذكر توجه السلطان إلى ~~الشام وفي سنة تسع وسبعين وستمائة أيضا ، عاد السلطان إلى الشام . وكان ~~خروجه من قلعة الجبل ، في مستهل ذي الحجة . ونزل بها ولده الملك الصالح ، ~~ورتب في خدمته الأمير علم ms7162 الدين سنجر الشجاعي ، لاستخراج الأموال ، وغير ~~ذلك . وفي هذه السنة ، في ذي الحجة ، وصل الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا من ~~العراق ، إلى خدمة السلطان . وعاود الطاعة ، وسأل الصفح ، عن ما فرط من ~~ذنبه ، من إعانة سنقر الأشقر ، وما كان عزم عليه من الانضمام إلى التتار ، ~~وكان اجتماعه بالسلطان بمنزلة الروحاء . ولما وصل إلى الخدمة ، ركب السلطان ~~إليه ، وتلقاه وأكرمه ، وبالغ في إكرامه وأحسن إليه . وفيها ، في يوم ~~الأربعاء ، وقت العصر ، رابع عشر المحرم ، توفي الشيخ نور الدين أبو الحسن ~~علي ابن الشيخ جلال الدين أبي العزائم همام ابن راجي الله سرابا بن أبي ~~الفتوح ناصر بن داود الشافعي ، إمام الجامع الصالحي بظاهر القاهرة ، خارج ~~باب زويلة ، ودفن من الغد بسفح المقطم ، رحمه الله تعالى . وولي الإمامة ~~بالجامع الصالحي بعده ، ولده الشيخ تاج الدين أبو محمد عبد الله محمد . ~~وفيها ، في يوم الثلاثاء ، ثاني عشر شوال ، توفي الأديب جمال الدين أبو ~~الحسين يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن علي المصري ، المعروف ~~بالخراز الشاعر PageV31P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" المشهور ، مولده بمصر ، سنة إحدى وستمائة . ~~سمع أبا الفضل أحمد بن محمد الحباب ، وروى وسمع من غيره . وكان أديبا فاضلا ~~، جيد البديهة حلو المجون ، حسن المحاضرة ، كثير النادرة ، رحمه الله تعالى ~~. وفيها ، توفي الأمير سيف الدين أبو بكر ، المعروف بابن اسباسلار ، متولي ~~مصر . وكان قد سمن ، وأفرط به السمن ، حتى منعه الأطباء من الرقاد على فرش ~~وطيء ، ومن النوم إلا إغفاء ، وقالوا إنه متى استغرق في النوم مات . فكان ~~كذلك إلى أن مات . وكانت وفاته في شهر ربيع الآخر ، ودفن بتربته بالقرافة . ~~وله في ولايته بمصر أخبار كثيرة مشهورة من المصريين ، سامحه الله تعالى . ~~وفيها ، توفي الأمير نور الدين علي بن عمر الطوري . كان من أبطال المسلمين ~~وشجعانهم وفرسانهم . وله صيت عظيم عند الفرنج ، ومعرفة بالبلاد الساحلية ~~ومرابطة وآثار جميلة ، ومواقف محمودة . وكان ممن جمع الله له ، بين قوة ~~البدن والقلب . كان يقاتل بلت حديد ، لا يستطيع الشباب حمله ، ولازم ~~المرابطة ms7163 ببلاد الساحل ، في وجه العدو سنين كثيرة . وكان كريما دينا ، ~~وتنقل في الولايات بالشام . وكان محترما في الدول ، مكرما عند الملوك ، ~~يعرفون قدره ، وحضر المصاف الكائن بين عسكر مصر وسنقر الأشقر ، فجرح ووقع ~~تحت حوافر الخيل . ومات في أواخر صفر أو أوائل شهر ربيع الأول ، بجبل ~~الصالحية وقد ناف على تسعين سنة ، رحمه الله تعالى . واستهلت سنة ثمانين ~~وستمائة [ 680 ه 1281 م ] ذكر ما تقرر من المهادنات مع الفرنج وبيت ~~الاسبتار في هذه السنة ، وصل إلى السلطان ، وهو بمنزلة الروحاء ، رسل ~~الفرنج يسألون تقرير الهدنة ، والزيادة على الهدنة الظاهرية . ومازالوا ~~يترددون إلى أن تقررت الهدنة ، بين السلطان وولده معا ، ومع مقدم بيت ~~الاسبتار ، وجميع الإخوة الاسبتارية ، PageV31P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" بعكا ، لمدة عشر سنين كوامل متتابعات ، وعشرة ~~شهور ، وعشرة أيام ، وعشر ساعات ، أول ذلك يوم السبت ثاني عشر المحرم سنة ~~ثمانين وستمائة ، الموافق للثالث من شهر أيار ، سنة ألف وخمسمائة واثنتين ~~وتسعين للإسكندر بن فيلهس اليوناني ، وذلك على جميع بلاد السلطان ، وما ~~اشتملت عليه من الأقاليم والمماللك والقلاع والحصون ، والمدن والبلاد ~~والقرى ، والمزارع والأراضي ، والمواني والبحور ، والمراسي والثغور ، وسائر ~~البلاد من الفرات إلى النوبة ، وعلى التجار PageV31P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" المسافرين في البر والبحر ، والسهل والجبل ، ~~في الليل والنهار ، وعلى قلعة المرقب ، والربض المرقبي بحقوقه وحدوده . ~~وتقررت الهدنة مع متملك طرابلس ، بيمند بن بيمند ، لمدة عشر سنين كوامل ~~متواليات ، أولها يوم السبت السابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثمانين ~~وستمائة ، الموافق للخامس من تموز سنة ألف وخمسمائة واثنتين وتسعين ، ~~للإسكندر . وذلك على بلاد السلطان الملك المنصور والملك الصالح ولده ، ~~قريبها وبعيدها ، سهلها وجبلها ، غورها ونجدها ، قديمها ومستجدها ، وما هو ~~مجاور لطرابلس ومحادد لها ، من المملكة البعلبكية ، وجبالها وقراها الدخيلة ~~والجبلية ، وجبال الضنيين والقصبين ، وما هو من حقوق ذلك ، وعلى الفتوحات ~~المستجدة : وهي حصن الأكراد وافليس والقليعات وصافيتا ، وميعار ، واطليعا ، ~~وحصن عكار ومرقية ، ومدينتها وبلادها ، ومناصفاتها ، وهي بلاد اللكمة ، ~~وجميع بلاد هذه الجهات التي ذكرناها ، ومناصفات المرقب التي دخلت في الصلح ms7164 ~~مع بيت الاسبتار وبلده ومدينته ، وما هو محسوب منها ومعروف بها من حصون ~~وقرى ، وبلاد الست وبلاطنس وبلادها ، وقرقص وبلادها ، وجبلة ولاذقية ~~وأنطاكية والسويدية وبلاد ذلك ، وحصن بغراس ، وحصن ديركوش وصهيون وبرزية ، ~~وحصون الدعوة ، وغير ذلك من سائر الممالك الإسلامية ، وما سيفتحه ~~PageV31P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" الله تعالى ، على يد السلطان ويد ولده ، وعلى ~~المواني والسواحل والأبراج وغير ذلك ؛ وعلى بلاد الإبرنس ، وعلى طرابلس وما ~~هو داخل فيها ، وأنفه والبترون وجبيل وبلاد ذلك ، وعرقا وبلادها وبلادها ~~المعينة في الهدنة ، وعدتها إحدى وخمسون ناحية ، وما هو للخيالة والكنائس ~~وعدتها أحد وعشرون بلدا ، وما هو للفارس روجار دلا لولاي ، من قبلي طرابلس ~~، يكون مناصفة ، وعلى أن يستقر برج اللاذقية وميناؤها في استخراج الحقوق ~~والجنايات والغلات وغيرها مناصفة . ويستقر مقامهم باللاذقية على حكم شروط ~~الهدنة الظاهرية ، وعلى أن يكون على جسر أرتوسية ، من غلمان السلطان ليحفظ ~~الحقوق ، ستة عشر نفرا وهم : المشد والشاهد والكاتب وثلاثة غلمان لهم ، ~~وعشرة رجالة في خدمة المشد ، ويكون لهم في الجسر بيوت يسكنونها ، ولا يحصل ~~منهم أذية لرعية الإبرنس ، وإنما يمنعون ما يجب منعه من الممنوعات ، ولا ~~يمنعون ما يكون من عرقا ، من الغلات الصيفية والشتوية وغيرها ، لا يعارضهم ~~المشد فيه . وما عدا ذلك مما يعبر من بلاد السلطان ، يؤخذ عليه الحقوق . ~~ولا يدخل إلى طرابلس غلة محمية للإبرنس ولا غيره ، إلا ويؤخذ الموجب عليها ~~؛ وعلى أن البرنس لا يستجد خارج ما وقعت الهدنة عليه ، بناء يدفع ولا يمنع ~~، وكذلك السلطان لا يستجد بناء قلعة ينشئها من الأصل في البلاد ، التي وقعت ~~الهدنة عليها ، وعلى الشواني من الجهتين أن تكون آمنة ، كل طائفة من الأخرى ~~. ولا ينقض ذلك بموت أحدهما . ولا بتغييره ، وأن لا يحسن لأحد من أعداء ~~مولانا السلطان ، ولا يتفق عليه ، برمز ولا خط ، ولا مراسلة ولا مكاتبة ولا ~~مشافهة . وتقررت الحال على ذلك وعادت الرسل ، وتوجه الأمير فخر الدين أياز ~~الحاجب ليحل الفرنج ومقدم بيت الاستبار . على ما انعقد عليه الصلح ، فحلفهم ~~. PageV31P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" ذكر ms7165 حادثة الأمير سيف الدين كوندك ومن معه ، ~~والقبض عليه وفي هذه السنة ، بلغ السلطان وهو بمنزلة الروحاء ، أن الأمير ~~سيف الدين كوندك وجماعة من الأمراء الظاهرية ، قد توافقوا على الغدر به . ~~ووصلت إلى السلطان كتب المناصحين من عكا يقولون له احترز على نفسك ، فإن ~~عندك جماعة من الأمراء قد اتفقوا على قتلك ، وكاتبوا الفرنج ، وقالوا لهم ~~لا تصالحوا فالأمر لا يبطئ . وعزم كونداك ومن معه ، أن يهجموا بالليل على ~~السلطان في الدهليز ويغتالونه . ووافقهم جماعة من الظاهرية الجوانية . ~~فاحترز السلطان ورحل من الروحاء . وتقدم وتلاطف الأمر ، حتى اجتمع الأمراء ~~عنده بحمرة بيسان ، فوبخ كوندك ومن معه ، وذكر لهم ما اعتمدوه من مكاتبة ~~الفرنج فاعترفوا بذلك ، وقروا به . وسألوه العفو . فأمر السلطان بالقبض ~~عليهم ، فقبض على كوندك وايدعمش الحكيمي وبيبرس الرشيدي ، وساطلمش السلاح ~~دار الظاهري في الدهليز ، وأمر السلطان بإعدامهم . وسير إلى الخيام فأمسك ~~من كان قد وافقهم من الأمراء البرانيين والمماليك الجوانية ، وكانوا ثلاثة ~~وثلاثين نفرا ، وخاف جماعة فهربوا ، فساق العسكر خلفهم . فأحضر بعضهم من ~~جبال بعلبك ، وبعضهم من ناحية صرخد . وأخذ كوتدك الأمير حسام الدين طرنطاي ~~نائب السلطنة ومضى به إلى بحيرة طبرية وضرب عنقه ثم غرقهبها هو والبقية ~~PageV31P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" وفيها ، هرب الأمير سيف الدين أينمش السعدي . ~~وسيف الدين بلبان الهاروني ، وجماعة من البحرية الظاهرية . والتتار ~~الوافدية ، يقال كانوا نحو ثلثمائة فارس . وتوجهوا إلى صهيون ، ولحقوا ~~بالأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، وذلك قبل انتظام الصلح الذي قدمناه . وجرد ~~السلطان خلفهم ، الأمير بدر الدين بكتاش الفخري ، والأمير ركن الدين بيبرس ~~طقصوا وجماعتهم فلم يدركوهم . ورحل السلطان إلى دمشق ، وكان وصوله إليها في ~~يوم السبت العشرين من المحرم ، وهو أول دخوله إليها . وكان من انتظام الصلح ~~بين السلطان والأمير شمس الدين سنقر الأشقر والملك المسعود ما قدمناه . ~~وكانت الوقعة مع التتار على حمص ، وقد تقدم ذكرها في الغزوات . وفي هذه ~~السنة ، في يوم الإثنين الثامن والعشرين من المحرم ، والسلطان بدمشق ، فوض ~~السلطان قضاء القضاة بدمشق ، على مذهب الإمام الشافعي ms7166 ، لقاضي القضاة عز ~~الدين بن الصائغ ، وعزل القاضي شمس الدين أحمد ابن خلكان . وفوض أيضا قضاء ~~الحنابلة بدمشق للقاضي نجم الدين أحمد الشيخ شمس الدين عبد الرحمن الحنبلي ~~. وكان القضاء على مذهب أحمد ، وقد شغر ، منذ عزل الشيخ شمس الدين نفسه من ~~القضاء ، وتوجه إلى الحجاز ، PageV31P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" في سنة ثمان وسبعين وستمائة ، ففوضه السلطان ~~الآن لولده المذكور ، بإشارة والده وخلع على القاضيين ، واشترط القاضي عز ~~الدين شروطا ، أجيب إليها . وفيها ، في العشر الأوسط من شهر ربيع الأول ، ~~دارت الجهة المفردة بدمشق وأعمالها وضمنت . فقيل إنها ضمنت في كل سنة ~~بسبعمائة ألف درهم . ثم تزايد فيها الضمان حتى بلغت ألفي ألف درهم في كل ~~سنة . فلما كان في يوم الأحد ، الخامس والعشرين من الشهر ، خرج مرسوم ~~السلطان بإراقة الخمور وإبطال هذه الجهة الخبيثة فبطل ذلك ولله الحمد . ~~وفيها ، في شعبان ، فوض السلطان شاد الدواوين بالشام ، للأمير علم الدين ~~سنجر الدواداري وفوض نظر النظار للقاضي تاج الدين عبد الرحمن بن الشيرازي . ~~وفي هذه السنة ، وصلت رسل الملك المظفر يوسف بن عمر ، صاحب اليمن إلى ~~السلطان بالهدايا والتحف . وكان من جملة سؤال صاحب اليمن أن يرسل السلطان ~~إليه قميص أمان ، ويكتب عليه هو وابنه الملك الصالح ، فأجابه السلطان إلى ~~ذلك . وجهز له هدايا وتحفا وقطعة زمرد وخيلا من خيل التتار الأكاديش ، ~~وشيئا من عددهم . PageV31P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" وفيها ، في شهر رمضان ، قبض الملك على الأمير ~~ركن الدين أياجي الحاجب . وفي ذي القعدة ، قبض على الأمير سيف الدين أيتمش ~~السعدي ، وجماعة من الأمراء ، وقبض بدمشق على الأمير سيف الدين بلبان ~~الهاروني ، وسنقر الكردي وغيرهم . وكان أيتمش والهاروني ، قد عادا إلى ~~الخدمة من جهة سنقر الأشقر بعد المصاف ، كما تقدم ذكر ذلك . وفيها ، رسم ~~السلطان بإبطال زكاة الدولبة ، والزكاوات المقررة بالديار المصرية . وكان ~~الناس يجدون مشقة كبيرة لذلك ، لأن المال كان ينفد والزكاة باقية ، وإذا ~~مات الرجل طولب ورثته بالزكاة المقررة عليه . ذكر وفاة قاضي القضاة تقي ~~الدين رزين ، وولاية القاضي وجيه الدين ms7167 واستعفائه من قضاء القاهرة ، وولاية ~~القاضي شهاب الدين الخويي وفي هذه السنة ، في ليلة الأحد ثالث شهر رجب ، ~~كانت وفاة قاضي القضاة ، تقي الدين أبي عبد الله محمد بن الحسين بن رزين بن ~~موسى بن عيسى ، ابن موسى بن نصر الله بن هبة الله العامري الشافعي ، ودفن ~~بالقرافة . ومولده في يوم الثلاثاء ، ثالث شعبان سنة ثلاث وستمائة بحماه ، ~~رحمه الله تعالى . وفضائله وعلومه مشهورة ، وسماعاته عالية . ولما مات ، ~~فوض السلطان قضاء القضاة بالديار المصرية ، للقاضي وجيه الدين عبد الوهاب ~~بن حسين البهنسي المهلبي ، في سلخ شعبان ، فولي ذلك إلى آخر جمادى الآخرة ، ~~سنة إحدى وثمانين وستمائة . ثم استفي من قضاء القاهرة والوجه PageV31P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" البحري ، وذكر أنه يضعف عن الجمع بين قضاء ~~المدينتين والوجهين . فأعفي من قضاء القاهرة والوجه البحري ، وفوض السلطان ~~ذلك إلى القاضي شهاب الدين الخويي ، وكان يلي قضاء الغربية . فنقل إلى قضاء ~~القضاة بالقاهرة والوجه البحري ، واستمر إلى أن نقل إلى الشام ، على ما ~~نذكر ذلك إن شاء الله تعالى . وفيها ، توفي قاضي القضاة ، نفيس الدين أبو ~~البركات محمد ، ابن القاضي المخلص ، ضياء الدين هبة الله ابن القاضي كمال ~~الدين أبي السعادات أحمد بن شكر المالكي ، قاضي قضاة المالكية بالديار ~~المصرية ، في يوم الجمعة مستهل ذي الحجة ، ومولده في سنة خمس وستمائة ، ~~وولى القضاء من بعده للقاضي تقي الدين أبي علي الحسين ، في سنة تسع وستين ~~وستمائة . ولما مات ، فوض السلطان القضاء بعده ، للقاضي تقي الدين أبي علي ~~الحسين ابن الفقيه شرف الدين أبي الفضائل عبد الرحيم ابن الفقيه الإمام ~~مفتي الفرق جلال الدين أبي محمد عبد الله ابن شاس الجذامي السعدي المالكي . ~~وفيها ، توفي قاضي القضاة نجم الدين أبو بكر محمد ابن قاضي القضاة صدر ~~الدين أبو العباس أحمد ابن قاضي القضاة شمس الدين أبي البركات يحيى ابن هبة ~~الله ، المعروف بابن سني الدولة . وكان وفاته بدمشق ، في ثامن المحرم ، ~~ودفن بتربة جده ، بقاسيون ، رحمه الله . وفيها ، في ثالث عشر شهر ربيع ~~الآخر ، توفي الشيخ ms7168 الصالح مجد الدين عبد العزيز ابن الحسين بن إبراهيم ~~الخيلي الداري بدمشق ، ودفن بقاسيون . وهو والد الصاحب الوزير فخر الدين ~~عمر الخليلي . وفيها ، في سحر يوم الجمعة ، ثامن ذي الحجة ، توفي الشيخ ~~الإمام ، بقية العلماء ، علم الدين أبو الحسن محمد ابن الإمام أبي علي ~~الحسين بن عتيق بن عبد الله بن PageV31P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" رشيق الربعي المالكي الفقيه ، شيخ مشايخنا . ~~ودفن بالقرافة ، وكانت جنازته مشهودة . ومولده يوم الأحد ، العشرين من شهر ~~رجب ، سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمصر ، رحمه الله تعالى . وفيها ، توفي ~~الأمير بهاء الدين ابن الأمير حسام الدين بيجار ، وكان من أعيان الأمراء ~~وأكابرهم . وكان وفاته بغزة ، وهو منصرف إلى الديار المصرية في رابع عشر ~~شعبان ، وهو في عشر السبعين تقريبا ، ووالده الأمير حسام الدين البايبرتي ~~باق ، وقد كف بصره . وفيها ، توفي الأمير شمس الدين سنقر الألفي . وهو الذي ~~ولي نيابة السلطنة بالديار المصرية ، بعد الأمير شمس الدين أقسنقر ~~الفارقاني كما تقدم . وكانت وفاته في معتقله بثغر الاسكندرية ، رحمه الله ~~تعالى . وفيها ، توفي الأمير نور الدين أحمد ، ويدعى رباله ، ابن الملك ~~الظاهر على ابن الملك العزيز محمد ، ابن الملك الظاهر غياث الدين غازي ابن ~~السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب . وأمه زوجة الأمير بدر ~~الدين بيسري الشمسي المعروفة ، بوجه القمر . وكانت وفاته بالقاهرة ، في ~~شوال ، وكان عمره يومئذ ستا وعشرين سنة . وكان بديع الحسن ، تام الخلقة ، ~~عنده شجاعة وكرم وسكون ، رحمه الله تعالى . وفيها ، توفي موفق الدين خضر بن ~~محاسن الرحبي ، النائب بالرحبة . وكان بعد من رجال الدهر شجاعة وإقداما ~~وحزما ، وتدبيرا ومكرا ، وحيلا ومداراة وسياسة . وكان في بدايته جماسا ~~بالرحبة ، لإنسان من أهلها ، فمات ، فتزوج بامرأته ، وحاز موجوده ، فصلحت ~~حاله . وخدم من جملة قراغلامية الرحبة لما كانت الرحبة للملك الأشرف ، صاحب ~~حمص . وخدم النواب بالرحبة ، وتنقلت به الأحوال ، وتوفي إلى أن ولي نيابة ~~السلطنة بالرحبة . وكانوا بعد ذلك يسمونه الموفق صاحب الرحبة . فلما كان في ~~هذه السنة ، حضر إلى دمشق ، يتقاضى مواعيد كانت سبقت له من ms7169 السلطان بالإمرة ~~، فمات بدمشق ، ودفن بمقابر باب الصغير ، وعمره نحو سبعين سنة ، رحمه الله ~~. PageV31P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" واستهلت سنة إحدى وثمانين وستمائة [ 681 ه ~~1282 م ] ذكر تفويض نيابة السلطان بحلب للأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري ~~في هذه السنة ، فوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية ، إلى الأمير ~~شمس الدين قراسنقر الجوكندار المنصوري . فاستأذن السلطان في عمارة جامع ~~مدينة حلب وقلعتها ، وكان التتار قد أخربوهما فأذن له في ذلك ، فعمرها أحسن ~~ما كانا . وفيها ، في حادي شهر ربيع الآخر ، فوض السلطان الوزارة للقاضي ~~الصاحب نجم الدين حمزة بن محمد الأصفوني ، وكان قبل ذلك يلي نظر الدواوين . ~~وكان في ابتداء ترقيه يلي نصف مشارفة الأصل ، بالأعمال القوصية . ثم ولي في ~~الدولة الظاهرية ، نظر الأعمال القوصية ، ثم وضع إلى نظر الأعمال الأخميمية ~~. ثم تنقل فولي نظر النظار بالديار المصرية ، ثم الوزارة . ولم تطل مدة ~~وزارته ، فإنه مات بعد سنة من يوم وزارته ، رحمه الله تعالى . وفوضت ~~الوزارة بعده ، للأمير علم الدين سنجر الشجاعي المنصوري . وفيها ، وفد إلى ~~خدمة السلطان ، شخص من أولاد الأويراتية ، يسمى الشيخ علي . كان قد دخل في ~~دين الإسلام ، وخدم المشايخ ، وعانى أسباب الرياضة والانقطاع . ~~PageV31P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" فظهرت له كرامة من كرامات الفقراء ، فتبعه ~~جماعة من أولاد المغل . فخرج بهم من تلك البلاد إلى الشام ، ثم إلى الديار ~~المصرية . ومثلوا بين يدي السلطان ، فأحسن إليهم ، منهم الأقوش وتمر وعمر ، ~~ثلاثة إخوة ، وجويان وجماعة ، رتب السلطان بعضهم في جملة الخاصكية ، ~~وتنقلوا إلى الإمرة . ثم ظهر من الشيخ على أمور أنكرت عليه فسجن ، ثم سجن ~~الأقوش ، ومات نمر وعمر في الخدمة . وفي هذه السنة ، في صفر ، قبض السلطان ~~على الأمير بدر الدين بيسري الشمس ، والأمير علاء الدين كشنغدي الشمسي ~~وغيرهما ، واعتقلوا . واستمر الأمير بدر الدين بيسري في الاعتقال إلى ~~الدولة الأشرفية ، فأفرج عنه ، على ما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى . ~~وفيها ، في يوم عرفة ، قبض بدمشق على الأمير عز الدين أيبك كرجي ، والأمير ~~علم الدين الروباسي ، والأمير ناصر الدين ms7170 محمد ابن الأمير عز الدين أيدمر ~~الظاهري . نائب السلطنة ، والده بدمشق كان ، وعلي زين الدين ابن الشيخ عدي ~~، واعتقلوا . وفيها ، في حادي عشرين شهر رمضان ، احترق سوق اللبادين وسوق ~~جيرون بدمشق ، إلى حيطان الجامع . واتصل الحريق إلى حمام الصحن ، ودار ~~الخشب . وكان ابتداء الحريق من وقت المغرب ، واستمر ثلاثة أيام ، وركب ~~بسببه نائب السلطنة وسائر الأمراء ، والعسكر ، والحجارين والنجارين ، حتى ~~خربوا قدام النار فانقطعت . واحترق سوق الكتبيين ، فكان ما احترق فيه لشمس ~~الدين إبراهيم الجزري الكتبي ، خمسة عشر ألف مجلد ، غير الكراريس والأوراق ~~. وكان سبب هذا الحريق ، أن بعض الذهبيين غسل ثوبه ونشره ، وجعل تحته مجمرة ~~نار وتركها ، وتوجه للفطور ، فتعلقت النار بالثوب ، واتصلت ببارية كانت ~~معلقة ، ومنها إلى السقف . وسلم أربعة دكاكين من ناحية درج اللبادين . ~~PageV31P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" ذكر وصول رسل أحمد سلطان ، وهو توكدار ابن ~~هولاكو ، ملك التتار وفي هذه السنة ، وصل رسل أحمد سلطان بن هولاكو ، وهو ~~الذي ملك بعد أبغا ، وهم قطب الدين محمود الشيرازي ، قاضي سيواس ، والأمير ~~بهاء الدين أتابك السلطان مسعود صاحب الروم ، والصاحب شمس الدين محمد ابن ~~الصاحب ، وهو من أصحاب ماردين . وعند ورود الخبر بوصولهم إلى البيرة ، أمر ~~السلطان ، الاحتراز عليهم ، بحيث لا يشاهدهم أحد . فساروا بهم في الليل ، ~~إلى أن حضروا بين يدي السلطان . وأحضروا كتابا من أحمد سلطان ، يتضمن أنه ~~قد ملك التتار ، وهو مسلم . وقد أمر ببناء المسجد والمدارس والأوقاف ، وأمر ~~بتجهيز الحاج ، إلى غير ذلك من أنواع وجوه البر والقربات . وطلب اجتماع ~~الكلمة ، وإخماد نار الفتن والحروب . وذكر أن أصحابه وجدوا جاسوسا في زي ~~الفقراء فمسكوه ، وإن عادة مثله القتل . وجهزه إلى الأبواب السلطانية . ~~وقال إنه لا حاجة إلى الجواسيس ولا غيرهم ، بعد الاتفاق واجتماع الكلمة ، ~~إلى غير ذلك مما فيه استجلاب خاطر السلطان . وظهرت رغبته في الصلح ، وأنه ~~كتب من واسط ، في جمادى الأولى . فأجابه السلطان جوابا حسنا ، يتضمن تهنئته ~~بالإسلام ، وأجابه إلى ما طلب من الصلح ، وأعاد رسله مكرمين . فوصلوا إلى ~~حلب في سادس شوال ms7171 ، وتوجهوا إلى بلادهم . وفيها ، بنى السلطان ببنت سكتاي ~~بن قراحين بن جنغان نوين . وكان سكتاي هذا ، قد ورد إلى الديار المصرية ، ~~هو وقرمش ، في سنة أربع وسبعين وستمائة ، صحبة بيجار الرومي الظاهرية . ~~وهذه هي والدة السلطان الملك الناصر . وفيها ، تزوج الملك الصالح ابن ~~السلطان الملك المنصور بمنكبك ، ابنة الأمير PageV31P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" سيف الدين نوكية بن سان قطعان . وكان نوكيه إذ ~~ذاك معتقلا بثغر الاسكندرية . فرسم السلطان بالإفراج عنه ، وأحضره إلى ~~الأبواب العالية ، وشمله الإنعام . وتقرر العقد على خمسة آلاف دينار عينا ، ~~قدم منها ألفا دينار . وفيها ، استقرت الهدنة بين السلطان والمقدم افرير ~~كليام ديباجوك ، مقدم بيت الديوية بعكا والساحل وديوية انطرطوس ، لمدة عشر ~~سنين ، أولها خامس المحرم ، سنة إحدى وثمانين وستمائة . ذكر الظفر بملك من ~~ملوك الكرج وإمساكه وفيها ، بلغ السلطان الملك المنصور ، أن ملكا من ملوك ~~الكرج ، خرج من بلاده ، لزيارة القدس الشريف ، ويعود خفية ، واسمه توما ~~سوطياس كلياري . ووضعت له صفته ، ومعه رفيق يسمى طيبغا بن انكوار ، وأنهما ~~ركبا المراكب من ساحل بوط ، فحفظت عليه الطرقات من كل جهة ، فلم يصل إلى ~~موضع إلا وخبره وقد سبق إلى السلطان . فلما وصل إلى القدس الشريف ، أمسك هو ~~وترجمانه ، وأحضرا إلى الديار المصرية ، واعتقلا بها . وفي هذه السنة ، ولي ~~القاضي بدر الدين محمد ابن الشيخ برهان الدين إبراهيم ابن جماعة الكناني ~~الشافعي ، تدريس المدرسة القيمرية . وذكر الدرس بها ، في تاسع عشر شوال . ~~وحضر دروسه القضاة والعلماء . وفيها ، في يوم الثلاثاء ، ثامن شهر رجب ، ~~كانت وفاة الشيخ الإمام العالم الزاهد ، زين الدين أبي محمد عبد السلام بن ~~علي بن عمر الزواوي المالكي ، بدمشق . ومولده بظاهر بجايه في سنة تسع أو ~~ثمان وثمانين وخمسمائة . ووصل إلى دمشق في سنة ست عشرة وستمائة ، وأقام بها ~~إلى حين وفاته . وولي القضاء في الدولة الظاهرية ، بعد امتناع منه ، كما ~~تقدم . ولم يأخذ عنه جامكية ، ولا لبس تشريفا . ثم عزل نفسه ، في سنة ثلاث ~~PageV31P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" وسبعين وستمائة . وحلف ألا يلي القضاء بعدها . ~~فأقر ms7172 السلطان نائبه وصهره القاضي جمال الدين يوسف ، وقد تقدم ذكر ذلك في ~~مواضعه . وكان رحمه الله تعالى ، كثير التواضع ، يشتري حاجته ويحملها بنفسه ~~. وفيها ، في يوم الأحد سادس عشرين شعبان ، توفي الشيخ شرف الدين أبو عبد ~~الله محمد ابن شيخ الإسلام ، عز الدين أبي محمد عبد العزيز بن عبد السلام ، ~~ودفن بتربة والده بالقرافة . ومولده بدمشق ، في سنة خمس وستمائة ، رحمه ~~الله تعالى . وفيها توفي الملك الظاهر شادي ابن الملك الناصر داود ابن ~~الملك المعظم سيف الدين عيسى ابن السلطان الملك العادل ، سيف الدين أبي بكر ~~محمد ابن أيوب . وكانت وفاته بالغور ، في السابع والعشرين من شهر رمضان . ~~ونقل إلى البيت المقدس ، فدفن به . ومولده بلقعة دمشق ، بعد صلاة الجمعة ، ~~سابع عشر ذي الحجة ، سنة خمس وعشرين وستمائة . وفيها ، توفي القاضي شمس ~~الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان البرمكي ، الشافعي ~~الأربلي . وكان وفاته بالمدرسة النجيبية بدمشق ، في عشية يوم السبت سادس ~~عشر شهر رجب . ومولده بمدينة إربل ، في يوم الخميس بعد صلاة العصر ، حادي ~~عشر شهر ربيع الآخر ، سنة ثمان وستمائة . وقد تقدم ذكر ولايته القضاء ~~بالشام . وكان رجلا عالما ، وحاكما عادلا ، وأديبا بارعا ، ومؤرخا جامعا ، ~~وكريما سمحا ، جوادا مداريا . يحب الرفق بالناس ، وكان طاهر المجلس ، لا ~~يغتاب أحد أحدا في مجلسه . وله مناقب مشهورة ، وحكايات مذكورة ، تدل على ~~حسناته وستره ، رحمه الله تعالى . وفيها ، توي الشيخ الصالح ، أبو الفدا ~~اسماعيل بن اسماعيل بن جوسلين البعلبكي بها ، في يوم الأربعاء الرابع ~~والعشرين من صفر . ومولده سنة أربع وستمائة . سمع صحيح البخاري ، على ابن ~~الزبيدي وأسمعه ، رحمه الله تعالى . وفيها ، كانت وفاة السديد هبة الله ~~النصراني القبطي المعروف بالماعز ، ستوفي PageV31P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" الصحبة بالديار المصرية . وكان قد تمكن في هذه ~~الوظيفة عند الملك الظاهر ، وتقدم على أبناء جنسه . وله معرفة تامة بالديار ~~المصرية والشامية ، لم يشاركه أحد في زمانه من أبناء جنسه كلهم ، قد أقر له ~~بالفضل في صناعته ، وكان متعففا عن الأموال ، وعنده ستر ms7173 على الكتاب ~~والمتصرفين . ولما مات ، رتب السلطان في وظيفته ، ولده الأسعد جرجس . وتمكن ~~الأسعد في الدولة المنصورية تمكنا كثيرا ، ما سمع بمثله لمثله . واستهلت ~~سنة اثنتين وثمانين وستمائة [ 682 ه 1283 / 1284 م ] في هذه السنة ، توجه ~~السلطان إلى البحيرة ، لحفر الخليج المعروف بالطيرية . وتوجه صاحب حماه في ~~خدمته ، وكان قد وصل إلى الأبواب السلطانية في هذه السنة . فحفر هذا الخليج ~~، وكان طوله ستة آلاف وستمائة قصبة ، وعرضه ثلاث قصبات ، وعمقه أربع قصبات ~~، بالقصبة الحاكمية . وكان نجازه في عشرة أيام ، وروي بسببه من أعمال ~~البحيرة ، ما لم يكن يروى قبله ، في سنة من السنين . وفيها ، في عاشر شهر ~~ربيع الأول ، فوض السلطان إلى الصاحب برهان الدين الخضر السنجاري ، النظر ~~التدريس ، بمدرسة الإمام الشافعي بالقرافة ، بالجامكية والجراية . والرسم ~~الشاهد به ، كتاب الوقف الصلاحي ، يوسف ابن أيوب ، رحمه الله PageV31P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" تعالى ، وهو من معلوم التدريس ، في كل شهر ~~أربعون دينارا معاملة ، صرف كل دينار ثلاثة عشر درهما وثلث درهم وعن النظر ~~عشرة دنانير والجراية ، والرسوم في كل يوم ، من الخبز ستون رطل ، بالرطل ~~المصري ، وراويتان من الماء الحلو . وكانت هذه المدرسة ، خلت من مدرس ، من ~~ثلاثين سنة ، واكتفي فيها بالمعيدين ، وهم عشرة . واستمر الحال على ذلك ، ~~إلى سنة ثمان وسبعين وستمائة . فولي تدريسها قاضي القضاة تقي الدين بن رزين ~~، عند عزله من القضاء . وقرر له نصف المعلوم . ثم انتقلت بعد وفاته إلى ~~غيره بربع المعلوم ، وبقي الأمر على ذلك إلى الان ، ففوضت إليه بتوقيع شريف ~~سلطاني منصوري . ذكر توجه السلطان إلى الشام وعوده وفي هذه السنة توجه ~~السلطان إلى الشام ، في النصف من جمادى الأولى ، ووصل إلى غزة ، في سابع ~~جمادى الآخرة . وأقام بها أياما ، ثم رحل إلى دمشق . فدخلها في ثامن شهر ~~رجب ، ونزل بالقلعة . ذكر عزل قاضي القضاة عز الدين ابن الصائغ الشافي عن ~~القضاء وتولية قاضي القضاة بهاء الدين يوسف بن الزكي كان سبب عزل قاضي ~~القضاة عز الدين ابن الصائغ عن القضاء بدمشق ، أن تاج الدين ms7174 بن السنجاري ~~قاضي قضاة حلب ، أثبت محضرا ، أن الطواشي ريحان الخليفتي ، أودع شرف الدين ~~بن الإسكاف ، ثمانية آلاف دينار ، وأن ذلك انتقل إلى يد القاضي عز الدين ~~المذكور بحكم الوصية . فطلب القاضي عز الدين ، في يوم الجمعة حادي عشرين ~~شهر رجب ، وكان قد حضر إلى الجامع الأموي ، لسماع خطبة القاضي جمال الدين ~~بن عبد الكافي ، وكان قد ولي الخطابة والإمامة بدمشق . فتوجه من الجامع ~~PageV31P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" إلى القلعة ، وحضر إلى الأمير بدر الدين ~~الأقرعي مشد الصحبة ، والقاضي شهاب الدين بن الواسطي ، الناظر بالصحبة . ~~فرسم المشد على القاضي بمسجد الحبالة ، ولم يصل الجمعة . ثم شدد عليه الأمر ~~، وعزل عن القضاء في يوم الأحد ثالث عشرين الشهر . وفوض القضاء للقاضي بهاء ~~الدين يوسف ابن القاضي محيي الدين بن الزكي . ومنع الناس من الدخول على ~~القاضي عز الدين والاجتماع به ، إلا من لابد منه . ثم ادعى عليه أن عنده ~~حياصة وعصابة ، القيمة عنهما خمسة وعشرون ألف دينار ، وأنهما كانا عند عماد ~~الدين ابن الشيخ محيي الدين بن العربي ، للملك الصالح اسماعيل بن أسد الدين ~~شيركوه ، وانتقل ذلك إلى عماد الدين ابن الصائغ ، ومنه إلى أخيه القاضي عز ~~الدين . ثم ادعى عليه ، أن الأمير ناصر الدين ابن الأمير عز الدين أيدمر ، ~~نائب السلطنة ، والده ، كان أودع عنده جملة كثيرة ، واشتد عليه الأمر ، ~~ووكل الملك الزاهر في مطالبته ، فظهر الأمر بخلاف ذلك . وهو أن القاضي عز ~~الدين أثبت عداوة تاج الدين السنجاري ، الحاكم بحلب ، وعجز الخصم عن تحقيق ~~حال العصابة والحياصة ، وما فيهما من اللؤلؤ والبلخش . وظهرت براءته من ~~الوديعة بأمور يطول شرحها . وانتصر له الأمير حسام الدين لاجين ، نائب ~~السلطنة بالشام . واستمال حسام الدين طرنطاي ، فخاطبا السلطان في أمره ~~فأفرج عنه ، في ثامن عشرين شعبان من السنة ، واستمر معزولا إلى أن مات ، ~~وكانت وفاته بحميص ، ظاهر دمشق ، في عشية يوم الأحد ، تاسع شهر ربيع الآخر ~~، سنة ثلاث وثمانين وستمائة ، وقد بقي من النهار ساعة . PageV31P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" ودفن في يوم الإثنين بتربته بقاسيون ms7175 ، رحمه ~~الله تعالى . وأما السلطان ، فإنه أقام بدمشق ، إلى أن رتب أحوالها ، وقدر ~~مصالحها ثم عاد إلى الديار المصرية ، وكان استقلال ركابه من دمشق ، في يوم ~~الأربعاء ثاني شهر رمضان ، ووصل إلى قلعة الجبل ، في الخامس والعشرين من ~~الشهر . وفيها ، وصلت رسل عكا ، وتقررت الهدنة مع الديوية والاسبتار والملك ~~المنصور لعشر سنين ، وعشرة شهور ، وعشرة أيام ، وعشر ساعات . أولها خامس ~~شهر ربيع الأول منها . وفيها ، تزوج السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ~~ابن السلطان الملك المنصور باردكين ابنة الأمير سيف الدين نوكيه ، وهي أخت ~~زوجة أخيه الملك الصالح . ذكر وصول الشيخ عبد الرحمن ومن معه من جهة أحمد ~~سلطان ، ووفاة مرسلهم ، وما كان من خبرهم وفي هذه السنة ، وصل الشيخ عبد ~~الرحمن ، من جهة أحمد سلطان ملك التتار ، وصحبته صمداغوا ، والأمير شمس ~~الدين محمد بن التيتي ، المعروف بابن الصاحب وزير صاحب ماردين ، وجماعة في ~~صحبتهم نحو مائة وخمسين نفرا . وكان هذا الشيخ قدوة أحمد سلطان ملك التتار ~~. وهو الذي استسلمه ، وقرر قواعد الصلح بينه وبين السلطان ، وبلغ منه مبلغا ~~عظيما ، إلى أن كان يقف بين يديه ، وظهرت منه أمور للمغل استمالهم بها . ~~وتحدث في سائر الأوقاف وعظم ذكره ببلاد الشرق . وركب بالجتر والسلاح دارية ~~والجمدارية . وظن أنه إذا حضر إلى السلطان تمكن منه ، ويتم له في هذه ~~المملكة ، ما تم له بالعراق . فلما وصل إلى البيرة ، تلقاه الأمير جمال ~~الدين أقش الفارسي ، أحد الأمراء بحلب ، ومنعه من حمل الجتر والسلاح ونكب ~~به عن الطريق المسلوك ، إلى أن أدخله إلى حلب ، ثم إلى دمشق . كان وصوله ~~إلى دمشق ، في ليلة الثلاثاء ، ثاني عشر ذي الحجة ، ولم يتمكن أحد من الناس ~~أن يراه ولا يكلمه . PageV31P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" ولما وصل إلى دمشق ، أنزل في قلعتها بقاعة ~~رضوان ، إلى أن وصل السلطان إلى دمشق . ويقال إنه رتب للشيخ ولمن معه ، في ~~كل يوم ألف درهم نفقة وأطعمة وحلوى ، وغير ذلك بألف درهم أخرى . واستقر ~~بالقلعة ، إلى أن وصل السلطان إلى دمشق ، في جمادى ms7176 الآخرة سنة ثلاث وثمانين ~~، فاستدعاهم ليلا . ووقف بين يدي السلطان ألف مملوك وخمسمائة مملوك ، عليهم ~~الأقبية الأطلس الأحمر ، بالطرز . والكلوتات الزركش . ووقد بين يديه ألف ~~شمعة وخمسمائة شمعة . وحضر الشيخ عبد الرحمن والأمير صمداغوا وشمس الدين ~~ابن الصاحب ، وأدوا الرسالة فسمعها السلطان ، وأعادهم إلى مكانهم ، ثم ~~استحضرهم مرة ثانية وثالثة ، حتى استوعب ما عندهم من الأخبار ، وما وردوا ~~به من الرسالة . ثم أعلمهم السلطان في المرة الثالثة ، أن مرسلهم قد قتل ، ~~وجلس على تخت المملكة أرغون بن أبغا . وكانت القصاد قد وصلت بهذا الخبر . ~~ونقلوا من قاعة رضوان ، إلى بعض قاعات القلعة ، ورتب لهم بقدر الكفاية . ثم ~~سير إليهم الأمير شمس الدين سنقر الأعسر أستاذ الدار ، وقال : قد رسم ~~السلطان بانتقالكم إلى غير هذا المكان ، فليجمع كل واحد منكم قماشه ، ~~ففعلوا ذلك . فلما صاروا في دهليز الدار فتشوا ، فأخذ منهم جملة كثيرة من ~~اللؤلؤ وغيره . ويقال إنه كان بيد الشيخ عبد الرحمن سبحة لؤلؤ ، قيمتها ~~تزيد على مائة ألف درهم ، فأخذت في جملة ما أخذ ، واعتقلوا . فمات الشيخ ~~عبد الرحمن ، في ثامن عشرين شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين بقلعة دمشق ، ودفن ~~بمقابر الصوفية . وهذا الشيخ المذكور ، هو تلميذ شيخ الإسلام موفق الدين ~~الكواشي ، ثم رباه الشيخ المشار إليه ، واشتغل عليه وخدمه . وقيل إنه علم ~~منه الاسم الأعظم ، ويقال إن الشيخ أعطاه كتابا في علم السيمياء . وقال له ~~توجه بهذا إلى النهر واغسله ، فأخذه وأخفاه . وعاد إلى الشيخ ، وأخبره أنه ~~غسله . ثم اشتغل بهذا العلم ، وتوجه إلى التتار ، واجتمع بالحوانين وأراهم ~~من هذا العلم ، ما PageV31P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" اقتضى تمسكهم به ، وحظي عند والدة السلطان ~~أحمد ، في صغر أحمد ، وتألف به فلما ملك التتار ، حكمه في سائر ممالكه . ~~ورسم له أن يركب بالجتر ، فركب به ، ثم جهزه في هذه الرسالة فمات . وبقي ~~أصحابه في الاعتقال مدة ، وضيق عليهم . ثم كتب الأمير حسام الدين لاجين ~~نائب السلطنة بالشام ، إلى السلطان بسببهم ، فرسم بإطلاقهم . واستمر الأمير ~~شمس الدين في الاعتقال ، ونقل إلى قلعة ms7177 الجبل ، واعتقل بها مدة طويلة . ثم ~~أفرج عنه بعد ذلك ، وولي نيابة دار العدل بالديار المصرية . وفي سنة اثنتين ~~وثمانين أيضا ، وصل من جهة تدان منكو ، الجالس على كرسي الملك ، ببيت بركة ~~، نفران من فقهاء القفجاق ، وهما مجد الدين أطا ونور الدين وأحضرا على ~~أيديهما كتابا من جهته بالخط المغلي ، فقرئ فكان مضمونه ، أنه دخل في دين ~~الإسلام ، وأنه أقام شرائع الملة المحمدية ، وأوصى على الفقيهين الواصلين ~~بكتابه ، وأن يساعدا على الحج المبرور . وذكرا من ألسنتهما مشافهة ، أن ~~الملك سأل السلطان ، أن ينعته نعتا ، يتسمى به من أسماء المسلمين ، ويرسل ~~إليه علما خليفتيا ، وعلما سلطانيا ، يقاتل بهما أعداء الدين . فجهز ~~السلطان الفقيهين إلى الحجاز ولما عادا جهزهما إلى مقصدهما . وفيها ، أمسك ~~تبرك ، كان بالحدث من جبال طرابلس . وكانت شوكته قد قويت ، وانضم إليه ~~جماعة كثيرة من أهل تلك الجبال ، وتحصن بالحدث . فقصده التركمان ، وتحيلوا ~~عليه ، حتى تمكنوا منه وأسروه وأحضروه ، وكفى الله المسلمين شره . وفيها ، ~~خرج صاحب قبرص غازيا ، لقصد الساحل ، فرمته الريح إلى جهة بيروت ، فخرج ~~منها ، وقصد الإغارة على تلك الجهات . فكمن له أهل جبل الخروب ، وخرجوا ~~عليه ، فقتلوا وأسروع من جماعته ثمانين رجلا ، وأخذوا له شيئا كثيرا من ~~المال والخيل والبغال ، وركب في البحر ، وتوجه إلى صور ، ولم يلبث أن هلك . ~~PageV31P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" وفيها وصل إلى السلطان رسول أبونكيا ، ملك ~~سيلان ، وأحضر كتابا من حق من ذهب . وقال الرسول ، وهو الحاج أبو عثمان ، ~~هذا الكتاب بخط الملك ، فلم يوجد من يقرأه . فسألوا عن مضمونه . فقال ~~مضمونه . إن سيلان مصر ، ومصر سيلان ، وأنه قد ترك صحبة صاحب اليمن ، في ~~محبة السلطان . وقال أريد رسولا من جهة السلطان ، يحضره رسولي ، ورسولا ~~يقيم في عدن . والجواهر واليواقيت واللؤلؤ عندي كثير ، والمراكب والقماش ~~وغيره عندي . والبقم والقرفة وجميع ما يجلبه الكارم عندي . والرماح الكثيرة ~~عندي . وعندي الفيلة . ولو طلب السلطان كل سنة عشرين مركبا ، سيرتها إليه ~~وأطلق تجار السلطان . وأنا لي سبع وعشرون قلعة ، وفيها معادن : جواهر ~~ويواقيت . والمغاص ، وكل ms7178 ما يحصل منها فهو لي . فأكرم السلطان هذا الرسول ، ~~وكتب جوابه وجهزه . وفيها ، نجزت عمارة تربة ، كان السلطان قد رسم لشاد ~~الأمير علم الدين سنجر الشجاعي بعمارتها لوالده وولده الملك الصالح ، ~~بالقرب من مشهد السيدة نفيسة وعمرت . ونزل السلطان وولده إليها ، وتصدقا ، ~~ورتبا وقوفها . ورسم السلطان بعمل تربة ومدرسة وبيمارستان بالقاهرة . ~~PageV31P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" ذكر عمارة التربة المنصورية والمدرسة ~~والبيمارستان ومكتب السبيل قال ، ولما رأى السلطان الملك المنصور التربة ~~الصالحية ، أمر بإنشاء تربة له ، ومدرسة وبيمارستان ومكتب سبيل . فاشتريت ~~الدار القطبية ، وما يجاورها - وهي بين القصرين - من خالص مال السلطان ، ~~وعوض سكان الدار القطبية بالقصر المعروف بقصر الزمرد . وكان انتقال الدار ~~القطبية منها إلى قصر الزمرد ، ثاني عشر ربيع الأول من السنة . وربت الأمير ~~علم الدين الشجاعي مشدا على العمارة ، فأظهر من الاهتمام بالعمارة ~~والاحتفال ، ما لم يسمع بمثله . فعمرت في أيسر مدة ، ونجزت العمارة في شهور ~~سنة ثلاث وثمانين وستمائة . وإذا شاهد الرائي هذه العمارة العظيمة ، وسمع ~~أنها عمرت في هذه المدة القريبة ، ربما أنكر ذلك . ولما كملت العمارة ، وقف ~~السلطان من أملاكه القياسرو والرباع ، والحوانيت والحمامات ، والفنادق ~~والأحكار ، وغير ذلك ، من الضياع بالشام ، ما يحصل من أجر ذلك وريعه وغلاته ~~، في كل شهر جملة كثيرة . وجعل أكثر ذلك على البيمارستان ثم التربة بالقبة ~~. وربت وقف المدرسة ، إلا أنه يقصر عن كفايتها . ورتب لمكتب السبيل ~~PageV31P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" من الوقف بالشام ما يكفيه . ولما تكامل ذلك ، ~~ركب السلطان وشاهده ، وجلس بالبيمارستان ومعه الأمراء ، والقضاة والعلماء . ~~فأخبرني بعض من شهد السلطان ، وشهد عليه ، أنه استدعى قدحا من الشراب فشربه ~~. وقال قد وقفت هذا على مثلي ، فمن دوني . وأوقفه السلطان على الملك ~~والمملوك ، والجندي والأمير والوزير والكبير والصغير ، والحر والعبد ، ~~والذكر والأنثى . وجعل لمن يخرج منه ، من المرضى ، عند برئه كسوة . ومن مات ~~جهزه ، وكفن ودفن . ورتب فيه الحكماء الطبائعية والكحالين والجرائحية ~~والمجبرين ، لمعالجة الرمدى والمرضى والمجرحين والمكسورين من الرجال ~~والنساء . ورتب به الفراشين والفراشات ، والقومة ، لخدمة المرضى ، وإصلاح ~~أماكنهم وتنظيفها ms7179 ، وغسل ثيابهم ، وخدمتهم في الحمام . وقرر لهم على ذلك ، ~~الجامكيات الوافرة . وعملت التخوت والفرش والطراريح والأنطاع والمخدات ~~واللحف والملاوات لكل مريض فرش كامل . وأفرد لكل طائفة من المرضى أمكنة ~~تختص بهم . فجعلت الأواوين الأربعة المتقابلة للمرضى بالحميات وغيرها ، ~~وجعلت قاعة للرمدى ، وقاعة للجرحاء ، وقاعة لمن أفرط به الإسهال ، وقاعة ~~للنساء ، ومكان حسن للممرورين من الرجال ومثله للنساء ، والمياه تجري في ~~أكثر هذه الأماكن . وأفردت أماكن ، لطبخ الطعام ، والأشربة والأدوية ، ~~والمعاجين وتركيب الأكحال ، والشيافات ، والسفوفات ، PageV31P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" وعمل المراهم والأدهان ، وتركيب الترياقات ، ~~وأماكن لحواصل العقاقير ، وغيرها من هذه الأصناف المذكورة . ومكان يفترق ~~منه الشراب . وغير ذلك من جميع ما يحتاج إليه . ورتب فيه مكان يجلس فيه ~~رئيس الأطباء ، لإلقاء درس طب ، ينتفع به الطلبة ، ولم يحصر السلطان ، ~~أثابه الله ، هذا المكان المبارك بعده في المرضى ، يقف عندها المباشر ، ~~ويمنع من عداها ، بل جعله سهيلا ، لكل من يصل إليه ، في سائر الأوقات ، من ~~غني وفقير . ولم يقتصر أيضا فيه ، على من يقيم به للمرضى ، بل يرتب لمن ~~يطلب ، وهو في منزله ما يحتاج إليه ، من الأشربة والأغذية والأدوية ، حتى ~~أن هؤلاء زادوا في وقت من الأقات ، على ما تبين ، غير من هو مقيم ~~بالبيمارستان . ولقد باشرته في شوال سنة ثلاث وسبعمائة ، والى آخر رمضان ~~سنة سبع وسبعمائة . فكان يصرف منه ، في بعض الأيام ، من الشراب المطبوخ ~~خاصة ، ما يزيد علي خمسة قناطير بالمصري ، في اليوم الواحد ، للمرتبين ~~والطوارئ ، غير السكر والمطابيخ من الأدوية وغير ذلك من الأغذية والأدهان ~~والترياقات وغيرها ورتب في البيمارستان من المباشرين والأمناء ، من يقوم ~~بوظائفه ، واتباع ما يحتاج إليه من الأصناف ، وضبط ما يدخل إلى المكان ، ~~وما يخرج منه خاصة ، من غير أن يكون لهم تعلق في استخراج الأموال . وإنما ~~يبتاعون الأصناف ، ويحيلون بثمنها على ديوان صندوق المستخرج ، ويكتبون في ~~كل شهر ، عمل استحقاق لسائر أرباب الجامكيات والجرايات من سائر أرباب ~~الوظائف والمباشرين ، يكتبه العامل ، ويكتب عليه الشهور . ويأمر الناظر ~~بصرفه ، ويخلد في ديوان الصندوق ويصرف على ms7180 حكمه . وهذه الطائفة من ~~المباشرين بالبيمارستان ، هم مباشرو الإدارة . وأما مباشرو الصندوق والرباع ~~، فإليهم يرجع تحرير جهات الأوقاف ، في الخلق PageV31P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" والسكون والمعطل ، واستخراج الأموال ، ~~ومحاسبات المستأجرين وصرف الأموال ، بمقتضى حوالة مباشري الإدارة ، ومباشرة ~~العمارة ، وعمل الاستحقاق لا يتصرفون في غير ذلك ، كما لا يتصرف مباشرو ~~الإدارة ، في صرف الأموال ، إلا حوالة بأوراقهم . وأما العمارة ، فلها ~~مباشرون ينفردون بها ، من ابتياع الأصناف ، واستعمال الصناع ، ومرمة ~~الأوقاف ، وغير ذلك مما يدخل في وظيفتهم ، كما يفعل في الإدارة ، وينقل ~~عليهم من الصندوق من المال ، ما يصرفونه لأرباب الأجر خاصة . ويكتبون في كل ~~شهر ، عمل استحقاق ، بثمن الأصناف وأرباب الأجر ، ويخصمونه بما أحالوا به ~~على الصندوق ، وما وصل إليهم من المال ويسوقونه إلى فائض أو متأخر . وترفع ~~كل طائفة من هؤلاء المباشرين حساباتهم ، مياومة ومشاهرة ومساناة إلى ~~الناظرو المستوفي . هذا ما يتعلق بالمارستان . وأما القبة المباركة ~~المنصورة ، وهي التربة ، فإنه رتب فيها خمسون مقرئا ، يقرأون كتاب الله ~~تعالى ، ليلا ونهارا بالنوب . وجعل لكل منهم ، في كل شهر عشرون درهما . ~~ورتب بها إمام ، على مذهب الإمام أبي حنيفة ، رحمه الله تعالى ، وله في كل ~~شهر ثمانون درهما من أصل الوقف ، وفي كل سنة في ليلة ختم صلاة قيام رمضان ، ~~خلعة من خزانة السلطان ، كاملة مسنجية مقتدرة ورتب بها ريس ومؤذنون ، ~~يعلنون الأذان ، بالمأذنة الكبرى ، ويقيمون الصلاة ، ويبلغون خلف الإمام . ~~وهم سبعة نفر . الرئيس ، وله في كل شهر أربعون درهما ، والمؤذنون ستة ، لكل ~~منهم في كل شهر ستون درهما . ورتب فيها درس تفسير لكتاب الله تعالى ، فيه ~~مدرس يلقيه ، رتب له في كل شهر PageV31P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" مائة درهم ، وثلاثة وثلاثون درهما وثلث درهم ، ~~ومعيد له في كل شهر أربعون درهما ، وطلبهم عدتهم ثلاثون نفرا ، لهم في كل ~~شهر ثلاثمائة درهم ، ودرس حديث يذكر فيه حديث رسول الله ، ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، له مدرس ومعيد وطلبة ، لهم في كل شهر نظير ما لمدرس التفسير ~~ومعيده وطلبته ، وزيادة على ذلك قارئ ، يقرأ الحديث ، بين ms7181 يدي المدرس ، في ~~أوقات الدروس ، ويقرأ ميعادا للعوام بين يديه أيضا ، في صبيحة كل يوم ~~أربعاء ، رتب له في كل شهر ثلاثون درهما . ورتب لخازن كتبها في كل شهر ~~أربعون درهما ، ولخزانة كتبها من الختمات الشريفة ، والربعات المنسوبة الخط ~~، وكتب التفسير والحديث والفقه واللغة ، والطب والأدبيات ، ودواوين الشعر ~~شيء كثير . ورتب بها لخدام أزمة ، يقيمون بالقبة ، لحفظ حواصلها ، ومنع من ~~يعبر إليها في غير أوقات الصلوات ، وهم ستة ، لكل منهم في كل شهر خمسون ~~درهما ، وغير هؤلاء من القومة والفراشين والبوابين . وأما المدرسة المباركة ~~المنصورية ، فإنه رتب بها إماما شافي المذهب ، له في كل شهر ثمانون درهما ، ~~ورئيسا ومؤذنين ، يعلنون بالأذان بالمئذنة الكبرى المذكورة ، هم ومؤذنو ~~القبة بالنوبة ، وهم ريس وأربعة مؤذنين ، لهم في كل شهر نظير ما لمؤذني ~~القبة . ورتب بها متصدر لإقراء كتاب الله ، عز وجل ، ورتب له في كل شهر ~~أربعون درهما . ورتب بها دروس للمذاهب الأربعة ، الشافعية والمالكية ~~والحنفية والحنابلة ، لكل طائفة مدرس ، له في كل شهر مائتا درهم ، وثلاثة ~~معيدين لكل منهم خمسة وسبعون درهما ، وغير هؤلاء من القومة والفراشين وبواب ~~. وأما مكتب السبيل ، فإنه رتب فيه فقيهان يعلمان ستين صغيرا من أيتام ~~PageV31P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" المسلمين ، كتاب الله تعالى . ورتب لهما ~~جامكية في كل شهر ، وجراية في كل يوم ، وهي لكل منهما في كل شهر ثلاثون ~~درهما ، وفي كل يوم من الخبز ثلاثة أرطال ، وكسوة في الشتاء ، وكسوة في ~~الصيف . ورتب للأيتام ، لكل منهم ، في كل يوم رطلان خبزا ، وكسوة في الشتاء ~~، وكسوة في الصيف . وتنوع السلطان ، أجزل الله ثوابه ، في وجوه البر ~~والقربات . وهذه الجهات المباركة المرورة باقية مستمرة ، يزيد وقفها وينمو ~~، بحسن نية واقفها . قدس الله روحه ، ونور ضريحه . ولنرجع إلى بقية حوادث ~~سنين اثنتين وثمانين وستمائة وفيها ، كانت وفاة الشيخ الإمام ، عماد الدين ~~أبو الفضل محمد ابن قاضي القضاة ، شمس الدين أبي نصر محمد بن هبة الله ~~الشيرازي ، ببستانه بالمزه ، في يوم الإثنين ، سابع عشر صفر . وصلي عليه ~~بعد صلاة العصر ms7182 ، بجامع الجبل ، ودفن بتربة فيها قبر أخيه علاء الدين ، ~~رحمهما الله تعالى . وكان شيخ الكتابة ، أتقن الخط المنسوب ، وبلغ فيه ~~مبلغا عظيما ، حتى يقال إنه أتقن قلم المحقق ، وكتبه أجود من شيخ الصناعة ~~ابن البواب . وفيها ، توفي الصاحب مجد الدين أبو الفدا اسماعيل بن إبراهيم ~~بن أبي القاسم بن أبي طالب بن كسيرات الموصلي . وكانت وفاته في سابع عشرين ~~شهر رمضان ، بداره بجبل الصالحية . وكان رحمه الله كثير المروءة ، واسع ~~الصدر ، كثير الهيبة والوقار ، جميل الصورة ، حسن المنظر والشكل ، كثير ~~التعصب لمن يقصده ، محافظا على مودة أصحابه وقضاء حوائجهم ، كثير التفقد ~~لهم ، وأصله من الموصل ، من بيت الوزارة . كان والده ، وزير الملك المنصور ~~عماد الدين زنكي ابن الملك العادل نور الدين أرسلان PageV31P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" شاه بن عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي بن ~~آقسنقر . ثم باشر نظر الخزانة ، للملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ~~ثم نقله إلى نظر الجزيرة العمرية ، لما فتحها . ووصل إلى الشام صحبة الملك ~~المجاهد سيف الدين إسحاق ، لما وصل في الدولة الظاهرية . وسكن دمشق ، وولي ~~نظر البر بها . ثم نقل إلى نظر طرابلس ، ثم أعيد إلى دمشق فباشر نظر الزكاة ~~بها . ثم انتقل إلى صحابة الديوان بالشام ، إلى أن ملك سنقر الأشقر دمشق ، ~~فاستوزره كما تقدم . وتعطل بعد ذلك عن المباشرة ، وسكن داره التي أنشأها ~~بجبل قاسيون ، جوار البيمارستان ، فكان بها إلى أن مات . قال شمس الدين ~~الجزري : قلت له يوما - وقد أضرته البطالة - يا مولانا لو ذكرت واحدا من ~~أصحابك الأمراء ، حتى يذكر بك السلطان ، أو نائب السلطنة ، فكاتب في أمرك ~~فإن لك خدما وتفضلا على الناس ، فنظر إلي وأنشد : لذ خمولي وحلا مره . . . ~~وصانني عن كل مخلوق نفسي معشوقي ولي غيرة . . . تمنعني عن بذل معشوقي وفيها ~~، في يوم الخميس عاشر شهر رمضان ، توفي الملك العادل سيف الدين أبو بكر ابن ~~الملك الناصر صلاح الدين داود ، ابن الملك المعظم شرف الدين عيسى ~~PageV31P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي ms7183 بكر ~~محمد بن أيوب . وكانت وفاته بدمشق ، وصلي عليه بعد صلاة الجمعة ، ودفن ~~بالتربة المعظمية . وكان رحمه الله تعالى ، قد جمع بين الرئاسة والفضيلة ، ~~والعقل الوافر ، والخصال الجميلة . وكان مجانب الناس ، محبوب الصورة ، رحمه ~~الله تعالى . وفيها ، في سادس عشرين شعبان ، توفي القاضي عز الدين إبراهيم ~~ابن الصاحب الوزير الأعز ، فخر الدين أبي الفوارس مقدام ابن القاضي كمال ~~الدين أبي السعادات ، أحمد بن شكر المصري . وكان قد ولي نظر الجيوش ، ~~بالديار المصرية ، في شهر رمضان ، سنة خمس وسبعين وستمائة ، كما تقدم ، ~~رحمه الله تعالى . وفيها ، توفي الشيخ الإمام العلامة ، العابد الزاهد ، ~~شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام ، أبو عمر محمد بن أحمد بن ~~محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي ، شيخ الحنابلة بالشام . وكان قد ~~ولي قضاء القضاة على كره منه ، في سنة أربع وستين كما تقدم . ثم ترك الحكم ~~، وتوفر على العبادة والتدريس ، وأشغال الطلبة ، والتصنيف . ويقال إنه قطب ~~بالشام . واستدل على ذلك بحرائي توافقت عليها ، جماعة تعرفه ، في سنة سبع ~~وسبعين وستمائة أنه قطب ، وكان أوحد زمانه . وكانت وفاته في يوم الإثنين ، ~~سلخ ربيع الآخر منها . ودفن بقاسيون ، بتربة والده ، قدس الله روحه . ~~ومولده في السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وتسعين وخمسمائة . ولما مات ~~رثاه المولى الفاضل شهاب الدين محمود كاتب الإنشاء بقصيدة أولها : ما ~~للوجود وقد علاه ظلام . . . أعراه خطب أم عداه مرام أم قد أصيب بشمسه فغدا ~~وقد . . . لبست عليه حدادها الأيام PageV31P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" جاء منها : لكم الكرامات الجليلات التي . . . ~~لا تستطيع جحودها الأقوام وهي قصيدة تزيد على ستين بيتا ، ورثاه جماعة ، ~~رحمه الله تعالى . وفيها ، توفي الأمير علاء الدين كندغدي المشرقي الظاهري ~~، المعروف بأمير مجلس . كان من أعيان الأمراء بالديار المصرية . وظهر قبل ~~وفاته بمدة يسيرة ، أنه باق على الرق . فاشتراه السلطان الملك المنصور ~~بجملة وأعتقه ، وقربه لديه . وكان شجاعا بطلا مقداما . وكانت وفاته ~~بالقاهرة ، في يوم الجمعة مستهل صفر . ودفن بمقابر باب النصر ، رحمه الله ~~تعالى . وفيها ، توفي ms7184 الأمير شهاب الدين أحمد بن حجي بن يزيد البرمكي ، ~~أمير آل مري ، وكانت وفاته ببصرى . وكانت غاراته تنتهي إلى أقصى نجد ~~والحجاز . وأكثرهم يؤدون إليه إتاوة في كل سنة ، فمن قطعها منهم أغار عليه ~~. وكان يدعي أنه من نسل جعفر البرمكي ، من العباسة أخت الرشيد . ويقول إنه ~~تزوجها ورزق منها أولادا . ولما جرى على البرامكة ما جرى ، هرب أولاده منها ~~إلى البادية ، فأحدهم جده ، والله أعلم . وكان يقول للقاضي شمس الدين بن ~~خلكان البرمكي ، أنت ابن عمي . وكانت بينهما مهاداة . وانتفع ابن خلكان به ~~وباعتنائه ، عند السلطان . وفيها ، في سابع عشرين المحرم ، كانت وفاة ~~القاضي شمس الدين عيسى ابن الصاحب برهان الدين الخضر السنجاري . كان ينوب ~~عن والده في الوزارة الأولى ، في سنة ثمان وسبعين وستمائة . وولي نظر ~~الأحباس ، ونظر خانقاه سعيد السعداء . ثم ولي بعد ذلك تدريس المدرسة ~~الصلاحية المعروفة بزين التجار ، ثم قبض عليه مع والده ، بعد انفصاله من ~~الوزارة الثانية ، كما تقدم . فلما أفرج عنه سكن المدرسة المعزية بمصر ، ~~وكان بها إلى أن توفي . وكان حسن الصورة والشكل ، رحمه الله تعالى . وفيها ~~، في سادس عشر شوال ، توفيت زوجة السلطان الملك المنصور ، والدة ولده ، ~~PageV31P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" الملك الصالح علاء الدين علي ، رحمهما الله ~~تعالى . وفيها ، في يوم الأحد ، ثاني عشر جمادى الأولى ، توفي الشيخ ظهير ~~الدين جعفر بن يحيى بن جعفر القرشي التزمنتي الشافعي ، مدرس المدرسة ~~القطبية بالقاهرة ، وأحد المعيدين بمدرسة الشافعي ، رحمه الله تعالى . ~~وفيها ، في يوم السبت ، ثاني عشرين شهر رجب ، توفي الأمير علم الدين سنجر ~~أمير جاندار ، أحد الأمراء بالديار المصرية . وكانت وفاته بدمشق لما كان ~~السلطان بها . ودفن بظاهرها ، عند قباب التركمان ، بميدان الحصار ، رحمه ~~الله تعالى . واستهلت سنة ثلاث وثمانين وستمائة [ 683 ه 1284 م ] ذكر توجه ~~السلطان إلى الشام وعوده في هذه السنة ، توجه السلطان الملك المنصور إلى ~~الشام ، وكان وصوله إلى دمشق ، في يوم السبت ثاني عشر جمادى الآخرة ، ونزل ~~بقعلتها . وكان جل توجهه إلى الشام ، بسبب رسل السلطان أحمد ms7185 ، فاستحضرهم ~~وسمع رسالتهم ، كما قدمنا ذكر ذلك . وأقام السلطان بدمشق ، إلى أن رتب ~~أحوالها . وعزل الأمير علم الدين سنجر الداواداري ، من وظيفته شاد الدواوين ~~بدمشق ، وأضاف هذه الوظيفة إلى الأمير شمس الدين سنقر الأعسر ، وكان أستاذ ~~دار السلطنة بالشام . فاجتمع له شاد الدواوين وأستاذ الدارية . ونقل أيضا ~~الأمير ناصر الدين الحراني ، من ولاية مدينة دمشق إلى نيابة السلطنة بحمص ، ~~وأضاف ولاية مدينة دمشق ، إلى الأمير سيف الدين طوغان ، متولي البر . ثم ~~عزم على الرحيل ، والعود إلى مقر ملكه ، فبرز الأمراء أثقالهم إلى ظاهر ~~قلعة دمشق ، فكانت حادثة السيل . PageV31P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" ذكر حادثة السيل بدمشق وفي يوم الأربعاء ، ~~العشرين من شعبان ، سنة ثلاث وثمانين وستمائة ، الموافق الأول من تشرين ~~الثاني ، وهو خامس هاتور ، أمطرت السماء ، في أول الليل ، وتوالى المطر ~~وهطل وكثر ، واشتد صوت الرعد ، وتوالى البرق طول الليل إلى أول النهار . ثم ~~أقبل السيل وارتفع ، حتى بلغ إلى حد السيل الذي ذكرناه في سنة تسعة وستين ~~وستمائة . وحمل جميع أثقال من برز ثقله من الأمراء المصريين والجند ، وحمل ~~الخيل والجمال والصناديق وغير ذلك . فيقال إنه عدم للأمير بدر الدين بكتاش ~~النجمي ، ما تزيد قيمته على أربعمائة ألف درهم وخمسين درهم ، وصدم السيل ~~باب الفراديس ، فكسر أقفاله ، وما خلفه من المتاريس ، ودخل الماء إلى ~~المدرسة المقدمية ، وبقي كذلك حتى ارتفع النهار . ثم جف الماء في يومي ~~الأربعاء والخميس . ثم جاء مطر شديد ، وهو دون المطر الأول ، فهدم عدة ~~مساكن ، في جبل قاسيون ، وبظاهر دمشق وحواضرها . ثم انحط الماء ، وتوجه ~~السلطان بعد أن نضب الماء ، إلى الديار المصرية . واستقل ركابه من دمشق ، ~~في يوم السبت الثالث والعشرين من شعبان ، ووصل إلى قلعة الجبل في يوم ~~الثلاثاء التاسع عشر من شهر رمضان من السنة . ذكر وفاة الأمير شرف الدين ~~عيسى بن مهنا وشيء من أخباره وأمر ولده الأمير حسام الدين مهنا في هذه ~~السنة ، كانت وفاة الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا بن مانع بن حذيفة أمير ~~العرب . وصلي عليه بدمشق صلاة ms7186 الغائب ، في يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الأول ~~. وقد ذكرنا ابتداء إمرته ، في ابتداء الدولة الظاهرية . وكان رحمه الله ~~رجلا دينا خيرا ، انتفع الإسلام به ، في مواطن كثيرة . وصلحت العربان في ~~أيامه ، وقل فسادهم ، بل كاد يعدم ، PageV31P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" مع لينه وحسن سياسته . وكانت الإمرة قبله لابن ~~عمه الأمير علي بن حذيفة . وكان كثير السفك للدماء ، ويقتل مفسدي العرب ، ~~بأنواع القتل ، فكانت له قدر كبيرة منصوربة ، لاتزال على النار مملوءة ماء ~~، والنار توقد تحتها ، فمتى وقع له مفسد من العرب ألقاه فيها حيا ، فيسقط ~~لحمه لوقته . وقتل خلقا كثيرا بذلك وبغيره من أنواع العذاب . هذا والفساد ~~في أيامه مستمر ، وأمر العرب لا يزداد إلا شدة . فلما ولي الأمير شرف الدين ~~عيسى بعد وفاته ، أنزل القدر وامتنع من سفك دم إلا بحكم الله . فعلم الله ~~صدق نيته ، وأصلح له من أمر العرب ما فسد في أيام غيره ، وصلحت سيرتهم في ~~أيامه ، وانحسمت مادة أذاهم للقفول وغيرها ، منا من الله تعالى . ولما مات ~~رحمه الله تعالى ، فوض السلطان إمرة العرب بعده ، لولده الأمير حسام الدين ~~مهنا . وزاده السلطان إقطاعا ، وبسط يده ، فسلك سهيل والده في الخير ~~والإحسان . وأطاعه العرب كافة ، وعظم شأنه عند الملوك وغيرهم . وهو على ذلك ~~إلى وقتنا هذا ، الذي وضعنا فيه هذا الكتاب . ذكر وفاة الملك المنصور صاحب ~~حماه وولاية ولده الملك المظفر في حادي عشر شوال من هذه السنة ، توفي الملك ~~المنصور ناصر الدين أبو المعالي محمد ابن الملك المظفر ، تقي الدين محمود ~~ابن الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر تقي الدين عمر ابن شاهانشاه بن ~~أيوب ، صاحب حماه ، رحمه الله تعالى . ومولده في الساعة الخامسة ، من يوم ~~الخميس لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول ، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ، ~~فتكون مدة حياته إحدى وخمسين سنة وستة أشهر وأربعة عشر يوما . وملك حماه ~~يوم السبت ثامن جمادى الأولى ، سنة اثنتين وأربعين وستمائة ، وهو اليوم ~~الذي توفي فيه والده ، فتكون مدة مملكته بحماه ، إحدى وأربعين سنة وخمسة ~~أشهر وأربعة ms7187 أيام . ولما ورد الخبر بوفاته ، رسم السلطان الملك المنصور ، ~~بتفويض ملك حماه ، لولده الملك المظفر تقي الدين محمود ، وأجراه مجرى والده ~~في التشاريف والمكاتبات . PageV31P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" وجهز إليه التشريف والتقليد ، صحبة الأمير ~~جمال الدين أقوش الموصلي الحاجب ، وجهز معه عدة تشاريف لعمه الملك الأفضل ، ~~وابن عمه الأمير عماد الدين ، وجماعة من أهل بيته وأمرائه . وفيها ، في نصف ~~ذي الحجة ، توجه السلطان إلى الشام . وفيها ، في ثالث شهر رمضان ، توفي ~~الملك السعيد فتح الدين عبد الملك ، ابن الملك الصالح عماد الدين اسماعيل ~~ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب ، رحمه الله ~~تعالى . ودفن بتربة جدته ، والدة السلطان الملك الصالح ، داخل دمشق . وفيها ~~، توفي قاضي القضاة نجم الدين أبو محمد عبد الرحيم ابن قاضي القضاة شمس ~~الدين أبو الظاهر إبراهيم بن هبة الله بن المسلم بن هبة الله بن حسان بن ~~محمد بن منصور بن أحمد البارزي ، الجهني الشافعي ، الحموي ، قاضي حماه . ~~وكانت وفاته ليلة الخميس عاشر ذي القعدة ، سنة ثلاث وثمانين وستمائة . ~~ومولده يوم الأربعاء ، السادس والعشرين من المحرم سنة ثمان وستمائة بحماه . ~~وتوفي بطريق الحجاز ، وحمله أولاده إلى مدينة رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، فدفن بالبقيع . وكان رحمه الله تعالى ، ممن صنف التصانيف المفيدة ~~، وسمع وحدث ، وولي قضاء حماه ، بعد أبيه مدة طويلة . ثم هزل مدة يسيرة . ~~وله نظم حسن ومشاركة في العلوم الكلامية والحكمية ، رحمه الله تعالى . ~~وفيها ، توفي قاضي القضاة جمال الدين أبو يعقوب يوسف بن أبي محمد عبد الله ~~بن عمر الزواوي ، قاضي المالكية بدمشق . وكانت وفاته بطريق الحجاز ، قبل ~~الحج بالقرب من تبوك ، رحمه الله تعالى . وفيها ، توفي القاضي ناصر الدين ~~أبو العباس أحمد بن أبي المعالي ، محمد ابن منصور بن أبي بكر قاسم بن مختار ~~الجدامي الجروي المالكي الإسكندري PageV31P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" المعروف بابن المنير . وكانت وفاته ~~بالاسكندرية ، في ليلة الخميس ، مستهل شهر ربيع الأول . ودفن بتربة والده ، ~~عند الجامع الغربي . ومولده بالاسكندرية ، في ثالث ذي القعدة ، سنة عشرين ms7188 ~~وستمائة . وكان فاضلا عالما ، وله اليد الطولى في علم العربية والأدب ، جيد ~~النظم . باشر بالثغر عدة جهات . ثم ولي القضاء بالثغر ، وولي الخطابة مدة ~~يسيرة . ثم نكب في سنة ثمانين وستمائة . وهجم داره ، ويقال إن الذين هجموا ~~الدار ، أدخلوا معهم قناني خمر ، تحت ثيابهم ، وادعوا أنها وجدت عنده ، ~~فعزل عن مناصبه . ثم توجه إلى باب السلطان . وسعى فيمن سعى به ، فنال بعضهم ~~. وأعيدت إليه مناصبه ، رحمه الله تعالى . وفيها ، توفي الأمير شمس الدين ~~محمد ابن الأمير بدر الدين أبي المفاخر باخل ابن عبد الله بن أحمد الهكاري ~~، متولي ثغر الاسكندرية . وكانت وفاته بالثغر ، في يوم السبت حادي عشر شهر ~~رجب . ودفن يوم الأحد ، عند رباطه خارج باب رشيد ، رحمه الله تعالى . وفيها ~~، في ليلة الجمعة ، ثالث عشرين ذي الحجة ، توفي الشيخ الصالح العارف القدوة ~~، أبو القاسم ، وينعت وقار الدين ، بن أحمد بن عبد الرحمن المراغي . ~~والمراغة التي ينسب إليها ، بلدة معروفة بإقليم إخميم . من البر الغربي . ~~ودفن بالقرافة ، بزاويته المشهورة ، في يوم الجمعة ، بعد الصلاة ، رحمه ~~الله وإيانا . واستهلت سنة أربع وثمانين وستمائة [ 684 ه 1285 م ] والسلطان ~~الملك المنصور متوجه إلى الشام . فوصل إلى دمشق في يوم السبت ، ثاني عشر ~~المحرم . وتوجه إلى المراقب ، وافتتح الحصن على ما تقدم ذكره . ~~PageV31P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" ذكر مولد السلطان الملك الناصر كان مولده ~~المبارك الميمون ، بقلعة الجبل ، في يوم السبت الخامس عشر من شهر المحرم ، ~~سنة أربع وثمانين وستمائة ، الموافق للثامن والعشرين من برمهات من شهور ~~القبط . وطالع الوقت السرطان . فوردت البشائر على والده السلطان بمولده ، ~~وهو بمنزلة خربة اللصوص ، قبل وصوله إلى دمشق . فاستبشر السلطان بمولده ، ~~وتيمن به ، وبلغ مقصوده ، من فتح المرقب . وفيها ، بعد عود السلطان من فتح ~~المرقب ، دخل إلى الخزانة بدمشق ، في يوم الخميس سابع جمادى الأولى . وولي ~~القضاء محيي الدين بن النحاس الوزارة بدمشق ، عوضا عن الصاحب تقي الدين ~~توبة التكريتي . وكان محيي الدين إذ ذاك ، ناظر الخزانة . فخلع عليه خلعة ~~الوزارة ، وكانت الخلعة جبة عتابي حمراء ms7189 ، وفوقها فرجية زرقاء ، مسنجبة ~~مقندرة وطرحة . وعزل الأمير سيف الدين طوقان ، عن ولاية مدينة دمشق ، وأقره ~~على ولاية البر خاصة . وولي مدينة دمشق الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجا ~~، في يوم الجمعة ، خامس عشر جمادى الأولى . ثم توجه إلى الديار المصرية ، ~~في بكرة نهار الإثنين ، ثامن عشر الشهر ، ووصل إلى قلعة الجبل ، في يوم ~~الثلاثاء تاسع عشرين شعبان . وكان قد أقام مدة بتل العجول . وفيها ، وصلت ~~رسل ملوك الفرنج ، وأحضروا بين يدي السلطان ، في يوم الثلاثاء سابع شهر ~~رمضان . وقدموا ما معهم من التقادم ، وهي : ما هو من جهة الأنبرور ، ما ~~حمله اثنان وثلاثون جملا ، سنجاب وسمور أربعة عشر ، وسقلاط خمسة ، وأطلس ~~PageV31P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" وبندقي ثلاثة عشر . وما هو من جهة الجنوية ، ~~سارسينا حملان ، وسناقر ستة ، وكلب أبلق ، ذكر أنه أكبر من الأسد . وما هو ~~من جهة الأشكري ، حمل أطلس ، وأربعة أحمال بسط . فقبلت تقدامهم ، وأجروا ~~على عاداتهم في الإحسان والصلة . وفيها ، وصل رسول صاحب اليمن ، وصحبته ~~الهدايا والتقادم ، وأحضر إلى بين يدي السلطان ، في يوم السبت مستهل ذي ~~القعدة ، وأحضر من الهدية علي ما نقل ، ما هو : خدام أززمة ثلاثة عشر ، خيل ~~فحول عشرة ، فيل واحد ، كركدن واحد ، نعاج يمنية ثمانية ، طيور ببغاء ~~ثمانية ، قطع عود كبار ثلاثة ، حملت كل قطعة منها على رجلين ، رماح قنا ~~أربعون حمل جمل . ومن أصناف البهار ما حمل على سبعين جملا ، ومن القماش ما ~~حمل على مائة قفص ، ومن تحف اليمن ما حمل على مائة طبق نحاس ، فقبل ذلك منه ~~، وأنعم على رسله وعليه على العادة . وفيها ، في سادس ذي الحجة ، وقع ~~الحريق بقلعة الجبل المحروسة ، فاحترقت الخزانة السلطانية والقاعة الصالحية ~~. وفيها ، في سلخ شهر رمضان ، كانت وفاة الأمير سيف الدين أيتمش السعدي في ~~محبسه . وفيها ، كانت وفاة الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري الصالحي ، ~~بالقاهرة ، ودفن بتربته بالشارع الأعظم . PageV31P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" وفيها ، في يوم الأربعاء ، سابع عشر صفر ، ~~توفي الصاحب المشير عز الدين محمد بن علي بن إبراهيم بن شداد ms7190 الأنصاري ~~الحلبي ، بالقاهرة ، ودفن بسفح المقطم . وكان فاضلا دينا ، رئيسا مؤرخا ، ~~معظما عند الأمراء الأكابر محبوبا إليهم . ولازم الصاحب بهاء الدين مدة ~~حياته . وكان الأمراء الأكابر يحملون إليه في كل سنة دراهم وغلة وكسوة وغير ~~ذلك ، رحمه الله تعالى . وفيها ، في منتصف شعبان توفي الأمير ناصر الدين ~~محمد ابن الأمير افتخار الدين أباز بن عبد الله الحراني ، بمدينة حمص ، وهو ~~يومئذ نائب السلطنة بها ، وحمل إلى دمشق ، ودفن بقاسيون ، في يوم الخميس ~~سابع عشر الشهر . وفيها ، في يوم الأربعاء ، سلخ شعبان ، توفي الطواشي شبل ~~الدولة كافور الصفوي الخزندار بقلعة دمشق . ودفن يوم الخميس مستهل شهر ~~رمضان ، بتربته بسفح قاسيون . كان رجلا صالحا ، كثير الصدقة والمعروف ~~والإحسان ، رحمه الله تعالى ، والحمد لله وحده . واستهلت سنة خمس وثمانين ~~وستمائة [ 685 ه 1286 م ] في هذه السنة ، أعيد الأمير علم الدين سنجر ~~الدواداري ، إلى شد الشام ، عوضا عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر . وباشر ~~الديوان في بكرة يوم الإثنين خامس عشر المحرم . وفيها ، في سلخ ربيع الآخر ~~، وصل تقي الدين توبة التكريتي من الديار المصرية إلى دمشق . وقد أعيد إلى ~~الوزارة بالشام ، عوضا عن الصاحب محيي الدين بن النحاس . ذكر حادثة غريبة ~~اتفقت بحمص وفي هذه السنة ، في سابع عشر صفر ، ورد إلى الأمير حسام الدين ~~لاجين المنصوري ، نائب السلطنة بالشام ، كتاب من الأمير بدر الدين بكتوت ~~العلائي وكان مجردا بحمص ، وصحبته من عسكر دمشق ألفا فارس ، من مستهل هذه ~~السنة ، مضمونه بعد البسملة : PageV31P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" يقبل الأرض وينهي أنه لما كان في اليوم الخامس ~~رابع عشر صفر ، وقت العصر ، حصل بالغسولة إلى جهة عيون القصب ، غمامة سوداء ~~إلى الغاية ، وأرعدت رعدا كثيرا زائدا . وظهر من الغمامة شبه دخان أسود ، ~~من السماء متصل بالأرض ، وصور من الدخان ، صورة أصلة هائلة ، مقدار العمود ~~الكبير ، الذي لا يحضنه جماعة من الرجال ، وهي متصلة بعنان السماء ، تلعب ~~بذنبها فيتصل بالأرض ، شبه الزوبعة الهائلة . وصارت تحمل الحجارة الكبار ~~المقادير ، وترفعها في الهواء ، كرمية سهم نشاب وأكثر ms7191 . وصار وقعها ، ~~وتلاطم الحجارة بعضها ببعض ، يسمع له صوت هائل ، من المكان البعيد . وما ~~برح ذلك مستمرا في قوته ، واتصل بأطراف العسكر المنصور . وما صادف شيئا إلا ~~رفعه في الهواء ، كرمية نشاب وأكثر . وما صادف شيئا من الأشياء ، من السروج ~~والجواشن ، والعدد والسيوف ، والتراكيش والقسي ، والقماش والشاشات . ~~والكلوتات ، والنحاس ، والأسطال ، إلا صار طائرا في الهواء كشبه الطيور . ~~ومن جملة ذلك ، أنه كان في اسطبل المملوك ، خرج آدم ملآن تطابيق بيطارية ~~حمله في الهواء والجو ، كرمية نشاب . ودفع من جملة ما دفعه ، عدة من الجمال ~~بأحمالها ، قدر رمح وأكثر . وحمل جماعة من الجند والغلمان ، وأهلك شيئا ~~كثيرا من السروج ، التي صدفها ، والرماح ، وطحن ذلك ، إلى أن بقي لا ينتفع ~~به . وأتلف شيئا كثيرا مما صادفه في طريقه ، وأضاع أشياء كثيرة من العدد ~~والقماش ، لمقدار مائتي نفر من الجند وأصحاب الأمراء ، إلى أن صاروا بغير ~~عدة ، ولا قماش . وغابت تلك الحية عن العين ، في عنان PageV31P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" السماء ، فتوجهت في البرية ، صوب الشرق . ~~والذي عدم من قماش الجند ، منه ما راح في الغمامة السوداء ، ومنه ما أخذه ~~بعض الجند ، مع أن المملوك ركب بنفسه ، ودار في المعسكر المنصور ، واستعاد ~~كثيرا مما عدم ، وبعد هذا ، عدم ما تقدم ذكره . وهذه الوقعة ما سمع بمثلها ~~أبدا ، ثم وقع بعد هذا يسير من مطر . ثم إن اللواحيق الكبار ، حملها الهواء ~~وهي منصوبة ، وصارت مرتفعة في الجو ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . وفي هذه ~~السنة ، في جمادى الأولى ، أفرج السلطان عن الأمير شمس الدين قطلبجا أخي ~~الرومي . وفيها ، رسم السلطان بهدم القبة الظاهرية ، التي بقلعة الجبل ~~بالرحبة . فحصل الشروع في هدمها ، في يوم الأحد ، عاشر شهر رجب . وأمر ~~ببناء قبة في مكانها ، فعمرت ، وكان الفراغ منها في شوال من هذه السنة . ~~ذكر توجه السلطان إلى الكرك وما رتبه من أمر النيابة وعوده في هذه السنة ، ~~في يوم الخميس ، سابع شهر رجب ، توجه السلطان إلى غزة ، ثم توجه من بعدها ~~جريدة إلى الكرك ، فوصل إليها في شعبان ms7192 ، وصعد إلى قلعتها ، ورتب أحوالها . ~~ورسم بتنظيف البركة التي فيها من الطين ، فنظفت . وعمل فيها جميع من كان في ~~خدمة السلطان ، من المماليك والحاشية مدة سبعة أيام . واستناب بها الأمير ~~ركن الدين بيبرس الدوادار المنصوري . ونقل الأمير عز الدين الموصلي منها ~~إلى نيابة السلطنة بغزة ، وتقدمة العسكر بها . ولم يطل مقامه بها ، فإنه ~~نقل منها إلى نيابة قلعة صفد . وعاد السلطان من الكرك ، ونزل بغابة أرسوف ، ~~فأقام بها إلى أن وقع الشتاء ، وأمن حركة العدو ، وعاد إلى الديار المصرية ~~. وكان وصوله إلى قلعة الجبل ، في يوم الإثنين رابع عشر شوال منها . وفيها ~~، في شوال ، أفرج عن الأمير بدر الدين بكتوت الشمسي ، والأمير جمال الدين ~~أقوش الفارسي . PageV31P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" ذكر وفاة قاضي القضاة وجيه الدين ، وتفويض ~~القضاء بمصر والوجه القبلي ، لقاضي القضاة ، تقي الدين ابن بنت الأعز في ~~هذه السنة ، في يوم الأربعاء ، مستهل جمادى الأولى ، كانت وفاة قاضي القضاة ~~وجيه الدين عبد الوهاب ابن القاضي سديد الدين الحسين المهلبي ، المعروف ~~بالبهنسي ، قاضي القضاة بمصر والوجه القبلي . وولي بعده ، قاضي القضاة ، ~~تقي الدين بن عبد الرحمن ابن بنت الأعز ، في يوم الأربعاء خامس عشر الشهر . ~~وكان قاضي القضاة بالقاهرة والوجه البحري القاضي شهاب الدين الخويي . ذكر ~~وفاة قاضي القضاة تقي الدين بن شاس المالكي وتفويض القضاء لقاضي القضاة زين ~~الدين علي بن مخلوف المالكي وفي هذه السنة ، في ذي القعدة ، كانت وفاة قاضي ~~القضاة تقي الدين الحسين ابن الفقيه شرف الدين أبي الفضل عبد الرحيم ابن ~~الفقيه الإمام مفتي الفرق جلال الدين أبي محمد عبد الله بن شاس الجذامي ~~السعدي المالكي ، قاضي قضاة المالكية بالديار المصرية . وفوض السلطان ~~القضاء بعده ، على مذهب الإمام مالك بن أنس ، لقاضي القضاة زين الدين أبي ~~الحسن علي ابن الشيخ رضي الدين أبي القاسم مخلوف ابن الشيخ تاج الدين أبي ~~المعالي ناهض النويري المالكي ، وهو يومئذ ناظر الخزانة السلطانية . وكان ~~في ابتداء ترقيه يلي أمانة الحكم العزيز بالقاهرة . فاتفق أن السلطان الملك ~~المنصور ، في حال ms7193 إمرته ، ابتاع منه ، من تركة بعض الأمراء ، عدة بجملة ، ~~كانت الغبطة فيها للأيتام ، فطالبه القاضي زين الدين بالمال ، فتوقف عن ~~أدائه ، وقصد ردما ابتاعه . وتحدث في ذلك مع القاضي زين الدين فامتنع عن ~~رده . واقتضى الحال أن شكاه للملك الظاهر ، وألزم بالقيام بالثمن . فبقي ~~ذلك في خاطر السلطان . فلما ملك ، انتفع بذلك عنده غاية النفع ، ورتبه في ~~الخزانة ، ووثق به ، وتمكن عنده تمكنا عظيما . ثم فوض إليه القضاء ، وأقره ~~معه على الخزانة . واستمر في القضاء إلى أن توفي ، على ما نذكره ، إن شاء ~~الله تعالى ، في أخبار الدولة الناصرية . PageV31P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" ذكر وفاة قاضي القضاة بهاء الدين بن الزكي ~~وشيء من أخباره وفي هذه السنة ، في يوم الإثنين ، حادي عشر ذي الحجة ، توفي ~~بدمشق قاضي القضاة بهاء الدين أبو الفضل يوسف ، ابن قاضي القضاة محيي الدين ~~أبي الفضل يحيى ، ابن قاضي القضاة محيي الدين أبي المعالي محمد ، ابن قاضي ~~القضاة ، ركن الدين أبي الحسن علي ابن قاضي القضاة ، مجد الدين أبي المعالي ~~محمد ابن قاضي القضاة ركن الدين أبي الفضل يحيى بن علي بن عبد العزيز ~~العثماني الأموي القرشي ، المعروف بابن الزكي ، قاضي قضاة الشافعية بدمشق . ~~اجتمع فيه وله ما لم يجتمع في غيره ، ولا له . كان من أحسن الناس صورة ، ~~وأكملهم قواما ، وهيئة وهيبة . وكان من العلماء الفضلاء في المذهب وعلم ~~الأصولين والعربية ، والمنطق ، وعلم الكلام ، والحساب ، والفرائض ، والنظم ~~، وعلم البيان ، وحل المترجم ، والكتابة الجيدة الحسنة ، مع الذكاء المفرط ~~. وكان له دنيا عريضة من المال والعقار . وكانت داره بباب البريد ، من أحسن ~~الدور بدمشق وبستانه بالسهم الأعلى من أصح الغوطة وأطيبها هواء . وضيعته ~~الملك قرية الميدانية ، من غوطة دمشق . وكانت زوجته من أحسن النساء صورة ~~وكان أولاده تامين الصورة . وجمع له من المدارس بدمشق أجلها ، وهي العزيزية ~~والنقوية والفلكية والعادلية والمجاهدية والكلامسة وغيرها . وأنظار أوقاف ~~كثيرة ، وقضاء قضاة دمشق ، وسائر أوقافها . فلما كمل له ذلك ، أتاه الموت ~~الذي لا حيلة فيه ولا دافع له ، رحمه الله تعالى . وفيها ms7194 ، توفي الأديب ~~الفاضي ، الشاعر المجيد ، شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن ~~يوسف بن أحمد الأنصاري اليمني المحتد المصري الدار والمولد ، الشافعي ~~الصوفي ، المعروف بابن الخيمي ، الشاعر المشهور ، المبرز على نظرائه . ~~وكانت وفاته بالقاهرة المعزية ، بمشهد الحسين ، في التاسع والعشرين من شهر ~~PageV31P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" رجب الفرد ، سنة خمس وثمانين وستمائة . ومولده ~~تخمينا في سنة اثنتين وستمائة . روى عن ابن باقا ، وسمع من ابن البنا وغيره ~~، وحدث . وكان يعاني الخدم الديوانية ، وله نظم كثير جيد . فمنه قصيدته ~~المشهورة البائية ، التي ادعاها الشيخ نجم الدين بن اسرائيل . وقد رأينا أن ~~نذكر هذه القصيدة ، وما وقع في أمرها ، وما قيل في وزنها ورويها ، وكيف حكم ~~بها للمذكور . وأول القصيدة : يا مطلبا ليس لي في غيره أرب . . . إليك آل ~~التقصي وانتهى الطلب وما طمحت لمرأى أو لمستمع . . . إلا لمعنى إلى علياك ~~ينتسب وما أراني أهلا أن تواصلني . . . حسبي علوا ، بأني فيك مكتيب لكي ~~ينازع شوقي تارة أدبي . . . فأطلب الوصل ، لما يضعف الأدب ولست أبوح في ~~الحالين ذا قلق . . . باد وشوق له في أضلعي لهب وناظر كلما كفكفت أدمعه . . ~~. صونا لحبك يعصيني وينسكب ويدعى في الهوى دمعي مقاسمتي . . . وجدي وحزني ~~ونجوى وهو مختضب كالطرف يزعم توحيد الحبيب ولا . . . يزال في ليلة للنجم ~~يرتقب يا صاحبي قد عدمت المسعدين فما . . . عدني على وصبي لا مسك الوصب ~~بالله إن جزت كثبانا بذي سلم . . . قف بي عليها ، وقل لي هذه الكثب ليقضي ~~الخد في أجراعها وطرا . . . من تربها أؤدي بعض ما يجب ومل إلى البان من ~~شرقي كاظمة . . . فلي إلى البان من شرقيها طرب PageV31P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" وخذ يمينا لمغنى تهتدي بشذا . . . نسيمه الرطب ~~إن ضلت بك النجب حيث الهضاب وبطحاها يروضها . . . دمع المحبين لا الأنداء ~~والسحب أكرم به منزلا تحميه هيهته . . . عني وأنواره لا العمر والقضب دعني ~~أعلل نفسا عز مطلبها في . . . ه ، وقلبا لعذر ليس ينقلب ففيه عاهدت قدما حب ~~من حسنت . . . به الملاحة واعتزت به الرتب دان وأدنى وعز الحسن يحجبه ms7195 . . . ~~عني وذلي والإجلال والرهب أحيا إذا مت من شوق لرؤيته . . . لأنني لهواء فيه ~~منتسب ولست أعجب من حبي وصحته . . . من صحتي إنما سقمي هو العجب يا لهف ~~نفسي لو يحدى تلهفها . . . هونا ووا حربا ، لو ينفع الحرب يمضي الزمان ~~وأشواقي مضاعفة . . . يا للرجال ولا وصل ولا سبب هبت لنا نسمات من ديارهم . ~~. . لم يبق في الركب من لا هزه الطرب كدنا نطير سرورا من تذكرهم . . . حتى ~~لقد رقصت من تحتنا النجب يا بارقا بأعالي الرقمتين بدا . . . لقد حكيت ولكن ~~فإنك الشنب أما خفوق فؤادي فهو عن سبب . . . وعن خفوقك قل لي ما هو السبب ~~ويا نسيما سرى من جو كاظمة . . . بالله قل لي كيف البان والعذب وكيف جيرة ~~ذاك الحي هل حفظوا . . . عهدا أراعيه إن شطوا وإن قربوا أم ضيعوا ومرادي ~~منك ذكرهم . . . هم الأحبة إن أعطوا وإن سلبوا إن كان يرضيهم إبعاد عبدهم . ~~. . فالعبد منهم بذاك البعد مقترب PageV31P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" والهجر إن كان يرضيهم بلا سهب . . . فإنه من ~~قبيل الوصل محتسب ولما بلغت هذه القصيدة نجم الدين محمد بن إسرائيل ، ~~ادعاها لنفسه ، فاجتمع هو وابن الخيمي بعد ذلك بحضرة جماعة من الأدباء ، ~~وجرى الحديث في ذلك ، فأصر ابن إسرائيل على أنها له ، فتحاكما إلى الشيخ ~~شرف الدين عمر ابن الفارض ، رحمه الله ، وكان يومئذ هو المشار إليه في ~~معرفة الأدب ونقد الشعر . فأشار أن ينظم كل واحد منهما أبياتا على الوزن ~~والروي فنظم ابن الخيمي : لله قوم بجرعاء الحمى غيب . . . جنوا علي ، ولما ~~أن جنوا عتبوا يا قوم هم أخذوا قلبي فلم سخطوا . . . وانهم غصبوا عيشي هام ~~غضبوا هم العريب بنجد مذ عرفتهم . . . لم يبق لي معهم مال ولا نسب شاكون ~~للحرب لكن من قدودهم . . . وفاترات اللحاظ السمر والقضب فما ألموا بحي أو ~~ألم بهم . . . إلا أغاروا على الأبيات وانتهبوا عهدت في دمن البطحاء عهد ~~هوى . . . إليهم وتمادت بيننا حقب فما أضاعوا قديم العهد بل حفظوا . . . ~~لكن لغيري ذاك العهد قد نسبوا من منصفي من لطيف فبهم غنج ms7196 . . . لدن القوام ~~لإسرائيل ينتسب مبدل القول ظلما لا يفي بموا . . . عيد الوصال ومنه الذنب ~~والغضب في لثغة الراء منه صدق نسبته . . . والمن منه برور الوعد والكذب ~~موحد فيرى كل الوجود له . . . ملكا ويبطل ما يفضي به النسب فعن عجائبه حدث ~~ولا حرج . . . ما ينتهي في المليح المطلق العجب PageV31P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" بدر ولكن هلالا لاح إذ هو . . . بالوردي من ~~شفق الخدين منتقب في كاس مبسمه من حلو ريقته . . . خمر ودر ثناياه بها حبب ~~فلفظه أبدا سكران يسمعنا . . . من معرب اللحن ما ينسى له الأدب تجني لواحظه ~~فينا ومنطقه . . . جنايه يجتني من مرها الضرب قد أظهر السحر في أجفانه سقما ~~. . . البرء منه إذا ما شاء والعطب حلو الأحاديث وألفاظ ساحرها . . . تلقى ~~إذا نطق الألواح والكتب لم يبق منطقه قولا يروق لنا . . . لقد شكت ظلمه ~~الأشعار والخطب فداؤه ما جرى في الدمع من مهج . . . وما جرى في سبيل الحب ~~محتسب ويح المتيم شام بارق من أضم . . . فهزه كاهتزاز البارق الحرب وأسكن ~~البرق من وجد ومن كلف . . . في قلبه فهو في أحشائه لهب فكلما لاح منه بارق ~~بعثت . . . قطر المدامع من أجفانه سحب وما أعادت نسيمات الغوير له . . . ~~أخبار ذي الأثل إلا هزه الطرب واها له أعرض الأحباب عنه وما . . . أجدت ~~وسائله الحسنى ولا القرب ونظم الشيخ نجم الدين محمد بن إسرائيل رحمه الله ~~تعالى . PageV31P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" لم يقض من حبكم بعض الذي يجب . . . قلب متى ما ~~جرى تذكاركم يجب ولي ، وفي لرسم الدار بعدكم . . . دمع متى جاد ضنت بالحيا ~~السحب أحبابنا والمنى تدني مزاركم . . . وربما حال من دون المنى الأدب ما ~~رابكم من حياتي بعد بعدكم . . . وليس لي في حياة بعدكم أدب قاطعتموني ~~فأحزاني مواصلة . . . وحلتم فحلالي فيكم التعب رحتم بقلبي وما كادت لتسلبه ~~. . . لولا قدودكم الخطية السلب يا بارقا ببراق الحزن لاح لنا . . . أأنت ~~أم أسلمت أقمارها النقب ويا نسيما سرى والعطر يصحبه . . . أجزت حين مشين ~~الخرد العرب أقسمت بالمقسمات الزهر يحجبها . . . سمر العوالي والهندية ~~القضب لكدت تشبه يرقا من ms7197 ثغورهم . . . ما در دمعي لولا الظلم والشنب وجيرة ~~جار فينا حكم معتدل . . . منهم ولم يعتبوا لكنهم عتبوا ما حيلتي قربوني من ~~محبتهم . . . وما حال دونهم التقريب والخبب وعرضتا على الشيخ شرف الدين بن ~~الفارض . فأنشد مخاطبا لابن إسرائيل عجز بيت من أبيات ابن الخيمي : لقد ~~حكيت ولكن فاتك الشنب وحكم بالقصيدة لابن الخيمي . واستحسن بعض من حضر ~~المجلس من الأدباء أبيات ابن اسرائيل ، وقال : من ينظم مثل هذه الأبيات ، ~~ما الحامل له على ادعاء ما ليس له ؟ . فقال ابن الخيمي : هذه سرقة عادة ، ~~لا سرقة حاجة . وانفصل المجلس . وفارق الشيخ نجم الدين بن إسرائيل من وقته ~~الديار المصرية ، وتوجه إلى الشام . ولما بلغت هذه الواقعة القاضي شمس ~~الدين أحمد بن خلكان وهو إذ ذاك يتولى نيابة الحكم بالقاهرة ، خلافة عن ~~قاضي القضاة بدر الدين السنجاري ، رحمهما الله تعالى ، أرسل إلى الشيخ شهاب ~~الدين ابن الخيمي ، يطلب منه الأبيات التي نظمها ، وادعاها ابن اسرائيل ، ~~فذيلها بأبيات وهي : إن كان يرضيهم إبعاد عبدهم . . . فالعبد منهم بذاك ~~البعد مقترب والهجر إن كان يرضيهم بلا سبب . . . فإنه من لذيذ الوصل محتسب ~~PageV31P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" وإن هم احتجبوا عني فإن لهم . . . في القلب ~~مشهور حسن ليس يحتجب قد نزه اللطف والإشراق بهجته . . . عن أن تمنعها ~~الأستار والحجب لا ينتهي نظري منهم إلى رتب . . . في الحسن إلا ولاحت فوقها ~~رتب وكلما لاح معنى من جمالهم . . . لباه شوق إلى معناه منتسب أظل دهري ولي ~~من حبهم طرب . . . ومن أليم اشتياقي نحوهم حرب فالقلب يا صاح مني بين ذاك ~~وذا . . . قلب لمعروف شمس الدين منتهب إن الحديث شجون فاستمع عجبا . . . ~~حديث ذات الحبر حسنا كله عجب وشرع في مدحه وذكر أوصافه ، إلى نهاية سبعة ~~وثلاثين بيتا ، تركنا إيراد بقيتها اختصارا . وشعره ، رحمه الله تعالى ، ~~كثير جيد مشهور . فالنرجع إلى سياق أخبار الدولة المنصورية . واستهلت سنة ~~ست وثمانين وستمائة [ 686 ه 1287 م ] في هذه السنة ، تسلم الأمير حسام ~~الدين طرنطاي صهيون ، وعاود الأمير شمس الدين سنقر الأشقر الطاعة ms7198 . وقد ~~تقدم ذكر ذلك . وفيها ، كانت غزوة النوبة الأولى . وقد تقدم ذكرها . ~~PageV31P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" ذكر تفويض قضاء القاهرة والوجه البحري للقاضي ~~برهان الدين السنجاري ونقلة القاضي شهاب الدين الخويي إلى الشام ووفاة ~~السنجاري وإضافة قضاء القاهرة للقاضي تقي الدين ابن بنت الأعز كان سبب هذه ~~الولايات ما قدمناه ، من وفاة قاضي القضاة بدمشق ، بهاء الدين بن الزكي ، ~~في حادي عشر ذي الحجة ، سنة خمس وثمانين . فلما اتصل خبر وفاته بالسلطان ، ~~رسم بتعيين قاض للشام . فعين قاضي القضاة شهاب الدين الخويي لذلك ، فيما ~~بلغني ، القاضي شرف الدين إبراهيم بن عتيق ، وكان إذ ذاك ينوب عنه ، وأحضره ~~لذلك . وسعى قاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز ، أن ينقل القاضي شهاب ~~الدين الخويي إلى الشام ، ويستقل هو بقضاء المدينتين والعملين ، فنتج سعيه ~~الآن في أخذ الطرفين . وذلك أن القاضي شهاب الدين الخويي ، طلع في يوم ~~الأحد ، خامس عشر المحرم ، من هذه السنة ، إلى قلعة الجبل ، وصحبته القاضي ~~شرف الدين بن عتيق ، الذي عينه لقضاء الشام . وحضر قاضي القضاة تقي الدين ~~ابن بنت الأعز المجلس ، وطلب السلطان قاضي القضاة برهان الدين الخضر ~~السنجاري ، فخلع عليه ، وفوض له قضاء القاهرة والوجه البحري ونقل القاضي ~~شهاب الدين الخويي إلى قضاء الشام ، فتوجه إلى دمشق ، في ثالث عشر صفر ، ~~ووصل إليها في يوم الإثنين ثالث عشر شهر ربيع الأول . وأما القاضي برهان ~~الدين ، فإنه جلس للحكم بالقاهرة بالمدرسة المنصورية . وتقدم في الجلوس ~~بدار العدل ، على قاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز ، فتألم لذلك ، وندم ~~على سعيه في نقلة القاضي شهاب الدين الخويي إلى الشام ، وسعى أن يتوفر من ~~حضور دار العدل . فبينما هو في ذلك ، توفي قاضي القضاة برهان الدين ~~السنجاري . وكانت وفاته في تاسع صفر من السنة ، بالمدرسة المعزية بمصر ، ~~ودفن بتربة أخيه بدر الدين بالقرافة . فكانت مدة ولايته أربعة وعشرين يوما ~~، ومولده في سنة ست عشرة وستمائة . ولما مات ، فوض السلطان قضاء القاهرة ~~والوجه البحري لقاضي القضاة ، تقي الدين عبد الرحمن ابن قاضي ms7199 القضاة تاج ~~الدين ابن بنت الأعز . وخلع عليه ، وجمع له القضاء بالمدينتين والعملين . ~~وبلغني أنه صلى على القاضي برهان الدين ، وعليه خلعة القضاء . PageV31P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" ذكر خبر واقعة ناصر الدين بن المقدسي وأعيان ~~دمشق ومصادرة أكابر دمشق ، وتوكيل ناصر الدين بن المقدسي عن السلطان وفي ~~هذه السنة ، وصل ناصر الدين محمد ابن الشيخ عبد الرحمن المقدسي ، إلى ~~الأبواب السلطانية . وكان قد حضر ، ليرفع على قاضي القضاة بهاء الدين ابن ~~الزكي أمورا . فاتفقت وفاة قاضي القضاة كما تقدم ، فبطل عليه ما دبره من ~~أمره ، فعدل عن ذلك إلى غيره . واجتمع بالأمير علم الدين سنجر الشجاعي ، ~~وزير الدولة ، وتحدث معه في أمر بنت الملك الأشرف موسى ابن السلطان الملك ~~العادل ، وأنها أباعت أملاكها بدمشق ، وأنه ثبت أنها حالة البيع كانت سفيهة ~~، وقد حجر عليها عمها الملك الصالح ، عماد الدين اسماعيل ، ويستعيد الأملاك ~~ممن ابتاعها ، ويرجع عليهم بما تسلموه من الريع ، في المدة الماضية ، ~~ويشتري هذه الأملاك للخاص السلطاني ، فأجابه إلى ذلك . وكتب يطلب سيف الدين ~~أحمد السامري من دمشق ، وكان قد ابتاع منها حرزما . فحضر في شهر رمضان ، ~~والسلطان إذ ذاك بغزة ، فسيره إلى الديار المصرية . فطلب منه ابتياع حرزما ~~، فادعى أنه وقفها من مدة . فعند ذلك ، سطر محضر ، يتضمن ابنة الملك الأشرف ~~، كانت في مدة كذا وكذا سفيهة ، وذلك في زمن البيع ، ولم تزل مستمرة السفه ~~، إلى تاريخ كذا وكذا . ثم صلحت واستحقت رفع الحجر عنها من مدة كذا وكذا . ~~ولفق بينة شهدت بذلك ، وثبت على أخذ قضاء القضاة بالديار المصرية ، وقد ~~شاهدت أنا هذا المحضر . ولما ثبت ذلك في وجه سيف الدين السامري ، بطل البيع ~~من أصله . ثم طولب بما تحصل له من الريع ، لمدة عشرين سنة ، وكان مائتي ألف ~~درهم وعشرة آلاف درهم ، بعد الاعتداد له ، بنظير الثمن الذي دفعه . فاشترى ~~منه سبعة عشر سهما ، من قرية الزنبقية ، بسبعين ألف درهم ، وحمل مائة ألف ~~وأربعين ألف درهم . وفوض PageV31P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" السلطان وكالته ، لناصر الدين المقدسي المذكور ~~، فشرع ms7200 في أذى أهل دمشق وأعيانها ، فطلب جماعة منهم ، في سنة سبع وثمانين ، ~~وهم الصدر عز الدين حمزة بن القلانسي ، والصدر نصير الدين بن سويد ، وشمس ~~الدين ولد جمال الدين بن يمن ، وجمال الدين بن صصري . وطلب أيضا قاضي ~~القضاة حسام الدين الحنفي ، والصاحب تقي الدين توبة ، وشمس الدين ابن غانم ~~، فصودر هؤلاء . فأخذ من الصدر عز الدين بن القلانسي ، فيما قيل ، مائة ألف ~~درهم وخمسون ألف درهم ، ومن جمال الدين بن صصري ، ثلاثمائة ألف درهم ، قيمة ~~ملك ودراهم . وحمل من نصير الدين ثلاثون ألف درهم ، ومن ابن يمن ، عن قيمة ~~أملاك ، مائة ألف درهم وتسعون ألف درهم ، ومن شمس الدين بن غانم خمسة آلاف ~~درهم ، ومن قاضي القضاة حسام الدين ثلاثة آلاف درهم . واعتذر أكابر ~~الدماشقة ، أنهم حضروا على خيل البريد ، وأن أموالهم وموجودهم بدمشق . ~~وسألوا أن يقرر عليهم ما يحملونه . فطلب الأمير علم الدين سنجر الشجاعي ~~وزير الديار المصرية ، جماعة من تجار الكارم ، وأمرهم أن يقرضوا الدماشقة ~~مالا يحملونه ، ففعلوا ذلك . وكتب عليهم الحجج ، وأعيدوا إلى دمشق ، وقاموا ~~بالمبلغ لأربابه . وإنما فعل الأمير علم الدين الشجاعي ذلك ، خشية أنهم إذا ~~توجهوا إلى دمشق ، استشفعوا فيسامحوا . فأراد أن يكون ذلك في ذمتهم ، لغير ~~بيت المال . ثم عاد الدماشقة إلى دمشق ، وولي جمال الدين بن صصري نظر ~~الدواوين بدمشق ، وذلك في سنة سبع وثمانين وستمائة . وفي سنة ست وثمانين ~~وستمائة أيضا ، توجه السلطان إلى جهة الشام ، واستقل ركابه من قلعة الجبل ، ~~في يوم الخميس سابع عشرين شهر رجب ، ووصل إلى غزة ، وأقام بتل العجول ، ثم ~~عاد إلى قلعة الجبل . وكان وصوله إليها ، في يوم الإثنين ثالث عشرين شوال ~~من السنة . وفيها ، في تاسع عشر محرم ، كانت وفاة علاء الدين ابن الملك ~~الناصر ، صاحب PageV31P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" الشام ، الذي كان في الاعتقال . وكان قد ~~اعتقل ، في أوائل الدولة المنصورية ، في سابع عشر رمضان ، سنة ثمان وسبعين ~~وستمائة . وكان قد حصل له مرض المالنخوليا . فلما اشتد به ، قتل نفسه . ~~ومولده في سنة ثلاث ms7201 وخمسين وستمائة . وفيها ، في ليلة السبت ، الثامن ~~والعشرين ، من شهر المحرم ، توفي الشيخ الإمام ، قطب الدين أبو بكر ، محمد ~~بن أحمد بن علي بن الحسين بن عبد الله ابن أحمد بن ميمون القيسي الشاطبي ، ~~المعروف بابن القسطلاني ، بالمدرسة الكاملية ، دار الحديث بالقاهرة ، وهو ~~مدرسها ، ودفن من الغد ، بالقرافة الصغرى . وكانت جنازته مشهورة ، رحمه ~~الله تعالى . وفيها ، كانت وفاة الأمير سيف الدين قجقار المنصوري ، نائب ~~السلطنة بالمملكة الصفدية . وكان السلطان قد رباه في صغره ، كالولد ، رحمه ~~الله تعالى . وفيها ، كانت وفاة الأمير علم الدين سنجر الباشقردي الصالحي ~~بالقاهرة ، في ليلة الثلاثاء ، تاسع عشر شهر رمضان ، ودفن بالقرافة . وكان ~~من أكابر الأمراء المقدمين بالديار المصرية . وتولى نيابة السلطنة بحلب كما ~~تقدم ، وعزل بالأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري . واستهلت سنة سبع وثمانين ~~وستمائة [ 687 ه 1288 م ] ذكر عزل الأمير علم الدين سنجر الشجاعي عن ~~الوزارة ومصادرته وتفويض الوزارة لقاضي القضاة ، تقي الدين ثم إلى الأمير ~~بدر الدين بيدرا وفي هذه السنة ، في يوم الخميس ، ثاني عشر شهر ربيع الأول ~~، عزل السلطان PageV31P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" الأمير علم الدين سنجر الشجاعي ، عن الوزارة ~~، وصادره وأخذ أمواله . وكان سبب ذلك ، أن النجيب المعروف بكاتب بكجري ، ~~أحد مستوفي الدولة ، برز له ، وانتدب لمرافعته ، بموافقة تقي الدين بن ~~الجوجري ، ناظر الدواوين ومباطنته له ، وحاققه بين يدي السلطان . وكان من ~~جملة ما حاققه عليه ، وأغرى السلطان به ، أنه قال للسلطان بحضوره ، إنه ~~أباع جملة من الرماح والسلاح ، الذي كان في الذخائر السلطانية للفرنج . ~~فاعترف الأمير علم الدين بذلك . وقال نعم أنا بعته بالغبطة الوافرة ، ~~والمصلحة الظاهرة . فالغبطة أني أبعتهم من الرماح والسلاح ، ما عتق وفسد ، ~~وقل الانتفاع به ، وبعته بأضعاف قيمته . والمصلحة ، ليعلم الفرنج أنا ~~نبيعهم السلاح هوانا بهم ، واستحقارا لأمرهم ، وعدم مبالاة بهم . فكاد ~~السلطان يصغي إلى ذلك . فأجابه النجيب عن ذلك ، بأن قال له يا مكثل ، الذي ~~خفي عنك أعظم مما لمحت هذا الكلام ، الذي صورته أنت بخاطرك ، وأعددته جوابا ~~. وإنما الفرنج والأعداء لا يحملون بيع ms7202 السلاح لهم ، على ما ظننت أنت وزعمت ~~. وإنما الذي يشيعونه بينهم وينقله الأعداء إلى أمثالهم ، أن يقولوا ، قد ~~احتاج صاحب مصر ، حتى باع سلاحه لأعدائه ، أو ما هذا معناه من الكلام . ~~فعند ذلك احتد السلطان عليه ، غاية الاحتداد ، واشتد غضبه ، وأمر بمصادرة ~~الأمير علم PageV31P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" الدين ، على جملة كثيرة من الذهب ، وألزمه أن ~~لا يبيع فيما طلب منه ، شيئا من خيله وسلاحه ولا من عدة الإمرة ورختها ، ~~وأنه لا يحمل المطلوب منه إلا عينا ، ففعل ذلك . وبلغ السلطان ، أن الأمير ~~علم الدين قد ظلم الناس وصادرهم ، وأن في اعتقاله جماعة كثيرة ، قد مر ~~عليهم شهور وسنون ، وباعوا موجودهم ، وصرفوه في أجرة المترسمين عليهم . ~~واحتاج بعضهم إلى أن استعطى من الناس بالأوراق . فرسم السلطان للأمير بهاء ~~الدين بعدي الدوادار ، أن يكشف أمر المصادرين ، ويطالع السلطان به . فخرج ~~إليهم وسألهم ، فذكروا ما هم فيه من الضرورة والفاقة ، فأعلم السلطان ~~بخبرهم . فرسم للأمير حسام الدين طرنطاي بالكشف عنهم ، فأفرج عن جميعهم . ~~ثم أفرج عن الأمير علم الدين في يوم الأربعاء ، تاسع شهر ربيع الآخر من ~~السنة . ولما عزل السلطان الأمير علم الدين عن الوزارة ، فوضها السلطان ~~للأمير بدر الدين بيدرا ، في يوم الثلاثاء سابع شهر ربيع الأول في السنة . ~~ثم فوضت الوزارة لقاضي القضاة ، تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز ، في ~~يوم الخميس التاسع عشر من شهر ربيع الآخر ، مضافة إلى ما بيده من قضاء ~~القضاة ، ونظر الخزائن . ولم يترك نظر الخزانة ، فربما جلس في اليوم الواحد ~~في دست الوزارة ، ومجلس الحكم ، وديوان الخزانة . واستمر على ذلك مدة يسيرة ~~، ولم يوف منصب الوزارة حقه العادي ، لتمسكه بظاهر الشرع الشريف . ثم توفر ~~من الوزارة ، وفوضت للأمير بدر الدين بيدرا المنصوري ، وكان أمير مجلس ~~السلطان ، ثم نقل إلى الاستادارية ، ثم إلى الوزارة ، واستقر كذلك إلى آخر ~~الدولة المنصورية . PageV31P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" وفيها ، في ليلة يسفر صباحها عن يوم الإثنين ~~سادس عشر ربيع الأول ، وقع الحريق في خزائن السلاح والمشهد الحسيني ~~بالقاهرة ، ثم ms7203 طفئ . وفيها ، بنى السلطان الملك المنصور بابنة الأمير شمس ~~الدين سنقر التكريتي الظاهري ، وأفرج عن والدها من الاعتقال ، وأمره بالشام ~~. ثم فارقها السلطان ، فقيل في سبب فراقه لها ، إن والدها زوج أختها من أحد ~~مماليكه ، فكره السلطان ، وأنف منه ، وفارقها بسببه . وقيل ، بل تعاطت نوعا ~~من الكبر وأقامت لها من الجواري سلاح دارية وجمدارية وسقاة وغيرهن ، مما ~~يتعلق بالسلطنة ، ففارقها السلطان لذلك . ولما انقضت عدتها ، أمر السلطان ~~أن تزوج لأردى أولاد الأمراء سيرة ، نكاية لها . فكشف عن سير أولاد الأمراء ~~ممن اشتهر بسوء السيرة ، فوق الاتفاق على جمال الدين يوسف بن سنقر الألفي ، ~~فزوجته منه . وفي هذه السنة ، ولي القاضي بدر الدين محمد ابن الشيخ برهان ~~الدين إبراهيم ابن جماعة الشافعي الكناني ، قضاء القدس الشريف ، والخطابة ~~به . وتوجه من دمشق ، في رابع شوال ، ووصل إلى القدس في يوم الإثنين حادي ~~عشر الشهر . وولي الخطابة بالقدس ، بعد وفاة الشيخ قطب الدين أبي الذكاء ~~عبد المنعم ابن يحيى بن إبراهيم القرشي . وكانت وفاته ، رحمه الله تعالى ، ~~بالقدس الشريف في يوم الجمعة ، سابع عشر شهر رمضان ، من هذه السنة . وولي ~~بعد القاضي بدر الدين ، تدريس المدرسة القيمرية ، القاضي علاء الدين أحمد ~~ابن قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز . وجلس لإلقاء الدرس بها ، في يوم ~~الأحد تاسع عشر شوال . وفيها ، في شهر رمضان ، فوض نظر الحسبة بدمشق للصدر ~~شمس الدين ابن السلعوس . ووصل توقيعه بذلك من الأبواب السلطانية ، عوضا عن ~~شرف الدين أحمد بن PageV31P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" عز الدين عيسى بن الشيرحي . وكان ابن الشيرحي ~~قد وليها ، في جمادى الآخرة من السنة . وفيها ، فوض قضاء المالكية بدمشق ، ~~لقاضي القضاة جمال الدين الزواوي . ذكر توجه ناصر الدين بن المقدسي إلى ~~دمشق وما فوض إليه من مناصبها ، وما اعتمده في هذه السنة ، توجه ناصر الدين ~~بن المقدسي ، من الأبواب السلطانية ، إلى دمشق . وقد فوض له السلطان الملك ~~المنصور وكالته ، ونظر الأوقاف بدمشق والشام أجمع . ومن جملة ذلك ، نظر ~~الجامع الأموي ، والبيمارستانات الثلاثة ، ونظر الأشراف والأسرى ms7204 ، والأيتام ~~والصدقات ، والأسوار والخوانق والربط وغير ذلك . وحضر صحبته مشدان ، من ~~الأبواب السلطانية ، وهما بدر الدين القشتمري ، وصارم الدين الأيدمري . ~~فتردد الناس إلى خدمته ، وخافوا شره . ولزم أرباب السعايات والمرافعات بابه ~~. وشرع يتتبع الناس فيما ابتاعوه من الأملاك ، وقصد إثبات سفه من أباع ، ~~وأن يسلك في ذلك الطريق الذي سلكه في أمر ابنة الملك الأشرف . فامتنع ~~القضاة بدمشق من موافقته على ذلك ، وعضدهم الأمير حسام الدين نائب السلطنة ~~. فمنع ناصر الدين القضاة الجامكية المرتبة لهم على مصالح الجامع الأموي . ~~فلم يردهم ذلك إلا امتناعا من موافقته على أغراضه . وشرع في عمارة الأملاك ~~السلطانية ، واستجد حوانيتا على جسر باب الفراديس من الجانبين . وأصلح ~~الجسر ، قبل عمارة الحوانيت . ثم أصلح باب الجابية الشمالي ، وكان مستقلا ~~فهدمه وعمره . ولم يكن له حسنة ، غير إصلاح هذين الجسرين والباب ، ومساطب ~~الشهود بباب الجامع . وفي هذه السنة ، في شهر رمضان المعظم ، كبس بدر بن ~~النفيس النصراني الكاتب بدمشق ، وعنده امرأة مسلمة ، وهم يشربون الخمر . ~~فطولع الأمير حسام الدين نائب السلطنة بدمشق بذلك . فأمر أن يحرق النصراني ~~، فبذل في نفسه جملة من المال ، وسأل مخدومه الأمير سيف الدين كجكن في أمره ~~، فلم يجب نائب السلطنة PageV31P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" إلى إبقائه . وأضرمت له نار بسوق الخيل ، ~~وألقي فيها . وأما المرأة ، فقطع بعض أنفها ، وشفع فيها فأطلقت . وفي هذه ~~السنة ، في مستهل رجب ، توفيت الست غازية خاتون زوجة الملك السعيد ، ودفنت ~~عند والدتها ، بالقبة الصالحية ، بجوار مشهد السيدة نفيسة ، بظاهر القاهرة ~~. ذكر وفاة الملك الصالح وتفويض ولاية العهد إلى الملك الأشرف في هذه السنة ~~، في يوم الجمعة رابع شعبان ، توفي الملك الصالح علاء الدين علي ابن ~~السلطان الملك المنصور ، وكانت علته دوسنطاريا كبدية . وصلى عليه بالقلعة ، ~~قاضي القضاة ، تقي الدين ابن بنت الأعز ، وصلى خلفه والده السلطان الملك ~~المنصور ، وأخوه الملك الأشرف ، وصلى عليه خارج القلعة ، قاضي القضاة معز ~~الدين الحنفي . ودفن بتربته المجاورة لمشهد السيدة نفيسة . وحصل لوالده ~~السلطان عليه من الألم ، ما لا مزيد عليه . وخلف ولدا ms7205 واحدا ، من زوجته ~~منكبك ابنة الأمير سيف الدين نوكيه ، وهو الأمير مظفر الدين موسى ، وله ~~أخبار ، ترد إن شاء الله تعالى . ولما مات الملك الصالح ، فوض السلطان ~~ولاية العهد بعده ، لولده الملك الأشرف صلاح الدين خليل . وركب بشعار ~~السلطنة ، في حادي عشر شعبان من قلعة الجبل ، إلى باب النصر . وشق المدينة ~~، وخرج من باب زويلة ، وعاد إلى القلعة ، والأمراء في خدمته . وكتب بذلك ~~إلى الشام ، وسائر البلاد ، وخطب له بولاية العهد ، بعد أبيه على عادة أخيه ~~الملك الصالح . وكتب تقليده فتوقف السلطان على الكتابة عليه . وسنذكر ذلك ، ~~إن شاء الله تعالى ، في أخبار الملك الأشرف . وفي هذه السنة ، توفي الأمير ~~بدر الدين الأيدمري الصالحي ، في ليلة يسفر صباحها عن يوم الإثنين ، خامس ~~المحرم . وتوفي الأمير فخر الدين اياز ، المعروف بالمعزي الحاجب ، في ليلة ~~يسفر صباحها عن يوم الجمعة ، العشرين من شهر ربيع PageV31P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" الأول ، وذلك عقيب عوده من الحجاز . وكان ~~رحمه الله تعالى ، من حسنات الدهر . وكانت الملوك تعتمد عليه في المهمات ~~الجليلة . وتوفي الأمير سيف الدين بلبان العلائي الصالحي النجمي ، المعروف ~~بقول الله كريم الدين ، رحمه الله تعالى ، في يوم الثلاثاء سادس عشرين ~~جمادى الآخرة منها ، ودفن بتربته بالقرافة الصغرى . وهو خوشداش السلطان ~~الملك المنصور ، وسنقر الأشقر وغيرهما ، كانوا كلهم مماليك الأمير علاء ~~الدين أقسنقر الساقي العادلي . وكان السلطان يرعى له حق الخوشداشية ويكرمه ~~. ويزوره إذا مرض في منزله ، رحمه الله تعالى . وفيها ، توفي القاضي الخطيب ~~، فخر الدين عبد العزيز ابن قاضي القضاة عماد الدين عبد الرحمن بن السكري . ~~وكانت وفاته بالمدرسة المعروفة بمنازل العز بمصر ، في رابع عشرين شوال . ~~ومولده في سنة أربع وستمائة ، رحمه الله تعالى . واستهلت سنة ثمان وثمانين ~~وستمائة [ 688 ه 1289 م ] في هذه السنة ، في المحرم ، توجه السلطان إلى ~~الشام ، وافتتح طرابلس ، وقد ذكرنا ذلك في الفتوحات . ولما افتتح السلطان ~~طرابلس ، جهز الأمير حسام الدين طرنطاي ، إلى المملكة الحلبية ، بطائفة من ~~العسكر . وكان قد وصل إلى السلطان ، وهو بطرابلس ، رسل صاحب ms7206 سيس ، يسألون ~~مراحم السلطان ، ويطلبون مراضيه . فطلب منهم السلطان تسليم مرعش ، وبهسنا ~~والقيام بالقطيعة على العادة ، وخلع عليهم وأعادهم . ورحل عن طرابلس ونزل ~~على حمص ، وأقام بها أياما . فعادت رسل سيس بهدية كثيرة ، واعتذارات عن ~~تسليم مرعش وبهسنا ، وبذل جملة كثيرة من المال في كل سن . فرحل السلطان عن ~~حمص ، ودخل إلى دمشق ، في يوم الإثنين خامس جمادى الأولى . PageV31P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" ذكر ما اتفق بدمشق من المصادرات كان السلطان ~~قد استصحب معه في هذه السفرة ، الأمير علم الدين سنجر الشجاعي ، بعد عزله ~~من الوزارة . فلما عاد إلى دمشق من طرابلس ، أمره أن يتحدث في تحصيل ~~الأموال بدمشق ، ومكنه من ذلك ، فأوقع الحوطة ، على الصاحب تقي الدين توبة ~~. فوجد له أخشابا كثيرة وبضائع وسكرا ، فطرح ذلك على أهل دمشق ، بأضعاف ~~قيمته . فكان يحفظ لمن يطرح عليه منه الربع فما دونه . فحصل من ذلك تقدير ~~خمسمائة ألف درهم . وكان غرضه بذلك ، أن يطلع السلطان ، على أن تقي الدين ~~توبة قد حصل الأموال الكثيرة ، لعداوة كانت بينهما . ثم شرع في مصادرات ~~الناس ، فهرب أكثر الدماشقة إلى القرى والضياع ، واختفوا منه . وطلب نجم ~~الدين عباس الجوهري ، بسبب ضيعة كان قد اشتراها من ابنة الملك الأشرف ، ~~بالبقاع العزيز . فطولب بما أخذه من ريعها ، فكان خمسمائة ألف درهم ، فحمل ~~جوهرا ، قوم له ، بثمانين ألف درهم . فشدد عليه الطلب ، فجاء إلى مدرسته ~~التي أنشأها بدمشق ، وحفر في دهايزها ، وأخرج خونجاه ذهب ، مرصعة بالجوهر ، ~~وعليها قرقة مرصعة ، فقوم ذلك بأربعة ألف درهم ، وسبك الذهب ، وكان سبعة ~~آلاف دينار ، ونقل الجوهر إلى الخزانة . وأظهر السلطان للأمراء ، أن إقامته ~~بدمشق ، لانتظار الأمير حسام الدين طرنطاي . فوصل في سابع عشر شهر رجب . ~~وتلقاه السلطان بالعساكر ، وأقام بدمشق ، إلى يوم الخميس ثاني شعبان . ~~فتوجه في هذا اليوم إلى الديار المصرية ، بعد أن حصل الإجحاف بأهل دمشق ، ~~واستصحب تقي الدين توبة مقيدا . فلما وصل إلى حمراء بيسان ، مر عليه الأمير ~~حسام الدين طرنطاي ، والأمير زين الدين كتبغا ، وهو بالزردخاناة ، فسبهما ~~أقبح سب ms7207 ، وكانت هذه عادته ، وذكر ما فعل به ، وهما يضحكان من سبه لهما . ~~فتوجها إلى السلطان ، وسألاه في أمره ، وضمنها فأفرج عنه . وأخذاه عندهما . ~~فتألم الأمير علم الدين الشجاعي لذلك ألما شديدا . وكان قد كتب إلى نابلس ~~والقدس وبلد الخليل والبلاد الساحلية ، يطلب الولاة والمباشرين ، وأن ~~يجهزوا إلى غزة . فلما حصل الإفراج عن تقي الدين توبة ، غضب الشجاعي وأظهر ~~حردا ، وامتنع من الحديث في المصادرين ، فكانت ذلك من الألطاف بمن طلب . ~~ووصل السلطان إلى قلعة الجبل في يوم الثلاثاء . PageV31P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" وفي هذه السنة ، في يوم الثلاثاء ثامن عشري ~~شعبان ، وقت الظهر توفي بدمشق الملك المنصور شهاب الدين محمود ابن الملك ~~الصالح اسماعيل ابن الملك العادل . وفيها ، كانت وفاة الأمير علاء الدين ~~الكبكي بالقدس الشريف ، في شهر رمضان ، رحمه الله تعالى . واستهلت سنة تسع ~~وثمانين وستمائة [ 689 ه 1290 م ] في هذه السنة ، في أولها توجه الأمير ~~حسام الدين طرنطاي ، ومعه جماعة من الأمراء والعساكر ، إلى الوجه القبلي . ~~فوصل إلى منزلة طوخ دمنوا ، قبالة مدينة قوص . وتصيد في هذه السفرة ، ومهد ~~البلاد ، وقتل جمامة من العربان ، وحرق بعضهم بالنار ، وأخذ خيولهم وسلاحهم ~~ورهائن أكابرهم ، وعاد إلى قلعة الجبل . وفيها ، في شهر ربيع الأول ، ~~استدعى السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر ، من دمشق ، على خيل البريد . ~~فلما وصل إلى بابه أكرمه ، وقال له : اعلم أنني ما اشتريتك ، وأمرتك ، ~~ووليتك شاد الدواوين بالشام ، إلا ظنا مني أنك تنصحني وتحصل أموالي ، وتنهض ~~في مصالح دولتي ، فالتزم بتحصيل الأموال . فخلع عليه ، وفوض له ، مضافا إلى ~~شد الشام ، الحصون بسائر الممالك الشامية والساحل ، وديوان الجيش . فعاد ~~إلى الشام ، وكان وصوله إلى دمشق ، في يوم الأربعاء العشرين من شهر ربيع ~~الآخر ، وتعاظم في نفسه وكثر تجبره . PageV31P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" وفيها ، أمر السلطان بالقبض على الأمير سيف ~~الدين جرمك الناصري ، وذلك في جمادى الأولى . وفيها ، جهز السلطان الأمير ~~سيف الدين التقوي ، إلى طرابلس ، واستخدم معه ستمائة فارس بطرابلس . وهو ~~أول جيش استخدم بها . وكان الجيش قبل ذلك ms7208 بالحصون . ذكر إيقاع الحوطة على ~~ناصر الدين المقدسي وشنقه وفي هذه السنة ، في جمادى الآخرة ، برز أمر ~~السلطان بالكشف على ناصر الدين بن المقدسي وكيله بالشام . فورد المرسوم إلى ~~دمشق ، في ثاني عشرين الشهر ، فكشف عليه ، فظهرت له مخازي كثيرة . وسر ~~الناس بذلك ، فرسم عليه ، وطولع السلطان بما ظهر عليه . فورد الجواب ، في ~~يوم الجمعة ، تاسع عشر شهر رجب ، أن يستخرج منه ، ما التمسه ، فطولب بذلك ، ~~وضرب بالمقارع ، في يوم ورود المرسوم . وشرع في بيع موجوده ، وحمل ثمنه ، ~~واستمر كذلك ، وهو بالمدرسة العذراوية في النرسيم ، إلى يوم الخميس ثاني ~~شعبان . فورد المرسوم السلطاني ، يطلبه إلى الأبواب السلطانية . فلما اجتمع ~~الناس ، بكرة نهار الجمعة ، دخلوا عليه ، فوجدوه قد شنق ، فحضر أولياء ~~الأمر والقضاة والشهود ، وشاهده على تلك الصورة ، وكتبوا محضرا بذلك . ودفن ~~، واستراح الناس من شره . وفي هذه السنة ، رسم السلطان لنائب السلطنة ~~بالشام ، والأمير شمس الدين الأعسر ، لعمل مجانيق ، وتجهيز زردخاناة ، ~~لحصار عكا . فتوجه الأمير شمس الدين الأعسر ، إلى وادي مربين ، وهو بين ~~جبال عكا وبعلبك ، وفيه من الأخشاب وأعواد المجانيق ، أشياء كثير لا يمكن ~~أن يوجد مثلها في غيره . وأخبرني جماعة أثق PageV31P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" بأخبارهم ، في سنة إحدى عشرة وسبعمائة ، وأنا ~~يوم ذاك بالقرب من هذا الوادي ، أن به عودا قائما طوله أحد وعشرون ذراعا ، ~~بذراع العمل ، ودوره كذلك ، وأنهم حققوا ذلك ، بأن صعد رجل إلى أعلاه ، ~~ودلى حبلا إلى الأرض ، من أعلاه ، وأداروا الحبل عليه ، فجاء سواء ، لا ~~يزيد ولا ينقص . فتوجه الأمير شمس الدين إلى هذا الوادي ، وقرر على ضياع ~~المرج والغوطة بدمشق مال ، من ألفي درهم إلى خمسمائة درهم ، كل ضيعة بحسب ~~متحصلها ، لأجرة جر أعواد المجانيق ، وكذلك ضياع بعلبك والبقاع . وجني ~~المال ، ونال أهل بعلبك والبقاع شدة عظيمة بسبب ذلك . وبينا الأمير شمس ~~الدين بالوادي المذكور ، وهو مهتم في قطع الأعواد وجرها ، سقط عليه ثلج ~~عظيم ، فركب خيله ، وخرج منه . وأعجله كثرة الثلج وترادفه ، عن نقل أثقاله ~~وخيامه ، فتركها ونجا بنفسه ، ولم يلو على ms7209 شيء . ولو تأخر بسببها ، واشتغل ~~بحملها هلك هو ومن معه ، وارتدمت أثقاله بالثلوج ، وبقيت تحتها إلى فصل ~~الصيف ، وتلف أكثرها . وفي هذه السنة أيضا ، فوض السلطان تقدمة العسكر بغزة ~~والأعمال الساحلية ، إلى الأمير عز الدين أيبك الموصلي ، عوضا عن الأمير ~~شمس الدين أقسنقر كرتيه . فتوجه إليها من دمشق ، في رابع شهر رجب . وفيها ، ~~في شعبان ، اشتد الحر بحماه ، حتى شوى اللحم على بلاط الجامع ، على ما حكاه ~~الشيخ شمس الدين الجزري في تاريخه . ووقعت نار في دار صاحب حماه فاحترقت ، ~~وأرسل الله ريحا واشتدت ، فقويت النار واستمرت يومين وبعض الثالث ، وما قدر ~~أحد أن يتقدم إليها ، فاحترقت الدار بما فيها ، وكان صاحب حماه في الصيد . ~~وفيها ، في شعبان ، خرج مرسوم السلطان إلى الشام ، أن لا يستخدم أحد من أهل ~~الذمة ، اليهود والنصارى ، في المباشرات الديوانية ، فصرفوا منها . وورد ~~مثال بالإفراج عن المعتقلين . وفيها ، ثار جماعة من الفرنج بعكا ، فقتلوا ~~جماعة من تجار المسلمين بها ، كانوا PageV31P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" قدموا للمتجر ، تمسكا بالهدنة ، وذلك في ~~شعبان . فادعى أهل عكا ، أن ذلك إنما فعله الفرنج الغرب ، وأنه ليس برضاهم ~~. فكان ذلك من أكبر الأسباب التي أوجبت أخذ عكا ، على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى . ذكر وفاة قاضي القضاة نجم الدين المقدسي الحنبلي وتفويض القضاء ~~بدمشق بعده للشيخ شرف الدين المقدسي وفي هذه السنة ، في يوم الثلاثاء ، ~~ثاني عشر جمادى الأولى ، توفي قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس أحمد ابن ~~قاضي القضاة شمس الدين أبي محمد عبد الرحمن المقدسي ، قاضي الحنابلة بدمشق ~~. فعين الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة ثلاثة ، وكتب في حقهم إلى ~~السلطان ، وهم الشيخ زين الدين بن المنجا ، والشيخ تقي الدين سليمان ، ~~والشيخ شرف الدين الحسن . فورد المثال السلطاني ، في غرة جمادى الآخرة ، ~~لنائب السلطنة ، أن يفوض القضاء بدمشق للقاضي شرف الدين الحسن ابن الخطيب ~~شرف الدين أبي العباس أحمد بن أبي عمر بن قدامه المقدسي . ففوض إليه نائب ~~السلطنة القضاء ، حسب الأمر السلطاني . وكتب تقليده عن نائب السلطنة ms7210 ، وخلع ~~عليه في يوم الإثنين تاسع الشهر . وجلس بجامع دمشق ، وحكم بين الناس ، على ~~عادة القضاة قبله . وفيها ، توفي الشيخ الإمام العالم ، رشيد الدين أبو حفص ~~عمر بن اسماعيل ابن مسعود الفارقي الشافعي . وكانت وفاته بالمدرسة الظاهرية ~~بمدشق ، في يوم الأربعاء ، رابع شهر المحرم ، ودفن بمقابر الصوفية . ويقال ~~إنه وجد مخنوقا ، وكان من العلم والفضيلة بالمكان المشهور ، وشهرته بذلك ~~تغني عن وصف محاسنه ، رحمه الله تعالى . وفيها ، في ليلة الأحد الثامن ~~والعشرين من شهر ربيع الآخر ، توفي الطواشي شرف الدين مختص الظاهري ، مقدم ~~المماليك السلطانية ، في الدولة الظاهرية والسعيدية والمنصورية ، ودفن من ~~الغد بالقرافة . وكان مهيبا سلطا على المماليك السلطانية ، مبسوط اليد فيهم ~~، ذا حرمة وافرة ، رحمه الله تعالى . ذكر وفاة السلطان الملك المنصور سيف ~~الدين قلاون ، رحمه الله كانت وفاته ، رحمه الله تعالى ، بمنزلة مسجد تبر ، ~~يظهر القاهرة المحروسة PageV31P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" وهي المنزلة الأولى ، وذلك في العشر الأخير ~~من شوال ، فقامت به علته إلى أن مات ، رحمه الله تعالى ، وحمل إلى قلعة ~~الجبل ليلا ، واستمر بها إلى آخر يوم الخميس غرة المحرم سنة تسعين وستمائة ~~. ففي هذا اليوم قال : أرسل السلطان الملك الأشرف ، إلى التربة المنصورية ~~بالقاهرة جملة يصدق بها . فلما كان في ليلة الجمعة المسفرة عن ثاني المحرم ~~، نقل رحمه الله تعالى ، من القلعة إلى تربته التي أنشأها بالقاهرة وأدخل ~~من باب البرقية ، وصلي عليه بالجامع الأزهر ، ثم حمل منه إلى التربة . ونزل ~~قبره الأمير بدر الدين بيدرا ، والأمير علم الدين سنجر الشجاعي . وفرق في ~~صبيحة ذلك اليوم ، جملة من الذهب على الفقراء . وكانت مدة سلطنته إحدى عشرة ~~سنة وشهرين وأربعة عشر يوما . وخلف من الورثة ، أولاده الخمسة ، وهم ~~السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ، وهو الذي ملك بعده ، والسلطان ~~الملك الناصر ناصر الدين محمد ، وهو سلطان هذا العصر ، والأمير أحمد - مات ~~في سلطنة أخيه الملك الأشرف - وابنتان ، وهما دار مختار الجوهري ، واسمها ~~التطمش ، ودار عنبر الكمالي ، وزوجته والدة السلطان الملك الناصر . ذكر ~~تسمية نواب السلطان الملك ms7211 المنصور ووزرائه ناب عن السلطان الملك المنصور ، ~~رحمه الله تعالى ، بأبوابه الشريفة في أول سلطنته ، الأمير عز الدين أيبك ~~الأفرم الصالحي ، ثم استعفي كما تقدم . واستقر في نيابة السلطنة ، الأمير ~~حسام الدين طرنطاي المنصوري ، واستمر إلى أن كانت وفاة السلطان . وناب عن ~~السلطان بدمشق ، بعد استعادتها من الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، الأمير ~~حسام الدين لاجين السلحدار المنصوري ، المعروف بالصغير . وناب عن السلطنة ~~بالمملكة الحلبية في ابتداء الدولة ، الأمير جمال الدين أقش الشمسي ، إلى ~~أن مات ، ثم الأمير علم الدين سنجر الباشقردي إلى أن عزل ، وولي الأمير شمس ~~الدين قراسنقر الجوكان دار المنصوري إلى آخر الدولة . وناب عن السلطنة بحصن ~~الأكراد ، الأمير سيف الدين بلبان الطباخي المنصوري ، وبالكرك الأمير عز ~~الدين أيبك الموصل ، ثم PageV31P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" الأمير ركن الدين بيبرس الداواداري المنصوري ~~. وناب عن السلطنة بالمملكة الصفدية في ابتداء الدولة ، الأمير علاء الدين ~~الكبكي وغيره ، وتقدم ذكرهم . وناب عن السلطنة بغزة وحمص ، جماعة قد تقدم ~~ذكرهم . وأما الوزراء ، فوزر للسلطان ، رحمه الله تعالى ، ستة نفر ، أربعة ~~من أرباب الأقلام ، وهم الصاحب برهان الدين الخضر السنجاري مرة بعد أخرى ، ~~والصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان ، والصاحب نجم الدين حمزة بن محمد ~~الأصفوني ، وقاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن ابن قاضي القضاة تاج الدين ~~ابن بنت الأعز ، وقد تقدم ذكر ولايتهم في أثناء أخبار الدولة . ومن الأمراء ~~اثنان الأمير علم الدين سنجري الشجاعي ، كان يتولى شد الدولة المنصورية ~~وتدبيرها . فإذا شغرت الوزارة من متعمم ، جلس مكان الوزير ، وكتب على عادة ~~الوزراء ، وولى وعزل ، واستخدم وصرف . ثم استقل بالوزارة ، بعد وفاة الصاحب ~~نجم الدين حمزة بن الأصفوني . وكان في وزارته وشده ، كثير العسف والمصادرات ~~، محصلا للأموال من وجوهها وغير وجوهها شديدا على المباشرين . قد أوقع ~~الرعب في قلوبهم ، حتى كرهه الخاص والعام ، وتمنوا زوال الدولة بسببه ، ~~واستمر في الوزارة إلى أن عزل كما تقدم . وولى الأمير بدر الدين بيدرا ~~المنصوري إلى آخر الدولة . وولي القضاء في الأيام المنصورية ، بالديار ~~المصرية والشامية ، جماعة ms7212 قد تقدم ذكرهم . وملك السلطان الملك المنصور ، من ~~المماليك الأتراك والمغل وغيرهم ، ما لم يملكه ملك بالديار المصرية في ~~الإسلام قبله . فيقال إن عدتهم بلغت اثني عشر ألفا ، وتأمر منهم في الأيام ~~المنصورية جماعة كثيرة . ومنهم من ناب عن السلطنة الشريفة في الممالك ~~الشامية والديار المصرية . ومنهم من استقل بالسلطنة وخطب له على المنابر ، ~~وضربت السكة باسمه ، على ما نذكر ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى . وبقايا ~~المماليك المنصورية إلى الآن ، هم أعيان الأمراء في وقتنا هذا . ولما مات ~~الملك المنصور ، ملك بعده ولده الملك الأشرف . PageV31P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" ذكر أخبارالملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن ~~السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاون الصالحي وهو الثامن من ملوك دولة ~~الترك بالديار المصرية . ملك الديار المصرية والبلاد الشامية ، وما أضيف ~~إلى ذلك من الممالك الإسلامية والأقطار الحجازية ، بعد وفاة والده السلطان ~~الملك المنصور رحمه الله تعالى . وكان جلوسه على تخت السلطنة بقلعة الجبل ~~المحروسة ، في يوم الأحد المبارك السابع من ذي القعدة ، سنة تسع وثمانين ~~وستمائة ، ولم يختلف عليه إثنان . لأن الأمراء ، أرباب الحل والعقد ، ونواب ~~السلطنة بسائر الممالك ، مصرا وشاما ، مماليك والده ، ومن عداهم من الأمراء ~~الصالحية ، لم يظهر منهم إلا الموافقة والطاعة والانقياد ، والمبادرة إلى ~~الحلف . وقد تقدم أن السلطان الملك المنصور كان قد جعل له ولاية العهد من ~~بعده ، بعد وفاة أخيه الملك الصالح علاء الدين علي ، وركبه بشعار السلطنة ، ~~وتأخرت كتابة تقليده ، وطلب ذلك مرة أخرى ، والسلطان يتوقف في الإذن بكتابة ~~التقليد . ثم تحدث مع السلطان الملك المنصور فرسم بكتابته ، فكتب - وقد ~~شرحنا مضمونه في الجزء الثامن من كتابنا هذا - فلما قدم إلى السلطان ، ~~ليكتب عليه ، توقف وأعاده إلى القاضي فتح الدين ابن عبد الظاهر ، صاحب ~~ديوان الإنشان ، ولم يكتب عليه . فأرسل الملك الأشرف إلى القاضي فتح الدين ~~، يطلب التقليد ، فاعتذر أنه لم يقدمه للعلامة . وقدمه ثانيا إلى السلطان ، ~~فرده . وقال يا فتح الدين : أنا أولى خليلا على المسلمين . ثم أرسل الملك ~~الأشرف يطلبه ، فخشي فتح الدين ms7213 أن يقول إن السلطان امتنع من الكتابة عليه ؛ ~~واعتذر أيضا . وخاطب السلطان في معناه ، وقدمه إليه ، فرماه به . وقال : ~~PageV31P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" قد قلت لك إنني ما أولى خليلا على المسلمين . ~~فأخذ التقليد بغير علامة ، وخرج . واتفق من خلال ذلك ، خروج السلطان ووفاته ~~. فلما تسلطن الملك الأشرف ، طلب فتح الدين بن عبد الظاهر ، وقال له : أين ~~تقليدي . فأقام وأحضره إليه ، وهو بغير علامة السلطان ، واعتذر أن السلطان ~~الملك المنصور ، شغلته الحركة والفكرة في أمر العدو عن الكتابة عليه . فقال ~~له السلطان الملك الأشرف : يا فتح الدين ، إن السلطان امتنع أن يعطيني ، ~~فأعطاني الله . ورمى له التقليد ، فكان عنده بغير علامة . ثم عند ابنه ~~المرحوم علاء الدين ، إلى أن مات رحمه الله تعالى . قال بعض الشعراء يمدحه ~~: فداك يا عادل يا منصف . . . أرجى من الغيث الذي يوصف أغنى عباد الله عن ~~نيلهم . . . فجودك البحر الذي يعرف أطاعك الناس اختيارا وما . . . أذلهم ~~رمح ولا مرهف كم ملكت مصر ملوك وكم . . . جادوا وما جادوا ولا أسرفوا حتى ~~أتى المنصور أنسى الورى . . . بفعله سائر ما أسلفوا ما قدموا مثل تقاه ولا ~~. . . مثل الذي خلفه خلفوا فته على الأملاك فخرا بما . . . نلت فأنت الملك ~~الأشرف قال ، وخلع الملك الأشرف على سائر الأمراء وأرباب المناصب . ثم ركب ~~بشعار السلطنة ، في يوم الجمعة بعد الصلاة ، الثاني عشر من الشهر . وسير ~~بالميدان الأسود ؛ والأمراء والعساكر في خدمته . وطلع إلى قلعة الجبل ، قبل ~~أذان العصر . ويقال إن الأمير حسام الدين طرنطاي ، كان قد قصد اغتيال الملك ~~الأشرف ، في يوم ركوبه ، وأنه عزم على قتله عند ابتداء التسيير ، إذا قرب ~~من باب الإصطبل ، وأن السلطان شعر بذلك . فلما سير السلطان أربعة ميادين ، ~~والأمير حسام الدين ومن وافقه عند باب سارية . فلما انتهى السلطان إلى رأس ~~الميدان ، وقرب من باب الإصطبل ، وفي ظن الناس أنه يعطف PageV31P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" إلى جهة باب سارية ، ليكمل التسيير على ~~العادة ، عطف إلى جهة القلعة ، وأسرع وعبر من باب الإسطبل . ولما عطف ، ساق ~~الأمير حسام ms7214 الدين ومن معه ، ملء الفروج ، ليدركه . فما وصل إلى باب ~~الاسطبل ، إلا والسلطان قد دخل منه ، وحف به مماليكه وخواصه ، فبطل على ~~طرنطاي ما دبره . وبادر السلطان بالقبض عليه . ذكر القبض على الأمير حسام ~~الدين طرنطاي وقتله وعلى الأمير زين الدين كتبغا واعتقاله لما استقل ~~السلطان الملك الأشرف في السلطنة ، وقف الأمير حسام الدين طرنطاي بين يديه ~~في نيابة السلطنة ، على عادته مع السلطان الملك المنصور أبيه . وكان الملك ~~الأشرف يكره الأمير حسام الدين طرنطاي أشد الكراهية لأمور : منها ما كان ~~يعامله به من الاطراح لجانبه ، والغض منه ، واهنة نوابه ، وأذى من ينسب ~~إليه . ومنها ترجيح جانب أخيه ، الملك الصالح على جانبه ، والميل إليه . ~~ولما مات الملك الصالح ، وانتقلت ولاية العهد بعده ، إلى الملك الأشرف مال ~~إليه من كان يميل عنه ، وتقرب إلى خاطره من كان يجفوه . ولم يزد ذلك الأمير ~~حسام الدين إلا تماديا في الإعراض عنه ، وجريا على عادته ، في أذى من ينتسب ~~إليه . وأغرى السلطان الملك المنصور ، بناظر الديوان الأشرفي ، شمس الدين ~~محمد بن السلعوس ، حتى ضربه وصرفه على ما نذكر ذلك ، وعامله بمثل هذه ~~المعاملة ، والملك الأشرف لا يستطيع دفع ذلك ، لتمكن الأمير حسام الدين من ~~السلطان الملك المنصور ، ويكتم ما عنده منه ، ويصبر من ذلك ، على ما لا ~~يصبر مثله على مثله . فلما ملك السلطان الملك الأشرف ، تحقق الأمير حسام ~~الدين أنه يحقد عليه أفعاله ، وأن خاطره لا يصفو له . فشرع في إفساد نظامه ~~سرا ، وإخراج الأمر عنه . وتحقق السلطان ذلك ، ووشى به بعض من باطنه . فلما ~~نزل السلطان من الركوب في يوم الجمعة ، الثاني عشر ذي القعدة ، استدعاه ~~فدخل عليه ، وهو يظن أن أحدا لا يجسر أن يقدم عليه ، لمهابته في القلوب ، ~~ومكانته من الدولة ، وظن أن السلطان لا يبادره بالقبض عليه . ولما استدعاه ~~السلطان ، نهاه الأمير زين الدين كتبغا المنصوري ، عن PageV31P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" الدخول على السلطان وحذره ، وقال له : والله ~~أخاف عليك منه ، فلا تدخل عليه ، إلا في عصبة وجماعة ، تعلم أنهم ms7215 يمانعون ~~عنك أن لو وقع أمر . وقال له : - فيما حكي لي - والله لو كنت نائما ، ما ~~جسر خليل ينبهني . وقام ودخل على السلطان ، فحمل زين الدين كتبغا الإشفاق ~~عليه ، أن دخل معه . فلما صار طرنطاي بين يدي السلطان ، وكان قد قرر مع ~~الأمراء الخاصكية القبض عليه ، فبادروا إلى ذلك ، وقبضوا على يديه ، وأخذوا ~~سيفه . فصرخ كتبغا ، وجعل يقول : إيش عمل ، إيش عمل ، يكرر ذلك . فأمر ~~السلطان بالقبض على كتبغا ، فقبض عليه واعتقل ، ثم أفرج عنه بعد ذلك . وأما ~~طرنطاي ، فإنه لما قبض عليه ، أمر بقتله ، فقتل . وقيل إنه عوقب بين يدي ~~السلطان حتى مات . وقيل كانت وفاته في ثامن عشر ذي القعدة ، وبقي ثمانية ~~أيام ، بعد وفاته ، ثم أخرج من القلعة ، ليلة الجمعة سادس عشرين الشهر ، ~~وقد لف في حصير ، وحمل على جنوية ، إلى زاوية الشيخ أبي السعود . فغسله ~~الشيخ عمر السعودي ، وكفنه ودفنه ، خارج الزاوية . وبقي كذلك ، إلى أن ملك ~~الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري ، فأمر بنقله إلى تربته التي أنشأها ~~بالقاهرة ، بمدرسته التي بجوار داره بخط المسطاح . ولما قبض السلطان عليه ، ~~ندب الأمير علم الدين سنجر الشجاعي لإيقاع الحوطة على موجوده ، واستصفاء ~~أمواله ، لما كان بينهما من العداوة . فنزل الشجاعي إلى دار طرنطاي التي ~~بالقاهرة ، وحمل ما في خزانته وذخائره . وطلب ودائعه ، ونبش مواضع من داره ~~، وشعثها . وحمل من أمواله إلى الخزائن وبيت المال جملة عظيمة ، يقال إن ~~جملة ما حمل من ماله ، ستمائة ألف دينار عينا ، ومن الدراهم سبعة عشر ألف ~~رطل ومائة رطل بالمصري ، ومن العدد والأقمشة والخيول والمماليك ما لا يحصر ~~قيمته كثرة . ويقال إنه كان قد جمع ذلك وادخره ، لطلب السلطنة لنفسه ، فلم ~~ينل ما تمناه . ووقف الأمير علم الدين الشجاعي ، بعد القبض على طرنطاي ، ~~أياما قلائل ، من PageV31P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" غير أن يخلع عليه خلع النواب ، ولا كتب ~~تقليده ، ولم يشتهر ذلك . ثم فوضت النيابة ، للأمير بدر الدين بيدرا . ذكر ~~تفويض نيابة السلطنة الشريفة للأمير بدر الدين بيدرا المنصوري لما قبض على ms7216 ~~الأمير حسام الدين طرنطاي كما تقدم ، قام الأمير علم الدين سنجر الشجاعي ، ~~بوظيفة النيابة أياما قلائل ، كما ذكرناه . ثم فوض السلطان النيابة عن ~~السلطنة ، للأمير بدر الدين بيدرا المنصوري . وخلع عليه ، على عادة نواب ~~السلطنة ، وأجرى عليه ، ما كان جاريا على الأمير حسام الدين طرنطاي ، من ~~الإقطاعات وغيرها . وفي هذه السنة ، رسم السلطان بطلب الأمير شمس الدين ~~سنقر الأعسر ، شاد الدواوين بالشام ، فوصل البريد إلى دمشق يطلبه ، في رابع ~~ذي الحجة منها ، فتوجه إلى الأبواب السلطانية ، في ثامن الشهر . ولما وصل ~~إلى بين يدي السلطان ، ضربه مرة بعد أخرى ، وبقي في الترسيم ، إلى أن حضر ~~الصاحب شمس الدين بن السلعوس فسلمه إليه . وولى شاد الدواوين بدمشق ، ~~الأمير سيف الدين طوغان المنصوري . وأعاد السلطان الصاحب تقي الدين توبة ~~التكريتي إلى وزارة الشام . فوصل إلى دمشق ، في خامس المحرم ، سنة تسعين ~~وستمائة . وأوقع الحوطة على موجود الأمير شمس الدين سنقر الأعسر . حسب ~~المرسوم السلطاني . وفيها ، رسم السلطان الملك الأشرف ، بإحضار الأمير بدر ~~الدين بكتوت العلائي ، من حمص إلى الباب السلطاني ، في ذي الحجة ، فحضر . ~~وفيها ، في ذي الحجة ، رسم السلطان بتجديد تقليد الأمير حسام الدين لاجين ~~المنصوري ، نائب السلطنة بالشام ، فكتب . وزاده السلطان على إقطاعه المستقر ~~، إلى آخر PageV31P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" الأيام المنصورية ، خرستا ، وجهز ذلك على يد ~~مملوكه شمس الدين أقسنقر الحسامي . وأعطى أقسنقر إمرة عشرة طواشية . فوصل ~~إلى دمشق في ثامن عشر ذي الحجة من السنة . وفيها ، في الخامس والعشرين من ~~ذي الحجة ، كان وفاة الأمير الحاج علاء الدين طيبرس الوزيري . وكان دينا ~~كثير الصدقة والمعروف ، قليل الأذى ، وخلف أموالا عريضة ، فأوصى بثلاثمائة ~~ألف درهم من ماله ، تنفق في العساكر وأوقف مدرسة بمصر ، على طائفة الشافعية ~~والمالكية ، وأوقف خانا بظاهر دمشق ، على الصدقات ، ريعه في كل شهر تقدير ~~خمسمائة درهم ، وله آثار حسنة ، رحمه الله تعالى . واستهلت سنة تسعين ~~وستمائة [ 690 ه 1391 م ] في هذه السنة ، في سادس المحرم ، أفرج السلطان عن ~~الملك فخر الدين عثمان ابن الملك المغيث ms7217 فتح الدين عمر ابن الملك العادل ، ~~سيف الدين أبي بكر ، ابن الملك الكامل ابن الملك العادل صاحب الكرك والده . ~~وكان قد اعتقل في الدولة الظاهرية ، في رابع عشر شهر ربيع الأول ، سنة تسع ~~وستين وستمائة ، كما قدمنا ذكر ذلك . وكانت اعتقاله عشرين سنة ، وتسعة أشهر ~~واثنين وعشرين يوما . ولما أفرج السلطان عنه ، رتب له راتبا جيدا . ولزم ~~داره ، واشتغل بالمطالعة والنسخ ، وانقطع عن السعي ، إلا للجمعة أو الحمام ~~، أو ضرورة لابد منها . PageV31P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" ذكر تفويض الوزارة للصاحب شمس الدين ابن ~~السلعوس وشيء من أخباره كان الصاحب شمس الدين محمد بن فخر الدين عثمان بن ~~أبي الرجا ، بن السلعوس قد توجه إلى الحجاز الشريف ، قبيل وفاة السلطان ~~الملك المنصور . فاتفقت وفاة السلطان وسلطنة الملك الأشرف في غيبته . فكتب ~~السلطان إليه كتابا يعلمه أنه قد ملك ، ويستحثه على سرعة الوصول إليه . ~~فوصل إليه كتاب السلطان ، وهو في أثناء الطريق ، وقد عاد من الحجاز الشريف ~~. فاجتمع من كان بالركب ، من الأعيان والكتاب ، وانضموا إليه ، وركبوا في ~~خدمته ، وسايروه وعاملوه من الآداب بما يعامل به الوزراء وعظموه ، فكان ~~كذلك ، إلى أن وصل إلى باب السلطان . وكان وصوله ، في يوم الثلاثاء ، ~~العشرين من المحرم سنة تسعين وستمائة . فاجتمع بالسلطان ، ففوض إليه ~~السلطان الوزارة ، في يوم الخميس ، الثاني والعشرين من الشهر ، وخلع عليه . ~~وكان الأمير علم الدين سنجر الشجاعي يتحدث في الوزارة في هذه المدة ، قبل ~~وصوله ، من غير تقليد ولا تشريف . وكان شمس الدين بن السلعوس هذا ، تاجرا ~~من أهل دمشق ، ولم يكن من التجار المياسير . ولكنه كان يأخذ نفسه بالحشمة ~~والرئاسة . حتى كان التجار فيما بينهم ينعتونه بالصاحب استهزاء به . ثم ~~تعلق بالخدم ، وانتمى إلى تقي الدين توبة التكريتي وزير دمشق ، في الدولة ~~المنصورية ، فاستخدمه في بعض الجهات . وتنقل إلى أن ولي نظر الحسبة بدمشق ، ~~في شهر رمضان ، سنة سبع وثمانين وستمائة كما تقدم . ثم ولي نظر ديوان الملك ~~الأشرف بالشام ، فأظهر الاجتهاد ، واستأجر للملك الأشرف ضياعا بالشام ، ~~وعمل له متجرا ، وحصل ms7218 من ذلك أموالا ، فتقدم عند الملك الأشرف ، ومال إليه ~~. وحضر إلى باب الملك الأشرف ، في صفر ، سنة ثمان وثمانين وستمائة . ~~PageV31P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" واستناب عنه في نظر الحسبة بدمشق والديوان ~~الأشرفي ، القاضي تاج الدين أحمد ابن القاضي عماد الدين محمد بن الشيرازي . ~~ولما حضر إلى باب الملك الأشرف ، نقله إلى نظر ديوانه نيابة ، عوضا عن تاج ~~الدين بن الأعمى . وخلع عليه خلع الوزارة . واستمر في نظر ديوان الملك ~~الأشرف ووكالته ، إلى جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وستمائة . فاتفق أن ~~الملك الأشرف ، خلع عليه خلعة سنية ، تشبه خلع الوزراء . فرآه السلطان ~~الملك المنصور ، وعليه تلك الخلعة ، فأنكر هيئته ، وسأل الأمير حسام الدين ~~طرنطاي عنه . فقال هذا وزير الملك الأشرف ، وذكر مساوئه للسلطان . فغضب ~~السلطان الملك المنصور لذلك ، وأنكره . وأمر بإحضاره ، فأحضر بين يديه ، ~~فأنكر عليه كونه خدم ولده ، بغير أمره ، ولا أمر نائبه ، ولا وزيره . وأمر ~~السلطان بنزع تلك الخلعة ، التي ألبسها ، فنزعت . وسلمه إلى شاد الدواوين ~~يومئذ ، وهو الأمير زين الدين أحمد الصوابي ، وأمر بمصادرته ، والإخراق به ~~، وضربه . وأرسل إليه الأمير حسام الدين طرنطاي ، أن يوقع به الأهنة ~~والإخراق ، ويبادر بضربه . وأرسل إليه الملك الأشرف ، إلى مشد الدواوين ، ~~يستوقفه عند ذلك ، ويتوعده إن ناله منه سوء . فخاف للشد المذكور غائلة ~~الملك الأشرف ، وتوقف عن الإخراق به . ورسم عليه في قاعة ، كان المشد يجلس ~~فيها ، في وقت استراحته . ثم تلطف الملك الأشرف في أمره ، مع الأمير حسام ~~الدين طرنطاي ، وراسله بسببه . وتكررت رسائله إليه ، والى غيره في معناه ، ~~حتى حصلت الشفاعة فيه عند السلطان ، فأطلقه . وأمر السلطان بصرفه ، فصرف ، ~~ولزم داره . وكانت هذه الواقعة من أضرر شيء على الأمير حسام الدين طرنطاي ، ~~ومن أكبر أسباب القبض عليه وقتله . واستمر الصاحب شمس الدين بداره إلى زمن ~~الحج ، فتوجه إلى الحجاز الشريف . واتفقت وفاة السلطان الملك المنصور ، ~~وسلطنة الملك الأشرف ، كما تقدم ، فكتب إليه يعلمه بذلك . ويقال إن السلطان ~~كتب بخطه إليه ، بين سطور الكتاب ، يا شقير ، يا وجه الخير ، عجل بالسير ، ~~فقد ms7219 ملكنا . ويقال إنه لما حملت إلى السلطان الملك الأشرف ، أموال طرنطاي ، ~~ووضعت بين يديه ، جعل يقلبها ويقول : من عاش بعد عدوه . . . يوما فقد بلغ ~~المنى PageV31P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" ثم يقول أين أنت يا ابن السلعوس . فلما وصل ~~ابن السلعوس إلى السلطان ، فوض إليه الوزارة ، ومكنه من الدولة تمكينا ~~عظيما ، ما تمكن وزير قبله مثله في دولة الترك . وجرد في خدمته جماعة من ~~المماليك السلطانية ، يركبون في خدمته ، ويترجلون في ركابه ، ويقفون بين ~~يديه ، ويمتثلون أوامره . فعظم بذلك شأنه ، وتعاظم في نفسه واستخف بالناس . ~~وتعدى أطوار الوزراء ، حتى كان أكابر الأمراء يدخلون إلى مجلسه ، فلا ~~يستكمل لهم القيام . ومنهم من لا يلتفت إليه . وكان في بعض الأوقات يستدعي ~~أمير جاندار وأستاذ الدار ، على كبر مناصبهما . فكان إذا استدعى أحدا منهما ~~، يقول اطلبوا فلانا أمير جاندار ، وفلانا أستاذ للدار ، يسمى كل واحد ~~منهما باسمه ، دون نعته . ثم ترفع عن هذه الرتبة إلى الاستخفاف بنائب ~~السلطنة الأمير بيدرا ، وعدم الالتفات إلى جهته ومشاركته في بعض وظيفته ، ~~والاستبداد عنه ، ومعارضته فيما يقصد فعله ، وتعطيل ما يؤثره . هذا ، ~~والأمير بدر الدين بيدرا يصبر على جفاه ، ولا يمكنه مفاجأته لما يشاهده من ~~ميل السلطان إليه . حتى أخبرني شهاب الدين بن عبادة : قال : رأيت الصاحب ~~شمس الدين في بعض أيام المواكب ، قد قام من مجلس الوزارة ، يقصد الدخول إلى ~~الخزانة ، فصادف ذلك خروج الأمراء من الخدمة ، هم ونائب السلطنة . فكان ~~الأمراء الأكابر يبادرون إلى خدمته ومنهم من يقبل يديه ، وكلهم يخلي له ~~الطريق ، ويومئ بالرجوع بين يديه ، فيشير إليه بالانصراف . فلما وطئ عتبة ~~باب القلة برجله ، توافى هناك ، هو والأمير بدر الدين ، نائب السلطنة . ~~فسلم كل منهما على الآخر ، وأومأ له بالخدمة ، إلا أن النائب خدم الوزير ، ~~أكثر من خدمة الوزير له . قال : لقد رأيته ، وقد رجع مع الصاحب ، ولم ~~PageV31P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" يسامته في مشيه ، بل كان النائب يتقدمه يسيرا ~~، ويميل بوجهه إلى جهة الصاحب ويحدثه . فكانا كذلك إلى أن وصلا إلى المصطبة ~~، التي يجلس عليها ms7220 أستاذ الدار وناظر البيوت ، وهي من داخل الباب الثاني ، ~~من باب القلة لجهة الخزانة ، على باب الفراش خاناه قديما . وهذا الموضع ~~الآن ، هو أحد أبواب الجامع الذي عمر في أيام السلطان الملك الناصر . ~~وسنذكر إن شاء الله تعالى ، خبر هذا الجامع في الأيام الناصرية . قال : فما ~~انتهينا إلى ذلك المكان ، مسك الصاحب بدر الدين بيدرا ، نائب السلطنة ، ~~وأشار إليه بالرجوع . قال : وسمعت الصاحب يقول له : بسم الله يا أمير بدر ~~الدين ؛ لم يزده على ذلك ، وهذا أمر لم يسمع بمثله . والذي شاهدته أنا ، ~~غير مرة ولا مرتين ، أن الصاحب كان إذا أراد الركوب إلى القلعة ، اجتمع ~~ببابه نظار النظار وشاد الدواوين ووالي القاهرة ووالي مصر ، ومستوفي الدولة ~~، ونظار الجهات ، ومشدي المعاملات ؛ وغير هؤلاء من الأعيان . ثم يحضر قضاة ~~القضاء الأربعة ومن يتبعهم . فإذا اجتمع هؤلاء كلهم ببابه ، عرفه حجابه أن ~~الموكب قد كمل . وكان كمال الموكب عندهم ، حضور قضاة القضاة الأربعة ، ~~فيخرج عند ذلك ، ويركب ويسوق الناس بين يديه على طبقاتهم . فيكون أقرب ~~الناس إليه ، قاضي القضاة الشافعية ، وقاضي القضاة المالكية ، يكونان أمامه ~~، وأمامهما قاضيا القضاة الحنفية والحنبلية ؛ ثم نظار النظار والأعيان ، ~~ومستوفي الدولة ، ونظار الجهات على قدر مراتبهم . ويستمر القضاة معه ، إلى ~~أن يستقر في المجلس . فينصرفون ثم يعودون عشية النهار إلى القلعة ، ويركبون ~~في موكبه بين يديه إلى أن يصل إلى داره ؛ حتى أنه تأخر ليلة بالقلعة إلى ~~قرب العشاء الآخرة ، وغلق باب القلعة . وانقلب موكب الصاحب ، إلى جهة باب ~~السلطان ، وجاء القضاة ووقفوا على بغالهم ، بظاهر باب الاسطبل السلطاني ، ~~ولم ينصرفوا حتى خرج وركب ، وساقوا في خدمته ، إلى داره على عادتهم ، لم ~~يخلوا بها . وكان لا ينتصب قائما لبعض أكابرهم ، ولم ينتظم هذا لوزير قبله ~~. ولما عظم موكبه ، وبقي الأكابر ، يزدحمون في شوارع القاهرة ، ويضيق بهم ~~لكثرة من معه ، ويزدحم الغلمان ، انتقل إلى القرافة ، وسكنها بسبب ذلك . ثم ~~كان من أمره ما نذكره ، إن شاء الله تعالى في موضعه . ذكر القبض والإفراج ~~على من نذكر من الأمراء ms7221 ، وعنه وفي يوم الجمعة ، سابع صفر ، أمر السلطان ~~بالقبض على الأمير شمس الدين سنقر PageV31P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" الأشقر ، والأمير سيف الدين جرمك الناصري ، ~~وعدد لهما ذنوبا كثيرة . وكان مما عده على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، ~~أن قال هذا ما أحسن إليه أحد ، إحسان طرنطاي ، فإنه مازال يدافع عنه ~~السلطان المنصور ويمنعه من القبض عليه ، إذا أراده . ويقول له ، والله لا ~~يقبض عليه ، حتى يقبض على قبله . ووفى له طرنطاي بما عاهده عليه ، بصهيون ، ~~لما استنزله منها . ولم يرع له حق هذا الإحسان العظيم والذب عنه . وكان هو ~~أكبر أسباب القبض عليه ، فإنه أفشى سره . وأفرج السلطان في هذا اليوم ، عن ~~الأمير زين الدين كتبغا المنصوري ، وأعاد عليه إمرته ، وأنعم عليه إنعاما ~~كثيرا . وكان قد قبض عليه ، كما تقدم لما هم بالمدافعة عن طرنطاي . ذكر ~~فتوح عكا وصور وصيدا وحيفا قد ذكرنا أن السلطان الملك المنصور ، والد ~~السلطان ، كان قد أهمه أمر عكا وتجهز لغزوها . وخرج لذلك ، وعاجلته المنية ~~، دون الأمنية . فلما استقر أمر السلطان الملك الأشرف ، وخلا وجهه ، ممن ~~كان يقصد مناوأته ، صرف اهتمامه إلى عكا وغزوها . وندب العساكر من الديار ~~المصرية ، وسائر الممالك والحصون . وأمر نواب السلطنة بالممالك الشامية ~~والساحلية ، ونواب القلاع والحصون ، بتجهيز الزردخانات وأعواد المجانيق ~~والحجارين وغيرهم . وندب الأمير عز الدين أيبك الأفرم ، أمير جاندار لذلك . ~~فتوجه من الباب السلطاني ، ووصل إلى دمشق ، في سلخ صفر . فجهزت أعواد ~~المجانيق من دمشق ، وبرزت إلى ظاهرها في مستهل شهر ربيع الأول ، وتكامل ذلك ~~، في يوم الخميس ثاني عشر الشهر . وتوجه بها الأمير علم الدين سنجر ~~الداواداري ، أحد الأمراء بالشام ، ثم فرقت على الأمراء مقدمي الألوف ، ~~فتوجه كل أمير ومضافوه منها ، بما أمر بنقله . ثم توجه الأمير حسام الدين ~~لاجين ، نائب السلطنة بالشام ، PageV31P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" في آخر الجيش ، ببقية العسكر ، في يوم الجمعة ~~، العشرين من شهر ربيع الأول . وندب السلطان أيضا ، الأمير سيف الدين طغريل ~~الإيقاني إلى الحصون والممالك يستنجدهم على سرعة تجهيز المجانيق والآلات ، ~~فبادر النواب إلى ms7222 ذلك . ووصل الملك المظفر صاحب حماه إلى دمشق ، في ثالث ~~عشرين شهر ربيع الأول ، بعسكر حماه ، وصحبته مجانيق وزردخانات . ووصل ~~الأمير سيف الدين بلبان الطباخي ، نائب السلطنة بالفتوحات ، بعساكر الحصون ~~وطرابلس وما معها ، بالمجانيق ، والزردخانات ، في رابع عشرين الشهر ، ووصل ~~سائر النواب ، وتوجهوا إلى عكا . هذا ما كان من أمر نواب الممالك الشامية ~~وعساكرها . وأما السلطان الملك الأشرف ، فإنه لما عزم على التوجه إلى عكا ، ~~أمر بجمع القراء والعلماء والقضاة والأعيان ، بتربة والده السلطان الملك ~~المنصور . فاجتمعوا في ليلة الجمعة ، الثامن والعشرين من صفر ، وباتوا ~~بالقبة المنصورية ، يقرأون القرآن . وحضر السلطان إلى التربة في بكرة ~~النهار ، وتصدق بجملة من المال والكساوي ، ثم عاد إلى قلعة الجبل . واستقل ~~ركابه منها ، في ثالث شهر ربيع الأول . وجهز السلطان آدره العالية إلى دمشق ~~، فوصلوا إلى قلعتها ، في يوم الاثنين ، سابع شهر ربيع الآخر . ووصل ~~السلطان إلى المنزلة بعكا ، في يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر . ووصلت ~~المجانيق إلى عكا في اليوم الثاني ، من وصوله ، وهي اثنان وتسعون منجنيقا ، ~~ما بين افرنجي وقرابغا وشيطاني ، فنصبت وتكامل نصبها في أربعة أيام ، ~~وأقيمت الستائر . وكان الفرنج ، لما بلغهم اهتمام السلطان وعزمه ، كاتبوا ~~ملوك البحر ، وسألوهم PageV31P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" إنجادهم ، فأتوهم من كل مكان . واجتمع بعكا ~~منهم جموع كثيرة ، فقويت نفوسهم ، ولم يغلقوا أبواب البلد . واسمتر الحصار ~~وعملت النقوب ، إلى السادس عشر من جمادى الأولى . فلما كان في يوم الجمعة ~~السابع عشر من الشهر ، أمر السلطان أن تضرب الكوسات جملة واحدة ، وكانت على ~~ثلثمائة جمل . فلما ضربت ، هال أهل عكا ما سمعوه منها . وزحف السلطان ~~بالعساكر ، قبل طلوع الشمس من هذا اليوم . فما ارتفعت الشمس ، إلا والصناجق ~~السلطانية على أسوارها . ولما أشرف المسلمون على فتح عكا ، وتحقق من بها ~~ذلك ، خرجت طائفة منهم ، نحو عشرة آلاف رجل مستأمنيم ، فرقهم السلطان على ~~الأمراء ، فقتلوا عن آخرهم . وأرسل السلطان جماعة من الأسرى ، إلى الحصون ~~الإسلامية . وكانت مدة الحصار على عكا ، منذ حل ركاب السلطان ، إلى أن فتحت ~~، أربعة وأربعين ms7223 يوما . واستشهد من الأمراء على حصارها ، الأمير علاء الدين ~~كشتغدي الشمسي ، ونقل إلى جلجولية ودفن بها ، والأمير عز الدين أيبك المعزي ~~، نقيب العساكر ، والأمير جمال الدين أقش العتمي ، والأمير بدر الدين بيليك ~~المسعودي ، والأمير شرف الدين قيران السكري ، وأربعة من مقدمي الحلقة ، ~~وجماعة يسيرة من العسكر . وكانت عكا بيد الفرنج ، منذ استرجعوها من السلطان ~~، الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوف ، في سنة سبع وثمانين وخمسمائة ، ~~والى هذا التاريخ مائة سنة وثلاث سنين ، وأمر السلطان الآن بإخرابها ، ~~فخربت . وفتح الله تعالى على يد السلطان ، في بقية الشهر ، من المدن ~~المشهورة الساحلية ، صور ، وصيدا ، وحيفا ، وعثليث ، بغير قتال . وذلك أن ~~الله تعالى ، أوقع في قلوب PageV31P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" أهلها الرعب ، لما فتحت عكا ، وعلموا أنهم لا ~~يقدرون على حفظها ، ففارقوها ونجوا بأنفسهم . فملكها السلطان ، فأمر بهدمها ~~جميعها فهدمت . ثم فتحت صيدا وبيروت ، على يد الأمير علم الدين الشجاعي ، ~~على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وأكثر الشعراء ذكر هذا الفتح . فكان ممن ~~امتدح السلطان ، وذكر هذا الفتح من الشعراء ، الشيخ الفاضل بدر الدين محمد ~~بن أحمد بن عمر المنبجي التاجر المقيم بالقاهرة ، فقال : بلغت في الملك ~~أقصى غاية الأمل . . . وفت شأو ملوك الأعصر الأول وحزت رق العلى بادج ~~مجتهدا . . . وجزت غاباتها سبقا على مهل ونلت بالحول دون الناس منفردا . . ~~. ما لم ينله ملوك الأرض بالحيل فطل بدولتك الميمون طائرها . . . فإنها غرة ~~في أوجه الدول واسعد بهمتك العليا التي وصلت . . . لك السعود بحبل غير ~~منفصل فأنت للدين والدنيا صلاحهما . . . وفيهما حمل ضيم غير محتمل فكم بلغت ~~مرادا بت تأمله . . . بعزمك الباتر العاري من الفلل وكم فتحت حصونا طالما ~~رجعت . . . لليأس عنها الملوك الصيد في خجل حررت من عكة الغراء ما عجزت . . ~~. عنه الملوك بعزم غير منتشل عقيلة المدن أمست من حصانتها . . . وصونها من ~~ليالي الدهر في عقل وقد دعتها ملوك الأرض راغبة . . . وعطفها عنهم بالتيه ~~في شغل صدت عن الصيد لا تلوي فلم تطل . . . الأوهام منها إلى وصل ولم تصل ~~أم لهم ms7224 برة ك ؛ م رام خطبتها . . . بعل سواك ، فلم تذعن ولم تنل حتى أمرت ~~فأمست وهي طائعة . . . بعد الإباء لأمر منك متثل مازال غيرك فيها طامعا ~~وعلى . . . يديك ، قد كان هذا الفتح في الأزل فتحا تطاول عن نثر يحوط به . ~~. . وصفا ، وعن نظم شعر محصد الطول PageV31P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" قصدتها فأصيبت بعدما فجعت . . . في أهلها من ~~أسود الغيل بالغيل في جحفل لجب كالليل أنجمه . . . تبدو لرائيه من قضب ومن ~~أسل تمم المهامه من وعر ومن أكم . . . وطبق الأرض من سهل ومن جبل تخالهم ~~وجياد الخيل تحتهم . . . لليأس في الروع آسادا على قلل لا تنظر العين منهم ~~إن هم لبسوا . . . لامات حربهم يوما ، سول المقل صدمتها بجيوش لو صدمت بها ~~. . . صم الجبال ، أزالتها ولم تزل فأصبحت بعد عز الملك خاضعة . . . من ذلة ~~الملك طول الدهر في سمل أمست خرابا وأضحى أهلها رمما . . . وسطرتها يد ~~الأيام في المثل فسلب بزتها عنها وقد عطلت . . . ألذ للطرف من حلي ومن حلل ~~ومحو أثارها منها وقد خربت . . . أشهى إلى النفس من روض الربى الخضل ~~بالأشرف السيد السلطان زال عنا . . . التثليث وابتهج التوحيد بالجدل تدبير ~~ذي حكم في عز منتقم . . . وعمر مقتبل في رأي مكتهل راحت وقد سلبت أرواحهم ~~بشبا . . . الهندي أموالهم من جملة النقل هدمت ما شيدوا ، فرقت ما جمعوا . ~~. . نقضت ما أبرموه غير محتفل وعندما أصبحت قفرا بلادهم . . . من السواحل ~~بعد الأهل في العطل رحلت عنها ، ولكن كم أقمت بها . . . من خوف بأسك جيشا ~~غير مرتحل لازلت ذا رتب في المجد سامية . . . وسؤدد بنواصي الشهب متصل وقال ~~المولى شهاب الدين أبو الثنا محمود الحلبي كاتب الإنشاء ، لما عاين النيران ~~في جوانب عكا ، وقد تساقطت أركانها وتهدمت جدرانها : مررت بعكا بعد تخريب ~~سورها . . . وزند أوار النار في وسطها وار وعاينتها بعد التنصر قد غدت . . ~~. مجوسية الأبراج تسجد للنار وقال أيضا : الحمد لله زالت دولة الصلب . . . ~~وعز بالترك دين المصطفى العربي هذا الذي كانت الآمال لو طلبت . . . رؤياه ~~في النوم لاستحيت من الطلب ما بعد عكا وقد ms7225 هدت قواعدها . . . في البحر ~~للشرك عند البر من أرب PageV31P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" عقيلة ذهبت أيدي الخطوب بها . . . دهر أو شدت ~~عليها كف مغتصب لم يبق من بعدها للكفر إذ خربت . . . في البر والبحر ما ~~ينجى سوى الهرب كانت تخيلها آمالنا فترى . . . إن التفكر فيها أعجب العجب ~~أم الحروب فكم قد أنشأت فتنا . . . شاب الوليد بها ولا ولم تشب سوران بر ~~وبحر حول ساحتها . . . دارا ، وأدناهما أنأى من القطب خرقاء أمنع سوريها ~~وأحصنه . . . غلب الكماة ، وأقواه على النوب مصفح بصفاح ، حولها شرف . . . ~~من الرماح وأبراج من اليلب مثل الغمامة تهدي من صواعقها . . . بالنبل أضعاف ~~ما تهدي من السحب كأنما كل برج حوله فلك . . . من المجانيق برمي الأرض ~~بالشهب ففاجأتها جنود الله يقدمها . . . غضبان لله لا للملك والنشب ليت أبي ~~أن يرد الوجه عن أمم . . . يدعون رب الورى سبحانه بأب كم رامها ورماها قبله ~~ملك . . . جم الجيوش فلم يظفر ولم يصب لم يلهه ملكه ، بل في أوائله . . . ~~نال الذي لم ينله الناس في الحقب لم ترض همته إلا التي قعدت . . . للعجز ~~عنها ملوك العجم والعرب فأصبحت وهي في بحرين ماثلة . . . ما بين مضطرم نارا ~~ومضطرب جيش من الترك ترك الحرب عندهم . . . عار ، وراحتهم ضرب من الوصب ~~PageV31P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" خاضوا إليها الردى والبحر فاشبته ال . . . ~~أمران واختلفا في الحال والسيب تسنموها فلم يترك ثباتهم . . . في ذلك الأفق ~~برجا غير منقلب تسلموها فلم تخل الرقاب بها . . . من فتك منتقم أو كف منتهب ~~أتوا حماها فلم تدفع وقد وثبوا . . . عنها مجانيقهم شيئا ولم يثب يا يوم ~~عكا لقد أنسيت ما سبقت . . . من الفتوح وما قد خط في الكتب لم يبلغ النطق ~~حد الشكر فيك فما . . . عسى يقوم به ذو الشعر والخطب كانت تمني بك الأيام ~~عن أمم . . . والحمد لله شاهدناك عن كثب أغضبت عباد عيسى إذ أبدتهم . . . ~~لله أي رضى في ذلك الغضب وأطلع الله جيش النصر فابتدرت . . . طلائع الفتح ~~بين السمر والقضب وأشرف المصطفى الهادي الهشير على . . . ما أسلف الأشرف ~~السلطان من قرب ms7226 فقر عينا بهذا الفتح وابتهجت . . . ببشره الكعبة الغراء في ~~الحجب وسار في الأرض مسرى الريح سمعته . . . فالبر في طرب والبحر في حرب ~~وخاضت البيض في بحر الدماء فما . . . أبدت من البيض إلا ساق مختضب وغاص زرق ~~القنا في زرق أعينهم . . . كأنها شطن يهوى إلى قلب توقدت وهي تروى في ~~نحورهم . . . فزادها الري في الإشراق واللهب أجرت إلى البحر بحرا من دمائهم ~~. . . فراح كالراح إذ غرقاه كالحبب وذاب من حرها عنهم حديدهم . . . فقيدتهم ~~به ذعرا يد الرهب تحكمت فسطت فيهم قواضيها . . . قتلا وعفت لحاويها عن ~~السلب PageV31P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" كم أبرزت بطلا كالطود قد بطلت . . . حواسه ~~فغدا كالمنزل الخرب كأنه وسنان الرمح يطلبه . . . برج هوى ووراه كوكب الذنب ~~بشراك يا ملك الدنيا لقد شرفت . . . بك الممالك واستعلت على الوثب ما بعد ~~عكا ، وقد لانت عربكتها . . . لديك شيء تلاقيه على تعب فانهض إلى الأرض ~~فالدنيا بأجمعها . . . مدت إليك نواصيها بلا نصب كم قد دعت ، وهي في أسر ~~العدا زمنا . . . صيد الملوك فلم تسمع ولم تجب لبيتها يا صلاح الدين معتقدا ~~. . . بأن ظن صلاح الدين لم يخب أسلت فيها كما سالت دماؤهم . . . من قبل ~~إحرازها بحرا من الذهب أدركت ثأر صلاح الدين إذ غضبت . . . منه لسر طواه ~~الله في الكتب وجئتها بجيوش كالسيول على . . . أمثالها بين أجام من القضب ~~وحطتها بالمجانيق التي وقفت . . . أمام أسوارها في جحفل لجب مرفوعة نصبوا ~~أضعافها قبلت . . . للجزم والكسر منها كل منتصب ورضتها بنقوب ذلك شمما . . ~~. منها وأبدت محياها بلا نقب وبعد صحبتها بالزحف فاضطربت . . . رعبا وأهوت ~~بخديها إلى الترب وغنت البيض في الأعناق فارتقصت . . . أجسادها لعبا منها ~~مع اللعب وخلقت بالدم الأسوار فابتهجت . . . طيبا ولولا دماء القوم لم تصب ~~وأبرزت كل خود كاعب نثرت . . . لها الرؤوس وقد زفت بلا طرب PageV31P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" ظنوا بروج البيوت الشم تعقلهم . . . ~~فاستعقلتهم ولم تطلق ولم تهب فأحرزتهم ولكن للسيوف لكي . . . لا يلتجي أحد ~~منهم إلى هرب وجالت النار في أرجائها وعلت . . . فأطفأت ما بصدر الدين من ~~كرب أضحت أبا لهب ms7227 تلك البروج وقد . . . كانت بتعليقها حمالة الحطب وأفلت ~~البحر منهم من يخبر من . . . يلقاه من قومه بالويل والحرب وتمت النعمة ~~العظمى وقد ملكت . . . بفتح صور بلا حصر ولا نصب أختان في أن كلا منهما ~~جمعت . . . صليبة الكفر لا أختان في النسب لما رأت أختها بالأمس قد خربت . ~~. . كان الخراب لها أعدى من الجرب إن لم يكن ثم كون البحر منصبغا . . . بها ~~إليها والألسن اللهب فالله أعطاك ملك البر وابتدأت . . . لك السعادة ملك ~~البحر فارتقب من كان مبدأه عكا وصور معا . . . فالصين أدنى من كفيه من حلب ~~علا بك الملك حتى إن قبته . . . على الثريا غدت ممدودة الطنب فلا برحت عزيز ~~النصر مبتهجا . . . بكل فتح قريب المنح مقترب وعمل الشعراء في هذا الفتح ~~قصائد كثيرة ، اقتصرنا منها ، على ما أوردناه ، فلنذكر خلاف ذلك . ذكر ~~القبض على الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام وفي هذه السنة ، ~~والسلطان على حصار عكا ، قبض على الأمير حسام الدين لاجين المنصوري ، نائب ~~السلطنة بالشام . وسبب ذلك ، أن الأمير علم الدين سنجر الحموي المعروف بأبي ~~خرص ، سعى إلى السلطان به ، ثم أوهم الأمير حسام الدين PageV31P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" المذكور من السلطان ، وقال إنه قد عزم على ~~القبض عليك ، فحمله الخوف على أنه ركب من الوطاق بعكا ليلا ، وقصد الهرب . ~~فركب الأمير علم الدين سنجر الدواداري ، وساق خلفه . فأدركه ، وقال له ، ~~بالله لا تكن سبب هلاك هذا الجيش ، فإن هذا البلد قد أشرف الناس على فتحه . ~~ومتى علم الفرنج بهروبك ، قويت نفوسهم ، وركب العسكر خلفك ، وانصرفت عزائم ~~السلطان عن حصار عكا إليك . فوافقه ، ورجع إلى خيمته ، وظن أن ذلك يستتر ، ~~ولا يشعر السلطان به . وكان ذلك في ثامن جمادى الأولى . فلما كان في اليوم ~~الثاني من هذه الحادثة ، خلع السلطان عليه ، وطيب قلبه ، ثم قبض عليه في ~~الثالث ، وجهزه إلى قلعة صفد ، تحت الاحتياط ، ثم جهز منها إلى قلعة الجبل ~~. ذكر رحيل السلطان عن عكا ودخوله إلى دمشق وما قرره من أمر النيابة بها ، ~~وبالكرك وغير ذلك ms7228 ولما قضى السلطان الوطر من فتح عكا وما يليها ، عاد إلى ~~دمشق . فكان وصوله إليها ، في الساعة الثالثة من يوم الإثنين ، ثاني عشر ~~جمادى الآخرة ، ودخل دخولا ما دخله ملك قبله . وزينت البلد أحسن زينة ، ~~ونزل بالقلعة . وفي يوم دخوله إلى دمشق ، فوض نيابة السلطنة بالشام إلى ~~الأمير علم الدين سنجر الشجاعي المنصوري . ورتب الأمير جمال الدين أقش ~~الأشرفي في نيابة الكرك ، عوضا عن الأمير ركن الدين بيبرس الدواداري ~~المنصوري ، بحكم استعفائه من النيابة بها . وأقره السلطان في جملة الأمراء ~~بالديار المصرية . وفي هذا اليوم ، قبض السلطان على الأمير علم الدين سنجر ~~أرجواش المنصوري النائب بقلعة دمشق . وسبب ذلك ، أنه وقف بين يدي السلطان ، ~~وكان الأمير شرف الدين بن الخطير الرومي ، يكثر من البسط بين يدي السلطان ~~على الأمراء وغيرهم . PageV31P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" ويقصد بذلك أن يشرح خاطر السلطان ويضحكه . ~~وكان السلطان في بعض الأوقات ، ينظر إليه نظرا يفهم منه مراد السلطان في ~~البسط على من يشير إليه . فنظر إليه السلطان وأومأ إليه أن يبسط على أرجواش ~~. فنظر ابن الخطير إلى علم الدين أرجواش ، وكان لا يعرف البسط ولا يعانيه ، ~~ولا يزال في تصميم . فقال ابن الخطير للسلطان : كان لوالد المملوك بالروم ، ~~حمار أشهب أعور ، أشبه شيء بهذا الأمير علم الدين ، فضحك السلطان ، وغضب ~~أرجواش ، وقال هذه صبيانية ، فاشتد غضب السلطان لذلك ، وأمر بالقبض عليه . ~~وضرب بين يدي السلطان ضربا كثيرا مؤلما . ثم أمر أن يقيد ويلبس عباءة ، ~~ويستعمل مع الأسرى ، ففعل به ذلك . ثم رسم بحمله على خيل البريد ، إلى ~~الديار المصرية مقيدا . فتوجه البريدية به ، وحصلت الشفاعة فيه ، فرد من ~~أثناء الطريق . ثم أفرج السلطان عنه ، بعد أن أوقع الحوطة على موجوده ، ~~وكان يحتوي على جملة كثيرة من الأموال والعدد . وأعاده السلطان إلى نيابة ~~القلعة ، في شهر رمضان ، فاستمر بها إلى أن مات . وفي يوم الأحد ، ثامن عشر ~~جمادى الآخرة ، رتب السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر ، في شد الشام ~~على عادته ، وكان قد أفرج عنه قبل ذلك ms7229 . ونقل الأمير سيف الدين طوغان ، من ~~الشد إلى ولاية البر ، على عادته الأولى . وفيها ، في يوم الأربعاء ، ثاني ~~عشر شهر رجب ، ولي القاضي محيي الدين ابن النحاس نظر الشام ، عوضا عن تقي ~~الدين توبة ، وبطل اسم الوزارة بدمشق ، وولي شرف الدين أحمد بن عز الدين ~~عيسى بن الشيرجي ، نظر الحسبة ، عوضا عن تاج الدين بن الشيرازي ، في ثاني ~~عشر الشهر . ذكر فتوح برج صيدا كان قد بقي بصيدا برج عاص ، فندب السلطان ~~لحصاره ، الأمير علم الدين سنجر الشجاعي ، فتوجه لذلك ، في يوم الثلاثاء ~~رابع شهر رجب . ووصل إلى صيدا وحاصر البرج ، وافتتحه في يوم السبت ، خامس ~~عشر الشهر . وعاد الأمير علم الدين إلى دمشق ، بعد PageV31P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" فتحه ، على خيل البريد ، فوصل إليها عند رحيل ~~السلطان إلى الديار المصرية ، وذلك في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رجب . ~~وكان وصوله إلى قلعة الجبل ، في يوم الإثنين تاسع شعبان ، ودخل من باب ~~النصر وخرج من باب زويلة . ذكر فتح بيروت لما توجه السلطان إلى الديار ~~المصرية ، أمر الأمير علم الدين سنجر الشجاعي ، أن يتوجه إليها ، فتوجه ~~وافتتحها في يوم الأحد ثالث عشرين شهر رجب . وذلك أن الأمير علم الدين سنجر ~~وصل إليها ؛ وكانت داخلة في الطاعة ، فتلقاه أهلها وأنزلوه بقلعتها . ~~فأمرها أن ينقلوا أولادهم وحريمهم وأثقالهم إلى قلعتها ، ففعلوا ذلك ، ~~وظنوه شفقة عليهم . فلما صاروا بالقلعة ، قبض على الرجال ، وقيدهم وألقاهم ~~في الخندق ، وملك البلد . وعاد الأمير علم الدين إلى دمشق ، فوصل إليها ، ~~في يوم الجمعة سابع عشرين شهر رمضان من السنة . ولم يبق بالساحل أجمع ، من ~~الفرنج أحد ، وخلا الساحل بجملته منهم . ولم يتأخر بالبلاد الشامية غير ~~فلاحيها النصارى ، وهم داخلون في الذمة ، يؤدون الجزية . ولما فتح السلطان ~~هذا الفتح ، أوقف منه ضياعا على تربة والده السلطان الملك المنصور ، وهي : ~~الكابرة من عكا ، وتل المفتوح منها ، وكردانه وضواحيها منها . ومن ساحل صور ~~معركه ، وصريفين . وأوقف على تربته ضياعا ، وهي قرية الفرج من عكا ، وقرية ~~شفر عمر منها ، وقرية الحمراء منها ms7230 ، وقرية طبرنية من ساحل صور . ذكر إنقاذ ~~ولدي السلطان الملك الظاهر ووالدتهما إلى بلاد الأشكري وفي هذه السنة ، أمر ~~السلطان بإخراج ولدي السلطان الملك الظاهر ركن الدين PageV31P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" بيبرس ، وهما الملك المسعود نجم الدين خضر ، ~~والملك العادل بدر الدين سلامش ، من الاعتقال ، وجهزهما ووالدتهما إلى ثغر ~~الاسكندرية ، صحبة الأمير عز الدين أيبك الموصلي ، أستاذ الدار العالية . ~~فتوجه بهم ، وسفرهم منها إلى البحر المالح ، إلى القسطنطينية . فلما وصلاها ~~، أحسن الأشكري إليهما ، وأجرى عليهما ما يقوم بهما وبمن معهما . فاتفقت ~~وفاة الملك العادل بدر الدين سلامش هنا ، فصيبرته والده بالصبرة ، وجعلته ~~في تابوت ، ولم تدفنه إلى أن عادت به إلى الديار المصرية ، على ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى . ذكر الإفراج عن الأمير بدر الدين بيسري الشمسي وغيره من ~~الأمراء وفي هذه السنة ، في يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان ، أمر السلطان ~~بالإفراج عن الأمير بدر الدين بيسري الشمسي الصالحي النجمي . وكان السلطان ~~الملك المنصور ، قد اعتقله في أوائل دولته ، كما تقدم ذكر ذلك ، فأفرج ~~السلطان عنه الآن . وكتب له إفراج شريف سلطاني ، ونسخته بعد البسملة : ~~الحمد لله على نعمه الكاملة ، ومراحمه الشاملة ، وعواطفه التي أضحت بها ~~بدور الإسلام بازغة غير آفلة ، ومواهبه التي تجول وتجود وتحيي رميم الآمال ~~في يومها بعد رمسها بأمسها ، في أضيق اللحود ، ويقر لها بالفضل كل جحوده . ~~أحمده حمدا يعيد سالف النعم ، ويفيد آنف الكرم الذي خص وعم . ونشهد أن لا ~~إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، شهادة نؤدي حقوقها ونجتنب عقوقها . ونشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله ، المبعوث بمكارم الأخلاق ، والموصوف بالعلم والحلم ~~على الإطلاق ، صلاة لاتزال عقودها حسنة الأنساق ، ونسلم تسليما كثيرا . ~~وبعد ، فإن أحق من عومل بالجميل ، وبلغ من مكارم هذه الدولة القاهرة ، ~~الرجا والتأميل ، من إذا ذكرت أبطال الإسلام ، كان أول مذكور . وإذا وصفت ~~الشجعان ، كان إمام صف كل شجاع مشهور . وإذا تزينت سماء الملك بالنجم ، كان ~~بدرها المنير . وإذا اجتمع ذوو الآراء على امتثال أمر ، كان خير مشير ، ~~وإذا عدت أوصاف ms7231 أولي الأمر كان PageV31P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" أكبر أمير . كما تجملت المواكب بحلوله بأعلى ~~قدر ، وتزينت المراتب منه بأبهى بدر . وهو المقر الأشرف العالي المولوي ~~الأميري الكبيري - وذكر ألقابه ، فقال - البدري بيسري الشمسي الصالحي ~~النجمي الملكي الأشرفي . فهو الموصوف بهذه الأوصاف والمدح ، والمعروف بهذه ~~المكارم والمنح . فلذلك ، اقتضى حسن الرأي الشريف العالي المولوي السلطاني ~~الملكي الأشرفي الصلاحي ، لازالت الكرب في أيامه تكشف ، والبدور تكتسي في ~~دولته الغراء ، إشراقا ولا تخسف ، أن يفرج عنه في هذه الساعة ، من غير ~~تأخير ، ويمثل بين يدي المقام الأعظم السلطاني بلا استئذان نائب ولا وزير ، ~~إن شاء الله تعالى . وجعل هذا الإفراج في كيس أطلس أصفر ، وختم عليه بخاتم ~~السلطان ، وتوجه به إلى باب الجب ، الأمير بدر الدين بيدرا ، والأمير زين ~~الدين كتبغا ، وجماعة من أكابر الأمراء . وأخرج الأمير بدر الدين من الجب ، ~~وقرئ عليه هذا الإفراج ، ورسم بكسر قيده ، وأحضر له التشريف السلطاني . ~~فقال بيسري : لا يفك القيد من رجلي ، ولا ألهس التشريف ، إلا بعد أن أتمثل ~~بين يدي السلطان ، وصمم على ذلك . فأعلم السلطان بذلك ، فرسم بفك قيده ، ~~وأن يحضر إلى بين يدي السلطان بملبوسه ، الذي كان عليه في الجب . فحضر إلى ~~بين يدي السلطان ، فانتصب له قائما . وتلقاه وأكره ، وألبسه التشريف ، ~~وأجلسه إلى جانبه ، وأنعم عليه بالأموال والأقمشة ، وأمره لوقته ، بمائة ~~فارس ، وأقطعه إقطاعا وافرا ، من جملته منية بني حصيب ، دريستا ، بالجوالي ~~PageV31P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" والمواريث الحشرية ، وقربه السلطان لديه ، ~~وأدناه إليه . وكان يخلو به ويؤانسه ويبره ، ويضاعف له الإنعام ، حتى أن ~~الأمير بدر الدين بيسري ، انتسب إلى الأشرفية ، وكان فيما مضى من عمره في ~~الأيام الظاهرية وغيرها ، يكتب بيسري الشمسي ، فصار يكتب بيسري الأشرفي . ~~وفيها ، في يوم الجمعة رابع شهر رمضان ، أفرج السلطان عن الأمير شمس الدين ~~سنقر الأشقر ، والأمير حسام الدين لاجين المنصوري ، والأمير ركن الدين ~~بيبرس صقصوا ، والأمير شمس الدين سنقر الطويل ، من الاعتقال ، وأمرهم على ~~عادتهم . وفيها ، أمر السلطان بالقبض على الأمير علم الدين سنجر الداواداري ~~، فقبض عليه من ms7232 دمشق ، وجهز إلى الأبواب السلطانية مقيدا . وكان وصوله إلى ~~قلعة الجبل في يوم الخميس ، سابع عشر شهر رمضان . ذكر عزل قاضي القضاة تقي ~~الدين ابن بنت الأعز عن القضاء ومصادرته وفي هذه السنة ، عزل السلطان قاضي ~~القضاة ، تقي الدين عبد الرحمن ابن قاضي القضاة ، تاج الدين عبد الوهاب ابن ~~بنت الأعز . من منصب القضاء ، بالديار المصرية ، لأمور ، منها ما كان في ~~نفس الصاحب شمس الدين الوزير منه ، ومنها أنه كان في الدولة المنصورية ، ~~يراعي خاطر الملك الصالح ، ويقدمه على الملك الأشرف . فذكر الوزير السلطان ~~بذلك ، فعزله وانتدب لمرافعته جماعة ، وشهد عليه آخرون بأمور برأه الله ~~منها . وأوغلوا في الكلام عليه ، ورموه بالعظائم . وكان محاشا منها . فرسم ~~عليه ، وصودر ، PageV31P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" ونكل به . وكان قصد الوزير الإخراق به ، ~~بالضرب ، فحماه الله تعالى منه ، ثم تشفع فيه الأمير بدر الدين بيدرا ، ~~نائب السلطنة ، مع ما كان بينهما من الشحناء ، فأفرج السلطان عنه . وكان ~~سبب هذه الشفاعة ، أن الأمير بدر الدين بكتاش الفخري ، أمير سلاح ، كان له ~~اعتناء بقاضي القضاة تقي الدين ، فلما امتحن بهذه المحنة ، ورسم بمصادرته ، ~~ضمه إليه ، وعزم على سؤال السلطان في أمره ، والشفاعة فيه . وكان السلطان ~~قد قبض على الأمير سنجر الحموي ، المعروف بأبي خرص ، وكان للأمير بدر الدين ~~بيدرا به اعتناء ، فتحدث مع الأمير بدر الدين أمير سلاح ، أن يشفع فيه ، ~~فاعتذر عن ذلك ، أنه يقصد أن يشفع في قاضي القضاة ولا يمكنه أن يشفع في ~~اثنين في وقت واحد . فاتفقا أن الأمير يشفع في قاضي القضاة . وأمير سلاح ~~يشفع في أبي خرص . فشفعا فيهما . فأفرج عنهما . ذكر تفويض القضاء بالديار ~~المصرية لقاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعي لما عزل السلطان ، ~~قاضي القضاة تقي الدين عن القضاء ، أشار الصاحب شمس الدين ابن السلعوس ~~الوزير ، بتفويض القضاء ، للقاضي بدر الدين أبي عبد الله محمد ابن الشيخ ~~برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن أبي الفضل سعد الله ابن جماعة بن علي بن ~~جماعة بن حازم بن صخر ms7233 بن عبد الله الكناني الشافعي الحموي . وكان يتولى ~~قضاء القدس الشريف والخطابة كما قدمنا . فاستدعاه الصاحب شمس الدين ، في ~~يوم الأربعاء ، تاسع شهر رمضان ، فتوجه البريد إليه . وكان وصوله إلى ~~القاهرة في يوم الإثنين ، رابع عشر شهر رمضان ، سنة تسعين وستمائة . وكانت ~~ولايته من قبل السلطان الملك الأشرف ، في يوم الخميس ، سابع عشر الشهر . ~~وفوض إليه مع القضاء ، وتدريس المدرسة الصالحية ، خطابة جامع الأزهر ، وغير ~~ذلك . وهذه ولاية قاضي القضاة بدر الدين الأولى . وفي هذه السنة ، في شوال ~~، أمر السلطان بإخراج الخليفة الحاكم بأمر الله أبي PageV31P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" العباس أحمد ، وأن يخطب للناس بجامع القلعة ، ~~ويذكر السلطان في خطبته . فخطب في رابع عشرين شوال ، وعليه شعار بني العباس ~~، وهو متقلد سيفا . فلما فرغ من الخطبة ، لم يصل بالناس . وقدم قاضي القضاة ~~بدر الدين ، فصلى بهم صلاة الجماعة . واستمر يخطب بالقلعة ، واستناب عنه ~~بجامع الأزهر القاضي صدر الدين عبد البر ابن قاضي القضاة تقي الدين بن رزين ~~. وفيها ، في ليلة الإثنين ، رابع ذي القعدة أمر السلطان باجتماع القضاة ~~والفقهاء والأعيان والقراء ، بتربة والده السلطان الملك المنصور ، فاجتمعوا ~~. وبات نائب السلطنة والوزير بالقبة المنصورية في تلك الليلة . فلما كان ~~وقت السحر ، من يوم الجمعة ، وحضر السلطان والخليفة إلى التربة ، والخليفة ~~لابس السواد ، وخطب الخليفة خطبة بليغة . حرض فيها على أخذ العراق ، وكان ~~يوما مشهودا . وتصدق السلطان بصدقات وافرة ، وعاد هو والخليفة إلى قلعة ~~الجبل . وكتب السلطان إلى دمشق أن يعمل مهم ، مثل ما عمل بالقبة المنصورية ~~. فاهتم الأمير علم الدين الشجاعي نائب السلطنة بدمشق بذلك . وجمع الناس له ~~في ليلة الإثنين ، حادي عشر الشهر ، بالميدان الأخضر ، أمام القصر الأبلق . ~~واجتمع الناس لتلاوة القرآن ، من ظهر يوم الأحد إلى نصف الليل ، من ليلة ~~الإثنين ، ثم تكلم الوعاظ ، وانصرف الناس في بكرة النهار . ذكر متجددات ~~كانت بدمشق في هذه السنة ، في شوال شرع الأمير علم الدين الشجاعي ، نائب ~~السلطنة بدمشق ، في عمارة آدر بقلعتها اقترحها السلطان عليه . واهتم بذلك ، ~~وطلب الرخام من سائر ms7234 PageV31P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" الجهات . وكملت عمارة ذلك ، في آخر سنى إحدى ~~وتسعين . وفيها ، في تاسع شوال ، أمر السلطان الملك الأشرف بالقبض على ~~الأمير سيف الدين قرارسلان ، وجمال الدين أقوش الأفرم المنصوريين ، فقبض ~~عليهما الأمير علم الدين الشجاعي واعتقلهما بالقلعة . وأقطع السلطان ~~إقطاعيهما للأميرين عز الدين أزدمر العلائي ، وشمس الدين سنقر المساح . ~~وفيها ، في ثاني شوال ، أمر الأمير علم الدين الشجاعي ، بإخراب ما على جسر ~~الزلابية بدمشق ، من الحوانيت ، وبإخراب جميع ما هو مبني على نهر بانياس ~~ونهر المجدول من تحت القلعة ، إلى باب الميدان الأخضر ، والى الخانقاه ، ~~فأخربت المسايح ودار الصناعة ، وبيوت ومساكن وخانات ودار الضيافة ، وحمام ~~كان بني للملك السعيد ، والمسايح على نهر بردى ، والسقاية التي تعرف ~~بالعجمي ، وسقاية أرجواش ، ولم يبق غير المساجد . وفيها ، في يوم الخميس ، ~~ثالث عشر ذي الحجة ، زاد الأمير علم الدين الشجاعي في الميدان الأخضر ~~الصغير ، الذي فيه القصر الأبلق ، مقدار سدسه من جهة الشمال إلى قريب النهر ~~، حتى صار بين حائط الميدان والنهر مقدار ذراع ونصف ذراع بالعمل . وقسم ~~الحيطان على الأمراء والأجناد وبعض عوام البلد . وعمل هو بنفسه ومماليكه ، ~~فلم يوفر أحد نفسه من العمل ، فكانت عمارة ذلك في يومين . وفيها ، في العشر ~~الآخر من ذي الحجة ، قبض على الشيخ سيف الدين الرجيحي وهو من ذرية الشيخ ~~يونس . وجهز من دمشق إلى الباب السلطاني ، على خيل البريد . وفي هذه السنة ~~، في أوائلها ، كملت عمارة قلعة حلب . وكان الأمير شمس الدين قرا سنقر ~~المنصوري ، نائب السلطنة بحلب ، قد شرع في عمارتها في الأيام المنصورية ، ~~فكملت الآن ، وكتب عليها اسم السلطان الملك الأشرف . وكان هولاكو قد خربها ~~كما PageV31P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" تقدم ذكر ذلك . وفيها ، في يوم الخميس ، ثالث ~~عشر رجب ، كانت وفاة الأمير بهاء الدين يمك الناصري ، مقدم الميسرة بدمشق ، ~~ودفن بسفح قاسيون ، بمقبرة الرباط الناصري . وكان رجلا عاقلا قليل الاجتماع ~~بالناس . وفيها ، كانت وفاة الأمير سابق الدين لاجين العمادي ، رحمه الله ~~تعالى . كان يتولى الأعمال القوصية قديما ، في الدولة المعزبة ، إلى أوائل ms7235 ~~الظاهرية ، وعمر بمدينة قوص مدرسة معروفة به . ثم ولي في الدولة الظاهرية ~~الأعمال الشرقية . وكانت وفاته بالقاهرة ، في العشر الآخر من شهر رمضان ~~منها ، وذلك بعد عزله من الأعمال الشرقية ، وعمر نحو اثنتين وثمانين سنة . ~~وكان دينا خيرا ، كثير الصدقة والإحسان ، أمينا عفيفا ، ما سمع عنه ، أنه ~~ارتكب معصية قط ، ولا شرب خمرا ، ولا ارتشى ، ولا أتى مكروها . وكان محترما ~~عند الملوك . وأصله مملوك الصاحب عماد الدين ، وزير صاحب الجزيرة . ثم ~~انتقل مع أستاذه في أواخر الدولة الكاملية ، وتقدم في الدولة الصالحية وما ~~بعدها ، وولي الولايات . وكانت الولايات يومذاك لا يصل إليها إلا أكابر ~~الأمراء وتقاتهم ، رحمه الله تعالى . وفيها ، في العشرين الآخر من شهر ~~رمضان ، توفي الأمير علاء الدين أيدكين الصالحي ، نائب السلطنة بصفد بها ، ~~رحمه الله تعالى . وفيها ، كانت وفاة الأمير سيف الدين قطز المنصوري . وكان ~~من أكابر المماليك المنصورية ، وأكابر الأمراء . وكانت وفاته بحمص . وكان ~~مجردا بها ، رحمه الله تعالى . واستهلت سنة إحدى وتسعين وستمائة [ 691 ه ~~1291 / 1292 م ] في هذه السنة ، في يوم الجمعة ، رابع عشر صفر ، وقع بقلعة ~~الجبل حريق عظيم في بعض الخزائن ، وأتلف شيئا كثيرا من الذخائر والنفائس ~~والكتب . PageV31P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" وفيها ، في يوم الخميس ، حادي عشر شهر ربيع ~~الأول ، أمر السلطان أن يجمع القراء والعلماء والأكابر ، بالقبة المنصورية ~~، لقراءة ختمة شريفة ، فاجتمع الناس لذلك . ونزل السلطان من الغد ، لزيارة ~~قبر والده ، وتصدق بأموال جزيلة . وفيها ، في تاسع عشرين شهر ربيع الأول ، ~~في يوم الجمعة ، خطب الخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد ، بجامع ~~قلعة الجبل ، خطبة بليغة ، حث فيها على الجهاد ، وأمر بالنفير ، وصلى ~~بالناس الجمعة . ذكر توجه السلطان إلى الشام وفي هذه السنة ، في الساعة ~~الثامنة من يوم السبت ، ثامن شهر ربيع الآخر استقل ركاب السلطان إلى جهة ~~الشام ، بجميع العساكر . فوصل إلى دمشق ، في يوم السبت سادس جمادى الأولى ، ~~وأمر بالنفقة على جميع العساكر في ثامن الشهر ، ووصل صاحب حماه لتلقي ~~السلطان . ثم عرض السلطان الجيوش ، وقدمهم أمام ms7236 ركابه إلى جهة حلب ، وتوجه ~~هو من دمشق في الساعة الخامسة من يوم الإثنين ، سادس عشر جمادى الأولى ، ~~ووصل إلى حلب في ثامن عشرين الشهر . ذكر فتوح قلعة الروم وتسميتها قلعة ~~المسلمين كان فتوح هذه القلعة ، في يوم السبت ، حادي عشر رجب ، سنة إحدى ~~وتسعين وستمائة . وذلك أن السلطان رحل من حلب بسائر العساكر المصرية ~~والشامية ، في رابع جمادى الآخرة ، ونزل على قلعة الروم ، يوم الثلاثاء ~~ثامن الشهر وحاصرها وضايقها ، ونصب عليها عشرين منجنيقا ، خمسة منها ~~إفرنجية ، وخمسة عشر قرابغا وشيطانية . ورمى بالمجانيق ، وعملت النقوب ، ~~فيسر الله فتحها . وكانت مدة المقام عليها ، إلى أن PageV31P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" فتحت ، ثلاثة وثلاثين يوما . وكان للأمير علم ~~الدين الشجاعي في فتحها النصيب الأوفى ، فإنه تحيل في عمل سلسلة بالقرب من ~~شراريف القلعة ، وأوثق طرفها بالأرض ، فتمسك الجند بها ، وطلعوا إلى القلعة ~~. وكان ممن طلع إلى القلعة ، سيف الدين أقبجا ، أحد مماليك الأمير بدر ~~الدين بكتاش الفخري ، أمير سلاح ، ولم يكن من أعيان مماليكه ، بل كان في ~~خدمة ولده صلاح الدين خليل . فتحيل وطلع إلى سور القلعة ، وقاتل قتالا ~~شديدا ، وجرح ثم رجع ، والسلطان ينظر إليه . فسأل عنه ، فعرف به ، فأرسل ~~إليه خلعة ، وأنعم عليه بمال ، ووعده بإقطاع ، وأمر أستاذه الأمير بدر ~~الدين ، أن يذكر السلطان ، إذا عاد إلى حلب ، فلم يفعل . ثم صار بعد ذلك ، ~~من جملة مقدمي الحلقة . وتأمر بعد ذلك ، في سنة عشرة وسبعمائة بطبلخاناة ، ~~وتولى عمل الفيوم من الديار المصرية . وفتحت القلعة عنوة ، وقتل من كان بها ~~من المقاتلة ، وسبيت النساء والذرية ، ووجد فيها بطرك الأرمن ، فأخذ أسيرا ~~. ومحا السلطان عن هذه القلعة ، تسميتها بالروم ، وسماها قلعة المسلمين . ~~ووصل إلى الزردخاناة السلطانية ، من الأسرى ألف أسير ومائتا أسير . واستشهد ~~عليها من الأمراء : الأمير شرف الدين بن الخطير ، وشهاب الدين بن ركن الدين ~~أمير جاندار . ورتب السلطان الأمير علم الدين الشجاعي لعمارة القلعة ، ~~وأمره بإخراب ربضها وإبعاده عنها . فتأخر لذلك ، وصحبته عسكر الشام . ولما ~~تم هذا الفتح ، أنشئت كتب البشائر إلى ms7237 الممالك . وكان مما كتب إلى دمشق ، ~~كتاب من السلطان إلى قاضي القضاة شهاب الدين الخويي ونسخته : بسم الله ~~الرحمن الرحيم ، أخوه خليل بن قلاوون . صدرت هذه المكاتبة إلى المجس السامي ~~، القاضي الأجل ، - وذكر ألقابه ونعوته - خصه الله بأنواع التهاني ، وأتحفه ~~بالمسرات التي تعوذ بالسبع المثاني . وأورد على سمعه ، من بشائر نصرنا ~~وظفرنا ، ما يستوعب في وصفه ومدحه الألفاظ والمعاني . نبشره بفتح ما سطرح ~~الأقلام إلى الأقاليم أعظم من بشائره ، ولا نشرت برد PageV31P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" المسرات ، بأحسن من إشارته وأشائره . ولا ~~تفوهت ألسنة خطباء هذا العصر على المنابر ، بأفصح من معانيه ، في سالف ~~الدهر وغابره ، وهو البشرى بفتح قلعة الروم ، والهنا لكل من رام بالإسلام ~~نصرا ببلوغ ما رام وما يروم . ونقص أحسن قصص هذا الفتح المبين ، والمنح ~~الذي تباشر به سائر المؤمنين ، ونساوي في الإعلان والإعلام به كل من قر ~~عينا من الأبعدين والأقربين . ونخض بمسرى مبشراته الحكام ليعموا بنشرها ~~عامة الناس . ونفرض لكل ذي مرتبة عليه منه نصيبا يجمع من الابتهاج والأنواع ~~والأجناس . وذلك أنا ركبنا لغزوها ، من مصر ، وقد كان من قبلنا من الملوك ، ~~يستبعد مداها ، ويناديها فلا يجيب إلا بالصد والإعراض صداها ، ويسائل عن ~~جبالها ، فتحيل في الجواب على النسور المهومة ، ويستشير أولي الرأي في ~~حصرها ، فلا يسمع إلا الأقوال المثلوبة والآراء المتلومة . ومازلنا نصل ~~السرى ، ونرسل الأعنة إلى نحوها ، فتمد الجياد أعناقها إليها مدا ، ينقطع ~~بين قوتها وقوته السير . واستقبلنا من جبالها كل صعب المرتقى ، وعر المنتقى ~~، شاهق لا يلقى به مسلك ولا يلتقى . فمازالت العزائم الشريفة تسهل حزونه ، ~~والشكائم تفجر بوقع السنابك على حجارته عيونه ، والجياد المطهمة ترتقي ، مع ~~امتطاء متونها بدروع الحديد متونه . فلما أشرف عليها منا أشرف سلطان ، جعل ~~جبلها دكا ، وحاصرناها حصارا ألحقها بعكا وأخواتها ، وإن كانت أحصن من عكا ~~. ونصبنا عليها عدة مجانيق تنقض حجارتها انقضاض النسور ، وتقبض الأرواح من ~~الأجسام وإن ضرب بينها وبينهم بسور ، وتفترس أبراجها بصقور صخور افتراس ~~الأسد الهصور . هذا والنقوب تسري في بدناتها سريان الخيال ms7238 ، وإن كانت ~~جفونها المسهدة ، وعمدها الممددة وحفظتها المجندة ، ورواسيها على جبل ~~الفرات موطدة . وقد خندقوا عليها خندقا جرت فيه الفرات من جانب ونهرز ~~مرزبان من جانب ، ووضعها واضعها على رأس جبل يزاحم الجوزاء بالمناكب ، وسفح ~~صرحها الممدد فكأنه عرش لها على الماء وإذا رمقها طرف رائيها اشتبهت عليه ~~بأنجم السماء . ومازالت المضايقة تقص من حبلها أطرافه ، وتستدر بحلبها ~~أخلافه ، وتقطع بمسائل جلاد معاولها وجدالها خلافه . وتورد عليها من سهامها ~~كل إيراد لا يجاوب إلا بالتسليم ، وتقضي عليها بكل حكم لا نقابل توبته إلا ~~بالتحكيم . ولما أذن الله بالفتح الذي أغلق على الأرمن والتتار أبواب ~~الصواب ، والمنح الذي PageV31P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" أضفى على أهل الإيمان من المجاهدين أثواب ~~الثواب . فتحت هذه القلعة بقوة الله ونصره ، في يوم السبت حادي عشر شهر رجب ~~الفرد . فسبحان من سهل صعبها ، وعجل كسبها ، وأمكن منها ومن أهلها ، وجمع ~~شمل الممالك الإسلامية بشملها . فالمجلس السامي يأخذ خطه من هذه البشرى ، ~~التي بشرت بها ملائكة السماء ، ملك البسيطة وسلطان الأرض . وتكاثر على ~~شكرها كل من أرضى الله طاعة وأغضب من لم يرض ، من ذوي الإلحاد ، وممن حاد ~~الله وحاد ، وممن ينتظر من هذا الإيعاز إنجاز الإيعاد ، فلا ينجيه الإمضاء ~~هربا ولا الإبعاد . فإنه بفتح هذه القلعة وتوقلها ، وحيازة ثغرها ومعقلها ، ~~تحقق من بسيحون وجيحون ، أنهم بعد فتح باب الفرات ، بكسر أقفال هذه القلعة ~~لا يرجون أنهم ينجون . وما يكون بعد هذا الفتح ، إن شاء الله إلا فتح ~~المشرق والروم والعراق ، وملك البلاد من مغرب الشمس إلى مطلع الإشراق . ~~والله تعالى يمدنا من دعواته الصالحة ، بما تعدو به عقود الآمال حسنة ~~الاتساق ، إن شاء الله . كتب يوم الفتح المبارك سنة إحدى وتسعين وستمائة ، ~~حسب المرسوم الشريف . وكتب عن الأمير علم الشجاعي ، نائب السلطنة بدمشق ، ~~إلى قاضي القضاة ، شهاب الدين الخويي أيضا . وهو من إنشاء الفاضل شرف الدين ~~القدسي ، ما مثاله بعد البسملة : ضاعف الله مسار الجناب العالي المولوي ~~القضائي الشهابي - وذكر ألقاه ونعوته - ولازالت وفود البشائر إليه تترى ms7239 ، ~~وعقود التهاني تنص إليه نظما ونيرا . وفواتح الفتح تتلى عليه لكل آية نصر ~~يسجد لها القلم في الطرس شكرا ، وتشتمل على أسرار الظفر فيأتي الإسماع من ~~غرابتها بما لم يحط به خبرا . وتتحفه بظهور أثر المساهمة فتهدي إليه سرورا ~~وأجرا . المملوك يستفتح من حمد الله على ما منح من آلائه ، وفتح على ~~أوليائه ، ووهب من الإعداء على أعدائه ، ويسر من الظفر الذي أيد فيه بنصره ~~وأمد بملائكه سمائه ، ما يستديم الإنجاد بحوله ، ويستزيد به الأمداد من ~~فضله وطوله . ويوالي من الصلاة على PageV31P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" سيدنا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ما يستدر ~~به أخلاف الفتوح ، ويسترهف بيمنه الصوارم التي هي على من كفر بالله ورسوله ~~دعوة نوح . ويهدي من البشائر ما تختال به أعطاف المنابر سرورا ، ويتعطر ~~بذكره أفواه المحابر حبورا ، وترشف الأسماع موارد وارده ، فيستحيل في قلوب ~~الأعداء نارا وفي قلوب الأولياء نورا . ويبادر مساهمة الحاضر في استماعه كل ~~باد فينقلب إلى أهله مسرورا . وينهي أنه أصدرها والنصر قد خفقت بنوده ، ~~وصدقت وعوده ، وسار بمختلفات البشائر في كل قطر بريده . والأعلام الشريفة ~~السلطانية ، قد امتطت من قلعة الروم صهوة لم تذل لراكب . وحلت من قنتها ~~وقلتها بين الذروة والغارب . وأراقت أسنتها من دمائهم ما ترك الفرات لا يحل ~~لشارب . ومد الأيمان بها أطنابه ، وأعجلت السيوف المنصورة الشرك أن يضم ~~للرحلة أثوابه . واستقرت بها قدم الإسلام ثابتة إلى الأبد ، وقتلت بأرجائها ~~، سيوف أهل الجمعة ، حتى رق أهل السبت لأهل الأحد . وأذهب الله عنها ~~التثليث حتى كاد حكم الثلاثة أن يسقط من العدد ، وتبرأ منهم من كان يغرهم ~~بإمداده ، حتى الفرات لمجاورتهم ، ودت النقص خوفا أن يطلق على زيادتها اسم ~~المدد . ونطق بها الأذان فحرس الجرس . وعلت بها كلمة الإيمان ، فأضحت لها ~~بعد الإبتذال آية الحرس . وأسمعت دعوة الحق ما حولها من الجبال فسمعت وهي ~~الصم ، ولبت الداعي بلسان الصدى الناطق عن شوامخها الشم . وكانت هذه القلعة ~~المذكورة للثغور الإسلامية بمنزلة الشجى في الحلق ، والغلة في الصدر ، ~~والخسوف الطارئ على ms7240 طلعة البدر . لا تخلو من غل تضمره ، في لين تظهره ، ~~وغدر تستره ، في عذر تورده وتصدره . وقد سكن أهلها إلى مخادعة الجار ، ~~وموادعة التتار ، وممالاتهم على الإسلام بالنفس والمال ، ومساواتهم لهم حتى ~~في الزي والحال . يمدونهم بالهدايا والألطاف ، ويدلونهم على عورات الأطراف ~~. وهم يتقون بمسالمة الأيام ، ويدعون أن قلعتهم لم تزل من الحوادث في زمام ~~، ويغترون بها . ولولا السطوات الشريفة ، لحق بمثلها أن يغتر . ويسكنون إلى ~~حصانتها كلما أومض في PageV31P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" حلك السحب برق ثغرها المفتر . وهو حصن صاعد ~~منحدر ، بارزه مستدير ، لا يطأ إليه السالك إلا على المحاجر ، ولا تنظره ~~العيون حتى تبلغ القلوب الحناجر ، كأنه في ضمائر الجبال حب يقتل وهو كامن ، ~~ويجرف الظاهر وهو باطن . قد أرخت عليه الجبال الشواهق ذوائبها ، ومدت عليه ~~الغمائم أطنابها ومضاربها . وقد تنافست فيه الرواسي الرواسخ فأخفاه بعضها ~~عن بعض وتقاسمته العناصر فهو للنكاية والرفعة والثبات ومجاورة الفرات مشترك ~~بين النار والهواء والماء والأرض . وقد امتدت الفرات من شرقيها كالسيف في ~~كف طالب ثأر ، واكتنفها من جهة الغرب نهر آخر استدار نحوها كالسور وانعطف ~~معها كالسوار . وفي قنة قلتها جبل يرد الطرف وهو كليل ، ويصل النظر إلى ~~تخيل هضابه فلا يهتدي إلى تصورها بغير دليل ، وكذلك من شرقها وغربها ، فلا ~~تنظرها الشمس وقت الشروق ، ولا يشاهدها القمر وقت الأصيل . وحولها من ~~الأودية خنادق لا يعرف فيها الهلال إلا بوصفه ، ولا الشهر إلا بنصفه . وأما ~~الطريق إليها فيزل الذر عن متنها . ويكل طرف الطرف عن سلوك سهلها فضلا عن ~~حزنها . وبها من الأرمن عصب جمعهم التكفور ، ومن التتار فرق زيادتهم ~~للتغوير ، قد بذلوا دونها النفوس ، وتدرعوا للذب عنها لبوس . وأقدموا على ~~شرب كأس الحمام ، خوفا أن يكفرهم التكفور ؛ ويحرمهم خليفتهم الحاكم بها ، ~~كتبغا نميكوس . وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ، وفسح في ميدان الضلالة ~~آمالهم ، فلما تراءت الفئتان ، نكص على عقبية ، وترك كلا منهما يعض من ~~الندم يديه . وحين أمر مولانا السلطان ، خلد الله سلطانه ، الجيوش المنصورة ~~بالنزول عليها ، والهجوم من خلفها ms7241 ومن بين يديها ، ذللت مواطئ جيادها صهوات ~~تلك الجبال . وأحاطت بها من كل جانب إحاطة الهلال بالهلال . وسلكوا إليها ~~تلك المخارم ، وقد تقدمهم الرعب هاديا وأقدموا على قطع تلك المسالك ~~والمهالك ، بالأموال والأنفس ، ثقة بأنهم لا ينفقون PageV31P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" نفقة صغيرة ولا كبيرة ، ولا يقطعون واديا . ~~فلم يكن بأسرع من أن طار إليهم الحمام ، في أجنحة السهام . وخضبت الأحجار ~~تلك الغادة العذراء للضرورة ، وللضرورات أحكام . وأزالت النقابة عنها نقاب ~~احتشامها . ودبت في مفاصلها دبيب السقم في عظامها ، مع أنها مستقرة على ~~الصخر الذي لا مجال فيه للحديد ، ولكن الله أعز بالنصر سلطاننا فجاءت أسباب ~~الفتح على ما يريد . وأقيمت المجانيق المنصورة أمامها فأيقنوا بالعذاب ~~الأليم ، وشاموا بروق الموت من عواصف أحجارها التي ما تذر من شيء أتت عليه ~~إلا جعلته كالرميم . وساهموها صلاة الخوف ، فلسهامهم الركوع ، ولبروجهم ~~السجود ، ولقلعتهم التسليم . ولم تزل تشن عليهم غارة بعد غارة ، وتسقيهم ~~على الظمأ صوب أحجارها ، وإن من الحجارة ، وهي مع ذلك تظهر الجلد والجد ، ~~وتغضب غضب الأسير ، على القد . وتخفي ما تكابد من الألم ، وتشكو بلسان ~~الحال شكوى الجريح إلى العقبان والرخم ، إلى أن جاءت من الأنجاد ما كانوا ~~يأملون . وسطت مجانيقهم فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون . وكلما سقطت ~~أسوارها ، وتهتكت بيد النقوب أستارها ، وتوهم الناظر أنها هانت ، رآها ~~المباشر في تلك الحالة أشد ما كانت ، وثبتت على الرمي والارتماء ، وعزت على ~~من اتخذ نفقا في الأرض أو سلما في السماء ، واستغنت بمكان السور ، وانقضت ~~أحجارها على أسوار الحرب انقضاض النسور . وكان الفتح المبارك في صباح يوم ~~السبت ، حادي عشر رجب الفرد ، سنة إحدى وتسعين وستمائة بالسيف عنوة . فشفت ~~الصوارم من أرجاس الكفر العلل بقمع العدى وكبتها . وسطا خميس الأمة يوم ~~السبت ، على أهل يوم الأحد ، فبارك الله بخميس الأمة في سبتها . فليأخذ ~~القاضي من هذه البشرى ، التي أصبح الدين بها عالي المنار ، بادي الأنوار . ~~ضارب مضارب دعوته على الأقطار ، ذاكرا بموالاة الفتوح أيام الصدر الأول من ~~المهاجرين والأنصار . وليشعها على ms7242 رؤوس الإشهاد ويجعلها في صحف الفتوح ~~السالفة بمنزلة المعنى في القرينة والمثل في الاستشهاد . ويمد الجيش بهمته ~~التي ترهف PageV31P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" الهمم ، وأدعيته التي تساعد الساعد وتؤيد ~~اليد وتقدم القدم . ويشارك في الجهاد حتى يكون في نكاية الأعداء على البعد ~~كسهم أصاب ورامية بذي سلم . ويستقبل من البشائر بعدها ما تكون له هذه ~~بمنزلة العنوان في الكتاب ، والأحاد في الحساب ، وركعة النافلة بالنسبة إلى ~~الخمس ، والفجر الأول قبل طلوع طلعة الشمس . والله تعالى يجعل شهاب فضله ~~لامعا ، ونور علمه في الأفاق ساطعا ، ويتحفه من مفرقات التهاني بكل ما يغدو ~~لشمل المسرات جامعا ، إن شاء الله تعالى . كتب في يوم الفتح المذكور . وكتب ~~غير ذلك من كتب البشائر ، اقتصرنا منها ما أوردناه . ثم رحل السلطان من ~~قلعة الروم إلى حلب ، فأقام بها بقية شهر رجب ، ونصف شعبان . وعزل الأمير ~~شمس الدين قراسنقر المنصوري عن نيابتها . ورتب بها الأمير سيف الدين بلبان ~~الطباخي المنصوري . وجعل الأمير عز الدين أيبك الموصلي شاد الدواوين . وقيل ~~إنه ولاه قلعة الروم وما جمع إليها ، فامتنع من قبول هذه الولاية . فغضب ~~السلطان وأمر بالقبض عليه ، وفوض ذلك إلى الأمير جمال الدين أقش الفارسي ~~فبقي بها أياما وتوفي ، فأعاد السلطان الأمير عز الدين الموصلي . ورحل ~~السلطان عن حلب إلى دمشق ، فكان وصوله إليها ، في يوم الثلاثاء العشرين من ~~شعبان فأقام بها بقية شعبان وشهر رمضان وبعض شوال . وفيها ، حصل لجمال ~~العسكر مرض ، سلت منه حتى جافت الوطاقات منها . ولم يجد الأمراء من الجمال ~~ما يحملون عليه أثقالهم ، فحملوها على البغال والأكاديش . ذكر توجه الأمير ~~بدر الدين بيدرا وبعض العساكر إلى جبال الكسروان واضطراب العسكر وفي هذه ~~السنة ، في شعبان توجه الأمير بدر الدين بيدرا بمعظم العساكر المصرية ، ~~PageV31P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" وصحبته من الأمراء الأكابر ، الأمير شمس ~~الدين سنقر الأشقر ، والأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري ، والأمير بدر ~~الدين بكتوت الأتابكي ، والأمير بدر الدين بكتوت العلائي وغيرهم ، وقصد ~~جبال الكسروان . وأتاهم من جهة الساحل ، الأمير ركن الدين بيبرس طقصوا ms7243 ، ~~والأمير عز الدين أيبك الحموي وغيرهما . والتقوا بالجبل ، وحضر إلى الأمير ~~بدر الدين بيدرا من أثنى عزمه ، وكسر حدته . فحصل الفتور في أمرهم ، حتى ~~تمكنوا من بعض العسكر ، في تلك الأوعار ، ومضايق الجبال ، فنالوا منهم . ~~وعاد العسكر شبه المنهزم ، وطمع أهل تلك الجبال ، فاضطر الأمير بدر الدين ~~إلى إطابة قلوبهم والإحسان إليهم . وخلع على جماعة من أكابرهم ، فاشتطوا في ~~الطلب ، فأجابهم إلى ما التمسوه ، من الإفراج عن جماعة منهم ، كانوا قد ~~اعتقلوا بدمشق ، لذنوب وجرائم صدرت منهم . وحصل للكسروان من القتل والنهب ~~والظفر ، ما لم يكن في حسابهم . وحصل للأمراء والعسكر من الألم لذلك ، ما ~~أوجب تصريح بعضهم بسوء تدبير الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة ، ونسبوه ~~إلى أنه إنما أهمل أمرهم ، وفتر عن قتالهم ، حتى تمكنوا مما تمكنوا منه ~~لطمعه ، وأنه تبرطل منهم وأخذ جملة كثيرة ، ولهج الناس بذلك . وتوجه الأمير ~~بدر الدين بيدرا بالعساكر إلى دمشق . فتلقاه الملك الأشرف ، وأقبل عليه ~~وترجل لترجله عند السلام عليه . فلما خلا به ، أنكر عليه سوء اعتماده ~~وتفريطه في العسكر ، فمرض لذلك ، حتى أشاع الناس أنه سقي . ثم عوفي في ~~العشر الأوسط من شهر رمضان ، فتصدق السلطان بجملة كثيرة ، شكرا لله تعالى ~~على عافيته ، وأطلق جماعة كثيرة ممن كان في السجون . وتصدق هو أيضا بجملة ، ~~ونزل عن كثير مما كان قد اغتصبه من أملاك الناس ، بالإيجار الذي هو على غير ~~الوجه الشرعي . وجمع العلماء والقضاة والقراء والمشايخ ، في العاشر من شهر ~~رمضان ، بالجامع بدمشق لقراءة الختمة . وأشعل الجامع في هذه الليلة ، كما ~~يشعل في نصف شعبان . PageV31P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" ذكر هرب الأمير حسام الدين لاجين والقبض عليه ~~واعتقاله والقبض على طقصوا وفي هذه السنة ، في ليلة عيد الفطر ، هرب الأمير ~~حسام الدين لاجين من داره بدمشق . فنودي عليه ، من أحضره فله ألف دينار ، ~~ومن أخفاه شنق . وركب السلطان في خاصكيته وجماعة من الأمراء . وترك سماط ~~العيد ، وساق في طلبه ، وعاد بعد العصر ، ولم يظفر به . واتفق أنه التجأ ~~إلى طائفة من العرب ms7244 كان يثق بصحبتهم . فقبضوا عليه وجيء به إلى السلطان ~~فاعتقله . وقبض أيضا على الأمير ركن الدين بيبرس طقصوا ، وجهز إلى قلعة ~~الجبل . وكان السبب في القبض على طقصوا ، أنه كان قد تكلم على الأمير بدر ~~الدين بيدرا . وقال إنه ارتشى من الكسروان . فوجد بيدرا عليه ، وأسرها في ~~نفسه ، وتربص به الدوائر . فلما قبض على الأمير حسام الدين لاجين ، خاطب ~~بيدرا السلطان في القبض على طقصوا ، لأن لاجين كان قد تزوج ابنته ، فقبض ~~عليه . ذكر تفويض نيابة السلطنة بالشام والفتوحات وعود السلطان إلى الديار ~~المصرية وفي هذه السنة ، فوض السلطان نيابة السلطنة بالشام إلى الأمير عز ~~الدين أيبك الحموي الظاهري ، عوضا عن الأمير علم الدين سنجر الشجاعي . وفوض ~~نيابة السلطنة بالفتوحات للأمير سيف الدين طغربل الإيغاني ، عوضا عن الأمير ~~سيف الدين بلباني PageV31P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" الطباخي ، بحكم انتقاله إلى نيابة السلطنة ~~بالمملكة الحلبية كما تقدم . ثم عاد السلطان إلى مقر ملكه بقلعة الجبل . ~~وكان رحيله من دمشق ، في الثلث الأخير من ليلة الثلاثاء عاشر شوال . وكان ~~قد رسم لأهل الأسواق بدمشق أن يخرج كل واحد منهم ، وبيده شمعة يوقدها ، عند ~~ركوب السلطان ، فخرجوا بأجمعهم . ورتبوا من باب النصر أحد أبواب دمشق ، إلى ~~مسجد القدم . ولما ركب السلطان ، اشتعلت تلك الشموع ، وساق وهي كذلك إلى ~~نهاية ذلك الجمع . وكان وصول السلطان إلى قلعة الجبل ، في يوم الأربعاء ~~ثاني ذي القعدة . ذكر عدة حوادث كانت في خلال فتح قلعة الروم وقبله وبعده ~~في هذه السنة ، في أواخر شهر ربيع الآخر ، ورد البريد من الرحبة إلى دمشق ، ~~يخبر أن طائفة من التتار ، أغاروا على ظاهر الرحبة ، واستاقوا مواشي كثيرة ~~. فجرد نائب السلطنة إليها جماعة من عسكر دمشق ، في ثامن عشرين الشهر . ~~وفيها ، في العشر الأوسط من جمادى الأولى ، تزوج الأمير شمس الدين سنقر ~~الأعسر ، بابنة الصاحب شمس الدين بن السلعوس ، على صداق مبلغه ألف دينار ~~وخمسمائة دينار عينا ، عجل من ذلك خمسمائة دينار . وفيها ، بعد أن توجه ~~السلطان إلى قلعة الروم بأيام يسيرة ، تسور ms7245 عبد أسود إلى أسطحة أدر الحرم ~~السلطانية بقلعة دمشق . فأمسك وقرر ، فذكر أن أحد المؤذنين بجامع القلعة ~~نصب له سلما ، وأصعده إلى هناك . فطولع السلطان بذلك ، فورد المرسوم بقطع ~~أطرافهما وتسميرهما ، ففعل ذلك بهما . وفيها ، في شعبان طلق الملك المظفر ، ~~صاحب حماه ، زوجته ، وهي ابنة خاله الملك الناصر صلاح الدين يوسف ، ابن ~~الملك العزيز محمد ، ابن الملك الظاهر غازي ، ابن الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف بن أيوب ، فعاب الناس عليه ذلك ، واستقبحوه منه . وتوجهت هي من حماه ~~إلى الديار المصرية ، فتوفيت بعد وصولها إليها بعشرين يوما . PageV31P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" وفيها ، بعد أن توجه السلطان من دمشق إلى ~~الديار المصرية ، استعفي القاضي محيي الدين بن النحاس ، من مباشرة نظر ~~الدواوين بالشام ، فأعفي من ذلك . ورتب في نظر الخزانة عوضا عن أمين الدين ~~بن هلال . ورتب في نظر الدواوين جمال الدين إبراهيم بن صصري . وفيها ، أفرج ~~السلطان عن الأمير علم الدين سنجر الدواداري ، بعد عوده من قلعة الروم ، ~~وأمر بإحضاره من الديار المصرية إلى دمشق ، فأحضر ، فخلع عليه السلطان ، ~~واستصحبه معه إلى الديار المصرية وأمره . وفيها ، رتب السلطان الأمير شمس ~~الدين قراسنقر الجوكندار المنصوري ، في مقدمة المماليك السلطانية . ذكر ~~القبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وجرمك الناصري ووفاتهما ، ووفاة ~~طقصوا والإفراج عن الأمير حسام الدين لاجين وفي هذه السنة ، لما عاد ~~السلطان إلى الديار المصرية ، قبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، ~~والأمير سيف الدين جرمك الناصري . وأمر بإعدامهما ، وإعدام طقصوا ولاجين . ~~فكان الذي تولى خنق لاجين ، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري ، فتلطف به ~~، وانتظر أن تقع به شفاعة . فشفع فيه الأمير بدر الدين بيدرا ، فأمر ~~السلطان بالإفراج عنه ، وهو يظن أنه قد مات . فسلمه الله تعالى ، لما كان ~~له في طي الغيب ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى . وقيل إن السلطان قبض على ~~سنقر الأشقر من دمشق . وفيها ، في منتصف شهر رمضان ، توفي القاضي فتح الدين ~~محمد ابن القاضي محيي الدين عبد الله ابن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر ms7246 ، ~~صاحب ديوان الإنشاء . وكانت وفاته بدمشق ، ودفن بسفح قاسيون . ومولده في ~~أحد الربيعين ، سنة ثمان وثلاثين وستمائة . وكان قد تمكن في الدولة ~~المنصورية ، والدولة الأشرفية تمكنا كثيرا ، وتقدم على أبيه وغيره . ولما ~~اعتل ، رحمه الله ، كتب إلى أبيه : إن شئت تنظرني وتنظر حالتي . . . قابل ~~إذا هب النسيم قبولا PageV31P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" لتراه مثلي رقة ولطافة . . . ولأجل قلبك لا ~~أقول عليلا وهو الرسول إليك من ليتني . . . كنت اتخذت مع الرسول سبيلا ولما ~~مات ، أجرى السلطان الملك الأشرف جامكيته وجرياته وراتبه ، على ولده القاضي ~~، علاء الدين علي ، واستقر في جملة كتاب الإنشاء . وولى صحابة ديوان ~~الإنشاء ، بعد وفاة القاضي فتح الدين ، القاضي تاج الدين أبو الظاهر أحمد ~~ابن القاضي شرف الدين أبي البركات سعيد بن شمس الدين أبي جعفر محمد ابن ~~الأثير الحلبي التنوخي ، فلم يلبث إلا شهرا أو قريبا من شهر ، وتوفي إلى ~~رحمة الله تعالى . وكانت وفاته ، يوم الخميس تاسع عشر شوال من هذه السنة ، ~~بظاهر غزة . ودفن هناك رحمه الله تعالى . وولي بعده صحابة ديوان الإنشاء ، ~~ولده القاضي عماد الدين إسماعيل ، واستمر إلى آخر سنة اثنتين وتسعين ~~وستمائة . وفيها ، في يوم السبت العشرين من شوال ، توفي الأمير سابق الدين ~~الميداني بدمشق ، ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى . واستهلت سنة اثنتين ~~وتسعين وستمائة [ 692 ه 1292 - 1293 م ] في هذه السنة ، في أولها ، فوض ~~السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والحصون ، إلى الأمير عز الدين ~~أيبك الخزندار المنصوري ، عوضا عن الأمير سيف الدين طغربل الإيغاني ، بحكم ~~استعفائه من النيابة ، وسؤاله . فوصل إلى دمشق في سابع عشرين المحرم ، ~~وصحبته خمسة أمراء بطبلخاة ، وتوجه إلى جهته . وفيها ، في صفر ، حصل ببلاد ~~غزة والرملة ولد والكرك ، زلزلة عظيمة ، كان معظمها بالكرك ، فإنها هدمت ~~ثلاثة أبراج قلعتها . فندب الأمير علاء الدين أيدغدي الشجاعي من دمشق ، ~~وصحبته الصناع لعمارة ما انهدم بالكرك . وفيها ، أمر السلطان بالقبض على ~~الأمير عز الدين أزدمر العلائي ، أحد الأمراء PageV31P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" بدمشق : فقبض عليه ، وجهز إلى الأبواب ~~السلطانية في غرة شهر ms7247 ربيع الأول . ذكر توجه السلطان إلى الصعيد وفي هذه ~~السنة ، توجه السلطان إلى جهة الصعيد للصيد ، واستصحب معه الصاحب شمس الدين ~~بن السلعوس ، وترك الأمير بدر الدين بيدرا بقلعة الجبل . وانتهى السلطان ~~إلى مدينة قوص ، وتصيد بها . وأمر الحجاب والنقباء أن ينادوا في العسكر أن ~~يتجهزا لغزو اليمن . ثم عاد السلطان إلى قلعة الجبل . ولما كشف الصاحب شمس ~~الدين بن السلعوس الوجه القبلي في هذه السفرة ، وجدت الجهات الجارية في ~~ديوان الأمير بدر الدين بيدرا من الإقطاعات والمشتروات والحمايات ، أكثر ~~مما هو جار في الخاص السلطاني . ووجد الشون السلطانية بنواحي الوجه القبلي ~~، خالية من الغلال والحواصل ، وشون الأمير بدر الدين بيدرا مملوءة . فأنهى ~~ذلك إلى السلطان وأطلعه عليه ، فتغير السلطان على بيدرا . واتصل هذا الخبر ~~به ، فقصد تلافيه . وجهز للسلطان تقدمة عظيمة ، كان من جملتها ، خيمة أطلس ~~معدني أحمر ، بأطناب ابريسم بأعمدة صندل ، محلاة ومفصلة بالفضة المذهبة ، ~~وبسطها ببسط الحرير ، وما يناسب هذه الخيمة من التقادم . وضرب هذه الخيمة ~~بالعدوية ، فنزل السلطان بها ساعة من نهار ، وما أظهر البشاشة للتقدمة ، ~~ولا استحسنها مع عظمها . ثم ركب وطلع إلى قلعة الجبل ، وارتجع بعض جهات ~~بيدرا للخاص السلطاني . PageV31P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" ذكر توجه السلطان إلى الشام وأخذ بهسنا من ~~الأرمن وإضافتها إلى الممالك الإسلامية وفي هذه السنة ، بعد عود السلطان من ~~جهة الصعيد ، تجهز بعساكره إلى الشام . وأمر الأمير بدر الدين بيدرا ، أن ~~يتوجه بالعساكر إلى دمشق على الطريق الجادة . وتوجه الصاحب بالخزانة إليها ~~، وركب السلطان على الهجن ، وفي خدمته جماعة من الأمراء والخاصكية . وتوجه ~~إلى الكرك وشاهد حصنها ورتب أموالها ، وتوجه منها إلى دمشق . فكان وصوله ~~إليها ، في تاسع جمادى الآخرة . ووصل نائب السلطنة والصاحب قبله بثلاثة ~~أيام . ولما حل ركابه بدمشق ، أمر بتجهيز العساكر إلى بلاد سيس ، فوصل رسل ~~صاحب سيس ، يسألون مراحم السلطان وعواطفه ، ويبذلون له الرغائب . فاتفق ~~الحال على أن يسلموا لنواب السلطان بهسنا ومرعش وتل حمدون . فأعاد السلطان ~~رسله ، وصحبتهم الأمير سيف الدين طوغان والي بر دمشق ms7248 ، فتسلمها وبلادها . ~~ووصل البريد بذلك في العشر الأول من شهر رجب . ودقت البشائر لذلك . ورتب ~~السلطان في نيابة السلطنة ببهسنا ، الأمير بدر الدين بكتاش المنصوري ، وعين ~~لها قاضيا خطيبا . واستخدم بها رجالا وحفظة . ثم وصل الأمير سيف الدين ~~طوغان ، وصحبته رسل سيس ، بالحمل والتقادم . وكان وصولهم إلى دمشق ، في ~~ثامن عشرين شهر رجب بعد عود السلطان ، فتوجهوا إلى الديار المصرية . وهذه ~~بهسنا من أعظم القلاع وأحصنها ، ولها ضياع كثيرة . وهي في فم الدربند ، ~~وكانت بيد ملوك الإسلام بحلب ، إلى أن ملك هولاكو حلب . وكان النائب بها من ~~جهة الملك الناصر ، الأمير سيف الدين العقرب ، فأباعها لصاحب سيس ، بمائة ~~ألف درهم ، أعطاه منها ستين ألف درهم ، وتسلمها الأرمن أهل سيس ، وبقيت في ~~أيديهم إلى الآن . PageV31P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" ذكر القبض على الأمير حسام الدين مهنا ابن ~~عيسى وإخوته وفي هذه السنة ، في ثاني من شهر رجب ، توجه السلطان من دمشق ~~إلى حمص ، بجماعة من العساكر ، وأعاد ضعفة العساكر إلى الديار المصرية . ثم ~~توجه السلطان من حمص إلى سلمية ، في ضيافة الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى ~~. فلما قدم للسلطان ضيافته ، أمر بالقبض عليه ، وعلى إخوته فقبض عليهم ، ~~وهو على الطعام ، وجهزه تحت الاحتياط ، صحبة الأمير حسام الدين لاجين ، ~~فوصل به إلى دمشق ، في يوم الأحد سابع شهر رجب . ووصل السلطان إلى دمشق ، ~~في بقية النهار . وجعل السلطان إمرة العرب ، بعد القبض على مهنا ، لابن عمه ~~الأمير محمد بن أبي بكر علي بن حذيفة . ثم أمر السلطان الأمير بدر الدين ~~بيدرا نائب السلطنة ، أن يتوجه بالعساكر إلى الديار المصرية ، هو والصاحب ~~شمس الدين والخزانة ، كما حضرا من حمص . فتوجها من دمشق في يوم الخميس حادي ~~عشرة شهر رجب . وتوجه السلطان بعدهما ، ببعض الأمراء والخاصكية . وركب من ~~دمشق في الساعة السابعة من يوم السبت ثالث عشر الشهر . وأراد بذلك الانفراد ~~بنفسه وخواصه ، والانفراد بهم في الصيد ، وأن لا يشتغل بالعساكر . ووصل إلى ~~غزة ، في بكرة يوم الأربعاء سابع عشر الشهر . ووصل إلى القاهرة ms7249 في الثامن ~~والعشرين من شهر رجب . ذكر هدم قلعة الشوبك وفي هذه السنة ، في شهر رجب ، ~~أمر السلطان الأمير عز الدين أيبك الأفرم ، أمير جاندار أن يتوجه إلى قلعة ~~الشوبك ويهدمها ، وذلك عند توجه السلطان من دمشق إلى حمص . فراجعه في ذلك ، ~~وبين له فساد هذا الرأي ، فانتهره ، فتوجه إليها وهدمها ، وأبقى القلة . ~~وكان هدمها من الخطأ ، وسوء التدبير ، فإن القلاع والحصون معاقل الإسلام ، ~~وذخائر المسلمين ، وإليها يلجأون في أوقات الشدائد والحصارات ، ومنازلة ~~الأعداء ، وهو أمر لا يؤمن . PageV31P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" وبعد عود السلطان إلى الديار المصرية ، رسم ~~السلطان للأمير سيف الدين طوغان ، أن يتوجه إلى نيابة السلطنة ، بقلعة ~~المسلمين ، عوضا عن الأمير عز الدين أيبك الموصلي المنصوري . وولى الأمير ~~سيف الدين استدمر كرجي بر دمشق ، عوضا عن طوغان . ذكر حادثة السيل ببعلبك ~~وفي هذه السنة ، في رجب ، وصل كتاب النائب ببعلبك ، يخبر أنه وقع على مدينة ~~بعلبك ، أمطار وثلوج كثيرة جدا ، وأن المطر كان ينزل وكأنه قد جبل بطين ، ~~وأن السيل وصل إلى باب بعلبك ، المسمى بباب دمشق ، وعلا حتى وصل إلى شرفات ~~السور . ثم انحدر بعد ذلك ، واقتلع كروما كثيرة ، ونقل أحجارا وصخورا ، وطم ~~أكثر الطرقات ، وأنه أحصى ما أفسد ببعلبك ، وكانت قيمته تزيد على مائة ألف ~~دينار وخمسين ألف دينار . وفيها ، أمر السلطان ، بالقبض على الأمير عز ~~الدين أيبك الأفرم ، أمير جاندار ، فقبض عليه في شوال ، ووقعت الحوطة على ~~موجوده وحواصله بالديار المصرية والشام . ذكر ختان الملك الناصر ، وما حصل ~~من الاهتمام بذلك وفي هذه السنة ، أمر السلطان بالاهتمام لختان أخيه الملك ~~الناصر ، ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور ، وأن ينصب القبق تحت ~~قلعة الجبل مما يلي PageV31P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" باب النصر . فنصب في العشرين من ذي الحجة ، ~~ورماه الأمراء والأكابر ومن له ولمثله عادة بذلك . وفرق السلطان الأموال ~~على من أصابه . وكان ممن أصابه الأمير بدر الدين بيسري الشمسي الصالحي . ~~فرماه ما لم يرمه غيره قبله . وذلك أنه كان قد اقترح سرجا وطئ الرادفة جدا ms7250 ~~. فلما رآه السلطان ، قال له قد كبرت يا أمير بدر الدين ، فاقترحت هذا ~~السرج ، ليسهل عليك الركوب . فقال : إن كان المملوك قد كبر ، فقد رزقت ستة ~~أولاد ، وهم في خدمة السلطان ولم أكن أقترح هذا السرج إلا لأجل القبق . ثم ~~ساق الأمير بدر الدين نحو صاري القبق . والعادة جارية أن الرامي لا يرميه ~~إلا إذا صار بجانب الصاري . فساق إلى أن تعدى الصاري ، فما شك الناس أنه ~~فاته الرمي . ثم استلقى على ظهر فرسه ، حتى صار رأسه على كفل الفرس ، فرماه ~~وهو كذلك ، بعد أن تعداه ، فأصاب القرعة وكسرها . فصرخ الناس لذلك ~~واستعظموه . وظهرت للسلطان فائدة السرج ، فأمر أن ينعم عليه بما بقي في ذلك ~~الوقت ، من المال المرصد للإنعام فأعطيه ، وكان خمسة وثلاثين ألف درهم . ~~وخلع عليه ، وعظم في صدور الناس ، زيادة عما عندهم من تعظيمه . وعلموا ~~عجزهم عن الإتيان بما أتى به ، وفعل ما فعله . ثم كان الختان المبارك ، في ~~يوم الإثنين ، الثاني والعشرين من ذي الحجة . ونثر الأمراء الذهب الكثير في ~~الطشوت حتى امتلأت . وفيها ، في ليلة الثلاثاء حادي عشر صفر ، توفي الأمير ~~الصالح شمس الدين أبو البيان ، نبا ابن الأمير نور الدين أبي الحسن علي ابن ~~الأمير شجاع الدين هاشم ابن حسن بن حسين ، أمير جاندار المعروف بابن ~~المحفدار ، بداره بالروضة ، قبالة مصر ، بعد أن صلى العشاء الآخرة ، بسورة ~~" هل أنى على الإنسان حين من الدهر " فلما فرغ من الصلاة ، سجد سجدة ، فمات ~~في سجدته ، وكانت عادته أن يسجد عقيب صلاته ، ويدعو الله في سجوده . ودفن ~~من الغد في القرافة بتربته ، بقرب تربة الإمام الشافعي . وكان رحمه الله ~~تعالى ، دينا حسن السيرة والوساطة ، احتوى على أوساط جميلة ، يثق الملوك ~~PageV31P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" به ويعلمون خيره وديانته ، رحمه الله تعالى . ~~وفيها ، في ليلة الأربعاء ، ثاني عشر جمادى الآخرة ، توفي الملك الزاهر ~~مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه ، ابن الملك القاهر ~~ناصر الدين محمد ابن الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادي بن مروان ، ~~ببستانه ms7251 المعروف ببستان سامه ، بالسهم ، ظاهر دمشق . وصلي عليه ظهر يوم ~~الأربعاء بالجامع المظفري ، ودفن بتربته بسفح قاسيون ، رحمه الله تعالى . ~~ذكر وفاته الشيخ شمس الدين الجزري . وفيها ، توفي القاضي محيي الدين عبد ~~الله ابن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر . كانت وفاته بالقاهرة في يوم ~~الأربعاء ثالث رجب الفرد ، ودفن بالقرافة ، رحمه الله تعالى . وفضائله ~~وشهرته بالرئاسة والآداب ، تغني عن شرح . وقد قدمنا من كلامه في كتابنا هذا ~~، ما يقف عليه في مواضعه ، وله شعر رقيق . فمن شعره قوله : ما غبت عنك ~~لجفوة وملال . . . يوما ولا خطر السلو ببالي يا مانعي طيب المنام ومانحي . ~~. . ثوب السقام وتاركي كالال عن من أخذت جواز منعي ريقك الم . . . عسول يا ~~ذا المعطف العسال عن ثغرك النظام أم عن شعرك ال . . . فحام أم عن جفنك ~~الغزالي فأجابني أنا مالك شرع الهوى . . . والحسن أضحى شافعي وجمالي وشقائق ~~النعمان أينع نبتها . . . في وجنتي وحماه رشق نبالي والصبر أحمد للمحب إذا ~~ابتلا . . . ه الحب في شرع الهوى بسؤال وعلى أساري الحب في حكم الهوى . . . ~~بين الأنام عرفت بالقفال PageV31P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" وتفقه العشاق في فكل من . . . نقل الصحيح ~~أجزته بوصالي وفيها ، في يوم الخميس ، سابع عشر شعبان ، كانت وفاة قاضي ~~القضاة معز الدين النعمان بن الحسن بن يوسف ، قاضي الحنفية بالديار المصرية ~~، ودفن يوم الجمعة بالقرافة . وولي قضاء الحنفية بعده ، قاضي القضاة شمس ~~الدين أحمد السروجي الحنفي . وفيها ، كانت وفاة الملك الأفضل نور الدين علي ~~ابن الملك المظفر محمود ، وهو عم الملك المظفر ابن الملك المنصور صاحب حماه ~~. وقد تقدم ذكر نسبه في مواضع من كتابنا هذا . وتوفي بدمشق في يوم الإثنين ~~، مستهل ذي الحجة . وصلي عليه بجامعها ، في الثالثة من النهار ، ونقل لوقته ~~إلى حماه ، فدفن بها ، رحمه الله . وهو والد الملك المؤيد عماد الدين ~~اسماعيل صاحب حماه في وقتنا هذا . وفيها ، كانت وفاة الملك الكامل ناصر ~~الدين محمد ابن الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف ، ابن الملك المسعود صلاح الدين أقسيس ms7252 ، ابن الملك الكامل ناصر الدين ~~محمد ، ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب ، قبل العصر من ~~يوم الخميس ، خامس شهر رجب من السنة . ومولده بالكرك ، بعد العشاء الآخرة ، ~~من ليلة الأربعاء سادس عشر شوال ، سنة تسع وخمسين وستمائة ، رحمه الله ~~تعالى . واستهلت سنة ثلاث وتسعين وستمائة [ 693 ه 1293 - 1294 م ] ذكر مقتل ~~السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين ~~قلاوون رحمهما الله تعالى كان مقتله رحمه الله ، في يوم السبت ثاني عشر ~~المحرم ، سنة ثلاث وتسعين وستمائة . وذلك أنه توجه إلى الصيد بجهة البحيرة ~~. وركب من قلعة الجبل في ثالث المحرم ، وعزم على قصد الحمامات الغربية . ~~وتوجه الصاحب شمس الدين ابن PageV31P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" السلعوس إلى ثغر الاسكندرية ، لتحصيل الأموال ~~، وتجهيز تعابي الأقمشة . فوجد نواب الأمير بدر الدين بيدرا بالثغر قد ~~استولوا على المتاجر والاستعمالات وغير ذلك . فكاتب السلطان بذلك ، وعرفه ~~أنه لم يجد بالثغر ما يكفي الإطلاقات ، على جاري العادة . فغضب السلطان ~~لذلك غضبا شديدا ، واستدعى بيدرا بحضور الأمراء ، وأغلظ له في القول ، ~~وشتمه وتوعده فتلطف بيدرا في الجواب حتى خرج من بين يدي السلطان ، وجمع ~~أعيان الأمراء من خوشداشيته ، وهم الأمير حسام الدين لاجين ، والأمير شمس ~~الدين قراسنقر المنصوريان وغيرهما ، فاتفقوا على الوثوب به . وكان السلطان ~~قد أعطى الأمراء الأكابر دستورا ، أن يتوجهوا إلى إقطاعاتهم ، وانفرد هو ~~بخاصكيته . وفي أثناء ذلك ، ركب السلطان في نفر يسير من مماليكه للصيد بقرب ~~الدهليز ، بمنزلة تروجة . فانتهز بيدرا الفرصة ، وركب وصحبته لاجين ~~وقراسنقر وبهادر ، رأس نوبة ، وأقسنقر الحسامي ، ونوغيه ، ومحمد خواجا ، ~~وطرنطاي الساقي ، والطنذغا ، رأس نوبة ، ومن انضم إليهم . وتوجهوا نحو ~~السلطان ، وكان بينهم وبينه مخاضة ، فخاضوها وقدموا عليه . فقيل إن بيدرا ~~ضربه بالسيف ، فالتقاه بيده ، فلم يعمل PageV31P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" عملا طائلا ، فسبه لاجين ، وضربه بالسيف ضربة ~~هدلت كتفه ، وأخذته السيوف حتى قتل ، في التاريخ الذي ذكرناه . وحكي عن ~~شهاب الدين أحمد بن الأشل ، أمير شكار ، في كيفية مقتل السلطان . قال ms7253 : لما ~~رحل الدهليز والعسكر ، جاء الخبر إلى السلطان أن بنزوجة طيرا كثيرا ، فساق ~~، وأمرني أن أسوق في خدمته ، فسقت معه . وقال لي : عجل بنا ، حتى نسبق ~~الخاصكية . فسقنا فرأينا طيرا كثيرا ، فصرع منه بالبندق . ثم التفت إلي ~~وقال لي : أنا جيعان ، فهل معك ما آكل . فقلت : والله ما معي غير رغيف واحد ~~وفروج في صولقي ، ادخرته لنفسي . فقال : ناولنيه ، فناولته له ، فأكله ~~جميعه . ثم قال لي : امسك فرسي ، حتى أنزل أبول . وكنت كثير البسط معه . ~~فقلت : ما فيها حيلة ، السلطان راكب حصان ، وأنا راكب حجر ، وما يتفقان . ~~فقال لي : انزل أنت ، واركب خلفي حتى أنزل أنا . قال : نزلت وناولته عنان ~~فرسي ، فأمسكه . وركبت خلفه . ثم نزل وقعد على عجزه وبال ، وبقي يعبث بذكره ~~، ويمازحني . ثم قام ، وركب حصانه ، ومسك فرسي حتى ركبت . فبينما أنا وهو ~~نتحدث ، وإذا بغبار عظيم قد ثار نحونا . فقال لي السلطان : اكشف لي خبر هذا ~~الغبار ، ما هو . قال : فسقت وإذا أنا بالأمير بدر الدين بيدرا والأمراء ~~معه . فسألتهم عن سبب مجيئهم . فلم يكلموني ولا التفتو إلي ، وساقوا على ~~حالهم ، حتى قربوا من السلطان ، فابتدره الأمير بدر الدين بيدرا ، وضربه ~~بالسيف . فقطع يده . ثم ضربه لاجين على كتفه فحله ، وسقط على الأرض . وجاء ~~بهادر ، رأس نوبة ، فوضع السيف في دبره ، وأنكأ عليه حتى أطلعه من حلقه ، ~~واشترك من ذكرنا من الأمراء في قتله . وهذه الحكاية تدل على أن السلطان ، ~~كان قد انفرد عن مماليكه ، ولم يكن معه غير شهاب الدين أمير شكار ، الحاكي ~~وبقي الملك الأشرف ملقى في المكان ، الذي قتل فيه يومين . ثم جاء الأمير عز ~~الدين ايدمر العجمي متولي تروجة وأهلها إليه ، وحملوه إليها في تابوت . ~~وغسلوه في الحمام وكفنوه ، وجعلوه في تابوت ، ووضعوه في PageV31P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" بيت المال ، في دار الولاية بنزوجة ، إلى أن ~~حضر من القاهرة الأمير سيف الدين كوجبا الناصري . فنقله في تابوته إلى ~~تربته ، التي أنشأها بظاهر القاهرة ، بجوار مشهد السيدة نفيسة ، ودفن بها ~~في سحر يوم الخميس الثاني ms7254 والعشرين من صفر ، من هذه السنة . وكانت مدة ~~سلطنته ، ثلاث سنين وشهرين وأربعة أيام . وكان رحمه الله تعالى ، ملكا ~~شجاعا كريما ، خفيف الركاب ، مظفرا في حروبه . ولم يخلف ولدا ذكرا . وإنما ~~مات عن بنتين ، وزوجته أردكين أمهما ابنة الأمير سيف الدين نوكيه . وورثه ~~معهن أخواه السلطان الملك الناصر ، ودار مختار الجوهري . ذكر خبر الأمير ~~بدر الدين بيدرا ومن معه من الأمراء الذين وافقوه وما كان منهم ، ومقتل ~~بيدرا قال : ولما قتل السلطان الملك الأشرف ، عاد الأمير بدر الدين بيدرا ، ~~ومن معه من الأمراء إلى الوطاق . فتقرر بينهم أن السلطنة تكون لبيدرا ، ~~ولقب الملك القاهر ، وقيل الملك الأوحد . ثم ركبوا وقبضوا على الأمير بدر ~~الدين بيسري ، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار ، أمير جاندار ، وقصدوا ~~قتلهما . فشفع فيهما بعض الأمراء . وكان بالدهليز السلطاني من الأمراء : ~~الأمير سيف الدين برلغي ، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير ، والأمير ~~حسام الدين لاجين أستاذ الدار ، والأمير بدر الدين بكتوت العلائي ، وجماعة ~~من المماليك السلطانية . فركبوا في آثار بيدرا ومن معه . وكان الأمير زين ~~الدين كتبغا المنصوري في الصيد ، فبلغه الخبر ، فلحق بهم . وجدوا في طلب ~~بيدرا ومن معه . فلحقوه على الطرابة . فلما التقى الجمعان ، أطلق بيدرا ~~الأميرين اللذين كان قد قبض عليهما ، ليكونا عونا له ، فكانا عونا عليه . ~~وتقدم الأمراء ، وحملوا على بيدرا حملة منكرة ، فانهزم هو ومن معه ، ~~فأدركوه فقتل . وهرب لاجين وقراسنقر ، فدخلا القاهرة واختفيا بها ، ثم ظهرا ~~بعد ذلك ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى . PageV31P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" وحكى الأمير سيف الدين أبو بكر الجمقدار ، ~~نائب أمير جاندار . قال : أرسلني السلطان أول النهار ، إلى الأمير بدر ~~الدين بيدرا ، أن يتوجه في تلك الساعة بالعسكر ، ويسوق تحت الصناجق ، ~~فأتيته فأخبرته بما أمر به السلطان ، فنفر في وجهي ، وقال السمع والطاعة . ~~ثم قال : لم يستعجلني ؟ ورأيت في وجهه أثر الغيظ والغضب ، وما لم أعهده منه ~~. ثم تركته ، وتوجهت إلى الزردخاناة وحملتها ، وحملت ثقلي . وتوجهت أنا ~~ورفيقي الأمير صارم الدين الفخري والأمير ركن الدين بيبرس ms7255 أمير جاندار . ~~فبينما نحن سائرون عند الماء ، إذ نحن بنجاب سائق ، فأخبرنا بمقتل السلطان ~~. فتحيرنا في أمرنا ، وإذا بالصناجق السلطانية قد لاحت وقربت . والأمير بدر ~~الدين بيدرا تحتها ، والأمراء محدقون به . فتقدمنا وسلمنا عليه ، فقال له ~~الأمير ركن الدين بيبرس ، أمير جاندار ، ياخوند ، هذا الذي فعلته كان ~~بمشورة الأمراء . فقال : نعم ، أنا قتلته بمشورتهم وحضورهم ، وها كلهم ~~حاضرون . وكان من جملة من معه ، الأمير حسام الدين لاجين ، والأمير شمس ~~الدين قراسنقر ، والأمير بدر الدين بيسري ، وأكثر الأمراء سائقون معه . ثم ~~شرع يعدد مساوئ السلطان الأشرف ومخازيه ، واستهتاره بالأمراء ، ومماليك ~~أبيه ، وإهماله لأمور المسلمين ، ووزارته ابن السلعوس . قال : ثم سألنا ، ~~هل رأيتم الأمير زين الدين كتبغا ؟ قلنا : لا . فقال له بعض الأمراء : ~~ياخوند ، هل كان عنده علم من هذا الأمر الذي وقع ؟ فقال : نعم ، وهو أول من ~~أشار به . فلما كان في اليوم الثاني ، إذا نحن بالأمير زين الدين كتبغا ، ~~قد جاء في طلب كبير ، فيه من المماليك السلطانية نحو ألفي فارس ، وجماعة من ~~العسكر والحلقة ، والأمير حسام الدين أستاذ الدار ؛ فالتقوه بالطرانة في ~~يوم الأحد أول النهار ، ففوق الأمير زين الدين كتبغا نحو بيدرا سهما ، وقال ~~له يا بيدرا ، أين السلطان . ثم رماه به ، ورمى جميع من معه . فقتل بيدرا ، ~~وتفرق جمعه . PageV31P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وكانت الإشارة أن أصحاب كتبغا ، شدوا ~~مناديلهم من رقابهم إلى تحت أباطهم ، ليعرفوا من غيرهم . ثم حمل رأس بيدرا ~~إلى القاهرة ، وطيف به . هذا ما كان من خبر مقتل بيدرا . ولما قتل السلطان ~~، كان الأمير علم الدين سنجر الشجاعي نائب السلطنة ، بقلعة الجبل ، فاحترز ~~على المعادي ، وأمر أهلها أن لا يعدوا بأحد من الجند من بر الجيزة إلى ساحر ~~مصر . ثم حضر الأمراء الذين قتلوا بيدرا ، وهم الأمير زين الدين كتبغا ، ~~والأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار ، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير ~~، والأمير سيف الدين برلغي ، والأمراء الخاصكية ، وهم الأمير سيف الدين ~~طغجي ، والأمير عز الدين طقطاي ، والأمير سيف الدين قطبية ، وغيرهم من ~~المماليك السلطانية ms7256 . فراسلوا الأمير علم الدين سنجر الشجاعي في طلب ~~المعادي ، فأرسلها إليهم ، فعدوا بجملتهم ، وطلعوا إلى القلعة . واجتمعوا ~~واتفقوا كلهم مع الأمير علم الدين سنجر الشجاعي ، على أن تكون السلطنة ، ~~للسلطان ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور . فنصبوه في السلطنة ، ~~وكان ما نذكره . PageV31P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" ذكر أخبار السلطان الملك الناصر ناصر الدين ~~محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي وهو ~~التاسع من ملوك دولة الترك بالديار المصرية . وأمه أشلون خانون ابنة سكناي ~~بن قراجين بن جنكاي نوين ، ملك الديار المصرية والممالك الشامية والساحلية ~~والحلبية والفراتية ، وغير ذلك مما هو مضاف إلى هذه الممالك من القلاع ~~والحصون والثغور والأعمال . وجلس على تخت السلطنة بالديار المصرية ، بقلعة ~~الجبل ، بعد مقتل أخيه ، السلطان الملك الأشرف ، صلاح الدين خليل ، وذلك في ~~رابع عشر المحرم ، سنة ثلاث وتسعين وستمائة ، وعمره يومذاك تسع سنين سواء ، ~~فإن مولده في يوم السبت ، خامس عشر المحرم ، سنة أربع وثمانين وستمائة كما ~~تقدم ، وذلك باتفاق الأمراء المنصورية ، ومن بقي من الأمراء الصالحية ~~النجمية وغيرهم ، وإجماعهم على سلطنته . واستقر أن يكون الأمير زين الدين ~~كتبغا المنصوري ، نائب السلطنة الشريفة ، والأمير علم الدين سنجر الشجاعي ~~وزير الدولة ومدبرها ، والأمير ركن الدين بيبرس المنصوري الدوادار ، وأعطي ~~إمرة مائة فارس وتقدمة ألف . وجعل إليه أمر ديوان الإنشاء في المكاتبات ~~والأجوبة والبريد . وحصلت النفقة في العساكر ، واستحلفوا للسلطان الملك ~~الناصر ، فحلفوا بأجمعهم . PageV31P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" هذا ما كان بالديار المصرية ومقر السلطنة . ~~وأما الشام ، فإنه كتب عن السلطان الملك الأشرف كتاب إلى نائب السلطنة ~~بدمشق ، وجهز مع الأمير سيف الدين ساطلمش ، وسيف الدين بهادر التتاري . ~~فوصلا به إلى دمشق ، في يوم الجمعة رابع عشرين المحرم من هذه السنة . ~~ومضمونه : إنا قد استنبنا أخانا ، الملك الناصر ، ناصر الدين محمدا ، ~~وجعلناه ولي عهدنا ، حتى إذا توجهنا إلى لقاء عدو ، يكون لنا من يخلفنا . ~~ورسم فيه ، أن يحلف الناس له ، ويقرن اسمه باسم السلطان في الحطبة . فجمع ~~نائب السلطنة الأمير عز الدين أيبك الحموي ms7257 الظاهري الأمراء والمقدمين ~~والقضاة والأعيان ، وحلفوا على ذلك . وخطب له في يوم الجمعة هذا بولاية ~~العهد ، بعد الملك الأشرف . وكان ذلك بتدبير الأمير علم الدين الشجاعي . ~~واستمر الحال على ذلك ، والخطبة للملك الأشرف ، ثم من بعده لأخيه الملك ~~الناصر ، بولاية العهد ، إلى حادي عشر شهر ربيع الأول فورد المثال السلطاني ~~الناصري بالخطبة له استقلالا بالسلطنة . فخطب له في دمشق ، في يوم الجمعة ~~الحادي عشر ، من الشهر المذكور . وورد البريد إلى الشام ، بإيقاع الحوطة ~~على موجود الأمير حسام الدين لاجين ، والأمير شمس الدين قراسنقر ، والأمير ~~بدر الدين بيدرا وغيرهم من الأمراء أصحاب بيدرا في اليوم الثامن من ورود ~~المرسوم الأول بالخطبة للسلطان بولاية العهد ، فوقعت الحوطة على موجودهم ~~وحواصلهم . ذكر خبر الأمراء الذين وافقوا بيدرا على قتل السلطان الملك ~~الأشرف لما استقر الحال في سلطنة السلطان الملك الناصر ، أمر بطلب الأمراء ~~الذين وافقوا بيدرا على قتل أخيه الملك الأشرف . فأول من وجد منهم ، الأمير ~~سيف الدين بهادر رأس نوبة ، والأمير جمال الدين آفش الموصلي الحاجب ، فضربت ~~رقبتاهما وأحرقت جثتاهما بالمجاير ، ثم حصل الظفر بعدهما بسبعة من الأمراء ~~وهم : طرنطاي الساقي ، وسيف الدين الناق الساقي الحسامي ويقال له عناق ~~السلاح دار ، PageV31P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" وسيف الدين أروس الحسامي السلاح دار ، وشمس ~~الدين أقسنقر الحسامي ، وعلاء الدين الطنبغا الجمدار ، وناصر الدين محمد ~~خواجا ، فاعتقلوا بخزانة البنود . وكان الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير ، ~~يتوجه إليهم ويعاقبهم ، ويقررهم على من باطنهم . واستمر ذلك إلى يوم ~~الإثنين خامس صفر . ثم قطعت أيديهم وأرجلهم ، وسمروا على الجمال ، وطيف بهم ~~، وأيديهم في أعناقهم ، وماتوا شر ميتة . ثم وجدوا بعد قجقر الساقي ، فشنق ~~في سنق الخيل . وأما الأمير حسام الدين لاجين ، والأمير شمس الدين قراسنقر ~~، فإنهما هربا واختفيا . وكان من أمرهما ، ما نذكره إن شاء الله تعالى . ~~هذا ما كان من أمر هؤلاء . ذكر أخبار الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس ~~الوزير وما كان من أمره ، منذ فارق السلطان الأشرف إلى أن مات تحت العقوبة ~~كان الصاحب شمس الدين ms7258 المذكور ، قد توجه إلى ثغر الاسكندرية كما ذكرنا ، ~~وطالع السلطان في حق الأمير بدر الدين بيدرا ، بما أوجب هذه الفتنة العظيمة ~~. ولما PageV31P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" وصل الصاحب إلى الاسكندرية ، ضيق على أهل ~~الثغر ، وشدد عليهم الطلب . وعزم على مصادرة أعيانهم ، وذوي الأموال منهم . ~~وأمر بإيجاد مقارع لعقوبة أهل الثغر . فبقي الناس من ذلك في شدة عظيمة ، لا ~~يرجون خلاصا إلا ببذل الأموال والأبشار ؛ وأهان متولي الثغر . فبينما الناس ~~على مثل ذلك ، إذ وقعت بطاقة لمتولي الثغر ، في عشية النهار ، تتضمن خبر ~~مقتل السلطان . فكتمها المتولي عن الصاحب وغيره ، وصبر إلى أن دخل الليل ، ~~وجاء إلى باب الصاحب ، واستأذن عليه ، فأذن له . فوقف بين يديه على عادته . ~~فقال له الصاحب : ما الذي جاء بك في هذا الوقت ، هل ظهرت لك مصلحة يعود ~~نفعها ؟ فقال : يا مولانا ، لم يخف عن علمك أن أهل هذا الثغر غزاة مرابطون ~~، وما قصد أحد أذاهم ، فتم له مقصوده ، والذين يراه المملوك ، أن يحسن ~~مولانا إليهم ، ويطيب خواطرهم ، ويفرج عنهم - هذا اللفظ أو معناه - فسبه ~~الصاحب أقبح سب . وهم أن يوقع به ، والوالي لا يزيده أن يقول : مولانا يروض ~~نفسه ، فلا فائدة في هذا الحرج . والصاحب يزيد في سبه ، والإغلاظ له ، ~~ويتعجب من إقدامه على مخاطبته بمثل هذه الألفاظ . فلما أفرط الصاحب في سبه ~~، وزاد به الحرج ، تقدم إليه بالبطاقة . وقال يقف مولانا على هذه . فلما ~~قرأها ، سقط في يده ، وخاطبه بياخوند . فقال له المتولي : ما الذي تختار . ~~فقال : الخروج من هذه الساعة . فلم يؤاخذه المتولي ، بما صدر منه في حقه ~~وفتح له باب المدينة ، وأخرجه وعرض عليه أن يجهز معه من يوصله القاهرة ~~فامتنع . وخرج من الثغر في ليلته . ولو أصبح به لقتله أهله . واستمر به ~~السير إلى أن وصل القاهرة ليلا . فبات بزاوية الشيخ جمال الدين ابن الظاهري ~~، ولم ينم في معظم الليل . وركب بكرة النهار من الزاوية ، وجاء إلى داره ، ~~وهو على هاله وهيئته . وحضر للسلام عليه القضاة وأعيان الدولة ونظارها . ~~فعاملهم بما كان ms7259 يعاملهم به من الكبر ، وعدم القيام لأكابرهم . ثم استشار ~~بعض الناس فيما يفعل ، فأشار بعضهم عليه بالاختفاء إلى أن PageV31P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" تسكن هذه الفتنة ، وتستقر القاعدة . فقال هذا ~~لا نفعله ولا نرضاه لعامل من عمالنا . فكيف نختاره لأنفسنا ، واستمر على ~~ذلك خمسة أيام . وكانت رسالة دور السلطان الملك الأشرف قد خرجت إلى الأمير ~~زين الدين كتبغا ، مضمونها الشفاعة في أمره ، وأنه لا يؤذى . وذكروه بمحبة ~~السلطان له . وأنهم إنما قاموا في طلب ثأر السلطان ، وقتل أعدائه . وأما ~~هذا فهو أخلص أولياء السلطان بخدمته ، وأدومهم على طاعته - هذا للفظ أو ~~معناه ؟ " ، فسكن أمره في هذه الأيام الخمسة الماضية . فغضب الأمير علم ~~الدين الشجاعي ، واجتمع بالأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة وغيره من ~~أكابر الأمراء . وقال : هذا الصاحب هو الذي أوقع بين السلطان ومماليكه ~~وأمرائه ونائبه . وإنما قتل السلطان بسبب هذا ، فاتبع رأيه فيه . فلما كان ~~في اليوم السادس ، وهو اليوم الثاني والعشرين من المحرم ، طلع الصاحب شمس ~~الدين بن السلعوس إلى قلعة الجبل ، فحضر إلى الأمير زين الدين كتبغا نائب ~~السلطنة ، فسلمه للأمير علم الدين الشجاعي ، فسلمه الشجاعي للأمير بهاء ~~الدين قراقوش الظاهري ، وكان من أعدائه ، ليطالبه بالأموال فضربه ضربا شديد ~~. فأنكر عليه الأمير علم الدين . ثم سيره إلى الأمير بدر الدين المسعودي ، ~~شاد الدواوين ، وهو نشو ابن السلعوس . فإنه كان قد طلب من دمشق للمصادرة ، ~~لما قتل مخدومه الأمير حسام الدين طرنطاي ، وكان يتولى ديوانه بالشام . ~~فأحسن الصاحب إليه ، وأفرج عنه ، وولاه شد الدواوين بالديار المصرية . فلما ~~سلم إليه ، عاقبه واستصفى أمواله . وكان يجلس لمصادرته وعقوبته في المدرسة ~~الصاحبية التي بسويقة الصاحب بالقاهرة . ولم يزل يعاقبه إلى أن مات تحت ~~الضرب ، وقيل إنه ضرب بعد موته ، ثلاثة عشر مقرعة ، ولم يعلم أنه مات . ~~وكانت وفاته في يوم السبت عاشر صفر سنة ثلاث وتسعين وستمائة ، ودفن ~~بالقرافة . ذكر الخلف الواقع بين الأمير علم الدين سنجر الشجاعي وزين الدين ~~كتبغا ، ومقتل الشجاعي كان الأمير علم الدين الشجاعي قد استمر في الوزارة ms7260 ~~وتدبير الدولة ، وأحكم PageV31P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" أمرها ، وهابه الناس . فلما كان في يوم ~~الخميس ، ثاني عشرين صفر ، من هذه السنة ، اجتمع الأمراء بمساطب باب القلعة ~~على العادة ، ينتظرون فتح باب القلعة ، ليركبوا في خدمة الأمير زين الدين ~~كتبغا ، نائب السلطنة . فلم يشعروا إلا وقد خرجت رسالة على لسان الأمير ~~جاندار ، يطلب جماعة من الأمراء ، وهم سيف الدين قبجاق ، وبدر الدين عبد ~~الله السلاح دار ، وسيف الدين قبلاي ، وركن الدين عمر السلاح دار أخو تمر ، ~~وسيف الدين كرجي ، وسيف الدين طرقجي ، فدخلوا إلى الخدمة السلطانية . وقام ~~الأمراء للركوب ، فبينما هم يسيرون تحت القلعة ، بالميدان الأسود ، جاء ~~إثنان من ألزام الأمير علم الدين الشجاعي ، وهما الأمير سيف الدين قنغر ، ~~وولده حاروشي . فأخبرا الأمير زين الدين كتبغا أن الأمراء الذين استدعوا ~~اعتقلوا ، وأن الشجاعي قد دبر الحيلة عليك وعلى الأمراء ، إذا طلعتم إلى ~~القلعة ، ودخلتم إلى الخوان أن يقبض عليكم . فعرف كتبغا الأمراء الذين معه ~~في المواكب الصورة . فتوقفوا عن الطلوع إلى القلعة ، وتوهموا أن الشجاعي ~~اتفق مع الأمراء المنصورية والأمراء البرجية ، والمماليك السلطانية . وكان ~~بالموكب الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار ، والأمير سيف الدين ~~برلغي ، أمي مجلس ، فأمسكوهما في الموكب ، وأرسلوهما إلى ثغر الاسكندرية . ~~وأخبرني الأمير ركن الدين بيبرس ، في ليلة الثامن من شوال سنة سبع وسبعمائة ~~، أنه ضرب على رأسه بدبوس ، وأراني أثر الضربة . وكان قد ذكر لي ذلك ، في ~~أثناء ذكره لسالف خدمة السلطان ، وما لقيه وقاساه . PageV31P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" ولما أمسكا ، حصلت مفاوضة بين الأمير علم ~~الدين سنجر البندقداري ، وبين الأمير زين الدين كتبغا . فقال البندقداري له ~~: ابن لاجين ، أحضره . فقال : ما هو عندي . فقال : بل هو عندك . فجرد ~~البندقداري سيفه ليضرب به كتبغا ، فضربه بدر الدين بكتوت الأزرق ، ممولك ~~كتبغا بسيفه ، حل كتفه ثم ألقوه عن فرسه ، وذبح بسوق الخيل . وتوجه الأمير ~~زين الدين كتبغا ومن معه من الأمراء ، إلى الباب المحروق وخرجوا منه ونزلوا ~~بظاهر السور ، وأمروا مماليكهم وألزامهم وأجنادهم أن يلبسوا عددهم . وأرسل ~~الأمير زين ms7261 الدين كتبغا نقباء الحلقة ، وطلب المقدمين فحضروا إليه ، وراسل ~~السلطان الملك الناصر ، في طلب الأمير علم الدين الشجاعي . وقال إن هذا قد ~~انفرد برأيه في القب ضعلى الأمراء . وبلغنا عنه ما أنكرناه ، ونختار حضوره ~~ليحاقق عما نقل عنه . فامتنع عن الحضور . ثم طلع السلطان على البرج الأحمر ~~، وتراءى للأمراء ، فنزلوا وقبلوا الأرض من مواقفهم . وقالوا نحن مماليك ~~السلطان ، ولم نخلع يدا عن طاعة ، وليس قصدنا إلا حفظ نظام الدولة ، واتفاق ~~الكلمة ، وإزالة أسباب المضار والفساد عن المملكة . واستمر الحصار سبعة ~~أيام ، وكان الشجاعي ينزل إليهم ، ويناوشهم القتال ، ومعه طائفة من الأمراء ~~وهم : الأمير سيف الدين بكتمر ، السلاح دار ، وسيف الدين طفجي ، وجماعة من ~~المماليك السلطانية . ثم فارقه الأمراء والمماليك ، فكانوا يتسللون عشرة ~~عشرة . فلما رأى حاله انتهت إلى هذه الغاية ، قال إن كنت أنا الغريم ، فأنا ~~أتوجه إلى الحبس طوعا مني ، وأبرأ إلى الأمراء مما نقل إليهم عني . وحضر ~~إلى باب الستارة السلطانية ، وحل سيفه بيده ، وذهب نحو البرج . وتوجه معه ~~الأمير سيف الدين الأقوش ، والأمير سيف الدين صمغار ، ليحبساه بالبرج ~~الجواني . فوثب عليه مملوك الأقوش ، فقتله وحز رأسه . وأنزلوه إلى الأمير ~~زين الدين كتبغا ، وقد لف في بقجة . فأمر بأن يطاف برأسه القاهرة ومصر ، ~~وظواهرهما . فطاف به المشاعلية على رمح ، وأشهروا قتله . ثم طلع الأمير زين ~~الدين كتبغا والأمراء إلى القلعة ، في يوم الثلاثاء سابع عشرين صفر ، وأفرج ~~عن الأمراء الذين اعتقلوا ، وجددت الأيمان ، وأنزل من كان بالأبراج والطباق ~~، من المماليك السلطانية ، الذين اتهموا بهذه الفتنة . فأسكنت طائفة منهم ~~في مناظر الكبش ، وطائفة في دار الوزارة ، وطائفة في الميدان الصالحي ~~والميدان PageV31P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" الظاهري . واعتقل منهم جماعة . وكان من خبرهم ~~، بعد ذلك ، ما نذكره في سنة أربع وتسعين وستمائة . ذكر عدة حوادث كانت في ~~سنة ثلاث وتسعين وستمائة خلاف ما قدمناه من ولاية وعزل وغير ذلك ، والوفيات ~~في هذه السنة ، في تاسع عشر صفر ، عزل قاضي القضاة بدر الدين محمد ابن ~~جماعة الشافعي عن القضاء بالديار المصرية . وأعيد ms7262 قاضي القضاة تقي الدين ~~عبد الرحمن ابن بنت الأعز إلى القضاء . واستقر قاضي القضاة بدر الدين في ~~تدريس مدرسة الشافعي ومشهد الحسين . فلم يزل كذلك ، إلى أن توفي قاضي ~~القضاة ، شهاب الدين محمد بن أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر الخويي قاضي ~~القضاة الشافعي بدمشق . وكانت وفاته بدمشق في يوم الخميس ، خامس عشر شهر ~~رمضان من هذه السنة . ومولده في رابع عشرين شوال ، سنة ست وعشرين وستمائة ، ~~وقيل في رجب من السنة . ففوض الملك الناصر محمد بن قلاوون القضاء بعد وفاته ~~لقاضي القضاة ، بدر الدين بن جماعة ، فتوجه إلى الشام . وكان وصوله إلى ~~دمشق في رابع عشر ذي الحجة من السنة . وفيها ، في تاسع عشرين صفر فوضت ~~الوزارة للصاحب الوزير تاج الدين محمد ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن ~~الصاحب الوزير بهاء الدين علي ، المعروف بابن حنا . وفوضت وزارة الصحبة ، ~~لابن عمه الصاحب عز الدين ابن الصاحب محيي الدين ابن الصاحب بهاء الدين ، ~~وكانا يجلسان جميعا في شباك الوزارة ، وبوقع الصاحب تاج الدين . وفيها ، في ~~سلخ صفر . أفرج عن الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحي . وكان الملك ~~الأشرف قد اعتقله ، في يوم السبت ثاني شوال ، سنة اثنتين وتسعين وستمائة . ~~وفيها ، في يوم عيد الفطر ، ظهر الأمير حسام الدين لاجين ، والأمير شمس ~~الدين قراسنقر المنصوريان ، من الاستتار ، وكانا عند هربهما ، أطلعا الأمير ~~سيف الدين بتخاص الزيني ، مملوك كتبغا PageV31P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" على حالهما . فأعلم أستاذه بهما ، وتلطف في ~~أمرهما . فتحدث الأمير زين الدين كتبغا مع السلطان ، فعفا عنهما ، وأمرهما ~~كما كانا أول مرة . وتلطف كتبغا في إظهار لاجين تلطفا حسنا . وهو أنه تحدث ~~مع الأمير بدر الدين بكتاش الفخري ، أمير سلاح في إحضاره . فركب معه ، ووقف ~~تحت قلعة الجبل ، ولم يزل إلى أن أذن له ، وأصلح بينه وبين الأمراء ~~والمماليك السلطانية ، وزال ما بينهم من الوحشة . وكان كتبغا في أمر لاجين ~~، كالباحث عن حتفه بظلفه . فإنه فعل معه ، ما نذكره إن شاء الله تعالى . ~~وفي هذه السنة ، قصر النيل فلم ms7263 يوف ، وانتهت زيادته إلى خمسة عشر ذراعا ، ~~وثلث ذراع . فارتفعت بسبب ذلك الأسعار . وكان من الغلاء ما نذكره بعد . وفي ~~هذه السنة ، في رابع عشرين ربيع الأول ، كانت وفاة الملك شهاب الدين غازي ~~ابن الملك المعز مجير الدين يعقوب ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي ~~بكر محمد بن أيوب ، بداره بالخور بدمشق ، ودفن بتربتهم بقاسيون ، رحمهم ~~الله تعالى . وفيها ، كانت وفاة الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان ~~الأسعردي . وقد قدمنا ذكر وزارته مرة بعد أخرى . وكان إذ عزل عن الوزارة ، ~~أخذ دواته وعاد إلى ديوان الإنشاء ، وكتب من جملة الكتاب . وأصله من المعدن ~~، من أعمال أسعرد . فلما فتح الملك الكامل آمد ، كان ابن لقمان يكتب على ~~عرصة الغلة ، وينوب عن ناظر البيوت بها . وكان بهاء الدين زهير ، صاحب ~~ديوان الإنشاء للملك الكامل ، وبعده للملك الصالح ، وهو يومئذ وزير الصحبة ~~. فكانوا يستدعون من صاحب أسعرد أصنافا ، فتأتي الرسائل بالأصناف بخط ابن ~~لقمان ، فتعرض على بهاء الدين زهير ، فيعجبه خطه PageV31P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" وعبارته . فطلبه فحضر إلى خدمته ، وتحدث معه ~~، فعرض عليه أن يسافر صحبته إلى الديار المصرية ، فأجاب إلى ذلك . وسر به ، ~~فاستصحبه معه ، وناب عنه بديوان الإنشاء إلى الأيام الصالحية . ثم استقل ~~بعد ذلك بصحابة ديوان الإنشاء ، ووزر كما تقدم . ولما انفصل من الوزارة قال ~~: جاءت فما كثرت ، وراحت فما أثرت . وله نظم حسن ، وقد قدمنا ذكر شيء من ~~كلامه ، رحمه الله تعالى . وفيها ، في يوم الخميس ، منتصف جمادى الآخرة ، ~~توفي الأمير بدر الدين بكتوت العلائي ، وكانت وفاته بالقاهرة . وقد عظم ~~شأنه ، وسمت همته ، حتى تعرض لطلب بعض الأكابر الأمراء الخاصكية الأشرفية ، ~~مقدمي الألوف . فيقال إنه سقي سما فمات ، سامحه الله تعالى . وفيها ، في ~~يوم الخميس ، خامس شعبان ، توفي الملك الحافظ غياث الدين أبو عبد الله محمد ~~ابن الملك السعيد معين الدين بن شاهانشاه ابن الملك الأمجد مجد الدين بهرام ~~شاه بن فروخ شاه بن شاهانشاه بن أيوب ، وصلي عليه بعد صلاة الجمعة بجامع ~~دمشق ، ودفن بتربة ابن المقدم ms7264 ، بمقبرة باب الفراديس ، رحمه الله . واستهلت ~~سنة أربع وتسعين وستمائة [ 694 ه 1294 - 1295 م ] ذكر الفتنة التي قصد ~~المماليك السلطانية إثارتها لما كان في ليلة العاشر من المحرم ، من هذه ~~السنة ، تجمعت المماليك السلطانية ، الذين في الكبش ، ومناظر الموادين ، ~~وحرقوا باب السعادة ، ودخلوا منه إلى المدينة . وطلبوا خوشداشيتهم ~~المعتقلين بها ، الذين بدار الوزارة ، PageV31P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" للركوب معهم ، فما أجابوهم لذلك . فكسروا ~~خزانة البنود ، وأخرجوا من كان بها من خوشداشيتهم ، ونهبوا الاسطبلات التي ~~تحت القلعة . وركبوا الخيول ، وداروا عليها تحت القلعة ، من جهة سوق الخيل ~~، طول الليل . فلما كان من الغد ، ركب الأمراء الذين في القلعة وقصدوهم ، ~~وتصافوا واقتتلوا يسيرا . ثم جاء الأمير سيف الدين الحاج بهادر ، السلاح ~~دار ، الحلبي ، وهو يومئذ أمير حاجب ، فهزمهم فتفرقوا في ضواحي القاهرة ~~وشوارعها ، فأخذوا وجيء بهم . وجلس الأمير زين الدين كتبغا بباب القلعة ، ~~وضربت رقاب بعضهم بين يديه ، وفرق بعضهم على الأمراء ، وغرق بعضهم سرا . ~~وكانت هذه الحادثة سببا لحركة الأمير زين الدين وركوبه في السلطنة . ~~PageV31P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" ذكر سلطنة السلطان الملك العادل زين الدين ~~كتبغا المنصوري وهو العاشر من ملوك دولة الترك بالديار المصرية كان جلوسه ~~على تخت السلطنة في يوم الأربعاء ، حادي عشر المحرم سنة أربع وتسعين ~~وستمائة . وكان سبب ذلك ، أنه لما ملك السلطان الملك الناصر ، واستقر هو في ~~نيابة السلطنة كما تقدم ، شرع يمهد القواعد لنفسه في مدة نيابته ، ويقرر ~~الأحوال ، ويستميل الأمراء . فلما كان في أول هذه السنة ، انقطع في دار ~~النيابة ، بقلعة الجبل ، وادعى الضعف . وإنما كان انقطاعه لتقرير أمر ~~السلطنة له . وركب السلطان الملك الناصر ، وجا إلى دار النيابة للسلام عليه ~~وعيادته فلما اتفقت فتنة المماليك المتقدمة ، جلس الأمير زين الدين كتبغا ~~في اليوم الثاني منها ، بدار النيابة . وجمع الأمراء ، وذكر لهم أن ناموس ~~السلطنة ، وحرمة المملكة ، لا يتم لصغر سن السلطان الملك الناصر . فاجتمعت ~~آراء الأمراء على إقامة الأمير زين الدين كتبغا في السلطنة . وحلفوا له ، ~~وقدم له فرس النوبة بالرقبة الملوكية ، وعليها ms7265 ألقابه . وركب من دار ~~النيابة ، قبل أذان العصر ، من هذا اليوم . ودخل من باب القلة إلى الأدر ~~السلطانية ، والأمراء مشاة في خدمته . ودخل على تخت السلطنة ، وتقلب بالملك ~~العادل . وحجب السلطان الملك الناصر ، وجعله في بعض القاعات هو وأمه . ~~وعامله بما لا يليق أن يعامله به . فكانت مدة سلطنة الملك الناصر هذه - وهي ~~السلطنة الأولى - سنة واحدة إلا ثلاثة أيام . ولم يكن له في هذه المدة من ~~الأمر شيء . وإنما جرى عليه أمر السلطنة ، وخطب باسمه على المنابر ، وضربت ~~السكة باسمه . وأما غير ذلك من الأمر والنهي ، والولاية والعزل ، ~~PageV31P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" والإطلاق والمنع ، والتأمير وإعطاء الإقطاعات ~~، وغير ذلك من الأوامر ، فللأمير زين الدين كتبغا النائب ، الملقب الآن ~~بالملك العادل . وفي يوم الخميس ثاني عشر المحرم ، مد الملك العادل زين ~~الدين كتبغا سماطا عظيما ، وجلس على عادة الملوك . ودخل الأمراء إليه ، ~~وقبلوا يده ، وهنوه بالسلطنة وخلع على الأمير حسام الدين لاجين المنصوري ، ~~وفوض إليه نيابة السلطنة ، وجعل الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحي ، ~~أمير جاندار ، والأمير يسف الدين الحاج بهادر الحلبي ، أمير حاجب . وأمر أن ~~تجهز الخلع لسائر الأمراء والمقدمين ، وللوزيرين الصاحب تاج الدين وابن عمه ~~عز الدين ، وقضاة القضاة وأرباب المناصب ، ومن جرت عادتهم بالخلع ، ~~والمماليك السلطانية الذين كانوا بدار الوزارة ، كونهم لم يوافقوا ~~خوشداشيتهم ، على إقامة الفتنة . وركب الناس بالتشاريف ، في يوم الخميس ، ~~تاسع عشر المحرم . ولما جلس على تخت السلطنة ، كتب إلى نائب السلطنة بدمشق ~~، وسائر النواب بالممالك الشامية والأعمال ، يخبرهم بخبر سلطنته ، ويطلب ~~منهم بذل اليمين . وكل أجاب بالسمع والطاعة ، وبادر إلى الحلف ، وما اختلف ~~عليه إثنان . ومن غريب ما حكي في أمر الملك العادل هذا ، أن هولاكو لما ~~استولى على حلب ، وملك الشام أجمع ، كما تقدم ، وعزم على تجريد العساكر إلى ~~الديار المصرية ، أحضر نصير الدين الطوسي ، وقال له : تكتب أسماء مقدمي ~~عساكري ، وتنظر أيهم يملك مصر ، ويجلس على تخت السلطنة بها . فكتب أسماءهم ~~، وحسب ودقق النظر ، فما ظهر له ، أنه يملك الديار المصرية إلا ms7266 كتبغا ، ~~فذكر ذلك لهولاكو . وكان كتبغا نوين صهر هولاكو ، فقدمه على العساكر وسيره ~~، فقتل في وقعة عين جالوت ، كما تقدم . وكان كتبغا هذا ، في عسكر كتبغا ~~نوين ، فسبي وهو شاب . ولعله كان في سن بلوغ الحلم أو نحوه . وأخر الله ~~السلطنة بالديار المصرية لهذا الاسم . وكان بين الحادثين ست وثلاثون سنة . ~~PageV31P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" ولما ملك كتبغا ، شرع في تأمير مماليكه ~~وتقدمتهم . فكان أول من أمر منهم أربعة ، وهم سيف الدين بتخاص ، وجعله ~~أستاذ الدار ، وسيف الدين أغرلو وبدر الدين بكتوت الأزرق ، وسيف الدين ~~قطلوبك . وركب هؤلاء بالإمرة في يوم واحد . وركب هو بشعار السلطنة على عادة ~~الملوك في يوم الأربعاء ، مستهل شهر ربيع الأول . وأقر نواب السلطنة على ~~حالهم في الأيام الناصرية وفوض الوزارة بدمشق للصاحب تقي الدين توبة ~~التكريتي على عادته ، في الأيام المنصورية . وكان وصوله إلى دمشق ، لمباشرة ~~هذه الوظيفة ، في سادس عشر صفر . وكتب السلطان له توقيعا ، برد ما أخذ منه ~~، في الدولة الأشرفية . ذكر تفويض الوزارة للصاحب فخر الدين عمر بن الخليلي ~~وفي يوم الثلاثاء ، خامس عشرين جمادى الأولى من هذه السنة ، عزل السلطان ~~الصاحب تاج الدين ، وفوض الوزارة للصاحب فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين ~~عبد العزيز بن الخليلي . وكان هذا الصاحب فخر الدين قد ولي نظر ديوان الملك ~~الصالح علاء الدين علي ابن السلطان الملك المنصور . فلما مرض واشتد به ~~الوجع ، دخل الصاحب فخر الدين عليه وبكى ، وأظهر الألم الشديد وقال أخشى إن ~~قدر الله تعالى أمرا محتوما ، والعياذ بالله ، أن أوذي ، ويتمكن مني الأمير ~~علم الدين الشجاعي . وطلب الملك الصالح والده السلطان الملك المنصور وأوصاه ~~أن لا يتعرض إليه . ولا إلى أحد من ديوانه بأذية ، وأن لا يمكن الأمير علم ~~الدين الشجاعي منهم . فلما مات الملك الصالح ، أحسن السلطان المنصور إليه ، ~~وولاه نظر النظار بالديار المصرية ، ونظر الصحبة ، ثم عزل في PageV31P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" الدولة الأشرفية . وباشر نظر ديوان الملك ~~العادل ، في مدة نيابته عن السلطنة ، وفوض إليه نظر الدواوين ، ثم ms7267 الوزارة ~~. وفي هذه السنة ، قصر النيل ولم يوف ، فحصل الغلاء واشتد البلاء بالديار ~~المصرية . وتوقف الغيث بالشام ، فاستسقى الناس ، مرة بعد أخرى ، وأجدبت ~~برقة وأعمالها ، وبلاد المغرب ونواحيها . وعم الغلاء أكثر البلاد والممالك ~~، شرقا وغربا وحجازا . واختصت مصر من ذلك البلاء العظيم . وبلغ سعر القمح ~~عن كل أردب مائة درهم وخمسين درهما ، والشعير مائة درهم . واستمر إلى سنة ~~خمس وتسعين وستمائة . وفيها ، فوض السلطان قضاء العساكر بالشام ، للقاضي ~~نجم الدين محمد بن صصري وكان بالديار المصرية . فعاد إلى دمشق متوليا هذه ~~الوظيفة ، وكان وصوله إليها في يوم الثلاثاء سادس عشرين شهر رمضان . وفيها ~~، فوض السلطان الملك العادل ، الخطابة والإمامة ، بالجامع الأموي بدمشق ، ~~لقاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة ، مضافا إلى ما بيده من القضاء ~~والتدريس . فصلى بالناس صلاة الظهر ، من يوم الخميس الخامس من شوال ، وخطب ~~يوم الجمعة السادس من الشهر ، واجتمع له القضاء والخطابة ، ولم يجتمع ذلك ~~لقاضي قبله بدمشق ، فيما عرفناه ، ونقل إلينا . ذكر القبض على الأمير عز ~~الدين أيبك الخازندار نائب السلطنة بالفتوحات وولاية الأمير عز الدين أيبك ~~الموصلي المنصوري وفي هذه السنة ، رسم السلطان الملك العادل ، بالقبض على ~~خوشداشه ، الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصوري ، نائب السلطنة ، ~~بالفتوحات الطرابلسية . وندب لذلك أميرين ، فتوجها إلى دمشق على خيل البريد ~~، فوصلا إليها ، في تاسع عشرين شوال . وجرد من دمشق الأمير عز الدين أيبك ~~كرجي ، والأمير سيف الدين استدمر كرجي بسبب ذلك . فلما توجهوا إليه ، لم ~~يمتنع عليهم ، وقال : قد كنت عزمت على مفارقة هذه المملكة . والتوجه إلى ~~باب السلطان ، فقبض عليه . وكان وصوله إلى الأبواب السلطانية ، ~~PageV31P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" في يوم الخميس حادي عشرين ذي القعدة من السنة ~~، فاعتقل . واستمر في الاعتقال ، إلى يوم الخميس رابع عشرين صفر سنة خمس ~~وتسعين وستمائة . ولما قبض عليه ، فوضت نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية ~~والفتوحات ، للأمير عز الدين أيبك الموصلي المنصوري . وفيها أيضاص ، رسم ~~بالحوطة على القاضي مجد الدين يوسف بن القباقبي ناظر المملكة الطرابلسية . ~~وندب الأمير شمس الدين الأعسر لذلك ms7268 . فتوجه إلى طرابلس ، في العشر الأوسط ~~من شوال ، وأوقع الحوطة على موجوده . فيقال إنه وجد في جشاره ، ما ينيف على ~~سبعين رأس بغالا وأكاديش جياد . وجهز إلى الديار المصرية ، فتكمل حمله ، ~~فيما ادعاه ألف ألف درهم . ثم أعيد بعد ذلك إلى نظر المملكة الطرابلسية ، ~~وكأنه لم يصادر . فبلغني أنه جلس ليلة ، وهو يضحك مع أصحابه بطرابلس . فقال ~~له بعضهم : أخذ منك ألف ألف درهم ، وأنت تضحك . فقال : والله أقدر أنفق في ~~جيش مصر - وأرى أن هذا الكلام ، إن كان قاله ، فهو من التغالي في القول - ~~والله أعلم . ذكر وفاة الملك المظفر يوسف بن عمر صاحب اليمن وفي هذه السنة ~~، كانت وفاة الملك المظفر شمس الدين أبي المظفر يوسف ابن الملك المنصوري ~~نور الدين عمر بن علي بن رسول ، صاحب اليمن ، في شهر رمضان ، بقلعة تعز . ~~وكان جوادا شهما ، عفيفا عن أموال الرعايا ، قليل التطلع إلى ما بأيديهم ، ~~حسن السيرة فيهم ، يمنع أصحابه من التطرق إلى ظلم أحد . وكانت مدة ملكه ، ~~بالبلاد اليمانية ، نحو خمس وأربعين سنة . وكان للملك المظفر من الأولاد ~~خمسة ، وهم الملك الأشرف ممهد الدين عمر ، PageV31P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" والملك المؤبد هزبر الدين داود ، والواثق ~~إبراهيم ، والملك المسعود تاج الدين حسن ، والملك المنصور زين الدين أيوب . ~~وللملك المسعود هذا ولد اسمه أسد الإسلام محمد . وللملك المنصور ولد اسمه ~~مأمور الدين عيسى . ولما مات الملك المظفر هذا ، ملك بعده ولده الملك ~~الأشرف ممهد الدين عمر ، وهو ولي عهده . فلما ملك نازعه أخوه الملك المؤيد ~~هزبر الدين داود في الملك . وكان المؤيد يوم ذاك ببلاد الشحر ، فجمع جمعا ~~من الجحافل ، وتوجه إلى ثغر عدن ، وحاصر الثغر ثلاثة عشر يوما . وكان ~~متوليه الأمير سيف الدين بن برطاس ، فملك المؤيد الثغر ، واستولى على ما به ~~. فاقترض أموال التجار وأموال الأيتام التي بمودع الحكم . وتوجه من ثغر عدن ~~نحو تعز . فجرد الملك الأشرف لقتاله الشريف علي بن عبد الله ، بجماعة من ~~الجيش ، وولده جلال الدين بن الأشرف . فتوجهوا والتقوا ، فيما بين تعز وعدن ms7269 ~~، بمكان يسمى الدعيس . واقتتلوا فخذل الجحافل المؤيد ، وتفرقوا عنه ، وبقي ~~في نفر يسير . فتقدم إليه جلال الدين ابن أخيه ، وأشار عليه بالدخول في ~~الطاعة ، وحذر عاقبة المخالفة . وقال له : الملك الأشرف أخوك ، ولا يقتلك ، ~~وأنت بينك وبين الأشراف حرب قبل هذا الوقت ، فإن ظفروا بك قتلوك . وأشار ~~عليه بعض أصحابه بمثل ذلك ، فرجع إلى قولهم ، ورجع إلى الطاعة . فأراد جلال ~~الدين أن يتوجه به إلى والده الملك الأشرف على حاله . فامتنع عليه الشريف ~~علي بن عبد الله ، وقال : إن أمر هذا الجيش إلي . وقيد المؤيد ، وحمله إلى ~~قلعة تعز ، فاعتقله بها إلى أن مات الملك الأشرف . وكانت وفاته في سنة ست ~~وتسعين وستمائة . فأخرج من الاعتقال ليلا ، قبل دفن أخيه ، فأمر بدفنه . ~~وأصبح الحراس بالقلعة ، فدعوا للملك المؤيد ، وترحموا على الملك الأشرف . ~~وكان ملك المؤيد باتفاق عمته الشمسية ، وقيامها في أمره . واستمر في الملك ~~إلى أن مات ، في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة ، على ما نذكر ذلك إن شاء الله ~~تعالى . في موضعه . وفيها يوم السبت ، رابع شهر ربيع الأول ، توفي الأمير ~~بدر الدين بكتوت الأقرعي بدمشق ، ودفن بمقابر باب الصغير . وفيها ، كانت ~~وفاة الصاحب عز الدين ابن الصاحب محيي الدين أحمد ابن الصاحب الوزير بهاء ~~الدين علي بن محمد ، رحمهم الله تعالى . وفيها ، في شهر رجب توفي بالقاهرة ~~، الأمير بدر الدين بكتوت الفارسي الأتابكي ، رحمه الله تعالى . ~~PageV31P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" وفيها ، في وقت السحر ، من يوم السبت عاشر ~~شعبان ، توفيت ملكة خاتون ، ابنة الملك الأشرف موسى ابن الملك العادل سيف ~~الدين أبي بكر محمد بن أيوب . وهي زوجة الملك المنصور ابن الملك الصالح ~~اسماعيل وأم ولديه . وهي التي كان ناصر الدين بن المقدسي أثبت سفهها في ~~الدولة المنصورية ، واستعاد أملاكها من سيف الدين المسامري وغيره ، كما ~~تقدم ذكر ذلك ، رحمهما الله تعالى . واستهلت سنة خمس وتسعين وستمائة [ 695 ~~ه 1295 - 1296 م ] في هذه السنة ، اشتد الغلاء بالديار المصرية ، وكثر ~~الوباء وانتهى سعر القمح إلى مائة درهم وسبعة وستين درهما ms7270 ، عن كل أردب ، ~~وقيل إنه بلغ مائة وثمانين . وأعقب ذلك وباء عظيم . وغلت الأسعار في سائر ~~الأصناف . وبلغ ثمن الفرج عشرين درهما . وسمعت أن بعض الناس اشترى فراريج ~~لمريض عنده ، فوزن لحمها ، فكان بوزن الدراهم التي اشتراه بها . فتقوم عليه ~~لحم الفراريج ، الدرهم بدرهم فضة . وبيعت البطيخة ، الرطل بأربعة دراهم ~~نقرة . وأبيعت السفرجلة ، بثلاثين درهما ، هذا بالقاهرة ومصر . وأما الصعيد ~~الأعلى ، وهو عمل قوص وما يجاوره ، فإن القمح لم يزد ثمنه ، على خمسة ~~وتسعين درهما الأردب . وأعقب هذا الغلاء بالقاهرة فناء عظيم . كان يحصر من ~~يخرج من باب المدينة من الأموات في اليوم الواحد ، فيزيد على سبعمائة أو ~~نحوها ، هذا من داخل المدينة ، من أحد الأبواب . والقاهرة بالنسبة إلى ~~ظواهرها ، كالشارع الأعظم ، والحسينية والأحكار ، جزء لطيف . وعجز الناس عن ~~دفن الأموات أفرادا ، فكانوا يحفرون الحفرة الكبيرة ، ويرص فيها الأموات ، ~~من الرجال والنساء ، ويجعل الأطفال بين أرجلهم ، ويردم عليهم . وبعض ~~الأموات لم يجدوا من يواريهم في قبورهم ، فأكلتهم الكلاب ، وأكل الأحياء ~~الكلاب . وكان الفناء أيضا بالأعمال البرانية عن القاهرة ومصر ، حتى خلت ~~بعض القرى وأطراف المدينة ، لفناء أهلها بالموت . ثم انحطت الأسعار بالديار ~~المصرية في شهر رجب ، ونزل سعر القمح إلى خمسة وثلاثين درهما الأردب ، ~~والشعير بخمسة وعشرين درهما الأردب وكان أكبر أسباب PageV31P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" هذا الغلاء وتزايده بالديار المصرية ، خلو ~~الأهراء السلطانية من الغلال ، وذلك أن السلطان الملك الأشرف ، كان قد فرق ~~الغلال ، وأخلى الأهراء منها بالإطلاقات للأمراء وغيرهم ، حتى نفد ما في ~~الأهراء . وقصر النيل بعد ذلك ، فاحتاج وزير الدولة إلى مشتري الغلال ~~للمؤونة والعليق ، فتزايدت الأسعار بسبب ذلك . وفيها أيضا ، قل المطر بدمشق ~~وبلاد حوران ، وجف الماء حتى شق ذلك على المسافرين . فكان المسرف يسقي ~~دابته بدرهم ، ويشرب بربع درهم . فلما اشتد ذلك على الناس ، أشار قاضي ~~القضاة ، بدر الدين محمد بن جماعة ، بقراءة صحيح البخاري بدمشق . وتقرر ~~الاجتماع لسماعه بالجامع الأموي ، تحت النسر في سابع صفر . وطلب الشيخ شرف ~~الدين الغزاري لقراءته . فأنزل الله تعالى الغيث ms7271 في تلك الليلة قبل الشروع ~~في القراءة . ثم قرئ الصحيح ، ووقع المطر في آخر يوم من كانون الأول ، ~~واستمر يومين وبعض ليلة ، فاستبشر الناس بذلك وترادف نحو جمعه . ثم جاء بعد ~~ذلك ثلج كثير ، في مستهل شهر ربيع الأول . ثم ارتفع السعر ، وبلغ سعر القمح ~~، عن كل غرارة مائة درهم ، وخمسة وستين درهما . واشتد الغلاء بالحجاز أيضا ~~فأبيعت غرارة الشعير بالمدينة ، بسبعمائة درهم ، وغرارة القمح بألف درهم . ~~وأبيعت بمكة ، شرفها الله تعالى ، بألف درهم ومائة درهم . ثم جاء المطر ~~بدمشق في ثاني جمادى الآخرة . ذكر حادثة عجيبة بالشام وفي هذه السنة ، في ~~العشر الأول من المحرم ، استفاض بدمشق وشاع ، وكثر الحديث عن قاضي جبة ~~أعسال ، من قرى دمشق ، أنه تكلم ثور بقرية من قرى جبة أعسال . وهو أن الثور ~~خرج ليشرب من ماء هناك ، ومعه صبي فلما فرغ من شربه ، حمد الله ، فتعجب ~~الصبي . وحكى ذلك لمالك الثور ، فشك في قوله . وخرج في اليوم الثاني بنفسه ~~، فلما شرب الثور ، حمد الله . وحضر في اليوم الثالث جماعة ، وسمعوه ~~PageV31P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" يحمد الله ، بعد شربه . فكلمه بعضهم ، فقال ~~الثور : إن الله كان قد كتب على الأمة سبع سنين جدباء ولكن بشفاعة النبي ، ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، أبدلها الله بالخصب . وذكر أن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ، أمره بتبليغ ذلك ، وأنه قال له يا رسول الله ، ما علامة صدقي ~~عندهم . قال : إنك تموت عقيب الأخبار . - قال الحاكي لذلك - ثم تقدم الثور ~~إلى مكان مرتفع فسقط ميتا . فأخذ أهل القرية من شعره للتبرك ، وكفن ودفن . ~~حكى هذه الحادثة ، شمس الدين محمد بن إبراهيم الجزري في تاريخه حوادث ~~الزمان ، والله أعلم . وفيها ، في العشر الأوسط ، من شهر ربيع الآخر ، قتل ~~بدمشق جماعة بالليل في الدروب . ومعظم من قتل ، من حراس الدروب ، واستمر ~~ذلك عدة ليال . وفي كل يوم يوجد قتيل وإثنان . ولم يعدم لأحد شيء ، مع ذلك ~~، ولا سرق منزل . فاحترز متولي المدينة في ذلك . وبقي يركب طول الليل ، في ~~جماعة كثيرة ، ويطوف البلد ms7272 ، والأمر يتزايد . فلما كان في العشر الأوسط ، ~~من جمادى الأولى ، مسك فقير موله ، فاعترف أإنه هو الذي قتل الحراس ، فسمر ~~وبقي يومين ، ثم خنق في اليوم الثالث . ذكر وفود الأويراتية من بلاد التتار ~~في هذه السنة ، وردت طائفة من التتار ، تسمى الأويراتية ، ومقدمهم طرغاي ، ~~ووصلوا إلى الشام . وكانوا على ما قيل ، ثمانية عشر ألف بيت . وكان السبب ~~في هربهم من بلادهم ، أن طرغاي ، هذا المذكور ، كان متفقا مع بيدو ابن ~~طرغاي على قتل كيختو . فلما صار الملك إلى غازان ، خافه طرغاي على نفسه ، ~~أن يقتله بعمه كيختو . وكان مقيما بتمانه بين بغداد والموصل . وكان اشتبغا ~~مقيما بتمانه بديار بكر . فأرسل غازان بولاي ومعه تمان إلى ديار بكر ، عوضا ~~عن اشتبغا ، وأوصاه بحفظ الطرقات على طرغاي ، وأن يساعد من يندب لقتله ، ثم ~~جهز غازان أميرا يسمى قطغوا في ثمانين فارسا للقبض على طرغاي ومن معه ، من ~~أكابر قبيلة أويرات . فاتفق طرغاي ، ومن معه من الأمراء ، وهم ألوص وككباي ~~، وقتلوا قطغوا ومن معه . وعبروا الفرات إلى جهة الشام ، فتبعهم بولاي ~~بتمانه ، فقاتلوه وهزموه ، وقتلوا أكثر من معه . PageV31P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" ولما وردت مطالعات نواب الشام إلى السلطان ~~الملك العادل بوصولهم ، اهتم بأمرهم . وكتب إلى نائب السلطنة بدمشق ، أن ~~يتوجه الأمير علم الدين سنجر الدواداري ، بجماعة إلى الرحبة لتلقيهم . ~~فتوجه من دمشق في غرة شهر ربيع الأول . ثم توجه بعده ، الأمير شمس الدين ~~سنقر الأعسر ، شاد الدواوين بالشام ، ليلقاهم أيضا . وجهز السلطان أيضا ، ~~الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري ، من الديار المصرية إلى دمشق ، بسبب ~~ذلك ، فوصل إليها في ثاني عشرين شهر ربيع الأول . ثم أردفه بالأمير سيف ~~الدين بهادر الحاج الحلبي الحاجب ، فأقاما بدمشق ، إلى أن وصل أعيان ~~الأويراتية إلى دمشق ، صحبة الأمير شمس الدين الأعسر . وكان وصولهم في يوم ~~الاثنين ، ثالث عشرين شهر ربيع الأول ، وعدتهم مائة وثلاثة عشر نفرا ، ~~والمقدم عليهم طرغاي ، ومن أكابرهم ألوص وككباي . فتلقاهم نائب السلطنة ~~والأمراء ، واحتفل بقدومهم احتفالا كبيرا . ثم توجه بهم الأمير شمس الدين ~~قراسنقر ms7273 ، إلى الديار المصرية في يوم الإثنين سابع عشر ربيع الأول . وتوجه ~~بعده الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحاجب ، على خيل البريد إلى الأبواب ~~السلطانية ، في حادي عشر الشهر . ولما وصلوا إلى باب السلطان بالغ في ~~إكرامهم ، وأحسن إليهم ، وخلع عليهم ، وأمرهم بالطبلخاناة . وهم على دين ~~الكفرة ، ويأكلون في شهر رمضان ، ولا يذبحون الخيل ذبيحة ولا نحرا ، بل ~~يربطون الفرس ، ويضربونه على وجهه حتى يموت ، فيأكلونه بعد ذلك . وكانوا ~~يجلسون مع الأمراء بباب القلة ، فأنفت نفوس الأمراء من ذلك وكرهوه ، حتى ~~أوجب ذلك خلع السلطان ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وأما بقية ~~الأويراتية ، فإن السلطان كتب إلى الأمير علم الدين سنجر الدواداري أن ~~يتوجه بهم إلى الساحل فينزلهم به ، فتوجه بهم . ولما مروا بمدشق ، أنزلهم ~~بالمرج ، ولم يمكن أحدا منهم من دخول المدينة . ورسم بإخراج الأسواق إليهم ~~للبيع والشراء بالمرج ، إلى الكسوة والصنمين . وفعل ذلك في كل منزلة إلى ~~وصل بهم الى PageV31P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" أراضي عتليت ، وامتدوا في بلاد الساحل . ورسم ~~السلطان بإقامة الأمير علم الدين سنجر الدواداري معهم ، إلى أن يحضر ~~السلطان إلى الشام ، ومات منهم خلق كثير . وأخذ الأمراء أولادهم الشباب ~~للخدمة ، وكانوا من أجمل الناس ، وتزوج الجند وغيرهم من بناتهم . ثم انغمس ~~من بقي منهم في العساكر ، وتفرقوا في الممالك الإسلامية ، ودخلوا في دين ~~الإسلام . وبقاياهم في الخدمة إلى وقتنا هذا . ذكر وفاة قاضي القضاة تقي ~~الدين عبد الرحمن بن بنت الأعز وتفويض القضاء للشيخ ابن دقيق العيد وفي هذه ~~السنة ، في يوم الخميس ، سادس عشر جمادى الأولى ، توفي قاضي القضاة ، تقي ~~الدين أبو القاسم عبد الرحمن ابن قاضي القضاة تاج الدين أبي محمد عبد ~~الوهاب بن بنت الأعز ، قاضي القضاة الشافعي ، بالديار المصرية ، ودفن ~~بالقرافة ، في تربة والده ، رحمهما الله . وفي يوم وفاته ، توفي كاتبه نور ~~الدين بن السوسي ، وكان خصيصا به . وحملت جنازتاهما معا . وقد قدمنا من ذكر ~~أخبار قاضي القضاة تقي الدين هذا وولاياته القضاء والوزارة ونظر الخزائن ، ~~ما نستغني الآن عن ms7274 إعادته ، رحمه الله تعالى . ولما مات ، فوض السلطان قضاء ~~القضاة بالديار المصرية ، لشيخنا الإمام العلامة ، تقي الدين بقية ~~المجتهدين أبي الفتح محمد ابن شيخ الإسلام مجد الدين علي بن وهب بن مطيع ~~القشيري ، المعروف بابن دقيق العيد . وكانت ولايته في يوم السبت ثامن عشر ~~الشهر المذكور . ولما ولي القضاء كان كثير التطلع إلى أخبار نوابه بالأعمال ~~البرانية . وكان يذكرهم بكتبه المشتملة على المواعظ والتحذيرات ، من عواقب ~~الغفلة والإهمال . فكان مما كتب به ، إلى بعض نوابه ، في سنة سبع وتسعين . ~~وقيل إنه كتب إلى جميع النواب مثل ذلك . وكان مضمون كتابه الذي نقلت نسخته ~~هذه : بسم الله الرحمن الرحيم ، الفقير إلى الله تعالى ، محمد بن علي . ~~PageV31P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون " . هذه المكاتبة إلى ، فلان ، وفقه الله لقبول النصيحة ~~، وأتاه لما يقر به قصدا صالحا ، ونية صحيحة . أصدرناها إليه ، بعد حمد ~~الله الذي " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور " ، ويمهل حتى يلتبس ~~الإمهال بالإهمال على المغرور ، تذكره بأيام الله ، " وإن يوما عند ربك ~~كألف سنة مما تعدون " . وتحذره صفقة من باع الآخرة بالدنيا ، فما أحد سواه ~~مغبون . عسى أن يرشده بهذا التذكار وينفعه وتأخذه هذه النصائح بحجزته عن ~~النار ، فإني أخاف أن يتردى ، فيجز من ولاه ، والعياذ بالله ، معه . ~~والمقتضى لإصدارها ما لمحناه من الغفلة المستحكمة على القلوب ، ومن تقاعد ~~الهمم عن القيام بما يحب الرب على المربوب ، ومن أنسهم بهذه الدار وهم ~~يزعجون عنها ، ومن علمهم بما بين أيديهم من عقبة كؤود ، وهم لا يتحققون ~~منها ، ولاسيما القضاة الذين يحملون عبء الأمانة ، على كواهل ضعيفة ، ~~وظهروا بصور كبار ، وهمم نحيفة . والله إن الأمر لعظيم ، وإن الخطب لجسيم ، ~~ولا أرى مع ذلك أمنا ولا قرارا ، ولا راحة ، اللهم إلا رجلا نبذ الآخرة ~~وراءه ، واتخذ إلهه هواه ، وقصر همه وهمته على حظ نفسه من دنياه . فغاية ~~مطلبه الحياة والمنزلة في قلوب ms7275 الناس وتحسين الزي والملبس ، والركبة ~~والمجلس ، غير مستشعر خيبة حاله ، ولا ركاكة مقصده ، فهذا لا كلام معه ، ~~فإنك لا تسمع الموتى ، وما أنت بمسمع من في القبور . فاتق الله الذي يراك ~~حين تقوم ؛ واقصر أملك عليه ، فالمحروم من أمله غير مرحوم . وما أنا وأنتم ~~أيها النفر ، إلا كما قال حبيب العجمي ، وقد قال له قائل : ليتنا لم نخلق ~~فقال قد وقعتم فاحتالوا . وإن خفي عليك بعض هذا الخطر ، وشغلتك الدنيا ، أن ~~تقضي من معرفته الوطر . فتأمل من كلام المبوة القضاة ثلاثة ، وقوله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) لمن خاطبه مشفقا عليه : لا تأمرن على إثنين ، ولا تلين ~~مال اليتيم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وما أنا والسير في ~~متلف . . . يبرح بالذكر الضابط هيهات جف القلم ، ونفذ أمر الله ، ولا راد ~~لما حكم . ومن هناك شم الناس في PageV31P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" الصديق رضي الله عنه ، رائحة الكبد المشوي . ~~وقال الفاروق : ليت أم عمر لم تلده . واستسلم عثمان وقال من أغمد سيفه ، ~~فهو حر . وقال علي : - والخزائن بين يديه مملوءة - من يشتري مني سيفي هذا ، ~~ولو وجدت ما ما أشتري به رداء ما بعته . وقطع الخوف نياط قلب عمر بن عبد ~~العزيز ، فمات من خشية العرض . وعلق بعض السلف في بيته سوطا ، يؤدب به نفسه ~~إذا فتر . أفترى ذلك سدى ؟ أو وضح إنا نحن المقربون وهم البعداء ؟ وهذه ~~أحوال لا توجد في كتاب السلم ولا الإجارة ولا الجنايات . نعم إنما تنال ~~بالخضوع والخشوع ، وبأن تظمأ وتجوع ، وتحمي عينك الهجوع . ومما يعينك على ~~الأمر الذي دعوت إليه ، ويزودك في سيرك إلى الغرض عليه ، أن تجعل لك وقتا ~~تعمره بالفكر والتدبير ، وأناة تجعلها معدة لجلاء قلبك . فإنه إن استحكم ~~صدأه ، صعب تلافيه . واعرض عنه من هو أعلم بما فيه ، واجعل أكثر همومك ~~لاستعداد المعاد ، والتأهب لجواب الملك الجواد . فإنه يقول : " فوربك ~~لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون " . ومهما وجدت من همتك قصورا ، واستشعرت ~~من نفسك عما بدا إليها نفورا ، فاجأر إليه وقف ببابه ms7276 واطلب منه ، فإنه لا ~~يعرض عمق صدق ، ولا تعزب عن علمه خفايا الضمائر ، ألا يعلم من خلق . وهذه ~~نصيحتي إليك ، وحجتي بين يدي الله ، إن فرطت ، عليك ، اسأل الله لي ولك ، ~~قلبا واعيا ، ولسانا ذاكرا ، ونفسا مطمئنة ، بمنه وكرمه . وفي هذه السنة ، ~~عزل القاضي جمال الدين بن الشربشي نفسه من نيابة الحكم بدمشق ، عن قاضي ~~القضاة بدر الدين بن جماعة ، وذلك في الجمعة ، رابع PageV31P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" عشرين شهر رجب . فوقع اختيار قاضي القضاة ، ~~بدر الدين بن جماعة في النيابة عنه ، على القاضي جمال الدين سليمان بن عمر ~~بن سالم الأذرعي ، المعروف بالزرعي قاضي زرع . فأحضره منها واستنابه بدمشق ~~، وذلك في يوم الإثنين تاسع عشر شوال من السنة . وفيها ، قدمت والدة الملك ~~العادل بدر الدين سلامش ابن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس من بلاد ~~الأشكري ، إلى دمشق . وكان وصولها في حادي عشر رمضان . ونزلت بدار الحديث ~~الظاهرية بدمشق . وأرسل إليها نائب السلطنة الأمير عز الدين أيبك الحموي ~~الظاهري ، التحف والهدايا والألطاف ، وخدمها أتم خدمة . ثم توجهت من دمشق ~~إلى القاهرة في عشية الجمعة ، ثامن عشر رمضان . ذكر توجه السلطان الملك ~~العادل وعزل نائب السلطنة بدمشق الأمير عز الدين الحموي ، وتولية الأمير ~~سيف الدين أغرلوا العادلي وغير ذلك وفي هذه السنة ، توجه السلطان الملك ~~العادل إلى الشام بجميع العساكر . وكان استقلال ركابه من قلعة الجبل ، في ~~يوم السبت سابع عشر شوال ، بعد الزوال . ووصل إلى دمشق في الساعة الخامسة ~~من يوم السبت ، خامس عشر ذي القعدة ، والأمير بدر الدين بيسري حامل الجتر ~~على رأسه . وحضر في خدمته نائب السلطنة ، الأمير حسام الدين لاجين ، ~~والصاحب فخر الدين بن الخليلي ونزل الوزير بدار الملك الزاهر . وفي ~~PageV31P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" يوم وصوله إلى دمشق ، توجه إلى زيارة قبر ~~والده ، الشيخ مجد الدين بجبل الصالحية . فلقيه القاضي تقي الدين سليمان ~~الحنبلي ، وسلم عليه ، فعرف به . فأمر أن يركب بغلته الجنيب ، فركبها ، ~~وحضر معه إلى تربة والده . فلما فرغ من القراءة ، ولاه الصاحب قضاء القضاة ms7277 ~~على مذهبه ، فقبل . وخلع عليه في بكرة النهار ، وعلى بقية القضاة . وكان ~~قاضي الحنابلة قبله ، القاضي شرف الدين الحسن ابن الشيخ شرف الدين عبد الله ~~بن محمد بن قدامة المقدسي قد توفي ، وكانت وفاته في أول ليلة الخميس ، ~~الثاني والعشرين من شوال ، ودفن ضحى يوم الخميس ، رحمه الله تعالى . ولما ~~استقر السلطان بدمشق ، خلع على الأمراء والمقدمين ، وعلى الصاحب تقي الدين ~~توبة ، والشيخ نجم الدين بن أبي الطيب ، وولاه وكالة بيت المال ، وعلى شهاب ~~الدين الحنفي . ثم شرع الصاحب فخر الدين في مصادرات الولاة والمباشرين . ~~ورسم على الأمير شمس الدين الأعسر شاد الدواوين بدمشق ، وعلى الأمير سيف ~~الدين استدمر كرجي والي البر ، وعزله عن ولاية البر . وولى الأمير علاء ~~الدين ابن الجاكي عوضه ، وطلب منهما الأمال ، ورسم على سائر المباشرين ، ~~وطلب من كل منهم حامكية سنة . واستخرج من شهاب الدين بن السلعوس ثماين ألف ~~درهم ، وكان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر باقيا على ولايته ، وهو الذي ~~تولى المستخرج من المصادرين ، استدمر وغيره . وهو مع ذلك يحمل ما تقرر عليه ~~من الأموال . وفي يوم الإثنين رابع عشر ذي القعدة ، وصل الملك المظفر صاحب ~~حماه إلى خدمة السلطان بدمشق ، فتلقاه السلطان وأكرمه . ثم جرد السلطان ~~جماعة من العسكر المصري ، وعسكر دمشق إلى جهة حلب . وفي يوم الجمعة ، ثامن ~~عشرين ذي القعدة ، حضر السلطان إلى جامع بني أمية وصلى به الجمعة . وخلع ~~على الخطيب قاضي القضاة بدر الدين بن جمامة ، وزار مصحف عثمان . وفي يوم ~~الإثنين مستهل ذي الحجة ، حضر الأمير عز الدين الحموي الظاهري ، نائب ~~السلطنة بدمشق ، إلى خدمة السلطان . فأنكر عليه سوء اعتماده ، وطمع نفسه ، ~~وما بلغه عنه من بسط يده في أخذ المصانعات . وأخذ السلطان خيوله المسومة ~~وأمواله PageV31P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" وأقمشته ، ثم عزله عن النيابة ، وفوضها ~~لمملوكه الأمير سيف الدين أغرلوا العادلي ، وباشر النيابة من يومه . ثم خلع ~~بعد ذلك على الأمير عز الدين الحموي ، وأنعم عليه بإقطاع أغرلوا بالديار ~~المصرية . وانتقل الحموي عند عزله من دار السعادة ، ونزل ms7278 بداره المعروفة ~~بالجيشي التي بالقصاعين . وفيها ، في ثامن ذي الحجة ، فوض السلطان وزارة ~~الشام ، لوكيله شهاب الدين الحنفي ، عوضا عن تقي الدين توبة ، وكان قبل ذلك ~~يلي الحسبة بدمشق . وخلع عليه خلعة الوزارة في يوم عيد الأضحى . ثم توجه ~~السلطان في ثامن عشر ذي الحجة ، إلى جهة حمص ، وتصيد في تلك الجهة . ودخل ~~حمص في تاسع عشر ذي الحجة ، وحضر إليه نائب السلطنة بحلب ، وبقية النواب . ~~وانسلخت السنة والسلطان بمخيمه على جوسيه ، وهي قرية من قرى حمص ، كان قد ~~اشتراها . وفي هذه السنة ، توفي الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحي ، ~~أمير جاندار . وكانت وفاته بمصر ، في يوم الأربعاء ، السادس والعشرين من ~~صفر سنة خمس وتسعين وستمائة . ودفن بتربته بالرصد . وكان رحمه الله تعالى ، ~~كثير الخير والإحسان إلى خلق الله تعالى . وعمر المدارس والمساجد والجوامع ~~، وله بإسنا من عمقل قوص ، مدرسة موقوفة على طائفة الشافعية . وبقوص مدرسة ~~على ساحل البحر كذلك ، وبجوار المدرسة مسجد له ، يجتمع فيه الفقراء الأعجام ~~القرندلية في شهر رمضان من كل سنة ، ويذبح في كل يوم رأس غنم ، وما يحتاجون ~~إليه من التوابل والخبز . وله بمصر مدرسة ، وبكرسي الجسر جامع ، وبالرصد ~~جامع ، وغير ذلك من الأماكن الشريفة المبرورة . ووقف عليها الأوقاف ~~المبرورة الوافرة ، رحمه الله تعالى . وتوفي أيضا بالديار المصرية جماعة من ~~الأمراء ، منهم الأمير بدر الدين بيليك الحسني أبو شامة ، وهو الذي كان ~~يندب إلى الكشف بالوجه القبلي بالديار المصرية ، في الدولة المنصورية ، وما ~~بعدها ، رحمه الله تعالى . PageV31P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" واستهلت سنة ست وتسعين وستمائة [ 696 ه 1296 ~~- 1297 م ] والسلطان الملك العادل بمخيمه على جوسيه . ثم رحل منها وعاد إلى ~~دمشق ، فدخلها في يوم الأربعاء ثاني المحرم . وفي يوم الجمعة ، حضر السلطان ~~إلى الجامع ، وصلى بالمقصورة ، وأخذ من الناس قصصهم . ورأى شخصا بيده قصة ، ~~فتقدم إليه بنفسه خطوات ، وأخذ القصة منه . وفيها ، أقر السلطان الملك ~~العادل ، الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك السعيد ابن الملك الصالح ~~عماد الدين اسماعيل ابن الملك العادل سيف ms7279 الدين بن أبي بكر محمد بن أيوب ، ~~وجعله من أمراء الطبلخاناة بدمشق ، وذلك في يوم الخميس سابع عشر المحرم . ~~وفيها ، في يوم الإثنين ، حادي عشرين المحرم ، قبض على الأمير سيف الدين ~~استدمر كرجي ، واعتقل بالقلعة ، وعزل الأمير سيف الدين سنقر الأعسر ، عن ~~وظيفة الشد ، وولي عوضه الأمير فتح الدين بن صبره . ذكر عود السلطان الملك ~~العادل إلى الديار المصرية وخلعه من السلطنة ورجوعه إلى دمشق وفي بكرة نهار ~~الثلاثاء ، الثاني والعشرين من المحرم ، توجه السلطان بعساكره نحو الديار ~~المصرية ، وقد أجمع أكابر الأمراء على خلعه . فلما انتهوا إلى منزلة العوجا ~~، جلس السلطان في الدهليز ، وحضر الأمراء إلى الخدمة ، وطلب الأمير بدر ~~الدين بيسري الشمسي طلبا مزعجا . وكان قد توجه إلى الزيارة ، فلما حضر ، لم ~~يقم له على عادته . ويقال إنه كلمه بكلام غليظ ، ونسبه إلى أنه كاتب التتار ~~، وحصل بينهما مفاوضة ، ثم نهض السلطان من المجلس . وقام الأمراء ، ~~واجتمعوا في خيمة الأمير حسام الدين لاجين ، نائب السلطنة ، وتكلموا فيما ~~وقع . فسأل الأمير بدر الدين بيسري ، الأمير حسام الدين عن موجب ~~PageV31P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" إغلاظ السلطان له . فقال : إن مماليكه قد ~~كتبوا عنك كتبا إلى التتار ، وأحضروها إليه ، ونسبوك إلى أنك كتبتها ، ~~ونيته إذا وصل إلى قلعة الجبل ، أن يقبض علي وعليك ، وعلى أكابر الأمراء ، ~~ويقدم مماليكه . فأجمعوا عند ذلك على خلعه . وركب الأمير حسام الدين لاجين ~~، والأمير بدر الدين بيسري ، والأمير شمس الدين قراسنقر ، والأمير سيف ~~الدين قبجاق ، والأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبي الحاجب ومن انضم إليهم ~~. واستصحبوا معهم حمل نقارات ، وساقوا إلى باب الدهليز . وحركت النقارات ~~حربيا ، وذلك في يوم الإثنين الثامن والعشرين من المحرم ، سنة ست وتسعين ~~وستمائة . فلما مروا بخيمة بكتوت الأزرق العادلي قتلوه . وركب بتخاص ~~العادلي ، وتوجه إلى باب الدهليز فقتلوه أيضا . ولما شاهد الملك العادل ذلك ~~، خرج من ظهر الدهليز ، وركب فرس النوبة ، وعبر على القنطرة التي على ماء ~~العوجا ، وساق ركضا ، وأدركه خمسة أو ستة من مماليكه . واستقر به السير إلى ~~دمشق . ودخل ms7280 قلعتها ، فكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى . ~~PageV31P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" ذكر سلطنة السلطان الملك المنصور حسام الدين ~~لاجين المنصوري وهو السلطان الحادي عشر من ملوك الترك ، بالديار المصرية . ~~وهو من مماليك السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون . اشتراه في زمن ~~إمرته مرتين . وكان من مماليك الملك المنصور نور الدين علي ابن الملك المعز ~~أيبك ، فلما سفر إلى بلاد الأشكري ، تأخر بالقاهرة ، فاشتراه السلطان الملك ~~المنصور ، في أيام إمرته بسبعمائة وخمسين درهما . ثم تبين بعد ذلك أنه من ~~مماليك الملك المنصور ابن الملك المعز ، وقيل له إنه غائب ولا يصح بيعه إلا ~~من حاكم شرعي ، فاشتراه ثانيا من قاضي القضاة ، تاج الدين بن بنت الأعز ، ~~بما يزيد عن ألف درهم . وباعه على الغائب ، بالغبطة له . وقد شاهدت أنا ~~عهديته في جملة عهد المماليك المنصورية السيفية ، وشد عن تحقيق الثمن ~~الثاني ، إلا أنه يزيد على ألف درهم . ولعل ذلك ألف وخمسون درهما . وكان ~~يوم ذاك يدعى شقير . كذا رأيت عهديته لاجين المدعو شقير ، وكان في البيت ~~المنصوري يعرف بلاجين الصغير . وتأمر وناب عن السلطنة بدمشق ، وهو لا يعرف ~~بين الناس إلا بلاجين الصغير . وسألت بعض أكابر الأمراء من المماليك ~~المنصورية ، الذين كانوا في خدمة السلطان ، في زمن إمرته ، عن لاجين الكبير ~~، الذي ميز هذا بالصغير بسببه ، فما عرفوه . ولعل هذه الشهرة وقعت عليه ~~وقوع اللقب ، والله أعلم . وتنقل لاجين هذا في خدمة السلطان الملك المنصور ~~، من وظيفة الأوشاقية إلى السلاح دارية . ولما قبض عليه السلطان الملك ~~الأشرف ، بعد عزله من نيابة الشام ، PageV31P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" ثم أفرج عنه وجعله سلاح دارا كما كان ، في ~~خدمة أبيه السلطان الملك المنصور ، قبل أن يستنيبه بدمشق . وقد تقدم من ~~أخباره وتنقلاته ، ما نستغني الآن عن إعادته . ملك بمنزلة العوجاء من بلاد ~~الساحل . وذلك أنه لما هرب الملك العادل كتبغا من الدهليز ، وتوجه نحو دمشق ~~، في الثامن والعشرين من المحرم ، سنة ست وتسعين وستمائة ، اجتمع الأمراء ~~وتشاوروا فيمن ينصب في السلطنة . فاتفقوا على ms7281 إقامته في السلطنة ، وتقلب ~~بالملك المنصور . وشرط الأمراء عليه شروطا فقبلها والتزمها . منها أن يكون ~~معهم كأحدهم ، وأن لا ينفرد برأي دونهم ، وأن لا يبسط أيدي مماليكه فيهم ، ~~ولا يقدمهم عليهم ، وحلفوه على ذلك ، فحلف عليه . فقال له الأمير سيف الدين ~~قبجاق المنصوري : - وكان من جملة الأمراء المشار إليهم - نخشى أنك إذا جلست ~~في المنصب ، تنسى هذا الذين تقرر بيننا وبينك ، وتقدم مماليكك ، وتخول ~~منكوتمر . فكرر الحلف أنه لا يفعل ذلك ، ولا يخرج عما التزمه . فعند ذلك ، ~~حلفوا له وركب بشعار السلطنة ، وتوجه بالعساكر نحو الديار المصرية . ولما ~~وصل إلى غزة ، حمل الأمير بدر الدين بيسري الجتر على رأسه . ثم رحل منها ، ~~وكان وصوله إلى قلعة الجبل ، وجلوس على تخت السلطنة ، في يوم الجمعة عاشر ~~صفر ، سنة ست وتسعين وستمائة . ثم ركب بشعار السلطنة ، وشق المدينة في يوم ~~الخميس سادس عشر صفر . ورتب في نيابة السلطنة بالديار المصرية مقر ملكه ، ~~الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري ، وجعل الأمير سيف الدين سلار أستاذ ~~الدار ، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار أمير جاندار ، والأمير سيف ~~الدين الحاج بهادر الحلبي حاجبا . واستمر الصاحب فخر الدين بن الخليل في ~~الوزارة برهة ، ثم عزله على ما نذكره إن شاء الله . وفوض نيابة السلطنة ~~بالشام إلى الأمير سيف الدين قبجاق المنصوري . هذا ما كان بالديار المصرية ~~، فلنذكر أخبار الملك العادل كتبغا . PageV31P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" ذكر أخبار الملك العادل وما اعتمده بدمشق وما ~~كان من أمره إلى أن انتقل إلى صرخد لما فارق الملك العادل الدهليز والأمراء ~~، توجه إلى دمشق . وقدم قبله أحد مماليكه ليعلم مملوكه الأمير سيف الدين ~~أغرلوا نائب السلطنة بدمشق ما تجدد ، ويخبره بوصول السلطان . فوصل أمير ~~شكار في بكرة نهار الأربعاء ، سلخ المحرم . فجمع نائب السلطنة بدمشق ~~الأمراء ، وركب جماعة من العسكر ، وأمرهم بالوقوف خارج باب النصر . ثم وصل ~~الملك العادل إلى دمشق ، في وقت العصر من اليوم المذكور ، ومعه أربعة أو ~~خمسة من مماليكه . ودخل إلى القلعة ، واستقر بها ، وحضر إلى خدمته الأمراء ms7282 ~~، وخلع على جماعة . وأمر بإيقاع الحوطة على حواصل الأمير حسام الدين لاجين ~~ونوابه . ثم وصل الأمير زين الدين غلبك العدلي في يوم الخميس ، مستهل صفر ، ~~بجماعة يسيرة من المماليك العادلية . وجلس شهاب الدين الحنفي وزير الملك ~~العادل في الوزارة بالقلعة . ورتب أحوال السلطنة . وأمر العادل جماعة من ~~دمشق ، ووضع بعض المكوس ، وقرئ بذلك توقيع في يوم الجمعة سادس عشر صفر . ~~وفي يوم السبت رابع عشرين الشهر ، وصل الأمير سيف الدين كجكن وجماعة من ~~الأمراء ، كانوا معه بالرحبة مجردين ، فلم يدخلوا دمشق ، وتوجهوا إلى جهة ~~ميدان PageV31P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" الحصا . وأعلن باسم السلطان الملك المنصور ~~حسام الدين لاجين ، وخرج إليه الأمراء بدمشق ، طائفة بعد طائفة . فلما علم ~~الملك العادل بذلك ، وتحقق انحلال أمره ، وتخاذل الناس عنه ، وثبات قدم ~~الملك المنصور في السلطنة ، وانضمام الناس إليه ، أذعن إلى الطاعة ، ~~والدخول فيما دخل الناس فيه . وقال للأمراء : السلطان الملك المنصور ، هو ~~خوشداشي ، وأنا في خدمته وطاعته ، وأنا أكون في بعض القاعات بالقلعة إلى أن ~~يكاتب السلطان ، ويرد جوابه بما يقتضيه رأيه في أمري . فعند ذلك اجتمع ~~الأمراء بباب الميدان ، وحلفوا بأجمعهم للسلطان الملك المنصور ، وكتبوا ~~إليه بذلك . وتوجه البريد إليه بالخبر ، ودخل الأمير سيف الدين جاغان إلى ~~القلعة ورتب من يحفظ الملك العادل بها ، إلى أن يرد جواب السلطان المنصور ~~في أمره ، وغلق أبواب دمشق ، في يوم السبت خلا باب النصر . وركب عسكر دمشق ~~بالسلاح ، وأحاطوا بالقلعة حفظا لها ، وخوفا أن يخرج الملك العادل منها ، ~~ويقصد جهة أخرى قبل ورود جواب السلطان في أمره . ثم دقت البشائر في وقت ~~العصر من يوم السبت المذكور ، وأعلن باسم السلطان الملك المنصور . وقرأ ~~المؤذنون في ليلة الأحد الخامس والعشرين من الشهر بالمآذن " قل اللهم مالك ~~الملك تؤتي الملك من تشاء " إلى آخر الآية . ودعوا للملك المنصور ، ودعا له ~~قارئ المصحف ، بعد صلاة الصبح وضربت البشائر على أبواب الأمراء ، وأظهروا ~~الفرح والسرور بسلطنته ، وفتحت أبواب البلد وزينت ، وفتح الناس حوانيتهم . ~~وفي يوم الأحد المذكور ، اجتمع القضاة بدار ms7283 السعادة ، وحضر الأمراء ~~والعساكر ، وحلفوا للملك المنصور . وتولى التحليف القاضي شمس الدين بن غانم ~~، بحضور الأمير سيف الدين أغرلوا ، نائب السلطنة ، وحلف هو أيضا ، وأظهر ~~السرور بسلطنة الملك المنصور . وقال : السلطان ، أعز الله تعالى نصره ، هو ~~الذي عينني لنيابة السلطنة ، وأستاذي كان قد استصغرني ، فأشاد هو بي ، فأنا ~~نائب السلطان الملك المنصور . ثم توجه هو والأمير سيف الدين جاغان إلى ~~الأبواب السلطانية . وخطب للملك المنصور حسام الدين لاجين ، بجوامع دمشق ، ~~في يوم الجمعة ، مستهل شهر ربيع الأول ، سنة ست وتسعين وستمائة . وكان ~~الأمير شمس الدين سنقر PageV31P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" الأعسر ، قد حضر من جهة السلطان الملك ~~المنصور إلى ظاهر دمشق ، في ليلة الأحد رابع صفر . وأرسل إلى الأمراء كتبا ~~كانت معه ، وحلف جماعة منهم . وتوجه إلى قارا في ليلته ، وكان بها جماعة من ~~الأمراء المجردين ، فاجتمع بهم ، وقرر الأمر معهم ، وكتب إلى السلطان بذلك ~~. ثم رجع وأقام بلد بجماعته ، حفظا للبلاد بتلك الجهة . فلما بلغه استقرار ~~الأمور بدمشق ، توجه إليها ، ودخلها في يوم الخميس ، سابع عشرين صفر . ~~فتلقاه الناس ، واشتعلت الشموع لمقدمه نهارا ، وحضر الأكابر والأعيان إلى ~~خدمته . ونودي بدمشق ، من له مظلمة ، فليحضر إلى دار الأمير شمس الدين سنقر ~~الأعسر . ثم وصل الأمير حسام الدين أستاذ الدار إلى دمشق ، بجماعة من ~~العسكر . وجمع الأمراء بدار السعادة ، بحضور القضاة . وقرئ فيهم عليهم كتاب ~~السلطان ، يتضمن استقراره في الملك ، وجلوسه على تخت السلطنة ، بقلعة الجبل ~~، واجتماع الكلمة عليه ، وركوبه بالخلع الخليفية ، والتقليد من أمير ~~المؤمنين ، الحاكم بأمر الله ، أبي العباس أحمد . ثم وصل الأمير سيف الدين ~~جاغان الحسامي ، من الأبواب السلطانية ، في عشية يوم الإثنين ، حادي عشر ~~شهر ربيع الأول . ودخل في كبرة نهار الثلاثاء ، إلى قلعة دمشق ، هو والأمير ~~حسام الدين أستاذ الدار ، والأمير سيف الدين كجكن ، وقاضي القضاة بدر الدين ~~بن جماعة ، واجمتعوا بالملك العادل . فحلف للسلطان الملك المنصور يمينا ~~مستوفاة مغلظة ، أنه في طاعة السلطان الملك المنصور وموافقته ، وإخلاص ~~النية له ، وأنه رضي بالمكان الذي عينه له ، وهو ms7284 قلعة صرخد ، وأنه لا يكاتب ~~ولا يستفسد أحدا ، إلى غير ذلك ، مما اشترط عليه . ثم وصل الأمير سيف الدين ~~قبجاق المنصوري ، نائب السلطنة بالشام ، إلى دمشق في يوم السبت سادس عشر ~~شهر ربيع الأول ، ونزل بدار السعادة ، على عادة النواب . PageV31P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" وخرج الملك العادل من قلعة دمشق ، وتوجه إلى ~~صرخد ، في ليلة الثلاثاء تاسع عشر شهر ربيع الأول . وتوجه معه مماليكه ، ~~وجرد معه جماعة من العسكر الشامي ، إلى أن وصل إلى قلعة صرخد . فكانت مدة ~~سلطنة الملك العادل ، منذ جلس على تخت السلطنة ، بقلعة الجبل ، في يوم ~~الأربعاء حادي عشر المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة ، والى أن فارق الدهليز ~~بمنزلة العوجا ، وتوجه إلى دمشق ، في يوم الإثنين الثامن والعشرين من ~~المحرم ، سنة ست وتسعين وستمائة ، سنتين وسبعة عشر يوما ، والى أن خلع نفسه ~~من السلطنة بدمشق ، في يوم السبت رابع عشرين صفر ، شهرا واحدا ، وأحد عشر ~~يوما . ولما وصل الأمير سيف الدين جاغان إلى دمشق ، أحضر على يديه توقيعا ~~للصاحب تقي الدين توبة ، بوزارة دمشق على عادته ، وتوقيعا للقاضي أمين ~~الدين بن هلال ، بنظر الخزانة ، عوضا عن تقي الدين توبة ، وتوقيعا للشيخ ~~أمين الدين العجمي بنظر الحسبة بدمشق . فباشر كل منهم ما فوض إليه . ثم خلع ~~على الأمراء والمقدمين ، والقضاة ، وأعيان الدولة بدمشق ، في يوم الإثنين ~~ثاني شهر ربيع الآخر . فيقال إن عدة التشاريف التي فرقت ستمائة تشريف . ذكر ~~الإفراج عن جماعة من الأمراء وفي هذه السنة ، أفرج السلطان الملك المنصور ~~عن جماعة من الأمراء المعتقلين ، وهم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير ، ~~والأمير سيف الدين برلغي الأشرفي ، والأمير شمس الدين الركن السلاح دار ، ~~وغيرهم من المماليك السلطانية . وأعطى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير ~~إمرة بالديار المصرية ، والأمير سيف الدين برلغي إقطاعا بدمشق ، فتوجه ~~إليها . وفيها ، أمر السلطان الملك المنصور جماعة من مماليكه ، وهم الأمير ~~سيف الدين PageV31P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" منكوتمر ، والأمير علاء الدين ايدغدي شقير ، ~~والأمير سيف الدين بيدوا ، والأمير سيف الدين جاغان ، والأمير سيف الدين ~~بهادر المعزي ms7285 . ذكر تجديد عمارة الجامع الطولوني وترتيب الدروس به ، والوقف ~~على ذلك وفي هذه السنة ، أمر السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين ~~بتجديد عمارة الجامع الطولوني . وندب لذلك الأمير علم الدين سنجر الدواداري ~~. وأقر لعمارته من خالص ماله ، عشرين ألف دينار عينا . فاهتم الأمير علم ~~الدين ، المشار إليه ، بعمارته وعمارة أوقافه . وابتاع السلطان من بيت ~~المال منية أندونه ، من الأعمال الجيزية ، ووقفها على المدرسين والمشتغلين ~~وأرباب الوظائف بالجامع . ورتب فيه درسا لتفسير كتاب الله العزيز ، ودرسا ~~لحديث رسول الله ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، ودروسا للفقه على المذاهب ~~الأربعة . وجعل لهذه الدروس مدرسا لكل طائفة ، ومعيدين وطلبة . ورتب دروسا ~~للطب ، وميعادا للرقائق ، وشيخا للسبحة ، ومكتب سبيل ، وغير ذلك من أنواع ~~البر . ورتب لهم الجامكيات المتوفرة ، واستمر ذلك إلى الآن . وفي هذه السنة ~~، نقل السلطان ، الخليفة الحاكم بأمر الله أبا العباس أحمد العباس أمير ~~المؤمنين ، من البرج الذي كان يسكنه بقلعة الجبل إلى مناظر الكبش . وأجرى ~~عليه PageV31P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" وعلى أولاده الأرزاق الواسعة ، ووصله بالصلات ~~الجزيلة ، وصار يركب معه في الموكب . والتمس الخليفة من السلطان الإذن في ~~الحج ، فأذن له في سنة سبع وتسعين وستمائة ، وجهزه بما يحتاج إليه . ذكر ~~تفويض القضاء بالديار المصرية والشام لمن يذكر وفي هذه السنة ، حضر إلى ~~الأبواب السلطانية جماعة من قضاة الضاة والأعيان بدمشق ، منهم قاضي القضاة ~~حسام الدين الحنفي الرومي ، وقاضي القضاة جمال الدين المالكي ، والقاضي ~~إمام الدين القزويني ، والرئيس عز الدين حمزة بن القلانسي وغيرهم . فلما ~~وصلوا ، أكرمهم السلطان ، وأحسن إليهم ، وخلع عليهم . وفوض إلى قاضي القضاة ~~حسام الدين الحنفي قضاء القضاة بالديار المصرية ، وعامله بما لم يعامل به ~~أحدا من الإكرام والتقريب والبر والتشاريف . وأقر ولده القاضي جلال الدين ~~على قضاء الشام . وفوض إلى القاضي إمام الدين القزويني الشافعي ، قضاء ~~القضاة بدمشق على مذهب الإمام الشافعي . وكتب تقليده في رابع جمادى الأولى ~~، عوضا عن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة . واستقر بيد القاضي بدر ~~الدين الخطابة بالجامع الأموي بدمشق ، وتدريس المدرسة القيمرية ms7286 ، وأعيد ~~القاضي جمال الدين الزواوي المالكي إلى دمشق على عادته ، وخلع عليهما ، ~~فكان وصولهما إلى دمشق في ثامن شهر رجب . وجلس القاضي إمام الدين للحكم ~~بالمدرسة العادلية ، وامتدحه الشعراء . فكان ممن امتدحه الشيخ كمال الدين ~~بن الزملكاني بقصيدته التي أولها : تبدلت الأيام من عسرها يسرا . . . فأضحت ~~ثغور الشام تفتر بالبشرى وأما الرئيس عز الدين حمزة بن القلانسي ، فإنه ~~تأخر بالديار المصرية مدة ، ثم عاد إلى دمشق ، فوصلها في الخامس والعشرين ~~من شهر رمضان . وقد خلع عليه خلع الوزراء ، تشريفا كاملا بطرحة ومنديل ~~هنكري مزركش ، وخلع على ولديه . واستعاد له من ورثة السلطان الملك المنصور ~~، ما كان قد صودر به ، وأخذ منه في الأيام المنصورية . وأثبت ذلك في وجه ~~وكيل الورثة المنصورية ، وتعوض عنها أملاكا ، من الأملاك المنصورية . فذكر ~~أن قيمتها أضعاف ما أخذ منه ، منها حصة بقرية الرمثا وغير ذلك . ~~PageV31P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" وفيها ، ولي الأمير سيف الدين جاغان الحسامي ~~شد الشام ، وباشر ذلك في يوم الإثنين العشرين من شهر رجب ، عوضا عن الأمير ~~فتح الدين بن صبره . ذكر تفويض الوزارة بالديار المصرية للأمير شمس الدين ~~سنقر الأعسر وفي هذه السنة ، تقدم أمر السلطان بطلب الأمير شمس الدين سنقر ~~الأعسر المنصوري ، من دمشق ، على خيل البريد . فركب منها في سابع عشر جمادى ~~الآخرة . ووصل إلى الأبواب السلطانية في الشهر المذكور ، فأكرمه السلطان ~~وأحسن إليه ، وشرفه وأمره بالديار المصرية . ثم فوض إليه الوزارة ، وتدبير ~~الدولة ، بالديار المصرية والممالك الشامية . وكان جلوسه في دست الوزارة ، ~~في السادس والعشرين من شهر رجب . وعزل الصاحب فخر الدين بن الخليلي ، وسلم ~~إليه ، ليستخرج منه مالا . واستمر في الوزارة إلى يوم السبت ثالث عشرين ذي ~~الحجة ، فقبض عليه لأمور أنكرها السلطان ، وظهرت له منه . ذكر القبض على ~~الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري نائب السلطنة وتفويض نيابة السلطنة ~~للأمير سيف الدين منكوتمر وفي هذه السنة ، في يوم الثلاثاء منتصف ذي القعدة ~~، قبض السلطان على نائبه وخوشداشه ، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري ~~واعتقله . وأمر بإيقاع الحوطة على موجوده ms7287 وحواصله ، بالديار المصرية ~~والبلاد الشامية . وفوض السلطان ، بعد القبض عليه ، نيابة السلطنة بمقر ~~ملكه ، لمملوكه الأمير سيف الدين منكوتمر الحسامي . وفي هذه السنة ، بعد ~~القبض على الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري ، ركب السلطان الملك المنصور ~~إلى الميدان ، للعب بالكرة ، فتقنطر به فرسه ، فسقط إلى الأرض ، وانكسر أحد ~~جانبي يديه وبعض أضلاعه . ووجد شدة عظيمة لذلك . واحتاج المجبرون إلى كسر ~~عظم الجانب الآخر من يده ، لأجل صحة الجبر ، فإنه لا يجبر أحد PageV31P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" الجانبين ، وإن انجبر قصر عن الجانب الآخر ، ~~فتعذر الانتفاع باليد ، واضطر إلى ذلك ، وتوقف عن الإجابة إليه . فدخل عليه ~~الأمير شمس الدين سنقر الأعسر - وكان ذلك قبل القبض عليه - وقال له : أنا ~~حصل لي مثل هذا ، فلما احتجت إلى كسر النصف الآخر ، ضربته بدقماق حديد ، ~~فانكسر ثم جبر . وكلمه في ذلك بكلام فيه غلظ واستخفاف . ولم يسلك ما جرت ~~العادة به من الآداب الملوكية . فكان هذا من أسباب القبض عليه كما تقدم . ~~واستمر السلطان على الانقطاع لهذه الحادثة ، إلى أن كملت صحته ، وصح ما جبر ~~من يده وجسده . ثم ركب في حادي عشر صفر ، سنة سبع وتسعين وستمائة فاستبشر ~~الناس بذلك ، ودقت له البشائر بمصر والشام . وفي سنة ست وتسعين وستمائة ، ~~في الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول كانت وفاة الشيخ الإمام ، السيد ~~الشريف ضياء الدين مفتي المسلمين ، أبي الفضل جعفر ابن الشيخ العارف القطب ~~اتفاقا ، عبد الرحيم بن أحمد بن مجنون الحسيني الشافعي ، رحمه الله . وكان ~~قد ولي وكالة بيت المال ، في أول الدولة المنصورية ، مدة لطيفة ، ثم عزل ~~نفسه . وفيها ، في ليلة الثلاثاء ، سادس عشرين ربيع الأول ، توفي الشيخ ~~الإمام الحافظ جمال الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ محمد بن عبد الله ~~الظاهري ، وولده محمد ، عتيق السلطان الملك الظاهر غازي . ودفن بتربته ~~بمقبرة باب النصر ، ظاهر القاهرة ، رحمه الله تعالى . وفيها ، في يوم ~~الإثنين ثامن عشر شعبان ، توفي الصدر سيف الدين أحمد ابن محمد بن جعفر ~~الساوي بدمشق ، ودفن بداره ، جوار المدرسة الكروسية ، داخل ms7288 دمشق . وكان ~~كبير المحل في النفوس ، مشهور المكانة عند الخليفة المستعصم بالله وغيره . ~~وقد تقدم ذكره في الدولة المنصورية . وكان حسن الشعر إلا أنه كان كثير ~~الهجاء . وأهاجيه مشهورة ، منها الأرجوزة التي عملها في مباشري الدولة ~~المنصورية الناصرية بدمشق ، وهي مشهورة . وفيها ، في ليلة الخميس الثالث ~~والعشرين من ذي القعدة ، كانت وفاة الأمير عز الدين أزدمر العلائي ، أحد ~~الأمراء بدمشق . وهو أخو الحاج علاء الدين طيبرس الوزيري ، رحمهما الله ~~تعالى . PageV31P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" وفيها ، كانت وفاة الصاحب محيي الدين أبي عبد ~~الله محمد بن يعقوب بن إبراهيم بن النحاس الأسدي . وكانت وفاته ببستانه ~~بالمزة ، في سلخ ذي الحجة ودفن في مستهل المحرم . ولي الوزارة بالشام مرارا ~~. ولما توفي ، كان مدرسا بالمدرسة الريحانية والظاهرية وناظر الخزانة ، ~~رحمه الله تعالى . واستهلت سنة سبع وتسعين وستمائة [ 697 ه 1297 - 1298 م ] ~~ذكر وصول الملك المسعود نجم الدين خضر ومن معه من القسطنطينية إلى الديار ~~المصرية كان السلطان قد كتب إلى الأشكري ، صاحب القسطنطينية ، في سنة ست ~~وتسعين وستمائة ، إذ تجهزوا أولاد الملك الظاهر إلى الديار المصرية مكرمين ~~، هم ومن معهم . فجهز إليه الملك المسعود نجم الدين خضر ووالدته . وأحضر ~~الملك العادل سلامش في تابوت مصبرا . وكان قد مات بالقسطنطينية . وكان ~~وصولهم في هذه السنة ، فأكرمهم السلطان ، وأحسن إليهم . وكان قد تزوج إحدى ~~بنات الملك الظاهر ، فلذلك كتب بإحضارهم ، ودفن الملك العادل بدر الدين ~~سلامش . ثم استأذن الملك المسعود السلطان في الحج ، فأذن له ، فحج في هذه ~~السنة . وجهزه السلطان بما يحتاج إليه . ولما عاد ، سكن القاهرة المعزية . ~~وفي هذه السنة ، كتب تقليد الأمير سيف الدين قبجاق المنصوري ، بنيابة ~~السلطنة الشريفة بالشام المحروس ، وجهز إليه إلى دمشق ، فوصل إليه في يوم ~~الأربعاء مستهل شهر ربيع الأول ، يزينه التشريف السلطان والسيف والحياصة ~~والفرس . ويقال إنه تولى نيابة دمشق في هذه المدة الماضية بغير تقليد ، ~~فوصل إليه الآن ، فجدد الحلف للسلطان بحضور القضاة والأمراء . وركب بكرة ~~نهار الخميس ، وعليه التشريف ، وقبل عتبة باب السر بقلعة دمشق ms7289 على العادة . ~~PageV31P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" ذكر توجه الملك السلطان الناصر إلى الكرك ~~وإقامته بها وفي هذه السنة ، جهز السلطان الملك المنصور حسام الدين الملك ~~السلطان الناصر إلى الكرك ، فتوجه إليها ، وتوجه في خدمته الأمير سيف الدين ~~سلار أستاذ الدار ، فوصل إليها في رابع شهر ربيع الأول . فأخبرني قاضي ~~القضاة زين الدين علي بن مخلوف المالكي ، عن خبر إرساله إلى الكرك . قال : ~~طلبني الملك المنصور حسام الدين ، وقال لي : إعلم أن السلطان الملك الناصر ~~ابن أستاذي ، وأنا والله في السلطنة مقام النائب عنه . ولو علمت أنه الآن ~~يستقل بأعباء السلطنة ولا تنخرم هذه القاعدة ، ويضطرب الأمر ، أقمته وقمت ~~بين يديه . وقد خشيت عليه في هذا الوقت ، وترجح عندي إرساله إلى قلعة الكرك ~~. فيكون بها إلى أن يشتد عضده ، ويكون من الله الخير . والله ما أقصد ~~بإرساله إليها إبعاده ولكن حفظه ، وأما السلطنة فهي لي . وأمثال هذا الكلام ~~. قال : فشكرته على ذلك ، ودعوت له . ولعل السلطان الملك المنصور ، إنما ~~قال هذا القول تطبيبا لقلب قاضي القضاة ، لا حقيقة ، وكان في طي الغيب كذلك ~~. ولما توجه السلطان الملك الناصر إلى الكرك ، توجه في خدمته جماعة من ~~مماليكه ومماليك أبيه السلطان الملك المنصور ، منهم الأمير سيف الدين بهادر ~~الحموي المنصوري وهو أكبرهم سنا ، وهو القائم في خدمته مقام اللالا ، ~~والأمير سيف الدين أرغون المنصوري الناصري الدوادار ، وكان قد تربى في خدمة ~~السلطان من صغره ، وسيف الدين طيدمر جوباش ، رأس نوبة الجمدارية وغيرهم . ~~وكان النائب بالكرك يوم ذاك ، الأمير جمال الدين أقش الأشرفي المنصوري وكان ~~في خدمة السلطان الملك الناصر بالكرك ، وهو باق على نيابته بها . ذكر القبض ~~على الأمير بدر الدين بيسري الشمسي وغيره وفي هذه السنة ، في سادس شهر ربيع ~~الآخر ، قبض السلطان على الأمير بدر الدين بيسري الشمسي الصالحي . واعتقله ~~بالقاعة الصالحية ، بقلعة الجبل . وكان مكرما PageV31P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" في اعتقاله ، وأحضر إليه زوجته المنصورية ، ~~والدة أحمد ابن السلطان الملك المنصور . وكان سبب ذلك أن السلطان ندبه في ~~هذه السنة لكشف جسور ms7290 الجيزية وإتقانها . وهذه الوظيفة بالنسبة له إطراح ~~كثير له ولعظامته ، وإن كانت كثيرة في حق غيره . فتوجه إلى الجيزية بسائر ~~مماليكه وألزامه . فاجتمع معه جمع كثير ، يقال إنهم كانوا نحو سبعمائة . ~~وكان يحضر إلى الخدمة في يومي الإثنين والخميس . ويعود إلى مخيمه . فلما ~~تكامل إتقان الجسور ، استأذن في عمل ضيافة للسلطان هناك . فأذن له واهتم ~~لها اهتماما كثيرا . وحصل بسببها جملة من الأغنام والأصناف وغير ذلك . وقرر ~~مع السلطان أنه يحضر هذه الضيافة . فأوهم نائبه الأمير سيف الدين منكوتمر ، ~~السلطان من خروجه وحذره منه . وأحضر بهاء الدين أرسلان ، أستاذ دار الأمير ~~بدر الدين بيسري ، وهو ابن مملوكه بدر الدين بيليك ، أمير مجلس . وكان قد ~~ربى أرسلان هذا كالولد . فلما كبر قدمه على جماعة من أكابر مماليكه الذين ~~كانوا في منزلة أبيه ، وجعله أستاذ داره ، وأحسن إليه إحسانا كثيرا ، فخدعه ~~الأمير سيف الدين منكوتمر ولاطفه ووعده بإمرة طبلخاناة ، إن هو أنهى إلى ~~السلطان ، أن مخدومه الأمير بدر الدين بيسري يقصد اغتياله . فأطمعت أرسلان ~~نفسه ، بما وعده منكوتمر ، ووافقه على ما قصده . وحضر إلى السلطان وأوهمه ~~من أستاذه أنه إن حضر ضيافته قبض عليه وقتله . ثم عضد ذلك أن الأمير بدر ~~الدين بيسري ، أرسل إلى منكوتمر يطلب منه الدهليز السلطاني ، لينصب في مكان ~~المهم ، ولم يشعر بما وقع . فرسم بتسليم الدهليز لمماليك الأمير بدر الدين ~~بيسري ، وأن يتوجه مقدم الفراشين السلطانية ومن معه لنصبه ، ولم يطلع ~~السلطان على ذلك . فلما حمل الدهليز السلطاني على الجمال ، ومر به المماليك ~~والغلمان ، تحت القلعة ليتوجهوا به إلى الجيزية ، رآه السلطان من القلعة . ~~فأرسل إلى الأمير سيف الدين منكوتمر ، وسأله عن أمره ، فأنكر أن يكون اطلع ~~على شيء من حاله . وقال إن مماليك بيسري أخذوه من الفراش خاناة السلطانية ~~من غير استئذان . ثم قال للسلطان ، هذا مما يحقق صدق ما نقل عنه ، وأغراه ~~به . فأمر السلطان بإعادة الدهليز إلى الفراش خاناة . وكان الحامل للأمير ~~سيف الدين منكوتمر على ذلك أن أستاذه الملك المنصور حسام الدين ، كان ms7291 قد ~~عزم على أن يجعله ولي عهده بعده ، كما فعل السلطان الملك PageV31P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" المنصور ، والملك الظاهر بأولادهما ، ويقرن ~~اسمه مع اسمه في الخطبة ، لأن لاجين لم يكن له ولد ذكر . فتحدث في ذلك مع ~~الأمير بدر الدين بيسري ، فأنكره غاية الإنكار وأجاب عنه بأقبح جواب ، ورده ~~بأشنع رد . فكان مما حكى أنه قال للسلطان : اعلم أن مملوكك هذا الذي أشرت ~~إليه ، لا يصلح للجندية ، وقد أمرته وقدمته ، فصبر الناس لك على هذا . ~~وجعلته نائب السلطنة ، ومشيت الأمراء والجيوش في خدمته ، فأجابوا إلى ذلك ، ~~طاعة لك ، وطلبا لرضاك ، مع ما تقدم من أيمانك عند السلطنة ، أنك لا تقدم ~~مماليكك على الأمراء ، ولا تمكنهم منهم . ثم لم تقنع له بما خولته فيه ، ~~ومكنته منه ، ورفعته من قدره ، حتى تقصد أن تجعله سلطانا مثلك ، هذا لا ~~يوافقك الناس عليه أبدا . وحذره من ذلك غاية التحذير ، ونهاه عنه ، وعن ~~الحديث فيه مع غيره . ولعمري لقد بالغ في النصيحة له . فأعلم السلطان ~~منكوتمر ، بما دار بينه وبين الأمير بدر الدين بيسري في أمره ، وبما أجاب ~~به في معناه . فرأى منكوتمر أنه منعه ملكا عظيما ، وسلبه أمرا جسيما . وعلم ~~أنه لا يتم له هذا الأمر ، الذي أشار به السلطان ، ولا يتمكن منه ، مع بقاء ~~بيسري وأمثاله من الأمراء . فشرع في التدبير عليهم ، وأغرى مخدومه بهم . ~~وابتدأ بالتدبير على بيسري . وعلم أنه إن ينقل عنه أمرا ، ربما أن السلطان ~~لا يتلقاه بقبول ، فأخذه من مأمنه . وتحيل على أستاذ داره أرسلان ، حتى ~~أنهى عنه ما أنهاه . ثم عضد ذلك بواقعة الدهليز ، فتحقق ما نقل عنه . ولما ~~وقع ذلك ، أطلع عليه بعض الأمراء الأكابر ، فراسلوا الأمير بدر الدين بيسري ~~، وأعلموه ، بما اطلعوا عليه وكان ممن راسله في ذلك ، الأمير سيف الدين ~~طقجي الأشرفي وغيره من الأمراء ، وحذروه من السلطان ، وحلفوا له على ~~الموافقة والمعاضدة . فلم يرجع إلى قولهم ، ولا أصغى إليهم . ثم أرسل إليه ~~سيف الدين أرغون ، أحد مماليك الملك المنصور ، وخاصكيته وأقربهم عنده ، ~~يخبره أن السلطان ms7292 قد عزم على القبض عليه ، ويحذره من الحضور إلى الخدمة ، ~~وإنه إن حضر يكون في أهبة واستعداد . وكان الحامل لأرغون على ذلك ، أن ~~أستاذه أمر غيره من مماليكه ، ولم يؤمره بطبلخاناة مع اختصاصه به ، وإنما ~~أعطاه إمرة عشرة ، فوجد في نفسه . ومن العجب أن كل واحد ، من السلطان ~~وبيسري ، أتي في هذا الأمر من مأمنه ، وأذاع سره أخص الناس به . فإن أرسلان ~~كان من بيسري بالمكان الذي ذكرناه ، كأعز أولاده عنده ، PageV31P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" وأرغون هذا كان من أخص المماليك المنصورية ~~الحسامية ، حتى لقد بلغني أنه أعطاه في يوم واحد ، سبعين فرسا ، وغير ذلك . ~~فحمل أرسلان الطمع بالإمرة ، وحمل أرغون الغيرة من تقديم أمثاله عليه . ~~ففعلا ما فعلا ، ونقلا ما نقلا . وحضر الأمير بدر الدين بيسري إلى الخدمة ، ~~في يوم الإثنين السادس من شهر ربيع الآخر . فأخبرني ركن الدين بيبرس ~~الجمدار ، أحد المماليك البدرية ، الذين كانوا معه ، يوم القبض عليه ، أنه ~~لما عبر إلى الخدمة ، تلقاه السلطان قائما على عادته . وجلس إلى جانبه ، ~~وبالغ السلطان في إكرامه . ولما قدم السماط ، امتنع الأمير بدر الدين من ~~الأكل ، واعتذر بالصوم . فأمر السلطان برفع مجمع من الطعام لفطوره ، فرفع ~~له . وبقي السلطان يحادثه سرا ، ويؤانسه ويشغله عن القيام ، إلى أن رفع ~~السماط . وخرج الأمراء ، وقام الأمير بدر الدين معهم على عادته . فلما ~~انتهى إلى بعض الإيوان ، استدعاه السلطان ، فعاد إليه . فقام له أيضا وجلس ~~معه ، وحدثه طويلا . والحجاب والنقباء يستحثون الأمراء على الخروج . ثم قام ~~بيسري ، فاستدعاه السلطان أيضا ، فعاد إليه . وقام السلطان له ، وجلس معه ~~وتحدثا . قال الحاكي لي : ورأيت السلطان قد ناوله شيئا من جيبه ، ما أعلم ~~ما هو ، فتناوله الأمير بدر الدين ، ووضعه في جيبه ، وقبل يد السلطان ~~وفارقه . وقد خلى المجلس والدهاليز إلا من المماليك السلطانية . فلما خرج ، ~~أتاه الأمير سيف الدين طقجي ، والأمير علاء الدين ايدغدي شقير الحسامي ، ~~وعدلا به إلى جهة أخرى . وقبض ايدغدي شقير على سيفه ، وأخذه من وسطه ، ونظر ~~إليه طقجي وبكى عند القبض عليه ms7293 . وتوجها به إلى المكان الذي جهز لاعتقاله ~~به . ولم يزل الأمير بدر الدين معتقلا إلى أن مات ، في الدولة الناصرية على ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى . وقبض السلطان أيضا على الأمير سيف الدين ~~الحاج بهادر الحلبي الحاجب ، ونقل الأمير سيف الدين كرد أمير آخور إلى ~~الحجبة . وقبض على الأمير شمس الدين سنقر شاه PageV31P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" الظاهري . وقبض أيضا في أواخر السنة على ~~الأمير عز الدين أيبك الحموي الظاهري . وفي جمادى الأولى ، أمر السلطان ~~بمصادرة القاضي بهاء الدين بن الحلي ناظر الجيوش المنصورة ، وأخذ خطه بألف ~~ألف درهم ، وعزله عن الوظيفة . وأحضر عماد الدين بن المنذر ، ناظر جيش ~~الشام ، فولاه النظر . وكان قد جلس في نظر الجيش ، فيما بين عزل بهاء الدين ~~وحضور ابن المنذر ، القاضي أمين الدين المعروف بابن الرفاقي . فلما وصل ابن ~~المنذر ، فوض إليه النظر . ومرض أمين الدولة ، وانقطع في داره لما حصل له ~~من الألم . وفي هذه السنة ، أقيمت الخطبة وصلاة الجمعة بالمدرسة المعظمية ~~بسفح قاسيون ، ولم تكن قبل ذلك ، وخطب بها مدرسها شمس الدين بن الشرف بن ~~العز الحنفي ، في يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر ، باتفاق الملك الأوحد ناظر ~~المدرسة . ذكر إعادة الصاحب فخر الدين عمر بن الخليلي إلى الوزارة وفي هذه ~~السنة ، في جمادى الأولى ، رسم السلطان بإعادة الصاحب الوزير فخر الدين عمر ~~ابن الشيخ مجد الدين عبد العزيز الخليلي إلى الوزارة فعاد ، وصادر ألزام ~~الأمير شمس الدين سنقر الأعسر . ذكر تجريد العساكر إلى سيس وما فتح من ~~قلاعها وفي هذه السنة ، جرد السلطان الأمير بدر الدين بكتاش الفخري الصالحي ~~أمير سلاح ، والأمير حسام الدين لاجين الرومي ، أستاذ الدار ، والأمير شمس ~~الدين آقسنقر كرتاي ، ومن معهم من مضافيهم . وأمرهم أن يتوجهوا إلى بلاس ~~سيس . فتوجهوا من القاهرة ، في جمادى الأولى ، والمقدم على الجيش أجمع ~~الأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح . PageV31P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" وكان وصولهم إلى دمشق في يوم الخميس ، خامس ~~جمادى الآخرة ، وتوجهوا منها في ثامن الشهر . وجرد معهم من عسكر دمشق ms7294 ، ~~الأمير ركن الدين بيبرس العجمي الجالق ، والأمير سيف الدين كجكن ، والأمير ~~بهاء الدين قرا أرسلان المنصوري ومضافيهم . وجرد العسكر الصفدي ، ومقدمه ~~الأمير علم الدين أيدغدي الإلدكزي . وجرد جماعة من العسكر الطرابلسي ، ~~والملك المظفر صاحب حماه بعسكرها . ولما اتصل خبر تجريد العسكر بصاحب سيس ، ~~جهز رسله إلى الأبواب السلطانية ، يستعطف السلطان ، ويسأله مراحمه ، فلم ~~تجد رسالته نفعا . ووصلت هذه العساكر إلى حلب . وأردف السلطان هذه العساكر ~~بالأمير علم الدين سنجر الدواداري ، أحد مقدمي العساكر بالديار المصرية ، ~~ومضى فيه ، فخرج مسرعا ، وأدرك الجيش بحلب . وجرد من العسكر الحلبي الأمير ~~علم الدين المعروف بالزغلي والأمير علم الدين سنجر الحلبي ، ومضافيهما . ~~وتوجهت هذه الجيوش بجملتها إلى بلاد سيس . فلما نزلوا بالعمق ، افترقت ~~العساكر فرقتين . فتوجه الأمير بدر الدين بكتاش ، أمير سلاح ، والأمير حسام ~~الدين أستاذ الدار ، والأمير ركن الدين الجالق ، والأمير بهاء الدين قرا ~~أرسلان ، والعسكر الصفدي من عقبة بغراس إلى باب اسكندرونة ، ونازلوا تل ~~حمدون . وتوجه الملك المظفر صاحب حماه ، والأمير علم الدين سنجر الدواداري ~~، والأمير شمس الدين آقسنقر كرتاي ، وبقية الجيش من عقبة المريت . وصار نهر ~~جهان بين الفريقين وكان دخولهم إلى دربند سيس ، في يوم الخميس ، رابع شهر ~~رجب . ولما صاروا ببلاد سيس ، اختلف الأمير بدر الدين أمير سلاح ، والأمير ~~علم الدين الدواداري بالإغارة والاقتصار عليها . وقال أنا المقدم على هذه ~~الجيوش كلها ، وأنا آخركم عهدا بالسلطان ، وإنما رسم السلطان بالإغارة . ~~فاضطر أمير سلاح ومن معه ، لموافقة الدواداري ، وقطعوا جهات من مخاضة ~~العمودين ، وتوجهوا للإغارة . فتوجه صاحب حماه والدواداري ، ومن معهما إلى ~~سيس نفسها . وتوجه أمير سلاح ومن معه إلى ناورزه ، وأقاموا عليها يوما ~~وليلة . ورحلوا إلى أذنة ، واجتمعت الطائفعتان بها ، بعد أن قتلوا من ظفروا ~~به من الأرمن ، واستاقوا ما مروا به من الأبقار والجواميس . وعادوا من أذنة ~~إلى المصيصة بعد الإغارة ، PageV31P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" وأقاموا بها ثلاثة أيام ، حتى نصبوا جسرا مرت ~~العساكر عليه ، ورجعوا إلى بغراس ، ثم إلى مرج أنطاكية . وأقاموا ثلاثة ~~أيام ، ورحلوا إلى جسر الحديد بأرض ms7295 الروج ، عازمين على العود إلى الديار ~~المصرية ، بالعساكر المصرية إلى مستقرها . وكان الأمير بدر الدين أمير سلاح ~~، لما نازعه الدواداري في التقدمة ، ومنعه من الحصار ، وصمم على الاقتصار ~~على الإغارة ، قد كتب إلى الأمير سيف الدين بلبان الطباخي ، نائب السلطنة ~~بالمملكة الحلبية ، يعلمه بما وقع والتمس منه مطالعة السلطان بذلك . فطالع ~~بصورة الحال ، فورد الجواب من السلطان ، والعساكر بالروج ، يتضمن الإنكار ~~على الأمير علم الدين الدواداري ، كونه ادعى التقدمة على الأمير بدر الدين ~~أمير سلاح ، واقتصر على الإغارة ، وأن الدواداري إنما خرج مقدما على مضافيه ~~خاصة ، وأن التقدمة على سائر الجيوش للأمير بدر الدين أمير سلاح . ورسم ~~السلطان أن العساكر لا تعود ، إلا بعد فتح تل حمدون . وإن عادت قبل فتحها ، ~~فلا إقطاع لهم بالديار المصرية ؛ إلى غير ذلك من الحث على فتحها . فعند ذلك ~~، عطفت العساكر من الروج إلى جهة حلب ، ووصلوا إليها ، وأقاموا بها ثمانية ~~أيام ، وتجهزوا منها بما يحتاجون إليه . ودخلوا إلى بلاد سيس بأثقالهم ، ~~وعبروا بجملتهم من عقبة بغراس . وجرد الأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح ، ~~الأميرين سيف الدين كجكن ، وبهاء الدين قرا أرسلان ، إلى إياس ، فأكمن لهم ~~الأمن في البساتين ، فلم تتمكن العسكر من قتالهم ، ورحلوا شبه المنهزمين ، ~~فأنكر أمير سلاح وسبهم ، فاعتذروا بضيق المسلك والتفاف الأشجار ، وعدم ~~التمكن من العدو . ثم رحل بجميع الجيش ، ونزل على تل حمدون ، فوجدها خالية ~~، وقد انتقل من بها من الأرمن إلى قلعة نجيمة ، فتسلمها ، في سابع شهر ~~رمضان ، وسلمها للأمير علم الدين الشيباني ، النائب ببغراس . ولما دخل ~~الجيش إلى بلاد سيس ، جرد الأمير سيف الدين الطباخي ، نائب السلطنة بحلب ، ~~طائفة من عسكرها ، ومن انضم إليهم من التركمان وغيرهم ، ففتحوا قلعة مرعش ، ~~في عاشر شهر رمضان أيضا . ثم جاء الخبر إلى العسكر أن واديا تحت قلعة نجيمة ~~وحموص قد امتلأ بالأرمن ، وأن المقاتلة من قلعة نجيمة يحمونهم . ~~PageV31P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" فندب إليه طائفة من العسكر ، فرجعوا ولم ~~يبلغوا غرضا . ثم سير طائفة ثانية ، فرجعوا كذلك . فرحل الأمراء بجملتهم في ms7296 ~~نفر من أعيان الجيش وأقويائه ، وقاتلوا أهل نجيمة ، حتى ردوهم إلى القلعة . ~~ثم تقدم الجيش إلى الوادي ، وقتلوا من به من الأرمن ، وأسروا ونهبوا ، ~~ونازلوا قلعة نجيمة ، ليلة واحدة . ثم خرج العسكر إلى الوطاة ، وبقي صاحب ~~حماه وأمير سلاح ، في مقابلة من بالقلعة ، حتى خرج العسكر ، خشية أن يخرج ~~أهل نجيمة ، فينالوا من أطراف العسكر . ثم خرجوا بجملتهم واجتمعوا بالوطاة ~~. فوصل البريد بكتب السلطان ، يتضمن أنه بلغه أن تل حمدون أخليت ، وأنها ~~أخذت بغير قتال ولا حصار ، وانتقل من بها إلى قلعة نجيمة . وأمر بمنازلة ~~قلعة نجيمة وحصارها ، إلى أن تفتح ، فعادت العساكر إليها وحاصروها . واختلف ~~أمير سلاح والدواداري أيضا ، فقال الدواداري : إن هذا الجيش بجملته إذا ~~نازل هذه القلعة ، لا يظهر من اجتهد وقاتل ، ممن تخاذل وعجز . والقتال ~~عليها إنما هو من وجه واحد . والرأي أن يتقدم في كل يوم مقدم ألف ، ويزحف ~~بجماعته ليظهر فعله ، واستقل القلعة واستصغرها وحقر أمرها . وكان في جملة ~~كلامه أن قال : أنا آخذ هذه القلعة في حجري . فاتفق الأمر على أن يتقدم ~~الدواداري بألفه ، للزحف في أول يوم . فزحف بمن معه حتى لاحف السور . ~~فأصابه حجر منجنيق في مشط رجله ، فقطعه وسقط إلى الأرض . فتبادر الأرمن ~~بالنزول إليه ، وكادوا يأسرونه . فحمل أمير سلاح بجماعته ، حتى حجزهم عنه . ~~وأخرج الدواداري على جنوية ، وحمل إلى وطاقه . وعادوا إلى حلب ، ثم توجه ~~منها إلى الديار المصرية . وقد سكنت نفسه ، ونقصت حرمته عما كانت عليه ، ~~وكان قبل ذلك له حرمة وافرة . وقتل الأمير علم الدين سنجر طقصها الناصري ، ~~على هذه القلعة . وزحف الأمير شمس الدين آقسنقر كرتاي في اليوم الثاني ، ~~وانتهى إلى سور القلعة ونقبه ، وخلص منه ثلاثة أحجار . واستشهد من مماليكه ~~وأجناده أحد عشر رجلا ، ونفران من الحجارين . ثم زحف أمير سلاح ، وصاحب ~~حماه ، وبقية الجيش . ورتبهم أمير سلاح PageV31P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" طوائف ، طائفة تتلو أخرى . وقرر معهم ، أن ~~يردف بعضهم بعضا . وتقدموا بالجنويات ، حتى وصلوا إلى السور ، وأخذوا مواضع ~~النقوب ، وأقاموا الستائر . ولازموا الحصار عليها ms7297 واحدا وأربعين يوما . وقد ~~اجتمع بها جمع كثير من الفلاحين والنساء والصبيان من أهل القرى المجاورة ~~لها ، فقلت المياه بالقلعة . فاضطر الأرمن إلى إخراجهم منها ، فأخرجوهم في ~~ثلاث دفعات . فأخرجوا في المرة الأولى مائتي رجل ، وثلاثمائة امرأة ومائة ~~وخمسين صبيا . فقتل العسكر الرجال ، وتفرقوا النساء والصبيان . ثم أخرجوا ~~في المرة الثانية مائة وخمسين رجلا ، ومائتي امرأة ، وخمسة وسبعين صبيا ، ~~ففعلوا بهم كذلك . ثم أخرجوا جماعة أخرى في المرة الثالثة . ولم يتأخر ~~بالقلعة إلا المقاتلة ، وقلت عندهم المياه ، حتى اقتتلوا بالسيف على الماء ~~، فسألوا الأمان فأعطوه ، وسلموا القلعة في ذي القعدة من السنة . وخرجوا ~~منها ، وتوجهوا إلى مأمنهم . وفي أثناء هذا الحصار ، وصلت إلى العسكر ~~مفاتيح النقير وحجر شغلان وسرقند كار وزنجفره وحموص ، وتتمة أحد عشر حصنا ~~من حصون الأرمن . وسلم الأمير بدر الدين أمير سلاح هذه الفتوح إلى الأمير ~~سيف الدين استدمر كرجي أحد الأمراء بدمشق ، وجعله نائبا بها . فلم يزل ~~استدمر بهذه الحصون ، إلى أن بلغه حركة التتار وقربهم ، فأباع ما بها من ~~الحواصل وتركها خالية ، فاستولى الأرمن عليها . ولما تكامل هذا الفتح ، ~~عادت العساكر إلى حلب ، ونزلوا بها ، ليريحوا خيولهم . وترادف عليهم ~~الأمطار وتزايدت ، حتى سكنوا الخانات والدور . ثم أردفهم السلطان بتجريدة ~~أخرى ، من الديار المصرية ، صحبة الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار ، ~~والأمير سيف الدين طقطاي ، والأمير مبارز الدين أوليا ابن قرمان ، والأمير ~~علاء الدين ايدغدي شقير الحسامي . فوصلوا إلى دمشق ، في ذي القعدة ، ~~وتوجهوا إلى حلب ، وأقاموا بها مع العسكر . وجهز صاحب سيس رسلا إلى الأبواب ~~السلطانية يسأل عواطف السلطان ومراحمه . واستمر العسكر بحلب ينتظرون ما يرد ~~عليهم ، من أبواب السلطان . فأقاموا عليها شهورا ، إلا الأمير حسام الدين ~~أستاذ الدار ، فإنه توجه إلى الأبواب السلطانية ، على خيل البريد . وكان ~~عود هذا العسكر إلى الديار المصرية ، PageV31P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" ووصوله إلى القاهرة ، في منتصف شهر ربيع ~~الآخر ، سنة ثمان وتسعين وستمائة ، بعد مقتل السلطان بثلاثة أيام على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى . حادثة غريبة ظهر فيها ms7298 آية من آيات الله عز وجل ~~وفي سنة سبع وتسعين وستمائة ، في العشر الأول ، من جمادى الأولى ، ورد على ~~السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين ، مطالعة مضمونها : أن شخصا بقرية ~~جينين ، من الساحل الشامي ، كانت له زوجة ، فتوفيت إلى رحمة الله تعالى . ~~فحملت بعد تغسيلها وتكفينها ودفنت . فلما عاد زوجها من المقبرة ، تذكر أن ~~منديله وقع في القبر ، وفيه جملة من الدراهم . فأتى إلى فقيه القرية ، ~~فاستفتاه في نفش القبر . فقال له في ذلك يجوز نبشه وأخذ المال منه . ثم ~~تداخل الفقيه المفتي في ذلك شيء في نفسه . فقام وحضر معه إلى القبر ، فنبش ~~الزوج القبر ليأخذ المال ، والفقيه على جانب القبر . فوجد الزوج زوجته ~~مقعدة مكتوفة بشعرها ، ورجليها متكوفتين بشعرها ، فحاول حل كتافها ، فلم ~~ينحل له ذلك ، فأمعن في ذلك ، فخسف به وبزوجته . ولم يوجد أو لم يعلم للخسف ~~منتهى . وأما الفقيه فإنه أقام مغشيا عليه يوما وليلة أو ليلتين . - نسأل ~~الله أن يسترنا ولا يفضحنا ، وأن لا يؤاخذنا بسوء أفعالنا - ولما وردت ~~المطالعة على السلطان بهذه الحادثة ، عرضها على شيخنا قاضي القضاة تقي ~~الدين ابن دقيق العبد وغيره . وكتب يستعلم عن سيرة هذه المرأة والزوج ~~المخسوف بهما ، فما علمت ما وردت عليه من الجواب في ذلك . ذكر روك ~~الإقطاعات بالديار المصرية وتحويل السنة وفي سنة سبع وتسعين وستمائة أيضا ، ~~رسم السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين ، بروك الإقطاعات والمعاملات ~~والنواحي والجهات PageV31P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" بالديار المصرية . وندب لذلك من الأمراء ، ~~الأمير بدر الدين بيليك الفارسي الحاجب ، والأمير بهاء الدين قراقوش ~~الظاهري ، المعروف بالبريدي . وتوجه الكشاف إلى الأقاليم البرانية ، ~~بالوجهين القبلي والبحري ، ومسحوا البلاد مساحة روك ، وحرروا الجهات وعادوا ~~. وانتصب لهذا جماعة من الكتاب ، كان المشار إليه فيهم ، تاج الدين عبد ~~الرحمن المعروف بالطويل ، وهو أحد مستوفيي الدولة ، من مسالمة القبط ، وممن ~~يشار إليه في معرفة صناعة الكتابة ، ويعتمد على قوله ، ويرجع إليه فيها ، ~~فرتب ذلك على حسب ما اقتضاه رأي السلطان في تقريره . واستقر في الخاص ~~السلطاني الأعمال ms7299 الجيزية والأطفيحية وثغر الاسكندرية وثغر دمياط ومنفلوط ~~وكفورها ، وهو ، والكوم الأحمر من الأعمال القوصية ، وفي كل إقليم بلاد . ~~وتقرر إقطاع نيابة السلطنة من أعظم الإقطاعات وأكثرها متحصلا . فكان من ~~PageV31P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" جملته بالأعمال القوصية ، مرج بني هميم ~~وكفورها ، وسمهود وكفورها ، ودواليبها ومعاصرها ، وحرجة مدينة قوص وأدفو . ~~وهذه النواحي يزيد متحصلها من الغلال خاصة ، على مائة ألف وعشرة آلاف أردب ~~، خارجا عن الأموال والقنود والأعسال والتمر والأحطاب وغير ذلك . وفي كل ~~إقليم من الديار المصرية نواحي ومعاصر ، فكان في خاصه سبع وعشرون معصرة ، ~~لاعتصار قصب السكر . وكان نجاز الروك في ذي الحجة سنة سبع وتسعين وستمائة . ~~واستقبل به سنة ثمان وتسعين الهلالية . وحولت السنة الخراجية من سنة ست ~~وتسعين إلى سنة سبع وتسعين . وهذا التحويل جرت به العادة ، بعد انقضاء ثلاث ~~وثلاثين سنة ، تحول سنة ، وهو التفاوت فيما بين السنة الشمسية والقمرية . ~~فيجمع من ذلك في طول السنة ، ما ينغمس به سنة . وهو حجة ديوان الجيش في ~~اقتطاع التفاوت الجيشي . وقيل إن قوله تعالى : " ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة ~~سنين وازدادوا تسعا " ، إن التسعة هي هذا التفاوت ، ما بين السنتين ، والله ~~تعالى أعلم . وهذا التحويل لا ينقص بسببه شيء من الأموال البتة ، وإنما هو ~~تحويل بالأقلام خاصة . ولما نجز هذا الروك ، أقطعت البلاد للأمراء والأجناد ~~دربسته ، لم يستثن منها غير الجوالي والمواريت الحشرية ، فإن ذلك جعل في ~~جملة الخاص السلطاني . واستثنيت الرزق الأحباسية المرصدة لمصالح الجوامع ~~والمساجد ، والربط والزوايا ، PageV31P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" والخطباء والفقراء . واستقرت في سائر البلاد ~~على ما يشهد به ديوان الأحباس . وما عدا ذلك من سائر الأموال وغيرها ، دخل ~~في الإقطاع . وفي هذه السنة ، كانت وفاة الأمير عز الدين الجناجي ، نائب ~~السلطنة ومقدم العسكر بغزة . وكان قبل وفاته قد أودع عند بخر الدين ~~الأعزازي التاجر بقيسارية الشرب بدمشق صندوقا ، ولم يطلع على ذلك إلا ~~خزنداره . وكان الصندوق المودع عنده قبل ذلك وديعه ، عند بعض أصحاب الأمير ~~المذكور ، فأخذ منه ، ثم أودع عند فخر الدين . واتفقت وفاة خزندار ms7300 الأمير ، ~~وهو الذي اطلع على الوديعة قبل وفاة مخدومه بأيام . ثم مات الأمير ، فلما ~~اتصلت وفاته بفخر الدين الاعزازي ، اجتمع بقاضي القضاة إمام الدين الشافعي ~~بدمشق ، وعرفه خبر الوديعة . فأمره بالتأني في أمرها ؛ حتى تثبت وفاة ~~المذكور ، ويتحقق أمر ورثته ، ففعل ذلك . وفي أثناء ذلك ، طلب الأمير سيف ~~الدين جاغان ؛ شاد الدواوين بالشام ، الوديع الأول وطالبه بما عنده من ~~الوديعة . فادعى أن الجناجي استعاد ذلك منه ، فلم يصدقه ، وقصد ضربه ~~وعقوبته ، بسبب ذلك . فأتاه فخر الدين المذكور واعترف أن الوديعة عنده ، ~~وأحضر الصندوق إلى الديوان السلطاني . وفتح واعتبر ما فيه ، فكان فيه من ~~الذهب اثنان وثلاثون ألف دينار ، ومائتا دينار ، وأربعة وثلاثون دينارا ، ~~وحوائص ذهب ، وطرز زركش بتتمة خمسين ألف دينار ، هكذا نقل إلي ثقة . وفيها ~~، توفي الأمير سيف الدين بلبان الفاخري ، أمير نقباء العساكر المنصورة ~~بالأبواب السلطانية ، وكانت وفاته في رابع عشر ربيع الآخر . وأعطي إقطاعه ~~سيف الدين بكتمر الحسامي الطرنطاي أمير آخور . وكان السلطان ، قبل ذلك أمره ~~بعشرة طواشية ، فنقله الآن إلى إمرة الطبلخاناة . ثم تنقل بعد ذلك في ~~المناصب والنيابات عن السلطنة والوزارة وغير ذلك ، على ما نذكر ذلك إن شاء ~~الله تعالى في مواضعه . وفيها ، في يوم الإثنين حادي عشر جمادى الأولى ، ~~كانت وفاة الأمير سعد الدين كوجا الناصري . وكان يتولى نيابة دار العدل ، ~~وتولى ثغر الاسكندرية وكان بيده إمرة عشرة طواشية . PageV31P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" وفيها ، توفيت الخاتون الجليلة الكبرى ، نسب ~~خاتون ، ابنة الملك الجواد مظفر الدين يونس بن شمس الدين مودود ابن السلطان ~~الملك العادل سيف الدين أبي بكر أيوب ، في العشر الأوسط في شهر ربيع الأول ~~. ودفنت عند والدها بقاسيون ، رحمهما الله تعالى . واستهلت ثمان وتسعين ~~وستمائة [ 698 ه 1298 / 1299 م ] في هذه السنة ، في أولها جهز السلطان ~~الأمير جمال الدين أقش الأفرم ، والأمير سيف الدين حمدان بن صلغاي إلى ~~الشام ، وأمرهما أن يتوجها إلى دمشق ، ويخرجا نائب السلطنة الأمير سيف ~~الدين قبجاق وبقية العسكر إلى البلاد الحلبية . فوصلا إلى دمشق على خيل ms7301 ~~البريد ، في يوم الأربعاء سابع المحرم . فتجهز الأمير سيف الدين قبجاق نائب ~~السلطنة ، وخرج بسائر عساكر دمشق حتى بحرية القلعة ، وجماعة الأمير علم ~~الدين سنجر أرجواش نائب القلعة ، وتأخر بدمشق الأمير سيف الدين جاغان . ~~وكان خروج نائب السلطنة من دمشق ، في عشية الأربعاء ، رابع عشر المحرم ، ~~وبات بالميدان الأخضر . وركب في بكرة النهار ؛ وتوجه بالعساكر إلى جهة حمص ~~. وكان سبب هذه الحركة ظاهرا ، أن السلطان بلغه أن التتار قد عزموا على ~~الدخول إلى البلاد الإسلامية بالشام . وعلم الأمير سيف الدين قبجاق ، أن ~~الأمر ليس كذلك . فإن القصاد قبل ذلك بيسير ، حضروا إليه من بلاد الشرق ، ~~وأعلموه أن التتار كانوا قد تجهزوا وعزموا على الحضور إلى الشام . فلما ~~كانوا بأثناء الطريق ، وقعت عليهم صواعق كثيرة ، وأهلكت منهم خلقا كثيرا ، ~~فتفرقوا في مشاتيهم ، ولم يرد خلاف ذلك . والقصاد لا تصل إلى الباب ~~السلطاني بالديار المصرية ، إلا بعد الاجتماع بنائب السلطنة بدمشق ، ~~فاستشعر الأمير سيف الدين قبجاق السوء ، وعلم أن هذه الحركة إنما هي تدبير ~~عليه ، وعلى غيره من الأمراء . فأوجب ذلك توجههم إلى التتار . PageV31P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" ذكر مفارقة من نذكر من نواب السلطنة والأمراء ~~الخدمة السلطانية ، ولحاقهم بقازان ملك التتار وفي هذه السنة ، في شهر ربيع ~~الآخر ، توجه الأمير سيف الدين قبجاق المنصوري ، نائب السلطنة بالشام ، ~~والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار ، أحد مقدمي الجيوش المنصورية المصرية ~~، والأمير فارس البكي الساقي ، نائب السلطنة بالمملكة الصفدية ، والأمير ~~سيف الدين بزلار ، والأمير سيف الدين عزار الصالحي ، إلى بلاد التتار ، ~~والتحقوا بملكها قازان محمود . وسبب ذلك أن الأمير سيف الدين منكوتمر ، ~~نائب السلطنة ، ثقلت عليه وطأة الأمراء الأكابر . وقصد القبض عليهم أولا ، ~~وإقامة خوشداشيته ليصفو له الوقت ، ويخلص له الأمر ، ويتمكن السلطان بما ~~قصده من تفويض ولاية العهد بعده له . فحس للسلطان القبض على من تقدم ذكرهم ~~، فقبض عليهم . ثم شرع في التدبير على من بالشام من الأمراء والنواب ، ~~الذين يعلم منهم الممالاة والمناوأة . فجهز الأمير علاء الدين ايدغدي شقير ~~إلى حلب ، كما تقدم ms7302 ، وأردفه بالأمير سيف الدين حمدان بن صلغاي ، وعلى يده ~~كتاب إلى نائب السلطنة بالمملكة الحلبية ، بالقبض على الأمير سيف الدين ~~بكتمر السلاح دار ، وعلى الأمير فارس الدين البكي ، والأمير سيف ~~PageV31P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" الدين طقطاي ، والأمير سيف الدين بزلار ، ~~والأمير سيف الدين عزار . ومن يعذر عليه القبض عليه ، يتحيل في سقيه . فسقي ~~الأمير سيف الدين طقطاي فمات بحلب ، في أول شهر ربيع الأول . واتصل الخبر ~~ببقية الأمراء ، فاحتاطوا لأنفسهم ، واحترزوا في مأكلهم ومشربهم وملبسهم . ~~وأعمل الأمير سيف الدين الطباخي الحيلة في القبض عليهم ، وذلك بعد خروجهم ~~من سيس . فجهز سماطا ، واحتفل به ، وتحدث مع الأمراء أن يتوجهوا معه ، ~~ويحضروا السماط ، فامتنعوا من ذلك ، واعتذروا له ، وتوجهوا إلى خيامهم . ~~فلم تجمع هذه المكيدة . وكان السلطان قد كتب إلى الأمير سيف الدين بكتمر ~~السلاح دار ، أن يجهز طلبه وأثقاله إلى المملكة الطرابلسية ، ويكون نائبا ~~عن السلطنة بها ، وذلك بعد وفاة الأمير عز الدين أيبك الموصلي . وأن يحضر ~~هو بنفسه إلى الأبواب السلطانية ، على خيل البريد ، ليوصيه السلطان مشافهة ~~. فأظهر البشر لذلك ، وعلم أنه خديعة . ولما كان في مساء النهار ، الذي عمل ~~الطباخي فيه السماط ، اجتمع الأمير سيف الدين الطباخي النائب بحلب ، ~~والأمير سيف الدين كجكن ، والأمير علاء الدين ايدغدي شقير ، وأرسلوا إلى ~~الأمير بكتمر السلاح دار والبكي ومن معهما ، يطلبونهم للحضور لمشورة . وأن ~~سبب هذا الاجتماع ، أن بطاقة وردت في البيرة في أواخر النهار ، تتضمن أن ~~التتار أغاروا على ما حول البيرة ، فأجابوا بالامتثال ، وأنهم يحضرون إلى ~~الخدمة في إثره . فعاد ، وركبوا في الوقت على حميه . فأما بزلار فإنه ساق ~~هو وخمسة نفر ، وعبر الفرات إلى رأس العين وانتهى إلى سنجار فتوفي بها . ~~وأما الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار ، والأمير فارس الدين البكي ، ~~والأمير سيف الدين عزار ، فإنهم توجهوا إلى حمص ، واجتمعوا بالأمير سيف ~~الدين قبجاق ، وأطلعوه على جلية الحال ، وحلفوه لأنفسهم ، وحلفوا له . وكتب ~~إلى السلطان يعلمه بما وقع من الاختلاف ، وبوصول الأمراء إليه ، ويسأل لهم ~~الأمان وأن يطيب السلطان ms7303 خواطرهم . وسير بذلك الأمير سيف الدين بلغاق ابن ~~الأمير سيف الدين كونجك الخوارزمي على خيل البريد . فوصل إلى دمشق ، في يوم ~~السبت خامس شهر ربيع الآخر ، وتوجه منها إلى باب السلطان . وكتب الأمير سيف ~~الدين قبجاق إلى الأمير سيف الدين جاغان ، وهو بدمشق ، يطلب منه أن يرسل ~~إليهم مالا وخلعا من الخزانة ، لينفق المال على الأمراء ، ويخلع عليهم ، ~~ويطيب خواطرهم . فلم يجب إلى ذلك . وكتب إليه يلومه على إغفاله أمر ~~PageV31P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" الأمراء ، الذين وصلوا إليه ، وهم طلبة ~~السلطان ، وكونه تمكن من القبض عليهم ، ولم يفعل . وكتب إليه الأميران سيف ~~الدين كجكن ، وعلاء الدين ايدغدي شقير ، وهما يلومانه وينكران عليه كونه ~~أقر هؤلاء الأمراء عنده ، مع تمكنه من القبض عليهم ، وقد علم خروجهم على ~~الطاعة وأغلظا له في القول ، وتوعداه ، أنه متى لم يقبض عليهم ، حضروا إليه ~~، وقبضوا عليه وعليهم . وكاشفاه في القول مكاشفة ظاهرة . فتسلل عن الأمير ~~سيف الدين قبجاق من معه من العسكر الشامي ، وعادوا إلى دمشق ، أولا فأولا . ~~فكتب إلى جاغان في ذلك ، وأن يردهم إليه ، فلم يفعل . وشكر جاغان من حضر . ~~فرأى الأمير سيف الدين قبجاق أن أمره قد انتقص ، وبلغه أن العسكر المجرد ~~بحلب قد توجه نحوه . فركب في ليلة الثلاثاء ، ثامن شهر ربيع الآخر من حمص ، ~~هو والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار ، والأمير فارس الدين البكي ، ~~والأمير سيف الدين عزار ، وقبضوا على الأمير علاء الدين أقطوان النائب بحمص ~~، واستصحبوه معهم إلى القريتين ، ثم أخذوا فرسه وأطلقوه . وتوجهوا في جماعة ~~، يقال إن عدة من صحبهم من ألزامهم ومماليكهم خمسمائة فارس . وتوجهوا لا ~~يلوون على شيء ، وتعقبهم الأمير سيف الدين كجكن والأمير علاء الدين ايدغدي ~~شقير ، في طائفة من العسكر إلى الفرات ، فما أدركوهم ، ووجدوا بعض أثقالهم ~~فأخذوها . ثم ورد عليهم الخبر بقتل السلطان ، فانحلت عزائمهم ، وتفللت ~~آراؤهم . وساق سيف الدين بلبان القصاص البريدي إلى رأس عين ، ولحق الأمير ~~سيف الدين قبجاق بها . وأعلمه بمقتل السلطان ، وسأله الرجوع بمن معه . وحلف ~~له على صحة ms7304 ما أخبره به ، فظن أن ذلك مكيدة . ثم تحقق الحال بعد ذلك وقد ~~تورط ، وصار في بلاد العدو ، فلم يمكنه الرجوع . ولما وصل الأمراء إلى رأس ~~عين ، بلغ مقدم التتار بتلك الجهة خبر وصولهم ، فخافهم . ثم تحقق أنهم ~~حضروا إلى خدمة الملك قازان ، فحضر إليهم وأكرمهم ، وخدمهم صاحب ماردين ، ~~وقدم لهم أشياء كثيرة . وقصد بولاي مقدم التتار ، بتلك الناحية ، أن ~~الأمراء يتوجهون إلى جهة قازان على خيل البريد . ويتأخر من معهم من أتباعهم ~~وألزامهم عن الوصول إلى البلاد ، حتى يرد المرسوم . فامتنع قبجاق من ذلك ، ~~وأبى إلا الدخول بالطلب والجماعة الذين معه ، فامتنع التتار عليه . فيقال ~~إنه أخرج PageV31P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" إليهم كتاب الملك قازان إليه ، وهو في بالشت ~~ذهب . فعند ذلك خضعوا له ، ومكنوه مما أراد ، من الدخول بالطلب . وتوجهوا ~~كذلك ، ودخلوا إلى الموصل بطلبين ، والتقاهم أهل البلد . وتوجهوا من الموصل ~~، وانتهوا إلى بغداد . فخرج إليهم عسكر المغل والخواتين والتقوهم . ثم ~~توجهوا إلى قازان ، وهو يومئذ بأرض السيب من أعمال واسط . فأكرمهم وأحسن ~~إليهم ، وأوجب ذلك وصول قازان بجيوشه إلى الشام على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى . ذكر مقتل الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري ونائبه منكوتمر ~~كان مقتلهما في ليلة يسفر صباحها عن يوم الجمعة ، الحادي عشر من شهر ربيع ~~الآخر ، سنة ثمان وتسعين وستمائة . وسبب ذلك ، أن السلطان كان قد فوض ~~الأمور إلى مملوكه نائبه الأمير سيف الدين منكوتمر ، وقصد التخلي والراحة ~~والدعة ، وعزم على أنه إذا خلي وجهه من الأمراء ، وقبض على من يخشى غائلته ~~منهم ، فوض إليه أمر السلطنة ، واحتجب هو ، على قاعدة الخلفاء . وإنما كان ~~يمنعه من ذلك ، وجود أكابر الأمراء ، الذين لا يوافقونه على الرأي هذا . ~~فلما قبض على من ذكرنا من أكابر الأمراء ، وأبعد من بقي منهم بالتجريد إلى ~~جهة الشام ، استخف حينئذ منكوتمر ، بمن بقي منهم ، واستبد بالأمر . وآخر ~~ذلك ، أن السلطان رسم له أنه إذا كتب مرسوم سلطاني بإنعام أو غيره ، بغير ~~إشارته ، يقطعه بعد العلامة السلطانية . فثقلت وطأته ms7305 على الناس ، وأنفت ~~نفوس الأمراء من ذلك ، وكرهوا بقاء الدولة ، وأحبوا زوالها بسببه ، مع ~~إحسان السلطان إلى كثير منهم . وكان الأمير سيف الدين كرجي ، أحد الأمراء ~~المماليك السلطانية ، قد PageV31P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" اختص بخدمة السلطان ، وتقدم عنده ، وجعله ~~مقدما على المماليك السلطانية ، على ما كان عليه الأمير شمس الدين قراسنقر ~~المنصوري ، في الدولة الأشرفية . فبقي كرجي هو الساعي في مصالح المماليك ~~السلطانية والمتلقي لمصالحهم ، فانضموا إليه ودخلوا تحت طاعته ، وقويته ~~شوكته بهم ، وشوكتهم به . فثقل ذلك على منكوتمر ، وعمل على إبعاده . وحسن ~~إلى السلطان أن يبعثه إلى نيابة السلطنة بالفتوحات ببلاد سيس . وكان قد ~~تقدم من الأمراء ، قبل كرجي ، الأمير سيف الدين تمربغا ، فعمل عليه منكوتمر ~~وأبعده وأخرجه إلى الكرك . ثم نقله من الكرك إلى طرابلس ، في جملة الأمراء ~~، فمات بها . فلما اتصل الخبر بكرجي ، حضر إلى بين يدي السلطان ، وتضرر ~~واستعفي من هذه الولاية فأعفاه السلطان ، وشرع في العمل على منكوتمر . ~~واتفق أن الأمير سيف الدين طقطاي ، أحد الأمراء الخاصكية ، وهو نسي الأمير ~~سيف الدين طقجي ، خاطب منكوتمر في أمر فأغلظه في القول ، وسبه ، فشكا ذلك ~~إلى الأمير سيف الدين طقجي ، فأسرها في نفسه . واجتمع هؤلاء الأمراء ، ~~وتشاكوا فيما بينهم ، وذكروا سوء سيرة منكوتمر فيهم ، وقبح فعله واستخفافه ~~بهم . وعلموا أنهم لا يتمكنون منه ، مع بقاء السلطان مخدومه ، فاجتمع رأيهم ~~على اغتيال السلطان . فلما كان في هذه الليلة المذكورة ، جلس السلطان يلعب ~~الشطرنج مع إمامه نجم الدين بن العسال ، وكان قد تقدم عنده ، وعنده قاضي ~~القضاة حسام الدين الحنفي ، وكانت له عادة بالمبيت عند السلطان في بعض ~~الليالي . فدخل عليه كرجي على عادته ، فسأله السلطان عما فعل . فقال : قد ~~أغلقت على الصبيان في أماكن مبيتهم ، وكان قد رتب بعضهم في أماكن من ~~الدهليز . فشكره السلطان وأثنى عليه . وذكر للقاضي حسام الدين خدمته ~~للسلطان ، وملازمته الخدمة . فقبل كرجي الأرض ، ثم تقدم لإصلاح الشمعة التي ~~بين يدي السلطان ، فأصلحها وألقى فوطة خدمة كانت بيده على نمجاة السلطان . ~~وكان سلاح دار النوبة ms7306 قد وافقه وباطنه على قتل السلطان . ثم قال كرجي ~~للسلطان : ما يصلي مولانا السلطان العشاء ، فقال نعم ، وقام للصلاة . فأخذ ~~السلاح دار النمجاه من تحت الفوطة . فعند ذلك ، جرد كرجي سيفه ، وضرب ~~السلطان به على كتفه ، PageV31P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" فأراد السلطان أخذ النمجاه فلم يجدها . فقبض ~~على كرجي ، ورماه تحته ، فضربه السلاح دار بالنمجاه على رجله ، فقطعها . ~~فانقلب السلطان على ظهره ، وأخذته السيوف ، حتى قتل . وهرب ابن العسال ~~الإمام إلى خزانة ، وصرخ قاضي القضاة حسام الدين عند ضرب السلطان ، لا يحل ~~هذا لكم ، فهم كرجي بقتله . ثم تركه ، وأغلق كرجي الباب عليه ، وعلى ~~السلطان . ثم خرج كرجي إلى الأمير سيف الدين طقجي ، وقد استعد هو أيضا ، ~~وهو ينتظر ما يفعله كرجي ، فأعلمه بقتل السلطان . ثم توجهوا إلى دار ~~النيابة ، وقد أغلقت . فطرق كرجي الباب ، واستدعى الأمير سيف الدين منكوتمر ~~برسالة السلطان ، فأنكر حاله ، واستشعر السوء ، وامتنع من الإجابة . ثم قال ~~له : كأنكم قتلتم السلطان ، فقال : نعم قتلناه ، وسبه . فعند ذلك ذل ~~منكوتمر ، وضعفت نفسه ، واستجار بالأمير سيف الدين طقجي ، فأجاره وحلف له ~~أنه لا يؤذيه ، ولا يمكن من أذاه ، فاطمأن ليمينه وخرج إليهم . فأرسلوه إلى ~~الجب ، وأنزلوه إليه ، فلما رآه الأمراء ، قاموا إليه ، وظنوا أن السلطان ~~نقم عليه ، وسألوه عن الخبر . فأخبرهم بقتل السلطان ، فسبوه ، وذكروه بسوء ~~فعله ، وقصدوا قتله ، ثم تركوه . ثم رجع كرجي بعد اعتقال منكوتمر إلى مجلسه ~~. وقال لطقجي : نحن ما قتلنا السلطان لإساءة صدرت منه إلينا ، وإنما قتلناه ~~بسبب منكوتمر ، ولا يمكن إبقاءه . ثم قام ، وتوجه إلى الجب ، وأخرجه وذبحه ~~من قفاه على باب الجب . فكانت مدة سلطنة الملك المنصور حسام الدين لاجين ، ~~منذ فارق الملك العادل الدهليز ، وحلف الأمراء له بمنزلة العوجا ، في يوم ~~الإثنين الثامن والعشرين من المحرم سنة ست وتسعين وستمائة ، والى أن قتل في ~~هذه الليلة ، سنتين وشهرين وثلاثة عشر يوما ، ومنذ خلع الملك العادل نفسه ~~بدمشق ، وحلف له ، واجتمعت الكلمة عليه بمصر والشام ، في يوم السبت رابع ~~عشرين صفر من السنة ms7307 المذكورة إلى هذا التاريخ الذي قتل فيه ، سنتين وشهرين ~~إلا ثلاثة عشر يوما . ودفن بتربته بالقرافة ، ودفن نائبه منكوتمر بالتربة ~~أيضا . PageV31P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" وكان رحمه الله تعالى ملكا عادلا ، يحب العدل ~~ويعتمده ، ويرجع إلى الخير ويميل إليه ، ويقرب أهله . وكان حسن العشرة ، ~~يجتمع بجماعة من المتعممين والعوام ، ويأكل طعامهم . وكان أكولا ، ولم يكن ~~في دولته وأيامه ما يعاب وينكر ، إلا انقياده إلى مملوكه نائبه منكوتمر ، ~~والرجوع إلى رأيه ، وموافقته على مقاصده حتى كان عاقبة ذلك قتلهما . وأثرت ~~موافقته له ، من الفساد على العباد والبلاد وسفك دماء المسلمين ، ما لم ~~يستدرك . وذلك أن الأمراء الذين فارقوا الشام ، وتوجهوا إلى التتار خوفا ~~منه ، أوجب توجههم إلى قازان ، وصوله إلى الشام وخراب البلاد ، وسفك الدماء ~~، على ما نذكره بعد في موضعه إن شاء الله تعالى . وبلغني أن الملك المنصور ~~هذا مازال يستشعر القتل ، منذ قتل السلطان الملك الأشرف ، وأنه في يوم ~~الخميس بعد العصر ، العاشر من شهر ربيع الآخر ، وهو اليوم الذي قتل فيه ~~عشيته ، أحضر إليه ندب نشاب ميداني ، من السلاح خاناة السلطانية . فجعل ~~يقلبه فردة فردة ، ويقتل كل فردة منها ، ويقول عند فتلها ، من قتل قتل ، ~~وكرر هذا القول مرارا . فقتل بعد أربع ساعات من كلامه أو نحوها . وأجرى ~~الله هذا الكلام على لسانه ، والنفوس حساسة في بعض الأحيان . وحكي لي بعض ~~من أثق به ، عن الأمير بدر الدين بكتوت العلائي حكاية عجيبة تتعلق به ، ~~وبالسلطان الملك الأشرف ، أحببت ذكرها في هذا الموضع ، فالشيء بالشيء يذكر ~~. قال بكتوت العلائي : كنت في خدمة السلطان الملك الأشرف في الصيد ، وأنا ~~يومئذ والأمير حسام الدين لاجين سلاح دارية ، نحمل السلاح خلف السلطان . ~~فاجتمعنا بحلقة صيد ، وكانت النوبة في حمل السلاح خلف السلطان للأمير حسام ~~الدين . وقد تقدمت إليه أنا ، في مكان من الحلقة ، وإذ أنا بلاجين قد ~~أدركني ، وأعطاني سلاح السلطان . وقال : خذ السلاح ، وتوجه إلى السلطان ، ~~فإنه قد رسم بذلك . فأخذت السلاح ، وتوجهت إلى خدمة السلطان . وساق لاجين ~~في مكاني الذي كنت ms7308 به من الحلقة . فلما انتهيت إلى السلطان ، وجدته وهو على ~~فرسه ، وقد جعل طرف عصا المقرعة على رأس النمازين ، والطرف بجهته ، وكأنه ~~في غيبة من حسه . فلما جئت قال لي : يا بكتوت والله ، التفت إلى ورائي ، ~~فرأيت لاجين خلفي ، وهو حامل سلاحي ، والسيف في يده ، فخيل PageV31P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" إلي أنه يريد أن يضربني به ، فنظرت إليه ، ~~وقلت له يا أشقر ، أعط السلاح لبكتوت يحمله ، وتوجه أنت مكانه . قال بكتوت ~~العلائي : فقلت للسلطان ، أعيذ مولانا السلطان بالله ، أن يخطر هذا بباله ، ~~ولاجين أقل من هذا ، وأضعف نفسا أن يخطر هذا بباله ، فضلا عن أن يقدم عليه ~~، وهو مملوك السلطان ، ومملوك السلطان شهيد ، وتربية بيته الشريف . هذا ~~معنى كلامه . قال : وشرعت أصرفه عن هذا . فقال لي : والله ما عرفتك إلا ما ~~خطر لي وتصورته . قال بكتوت العلائي : فخشيت على لاجين ، كون هذا السلطان ~~يتخيل هذا الأمر فيه ، وينكفه عنه . وأردت أن أنصحه ، فاجتمعت به في تلك ~~الليلة في خلوة . وقلت له : بالله عليك ، تجنب هذا السلطان ، ولا تكثر من ~~حمل السلاح ، ولا تنفرد معه . فسألني عن موجب هذا الكلام . فأخبرته بما ~~ذكره السلطان لي ، وبما أجبته . فشرع يضحك ضحكا كثيرا ويتعجب . فقال ، ما ~~ضحكي إلا من إحساسه ، والله لما نظر إلي ، وقال لي يا أشقر كنت قد عزمت على ~~تجريد سيفه وقتله به . قال بكتوت العلائي : فعجبت من ذلك غاية العجب . ~~ولنرجع إلى سياقة الأخبار بعد مقتلهما ، إن شاء الله تعالى . ذكر ما اتفق ~~بعد مقتل الملك المنصور ونائبه منكوتمر ، من الحوادث والوقائع المتعلقة ~~بأحوال السلطنة بمصر والشام ، إلى أن عاد السلطان الملك الناصر لما قتل ~~الملك المنصور حسام الدين لاجين ، ونائبه الأمير سيف الدين منكوتمر ، كان ~~بالقلعة من الأمراء ، غير طقجي وكرجي ، الأمير عز الدين أيبك الخزندار ، ~~والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير وسيف الدين سلار الأستادار ، والأمير ~~حسام الدين لاجين الرومي أستاذ الدار ، وكان قد وصل على خير البريد من حلب ~~، بعد خروجه من بلاد سيس ، والأمير جمال الدين آقش ms7309 الأفرم ، وكان قد عاد من ~~دمشق ، بعد إخراج نائبها والعسكر منها إلى حمص ، كما تقدم ، والأمير بدر ~~الدين عبد الله السلاح دار ، والأمير سيف الدين كرد الحاجب ، هؤلاء الأمراء ~~المشار إليهم . فاجتمعوا ، واتفقت آراؤهم على مكاتبة السلطان الملك الناصر ~~وإحضاره من الكرك ، وإعادة السلطنة إليه ، وأن PageV31P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" يكون الأمير سيف الدين طقجي الأشرفي نائب ~~السلطنة ، وانفصل الحال على ذلك . ثم سمت بالأمير سيف الدين طقجي نفسه ، ~~إلى طلب السلطنة لنفسه ، وتقرير النيابة لكرجي . وتأخر الإرسال إلى السلطان ~~الملك الناصر . وركب الأمير سيف الدين طقجي في يوم السبت حادي عشر ، شهر ~~ربيع الآخر ، في موكب النيابة ، والأمراء في خدمته . وعاد إلى القلعة ، ~~وجلس . ومد السلطان السماط ، وقد تفوه الناس له بالسلطنة ، ولكرجي بالنيابة ~~. حكى تاج الدين عبد الرحمن الطويل ، مستوفي الدولة ، قال : طلبني الأمير ~~سيف الدين طقجي ، وسألني عن إقطاع نيابة السلطنة ، فذكرت له بلاده وعبرها ~~ومتحصلاتها ، وما انعقدت عليه جملة ذلك ، فاستكثره ، وقال هذا كثير ، وأنا ~~لا أعطيه لنائب . ورسم أن يوفر منه جملة ، تستقر في الخاص . ولم يبرز ~~المرسوم بذلك . ثم خرجت من عنده ، فطلبني كرجي ، وسألني عن إقطاع النيابة ، ~~كما سألني طقجي ، فأخبرته بذلك . فاستقله ، وقال أنا ما يكفيني هذا ، ولا ~~أرضى به . وشرع يسأل عن بلاد يطلبها زيادة على إقطاع منكوتمر . قال : فعجبت ~~من ذلك ، كونهما جعلا فكرتهما وحديثهما في هذا الأمر ، قبل وقوع سلطنة هذا ~~، ونيابة هذا . ذكر مقتل سيف الدين طقجي وسيف الدين كرجي كان مقتلهما في ~~يوم الإثنين ، رابع عشر شهر ربيع الآخر ، من السنة المذكورة . وذلك أن ~~الأمير بدر الدين بكتاش الفخري ، أمير سلاح ، وصل من غزاة سيس ، في هذا ~~PageV31P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" اليوم ، هو ومن معه . وقد اتصل به خبر مقتل ~~السلطان فاتفق الأمراء الأكابر على الخروج لتلقيه . وعرضوا ذلك على الأمير ~~سيف الدين طقجي ، وأشاروا أن يركب معهم . فامتنع من ذلك ، وأظهر عظمة وكبرا ~~. فقالوا له إن عادة الملوك تتلقى أكابر الأمراء ، إذا قدموا من الغزاة ، ~~سيما مثل هذا ms7310 الأمير الكبير ، الذي هو بقية الأمراء الصالحية . وقد طالت ~~غيبته ، وفتح هذه الفتوح . ولاطفوه ، إلى أن ركب معهم ، وخرج للقائه . فلما ~~التقوا ، سلموا عليه ، وسلم عليهم . ثم قال الأمير بدر الدين بكتاش ، أمير ~~سلاح ، للأمراء : أنا عادتي إذا قدمت من الغزاة ، يلتقاني السلطان . وكيف ~~ما أجراني على عادتي . وكان قد علم بمقتل السلطان . وإنما أراد بذلك فتح ~~باب للحديث . فقال له طقجي : - وهو إلى جانبه - السلطان قتل . فقال : ومن ~~قتله . قال بعض الأمراء : قتله كرجي ، وهذا . - وأشار إلى طقجي فقال : لابد ~~من قتل قاتله ، ونفر في طقجي ، وقال له : لا تسوق إلى جانبي . فرفس طقجي ~~فرسه ، وبرز عنه . فحمل عليه أحد المماليك السلطانية ، فضربه بسيفه ، فقتل ~~. واتصل خبر مقتله بكرجي ، وكان قد تأخر في طائفة من المماليك السلطانية ، ~~تحت القلعة . فهرب وقصد جهة القرافة فأدركوه عند قبور أهل الذمة ، ببساتين ~~الوزير ، فقتل هناك ، ولقي عاقبة بغيه . قضى الله أن البغي يصرع أهله . . . ~~وأن على الباغي تدور الدوائر ولما قتل الأمير سيف الدين طقجي ، توجه الأمير ~~بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح إلى داره بالقاهرة ، واستقر بها . وكانت ~~غيبته في غزوة سيس هذه ، أحد عشر شهرا وأياما . وحضر إليه بعض الأمراء ~~الأكابر ، واستشاره في أمر السلطنة . فأشار بإعادة السلطان الناصر ، ووافق ~~رأيه رأيهم واتفقت الآراء على أن ترجع الحقوق إلى نصابها ، وتقر السلطنة ~~الشريفة بيد من هو أحق وأولى بها ، وتعود السلطنة إلى من نشأ في حجرها ~~وليدا ، وتخول من منصبها الشريف طارفا وتليدا . وندبوا الأمير سيف الدين آل ~~ملك الجوكندار ، والأمير علم الدين سنجر الجاولي ، فتوجها إلى خدمة السلطان ~~الملك الناصر بالكرك ، على خيل البريد ، لإحضاره . وطالعه الأمراء بما وقع ~~، وما اجتمعت الآراء عليه . وبقي الأمر بالديار المصرية مشتركا ، بعد مقتل ~~طقجي ، بين الأمراء ، إلى أن PageV31P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" وصل السلطان الملك الناصر من الكرك . وكانت ~~الكتب تصدر ، وعليها خط ستة من الأمراء وهم : الأمير سيف الدين سلار ، ~~والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير ، والأمير عز الدين أيبك الخزندار ، ~~والأمير جمال ms7311 الدين آفش الأفرم ، والأمير سيف الدين بكتمر أمير جاندار ، ~~والأمير سيف الدين كرد الحاجب . وصدرت الكتب في بعض الأوقات ، وعليها خط ~~ثمانية ، خط هؤلاء الستة والأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار ، والأمير ~~بدر الدين عبد الله السلاح دار . وجلس الأمير عز الدين أيبك الخزندار ، في ~~ابتداء الأمر في مرتبة النيابة . فإن الأمراء دعوا له حق التقدمة في خدمة ~~البيت المنصوري . وكان له رأي فاسد في مملوك ، كان عند الأمير سيف الدين ~~طقجي ، اسمه تستاي ، فطلبه وهو في المجلس بالدركاه ، بباب القلعة ، وألح في ~~طلبه فأحضر إليه . فلما رآه ، لم يتمالك رؤيته ، أن لف شعره على يده ، وقام ~~من الدركاه ، وخدم الأمراء ، وتوجه بالصبي إلى داره . وكان غرضه من المناصب ~~والتقدم في الدولة ، تحصيل هذا المملوك ، فاشتغل به عما سواه ، وفارق ~~المجلس ، وقد ظفر بما تمناه . فعلم الأمراء عند ذلك ، سوء تدبيره ، وقلة ~~دينه ، وأنه لا يعتمد عليه في شيء ، ولا يصلح للتقدم ، وأنه لم يكن فيه من ~~الصبر ، عن غرضه الفاسد ، التأني بعض ساعة ، حتى ينقضي ذلك المجلس ، ويتفرق ~~ذلك الجمع الكثير ، وشاهدوا فعله بحضرتهم ، وعدم تحاشيه منهم . فتقدم ~~الأمير سيف الدين سلار عند ذلك وصار يجلس في مرتبة النيابة ، إلى أن حضر ~~السلطان الناصر من الكرك . هذا ملخص ما كان بالديار المصرية . وأما دمشق ~~وما اتفق بها ، بعد توجه الأمير سيف قبجاق ، نائب السلطنة بها ، منها : فإن ~~الأمير سيف الدين بلغاق الخوارزمي ، لما توجه إلى الديار المصرية ، من جهة ~~PageV31P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" الأمير سيف الدين قبجاق - كما قدمنا ذكر ذلك ~~- وصل إلى القاهرة ، في يوم السبت ثاني عشر ، شهر ربيع الآخر ، بعد مقتل ~~الملك المنصور لاجين ، فاجتمع بالأمير سيف الدين طقجي ، وهو صاحب الأمر ~~يومئذ ، وأوصله ما كان على يده من المطالعات من جهة الأمير سيف الدين قبجاق ~~، فقرئت عليه . وقال نكتب بإطابة قلبه ، وقلوب الأمراء . ثم كان من قتل ~~طقجي ما قدمناه . فكتب الأمراء الثمانية على يده إلى الأمراء بدمشق ، بما ~~وقع من قتل السلطان ونائبه منكوتمر ، وطقجي ms7312 وكرجي . وأن الحال قد استقر على ~~عود الدولة الناصرية ، وإطابة قلوب الأمراء . فوصل إلى دمشق في يوم السبت ، ~~تاسع عشر الشهر ، وكان المتحدث بها يومئذ الأمير سيف الدين جاغان الحسامي . ~~فقبض الأمير بهاء الدين قرا أرسلان المنصوري السيفي على جاغان وحسام الدين ~~لاجين الحسامي ، وكان قد ولي بر دمشق ، في أوائل سنة ثمان وتسعين وستمائة ، ~~واعتقلهما بقلعة دمشق . وأوقع الحوطة على نواب الأمراء الأربعة المقتولين ، ~~وحواصلهم بدمشق . وجمع الأمراء بدمشق ، وحلفهم للسلطان الملك الناصر ، ~~وتحدث بدمشق حديث نواب السلطنة . ولم تطل مدته ، فإنه مات في ثاني جمادى ~~الأولى ، فيقال إنه سقي . ثم وردت كتب الأمراء ، مدبري الدولة بالديار ~~المصرية إلى دمشق ، في يوم السبت ، رابع جمادى الأولى ، وهي مؤرخة بالسادس ~~والعشرين من شهر ربيع الآخر ، أن يستقر الأمير سيف الدين قطلبك المنصوري ~~السيفي ، في وظيفة الشد بالشام ، عوضا عن جاغان . فباشر في يوم الإثنين بعد ~~العصر ، وكان الملك المنصور لاجين قد جهزه إلى حلب ، يتحدث في الأموال ~~والحصون ، ويشارك الأمير سيف الدين الطباخي في الأمر ، فوصل إلى دمشق ، ~~ونزل بالقصر الأبلق . واتفق قتل السلطان وهو بدمشق ، فلم يمكنه التوجه إلى ~~حلب وأقام بالميدان . فلما ورد هذا الكتاب ، انتقل من القصر ، وسكن دار ~~الأمير شمس الدين سنقر الأعسر ، وتحدث في الأموال وغيرها . وبقي هو المشار ~~إليه ، إلى أن وصل إلى نائب السلطنة بدمشق . PageV31P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" ذكر عود السلطان الملك الناصر ناصر الدين ~~محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون إلى السلطنة ثانيا قد ~~ذكرنا أن الأمراء أرسلوا إلى خدمة السلطان الأميرين سيف الدين آل ملك ~~الجوكندار ، وعلم الدين سنجر الجاولي ، فتوجها إلى السلطان ، فوجداه يتصيد ~~بجهة بحور الكرك . فلما شاهداه ترجلا ، وقبلا الأرض بين يديه ، وقدما إليه ~~مطالعات الأمراء ، وأعلماه بهذه الحوادث . فركب من وقته وعاد إلى الكرك ، ~~وتجهز منها ، وركب إلى الديار المصرية . وكان وصوله إلى قلعة الجبل ، في ~~يوم السبت الرابع من جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستمائة . وجلس على تخت ~~السلطنة ، في يوم الإثنين سادس الشهر ms7313 المذكور ، فكأنه المعني بقول القائل : ~~قد رجع الحق إلى نصابه . . . وأنت من دون الورى أولى به ما كنت إلا السيف ~~سلته يد . . . ثم أعادته إلى قرابه وركب في ثاني عشر الشهر بشعار السلطنة . ~~ولما جلس ، استشار الأمراء الأكابر ، فيمن يرتبه في النيابة والوظائف . ~~فوقع الاتفاق على أن يكون الأمير سيف الدين سلار المنصوري الصالحي نائب ~~السلطنة بالأبواب الشريفة ، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار ~~العالية ، والأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار المنصوري أمير PageV31P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" جاندار ، والأمير جمال الدين أقش الدواداري ~~الأفرم الحاجب ، نائب السلطنة بالشام ، والأمير سيف الدين كرد الحاجب ، ~~نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية وما معها ، عوضا عن الأمير عز الدين أيبك ~~الموصلي المنصوري ، وكان قد توفي إلى رحمة الله تعالى ، في صفر من هذه ~~السنة . وأحضر الأمير سيف الدين قطلبك المنصوري من الشام ، ورتب أمير حاجب ~~بالأبواب السلطانية . وأقر السلطان الصاحب الوزير فخر الدين عمر بن الخليلي ~~على وزارته . وخلع السلطان على الأمراء والأعيان ، على جاري العادة . وتوجه ~~الأمير جمال الدين آفش الأفرم إلى دمشق ، على خيل البريد ، فكان وصوله ~~إليها ، في يوم الأربعاء ثاني عشرين جمادى الأولى . وأفرج عن الأمير سيف ~~الدين جاغان الحسامي ، في يوم الأربعاء ، تاسع عشرين الشهر ، حسبما رسم به ~~من الأبواب السلطانية . فتوجه إلى الديار المصرية ، فوجد البريد وهو في ~~أثناء الطريق ، بإعادته إلى الإمرة بدمشق ، فعاد واستقر . وفي يوم الخميس ~~حادي عشر جمادى الآخرة ، خلع على الأمراء والأعيان بدمشق ، ولبسوا تشاريف ~~السلطان ، ووصل طلب نائب السلطنة ، الأمير جمال الدين في هذا اليوم ، ~~فتلقاه والأمراء في خدمته ، وعليه التشاريف ، ودخل دخولا حسنا . وفيها ، في ~~شهر رجب ، توجه الأمير سيف الدين كرد الحاجب ، لنيابة السلطنة الشريفة ~~بالمملكة الطرابلسية . وفيها ، رسم السلطان بالقبض على الأمير سيف الدين ~~كجكن ، أحد الأمراء الأكابر المقدمين بدمشق . فقبض عليه في يوم الجمعة ، ~~ثاني عشرين شهر رجب ، واعتقل بقلعة دمشق . ثم جهز إلى الأبواب السلطانية ~~مقيدا ، ثاني شهر رمضان ، هو وحمدان وأخوه ، ولدا صلغاي . وجرد معهم مائة ~~فارس من ms7314 عسكر الشام . فوصلوا بهم إلى الأبواب السلطانية . ذكر الإفراج عن ~~الأمير شمس الدين سنقر الأعسر وتفويض الوزارة إليه وفي هذه السنة ، في شهر ~~رمضان ، أفرج عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر العزي المنصوري ، وفوض إليه ~~وزارة المملكة الشريفة ، وتدبير الدولة بالديار المصرية ، وعزل الصاحب فخر ~~الدين الخليلي . PageV31P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" ذكر وفود سلامش بن أقال بن بيجو وأخيه قطقطوا ~~ومن معهما ، وعود سلامش وقتله كان سلامش هذا ، قد جهزه قازان ملك التتار ~~إلى بلاد الروم ، مقدما على تمان ، وقيل بل كان معه خمسة وعشرون ألف فارس . ~~وأمره قازان أن يأخذ عساكر الروم ، ويتوجه إلى الشام من جهة سيس ، وأن ~~قازان يحضر بنفسه ، ببقية جيوشه من جهة الفرات ، وأن يكون اجتماعهم على حلب ~~، ثم يعبرون بجملتهم إلى الشام . فلما وصل سلامش إلى بلاد الروم ، خلع طاعة ~~قازان ، وحدثته نفسه بالملك ، وكاتب ابن قرمان أمير التركمان ، فأطاعه ~~وانضم إليه في عشرة آلاف فارس . وكتب إلى السلطان المنصور لاجين ، يستنجده ~~على قازان . ووصل برسالته وكتبه إلى الأبواب السلطانية ، مخلص الدين الرومي ~~. فكتب السلطان إلى دمشق بتجهيز العساكر لنصرته وإنجاده . ولما اتصل بقازان ~~خبر خروجه عن الطاعة ، انثنى عزمه عن قصد الشام ، في هذه السنة . وجرد ~~العساكر إلى سلامش في أوائل جمادى الآخرة ، وكانوا خمسة وثلاثين ألفا ، مع ~~ثلاثة مقدمين ، ومرجعهم إلى بولاي . فتوجهوا إلى سلامش ، وكان قد جمع نحو ~~ستين ألف فارس . وهو يحاصر سيواس ، فإنها كانت قد عصت عليه . فأتته العساكر ~~شهر رجب ، والتقوا ، ففارقه من كان معه من عسكر التتار ، والتحقوا ببولاي ، ~~وكذلك عسكر الروم ، ولحق التركمان بالجبال . وبقي سلامش في دون خمسمائة ~~فارس ، ففر من سيواس إلى بلاد سيس ، ووصل إلى بهسنا في أواخر شهر رجب ، ثم ~~وصل إلى دمشق يوم الخميس ، ثاني عشر شعبان ، وصحبته الأمير بدر الدين ~~الذردكاش نائب بهسنا ، فتلقته عساكر دمشق بأحسن زي صحبة نائب السلطنة بدمشق ~~. ثم توجه سلامش إلى الأبواب السلطانية ، في يوم الأحد خامس عشر شعبان ، ~~على خيل البريد ، فوصل إلى الأبواب السلطانية ms7315 ، وهو وأخوه قطقطوا ، ~~فأكرمهما السلطان والأمراء ، وأحسنوا إليهما . وخير سلامش بين المقام ~~بالديار المصرية أو PageV31P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" العود . فسأل أن يجرد السلطان معه جيشا ، ~~ليتوجه إلى بلاد التتار ، ويأخذ عياله ؛ ويرجع إلى خدمة السلطان . فجهزه ~~السلطان إلى حلب . ورسم أن يجرد معه الأمير سيف الدين بكتمر الجلمي ، ~~وأعانه . فوصل إلى دمشق في الحادي والعشرين من شهر رمضان . وتوجه في الثالث ~~والعشرين من الشهر ، صحبة الأمير بدر الدين الذردكاش . ولما وصل إلى حلب ، ~~جرد معه الأمير سيف الدين بكتمر الجلمي حسب المرسوم . فساروا إلى بلاد سيس ~~، فشعر بهم صاحبها والتتار الذين بتلك الأعمال . فأخذوا عليهم الطرق ~~والمضايق ، والتقوا واقتتلوا ، فقتل الجلمي ، ولجأ سلامش إلى بعض القلاع . ~~فأرسل قازان في طلبه ، واستنزله فحمل إليه فقتله . واستقر قطقطو ومخلص ~~الدين الرومي في الخدمة الشريفة السلطانية بالديار المصرية . فأنعم السلطان ~~على قطقطو بإقطاع ، وعلى مخلص الدين براتب . وفي هذه السنة ، في شهر رمضان ~~، وصل رسول صاحب سيس ورسول صاحب القسطنيطينية بتحف وهدايا ، وتقادم للسلطان ~~. فوصلوا إلى دمشق في رابع الشهر ، وتوجهوا منها إلى الأبواب السلطانية ، ~~في سادسه . ويقال إن مضمون رسالة صاحب القسطنطينية ، الشفاعة في صاحب سيس ، ~~والله أعلم . ذكر وصول الفرنج إلى الشام وتكسير بعضها ، ورجوع ما سلم منها ~~وفي هذه السنة ، في العشر الآخر من شعبان ، وصل إلى بيروت مراكب كثيرة . ~~وبطش للفرنج فيها جماعة كثيرة من المقاتلة ، يقال إن البطش كانت ثلاثين ~~بطشة ، في كل بطشة منها ، نحو سبعمائة . وقصدوا أن يطلعوا من مراكبهم إلى ~~البر ، وتحصل إغارتهم على بلاد الساحل . فلما قربوا من البر ، أرسل الله عز ~~وجل عليها ريحا مختلفة . فغرقت بعض هذه المراكب ، وتكسر بعضها . ورجع من ~~سلم منهم على أسوأ حال ، وكفى الله تعالى شرهم . وحكي عن الريس ببيروت ، ~~أنه قال : والله لي خمسون سنة ، ألازم هذا البحر ، فما رأيت مثل هذه الريح ~~، التي خرجت على هذه المراكب ، وليست من الرياح المعروفة عندنا . ~~PageV31P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" وفي هذه السنة ، عزل قاضي القضاة حسام الدين ~~الرومي الحنفي ms7316 عن القضاء بالديار المصرية ، وأعيد إلى القضاء بدمشق عوضا عن ~~ولده القاضي جلال الدين . وكان وصوله إلى دمشق في يوم الخميس ، سادس ذي ~~الحجة . ولما عزل فوض القضاء بالديار المصرية ، على مذهب الإمام أبي حنيفة ~~، للقاضي شمس الدين أحمد السروجي الحنفي ، على عادته . وفيها ، كانت وفاة ~~الأمير الزهد بدر الدين الصوابي فجأة في ليلة الخميس ، تاسع جمادى الأولى ، ~~ودفن بسفح قاسيون بكرة النهار . وكان أميرا دينا صالحا ، خيرا كثير البر ~~والصدقة . وروى الحديث النبوي ، وكان له في الإمرة نحو أربعين سنة . وكان ~~من مقدمي الألوف وأمراء المائة بالشام ، رحمه الله تعالى . وفيها ، كانت ~~وفاة بدر الدين بيسري الشمسي الصالحي النجمي ، الأمير الكبير المشهور في ~~معتقله ، بالقاعة الصالحية ، بقلعة الجبل المحروسة ، وأخرج ودفن بتربته . ~~وكان الملك الناصر ، لما عاد إلى الملك ، رسم بالإفراج عنه . فوقف الأمراء ~~في ذلك ، وحسنوا للسلطان إبقاءه على ما هو عليه . فرجع إلى رأيهم وأبقاه ، ~~فمات بعد ذلك بمدة يسيرة . وكان رحمه الله تعالى ، كريم النفس ، عالي الهمة ~~، يعطي الكثير ويستقله ، وكان عليه في أيام إمرته لجماعة كثيرة من مماليكه ~~وأولادهم ، وخدامه ، الرواتب الوافرة من اللحم والتوابل والجرايات والعليق ~~. فرتب لبعضهم في كل يوم سبعين رطلا من اللحم بالمصري ، وما يحتاج إليه من ~~التوابل والخضراوات والحطب ، وسبعين عليقة ، ولأقلهم خمسة أرطال ، وخمس ~~علائق ، ولبعضهم عشرين رطلا وعشرين عليقة ، هذا زيادة من جهته على ما لهم ~~من الإقطاعات السلطانية . وبلغ ما يحتاج إليه في كل يوم بسماطه ودوره ~~المرتب عليه فيما بلغني ، ثلاثة آلف رطل لحم ، وثلاث آلاف عليقة . وكان ~~ينعم بألف دينار عينا ، وبألف أردب غلة ، وبألف قنطار من العسل . ويتصدق ~~على الفقراء بألف درهم وخمسمائة درهم . ولا يعطي أقل من ذلك إلا في النادر ~~عند التعذر . ولا يفعل ذلك عن امتلاء ولا سعة . مازال عليه لأرباب الديون ~~أربعمائة ألف درهم ، وأكثر من ذلك . وإذا وفى دينا ، اقترض خلافه ، يتكرم ~~بذلك . ولا يتجاسر أحد من مماليكه وألزامه أن يعدله عن ذلك ، ولا يشافهه في ~~الإمساك عنه ، والاختصار ms7317 منه . وإن كلمه أحد منهم ، أنكر عليه ، وربما ضربه ~~، وأهانه ، وعزله عن وظيفته ، وإن كان أستاذ دار أو مباشرا عنده . وكانت ~~مكارمه كثيرة مشهورة وعطاياه وصلاته وافرة مذكورة ، ما رأى أهل عصره من ~~أمثاله في المكارم والعطايا والإنفاق والهبات والصلات مثله ، رحمه الله ~~تعالى ، ومات وعليه من الديون ، ما PageV31P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" يزيد على أربعمائة ألف درهم ، ورتب بعده من ~~موجوده وأملاكه ، رحمه الله تعالى . ذكر وفاة الملك المظفر صاحب حماه وفي ~~يوم الخميس ، الحادي والعشرين من ذي القعلة ، كانت وفاة الملك المظفر تقي ~~الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي الدين ~~عمر بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماه ، بها . ودفن ليلة الجمعة ، آخر الليل ~~عند أبيه رحمهما الله تعالى . ومولده في الساعة العاشرة ، من ليلة الأحد ، ~~خامس عشر المحرم ، سنة سبع وخمسين وستمائة . وأمه عائشة خاتون بنت الملك ~~العزيز غياث الدين محمد ابن الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف ابن أيوب . فيكون عمره ، رحمه الله تعالى ، إحدى وأربعين سنة وعشرة ~~أشهر وسبعة أيام ، ومدة ملكه بحماه خمس عشرة سنة وشهرا واحدا ويوما واحدا ، ~~رحمه الله تعالى . وانقطع ملك حماه بعده من البيت الأيوبي سنين ، إلى أن ~~أعاده السلطان الملك الناصر في سلطنته الثالثة ، على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى في موضعه . ولما مات ، فوضت نيابة السلطنة بحماه إلى الأمير شمس ~~الدين قراسنقر المنصوري ، كما تقدم ، وتداولها جماعة من النواب يأتي ذكرهم ~~، إن شاء الله تعالى ، في مواضعه . وفيها ، توفي الملك الأوحد نجم الدين ~~يوسف ابن الملك الناصر صلاح الدين داود ابن الملك المعظم شرف الدين عيسى ~~ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوف ، رحمهم الله تعالى ، في ~~ليلة الثلاثاء الرابع والعشرين من ذي الحجة بالقدس الشريف ، ودفن من الغد ~~برباطه عند باب خطه شمالي الحرم ، وكان من المشهورين بالجلالة والتقدم في ~~المجالس ، وعند الملوك ، وكان كثير الإحسان إلى الضعفاء ، رحمه الله تعالى ~~. وفيها ، توفي نجم الدين أيوب ms7318 ابن الملك الأفضل علي ابن الملك الناصر داود ~~بدمشق ، وصلي عليه يوم الجمعة ، رابع عشر ذي الحجة ، رحمه الله تعالى . ~~وفيها ، كانت وفاة الشيخ الإمام حجة العرب بهاء الدين أبي عبد الله محمد بن ~~PageV31P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" إبراهيم بن محمد بن نصر بن النحاس الحلبي ~~النحوي بالقاهرة ، في يوم الثلاثاء سابع جمادى الأولى ، في الثالثة من ~~النهار . وأخرج من الغد ، ودفن بالقرافة ، ومولده بحلب ، في يوم الأربعاء ، ~~سلخ جمادى الآخرة ، سنة سبع وعشرين وستمائة ، رحمه الله تعالى . وفيها ، ~~توفي تقي الدين توبة بن علي بن مهاجر التكريتي ، في ليلة الخميس ، ثاني ~~جمادى الآخرة بدمشق . ودفن بتربته بسفح قاسيون رحمه الله تعالى . وفيها ، ~~كانت وفاة الأمير جمال الدين آقش المغيثي ، متولي البيرة ، وكان له بها نحو ~~أربعين سنة . ذكر توجه السلطان إلى الشام وفي هذه السنة ، تواترت الأخبار ~~بحركة التتار ، فندب السلطان الجيوش المصرية وجردها . وكان قد جرد في جمادى ~~الآخرة ، الأمير سيف الدين بلبان الحبيشي ومضافيه ، والأمير بدر الدين عبد ~~الله السلاح دار ومضافيه ، والأمير جمال الدين آقش الموصلي المعروف قتال ~~السبع ، والأمير مبارز الدين الرومي أمير شكار ومضافيه ، فوصلوا إلى دمشق ، ~~في سابع شهر رجب . فلما قويت الأجناد الآن ، جرد الأمير سيف الدين قطلبك ~~الحاجب ومضافيه ، والأمير سيف الدين نوكيه التتاري ومضافيه ، فوصلوا إلى ~~دمشق في يوم الإثنين رابع عشرين ذي الحجة . ثم توجه السلطان بعد ذلك ، ~~بالعساكر المنصورة . فاستقل ركابه الشريف من قلعة الجبل في الرابع والعشرين ~~من ذي الحجة . واستناب في غيبته بقلعة الجبل المحروسة ، الأمير ركن الدين ~~بيبرس الدواداري المنصوري . واستهلت سنة تسع وتسعين وستمائة [ 699 ه 1299 / ~~1300 م ] والسلطان الملك الناصر متوجه بالجيوش إلى الشام ، فوصل إلى غزة في ~~المحر ، ونزل بتل العجول . ذكر الفتنة التي أثارها الأيرواتية بهذه المدينة ~~لما حل ركاب السلطان بمنزلة تل العجول ، اتفق جماعة من الأويراتية ، الذين ~~وفدوا إلى الديار المصرية ، في الأيام العادلية الزينية ، مع الأمير سيف ~~الدين برلطاي ، PageV31P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" أحد الأمراء المماليك السلطانية الذين كانوا ms7319 ~~بدار الوزارة ، على إثارة فتنة . فبينما الأمراء في الموكب ، لم يشعروا إلا ~~وقد شهر برلطاي سيفه ، وحمل نفسه وكر صوب الدهليز المنصور السلطاني ، فأمسك ~~. وسيره السلطان إلى الأمراء ، فقتل لوقته . وقبض على جماعة من المماليك ~~السلطانية ، وسيروا إلى قلعة الكرك ، واعتقلوا بها . وقبض على جماعة من ~~الأويراتية ، فشنقوا بظاهر غزة . وكان من اتهم بمباطنتهم قطلوبرس العادلي ، ~~فطلم فلم يوجد . واختفى مدة ، ثم حصل الظفر به ، بعد ذلك ، فشنق بسوق الخيل ~~تحت القلعة . وأقام السلطان الناصر بهذه المنزلة مدة ، ثم رحل منها ، وتوجه ~~نحو دمشق ، فوصل إليها في يوم الجمعة ، ثامن شهر ربيع الأول ، ونزل بقلعتها ~~. وهذه السفرة ، هي أول وصول السلطان الملك الناصر إلى دمشق ، وحال وصوله ، ~~أمر بخروج العسكر الشامي ، فخرج من دمشق ، وتلته العساكر المصرية . ثم توجه ~~السلطان في أعقابهم ، إلى جهة حمص ، لقتال التتر ، ودفعهم عن الشام ، وكان ~~رحيله من دمشق ، في وقت الزوال ، من يوم الأحد سابع عشر شهر ربيع الأول . ~~ذكر وقعة غازان ملك التتار بمجمع المروج ببلاد حمص كانت هذه الوقعة يوم ~~الأربعاء ، الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول ، سنة تسع وتسعين وستمائة . ~~وذلك أن السلطان الملك الناصر ، لما رحل من دمشق ، إلى جهة حمص ، تواترت ~~الأخبار بوصول التتار إلى وادي الخزندار . فسار السلطان إليهم ، وحث السير ~~. فقطع ثلاث مراحل ، في مرحلة واحدة ، فأشرف على مجمع المروج ، وقد تعبت ~~خيول العساكر الإسلامية ، وركب غازان في جيوش التتار ، ومن انضم إليها من ~~الكرج والأرمن وغيرهم ، ومعه الأمير سيف الدين قبجاق ، والأمير سيف الدين ~~بكتمر السلاح دار ، والأمير فارس الدين البكي ، والأمير سيف الدين عزاز . ~~والتقى الجمعان في الخامسة من النهار المذكور . فحملت الميسرة الإسلامية ~~على ميمنة التتار ، فهزمتها أقبح هزيمة ، وقتل من التتار خلق كثير . فلما ~~عاين غازان انهزام ميمنته ، اعتزل في نحو ثلاثين فارسا ، وعزم الفرار . ~~فمنعه الأمير سيف الدين قبجاق ، وثبته ومناه بالظفر . وكان قصده بذلك ، ~~فيما قال بعد عوده ، القبض على غازان عند استمرار الهزيمة بجيوشه . ~~PageV31P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" ثم ركبت فرقة ms7320 من التتار ، كانت لم تشهد الحرب ~~، واجتمعوا كراديس ، وحملوا حملة منكرة ، وقصدوا قلب العساكر الإسلامية ، ~~وضعفت الميمنة الإسلامية عن لقاء ميسرتهم . فكان من الهزيمة ما كان ، وذلك ~~بعد العصر من اليوم المذكور . ذكر تسمية من استشهد وفقد ، في هذه الموقعة ~~من المشهورين كان من استشهد وفقد من الأمراء والمشهورين ، في هذه الوقعة ، ~~الأمير سيف الدين كرد ، نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية ، والأمير ناصر ~~الدين محمد ابن الأمير عز الدين أيدمر الحلبي ، أحد الأمراء بالديار ~~المصرية ، والأمير سيف الدين بلبان التقوي ، من أمراء طرابلس ، والأمير ركن ~~الدين بيبرس الغتمي ، النائب بحصن المرقب ، والأمير صارم الدين أزبك ، ~~النائب بقلعة بلاطنس ، والأمير بدر الدين بيليك المنصوري المعروف بالطيار ، ~~من أمراء دمشق ، قتل في عوده بعد الوقعة ، والأمير سيف الدين نوكيه التتاري ~~، والأمير جمال الدين أقش كرجي الحاجب ، والأمير جمال الدين أقش المطروحي ، ~~حاجب الشام ، فقدوا نحو ألف فارس من الحلقة والمماليك السلطانية وأجناد ~~الأمراء ومماليكهم . وهؤلاء الأمراء ، منهم من استشهد في المعركة ، ومنهم ~~من أصابته جراحة ، فمات بعد انفصال الوقعة فيعد شهيدا ، ومنهم من عدم ولم ~~تتحقق وفاته . وعدم قاضي القضاة حسام الدين الحنفي الرومي ، والقاضي عماد ~~الدين اسماعيل ابن الأثير الموقع . وقتل من التتار فيما ققيل نحو أربعة عشر ~~ألف . ولما تمت الهزيمة ، وشاهد غازان من قتل من أصحابه وكثرتهم ، وقلة من ~~قتل من العساكر الإسلامية ، بالنسبة إلى من قتل من التتار ، ظن أن هذه ~~الهزيمة مكيدة ، واستجرار لعساكره ، فتوقف عن اتباع العساكر الإسلامية ، ~~حتى تبين له صحة الهزيمة . ثم سار من مكان الوقعة إلى حمص ، وبها الخزائن ~~السلطانية ، فسلمها متوليها محمد بن الصارم ، من غير ممانعة ، ولا مدافعة ، ~~ثم رحل عنها إلى جهة دمشق ونزل بالغوطة . PageV31P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" ذكر ما اتفق بدمشق بعد الوقعة ومفارقة ~~العساكر الإسلامية في مدة استيلاء التتار عليها ، إلى أن فارقوا البلاد ، ~~وعادوا إلى الشرق كانت الأخبار وصلت إليهم بانهزام الجيوش الإسلامية ، ~~وتحققوها في يوم السبت ، مستهل شهر ربيع الآخر . فتوجه من أمكنه السفر إلى ~~الديار المصرية ms7321 في هذا اليوم . فكان ممن توجه قاضي القضاة إمام الدين ~~الشافعي ، وقاضي القضاة جمال الدين الزواوي المالكي ، وابن الشيرازي ، ~~ومتولي مدينة دمشق ، ومتولي برها ، ومحتسب المدينة ، وجماعة كبيرة من أهل ~~البلد ، ممن قدر على الانتزاح ، وفي ليلة الأحد ، أحرق المعتقلون بسجن باب ~~الصغير بابه ، وخرجوا منه ، وكانوا نحو مائة وخمسين . وتوجهوا إلى باب ~~الجابية ، وكسروا الأقفال ، وخرجوا منه . وبقي البلد لا حامي له ، ولا ~~ممانع عنه . فاجتمع أكابر دمشق ، في يوم الأحد الثاني من الشهر ، بمشهد علي ~~بالجامع الأموي . واتفقوا على أن يتوجهوا إلى الملك غازان ، ويسألوا الأمان ~~لأهل البلد . فتوجه قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ، وهو الخطيب يومئذ ، ~~والشيخ تقي الدين بن تيمية ، والشيخ زين الدين الفارقي ، والقاضي نجم الدين ~~بن صصري ، والقاضي شمس الدين الحريري ، والقاضي جلال الدين ابن القاضي حسام ~~الدين ، وفخر الدين ابن الشيرجي ، وعز الدين بن الزكي ، ووجيه الدين بن ~~متجا ، والرئيس عز الدين حمزة بن القلانسي ، وابن عمه الصدر شرف الدين ، ~~وأمين الدين بن شقير الحراني ، والشريف زين الدين بن عدنان ، ونجم الدين بن ~~أبي الطيب ، وناصر الدين بن عبد السلام ، وشريف الدين بن الشيرجي ، وشهاب ~~الدين الحنفي ، والشيخ محمد بن قوام البالسي ، وجلال الدين أخو القاضي إمام ~~الدين ، وجماعة كبيرة من القراء والفقهاء والعدول . وتوجهوا بعد صلاة الظهر ~~، من يوم الإثنين ، ثالث الشهر ، واجتمعوا بالملك غازان ، وهو عند النبك ، ~~وهو سائر . ونزلوا عن مراكبهم . وقبل بعضهم الأرض ، فوقف غازان بفرسه لهم . ~~وترجل جماعة من التتار عن خيولهم . وتكلم الترجمان بينهم وبين الملك غازان ~~، وسألوا الأمان لأهل دمشق . وكان المخاطب له عن أهل دمشق ، فخر الدين بن ~~الشيرحي . فقال غازان : الذي حضرتم بسببه من الأمان قد أرسلناه قبل وصولكم ~~. وقدموا ما كان معهم من المأكول ، فلم يكن له وقع عندهم . وأذن لهم في ~~الرجوع إلى دمشق ، فرجعوا . وكان وصولهم بعد صلاة العصر ، من يوم الجمعة ، ~~سابع الشهر . ولم يخطب في هذه الجمعة لسلطان . PageV31P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" وكان قد وصل إلى دمشق ، في يوم ms7322 الخميس ، سادس ~~الشهر أربعة من التتار ، من جهة غازان ، ومعهم الشريف القمي . وكان قد توجه ~~قبل توجه الجماعة ، هو وثلاثة من أهل دمشق إلى غازان . فعاد وبيده أمان ~~لأهل دمشق . ثم وصل بعد صلاة الجمعة ، الأمير اسماعيل وجماعة من التتار . ~~فنزلوا بالبستان الظاهري ، بطريق القابون . ثم ركب الأمير اسماعيل في يوم ~~السبت ، ودخل إلى دمشق ، وجاء إلى مقصورة الخطابة بالجامع الأموي ، لقراءة ~~الفرمان . وقرأه أحد العجم الواصلين صحبة الأمير اسماعيل ، وبلغ عنه ~~المجاهد المؤذن ، ومضمونه : بقوة الله تعالى ، ليعلم أمراء التومان والألوف ~~والمائة ، وعموم عساكرنا المنصورة ، من المغول والتازيك والكرج وغيرهم ، ~~ممن هو داخل تحت ربقة طاعتنا . إن الله لما نور قلوبنا بنور الإسلام ، ~~وهدانا إلى ملة النبي ، عليه أفضل السلام " أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو ~~على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين " . ~~ولما أن سمعنا أن حكام مصر والشام خارجون عن طريق الدين ، غير متمسكين ~~بأحكام الإسلام ، ناقضون لعهودهم ، حالفون بالأيمان الفاجرة ، ليس لديهم ~~وفاء ولا ذمام ، ولا لأمورهم التئام ولا انتظام ، وكان أحدهم إذا تولى ، ~~سعى في الأرض ليفسد فيها ، ويهلك الحرث والنسل ، والله لا يحب الفساد . ~~وشاع من شعارهم الحيف على الرعية ، ومد الأيدي العارية ، إلى حرمهم ~~وأموالهم ، والتخطي عن جادة العدل PageV31P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" والإنصاف ، وارتكابهم الجور والإعساف ، ~~حملتنا الحمية الدينية ، والحفيظة الإسلامية ، على أن توجهنا إلى تلك ~~البلاد ، لإزالة هذا العدوان ، وإماطة هذا الطغيان ، مستصحبين الجم الغفير ~~من العساكر . ونذرنا على أنفسنا ، إن وفقنا الله تعالى بفتح تلك البلاد ، ~~أزلنا العدوان والفساد ، وبسطنا العدل والإحسان في كافة العباد ، ممتثلا ~~للأمر الإلهي : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلك تذكرون " . وإجابة لما ندب إليه الرسول ~~، ( صلى الله عليه وسلم ) ، " إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن ~~يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين الدين ، يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا " ~~. وحيث كانت طويتنا مشتملة على هذه المقاصد الحميدة والنذور الأكيدة ms7323 . من ~~الله علينا بتبلج تباشير النصر المبين ، والفتح المستبين . وأتم علينا ~~نعمته ، وأنزل علينا سكينته ، فقهرنا العدو الطاغية ، والجيوش الباغية ، ~~وفرقناهم أيدي سبا ، ومزقناهم كل ممزق ، حتى جاء الحق وزهق الباطل ، إن ~~الباطل كان زهوقا فازدادت صدورنا انشراحا للإسلام ، وقويت نفوسنا بحقيقة ~~الأحكام ، منخرطين في زمرة من حبب إليهم الإيمان ، وزينه في قلوبهم ، وكره ~~إليهم الكفر والفسوق والعصيان ، أولئك هم الراشدون ، فضلا من الله ونعمة . ~~فوجب علينا رعاية تلك العهود الموثقة ، والنذور المؤكدة . فصدرت مراسيمنا ~~العالية ، أن لا يتعرض أحد من العساكر المذكورة على اختلاف طباقاتها لدمشق ~~وأعمالها ، وسائر البلاد الإسلامية الشامية ، وأن يكفوا أظفار التعدي عن ~~أنفسهم وأموالهم وحريمهم ، ولا يحوموا حول حماهم بوجه من الوجوه ، حتى ~~يشتغلوا بصدور مشروحة ، وآمال مفسوحة بعمارة البلاد ، وبما هو كل واحد ~~بصدده من تجارة وزراعة وغير ذلك . وكان هذا الهرج العظيم ، وكثرة العساكر ، ~~فتعرض بعض نفر يسير من السلاحية وغيرهم ، إلى نهب بعض الرعايا وأسرهم ، ~~فقتلناهم ليعتبر الباقون ، ويقطعوا أطماعهم عن النهب والأسر ، وغير ذلك من ~~الفساد . وليعلموا أنا لا نسامح بعد هذا الأمر البليغ البتة ، وأن لا ~~يتعرضوا لأحد من أهل الأديان ، على اختلاف أديانهم ، من اليهود والنصارى ~~والصابئة . فإنهم إنما يبذلون الجزية عنهم ، من الوظائف الشرعية ، لقول علي ~~عليه السلام : " إنما يبذلون الجزية ، لتكون أموالهم كأموالنا ، ودماؤهم ~~كدمائنا " . وللسلاطين موصون على أهل الذمة الطيعين ، كما هم موصون على ~~المسلمين ، فإنهم من جملة الرعايا . قال ( صلى الله عليه وسلم ) : " الإمام ~~الذي على الناس ، راع عليهم ، وكل راع مسؤول عن رعيته " . فسبيل القضاة ~~والخطباء والمشايخ والعلماء والشرفاء والأكابر والمشاهير وعامة الرعايا ، ~~الاستبشار بهذا النصر الهني والفتح السني ، وأخذ الحظ الوافر من السرور ، ~~PageV31P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" والنصيب الأكبر من البهجة والحبور ، مقبلين ~~على الدعاء لهذه الدولة القاهرة ، والمملكة الظاهرة ، أناء الليل وأطراف ~~النهار . وكتب في خامس ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وستمائة . ولما قرئ هذا ~~الفرمان ، حصل للناس بعض الطمأنينة ، وجلس التتار بالمقصورة إلى أن صلوا ~~العصر ، وعادوا إلى منزلتهم بالبستان الظاهري . وأغلق ms7324 الأمير علم الدين ~~سنجر أرجواش أبواب قلعة دمشق ، وامتنع بها في أول هذه الحادثة . واجتمع أهل ~~دمشق في يوم الأحد تاسع الشهر بالقيمرية ، واهتموا في تحصيل الخيل والبغال ~~والأموال ، ليرضوا بها التتار ، ونزل غازان ملك التتار بالغوطة ، في يوم ~~الإثنين العاشر من الشهر ، وأحدقت الجيوش بالغوطة ؛ وقتلوا طائفة من أهل ~~القرى . ووصل الأمير سيف الدين قبجاق ، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار ~~، وغيرهما في هذا اليوم ، ونزلوا بالميدان . ولما مروا بالقلعة ، خاطبوا ~~الأمير علم الدين سنجر أرجواش ، نائب القلعة ، وأشاروا عليه بتسليمها ، ~~فسبهم أقبح سب . وفي بكرة نهار الثلاثاء ، حادي عشر الشهر ، ورد مثال ~~الأمير اسماعيل نائب التتار ، يأمر العلماء والمشايخ والرؤساء ، أن يتوجهوا ~~إلى القلعة ، ويتحدثوا مع نائبها في تسليمها ، وأنه متى امتنع من ذلك ، دخل ~~الجيش البلد ونهبها ، وسفكت الدماء . فاجتمع جماعة كثيرة إلى باب القلعة ، ~~وسألوا الأمير علم الدين سنجر أرجواش ، أن يرسل إليهم رسولا ، فامتنع وسبهم ~~أقبح سب . وقال : قد وردت علي بطاقة من السلطان ، أنه جمع الجيوش بغزة ، ~~وكسر الطائفة التي اتبعتهم من التتار ، والسلطان يصل عن قريب بعساكره . ثم ~~دخل قبجاق دمشق في يوم الأربعاء ثاني عشر الشهر ، وجلس بالمدرسة العزيزية ، ~~وأمر العلماء والأكابر بمراجعة أرجواش في تسليم القلعة ، فتوجهوا إليه ، ~~فلم يسمع كلامهم . وكتب في هذا اليوم بالعزيزية فرامانات من شيخ الشيوخ ~~نظام الدين محمود بن علي الشيباني ، ومقدم من مقدمي التتار ، ذكر أنه رضيع ~~الملك غازان ، ومن قبجاق ، فلم تجد نفعا . PageV31P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" وفي يوم الجمعة رابع عشر الشهر ربيع الآخر ~~خطب لغازان على منبر دمشق ، بما رسم لهم به من الألقاب والنعوت وهي مولانا ~~السلطان ، الملك الأعظم ، سلطان الإسلام والمسلمين ، مظفر الدنيا والدين ، ~~محمود غازان . وصلى بالمقصورة جماعة من المغل . وحضر إلى المقصورة ، عقيب ~~الصلاة الأمير سيف الدين قبجاق ، وصعد هو والأمير اسماعيل إلى سدة المؤذنين ~~. واجتمع جمع كثير من عامة الناس تحت النسر . وقرئ عليهم تقليد بتولية ~~الأمير سيف الدين قبجاق الشام أجمع ، وعين فيه مدينة دمشق وحلب وحما ms7325 وحمص ~~وغير ذلك ، من الأعمال والجهات . وجعل إليه أن يولي القضاة ، والحكماء ~~والخطباء ، وغيرهم . ونثر على الناس الذهب والدراهم ، فاستبشر الناس بولاية ~~قبجاق ، ظنا منهم أنه يرفق بهم . وحضر في هذا اليوم شيخ الشيوخ نظام الدين ~~محمود بن علي الشيباني ، إلى المدرسة العادلية . وأحضرت إليه ضيافة ، وأظهر ~~العتب على أهل البلد ، كونهم لم يترددوا إليه . وذكر أنه يصلح أمرهم ، ~~ويتفق معهم ، على ما يفعل ، في أمر القلعة . فقال بعض من حضر إن الأمير سيف ~~الدين قبجاق يخبر أمر متولي القلعة . فقال شيخ الشيوخ : خمسمائة من قبجاق ~~ما يكونون في خاتمي ، وعظم نفسه تعظيما كثيرا . وفي يوم السبت خامس عشر ~~الشهر ، ابتدئ بنهب جبل الصالحية ، وما به من الترب والمدارس وغيرها . ~~فتوجه الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى شيخ الشيوخ ، فركب إليهم في يوم ~~الثلاثاء . فلما وصل إلى جبل الصالحية ، هرب من به من التتار ، ودخل أهل ~~الجبل إلى دمشق عرايا في أسوأ حال . وتوجه التتار إلى قرية المزة ، فنهبوها ~~وسبوا أهلها . وتوجهوا إلى داريا ، وفعلوا كذلك ، وقتلوا جماعة من أهلها ، ~~وقتل أهلها جماعة من التتار . فتوجه الشيخ تقي الدين بن تيمية ، يوم الخميس ~~إلى الملك غازان ، وهو بتل راهط ، فدخل عليه ليشكو له ما جرى من التتار بعد ~~أمانه ، فلم يمكن من ذلك . وقيل له : إن شكوت إليه أمرا ، يقتل ~~PageV31P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" بعض المغل ، فيكون ذلك سبب الاختلاف ، وتدور ~~الدائرة على أهل دمشق . فعدل الشيخ عن الشكوى إلى الدعاء ، وفارقه واجتمع ~~بالوزيرين سعد الدين ، ورشيد الدين ، وتحدث معهما . فذكرا أن جماعة من ~~المقدمين الأكابر ، لم يصل إليهم من مال دمشق شيء ، ولابد من إرضائهم . ~~وأمر الوزير بإطلاق الأسرى . ثم اشتد الأمر على أهل دمشق ، في طلب الأموال ~~وحصار القلعة . وجاء منجنيقي . فالتزم بأخذ القلعة ، وقرر أن يكون نصب ~~المجانيق عليها بالجامع الأموي . فأجمع أرجواش رأيه ، أنه متى نصب المجانيع ~~بالجامع ، رمى عليها بمجانيق القلعة . وكان ذلك يؤدي إلى هدم الجامع . ~~فانتدب رجال من أهل القلعة ، بعد أن تهيأت أعواد ms7326 المجانيق ، ولم يبق إلا ~~نصبها . وخرجوا بالحمية الإيمانية ، وهجموا الجامع ، ومعهم المناشير ، ~~فأفسدوا ما تهيأ من أعواد المجانيق . ثم جددوا غيرها ، واحترزوا عليها . ~~وحضر جماعة من المغل يبيتون بالجامع . فيقال إنهم انتهكوا حرمته ، واركبوا ~~فيه المحارم ، من شرب الخمور والزنا ، وطرح القاذورات والنجاسات ، وقل حضور ~~الناس فيه ، حتى أنه لم تقم فيه صلاة العشاء الآخرة ، في بعض الليالي . ~~ونهب التتار سوق باب البريد . وتحول الناس من حول الجامع ، وزهدوا في قربه ~~لمجاورة التتار . فانتدب رجل من أهل القلعة . وبذل نفسه ، والتزم بقتل ~~المنجنيقي . وخرج إلى الجامع ، والمنجنيقي بين المغل ، وهو في ترتيب العمل ~~. فتقدم إليه ، وضربه بسكين فقتله . وهجم رجال القلعة ، فتفرق المغل عن ~~القاتل ، وحماه أصحابه ، فلجأ إلى القلعة ، وبطل على التتار ما دبروه من ~~عمل المجانيق . واضطر أرجواش إلى هدم ما حول القلعة ، من المساكن والمدارس ~~والأبنية ودار السعادة ، وطواحين باب الفرج ، وغير ذلك . كل ذلك احترازا ~~على حفظ القلعة ، وأن يتطرق العدو إليها . وحصل من إفساد التتار والأرمن ~~وإخرابهم الأماكن ، بإفسادهم الصالحية ، وحرق جامع التوبة بالعقيبة وغير ~~ذلك ، ما بقيت آثاره ، بعد ذهاب العدو زمنا طويلا . ثم أعاد المسلمون ذلك ، ~~والحمد لله تعالى ، إلى أحسن ما كان . واشتد الأمر على أهل دمشق في طلب ~~الأموال ، في أواخر شهر ربيع الآخر ، وأوائل جمادى الأول ، وطلب من البلد ~~ما لا يتحمله أهله . وتولى استخراج الأموال ، والمطالبة بها من أهل دمشق ، ~~صفي الدين السنجاري ، وولد الشيخ محمد ابن الشيخ علي الحرير . وغلت الأسعار ~~بدمشق هذه المدة . ثم رجع غزان إلى بلاد الشرق ، يوم الجمعة ، ثاني عشر ~~جمادى الأولى ونزل قطلوشاه نائبه بدمشق وجماعة كثيرة من التتار معه ، وجعل ~~نيابة الشام إلى الأمير PageV31P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" سيف الدين قبجاق ، ونيابة حلب وحمص إلى ~~الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار ، ونيابة صفد وطرابلس والسواحل إلى ~~الأمير فارس الدين البكي ولما توجه غازان ، استصحب الوزير معه ، من أكابر ~~دمشق بدر الدين ابن فضل الله ، وعلاء الدين علي ابن الصدر شرف الدين محمد ~~بن ms7327 القلانسي ، وشرف الدين بن الأثير . وفي يوم السبت ثالث عشر جمادى الأولى ~~، رسم التتار بإخلاء المدرسة العادلية ، ووقف جماعة منهم على بابها يفتشون ~~من يخرج منها ، ويأخذون ما أحبوا من أمتعتهم ، وعجز أهلها عن نقل أثاثهم . ~~ودخل التتار إليها ، عقيب خروجهم منها ، وكسروا أبواب البيوت ، ونهبوا ما ~~بها ، وأخلى التتار ما حول القلعة ، وطلعوا إلى الأسطحة ، ورموا منها ~~النشاب على القلعة . فعند ذلك ، أمر أرجواش بإحراق ذلك كما تقدم . وكان ~~إحراق المدرسة العادلية في الحادي والعشرين من جمادى الأولى . وفي يوم ~~الجمعة تاسع عشر الشهر ، قرئ على سدة الجامع كتابان : أحدهما يتضمن تولية ~~الأمير سيف الدين قبجاق النيابة بالشام ، والثاني يتضمن تولية الأمير ناصر ~~الدين يحيى بن جلال الدين شد الشام . وتضمن أحد الكتابين أن يصرف ما كان ~~لخزائن السلاح ، من مال الجامع في مصالح السبيل إلى الحجاز الشريف . ويتضمن ~~أيضا أن غازان يعود إلى الشام في فصل الخريف ، ويتوجه إلى الديار المصرية ، ~~وأنه توجه إلى البلاد ونزل نائبه قطلوشاه في ستين ألف فارس لحماية الشام ، ~~إلى غير ذلك مما تضمنه . واستمر قطلوشاه بعد توجه غازان أياما يحاصر القلعة ~~، فلم يتهيأ له منها ما يريد ، فجمع له قبجاق مالا من أهل البلد ، فأخذه ~~وعاد إلى بلاد الشرق . وكان رحيله في يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ~~جمادى الأولى . وتوجه الأمير سيف الدين قبجاق لوداعه . وعاد في يوم الخميس ~~الخامس والعشرين من الشهر ، ودخل إلى دمشق ، من باب شرقي ، وشق البلد ، ~~وخرج من باب الجابية ، وكانا مغلقين في مدة مقام التتار ، ففتحا له الآن ، ~~ونزل بالقصر الأبلق . PageV31P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" وعاد الأمير يحيى بن جلال الدين والصفي ~~السنجاري بجماعة من التتار ، وشقوا البلد ، وتوجهوا إلى القصر أيضا . ثم ~~نودي في البلد ، في يوم الجمعة ، أن يتوجه الناس إلى ضياعهم وقراهم . وكان ~~قد نودي في أول هذا النهار ، أن لا يخرج أحد إلى الجبل والغوطة ، وأن لا ~~يخاطر بنفسه ، ولا يغرر بنفسه . وفي تاسع عشر جمادى الأولى ، دخل الأمير ~~سيف الدين قبجاق ، ومن ms7328 معه إلى المدينة ، ونزلوا بدار الأمير سيف الدين ~~بهادر آص ، وما يجاورها من الأدر ، بقرب مأذنة فيروز . وفي يوم الثلاثاء ، ~~مستهل جمادى الآخرة ، وثانيه ، نودي في دمشق بأمر الأمير سيف الدين قبجاق ~~أن يخرج الناس إلى أماكنهم . وانضم إلى قبجاق جماعة من الجند في أول هذا ~~الشهر ، يركبون في خدمته ، ويترجلون في ركابه ، وفتحت أبواب البلد ، إلا ما ~~بجوار القلعة منها . وفي يوم الجمعة رابع الشهر ، ضربت البشائر بالقلعة . ~~وفي يوم الإثنين سابع جمادى الآخرة ، أمر الأمير سيف الدين قبجاق ، أستاذ ~~داره علاء الدين ، وطاجار ، وركبا بالشرابيش والطبلخاناة . ثم أمر ثلاثة في ~~العشر الأوسط من الشهر ، وركبوا بالشرابيش والطبلخاناة . وأمر بإدارة ~~الخمارة بدار ابن جراده ، فأظهرت الخمور والفواحش ، وضمنت في كل يوم ألف ~~درهم ، واستمر الحال على ذلك بقية جمادى الآخرة وبعض شهر رجب . كان غازان ~~قد جرد من عسكره عشرين ألف فارس ، صحبة بولاي ، وأشبقا وحجك وهولاجو ، ~~فنزلوا بالأغوار . وشنوا الغارات ونهبوا ، ووصلت غاراتهم إلى بلد القدس ~~والخليل ، ودخلوا إلى غزة ، وقتلوا بجامعها خمسة عشر نفرا من المسلمين ، ثم ~~رجعت هذه العساكر إلى دمشق ، وعادت إلى بلاد الشرق ، في ثاني شهر رجب ، ~~واستصحبوا معهم أمين الدين شقير الحراني . وعاد التتار بجملتهم في ثامن شهر ~~رجب ، لما بلغهم اهتمام السلطان ، وخروج العساكر . ولم يفتح غازان شيئا من ~~القلاع الشامية ، بل امتنعت بجملتها ، اقتداء بقلعة PageV31P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" دمشق . وتمسك نواب القلاع من تسليمها ، ~~واعتذروا أنهم لا يمكنهم ذلك إلا بعد تسليم قلعة دمشق ، فسلمت القلاع ~~بجملتها . ثم توجه الأمير سيف الدين قبجاق والأمراء إلى خدمة السلطان الملك ~~الناصر على ما نذكره . ولما توجه قبجاق من دمشق ، دبر أمر البلد الأمير علم ~~الدين أرجواش . وأعيدت الخطبة بدمشق باسم السلطان في يوم الجمعة السابع عشر ~~من شهر رجب . وكانت انقطعت من سابع شهر ربيع الآخر ، فانقطعت مائة يوم . ~~وفي هذا اليوم أبطل ما كان جدد من المنكرات ، وأغلقت الخمارات ، وأريق ما ~~فيها ، وكسرت المواعين ، وشقت الظروف . وتولى ذلك الشيخ تقي الدين بن ms7329 تيمية ~~وأصحابه . هذا ما كان بدمشق ، فلنذكر ما اعتمده السلطان عند عوده . ذكر ما ~~اعتمده السلطان الملك الناصر عند عوده إلى الديار المصرية من الاهتمام بأمر ~~الجيوش والعساكر لما كان من أمر هذه الحادثة ما قدمناه ، رجع السلطان من ~~مكان الوقعة إلى الديار المصرية . وتفرقت العساكر ، فأخذت كل فرقة طريقا . ~~وكان وصول السلطان إلى قلعة الجبل ، في يوم الأربعاء ، ثاني عشر شهر ربيع ~~الآخر ولم يصحبه في هذه السفرة إلا بعض خواصه ، والأمير سيف الدين بكتمر ~~الحسامي أمير آخور ، والأمير زين الدين قراجا ، في نفر يسير . وخدم الأمير ~~سيف الدين بكتمر ، المشار إليهم ، السلطان في هذه السفرة أتم خدمة . فكان ~~يركبه وينزله ويشده خيله ، ويشتري لها العليق ، ويسقيها ، إلى غير ذلك من ~~أنواع الخدمة . ثم ترادفت الجيوش إلى الديار المصرية متفرقة . ووصل النواب ~~بالممالك الشامية . وكان فيمن وصل الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري . ~~فمشى في خدمة نائب السلطنة الأمير سيف الدين سلار ، وجلس بين يديه ، وكان ~~يرمل علامته إذا كتب . ووصلت العساكر ، وعدمت خيولهم وأقمشتهم وأموالهم ، ~~وأثقالهم وأسلحتهم . فجرد السلطان الاهتمام ، وأخرج الأموال الكثيرة ، ~~وأنفق في الجيوش ، ووسع عليهم ، وسلم إلى كل نائب من نواب الشام نفقة عسكره ~~. فسلم إلى الأمير جمال الدين أقش الأفرم نفقة عسكر الشام ، والى الأمير ~~سيف الدين بلبان الطباخي نفقة عسكر حلب ، والى الأمير سيف الدين كراي ~~المنصوري نفقة عسكر صفد . وسلم نفقة عسكر طرابلس PageV31P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" إلى الأمير شرف الدين قيران الدواداري ، ثم ~~إلى الأمير سيف الدين قطلبك . وكانت النفقة في الجيوش ذهبا . ورخص سعر ~~الذهب بالديار المصرية ، حتى بلغ صرف الدينار سبعة عشر درهما وارتفعت أسعار ~~العدد والسلاح والأقمشة والدواب . ومع ذلك فلم تمض الأيام القلائل على ~~العسكر ، حتى كملت عدتهم وخيولهم ، وجميع ما يحتاجون إليه من الأسلحة ~~والأقمشة . وجهز السلطان إلى نواب الحصون بالشام أجمع القصاد بالملطفات ~~يعلمهم ما هو عليه ، من الاهتمام وسرعة حركة ركابه ، ويحثهم على حفظ الحصون ~~. فوصلت القصاد إليهم ، فامتثلوا ذلك ، وحفظوا الحصون ، وكافأهم على ~~اهتمامهم ms7330 بها وحفظها . ولما تكامل ما تحتاجه العساكر ، توجه السلطان بهم ، ~~لقصد الشام . ذكر توجه السلطان بالعساكر إلى جهة الشام ، ووصوله إلى منزلة ~~الصالحية وإرسال الجيوش إلى دمشق والممالك الشامية ، وعود الأمراء إلى ~~الخدمة السلطانية ورجوع السلطان إلى قلعة الجبل وما تقرر من أمر النواب وفي ~~تاسع شهر رجب ، من هذه السنة ، توجه السلطان بجميع العساكر والنواب إلى ~~الشام ، لدفع التتار . فاتصل به عود التتار ومفارقتهم الشام ، فأقام ~~بالصالحية ، وتوجه نائبه الأمير سيف الدين سلار ، وأستاذ داره الأمير ركن ~~الدين بيبرس إلى الشام ، وصحبتهما سائر النواب والأمراء . ورحلوا من ~~الصالحية في الثاني والعشرين من هذا الشهر . وكانت الملطفات قد سيرت إلى ~~الأمراء سيف الدين قبجاق ، وسيف الدين بكتمر ، وفارس الدين البكي ، بالحضور ~~إلى الخدمة السلطانية ، ومراجعة الطاعة ، واستدراك ما فرط ، فأجابوا بالسمع ~~والطاعة . وبادروا بالحضور إلى الخدمة الشريفة السلطانية ، واجتمعوا ~~بالامراء بمنزلة سكرير . وتوجهوا إلى خدمة السلطان ، وهو مقيم بمنزلة ~~الصالحية ، وذلك في العاشر من شعبان . فركب السلطان وتلقاهم وأكرمهم وأحسن ~~إليهم ، وعاد وهم في خدمته إلى قلعة الجبل . وكان وصوله إليها في رابع عشر ~~PageV31P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" شعبان ، وأسكن الأمراء المذكورين بالقلعة ، ~~وأجرى عليهم الإقامات ، وشملهم بالإنعام . وأما الأمير سيف الدين سلار ~~والعساكر ، فإنهم توجهوا إلى دمشق . وكان وصول الأمير جمال الدين أقش ~~الأفرم نائب السلطنة بدمشق إليها بالعسكر الشامي ، في يوم السبت عاشر شعبان ~~. وفي يوم الأحد وصل الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري نائب السلطنة بحلب ~~بعساكرها ، وكان قد فوض إليه نيابتها ، والأمير سيف الدين قطلبك نائب ~~الفتوحات الطرابلسية جميعا . وفي يوم الإثنين ، ثاني عشر الشهر ، وصلت ~~ميسرة الجيوش المصرية ، ومقدمها الأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار . وفي ~~يوم الأربعاء ، رابع عشر الشهر ، وصل قلب الجيش ، وفيه الأمير سيف الديار ~~سلار ، نائب السلطنة الشريفة ، والمماليك السلطانية ، والعادل زين الدين ~~كتبغا المنصوري في خدمته ، ونزلت العساكر بالمرج . وقرر الأمير سيف الدين ~~سلار النواب بالممالك على ما رسم به السلطان له عند سفره . فأقر الأمير ~~جمال الدين أقش الأفرم على عادته ms7331 بدمشق . وفوض إلى الأمير زين الدين كتبغا ~~الملقب - كان - بالملك العادل ، نيابة السلطنة بالمملكة الحموية ، عوضا عن ~~الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري المذكور ، وذلك بحكم أن الأمير سيف ~~الدين بلبان الطباخي استعفى من النيابة بحلب واستقر في جملة الأمراء ~~المقدمين بالديار المصرية ، على إقطاع الأمير شمس الدين أقسنقر كرتيه ، ~~بحكم وفاته . وفوض نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات إلى الأمير ~~سيف الدين قطلوبك المنصوري . وأعاد الأمير سيف الدين كراي المنصوري إلى ~~نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية على عادته . وفوض قضاء القضاة الشافعية ~~بدمشق لقاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الحموي ، في خامس شهر شعبان ، ~~بحكم وفاة القاضي إمام الدين عمر ابن القاضي سعد الدين بن الكرجي القزويني ~~القونوي . وكانت وفاته بالقاهرة ، في يوم الثلاثاء خامس عشرين شهر ربيع ~~الآخر ، ودفن بالقرافة . وفوض قضاء القضاة الحنفية ، لقاضي القضاة شمس ~~الدين محمد ابن الشيخ صفي الدين الحريري ، في يوم الأربعاء الحادي والعشرين ~~من الشهر . PageV31P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" وفوض شاد الدواوين بالشام ، إلى الأمير سيف ~~الدين أقجبا المنصوري . وولى بر دمشق للأمير عز الدين أيبك التجيبي . وفوض ~~حسبة دمشق لأمين الدين الرومي ، إمام المنصور لاجين . وأقام سيف الدين سلار ~~نائب السلطنة ، والأمير ركن الدين بيبرس بدمشق ، إلى أن استقرت أحوالها ، ~~وترتبت وظائفها . ثم رجعا إلى الديار المصرية . وكان رحيلهما من دمشق ~~بالجيوش المصرية المنصورة ، في يوم السبت ثامن شهر رمضان . ووصلا إلى خدمة ~~السلطان بقلعة الجبل ، في يوم الثلاثاء ، ثالث شوال . ولما وصلا ، فوض إلى ~~الأمير سيف الدين قبجاق نيابة السلطنة بالشوبك . وأعطى الأمير سيف الدين ~~بكتمر السلاح دار إمرة مائة فارس وتقدمة ألف ، بالديار المصرية ، والأمير ~~فارس الدين البكي الساقي ، إمرة بدمشق . واستقرت الحال على ذلك . ذكر ما ~~اعتمده الأمير جمال الدين أقش نائب السلطنة بدمشق بعد عودة العساكر المصرية ~~لما عاد الأمير سيف الدين سلار والعساكر المصرية من دمشق ، وخلا وجه الأمير ~~جمال الدين أقش الأفرم ، نائب السلطنة بالشام ، تتبع من أذى المسلمين عند ~~التتار ، وتجاهر بذلك . فعامل كلا منهم بما نذكره ms7332 ، مما أدى إليه اجتهاده ، ~~واقتضاه رأيه وتدبيره . فكحل الحاج مندوبه ، وسمر الشريف القمي ، وابن ~~العوني البرددار ، وابن خطلبشا المزي ، وحملهم على الجمال ، ثم أطلق ابن ~~العوني ، بعد ثلاثة أيام . وشنق كاتب مسطبة الولاية بدمشق ، وابراهيم مؤذن ~~بيت لهيا ، ورجلا من اليهود . وقطع لسان ابن طاعن ، وقطع يد ورجل أحد من ~~أمرهم قبجاق ، فمات بعد ثلاثة أيام . وكحل الشجاع همام ، فمات بعد ليلة . ~~ثم توجه في العشرين من شوال إلى جبال الكسروان والدرزية ، وقصد ~~PageV31P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" استئصال شأفتهم ، لما عاملوا به العساكر ~~الإسلامية ، عند هزيمتها ، من السلب والأذى . فالتزموا برد ما أخذوه من ~~أقمشة العسكر ، وحمل ما ترد عليهم ، وعاد إلى دمشق ، في يوم الأحد ثالث ذي ~~القعدة من السنة . وألزم أهل دمشق أرباب الحوانيت بتعليق الأسلحة في ~~حوانيتهم ، وأمروا برماية النشاب ، ونودي بذلك . وحضرت رسالة قاضي القضاة ~~بذلك إلى فقهاء المدارس . وعرض عوام البلد في الحادي والعشرين من القعدة ، ~~فحضروا بالسلاح . وقدم على أهل كل سوق رجلا منهم . ثم عرض السادة الأشراف ، ~~في يوم الخميس رابع عشرين الشهر ، بالعدة الكاملة ، مع نقيبهم نظام الملك . ~~وفي هذه السنة ، كانت وفاة الأمير الطواشي حسام الدين جلال المغيثي الجلالي ~~، نسبة إلى الملك المغيث ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب . وكانت وفاته في ~~تاسع شهر ربيع الآخر ، بمنزلة السوادة ، وحمل إلى قطيا ، ودفن بها . وكان ~~قد مرض بدمشق ، فأعيد ، ولم يشهد الوقعة . وكان رحمله الله تعالى دينا خيرا ~~. وفيها ، توفي القاضي علاء الدين أحمد ابن قاضي القضاة تاج الدين عبد ~~الوهاب ابن خلف بن بدر العلائي . وكانت وفاته . وصليت عليه فيمن صلى ، ~~وكانت جنازته مشهودة ، ودفن بتربتهم بالقرافة رحمه الله تعالى . وفيها ، ~~توفي الأمير سيف الدين جاغان الحسامي بأرض البلقاء من الشام . وفيها ، توفي ~~الأمير علم الدين سنجر الدواداري بحصن الأكراد ، في ثالث شهر رجب وكان قد ~~انصرف من الوقعة ، والتحق بحصن الأكراد ، فمات به ، رحمه الله تعالى . ~~وفيها ، توفي والدي ، رحمه الله تعالى ، تاج الدين محمد عبد الوهاب ابن أبي ~~عبد الله ms7333 ، محمد بن عبد الدائم بن منجا بن علي البكري ، التيمي القرشي ~~المعروف بالنويري . وقد تقدم ذكر باقي نسبه ، عند ذكر مولدي في سنة سبع ~~وسبعين وستمائة . PageV31P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" وكانت وفاته رحمه الله ، قبل أذان المغرب ، ~~من يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وتسعين وستمائة ، ~~بالمدرسة الصالحية النجمية ، بقاعة التدريس المالكية . وكان ابتداء مرضه ، ~~في يوم الأربعاء ، الرابع عشر من الشهر . ومولده بمصر بالمدرسة المعروفة ~~بمنازل العز سنة ثمان عشرة وستمائة . ومات رحمه الله تعالى ، ولم تفته صلاة ~~. ولقد توضأ لصلاة العصر ، من يوم وفاته أربع مرات ، وكان به ذرب ، ثم صلى ~~صلاة العصر جالسا . ومات قبل أذان المغرب من يومه . وكان آخر كلامه ، بعد ~~أن دعا الله تعالى لي بخير ، التلفظ بالشهادتين . ثم قبض رحمه الله تعالى ، ~~ودفن من الغد ، في يوم الجمعة الثالث من النار ، بتربة قاضي القضاة زين ~~الدين المالكي ، بالقرافة ، رحمه الله تعالى وإيانا . واستهلت سنة سبعمائة ~~يوم الجمعة [ 700 ه 1300 / 1301 م ] والسلطان الملك الناصر بقلعة الجبل ، ~~ومدبرو الدولة ، ونواب المملكة من ذكرناهم . ذكر جباية المقرر على أرباب ~~الأملاك والأموال بالديار المصرية والشام وفي هذه السنة ، في أولها قرر ~~ناصر الدين محمد بن الشيخي ، أحد الأمراء بالديار المصرية ، ومتولي القاهرة ~~، أن يستخرج من أرباب العقارات والأموال مالا سماه مقرر الخيالة ، وانتصب ~~لاستخراج ذلك بدار العدل ، تحت قلعة الجبل . وأحضر أرباب الأموال والأملاك ~~، وقرر على كل منهم بحسب قدرته ، واستخرج من ذلك تقدير مائة ألف دينار . ~~وتعدى ضرره إلى سائر الناس ، حتى أراد أن يستخرج من العدول الجالسين بسوق ~~الوراقين ، من كل عدل عشرين دينارا ، ومن كل عاقد أربعين دينارا . ~~PageV31P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" فنهض قاضي القضاة زين الدين المالكي في ذلك ، ~~وتحدث مع الأمراء في ذلك . وذكر ضرورة العدول وفاقتهم واحتياجهم ، وأن ~~جلوسهم في سوق الوراقين ، لتحصيل أقواتهم ، ولو قدروا على القوت ما جلسوا ، ~~وقام في ذلك أتم قيام ، حتى اندفعت عنهم هذه المظلمة ، وأعفوا منها . ~~واستخرج من سائر الأعمال والبلاد والقرى ms7334 بالديار المصرية ، قررت على كل بلد ~~من البلاد المقطعة ، واستخرجت الأموال من الرعايا والفلاحين . وأما دمشق ، ~~فإنه رسم باستخراج أجرة أربعة أشهر من أرباب الأملاك والأوقاف التي بدمشق ~~وظاهرها ، ومن الضياع ، التي ضمانها أكثر من أمدائها ثلث ضمانها . وإن كانت ~~أمداؤها أكثر من ضمانها ، استخرج عن كل مدى ، ستة دراهم وثلثا درهم - ~~والمدى أربعون ذراعا في مثلها ، يكون تكسيره ألف ذراع وستمائة ذراع ، بذراع ~~العمل - فنال الناس من ذلك شدة . وكان المال المطلوب ، عن ما تحصل في سنة ~~تسع وتسعين وستمائة . وفيها ، في المحرم ، كثرت الأراجيف بحركة التتار ، ~~فجفل أهل الشام أجمع ، منهم من التجأ إلى الحصون ، وأكثرهم وصلوا إلى ~~الديار المصرية ، حتى امتلأت القاهرة ومصر منهم . وكان سعر القمح ، قبل ~~وصول هذه الجفول ، عن كل أردب عشرين درهما . فنزل إلى خمسة عشر درهما ، على ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى . ذكر توجه السلطان الملك الناصر بالعساكر إلى ~~الشام وعوده لما كثرت الأراجيف وقويت الشناعة ، بقرب التتار ، توجه السلطان ~~بالعساكر إلى الشام . واستقل ركابه من منزلة مسجد التبن ، وهي المنزلة ~~الأولى من قلعة الجبل ، في يوم السبت ثالث عشر صفر ، ووصل إلى غزة ، ونزل ~~بمنزلة بدعرش ، وأقام بها . PageV31P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" وتوالت الأمطار وكثرت ، واشتد البرد ، ~~وانقطعت الأجلاب عن العسكر ، حتى عدمت الأقوات . واستمر السلطان بهذه ~~المنزلة إلى سلخ شهر ربيع الآخر . ثم عاد إلى القاهرة ، فكان وصوله إلى ~~قلعة الجبل في يوم الإثنين ، حادي عشر جمادى الأولى ، بعد أن جرد من منزلته ~~بدعرش ، الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار ومضافيه ، والأمير بهاء الدين ~~يعقوبا الشهرزوري ومضافيه . فتوجهوا إلى دمشق بألفي فارس ، فوصلوا إليها ، ~~في سابع جمادى الأولى . ولما ظهر بدمشق عود السلطان إلى الديار المصرية ، ~~خرج من بقي من الدماشقة إلى الديار المصرية . وذلك أن متولي دمشق ، كان يمر ~~بالأسواق فيقول للناس : ما يجلسكم ها هنا ، وأي شيء تنتظرون ، وأشباه هذا ~~الكلام . ثم نودي بدمشق في تاسع جمادى الأولى ، من أقام ، فدمه في عنقه ، ~~ومن عجز عن السفر فليتحصن ms7335 بالقلعة . وفي مدة مقام السلطان بمنزلة بدعرش ، ~~توفي الأمير سيف الدين بلبان الطباخي . واستعفي الأمير سيف الدين كراي ~~المنصوري من نيابة السلطنة بصفد ، فأعفي منها ؛ وأقطع إقطاع الأمير سيف ~~الدين الطباخي بالديار المصرية . وفوضت نيابة المملكة الصفدية إلى الأمير ~~سيف الدين بتخاص المنصوري ، أحد أمراء الشام . ذكر وصول غازان إلى الشام ~~وعوده وما فعلته جيوشه كان من خبر غازان في هذه السنة ، أنه وصل بجيوشه إلى ~~بلاد حلب ، ونزل بقرون حماه إلى بلاد سرمين . وبعث معظم جيوشه إلى جبال ~~أنطاكية وجبال السماق . فنهبوا من الدواب والأغنام والأبقار شيئا كثيرا . ~~وسبوا من النساء والصبيان وأسروا من الرجال خلقا كثيرا . وكانوا في سنة تسع ~~وتسعين وستمائة لم يصلوا إلى هذه الجهة ، فظن الناس أنهم لا يقصدونها في ~~هذه السنة . فاجتمع بها خلق كثير ، فقتلوا وأسروا وسبوا . ورخصت الأسرى من ~~المسلمين ، حتى بيع الأسير والأسيرة بعشرة دراهم . واشترى الأرمن منهم خلقا ~~كثيرا ، وسيروا في المركب إلى بلاد الفرنج . وأرسل الله تعالى على غازان ~~وجيوشه أمطارا كثيرة وثلوجا ، حتى هلك كثير منهم . فرجع بعساكره إلى بلاد ~~الشرق ، وقد نفق من خيولهم ما لا تحصى كثرة ، فرجعوا شبه المكسورين . ~~PageV31P0258 # """""" صفحة رقم 259 """""" وعجزت كل طائفة من المسلمين والتتار ، عن ~~ملاقاة الأخرى . وكان رجوعهم في جمادى الآخرة . وغلت الأسعار في هذه السنة ~~بدمشق ، فبيعت غرارة القمح بثلثمائة درهم ، ورطل اللحم بتسعة دراهم ، ثم ~~رخصت الأسعار . وفيها ، استعفى الأمير سيف الدين قطلبك المنصوري من نيابة ~~المملكة الطرابلسية ، فأعفي . وفوضت النيابة بها إلى الأمير سيف الدين ~~استدمر كرجي . وفيها ، فنيت الأبقار بالديار المصرية فناء ، لم يسمع بمثله ~~. وحكي لي أن بعض مشايخ البلاد بأشموم طناح ، كان يملك ألف رأس وأحد وعشرين ~~رأسا من بقر الخيس ، فمات منها ألف رأس وثلاثة رؤوس ، وبقي له ثمانية عشر ~~رأسا ، وغلت الأبقار بعد هذا الفناء ، حتى كادت تعدم . وبيع الثور منها ~~بألف درهم وما يقارب هذا الثمن ، واستعمل الناس في السواقي بالديار المصرية ~~لإدارتها ، الخيل والجمال والحمير . ذكر خبر أهل الذمة وتغيير ms7336 لباسهم وما ~~تقرر في ذلك ، والسبب الذي أوجبه في هذه السنة ، وصل وزير بلاد المغرب إلى ~~الديار المصرية ، بسبب الحج . وتكلم مع الأمراء في أمر أهل الذمة ، وذكر ما ~~هم فيه من الذل والصغار ببلاد المغرب ، وأنهم لا يمكنونهم من ركوب الخيل ~~والبغال ، ولا يستخدمونهم في المناصب ، وذكر أشياء كثيرة من هذا القول . ~~فرسم أن يعقد مجلس بحضور الحكام ، وندب لذلك قاضي القضاة شمس الدين السروجي ~~الحنفي ، فجلس بالمدرسة الصالحية . وحضر القاضي مجد الدين بن الخشاب ، وكيل ~~بيت المال ، وجماعة من الفقهاء ، وأحضر بطرك النصارى وجماعة من أساقفتهم ، ~~وأكابر قسيسيهم ، وأعيان ملتهم وديان اليهود وأكابر ملتهم ، وسئلوا عما ~~أقروا عليه في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، من عقد ~~الذمة . فلم يأتوا عن ذلك بجواب . وبحث الفقهاء في ذلك ، فاقتضت ~~PageV31P0259 # """""" صفحة رقم 260 """""" المباحث بين العلماء ، أن يميز النصارى بلبس ~~العمائم الزرق غير الشعري ، واليهود بلبس العمائم الصفر . وتميز نساء أهل ~~كل ملة كذلك بعلامة تظهر . ولا يركبون الخيول ولا يحملون سلاحا ، ويركبون ~~الخيول الحمر بالأكف عرضا من غير تزيين لها ولا قيمة ، ويتجنبون أوساط ~~الطرق للمسلمين في مجالسهم عن مراتبهم ، ولا يرفعون أصواتهم على أصوات ~~المسلمين . ولا يعلو بناؤهم على بناء المسلمين ، ولا يظهرون شعانينهم ، ولا ~~يضربون بالنواقيس . ولا ينصرون مسلما ولا يهودونه . ولا يشترون من الرقيق ~~مسلما ولا من سباه مسلم ، ولا من جرت عليه سهام المسلمين . ومن دخل منهم ~~الحمام يميز نفسه بعلامة عن المسلمين ، بجرس في حلقه . ولا ينقشون فصوص ~~خواتيمهم بالعربية ، ولا يعلمون أولادهم القرآن ، ولا يستخدمون في أعمالهم ~~الشاقة مسلما ، ولا يرفعون النيران . ومن زنى منهم بمسلمة قتل . وقال بطرك ~~النصارى بحضرة جماعة العدول : حرمت على أهل ملتي وأصحابي مخالفة ذلك ، ~~والعدول عنه . وقال رئيس اليهود وديانهم : أوقعت الكلمة على أهل ملتي ~~وطائفتي في مخالفة ذلك ، والخروج عنه . ونظمت المكاتيب بذلك ، ورسم بحمل ~~الأمراء على حكمها . وكتب إلى سائر أعمال الديار المصرية بإجرائهم على ذلك ~~. وكتب إلى أمراء الشام بذلك ، فالتزموا ms7337 به في شعبان من السنة . وتقرر ~~بدمشق أن تلبس النصارى العمائم الزرق ، واليهود العمائم الصفر ، والسامرة ~~العمائم الحمر . واستقر ذلك في سائر المملكة . إلا بالكرك ، فإن النائب بها ~~الأمير جمال الدين آفش الأشرفي ، رأى إبقاءهم على حالتهم . واعتذر أن أهل ~~الكرك نصارى ، وأن المسلمين بها قليل ، وأن هذا القدر يؤدي إلى ظهور كثرتهم ~~للغريب ، وما أشبه هذه PageV31P0260 # """""" صفحة رقم 261 """""" الأعذار . فاستقر ذلك بالكرك والشوبك إلى ~~الآن . وأخبرني الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصوري في سنة إحدى ~~وسبعمائة وهو يومئذ أستاذ الدار السلطانية وشاد الدواوين بدمشق ، قال : ~~ركبت في الموكب مع الأمير جمال الدين آقش الأفرم ، نائب السلطنة بها ، فمر ~~بنا طائفة من أهل الذمة ، بالأقمشة النفيسة والعمائم اللانس . قال : فشق ~~ذلك علي كونهم لم يتميزوا بعلامة . فذكرت ذلك لنائب السلطان ، وقررت معه أن ~~يأمر بتغيير هيأتهم ، وأن تلبس النصارى العمائم الزرق ، واليهود العمائم ~~الصفر ، والسامرة العمائم الحمر . وتقرر أن يطالع في ذلك ، فورد مثال ~~السلطان بذلك ، قبل وصول المطالعة إليه ، ووافق تاريخ تلبيسهم بالديار ~~المصرية ، التاريخ الذي حدثت نائب السلطان فيه بسببه . ولما منعوا من ~~الاستخدام بالديار المصرية ، أسلم جماعة كثيرة من أعيانهم ، لأجل مناصبهم . ~~فاستمروا بعد إسلامهم على ما كانوا عليه . وقد وقفت على كتاب الدر الثمين ~~في مناقب المسلمين ومثالب المشركين ، تصنيف محمد بن عبد الرحمن بن محمد ~~الكاتب . وهو كتاب خدم به السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوف ، ~~رحمه الله تعالى . وقد رأيت أن أذكر منه نبذة في هذا الموضع ، لتعلقه به ، ~~فالشيء بالشيء يذكر . جاء في الكتاب المذكور ، في صدره ، بعد تفويض السلطان ~~الملك الناصر المشار إليه ، نثرا ، والاستشهاد بأبيات من الشعر في معناه . ~~ثم قال : وكان مولانا الملك الناصر ، خلد الله ملكه ، وأبقى دولته ، لما ~~ملكه الله الديار المصرية والشامية وما قاربها . ووعده على لسان عدله ، أن ~~يفتح على يديه مشارق الأرض ومغاربها . انتصر لله ، وتعصب لدينه ، واجتهد في ~~رضاه ، والعمل بحكم كتابه ، وسنة نبيه ، ولحقته الحمية الإسلامية ، وسار ~~السيرة العمرية . وأمر ms7338 بصرف الذمة وأن لا يتصرفوا ما بقيت هذه الأمة . ~~وسطرها الكاتبان في صحائف حسناته . وأثبتها المؤرخون في محاسن سيرته ، ~~ونظمها الشعراء في مدائح عقد مدائحه . وشغله النظر في مصالح الإسلام ، عن ~~تميم هذا الاهتمام ، والأعمال بخواتيمها . PageV31P0261 # """""" صفحة رقم 262 """""" ونرجو من الله ، أن يبادر بتكميلها وتتميمها ~~. ولقد قيل إن الشريف مسعود بن المحسن المعروف بالبياضي ، رؤي في المنام ~~بعد موته ، فقبل له ما فعل الله بك . قال : غفر لي بأبيات قلتها ، وكتبت ~~بها إلى الراضي وهي : يا ابن الخلائف من قريش والأؤلى . . . طهرت أصولهم من ~~الأدناس قلدت أمر المسلمين عدوهم . . . ما هكذا فعلت بنو العباس حاشاك من ~~قول الرعية أنه . . . ناس لقاء الله أو متناسي ما العذر إن قالوا غدا هذا ~~الذي . . . ولى اليهود على رقاب الناس أتقول كانوا وفروا أموالهم . . . ~~فبيوتهم قفر بلا آساس لا تذكرن إحصاءهم ما وفروا . . . ظلما وتنسى محصي ~~الأنفاس وخف القضاء غدا إذا وافيت ما . . . كسبت يداك اليوم بالقسطاس في ~~موقف ما فيه إلا شاخص . . . أو مهطع أو مقنع للراس أعضاؤهم فيه الشهود ~~وسحتهم . . . نار وخازنهم شديد الباس إن عطل اليوم الديون مع الغنى . . . ~~فغدا يؤديها مع الإفلاس لا تعتذر عن صرفهم بتعذر الم . . . تصرفين الحذق ~~الأكياس ما كنت تفعل بعدهم لو أهلكوا . . . فافعل وعد القوم في الأرماس ثم ~~قال المصنف محمد بن عبد الرحمن : قرأت أن النصيحة من الدين . وقرأت : " ~~وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين " . ثم ذكر ما ورد في كتاب الله تعالى من ~~التحذير ، فبدأ بقوله تعالى : " ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا ~~المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم " وقوله تعالى : " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق " وقوله تعالى : ~~" ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ~~ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله ms7339 من ولي ولا نصير " ~~. PageV31P0262 # """""" صفحة رقم 263 """""" ثم ذكر نسخة كتاب كتب إلى عمر بن الخطاب ، عن ~~أهل الذمة ، فقال : قال عبد الرحمن بن عثمان : كتبنا إلى أمير المؤمنين عمر ~~بن الخطاب ، رضي الله عنه ، في نصارى أهل الشام ما نسخته : هذا كتاب لعبد ~~الله عمر ، أمير المؤمنين ، من نصارى أهل الشام ومصر . لما قدمتم علينا ، ~~سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا ، وأهل ملتنا . وشرطنا على ~~أنفسنا ، أن لا نحدث في مدائننا ، ولا فيما حولها ، ديرا ولا كنيسة ، ولا ~~قلاية ، ولا صومعة لراهب . ولا نجدد ما خرب منها ، ولا ما كان في خطط ~~المسلمين ، وأن نوسع للمارة ولبني السبيل . وأن ننزل من مر بنا من المسلمين ~~ثلاث ليال ، نطعمهم . ولا نأوي في كنائسنا ولا في منازلنا جاسوسا ، ولا ~~نكتم عينا على المسلمين . ولا نعلم أولادنا القرآن ، ولا نظهر شرعنا ، ولا ~~ندعو إليه أحدا . ولا نمنع أحدا من ذوي قرابنتا الدخول في دين الإسلام ، إن ~~أراد ، وأن نوقر المسلمين ، ونقوم لهم في مجالسنا ، إذا أرادوا الجلوس . ~~ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم ، في قلنسوة ، ولا عمامة ولا نعلين ، ولا ~~فرق شعر . ولا نتسمى بأسمائهم ، ولا نتكنى بكناهم . ولا نركب بالسروج ، ولا ~~نتقلد السيوف ، ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله . ولا ننقش على خواتمنا ~~بالعربية . وأن نجز مقادم رؤوسنا . ونلزم زينا حيث كنا ، وأن نشد الزانير ~~على أوساطنا ، وأن لا نظهر صلباننا ، ولا نفتح كتبنا في طرق المسلمين ولا ~~أسواقهم . ولا نضرب بنواقيسنا ، في كنائسنا ، في شيء من حضرة المسلمين . ~~ولا نخرج في شعانيننا ، ولا طاغوتنا . ولا نرفع أصواتنا مع مواتانا . ولا ~~نوقد النيران في طرق المسلمين ولا PageV31P0263 # """""" صفحة رقم 264 """""" أسواقهم . ولا نجاورهم بموتانا . ولا نتخذ من ~~الرقيق ، من جرت عليه سهام المسلمين . ولا نطلع عليهم في منازلهم ، ولا ~~تعلو منازلنا منازلهم . فلما أتيت أمير المؤمنين عمر بالكتاب زاد فيه : ولا ~~نضرب أحدا من المسلمين . شرطنا ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا ، وقبلنا عليه ~~الأمان . فإن نحن خالفنا في شيء مما ms7340 اشترطناه لكم علينا ، وضمناه عن أنفسنا ~~، وأهل ملتنا ، فلا دية لنا عليكم ، وقد حل بنا ما حل بغيرنا ، من أهل ~~المعاندة والشقاق . فكتب عمر رضي الله عنه : امض ما سألوه ، والحق فيه ~~حرفين ، اشترطهما عليهم ، مع ما شرطوه ، أنه من ضرب مسلما عمدا فقد خلع ~~عهده . قال عبد الرحمن بن عثمان : وأجمع العلماء بعد أمير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب ، رضي الله عنه ، على أنه متى نقض الذمي عهده ، بمخالفة شرط من هذه ~~الشروط المأخوذة عليهم ، فالإمام مخير بين القتل ولاأسر . ويلزمهم مع ذلك ~~أن يتميزوا عن المسلمين في اللباس والزي ، ولا يتشبهون بهم في أمر من أمور ~~زيهم . ويشدون الزنانير في أوساطهم . ويكون في رقابهم خواتم رصاص أو نحاس ~~أو جرس ، يدخل معهم في الحمام . وليس لهم أن يلبسوا العمائم والطيلسان . ~~وأما المرأة فتشد الزنار من تحت الإزار ، وقيل من فوق الإزار وهو الأولى . ~~ويكون في عنقها خاتم رصاص ، يدخل معها الحمام . ويكون أحد خفيها أسود ، ~~ليبقى مشتهرا ظاهرا ، والآخر أبيض . ويركبون الحمير بالأكف ، ولا يركبون ~~بالسروج . ولا يتصدرون في المجالس ولا يبدأون بالسلام . ويلجأون إلى أضيق ~~الطرق . ويمنعون أن يعلو بناؤهم على أبنية المسلمين ، وتجوز المساواة ، ~~وقيل لا تجوز ، بل يمنعون . ويجعل الإمام عليهم رجلا يكتب أسماءهم وحلاهم ، ~~ويستوفي عليهم ما يأخذون به من هذه الشرائط . وإن زنى أحد منهم بمسلمة ، أو ~~أصابها بنكاح ، برئت منه الذمة . وقال أبو هريرة : أمر أمير المؤمنين عمر ~~بن الخطاب ، رضي الله عنه ، بهدم كل كنيسة استجدت بعد الهجرة ، ولم يبق إلا ~~ما كان قبل الإسلام . وسير عروة بن محمد ، فهدم الكنائس بصنعاء . وصانع ~~القبط على كنائسهم بمصر ، وهدم بعضها ، ولم يبق من الكنائس إلا ما كان قبل ~~بعثة النبي ، ( صلى الله عليه وسلم ) . هذا آخر ما لخصناه من الكتاب ~~المذكور . فلنرجع إلى تتمة حوادث سنة سبعمائة . PageV31P0264 # """""" صفحة رقم 265 """""" ذكر وصول رسل غازان ملك التتار وما وصل على ~~أيديهم من المكاتبة وما أجيبوا به وفي هذه السنة ، في ذي القعدة ، وصل رسل ms7341 ~~غازان إلى البلاد الشامية ، وهم الأمير ناصر الدين علي خواجا ، والقاضي ~~كمال الدين موسى بن يونس ، ورفيقهما . فوصل البريد من حلب بوصولهم . فرسم ~~بتوجه الأمير سيف الدين كراي المنصوري لإحضارهم . فتوجه على خيل البريد ~~فأحضرهم إلى الأبواب السلطانية . وكان وصولهم إلى قلعة الجبل ، في ليلة ~~الإثنين ، خامس عشر ذي الحجة . وأحضروا بين يدي السلطان ، في عشية نهار ~~الثلاثاء ، فخطب كمال الدين خطبة في معنى الصلح ، واتفاق الكلمة ، ورغب فيه ~~. ثم أخرج كتابا نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم . بقوة الله تعالى ، ~~وميامين الملة المحمدية فرمان السلطان محمود غازان . ليعلم السلطان الملك ~~المعظم الناصر ، أنه في العام الماضي ، بعض عساكرهم المفسدة ، دخلوا أطراف ~~بلادنا ، وأفسدوا فيها ، لعناد الله وعنادنا ، كماردين ونواحيها ، وجاهدوا ~~الله بالمعاصي فيمن ظفروا به من أهلها ، وأقدموا على أمور بديعة ، وارتكبوا ~~آثاما شنيعة ، من محاربة الله وخرق ناموس الشريعة . فأنفنا من تهجمهم ، ~~وغرنا من تقحمهم . وأخذتنا الحمية الإسلامية ، فحدتنا على دخول بلادهم ، ~~ومقاتلتهم على فسادهم . فركبنا بمن كان لدينا من العساكر ، وتوجهنا بمن ~~اتفق منهم أنه حاضر . وقبل وقوع الفعل منا ، واشتهار الفتك عنا ، سلكنا سنن ~~سيد المرسلين ، واقتفينا آثار المتقدمين . وافتدينا بقول الله : " لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل " . وأنفذنا صحبة يعقوب السكرجي ، جماعة ~~من القضاة والأئمة والثقات . وقلنا : " هذا نذير من النذر الأولى أزفت ~~الأزفة ليس لها من دون الله كاشفة " . فقابلتهم ذلك بالإصرار ، وحكمتم عليه ~~وعلى المسلمين بالأضرار ، وأهنتموهم وسجنتموهم . وخالفتم سنن الملوك في حسن ~~السلوك . فصبرنا على تماديكم في غيكم ، وخلودكم إلى بغيكم ، إلى أن نصرنا ~~الله ، وأراكم في أنفسكم قضاه . " أفأمنوا مكر PageV31P0265 # """""" صفحة رقم 266 """""" الله فلا يأمن مكر الله " . وظننا أنهم حيث ~~تحققوا كنه الحال ، وآل بهم الأمر إلى ما آل ، أنهم ربما تداركوا الفارط في ~~أمرهم ، ورتقوا ما فتقوا بغدرهم ، وأوجه إلينا وجه عذرهم ، وأنهم ربما ~~سيروا إلينا حال دخولهم إلى الديار المصرية ، رسلا لإصلاح تلك القضية . ~~فبقينا بدمشق غير متحثحثين ، وتثبطنا تثبط المتملكين المتمكنين . فصدهم عن ~~السعي في صلاح ms7342 حالهم التواني ، وعللوا نفوسهم عن اليقين بالأماني . ثم ~~بلغنا ، بعد عودنا إلى بلادنا ، أنهم ألقوا في قلوب العساكر والعوام ، ~~وراموا جبر ما أوهنوا من الإسلام ، أنهم فيما بعد يلقوننا على حلب أو ~~الفرات . وأن عزمهم مصر على ذلك لا سواه . فجمعنا العساكر وتوجهنا للقياهم ~~. ووصلنا الفرات مرتقبين ثبوت دعواهم ، وقلنا ولعلهم وعساهم . فما طلع لهم ~~بارق ، ولا ذر شارق . فتقدمنا إلى أطراف حلب ، وتعجبنا من بطئهم غاية العجب ~~. فبلغنا رجوعهم بالعساكر ، وتحققنا نكوصهم عن الحرب . وفكرنا في أنه متى ~~تقدمنا بعساكرنا الباهرة وجموعنا العظيمة القاهرة ، ربما أخرب البلاد ~~مرورها ، وبإقامتهم فيها فسدت أمورها . وعم الضرر العباد ، والخراب البلاد ~~. فعدنا بقيا عليها ، ونظرة لطف من الله إليها . وها نحن الآن أيضا مهتمون ~~بجمع العساكر المنصورة ، ومشحذون غرار عزماتنا المشهورة ، ومشتغلون بصنع ~~المجانيق وآلات الحرب ، وعازمون بعد الإنذار " وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا " . وقد سيرنا حاملي هذا الفرمان : الأمير الكبير ناصر الدين علي ~~خواجه ، والإمام العالم ملك القضاة ، كمال الدين موسى بن يونس . وقد ~~حملناهما كلاما يشافهاهم به . فليثقوا بما تقدمنا به إليهما . فإنهما من ~~الأعيان المعتمد عليهما ، لنكون كما قال الله تعالى : " قل فلله الحجة ~~البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين " . فيعدوا لنا الهدايا والتحف . فما بعد ~~الإنذار من عاذر . وإن لم يتداركوا الأمر ، فدماء المسلمين وأموالهم مطلولة ~~بتدبيرهم ، ومطلوبة منهم عند الله على طول تقصيرهم . فليمعن السلطان لرعيته ~~النظر في أمره . فقد قال ( صلى الله عليه وسلم ) : " من ولاه الله أمرا من ~~أمور هذه الأمة ، واحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم . احتجب الله دون حاجته ~~وخلته وفقره " . وقد أعذر من أنذر ، وأنصف من حذر . والسلام على من اتبع ~~الهدى . كتب في العشر الأوسط من شهر رمضان سنة سبعمائة بجبال الأكراد ، ~~والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى وآله ~~الطاهرين . فقرئ كتابه ، ورسم بإنشاء جوابه ، فكتب . وهو من إنشاء المولى ~~القاضي علاء الدين علي ابن المولى المرحوم فتح الله محمد ابن القاضي ~~المرحوم محيي الدين عبد PageV31P0266 # """""" صفحة رقم 267 ms7343 """""" الله بن عبد الظاهر . وأعاد السلطان رسله ، ~~من غير أن تصحبهم رسولا ، بل استحضرهم بمنزلة الصالحية ، وأنعم عليهم ~~وجهزهم ، فتوجهوا في سنة إحدى وسبعمائة . ونسخة الجواب : بسم الله الرحمن ~~الرحيم ، بقوة الله تعالى ، وميامين الملة المحمدية . أما بعد حمد الله ، ~~الذي جعلنا من السابقين الأولين ، الهادين المهتدين ، التابعين لسنة سيد ~~المرسلين ، بإحسان إلى يوم الدين . والصلاة على سيدنا محمد والسلام على آله ~~وصحبه الذين فضل الله من سبق منهم إلى الإيمان في كتابه المكنون . فقال ~~سبحانه وتعالى : " والسابقون السابقون أولئك المقربون " بإقبال دولة ~~السلطان الملك الناصر . كلام محمد بن قلاوون : ليعلم السلطان المعظم ، ~~محمود غازان ، أن كتابه ورد ، فقابلناه بما يليق بمثلنا لمثله من الإكرام . ~~ورعينا له حق القصد ، فتلقيناه منا بسلام . وتأملناه تأمل المتفهم لدقائقه ~~، المستكشف عن حقائقه . فألفيناه قد تضمن مؤاخذت بأمور ، هم بالمؤاخذة ~~عليها أحرى ، معتذرا في التعدي بما جعله ذنوبا لبعض ، طالب بها الكل . ~~والله تعالى يقول : " ولا تزر وازرة وزر أخرى " . أما حديث إغارة من أغار ~~على ماردين من رجالة بلادنا المتطرفة ، وما نسبوه إليهم من الإقدام على ~~الأمور البديعة والآثام الشنيعة ، وقولهم : إنهم أنفوا من تهجمهم ، وغاروا ~~من تقحمهم ، واقتضت الحمية ركوبهم في مقابلة ذلك ، فقد تلمحنا هذه الصورة ~~التي أقاموها عذرا في العدوان ، وجعلوها سببا إلى ما ارتكبوه من طغيان . ~~والجواب عن ذلك أن الغارات من الطرفين ، لم يحصل من المهادنة والموادعة ، ~~ما يكف يدها الممتدة ، ولا يفتر هممها المستعدة . وقد كان آباؤكم وأجدادكم ~~على ما عملتم من الكفر والشقاق ، وعدم المصافاة للإسلام والوفاق . ولم يزل ~~ملك ماردين ورعيته منفذين ما يصدر من الأذى للبلاد والعباد عنهم ، متولين ~~كبر مكرهم ، والله تعالى PageV31P0267 # """""" صفحة رقم 268 """""" يقول : " ومن يتولهم منكم فإنه منهم " . وحيث ~~جعلتم هذا ذنبا ، موجبا للحمية الجاهلة ، وحاملا على الانتصار ، الذي زعمتم ~~أن همتكم به ملية ، فقد كان هذا القصد ، الذي ادعيتموه ، يتم بالانتقام من ~~أهل تلك الأطراف ، التي أوجب ذلك فعلها ، والاقتصار على أخذ الثأر ممن ثار ~~اتباعا لقوله تعالى : " وجزاء ms7344 سيئة سيئة مثلها " ، لا أن تقصدوا الإسلام ~~بالجموع الملفقة ، على اختلاف الأديان ، وتطأوا البقاع الطاهرة بعبدة ~~الصلبان ، وتنتهكوا حرمة البيت المقدس ، الذي هو ثاني بيت الله الحرام ، ~~وشقيق مسجد رسول الله ، عليه الصلاة والسلام . وإن احتججتم أن زمام الغارة ~~بيدنا ، وسبب تعديهم من سنتنا . فقد أوضحنا الجواب عن ذلك ، وأن عدم الصلح ~~والموادعة ، أوجب سلوك هذه المسالك . وأما ما ادعوه من سلوك سنن المرسلين ~~واقتفاء آثار المتقدمين ، في إنفاذ الرسل أولا ، فقد تلمحنا هذه الصورة ، ~~وفهمنا ما أوردوه من الآيات المسطورة ، والجواب عن ذلك أن هؤلاء الرسل ما ~~وصلوا إلينا إلا وقد دنت الخيام من الخيام ، وناضلت السهام السهام ، وشارف ~~القوم القوم . ولم يبق للقاء إلا يوم أو بعض يوم ، وأشرعت الأسنة من ~~الجانبين ، ورأى كل خصمه رأي العين . وما نحن ممن لاحت له رغبة راغب ، ~~فتشاغل عنها ولهى ، ولا ممن يسالم فيقابل ذلك بجفوة النفار ، والله تعالى ~~يقول : " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها " . كيف والكتاب بعنوانه . وأمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، يقول : " ما أضمر إنسان شيئا ~~إلا ظهر ، في صفحات وجهه وفلتات لسانه " . ولو كان حضور هؤلاء الرسل ~~والسيوف وادعة في أغمادها ، والأسنة مستكنة في أعوادها ، والسهام غير مفوقة ~~، والأعنة غير مطلقة ، لسمعنا خطابهم وأعدنا جوابهم . وأما ما أطلقوا به ~~لسان قلمهم ، وأبدوه من غليظ كلمهم في قولهم : فصبرنا على تماديكم في غيكم ~~، وإخلادكم إلى بغيكم . فأي صبر ممن أرسل عنانه إلى المكافحة ، قبل إرسال ~~رسل المصالحة ، وجاس خلال الديار قبل ما زعمه من الإنذار والأعذار وإذا ~~فكروا في هذه الأسباب ، ونظروا فيما صدر عنهم من خطاب ، علموا العذر في ~~تأخير الجواب ، وما يتذكر إلا أولو الألباب . وأما ما تحججوا به مما ~~اعتقدوه من نصره ، وظنوه من أن الله جعل لهم على حزبه الغالب في كل كرة ~~الكرة . فلو تأملوا ما ظنوه ربحا ، لوجدوه هو الخسران المبين . ~~PageV31P0268 # """""" صفحة رقم 269 """""" ولو أمعنوا النظر في ذلك ، لما كانوا به ~~مفتخرين ، ولتحققوا أن الذي اتفق لهم ، كان ms7345 غرما لا غنما ، وتدبروا معنى ~~قوله تعالى ، " إنما نملي لهم ليزدادوا إثما " . ولم يخف عنهم من أبلتهم ~~السيوف الإسلامية منهم . وقد رأوا عزم من حضر من عساكرنا ، التي لو كانت ~~مجتمعة عند اللقاء ، ما ظهر خبر عنهم . فإنا كنا في مفتتح ملكنا ، ومتبدأ ~~أمرنا ، حللنا بالشام للنظر في أمور البلاد والعباد . فلما تحققنا خبركم ، ~~وقفونا أثركم ، بادرنا نقد أديم الأرض سيرا ، وأسرعنا لندفع عن المسلمين ~~ضررا وضيرا ، ونؤدي من الجهاد السنة والفرض ونعمل بقوله تعالى : " وسارعوا ~~إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض " فاتفق اللقاء بمن حضر من ~~عساكرنا المنصورة ، وثوقا بقوله تعالى : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~" وإلا فأكابركم يعلمون وقائع الجيوش الإسلامية ، التي كم وطئت موطئا يغيظ ~~الكفار . فكتب لها به عمل صالح ، وسارت في سبيل الله ، ففتح الله عليها ~~أبواب المناجح . وتعددت أيام نصرتها ، التي لو دققتم الفكر فيها لأزالت ما ~~حصل عندكم من لبس ، ولما قدرتم على أن تنكروها ، وفي تعب من يجحد ضوء الشمس ~~. ومازال الله لنا نعم المولى ونعم النصير . وإذا راجعتموهم قصوا عليكم نبأ ~~الاستظهار ، ولا ينبئك مثل خبير . ومازالت تتفق الوقائع بين الملوك والحروب ~~، وتجري المواقف التي هي بتقدير الله ، فلا فخر فيها للغالب ، ولا عار على ~~المغلوب . وكم ملك استظهر عليه ، ثم نصر ، وعاوده التأييد . فجبر بعدما كسر ~~، خصوصا ملوك هذا الدين ، فإن الله تكفل لهم بحسن العقبى . فقال سبحانه : " ~~والعاقبة للمتقين " . وأما إقامتهم الحجة علينا ، ونسبتهم التفريط إلينا ، ~~في كوننا لم نسير إليهم رسولا ، عندما حلوا بدمشق فنحن عندما وصلنا إلى ~~الديار المصرية ، لم نزد على أن اعتددنا وجمعنا جيوشنا من كل مكان . وبذلنا ~~في الاستعداد غاية الجهد والإمكان وأنفقنا جزيل الأموال في العساكر ~~والجحافل . ووثقنا بحسن الخلف ، لقوله تعالى : " مثل الذين ينفقون أموالهم ~~في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل " . ولما خرجنا من الديار المصرية ، ~~وبلغنا خروج الملك من البلاد ، لأمر حال بينه وبين المراد ، توقفنا عن ~~المسير ، توقف من أغنى رعبه عن حث الركاب ms7346 ، وتثبتنا تثبت الراسيات " وترى ~~الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب " وبعثنا طائفة PageV31P0269 # """""" صفحة رقم 270 """""" من العساكر المقاتلة من أقام بالبلاد ، فما ~~لاح لنا منهم بارق ولا ظهر . وتقدمت فتخطفت من حمله على التأخر الغرر ؛ ~~ووصلت الفرات فما وقفت للقوم على أثر . وأما قولهم : أننا ألقينا في قلوب ~~العساكر والعوام ، أنهم فيما بعد يلتقوننا على حلب أو الفرات ، وأنهم جمعوا ~~العساكر ورحلوا إلى الفرات والى حلب ، مرتقبين وصولنا . فالجواب عن ذلك ، ~~أنه من حين بلغنا حركتهم ، جزمنا ، وعلى لقائهم عزمنا ، وخرجنا وخرج أمير ~~المؤمنين الحاكم بأمر الله ، ابن عم سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ، الواجب الطاعة على كل مسلم ، المفترض المبايعة والمتابعة على كل منازع ~~ومسلم ، طائعين لله ولرسوله في أداء فرض الجهاد ، باذلين في القيام بما ~~أمرنا الله تعالى غاية الاجتهاد ، عالمين أنه لا يتم أمر دين ولا دنيا إلا ~~بمشايعته . ومن والاه فقد حفظه الله وتولاه . ومن عانده أو عاند من أقامه ، ~~فقد أذله الله . فحين وصلنا إلى البلاد الشامية ، تقدمت عساكرنا إلى السهل ~~والجبل ، وتبلغ بقوة الله تعالى في النصر الرجاء والأمل . ووصلت أوائلها ~~إلى أطراف حماه وتلك النواحي ، فلم يقدم أحد منهم عليها . ولا جسر أن يمد ~~حتى ولا الطرف إليها . فلم نزل مقيمين ، حتى بلغنا رجوع الملك إلى البلاد ، ~~وإخلافه موعد اللقاء ، والله لا يخلف الميعاد . فعدنا لاستعداد جيوشنا التي ~~لم تزل تندفع في طاعة الله تعالى ، اندفاع السيل ، عاملين بقوله تعالى : ~~وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل " . وأما ما جعلوه عذرا في ~~الإقامة بأطراف البلاد ، وعدم الإقدام عليها ، وأنهم لو فعلوا ذلك ، ودخلوا ~~بجيوشهم ، ربما أخرب البلاد مرورها ، وبإقامتهم فيها فسدت أمورها ، فقد فهم ~~هذا المقصود . ومتى ألفت البلاد والعباد منهم هذا الإشفاق ومتى اتصفت ~~جيوشهم بهذه الأخلاق ؟ وها آثارهم موجودة ودعاوى خلافها بمشاهدة الحال ~~مردودة . وهل هذا اعتماد من رمق شخص الإسلام بإنسانه ؟ كيف ورسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) يقول : " المسلم من سلم الناس من يده ms7347 ولسانه " . ~~وأسارى المسلمين عندهم في أشد وثاق ، وفي يد الأرمن والتكفور منهم ، ما ~~يخالف ما ادعوه من إشفاق . PageV31P0270 # """""" صفحة رقم 271 """""" وقد كان المسلمون غزوا عسكر أبغا ، وقتلوا من ~~قتلوا من التتار ، وحصل لهم التمكن في البلاد والاستظهار ، واستولوا على ~~ملك آل سلجوق ، وما تعرضوا لدار ولا جار ، ولا عفوا أثرا من الآثار . وما ~~حصل لمسلم منهم ضرر ولا أذى في ورد ولا صدر . وكان أحدهم يشتري قوته بدرهمه ~~وديناره ، ويأبى أن تمتد إلى أحد من المسلمين يد أضراره . هذه سنة أهل ~~الإسلام ، وفعل من يريد لملكه الدوام . وأما ما أرعدوا به وأبرقوا ، ~~وأرسلوا به عنان قلمهم وأطلقوا ، وما أبدوه من الاهتمام بجمع عساكرهم ، ~~وتهيئة المجانيق ، إلى غير ذلك مما ذكروه من التهويل ، فالله تعالى يقول : ~~" الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا ~~حسبنا الله ونعم الوكيل " . وأما قولهم : وإلا فدماء المسلمين مطلولة ، فما ~~كان أغناهم عن هذا الخطاب ، وأولاهم بأن لا يصدر إليهم عن ذلك جواب ، ومن ~~قصد الصلح والإصلاح ، كيف يقول هذا القول ، الذي عليه فيه من جهة الله ، ~~ومن جهة رسوله أي جناح ؟ وكيف يضمر هذه النية ، ويتبجح بهذه الطوية ؟ ولم ~~يخف مواقع الزلل من هذا القول وخلله ، والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول ~~" نية المرء أبلغ من عمله " . وبأي طريق تهدر دماء المسلمين ، التي من تعرض ~~إليها ، يكون الله له في الدنيا والآخرة مطالبا وغريما ، ومؤاخذا بقوله ~~تعالى : " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ~~ولعنه وأعد له عذابا عظيما " . وإذا كان الأمر كذلك ، فالبشرى لأهل الإسلام ~~، بما نحن عليه من الهمم المصروفة إلى الاستعداد ، وجمع العساكر التي يكون ~~لها الملائكة الكرام ، إن شاء الله تعالى من الأمجاد والاستكثار من الجيوش ~~الإسلامية المتوفرة العدد ، المتكاثرة المدد ، الموعودة بالنصر ، الذي ~~يحفها في الظعن والإقامة ، الواثقة بقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ~~لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على عدوهم إلى يوم القيامة " . المبلغة في نصر ~~دين الله آمالا ، المستعدة ms7348 لإجابة داعي الله إذ قال : " انفروا خفافا ~~وثقالا " . وأما رسلهم ، وهم فلان وفلان ، فقد وصلوا إلينا ، ووفدوا علينا ~~، وأكرمنا PageV31P0271 # """""" صفحة رقم 272 """""" وفادتهم ، وغزرنا لأجل مرسلهم من الإقبال ~~مادتهم ، وسمعنا خطابهم ، وأعدنا جوابهم هذا ، مع كوننا لم يخف علينا ~~انحطاط قدرهم ، ولا ضعف أمرهم . وأنهم ما دعفوا الأفواه الخطوب إلا لما ~~ارتكبوه من ذنوب . وما كان ينبغي أن يرسل مثل هؤلاء لمثلنا من مثله . ولا ~~ينتدب لهذا الأمر المهم إلا من يجمع على فصل خطابه وفضله . وأما ما التمسوه ~~من الهدايا والتحف ، فلو قدموا من هداياهم حسنة ، لعوضناهم بأحسن منها . ~~ولو أتحفونا بتحفة لقابلناهم بأجمل عوض عنها . وقد كان عمهم الملك أحمد ، ~~راسل والدنا السلطان الشهيد وناجاه بالهدايا والتحف من مكان بعيد . وتقرب ~~إلى قلبه بحسن الخطاب ، فأحسن له الجواب ، وأتى البيوت من أبوابها ، بحسن ~~الأدب ، وتمسك من الملاطفة بأقوى سبب . والآن ، فحيث انتهت الأجوبة إلى ~~حدها ، وأدركت الأنفة من مقابلة ذلك الخطاب غاية قصدها ، فنقول : إذا جنح ~~الملك للسلم ، جنحنا لها ، وإذا دخل في الملة المحمدية ، ممتثلا ما أمر ~~الله به ، مجتنبا ما عنه نهى ، وانضم في سلك الإيمان ، وتمسك بموجباته ، ~~تمسك المتشرف بدخول فيه لا المنان ، وتجنب التشبه بمن قال الله عز وجل في ~~حقهم : " قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان " . ~~وطابق فعله قوله ، ورفض الكفار الذين لا يحل له أن يتخذهم حوله ، وأرسل ~~إلينا رسولا من جهته يرتل آيات الصلح ترتيلا ؛ ويروق خطابه وجوابه ، حتى ~~يتلو كل أحد عند عوده " يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا " . صارت حجتنا ~~وحجته المركبة على من خالف ذلك ، وكلمتنا وكلمته قامعة أهل الشرك في سائر ~~الممالك ، ومظافرتنا له تكسب الكافرين هوانا ؛ والمشاهد لتصافينا يتلو قوله ~~تعالى : " واذكروا نعمة الله عليكم إذا كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا . وينتظم إن شاء الله تعالى شمل الصلح ، أحسن انتظام . ويحصل ~~التمسك من الموادعة والمصافاة بعروة ولا انفصال لها ولا انفصام . وتستقر ~~قواعد الصلح ، على ما يرضي ms7349 الله ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام ، إن شاء ~~الله تعالى . كتب في ثامن وعشرين المحرم سنة إحدى وسبعمائة . PageV31P0272 # """""" صفحة رقم 273 """""" وفي سنة سبعمائة ، ولي الأمير فارس الدين ~~البكي الساقي نيابة السلطنة بحمص . وفيها ، توجه الأمير شمس الدين سنقر ~~الأعسر وزير الدولة ومدبرها ، إلى الممالك الشامية لكشفها ، ووصل إلى ~~المملكة الحلبية ، وعاد إلى الديار المصرية ، في سنة إحدى وسبعمائة ، وعزل ~~عن الوزارة في غيبته . وفيها ، توجه الأمير سيف الدين بكتمر الجوكان دار ، ~~أمين جاندار ؛ إلى الحجاز الشريف ؛ وتصدق بصدقات عظيمة . فيقال إنه أنفق في ~~هذه السفرة خمسة وثمانين ألف دينار عينا . وفي هذه السنة ، توفي الأمير عز ~~الدين أيدمر الظاهري ؛ وهو الذي ناب عن السلطنة بالشام ، في الدولة ~~الظاهرية والسعيدية . وكانت وفاته برباطه بجبل الصالحية ، في يوم الأربعاء ~~ثاني شهر ربيع الأول ودفن هناك رحمه الله تعالى . وفيها ، توفي الشيخ زين ~~الدين عبد الرحمن ابن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن سعد الله بن جماعة ، ~~أخو قاضي القضاة بدر الدين . وكانت وفاته بحماه في سابع شعبان . وكان رجلا ~~صالحا دينا خيرا . ومولده في شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين وستمائة رحمه ~~الله تعالى . وفيها ، توفي الأمير عز الدين أيبك كربي الظاهري بدمشق ، في ~~عاشر ذي القعدة ، ودفن بسفح قاسيون . وكان من أعيان أمراء الشام ، مقدمي ~~الألوف . وورثه بناته ، وأخوه الأمير بدر الدين بكتوت العديمي المنصوري . ~~PageV31P0273 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الثانى والثلاثون PageV32P0002 # NOTMATCH ### | AUT واستهلت سنة إحدى وسبعمائة للهجرة النبوية بيوم الأربعاء في هذه السنة NOTMATCH # """""" صفحة رقم 3 """""" بسم الله الرحمن الرحيم واستهلت سنة إحدى ~~وسبعمائة للهجرة النبوية بيوم الأربعاء في هذه السنة في يوم الجمعة عاشر ~~شهر المحرم - فوضت الوزارة وتدبير الدولة الشريفة الناصرية إلى الأمير عز ~~الدين أيبك البغدادي المنصوري ، وجلس في يوم السبت على قاعدة الأمير شمس ~~الدين سنقر الأعسر المنصوري . وكان الأمير شمس الدين قد توجه لكشف الممالك ~~الشامية - كما تقدم - فعاد بعد عزله ، واستقر في جملة الأمراء المقدمين . ~~وفيها - في العشرين من المحرم - توجه السلطان إلى ms7350 الصيد بجهة العباسة ، وفي ~~خدمته جماعة من الأمراء ، وتصيد بالبرية ، وضرب الدهليز في منزلة الصالحية ~~، ووصل السلطان إلى الدهليز بهذه المنزلة في الثامن والعشرين من الشهر ، ~~وخلع على كل من كان في خدمته من الأمراء ، وأحضر السلطان رسل غازان ليلا ~~وخلع عليهم ، وأمر بعودهم . وقد تقدم ذكر ما تضمنه الجواب السلطاني إلى ~~غازان في سنة سبعمائة عند ذكر كتابه ، وعاد السلطان من الصالحية إلى بركة ~~الجب في ثالث صفر والتقى الأمير سيف الدين بكتمر الجوكان دار وأمير ~~PageV32P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" جاندار عند عوده من الحجاز الشريف ، ثم عاد ~~السلطان إلى مقر ملكه بقلعة الجبل . وفي هذه السنة توجه الأمير سيف الدين ~~أسندمر كرجي إلى نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات ، عوضا عن ~~الأمير سيف الدين قطلوبك بحكم استعفائه من النيابة ، وقد تقدم ذكر ذلك في ~~سنة سبعمائة ، وكان عود الأمير سيف الدين قطلوبك إلى دمشق في أوائل هذه ~~السنة ، وتوجه الأمير سيف الدين أسندمر من دمشق إليها في يوم السبت حادي ~~عشر المحرم . وفيها في شهر المحرم أيضا فوض شاد الدواوين والأستادارية ~~بالشام إلى الأمر سيف الدين بلبان الجوكاندار المنصوري عوضا عن الأمير سيف ~~الدين أقجبا الناصري ، ونقل أقجبا إلى نيابة السلطنة ، وتقدمة العسكر بغزة ~~عوضا عن الأمير ركن الدين بيبرس الموفقي واستقر الموفقي في جملة الأمراء ~~المقدمين بدمشق . وفيها رمي فتح الدين أحمد بن البققي الحموي بالزندقة ، ~~واعتقل بسجن الحكم ، ونهضت البينة عليه ، وسطر محضر بما صدر منه من الألفاظ ~~التي لا تصدر PageV32P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" مع من شم رائحة الإيمان ، ولا تخطر بباله ، ~~وشهد عليه جماعة من الشهود ، تزيد عدتهم على ثلاثين نفرا ، وثبت مضمون ~~المحضر على قاضي القضاة زين الدين المالكي ، فلما تكامل ذلك عنده أعذر إليه ~~، فلما انقضت مدة الاعتذار حكم قاضي القضاة بإراقة دمه في عشية نهار الأحد ~~الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول ، وجلس قاضي القضاة في بكرة نهار ~~الاثنين الرابع والعشرين من الشهر بالمدرسة الصالحية النجمية بين القصرين ~~بالشباك الكبير الأوسط ، وحضر المجلس قاضي ms7351 القضاة شمس الدين الحنفي وجماعة ~~من الأعيان والعدول ، وأحضر الفتح بن البققي من الاعتقال ، وهو يستغيث ~~ويعلن بالشهادتين ، فقال له قاضي القضاة شمس الدين الحنفي : ) ءآلئن وقد ~~عصيت قبل وكنت من المفسدين ( [ يونس : الآية 91 ] وقال قاضي القضاة زين ~~الدين له : إسلامك لا يفيدك عندي . ثم أمر بضرب عنقه ، فتقدم إليه علاء ~~الدين أقبرص الموصلي وضرب ضربتين في عنقه بالسيف ؛ ضربة بعد أخرى ولم يخلص ~~رقبته ، ثم قطعها رجل من الضوية بسكين فأبان رأسه عن بدنه ورفع رأسه على ~~عصى من عصى النادشتية ، وسحب بدنه إلى باب زويلة فصلب هناك ، ثم دفن . وقال ~~علاء الدين أقبرص الموصلي ، وحلف بالله أنه رافق ابن البققي في سفرة سافرها ~~من حماة ، وأنه سمع منه ألفاظا من الزندقة حتى هم مرارا أن يضرب عنقه ، ثم ~~قدر الله قتله بسيف الشرع بيده ، وما اختلف أحد في فساد عقيدته . وفي هذه ~~السنة في شهر المحرم سقط برد ما بين حماه وحصن الأكراد ، وفي بعضه صور تشبه ~~صور بني آدم من الذكور والإناث . وصور قرود وغيرها ، وطولع السلطان بذلك . ~~ذكر توجه العساكر إلى الصعيد للإيقاع بالعربان كانت عرب الوجه القبلي ~~بالديار المصرية قد كثر فسادهم ، وامتدت أيديهم ، وقطعوا الطريق على ~~المسافرين ، واشتد طمعهم إثر وقعة غازان ، فتوجه الأمير سيف الدين سلار ~~نائب السلطنة ، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير وجماعة كثيرة من الأمراء ~~بسبب ذلك في أوائل جمادى الآخرة ، وانقسم العسكر على ثلاث فرق ، فرقة في ~~البر الشرقي ، وفرقة في البر الغربي ، وفرقة سلكت الحواجر من البر الغربي ~~مما يلي الواحات ، وضربوا على الوجه القبلي حلقة كحلقة الصيد ، وبقي العرب ~~في وسطها ، وأخذهم السيف من كل مكان ، فتمهدت البلاد واطمأنت الرعايا ، ~~وزال الخوف وظهر الأمن بعد أن كان العرب قد كادوا يتجاهرون بالعصيان ، وحمل ~~من PageV32P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" موجودهم وسيق خمسة آلاف فرس وعشرون ألف جمل ~~ومائة ألف رأس من الغنم ، وعدة كثيرة من الأبقار والجواميس والحمر ، ومن ~~السيوف والرماح عدة كثيرة ، وعاد العسكر في أواخر شعبان من ms7352 السنة . وفي هذه ~~السنة رسم بتوجهي إلى دمشق المحروسة لمباشرة الأملاك السلطانية بالشام ، ~~وكتب توقيعي بذلك في ثاني عشر جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة ، وهو من ~~إنشاء المولى الفاضل العابد الصالح بهاء الدين بن سلامة كاتب الدرج الشريف ~~وخطه ، وشمل الخط السلطاني الملكي الناصري ، وتوجهت إلى دمشق في جمادى ~~الآخرة ، وفيه وصلت إلى دمشق وباشرت ما رسم لي بها ، وهو أول دخولي إليها . ~~وفيها في يوم الثلاثاء تاسع عشرين جمادى الأولى وصل إلى دمشق الصدر علاء ~~الدين بن الصدر شرف الدين محمد بن القلانسي من بلاد التتار بغتة ، ووصل ~~قبله رفيقه شرف الدين بن الأثير ، وقد ذكرنا أن التتار لما دخلوا الشام ~~استصحبهما الوزير معه ، ثم هربا وسلما بعد مشقة عظيمة كثيرة ، وتوجها إلى ~~الديار المصرية في شهر رجب ، وعادا وقد كتب في ديوان الإنشاء بدمشق . وفي ~~هذه السنة في رابع صفر توفي السيد الشريف نجم الدين أبو نمي ، وأبو مهدي ~~محمد بن أبي سعد الحسن بن علي بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن ~~عيسى بن حسين بن سليمان بن علي بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد الله بن ~~الحسن بن علي بن أبي طالب ، أمير مكة شرفها الله تعالى ، ولي الإمارة بها ~~نحوا من أربعين سنة ، وخلف من الأولاد واحدا وعشرين ذكرا ، PageV32P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" واثنتي عشرة بنتا ، وأربع نسوة ، ولما مات وثب ~~ولداه أسد الدين رميثة وعز الدين حميضة على أخويهما عطيفة وأبي الغيث ~~واعتقلاهما ، واستقلا بالأمر دونهما ، واتفق في هذه السنة أن الأمير ركن ~~الدين بيبرس الجاشنكير توجه إلى الحجاز هو وثلاثون أميرا ، فجاء هؤلاء ~~وشكيا من أخويهما ، فأمسك حميضة ورميثة واعتقلهما لما صدر منهما من ذلك ~~وغيره ، ورتب عطيفة وأبا الغيث في الإمرة بمكة ، وأحضر حميضة ورميثة صحبته ~~إلى الأبواب السلطانية ، فاعتقلا مدة ثم أفرج عنهما . وفيها توفي الشيخ ~~الأصيل شيخ الشيوخ فخر الدين يوسف ابن شيخ الشيوخ شرف الدين أبي بكر عبد ~~الله ابن شيخ الشيوخ تاج الدين ms7353 أبي محمد عبد الله ابن شيخ الشيوخ عماد ~~الدين أبي حفص عمر بن علي بن محمد بن حموية الجويني في يوم الاثنين سابع ~~عشرين شهر ربيع الأول بالخانقاه السميساطية بدمشق ، ودفن من الغد بسفح ~~قاسيون ، وولي مشيخة الشيوخ بعده قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة ، ~~وذلك باتفاق من الصوفية وسؤالهم ، فاجتمع له بدمشق قضاة القضاة ، وخطابة ~~الجامع الأموي ، ومشيخة الشيوخ وغير ذلك من الأنظار والتدريس . وفيها كانت ~~وفاة الخليفة الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد العباسي في ثامن عشر جمادى ~~الأولى ، وبويع ولده المستكفى بالله أبو الربيع سليمان ، وقد تقدم ذكر ذلك ~~في أخبار الخلفاء العباسيين . وفيها توفي الأمير علاء الدين مغلطاي التقوي ~~المنصوري أحد الأمراء بدمشق في رابع وعشرين شهر رجب ، وأقطع خبره للأمير ~~سيف الدين بكتمر الحسامي أمير آخور ، وكان أخرج من الديار المصرية في هذه ~~السنة لقربه من السلطان وخدمته له PageV32P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" وتمكنه منه ، فعزل من وظيفة أمير آخورية ، ~~ووليها الأمير علم الدين سنجر الصالحي ، ووصل الأمير سيف الدين بكتمر إلى ~~دمشق بغير إقطاع ، فلما مات التقوى أنعم عليه بإقطاعه ، ثم كان من أمره ~~وتنقله ما نذكره . وفيها كانت وفاة الشيخ الإمام الشهيد شرف الدين أبي ~~الحسين علي ابن الشيخ الحسن الإمام العلامة الحافظ تقي الدين أبي عبد الله ~~محمد بن اليونيني الحنبلي ببعلبك في يوم الخميس حادي عشر شهر رمضان في ~~الساعة الثامنة من النار شهيدا . وسبب ذلك أنه دخل في يوم الجمعة خامس ~~الشهر إلى خزانة الكتب التي بمسجد الحنابلة ببعلبك ليعزل كتبه من كتب الوقف ~~وعنده خادمه الشجاع ، فدخل عليه فقير اسمه موسى غير معروف بالبلد - قيل إنه ~~مصري - فضربه بعصا على رأسه عدة ضربات ، ثم أخرج سكينا صغيرة فجرحه في رأسه ~~، فاتقى بيده ، فجرحه في يده ، ثم مسك ذلك الرجل وحمل إلى متولي بعلبك فضرب ~~، فصار يظهر منه الاختلال في الكلام ، فحبس . وأما الشيخ فحمل إلى داره ، ~~وتحدث معه أصحابه على عادته ، وأتم صوم يومه ثم حم واشتد به المرض ms7354 فمات في ~~التاريخ المذكور ، وجاوز الثمانين سنة رحمه الله تعالى روي عن جماعة منهم ~~ابن الزبيدي ، وإليها عبد الرحمن وابن الللتي ، والإربلي ، وجعفر الهمذاني ~~، وابن رواحة ، وابن الجميزي وغيرهم واجتهد في خدمة الحديث النبوي وأسمعه ~~كثيرا ، واعتنى بصحيح البخاري من سائر طرقه ، وحرر نسخته تحريرا شافيا ، ~~وجعل لكل طريق إشارة ، وكتب عليه حواشي صحيحة ، وقد نقلت صحيح البخاري من ~~أصله مرارا سبعة ، وحررته كما حرره وقابلت بأصله وهو أصل سماعي على الحجار ~~ووزيرة . وفي هذه السنة توفي الأمير علم الدين سنجر أرجواش المنصوري نائب ~~السلطنة بقلعة دمشق ، وكانت وفاته في ليلة السبت ثاني عشرين ذي الحجة ودفن ~~بسفح قاسيون وكانت له آثار جميلة في حفظ قلعة دمشق لما ملك التتار دمشق ، ~~وبسبب حفظها حفظت سائر القلاح بالممالك الشامية ، وخلف من الورثة أربع بنات ~~وابن معتقه السلطان الملك الناصر ، وترك دنيا عريضة ، ولما مرض أحضر قاضي ~~PageV32P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" القضاة بدر الدين وجماعة من أكابر العدول ، ~~وأشهدهم على نفسه أن مجموع ما يخلفه من الذهب أربعة عشر ألف دينار ومائتي ~~دينار وستة وستين دينارا مصرية . وأربعين ألف درهم وحوايص ذهب وكلوتات زركش ~~منحوا ألفي دينار ، ووقع الإشهاد عليه في سابع عشر ذي الحجة وأعتق مماليكه ~~، وأوصى بحجة وصدقة وفك الحجر عن بناته ، وأسند وصيته إلى خوشداشه الأمير ~~سيف الدين بليان الجوكندار . ولما مات كنت ممن حضر تركته ، واحتوت على ~~أشياء كثيرة ، كان فيها من القسي الحلق ما يزيد على ستمائة قوس ، وكثير من ~~الأقمشة والعدد والسلاح والأصناف فبيعت الأصناف وقسمت بالفريضة الشرعية ، ~~وأمضى السلطان وصيته - أثابه الله تعالى . واستهلت سنة اثنتين وسبعمائة في ~~هذه السنة وصل رسل غازان ملك التتار إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل في ~~ليلة ثاني المحرم ، فقرئت كتبهم ، وسمعت مشافهتهم ، وكتب الجواب السلطاني ~~إلى مرسلهم ، وأمر السلطان بعودهم فعادوا من الديار المصرية وجهز السلطان ~~إلى جهته الأمير حسام الدين أزدمر المجيري ، والقاضي عماد الدين بن السكري ~~فوصلوا إلى دمشق في ليلة الجمعة رابع عشرين شهر ربيع الأول ، وكان ms7355 خروجهم ~~من القاهرة في عاشر الشهر ، وأقاموا بدمشق ثلاثة أيام ، وتوجهوا واجتمعوا ~~بغازان ، PageV32P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" ومنعهم من العود بسبب الوقعة الكائنة التي ~~نذكرها إن شاء الله تعالى ، واستمروا ببلاد التتار إلى أن هلك غازان وعادوا ~~في أيام خربندا . ذكر فتح جزيرة أرواد وفي المحرم من هذه السنة جهزت ~~الشواني من مصر إلى جزيرة أرواد وهي جزيرة تقابل مدينة انطرسوس ، وكان قد ~~اجتمع بها جمع كثير من الفرنج وسكنوها وأحاطوا بها سورا وحصنوها ، وبقيت ~~مضرة على أهل ساحل طرابلس فجهزت الشواني لقصدها صحبة الأمير سيف الدين ~~كهرداش الناصري ، وجرد من كل أمير جندي ، ورسم لكل أمير أن يجهز جندية بما ~~يحتاج إليه ، فكان ممن جهز من أصحابه الأمير جمال الدين آقش العلائي فامتنع ~~من تجهيز جندية ، فكشاه الجندي إلى الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة ، ~~فأرسل إليه نقيبا يأمره بتجهيزه ، فشتم الجندي وضربه ، فعاد إلى نائب ~~السلطنة وأخبره ، فغضب وطلب آقش وألزمه بالسفر عوضا عن الجندي ، فتوجه وسلم ~~إليه شاني وركب فيه ، ولعبت الشواني فانقلب الشيني الذي فيه آقش فغرق ، ومر ~~الشاني على الصناعة وهو مقلوب ؛ فتطير الناس بذلك وظنوا أن هذه الشواني لا ~~تفتح شيئا ، فقال بعض أهل الدين والخير : هذا أول الفتح بغرق آقش ، وكان ~~آقش هذا ظالما عسوفا قبيح السيرة ، فكان ذلك أول الفتوح كما قال ، وأصلح ~~الشاني وتوجهت الشواني إلى الجزيرة ، وجهز الأمير سيف الدين أسندمر الكرجي ~~نائب السلطنة بالفتوحات مركبا فيه جماعة من الجند ، وتوجه هو بالعسكر ~~الطرابلسي . ونزل قبالة الجزيرة بالبر الشرقي ، وتوجهت الشواني بالعسكر ~~إليها ، ففتحت في يوم الأربعاء ثاني صفر ، وقتل من كان بها من الفرنج ، ~~وأسر من بقي ، وكان القتلى نحو ألفين ، والأسرى نحو خمسمائة ، وغنم العسكر ~~جميع ما بالجزيرة ، وجهزت الأسرى إلى الأبواب السلطانية صحبة الأمير فلان ~~الدين فلان الإبراهيمي من أمراء طرابلس ، فوصلوا إلى دمشق في يوم الاثنين ~~حادي عشرين صفر ، وفرق بعضهم في القلاع بالشام . PageV32P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" ذكر وفاة قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق ~~العيد وتفويض ms7356 القضاء بالديار المصرية لقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة وفي ~~يوم الجمعة حادي عشر صفر توفي شيخنا قاضي القضاة تقي الدين بقية المجتهدين ~~أبو الفتح محمد ابن الشيخ الزاهد العالم مجد الدين أبي الحسن علي بن وهب بن ~~مطيع بن أبي الطاعة القشيري المعروف بابن دقيق العيد ، والذي جرى عليه هذا ~~اللقب هو وهب جده ، وذلك أنه لبس في يوم عيد ثيابا بيضا ، فرآه جماعة من ~~أهل الريف ، فقال قائل منهم : كأن ثيابه دقيق العيد ، فلزمه هذا اللقب ~~واشتهر به وكانت وفاته ببستان بظاهر القاهرة بقرب باب اللوق بعد صلاة ~~الجمعة ، وحمل يوم السبت وصلى عليه تحت القلعة وكانت جنازته مشهودة ، ودفن ~~بتربه بالقرافة ، ومولده يوم السبت خامس عشرين شعبان سنة خمس وعشرين ~~وستمائة بساحل ينبع من أرض الحجاز ، ونشأ بمدينة قوص ، وتفقه بها على أبيه ~~وبرع ، وكان من أجل من رأينا ديانة وعلما وورعا وتقشفا ، وكان شديد ~~الاحتراس من النجاسة حتى أفرط به ذلك وانتقل من مدينة قوص إلى القاهرة ، ~~وله رحلة إلى دمشق بعد سنة ستين وستمائة ، وولي مشيخة دار الحديث الكاملية ~~بالقاهرة ، وولي غير ذلك . ثم فوض إليه قضاء القضاة كما تقدم فوليه ، ثم ~~عزل نفسه فسئل العود ، فامتنع من القبول ، وحضر إليه أكابر الأمراء بسبب ~~ذلك وهو يمتنع ، فتحيل بعض أولاده عليه بأن قال له : إنه قد عين ~~PageV32P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" للقضاء عز الدين بن مسكين إن أصررت على ~~الامتناع ، فقال : الآن وجب علي قبول الولاية . فقبلها وعاد ، وهو الذي نقل ~~خلع القضاة من الحرير إلى الصوف ، وكان يخلع على القضاة قبله الحرير الكنجي ~~والصمت وله رحمه الله تعالى فضائل كبيرة ، ومناقب جمة مشهورة شهدها وعلمها ~~من رآه . وهي أشهر من أن يأتي عليها ، وأكثر من أن نسردها . ولما توفي ~~اجتمعت الآراء على ولاية قاضي القضاة بدر الدين محمد ابن الشيخ برهان الدين ~~إبراهيم بن جماعة الشافعي ، وهو يومئذ قاضي القضاة بالشام ، وخطيب الجامع ~~الأموي ، وشيخ الشيوخ ، فبرزت المراسيم بطلبه ، وتوجه البريد لإحضاره ، ~~فوصل البريد إلى ms7357 دمشق في يوم الخميس سابع عشر صفر وتوجه قاضي القضاة بدر ~~الدين إلى الديار المصرية في يوم السبت تاسع عشر الشهر على خيل البريد ، ~~ووصل إلى القاهرة في يوم الأربعاء مستهل شهر ربيع الأول ، وخلع عليه على ~~عادة الشيخ تقي الدين ، وفوض إليه القضاء بالديار المصرية ، وجلس للحكم في ~~يوم السبت رابع الشهر وأنعم عليه ببغلة من الإسطبلات السلطانية ، وفرقت ~~جهاته بدمشق ، ففوض قضاء القضاة بالشام لقاضي القضاة نجم الدين أبي العباس ~~أحمد بن صصرى وكتب تقليده في عاشر جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعمائة ، وقرئ ~~تقليده في يوم الجمعة الحادي والعشرين من الشهر بمقصورة الخطابة بجامع دمشق ~~بحضور نائب السلطنة الشريفة ، ثم جلس في الشباك الشمالي بالجامع وقرئ ثانيا ~~. وولي الخطابة والإمامة لجامع دمشق الشيخ نجم الدين عبد الله بن مروان ~~الشافعي الفارقي ، وخطب في يوم الجمعة الحادي والعشرين من الشهر المذكور . ~~وولي مشيخة الشيوخ القاضي جمال الدين الزرعي ولم تتم الولاية ، ثم ولي ذلك ~~الخطيب ناصر الدين أحمد ابن الشيخ بدر الدين يحيى ابن شيخ الإسلام عز ~~PageV32P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" الدين عبد العزيز بن عبد السلام في يوم السبت ~~ثالث شعبان ، ثم اجتمع الصوفية في يوم الجمعة سادس شوال ، وحضروا إلى نائب ~~السلطنة في الشباك بالجامع ، وسألوا أن يولى عليهم الشيخ صفي الدين محمد ~~الأرموي المعروف بالهندي ، فأجيبوا إلى ذلك وولي عليهم في التاريخ المذكور ~~. وفي هذه السنة ولي الأمير ركن الدين بيبرس التلاوي شاد الشام وأستاذ ~~داريه عوضا عن الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار ، وخلع عليه في يوم الخميس ~~العشرين من جمادى الأولى ، ونقل الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصوري ~~إلى نيابة السلطنة بقلعة دمشق ، عوضا عن الأمير علم الدين سنجر أرجواش ، ~~وكان بالقلعة في هذه المدة الأمير سيف الدين بلبان السنجري ، فخرج منها ، ~~وانتقل إليها الأمير سيف الدين الجوكندار في الخامس والعشرين من الشهر . ~~وفيها في جمادى الأولى وقع بيد نائب السلطان بالشام كتاب كتب على لسان قطز ~~أحد مماليك الأمير سيف الدين قبجق مضمونه فضول نصيحة ms7358 ، منها : أن الشيخ تقي ~~الدين ابن تيمية وقاضي القضاة شمس الدين ابن الحريري يكاتبان مخدومه ، ~~ويؤثران أن يكون نائب السلطنة بالشام ، وأن القاضي كمال الدين العطار ، ~~وكمال الدين بن الزملكاني كاتب الإنشاء يطالعانه بالأخبار ، وأن ~~PageV32P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" جماعة من الأمراء في هذا الأمر ، حتى ذكر ~~جماعة من مماليك نائب السلطنة وخواصه . فلما قرأ الكتاب استراب به ، وأطلع ~~عليه بعض الكتاب ، وأمره بالفكرة فيمن اختلقه ، فوقع الحدس على فقير يعرف ~~باليعفوري كان ينسب إلى فضول وتزوير ، فمسك فوجد معه منشورة بالكتاب ، فضرب ~~فأقر على إنسان يعرف بأحمد القباري ، فأخذ وضرب فاعترف على جماعة ، وأن ~~الذي كتب الكتاب التاج بن المناديلي الناسخ ، فلما كان في يوم الاثنين ~~مستهل جمادى الآخرة جرسوا الثلاثة بدمشق ، ثم أخرجوا إلى سوق الخيل ، فأمر ~~نائب السلطنة الأمير جمال الدين آقش الأفرم أن يوسط القباري واليعفوري ~~فوسطا ، وقطعت يد ابن المناديلي الناسخ . وفي هذه السنة ظهر بنيل مصر دابة ~~عجيبة وهي التي تسمى فرس البحر ، وكانت تطلع إلى البر وترعى البرسيم ثم ~~تعود إلى البحر ، فلما كان في يوم الخميس رابع جمادى الآخرة صيدت ببلاد ~~المنوفية . وصفتها أن لونها لون الجاموس ، وهي بغير شعر ، ولها آذان كآذان ~~الجمل ، وفرج مثل فرج الناقة تغطيه بذنب طوله شبر ونصف ، طرفه كذنب السمك ، ~~ورقبتها في غلظ التليس المحشو ، وفمها وشفتاها كالكربال ، ولها أربعة أنياب ~~طول كل ناب دون شبر في عرض أصبعين ، وفي فمها ثمانية وأربعون ضرسا ونابا ~~وسنا مثل بيادق الشطرنج ، وطول بدنها من بطنها إلى الأرض نحو الذراع ، ومن ~~ركبتها إلى حافرها يشبه بطن الثعبان أصفر مجعد ، ودور حافرها مثل الأسكرجة ~~بأربع أظفار كأظافير الجمل وعرض ظهرها تقريبا تقدير ذراعين ونصف ، وطولها ~~من فمها إلى ذنبها خمسة عشر قدما ، ووجد في بطنها ثلاثة كروش ، ولحمها أحمر ~~زفر كزفرة السمك وغلظ PageV32P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" جلدها أربع أصابع ما تعمل فيه السيوف ، ولما ~~صيدت سلخ جلدها وحمل إلي بين يدي السلطان بقلعة الجبل ، وتبدل على حمله ~~لثقله خمسة أجمال ، فلا ms7359 يستطيع الجمل أن يحمله أكثر من ساعة ، ولما صار بين ~~يدي السلطان حشي تبنا ، وأقيم بين يديه ، وهذا الحيوان لم يعهد ببحر النيل ~~بمصر وإنما هو موجود ببلاد النوبة ، وأهل النوبة يتخذون من جلده سياطا ، ~~يسوقون بها الجمال ، وهي سياط سود إذا دهنت بالزيت لا تكاد تنقطع والله ~~أعلم . ذكر وصول غازان ملك التتار إلى الرحبة ومحاصرتها ، وانصرافه عنها ، ~~وتجريد عساكره إلى الشام ، ووقعة عرض في هذه السنة تواترت الأخبار بحركة ~~التتار ، فأخذ السلطان في الاستعداد والتأهب للقائهم ، ورسم للأمراء أن ~~يستخدم كل أمير نظير الربع من عدته من ماله ، ووصل غازان إلى الرحبة بجيوشه ~~، ونازلها بنفسه وعساكره ، وكان النائب بها الأمير علم الدين سنجر الغتمي ، ~~فخرج إليه بالإقامات ، وقال له : هذا المكان قريب المأخذ ، والملك يقصد ~~المدن الكبار ، فإذا ملكت البلاد التي هي أمامك فنحن لا نمتنع عليك . فأخذ ~~ولده ومملوكه رهنا على الوفاء بذلك ؛ فرحل عنها ، ثم عاد إليها وجرد نائبه ~~قطلوشاه في اثني عشر تمانا ، وأمره بقصد الشام ، وعاد غازان إلى بلاد الشرق ~~. وأما العسكر الشامي فإن عسكر حلب جمعه الأمير شمس الدين قراسنقر ، ~~والعسكر الحموي مع الأمير زين الدين كتبغا الملقب بالعادل وعسكر الساحل مع ~~الأمير سيف الدين أسند مركرجي ، وجماعة من عسكر دمشق مع الأمير سيف الدين ~~بهادر آص والأمير سيف الدين أنص الجمدار ونزلت هذه العساكر بالقرب من حماه ~~، وجاءت طائفة من التتار للإغارة فوصلوا إلى القريتين وبها جمع من التركمان ~~بحريمهم وأولادهم وأغنامهم فأوقع التتار بهم ونهبوهم ، واتصل خبرهم بالأمير ~~جمال الدين آقش الأفرم نائب السلطنة بالشام ؛ فجرد طائفة من عسكر الشام ~~صحبة الأمير سيف الدين قطلبك المنصوري ، وركب معه الأمير ثابت بن يزيد ، ~~وتوجهوا جرائد إلى القريتين فوجدوا التتار قد فارقوها ، فعادوا ولم يظفروا ~~بهم ، واتصل خبر هذه الطائفة من التتار بالأمراء المقيمين على حماه ؛ ~~فانتدب لذلك الأمير سيف الدين أسند مركرجي نائب السلطنة بالفتوحات ، وانتدب ~~معه من عسكر حلب الأمير سيف الدين PageV32P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" كجكن ، ومن عسكر الشام الأمير سيف ms7360 الدين بهادر ~~آص والأمير سيف الدين أنص الجمدار والأمير سيف الدين أغرلو من عسكر حماه ، ~~ومن انضم إليهم ، وتوجهوا في ألف فارس وخمسمائة فارس لا يزيد على ذلك ~~وساقوا في البرية إلى مكان يسمى عرض لقصد هذه الطائفة من التتار ، فتوافوا ~~بها - وعدة التتار عشرة آلاف من المغل - فلما شاهدهم التتار أطلقوا من كان ~~معهم من التركمان وحريمهم ومواشيهم ؛ ليشغلوا العسكر بهم ، فلم يعرج العسكر ~~عليهم ، وحملوا على التتار حملة رجل واحد ، واقتتلوا أشد قتال فنصر الله ~~جيش الإسلام ، وقتلوا من التتار خلقا كثيرا ، وفر من بقي منهم ، وذلك في ~~عاشر شعبان من هذه السنة ، وكانت هذه الوقعة مقدمة النصر ، واستشهد في هذه ~~الوقعة الأمير سيف الدين أنص الجمدار ، ومن أمراء دمشق . وحضر إلى دمشق ~~جماعة أسروا من أعيان التتار في يوم الخميس منتصف شعبان . هذا ما كان ~~بالشام . ذكر توجه السلطان الملك الناصر من الديار المصرية بالجيوش ~~الإسلامية إلى الشام ، والوقعة بمرج الصفر ، وانهزام التتار قد ذكرنا ~~اهتمام السلطان واحتفاله وما رسم به من الاستخدام ، ثم جرد العساكر من مدنه ~~يتلو بعضها بعضا ، فوصلوا إلى دمشق . فأول من وصل منهم الأمير ركن الدين ~~بيبرس الجاشنكير ، والأمير حسام الدين لاجين الرومي والأمير سيف الدين كراي ~~المنصوري ، والأمير ركن الدين بيبرس الدوادار ومضافيهم في يوم الأحد ثامن ~~عشر شعبان . ثم وصل الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح ، والأمير سيف ~~الدين بكتمر السلاح دار ، والأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصوري ، ~~والأمير PageV32P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" بهاء الدين يعقوبا ، ومضافيهم ، واستقل ركاب ~~السلطان من قلعة الجبل في ثالث شعبان . وأما التتار الذين سلموا من وقعة ~~عرض فإنهم التحقوا بقطلو شاه وأخبروه أن السلطان لم يخرج من الديار المصرية ~~، وأنه ليس بالشام غير العسكر الشامي ؛ فأقبل قطلوشاه بعسكر التتار . ~~فتأخرت الجيوش التي بحماه ، ونزلوا بالمرج بدمشق ، ثم اجتمع الأمراء الذين ~~بدمشق من العساكر المصرية والشامية ، واتفقوا على أن يتأخروا عن دمشق إلى ~~نهر الصفر ويقيموا به إلى أن يصل السلطان بعساكر الديار المصرية ، بعد ms7361 أن ~~كانوا اتفقوا على لقاء العدو التتار إن تأخر السلطان ، ونقلوا حريمهم إلى ~~قلعة دمشق ، ثم لم يروا ذلك ووصل الجيش الذي كان بالمرج ، ونزلوا بأجمعهم ~~بميدان الحصا في يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شعبان ، واختبط الناس ~~بدمشق وجفلوا من الحواضر والقرى إليها ، وخرج أكابر أهل دمشق وأعيانها في ~~هذا اليوم منها فمنهم من التحق بالحصون ، ومنهم من توجه إلى نحو الديار ~~المصرية ، وكنت يوم ذاك بدمشق فخرجت منها بعد أن أعددت لأمة الحرب ، ~~والتحقت بالعسكر ووجدت الجفال قد ازدحموا بالأبواب زحاما شديدا ، وذهلوا عن ~~أموالهم وأولادهم ، ووصلت بعد المغرب إلى منزلة العسكر بميدان الحصا ، ~~فوجدتهم قد توجهوا إلى مرج الصفر ، فلحقت الجيوش في يوم الخميس التاسع ~~والعشرين من الشهر - وهو سلخه ، وأقمنا بالمرج يوم الخميس والجمعة . فلما ~~كان في ليلة السبت المسفرة عن ثاني شهر رمضان دارت النقباء على العساكر ، ~~وأخبروهم أن العدو قد قرب منهم ، وأن يكونوا على أهبة واستعداد في تلك ~~الليلة ، وأنه متى دهمهم العدو يركبوا خيولهم ، ويكون الاجتماع عند قرية ~~المجة بقرب خربة اللصوص فبتنا في تلك الليلة وليس منا إلا من لبس لأمة حربه ~~، وأمسك عنان فرسه في يده ، وتساوى في ذلك الأمير والمأمور ، وكنت قد رافقت ~~الأمير علاء الدين مغلطاي البيسري أحد أمراء الطبلخانات بدمشق ، لصحبة كانت ~~بيني وبينه ، فلم تزل على ذلك وأعنة خيلنا بأيدينا حتى طلع الفجر فصلينا ~~وركبنا ، واصطفت العساكر إلى أن طلعت الشمس وارتفع النهار في يوم السبت ~~المذكور ، ثم أرسل الله مطرا شديدا نحو ساعتين ثم ظهرت الشمس ، ولم نزل على ~~خيولنا إلى وقت الزوال ، وأقبل التتار PageV32P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" كقطع الليل المظلم ، وكان وصولهم ، ووصول ~~السلطان بالعساكر المصرية في ساعة واحدة . ذكر خبر المصاف وهزيمة التتار ~~كان المصاف المبارك في يوم السبت ثاني شهر رمضان المعظم سنة اثنتين ~~وسبعمائة ، وهزيمة التتار في يوم الأحد بعد الظهر ، وذلك أن السلطان الملك ~~الناصر - قرن الله مساعيه بالظفر ، وحكم مرهفاته في رقاب من طغى وكفر - حال ~~وصوله إلى مرج الصفر ms7362 بالقرب من شقحب تولى ترتيب عساكره فوقف - خلد الله ~~سلطانه - في القلب وبإزائه الخليفة أمير المؤمنين أبو الربيع سليمان ، وفي ~~خدمته الأمير سيف الدين سلار نائبه ، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير ~~أستاذ الدار ، والأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصوري والأمير سيف الدين ~~بكتمر الجوكندار أمير جندار ، والأمير جمال الدين أقش الأفرم نائب السلطنة ~~بالشام ، ومضافيهم ، والمماليك السلطانية هؤلاء في القلب . ووقف في الميمنة ~~الأمير حسام الدين لاجين الرومي أستاذ الدار ، والأمير جمال الدين أقش ~~الموصلي أمير علم المعروف بقتال السبع ، والأمير جمال الدين يعقوب ~~الشهرزوري ، والأمير مبارز الدين أوليا بن قرمان ومضافيهم ، وفي جناح ~~الميمنة الأمير سيف الدين قبجاق ، والعربان أجمع - والله أعلم . ووقف في ~~الميسرة الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح ، والأمير شمس الدين قرا ~~سنقر المنصوري نائب السلطنة بالمملكة الحلبية ، والأمير سيف الدين أسند ~~مركرجي نائب السلطنة بالفتوحات ، والأمير سيف الدين بتخاص نائب المملكة ~~الصفدية ، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار ، والأمير سيف الدين طغريل ~~الإيغاني والأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصوري ، والأمير ركن الدين ~~بيبرس الموفقي ، وغيره من مقدمي أمراء الشام ، وكنت في الميسرة . وأما غير ~~هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمراء مقدمي الألوف من العساكر المصرية وغيرها ~~فلم أتحقق مواقفهم فأذكرها . PageV32P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" وأقبل التتار وفيهم من مقدمي التمانات قطلوشاه ~~، وقرمشي بن الناق ، وسوتاي ، وجوبان بن تداون ، وأقطاجي ، وبولاي ، وطوغان ~~، وسياومي بن قطلوشاه ، وطغريل بن أجاي ، وأبشقا ، وأولاجقان ، وألكان ~~وطيطق ، وهم في مائة ألف من المغول والكرج والأرمن وغيرهم . ولما جاوزوا ~~منزلة الكسوة طلبوا تحت الجبل المسمى كنف المصري ، وحملوا على الميمنة ~~فصدموها بمعظم جموعهم ؛ فاضطربت وقاتل من بها قتالا شديدا ، فاستشهد الأمير ~~حسام الدين الرومي ، والأمير مبارز الدين أوليا بن قرمان ، والأمير شمس ~~الدين سنقر الكافري ، والأمير جمال الدين أقش الشمسي الحاجب ، والأمير عز ~~الدين أيدمر النقيب ، والأمير عز الدين أيدمر الرفا ، والأمير عز الدين ~~أيدمر الشمسي القشاش ، والأمير علاء الدين علي بن داود التركماني والأمير ~~حسام الدين علي بن باخل ، ونحو ألف فارس ms7363 من مماليك الأمراء وأجنادهم ، ~~وانهزم بعض الأمراء ، فكان منهم : الأمير سيف الدين برلغي الأشرفي . فأردف ~~السلطان الميمنة بالقلب حتى رد التتار . وأما الميسرة فقاتلها بولاي في ~~حماية من التتار ، فلم تكن لهم طاقة بملاقاة من فيها من الجيوش ؛ فهرب ~~بولاي في هذا اليوم بعد العصر في نحو عشرين ألف فارس من غير طائل قتال ، ~~وتبعهم بعض الجيش الإسلامي وعادوا ، ثم حجز الليل بين الفريقين ، فلجأ ~~التتار إلى الجبل ، وأضرموا النيران ، وأحاطت بهم العساكر الإسلامية طول ~~الليل . فلما أسفر الصباح عن يوم الأحد ثالث شهر رمضان تقدمت العساكر ~~الإسلامية إلى الجبل ، وضايقوهم أشد المضايقة ، فكان ينزل من شجعانهم طائفة ~~وتتقدم إلى طلب من أطلاب العساكر وتقاتل فيردها من يقابلها أقبح رد . وكان ~~هذا اليوم بالحصار أشبه منه بالمصاف ، واستمر الحال على ذلك إلى وقت الظهر ~~ففرج لهم الأمير سيف الدين استدمر كرجي فرجة من رأس الميسرة ، فلما رأوها ~~بادروا بالفرار ، وخرجوا على فرقتين . فالفرقة الأولى فيها جوبان في نحو ~~ثلاثين ألف فارس حتى أبعد . ثم تلاه قطلوشاه في نحوها ، وبقي منهم فرقة ~~ثالثة فيها طيطق في زهاء PageV32P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" عشرين ألف فارس ، فلما فروا حملت العساكر ~~عليهم وأبادوهم قتلا وأسرا ، وتبعتهم العساكر بقية النهار إلى الليل . ولما ~~كان في يوم الاثنين رابع شهر رمضان جرد السلطان الأمير سيف الدين سلار ، ~~والأمير عز الدين أيبك الخزندار ، وغيرهم من العساكر يقفون آثارهم . ثم ركب ~~السلطان في يوم الاثنين من مكان الوقعة وبات بالكسوة ودخل إلى دمشق في بكرة ~~نهار الثلاثاء خامس الشهر ، هو والخليفة ، ونزل بالقصر الأبلق ، ثم بالقلعة ~~، ونزل الخليفة بالتربة الناصرية ، وأقام السلطان بدمشق إلى ثاني شوال ، ~~ورحل من دمشق في يوم الثلاثاء الثالث من شوال ووصل إلى القاهرة ، ودخل في ~~الثالث والعشرين منه ، وشق المدينة ، ونزل بالمدرسة المنصورية ؛ لزيارة قبر ~~والده السلطان الملك المنصور ، ثم ركب وطلع إلى قلعة الجبل ، واحتفل الناس ~~لمقدمه احتفالا عظيما ، وزينت القاهرة بزينة لم يشاهد مثلها فيما مضى ، ~~واستمرت الزينة بها بعد وصول الأمير ms7364 بدر الدين بكتوت الفتاح بكتاب البشارة ~~، في يوم الأحد عاشر شهر رمضان ، إلى أن قدم السلطان بعد ذلك بأيام . وقد ~~ذكر الناس هذه الغزوة نظما ونثرا ، ووقفت مما عمل فيها على أشياء كثيرة ، ~~وقد رأيت أن أورد من ذلك ما نقف عليه من النظم والنثر ، فكان ممن عمل في ~~ذلك القاضي الرئيس الفاضل علاء الدين علي بن عبد الظاهر صنف في خبر هذه ~~الوقعة جزءا سماه الروض الزاهر في غزوة الملك الناصر ابتدأه بأن قال : ~~الحمد لله الذي أيد الدين المحمدي بناصره ، وحمى حماه بمن مضى هو وسلفه ~~بأداء فرض الجهاد في أول الزمان وآخره ، وجعل من الذرية المنصورية من يجاهد ~~في الله حق جهاده ، ويسهر في سبيل الله فيمنع طرف السيف أن يغفى في إغماده ~~، ويقدم يوم الوغى والموت من بعوثه للعدى وأجناده نحمده على ما وهبنا من ~~نصره ، ونشكره على نعمه التي خولنا منها بأسا أذاق العدو وبال أمره ، ونشهد ~~أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ترفع منار هذا الدين ، وتضاعف ~~أجر المجاهدين الذين أضحوا في درج المتقين مرتقين ، ونشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله الذي بعثه وضروع الكفر PageV32P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" حوافل ، وربوع البغي أواهل . فلم يزل يجرد ~~الصفاح من مقرها ، ويطلق جياد الغرم في مجراها وصعاد الحزم في بحرها ، إلى ~~أن أخمد نار الشرك والنفاق ، وظهرت معجزاته بإظفار نار فارس بالعراق ، صلى ~~الله عليه وعلى آله الذين جردوا بين يديه سيوف الحتوف ، فاستغلقت الأعمار ، ~~وهاجروا إليه ونصروه فسموا المهاجرين والأنصار ، وبعد : فإن الوقائع التي ~~عظمت آثارها في الآفاق ، وحفظت بها دماء المسلمين من أن تراق ، وبقي بها ~~الملك والممالك ، وأشرق بها سواد الخطب الحالك . وسطرها الله تعالى في ~~صحائف مولانا السلطان الملك الناصر ، وآتاه فيها من الملك ما لم يبلغه أحد ~~، فأورثه به ظفرا مخلدا لا يفنى وإن طال المدار والأمد ، وأشبه في ثباته ~~ووثباته بها أباه رضي الله عنه ، والشبل في المخبر مثل الأسد ، واستقر بها ~~الملك في مهاد السكون بعد القلق ms7365 ، وتبدلت بها الملة الإسلامية الأمن بعد ~~الفرق ، وأضحى بها وجه الإسلام سافرا بعد تقطيبه ، وطلع بها بدر السرور ~~كاملا بعد مغيبه ، وعمت الأيام إحسانا من الملك وحسنى وعلم المؤمنين بها ~~تحقيق قوله عز وجل : ) وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ( [ النور : الآية 55 ] حقها أن ~~يسطر فيها ما يعمر ربوع السرور ويؤنس معاهده ، ويقف عليه الغائب فيكون كمن ~~شاهده ويذيع أنباء هذه النصرة في الأقطار ، ويتحقق أهل الإسلام أن لهم ملكا ~~يناضل عن دين الله بالسمر الطوال والبيض القصار ، وسلطانا ما أغمد سيفه في ~~جفنه إلا ليستجم لأخذ الثأر ممن ثار . ولما كانت هذه الغزاة المبرورة ، ~~والحركات التي عدت حسناتها في صحائف القبول مسطورة ، والسفرة التي أسفرت ~~بحمد الله عن الغنيمة والسلامة ، وأعلمت الأمة بركة قوله [ ] : " لا تزال ~~طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم إلى يوم القيامة " . وكنت ~~ممن شملته نفحات الرحمة فيها ، وهبت عليه رياح النصر التي كانت ترجيها ، ~~وشاهدت صدق العزائم الملكية الناصرية ، التي طلعت في سماء النقع نجوما ~~وقادة ، وشهدت في محضر الغزو على إقرار العدى بالعجز ، وكيف لا وذاك ~~المواطن محل الشهادة ، ورأيت كيف أثبت السيف لنا الحق لأنه القاضي في ذلك ~~المجال ، وكيف نفذت السهام لأجل تصميمه في الحكم ، فلم تمهل حتى أخذت دين ~~الآجال وهو حال ، وقد أحببت أن أذكر من أمرها ملحة تنشرح منها الصدور ، ~~وآتي بلمعة تعرب عن ذلك النور ، وها أنا أذكر نبأ السفر من افتتاحه ، وأشرح ~~حديث هذه الغزاة من وقت صباحه ، فأقول : PageV32P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" ركب مولانا السلطان الملك الناصر خلد الله ~~ملكه - بنية صالحة أخلصها في سبيل ربه ، وعزيمة ناجحة ماثلت في المضاء سمر ~~عواليه وبيض قضبه ، من قلعة مصر التي هي كنانة الله في أرضه ، بجيوشه التي ~~نهضت بسنن الجهاد وفرضه ، تقدمها أمراؤه الذين كأنهم ليوث غاب ، أو غيوث ~~سحاب ، أو بدور ليال ms7366 ، أو عقود لآل معتضدا ببضعة من الرسول ، منتصرا بابن ~~عمه ، الذي لا يسمو أحد من غير أهل بيته لشرفه ، ولا يطول ، ملتمسا بركة ~~هذا البيت الشريف الذي طالما كانت الملائكة من نجده وجنده ، مسترسلا بيمنة ~~الإيمان سحب كرمه ، مستدعيا صادق وعده . وسار على اسم الله تعالى بالجاريات ~~الجياد ، التي تعدو في سبيل الله النجاد ، وتعلو الهضاب ، وسرى يقطع ~~المنازل ، ويطوي المراحل طي السجل للكتاب ، والجيوش المنصورة قد أرهفت حد ~~سيوفها وأشرعت أسنة حتوفها ، وهي تسير كالجبال ، وتبعث كالصدى ما يرهب من ~~طيف الخيال . فبينما الركاب قد استقلت في السرى ، ورقمت في البيداء من ~~أعناق جيادها سطور من قرأها استغنى بحسنها عن القرى ، إذا بالبشير قد وفد ~~ونجم المسرة قد وقد ، وأخبر بأن جمعا من التتار قصدوا القريتين للإغارة ، ~~ما علموا أن ذلك مبدأ خمولهم الذي فتح الله به للإسلام باب الهناء والبشارة ~~، وغرتهم الآمال ، وساقتهم الحتوف للآجال ، فنهض بعض العساكر المؤيدة ، ~~فأخذتهم أخذ القرى وهي ظالمة ، وأعلمتهم أن السيوف الإسلامية ما تترك لهم ~~بعد هذا العام - بقولة يدا في الحرب مبسوطة ، ولا رجلا في المواقف قائمة ، ~~وأرى الله العدو مصارع بغيه ، وعاقبة استحواذه ، وتلا لسان الوعد الصادق ~~على حزب الإيمان ) وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ( [ الفتح ~~: الآية 20 ] ، ووصل مولانا السلطان - خلد الله ملكه - غزة ، والإسلام بحمد ~~الله قد زاد قوة وعزة ، ثم رحل بحمد الله - بعزم لا يفتر عن المسير ، وجيش ~~أقسم النصر أن لا يفارقه وأن يصير معه حيث يصير ، إلى أن وصلوا يوم السبت ~~الثاني من شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وسبعمائة ، وهو أول أيام السعود ، ~~واليوم الذي جمع فيه الناس ) ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ( [ ~~هود : الآية 103 ] إلى مرج الصفر الذي هو موطن الظفر ، ومكان النصر الذي ~~يحدث عنه السمار بأطيب سمر . والسلطان بين عساكره كالبدر بين النجوم ، ~~والملائكة الكرام تحمي الجيوش المؤيدة بإذن الله ، وطيور النصر عليها تحوم ~~، وهو - خلد الله ملكه - قد بايع الله على نصرة هذه ms7367 الملة التي لا يحيد عن ~~نصرها ولا يريم ، وعاهده على بذل الهمم التي انتظمت في سبيل الله كالعقد ~~النظيم ، وخضع لله PageV32P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" في طلب النصر ) وما النصر إلا من عند الله ~~العزيز الحكيم ( [ آل عمران : الآية 126 ] ، وقال : رب قد بذلت نفسي في ~~سبيلك فتقبلها بقبول حسن ، ونويت المصابرة في نصرة دينك ، وأرجو أن أشفع ~~النية بعمل يغدو لسان السنان في وصفه ذا لسن ، وتلا ) ربنا أفرغ علينا صبرا ~~وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ( [ البقرة : الآية 250 ] واهزم ~~عدونا فقد بايعناك على المصابرة ) والله مع الصابرين ( [ البقرة : الآية ~~249 ] ، وابتهل إلى الله في طلب التأييد ، وتضرع إليه في ذلك الموقف الذي ~~ما رآه إلا من هو في الآخرة شهيد ، وفي الدنيا سعيد ، هذا والسيوف قد فارقت ~~الأغماد ، وأقسمت أنها لا تقر إلا في الرؤوس ، والأسنة قد أشرعت وآلت أنها ~~لا تروي ظمأها إلا من دماء النفوس ، والسهام قد التزمت أنها لا تتخذ ~~كنائنها إلا من النحور ، ولا تتعوض عن حنايا القسي إلا بحنايا الأضالع أو ~~لترفعها لا تحل إلا في الصدور ، والدروع قد لزمت الأبطال قائلة : لا أفارق ~~الأبدان حتى تتلى سورة الفتح المبين ، والجياد حرمت وطء الأرض وقالت ~~لفرسانها : لا أطأ إلا جثث القتلى ، ورؤوس الملحدين . فلا ترى إلا بحرا من ~~حديد ، ولا تشاهد إلا لمع أسنة أو بروق سيوف تصيد الصيد ، والسلطان قد أرهف ~~ظباه ليسعر بها في قلوب العدى جمرا . وآلى أنه لا يورد سيوفه الطلى بيضا ~~إلا ويصدرها حمرا ، والإسلام كأنه بنيان مرصوص ، ونبأ النصر على مسامع أهل ~~الإيمان مقصوص ، والنفوس قد أرخصت في سبيل الله ، وإن كانت في الأمن غالية ~~، وأرواح المشركين قد أعد لها الدرك الأسفل من النار ، وأرواح المؤمنين في ~~جنة عالية . ولما كان بعد الظهر أقدم العدو - خذله الله - بعزائم كالسيوف ~~الحداد وجاء على قرب من مقدمنا ، فكان هو والخذلان على موافاة ، وجئنا نحن ~~والنصر على ميعاد ؛ وأتى كقطع الليل المظلم بهمم لا تكاد لولا دفع الله عن ~~بزاتها ms7368 تحجم ، معتقدا أن الله قد بسط يده في البلاد - ويأبى الله إلا أن ~~يقبضها - متخيلا أن هذه الكرة مثل تلك - ويأبى الله إلا أن يخلف لهذه الأمة ~~بالنصر ويعوضها - متوهما أن جيشه الغالب ، وعزمه القاهر ، متحققا أنه منصور ~~وكيف ذاك ومعنا الناصر والتقى الفريقان بعزائم لم يشبها في الحرب نكول ولا ~~تقصير ، فكان جمعنا ولله الحمد جمع سلامة وجمعهم جمع تكسير ؛ وحمي الوطيس ، ~~وحمل في يوم السبت PageV32P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" الخميس على الخميس ، ودارت رحا الحرب الزبون ، ~~وغنت السيوف بشرب الكماة كأس المنون ، والسلطان قد ثبت في موقف المنايا ، ~~حتى كأنه في جفن الردى وهو نائم ، ورأى الأبطال من أوليائه جرحى في سبيل ~~الله والأعداء مهزومين . والوجه منه وضاح والثغر باسم ، وقابل العدو بصدره ~~وقاتل حتى أفنى حديد بيضه وسمره ، وخاطر بنفسه والموت أقرب إليه من حبل ~~الوريد . ونكب عن ذكر العواقب جانبا ، ولم يستصحب إلا سيفه المبيد ، واشتد ~~أزرا بأمرائه الذين رأوا الحياة في هذا اليوم مغرما ، وعدوا الممات فيه ~~مغنما وقالوا : لا حياة إلا بنصر الإسلام ، ولا استقرار حتى تطأ بين يدي ~~السلطان سنابك الخيول هذا الهام ، وما أعددنا العزائم إلا لهذا الموقف ، ~~ولا أحددنا الصوارم وخبأناها إلا لنبذلها في السفك فنسرف ، وهم بين يدي ~~سلطانهم يحثون جيوشهم على المصابرة ، ويقولون : هذا يوم تصيبنا فيه إحدى ~~الحسنيين ، فإما سعادة الدنيا وإما جنة الآخرة ، وقالت الملائكة للجيوش ~~المنصورة : يا خيل الله اركبي ويا يد النصر اكتبي ، وقامت الحرب على ساق ) ~~والتفت الساق بالساق ، إلى ربك يومئذ المساق ( [ القيامة : الآيتان 29 ، 30 ~~] ، وأتى العدو جملة واحدة ، وحمل حملة أمست بالنفوس جائدة ، ونكب عن ~~الميسرة وقصد الميمنة والقلب ، وهاله جمع الإسلام فأراد أن يخلص بانحيازه ~~من شدة ذلك الكرب ، واستمرت المناضلة تمتد بين الفريقين وتنتشر ، والمؤمنون ~~قد وفوا بما عاهدوا الله عليه . ) فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ( [ ~~الأحزاب : الآية 23 ] ، ومولانا السلطان يردف مواكبه بحملاته ، ويقدم فتخشى ~~الأعداء مواقع مهابته وترجو الأولياء منافع هباته ، ويرى غمرات الموت ثم ~~يزورها ms7369 ، ويمر في مجال المنايا فيحلو له مريرها ومزورها ، ويقاسم سيوف ~~العدى شر قسمة ، فعلى عاتقه غواشيها وفي صدورهم صدورها . ولما كان وقت ~~المغرب لجؤوا - خذلهم الله - إلى هضاب اعتقدوا أن فيها النجاة ، وقالوا : ~~نأوي إلى جبل يعصمنا من الموت ونسوا أنه لا عاصم اليوم من أمر الله . [ من ~~الرجز ] راموا النجاة وكيف تنجو عصبة مطلوبة بالله والسلطان ؟ PageV32P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" وحصرتهم العساكر الإسلامية بعزائم كالشهاب أو ~~النار ، ودارت عليهم كالسوار والسوار ، وصيرتهم بقدرة الله في ربقة الإسار ~~، وقاتلتهم الجيوش المنصورة غير مستجنة بقرى محصنة ولا من وراء جدار ، ~~تتلظى كبودهم عطشا وجوعا ، ويكادون من شدة الهجير يشربون من سيل قتلاهم ~~نجيعا ، ويودون لو كانوا أولى أجنحة ، ويندمون حين رأوا صفقتهم خاسرة وكان ~~ظنهم أنها تكون مربحة ، ويأسفون على فوات النجاة ، ويتحيرون عند مواقعة ~~الجيوش المؤيدة حيث رأوا ما شملها من نصر ، ويتضرمون بنار الخيبة على ~~حركتهم التي أدبرت لهم مآبا ، وينظرون فيما أسلفوه من ذنوب ولسان الانتقام ~~يتلو عليهم ) يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ~~( [ النبأ : الآية 40 ] . ودخلت ليلة الأحد وهم في حصرهم وقد أوقعهم الله ~~في حبائل مكرهم ، وأراهم من الحصر والضيق ما لا رأوه مدة عمرهم ، وأيقنوا ~~بالهلاك ، وتحققوا أن لا خلاص لهم من تلك الأشراك ، ولو سمعوا ما سبق من ~~الإنذار لما أتوا للمبارزة مظهرين ، ولو علموا سوء صباحهم كفروا عشاء ونجوا ~~من قبل أن يتلى في حقهم ) فساء صباح المنذرين ( [ الصافات : الآية 177 ] ~~وأصبح الإسلام يوم الأحد في قوته المنيعة ، وأرواح العدى في أجسادهم وديعة ~~، ومولانا السلطان يصطبح من دمائهم كما اغتبق ، ويريهم عزما ينثر عقد ~~اجتماعهم الذي انتظم واتسق ، ويفهمهم أنه لا مرد له عن مراد الصوارم ، وأنه ~~لا يفارق الجبل حتى يجعل عوض أحجاره جماجم ، وأمراؤه - أعز الله نصرهم بين ~~يديه - أولو همم في الحرب وأولو عزائم ، ) يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون ~~لومة لائم ( [ المائدة : الآية 54 ] يعدون المصابرة في طاعة الله وطاعة ~~سلطانهم غنيمة جمعت ms7370 لهم أسباب الفخار ؛ ويمتازون بأن منهم من هاجر إليه ، ~~ومنهم من نصره ، فعدوا - حقا - كونهم مع محمد تابعي المهاجرين والأنصار ، ~~وزحف السلطان وبين يديه امراؤه وعساكره المؤيدة فضيقوا عليهم الخناق ، ~~وأحدقوا بهم إحداق الهدب بالأحداق ، وراسلوهم بالسهام ، وشافهوهم بالكلام ~~لا الكلام ، ورفعوا من راياتهم المنصورة ما طاول المنشآت في البحر كالأعلام ~~، وحمل بها الأبطال ، فكلما رآها العدى تهتز بتحريك نسيم النصر سكنوا خوف ~~الحمام ، ثم فرجوا لهم عن فرجة من جانب الجبل ظنوها فرجا ، وخيل لهم أنه من ~~سلك تلك الفرجة سلك طريقا مستقيما ، وما دروا أنه سلك طريقا عوجا ، واستترت ~~لهم الجيوش المنصورة إلى الوطاة لتمكن PageV32P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" سيوفها من سفكهم ، ويقرب مدى هلكهم ، وتسلمهم ~~إلى الحمام الذي لا ينجي منه خيل ولا جبل ، وتملأ الوطاة من دمائهم ، ~~فتساوى السهل من قتلاهم بالجبل ، وحل الحمام بساحتهم ، وامتدت الأيدي ~~لاستباحتهم ، وضاقت عليهم المسالك ، وغلبوا هنالك ، وأنزل الله نصره على ~~المؤمنين وأيدهم بجنود لم يروها ، واشترى منهم أنفسهم بأن لهم الجنة - فيا ~~طيب ما شروها ، وفرت من العدو فرقة ، وضلت في حالة الحرب عن السيف فأدركهم ~~العزم الماضي الغرار وتلا عليهم لسان الحق ) قل لن ينفعكم الفرار ( [ ~~الأحزاب : الآية 16 ] وما انقضى ظهر يوم الأحد إلا والنصر قد خفقت بنوده ، ~~والحق - سبحانه وتعالى - قد صدقت وعوده ، وطائر الظفر قد رفرف بجناحه وطار ~~باليمن والسرور ونسيم الريح قد تحملت رسالة التأييد ، فصارت إلى الإسلام ~~بالصبا وإلى العدو بالدبور والألطاف - ولله الحمد - قد زادت للإسلام قوة ~~وتمكينا ، ولسان النصر يتلو على السلطان ) إنا فتحنا لك فتحا مبينا ( [ ~~الفتح : الآية 1 ] والسيف قد طهر ديار الإسلام من تلك الأدناس ومولانا ~~السلطان يتلو ) ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ( [ يوسف : الآية 38 ] ، ~~وأمست الوحوش تنوش أشلاءهم ، والحوائم ترد دماءهم ، والعساكر في أعقابهم ~~تقتل وتأسر ، وتبدي في استئصالهم كل عزيمة وتظهر ، وتنظم أسنتها برؤوس ~~القتلى ، وتعقد لها على عقائل النصر فتزف لديها وتجلي ، إلى أن ناحتهم ~~بالخيف من مكان قريب ، وبسطت فيهم السيف فسأل ms7371 الأسر أن يسمح له بحظ فأعطي ~~أيسر نصيب ، وملئت من قتلاهم القفار ، وأمسوا حديثا في الأمصار ، وعبرة ~~لأولي الأبصار . ثم رحل السلطان يوم الاثنين الرابع من شهر رمضان المعظم ~~إلى منزلة الكسوة من مكان النصر ، وبقاعه تنبئ على معاليه ، وتشهد بمضاء ~~قواضبه ونفوذ عواليه ، ودمشق قد أخذت زخرفها وازينت ، وتبرجت محاسنها ~~للنواظر ، وما باتت بل تبيتت ، وكادت جددها تسعى للقائه ، لتؤدي السنة من ~~خدمته والفرض ، غير أنها استنابت الأنهار فسعت وقبلت بين يدي جواده الأرض . ~~ثم رحل في يوم الثلاثاء خامس شهر رمضان ، ودخلها في هذا اليوم والملائكة ~~تحييه عن ربه بتحية وإكرام ، وتتلو عليه وعلى جيوشه ) ادخلوها بسلام ( [ ~~الحجر : الآية 46 ] في موكب كأنه نظام الدرر ، أو روضة كلها زهر ، بل هو - ~~حقا - هالة القمر ، والدنيا قد تاهت به عجبا والناس يدعون لسلطان قد شغفوا ~~PageV32P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" بدولته حبا ، ويتعجبون من نضارة ملكه الذي سر ~~النواظر ، ويرون أولياءه في فلك إنعامه ، فيقولون : أبدلت الأرض غير الأرض ~~أو صارت سماء وإلا فما هذا القمر حوله النجوم الزواهر وعادت المآتم بدمشق ~~أفراحا وأعراسا ، وربوع الهناء قد عوضها أمن مقدمه عن الوحشة إيناسا ، ~~والقلعة بآلات حصارها مزينة قائلة : كيف يستباح حماي وأنا بهذا السلطان ~~محصنة ، وشهادته محصنة . هذا والأنهار تساير ركابه وقد صبغت من دماء العدى ~~بأحمر قان ، والأشجار تميل طربا بالهنا ، كما يميل النشوان بين الأغاني ، ~~والحمام يطرب بحسن الألحان والتغريد ، وقد أقسمت لا تنوخ ، وكيف تنوح وقد ~~خضبت كفها وطوقت الجيد ، والناس يقولون : أيا عجبا في أول رمضان يكون عيد ، ~~وفي آخره عيد ؟ والعزائم للعدى تردي ، وبنصر الله ترتدي ، وتهتز بردى تقول ~~عند تغريد الحمامة : " يا برد ذاك الذي قالت على كبدي " والأقاليم قد تاهت ~~بسلطانها بهجة وسرورا ، وهام الجوزاء تود لو كانت منبرا وسريرا ، والرعايا ~~تقول : هذا الملك الذي حمى الله بعزائمه الديار ، وأدار العدى إلى دار ~~البوار ، ووقف لا يبتغي إلا وجه ربه ، وقابل اليوم بنفسه وبكتائبه ، وناضل ~~الأمس بكتبه ، والله لدعائهم سامع ومجيب ، ومكافئه بكل فتح ms7372 مبين ونصر قريب ~~. ووصل الميدان الأخضر وقد أذاق العدو الأزرق الموت الأحمر ، في يوم السعد ~~الأبيض ، بعلم النصر الأصفر - إلى القصر الأبلق ، وقد طلع شمسا في سماء ~~الملك أنار به أفق الآفاق وأشرق ، ففخر القصر بحلوله فيه ، وقال : هذا ~~اليوم الذي كنت أرتجيه ، وهذا الوقت الذي ما برحت تبشرني به نسمات البكر ~~والأصائل . لأنها تمر لطيفة ، فأعلم أن معها منه - خلد الله ملكه - رسائل ، ~~وهذا الملك الذي أعرف فيه من الله شمائل ؛ فغبطته القلعة المنصورة ، وسألته ~~أن لا تبقى بغير الجسد محسورة ، وفاخرت القصر بمالها من محاسن ، وما شرفت ~~به من إشراف على أنضر الأماكن ، وامتازت به من حصانتها الذي ما امتطى سواه ~~ذروتها ، ولا علا غيره - خلد الله ملكه - صهوتها ، فأراد أن يعظم لقلعته ~~الشأن - فحل بها مرة ثم بتلك أخرى ، وطاب بحلوله الواديان . ثم أذهب عن ~~أوليائه وجيوشه مشقة التعب ، ببذل الذهب ، وأنسى بمكارمه حاتم طيء ، فلو ~~عاش لاستجدى مما وهب ، وأمر بعود نواب ممالكه إلى أماكنهم المحروسة ، وقال ~~: قد خلت ربوعكم هذه المدة . PageV32P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" وحيث حللنا بالبلاد نبتغي أن تكون مأنوسة ، ~~فتضاعف الشكر على إتمام هذه النعمة ، وابتهلت الألسن بالمحامد ، وكيف لا ~~وقد طلع صبح النصر فجلى ليل تلك الغمة ، وشكر الناس منة الله التي أعادت ~~إليهم بالأمن الوسن ، ) وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ( [ فاطر : ~~الآية 34 ] وأقام بدمشق المحروسة يتبوأ منها أحسن الغرفات ، واستقر من ~~بقاعها في جنات ، فحييت به بعد الممات ، وعادت بمقدمه إلى جسدها الروح بعد ~~المفارقة ، وتمتعت مقلتها من محاسنه بأبهى من رياضها الرائقة ، وهو يحمي ~~حماها ، ويحلي مواطن ملكها الزواهر رباها ، ويزينها بمواكبه التي ماثلت ~~الكواكب في سنائها وسناها ، وتطأ سنابك جياده أرضها فيداني الثريا في ~~الافتخار ثراها ، إلى أن قضى شهر صيامه المقبول . وأتاه عيد الفطر مبشرا ~~بإدراك آماله في عز مستمر ونصر موصول ، وأسبغ من عطاياه ما أربى على عدد ~~أمواج البحر ، وتعددت لدولته المسرات في هذا الشهر الميمون ، فآخره عيد فطر ~~، وأوله عيد نحر . ثم ms7373 رحل عن دمشق في يوم الثلاثاء ثالث شوال ، ويعز عليها ~~أن تفارقه . أو تبعد عن محياه الذي أنار مغارب الملك ومشارقه ، أو يسير ~~عنها عزمه الذي إن غاب أغنت مهابته ، أو حضر أرهف على العدو بوارقه ، ~~وأغصان رياضها تحسد بنود سناجقه ، وأوراق روحها تود لو كانت مكان أعلامه ~~وخوافقه ، وزهرها يتمنى لو كان وشيا لحلل جياده ، وأرضها النضرة تكاد تنطوي ~~بين يديه لتكون مراكز السعادة ، وقصرها الأبلق يتوسل إليه في أن يتخذه بدل ~~خيامه ، وستائره ليسر مسكنه فيه ومقامه ، ومصر تبعث إليه مع النسيم رسائل ، ~~وتبذل له في تعجيل عوده وسائل ، وكرسي سلطنتها يود لو سعى من شوق إليه ، أو ~~شافهه بالهناء وبالنعمة التي أتمها الله عليه ، فلبى دعوتها ولم يطل جفوتها ~~، وسار إليها سير الأقمار إلى منازل الضياء والنور ، ووطئ بمواكبه الأرض ~~فظهرت بها من مواطئ جياده أهلة ، ومن آثار أخفاف مطيه بدور ، ووصل ديار مصر ~~المحروسة وقد زفت عروسا تجلى في أبهى الحلل ، وجمعت أنواع المحاسن ، فلا ~~يقال لشيء منها كمل لو أن ذا كمل ، وفضح الدجى إشراقها ، وبهر العيون ~~جمالها ، فإلى أقصى حدائق حسنها . رنت أحداقها ، وسبت النفوس منازلها ، ~~وكيف لا ، وهي المنازل التي لم نزل نشتاقها ، وشغلت القلوب أبياتها ، وكيف ~~لا وقد زانها ترصيعها وطباقها ، وحوت من البهاء ما لو حوته البدور لما ~~شانها بعد التمام PageV32P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" محاقها ، وأمست روضة أثمرت اللآلي والدرر ، ~~وفلكا زها بالمشرقات فيه ، وكيف لا وفي كل ناحية من وجهها قمر . وحل - خلد ~~الله ملكه - بظاهر القاهرة فكادت تسير لخدمته بأهلها وجدرانها ، غير أنه ~~أثقلها الحلي فأخرها لتبدو إليه في أوانها المراد ، وما أحسن الأشياء في ~~أوانها ، وهم نيلها أن يجري في طريقه لكنه أخره النقص والتقصير ، واستحيا ~~أن يقابله وهو دون غاية التمام ، أو يسير من مواكب أمواجه في عدد يسير ، ~~وخشي أن يتخلل السبل بين يديه فيحصل في ريها الخلل ، أو تظهر عليه - كونه ~~في زمن توحمه - حمرة الخجل ، وكأن عمود مقياسه قد آلى أن لا يضع أصابعه ms7374 في ~~اليم إلا بإذن سلطانه ، ولا يلبس ثوب خلوق إلا ما يزره عليه ببنانه ، ولا ~~يأتي بزيادة إلا بعد مقدمه ، وكيف لا ومدده من إحسانه ؟ وركب سحر الاثنين ~~الثالث والعشرين من شوال سنة اثنتين وسبعمائة من ظاهر القاهرة في موكب حف ~~به الظفر ، وأضحى حديثا للأنام وذكرى للبشر ، وسيفه المنصور قد أذهب عن ~~الملة الإسلامية ليل الخطب ومحا ، والأمة يترقبون طلوع فجر بدره ، ولسان ~~المسرة يتلو عليهم ) موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ( [ طه : الآية ~~59 ] ودخل البلد وقد تزايدت بمقدمه سرورا وبشرا ، وأنشدته : [ من الخفيف ] ~~أنت غيث إذا وردت إلى الشام ونيل إذا تيممت مصرا أطلع الشرق من جبينك شمسا ~~ليس تخفى ومن محياك بدرا كان أمر التتار مستصعب الحال فصيرت عسر ذلك يسرا ~~وفتحت له أبواب نصرها التي يفضى منها إلى نعمة ونعيم ، وشاهدته عيون أهلها ~~. ) فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ~~ملك كريم ( [ يوسف : الآية 31 ] والرعايا قد أصبحوا كما أمسوا بالدعاء له ~~مبتهلين ، والألسنة تتلو عليه وعلى أمرائه ) ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ~~( [ يوسف : الآية 99 ] وقد أظلته سماء أديمها الحرير ، ونجومها الذهب ، ~~وسحبها تنثر اللؤلؤ المكنون ، وحيل بين سنابك خيله وبين الأرض بأثواب من ~~استبرق تستوقف العيون ، وكوفئت عن وطء الأحجار بالأمس في سبيل الله بوطء ~~الديباج في هذا اليوم ، وكادت الأيدي تلمس معارفها تبركا بترب الجهاد الذي ~~حملت إليه أكرم قوم ، فرأى فيها جنة أوردت من مناهلها كوثرا ، وكان قد أنهي ~~بين يديه حديث زينتها فوجد خبرها يجاوز خبرا ، ولم يجد بها عيبا غير أن ~~صباحها حمدت به الأجفان عاقبة السرى ، وتبرجت PageV32P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" عقائلها نزها للنواظر ، وتظهر كل واحدة منهن ~~في وشي أبهى من الزواهر ، ولبست جدرانها حلل السرور النضرة ، وأبرزت ~~بعولتهن ما في ذخائرهم ولم يسألوا نظرة إلى ميسرة - وما ثنت أعطافها - كما ~~أمست وجوه التهاني بها ضاحكة مستبشرة ، ولما مر بسبلها حلا له ذلك النور ، ~~ولما سلك بين قصريها تحقق ms7375 الناس أن أيامه زادت على أيام الخلفاء ؛ فإنها ~~أنشأت قصرين وهذا أنشأ لها قصورا ما بها من قصور ، فمن بروج تمنت البدور لو ~~كانت لها منازل ، ومن قلاع لو تحصن بها جان لما دارت عليه دوائر الدهر ~~الغوائل ، ومن قباب علت وليس لها غير الهمم من عمد ، وضربت على السماحة ~~والندى فما عدم مشيدها حسن البناء ولا فقد ، ومن عقود عقد لها على عرائس ~~السعود ، وتمكنت في الصعود ، ومن حلي لو ظفر بها الحسن بن سهل لاتخذ منها ~~لجهاز ابنته على المأمون مالا ألف مثله في زمنه ولا عهد ، ولو رآه ابن ~~طولون لاعتضد به في إهداء عقيلته للمعتضد ، ومن أواوين تزري بإيوان كسرى ~~الذي تعظم بناؤه وتحمد ، ويستصغر في عين من رأى إيوانا واحدا من هذه ، وكيف ~~لا وذاك هدم في زمن محمد [ ] وهذا عمر لنصرة محمد ، وذاك أهلك بانيه وزجر ، ~~وهذا أيد بانيه ونصر ، ومن سواق جوار وجوار سواق ، وآلات تبهر عند رؤية ~~حدائقها الأحداق ، ومن عروش وأشجار ، ورياض نضرة تبهت الأبصار ، وقد أخذت ~~من كل المحاسن بشطر ، وحلت مذاقا . وكيف لا وقد سقيت بالقطر ؟ ومن سفائن قد ~~ترفعت حتى مرت في الجو من بحر النسيم في لجج ، ومن عجائب إذا حدث المرء ~~عنها قيل له : حدث عن البحر ولا حرج ، ومن شخوص بالألحاظ تغازل ، ودمى تسحر ~~العقول بسحر بابل ، وصور يخيل للرائي أنها تنطق ، وأشكال وضعت صفة للحرب ~~التي أضحت رايتها في الآفاق تخفق ، ومن هيبة للعدى التي أبادتها الأبطال ، ~~وأعدمت حقيقتها فلم يبق منها إلا مثال يبرز في خيال ، ومن جتور ظهرت بها ~~آية ملكه لما مرت بنفسها على رأسه الكريم مر السحاب ، وسارت بين السماء ~~والأرض فلم تحتج مع سعادته إلى عمد ولا إلى أطناب ، ومن فوسان جملت الجيوش ~~المنصورة حيث لبست لأمة حربها ، واعتقلت رماحها وبارزت الأقران فكان النصر ~~من حزبها . PageV32P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" ومن أنواع احتفال يعجز عن وصفها البديع الفطن ~~ولولا خوف الإطالة لقلت ومن ومن إلى أن تنفد كلمة ومن . والأمة ms7376 يبذلون في ~~خدمته الجمل والتفاصيل ، ويصنعون له ما يريد من النزه ، ويعملون ما شاؤوا ~~من تماثيل ، والأسارى قد جعلوا بين يديه مقرنين في الأصفاد ، يشاهدون مدينة ~~ماثلت ) إرم ذات العماد ، التي لم يخلق مثلها في البلاد ( [ الفجر : ~~الآيتان 7 ، 8 ] وهو - خلد الله سلطانه - يسير الهوينا ، وينظر بعين حبره ~~هذا المحفل ، ويقبل ، وأسراؤه بين يديه كالليث أقبل للفريسة ينقل ، وهم ~~يشكرون حلمه على السلامة من ريب المنون والأفواه تنطق بشكر الله ) إذ ~~الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون ( [ غافر : الآية 71 ] وقد بهتوا لما ~~رأوه من نعم الله التي تنوعت له - خلد الله ملكه - حتى أتت كل نعمة في ~~وقتها ، وعظمت في عيونهم آيات الله سبحانه ، ولسان الأقدار يتلو ) وما ~~نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها ( [ الزخرف : الآية 48 ] فلما نظروا ~~بالأمس في إنجاد الملائكة للعساكر المنصورة آية كبرى ، شاهدوا اليوم من ~~سعادة هذا الملك الذي بنت له الأقدار بين السماء والأرض مدينة فقالوا : هذه ~~آية أخرى ، واستقلوا ما مروا به من المدائن والأمصار ، وغدوا وعيونهم في ~~جنة وقلوبهم في نار ، واستصغروا ملكهم المخذول وملكه ، وقالوا : غير عجيب ~~لمن أقدم على هذا الملك أن يبدد جمعه ، ويفرط سلكه ، وتحققوا أنه من أوتي ~~هذا السعد لا يؤخر إن شاء الله إمساك كبيرهم وهلكه ، ونودوا أن شاطروه في ~~السلاسل والقيود ، والسيف يقول : ليس الأمر لمن يسمى - خديعة - محمودا ، ~~محمود ووصل مولانا السلطان تربة والده السلطان الشهيد - قدس الله روحه - ~~وأمراؤه قد بذلوا في محبته نفائس النفوس ، وجزيل الأموال ، وأخاير الذخائر ~~، وركبوا بالأمس للمناضلة عن دولته في سبيل الله ، وقد بلغت القلوب الحناجر ~~، وترجلوا اليوم في خدمته تعظيما لشعائر سلطنته ، وطلعوا في سماء المعالي ~~كالنجوم الزواهر ، وصعد - خلد الله ملكه - تربة والده - رضي الله عنه - ~~وأنوار النصر على أعطاف مجده لائحة ، ودخلها فلولا خرق العوائد لنهض من ~~ضريحه وصافحه ، وشكر مساعيه التي اتصلت بها أعماله ، وكيف لا وهي أعمال ~~صالحة ، وقص مولانا السلطان - خلد الله ملكه - عند قبره المبارك من غزوته ~~أحسن ms7377 القصص ، وأسهم من بركة جهاده أوفر الحصص ، فلو استطاع رحمه الله أن ~~ينطق لقال : هذا الولد البار ، والملك الذي خلفني وزاد في نصرة الإسلام ~~وكسر التتار ، ولو تمكن رضي الله عنه لأخبره بما وجده من ثواب الجهاد في ~~جنات وعيون ، وبشره بما أعده الله لمن فقد من المجاهدين في هذه الغزاة ~~المبرورة بين يديه ، وتلا عليه ) ولا PageV32P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون ) ^ [ آل عمران : الآية 169 ] ولأثنى على أمرائه ~~الذين فعلوا من المصابرة والمحافظة ما أوجبه حسن التهذيب منه رحمه الله ~~وجميل التربية ، وشكر عزائمهم التي ما ناداها أهل مملكة لكشف خطب إلا ~~أجابوهم بمواقع التلبية ، واعتد بطاعتهم للميت والحي ، وموالاتهم التي ذاعت ~~في كل ناد وحي ، والقراء حول ضريحه يتلون آيات الله التي كان رضي الله عنه ~~بها عاملا ، ولم يزل ربع تقواه بها آهلا ، فشمل مولانا السلطان - خلد الله ~~ملكه - الأنام بالصدقات المتوفرة ، وسمح من الذهب والفضة بالقناطير ~~المقنطرة ، وازدحمت الأماني على سيبه كما ازدحمت الأعادي على سيفه ، فكان ~~كما قيل : [ من الرجز ] قداح زند المجد لا تنفك من نار الوغى إلا إلى نار ~~القرى وركب من التربة الشريفة والرعايا يدعون بدوام دولته التي أضحت قواعد ~~الأمن بها متينة ، ويرتعون بالمدينة في لهو ولعب وزينة . وسار جواده بين ~~حلي وحلل ، فاستوقف الأبصار ، في مسلك حفت به غرف من فوقها غرف مبنية تجري ~~من تحتها الأنهار . وعاد إلى قلعته ظافرا عود الحلي إلى العاطل ، وغدت ~~ربوعه الموحشة لبعده بقربه أواهل ، وطلعها في أيمن طالع لا يحتاج معه إلى ~~اختبار ولا رصد ، وحلت شمس ملكه في برجها وكيف لا وهو في برج الأسد ، فالله ~~تعالى يمتع الدنيا بملك حمى شاما ومصرا ، وأذاق التتار بعزائمه مصائب تترى ~~. وحسبنا الله ونعم الوكيل . ولما صنف المولى علاء الدين هذه الغزاة ، ~~وعرضت على المسامع الشريفة السلطانية شمله الأنعام والتشريف السلطاني ، ~~ووفر حظه من ذلك ، وقد سمعت هذه الغزوة من لفظه ، ونقلتها من خطه ، وقد ms7378 أتى ~~فيما أورده بالواقعة المشاهدة ، ووفى بقوله : إن الغائب إذا وقف على خبره ~~يكون كمن شاهده . وقد وقفت أيضا على جملة مما صنفه الفضلاء في خبر هذه ~~الغزاة ، وهذا الذي أوردته أتمها وأكملها وأكثرها استيعابا للواقعة من ~~ابتدائها إلى انتهائها . فلذلك اقتصرت على إيرادها دون ما سواه . وعمل أيضا ~~الشعراء قصائد كثيرة يطول الشرح بإيرادها ، وها نحن نذكر منها قصيدة نظمها ~~القاضي الفاضل جمال الدين أبو بكر عبد القاهر ابن الشيخ نجم الدين ~~PageV32P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" أبي عبد الله بن محمد بن عبد الواحد بن محمد ~~التبريزي الشافعي قاضي عجلون وخطيبها وهي : [ من البسيط ] الله أكبر جاء ~~النصر والظفر والحمد لله هذا كنت أنتظر وأبرز القدر المحتوم بارئه سبحانه ~~بيديه النفع والضرر وهون الصعب بالفتح المبين لكم رب يهون عليه المقفل ~~العسر ولم تزل شرعة الإسلام ظاهرة أجزم به فبهذا صحح الخبر أين النجوم ~~وتأثير القران وما تخرصوا فيه من إفك وما زجروا قد دبر الله أمرا غير أمرهم ~~وخاب ما زخرفوا فينا وما هجروا وأقبل العسكر المنصور يقدمه من الملائك جند ~~ليس تنحصر وقد أحفوا به والأرض من زجل ترتج إن سبحوا لله أو ذكروا كنانة ~~الله مصر جندها ثبتت لا ريب فيه وجند الله تنتصر ثاروا سراعا إلى إدراك ~~ثأرهم وهجروا في طلاب المجد وابتكروا وأسهروا أعينا في الله ما رقدت أكرم ~~بقوم إذا نام الورى سهروا لله كم دينوا في نصر دينهموا وأنفقوا في سبيل ~~الله ما ادخروا صانوا الجياد وسنوا كل ذي شطب وجددت للقسي النبل والوتر ~~حماهم الله كما حاموا وكم منعوا وكم أغاثوا وكم آووا وكم نصروا وخلفوا ~~خلفهم لذات أنفسهم وهاجروا ولذيذ العيش قد هجروا وأوجفوا نفرا بالخيل ملجمة ~~وبالركاب وما ملوا ولا فتروا حتى أتوا جلقا في يوم ملحمة فيه الأسود أسود ~~الغاب تهتصر لها السنابك في الميدان قد حنيت صوالجا ولها روس العدا أكر ~~والجو أغبر والتاتار زاحفة مثل الجراد على الدنيا قد انتشروا وددت لو كنت ~~بين الصف منجدلا قد ms7379 ارتوت من دمى الخطية السمر وكوثر الحرب قد راقت مشاربه ~~تحت العجاجة والأبطال تعتكر PageV32P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" والسيف ينشى بديعا من فواتره والرمح ينظم ~~والهامات تنتثر والنبل يخقط والأقلام كاتبة والضرب يعرب والأبدان تستطر حتى ~~إذا عب مثل البحر جحفلنا ومد فيضا على أعدائنا جزروا أصلوهم جاحما يشوي ~~الوجوه وقد حمي الوطيس ونار الحرب تستعر وأحرقتهم سراعا كل صاعقة من السيوف ~~بنيران لها شرر لاذوا بشم شماريخ الجبال فما حمتهم قلل منها ولا مغر ومزقوا ~~شردا بين الزحام فكم شلو تنازع فيه الذئب النمر أين المفر وقد حام الحمام ~~بهم هيهات لا ملجأ يرجى ولا وزر نادى بهم صارخ أغرى الفناء بهم فإن سألت ~~فلا خبر ولا خبر كم قد سهرتم دجى من خوفهم حذرا والآن ناموا فلا خوف ولا ~~حذر قولوا لغازان ياذا ما لعلك أن تروع من مخلب الرئبال يا بقر تلك الجموع ~~التي وافى يدل بها تالله ما بلغوا سؤلا ولا نصروا جاؤوا وقد حفروا من مكرهم ~~قلبا ألقاهم الله قسرا في الذي حفروا وسكروا في أراضينا مباذرة والآن قد ~~حصدوا أضعاف ما بذروا وافى بهم أجل يمشي على مهل حتى محاهم فلا عين ولا أثر ~~لم ينفروا خيفة من كل قسورة وفر جمعهم إلا وهم حمر أموا الفرات وقد راموا ~~النجاة فكم حلت بهم عبر فيها وما اعتبروا مرائر القوم من خوف قد انفطرت ~~والكل من قبل عيد الفطر قد نحروا جميعهم قتلوا صبرا وأعظمهم جميعها بضواحي ~~جلق صبروا لم يقبروا في نواويس ولا جدث وإنما في بطون الوحش قد قبروا ~~والطير ترعى نهارا لحمهم فإذا ما الليل جن ففي أقحافهم تكر فخذ عزاءك فيهم ~~إنهم أمم هم اللعاوس إن قلوا وإن كثروا PageV32P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" كم كابروا الحس في قصد الشام وكم قد جربوا ~~حظهم بالشام واختبروا فقاتلوهم جميعا إنهم تتر كم أرسلوا رسلهم تترى وكم ~~مكروا هبوا إلى سيس من أحلام رقدتكم وسارعوا في طلاب الثأر وابتدروا بكل ~~غيران أخذ الروح همته في غير ms7380 نفس المردى ماله وطر أيرقد الليل في أمن وفي ~~دعة عن كيد قوم لهم في شأنكم سهر إن تتركوهم فإن القوم ما تركوا يوما عليكم ~~ولا أبقوا ولم يذروا أما رأيتم وعاينتم وقد فعلوا في الصالحية ما لا تفعل ~~التتر اشفوا صدوركم إن كنتم غيرا على نسائكم يا قوم وادكروا كم من عجوز ومن ~~شيخ ومكتهل ومن فتاة نماها الحسن والخفر بيضاء خرعوبة بكر محجبة لا الشمس ~~تنظرها صونا ولا القمر وذات بعل مخباة مخدرة من دونها تضرب الأستار قد ~~أسروا ومطفل أثكلوا وجدا بمخولها وحامل أجهضت خوفا وقد ذكروا ومربع أقفروا ~~من بعد ساكنه وعقد شمل نظيم جامع نثروا وكم أراقوا وكم ساقوا وكم هتكوا وكم ~~تملوا بما نالوا وكم فجروا وحرقوا في نواحيها فوا حربا وخربوا الشامخ ~~العالي وكم دثروا وجامع التوبة المحروق مهجته يشير لا توبة للقوم إن ظفروا ~~إشارة تترك الأنفاس صاعدة لها الدموع من الآماق تنحدر لهم حزازات في قلبي ~~مخبأة تكاد من حرها الأكباد تنفطر فما يثبطكم عن أخذ ثأركم هبوا سراعا ~~وخافوا اللوم يا غير وفوهم الحرب إنصافا ومعدلة وحرروا نوب الأيام واعتبروا ~~لا يظلمن بعضكم بعضا بخردلة ولا يدع عنده حقا ولا يذر وسارعوا واقتلوهم ~~إنهم قتلوا وبادروا وأسروهم مثلما أسروا جوسوا ديارهم واسبوا حريمهم ~~وأوقروا ضعف ما أوعوا وما وقروا PageV32P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" سجلا بسجل فإن الدهر ذو نوب من ذا يغالب ما ~~يأتي به القدر بزوهم الملك قهرا عن جواركم وخربوا كل ما شادوا وما عمروا ~~فما يفكر في أدبار عاقبة ويحزم الأمر إلا من له نظر ولا يعاف شراب الذل عن ~~ظمأ ويومق العز إلا من له خطر فمهدوا بالظبا مجرى سوابقكم ما يرفع الذكر ~~إلا الصارم الذكر وخلدوا في المعالي ما نعنعنه عنكم وتروى به الأخبار ~~والسير فكل ذنب جناه الدهر معتمدا في جنب ما أبقت الأيام مغتفر يا أهل جلق ~~أمنا في مساكنكم وعاملوا الله رب العرش وانزجروا صوموا وصلوا وزكوا وارحموا ~~وصلوا وابغوا النجاة وحجوا البيت ms7381 واعتمروا ذروا التكاثر فالدنيا لمن زويت ~~في جنب ما وعد الرحمن تحتقر فالوقت أقرب والأنفاس سائرة والعمر منصرم ~~والمرء محتضر ولا تخافوا من التاتار مجلبة من بعد ما ارتفع التدليس والغرر ~~لم يطلبوا جلقا بغيا بظلمهم إلا وردوا على الأعقاب وانكسروا حاشا دمشق من ~~الأسواء تطرقها أو أن تغيرها عن وصفها الغير ملائك الله تحميها وتحرسها ~~تعاقبا ولها من ربها خفر وفي جوار خليل الله ما برحت وحضرة القدس قل لي : ~~كيف تحتقر بالله عدوي على من رامها بأذى وبالخليفة والسلطان أنتصر هما ~~ملاذكم في كل نائبة بالروح أفديهما والسمع والبصر إذا تأملت فحوى سر حكمهما ~~لم تدر أيهما في عدله عمر ولو رأيتهما يوما لخالك أن موسى بن عمران قد ~~وافاك والخضر هما رضيعا لبان عفة وتقى وحسن ذكر شذاه فائح عطر PageV32P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" فذا مليك لكم طابت أرومته وذا أمير بأمر الله ~~يأتمر أبو الربيع سليمان الذي شهدت بفضله المستفاض البدو والحضر وزمزم ~~والصفا والمأزمان معا والبيت يعرفه والحجر والحجر خليفة الله في الدنيا ~~وطاعته فرض عليكم وهذا القول مختصر ما زال مستكفيا بالله معتصما مستنصرا ~~مستعينا وهو منتصر لولاه في الأرض قد مادت جوانبها وما سقاها إذا غيث ولا ~~مطر خليفة من بني العباس باقية به إلى الله نستسقي فنمتطر ضاهت يداه عهاد ~~الغيث فانهملت والغيث مندفق الشؤبوب منهمر لو مس عودا يبيسا بطن راحته ~~أعاده وهو رطب يانع خضر ماذا أقول بمدحيه وقد تليت في مدح آبائه الآيات ~~والسور جاءت بنعتهم التوراة معربة ومحكم الذكر والإنجيل والزبر به إلى الله ~~ضجوا في حوائجكم وبعده بالمليك الناصر انتصروا ملك أعيد به عصر الشباب لكم ~~مسترغدا صافيا واستؤنف العمر ترى الملوك صفوفا حوله زمرا من فرط هيبته لا ~~يرجع البصر تذل أعناقهم صغرى لطاعته وليس يعصونه أمرا إذا أمروا صونوا ~~جيادكم اللاتي بكم لجبت في بارق الحرب والرمضاء تستعر إنا لنرجوه من بغداد ~~ينهلها بماء دجلة يرويها فتصطدر ويجمع الشمل في دار السلام بمن يودها ~~ويؤدون الذي ms7382 نذروا يؤمها وإمام المسلمين معا ثقوا بقولي فهذا منه منتظر ~~فالشام وافاه مع بغداد في قرن ومصر في ملكه والبر والبحر والعرب والعجم في ~~ميمون قبضته ومن سطي بأسه قد حارت التتر تنشروا في الفلا سود الوجوه وقد ~~طوى بأبيضه البتار ما نشروا فدام للدين والدنيا يسوسهما فكن فيه له حزر ~~ومستتر وعمره الجم أعياد مجددة وأشهر بعزيز النصر تشتهر PageV32P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" على الدوام ولا زالت مدائحه تفشى وغر القوافي ~~فيه تبتكر وافاكم بعزيز النصر في نفر وقاهم الله ما أوفاهم نفر قد أيقنوا ~~أنهم جادوا بأنفسهم من أجل ذا ظهر الإسلام مذ ظهروا كم فرجوا مأزقا ضنكا ~~بمعترك وكابدوا في مجال الموت واصطبروا فبيض الله منهم أوجها كرمت فإنهم ~~بالأيادي البيض قد غمروا وحاطهم أين ما كانوا ولا برحوا في ذمة الله إن ~~غابوا وإن حضروا هذا ما كان من خبر هذه الغزوة المباركة ونبذة مما قيل فيها ~~، فلنرجع إلى سياق حوادث سنة اثنتين وما وقع فيها خلاف ما قدمناه . وفي سنة ~~اثنتين وسبعمائة صام الحنابلة من أول شهر رمضان على عادتهم في الاحتياط ، ~~واستكمل الشافعية والمالكية عدة شعبان ، فلما مضى ثلاثون يوما من صوم ~~الحنابلة لم ير الهلال فأفطروا تكملة للعدة من يوم صيامهم ، وأقاموا الخطبة ~~، وصلوا صلاة العيد ، وصام من عداهم من الشافعية وغيرهم ذلك اليوم الذي عيد ~~فيه الحنابلة وعيدوا في اليوم الثاني . وأقاموا الخطبة ، فحصل الإنكار ~~الشديد من نائب السلطنة في الشام على متولي نابلس ، وهو يومئذ : بدر الدين ~~الصوابي ؛ كونه مكن من ذلك ولم يجمع الناس على يوم واحد ، ولم يسمع بمثل ~~هذه الوقائع في بلد واحد . وأما البلاد المتباعدة فقد تختلف مطالعها . ومن ~~غريب ما وقع في شهر رمضان ما حكاه ناصر الدين محمد بن عليا بن محمود بن ~~سليمة الأغرناطي : أن أهل أغرناطة صاموا في بعض السنين شهر رمضان ستة ~~وعشرين يوما . وذلك أن الغيوم تراكمت عندهم عدة شهور قبل شهر رمضان . ~~فاستكملوا عدتها وصاموا شهر رمضان بعد استكمال شعبان وما ms7383 قبله . ومن عادة ~~أغرناطة أن أهلها يحتفلون في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان ، يوقدون ~~المآذن كما تفعل أهل مصر والشام في نصف شعبان ، فلما صعدوا ليوقدوا المآذن ~~- على عادتهم - أقلعت الغيوم فرأوا الهلال وهو هلال شوال ؛ فأفطر الناس ~~وعيدوا ، وقضوا صيام أربعة أيام ، وهذا أيضا غريب . ومن غريب الاتفاق في ~~رؤية الهلال أن الناس بدمشق طلعوا إلى المئذنة لارتقاب هلال رمضان ، ~~والحاكم يومئذ بالشام قاضي القضاة شهاب الدين الحموي ، PageV32P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" وكانت الغيوم قد عمت السماء ، فطلع الناس ~~للعادة مع تحقيقهم أنهم لا يرون شيئا ، فاتفق عند ارتقابهم مطلع الهلال ~~انفراج دائرة من الغيم ظهر من تحتها الهلال ، فلما عاينه الناس التأم الغيم ~~لوقته ، وصام الناس عن رؤية ويقين ، وما علمت كان هذا في أي سنة وإنما نقله ~~لي ثقة أرجع إلى نقله . ذكر حدوث الزلزلة وفي يوم الخميس الثالث والعشرين ~~من ذي الحجة سنة اثنتين وسبعمائة عند طلوع الشمس ، حدثت زلزلة عظيمة ~~بالقاهرة ومصر وأعمال الديار المصرية كلها ، ودمشق والشام أجمع والسواحل ~~والجبال الشامية ، وكان معظمها بالديار المصرية ، فهدمت منائر كثيرة ، منها ~~: منائر الجامع الحاكمي وشعثته ، وهدمت بعض جدرانه ، وتشققت مئذنة المدرسة ~~المنصورية على عظمها ، وإتقان بنائها ، حتى دعت الضرورة إلى هدمها وإعادتها ~~، وهدمت منارة الجامع الظافري بالقاهرة ومنارة الجامع الصالحي وغير ذلك ، ~~وشعثت جدر جامع عمرو بن العاص بمصر ، وانهدم بسببها كثير من العمائر ، ~~وأقامت مقدار مضي خمس درج ، وكانت مزعجة ، وأثرت بالإسكندرية أثرا عظيما ~~هدمت أكثر المنارات وبعض الأسواق وغرق جماعة كثيرة عند مده وعوده وعدم قماش ~~التجار وجزر البحر الملح حال الزلزلة ، وانطرد عن مكانه . ثم مد حتى دخل ~~الصناعة ، ووصل إلى الأسوار الذي كان عند القصارين بجملته ، وأثرت هذه ~~الزلزلة بصفد أثرا عظيما ، وسقط جانب من قلعتها ، وانطرد البحر بعكا حتى ~~انكشف ما بين عكا وبرج الذبان الذي بالبحر ومسافته بعيدة ، وظهر أنه كان ~~بساحلها أشياء مما ألقاه أهل عكا في البحر لما حاصرها المسلمون ، فتبادر من ~~كان هناك بالنزول لأخذ ما ظهر ms7384 لهم ، فجاء الماء أمثال الجبال فغرقوا ، ووصل ~~في مده إلى قرب تل الفضول ، وخربت دمنهور الوحش - وهذه مدينة أعمال البحيرة ~~- خرابا شنيعا ؛ وأبيارا ، وغير ذلك من البلاد ، ولعظم هذه الزلزلة بالديار ~~المصرية أرخ كثير من العوام بها فهم يذكرونها إلى وقتنا هذا . ولما أثرت ~~هذه الزلزلة بالجوامع ما أثرت ، اهتم الأمراء بالديار المصرية بها ، فعمر ~~الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة ما تشعث بجامع عمرو بن العاص بمصر ، ~~وعمر ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار ، جامع الحاكم بالقاهرة ، وجدد ~~مآذنه وسقوفه ، وبيضه وبلطه ، وأصلحه إصلاحا جيدا حتى عاد أحسن مما كان ، ~~ووقف عليه أوقافا متوفرة ، ورتب فيه من الدروس ووجوه البر والخير ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى في سنة ثلاث وسبعمائة . PageV32P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" وأعيدت المئذنة المنصورية من مال الوقف ليصرفه ~~، وصرف في عمارتها في نصفها الذي هدم وهو من سطح القبة إلى انتهائها ما عدا ~~ما يقارب تسعين ألف درهم ، خارجا عما استعمل من أحجارها المنقوضة منها ، ~~وعن تفاوت أجر الأسرى وما حمل على ذوات مرمات الوقف . وندب لعمارتها الأمير ~~سيف الدين كهرداش الناصري ، وعادت أحسن ما كانت ، وعمر ما تشعث من الجامع ~~الأمير شمس الدين سنقر الأعسر ، وعمر الجامع الصالحي الذي هو خارج باب ~~زويلة ، والجامع الظافري من الأبواب السلطانية ، وعمرت سائر الأماكن ~~والمساجد التي تهدمت بالقاهرة ومصر حتى عادت أحسن مما كانت والحمد لله وحده ~~. وفي هذه السنة توفي فارس الدين ألبكي الساقي المنصوري ، نائب السلطنة ~~بحمص ، في يوم الثلاثاء ثامن ذي القعدة بها ، وفوضت نيابة السلطنة بحمص ~~بعده إلى الأمير عز الدين أيبك الحموي الظاهري نقل إليها من صرخد . وتوفي ~~الأمير سيف الدين سنقر العين تابي أحد الأمراء الأكابر مقدمي الألوف بدمشق ~~في ليلة الجمعة ثامن عشر ذي القعدة ، ودفن بسفح قاسيون رحمه الله ، وتوفي ~~بدمشق الشيخ الفاضل كمال الدين أبو العباس أحمد بن أبي الفتح محمود ~~الشيباني المعروف بابن العطار ، أحد أعيان كتاب الدرج بدمشق ، وكانت وفاته ~~في ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من ذي ms7385 القعدة ، وصلي عليه بالجامع ، ~~الرابعة من النهار ، ودفن بتربته بقاسيون ، وكان رحمه الله تعالى فاضلا ~~دينا خيرا ، سمع الكثير من الحديث النبوي ، وله نظم ونثر . ذكر وفاة الأمير ~~زين الدين كتبغا المنصوري وهو الملك العادل كانت وفاته يوم الجمعة رحمه ~~الله تعالى وهو يوم عيد الأضحى من سنة اثنتين وسبعمائة بحماه ، ونقل منها ~~ودفن بتربته بجبل الصالحية بدمشق ، وقد قدمنا من أخباره PageV32P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" وتنقلاته وتقلب الأيام به من الأسر في حال ~~شبيبته والمبيع ، ثم الإمرة ونيابة السلطنة ، ثم السلطنة والخلع ، والإمرة ~~والنيابة عن السلطنة بحماه ما يستغنى عن إعادته . ولما مات فوضت نيابة ~~السلطنة بحماه بعده إلى الأمير سيف الدين فبجاق المنصوري ، نقل إليها من ~~نيابة الشوبك والله أعلم . واستهلت سنة ثلاث وسبعمائة . ذكر الجلوس ~~بالمدرسة الناصرية والقبة وأوقاف ذلك وشروطه في هذه السنة في أولها فتحت ~~المدرسة المباركة الناصرية ، والقبة الشريفة ، وانتصب المدرسون والفقهاء ~~بالمدرسة ، والقراء بالقبة ، وجلس شيخ الحديث برواق القبة - وفوض التدريس ~~بالمدرسة لمن نذكرهم ، وهم : قاضي القضاة زين الدين علي المالكي ، والطائفة ~~المالكية جلسوا في الإيوان القبلي بالمدرسة بمقتضى شرط الواقف لهم ، وقاضي ~~القضاة شمس الدين أحمد السروجي الحنفي ، والطائفة الحنفية جلسوا في الإيوان ~~الغربي ، وقاضي القضاة شرف الدين عبد الغني الحراني الحنبلي ، والطائفة ~~الحنابلة بالإيوان الشرقي وكان جلوسهما بهذين الإيوانين بخلاف شرط الواقف ، ~~فإنه جعل الإيوان الشرقي للحنفية ، والإيوان الغربي للحنابلة ، فجلسا على ~~عكس الشرط ، ولعل ذلك عن غير قصد ، ثم انتقض ذلك على ما نذكره . وجلست كل ~~طائفة منها في المكان المعين لها بشرط الواقف ، وجلس القاضي صدر الدين محمد ~~ابن الشيخ زين الدين المعروف بابن المرحل ، والطائفة الشافعية PageV32P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" بالإيوان البحري ، وحضر درسه الأمير عز الدين ~~أيبك البغدادي وزير الدولة ومدبرها . وهذه المدرسة والقبة كان أنشأهما ~~الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري في أيام سلطنته ، واشترى أرضهما ، ~~وكانت دارا تعرف بالرشيدي ، وحماما ومساكن ، فابتاع ذلك وهدمه ، وأنشأ قبة ~~ومدرسة . وكملت عمارة القبة ، وبني من المدرسة إيوانها القبلي وبعض ما ms7386 يليه ~~، ثم خلع الملك العادل من السلطنة - كما تقدم - فغلقت المدرسة وبطلت ~~عمارتها ، فلما عاد السلطان الملك الناصر إلى السلطنة ثانيا في سنة ثمان ~~وتسعين وستمائة . حسن له قاضي القضاة زين الدين المالكي ابتياعها وتكملة ~~عمارتها وإتقانها ، فابتاعها وعوض الملك العادل ، عن ثمنها حصصا من ضياع من ~~أملاكه بدمشق ، وحصل الشروع في عمارتها ، وعين لها من الأملاك السلطانية ما ~~يوقف عليها ، وكان المعين لذلك قاضي القضاة زين الدين المالكي ، وهو يومئذ ~~ناظر الأملاك السلطانية التي ورثها السلطان عن والده وإخوته ، والمبتاعة من ~~أجر أملاكه ، وكانت أجرتها في كل شهر بالقاهرة وظواهرها خاصة تزيد على ~~ثمانية عشر ألف درهم . ولما عزم السلطان على الحركة إلى الشام للقاء غازان ~~وحزبه عند طروقه الشام وقف القبة والمدرسة ، ووقف على مصالحهما من أملاكه ~~ما يذكر ، وذلك في الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وتسعين وستمائة ~~قبل استقلال ركابه الشريف إلى الشام بيومين ، وكان قاضي القضاة زين الدين ~~قد رتب كتاب وقف ، جعل النظر فيه على الوقف ، والمدرسة والقبة لنفسه أيام ~~حياته ، ثم من بعده للأرشد فالأرشد من أولاده وأولادهم وذريتهم ، ثم من ~~بعدهم لقاضي القضاة المالكي ، وشرط أيضا التدريس في إيوان المالكية لنفسه ~~ولأولاده من بعده ، وكتب الكتاب ووقع الإشهاد على السلطان فيه بذلك ، فضاق ~~شهاب الدين أحمد بن عبادة من ذلك ، وكان قاضي القضاة زين الدين قد استخدمه ~~مشارفا بالديوان الناصري ، وتقدم عند السلطان ، PageV32P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" وأوضح للسلطان أمر الوقف وبينه له ، وقال : إن ~~قاضي القضاة إنما جعل هذا لنفسه ولأولاده وذريته ولم يجعل للسلطان ولا ~~لعتقائه في ذلك شيئا ، وحسن للسلطان تغيير كتاب الوقف ، وأن يجعل النظر فيه ~~لعتيقه الطواشي شجاع الدين عنبر اللالا ومن بعده للأمثل فالأمثل من عتقاء ~~الواقف ، ثم عتقاء والده ؛ ففعل ذلك ، وجعل له أن يتناول من ريع الوقف ~~المذكور في كل شهر ثلاثمائة درهم نقرة مدة حياته . وجعل لمن يؤول النظر ~~إليه بعده في كل شهر مائتي درهم ، وأبطل الكتاب الأول وثبت الكتاب الثاني . ~~وسألت ms7387 شهاب الدين بن عبادة عن السبب الحامل له على إخراج النظر عن قاضي ~~القضاة ونقله إلى غيره . فقال : إنه جعل النظر والتدريس لنفسه ولأولاده من ~~بعده ، وما جعل لي منه نصيبا ، ولا ذكر لي وظيفة ، وكنت طلبت منه أن يجعلني ~~مشارفا بشرط الواقف فشح علي بذلك ، فأخرجت النظر عنه وعن ذريته . وقد رأيت ~~أن أذكر ملخص ما تضمنه كتاب وقف القبة والمدرسة ، وما رتب فيهما فيه من ~~أرباب الوظائف ، وما شرط لهم من المعلوم ، وما شرط عليهم ، والجهات ~~الموقوفة على ذلك ، وما يتحصل من أجورها في كل شهر وألخص المقاصد فيه مع ~~عدم الإخلال بها ، ولا أحذف منها إلا حشو الكتاب الذي لا يخل حذفه بالمعنى ~~، وأورد ذلك بمقتضى كتاب الوقف وارتفاع الجهات الموقوفة بمقتضى حساب ~~المباشرين ، والذي حملني على ذلك وأوجب لي إيراده في هذا الكتاب مع ما فيه ~~من الإطالة والخروج عن القاعدة التاريخية ما وقع في مثل ذلك من إخفاء كتب ~~الأوقاف إذا تطاول عليها المدد ، وبعد العهد بالأوقاف والشروط ، وتداولها ~~النظار والمباشرون واستولوا على الأوقاف وغيروا المصارف عن شروط الواقفين ، ~~ونسبوها إلى العادة ، فيخرج عن شرط الواقف إلى رأي المباشرين ، وعادة الصرف ~~. ثم بعثني على ذلك وأكده عندي ما وقع في هذه المدرسة المباركة في ابتداء ~~أمرها مع بقاء واقفها - خلد الله سلطانه - وتوفر الداعي على ملاحظتها ، ~~ونصب قضاة القضاة وأعيان العلماء ونبلاء الفقهاء في دروسها ، ومع ذلك كله ~~حصل الخروج فيها عن شرط واقفها في كثير من أحوالها ، واختصر المرتب عن شرط ~~الواقف مع توفر المال وزيادته عن كفاية الشروط ، وإنما ظهر ذلك عند وفاة ~~ناظرها الطواشي شجاع PageV32P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" الدين في سنة أربع وعشرين وسبعمائة ، وظهور ~~كتاب الوقف ، ولعل الناظر المذكور لم يفعل ذلك عن علم واطلاع على الشروط ، ~~وإنما فعله عن إغفال وإهمال وجهل وعدم احتفال بإمعان النظر فيما أسند إليه ~~، واعتمد فيه عليه ، فلما أسند النظر إلى أهله ، وانتهى إلى من يتحرى ~~الصواب في قوله وفعله ، أجرى الأمور فيها على شرط ms7388 واقفها ، وصرف أموالها في ~~وجوه مصارفها ، وما عدل عن شرط الواقف ولا خرج ، ولا اعتمد ما يترتب عليه ~~فيه أدنى حرج ، والذي تضمنه كتاب الوقف الثاني الصادر عن مولانا السلطان ~~الملك الناصر ، ناصر الدنيا والدين أبي المعالي محمد بن السلطان الشهيد ~~الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون الصالحي - خلد الله تعالى سلطانه ، ~~وأفاض على الكافة عدله وإحسانه - أنه وقف جميع المكان أرضا وبناء ، وما هو ~~من حقوقه ، والساحة التي هي أمام المكان المذكور التي هي من حقوقه ، وذلك ~~بعد أن كملت عمارة القبة ، وقبل أن تكمل عمارة المدرسة ، وشرط تكملة ~~عمارتها وإنشاء المئذنة ، فقال بعد الوصف لها والتحديد ما معناه بعد ذكر ~~ألفاظه وتحرير مقاصده . أما القبة فإنه وقفها للقراء بها ، وشيخ الحديث ~~والإمام والمؤذنين والقومة والفراشين والخدام والمترددين والمجتازين لها ~~للصلوات وأداء الفرائض والواجبات ، وسماع القرآن العظيم وحديث النبي [ ] ~~خلا موضع الضريح الذي بوسط القبة فإنه مرصد للدفن ، وخلى بينهم وبين القبة ~~المذكورة ، وأذن لهم في الدخول إليها والصلاة فيها على العادة في مثل ذلك ، ~~فصار لا حق له فيها إلا كسائر الناس أجمعين ، وجعل للناظر أن يرتب بالقبة ~~المذكورة إماما يؤم بالمسلمين في الصلوات الخمس ، ويفعل ما يفعله الأئمة ~~على ما يراه الناظر من المذاهب ، ويؤدي إليه اجتهاده ، ويصرف له في كل شهر ~~- بالهلال - ثمانين درهما أو ما يقوم مقامها ، ويرتب فيها شيخا لإقراء ~~الحديث النبوي ينتصب في المكان الذي يعينه الناظر منها في الوقت الذي يجعله ~~له لمن يقصده ، ويشغل عليه به ، أو لسماع الحديث وتصحيحه ، ويصرف له من ريع ~~الوقف في كل شهر ثلاثين درهما نقرة ويرتب بها من القراء الحافظين لكتاب ~~الله العزيز خمسة وعشرين نفرا على ما يراه في ترتيبهم في النوبة ، يقرؤون ~~ما تيسر لهم قراءته ليلا ونهارا في الوقت الذي يعينه لهم ويدعون عقيب ~~قراءتهم للواقف ووالديه بالرحمة والرضوان . وجميع المسلمين ، ويصرف لهم في ~~كل شهر خمسمائة درهم بينهم على ما يراه من التسوية والتفضيل ، ويرتب بالقبة ~~والمدرسة من المؤذنين ثمانية نفر ms7389 يجعل من العدد رئيسين عارفين بالأوقاف ~~يعلنون بالأذان الشرعي في المئذنة التي PageV32P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" تنشأ على الباب ليلا ونهارا وإقامة الصلوات ~~والتسبيح ، والتذكار في الأسحار على ما يراه الناظر متناوبين أو مجتمعين ، ~~وعلى ما يراه من ترتيبهم في القبة والمدرسة ، ويصرف لهم في كل شهر مائتي ~~درهم وثلاثين درهما نقرة يصرف للرئيسين في كل شهر ثمانين درهما على ما يراه ~~من التسوية والتفضيل ، ويصرف للستة الباقين في كل شهر مائة درهم وخمسين ~~درهما على ما يراه من التسوية والتفضيل ، ويرتب بالقبة من القومة اثنين ~~يقومان بخدمة القبة المذكورة والإيوان والساحة التي من حقوقها ، ووقود ~~مصابيحها ، والكنس والتنظيف والغسل للصحن المرخم ، ودائره والسقاية التي ~~للقبة وإماطة الأذى عن ظاهرها كعادة القومة في مثل ذلك . ويصرف لهما في كل ~~شهر ثمانية وخمسين درهما نقرة أو ما يقوم مقامها على ما يراه من التسوية ~~والتفضيل . ويرتب بها ثلاثة من الفراشين الذين خبروا الخدمة ، يقومون بفرش ~~القبة المذكورة ، ورفع فرشها في الأوقات المعهود ذلك فيها ، ويفعلون ما ~~يفعله مثلهم في مثل ذلك ، ويصرف لهم في كل شهر مائة درهم وواحدا وستين ~~درهما نقرة ، من ذلك ما يصرف للحاج صبيح القطبي أحد الفراشين مائة درهم ~~نقرة في كل شهر ، أو ما يقوم مقامها من النقود ما دام حيا مباشرا ، وباقيها ~~لرفيقيه بينهما على ما يراه الناظر من التسوية والتفضيل . فإن توفي صبيح ~~المذكور ، أو تعذر مباشرته بسبب من الأسباب وزال استحقاقه عوض الناظر مكانه ~~غيره من شاء ، ويصرف له أسوة برفيقيه والباقي منه يعود في مصالح الوقف . ~~ويرتب بها أربعة من الخدام من عتقاء الواقف ، فإن لم يوجد من عتقائه فمن ~~عتقاء والده . ويصرف لهم في كل شهر مائة درهم وستين درهما على ما يراه ~~الناظر من التسوية والتفضيل ، فإن لم يوجد من عتقائه ولا عتقاء والده ~~وتعذرت مباشرة الخدام بوجه من وجوه التعذرات رجع ما كان يصرف لهم على ~~المصالح المذكورة . ويرتب بها بوابا حافظا لها يحتاط في الداخلين والخارجين ~~، ويمنع المرتبات بهم ms7390 ، ومن يكثر الدخول لغير حاجة ، ولا يترك الباب إلا ~~لعذر ويستخلف مكانه زمان غيبته ، ويصرف له في كل شهر عشرين درهما أو ما ~~يقوم مقامها . ويصرف في ثمن زيت يستصبح به بالقبة المذكورة وما حوته من ~~الأماكن ما يراه ، وفي ثمن حصر من العباداني الأحمر أو الأبيض بحسب ما يراه ~~، وفيما يحتاج إليه من القناديل والبصاقات والسلاسل والأباريق والكيزان ، ~~وجميع ما يحتاج إليه ما يراه . PageV32P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" وأما الموضع الذي فيه الأواوين الأربعة وما به ~~من البيوت السفلية والعلوية والقاعة المجاورة للإيوان القبلي وما حواه من ~~الأبنية فإنه وقف ذلك على المدرسين بها ، والمعيدين والفقهاء والمتفقهين ~~بها المشتغلين بالعلم الشريف على مذاهب الأئمة الأربعة ، وعلى الإمام ~~والمؤذنين والقومة والبواب بهذه المدرسة وغير ذلك ، يسكن بها المدرسون ~~والمعيدون والفقهاء والأئمة في بيوتها للاشتغال بالعلم الشريف ، ويؤدي كل ~~واحد منهم ما يلزمه بهذه المدرسة على العادة في مثلها وعلى المترددين بهذه ~~المدرسة ، والمجتازين للصلوات وأداء الفرائض ، وخلى بين المسلمين وبينها ~~تخلية شرعية ، وأذن لهم في الصلاة فيها ، وصار حكمها حكم سائر المدارس . ~~وجعل للناظر أن يرتب بالمدرسة المذكورة في كل من أواوينها الأربعة مدرسيها ~~على المذاهب الأربعة ، ينتصب المدرس المالكي المذهب بالإيوان القبلي ، ~~والمعيدون المالكية والطلبة المالكية في الوقت الذي يعين فيه ، وهو ما بين ~~طلوع الشمس إلى زوالها ، أي وقت رآه المدرس من ذلك لإلقاء فروع مذهبه ، وما ~~تيسر له من إلقائه من تفسير وأصول وغير ذلك ، بحيث يلازم الجلوس على العادة ~~في الوقت المعين بعد أن يتيمن كل واحد من المدرسين هو وجماعته بقراءة ما ~~تيسر من القرآن الحكيم ، إما من ربعة أو من صدورهم ، ويدعون عقيب ذلك ~~للواقف ، وسائر المدرسين . ويعين من المعيدين المالكية ما يراه الناظر من ~~العدد . وكذلك ينتصب المدرس الشافعي المذهب بالإيوان البحري كما حكي ~~بأعاليه هو ومن يعينه الناظر من المعيدين والطلبة في الوقت المذكور . وكذلك ~~ينتصب المدرس الحنفي المذهب ومن معه من المعيدين والطلبة في الوقت المذكور ~~في الإيوان الشرقي وكذلك ينتصب المدرس ms7391 الحنبلي المذهب ومن معه من المعيدين ~~والطلبة في الوقت المذكور بالإيوان الغربي ، ويعين الناظر لكل مدرس منهم من ~~المعيدين والطلبة ما يراه من العدد . وينتصب كل معيد ممن عين في جهته لأهل ~~مذهبه لاستعراض طلبته ، ويشرح لمن احتاج الشرح درسه ويصحح له مستقبله ، ~~ويرغب الطلبة في الاشتغال ، ولا يمنع فقيها أو مستفيدا ما يطلب من زيادة ~~تكرار وتفهم معنى ، ولا يقدم أحدا من الطلبة في غير نوبته إلا لمصلحة ظاهرة ~~، ويشتغل كل واحد من الطلبة بما يختاره من أنواع العلوم الشرعية ، ويراه ~~المدرس له على مذهبه ، ويبحث في كل ما أشكل عليه من ذلك ، ويراجع فيه ، وأن ~~ينظر المدرس في طلبته ويحثهم كل وقت على الاشتغال ، ويجعل من يختاره نقيبا ~~عليهم ، ويقرر له ما شاء . PageV32P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" ويصرف لكل واحد من المدرسين ولمعيديه وطلبته ، ~~والداعي عنده والنقيب ، في كل شهر من شهور الأهلة ألف درهم نقرة ، من ذلك ~~ما يختص به المدرس عن التدريس مائتا درهم ، والمعيدين والطلبة والداعي ~~والنقيب ما يراه من التسوية والتفضيل . ويرتب بالمدرسة المذكورة بالإيوان ~~القبلي بها إماما يؤم بالمسلمين في الصلوات الخمس على أي مذهب كان من ~~المذاهب الأربعة ، يقوم بوظيفة الإمامة كجاري عادة المدارس ، ويصرف له في ~~كل شهر ثمانين درهما . ويرتب من المؤذنين الثمانية المشار إليهم من يختاره ~~كما بين فيه ، ويرتب بها أربعة من القومة العارفين بما يلزمهم ، من ذلك ~~يقومون بخدمة المدرسة ، ووقود مصابيحها ، وكنسها وتنظيفها ، وتنظيف فسقيتها ~~ودائرها ، وتنظيف السقاية وغسل ما بظاهرها من الأوساخ كجاري عادة القومة في ~~مثلها ، ويصرف لهم في كل شهر مائة درهم بينهم على ما يراه من التسوية ~~والتفضيل . ويرتب بها شاهدا لخزانة الكتب يحفظ ما فيها من الكتب ، ويضبط ما ~~يؤخذ منها للاشتغال بها ، بحيث لا تخرج الكتب من المدرسة ، ويصرف له في كل ~~شهر ثلاثين درهما أو ما يقوم مقامها من النقود . ويرتب بالمدرسة بوابا ~~بالباب الكبير الجامع للقبة والمدرسة حافظا محتاطا في أمور المدرسة والقبة ~~من الداخلين إليها والخارجين ، مانعا من ms7392 يرتاب به ، ومن يكثرالدخول لغير ~~حاجة ، ويلازم حفظ الباب ليلا ونهارا ، وفتحه وغلقه في الأوقات المعهود ذلك ~~فيها ، ولا ينفصل عن الباب إلا بعذر ، فإن اتفق له عذر استخلف في موضعه من ~~يختاره عنه حين غيبته ، ويصرف له في كل شهر ثلاثين درهما نقرة وما يقوم ~~مقامها من النقود ويرتب سواقا لإدارة الساقية ، وإجراء الماء من البئر إلى ~~الصحن أمام إيوان القبة ، وإلى الفسقية التي بوسط المدرسة ، وإلى الميضأة ~~التي بالمدرسة ، ويفعل ما جرت العادة في مثل ذلك ، ويصرف له في كل شهر ~~ثلاثين درهما ، ويصرف في ثمن ثور لإدارة الساقية المذكورة ما يراه ، ويؤدي ~~إليه اجتهاده ، ويصرف في ثمن ما تحتاج إليه الساقية من الخشب والآلات ~~والنجر والحديد ما يراه . PageV32P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" ويصرف في ثمن زيت الزيتون أو ما يقوم مقامه ~~مما يستصبح به في المدرسة المذكورة ، والأواوين الأربعة والمطلع ولسكن ~~الطلبة والميضأة ما يراه ويؤدي إليه اجتهاده . ويصرف فيما تحتاج إليه ~~المدرسة المذكورة من الحصر والقناديل والبصاقات الزجاج والأطباق النحاس ~~والسلاسل والأباريق والجرار وجميع ما يحتاج إليه بالمدرسة المذكورة ما يراه ~~، ويؤدي إليه اجتهاده . ويصرف الناظر في كل سنة في ملء الصهريج من بحر ~~النيل المبارك ثمن ستمائة راوية ما يراه ويؤدي إليه اجتهاده . وجعل الواقف ~~أعز الله نصره النظر في هذا الوقف لعتيقه الطواشي شجاع الدين عنبر بن عبد ~~الله الحر اللالا أيام حياته ، ثم من بعده يكون النظر للأمثل فالأمثل من ~~عتقاء الواقف فإن استوى اثنان فأكثر قدم الأكبر سنا مع ظهور الأهلية لذلك ، ~~فإن استووا أقرع بينهم ثم بعدهم يكون النظر لعتقاء والد الواقف للمذكور ~~الأمثل فالأمثل صح منهم فإن استوى اثنان فأكثر قدم الأكبر سنا مع ظهور ~~أهليته لذلك ، فإن استووا أقرع بينهم ، فإن انقرض عتقاؤه وعتقاء والده أو ~~تعذر نظر أحد منهم كان النظر في ذلك والولاية عليه لحاكم المسلمين ، فإن ~~عاد إمكان نظر من تعذر نظره عاد النظر إليه ، فإن تعذر أيضا كان لحاكم ~~المسلمين يجري الحال في ذلك أبد الآبدين ms7393 . وفي ظهر كتاب الوقف المذكور ~~إسجال على قاضي القضاة شمس الدين أحمد السروجي الحنفي ، يتضمن أن الحاكم ~~الآيل النظر إليه يكون مالكي المذهب . وشرط الواقف أن لكل من له وظيفة في ~~هذا الوقف المذكور أن يستنيب عنه عند ضرورة لسفر أو مرض ، وأن لكل من ~~المدرسين والطلبة والمعيدين البطالة المعروفة في رجب وشعبان ورمضان وعشر ذي ~~الحجة من كل سنة على جاري العادة في مثل ذلك ، وأن من شرط هذا الواقف أن ~~يتعاهد إثباته عند الحكام ، ويحفظ بتواتر الشهادات ، كل ذلك بعد البدأة ~~بعمادة الوقف ومرمته وصلاحه وإصلاحه وما فيه الإفضاء إلى بقاء عينه ، ودوام ~~منفعته ، ونمو غلته ، وما فضل بعد ذلك يصرف في المصارف المعينة فيه على أن ~~الناظر فيه يؤجره وما شاء منه مدة سنة فما دونها بأجرة المثل فما فوقها ، ~~ولا يزيد على السنة إلا لمصلحة ظاهرة للوقف ، أو ضرورة لا بد منها ، ويؤجره ~~إذ ذاك مدة تفي أجرتها بالضرورة ، ويسلك في ذلك الاستغلال الشرعي بحيث لا ~~يفرط ولا PageV32P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" يفرط ، ولا يعدل عن السنن المتوسطة ، ومهما ~~حصل من ريع الوقف وهو ما ذكره ووصفه وحدده . ونحن الآن نذكر الوقف المذكور ~~على القبة والمدرسة بمقتضى كتاب الوقف ، ونذكر أجرة كل مكان منه بمقتضى ~~حساب المباشرين ، ثم نذكر ما تجدد من الأماكن الجارية في الوقف المذكور بعد ~~صدور كتاب الوقف المشروح على ما نقف على ذلك إن شاء الله تعالى . والأماكن ~~الموقوفة بمقتضى الكتاب منها ما هو بالقاهرة المحروسة : قيسارية أمير . على ~~بخط الشرابشيين ظاهرها وباطنها ، سفلها وعلوها ونربيعيتها ، وسائر حقوقها ~~وأجرة هذه القيسارية في كل شهر على ما استقر إلى آخر ذي الحجة سنة اثنتين ~~وعشرين وسبعمائة ألف درهم وستمائة درهم وتسعة وخمسون درهما ، والقاعة ~~المجاورة للقيسارية المذكورة يتوصل إليها من الزقاق الشارع بدرب قيطون على ~~يسرة السالك فيه إلى أقصاه ، وأجرتها في كل شهر ثمانية وأربعون درهما . ~~وجميع الربع المعروف بالدهيشة بخط باب زويلة . فيما بين البابين يعرف سفلها ~~بسكن المجبرين والحريريين ، يشتمل على ms7394 ستة حوانيت ومقاعد فيما بين ذلك ، ~~وستة طباق علوية وأجرة ذلك في كل شهر مائتا درهم وثمانية وستون درهما . ~~وجميع الحوانيت الثلاثة المتجاورة بخط باب الزهومة ويعرف بسكن العطارين ، ~~والسيوفي ، ويعلو الحوانيت طبقة ليست من الوقف ، وإنما هي من حقوق المسجد ~~المجاور للحوانيت وأجرة هذه الحوانيت في كل شهر خمسة وسبعون درهما . وجميع ~~المسمط والحوانيت التي بظاهره وعدتها سبعة وذلك بالقاهرة بخط باب الخوخة ، ~~وأجرة ذلك في كل شهر خمسمائة درهم وخمسة وعشرون درهما . وجميع الحمام ~~المعروفة بالفخرية بالقاهرة المحروسة وتجاور المدرسة السيفية والدار الكبرى ~~المعروفة بالسلطان الملك المنصور ، والد الواقف ، ويعرف قديما بالسيفي ~~وأجرتها في كل شهر أربعمائة درهم وتسعون درهما . وجميع الحمامين المعروفين ~~بالشيخ خضر بظاهر القاهرة بخط بستان ابن صيرم والجامع الظاهري ، إحداهما ~~لدخول الرجال ، والأخرى للنساء وأجرتهما في كل شهر ألف درهم وخمسمائة درهم ~~وخمسون درهما . PageV32P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" وجميع خان الطعم بظاهر دمشق المحروسة ، وهو ~~مشهور معروف ، وقد وصفه وحدده هكذا " تضمن كتاب الوقف جميع الخان المذكور " ~~وليس كذلك ؛ فإن الخان المذكور من جملة الأملاك الموروثة عن السلطان الشهيد ~~الملك المنصور والد السلطان الواقف - قدس الله روحه - والذي كمل للسلطان ~~الملك الناصر - خلد الله ملكه - من الأملاك المخلفة عن والده السلطان الملك ~~المنصور مما جره إليه الإرث عن والده السلطان المشار إليه وأخيه الأمير ~~أحمد وأخته جهة عنبر الكمالي ، وأخيه الملك الأشرف ، وبنات أخيه الملك ~~الأشرف ، وأخته داره مختار الجوهري ، وما خصه من نصيب والدته الذي وهبته له ~~ولأخيه الملك الأشرف ولأخته : داره مختار الجوهري المذكورة ، وذلك إلى حين ~~صدور هذا الوقف سبعة عشر سهما ونصف سهم وثمن سهم وسدس عشر سهم وسدس ثمن عشر ~~سهم - هذا الذي لا خلاف فيه ولا نزاع - وهذه الحصة المذكورة هي التي استقرت ~~في الوقف من هذا الخان ، وإطلاق الكاتب في كتاب الوقف جميع الخان غلط وغفلة ~~ممن أملاه ، أو ذهول ممن عين ذلك من المباشرين . وأجرة هذا الخان بجملته في ~~كل سنة على ما استقر إلى آخر سنة ms7395 اثنتين وعشرين وسبعمائة تزيد على سبعين ~~ألف درهم ، يخص الوقف منها ما يزيد على خمسة وأربعين ألف درهم ، ثم تجدد ~~بعد كتاب الوقف المشروح في الوقف المذكور زيادات منها المقاعد التي أنشئت ~~بالساحة بباب المدرسة ، وعدتها ثمانية ، ومسطبة ومخزن ، أجرتها في كل شهر ~~مائة درهم وأربعون درهما ، ومنها ما اشترى من فائض ريع الوقف وألحق به ، ~~وهو نصف وربع وثمن طاحون بمصر . وأجرة ذلك في كل شهر سبعة وثمانون درهما ، ~~وإسطبل وطبقة بخان السبيل أجرة ذلك في كل سنة ستة عشر درهما . وجعل الواقف ~~- خلد الله سلطانه - للناظر في الوقف المذكور أن يصرف لمباشري الوقف ~~واستخراجه وصرفه في مصارفه ، ولمباشري العمارة بالمدرسة والأوقاف ، والجابي ~~، والمعمار وغير ذلك ما يراه ، ويؤدي إليه اجتهاده . من عدد المباشرين ~~وتسويتهم وتفضيلهم ، وجعل للناظر أيضا أن يصرف من ريع الوقف إذا فضل عن ~~المرتب المعين فيه في ليالي الجمع والأعياد والمواسم وشهر رمضان ما يراه من ~~التوسعة عليهم ، فإن تعذر الصرف لجهة من الجهات عاد الصرف إلى باقيها ، فإن ~~تعذر صرف ذلك للفقراء والمساكين من المسلمين أينما كانوا وحيثما وجدوا ، ~~فإن زال التعذر عاد على الحكم المذكور ، فإن تعذر أيضا كان على الفقراء ~~والمساكين كما تقدم ، يصرفه الناظر فيهم على ما يراه من مساواة وتفضيل ، ~~PageV32P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" وعلى ما يرى صرفه من نقد أو ثوب أو كسوة . أو ~~غير ذلك مما يراه ويؤدي إليه اجتهاده . ولما تم هذا الوقف وكملت عمارة ~~المدرسة ، وجلس المدرسون والمعيدون والفقهاء بالمدرسة ، وانتصب كل من ذكر ~~في هذا الوقف وظيفته صرف الناظر للمدرسين خاصة معلومهم الشاهد به كتاب ~~الوقف ، وصرف للمعيدين والفقهاء بكل إيوان من الأواوين الأربعة على مذهبه ~~من جملة ما شرط لهم في كتاب الوقف . وهو ثمانمائة درهم في كل شهر ثلاثمائة ~~وخمسون درهما صرف منها لمعيدين لكل منهما في كل شهر ثلاثين درهما ، وصرف ~~للطلبة والنقيب والداعي في كل شهر مائتي درهم وسبعين درهما ، وقطع من هذا ~~المرتب المصروف لهم في كل سنة ثلاثة شهور . واستمر ms7396 ذلك مدة طويلة . واتفق ~~في غضون ذلك أن باشرت ديوان الخاص السلطاني بالأبواب الشريفة وغيرها ، ~~وسكنت بالمدرسة الناصرية ، واطلعت على متحصل جهات الوقف بالقاهرة وغيرها ، ~~ونظرت في ذلك ، فرأيته يفيض على المصروف في كل سنة جملة كثيرة ، فقمت في ~~ذلك قياما أدى إلى أن صرف لهم ذلك مكملا من غير اقتطاع ثلاثة شهور ، واستمر ~~الأمر على ذلك إلى أن توفي الطواشي شجاع الدين ناظر الوقف في سنة أربع ~~وعشرين وسبعمائة ، وفوض الأمر إلى الأمير سيف الدين أرغون الناصري نائب ~~السلطنة الشريفة ، فأظهر كتاب الوقف وأذاعه ، وحمل الأمر على حكمه على ما ~~نذكر ذلك - إن شاء الله تعالى - في موضعه . ونقل السلطان إلى القبة ~~المباركة ما تحتاج إليه من البسط والشمعدانات الكفت ، والأطباق النحاس ، ~~وغير ذلك من الآلات مما جعله في حاصلها ، ونقل والدته من مدفنها بالتربة ~~المجاورة لمشهد السيدة نفيسة إلى مدفن هذه القبة ، وذلك في سنة ثلاث ~~وسبعمائة ، وهي أول من دفن بمشهد القبة ، ثم دفن بعد ذلك ابنة له توفيت ~~صغيرة رحمها الله تعالى وقد أخذ هذا الفصل حده من الإطالة ، فلنذكر خلاف ~~ذلك من الحوادث ، والله أعلم . وفي سنة ثلاث وسبعمائة أفرج عن الأميرين ~~السيدين الشريفين عز الدين حميضة وأسد الدين رميثة ولدي الأمير نجم الدين ~~أبي نمي وأعيدا إلى مكة - شرفها الله تعالى . PageV32P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" وفيها فوضت نيابة السلطنة بحمص إلى الأمير سيف ~~الدين بلبان الجوكندار المنصوري ، نقل من نيابة قلعة دمشق إليها عوضا عن عز ~~الدين أيبك الحموي الظاهري بحكم وفاته ، وكانت وفاته في يوم الأحد تاسع شهر ~~ربيع الآخر من هذه السنة ، وتوجه الأمير سيف الدين إليها في ثامن عشر جمادى ~~الأولى وجعل نائب قلعة دمشق الأمير سيف الدين بهادر السنجري . ذكر تجريد ~~العساكر إلى بلاد سيس وفي هذه السنة جردت العساكر إلى بلاد سيس ؛ وكان سبب ~~ذلك أن طائفة من العسكر الحلبي دخلت إلى بلاد الأرمن للإغارة ، فلما رجعوا ~~كبسهم التتار ببلاد سيس ، وسلموا ؛ فرسم بتجريد العساكر إليها ، وجرد من ~~الديار المصرية ms7397 في شعبان الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح ، وهو ~~المقدم على الجيش ، والأمير شمس الدين سنقر جاه المنصوري ، والأمير علم ~~الدين سنجر الصوابي ، ومضافيهم ، فوصلوا إلى دمشق ودخلوا إليها في ثلاثة ~~أيام ، أولها يوم السبت ثاني عشر شهر رمضان ، وآخرها يوم الاثنين رابع عشره ~~، وجرد من دمشق الأمير سيف الدين بهادر آص ومن تبعه في ألفي فارس ، وتوجهوا ~~بجملتهم في يوم الخميس سابع عشر رمضان ، وجرد الأمير سيف الدين قبجق بعسكر ~~حماه ، والأمير سيف الدين أسندمر كرجي بعسكر الفتوحات ، والأمير سيف الدين ~~بلبان الجوكندار بعسكر حمص ، والعسكر الحلبي صحبة الأمير شمس الدين قراسنقر ~~. ولما وصل العسكر إلى حلب حصل للأمير فخر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح ~~مقدم العسكر المصري مرض منعه من الدخول إلى سيس ؛ فأقام بحلب ، وتوجهت ~~العساكر ، وافترقوا فرقتين ؛ فتوجه الأمير سيف الدين فبجق بنصف العسكر من ~~جهة قلعة الروم إلى صوب ملطية ، والفرقة الأخرى إلى دربند فأغاروا ونهبوا ~~وقتلوا وأسروا من ظفروا به ، ثم رجعوا ونازلوا تل حمدون وحاصروها ، ~~واستولوا عليها في يوم الخميس ثالث عشر ذي القعدة ، وملكت بالأمان ، وكان ~~قد اجتمع بها جماعة من أصحاب القلاع المجاورة لها ، وسبب اجتماعهم بها أن ~~صاحب سيس أرسل إليهم أن يجتمعوا بتل حمدون ، ويقبضوا منها نفقة ويعودوا إلى ~~قلاعهم ويحفظوها ، ويقول لهم : إن هذه العساكر إنما دخلت للإغارة والعود . ~~فاجتمعوا بتل حمدون لقبض النفقة ، وجاء العسكر إليها وحاصرهم بها ، فسألوا ~~الأمان ، فلما أطلقوا وصل رسول صاحب سيس إلى العسكر يقول : هؤلاء الذين بتل ~~حمدون هم ملاك PageV32P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" القلاع ، فإن قبضتم عليهم وأردتم المال بذلوه ~~لكم أو القلاع سلموها إليكم . وشكا منهم أنهم لا يرجعون إليه ولا يسمعون ~~منه ويخالفونه إذا قصد بذل الطاعة للسلطان ، أو إرسال الحمول ، ويقولون : ~~إذا حضر العسكر خل بيننا وبينه . فعند ذلك أرسل الأمراء من أدركهم قبل ~~وصولهم إلى مأمنهم ، وقبضوا عليهم وقتل بقيتهم ، وكان الذين قبض عليهم ~~ثمانية من أصحاب القلاع المشار إليهم ، منهم أمير اسمه السرمساق صاحب قلعة ~~بخيمة ms7398 ، وبقيتهم لكل منهم قلعة . فلما تحقق السرمساق أن صاحب سيس عمل عليهم ~~أسلم وتلفظ بالشهادتين المعظمتين ، وقال : أنا لي أخ في خدمة السلطان ، ~~وأنا أسلم قلاعي وألتزم للسلطان بفتح بلاد سيس بألفي فارس من نهر جهان إلى ~~بلاد قرمان ، فعاد العسكر به وببقية الواصلين ، وكان وصولهم إلى دمشق في ~~الحادي والعشرين من ذي الحجة ، ورحل العسكر المصري منها في تاسع عشرين ~~الشهر ، ووصلوا إلى الأبواب السلطانية في المحرم سنة أربع وسبعمائة . وفي ~~يوم الاثنين تاسع عشر شوال سنة ثلاث وسبعمائة فوضت الوزارة بالديار المصرية ~~للأمير ناصر الدين محمد الشيخي ، نقل من ولاية الجيزية إليها عوضا عن ~~الأمير عز الدين أيبك البغدادي ، فأحدث الشيخي مظالم كثيرة ، ولم تطل أيامه ~~. وفي هذه السنة وصل إلى الخدمة السلطانية من بلاد الشرق الأمير بدر الدين ~~جنكلي بن شمس الدين المعروف بالبابا ، وهو أحد مقدمي جيوش التتار ، ووصل ~~معه أحد عشر نفرا من ألزامه ، منهم أخوه نيروز ، ووصل الأمير بدر الدين ~~بأهله ، وكان مقامه ببلاد آمد وكانت مكاتباته ترد على السلطان ببذل النصيحة ~~للإسلام من مدة طويلة ، ثم فارق الآن التتار وجاء ، وكان وصوله إلى دمشق في ~~يوم الثلاثاء حادي عشر ذي القعدة ، ثم توجه منها بمن معه ووصلوا إلى ~~الأبواب السلطانية بقلعة الجبل ، وأحسن السلطان إليهم ، وشملهم بالخلع ~~والإنعام ، وأمر الأمير بدر الدين جنكلي بطبلخاناه ، واستمر من جملة ~~الأمراء ، وظهر للسلطان من أدبه وعقله وجميل نيته وحسن طاعته وصدق إخلاصه ~~في الموالاة والمصافاة ، وعدم اجتماعه واختلاطه بمن يرتاب منه من أهل ~~الأهواء والفتن ، وغير ذلك من الأوصاف الجميلة ما أوجب ترقيه وانتقاله إلى ~~إمرة المائة ، وتقدمة الألف ، ثم إلى رتبة الخصوصية والتقريب والدنو ، ~~والجلوس في مجلس السلطان بالقرب منه ، واستشارته والرجوع إلى كثير من آرائه ~~، وهو كذلك إلى الآن . PageV32P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" وفيها أيضا وصل إلى الأبواب السلطانية رسول من ~~جهة الرندراكون البرشنوني صاحب برشنونة يشفع في النصارى بالديار المصرية أن ~~تفتح كنائسهم على عادتهم ، فقبلت شفاعته ، ورسم أن يفتح للطائفة اليعاقبة ~~من النصارى ms7399 كنيسة بحارة زويلة ، وللملكيين كنيسة بخط البندقانيين ، وكتب ~~جوابه وأعيد رسوله وسفر إليه من الأبواب السلطانية مع فخر الدين عثمان ~~الأفرمي فتوجها من الأبواب السلطانية إلى ثغر الإسكندرية ، وتجهزا منها ~~وركبا في المركب في سنة أربع وسبعمائة ، فلما عزما على الإقلاع تفاوضا ~~مفاوضة أدت إلى أن رسول البرشنوني طرح فخر الدين عثمان من المركب إلى ~~القارب الذي خرج يشيعهم من الميناء هو وغلمانه ، ولم يعطه شيئا مما كان معه ~~، وأقلع من فوره ، وعاد فخر الدين المذكور إلى الأبواب السلطانية في سنة ~~أربع وسبعمائة . والله أعلم . وفي سنة ثلاث أيضا وقع فناء عظيم في الخيول ~~بالشام . حتى كاد يأتي عليها ، ونفقت أكثر خيول الناس ، وكنت يومئذ بدمشق ، ~~وكنت أملك عشرة أرؤس من الخيل الجياد أو أكثر ، فنفقت بجملتها ، واحتجت إلى ~~ابتياع ما أركبه ، وكانت الخيل قبل ذلك قد كثرت بالشام وهانت ، وقلت ~~أثمانها ، لما هرب التتار من مرج الصفر ، حتى أبيع الإكديش من خيل التتار ~~في موضع الوقعة بخمسة دراهم ، ثم تزايد ثمنها ، ثم أبيع الفرس منها بدمشق ~~بثلاثين درهما ، فلما فنيت الآن وارتفع الفناء غلت أثمانها بدمشق لقلتها . ~~وفيها في شهر رمضان توجهت من دمشق إلى الأبواب السلطانية بالديار المصرية ~~مفارقا لمباشرة أملاك الخاص الشريف ، وكان وصولي إلى القاهرة في يوم الأحد ~~السابع والعشرين من شهر رمضان بعد الظهر ، وباشرت ديوان الخاص . ~~والبيمارستان المنصوري ، وما معه من الأوقاف المنصورية في بقية اليوم الذي ~~وصلت فيه ، ورفع إلي حساب المياومة قبل غروب الشمس من اليوم المذكور . ~~PageV32P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" وفيها توجه الأمير سيف الدين سلار نائب ~~السلطنة إلى الحجاز الشريف ، وتصدق صدقات كثيرة بمكة والمدينة ، سد بها ~~حاجة ذوي الحاجات ، ووسع على المجاورين والمقيمين . وفيها في أواخر شهر ~~رمضان ولد لمولانا السلطان الملك الناصر ولد من زوجته أردكين ابنة الأمير ~~سيف الدين نوكيه ، سماه عليا ، ونعت علاء الدين ، ثم لقب بعد بالملك ~~المنصور . وفي هذه السنة كانت وفاة الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار ~~الظاهري أحد الأمراء الأكابر مقدمي الألوف بالديار ms7400 المصرية ، وهو أحد من ~~كان توجه إلى غازان ملك التتار وعاد كما تقدم ذكر ذلك . ذكر وفاة الشيخ زين ~~الدين الفارقي وما اتفق بسبب مناصبه بدمشق وفي هذه السنة في يوم الجمعة ~~تاسع عشر صفر توفي الشيخ الإمام العالم زين الدين أبو محمد عبد الله بن ~~مروان بن عبد الله الفارقي الشافعي الخطيب بدمشق بقاعة الخطابة بالجامع ~~الأموي ، وجهز وصلي عليه في بكرة نهار السبت في ثلاثة أماكن ، فصلى عليه ~~بجامع دمشق قاضي القضاة نجم الدين بن صصري الشافعي ، وصلى عليه بسوق الخيل ~~قاضي القضاة شمس الدين الحنفي ، وصلى عليه بباب جامع الجبل قاضي القضاة تقي ~~الدين الحنبلي ، ودفن بتربة أهله ، وكانت جنازته مشهورة . ومولده في المحرم ~~سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ، وكان بيده من المناصب خطابة الجامع الأموي ، ~~وتدريس دار الحديث الأشرفية ، ولي مشيختها سبعة وعشرين سنة ، وتدريس ~~المدرسة الشامية البرانية ، ولما مات رحمه الله تعالى كان نائب السلطنة ~~الأمير جمال الدين آقش الأفرم بالضفة القبلية ، فوصل إلى دمشق في شهر ربيع ~~الأول ، فتكلم الناس معه في مناصب الشيخ زين الدين المشار إليه ، فعين ~~الخطابة للشيخ شرف الدين الفزاري ، وتدريس المدرسة الشامية البرانية ، ودار ~~الحديث الأشرفية للشيخ كمال الدين الشريشي بحكم أن تؤخذ منه المدرسة ~~الناصرية بدمشق فيليها الشيخ كمال الدين بن الزملكاني ، واستقر ذلك . ~~PageV32P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" ولما اتصل خبر وفاته بالأبواب السلطانية سعى ~~الشيخ صدر الدين محمد ابن الوكيل المعروف بابن المرحل في مناصبه بالشام ، ~~وأن يعاد إليه معها ما كان بيده قبل انتقاله إلى الديار المصرية ، وهو ~~تدريس المدرسة الشامية الجوانية ، والمدرسة العذراوية فأجيب إلى ذلك ، وكتب ~~توقيعه به . وولي بعده تدريس المدرسة الناصرية بالقاهرة القاضي مجد الدين ~~عيسى بن الخشاب ، وكان تدريسها قد عين له قبل تكملة عمارتها ، ثم وليه ~~الشيخ صدر الدين كما تقدم ، فوليه القاضي مجد الدين بعده ، وجهز توقيع ~~الشيخ صدر الدين صحبة البريد إلى دمشق فزين مكاتبات من اعتنى به من الأمراء ~~إلى نائب السلطنة بإمضائه ، فوصل البريد بذلك إلى دمشق في ms7401 يوم الاثنين ~~منتصف شهر ربيع الأول ، فكتب نائب السلطنة عليه ، وبطل ما كان قد تقرر من ~~الولايات لمن ذكرنا ، ثم وصل الشيخ صدر الدين في يوم الاثنين الثاني ~~والعشرين من الشهر إلى دمشق على خيل البريد ، وعلى يده أمثلة سلطانية ، ~~فاجتمع بنائب السلطنة ، وأمضى ولايته ، وركب من غده وجاء إلى الجامع الأموي ~~بعد الظهر ، ودخل دار الخطابة وصلى بالناس صلاة العصر بالجامع فتألم الناس ~~لذلك تألما شديدا لاجتماعهم على الشيخ شرف الدين الفزاري ، واتفق الأعيان ~~على أنهم لا يصلون خلفه ، واجتمع جماعة كثيرة في يوم الأربعاء رابع عشرين ~~الشهر مع الشيخ تقي الدين ابن تيمية وتوجهوا إلى نائب السلطنة ، وتحدثوا ~~معه في المطالعة إلى الأبواب السلطانية في أمر صدر الدين وأن لا يخطب إلا ~~بعد ورود الجواب ، وثلبوه بأمور كثيرة ، فأجاب نائب السلطنة سؤالهم ، ومنع ~~صدر الدين من الخطابة والإمامة حتى يرد جواب السلطان ، وطالع في أمره ، ~~وذكر ما قاله العلماء والأكابر وما صمموا عليه من الامتناع عن الصلاة خلفه ~~، وما شرطه الواقفان لدار الحديث الأشرفية ، والشامية البرانية في أمر ~~التدريس ، واستنيب في الإمامة الشيخ أبو بكر الجزري ، وفي الخطابة الشيخ ~~تاج الدين الجعبري ، وأمضى نائب السلطنة ولاية صدر الدين فيما عدا ذلك من ~~المدارس ، فجلس في بكرة نهار الأحد الثامن والعشرين PageV32P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" من الشهر ، وألقى الدروس بالمدارس ، وهي ~~الشامية البرانية ، والجوانية ، ودار الحديث الأشرفية ، والمدرسة العذراوية ~~، وكانت مع جلال الدين القزويني ، والشامية الجوانية مع كمال الدين بن ~~الزملكاني ، واستمر الحال على ذلك إلى يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر ~~ربيع الآخر ، فعاد البريد بالأجوبة أن يولى الخطابة والإمامة بدمشق من يتفق ~~المسلمون عليه ويرضونه ، وأن يسلك في أمر الشامية ودار الحديث ما شرط ~~واقفاها ، فتولى تدريس الشامية البرانية الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني ، ~~وذكر الدرس في مستهل جمادى الأولى ، وفوضت الخطابة للشيخ شرف الدين الفزاري ~~، وخطب في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى ، وخلع عليه في يوم الجمعة ~~ثامن جمادى الآخرة . وفيها في ليلة الجمعة خامس عشرين ms7402 شهر ربيع الآخر توفي ~~الصدر فتح الدين عبد الله ابن الصاحب معين الدين محمد بن أحمد بن أحمد بن ~~خالد القيصراني بالقاهرة رحمه الله تعالى . وفيها في يوم الاثنين تاسع شهر ~~رجب الفرد الفرد توفي الأمير ركن الدين بيبرس التلاوي أستاذ الدار العالية ~~، وشاد الدواوين المعمورة بالشام ، وكان ظالما عسوفا متكبرا ، فابتلاه الله ~~تعالى بالأمراض الشديدة ، وكانت مدة ولايته الوظيفة ثلاثة عشر شهرا وتسعة ~~عشر يوما ، مرض منها سبعة أشهر وأياما ، ولما مات ولي شدا الشام بعده ~~الأمير شرف الدين قيران الدواداري ، في يوم الخميس حادي عشر شعبان ، نقل من ~~شد طرابلس إلى دمشق . وفي هذه السنة توفي الشيخ الصالح العارف القدوة السيد ~~الشريف أبو فارس عبد العزيز عبد الغني بن سرور بن سلامة بن بركات بن داود ~~بن أحمد بن يحيى بن زكريا بن القاسم بن أبي عبد الله بن إبراهيم الغمر ~~طباطبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الحسن بن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، وهو المعروف بالمنوفي وكانت وفاته بمصر في ~~ليلة الاثنين خامس عشر ذي الحجة ، ودفن بكرة النهار بالقرافة ، وكان من ~~الصلحاء المعمرين ، مات عن مائة PageV32P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" وعشرين سنة ، وهو من أصحاب الشيخ أبي الحجاج ~~الأقصري ، وله رحمه الله تعالى نظم حسن اجتمعت به في سنة ست وتسعين وستمائة ~~بمدينة قوص ، وكان قد توجه لزيارة شيخه الشيخ أبي الحجاج ، ومرض بمدينة ~~الأقصرين في هذه السفرة ، فرآه القاضي جمال الدين يحيى بن يحيى الأرمنتي ~~أحد السعداء في الصعيد فوجده قد أغمي عليه ، فلما أفاق قال له جمال الدين : ~~كيف تجدك ؟ فأنشده : [ من الرجز ] هذي الجفون وإنما أين الكرى منها وهذا ~~الجسم أين الروح ومتع رحمه الله تعالى مع طول عمره بعقله وحواسه . واستهلت ~~سنة أربع وسبعمائة في هذه السنة عزل الأمير سيف الدين بنخاص من نيابة ~~السلطنة بالمملكة الصفدية ، وأحضر إلى الأبواب السلطانية ، واستقر في جملة ~~الأمراء مقدمي الألوف ، وفوضت نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية للأمير شمس ~~الدين سنقرجاه ms7403 المنصوري ، فتوجه إليها ، وكان من الأمراء مقدمي الألوف ~~بالديار المصرية . ذكر عمارة الجامع الحاكمي بالقاهرة وما رتب فيه من ~~الدروس والطوائف قد قدمنا أن الجامع الحاكمي بالقاهرة تداعت أركانه وسقط ~~بنيانه ، وأن الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار العالية انتدب ~~لعمارته ، فحصل الشروع فيها في أوائل سنة ثلاث وسبعمائة ، ووقع الاهتمام ~~بأمر العمارة حتى عاد أحسن ما كان ، وانصرف عليه جملة كثيرة ، وتكاملت ~~عمارته في هذه السنة ، ووقف الأمير ركن الدين من أملاكه على مصالحه - التي ~~تذكر - أملاكا يتحصل من ريعها جملة في كل شهر ، ورتب به من الدروس ~~والتصدرات وغير ذلك من جهات البر ما نذكره ، وقدر لهم من المعلوم ، وهو : ~~دروس الفقه على المذاهب الأربعة : الشافعية ، والمالكية ، والحنفية ، ~~والحنابلة ، وولى تدريس ذلك قضاة القضاة الأربعة وهم : قاضي القضاة بدر ~~الدين محمد بن جماعة الشافعي ، وقاضي القضاة زين الدين علي بن مخلوف ~~المالكي ، وقاضي القضاة شمس الدين أحمد السروجي PageV32P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" الحنفي ، وقاضي القضاة شرف الدين عبد الغني ~~الحراني الحنبلي ، ورتب لكل واحد منهم عن وظيفة التدريس في كل شهر مائة ~~درهم وثلاثين درهما نقرة ، وجعل لكل درس معيدين ، ورتب لكل واحد منهما في ~~كل شهر خمسين درهما ، ورتب للطلبة لكل مذهب في كل شهر ثلاثمائة نقرة ، ورتب ~~درس حديث فرض تدريسه للشيخ سعد الدين مسعود الحارثي وجعل له ولمعيدين ~~ولطلبة نظير ما لطائفة من الطوائف المذكورة . ورتب فيه ميعادا للعامة جعل ~~شيخه القاضي مجد الدين بن الخشاب ، ورتب له في كل شهر مائة وثلاثين درهما . ~~ورتب متصدرين لأقراء القرآن ، لكل منهما ستون درهما . ورتب متصدرين لإلقاء ~~العلوم وهما الشيخ علاء الدين القونوي والشيخ زين الدين بن الكتاني ورتب ~~لكل منهما في كل شهر ستين درهما . ورتب متصدرين لإلقاء النحو ، وهما الشيخ ~~أثير الدين أبو حيان ، وتاج الدين محمد البارنباري . رتب لكل منهما في كل ~~شهر ثلاثين درهما ، ورتب ملقنين PageV32P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" للقرآن العظيم ، رتب لكل منهما في كل شهر ~~ثلاثين درهما ، ورتب لعشرين متلقن لكل ms7404 واحد منهم في كل شهر عشرة دراهم . ~~ورتب عشرين مقرئا يتلون كتاب الله تعالى عقب صلاة الصبح وصلاة الظهر وصلاة ~~العصر وصلاة المغرب ، ورتب لكل واحد منهم عشرة دراهم . ورتب ثلاثة أئمة على ~~ثلاثة مذاهب : مالك بن أنس ، وأبي حنيفة ، وأحمد بن حنبل ، يصلون بالجامع ، ~~ورتب لكل واحد منهم في كل شهر ثلاثين درهما . ورتب فقيهين يعلمان عدة من ~~الصبيان الأيتام ، ورتب لهما في كل شهر خمسين درهما . ولعدة من الصبيان ما ~~يكفيهم على العادة . وأنشأ بالجامع خزانة كتب ، وقف بها نحو خمسمائة مجلد ~~من كتب العلوم ، والآداب ، والتواريخ وغير ذلك ، وختمات شريفة ، وربعات ، ~~وغير ذلك ، ورتب لشاهدها في كل شهر ثلاثين درهما ، واستنسخ ختمة شريفة سبعة ~~أجزاء ، في ورق بغدادي كامل كتبت بالذهب المحلول ، بخط شرف الدين بن الوحيد ~~، حل له جملة من الذهب ، وصرف عليها جملة في أجرة كاتب وترميل ، وتذهيب ~~آيات وأعشار وسور وفواتح وتجليد ، ووقفها بالجامع يقرأ منها في كل جمعة قبل ~~الخطبة ، ورتب للقارئ في كل شهر معلوما . ورتب غير ذلك من وجوه البر ~~والقربات ، وجلس المدرسون المذكورون وغيرهم من أرباب الوظائف بالجامع ~~الحاكمي المذكور في أول شهر ربيع الأول من هذه السنة أثابه الله تعالى وكان ~~الذي حسن له ترتيب ذلك وحثه عليه الشيخ العارف نصر المنبجي نفع الله به - ~~وكان الأمير ركن الدين لا يخرج عن إشارته . وفي هذه السنة عاد الأمير سيف ~~الدين قطايا بن يوسف أمير بني كلاب ، وسلطان ، وجماعة من مشايخهم إلى ~~الخدمة السلطانية . PageV32P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" وكان قد خرج عن الطاعة من مدة طويلة ، وتوجه ~~إلى بلاد الشرق ، ولحق بالتتار ، فعاد الآن بمن معه ، فأحسن السلطان إليهم ~~، وشملهم بالإنعام والإقطاعات ، وفرقهم في بلاد الشام وعفا عن ذنوبهم ~~السالفة ، ولم يؤاخذهم . وفيها في شهر ربيع الأول وصل رسل الملك طقطاي صاحب ~~صراي وبلاد القبجاق ، فأكرمهم السلطان وأحسن إليهم ، وأنزلهم بمناظر الكبش ~~، وأعادهم إلى مرسلهم صحبة رسوله إليه وهو الأمير سيف الدين بلبان الصرخدي ~~وذلك في شهر رجب . وفيها في جمادى ms7405 الأولى وقد إلى الأبواب السلطانية جماعة ~~من التتار نحو مائتي فارس بنسائهم وأولادهم ، وكان وصولهم إلى دمشق في تاسع ~~الشهر ، وقيل : إن منهم أربعة من سلاح سارية الملك غازان . وفيها عاد ~~القاضي بدر الدين محمد بن فضل الله العمري من بلاد التتار ، وكان وصوله إلى ~~دمشق في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من جمادى الآخرة ، وكان ممن استصحبه ~~وزير غازان معه إلى بلاد الشرق في سنة تسع وتسعين وستمائة فعاد الآن . ~~PageV32P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" وفيها في شهر رمضان عاد رسل السلطان الذين ~~كانوا توجهوا إلى غازان ، وهما : الأمير حسام الدين أزدمر المجيري ، ~~والقاضي عماد الدين بن السكري وصحبتهما رسول خربندا ملك التتار القائم بعد ~~أخيه غازان ، وكان وصولهم إلى دمشق في يوم الأحد رابع عشرين شعبان ، ~~فتلقاهم نائب السلطنة بالشام وسائر الجيش بظاهر دمشق بأحسن زينة وأفخر ~~ملبوس . ثم توجهوا إلى الأبواب السلطانية في يوم الثلاثاء السادس والعشرين ~~من الشهر ، وكان مضمون رسالتهم - فيما بلغني - طلب الصلح والموادعة ، وكف ~~الغارات من الجهتين ، وانتظام الصلح ، واجتماع كلمة الاتفاق . فأحسن ~~السلطان إلى رسله وأكرمهم ، وأعادهم صحبة رسوله علاء الدين علي ابن الأمير ~~سيف الدين بلبان القليجي أحد مقدمي الحلقة المنصورة ، والقاضي سليمان ~~المالكي الشبرايريقي ، وشيرايريق قرية من قرى الغربية بالديار المصرية ، ~~وهو أحد نواب الحكم ، وتوجهوا في ذي القعدة وعادوا في شهر رمضان سنة خمس ~~وسبعمائة ، ومعهم رسل الملك خربندا . وفيها عزل الأمير ناصر الدين محمد ~~الشيخي عن الوزارة في أواخر شعبان ، ورسم بمصادرته ، وصودر وضرب بالمقارع ~~بين يدي عز الدين أيبك الشجاعي شاد الدواوين إلى أن مات ، وكان قد أحدث ~~مظالم كثيرة وقصد تجديد ما هو أشنع منها وأفحش من المكوس المنكرة والحوادث ~~التي ما سمع بمثلها ، فما أمهله القدر ، وأخذه الله تعالى شر إخذة ، وأراح ~~الناس من شره . وكان ناصر الدين في ابتداء أمره يخيط الأقباع بالقاهرة في ~~كل يوم بنصف درهم ، ثم خدم الأمير شمس الدين بن التيتي وحضر معه من بلاد ~~التتار في الدولة المنصورية ، ثم توصل وخدم جنديا ms7406 من الحلقة فأعطي إقطاعا ~~بساحل الغلة ، فبذل في شد الجهة بذلا ووليها ، فظهر منه اجتهاد ، ثم نقل ~~إلى شد الدواوين مدة ، ثم نقل إلى ولاية القاهرة ، وتأمر بطبلخاناه ، ثم ~~ولي الجيزية ، ومنها إلى الوزارة . PageV32P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" ولما عزل فوضت الوزارة إلى القاضي سعد الدين ~~بن عطايا ، وكان يلي نظر البيوت السلطانية فنقل إلى الوزارة ، وخلع عليه في ~~يوم الأربعاء ثاني عشر شهر رمضان ، وكان الذي اعتنى بأمره وعينه لهذا ~~المنصب الأمير علم الدين سنجر ، الجاولي أستاذ الدار العالية . ولقد شاهدت ~~الصاحب سعد الدين هذا قبل وزارته بثلاثة أيام وهو قائم بين يدي الأمير علم ~~الدين المذكور وهو يقرأ عليه ورقة حساب لعلها تتعلق بديوان البيوت ، فلما ~~ولي الوزارة حضر الأمير علم الدين معه إلى مجلس الوزارة ، وجلس بين يديه ~~ووقع الصاحب ، وكتب بالامتثال فرمل على خطه فيما بلغني . وفي هذه السنة وصل ~~رسول من جهة أبي يعقوب المريني صاحب بلاد المغرب : وهو علاء الدين ~~الشهرزوري وأصله من أولاد الشهرزورية الذين نفوا في الدولة الظاهرية ، وحضر ~~صحبته هدايا جليلة كثيرة ، كثير من الخيل والبغال بالسروج ، وجملة من ~~القماش والذهب على سبيل الهدية والأمداد ، فقبلت هديته ، وأنعم على رسول له ~~. في سنة خمس ، وأعيد إلى مرسله على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى . وفيها ~~وصل متملك دنقلة وبلاد النوبة إلى الأبواب السلطانية ، وأحضر صحبته التقدمة ~~الجاري بها العادة ، والبقط من الرقيق والهجن والثمار والسنباذج وغير ذلك ، ~~وسأل السلطان معه عسكرا لينهض به على أعدائه الذين يؤخرون مطيعه ؛ فجرد معه ~~الأمير سيف الدين طقصبا في طائفة من العسكر فتوجه بهم وأغار وأوغل في بلاد ~~النوبة وعاد . PageV32P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" ذكر ما وقع في هذه السنة بدمشق من الحوادث ~~والولايات كان مما وقع هذه السنة بدمشق أن نائب السلطنة بها الأمير جمال ~~الدين آقش الأفرم أمر بعقد مجلس لنجم الدين أبي بكر ابن القاضي بهاء الدين ~~خلكان ، وسماع ما يدعيه ، وكان قد تكرر منه أنه حكيم الزمان ، وأنه يخاطب ~~بكلام يشبه الوحي ms7407 بزعمه ، وذكر ألفاظا يدعي أنه خوطب بها وهي : يا أيها ~~الحكيم افعل كذا ، وأشباه ذلك ، وادعى أنه قد اطلع على علوم كثيرة ؛ منها : ~~عمل طبل إذا ضرب به انهزم جيش العدو ، وعمل طلسم إذا كان مع الملك وأحضر ~~إلى مجلسه السم حصل للملك أعراض ، يعلم ذلك منها ، وأشباه هذا من الأعمال ، ~~فأحضر بين يدي نائب السلطة وحضر المجلس الشيخ صدر الدين ابن الوكيل والشيخ ~~كمال الدين بن الزملكاني خاصة ، وطولب بإقامة البرهان على صحة دعواه ، فلم ~~يأت بما يدل على ذلك ، فاعتذر عنه عند نائب السلطنة أنه من بيت رياسة ، ~~ورجل فقير ، وأنه قليل الاجتماع بالناس ، وأن هذا الذي يعرض له نوع من ~~الوسواس ، وتاب هو إلى الله تعالى مما كان يدعيه ، واستمر مدة ثم عاد إلى ~~ما كان عليه من الدعوى فعقد له مجلس في ثالث شهر رمضان سنة سبع وسبعمائة ~~بدمشق أيضا بحضور نائب السلطنة المشار إليه وقضاة القضاة والعلماء ، وحصل ~~البحث في أمره فأفتى بعض العلماء بقتله ، وأفتى بعضهم باستتابته وتعذيره ، ~~فجدد عليه مكتوب بالتوبة عن الكلام في المغيبات ، واعتنى به الأمير سيف ~~الدين بكتمر الحاجب كما أخبرني فأقامه من المجلس وقال : هذا رجل مجنون ~~وأرسله إلى البيمارستان النوري ، فأقام به مدة ثم خرج منه ، ثم عاد إلى ما ~~كان عليه ، وهذا المذكور مستمر على دعواه لا يرجع عنها إلى سنة خمس وعشرين ~~وسبعمائة ، وهو بالقاهرة لا يزال يذكر هذا القول ويلهج به ويدعيه وحضر إلي ~~مرارا ونهيته عنه فلم ينته ولا يرجع ، ويقول : إنه حكيم الزمان ، وإنه ~~يخاطب بما صورته بيا أيها الحكيم ، ويذكر السلطان الملك الناصر ويقول : إنه ~~أرسل إليه ، وإنه إذا اجتمع به له من الأوفاق والطلمسات أشياء كثيرة ذكرها ~~لي يطول شرحها ، وهو يتردد إلى قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ~~PageV32P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" الشافعي ، ويعرض عليه أقواله ، ويسأله الحديث ~~له مع السلطان ، فيصرفه عن ذلك ، ويصرف له من الصدقات الحكمية ما يرتفق به ~~. ولما تكرر هذا القول منه وشاع وذاع عنه اتصل ms7408 بالأمير سيف الدين ألجاي ~~الدوادار الناصري في سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة وأحضره وطالبه . بإقامة ~~البرهان على صحة ما يدعيه فذكر أن الذي يذكره إنما يظهر ويفيد بين يدي ~~السلطان ، فقال له : أنا أجمع بينك وبين السلطان ، فقال نجم الدين : إنما ~~أمرت أن يتحدث لي مع السلطان قضاة القضاة ، ولم أومر بك ، فقال : أنا أدع ~~القضاة ، يتكلمون مع السلطان في أمرك ، وحصره وضايقه بكل طريق وأقام عنده ~~بمنزله بالقلعة أيام ثم عرض عليه التوبة والرجوع عن هذه الأقوال فتاب ورجع ~~عنها بحضوره ، وأخذ منه كتابا كان يدعي أنه جميعه مما خوطب وأطلقه ثم اجتمع ~~بي بعد ذلك في سنة خمس وعشرين وسبعمائة وهو باق على دعواه مصر على مقالته ~~عافاه الله تعالى وهذا الرجل كان قبل هذه الدعوى ينوب عن القضاة بالشام ، ~~وناب عن القاضي بدر الدين بن جماعة في بعض الأعمال ، فلما غلب عليه هذا ~~الحال ترك الولايات الحكمية وأخذ في هذا النوع . وفي هذه السنة رسم للأمير ~~ركن الدين بيبرس العلائي أحد الأمراء بالشام أن يكون حاجيا بدمشق رفيقا ~~للأمير سيف الدين بكتمر الحسامي ، فامتنع من ذلك ، وسأل الإعفاء ، ثم أجاب ~~ولبس التشريف السلطاني ووقف في الخدمة واستمر في الحجبة هو والأمير سيف ~~الدين بكتمر وذلك في منتصف جمادى الآخرة ، وكانا حاجبين كبيرين . وفيها في ~~يوم الاثنين سادس عشرين شهر رجب توجه الشيخ تقي الدين بن تيمية وجماعة إلى ~~مسجد التاريخ ظاهر دمشق ، وأحضر جماعة من الحجارين وقطع صخرة هناك كان ~~الناس يزورونها وينذرون لها ، وكان للناس فيها أقاويل ، فأزالها . وفي يوم ~~الثلاثاء خامس عشرين شهر رمضان ضرب عنق الكمال الأحدب رئيس قلعة جديا من ~~غوطة دمشق ، وسبب ذلك أنه حضر إلى قاضي القضاة جمال الدين المالكي مستفتيا ~~وهو لا يعلم أنه قاضي القضاة فاستفتاه في رجل خاصم رجلا فقال أحدهما للآخر ~~: تكذب ولو كنت رسول الله فسأله القاضي ، من قال هذا ؟ قال : أنا . فأشهد ~~عليه من حضر مجلسه وذلك في يوم الاثنين رابع عشرين الشهر ، وحكم في يوم ms7409 ~~الثلاثاء بإراقة دمه في دار العدل ، فضربت عنقه بسوق الخيل ، ثم غسل وكفن ~~وصلي عليه ودفن . PageV32P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" وفيها في يوم الجمعة سادس عشرين من شوال حكم ~~قاضي القضاة جمال الدين المالكي بدمشق بإراقة دم أبي السرور السامري كاتب ~~الأمير سيف الدين أسندمر كرجي نائب السلطنة بالفتوحات ، وأن ماله فيء ~~للمسلمين ، وأشهد على نفسه بذلك بعد أن شهد عنده على المذكور بما يقتضي ~~الحكم عليه بذلك من العظائم ، وكان هذا الكاتب المذكور قد تمكن من الأمير ~~سيف الدين أسندمر بطرابلس تمكنا عظيما ، فكان يركب معه في الموكب الخيل ~~المسومة بالسروج المذهبة ، والكتابيش الحرير ، ويسايره في المواكب ، وإذا ~~قرب من دار السلطنة وترجل الأمراء في الخدمة تقدم هو بفرسه والأمراء وغيرهم ~~مشاة ، وهو مستمر الركوب إلى باب دار السلطنة ، وقصد الأمير سيف الدين ~~بالوج الحسامي أحد الأمراء بطرابلس قتله ورتب له من يقتله ، فضربه بالسيف ~~بعد المغرب فوقعت عمامته ، فظن الضارب أنه ضرب عنقه ، وجرى فذلك أمور يطول ~~شرحها أوجبت اعتقال بالوج . ولما اتصل خبره بالأبواب السلطانية رسم بطلبه ~~فأخفاه مخدومه وادعى هربه ، وخشي أنه إن أرسله تكلم عليه بما يؤذيه ، ~~فاقتضى رأيه أنه جهزه إلى دمشق مختفيا صحبه عز الدين أيدمر أحد مماليكه ، ~~وأمره أنه إذا قرب من دمشق يقتله ليلا ، ففعل ذلك ووجد مقتولا ، وعرف بأثر ~~كان في جسده . وفيها في يوم الخميس ثاني ذي القعدة بعد العصر حكم قاضي ~~القضاة جمال الدين المالكي أيضا بإراقة دم شمس الدين محمد ابن الشيخ جمال ~~الدين عبد الرحيم الباجريقي وعدم قبول توبته ، وكان قد شهد عليه بأمور توجب ~~ذلك ، وكان الذين شهدوا عليه الشيخ مجد الدين التونسي ، وعماد الدين محمد ~~ابن القاضي شرف الدين بن مزهر ، والشيخ أبو بكر ابن شرف الصالحي ، وجلال ~~الدين ابن البخاري خطيب الزنجيلية ومحيي الدين محمد الرفاعي ، وإبراهيم بن ~~إسماعيل اللبناني فهرب المذكور خوفا من القتل ، فلما كان في السابع عشر من ~~رمضان سنة ست وسبعمائة نهضت بينه عند القاضي تقي الدين سليمان الحنبلي أن ms7410 ~~بين شمس الدين المذكور وبين من شهد عليه عداوة توجب إسقاط شهادتهم في حقه ، ~~وشهد بذلك الشيخ ناصر الدين ابن عبد السلام ، والشريفان زين الدين ابن ~~عدلان وأخوه قطب الدين ابن شيخ السلامية ، وشهاب الدين الرومي ، وشرف الدين ~~قيران الشمس وغيرهم ، قريبا من PageV32P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" عشرين شاهدا ، فحكم القاضي تقي الدين عند ذلك ~~بحقن دمه وإبطال ما حكم به في حقه ، ونفذ حكمه القاضي شمس الدين الأذرعي ~~الحنفي ، فأنكر المالكي ذلك وأشهد على نفسه أنه باق على حكمه بإراقة دمه ، ~~ولم يظهر ابن الباجريقي بسبب هذا الاختلاف . وفي هذه السنة توفي السيد ~~الشريف عز الدين جماز بن شيحة أمير المدينة النبوية ، على ساكنها أفضل ~~الصلاة والسلام وكان ، قد أضر في آخر عمره ، وأقام بإمرة المدينة بعده ولده ~~الأمير ناصر الدين منصور وتوفي الصاحب أمين الدين أحمد ابن الصاحب فخر ~~الدين محمد ابن الصاحب الوزير بهاء الدين علي بن محمد بن سليم المعروف جده ~~بابن حنا ، وكانت وفاته في ليلة الخميس ثامن صفر ، وكان فقيها شافعيا دينا ~~خيرا كثير البر والصدقة والمعروف والإيثار مع تخليه عن المناصب ، ودفن في ~~قبر كان قد حفره لنفسه بقرب الشيخ ابن أبي حمزة رحمهما الله تعالى وتوفي ~~بدمشق في يوم الأربعاء ثالث عشرين جمادى الآخرة الأمير ركن الدين بيبرس ~~الموفقي المنصوري ، أحد الأمراء مقدمي الألوف بدمشق ، وظهر بعد وفاته أن ~~مماليكه خنقوه وهو سكران ، ولم يخلف وارثا غير من يرثه بالولاية ، فادعى ~~أولاد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر أنه مملوك أبيهم باق على رقه وأن عتق ~~السلطان الملك المنصور له لم يصادف محلا ، فطولبوا بالإثبات فعجزوا عنه ، ~~وشهد الأمير شجاع الدين نقيب العساكر بدمشق أن ركن الدين المذكور كان مملوك ~~الموفق نائب الرحبة وأنه جهزه في جملة تقدمة إلى السلطان الملك المنصور في ~~ابتداء سلطنته ، فوصل إلى دمشق وقد استولى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ~~عليها فوضع يده على التقدمة وأخذ بيبرس هذا في جملة ما أخذ ، فلما أخرج ~~الأمير شمس الدين من دمشق ms7411 استعيد بيبرس هذا ، وأحضر إلى السلطان ، وقال ~~الموفق إنه إنما سيره السلطان الملك المنصور فورثه السلطان الملك الناصر ~~بالولاء الشرعي ، ودفع أولاد سنقر الأشقر عن ميراثه . وتوفي الأمير شمس ~~الدين محمد ابن الصاحب شرف الدين إسماعيل بن أبي سعد الآمدي المعروف بابن ~~التيتي في أحد الجمادين وكان رجلا فاضلا سمع PageV32P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" الحديث وأسمعه ، وولى نيابة دار العدل مدة في ~~الدولة المنصورية الحسامية ، وفيها قتل الأمير سيف الدين بهادر شمس ~~المنصوري أحد الأمراء بدمشق ، وكان قد توجه في خدمة نائب السلطنة إلى الصيد ~~بالمرج فكبسهم طائفة من عرب غزنة ، ولم يعلموا أن نائب السلطنة بالعسكر ، ~~فركب بهادر سمز هذا وحمل على العرب وجعل يرميهم بالنشاب ويقول : أنا بهادر ~~دمشق ، فرماه بعض العرب بحربة وقال : خذها وأنا عصفور بن عصفور فقتله ، ~~وحمل إلى تربة قبر ابن الست فدفن هناك ، وقتل أكثر العرب ، ولم ينج منهم ~~إلا من أسرع به فرسه ، ولما مات ورثه أخوه بهادر الجمالي مملوك نائب ~~السلطنة أثبت أخوته ، ولم يحصل له من ميراثه إلا نحو عشرين ألف درهم ، فإنه ~~ظهر عليه من الديون ما يقارب ثلاثمائة ألف درهم ، فبيع موجوده ووفيت ديونه ~~وتسلم أخوه ما بقي . واستهلت سنة خمس وسبعمائة في هذه السنة عاد علاء الدين ~~أيدغدي رسول المريني ملك المغرب والحجاز الشريف ، وكتب جوابه وجهز إلى ~~مرسله ، وأرسل معه الأمير علاء الدين أيدغدي التليلي والأمير علاء الدين ~~أيدغدي الخوارزمي ، وجهز معهما إلى الملك ما يليق به من الهدايا النفيسة ، ~~وجهز له خمسة عشر مملوكا من التتار الذين أسروا في وقعة مرج الصفر وخمسة ~~مماليك أتراكا وفيها وصل رسول الملك المؤيد هزبر الدين داود وصاحب اليمن ~~ومعه الهدايا والتقادم من البهار والقتا والأقمشة والتحف ، وغير ذلك ، ~~فعرضت هديته وقوبلت بما جرت العادة به من هديتهم فكانت أقل منها ، فصدرت ~~إليه الأمثلة السلطانية بالإنكار والتهديد والإغلاظ له في القول وأرسلت ~~فعاد الرسول بغير جواب فأوجب ذلك ما نذكره من الاهتمام بقصد اليمن وإرسال ~~الرسل والله أعلم . PageV32P0068 # """""" صفحة رقم ms7412 69 """""" ذكر الإغارة على بلاد سيس وأسر الأمراء وفي ~~هذه السنة في شهر المحرم أغارت العساكر الحلبية على بلاد سيس وكان الأمير ~~شمس الدين قرا سنقر المنصوري قد جرد طائفة من العسكر الحلبي في ذي الحجة ~~سنة أربع وسبعمائة ، وقدم عليهم مملوكه الأمير سيف الدين قشتمر ، وكان ولد ~~قطلوشاه بأطراف الروم في ثلاثة آلاف فارس فأرسل إليهم صاحب سيس ، وبذل لهم ~~مالا جزيلا يقال إنه بذل لكل واحد سبعمائة درهم وكان عنده جمع من الفرنج ~~فاجمعوا هم والتتار في ستة آلاف فارس ، فلما كان في مستهل هذه السنة بلغ ~~العسكر الحلبي اجتماعهم ، فذكر الأمراء ذلك لمقدمهم الأمير سيف الدين قشتمر ~~وأشاروا عليه أنهم يرحلون بالغنائم قبل أن يلحقهم العدو ، فلم يرجع إلى ~~رأيهم وقال : أنا بمفردي ألتقي هذا الجمع فراجعوه فلم يرجع ، ففارقه بعض ~~الأمراء في نحو ربع العسكر ، وساق تلك الليلة جميعها ونجا بمن معه ، وبقي ~~بقية العسكر فجاءهم التتار ومن انضم إليهم من الأرمن ، فانهزم من بقي من ~~العسكر الحلبي من غير قتال ، فأسر التتار منهم وقتلوا ، وأسروا من الأمراء ~~بحلب فتح الدين صبرة المهمندار ، وشمس الدين آقسنقر الفارسي ، وسيف الدين ~~قشتمر النجيبي ، وسيف الدين قشتمر المظفري في جماعة من العسكر وأرسلوا إلى ~~الأردو وسلم الأمير سيف الدين قشتمر الشمسي مقدم الجيش في جماعة ، ووصلوا ~~إلى حلب . ولما وقع ذلك ندم صاحب سيس وخشي غائلة العساكر ، وكتب إلى الأمير ~~شمس الدين قراسنقر نائب السلطنة بحلب يبذل له الطاعة والأموال ، ويسأل ~~الصفح عن ذنبه ، وأنه يقوم بالقطيعة المقررة عليه ، فطالع قراسنقر الأبواب ~~السلطانية في ذلك فأجيب سؤاله . وفي هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية ~~رسل ملك الكرج وكان وصولهم من جهة القسطنطينية ، وجهزهم الأشكري صحبة رسله ~~، فوصلوا إلى الأبواب السلطانية ، وكان مضمون رسالتهم سؤال السلطان أن تعاد ~~عليهم كنيسة معروفة بهم بالقدس تسمى المصالبة كانت قد أخذت منهم فأعيدت ~~إليهم وفيها وصل إلى الأبواب السلطانية من بلاد التتار سيف الدين حنا وفخر ~~الدين داود إخوة الأمير سيف الدين سلار ms7413 نائب السلطنة الشريفة ، ووصلت ~~والدته أيضا معهما فأنعم السلطان عليهما وأمرهما طبلخانات . PageV32P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" ذكر توجه العساكر الشامية إلى بلاد الكسروان ~~وإبادة من بها وتمهيدها كان أهل جبال الكسروان قد كثروا وطغوا واشتدت ~~شوكتهم ، وتطرقوا إلى أذى العسكر الناصري عند انهزامه في سنة تسع وتسعين ~~وستمائة ، وتراخى الأمر وتمادى وحصل إغفال أمرهم فزاد طغيانهم وأظهروا ~~الخروج من الطاعة ، واغتروا بجبالهم المنيعة ، وجموعهم الكثيرة ، وأنه لا ~~يمكن الوصول إليهم ، فجهز إليهم الشريف زين الدين بن عدنان ، ثم توجه بعده ~~في ذي الحجة سنة أربع وسبعمائة الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، والأمير بهاء ~~الدين قراقوش الظاهري ، وتحدثا معهم في الرجوع إلى الطاعة فما أجابوا إلى ~~ذلك ، فعند ذلك رسم بتجريد العساكر إليهم من كل جهة ومملكة من الممالك ~~الشامية ، وتوجه نائب السلطنة الأمير جمال الدين آقوش الأفرم من دمشق بسائر ~~الجيوش في يوم الاثنين ثاني المحرم وجمع جمعا كثيرا من الرجال فيقال إنه ~~اجتمع من الرجالة نحو خمسين ألفا وتوجهوا إلى جبال الكسروانيين والجرديين ~~وتوجه الأمير سيف الدين أسندمر بعسكر الفتوحات من الجهة التي تلي بلاد ~~طرابلس ، وكان قد نسب إلى مباطنتهم ، فكتب إليه في ذلك ، فجرد العزم وأراد ~~أن يفعل في هذا الأمر ما يمحو عنه أثر هذه الشناعة التي وقعت وطلع إلى جبل ~~الكسروان من أصعب مسالكه واجتمعت عليهم العساكر فقتل منهم خلق كثير ، وتبدد ~~شملهم وتمزقوا في البلاد ، واستخدم الأمير سيف الدين أسندمر جماعة منهم ~~بطرابلس بجامكية وجراية من الأموال الديوانية ، وسماهم رجال الكسروان ~~وأقاموا على ذلك سنين وأقطع بعضهم أخبارا من حلقة طرابلس ، وتفرق بقيتهم في ~~البلاد واضمحل أمرهم وخمل ذكرهم ، وعاد نائب السلطنة إلى دمشق في رابع عشر ~~صفر من السنة وأقطع جبال الكسروانيين والجرديين لجماعة من الأمراء التركمان ~~وغيرهم منهم : الأمير علاء الدين بن معبد البعلبكي وعز الدين خطاب ، وسيف ~~الدين بكتمر الخسامي ، وأعطوا الطبلخانات وتوجهوا لعمارة إقطاعهم وحفظ ~~ميناء البحر من جهة بيروت . وفي هذه السنة في شهر ربيع الأول نقل الأمير ~~سيف الدين ms7414 بكتمر الحسامي الحاجب من الحجبة بدمشق إلى شد الدواوين وأستاذ ~~الدارية بالشام فامتنع من ذلك ثم ألزم فاشترط شروطا فطولع بها فأجيب إليها ~~وباشر الوظيفة ، وأوقعت الحوطة على الأمير شرف الدين قيران المشد وفيها ~~أفرج عن الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبي PageV32P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" وأنعم عليه بإمرة بدمشق ، وتوجه إليها وكان في ~~الاعتقال من الأيام المنصورية الحسامية والله أعلم . وفي هذه السنة كانت ~~بدمشق فتنة بين جماعة من الفقراء الأحمدية والشيخ تقي الدين بن تيمية وذلك ~~أنهم اجتمعوا في يوم السبت تاسع جمادى الأولى عند نائب السلطنة وحضر الشيخ ~~تقي الدين فطلبوا منه أن يسلم إليه حالهم وأن تقي الدين لا يعارضهم ولا ~~ينكر عليهم وأرادوا أن يظهروا شيئا مما يفعلونه فقال لهم الشيخ : إن اتباع ~~الشريعة لا يسع الخروج عنه ، ولا يقر أحد على خلافه ، وهذه البدع التي ~~تفعلونها من دخول النار وإخراج الزبد من الحلق لها حيل ذكرها وقال : من ~~أراد منكم دخول النار فليغسل جسده في الحمام ثم يدلكه بالخل ثم يدخل بعد ~~ذلك فإن قدر على الدخول دخلت معه ولو دخل بعد ذلك لم يرجع إليه بل هو فعل ~~من أفعال الدجال فانكسرت حدتهم وانفصل المجلس على أنهم يخلعون الأطواق ~~الحديد من أعناقهم ، وعلى أن من خرج منهم عن الكتاب والسنة قوبل بما يستحقه ~~وضبط المجلس المذكور وما وقع فيه وما التزم الفقراء الأحمدية الرفاعية به ، ~~وصنف الشيخ جزءا يتعلق بهذه الطائفة وأفعالهم . ذكر حادثة الشيخ تقي الدين ~~أحمد بن تيمية وما اتفق لطائفة الحنابلة ، واعتقال تقي الدين وما كان من ~~خبره إلى أن أفرج عنه أخيرا كانت هذه الحادثة التي نذكرها في سنة خمس ~~وسبعمائة وانتهت في أواخر سنة تسع وسبعمائة وكان لوقوعها أسباب وموجبات ~~ووقائع اتفقت بالقاهرة ودمشق وقد رأينا أن نذكر هذه الواقعة ونشرح أسبابها ~~من ابتداء وقوعها إلى انتهائها ولا نقطعها بغيرها وإن خرجت سنة ودخلت أخرى ~~السبب المحرك لهذه الواقعة الموجب لطلب الشيخ تقي الدين المذكور إلى الديار ~~المصرية فقد ms7415 أطلعت عليه من ابتدائه وهو أن بعض الطلبة واسمه عبد الرحمن ~~العينوسي سكن بالمدرسة الناصرية التي تقدم ذكرها بالقاهرة وكنت بها وبها ~~قاضي القضاة زين الدين المالكي وغيره ، فاتفق اجتماعي أنا والقاضي شمس ~~الدين محمد بن عدلان الكناني القرشي الشافعي بمنزلي بالمدرسة المذكورة في ~~بعض الليالي وهو أيضا ساكن بالمدرسة ومعيد بها فحضر عبد الرحمن المذكور ~~إلينا ومعه فتيا وقد أجاب الشيخ تقي الدين عنها فأخرجها من يده وشرع يذكر ~~الشيخ تقي الدين وبسط عبارته وعلمه وقال هذه من جملة فتاويه ولم يرد فيما ~~ظهر أذاه وإنما قصد والله أعلم نشر فضيلته فتناولها القاضي شمس الدين بن ~~عدلان منه وقرأها فإذا مضمونها : PageV32P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" بسم الله الرحمن الرحيم ما تقول السادة ~~الفقهاء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين أن يبينوا ما يجب على الإنسان أن ~~يعتقده ويصير به مسلما بأوضح عبارة وأبينها من أن ما في المصاحف هو كلام ~~الله القديم أم هو عبارة عنه لا نفسه وأنه هو حادث أو قديم وأن قوله تعالى ~~: ) الرحمن على العرش استوى ( [ طه : الآية 5 ] هو استواء حقيقة أم لا ؟ ~~وأن كلام الله عز وجل بحرف وصوت أم كلامه صفة قائمة لا تفارق وأن الإنسان ~~إذا أجرى القرآن على ظاهره من غير أن يتأول شيئا منه ويقول أومن به كما ~~أنزل هل يكفيه ذلك في الإعتقاد أم يجب عليه التأويل وأن السائل رجل متحير ~~لا يعرف شيئا وسؤاله بجواب لين ليقلد قائله افتونا مأجورين رحمكم الله . ~~فأجاب الشيخ تقي الدين ما صورته : الحمد لله رب العالمين الذي يجب على ~~الإنسان اعتقاده في ذلك وغيره ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله واتفق عليه ~~سلف المؤمنين الذين أثنى الله على من اتبعهم وذم من اتبع غير سبيلهم وهو أن ~~القرآن الذي أنزله الله على محمد عبده ورسوله كلام الله وأنه منزل غير ~~مخلوق منه بدأ وإليه يعود وأنه قرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا ~~المطهرون وأنه قرآن مجيد في لوح محفوظ ms7416 وأنه في أم الكتاب لدى الله تعالى ~~حفيظ وأنه في الصدور كما قال النبي [ ] " استذكروا القرآن فهو أشد تفلتا من ~~صدور الرجال من النعم من عقلها " وقال : " الجوف الذي ليس فيه شيء من ~~القرآن كالبيت الخرب " أن ما بين لوحي المصحف الذي كتبه الصحابة كلام الله ~~كما قال النبي [ ] : " لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله ~~أيديهم " فهذه الجملة تكفي المسلم في هذا الباب وما تفصيل ما وقع في ذلك من ~~النزاع فكثير منه يكون كلام الإطلاقين خطأ ويكون الحق في التفصيل ومنه ما ~~يكون مع كل من المتنازعين نوع من الحق ويكون كل منهما حق صاحبه وهذا من ~~التفرق والاختلاف الذي ذمه الله ونهى عنه فقال : ) وإن الذين اختلفوا في ~~الكتاب لفي شقاق بعيد ( [ البقرة : الآية 176 ] ، قال : ) ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ( [ آل عمران : الآية 105 ~~] ، وقال : ) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ( [ آل عمران : الآية ~~103 ] ، وقال : ) وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات ~~بغيا بينهم ( [ البقرة : الآية 213 ] فالواجب على المسلم أن يلزم سنة رسول ~~الله [ ] وسنة خلفائه الراشدين والسابقين من الأولين من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان . وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه إن أمكنه أن يفصل ~~النزاع بالعلم والعدل وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع وأعرض عن ~~الذين فرقوا دينهم PageV32P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" وكانوا شيعا فإن مواقع التفرق والاختلاف ~~عامتها تصدر عن اتباع الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ، وقد ~~بسطت القول من جنس هذه المسائل ببيان ما كان عليه سلف الأمة الذي اتفق عليه ~~العقل والسمع وبيان ما يدخل في هذا الباب من الاشتراك والاشتباه والغلط في ~~مواضع متعددة ولكن نذكر هنا جملة مختصرة بحسب حال السائل ، والواجب أمر ~~العامة بالحمل على الثابت بالنص والإجماع ومنعهم من الخوض في التفصيل الذي ~~يوقع بينهم الفرقة والاختلاف فإن الفرقة والاختلاف من أعظم ما نهى الله عنه ~~ورسوله ، والتفصيل المختصر فنقول : من ms7417 اعتقد أن المداد الذي في المصحف ~~وأصوات العباد قديمة أزلية فهذا ضال مخطئ مخالف للكتاب والسنة وإجماع ~~السابقين الأولين وسائر علماء المسلمين ولم يقل أحد قط من علماء المسلمين ~~إن ذلك قديم لا من أصحاب الإمام أحمد ولا من غيرهم ومن نقل قدم ذلك عن أحد ~~من علماء أصحاب الإمام أحمد ونحوهم فهو مخطئ في هذا النقل أو متعمد الكذب ~~بل المنصوص عن الإمام أحمد وعامة أئمة أصحابه تبديع من قال لفظي بالقرآن ~~غير مخلوق كما جهموا من قال اللفظ بالقرآن مخلوق ، وقد صنف أبو بكر المروزي ~~أخص أصحاب الإمام أحمد به في ذلك رسالة كبيرة مبسوطة ، ونقلها عنه أبو بكر ~~الخلال في كتاب السنة الذي جمع فيه كلام الإمام أحمد وغيره من السنة في ~~أبواب الإعتقاد وكان بعض أهل الحديث إذ ذاك أطلق القول بأن لفظي بالقرآن ~~غير مخلوق فبلغ ذلك الإمام أحمد فأنكر ذلك إنكارا شديدا وبدع من قال ذلك ~~وأخبر أن أحدا من العلماء لم يقل ذلك فكيف من يزعم أن صوت العبد قديم وأقبح ~~من ذلك من يحكي عن بعض العلماء أن المداد الذي في المصحف قديم ، وجميع أئمة ~~أصحاب الإمام أحمد وغيره أنكروا ذلك ، وما علمت أن عالما نقل ذلك إلا ما ~~بلغنا عن بعض الجهال من الأكراد ونحوهم وقد ميز الله تعالى في كتابه بين ~~الكلام والمداد ؛ فقال : ) قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر ~~قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ( [ الكهف : الآية 109 ] فهذا ~~خطأ من هذا الجانب ، وكذلك من زعم أن القرآن محفوظ في الصدور ، كما أن الله ~~معلوم بالقلوب ، وأنه متلو بالألسن ، كما أن الله مذكور بالألسن ، وأنه ~~مكتوب في المصحف ، كما أن الله مكتوب في المصحف ، وجعل ثبوت القرآن في ~~الصدور والألسنة والمصاحف مثل ثبوت ذات الله في هذه المواضع ، فهذا أيضا ~~مخطئ في ذلك ، فإن الفرق بين ثبوت الأعيان في المصحف وبين ثبوت الكلام فيها ~~بين واضح ، فإن الأعيان لها أربع مراتب : مرتبة في ms7418 الأعيان ، ومرتبة في ~~الأذهان ، ومرتبة في اللسان ، ومرتبة في البيان ، فالعلم يطابق ~~PageV32P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" العين ، واللفظ يطابق العلم ، والخط يطابق ~~اللفظ ، فإذا قيل : إن العين في الكتاب كما في قوله : ) وكل شيء فعلوه في ~~الزبر ( [ القمر : الآية 52 ] فقد علم أن الذي في الزبر إنما هو الخط ~~المطابق للفظ المطابق للعلم فبين الأعيان وبين المصحف مرتبتان وهي اللفظ ~~والخط وأما الكلام نفسه فليس بينه وبين الصحيفة مرتبة غيرهما بل نفس الكلام ~~يجعل في الكتاب ، وإن كان بين الحرف الملفوظ والحرف المكتوب فرق من غير وجه ~~آخر إلا إذا أريد أن الذي في المصحف هو ذكره والخبر عنه ، مثل قوله تعالى : ~~) وإنه لتنزيل رب العالمين ، نزل به الروح الأمين ( ، إلى قوله : ) وإنه ~~لفي زبر الأولين ، أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ( [ ~~الشعراء : الآيات 192 - 197 ] فالذي في زبر الأولين ليس هو نفس القرآن ~~المنزل على محمد . إن هذا القرآن لم ينزل على أحد قبله ولكن في زبر الأولين ~~صح ذكر القرآن وخبره ، كما فيها ذكر محمد وخبره ، كما أن أفعال العباد في ~~الزبر كما قال : ) وكل شيء فعلوه في الزبر ( [ القمر : الآية 52 ] فيجب ~~الفرق بين كون هذه الأشياء في الزبر وبين كون الكلام نفسه في الزبر ، كما ~~قال : ) إنه لقرآن كريم ، في كتاب مكنون ( [ الواقعة : الآيتان 77 ، 78 ] ، ~~وقال : ) يتلوا صحفا مطهرة ، فيها كتب قيمة ( [ البينة : الآيتان ، 2 ، 3 ] ~~فمن قال : إن المداد قديم فقد أخطأ ، ومن قال : ليس في المصحف كلام الله ~~وإنما فيه المداد الذي هو عبارة عن كلام الله فقد أخطأ ، بل القرآن في ~~المصحف ، كما أن سائر الكلام في الأوراق كما عليه الأمة مجتمعة ، وكما هو ~~في نظر المسلمين ، فإن كل مرتبة لها حكم يخصها ، وليس وجود الكلام من ~~الكتاب لوجود الصفة بالموصوف ، مثل العلم والحياة بمحلها حتى يقال : إن صفة ~~الله حلت بغيره أو فارقته ، ولا وجوده فيه كالدليل المحض ، مثل وجود العالم ~~الدال على الباري تعالى ، حتى يقال : ليس ms7419 فيه إلا ما هو علامة على كلام ~~الله ، بل هو قسم آخر ومن لم يعط كل مرتبة فيما يستعمل فيها أداء الطرق ~~حقها فيفرق بين وجود الجسم في الحيز وفي المكان ، ووجود العرض بالجسم ، ~~والصورة بالمرآة ويفرق بين رؤية الشيء بالعين يقظة ورؤيته بالقلب يقظة ~~ومناما ، ونحو ذلك ، وإلا اضطرب عليه الأمر ولذلك سؤال السائل عما في ~~المصحف ، هل هم حادث أو قديم ، سؤال مجمل . فإن لفظ القديم أولا مأثور عن ~~السلف ليس وأما الذي اتفقوا عليه أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، وهو كلام ~~الله حيث تلي وحيث كتب وهو قرآن واحد وكلام وإن تنوعت الصور التي يتلى بها ~~، وتكتب من أصوات العباد ومدادهم ، فإن الكلام كلام من قاله مبتدئا ، لا ~~كلام من بلغه مؤديا ، فإذا سمعنا محدثا يحدث PageV32P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" يقول النبي [ ] : " إنما الأعمال بالنيات " ~~قلنا هذا كلام رسول الله لفظه ومعانيه ، مع أن علمنا أن الصوت صوت المبلغ ~~لا صوت رسول الله وهكذا كل من بلغ كلام غيره من نظم ونثر ونحن إذا قلنا هذا ~~كلام الله لما نسمعه من القارئ من قرأه في المصحف فالإشارة إلى الكلام من ~~حيث هو هو مع قطع النظر عما اقترن به البلاغ من صوت المبلغ ومداد الكاتب ، ~~فمن قال : صوت القارئ ومداد الكاتب كلام الله الذي ليس بمخلوق فقد أخطأ ، ~~وهذا الفرق الذي بينه الإمام أحمد لمن سأله وقد قرأ ) قل هو الله أحد ( [ ~~الإخلاص : الآية 1 ] فقال : هذا كلام الله غير مخلوق ؟ فقال : نعم فنقل ~~السائل عنه أنه قال : لفظي بالقرآن غير مخلوق قد عابه أحمد وزبره زبرا ~~شديدا وطلب عقوبته وتعذيره وقال : أنا قلت لك لفظي بالقرآن غير مخلوق ؟ ~~فقال : لا ولكن قلت لي لما قرأت ) قل هو الله أحد ( هذا كلام الله غير ~~مخلوق ، فقال : فلم تنقل عني ما لم أقله بين الإمام أحمد أن القائل إذا قال ~~لما يسمعه من المبلغين والمؤذنين هذا كلام الله ، فالإشارة إلى الحقيقة ~~التي تكلم بها الله وإن كنا إنما ms7420 سمعناها ببلاغ المبلغ وحركته وصوته فإذا ~~أشار إلى شيء من صفات المخلوق لفظه أو صوته أو فعله وقال هذا غير مخلوق فقد ~~ضل وأخطأ ، فالواجب أن يقال : القرآن كلام الله غير مخلوق ، والقرآن في ~~المصاحف كما أن سائر الكلام في المصحف ولا يقال إن شيئا من المداد والورق ~~غير مخلوق ، بل كل ورق ومداد في العالم فهو مخلوق ، ويقال أيضا : القرآن ~~الذي في المصحف كلام الله غير مخلوق والقرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله ~~غير مخلوق . وتبيين هذا الجواب عن المسألة الثانية وهو قوله : أن كلام الله ~~هل هو بحرف وصوت أم لا فإن إطلاق الجواب في هذه المسألة نفيا وإثباتا خطأ ، ~~وهي من البدع المولدة الحادثة بعد المائة الثالثة لما قال قوم من متكلمة ~~الصفاتية : إن كلام الله الذي أنزله على أنبيائه كالتوراة ، والإنجيل ~~والقرآن ، والذي لم ينزله ، والكلمات التي كون بها الكائنات والكلمات ~~المشتملة على أمره ، ونهيه وخبره ليس إلا مجرد معنى واحد هو صفة واحدة قامت ~~بالله إن عبر عنها بالعبرية كانت التوراة ، وإن عبر عنها بالعربية كانت ~~القرآن ، وأن الأمر ، والنهي والخبر صفات لها لا أقسام لها وأن حروف القرآن ~~مخلوقة خلقها الله تعالى ولم يتكلم بها وليست كلامه ؛ إذ كلامه لا يكون ~~بحرف وصوت عارضهم آخرون من المثبتة فقالوا : بل القرآن هو الحروف والأصوات ~~وتوهم قوم أنهم يعنون بالحروف المداد وبالأصوات أصوات العباد وهذا لم يقله ~~عالم ، والصواب الذي عليه سلف الأمة كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في ~~كتاب PageV32P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" خلق أفعال العباد وغيره وسائر الأئمة قبلهم ~~وبعدهم اتباع النصوص الثابتة وإجماع سلف الأمة وهو أن القرآن جميعه كلام ~~الله تعالى : حروفه ومعانيه ليس شيئا من ذلك كلاما لغيره ولكن أنزله على ~~رسله وليس القرآن اسما لمجرد المعنى ولا لمجد الحرف بل لمجموعهما وكذلك ~~سائر الكلام ليس هو الحروف فقط ولا المعاني فقط بل مجموعهما كما أن الإنسان ~~المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح ولا مجرد الجسد بل مجموعهما وأن الله ~~تعالى يتكلم ms7421 بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح ، وليس ذلك هو أصوات العباد ~~، لا صوت القاريء ولا غيره فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ~~، ولا في أفعاله ، وكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته ~~وحياته فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق ولا معانيه تشبه معانيه ولا حروفه ~~تشبه حروفه ، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد فمن شبه الله بخلقه فقد ألحد في ~~أسمائه وآياته ، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد ألحد في أسمائه وآياته وقد ~~بينت في الجواب المبسوط مراتب مذاهب أهل الأرض في ذلك وأن المتفلسفة تزعم ~~أن كلام الله ليس له وجود إلا في نفس الأنبياء تفيض عليهم المعاني من العقل ~~الفعال فتصير في نفوسهم حروفا كما أن ملائكة الله عندهم ما يحدث في نفوس ~~الأنبياء من الصور النورانية ، وهذا من جنس قول فيلسوف قريش الوليد بن ~~المغيرة ) إن هذا إلا قول البشر ( [ المدثر : الآية 25 ] فحقيقة قولهم إن ~~القرآن تصنيف الرسول لكنه كلام شريف صادر عن نفس صافية ، وهؤلاء هم الصابئة ~~فنفرت منهم الجهمية فقالوا إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا قام به كلام ~~وإنما كلامه ما يخلقه من الهواء أو غيره فأخذ بعض ذلك قوم من متكلمة الصفات ~~PageV32P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" فقالوا : بل نصفه ، وهو المعنى كلام الله ~~ونصفه وهو الحروف ليس كلام الله بل هو خلق من خلقه وقد تنازع الصفاتية ~~القائلون بأن القرآن غير مخلوق هل يقال : إنه قديم لم يزل لا متعلق المشيئة ~~؟ أم يقال يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء على قولين مشهورين في ذلك وفي السمع ~~والبصر ونحوهما ذكرهما الحارث المحاسبي عن أهل السنة ، وذكرهما أبو بكر عن ~~أهل السنة من أصحاب أحمد وغيرهم وكذلك النزاع بين أهل الحديث والصوفية وفرق ~~الفقهاء من المالكية والشافعية والحنفية بل وبين فرق المتكلمين والفلاسفة ~~في جنس هذا الباب وليس هذا موضع بسط ذلك الفصل . وأما سؤاله عن قوله : ) ~~الرحمن على العرش استوى ( [ طه : الآية 5 ] فهو حق ms7422 أخبر الله به ، وأهل ~~السنة متفقون على ما قاله ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أنس وغيرهما من ~~الأئمة أن الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عن الكيف ~~بدعة فمن زعم أن الله مفتقر إلى عرش يقله أو أنه محصور في سماء تظله أو أنه ~~محصور في شيء من مخلوقاته ، أو أنه تحيط به جهة من جهات مصنوعاته فهو مخطئ ~~ضال ومن قال إنه ليس على العرش رب ولا فوق السموات خالق بل ما هنالك إلا ~~العدم المحض والنفي الصرف فهو معطل جاحد لرب العالمين مضاه لفرعون الذي قال ~~: ) يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ، أسباب السموات فأطلع إلى إله ~~موسى وإني لأظنه كاذبا ( [ غافر : الآيتان 36 ، 37 ] بل أهل السنة والحديث ~~وسلف الأمة متفقون على أنه فوق سماواته على عرشه بأين من مخلوقاته ليس في ~~ذاته شيء من مخلوقاته ولا في مخلوقاته شيء من ذاته وعلى ذلك نصوص الكتاب ~~والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمة السنة بل على ذلك جميع المؤمنين من الأولين ~~والآخرين وأهل السنة وسلف الأمة متفقون على أن من تأول استوى بمعنى استولى ~~أو بمعنى آخر ينفي أن يكون الله فوق السموات فهو جهمي ضال مضل . ~~PageV32P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" وأما سؤاله عن إجراء القرآن على ظاهره فإنه ~~إذا آمن بما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تكييف فقد ~~اتبع سبيل المؤمنين ولفظ الظاهر في عرف المستأخرين قد صار فيه اشتراك فإن ~~أراد بإجرائه على الظاهر الذي هو في خصائص المخلوقين حتى يشبه الله بخلقه ~~فهذا ضلال بل يجب القطع بأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ~~ولا في أفعاله بل قد قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس في الدنيا مما في ~~الآخرة إلا الأسماء يعني أن موعود الله في الجنة من الذهب والحرير والخمر ~~واللبن يخالف حقا بقية حقائق هذه الأمور الموجودة في الدنيا فالله تعالى ~~أبعد عن مشابهة مخلوقاته بما لا ms7423 تدركه العباد ؛ إذ ليست حقيقته كحقيقة شيء ~~منها وأما إن أراد بإجرائه على الظاهر الذي هو الظاهر في عرف سلف الأمة ~~بحيث لا يحرف الكلم عن مواضعه ولا يلحد في أسماء الله تعالى ولا يفسر ~~القرآن والحديث بما يخالف تفسير سلف الأمة وأهل السنة بل يجري ذلك على ما ~~اقتضته النصوص وتطابق عليه دلائل الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة فهذا ~~مصيب في ذلك وهو الحق وهذه جملة لا يسع هذا الموضع تفصيلها والله أعلم . ~~فلما وقف القاضي شمس الدين بن عدلان على هذه الفتيا أنكر منها مواضع وعرضها ~~على القاضي زين الدين المالكي فقال قاضي القضاة أحتاج أن يثبت عندي أن هذا ~~خط تقي الدين المذكور فإذا ثبت ذلك رتبت عليه مقتضاه ، وانفصل المجلس في ~~تلك الليلة على هذا ، ثم شهد جماعة عند قاضي القضاة أن الجواب المذكور بخط ~~تقي الدين المذكور فثبت ذلك عنده وأشهد على نفسه به في شعبان من السنة ~~واجتمع قاضي القضاة زين الدين بالأمراء وعرفهم ما أنكره من فتياه فرسم ~~بطلبه إلى الأبواب السلطانية وتوجه البريد بذلك فتوقف نائب السلطنة بالشام ~~الأمير جمال الدين في إرساله واتفق وصول الأمير سيف الدين الطنقش الجمالي ~~أستاذ دار نائب السلطنة بالشام إلى الأبواب السلطانية في الشهر المذكور في ~~بعض المهمات وملك السلطان مخدومه من أملاكه بالشام أماكن أحتاج إلى إثباتها ~~على قاضي القضاة زين الدين PageV32P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" المالكي فاجتمع بي بسبب ذلك فدخلت على قاضي ~~القضاة وعرفته مكانة سيف الدين المذكور ومنزلته من أرباب الدولة ، ومحل ~~مخدومه والتمست منه الإذن له في الدخول وإكرامه إذا دخل عليه فأذن له في ~~الدخول فلما دخل عليه اطرحه ولم يكترث لدخوله وكلمه بكلام غليظ فكان مما ~~قال له عند دخوله عليه : أنت أستاذ دار جمال الدين ؟ قال : نعم . قال : لا ~~بيض الله وجهه . وحمله رسالة لمخدومه فقال : قل له عني أنت تعرف كيف كنت ، ~~وأنني اشتريتك للسلطان الملك المنصور وكنت على حال من الضرورة في جنديتك ~~وإمرتك ثم خولك ms7424 الله تعالى من نعمه وأفاض عليك منها ما أنت عليه الآن ~~وألحقك بأكابر الملوك ونعت بملك الأمراء ، ثم أنت تدافع عن رجل طلبته لقيام ~~حق من حقوق الله عليه ، والله لئن لم ترسله ليعجلن الله تعالى هلاكك إلى ~~غير ذلك مما قاله في وقت خروجه فالتزم الأمير سيف الدين الطنقش أنه عند ~~وصوله إلى دمشق لا يبيت ابن تيمية بها ، ويرسله إليه ، ثم لم يقنع قاضي ~~القضاة بذلك إلى أن اجتمع بالأمراء ، وجدد معهم الحديث في أمر تقي الدين ~~فاقتضى ذلك إرسال الأمير حسام الدين لاجين العمري أحد الحجاب بالأبواب ~~السلطانية إلى دمشق بمثال شريف سلطاني بطلبه فتوجه ووصل إليها في خامس شهر ~~رمضان . هذا هو السبب الموجب لطلبه وانحمال قاضي القضاة زين الدين المالكي ~~عليه نقلته عن مشاهدة واطلاع واتفق في هذه المدة له وقائع بدمشق نحن نوردها ~~ملخصة بمقتضى ما أورده الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم الجذري في تاريخه ~~ليجمع بين أطراف هذه الحادثة وأسبابها بمصر والشام وهو أنه لما كان في يوم ~~الاثنين ثامن شهر رجب عقد مجلس بين يدي نائب السلطنة بدمشق حضره القضاة ~~والعلماء والشيخ تقي الدين المذكور وسئل عن عقيدته فأملى شيئا منها ثم أحضر ~~عقيدته الواسطية وقرئت في المجلس وحصل البحث في مواضيع منها وأخرت مواضيع ~~إلى مجلس آخر ثم اجتمعوا في يوم الجمعة ثاني عشر الشهر وحصل البحث وسئل عن ~~مواضيع خارجة عن العقيدة وندب للكلام معه الشيخ صفي الدين الهندي ثم عدل ~~عنه إلى PageV32P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" الشيخ كمال الدين بن الزملكاني فبحث معه من ~~غير مسامحة فأشهد الشيخ تقي الدين على نفسه من حضر المجلس أنه شافعي المذهب ~~يعتقد ما يعتقد الإمام الشافعي فحصل الرضى منه وعنه بهذا القول وانفصل ~~المجلس ثم حصل بعد ذلك من بعض أصحاب الشيخ تقي الدين كلام وقالوا : ظهر ~~الحق مع شيخنا فأحضر الشيخ كمال الدين القزويني نائب قاضي القضاة نجم الدين ~~أحدهم إلى المدرسة العادلية وعزره وفعل قاضي القضاة الحنفي مثل ذلك باثنين ms7425 ~~من أصحابه فلما كان يوم الاثنين ثاني عشرين الشهر قرأ الشيخ جمال الدين ~~المزي فصلا في الرد على الجهمية من كتاب أفعال العباد من كتاب البخاري وكان ~~ذلك بالجامع الأموي تحت النسر في المجلس العام المعقود لقراءة صحيح البخاري ~~فغضب بعض الفقهاء الحاضرين وقال : نحن قصدنا بهذا التكفير فبلغ ما قاله ~~قاضي القضاة نجم الدين الشافعي فأحضره ورسم باعتقاله فبلغ ابن تيمية الخبر ~~فقام حافيا وتبعه أصحابه وأخرجه من الحبس فغضب القاضي وتوجه إلى نائب ~~السلطنة واجتمع هو وتقي الدين فاشتط تقي الدين عليه وذكر نائبه جلال الدين ~~وأنه آذى أصحابه فرسم نائب السلطان بإشهار النداء في البلد بالكف عن ~~العقائد والخوض فيها ، ومن تكلم في ذلك سفك دمه ونهب ماله . وأراد بذلك ~~تسكين هذه الفتنة ثم عقد مجلس في ثاني يوم الثلاثاء سلخ رجب بالقصر الأبلق ~~بحضور نائب السلطنة والقضاة والفقهاء وحصل البحث في أمر العقيدة وطال البحث ~~فوقع من الشيخ صدر الدين كلام في معنى الحروف فأنكره الشيخ كمال الدين بن ~~الزملكاني فأنكر صدر الدين القول ، فقال كمال الدين لقاضي القضاة نجم الدين ~~بن صصرى : ما سمعت ما قال ؟ فتغافل عن إجابته لتنكسر الفتنة فقال ابن ~~الزملكاني ما جرى على الشافعية قليل إذ صرت رئيسهم يريد بذلك ابن الوكيل ~~فيما يزعم فظن قاضي القضاة أنه أراده بكلامه فأشهد عليه أنه عزل نفسه عن ~~القضاء وقام من المجلس PageV32P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" فرسم نائب السلطنة بعوده فأدركه الأمير ركن ~~الدين بيبرس العلائي الحاجب وغيره من الأمراء وأعادوه إلى المجلس ، وجرى ~~كلام كثير ثم ولاه نائب السلطنة القضاء وحكم قاضي القضاة الحنفي بصحة ~~ولايته ونفذها المالكي فلما وصل إلى داره انقطع عن الحكم وطالع نائب ~~السلطنة في أمره فعاد الجواب السلطاني باستمراره في القضاة في ثامن عشرين ~~شعبان . ثم وصل الأمير حسام الدين لاجين العمري في خامس شهر رمضان بطلب ~~قاضي القضاة نجم الدين وتقي الدين بن تيمية وتضمن المثال السلطاني بأن ~~يطالع بما وقع من أمر تقي الدين المذكور في ms7426 سنة ثمان وتسعين وستمائة بسبب ~~عقيدته وأن تكتب صورة العقيدتين الأولى والثانية فأراد نائب السلطنة أن ~~يدافع عنه ويكتب في حقه فوصل مملوكه سيف الدين الطنقش من الديار المصرية ~~وأخبر باشتداد الحال عليه وقيام الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير وذكر له ~~كلام قاضي القضاة زين الدين فعند ذلك أمر بإرساله وإرسال قاضي القضاة نجم ~~الدين فتوجها في يوم الاثنين ثاني عشر شهر رمضان فتوجه القاضي نجم الدين في ~~الخامسة من النهار وتوجه تقي الدين في التاسعة وصحبته جماعة من أصحابه منهم ~~تقي الدين بن سنقر وزين الدين بن زين الدين بن منجا وشمس الدين التدمري ~~وفخر الدين وعلاء الدين أولاد شرف الدين الصايغ وابن بحبح وشرف الدين عبد ~~الله أخو الشيخ وكان وصولهم إلى القاهرة في يوم الخميس ثاني عشرين شهر ~~رمضان وعقد مجلس بدار النيابة بقلعة الجبل وحضره الأمير ركن الدين بيبرس ~~الجاشنكير وغيره من الأمراء والقضاة والعلماء وذلك بعد صلاة الجمعة الثالث ~~والعشرين من الشهر فادعى القاضي شمس الدين محمد بن عدلان دعوى شرعية على ~~تقي الدين في عقيدته عند قاضي القضاة زين الدين في المجلس وطالبه بالجواب ~~فنهض تقي الدين قائما وقال : الحمد لله وأراد أن يذكر خطبة ووعظا ، ويذكر ~~عقيدته في أثناء ذلك فقيل له أجب عما ادعى عليك به ودع هذا فلا حاجة لنا ~~بما تقول فأراد أن يعيد القول في الخطبة فمنع وطولب بالجواب فقال : عند من ~~الدعوى علي ؟ فقيل عند قاضي القضاة زين الدين المالكي فقال : هو عدوي وعدو ~~مذهبي فلم يرجع إلى قوله ولما لم يأت بجواب أمر قاضي القضاة زين الدين ~~باعتقاله على رد الجواب فأقيم من المجلس واعتقل هو وأخواه شرف الدين عبد ~~الله PageV32P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" وعبد الرحمن وحبسوا في برج فتردد إليه بعض ~~الناس فاتصل ذلك بقاضي القضاة زين الدين فأمر بالتضييق عليه ، فنقل إلى ~~الجب في ليلة عيد الفطر وكتب مثال شريف سلطاني وسير إلى دمشق في أمر تقي ~~الدين والحنابلة ونسخته . ) بسم الله الرحمن الرحيم ( الحمد ms7427 لله الذي تنزه ~~عن التشبيه والتنظير ، وتعالى عن المثيل فقال عز وجل : ) ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير ( [ الشورى : الآية 11 ] نحمده على أن ألهمنا العمل بالسنة ~~والكتاب ، ورفع في أيامنا أسباب الشك والارتياب ، ونشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له ، شهادة من يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير وينزه خالقه ~~عن التحييز في جهة لقوله عز وجل : ) وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون ~~بصير ( [ الحديد : الآية 4 ] ونشهد أن محمدا عبده ورسوله ، الذي نهج سبيل ~~النجاة لمن سلك طريق مرضاته ، وأمر بالتفكر في آلاء الله ، ونهى عن التفكر ~~في ذاته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين علا بهم منار الإيمان وارتفع ~~وشيد الله بهم من قواعد الدين الحنيف ما شرع ، وأخمد بهم كلمة من حاد عن ~~الحق ومال إلى البدع ، وبعد : فإن العقيدة الشرعية وقواعد الإسلام المرعية ~~وأركان الإيمان العلية ومذاهب الدين المرضية هي الأساس الذي يبنى عليه ، ~~والموئل الذي يرجع كل أحد إليه ، والطريق الذي من سلكها فقد فاز فوزا عظيما ~~ومن زاغ عنها فقد استوجب عذابا أليما فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها ، ويؤكد ~~دوامها وتصان عقائد هذه الأمة عن الاختلاف وتزان قواعد الأمة بالائتلاف ~~وتغمد بواتر البدع ويفرق من فرقها ما اجتمع ، وكان التقي ابن تيمية في هذه ~~المدة قد بسط لسان قلمه ومد عنان كلمه وتحدث في مسائل الذات والصفات ونص في ~~كلامه على أمور منكرات وتكلم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون وفاه بما ~~تجنبه السلف الصالحون وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الإسلام واتفق على خلافه ~~إجماع العلماء والحكام وشهر من فتاويه في البلاد ما استخف به عقول العوام ~~وخالف في ذلك علماء عصره وفقهاء شامه ومصره وبعث رسائله إلى كل مكان وسمى ~~فتاويه أسماء ما أنزل الله بها من سلطان . ولما اتصل بنا ذلك وما سلكه ~~مريدوه من هذه المسائل وأظهروه من هذه الأحوال وأشاعوه وعلمنا أنه استخف ~~قومه فأطاعوه حتى اتصل بنا أنهم صرحوا في حق الله بالحرف ms7428 والصوت والتجسيم ~~قمنا في الله تعالى مشفقين من هذا النبأ العظيم وأنكرنا هذه البدعة وأنفنا ~~أن يشيع عمن تضمه ممالكنا هذه السمعة وكرهنا ما فاه به المبطلون وتلونا ~~قوله : ) سبحان الله عما يصفون ( [ المؤمنون : الآية 91 ] فإنه جل ~~PageV32P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" جلاله تنزه عن العديل والنظير ) لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ( [ الأنعام : الآية 103 ] ~~وتقدمت مراسمنا باستدعاء ابن تيمية المذكور إلى بابنا عندما سادت فتاويه ~~شاما ومصر وصرح فيها بألفاظ وضعها ذوقهم إلا وتلا ) لقد جئت شيئا نكرا ( [ ~~الكهف : الآية 74 ] ولما وصل إلينا أمرنا بجمع أولى الحل والعقد وذوي ~~التحقيق والنقد وحضر قضاة الإسلام وحكام الأنام وعلماء الدين وفقهاء ~~المسلمين وعقد له مجلس شرع في ملأ من الأئمة وجمع فثبت عند ذلك عليه جميع ~~ما نسبه إليه بمقتضى خط يده الدال على منكر معتقده وانفصل ذلك الجمع وهم ~~لعقيدته منكرون ، وآخذوه بما شهد به قلمه عليه تالين ) ستكتب شهادتهم ~~ويسئلون ( [ الزخرف : الآية 19 ] وبلغنا أنه كان استتيب فيما تقدم وأخره ~~الشرع الشريف لما تعرض لذلك وأقدم ثم عاد بعد منعه ولم تدخل تلك النواهي في ~~سمعه ولما ثبت ذلك في مجلس الحكم العزيز المالكي حكم الشرع الشريف بأن يسجن ~~هذا المذكور ويمنع من التصرف والظهور ومرسومنا هذا يأمر بأن لا يسلك أحد ما ~~سلكه المذكور من هذه المسالك ، وينهى عن التشبه به في اعتقاد مثل هذا أو ~~يغدو له في هذا القول متبعا ولهذه الألفاظ مستمعا أو يسري في التجسيم مسراه ~~أو أن يفوه بجهة العلو مخصصا أحد كما فاه أو يتحدث إنسان في صوت أو حرف أو ~~يوسع القول في ذات أو وصف أو ينطق بتجسيم أو يحيد عن طريق الحق المستقيم أو ~~يخرج عن آراء الأئمة أو ينفرد عن علماء الأمة أو يحيز الله في جهة أو يتعرض ~~إلى حيث أو كيف فليس لمن يعتقد هذا المجموع عندنا إلا السيف فليقف كل أحد ~~عند هذا الحد ولله الأمر من قبل ومن بعد ، وليلزم ms7429 كل من الحنابلة بالرجوع ~~عما أنكره الأئمة من هذه العقيدة أو الخروج من هذه المشتبهات الشديدة ولزوم ~~ما أمر الله تعالى به من التمسك بمذهب أهل الإيمان الحميدة فإنه من خرج عن ~~أمر الله تعالى فقد ضل سواء السبيل وليس له غير السجن الطويل من مستقر ولا ~~مقيل . رسمنا بأن ينادي في دمشق المحروسة والبلاد الشامية وتلك الجهات ~~بالنهي الشديد والتخويف والتهديد لمن يتبع ابن تيمية في الأمر الذي أوضحناه ~~ومن تبعه فيه تركناه في مثل مكانه وأحللناه ووضعناه من عيون الأمم كما ~~وضعناه ومن أصر على الدفاع وأبى إلا الامتناع أمرنا بعزلهم من مدارسهم ~~ومناصبهم وإسقاطهم من مراتبهم وأن لا يكون لهم في بلادنا حكم ولا قضاء ولا ~~إمامة ولا شهادة ولا ولاية ولا رتبة ولا إقامة فإننا أزلنا دعوة هذا ~~المبتدع من البلاد وأبطلنا عقيدته التي أضل بها كثيرا من العباد أو كاد ~~ولتكتب المحاضر الشرعية على الحنابلة بالرجوع عن ذلك وتسير إلينا ~~PageV32P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" بعد إثباتها على قضاة الممالك وقد أعذرنا ~~وحذرنا ، وأنصفنا حيث أنذرنا وليقرأ مرسومنا هذا على المنابر ليكون أبلغ ~~واعظ وزاجر وأحمد ناه وآمر والاعتماد على الخط الشريف أعلاه وكتب في ثامن ~~عشرين شهر رمضان سنة خمس وسبعمائة . ولما وصل هذا المثال إلى دمشق قرئ على ~~المنابر كما رسم فيه وأشهر وأعلن وأما قاضي القضاة نجم الدين بن صصري فإنه ~~عومل بالإكرام وخلع عليه ونزل بدار الحديث الكاملية بقاعة التدريس بها وأذن ~~له السلطان أن يحكم بالقاهرة فأثبت مكاتيب كثيرة وجلس كتاب الحكم بين يديه ~~، وخرجت إسجالاته وشهدت عليه في بعضها ، ثم عاد إلى دمشق على خيل البريد ، ~~وكان وصوله إليها في يوم الجمعة سادس ذي القعدة وفي أثناء هذه الحادثة في ~~غضون هذه المدة كان للحنابلة في القاهرة مع قاضي القضاة زين الدين المالكي ~~وقائع أهين فيها بعض أعيانهم واعتقل وعزر بعضهم . وكان ممن تعصب لتقي الدين ~~بن تيمية في هذه الواقعة بالشام قاضي القضاة شمس الدين محمد بن الحريري ~~الحنفي وأثبت ms7430 محضرا له مما هو عليه من الخير وكتب في أعلاه بخطه ثلاثة عشر ~~سطرا يقول في جملتها إنه منذ ثلاثمائة سنة ما رأى الناس مثله وأراني قاضي ~~القضاة زين الدين المالكي هذا المحضر وغضب منه وسعى في عزل قاضي القضاة ~~الحنفية بدمشق شمس الدين بن الحريري فعزل وفوض قضاء القضاة الحنفية بدمشق ~~بعده لقاضي القضاة شمس الدين محمد بن إبراهيم الأذرعي الحنفي مدرس المدرسة ~~الشبلية فوصل تقليده إلى دمشق في ثاني ذي القعدة . وأما تقي الدين فإنه ~~استمر في الجب بقلعه الجبل إلى أن وصل الأمير حسام الدين مهنا إلى الأبواب ~~السلطانية في شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة فسأل السلطان في أمره وشفع ~~فيه فأمر بإخراجه فأخرجه في يوم الجمعة الثالث والعشرين من الشهر وأحضر إلى ~~دار النيابة بقلعة الجبل وحصل بحث مع بعض الفقهاء ثم اجتمع جماعة من أعيان ~~العلماء ولم تحضره القضاة وذلك لمرض قاضي القضاة زين الدين PageV32P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" المالكي ولم يحضر غيره من القضاة ، وحصل البحث ~~وكتب خطه ووقع الإشهاد عليه وكتب بصورة المجلس مكتوب مضمونه : ) بسم الله ~~الرحمن الرحيم ( شهد من يضع خطه آخره أنه لما عقد مجلس لتقي الدين أحمد بن ~~تيمية الحراني الحنبلي بحضرة المقر الأشرف العالي المولوي الأميري الكبيري ~~العالمي العادلي السيفي ملك الأمراء سلار الملكي الناصري نائب السلطة ~~المعظمة أسبغ الله ظله ، وحضر فيه جماعة من السادة العلماء الفضلاء أهل ~~الفتيا بالديار المصرية بسبب ما نقل عنه ووجد بخطه الذي عرف به قبل ذلك من ~~الأمور المتعلقة باعتقاده أن الله تعالى يتكلم بصوت وأن الاستواء على ~~حقيقته وغير ذلك مما هو مخالف لأهل الحق ، انتهى المجلس بعد أن جرت فيه ~~مباحث معه ليرجع عن اعتقاده في ذلك إلى أن قال بحضرة شهود : أنا أشعري ورفع ~~كتاب الأشعرية على رأسه وأشهد عليه بما كتب به خطا وصورته : الحمد لله الذي ~~أعتقده أن القرآن معنى قائم بذات الله ، وهو صفة من صفات ذاته القديمة ~~الأزلية وهو غير مخلوق وليس بحرف ولا ms7431 صوت ، كتبه أحمد بن تيمية والذي ~~أعتقده من قوله : ) الرحمن على العرش استوى ( [ طه : الآية 5 ] أنه على ما ~~قاله الجماعة أنه ليس على حقيقته وظاهره ولا أعلم كنه المراد منه بل لا ~~يعلم ذلك إلا الله تعالى . كتبه أحمد بن تيمية ، والقول في النزول كالقول ~~في الاستواء أقول فيه ما أقول فيه ولا أعلم كنه المراد به بل لا يعلم ذلك ~~إلا الله تعالى وليس على حقيقته وظاهره كتبه أحمد بن تيمية وذلك في يوم ~~الأحد خامس عشرين شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة . هذا صورة ما كتب به ~~خطه وأشهد عليه أيضا أنه تاب إلى الله تعالى مما ينافي هذا الإعتقاد في ~~المسائل الأربع المذكورة بخطه وتلفظ بالشهادتين المعظمتين وأشهد عليه أيضا ~~بالطواعية والاختيار في ذلك ووقع ذلك كله بقلعة الجبل المحروسة من الديار ~~المصرية حرسها الله تعالى بتاريخ يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع ~~الأول سنة سبع وسبعمائة وشهد عليه في هذا المحضر جماعة من الأعيان المقنتين ~~والعدول ، وأفرج عنه واستقر بالقاهرة بدار شقير ثم عقد له مجلس ثالث ~~بالمدرسة الصالحية بالقاهرة في يوم الخميس سادس عشر شهر ربيع الآخر وكتب ~~بخطه نحو ما تقدم ووقع الإشهاد فيه عليه أيضا وسكن الحال مدة ثم اجتمع ~~جماعة من المشايخ والصوفية مع الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في نحو خمسمائة ~~نفر وتبعهم جمع كثير PageV32P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" من العوام وطلعوا إلى قلعة الجبل في العشر ~~الأوسط من شوال من السنة واجتمع الشيخ المذكور وأعيان المشايخ بنائب ~~السلطان وقالوا إن تقي الدين يتكلم في حق مشايخ الطريقة وإنه يقول : لا ~~يستغاث بالنبي [ ] فرد الأمر إلى قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعي ~~واقتضى الحال أن رسم بتسفيره إلى الشام على خيل البريد فتوجه وكان قاضي ~~القضاة زين الدين المالكي في ذلك الوقت في حال شديدة من المرض وقد أشرف على ~~الموت ، فبلغه ذلك عقيب إفاقة من غشي كان قد حصل له فأرسل إلى الأمير سيف ~~الدين سلار وسأله ms7432 في رده فأمر برده إلى القاهرة فتوجه البريد وأعاده من ~~مدينة بلبيس فوصل وقاضي القضاة زين الدين مغلوب بالمرض فأرسل إلى نائبه ~~القاضي نور الدين الزواوي فحضر به إلى مجلس قاضي القضاة بدر الدين وحررت ~~الدعوى عليه في أمر اعتقاده وما وقع منه فشهد عليه الشيخ شرف الدين بن ~~الصابوني ، وقيل إن الشيخ علاء الدين القونوي يشهد عليه فاعتقل بسجن الحاكم ~~بحارة الديلم وذلك في ثامن عشر شوال سنة سبع وسبعمائة واستمر به إلى سلخ ~~صفر سنة تسع وسبعمائة فأنهى عنه أن جماعة يحضرون إليه بالسجن وأنه يعظهم ~~ويتكلم في أثناء وعظه بما يشبه ما تقدم من كلامه ، فأمر بنقله إلى ثغر ~~الإسكندرية واعتقاله هناك فجهز إلى الثغر في هذا التاريخ وحبس ببرج شرقي ~~واستمر به إلى أن عادت الدولة الناصرية ثالثا فتحدث مع السلطان في يوم ~~السبت ثامن عشر شوال سنة تسع وسبعمائة فأكرمه السلطان وجمع القضاة وأصلح ~~بينه وبين قاضي القضاة زين الدين المالكي فأشرط عليه قاضي القضاة أن يتوب ~~عما تقدم الكلام فيه ويتوب عنه ولا يعود إليه فقال السلطان : قد تاب وانفصل ~~المجلس على خير وسكن الشيخ تقي الدين بالقاهرة ببعض القاعات وتردد الناس ~~إليه واستمر إلى أن توجه السلطان إلى الشام في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ، ~~فتوجه بنية الغزاة ، وأقام بدمشق إلى أن سطرنا هذه الأحرف في سنة خمس ~~وعشرين وسبعمائة ، وكان له في غضون هذه المدة بدمشق وقائع نذكرها في ~~مواضعها إن شاء الله تعالى ولنرجع إلى تتمة سياقة الحوادث في سنة خمس ~~وسبعمائة . PageV32P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" وفيها في العشر الأوسط من ذي الحجة ، وفر ~~الأمير بدر الدين بكتاش البدري الصالحي النجمي أمير سلاح من الخدمة ، وقطع ~~خبره وجعل له مرتب في كل شهر وأقر مماليكه وأجناده على إقطاعاتهم ، الشاهد ~~بها مدرج عرضه إلى آخر وقت وجعلوا في جملة رجال الحلقة المنصورة ، وأضيفوا ~~إلى مقدمين من أعيانهم وارتجع خاصة إلى الخاص السلطاني ، ورسم بمسامحته بما ~~يلزمه من التفاوت فيما بين السنة الشمسية والقمرية وكان ms7433 جملة كثيرة لو طولب ~~بها استقرت أمواله وموجوده ولم يف بها ، وكان ولده الأمير ناصر الدين محمد ~~قد علم عجز والده عن الخدمة وضعف نظره وتحقق من حال الأمراء أنهم عزموا على ~~قطع خبزه فسعى هو معهم في ذلك وذكر عجز والده فأجيب إلى ملتمسه وتألم ~~الأمير بدر الدين المذكور لذلك ألما شديدا وسب ولده الأمير ناصر الدين ~~والذي حضر بالرسالة أيضا ، وهو الأمير بدر الدين الوزيري الحاجب وأرسل إلى ~~الأمراء يقول : إنني لم أتأخر عن الخدمة ولا انقطعت عن مهم من مهمات ~~السلطان وما زلت أتوجه إلى الغزوات والشباب من الأمراء موفرون من ذلك ~~فأمسكوا عن جوابه ولم تطل مدة حياته بعد قطع خبزه فإنه مات في حادي عشرين ~~ربيع الآخر سنة ست وسبعمائة ودفن بتربته خارج باب النصر رحمه الله تعالى . ~~وفي سنة خمس وسبعمائة أيضا توفي الملك الأوحد تقي الدين شادي ابن الملك ~~الزاهر مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه ابن ناصر الدين ~~محمد بن أسد الدين شيركوه ابن شادي بن مروان في يوم الأربعاء ثاني صفر ~~بجبال الجرديين وحمل إلى قاسيون فدفن بتربة والده ، وكان من جملة أمراء ~~الطبلخاناه بدمشق رحمه الله تعالى . وتوفي شيخنا الإمام الحافظ شرف الدين ~~أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن الحسن بن العفيف بن شرف بن الخضر الدمياطي ~~وكانت وفاته بالقاهرة المحروسة في يوم الأحد خامس عشر ذي القعدة سنة خمس ~~وسبعمائة من غير مرض وذلك أنه حضر الميعاد بالقبة المنصورية على عادته ثم ~~قام بعد الميعاد ومشى إلى منزله بالمدرسة الظاهرية فمات من ساعته رحمه الله ~~تعالى ودفن من الغد بمقابر باب النصر وكانت جنازته مشهودة وهو آخر من بقي ~~من الحفاظ ويقال : إنه ما PageV32P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" رأى مثل نفسه في فنه وشهرته ومشايخه ، ورحلته ~~أشهر من أن يأتي عليها وشرح ذلك يطول وفيما أشرت إليه كفاية . واستهلت سنة ~~ست وسبعمائة في هذه السنة في شهر المحرم عزل الأمير علم الدين سنجر الجاولي ~~أستاذ الدار ms7434 من وظيفته وقطع خبزه وسفره إلى دمشق بغير إقطاع وذلك لتغير حصل ~~من الأمير ركن الدين عليه ثم أنعم عليه بعد وصوله إلى دمشق بإمرة طبلخاناه ~~. وفيها عزل الصاحب سعد الدين عطايا من الوزارة في الشهر المذكور وصودر على ~~مائة ألف درهم خرجت في ديوان البيوت السلطانية في مدة نظره ، فحمل من ذلك ~~إلى بيت المال ثمانين ألف درهم وسومح بما بقي وأفرج عنه ولزم داره ولما عزل ~~فوضت الوزارة لتاج الدين بن سعيد الدولة الناظر وألبس التشريف السلطاني على ~~كره منه وجلس في المجلس إلى آخر النهار وقام وتوجه إلى بيته بعد العصر ومنع ~~من لهم عادة بالركوب في خدمة الوزير من الركوب معه ولما وصل إلى داره حضر ~~قضاة القضاة للسلام عليه وتهنئته بالوزارة فلم يأذن لهم في الدخول ، وخرج ~~غلامه إليهم وإلى من حضر ببابه فقال : من كان له حاجة فليطلع إلى القلعة . ~~فانصرفوا من غير اجتماع به ، وهرب هو في تلك الليلة واختفى وأعاد خلعة ~~الوزارة واستمر في اختفائه إلى أن رسم بإعفائه واستقراره على عادته وكان ~~الحامل له على ذلك والذي أوجب له كراهة الوزارة أنه توهم من الأمير سيف ~~الدين سلار نائب السلطنة كراهة ذلك فخاف عاقبته وكان الأمير ركن الدين ~~بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار شديد الاعتناء به وفوضت الوزارة بعد ذلك ~~للصاحب ضياء الدين أبي بكر بن عبد الله النشائي ، وكان أحد النظار فلم يكن ~~له الوزارة إلا مجرد التسمية والمعلوم وما عدا ذلك من الأمر والنهي ~~والاستخدام والعزل فهو لتاج الدين بن سعيد الدولة لا يخرج عن إشارته ورضي ~~بذلك . PageV32P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" وفي هذه السنة عادت رسل السلطان الملك الناصر ~~من عند الملك طقطاي ملك التتار بالبلاد الشمالية : وهم الأمير سيف الدين ~~بلبان الصرخدي ، وسيف الدين بلبان الحكيمي وفخر الدين أمير آخور الشمسي ~~وصحبتهم رسول من الملك طقطاي واسمه نامون فبولغ في إكرامه وأعيد بالجواب ~~وسفر مع الأمير بدر الدين بكتمش الخزنداري وفخر الدين محمود أمير آخور ~~الشمسي وفيها في شهر ms7435 ربيع الأول وصلت رسل صاحب سيس بالقطيعة المقررة عليه ، ~~وأطلق من أسرى المسلمين مائتين وسبعين أسيرا وأوصلهم إلى مدينة حلب . وفي ~~هذه السنة كتب تقليد شريف سلطاني لقاضي القضاة شمس الدين الحنفي الأذرعي ~~بدمشق وتوجه به البريد فوصل إلى دمشق في يوم العشرين من شهر ربيع الآخر فظن ~~البريدي أن التقليد للقاضي شمس الدين محمد بن الحريري المعزول فتوجه به ~~إليه إلى المدرسة الظاهرية ، وشاع ذلك وحضر الناس لتهنئته بالعود واتصل ذلك ~~بالقاضي شمس الدين الأذرعي وهو بمجلس حكمه ففارقه جميع من كان في المجلس من ~~الشهود وغيرهم والمتحاكمون والوكلاء والرسل ولم يبق عنده غير نقيبه ، ~~وتوجهوا كلهم إلى القاضي شمس الدين بن الحريري فلما اجتمع الناس عنده أمر ~~الشيخ علم الدين البرزالي بقراءة التقليد على من حضر من أناس فقرأه رافعا ~~به صوته فلما انتهى إلى ذكر الاسم والنسب سكت فقال له النقيب أذكر ألقاب ~~سيدنا قاضي القضاة ونعوته وقال له القاضي شمس الدين : اقرأ فقال : يا ~~مولانا ما هو لك ، هو للأذرعي وطواه وتفرق ذلك الجمع وأخذه البريدي وتوجه ~~به إلى القاضي شمس الدين الأذرعي وهو بمجلس الحكم لم يقم منه وعاد إلى ~~مجلسه من كان قد فارقه وغيرهم وحصل له جبر بعد كسر وخجل القاضي شمس الدين ~~بن الحريري من الناس للمبادرة بقراءة التقليد قبل تحقيق الحال فيه . ذكر ~~حادثة غريبة وفي هذه السنة وردت مطالعة نائب السلطان بحماة تتضمن أن أراضي ~~بارين من بلد حماه جبلين بينهما واد يجري الماء فيه وانتقل نصف الجبل ~~الواحد من موضعه إلى الجبل الآخر والتصق ولم يسقط في الوادي الذي بينهما ~~شيء من حجارته وأن النائب بحماة كشفه بالقاضي ببارين وعمل به محضرا وطول ~~النصف الذي انتقل من PageV32P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" الجبل مائة ذراع وعشرة أذرع وعرضه خمسة وخمسون ~~ذراعا ومسافة الوادي الذي بين الجبلين مائة ذراع وقرئت المطالعة بمحضر ~~نسخته ) بسم الله الرحمن الرحيم ( لما اشتهر في البلاد وانتشر في الحاضر ~~والباد أن يعمل حصن الأكراد جبلا بوادي بارين ms7436 قد أفضى بعضه إلى التحويل ولم ~~يكن ذلك في القدرة الإلهية بمستحيل واتصل ذلك بالمسامع الشريفة المولوية ~~السيفية كافل الممالك الشريفة الحموية شرفها الله تعالى بما تحب أن تسمع ~~وطوقها بلطائف الخير أجمع فأحب أعلى الله له شأنا وملأ قلبه نورا وإيمانا ~~أن يعلم حقيقة ذلك إيقانا وأن يكشف كنهه وضوحا وبيانا انتدب لتحقيق هذه ~~الصورة الجناب العالي الحسامي نقيب العساكر المنصورة وعلى يده المرسوم ~~الكريم إلى المجلس العالي الشهابي متولي بارين المعمورة أن يخرجا والحاكم ~~الذي سيضع خطه أعلاه ومعهم من الشهود من سيرقم شهادته أدناه وأن ينتهوا إلى ~~الوادي المشار إليه ويشاهدوا هذا الجبل ويقفوا عليه وأن يحققوا في ذلك قصة ~~الحال أحق ما قيل عنه أو محال ؟ فبادروا إلى امتثال ما رسم لهم به مسرعين ~~وخرجوا نحو الجبل مهرعين ، وحضروا جميعا بقرية بقعبرا وسألوا أهلها ما حدث ~~على الجبل وطرأ فإذا برجلين قد دخلا في واد بين جبلين وقالا : هذا الجبل ~~الذي نزل به ما نزل وفي قعر الوادي الماء يترقرق ويسيل ويتدفق ووقفوا عند ~~عرقوب في الجبل القبلي ناتئ مستعل صفته بين الانضمام والانسطاح وقد تحلق ~~على صفحة الجبل المقابل له وطاح ولم يقع منه في قعر المسيل إلا النزر ~~القليل مع أن أصله تراب أن هذا الشيء عجاب وبقي ما انسلخ منه متقعرا في ~~الجبل كهيئة محراب وسفل الوادي على حاله لم يتغير والماء جار على العادة ~~فيه يتكسر ويتحدر لم يحصل له سدة ولا احتقان ولا انتقل جريانه من مكان إلى ~~مكان على أن ما انقلع منه طولا عشرة أدرع ومائة جملة وتفصيلا ، وعرضا نصف ~~ذلك قليلا ، وعفا مثل نصف العرض تقريبا ومدي الحذف كالطول أو يكون منه ~~قريبا . وذكر من حضر من أهل المكان أن وقوع ذلك في أواخر رجب وأوائل شعبان ~~ومن وقف على أثر هذا المكان ورآه وعلم من هذا الكتاب فحواه وضع به خطه ~~أدناه وكان ذلك في نهار الخميس ثامن عشرين شعبان سنة ست وسبعمائة وبذيل ~~المحضر خط شهود ms7437 وما علاه خط الحاكم ببارين ومثاله : الحمد لله حمدا يرضاه ~~وقفت على الوادي المذكور وشاهدت العرقوب الذي انقلع ونقل ترابه وفيه نبات ~~وحجارة على صفحة الجبل الذي قابله والتأم في ذرعه وعدم وقع التراب في مسيل ~~الماء كما شرح فيه ، كتبه أبو بكر بن نصر الهاشمي المعاد الشافعي العباسي ~~الحاكم ببارين - عفا الله PageV32P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" عنه وفيها في يوم الجمعة الرابع والعشرين من ~~شوال خطب بالجامع الجديد الغربي بسفح جبل قاسيون الذي أنشأه الأمير جمال ~~الدين آقش الأفرم نائب السلطنة الشريفة بالشام مقابل الرباط الناصري وخطب ~~فيه القاضي شمس الدين بن المعز الحنفي . وفي هذه السنة ولي قاضي القضاة صدر ~~الدين أبو الحسن علي ابن الشيخ صفي الدين أبي القاسم بن محمد الحنفي ~~البصروي القضاء بدمشق عوضا عن القاضي شمس الدين الأذرعي الحنفي ، وكان ~~وصوله إلى دمشق في تاسع عشرين ذي القعدة . وفيها في يوم الثلاثاء ثامن عشر ~~ذي الحجة أعيد الأمير سيف الدين بكتمر الحسامي إلى الحجبة بالشام وولي ~~وظيفة الشد بدمشق الأمير جمال الدين آقصي الرستمي نقل من ولاية الولاة ~~بالضفة القبلية إلى هذه الوظيفة ببذل وهو ثمانمائة ألف درهم في أربع سنين ~~واشترط أنه لا يحدث حادثا ولا يجدد رسما وباشر الوظيفة في يوم الخميس ~~العشرين من الشهر وحضر الأمير سيف الدين بكتمر معه إلى الديوان حتى رتبه في ~~الوظيفة وتوجه الأمير عز الدين حسين بن صبرة إلى الضفة القبلية وإلى الولاة ~~وكان خروجه لذلك في ثامن المحرم سنة سبع وسبعمائة . وفي سنة ست وسبعمائة ~~أيضا في تاسع جمادى الأولى ورد إلى دمشق فقير أعجمي اسمه براق في جمع كثير ~~من الفقراء ، وشعارهم أنهم يحلقون لحاهم ويبقون شواربهم ويلبسون على رؤوسهم ~~كلاوت من اللباد الأبيض يتعممون فوقها وفوق الكلاوت قرون ومعهم أجراس ~~فأنزلهم نائب السلطنة بالمنيبع ورتب لهم راتبا كثيرا ثم توجه براق ومن معه ~~إلى القدس وقصد دخول الديار المصرية فلم يؤذن له في ذلك فرجع ، ومن سنة ~~هؤلاء أنه من تأخر منهم عن صلاة ms7438 في وقتها ضرب أربعين سوطا وفيها توفي ~~الطواشي عز الدين دينار الغزنوي الخزندار الظاهري الدوادار الناصري ، كان ~~دوادار السلطان الملك الناصر ، وناظر الأوقاف الظاهرية ، وكانت وفاته في ~~يوم الثلاثاء سابع شهر ربيع الأول ، وكان دينا خيرا ، كثير المطالعة ، لين ~~الجانب ، يحب أهل الخير ويكرمهم رحمه الله تعالى . وفيها توفي الأمير عز ~~الدين أيبك الطويل الخازندار المنصوري بدمشق في حادي عشر شهر ربيع الأول ، ~~ودفن بقاسيون وكان مشكور السيرة والديانة رحمه الله تعالى . PageV32P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" وفي ذي الحجة توفي الأمير سيف الدين بلبان ~~الجوكان دار المنصوري نائب السلطنة بحمص رحمه الله تعالى وهو من المماليك ~~السلطانية في زمن إمرة السلطان الملك المنصور ، وكان رجلا جيدا أمينا ثقة ~~ما رأيت في أبناء جنسه ممن اختبرته في الأمانة والعفة مثله ، رافقته مدة في ~~ديوان الخاص بدمشق واطلعت منه على أمانة غزيرة ، ونزاهة وافرة ومعرفة تامة ~~وكان يوم ذاك ينوب عن السلطنة بقلعة دمشق وفوض إليه السلطان شد ديوان ~~أملاكه بالشام ، وكتبت يومئذ مباشرها ، وذلك في شوال سنة اثنتين وسبعمائة ~~إلى أن نقل إلى نيابة السلطنة بحمص فاطلعت من أمانته ونزاهته ومعرفته على ~~ما أشرت إليه ، وكان قد اشتهر عنه في مباشرة شد الدواوين عدم المعرفة ~~والغفلة والبلادة ، فلما رافقته ظهر لي منه معرفة تامة ، وخبرة واطلاع ~~ينافي ما كان قد اشتهر عنه ، فسايرته يوما وانفردت بمسايرته ، وجرى بنا ~~الحديث فسألته عن ذلك ، وعرفته ما ظهر لي منه وما كان قد اشتهر عنه ، فتبسم ~~وقال : والله ما لمح أحد من أمري ما لمحته ، وما سألني أحد عنه قبلك ، وأنا ~~أخبرك عن ذلك ، وهو أنني والله ما وليت للسلطان ولاية قط وأنا راض بها ، ~~وشرع يذكر لي ولايته وتنقلاته من الجندية وما بعدها ، ثم قال : ولما نقلت ~~من نيابة قلعة صفد إلى دمشق ووليت شاد الدواوين وأستاد دارية كرهت ذلك أشد ~~كراهة واستعفيت منه فلم أعف ، والله كان إذا أحضرت إلي النفقة المقررة لي ~~على بيت المال عن وظيفة الشد . وهي في كل يوم ms7439 خمسة وسبعون درهما - ووضعت ~~بين يدي يخيل لي أنها عقارب تلدغني ولقد والله كنت أعرض على نفسي أنواع ~~البلاء والعاهات ، وولاية الشد فيسهل علي أن أبتلي ببعض العاهات ولا أكون ~~مشدا ، إلا العمى فإني كنت أستصعبه وأختار الشد عليه ، وأما لو خيرت أن ~~يبطل إحدى يدي أو رجلي أو عيني تزول إحداهما وأبصر بالأخرى وأعفى من الشد ~~لاخترت ذلك ، ورضيته على الشد فقصدت إظهار عدم المعرفة والتغافل عن المهمات ~~والمصالح حتى شاع ذلك عني واتصل بأبواب السلطنة ورجوت بذلك الخلاص من وظيفة ~~الشد ، فلم يجد ذلك لي نفعا ولا عزلت ، ففكرت بعض الليالي في أمر أفعله ~~يكون سبب خلاصي ، فألهمني الله تعالى أنه لا يخلصني من الشد إلا أن أردهم ~~عن المظالم ، وألا أوافق على فعلها ، واتفق في غضون ذلك أن القاضي شرف ~~الدين بن مزهر ناظر الدواوين حضر إلي وقد عين أسماء جماعة من الولاة ~~PageV32P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" والمباشرين بالأعمال البرانية أن يستخرج منهم ~~مبلغ ثمانين ألف درهم لبيت المال ، فلم أوافقه على ذلك ، ورددته عنه ، ~~وقبحت عليه فعله ، ففارقني واجتمع بنائب السلطنة الأمير جمال الدين ، وشكا ~~إليه ذلك ، وكتب تذكرة ، وعلم نائب السلطنة عليها وسلمها إلي في المجلس ~~وقال لي استخرج مبلغها من هؤلاء . فقلت والله لا أفعل هذا أبدا ولا أوافق ~~عليه ، وإنما أنا أطلب هؤلاء الذين عينوا في هذه التذكرة ، ويحاققهم هذا ~~الناظر وجماعة المستوفيين ، فمن ظهرت خيانته استعدت منه ما التمسه ، وأدبته ~~أدبا شافيا ، ومن ظهرت أمانته خلعت عليه وأحسنت إليه وأعدته إلى جهته ، أو ~~نقلته إلى أجود منها ، وأما خلاف هذا فلا أفعل . فطالع شرف الدين بن مزهر ~~الأبواب السلطانية بذلك ، فوصلت تذكرة سلطانية من الديار المصرية باستخراج ~~المال المذكور عن ممن عين ، ووصل إلى قرينها كتاب السلطان باعتماد ما تضمنه ~~، واستخراج المال وحمله ، فامتنعت من ذلك وصممت على أن لا أتحدث فيه أبدا ~~ولا أوافق عليه إلا بعد المحاققة . فلما علموا مني معارضتهم ودفعهم عما ~~يقصدونه من المظالم صرفت من الشد ، وأفادني هذا ms7440 الرأي . فلما وليت ديوان ~~الخاص هذا . وهو أملاك ومواريث شرع ليس فيه مظلمة ولا مكس انبعثت لمباشرته ~~، وطابت نفسي بالحديث فيه ، وأظهرت ما أعرفه فهذا هو السبب . واستكتمني ~~رحمه الله تعالى ذلك ، فكتمته مدة حياته ، ثم ذكرته بعد وفاته . وكان رحمه ~~الله حسن الرفقة لا ينفرد برأي ، ولا يستقل بأمر قبل أن يعرضه على رفقته ، ~~ولقد كانت تأتيه كتب السلطان له فيما يتعلق بديوان الخاص فلا يفتحها حتى ~~أحضر ويخرجها إلي مختومة فأقرأها عليه - وكان يحسن القراءة - ثم اتفق معه ~~على الجواب عنها وأكتبه عنه ويكتب عليه ، وكان يخصني بذلك دون بقية الرفقة ~~- هذا إذا كانت بدمشق - وأما إن توجهت لكشف جهة أو قسمتها فإنه يكتب الجواب ~~إلى من يراه ولما مات ولي بعد وفاته نيابة السلطنة بحمص الأمير سيف الدين ~~بكتمر الساقي المنصوري وتوجه إليه في المحرم سنة سبع وسبعمائة واستهلت سنة ~~سبع وسبعمائة . ذكر الوحشة الواقعة بين السلطان الملك الناصر والأمراء في ~~هذه السنة في أول المحرم ظهرت الوحشة بين السلطان والأمير سيف الدين سلار ، ~~والأمير ركن الدين بيبرس ، وكان السلطان قد امتنع من العلامة أياما ، وظن ~~الناس أن ذلك لمرض اعتراه ثم عبرا له في ثالث الشهر فتنكر لهما وسبهما ، ~~PageV32P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" فاستعطفاه وألانا له وقالا : نحن مماليك ~~السلطان ومماليك والده السلطان الشهيد وبناة دولته إلى غير ذلك مما ~~استعطفاه ، فخلع عليهما وعلى الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار أمير جندار ~~. وخرجا من عنده فلما صار بظاهر باب القلعة قويت نفوسهما ، وشرعا في إظهار ~~ما عندهما ، وتركا باب القلعة في تلك الليلة مفتوح الأقفال ، ورسما بأن ~~تركب جماعة من العسكر تحت القلعة ، فركب الأمير شمس الدين سنقر الأعسر في ~~جماعة من مماليكه بعد العشاء الآخرة مظهرين السلاح وشق المدينة وخرج من باب ~~زويلة إلى تحت القلعة ، وكان قبل ذلك قد انقطع في داره ، وادعى المرض ، ~~فلما كانت هذه الفتنة كان أول من ركب وكان ممن ركب أيضا أخوه الأمير سيف ~~الدين سلار فخرج لهم بعض المماليك السلطانية ms7441 الأوشاقية من الإسطبل ، ~~فراشقهم بالسهام ورمى الأمير سيف الدين سموك أخو سلار بسهم فوصل إلى الشباك ~~الذي يجلس فيه السلطان ، فشق ذلك على السلطان وكبر لديه ، وبات الأمراء ~~الأكابر في تلك الليلة على مساطب الدركاه بباب القلعة متلازمين ، ولما فتح ~~باب القلعة وقف أمامه مماليك الأمراء الأكابر وهم مكيزون سهامهم في قسيهم ، ~~وظنوا أن المماليك السلطانية يخرجون عليهم إذا فتح الباب ، فلم يقع ذلك ~~فصرف الأمراء أكثر مماليكهم ، وجلس الأمراء بالدركاه بباب القلعة وترددت ~~الرسائل بينهم وبين السلطان على لسان الأمير جمال الدين أقش الموصلي ~~والأمير سيف الدين كراي ، والأمير بهاء الدين يعقوب الشهرزوري ، وسألوا رضا ~~السلطان والتمسوا منه تسليم بعض الخاصكية الذين نسبوهم إلى تغيير خاطر ~~السلطان ، فما وسع السلطان إلا إخماد هذه الفتنة الثائرة فسيرهم إليهم بعد ~~مراجعات وأيمان أنهم لا ينالهم من الأمر أذى وهم سيف الدين بيبغا التركماني ~~، وكان من أخص الناس بالسلطان وأقربهم عنده PageV32P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" وسيف الدين خاص ترك وسيف الدين بيتمر الحاج ~~فأنزلهم الأمراء لوقتهم من القلعة وتوجهوا إلى جهة القدس ثم دخل الأمراء ~~إلى الخدمة على عادتهم ، ولما اتصل خبر هذه الحادثة بالأمير جمال الدين أقش ~~الأفرم كتب إلى الأمراء يلومهم ويعنفهم على ما وقع من إخراج هؤلاء المماليك ~~ويلتمس إعادتهم ، ويقسم أنهم متى لم يعادوا إلى خدمة السلطان حضر هو بهم ، ~~وكتب إلى السلطان مطالعة يقول : إن المملوك بلغه أن الخواطر الشريفة تغيرت ~~على فلان وفلان والمملوك يسأل عود العواطف الشريفة عليهم ، وشمولهم ~~بالمراحم السلطانية وإعادتهم إلى الخدمة أو نحو هذا ولما وصل كتاب نائب ~~الشام إلى الأمراء بذلك سألوا السلطان في إعادة المماليك المذكورين فرسم ~~بإعادتهم فعادوا ، ولم يسكن الأمير سيف الدين بيبغا بالقلعة وإنما سكن ~~بداره بسويقة العزي وما لبث أن مرض ومات في هذه السنة على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى وفيها في يوم الاثنين خامس عشر محرم بعد إخراج المماليك ~~السلطانية رسم بإخراج الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار أمير جنذار فأخرج ~~من ساعته ، وقطع خبره ms7442 ، وبات في تلك الليلة بظاهر القلعة ، ورحل في يوم ~~الثلاثاء ، وولي وظيفة الأمير جاندارية بعده الأمير بدر الدين بكتوت ~~الجوكندار ، المعروف بالفتاح ، وتوجه الأمير سيف بكتمر إلى الشام بغير ~~إقطاع ، فلما وصل إلى غزة عينت له الصبيبة فتوجه إليها واسترخمها وكره ~~المقام بها ، فكتب إلى الأبواب السلطانية وإلى الأمراء شكا من وخمها ، وسأل ~~نقلته إلى غيرها فعين له صرخد ، ثم اتفقت وفاة الأمير شمس الدين سنقرجاه ~~المنصوري نائب السلطنة بصفد في شعبان فكتب منشورة بإقطاعه وتقليده بنيابة ~~السلطنة بها ، فتوجه إليها ، ثم كان من خبره ما نذكره وفيها وصل الأمير فتح ~~الدين بن صبرة من أسر التتار ، وقد تقدم ذكر أسره في بلاد سيس . وفي هذه ~~السنة طلع النيل بالديار المصرية طلوعا عاما وروى البلاد وزرع وطلع الزرع ~~طلوعا حسنا ، فلما كان في شوال الموافق لبرمهات - وهو وقت كمال الغلال - ~~هبت ريح جففت الزرع قبل أن يشتد فهاف جميع ما مرت عليه تلك الريح ، وهو ~~أكثر الزرع حتى ترك أكثره بغير حصاد وارتفعت أسعار الغلال بسبب ذلك فبلغ ~~سعر القمح كل أردب تسعين درهما وفيها جرد جماعة من العسكر الشامي إلى ~~الرحبة فتوجه الأمير علاء الدين أيدغدي شقير في طائفة من العسكر في ثاني ~~جمادى الأولى ، ثم تلاه الأمير سيف الدين قطلوبك المنصوري في رابع عشر ~~الشهر وتوجه الأمير سيف الدين بهادر آحي في التاريخ المذكور . PageV32P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" وفيها في يوم الاثنين العشرين من شهر رجب توجه ~~الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام إلى القدس الشريف لقصد الزيارة ~~وتوجه معه جماعة من أعيان دمشق وعاد إلى دمشق في تاسع شعبان . وفيها توجه ~~ركب من الديار المصرية إلى الحجاز الشريف في السابع والعشرين من شهر رجب ~~صحبة الأمير ركن الدين الكوندكي وجماعة المشار إليه منهم الشيخ نجم الدين ~~بن عبود ونجم الدين بن الرفعة وغيرهم ووصلوا إلى مكة في سادس شهر رمضان . ~~ذكر الاهتمام بقصد اليمن والاحتفال لذلك وتعيين العساكر المجردة إليه ~~وتأخير ذلك وإرسال الرسل وفي هذه السنة حصل ms7443 عزم الأمراء ولاة الأمر على قصد ~~اليمن وتجريد العساكر وتقرر أن يتوجه الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة ~~بالجيوش ، وعين من يتوجه معه ، وعرض رجال الحلقة واحتفل لذلك احتفالا عظيما ~~، ورسم لكل أمير مقدم ألف ومضافيه أن ينشئوا مركبا كبيرا وفلوه برسم حمل ~~الأزواد وحصل الشروع في ذلك وندب الأمير عز الدين أيبك الشجاعي شاد ~~الدواوين لعمل المراكب فتوجه إلى الوجه القبلي ، وقطع الأخشاب لذلك ، وكان ~~سبب هذا العزم ما حصل للملك المؤيد هزبر الدين داود صاحب اليمن من اختصار ~~الهدايا ، وإعادة الرسول المتوجه إليه من الأبواب السلطانية بغير جواب ، ~~ولما حصل هذا العزم سأل أعيان الكارم مراحم السلطان في الإمهال إلى أن ~~يتوجه إليه الرسل من الأبواب السلطانية ويعود جوابه ، ودخل في هذا السؤال ~~جماعة من المشايخ فأجيبوا إلى ذلك ، وكتب لصاحب اليمن عن الخليفة المستكفي ~~بالله أمير المؤمنين العباسي والسلطان ، وتوجه PageV32P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" القاضي شمس الدين محمد بن عدلان الشافعي أحد ~~المفتيين بالقاهرة ، وشمس الدين سنقر السعيدي أحد مقدمي الحلقة المنصورة ، ~~فتوجها وحملا مشافهة إليه ، وتأخر تجهيز العسكر . وفيها نزل الأمير سيف ~~الدين كراي المنصوري عن إقطاعه بالديار المصرية ، وكان إقطاع إمرة مائة ~~فارس ، وذلك أنه توجه للصعيد لكشف إقطاعه ، وانتهى إلى مدينة إسنا من ~~الأعمال القوصية - وهي من جملة إقطاعه وتجهز منها ، وحمل ما يحتاج إليه من ~~الروايا والقرب وغير ذلك ، وتوجه هو ومن معه في البرية لقصد بلاد التاكة ~~فوردت مطالعة متولي الأعمال القوصية بذلك ، فقطع خبره ، وأنعم به على ~~الأمير سيف الدين بتخاص ، وكان إخراج الإقطاع هو غرض الأمير سيف الدين كراي ~~، ثم رجع إلى الأبواب السلطانية بعد أن أوغل في البرية ، وسأل الإعفاء من ~~الإمرة والخدمة ، وأن يتوجه إلى القدس الشريف ويقيم هناك - وما علم موجب ~~ذلك - فأذن له فتوجه بحريمه ومماليكه وأقام بالقدس . وفيها اهتم الأمير ركن ~~الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار بعمارة دار الوزارة خانقاه ورباطا وتربة ~~لدفنه - اهتماما عظيما ، فعمر ذلك عمارة متقنة وحصل الرخام من كل جهة ، ~~ودله الأمير ms7444 ناصر الدين محمد بن الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح . ~~على أن يظاهر دورهم بالقصر فساقي من الرخام الأبيض مدفونة تحت الردم ، ~~وأخرج منه فسقيتان من الرخام على غاية الكبر والحسن وإتقان الصنعة ، وكل ~~منهما قطعة واحدة ، وهي طويلة عميقة متسعة الجوف والوسط ، ثم تنخرط من ~~طرفها إلى أن ترق فيكون طرفها كالمجراة ، فأخرجتا وعمل لإخراجهما آلات ~~معينة على ذلك ، وحصل التعب في جرهما ، ثم نشرتا ألواحا وفرش بهما أرض ~~المكان ووقف الأمير ركن الدين على هذا المكان أوقافا متوفرة جليلة المقدار ~~، وعين في هذا الوقف عدة كثيرة من الفقراء الصوفية ، والجند البطالين ~~وغيرهم ، ورتب أن يكون بالمكان شيخين أحدهما بالخانقاه والآخر بالرباط ~~وأئمة ومؤذنين ومقرئين وغير ذلك ، وكملت عمارتها والأوقاف عليها في سلطنته ~~، وخلع ومات قبل فتحها ؛ فأغلقت مدة ثم أمر السلطان الملك الناصر بفتحها ~~ففتحت ، ورتب فيها جماعة من الصوفية وغيرهم بالخانقاه والرباط ، وأما القبة ~~التي بها المدفن فإنها مغلقة على ما هي عليه لم تفتح إلى أواخر ~~PageV32P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" سنة خمس وعشرين وسبعمائة ولم تستقر جملة ~~الأوقاف على هذا المكان ؛ فإن منها ما حل ورجع إلى بيت المال ، واستقر ~~بعضها فصرف لمن استقر بها من الصوفية وغيرهم . ذكر وفاة الأمير سيف الدين ~~بيبغا المعروف بالتركماني وأنشأ تربته وما وقف عليها وفي هذه السنة في ~~العشر الأخير من شعبان توفي الأمير سيف الدين بيبغا الناصري المعروف ~~بالتركماني أحد أمراء العشرات بالديار المصرية ، وهو من أكابر أخصاء ~~المماليك السلطانية وأحد من أخرج في هذه السنة إلى الشام وأعيد ، وكان ~~متمكنا عند السلطان خصيصا بخدمته ، لا يتقدم عليه غيره في وقته ، وكان ~~السلطان قد ملكه جملة من أملاكه بالقاهرة من ذلك تربيعة الجمالون بخط ~~الشرابشين وأجرتها في كل شهر ألف درهم ومائة درهم واشتريت هذه التربيعة ~~للسلطان بمائتي ألف درهم وأربعين ألف درهم ، وحمامي بن سويد ، وقيسارية ~~أخرى وغير ذلك وأنعم عليه بجملة كثيرة من الأموال ، والحوايص الذهب ~~والجواهر مما لا يدخل تحت الإحصاء . ولما مات كنت يومئذ ms7445 في خدمة السلطان ~~فأمرني والأمير عز الدين الحاج أزدمر رأس نوبة الجمدارية بإيقاع الحوطة على ~~موجوده ففعلت وحررت ذلك وعرضت الأوراق على مولانا السلطان وحملت من موجوده ~~وذخائره إلى السلطان ما أمر بحمله ثم أمر لي ببقية بيع الموجود أو أن أعمر ~~به تربة بالقرافة ، وقبة على قبره فبادرت إلى امتثال أمره ، وشرعت في ذلك ، ~~وجمعت جماعة من المهندسين والصناع لقسمة التربة ووضع الأساس ، وحضر السلطان ~~إلى التربة بالقرافة ، ونزل عن فرسه ، ووقف وقسم التربة وخطها بعصا في يده ~~ورتبها على حسب ما اقتضاه رأيه الشريف ثم رسم إلى أن أوقف عنه على هذه ~~التربة من الأملاك المذكورة آنفا التي ورثها عن بيبغا ، وهي مما كان قد ~~وهبه له ، فوقفت تربيعة الجملون وغيرها على مصالح تربة سيف الدين بيبغا ~~بطريق الوكالة عن السلطان ، وذلك بمجلسه بحضور قاضي القضاة بدر الدين بن ~~جماعة الشافعي وجماعة من العدول ، ولما شرعت في ترتيب الوقف سألت السلطان ~~خلد الله ملكه أن أرتبه وأوقفه على أيسر الوجوه وأهنئها ، وأطيبها فأذن لي ~~في ذلك ، فشرطت في الوقف أن من مرض من أهل الوقف من إمام ومؤذن ومقرئين ~~وغيرهم أو رمد يصرف له معلومه الشاهد به كتاب الوقف بجملته ويستناب عنه في ~~مدة مرضه أو رمده من يقوم بوظيفته بنظير نصف معلومه من مال الواقف ، وأن من ~~حج من أهل PageV32P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" الوقف يجعل له معلوم أربعة أشهر ، ويستناب عنه ~~بنظير نصف معلومه في مال الوقف ، وغير ذلك من التيسيرات ، وعرضت ، ذلك على ~~السلطان خلد الله ملكه فأمر لي بإمضائه ، فوقفته على هذا الحكم ، وهو باق ~~على ذلك والحمد لله تعالى - والوقف ينمو ويزيد إلى وقتنا هذا . وفي هذه ~~السنة في ليلة يسفر صباحها عن يوم السبت خامس جمادى الآخرة وقت السحر توفي ~~الصاحب الوزير تاج الدين محمد ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب الوزير ~~بهاء الدين علي بن محمد بن سليم المعروف جده بابن حنا بداره ببركة الحبش ، ~~ودفن بتربته بالقرافة رحمه الله تعالى ms7446 ومولده في التاسع من شعبان سنة ~~أربعين وستمائة . وتوفي في دمشق الأمير علاء الدين مغلطاي البيسري أحد ~~الأمراء الأعيان بها ، في ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين ثاني جمادى ~~الأولى ، ودفن في يوم الاثنين بقاسيون ، وكان رحمه الله تعالى من أحسن ~~الناس عشرة ، وأكملهم مروءة وأوفاهم بحقوق أصحابه كان لا يدخر عن صاحبه أو ~~قاصده مالا ولا جاها ، صحبته مدة فلم أر أحسن من صحبته ولا مودته ، وكان ~~لنا بهذا البيت البيسري خدمة قديمة ، ثم صحبة أكيدة ، وتجددت بعد ذلك بيني ~~وبينه بدمشق عند مقدمي إليها في جمادى الآخرة سنة إحدى وسبعمائة إلى أن عدت ~~إلى الديار المصرية في رمضان سنة ثلاث وسبعمائة ، وكان رحمه الله تعالى من ~~أشجع الأمراء ، وهو ذو فهم بالحروب والوقائع وترتيب الجيوش ، وممن يرجع ~~إليه في ترتيب المحافل والمهمات ، وعرض التقادم وغير ذلك من أحوال الملوك ، ~~وكان أيضا قد انفرد في معرفة طير الجارح وتدريبه والاصطياد به وجيده ورديئه ~~، ومداواة سقيمه وغير ذلك من أحواله ، وكان أصله من مماليك زين الدين ~~الحافظي وزير الملك الناصر صاحب الشام اشتراه الأمير بدر الدين بيسري ~~الشمسي بعد هروب الزين الحافظي بما ينيف عن أربعين ألف درهم ويقارب الخمس ~~ألفا وحرص الملك الظاهر ركن الدين على تملكه فما قدر على ذلك ، واجتهد بكل ~~طريق فلم يتهيأ له حتى عزم في أواخر أمره على القبض على الأمير بدر الدين ~~بيبرس أستاذه ليتمكن من أخذه فمات الملك PageV32P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" الظاهر قبل ذلك ، ولما اعتقل مخدومه الأمير ~~بدر الدين بيسري في أوائل الدولة المنصورية ضبط موجوده وخدم أولاده ورباهم ~~وحفظهم وكانوا ستة ، وأنفق عليهم أمواله ، ولازم باب أستاذه في مدة اعتقاله ~~، ورغب السلطان الملك المنصور في استخدامه ورتبه في جمداريته ، ووعده ~~بالإمرة ، وأسكنه بالقلعة فاستعفى من ذلك وكره مفارقة باب أستاذه والاشتغال ~~عن حفظ أولاده ، ولم يزل يتنصل من الخدمة حتى أعفي منها ، وكان إقطاعه في ~~جنديته أمير من خاص جماعة من الأمراء ، قال لي يوما بدمشق وهو أمير تسعة ~~وستين ms7447 فارسا : وددت أن إقطاعي الآن وإقطاع أصحابي نظير إقطاعي في الجندية ~~فسألته عن متحصل إقطاع جنديته ، فأخبرني أنه كان يحصل له منه لخاصة ولأربعة ~~أتباع في كل سنة مائة ألف درهم وخمسة آلاف درهم وخمسة آلاف إردب غلة ومات ~~رحمه الله تعالى وعليه جملة من الديون ، صرفها في المكارم ومحاسنه رحمه ~~الله كثيرة . وتوفي الأمير ركن الدين بيبرس العجمي الجمدار الصالحي النجمي ~~المعروف بالجالق أحد الأمراء الأعيان مقدمي الألوف بدمشق وكانت وفاته بظاهر ~~الرملة في العشر الأوسط من جمادى الأولى في خامس عشر الشهر ، وقيل في تاسع ~~عشرة ، ونقل إلى القدس فدفن هناك ، وكان رحمه الله تعالى أميرا خيرا دينا ، ~~كثير البر ، كان يرصد من ماله جملة يقرضها للجند عند تجريدهم ، ويصبر عليهم ~~بذلك إلى أن يتيسر لهم إعادته ، وعدم له جملة كثيرة من أمواله بسبب ذلك ، ~~ولا يرده ذلك عن هذه الحسنة رحمه الله تعالى . وفيها - في ثاني جمادى الآخر ~~- كانت وفاة الشيخ الصالح العابد عمر السعودي بزاويته بالقرافة ، ودفن بها ~~رحمه الله تعالى وفيها توفي الشيخ القاضي شرف الدين محمد ابن القاضي فتح ~~الدين عبد الله بن محمد بن أحمد بن خالد القيسراني الحلبي ، أحد أعيان كتاب ~~الدرج بالباب الشريف السلطاني ، وكانت وفاته بعد العصر من يوم الجمعة ، ~~ودفن يوم السبت بالقرافة الصغرى ، وكان رحمه الله تعالى رجلا جيدا خيرا ~~دينا متواضعا فاضلا أمينا ، لا يغتاب أحدا من الناس ، ويكره الغيبة من غيره ~~، ولا يسمعها ، وسمع الحديث النبوي الكثير ، وكان متمكنا من صناعة الإنشاء ~~، طاهر اللسان والقلم كثير الأدب غزير المروءة رحمه الله تعالى . ~~PageV32P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" وفيها في يوم السبت خامس عشر رجب توفي الشيخ ~~تقي الدين الرجيحي بن سابق بن هلال بن يونس : شيخ الفقراء اليونسية بدمشق ، ~~وصلى عليه بجامعها ، وأعيد إلى داره فدفن بها ، وجلس مكانه في مشيخة ~~اليونسية ولده الشيخ حسام الدين فضل . وفيها في يوم السبت تاسع عشرين شهر ~~رجب الفرد توفي الأمير علي ابن الملك القاهر عبد الملك ابن الملك المعظم ~~شرف ms7448 الدين عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب ، وكانت وفاته ~~بدمشق ، ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى . وتوفي بدمشق أيضا الأمير فارس ~~الدين الردادي أحد الأمراء بها في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان ~~المعظم وتوفي بها الأمير سيف الدين كاوركا المنصوري ، وهي من المماليك ~~المنصورية في زمن الإمرة ، وكانت وفاته في الخامس عشر من ذي القعدة . وتوفي ~~الأمير بهاء الدين أسلم بن دمرداش أحد الأمراء بدمشق في يوم الجمعة رابع ذي ~~القعدة وتوفي بالكرك الطواشي شمس الدين صواب السهيلي الخازندار ، وقد قارب ~~المائة سنة ، وكان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس قد سلم إليه قلعة الكرك ~~كما تقدم واستمر بها إلى سنة إحدى وثمانين وستمائة في أيام الملك المسعود ~~نجم الدين خضر ابن الملك الظاهر فتوجه إلى الحجاز الشريف في جملة الركب ~~الشامي فلما وصل إلى تبوك لحقه الأمير عبية أمير بني عقبة في نحو مائتي ~~فارس ، فقبض عليه وحمله إلى الأبواب السلطانية المنصورية ، فلما ملك ~~السلطان الملك المنصور قلعة الكرك أعاده إليها وثوقا بأمانته وديانته ، فلم ~~يزل بها إلى أن مات رحمه تعالى . وتوفي في ليلة الاثنين حادي عشر شعبان ~~القاضي جمال الدين أبو بكر محمد بن عبد العظيم بن علي بن سالم الشافعي ~~المعروف بابن السقطي خليفة الحكم العزيز PageV32P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" بالقاهرة ، ودفن من الغد بالقرافة وولي نيابة ~~الحكم بالقاهرة نحو أربعين سنة وكان دربا بالأحكام الشرعية ، وترك النيابة ~~عن الحكم في آخر عمره ، ومولده في سنة ثمان وعشرين وستمائة رحمه الله تعالى ~~. وتوفي الأمير بهاء الدين يعقوبا بن نور الدين بدر الشهرزوري أحد الأمراء ~~مقدمي الألوف بالديار المصرية قديم الإمرة - وكانت وفاته في ليلة تسفر عن ~~سابع عشر ذي الحجة . وتوفي الأمير الطواشي شهاب الدين فاخر المنصوري ، مقدم ~~المماليك السلطانية ، وأحد الأمراء أصحاب الطبلخاناه ، بالديار المصرية في ~~سابع عشر ذي الحجة وكان رحمه الله تعالى ذا مهابة وسطوة على المماليك ~~السلطانية يحترمه كبيرهم ويخافه صغيرهم وكان كريم النفس رحمه الله تعالى . ~~واستهلت سنة ثمان ms7449 وسبعمائة في هذه السنة في مستهل شهر ربيع الأول أخرج ~~الأمير نجم الدين خضر الملقب بالملك المسعود ابن الملك الطاهر ركن الدين ~~بيبرس من البرج بقلعة الجبل ، وسكن مصر على شاطئ النيل بدار الأمير عز ~~الدين أيبك الأفرم وكانت اشتريت له ، ولم تطل مدته فإنه توفي خامس شهر رجب ~~بالقاهرة بدار الحلبي . وتوفي ولده قبل وفاته بيوم وخلف ولدا ذكرا وابنة ، ~~رحمه الله تعالى . وفيها في ثالث شهر ربيع الآخر فوضت الخطابة بجامع قلعة ~~الجبل لقاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة عوضا عن الشيخ شمس الدين محمد ~~الجزري . وفيها وصلت رسل صاحب سيس بالقطيعة المقررة عليه وهديته ، ووصل في ~~جملة ذلك طشت وإبريق ذهب مرصع بالجوهر . وفيها في جمادى الآخرة وصلت طائفة ~~من التتار الذين هم شرقي الفرات إلى بلد كركر ، وأغاروا عليها ، وكان هناك ~~سيف الدين بتخاص أحد مماليك الأمير شمس الدين قراسنقر نائب السلطنة بحلب ، ~~فتوجه بجماعة من الرجالة وكبس التتار ، وأوقع بهم واستظهر عليهم ، وأسر ~~بعضهم وحضر إلى الأبواب السلطانية فأنعم عليه . PageV32P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" ذكر توجه السلطان الملك الناصر إلى الكرك ~~وإقامته بها وفي هذه السنة أظهر السلطان أنه قد عزم على الحجاز الشريف ~~وأشاع ذلك وأذاعه ، وأظهر الاهتمام به وأمر بجهازه : وتجهز معه جماعة من ~~مماليكه الذين اختارهم ، وبرز من قلعة الجبل المحروسة في يوم السبت الرابع ~~والعشرين من شهر رمضان ، وركب الأمراء في خدمته لوداعه فأعاد الأمير سيف ~~الدين سلار وركن الدين بيبرس إلى قلعة الجبل ، واستقل ركابه ، وعيد عيد ~~الفطر بالصالحية ثم سار ووصل إلى قلعة الكرك في يوم الأحد العاشر من شوال ~~منها ولما صعد إلى الكرك تقدمت الأثقال والبيوتات السلطانية ، ومرت على ~~الجسر الخشب المنصوب على الخندق بباب القلعة ، ثم مر السلطان على الجسر ~~المذكور وحوله مماليكه ، الخاصكية وأرباب الوظائف ، وازدحموا على الجسر ~~فضعف عن حملهم فتكسرت أخشابه ، وقد صارت يدا فرس السلطان داخل باب القلعة ~~وأطراف حوافر رجليه على الجسر فوثب الفرس به فصادر داخل القلعة ، فسلم ~~وانكسر الجسر ms7450 بمن كان عليه من الخاصكية فسقطوا إلى أسفل الخندق ، وهو من ~~أعمق الخنادق وأبعدها ، فسقط بعضهم على بعض فسلموا كلهم إلا اثنين منهم ~~أحدهما الأمير عز الدين أزدمر الحاج رأس نوبة الجمدارية فإنه انقطع نخاعه ، ~~وبطل نصفه مما يلي رجليه ، وعاش كذلك إلى أن مات في سنة عشر وسبعمائة بعد ~~عود السلطان إلى الديار المصرية . ولما استقر السلطان بقلعة الكرك طلب ورقة ~~بالحاصل بخزانتها من الأموال ، فكتبت له ورقة بمبلغ مائتي ألف درهم ، وكان ~~الحاصل أضعاف ذلك مرارا وإنما كتبت بأمر النائب بها خشية أن السلطان يأخذ ~~ما بها من المال بجملته . فلما أخذ الورقة أظهر ما كان قد أضمره وأخرج ~~النائب بالكرك وهو جمال الدين آقش الأشرفي ، وجماعة من البحرية ، وجماعة من ~~الرجالة ، واستقر بها بمماليكه الذين رضيهم ، وأعد ما كان قد استصحبه من ~~شعار السلطنة والبيوتات إلى الديار المصرية ، والممالك الشامية يعلمهم أنه ~~قد استقر بالكرك ، ونزل عن السلطنة أو أن يدبروا الأمر على ما يختارونه ، ~~وإنما فعل ذلك لما حصل له من الأمير ابن سيف الدين سلار وركن الدين بيبرس ~~من المضايقة والحجر والاستبداد بالأمر دونه ففعل ذلك وتحقق أنهما لا يتفقان ~~بعده ، وأن الأمر يؤول إليه كما يختار ، فوردت مكاتباته إلى الأمراء بقلعة ~~الجبل في يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال من هذه السنة . PageV32P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" ذكر سلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس ~~العثماني المنصوري لما وصلت كتب السلطان الملك الناصر إلى الأمير سيف الدين ~~سلار والأمراء بما قدمناه اجتمعوا في يوم السبت الثالث والعشرين من شوال ~~بدار النيابة ، وتشاوروا فيمن ينصب في السلطنة فمال جماعة إلى الأمير سيف ~~الدين سلار النائب فقال لمن اختاره أنتم رضيتم بي أن أكون عليكم سلطانا ، ~~وأنا قد رضيت لي ولكم هذا وأشار إلى الأمير ركن الدين بيبرس العثماني أستاذ ~~الدار ، وكان ذلك رأي جماعة الأمراء البرجية خواشداشيته ، فوافق قوله رأيهم ~~، فاجتمعت الكلمة بالديار المصرية عليه وإنما صرفها الأمير سيف الدين سلار ~~عن نفسه إليه لعلمه بعاقبة الأمر وأن ms7451 ذلك لا يتم له ، فعند ذلك حلف له ~~الأمراء ، وركب من دار النيابة بعد العصر من اليوم المذكور ودخل إلى دور ~~السلطنة داخل باب القلعة والأمراء مشاة في خدمته إلى أن استقر على تخت ~~السلطنة ولقب بالملك المظفر ، وزفت البشائر ، وكتب بذلك إلى سائر الممالك ~~الإسلامية وتوجه إلى الشام الأمير عز الدين أيبك البغدادي والأمير سيف ~~الدين ساطي فوصلا إلى دمشق على خيل البريد في مستهل ذي القعدة ، وخطب له ~~بالقاهرة في يوم الجمعة التاسع والعشرين من شوال سنة ثماني وسبعمائة وحضر ~~الخليفة المستكفي بالله أبو الربيع سليمان وقلده السلطنة بالديار المصرية ~~والبلاد الشامية ، وكتب عهده بذلك وقد تقدم ذكر هذا العهد وما اشتمل عليه ~~فيما سلف من كتابنا هذا في الجزء الثامن منه في ترجمة القاضي علاء الدين بن ~~عبد الظاهر وركب الملك المظفر في يوم السبت السابع من ذي القعدة بشعار ~~السلطنة وعليه خلعة الخليفة ، وهي خلعة سوداء بطرحة وتقلد سيفين على العادة ~~، وسير في الميدان الأسود وخلع على الأمير سيف الدين سلار وأقره على نيابة ~~السلطنة وأقر سائر النواب بالممالك الشامية ، ولم يغير منهم إلا الأمير ركن ~~الدين بيبرس العلائي النائب بغزة فإنه أعاده إلى الإمرة بدمشق وولى نيابة ~~غزة الأمير سيف الدين بلبان البدري وذلك في المحرم سنة تسع وسبعمائة . ~~PageV32P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" ولما وصل كتاب الملك المظفر إلى دمشق صحبة من ~~ذكرنا توقف الأمير جمال آقش الأفرم نائب السلطنة بالشام عن الحلف إلا بعد ~~أن يثبت على حاكم من حكام المسلمين أن السلطان الملك الناصر نزل عن السلطنة ~~، وخلع نفسه ، فأحضر كتاب السلطان الملك الناصر الذي قد كان وصل إليه وشهد ~~جماعة من الموقعين أن الكتاب بخط القاضي علاء الدين بن الأثير كاتب السلطان ~~وأن الخط الذي أعلاه خط السلطان الملك الناصر ، فثبت ذلك لذلك وعمل بمقتضاه ~~، وحلف الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام ومن عنده من الأمراء وغيرهم ~~، وكذلك سائر النواب بسائر الممالك وأقر الملك المظفر الصاحب ضياء الدين ~~النشائي على وزارته على عادته ms7452 - وليس له من الأمر شيء وإنما الأمر لتاج ~~الدين بن سعيد الدولة وزاده بسطة وتمكينا ، وكان الملك المظفر لا يكتب على ~~تقليد أو توقيع أو كتاب إلا بعد أن يكتب تاج الدين عليه ما مثاله يحتاج إلى ~~الخط الشريف ورسم للدوادارية أن لا يقدموا له ما يعلم عليه إلا بعد خط تاج ~~الدين صح المذكور ، وتطاول إلى أن قصد أن يقف على أجوبة البريد إلى النواب ~~وغيرهم ويكتب عليها فقام القاضي شرف الدين بن فضل الله صاحب الديوان في ذلك ~~وعرف السلطان ما يترتب على ذلك من المفسدة ، من إذاعة أسرار السلطنة ~~وإفشائها ، فاستقر الأمر أنه يكتب على ما يتعلق بالأموال والإقطاعات دون ما ~~هو متعلق بسر الدولة وكتب الملك المظفر للسلطان الملك الناصر تقليدا بالكرك ~~، ومنشورا بإقطاع مائة فارس ، ثم أبطل المنشور الأول ، وكتب منشورا ثانيا ~~بريع المغل ولخاصه ولمائة طواشي وقال فيه بعد إبطال ما كتب به أولا وسير ~~المنشور إلى دمشق وكتب عليه النائب ونزل في الدواوين وكتب عليها الكتاب ثم ~~لم يلبث الملك المظفر أن كتب إلى الملك الناصر يطلب منه ما عنده من الأموال ~~الحاصلة بالقلعة ، ويطلب إعادة المماليك السلطانية الذين استقروا عنده ، ~~وكان عدة من استقر في خدمة السلطان نحو مائتي مملوك ، وطلب أيضا الخيول ~~التي للسلطان معه ، وقال إن القلاع لا تحتاج إلى كثرة الخيول ولا الأموال ، ~~فأرسل إليه السلطان الملك الناصر مائتي ألف درهم فأعاد الجواب بتجديد طلب ~~الأموال ، فكتب إليه : إن خط نائبكم عندي أنه لم يكن بخزانة الكرك غير ~~مائتي ألف درهم وقد أرسلتها ، ولم يرسل غيرها ، وأهان رسول الملك المظفر ~~وهو الأمير علاء الدين مغلطاي أبتغلي وأمر بإخراجه ماشيا من قلعة الكرك إلى ~~الغور وتحقق الملك الناصر سوء رأي الملك المظفر ، وأنه لا يبقى عليه ، فشرع ~~عند ذلك في التدبير ، فكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى . ~~PageV32P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" وفي هذه السنة في ليلة السبت ثاني المحرم ~~توفي الشيخ الصالح أحمد بن أبي القاسم المراغي بمصر ms7453 ودفن من الغد بالقرافة ~~رحمه الله تعالى . وفيها توفي القاضي برهان الدين إبراهيم بن أحمد بن ظافر ~~البرلسي ، ناظر بيت المال في خامس صفر ، وكان من الفقهاء الفضلاء المالكية ~~ممن عين لقضاء القضاة ، وكان طاهر اللسان عفيف البد كثير المروءة رحمه الله ~~تعالى . وفيها في ليلة الثلاثاء تاسع عشر شوال توفي عز الدين أيدمر الرشيدي ~~أستاذ دار الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة ، وكان رجلا عاقلا مثريا ~~اتسعت أمواله ، وعرض جاهه ، وعلا محله ، وكان قد مرض وطال مرضه وحصل له ~~مالينخوليا - ثم مات رحمه الله تعالى . وفيها توفي الشيخ المحدث شمس الدين ~~محمد بن عبد الرحمن بن سامة الطائي بمصر في يوم الثلاثاء الرابع والعشرين ~~من ذي القعدة وصلى عليه بجامع عمرو بن العاص ودفن بالقرافة بالقرب من تربة ~~الإمام الشافعي وكان مشهورا بقراءة الحديث والاشتغال به والرحلة إليه ~~ومولده في سنة اثنتين وستين وستمائة رحمه الله تعالى . واستهلت سنة تسع ~~وسبعمائة في هذه السنة وصل الأمير علاء الدين أيدغدي التليلي ، والأمير ~~علاء الدين أيدغدي الخوارزمي من بلاد المغرب ، ووصل معهما الشيخ أبو يحيى ~~زكريا اللحياني نائب تونس بطرابلس المغرب لقصد الحج وعاد الأميران ~~المذكوران وقد نهبت العربان ببلاد المغرب ما كان قد أرسل معهما من الهدية ~~وغيرها وكان في جملة الهدية من الخيل والبغال والجمال سبعمائة رأس . وفيها ~~أيضا عاد القاضي شمس الدين محمد بن عدلان الذي كان قد جهز إلى اليمن في ~~الرسالة في الدولة الناصرية ، ومات رفيقه شمس الدين سنقر السعيدي ببلاد ~~اليمن ، بعد انفصالهما من الملك المؤيد صاحب اليمن . وفيها في أوائل شهر ~~ربيع الآخر توجهت من القاهرة إلى الكرك والتحقت بالأبواب السلطانية إلى أن ~~عاد الركاب الشريف السلطاني الملكي الناصري ، وعدت إلى القاهرة في سلخ ~~رمضان . PageV32P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" ذكر ما كان من أمر النيل في هذه السنة كان من ~~خبر النيل في هذه السنة أن زيادته بمقياس مصر انتهت إلى العشرين من شهر ~~ربيع الأول وهو الموافق للثالث من أيام النسيء إلى أربعة عشر ms7454 ذراعا ونصف ~~فغلت الأسعار بسبب ذلك وانتهى سعر القمح إلى خمسين درهما ثمن كل إردب ~~واستسقى الناس بالمصلى بالقرافة الكبرى ، وكسر خليج مصر في التاسع والعشرين ~~من شهر ربيع الأول بغير وفاء وأيس الناس من زيادة النيل في هذه السنة ، ~~وفات وقته المعتاد ، ثم أخذ في الزيادة فانتهت زيادته إلى ستة عشر ذراعا ~~وإصبعين ، وذلك إلى آخر الثالث والعشرين من بابه ، وزرع الناس على هذه ~~الزيادة . وفي هذه السنة في ثالث عشر شهر ربيع الآخر فوض قضاء القضاة على ~~مذهب الإمام أحمد بن حنبل للشيخ سعد الدين مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد ~~الحارثي ، وخلع عليه يوم الأربعاء ، وحكم في يوم الخميس خامس الشهر ، وذلك ~~بحكم وفاة القاضي شرف الدين عبد الغني بن يحيى بن محمد بن عبد الله الحراني ~~وكانت وفاته في ليلة الجمعة رابع عشر شهر ربيع الأول ودفن من الغد بالقرافة ~~ومولده بحران سنة خمس وأربعين وستمائة رحمه الله تعالى ، وكان في مبدأ أمره ~~شافعي المذهب إلى آخر الأيام الأشرفية بالحسامية الصلاحية وبعدها ، ثم قلد ~~الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بعد ذلك واستقل وولي القضاء . ذكر اضطراب أمر ~~الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير وما كان من أخباره إلى أن خلع نفسه ~~وفارق قلعة الجبل كان ابتداء اضطراب أمر دولته أنه خرج من القاهرة الأمير ~~سيف الدين أبغية قبجق والأمير علاء الدين مغلطاي القازاني ، والأمير سيف ~~الدين طقطاي أمير مجلس ، وجماعة من المماليك السلطانية فارين إلى خدمة ~~السلطان الملك الناصر ، وكان خروجهم من القاهرة بعد أذان المغرب من ليلة ~~يسفر صباحها عن يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وسبعمائة ~~ووصولهم إلى خدمة السلطان الملك الناصر إلى الكرك ، وطلوعهم إلى قلعتها في ~~بكرة نهار الأربعاء الثامن والعشرين منه ، فأحسن الملك الناصر إليهم ، وخلع ~~عليهم ، ولما توجوا اتهم بعض المماليك السلطانية PageV32P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" بمواطأتهم فأمسك منهم نحو ثلاثمائة نفر ، ~~وقطعت أخبازهم وأخباز المتسحبين وجرد الأمير سيف الدين برلغي مقدما وصحبته ~~الأمير جمال الدين آقش ms7455 الأشرفي ، والأمير عز الدين أيبك البغدادي والأمير ~~شمس الدين الدكن ومن معهم من مضافيهم ، فبرزوا في يوم السبت التاسع ~~والعشرين من شهر رجب وخيموا بمسجد التين ، ثم عادوا بعد أربعة أيام وكان ~~سبب عودهم أن الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام ورد كتابه على يد ~~أستاذ داره سيف الدين الطنقش يتضمن أن الملك الناصر وصل إلى البرج الأبيض ~~قاصدا دمشق ، ورجع إلى الكرك ، ثم وصلت كتبه بعد ذلك تتضمن أن الأمراء ~~بالشام مالوا إلى الملك الناصر وأنه يخشى من انتقاض الأمر فعند ذلك شرع ~~الملك المظفر في النفقة العامة على سائر الجيش ، وكملت في سبعة أيام ، وكان ~~الجند يأخذون النفقة ويقول بعضهم لبعض : ادعوا للملك الناصر ، وأمر الملك ~~المظفر جماعة من مماليكه ، فركب منهم من أمراء الطبلخانات سبعة عشر ، ومن ~~أمراء العرب ثلاثة عشر وذلك في مستهل شهر رمضان من السنة . وفي هذا التاريخ ~~خرج الأمير سيف الدين برلغي مجردا في أربعة آلاف فارس ، ثم أردفه بالأمير ~~سيف الدين طغريل الإيغاني في أربعة آلاف أخر فمرض طغريل فرجع ومات في عاشر ~~شهر رمضان ، وتوفي الأمير عز الدين أيبك الخزندار قبله في سابع الشهر . ~~ولما خرج هذا العسكر أرسل الملك المظفر للأمراء نقودا ذهبا غير النفقة ~~الأولى فيقال : إن الذي وصل إلى الأمير سيف الدين برلغي في هذه الحركة ستون ~~ألف دينار عينا . وفي يوم الجمعة الثاني عشر من شهر رمضان خرجت جماعة من ~~المماليك السلطانية على الهجن ، وقصدوا اللحاق بالسلطان الملك الناصر ، ~~فجرد الملك المظفر في آثارهم فأدركوهم وقد وردوا الماء بمراكع موسى ~~واقتتلوا فجرح الأمير سيف الدين سموك أخو سلار ، وصارم الدين الجرمكي ، ~~وقتل من الفريقين ونجا المماليك السلطانية ، والتحقوا بالسلطان الملك ~~الناصر ، فجرد الملك المظفر جماعة من الأمراء لحفظ الطرقات ، من جملتهم ~~الأمير جمال الدين آقش الرومي الحسامي ، فساق في إثر هذه الطائفة من ~~المماليك فلم يدركهم ، فلما رجع نزل ليستريح ويريح ، فوثب عليه من مماليكه ~~فقتلوه ، وتوجهوا برأسه إلى الملك الناصر وحملت جثته إلى القاهرة ، وفي ~~أثناء ms7456 هذه المدة تجمع خلق كثير من الغوغاء والعامة والسوقة وجاؤوا تحت ~~القلعة ، وأعلنوا بسب الملك المظفر فأمسك بعضهم وضرب وطيف به فلم يرتدعوا ، ~~ثم جلس المظفر في يوم الخميس الحادي عشر من شهر رمضان جلوسا عاما وأحضر ~~PageV32P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" الخليفة المستكفي بالله أبا الربيع سليمان ، ~~وجدد البيعة لنفسه والتولية بحضور الحكام والأمراء وكتب كتابا بتجديد ~~البيعة ، ورسم بقراءته على المنابر ، فلما شرع القارئ له في قراءته استغاثت ~~العامة من كل جانب ليس لنا سلطان إلا الملك الناصر ، وهموا برجم الخطباء ~~وأخرت قراءة كتاب البيعة وكتب إلى الأمير سيف الدين برلغي ومن معه من ~~الأمراء والمقدمين وغيرهم أن يجددوا الحلف للسلطان ، فاجتمعوا بجملتهم وقرئ ~~عليهم كتاب الخليفة ، ونسخة البيعة الثانية ، وطلب منهم أن يجددوا الحلف ~~فامتنع بعضهم وقال بعضهم قد حلفنا وإن كنا لا نفي باليمين الأولى فلا نفي ~~بالثانية ، وانفصلوا من المجلس على غير حلف فلما تفرقوا ركب بعض الأمراء ~~وتوجه نحو الشام للقاء السلطان الملك الناصر خدمة ، ودخولا في طاعته وأنقل ~~الجيش المجرد ، فعلم برلغي أن النظام قد انحل وأتاه خبر مقتل آقش الرومي ، ~~فعند ذلك ركب وتوجه إلى خدمة السلطان الملك الناصر هو وسائر الأمراء ~~المجردين ورجع بعض الحلقة إلى القاهرة وكان السلطان قد أنفق جملة كثيرة من ~~الأموال ، وفرق خيولا كثيرة ، وعزم على الخروج بنفسه لحرب السلطان الملك ~~الناصر ودفعه فلما بلغه أن برلغي ومن معه توجهوا إلى السلطان الملك الناصر ~~فت ذلك في عضده وسقط في يده وعلم أنه لا بقاء لملكه . ذكر خلع الملك المظفر ~~ركن الدين بيبرس الجاشنكير نفسه من السلطنة ، ومراسلته الملك الناصر وخروجه ~~من القلعة وتوجهه نحو الصعيد ولما كان في يوم الثلاثاء سادس عشر شهر رمضان ~~اجتمع الأمير سيف الدين سلار والأمير بدر الدين بكتوت الفتاح أمير جندار ، ~~والأمير سيف الدين قجماز بتخاص بالملك المظفر وقالوا له : إنا قد رأينا من ~~المصلحة أن نراسل الملك الناصر وتسأله قلعة تكون بها أنت ومن معك من ~~مماليكك وإلزامك فوافقهم على ذلك وتقرر ms7457 أن يتوجه بالرسالة الأمير ركن الدين ~~بيبرس الدوادار المنصوري فتوجه ضحى يوم الثلاثاء وكان مضمون سؤاله أن ينعم ~~عليه بأحد ثلاث جهات إما الكرك وأعمالها ، أو حماة وبلادها أو صهيون ~~ومضافاتها ونزل عن الملك وخلع نفسه من السلطة ، ثم اضطرب أمره في عشية ~~النهار اضطرابا شديدا ، فدخل إلى الخزائن واستصحب معه جملة من الأموال ~~والذخائر ، وخرج من القلعة وصحبته مماليكه وهم نحو سبعمائة مملوك ، وصحبته ~~من الأمراء الأمير بدر الدين بكتوت الفتاح أمير جندار ، والأمير عز ~~PageV32P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" الدين أيدمر الخطيري أستاذ دار والأمير سيف ~~الدين قجماز بتخاص ومماليكهم ، وأخذ الخيول الجياد من الإسطبلات السلطانية ~~، وشعر العوام بخروجه فتجمعوا وسبوه وتبعوه فقيل إنه شغلهم بدراهم نثرها ~~عليهم فاشتغلوا بجمعها ، وتوجه بمن معه إلى إطفيح ثم منها إلى الصعيد : ~~ولما فارق القلعة خرج من بقي من الأمراء والعساكر لتلقي السلطان الملك ~~الناصر ، واستقر الأمير سيف الدين سلار بالقلعة يحفظها للسلطان وأفرج عن ~~المعتقلين من المماليك السلطانية ، وطالع السلطان الملك الناصر بما اتفق ، ~~وأعلم باسم السلطان والدعاء له على أسوار قلعة الجبل في صبحة نهار الأربعاء ~~السابع عشر من شهر رمضان ، وخطب له يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر ، ~~وانتهت أيام سلطنة الملك المظفر ، وكان مدة جريان اسم السلطنة عليه عشرة ~~أشهر وأربعة وعشرين يوما . ذكر سلطنة السلطان الملك الناصر ناصر الدنيا ~~والدين أبي الفتح محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي وعود ~~دولته ثالثا ولنبدأ بسياقة أخباره منذ وصل إلى الكرك إلى أن ملك الممالك ~~الشامية ، ثم الديار المصرية . قد قدمنا آنفا وصول السلطان الملك الناصر ~~إلى الكرك واستقراره بقلعتها وإخراجه الأمير جمال الدين آقش الأشرفي النائب ~~بها ، وجماعة من البحرية وبعض الرجال فيها ولما استقر بها اعتبر ما بها من ~~الأموال والذخائر فوجد بها فيما بلغني سبعة وعشرين ألف دينار عينا ، وألف ~~ألف درهم وسبعمائة ألف درهم ، فاحترز على ذلك وادخره ولم يصرف منه شيئا في ~~النفقات وغيرها بل جعله ذخيرة لمهماته ، واقتصر في النفقات ، وكلف الدولة ~~وأقام المملكة ms7458 على ما يتحصل من الكرك وأعمالها خاصة وسير إلى الديار ~~المصرية من جملة الحاصل ما تقدم ذكره وهو مائتا ألف درهم وكان السلطان قد ~~جهز زوجته أم ولده وولده وحريمه إلى الحجاز الشريف صحبة الركب ، فلما استقر ~~بالكرك أرسل الأمير سيف الدين كستاي في جماعة من المماليك السلطانية إلى ~~عقبة أيلة فأحضرهم إلى الكرك وأمر السلطان بالخطبة للملك المظفر ~~PageV32P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" بجامعي مدينة الكرك وقلعتها فخطب له ، وأمر ~~الحراس بذكره في الصباح فكانوا يفعلون ذلك وهو يسمعهم ، وانتهت حاله في ~~الأدب معه إلى أن كان يكتب في الكتب الصادرة عنه بعد البسملة الملكي ~~المظفري ، وسلك معه من التواضع والأدب ما لا يزيد عليه نواب السلطنة ، وقصد ~~بذلك أن تكون الأحوال ساكنة ، والأمر ماشيا على سداد وانتظام واتفاق هذا ~~والمظفر من جملة مماليك والده وليس من أكابرهم وتنازل معه إلى هذه الغاية ~~وسلك معه مسلك النواب لا الملوك ، فلم يرض المظفر منه بذلك ، ولا قنع به بل ~~شرع في الغض من عالي رتبته والتضييق عليه ، فكان أول ما بدأ به أن كتب إليه ~~يطلب منه الأموال الحاصلة بالكراك ، والمماليك والخيول التي عنده كما تقدم ~~ذكره ، ثم أعاد المكاتبات ثانيا بتجديد الطلب من غير تحاش ولا حياء منه ، ~~ولا مراعاة لإحسانه وسالف عتق أبيه ، ولا حفظ لحق ولا ذمام فعند ذلك تحقق ~~السلطان سوء رأي المظفر فيه ، وآيس من خير يحصل له من جهته ، وتوقع منه ~~الشر ، فأخذ عند ذلك في استئناف ما فرط وراسل من يثق بمودته ومحافظته ~~وموالاته من الأمراء وكاتب الأمير حسام الدين مهنا ، وأمراء العرب ، ووردت ~~عليه أجوبتهم وترددت قصادهم ، ولم يزل الأمر على ذلك سرا إلى أن التحق ~~بخدمة السلطان والأمراء الثلاثة الذين خرجوا من الديار المصرية كما تقدم ، ~~ووصلوا إلى خدمته وهم ، الأمير سيف الدين أبغية قبجق في ثمانية وعشرين نفرا ~~من مماليكه والأمير علاء الدين مغلطاي القازاني في ثلاثة عشر نفرا ، ~~والأمير سيف الدين طقطاي أمير مجلس في اثني عشر نفرا ومن المماليك ~~السلطانية ms7459 نحو أربعين فارسا ، وكان عدة جمعهم يقارب التسعين نفرا ، وكان ~~وصول أوائلهم إلى الكرك يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة ~~تسع وسبعمائة ، ووصلوا والسلطان بالصيد في برية الكرك ، فركب إليه الأمير ~~سيف الدين أيتمس المحمدي أحد مماليكه من القلعة وتوجه إليه وهو يتصيد ، ~~وعرفه خبر من وصل فعاد السلطان من الصيد ووصل إلى الكرك في نصف الليل ففتح ~~له الأمير سيف الدين أرغون نائبه بالقلعة والمدينة وطلع إلى القلعة وأذن في ~~دخول من وصل إليه ممن ذكرنا فدخلوا إلى الكرك في بكرة نهار الأربعاء الثاني ~~والعشرين من الشهر ، ومثلوا بين يدي السلطان ، فأحسن إليهم وخلع عليهم ، ~~وكانوا لما خرجوا من القاهرة وجدوا تقدمة الأمير سيف الدين طوغان نائب ~~السلطنة بقلعة البيرة قد وصلت من جهته إلى الملك المظفر ، فأخذوها بجملتها ~~، وأحضروها إلى السلطان ودخلوا إلى قطيا وأخذوا ما بها من المال الحاصل ~~وأحضروه فأنعم السلطان عليهم به وأحضروا معهم أيضا خيل البريد التي وجدوها ~~بما مروا عليه من المراكز ، PageV32P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" وكان خروجهم من القاهرة باتفاق من الأمير سيف ~~الدين سلار ومباطنه ، فعند ذلك أظهر السلطان من أمره ما كان يبطنه ، وأعلن ~~بما كان يسره وخرج بما كان يخفيه ويضمره ، وأمر بالخطبة لنفسه فخطب له ~~بجامعي القلعة والمدينة في يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر ، وأنفق ~~فيمن وصل إلى خدمته وتجهز للمسير وأجمع على قصد دمشق واستقل ركابه العالي ~~من قلعة الكرك بمن عنده من مماليكه ، ومن وصل إلى خدمته في الساعة الثالثة ~~من يوم الاثنين السابع والعشرين من جمادى الآخرة ، وترك بقلعة الكرك نائبه ~~الأمير سيف الدين أرغون في طائفة من المماليك السلطانية حتى انتهى إلى ~~منزله الخمان بالقرب من أذرعات ، وكان قد كاتب الأمير شمس الدين قراسنقر ~~المنصوري نائب السلطنة بحلب وغيره من النواب فلما وصل إلى هذه المنزلة وركب ~~منها لقصد دمشق ورد عليه مملوك الأمير شمس الدين قراسنقر المذكور بأجوبة ~~مخدومة تتضمن وفاة ولده الأمير ناصر الدين محمد وأنه لا يمكنه اللحاق ~~بالسلطان ms7460 في هذا الوقت ويقول : إن كان السلطان قد خرج من الكرك فيعود إليها ~~ويظهر أنه إنما خرج للصيد ونحو هذا من الكلام المخذل له عن القصد ولم يكن ~~قراسنقر كتب ذلك وإنما كتب ببذل الطاعة والنصيحة والموافقة فلما وصل مملوكه ~~إلى دمشق ظفر به الأمير جمال الدين آقش الأفرم نائب السلطنة بالشام ، فتحيل ~~عليه وبذل له ذهبا وأخذ منه الكتب وغير ما تضمنته إلى هذا القول ، فلما وصل ~~كتاب قراسنقر إلى السلطان بذلك عاد إلى الكرك ، وكان قد التحق بركابه في ~~هذه السفرة من الأمراء بدمشق الأمير ركن الدين بيبرس الشرفي المعروف ~~بالمجنون ، والأمير ركن الدين بيبرس العلمي ، وغيرهما من أمراء العشرات ~~والجند ، فعاد السلطان بهم جميعا إلى الكرك وكان وصوله إليها في الساعة ~~السابعة من يوم الجمعة لثمان خلون من شهر رجب فأسكن الأمراء الذين معه ~~بالكرك ، ووصلهم بصلات وأنعم عليهم ، وشرع في إعمال الفكرة وتجهز لقصد دمشق ~~ثانيا فلما بلغ المظفر عوده إلى الكرك ظن أن ذلك عن عجز وخور ، فكتب إليه ~~كتبا وسيرها صحبة الأمير علاء الدين مغلطاي ابتغلي يتضمن الإنكار ، والوعيد ~~وأنه لا بد أن يفعل معه ما فعل بابن الملك المعز أولاد الملك الظاهر ، ولم ~~يراقب الله تعالى في مقالته ، ولا خشي غيرة الله تعالى فلما وصل كتابه بذلك ~~حملت السلطان أنفة الملك على أن ضرب مغلطاي ابتغلي ضربا وجيعا واعتقله . ~~وكان أيضا قد وصل إلى السلطان كتابه عند وصول الأمراء والمماليك السلطانية ~~إلى الكرك على يد بينجار يتضمن أن طائفة هربوا من القاهرة خشية من القبض ~~عليهم ، PageV32P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" وتوجهوا نحو الشام وربما يقصدون الكرك فإن ~~وصلوا إليه لا يقربوا ، ولا يرجع إليهم ويقبض عليهم ويعيدهم فاعتقل السلطان ~~قاصده الأول أيضا ، وترادفت المكاتبات والرسل إلى السلطان الملك الناصر من ~~جهة النواب والأمراء تتضمن أنهم على الطاعة والموالاة وبذل النفوس والأموال ~~بين يديه ، ولم يبق من النواب ما لم ترد مطالعته بالانقياد والطاعة إلا ~~الأمير جمال الدين الأفرم فإنه أظهر المخالفة ، وأصر على الامتناع ms7461 ، وكان ~~قد جرد الأمير سيف الدين قطلوبك وأردفه بالأمير سيف الدين الحاج بهادر في ~~أربعمائة فارس وأمرهم أن يكونوا بأذرعات يمنعان السلطان الملك الناصر إن ~~قصد دمشق ويكونا بمن معهما يزكا على تلك الجهة . فلما كان في يوم الثلاثاء ~~حادي عشر شعبان استقل ركاب السلطان من الكرك وفي خدمته من التحق به من ~~الأمراء والمماليك السلطانية ، وترك الأمير سيف الدين أرغون في طائفة بقلعة ~~الكرك . فلما وصل السلطان إلى بركة زيزا وهي المنزلة الثالثة من الكرك إلى ~~جهة دمشق وصل إلى خدمته الأميران سيف الدين بهادر وسيف الدين قطلوبك ومن ~~معهما ، وقبلا الأرض بين يديه ، وبذلا الطاعة والمناصحة والمؤزارة ، فسار ~~بهم إلى أذرعات ورسم بجميع خيل البريد وسياقتها من المراكز إلى دمشق فجمعت ~~من بيسان من الغور وما بعدها من المراكز إلى دمشق ، وقصد بذلك تعذر وصول ~~البريد من الديار المصرية إلى الشام وترادفت الأمراء من دمشق إلى خدمته ~~أولا فأولا ، ولما شاهد الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام ذلك من حال ~~الأمراء ، ولم يكن قد قدم من الخدمة ما يقضي اللحاق بخدمة السلطان ~~والانضمام إلي ، ثم أجمع أمره على مفارقة دمشق ، وتوجه بعض مماليكه إلى ~~شقيف أرنون وكان خروجه من دمشق في ليلة الأحد سادس عشر شعبان ، وصحبه ~~الأمير علاء الدين بن صبح مقدم الجبلي ، والتحق بركاب السلطان جماعة من ~~مماليكه ، واستمر السلطان على المسير إلى أن وصل إلى دمشق PageV32P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" في الساعة السابعة من يوم الثلاثاء ثامن عشر ~~شعبان ونزل ، بالقصر الأبلق وانتظم له الأمر واستوثق . وكان كتاب الملك ~~المظفر قد وصل إلى سائر النواب والأمراء بالممالك الشامية : أنه متى ~~استدعاهم الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام لا يتأخرون عن خدمته ، ~~فأول من استدعي الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار نائب السلطنة بالشام ~~بالمملكة الصفدية فحضر بعسكر صفد فلما وصل السلطان تلقاه بالطاعة وحلف له ، ~~ثم أرسل السلطان الأمير جمال الدين آقش الأفرم في العود ، وبذل له الزمان ، ~~ووعده بمضاعفة الإحسان والعفو عما سلف من ذنبه فحضر ms7462 إلى الخدمة السلطانية ~~في يوم السبت ثاني عشر شعبان وهو مشدود الوسط بمنديل فتلقاه السلطان ، ~~وترجل لترجله وأحسن إليه وخلع إليه ، وتحدث معه في النيابة على عادته ، ثم ~~ترادف وصول نواب السلطنة بالممالك الإسلامية وعساكرها ، فوصل الأمير سيف ~~الدين تمر الساقي بعسكر حمص ثم وصل الأمير سيف الدين قبجق نائب السلطنة ~~بحماة ، والأمير سيف الدين أسندمر نائب السلطنة بالفتوحات وعساكرهما في يوم ~~الاثنين رابع عشرين الشهر فركب السلطان وتلقاهما ، وعاملهما بما عامل به ~~الأمير جمال الدين الأفرم ، ثم وصل الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري نائب ~~السلطنة بحلب في يوم الجمعة ثامن عشرين الشهر ، فتلقاه السلطان كما تقدم ، ~~ووصل العسكر الحلبي في بكرة نهار السبت بأحسن زي وأفخر ملبوس وأكمل عدة ، ~~وقدم سائر النواب من الأموال والمماليك والخيول والأقمشة والتحف وغير ذلك ~~ما يخرج عن الإحصاء ، وظهر من حسن إخلاصهم ما لا يزيد عليه ، وخطب للسلطان ~~الملك الناصر على منابر دمشق في يوم الجمعة ثامن عشرين شعبان ، وأقيمت ~~الجمعة بالميدان ، وحمل إليه منبر وصناجق وخطب خطيب الجامع واستناب عنه ، ~~وصلى السلطان الجمعة بالميدان ، والقضاة والنواب والأمراء وكذلك أيضا في ~~الآتية في خامس شهر رمضان وأعاد السلطان قاضي القضاة تقي الدين سليمان ~~الحنبلي ، وكان قد عزل في أيام المظفر - فأعاده السلطان في يوم الاثنين ~~رابع عشرين شعبان وخلع عليه في يوم الأربعاء ، وحكم في يوم الخميس . ~~PageV32P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" ولما تكامل وصول النواب والعساكر أمر السلطان ~~بالنفقة في سائر الجيوش ، وابتدى بها في يوم الاثنين مستهل شهر رمضان وجردت ~~العساكر أولا فأولا ، فجرد السلطان الأمير سيف الدين اسندمر والأمير سيف ~~الدين تمر الساقي وأمرهما أن يتقدما إلى غزة بمن معهما ، فتوجها ، واستدعى ~~السلطان الأمير سيف الدين كراي المنصوري - وكان بالقدس كما تقدم ذكر ذلك - ~~فوصل إلى دمشق مسرعا بهمة عالية ، ورغبة في الخدمة ظاهرة ، فرسم السلطان له ~~ولمن معه من مماليكه بالنفقة ، فامتنع من قبولها وسأله أن يؤذن له في ~~النفقة من ماله على جماعة من العسكر فشكر له ذلك ، وخلع عليه ms7463 وسأل أن يتقدم ~~إلى غزة فأذن له بالتقدم بمن معه ، وجمع طائفة من العرب ونفق فيهم من ماله ~~ووصل إلى الخدمة السلطانية في ثامن شهر رمضان من الديار المصرية أربعة من ~~المماليك السلطانية ، وأنهوا له الأحوال على جليتها وأن جماعة من الأمراء ~~المصريين يترقبون قرب ركاب السلطان ليحضروا إلى الخدمة وأنهم على وجل أن ~~يعلم بحقيقة حالهم فيقبض عليهم فبرز السلطان بالعساكر والنواب من دمشق في ~~بكرة نهار الثلاثاء تاسع عشر رمضان ، وصحبه قاضيا القضاة نجم الدين الشافعي ~~وصدر الدين الحنفي ، والخطيب جلال الدين ، وكاتب الدرج وجماعة من الأعيان . ~~ووصل إلى الخدمة الشريفة بين منزلتي إربد والقصير قبل وصوله إلى العقبة ~~جماعة من المماليك السلطانية ، وهم يستحثون ركاب السلطان ، فساق في هذا ~~اليوم منزلتين في منزلة ، ثم ترادف وصول المماليك وبعض الأمراء إلى أن حل ~~ركاب السلطان بغزة في يوم الخميس ثامن عشر الشهر ، وكانت المياه بها قليلة ~~والعساكر ومن انضم إليها قد طبقت الأرض ، وشق على الناس قلة المياه ، ~~وازدحموا عليها ، فأرسل الله تعالى سحابة في بقية ذلك اليوم فأمطرت مطرا ~~كثيرا غزيرا إلى أن جرت منه الغدران ، واجتمع منه ببركة بغزة ما شاهدت في ~~اليوم الثاني منه الخيل تسبح في البركة ، فحصل للعسكر بذلك غاية الرفق . ~~ولما استقل ركاب السلطان بغزة وصل إلى باب الدهليز الشريف الأمير ركن الدين ~~بيبرس الدوادار والأمير سيف الدين بهادر آص وكان بهادر آص قد توجه إلى ~~الملك المظفر في شهر رجب وتأخر عوده فعاد الآن في ليلة السبت العشرين من ~~الشهر ، وكان وصول الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار بمطالعة المظفر يسأل ~~قلعة كما تقدم ، ثم وصل الخبر بعودته . PageV32P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" وفي يوم السبت العشرين من الشهر وصل إلى ~~الخدمة السلطانية الأمراء الذين كانوا جردوا من الديار المصرية ، وهم ~~الأمير سيف الدين برلغي ، والأمير جمال الدين أقش الأشرفي والأمير عز الدين ~~أيبك البغدادي ، والأمير شمس الدين الركن وغيرهم من الأمراء فتلقاهم ~~السلطان وأحسن إليهم وخلع عليهم . واستقل ركاب السلطان بسائر العساكر من ms7464 ~~غزة في يوم الاثنين الثاني والعشرين من شهر رمضان ثم ترادف الأمراء بعد ذلك ~~في طول منازل الرمل يصل منهم في كل منزلة جماعة ، والسلطان يشمل من وصل ~~إليه منهم بخلعه وإنعامه ، وجهز الأمير سيف الدين سلار إلى السلطان الكوسات ~~والعصائب ، وكان وصولها بمنزلة السعيدية ثم وصل السلطان إلى بركة الجب في ~~يوم الثلاثاء سلخ شهر رمضان وتلقاه الأمير سيف الدين سلار وبات السلطان ~~بهذه المنزلة وعيد بها عيد الفطر ، وركب منها ووصل إلى قلعة الجبل في ~~التاسعة من يوم الأربعاء ، وهو يوم العيد وبات بالإسطبل ثم أصبح وصعد إلى ~~القلعة وجلس على تخت السلطنة بقلعة الجبل في يوم الخميس ثاني شوال ، وسأل ~~الأمير سيف الدين سلار دستورا في التوجه إلى الشوبك وكانت جارية في إقطاعه ~~- فأجيب إلى ذلك وخلع عليه خلعة العزل من النيابة وأنعم عليه بحياصة من ~~الذهب مجوهرة وكان توجهه إلى الشوبك في يوم جمعة ثالث شوال ، وودعه الأمراء ~~فكانت مدة نيابته عن السلطان منذ فوضها السلطان إليه في يوم الاثنين سادس ~~جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستمائة وإلى أن عزل إحدى عشرة سنة وأربعة ~~أشهر وستة وعشرين يوما ورسم بإقامة ولده علاء الدين أميرا على الأبواب ~~السلطانية ، وأنعم عليه بأمره عشرة طواشية . وفي يوم الخميس سادس عشر شوال ~~جلس السلطان بالإيوان الكبير بقلعة الجبل وحضر الأمراء إلى الخدمة على ~~العادة ، فأمر بالقبض على اثنين وعشرين PageV32P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" أميرا من جملتهم عز الدين أيبك البغدادي ، ~~وسيف الدين بتاكز وغيرهم واعتقلوا . ذكر استعادة ما أخذه الملك المظفر ~~بيبرس من أموال الخزائن وعود الأمراء الذين توجهوا صحبته والقبض عليهم ولما ~~استقر السلطان الناصر بقلعة الجبل أرسل الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار ~~المنصوري والأمير سيف الدين بهادر آص إلى المظفر ركن الدين بيبرس فتوجها ~~إلى الأعمال الإخميمية من الصعيد وحلفاه للسلطان واستعادا ما اعترف أنه ~~التمسه من أموال الخزائن وتسلمها الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار وحضر بها ~~في البحر ، وسافر المظفر بيبرس ومن معه والأمير سيف الدين بهادر آص ms7465 في البر ~~الشرقي ليتوجه إلى صهيون فلما وصل إلى إطفيح فارقه الأمراء الذين كانوا معه ~~وهم الأمير بدر الدين بكتوت المفتاح والأمير عز الدين الخطيري والأمير سيف ~~الدين قجماز بجاص وحضروا إلى الأبواب السلطانية وصحبتهم من مماليك المذكور ~~نحو ثلاثمائة مملوك والخيل التي كان قد أخذها من الإسطبلات السلطانية ، ~~فخلع السلطان على الأمراء الثلاثة ، وأمر بسياقة الخيل والبغال إلى ~~الإسطبلات ، وفرق أكثر المماليك على الأمراء ، وأقر بعضهم في الخدمة ~~السلطانية ، ثم أمر بالقبض على الأمراء الثلاثة واعتقلهم . ذكر ما رتبه ~~السلطان وقرره من النواب والوزارة وأرباب الوظائف بأبوابه وممالكه الشريفة ~~لما عزل الأمير سيف الدين سلار وتوجه إلى الشوبك جلس الأمير شمس الدين ~~قراسنقر المنصوري في مرتبة النيابة من غير تقليد ولا تفويض ، ثم رسم له ~~بنيابة السلطنة بالشام عوضا عن الأمير جمال الدين الأفرم ، ونقل الأمير ~~جمال الدين المذكور إلى صرخد وأنعم عليه بمائة فارس ، وفوض السلطان نيابة ~~السلطنة بمقر مملكته وكرسي سلطنته للأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار وأمير ~~جند أركان وفوض الوزارة للصاحب فخر الدين عمر بن عبد العزيز بن الخليلي ~~وذلك في الثاني والعشرين من شوال وعوق النشائي عوضا عن الصاحب ضياء الدين ~~النشائي بالقلعة أياما ، ثم أفرج عنه من غير مصادرة ، وفوضت نيابة السلطنة ~~بالمملكة الحلبية للأمير سيف الدين قبجاق المنصوري ، ونيابة السلطنة ~~الحموية للأمير سيف الدين PageV32P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" أسندمركرجي ، ونيابة السلطنة بالمملكة ~~الطرابلسية والفتوحات للأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبي ، ونيابة ~~السلطنة بالمملكة الصفدية للأمير سيف الدين قطلوبك المنصوري ، وعين للأمير ~~سيف الدين أبغية قبجق إقطاع الأمير سيف الدين قطلوبك بدمشق ، واقتطع ما كان ~~فيه من الزيادات وأقر السلطان الأمير شمس الدين سنقر الكمال في الحجبة على ~~عادته ، والأمير سيف الدين بلبان المحمدي المعروف طرناه أمير جندار ، ~~والأمير حسام الدين قرالاجين أمير مجلس إستاد دار العالية ، والأمير ركن ~~الدين بيبرس الدوادار المنصوري في نيابة دار العدل الشريفة ، ونظر الأحباس ~~والأوقاف بالديار المصرية والبلاد الشامية . وفي يوم الأربعاء الخامس عشر ~~من شوال أفرج السلطان عن ms7466 جماعة من الأمراء الذين اعتقلوا في الأيام الزينية ~~كتبغا وهم : الأمير علاء الدين الشيخ علي ، وسيف الدين جاورشي قنقز وموسى ~~وغازي ملك أخوا حمدان بن صلغاي ، أخوا حمدان وناصر الدين منكلي التتاري ، ~~وسيف الدين منكجار وغيرهم ، وأنعم عليهم بالإقطاعات بالشام ، وأفرج عن ~~الشيخ تقي الدين بن تيمية وقد تقدم ذكر ذلك . وفي الشهر المذكور أيضا حضر ~~ناصر الدين محمد ابن الأمير جمال الدين آقش الرومي الحسامي مطالبا بدم أبيه ~~فأمر السلطان بالقصاص ممن قتله فقتلوا - وكانوا سبعة . وفي نفس الشهر أمر ~~السلطان جماعة من مماليكه وغيرهم منهم من المماليك السلطانية الأمير سيف ~~الدين تنكز ، والأمير سيف الدين طغاي والأمير سيف الدين خاص ترك ، والأمير ~~عز الدين أيدمر الخازن ، ثم أمر طائفة أخرى بعد هذه منهم : الأمير سيف ~~الدين أرغون الدوادار ، ولم يؤخره عن هؤلاء إلا أنه كان قد تأخر بالكرك حتى ~~أحضر أدر السلطان وولده الملك المنصور علاء الدين علي . ذكر القبض على ~~المظفر ركن الدين بيبرس وقتله لما فارقه الأمراء والمماليك من إطفيح كما ~~تقدم توجه وصحبته الأمير سيف الدين بهادر آص ، وعز الدين أيدمر الشجاعي إلى ~~قصد صهيون ، وساروا على الطريق البرية فلما انتهى إلى شرقي غزة على أميال ~~منها اعترضه الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري نائب السلطنة بالشام ومن ~~معه من الأمراء وقبضوا عليه وعلى من معه من PageV32P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" المماليك من غير ممانعة ولا مدافعة ، وعاد به ~~الأمير شمس الدين المذكور بشرذمة يسيرة من مماليكه ، وهو على بغل مشدود ~~الوسط بمنديل ، ووصل به إلى منزلة الخطارة - وهي على مسافة يومين من ~~القاهرة - فوافاه لها الأمير سيف الدين أسندمر كرجي نائب السلطنة بحماة وقد ~~جرد من الباب الشريف في جماعة من المماليك السلطانية - فتسلمه بهذه المنزلة ~~من الأمير شمس الدين ، وعاد به إلى القاهرة ، ووصل إلى قلعة الجبل سحر يوم ~~الخميس رابع عشر ذي القعدة سنة تسع وسبعمائة ، وأدخل من باب الإسطبل ~~السلطاني ، ومثل بين يدي السلطان في مجلس خلوة حضرة الأمراء الخاصكية ، ~~ويقال إن السلطان ms7467 وبخه وأنكر عليه تجريه وتطاوله إلى ما لا يستحقه من الملك ~~وآخر الأمر أن السلطان سأله عن مغلطاي السويدي أحد رجالة الحلقة ، وكان قد ~~حضر بين يدي نائب السلطنة الأمير سيف الدين سلار وتضرر من ضعف إقطاعه ~~فعارضه بيبرس في حال إمرته ، فقال له السويدي : أنت قد وسع الله عليك أو ~~أعطاك ما أعطاك ، وأنا رجل جندي أشكو لنائب السلطان ضعف إقطاعي ، فما يحل ~~لك أن تتعصب علي فغضب منه وأحضره إلى داره وضربه بالدبابيس ضربا مؤلما فمات ~~ويقال إن بيبرس اعترف بذلك ، فأمر السلطان بقتله قودا بمغلطاي السويدي ، ~~فقتل خنقا في بقية يوم الخميس المذكور ، ودفن ليلة الجمعة منتصف ذي القعدة ~~، وأخرج من باب السر من جهة القرافة وعفي أثر قبره ، ثم أمر السلطان في ~~سابع وعشرين الشهر بنقله إلى تربته التي بالقرافة فنقل إليها ودفن بها ليلا ~~، ثم أمر السلطان بنقل الأمراء الذين قبض عليهم من قلعة الجبل إلى ثغر ~~الإسكندرية ، فتوجه بهم الأمير ناصر الدين ابن أمير سلاح . وفي هذه السنة ~~أمر السلطان بالقبض على الأمير علاء الدين مغلطاي القازاني أحد من توجه ~~إليه إلى الكرك ، وسبب ذلك أنه شرع يدل بخدمته ، وأنعم السلطان عليه بإقطاع ~~بالديار المصرية فرده فأعطاه غيره فرد الثاني والثالث فنقم السلطان عليه ~~ذلك ، وأمر باعتقاله له بالزردخاناه ثم نقله إلى البرج في عشية النهار إلى ~~الجب ، ثم إلى الإسكندرية ، وبلغه أيضا عن الأميرين سيف الدين أبغيه قبجق ~~وركن الدين بيبرس PageV32P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" العلمي بدمشق أنهما تطاولا على الرعية ومد ~~أيديهما إلى الظلم فأمر بالقبض عليهما : فقبض علي أبغية في يوم الأحد ثالث ~~عشرين ذي الحجة وقبض على بيبرس العلمي في يوم الاثنين رابع عشرين الشهر ، ~~واعتقلا بقلعة دمشق ، فمات أبغية في معتقله في جمادى الآخرة سنة عشر ~~وسبعمائة . وفيها في العشر الآخر من ذي الحجة رسم السلطان للأمير سيف الدين ~~سلار بأمرة مائة طواشي وعين لخاصة وأصحابه من بلاد الكرك أجود ضياعها مضافا ~~إلى الشوبك ، فنظر إلى ذلك مع كثرته فوجده ms7468 يسيرا بالنسبة إلى ما كان بيده ~~بالديار المصرية . وفي هذه السنة توفي القاضي عز الدين بن عبد العزيز ولد ~~القاضي شرف الدين بن محمد بن القيسراني أحد أعيان كتاب الدرج الشريف ~~وفضلائهم ، والمدرس بالمدرسة الفخرية ، وكانت وفاته في يوم الخميس عاشر صفر ~~، ودفن بكرة نهار الجمعة بالقرافة رحمه الله تعالى . وتوفي الأمير شمس ~~الدين سنقر الأعسر المنصوري بداره بالقاهرة في شهر ربيع الأول ، ودفن ~~بتربته التي أنشأها خارج باب النصر ، وكان من الأمراء الأكابر مقدمي الألوف ~~بالديار المصرية . وتوفي الشيخ العارف العالم تاج الدين أبو الفضل أحمد بن ~~محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله بن عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الجذامي ~~الإسكندري في ليلة السبت حادي عشر جمادى الآخرة ، وكان من الصلحاء ، يتكلم ~~على كرسي ويعظ الناس ، وله معرفة بكلام الصوفية وأرباب الطريق والسلف ، وله ~~كلام حسن مفيد في هذا الشأن رحمه الله تعالى . وتوفي القاضي نبيه الدين حسن ~~بن بدر الدين نصر بن الحسن الإسعردي بالقاهرة في مستهل جمادى الآخرة ، وكان ~~قد ترشح للمناصب العالية رحمه الله تعالى . PageV32P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" وتوفي الأمير عز الدين أيبك الخزندار ~~المنصوري في سابع شهر رمضان وكان من أكابر أمراء الديار المصرية مقدمي ~~الألوف ومن المماليك المنصورية في زمن الإمرة . وتوفي الأمير سيف الدين ~~طغريل الإيغاني في عاشر الشهر وقد تقدم ذكر ذلك . وتوفي من الأمراء بدمشق ~~الأمير شرف الدين قيران الدواداري المنصوري المشد - كان - بدمشق في يوم ~~الجمعة سابع عشرين شهر ربيع الآخر ودفن بقاسيون وكان بعد انفصاله من شد ~~الشام ونكبته قد أمر بحلب ، ثم قطع خبزه ، وحضر ليتوجه إلى الأبواب ~~السلطانية فأدركته منيته ، فمات رحمه الله تعالى . وتوفي الأمير سيف الدين ~~بلغاق ابن الأمير بدر الدين كونجك الخوارزمي في سابع جمادى الأولى بقرية ~~المغاربة من عمل بيروت الجارية في أوقاف القدس ، وحمل إلى قاسيون فدفن به ، ~~وكان أميرا صالحا جيدا سمع الحديث وولي آخر عمره نظر أوقاف القدس والخليل ~~رحمه الله تعالى . وتوفي أيضا الأمير علاء الدين أقطوان ms7469 الدواداري بدمشق . ~~واستهلت سنة عشر وسبعمائة في هذه السنة في المحرم ولي الأمير سيف الدين ~~بكتمر الحاجب نيابة السلطنة وتقدمة العسكر بغزة ، عوضا عن الأمير سيف الدين ~~بلبان البدري ، وتوجه إلى دمشق في رابع عشرين الشهر ، واجتمع بنائب السلطنة ~~، وتوجه إلى غزة في يوم الجمعة سابع عشرين الشهر . وفيها فوضت وزارة دمشق ~~لنجم الدين البصروي على عادة تقي الدين توبة التكريتي فوصل إلى دمشق سابع ~~صفر . PageV32P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" وفي هذه السنة رسم لي أن أتوجه إلى المملكة ~~الطرابلسية صاحب الديوان بها وكتب توقيعي بذلك وهو من إنشاء المولى الفاضل ~~شهاب الدين محمود الحلبي ، وبخط ولده القاضي جمال الدين إبراهيم ، وهو مؤرخ ~~في الخامس عشر من المحرم ، وتوجهت في مستهل صفر ، ووصلت إلى طرابلس وباشرت ~~الوظيفة ثم انتقلت إلى نظر الجيوش بها في مستهل شوال من السنة عوضا عن نجم ~~الدين القصير ، واتفقت وفاته في سابع شوال قبل وصول توقيعي بذلك فباشرت في ~~أول هذه السنة عوضا عن التاج الطويل ، وفي آخرها عوضا عن النجم القصير . ~~ذكر الاستبدال بقاضي القضاة الشافعي والحنفي بالديار المصرية وفي هذه السنة ~~في يوم السبت التاسع والعشرين من صفر عزل قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ~~عن القضاء بالديار المصرية وفوض ذلك إلى نائبه القاضي جمال الدين سليمان بن ~~عمر بن سالم الأذرعي المعروف بالذرعي وخلع عليه واستقل بالقضاة ، وطلب قاضي ~~القضاة شمس الدين محمد ابن الشيخ صفي الدين الحريري الحنفي من دمشق إلى ~~الديار المصرية لولاية قضاء القضاة على مذهب أبي حنيفة فوصل البريد بطلبه ~~إلى دمشق فركب منها في العشرين من شهر ربيع الأول ، ووصل القاهرة ، وفوض ~~إليه قضاء القضاة الحنفية في رابع شهر ربيع الآخر عوضا عن القاضي شمس الدين ~~أحمد السروجي وخلع عليه ولم تطل مدة القاضي شمس الدين السروجي بعد العزل ~~فإنه مات في هذه السنة على ما يذكر إن شاء الله تعالى . وفيها بلغ السلطان ~~عن إخوة الأمير سيف الدين سلار ما أوجب القبض عليهم واعتقالهم وكتب إلى ~~أخيهم ms7470 يعرفه ذلك وقبض أيضا على جماعة من الأمراء بالديار المصرية ، وكتب ~~إلى الشام بالقبض على جماعة من أمراء دمشق في شهر ربيع الأول ؛ فقبض على ~~سبعة منهم الأمير علاء الدين أقطوان الأشرفي ، والأمير سيف الدين ~~PageV32P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" الأقوش ، والأمير علاء الدين الشيخ علي ~~التتاري وغيرهم وكتب إلى طرابلس بالقبض على الأمير حسام الدين طرنطاي ~~المحمدي ، وناصر الدين منكلي ، وسيف الدين منكجار ومرسي وغازي أولاد صلغاي ~~. ذكر القبض على الأمير سيف الدين سلار ووفاته رحمه الله تعالى وفي هذه ~~السنة قبض على الأمير سيف الدين سلار المنصوري الصالحي العلائي وسبب ذلك أن ~~السلطان اتصل به أنه كاتب جماعة من الأمراء ، وشرع في استفسادهم وإثارة ~~فتنة ، فبادر السلطان بالقبض على من ذكرنا من الأمراء ممن اتهم بمباطنته ، ~~وكتب إلى الأمير سيف الدين سلار المذكور يستدعيه إلى الأبواب السلطانية ، ~~وجهز إليه الأمير ناصر الدين محمد ابن أمير سلاح ، فتوقف واعتذر عن الحضور ~~، فأرسل إليه الأمير علم الدين سنجر الجاولي ، ثم الأمير ركن الدين بيبرس ~~الدوادار المنصوري ، فحضر وكان حضوره في سلخ شهر ربيع الآخر تحت الطاعة ، ~~وحال وصوله اعتقل واسترجع السلطان قرية المعيصرة والإسطبل من قرى المرج ~~بدمشق ، وكان السلطان قد ملكه من هذه القرية الذي انتقل إليه من ميراث ~~الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري وزوجته الأشرفية ، وهو الربع ~~والسدس في سنة ثلاث وسبعمائة ، ثم ابتاع سلار من الورثة ما بقي منها ، ~~فاسترجعها السلطان منه الآن بمكتوب شرعي ، ولم تطل مدة اعتقال سلار فإنه ~~توفي إلى رحمة الله تعالى في رابع عشرين جمادى الأولى من السنة ، ودفن في ~~الخامس والعشرين من الشهر بتربته التي أنشأها بجوار الكبش بظاهر القاهرة ، ~~ووقعت الحوطة على موجوده وأمواله وحواصله وذخائره ، ووصل طلبه من الشوبك ~~ففرقت مماليكه على الأمراء ثم ماتت والدته بعده بأيام يسيرة ودفنت عنده . ~~وسلار هذا رحمه الله تعالى كان من مماليك السلطان الملك المنصور سيف الدين ~~قلاوون في أيام إمرته ، وهو من كسب التتار في وقعة ابلستين في أواخر الدولة ~~الظاهرية ، وأعطاه ms7471 السلطان لولده الملك الصالح علاء الدين ، فاختص به وخدمه ~~وتقدم عنده ، أخبرني الأمير بدر الدين بكتوت الشرفي المنصوري ، وكان من ~~الدوادارية المنصورية - قال : توجه الملك الصالح ابن السلطان الملك المنصور ~~إلى الصيد فأرسل PageV32P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" إلى السلطان من صيده خمسين حملا ، وأرسل إلى ~~الأمير حسام الدين طرنطاي خمسة أحمال ، وأرسل إلى غيره وأرسل بذلك الأمير ~~سيف الدين سلار قال : ففرح السلطان بذلك فرحا شديدا ، وحضر الأمير حسام ~~طرنطاي إلى خدمة السلطان والصيد بين يديه ، فأراه ذلك وقال له أي شيء تنعم ~~به على سلار ، فقال له طرنطاي ، سلار مملوك مولانا السلطان ومملوك ولده ~~الملك الصالح ، والسلطان الملك الصالح يحب أن يفرح بمملوكه أمير عشرة ، قال ~~فنظر إليه السلطان وقال : يا طرنطاي ، والله إن دولة يكون فيها سلار أمير ~~عشرة دولة كذا وأمر له بخمسة آلاف درهم إنعاما ولم يسمح له بإمرة عشرة ، ثم ~~أمر بعد ذلك ، وبلغ في نيابته من التمكن ونفاذ الكلمة والاستقلال بالأمر ~~وكثرة الإقطاعات ، وسعة الأموال والمتاجر وغير ذلك ما لم يبلغه نائب سلطنة ~~قبله ، وكان يعد من الشجعان ، ومن عقلاء الناس رحمه الله تعالى . ذكر تفويض ~~نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية للأمير جمال الدين الأفرم في هذه السنة ~~فوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات للأمير جمال ~~الدين آقش الأفرم وسبب ذلك أن الأمير سيف الدين بهادر الحلبي الحاج - نائب ~~السلطنة بها - توفي إلى رحمة الله تعالى في يوم الأحد - العاشرة من النهار ~~- ثامن عشر ربيع الآخر بطرابلس ، ودفن بها ، وطولع السلطان بذلك ، فرسم ~~للأمير جمال الدين المذكور أن يتوجه إليها من صرخد ، فاستعفى من ذلك ، فرسم ~~بعود الأمير سيف الدين أسندمر كرجي إليها ، فاستعفى أيضا ، وصمم أن لا يعود ~~إلى طرابلس ، فرسم ثانيا للأمير جمال الدين أن يتوجه إليها وكتب تقليده ~~بالنيابة ومنشوره بالإقطاع ، وتوجه إليه بذلك من الأبواب السلطانية الأمير ~~ركن الدين بيبرس الأوحدي ، فنقله من صرخد إلى طرابلس ، وكان وصوله إليها في ~~نصف شهر رجب سنة عشر وسبعمائة . ذكر تفويض نيابة السلطنة بالمملكة ms7472 الحموية ~~للأمير عماد الدين إسماعيل وانتقال الأمير سيف الدين أسندمر إلى حلب وفي ~~هذه السنة وصل الأمير حسام الدين مهنا إلى الأبواب السلطانية فعامله ~~السلطان بالإحسان والقبول على عادته فشكا من الأمير سيف الدين أسندمر كرجي ~~PageV32P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" نائب السلطنة بحماة أو ذكر سوء اعتماده ، ~~ففوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الحموية للأمير عماد الدين إسماعيل ~~ابن الملك الأفضل علي ، ورسم بانتقال الأمير سيف الدين أسندمر إلى طرابلس ، ~~فتوقف عن العود إليها ، ووصل الأمير عماد الدين إلى مدينة حماة ونزل ~~بظاهرها في أواخر جمادى الآخرة ، وما أمكنه الدخول إليها ، والأمير سيف ~~الدين أسندمر بها ، واتفقت وفاة الأمير سيف الدين قبجق المنصوري نائب ~~بالمملكة الحلبية ، فتوجه أسندمر من حماة إلى جهة حلب ، وكتب إلى السلطان ~~يقول : إن المواعيد الشريفة تقدمت للملوك أنه متى شغرت نيابة حلب تكون ~~للمملوك ، وقد شغرت الآن وتوجه المملوك إليها حسب المواعيد الشريفة فأجابه ~~السلطان إلى ذلك وأدركه تقليد النيابة ومنشور الإقطاع قبل دخوله إلى حلب ، ~~واستقر بها الأمير عماد الدين بحماة . وفي شهر ربيع الأول قبض على الأمير ~~فخر الدين إياز نائب السلطنة بقلعة المسلمين ، وأوقعت الحوطة على موجوده ، ~~ووصل إلى دمشق في أواخر الشهر ، ونسب إلى أنه كان يظهر الطاعة ويضمر ~~العصيان ثم فوض إليه شاد الدواوين بدمشق عوضا عن الأمير سيف الدين كتبغا ~~المنصوري رأس نوبه ، ووصل إلى دمشق في يوم الاثنين رابع عشر رمضان ، وباشر ~~في يوم الخميس سابع عشر الشهر ، وكان كتبغا قد ولي شاد الشام في الثالث ~~والعشرين من شوال سنة تسع وسبعمائة ، عوضا عن الأمير سيف الدين أقجبا ~~المنصوري . ذكر تفويض الوزارة بالديار المصرية للأمير سيف الدين بكتمر ~~الحسامي الحاجب في هذه السنة استدعي الأمير سيف الدين بكتمر الحسامي من ~~نيابة السلطنة بغزة إلى الأبواب الشريفة ، وفوضت إليه الوزارة وتدبير ~~الدولة في حادي عشر رمضان ، وعزل الصاحب فخر الدين عمر الخليلي من الوزارة ~~، وولي نيابة غزة الأمير سيف الدين قطلقتمر وفيها وصلت رسل الأشكري وصحبتهم ~~رسل الكرج إلى الأبواب السلطانية ms7473 يسألون إعادة كنيسة المصلبية بالقدس ~~الشريف إليهم وكان الشيخ خضر قد انتزعها في الدولة الظاهرية وجعلها زاوية - ~~كما تقدم - فأعيدت إليه بمقتضى فتاوى العلماء أنه لا يجوز اغتصابها . . . ~~وسأل الأشكري إجراء أهل الذمة بالديار المصرية على عادتهم ، وفتح كنائسهم ، ~~فأجيب إلى ذلك وفتحت لهم كنيستان للملكية PageV32P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" واليعاقبة ، وكنيسة لليهود بمصر ، ورسم لهم ~~بالاستواء ، في الركوب وكانوا قبل ذلك يركبون عرضا من جهة واحدة . ذكر ~~تفويض الوزارة بدمشق للرئيس عز الدين حمزة بن القلانسي وفي ذي القعدة من ~~سنة عشر وسبعمائة وصل تقليد الوزارة بدمشق للرئيس عز الدين بن القلانسي ~~فتوقف عن القبول واستعفى فألزم بالمباشرة ، ولبس التشريف في يوم الخميس ~~ثالث ذي القعدة وركب من داره وشاد الدواوين في خدمته ، وأرباب الدولة توجه ~~إلى نائب السلطنة وباشر وجلس بالدار الحسامية المشرفة على الديوان . ذكر ~~القبض على الأمير سيف الدين أسندمر كرجي وتفويض نيابة السلطنة بحلب للأمير ~~شمس الدين قراسنقر المنصوري وتفويض نيابة السلطنة بالشام للأمير سيف الدين ~~كراي وفي هذه السنة اتصل بالسلطان عن الأمير سيف الدين أسندمر نائب السلطنة ~~بحلب أشياء لا يمكن الإقرار عليها من الظلم والعسف وأخذ الأموال وأضاف ~~إليها ما اعتمده بحماة ، فجرد السلطان من الديار المصرية الأمير سيف الدين ~~كراي المنصوري والأمير شمس الدين سنقر الكمالي الحاجب ، والأمير سيف الدين ~~باينجار والأمير عز الدين أيبك الرومي ومضافيهم ، وجعل التقدمة على الجيش ~~للأمير سيف الدين كراي المذكور ، وتوجهوا ووصلوا إلى دمشق في يوم الأحد ~~ثالث عشر ذي القعدة ، ونزلوا بمنزلة القابون ، وجرد من دمشق جماعة والمقدم ~~عليهم الأمير سيف الدين بهادرآص ، وتوجهوا بجملتهم وجرد جماعة من الجيش ~~الطرابلسي واجتمعوا بجملتهم على حمص ووقعت الشائعة أن قصد العسكر الدخول ~~إلى بلاد الأرمن ، ثم ركب هذا الجيش من حمص في ليلة عيد النحر قبل غروب ~~الشمس ، فساقوا طول الليل ونهار العيد بجملته ، وثلث الليلة المستقبلة ، ~~فوصلوا إلى حلب وقد تقطعت أكثر الجيوش لشدة السوق ، ووصلوا والأمير سيف ~~الدين أسندمر بدار السلطنة ، فأحاطوا بها ، وكان الخبر ms7474 قد وصل إليه فأغلق ~~باب الدار ، وكان بالقرب من دار السلطنة أخشاب وعجل قد هيئت لجر أعواد ~~المجانيق إلى سيس ، فأمر الأمير سيف الدين كراي بجرها إلى رحبة باب الدار ~~وتوعير الطريق بها خوفا من أن يركب ويهجم على العسكر ، واستمرت ~~PageV32P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" العساكر تتواصل في طول تلك الليلة ، ثم أرسل ~~إليه ناصر الدين أمير سلاح فدخل عليه واجتمع به ، ودخل إليه أيضا غيره من ~~الأمراء ، ثم خرج هو في بكرة نهار السبت حادي عشر ذي الحجة ، ونقل إلى قلعة ~~حلب وقد أوقعت الحوطة على موجوده ، ثم جهز إلى الأبواب السلطانية صحبه ~~جماعة من الأمراء منهم الأمير سيف الدين منكوتمر الطباخي ، فوصلوا به ~~فاعتقل بقلعة الجبل ، ثم نقل إلى الإسكندرية ، ثم إلى قلعة الكرك ومات بها ~~. وفيها أيضا بعد القبض على أسندمر قبض على الأمير سيف الدين طوغان نائب ~~قلعة البيرة وكان القبض عليه باتفاق من رجالة القلعة . وذلك أن الأمراء ~~كتبوا إليه أن بعض مماليك أسندمر قد خربوا فركب مماليكك ومن تثق به خلفهم ~~إلى أن تعيدهم ، ففعل ذلك ، وبقي بالقلعة وحده ، فقبض عليه رجال القلعة ~~واعتقلوه إلى أن حضر من العسكر من تسلمه وسير إلى الأبواب السلطانية تحت ~~الاحتياط . ولما قبض على الأمير سيف الدين أسندمر رسم بنقل الأمير شمس ~~الدين قراسنقر المنصوري من نيابة السلطنة بالشام إلى حلب بسؤاله لذلك ، ~~وتوجه الأمير سيف الدين أرغون الدوادار الناصري إلى الشام بتقليدين أحدهما ~~للأمير شمس الدين قراسنقر بنيابة السلطنة بحلب ، والثاني للأمير سيف الدين ~~كراي المنصوري بنيابة السلطنة بدمشق ، فوصل إلى دمشق في يوم السبت خامس عشر ~~ذي الحجة ، فتجهز الأمير شمس الدين للسفر ، فلما كان في يوم الثلاثاء ورد ~~عليه كتاب من أحد مماليكه بحلب يذكر أن الأمير شمس الدين سنقر الكمالي تحدث ~~في نيابة السلطنة بحلب ، فخشي قراسنقر أن يكون الغرض القبض عليه فشاع أنه ~~فرق ما في خزانته من الذهب على مماليكه ، وعزم على الهرب ، ونقل حريمه من ~~القصر إلى داره التي بدمشق داخل باب ms7475 الفراديس ، واتصل هذا الخبر بالأمراء ~~فركب الأمير ركن الدين بيبرس العلائي وجماعة من العسكر وأحاطوا بالقصر ~~الأبلق في ليلة الأربعاء فلما أصبح اجتمع هو والعلائي وسأله عن السبب ~~الحامل له على ما فعل ، فذكر ما بلغه عنه ، ثم توجه الأمير شمس الدين إلى ~~حلب من دمشق في يوم الأحد ثالث محرم سنة إحدى عشرة وسبعمائة وتوجه الأمير ~~سيف الدين أرغون إلى حلب لإحضار الأمير سيف الدين كراي إلى دمشق ، في سنة ~~إحدى عشرة وسبعمائة على ما نذكره . PageV32P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" ذكر حادثة الأميرين مظفر الدين موسى ابن ~~الملك الصالح وسيف الدين بتخاص والقبض عليهما كان القبض على الأمير سيف ~~الدين بتخاص في سلخ ذي الحجة سنة عشر وسبعمائة ، وسبب ذلك أن السلطان بلغه ~~أن المذكور حسن للأمير مظفر الدين موسى ابن أخيه السلطان الملك الصالح ~~الخروج على عمه السلطان الملك الناصر ، وطلب الملك لنفسه ، واتفقا على ذلك ~~وعزما على إثارة فتنة ، واعتضد بمماليك بيبرس المنعوت بالمظفر ، وكانوا قد ~~تفرقوا عند الأمراء ، فقرر معهم أن كل مملوك يثب على أميره فيقتله ثم ~~يتجمعون على الأمير مظفر الدين وبتخاص ، وتثور الفتنة . فلما تحقق السلطان ~~ذلك جلس في ليلة الخميس سلخ ذي الحجة ، وطلب الأمير سيف الدين بتخاص . وكان ~~يسكن بقلعة الجبل بدار العدل الكاملية . فعلم المراد بطلبه وتحقق أن ~~السلطان بلغه ما اتفقا عليه فأغلق داره وامتنع من الإجابة ؛ ووقف مماليكه ~~بأعلى الدار وبأيديهم قسيهم للممانعة عنه ، وترددت الرسائل من السلطان في ~~طلبه وهو لا يجيب إلى الحضور ، وقصد خلع الشباك الكبير الذي بالدار المطل ~~على دركات القلعة والخروج منه ، فأرسل السلطان جماعة من المماليك الأوشاقية ~~وغيرهم ، فوقفوا تحت الشباك ، فتعذر عليه ما دبره وحضر إليه الأمير ركن ~~الدين بيبرس الدوادار المنصوري وعنفه ولامه على ما فعله ، وقال له إن ~~السلطان في هذا الوقت قد طلب سائر الأمراء وطلبت من جملتهم ، فلا تجعل لك ~~ذنبا . وكان قد لبس عدة الحرب فنزعها وخرج وحضر بين يدي السلطان ، فأمر ~~بالقبض عليه واعتقاله ، وطلب السلطان ms7476 الأمير مظفر الدين موسى ابن أخيه ~~الملك الصالح ، فهرب من داره بالقاهرة ، فرسم السلطان بهدم الأماكن التي ~~يظن أنه اختفى بها وندب لذلك الأمير علاء الدين أيدغدي شقير وغيره ، فهدموا ~~بعض الأماكن واشتد الأمر يومي الخميس والجمعة مستهل محرم سنة إحدى عشرة ~~وسبعمائة إلى بعد الصلاة ، فحضر بعض فقهاء المكاتب وذكر أنه اختفى عند سيف ~~الدين بلبان أستاذ دار قطز بن الفارقانية في حارة الوزيرية ، فقبض عليه ~~وأحضر إلى السلطان ، فأمر أن يسمر الذي أخفاه ، فسمر وطيف به على جمل ، ثم ~~شفع فيه فأطلق ، وأحضر السلطان الأمير موسى وبتخاص وقررهما فأقر كل منهما ~~على الآخر فعرف الأمير موسى ببعض قاعات القلعة ، ثم أخرج منها في سنة إحدى ~~عشرة PageV32P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" وسبعمائة ، وأشيع أنه جهز إلى اليمن ، ثم ~~أظهر السلطان موته في العشر الأول من صفر سنة ثلاث عشرة وسبعمائة ، وأمر ~~بعمل عزائه فعملته أمه منكبك ابنة الأمير سيف الدين نوكيه ، وثبتت وفاته ~~على الحكام ، وكان ممن شهد بوفاته الطواشي شجاع الدين عنبر اللالا ولما قبض ~~السلطان عليهما أمر بالقبض على جماعة من المماليك الركنية وقطع يد أحدهم ، ~~وكان للأمير سيف الدين بتخاص ؛ لأنه رمى فردة نشاب عند طلب بتخاص ، ثم شفع ~~في بقيتهم . وفي سنة عشر وسبعمائة توفي قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن ~~إبراهيم بن عبد الغني السروجي الحنفي معزولا عن القضاء وكانت وفاته ~~بالقاهرة في يوم الخميس ثاني عشرين شهر ربيع الآخر ، ودفن بالقرافة الصغرى ~~، بقرب تربة الإمام الشافعي ، ومولده سنة سبع وثلاثين وستمائة رحمه الله ~~تعالى . وتوفي القاضي عز الدين الحسن بن الحارث ابن مسكين الشافعي ، بداره ~~بمصر في ليلة السبت ثامن جمادى الأولى ، ودفن من الغد بالقرافة ، وكان من ~~أعيان الفقهاء الشافعية ، عين لقضاه القضاة ولم يل . وتوفي القاضي شهاب ~~الدين أحمد بن علاء الدين بن عبادة وكيل الخواص الشريفة ، وكانت وفاته بباب ~~داره بالقاهرة ، في ليلة الأحد سادس عشر جمادى الأولى ودفن من الغد بتربته ~~بالقرافة ، وولي وكالة الخواص بعده ، القاضي كريم الدين عبد ms7477 الكريم ، وهو ~~الذي كان ناظر ديوان بيبرس الجاشنكير المنعوت بالمظفر ، وكان السلطان شديد ~~الكراهية له ، وصمم على قتله ، ثم انتقل من هذه الرتبة إلى منزلة الخصوصية ~~والتمكن من الدولة وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى . وتوفي القاضي ~~أمين الدين أبو بكر ابن وجيه الدين عبد العظيم بن يوسف المعروف بابن ~~الوقاقي ناظر الدواوين بالديار المصرية في ليلة الأحد الثالث والعشرين من ~~جمادى الأولى ، ودفن بتربته بالقرافة ، وكان رحمه الله تعالى جيدا خيرا ~~كثير المروءة والإحسان إلى خلق الله تعالى . PageV32P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" وتوفي في ثالث عشرين جمادى الأولى الأمير خضر ~~ابن الخليفة المستكفي بالله أبي الربيع سليمان ، ودفن بتربته بجوار مشهد ~~السيدة نفيسة . وتوفي القاضي بدر الدين أبو البركات عبد اللطيف ابن قاضي ~~القضاة تقي الدين محمد بن الحسين بن رزين الحموي بالقاهرة في يوم الأحد ~~الثامن والعشرين من جمادى الآخر ، ودفن من يومه عند والده بالقرافة ، وكان ~~قاضي العساكر المنصورة ، ومولده بدمشق في تسع وأربعين وستمائة . وتوفي ~~الأمير سيف الدين برلغي الأشرفي في ليلة الأربعاء ثاني شهر رجب ودفن ، وذلك ~~بعد القبض عليه واعتقاله ، رحمه الله وتوفي الملك المنصور علاء الدين على ~~ابن الملك الناصر في ليلة الجمعة المسفرة عن حادي عشر رجب بقلعة الجبل ، ~~ودفن من الغد بتربته بالقبة الناصرية بالقاهرة ، وكان السلطان والده في ~~الصيد ، فنزل نائب السلطنة الأمير سيف الدين بكتمر والأمراء مشاة أمام ~~تابوته إلى أن دفن ، وكان عمره ست سنين وشهورا ، ولما مات وقفت والدته ~~أردكين ابنة الأمير سيف الدين نوكيه ما خصها بالإرث الشرعي عن زوجها الملك ~~الأشرف وابنتها منه من خان دار الطعم بدمشق وهو ثلاثة أسهم وثلث سهم وربع ~~سهم وثمن سهم وسدس عشر سهم ، وشرطت أن يرصد ما يتحصل من ربع هذه الحصة ~~المذكورة لثمن خبز ويفرق على أهل المكان من القراء والمؤذنين والقومة ~~وغيرهم . وتوفي القاضي بهاء الدين عبد الرحمن ابن القاضي الخطيب عماد الدين ~~علي بن عبد العزيز بن السكري بمصر عشية الجمعة حادي عشر ms7478 شهر رجب ، ودفن ~~بالقرافة في حياة والده رحمه الله تعالى . وتوفي الشيخ نجم الدين أحمد بن ~~محمد بن الرفعة بمصر في ليلة الجمعة PageV32P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" ثامن عشر شهر رجب ، ودفن من الغد بالقرافة ، ~~وكان رحمه الله تعالى من فضلاء الشافعية وأكابر المفتين ، وصنف كتابا في ~~الفقه على مذهب الإمام الشافعي في نحو عشرين مجلدا . وتوفي الأمير جمال ~~الدين آقش الموصلي المعروف بقتال السبع ، أمير علم أحد الأمراء مقدمي ~~الألوف بالديار المصرية ، في ليلة السبت تاسع شهر رجب رحمه الله تعالى . ~~وتوفي الشيخ العارف كريم الدين أبو القاسم عبد الكريم بن الحسين الطبري شيخ ~~الشيوخ بخانقاه الملك الناصر صلاح الدين في ليلة السبت سابع شوال رحمه الله ~~تعالى . وتوفي الأمير الطواشي شهاب الدين مرشد الخزندار المنصوري بداره ~~بالقاهرة في ليلة الخميس ثالث ذي القعدة ، ودفن من الغد بالقرافة ، وكان من ~~الخدام المنصورية في زمن إمرة السلطان الملك المنصور ، وكان رجلا جيدا خيرا ~~، رحمه الله تعالى . وتوفي الشيخ المسند بهاء الدين أبو الحسن علي بن ~~الفقيه عيسى بن سليمان بن رمضان الثعلبي المعروف بابن القيم بمنزله ~~بالقاهرة ، في يوم السبت سادس عشرين ذي القعدة ، ودفن من الغد بالقرافة ، ~~وكان قد انفرد بالرواية عن الشيخ نجم الدين الفارسي سمع عليه في سنة عشرين ~~وستمائة وروي عن ابن باقا وسبط السلفي ، ومولده في سنة ثلاث عشرة وستمائة ، ~~ومات وقوته جيدة ، وحواسه صحيحة رحمه الله تعالى . PageV32P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" وتوفي من الأمراء بدمشق الأمير سيف الدين ~~قشتمر الشمسي مملوك الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري ، كان من الأمراء ~~بدمشق ، وتقدم على الجيوش بحلب ، وكانت وفاته في عشية الجمعة رابع عشرين ~~شهر ربيع الأول رحمه الله تعالى . وتوفي الأمير سيف الدين أقجبا المنصوري ~~بدمشق ، في ليلة الاثنين تاسع عشرين شهر ربيع الآخر ، ودفن من الغد بتربته ~~خارج باب الجابية ، وكان أميرا كبيرا خيرا أمينا ، ولي نيابة السلطنة بدمشق ~~، وتقدمة العسكر بغزة ، وولي شاد الدواوين وأستاذ الدوادارية بدمشق رحمه ~~الله تعالى . واستهلت سنة إحدى عشرة وسبعمائة في ms7479 هذه السنة عادت رسل ~~السلطان الملك الناصر من جهة الملك طقطاي فأسرهم الإفرنج هم درسل الملك ~~طقطاي إلى السلطان ، وكانوا هم وأتباعهم وغلمانهم نحو ستين نفرا ، وذلك في ~~شهر ربيع الأول ومروا بهم على البلاد الساحلية ، وقصدوا بيعهم ووصلوا بهم ~~إلى طرابلس الشام ، وعرضوا بيعهم بها واشتطوا في الثمن ، وطلبوا ستين ألف ~~دينار عينا ثم توجهوا بهم إلى أياس وعرضوهم على صاحب سيس بهذا الثمن ، ~~فامتنع أن يبتاعهم فتوجهوا بهم إلى جزيرة المصطكي ، فعند ذلك أمر السلطان ~~بالقبض على تجار الفرنج الذين بثغر الإسكندرية والاحتياط على أموالهم ، ~~والتزم أنه لا يطلقهم ولا يفرج عن أموالهم إلا بعد حضور رسله ، فخرج سكران ~~الجنوي التاجر إلى المصطكي وخلصهم وأرسلهم إلى الديار المصرية وكان مثولهم ~~بين يدي السلطان في سادس عشر ربيع الأول سنة ثنتي عشرة وسبعمائة . ذكر ~~انتقال الأمير سيف الدين بكتمر الحسامي من الوزارة إلى الحجبة وتفويض ~~الوزارة للصاحب أمين الدين عبد الله في هذه السنة في مستهل ربيع الآخر نقل ~~الأمير سيف الدين بكتمر الحسامي من الوزارة ، وتدبير الدولة إلى الحجبة ، ~~ورسم للأمير شمس الدين سنقر الكمالي أمير حاجب بالجلوس ، فجلس في رأس ~~الميمنة ، وفوض السلطان الوزارة للصاحب أمين PageV32P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" الدين عبد الله بن الغنام وخلع عليه في سادس ~~الشهر وكان قبل ذلك قد ولي نظر النظار في وزارة الأمير سيف الدين بكتمر . ~~وفي الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر أعيد قاضي القضاة بدر الدين محمد ~~ابن جماعة الشافعي إلى قضاء القضاة بالديار المصرية واستقر القاضي جمال ~~الدين الأذرعي قاضي العسكر ، وجلس بين قاضي القضاة شمس الدين الحنفي ، ~~وقاضي القضاة تقي الدين الحنبلي . وفيها في مستهل جمادى الأولى فوض السلطان ~~نيابة السلطنة بغزة وتقدمة العسكر بها للأمير علم الدين سنجر الجاولي وقبض ~~على نائب السلطنة بها للأمير سيف الدين قطلقتمر ولبس الأمير علم الدين في ~~التشريف ثالث الشهر . ذكر القبض على الأمير سيف الدين بكتمر نائب السلطنة ~~وإلزامه ، وتفويض نيابة السلطنة للأمير ركن الدين بيبرس الدوادار وفي يوم ms7480 ~~الجمعة سابع عشر جمادى الأول أمر السلطان بالقبض على نائبه الأمير سيف ~~الدين بكتمر وعلى إلزامه فقبض عليه وعلى صهره الأمير سيف الدين بكتمر وصهره ~~الثاني علاء الدين أيدغدي العثماني ، والأمير سيف الدين منكوتمر الطباخي ~~والأمير بدر الدين بكمش الساقي وعز الدين أيدمر الشمسي المعروف بالصفدي ، ~~وذلك بعد صلاة الجمعة ، وقبض في يوم السبت على الأمير عز الدين أيدمر ~~الشيخي واعتقلوا كلهم . وكان سبب ذلك أنه اتصل بالسلطان أنه شرع في التدبير ~~عليه وطلب الأمر لنفسه ، وأن هؤلاء ممن باطنه فقبض عليهم ، وقتل منكوتمر ~~الطباخي لوقته ، لأنه فاجأ بالإقرار ، وتكلم بكلام قوي فيما قيل ، ولما قبض ~~السلطان على الأمير سيف الدين بكتمر فوض نيابة السلطنة للأمير ركن الدين ~~بيبرس الدوادار المنصوري . ذكر جلوس السلطان بدار العدل وفي هذه السنة في ~~يوم الاثنين العشرين من جمادى الأولى - جلس السلطان بدار العدل الشريف ، ~~وجلس معه قضاة القضاء الأربعة بعد أن نودي في المدينتين . أنه PageV32P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" من كانت له مظلمة فليحضر إلى دار العدل ، ~~ويرفع قصته ويشكو حاله . فحضر الناس وقرئت قصصهم بين يدي السلطان ، وكان ~~جلوسه بالإيوان الذي جدده في موضع الإيوان الكبير المنصوري ، واستمر الملك ~~يجلس بدار العدل في كل يوم اثنين إلى هذا الوقت في سنة خمس وعشرين وسبعمائة ~~. وفي جمادى الآخر عزل السلطان قاضي القضاة زين الدين علي بن مخلوف المالكي ~~عن القضاء ، بسب مكتوب أثبته فأراد السلطان أن يرجع عن إثباته فأبى قاضي ~~القضاة وطعن السلطان فيمن شهد عند قاضي القضاة من الخدام ، فلم يرجع قاضي ~~القضاة ، وصمم على حكمه ، فقال له السلطان : قد أعزلتك . فقال : قد أراحني ~~الله ، وقام من المجلس ولم يول غيره ، وسعى من له تشوف إلى القضاء ، فلما ~~اتصل خبر سعيهم بالسلطان ، أعاد قاضي القضاة زين الدين ، وخلع عليه في يوم ~~الأحد سادس شهر رجب من السنة . ذكر عدة حوادث بالشام في سنة إحدى عشرة ~~وسبعمائة في هذه السنة في ثالث المحرم توجه الأمير شمس الدين قراسنقر ~~المنصوري من دمشق إلى نيابة ms7481 السلطنة بحلب كما تقدم ، ولما توجه رسم للأمير ~~سيف الدين بهادر السنجري نائب السلطنة بقلعة دمشق بتنفيذ الأمور إلى أن يصل ~~نائب السلطنة ، فجلس بالقلعة ، وحضر إليه الصاحب عز الدين وغيره ، واستخدم ~~الصاحب المذكور جماعة من المباشرين في هذه المدة ، فتغير الأمير سيف الدين ~~كراي عليه عند وصوله بسبب ذلك ، ثم وصل نائب السلطنة الأمير سيف الدين كراي ~~إلى دمشق في يوم الخميس العشرين من المحرم ، ونزل بدار الأمير علم الدين ~~سنجر الجاولي المشرفة على الميدان ، ونصب بالميدان خيمة ، ولبس تشريف ~~النيابة في يوم الاثنين خامس عشرين الشهر ، وقرئ تقليده بالميدان بحضرة ~~الأمراء ، ثم قرئ ثانيا في يوم الجمعة سلخ الشهر بالجامع ، ثم توجه الأمير ~~سيف الدين أرغون إلى الأبواب السلطانية في مستهل صفر ، وكان لما عاد من حلب ~~عرج إلى طرابلس ، واجتمع بالأمير جمال الدين الأفرم نائب السلطنة بها ، ~~وأحضر إليه أمثلة السلطان تتضمن ذكر السبب الموجب القبض على أسندمر ، ويطيب ~~قلبه . ولما حضر تلقاه نائب السلطنة والأمراء ، وبات ليلة واحدة ، وركب من ~~الغد في الموكب ، وجلس بدار العدل مع نائب السلطنة ، ثم توجه PageV32P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" في بقية يومه ، وركب نائب السلطنة والأمراء ~~لوداعه ، وسكن خاطر الأمير جمال الدين الأفرم بعد قلق كثير . وفي يوم ~~الخميس ثالث عشر صفر وصل الأمير سيف الدين طوغان المنصوري من الأبواب ~~السلطانية إلى دمشق متوليا وظيفة الشاد بها عوضا عن الأمير فخر الدين إياز ~~وقبض على إياز في يوم الثلاثاء من عشر الشهر ، وقرر عليه ثلاثمائة ألف درهم ~~يحملها إلى بيت المال ، وسلمه إلى الأمير سيف الدين طوغان يستخرج منه ذلك . ~~وفي شهر ربيع الآخر رسم للأمير ركن الدين العلائي أن يكون نائب السلطنة ~~بحمص ، فتوجه لذلك . ذكر عزل الصاحب عز الدين بن القلانسي عن وزارة الشام ~~وانتداب أعدائه لمرافعته وخلاصه وفي الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر ~~أوقع نائب السلطنة بدمشق الأمير سيف الدين كراي الحوطة على الصاحب عز الدين ~~حمزة بن القلانسي ، ورسم عليه بالدار الحسامية ، ومنع الناس من الاجتماع ms7482 به ~~، وأمر بالكشف عليه ومحاققته على مباشرته ، وهل تعرض للأموال ؟ فما وجد في ~~مباشرته ما يشينه ، فعدل عن ذلك إلى مطالبته بما انساق من البواقي على ضمان ~~الجهات في مدة مباشرته : وهو أربعون ألف درهم ، فحملها إلى بيت المال . ~~ولما ظهر انحمال نائب السلطنة عليه انتدب لمرافعته نجم الدين عبد الرزاق بن ~~الشهاب الدنيسري ، وكتب محضرا يتضمن أنه لما اشترى من وكيل السلطان الحصة ~~من الرمثاء والفضالية ، والتوجه كانت القيمة عن ذلك مائتي ألف درهم وأربعين ~~ألف درهم وأنه ابتاع ذلك بمائة ألف وخمسين درهما ، وشهد في المحضر جمال ~~الدين ابن شمس الدين ابن الشيخ صدر الدين سليمان الحنفي ، وشرف الدين ، ~~وبهاء الدين أولاد عز الدين بن الشيرجي ، وشمس الدين بن أفتكين . وقام في ~~ذلك الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك السعيد ابن الملك الصالح ~~إسماعيل وحضر من حماه وهو الذي كان توكل عن السلطان في بيع الحصص المذكورة ~~للرئيس عز الدين ، فأحضر محضرا يتضمن أنه عزل نفسه قبل البيع من الوكالة ~~السلطانية بخمسة عشر يوما ، وثبت ذلك على القاضي نجم الدين الدمشقي ، وأشهد ~~عليه في مستهل جمادى الأولى ببطلان البيع ، لأنه بدون القيمة ، ولعزل ~~الوكيل البائع نفسه قبل صدور المعاقدة ، ولوجود ما يوفى منه الدين غير ~~العقار ثم نفذه القضاة في يوم الجمعة ثالث جمادى PageV32P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" الأولى ، وأحضر الرئيس عز الدين في يوم ~~الاثنين سادس الشهر في مجلس نائب السلطنة ، وادعى عليه بما تحصل من ريع ~~الملك المذكور منذ تسلمه ، واعتقل بدار السعادة ، واستمر بها إلى أن وصل ~~الأمير سيف الدين أرغون وقبض على نائب السلطنة في ثالث عشر الشهر ، فأفرج ~~عنه ، ثم وصل تقليده باستمراره على وكالة الخواص الشريفة في حادي عشرين ~~جمادى الآخرة ، وتوجه إلى الأبواب السلطانية في يوم السبت رابع عشرين الشهر ~~، فشمله الإنعام السلطاني بالتشريف ، والإشهاد بإمضاء البيع ، والمسامحة ~~بالريع في المدة الماضية ، وعاد إلى دمشق في يوم الثلاثاء ثاني شعبان من ~~السنة ، ثم أثبت على قاضي القضاة تقي الدين الحنبلي مكتوب ms7483 بعداوة القاضي ~~نجم الدين الدمشقي له ، وإبطال ما حكم به عليه ، ورسم السلطان أن يعاد إليه ~~ما كان حمله منسوبا إلى البواقي ، فأعيد إليه كملا . ذكر طلب أعيان دمشق ~~وما قرر عليهم من استخدام الخيالة وما وقع بسبب ذلك من الفتن كان سبب هذا ~~الطلب أن الشناعة قويت بحركة العدو المخذول التتار فورد المرسوم السلطاني ~~في عاشر شهر ربيع الآخر أن يستخدم الأمراء بدمشق على خواصهم نظير عدتهم من ~~الجند ، وأن يكونوا على أهبة متى طلبوا ، وأن يستخرج من أهل الشام خيل ~~الحجر المقررة قديما فلما كان في يوم الأربعاء مستهل جمادى الأولى طلب ~~أكابر دمشق وقرر عليهم استخدام ألف وخمسمائة فارس ، وكانت العادة المقررة ~~مائتي فارس ، فاجتمع الأعيان لتقرير ذلك على الناس ، فقرروا استخدام ~~ثمانمائة فارس على نحو ثلاثمائة إنسان ، وعجزوا . فسألوا أن يقرروا على أهل ~~الأسواق وخواص البلد ، فأجيبوا إلى ذلك ، وجلسوا في خامس الشهر بالمدرسة ~~القليجية لتقرير ذلك ، فغلقت أسواق البلد يومين ، وتعطلت جهات الهلال بسبب ~~ذلك ، ثم فتحت الأسواق وحصل الشروع في تسقيع الأملاك ، والأوقاف ، وتحقيق ~~أمرها والمطالبة من نسبتها ، فضج الناس لذلك ، واجتمعوا بالقضاة والخطيب ، ~~وتواعدوا كلهم على الاجتماع بنائب السلطنة فلما كان في يوم الاثنين ثالث ~~عشر جمادى الأولى أخرج الخطيب جلال الدين القزويني المصحف الكريم العثماني ~~PageV32P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" ونعل النبي [ ] ، وصحبه العلماء والفقهاء ~~والقراء والمؤذنون وعامة الناس وحملت صناجق الجامع ، وخرجوا بجملتهم من باب ~~الفرج إلى سوق الخيل ، وكان قد تقدمهم العميان واستغاثوا وشكوا أنه قرر على ~~الأوقاف التي عليهم أجرة أربعة شهور . فصرفهم الحاجب وقال قد أعفيتم من ~~الطلب ، ثم تلاهم الجذماء وشكوا مثل ذلك ، فقيل لهم مثل ذلك ، ثم جاء صبيان ~~مكاتب السبيل الأيتام ، وهم يرفعون أصواتهم بالتهليل ، فبكى الأمراء ومن ~~حضر الموكب من الناس . ثم جاء الجمع الكثير وتقدموا الخطيب إلى الموكب ، ~~وهم يستغيثون ، فضربهم النقباء بأمر نائب السلطنة وسقط المصحف الكريم ~~والنعل المكرم النبوي إلى الأرض ، والصناجق ، ثم رفعت وأعيدت إلى البلد ، ~~ورسم أن يتوجه الخطيب إلى القصر ms7484 فتوجه . فلما حضر إلى نائب السلطنة لكمه ~~بيده ثلاث لكمات ، وسب قاضي القضاة نجم الدين كونه ما أنهى إليه هذه الصورة ~~قبل وقوعها ، ثم توجها إلى بيوتهما ، ومد السماط على العادة فما تقدم إليه ~~أحد من الأمراء ولا نائب السلطنة ولا حاشيته ، ثم تفرق الناس وطلب نائب ~~السلطنة الخطيب جلال الدين ، والشيخ مجد الدين التونسي فضرب التونسي بين ~~يديه تسعين عصاه ضربا وجيعا ، ورسم عليه وعلى الخطيب ، ثم ضمن عليهما ، ~~وأفرج عنهما ، ثم تقرر الحال في يوم الجمعة سابع عشر الشهر على استخدام ~~أربعمائة فارس ، وأن يؤخر استخراج المال إلى أن يحل ركاب السلطان بالشام ، ~~وسكن الحال بعض السكون ، وتوقع الناس لنائب السلطنة حلول النقمة لما أمر ~~بضرب العوام وحملة المصحف والنعل النبوي ، وكان الأمر كما توقعوه . ذكر ~~القبض على الأمير سيف الدين كراي نائب السلطنة بالشام والأمير سيف الدين ~~قطلوبك نائب السلطنة بالمملكة الصفدية كان القبض على الأمير سيف الدين كراي ~~في يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الأولى ، وذلك أن الأمير سيف الدين ~~أرغون الدوادار الناصري وصل على خيل البريد في يوم الأربعاء الثاني ~~والعشرين من الشهر ، ووصل أيضا في هذا اليوم مملوك نائب السلطنة من الأبواب ~~السلطانية بأجوبة تقادمه ، وأحضر لمخدومه تشريفا وحياصة وسيفا ، وكان على ~~يد الأمير سيف الدين أرغون عدة كتب من السلطان إلى الأمراء بالقبض على ~~الأمير سيف الدين كراي . فلما وصل وجد الأمير سيف الدين PageV32P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" كجكن بظاهر دمشق وصحبته رسل التتار يتوجه بهم ~~إلى الأبواب السلطانية ، فاجتمع به وأوصله كتاب السلطان إليه ، والكتب ~~لبقية الأمراء ، ورده إلى دمشق ، ففرق كجكن الكتب السلطانية على أربابها من ~~أعيان الأمراء الأمير سيف الدين بهادر آص وغيره في ليلة الخميس ، وقرر معهم ~~الحال ، وركب الأمير سيف الدين كراي في يوم الخميس بالتشريف السلطاني ، ~~وقبل عتبة باب السر على العادة ، ورجع من الموكب ، ومد السماط ، وكان قد ~~احتفل به بسبب التشريف ، وحضور رسل التتار ، فلما رفع السماط رسم للرسل ~~بالانصراف فانصرفوا ، ونهض الأمير سيف الدين ms7485 أرغون والأمراء ، وأحدقوا ~~بنائب السلطنة وأخرج مثال السلطان فقرئ عليه فإذا هو يتضمن القبض عليه ، ~~فأجاب بالسمع والطاعة ، وقلع شاش التشريف والكلوتة وضرب بهما الأرض ، وليس ~~تخفيفة ونزع التشريف ، وقيد في المجلس ، وحمل على بغل وسلم للأمير سيف ~~الدين أغرلو وركن الدين بيبرس الشرفي المعروف بالمجنون ، فتوجها به من ~~ساعته إلى جهة الكرك ، واعتقل بها ، ورسم للأمير سيف الدين بهادور آص أن ~~يتحدث في النيابة إلى أن يصل نائب السلطنة . وقبض على الأمير سيف الدين ~~قطلوبك نائب السلطنة بالمملكة الصفدية في يوم الجمعة الرابع والعشرين من ~~الشهر ، ونقل إلى الكرك أيضا ، وما علم الناس ذنبا للأمير سيف الدين كراي ~~فيما سلف وقيل إن القبض عليه إنما وقع خوفا من تغيره بسبب القبض على ~~خوشداشه الأمير سيف الدين بكتمر النائب . PageV32P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" ذكر تفويض نيابة السلطنة بالشام للأمير جمال ~~الدين آقش الأشرفي المنصوري ونيابة السلطنة بالمملكة الصفدية للأمير سيف ~~الدين بهادر آص لما قبض على الأميرين التائبين سيف الدين كراي وسيف الدين ~~قطلوبك فوض السلطان نيابة السلطنة بالشام للأمير جمال الدين آقش الأشرفي ~~المنصوري ، وتوجه إلى دمشق ، وكان وصوله إليها في يوم الأربعاء رابع عشر ~~جمادى الآخرة ، ووصل معه لتقريره في النيابة الأمير عز الدين أيدمر الخطيري ~~، وأحضر على يده مثالا شريفا بالمسامحة بالبواقي ، وإبطال ما كان قد قرر ~~على الرعايا ، والإحسان إليهم ، فقرئ في يوم الجمعة سادس عشر الشهر بالجامع ~~بدمشق ، فاطمأن الناس وتضاعفت أدعيتهم للسلطان ، ثم خلع على الأمير سيف ~~الدين بهادر آص بنيابة المملكة الصفدية في يوم الاثنين تاسع عشر الشهر ، ~~وتوجه إليها يوم الثلاثاء العشرين من الشهر . وفي يوم السبت ثامن شهر رجب ~~قبض بدمشق - على السماط - على الأمير بدر الدين بكتوت الشجاعي ، وسيف الدين ~~جقار ، وكانا من أمراء طرابلس ، فرسم بنقلهما إلى دمشق على إقطاع الأمير ~~سيف الدين بهادر آص ، فقبض عليهما الآن واعتقلا بقلعة دمشق ، ثم سفر إلى ~~الكرك في ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان من السنة . وفي ثامن شهر رمضان ~~وصل إلى ms7486 دمشق بتقليد للأمير بدر الدين بكتوت القرماني بولاية شاد دمشق ، ~~وأستاذ دارية عوضا عن الأمير سيف الدين طوغان ، ورسم للأمير زين الدين ~~كتبغا المنصوري رأس نوبة أن يكون حاجبا بالشام عوضا عن الأمير سيف الدين ~~قطلوبك الجاشنكير ، وخلع عليهما . وفي ثامن عشر شهر رمضان ورد المرسوم ~~السلطاني إلى دمشق بولاية الأمير سيف الدين بلبان البدري نيابة قلعة دمشق ، ~~عوضا عن الأمير سيف الدين بهادر السنجري ، وكان المرسوم على يد الأمير عز ~~الدين أيدمر الخازن ، وتوجه هو إلى نيابة السلطنة بقلعة المسلمين ، وتوجه ~~السنجري إلى الأبواب السلطانية بالهدايا والتقادم ، PageV32P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" فرسم له بنيابة قلعة البيرة ، وعاد وتوجه من ~~دمشق إليها بعد عوده في ثاني شوال من السنة . وفيها وصلت رسل متملك اليمن ~~إلى الأبواب السلطانية بالهدايا والتقادم ، فقدمت هديتهم وقبلت في ثالث ذي ~~الحجة وخلع عليهم في سابع المحرم . وفيها في ذي الحجة فوض السلطان صحابة ~~ديوان الإنشاء للقاضي علاء الدين علي ابن القاضي تاج الدين أبي الظاهر أحمد ~~بن سعيد بن محمد بن الأثير الحلبي عوضا عن القاضي شرف الدين بن فضل الله ~~العمري ، وتوجه شرف الدين إلى دمشق بمعلومه عوضا عن أخيه الصدر محيي الدين ~~، واستقر محيي الدين في جملة كتاب الإنشاء بدمشق بمعلومه ، وسبب نقل ~~المذكور إلى دمشق ثقل سمعه وشيخوخته . ذكر مفارقة الأمير شمس الدين قراسنقر ~~المنصوري المملكة الحلبية ، وخروجه عن الطاعة ، ولحاق الأمير جمال الدين ~~آقش الأفرم ومن انضم إليه من الأمراء به ، وتجريد العساكر إليهم وما كان من ~~خبرهم إلى أن توجهوا للعراق كانت هذه الحوادث في سنة إحدى عشرة وبعض شهور ~~سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ، وقد رأينا أن نسردها بجملتها في هذا الموضوع إلى ~~نهايتها لتعلق بعضها ببعض . وذلك أن الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري كتب ~~إلى السلطان في سنة إحدى عشرة وسبعمائة يسأل دستورا إلى الحجاز الشريف ، ~~وأرسل في ذلك مملوكه علاء الدين مغلطاي ، فأذن له في ذلك ، وأنعم عليه ~~بألفي دينار عينا ، فتوجه من حلب وفوض السلطان نيابة حلب في ms7487 غيبته إلى ~~الأمير شهاب الدين قرطاي الحاجب ، فلما وصل الأمير شهاب الدين إلى أطراف ~~بلاد البلقاء بلغه أن السلطان قد جرد جماعة من مماليكه جرائد بالخيل والهجن ~~، فخشي أن يكونوا جردوا لقصده والقبض عليه ، فرجع إلى حلب وقصد الدخول ~~إليها ، فاجتمع الأمراء مع الأمير شهاب الدين قرطاي ومنعوه من ذلك ، وأرسل ~~إليه الأمير شهاب الدين يقول إنك توجهت إلى الحجاز بدستور سلطاني ، ونحن ~~فلا نمكنك من العبور إلا بعد عودك من الحج وبمرسوم سلطاني . PageV32P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" فطلب موجوده الذي بحلب فمنع من ذلك ، فجاء ~~الأمير حسام الدين مهنا وأرسل إلى الأمراء في تمكنه من موجوده ، وحلف أنهم ~~متى استمروا على منعه منه هجم بمجموعة حلب ونهبها ، فمكنوه من أخذ موجوده ~~وانصرف عن حلب ، وقصد جهة البرية . ثم جهز ولده الأمير عز الدين فرج ونائبه ~~عبدون إلى الديار المصرية ، وجهز مع ولده جملة من أمواله ، فوصل إلى ~~القاهرة في أواخر ذي الحجة سنة إحدى عشرة وسبعمائة ، وما علم مراده بذلك ~~ولما وصل ولده عز الدين أحسن السلطان إليه وأنعم عليه بإمرة عشرة طواشية ، ~~واستقر بالقاهرة بدار أبيه مع أخيه الأمير علاء الدين علي - وهو أحد أمراء ~~الطبلخاناه بالقاهرة - وبعد أن أرسل قراسنقر ولده المذكور وأمواله ونائبه ~~أظهر العصيان وتجاهر به ، وخلع الطاعة وكاتب الأمراء ، وراسل الأمير جمال ~~الدين آقش الأفرم نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية ، وبذل له الطاعة ، وأن ~~يكون هو صاحب الأمر دون قراسنقر ، وبذل له المال مع ذلك ليعينه به ، فأرسل ~~إليه مرة ثلاثة آلاف دينار عينا ، ومرة أخرى ، ومرة ثالثة فوافقه على ذلك ~~وباطنه وكتب إلى السلطان يخبره بما كاتبه به قراسنقر ومهنا ، وبقي ذلك في ~~يسر حسوا في ارتغاء ، واستمر الأمير جمال الدين يدافع الأيام ، ويقدم رجلا ~~ويؤخر أخرى ، ويكاتب السلطان ويرد عليه الأجوبة في بقية سنة إحدى عشرة ~~وسبعمائة وكنت يوم ذاك - ناظر الجيش الطرابلسي وكان لي عليه إدلال كثيرة ، ~~فشرع يكتم ذلك عني وعن غيري إلا من علم أنه يوافقه على رأيه ويباطنه على ~~مقصده ms7488 ، وظهر لي من صفحات وجهه وحركاته واضطراب أمره وشلش بعض مماليكه ما ~~دلني على مراده ، فدخلت عليه في أثناء ذي الحجة وهو بطرابلس ، وكاشفته ، ~~وتحدثت معه وحذرته عاقبة هذا الأمر ، وبذلت له النصيحة فكاد يكشف لي عن ~~باطنه ويخبرني بما أضمره وعزم عليه ، فلحظت بعض أكابر مماليكه وهو يغمزه ~~ويشير إليه أن لا يفعل ، فعدل عما أراد أن يخبرني به ، ثم قال لي أنا أتحقق ~~محبتك ونصحك ، وأنه ما حملك على أن ذكرت ما ذكرت إلا الشفقة علي . وجزاني ~~خيرا ، ثم قال لي : هذا الأمر الذي لحظته وظننته قد طالعت السلطان مما وقع ~~فيه ، وأرسلت إليه ما ورد علي من كتب قراسنقر والعرب ، وهذا الذي يظهر لك ~~أنني أفعله هو عن أمر السلطان ، وسوف يظهر لك . فما شككت في قوله ، ~~واستكتمني هذا الأمر فكتمته ، ثم ظهر أن الأمر في باطنه بخلاف ما أظهر لي . ~~ولما اتصل بالأبواب السلطانية أظهر قراسنقر العصيان جهز السلطان الأمير ~~حسام الدين قرا لاجين أستاذ الدار والأمير سيف الدين أرغون الدوادار ~~الناصري ، PageV32P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" والأمير سيف الدين أيدمر الخطيري ، والأمير ~~حسام الدين لاجين الجاشنكير المعروف بالزيرباج ومضافيهم ، فوصلوا إلى دمشق ~~في العشرين من ذي القعدة ، وجرد معهم من دمشق جماعة من عسكرها ، وتوجهوا ~~إلى حمص ثم إلى حلب لتمهيد البلاد ومنع قراسنقر إن قصد الهجوم على المملكة ~~الحلبية ، ثم أردف السلطان هذه العساكر المذكورة بالأمير سيف الدين قلي ~~السلاحدار ، والأمير بدر الدين جنكلي بن البابا ، ومضا فيهما فوصلوا إلى ~~حمص في ذي الحجة ، ونزلوا بمرجها ، فقلق الأمير جمال الدين الأفرم غاية ~~القلق ، وارتاع لنزولهم بالقرب منه ، وخشي أن يقبض عليه ، وكان قد حذر منذ ~~قبض على الأمير سيف الدين كراي ، والأمير سيف الدين قطلوبك ، ورأى أن ~~السلطان قد قبض على من لم يسلف ذنبا ولا وقع منه مخالفة فيما مضى - وإنما ~~مسكا احتياطا لما تقدم من القبض على خوشداشيتهما ، فكيف يكون حال من له ~~ذنوب قديمة ، ومخالفة في ابتداء الأمر . فبقي ولا يزال في الصيد ms7489 وهو يتنقل ~~في المملكة الطرابلسية ، فتارة يكون بالجون وتارة يكون باللاذقية وجبلة ، ~~ومرة بالجبال . فلما كان في مستهل محرم سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ركب من ~~طرابلس وتوجه إلى الصيد بمرج جبلة على عادته ، ونزل على رأس العين بالقرب ~~من مدينة طرابلس مما يلي الجبل ، فوصل إليه مملوكه مغلطاي الحلبي على خيل ~~البريد بأجوبة السلطان يتضمن أنه أنعم عليه بنيابة السلطنة بالمملكة ~~الحلبية ، ولم يحضر تقليدا ولا تشريفا ، وذكر أن السلطان شافهه بطلبه إلى ~~الأبواب الشريفة ليجدد عهدا برؤية السلطان ، ويلبس التشريف ، ويأخذ التقليد ~~، ويتوجه إلى حلب وشافهه عن الأمير علاء الدين أيدغدي شقير الحسامي بكلام ~~رديء ، وهو أنه أخبر عنه أنه قال له : قل له إياك أن تتأخر عن الحضور ، ~~فوالله لو اختار السلطان القبض عليك أرسل إليك من قدر وقبض عليك . فارتاع ~~لهذه المشافهة ، وخشي عاقبة حضوره ، وركب من رأس العين إلى مرج جبل على ~~مرحلتين من طرابلس ، فلما استقر بالمرج جاءه الأمير عز الدين أيدمر ~~الزردكاش المنصوري أحد الأمراء مقدمي الألوف ، وكان الأفرم زوج ابنته ~~والأمير سيف الدين أحد أمراء الطبلخاناه وبدر الدين بيسري الحسامي أحد ~~أمراء العشرات ، وكلهم من أمراء دمشق ، وكانوا قد خرجوا عقيب المواكب من ~~دمشق في نيابة الأمير جمال الدين آقش الأشرفي ، ولم يجرد خلفهم من يدركهم ، ~~وحال وصولهم إليه ذكروا أن الكلمة اجتمعت عليه فركب من المرج لوقته ، ~~واستصحب معه من كان في صحبته من أمراء طرابلس وهم علاء الدين مغلطاي الشيخي ~~، وسيف الدين قطليجا الجاشنكير PageV32P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" من أمراء الطبلخاناه ، من أمراء العشرات ستة ~~وهم : علاء الدين أيدغدي التقوي ، وركن الدين بيبرس بن عبد الله ، وعز ~~الدين حسن بن يوسف السيفي الحاجب ، وناصر الدين محمد الفارقي ، وشمس الدين ~~طشلق الشويخي ، وعلاء الدين مغلطاي الجمالي ومن أمراء التركمان أصحاب ~~الطبلخاناه خمسة وهم : علاء الدين علي بن الدربساكي مقدم التركمان وعلاء ~~الدين علي بن إلياس الفتقي ، وحسام الدين حسن بن أسيجا وسيف الدين أبو بكر ~~بن الحاج طوغان ، وسيف الدين بن إليا ، ومن ms7490 أمراء العشرات منهم صارم الدين ~~صاروجا بن ناصي وتوجه من مرج الجبل إلى مرج الأسل ، وحكي أنه تلقب بالملك ~~الرحيم ، وكتب لوقته كتبا إلى الأمراء بطرابلس يتضمن : وصل إلى مخيمنا ~~الكريم المقر العالي الأميري . الغري الزردكاش ، والجناب العالي الأمير ~~السيفي بلبان الدمشقي ، والمجلس العالي الأميري البدري البيسري الحسامي ، ~~وقد اجتمعت الكلمة علينا ولم يبق إلا الركوب . ويقول في كتابه لكل منهم فمن ~~قدم خيره الله تعالى ويعجل بسرعة الحضور ، ليكون من السابقين الأولين ، ~~ويحصل له فضيلة السبق ، ويعلم أنا لم نطلبه لحاجة بنا إليه . وإنما عرفناه ~~بما حدده الله لنا يتأخر ويعتذر حيث لا ينفعه العذر . إلى غير ذلك ، وتضمن ~~كتابه للأمير شمس الدين سنقر الرومي . وقد حقق الله تعالى مناماتك التي كنت ~~تراها وتخبرنا بها ، ونحو هذا من الكلام . ولما وصلت كتبه إلى الأمراء كنت ~~يومئذ بطرابلس لم أتوجه في صحبته ، وكان قد كتب إلي يطلبني وهو بمرج الجبل ~~، فاعتذرت ولم أتوجه إليه - لطفا من الله بي - فقمت حين وصلت كتبه واجتمعت ~~بأعيان الأمراء ونهيتهم عن الدخول في الأمر ، وعرفتهم سوء عاقبة الخروج عن ~~الطاعة ، ومفارقة الجماعة ، وجددت على أكثرهم الأيمان للسلطان الملك الناصر ~~فحلفوا ، واجتمع جماعة منهم عند الأمير شمس الدين سنقر الرومي . فتأخروا عن ~~اللحاق به ولم يتوجه من طرابلس إليه غير علاء الدين أيدغدي الأتقوي أحد ~~أمراء العشرات فإنه هرب إليه ولم يشعر به ، وكنت قد حذرته هذا الأمر قبل ~~ذلك بيوم أو يومين ، وحلفته فحلف ، وتوثقت منه أنه لا يفارق الطاعة ~~والجماعة فلذلك أهملته عند وصول المكاتبات إلى الأمراء ، وانتظر الأمير ~~جمال الدين وصول العسكر الطرابلسي إليه وهو بمرج الأسل ليكبس بهم العسكر ~~المصري الذي بحمص ، فلم يلتحق به غير أيدغدي الأتقوي المذكور ، فلما أيس ~~منه ركب من مرج الأسل ، ونزل إلى منزل القصب بالقرب من حمص ومر على جانب ~~خيام العسكر المصري ، وقصد جهة البرية ، فركب بكتمر خلفه الأمير سيف الدين ~~وبكتمر الجمدار PageV32P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" الناصري في شرذمة يسيرة ، وتتبعه فلحق أثقاله ~~فأخذها ms7491 ورجع ، واستمر السير بالأفرم ومن معه حتى دخل البرية . ولما بلغ ~~الأمير شمس الدين قراسنقر دخوله إلى البرية خلفه ظن أن ذلك مكيدة عليه ، ~~وتقدم في البرية ، وبقي الأفرم إذا نزل منزلة وجد قراسنقر قد رحل عنها ، ~~فاستمر كذلك أياما ، ثم أرسل إليه من أدركه وأعلمه أنه إنما جاء في ميعاده ~~، فأرسل إليه يقول : إن كان الأمر كذلك فتحضر إلى عندي بمملوكين ، وتؤخر ~~هذا الجمع حتى نجتمع . فركب إليه على الهجن هو ومملوكان من مماليكه ، ~~وأدركه واجتمعا . فلما تحقق قراسنقر أنه حضر لموافقته اطمأن إليه ، وتربص ~~حتى التحق به بقية أصحاب الأفرم ، فاختار الأفرم ممن معه ومع قراسنقر ~~أربعمائة فارس ، وأمرهم أن يتوجهوا ويكبسوا الأمير سيف الدين أرغن الناصري ~~ليلا في خيامه ويقتلوه ، وكان الأمير سيف الدين أرغن بقرب حلب - وقال : إنه ~~إذا قتل هذا احتاج من معه إلى الانضمام إلينا خوفا من السلطان كون مملوكه ~~قتل بينهم ، وتم لنا الأمر بهذا ولا يختلف علينا أحد بالشام ، فتوجه أولئك ~~غير بعيد ثم ردهم قراسنقر وجهز الأفرم لمضاء هذا الأمر فلم يوافق عليه ، ثم ~~قال له قراسنقر ، إن هذا الجمع الذي معك لا نقدر أن نملك بهم البلاد ، ولا ~~نلقى بهم الجيوش ، وهؤلاء يضيقون علينا ، ويأكلون ما معنا ، ولا يحصل لنا ~~بهم انتقاع ، والمصلحة تقتضي أن نردهم . فأعمل الأفرم الحيلة وجردهم على أن ~~يكونوا يزكا في مكان عينه لهم ، وقال : لا تفارقوا هذا المكان حتى نأتيكم ~~بما تعتمدونه ، وركب هو وقراسنقر ومماليكها والأمراء الثلاثة الذين وصلوا ~~من دمشق ومغلطاي الشيخي وقطليجا الجاشنكير وتوجهوا هم والأمير حسام الدين ~~مهنا إلى الرحبة ، وعاد بقية الأمراء العشرات ، وأمراء التركمان إلى طرابلس ~~ثم فارق الأمير جمال الدين الأفرم جماعة من أعيان مماليكه وعادوا إلى ~~طرابلس وتبع العسكر الناصري الأفرم وقراسنقر ومن معهما إلى الرهبة ففاتوا ~~ولزموا البرية ، ثم كتب الأفرم وقراسنقر إلى خربندا ملك التتار يستأذناه في ~~الوصول إليه بمن معهما ، وسيرا بذلك بدر الدين بيسري الحسامي ، فتوجه إليه ~~وعاد بجوابه إليها وخلعه عليهما ، فتوجها ms7492 إليه وصحبتهما بعض مماليكهما ~~والأمير عز الدين الزردكاش والأمير بلبان الدمشقي وبيسري الحسامي ورجع بقية ~~الأمراء الذين كانوا مع الأفرم . فأما أمراء التركمان وأمراء العشرات الذين ~~ليسوا من مماليك السلطان وهم : حسن السيفي ، ومحمد الفارقي وطشلق الشويخي ، ~~فاستمروا في الخدمة بطرابلس على عادتهم ، وقبض على أمراء التركمان ثم أفرج ~~عنهم واستمروا في الخدمة . PageV32P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" وأما بيبرس بن عبد الله ، وأيدغدي الأتقوي ~~فورد المرسوم بالقبض عليهما ، فقبض عليهما وسيرا إلى الأبواب السلطانية ، ~~فماتا في محبسهما . وأما قطليجا الجاشنكير فإنه غير هيأته واختفى إلى أن ~~وصل إلى الأبواب السلطانية ، فما شعر السلطان به إلا وهو قائم بين يديه في ~~الإيوان ، فأمر باعتقاله ، ثم نقل إلى ثغر الإسكندرية ، وقيل إنه مات . ~~وأما علاء الدين مغلطاي الشيخي فإنه توجه إلى الأمير فضل بن عيسى ودخل إليه ~~، فحضر به إلى الأبواب السلطانية وشفع فيه ، فأمر السلطان بإرساله إلى ~~مدينة قوص ، ثم إلى ثغر أسوان ، ورتب له كل يوم أربعة دراهم ، فأقام هناك ~~مدة ، ثم طلب إلى الأبواب السلطانية ، ورتب في جملة المماليك أرباب ~~الجامكيات ثم أنعم عليه بإقطاع ، وجعل من جملة مقدمي الحلقة ، هذا ما كان ~~من أمر هؤلاء . وأما الأمراء الذين توجهوا إلى خربندا فإنه أكرمهم وأقاموا ~~في خدمته مدة ، فأعطى الأمير جمال الدين الأفرم همذان ، فتوجه إليها ومات ~~بها ودفن بها . وبلغنا أنه عمر له تربة ، ووقف عليها في كل سنة جملة من ~~أموال همذان . ومات الزردكاش ، وبيسري الحسامي فيما بلغنا واستمر قراسنقر ~~عند التتار إلى أن مات في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى . نعود إلى سياقة الأخبار في سنة إحدى عشر وسبعمائة فيها كانت ~~وفاة القاضي مجد الدين أبي الروح عيسى بن عمر بن عبد المحسن بن الخشاب ~~المخزومي الشافعي بالقاهرة ، في يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأول ، ودفن ~~بتربته بالقرافة ، وكان من أعيان الفقهاء الشافعية ، ومن رجال الدهر دهاء ، ~~وولي المناصب الجليلة : وكالة بيت المال سنين كثيرة ، وولي نظر الحسبة ~~بالقاهرة ، ودرس بأجل ms7493 المدارس ، وعين للقضاء مرار وحرص على ذلك فلم ينله ، ~~وفرقت مناصبه بعده ، فولى القاضي بدر الدين محمد بن جماعة تدريس الناصرية ، ~~وولي ولده صدر PageV32P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" الدين أحمد وكالة بيت المال ، وولى الصاحب ~~ضياء الدين النشائي تدريس زاوية الشافعي بمصر . وتوفي القاضي جمال الدين ~~أبو الفضل محمد ابن الشيخ الإمام جلال الدين أبي العز المكرم بن علي بن ~~أحمد بن أبي القاسم الأنصاري الخزرجي الإفريقي الأصل من ولد رويفع بن ثابت ~~الأنصاري رضي الله عنه ، وكانت وفاته بالقاهرة في حادي عشر شعبان ، ودفن ~~بالقرافة ، ومولده بالقاهرة في يوم الاثنين الثالث والعشرين من محرم سنة ~~ثلاثين وستمائة ، وكان من أعيان كتاب الإنشاء وفضلائهم ، روى الحديث النبوي ~~، وكان عالي السند رحمه الله تعالى ، وله شعر وقصائد . وتوفي الصاحب الوزير ~~فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين عبد العزيز بن الحسن الخليلي التيمي ~~الدارمي وكانت وفاته في يوم عيد الفطر ، معزولا عن الوزارة - ودفن بالقرافة ~~الصغرى ، ومولده في سنة أربعين وستمائة ، وقد تقدم ذكر مناصبه وولايته ~~الوزارة ، رحمه الله تعالى . وتوفي الحكيم الفاضل الرئيس شرف الدين عبد ~~الله بن شهاب الدين أحمد بن محيي الدين رشيد ابن الشيخ جمال الدين أبي عمر ~~وعثمان بن أبي الحوافر في ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شوال ، ودفن من ~~الغد بالقرافة ، وكان رحمه الله تعالى من أجود الناس صحبة ، وأكثرهم مروءة ~~، وأحسنهم أخلاقا وأصحهم عقيدة رحمه الله تعالى . PageV32P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" وتوفي تاج الدين عبد الرحمن المعروف بالطويل ~~، ناظر النظار بالديار المصرية ، وكانت وفاته في ليلة السبت الثاني ~~والعشرين من ذي القعدة ، وهو من مسالمة القبط ، وكان علم صناعة الكتابة ~~الديوانية انتهى إليه في زمانه . وتوفي القاضي محيي الدين قاضي القضاة زين ~~الدين علي بن مخلوف المالكي ليلة الخميس حادي عشر ذي الحجة ، وكان رحمه ~~الله تعالى ينوب عن والده في القضاة في حياته ، ورسم باستقلاله بعد وفاته ، ~~فمات قبل والده - أصيب - وكان يعد من نجباء الأبناء رحمه الله تعالى . ~~وتوفي قاضي القضاة الشيخ الإمام الحافظ ms7494 سعد الدين أبو محمد مسعود بن محمد ~~بن مسعود بن زيد الحارثي الحنبلي بالمدرسة الصالحية بالقاهرة ، في يوم ~~الأربعاء الرابع والعشرين من ذي الحجة ، ودفن من يومه بالقرافة رحمه الله ~~تعالى . وتوفي الأمير بدر الدين بكتوت أمير شكار متولي ثغر الإسكندرية - ~~كان - في ثامن عشرين شهر رجب ، وكانت وفاته بالقاهرة بعد أن نكب وصودر . ~~وتوفي في التاريخ المذكور الشيخ الصالح محمد العريان رحمه الله تعالى . ~~وتوفي بدمشق الأمير شجاع الدين يوسف نقيب نقباء العساكر المنصورة بالشام ، ~~في يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الأولى ، بمولده فيما قيل وفي ثلاثة عشرة ~~وستمائة ، ولي نقابة العساكر بدمشق في الأيام الناصرية إلى أن توفي ، وكان ~~عدلا مقبول القول عند قضاة القضاة رحمه الله تعالى . وتوفي الأمير شمس ~~الدين سنقر جاه الظاهري بدمشق في يوم الاثنين ثامن ذي الحجة ، ودفن بكرة ~~الثلاثاء بمقابر الصوفية رحمه الله تعالى . PageV32P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" واستهلت سنة ثنتي عشرة وسبعمائة في هذه السنة ~~كملت عمارة الجامع الناصري بساحل مصر في صفر ، وكان موضعه بشونة التبن ، ~~وكان الابتداء بعمارته في بعض شهور سنة إحدى عشرة وسبعمائة ، وولي خطابته ~~قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعي ، ورسم أن يبني في سطح الجامع ~~المذكور بيوتا لشيخ وجماعة من الصوفية ، وطهارة ومزملة ، وبني في أسفله ~~مزملة ، ولما كملت عمارته حضر إليه السلطان وشاهده ، ووقف على مصالحه مواضع ~~من أملاكه ، منها قيسارية العنبر بالقاهرة ، وحمام بن سويد ، وأنشأ ربعا ~~بجواره ، ووقفه عليه ، وعمر بظاهره طهارة للسبيل ، وبها فسقية ، وساقية ~~ورتب السلطان بالجامع إماما ومؤذنين وقومة وشيخهم وشحنة وبوابا ، وجعل لكل ~~منهم جامكية وجراية ، ورتب بالخانقاه الشيخ قوام الدين الشيرازي شيخا ~~للصوفية ، وثمانين صوفيا أربعين مجردا بسطح الجامع في البيوت التي عمرت لهم ~~وأربعين متأهلين ، ورتب لكل صوفي منهم في كل شهر خمسة عشر درهما ، وفي كل ~~يوم ثلاثة أرطال من الخبز العلامة ، وللمجردين خاصة في كل يوم ثلث رطل لحم ~~مطبوخ ، وزبدية مرق ، ورتب للشيخ مثل ما رتب للصوفيين منهم ، وأفرد للصوفية ~~مقصورة بالجامع بحائطه ms7495 الغربي . وهو البحري ، يجتمعون فيها لصلاة العصر في ~~كل يوم ، ويقرؤون القرآن بعد الصلاة ، ويدعون للواقف ، وينصرفون ويحضرون ~~أيضا لصلاة الجمعة ، وليس بشرط . ذكر تفويض نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية ~~والمملكة الطرابلسية للأميرين سيف الدين سودي الجمدار وسيف الدين تمر ~~الساقي وفي هذه السنة فوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية للأمير ~~سيف الدين سودي الجمدار في صفر ، وتوجه إليها من الديار المصرية ، ووصل إلى ~~دمشق في ثامن شهر ربيع الأول . وفوض نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية ~~للأمير سيف الدين تمر الساقي ، فوصل إلى دمشق في ثامن عشرين شهر ربيع الأول ~~بطلبه وجماعته ، PageV32P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" ووصل إلى طرابلس في العشر الأوسط من شهر ربيع ~~الآخر . وكان سبب تأخره هذه المدة توجهه إلى حمص للقبض على نائبها على ما ~~نذكره . وفيها : في عاشر ربيع الأول أمر السلطان بالقبض على القاضي فخر ~~الدين ناظر الجيوش ، وكان قد تقدم عنده وعظم شأنه ، وارتفع محله وعلت كلمته ~~، فحسد على ذلك ، ونقل إلى السلطان عنه ما غير خاطره عليه ، فأمر بالقبض ~~عليه ومصادرته ، فأخذ من أمواله - فيما قيل - أربعمائة ألف درهم ، وفوض نظر ~~الجيوش للقاضي قطب الدين ابن شيخ السلامية ناظر جيش الشام نقله إلى الديار ~~المصرية ، فلم يقم مقام القاضي فخر الدين ، ولا نهض بسد الوظيفة وتصحفت ~~عليه أسماء البلاد ، ثم أفرج السلطان عن القاضي فخر الدين في خامس عشر شهر ~~ربيع الآخر ، واستقر صاحب ديوان الجيوش مدة ، ثم شركه في النظر ، فصارا ~~ناظرين بغير صاحب ديوان ، ثم أعاده إلى النظر مستقلا به منفردا ، وأعاد قطب ~~الدين إلى الشام على عادته ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وفيها في ~~عاشر شهر ربيع الأول فوض قضاء القضاة على مذهب الإمام أحمد بن حنبل للقاضي ~~تقي الدين أحمد ابن قاضي القضاة عز الدين عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض ~~المقدسي . ذكر القبض على الأمير ركن الدين بيبرس العلائي نائب السلطنة بحمص ~~ومن يذكر من الأمراء بدمشق كان الأمير ركن الدين بيبرس العلائي المذكور في ~~هذه ms7496 السنة قد طالع الأبواب السلطانية وسأل دستورا في الحضور إلى الأبواب ، ~~فأذن له ، فحضر على خيل البريد في العشر الآخر من صفر وشمله الإنعام ~~السلطاني بالتشريف ، وعاد إلى نيابته في العشر الأول من شهر ربيع الأول ، ~~ثم تحقق السلطان منه سوء طويته وخبث نيته وأنه كان قد باطن الأمير شمس ~~الدين قراسنقر ، والأمير جمال الدين الأفرم ، وأنه كان يظهر خلاف ما يبطن . ~~فكتب السلطان إلى الأمير سيف الدين تمر الساقي قبل وصوله إلى طرابلس أن ~~يتوجه إلى حمص ويقبض عليه ، وكتب بمثل ذلك إلى الأمير بدر الدين بكتوت ~~القرماني أحد الأمراء بدمشق ، وكان مجردا بجهة حمص ، فتوجها إليه وقبضا ~~عليه في بكرة نهار الثلاثاء رابع شهر ربيع الآخر ، وتوجها به إلى دمشق ، ~~ورسم عليه الأمير سيف الدين كجكن ، وقبض على جماعة من الأمراء بدمشق ، وهم ~~: الأمير ركن الدين بيبرس الشرفي المعروف بالمجنون ، والأمير علم الدين ~~سنجر البرواني ، والأمير PageV32P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" سيف الدين طوغان المنصوري ، والأمير ركن ~~الدين بيبرس التاجي ، وذلك في يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الآخر ، وصل في ~~هذا اليوم إلى دمشق الأمير ركن الدين بيبرس العلائي ، وحال وصوله قبض عليه ~~الأمير سيف الدين كجكن ، وهو المرسوم عليه ، وسيروا في ليلة الأربعاء ثاني ~~عشر الشهر إلى قلعة الكرك ، واعتقلوا بها وفيها في سادس شهر ربيع الآخر . ~~ذكر القبض على الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصوري نائب السلطنة ~~بالباب الشريف ، والأمير جمال الدين آقش الأشرفي نائب السلطنة بالشام ~~وغيرهما من الأمراء بالديار المصرية وفي هذه السنة استدعى السلطان الأمير ~~جمال الدين آقش الأفرمي نائب السلطنة بالشام إلى الأبواب العالية ، فحضر ~~على خيل البريد ، وكان ركوبه من دمشق في ثاني شهر ربيع الأول ، ووصل إلى ~~الأبواب السلطانية يوم السبت تاسع الشهر ، ولما وصلا إلى الأبواب السلطانية ~~أكرمه السلطان وأحسن إليه وشمله بالإنعام ، واستقر عوده إلى نيابة السلطنة ~~بالشام . فأنهي إلى السلطان عنه أنه كان ممن باطن الأمراء المنسحبين ~~الثلاثة الذين لحقوا بالأمير جمال الدين الأفرم ، وأنه كان يقدر على ~~التجريد ms7497 خلفهم والقبض عليهم وما فعل ، وإنما كان امتنع من التجريد خلفهم ~~أنه توهم من كثير من الأمراء بدمشق مباطنة الأمراء المخالفين فخشي إن هو ~~جرد من يرد هؤلاء أن يلتحق بهم فيضطرب الأمر وتعم المفسدة ، فاقتصر على حفظ ~~من بقي عنده ، وترك الإرسال خلفهم ، لهذا الأمر وبلغهم وبلغ السلطان أيضا ~~عن جماعة من الأمراء مثل ذلك ، فأمر بالقبض عليهم ، وهم : هذا المقدم الذكر ~~والأمير شمس الدين سنقر الكمالي الحاجب - كان - والأمير علاء الدين مغلطاي ~~المسعودي ، والأمير شمس الدين الدكن الأشرفي والأمير حسام الدين لاجين ~~الجاشنكير ، والأمير سيف الدين باينجار وكل هؤلاء من مقدمي الألوف بالديار ~~المصرية ، وقبض أيضا على الأمير حسام الدين لاجين العمري ، وذلك في يوم ~~الاثنين ثالث شهر ربيع الآخر من السنة ، وشغرت نيابة السلطنة بالباب ~~السلطاني بقية الشهر والله أعلم . ذكر تفويض نيابة السلطنة بالشام للأمير ~~سيف الدين تنكز وفي هذه السنة بعد القبض على الأمير جمال الدين فوض السلطان ~~نيابة السلطنة بالشام للأمير سيف الدين تنكز وتوجه إلى دمشق على خيل البريد ~~، فكان وصوله إلى PageV32P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" دمشق في الخميس والعشرين من شهر ربيع الآخر ، ~~ووصل معه جماعة من المماليك السلطانية على أخبار الأمراء المعتقلين منهم ~~الأمير سيف الدين الحاج أرقطاي الجمدار . وفيها أمر السلطان بعرض أجناد ~~الحلقة بالديار المصرية ، وانتصب لذلك بنفسه وأعرضوا بين يديه ، وابتدئ ~~بالعرض في خامس عشر شهر ربيع الآخر وكمل في مستهل جمادى الآخرة ، وأبقى ~~منهم من صلح للخدمة على إقطاعه ، وقطع من ظهر عجزه ، ورتب للمشايخ العاجزين ~~عن الخدمة الرواتب . ذكر تفويض السلطنة بالباب الشريف للأمير سيف الدين ~~أرغن وفي هذه السنة في يوم الاثنين مستهل جمادى الأولى فوض السلطان نيابة ~~السلطنة بأبوابه الشريفة لمملوكه وعتيقه وغذي نعمته ، ومن نشأ من صغره في ~~خدمته ، وقرأ القرآن معه ، الأمير سيف الدين أرغن الدوادار ، وهو من ~~المماليك المنصورية السيفية وكان السلطان الملك المنصور قد ابتاعه هو وأمه ~~، وخصه بخدمة السلطان الملك الناصر ولده من صغره وحال طفولتيه ، فنشأ معه ~~ولم يفارق ms7498 خدمته في وقت من الأوقات ، وتوجه في خدمته إلى الكرك في السفرتين ~~، ففوض السلطان إليه نيابة السلطنة الآن ، وهو أعرف الناس بخلق السلطان ، ~~وأكثرهم سياسة وسكونا وديانة وخيرا وعفة وطهارة ، واشتغل بالعلوم الشرعية ، ~~وسمع الحديث وكتب صحيح البخاري بيده ، وحصل الكتب النفيسة ، وهو مستمر في ~~نيابة السلطنة إلى وقتنا هذا في سنة خمسة وعشرين وسبعمائة ، وجرت أحوال ~~الدولة في مدة أيام نيابته على أحسن سداد وأكمل نظام . وفي جمادى الأولى ~~سنة ثنتي عشرة وسبعمائة أيضا فوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية ~~للأمير سيف الدين بلبان ظرنا أمير جاندار ورسم بعود الأمير سيف الدين بهادر ~~آص إلى دمشق أميرا على عادته فكان وصوله إلى دمشق في تاسع عشر الشهر . وفي ~~يوم الخميس ثامن عشر جمادى الأولى ولي نيابة قلعة دمشق الأمير عز الدين ~~أيبك الجمالي عوضا عن الأمير سيف الدين بلبان البدري . PageV32P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" ثم رسم في شهر رمضان من السنة أن يكون الأمير ~~سيف الدين بهادر الشمسي في القلعة شريكا للأمير عز الدين الجمالي ، فدخلها ~~في سادس عشر شهر رمضان . وفي هذه السنة حصل انفصالي من نظر الجيش بالمملكة ~~الطرابلسية في منتصف جمادى الأولى ، فتوجهت إلى الديار المصرية ، فكان ~~وصولي القاهرة في العشرين من شهر رجب من السنة . وفي شهر رجب في أواخره ~~وصلت رسل الأشكري ، ومثلوا بين يدي السلطان في عاشر شعبان بقلعة الجبل ، ~~وقدموا ما معهم من الأقمشة والسكلاط ( 1 ) والطيور الجوارح . ذكر عرض ~~العساكر والنفقة فيها وتجريدها وتوجه السلطان إلى الشام كان السلطان قد ~~توجه إلى الصيد في شهر رجب ، وأقام بمنزلة الأهرام ، وكثر الإرجاف وتواترت ~~الأخبار بوصول خربندا ملك التتار بجيوشه وقصده الشام ، فعاد السلطان إلى ~~قلعة الجبل وجرد الاهتمام ونفق في عامة العساكر ، واستخدم جماعة ، وأقطعهم ~~ساحل الغلة في شعبان ، وأمر الأمراء والمقدمين بالعرض في سوق الخيل والخروج ~~إلى الشام فابتدأ الجيش بالعرض والخروج في حادي عشر رمضان ، واستمر ذلك إلى ~~يوم الثلاثاء ثاني شوال ، فركب السلطان في هذا اليوم من قلعة الجبل وتوجه ms7499 ~~لقصد الشام ولقاء العدو ودفعه . فلما وصل إلى منزلة السعيدية وهي على مسافة ~~يومين من القاهرة وردت مطالعة الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام ~~قرين مطالعة نائب الرحبة يخبر أن جيش التتار كان قد نازل الرحبة في ثاني ~~عشرين شعبان ، وأنه في يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر رمضان عاد ~~التتار إلى بلاد الشرق ، وما علم سبب عودهم وأن النائب بالرحبة ركب في ~~آثارهم ، وحمل إلى القلعة ما كانوا قد أعدوه من آلات الحصار ، وما تركوه من ~~أثقالهم وخيلهم ، وكانوا قد حاصروا الرحبة وأشرفوا على PageV32P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" أخذها ، فاستمر السلطان على المسير ، ووصل ~~إليها في يوم الثلاثاء سادس عشر شوال . ذكر توجه السلطان إلى الحجاز الشريف ~~لما وصل السلطان إلى دمشق وتعذر عليه الغزو ، لعود التتار . صرف ذلك إلى ~~الحج وقضاء الفرض الواجب عليه حين أمكنه ، فأقام بدمشق أياما وجرد عساكره ~~إلى الجهات بالشام صوب حلب وحمص وحصن الأكراد وغيرهما أرغون نائب السلطنة ~~ونزل الأمير سيف الدين أرغون نائب السلطنة بدمشق ، والصاحب أمين الدين ~~لتحصيل الأموال وتقرير المصالح ، وتوجه السلطان بجماعة من مماليكه وأمرائه ~~، وانتقل ركابه الشريف من دمشق في يوم السبت ثاني ذي القعدة ، ووصل إلى ~~الكرك ، ومنها إلى المدينة النبوية فزار ثم توجه إلى مكة شرفها الله تعالى ~~يقضي فرض الحج ومناسكه ، وتصدق وعاد إلى المدينة النبوية ، وزار رسول الله ~~[ ] ثانيا ، وعاد على ما نذكره إن شاء الله تعالى في سنة ثلاث عشرة ~~وسبعمائة . وفي ذي الحجة ورد البريد من دمشق بإيقاع الحوطة على دار الأمير ~~شمس الدين قراسنقر المنصوري ، وحمل ما يوجد بها من خزائنه ، فوقعت الحوطة ~~عليها وأخذ منها صناديق كانت وصلت مع ولده عز الدين فرج ، فوجد في أحدها ~~فيما قيل اثنان وثلاثون ألف دينار عينا ، وفي بعضها مائة ألف درهم وخمسون ~~ألف درهم ، وعدة سروج مسقطة محلاة بالذهب والفضة وغير ذلك فحمل إلى بيت ~~المال . وفي هذه السنة توفي الشيخ تاج الدين عبد الرحيم بن تقي الدين عبد ~~الوهاب بن الفضل بن ms7500 يحيى بن السنهوري أحد النظار بالديار المصرية - كان - ~~وكانت وفاته بمصر في سابع عشر ربيع الآخر ، وكان من الأمراء الأخيار ، ~~والكتاب المشهورين ، الذين يرجع الكتاب إلى قولهم ، وتنقل من المباشرات في ~~عمره إلى أن انتهى إلى نظر النظار ، وعين للوزارة مرارا فكرهها ، وكان ~~الوزراء يرجعون إلى قوله ، ولا يخرجون عن رأيه في جليل الأمر ولا حقيره ، ~~ثم عطل قبل وفاته عن المباشرة ، وتجاوز المائة سنة أخبرني والدي رحمه الله ~~غير مرة أنه أسن منه بخمس عشرة سنة ، وكان مولد والدي في سنة ثماني عشرة ~~وستمائة فعلى هذا يكون عمره مائة سنة وتسع سنين تقريبا رحمه الله تعالى . ~~PageV32P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" وتوفي القاضي شهاب الدين غازي بن أحمد بن ~~الواسطي ناظر حلب بها في ثامن عشر ربيع الآخر ، وكان يتنقل في المناصب ~~الجليلة ، ولي نظر الدواوين بالديار المصرية ، ونظر الصحبة ، ونظر دمشق ~~وحلب وطرابلس ، وكتب بديوان الإنشاء مدة رحمه الله تعالى . وتوفي القاضي ~~تاج الدين أحمد ابن القاضي عماد الدين محمد بن هبة الله الشيرازي الدمشقي ~~ببستانه بالمزة في رابع عشر رجب ، ودفن بقاسيون رحمه الله وكان من أعيان ~~أهل دمشق ، وولي نظر الدواوين بها وغير ذلك . وتوفي الملك المظفر شهاب ~~الدين غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين داود ابن الملك المعظم شرف الدين ~~عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب بالقاهرة بعد العصر من ~~يوم الاثنين ثاني عشر رجب . وتوفيت زوجته وهي ابنة عمة الملك المغيث ابن ~~الملك المعظم وقت عشاء الآخرة ، وخرجت جنازتهما جميعا في يوم الاثنين ، ~~وكان قد حج وزار البيت المقدس ، وتوجه إلى دمشق ثم عاد إلى القاهرة ، فأقام ~~نحو خمسة أيام ومات رحمه الله تعالى وكان من خيار المسلمين محترما مبجلا ~~معظما في صدور الناس ، متواضعا في نفسه ، له فضيلة تامة ، وروي الحديث ، ~~ومولده في ليلة السبت عاشر جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وستمائة بقلعة ~~الكرك . وتوفي القاضي نور الدين أحمد ابن الشيخ شهاب الدين عبد الرحيم بن ~~عز الدين بن عبد الله ms7501 بن رواحة الحموي الأنصاري كان رأس كتاب الدرج بطرابلس ~~، فلما هرب الأمير جمال الدين الأفرم في هذه السنة استصحبه معه ، ثم رجع من ~~البرية ووصل إلى طرابلس ومرض ، فلما وصل الأمير سيف الدين تمر الساقي إلى ~~نيابة طرابلس عزله ، فتوجه إلى حماة فمات بها في سادس عشر شعبان رحمه الله ~~تعالى وكان رجلا صالحا جيدا أمينا طاهر القلم ، رافقته مدة في السفر والحضر ~~، فلم أر منه إلا خيرا وعفة وأمانة ونزاهة رحمه الله تعالى . PageV32P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" وتوفي في يوم الاثنين خامس عشرين شعبان ~~بالقاهرة شرف الدين محمد بن خليل المقدسي الكاتب المنشئ ، كان كاتبا فاضلا ~~متمكنا من صناعة الإنشاء ، حسن النظم جيد النثر ، لكنه كان كثير الهجاء - ~~سامحه الله تعالى وإيانا . وتوفي الأمير سيف الدين قطلوبك الشيخي المنصوري ~~أحد الأمراء بدمشق في خامس عشر شهر ربيع الآخر ، وهذه النسبة إلى الشيخ عمر ~~ابن الشيخ جاه . وتوفي الأمير علاء الدين مغلطاي البهائي أحد الأمراء ~~بطرابلس في حادي عشر شهر ربيع الآخر ، وكان قد رسم بالقبض عليه ، فوصل ~~البريد بذلك بعد وفاته بيوم أو يومين رحمه الله تعالى . واستهلت سنة ثلاث ~~عشرة وسبعمائة والسلطان الملك الناصر - خلد الله سلطانه - ببرية الحجاز ~~عائدا ففي يوم السبت مستهل محرم وصل إلى دمشق الأمير سيف الدين قجليس ~~السلاح دار الناصري ، وبشر بعافية السلطان وعوده من الحجاز بعد أن قضى ~~فريضة الله في الحج ، وأخبر أنه فارقه من المدينة النبوية على ساكنها أفضل ~~الصلاة والسلام - ثم وصل البريد بعد ذلك وأخبر أن السلطان وصل إلى الكرك في ~~ثاني محرم ، ثم وصل السلطان إلى دمشق في يوم الثلاثاء حادي عشر المحرم ونزل ~~بالقصر الأبلق ، وصلى الجمعة في رابع عشر بجامع دمشق ، وكذلك الجمعة التي ~~تليها ولعب بالكرة بالميدان الأخضر في يوم السبت خامس عشر المحرم ، وفوض ~~نظر الدواوين بالشام لشمس الدين عبد الله بن غبريال ، في سادس عشر الشهر ، ~~وكان قبل ذلك يلي نظر البيوت السلطانية ، وتوجه في خدمة السلطان إلى الحجاز ~~فرأى منه نهضة وكفاية ms7502 فنقله إلى نظر دمشق ، وولي فخر الدين أياز الشمسي شد ~~الدواوين بالشام نقله من شد مصر إليها ، عوضا عن الأمير بدر الدين القرماني ~~، وولي القرماني نيابة الرحبة عوضا عن الأمير بدر الدين موسى الأزكشي ، ثم ~~توجه السلطان إلى الديار المصرية ، وكان استقلال ركابه من دمشق في بكرة ~~نهار الخميس سابع PageV32P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" عشرين المحرم ، وكان وصوله إلى قلعة الجبل في ~~الساعة الثالثة من يوم الجمعة ثاني صفر . وفي هذه السنة كملت عمارة الميدان ~~الذي أمر السلطان بإنشائه تحت قلعة الجبل من الجانب الغربي مما يلي سوق ~~الخيل ، وكان الشروع في عمارته في جمادى الأولى سنة ثنتي عشرة وسبعمائة ، ~~وأدخل فيه بعض السور ما يلي باب القرافة إلى جهة القلعة ، وجعل الحائط ~~الدائر على هذا الميدان من جهات ثلاث سورا ، وردم قرار الميدان بالطين ~~الأبليز ، وأمر السلطان بسد باب سارية ، وفتح باب إلى جانبه ، ثم أمر في ~~هذه السنة بإدارة السواقي على البئر التي كانت عمرت في الدولة الأشرفية ~~الصالحية خارج باب القنطرة بمصر بشاد الأمير عز الدين الأفرم ، فركب على ~~فوهتها أربع محال وعمل لها أربع مجاري على السور يجري الماء فيها إلى حفرة ~~ثانية على شكل بئر في أثناء الطريق ، يتحصل الماء الجاري من البئر الأولى ~~فيها . وركب عليها ثلاث محال ، ويجري الماء إلى بئر ثالثة تحت القلعة ، ولم ~~يزل ينقله إلى أن جرى الماء العذب من بحر النيل أعلى إلى قلعة الجبل وقسم ~~على أماكن وقاعات بها . ذكر تفويض نيابة دار العدل وشد الأوقاف للأمير بدر ~~الدين محمد بن الوزيري وفي هذه السنة في يوم الخميس السادس عشر من شهر ربيع ~~الأول فوض السلطان نيابة دار العدل الشريفة وشد الأوقاف بالديار المصرية ~~للأمير بدر الدين محمد بن الوزيري ، أحد الحجاب ، وكانت وظيفة نيابة دار ~~العدل قد توفرت منذ نقل الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار منها إلى نيابة ~~السلطنة ، وخلع عليه ، وبسطت يده فأساء التصرف ، ووسع الطلب ، وضيق على ~~الناس ، وتعرض إلى العدول والأئمة وغيرهم ، فلم تطل أيام ms7503 ولايته ، فإن ~~السلطان اتصل به لسوء فعله فعزله ، وأقره على وظيفة دار الحجبة خاصة على ~~عادته الأولى ، ولم تكن خرجت عنه ، ثم أخرجه السلطان إلى الشام بعد ذلك ~~فمات بدمشق . ذكر عزل الصاحب أمين الدين عن الوزارة وترتيب الأمير بدر ~~الدين بن التركماني في الشد وفي هذه السنة في مستهل جمادى الآخرة عزل ~~الصاحب أمين عبد الله من الوزارة ، وصودر وحمل من أمواله ثلاثمائة ألف درهم ~~، ثم أفرج عنه ، ورتب في شاد PageV32P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" الدواوين الأمير بدر الدين محمد ابن الأمير ~~فخر الدين التركماني ، وكان قبل ذلك يلي الأعمال الجبرية وألزم الصاحب أمين ~~الدين داره إلى التاسع والعشرين من ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبعمائة ، فطلب ~~في هذا اليوم ورتب ناظر النظار والصحبة عوضا عن الصاحب ضياء الدين أبي بكر ~~النشائي ، ونقل النشائي إلى نظر الخزانة عن سعد الدين الأقفاصي بحكم وفاته ~~. ذكر روك الإقطاعات بالشام وفي هذه السنة رسم بكشف البلاد الشامية والقرى ~~والضياع والنواحي والجهات بدمشق وأعمالها ، وحمص وبعلبك وغزة ، والمملكة ~~الصفدية ، وانتصب لذلك بدمشق وأعمالها القاضي معين الدين بن هبة الله بن ~~حشيش ناظر الجيوش بالشام ، فكان يتلقى ما يرد من الكشوف ويحررها ، وانتصب ~~معه جماعة من الكتاب ، ثم وصل إلى الأبواب السلطانية في شهر رمضان بعد ~~إنجاز العمل بدمشق ، ووصل القاضي شمس الدين عبد الله ناظر الشام ، ورسم ~~للأمير علم الدين سنجر الجاولي نائب السلطنة بغزة أن يحضر ذلك ، فوصل أيضا ~~فانتصب مباشرو الجيوش بالديار المصرية : القاضي فخر الدين ، وقطب الدين ابن ~~شيخ السلامية ، وجماعة من الكتاب لتحرير الروك وقسمة الإقطاعات ، وكان ~~جلوسهم لهذا العمل داخل باب القلعة والرحبة في مكان أفرد لجلوسهم . فلما ~~انتهى العمل حولت سنة ثنتي عشرة وسبعمائة الخراجية إلى سنة ثلاث عشرة بحكم ~~دوران السنين وكتبت الأمثلة بالإقطاعات ، ثم رسم أن يستمر القاضي فخر الدين ~~محمد في نظر الجيوش بمفرده على عادته ، ورتب القاضي معين الدين هبة الله بن ~~حشيش صاحب ديوان الجيوش ، وأعيد القاضي قطب الدين ابن شيخ السلامية إلى ms7504 نظر ~~جيش الشام على عادته الأولى ، وذلك في ذي الحجة ، وخلع على كل PageV32P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" منهم . وتوجه قطب الدين إلى دمشق وصحبته ~~الأمثلة ، فكان وصوله إليها في سادس عشرين ذي الحجة وقرنت الأمثلة ، وحصل ~~في تفريقها اختلاف واضطراب ، فاعتذر قطب الدين أن الروك إنما رتبه معين ~~الدين فاقتضى ذلك توجهه إلى دمشق ، فتوجه في سنة أربع عشرة وسبعمائة على ~~خيل البريد ، وفرقت الأمثلة بحضوره على ما استقر بالأبواب السلطانية ، ثم ~~عاد إلى الديار المصرية . ذكر تجريد جماعة من الأمراء إلى مكة وفي هذه ~~السنة جرد السلطان جماعة من الأمراء إلى مكة شرفها الله تعالى وهم سيف ~~الدين طقصبا الناصري وهو المقدم على الجيش ، وسيف الدين يلوا ، وصارم الدين ~~صاروجا الحسامي ، وعلاء الدين أيدغدي الخوارزمي ، وتوجهوا في شوال في جملة ~~الركب ، وجرد من دمشق الأمير سيف الدين بلبان التتري ، وسبب ذلك ما اتصل ~~بالسلطان من شكوى المجاورين والحجاج من أميري مكة حميضة ورميثة ولدي الشريف ~~أبي نمي ، فندب السلطان هذا الجيش وجهز أخاهما الأمير أبا الغيث بن أبي نمي ~~، فلما وصل العسكر إلى مكة فارقها حميضة وأقام الجيش بمكة بعد عود الحاج ~~نحو شهرين فقصر أبو الغيث في حقهم ، وضاق منهم ثم كتب خطه باستغنائه عنهم ~~فعادوا ، وكان وصولهم إلى الأبواب السلطانية في أواخر شهر ربيع الأول سنة ~~أربع عشرة وسبعمائة ، ولما علم حميضة بمفارقة الجيش مكة عاد إليها بجمع ، ~~وقاتل أخاه أبا الغيث ، ففارق أبو الغيث مكة والتحق بأخواله من هذيل بوادي ~~نخلة وأرسل حميضة إلى السلطان رسولا وخيلا للتقدمة ، فاعتقل السلطان رسوله ~~. وفي يوم الاثنين لست بقين من شوال أمر السلطان بالقبض على الأمير عز ~~الدين أيبك الرومي ، واعتقاله فاعتقل . وفيها في يوم السبت سادس عشرين ذي ~~الحجة وصل إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل رسل الملك أزبك الجالس على ~~كرسي الملكة بصراي وما معها وهي مملكة بيت بركة ، ومعهم رسل الأشكري على ~~العادة ، فأنزل رسل الملك أزبك بمناظر الكبش ، وشملهم الإحسان السلطاني . ~~وفيها في ذي الحجة تسحب جماعة ms7505 من الجند البطالين يقال إن عدتهم نحو مائتي ~~فارس ، وتوجهوا إلى بلاد المغرب ، وتقدم عليهم ابن المحسني فرسم السلطان ~~للأمير حسام الدين القليجي أن يتوجه خلفهم ، فسار في آثارهم وجد السير فلم ~~يدرك PageV32P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" منهم إلا رجلا واحدا كان قد ضل عن الطريق ~~فأحضره في المحرم سنة أربع عشرة فاعتقل . وفي هذه السنة في ذي الحجة أنشأ ~~السلطان بقلعة الجبل القصر الأبلق ، وهو مطل على الميدان الجديد وسوق الخيل ~~، ولما كملت عمارته عمل السلطان وليمة عظيمة ، وجلس فيه وأحضر الأمراء ~~وأنعم عليهم بمبلغ جملته ألف ألف درهم وأربعمائة ألف درهم وذلك في يوم ~~الاثنين سابع عشر شهر رجب سنة أربع عشرة وسبعمائة . وفي هذه السنة رسم ~~السلطان أن يساق الماء من عين بلد الخليل إلى القدس الشريف ، فتولى ذلك ~~الأمير علم الدين سنجر الجاولي ، ووصل الماء إلى القدس ، وارتفق الناس به . ~~وفي سنة ثلاث عشرة أيضا توفي القاضي عماد الدين أبو الحسن علي ابن القاضي ~~فخر الدين بن عبد العزيز ابن قاضي القضاة عماد الدين عبد الرحيم بن السكري ~~، وكانت وفاته بالمدرسة المعروفة بمنازل العز في سحر يوم الجمعة سادس عشرين ~~صفر ودفن بالقرافة ، ومولده في الخامس والعشرين من محرم سنة ثمان وثلاثين ~~وستمائة ، وهو الذي كان قد توجه في الرسالة إلى غازان ، وكان يلي تدريس ~~مدرسة منازل العز هو وأبوه وجده ، وتدريس المشهد الحسيني بالقاهرة ، وخطابة ~~الجامع الحاكمي ، فولي ولده القاضي تاج الدين التدريس بمنازل العز والخطابة ~~وولي تدريس المشهد الحسيني صدر الدين محمد بن المرحل . وتوفي الخطيب قطب ~~الدين يوسف ابن الخطيب أصيل الدين محمد بن إبراهيم بن عمر بن علي العوفي ~~الأسعردي ، خطيب الجامع الصالحي خارج باب زويلة في ليلة السبت العشرين من ~~شهر رجب فجأة ودفن بسفح المقطم وولي الخطابة بعده الشيخ زين الدين عمرو بن ~~مؤنس الكتاني الشافعي . وتوفي الشيخ تاج الدين محمد بن علي بن همام بن راجي ~~الله بن أبي الفتوح ناصر بن داود بن عبد الله بن أبي الحسن العسقلاني ms7506 ~~الشافعي الإمام بالجامع PageV32P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" الصالحي ، وكانت وفاته بمسكنه بالجامع في ~~ليلة السبت الحادي عشر من شعبان رحمه الله تعالى ومولده في الرابع والعشرين ~~من شهر ربيع الآخر سنة سبع وأربعين وستمائة ، وولي الإمامة بعده بالجامع ~~ولده القاضي تقي الدين محمد . وتوفي عز الدين بن عبد العزيز بن منصور ~~الكولمي التاجر الكارمي بثغر الإسكندرية في شهر رمضان ، وكان والده من يهود ~~حلب يعرف بالحموي ، وأسلم والده في أول الدولة الظاهرية هو وأخواه وتوفي ~~أول الدولة المنصورية فجمع عز الدين هذا ما يملكه وتوجه إلى بغداد ويقال إن ~~جملة ما توجه خمسة عشر ألف درهم أو دونها ، وانحدر من بغداد إلى البصرة ، ~~ثم توجه إلى كبش وركب منها في الزو إلى بلاد الصين فدخل الصين وخرج منه خمس ~~مرات ودخل إلى الهند ، وكان يحكي عجائب كثيرة يذكر أنه شاهدها ، لا يقبل ~~بعضها العقل ، والقدوة صالحة أغضينا عن ذكرها ، وما كان يتهم بكذب ، ثم عاد ~~من الهند إلى عدن من بلاد اليمن في الزو الهندي ، وأخذ صاحب اليمن جملة من ~~ماله ، وما أحضر من تحف الصين ، والصيني زيادة على ما جرت عادتهم بأخذه ، ~~ثم وصل إلى الديار المصرية أرى في سنة أربع وسبعمائة ومعه ما قيمته ~~أربعمائة ألف دينار عينا ، ولما مات خلف تركة جليلة ، وكان كثير الصدقة ~~والمعروف والبر رحمه الله تعالى . وتوفي الأمير جمال الدين آقش الكنجي ~~النائب بحصن مصياف به يوم الأحد ثامن عشر ذي القعدة ، وكان قد بلغ تسعين ~~سنة ، وولي نيابة الحصن سنين كثيرة ، وكان أهل الحصن الفداوية يحبونه ~~ويجيبون إلى ما أمرهم به من بذل نفوسهم وهو يكرمهم ويبرهم ويحسن إليهم رحمه ~~الله تعالى . واستهلت سنة أربع عشرة وسبعمائة في أول هذه السنة - في يوم ~~الأربعاء مستهل محرم الموافق الحادي والعشرين من برمودة القبطي - تغير نهر ~~النيل بمصر تغيرا ظاهرا مائلا إلى الخضرة ، وتغير طعمه PageV32P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" وريحه حتى شرب كثير من الناس من الآبار ~~العذبة والصهاريج التي يخزن بها الماء والعادة أن يكون ms7507 ماء النيل في هذا ~~الفصل في غاية الصفاء ، وما علم سبب تغيره ، ثم عاد إلى صفوه بعد ذلك . ذكر ~~واقعة الشيخ نور الدين علي البكري وغضب السلطان عليه وخلاصه كان سبب ذلك أن ~~الشيخ نور الدين المذكور انتصب بمصر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ~~حسبة من غير ولاية سلطانية ولا إذن حكمي ، ورأى أن ذلك قد تعين عليه ، وهو ~~من أعيان الفضلاء وأكابر المفيدين ، واجتمع معه جماعة من البكريين وغيرهم ~~يأتمرون بأمره ، فاتصل به في شهر المحرم من السنة أن النصارى بمصر اجتمعوا ~~في كنيسة من كنائسهم لعيد لهم ، وأنهم استعاروا من الجامع العمري بمصر ~~قناديل وبصاقات وأطباق وأشعلوها في الكنيسة ، فما صبر على ذلك ، وجاء إلى ~~الكنيسة ودخلها بمن معه وأخذ ما استعاروه من قناديل الجامع وماعونه ، وأعاد ~~ذلك إلى الجامع ، وأحضر مباشر الجامع وأنكر عليه إقدامه على عارية ذلك ~~للنصارى ، فاعتذر أن الخطيب هو الذي أمر بذلك ، فطلبه الشيخ وأنكر عليه ، ~~وكلمه بكلام غليظ فانضم للخطيب القاضي فخر الدين ناظر الجيش ، وأنهى إلى ~~السلطان ما فعل الشيخ بالخطيب ، وعرفه أن الخطيب رجل صالح من بيت كبير ، ~~وأن مثله لا يعامل بمثل هذه المعاملة ، وأنهى إلى السلطان أن الشيخ نور ~~الدين فيه جرأة عظيمة واطراح للدولة وغض منها ، إلى غير ذلك من الإغراء ، ~~وطلع الشيخ نور الدين إلى قلعة الجبل في يوم الجمعة الرابع والعشرين من شهر ~~محرم ، واجتمع بنائب السلطنة وبات عنده ليلة السبت ، واجتمع أيضا بالأمير ~~ركن الدين بيبرس الأحمدي أمير جاندار وقصد الاجتماع بالسلطان ، وكان طلب في ~~بكرة نهار الخميس الثالث والعشرين من محرم إلى مجلس السلطان ، وأحضر قضاة ~~القضاة والعلماء ، فحصل للشيخ قوة نفس ، وكلم السلطان بما لا يليق أن يكلم ~~به الملوك عرفا ، فكان مما قال له : أنت وليت القبط والمسالمة وحكمتهم في ~~دولتك وأموال المسلمين ، وأضعت أموال بيت المال في العمائر والإطلاقات التي ~~لا تجوز ، إلى غير ذلك من PageV32P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" الكلام الخشن الذي لا تصبر الملوك على مثله ، ~~فغضب السلطان لذلك ms7508 غضبا شديدا ، وانزعج له انزعاجا عظيما ، وظهر منه اضطراب ~~وألفاظ دلت على أنه نقل إليه عن الشيخ ما أوجب انحماله ، فكان فيما قال ~~السلطان - فيما بلغني - إما أنا وإما هذا ؟ وقال أما أنا ما أخذت الملك ~~بخلافة وإنما أخذته بسيفي إلى غير ذلك من الكلام الدال على شدة الحرج ، ~~وقال السلطان للقضاة ، ما الذي يلزم هذا على تجرئه على ما قال ؟ فقال قاضي ~~القضاة زين الدين المالكي : هذا لا يلزمه عندي شيء . وقال قاضي القضاة بدر ~~الدين الشافعي يلزمه التعزير بحسب رأي الإمام . فقال الشيخ لقاضي القضاة ~~بدر الدين كيف تقول هذا القول ؟ وقد صح عن رسول الله [ ] أنه قال : " أفضل ~~الجهاد كلمة صدق عن سلطان جائر " ورفع بها صوته ، وأشار بيده إلى جهة ~~السلطان ، بها صوته ، وأشار بيده إلى جهة السلطان فعند ذلك اشتد غضب ~~السلطان ، ورسم بقطع لسانه ، وما تجاسر أحد أن يشفع فيه إلا الأمير سيف ~~الدين طوغاي ، فإنه بالغ في أمره حتى نزل وانفصل المجلس ، ورسم عليه ، ثم ~~طلب مرة ثانية قبل العصر من اليوم إلى مجلس السلطان ، فكان المجلس فيما ~~بلغني أشد من الأول ، حتى هم السلطان بقتله فتقدم إليه الأمير سيف الدين ~~طغاي أيضا وقال : والله لأقتل السلطان هذا أبدا ويكون الصديق جده خصم ~~السلطان عند الله يوم القيامة . فاستكان السلطان لما سمع هذا الكلام وأطلقه ~~. وهذا يدل على حلم السلطان وخيره ، ولولا ذلك لما أبقاه لما خاطبه به . ~~وكان القاضي كريم الدين وكيل الخاص الشريف أيضا قد اعتنى به عند السلطان ~~موافقة للأمير سيف الدين طغاي ، وخرج هو والشيخ من مجلس السلطان بعد العصر ~~من اليوم المذكور ، فشرع بعض الجماعة يقول للشيخ وهو إلى جانب القاضي كريم ~~الدين : ما فعله القاضي كريم الدين في أمره من الاعتناء به وتسكين حرج ~~السلطان فقال : نعم هو كان من خيار الظلمة ، وكريم الدين يسمع ذلك فما ~~أجابه عنه بشيء ، واجتمع تحت القلعة خلق كثير من العوام حتى امتلأت بهم تلك ~~الجهة ، وهم يظهرون الفرح بسلامة الشيخ ms7509 نور الدين ، فأشار كريم الدين ألا ~~يتوجه الشيخ إلى مصر بهذا الجمع خشية أن يشاهد السلطان ذلك فيخرج بسببه . ~~فصرفهم وتوجه من جهة أخرى ، وانقطع PageV32P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" بمنزله ، ولم ينقطع الناس وبعض الأمراء عن ~~التردد إليه وسلامته من هذه الواقعة دلت على أن قيامه كان لله تعالى . ~~وفيها في صفر أمر السلطان بالقبض على الأمير سيف الدين بلبان الشمسي أمير ~~الحاج واعتقاله ، لسوء اعتماده على الحجاج وكان ساق سوقا مزعجا ، ووصل إلى ~~القاهرة بالمحمل قبل الوقت المعتاد بأيام فهلك كثير من المشاة بسبب ذلك ~~فرسم السلطان أن يتوجه جماعة على الهجن بالماء والزاد بسبب من انقطع والله ~~أعلم . وفي هذه السنة أمر السلطان بمسامحة البلاد الشامية بحملة كثيرة من ~~البواقي لاستقبال سنة ثمان وتسعين وستمائة وإلى آخر ثلاث عشرة وسبعمائة ~~وقرئ كتاب المسامحة بجامع دمشق في يوم الجمعة عاشر المحرم بحضور نائب ~~السلطنة بدمشق ، ثم قرئ في يوم الجمعة التي تليها بالجامع بدمشق مثال ~~بإطلاق ضمان السجون وأن لا يؤخذ ممن يسجن أكثر من نصف درهم يكون أجرة ~~السجانين ، وكان قبل ذلك يؤخذ من المسجون ستة دراهم فما دونها ، وتضمن ~~المثال أيضا إعفاء الفلاحين من السخر ومقرر القصب ، وكان جملة ، فتضاعفت ~~الأدعية بسبب ذلك للسلطان ، ثم قرئ مثال ثالث في مستهل صفر بإطلاق ضمان ~~القواسين ونقابة الشد والولاية . وفي شهر ربيع الأول وصلت الأخبار بإغارة ~~طائفة من العسكر الحلبي على دنيسر ، وقتل جماعة بها وأسر جماعة ، ووصل بعض ~~الأسرى إلى دمشق في شهر ربيع الآخر . ذكر وفاة الأمير سيف الدين سودي نائب ~~السلطنة بحلب وتفويض نيابة السلطنة بها للأمير علاء الدين الطنبغا الحاجب ~~وفي يوم السبت الثاني والعشرين من شهر رجب ورد الخبر إلى الأبواب السلطانية ~~بوفاة الأمير سيف الدين سودي الجمدار نائب السلطنة بالمملكة الحلبية ، ~~وكانت وفاته بعد العصر من يوم السبت منتصف الشهر ، ففوض السلطان للأمير ~~علاء الدين الطنبغا الصالحي أحد الحجاب نيابة السلطنة بها في هذا اليوم ، ~~وتوجه على خيل البريد في يوم الأحد الثالث والعشرين ms7510 من الشهر . ~~PageV32P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" وورد الخبر أيضا بوفاة بهاء الدين أبي سوادة ~~كاتب الدرج بحلب ، وكانت وفاته في ضحى منتصف شهر رجب ، فرتب وظيفته في ~~القاضي عماد الدين إسماعيل ابن القاضي المرحوم شرف الدين بن القصيراني ، ~~وتوجه إلى حلب بعد أن سأل واستعفى من الوظيفة ، ثم لما عزل سعى في ~~الاستمرار فلم يجب . ذكر عزل الأمير سيف الدين بلبان طرناه نائب السلطنة ~~بالمملكة الصفدية ، والقبض عليه ، وتفويض النيابة للأمير سيف الدين بلبان ~~البدري وفي شوال من هذه السنة تكررت مطالعات الأمير سيف الدين طرناه نائب ~~السلطنة بالمملكة الصفدية يسأل الإقالة ، ثم أنهي عنه أنه قال والله لئن لم ~~يقلني السلطان من النيابة بصفد حلقت رأسي ولحيتي وتركت الإمارة . وكان سبب ~~ذلك أن المملكة رجع أكثرها إلى دمشق عند الروك ، وصارت مراسيم السلطنة ~~بدمشق والمشد ترد إلى صفد ، فضاق من ذلك . ضيقا كثيرا واستعفى ، فبرز ~~المرسوم بعزله ، وأن يتوجه إلى دمشق من جملة الأمراء على إقطاع الأمير سيف ~~الدين بلبان البدري ، وأن يتوجه البدري إلى نيابة السلطنة بصفد ، فتوجه إلى ~~دمشق ، وكان وصوله في يوم الخميس حادي عشرين ذي القعدة ، فقبض عليه حال ~~وصوله واعتقل ، ثم نقل إلى قلعة الجبل فاعتقل بها ، وتوجه الأمير سيف الدين ~~بلبان البدري من دمشق إلى صفد في يوم الجمعة ثاني عشرين ذي القعدة . وفي ~~يوم الجمعة سلخ ذي القعدة ثار بالقاهرة رجل اسمه علي بن السابق ، من سكان ~~الحسينية ، فركب فرسا ، وجرد سيفا ، وشق المدينة وصار يضرب بالسيف من يظفر ~~به من اليهود والنصارى ، فجرح ثلاثة ، منهم من قطع يده ، ومنهم من ضربه في ~~وجهه ، ثم قبض عليه خارج باب زويلة مما يلي جهة القلعة ، وسئل عن سبب فعله ~~فقال : قمت لأنصر دين الله وأقتل أهل الذمة فأمر السلطان بقتله ؟ فضربت ~~عنقه . PageV32P0164 # """""" صفحة رقم 165 """""" وفي يوم الجمعة تاسع عشرين شهر رجب قتل بدمشق ~~موسى بن سمعان النصراني الكركي ، كاتب الأمير سيف الدين قطلوبك الجاشنكير ~~لتجرئه على رسول الله [ ] ، وكان قد استمال رجلا من ms7511 ضعفة العقول والقلوب من ~~المسلمين ونصره وكواه على يده مثال صليب ، فحكم قاضي القضاة جمال الدين ~~المالكي بقتله فقتل . وفي ذي الحجة من هذه السنة تسحب جماعة من الجند ~~البطالين إلى بلاد الغرب ، لم نحرر عدتهم . وفيه منها جردت العساكر إلى ~~ملطية ، وكان من فتحها ما نذكره إن شاء الله تعالى في سنة خمس عشرة ~~وسبعمائة . وفي هذه السنة في ليلة الثلاثاء سادس عشر صفر توفي الشيخ الصالح ~~شرف الدين أبو الهدى أحمد ابن الشيخ الإمام قطب الدين أبي بكر محمد بن أحمد ~~بن علي بن محمد بن الحسن بن القسطلاني المالكي وكانت وفاته بزاويته ~~بالكؤكؤة من القاهرة ، ودفن من الغد بالقرافة ، ومولده بمكة في جمادى ~~الآخرة سنة ثمان وأربعين وستمائة رحمه الله تعالى . وتوفي الشيخ الصالح ~~المعمر محمد حياك الله بسلام بن محمود بن الحسين بن الحسن الموصلي بزاويته ~~بسويقة الريش ظاهر القاهرة في يوم الخميس تاسع شهر ربيع الأول ودفن بكرة ~~نهار الجمعة بالقرافة بقرب مدفن الشيخ محمد بن أبي حمزة ، وكان من الصلحاء ~~الأخيار المعمرين ، عمر نحو مائة وستين سنة فإنه سئل عن مولده فذكر أنه وصل ~~إلى القاهرة في أوائل الدولة المعزية وله يومئذ خميس وثمانون سنة ، وكان مع ~~ذلك حاضر الحس جيد القوة ، وله شعر حسن . وفيها توفي الأمير عماد الدين ~~إسماعيل ابن الملك المغيث شهاب الدين عبد العزيز ابن الملك المعظم شرف ~~الدين عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبي PageV32P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" أحمد بن أيوب وكانت وفاته بحماة في ثامن عشر ~~شهر ربيع الآخر ، سمع الحديث من خطيب مردا وغيره ، وحدث رحمه الله تعالى . ~~وتوفي الأمير فخر الدين أقجبا الظاهري ، أحد الأمراء بدمشق ، في ليلة ~~الاثنين العشرين من شهر ربيع الآخر ، ودفن بقاسيون ، وكان رجلا جيدا ملازما ~~للصلوات الخمس بجامع دمشق ، ثابت العدالة قديم الهجرة في الإمرة رحمه الله ~~تعالى . وتوفي الأمير سيف الدين ملكتمر الناصري المعروف بالدم الأسود أحد ~~الأمراء بدمشق بها في يوم السبت ثالث عشر جمادى الآخرة وكان ينسب إليه ms7512 ظلم ~~فاحش في جهات إقطاعه . وتوفي القاضي شرف الدين يعقوب بن مجد الدين مظفر بن ~~شرف الدين أحمد مزهر بحلب وهو ناظرها في الثامن والعشرين من شعبان ، ومولده ~~في سنة ثمان وعشرين وستمائة وتنقل في الأنظار الكبار فلم تبق مملكة بالشام ~~إلا باشرها وعاد إليها ، رافقته بطرابلس مدة ، وكان من أرباب المروءات ، ~~إذا سئل أجاب ، وإذا عوند نفر ، وكان أجود ما يكون إذا باشر ، وإذا عطل عن ~~المباشرة أكثر القول في المباشرين والأكابر رحمه الله تعالى . وتوفي الأمير ~~سيف الدين كهرداش الزراف أحد الأمراء بدمشق في ليلة الاثنين سلخ شعبان رحمه ~~الله تعالى حكى الشيخ شمس الدين الجزري عنه أنه كان قد حج في صحبة السلطان ~~في سنة ثنتي عشرة وسبعمائة ، فلما وصل إلى المدينة النبوية عاهد الله تعالى ~~أنه لا يشرب الخمر أبدا ، ولا يرتكب محرما ، وعقد التوبة ، وحلف على ذلك ، ~~وغلظ اليمين . فلما عاد إلى دمشق لم يلبث أن نقض التوبة حال وصوله ، وفعل ~~ما حلف أنه لا يفعله ، فأصابه فالج وبطل نصفه ، وعولج بالأدوية فلم ينجح ، ~~ومات ولم يصح . قال : وربما كان ركب في بعض الأحيان مع مرضه - سامحه الله ~~تعالى وإيانا . PageV32P0166 # """""" صفحة رقم 167 """""" وتوفي القاضي صدر الدين أحمد ابن القاضي مجد ~~الدين عيسى بن الخشاب ، وكيل بيت المال بالديار المصرية ، وكانت وفاته ~~بالقاهرة في يوم الاثنين تاسع شعبان رحمه الله تعالى . وتوفي الشيخ العالم ~~علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد خطاب الباجي الشافعي بالقاهرة في يوم ~~الأربعاء سادس ذي القعدة ، ودفن من يومه بالقرافة ، وكان رجلا عالما فاضلا ~~يرجع الناس إلى فتاويه ، ويعتمدون على نقله رحمه الله تعالى . وتوفي القاضي ~~سعد الدين محمد بن فخر الدين عبد المجيد بن صفي الدين عبد الله الأقفهسي ~~ناظر الخزانة فجاءة في ليلة الجمعة ثامن عشرين ذي الحجة بعد أن باشر بقلعة ~~الجبل وظيفته إلى آخر نهار الخميس ونزل إلى بيته . فمات رحمه الله تعالى . ~~ونقل الصاحب ضياء الدين النشائي من نظر الدواوين إلى نظر الخزانة في يوم ms7513 ~~السبت سلخ ذي الحجة . واستهلت سنة خمس عشرة وسبعمائة ذكر إرسال العسكر إلى ~~ملطية صحبة الأمير سيف الدين تنكر وفتحها كان السلطان في ذي الحجة سنة أربع ~~عشرة قد أمر بتجريد جماعة من الجيوش المنصورة المصرية وهم ، الأمير سيف ~~الدين بكتمر الأبو بكري ، والأمير سيف الدين قلي ، والأمير علم الدين سنجر ~~الجمقدار ، والأمير بدر الدين محمد بن الوزيري ، والأمير ركن الدين بيبرس ~~الحاجب الناصري ، والأمير سيف الدين أركتمر الجمدار ، ومضافيهم ، وكتب إلى ~~الشام أن يتوجه الأمير سيف الدين تنكز بعساكر الشام ، ويتقدم على سائر ~~الجيوش ، فندب الجيوش الشامية وأمرهم بالخروج ، فتوجهت ميسرة العسكر الشامي ~~في السابع والعشرين من ذي الحجة ، والميمنة في يوم الجمعة الثامن والعشرين ~~، ووصل العسكر المصري في يوم السبت التاسع والعشرين من الشهر إلى دمشق ، ~~وتوجه الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام في يوم الاثنين مستهل ~~محرم من هذه السنة ببقية العسكر ، واستصحب معه قاضي القضاة نجم الدين ~~PageV32P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" صصرى ، وشرف الدين بن فضل الله ، وجماعة من ~~الموقعين ، وجردت العساكر الصفدية والطرابلسية والحمصية ، وصاحب حماة ~~وعسكرها ، وركب الأمير سيف الدين تنكز بالكوسات والعصائب على عادة الملوك ، ~~ووصل إلى حلب في يوم الجمعة ثاني عشر محرم ، وترجل في خدمته الملك المؤيد ~~عماد الدين صاحب حماة فمن دونه من سائر النواب والأمراء مقدمي الجيوش ~~وغيرهم ، ورحل منها في يوم السبت ثالث عشر ، فلما وصل عينتاب أقام قاضي ~~القضاة نجم الدين بها ، وتوجهت العساكر إلى ملطية في بكرة الأحد الحادي ~~والعشرين من المحرم ، وتقدمهم الجاليش وهو الأمير سيف الدين أركتمر ومن معه ~~، وحاصر ملطية ، فتحصن أهلها وضايقها ثلاثة أيام . فلما وصلت العساكر صحبة ~~الأمير سيف الدين تنكز خرج متولي ملطية وقاضيها وسألوا الأمان فأمنوا وفي ~~خلال ذلك فتح الأمير سيف الدين أركتمر البلد مما يليه عنوة فسير إليه ~~الأمير سيف الدين تنكز يأمره بكف أصحابه عن النهب ، وقال إن البلد قد فتح ~~بالأمان . فأجاب إنني فتحته بالسيف وحاصرته ثلاثة أيام ، وقاتلني أهله قبل ~~وصول العسكر ، ومكن من ms7514 معه من الدخول والنهب ، ومنعهم من الازدحام على ~~الباب ، فكان يمكنهم من الدخول مرة بعد أخرى حتى دخلوا البلد ، فنهبوا وقتل ~~خلق كثير من الأرمن والنصارى ، وأسروا خلقا كثيرا منهم حتى تعدى ذلك إلى ~~جماعة من المسلمين ، واختفى أكثر الأرمن بالمقابر ، وخرب قطعة من البلد ، ~~ورمى النار فيه ، ورجع الجيش عنها في يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ~~المحرم إلى عينتاب ، ثم إلى مرج دابق . ولما فتحت ملطية جهز الأمير سيف ~~الدين قجليس السلاح دار إلى الأبواب السلطانية على خيل البريد بالبشارة ، ~~فكان وصوله إلى قلعة الجبل في يوم الخميس الثالث من صفر ، وذكر أنه وجد ~~بملطية عند الاستيلاء عليها تسعة عشر ألف نول ينسج الصوف ، ونقل أهلها إلى ~~حلب ، ولما عادت العساكر عن ملطية نزل بها نائب السلطنة الأمير بدر الدين ~~موسى الأزكشي في طائفة من العسكر ، وبعد توجه العسكر منها بثلاثة أيام ظهر ~~من كان قد اختفى بها من الأرمن وغيرهم ، فوصل إليها أهل كختا PageV32P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" وكركر فأحاطوا بها وقتلوا ثلاثمائة من الأرمن ~~، وأسروا مائة أسير وغنموا جملة كثيرة من الأقمشة والأمتعة ، ونقلوا جملة ~~من الغلال والحبوب وجهز إلى الأبواب السلطانية نائب ملطية وهو بدر الدين ~~ميزامير ابن الأمير نور الدين وولده وصهره في نحو ثلاثين نفرا ، فوصلوا في ~~صفر ثم وصل قاضي ملطية وحريم نائبها وجماعة منهم في نحو مائة وخمسين نفرا ~~إلى دمشق في نصف صفر ، ورسم لقاضيها بالإقامة بدمشق ، وأحسن السلطان إلى ~~نائب ملطية وولده وصهره ، وجعل لكل منهم إقطاعات وعدة ، واستمرت الجيوش ~~مقيمة ببلاد حلب إلى شهر ربيع الأول ، فرحلت يوم الخميس ثامن الشهر ، ووصل ~~نائب السلطنة إلى دمشق في يوم الجمعة سادس عشر ربيع الأول ، ثم وصلت بقية ~~العساكر إلى الديار المصرية ، ودخلوا القاهرة في يوم الثلاثاء خامس شهر ~~ربيع الآخر ، وشملهم السلطان بالإنعام والتشريف . وأما ملطية فإنه بعد أن ~~عادت العساكر منها وصل إليها جوبان نائب خربندا ملك التتار ، وكان خربندا ~~قد أعطاها له فآمن من بقي بها من المسلمين ، وسد ms7515 ستة من أبوابها ، وترك ~~بابا واحد ، وجرد بها ألفي فارس يحمونها ، وأمرهم بعمارة ما خرب منها . ~~وفيها بعد عود العسكر من ملطية أغارت طائفة من العسكر الحلبي على بلاد سيس ~~مرة بعد أخرى ، وغنموا وقتلوا وسبوا . ذكر القبض على من يذكر من الأمراء ~~بالديار المصرية وفي يوم الخميس مستهل شهر ربيع الأول أمر السلطان بالقبض ~~على الأميرين سيف الدين بكتمر الحسامي أمير حاجب ، وعلاء الدين أيدغدي شقير ~~الحسامي وهما من أمراء المائة مقدمي الألوف ، وطلب الأمير سيف الدين بكتمر ~~بعد نزوله من الخدمة . ووصوله إلى داره وطلع إلى دار النيابة فقبض عليه بين ~~يدي نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغن . وقبض على أيدغدي شقير بداره ~~بالقلعة واعتقلا ، فأما أيدغدي شقير فكان آخر العهد به ، واستمر سيف الدين ~~بكتمر في الاعتقال إلى يوم الخميس ثالث عشر شوال سنة ست عشرة وسبعمائة ~~فأفرج عنه على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وفي يوم السبت العاشر من الشهر ~~المذكور قبض أيضا على الأمير سيف الدين بهادر الحسامي المعروف بالمعزي وهو ~~أيضا من أمراء المائة ، واعتقل بها وإنما أخر عمن قبض عليه قبله لأنه كان ~~قد توجه لكشف الصعيد الأعلى ، وحفر ترعه وإتقان PageV32P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" جسوره ، فوصل إلى مدينة إسنا من الأعمال ~~القوصية ، فلما عاد ومثل بين يدي السلطان وأنهى ما اعتمده وخرج من بين يدي ~~السلطان وقبض عليه واعتقل ، وكان السبب في القبض عليهم أن السلطان كان قبل ~~ذلك بأيام قد قبض على سيف الدين جاولجين الخازن أحد المماليك الخاصكية لأمر ~~أنكره منه وعذبه عذابا شديدا فأقر على هؤلاء وغيرهم ، فلما أيس من الحياة ~~أبرأ الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب ، وقال للسلطان إنما ذكرته من ألم ~~الضرب والعقوبة ، وهو بريء مما قلته ، فلا ألقى الله تعالى بذنبه ، وأما من ~~عداه ممن ذكرته فلم أقل عنهم إلا الحق ، ومات رحمه الله تعالى ، وتكلم على ~~الأمير سيف الدين طغاي في جملة من تكلم عليه ، فأثر كلامه فيه بعد ذلك على ~~ما نذكره إن شاء ms7516 الله تعالى وأراد السلطان الإفراج عن الأمير سيف الدين ~~بكتمر الحاجب إثر القبض عليه فلم تقتض سياسة السلطنة ذلك ، لكنه كان موسعا ~~عليه في اعتقاله ورتب له في كل يوم من اللحم خمسة وأربعون رطلا يطبخ له من ~~أفخر الأطعمة ودجاج وحلوى وأقسماء وفاكهة وغير ذلك ، ووهبه السلطان نجارية ~~جميلة من جواريه في معتقله ، فاحتملت منه وولدت له ولده محمدا ولم يمنع في ~~معتقله غير ركوب الخيل والاجتماع بالناس ، وأخبرني أنه كان يكاتب السلطان ~~في اعتقاله ويرد عليه الجواب الخير . ذكر القبض على الأميرين سيف الدين تمر ~~الساقي نائب السلطنة الطرابلسية ، وسيف الدين بهادرآص أحد الأمراء بدمشق ~~وتفويض نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية للأمير سيف الدين كستاي . وفي ~~العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر جهز السلطان الأمير سيف الدين قجليس السلاح ~~دار على خيل البريد ، فوصل إلى دمشق في يوم الخميس رابع عشر الشهر ، وتوجه ~~إلى طرابلس ، وكان الأمير سيف الدين تمر النائب بها قد خرج إلى الصيد ، ~~فوصل إليه وهو بمخيمه وكان قد أرسل إلى الأمير شهاب الدين قرطاي النائب ~~PageV32P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" بحمص أن يوافيه بعكسر حمص في وقت السحر إلى ~~منزلة تمر الساقي . فلما وصل الأمير سيف الدين قجليس إليه أظهر أنه حضر ~~لكشف القلاع ، وشكا من التعب فأنزله في خيمة وأرسل إليه بعض مماليكه ~~ليخدموه ، وأمرهم أن يحفظوا ما يقول ، وكان قد خشي من حضوره ، وأدرك قجليس ~~ذلك ، فشرع يسأل المماليك عن القلاع والحصون ونوابها ، وما يحصل له من ~~جهتهم ، لا يزيدهم على هذا فتوجهوا إلى مخدومهم وأعلموه بمقاله ، فما شك في ~~ذلك ، وطابت نفسه ، واطمأن ونام . بخيمته ، فما طلع الفجر إلا والأمير شهاب ~~الدين قرطاي النائب بحمص والعسكر قد وافاه بالمنزلة ، وأحاطوا بخيمته ~~فقبضوا عليه ، ورجع به الأمير سيف الدين قجليس إلى الأبواب السلطانية ، ~~فوصل إلى دمشق عائدا في بكرة الاثنين ثامن عشر الشهر ، وقبض على الأمير سيف ~~الدين بهادر آص في هذا اليوم ، واعتقل بالكرك ، وتمر الساقي بقلعة الجبل ، ~~وفوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية ms7517 إلى الأمير سيف الدين ~~كستاي أمير سلاح ، فاستعفى من النيابة ، فلم يعف ، فتوجه على كره منه ، ~~ووصل إلى دمشق في ثاني عشر جمادى الأولى يطلبه ، وتوجه إلى طرابلس . وفي ~~مستهل شهر ربيع الآخر رسم السلطان بالإفراج عن الأمير سيف الدين قجماز ~~بتخاص ، وفخر الدين داود ، وحسام الدين جيا أخوي سلار وأنعم على الأمير سيف ~~الدين قجماز ، بتخاص ذلك بإمرة طبلخاناه . وفي يوم الأربعاء تاسع عشر جمادى ~~الأولى وصلت رسل صاحب اليمن الملك المؤيد هزبر الدين داود بالتقادم والتحف ~~والهدايا والخيول وغير ذلك ، فقبلت هديته ، وأنعم على رسله وعليه ، وكتب ~~جوابه وجهز رسوله بما جرت العادة به من الإنعام والهدايا ، والله أعلم . ~~ذكر وصول السيد الشريف أسد الدين رميثة إلى الأبواب السلطانية وتجريد ~~العسكر معه إلى الحجاز الشريف وفي هذه السنة في ثالث جمادى الآخر - وصل ~~الأمير السيد الشريف أسد الدين أبو عرادة رميثة بن أبي نمي من الحجاز ~~الشريف إلى الأبواب السلطانية ، وأظهر التوبة والتنصل والاعتذار من سالف ~~ذنوبه ، وأنهى أنه استأنف الطاعة وسأل العفو عنه ، وإنجاده على أخيه عز ~~الدين حميضة ، فقبل السلطان عذره وعفا عن ذنبه وجرد طائفة من العسكر مقدمهم ~~الأمير سيف الدين دمرخان بن قرمان ، والأمير سيف الدين طيدمر PageV32P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" الجمدار ، فتوجها هما والأمير أسد الدين ~~رميثة إلى الحجاز الشريف في ثاني شعبان ، ورحلوا من بركة الجب في رابعه ، ~~فلما وصلوا إلى مكة - شرفها الله تعالى - ، فارقها حميضة ، فقصدوه وكبسوا ~~أصحابه وهم على غرة فقتلوا منهم ونهبوا ، وفر هو في نفر يسير من أصحابه إلى ~~العراق ، والتحق بخربندا ملك التتار واستنصر به ، فمات خربندا قبل إعانته . ~~ذكر الإفراج عن الأمير جمال الدين آقش الأفرمي وفي يوم الثلاثاء الثامن ~~والعشرين من شهر رجب رسم السلطان بالإفراج عن الأمير جمال الدين آقش ~~الأشرفي المنصوري فأفرج عنه ، وخلع عليه على عادة نواب السلطنة تشريفا أطلس ~~أحمر معدنيا بطرز زركش ، وقباء أطلس أصفر وشاش رقم وكلوتة زركش ، وحياصة ~~ذهبا ، ونزل إلى داره بالقاهرة واتفقت وفاة الأمير حسام الدين ms7518 قرالاجين ~~المنصوري أستاذ الدار في يوم الثلاثاء الثاني عشر من شعبان ، فأنعم السلطان ~~عليه بإقطاعه ، ووفرت وظيفة أستاذ الدارية بعد وفاة قرالاجين ، وقام ~~بالوظيفة الأمير سيف الدين بكتمر أحد نواب أستاذ الدارية ، ونقصت هذه ~~الرتبة عما كانت عليه بعد أن كانت عظمت إلى الغاية التي تقدم ذكرها . وفي ~~أول شعبان من هذه السنة توجهت طائفة من العسكر الحلبي ، والأمير ناصر الدين ~~العين تابي عليهم إلى حصار قلعة آفقين وهي قلعة من أعمال آمد ، فتسلموها من ~~غير قتال ، وقتل أخو مندو وقطع رأسه وعلق على باب القلعة ، وكان الغرض من ~~هذه الإغارة القبض على مندو فلم يوجد هناك ، وأغار العسكر على عدة ضياع ~~للأكراد والأرض ، ويقال إن الخمس بلغ خمسة آلاف رأس غنم وخمسا وعشرين جارية ~~. وفيها في شعبان وصل إلى الإسطبلات السلطانية مهرة تعرف ببنت الكركا كان ~~السلطان قد طلبها من العرب ، وبذل في ثمنها مائتي ألف وسبعين درهم وضيعة من ~~بلاد حماه قيل إنها تقومت على السلطان بستمائة ألف درهم . وفي هذه السنة في ~~ثالث شوال ضربت عنق رجل بدمشق اسمه أحمد الرويس الأقباعي ، وسبب ذلك أنه ~~شهد عليه في شهر رمضان بارتكاب أمور من العظائم من ترك الواجبات ، واستحلال ~~المحرمات ، والتهاون بالشريعة والغض من منصب النبوة ، وثبت ذلك على قاضي ~~القضاة المالكي ، وأعذر إليه فلم يأت يدافع ، عن نفسه فحكم بهدر دمه فقتل . ~~PageV32P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" وفيها في ثالث شعبان توجه السلطان إلى الصيد ~~بجهة الصعيد ، ووقعت النار في غيبته في سابع شهر رمضان في البرج المنصوري ، ~~وطباق السلحدارية . بقلعة الجبل ، واستمرت طول الليل ، ثم أطفئت . وفيها في ~~العشر الآخر من شهر رمضان عادت رسل السلطان من جهة الملك أزبك فتوجه رسل ~~السلطان إليه وهم الأمير سيف الدين أرج ، وحسام الدين حسين بن صارو ، ~~وصحبتهم رسل الملك أزبك فتوجه رسل السلطان إليه إلى الصعيد ، ومثلوا بين ~~يديه ، أعاد السلطان إلى قلعة الجبل بعد أن قضى من الصيد وطرا ، وكان وصوله ~~في ثامن عشرين شوال ، واستحضر رسل الملك أزبك ms7519 ، ورسل الأشكري ، ورسل صاحب ~~ماردين ، وسمع رسائلهم وأعادهم وسير إلى الملك أزبك من جهته الأمير علاء ~~الدين أيدغدي الخوارزمي ، وحسين بن صارو ، وأرسل صحبتهما الهدايا والتحف . ~~وفي ذي القعدة وردت الأخبار إلى الأبواب السلطانية أن طائفة من العسكر ~~الحلبي توجهوا وفتحوا قلعة بقرب ملطية تسمى درنده ، وكان فيها نحو ألف رجل ~~من الأرمن ، فقتلوا بجملتهم ، وأخربت القلعة وغنم المسلمون ما فيها من ~~الأموال ، وسبوا النساء والصبيان . وفي أواخر ذي القعدة أغار سليمان بن ~~مهنا بن عيسى وجماعته من العرب والتتار تزيد عدتهم على ألف فارس على جماعة ~~من التركمان والقريتين وذلك بغير رضا من أبيه . وفي ثامن ذي الحجة ولد ~~لمولانا السلطان الملك الناصر - أعز الله أنصاره - ولد مبارك لم يعلم اسمه ~~، وزفت البشائر لمولده والله أعلم . ذكر ما أمر السلطان بإبطاله من المكوس ~~والمظالم وما أسقطه من أرباب الوظائف وفي شعبان سنة خمس عشرة وسبعمائة ندب ~~السلطان أعيان الأمراء لقياس الديار المصرية وجهز إلى كل عمل أميرا من ~~المقدمين ولبعض الأعمال أمراء ورسم أن لا يستخرج على هذا القياس أجرة من ~~الفلاحين ولا غيرهم ورسم لسائر الأمراء أن يكون عودهم إلى قلعة الجبل بعدما ~~توجهوا بسببه في نصف شوال وتوجه مع كل أمير مستوف من مستوفيي الدولة وتوجه ~~السلطان إلى الصعيد الأعلى ورتب الأمراء PageV32P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" والكتاب في أعمال الوجه القبلي في مسيرة ~~وأظهر الاحتفال بذلك والاهتمام به فانتهت مساحة الديار المصرية أجمع وتحرير ~~نواحيها في نحو أربعين يوما فإن الشروع في ذلك حصل في مستهل شهر رمضان ~~والعود إلى أبواب السلطان والوصول إلى قلعة الجبل في نصف شوال وأعان على ~~سرعة ذلك تقسيم البلاد شققا ، ولما تكامل هذا الكشف أمر السلطان القاضي فخر ~~الدين ناظر الجيوش ومن عنده من المباشرة ونظار النظار والمستوفين بالانتصاب ~~لتحرير ذلك ورتبه على ما اقتضاه رأيه الشريف وهم بين يديه فانتهى العمل ~~وكتابة الأمثلة في ذي الحجة من السنة فعند ذلك جلس السلطان لتفرقة الأمثلة ~~بين يديه وجعل لكل أمير بلادا معينة ms7520 وأضاف إليه جميع ما في بلاده من الجيوش ~~السلطانية والجوالي وغير ذلك فصارت البلاد لمقطعيها دربستا وكذلك جهات ~~الحلقة وأفرد لخاصيه بلادا ولحاشيته بلادا مقررة مرصدة لجامكياتهم ، ~~ولجامكيات نظار الدولة ومباشري الباب جهات مقررة لهم وكذلك أرباب الرواتب ~~وجعلت سائر المعاملات بمصر والقاهرة في جملة الخاصة وكان هذا برأي تقي ~~الدين ناظر النظار المعروف بكاتب برلغي وترتيبه فأخرج عن الخاص الجوالي ~~التي ما زال الملوك يجعلونها مرصدة لمأكلهم لتحقق حلها ، وجعلها في الأقطاع ~~وأرصد لراتب السماط السلطاني ونفقات البيوتات ودار الطراز ومشتري الخزانة ~~جهات المكس التي ما زال الملوك يحذرونها وأكثر المقطعين يتنزهون عنها ~~ويستعفون من أخذها والذي تحققته من أمره وغرضه في هذا الترتيب أنه من ~~مسالمة القبط ممن أكره على الإسلام فأظهره وجرت عليه أحكامه وكان ميله ~~ورغبته واحتفاله بالنصارى ، فأراد تخفيف الجالية عنهم فجعلها في جملة ~~الأقطاع فانتقل كثير من النصارى من بلد إلى آخر فتعذر على مقطع بلده الذي ~~انتقل منه طلبه من البلد الذي انتقل إليه وإذا طالبه مباشرو البلد الذي ~~انتقل إليها اعتذر أنه ليس من أهل بلدهم وأنه ناقله إليه فضاعت الجوالي ~~بسبب ذلك واحتاج مقطعو كل جهة إلى مصالحة من بها من النصارى النوافل على ~~بعض الجوالي فأخبرني بعض PageV32P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" العدول الثقات شهود دواوين الأمراء أنهم ~~يستأدون من النصراني أربعة دراهم ونحوها ، وكانت قبل ذلك ستة وخمسين درهما ~~ولما كانت الجوالي جارية في الخاص السلطاني كانت الحشار تسافر إلى سائر ~~البلاد ويستأدونها منسوبة إلى جهاتها ، وإذا وجد نصراني في ثغر دمياط وهو ~~من أهل أسوان أو من أهل حلب أو عكس ذلك أخذت منه الجزية في البلد الذي يوجد ~~به ، ويكتب المباشرون بها له وصلا فيعتد له ببلده ويأخذ من كل بلدة منسوبة ~~إلى جهتها ، فانفرط ذلك النظام وهي الآن على تقريره ، ولعمري لو ملك هذا ~~التقي المسلماني البلاد وعليه جريان اسم الإسلام ما تمكن أن يحسن إلى ~~النصارى ، ويخفف عنهم بأكثر من هذا . وأبطل السلطان في هذه السنة عند ms7521 عدم ~~الروك جملة عظيمة من الأموال المنسوبة إلى المكوس والمظالم ، منها سواحل ~~الغلال وكان يتحصل منها بساحلي مصر والقاهرة نحو أربعة آلاف درهم نقرة ~~وأبطل نصف السمسرة ورسوم الولاية ونوابهم والمقدمين وتقرير الحوايص والنعال ~~وحق السجون وطرح الفراريج ، ومقرر الفرسان ورسوم الأفراح ، وثمن العبي التي ~~كانت تستأدى من البلاد ، ومقرر الأتبان التي كانت تؤخذ لمعاصر الأقصاب بغير ~~ثمن وحماية المراكب وزكاة الرجالة بالديار المصرية ، وغير ذلك من المظالم ~~سطر الله هذه الحسنات في صحيفته ورسم بالمسامحة بالبواقي الديوانية ~~والإقطاعية إلى آخر مغل سنة أربع عشرة وسبعمائة ، ورسم بإسقاط وظيفتي النظر ~~والاستيفاء من سائر أعمال الديار المصرية ، ورسم أن يستخدم في كل بلد من ~~بلاد الخاص شاهد وعامل ، ورتب بالقاهرة ناظر الجهات الهلالية ولمصر ناظرا ، ~~ثم استخدم في بعض الأعمال النظار ، وجعل هذا الروك الهلالي لاستقبال صفر ~~سنة ست عشرة وسبعمائة والخراجي لاستقبال مغل سنة خمس عشرة وسبعمائة ورسم ~~بإسقاط متوفر الجراريف السلطانية ، وأن يرصد جميعها لعمل الجسور ، وكان ~~يتوفر منها بعد عمل الجسور أموال جليلة كثيرة . وفي سنة خمس عشرة وسبعمائة ~~توفي الشيخ العالم القاضي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن ~~عبد السلام بن جميل العونسي المالكي بالقاهرة ، PageV32P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" في ليلة الاثنين الحادي والعشرين من صفر ، ~~ودفن بالقرافة ، ومولده في سنة تسع وثلاثين وستمائة ، وكان قد ولي قضاء ~~الاسكندرية ، وكان قبل ذلك ينوب عن الحكم بالحسينية عن قاضي القضاة زين ~~الدين المالكي ، وهو أول من درس من المالكية بالمدرسة المنكوتمرية بالقاهرة ~~، وكان من علماء مذهبه ومن الفضلاء المشهورين رحمه الله تعالى وإيانا . ~~وتوفي الصدر الرئيس شرف الدين أبو عبد الله محمد ابن العدل الرئيس جمال ~~الدين أبي الفضل محمد بن أبي الفتح نصر الله بن المظفري أسعد بن حمزة بن ~~أسعد بن علي بن محمد التميمي الدمشقي بن القلانسي ، وكانت وفاته بداره ~~بدمشق ، في ليلة السبت الثاني عشر من صفر ، ودفن من الغد بقاسيون بمقبرة ~~بني صصرى ، ومولده بدمشق في السابع والعشرين من شعبان ms7522 سنة ست وأربعين ~~وستمائة ، وكان رحمه الله تعالى من أكابر أعيان دمشق ، رافقته مدة تزيد على ~~سنتين ونصف في ديوان الخاص الناصري بدمشق ، وكان حسن العشرة والرفقة ، كثير ~~الاحتمال والإغضاء والحياء والسكون ، ولما انفصلت عن المباشرة ، وعدت إلى ~~الديار المصرية . ما زالت كتبه ترد تدل على استمرار مودته ، وجميل تعهده ، ~~وتصل إلى هداياه وهو ممن سعد في أولاده ، فإنهم من نجباء الأبناء ورؤساء ~~الشام أبقاهم الله تعالى ورحم والدهم . وتوفي الشيخ العالم صفي الدين محمد ~~بن عبد الرحيم بن محمد الأرموي ، المعروف بالهندي الشافعي ، بمنزله ~~بالمدرسة الظاهرية بدمشق في ليلة الثلاثاء ثالث عشرين صفر ، ودفن من الغد ~~بمقابر الصوفية ، ومولده في ليلة الجمعة ثالث شهر ربيع الآخر سنة أربع ~~وأربعين وستمائة وكان رجلا فاضلا ، وله تصانيف مفيدة في الأصول ، رحمه الله ~~تعالى . وتوفي الأمير عز الدين الحسين بن عمرو بن محمد بن صبرة بطرابلس ، ~~وكان قد نقل إليها من دمشق ، وكانت وفاته في يوم الاثنين تاسع عشر شهر رجب ~~، وكان قبل ذلك ولي حجبة الشام مدة ، وكان حسن العشرة كثير البسط رحمه الله ~~. وتوفي الأمير بدر الدين موسى ابن الأمير سيف الدين أبي بكر محمد الأزكشي ~~، بداره بميدان الحصى ظاهر دمشق ، في يوم الجمعة ثامن شعبان ، ودفن عند ~~القبيبات ، PageV32P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" وكان أميرا شهما شجاعا مقداما ، أظهر في مصاف ~~مرج الصفر عن شهامة وفروسية وإقدام ، وكان يومئذ من مقدمي الحلقة المنصورة ~~الشامية فلما شاهد السلطان فعله أمره بطبلخاناه ، وولاه نيابة قلعة الرحبة ~~رحمه الله تعالى . وتوفي قاضي القضاة تقي الدين أبو الفضل سليمان بن حمزة ~~بن أحمد بن عمر ابن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي قاضي ~~الحنابلة بدمشق في ليلة الاثنين الحادي والعشرين من ذي القعدة بعد صلاة ~~المغرب بمنزله بقاسيون ، ودفن بكرة الاثنين بتربة جده ، ومولده في نصف شهر ~~رجب سنة ثمان وعشرين وستمائة ، وكان رحمه الله تعالى حسن الأخلاق ، غزير ~~الفضيلة ، سمع الحديث وأسمعه . واستهلت سنة ست عشرة وسبعمائة بيوم الجمعة ~~في هذه ms7523 السنة في يوم السبت الثالث والعشرين من المحرم الموافق للثاني ~~والعشرين من برمودة من شهور القبط بعد العصر سمع بالقاهرة هدة عظيمة تشبه ~~الصاعقة ورعد وبرق ، ووقع مطر كثير وبرد على قلعة الجبل والقاهرة وضواحيها ~~ولم يكن مثل ذلك بمصر ، وقع مطر كثير بمدينة بلبيس حتى خرب كثيرا من ~~البنيان بها ، وكان ذلك كله في مضي ساعة ونصف ساعة . وفي هذه السنة فوض ~~قضاة القضاء الحنابلة بدمشق إلى شمس الدين أبي عبد الله محمد ابن الشيخ ~~الصالح محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع الحنبلي أعاد الله من بركته ووصل ~~إليه بتقليد القضاء من الأبواب السلطانية في يوم السبت ثامن صفر ، وقرئ ~~بجامع دمشق بحضور القضاة والأعيان ، وخرج القاضي شمس الدين المذكور من ~~الجامع ماشيا إلى دار السعادة ، فسلم على نائب السلطنة ثم نزع الخلعة ~~السلطانية وتوجه إلى جبل الصالحية ، وجلس للحكم في سابع عشر صفر وما غير ~~هيئته ولا عادته في مشيه وحمل حاجته ، ويجلس للحكم على مئزر غير مبسوط ، بل ~~يضعه بيده ويجلس عليه ، ويكتب في محبرة زجاج ، ويحمل نعله بيده فيضعه على ~~مكان ، وإذا قام من مجلس الحكم حمله بيده أيضا حتى يصل إلى آخر الإيوان ~~فيلقيه ويلبسه ، هكذا أخبرني من أثق بأخباره ، واستمر على ذلك ، وهذه عادة ~~السلف . PageV32P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" ذكر حادثة السيول والأمطار ببلاد الشام وما ~~أثر ما وقع من العجائب التي لم تعهد وفي هذه السنة في أوائل صفر وقع بالشام ~~مطر عظيم على جبال قارا وبعلبك ، وعلى مدينة حمص والمناصفات ، وامتد إلى ~~بلاد حماه ، وحلب ، وسقط مع المطر برد كبار ، البردة منها قدر النارنجة ~~وأكثر منها وأصغر ، ووزن بعضها بعد يومين أو ثلاثة فكان وزن البردة ثلاث ~~أواقي بالشامي ، وجرى من ذلك المطر سيل عظيم من سائر تلك الجبال ، وملأ ~~الأودية وتحامل وجاء على جوسية إلى قرية الناعمة وقدس ، وانصب في بحرة حمص ~~ففاضت منه ، ومر السيل بقرية جسمل ، وهي بالقرب من الناعمة ، فاقتلعها ~~بجميع ما فيها من الغلال والحواصل ، وأهلك أهل ms7524 القرية ، ولم يسلم منهم إلا ~~خمسة أنفس : ثلاثة رجال وصبي وصبية وكانت سلامتهم من الغرائب ، وذلك أنهم ~~وجدوا ثورا عائما في السيل فتعلق رجلان بقرنيه ، وركب الصبي والصبية على ~~ظهره ، ثم أدركه رجل ثالث فتعلق بذنبه ، وحملهم الثور وهو عائم إلى أن ~~انتهوا إلى أرض جلدة مرتفعة ، فوقفوا عليها وسلموا ، وحمل هذا السيل عدة ~~كثيرة من خركاهات التركمان ، وبيوت العرب والأكراد الذين بتلك الأرض ، ~~فاحتملهم وأهلكهم ، وأهلك مواشيهم ، وألقاهم ببحرة حمص ، وعلق خلق كثير من ~~الغرقاء والدواب بأشجار جوسية لما مر بهم السيل عليها . وأما البرد الذي ~~سقط فإن معظمه وقع في واد بين جبلين فملأه ، وبقي كذلك مدة ، وخرج إليه ~~الولاة والقضاة من حمص وبعلبك وشاهدوه ، هكذا نقل الأمير جلال الدين الصفدي ~~أحد الأمراء البريدية بالديار المصرية ، وكان قد توجه إلى الشام في بعض ~~المهمات السلطانية ، وهو ثقة فيما ينقله . وأخبرني الأمير العدل علاء الدين ~~أيدغدي الشهرزوري أستاذ دار الأمير شمس الدين قراسنقر المصري - وهو عدل ثقة ~~في أجناده - أن كتاب والده شهاب الدين أحمد وصل إليه من حلب أنه وقع إليه ~~في التاريخ المذكور مطر عظيم على مدينة غرار ، وهو المطر الذي تقدم ذكره ، ~~وأنه سقط مع المطر سمك كبار وصغار ، وجمع منه شيء كثير وأكل ، وأن المطر ~~الذي وقع في التاريخ على بلد سرمين وحارم سقط فيه ضفادع فيها الروح باقية ، ~~وأنه شاهد ذلك . PageV32P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" ذكر تفويض إمرة العرب بالشام للأمير شجاع ~~الدين فضل وانفصال الأمير حسام الدين مهنا ، ودخوله إلى بلاد التتار وعوده ~~وإعادة الإمرة إليه وفي شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وسبعمائة فوض السلطان ~~الملك الناصر إمرة العرب بالشام للأمير شجاع الدين فضل ابن الأمير شرف ~~الدين عيسى بن مهنا ، وخلع عليه تشريفا أطلس معدنيا بطرد وحش ، على عادة ~~أخيه مهنا ، وأقطعه خبز مهنا ، وعاد إلى الشام ، وكان وصوله إلى دمشق في ~~يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر ربيع الآخر ، وأقام بدمشق إلى يوم الخميس غرة ~~جمادى الأولى ، وتوجه إلى بلاده . وسبب ذلك ms7525 أن الأمير حسام الدين مهنا كان ~~قد امتنع من الحضور إلى الأبواب السلطانية منذ أعان الأمير شمس الدين ~~قراسنقر المنصور ووافقه كما تقدم ، وعلم أنه أسلف ذنبا كبيرا ، وجرما عظيما ~~لا يتجاوز الملوك عن مثله ، فخاف على نفسه إن هو حضر أن يقابل على ذلك ~~بالقتل وإن شمله الإحسان فالاعتقال ، واجتهد السلطان في ملاطفته ، والإحسان ~~إليه وتأمينه ، وزيادة في الإقطاعات ، وشموله بالإنعام ، ووسع على أولاده ~~وأهله وألزامه في الإنعامات والإطلاقات والزيادات ، وفعل في ذلك ما لم ~~يفعله ملك قبله مع أمثالهم ، وراسله مرارا فلم يزدد إلا تماديا على إصراره ~~، فلما آيس منه جعل الإمرة لأخيه الأمير شجاع الدين هذا ، وتوجه الأمير ~~حسام الدين مهنا إلى العراق ، وتلقي من جهة التتار وأكرم غاية الإكرام ~~ببغداد ، ثم توجه إلى الأردو واجتمع بالملك خربندا فأكرمه وأحسن إليه ~~وأقطعه ، وخيره في المقام ببلاده أو العود ، فاختار العود إلى الشام لإصلاح ~~ذات البين ، وعاد واجتاز الفرات في شهر رمضان ، ونزل بالقرب من أخيه فضل ، ~~ووصل أخوه الأمير شمس الدين محمد بن عيسى إلى الأبواب السلطانية في سنة سبع ~~عشرة ، وأخبره بمراجعة الأمير حسام الدين أخيه الطاعة ، فأنعم عليه بجملة ~~عظيمة من الأموال ، وكذلك على أخيه الأمير حسام الدين مهنا ، وكتب تقليده ~~بالإمرة على عادته ، وجهز إليه وقرينه الخلع ، وذلك في أوائل شهر ربيع ~~الأول سنة سبع عشرة وسبعمائة . PageV32P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" وفي يوم الاثنين السادس والعشرين من جمادى ~~الأولى سنة ست عشرة - ولي قاضي القضاة نجم الدين أحمد بن صصرى مشيخة الشيوخ ~~بدمشق ، وجلس بالخانقاة السميساطية ، وقرئ تقليده ، وكانت ولايته بسؤال ~~الصوفية لذلك ، وذلك بعد وفاة شيخ الشيوخ السيد الشريف شهاب الدين أبي ~~القاسم محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الكاشغري ، وكانت وفاته في يوم ~~الاثنين تاسع عشر الشهر المذكور رحمه الله تعالى . ذكر وفاة الأمير سيف ~~الدين كستاي نائب السلطنة بالفتوحات وتفويض نيابة السلطنة بالمملكة ~~الطرابلسية وحمص والكرك لمن يذكر كانت وفاة الأمير سيف الدين كستاي نائب ~~السلطنة بالمملكة الطرابلسية في ليلة الأربعاء ms7526 تاسع عشرين جمادى الآخرة ~~بطرابلس ، ودفن بها ، وكانت مدة مرضه نحو عشرين يوما ، وكان قبل ذلك قد ~~توجه من طرابلس لكشف المملكة الطرابلسية وما هو مضاف إليها من الحصون ، ~~وأظهر النزاهة عن قبول تقادم النواب ، فكان من قدم له شيئا من الخيل ~~والقماش عرضه وأمر بكتابته ، وأعاده على من قدمه ، ولما سمع نواب الحصون ~~بذلك أكثروا في التقادم ، وأرادوا بذلك التجمل عنده ، وعلموا أن ذلك يعود ~~إليهم ، وكان من عزم على تقدمة شيء ضاعفه ، واستعار بعضهم من بعض ، ولم يزل ~~الأمر على ذلك إلى أن وصل إلى ثغر لاذقية ، وهو آخر العمل ، فقدم له الأمير ~~بدر الدين بكتوت التاجي مقدم العسكر بالثغر تقدمة جليلة من الأقمشة ~~والبخاتي وغير ذلك ، وتجمل وظن أن ذلك يعاد إليه كما أعيد على غيره ، فقبل ~~جميع ذلك وقال : أنت خوشداشي ولا يليق أن أرد عليك ، ولما عاد من لاذقية مر ~~على واد هناك به عدة من البخاتي للأمير بدر الدين بكتوت التاجي المذكور ، ~~فانتقى ثلاثين بختيا من خيارها ، وأرسل إليه يقول : إنني مررت على جمالك ~~وأخذت منها خمسة قطر لضرورة التقدمة للسلطان ، فأرسل ولدك لتقرير ثمنها ~~وقبضه . ثم كتب إلى سائر من كان قد قدم له تقدمة يطلبها بجملتها ، وكان من ~~استعار من النواب قماشا من صاحبه قد أعاده عليه ، فاضطروا إلى إرسال قصادهم ~~إلى حماه وغيرها ، لابتياه عوض ما كانوا استعاروه وكملوا تقادمهم وأرسلوها ~~إليه ، وحصل لهم الضرر بذلك ، ولم تطل PageV32P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" مدته بعد ذلك ووعد الجميع في تركته ، وكانت ~~تركة طائلة ، وورثه أخواه الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح ، وسيف الدين ~~أولاق وزوجته ، ولم يتعرض السلطان من تركته إلى شيء . ولما مات فوض السلطان ~~نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات للأمير شهاب الدين قرطاي ~~الصالحي العلائي . نقله من نيابة حمص إليها ، وفوض نيابة السلطنة بحمص ~~للأمير سيف الدين أرقطاي الجمدار أحد مقدمي الألوف بدمشق ، فتوجه إليها في ~~يوم الأحد السابع من شهر رجب ، واستناب بالكرك الأمير سيف الدين طقطاي ~~الناصري ، أحد الأمراء ms7527 بدمشق ، فتوجه في شهر رجب ، ونقل الأمير سيف الدين ~~بيبغا الأشرفي من نيابة الكرك إلى الإمرة بدمشق ، وجعله من أمراء المائة ~~مقدمي الألوف بها . ذكر تجريد العسكر إلى النوبة وملك عبد الله برشنبوا ~~النوبة ، ومقتله وفي شهر رجب الفرد سنة ست عشرة وسبعمائة رسم بتجريد طائفة ~~من الأمراء إلى بلاد النوبة ، وهم : الأمير عز الدين أيبك الجهادكسي عبد ~~الملك ، وهو المقدم على العسكر ، والأمير صلاح الدين طرخان ابن الأمير ~~المرحوم بدر الدين بيسري ، والأمير علاء الدين علي الساقي ، والأمير سيف ~~الدين قيران الحسامي ، كل أمير منهم بنصف عدته ، ورسم أن يكون سفرهم في ~~العشرة الآخرة من شعبان ، فبرزوا من القاهرة مطلبين في يوم الاثنين الثالث ~~والعشرين من شعبان من السنة ، وصحبتهم سيف الدين عبد الله برشنبوا النوبي ، ~~وهو ابن أخت داود ملك النوبة ، وكان قد ربي في البيت السلطاني من جملة ~~المماليك السلطانية ، فرأى السلطان أن يقدمه في ذلك الوقت على أهل بلاده ~~ويملكه عليهم ، واتصل خبر هذه الحادثة بالملك كرنبس متملك النوبة ، فأرسل ~~ابن أخته كنز الدولة ابن شجاع الدين نصر بن فخر الدين مالك بن الكنز إلى ~~الأبواب السلطانية ، وسأل شموله بالإنعام السلطاني في توليته الملك ، وقال ~~: إذا كان يقصد مولانا السلطان بأن يولي البلاد لمسلم ، فهذا مسلم وهو ابن ~~أختي والملك ينتقل إليه بعدي ، فوصل كنز الدولة إلى الأبواب السلطانية فلم ~~يجب إلى ما طلب ، ورسم السلطان بمنعه من العود إلى بلاده ، فأقام بالأبواب ~~السلطانية ، وتوجه العسكر وصحبته عبد الله برشنبوا ، فلما وصلوا إلى دنقلة ~~فارقها متملكها كرنبس وأخوه إبرام ، وتوجها إلى جهة الأبواب ، واستجار ~~كرنبس متملكها فقبض عليه ، وتركه في PageV32P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" جزيرة ، وكتب إلى مقدم العسكر فخبره أنه قبض ~~عليه وعلى أخيه واحترز عليها ، وسأل أن يسير إليه من يتسلمهما فسير إليه ~~جماعة من رجال الحلقة ، فتسلموهما وأحضروا إلى الأبواب السلطانية تحت ~~الاحتياط ، واعتقلا ، وملك عبد الله برشنبوا دنقلة ، واستقر ملكه ، وعاد ~~العسكر إلى القاهرة . فكان وصوله في جمادى الأولى سنة سبع عشرة وسبعمائة ms7528 ، ~~ولما وصل متملك النوبة وأخوه إلى الأبواب السلطانية سأل كنز الدولة الإذن ~~له في العود إلى ثغر أسوان ، وأنهى أن له بالثغر سواقي وعليه خراجا للديوان ~~السلطاني ، فرسم بعوده إلى بلده ، فتوجه إلى الثغر ثم توجه منه إلى جهة ~~دنقلة ، وكان عبد الله برشنبوا لما ملك غير قواعد البلاد ، وتعاطى نوعا من ~~الكبر لم تجر عادة ملك النوبة بمثله ، وعامل أهل البلاد بغلظة وشدة ، ~~فكرهوا ولايته . فلما قصدهم كنز الدولة ووصل إلى بلد الدو - وهي أول بلاد ~~النوبة - استقبله أهل البلاد بالطاعة وحيوه بتحية الملك ، وهي قولهم : ~~موشاي موشاي ، وهذه لفظة لا يخاطب بها غير الملك ، وانضموا إليه ودخلوا تحت ~~طاعته ، فتقدم إلى دنقلة ، فخرج إليه برشنبوا والتقوا ، فقتل برشنبوا ، ~~وملك كنز الدولة بلاد النوبة إلى أنه لم يضع تاج الملك على رأسه رعاية لحق ~~أخواله ، وتعظيما لهم ، وحفظا لحرمتهم . ووصل الخبر إلى الأبواب السلطانية ~~بقتل برشنبوا في شوال سنة سبع عشرة وسبعمائة ، فعند ذلك رسم السلطان ~~بالإفراج عن إبرام أخي كرنبس وأرسله إلى النوبة ، وأمره أن يحتال في القبض ~~على ابن أخته كنز الدولة وإرساله إلى الأبواب السلطانية ، ووعده أنه إذا ~~فعل ذلك أفرج عن أخيه كرنبس وملكه وأرسله ، وتوجه إبرام إلى دنقلة فاستقبله ~~ابن أخته كنز الدولة بالطاعة ، وسلم إليه الملك ، وصار في خدمته ، وخرجا ~~لتمهيد البلاد مما يلي ثغر أسوان ، فلما قرب إلى الدو قبض إبرام على الكنز ~~الدولة وقيده ، وعزم على إرساله ، فمرض إبراهم وهلك بعد ثلاثة أيام من حين ~~القبض على ابن أخته ، فاجتمع أهل النوبة على كنز الدولة وملكوه عليهم ، ~~فملك البلاد حينئذ ولبس تاج الملك ، واستقل بالمملكة ، وضم إليه العرب ~~واستعان بهم على من ناوأه ، وكان من خبره بعد ذلك ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى في مواضعه على ما نقف عليه . ذكر تجريد العسكر إلى العرب ببرية عيذاب ~~ودخوله إلى بلاد هلنكة وغيرها وعوده وفي سنة ست عشرة وسبعمائة أمر السلطان ~~بتجريد جماعة من العسكر إلى جهة الصعيد ، وأن يتوجهوا خلف العرب ms7529 حيث كانوا ~~من البرية . فجرد الأمير علاء الدين PageV32P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" مغلطاي أمير مجلس وهو المقدم على الجيش ، وهو ~~من جملة مقدمي الألوف ، والأمير عز الدين أيدمر الدوادار ، والأمير علم ~~الدين سنجر الدميثري ، والأمير علاء الدين علي ابن الأمير شمس الدين ~~قراسنقر المنصوري ، والأمير سيف الدين بهادر التقوي ، والأمير سيف الدين ~~الدمياطي ، والأمير صارم الدين الجرمكي ، والأمير سيف الدين طقصبا متولي ~~الأعمال القوصية والإخميمية ، وسبعة من مقدمي الحلقة المنصورة ، وتوجهوا في ~~نحو خمسمائة فارس ، وكان رحيلهم من القاهرة في يوم الأربعاء العشرين من ~~شوال من السنة ، وكان سبب ذلك أن العربان ببرية عيذاب قطعوا الطريق على ~~رسول اليمن الواصل إلى الأبواب السلطانية ، وأخذوا ما كان معه من التقادم ~~ومن رافقه من غلمان التجار ، والذي حملهم على ذلك أن الأمير سيف الدين ~~طقصبا متولي الأعمال القوصية اعتقل فياضا أمير هذه الطائفة من العرب ، ~~فحملت أصحابه الحمية على فعل ذلك ، فلما اتصل فعلهم بالأبواب السلطانية جرد ~~هذا العسكر في طلبهم ، ورسم أن يتوجهوا إلى مدينة قوص ويتوجهوا منها إلى ~~البرية ويتبعوا العرب حيث كانوا ، فأخبرني الأمير عز الدين الدوادار أحد ~~الأمراء الذين توجهوا - وهو الثقة في أخباره - أنهم توجهوا في التاريخ ~~المذكور حتى انتهوا إلى مدينة قوص ، فأقاموا بظاهرها خمسة وخمسين يوما ، ~~وفي مدة مقامهم توجه متولي الأعمال ، والأمير صارم الدين الجرمكي إلى ~~البرية ليجتمعا بالعربان في رد ما أخذوه من الأموال ، ومراجعة الطاعة ، ~~فاجتمعا بهم ولم تتهيأ الموافقة على ما أرادوا ولما توجها طولع السلطان ~~بتوجههما وأن العسكر تأخر لقلة الظهر وسعة البرية ، وقلة الماء ، وجهز بذلك ~~الأمير بدر الدين بكتمش الحسامي أحد مقدمي الحلقة المنصورة . فلما وصل إلى ~~الأبواب السلطانية حصل من السلطان الإنكار الشديد بسبب تأخر العسكر عن دخول ~~البرية ، فعندها توجه العسكر من مدينة قوص في العشر الأول من المحرم سنة ~~سبع عشرة ودخلوا إلى البرية فانتهوا إلى ثغر عيذاب في خمسة عشر يوما ، ~~واجتمع العسكر بالأميرين سيف الدين طقصبا ، وصارم الدين الجرمكي بعيذاب ، ~~وأقاموا بها اثني عشر ms7530 يوما ، وكان متولي الأعمال قد استصحب معه فياضا أمير ~~العرب الذي كانت الفتنة بسبب اعتقاله ، ثم رحل الجيش من ثغر عيذاب ، وساروا ~~حتى انتهوا إلى سواكن في اثني عشر يوما يسلكون رؤوس الجبال والأوعار ، وحصل ~~لهم ضرر كثير بسبب المياه وقلتها حتى كادوا يهلكون في ماء منها يقال له ~~دنكنام ، فإن العربان كانوا قد غوروا المياه أمام العسكر ، فأقام الجيش ~~أربعة أيام ، PageV32P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" ووصل إلى ذلك الماء في اليوم الخامس ، فوجدوا ~~جفارا واحدا وهو متغير اللون والطعم والريح ، فبينما هم كذلك إذ قدمت كشافة ~~العسكر وكانوا قد قدموا من يستقرئ لهم خبر تلك الجبال علهم يجدون ماء ، ~~فأخبروهم أنهم وجدوا مياه الأمطار بتلك الجبال فرحلوا من هناك وقت المغرب ، ~~وانتهوا إلى مياه قد اجتمعت من الأمطار ، فأقاموا بها بقية تلك الليلة إلى ~~نصف النهار من اليوم الثاني ، وحملوا منها وارتحلوا حتى انتهوا إلى سواكن ، ~~فخرج إليهم متملكها بالطاعة والانقياد إلى أوامر السلطان ، وقرر على نفسه ~~قطيعة يحملها إلى الأبواب السلطانية في كل سنة ، وهي من الرقيق ثمانون رأسا ~~، ومن الجمال : ثلاثمائة رأس ، ومن العاج : ثلاثون قنطارا ، واستقر بسواكن ~~نيابة عن السلطنة ، وأقام العسكر بسواكن ستة أيام ، واستصحب معه أولاد مهنا ~~، وكان فضل أحد مقدمي العربان قد التحق بالعسكر فيما بين سواكن وعيذاب ~~وصحبهم ، وتوجه الجيش خلف العربان ودخلوا البرية يتبعون آثارهم ، فساروا ~~سبعة عشر يوما ، وفي أثناء مسيرهم ظفروا بطوائف من السودان بقرب المياه في ~~أودية هناك ، فقتل العسكر منهم ، وأسر وسبى وغنم من مواشيهم من الأبقار ~~والأغنام ما ارتفق به الجند ، وانتهوا إلى وادي إيتريب في اليوم السابع عشر ~~، فأقاموا بها يومين ، ولم يجدوا من سواكن إلى هذا الوادي غير ماء واحد ، ~~وكان شربهم من مياه الأمطار ، وأمطرت البرية في غير الوقت المعتاد ، لطفا ~~من الله تعالى بعباده وإبقاء عليهم . ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى أرنيباب ~~وهو جبل صغير على شاطئ نهر أتبرا وهو فرع من فروع نيل مصر يخرج من بلاد ~~الحبشة ، فأقاموا عليه يوما ms7531 واحدا ، ثم توجهوا يتبعون آثار الغرماء وهم ~~يسيرون على شاطئ ذلك النهر ثلاثة أيام والنهر على يمين العسكر ، ثم فوزوا ~~ودخلوا البرية إلى أرض التاله فانتهوا في اليوم الثالث من يوم دخولهم ~~المفازة إلى جبل كشلاب وهو جبل أقرع ليس في تلك البرية غيره ، وجبل ألوس ~~وبين الجبلين واد ، وهذا الجبل هو حد بلاد التاله من الحبشة ، فلما وصلوا ~~إليه وقد قربوا من الماء ، وهم في أرض صفراء التربة تشبه أرض بيسان من غور ~~الشام ، وهي كثيرة الأشجار من السنط وأم غيلان وشجر الأهليلج والأبنوس ~~والبقس والحمر وهو الذي يطرح التمر هندي ، إذ طلع عليهم غبار أمامهم ، ~~فندبوا من يكشف الخبر ، فعاد الكشافة وأخبروهم أن طائفة من السوادن تسمى ~~هلنكة قد اجتمعوا لقتال العسكر ، وهم خلق كثير ، فتقدم العسكر إليهم وقد ~~عبؤوا أطلابهم ، ولبسوا لأمة حربهم ، واجتمع العسكر في أرض خالية من ~~الأشجار ، وهي من طرق السيول وقد صارت مثل PageV32P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" البركة ولها فجة يدخل العسكر منها ، فتبعهم ~~الأثقال فسدت جمال أثقالهم تلك الفجة ، وهلنكة من أعلا البركة وبأيدي هلنكة ~~الحراب والمزاريق والسيوف ، ومع بعضهم النبل ، فوقف العسكر وأرسل إليهم : ~~إنا لم نأت لقتالكم وإنما جئنا في طلب طائفة من العرب أفسدوا وعصوا وقطعوا ~~السبيل ، وأمنوهم ، فردوا الأمان وأبوا إلا القتال ، فقاتلهم العسكر ورموهم ~~رشقا واحدا واحدا بالسهام ، فقتل من هلنكة أربعمائة وستون نفرا ، وجرح منهم ~~خلق كثير ، ولم يتمكن العسكر من أسرهم فإنهم كانوا يرون القتل أحب إليهم من ~~الأسر ، وقتل منهم اثنان من ملوكهم على ما حكاه من اجتمع بهم من غلمان ~~العسكر ، وكان سبب اجتماعهم بهم وسلامتهم منهم أنهم كانوا انقطعوا وراء ~~العسكر وناموا ، فلحقهم كشافة هلنكة فمسكوهم وأتوا بهم إلى أكابرهم ، ~~فسألوهم من أين أنتم ؟ وكان فيهم من يعرف لغة القوم ، فقالوا : نحن تجار ~~أغار علينا هذا العسكر ونهبونا ، وأخذوا أموالنا وأسرونا . فلما قاتلتموهم ~~هربنا منهم ، فرقوا لهم وأطلقوهم ، وذكروا لهم عدة من قتل منهم . ولما ~~انهزمت هذه الطائفة من هلنكة تحصنوا بالأشجار وتركوا ms7532 أحمالهم فأخذ العسكر ~~منها ما قدروا على حمله من الذرة - وليس لهم طعام غيرها - وحملوا حاجتهم من ~~الماء ورجعوا من هناك من يومهم على آثارهم ، وذلك في سادس شهر ربيع الأول ~~سنة سبع عشرة ، وعادوا حتى انتهوا إلى أرنيباب ، ولم يمكنهم الرجوع على ~~الطريق الذي دخلوا منه لقلة المياه والأقوات والعلوفات ، فعدلوا إلى جهة ~~الأبواب من بلاد النوبة ، وأخذوا على نهر أتبرا فساروا على شاطئه عشرين ~~يوما ، وكانت دوابهم ترعى من الحلفاء ، ثم انتهوا إلى قبالة الأبواب ~~فأقاموا هناك يوما وتوجه سيف الدين أبو بكر بن والي الليل في الرسلية من ~~جهة متولي الأعمال القوصية الأمير سيف الدين طقصبا إلى متملك الأبواب ، ~~فخاف ولم يأت إلى العسكر ، وأرسل إليهم بمائتي رأس بقر وأغنام وذرة ، ونهب ~~العسكر ما وجوده بتلك الجهة من الذرة ، وتوجهوا إلى مدينة دنقلة في سبعة ~~عشر يوما في أرض كثيرا الأشجار والأفيلة والقرود والنسانيس والوحش الذي ~~يسمى المرعفيف ، فأقاموا ثلاثة أيام - وملكها عبد الله برشنبوا كما تقدم - ~~وأضاف العسكر وزودهم ، وتوجهوا إلى ثغر أسوان ثم إلى مدينة قوصي ، وأقاموا ~~بها خمسة عشر يوما ، وحصل للعسكر في هذه السفرة مشقة كثيرة وكلفة عظيمة ، ~~حتى أبيعت تطبيقة النعال بينهم بخمسين درهما ، وأبيع رطل البقسماط بدرهم ~~ونصف إذا وجد ، ونفق أكثر خيل العسكر وجمالهم ، ورجع أكثرهم إلى ساحل مصر ~~في المراكب لأمور ، منها : عدم الظهر ، PageV32P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" ومنها أن النيل كان قد عم البلاد ، وقطع ~~الطرق إلا الجبال ، وكان وصول العسكر إلى القاهرة المحروسة في يوم الثلاثاء ~~التاسع من جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبعمائة . ذكر الإفراج عن الأمير سيف ~~الدين بكتمر الحسامي الحاجب وإرساله إلى نيابة السلطنة الشريفة بالمملكة ~~الصفدية وفي يوم الخميس الرابع عشر من شوال رسم السلطان بالإفراج عن الأمير ~~سيف الدين بكتمر الحسامي الحاجب - كان - وخلع عليه تشريفا كاملا طرد وحش ~~مذهب ، وقباء ، وكلوته زركش ، وشاش رقم ، وحياصة ذهب ، ورسم له نيابة ~~السلطنة بالمملكة الصفدية والفتوحات الأشرفية ، وخلع عليه تشريفا ثانيا ~~كاملا وسيفا وحياصة ، وأنعم ms7533 عليه بمائتي ألف درهم ، وتوجه على خيل البريد ~~في يوم الاثنين الخامس والعشرين من الشهر إلى دمشق ، وكان نائب السلطنة ~~الأمير سيف الدين تنكز قد توجه لزيارة القدس والخليل ، وطلب الصيد بجهة ~~الساحل ، فاجتمع به ووصل معه إلى دمشق ، وتوجه منها إلى صفد في عاشر ذي ~~القعدة . وفي هذه السنة توجه الأمير سيف الدين أرغن نائب السلطنة الشريفة ~~إلى الحجاز الشريف بعد سفر المحمل بأيام وفي يوم السبت العشرين من ذي الحجة ~~منها وردت مطالعة الأمير علاء الدين الطنبغا نائب السلطنة بالمملكة الحلبية ~~إلى الأبواب السلطانية يتضمن أن جماعة من التتار المغول نحو ألف فارس ~~أغاروا على أطراف البلاد الحلبية ، وانتهوا إلى قرب قلعة كختا فنزل إليهم ~~من القلعة نحو مائتي فارس ومن انضم إليهم من التركمان ، واقتتلوا يوما ~~كاملا حتى حجز بينهما الليل ، ثم باكروا القتال واقتتلوا حتى أشرف التتار ~~على أخذهم ، وأنهم لما تحققوا الموت صدقوا في القتال وحملوا حملة رجل واحد ~~فكانت الهزيمة على التتار ، فقتل أكثرهم وأسر منهم ستة وخمسون فارسا من ~~أعيانهم ، فمنهم : ثلاثة من مقدمي الألوف ، واسترجع العسكر ما كانوا نهبوه ~~من أطراف البلاد ، وغنموا ما كان معهم من الخيل والعدة ، فرسم السلطان ~~بالإنعام والزيادة لهذه الطائفة المجاهدة ، وكتب إلى نائب السلطنة بحلب ~~بحمل الأسرى ورؤوس القتلى إلى الديار المصرية ، وأن يؤدي خمس الغنيمة في ~~المجاهدين ، فوصلت الأسرى في صفر سنة سبع عشرة وسبعمائة . PageV32P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" وفي ذي الحجة من هذه السنة وردت الأخبار إلى ~~الأبواب السلطانية بوفاة خربندا ملك التتار ، وذكر أنه توفي في سادس شوال ~~من السنة ، وأنه كان قد أمر بإشهار النداء أن لا يذكر أبو بكر وعمر رضي ~~الله عنهما ، وكان ذلك في يوم سبت فمات قبل أسبوع ، وذكر أنه كان قد عزم ~~على تجهيز ثلاثة آلاف فارس مع حميضة بن أبي نمي إلى المدينة النبوية ، لنقل ~~أبي بكر وعمر من مدفنهما ، فعجل الله هلكه ، وهذه عادة الله تعالى فيمن طغى ~~وتجبر . وفي هذه السنة في مستهل شهر رجب ms7534 توفي القاضي عز الدين أحمد بن جمال ~~الدين محمد بن أحمد بن ميسر المصري بدمشق ، ودفن بقاسيون ، ومولده بمصر في ~~ليلة يسفر صباحها عن الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وستمائة ~~، وكان رجلا ساكنا ، ولي المناصب الجليلة : نظر الدواوين بالشام ، ونظر ~~المملكة الطرابلسية ، ونظر النظار بالديار المصرية ، وغير ذلك ، وكان سيء ~~التدبير رديء التصرف في حق نفسه ، لا يزال يزرع الأقصاب لنفسه بالديار ~~المصرية ، ويدولب المعاصر وهو يغرم ولا يستفيد ، ويقترض الأموال ويعيد ~~الدولبة ويغرم ، ولم يزل على ذلك إلى أن مات وعليه جملة كثيرة من الديون ~~الشرعية أصلها من المتاجر والدواليب ، ولو اقتصر على معلوم مباشراته كان ~~يزيد على كفايته رحمه الله تعالى . وفيها في ليلة الخميس عاشر شعبان توفي ~~الطواشي الأمير ظهير الدين مختار المنصوري المعروف بالبلبيسي أحد الأمراء ~~والخزندار بدمشق ، وكان شهما شجاعا زكيا دينا خبيرا رماحا كريما ، حسن ~~الشكل واللباس ، يتلو القرآن بصوت حسن ، وفرق أمواله وجواريه وخيوله وعدده ~~على عتقائه قبل وفاته ، ووقف أملاكه على تربته وعتقائه ، وقد رافقته بدمشق ~~في ديوانه الخاص ، فكان حسن الرفقة رحمه الله تعالى . وتوفي الأمير بدر ~~الدين محمد بن الوزيري أحد الأمراء المقدمين بدمشق في يوم الأربعاء سادس ~~عشر شعبان ودفن برأس ميدان الحصى رحمه الله تعالى . PageV32P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" وتوفيت شيختنا أم محمد وزيرة ابنة الشيخ عمر ~~بن أسعد بن منجا الشوخية بدمشق في الليلة المسفرة عن ثامن عشر شعبان سنة ~~عشر وسبعمائة ، ومولدها في سنة أربع وعشرين وستمائة - كذا نقلته من خط ~~الشيخ علم الدين البرزالي . وقال الشيخ شمس الدين الجزري في تاريخه سنة ~~ثلاث وعشرين ، روت صحيح البخاري عن ابن الزبيدي ، وسمعته عليها بالقاهرة في ~~جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمائة ، وسمع عليها وعلى الحجار في هذه السنة ~~بقلعة الجبل والقاهرة وظاهرها ومصر خمس مرات ، أولها بقلعة الجبل بدار ~~النيابة بالطبقة الحسامية في السادس والعشرين من صفر ، وآخرها بالقلعة في ~~أواخر جمادى الآخرة وأوائل شهر رجب رحمها الله تعالى . وفي هذه السنة - في ~~يوم ms7535 الثلاثاء رابع عشر شعبان - توفي القاضي جمال أبو محمد عبد الله ابن ~~شيخنا قاضي القضاة بدر الدين أبي عبد الله محمد ابن الشيخ برهان الدين ~~إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الشافعي ، وكانت وفاته بجامع الأقمر ~~عند آذان العصر ودفن من الغد بتربة والده بالقرافة الصغرى بخط الخندق ، ~~وكان رحمه الله تعالى شابا حسن الصورة والعشرة كريما كثير التردد إلى الناس ~~والاستمالة لخواطرهم ، وكان يدأب في نسج المودة بين والده والأكابر ، ~~ويجتهد في قضاء حوائج الناس ، وكان يتصدق على الفقراء رحمه الله تعالى ~~وأصيب والده فيه فصبر صبرا جميلا . وتوفي الصاحب ضياء الدين أبو بكر بن عبد ~~الله النشائي في الليلة المسفرة عن تاسع شهر رمضان بالقاهرة بحارة الجودرية ~~، وهو يومئذ ناظر الخزانة ، ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى . ولما مات ولي ~~نظر الخزانة بعده قاضي القضاة تقي الدين أحمد ابن قاضي القضاة عز الدين ~~الحنبلي . PageV32P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" وتوفي القاضي محب الدين علي ابن شيخنا الإمام ~~العالم العلامة تقي الدين محمد بن وهب بن علي القشيري المعروف بابن دقيق ~~العيد ، وكانت وفاته في ليلة يسفر صباحها عن العشرين من شهر رمضان ، ودفن ~~بالقرافة في تربة والده رحمهما الله تعالى وكان قد انقطع بعد وفاة والده ~~انقطاعا حسنا ، وأكب على الاشتغال بالعلم الشريف ، وكان يدرس بالمدرسة ~~الكهارية ، ومولده بمدينة قوص في ثاني صفر سنة سبع وخمسين وستمائة . وفيها ~~في عاشر ذي القعدة توفي الشيخ الكاتب المجيد المحمود نجم الدين موسى بن علي ~~بن محمد الحلبي ثم الدمشقي المعروف بابن البصيص ، ودفن بمقابر باب الصغير ، ~~ومولده سنة إحدى وخمسين وستمائة ، وكان شيخ الكتابة بدمشق ، كتب وهو صغير ، ~~يقال : إنه كتب نحو خمسين سنة رحمه الله تعالى . وتوفي الشيخ صدر الدين أبو ~~عبد الله محمد ابن الشيخ زين الدين عمر بن مكي بن عبد الصمد العثماني ~~الشافعي المعروف بابن المرحل وابن الوكيل وابن الخطيب ، وكانت وفاته في ~~بكرة نهار الأربعاء الرابع والعشرين من ذي الحجة بالقاهرة ، ودفن بالقرافة ~~بتربة القاضي فخر الدين ms7536 محمد ناظر الجيوش المنصورة ، ومولده بثغر دمياط في ~~تاسع عشرين شوال سنة خمس وستين وستمائة ، وكان رحمه الله تعالى عالما فاضلا ~~كريما حسن الأخلاق والعشرة رقيق الشعر جيد البديهة رحمه الله تعالى . ~~واستهلت سنة سبع عشرة وسبعمائة بالأربعاء في هذه السنة في صفر حصل الشروع ~~في إنشاء جامع بظاهر مدينة دمشق خارج باب النصر ، أمر بإنشائه الأمير سيف ~~الدين تنكز نائب السلطنة بالشام ، وحضر القضاة والموقتون لتحرير سمت القبلة ~~به ، وتكرروا مرارا حتى وضعوا محرابه وضعا صحيحا ، وذلك في الخامس والعشرين ~~من الشهر . PageV32P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" ذكر حادثة السيل ببعلبك وفي هذه السنة في ~~العشر الأول من شهر ربيع الأول ورد إلى الأبواب السلطانية مطالعة نائب ~~السلطنة بدمشق تتضمن : أنه لما كان في يوم الثلاثاء السابع والعشرين من صفر ~~جاءت سيوف عظيمة إلى مدينة بعلبك ، فهدمت أسوارها ودور المدينة ، وأحصي من ~~دفن إلى يوم تسطير مطالعة نائب بعلبك إلى نائب السلطنة بالشام فكانوا ألفا ~~وخمسمائة نفر - خارجا من هو تحت الردم . وحكى الشيخ شمس الدين محمد إبراهيم ~~الجزري في تاريخه : أن هذه الحادثة لما وقعت جهز نائب السلطنة بدمشق الشيخ ~~جمال الدين بن الشريشي وكيل بيت المال إلى بعلبك لكشفها وإيقاع الحوطة على ~~موجود من هلك بسبب السيل ولا وارث له غير بيت المال ، وأن الشيخ توجه لذلك ~~وعاد في شهر ربيع الأول ، وأحضر أوراقا بصورة الكشف ، قال : وقفت عليها ~~ونقلها في تاريخه ، وملخصها : أن الذي هدمه السيل الواقع بمدينة بعلبك في ~~التاريخ المذكور ، وسعته من الجامع والمساجد والسور والدور والحوانيت ~~والحمامات والطواحين والاصطبلات ، وما عدم فيه من الرجال والنساء والأطفال ~~والخيول والدواب وغير ذلك ، وخص بيت المال منه نصيب ، وذلك مما أمكن ضبطه ~~من المعروفين ، خارجا عن الغرباء الذين كانوا بالجامع والمساجد والطرقات ~~ولم يعرفوا ، وذلك خارجا عن الكروم والبساتين ظاهر المدينة ، ما عدته من ~~الرجال والنساء والأطفال : مائة وسبعة وأربعون نفرا ، وبيوت ثمانمائة وخمسة ~~وسبعون بيتا " خرابا " أربعمائة وواحد وثمانون ، ومشعثة : أربعمائة وأربعة ~~عشر بيتا ، حوانيت : مائة وواحد ms7537 وثلاثون حانوت خراب : أربعة وخمسون ، ~~ومشعثة : سبعة وسبعون . بساتين داخل البلد : أربعة وأربعون ، الجامع ~~المعمور والمدارس والمساجد : ثلاثة عشر عددا أفدنه سبعة عشر دمن خراب : ~~اثنتان ، قنى السيل : أربعة ، طواحين : إحدى عشرة ، خراب : اثنتان ، ومشعثة ~~: تسع ، المدبغة : مشعثة ، خيل : أربعة وبغال : اثنان ، ودواب : خمسة وباقر ~~رأس واحد ، وذكر في الأوراق تفصيل ذلك بحاراته وبقاعه ، وهدم من السور برجا ~~كاملا ذرعه ثلاثة عشر ذراعا في السفل وارتفاعه ثمانية وثلاثون ذراعا وبعض ~~بدنتين ، وذكر أشياء كثيرة من هذا النوع ، وهذا لا ينافي ما تضمنته ~~المطالعة الواردة PageV32P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" إلى الأبواب السلطانية ، فإن الأوراق إنما ~~اشتملت على من لبيت المال نصيب في ميراثه ، والمطالعة شاملة . ذكر حادثة ~~الهواء بالبلاد الحلبية وما حصل بسببه وفي يوم الأربعاء ثالث عشر شهر ربيع ~~الأول في الساعة الثامنة من النهار ثار بمدينة حلب هواء عظيم مزعج أثار ~~غبارا عظيما ، واقترن ببرق مترادف ورعد قوي ، وأظلم الجو حتى لا يبصر ~~الإنسان رفيقه إلى جانبه ، ولا يستطيع أن يفتح عينه ، حتى تيقن الناس ~~الهلاك ، ثم وقع مطر عظيم وبرد مع وجود الهواء ، وامتد الهواء والمطر على ~~إقليم جبل سمعان غربي مدينة حلب ، فاقتلع أشجارا كثيرة رومانية من البلوط ~~والزيتون والكروم ، وكان يقتلع الشجرة العظيمة من الأرض بعروقها ، وأهلك من ~~مر عليه من المسافرين ، وما مر على بلد إلا خربه خرابا فاحشا ، فأخرب عشر ~~قرى وهي : تذبل ، وكفر عمه وكفر جور ، وبالا ، وأم تحنين ، والربيعية ، ~~ومعاد ، وعين جارا ، وبراطون والأبزمو وأهلك من بهذه القرى من الناس ~~والدواب والوحش والطير ، واجتمع من المطر سيل عظيم مر على وادي العسل وهو ~~واد كبير فيه الدرب السلطاني ، يسلكه المارون من مدينة حلب إلى جميع إقليم ~~جبل سمعان ، وإلى أعمال حارم وغيرها ، فامتلأ وغرق ما مر عليه من الناس ~~والدواب ، وامتنع من سلوكه مدة ، وخرج من الهواء المذكور عمود يرمي بشرر من ~~نار ، وجاء إلى كنيسة الربيعية ، وهي كنيسة قديمة رومانية مبنية بحجارة ~~هرقلية كل حجر منها لا يشيله عشرة من العتالين ، محكمة ms7538 البناء ، ودخل ~~العمود إلى هذه الكنيسة واقتلعها من أساسها وحملها في الجو صعدا مقدار رمية ~~نشاب وأكثر ، وهي بحالها لم يتغير حجر عن حجر ، وشاهدها على ذلك من سلم من ~~الناس ممن كان خارجا عن هذا العمود من الهواء ، وجعلوا يستغيثون ويجأرون ~~إلى الله تعالى ، ويسبحونه ويستغفرونه ، ولما انتهت الكنيسة في العلو إلى ~~هذه الغاية انتقضت أحجارها وتساقطت إلى الأرض ، فمن الحجارة ما غاض في ~~الأرض وغاب ، ومنها ما غاص نصفه وأقل من ذلك وأكثر ، وبقي مكان أساس ~~الكنيسة شبه الخنادق . أخبرني بذلك الأمير علاء الدين أيدغدي الشهرزوري ~~المتقدم ذكره عن كتاب شهاب الدين أحمد ولده إليه ، قال : ولما وصل إلي ~~كتابه بذلك أعدت جوابه أسأله عن تحقيق هذا الأمر ، فكتب إلي : هذا أمر محقق ~~وإن نائب السلطنة جهز جماعة لكشف هذه الحادثة ، وكان هو ممن ندب لكشف ذلك ، ~~وقد بلغتني هذه الواقعة من غير الأمير علاء الدين المذكور ، واشتهرت ، ~~وآيات الله تعالى ومعجزاته كثيرة ، نعوذ بالله تعالى من سخطه ، ونسأله رضاه ~~وعفوه ومغفرته . PageV32P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" وفي هذه السنة في شهر ربيع الأول أيضا ورد ~~كتاب الأمير أسد الدين رميثه أمير مكة إلى الأبواب السلطانية يتضمن : أن ~~أخاه عز الدين حميضة قدم من بلاد العراق ، وكان قد تسحب إليها والتحق ~~بخربندا كما تقدم ، وأنه وصل الآن على فرس واحد ومعه اثنان من أعيان التتار ~~، وهما : درقندي - وقيل فيه دلقندي - وملك شاه ومعهم ثلاث وعشرون راحلة ، ~~وأنه كتب إلى أخيه رميثة يستأذنه في دخول مكة ؛ فمنعه إلا بعد إذن السلطان ~~. فكتب السلطان إلى حميضة أنه إن حضر إلى الديار المصرية على عزم الإقامة ~~بها فله الأمان ويسامحه بذنوبه السالفة ، وأما الحجاز فلا يقيم فيه ، وكتب ~~إلى درقندي وملكشاه بالأمان ، وأن يحضرا ، وأخبر من وصل أنهم لقوا في ~~طريقهم شدة من العراق إلى الحجاز ، وأن العربان نهبوهم ، فنهب لدرقندي ~~أموال جمة وأنه وصل على فرس واحد مسافة عشرين ليلة ، وقد حكي عن الأمير ~~محمد بن عيسى أخي مهنا أن الملك خربندا ms7539 كان قد جهز دلقندي المذكور في جمع ~~كثير مع عز الدين حميضة قبل وفاته إلى الحجاز لنقل الشيخين أبي بكر وعمر ~~رضي الله عنهما من جوار رسول الله [ ] وأن الأمير محمد المذكور جمع من ~~العربان نحو أربعة آلاف فارس وقصد المقدم المذكور وقاتله ونهبه ، وكسب ~~العرب منه جملة عظيمة من الذهب والدراهم ، حتى إن فيهم جماعة حصل للواحد ~~منهم نحو ألف دينار غير الدواب والسلاح وغير ذلك ، وأخذوا الفؤوس والمجارف ~~التي كانوا قد هيؤوها لنبش قبر الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وكان ~~ذلك في الحجة سنة ست عشرة وسبعمائة ، ولما ورد كتاب الأمير أسد الدين رميثة ~~إلى السلطان بما تقدم ندب السلطان إلى مكة - شرفها الله تعالى - الأميرين ~~سيف الدين أيتمش المحمدي ، وسيف الدين بهادر السعيدي أمير علم ، وأمرهما أن ~~يستصحب كل واحد منهما عشرة من عدته وجرد معهما من كل أمير مائة جنديين ، ~~ومن كل أمير طبلخاناه جنديا واحدا ، وتوجها إلى مكة لإحضار حميضة ومن حضر ~~من التتار ، فتوجها في يوم السبت سادس عشر ربيع الأول بمن معهما ، ووصلا ~~إلى مكة وأرسلا إلى حميضة في معاودة الطاعة ، وأن يتوجه معهما إلى الأبواب ~~السلطانية ، فاعتذر أنه ليس معه من المال ما ينفقه على نفسه ومن معه في ~~سفره ، وطلب منهما ما يستعين به على ذلك ، فلما قبض المال تغيب ، وعادا إلى ~~القاهرة فوصلا في يوم الأحد السادس والعشرين من جمادى الآخرة من السنة . ~~وفي هذه السنة فوض قضاء القضاة بدمشق على مذهب الإمام مالك بن أنس للقاضي ~~فخر الدين أحمد ابن القاضي تاج الدين سلامة بن سلامة الإسكندري ~~PageV32P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" المالكي ، في الثالثة والعشرين من شهر ربيع ~~الآخر ، عوضا عن قاضي القضاة جمال الدين الزواوي ، وكان قد عجز عن القضاء ، ~~واشتدت به الرعشة ، وثقل لسانه ، فعزل بسبب ذلك ، وتوجه القاضي فخر الدين ~~إلى دمشق ، فوصل إليها في السابع والعشرين من جمادى الأولى ، ولم تطل مدة ~~القاضي جمال الدين بعد وصوله ، فإنه مات في تاسع جمادى الآخرة على ms7540 ما نذكر ~~إن شاء الله تعالى . ذكر توجه السلطان إلى الشام ، ووصوله إلى الكرك ~~وإفراجه عمن يذكر من الأمراء ، وعوده وفي يوم الخميس رابع جمادى الأولى من ~~السنة توجه السلطان إلى جهة الشام ، وكان قد كتم مقصده عن سائر الناس حتى ~~عن خواصه ، وأظهر أن مقصده بسبب الصيد واستكثر من الروايا فكان معه لخاصه ~~ما يزيد على ألف راوية ، وحمل الأمراء كل أمير بحسب حاجته من ثمانين راوية ~~إلى عشرين ، وكذلك من معه من مقدمي الحلقة المنصورة ، وصحبته جماعة من ~~الأمراء والمقدمين ، وتوجه فوصل إلى غزة في الثامن عشر من الشهر ، وتوجه ~~إلى زيارة القدس والخليل عليه السلام ، ثم إلى الكرك ، وحضر إلى خدمته ~~بالكرك الأمير سيف الدين تنكر نائب السلطنة بالشام ، ثم توجه السلطان من ~~الكرك إلى الشوبك وتصيد هناك ، وأفرج في هذه السفرة عن الأميرين ركن الدين ~~بيبرس الدوادار ، وسيف الدين بهادر آص المنصوريين في يوم الخميس ثاني جمادى ~~الآخرة ، وعاد السلطان إلى مقر ملكه ، فكان وصوله إلى قلعة الجبل في الساعة ~~الأولى من نهار الأربعاء خامس عشر جمادى الآخرة من السنة ، ووصل الأميران ~~إلى قلعة الجبل ، فخلع السلطان عليهما ، وأمر كل واحد منهما وقدمه على ألف ~~على عاداته . واستقر الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار بالديار المصرية ، ~~وجلس رأس الميسرة ، وأعيد الأمير سيف الدين بهادر آص إلى دمشق على عادته ، ~~فكان وصوله إليها في يوم الاثنين رابع شهر رجب . ذكر خبر النيل المبارك في ~~هذه السنة وإنما خصصنا هذه السنة بذكره لأنه وقع فيه من الغرائب في أمره ما ~~لم تجر بمثله عادة ، وذلك أن النيل المبارك وفى بمقياس مصر في يوم السبت ~~الثالث عشر من جمادى الأولى الموافق التاسع عشرين أبيب ستة عشر ذراعا ، ~~وحصل التخليق وكسر PageV32P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" سد الخليج في هذا اليوم ، وما وقع مثل ذلك في ~~هذا العصر ؛ فإن العادة في غالب السنين أن يكون الوفاء في الآخر من مسرى ~~وفي الأوسط منه ، وربما تأخر عن ذلك فيكون في أيام النسيء ، وأوائل توت ms7541 ، ~~ثم زاد بعد ذلك وأخذ في النقص والزيادة ، فكانت زيادته إلى آخر مسرى ذراعا ~~واحدا ، ثم وقف مدة وزاد أخرى ، فبلغت زيادته إلى آخر يوم الثلاثاء الثامن ~~والعشرين من جمادى الآخرة الموافق لتاسع توت سبعة عشر ذراعا وتسع أصابع ، ~~وزاد في يوم الأربعاء عاشر توت خمس أصابع ، وفي بكرة الخميس الذي يليه تسع ~~أصابع ، وفي يوم الجمعة ثاني عشر توت خمس أصابع ، وفي يوم السبت والأحد ~~أربع أصابع في كل يوم أصبعين ؛ فكملت زيادته بمقياس مصر ثمانية عشر ذراعا ~~وست أصابع ، ولما غلق الذراع الثامن عشر غرق كثيرا من الأدر المجاورة له ~~بساحل مصر والروضة ، وغرق الأقصاب والبساتين ، وقطع الطريق فيما بين ~~القاهرة ومصر في عدة مواضع ، فأمر السلطان بقطع الخلجان التي عادتها تكسر ~~في عيد الصليب ، مثل بحر أبي الرجا والكينونة وغيرها ، وذلك قبل الوقت ~~المعتاد ، والعادة جارية أن هذه الخلجان إذا قطعت ينقص بحر النيل بسبب ~~قطعها نحو ثلثي ذراع ؛ لما ينصب فيها منه ، فلم يضطرب النيل لقطعها ولا ~~توقف ، بل زاد ما ذكرناه ، ولعله لو لم تقطع هذه الخلجان العظيمة كان بلغ ~~في الزيادة إلى أكثر مما انتهى إليه ، وعم فساده ، ثم ثبت النيل بعد ذلك ~~على البلاد ثبوتا حسنا إلى حد الاستغناء عنه ، فأخذ في النقص ، فكان ينقص ~~قليلا ، ثم يثبت مدة ، ثم ينقص ، حتى أخذت الأراضي حاجتها من الري وهبط ~~والحمد لله . ذكر إفراد مصر عن قاضي الحنفية وفي يوم الثلاثاء التاسع عشر ~~من شهر رجب فوض قضاء القضاة الحنفية بمصر للقاضي سراج الدين عمر بن شهاب ~~الدين محمود ، وخلع عليه بطرحه على عادة القضاة ، وجلس بجامع مصر ، وحكم في ~~هذا اليوم ، واختزل ذلك من ولاية قاضي القضاة شمس الدين محمد بن الحريري ~~الحنفي ، واستقر بالقاهرة خاصة ، وصار القضاة الأصول خمسة ، وهم : قاضي ~~القضاة بدر الدين الشافعي ، وقاضي القضاة زين الدين علي بن مخلوف ، وقاضيا ~~القضاة الحنفيان المذكوران ، وقاضي القضاة تقي الدين أحمد الحنبلي ، وكان ~~السبب في ولاية سراج الدين المذكور القضاء أن قاضي القضاة ms7542 شمس الدين الحنفي ~~المذكور طلب منه أن يحكم بتعويض الورثة الظاهرية عن قرار إسطبل الأمير سيف ~~الدين بكتمر الساقي المطل على بركة الفيل بظاهر القاهرة . ويمكن هو قرار ~~إسطبله . فامتنع من ذلك ، ووافق سراج الدين على الحكم بصحة PageV32P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" ذلك إن هو ولي ، فولي ذلك ، ولم تطل مدته في ~~القضاء فإنه توفي إلى رحمة الله تعالى في الثالث والعشرين من شهر رمضان من ~~السنة ، وأعيد قاضي القضاة شمس الدين بن الحريري إلى ولاية القضاء بمصر على ~~عادته ، وخلع عليه ، ونفعه الامتناع من الحكم بما فيه شبهة وما ضره العزل - ~~وجزاه الله خيرا . وفي هذه السنة في أواخر شعبان قطع جماعة من التتار ~~الفرات إلى جهة الشام ، ووصل إلى دمشق في سادس شهر رمضان مقدم ألف من ~~التتار اسمه طاطي ، كان منشؤه من العراق وديار بكر بمكان يعرف بقفر ابن زغل ~~ووصل صحبته نحو مائة فارس بنسائهم وأولادهم ، ثم تجهزوا من دمشق في الشهر ~~المذكور فوصلوا إلى القاهرة في شوال من السنة . ذكر عود رسل السلطان من جهة ~~الملك أزبك ووصول رسله وفي شهر رمضان من هذه السنة عادت رسل السلطان من جهة ~~الملك أزبك ، وهم الأمير علاء الدين أيدغدي الخوارزمي ومن معه ، وصحبهم رسل ~~الملك أزبك ، فمثلوا بين يدي السلطان في يوم الخميس رابع الشهر ، وكان ~~السلطان قد خطب إلى الملك أزبك امرأة من بنات الملوك من البيت الجنكزخاني ، ~~وبعث مع رسله هدية طائلة جليلة المقدار ، فلما جاءت الرسل اشتطوا في المهر ~~فطلبوا مائة طمان من الذهب ، والطمان عشرة آلاف دينار ، فيكون جملة ذلك ألف ~~ألف دينار ، وألف ألف فرس ، وألف عدة كاملة للحرب ، وغير ذلك ، واشترطوا أن ~~يحضر لتسليمها جماعة من الأمراء الأكابر ونسائهم ، وغير ذلك من الشروط التي ~~لا يمكن الإجابة إليها ، فنزل السلطان عن هذه الخطبة وعدل عنها إلى ما جرت ~~العادة به من المكاتبات بينه وبين الملك أزبك ، ثم كان من خبر إرسال ~~المخطوبة من غير استدعاء من السلطان والصلة بما نذكره إن شاء ms7543 الله تعالى . ~~ذكر روك المملكة الطرابلسية وما يتصل بذلك من إبطال الجهات المنكرة بها ~~وأخبار النصيرية وفي سنة سبع عشرة وسبعمائة رسم السلطان بروك المملكة ~~الطرابلسية وما أضيف إليها من الأعمال والقلاع والحصون والثغور ، فكشفت ~~النواحي ، ونصب PageV32P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" لتحريك ذلك وإتقانه القاضي شرف الدين يعقوب ~~ناظر المملكة الحلبية ، فحضر إلى طرابلس حسب الأمر الشريف ، وانتصب لتحرير ~~ذلك ، وفي خدمته جماعة من الكتاب ، ولم يعتمد فيه على ناظر المملكة ~~الطرابلسية شرف الدين يعقوب الحموي ، ولما تكامل ذلك حضر القاضي شرف الدين ~~يعقوب ناظر المملكة الحلبية ومعه المكتوب إلى الأبواب السلطانية ، وجلس ~~القاضي فخر الدين ناظر الجيوش ومن معه من المباشرين ، وانتصبوا لقسمة ~~الإقطاعات وتقرير الخواص ، وأفراد جهات القلاع والحصون ، وكلت المملكة ، ~~فكمل ذلك في شهر رمضان من السنة واستقر لاستقبال شهر رمضان في الهلالي ~~والخراجي لاستقبال فعل سنة سبع عشرة وسبعمائة وتوفر بسبب هذا الروك ما أقيم ~~عليه ستة أمراء أصحاب طبلخاناه وثلاثة أمراء أصحاب عشرات ، وخمسون نفرا من ~~البحرية والحلقة ، ورسم بإبطال جهة الإفراج والسجون ، وغير ذلك بالمملكة ~~الطرابلسية فأبطلت ، وجملة ذلك نحو مائة ألف درهم وعشرة آلاف درهم في كل ~~سنة ، رسم أن يبنى بقرى النصيرية في كل قرية مسجد ويفرد من أراض القرية ~~رزقة برسم المسجد ، وتمنع النصيرية من الخطاب ومعناه أن الصبي إذا بلغ ~~الحلم وأنس منه الرشد يتطاول إلى المخاطبة ويتوسل إلى أبيه وقرائبه في ذلك ~~مدة ، فيجمعون له مجتمعا ، يجتمع فيه أربعون من أكابرهم ، ويذبح هو أو وليه ~~رأس بقر وثلاثة أرؤس من الغنم ، ويفتح لهم خابية من الخمر فيأكلون ويشربون ~~، فإذا خالطهم الشراب أخذ كل واحد منهم يحكي حكاية عمن خوطب ، وباح بما ~~خوطب به أنه قطعت يده ، أو عمى أو سقط من شاهق فمات أو ابتلي بعاهة ، كل ~~ذلك تحريض للمخاطب على كتمان ما يودع إليه من الذهب . فإذا استوثق منه تقدم ~~إليه المعلم فحلفه أربعين يمينا على كتمان ما يوجب إليه ، ثم يوضح له ~~الخطاب وكيفيته على ما نقل بإلهية ms7544 علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأن محمدا ~~بن عبد الله كان حجابا عليه بواسطة جبريل ، ويسمون رسول الله [ ] بالسيد ~~صندل ويرفع عن المخاطب التكليف وعرفه أن لا صلاة ولا زكاة ولا صوم ولا حج ~~إلا إلى مكان يزعمون أن فيه ضريح علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وأن الروح ~~الإلهي الذي كان فيه ينتقل في واحد واحد وأنه الآن في هذا العصر في رجل ~~يسميه المخاطبة ويعرفه بأن يقف عندما يأمره به وينهاه عنه ، ويحل له ويحرم ~~عليه ، ثم يعرفه أن لا غسل من جنابة ، ويأخذ عليه العهد أن لا ينصح مسلما ~~في أكل ولا شرب ولا يسايره ولا يعامله ، ويعرفه أن مال المسلمين فيء له إن ~~استطاع ولهم سلام بينهم يعرف بعضهم بعضا به عند المصافحة والمكالمة له . ~~PageV32P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" وأخبرني من أثق به في هذه السنة ، أن الذي ~~تزعم النصيرية أن الروح الإلهي حل به رجل اسمه شرف ، وهو رئيس قرية سلغنو ~~من عمل صهيون . ومن ظريف ما بلغني عن شرف هذا أن بعض أهل تلك الناحية مرض ~~فجاءه ولد المريض وسأله أن يعافي أباه فوعده بذلك ، وأن أباه لا يموت في ~~هذه المرضة فاشتد به الوجع فعاوده فأجابه بمثل ذلك ، ثم مات المريض ، فجاءه ~~ابنه وقال له : لا أدعك حتى تعيده حيا كما وعدتني فقال له شرف : دع هذا فإن ~~الدولة ظالمة ولا تفتح هذا الباب فإنه يؤدي إلى إلزامنا بإحياء من أرادوا ~~إحياءه ممن يموت . وأخبرني المخبر أن شرفا هذا المذكور فيه كرم نفس وخدمة ~~لمن يرد عليه من الأضياف وغيرهم . ولما رسم بإبطال ما ذكرناه وبناء المساجد ~~بقرى النصيرية كتب مرسوم شريف سلطاني من إنشاء القاضي كمال الدين ابن ~~الأمير مضمونه : بسم الله الرحمن الرحيم " الحمد لله الذي جعل الدين ~~المحمدي في أيامنا الشريفة قائما على أثبت عماد واصطفانا لإشادة أركانه ~~وتنفيذ أحكامه من بين العباد ، وسهل علينا من إظهار شعائره ما رام من كان ~~قبلنا تسهيله فكان علي صعب الانقياد ms7545 ، وادخر لنا من أجور نصره أجل ما يدخر ~~ليوم يفتقر فيه لصالح الاستعداد ، نحمده على نعم بلغت من إقامة منار الحق ~~المراد ، وأخمدت نار الباطل بماظفرتنا ولولاها لكانت شديدة الاتقاد ونكست ~~رؤوس الفحشاء فعادت على استحياء إلى مستسنها أقبح معاد . ونشكره على أن سطر ~~في صحائفنا من غرر السير ما تبقى بهجته ليوم المعاد ، ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له شهادة يجدها العبد يوم يقوم الأشهاد ، وتسري أنوار ~~هديها في البرايا فلا تزال آخذة في الازدياد ونشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~الذي بعثه الله بالإنذار ليوم التناد والإعذار إلى من قامت عليه الحجة ~~بشهادة الملكين فأوضح له سبيل الرشاد ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه - ~~الذين منهم من رد أهل الردة إلى الدين القويم أحسن ترداد ومنهم من عم ~~بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سائر العباد والبلاد ، ومنهم من بذل ماله ~~للمجاهدين ونفسه في الجهاد ، ومنهم من دافع عن الحق فلا برح في جدال عنه ~~وفي جلاد صلاة تهدي إلى السداد ويقوم المعوج وتثقف المياد ، وسلم تسليما ~~كثيرا وبعد فإن الله تعالى منذ ملكنا أمور خلقه ، وبسط قدرتنا في التصرف في ~~عباده ، والمطالبة بحقه ، وفوض إلينا القيام بنصرة دينه ، وفهمنا أنه تعالى ~~قبض قبل خلق الخلائق قبضتين فرغبنا أن نكون من قبضة يمينه ، وألقى إلينا ~~مقاليد المماليك ، وأقام PageV32P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" الحجة علينا بتمكين البسطة وعدم التشاقق في ~~ذلك ومهد لنا من الخير ما على غيرنا توعر ، وأعد لنا من النصر ما أجرانا ~~فيه على عوائد لطفه ، لا عن مرح في الأرض ولا عن خد مصعر وألهمنا إعلاء ~~كلمة الإسلام ، وإعزاز الحلال وإذلال الحرام ، وأن تكون كلمة الله هي ~~العليا وأن لا نختار على الدار الآخرة دار الدنيا ، وأن ندور مع الحق حيث ~~دار ، ونرغب عن هذه الدار بما أعده الله من جناته في تلك الدار ، فلم نزل ~~نقيم للدين شعارا ونعفي المنكر ونعلن في النصيحة لله ورسوله ونسر إسرارا ، ~~ونتتبع أثر منكر نعفيه ، وممطول بحقه ms7546 نوفيه ومعلم قربه نشيده ومخذولا ~~استظهر عليه الباطل نؤيده ، وذا كربة نفرجها وغريبة فحشاء استطردت بين ~~أدواء الحيل نخرجها وميتة سيئة تستعظم النفوس زوالها فنجعلها هباء منثورا ، ~~وجملة عظيمة أسست على غير التقوى مبانيها فيحطمها كرمنا إذا الجزاء عنها ~~كان موفورا . فاستقصينا ذلك في ممالكنا الشريفة مملكة مملكة واستطردنا في ~~إبطال كل فاحشة موبقة مهلكة ، فعفينا من ذلك بالديار المصرية ما شاع خبره ، ~~وظهر بين الأنام أثره ، وطبقت محاسنه الآفاق ولهجت به ألسنة الرعايا ~~والرفاق ، من مكوس أبطلناها ، وجهات سوء عطلناها ، ومظالم رددناها إلى ~~أهلها ، وظلمة زجرناها عن ظلمها وغيها وبواق تسامحنا بها وسمحنا وطلبات ~~خففنا عن العباد بتركها وأرحنا ، ومعروفا أقمنا دعائمه وبيوتا لله عز وجل ~~آثرنا منها كل نائية ، ثم بثثنا ذلك في سائر الممالك الشامية المحروسة ، ~~وجنينا ثمرات النصر من شجرات العدل التي هي بيد يقظتنا مغروسة " . ولما ~~اتصل بعلومنا الشريفة أن بالمملكة الطرابلسية آثار سوء ليست في غيرها ~~ومواطن فسق لا يقدر غيرنا على دفع ضررها وضيرها ، ومظان آثام يجد الشيطان ~~فيها مجالا فسيحا ، وقوى لا يوجد بها من كان إسلامه مقبولا ولا من كان دينه ~~صحيحا ، وخمورا يتظاهر بها ، ويتصل سبب الكبائر بسببها ، وتشاع في الخلائق ~~، تجاهرا وتشاع على رؤوس الأشهاد فلا يوجد لهذا المنكر منكرا ، ويحتج في ~~ذلك بمقررات سحت لا تجدي نفعا ، وتبقى بين يدي آخذها كأنها حية تسعى . ومما ~~أنهي إلينا أن بها حانة عبر بالأفراح قد تطائر شررها ، وتفاقم ضررها ، ~~وجوهر فيها بالمعاصي وآذنت - لولا حلم الله وإمهاله - بزلزلة الصياصي وغدت ~~PageV32P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" لأولي الأهوية مجمعا ، ولذوي الفساد مربعا ~~ومرتعا ، يتظاهر فيها بما أمر بستره من القاذورات ، ويؤتى ما يجب تجنبه من ~~المحذورات ، ويسترسل في الانشراح فيها إلى ما يؤدي إلى غضب الجبار وتتهافت ~~النفوس بها كالفراش على الاقتحام في النار . ومنها أن السجون إذا سجن بها ~~أحد يجمع عليه بين السجن وبين الطلب وإذا أفرج عنه ولو في يومه - انقلب إلى ~~أهله من الخسارة أسوأ منقلب ، فهو لا يجد ms7547 سرورا بفرجه ولا يحمد عقبى مخرجه ~~. ومنها أن بالأطراف القاصية من هذه المملكة قرى سكانها يعرفون بالنصيرية ~~لم يلج الإسلام لهم قلبا ولا خالط لهم لبا ، ولا أظهروا له بينهم شعارا ، ~~ولا أقاموا له منارا ، بل يخالفون أحكامه ، ويجهلون حلاله وحرامه ، ويخلطون ~~ذبائحهم بذبائح المسلمين ، ومقابرهم بمقابر أهل الدين ، وكل ذلك مما يجب ~~ردعهم عنه شرعا ، ورجوعهم فيه إلى سواء السبيل أصلا وفرعا ، فعند ذلك رغبنا ~~أن نفعل في هذه الأمور ما يبقى ذكره مفخرة على ممر الأيام وتدوم بهجته ~~بدوام دولة الإسلام ونمحو منه في أيامنا الشريفة ما كان على غيرها عارا ، ~~ونسترجع للحق من الباطل ثوبا طالما كان لديه معارا ونثبت في سيرة دولتنا ~~الشريفة عوارف لا تزال مع الزمن تذكر ونتلو على الأسماع قوله تعالى : ) إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ( [ ~~النحل : الآية 90 ] . فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني ~~الملكي الناصري - لا زال بالمعروف آمرا ، وعن المنكر ناهيا وزاجرا ، ~~والامتثال لأوامر الله مسارعا ومبادرا - وأن يبطل من المعاملات بالمملكة ~~الطرابلسية ما يأتي ذكره ، وهو جهات الأفراح المحذورة بالفتوحات خارجا عما ~~لعله يستقر من ضمان الفرح الخير وتقديرها سبعون ألف درهم ، السجون بالمملكة ~~الطرابلسية خارجا عن سجن طرابلس بحكم أنه أبطل بمرسوم شريف متقدم التاريخ ، ~~وتقديرها عشرة آلاف درهم سخر الأقصاب المحدث ما بين أقصاب الديوان المعمور ~~التي كان فلاحو الكورة بطرابلس يعملون بها ، ثم أعفوا عن العمل ، وقرر ~~عليهم في السنة تقدير ألفي درهم أقصابا ؛ أقصاب الأمراء بحكم أن بعض ~~الأمراء كانت لهم جهات تزرع الأقصاب ، وقدروا على بقية فلاحيهم العمل بها ~~أو القيام بنظير أجرة العلم ، وتقدير ذلك ، ثلاثة آلاف درهم ، عفاية ~~النيابة بكورة طرابلس وأنفه البثرون وما معه بحكم أن المذكورين كانوا ~~يبيتون على المراكز بالبحر ، فلما سدت المراكز بالعساكر المنصورة قرر على ~~كل نفر في السنة ستة دراهم ، وتقدير ذلك عشرة آلاف درهم حق الديوان بصهيون ~~وبلاطنس عمن كان PageV32P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" يعاني حصيها وتقدير متحصل ms7548 ذلك ثلاثة آلاف ~~درهم . هبة البيادر بنواحي الكهف ، مستجدة مما كان يستأدى عن كل فدان ثلاثة ~~دراهم ، وتقدير متحصله ألف درهم ضمان المستغل بطرابلس مما كان أولا بديوان ~~النيابة بالفتوحات ثم استقر في الديوان المعمور في شهور سنة ست عشرة ~~وسبعمائة وتقديره أربعة آلاف درهم . ما استجد في إقطاعات بعض الأمراء على ~~الفلاحين مما لم تجر به عادة من حق حشيش وملح وضيافة ، وتقديره ستة آلاف ~~درهم فليبطل ذلك على مر الأزمنة والدهور إبطالا باقيا إلى يوم النشور ، لا ~~يطلب ولا يستأدى ولا يبلغ الشيطان في بقائه مرارا وليقرأ مرسومنا هذه على ~~المنابر ويشاع ويستجلب لنا به الأدعية الصالحة فإنها نعم المتاع . وأما ~~النصيرية فليعم في بلادهم بكل قرية مسجد وليطلق له من أرض القرية المذكورة ~~قطعة أرض تقوم به ، وبمن يكون فيه للقيام بمصالحه على حسب الكفاية ، بحيث ~~يستنيب الجناب العالي الأميري الكبيري العالمي العادلي الزعيمي الكافلي ~~الممهدي المشيدي الذخري الشهابي نائب السلطنة الشريفة بالمملكة الطرابلسية ~~والحصون المحروسة ضاعف الله نعمته - من جهته من يثق إليه لإفراد الأراضي ~~المذكورة ، وتحديدها وتسليمها لأئمة المساجد المذكورة ، وفصلها عن أراضي ~~المقطعين ، ويعمل بذلك أوراق ويخلد بالديوان المعمور حتى لا يبقى لأحد من ~~المقطعين فيها كلام ، وينادى في المقطعين وأهل البلاد المذكورة بصورة ما ~~رسمنا به فذلك وكذلك رسمنا أيضا بمنع النصيرية المذكورين من الخطاب وأن لا ~~يمكنوا بعد ورود مرسومنا هذا من الخطاب جملة كافة وتؤخذ الشهادة على ~~أكابرهم ، ومشايخ قراهم بأن لا يعود أحد إلى التظاهر بالخطاب ، ومن تظاهر ~~به قوتل أشد مقاتلة فلتعتمد مراسمنا الشريفة ولا يعدل عن شيء منها ، ولتجر ~~المملكة الطرابلسية مجرى بقية الممالك المحروسة في عدم التظاهر بالمنكرات ~~وتعقبه آثار الفواحش وإقامة شعائر الدين القويم ) فمن بدله بعدما سمعه ~~فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم ( [ البقرة : الآية 181 ] ~~والاعتماد على الخط الشريف أعلاه إن شاء الله عز وجل . كتب في السابع من ~~شوال سنة سبع عشرة وسبعمائة حسب المرسوم الشريف والحمد لله وحده ، وصلى ms7549 ~~الله على سيدنا محمد وآله وصبحه وسلم تسليما كثيرا . هذا ما تضمنه المرسوم ~~السلطاني ومنه نقلت وقد كانت كتبت فتيا في أمر النصيرية وتضمنت اعتقادهم ~~وما هم عليه ، وأجاب عن ذلك الشيخ تقي الدين بن PageV32P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" تيمية ، وقد رأينا أن نذكر نص الفتيا والجواب ~~في هذا الموضع ، لما في ذلك بيان ما تعتقده هذه الطائفة الملعونة ، والذي ~~كتب هذه الفتيا التي تذكر ، شهاب الدين أحمد بن محمود بن مري الشافعي ~~ونسختها بعد البسلمة . ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم ~~أجمعين ، وأعانهم على إظهار الحق المبين وإخماد الشغب المبطلين ، في ~~النصيرية القائلين باستحلال الخمر ، وتناسخ الأرواح ، وقدم العالم ، وإنكار ~~البعث والنشور ، والجنة والنار في غير الحياة الدنيا وبأن الصلوات الخمس ~~عبارة عن خمسة أسماء وهي : علي ، وحسن ، وحسين ، ومحسن ، وفاطمة ، فذكر هذه ~~الأسماء الخمسة على رأيهم يجزيهم عن الغسل من الجنابة والوضوء وبقية شروط ~~الصلوات الخمسة وواجباتها وبأن الصيام عندهم عبارة عن اسم ثلاثين رجلا واسم ~~ثلاثين امرأة يعدونهم في كتبهم ، ويضيق هذا الموضع عن إيرادهم وبأن إلههم ~~الذي خلق السموات والأرض هو ، علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهو عندهم إله ~~في السماء والإمام في الأرض ، وكانت الحكمة في ظهور اللاهوت بهذا الناسوت ~~على رأيهم أنه يؤنس خلقه وعبيده وليعلمهم كيف يعرفونه ويعبدونه . وبأن ~~النصيري عندهم لا يصير نصيريا مؤمنا يجالسونه ويشربون معه الخمر ويطلعونه ~~على أسرارهم ، ويزوجونه من نسائهم حتى يخاطبه معلمه . وحقيقة الخطاب عندهم ~~أن يحلفوه على كتمان دينه ومعرفة شيخه وأكابر أهل مذهبه وعلى أن لا ينصح ~~مسلما ولا غيره إلا ما كان من أهل دينه وعلى أن يعرف ربه وإمامه بظهوره في ~~أكواره وأدواره فيعرف انتقال الاسم والمعنى في كل حين وزمان فالاسم عندهم ~~في أول الناس آدم ، والمعنى شيث والاسم هو يعقوب والمعنى يوسف ، ويستدلون ~~على هذه الصورة - كما يزعمون - بما في القرآن العزيز حكاية عن يعقوب ويوسف ~~عليهما السلام ، فيقولون : أما يعقوب فإنه كان الاسم فما قدر أن ms7550 يتعدى ~~منزلته فقال : ) سوف أستغفر لكم ربي ( [ يوسف : الآية 98 ] وأما يوسف فإنه ~~كان المعنى المطلوب ، فقال : ) لا تثريب عليكم اليوم ( [ يوسف : الآية 92 ] ~~فلم يعلق الأمر بغيره لأنه علم أنه هو الإله المتصرف ، ويجعلون موسى هو ~~الاسم ويوشع هو المعنى ويقولون يوشع ردت له الشمس لما أمرها فأطاعت أمره . ~~وهل ترد الشمس إلا لربها ؟ ويجعلون سليمان هو الاسم وآصف هو المعنى ويقولون ~~سليمان عجز عن إحضار عريش بلقيس ، وقدر عليه آصف ؛ لأن سليمان كان الصورة ~~وآصف كان المعنى القادر المقتدر ، وقد قال قائلهم : هابيل سام يوسف يوشع ~~آصف شمعون الصفا حيدر . PageV32P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" ويعدون الأنبياء والمرسلين واحدا واحدا على ~~هذا النمط إلى زمن رسول الله [ ] فيقولون : محمد هو الاسم وعلي هو المعنى ~~ويوصلون العدد على هذا الترتيب في كل زمان إلى وقتنا هذا . فمن حقيقة ~~الخطاب والدين عندهم أن يعلم أن عليا هو الرب وأن محمدا هو الحجاب ، وأن ~~سليمان هو الباب وأنشدنا بعض أكابر رؤسائهم وفضلائهم لنفسه في شهور سنة ~~سبعمائة فقال : [ من المجتث ] أشهد أن لا إله إلا حيدرة الأنزع البطين ولا ~~حجاب عليه إلا محمد الصادق الأمين ولا طريق إليه إلا سليمان ذو القوة ~~المتين ويقولون إن ذلك على هذا الترتيب لم يزل ولا يزال ، وكذلك الخمسة ~~الأيتام ، والاثنا عشر نقيبا ، وأسماؤهم مشهورة عندهم ومعلومة من كتبهم ~~الخبيثة فإنهم لا يزالون يظهرون مع الرب والحجاب والباب في كل كور ودور ~~أبدا سرمدا على الدوام والاستمرار ، ويقولون إن إبليس الأبالسة هو عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه ويليه في رتبة الإبليسية أبو بكر ثم عثمان رضي الله ~~عنهم أجمعين وشرفهم وأعلى رتبتهم على أقوال الملحدين ، وانتحال أنواع ~~الغالين والمفسدين فلا يزالون موجودين في كل وقت دائما حسبما ذكر من ~~الترتيب . ولمذاهبهم الفاسدة شعب وتفاصيل ترجع إلى هذه الأصول المذكورة . ~~وهذه الطائفة الملعونة استولت على جانب كبير من بلاد الشام ، فهم معروفون ~~مشهورون متظاهرون بهذا المذهب وقد حقق أحوالهم كل من خالطهم وعرفهم من ~~عقلاء المسلمين وعلمائهم ms7551 ، ومن عامة الناس أيضا في هذا الزمان ، لأن ~~أحوالهم كانت مستورة عن أكثر الناس وقت استيلاء الفرنج المخزولين على ~~البلاد الساحلية ، فلما صارت بلاد الإسلام انكشف حالهم وظهر ضلالهم ، ~~والابتلاء بهم كثير جدا . فهل يجوز لمسلم أن يزوجهم أو يتزوج منهم أو يحل ~~أكل ذبائحهم والحالة هذه أم لا ؟ وما حكم الجبن المعمول من أنفحة ذبيحتهم ؟ ~~وما حكم أوانيهم وملابسهم ؟ وهل يجوز دفنهم بين المسلمين أم لا ؟ وهل يجوز ~~استخدامهم في ثغور المسلمين وتسليمها إليهم ، أم يجب على ولي الأمر قطعهم ~~واستخدام غيرهم من المسلمين الكفاة ؟ وهل يأثم إذا أخر طردهم ؟ أم يجوز له ~~التمهل مع أن في عزمه ذلك وإذا استخدمهم وقطعهم ، أو لم يقطعهم هل يجوز له ~~صرف أموال بيت المال عليهم ؟ وإذا صرفها PageV32P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" وتأخر لبعضهم بقية من معلومه المسمى فأخره ~~ولي الأمر عنه وصرفه على غيره من المسلمين أو المستحقين ، أو أرصده لذلك ، ~~هل يجوز له فعل هذه الصور ؟ أم يجب عليه ؟ وهل دماء النصيرية المذكورين ~~مباحة وأموالهم فيء حلال أم لا ؟ وإذا جاهدهم ولي الأمر أيده الله تعالى ~~بإخماد باطلهم ، وقطعهم من حصون المسلمين ، وتحذير أهل الإسلام من مناكحتهم ~~وأكل ذبائحهم وأمرهم بالصوم والصلاة ، ومنعهم من إظهار دينهم الباطل - وهم ~~الذين يلونه من الكفار هل ذلك أفضل وأكثر أجرا من التصدي والترصد لقتال ~~التتار في بلادهم وهدم بلاد سيس ، وديار الفرنج على أهلها أم هذا أفضل ؟ ~~وهل يعد مجاهد النصيرية المذكورين مرابطا ؟ ويكون أجره كأجر المرابط في ~~الثغور على ساحل البحر خشية قصد الفرنج أكبر أم هذا أكثر أجرا ؟ وهل يجب ~~على من عرف المذكورين ومذاهبهم أن يشهر أمرهم ويساعد على إبطال باطلهم ، ~~وإظهار الإسلام بينهم فلعل الله تعالى أن يهدي بعضهم إلى الإسلام ، وأن ~~يجعل من ذريتهم وأولادهم ناسا مسلمين بعد خروجهم من ذلك الكفر العظيم ، أم ~~يجوز التغافل عنهم والإهمال ؟ وما قدر أجر المجتهد على ذلك والمجاهد فيه ، ~~والمرابط له والعازم عليه ؟ وليبسطوا القول في ذلك مثابين مأجورين إن شاء ~~الله ms7552 تعالى إنه على كل شيء قدير ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . فأجاب الشيخ تقي ~~الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني عن هذه الفتيا . ~~الحمد لله رب العالمين ، هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف ~~القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى ، بل وأكفر من كثير من المشركين ~~، وضررهم على أمة محمد [ ] أعظم من ضرر الكفار المحاربين ، مثل كفار التتار ~~والفرنج وغيرهم ، فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع ، وموالاة ~~أهل البيت ، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ، ولا برسوله ولا بكتابه ولا ~~بأمر ولا بنهي ، ولا ثواب ولا عقاب ، ولا جنة ولا نار ، ولا بأحد من ~~المرسلين قبل محمد [ ] ولا بملة من الملل السالفة ، بل يأخذون كلام الله ~~ورسوله المعروف عند علماء المسلمين يتأولونه على أمور يفترونها يدعون أنها ~~علم الباطن ، من جنس ما ذكره السائل ومن غير هذا الجنس ، وأنهم ليس لهم حد ~~محدود مما يدعونه من الإلحاد في أسماء الله وآياته وتحريف كلام الله ورسوله ~~عن مواضعه ، ومقصودهم إنكار الإيمان وشرائح الإسلام بكل طريق ، مع التظاهر ~~بأن لهذه الأمور حقائق يعرفونها من جنس ما ذكره السائل ؛ من جنس قولهم : إن ~~الصلوات الخمس معرفة أسرارهم ، و " الصيام PageV32P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" المفروض " كتم أسرارهم ، و " حج البيت العتيق ~~" زيارة شيوخهم وإن " يدا أبي لهب " هما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وإن ~~النبأ العظيم والإمام المبين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ولهم في معادة ~~الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة ، فإذا كانت لهم مكنة سفكوا دماء ~~المسلمين ، كما قتلوا مرة الحجاج وألقوهم في بئر زمزم وأخذوا مرة الحجر ~~الأسود فبقي عندهم مدة ، وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم وأمرائهم ~~وجندهم ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى وصنفوا كتبا كثيرة بها ما ذكره ~~السائل وغيره وصنف علماء المسلمين كتبا في كشف أسرارهم وهتك أستارهم ، ~~وبينوا فيها ما هم عليه من الكفر والزندقة ، والإلحاد الذي هم فيه أكبر من ~~اليهود والنصارى ، ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام ms7553 ، وما ذكره ~~السائل في وصفهم قليل من الكثير الذي يعرفه العلماء في وصفهم . ومن المعلوم ~~عندهم أن السواحل الشامية إنما استولى عليها النصارى من جهتهم ، وهم دائما ~~مع كل عدو للمسلمين ، فهم مع النصارى على المسلمين ، ومن أعظم المصائب ~~عندهم فتح المسلمين للسواحل وانقهار النصارى ؛ بل ومن أعظم المصائب عندهم ~~انتصار المسلمين على التتار ومن أعظم أعيادهم إذا استولى - والعياذ بالله ~~تعالى - النصارى على ثغور المسلمين ، فإن ثغور المسلمين ما زالت بأيدي ~~المسلمين حتى جزيرة قبرص يسر الله فتحها من حين فتحها المسلمون في ولاة ~~أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فتحها معاوية بن أبي سفيان ، ~~ولم تزل تحت حكم المسلمين إلى أثناء المائة الرابعة فإن هؤلاء المحاربين ~~لله ورسوله كثروا بالسواحل وغيرها ، فاستولى النصارى على الساحل ، ثم ~~بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره ، فإن أحوالهم كانت من أعظم الأسباب ~~في ذلك . ثم لما أقام الله ملوك المسلمين المجاهدين في سبيل الله تعالى ؛ ~~كنور الدين الشهيد وصلاح الدين وأتباعهما وفتحوا السواحل من النصارى وممن ~~كان بهم منهم ، وفتحوا أيضا أرض مصر ، فإنهم كانوا مستولين عليها نحو مائتي ~~سنة ، واتفقوا هم والنصارى فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد ، ومن ذلك ~~التاريخ انتشرت دعوة الإسلام بالديار المصرية والشامية . ثم إن التتار ما ~~دخلوا ديار الإسلام ، وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك الأمصار إلا ~~بمعاونتهم ومؤازرتهم ، فإن منجم هولاكو الذي كان وزيره وهو النصير الطوسي ~~PageV32P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" كان وزيرا لهم بالموت وهو الذي أمرهم بقتل ~~الخليفة وبولاية هؤلاء ولهم ألقاب معروفة عند المسلمين تارة يسمون الملاحدة ~~، وتارة يسمون القرامطة وتارة يسمون الباطنية ، وتارة يسمون الإسماعيلية ~~وتارة يسمون النصيرية ، وتارة يسمون الخرمية ، وتارة يسمون المحمرة ، وهذه ~~الأسماء منها ما يعمهم ومنها ما يخص بعض أصنافهم كما أن الإسلام والإيمان ~~يعم المسلمين ، ولبعضهم اسم يخصه ، إما لنسب وإما لمذهب ، وإما لبلد ، وإما ~~لغير ذلك . وشرح مقاصدهم يطول كما قال بعض العلماء فيهم ظاهر مذهبهم الرفض ~~وباطنه الكفر المحض ، وحقيقة أمرهم أنهم لا PageV32P0205 # """""" صفحة ms7554 رقم 206 """""" يؤمنون بنبي من الأنبياء والمرسلين ، لا نوح ~~ولا إبراهيم ولا موسى ، ولا عيسى ، ولا محمد صلوات الله عليهم ، ولا بشيء ~~من الكتب المنزلة ؛ لا التوراة ، ولا الإنجيل ، ولا القرآن ، ولا يقرون بأن ~~للعالم خالقا خلقه ولا بأن له دينا أمر به ، ولا أن له دارا يجري الناس ~~فيها على أعمالهم غير هذه الدار . وهم تارة يبنون قولهم على مذاهب الفلاسفة ~~الطبيعيين والإلهيين ، وتارة يبنونه على قول المجوس الذين يعبدون النور ~~ويضمون إلى ذلك الرفض ، ويحتجون لذلك من كلام النبوات ، إما بقول مكذوب ~~ينقلونه ؛ كما ينقلون عن النبي [ ] أنه قال : أول ما خلق الله العقل . ~~والحديث موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث ، ولفظه أن الله لما خلق العقل قال ~~له : أقبل . فقال له : أدبر ، فأدبر ، فيحرفون لفظه ويقولون أول ما خلق ~~الله العقل ليوافق قول المتفلسفة اتباع أرسطو في أن أول الصادرات عن واجب ~~الوجود هو العقل ، وإما بلفظ أنابت عن النبي [ ] فيحرفونه عن مواضعه كما ~~يصنع أصحاب رسائل إخوان الصفا ونحوهم ، فإنهم من أئمتهم ، وقد دخل كثير من ~~باطلهم على كثير من المسلمين ، وراج عليهم حتى صار ذلك في كتب طوائف من ~~المنتسبين إلى العلم والدين وإن كانوا لا يوافقونهم على أصل كفرهم ؛ فإن ~~هؤلاء لهم إظهار دعوتهم الملعونة التي يسمونها الدعوة الهادية . وهي درجات ~~متعددة ، ويسمون النهاية البلاغ الأكبر والناموس الأعظم ومضمون البلاغ ~~الأكبر جحد الخالق تعالى ، والاستهزاء به وبمن يقر به حتى قد يكتب أحدهم ~~اسم الله في أسفل رجله ، وفيه أيضا جحد شرايعه ودينه وما جاء به الأنبياء ، ~~ودعوى أنهم كانوا من جنسهم طالبين للرئاسة فمنهم من أحسن في طلبها ومنهم من ~~أساء في طلبها حتى PageV32P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" قتل . ويجعلون محمدا وموسى من القسم الأول ، ~~ويجعلون المسيح من القسم الثاني ، وفيه من الاستهزاء بالصلاة والزكاة ، ~~والصوم والحج وتحليل نكاح ذوي المحارم وسائر الفواحش ما يطول شرحه . ولهم ~~إشارات ومخاطبات يعرف بها بعضهم بعضا ، وهم إذا كانوا في بلاد المسلمين ~~التي يكون فيها أهل الإيمان فقد ms7555 يخفون على من لا يعرفهم وأما إذا كثروا ~~فإنه يعرفهم عامة الناس فضلا عن خاصتهم . وقد اتفق علماء المسلمين على أن ~~هؤلاء لا يجوز مناكحتهم ولا يجوز أن ينكح الرجل مولاته منهم ، ولا يتزوج ~~منهم امرأة ، ولا تباح ذبائحهم . وأما الجبن المعمول بأنفحتهم ففيه قولان ~~مشهوران للعلماء كسائر أنفحة الميتة ، وكأنفحة ذبيحة المجوس ، وذبيحة ~~الفرنج ، الذين يقال عنهم إنهم لا يذكون الذبائح ، فذهب أبو حنيفة ، وأحمد ~~في إحدى الروايتين أنه يحل هذا الجبن ، لأن أنفحة الميتة طاهرة على هذا ~~القول ، لأن الأنفحة لا تموت بموت البهيمة ، وملاقاة الوعاء النجس في ~~الباطن لا ينجس ، ومذهب مالك والشافعي ، وأحمد في الرواية الأخرى : أن هذا ~~الجبن نجس ؛ لأن الأنفحة عند هؤلاء نجسة ، لأن لبن أنفحتها عندهم نجس ؛ ومن ~~لا تؤكل ذبيحته فذبيحته كالميتة . وكل من أصحاب القولين يحتج بآثار ينقلها ~~عن الصحابة فأصاب القول الأول نقلوا أنهم إنما أكلوا جبن المجوس وأصحاب ~~القول الثاني نقلوا أنهم إنما أكلوا ما كانوا يظنون أنه من جبن النصارى ~~فهذه مسألة اجتهاد للمقلد أن يقلد من يفتي بأحد القولين . وأما أوانيهم ~~وملابسهم فكأواني المجوس وملابس المجوس على ما عرف من مذاهب الأئمة والصحيح ~~في ذلك أن أوانيهم لا تستعمل إلا بعد غسلها فإن ذبائحهم ميتة فلا بد أن ~~يصيب أوانيهم المستعملة ما يطبخونه من ذبائحهم فيتنجس بذلك . فأما الآنية ~~التي لا يغلب على الظن وصول النجاسة إليها فتستعمل من غير غسل كآنية اللبن ~~التي لا يضعون فيها طبيخهم أو يغسلونها قبل وضع اللبن فيها ، ( وقد توضأ ~~عمر بن الخطاب ) رضي الله عنه من جرة نصرانية فما شك في نجاسته ، ولم يحكم ~~بنجاسته بالشك ولا يجوز دفنهم بين مقابر المسلمين ولا يصلي على من مات منهم ~~؛ فإن الله تعالى نهى نبيه [ ] عن الصلاة على المنافقين كعبد الله بن أبي ~~ونحوه وكانوا يتظاهرون بالصلاة والزكاة والصيام ، والجهاد مع المسلمين ولا ~~يظهرون مقالة تخالف دين المسلمين ، لكن يسرون ذلك فقال الله تعالى : ) ولا ~~تصل على أحد منهم مات أبدا ولا ms7556 تقم PageV32P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم ~~فاسقون ) ^ [ التوبة : الآية 84 ] فكيف بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق ~~يظهرون الكفر والإلحاد ؟ وأما استخدام مثل هؤلاء في ثغور المسلمين أو ~~حصونهم أو جندهم فإنه من الكبائر ، وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم ~~فإنهم من أغش الناس للمسلمين ولولاة أمورهم ، وهم أحرص الناس على فساد ~~المملكة والدولة وهم شر من المخامر الذي يكون في العسكر ، فإن المخامر قد ~~يكون له غرض ، إما مع أمير العسكر وإما مع العدو وهؤلاء لهم غرض مع الملة ~~ونبيها ودينها وملوكها وعلمائها وعامتها ، وخاصتها ، وهم أحرص الناس على ~~تسليم الحصون إلى عدو المسلمين وعلى إفساد الجند على ولي الأمر وإخراجهم عن ~~طاعته . ويجب على ولاة الأمور قطعهم من دواوين المعاملة ، ولا يتركون في ~~ثغر ولا في غير ثغر ، وضررهم في الثغور أشد . وأن يستخدموا بدلهم من يحتاج ~~إلى استخدامه من الرجال المأمونين على دين الإسلام ، وعلى النصح لله ~~ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، بل إذا كان ولي الأمر لا يستخدم من يغشه ~~وإن كان مسلما ، فكيف يستخدم من يغشه ويغش المسلمين كلهم ؟ ولا يجوز له ~~تأخير هذا الواجب مع القدرة عليه ، بل أي وقت قدر على الاستبدال بهم وجب ~~عليه ذلك . وإما إذا استخدموا وعملوا العمل المشروط عليهم فلهم إما المسمى ~~وأما أجرة المثل ، لأنهم عوقدوا على ذلك ، فإن كان العقد صحيحا وجب المسمى ~~، وإن كان فاسدا وجب أجرة المثل ، وإن لم يكن استخدامهم من جنس الإجازة فهو ~~من جنس الجعالة الجائزة ، لكن هؤلاء لا يجوز استخدامهم فالعقد عقد فاسد فلا ~~يستحقون إلا قيمة عملهم ، فإن لم يكونوا عملوا عملا له قيمة فلا شيء لهم ، ~~لكن دماؤهم مباحة وكذلك أموالهم إذا لم يكن لهم ورثة من المسلمين وإن كان ~~لهم ورثة من المسلمين فقد يقال إنهم بمنزلة المرتدين ، والمرتد هل يكون ~~ماله لورثته المسلمين ؟ فيه نزاع مشهور . وقد يقال إنهم بمنزلة المنافقين ، ~~والمنافقون يرثهم ورثتهم المسلمون في أصح القولين لكن هؤلاء المسؤول ms7557 عنهم ~~لا يكاد يكون لهم وارث من المسلمين وإذا أظهروا التوبة ففي قبولها منهم ~~نزاع بين العلماء فمن قبل توبتهم إذا التزموا شريعة الإسلام أقر أموالهم ~~عليهم . ومن لم يقبلها لم تنقل إلى ورثتهم من جنسهم ، فإن مالهم يكون فيئا ~~لبيت المال ، لكن هؤلاء إذا أخذوا فإنهم يظهرون التوبة إذ أصل PageV32P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" مذهبهم التقية وكتمان أمرهم ، وفيهم من يعرف ~~ومن قد لا يعرف . فالطريق في ذلك أن يحتاط في أمرهم ، ولا يتركون مجتمعين ، ~~ولا يمكنون من حمل السلاح ، ولا أن يكونوا من المقاتلة ، ويلزمون بشرائع ~~الإسلام من الصلوات الخمس وقراءة القرآن ويترك بينهم من يعلمهم دين الإسلام ~~، ويحال بينهم وبين معلميهم ، فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وسائر ~~الصحابة لما ظهروا على أهل الردة وجاؤوا إليه قال لهم الصديق : اختاروا مني ~~إما الحرب المجلية وإما السلم المخزية ؟ قالوا : يا خليفة رسول الله هذه ~~الحرب المجلية قد عرفناها ، فما السلم المخزية ؟ قال : تدرون قتلانا ولا ~~ندري قتلاكم ، وتشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ، ونغنم ما ~~أصبنا من أموالكم وتردون ما أصبتم من أموالنا ، وننزع منكم الحلقة والسلاح ~~، وتمنعون من ركوب الخيل ، وتتركون تتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة ~~رسوله والمؤمنين أمرا يعذرونكم به فوافقه الصحابة في ذلك إلا في تضمين قتلى ~~المسلمين ، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : هؤلاء قتلوا في سبيل الله ~~وأجورهم على الله ؛ يعني هم شهداء فلا دية لهم فاتفقوا على قول عمر في ذلك ~~. وهذا الذي اتفق الصحابة عليه هو مذهب أئمة العلماء ، الذي تنازعوا فيه ~~تنازع فيه العلماء فذهب أكثرهم أن من قتله المرتدون المجتمعون المحاربون لا ~~يضمن كما اتفقوا عليه آخر ، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين ، ~~ومذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى : هو القول الأول . فهذا الذي فعله ~~الصحابة ، فأولئك المرتدين بعد عودهم إلى الإسلام يفعل بمن أظهر الإسلام ~~والتهمة ظاهرة فيه فيمنع من أن يكون من أهل الخيل والسلاح والدروع التي ~~يلبسها المقاتلة ms7558 ، فلا يترك في الجند كما لا يترك في الجند من يكون يهوديا ~~ولا نصرانيا ، ويلزمون بشرائع الإسلام حتى يظهر ما يفعلونه من خير أو شر ، ~~من كان من أئمة ضلالهم وأظهر التوبة أخرج عنهم ، وسير إلى بلاد المسلمين ~~الذين ليس لهم بها ظهور فإما أن يهديه الله تعالى وإما أن يموت على نفاقه ~~من غير مضرة المسلمين . ولا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم ~~الطاعات وأكبر الواجبات ، وهو أفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من ~~المشركين وأهل الكتاب فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين ، والصديق وسائر ~~الصحابة بدؤوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب فإن هؤلاء من ~~جنس جهاد المرتدين ، والصديق وسائر الصحابة بدؤوا بجهاد المرتدين قبل جهاد ~~الكفار من أهل الكتاب ، فإن جهاد هؤلاء حفظ لما فتح من بلاد الإسلام ، ~~وينبغي أن يدخل فيه من أراد الخروج عنه ، وجهاد PageV32P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من ~~زيادة إظهار الدين ، وحفظ رأس المال مقدم على الربح . وأيضا فضرر هؤلاء على ~~المسلمين أعظم من ضرر أولئك بل ضرر هؤلاء من جنس ضرر من يقاتل المسلمين من ~~المشركين وأهل الكتاب ، وضررهم في الدين على كثير من الناس أشد من ضرر ~~المحاربين من المشركين وأهل الكتاب . ويجب على كل مسلم أن يقوم في ذلك بحسب ~~ما يقدر عليه من الواجب فلا يحل لأحد أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم بل ~~يفشيها ويظهرها ليعرف المسلمون حقيقة حالهم ، ولا يحل لأحد أن يعاونهم على ~~بقائهم في الجند والمستخدمين ولا يحل لأحد أن ينهي عن القيام بما أمر الله ~~به ورسوله ، فإن هذا من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ~~والجهاد في سبيل الله تعالى ، وقد قال الله تعالى لنبيه [ ] : ) يا أيها ~~النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ( [ التحريم : الآية 9 ] وهؤلاء ~~لا يخرجون عن الكفار والمنافقين ، والمعاون على كف شرهم وهدايتهم بحسب ~~الإمكان له من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله تعالى ms7559 ، فإن المقصود ~~بالقصد الأول هو هدايتهم كما قال الله تعالى ) كنتم خير أمة أخرجت للناس ( ~~[ آل عمران : الآية 110 ] قال أبو هريرة رضي الله عنه : كنتم خير الناس ~~للناس ؛ تأتون بهم في القيود والسلاسل حتى تدخلوهم في الإسلام . فالمقصود ~~بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هداية العباد لمصالح المعاش ~~والمعاد بحسب الإمكان ، فمن هداه الله منهم سعد في الدنيا والآخرة ، ومن لم ~~يهتد كف ضرره عن غيره . PageV32P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" ومعلوم أن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر هو أفضل الأعمال ، كما قال [ ] : " رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة ~~وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله تعالى " وفي الصحيح عنه [ ] أنه قال : " ~~إن في الجنة لمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض ~~أعدها الله تعالى للمجاهدين في سبيله " وقال [ ] : " رباط يوم وليلة في ~~سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات مرابطا مجاهدا وجرى عليه عمله ~~وأجرى عليه رزقه من الجنة وأمن الفتن " والجهاد أفضل من الحج والعمرة كما ~~قال تعالى : ) أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ، لا يستوون عند الله ، والله لا يهدي ~~القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ~~لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم ( [ التوبة : ~~الآيات 19 - 22 ] والحمد لله رب العالمين ، وصلاته وسلامه على خير خلقه ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . ذكر ظهور رجل ادعى أنه محمد بن الحسن ~~المهدي وقتله وفي سابع عشر ذي الحجة سنة سبع عشرة وسبعمائة ظهر رجل من أرض ~~قرطياؤس من عمل جبلة فادعى أنه محمد بن الحسن المهدي ، وقال للناس إنه ~~بينما هو يحرث إذ جاءه طائر أبيض فنقب جنبه وأخرج روحه منه ، ونقل إليه روح ~~محمد بن الحسن . وصدقوه فيما ادعاه ودعاهم إلى طاعته فاجتمع عليه طائفة من ~~النصيرية تقدير خمسة آلاف ms7560 رجل وأمرهم بالسجود له ففعلوا وأحل لهم شرب الخمر ~~وترك الصلاة وأعلن هو وأصحابه بقولهم لا إله إلا علي ، ولا حجاب إلا محمد ~~ورفع راية حمراء وشمعة كبيرة توقد بالنهار يحملها شاب أمرد ادعى أنه ~~PageV32P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" إبراهيم بن أدهم وأنه أجباه وسمي [ أخاه ~~المقداد بن الأسود الكندي ] وأباه سلمان الفارسي وسمي آخر جبريل وكان يقول ~~له ، اطلع إليه فقال له كذا وكذا يشير إلى البارئ جل وعلا وهو يزعمه علي بن ~~أبي طالب فيخرج ذلك المسمى جبريل عنه ، ويغيب قليلا ثم يعود فيقول : رأيتك ~~أنت ثم جمع هذا الدعي أصحابه ودخل بهم مدينة جبلة في يوم الجمعة بعد الصلاة ~~الثاني والعشرين من الشهر ، وفرق جماعته ثلاث فرق عليها ، فرقة أتت من قبلي ~~البلد مما يلي الشرق فخرج عليهم العسكر المقيم بجبلة فكسرهم وقتل منهم مائة ~~وأربعة وعشرين نفرا واستشهد من المسلمين نفر يسير ، وانهزمت هذه الفرقة ~~الثانية التي أتت من قبلي البلد مما يلي الغرب على جانب البحر والفرقة ~~الثالثة أتت من شرقي البلد لجهة الشمال ، وكثروا على أهل البلد وكسروهم ~~وهجموا على البلد ونهبوا الأموال وسبوا الحريم والأولاد وقتلوا جماعة من ~~رؤوس المسلمين بجبلة وأعلنوا بقول لا إله إلا علي ولا حجاب إلا محمد ولا ~~باب إلا سلمان وبسب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولعن هذه الطائفة ، وجمع ~~هذا الخارجي ما انتهبه أصحابه من جبلة وقسمه على أصحابه بقرية وجاء الأمير ~~بدر الدين التاجي مقدم العسكر باللاذقية إلى جبلة في آخر هذا اليوم وحماها ~~ومنع الخارجي من العود إليها ، وكان مما قاله الخارجي الدعي لأصحابه إنه لا ~~حاجة لكم إلى القتال بالسيوف ولا السلاح وإن الرجل منهم يشير إلى عدوه ~~بقضيب ريحان فينقطع هو وفرسه ، فاتصل ذلك بالأمير شهاب الدين قرطاي نائب ~~PageV32P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" السلطنة بالمملكة الطرابلسية فجرد إلى هذه ~~الطائفة المارقة من العسكر الطرابلسي الأمير بدر الدين بيليك العثماني ~~المنصوري والأمر شرف الدين عيسى البرطاسي والأمير علاء الدين علي بن ~~الدربساك التركماني في ألف ms7561 فارس ، والتقوا بقرية من عمل جبلة بالجبل ~~فاقتتلوا ساعة من النهار فانجلت الحرب عن قتل الدعي ونحو ستمائة رجل من ~~أصحابه وتفرق بقية ذلك الجمع ، ثم استأمنوا فأمنوا ، وعادوا إلى أماكنهم ~~واستمروا على عمل فلاحتهم وطفيت هذه الثائرة وكان بين خروج هذا الدعي وقتله ~~خمسة أيام والله أعلم . وفي هذه السنة في يوم الخميس التاسع من جمادى ~~الآخرة توفي بدمشق قاضي القضاة جمال الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ أبي ~~الربيع سليمان بن سومي الزواوي المالكي وصلي عليه بعد صلاة الجمعة ودفن ~~بمقبرة باب الصغير ، ومولده في سنة ست وعشرين وستمائة وقدم ثغر الإسكندرية ~~في سنة خمس وأربعين وستمائة قبل احتلامه كما حكى عن نفسه قال : ثم بلغني ~~وفاة أبي في سنة سبع وأربعين فلم أعد إلى المغرب واشتغل بالعلم وولي ~~المناصب بالديار المصرية ثم ولي قضاء دمشق كما تقدم في عاشر جمادى الأولى ~~سنة سبع وثمانين وستمائة ، وحصل له ارتعاش من سنين كثيرة ، ثم ثقل لسانه ~~آخر عمره فعزل عن القضاء كما تقدم ومات عقيب عزله رحمه الله تعالى . وفيها ~~في يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان توفي القاضي عماد الدين محمد ابن القاضي ~~صفي الدين محمد بن شرف الدين يعقوب النويري وهو ابن خال والدي رحمهما الله ~~وكانت وفاته بطرابلس ، وهو يومئذ صاحب الديوان بها وولي قبل ذلك عدة أنظار ~~منها : المملكة الصفدية مرارا ، ونظر المملكة الحموية ، ونظر الكرك ، وكان ~~كريما شجاعا خيرا اشتهر بالمكارم وبذل المال والإحسان إلى وليه وعدوه ، ~~فكان يستديم مودة صديقه ويستجلب خاطر عدوه ويستزيل ما عنده بمكارمه ، وكان ~~لا يدخر شيئا رحمه الله تعالى . وتوفي القاضي الرئيس الفاضل شرف الدين أبو ~~محمد عبد الوهاب ابن الصاحب جمال الدين فضل الله بن المجلي القرشي العدوي ~~العمري نسبه متصل بأمير PageV32P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه متولي ~~ديوان الإنشاء بدمشق وكان قبل ذلك يلي صحابة ديوان الإنشاء بالديار المصرية ~~ثم نقل إلى دمشق وكانت وفاته بها في يوم الثلاثاء الثاني من ms7562 شهر رمضان ، ~~ودفن بقاسيون ومولده في سابع ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وستمائة بدمشق وكان ~~رجلا فاضلا أمينا على أسرار الدولة حافظا لها ، يكتمها حتى عن أهله وأخصائه ~~لا يتفوه بسر من أسرارها ولا يشير إليه . وولي ديوان المكاتبات بدمشق بعده ~~القاضي الفاضل شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سليمان الحلبي ، وكان أحد ~~كتاب الدرج الشريف بالأبواب السلطانية في ديوان البريد ، ووصل إلى دمشق في ~~ثامن عشرين شوال وباشر الوظيفة . وتوفي في آخر الليلة المسفر صباحها عن يوم ~~الخميس رابع شهر رمضان القاضي الرئيس الفاضل علاء الدين أبو الحسن علي ابن ~~القاضي الرئيس فتح الدين محمد ابن القاضي محيي الدين عبد الله ابن الشيخ ~~رشيد الدين عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر بن علي بن نجدة السعدي أحد ~~أعيان كتاب الإنشاء الشريف بالأبواب السلطانية ، وأحد من يجلس بين يدي ~~السلطان ويوقع نقله في دار العدل الشريف ويوقع بين يدي نائب السلطنة ~~الشريفة وكانت وفاته بداره بالقاهرة بدرب شمس الدولة ، ودفن بعد الظهر ~~بتربتهم بالقرافة بجوار جامع أبيه ، وكان رحمه الله تعالى حسن الإنشاء لم ~~يرث ذلك عن كلالة ، غزير المروءة ، ظاهر الرئاسة أبي النفس حسن الأخلاق ~~والصحبة وقد ذكرنا من كلامه في السفر الثامن من كتابنا هذا ما هو مترجم ~~باسمه هناك وذكرت من أوصافه ما استغنى به عن إعادته ، ولما مات نتجت قريحتي ~~بأبيات رثيته بها ، لولا التزامي أن لا أدون شعرا إلي لأوردتها ، ورثاه ~~القاضي شهاب الدين محمود الحلبي المذكور آنفا بقصيدة أولها [ من الرجز ] ~~الله أكبر أي ظل زالا عن آمليه وأي طود مالا جاء منها : أنعي إلى الناس ~~المكارم والندا والجود والإحسان والإفضالا PageV32P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" أنعي علاء الدين صدر زمانه خلقا وخلقا بارعا ~~وجلالا ومهذبا ملأ القلوب مهابة والسمع فضلا والألف نوالا وتوفي الأمير ~~بهاء الدين أرسلان الدوادار في الثالث والعشرين من شهر رمضان وكان هو ~~والقاضي علاء الدين المذكور صديقين ، ومرضا في وقت واحد بعلة واحدة وخلف ~~بهاء الدين المذكور تركة طائلة استكثرها ms7563 السلطان على مثله مع قرب مدته في ~~الوظيفة والإمرة رحمه الله تعالى . وتوفي الصدر الرئيس شرف الدين محمد ابن ~~القاضي الرئيس جمال الدين إبراهيم ابن الصدر شرف الدين عبد الرحمن ابن أمين ~~الدين سالم ابن الحافظ بهاء الدين أبي المواهب الحسن بن عبد الله بن محفوظ ~~بن صصرى البعلي الدمشقي ، وكان وفاته في يوم الجمعة السابع من ذي الحجة ~~حاجا ملبيا محرما بظاهر مكة ، ودفن ضحى يوم السبت يوم التروية بمقبرة ~~الحجون على باب مكة شرفها الله تعالى وكان قد مرض ببدر ، واستمر مريضا سبعة ~~أيام ، ومات وله خمس وثلاثون سنة وكان رحمه الله تعالى كثير المكارم ~~والإنفاق والبر والعطاء أنفق أموالا كثيرة وبذل جملة عظيمة في المكارم ، ~~وكنت إذا قدمت دمشق أستحي من كثرة تفضله وخدمته ، وأتجنب النزول عنده فيحضر ~~إلي ويحلف علي وينقلني إلى داره ، ولا يزال يعاملني بأنواع البر والإكرام ~~والأدب والخدمة حتى انفصل عن دمشق فإذا فارقتها وتوجهت ركب معي وودعني إلى ~~ظاهر البلد حتى يبعد وارده وهو يأبى ذلك حتى أحلف عليه فيرجع وختم الله له ~~بخير كثير بوفاته في هذا المكان الشريف على هذه الحال رحمه الله تعالى . ~~وتوفي الشيخ الفاضل الأديب الكاتب شرف الدين محمد أحمد بن يعقوب بن إبراهيم ~~الطيبي الأسدي أحد كتاب الدرج بطرابلس في السادس والعشرين من شهر رمضان ~~وكان رجلا فاضلا أديبا شاعرا ، وكان في لسانه عجمة ، وفي قلمه فصاحة رحمه ~~الله تعالى . PageV32P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" واستهلت سنة ثمان عشرة وسبعمائة بيوم الأحد ~~الموافق لتاسع برمهات في هذه السنة في أوائل صفر توجه القاضي كريم الدين ~~ناظر الخواص الشريفة السلطانية ووكيلها إلى الشام ، فكان وصوله إلى دمشق في ~~يوم الاثنين سابع الشهر وتلقاه نائب السلطنة وأنزله عنده بدار السعادة ، ~~وأحضر من جهته إلى نائب السلطنة هدية جليلة المقدار تساوي جملة عظيمة وأحضر ~~معه كتابا ببرود ليوقفها على مصالح الجامع الذي عمره نائب السلطنة بالشام ~~الأمير سيف الدين تنكز وورد مثال السلطان إلى نائبه بقبول هديته بجملتها ~~فقبلها وجهز له ms7564 تقدمة لها قيمة كثيرة فلم يقبل كريم الدين منها غير إكديش ~~واحد وأعاد بقيتها وأقام بدمشق أربعة أيام وأمر بإنشاء جامع ينفق على ~~عمارته من ماله - وهو بالقبيبات - فحصل الشروع في عمارته وعاد إلى الديار ~~المصرية ، وحدث في غيبته بالأبواب السلطانية حوادث كانت من تقريراته ، خرج ~~إلى دمشق قبل إبرازها فنفدت في غيبته ، منها : إرسال الصاحب أمين الدين إلى ~~طرابلس ، وعزل الأمير بدر الدين محمد بن التركماني عن شاد الدولة ، وأعظم ~~من ذلك إخراج الأمير سيد الدين طغاي إلى صفد سنذكر هذه الوقائع مفصلة . ذكر ~~إرسال الصاحب أمين الدين إلى نظر المملكة الطرابلسية وفي يوم الاثنين خامس ~~عشر صفر من هذه السنة رسم السلطان بتفويض نظر المملكة الطرابلسية وما هو ~~مضاف إليها إلى الصاحب أمين الدين عبد الله وكان قد عزل في شهور سنة سبع ~~عشرة عن نظر الدواوين والصحبة ولزم داره إلى هذا التاريخ ، فرسم له بهذه ~~الوظيفة فاستعفى فلم يعف ورسم أن يتوجه على خيل البريد وخلع عليه تشريف ~~كنجي وأنعم عليه بداوة ومرملة ولم يجر بمثل ذلك عادة PageV32P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" لناظر هذه المملكة وزيد في معلومها فاستقر له ~~في كل شهر نظير ما كان له في نظر النظار بالديار المصرية ، وتوجه في يوم ~~الثلاثاء سادس عشر صفر ووصل إلى دمشق في يوم الخميس ثاني شهر ربيع الأول ~~وتوجه منها إلى طرابلس . ذكر عزل الأمير بدر الدين محمد بن التركماني عن ~~وظيفة الشاد بالديار المصرية وفي يوم الاثنين الثاني والعشرين من صفر عزل ~~الأمير بدر الدين محمد بن التركماني عن وظيفة شاد الدواوين بالديار المصرية ~~، وذلك بسؤاله وسعيه واستقر في جملة الأمراء على عادته ولم يتعرض إليه بطلب ~~مال ولا غيره واستقر القاضي كريم الدين في النظر وغير ذلك . ذكر إرسال ~~الأمير سيف الدين طغاي نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية ، والقبض عليه ~~ووفاته كان الأمير سيف الدين طغاي الحسامي الناصري قد تمكن في هذه الدولة ~~الناصرية تمكنا عظيما وعظم شأنه ، وترشح للأمير الكبير ، وكثرت أتباعه ~~وعظمه الأمراء وغيرهم ms7565 وبلغ من تمكنه أن السلطان أنعم عليه بدار أبيه ~~السلطان الملك المنصور بالقاهرة ، وأنعم عليه بغيرها ، وميز أقطاعه ، فكان ~~من جملته منية بني خصيب وغيرها ورتب له على الحوائج خاناه والمطبخ في كل ~~يوم ما يصرف عليه نحو ثلاثمائة درهم ، إلى غير ذلك ، وارتفع بعد ذلك عن هذه ~~الرتبة إلى أن حكي أن السلطان في مرضه في شهور سنة سبع عشرة أوصى أن يكون ~~الأمر له من بعده وأن لا يختلف الناس عليه ، وكان حسن الوساطة عند السلطان ~~، لا يتكلم إلا بخير ، ويحسن إلى من يعرفه ومن لا يعرفه ، فاجتمعت عليه ~~قلوب الناس ومالوا إليه ، وكان قد تكلم عليه جاولجين الخازن في جملة من ~~كلمه كما تقدم فقبض السلطان على من سواه من الأمراء وأرجأ أمر الأمير سيف ~~الدين هذا ، فلما كان يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من صفر سنة ثمان عشرة ~~وسبعمائة دخل إلى الخدمة السلطانية على عادته ، فرسم السلطان له أن يتوجه ~~إلى نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية فلم يمتنع ولا استعفى ولا توقف ، بل ~~بادر بتقبيل الأرض بين يدي السلطان ولبس التشريف ، وأخرجه السلطان من ساعته ~~، فتوجه وقد ذرفت عيون الأمراء والمماليك السلطانية بالبكاء PageV32P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" لخروجه ، وتألم السلطان لذلك تألما شديدا ؛ ~~لما فقده من حسن وساطته وجميل اعتنائه ، ووصل إلى صفد في يوم الخميس تاسع ~~عشر شهر ربيع الأول ، وأحضر الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب النائب بصفد إلى ~~الأبواب السلطانية ، واستمر في جملة الأمراء مقدمي الألوف ، ورسم له ~~بالجلوس في مجلس السلطان ، وأقام الأمير سيف الدين طغاي بصفد إلى جمادى ~~الأولى فأرسل السلطان إليه الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي المعروف بخرز ~~على خيل البريد وأصحبه تقليدا له بنيابة السلطنة بالكرك وتشريفا وأراد بذلك ~~إخراجه من المملكة الصفدية والقبض عليه ، فوصل إلى صفد في ثامن الشهر فعلم ~~المراد منه فلم يمتنع ولا أحوج إلى إمضاء هذا التدبير ، وجاء تحت الطاعة ~~إلى الأبواب السلطانية على خيل البريد ، ولما وصل إلى مدينة بلبيس خرج إليه ~~الأمير سيف الدين قجليس وقيده ms7566 بأمر السلطان ، ونقله إلى قلعة الجبل فكان ~~وصوله إليها في رابع عشر الشهر ، فاعتقل بها أياما ثم رسم بنقله إلى ثغر ~~الإسكندرية فنقل إليه وكان آخر العهد به ، فلما كان في مستهل شعبان أمر ~~السلطان عائلته بعمل عزائه رحمه الله تعالى . ولما أخرج من صفد نقل الأمير ~~سيف الدين أرقطاي الناصري من نيابة السلطنة بحمص إلى نيابة المملكة الصفدية ~~فتوجه إليها ، وولي نيابة السلطنة بحمص الأمير بدر الدين بكتوت القرماني ، ~~ونقل الأمير عز الدين أيبك الجمالي من نيابة قلعة دمشق إلى نيابة الكرك ، ~~واستقر بقلعة دمشق الأمير سيف الدين بهادر الشمسي ، وذلك كله في جمادى ~~الأولى من هذه السنة . ثم ولي نيابة السلطنة بقلعة دمشق الأمير علم الدين ~~سنجر الدميثري وتوجه إلى دمشق على خيل البريد في عشية يوم الاثنين العشرين ~~من ذي الحجة وخلع عليه بكرة الثلاثاء ، وجلس بالقلعة على عادة النواب ، ~~والله أعلم . ذكر إنشاء الجامع بقلعة الجبل وفي صفر من هذه السنة رسم ~~السلطان بتوسعة الجامع بقلعة الجبل ، وأمر بهدم بعض مساكن الأمراء التي ~~كانت تلي الحائط القبلي من الجامع الأول فهدمت ، وهدم الفراش خاناه ، ~~والحوائج خاناه ، والمطبخ والطشتخاناه وأضاف ذلك كله إلى الجامع ، وحصل ~~الشروع في بنائه في الشهر المذكور ، وتكملت رواقاته القبلية في شهر رجب ~~PageV32P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" من السنة ، وصلى فيه ورخم صدره وجلس السلطان ~~بالجامع في شعبان ، وعرض سائر المؤذنين بالقاهرة ومصر بين يديه واستنطق كل ~~واحد منهم وسمع صوته ، واختار للجامع منهم ثمانية عشر مؤذنا وثلاثة رؤساء ~~وجعلهم ثلاث نوب ورتب فيه أرباب وظائف ، ووقف عليه أوقافا أثابه الله تعالى ~~. ذكر وثوب الأمير عز الدين حميضة بن أبي نمي بمكة شرفها الله تعالى وإخراج ~~أخيه الأمير أسد الدين رميثة منها وفي صفر من هذه السنة وردت الأخبار من ~~مكة شرفها الله تعالى أن الأمير عز الدين حميضة بن أبي نمي بعد عود الحاج ~~من مكة وثب على الأمير أسد الدين رميثة بموافقة العبيد ، وأخرجه من مكة ، ~~فتوجه رميثة إلى نخلة وهي التي ms7567 كان حميضة بها ، واستولى حميضة على مكة ~~شرفها الله تعالى وقيل إنه قطع الخطبة السلطانية ، وخطب لملك العراقيين ، ~~وهو أبو سعيد بن خربند بن أرغون بن أبغا بن هولاكو ، فلما اتصل ذلك ~~بالسلطان أمر بتجريد جماعة من أقوياء العسكر فجرد الأمير صارم الدين ~~الجرمكي والأمير سيف الدين بهادر الإبراهيمي وجماعة من الحلقة وأجناد ~~الأمراء من كل أمير مائة فارس ومن كل أمير طبلخاناه جندي وأمرهم بالمسير ~~إلى مكة وأن لا يعود إلى الديار المصرية حتى يظفروا بحميضة فتوجهوا في ~~العشر الأواخر من شهر ربيع الأول من هذه السنة ، ثم جرد السلطان صحبة الركب ~~الأمير بدر الدين محمد بن التركماني إلى مكة في جماعة مددا لهؤلاء فتوجه ~~وأقام بمكة وقبض على الأمير أسد الدين رميثة وجهزه إلى الأبواب السلطانية ، ~~وعاد هؤلاء وكان من أمرهم ما نذكره . وأقام الأمير بدر الدين بن التركماني ~~بمكة شرفها الله تعالى إلى أن وصل الأمير عظيفة أميرا على الحجاز الشريف ~~واستقر في الإمرة فعاد وكان وصوله إلى القاهرة في يوم الجمعة الرابع ~~والعشرين من شهر رجب سنة تسع عشرة . ذكر حادثة الريح بالجون من طرابلس وفي ~~يوم الأربعاء ثاني صفر سنة ثمان عشرة وسبعمائة ثارت ريح شديدة وقت صلاة ~~الظهر بأرض الجون من بلاد طرابلس ومرت على بيوت الأمير علاء PageV32P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" الدين علي بن الدربساكي مقدم أمراء التركمان ~~بالجون بين قريتي الوكيل والمعيصرة ، وكان خروجها من جهة البحر ، فكسرت ~~أخشاب بيوته ثم تقدمت إلى بيوت الأمير علاء الدين طوالي بن أليكي فلما ~~انتهت إليه تكونت عمودا أغبر متصلا بالسحاب على صورة تنين وبقي ذلك العمود ~~على بيوته ساعة يمر عليها يمينا وشمالا ثم يعود فما ترك ذلك العمود في ~~البيوت شيئا ولا منها إلا أهلكه واحتمله ، فحكي عن طوالي أنه لما عاين ذلك ~~قال : يا رب قد أخذت جميع الرزق ، وتركت العيال بغير رزق فأي شيء تركت لهم ~~حتى أطعمهم ؟ فعاد ذلك العمود من الريح بعد خروجه عنه إلى بيوته فأهلكه ~~وأهلك زوجته وابنته ms7568 وابنتي ابنته وجاريته وأحد عشر نفسا ، وجرح ثلاثة أنفس ~~من ملاقاة الأخشاب والحجارة عند هبوب تلك الريح وحملت الريح جملين ورفعتهما ~~في الجو مقدار عشرة أرماح وتقطع القماش والأثاث وحملته الريح حتى غاب عن ~~العين وطويت القدور النحاس والصاجات الحديد فصار بعضها على بعض ، وحملة ~~الريح جارية طوالي من مكان إلى مكان آخر مسافة وكان إلى جانب بيوت طوالي ~~بيوت عرب فاحتملت الريح لهم أربعة أجمال وارتفعت في الجو وعادت قطعا ، وهلك ~~دواب كثيرة ، ووقع بعد ذلك برد ومطر زنة القطعة من البرد ثلاث أواق ودونها ~~ورسم نائب السلطنة بكشف هذه الحادثة ، وندب من جهته من توجه لكشفها فكشفت ~~ونظم بصورة الحال محضرا وقع الأشهاد فيه على من شاهده وجهزت نسخة المحضر ~~إلى الأبواب السلطانية وغيرها . ذكر هدم الكنيسة بحارة الروم وفي يوم ~~الاثنين الخامس من شهر ربيع الآخر أمر السلطان بهدم الكنيسة المعروفة ~~بكنيسة بربارة بحارة الروم بالقاهرة ، وكان سبب ذلك أن النصارى أنهوا أنه ~~قد استهدم بعضها وسألوا تمكينهم من إعادته واعتنى لهم من اعتنى ممن كان ~~منهم فرسم لهم بذلك فلم يقتصروا على إعادة ما رسم لهم بإعادته بل تحيلوا ~~وتمحلوا وعمروها ظاهرا بالأسرى والآلات العظيمة والمشدين من جنس المسلمين ~~تجاهر النصارى بذلك ولا يكتمونه ولا يتحاشون من فعله فانتدب المسلمون لذلك ~~ورفعوا قصصا للسلطان وأنهوا فيها صورة الحال فأمر بهدمها فهدمها العوام في ~~ساعة واحدة وبنوا بصدرها محرابا وعلقوا فيه قنديلا وأقاموا شعار الإسلام من ~~الأذان والصلاة والتسبيح وقراءة القرآن ، ثم رسم بعد ذلك بمنع المسلمين من ~~الصلاة فيها وسد بابها في بقية الشهر ، وجعلت مزبلة ألقى السكان من ~~المسلمين الذين حولها زبائل بيوتهم PageV32P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" فيها ، فلما كان في سلخ جمادى الأولى من ~~السنة رسم بإعادة ما هدمه المسلمون فيها بالقصب دون البناء وسد بابها وعطلت ~~. ذكر الجوامع التي خطب وأقيمت صلاة الجمعة بها بظاهر مدينة دمشق في هذه ~~السنة وفي هذه السنة خطب بظاهر دمشق في ثلاثة جوامع مستجدة منها الجامع ~~الذي أنشأه ms7569 الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام وهو بظاهر دمشق خارج ~~باب النصر في الشارع المسلوك منه إلى القصر الأبلق بالميدان ، وقد تقدم ذكر ~~الشروع في عمارته وكملت في هذه السنة وأقيمت الخطبة به في يوم الجمعة ~~العاشر من شعبان وخطب فيه وصلى بالناس الشيخ نجم الدين علي بن داود الحنفي ~~المعروف بالقحفازي ، وحضر الصلاة فيه نائب السلطنة وسائر القضاة والأعيان ~~وقراء القرآن وأنشدت المدائح في بانيه . وخطب أيضا في يوم الجمعة التي تلي ~~هذه الجمعة في سابع عشر شعبان بالجامع الذي أنشأه القاضي كريم الدين وخطب ~~فيه الشيخ شمس الدين محمد ابن الشيخ عبد الواحد بن يوسف ابن الوزير الحراني ~~ثم الآمدي الحنبلي ثم أجرى إليه الماء من نهر داريا وعمل له قناة من النهر ~~إلى كفر سوسية وكان وصول الماء إلى الجامع في العشر الأول من شوال سنة ~~عشرين وسبعمائة وانتفع أهل تلك الناحية به انتفاعا كثيرا وخطب في يوم ~~الجمعة السابع عشر من ذي الحجة بالجامع الذي أنشأه شمس الدين عبد الله ناظر ~~النظار بالشام وهو بظاهر دمشق خارج الباب الشرقي بجوار قبر ضرار بن الأزور ~~وخطب فيه الشيخ المقرئ محمد PageV32P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" المعروف بالنيرباني وكان ابتداء الشروع في ~~عمارة هذا الجامع في شعبان من هذه السنة . ووقف على كل من هذه الجوامع ~~الثلاثة من الأوقاف ما يعرف ريعها في مصالحه أثاب الله تعالى واقفيها وفيها ~~في يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي الحجة عقد السلطان بدار السعادة ~~مجلسا حضره القضاة والفقهاء وأحضر الفقيه زين الدين عبد الرحمن بن عبيدان ~~البعلبكي الحنبلي وأحضر خطه أنه رأى الحق سبحانه وشاهد الملكوت الأعلى ورأى ~~الفردوس ورفع إلى فوق العرش وسمع الخطاب وقيل له : قد وهبتك حال الشيخ عبد ~~القادر وأن الله تعالى أخذ شيئا كالرداء فوضعه عليه وأنه سقاه ثلاثة أشربة ~~مختلفة الألوان وأنه قعد بين يدي الله تعالى مع محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ~~والخضر عليهم السلام ، وقيل له إن هذا مكان لا يجاوزه وليا قط وقيل له ms7570 إنك ~~تبقى قطبا عشرين سنة وذكر أشياء أخر فاعترف أنه خطه فأنكر عليه فبادر وجدد ~~إسلامه وحكم قاضي القضاة الشافعي بحقن دمه وأمر بتعزيره فعزر وطيف به في ~~البلد وحبس أياما ثم أفرج عنه ، وكان قد أذن له في الفتيا وعقود الأنكحة ~~فمنع من ذلك . وفي هذه السنة في يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر ربيع ~~الآخر توفي الأمير شمس الدين سنقر الكمالي الحاجب كان في معتقله بقلعة ~~الجبل ، وكان قبل PageV32P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" ذلك معتقلا بالكرك فرسم بإحضاره وإحضار ~~الأمير سيف الدين كراي فأحضرا وما شكا ولا شك الناس في الإفراج عنهما ، ~~فاعتقلا بقلعة الجبل ببرج فمات الأمير شمس الدين الآن رحمه الله تعالى ~~وتوفي قاضي القضاة زين الدين أبو الحسن علي ابن الشيخ رضي الدين القاسم ~~مخلوف بن تاج الدين أبي المعالي ناهض المالكي النويري الجزولي ، وكانت ~~وفاته في ليلة الأربعاء الحادي عشر من جمادى الآخرة بمنزله بالقاهرة ، ودفن ~~في يوم الأربعاء عند الزوال بتربته بسفح المقطع رحمه الله تعالى ومولده في ~~سنة ست وعشرين وستمائة وكان رحمه الله تعالى كثير المروءة كثير الاحتمال ~~والإحسان إلى الناس يحمل الجفوة من أصحابه ويصبر منهم على كثير من الأذى ~~خصوصا من أهل بلده وكانت أفعاله جميلة ، ومقاصده حسنة وولي القضاء بالديار ~~المصرية في سنة خمس وثمانين وستمائة ، وكانت مدة ولايته ثلاثا وثلاثين سنة ~~تقريبا ، وعرضت عليه الوزارة في الدولة المنصورية فأباها وتنصل منها كل ~~التنصل وبالغ في ردها كل المبالغة وانتهى حاله في التنصل منها إلى أن حضر ~~إلى الدركاه بباب القلعة وقلع طيلسانه وقلع عمامته وفوقانيته ، وبقي بقبع ~~ودلق وهو قائم فقام الأمراء لقيامه وصاروا حوله حلقة وهم لا يعرفون موجب ~~فعله لذلك ثم جاء نائب السلطنة الأمير حسام الدين طرنطاي وهو على هذه ~~الصورة فتألم وسأله عن خبره فقال له : أنا إنما وصلت من بلدي بمثل هذا ~~الملبوس الذي علي ، وأنا اكتسبت بصحبتكم وخدمة السلطان زيادة على ما جئت به ~~هذا الطيلسان وهذه الجبة والعمامة فإن ضمنت لي ms7571 عند السلطان إعفائي من هذا ~~الأمر الذي طلبني بسببه وإبقائي على ما أنا عليه وإلا فلا أرجع إلى لباس ~~هذا أبدا وأرجع إلى بلدي بهذه الحالة ، فبكي الأمراء وعظموه وألبسه نائب ~~السلطنة قماشة ، وضمن له صرف الوزارة عنه واندفعت وأمن بذلك غائلة الأمير ~~علم الدين سنجر الشجاعي فإنه كان إذا ذكر أحد للوزارة أو ذكرها عمل على ~~هلاكه . ولما مات قاضي القضاة زين الدين فوض السلطان القضاء بعده لنائبه ~~القاضي تقي الدين محمد ابن الشيخ شمس الدين أبي بكر بن عتيق الإخنائي . ~~PageV32P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" وفيها في عاشر شهر رمضان توفي الأمير علاء ~~الدين أقطوان الساقي الظاهري أحد الأمراء بدمشق بها ، وصلى عليه بجامعها ~~ودفن بالقبيبات وقد جاوز الثمانين رحمه الله تعالى . وتوفي في ليلة الاثنين ~~سلخ شوال الشيخ العالم كمال الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ جمال الدين ~~أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن سجمان البكري الوايلي الشريشي ~~بمنزلة الحسابين الكرك ومعان وهو متوجه إلى الحجاز الشريف ودفن بالمنزلة ~~ومولده في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وستمائة بمدينة سنجار وكان شيخا فاضلا ~~من أعيان الشافعية المدرسين المفتيين وولي المناصب الجليلة الدينية بدمشق ~~من التدريس ووكالة بيت المال ونيابة الحكم ، وتعين لقضاء القضاة ولم يل ذلك ~~رحمه الله تعالى . وتوفي قاضي القضاة فخر الدين أبو العباس أحمد ابن القاضي ~~تاج الدين أبي الخير سلامة ابن القاضي زين الدين أبي العباس أحمد بن سلامة ~~الإسكندري المالكي قاضي المالكية بدمشق ، وكانت وفاته بالمدرسة الصارمية في ~~بكرة الأربعاء غرة ذي الحجة وصلى عليه بالجامع الأموي ودفن بمقابر باب ~~الصغير ، ومولده في شوال سنة إحدى وسبعين وستمائة رحمه الله تعالى . وتوفي ~~الأمير سيف الدين الشمسي بقلعة دمشق في يوم السبت حادي عشر ذي الحجة ودفن ~~بسطح المزة رحمه الله تعالى . ذكر الغلاء الكائن بديار بكر والجزيرة وغيرها ~~من بلاد الشرق وفي هذه السنة وردت الأخبار إلى الشام بما حصل بديار بكر ~~والموصل وإربل وماردين والجزيرة وميافارقين وغيرها من الغلاء ms7572 العظيم ~~والجلاء وخراب البلاد وبيع الأولاد . PageV32P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" أما ماردين فبلغ ثمن الرطل الخبز بالدمشقي ~~بها من ثلاثة دراهم إلى أربعة دراهم وعدم غالبا مع عدم بقية الأقوات ، ومات ~~خلق كثير من أهلها وأكل الناس الميتة ، ومنهم من باع أولاده . وأما الجزيرة ~~العمرية فقيل إنه مات منها من أول هذه السنة إلى سلخ شهر ربيع الآخر خمسة ~~عشر ألفا بالجوع والوباء وأبيع من الأولاد نحو ثلاثة آلاف صبي ، وكان الصبي ~~يباع من خمسين درهما إلى عشرة دراهم ويشتريهم التتار وكان المار بها يمر من ~~باب الجبل إلى باب الشط فلا يجد أحدا إلى أنه يشم روائح الجيف خارجة من ~~البيوت وصارت الكلاب تأكل جيف الناس وتأوي إلى المسجد الجامع ، وبطلت ~~الجمعة نحو شهر . وأما ميافارقين فمات غالب أهلها بحيث إن المار بأسواقها ~~لم يجد غير ستة حوانيت وأما الموصل فكان الغلاء والجلاء وبيع الأولاد فيها ~~أشد من ماردين حتى خلت الدور من أهلها بعد أن باعوا كل عزيز ونفيس وأكلوا ~~الميتة وحكى أن بعض أهلها باع ولده باثني عشر درهما وقال هذا الولد أنفقت ~~على ختانه خمسين دينار وكان المشترون يمتنعون من شراء أولاد المسلمين وكانت ~~المرأة والصبية تقول : إنها نصرانية لتشتري . وأما مدينة إربل فأكل أهلها ~~جميع النبات الموجود ثم أكلوا لحاء الأشجار وقلوبها ثم أكلوا الميتة وجاءهم ~~الموت الذريع ثم شرعوا في الجلاء فنزح منهم جماعة من الحواضر نحو أربعمائة ~~بيت لقصد مدينة مراغة فسقط عليهم ثلج وأصابهم برد شديد فماتوا بأجمعهم ~~وخرجت طائفة أخرى أكثر من الأولى من البلد والسواد والفلاحين صحبة أردوا ~~التتار فوصلوا إلى عقبة فتركهم التتار أسفل العقبة ، ومنعوهم من الصعود ~~معهم لعجزهم عن إطعامهم فماتوا بجملتهم ووصل كتاب من البلد إلى الموصل وفيه ~~إنا اعتبرنا جملة من بقي من أهل البلد فكانوا خمسمائة بيت من خمسة عشر ألف ~~بيت المتعينون بمن بقي نحو خمسين بيتا والباقون ضعفاء وفقراء . وأما أهل ~~سنجار فكان أمرهم أخف وكذلك أهل العراق خصوصا بغداد ولم يصل آمرهم ms7573 إلى بيع ~~الأولاد وأكل الميتة ومما حكي أن رجل دخل ثلاثمائة وستين قرية زرع منها ست ~~قرى وخرب باقيها لانقطاع ماء دجلة عنها والنخل أصابه في سنة PageV32P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" سبع عشرة وسبعمائة برد وسقط عليه ثلج أفسد ~~بعضه وأضعف بعضه وانقطع المطر في سنة ثماني عشرة فلم يحصل منه شيء وكان سبب ~~هذا الغلاء أولا بمدينة سنجار وديار بكر ظهور الجراد في سنة ست عشرة ~~وسبعمائة فأفسد المزروعات . واستهلت سنة سبع عشرة بغير مطر فاشتد الغلاء ~~وتضاعف فلما هلت سنة ثمان عشرة اشتد الغلاء وعظم البلاد لقلة الأمطار وموت ~~الفلاحين وجلاهم من البلاد لما نالهم من جور التتار وغارات كانت ببلادهم من ~~جهة الشام والأكراد ثم ارتفع الوباء في شهر رجب وشعبان ورمضان وقل الموت ~~لكن الغلاء مستمر بالموصل والعراق وماسنجار وماردين فرخص القوت فيهما ونقلت ~~هذه الحادثة من تاريخ الشيخ علم الدين البرزالي وبعض ألفاظها أوردتها ~~بالمعنى وقال المذكور إنه نقل ذلك من خط عز الدين الحسن بن أحمد بن ذفر ~~الإربلي الصوفي الطبيب واختصر بعضه - نسأل الله العافية من بلائه . ذكر ~~مقتل الرشيد المتطبب وفي النصف الثاني من جمادى الأولى من هذه السنة قتل ~~رشيد الدولة أبو الفضل فضل الله بن أبي الخير بن غالي الهمداني الطبيب وهو ~~الذي كان قد وصل صحبة غازان إلى الشام ، وكان يتحدث في دولته حديث الوزراء ~~، ولما مات خربندا عزل الرشيد من وظائفه ومناصبه ، ودارى عن نفسه بجملة ~~كثيرة من الأموال ، ثم نسب إليه سقي الملك خربندا السم فمات وطلب على ~~البريد إلى المدينة السلطانية ، وأحضر بين يدي جوبان نائب الملك أبي سعيد ~~وقيل له : أنت قتلت الملك ؟ فقال كيف أفعل ذلك وقد كنت رجلا يهوديا عطارا ~~طبيبا ضعيفا بين الناس فصرت في أيامه وأيام أخيه أتصرف في أموال المملكة ~~ولا تتصرف النواب والأمراء في شيء إلا بأمري وحصلت في أيامهما من الأموال ~~والجواهر والأملاك ما لا يحصى فأحضر الطبيب الجلال ابن الحزان طبيب خربندا ~~وسئل عن موت خربندا وقيل له ms7574 : أنت قتلته فقال إن الملك أصابته هيضة قوية ~~فانسهل بسببها نحو ثلاثمائة مجلس وتقايأ قيئا كثيرا ، فطلبني وعرض علي هذا ~~الحال فاجتمع الأطباء بحضور الرشيد على إعطائه أدوية قابضة PageV32P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" مخشنة للمعدة والأمعاء فقال الرشيد عنده ~~امتلاء وهو يحتاج إلى الاستفراغ بعد فسقيناه برأيه دواء مسهلا ، فانسهل ~~بسببه نحو سبعين مجلسا ومات وصدقه الرشيد على ذلك فقال جوبان فأنت يا رشيد ~~قتلته ، وأمر بقتله فقتل واستأصلوا جميع أملاكه وأمواله ، وقتلوا قبله ولده ~~إبراهيم من أبناء ست عشرة سنة ، وحمل رأس الرشيد إلى تبريز ونودي عليه : ~~هذا رأس اليهودي الذي بدل كلام الله ، لعنه الله ، وقطعت أعضاؤه وحمل كل ~~عضو إلى بلد وأحرقت جثته وقام في ذلك الوزير تاج الدين علي شاه التبريزي ، ~~وقتل الرشيد وهو من أبناء الثمانين ، وخلف عدة أولاد ، وكان يتستر بالإسلام ~~فيما قيل عنه . وفيها في التاسع عشر أو العشرين من شهر رمضان قتل الحاجي ~~الدلقندي قتله جوبان نائب الملك أبي سعيد وسبب ذلك أنه بلغه أنه اتفق هو ~~وجماعة من الأمراء على قتله وقتل الوزير علي شاه فبادر بقتله ودلقند قوية ~~من عمل منسوب إلى مدينة سمنان من مدن خراسان نقلته وما قبله من تاريخ ~~البرزالي . واستهلت سنة تسع عشرة وسبعمائة بيوم الجمعة وفي أول ليلة من ~~المحرم هبت ريح شديدة بمدينة دمشق رمت كثيرا من الستائر والطبلات وسقط ~~بسببها جدران كثيرة ، وهلك تحت الردم جماعة واقتلعت أشجار كثيرة من أصولها ~~وقصفت أغصانا وامتنع كثير من الناس من النوم بسببها واجتمع خلق كثير ~~بالجامع يتضرعون إلى الله تعالى في سكونها فسكنت ، ثم ثارت في ليلة ~~الثلاثاء المسفرة عن تاسع عشر الشهر ، وهو أول الاعتدال الربيعي ولم يبلغ ~~مبلغ الأول . وفي يوم الخميس السابع من المحرم ، وصل الأمير شمس الدين آق ~~سنقر الناصري أحد الأمراء من الحجاز الشريف إلى قلعة الجبل بعد أن وقف ~~بعرفة مع الحاج في سنة ثمان عشرة وسبعمائة وصحب الركب إلى المدينة النبوية ~~، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وصلى بها الجمعة ms7575 وركب لست بقين من ذي ~~الحجة سنة ثمان عشرة وردت الأخبار معه أنه قبض على الأمير أسد الدين رميثة ~~أمير الحجاز الشريف PageV32P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" وعلى الأمير سيف الدين بهادر الإبراهيمي أحد ~~الأمراء وهو الذي كان قد جرد بسبب الأمير عز الدين حميضة والذي ظهر لنا في ~~سبب القبض عليهما أن رميثة نسب إلى مباطنة أخيه حميضة وأن الذي يفعله ~~بحميضة هو القبض عليه ولكنه ركب إليه وتقاربا من بعضهما بعضا ، وباتا على ~~ذلك ولم يقدم الإبراهيمي على مهاجمته والقبض عليه فاقتضى ذلك سجنه ، واتصل ~~بالسلطان أيضا أن الإبراهيمي ارتكب فواحش عظيمة بمكة شرفها الله تعالى ، ~~فرسم بالقبض عليهما ووصل الأمير أسد الدين رميثة ورسم عليه بالأبواب ~~السلطانية أياما ، ثم حصلت الشفاعة فيه فرفع عنه الترسيم وأقام يتردد إلى ~~الخدمة السلطانية مع الأمراء إلى أثناء شهر ربيع الآخر من السنة فحضر إلى ~~الخدمة في يوم الاثنين رابع عشر ثم ركب في عشية النهار على هجن أعدت له ~~وهرب نحو الحجاز فعلم السلطان بذلك في يوم الثلاثاء فجرد خلفه جماعة من ~~الأمراء وهم : الأمير سيف الدين أقبغا آص والأمير سيف الدين قطلوبغا المعزي ~~والأمير ناصر الدين الجرمكي وجماعة من عربان العايد فتوجهوا خلفه وتقدم ~~الأميران المبدأ بذكرها ومن معهما من العربان فوصلوا إلى منزلة حقلي وهي ~~بقرب أيلة مما يلي الحجاز فأدركوه بالمنزلة فقبضوا عليه وأعادوه إلى الباب ~~السلطاني ، فكان وصوله في يوم الجمعة الخامس والعشرين من الشهر فرسم ~~السلطان باعتقاله في الجب فاعتقل واستمر في الاعتقال إلى يوم الخميس الثامن ~~من صفر سنة عشرين وسبعمائة فرسم بالإفراج عنه وخلع عليه . وفي العاشر من ~~صفر نودي بدمشق بالصلاة للاستسقاء وقرئ صحيح البخاري بجامع دمشق تحت النسر ~~في سبعة أيام واستسقى الخطيب على المنبر في أيام الجمع مرار ثم برز الناس ~~كافة نائب السلطان والقضاة وغيرهم مشاة إلى ظاهر البلد عند مسجد القدم في ~~يوم السبت نصف صفر وهو سابع نيسان ، وصلى بهم الخطيب صدر الدين سليمان ~~الجعبري ، وخطب واستسقى وعاد الناس ms7576 ، وأمطروا بفضل الله تعالى ورحمته في ~~بكرة يوم الأحد ويوم الاثنين حتى خرب المذاريب ، ووصلت الأخبار بنزول الغيث ~~على البلاد البرانية ، وفي آخر صفر فوضت نيابة السلطنة بحمص للأمير سيف ~~الدين بلبان البدري عوضا عن الأمير بدر الدين بكتوت ، فتوجه إليها ، ووصل ~~القرماني إلى دمشق في رابع شهر ربيع الأول ، واستقر على عادته في جملة ~~الأمراء المقدمين . وفي هذه السنة فوض السلطان قضاء القضاة بدمشق على مذهب ~~الإمام مالك بن أنس للقاضي شرف الدين محمد ابن القاضي معين الدين أبي بكر ~~ابن القاضي سديد PageV32P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" الدين مظفر الهمداني المالكي الفيومي وكان ~~ينوب عن قاضي القضاة تقي الدين بن الإخنائي المالكي بالجامع الصالحي خارج ~~باب زويلة ، فنقل إلى دمشق ، وتوجه إليها وكان وصوله يوم الثلاثاء خامس ~~جمادى الآخرة ، وكان المعتني به والقائم في حقه القاضي فخر الدين ناظر ~~الجيوش المنصورة ، وكان قد عين للقضاء بدمشق الشيخ فخر الدين أبو عمر ابن ~~الشيخ القدوة العابد علم الدين يوسف النويري المالكي وأثنى عليه جماعة من ~~الأمراء والأكابر في مجلس السلطان منهم الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا ~~واستقرار من أمره في الولاية ورسم السلطان بذلك وحضر الأكابر إليه وهنؤوه ~~بالولاية فنهض القاضي فخر الدين في ولاية القاضي شرف الدين المذكور وبالغ ~~في أمره أتم المبالغة وجود الاعتناء حتى ولي ورسم السلطان بتعويض الشيخ فخر ~~الدين عن القضاء بما يليق به فولي إعادة المدرسة الناصرية ، ونيابة الحكم ~~بالجامع الصالحي نقل إليه من نيابة الحكم بالجامع الطولوني فولي ثم عزل ~~نفسه ، واقتصر على حضور الدروس ومشيخة الخانقاه الفخرية بمصر وتعاهد الحج ~~نفع الله به . وفي هذه السنة عاد الأمير سليمان ابن الأمير حسام الدين منها ~~من بلاد العراق وكان قد التحق بالتتار فعاد الآن ووصل إلى دمشق في ثامن ~~جمادى الآخرة وتلقاه نائب السلطنة وحضر إلى الأبواب السلطانية وأحضر عدة من ~~الخيل الجياد ، ومثل بين يدي السلطان وسأل الصفح عن ذنبه وتنصل وأظهر ~~التوبة والندم على ما صدر منه ، فشمله العفو السلطاني والصفح ms7577 وأنعم عليه ~~بالأموال الجزيلة والتشاريف وأنعم عليه من الأموال بدمشق بمائتي ألف درهم ~~وخمسين ألف درهم وزاده السلطان على إقطاعه الذي كان بيده وعاد إلى دمشق في ~~شهر رجب . ذكر الخلف الواقع بين جوبان نائب سلطنة أبي سعيد بن خدبندا ملك ~~التتار وبين الأمراء مقدمي التوأمين وقتالهم وانتصار جوبان عليهم وقتلهم ~~وفي هذه السنة تواترت الأخبار بوقوع الخلف بين مقدمي التتار والحرب بينهم ~~وقد نقل الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه أن الشيخ محمد بن أبي بكر ~~القطان PageV32P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" الإربلي ورد إلى دمشق وأخبره تفصيل ذلك على ~~جليته قال : كان سبب هذه الحرب أن الملك أبا سعيد بن خربندا حصل له الحصار ~~من نائبه جوبان وأنه استقل بتنفيذ الأمور دونه ولم يبق له في المملكة إلا ~~مجرد التسمية ، وأبعد أقواما كانوا مقربين من الملك أبي سعيد وقتل الأمير ~~ربنوا وهو الذي تولى ترتيب الملك لأبي سعيد فذكر الملك ما حصل له من القلق ~~للأمير إيرنجي خال أبيه خربندا ، والأمير قرمشي ابن التياج ، والأمير دقماق ~~وهم من مقدمي التمانات فقالوا للملك : إن أردت أن نخرج عليه ونكبسه ونقتله ~~فعلنا وإن أحببت أن ننابذه الحرب فعلنا ما أردت ؛ فوقع الاتفاق على أنهم ~~يفعلون به كيف ما تهيأ لهم فاتفق الحال من الأمراء الثلاثة ومن وافقهم ~~الأمير أرس أخو دقماق ، ومحمد هرزه ويوسف بكا وبهاء الدين يعقوبا وهم من ~~أعيان الأمراء على أن يعملوا لجوبان دعوة ويقبضوا عليها فيها ، فسأله قرمشي ~~أن يعمل له دعوة في نواحي عمله بالقرب من بلاد كرجستان وأرسل إليه تقادم ~~وهدايا كثيرة ، فقبلها جوبان وأجاب إلى حضور الدعوة فعمل قرمشي الدعوة في ~~مكان يسمى سرماري من نواحي كرجستان ، وهي منزلة قرمشي ومن انضاف إليه ، ~~وتهيأ جوبان لحضور الدعوة ، فبينما هو على ذلك إذ جاءه رجل أقطي من جماعة ~~قرمشي في خفية وأخبره بما انطوى عليه الجماعة خفية وأخبره بما انطوى عليه ~~الجماعة وأشار عليه بمفارقة مخيمه وقال له : الآن يكبسوك . فرجع جوبان إليه ~~واحتاط لنفسه ، وركب ms7578 لوقته وترك مخيمه وخزائنه وخيوله بحالها ، ولم يخبر ~~أحدا من أصحابه ولم يستصحب غير ولده حسن ، وأقبل قرمشي في عشرة آلاف فارس ~~من التتار والكرج والفرس ، فسأل عن جوبان فقيل له ، هو جالس في مخيمه ينتظر ~~حضور الدعوة فقصده وهجم على مخيمه وشهر السيف وثار أصحاب جوبان وهم لا ~~يدرون ما الخبر ، وقاتلوا قتالا شديدا ، قتل من الفريقين نحو ثلاثمائة فارس ~~، وخلص قرمشي إلى خيمة جوبان فلم يجد غير إنسان اسمه أخي أبو بكر فسأله عن ~~جوبان فقال : هرب ولم يعرفنا فضرب قرمشي عنق أخي أبو بكر ، ونهب مخيم جوبان ~~، وأمواله وخيوله وغير ذلك ، وذلك في جمادى الأولى وساق خلف جوبان فلم ~~يدركه . وأما جوبان فإنه استمر به السير إلى مدينة مرند فوصل إليها وليس ~~معه غير نفرين من أصحابه ، فتلقاه الأمير ناصر الدين ملكها وأمده بالخيل ~~والمال والسلاح ، ووصل معه إلى قرية بالقرب من تبريز تسمى دية صوفيان ، ~~ووصل خبره إلى تبريز فخرج إليه الوزير تاج الدين علي شاة التبريزي - وزير ~~الملك أبي سعيد - ومعه ألف PageV32P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" فارس فأنزله وأكرمه ، وأخرج إلى لقائه أهل ~~تبريز بالفرح بمقدمه ، ونصبت له القباب ، وأمدوه بالخيول والسلاح ، فبات ~~بتبريز ليلة واحدة ، وتوجه إلى المدينة السلطانية ، وصحبته الوزير علي شاه ~~وتقدم الوزير واجتمع بالملك أبي سعيد وتلطف في أمر جوبان وأحسن الثناء عليه ~~، وذكر شفقته على الدولة واهتمامه بأمرها وحرمته وغض ممن نازعه ، وخرج عليه ~~، وقال : إن هؤلاء يحسدونه ويقصدون أن يتغير خاطر الملك عليه ، فإذا قتله ~~تمكنوا من الدولة وفعلوا ما أرادوا ، وبلغوا أغراضهم الفاسدة قال : وقد ~~بلغني عن الأمير إيرنجي أنه يقول إن ابنه عليا أحق بالملك ، لأنه من العظم ~~الثاني ، وأغراه به غاية الإغراء فمال إلى قوله ورضي عن جوبان ، وأذن له في ~~الدخول عليه فدخل ومعه كفنه وبكى بين يدي الملك بكاء شديدا أو قال قتلت ~~رجالي وأعواني الذين انتخبتهم لخدمة القان ونهبت أموالي التي جمعتها من ~~نعمه ، وانكسرت حرمتي التي أقامها فإن كان القان يقصد قتلي فها ms7579 أنا بين ~~يديه ، وأنا من جملة مماليكه . فتبرأ أبو سعيد من ذلك وقال : لم أقصد بك ~~سوءا قط وهؤلاء أعداؤك وقد حسدوك على قربك مني وخرجوا علي وعليك وقد مكنتك ~~منهم ، فإنهم ارتكبوا هذا الأمر بغير أمري . فاستأذنه في حربهم فأذن له ~~فسأله ، أن يمده بالجيش ، فأمده بعشرة آلاف فارس يقدمهم الأمير طاز بن ~~كتبغانوين ، الذي قتل بعين جالوت ، وركب قراسنقر المنصوري في ثلاثمائة فارس ~~بالسلاح التام على عادة العساكر المصرية ، وجاء ابنه تمرتاش من جهة ثغر ~~الروم بطائفة كثيرة من الجيوش وركبوا وركب الملك أبو سعيد أيضا في خاصته ~~وساق معهم ليتحقق جوبان أنه معه لا معهم . وأما قرمشي وإيرنجي ودقماق فإنهم ~~ساقوا خلف جوبان إلى أن وصلوا إلى بتبريز ، فغلقت أبوابها دونهم ، وخيف ~~منهم القتل والنهب وخرج إليهم نائبها وهو الحاجي قطق بمأكول ومشروب وعلوفات ~~فعلقوه برجليه وأخذوا منه سبعين ألف دينار - الصرف عن كل دينار ستة دراهم - ~~كون أهل البلد تلقوا جوبان وخدموه وأغلقوا الأبواب دونهم ، ثم ساقوا من ~~يومهم حتى وصلوا إلى مدينة من أعمال أذربيجان اسمها ميانه ، ثم ساقوا منها ~~إلى مدينة زنكان ومنها إلى ضيعة اسمها دية منارة فتوافوهم وجوبان في هذا ~~المكان فلما شاهد الأمير إيرنجي الملك أبا سعيد وأعلامه تحير في أمره ~~واستشار من معه فيما يفعل فقال له قرمشي لا بد من الحرب PageV32P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" فإن الملك في الباطن معنا ، فتصاف الجيشان ، ~~وخاف إيرنجي أن يبدأ الملك بالحرب ، وكذلك من معه إلا قرمشي فإنه سير إلى ~~جوبان يقول له اجعل لي إشارة أقصدها وأحضر إلى خدمتك وطاعتك ، فرفع له ~~جوبان علما ولم يقف تحته بل تحيز إلى جهة أخرى ، فحمل قرمشي على ذلك المكان ~~بمن معه حملة منكرة ، ظنا أن جوان ثم فلم يجده فالتحم القتال ، وقاتل ~~الأمير طاز وقراسنقر المنصوري قتالا شديدا ، فانهزم إيرنجي ومن معه وانضم ~~أكثرهم إلى عسكر الملك جوبان وقبض على إيرنجي وقرمشي ودقماق وأخيه وغيرهم . ~~وحملوا إلى المدينة السلطانية وعمل لهم يزغو ومعناه عقد مجلس ms7580 ، وسئلوا عن ~~سبب تعديهم وخروجهم وارتكابهم لهذا الأمر العظيم ، فقالوا بأجمعهم إنما ~~فعلناه عن أمر الملك وإذنه وقال قرمشي لجوبان : أنا جاءني يوسف بكا ، ومحمد ~~هرزه برسالة الملك أبي سعيد في حربك وقتلك ، فأحضرهما جوبان وسألهما عن ذلك ~~فاعترفا به فأنكر الملك ذلك وقال كذبا علي فافعل معهما ما يجب عليهما من حد ~~الكذب والافتراء علي . فحكم على جميعهم بالقتل بمقتضى ياسا جنكيزخان ، فعند ~~ذلك أخرج إيرنجي من خريطته ورقة وقال للملك أبي سعيد هذا خطك معي بقتل ~~جوبان . وشتم الملك واجترأ عليه ، لأنه خال والده ، فأنكر الملك ذلك وقال ~~لجوبان أعمل معهم بمقتضى الياسا ؛ فإن هؤلاء خرجوا علي وعليك وقصدوا إفساد ~~الحال . فتسلمهم جوبان وقتلهم ، وبدأ بإيرنجي وقال : هذا ينبغي أن يعذب قبل ~~قتله . فقيدوه من أضلاعه بقناطير الحديد فبسط لسانه بالسب الفاحش للملك ، ~~فأرادوا قطع لسانه فعجزوا عن ذلك ، فضربوه بسيخ حديد تحت حنكه خرج من دماغه ~~فمات وبقي مقيدا يومين ثم قطعوا رأسه وطافوا به بلاد خراسان وأذربيجان ، ~~والعراقين والروم ، وديار بكر وقتلوا قرمشي ودقماق نقلت ذلك ملخصا ، وبعضه ~~بالمعنى من تاريخ الشيخ علم الدين البرزالي . PageV32P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" وقال في تاريخه ثم ورد علاء الدين علي بن ~~التخت التاجر السفار من المدينة السلطانية ، وأخبرني بنحو الذي تقدم ، وقال ~~: كنت بالمدينة المذكورة وجوبان قد تتبع الأمراء الذين خرجوا عليه فقبض ~~منهم من أول جمادى الآخرة إلى آخر شوال نحو ستة وثلاثين أمير فقتلهم ، وأخذ ~~أموالهم ، وصادر عمالهم وتجارهم ، وحصل من الأموال أضعاف ما عدم له قال : ~~وبقي إيرنجي ثلاثة أيام مقيدا ميتا وقتل معه في يومه دقماق وأخوه أرس ~~والأمير بكتوت . قال : وفي اليوم الثاني قتلوا يوسف بكا وأخاه الأمير نوماي ~~، وفي اليوم الثالث قتل لدقماق ابنان عمر كل واحد منهما سبع سنين وفي اليوم ~~الرابع قتلوا ابنا لإيرنجي اسمه وفادار من أبناء خمس عشرة سنة وقتل له ابن ~~في الوقعة اسمه الأمير علي وقطعوا رأسه وألقوه إلى أمه كيخشك ابنة السلطان ~~أحمد بن أبغا وكانت حاضرة ms7581 المصاف ، فحملت على أبي سعيد فصرعت وماتت تحت ~~أرجل الخيل قال : وفي اليوم السابع أحضروا قرمشي بن النياج فحلقوا ذقنه ~~وألبسوه طرطورا وسمروه ، وطافوا به المدينة السلطانية ، ثم أحضروه بين يدي ~~جوبان وقتل بالنشاب إلى أن مات ، ثم أحضروا أخاه من ثغر خراسان ، وقتل حال ~~وصوله قال : وأحضروا بنت إيرنجي واسمها قطلو شاه خاتون وكانت إحدى زوجات ~~الملك خربندا فقال أبو سعيد : هذه سقت أبي السم فقصد قتلها فشفع فيها ~~الوزير ، علي شاه وزوجها في الحال بخواجا دمشق أحد أولاد جوبان . قال : ~~وأما امرأة دقماق فتزوجت بالأمير طاز بن كتبغانوين ، وولي وظيفة قرمشي على ~~ثغر خراسان ، وسكنت الفتنة وأحرق جميع من قتل بالنار ولم يدفنوا . وفي هذه ~~السنة في الساعة الثانية من يوم السبت الخامس من شهر رمضان الموافق للعشرين ~~من تشرين الأول والثالث عشر من بابه جاء سيل ظاهر مدينة دمشق وارتفع على ~~وجه الأرض مقدار قامة وكان جريانه من جبل عربا وآيل السوق ووادي هريرة ~~والحسينية وأمطرت هذه الأماكن مطرا عظيما وسال منه هذا السيل وحمل ما كان ~~أمامه من الحجارة حتى سد عين الفيحة وانقطع جريان الماء منها يومين وليلتين ~~، ثم خرجت على عادتها ومر إلى البحيرة . وفي عاشر شهر رمضان أمر نائب ~~السلطنة بدمشق بهدم العمائر التي على جسر باب الحديد إلى باب الفراديس فهدم ~~منها إلى حد باب الفرج ، ثم أقر ما بقي على حاله . PageV32P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" وفي التاسع والعشرين من شهر رمضان جمع القضاة ~~والفقهاء بدار السعادة في مجلس نائب السلطنة ، وقرئ عليهم مثال سلطاني ~~يتضمن الإنكار على الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية بمسألة الطلاق وكان أيضا ~~قد تقدم المرسوم قبل ذلك بمنعه من الفتيا بها ، فامتنع ثم أفتى بها فحصل ~~الإنكار عليه الآن وتأكد المنع وصنف في هذه المسألة كلاما كثيرا ليس هذا ~~موضع إيراده . ذكر توجه السلطان إلى الحجاز الشريف وهي الحجة الثانية وفي ~~هذه السنة أمر السلطان بتجهيز ما يحتاج إليه إلى الحجاز الشريف وأظهر لذلك ~~احتفالا عظيما قبل ms7582 الخروج إلى الحجاز بستة أشهر وحمل من الإقامات والحوائج ~~خاناه والشعير بالمنازل شيئا كثيرا ، وتوجه في صحبته جماعة من الأعيان ~~الأمراء والملك عماد الدين صاحب حماه وعدة من أصحاب الوظائف ورسم بجميع من ~~توجه في خدمته أن تكون كلفهم وما يحتاجون إليه من المآكل والعليق على ~~البيوت السلطانية والإسطبلات فكان يحتاج في كل ليلة من العليق خاصة ألف ~~إردب شعير وقيل ألف إردب ومائة إردب . وجهز معه في هذه السفرة ما لم يسافر ~~به ملك قبله - فيما بلغنا - فكان مما حمل معه على الظهر ثلاثة عشر حملا من ~~المحاير المحكمة المقيرة ، وجعل فيها الطين الإبليز وزرع فيه الرياحين ~~والخضراوات وهو بنفسج حملان هندبا ثلاثة أحمال ، فجل حمل واحد أسفا ناخ ، ~~حمل واحد كسفرة خضراء حمل واحد طرخون : حمل نعناع : حمل - سلق : حمل - ~~حوائج بقل : حمل - شمار : حمل - وعمل له مطبخ يطبخ عليه وهو محمول على ~~الظهر ، وكان يطبخ فيه والجمل سائر فلا يصل إلى المنزلة إلا وقد تهيأ ~~الطعام ، وحمل له من ماء النيل ماء ، شربه مدة سفره ومقامه وعوده هو وجماعة ~~ممن معه ، وحملت الخراف المسمنة المعلوفة في المحاير على الجمال وهي تعلف ~~وتسقى في طول الطريق في ذهابه ومقامه وعوده ، وضحى منها بمنى ، ولما عزم ~~على الرحيل أمر نائبه الأمير سيف الدين أرغون بالمقام بقلعة الجبل ورسم لمن ~~تأخر من الأمراء أن يتوجهوا إلى نواحي PageV32P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" أقطاعهم فيكون كل منهم ببلاد أقطاعه إلى حين ~~عوده ، ولا يجتمع أمير بأمير في غيبته ، وكتب إلى النواب بالشام أن يستقر ~~كل نائب بمقر مملكته ولا يتوجه إلى صيد إلى حين عوده ، فامتثلت أوامره . ~~وكان ركوبه من قلعة الجبل في يوم السبت مستهل ذي القعدة ، وأقام بظاهر ~~القاهرة ما بين قلعة الجب ومنزلة العش إلى يوم الخميس السادس من الشهر ، ~~واستقل ركابه في هذا النهار إلى الحجاز الشريف في أمن الله ورعايته ثم توجه ~~بعد ركاب السلطان الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير سيف الدين أرغون نائب ~~السلطنة فكان توجهه ms7583 من القاهرة في يوم الاثنين سابع عشر ذي القعدة وأدرك ~~الحج ووصل والسلطان بمكة شرفها الله تعالى ، وتصدق السلطان بمكة - شرفها ~~الله تعالى - بصدقات مبرورة وصلاة موفورة وإنعام دان فأغنى بذلك الفقير وسد ~~حاجة ذوي الحاجات وأحسن إلى أهل مكة إحسانا عاما شمل غنيهم وفقيرهم وكبيرهم ~~وصغيرهم . واتفق في هذه السنة وصول ركب من العراق وفيه جماعة من التتار ~~صحبه ثلاثة من أكابر مقدميهم فلما علموا بوصول ركاب السلطان أخفوا أنفسهم ~~خشية أن يقبض عليهم فاطلع السلطان على ذلك فأمر بإحضارهم فحضروا بين يديه ~~فأحسن إليهم وأنعم عليهم ، وشملهم بالخلع السنية بالكلاوت الزركش ومكنهم من ~~العود إلى بلادهم . ولما قضى السلطان مناسك حجه ولم يبق إلا عوده تسحب ~~ثلاثة من مماليك الأمراء الخاصكية مملوكان من مماليك الأمير سيف الدين طقز ~~دمر مملوكا من مماليك الأمير سيف الدين بكتمر الساقي ، والتحقوا بالأمير عز ~~الدين حميضة فظن السلطان أنهم انضموا إلى التتار فسار إلى مقدميهم وأمرهم ~~بالكشف عنهم فقام المشار إليه من مقدميهم الثلاثة وأحضر من معه ، فلم يجدهم ~~معهم ، وأقسموا على ذلك ، ثم تحقق السلطان وهو بالمدينة النبوية أنهم ~~التحقوا بحميضة وكان من خبرهم ما نذكره . ولما عاد السلطان من الحجاز ~~الشريف تبعه جماعة من المشاة ، فكان السلطان يسوق في آخر الناس فإذا مر في ~~طريقه بمن انقطع منهم وعجز عن المشي يقف عنده ويحدثه ولا يفارق مكانه إلى ~~أن يستصحبه معه ، فإذا علم ذلك الرجل أنه السلطان انبعثت نفسه ونهض ومن عجز ~~منهم عن المشي أمر بحمله ففعل ذلك حتى حمل على جميع ما معه من الظهر الذي ~~يمكن الحمل عليه ثم مر بعد ذلك بمن عجز عن المشي PageV32P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" فتحدث معه على عادته وأمره بالقيام فقال : لا ~~أقدر على ذلك فقيل له إن السلطان يحدثك ، فقال : قد علمت أنه السلطان ولكن ~~علي والله لا أستطيع المشي فأمر بحمله ، فقيل له : إن الظهر قد حمل عليه ، ~~فأمر بطرح ما في المحاير من الطين والخضراوات والبقولات وغيرها ، وأن يحمل ms7584 ~~على جمالها من عجز عن المشي ، فامتثل أمره ورفق بالناس غاية الرفق واتصل به ~~أن كريم الدين وكيله قد ضيق على بعض من معه في العطاء والرواتب ، فنقم عليه ~~وضربه وهم بقتله مع تمكنه من دولته ثم استعطف عليه فسكن غضبه ووصل إلى ~~السلطان هدايا النواب وتقادمهم والإقامات الوافرة والفواكه من حين خرج من ~~مكة شرفها الله تعالى . ولما وصل السلطان إلى وادي بنس سالم في عوده وهو من ~~المدينة على ثلاث مراحل جهز الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير سيف الدين ~~أرغون ، والأمير سيف الدين قطلوبغا المعزي بالبشارة بمقدمه ، فوصلا إلى ~~القاهرة في يوم الثلاثاء مستهل المحرم ، وعلى أيديهما كتب البشائر فضربت ~~البشائر وزينت المدينتان أحسن زينة وبات الناس في حوانيتهم ليالي واستبشروا ~~بسلامته . وكانت غيبة السلطان الملك ناصر الدين محمد عن القاهرة في ذهابه ~~وحجه وعوده ثلاثة وأربعين يوما . ثم وصل السلطان إلى قلعة الجبل في بكرة ~~نهار السبت الثاني عشر من المحرم ستة عشرين وسبعمائة ، ولما مر بعقبة أيلة ~~وشاهد ضيقها وصعوبة مسلكها أمر بترتيب جماعة من الحجارين لإصلاح طريقها ، ~~وقطع ما بها من الصخور المانعة من السلوك المضيقة على الناس فسطرت هذه ~~المثوبة العظمى في صحائف حسناته . وفي سنة تسع عشرة وسبعمائة توفي الأمير ~~سيف الدين كراي المنصوري بمعتقله بالبرج بقلعة الجبل في يوم السبت سادس عشر ~~المحرم رحمه الله تعالى . وتوفي الأمير سيف الدين أغزلوا العادلي أحد ~~الأمراء الأكابر مقدمي الألوف بدمشق ، في يوم الخميس سلخ جمادى الأولى ~~بداره بظاهر دمشق ودفن بتربته بقاسيون ، وكان أميرا شجاعا مقداما ، شهد ~~الحروب وأبلى فيها بلاء حسنا ، وقد تقدم ذكر نيابة دمشق في الأيام العادلية ~~الدينية رحمه الله تعالى وتوفي الصدر بدر الدين PageV32P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" محمد بن الصدر ناصر الدين منصور بن إبراهيم ~~بن منصور بن الجوهري الحلبي وكانت وفاته بدمشق بالعادلية يوم السبت سادس ~~عشر جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون ، ومولده بحلب في ثالث عشر صفر سنة ~~اثنتين وخمسين وستمائة سمع الحديث النبوي وأسمعه ، وكان يعد ms7585 من الرؤساء ~~بالقاهرة ، وتمكن في سلطنة الملك العادل كتبغا تمكنا عظيما وعرض عليه ~~وزارته فأباها ، وكان من ذوي الأموال العريضة ثم نفدت أمواله في آخر عمره ~~واستدان ومات وعليه جملة من المال رحمه الله تعالى . وتوفي القاضي فخر ~~الدين أبو عمر وعثمان بن علي بن يحيى بن هبة الله بن علي بن إبراهيم بن ~~مسلم بن علي الأنصاري الشافعي المعروف بابن بنت أبي سعيد وكانت وفاته ~~بالقاهرة في ليلة الأحد الرابع والعشرين من جمادى الآخرة ودفن من الغد ~~بالقرافة ومولده في الحادي والعشرين من شهر رجب سنة تسع وعشرين وستمائة ~~بقرية داريا من قرى دمشق وكان رحمه الله من العلماء الفضلاء الذين يرجع إلى ~~فتاويهم ، وكان حسن العشرة والمودة والمذاكرة لطيفا ولي نيابة الحكم ~~بالقاهرة مدة وولي قبل ذلك قضاء الأعمال القوصية وغيرها رحمه الله تعالى . ~~وتوفي الشيخ الصالح العابد العارف العلامة القدوة الورع الزاهد أبو الفتح ~~نصر بن سليمان بن عمر المنيخي تغمده الله تعالى برحمته ورضوانه بزاويته ~~المشهورة ، ومولده تخمينا في سنة ثمان وثلاثين وستمائة وكان قدس الله روحه ~~عالما زاهدا عابدا ، مخشوشنا في مأكله ومشربه وملبسه سمع الحديث بحلب على ~~أبي إسحاق إبراهيم بن خليل بن عبد الله الدمشقي وقدم إلى الديار المصرية ~~بعد الستين ، وقرأ القرآن على الشيخ كمال الدين بن علي بن شجاع وصدره في ~~مجلسه ثم قرأ على الشيخ جمال الدين بن فارس ، والشيخ علي الدهان وأجازوه ~~بذلك وأتقن القراءات ووجوهها وعللها وسمع صحيح البخاري على الشيخ كمال ~~الدين الهاشمي وصحيح مسلم على ابن البرهان وكتاب السنن لأبي داود على أبي ~~الفضل محمد بن محمد البكري ، والسنن للنسائي على أصحاب أبي بكر بن باقا ، ~~وسمع علي النجيب الحراني ، وعبد الهادي القيسي وابن عملاق وغيرهم ، وأجاز ~~له الرشيد العطار وغيره PageV32P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" وحدث بذلك مرارا وقرأ عليه القرآن جماعة ~~فأجاز منهم الشيخ أبا عبد الله محمد بن حسن الضرير دون غيره لإتقانه وكان ~~يقول قرأ على خلق من أهل البلد وما جاز لي أن ms7586 أجيز غير أبي عبد الله وقرأ ~~الشيخ رحمه الله النحو والتصريف على الشيخ بهاء الدين بن النحاس واشتغل على ~~مذهب الإمام أبي حنيفة واشتغل بأصول الفقه على أبي عبد الله محمد بن ~~الحراني ، وكتب الحديث هذا كله مع الزهد والانقطاع والعبادة وأقبل عليه ~~ملوك عصره وأكابر أمراء الدول والأعيان وترددوا إليه في الدولة الظاهرية ~~وما بعدها وكان أكثرهم به خصوصية واجتماعا وترددا إليه وامتثالا لأمره ~~ورجوعا إلى إشاراته الأمير ركن الدين بيبرس العثماني المنصوري الجاشنكير ، ~~وهو الذي ملك الديار المصرية ولقب في سلطنته بالملك المظفر فكان يقضي عنده ~~حوائج الناس ، ويصل أرزاقهم واستماله الشيخ إلى الخير وحسن فعله فوقف بأمره ~~وإشارته ما قدمنا ذكره بجامع الحاكم والخانقاه والرباط وغير ذلك من وجوه ~~البر ، وكان الشيخ يكره الاجتماع بالأكابر وتلجئه الضرورة إلى ذلك لما يحصل ~~بسبب اجتماعهم به من النفع المتعدي إلى غيره ، ومما يدل على كراهته لذلك ~~أنه كان ينقطع عن الاجتماع بالناس ومشافهتهم أربعة أشهر في السنة وهي رجب ~~وشعبان ورمضان وذو الحجة ثم انقطع ستة أشهر من السنة ثم جعل انقطاعه في آخر ~~عمره ثمانية أشهر وفي مدة انقطاعه لا يشافه بكلامه غير خادمه وابن أخته ~~الشيخ قطب الدين عبد الكريم وأخبرني المشار إليه أن الشيخ ما زال يسأل الله ~~تعالى أن يخفف عنه تردد الناس إليه فاستجاب الله تعالى له وانقطع الناس عنه ~~قبل وفاته مدة تفرغ فيها لعبادة ربه ، وكنت أجتمع به في بعض الأحيان ~~بزاويته وأخلو به في خلوته فيتحدث معي ويدعو لي وتظهر لي منه دلائل المحبة ~~والميل إلي ، وكنت أقصد رؤيته في زمن انقطاعه عن الاجتماع بالناس فأحضر إلى ~~الجامع الحكمي في يوم الجمعة قبل حضوره فإذا جاء قمت إليه وتلقيته وسلمت ~~عليه وصافحته فيرد علي السلام الشرعي لا يزيدني ولا غيري عن ذلك ، وأما في ~~غير زمن انقطاعه فيسألني عن حالي وما تجدد لي ، وأخبرني الشيخ قطب الدين ~~ابن أخيه نفع الله به أن الشيخ سأله في الساعة الثالثة من يوم وفاته ms7587 هل ~~قارب أذان العصر ؟ قال فقلت له : يا سيدي بقي للعصر كثير ، ثم ذكر ذلك في ~~الخامسة ، ثم أعاده وقت أذان الظهر قال : ورأيته يفرح بأذان العصر فلما أذن ~~المؤذن بالعصر خرجت روحه الطاهرة المطمئنة ورجعت إلى ربها راضية مرضية قدس ~~الله تعالى روحه ونفعنا ببركاته . وفي هذه السنة كانت وفاة الملك المعظم ~~شرف الدين عيسى ابن الملك الزاهر مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد ~~الدين شيركوه ابن الملك القاهر ناصر PageV32P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" الدين محمد ابن الملك المنصور أسد الدين ~~شيركوه الكبير ابن شادي بالقاهرة بدار الشريف ابن ثعلب في ثامن عشر ذي ~~القعدة وكان قد حضر إلى الأبواب السلطانية يسعى في الإمرة ، فأنعم عليه ~~بإمرة طبلخاناه بدمشق فمات قبل عوده إلى وطنه ومولده بدمشق في يوم الثلاثاء ~~ثاني عشرين شهر رمضان سنة خمس وخمسين وستمائة . ذكر الحرب الكائنة بجزيرة ~~الأندلس بين المسلمين والفرنج وانتصار المسلمين عليهم كانت هذه الوقعة ~~المباركة التي أجلت عن الظفر والغنيمة في شهر ربيع الأول سنة تسع عشرة ~~وسبعمائة ، ووصل الخبر بها إلى الديار المصرية في سنة عشرين وسبعمائة ، ~~واجتمع بي من حضر هذه الوقعة وقص علي نبأها وعلقت ذلك منه ثم فقدته ورأيت ~~هذه الواقعة قد ذكرها الشيخ شمس الدين الجزري في تاريخه عن الشيخ محمد بن ~~عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى بن ربيع المالقي وملخص ما نقله عنه : أنه ~~لما بلغ النصارى حال ، أمير المسلمين بجزيرة الأندلس وهو السلطان الغالب ~~بالله أبو الوليد إسماعيل ابن كبير الرؤساء أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن نصر ~~سبط أمير المؤمنين المجاهد الغالب بالله أبي عبد الله محمد ابن أمير ~~المسلمين يوسف بن منصور المعروف بابن الأحمر وأنه أخذ بالعزم في تحصين ~~البلاد والثغور وإصلاح حال الرعية وحياطتهم كبر ذلك عليهم وعزموا على ~~منازلة الجزيرة الخضراء وانتدب لذلك سلطان قشتالة واسمه دون بطره وجهز ~~المراكب والرجالة وجاء إلى طليطلة ، وهي مقام بابهم الذي يرجع الملوك إليه ~~ويقفون عند أمره ، وعرفه ما عزم عليه ms7588 من غزو الجزيرة الخضراء واستئصال من ~~بها من المسلمين وسأله أن يتقدم أمره لملوك جزيرة الأندلس بمساعدته وإعانته ~~على ذلك فسره ذلك وتقدم إلى الملوك بالاهتمام في هذا الأمر وإعانته عليه ، ~~واتصل خبر اهتمامهم بأمور المسلمين أبي الوليد إسماعيل فكتب إلى سلطان بلاد ~~المغرب أبي سعيد عثمان بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني ، وعرفه ما ~~دهم المسلمين من هذا العدو الثقيل واجتماعه وكلبه على البلاد الإسلامية ، ~~وسأل إنجاده بطائفة من جيشه وسير إليه بكتابه أبا عبد الله الطنجالي محدثا ~~الأندلس وعالمها ، وأبا عبد الله الساحلي عابد الأندلس وأبا جعفر بن الزيات ~~الصوفي ، وأبا تمام غالب الأغرناطي التتاري الصالح PageV32P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" الزاهد وصحبتهم جماعة من الناس ، فتوجهوا ~~إليه في البحر والبر حتى انتهوا إلى مدينة فاس واجتمعوا به وسألوه إغاثة ~~المسلمين وإعانتهم فتقاعد عن نصرتهم واستصعب هذا الأمر فعادوا عنه وقد ~~أيسوا من نصره فلجأ المسلمون إلى الله تعالى وأخذوا في إصلاح الجزيرة ~~الخضراء وتحصينها واتصل خبر تقاعد المريني بالفرنج فاستبشروا بذلك وتحققوا ~~أنهم يملكوا البلاد ويستأصلون المسلمين ، وقدموا في جيوش عظيمة اشتملت على ~~خمسة وعشرين ملكا منهم صاحب أشبونة وقشتالة والفرنتيرة ، وأرغونة وطلبيرة ~~ووصلت إليهم الأثقال والمجانيق وآلات الحصار والأقوات في المراكب التي ~~جهزوها وانتهت المراكب بذلك إلى جبل الفتح وطريف لمجاورتهما للجزيرة ~~الخضراء ووصل إلى الزقاق ثلاث عشرة جفنا كبار غزوانية وترددوا بين الجزيرة ~~والمرية ووصلت جموع الفرنج إلى أغرناطة ونزلوا منها على عشرة أميال بموضع ~~يقال له قنطرة بينوش بالقرب من جبل البيرة فامتلأت بهم تلك الأرض وامتدت ~~جيوشهم في طول وادي شنيل ولم يكن لهم بد من النزول على الوادي بطوله بسبب ~~الماء ولما علم المسلمون بوصولهم إلى هذا المكان عزم أمير المسلمين على ~~أمير جيشه الشيخ الصالح أبي سعيد عثمان بن أبي العلاء أن يخرج إليهم بأنجاد ~~المسلمين وشجعانهم في صبيحة يوم الاثنين الخامس عشر من شهر ربيع الآخر سنة ~~تسع عشرة وسبعمائة فتأهب الناس لذلك في الأحد . ولما كان في عشية يوم ms7589 الأحد ~~أغارت سرية من العدو على ضيعة من ضياع السلطان القريبة من البلد فخرج إليهم ~~جماعة من فرسان الأندلس الرماة المعروفين برماة الديار فقطعوهم عن الجيش ~~وفروا أمامهم بجهة أرض المسلمين فتبعوهم طول الليل وأصبحوا بأرض لوشة ~~فاستأصلهم المسلمون بالقتل والأسر ، وكان ذلك أول النصر وأصبح المسلمون في ~~يوم الاثنين وقد غاب من جمعهم هذه الطائفة المشهورة بالشجاعة والرمي ، فلم ~~يتوقف الشيخ أبو سعيد عن لقاء العدو بسبب غيبتهم وعزم على الخروج لقتالهم ، ~~وذلك يوم عيدهم عيد العنصرة وهو الرابع عشرين من حزيران ، فخرج إليهم في ~~طائفة يسيرة من الفرسان مع أبناء أخيه وهما الشيخان الشقيقان أبو يحيى وأبو ~~معروف أمير جيش مالقة ابنا الشيخ الشهيد أبي محمد عبد الله بن أبي العلاء ~~ومنهم أخوهم الشيخ أبو عامر خالد أمير جيش رنده ومنهم الشيخ العارف أبو ~~مسعود محمد بن الثابتي ومنهم أمير جيش الخضرا ، الشيخ المرابط أبو عطية ~~مناف بن ثابت المغراوي وأمير لوشه والشيخ أبو المكارم ريان بن عبد المؤمن ~~ولكل واحد من هؤلاء أولاد وأتباع ، وأمر مطاع ، وخرج مع هؤلاء PageV32P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" الفرسان جماعة رجال أنجاد نحو خمسة آلاف رجل ~~من أهل غرناطة وسلكوا مع الشيخ أبي سعيد طريق الجبل لكونه أمنع ، وأوصاهم ، ~~أن يكونوا بموضع عينه لهم ووصل فرسان المسلمين الثالثة من النهار إلى قرب ~~الجيش فلما شاهدهم الفرنج عجبوا من إقدامهم عليهم مع قلتهم بالنسبة إلى ~~كثرة الفرنج ، وخرج إليهم وزير ملك الفرنج ، فقال ما هذا الذي فعلتموه ، ~~وكيف أتيتم والملك في يوم عيده ؟ فارجعوا وابقوا على أنفسكم فإنه إن علم ~~بكم ركب لقتالكم ولا ملجأ لكم منه فعند ذلك حصل للشيخ أبي سعيد حال أخرجه ~~عن عقله فنزل عن فرسه باكيا متضرعا إلى الله تعالى ، وارتفعت أصوات ~~المسلمين بالدعاء لهم ثم أتاهم من كان قد بقي بأغرناطة من فرسان المسلمين ~~يتبعون آثارهم فحرض الشيخ أبو سعيد المسلمين على قتال عدوهم ، وصلى ودعا ~~وبينما هو في صلاته ركب العدو بجملتهم وحملوا على المسلمين - ولم يعلموا ms7590 ~~برجال المسلمين التي وصلت من أغرناطة فنزلوا بجهة العلياء من المنزلة ~~الخالية ، وقصدوا المسلمين فلم ترعهم كثرتهم واستمر الشيخ أبو سعيد في ~~صلاته حتى أكملها ، ووقف المسلمون ينتظرون ركوبه ، ولما رأى العدو ثباتهم ~~توقفوا وتهيؤوا وخرج من الفريقين فرسان يحركون القتال فاستشهد أمير رندة ~~فاجتهد أقرباؤه في أخذ ثأره وأمر الشيخ أصحابه أن يقصدوا طرف المحلة ففعلوا ~~فأفادهم ذلك ، ومال الروم إلى جهة المحلة بجملتهم ، فألقى الله الرعب في ~~قلوبهم فانهزموا أقبح هزيمة وأخذتهم السيوف الإسلامية فما زال المسلمون ~~يقتلونهم من الساعة السابعة إلى الغروب ، ولما أظلم الليل أخذ الفرنج في ~~الهرب وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ، وغاب الجيش عن أغرناطة ثلاثة أيام ~~وخرج أهل غرناطة بجمع الأموال وأخذ الأسرى ، فاستولوا على الأموال وأسروا ~~وسبوا ما يزيد على خمسة آلاف من الرجال والنساء والأولاد ، وأحصي من قتل من ~~العدو فزادوا على خمسين ألفا ، ومنهم من قال ستين ألفا ، ويقال إنه هلك ~~منهم بالوادي مثل هذا العدد لقلة معرفتهم به وثقلهم بالعدد ولم تبلغ القتلى ~~من المسلمين بالمحلة عشرة وأما الذين قتلوا بالجبال والشعارى وسائر بلاد ~~المسلمين من العدو فلا يحصى عدده كثرة ووجد الملوك الخمسة والعشرون بالمحلة ~~قتلى ، منهم دون بطره وعمه دون جوان وعلق دون بطره على باب الحمراء ~~بأغرناطة وأما عمه وكان ممن يخدم المسلمين ففديت جثته بشيء كثير وأسارى ~~وأسر من العدو في بقية الشهر خلق كثير فكان المسلمون يحتاجون في كل يوم ~~لقوت الأسرى وقوت من يحرسهم ويحفظ الدواب خمسة آلاف درهم قال : وزعم الناس ~~أن الذي وجد من الذهب والفضة بالمحلة PageV32P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" كان سبعين قنطارا ولم يظهر سوى ربع هذا ~~المقدار وأما الدواب والعدد والأخبية فشيء كثير . قال ولقد عزم على بيع ما ~~يحصل من ذلك وقسمته فتعذر ذلك ، واستمر البيع في الأسرى وبعض الأسلاب ~~والدواب ستة أشهر متوالية ولم يكمل قال وبعضها باق إلى الآن وضجر الناس ~~وملوا من كثرة البيع قال ونهاية عدد ما كان من فرسان المسلمين في ذلك اليوم ~~بعد ms7591 رجوع الرماة مما كانوا فيه ألفان وخمسمائة ولم يستشهد منهم غير أحد عشر ~~رجلا ، منهم خالد بن عبد الله المذكور وعمر بن باحرزت ، وكان من خيار ~~المسلمين رحمه الله تعالى هذا آخر كلامه في هذا الفصل وبعضه بمعناه . ~~وأخبرني من شهد هذه الوقعة كما زعم وظاهره غير متهم فإن عليه آثار الخير ~~أنه شاهد رجلا يقاتل العدو ويقتل منهم في هذه الوقعة قال فشبهته ببعض من ~~أعرفه فجعلت أحرضه على القتال ثم دنوت منه فلم أجده ذاك وشبهته بآخر فحرضته ~~كذلك فلما قربت منه نظر إلي وقال لست فلانا ولا فلانا النصر من عند الله ، ~~ثم غاب عني وفي هذا دلالة على أن الله تعالى أمد هذه الطائفة بالملائكة في ~~هذه الغزاة ، فإن القدرة البشرية تضعف عن مقاومة هذه الجموع الكثيرة بهذه ~~الطائفة اليسيرة . وقد ورد كتاب إلى الديار المصرية من أغرناطة من جهة ~~الشيخ حسين بن عبد السلام تضمن من خبر هذه الغزاة أنه قال جاء دون بطرا ~~وجوان وهما ملكا قشتالة جيشا جيشا هائلا ما رأى المسلمون قط مثله ، وعزموا ~~على دخول أغرناطة فأول نزولهم على حصن يقال له طشكر وفيه صاحبه ابن حمدون ~~فلما نازلوه بعث إليهم صاحب الحصن في تسليمه على إبقاء المسلمين فأجاب ملك ~~الروم إلى ذلك واستقر أن يسكن المسلمون والروم في الحصن فواعدهم صاحب الحصن ~~أن يبعثوا إليه في نصف الليل خمسمائة فارس من الشجعان فبعثهم الملك إليه مع ~~قائد يقال له أرمند فلما دخلوا الحصن فرقهم صاحب المجالس وقتلهم عن آخرهم ~~ولم يشعر بعضهم ببعض فلما علم ملك الروم أنه عذر بهم حلف أن لا يرجع إلى ~~بلاده حتى يدخل مدينة أغرناطة غلبة وقهرا فنازلها بمن معه على أربعة أميال ~~منها فلم يخرج إليه أحد ثم تقرب حتى صار منها على ميلين فلما رأى المسلمون ~~قربه من المدينة وقع في نفوسهم رعب عظيم وتضرعوا إلى الله تعالى ، فلما رأى ~~سلطان البلد ما نزل بالمسلمين بعث إلى ملك الفرنج يقول له : ارحل عني ms7592 ~~بأجنادك وأنا أعطيك عشرين حملا من المال PageV32P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" ولا تفسد زرع البلاد ، فامتنع من قبول ذلك ~~وأبى إلا أخذها غلبة وقهرا فبعث إليه ثانيا وبذل له خمسة وعشرين حملا من ~~الذهب ، وفي كل يوم مائة دينار وفي كل جمعة ألف دينار . فامتنع ملك الروم ~~من القبول وحبس رسول المسلمين ، فعلم المسلمون حينئذ أنه لا ينجيهم إلا ~~النصر من الله تعالى فبعثوا إلى أمير يعرف بأبي الجيوش من بني مرين وسألوه ~~إنجادهم بنفسه ، فجاء ومعه ألف فارس ونزل بموضع يقال له إلبيرة ، وخرج ~~عثمان بن أبي العلاء وهو من بني مرين في ألف فارس فكمن في موضع آخر وخرج ~~ملك المدينة بعد خروج عثمان المذكور وخرج بعد الملك أمير يعرف بالمغراوي في ~~ثلاثمائة فارس من بني مرين ومع كل طائفة منهم نقارتان وصناجق ووقع عليهم ~~ملك المدينة واقتتلوا فانهزم المسلمون أمامهم إلى جهة المدينة استجرارا لهم ~~فتبعهم الفرنج طمعا فيهم ثم عطف المسلمون عليهم وخرج عليهم الكمناء من كل ~~جهة ، ورفعوا أصواتهم بذكر الله تعالى ، فهزم الله تعالى الكفار وألقى ~~الرعب في قلوبهم فقتل منهم ثمانون ألفا وسبى من الأولاد والنساء تسعة آلاف ~~وأسر ما لا يحصى كثرة قال : وأما ما وزن من الذهب من المغنم منهم فثلاثة ~~وأربعون قنطارا ومن الفضة مائة وأربعون قنطارا ولم يفلت من الفرنج إلا من ~~نجا به فرسه وقتل الملكان فيمن قتل وجميع زعمائهم وحصلت امرأة جوان وأولاده ~~في الأسر فبذلت في نفسها مدينة طريف وجبل الفتح وثمانية عشر حصنا فلم يقبل ~~المسلمون ذلك قال : واستشهد من المسلمين سبعة ، ثلاثة من بني مرين وأربعة ~~من الأندلسيين من أعيانهم ، قال : ثم وصلنا أنه خرج من إشبيلية أربعة عشر ~~مركبا ، ونزلوا على سبتة فخرج إليهم المسلمون فأخذوا منهم أجفانا وأسروا من ~~بها ، قال : ووقعت الغزوة المباركة في الخامس عشر من الشهر فكان بين ~~الوقعتين ليلة واحدة ، هذا ملخص كتابه ومعناه ونقل الشيخ محمد بن عبد الله ~~بن عبد الرحمن بن يحيى الحاكي الأول قال : ولما ms7593 كان في يوم الخميس مفتتح ~~سنة عشرين وسبعمائة هكذا قال يوم الخميس مفتتح سنة عشرين وهي استهلت عندنا ~~بيوم الثلاثاء عزم الشيخ أبو يحيى أمير جيش مالقة أن يتوجه إلى رندة ويجتمع ~~فيها بابنه مسعود الذي تولى أمر جيشها بعد عمه الشهيد خالد ويصل إليه الشيخ ~~أبو عطية مناف بن ثابت ويتوجهوا للإغارة على شريش من PageV32P0243 # """""" صفحة رقم 244 """""" بلاد النصارى فعلم بذلك النصارى المجاورون ~~لمقالقة ولبلاد المسلمين فعزموا على أن يغيروا على قامرة وحصن نوح من شطر ~~مالقة وبالقرب منها ، فارتقبوا يوم انفصاله وكان يوم الخميس ، فاجتمعوا في ~~نحو ألف فارس وخمسة آلاف راجل من أهل استجة وسبتباله وأشونة وستبة وبلى ~~وأليسانه وقبرة ومرشانة وكان الفرنج في الحشد الأول قد خافوا على هذه ~~البلاد المجاورة للمسلمين فتركوا أهلها بها لحراستها فوصلوا صبيحة السبت ~~ودخلوا قامرة فأخذوا جميع كسب سلطان المسلمين وكثيرا من كسب الرعية وخرجوا ~~مطمئنين . وكان قد خرج فارسان من المسلمين ليلحقا الجيش فظفر الفرنج ~~بأحدهما وهرب الآخر ، فأدرك الشيخ أبا يحيى بحيطين خضر الوزير ابن الحكيم ~~يعرفه الحال وهو بجماعة مالقة خاصة فرجع لقصد العدو فحضر على حصن طبية ~~فتبعه من فرسانها نحو ثلاثمائة فارس ممن يعتمد عليهم ، وترك الضعفاء ~~والثقلة البقلة ونهض إلى حيث ذكر له الفارس أنه لقيهم في أول الليل في ~~دخولهم فوجدهم قد خرجوا بالمغنم بموضع يقال له برجمه من تحت حصن سم لي وذلك ~~بعد الظهر فارتفع الفرنج في كدية عالية ، ونزل أنجاد فرسانهم للقتال ~~فقاتلهم المسلمون قتالا شديدا فقتلوا أكثرهم ، واستشهد من المسلمين رجل ~~واحد يقال له سعد الهمداني ، ثم ظهرت ساقة المسلمين ، فارتفع من سلم من ~~مقاتلة النصارى إلى الكدية وتحصنوا بها بالبرادع والدرق والدواب وامتنعوا ~~ووصل الرماة من أنتقيرة وحصن المنشأة ، وكان العون من الله تعالى عليهم فما ~~زالوا يجاولونهم ويقاتلونهم إلى ثلث الليل الآخر فأذعن من سلم من النصارى ~~إلى الإسار ، فنزل نيف على خمسمائة فأسروا وقتل بقيتهم بالرماح والسهام ~~ورجع الشيخ أبو يحيى بهم إلى مالقة وجعل ms7594 منهم أربعمائة أسير اثنين وثمانين ~~أسيرا في حبل واحد ، وسائرهم مثقلون بالخراج وأركبهم على دوابهم وأخذ منهم ~~قاضي النصارى بأستجة وحمل ما غنم من عدوهم من السيوف والرماح على خمسة ~~وأربعين جملا ومن القسي على خمسة وأربعين دابة ، والدرق على نحو من ثلاث ~~عشرة دابة ، وأراح الله تعالى من هؤلاء الأعداء ونصر عليهم وله الحمد ~~والمنة . واستهلت سنة عشرين وسبعمائة بيوم الثلاثاء في هذه السنة في شهر ~~المحرم عاد السلطان الملك الناصر من الحجاز الشريف كما قدمنا ذكر ذلك في ~~سياقة أخبار حجته ولما عاد إلى الديار المصرية شمل نواب السلطان وأكابر ~~الأمراء بالإنعام والتشاريف على عادته . PageV32P0244 # """""" صفحة رقم 245 """""" ذكر تفويض السلطنة بحماة للملك المؤيد عماد ~~الدين إسماعيل كان الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل ابن الملك الأفضل نور ~~الدين علي ابن الملك المظفر تقي الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين ~~محمد ابن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب قد توجه في خدمة ~~السلطان إلى الحجاز الشريف في سنة تسع عشرة وسبعمائة فلما عاد في هذه السنة ~~رأى السلطان أن يفوض إليه السلطنة بحماة على عادة عمه وأجداده ، فأمر بذلك ~~وأركبه بشعار السلطنة في يوم الخميس السابع عشر من المحرم سنة عشرين ~~وسبعمائة ولبس التشريف بالمدرسة المنصورية التي بين القصرين بالقاهرة وهو ~~بغلطاق أطلس معدني أحمر بطرز زركش ، بسنجاب مقندز وقباء تحتاني أطلس معدني ~~أصفر ، وشاش تساعي مقصب بقصبات زركش وكلوتة زركش وسيف وحياصة ذهب وركب فرسا ~~أشهب من مراكيب السلطان نرناري أطلس أحمر بداير أصفر برقبة سلطانية مزركشة ~~وسرج سلطاني محلى بذهب وحمل السلاح له الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح ، ~~وحملت الغاشية السلطانية بين يديه ، وركب في خدمته الجمدارية السلطانية ~~والحجاب ، والنقباء وحملت العصائب على رأسه ، وخلع على أرباب الوظائف من ~~الأمراء الأكابر ، وكان يوما ما مشهودا وطلع إلى قلعة الجبل وقبل الأرض بين ~~يدي السلطان وجلس رأس الميمنة ثم أعطى الدستور الشريف فتوجه من يومه على ~~خيل البريد محبورا مجبورا ، ووصل إلى دمشق ms7595 في يوم الخميس الرابع والعشرين ~~من المحرم وأقام بعض يوم وتوجه إلى حماة والله أعلم . وفي هذه السنة أعفى ~~الصاحب أمين الدين عبد الله من نظر المملكة الطرابلسية وكان قد تكرر سؤاله ~~في الإعفاء وأن يكون مقامه بالقدس الشريف فأجيب سؤاله PageV32P0245 # """""" صفحة رقم 246 """""" وتوجه من طرابلس إلى القدس في شهر المحرم ~~ورتب له في كل شهر ثمانمائة درهم ، وأربع غرائر قمحا بكيل القدس ، واستقر ~~مقامه بالقدس إلى أن أعيد إلى الوزارة على ما نذكره إن شاء الله تعالى . ~~ذكر الإفراج عمن يذكر من الأمراء المعتقلين وفي العشر الأوسط من صفر من هذه ~~السنة أفرج السلطان عن جماعة من الأمراء المعتقلين الذين اعتقلوا في ابتداء ~~الدولة وهم الأمير علم الدين سنجر البرواني والأمير علم الدين الشيخ علي ~~التبريزي والأمير سيف الدين طوغان المنصوري والأمير سيف الدين طاجار تكبري ~~، والأمير صارم الدين أزبك العينتابي ، والأمير علم الدين أيدمر الشيخي ، ~~والأمير علاء الدين مغلطاي السيواسي والأمير شمس الدين سنقر الكمالي الصغير ~~والأمير بدر الدين الحاج بيلبك ، وسيف الدين منكجار وناصر الدين منكلي وشرف ~~الدين موسى وشهاب الدين غازي أخو حمدان بن صلغاي وخلع عليهم خلع الجند ورتب ~~جماعة منهم في البحرية ثم أمر بعضهم بطبلخاناه ، وقدم بعضهم على رجال ~~الحلقة ، ولما أفرج السلطان عن هؤلاء هرب من الاعتقال بثغر الإسكندرية من ~~الأمراء علاء الدين أيدغدي التتري وسيف الدين بهادر الإبراهيمي فمسكا وجيء ~~بهما إلى السلطان وكان معهما في الاعتقال أحد المماليك السلطانية واسمه ~~رمضان فلم يوافقهم على الهرب فلما جيء بهم أفرج السلطان عنه وأمر بسمل أعين ~~بهادر الإبراهيمي وأيدغدي التتري فسملت أعينهما في يوم الأربعاء خامس عشرين ~~صفر من السنة . ذكر إسماعيل الزنديق ومقتله وفي هذه السنة رمى هذا المذكور ~~بالزندقة وادعى عليه بمجلس الحكم عند القاضي علاء الدين الجوجراي أحد نواب ~~قاضي القضاة تقي الدين بن الإخنائي المالكي ، وشهد عليه جماعة كثيرة بأمور ~~شنيعة تقتضي الزندقة نعوذ بالله من ذلك واعتقل مدة حتى استوضح الحاكم أمر ~~الشهود وعرف عدالة بعضهم ms7596 فقبل شهادته وزكى عنده بقيتهم وتضمن المحضر أقاويل ~~شهد عليه بها لا يصدر مثلها عمن يعتقد بعثا ولا نشورا فثبت ذلك كله على ~~الحاكم المذكور وأعذر إلى إسماعيل المذكور هل PageV32P0246 # """""" صفحة رقم 247 """""" له مطعن في الشهود يدفع به شهادتهم ؟ وأمهله ~~ثلاثة أيام أولها يوم الجمعة الثالث والعشرون من صفر فلما انقضى الأجل جلس ~~قاضي القضاة تقي الدين المالكي ونائبه القاضي علاء الدين الجوجراي المذكور ~~، وغيره من نواب الحكم ، وجماعة من فقهاء المالكية وغيرهم بالمدرسة ~~الناصرية بالقاهرة فلما صلوا المغرب ودخلت ليلة الاثنين وانقضت مدة الإعذار ~~ولم يأت يدافع حكم عليه النائب بما ثبت عليه عنده من أمره وأشهد عليه أنه ~~هدر دمه ونفذ قاضي القضاة تقي الدين المالكي المذكور ما حكم به نائبه وحكم ~~به ، وكان هذا الرجل قد حكى عنه كلام كثير منه ما ثبت بمقتضى المحضر ومنه ~~ما شاع مما تنزه كتابنا عن ذكره وأخبرني الشيخ زين الدين أبو بكر بن الفرج ~~الهيثمي في يوم الأحد لخمس بقين من صفر سنة عشرين وسبعمائة قال : رأيت في ~~الليلة المسفرة عن هذا اليوم رسول الله [ ] وكأنه بجامع الحاكم في صحنه مما ~~يلي الدرابزين من الجهة القبلية ومعه لوط عليهما السلام وهما قائمان فسلمت ~~عليهما فردوا علي السلام فقال رسول الله [ ] قل لتقي الدين بن الإخنائي ~~بقتل هذا أما سمعت ما قال أو ما سمع ما قال الشك من الراوي في سيدنا رسول ~~الله [ ] لوط وكان قد ذكر عن هذا الزنديق في حق لوط عليه السلام كلام شنيع ~~، وقال لي الراوي وغيره ممن أثق بهم إنهم في تلك الليلة كانوا قد ذكروا عن ~~هذا الرجل ما وقع فيه ، فلما نام رأى هذه الرؤيا وقصها على قاضي القضاة تقي ~~الدين وأبلغه رسالة رسول الله [ ] وكان ذلك اليوم آخر أيام الإعذار فهدر ~~دمه كما تقدم فلما كان في يوم الاثنين السادس والعشرين من صفر اجتمع القضاة ~~بدار العدل في مجلس السلطان على العادة وطولع السلطان بما حكم به من هدر دم ~~إسماعيل ms7597 المذكور ، وكان قد طولع قبل ذلك بخبره فسأل السلطان من الشهود ~~الذين شهدوا عليه ؟ وكان بعض الناس قد أراد الاعتناء به فلم يفده ذلك وقال ~~قضاة القضاة بأجمعهم للسلطان ، هذا لا بد من قتله إسنادا لحكم الحاكم فأمر ~~السلطان متولي القاهرة يومئذ وهو الأمير علم الدين سنجر الخازن بالركوب في ~~صحبة القضاة وامتثال ما يأمرونه به في أمره فاجتمع قضاة القضاة الأربعة ~~وغيرهم من النواب والعلماء في المدرسة الصالحية بالإيوان المرصد للمالكية ~~واتفقوا على ضرب عنقه فراجع متولي القاهرة السلطان في ذلك ، فأمره بتنفيذ ~~ما أمر به القضاة ، فضرب عنقه بعد صلاة العصر من يوم الاثنين وعرض عليه قبل ~~ذلك أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لعل ذلك ينفعه فيما ~~بينه وبين الله تعالى إن أخلص فلم يقل ذلك وشرع يخلط في كلامه ويذكر ألفاظا ~~غير مستقيمة وظن أن ذلك التخليط ينفعه أو يشكل على القضاة بزوال عقله ~~فيؤخروه ، فلم يفده ذلك PageV32P0247 # """""" صفحة رقم 248 """""" وضربت عنقه كما تقدم وألقيت جثته ورأسه بين ~~القصرين إلى بعد المغرب من يوم مقتله ، ثم حمل أعاذنا الله مما قال بمنه ~~وبكرمه . ذكر قتل رجل ادعى النبوة بدمشق وفي هذه السنة ادعى رجل بدمشق اسمه ~~أقجبا رومي الجنس ، من مماليك الأمير ركن الدين بيبرس التاجي أنه نبي وتسمى ~~عبد الله وكان قبل ذلك يلازم الجامع بدمشق ويكثر من تلاوة القرآن فادعى ذلك ~~وأصر عليه ورجع فلم يرجع وخوف بالقتل فلم يفد ذلك فاعتقد أولياء الأمر أن ~~يكون قال هذا القول من حاجة مسته أو فاقة ، فوعد بإزالة ضرورته وأن يرتب له ~~كفايته ، فأبى قبول ذلك وأصر على دعواه فضربت عنقه بظاهر دمشق في يوم ~~الاثنين الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول . ذكر تجريد طائفة من العسكر ~~إلى مكة شرفها الله تعالى وخبر مقتل حميضة بن أبي نمي كان السلطان لما كان ~~بمكة شرفها الله تعالى سأله المجاوزون بمكة ومن بها من التجار أن يخلف بها ~~عسكرا يمنع عز الدين ms7598 حميضة بن أبي نمي إن هو قصد أهل مكة بسوء ، فجرد ممن ~~كان معه الأمير شمس الدين آق سنقر ومعه ، مائة فارس فأقام بمكة فلما عاد ~~السلطان إلى قلعة الجبل جرد الأمير سيف الدين بيبرس الحاجب كان وهو من ~~الأمراء مقدمي الألوف ببعض عدته وجرد معه جماعة من المماليك السلطانية ، ~~فكانت عدة من توجه معه مائة فارس وخرج من القاهرة في يوم الأربعاء السادس ~~من شهر ربيع الأول من هذه السنة ووصل إلى مكة شرفها الله تعالى ، وأقام بها ~~ومنع أهلها من حمل السلاح السكين فما فوقها وبعث إلى الأمير عز الدين حميضة ~~وكان بقرب نخلة تستميله إلى مراجعة الطاعة والتوجه إلى الأبواب السلطانية ~~فسأل رهينة عنده من أولاد الأمير ركن الدين تكون عند أهله ويحضر فأجاب ~~الأمير ركن الدين إلى ذلك وجهز أحد أولاده ، وهو الأمير علي وجهز معه هدية ~~لحميضة ولم يبق إلا أن يتوجه فأتاه في ذلك اليوم رجل من العرب وأخبره بقتل ~~حميضة فأنكر وقوع ذلك وظن أن ذلك مكيدة لأمر ما ، لكنه توقف عن إرسال ولده ~~حتى يتبين له الحال ، فلما كان في مساء ذلك اليوم طرق باب المعلى بمكة ففتح ~~فإذا مملوك اسمه أسندمر ، وهو أحد المماليك الثلاثة الذين كانوا قد التحقوا ~~بحميضة من مماليك الأمراء كما تقدم وهو راكب حجرة حميضة التي تسمى جمعة ~~وكان السلطان قد طلبها من حميضة فشح PageV32P0248 # """""" صفحة رقم 249 """""" بإرسالها وأخبر أنه قتل حميضة غيلة وهو نائم ~~، وجرد سيفه فإذا به أثر الدم وذلك في جمادى الآخرة فأرسل الأمير ركن الدين ~~ولديه ناصر الدين محمد وشهاب الدين أحمد إلى الأبواب السلطانية بهذا الخبر ~~فوصلا إلى السلطان فأنعم عليهما وجهزا الأمير ركن الدين من توجه لإحضار سلب ~~حميضة والمملوكين اللذين بقيا فأحضر السلب وأخذا المملوكين وقيل إن الثالث ~~مات وهو مملوك الأمير سيف الدين بكتمر الساقي فألزم صاحب نخلة بإحضاره ~~وتوعده إن تأخر فأحضره واستمر الأمير ركن الدين بمكة إلى أن عاد الجواب ~~السلطاني بطلبه ، فتوجه من مكة - شرفها ms7599 الله تعالى - في مستهل شعبان وصحبته ~~المماليك الثلاثة الذين كانوا قد هربوا ، وكان وصوله إلى الأبواب السلطانية ~~في العشر الأول من شهر رمضان ، ولما وصل شمله الإنعام والتشريف ، وأمر ~~السلطان بقتل أسندمر قاتل حميضه قودا به في شوال من السنة . ذكر تجريد ~~جماعة من العساكر الشامية إلى بلاد سيس ورجوعهم وفي هذه السنة أمر السلطان ~~بتجريد العساكر من الشام والسواحل ، فجرد جماعة من دمشق وهم الأمير سيف ~~الدين جوبان المنصوري ، والأمير سيف الدين بكتوت القرماني ، والأمير بدر ~~الدين بكتوت الشمسي ومضافيهم والمقدم عليهم جوبان المذكور وتوجهوا في يوم ~~الاثنين السادس والعشرين من شهر رجب وجرد العساكر بجملتها والعسكر الصفدي ~~وبعض العساكر الحلبية وتوجهوا إلى جهة سيس والمقدم على سائر العساكر الأمير ~~شهاب الدين قرطاي نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية . وسبب ذلك أن الهدنة ~~التي كانت بين السلطان وبين صاحب سيس انقضت فسأل صاحب سيس تجديد هدنته على ~~ما كانت عليه فامتنع السلطان من ذلك وطلب منهم عدة قلاع كانت قد أحدثت في ~~الأيام المنصورية الحسامية كما تقدم فتوقفوا في إعطائها ثم بذلوا بعضها فلم ~~يوافق السلطان على ذلك ، وجرد هذه العساكر ، ودخلوا إلى بلاد سيس ، ولما ~~وصلوا إلى نهر جان وأرادوا قطعه غرق من العساكر نحو ألف فارس أكثرهم من ~~عسكر طرابلس والتركمان ، ثم دخل العسكر وأغاروا وشعثوا وأقاموا ببلاد سيس ~~سبعة عشر يوما ، ثم خرج العسكر وأقام بسليمة ثم رسم السلطان لهم أن يسوقوا ~~خلف العرب حتى يخرجوهم من المملكة الشامية ، ومات في هذه السفرة من الجيش ~~المجرد من دمشق الأمير بدر الدين بكتوت الشمسي ، وكانت وفاته بحلب ، ولم ~~يدخل إلى سيس لمرضه رحمه الله تعالى . PageV32P0249 # """""" صفحة رقم 250 """""" ذكر وصول الخاتون دلنبية وقيل فيها طولونية ~~ابنة وبناء السلطان الناصر بها كان السلطان الملك الناصر قد خطب إلى الملك ~~أزبك بن طغولجا بن منكوتمر بن طغان بن باطوخان بن دوشي خان بن جنكزخان ملك ~~البلاد الشمالية من تكون الذرية الجنكيزخانية ، وجهز إليه الأمير علاء ~~الدين أيدغدي الخوارزمي وغيره كما تقدم ms7600 في سنة ست عشرة وسبعمائة ، فلما ~~عرضت كتب السلطان على الملك أزبك قال الترجمان للرسول لما أراد أن يتكلم ~~بالمشافهة : إن القاضي يعني الملك أزبك يقول إن كان في مشافهتك غير السلام ~~فخاطب به الأمراء ، ثم جمعت الأمراء مقدمي التمانات ، وهم سبعون أميرا ، ~~فكلمهم الرسول في ذلك فنفروا منه ، وقالوا هذا لم يقع مثله فيما تقدم من ~~حين ظهور جنكزخان وإلى هذا الوقت . وفي مقابلة ماذا تجهز ابنة ملك من ~~الذرية الجنكزخانية إلى الديار المصرية ، وتقطع سبعة بحور ؟ ونحو هذا من ~~الكلام ، ولم يوافقوا على ذلك في أول يوم ، ثم اجتمعوا في يوم آخر بعد أن ~~وصلت إليهم هداياهم التي جهزها السلطان إليهم وأعيد الحديث في ذلك فأجابوا ~~إليه وسهلوه ، وقالوا : ما زالت الملوك تخطب إلى الملوك . وملك مصر ملك ~~عظيم يتعين إجابته إلى ما طلب إلا أن هذا الأمر لا يكون إلا بعد أربع سنين ~~سنة كلام ، وسنة خطبة ، وسنة مهاداة ، وسنة زواج ، واشتطوا في طلب المهر ~~والشروط فلما اتصل ذلك بالسلطان فرجع عن الخطبة والحديث فيها وتكررت رسله ~~إلى الملك أزبك ورسل الملك أزبك إليه والسلطان لا يذكر أمر الخطبة ولا ~~تتضمن رسائله غير السلام والمودة على العادة ، ثم توجه الأمير سيف الدين ~~أطرجي من جهة السلطان إلى الملك أزبك بالهدايا والتحف وخلعة سلطانية مزركشة ~~مكللة فلبسها الملك أزبك ثم ابتدأ الأمير سيف الدين أطرجي بذكر الزواج ، ~~وقال : قد جهزت لأخي السلطان الملك الناصر ما كان قد طلب ، وقد عينت له ~~ابنة من البيت الجنكزخاني من نسل الملك بركة بن باطوخان بن دوشي خان بن ~~جنكزخان ، فقال أطرجي : إن السلطان لم يرسلني في هذا الأمر ، وهذا أمر عظيم ~~لو علم السلطان بوقوعه جهز لهذه الجهة المعظمة ما يليق وما يصلح لها وأراد ~~بذلك رفع الأمر إلى وقت آخر فقال الملك أزبك : أنا أرسلها إليه من جهتي فما ~~وسع الرسول إلا مقابلة أمره بالسمع والطاعة فلما استقر هذا الأمر قال الملك ~~أزبك للرسول : أحمل مهر هذه الجهة فاعتذر أنه ms7601 لا مال معه . فقال : نحن نأمر ~~PageV32P0250 # """""" صفحة رقم 251 """""" التجار أن يقرضوك ما تحمله فأمرهم بذلك . ~~فاقترض عشرين ألف دينار عينا وحملها ثم قال له إنه لا بد لها من عمل فرح ~~يجتمع فيه الخواتين ، فاقترض مالا آخر قيل إنه سبعة آلاف دينار ، وعمل ~~الفرح وجهزت الخاتون ، وصحبها جماعة من الرسل ، وعدة في الخوايتن وقاضي ~~مدينة صراي ، وتوجهوا من جهة الملك أزبك وركبوا البحر في ثاني شهر رمضان ~~سنة تسع عشرة وسبعمائة ، وحصل لهم مشقة عظيمة إلى أن وصلوا إلى ثغر ~~الإسكندرية في شهر ربيع الأول سنة عشرين وسبعمائة . ولما طلعت الخاتون من ~~المركب جعلت في خركاة مذهبة على عجلة وجرها المماليك إلى دار السلطنة ~~بالثغر ، وأجريت لهم الإقامات المتوفرة ، وجهز السلطان إلى خدمتها جماعة من ~~الحجاب وثمان عشرة حراقة فركبت الخاتون في الحراقة الكبرى السلطانية وركب ~~بقية من معها في بقية الحراريق ، ووصلت الخاتون إلى الساحل المقابل للقاهرة ~~من بحر النيل في يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة عشرين ~~وسبعمائة وفرشت مناظر الميدان السلطاني لنزولها ، ولما وصل ركب الأمير سيف ~~الدين أرغون نائب السلطنة الشريفة وجماعة من الأمراء والمماليك السلطانية ~~الأكابر ، وتوجهوا إلى خدمتها وحملت من الحراقة في محفة على أكتاف مماليك ~~نائب السلطنة إلى أن استقرت بقاعة الميدان السلطاني ، وضرب لها أيضا ~~بالميدان دهليز أطلس معدني كان قد عمل للسلطان ، ومد لها ولمن معها أسمطة ~~تصلح لمثلها ، وأجريت عليهم الإقامات . فلما كان في يوم الخميس الثامن ~~والعشرين من الشهر أحضر السلطان الرسل وهم رسل الملك أزبك ورسل ملك الكرج ~~ورسل الأشكري فمثلوا بين يديه ، أو أدوا ما معهم من الرسائل وأحضروا الكتب ~~والتقادم ، ثم أمر السلطان نائبه الأمير سيف الدين أرغون والأمير سيف الدين ~~بكتمر الساقي وهو من أخص مماليكه أن يتوجها إلى الميدان وينظرا الخوند ~~الخاتون الواصلة ، فتوجها إليها ورأياها - فيما بلغني - ونقلت في بقية ~~النهار إلى قلعة الجبل وحملت على عربة يجرها بغل يقوده أحد مماليكها حتى ~~استقرت بقاعة أعدت لها بقلعة الجبل ms7602 كان السلطان قد أنشأها لم يبن بالمملكة ~~الإسلامية مثلها ثم عقد العقد المبارك في يوم الاثنين السادس من شهر ربيع ~~الآخر PageV32P0251 # """""" صفحة رقم 252 """""" على ثلاثين ألف مثقال عينا حالة منها ما قدم ~~وهو عشرون ألف دينار التي تقدم ذكرها وعقد العقد قاضي القضاة بدر الدين ~~محمد بن إبراهيم بن جماعة وقبل العقد عن السلطان بوكالته نائبه الأمير سيف ~~الدين أرغون وبنى السلطان بها ثم أعاد الرسل ومن حضر في خدمتها بعد أن ~~شملهم بالإنعام الوافر وجهز معهم الهدايا الجليلة إلى الملك أزبك وغيره ~~وكان عودهم في شعبان وتأخر منهم قاضي مراي بسبب الحج فحج وعاد إلى بلاده في ~~سنة إحدى وعشرين وسبعمائة . ذكر تسحب الأمير حسام الدين مهنا وأولاده ومن ~~يلوذ به من العربان آل فضل من البلاد الشامية ولحاقهم بالعراق وإمرة الأمير ~~محمد شمس الدين محمد بن أبي بكر وفي سنة عشرين وسبعمائة تسحب الأمير حسام ~~الدين مهنا بن عيسى وأولاده وإخوته وغيرهم ممن يلوذ بهم وينسب إليهم من آل ~~فضل وفارقوا البلاد الشامية وتوجهوا نحو العراق وسبب ذلك أن السلطان الملك ~~الناصر كان قد أحسن إلى هذه الطائفة من العربان وقدمهم على غيرهم ، ووصلهم ~~بالعطايا الجزيلة والإقطاعات الوافرة التي لم يسمع بمثلها ، ولا يسمح ~~الملوك بها ولا ببعضها الأكابر النواب وأعيان الأمراء ، وكان ينعم على ~~الرجل الواحد من أولاد مهنا بثلاثمائة ألف درهم فما دونها وأقطعهم جل ~~الخواص بالبلاد الشامية زيادة على ما بأيديهم ثم طلبوا أكثر خواص القلاع ~~بالممالك الإسلامية فأقطعهم ذلك وأخذوا أيضا بعض إقطاعات الأمراء بالشام ~~وهم لا يطلبون شيئا إلا أنعم عليهم به وأقطعه لهم السلطان في غضون هذا ~~الإحسان يقصد وصول الأمير حسان الدين مهنا إلى بابه وهو يأبى ذلك ويمتنع ~~منه ، وتكررت رسائل السلطان إليه وهو يظهر الطاعة ولا يوافق على الوصول إلى ~~الأبواب السلطانية ، ثم خشي عاقبة السلطان ، وارتاب من كثرة إنعامه على ~~العربان ، فكاتب السلطان مرارا في استرجاع ما أعطاه لأولاده وإخوته من ~~الزيادات في الإقطاعات واختصار كثرة الصلات ms7603 وأن يجري الأحوال على ما كانت ~~عليه من العوائد والسلطان يأبى ذلك ، فظن أن الإنعام على هذه الطائفة إنما ~~هو بسببه فلما كان في شهر ربيع الأول رسم السلطان بتجريد العساكر إلى بلاد ~~سيس فغلب على ظنه أنها تقصده ففارق البلاد ووصل إلى عانة فأمر السلطان ~~بإيقاع الحوطة على إقطاعات العربان من يومه والاحتراز على متحصلاتها ، فوض ~~إمرة العرب للأمير شمس الدين محمد بن أبي بكر بن علي بن حذيفة وجهز السلطان ~~الأمير سيف PageV32P0252 # """""" صفحة رقم 253 """""" الدين قجليس إلى الشام بنصف عدته وأمر أن ~~يتوجه معه جيش من دمشق لإخراج العربان ، فجرد الأمير سيف الدين كجكن في ~~جماعة من العسكر ، ووصل الأمير سيف الدين قجليس إلى دمشق في حادي عشر جمادى ~~الأولى ، فتوجه منها الجمعة ثاني عشر الشهر وصحبته جماعة من العسكر الشامي ~~والأمير شمس الدين محمد بن أبي بكر ، واجتمعوا هم والجيوش المجردة إلى بلاد ~~سيس وساقوا خلف العرب حتى أخرجوهم من بلاد الشام ، وكانت مدة غيبة الأمير ~~سيف الدين عن دمشق أربعة أشهر ، وعاد في خامس شهر رمضان إلى دمشق ، وكان ~~تأخره هذه المدة بسبب ضبط ما يتحصل من أقطاع العربان النازحين . وأما الجيش ~~المجرد من دمشق إلى سيس فإنه عاد في يوم السبت حادي عشر جمادى الآخرة ثم ~~ورد الخبر إلى دمشق من الرحبة في يوم الأحد ثاني شعبان إلى أن جماعة من عرب ~~مهنا وصلوا إلى بلاد الرحبة لرعي زرعها ، فجهز جماعة من الأمراء وقدم عليهم ~~الأمير سيف الدين بهادر آص ، وتوجهوا في يوم الاثنين ثالث شعبان . وفي ~~جمادى الآخرة من السنة عاد إلى الأبواب السلطانية بعض العربان الذين توجهوا ~~مع مهنا فأمر السلطان بالإفراج عن إقطاعاتهم وإجرائهم على عاداتهم . ذكر ~~إبطال مكس الملح بالديار المصرية وفي العشر الآخر من شهر بيع الآخر رسم ~~السلطان بإبطال مكس الملح وكتب بذلك مثال شريف سلطاني ، وقرئ على المنابر ~~في يوم الجمعة الخامس من جمادى الأولى من سنة عشرين وسبعمائة ، وكان المقرر ~~على ذلك جملة كبيرة في كل ms7604 سنة فبطلت هذه المعاملة ، واجتثت من أصلها وسطر ~~الله هذه الحسنة في صحائف حسناته . وفي هذه السنة في يوم الاثنين الرابع ~~عشر من جمادى الآخرة وصل إلى الأبواب السلطانية رسل صاحب اليمن الملك ~~المؤيد هزبر الدين داود بالتقادم والهدايا والتحف ، وكان مما أحضروه حمار ~~وحشي أبلق مخططا قدر البغل لم يصل إلى الديار المصرية مثله فيما سلف فقبلت ~~هديتهم وشملهم بالإنعام السلطاني ثم أعيدوا إلى مرسلهم بما جرت العادة به . ~~وفي هذه السنة تجهز ركب إلى الحجاز الشريف فيه جماعة من الأعيان وطلبة ~~الحديث وغيرهم والمقدم على الركب بأمر السلطان الأمير جمال الدين عمر بن ~~كراي أحد أمراء العشرات وكان رحيل هذا الركب في السابع عشر من رجب ، ووصل ~~إلى PageV32P0253 # """""" صفحة رقم 254 """""" مكة شرفها الله تعالى في يوم الأحد مستهل شهر ~~رمضان ، ولم يجدوا في سفرهم إلا خيرا ورفقا وتيسيرا والله أعلم . ذكر منع ~~الشيخ تقي الدين بن تيمية من الفتيا واعتقاله بقلعة دمشق قد قدمنا أن ~~المراسم الشريفة السلطانية كانت قد تقدمت بمنع الشيخ تقي الدين أحمد بن ~~تيمية من الفتيا في مسألة الطلاق وتكررت مرة بعد أخرى ، ثم اتصل بالأبواب ~~السلطانية أنه لم يمتنع عن ذلك فلما كان في بكرة نهار الخميس الثاني ~~والعشرين من شهر رجب سنة عشرين وسبعمائة عقد المجلس بدار السعادة بدمشق ~~بحضور نائب السلطنة ، وقضاة القضاة الأربعة وجماعة من الأعيان ، وحضر الشيخ ~~تقي الدين وسئل عن فتياه في مسألة الطلاق ، وأن المراسيم الشريفة السلطانية ~~تكررت بمنعه من ذلك وهو يفتي بها ، فأنكر أن يكون أفتى بها بعد المنع فحضر ~~خمسة نفر ذكروا أنه أفتاهم بها بعد ذلك فأنكر وصمم على الإنكار فشهد عليه ~~تقي الدين بن طليس أنه أفتى بها لحاما اسمه قمر ، وأن ذلك كان في بستان شرف ~~الدين ابن منجا فقام شرف الدين وعلاء الدين أبناء زين الدين بن منجا ليشهدا ~~بخلاف ما شهد به ابن طليس ، فقال قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى لهم : ~~أنتما فاسقان لا تقبل شهادتكما ثم ms7605 أمر بإخراجهما من المجلس فأخرجا ، وقيل ~~للشيخ اكتب خطك أنك لا تفتي بها ولا بغيرها فكتب أنه لا يفتي بها ، ولم ~~يكتب بغيرها فأمر قاضي القضاة نجم الدين باعتقاله وحكم بذلك ، فقال له : ~~حكمك باطل فإنك عدوي فلم يرجع إلى قوله وحبس بقلعة دمشق واستمر في الاعتقال ~~إلى يوم عاشوراء سنة إحدى وعشرين وسبعمائة فأفرج عنه حسب الأمر السلطاني ، ~~واستمر بداره بدمشق . ذكر القبض على الأمير علم الدين الجاولي نائب السلطنة ~~بغزة وفي شعبان سنة عشرين وسبعمائة أمر السلطان بالقبض على الأمير علم ~~الدين سنجر الجاولي نائب السلطنة ومقدم العسكر بغزة ، وكان قد تقدم في ~~الدولة وعظم شأنه وكثرت أتباعه ومماليكه وميز إقطاعه حتى كان فيما قيل - ~~يقارب إقطاع نائب السلطنة بدمشق ، ولم يكاتب من ديوان الإنشاء بما كان ~~يكاتب به من قبله من النواب ، PageV32P0254 # """""" صفحة رقم 255 """""" بل ألحق بنواب الممالك الشريفة في رسم ~~المكاتبة السلطانية وغيرهم وكان قد استأذن على الحج وتجهز لذلك تجهزا عظيما ~~فاتصل بالسلطان عنه من أحد أستاذ دارية المذكور أمورا أنكرها عليه ونسب إلي ~~ما لعله برئ منه فأمر السلطان بالقبض عليه وتوجه الأمير سيف الدين الماس ~~الحاجب لذلك وأظهر أنه إنما توجه لزيارة البيت المقدس والخليل صلوات الله ~~عليه وسلامه ، ولما عاد من الزيادة قبض عليه وأوقع الحوطة على موجوده ، ~~وذلك في يوم الجمعة الثامن والعشرين من شعبان وجهز إلى الديار المصرية ، ~~فلما وصل أمر السلطان بإرساله إلى ثغر الإسكندرية واعتقاله ، فأرسل من وقته ~~واعتقل بالثغر وكان أحسن الله عاقبته كثير الصدقة على الفقراء المقيمين ~~بغزة والواردين إليها وغيرهم ممن هو بالقدس الشريف وحرم الخليل صلوات الله ~~تعالى عليه وأثر بتلك الجهات أثارا حسنة ، فانقطع كثير من الفقراء بسبب ~~اعتقاله ، عامله الله تعالى بلطفه وبمنه وكرمه . ذكر إبطال المعاملة ~~بالفلوس عددا بالديار المصرية وبيعها بالرطل وفي هذه السنة في مستهل ذي ~~الحجة رسم بإبطال المعاملة بالفلوس عددا وكانت المعاملة بها حسابا عن كل ~~درهم ثمانية وأربعين فلسا ، وكان سبب ذلك أنها كثرت في ms7606 أيدي الناس وهم ~~يتعاملون بها عددا على العادة فضربها الزغلية وخففوها إلى أن صار كل ستة ~~فلوس منها زنة درهم ، وكان السلطان قبل ذلك قد رسم بإبطال المعاملة في ~~الشام بالفلوس على ما كانوا يتعاملون بها بينهم بالقراطيس والقرطيس ستة ~~فلوس عدد أخفافا ، وكان الناس يتعاملون بها بالشام حسابا عن كل درهم أربعة ~~وعشرون قرطاسا ، فأبطلها السلطان وأمر بضرب فلوس جدد ناصرية ، زنة كل فلس ~~بها درهم وتعامل الناس بها بالشام على عادة الديار المصرية كل ثمانية ~~وأربعين فلسا بدرهم فنقل الناس تلك الفلوس الخفاف من الشام إلى الديار ~~المصرية وخلطوها مع فلوس المعاملة ، فخرجت فيها وتمادت عليها الأيام إلى أن ~~كثرت وقلت الأولى ، فتوقف الناس في المعاملة بها وتزايد الأمر إلى أن غلقت ~~الدكاكين وارتفعت الأسعار وتضاعفت ، وكان السلطان قد توجه إلى الصيد بجهة ~~الصعيد ، ووصل إلى الأعمال القوصية ، فلما عاد أنهى إليه حال الناس ووقوف ~~معائشهم فأمر بإبطالها عددا وأن تدور بين الناس بالميزان حسابا عن كل رطل ~~بالمصري ثلاثة دراهم ، وأمر بضرب PageV32P0255 # """""" صفحة رقم 256 """""" فلوس جدد بدار الضرب عليها اسم السلطان ~~وتاريخ ضربها زنة كل فلس منها نصف وربع وثمن ، وأن يتعامل الناس بهذه الجدد ~~عددا على العادة فمشت معائش الناس في شهر ذي الحجة لكن غرم الناس جملة ~~كثيرة فيما بين العدد والميزان ، فكان الرطل منها إذا عد يكون سبعة دراهم ~~عددا أو أكثر من ذلك وأقل ثم كان من أمر وقوفها ما نذكره في سنة إحدى ~~وعشرين وسبعمائة وما بعدها . ذكر خبر الحاج في هذه السنة في هذه السنة وقف ~~الناس بعرفة في يوم الجمعة بغير خلاف بينهم وحج من الديار المصرية خلق كثير ~~فكانت الركوب التي خرجت من الديار المصرية سبعة وهم ركب توجه في شهر رجب ~~كما تقدم وأربعة ركوب في شوال على العادة صحبة المحمل ، رحل الركب الأول ~~منهم في يوم الاثنين سادس عشر شوال من بركة الجب ، وآخرهم في يوم الجمعة ~~وتوجه نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغون بجماعة في ms7607 ذي القعدة وسبق الناس ~~إلى مكة شرفها الله تعالى وتوجه القاضي فخر الدين ناظر الجيوش في جماعة معه ~~من مصر إلى البيت المقدس ومنه إلى مكة شرفها الله تعالى وتوجه من جهة البحر ~~من ثغر عيذاب خلق كثير واجتمع بالموقف بعرفة ما يزيد على ثلاثين ركبا ، ~~ووصل ركب العراق إلى مكة وفيه خلق كثير وجماعة من أمراء التتار ومحمل من ~~جهة الملك أبي سعيد بن خربندا ، عليه غشاء أطلس ، مرصع بأنواع الجواهر ~~واليواقيت واللآلئ والزمرد ، وكان إذا وضع عن ظهر البختي ضرب عليه جسر عظيم ~~واحتفال كثير ، وكان مع أمراء الركب العراقي صناجق سلطانية ناصرية وصناجق ~~عليها رقوك الأمراء فجعل المحمل العراقي وصناجقهم ، خلف محمل السلطان ~~وصناجقه ، ومحمل صاحب اليمن خلف محمل العراق ، وكانت عادة الركب العراقي ~~إذا قصد الحج ومر أهله على منازل العربان يأخذون منهم خفرا جملة من الأموال ~~فلما وصل هذا الركب والمحمل في هذه السنة ومروا على تلك الأعراب دفعوا ~~إليهم ألف دينار وخمسمائة دينار فامتنع العربان من تمكينهم من العبور إلا ~~بثلاثة آلاف دينار فقالوا : نحن إنما جئنا بأمر السلطان الملك الناصر صاحب ~~الديار المصرية والحجاز وكتابه إلينا فأعادوا عليهم الذهب وقالوا إذا كنتم ~~جئتم بأمر السلطان فلا نأخذ PageV32P0256 # """""" صفحة رقم 257 """""" منكم خفرا ومكنوهم من الجواز بغير شيء فلما ~~اتصل ذلك بالسلطان أحسن إلى تلك الطائفة من العربان وأثابهم على ذلك بجزيل ~~الإنعام والخلع السنية . وفي هذه السنة توفي الشيخ الفقيه العالم القاضي ~~زين الدين أبو القاسم محمد ابن الشيخ علاء الدين محمد بن الحسين بن عتيق بن ~~عبد الله بن رشيق المصري المالكي وكانت وفاته بمصر في ليلة الجمعة الحادي ~~عشر من شهر المحرم سنة عشرين وسبعمائة ودفن في يوم الجمعة بتربتهم بالقرافة ~~الصغرى ، وكان من فضلاء المالكية وأعيانهم ومفتيي المذهب ولي القضاء بثغر ~~الإسكندرية نحو اثنتي عشرة سنة ، وولي مرة نحو سنة قبل ولاية القاضي شرف ~~الدين بن الرفقي ولما عزل من الثغر عاد إلى مصر فكان بها إلى أن مات رحمه ms7608 ~~الله تعالى . وتوفي شيخنا المحدث الفاضل العدل شرف الدين يعقوب ابن الشيخ ~~الإمام المقري جمال الدين أحمد بن يعقوب بن عبد الله الحلبي ، المعروف بابن ~~الصابوني ، وكانت وفاته بالقاهرة في يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر رجب ~~من هذه السنة ، ودفن من يومه بمقبرة باب النصر ، رحمه الله تعالى وليس هو ~~من بني الصابوني وإنما عرف بذلك لتربية الشيخ جمال الدين بن الصابوني له ، ~~وكان قد تزوج خالته ورباه وقرأ عليه شيئا من الحديث ولازمه فعرف به ، وغلبت ~~عليه هذه النسبة . سمعت عليه رحمه الله تعالى كتاب السنن لأبي داود وسليمان ~~بن الأشعث السجستاني بالقاهرة بالمدرسة الناصرية بقراءة ولده الشيخ جمال ~~الدين أحمد في جماعة . وسمعت عليه أيضا وعلى الشيخ زين الدين أبي محمد عبد ~~الحق بن فتيان بن عبد المجيد القرشي جمعا كتاب الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ~~[ ] بسندها إلى مؤلفه القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي ، وذلك بالمدرسة ~~الناصرية أيضا بقراءة الشيخ شهاب الدين أحمد بن أحمد بن الحسين الهكاري ، ~~في مجالس ثمانية آخرها في اليوم الثاني عشر من شعبان عام ثمانية وسبعمائة ، ~~وتوفي القاضي زين الدين أبو بكر بن بدر الدين نصر بن شمس الدين الحسين ~~الأسعردي وكيل بيت المال بالديار المصرية وناظر الحسبة بالقاهرة وكانت ~~وفاته بالقاهرة في يوم الاثنين سادس عشر شهر رمضان وكان كثير السكون والعقل ~~رحمه الله تعالى وإيانا . PageV32P0257 # """""" صفحة رقم 258 """""" ذكر إراقة الخمور بالمدينة السلطانية وتبريز ~~وغيرها من ممالك التتار وفي العشر الأول من شعبان أمر أبو سعيد بإراقة ~~الخمور فأريقت ، وكان سبب ذلك أنه وقع في شهر رجب بالمدينة السلطانية برد ~~كبار وزنت واحدة منها فكانت ثمانية عشر درهما ، وأهلك ذلك مواشي كثيرة ، ~~وأعقبه سيل خيف منه على البلد ، واشتد الخوف ولجأ الناس إلى الله تعالى ثم ~~سلم البلد فسأل الملك أبو سعيد الفقهاء عن سبب ذلك ، فقالوا : من الجور ~~والظلم ، وإظهار الفواحش ، وأنه بالقرب من المساجد والمدارس والخوانق ~~خمارات وحانات ، فأمر بتبطيل الخمارات والحانات في سائر مملكته ، وأبطل مكس ms7609 ~~الغلة ، ورسم على الخمارين بالمدينة السلطانية ، وألزموا بإحضار الخمور في ~~الظروف إلى تحت القلعة ، وأحضرت ، فاجتمع منها أكثر من عشرة آلاف ظرف ولما ~~كمل جمعها حضر الوزير تاج الدين علي شاة راجلا وأعوانه ، وخواص الدولة معه ~~، وأريقت الظروف جميعها في الخندق ، ثم أحرقت الظروف وبقيت النار تعمل فيها ~~يومين - نقلت ذلك من تاريخ الشيخ علم الدين البرزالي المترجم بالمقتفي ، ~~وقال فيه : حكى ذلك تاجر موصلي ، حضر الواقعة قال : وسافرت بعد ذلك إلى ~~تبريز ، فرأيت الخمور مراقة في الأزقة وقد فعل من ذلك بتبريز دون ما فعل ~~بالسلطانية . قال : ثم قدمت الموصل فرأيت الذي فعل بها من ذلك دون ما ~~شاهدته بمدينة تبريز بكثير . نجز الجزء الثاني والثلاثون من كتاب نهاية ~~الأرب في فنون الأدب والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصبحه ~~وسلم . ( المجلد 15 - الجزء 33 ) PageV32P0258 # """""" صفحة رقم 2 """""" الجزء الثالث والثلاثون PageV33P0002 # """""" صفحة رقم 3 """""" بسم الله الرحمن الرحيم وبه توفيقي ### | AUT ذكر وصول أوائل الحاج الذين وقفوا بعرفة في سنة عشرين وسبعمائة # واستهلت سنة إحدى وعشرين وسبعمائة بيوم السبت المبارك ، وفي أول ليلة ~~يسفر صباحها عن يوم الاثنين الثالث من المحرم من هذه السنة وصل إلى مصر ~~المحروسة القاضي فخر الدين محمد ناظر الجيوش المنصورة الإسلامية من الحجاز ~~الشريف بعد أن وقف بعرفة في يوم الجمعة ، ولم يبلغنا أن أحدا ممن وقف بعرفة ~~وصل في مثل هذا التاريخ ، وكما وصل الأمير شمس الدين آقسنقر الناصري شاد ~~العمائر من الحجاز في سابع المحرم سنة تسع عشرة وسبعمائة - كما تقدم - ~~استعظم الناس ذلك ، وكان الناس قبل ذلك إذا أسرع من يحضر منهم بالبشارة يصل ~~يوم عاشوراء . ولما وصل القاضي شمس الدين توجهت إليه ، وسلمت عليه ، وسألته ~~عن خبر سفره في ذهابه وإيابه ، فأخبرني أنه ركب من داره بمصر المحروسة في ~~سادس عشر شوال سنة عشرين وسبعمائة ، وتوجه إلى زيارة الخليل عليه الصلاة ~~والسلام ، فزاره ، وتوجه إلى بيت المقدس ، وأقام به أياما ، وأحرم من بيت ~~المقدس ، ووصل مكة شرفها ms7610 الله تعالى ، فأقام بها شهرا كاملا ، ووقف يوم ~~الجمعة بعرفة ، وتعجل من منى في يوم الاثنين ثاني عشر من ذي الحجة ، ووصل ~~إلى المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - في يوم الجمعة ~~السادس عشر من الشهر ، فصلى الجمعة ، PageV33P0003 # """""" صفحة رقم 4 """""" وخرج منها في يوم السبت السابع عشر ، وساق على ~~الدرب الشامي مراحل ، ثم عطف إلى أيلة ، ومنها إلى مصر ، فكانت مدة مسيره ~~من منى إلى مصر واحدا وعشرين يوما ، منها مقامه بالمدينة النبوية - شرفها ~~الله تعالى . ومع هذا السوق الشديد ، والسير العنيف ، كان من خبره عند ~~وصوله إلى منزله أنه طلب المياومات التي أنفقت في غيبته ، مما يتعلق ~~بالجيوش ، فتصفحها ، وتأملها ، وشطب منها على حسابه ما يحتاج إلى شطبه ، ثم ~~ركب في الثلث الأخير من الليلة المذكورة إلى قلعة الجبل المحروسة ، وجلس ~~على بابها إلى أن فتحت بعد طلوع الفجر ، ودخلها ، وانتهى إلى الأبواب ~~السلطانية ، فدخل بعض الجمدارية إلى السلطان وأخبره بوصوله ، فأنكر السلطان ~~ذلك ؛ لخروجه عن العادة . فأعيد عليه القول أيضا بوصوله ، ثم قيل له : إنه ~~قد وصل إلى الباب الشريف ، فأذن له ، وعجب من سرعة وصوله ، وجلس بين يدي ~~السلطان ، وباشر وظيفته على عادته لوقته ، ثم خلع عليه في اليوم الثاني من ~~مقدمه . وتأخر وصول نائب السلطنة إلى يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر ~~المحرم ، وهذا السوق الذي ساقه القاضي " فخر الدين " ما ساقه حاج قبله . ~~وأما غير الحاج ، فبلغني من الثقات أن الشيخ شرف الدين بن القسطلاني - رحمه ~~الله تعالى - لما أرسله الشريف الأمير نجم الدين أبو نمي أمير مكة - شرفها ~~الله تعالى - منها إلى السلطان الأشرف صلاح الدين خليل بن السلطان الملك ~~المنصور قلاوون ، وصل إلى قلعة الجبل المحروسة في اليوم الثالث عشر من يوم ~~مسيره من مكة ، واجتمع بالسلطان ، وقرأ كتابه ، وكتب جوابه في يومه . وسأله ~~السلطان عن راحلته : هل يعود عليها إلى مكة ؟ فقال : إنها خلأت ، فأمره ~~السلطان أن يختار لنفسه راحلة من الهجن السلطانية ، فاختار منها هجينا ، ~~وترك راحلته ، وركب وعاد ms7611 في بقية يومه إلى مكة شرفها الله تعالى بعد مضي ~~اثني عشر يوما ، فكانت مدة غيبته عن مكة منذ ركب منها إلى أن عاد إليها ~~ثلاثة وعشرين يوما كوامل ، ويوم خروجه منها ، ويوم دخوله إليها ، وهذا ما ~~لم يسمع بمثله ، ولا استطاعه أحد قبله ، والله أعلم . PageV33P0004 # """""" صفحة رقم 5 """""" ذكر إبطال المعاملة بالفلوس العتق ، بالقاهرة ~~ومصر ، وأعمال الديار المصرية قد ذكرنا إبطال المعاملة بالفلوس عددا ~~واستقرارها حسابا عن كل رطل ثلاثة دراهم ، وفي يوم الاثنين العاشر من ~~المحرم توقف أرباب المعايش عن المعاملة بها بهذه القيمة لكثرتها ، فرسم ~~بالمعاملة بها حسابا عن كل رطل درهمين ونصف درهم ، فتعامل الناس بها ، ثم ~~توقفوا فيها ، فلما كان يوم الجمعة الحادي والعشرين من المحرم نودي في ~~المدينتين بالأمر السلطاني بإبطال المعاملة بالفلوس العتق ، وأن تكون ~~المعاملة بين الناس بفلوس جدد أمر بضربها بدار الضرب فاضطرب الناس لذلك ~~اضطرابا شديدا ، وأغلق كثير من أرباب المعايش حوانيتهم . وأبيعت الفلوس في ~~بقية يوم الجمعة ، وبكرة نهار السبت كل رطل منها بدرهم واحد ونصف درهم . ~~ووقفت معايش الناس ، فإنه لم يكن قد ضرب من الفلوس الجدد الناصرية ما يدور ~~في أيدي الناس . ونودي في المدينتين في بكرة نهار السبت أنه من كان عنده ~~شيء من الفلوس يحمله إلى دار الضرب ، ويأخذ ثمنه حسابا عن كل رطل درهمين ، ~~هذا والناس يتعاملون بها فيما بينهم على حسب اتفاقهم بدرهم ونصف ، وأقل منه ~~، وأكثر ، وأحوال الناس في المعاملة بها على غاية الاضطراب ، ثم رسم ~~بالمعاملة بها الرطل بدرهمين ، والفلوس الجدد عددا على العادة القديمة ، ~~وخرجت الفلوس الجدد من دار الضرب ، وعلى أحد وجهيها اسم السلطان ، وعلى ~~الوجه الآخر مثال بقجة مربعة ، وزنة كل فلس منها نصف وربع وثمن درهم ، ~~فتعامل الناس بذلك إلى شهر رجب من هذه السنة ، إلى أن كثرت الفلوس الجدد ، ~~وضربها الزغلية ، وخففوا وزنها ، فصار الفلس منها زنة نصف درهم ، ونحو ذلك ~~، فعاد الناس وتوقفوا في أخذها ، فرسم في يوم السبت السادس والعشرين من شهر ~~رجب بالمعاملة ms7612 بالفلوس الجدد والعتق ، الرطل بدرهمين ونصف ، واستمرت الحال ~~إلى سادس المحرم سنة أربع وعشرين وسبعمائة على ما نذكره . PageV33P0005 # """""" صفحة رقم 6 """""" ذكر وصول هدية الملك أبي سعيد بن خربندا ملك ~~التتار إلى الأبواب السلطانية وفي هذه السنة وصل مجد الدين إسماعيل بن محمد ~~بن ياقوت السلامي التاجر إلى الأبواب السلطانية على خيل البريد ، وعلى يده ~~كتاب الملك أبي سعيد ملك التتار ، ثم وصلت الهدية في يوم السبت التاسع ~~والعشرين من المحرم من هذه السنة إلى قلعة الجبل ، وهي ختمة شريفة ستون ~~جزءا كبارا ، وخركاه عظيمة مكللة ، وغير ذلك من التحف الجليلة والنفائس ، ~~فقبلت الهدية ، وجهز السلطان له هدية تليق به . ذكر تفويض نظر أوقاف الجامع ~~الطولوني للقاضي كريم الدين وكيل الخواص الشريف وفي شهر ربيع الأول فوض ~~السلطان نظر أوقاف الجامع الطولوني الذي هو بظاهر القاهرة المحروسة للقاضي ~~كريم الدين عبد الكريم ناظر الخواص الشريفة السلطانية ووكيلها ، كان النظر ~~في ذلك على شرط الواقف لقاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة ، وكان بيده ~~من سنين كثيرة ، فرفعت يده الآن عنه . وكان سبب ذلك أن الوقف ضاق ريعه عن ~~المرتب عليه ، فأراد قاضي القضاة اختصار بعض المرتبين ، ليتسع الريع على من ~~بقي ، وعزم على قطع درس الطب وغيره ، فقام في ذلك مدرس الطب بالمكان ، وهو ~~علم الدين الشوبكي ، وسعى في مباشرة الوقف ، ووقع في ذلك تشنيع كثير ، ~~وشكاوى ممن حصل الغرم على توفيرهم ، واتصلت الشكاوى بعلم السلطان ، ففوض ~~النظر فيه وفي أوقافه لوكيله المشار إليه ، ففعل في أمر الوقف ما لا يتمكن ~~القاضي بدر الدين من فعله ولا يمكنه ، وذلك أنه نجز توقيعا شريفا سلطانيا ~~بمسامحة الوقف بما على ناحية " منية اندوانة " من عمل الجسور السلطانية ~~وغيرها مما كان يحمل إلى بيت المال ، وهو في السنة نحو PageV33P0006 # """""" صفحة رقم 7 """""" عشرة آلاف درهم ، ووفر جامكية جماعة من ~~المباشرين بشرط الواقف ، وتقديرها نحو ذلك ، واسترجع جهات من الوقف كانت ~~مؤجرة بأجاير شرعية ، فأخذها ممن هي في يده بالإيجار الشرعي ، وحماها فتميز ~~ريعها ms7613 ، وتحدث مع السلطان في عمارة الجامع من أموال الخاص ، فرسم بذلك فعمر ~~، ووقف السلطان عليه وقفا من جهته ، وحمى أوقافه المسقفة ، ونقل السكان ~~إليها ، فحصلت الزيادة فيها جملة في كل سنة ، فاتسع المال بهذه الأسباب ، ~~وفاض المتحصل عن كفاية المرتبين عليه ، وعلم القاضي كريم الدين أنه لا ~~يستحق جامكية النظر التي شرطها الواقف للناظر ، وهي في كل شهر أربعمائة ~~درهم ، فامتنع من أخذها ، وبعثها إلى قاضي القضاة بدر الدين ، فردها ولم ~~يقبلها ، فتوفرت هي وجامكية نيابة النظر ، وهي في كل شهر مائة درهم ، وكان ~~قد تأخر في مدة قاضي القضاة للمدرسين والمعيدين والطلبة خمسة أشهر ، فامتنع ~~كريم الدين من صرف ذلك إليهم ، لاستقبال مباشرته ، واستمر الصرف لهم كل شهر ~~في مستهل الشهر الذي يليه . ذكر حفر البركة الناصرية وفي هذه السنة أمر ~~السلطان الملك الناصر بحفر بركة بخط الزهري ظاهر القاهرة المحروسة مساحتها ~~سبعة أفدنة وأن يجري الماء إليها من نهر النيل المبارك ، وأن يحكر ما حولها ~~بنسبة بركة الفيل وغيرها من البرك ، وكان في جملة هذه الأرض سبعة أفدنة ~~جارية في وقف ، فأمر السلطان وكيله باستئجارها للسلطان بأجرة معلومة ، ~~وكانت أرض هذه البركة قبل ذلك مقاطع يقطع منها الطين الإبليز برسم العماير ~~، ثم رمى الناس فيها زبايلهم ، فصار في مواضع منها كيمان كثيرة ، وفي بعضها ~~حفر من آثار القطع ، ورسم السلطان أنه مهما قطع من أتربة تلك البركة يرمى ~~في البركة المجاورة للميدان التي هي مقاطع الطين الإبليز ، وأن يمهد ويضاف ~~إلى الميدان توسعة له ، فحصل الشروع في حفرها في يوم الثلاثاء التاسع ~~والعشرين من شهر ربيع الأول ، ورسم للأمراء بحفرها ، فوزعت عليهم على قدر ~~مراتبهم ، وندب الأمراء أجنادهم ، والأجناد غلمانهم ، وعملوا بأنفسهم ~~وبأتباعهم ، وأخرج كل أمير صنجقة PageV33P0007 # """""" صفحة رقم 8 """""" وطبلخاناه ، وجماله وبغاله ، واهتموا بحفرها ~~اهتماما عظيما ، ورتب السلطان الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب مشدا على ~~حفرها ، فنزل بها ولازمها ، إلى أن كمل حفرها ، ونجزت في أقرب مدة . وفي ~~أثناء حفر هذه البركة وقعت حادثة الكنايس ، وكان بسبب ms7614 ذلك من الحوادث ما ~~نذكره إن شاء الله . ذكر حادثة الكنايس وفي يوم الجمعة - بعد الصلاة - ~~التاسع من شهر ربيع الآخر من سنة إحدى وعشرين وسبعمائة اجتمع جماعة من ~~الغلمان والعوام والفعلة ، الذين كانوا يحفرون البركة المستجدة الناصرية ، ~~وتقدموا إلى كنيسة كانت مجاورة للبركة المذكورة ، وارتقوا عليها ، وحركت ~~طبلخاناه الأمراء حربيا ، فكان ذلك على صفة الزحف ، فهدمها أولئك ، ولم ~~يتمكن الأمير ركن الدين بيبرس المندوب لحفر البركة ، ولا الأمير شهاب الدين ~~أحمد بن المهمندار أمير النقباء من ردهم ، ولا قدروا على منعهم لكثرتهم ، ~~ونهبوا ما كان في الكنيسة بعد تشعيثها بالهدم ، وكسرت أبوابها وما كان بها ~~من الأواني ، وأريق ما بها من الخمور . PageV33P0008 # """""" صفحة رقم 9 """""" ولما اتصل خبر هدمها بالسلطان غضب ، لانتهاك ~~حرمة السلطنة ، وتجرى العوام وإقدامهم على هذا الأمر ، ثم لم يكتف العوام ~~بذلك إلى أن تقدموا إلى عدة كنايس ، بالقاهرة ومصر ، فنهبوها ، ونبشوا قبور ~~بعض أموات النصارى وحرقوهم ، وشعثوا الأبنية ، واجتمع بعض عوام مصر ، ~~وتوجهوا إلى الكنيسة المعلقة ، وقصدوا هدمها ، فما مكنوا من ذلك ، فاشتد ~~حرج السلطان ، وأمر بالقبض على من أقدم على ذلك ، فمسك بعض العوام وحبسوا ، ~~واستفتى السلطان القضاة فيما يلزم هؤلاء الذين انتهكوا الحرمة ، فأفتوه ~~بتعزيرهم بحسب رأي الإمام ، فضرب بعضهم ، وشق مناخير بعض ، وأخرج من ~~الاعتقال من أرباب الجرائم من وجب عليهم القتل ، فوسط منهم جماعة ، وعلقوا ~~في أماكن تخويفا للعوام ، ثم أعقب هذه الحادثة من الفتن ما نذكره . ذكر خبر ~~الحريق بالقاهرة ومصر لما وقع ما ذكرناه من هدم الكنائس ، وقع أثر ذلك ~~الحريق بمصر المحروسة ، فكان أول ذلك أن احترقت دار الوكالة بالقاهرة في ~~شهر ربيع الآخر ، وهي التي عند باب البحر ، وتعرف بفندق الخز ، فاحترق فيها ~~متاجر الناس من الزيت والعسل والأصناف ، فعدم لهم جملة كثيرة ، وظن الناس ~~أن ذلك عن غير قصد ، وأنها إنما احترقت على جاري العادة في وقوع النيران في ~~أماكن على سبيل الغلط وعدم التحفظ والاحتراز ، ثم سكن ذلك إلى يوم السبت ~~الخامس عشر من جمادى ms7615 الأولى ، فوقع الحريق في القاهرة ومصر ، وكان أول ~~الحريق بخط حارة الديلم ، فاحترقت دار الشريف بدر الدين نقيب الأشراف ، وما ~~يجاورها من دور الأشراف والمسلمين ، فكان جملة ما احترق من الدور ~~المتجاورات ما ينيف على ثلاثين دارا يقارب المائة مسكن ، واشتدت النار ~~وعظمت ، واستمرت بذلك المكان أياما ، وخيف أن تتصل بدار " القاضي كريم ~~الدين " ناظر الخواص السلطانية ووكيلها ، وبها أموال السلطان والأقمشة وغير ~~ذلك من التحف ، وهو يوم ذاك بثغر الإسكندرية ، فرسم السلطان بركوب الأمراء ~~لذلك ، فحضر الأمراء وغلمانهم ، والسقائين والقصارين وغيرهم ، وركب نائب ~~السلطنة والحجاب وأمير جاندار ، وغيرهم من أعيان الأمراء ، واجتهدوا في أمر ~~النار إلى أن PageV33P0009 # """""" صفحة رقم 10 """""" طفيت ، بعد أن هدم وعدم بسببها من الدور ~~والأموال والأقمشة والأصناف ما لا تحصى قيمته . واختلفت الأقاويل ، فقائل ~~يقول : إنها من السماء ، وقائل يقول : لعلها من قبل الملوك والأعداء ، وآخر ~~يقول : إنما فعله البطالون من الجند والحرافيش لقصد النهب ، وقائل يقول : ~~إنما هو من فعل النصارى . وترادف الحريق ، وتوالى ، فاحترقت عدة دور من ~~مساكن الأمراء ، وكانت النيران تقع في أعالي الدور والباذهنجات ، فاحتفل ~~الناس لذلك وتأهبوا ، واستكثروا من الدنان والخوابي ، وملئوها ماء ، ~~ووضعوها في الطرقات وعلى أبواب الحوانيت والأسواق والقياسير والاصطبلات ~~والدروب والدور ، والحريق لا يفتر ، وهو لا يقع غالبا إلا في النهار ، وصار ~~الناس يسهرون طول الليل بالنوبة ، خصوصا على دور الأمراء ، فإن مماليكهم ~~وغلمانهم كانوا يبيتون على أسطحة دورهم ، ويضربون الطبول بازات ، ويصرخ ~~بعضهم لبعض ، وامتنع كثير من الناس من حضور الجمعة لملازمتهم أسطح بيوتهم . ~~ولقد صليت في بعض الجمع بالجامع الحاكمي مع أحد الأمراء الأكابر مقدمي ~~الألوف ، وكانت عادته أن يصلي معه من مماليكه وألزامه جماعة كثيرة ، فرأيت ~~الذين حضروا إلى الجامع نحو الربع ممن كان يحضر ، فسألته عن سبب تخلفهم عن ~~الحضور ، فأخبرني أنه تركهم لحراسة داره خوفا أن تقع النار فيها ، ~~فيتداركوها بالإطفاء قبل تمكنها . فلما كان في يوم الخميس العشرين من الشهر ~~وجد ثلاثة من النصارى في حارة العطوف ، وقد رموا نارا في ms7616 بعض الدور ، فما ~~شك الناس عند ذلك أن الحريق من النصارى ، وانتقلوا من الظن والاختلاف إلى ~~اليقين والإجماع ، وضرب هؤلاء وقرروا ، فاعترفوا بالحريق ، ثم اعتنى بهم ، ~~فقيل : إنهم من الفلاحين ، وإنهم لم يفعلوا ذلك ، PageV33P0010 # """""" صفحة رقم 11 """""" وإنما أقروا لما حصل لهم من ألم الضرب ، ~~فأطلقوا ، هذا والسلطان ينكر أن يكون ذلك من فعل النصارى ؛ لما يلقيه إليه ~~من له اعتناء خاص بهم ، ويقول المعتنى بهم : النصارى أضعف أبدانا وقلوبا من ~~الإقدام على هذا الأمر الكبير ، ويستدلون على ذلك ويوجهونه ، فيقولون : إن ~~النار غالبا إنما تقع في رؤوس الباذهنجات ، وأعالي الدور ، ودور أكابر ~~الأمراء ، ومن أين يصل النصارى إلى ذلك ؟ فيرجع السلطان إليهم ، ويقول : ~~هذا لا يتوصل إليه إلا بالنشاب ، وأشاع بعضهم أنه رأى بعض الجند بمصر يرمي ~~النشاب إلى بعض الدور ، وأن السهم لما أبعد عن القوس وأصابه الهواء أورى ~~نارا ، وكان السلطان قبل ذلك قد عرض جماعة من الجند ، وقطع أخباز جماعة ~~منهم نحو السبعين ، واعتقلهم بخزانة البنود لما بلغه عنهم من اللعب ~~والتفريط في إقطاعاتهم ، وصرفها في المحرمات ، فكان اعتقالهم لطفا بهم ، ~~ولو كانوا في بيوتهم ما شك السلطان أن هذا من فعلهم ، ثم أمسك في يوم ~~الجمعة الحادي والعشرين من الشهر أربعة من النصارى الروم الملكيين فاعترفوا ~~أنهم أحرقوا الدور والأماكن ، ولم يتحاشوا ولا توقفوا ، بل أقروا بذلك من ~~غير ضرب ولا تهديد ، وقالوا : نحن فعلنا هذا في مقابلة هدم كنائسنا ، ونحن ~~جماعة خرجنا عراة ، واعترفوا على رهبان دير البغل ، فأنهى إلى السلطان أن ~~هؤلاء من النصارى العرب الملكيين ، وأنهم ليسوا من اليعاقبة الذين هم نصارى ~~البلاد ، وإنما فعل هؤلاء هذا لجهلهم ، وحسن من له اعتناء باطن بالنصارى ~~وميل إليهم أن يأمر بقتلهم ، وإنما قصد تعجيل إعدامهم خشية أن يقروا على ~~غيرهم ، فأمر السلطان بهم ، فحرقوا في يوم السبت الثاني والعشرين من الشهر ~~، والسلطان بالميدان . PageV33P0011 # """""" صفحة رقم 12 """""" ثم قيل للعوام والناس : هؤلاء الذين كانوا ~~يحرقون حرقناهم ، فمن احترقت بعد هذا داره فليمسك جاره ونحن نقابله ms7617 ، فاشتد ~~ذلك على الناس ، واستغاث العوام ، واتهموا القاضي كريم الدين وكيل السلطان ~~بالاعتناء بالنصارى والذب عنهم ، وكان ذلك يظهر عليه ، فلما ركب من الميدان ~~بعد الظهر للانصراف إلى داره شغب جماعة من العوام عليه ، واستغاثوا ورفعوا ~~أصواتهم بسبه ، ورجموه بالحجارة والطوب ، فعطف نحو الميدان ، وركض فرسه ~~وخلص منهم ، وأنهى ذلك إلى السلطان ، فحرج السلطان حرجا كثيرا ، واشتد غضبه ~~، وانضاف ذلك إلى ما عنده من الحرج على العوام ، فإنه لما كان ركب من ~~القلعة إلى الميدان في بكرة نهار السبت المذكور استغاث العوام والحرافيش ، ~~وبلغني من جماعة أنهم رفعوا أعلاما ثلاثة : أحدها أبيض ، والثاني أحمر ، ~~والثالث عليه صليب ، فتغافل السلطان عن ذلك ، ولم يأمر فيهم بشيء ، فلما ~~وقع منهم هذا الفعل اشتد غضبه ، وجرد جماعة من الحجاب والنقباء والمماليك ~~حتى أوصلوا كريم الدين إلى داره . ثم ذكر السلطان هذه الواقعة لأكابر ~~الأمراء كل منهم على انفراده ، فبدأ بالأمير سيف الدين بكتمر الأبي بكري ، ~~واستشاره فيما يفعل في ذلك ، والمذكور رجل تركي جافي الطبع ، عديم السياسة ~~، فقال للسلطان : المصلحة أن السلطان يرسل إلى العوام فيقول لهم : يا ~~خوشداشية أنتم رعايانا والسواد الأعظم ، وإن كنتم قد كرهتم هذا الخنزير ~~عزلناه عنكم ، وولينا غيره ، ونطيب خواطرهم ، فغضب السلطان من كلامه ، ~~وشتمه واستقل عقله ، وسفه رأيه ، وواجهه بالسب ، ونفر في وجهه ، وكان من ~~أمره ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى . ثم استشار الأمير جمال الدين آقش ~~الأشرفي بعده ، ولم يعلم ما قاله الأمير سيف الدين المذكور ، ولا ما قيل له ~~، فقال : يا مولانا السلطان ، الناس قد كرهوا هذين الرجلين - يشير إلى كريم ~~الدين الوكيل ، وكريم الدين الناظر - والمصلحة عزلهما ، وصدقات السلطان ~~كثيرة تشملهما في العطلة كما تشملهما في العمل - أو PageV33P0012 # """""" صفحة رقم 13 """""" نحو هذا ومعناه من الكلام - وإذا عزلهما ~~السلطان سكنت هذه الفتنة ، فكره السلطان كلامه أيضا ، لكنه لم يواجهه بما ~~واجه به الأبي بكري ، بل قال له : والله لا بد أن آمر بوضع السيف في العوام ~~، وسفك دمائهم ، حتى لا يتجرأ من ms7618 بعدهم من العوام على الملوك . ثم استدعى ~~الأميرين : سيف الدين بكتمر الحسامي الحاجب كان ، وسيف الدين الملك الحاج ، ~~وهما من الأمراء الأكابر الخصيصين بخدمة السلطان ويعرفان أخلاقه ، ويبتغيان ~~مراضيه ، فسايراه بالميدان ، فذكر لهما ما فعله العوام بكريم الدين ، وقال ~~: هذا الرجل هو وكيلي ووزيري ، والمتصرف في دولتي ، وحرمته من حرمتي ، وقد ~~تجرأ العوام عليه ، ورجموه وأخرقوا حرمته ، فما الذي تريان أن أفعله في ذلك ~~؟ فاستعظما فعل العوام ، وقالا : لقد وقع العوام في أمر عظيم ما سبقهم ~~أمثالهم إلى مثله ، وكان ينبغي أنهم لما فعلوا ذلك أن يمسك منهم جماعة ، ~~ويوقع بهم من النكال ما يكف غيرهم عن التجري والتعدي . فرسم السلطان أن ~~يتوجه الحاجب ونقيب النقباء ، وجماعة معهم ، ويقبضوا على من ظفروا بهم من ~~العوام ، فأخبرني الأمير سيف الدين بكتمر الحسامي المشار إليه قال : والله ~~لما قال السلطان ذلك دخل علي وعلى رفيقي من الألم ما علمه الله تعالى ، ~~وعلمنا أننا قد تكلمنا بكلام أوجب سفك دماء جماعة من المسلمين ، فتلطفنا ~~بالسلطان ، وقلنا : إن الذي فعل هذا الفعل ، وأقدم على هذا الأمر العظيم ~~علم أنه صاحب ذنب وهرب ، واختلط المذنب بالبريء ونخشى أن نمسك من لا أذنب ~~ولا أقدم على هذا الأمر ، فنعاقب البريء بذنب المجرم ، فيكون ذلك في ذمة ~~السلطان ، ونحن لا نختار هذا ، ولكن المصلحة أن يخرج القاضي كريم الدين على ~~عادته ، وتتفرق جماعة من المماليك السلطانية ، فيكونوا بالقرب منه ، لعل ~~البعض يتعرض إليه ، فيمسك منهم من فعل ذلك ، ويعاقب المذنب حقيقة ، ويسلم ~~البريء ، وتبرأ ذمة السلطان ، قال : ولم نزل نتلطف به ، ونسكن غضبه ، إلى ~~أن سكن حرجه بعض السكون . ولما قرب وقت انصراف السلطان من الميدان أمر ~~الحاجب والنقباء قبل خروجه بضرب العوام والحرافيش ، وطردهم عن طريق السلطان ~~فيما بين الميدان والقلعة ، فطردوا ، وركب السلطان إلى القلعة وهو على غاية ~~الحرج ، والحدة والغضب ، وكان قد أمر بالقبض على العوام ، فمسك منهم جماعة ~~كثيرة ، فأحضر السلطان القضاة في يوم الأحد الثالث والعشرين من الشهر ، ~~واستفتاهم في أمرهم ، وأنهم ms7619 انتهكوا الحرمة ، PageV33P0013 # """""" صفحة رقم 14 """""" وتعدوا على وكيله ، مع جلالته عنده ، ورجموه ، ~~فأفتوه بتعزير من ثبت عليه أنه رجم ، فلم يرضه ذلك ، فأمر بقطع أيدي من عرف ~~بالفساد منهم ، فقطعت أيدي أربعة ، وجرسوا ، ولم يحسم أيديهم ، فمات بعضهم ~~، وأمر السلطان أن يقيد بقية من مسك ، ويستعملوا في جسور الجيزية ، ففعل ~~ذلك بهم ، والعوام لا يرتدعون ولا يتركون العاثة . وفي يوم الأحد المذكور ~~أمسك بالجامع الظاهري ثلاثة من النصارى قد لبسوا العمائم البيض ، وتراءوا ~~في زي المسلمين ، ودخلوا الجامع ، وقصدوا إحراقه ، فجيء بهم إلى متولي ~~القاهرة الأمير علم الدين سنجر الخازن ، فأنكر على نائبه بالحسينية - وهو ~~الذي أحضرهم - وقال : من يشهد على هؤلاء أنهم حرقوا ؟ وشتمه ، وإنما فعل ~~ذلك رعاية لخاطر من يعتني بهم ، فتوجه النائب المذكور ، وهجم بيوت هؤلاء ~~النصارى الذين وجدوا في الجامع ، فوجد فيها آلات الحريق ، وفتايل قد عملت ~~بالزيت والكبريت ، وغير ذلك من الأصناف المحرقة ، فضرب أولئك ضربا خفيفا ، ~~فاعترف اثنان ، وأنكر الثالث ، فاعتني بهم فأطلقوا ، ولم ينه خبرهم إلى ~~السلطان ، وقرر عنده أنه لم يحرق من النصارى إلا أولئك الغرب الذي حرقوا ، ~~وهو لا يشك في ذلك . ولما كان في يوم الاثنين الرابع والعشرين من الشهر جلس ~~السلطان بدار العدل على العادة ، وحضر القضاة والأمراء وغيرهم على جاري ~~العادة ، فاستفتى القضاة في أن يلبس النصارى العمائم البيض على عادتهم ~~القديمة ، وقال : هذا إنما جدد عليهم في أيامي ، وقد رأيت أن أعيدهم إلى ما ~~كانوا عليه ، فقالوا له : هذه سنة كانت أميتت ، وقد أحياها الله تعالى في ~~أيام السلطان ، ولا ينبغي إزالتها ، وقال له قاضي القضاة ، شمس الدين ~~الحنفي : " مذهب أبي حنيفة أن السلطان إذا قرر شيئا على PageV33P0014 # """""" صفحة رقم 15 """""" أهل الذمة فليس له ولا لغيره نقضه ؛ وقرأ له ~~النص في ذلك ، فسكت ولم يرضه ذلك . وكان سبب ذلك أن من له اعتناء بالنصارى ~~حسن ذلك للسلطان ، وقال : إن النصارى يحملون على ذلك مالا ، فتكلم في ذلك ~~فأجيب بهذا الجواب . ولما انقضى مجلس دار العدل ، وانصرف ms7620 القضاة ، وقدم إلى ~~السلطان طعام الطارئ ، أخرج الأمير جمال الدين يغمور ، أحد أستاذدارية ~~السلطان ، من صولقه فتيلة من الفتائل التي أخذت من النصارى الذين وجدوا ~~بالجامع الظاهري ، ورآها الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي أمير جندار ، ~~فتقدم بها أمير جاندار إلى السلطان ، وعرضها عليه ، فسأله عنها ، فقال : ~~هذه مما وجد مع النصارى الذين قصدوا إحراق الجامع الظاهري ، ولم يكن ~~السلطان أطلع على ذلك ، فغضب وسأل عنهم ، فقيل : إنهم أطلقوا ، فألزم متولي ~~القاهرة بإحضارهم ، فأحضرهم ، فاعترف اثنان أنهم حرقوا ، وقالوا : إنهم ~~جماعة كبيرة ، منهم من يحرق المدينة ، ومنهم من خرج إلى الأرياف ليحرق ~~الزروع ، وأنكر الثالث ، فسلمه السلطان للأمير سيف الدين " الدمر " أمير ~~جاندار ، فقرره فأقر ، بالتهديد والتخويف قبل الضرب ، واعترف على راهب ~~بالخندق ، فما شك السلطان عند ذلك في أن الحريق من قبل النصارى اليعاقبة ، ~~فغضب عند ذلك ، وأنكر غاية الإنكار ، ثم قبض على جماعة من النصارى ، وجيء ~~بهم ، وهم يعترفون ، ومنهم من اعترف على بعض كتاب ومتولي النصارى أنهم ~~أعانوهم بالمال حتى أقدموا على ذلك ، فلم يزادوا على الاعتقال ، لتظافر ~~العناية بهم ممن تقدم إسلامه من القبط . فلما كان في يوم الخميس السابع ~~والعشرين من الشهر جلس السلطان على العادة ، وحضر الأمراء وغيرهم إلى ~~الخدمة ، فخاطب السلطان أكبار الأمراء في هذا الأمر ، وقال : قد قررت على ~~النصارى مضاعفة الجزية فيؤخذ منهم جزيتان ، وأمر أن ينادى في المدينتين أن ~~يلبسوا الثياب الزرق مضافة إلى العمائم ، وأن يشدوا الزنانير فوق ثيابهم ، ~~وأن يميزوا إذا دخلوا الحمام بجلجل يجعلونه في أعناقهم ، وألا يستخدموا في ~~الدواوين السلطانية ، ولا في دواوين الأمراء ، ولا في الأعمال والبرور ، ~~فنودي بذلك . PageV33P0015 # """""" صفحة رقم 16 """""" وخرجت الأمثلة الشريفة السلطانية به ، وقرئت ~~على المنابر بالمدينتين ، وأنفذت إلى العاملين ، وتضمن المثال المجهز منها ~~إلى الوجه القبلي الذي قرئ على منابر المدن ما مثاله - بعد البسملة : " ~~الحمد لله مظهر هذا الدين المحمدي على كل دين ، ومؤيد بنا الإسلام وأهله ~~وما حق بنا المشركين ، الذي قهر بتأييدنا جميع الأعداء ، وحقن بعفونا ~~وحلمنا دماء ms7621 الكافرين ، نحمده على ما أولانا من فضله العميم ، ونصره المبين ~~، ونشكره شكرا نستزيد به من كرمه ) وسيجزي الله الشاكرين ( [ آل عمران : ~~144 ] ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة خالصة باليقين ، ~~ونشهد أن سيد البشر محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين ، وخاتم الأنبياء الذين ~~أرسلهم إلى العاملين ، وأن عيسى ابن مريم عبده ورسوله الذي بشر بمبعثه ، ~~وآمن برسالته قبل ظهور دينه المبين ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خصوصا ~~على مؤيد شرعه أول خلفاء المسلمين ، وعلى من فتح البلاد ، وضرب الجزية على ~~أهل الكتاب في كل ناد ، وأعلن بالتأذين ، وعلى من جهز جيش العسرة وثوقا ~~بضمان سيد المرسلين ، وعلى ممزق جموع الكفر وجامع شمل المسلمين ، صلاة ~~باقية مستمرة إلى يوم الدين ، وسلم تسليما كثيرا . وبعد : فإن الله تعالى ~~لما أقامنا لنصرة الإسلام وأهله ، وصرفنا في عقد كل أمر وحله ، وأيدنا ~~بنصره وعصمنا بحبله ، لم نزل نعلي كلمة الإيمان ، ونظهر شعائر الإسلام في ~~كل مكان ، ونقف عند الأوامر الشرعية ، لتكون كلمة الذين كفروا السفلى ، ~~وكلمة الله هي العليا ، وكان جماعة من مفسدي النصارى قد تعدوا وطمعوا ، ~~وتمادوا في المخالفة إلى ما يقتضي نقض العهود ، وبغوا ) ومكروا مكرا كبارا ~~( [ نوح : PageV33P0016 # """""" صفحة رقم 17 """""" 22 ] ) فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون ~~الله أنصارا ( [ نوح : 25 ] ، وتعرضوا لرمي نيران أطفأها الله بفضله ، ~~ومكروا مكرا سيئا ) ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ( [ فاطر : 43 ] اقتضى ~~رأينا الشريف أن نأخذهم بالشرع الشريف في كل قضية ، ونحدد عليهم العهود ~~العمرية ، وأن يقرر على من شمله عفونا ممن ضعف منهم ضعف الجزية ما تكون به ~~أنفسهم تحت سيوفنا مرتهنة ، ونضرب عليهم في لباسهم وحرماتهم الذلة والمسكنة ~~، فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري ، لا ~~يزال ناصر الدين بجوده وعدله ، مظهر دين الحنيفية على الدين كله ، أن تستقر ~~الجزية على سائر النصارى بالوجه القبلي ضعف ما عليهم الآن ، فيؤخذ من كل ~~نصراني ماليتان : المستقرة أولا واحدة ، والزيادة نظير ذلك ، للخاص الشريف ~~، مهما كان ms7622 مستقرا بسائر النواحي في الوجه القبلي في الإقطاع حسب ما قررت ~~في الروك المبارك الناصري ، يكون للمقطعين ، والزيادة الثانية المضاعفة ~~الآن تكون للخاص الشريف ، وأن يلبس سائر النصارى عمائم زرقاء ، وثيابا زرقا ~~، ويشدوا الزنار في أوساطهم ، وألا يستخدم أحد من النصارى في جهة من الجهات ~~الديوانية ، والأشغال السلطانية ، وكذلك لا يستخدم أحد من الأمراء أحدا من ~~النصارى عنده ، وأن يبطلوا جميعهم من الجهات التي كانوا يخدمون بها ، ~~والحذر ثم الحذر من أن أحدا منهم يخرج عما رسمنا به ، ومن فعل ذلك منهم ~~كانت روحه قبالة ذلك ، ولا ينفعه بعدها فدية ولا جزية ، ويحسم مادة فسادهم ~~، وينكشف بذلك ما أظهروه من سوء اعتمادهم ، فليثبت حكم هذا المرسوم الشريف ~~، وليدخل تحت أمره المطاع كل قوي وضعيف ، وليستقر ضرب هذه الجزية استقرارا ~~بلا زوال ، مستمرا بدوام الأيام والليال ، باقية بدوام الأعوام والسنين ، ~~مخلدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ، فإنها حسنة ~~ساقها الله تعالى لدولتنا الشريفة ومثوبة ، وذخيرة صالحة لم تزل في صحائفنا ~~الطاهرة مكتوبة ، ومعدلة نشرها الله تعالى على يدينا في الآفاق ، وأجر يكون ~~ثوابه عند الله باق ، وسبيل كل واقف عليه - واليا ونائبا ، وحاضرا وغائبا ، ~~وناهيا وآمرا ، وشادا وناظرا ، ومأمورا وأميرا ، وكبيرا وصغيرا - الانتهاء ~~عند هذا التحذير ، فيبادرون إلى امتثال هذا المرسوم الشريف ويسمعونه ، ~~ويسارعون إلى العمل بما فيه وينفذونه ، ويقفون عند حكمه ويمتثلونه ) فمن ~~بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه ( [ البقرة : 181 ] ، والله ~~تعالى يعلي منار الإسلام ويزيده قوة وإظهارا ، ويجعل الدائرة على أعداء ~~الدين ، ولا يذر على الأرض من الكافرين ديارا ، يعد الخط الشريف أعلاه حجة ~~بمقتضاه ، وكتب في سابع عشرين جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة حسب ~~الأمر الشريف . PageV33P0017 # """""" صفحة رقم 18 """""" ولما برز هذا المثال ، وغيره من الأمثلة ، لم ~~ينفذ حكمها ، ولا طولب نصراني بزيادة ، ومنع النصارى من المباشرات أياما ~~قلائل ، وأسلم بعض كتاب الأمراء ، فاستقروا على وظائفهم ، ثم استقر سائر ~~المباشرين من النصارى على مباشراتهم ، وذلك أن كريم الدين الناظر ms7623 أنهى إلى ~~السلطان أن جماعة منهم في الأشغال السلطانية ، ومتى صرفوا قبل انتهاء السنة ~~فسدت الأحوال ، وتعطلت المصالح ، وسأل أن يستمروا بقية هذه السنة ، ~~وينفصلوا بعد رفع الحساب ، ووافقه السلطان على ذلك ، وتدافعت الأيام ~~فاستمروا . ولما رسم في حقهم بما رسم ، ونودي بما تقدم ذكره ، كف عوام ~~المسلمين أيديهم عن النصارى ، وظهروا بعد استتارهم ، وكان عوام المسلمين في ~~هذه الأيام المتقدمة يضربون من ظفروا به من النصارى الضرب الذي يبلغ بهم حد ~~الموت ، مع إشهار النداء بالأمر السلطاني ألا يتعرض أحد إلى ذمة السلطان ~~للنصارى ، ومن تعرض إليهم بأذية سفك دمه ، والعوام لا يزيدهم ذلك إلا ~~تماديا ، وحصل للسلطان حرج على العوام شديد ، فلما شاع هذا الأمر أمسكوا ~~عنهم . ونودي في يوم الجمعة التاسع والعشرين من جمادى الأولى ألا يفتح ~~أرباب المعايش حوانيتهم التي على طريق الميدان ما بين الميدان والقلعة في ~~يوم السبت خاصة ، وذلك بسبب ركوب السلطان إلى الميدان ، وألا تفتح طاقات ~~الدور التي ينظر سكانها إلى الطريق الذي يسلكه السلطان في مروره إلى ~~الميدان وعوده ، ومنع العوام من الخروج لرؤية السلطان ، وركب السلطان إلى ~~الميدان في يوم السبت سلخ الشهر ، ولعب بالكرة على جاري عادته . وفي اليوم ~~المذكور ، وقع الحريق بقلعة الجبل في الدار المعروفة بسكن الأمير سيف الدين ~~ألماس الحاجب ، وكان ذلك والسلطان بالميدان ، ثم طفيت . وأنكر السلطان على ~~متولي القلعة أشد إنكار كونه أهمل هذا الأمر ، وأحضر نائب السلطنة والأمراء ~~الخاصكية ، فاجتمعوا للفكرة في هذا الأمر . ووقعت النار أيضا في ليلة الأحد ~~مستهل جمادى الآخرة بقيسارية بقلعة الجبل أيضا ، وهي سكن جماعة من المماليك ~~السلطانية تجاور باب القرافة ، ففتح باب القلعة ليلا ، واجتمع الأمراء ~~الذين بالقلعة ، والمماليك السلطانة واجتهدوا في إطفائها ، فطفيت ، وهدم ما ~~حول ذلك المكان من الدروب ، ورسم السلطان أن ينتقل من بالقلعة في المكان ~~المعروف بخراب التتر إلى المدينة . PageV33P0018 # """""" صفحة رقم 19 """""" ثم وقعت النار في وقت الظهر في يوم الاثنين ~~التاسع من جمادى الآخرة بدار نائب السلطنة بقلعة الجبل ، فاحترق منها ms7624 مكان ~~يعرف بالمنظرة الحسامية بأعلى الدار ، فتبادر الأمراء والمماليك السلطانية ~~وغيرهم من الغلمان والسقايين إلى إطفائها فطفئت ، وسكن أمر الحريق بعد ذلك ~~. وفي يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة منع المنجمون وأرباب الخلق من ~~المشعوذين وغيرهم من الانتصاب لذلك ، ورسم بغلق قاعات العلاج وغيرها ، ورسم ~~أيضا بالقبض على جماعة من الحرافيش ، وأن يعملوا بالجسور السلطانية ~~بالجيزية ، فقبض على جماعة منهم ، وعملوا في الجسور إلى يوم الثلاثاء ~~العاشر من الشهر ، ثم أمر السلطان بإطلاقهم ، فأطلقوا . وفي يوم الاثنين ~~الثاني من جمادى الآخرة سمر اثنان من النصارى ، وطيف بهم على الجمال ، أما ~~أحدهما : فإنه كان قد أسلم تبعا لأبيه ، واستمر في دين الإسلام مدة تزيد عن ~~عشر سنين ، ثم ارتد ، فأحضر في هذا الوقت ، وسئل فاعترف أن أباه أسلم وهو ~~دون البلوغ ، وعرض عليه الآن الإسلام فأباه ، فرسم السلطان بتسميره ، وأما ~~الآخر : فإنه من النصارى الذين اعترفوا بالحريق وماتا على ذلك . وفي يوم ~~الاثنين التاسع من جمادى الآخرة ظهر النصارى بعد استتارهم ، وفتحوا ~~دكاكينهم ، وانتصبوا في معايشهم على عادتهم قبل وقوع هذه الحادثة . وفيها ، ~~في يوم الخميس السادس والعشرين من جمادى الآخرة أمر السلطان بالقبض على ~~الأمير صلاح الدين طرخان بن الأمير المرحوم بدر الدين بيسرى الشمسي الصالحي ~~، النجمي والده ، ولم يكن لذلك سبب إلا أنه حصل بينه وبين ابن أخيه علاء ~~الدين علي بن فارس الدين ألكبيه محاكمة شرعية ، فرسم له بإرضائه ، فامتنع ~~أن يعطيه إلا ما يثبت له شرعا ، فرسم بالقبض عليه . وأودع الزردخاناه ، ثم ~~نقل إلى البرج ، ثم إلى الإسكندرية ، ورسم ببيع موجوده ، وإعطائه لابن أخيه ~~المذكور ، فأبيع من موجوده بمبلغ تسعين ألف درهم ، وقبضت لابن أخيه المذكور ~~، واستمر الأمير صلاح الدين في الاعتقال أحسن الله تعالى خلاصه بمنه وكرمه ~~. PageV33P0019 # """""" صفحة رقم 20 """""" وفي هذه السنة أمر السلطان أن يتوجه الأمير ~~شرف الدين حسين بن جندر بك الرومي أمير شكار ، أحد الأمراء الأكابر مقدمي ~~الألوف بالديار المصرية إلى دمشق وكان قبل ذلك من أمراء الطبلخاناه بها ، ~~فلما عاد السلطان إلى ms7625 الديار المصرية في سنة تسع وسبعمائة حضر في خدمته ، ~~فأمره في الديار المصرية ، ثم جعله من أمراء المائة مقدمي الألوف ، وأمير ~~شكار ، وتقدم عند السلطان ، وقرب منه ، ووفر إقطاعه وميزه ، ثم أعاده الآن ~~إلى الشام على إقطاع الأمير سيف الدين جوبان المنصوري ، وكان نائب السلطنة ~~بدمشق قد غضب على جوبان لأمر صدر منه ، وضربه ، فطلب إلى الأبواب السلطانية ~~، وأقر في جماعة الأمراء بها ، وأعطي إمرة ستين فارسا ، وتوجه الأمير شرف ~~الدين حسين بن جندر إلى دمشق ، فكان وصوله إليها في يوم الاثنين لليلتين ~~بقيتا من شهر رجب سنة إحدى وعشرين . وفيها في يوم الأربعاء ثامن عشر شوال ~~جلس قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة لإلقاء الدروس بزواية الإمام ~~الشافعي بجامع مصر عوضا عن شهاب الدين أحمد بن محمد الأنصاري ، وذلك أن ~~الفقهاء بالزاوية المذكورة شكوا منه ، وقالوا : إنه استولى على الوقف ، ~~واختص بأكثره ، فعزل من هذه الزاوية وغيرها ، ثم اعتني به فولي وكالة بيت ~~المال بحلب ، فتوجه في ذي القعدة من السنة ، ولم يطل مقامه بها . ~~PageV33P0020 # """""" صفحة رقم 21 """""" ذكر عود رسل السلطان من جهة الملك أزبك ووصول ~~رسله صحبتهم وعودهم وفي هذه السنة - في ذي القعدة - عادت رسل السلطان الذين ~~كان قد بعثهم إلى الملك أزبك ، وهم : الأمير سيف الدين طقصبا الظاهري ، ومن ~~معه ، وحضر صحبتهم رسل الملك أزبك ، ومثل طقصبا بين يدي السلطان حال وصوله ~~، وأرجأ السلطان الرسل إلى أن عاد من الصيد ، واستقر بقلعة الجبل ، ثم ~~استحضر الرسل في يوم الاثنين ثامن ذي الحجة ، فأدوا الرسالة ولم يكونوا على ~~عادة أمثالهم من رسل مرسلهم ، ولا خلع عليهم ، وعادوا إلى المكان الذي رسم ~~بإنزالهم فيه ، وهو مناظر الكبش ، ثم أحسن السلطان إليهم بعد ذلك ، وخلع ~~عليهم ، وأعادهم إلى مرسلهم صحبة رسله . ذكر توجه أدر السلطان إلى الحجاز ~~الشريف ومن توجه في خدمتهم وفي هذه السنة - في شوال - توجهت الخوند طغاي ~~المحمودية ، وهي إحدى زوجتي السلطان ، إلى الحجاز الشريف ، وجهزت أعظم جهاز ~~سمع الناس بمثله وجهز لها عدة ms7626 أربات ومحفات ، والأربات : مقاعد من الخشب ~~يجلس عليها ، وهي مركبة على عجل أمثال أتراس السواقي ، تجر بكديش واحد ، أو ~~جمل بختي ، وتسرع في المرور غاية الإسراع ، وجهز في خدمتها عدة من نساء ~~الأمراء ، وجماعة PageV33P0021 # """""" صفحة رقم 22 """""" من الأمراء المشار إليهم ، منهم : الأمير سيف ~~الدين قجليس ، وتوجه أيضا القاضي كريم الدين وكيل السلطان ، وجهز معها عدة ~~أحمال من الكوسات والصناجق الخليفتية والسلطانية . وتوجه أيضا من الشام إلى ~~الحجاز الأمير سيف الدين تنكز ، واستناب السلطان عنه بدمشق في مدة غيبته ~~الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب ( كان ) ، فتوجه من الأبواب السلطانية إلى ~~دمشق ، فوصل إليها في سابع شوال ، ونزل بالمدرسة النجيبية ظاهر دمشق ، وكان ~~يحضر إلى دار السعادة في يومي الخميس والاثنين ، ويجلس وكتاب الإنشاء بين ~~يديه ، ويقف الحجاب وغيرهم ، وتقضى الأشغال ، ويمد السماط ، ثم يركب في ~~الرابعة من النهار ويعود إلى النجيبية ، وينتصب بها في بقية النهار لقضاء ~~الأشغال ، ولم يزل كذلك إلى أن بلغه عود الأمير تنكز من الحجاز ، ففارق ~~دمشق في يوم الأحد تاسع عشر المحرم سنة اثنتين وعشرين ، وتوجه إلى الديار ~~المصرية ، والتقى الأمير سيف الدين تنكز بها بمنزلة الصمان ، وسلم عليه ~~وودعه ، فخلع تنكز عليه ، وأنعم عليه بمال ، وتوجه إلى الأبواب السلطانية ~~بالديار المصرية . ذكر وصول بعض من وقف بعرفة في هذه السنة إلى القاهرة ~~المحروسة وفي يوم الجمعة السادس والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى وعشرين ~~وسبعمائة وصل إلى القاهرة المحروسة سيف الدين أوجي ، أحد مماليك الأمير سيف ~~الدين قجليس ، وحسام الدين طرنطاي أحد مماليك القاضي كريم الدين بعد أن ~~وقفا بعرفة ، فذكر لي حسام الدين طرنطاي المذكور أن خروجهما من مكة - شرفها ~~الله تعالى - كان في يوم السبت ثالث عشر الشهر بعد العصر ، وأن الوقوف ~~بعرفة كان في يومي الثلاثاء والأربعاء ، ونحروا يوم الخميس ، فكانت مسافة ~~مسيرهما من مكة إلى القاهرة اثني عشر يوما ونصف وربع يوم ، على التحرير ، ~~وحضرا بين يدي السلطان ، وتضمنت الكتب سلامة الأدر السلطانية ، فخلع ~~السلطان عليها ، وأنعم عليهما من بيت ms7627 المال بخمسة آلاف درهم ، وعادا إلى ~~مرسلهما في اليوم الثاني بالأجوبة السلطانية ، ولم يسمع أن أحدا ممن وقف ~~بعرفة وصل إلى القاهرة في سنته ، وفيما مضى من الزمان وإلى الآن ، وقد صغر ~~ذلك ما كان استعظم من مجيء من تقدم ذكره في ليلة ثالث المحرم . ~~PageV33P0022 # """""" صفحة رقم 23 """""" ذكر حوادث كانت بدمشق في هذه السنة في يوم ~~الجمعة ثالث عشر جمادى الآخرة أقيمت الخطبة ، وصلاة الجمعة بمسجد القصب ~~خارج باب السلامة ظاهر دمشق ، وخطب فيه وصلى بالناس علاء الدين علي الباخلي ~~وهو من أولاد الجند ، منسوب إلى ابن باخل . وفيها - في يوم الجمعة خامس عشر ~~شهر رمضان - أقيمت الخطبة وصلاة الجمعة بجامع استجده القاضي كريم الدين ~~وكيل مولانا السلطان بأرض القابون ظاهر دمشق ، وكان الشروع في عمارته ، ~~والاجتماع على تحرير محرابه في مستهل جمادى الأولى من هذه السنة وكمل ، ~~وخطب به في التاريخ المذكور ، وفوضت خطابته للشيخ الصالح جمال الدين عبد ~~الوهاب التركماني الحنفي إمام القابون ، وحضر الخطبة قضاة القضاة والأعيان ~~. ذكر هدم كنيسة اليهود القرائين بدمشق وفي هذه السنة برزت المراسيم ~~السلطانية بهدم كنيسة اليهود القرائين بدمشق بدرب الفواخير ، فهدمت في يوم ~~السبت التاسع عشر من شهر رجب ، وسبب ذلك : أن جماعة من المسلمين ادعوا أنها ~~محدثة ، فأثبت اليهود أنها قديمة مستمرة بأيديهم - عند بعض الحكام - فأقرت ~~بأيديهم ، ونجزوا مرسوما سلطانيا بالحمل على ما ثبت وإبقائها ، فعارضهم ~~المسلمون بإثبات عند حاكم أنها محدثة ، فورد المرسوم السلطاني بالحمل على ~~ما ثبت آخرا ، وهدمها . قال الشيخ شمس الدين الجزري في تاريخه : إن هذه ~~الكنيسة كانت من نحو مائة سنة بيتا يجتمع فيه طائفة من اليهود القرائين ، ~~ثم أضيف إليها شيء بعد شيء ، حتى كبرت واتسعت ، وأصلحت عمارتها ، فلما كان ~~في سنة تسع وتسعين وستمائة عند دخول التتار إلى دمشق تمكن اليهود من ~~إصلاحها ؛ وعملوا بها منبرا ، كل ذلك والمسلمون لا يعلمون ؛ وذلك أنها بدرب ~~الفواخير وغالب سكانه اليهود ، وهي في درب داخل درب جوار سور باب كيسان ، ~~والباب يومئذ مسدود ، وبذلك ms7628 تمكنوا من عمارتها وما شعر بهم المسلمون ، ثم ~~ظهرت في ذلك الوقت ، فهدمت . PageV33P0023 # """""" صفحة رقم 24 """""" وفي هذه السنة - في الثامن من شهر ربيع الأول ~~- توفي القاضي الخطيب مجد الدين أحمد بن القاضي معين الدين أبي بكر بن ظافر ~~الهمداني المالكي الخطيب والمدرس بمدينة الفيوم ، وكانت صورته كبيرة عند ~~الأكابر ، وولي قضاء القضاة بدمشق في سنة عشر وسبعمائة ، وخلع عليه ، ولبس ~~التشريف ، ثم امتنع من ذلك واستعفى فأعفي ، وكان رحمه الله تعالى رجلا ~~كريما سمحا مشهورا بالمكارم ، تزيد مكارمه على ريع أملاكه ، وتأبى نفسه ~~الاختصار ، فاحتاج إلى أن استدان الأموال ، واضطرا إلى وفاء الدين بالدين ، ~~كل ذلك رغبة في المكارم . وكان رحمه الله تعالى جميل الصورة كامل الخلق ، ~~حسن الزي والملبس والمركب ، جيد الشعر ، أرسل إلي مرة يلتمس أن يقف على ~~مقدمة كتابي هذا الذي ألفته ، فأرسلت إليه المجلدة الأولى ، فوقف عليها ~~وكتب إلي بيتين من نظمه وهما : كتاب جل أن نحصيه وصفا حوى علما وآدابا ~~وظرفا رأينا منه عنونا بديعا وعنوان المحاسن ليس يخفى وتوفي القاضي تاج ~~الدين أبو الهدى أحمد بن محيي الدين أبي الفضل محمد بن الشيخ كمال الدين ~~علي بن شجاع بن سالم القرشي الهاشمي العباسي ، المعروف بابن الأعمى ، ~~والأعمى - الذي عرف به - هو جده الشيخ كمال الدين المقرئ وكانت وفاته بداره ~~بمنشأة المهراني ، ودفن بالقرافة ، ومولده في سنة اثنتين وأربعين وستمائة ، ~~وكان يلي نظر ديوان الملك الأشرف بن السلطان الملك المنصور قبل سلطنته ، ثم ~~عزل بالصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس وعطل مدة ، ثم ولي نظر الكرك ، وعزل ~~في سنة ثمان وسبعمائة ، وحضر إلى الديار المصرية ، فولي نظر بيت المال مدة ~~لطيفة ، ثم عطل عن الخدمة ، ورتب له في آخر عمره راتب ، فكان يتناوله إلى ~~أن مات رحمة الله عليه ، وكانت وفاة جده الشيخ كمال الدين الضرير في سنة ~~إحدى وستين وستمائة . PageV33P0024 # """""" صفحة رقم 25 """""" وتوفي الصدر الرئيس شهاب الدين أحمد بن محمود ~~بن أبي الفتح بن الكويك التاجر الكارمي ، وكانت وفاته بداره بمصر في ms7629 ليلة ~~الأربعاء التاسع عشر من شوال ، وترك دنيا عريضة وأملاكا ، وورثه أولاده ، ~~وكان من بقايا أعيان التجار الكارمية ، ومشايخهم يرجعون إليه ويقتدون برأيه ~~، رحمه الله تعالى . وتوفي القاضي الفاضل كمال الدين محمد بن القاضي عماد ~~الدين إسماعيل بن القاضي تاج الدين أحمد بن سعيد بن الأثير الحلبي ، أحد ~~أعيان كتاب الإنشاء ، وكانت وفاته بالقاهرة في بكرة نهار الاثنين للنصف من ~~ذي الحجة ، وصلي عليه تحت القلعة ، ودفن بالقرافة ، وكان رحمه الله فاضلا ~~خيرا لطيفا حسن العشرة والمذاكرة ، جيد الإنشاء ، قد ذكرنا من إنشائه في ~~أثناء هذا التاريخ ما يقف عليه من يقصده ، رحمه الله تعالى . وتوفي الأمير ~~زين الدين كتبغا الصغير المنصوري رأس نوبة الحاجب بالشام في آخر نهار ~~الجمعة الثامن والعشرين من شوال بداره بظاهر دمشق ودفن من الغد بتربته برأس ~~ميدان الحصار ، رحمه الله تعالى ، وولي الحجبة بعده الأمير علاء الدين ~~أيدغدي الخوارزمي ، جهز من الأبواب السلطانية على إقطاع سنقر الإبراهيمي ، ~~فقدم دمشق في يوم الأحد عاشر صفر سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة . وتوفي في ~~يوم الاثنين السادس عشر من ذي الحجة - عز الدين إبراهيم ابن الملك الحافظ ~~غياث الدين محمد بن الملك السعيد شاهنشاه بن الملك الأمجد بهرام شاه بن عز ~~الدين فرخان شاه بن شاهنشاه بن أيوب ، وكانت وفاته بقرية جسرين من غوطة ~~دمشق ، ودفن بتربتهم بباب الفراديس ، ومولده في الخامس من ذي الحجة سنة خمس ~~وثلاثين وستمائة بحمرانيسان عند مرجعهم من القدس ، سمع الحديث من إسماعيل ~~العراقي ، ورواه عنه ، وكان رحمه الله تعالى كثير التواضع والاحتمال حسن ~~المودة . PageV33P0025 # """""" صفحة رقم 26 """""" وتوفي الملك المؤيد هزبر الدين داود بن الملك ~~المظفر شمس الدين يوسف ابن الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول ~~صاحب اليمن ، وكانت وفاته في مستهل ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة ، ~~وحصل بعد وفاته من الاختلاف والفتن بين ولده وأخيه ما نذكره بعد - إن شاء ~~الله تعالى - عند ذكرنا لأخبار اليمن . وتوفي الشيخ الصالح العابد نجم ~~الدين عبد الله بن محمد الأصفهاني ms7630 بمكة شرفها الله تعالى ، وورد الخبر ~~بوفاته في شعبان ، وكان شخصا جليلا صالحا فاضلا مشهورا مقصودا للزيارة ~~منقطعا عن الناس ، جاور بمكة سنين كثيرة رحمه الله تعالى . ذكر ما وصل ~~إلينا من الحوادث الكائنية ببغداد في هذه السنة في نصف شهر ربيع الأول سنة ~~إحدى وعشرين وسبعمائة كبس الحرامية بغداد وقت الظهر ونهبوا سوق الثلاثاء ، ~~وخرج الناس ، وقتلوا منهم نحو المائة وأسر منهم جماعة ، وكان ذلك جرأة ~~عظيمة منهم . نقلت ذلك من تاريخ الشيخ علم الدين بن البرزالي ، وقال : كنت ~~قرأت ذلك في كتاب وصل إلى شمس الدين ابن منتاب البغدادي ، وفيها أيضا ورد ~~كتاب من بغداد من جهة أحمد البالوادي إلى شمس الدين بن منتاب بدمشق ، وهو ~~مؤرخ بالحادي والعشرين من جمادى الآخرة ، وكان وصوله إلى دمشق في مدة عشرين ~~يوما ، وفيه " . . والذي أعرفكم به أنه جرى في بغداد شيء ما جرى في زمان ~~الخليفة إلى هذا التاريخ : خربوا البازار من أوله إلى آخره ، وما يعلم ما ~~عزموا عليه إلا الله تعالى ، وما خلوا في البلد خاطية إلا توبوها وزوجوها ، ~~وما خلوا أحدا يعصر في البلد شرابا ، وبددوا الشراب العتيق ، ولو بددوه من ~~الشط غرقت بغداد ، وبعد ذلك نادت المنادية أن كل من تخلف عنده شيء من ~~الشراب يكون دمه PageV33P0026 # """""" صفحة رقم 27 """""" وماله للسلطان ، وطلع بعد ذلك عند شخص من ~~العقبة جره ، فعلقوها في حلقه ، وقتلوه في باب النوبة ، وطلع عند عبد الله ~~بن الجبار الذي من درب دينار جرتين من الشراب فقطعوا رأسه في باب النوبة ، ~~وجعلوا جرة عند رأسه ، وجرة عند رجليه ، ودفع فيه ألف وخمسمائة دينار فما ~~خلاه محمد حسيناه ، وعلموا اليهود والنصارى ، وأسلم الرفي الجوهري ، وبركة ~~، وإبراهيم الكاغدي ، والعماد الصيرفي ، وكل يوم جمعة يسلم أربعة خمسة " ~~نقلته من تاريخ الشيخ علم الدين البرزالي أيضا . واستهلت سنة اثنتين وعشرين ~~وسبعمائة يوم الأربعاء الموافق الخامس والعشرين من طوبة من شهور القبط ذكر ~~وصول أدر السلطان من الحجاز الشريف كان وصول الأدر السلطانية من الحجاز ~~الشريف في ms7631 يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من المحرم ، فركب السلطان لتلقيهم ~~، ومد سماطا ، ثم طلعت الأدر السلطانية إلى قلعة الجبل على أربة ، وتقدمها ~~نساء الأمراء على الأربات ، والكوسات تضرب ، والعصائب منشورة ، وكان يوما ~~مشهودا . ذكر تجريد العساكر إلى بلاد سيس ، وفتح مدينة آياس وأبراجها وفي ~~هذه السنة رسم السلطان بتجريد العساكر إلى جهة سيس ، فجرد من الأمراء ~~المقدمين بالديار المصرية خمسة وهم : الأمير جمال الدين أقش الأشرفي ، وهو ~~مقدم الجيوش ، والأمير علم الدين سنجر الجمقدار ، والأمير سيف الدين ألماس ~~أمير حاجب ، والأمير سيف الدين طرجي أمير مجلس ، والأمير سيف الدين أصلم ~~السلاح دار ، ومضافيهم من أمراء الطبلخانات ، وهم : قلبرس بن طيبرس محمد ~~ابن أمير سلاح الدمر أمير جندار أيدمر العمري ، وأروم بغا ، قطلوبغا ~~الجمالي ، وطرمحي الساقي ، وخضر بن نوكيه ، وطيفر الجمدار ، وطرنطاي السلاح ~~دار ، وأيدغدي البلبلي ، أراق السلاح دار ، خاص ترك الجمدار ، بيلك الجمدار ~~، أقسنقر السلاح دار ، بيبرس السلاح دار ، أيبك عبد الملك ، سنقر السعدي ، ~~بهادر الغنمي ، وأمير العراواب خليل بن الأربلي ، علي بن دامر بن علي بن ~~سلار ، علي بن التركماني ، ومحمد بن ملكشاه ، كجكن الكرموني ، وبهادر بن ~~قرمان ، ومحمد بن أيبك الخزندار ، وما جار فتحي بكا ، وجماعة من الحلقة ~~المنصورة ، والمماليك السلطانية ، وكان خروجهم من القاهرة المحروسة في يوم ~~السبت الثاني من صفر . PageV33P0027 # """""" صفحة رقم 28 """""" وجرد من الشام الأمير سيف الدين بهادر والأمير ~~سيف الدين كجكن ، والأمير شرف الدين حسين بن جندر ، ومضافيهم ، والعسكر ~~الحلبي بكماله ، والأمير شهاب الدين قرطاي نائب السلطنة بالمملكة ~~الطرابلسية ، وجماعة من العسكر الطرابلسي ، وخرج المرسوم السلطاني لهم أن ~~يتوجهوا إلى بلاد سيس ، ولا ينتظروا مرسوما ، ولا يقيموا بمدينة من مدن ~~الشام . وكان سبب إرسال هذه الجيوش أن السلطان كان قد أرسل الأمير بدر ~~الدين محمد بن الحاج أبي بكر - أحد الأمراء بطرابلس - رسولا إلى متملك سيس ~~في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة ، فتوجه وأخذ منه القطيعة المقررة على بلاده ، ~~وهي ألف ألف درهم ومائتا ألف درهم فضة حجر ، والمقرر من الخيل والبغال ~~وتطابيق النعال والمسامير ms7632 وغير ذلك ، وجهزها إلى الأبواب السلطانية من غير ~~عهد ولا عقد ، ولا تقرير هدنة ، فأخبرني الأمير بدر الدين المذكور عند ~~وصوله إلى الأبواب السلطانية أنه لما توجه إلى سيس اجتمع بمتملك بلاد ~~الأرمن وهو صغير يكون عمره نحو ثمان سنين جمع متملك بلاد سيس أكابر مملكته ~~وحضر خليفتهم بزعمهم واستشاروه في إرسال القطيعة قبل تقرير الهدنة واليمين ~~، فأشار عليهم بدفعها ، وإطفاء الثائرة . وتعريف السلطان أنهم بأجمعهم ~~دخلوا تحت طاعته وانتسبوا إلى غلمانيته وعبوديته ، وخلعوا طاعة من سواه من ~~التتار وغيرهم . وسألوا مراحم السلطان ، وبذلوا له الرغبات ، فكان مما ~~عرضوه على الرسول المذكور أن قالوا له : إن اختار السلطان أن يقاسمنا على ~~متحصل البلاد ، وأن يقرر علينا الجزية عن كل إنسان دينارين حتى على رأس ~~الملك فمن دونه فعلنا ذلك ، ويرسل إلينا نوابه يستخرجون ذلك ، وإن أحب أن ~~يسلم إلى نوابه ما هو قاطع نهرجهان مما يلي المملكة الحلبية من القلاع ~~والبلاد فعلنا ذلك على أن يضع عنا في مقابلة هذه القلاع والأعمال ثلث المال ~~المقرر ، وهو أربعمائة ألف درهم فضة . وأرسل الأرمن امرأة من عند الملك ~~تسأل مراحم السلطان ، فلم تمكن من الوصول إلى الأبواب السلطانية وأعيدت من ~~حلب . وجرد السلطان هذه العساكر وأرسل الأمير بدر الدين المذكور على خيل ~~البريد أمام العسكر المنصور ليطالبهم بتسليم البلاد والقلاع وتقرير الهدنة ~~على ذلك ، فإن سلموها تسلمها نواب السلطان ، وكف العسكر عنهم ، وإن شغبوا ~~أو توقفوا أدخل العسكر إلى بلادهم . PageV33P0028 # """""" صفحة رقم 29 """""" وكان موجب خروجهم عن طاعة التتار وغيرهم أن ~~مقدم التتار بالروم - وهو تمرتاش بن جويان - اجتمع هو وابن قرمان ودخلوا ~~إلى بلاد سيس في أواخر سنة إحدى وعشرين ، وغاروا وشعثوا ونهبوا ، وعادوا ~~إلى بلادهم ، فتوجه العسكر الآن ووصل إلى دمشق في يوم الخميس الثامن ~~والعشرين من صفر ، ثم توجه منها إلى حلب فوصل إليها في العشر الأول من شهر ~~ربيع الأول . وتوجهت العساكر منها إلى مدينة آياس في أوائل شهر ربيع الآخر ~~، واستصحبوا المجانيق من بغراس محمولة على العجل ms7633 وأعناق الجند . ولما وصل ~~العسكر إلى ثغر آياس وجد أهلها قد أخلوا المدينة من الأموال والرجال وغير ~~ذلك ، وبقيت خالية ، فدخلها العسكر بغير ممانع ولا مدافع ، وانتقل أهلها ~~إلى القلعة ، وهي قلعة مستجدة عمرها الأرمن في أول المائة السابعة ، ولها ~~باب من جهة البر وبقيتها في البحر ، فتقدم العسكر لمحاصرتها وأخذ النقابون ~~في النقوب يوما وليلة ، فانتقل من كان بها إلى قلعة هناك في وسط البحر تسمى ~~قلعة أطلس ، وإلى أبراج ثلاثة ، منها برج مثمن وأشعلوا النيران بالليل فيها ~~، وأحرقوا ما تركوه بها من أعواد المجانيق والأمتعة وغير ذلك ، فملكها ~~المسلمون ، وارتفع الصنجف السلطاني عليها ، وشرع العسكر في إخرابها فعلقها ~~النقابون ، وأطلقت فيها النيران ، فهدمت في البحر وحصر الأرمن بالقلعة ~~والأبرجة التي في البحر ، والوصول إليها متعذر لبعدها عن البر ، فنصبت ~~المجانيق السلطانية على القلعة الكبرى ، ونصب الأرمن أيضا مجانيقهم على ~~العسكر ، وتراموا بها فاتفق الأمراء على أن العسكر يردم ما بين المدينة ~~وبين القلعة والأبرجة من البحر ، فتعذر عليهم لعمق البحر ، وبعد المسافة ، ~~فنصبوا جسورا من الأخشاب والبتاتي ، فانتهت إلى مقدار ثلثي المسافة إليها ، ~~هذا والمجانيق ترمي بأحجارها من كل من الطائفتين ووصل النقابون إلى البرج ~~المثمن ، فسأل من به الأمان على أن يسلموه فأجيبوا إلى ذلك ، ثم نكثوا ، ~~ورجعوا عن التسليم ، فوصل المسلمون إليه ، وشرع النقابون في تعليقه ثم يسر ~~الله تعالى الفتح ، فحصل الاستيلاء على ذلك برا وبحرا في يوم الأحد ~~والعشرين من شهر ربيع الآخر ، ودخل العسكر إلى بلاد سيس ، وأغاروا ووصلوا ~~إلى قلعة كوارا ، ثم عادت العساكر المنصورة إلى مستقرها من الممالك ، ولما ~~حصل هذا الحصار أمر الباب - وهو الحاكم على ملوك الفرنج - من تحت يده ~~وطاعته منهم أن يتوجهوا إلى ثغر PageV33P0029 # """""" صفحة رقم 30 """""" اللاذقية ويحاصروه لعلهم ينالون منه منالا ، ~~لاشتغال العساكر الإسلامية بثغر آياس ، فعمر الفرنج نحو تسعين شينيا ~~وشحنوها بالرجال والمقاتلة ، وقصدوا ثغر اللاذقية وبه يومئذ الأمير شرف ~~الدين عيسى بن البرطاسي فاجتهد في أمر الثغر ، واحترز فأقامت تلك الشواني ~~أياما في ms7634 البحر قبالة ثغر اللاذقية ، ثم عادت إلى أماكنها ولم يظفروا بشيء ~~، وكفى الله تعالى شرهم وله الحمد والمنة ؛ ولنذكر خلاف ذلك ما اتفق . ذكر ~~اجتماع المماليك السلطانية وشكواهم وما حصل بسبب ذلك وفي يوم الخميس الثامن ~~والعشرين من صفر اجتمع جماعة من المماليك السلطانية الساكنين بالطباق بباب ~~السلطان ، واستغاثوا وشكوا إلى السلطان أنهم نقصوا من مرتبهم ، وغيرت ~~عادتهم في طعامهم وتأخرت جامكيتهم عنهم وكساويهم ، وبالغوا في الشكوى ~~والأساة ، فأرسل السلطان إليهم أن يختاروا من أعيانهم من يعبر إليه ، ~~ويشكوا ضررهم ، ويشافهوه بحالهم ، فامتنعوا من ذلك ، وكانوا في جمع كثير ، ~~فخرج السلطان إلى الرحبة ، وسمع شكواهم ، ولطف بهم ، وقابل جهلهم بحلمه ~~وسياسته ووعدهم إزالة ضررهم ، وأنه يتولى ذلك بنفسه ، وصرفهم إلى أماكنهم ~~فانصرفوا إليها وكشف عمن حملهم على الجرأة ممن يعلم أحوال المماليك ، فعين ~~جماعة من المماليك أرباب الإقطاعات ، فرسم بإخراجهم من القلعة وإسكانهم ~~المدينة ، فخرجوا في يوم السبت سلخ صفر ، وأخرج أيضا جماعة من الخدام ~~المقدمين والسواقين ، ورسم بالنفقة في أرباب الجامكيات ، وزيادة مرتبهم ، ~~وإصلاح أطعمتهم ، ففعل ذلك ، وسكنت أمورهم . ذكر وصول الأمير " علاء الدين ~~الطنبغا " نائب السلطنة بالمملكة الحلبية إلى الأبواب السلطانية وعوده وفي ~~يوم السبت سلخ صفر وصل الأمير علاء الدين الطنبغا نائب السلطنة بالمملكة ~~الحلبية إلى الأبواب السلطانية ، وكان قد رسم بحضوره ، فأرجف الناس به ، ~~وظن كثير منهم أنه لا يحضر ، وأنه إذا حضر اعتقل ، فلما وصله شمله الإنعام ~~PageV33P0030 # """""" صفحة رقم 31 """""" السلطاني بالتشريف والخيل والإحسان ، وقدم له ~~أعيان الأمراء التقادم ، وبالغ القاضي كريم الدين وكيل السلطان في خدمته ~~وإكرامه ، وأرسل إليه عدة كثيرة من الأقمشة والتعابي والتشاريف ليخلعها على ~~من يحضر إليه بتقادم الأمراء ، وأعطاه خيلا وجملة من المال ، وحضر هو صحبة ~~القاضي كريم الدين إلى داره ، وترجل عند قربه من الدار ، ومشى والقاضي كريم ~~الدين مستمر الركوب على ما هو عليه إلى أن نزل في مكانه المعتاد ، هكذا ~~أخبرني جماعة ممن ذكروا أنهم شاهدوا ذلك ، ثم رسم بعود الأمير المذكور إلى ~~المملكة الحلبية ، فعاد في ms7635 يوم السبت ثاني شهر ربيع الأول على خيل البريد ، ~~وأدرك العسكر بحلب ، ودخل معهم إلى آياس . ذكر وصول رسل الملك أبي سعيد ملك ~~التتار وفي العشر الآخر من ربيع الأول وصلت رسل الملك أبي سعيد بن خربندا - ~~ملك العراقين وخراسان وما والى ذلك - إلى الأبواب السلطانية ، وهم : الأمير ~~حسن بن شادي بن سونجاق ، ومعه أمير آخور ، وقاضي قضاة تبريز نصر الدين محمد ~~بن محمد القزويني الشافعي ، فأمر السلطان بإنزالهم في قلعة الجبل ، ومثلوا ~~بين يديه في يوم الاثنين مستهل ربيع الآخر ، فاستقبلهم بدر الدين بيبرس ~~الصالحي . ذكر سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة في يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر ~~قبض على كريم الدين الكبير بعدما تجهز ليسافر يوم الجمعة خامس عشرة إلى ~~الشام ، فعندما طلع إلى القلعة على العادة ، ووصل إلى الدركاه منع من ~~الدخول إلى السلطان ، وعوق بدار النيابة هو وولده علم الدين عبد الله ، ~~وكريم الدين أكرم الصغير ناظر الدولة ، ووقعت الحوطة على دور كريم الدين ~~الكبير خاصة التي بالقاهرة وبركة الفيل ، ونزل شهود الخزانة بولده إلى داره ~~ببركة الفيل ، وحملوا ما فيها إلى القلعة ، وتوالت مصادرته ، فوجد له شيء ~~كثيرا جدا ووجد له عدة من المماليك والجواري الأتراك ، وكان من مماليكه ~~جماعة قد أخذ لهم الإقطاعات الوافرة في جملة رجال الحلقة المنصورة ، فأمر ~~PageV33P0031 # """""" صفحة رقم 32 """""" السلطان بقطع أخبازهم ، وبيع المماليك الأرقاء ~~والجواري ، وأنعم على ثلاثة منهم بأخباز غير ما كان بأيديهم قليلة العبرة ~~بالنسبة إلى ما كان بأيديهم ، وعادت الخزانة التي كان قد جهزها إلى ثغر ~~اللاذقية في يوم الاثنين ثامن عشر الشهر ، فعرض ذلك على السلطان ، وكان في ~~جملة ما وجد بها ثلاثة حوايص ذهبا مجوهرة كان قد أعدها لمن نذكر في جملة ~~خلعه عليهم ، وهم : الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماه ، والأمير سيف الدين ~~تنكز نائب السلطنة بالشام والأمير علاء الدين الطنبغا نائب السلطنة بحلب . ~~ولما رسم بالحوطة عليه ، وقعت الحوطة على أملاكه وأوقافه وحواصله وغير ذلك ~~، فاعترف أن سائر الأملاك التي أنشأها وابتاعها وما ms7636 وقفه كان قد اشتراها ~~وعمرها من مال السلطان دون ماله ، فأفاد هذا الاعتراف في الأملاك ، فحكم ~~أنها ملك السلطان دون ملكه وشهد جماعة من المعدلين أن الأملاك التي وقفها ~~ابتاعها من أموال السلطان دون ملكه فحكم بإبطال أوقافه ، ونقضت بعدما أبرمت ~~، وكتبت بذلك مكاتبة حكمية ثبتت على قضاة القضاة . ولما اشتد الطلب عليه ~~وخشي على نفسه أن يقتل ، أرسل إلى السلطان يقول : إن أموال السلطان كثيرة ، ~~وهي مفرقة في أقطار الأرض ، منها ما سفرته إلى بلاد الإفرنج ومنها ما ~~أرسلته إلى العراق وإلى اليمن وإلى الهند ، ومنها ما هو مفرق بأعمال الديار ~~المصرية بالوجهين القبلي والبحري ، ومنها ما هو بالشام ، وإذا عدمت عدم ذلك ~~كله ، وطمع فيه من هو عنده ، فاقتضى ذلك إبقاءه ، وأفرج عنه السلطان ، ورسم ~~أن يستقر مقامه بتربته التي أنشأها بالقرافة ، فنزل إليها هو وولده علم ~~الدين ، وأقام بها ، ثم شملته عواطف السلطان ، وأنعم عليه بمبلغ عشرين ألف ~~درهم ، فقبضها ، وأرسل إليه فرسين من جملة خيله ، وقماش ملبوسه ، والخلع ~~التي كان السلطان قد خلعها عليه ، وأعيدت إلى الخزانة عند إيقاع الحوطة ، ~~وأفرج عن معصرتين من معاصر الأقصاب التي كانت له بالوجه القبلي ، ثم رسم ~~السلطان بعد ذلك بسفره إلى الشوبك يقيم هناك ، ورتب له في كل شهر ألف درهم ~~على حكم الراتب ، فتوجه هو وولده وأهله وألزامه ، وكان خروجهم في يوم السبت ~~تاسع عشر جمادى الآخرة من السنة ، فأقام بالشوبك إلى أثناء شهر رمضان من ~~السنة ، وطالع الأمير سيف الدين أرغون نائب السلطنة ، وسأله أن ينتقل إلى ~~القدس ، فلم يجب إلى ذلك أولا ، ثم تلطف نائب السطنة في أمره إلى أن رسم ~~بانتقاله إلى القدس الشريف ، فكان وصوله إلى القدس في يوم الجمعة تاسع عشر ~~شوال ، وأقام إلى أن تغير خاطر السلطان عليه لأسباب نقلت عنه . ~~PageV33P0032 # """""" صفحة رقم 33 """""" فلما كان في يوم الأربعاء السابع عشر من ربيع ~~الأول سنة أربع وعشرين وسبعمائة رسم السلطان بتجديد الحوطة عليه ، وعلى ~~أسبابه ، وتوجه لإحضاره من القدس الأمير سيف الدين ms7637 قطلوبغا المغربي الناصري ~~، وكان وصوله إلى قلعة الجبل هو وولده عشية نهار الخميس الخامس والعشرين من ~~الشهر ، ولما وصل سلم للأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح ، فأنزله بداره ، ~~وسلم ولده عبد الله ومملوكه طوطاج إلى الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي ~~استادار ، وطولب بحمل المال ، فاعتذر بأنه لم يبق له ما يحمله إلا ثمن ~~الأملاك التي كان السلطان قد أفرج له عنها ، فأمر ببيعها ، فبيعت بمبلغ ~~أربعمائة ألف درهم ، وحمل عنها ، واستمر على ذلك إلى يوم الجمعة الحادي عشر ~~من شهر ربيع الآخر ، فرسم باعتقاله ، فاعتقل في برج الأتابكي بقلعة الجبل ~~بمفرده بغير غلام يخدمه ، وسددت المرامي والمناور ، ورتب له في كل يوم ~~ثمانية أرطال لحم وكماجه ، واستمر بالبرج إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ~~الشهر ، فأخرج من البرج وسفر إلى الصعيد الأعلى ، ورسم باستقراره بثغر ~~أسوان ، وكان قد سفر ولده عبد الله قبله ، وقطع السلطان أخباز مملوكيه ~~طرنطاي ، وطوطاج من الحلقة . فلما كان في ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين ~~حادي عشريه حضر إلى الصاحب أمين الدين من ذكر أن لكريم الدين وديعة عند رجل ~~موان نصراني ، فطلب ، وطولب بالوديعة ، فأحضر صندوقا ضمنه من المصوغ ~~والجوهر ما قيمته - فيما بلغني - نحو عشرين ألف دينار . ولما استقر كريم ~~الدين بثغر أسوان أمر السلطان أن يرتب له ولولده في كل شهر ستمائة درهم ~~وستة أرادب لنفسه ، ولولده عبد الله مائة درهم وإردبان ، واستمرت إقامته ~~بثغر أسوان إلى أن مات به ، وكانت وفاته في ليلة الخميس العشرين من شوال ~~سنة أربع وعشرين وسبعمائة ، ووصل الخبر إلى الأبواب السلطانية في يوم ~~الاثنين مستهل ذي القعدة ، وأنه شنق نفسه ، ووجد في بكرة النهار وهو معلق ~~بسلبة في الدار التي كان قد نزل بها ، وتعرف بدار " ابن يحيى " هذا هو الذي ~~ظهر من أمر وفاته . وأخبرني متولي ثغر أسوان - وهو أحد من تولى قتله - أنه ~~وصل إلى الثغر في ليلة الأربعاء ركن الدين بن موسك ، نائب متولي الأعمال ~~القوصية ، وصحبته بعض مماليك متولي الأعمال ، فأقام بالثغر ms7638 يوم الأربعاء ، ~~وأظهر أنه إنما حضر لتحرير ما سقط من النخل في شهر رمضان بسبب هواء كان قد ~~هب فسقط لهبوبه نخل كثير ، وطلب أرباب السواقي في ذلك اليوم ، وشاع أنه ~~إنما وصل إلى الثغر بسبب ذلك . PageV33P0033 # """""" صفحة رقم 34 """""" فلما كان في ليلة الخميس توجه المتولي بالثغر ~~، وابن موسك ومن معهما إلى داره ، وطرق المتولي الباب على كريم الدين فخرج ~~إليه غلام ، فقال له من وراء الباب : من هذا ؟ فقال : عرف القاضي أن مملوكه ~~فلان حضر " يعني المتولي نفسه " فأعلمه الغلام ، وعاد ففتح الباب فقال ~~متولي الثغر : فلما صرت من داخل الباب أرسلت الغلام الذي فتح لي الباب إلى ~~الاعتقال ، وخرج غلام ثان ففعلت به كذلك ، فدخل غلام آخر وأخبر كريم الدين ~~بذلك ، ودخلت في إثره فوجدت كريم الدين على تخت ، وابنه عبد الله عنده ~~فسلمت عليه ، وقلت لولده عبد الله : يا علم الدين تعالى إلي أعرفك ، فلما ~~جاء إلي أخذته وخرجت من عند أبيه ، فصرخ بي كريم الدين ، وجعل يقول : يا ~~شمي الدين ، يا شمس الدين ، يكرر هذا القول ، فلم ألتفت إليه ، ودخل عليه ~~أولئك القوم فخنقوه ، وعلقوه بسلبة بعد أن أغلقوا بينه وبين نسائه بابا ، ~~وأغلق باب الدار من داخله وتوجه القوم فعرفت ولده الحال ، وقررت معه أن ~~يقول في بكرة النهار إذا طلب : إنه تخاصم مع أبيه وخرج من عنده ، وأنه حرج ~~منه ، ففعل ذلك بنفسه ، قال : فلما كان من بكرة النهار توجه المتولي وابن ~~موسك إلى باب دار كريم الدين ، وطرقوا الباب ، فلم يجبهم أحد ، فتوجه ~~المتولي إلى دار قاضي البلد ، وهو القاضي شرف الدين شعيب بن القاضي جمال ~~الدين يوسف السيوطي وهو يصرخ ويقول : هرب كريم الدين ، والله لئن تم هربه ~~لأشنقن بني الكنز ، وأخذ القاضي وجماعة من العدول وحضروا إلى الدار ، ~~وكسروا الباب ، ودخلوا الدار ، فوجدوا كريم الدين مشنوقا ، فأخبر القاضي ~~شرف الدين المذكور حاكم الثغر بأنه وجد في عنقه سلبة ليف كانت وشيجة لفرس ، ~~وعليها آثار زبل الدواب ، وطلب ولده ، وسئل عن ms7639 خبره ، فقال ما لقنه ؛ أنه ~~تخاصم معه بالأمس وخرج من عنده ، وقد أغضبه ، فكأنه وجد في نفسه من ذلك ~~فشنق نفسه ، فنظم بذلك مشروح وسير إلى الأبواب السلطانية في التاريخ ~~المذكور . ودفن بثغر أسوان ولما وصل الخبر بوفاته إلى الأبواب السلطانية ~~رسم بطلب ولده من ثغر أسوان ، ولما تحقق الناس موته ، وعلموا طلب ولده خشي ~~من كان عنده وديعة له أن ولده إذا وصل يعترف عليهم ، فظهر من ودائعه جملة ~~عظيمة منها ما أحضره الأمير علاء الدين علي بن هلال الدولة - فيما بلغني - ~~ذهب مصكوك بثمانية عشر ألف دينار ، ومصوغ ، وزركش وجوهر قيمته اثنا عشر ألف ~~دينار ، أحضر صارم الدين أستاذ دار كريم الدين - وهو الذي كان أستاذ دار ~~الأمير PageV33P0034 # """""" صفحة رقم 35 """""" علم الدين سنجر الجاولي - صندوقا كبيرا ضمنه ~~من الجواهر والحوايص المجوهرة والفصوص وغير ذلك ما قيمته - فيما قيل - مائة ~~ألف دينار ، وقيل أكثر من ذلك . ولما حضر ولده علم الدين طولب بالمال ، ~~وسعط بالخل والجير ، فاعترف أن له وديعة عند صارم الدين أستاذ دار والده ، ~~فطلب فأحضر نحو عشرة آلاف دينار ، وأنكر عليه كونه أخر إحضار هذا المال ، ~~فقال : هذا كان وديعة عندي لهذا ، وقد أحضرته الآن ، فلم يؤاخذ بذلك . ثم ~~أفرج عن ولده علم الدين عبد الله بعد ذلك ، واستقر بحارة الديلم بدار أبيه ~~الصغرى . هذا ما كان من خبر القبض على كريم الدين ووفاته . فلنذكر خلاف ذلك ~~من أخباره . ذكر شيء من أخبار كريم الدين المذكور وابتداء أمره " وتنقلاته ~~وما كان قد انتهى إليه من القرب من السلطان والتمكن من دولته " كان كريم ~~الدين المذكور في ابتداء أمره في حالة شبيبته في خدمة خاله تاج الرياسة بن ~~سعيد الدولة ، وكان معه بمدينة قوص لما كان كاتبا للأمير بهاء الدين قراقوش ~~الظاهري البريدي متولي الأعمال القوصية - كان - في الدولة المنصورية ~~السيفية ، وكان هو وخاله إذ ذاك - وبعده بسنين كثيرة - على دين النصرانية ، ~~وتوجه معه إلى الأعمال القوصية ، ورتب كريم الدين في كتابة المسطبة بقوص ، ~~وهي كتابة ms7640 نائب الولاية ، ثم خدم بعد ذلك الأمراء ، فكان ممن خدمه منهم : ~~الأمير سيف الدين جاورشي الحسامي ، والأمير سيف الدين قجقرا وغيرهما ، ~~وباشر بعد ذلك وظيفة كتابة في البيوت السلطانية ، ثم أسلم في الدولة ~~الناصرية ، وباشر نظر ديوان الأمير ركن الدين بيبرس أستاذ دار العالية ؛ إذ ~~تمكن منه ، وظهر اسمه ، وشاع ذكره ونوه الناس به ، وأظهر المكارم ، وبذل ~~ماله ، فمدحه الشعراء ، ورغب الناس في صحبته والاجتماع به ، ولم يزل على ~~ذلك وحاله تتزايد إلى أن استقر بيبرس الجاشنكير في السلطنة كما تقدم ، فعظم ~~عند ذلك شأنه ، وارتفع مكانه ، وعلت رتبته ، وسمت همته ، وهو مع ~~PageV33P0035 # """""" صفحة رقم 36 """""" ذلك تبع لخاله تاج الدين بن سعيد الدولة ، ~~يأتمر بأمره ، ويتصرف عن رأيه ، ويقف بين يديه ، وإذا خاطبه تاج الدين لا ~~ينعته غالبا بل يكنيه بأبي الفضائل لا يزيده على ذلك ، سمعته يخاطبه بذلك ، ~~وكان تاج الدين المذكور قد تمكن في دولة بيبرس الجاشنكير المنعوت بالملك ~~المظفر ، وكان يباشر نظر الدولة ، ويجلس إلى جانب نائب السلطنة الأمير سيف ~~الدين سلار بدركاة باب القلة ، ويكتب على سائر ما يكتب عليه السلطان قبل خط ~~السلطان ما مثاله " يحتاج إلى الخط الشريف " ولا تقدم الدوادارية للعلامة ~~إلا بعد مشاهدة خطه بذلك ، إلا كتب البريد خاصة ، وكانت كتب السلطان الملك ~~المظفر إلى النواب والولاة وغيرهم بالشام وغيره لا تختم إلا بعد عرضها عليه ~~إذا كان فيها ذكر الأموال ، فلما مات تاج الدين بن سعيد الدولة في سنة تسع ~~وسبعمائة في سلطنة المظفر بيبرس استقر كريم الدين في وظيفته ، فلم تطل ~~المدة إلى أن خلع بيبرس من السلطنة كما ذكرناه ، فكانت هذه الولاية كسحابة ~~صيف ، أو زيارة طيف . ولما توجه المظفر بيبرس إلى الصعيد توجه كريم الدين ~~معه ، فلما استقر السلطان الملك الناصر بقلعة الجبل حضر كريم الدين إلى ~~الأبواب السلطانية برسالة مخدومه ، وأعاد الخزانة التي كانت معه ، فخلع ~~السلطان عليه بسبب ذلك ، ثم قبض عليه لما قبض على بيبرس ، ورسم بمصادرته ، ~~وسلمه السلطان للأمير جمال الدين آقش الأشرفي ms7641 ، وأمره باستصفاء أمواله ، ~~وإعدامه بعد ذلك من الوجود ، لما كان يبلغ السلطان عنه في زمن خدمته لبيبرس ~~الجاشنكير ، عند ذلك بذل كريم الدين الأموال ، وفرقها فيمن يقبلها من ~~مماليك السلطان وغيرهم ، فأعطى مالا كثيرا ، فيقال : إنه أعطى للأمير سيف ~~الدين بكتمر الجوكاندار نائب السلطنة يومئذ عشرة آلاف دينار ، وأعطى غيره ، ~~وأقل ما بذل خمسمائة دينار عينا فيما بلغني ، فمال إليه المماليك السلطانية ~~، واعتنوا به ، وتكلم الأمير جمال الدين آقش الأشرفي مع السلطان في أمره ، ~~وتلطف غاية التلطف من غير أن يأخذ منه مصانعة ، ولا قبل له بذلا ، ولا حسن ~~للسلطان PageV33P0036 # """""" صفحة رقم 37 """""" إبقاءه ، وقال للسلطان : هذا مطلع على أموال ~~بيبرس ومتاجره ، وهي كثيرة ببلاد الفرنج وغيرها ، ومتى مات ضاعت على ~~السلطان ، فلم يزل يتلطف إلى أن رسم السلطان بالإفراج عنه ، ورسم له أن ~~ينظر الخاص بالوجه القبلي وهو الخاص الذي كان لبيبرس في زمن إمرته ، وأقر ~~له في السلطنة ، فسأل كريم الدين المذكور شهاب الدين أحمد بن علي بن عبادة ~~- وكيل الخاص الشريف السلطاني - أن يكون وكيله فيما يختص بنفسه ، فأجابه ~~إلى ذلك ووكله ، وكان يتردد إلى خدمته في كل يوم ، ويسلك معه من الآداب ما ~~لا مزيد عليه ، ولا يخرج عن أمره ، وهو مع هذا يجتمع بالمماليك السلطانية ، ~~ويتقرب إليهم بالهدايا والألطاف ، ويبذل لهم الرغبات ، فرسم له بنظر ديوان ~~الملك المنصور " علاء الدين علي " ولد السلطان . ثم مرض شهاب الدين أحمد بن ~~عبادة ومات في سنة عشر وسبعمائة ، فتكلم الأمراء المماليك السلطانية مع ~~السلطان في أمره ، فوكله وجعله ناظر خواصه على عادة شهاب الدين بن عبادة ، ~~وذلك في جمادى الأولى سنة عشر وسبعمائة ، فباشر هذه الوظيفة ، وخدم الأمراء ~~، وبالغ في ذلك ، وأفرد السلطان لخاصه ثغر الإسكندرية ، فاستقل كريم الدين ~~بمباشرته ، وانفرد به دون وزير الدولة وغيره ، وأخذ من السلطان مالا للمتجر ~~، فحصل منه فوائد كثيرة ، وأخذ أمره في التمكن ، وانتمى إلى الأمير سيف ~~الدين طغاي الحسامي الناصري ، فكان يحمل إليه الألطاف والتحف ، ويبالغ في ~~خدمته ، وهو يقربه من ms7642 السلطان ، ويشكره ، ويذكر محاسنه ، واحتفاله بالمصالح ~~، وحسن مباشرته ، فتمكن بذلك عند السلطان ، وظهر اسمه وعلت رتبته ، فعلم ~~أنه لا يستقيم له ما يرومه ، ويحصل تمكنه على ما في نفسه مع بقاء الوزير ، ~~فتلطف إلى أن كان من عزل الصاحب أمين الدين ما ذكرناه ، وحسن للسلطان ~~اختصار الوزارة ، وأن السلطان يشاور في جميع الأمور ، ويتصرف فيها عن أمره ~~، ويطلع على أحوال دولته ، ما قرب منها وما بعد ، فوقع ذلك من السلطان ~~بموقع ، ووافق عليه ، واختصرت الوزارة ، وأضاف السلطان إلى كريم الدين ما ~~كان بيد الصاحب أمين الدين من نظر البيمارستان المنصوري والقبة والمدرسة ، ~~ومكتب السبيل ، وأوقاف ذلك ، فعندها استقل كريم الدين بالأمر ، وأظهر القوة ~~برفق ، ولم يزل أمره يأخذ في الازدياد والظهور والتقدم وعلو الشأن ، وهو مع ~~ذلك يراجع الأمير سيف الدين طغاي ؛ ويتردد PageV33P0037 # """""" صفحة رقم 38 """""" إليه ، ولا يخالف أمره ، ثم مال إلى غيره من ~~الأمراء المماليك السلطانية ، ورأى في نفسه أنه قد كبر على مراجعة طغاي أو ~~غيره ، فظهر ذلك لطغاي ، فتنكر له ، وغضب لميل كريم الدين إلى غيره ، فأعمل ~~كريم الدين الحيلة والتلطف إلى أن كان من إخراج طغاي إلى نيابة صفد والقبض ~~عليه ما قدمنا ذكره ، فلم يبق له عند ذلك منازع ولا مشارك في الكلمة ، ومال ~~السلطان إليه ميلا عظيما ، وقرب منه قربا ما قربه منه أحد ، ولا سمع بمثله ~~، حتى ولا ما بلغنا عن الرشيد والبرامكة ما لو شرحناه لطال ، وزاده السلطان ~~في التشاريف ، فكان يخلع عليه أولا " كنجي " مطلق ثم خلع عليه " كنجي " ~~منقوشا ثم رفعه عن هذه الرتبة فخلع عليه أطلسا معدنيا أبيض ، وتحتانية أطلس ~~أخضر بطرز زركش على الفرجتين ، ولم يخلع مثل ذلك على متعمم قبله ، ولا على ~~نائب سلطنة ، وبلغني أنه رسم له أن يلبس في خلعته الشاش المثمر الذي لا ~~يخلع إلا على صاحب حماة ، وهو شاش سكندري مقفص بحواش زرق بقبضات ذهب مصري ، ~~فاستعفى من ذلك . ثم فوض السلطان إليه بعد ذلك جميع ما بيده من التصرف في ~~الأموال ms7643 والولايات ، والبيع والابتياع والنكاح والعتق وغير ذلك ، أقامه في ~~جميع ذلك مقام نفسه ، وقال السلطان في مجلس عام : " فوضت إليه ما هو مفوض ~~إلي " . وزاد معلومه المقرر له على الدولة ، فقرر له ما لم نعلم أنه قرر ~~لمتعمم قبله ، وكان يستدعي من الحوايج خاناه والمطبخ السلطاني ما يحتاج ~~إليه من الطاري ، فيحمل إليه من غير استئذان أحد ، وأضاف السلطان إليه ~~النظر على أوقاف الجامع الطولوني عوضا عن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ~~الشافعي ، وكان قاضي القضاة يلي ذلك بشرط الواقف ، فانتزعه منه ، وفوضه إلى ~~كريم الدين ، فباشره أحسن مباشرة ، وحصل له من السعادة في مباشرته أنه كان ~~إذا اختلت جهة من الجهات ففوضت إليه صلح أمرها ، وتميزت أموالها ، وصار هو ~~الآمر في الدولة مصرا وشآما ، وكان أمره يصدر لفظا لا خطا ، ولا يراجع إذا ~~أمر بولاية أو عزل أو طلاق أو منع أو زيادة أو توفير ، فكان يرسل إلى ~~القاضي علاء الدين علي بن الأثير صاحب ديوان الإنشاء أن يوقع بكذا ، أو ~~يكتب بكذا ، فيفعل ذلك من غير مراجعة ولا توقف على استئذان السلطان ، بل ~~يكتب لوقته ما يأمر به ، ويكتب في آخر المرسوم أو التوقيع حسب الأمر الشريف ~~، فتصرف كريم الدين في أموال المملكة وولاياتها ووظايفها بلفظه ، فكان سائر ~~أرباب الوظائف يتصرفون عن أمره . PageV33P0038 # """""" صفحة رقم 39 """""" ولقد انتهى أمره في التعاظم إلى أن حضر الأمير ~~علاء الدين الطنبغا ، نائب السلطنة بحلب إلى الأبواب السلطانية في سنة ~~اثنتين وعشرين وسبعمائة ، وركب في خدمة كريم الدين إلى داره ، فلما قرب من ~~الدار ترجل عن فرسه ومشى وكريم الدين راكب ما تغير عن حاله إلى أن انتهى ~~إلى المكان الذي عادته أن يركب منه وينزل فيه ، وانتهى تمكنه إلى أن ركب ~~السلطان إلى داره ، مرارا ، فركب مرة إلى تربته بالقرافة ، ونزل ودخل ~~الخانقاه التي أنشأها كريم الدين بها ، وأكل طعامه فيها ، وركب مرة ثانية ~~إلى داره التي أنشأها ببركة الفيل ، ووقف السلطان بنفسه ، وقسمها المهندسون ~~بحضوره ، والسلطان يشاركهم في الهندسة ms7644 والقسمة . ولقد مرض قبل أن يأمر ~~السلطان بالقبض عليه بأيام ، فأظهر السلطان عليه من القلق والألم ما لا ~~مزيد عليه ، وكان يرسل إليه في كل يوم جماعة من مماليكه الأمراء الخاصكية ~~يسألون عنه ، ويعودون إلى السلطان بخبره ، ثم يرسل آخرين بعدهم ، هذا دأبه ~~في طول نهاره ، وأرسل إليه جملة من المال يتصدق بها في مرضه . ولما عوفي ~~زينت له القاهرة أحسن زينة ، كما تزين للفتوحات الجليلة ، ولعود السلطان من ~~الغزوات المنصورة عند هزيمة أعدائه ، وبات الناس بالأسواق ، ونصب في بعض ~~الجهات أبراج من الخشب ، ولبست الأطلس ، والذهب وغيره ، وكانت الملاهي في ~~عدة مواضع من القاهرة بالأسواق أياما ، وبظاهر القبة المنصورية ، وفعل مثل ~~ذلك في مرضه عند عافيته في غير هذه المرة ، وإنما كانت أكثرها احتفالا ~~المرة الأخيرة . ولما عوفي من المرضة الأخيرة أمر أن يتصدق بقمصان ~~بالبيمارستان من وقفه ، فاجتمع الفقراء لذلك ، وازدحموا قبل وصوله إلى ~~البيمارستان ، فمات منهم من شدة الازدحام ثلاثة عشر إنسانا من الرجال ~~والنساء ، وتأخر عن الحضور في ذلك اليوم . هذه حاله في أمر الدولة والتمكن ~~منها ، والقرب من السلطان ، ونفوذ الكلمة . PageV33P0039 # """""" صفحة رقم 40 """""" وأما حاله في نفسه وأمواله ومتاجره ، فإنه ~~اتسعت أمواله ونمت ، وكثرت أملاكه ، وتضاعفت متاجره ، إلى أن منع التجار أن ~~يتجروا في صنف من الأصناف إلا أن يبتاعوه من حواصله بما يختاره من الثمن ، ~~واحتكر الأصناف قليلها وكثيرها حتى حبال القنب للوراقات وقصب الغاب ، وقش ~~الحصر ، وما بين ذلك إلى المسك والعنبر والعود ، وماء الورد ، وسائر ~~الأصناف ، لا يستثنى منها شيئا ؛ وكان في كل مدة ينادي بجمع التجار إلى ~~داره وإصطبله لحضور حلقة البيع ، فتغلق الأسواق ، ويحضر الناس على اختلاف ~~طبقاتهم ، فيخرج الأصناف من الأقمشة وغيرها ، فيبيعها عليهم بما يختاره هو ~~أو أتباعه ، لا يقدر أحد منهم على الامتناع . فلما كثرت الشناعة في ذلك صار ~~يجمع الناس ويخرج إليهم من القماش الكمخا والصوف والنصافي وغير ذلك ، ~~فينادي منه على خمسة قطع أو عشرة من أجوده ، ويقول للتجار : اشتروا بالقيمة ~~، فينتهي إلى قيمتها ms7645 ثم ترفع إلى حاصله ، ويخرج من جنسها ما يساوي أقل من ~~نصف قيمتها ، فيعطاه الناس بما انتهت إليه قيمة الجيد منه ، ويفرق عليهم ، ~~فكان الذي يأخذه الناس لا يقوم لهم بنصف الثمن الذي يعطونه ، ومنه ما لا ~~يحفظ الثلث - وحكى لي بعض من أثق به من التجار العدول كثيرا من ذلك - ثم ~~يستخرج الثمن منهم بأشد طلب وأعنفه ، فتضرر الناس لذلك ، وانكسر جماعة منهم ~~، وغلقوا دكاكينهم ، ومنهم من تسحب . ثم خرج عن هذا الحد إلى تعطيل الأحكام ~~الشرعية ، والعمل بغير حكم الله تعالى وسنة رسوله [ ] ، فكان يخرج مالا في ~~بعض الأوقات إذا برض ، ويرسم أن يصالح أرباب الديون على ما لهم في ذمة من ~~اعتقلوه ، ويفرج عنهم ، فيطلب المعتقل ومن اعتقله ، ويسأل رب الدين عن دينه ~~، ويلزم بإحضار وثيقته ، فإن اعتذر عن إحضارها رسم عليه حتى يحضرها ، فإذا ~~أحضرها أخذت منه ، وأمر أن يصرف له عشر مبلغها ، أو أقل منه ، أو أكثر ~~بيسير ، فإن رضي بذلك وإلا قطعت وثيقته ، وأفرج عن المعتقل ، ويرسم في بعض ~~الأوقات على بعض أرباب الديون حتى يشهدوا عليهم ببراءة غرمائهم فإذا تكامل ~~ذلك أمر كريم الدين أن تغلق أبواب السجون الحكمية ، ويمنع نواب الحكام من ~~سماع الدعاوى في الديون الشرعية ، فتعطلت الأحكام الشرعية ، وتضرر الناس ، ~~وكان هذا الفعل من أشد ما فعله ، ولا يتجاسر أحد أن يذكر ذلك له ، ولا ~~يعيبه عليه ، حتى صار المنكر لذلك ينكره بقلبه ، وهو أضعف الإيمان . وكان ~~كثير من المرائين يحسنون له فعله ، ويشكرونه عليه ، ويدعون له ، فحصل للناس ~~التضرر التام ، حتى كادت المعاملات أن تنقطع من بين الناس . PageV33P0040 # """""" صفحة رقم 41 """""" وعمل نوابه مع بعض من اعتنوا به من التجار عكس ~~هذا ، فكان بعض التجار يبيع السلعة الكاسدة على بعض المضرورين من التجار ~~وغيرهم إلى الأجل الطويل ، فيرغبون في ابتياعها لطول المدة ، ويرجون بذلك ~~أن يتسببوا فيها لصلاح أحوالهم ، ويشترونها بمثلى القيمة ، فإذا استقر ~~البيع ، وتسلم المشتري السلعة ، وأشهد على نفسه بالثمن أحال التاجر البائع ~~إلى ديوان كريم الدين ms7646 بالثمن ، فيطلب المشتري ، ويرسم عليه ، ويستخرج الثمن ~~بالضرب والاعتقال ، ولا يحملون فيه على حكم الشرع ، ولا يستنكف نوابه من ~~ذلك ولا يتحاشون ، فتضرر الناس من هذا الوجه أيضا ، حتى كان منهم من يبيع ~~السلعة بعينها بنصف ما ابتاعها به من الثمن ، ويعطيه ، ويكلف ما بقي ، ~~فيستدينه ويعطيه . وأما غير ذلك من حال كريم الدين فإنه كان قد تعاظم في ~~نفسه ، فيخلع الخلع السنية أشرف من خلع السلطان ، فكان السلطان إذا خلع على ~~أحد ملونا خلع كريم الدين مصمتا ، وإن خلع مصمتا خلع هو طردوحش ، وإن خلع ~~طردوحش خلع طردوحش مقصبا ، وإن خلع السلطان مقصبا خلع الأطلس المعدني ~~بالطرز الزركشي ، وأنعم بالحوايص الذهب والكلوتات الزركشي وغير ذلك ، وإذا ~~خلع على من يخلع السلطان عليه الأطلس بطرز الزركش خلع عليه المزركش المكلل ~~باللؤلؤ والمرصع بالجوهر ، وأنعم عليه بالخيول المسومة ، وبغالي الأقمشة ~~وغير ذلك ، وإذا أنعم السلطان بمال أنعم بأضعافه ، فكان ذلك مما حقده ~~السلطان عليه ، وذكره من عيوبه ، وتعاطيه ما لا يصلح . وكان مما فعله أنه ~~جعل لنفسه بيوتات نحو بيوت السلطان من شرابخاناه ، وطست خاناه ، وفراش ~~خاناه وغير ذلك ، وفي كل بيت منها من الآلات المناسبة PageV33P0041 # """""" صفحة رقم 42 """""" له ما لا يكون مثله إلا عند أكابر الملوك ، ثم ~~أخذ لنفسه أخيرا بما يفعله الملوك ، فكان يمد سماطه وأمامه أستاذ الدار ، ~~ومقدم المماليك ، والجاشنكير ، والمشرف ، ويأكل من ذلك الطعام من حضر من ~~الأكابر وغيرهم ، وهو بارز عنه لا يأكل منه شيئا ، فإذا رفع ذلك السماط ~~استدعى الطاري بعد ذلك فيأكل منه ، وكان في ليالي شهر رمضان سنة اثنتين ~~وعشرين وسبعمائة يمد بين يديه السماط الذي لا يمد لنائب سلطنة مثله ، ~~ويتقدمه المشروب ، ويأكل من حضر السماط من الأعيان وغيرهم ، فيأكلون بعد ~~المشروب ، ثم تمد الحلوى بعد السماط ، وهو جالس على مرتبته لا يأكل من ذلك ~~شيئا ، ثم يؤذن للناس في الانصراف ، ويمد له طعام الطاري فيأكل منه ، ~~وبلغني أنه كان يفعل ذلك في أسفاره إلى الشام وغيره ، وكانت رواتبه وافرة ~~لم ms7647 يكن لنائب سلطنة نظيرها ، وعطاياه وصلاته وإنعامه وتشاريفه متواصلة بمن ~~يتعلق بالسلطان من خواصه وأمرائه ومماليكه وغلمانه ، لا ينقضي يوم إلا وقد ~~أنعم فيه بالجمل الكثيرة . وكان الذي أعانه على ذلك أنه تخول في أموال ~~الدولة ، واتسع جاهه ، وكثرت متاجره ، وتقرب الناس إليه ببذل فوائد المتاجر ~~، وضايق الناس فيما بأيديهم حتى كان يرسل كل سنة إلى تجار الكارم - عند ~~وصولهم من اليمن إلى ثغر عيذاب - من يأخذ منهم جملة من الفلفل بأقل من ~~قيمته بعدن ، ويلزمهم بحمله والقيام بما عليه من الحقوق والمكوس إلى أن يصل ~~إلى ساحل مصر ، ويقبض منهم ، فإذا وصل تجار الكارم إلى ثغر الإسكندرية لا ~~يمكنون من البيع على تجار الفرنج إلا بعد بيع ما عنده ، وحواصله كثيرة جدا ~~فأضر ذلك بالتجار من الكارمية والفرنج حتى لو استمرت ولايته لأدت إلى ~~انقطاع الواصل عن الديار المصرية ، وكانت له عدة معاصر أقصاب ، ~~PageV33P0042 # """""" صفحة رقم 43 """""" ودواليب بالوجه القبلي والبحري ، بحيث أنه لا ~~يخلو إقليم من أقاليم الديار المصرية ، ولا بلد كبير إلا وله فيه تعلق من ~~دواليب أقصاب وبساتين ، أو زراعة أو متجر أو مسلف أو معاملة أو مخرج على ~~صنف من الأصناف التي تكون بذلك البلد . ولما عزله السلطان أمر بإبطال هذه ~~المتاجر ، ومكن الناس من ابتياع الأصناف وبيعها ، ورفع عنهم الحجر في ذلك ، ~~فاستبشر الناس بذلك ، وانبسطت آمالهم ، وطابت نفوسهم ، وتحققوا عدل السلطان ~~، وانحلت أسعار الأصناف التي كان يحتكرها ، فتضاعفت الأدعية بدوام دولة ~~السلطان ، وعلموا أن تلك الأفعال الشنيعة لم تكن عن أمر السلطان ، ولا ~~برضاه ، وقد كان يوهم الناس ويصرح لبعضهم أنه لولا ما يفعله من إرضاء ~~السلطان بما يحصل له من فائدة المتاجر والدواليب ، وسد ما يحتاج إليه ~~السلطان بتدبيره كان السلطان قد استصفى ما في أيدي الناس من الأموال ، فعلم ~~الناس الآن أن الأمر ليس كذلك ، فرجوا من الله تعالى دوام الخير ، وزيادة ~~العدل والإنصاف . ولما عزله السلطان فوض ما كان بيده لمن نذكر : فوض نظر ~~خواصه ووكالته للقاضي تاج الدين أبي ms7648 إسحاق إبراهيم وكان قبل ذلك يلي نظر ~~الدواوين بالديار المصرية ، وفوض النظر على البيمارستان المنصوري والقبة ~~والمدرسة ومكتب السبيل وأوقاف ذلك للأمير جمال الدين آقش الأشرفي ، وهو رأس ~~الميمنة ، وفوض نظر الجامع الطولوني وأوقافه للأمير سيف الدين قجليس أمير ~~سلاح . ذكر تفويض الوزارة للصاحب الوزير أمين الدين عبد الله " وهي الوزارة ~~الثانية له " قد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا أن الصاحب الوزير أمين ~~الدين عبد الله بعد عزله من الوزارة في سنة ثلاث عشرة وسبعمائة فوض إليه ~~نظر النظار والصحبة ، ثم عزل عن ذلك ، ولزم داره ، ثم رسم له بنظر المملكة ~~الطرابلسية ، ورتب له على هذه الوظيفة نظير معلومه الذي كان له على وظيفة ~~نظر النظار بالديار المصرية ، فتوجه إليها كارها في سادس عشر صفر سنة ثماني ~~عشرة وسبعمائة ، وأقام بها إلى أن سأل أن يفسح له في التوجه إلى الحجاز ~~الشريف ، فأذن له في ذلك ، فحج ولم يعد إليها ، PageV33P0043 # """""" صفحة رقم 44 """""" واستعفى من المباشرة ، فرسم له بالإقامة ~~بالقدس الشريف ، فأقام هناك ، ورتب له على سبيل الراتب في كل شهر ثمانمائة ~~درهم وثمانية غراير ، فلم يزل بالقدس الشريف إلى أن قبض على كريم الدين كما ~~تقدم ، فرسم السلطان بطلبه إلى الأبواب العلية ، وكتب بذلك إلى نائب ~~السلطنة الشريفة بالشام على يد الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي ، فتوجه ~~إلى دمشق ، وأرسل إليه البريد منها ، فحضر إلى الأبواب السلطانية . وكان ~~وصوله في بكر نهار الأحد الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث ~~وعشرين وسبعمائة ، فمثل بين يدي المقام الشريف ، فأقبل عليه غاية الإقبال ، ~~وألبسه تشريفا ، ونزل إلى داره ، فلم يستقر به الجلوس حتى طلبه ثانيا ، ~~ففوض إليه الوزارة ، وأنعم عليه بالدواة والبغلة ، وأقام بالقلعة إلى عشية ~~النهار ينفذ الأشغال ، ثم ركب منها إلى داره واجتمع الناس ببابه ، وامتلأت ~~الأزقة والشوارع والرحبة التي أمام الدار على سعتها ، وازدحموا حتى كاد ~~يعجز عن الوصول إلى باب داره والدخول إليها إلا بجهد كبير . وأصبح في يوم ~~الاثنين الخامس والعشرين من الشهر ، وركب ms7649 في موكب الوزارة ، وجلس بدار ~~العدل الشريف مع السلطان إلى أن انقضى المجلس ، وقام إلى قاعة الوزارة ، ~~وفتح له الشباك بها ، وكان قد أغلق بعد عزله عن الوزارة ، فلم يفتح إلا في ~~هذا اليوم ، فجلس فيه ، وأظهر الإحسان إلى الناس ، ونشر فيهم العدل ، ~~ووعدهم عن نفسه وعن السلطان بكل جميل ، فسر الناس بمقدمه ، وازدحموا عليه ~~حتى منعوه من تنفيذ أشغال الدولة ، فكانت قلعة الجبل تغص بالناس من أرباب ~~الأشغال والوظائف والبطالين والمتفرجين ، إلى أن رسم بمنع كثير من العوام ~~من طلوع القلعة ، وأقام على ذلك أياما حتى خف الناس ، ولما ركب إلى مصر في ~~يوم الثلاثاء السادس والعشرين من الشهر تلقاه الناس بالفرح والسرور والدعاء ~~له ، وازدحموا عليه فيما بين مصر والقاهرة ، حتى امتلأت بهم الطرق . ولما ~~استقر في الوزارة رسم للقاضي شرف الدين عبد الهادي بن زنبور مستوفي الصحبة ~~أن يكون ناظر النظار والصحبة ، رفيقا للقاضي موفق الدين ، ورتب في استيفاء ~~الصحبة القاضي شمس الدين بن قروينة وهو صهر الصاحب أمين الدين على ابنته ، ~~وأحضر الصاحب جماعة من أصحاب كريم الدين وألزامه ، فصادرهم بمال حمل من ~~جهتهم إلى بيت المال ، وكان في الطلب لين ، ثم أفرج عنهم في أثناء جمادى ~~الآخرة . PageV33P0044 # """""" صفحة رقم 45 """""" ذكر القبض على كريم الدين الصغير " وشيء من ~~أخباره " كان كريم الدين هذا يخدم الأمراء الأصاغر ، وكان ممن خدمه الأمير ~~علاء الدين أيدغدي التليلي أستاذ دار الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، وهو ~~من أمراء الأربعين ، ثم توصل إلى أن باشر من جملة عمال الجيش بالديار ~~المصرية ، فلما قوي أمر كريم الدين - وهو من أقاربه - نقله من عمالة الجيش ~~إلى نظر النظار والصحبة ليس بين ذلك وظيفة أخرى ، فباشر مدة ، ثم عزل عن ~~نظر النظار خاصة ، ثم أعيد إلى الوظيفة ثانيا كما تقدم ، فلما باشر عسف ~~بالناس وظلمهم ، واستخف بالأكابر ، وشدد على المباشرين والتجار والرعايا ، ~~وعاقب بين يديه ، واقترح نوعا من العقوبة سماه " المقترح " ، وبسط يده ~~ولسانه في أبشار الناس وأعراضهم حتى ضاقوا بذلك ذرعا ، وبلغت ms7650 منهم القلوب ~~الحناجر ، وهو لا يزداد إلا تماديا ، واستخفافا بخلق الله تعالى ، ثم ترقى ~~عن ذلك إلى الاستخفاف بأمراء الدولة الأكابر مقدمي الألوف ، وتزايد ظلمه ~~وتفاحش ، وضرب جماعة بين يديه حتى ماتوا ، وكان إذا علم أنه يشتكى إلى ~~السلطان من أمر من الأمور بادر بالدخول إلى السلطان ، وأنهى إليه أنه فعل ~~كذا وكذا مما يعود نفعه على الدولة ، وأن الناس قد كرهوه وربما شكوه ، وأنه ~~لا غرض له إلا في مصلحة السلطان ، ويقرر معه ذلك ، فإذا اشتكى للسلطان لا ~~يسمع فيه شكوى ، ولا يلتفت إلى قول قائل ، ويقرر في ذهن السلطان أنه أنصح ~~الناس له ، وأن سائر الناس كرهوه بسبب نصحه للسلطان ، وتحصيل أمواله ، فبقي ~~لا يسمع فيه شكوى ، فكف الناس عن شكواه . فلما قبض السلطان على كريم الدين ~~الكبير ، استمر هذا على وظيفته في النظر إلى آخر يوم الأحد السابع عشر من ~~شهر ربيع الآخر ، فرتبه السلطان في صحابة ديوان الجيوش المنصورة عوضا عن ~~القاضي معين الدين هبة الله بن حشيش ، وخلع عليه على عادة من تقدمه ، وباشر ~~الوظيفة في يوم الاثنين الثامن عشر من الشهر ، وأعيد القاضي معين الدين إلى ~~نظر الجيوش بالشام عوضا عن قطب الدين بن شيخ السلامية ، واستمر كريم الدين ~~في هذه الوظيفة ، وهو مع ذلك يكتب على عادته في نظر الدواوين ، وينفذ ~~الأشغال إلى أن حضر الصاحب أمين الدين وفوضت إليه PageV33P0045 # """""" صفحة رقم 46 """""" الوزارة ، فمنع من ذلك ، واستمر في صحابة ~~ديوان الجيوش ، والناس في أشد ألم بسبب سلامته . فلما كان في يوم السبت سلخ ~~ربيع الآخر أمر السلطان بالقبض عليه ، فقبض عليه هو وولده سيف الدين ، ~~وألزم بالحمل ، واعتقل بالبرج بباب القرافة ، ولو تمكن الناس منه أو ظهر ~~لهم قتلوه ، وكان ولده سيف الدين يخرج في الترسيم ويركب حمارا ، ويبيع قماش ~~أبيه ، ويحمل الثمن عنه ، وأبيعت أملاكه ، ثم سأل أن يحمل أربعمائة ألف ~~درهم ، ويتصدق السلطان عليه بالإفراج عنه ، فأجيب إلى ذلك ، ثم نقل من ~~البرج إلى القرافة ، فأقام هناك بتربة الأمير سيف ms7651 الدين طقتمر الدمشقي ، ~~بجوار تربة كريم الدين الوكيل ، واستمر على ذلك إلى أن رسم بتوجهه إلى ~~مباشرة نظر المملكة الصفدية ، فتوجه إلى ذلك في يوم السبت الثاني عشر من ~~جمادى الآخرة من السنة ، وخرج من القرافة ليلا خوفا على نفسه أن يقتل ، ~~وضمن على ولده " سعد الدين فرج الله " أن يبيع بقية أملاك والده ، ويحمل ~~عنها ليكمل ما قرر على أبيه ، ولم يكن طلبه شديدا على العادة في مثل ذلك ~~إذا طولب أمثاله بحمل الأموال . واستمر بصفد إلى أن رسم بإحضاره منها عندما ~~أحضر كريم الدين الوكيل من القدس ، فعزل منها في شهر ربيع الأول سنة أربع ~~وعشرين ، وكان وصوله إلى قلعة الجبل في يوم الخميس العاشر من شهر ربيع ~~الآخر منها ، وعند وصوله اعتقل بالبرج بباب القرافة بقلعة الجبل ، وطولب ~~بحمل المال ، فحمل من جهته مائة ألف درهم ، وأفرج عنه في يوم السبت السادس ~~والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة ، وكان من أمره بعد ذلك ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى . ذكر وصول رسل متملك الأرمن إلى الأبواب السلطانية وفي سنة ~~ثلاث وعشرين وسبعمائة في العشر الأخر من جمادى الأولى وصل رسل متملك الأرمن ~~إلى الأبواب السلطانية ، وفيهم الخليفة عليهم بزعمهم ، وأم الملك ، وجماعة ~~من أكابرهم يسألون مراحم السلطان في الكف عنهم ، وأن يحملوا إلى الخزانة ~~السلطانية قطيعة في كل سنة ألف ألف درهم ومائتي ألف درهم ، وما جرت به ~~العادة من البغال المساقة إلى الإسطبلات ، والنعال الحديد ، وغير ذلك من ~~التقادم ، وسألوا أن يأذن لهم في عمارة ثغر آياس ، وأن يكون ما يتحصل منه ~~مناصفة PageV33P0046 # """""" صفحة رقم 47 """""" بين السلطان وبينهم ، فامتنع السلطان من ~~إجابتهم إلى المناصفة إلا أن يبذلوا عن الثغر في كل سنة ثمانمائة ألف درهم ~~لتكملة ألفي ألف درهم . ثم وصلت رسل الملك أبي سعيد ملك التتار ، وكان في ~~جملة رسالتهم سؤال السلطان في أمرهم ، والشفاعة فيهم ، فاستقر حالهم على ~~حمل القطيعة المذكورة ، ولم تحصل الموافقة على عمارة ثغر آياس ، وأعيدوا ~~إلى بلادهم . ذكر ms7652 وصول رسل الملك أبي سعيد وفي هذه السنة وصل إلى الأبواب ~~السلطانية رسل الملك أبي سعيد بن خربندا ملك العراقين وخراسان وغير ذلك ، ~~وكان وصولهم إلى قلعة الجبل في يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة ، ~~ومثلوا بين يدي المقام الشريف في هذا اليوم ، وكانوا ثلاثة ، المشار إليه ~~منهم من مقدمي التوامين . ولما وصل هذا الرسول إلى حلب ، أظهر كبرا عظيما ، ~~وحمقا زائدا ، فتلطف الأمير علاء الدين الطنبغا نائب السلطنة بحلب به ، ~~وأكرمه وعامله بنهاية الإكرام والاحترام والأدب ، فتمادى على حمقه ، ولما ~~وصل إلى حمص تلقاه نائبها ، فمد يده إلى النائب ليقبلها ، واتصلت هذه ~~الأخبار بالأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام المحروس ، فأرسل ~~للقائه الأمير سيف الدين جوبان أحد الأمراء المقدمين ، فلما قدم على الرسول ~~لم يكرمه ، ولم يقم له ، بل مد إليه يده ليقبلها ، فصرف الأمير جوبان يده ، ~~وولى ولم يسلم عليه . ولما قرب الرسول من دمشق المحروسة أمر نائب السلطنة ~~بها العسكر الشامي بالركوب في أتم زينة ، فركبوا بالكلاوت الزركش والطرز ~~الزركش والخيل المسومة ، والعدد المذهبة والمزركشة ، والكنابيش الحرير ~~المذهبة ، وخرجوا في أحسن زي وأجمله ، وأمرهم أن يقفوا سماطين من القابون ~~إلى باب دار السعادة ، وهي سكن نائب السلطنة ، ففعلوا ذلك وما ركب نائب ~~السلطنة الأمير سيف الدين تنكز للقائه ، ولا خرج من دار السعادة ، ولما حضر ~~الرسول قدم بين يدي نائب السلطنة ، وقد حفت به الحجاب ، فلم يتحرك له ولا ~~نظر إليه كل النظر ، وأوقف بين يديه ، فسأله عن جوبان نائب الملك أبي سعيد ~~، وعن الأمراء ، فأجابه الرسول أنهم في عافية ، ثم PageV33P0047 # """""" صفحة رقم 48 """""" أمر بإخراجه ليستريح ، فأخرج ، وأنزل بالميدان ~~في جتر أمر بنصبه له ، فلما صار الرسول بالدهليز سأل العود إلى نائب ~~السلطنة فاستؤذن على ذلك ، فلم يؤذن له ، فأرسل الرسول إليه يقول : أنا ~~إنما أتيت من قبل الملك ، ولم أجئ من قبل جوبان النائب ، ولا الأمراء ، ~~فكيف سألني نائب السلطان عنهم ، ولم يسألني عن الملك ؟ فأجابه الأمير سيف ~~الدين ( تنكز ) بقوله : أنا نائب ms7653 سلطنة لا أسأل إلا عن نائب سلطنة مثلي أو ~~أمير ، وأما الملك فإنما يسأل عنه السلطان خلد الله ملكه ، ثم أرسل إليه ~~يعنفه على ما صدر منه من الحمق والترفع على الأمير الذي سيره للقائه ، وقال ~~: " إن ما وراء الفرات من البلاد الحادثة في مملكتكم هي بلاد كفر ونفاق ~~وخوارج ، وأما ما وراء الفرات مما يلي الشام فهي بلاد إسلام ، ومساكن ~~أنبياء ، ومقر العباد والصلحاء والعلماء والفقهاء ، فينبغي لمن يحضر إليها ~~أن يتأدب بأدب الله تعالى " ، فاستعظم الرسول نائب السلطنة بالشام ، وتهذبت ~~أخلاقه وتأدب بعد ذلك مع من يصل إليه ، ثم أمره بالمسير إلى الأبواب ~~السلطانية ، فتوجه وطالع نائب السلطنة السلطان بصورة الحال ، فشكر فعله . ~~ولما وصل الرسل إلى الأبواب السلطانية ، ومثلوا بين يدي السلطان أحسن إليهم ~~وأكرمهم ، وأجلسهم في مجلسه ، وأدوا الرسالة ، فكان مضمونها طلب الصلح ، ~~والحلف على ذلك ، فحلف لهم السلطان . وكان الأمير سيف الدين أيتمش المحمدي ~~لما توجه في الرسالة إلى الملك أبي سعيد حلفه أيضا على انتظام الصلح ، ~~وإطفاء نايرة الحرب ، وكف الغارات من الجهتين ، وأحضر الرسل معهم هدية من ~~جهة الملك إلى السلطان حياصتين وقماشا ، فقبل السلطان تقدمتهم ، وذكروا أن ~~التقادم واصلة صحبة تاجر الملك أبي سعيد ، فأقبل السلطان عليهم ، وأنزلهم ~~برواق بدار النيابة بقلعة الجبل ، ورتب لهم الرواتب الوافرة من المأكل ~~والحلويات والفواكه وأنواع الأشربة المباحة وغير ذلك ، ثم أحضرهم يوم ~~الخميس وخلع عليهم ؛ فخلع على المشار إليه منهم أطلسا معدنيا بطرززركش ، ~~وحياصة وكلوتة وسيفا محلى بالذهب ، وخلع على الاثنين [ الآخرين ] طردوحش ~~مقصبا بذهب وحوايص وكلوتات ، وخلع على من معهم من الأتباع والكبلجية ~~والغلمان ما يناسبهم . PageV33P0048 # """""" صفحة رقم 49 """""" ولما كان في يوم السبت تاسع عشر جمادى الآخرة ~~أمر السلطان بركوبهم بين يديه إلى الميدان ، وأنعم عليهم بثلاثة أرؤس خيل ، ~~فركبوا في خدمته وشاهدوا مواكبه العظيمة ، فرأوا ما لم يروا مثله ، ثم ~~أحضرهم السلطان في يوم الاثنين الحادي والعشرين من الشهر ، وخلع عليهم ~~ثانيا نظير تلك الخلع ، وأجابهم عن رسالتهم ، وأنعم عليهم بالأموال الكثيرة ms7654 ~~، وأحسن إليهم غاية الإحسان . وكان في جملة رسالتهم سؤال السلطان أن يزوج ~~ابنته من ابن الأمير جوبان نائب الملك أبي سعيد ، فاعتذر السلطان عن ذلك ~~بصغرها ، وقال : إن هذه عمرها خمس سنين ، وإذا صلحت للتزويج أجبنا سؤالكم ~~إن شاء الله تعالى ، وأعادهم مكرمين ، فكان توجههم من قلعة الجبل في يوم ~~الثلاثاء الثاني والعشرين من الشهر ، وتوجه معهم الأمير سيف الدين أيتمش ~~المحمدي حتى أوصلهم إلى غزة ، هذا ما كان من خبرهم . ذكر تجريد طائفة من ~~العسكر إلى بلاد النوبة وفي هذه السنة - في شوال منها - أمر السلطان بتجريد ~~طائفة من العسكر المنصور المصري إلى بلاد النوبة ، فجرد ثلاثة من الأمراء ~~وهم : سيف الدين طقصبا الناصري الحسامي ، وهو المقدم على العسكر ، وعلاء ~~الدين علي بن قرا سنقر المنصوري ، وعز الدين أيدمر الكبكي ، وجرد جماعة من ~~المماليك السلطانية ، ومن الحلق ، ومن أجناد الأمراء من كل أمير مائة ~~جنديان ، ومن كل أمير طلبخاناه جندي ، فبلغت عدتهم نحو خمسمائة فارس ، وكان ~~خروجهم من القاهرة في مستهل ذي الحجة . وسبب تجريد هذا العسكر أن كنز ~~الدولة بن شجاع الدين نصر بن فخر الدين مالك بن الكنز ، لما تملك النوبة ~~بعد وفاة خاله إبرام أخي كرنبس - كما تقدم - واستقل بالملك ، واتصل ذلك ~~بالسلطان أفرج عن كرنبس ، وجهزه إلى النوبة ، وجرد هذا العسكر لنصرته ~~فتوجهوا ، فلما قاربوا البلاد فارقها كنز الدولة ، وتوجه وصحبته من انضم ~~إليه من العربان ، فتبعه العسكر إلى الأبواب ، فلم يظفروا به ، فلما حصل ~~أمانهم منه ، عادوا إلى دنقلة ، وملكوا كرنبس بها ، وعاد العسكر وتركه ، ~~ولما علم كنز الدولة بعود العسكر جمع العربان وعاد إلى دنقلة ، وأخرج كرنبس ~~منها ، واستقل PageV33P0049 # """""" صفحة رقم 50 """""" بملكها ، ووصل كرنبس إلى ثغر أسوان ، فرسم له ~~بالمقام به ، فأقام به إلى أواخر سنة ست وعشرين وسبعمائة ، وكان من أمره ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى . وفي سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة أيضا ، في ليلة ~~يسفر صباحها عن نهار الثلاثاء ثالث المحرم توفي الملك المجاهد أنس بن الملك ~~العادل زين الدين ms7655 كتبغا المنصوري الضرير بالقاهرة ، ودفن بتربة والده ~~بالقرافة ، وقد جاوز خمسين سنة ، وكانت زوجته ابنة الملك الظاهر ركن الدين ~~بيبرس الصالحي قد اشترت منه ما يخصه من الدار المعروفة بإنشاء والده ~~بالقاهرة ، وحصل بينها وبينه خصام قبل وفاته أوجب انتقالها عنه إلى دار ~~الشريف بن ثعلب ، وسكنتها بالأجرة ، فلما مات حصل بينها وبين إخوته خصام ، ~~فباعت ما ملكته من الدار الزينية لوكيل زوجة السلطان طغاي أم ولده ، واشترى ~~الوكيل من بقية الورثة ما يخصهم من الدار بستمائة ألف وثلاثين ألف درهم ، ~~وأخرج أولاد العادل منها ، وتفرقوا بالقاهرة ، وسكنوا في عدة مساكن بالأجرة ~~. وتوفي الصدر الأمير نجم الدين محمد بن الشيخ فخر الدين عثمان بن الشيخ ~~صفي الدين أبي القاسم بن محمد بن عثمان البصروي الحنفي ، وكانت وفاته ~~بمدينة بصرى في يوم الخميس الثامن والعشرين من شعبان ، ودفن بها ، وهو من ~~أبناء الخمسين ، وكان قد تقدم واشتهر بتحصيل الخيول الجياد ، وسياقتها إلى ~~الأبواب السلطانية ، وتقدمتها إلى أعيان الأمراء ، فأوجب له ذلك التقدم ، ~~فولي نظر الحسبة بدمشق ، ثم نظر الخزانة ، ثم وزر بالشام ، ثم سعى في إقطاع ~~فأنعم عليه بإمرة عشرة ، وأقطع إقطاعا جيدا ، وكان قبل ذلك مدرسا ببصرى ، ~~وكان يذكر بكرم رحمه الله تعالى . وفي يوم الخميس الحادي والعشرين من شعبان ~~توفيت بدمشق محمودة خاتون ابنة الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك ~~العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب توفيت بدارها وتعرف بدار كافور ، ~~وصلى عليها بجامع دمشق عقيب صلاة المغرب من ليلة الجمعة ودفنت بالمدرسة ~~الصالحية داخل دمشق بتربة جدتها ، وكانت جليلة ، ولم تتزوج قط ، ولم يكن في ~~بيت العادل من هو في درجتها رحمها الله تعالى . نقلت وفاتها من تاريخ الشيخ ~~علم الدين القاسم بن البرزالي . PageV33P0050 # """""" صفحة رقم 51 """""" واستهلت سنة أربع وعشرين وسبعمائة بيوم الجمعة ~~الموافق للثالث من طوبة من شهور القبط وفي يوم الأربعاء السادس من المحرم ~~نودي بالقاهرة ومصر المحروستين أن يتعامل الناس بالفلوس حسابا عن كل رطل ~~درهمين ، وكانت قبل ذلك بدرهمين ونصف ms7656 ، فجرت على ذلك ، تضرب بدار الضرب ~~فلوس جدد ، زنة كل فلس منها أرجح من درهم ، مكتوب على أحد وجهيه " لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله " ، وعلى الوجه الآخر - بدائرة - " السلطان الملك ~~الناصر ناصر الدنيا والدين محمد " في وسط حلقة مستديرة في وسط الفلس ، ~~واستمر الأمر على ذلك إلى يوم الخميس الحادي عشر من شهر ربيع الأول من ~~السنة ، فرسم السلطان بإبطال المعاملة بالفلوس العتق جملة . ونودي بذلك ، ~~وأن من كان عنده شيء منها يحمله إلى دار الضرب ويتعوض عنه ، وأن يتعامل ~~الناس بالفلوس الجدد الناصرية عددا وحسابا ، عن كل درهم ثمانية وأربعين ~~فلسا على ما كانت عليه قديما . وإنما أوردنا ذكر الفلوس في كل واقعة منها ؛ ~~لأن كل دفعة من إبطال المعاملة بها غرم الناس فيها الجمل الكثيرة من ~~أموالهم ، حتى اضمحلت أموال بعضهم ، وكانت قد كثرت بالقاهرة عند أرباب ~~الأموال ودواوين الأمراء ، حتى اجتمع عند بعضهم منها مائة ألف درهم وأكثر ~~من ذلك وأقل ، وهي باقية محفوظة عند أكثر الناس يرجون أن يتعامل بها عددا . ~~ذكر وفاة الخوند أردكين ابنة نوكاي زوج السلطان الملك الناصر كانت وفاتها ~~في يوم السبت عشية النهار الثالث والعشرين من المحرم من هذه السنة بدارها ~~بالقاهرة ، وكان السلطان قبل ذلك قد أخرجها من القلعة ، وأنزلها بدارها ~~PageV33P0051 # """""" صفحة رقم 52 """""" التي بالقاهرة التي بحارة زويلة ، وأجرى عليها ~~في كل شهر خمسة آلاف درهم ومائة وخمسين درهما ، وفي كل يوم من اللحم ~~والتوابل والفواكه والقلويات والسكر والحلوى والكساوى وغير ذلك ما تزيد ~~قيمته في كل شهر على خمسة عشر ألف درهم ، ولما خرجت من القلعة شاع عند ~~الخواص والعوام أن السلطان طلقها ، إلا أن السلطان ما صرح بطلاقها ، فلما ~~توفيت حضر أخوها الأمير جمال الدين خضر بن نوكية إلى دارها ، وقصد عرض ما ~~خلفته ، وطلب الجواري المتسلمات قماشها ومالها ، وتهددهن بالقتل إن عدم من ~~مالها شيء ، فبينا هو على ذلك إذ دخل الطواشي شجاع الدين عنبر أمير لالا ، ~~وزمام الأدر ، وأنكر عليه فعله ، وأخرجه من ms7657 الدار ، فتوجه إلى منزله ، ولم ~~يشهد جنازتها ، ثم ورد مرسوم السلطان قبل دفنها - وكان السلطان يتصيد ~~بأعمال الجيزية - بمنع الأمير جمال الدين أخوها من التعرض إلى تركتها ~~والإنكار عليه ، والاحتراز على الموجود وضبطه ، وإقرار ما كان باسمها من ~~المرتب على جواريها ، وخدمها إلى أن يعود السلطان إلى القلعة . ولما كان في ~~يوم الأحد مستهل صفر أرسل السلطان إلى أخيها المذكور مائة ألف درهم وعشرة ~~آلاف درهم ، ووقع الإشهاد عليه بالبراءة من جميع ما خلفته أخته من الأموال ~~والمصوغ والأملاك وسائر الأصناف على اختلافها ، وأشهد عليه أنه وصل إلى حقه ~~من ذلك كله ، وأبرأ ذمة السلطان . وفي هذه السنة أمر السلطان بحفر خليج ~~الذكر من فمه مما يلي نهر النيل إلى أن ينتهي إلى الخليج الحاكمي ، فقسم ~~ذلك على الأمراء ، وحفر حفرا جيدا حتى نبع الماء في بعضه ، وأصرف الأمراء ~~على هذا الحفر الحفير جملة كثيرة من أموالهم وكان الشروع في الحفر في العشر ~~الأخر من جمادى الآخرة فلما فتح كادت القاهرة أن تغرق لكثرة المياه الجارية ~~منه وحدتها ، فاقتضى ذلك سد القنطرة التي عليه وكان قد بنى لها عضادتان مما ~~يلي البحر ؛ ليدفعا عنها صدمة الماء ، فتحامل الماء على القنطرة فاقتلعها ، ~~ولم يفد ما عضدت به ، ولم يحصل منه من الإفادة ما كان يظن به ، فأمر ~~السلطان بحفر خليج مستجد ، على ما نذكره في سنة خمس وعشرين وسبعمائة . ~~PageV33P0052 # """""" صفحة رقم 53 """""" ذكر خبر النيل في هذه السنة وفي سنة أربع ~~وعشرين وفى النيل المبارك بمقياس مصر في يوم الأربعاء تاسع شعبان الموافق ~~للثامن من مسرى ، وحصل التحليق والكسر في يوم الخميس عاشر الشهر ، ثم أخذ ~~في الزيادة على تدريج إلى أن انتهى إلى ثمانية عشر ذراعا وتسعة عشر أصبعا ~~بمقياس مصر ، ولم ينته في الزيادة في هذا العصر إلى مثل هذه الغاية ، فغرقت ~~البساتين والأقصاب ، وفاض الماء على الجروف حتى أخبرني جماعة ممن حضر من ~~الصعيد الأعلى أنهم سافروا من مدينة قوص إلى ساحل مصر لم يجدوا من السواحل ~~ما ms7658 يضرب فيه أوتاد المراكب إلى ساحل أخميم ، وكوما بمنية بنى خصيب ، وما ~~عدا ذلك من السواحل فإن الماء طما عليها ، وثبت الماء على ذلك زمنا ، حتى ~~خشي الناس من بقائه ، ثم أخذ في الهبوط عند الحاجة إلى نقصه ، فانكشفت ~~الأراضي ، وزرع الناس ، ولولا هذا الثبات - الذي كره الناس - كان قد شرق ~~جملة من الأراضي مع وجود هذه الزيادة العظيمة ، فإن سائر الجسور التي تحبس ~~المياه تقطعت وخرج الماء منها ، فلما حصل ثبات النيل بقي الماء على المزارع ~~، حتى استوفت حقها من الري ، فسبحان اللطيف الخبير القادر . وقد ذكرنا في ~~سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة - في أيام الحافظ عبد المجيد - أن زيادة النيل ~~انتهت إلى تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع بمقياس مصر ، وبسبب هذه الزيادة ~~العظيمة في سنتنا هذه شرق إقليم الفيوم ، لأن سكر النهر انقطع ، وخرج الماء ~~بجملته إلى البحيرة ، فغرق ما حولها ، وشرق ما سوى ذلك ، واجتهد السلطان ~~بعد ذلك في إصلاح السكر ، وندب لذلك الأمير سيف الدين بكتمر الحسامي الحاجب ~~- كان - وهو من أكابر أمراء المشورة الذين يجلسون في مجلس السلطان ، فأصلحه ~~وأتقنه إتقانا جيدا ، فتدارك الناس بسبب إصلاحه زراعة الصيفي خاصة بإقليم ~~الفيوم . وفيها - في شهر ربيع الآخر - وصلت رسل الملك أزبك متملك صراي ~~PageV33P0053 # """""" صفحة رقم 54 """""" والبلاد الشامية إلى الأبواب السلطانية ، ~~ومثلوا بين يدي السلطان ، وأحضروا ما معهم من الهدايا فقبلت ، وشملهم ~~الإنعام ، وأعيدوا إلى مرسلهم بالهدايا بالهدايا صحبة رسل السلطان إليه . ~~وفيها وصل إلى الديار المصرية الملك موسى متملك بلاد التكرور لقصد الحج ، ~~وتوجه إلى الحجاز الشريف ، ورجع إلى بلاده في سنة خمس وعشرين ، ولكان قد ~~أحضر صحبته جملة كثيرة من الذهب ، فأنفقها بجملتها وفرقها ، وتعوض ببعضها ~~قماشا ، واحتاج إلى أن استدان جملة من التجار وغيرهم قبل سفره . ذكر عزل ~~الصاحب أمين الدين عن الوزارة وصرف من نذكر من ولاة المناصب ، وتفويض ~~الوزارة إلى الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي وترتيب من نذكر وفي يوم ~~الخميس الثامن من شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبعمائة عزل الصاحب أمين ms7659 ~~الدين عبد الله عن الوزارة ، وسبب ذلك أنه لما فوض إليه أمر الوزارة ألان ~~جانبه للناس ، وكف لسانه ويده عن أذاهم ، وأخذ نفسه بالتأني والسكون وعدم ~~القلق ، فطمع الناس ، وقصر الولاة والمباشرون في استخراج الأموال ، وتحصيل ~~الغلال ، فانساق بعضها إلى الباقي ، واتصل ذلك بالسلطان ، فأجمع رأيه على ~~عزله ، وشاع ذلك بين الناس في أوائل الشهر ، فلما كان في هذا اليوم رسم ~~السلطان بانفصاله ، وعامله حالة العزل بإحسان كثير ، وذلك أنه رسم له في ~~يوم الخميس هذا تنفيذ الأشغال والكتابة على عادته إلى ما بعد صلاة العصر ، ~~ثم قام من مجلس الوزارة ، وخرج وحجابه بين يديه ، ومن جرت العادة بركوبه في ~~موكبه من أرباب المناصب ، وركب والناس يدعون له ، ويستبشرون ببقائه ~~واستمراره ، فلما وصل إلى داره بالقاهرة ، واستقر بها خرج خادمه ، وصرف من ~~على بابه من الغلمان والمقدمين والسعاة وغيرهم ، وأعلم من كان على الباب ~~بانفصاله ، ولم يستقر في خدمته من غلمانه إلا من كان في خدمته من قبل ~~وزارته ، وانقطع بداره ولم يركب في يوم PageV33P0054 # """""" صفحة رقم 55 """""" الجمعة إلى الجامع ، ولا أذن لأحد في الدخول ~~عليه ، ثم رسم السلطان ألا يتعرض إليه ، وأقر باسمه ما كان قد رتب له عند ~~انفصاله من طرابلس ، وأذن له أن يتصرف ويركب في مصالحه . واستوزر السلطان ~~بعده مملوكه الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي ، وهو يومئذ أستاذ الدار ~~العالية ، وأقره في الوظيفتين ، وخلع عليه في يوم الجمعة التاسع من الشهر ، ~~وأمر السلطان بصرف ناظري النظار ، وهما : القاضي موفق الدين والقاضي شرف ~~الدين بن زنبور ، ورتب القاضي شهاب الدين بن سعد الدين الأقفاصي في نظر ~~الدواوين ، وكان يلي نظر البيوت السلطانية ، وخلع عليه بغير طرحه ، وكتب ~~إلى الشام بطلب القاضي شمس الدين غبريال ناظر الشام ، فحضر على خيل البريد ~~، وكان وصوله إلى قلعة الجبل في يوم الخميس الثاني والعشرين من الشهر فرتب ~~ناظر النظار والصحبة ، وخلع عليه . ورتب كريم الدين عبد الكريم المعروف ~~بالصغير في نظر الشام عوضا عن شمس الدين غبريال ، وخلع عليه في ms7660 يوم السبت ~~الرابع والعشرين من شهر رمضان ، وتوجه من الشام على خيل البريد في يوم ~~السبت السادس عشر من شوال ، فوصل إلى دمشق في يوم السبت الثالث والعشرين من ~~الشهر ، وخلع عليه بدمشق أيضا في يوم الأحد ، وباشر الوظيفة . وكان قد رسم ~~بطلب الأمير علم الدين سنجر الحمصي - شاد الدواوين بحلب - ليرتب في شد ~~الدواوين بالأبواب العالية ، فحضر ، وخلع عليه ، ورتب في وظيفة الشد ، وحضر ~~مع الوزير في المجلس وشاركه في الكلمة والتنفيذ ، فرسم له ألا يتعدى عادة ~~المشدين في الجلوس على باب دار الوزارة ، فامتنع من ذلك ، فلما وصل القاضي ~~شمس الدين من الشام رتب علم الدين المذكور في ولاية الجيزية ، وأظهر له أن ~~الوظيفتين معه ورسم له أن يتوجه إلى الجيزية ، ويحضر إلى القلعة في يومي ~~PageV33P0055 # """""" صفحة رقم 56 """""" الخميس والاثنين ، ويعود في بقية النهار إلى ~~الجيزية ، وندب معه شهاب الدين الناظر ، ثم رسم بعد ذلك أن يتوجه الأمير ~~علم الدين المذكور إلى طرابلس على وظيفة الشد بها ، فتوجه وباشر الوظيفة ~~المذكورة مدة يسيرة ثم عزل عنها . وأما ناظرا النظار المنفصلان فإن القاضي ~~شرف الدين بن زنبور لما أفصل من النظر ، رتب في نظر خزائن السلاح ، وخلع ~~عليه ، ونقل ناظر خزائن السلاح - وهو القاضي علاء الدين بن القاضي برهان ~~الدين البرلسي - إلى نظر بيت المال على عادته القديمة ، وأعيد القاضي تاج ~~الدين بن السكري ناظر بيت المال إلى شهادة الخزانة . وفي ذو القعدة من ~~السنة طولب الصاحب أمين الدين والقاضي موفق الدين ناظر النظار - كان - ~~بتفاوت ثمن كتان كان الصاحب قد رسم بأخذه من بعض فلاحي الجيزية من جملة ما ~~عليهم من البواقي بمبلغ مائة ألف درهم ، ولم يحفظ القيمة وقرر على الصاحب ~~أمين الدين خمسون ألف درهم ، وعلى القاضي موفق الدين خمسة وعشرون ألف درهم ~~، ورسم باستخراج جامكية شهرين من سائر مباشري الدواوين السلطانية ، فاستخرج ~~ذلك منهم . وفي هذه السنة سقط من منارة الإسكندرية أكثرها ، كان سقوط ذلك ~~شيئا فشيئا ، وفيها - في ذي الحجة - وصل إلى الأبواب ms7661 السلطانية رسل الملك ~~أبي سعيد صاحب خراسان والعراقين وما مع ذلك ، ومثلوا بين يدي المقام الشريف ~~السلطاني بقلعة الجبل المحروسة في يوم الاثنين ثامن الشهر ، وأحضروا صحبتهم ~~من التقادم والهدايا ما لم تجر بمثله عادة لكثرته ، وخلع السلطان عليهم ، ~~وشملهم بالإنعام الوافر ، ورسم بعودهم في يوم الخميس حادي عشر الشهر . ذكر ~~متجددات وحوادث كانت بالشام في هذه السنة غلت أسعار الغلال بالشام وانتهت ~~غرارة القمح بدمشق إلى مائة وعشرين درهما ، فلما اتصل ذلك بالسلطان الملك ~~الناصر - خلد ملكه - برز أمره المطاع بما أوجب انحطاط الأسعار ، وذلك أنه ~~رسم بإبطال ما على الغلال من المكس في سائر البلاد الشامية ، وذلك في شهر ~~ربيع الآخر ، ثم رسم للنائب بالكرك المحروس أن ينقل إلى دمشق المحروسة جملة ~~من الغلال التي بها ، فانحلت الأسعار ، ثم رسم لسائر الأمراء بالديار ~~المصرية أن يحملوا الغلال إلى دمشق ، وقرر على كل أمير حمل جملة معينة من ~~الغلال ، وأن يحضر نائبه ما يدل على وصول ذلك إلى دمشق ، فحملت الغلال ، ~~وانحطت الأسعار انحطاطا كثيرا ، ولله الحمد . PageV33P0056 # """""" صفحة رقم 57 """""" وفيها - في شهر ربيع الآخر - رسم بعزل قاضي ~~القضاة بالشام جمال الدين الزرعي بسبب شكوى نائب السلطنة الأمير سيف الدين ~~تنكز منه ، فوصل المثال السلطاني إلى دمشق بعزله في الخامس والعشرين من ~~الشهر ، وعرض القضاء على الشيخ برهان الدين بن الشيخ تاج الدين فامتنع عن ~~الإجابة إلى ذلك ، واعتذر بالعجز والمرض ، وصمم على الامتناع ، فعند ذلك ~~طلب الخطيب القاضي جلال الدين محمد بن قاضي القضاة سعد الدين عبد الرحمن بن ~~قاضي القضاة إمام الدين عمر القزويني ، فوصل إلى الأبواب السلطانية بقلعة ~~الجبل المحروسة في يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الأولى ، واجتمع ~~بمولانا السلطان وخطب بجامع القلعة ، وصلى بالسلطان في يوم الجمعة ، وفوض ~~إليه القضاء بالشام ، وخلع عليه في يوم الخميس ثالث عشر من جمادى الآخرة ، ~~وأنهى إلى السلطان أن عليه دينا شرعيا ، فأنعم عليه بألف دينار ومائة دينار ~~وستين دينارا عينا ، وأرسل الذهب صحبة البريد إلى نائب السلطنة ms7662 بالشام وكره ~~أن يحضر أرباب الديون ، ويعطوا أموالهم بمقتضى حججهم ، ففرق ذلك عليهم ، ~~وتوجه القاضي جلال الدين المذكور من الأبواب السلطانية إلى دمشق في يوم ~~الاثنين الرابع والعشرين من جمادى الآخرة ، ووصل إلى دمشق في خامس شهر رجب ~~، وفوض قضاء العسكر الشامي للقاضي جمال الدين أحمد ابن القاضي الصدر ~~المرحوم شرف الدين محمد بن محمد القلانسي التميمي ، وخلع عليه في سادس شهر ~~رجب بدمشق ، وخوطب بقاضي القضاة ، هكذا ذكر الشيخ علم الدين البرزالي في ~~تاريخه وأقام القاضي جمال الدين الزرعي بدمشق بعد أن عزل عن القضاء إلى ~~أواخر سنة ست وعشرين ففارقها ، وحضر إلى القاهرة المحروسة فوصل إليها في ~~يوم الأربعاء منتصف ذي الحجة منها ، واجتمع بالسلطان في تاسع المحرم سنة ~~سبع وعشرين ، ولم يفوض إليه ولاية ، وسكن قرب السلمية خارج باب النصر . ~~PageV33P0057 # """""" صفحة رقم 58 """""" وفيها فوض السلطان قضاء القضاة بحلب المحروسة ~~للقاضي كمال الدين ابن الزملكاني ، وجهز إليه التقليد السلطاني بالولاية ~~إلى دمشق ، فوصل في يوم السبت تاسع عشر شعبان ، فامتنع من قبول ذلك ، فطولع ~~السلطان بذلك ، فغضب منه ، وأمر بعزله من مناصبه بدمشق ، ثم شفع فيه ، فعاد ~~المرسوم بتوجهه ، ووصل المثال بذلك إلى دمشق في ثاني عشر شهر رمضان ، فقبل ~~الولاية ، وتوجه إلى حلب في يوم الخميس رابع عشر شوال ، ووصل إلى حلب في ~~السادس والعشرين منه ، وكان سبب هذه الولاية أن قاضي القضاة زين الدين عبد ~~الله بن محمد بن عبد القادر الأنصاري الشافعي قاضي حلب توفي إلى رحمة الله ~~تعالى بحلب في يوم الخميس تاسع عشر شهر رجب منها . وفي هذه السنة يوم ~~الاثنين - عند الزوال - سابع شهر ربيع الآخر توفي الشيخ الإمام العالم نور ~~الدين علي بن يعقوب بن جبريل بن عبد المحسن بن يحيى بن الحسن بن موسى بن ~~يحيى بن يعقوب بن نجم بن عيسى بن شعبان بن عيسى بن داود بن محمد بن نوح بن ~~طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وكانت ~~وفاته ms7663 بمصر بدار القاضي فخر الدين بن مسمار المعروف بابن شكر ، ودفن ~~بالقرافة الصغرى في بكرة نهار الثلاثاء بتربة ابن عم والده الشيخ عبد ~~المؤمن بن إسماعيل بن عبد المحسن البكري ، ويعرف بالطواشي عطا الله ، وكان ~~رحمه الله تعالى من العلم بالمكان الذي لا يجهل وله مصنفات منها : شرح ~~التسهيل لابن مالك في مجلدين ، وكتاب في علم البيان ، وغير ذلك مما لم ~~يكمله رحمه الله تعالى وإيانا . وفيها توفي الطواشي الأمير شجاع الدين عنبر ~~أمير لالا الخزندار ، وزمام الأدر ، السلطانية ، وكانت وفاته بقلعة الجبل ~~في ليلة الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى ، ودفن بتربته التي أنشأها ~~بالقرافة بجوار الدينوري ، وكان يتولى نظر المدرسة الناصرية والمدرسة ~~الأشرفية والتربة الخاتونية ونظر الأحواض ، ومشيخة الخدام PageV33P0058 # """""" صفحة رقم 59 """""" النبوية ، وله إمرة عشرة طواشيه ، وكان سيء ~~الخلق ، كثير الحمق شحيحا ، يستقل لنفسه الكثير ، ويستكثر لغيره القليل ، ~~وكان كثير التحصيل يبيع ما يهدى إليه من المآكل وغيرها ، ومع ذلك فلم يوجد ~~له طائل موجود ، ولما ولي نظر المدرسة الناصرية حجب كتاب وقفها أن يطلع ~~عليه أحد من مستحقي الوقف ، ولم يسلك فيها شرط واقفها ، وصرف للفقهاء ~~والمعيدين نصف ما شرط لهم في كتاب الوقف ، واقتطع مما صرفه أولا في كل سنة ~~ثلاثة أشهر ، فلما مات وفوض السلطان نظر المدرسة لنائبه الأمير سيف الدين ~~أرغن الناصري أظهر كتاب الوقف ، وتتبع ما شرطه السلطان الواقف فيه ، وصرف ~~بمقتضاه ، وزاد عدة الفقهاء ، وضاعف معلومهم ، أثابه الله تعالى . وفيها ~~توفي القاضي بهاء الدين أبو المنصور محمد بن أحمد بن أحمد بن الشيخ صفي ~~الدين الحسين بن علي بن ظافر بن حسين الأنصاري الخزرجي المعروف بابن أبي ~~المنصور المصري المالكي ، وكانت وفاته بمصر في العشر الأخر من جمادى الآخرة ~~، ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى . وتوفي الأمير نصر الدين محمد بن الأمير ~~بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح ، أحد أمراء الطبلخانات ، وكانت وفاته ~~بداره بالقاهرة في يوم الجمعة الثامن والعشرين من جمادى الآخرة ، ودفن ~~بتربة حميه الأمير شمس الدين قشتمر العجمي خارج باب ms7664 النصر ، وكان رحمه الله ~~حسن المعاملة ، كثير الصدقة من بقايا الخير . وتوفي الأمير محمد بن الأمير ~~شرف الدين عيسى بن مهنا وكانت وفاته بسلمية في يوم السبت سابع شهر رجب ، ~~ودفن عند والده بقرية الأساود رحمه الله تعالى . وفيها ورد الخبر بوفاة ~~الوزير تاج الدين علي شاه بن أبي بكر التبريزي وزير الملك أبي سعيد بن ~~خربندا ، وأن وفاته كانت في ثامن جمادى الآخرة بأرجان ، وحمل إلى تبريز ، ~~فدفن بتربته ، وكان شيخا جليلا ، ولي الوزارة بعد مقتل سعيد الدين الساوي ~~في شوال سنة إحدى عشرة وسبعمائة ، واستمر في الوزارة إلى أن مات رحمه الله ~~تعالى . PageV33P0059 # """""" صفحة رقم 60 """""" وفيها في ليلة الثلاثاء الثاني والعشرين من ~~شعبان توفي الشيخ المحدث نجم الدين أبو بكر عبد الله بن علي بن عمر بن سبل ~~بن رافع بن محمود الصنهاجي الحمزي بالقرافة الصغرى ودفن بها ، ومولده في ~~سادس عشر شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة ، سمع الكثير من الحديث ، ~~وأسمع قبل وفاته ، وكان سهلا في الإسماع رحمه الله . واستهلت سنة خمس ~~وعشرين وسبعمائة بيوم الأربعاء الثالث والعشرين من كيهك من شهور القبط في ~~هذه السنة ورد إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية رسل الملك المجاهد ~~سيف الإسلام علي بن الملك المؤيد هزبر الدين داود بن الملك المظفر شمس ~~الدين يوسف بن الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول متملك اليمن ~~يستنجد السلطان ، ويستغيث به ، ويستصرخ به على ابن عمه الملك الظاهر أسد ~~الدين عبد الله بن الملك المنصور زين الدين أيوب بن الملك المظفر شمس الدين ~~، وغيره ممن خرج عليه من المماليك ، واستولوا على بلاده ، وحصروه بقلعة تعز ~~على ما نذكر ذلك . وقد رأينا أن نبدأ في هذا الموضع بذكر أخبار بلاد اليمن ~~، وسياقة أخبار ملوكها ، إلى أن انتهى الملك إلى الملك المجاهد هذا المرسل ~~الآن . ذكر أخبار اليمن ومن وليه من العمال ومن استقل بملكه وسميت أيامهم ~~بالدولة الفلانية اعلم - وفقك الله تعالى وإيانا - أيها المطالع لهذا ~~الكتاب ، المتأمل لما اشتمل عليه ms7665 من الفصول والأبواب ، الباحث عن جمله ~~وتفصيله ، المستوعب لتراجمه وفصوله ، أننا لم نترك إفراد بلاد اليمن بباب ~~مستقل يشتمل على أخبارها ، ويستدل من مضمونه على آثارها ، ويعلم منه أخبار ~~من وليها من العمال في السنين السالفة ، ومن استقل بملكها في المدد الماضية ~~والآنفة ، ذهولا عنه ولا إهمالا ، ولا أخرناه استخفافا بقدرها ولا استقلالا ~~، لكنا لم نقف فيما سلف على تاريخ جرد لذكرها وألف ، ولا كتاب أفرد في ~~أخبارها وصنف ، وإنما كنا نقف من أخبارها على النبذة الشاردة ، ~~PageV33P0060 # """""" صفحة رقم 61 """""" والإشارة التي تكون في أخبار غيرها من الدول ~~واردة ، فنورد من ذلك ما نقف عليه في أثناء أخبار الدولة الأموية والعباسية ~~، والملوك الأيوبية ، والأيام المنصورية والناصرية ، ونحن مع ذلك نتوكف أن ~~نقف على مؤلف يجمع سيرها وأخبارها ، ومصنف يشكف أستارها ويبرز أسرارها ، ~~ونسأل عن ذلك كل قادم ووارد ، فلا نجد من يرد ضالة هذه الشوارد ، إلى أن ~~وصل إلى الديار المصرية المولى القاضي الفاضل تاج الدين عبد الباقي بن عبد ~~المجيد بن عبد الله اليماني كاتب درج الملك المؤيد داود - كان - من البلاد ~~اليمنية وهو الذي أشرنا إليه فيما سلف من هذا الكتاب ، وذكرنا جملة من ~~رسائله البليغة ، وآدابه البديعة ، فأوقفني على كتاب ألفه لما عاد إلى ~~البلاد اليمنية سماه : " بهجة الزمن في تاريخ اليمن " وهو في مجلدة خدم بها ~~الملك الظاهر المذكور آنفا ، فلخصت منه ما أورده الآن ، فاجتمعت أخبار ~~اليمن في هذا المكان بحسب الإمكان ، وهي نبذة يستدل بها على أخباره ، ولمعة ~~تهدي المتأمل إليها إلى آثاره ، وإذا انتهينا - إن شاء الله تعالى إلى آخر ~~ما أورده من أخبار اليمن - إلى آخر سنة أربع وعشرين وسبعمائة ، عدنا إلى ~~سياقة أخبار الدولة الناصرية لسنة خمس وعشرين وسبعمائة وما بعدها . قال - ~~أدام الله الانتفاع بفوائده ، وأجزاه من ألطافه على أجمل عوائده - في كتابه ~~ما مختصره - وفي بعض ألفاظه ما أوردناه بالمعنى - : توفي رسول الله [ ] ~~وولاة اليمن ثلاثة ، وهم : أبان بن سعيد بن العاص بن أمية على صنعاء ~~وأعمالها ، ومعاذ بن ms7666 جبل الأنصاري على الجند ومخاليفها ، والمهاجر بن أبي ~~أمية المخزومي على حضرموت . فلما ظهر الأسود العنسي باليمن - كما قدمناه - ~~لحق الأمراء المذكورون بأبي بكر الصديق رضي الله عنه ، فاستخلف معاذ على ~~عمله عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ، PageV33P0061 # """""" صفحة رقم 62 """""" وهو والد عمر بن أبي ربيعة الشاعر المشهور ، ~~واستخلف أبان بن سعيد على عمله يعلى بن منبه التميمي حليف بني نوفل بن عبد ~~مناف ، واستخلف المهاجر عكرمة بن أبي جهل . فلما قتل العنسي ، وفاء أهل ~~اليمن إلى الإسلام ، أقر أبو بكر رضي الله تعالى عنه عبد الله بن أبي ربيعة ~~على الجند ومخاليفه ، ويعلى على صنعاء وأعمالها ، واستمر أهل حضرموت على ~~الردة والعصيان . فلما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقر عبد الله ويعلى ~~على عمليهما ، ثم عزل عمر يعلى لشكاية ، واستعمل المغيرة بن شعبة على صنعاء ~~، فشخص يعلى إلى عمر يظهر بطلان الشكاية وأن الحق كان بيد يعلى ، فرده عمر ~~إلى عمله بعد سنتين ، فأقام ما شاء الله ، ثم شكى إلى عمر ، فأمر بإشخاصه ~~إليه ماشيا ، فخرج حتى إذا كان على أميال من صنعاء لقيه الخبر بقتل عمر ~~وخلافة عثمان ، وإقراره على عمله ، فعاد راكبا ، فلم يزل على عمله إلى أن ~~قتل عثمان ، وكذلك ابن أبي ربيعة . فلما استخلف علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه استعمل على جميع اليمن ابن عمه عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب ، ~~ففارق يعلى وابن أبي ربيعة اليمن ، وأتيا مكة ، وانضم يعلى إلى طلحة ~~والزبير وعائشة ، وخالف عليا ، وأعان بمال وإبل كما قدمنا في أخبار علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه ، واستمر عبيد الله باليمن أيام علي ، ثم تخاذل عنه ~~أصحابه . وأرسل معاوية بسر بن أرطأة إلى اليمن ، فسفك الدماء وارتكب ~~الأفعال الشنيعة ، وقتل ابني عبيد الله كما تقدم ، فلما ولي معاوية بعث إلى ~~اليمن عثمان الثقفي ، ثم عزله وجمع اليمن بكماله لأخيه عتبة بن أبي سفيان ، ~~فولي ثلاث سنين ، ثم مات فاستعمل معاوية على اليمن النعمان بن بشير ms7667 ~~الأنصاري ، فمكث سنة ثم عزله واستعمل سعيد بن دادوية من أبناء الفرس ، فولي ~~تسعة أشهر ، ومات ، فاستعمل الضحاك بن فيروز ، فولي بقية أيام معاوية . ~~فلما مات معاوية استعمل يزيد بجير بن زيان الحميري على المخلافين : مخلاف ~~صنعاء ومخلاف الجند ، قاطعه عليهما بمال عظيم في كل سنة يرسله إليه ، وكان ~~بجير عاتيا متجبرا ، فكان باليمن حتى هلك يزيد بن معاوية ، وظهر عبد الله ~~بن الزبير بمكة فأطاعه أهل اليمن إلا القليل منهم ، فاستعمل ابن الزبير ~~الضحاك بن فيروز فمكث سنة ، ثم عزله بعبد الله بن عبد الرحمن بن خالد بن ~~الوليد ، فولي سنة ، ثم عزله بعبد الله بن أبي وداعة السهمي ، فمكث سنة ~~وثمانية أشهر ، ثم عزله بأخيه عبيدة بن PageV33P0062 # """""" صفحة رقم 63 """""" الزبير ، فمكث خمسة أشهر ، وعزله وولى قيس بن ~~يزيد السعدي أحد بني تميم ، فمكث عشرة أشهر ، ثم عزله واستعمل ولاة كان ~~الرجل منهم يلي أربعة أشهر وخمسة أشهر ويعزله ، حتى قتل عبد الله بن الزبير ~~. وولي الحجاج بن يوسف لعبد الملك بن مروان ، فبعث الحجاج على اليمن أخاه ~~محمد بن يوسف ، فولي إلى آخر أيام عبد الملك وتوفي ، وكان قد جمع المجذومين ~~بصنعاء ، وجمع لهم الحطب ليحرقهم ، فمات قبل ذلك ، فاستعمل الحجاج - بأمر ~~الوليد بن عبد الملك - ابن عمه أيوب بن يحيى الثقفي ، فولي مدة أيام الوليد ~~. فلما تولى سليمان بن عبد الملك استعمل على اليمن عروة بن محمد السعدي ، ~~فولي ست سنين . فلما ولي يزيد بن عبد الملك استعمل مسعود بن عوف الكلبي ، ~~فولي أيام يزيد . فلما ولي هشام بن عبد الملك بعث يوسف بن عمر الثقفي على ~~جميع مخاليف اليمن ، فمكث عليه ثلاث عشرة سنة ، ثم نقله هشام بن عبد الملك ~~إلى ولاية العراق ، كما قدمناه في سنة ست وعشرين ومائة ، واستخلف على اليمن ~~ابنة الصلت ، فولي خمس سنين إلى أن توفي هشام . وولي الوليد بن يزيد ، ~~فاستعمل مروان بن محمد بن يوسف ، وهو ابن أخي الحجاج . فلما ولي يزيد بن ~~الوليد الناقص استعمل الضحاك بن ms7668 واصل السكسكي . فلما غلب مروان بن محمد على ~~الأمر استعمل القاسم بن عمر الثقفي أخا يوسف بن عمر . وكان قد ثار بحضرموت ~~الأعور الخارجي ، فلم يلبث القاسم أن قصده الأعور إلى صنعاء فانهزم عنه ، ~~وقتل ابن أخيه الصلت بن يوسف ، وغلب عبد الله بن يحيى الأعور على اليمن سنة ~~وأربعة أشهر ، واستولى نائبه أبو حمزة الخارجي على مكة ، وقتل أهل قديد ، ~~وسار فاستولى على المدينة فأقام بها أربعة أشهر ، ثم سار يريد الشام ، فبلغ ~~وادي القرى ، فلقيه جيوش الشام الذين بعثهم مروان بن محمد مع عبد الملك بن ~~عطية السعدي ، فقتلهم عبد الملك بوادي القرى حتى أصفى اليمن منهم ، وسار ~~إلى حضرموت ، فأتاه كتاب مروان بتوليه الموسم ، فصالحهم وسار في ~~PageV33P0063 # """""" صفحة رقم 64 """""" ركب قليل ، فقتل كما قدمنا ، فبعث مروان ~~الوليد بن عروة بن محمد على اليمن ، فكان عليه إلى أن انقضت الدولة الأموية ~~. ذكر عمال اليمن في الدولة العباسية لما بويع أبو العباس السفاح بالخلافة ~~في سنة اثنين وثلاثين ومائة بعث على الحجاز واليمن عمه داود بن علي بن عبد ~~الله بن العباس ، فاستخلف داود على اليمن عمر بن عبد الحميد بن عبد الرحمن ~~بن يزيد بن الخطاب العدوي القرشي ، فمكث خمسة أشهر ومات ، فاستعمل أبو ~~العباس على اليمن محمد بن زيد بن عبد الله بن زيد بن عبد المدان الحارثي ، ~~فقدمها لسبع مضين من شهر رجب سنة ثلاث وثلاثين ومائة ، وبعث أخا له على عدن ~~، وقصد إحراق المجذومين بالنيران بصنعاء ، وجمع لهم الحطب ، فمرض أياما ~~يسيرة ومات قبل إحراقهم ، ومات أخوه بعدن ، وكانت ولاية محمد بن زيد خمسة ~~أشهر فبعث السفاح عبد الله بن مالك الحارثي ، فمكث أربعة أشهر ثم عزله ~~واستعمل علي بن الربيع بن عبد الله بن عبد المدان ، فولي أربع سنين وأشهرا ~~. فلما استخلف أبو جعفر المنصور استعمل على اليمن عبد الله بن الربيع بن ~~عبد الله بن عبد المدان الحارثي ، فأقام مدة وسار نحو المنصور ، واستخلف ~~ابنه ، فأقام باليمن حتى قدم عليه معن بن ms7669 زائدة الشيباني في شهر ربيع الأول ~~سنة أربعين ومائة ، وقيل سنة اثنتين وأربعين ، وبعث معن ابن عم له يقال له ~~سليمان إلى المعافر ، فقتلوه ، فغزاهم ، فقتل منهم وأكثر ، ثم انتقضت ~~حضرموت على معن فسار إليهم ، وأوقع بهم عدة وقعات قيل بلغت قتلاهم خمسة عشر ~~ألفا ، فأعظم الناس ذلك ، ثم رجع إلى صنعاء وكتب إلى المنصور بذلك فاستصوب ~~فعله ؛ لأنهم بقية الخوارج الذين قتلوا أهل قديد ومن أهل المدينة . ثم سار ~~معن إلى المنصور ، واستخلف ابنه زائدة ، فلما قدم العراق استعمله المنصور ~~على سجستان ، فكانت ولايته اليمن - بمقام ابنه - تسع سنين . وبعث المنصور ~~على اليمن الضراب بن سالم العبسي ، فمكث ثلاث سنين ، ثم عزله بيزيد بن ~~منصور الحميري ابن خال المهدي ، وذلك في سنة أربع وخمسين ومائة ، فأقام ~~بقية خلافة أبي جعفر ، وأقره المهدي بعده ، فلما كان الموسم كتب إليه ~~بموافاته ففعل ، واستخلف عبد الخالق بن محمد الشهابي فولي شهرين ونصفا ، ~~وقدم عليه رجاء بن روح الجذامي في ذي الحجة سنة تسع وخمسين ومائة فأقام ~~رجاء ثلاثة عشر شهرا . PageV33P0064 # """""" صفحة رقم 65 """""" ثم بعث المهدي على اليمن علي بن سليمان بن علي ~~بن عبد الله بن عباس ، فقدمها في المحرم سنة إحدى وستين ومائة ، فأقام إلى ~~سنة اثنتين وستين ، وسار نحو العراق واستخلف رجلا يقال له واسع بن عقيمة ، ~~فأقام أحد عشر شهرا ، ثم بعث إلى اليمن عبد الله بن سليمان أخا علي ، فقدم ~~لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين ومائة ، فأقام سبعة عشر شهرا ، ~~وبعث المهدي منصور بن زيد بن منصور الحميري ، فقدم في سنة خمس وستين ومائة ~~، فمكث سنة ، ثم عزله بعبد الله بن سليمان النوفلي فمكث سنة ، ثم عزله ~~بسليمان بن يزيد بن عبد المدان فأقام بقية خلافة المهدي . فلما ولي الهادي ~~- في المحرم سنة تسع وستين ومائة - استعمل عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن ~~محمد بن عبد الله بن عباس ، ثم عزله بإبراهيم بن سليمان بن قتيبة بن مسلم ~~الباهلي ، فمكث أربعة أشهر ms7670 ، وتوفي الهادي . فلما ولي الرشيد في شهر ربيع ~~الأول سنة سبعين ومائة استعمل خاله الغطريف بن عطاء فقدم اليمن والفتنة ~~ثائرة بين الجند وأهل صنعاء ، فأصلح أمرهم ، وأقام على اليمن ثلاث سنين ~~وتسعة أشهر ، ثم سار نحو الرشيد واستخلف عباد بن محمد الشهابي ، فبعث ~~الرشيد على اليمن الربيع بن عبد الله بن عبد المدان فقدم آخر سنة أربع ~~وسبعين ، فمكث سنة ثم عزله الرشيد بعاصم بن عتبة الغساني ، فمكث سنة ، ثم ~~عزل بأيوب بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله ، فمكث سنة ، ثم عزل ~~بالربيع بن عبد الله الحارثي ، والعباس بن سعيد مولى بني هاشم : الربيع على ~~الصلاة والحرب ، والعباس على الجباية ، فأقام سنتين ، وعزلا بمحمد بن ~~إبراهيم القاسمي ، وقد جمع له الحجاز واليمن ، فأقام بالحجاز وبعث ابنه ~~العباس فشكاه الناس ، فعزله ، وولي الرشيد اليمن عبد الله بن مصعب بن ثابت ~~بن الزبير ، وكان رزق عامل صنعاء في الشهر ألف دينار ، فجعل له الرشيد ألفي ~~دينار ، فقال له يحيى بن خالد : هذا يفسد عليك من توليه من أهل بيتك ، فرد ~~رزقه إلى ألف دينار ووصله بصلة جليلة ، فأقام سنة ثم عزله ، واستعمل أحمد ~~بن إسماعيل بن علي الهاشمي في سنة إحدى وثمانين ومائة ، ثم عزله واستعمل ~~إبراهيم بن عبد الله بن طلحة بن أبي طلحة ، من بني عبد الدار ، فأقام سنة ~~ووثب به الجند ، فعزله الرشيد ، واستعمل محمد بن خالد بن برمك ، فدخل صنعاء ~~في شوال سنة ثلاث وثمانين ، فأقام سنة ثم عزله الرشيد ، واستعمل مولاه ~~حمادا البربري ، فقدم في شوال سنة أربع وثمانين ، فلم يزل على اليمن بقية ~~خلافة الرشيد إلى سنة ثلاث وتسعين ، وعمر اليمن في أيامه ، وأمنت السبل ، ~~وظفر بالهيصم بن عبد الحميد لما خالف عليه . PageV33P0065 # """""" صفحة رقم 66 """""" ولما ولي الأمين الأمر أقر حمادا مديدة ، ثم ~~سار نحو العراق واستخلف ابن أخيه ، فكتب أهل اليمن إلى الأمين يشكونه ، ~~فعزله واستعمل محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي ، فقدم خليفة له ، ثم قدم ~~فاستخرج من ms7671 عمال حماد أموالا جليلة ، وعدل في الناس ثم عزله الأمين واستعمل ~~سعيد بن السرح الكناني ، فقدم صنعاء في شعبان سنة خمس وتسعين ، فأقام حتى ~~ثارت الفتنة بين الأمين والمأمون ، وسار طاهر بن الحسين لمحاربة الأمين ، ~~وضعف أمره . فبعث طاهر بن الحسين على اليمن يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد ~~بن عبد الله القسري ، فقدم صنعاء آخر سنة ست وتسعين ، فقبحت سيرته في الناس ~~، ثم آتاه رجل من أهل العراق يكنى أبا الصلت قدم عليه طالبا ، فلم يعطه ~~شيئا ، فرجع حتى إذا كان بضمر من بلد همدان وجد عمر بن إبراهيم بن واقد بن ~~محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وكان نازلا مع أخواله أرحب من ~~السلمانيين ، فأخبره خبره ، فقال : بئس والله ما صنع يزيد ، ووصله بعشرين ~~دينارا ، فقال أبو الصلت : لا جرم ، لأحسنن مكافأتك إن شاء الله تعالى ، ~~فخرج من عنده ومكث وقتا ، ثم قدم عليه بكتاب افتعله بولايته اليمن ، فقدم ~~عمر ابنه محمد في نفر من الأعراب وقوم جمعهم ، فقدم صنعاء في صفر سنة ثمان ~~وتسعين ومائة ، وحبس يزيد بن جرير ، ثم قدم أبوه فأقام وقتا ، وأخرج يزيد ~~من الحبس ميتا ، وكانت ولاية عمر شهرا ، ثم عزله المأمون بإسحاق بن موسى بن ~~عيسى الهاشمي ، فقدمها في ذي القعدة سنة ثمان وتسعين [ وماية ] ، فأقام بها ~~سنة تسع تسعين [ وماية ] ، ثم سار يريد الحجاز ، واستخلف ابن عمه القاسم بن ~~إسماعيل وذلك حين بلغه ظهور محمد بن إبراهيم المعروف بابن طباطبا بالكوفة ، ~~واستيلائه عليها ، وإرساله جماعة من الطالبيين نحو الحجاز ، فاستولوا على ~~المدينة ومكة ، فلما انتهى إسحاق إلى ضمر وثب به الأعراب فقاتلوه ، فرجع ~~إلى صنعاء ، فاتصل به قدوم إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد الطالبي واليا ~~على اليمن بعثه الحسين بن الحسن الطالبي المعروف بالأفطس لما استولى على ~~مكة والموسم ، فقدم إبراهيم اليمن في صفر سنة مائتين ، فأسرف في القتل حتى ~~سمي الجزار ، ولم تزل أموره مستقيمة باليمن حتى ثار محمد بن إبراهيم ، وقام ~~بعده محمد بن ms7672 محمد بن محمد بن زيد بن علي ، فلما أسر محمد ، وقتل أبو ~~السرايا - كما قدمناه - انحلت أمور الطالبيين بالحجاز واليمن ، فبعث ~~المأمون محمد بن علي بن عيسى بن ماهان ، فكانت بينه وبين إبراهيم وقائع ~~استظهر فيها ابن ماهان على إبراهيم ، فأقام إبراهيم يتردد في القرى التي ~~حول صنعاء حتى قدم عليه عهد المأمون بولاية اليمن ، فأبى ابن ماهان أن ~~PageV33P0066 # """""" صفحة رقم 67 """""" يسلمها إليه ، فالتقيا عند صنعاء فهزمه ابن ~~ماهان ، فعاد إبراهيم ، ولم يستقم له أمر بعد ذلك ، فقدم عيسى بن يزيد ~~الخلودي التميمي واليا ، فجمع ابن ماهان عشرة آلاف مقاتل وخرج إليه ولده ~~عبد الله من صنعاء ، وقد خندق الخلودي على نفسه ، فالتقوا فهزمه الخلودي ، ~~ودخل صنعاء ، واستمرت الهزيمة بعبد الله حتى دخل مكة ، واختفى أبوه بصنعاء ~~، فقبض عليه الخلودي وحبسه ، وفرق عماله في المخاليف ، وشخص نحو العراق . ~~ذكر أخبار دولة بني زياد كان المأمون قد قلد محمد بن عبد الله بن زياد ~~الأعمال التهامية ، وما استولى عليه من الجبال ، فقدم اليمن في سنة ثلاث ~~ومائتين ومعه رجل تغلبي يسمى محمد بن هارون قاضيا ، وهو جد بني عقامة ، ولم ~~يزل الحكم فيهم يتوارث حتى أزالهم ابن مهدي حين أزال دولة الحبشة على رأس ~~الخمسين وخمسمائة ، فاستولى ابن زياد على تهامة بعد حروب جرت بينه وبين ~~العرب ، واختط مدينة زبيد في سنة أربع ومائتين ، وكان مع ابن زياد مولى له ~~يسمى جعفر ، وهو الذي نسب إليه مخلاف جعفر ، وكان فيه دهاء وكفاية حتى ~~كانوا يقولون : " ابن زياد بجعفره " واشترط على عرب تهامة ألا يركبوا الخيل ~~، وسيره مولاه إلى المأمون في سنة خمس ومائتين بهدايا جليلة وأموال عظيمة ، ~~فعاد في سنة ست ومعه ألفا فارس فيهم من مسودة خراسان تسعمائة فعظم أمر ابن ~~زياد ، وملك حضرموت وديار كندة والشحر ومرباط ، وأبين ولحج وعدن والتهايم ~~إلى حلي ، وملك من الجبال أعمال المعافر والجند والمخلاف وقلده جعفرا ، ~~فاختط بهم مدينة المذيخرة في جبل ذي أنهار ورياحين واسعة ، وخطب لابن زياد ~~بصنعاء وصعدة ونجران ms7673 وبيحان ، ومات سنة خمس وأربعين ومائتين . وقام بعده ~~زياد بن إبراهيم فلم تطل مدته . فملك بعده أخوه أبو الجيش إسحاق بن إبراهيم ~~، فامتنع عليه أهل الأطراف ، وانقطعت الخطبة له في الجبال ، واستولى سليمان ~~بن طرف على المخلاف ، وهو من الشرجة إلى حلي ، وجعل السكة والخطبة باسمه ، ~~فكان مبلغ ارتفاع عمله في السنة خمسمائة ألف دينار عثرية ، وهذا المخلاف هو ~~المعروف بالسليماني ، نسبته إلى سليمان هذا ، وخرج أيضا من ولاية أبي الجيش ~~- لحج وأبين وما عداها - إلى البلاد الشرقية . PageV33P0067 # """""" صفحة رقم 68 """""" ومات أبو الجيش في سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة ~~عن طفل اسمه عبد الله ، وقيل زياد ، فتولت كفالته أخته هند بنت أبي الجيش ~~وعبد لأبيها يسمى رشدا ، أستاذ حبشي ، فقام بأمر الطفل ، فلما مات رشد قام ~~بكفالته حسين بن سلامة ، وصيف من أولاد النوبة ، وينسب إلى أمه ، وقد كان ~~هذبه رشد وأحسن تأديبه ، فخرج حازما عفيفا وقام بالأمر ، ووزر لولد أبي ~~الجيش وأخته ، وكانت دولتهم قد تضعضعت أطرافها ، وغلبت ملوك الجبال على ~~الحصون والمخاليف ، فقام الحسين بحربهم حتى استرجع أكثر مملكة ابن زياد ~~الأولى ، واختط مدينة الكدرا أعلى وادي سهام ، ومدينة المعقر على وادي ذؤال ~~، وكان عادلا في الرعية ، كثير الصدقات ، وأنشأ الجوامع الكبار ، والمنارات ~~الطوال والقلب العادية في المفاوز المنقطعة ، وبنى الأميال والفراسخ والبرد ~~على الطرقات من حضرموت إلى مكة شرفها الله تعالى . ومات حسين في سنة اثنتين ~~وأربعمائة ، وقد انتقل الأمر إلى طفل آخر من آل زياد ، فتولت كفالته عمة له ~~وعبد أستاذ اسمه مرجان من عبيد الحسين بن سلامة ، وكان له عبدان فعلان من ~~الحبشة رباهما صغيرين ، وولاهما الأمور كبيرين ، أحدهما يسمى نفيسا جعل ~~إليه تدبير الحضرة ، والثاني يسمى نجاحا ، وهو والد سعيد الأحوال وجياش ، ~~وكان يتولى أعمال الكدرا والمهجم ومور والواديين ، فوقع التنافس بين نجاح ~~ونفيس على وزارة الحضرة ، وكان نفيس غشوما مرهوبا ، ونجاح ذا رفق بالناس ~~عادلا محببا إلى الرعية ، وكان مولاهما مرجان يميل إلى نفيس ، فنمى إلى ~~نفيس ، أن عمة ابن زياد تكاتب نجاحا ms7674 ، وتميل إليه ، فأعلم مولاه ، فأمره ~~بالقبض عليها وعلى ابن زياد ، فقبض عليهما ، وبنى عليهما جدارا وهما حيان ~~يناشدانه الله حتى ختم عليهما ، فكان بموت هذا الصبي انقراض دولة بني زياد ~~، وكانت مائتي سنة وثلاثا وستين سنة . وكان بنو زياد قائمين بخدمة خلفاء ~~الدولة العباسية ، وتولى صلتهم بالهدايا والأموال ، فلما اختل أمرهم ، وغلب ~~أهل الأطراف على ما بأيديهم ، فغلب بنو زياد على ما بأيديهم من أعمال اليمن ~~، وركبوا بالمظلة ، وساسوا قلوب الرعية بإبقاء الخطبة العباسية . قال : " ~~ولما بلغ نجاحا ما فعله نفيس في مواليه استنفر الناس ، وجمع العرب وقصده ~~بزبيد ، فجرت بينهما عدة وقائع قتل نفيس في آخرها على باب زبيد ، واستولى ~~نجاح على زبيد في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وقال نجاح لمرجان مولاه : ما ~~فعل مواليك وموالينا ؟ قال : هم في ذلك الجدار فأخرجهما وصلى عليهما ، وجعل ~~مرجان في موضعهما وبنى عليه حيا ، وركب بالمظلة ، وضربت السكة باسمه ، ~~وكاتب أهل العراق ، وبذل لهم الطاعة . PageV33P0068 # """""" صفحة رقم 69 """""" وقد كان حين توفي الحسين بن سلامة ، واختلف ~~عبيده ، هرب ملوك الجبال من سجنه ، ولحقوا ببلادهم ، فغلب بنو معن على عدن ~~ولحج وأبين والشحر وحضرموت ، وغلب بنو الكرندى - وهم قوم من حمير كانت لهم ~~سلطنة ومكارم ظاهرة ومفاخر - على السوا والسمدان والدملوة وحصن صبر وحصن ~~ذخر والتعكر ومخاليفها ، والمعافرية والجعفرية والجندية ، وتغلب على حب ~~وحصن الشعر رجل يعرف بالحسين بن النبعي ، وبنو عبد الواحد على برع والعمد ~~ونعمان ، ولم يزل نجاح متوليا على الأعمال التهامية حتى ملكها الصليحي على ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى . ثم كانت لهم دولة يأتي ذكرها بعد أخبار ~~الصليحي - إن شاء الله تعالى - فنرجع إلى أخبار صنعاء ، ومن وليها بعد ~~الخلودي . ذكر أخبار صنعاء ومن وليها بعد الخلودي قال : ولما شخص الخلودي ~~إلى العراق قيل : إنه استخلف رجلا يقال له حصن بن المنهال ، فأقام حتى قدم ~~عليه إبراهيم الإفريقي ، وهو رجل من بني شيبان بن ربيعة ، فأقام على اليمن ~~مدة ، ثم عزل بنعيم بن الوضاح الأزدي ، والمظفر بن يحيى ms7675 الكندي اشتركا في ~~العمل ، فقدما صنعاء في صفر سنة ست ومائتين ، وسار المظفر يجبي الجند ~~ومخاليفها ، وقام بها مدة ، ورجع إلى صنعاء فمات بعد أيام من رجوعه ، ~~فاستقل نعيم بالأمر حتى عزل بمحمد بن عبد الله بن محرز مولى المأمون ، فقدم ~~اليمن سنة ثمان ومائتين ولم يلبث أن شغب عليه الجند ، فخرج نحو الحجاز ~~واستخلف عباد بن الغمر الشهابي ، فأقام حتى قدم إسحاق بن العباس بن محمد بن ~~علي بن عبد الله بن عباس اليمن ، وهي ولايته الثانية وكان مقدمه آخر شهر ~~رجب سنة تسع ومائتين فأساء السيرة ، وظلم الناس ، ونال من التهامية كل منال ~~، فكان لا يسأل أحدا عن نسبه فينتسب إلا ضرب عنقه ، حتى كان من سأله بعد ~~ذلك عن نسبه قال : مولى بني العباسي ، ولم يترك بحمير ذكرا ولا رسما ، ولم ~~يزل كذلك حتى مات سنة عشرة ومائتين ، وقيل : إن أهل صنعاء شكوه إلى المأمون ~~، فأمر بإشخاصه ، فلما مثل بين يديه ، قال له المأمون : ضع يدك على رأسي ، ~~ففعل ، قال : قل : وحياة رأسك لا ضربت عنقا ، فقال ، فقال له : " عد إلى ~~عملك " فعاد ، فكان بعد ذلك يوسط الناس . ولما مات إسحاق استخلف عند موته ~~ابنه يعقوب ، فحاربه أهل الجند وأهل صنعاء فسار إلى ذمار ، وقدم إلى صنعاء ~~- من قبل المأمون - عبد الله بن عبيد الله بن العباسي الهاشمي ، فكان بها ~~حتى توفي المأمون سنة ثمان عشرة ومائتين ، فلحق بالعراق واستخلف عباد بن ~~الغمر الشهابي ، وبايع الناس للمعتصم بالله بن الرشيد ، فأقر الغمر سنين . ~~PageV33P0069 # """""" صفحة رقم 70 """""" ثم ولى المعتصم صنعاء ومخاليفها عبد الرحيم بن ~~جعفر بن سليمان بن علي الهاشمي ، فقدم صنعاء آخر المحرم سنة إحدى وعشرين ~~ومائتين ، فأقام مدة ، وحبس عباد بن الغمر الشهابي ، وابنه عند يعفر بن عبد ~~الرحيم الحوالي . ثم عزل عبد الرحيم بجعفر بن دينار ، مولى المعتصم ، فقدم ~~خليفة له يقال له منصور بن عبد الرحمن التنوخي في صفر سنة خمس وعشرين ، ~~فضبط البلد ووجه عماله ، ثم قدم عليه عبد الله بن محمد ms7676 بن علي بن ماهان ، ~~وقد أشرك مع جعفر في الولاية ، فأقام مع منصور وقتا ، ثم عزل جعفر بإيتاخ ~~التركي مولى المعتصم ، فأقر منصورا وعبد الله على عمليهما . ومات المعتصم ~~سنة سبع وعشرين ومائتين وولى الواثق ، فأقر إيتاخ على اليمن فوجه أبا العلا ~~أحمد بن العلاء العامري ، فلما وصل صعدة أرسل يعفر الحوالي غلامه طريف بن ~~ثابت في عسكر نحو صنعاء ، فخرج إليه من بها من الجند مع منصور بن عبد ~~الرحمن الذي كان خليفة لجعفر بن دينار ، فقاتلوه فهزموه ، وقتلوا من موالي ~~يعفر نحو ألف رجل ، وأسروا أسرى ثم ضرب منصور أعناقهم ، وقدم أبو العلاء ~~صنعاء بعد الوقعة بأيام ، فأقام حتى توفي ، واستخلف أخاه عمرو بن العلاء ، ~~فأقام واليا حتى ولى إيتاخ هرثمة بن البشير مولى المعتصم ، فورد كتاب هرثمة ~~على منصور بن عبد الرحمن يستخلفه ، وقدم هرثمة آخر المحرم سنة ثلاثين ~~ومائتين فأقام أياما ، وخرج لمحاربة يعفر بن عبد الرحمن وهو بشبام ، فنزل ~~بالجيش أسفل وادي ضلع ، وأقام هنالك محاربا ليعفر وقتا ، ثم عاد . وعزل ~~الواثق إيتاخ عن اليمن ، وولاه جعفر بن دينار مولاهم ، فقدم وحاصر يعفر مدة ~~، وعاد إلى صنعاء فأقام بها سنة ، وسار نحو العراق ، واستخلف ابنه محمدا ، ~~فأتته ولايته من المتوكل ، فلم يزل على ولايته حتى قتل المتوكل وأقره ~~المنتصر والمستعين ومن بعدهما إلى أن انتهت الخلافة إلى المعتمد على الله ، ~~وفوض الأمور لأخيه أبي أحمد الموفق ، فوردت كتب الموفق في سنة ثمان وخمسين ~~ومائتين على محمد بن يعفر بولاية اليمن ، فوجه عماله على المخاليف ، وفتح ~~حضرموت وكانت قد امتنعت على من قبله . ثم إنه استخلف في سنة اثنتين وستين ~~ومائتين على عمله ابنه إبراهيم بن محمد ، وحج وجدد له عهدا من الموفق ، ~~واستمر إبراهيم على ولايته إلى سنة سبعين ومائتين ، وأمره جده يعفر بقتل ~~ولديه محمد وأحمد ابني يعفر ، فقتلا بعد المغرب في صومعة مسجد شبام ، ~~فانتشرت الأمور عليه ، وخالف عليه الفضل بن يونس المرادي بالجوف ، وولد ~~طريف غلامه بيحصب ورعين والمكرمان ببيجان ، ومالوا إلى ms7677 جعفر بن إبراهيم ~~المناخي فوجه ابن يعفر إلى المخالفين عليه من حاربهم فكانت سجالا ، وولى ~~PageV33P0070 # """""" صفحة رقم 71 """""" إبراهيم محمد الدعام الجوفين ، ثم تغير عليه ~~الدعام ونصب له الحرب ، فسارت إليه عساكر إبراهيم فالتقوا بورور ، فهزمهم ~~الدعام وقتل منهم بشرا كثيرا ، وقدم عهد بن يعفر على صنعاء ومخاليفها من ~~الوزير صاعد بن مخلد وزير المعتمد ، فاعتزل إبراهيم بن محمد عن الإمارة ، ~~وولى أبو يعفر ابنه عبد الرحيم ، فأقام بصنعاء مدة ، ثم عزله أبوه حين قدم ~~صنعاء سنة ثلاث وسبعين ومائتين ، واستعمل على صنعاء ولاة كثيرة ، وكان أكثر ~~مقامه بشبام ، ثم اجتمع أهل صنعاء - من الأبناء وغيرهم - والشهابيون على ~~عماله بصنعاء ، فقاتلوهم فقتل منهم خلق كثير ، ثم طردوهم ، ونهبوا دار أبي ~~يعفر ، وأحرقوها ، ولم يلبث أبو يعفر بعد ذلك أن قتل بشبام آخر المحرم سنة ~~تسع وسبعين ومائتين ، فقام بالأمر بعده عبد القاهر بن أحمد بن أبي يعفر ~~أياما حتى قدم من العراق علي بن الحسين المعروف بجفتم في صفر من السنة ~~عاملا على صنعاء وأعمالها ، فقاتله الدعام بمدينة صنعاء فهزمهم جفتم ، ~~وأقام بها إلى سنة اثنين وثمانين ومايتين ، ورجع إلى العراق فسار الدعام ~~نحو صنعاء ، فدخلها ثم هرب منها ، ورجع الأمر إلى بني يعفر ومواليهم . ثم ~~إن أبا العتاهية بن الروية المذحجي استدعى الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ~~بن القاسم من صعدة إلى صنعاء ، فدخلها في آخر المحرم سنة ثمان وثمانين ~~ومائتين ، فدعا الهادي إلى نفسه ، فبايعه الناس ، وضرب اسمه على الدينار ~~والدرهم ، وكتب في الطرز ، ووجه عماله إلى المخاليف ، فقبضوا الأعشار ، ~~وخرج إلى يحصب ورعين ونواحيها ، واستخلف على صنعاء أخاه عبد الله بن الحسين ~~، فأقام أياما ، وعاد إلى صنعاء ، ثم خرج منها إلى شبام واستخلف ابن عمته ~~علي بن سليمان على صنعاء ، وكان بنو يعفر وآل طريف بعضهم في سجن صنعاء ، ~~وبعضهم في سجن شبام ، فاجتمعت همدان وسواها ، وقصدوا الهادي إلى شبام ، ~~فقابلوه بها ، ووثب من بصنعاء على نائبه فأخرجوه ، وكسروا السجن ، وأخرجوا ~~من به من آل يعفر ms7678 وآل طريف ، فاستولى عبد القاهر بن أبي الخير بن يعفر على ~~صنعاء وخرج الهادي من شبام فأقام بريدة وبيت زود شهرا ثم عاد إلى صنعاء في ~~جيش كبير وجعل صاحب جيشه أبا العتاهية فلقيته جيوش آل يعفر بالرحبة ، ~~فهزمهم ، ودخل صنعاء ، وانحاز آل يعفر إلى شبام ، ومتولي الأمر فيهم أسعد ~~بن أبي يعفر ، وابن عمه عثمان بن أبي الخير ، فأقامت الحرب بينهم سجالا مدة ~~، ثم رجع الهادي إلى صعدة في جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين ومائتين ، فعادت ~~صنعاء إلى آل أبي يعفر ، ودخلها مولاهم إبراهيم بن خلف ، وصالح أبا العشيرة ~~ابن الروية على أن مخاليف مذحج في جميع اليمن إليه . PageV33P0071 # """""" صفحة رقم 72 """""" ولما توفي المعتضد بالله في سنة تسع وثمانين ~~ومائتين ، وولي ولده المكتفي ، ولي اليمن مولاهم نجح بن نجاح ، فوردت كتبه ~~على عثمان بن أبي الخير ، وأسعد بن أبي يعفر بتجديد ولايتهم ، ثم قدم جفتم ~~للمرة الثانية واليا على اليمن ، فلما وصل إلى يأزل ( قرية من قرى بني شهاب ~~) خرج إليه جراح وإبراهيم ابنا خلف كالمسلمين عليه ، فقبضا عليه ، وصار ~~جيشه إليهما ، وحبساه مدة ، ثم احتال وخرج ، وسار إلى صنعاء فانضم إليه ~~الجند الذين بها ، وأصحابه الذين وصلوا معه ، وأسعد وعثمان يغدوان عليه في ~~كل يوم يسلمان عليه ، وسألهما تسليم الأمر إليه فاستنظراه أياما ، فجمع ~~أصحابه وكبسهما ، فأراد الهرب ، فلم يمكنهما ، فخرجا في مواليهما ومن انضم ~~إليهما من أهل صنعاء فقاتلاه ، فقتل في نفر من أصحابه ، ومال الجيش إليهما ~~وأكل قوم من أهل صنعاء من لحم جفتم ، ثم وثب أسعد على ابن عمه عثمان فحبسه ~~، واستبد بالأمر إلى سنة ثلاث وتسعين ومائتين . ذكر أخبار علي بن الفضل ~~والمنصور بن حسن بن زادان دعاة عبيد الله المنعوت بالمهدي قال : ودخل علي ~~بن الفضل القرمطي ، وأصله من اليمن من حمير ، والمنصور وهو ابن الحسن بن ~~زادان بلاد اليمن داعيين لعبيد الله المنعوت بالمهدي ، وتحيلا وتلطفا ، ~~واستمالا الناس حتى غلبا على أكثر البلاد ، وكانت لهما حروب باليمن ، وقتلى ~~كثيرة يطول الشرح ms7679 بذكرها ، وخرج الأمر في غالب بلاد اليمن عن بني العباس ~~سنين كثيرة ، ثم ظهر الزيدية والإمامية ، وكانت لهم حروب كثيرة ، ووقائع ~~مشهورة ، حتى استولى علي بن الفضل على صنعاء ، فانهزم منه أسعد بن أبي يعفر ~~، فعند ذلك أظهر ابن الفضل مذهبه الخبيث ، وادعى النبوة ، وكان يؤذن في ~~عساكره بالشهادة أنه رسول الله ، وأباح المحرمات ، وفي ذلك يقول شاعر في ~~عصرهم : خذي الدف يا هذه واضربي وغني هزارك ثم اطربي تولى نبي بني هاشم ~~وهذا نبي بني يعرب لكل نبي مضى شرعة وهذي شريعة هذا النبي فقد حط عنا فروض ~~الصلاة وحط الصيام ولم يتعب إذا الناس صلوا فلا تنهضي وإن صوموا فكلي ~~واشربي ولا تطلبي السعي عند الصفا ولا زورة القبر في يثرب ولا تمنعي نفسك ~~المعرسين من الأقربين ومن أجنبي PageV33P0072 # """""" صفحة رقم 73 """""" فمن أين حللت للأبعدين وصرت محرمة للأب ؟ أليس ~~الغراس لمن أسه وسقاه في الزمن المجدب وما الخمر إلا كماء السماء حلال ~~فقدست من مذهب وجعل دار ملكه المذيخرة . ولما ادعى ابن الفضل النبوة ، ~~وأسقط اسم عبيد الله المهدي ، وغضب المنصور بن الحسن بن زادان - وهو صاحب ~~مسور - لذلك ، وخالف على ابن الفضل ، خرج ابن الفضل لحربه ، وذلك في سنة ~~تسع وتسعين ومائتين ، فذكره المنصور حقوق عبيد الله المهدي وابنه ، وأنهما ~~نعمة من نعمهما ، فلم يلتفت إليه ابن الفضل وحصره ببيت دحان أشهرا ، ثم ~~انصرف عنه ابن الفضل . ومات المنصور في سنة اثنتين وثلاثمائة ، ثم مات ابن ~~الفضل بالمذيخرة في سنة ثلاث وثلاثمائة ، وذلك أنه احتاج إلى الفصاد ، ~~فأحضر طبيبا وجرده من ثيابه ، وغسل المفصد ، وهو ينظر إليه ، وكان الطبيب ~~قد جعل السم في شعر رأسه ، فلما غسل المفصد مسحه على شعره كالمجفف له ، ~~فعلق به السم ، فلما فصده أهلكه الله تعالى ، فاجتمعت رؤساء اليمن مع ~~الحوالي ، وقصدوا المذيخرة ، فحصرها سنة ورماها بالمجانيق ، حتى تسلمها ، ~~وسبى منها بنات علي بن الفضل ، ففرقهن في رؤساء العرب ، واضمحل أمر ~~القرامطة الدعاة للعبيديين باليمن إلى أن قام بأمرهم علي بن ms7680 محمد الصليحي ~~في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة ، على ما نذكر ذلك ، إن شاء الله تعالى ، ~~فلنذكر أخبار الزيدية . ذكر نبذة من أخبار الزيدية وغيرهم قال : وقام ~~الناصر أحمد بن الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بعد موت أبيه ، واعتزال ~~أخيه المرتضى ، فاستولى على أكثر اليمن الأعلى ، ودخل عدن في ثمانين ألفا ، ~~ومات في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ، وكان أسعد بن أبي يعفر قد صالح ابن ~~الفضل ، فولاه صنعاء ، فلم يزل عليها وعلى مخاليفها إلى سنة اثنتين وثلاثين ~~PageV33P0073 # """""" صفحة رقم 74 """""" وثلاثمائة ، ومات بحصن كحلان ، ودامت صنعاء ~~بيد بني يعفر ومواليهم مع كثرة اختلافهم وقيام من قام عليهم بسبب ذلك إلى ~~سنة أربع وأربعين وثلاثمائة ، ووصل المختار بن الناصر بن الهادي إلى ريدة ، ~~فخرج من بصنعاء من بني الضحاك إليه ، فولاها المختار أبا القاسم بن يحيى بن ~~خلف ، ولم يلبث الضحاك أن غدر بالمختار ، فحبسه في قصر ريدة في صفر سنة خمس ~~وأربعين وثلاثمائة ، فاستمر في الحبس إلى شوال من السنة ، وقتله ، وكان علي ~~بن وردان - من موالي آل يعفر - قد غلب على صنعاء ، وثار الأسمر يوسف ابن ~~أبي الفتوح - وقام معه قومه خولان - يعارض بني يعفر وبني الضحاك ، فقصدوه ~~وهو بجدان ، فهزمهم ، وقتل من همدان خلقا كثيرا ، ثم مات في سنة خمس ~~وثلاثين وثلاثمائة واستخلف أخاه سابورا ، فسار إليه الضحاك وابن أبي الفتوح ~~إلى بلد خولان فلم يظفرا منه بشيء ، فعاد الضحاك إلى صنعاء ، وسار سابور ~~يريد ذمار ، فلحقه الأسمر فقتله في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة ، وكاتب ~~الضحاك أبا الجيش ابن زياد صاحب زبيد بالطاعة ، وخطب له بصنعاء في شوال سنة ~~اثنتين وخمسين وثلاثمائة . ولما تعطلت المخاليف من يحصب ورعين ، وظهر أمر ~~السفهاء اجتمع الوجوه إلى الأسمر بن أبي الفتوح ، وسألوه أن يكاتب الأمير ~~عبد الله بن قحطان بن أبي يعفر - وهو يومئذ بشبام - أن يقوم بالأمر ، فخرج ~~الأمير إلى السر فأقام به مع ابن أبي الفتوح أياما ، ثم سار نحو كحلان ، ~~فأقام به مدة ، ورجع إلى صنعاء ، فدخلها في ms7681 سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة ، ~~فانهزم الضحاك منها ، ولم يلبث ابن قحطان أن خرج من صنعاء واستعادها الضحاك ~~، وأعاد الخطبة لابن زياد ، فلم يستقر له أمر ، وعاد أمر البلاد لابن قحطان ~~، فأقام يتردد من شبام إلى كحلان إلى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة ، وتجهز ~~للنزول بزبيد ، فلقيه صاحبها ابن زياد ، واقتتلوا ، وكانت الدائرة على ابن ~~زياد ، وقتل من عسكره خلق كثير ، ودخل ابن قحطان زبيد في شهر ربيع من السنة ~~، فنهب دور ابن زياد ، ونهب عسكر زبيد أقبح نهب ، وأقام بها ستة أيام ، ~~وعاد نحو كحلان ، وخطب للعزيز صاحب مصر ، وقطع ذكر بني العباس ، ثم قصد ابن ~~قحطان مخلاف جعفر ، فملكه في سنة ثمانين وثلاثمائة ، وأقام بإب ، فاضطرب ~~عليه أهل المخلاف ، فأمر بعمارة المنظر ، وتحول إليه من إب وجعل أمر ألهان ~~إلى أسعد بن أبي الفتوح . ثم مات في سنة سبع وثمانين وثلاثمائة ، فقام بما ~~كان إليه بعده ولده أسعد بن عبد الله ، وكان ظهور الإمام يوسف بن يحيى بن ~~الناصر بن الهادي في سنة ثمان PageV33P0074 # """""" صفحة رقم 75 """""" وستين وثلاثمائة ، وكانت له حروب مع ابن أبي ~~الفتوح وابن الضحاك وغيرهما ، ودخل صنعاء ثم فارقها ، وكان يحارب ابن أبي ~~الفتوح مرة ويصالحه أخرى ، ولم يزل أمر صنعاء في غاية الاضطراب إلى سنة ~~ثمان وثمانين وثلاثمائة ، تارة يغلب عليها الإمام وابن أبي الفتوح ، وتارة ~~الضحاك ، وتارة حاشد ، والعرب من همدان وحمير وخولان وبني شهاب مفترقة على ~~هؤلاء ، فمن كثر جمعه غلب عليها ، ولم يكن الإمام يوسف هذا من الأئمة ~~السابقين عند أهل البيت ، ولا عدوه من أئمة الزيدية . فلما كان في سنة تسع ~~وثمانين وثلاثمائة وصل الإمام المنصور القاسم بن علي بن عبد الله بن محمد ~~بن القاسم بن إبراهيم ، وهو أحد أئمة الزيدية فاضلا فيهم مصنفا ، وكان ~~مقامه قبل ذلك بترح من بلد خثعم ، ثم أقام بتبالة ، ووصل صعدة وملكها ، ~~وسار إلى نجران ، وأرسل إلى صنعاء من قبله شريفا يعرف بالقاسم بن الحسين ~~الزيدي ، فتصرف في صنعاء بأحكام الإمامية ، ثم خالف أهل ms7682 نجران على الإمام ، ~~وكانت له حروب إلى أن مات سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة ، فوصل ابن أبي حاشد ~~إلى صنعاء ، وخطب للزيدي ، ثم تغيرت عليه الأحوال ، فخرج منها بغير سلطان ، ~~ودامت الفتنة بصنعاء ، وهي في أكثر أوقاتها بغير سلطان ، والغالب عليها ~~الضحاك إلى سنة أربعمائة ، فسار جماعة من همدان وبني شهاب إلى الزيدي إلى ~~ذمار ، فسار معهم إلى صنعاء ، فدخلها في ذي القعدة من السنة . فلما كان في ~~صفر سنة إحدى وأربعمائة وصل الحسين بن القاسم بن علي إلى قاعة وادعى أنه ~~المهدي الذي بشر به النبي [ ] ، فأجابه حمير وهمدان وسائر أهل المغارب ، ~~وتخلوا عن الزيدي ، فوصل إلى صنعاء اليمن ، وكانت بينه وبين الزيدي حروب ، ~~فقتل الزيدي في حقل صنعاء في سنة ثلاث وأربعمائة ، ورجع الإمام الحسين بن ~~القاسم الزيدي إلى ريدة وترك أخاه جعفرا بصنعاء ، ثم كانت له حروب مع محمد ~~بن القاسم الزيدي ، وكان ابن الزيدي قد جمع جموعا كثيرة ، فانهزم ابن ~~الزيدي ، واستولى الحسين على صعدة وغيرها ، ثم خالفه المنصور بن أبي الفتوح ~~بصنعاء وبنو شهاب وبنو حريم وغيرهم ، ونهبوا داره ، وخرجت الشيعة من صنعاء ~~بعد أن نهبت دورهم ، فجمع الإمام عسكرهم ، فقاتلوه فهزموه ، وقتل من عسكره ~~خلق كثير ، وأعاد الناس أبا جعفر قيس بن الضحاك إلى إمارة صنعاء ، فأقام ~~بها إلى المحرم سنة أربع وأربعمائة ، فبلغه ما جمع الإمام من العساكر ، ~~فخرج من صنعاء محتقرا مهزوما ، وكانت القبائل المخالفة على الإمام تجتمع ~~إليه فاضطربوا ، ثم قويت قلوبهم وساروا إلى الإمام فقاتلوه فهزموه ، فبقي ~~في مائة فارس ، فعلمت به همدان فلقوه PageV33P0075 # """""" صفحة رقم 76 """""" وقاتلوه فغشيهم بنفسه مرارا في كلها . يخرق ~~صفوفهم . ثم قتلوه ، وذلك في صفر سنة أربع وأربعمائة ، وقتل وهو لم يبلغ ~~الثلاثين سنة . ولما قتل سار ابن أبي حاشد إلى صنعاء فأقام بها إلى ذي ~~الحجة من السنة ولم يتم له أمر مع همدان ، فخرج منها ، وتعطلت من السلطنة ~~إلى النصف من شوال سنة خمس وأربعمائة ، ووصلها أبو جعفر أحمد بن قيس بن ~~محمد بن ms7683 الضحاك الهمداني فأقام بها إلى ربيع سنة ست وأربعمائة وخرج منها ، ~~ورفع أيدي عماله ، فتعطلت أيضا إلى سنة ثمان وأربعمائة ، وراجعت همدان أبا ~~جعفر في الرجوع إلى الإمام ، فأجابهم . وفي سنة عشر وأربعمائة ثار يزيد بن ~~القاسم الزيدي مع قوم من بني شهاب بن مروان ، فقتلوه بأشيح ، فسار إليهم ~~ابن أبي الفتوح ، وأمده القائد مرجان صاحب الكدراء ، وعاضده ابن أبي حاشد ، ~~ثم نزل ابن أبي الفتوح إلى تهامة ، فتلقاه القائد بالكدراء بأحسن لقاء ، ~~وعاد فأقام بألهان ، حتى خرج زيد من أشيح وسلمه للقائد ، وتحالفت همدان ~~والأبناء على بني شهاب بأمر القائد ، فحاربوهم مرارا ، ثم اصطلحوا ، ووصل ~~جعفر بن القاسم أخو الحسين من صعدة إلى محلة عيان ، فاستدعته همدان وحمير ، ~~فسار إلى صنعاء ، فدخلها آخر سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ، فأقام بها إلى ~~المحرم ، وسار إلى صعدة بطائفة من الناس ، فنهبها ، وخرب دورا ، وقتل ناسا ~~، وقد كان ذعفان وابن أبي حاشد خالفا عليه عند مسيره إلى صنعاء ، فلما رجع ~~جعفر إلى عيان سألته همدان العود إلى صنعاء فكرهه ، ثم وقع الخلف بين همدان ~~وذعفان وابن أبي حاشد ، فاستدعوا جعفر بن القاسم ، فأدخلوه صنعاء في صفر ~~سنة خمس عشرة ، وطالب الناس مطالبة شديدة ، وأقام بها مدة يحارب ذعفان وابن ~~أبي الفتوح ثم اصطلحوا ونزل ذعفان إلى القائد في الكدراء فأحسن القائد ~~تلقيه ، وأمده بأموال جليلة ، وكتب معه إلى المنتاب صاحب مسور ، وأمرهم ~~جميعا بحرب جعفر ، فاجتمعوا عليه ، فخرج إلى بيت شعيب ، فحصرته همدان وحمير ~~، وأعادوا ابن أبي حاشد إلى إمارة صنعاء ، وهجم أهل بيت خولان على محطة ~~حمير ، وقتلوا منهم مائة رجل ، وانهزم عسكر المنتاب ، وذلك في المحرم سنة ~~ست عشرة وأربعمائة ، ثم تهادنوا إلى آخر السنة . ولما كان في ثمان عشرة ~~وأربعمائة ظهر إنسان بناعط ، ولم يعرف الناس اسمه ، وذكر أنه يتسمى عند ~~ظهور رايته من المشرق ، وسار إلى مأرب وبها المؤمن بن أسعد بن أبي الفتوح ، ~~وتلقاه أحسن لقاء ، وأقام عنده وسطر كتبه من عبد الله الإمام المعيد لدين ~~الله الداعي ms7684 إلى طاعة الله الدافع لأعداء الله ، وأنفذها إلى النواحي ، ~~فبلغ PageV33P0076 # """""" صفحة رقم 77 """""" القائد مرجان قيام المؤمن بن أسعد معه ، فغضب ~~على المنصور بن أسعد ، وأعاد كتبه مختومة ، فغضب المنصور ، وانضم إلى هذا ~~الإمام ، ودخل صنعاء في شهر رمضان سنة ثمان عشرة وأربعمائة وخطب له بها ابن ~~التقوى قاضي صنعاء بالإمامة ، ثم خرج منها ، وخالف عليه من كان انضم إليه ، ~~فقتلوه في آخر ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة ، واشتد القحط باليمن من ~~هذه السنة إلى سنة اثنتين وعشرين ، وصنعاء خالية من السلطنة . وفي شهر رجب ~~سنة ست وعشرين وأربعمائة ظهر الإمام أبو هاشم الحسن بن عبد الرحمن إماما ، ~~وتسمى بالنفس الزكية ، ومعه ولده حمزة بن أبي هاشم وإليه ينسب الأشراف ~~الحمزيون ، فقصد صنعاء ، فهرب منه ابن أبي حاشد ، ووصل المنصور بن أبي ~~الفتوح ، فبايعه ورجع إلى بلده ، واستمر هذا الإمام إلى سنة تسع وعشرين ، ~~فخالفت عليه همدان ، فدخل ابن أبي حاشد صنعاء ، ثم خرج منها فتعطلت من ~~السلطنة إلى سنة إحدى وثلاثين ، فاستدعت همدان جعفر بن القاسم ، فدخل صنعاء ~~في ربيع من السنة ، ثم كان بينهم اختلاف يطول شرحه ، وخلت صنعاء أيضا من ~~السلطنة إلى شوال سنة سبع وثلاثين وأربعمائة . ووصل الإمام أبو الفتح ~~الناصر بن الحسين الديلمي مدعيا للإمامة ، وانضمت إليه همدان وجميع العساكر ~~، ونهب صعدة ، وخرب دورا ، وقتل من خولان مقتلة عظيمة ، ودخل صنعاء في ذي ~~القعدة من السنة ، وأقام إلى صفر سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة ، ودخل ابن ~~أبي الفتوح ، فبنى له في حصن علب قصرا بالجص والآجر ، وكاتب له المنصور ~~عبسا ، فأقبل من رؤسائهم مائة فارس ، فدخلوا في طاعة الإمام ، وبايعوه ، ~~والتحق به أيضا الأمير جعفر بن القاسم ، فجعله أمير الأمراء بينهما ، ولم ~~يتم . وتمالأ جعفر وابن أبي حاشد على حرب الإمام ، وخرجا من صنعاء فأمر ~~الإمام بخراب دور بني الحارث ، وبني مروان ، فغضب ابن أبي الفتوح وابن أبي ~~حاشد لذلك ، ودخلا صنعاء ، ورفعا أيدي ولاة الإمام ، وقطعا اسمه من الخطبة ~~، فخرج هاربا ، ثم رجع إلى ms7685 بلد عنس ، ووصل إليه جعفر ، وأقاموا بصنعاء ، ثم ~~مات السلطان يحيى بن أبي حاشد في أول سنة أربعين وأربعمائة ، فأغلقت أبواب ~~صنعاء ولم يبايع الناس ثلاثة أيام ، وأقام الناس ابنه أبا حاشد ، وحلفت له ~~همدان . PageV33P0077 # """""" صفحة رقم 78 """""" ذكر أخبار دولة علي بن محمد الصليحي وفي ليلة ~~الاثنين ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وأربعمائة ظهر علي بن محمد ~~الصليحي واستولى على اليمن في أقرب مدة داعيا إلى الدولة العبيدية ، وكان ~~من خبر قيامه وابتداء أمره أنه لما مات المنصور الحسن بن زادان صاحب مسور ~~الذي قدمنا ذكره - وهو أحد الداعيين لبني عبيد الله في سنة اثنتين ~~وثلاثمائة - كما ذكرنا - استخلف على أهل دعوته رجلا من بني شاور يقال له " ~~عبد الله بن عباس " وابنه حسين بن المنصور ، وأمرهما بالمحافظة على دينهما ~~، وألا يقطعا دعوة بني عبيد الله ، وأمرهما بمكاتبة المهدي ، فإذا ورد أمره ~~بولاية أحدهما سمع الآخر له وأطاع ، وكان المهدي يعرف عبد الله بن عباس ~~فكتب إليه ابن عباس يعرفه وفاة المنصور ، وأنه قد قام بالدعوة فوصلت إليه ~~كتب المهدي بولايته ، وعزل أولاد المنصور ، وبعث إليه سبع رايات ، فسار أبو ~~الحسين بن المنصور إلى المهدي بإفريقية ، فأمره بطاعة ابن عياش وقد أيس من ~~الرئاسة ، فعمل على قتل ابن عياش فنهاه أخوته فلم ينته ، واستولى على الأمر ~~، ولم يدع مكاتبة المهدي ، ثم خرج أبو الحسين بن منصور إلى عين محرم ، وفيه ~~رجل من قبله يقال له ابن العرجي واستخلف على مسور إبراهيم بن عبد الحميد ~~السباعي ، وهو جد بني المنتاب ، فوثب ابن العرجي على أبي الحسين فقتله ، ~~فاستولى إبراهيم على مسور ، وادعى الأمر لنفسه ، وأخرج أولاد المنصور ~~وحريمهم عن مسور إلى جبل بني أعسب ، فوثب عليهم المسلمون ، فقتلوهم الصغير ~~والكبير ، وسبوا حريمهم . ثم اتفق إبراهيم وابن العرجي ، فاقتسما المغرب ~~نصفين ، لكل واحد منهما ما يليه ، ورجع إبراهيم إلى مذهب السنية ، وخطب ~~للخليفة العباسي ، وتتبع القرامطة بالقتل والسبي ، ونصب من بقي منهم داعيا ~~يعرف بابن الطفيل ، فقتله إبراهيم ، ثم مات ms7686 إبراهيم ، فولى بعده ابنه ~~المنتاب بن إبراهيم ، وانتقلت الدعوة الخبيثة بعد ابن الطفيل إلى رجل يعرف ~~بابن أقحم ، فخاف على نفسه من المنتاب ، فكان لا يستقر في موضع واحد ، ~~وكاتب المعز بعد وصوله إلى مصر ، فلما حضرته الوفاة استخلف رجلا من شبام ~~يعرف بيوسف بن الأسد ، فأقام دعوتها مدة حياته ، واستخلف رجلا من شبام اسمه ~~سليمان بن عبد الله الزواحي من حمير ، فدعا إلى الحاكم ومن بعده ، وكان ~~كثير المال والجاه ، فاستمال الرعاع والطغام إلى مذهبه ، وكان إذا هم به ~~المسلمون يقول : " أنا رجل مسلم فكيف يحل قتلي ؟ " ، وكان فيه كرم نفس ، ~~وإفضال على الناس . PageV33P0078 # """""" صفحة رقم 79 """""" وكان الصليحي كثير الاختلاط به ، والحظوة لديه ~~، فتفرس فيه ، فلما حضرته الوفاة أوصاه بالدعوة ، وأعطاه مالا كثيرا كان قد ~~جمعه من أهل دعوتهم ، وأقام الصليحي باليمن دليلا للحاج على طريق السراة ~~خمس عشرة سنة ، وهو مع ذلك يعمل الحيلة في ظهور أمره ، فطلع مسارا ، وهو ~~أعلى ذروة في جبال حراز ، ومعه قوم قد بايعوه على الموت ، فأحاط بهم جميع ~~أهل حراز ، وتهددوه بالقتل ، فدافعهم بالحيل ، وقال : إنما لزمته خوفا أن ~~يلزمه الغير فتلحقنا جميعا المضرة ، ولم يمض عليه أشهر حتى بناه وحصنه ~~وأمره يستفحل ، وشأنه يظهر ، فلما ظهر بمسار - ومعه قوم من الحجاز وسنحان ~~ويام وجشم وهبرة - حصره جعفر بن القاسم في الأحبوش ، وهم خلق كثير ، ورجل ~~يسمى جعفر بن العباس شافعي المذهب سار مع جعفر لحصاره في ثلاثين ألفا ، ~~فأوقع الصليحي بجعفر بن العباس في محطته في شعبان من السنة ، فقتله في جمع ~~عظيم ، فتفرق الناس عنه ، ثم طلع إلى جبل حضور فافتتحه ، وأخذ حصن يناع ، ~~وجمع له ابن أبي حاشد صاحب صنعاء فالتقوا بصوف ، فقتل ابن أبي حاشد وألف ~~رجل ، وسار إلى صنعاء فملكها ، وطوى اليمن طيا بسهله وجبله . وفي سنة خمس ~~وخمسين وأربعمائة استقر ملك الصليحي بجميع اليمن من مكة إلى حضرموت سهلها ~~وجبلها ، واستقر بصنعاء ، وأسكن معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم ، واختط ~~بصنعاء عدة قصور ، واستعمل صهره ms7687 - أخا زوجته - أسعد بن شهاب على زبيد ، ~~فدخلها في سنة ست وخمسين وأربعمائة ، وأحسن سيرته في الرعية ، وفسح لأهل ~~السنة في إظهار مذاهبهم ، وكان يحمل من تهامة إلى صنعاء في كل سنة - بعد ~~أرزاق الجند الذين بها وغير ذلك من الأسباب اللازمة - ألف ألف دينار عينا . ~~ذكر مقتل الصليحي وقيام ابنه المكرم وفي سنة تسع وخمسين وأربعمائة توجه ~~الصليحي إلى مكة شرفها الله تعالى ، واستخلف ابنه المكرم على الملك ، وسار ~~في ألفي فارس منهم من آل الصليحي مائة وستون رجلا واستصحب معه ملوك اليمن ~~الذين أزال ملكهم خوفا أن يثوروا بعده في البلاد ، وسار حتى نزل بظاهر ~~المهجم بضيعة تعرف بأم الدهيم وبئر أم معبد ، وخيمت عساكره حوله ، فلما كان ~~في الثاني عشر من ذي القعدة لم يشعر الناس في نصف النهار إلا وقد قيل لهم ~~قتل الصليحي . وكان سبب قتله أنه لما استولى على زبيد في سنة ثمان وأربعين ~~وأربعمائة ، وقتل صاحبها نجاحا بالسم ، وكان قد أهدى له جارية وأمرها فسمته ~~، فهرب أولاد PageV33P0079 # """""" صفحة رقم 80 """""" نجاح : سعيد الأحول وجياش وغيرهما ، فلحقوا ~~بأرض الحبشة ، وشاع على ألسنة المنجمين وأهل الملاحم أن سعيدا الأحول قاتل ~~علي بن محمد الصليحي ، وبلغ ذلك الصليحي فاستشعره ، وبلغ سعيدا فترقت إليه ~~همته ، وتهيأ لأسبابه ، فلما بلغه مسير الصليحي إلى الحجاز خرج من أرض ~~الحبشة ، فعارضه في خمسة آلاف حربة كان قد انتقاها حين خرج من ساحل المهجم ~~، وهجم على الصليحي في نصف النهار ، والناس مقيلون في خيامهم غير مستعدين ~~لحرب ، فدخل عليه خيمته في أهل بيته ، وعنده دواب النوبة ، وهو يريد الركوب ~~، فقتلوه ، وقتلوا أخاه عبد الله ، وتفرقوا في المحطة ، فقتلوا من وجدوا ، ~~واستولى سعيد الأحول على خزائن الصليحي وأمواله ، وكان قد استصحب منها ~~أموالا جليلة ، وجمع آل الصليحي خاصة فقتلهم رميا بالحراب ، وأخذ أسماء بنت ~~شهاب ، فأركبها هودجا ، وجعل رأس الصليحي ورأس أخيه أمام هودجها حتى دخل ~~زبيد ، وتركها في دار والرأسان منصوبان قبالة طاق الدار التي هي فيها ، وفي ~~ذلك يقول شاعرهم ms7688 العثماني من قصيدة : بكرت مظلته عليه فلم ترح إلا على ~~الملك الأجل سعيدها ما كان أقبح وجهه في ظلها ما كان أحسن رأسه في عودها ~~سود الأراقم قابلت أسد الشرى يا رحمتا لأسودها من سودها فأقامت تحت الأسر ~~سنة ، ثم تلطفت في الكتابة إلى ابنها المكرم تقول : إنها قد حملت من الأحول ~~، ولم يكن رآها قط وإنما أرادت أن تستنفر حفائظ العرب ، فلما وصل الكتاب ~~إلى ابنها جمع رؤوس القبائل ، وقرأه عليهم ، فثارت حفائظهم ، وخرج من صنعاء ~~في ثلاثة آلاف فارس غير الراجل ، فخطبهم في الطريق ، وقال : " إنما تقدمون ~~على الموت ، فمن أراد أن يرجع فمن مكانه " فيقال : إنه رجع بعضهم وسار في ~~الباقين ، وبلغ الأحول ، فجمع جموعه في عشرين ألف حربة ، فطحنتهم خيل العرب ~~، وقتل أكثرهم ، فركب الأحول في خواصه وأهل بيته خيولا مضمرة كان أعدها ~~للهرب ، وهرب إلى الساحل ، وقد أعدت له هناك سفن فركبها ، وتوجه نحو دهلك ، ~~ودخلت العرب زبيد ، فكان أول فارس وقف تحت طاق أسماء ولدها المكرم ، فسلم ~~عليها ، فلم تعرفه ، وقالت : من أنت ؟ فقال : أحمد بن علي ، فقالت : أحمد ~~بن علي في العرب كثير ، وأمرته أن يرفع المغفر ، فرفعه ، فقالت : مرحبا ~~بمولانا المكرم ، فأصابته ريح ارتعش لها ، واختلج وجهه ، فكان كذلك سنين ~~كثيرة حتى مات ، وأعاد المكرم خاله أسعد بن شهاب إلى ولاية زبيد والأعمال ~~التهامية ، ورجع بأمه إلى صنعاء فأقامت مدة وماتت . PageV33P0080 # """""" صفحة رقم 81 """""" ثم جمعت الحبشة لأسعد بن شهاب ، فأخرجوه من ~~زبيد ، وعادت إلى ملكهم على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبارهم . قال : ~~ثم إن المكرم بن الصليحي فوض الأمور إلى زوجته الحرة ، واسمها سيدة ابنة ~~أحمد بن جعفر الصليحي ، وكان الصليحي يكرمها قبل مقتله ، ويقولون لزوجته ~~أسماء : هي والله كافلة ذرارينا ، القائمة بهذا الأمر لمن بقي منا ، فلما ~~ماتت أسماء فوض المكرم الملك والأمر لزوجته الحرة ، وخلا للشراب واللذات ، ~~فارتحلت من صنعاء حتى بنت دارها بذي جبلة ، وتعرف بدار العز ، ونقلته إليها ~~، فاستخلف على صنعاء عمران بن الفضل ms7689 اليامي ، حتى مات في سنة أربع وثمانين ~~وأربعمائة ، فأسند الأمر إلى ابن عمه . السلطان سبأ بن أحمد بن المظفر ~~الصليحي وكان دميم الخلق لا يكاد يظهر من السرج بطائل ، وكان جوادا شاعرا ~~قائما بأحوال الملك ، وإياه عنى ابن القم بقوله : ولما مدحت الهبرزي ابن ~~أحمد أجاز وكافاني على المدح بالمدح وعوضني شعرا بشعري وزادني عطاء فهذا ~~رأس مالي وذا ربحي شققت إليه الناس حتى رأيته فكنت كمن شق الظلام إلى الصبح ~~وكان مستقر ملكه حصن أشيح وما إليه من الجبال المطلة على زبيد ، وكانت ~~الحرب بينه وبين أهل نجاح سجالا ، فبيتوه في بعض الليالي ، وكبسوا عسكره ، ~~فقتلوا أكثرهم ، ونجا سبأ على قدميه عامة ليلته حتى وجد من حمله على فرس في ~~آخر الليل ، فلم تعد العرب بعد ذلك إلى تهامة . وخطب سبأ الحرة السيدة ، ~~فلم تجبه ، وأنكرت ذلك غاية الإنكار ، فتحاربا مدة ، فقيل له : ما تجيب إلا ~~بأمر المستنصر خليفة مصر ، فأرسل في ذلك إلى المستنصر رسولين ، فعادا ~~ومعهما خادم من أكابر خدام المستنصر بألفاظ حسنة ، فردت بأحسن منها ، وقال ~~لها : أمير المؤمنين يقول لك : ) وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ( [ الأحزاب : 36 ] قالت : وما ~~ذاك ؟ قال : " قد زوجك أمير المؤمنين من الداعي الأوحد المظفر عمدة الخلافة ~~، أمير الأمراء أبي PageV33P0081 # """""" صفحة رقم 82 """""" حمير سبأ بن أحمد بن المظفر الصليحي على ما ~~حضر من المال ، وهو مائة ألف دينار عينا ، وخمسون ألفا من التحف والألطاف ~~والطيب والكساء " ، فقالت : أما كتاب مولانا صلوات الله عليه ، وأمره فأقول ~~فيه : ) إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ~~( [ النمل : 29 ، 30 ] ولا أقول في أمر مولانا ) قالت يا أيها الملؤا ~~أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ( [ النمل : 32 ] وأجابت إلى ~~العقد ، فأقبل سبأ في جموع عظيمة إلى ذي جبلة ، فتلقتهم من الضيافات ~~والعطايا الواسعة للناس ، والنفقات على العساكر بما بهر سبأ ، وصغر قدر ~~نفسه عنده ms7690 ، وأقام هو ومن معه على ذلك شهرا ، ثم استأذنها في الدخول عليها ~~، فأذنت له ، فقيل : إنه اجتمع بها ساعة واحدة ، وقيل بعثت إليه بجارية ~~تشبهها ، وأصبح سائرا ، فلم يجتمعا بعد ذلك ، ومات سبأ ، فأقامت الحرة للذب ~~عن ملكها ، والقيام بأمرها . المفضل بن أبي البركات بن الوليد الحميري وهو ~~تربيتها ، فعظم شأنه وعلت كلمته ، وغزا تهامة مرارا ، وكان إليه ولاية ~~التعكر وبه ذخائر بني الصليحي وأموالهم ، وكان يتولاه من قبله رجل من ~~الفقهاء فطلع إليه جماعة من الفقهاء السنية من المخلاف ، فحسنوا له الخلاف ~~، فخالف على المفضل ، واستولى على الحصن وما فيه من الذخائر ، فجاء المفضل ~~، وحصره أشد حصار ، فقال بعض الفقهاء : والله لا بت حتى أقتل المفضل ، فعمد ~~إلى حظايا المفضل اللواتي يميل إليهن ، فألبسهن فاخر الحلي والحلل ، ~~وأطلعهن أسطح القصور ، فضربن بالدفوف والمعازف بحيث يراهن المفضل وجميع ~~عسكره ، وكان المفضل أشد الناس غيرة ، فمات من ليلته كمدا وقيل : امتص ~~خاتما فأصبح ميتا والخاتم في فمه ، فعند ذلك طلعت الحرة من ذي جبلة ، فخيمت ~~بالربادي ، وكاتبت الفقهاء ولاطفتهم ، وكتبت لهم خطها بما اقترحوه من أمان ~~وأموال ، وتسلمت الحصن فولته أحد مواليها . وقدم على أثر ذلك علي بن أحمد ~~المعروف بابن نجيب الدولة رسولا من قبل الخليفة بمصر إلى الحرة ، وكان ~~عاقلا حسن التدبير فقام بأمر الحرة ، وغزا أهل الأطراف ، فاستقر أمره ، ~~واشتدت شوكته ، واستخدم أربعمائة فارس من همدان وغيرهم من عرب اليمن ، فقوي ~~بهم ، وغزا ملوك زبيد ، ولم تزل أموره مستقيمة حتى بلغ الحرة عنه أنه قال : ~~إنها قد خرفت ولا تصلح لتدبير الملك ، فتنكرت له ، وأغرت به ملوك اليمن ، ~~وكانوا تحت طاعتها كعمران اليامي ، وعمر الجنبي ، وكل منهما PageV33P0082 # """""" صفحة رقم 83 """""" يسير في ألف فارس ، فحصروه حتى جهد ، فلما ~~اشتد به الحصار فرقت الحرة عشرة آلاف دينار مصرية ، وأشاعت في الناس أنها ~~من ابن نجيب الدولة ، فطلبت العساكر من ملوكها الأموال والأرزاق ، فغالطوهم ~~فارتحلوا ، وتفرق الناس ، فقيل لابن نجيب الدولة : هذا من تدبير التي قلت ~~إنها قد خرفت ، فركب ms7691 إليها إلى ذي جبلة ، فاعتذر إليها . ثم قدم رسول من ~~الديار المصرية ، فلم يحتفل به ابن نجيب الدولة ، فشق عليه ذلك ، والتحق به ~~أعداء ابن نجيب الدولة ، فقال لهم : اكتبوا على يدي كتابا " أنه دعاكم إلى ~~البيعة لنزار ، واضربوا سكة نزار ، وأنا أوصلها إلى الخليفة الآمر بأحكام ~~الله " ففعلوا ذلك وفعل ، فبعث الآمر أميرا ، فقبض عليه ، وسيره إلى مصر ، ~~فأرسلت الحرة إلى مصر رسولا ، فشفع فيه ، فلما توسطوا البحر غرقهم الموكلون ~~بهم بمواطأة ذلك الأمير ، وانتقلت الدعوة إلى آل زريع . ذكر أخبار ملوك ~~الدولة الزريعية قال : ولما جهز ابن نجيب الدولة إلى الديار المصرية انتقلت ~~الدعوة إلى الداعي سبأ بن أبي السعود بن زريع بن العباس بن المكرم بن يام ~~بن أصبى ، من حاشد من همدان ، وهو من بيت شرف ورئاسة ، وكان لجده العباس ~~سابقة محمودة ، وبلاء حسن مع الصليحي في القيام بالدعوة ، ومع المكرم في ~~نزول زبيد . ولما تغلب بنو معن على عدن وافتتحها المكرم ، ونفى بني معن ، ~~ولاها العباس ومسعود ابني المكرم ، فكانا كذلك إلى أن سارا مع المفضل بن ~~أبي البركات إلى زبيد لقتال الحبشة ، فقتلا على باب زبيد ، فانتقل الأمر ~~بعدن إلى أبي السعود بن زريع ، وأبي الغارات بن مسعود حتى ماتا ، فولى ~~الأمر بعدهما الداعي سبأ بن أبي السعود ، ومحمد بن أبي الغارات ، فلما مات ~~محمد ولي ما كان إليه من الأمر أخوه علي بن أبي الغارات ، وبيد الداعي سبأ ~~مع عدن تبالة ، وله في الجبال حصن الدملوة ، والسانة ، ومطر ، وغيدان ، ~~وذبحان وبعض المعافر وبعض الجند ، ثم وقع بينه وبين ابن عمه خلاف وقتال ~~أجلت الحرب عن هزيمة أبي الغارات واستقلال الداعي سبأ بالأمر بمفرده ، وصفت ~~له البلاد ، ودخل عدن ، وأقام بها سبعة أشهر ، ومات في سنة ثلاث وثلاثين ~~وخمسمائة ، فولى الأمر بعده ولده علي الأعز ، ووصل القاضي الرشيد أحمد بن ~~الزبير من مصر بتقليده الدعوة ، فوافاه قد مات في سنة أربع وثلاثين ، ~~فقلدها أخاه . PageV33P0083 # """""" صفحة رقم 84 """""" محمد بن سبأ ، ولقبه المعظم المتوج المكين ms7692 ~~وكان الداعي محمد هذا ممدحا يقصده الشعراء ، فيجزل لهم العطاء ، وكان جوادا ~~كريما ، وتوسع في الملك ، وغلب على أكثر البلاد ، وتوفيت الحرة السيدة بذي ~~جبلة سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة ، وانتقل ما كان بيدها من الحصون ~~والذخائر إلى المنصور بن المفضل ، فابتاع الداعي محمد بن سبأ هذا منه ~~الحصون والبلاد في سنة ست وأربعين وخمسمائة ، مثل مدينة جبلة والتعكر وحب ~~وغيرها من حصون المخلاف وسواه ، وطلع الداعي المخلاف ، فسكن بذي جبلة ، ~~وكانت وفاته في سنة ستين وخمسمائة ، ولم يزل الأمر في ذراريهم إلى أن نفاهم ~~سيف الإسلام بن أيوب . وأما صنعاء فملكها بعد الداعي سبأ بن أحمد الصليحي ~~رجل من همدان يعرف بحاتم بن الغشم ، وكان ناهضا كافيا ، وكان له ولد اسمه ~~محمد لم يشاركه أحد في شجاعته وجوده ، إلا أنه كانت فيه لوثة واختلاط عقل ، ~~فكان إذا تزوج امرأة وأحبها قتلها ، فتحاماه الناس فلم يزوجه أحد بعد ذلك ، ~~فخطب إلى بني الصليحي أهل قيضان ، فأبوا أن يزوجوه ، فألح عليهم فقالوا : " ~~إذا ضمن أبوك زوجناك " ، فلم يزل بأبيه حتى ضمن ، وقال له أبوه : " إن ~~قتلتها قتلتك " فقتلها بعد مدة ، ولحق بحصن براش صنعاء ، فلم يزل أبوه ~~يخادعه ويلاطفه ، حتى التقيا تحت المدرج ، فوثب عليه أبوه فقتله ، وقطع ~~برأسه ودخل به صنعاء على رمح ، وكانت لمحمد بنية في بيت جدها ، وقد سمعت أن ~~جدها خرج ليأتي بأمها ، فلم يفاجأها إلا رأس أبيها على الرمح ، فماتت فجأة ~~، ثم مات حاتم بن الغشم ، فانتقل ملك صنعاء ومخاليفها إلى : السلطان حاتم ~~بن أحمد بن عمران اليامي وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة ، وكانت له ~~حروب مع الإمام أحمد بن سليمان ، ومات حاتم بن أحمد في سنة ست وخمسين ~~وخمسمائة ، فولى بعده ابنه حميد الدولة علي بن حاتم ، فخالفت عليه همدان ، ~~وقتلوا أخاه عمران ، ثم استقاموا له ، وقويت شوكته ونزل اليمن الأسفل لقتال ~~بني مهدي ، فأوقع بهم في الجبال ، فقتل منهم مقتلة عظيمة ، وذلك في ربيع ~~سنة تسع وستين وخمسمائة . ذكر أخبار سعيد الأحول ، واستيلائه على ms7693 زبيد ~~ثانيا ومن ملك بعده من آل نجاح قد ذكرنا أن المكرم هزم سعيدا الأحول ، وقتل ~~رجاله واستولى على زبيد ، وأعاد إليها خاله أسعد بن شهاب في سنة ستين ~~وأربعمائة ، فلما رجع المكرم بأمه إلى صنعاء PageV33P0084 # """""" صفحة رقم 85 """""" وثب سعيد الأحول ، فطرد أسعد بن شهاب من زبيد ~~فلحق بابن أخته ، واستولى سعيد الأحول على زبيد والأعمال التهامية بها إلى ~~أن تحيلت الحرة السيدة على قتله ، فأمرت والي الشعر أن يكاتبه ، ويباطنه ~~أنه يسلم إليه جبل الشعر ، ومنه يستولي على الحرة وما بيدها من الأعمال ، ~~فطمع في ذلك فخرج للميعاد ، وأمرت الحرة ملوك اليمن الأعلى بحشد عساكرهم ~~وراءهم ونزولهم من الجبال المطلة على زبيد ، وأن يطووا المراحل خلف سعيد ، ~~فلما صار تحت الشعر أطبقت عليه جيوش العرب وجيوش الحرة ، فقتل هو وأكثر من ~~معه ، وذلك في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة . وعادت زبيد إلى المكرم ، ~~وأعادت الحرة إليها أسعد بن شهاب ، ثم انتزعها منه " جياش بن نجاح " أخو ~~سعيد ، وذلك أنه كان عند مقتل أخيه ببلاد الهند ، وكان قد توجه إليها ~~متنكرا في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة ، فلما عاد وجد أخاه قد قتل ، وخرجت ~~زبيد عنهم ، فدخل زبيد متنكرا ، ولم يزل يتحيل ويتلطف حتى اجتمع له من ~~مواليه وأصحابه خمسة آلاف حربة ، وساعده على ظهوره علي ابن القم الشاعر ، ~~وكان وزيرا لأسعد بن شهاب ، فوثب بزبيد ، وملكها وأعانه عوام المدينة ، ~~وأتى بأسعد بن شهاب أسيرا ، فأكرمه وأطلقه ، وكان جياش قد أحضر معه جارية ~~من الهند حاملا ، فولدت له ابنه فاتكا ، وفي ساعة وضعها كان وثوبه بزبيد ، ~~ولم يزل جياش في ملك زبيد وتهامة من سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة إلى سنة ~~ثمان وتسعين ، فمات في ذي الحجة منها ، وقيل في شهر رمضان سنة خمسمائة . ~~قال : والأول أظهر ، وخلف من الأولاد الفاتك - ابن الهندية - ومنصورا ~~وإبراهيم وعبد الواحد والذخيرة ومعاركا ، فولى بعده ابنه الفاتك ، وخالف ~~عليه أخوه إبراهيم ، وخالف عليه أيضا أخوه عبد الواحد ، وجرت بينهم وقائع ~~وحروب ، فظفر فاتك بأخيه عبد الواحد ms7694 ، فعفا عنه ، وأكرمه ، ونزل إبراهيم بن ~~جياش بأسعد بن وائل بن عيسى الوحاظي ، فأكرمه إكراما عظيما ، وكانت عبيد ~~فاتك بن جياش قد عظم شأنهم ، وكثروا واشتدت شوكتهم ، ثم مات فاتك في سنة ~~ثلاث وخمسمائة ، وترك ولده المنصور بن فاتك صغيرا ، فملكه عبيد أبيه ، وحشد ~~إبراهيم بن جياش بعد موت أخيه فاتك ، فتواقعوا ، وحين خلت زبيد منهم وثب ~~بها عبد الواحد بن جياش فملكها ، وحاز دار الإمارة ، فأخرج الأستاذون ~~والوصفان مولاهم منصور بن فاتك ودلوه من سور البلد خوفا عليه ، ولحق بعبيد ~~أبيه . ولما بلغ إبراهيم بن جياش أن أخاه عبد الواحد قد حصل على زبيد وسبقه ~~إليها ، توجه إلى الحسين بن أبي الحفاظ الحجوري . PageV33P0085 # """""" صفحة رقم 86 """""" وأما عبيد فاتك ، فإنهم توجهوا بالمنصور ابن ~~مولاهم ، ونزلوا بالملك المفضل بن أبي البركات الحميري صاحب التعكر ، ~~وبالحرة السيدة بنت أحمد الصليحي بذي جبلة ، فأكرما مثواهم ، والتزم عبيد ~~فاتك للمفضل بريع البلاد على نصرتهم على " ابن جياش " فأخرجه من زبيد ، ~~وملكهم إياها ، وهم المفضل أن يغدر بآل فاتك ، ويملك البلاد ، فبلغه ما كان ~~من أمر الفقهاء ، واستيلائهم على حصن التعكر ، ففارق زبيد ، وتوجه إليهم ، ~~وكان من أمر وفاته ما قدمناه . واستقر الأمر بتهامة للمنصور بن فاتك وعبيد ~~أبيه ، فمن أولاد فاتك الأمراء ومن عبيده الوزراء ، فأما الأمراء فمنهم ~~المنصور بن فاتك ، ثم فاتك بن المنصور وهو ابن الحرة الصالحة الحاجة . ثم ~~مات فاتك بن منصور ، فانتقل الأمر إلى ابن عمه ، واسمه أيضا الفاتك بن محمد ~~بن منصور بن فاتك بن جياش في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة ، وقتله عبيده في ~~سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ، وعنهم زالت الدولة إلى علي بن مهدي الخارج ~~باليمن في شهر رجب سنة أربع وخمسين وخمسمائة ، ولم يكن لأولاد فاتك بن جياش ~~من الأمر شيء سوى النواميس الظاهرة ، من الخطبة لهم ، بعد بني العباس ، ~~والسكة ، والركوب بالمظلة في أيام الموسم ، وعقد الآراء في مجالسهم ، وما ~~عدا ذلك من الأمر والنهي والتدبير وإقامة الحدود ، وإجازة الوفود ، ~~فلعبيدهم الوزراء ، وهم عبيد فاتك ms7695 بن جياش ، وعبيد منصور ابنه . وأول من ~~وزر منهم أنيس الفاتكي ، وكان من بطن في الحبشة يقال لهم الجرليون ، وملوك ~~بني نجاح من هذا البطن ، وكان أنيس هذا جبارا غشوما مهوبا ، وبنى قصورا ~~عظيمة ، ولما اشتدت شوكته عزم على قتل مولاه المنصور بن فاتك ، وتهيأ ~~للاستقلال بالملك ، فبدره ابن مولاه ، بأن عمل وليمة واستدعاه ، فقطع رأسه ~~واستصفى أمواله . ووزر بعده الشيخ أبو منصور من الله الفاتكي ، وكان كريما ~~شجاعا ، وله وقعات مشهورة في العرب ، ومآثر مذكورة ، ولما وزر لمنصور بن ~~فاتك بن جياش في سنة تسع عشرة وخمسمائة لم يقدم شيئا على قتل منصور ابن ~~مولاه بالسم ، وملك ابنه فاتك بن منصور ، وهو طفل صغير ، ثم تعرض إلى حريم ~~مولاه ، فيقال : إن منصور بن فاتك وأباه فاتك بن جياش ، وغيرهما من آل نجاح ~~، ماتوا عن أكثر من ألف سرية ، ما منهن واحدة سلمت من الوزير " من الله " ~~إلا عشرة نساء من حظايا منصور بن فاتك منهن الحرة الملكة أم فاتك بن ~~المنصور الملك ، وكانت من جواري الوزير أنيس ابتاعها منصور من ورثته ، ~~وكانت حبشية مغنية ، واسمها علم ، فخرجت PageV33P0086 # """""" صفحة رقم 87 """""" امرأة صالحة خيرة كانت تحج بأهل اليمن برا ~~وبحرا في خفارتها من الأخطار والمكوس ، فاعتزلت القصر ، وسكنت خارج المدينة ~~، وبنت لها دارا . هذا والملك ولدها . قال : ولما أراد الله تعالى هلاك ~~الوزير " من الله " حاول بنت معارك بن جياش وراودها ، وكانت موصوفة بجمال ، ~~فافتدت نفسها منه بأربعين بكرا فذكرت ذلك لعبيد عمها فاتك ، وعبيد ابن عمها ~~منصور بن فاتك فهابوه ، ولم يقدروا على شيء فقالت لهم الحرة أم أبي الجيش - ~~وكانت مولدة ذات جمال - : أنا أكفيكموه ، ثم أرسلت إلى الوزير من الله تقول ~~له : " إنك أسأت السمعة علينا وعليك فيما تقدم ، ولو كنت أعلمتني خدمتك أتم ~~خدمة ، ولم يعلم بك أحد ، ففرح الوزير بذلك ، وتواترت الرسائل بينه وبينها ~~، حتى قال : فإني أزورك في هذه الليلة إلى دارك متنكرا ، فقالت لرسوله : إن ~~الله قد أجل قدر الوزير عن ذلك ، بل ms7696 أنا أزوره في داره ، وأتته عند المساء ~~، فغنته وشرب وطرب ، فيقال : إنها مكنته من نفسها ، فوقع عليها ، فلما فرغ ~~مسحته بخرقة مسمومة ، فتهرأ ومات من ليلته ، فدفنه ولده منصور في إسطبله ، ~~وسوى به الأرض ، فلم يعرف له قبر ، وكانت وفاته في ليلة السبت خامس عشر ~~جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وخمسمائة . ثم وزر بعده لفاتك بن منصور زريق ~~الفاتكي " وكان شجاعا كريما ، وكان له من الأموال والأراضي ما لا تحصى ~~قيمته ، وكان له ثلاثون ولدا إلا أنه لم يكن له نفاذ في سياسة العسكر ، ولا ~~خبرة بإقامة نواميس السلطنة ، فاستقال من الوزارة ، واستدعى لها الوزير أبا ~~منصور مفلحا الفاتكي ، وهو من بطن من الحبشة يقال لهم " سحرت " ، وكان يكنى ~~بولده منصور ، وكان منصور هذا من الأعيان أهل الخبرة والفقه والأدب ~~والصباحة والسماحة والشجاعة والرئاسة الكاملة ، وكان مفلح ينبز في صغره " ~~بالبغل " ، وكان يقال : " مفلح البغل " ولا يغضب من ذلك ، وكان عفيفا لم ~~تعلم له صبوة في صغر ولا كبر ، ولما عظم شأنه في الوزارة ثقل على أهل ~~الدولة ، فتحيل في إخراجه ، فأخرج من الوزارة ، وكانت له حروب مع سرور ~~الفاتكي ، ثم مات في سنة سبع وعشرين وخمسمائة . وكان لمنصور ابنه مع ~~العساكر حروب ، ثم خذله أصحابه وتفللوا عنه ، فاستأمن إلى القائد " سرور " ~~ودخل معه إلى زبيد ، والوزير يومئذ " إقبال " الفاتكي ، فخلع على منصور ، ~~وأنزله في دار أبيه ، ثم قبض عليه من الغد ، وقتل في دار الوزير " إقبال " ~~، فأنكر الملك فاتك ذلك ، وهم بإقبال ، ثم أبقاه على دخن ، فتلطف إقبال ، ~~حتى سقى مولاه فاتكا السم ، فمات فاتك بن منصور في شعبان سنة إحدى وثلاثين ~~وخمسمائة . PageV33P0087 # """""" صفحة رقم 88 """""" ومنهم القائد " أبو محمد سرور الفاتكي " وجنسه ~~من الحبشة " أمحرة " ، وكانت له مآثر وصدقات وصلات يطول الشرح بذكرها . ~~وكان كثير الصلاة والعبادة والخير والبر ، فكانت هذه حاله من سنة تسع ~~وعشرين وخمسمائة إلى أن قتل في مسجده بزبيد في الركعة الثالثة من صلاة ~~العصر يوم الجمعة الثاني عشر من شهر رجب سنة إحدى ms7697 وخمسين وخمسمائة ، قتله ~~رجل يقال له " محرم " من أصحاب علي بن مهدي ، ثم قتل قاتله في تلك العشية ~~بعد أن قتل جماعة من الناس ، ولم تلبث الدولة بعد قتله إلا يسيرا حتى ~~أزالها علي بن مهدي ، وملك زبيد وأعمالها في سنة أربع وخمسين وخمسمائة ، في ~~آخر يوم من شهر رجب . ذكر أخبار دولة علي بن مهدي الحميري وبنيه وهم من أهل ~~قرية يقال لها العنبرة من سواحل زبيد ، وكان أبوه رجلا صالحا سليم القلب ، ~~ونشأ ولده علي هذا على طريقة أبيه في العزلة والتمسك بالصلاح ، وحج وزار ~~ولقي حاج العراق وعلماءها ووعاظها ، وتضلع في معارفهم ، وعاد إلى اليمن ، ~~فاعتزل وأظهر الوعظ ، وإطلاق التحذير ، من صحبة العسكرية ، وكان فصيحا ~~صبيحا أخضر اللون طويل القامة مخروط الجسم بين عينيه سجادة ، حسن الصوت ، ~~طيب النغمة ، حلو الإيراد ، غزير المحفوظات ، قائما بالوعظ والتفسير وطريقة ~~الصوفية ، وكان يحدث بشيء من أحواله المستقبلات فيصدق ، وكان ذلك من أقوى ~~عدده في استمالة قلوب العالم ، وظهر أمره بساحل زبيد بقرية العنبرة وقرية ~~واسط وقرية القضيب والأهواب والمقتفى وساحل الفازة وكان يتنقل بينها . ~~وكانت عبرته لا ترقأ على ممر الأوقات ، ولم يزل يعظ الناس في البوادي من ~~سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة فإذا دنا الموسم خرج حاجا على نجيب له إلى سنة ~~ست وثلاثين وخمسمائة . ثم أطلقت الحرة أم فاتك ابن منصور له ولإخوته ~~وأصهاره ومن يلوذ بهم خراج أملاكهم ، فلم تمض بهم هنيهة حتى أثروا ، واتسعت ~~حالهم ، فركبوا الخيل . ثم حالفه قوم من أهل الجبال على النصرة ، فخرج من ~~تهامة إليهم في سنة ثمان وثلاثين ، فجمع جموعا تبلغ أربعين ألفا ، وقصد بهم ~~مدينة الكدراء ، فلقيه القائد إسحاق بن مرزوق السحرتي في قومه ، فهزموا ~~أصحابه ، وقتلوا خلقا من جموعه ، وعفوا عن أكثرهم ، وعاد ابن مهدي إلى ~~الجبال ، وأقام بها إلى سنة إحدى وأربعين PageV33P0088 # """""" صفحة رقم 89 """""" وخمسمائة ، ثم كاتب الحرة بزبيد ، وسألها في ~~ذمة له ولمن يلوذ به ، ويعود إلى وطنه ، ففعلت له ذلك على كره من أهل ~~دولتها ، ومن ms7698 فقهاء عصرها ، ليقضي الله أمرا كان مفعولا . وأقام ابن مهدي ~~يستغل أملاكه سنين عدة ، وهي مطلقة الخراج ، فاجتمع له من ذلك مال ، وكان ~~يقول في وعظه : " أيها الناس ، دنا الوقت ، أزف الأمر ، كأنكم بما أقول لكم ~~وقد رأيتموه عيانا " ، فما هو إلا أن ماتت الحرة في سنة خمس وأربعين حتى ~~أصبح في الجبال في موضع يقل له الداشر " من بلاد خولان " ثم ارتفع منه إلى ~~حصن يقال له الشرف ، وهو لبطن من خولان ، يقال لهم خيوان - بإسكان الياء - ~~وسماهم الأنصار وسمى كل من صعد معه من تهامة المهاجرين ، ثم ساء ظنه بكل ~~أحد ممن معه خوفا على نفسه ، فأقام للأنصار رجلا من خولان يسمى سبأ بن يوسف ~~وكناه " شيخ الإسلام " وللمهاجرين رجلا يسمى التويتي لقبه أيضا شيخ الإسلام ~~، وجعلهما نقيبين على الطائفتين ، ولا يخاطبه ولا يصل إليه أحد سواهما ، ~~وربما احتجب فلا يرونه وهم يتصرفون في الغزو ، فلم يزل يغادي الغارات ~~ويراوحها على تهامة حتى أخرب الحزوز المصاقبة للجبال ، والحبشة يومئذ تبعث ~~الأبدال في المراكز ، فلا يغنون شيئا ، فلم يزل ذلك دأبه مع أهل زبيد إلى ~~أن أخلى جميع أهل البوادي ، وقطع الحرث ، ومنع القوافل ، وكان يأمر أصحابه ~~أن يسوقوا الأنعام والقوافل ، وما عجز عن السير عقروه ، ففعلوا من ذلك ما ~~أرعب وأرهب ، وقضى بخراب الأعمال ، ثم توجه إلى الداعي محمد بن سبأ صاحب ~~عدن إلى مدينة ذي جبلة في سنة تسع وأربعين وخمسمائة ، يستنجده على أهل زبيد ~~، فلم يجبه إلى ذلك ، فعاد إلى حصن الشرف ، ودبر في قتل القائد " سرور ~~الفاتكي " فقتل في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة كما تقدم . وانشغل رؤساء زبيد ~~بالتنافس والتحاسد على رتبة القائد سرور ، فكان ذلك مما أعان ابن مهدي ، ~~وفارق ابن مهدي حصن الشرف ، وهبط إلى الداسر ، وبينه وبين زبيد أقل من نصف ~~يوم ، فانضمت إليه الرعايا وعرب البلاد ، فلما كثر جمعه زحف إلى زبيد في ~~جموع لا تحصى كثرة وحصر أهل زبيد بها ، فصبروا ، وقاتلوه اثنين وسبعين زحفا ~~يقتل من أصحابه مثل ما ms7699 يقتل منهم ، واشتد بهم الضر والبلاء والجوع حتى ~~أكلوا الميتة ، فاستنجدوا بالشريف الزيدي ثم الرسي ، أحمد بن سليمان صاحب ~~صعدة ، وشرطوا له أن يملكوه عليهم ، فقال : " إن قتلتم مولاكم فاتكا حلفت ~~لكم PageV33P0089 # """""" صفحة رقم 90 """""" ونصرتكم ، فوثب عبيد فاتك بن محمد بن فاتك بن ~~جياش بن نجاح مولى مرجان ، ومرجان مولى أبي عبد الله الحسين بن سلامة ، ~~والحسين بن سلامة مولى رشد الزمام ، ورشد مولى زياد بن إبراهيم بن أبي ~~الجيش إسحاق بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن زياد - فقتلوه في شهور سنة ~~ثلاث وخمسين وخمسمائة ، ثم عجز الشريف عن نصرهم على ابن مهدي ، ثم كانت ~~بينهم وبين ابن مهدي حروب ، وهم يتحصنون بالمدينة إلى أن فتحها في يوم ~~الجمعة رابع عشر شهر رجب سنة أربع وخمسين ، وأقام بها علي بن مهدي بقية شهر ~~رجب وشعبان ورمضان ، ومات في شوال من السنة ، فكانت مدة ملكه أحد وثمانين ~~يوما . ثم انتقل ( الملك ) بعده إلى ولده " المهدي " ثم إلى ولده " عبد ~~النبي " ، ثم إلى ولده " عبد الله " ، ثم عاد الأمر إلى عبد النبي والأمر ~~في اليمن بأسره إليه ما عدا عدن ، فإن أهلها هادنوه عليها بمال في كل سنة ، ~~واجتمع لعبد النبي هذا ملك الجبال والتهايم ، وانتقل إليه ملك جميع ملوك ~~اليمن وذخائرها ، يقال : إنه حصل في خزائن ابن مهدي ملك خمس وعشرين دولة من ~~دول أهل اليمن . قال : " وكان ابن مهدي يتمذهب بمذهب أبي حنيفة في الفروع ، ~~ثم أضاف إلى عقيدته التكفير بالمعاصي ، والقتل بها وقتل من خالف اعتقاده من ~~أهل القبلة ، واستباحة الوطء لنسائهم ، واسترقاق ذراريهم ، وكان اعتقاد ~~أصحابه فيه أن الواحد من آل مهدي إذا قتل جماعة من عسكره ثم قدروا عليه لم ~~يقتلوه دينا وعقيدة ، وإذا غضب ابن مهدي على رجل من أكابرهم وأعيانهم حبس ~~المغضوب عليه نفسه في الشمس ، ولم يطعم ولم يشرب ولم يصل إليه ولد ولا زوجة ~~، ولا يقدر أحد أن يشفع فيه حتى يرضى عنه ابتداء من نفسه ، ومن طاعتهم له ~~أن ms7700 كل واحد يحمل ما تغزله زوجته وبناته إلى بيت المال ، ويكون ابن مهدي هو ~~الذي يكسوهم هم وأهاليهم من عنده ، وليس لأحد من العسكرية فرس يملكه ولا ~~يرتبطه ، ولا عدة من سلاح ولا غيرها ، بل الخيل في إسطبلاته ، والسلاح في ~~خزائنه ، فإذا عن له أمر دفع من الخيل والسلاح ما يحتاجون إليه ، ومن سيرته ~~قتل من انهزم من عسكره ولا سبيل إلى حياته ، وقتل من شرب المسكر ، ومن سمع ~~الغناء ، ومن زنى ، وقتل من تأخر عن صلاة الجماعة ، أو عن مجلس وعظه في ~~يومي الخميس والاثنين ، وقتل من تأخر فيهما عن زيارة قبر أبيه ، هذه رسومه ~~في العسكرية . PageV33P0090 # """""" صفحة رقم 91 """""" ولم يزل أمره على ذلك حتى اتصل خبره بالسلطان ~~الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ، واتصل به أن عبد النبي يزعم أن ~~دولته تطبق الأرض ، وأن ملكه يسير مسير الشمس ، فجهز أخاه الملك المعظم فخر ~~الدين في شهر رجب سنة تسع وستين وخمسمائة ، وملك زبيد ، وأسر عبد النبي ، ~~وقتله على ما نذكره - إن شاء الله تعالى - في أخبار الدولة الأيوبية . ذكر ~~أخبار ملوك الدولة الأيوبية باليمن قد ذكرنا أخبار الدولة الأيوبية بالديار ~~المصرية والشام وبلاد الشرق ، فيما تقدم من كتابنا ، وأتينا على أخبار ~~ملوكها ملكا ملكا ، وأشرنا إلى نبذ يسيرة من أخبار ملوكهم باليمن ، ونحن ~~الآن نذكر أخبار ملوكهم ببلاد اليمن بما هو أبسط مما تقدم ، لتكون أخبار ~~اليمن سياقة يتلو بعضها بعضا . كان من خبر دولتهم باليمن أن السلطان الملك ~~الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب لما ملك الديار المصرية ، وأزال الدولة ~~العبيدية كان من جملة من اتصل بخدمته عمارة اليمني الشاعر ، فذكر له أخبار ~~اليمن قال : PageV33P0091 # """""" صفحة رقم 92 """""" في سنة تسع وستين وخمسمائة ، توجه إلى مكة ~~شرفها الله تعالى ، ومنها إلى مدينة زبيد ، فلما شاهده أهلها انهزموا عن ~~الأسوار إلى المدينة ، فلما انتهى العسكر إلى السور وجده خاليا ، فنصب عليه ~~السلاليم ، وصعدوا عليها إلى السور ، فنال البلد عنوة ، وذلك في يوم ~~الاثنين التاسع من شوال ms7701 من السنة ، وأسر عبد النبي بن علي مهدي ، فسلمه ~~الملك المعظم إلى الأمير سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ ، وأمره أن ~~يستخرج منه الأموال ، فاستخرج منه شيئا كثيرا ، وأظهر دفائن كانت له ، ~~ودلتهم الحرة على ودائع لها كثيرة . ومات عبد النبي في أسره ، وقيل شنقه ، ~~وخطب من بعده لأخيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف . ثم سار من زبيد ~~إلى ثغر عدن ، وصاحبها يومئذ بلال بن جرير المحمدي . نائب آل زريع بها ، ~~فخرج إليه وقاتله ، فانهزم هو ومن معه ، فسبقهم عسكر المعظم إلى الثغر ، ~~فدخلوه ، وأسر صاحبه ، وقصد العسكر نهب البلد ، فمنعهم الملك المعظم ، وقال ~~: " ما جئنا لنخرب البلاد ، وإنما جئنا لنملكها ونعمرها " . ثم توجه من عدن ~~إلى صنعاء في أول المحرم سنة سبعين وخمسمائة ، فملكها ، وبنى بها المباني ، ~~ثم ملك الحصون والمعاقل منها : قلعة تعز ، وهي الدملوة ، ورتب النواب في ~~بلاد اليمن : فرتب في زبيد سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ ، وبثغر عدن ~~عز الدين عثمان الزنجيلي ، وفي تعز ياقوت التعزي وفي ذي جبلة مظفر الدين ~~قايماز ، ورتب في كل حصن نائبا ، ولم يعجب الملك المعظم المقام باليمن ، ~~ففارقها وعاد إلى أخيه السلطان الملك الناصر إسماعيل إلى دمشق بعد أن ملكها ~~الملك الناصر ، وكان وصوله في سنة إحدى وسبعين . قال : ثم ادعى كل من ~~النواب الملك لنفسه ، وضرب سكة باسمه ، وكان كل واحد لا يتعامل بسكة الآخر ~~، فأما سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ فإنه مرض ، وكره المقام باليمن ، ~~فعاد إلى الملك الناصر ، واستناب أخاه خطاب بن منقذ بزبيد ، وأما مظفر ~~الدين قايماز فإنه ضعف أمره ولم ينقذ بلده . ولما علم الملك الناصر بفساد ~~الحال ، وما وقع باليمن ، أرسل الأمير المقدم فارس الدين خطلبا في البحر ~~إلى فخر الدين عثمان الزنجيلي بعدن ، فلما وصل إليه قابله بالإجلال ~~والتعظيم ، واتفقا على المسير إلى خطاب بن منقذ ، وسارا فلقيهما ياقوت ~~التعزي وقايماز ، فاصطلحوا وساروا جميعا إلى خطاب ، فلما سمع بذلك خطاب ~~ارتفع إلى حصن قوارير ، وأخلى زبيد ، ودخل ms7702 خطلبا زبيد ، وملكها في سنة أربع ~~وسبعين وخمسمائة ، وكان خطاب يغير في بعض الأوقات على أطراف زبيد ، ثم ~~PageV33P0092 # """""" صفحة رقم 93 """""" مرض خطلبا وأشرف على الموت ، فراسل خطابا سرا ~~، وقال له : أنت أولى بالأمر من عثمان الزنجيلي ، فدخل خطاب زبيد مختفيا ، ~~وبلغ ذلك عثمان ، فسار بجيشه إلى زبيد فخذل ، ومات خطلبا ، واستمر خطاب ~~بزبيد إلى سنة تسع وسبعين وخمسمائة . ولما اتصل ذلك بالملك الناصر بعث أخاه ~~الملك العزيز أبا الفوارس سيف الإسلام طغتكين بن أيوب ، ومعه ألف فارس ~~وخمسمائة جبلي ، فتوجه في سنة تسع وسبعين وخمسمائة ، ودخل مكة معتمرا في ~~شهر رمضان ، وبها صاحبها الشريف فليتة بن مطاعن الهاشمي ، فتلقاه الشريف ، ~~وخلع عليه الملك العزيز خلعة سنية قيمتها ألف دينار ، وتوجه إلى اليمن قبل ~~الحج ، فوصل إلى زبيد في أواخر سنة تسع وسبعين وخمسمائة ، فتلقاه خطاب ، ~~فخلع عليه الملك العزيز وعلى عسكره ، ودخلا جميعا زبيد ، فأقام معه أياما ، ~~واستأذنه خطاب في المسير إلى الشام ، فأذن له ، فأخرج جميع أثقاله وأمواله ~~إلى ظاهر زبيد ، فعند ذلك أمر سيف الإسلام بالقبض على خطاب ، والاحتياط على ~~أثقاله ، وخنق بعد ليال بحصن تعز ، وأما ياقوت ، فسلم إليه حصن تعز ومعشاره ~~، وأما مظفر الدين قايماز فتغلب على جبلة ومخاليفها ، وأرسل إليه من أخذه ، ~~وأما عثمان الزنجيلي فعمر سفنا عظيمة وشحن فيها جميع ما يملكه من الصامت ~~والناطق ، وتوجه إلى العراق . وملك سيف الإسلام اليمن كله وعره وسهله ، ~~ودخل أماكن ما دخلها أحد قبله بالسيف ، وجرت بينه وبين الإمام عبد الله بن ~~حمزة عدة وقائع على صنعاء ، وأقام خمس سنين وصنعاء ليست في ملكه . وفي سنة ~~خمس وثمانين استولى على حصن كوكبان ودان له ملك اليمن بكماله ، وأزال ملك ~~بني حاتم من صنعاء ، وسور زبيد سورا جديدا ، وسور صنعاء بعد أن أخرب سورها ~~، ورمى النفط في دورها ، واستمر في الملك إلى أن مات بالمنصورة بين الجند ~~وجبلة في شوال سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ، وكان حسن السيرة ، إذا تعرض له ~~أحد وهو في موكبه وقف له ، ولا ms7703 ينصرف من مكانه حتى يكشف ظلامته ، وكانت مدة ~~ملكه أربع عشرة سنة ، وكان قبل وفاته قد سلطن مملوكه " همام الدين أبو زبا ~~" وأرسله إلى البلاد العليا ، ولما مات ملك بعده ولده . PageV33P0093 # """""" صفحة رقم 94 """""" الملك المعز فتح الدين أبو الفدا إسماعيل وكان ~~الملك المعز هذا قبل وفاة والده قد غضب على أبيه وفارقه ، وأراد اللحاق ~~بأعمامه بالديار المصرية ، فأدركته الرجال على النجب بوفاة والده ، وهو على ~~ساعد حرض فجز شعره ، ولبس السواد حزنا على أبيه ، وعاد ، وملك البلاد وقتل ~~جماعة كثيرة من غلمان أبيه ، ثم صعد إلى صنعاء فقبض على " همام الدين أبو ~~زبا " ، وقتله ، وذلك في المحرم سنة أربع وتسعين ، وعاد إلى اليمن . ثم ~~أقام الإمام المنصور الدعوة في سنة أربع وتسعين ، وانضم إليه جماعة من عسكر ~~سيف الإسلام ، فبلغ ذلك المعز ، فرجع من فوره إلى صنعاء ، فوجد الإمام على ~~الحقل ومعه الأمير جكوا في مائتي فارس ، فلما تراءى الجمعان انحاز أصحاب ~~جكوا إلى المعز ، وثبت جكوا ، وقاتل إلى أن قتل وانهزم الإمام ، ودخل المعز ~~صنعاء ، وعاد منها إلى زبيد ، وبنى المدرسة المعروفة بالميلين ، ثم داخلته ~~الخيلاء في عقله ، وادعى الخلافة ، وانتمى إلى بني أمية ، وتلقب بالإمام ~~الهادي بنور الله المعز لدين الله أمير المؤمنين ، فكتب إليه أعمامه ينكرون ~~هذه الدعوى ، ثم أخاف مماليك أبيه ، فهرب منهم سنقر الأتابك في طائفة كبيرة ~~من المماليك ، وبقي أكثر من معه من الأكراد . ولما تفاحش أمره بدعوى ~~الخلافة قتله الأكراد على باب زبيد في سنة ثمان وتسعين ، ونهب الأكراد زبيد ~~نهبا شنيعا ، وكانت ولايته ست سنين . ولما مات أرجع الأتابك سنقر حصون حجة ~~، فوصل إلى تهامة ، فتلقاه الأكراد والعساكر ، وجعلوه أتابكا للملك الناصر ~~أيوب بن سيف الإسلام ، وهو يومئذ صغير ، وقيل : إن الأكراد لم يمكنوا ~~الأتابك من زبيد ، وكان للأتابك عدن ، ومخلاف PageV33P0094 # """""" صفحة رقم 95 """""" جعفر ، ومخلاف تعز ، وصنعاء وأعمالها ، ونائبه ~~فيها وفي حرب الإمام المنصور علم الدين ورد سار ، ونزل الأتابك إلى تهامة ، ~~فقتل الأكراد قتلا ذريعا بقرية الزربية ، وهزمهم إلى ms7704 زبيد ، ودخلها الأتابك ~~، وأمر بغلق مدرسة المعز ، وأخرج الفقهاء الشافعية منها ، وأخرج وقفها ، ~~وبنى مدرسة كبيرة بزبيد تعرف الآن بمدرسة ابن دحمان وبنى بالدملوة قناطر ~~ومباني ، واستقامت أحوال الأتابك إلى سنة ثمان وستمائة ، فمات بحصن تعز ، ~~والأتابك هو والد بنت جورا . واستقل الملك الناصر أيوب بالأمر ، ووزر له ~~غازي بن جبريل ، وطلع إلى صنعاء في جيوش عظيمة ، فلما استقر بها سمه أستاذ ~~داره غازي بن جبريل في المحرم سنة إحدى عشرة وستمائة ، واستقل بالملك ، ~~وخطب له ، وضربت السكة باسمه ، فلما صار بالسحول وثب عليه مماليك الملك ~~الناصر فقتلوه ، ورجع الإمام المنصور إلى صنعاء بعد أن كان المالك الناصر ~~أخرجه منها . ثم وصل سليمان بن موسى الحمزي إلى ذمار بعسكر جرار ، فمر على ~~طريق بني حبيش ، فغزا لحجا ، فأخذها ، وأقام بالرعارع أياما ، وعاد فافتقر ~~أهل اليمن إلى سلطان فوجدوا : سليمان بن شاهنشاه بن تقي الدين عمر بن ~~شاهنشاه بن أيوب وكان قد تجرد وخرج في زي الصوفية ، فوصل إلى اليمن ، وأهله ~~على هذه الحال ، فملكوه عليهم ، وأطلعوه حصن تعز ، وذلك في أواخر سنة إحدى ~~عشرة وستمائة ، وتزوج بأم الملك الناصر ، وكانت أموره ضعيفة . ذكر ملك ~~الملك المسعود صلاح الدين أتسر هو أقسيس بن السلطان الملك الكامل بن ~~السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب . PageV33P0095 # """""" صفحة رقم 96 """""" كان من خبر ملكه اليمن أنه لما اتصل خبر اليمن ~~بالسلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد ، وكان ينوب عن والده السلطان الملك ~~العادل بالديار المصرية ، جهز ابنه الملك المسعود المذكور إلى اليمن في سنة ~~إحدى عشرة وستمائة ، فرحل من بركة الجب ظاهر القاهرة في يوم الاثنين سابع ~~عشر شهر رمضان ، ومعه ألف فارس ، ومن الجاندارية والرماة خمسمائة ، فتوجه ~~إلى مكة شرفها الله تعالى ، وحج ، ثم توجه إلى اليمن ، فكان دخوله إلى زبيد ~~في مستهل المحرم سنة اثنتي عشرة وستمائة ، فملكها من غير قتال ، وندب قطعة ~~من العسكر لحصار تعز ، وكان سليمان قد تحصن بها ، ففتح الحصن في ثالث صفر ~~من السنة ، وقبض على سليمان ms7705 واعتقله ، ثم جهزه إلى الديار المصرية هو ~~وزوجته ، وتزوج الملك المسعود بنت جوزا وشغف بها ، وكانت صنعاء في يد ~~الإمام المنصور ، فخرج منها في شهر ربيع ، ودخلها الأتابك فليت بطائفة من ~~العسكر المسعودي في مستهل جمادى الأولى ، ونزل الإمام بموضع يسمى الليطة ، ~~وقامت الفتنة بينهما ، وكانت بينهم وبين عز الدين محمد - ولد الإمام - ~~وقائع كثيرة . ثم مات الإمام بكوكبان في المحرم سنة أربع عشرة وستمائة ، ~~فدفن ثم نقل إلى مشهده بظفار ، وتوفي الأتابك فليت بعده بصنعاء في شهر ربيع ~~الأول من السنة . ثم وقع الصلح بين الملك مسعود وبين عز الدين بن الإمام ~~على تسليم كوكبان ، فسلمه ، ولحق عز الدين ببلاده ، وتسلم الملك مسعود حصن ~~براش صنعاء في جمادى الآخرة ، وعاد إلى اليمن في شهر رجب ، وعاد إلى صنعاء ~~في شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة ، وعاد إلى اليمن في شهر ربيع الآخر ، ثم ~~عاد إلى صنعاء مرة ثالثة في شهر رمضان من السنة ، وعاد عنها ، ورجع إليها ~~مرة رابعة في شهر رجب سنة سبع عشرة ، فحط على حصن بكر ، وهو بيد عماد الدين ~~يحيى بن حمزة ، وبه من أولاد الإمام وأمهات أولاده طائفة ، فأقام عليه تسعة ~~أشهر ، وأنفق أموالا جليلة ، فجمع عز الدين جموعا كثيرة ، وقصد تهامة ، ~~فخالف عليه علم الدين سليمان بن موسى الحمزوي ، ووصل إلى محطة بكر ، فتلقاه ~~الملك المسعود وأكرمه ، وأعطاه العطايا الجليلة ، وجهز معه جيشا لحرب عز ~~الدين ، فكانت بينهما حروب عظيمة ، وتسلم الملك المسعود حصن بكر في شهر ~~ربيع الأول سنة ثماني عشرة وستمائة ، وسار إلى مكة لقتال الشريف حسن بن ~~قتادة ، فدخلها بالسيف في شهر ربيع الأول سنة تسع عشرة ، وعاد إلى اليمن ، ~~ثم فارق تعز في شهر رمضان سنة عشرين وستمائة ، وتوجه إلى الديار المصرية ~~لخدمة والده السلطان الملك الكامل ، واستناب باليمن الأمير PageV33P0096 # """""" صفحة رقم 97 """""" نور الدين عمر بن علي بن رسول ، وهو أتابك ~~عسكره ، ووصل إلى الديار المصرية في سنة إحدى وعشرين وستمائة كما ذكرنا ، ~~ولما فارق اليمن أقام مرغم ms7706 الصوفي فتنة في الحقل وبلاد زبيد ، فسار إليه ~~عسكر من جهة الأمير نور الدين النائب ، عليه راشد بن مظفر بن الهرش ، ~~فهزمهم مرغم ، وقتل راشد ، وذلك في سنة اثنتين وعشرين ، وكانت وقعة عصر بين ~~الأمير بدر الدين حسن بن علي بن رسول ، وهو مقطع صنعاء وأعمالها ، وبين عز ~~الدين بن الإمام بعد العصر في يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر رجب سنة ~~ثلاث وعشرين . ثم عاد الملك المسعود من الديار المصرية في سنة أربع وعشرين ~~وستمائة ، وقبض على بدر الدين حسن بن علي بن رسول وإخوته في سنة ست وعشرين ~~، وسيرهم مقيدين إلى مصر ، ثم توجه إلى الديار المصرية في سنة ست وعشرين ، ~~واستناب نور الدين عمر بن علي بن رسول ، فمات الملك بمكة شرفها الله تعالى ~~في ثالث عشر جمادى الأولى من السنة ، كما ذكرنا في أخبار والده الملك ~~الكامل . ثم كانت الدولة الرسولية . ذكر أخبار الدولة الرسولية ببلاد اليمن ~~أول من ملك منهم الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول بن هارون بن ~~أبي الفتح بن نوحي من ولد جبلة بن الأيهم كما زعموا ، وذلك أنه كان ينوب عن ~~الملك المسعود ، كما ذكرنا ، فلما مات بمكة استولى على زبيد والأعمال ~~التهامية في سنة ست وعشرين وستمائة ، وتلقب بالملك المنصور ، وتزوج زوجة ~~الملك المسعود ، وهي بنت جوزا ، وأقام بزبيد حتى قرر قواعدها ، وسار منها ~~إلى حصن تعز وتسلم التعكر في سنة سبع وعشرين ، ثم استولى في السنة على ~~الأعمال الصنعانية . فأقطعها ابن أخيه الأمير أسد الدين محمد بن بدر الدين ~~، وتسلم حصني بيت عز وحب في سنة ثمان وعشرين وستمائة . وفيها طلع إلى صنعاء ~~، وحصل الصلح بينه وبين الأمير شمس الدين بن الإمام ، وعمه عماد الدين يحيى ~~بن حمزة ، وعقدوا صلحا عاما بينهم ، وطلع المنصور صنعاء مرة أخرى في سنة ~~تسع وعشرين ، وتسلم حصني بكر وكوكبان ، وحصن براش ، واستولى على بلد علوان ~~بن عبد الله بن سعيد الجحدري وحصونه في سنة ثلاثين ، وتسلم حصون حجة ~~والمخلافة ، ومخلافيهما ms7707 في سنة أربع وثلاثين ، وهي من حصون الإمام ، ثم ~~أعادهما عليه ، وتم الصلح بينهما ، ثم طلع المنصور مرة ثالثة إلى صنعاء ~~PageV33P0097 # """""" صفحة رقم 98 """""" في سنة سبع وثلاثين ، وتسلم حصن الكميم ، ~~وأتاه وهو بصنعاء خبر مقتل نجم الدين بن أبي زكرى بحضرموت ، وتسلم جبل حفاش ~~، وهو من معاقل اليمن المشهورة في سنة إحدى وأربعين ، واستولى على جبال ~~العوادر وحصونهم في سنة خمس وأربعين ، وكانت بينه وبين الإمام أحمد بن ~~الحسين القاسمي الحسني في سنة ست وأربعين حروب وعاد إلى صنعاء في شهر رمضان ~~سنة ست وأربعين ، ورجع منها في شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين ، فلما ~~استقر بمستقر ملكه ، ونزل قصر الجند ، وثبت عليه جماعة من مماليكه فقتلوه ~~وذلك في سنة سبع وأربعين وستمائة باتفاق من أسد الدين محمد ، وفخر الدين ~~أبي بكر ولدي أخيه بدر الدين حسن ، وكان سبب ذلك أن أسد الدين استشعر من ~~عمه أنه يقصد أخذ صنعاء منه ، ويقطعها لابنه الملك المظفر يوسف ، فكره ذلك ~~، وباطن مماليك عمه ووعدهم ، وحسن لهم قتله ، فقتلوه ، وكان ملكا حازما ~~كريما سريع النهضة حسن السياسة . ومن جملة سياسته ودهائه أنه لما ملك اليمن ~~، جهز الملك الكامل إليه أسد الدين جفريل وصحبته ألفي فارس ، فلما اتصل به ~~ذلك كتب أجوبة عن كتب الأمراء الذين كانوا مع الأسد جفريل ، وتحيل في ~~وصولها إلى الأسد جفريل ، فلما ظفر بها وقرأها ظن أنها حقيقة ، وأن العسكر ~~قد فسدت نياتهم ، فرجع بالعسكر قبل وصوله إلى مكة ، والتحق بالمنصور من ~~العسكر الكاملي من أمراء الطبلخاناه ابن برطاس وفيروز . وملك بعد المنصور ~~ولده الملك : المظفر أبو المنصور شمس الدين يوسف وهو الثاني من ملوكهم ، ~~وذلك أنه لما قتل والده كان الملك المظفر بإقطاعه بالمهجم ، وكانت المماليك ~~المنصورية لما قتلوا الملك المنصور بالجند أقاموا الأمير فخر الدين أبا بكر ~~بن بدر الدين حسن بن علي ، ولقبوه بالملك المعظم ، وساروا به نحو تهامة ، ~~وكانت الشمسية ابنة الملك المنصور بزبيد وزمام دارها الطواشي تاج الدين بدر ~~الصغير في السجن ، فحين ms7708 بلغها قتل والدها أخرجت الخادم ، واستولت على ~~المدينة ، وحفظتها ، فجاء فخر الدين والمماليك ، فوجد المدينة قد حفظت ، ~~فنزل على باب المجرى . أما الملك المظفر فإنه لما بلغه قتل والده سار من ~~المهجم بمن معه ، وكان كلما مر بقوم من العرب استصحبهم معه ، فارسهم ~~وراجلهم ، حتى نزل بالأقواز ، فراسل مماليك والده ووعدهم ، وكان من جملة ~~رسالته لهم : " لا تجمعوا علينا بين قتل أبينا PageV33P0098 # """""" صفحة رقم 99 """""" وخروج الملك منا " فأجابوه ، ودخلوا على فخر ~~المعظم وهو في خيمته ، فكتفوه بطنب من أطناب الخيمة ، وساروا بأجمعهم إلى ~~ابن مولاهم الملك المظفر يوسف ، فقبض على فخر الدين ، ودخل زبيد في موكب ~~عظيم ، واستولى عليها وعلى الأعمال التهامية ، ثم سار في سنة ثمان وأربعين ~~إلى عدن فاستولى عليها وعلى لحج وأبين في صفر من السنة ، وطلع الجبال ، ~~فاستولى على بلد المعافر وحصونها في الشهر أيضا ، وحط على تعز ، وبه الخدام ~~والأمير علم الدين سنجر الشعبي في ربيع الأول ، وتسلمه في جمادى الأولى ، ~~وتسلم حصن حب ، وطلع صنعاء في ذي الحجة آخر السنة . وكان الأمير شمس الدين ~~بن الإمام اتفق هو والإمام أحمد بن الحسين وقصدا أسد الدين بصنعاء فأخرجاه ~~منها إلى حصن براش ، وقابلته عساكر الأشراف بالمدرج ، فكانت هناك وقائع ~~مشهورة ، فلما قرب السلطان من صنعاء ، خرج منها الإمام إلى سناع ، وترك ~~الحسن بن وهاس الحمزي رتبه في صفوة فقصده الأمير أسد الدين بعساكر المظفر ~~فأسره وطائفة من أصحابه ، وعاد الملك المظفر إلى اليمن فاستولى على حصن ~~التعكر سنة تسع وأربعين وستمائة ووصل الأمير بدر الدين حسن بن علي بن رسول ~~من الديار المصرية في سلخ المحرم سنة تسع ، فلقيه إلى حيس ، وقبض عليه ، ~~وحمله إلى حصن تعز ، فأودعه دار الأدب ، وبها ولده فخر الدين . ثم اتفق ~~الأمير أسد الدين هو والإمام أحمد بن الحسين في سنة خمسين ، ودخل أسد الدين ~~في طاعته ، وباع عليه حصن براش صنعاء بمائتي ألف درهم ، وسيره بعساكره ~~وعساكر من قبله عليهم الشريف هبة الله بن الفضل العلوي إلى ذمار ms7709 ، واستولى ~~الطواشي المظفري على حصن الدملوة وهو بيد بنت جوزا ، وكانت فيه هي وولداها ~~الفائز والمفضل ، وخدامها ، ومعها أربعمائة فارس ، وكان الملك المظفر قد ~~هادنها ، ورهن ولده الأشرف عندها ، ومعه مولاه الخادم ياقوت ، وكان خادما ~~حازما ، فغافل أهل الحصن ، ثم أمر من قال لها : " إن البقرة الفلانية ولدت ~~عجلا برأسين بالجوة " ، فنزلت لتنظر إلى ذلك ، فتسلم الحصن في تاسع عشر ذي ~~القعدة سنة خمسين ، وأوقد النار بأعلاه ، وكانت هذه إشارة بينه وبين مولاه ~~الملك المظفر ، فركب المظفر من فوره وطلع إلى الحصن ، وسير الطواشي تاج ~~الدين بدر إلى ذمار ، ففر عنها أسد الدين وهبة بن الفضل ، ثم عاد أسد الدين ~~إلى طاعة السلطان ، فأكرمه السلطان ، وأمده بالعساكر ، فعاد إلى صنعاء ، ~~فخرج منها الإمام ، وطلع الملك المظفر إلى صنعاء ، ثم عاد في شهر رجب سنة ~~إحدى وخمسين وستمائة ، واختلف الأمير شمس الدين الإمام وأصحابه ، فاستنصروا ~~بالمظفر ، وأمر أسد الدين بمساعدتهم ، PageV33P0099 # """""" صفحة رقم 100 """""" فخرج إليهم إلى البيون ، وتسلم المظفر حصن ~~براقش والزاهر ، وسار شمس الدين وأسد الدين إلى صعدة إلى الإمام ، فخرج ~~منها وترك بها السيد الحسن بن وهاش ، فدخلا عليه قهرا بالسيف فأسراه وعاد ~~أسد الدين إلى صنعاء وشمس الدين إلى الظاهر ، ثم اجتمعا وقصدا الإمام ~~بالظرف من بلد ابن شاور ، فالتقوا بحلملم فانكسر الإمام ، وقتل من عسكره ~~طائفة ، وأسر شمس الدين أحمد بن يحيى بن حمزة ، وكان بعسكره مع الإمام ، ~~وذلك في شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين . وجهز المظفر مبارز الدين بن برطاس ~~إلى مكة في شوال من السنة ، فجرت الوقعة المشهورة بينه وبين الشريف ابن أبي ~~نمي ، وإدريس بن قتادة ، فكانت الدائرة عليه ، فانهزم ، وقتل بعض عسكره ، ~~وأخذ ما كان معه . قال : " ولما ضعف الأمير شمس الدين بن الإمام عن مناوأة ~~الإمام أحمد بن الحسين قصد الملك المظفر بزبيد ، فأكرمه المظفر ، وأعطاه ~~أموالا جزيلة ، وأقطعه مدينة القحمة ، وذلك في شوال سنة اثنتين وخمسين ، ~~فعاد وسكن بصنعاء . ثم اختلف الزيدية على الإمام ، وطعنوا عليه في شيء من ~~سيرته ، وكان ms7710 بينهم اختلاف وحروب ، قتل فيها الإمام أحمد بن الحسين ، ووقع ~~الخلاف بين الملك المظفر وبين عمه أسد الدين ، فأخرجه من صنعاء ، فتوجه إلى ~~ظفار . ولما قتل الإمام أحمد بن الحسين طلع شمس الدين علي بن يحيى ، فحط ~~على الكميم بعسكره المظفر ، فتسلم المظفر حصن أشيح في ذي الحجة سنة ست ~~وخمسين ، وتسلم الكميم وهداد في سنة سبع ، وطلع نحو رداع ، فأخذ براش العرش ~~بالسيف ، وأسر منه ولد أسد الدين في جماعة كثيرة ، وقصد الملك المظفر صنعاء ~~ودخلها في المحرم سنة ثمان وخمسين ، وقد خرج منها أسد الدين ، فأقام المظفر ~~بصنعاء أياما ، ورتب بها جيشا ، وعاد إلى اليمن ، فجمع أسد الدين جيشا ، ~~وكانت له حروب مع عسكر صنعاء ، فجهز الملك المظفر الأمير علم الدين سنجر ~~الشعبي إلى صنعاء ، فارتحل أسد الدين ، ولحق ببلاد الأشراف ، ولم تقم له ~~بعد ذلك راية ، ثم حصل له ضرر شديد ، حتى باع ثيابه ، فاضطر إلى مكاتبة ~~المظفر وكتب إليه : " فإن كنت مأكولا فكن خير آكل وإلا فأدركني ولما أمزق " ~~PageV33P0100 # """""" صفحة رقم 101 """""" ثم سار إلى زبيد في شوال سنة ثمان وخمسين ، ~~فقبض عليه وعلى شمس الدين بن علي بن يحيى وأرسلهما إلى تعز ، واجتمع أسد ~~الدين بها بابنه وأخيه في حبس المظفر ، وكان أسد الدين في حبسه إلى أن مات ~~في ثالث عشر ذي الحجة سنة سبع وسبعين وستمائة . وفي سنة تسع وخمسين في رجب ~~تسلم الملك المظفر حصن براش صنعاء من الشريف أحمد بن محمد وعوضه عنه ~~بالمصنعة وعزان ببلاد حمير ، وبمال أعطاه إياه ، ثم استعادهما في سنة أربع ~~وستين ، وعوضه حصن اللحام ومال . وفي شوال سنة تسع وخمسين طلع الأمير علم ~~الدين سنجر الشعبي إلى صنعاء مقطعا لهما ، وفيها في شوال أيضا توجه الملك ~~المظفر لقصد الحج ، فحج ، وعاد في صفر سنة ستين . وفي سنة إحدى وستين ~~وستمائة تسلم المظفر حصن الجاهلي وحجه وسراة من الشريف أحمد بن قاسم ~~القاسمي بمال . وفي سنة اثنين وستين تسلم حصن مدع من بني وهيب ، وعوضهم حصن ~~بيت ms7711 أنعم ودراهم اشترطوها ، وفيها دخلت عساكره صعدة . وفي سنة ثلاث وستين ~~قبض على محمد بن الوشاح الشهابي ، وقبض على حصون بيت برام وصوايب ، وفيها ~~في شعبان تسلم حصن ذي مرمر وبعده الفص الكبير ، وفي جمادى الآخرة سنة أربع ~~وستين تسلم الشعبي حصن ونعان وهو للأمير شجاع الدين يحيى بن الحسن . وفيها ~~تسلم المظفر حصن الفص الصغير ، وفيها تسلم حصن بيت ردم وحصن اللحام ~~بالابتياع من الأشراف أولاد سليمان بن موسى . وفيها توجه بكتمر الغلاب ~~بعسكر المظفر لعمارة الزاهر في الجوف فقصده الأشراف الحمزيون ، فقتلوه في ~~بعض عسكره ، وانحاز من سلم إلى براش . وفيها تسلم الملك المظفر حصن مبين ~~بحجة وتسلم الموقر وحصونه والمخلافة من الشريف أحمد بن قاسم القاسمي ، ~~وأعطاه مالا جزيلا . وفي المحرم سنة ست وستين تسلم حصن العرايس وبلادها من ~~علوان الجحدري . وفي سنة سبع وستين تسلم حصن براش صعدة من عز الدين محمد بن ~~شمس الدين ، وكان في سجنه ، ففدى نفسه به . PageV33P0101 # """""" صفحة رقم 102 """""" وفيها كان بين جيوش المظفر وبين الأشراف ~~اختلاف وحروب استمرت إلى سنة اثنتين وسبعين ، ثم صالحهم واستقر كل منهم ~~ببلده . وفي سنة ثلاث وسبعين وستمائة كان باليمن قحط شديد ، ومات خلق كثير ~~، وأكل من عاش الميتة . وفي سنة أربع وسبعين توجه الأمير علم سنجر الشعبي ~~إلى مخلاف ذمار لقبض الحقوق ، وترك الأسدية بصنعاء مع ابن الغلاب ، ومعه ~~منهم رجل ، فوقع بينه وبين مملوكه المعروف بالداوي خصومة على شراب ، فقتله ~~الداوي ، فلما بلغ ذلك الأسدية استولوا على صنعاء ، وقبضوا ما وجدوه للشعبي ~~، وذلك في الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر ، وكاتبوا الأشراف بالوصول ~~إليهم ، فوصل إليهم الشريف علي بن عبد الله يوم السبت التاسع والعشرين ~~بسبعة آلاف رجل ، فسكن القصر ، وجاء الإمام والأمير صارم الدين داود ، وعز ~~الدين ، وسار الأشراف في خامس جمادى الأولى ، فأقاموا بصنعاء إلى نصف الشهر ~~، وخرجوا متوجهين نحو ذمار لقصد الشعبي ، وظنوا أن الملك المظفر لا يبادر ~~بالحضور ، فلما وصلوا جهران أتاهم الخبر بطلوعه ، فهموا بالرجوع واستقبحوه ~~، فانحازوا إلى ms7712 أفق ، وسار إليهم المظفر ، والتقوا في يوم الجمعة ثامن عشر ~~جمادى الأولى ، فانهزم الأشراف بعد قتال يسير وكان الإمام منحازا في الحصن ~~، فقبضت عليه العساكر ، وأحضر إلى المظفر ، فأكرمه وآنسه وأركبه بغلة ، ~~وكان يسايره حتى دخل حصن تعز ، ودعا الإمام المطهر إلى نفسه . ثم كانت بين ~~الأشراف وبين الأمير علم الدين الشعبي حروب ، وانتصر عليهم فيها ، فصالحوه ~~على تسليم الحصون الحضورية ، وتسليم ردمان ، وعلى خروج من فيها من الأشراف ~~. ذكر استيلاء المظفر على ظفار وحضرموت ومدينة شبام كان سبب ذلك أن شواني ~~سالم بن إدريس الحبوظي أغارت على ثغر عدن ، فعظم ذلك على المظفر ، ونزل إلى ~~ثغر عدن ، وجهز الجيوش في البر والبحر ، وسارت ثلاث قطع : قطعة في البحر ، ~~وهم معظم الرجالة ومعهم الأزواد ، وقطعة فيها أربعمائة فارس مع شمس الدين ~~أزدمر المظفري أستاذ الدار وطريقهم على الساحل PageV33P0102 # """""" صفحة رقم 103 """""" معارضين لسفنهم ، والقطعة الثالثة فيها ~~الشيخان عبد الله بن عمرو الجند ، وشهوان بن منصور العبيدي وهم مائتا فارس ~~من فرسان العرب وطريقهم حضرموت ، فالتقت العساكر الثلاثة قريبا من ظفار ، ~~وقصدوا سالما ، فلما قاربوا المدينة خرج إليهم سالم ، وصف لهم ، والتقوا ، ~~فأجلت المعركة عن قتله في جماعة كثيرة من عسكره ، وذلك في يوم السبت السابع ~~والعشرين من شهر رجب سنة ثمان وسبعين وستمائة ، ودخلت أعلام المظفر المدينة ~~في الثامن والعشرين ، ودخل شمس الدين أزدمر والعساكر في سلخ الشهر ، وخطب ~~للمظفر بها ، ورتب بها أزدمر سنقر البرنجلي ، والخادم ألتوزيري ، وعاد إلى ~~اليمن ، وتسلم حضرموت ومدينة شبام ، واستعاد المظفر حصن كوكبان من ~~الحواليين بحصن ردمان ، ومال يسير ، وذلك في شهر ربيع الأول سنة تسع وستين ~~وستمائة . وفي سنة اثنتين وثمانين وستمائة في الثامن عشر من شهر ربيع الآخر ~~سقط القصر بصنعاء على مقطعها الأمير علم الدين سنجر الشعبي ، فمات ومات معه ~~تحت الهدم الأمير علي بن حاتم وصهره محمد بن الجحافي وجماعة من مماليكه ~~وكتابه ، وأقطع الملك المظفر صنعاء لولده الملك الواثق نور الدين إبراهيم ، ~~فطلع إليها ، ودخلها في الثاني والعشرين من ms7713 شهر ربيع الأول سنة ثلاث ~~وثمانين ، وتسلم حصن براش صنعاء ، وقبض على الأمير سيف الدين بلبان ~~الدوادار العلمي ، واستمرت صنعاء في إقطاع الواثق إلى أن أخرجها الملك ~~المظفر عنه لولده الملك الأشرف في سنة ست وثمانين وستمائة ، ثم أقطعها هي ~~وأعمالها لولده الملك المؤيد هزبر الدين داود في سنة سبع وثمانين فدخلها في ~~رابع عشر ذي القعدة . وفي صفر سنة تسع وثمانين توفي الأمير صارم الدين داود ~~بن الإمام ، وكانت له فيما تقدم حروب وخلاف وطاعة للملك المظفر يطول بذكرها ~~الشرح ، وقام مقامه بعده ابن أخيه الأمير همام الدين سليمان بن القاسم ، ~~وملك حصون ظفار ، فقبض تلمص صعدة . وكان سبب استيلائه على ذلك أن الملك ~~المظفر نزل إلى زبيد ليختن أولاد أولاده ، ونزل بسبب ذلك الملك المؤيد ، ~~والشريف علي بن عبد الله ، والأمير PageV33P0103 # """""" صفحة رقم 104 """""" نجم الدين موسى بن أحمد بن الإمام ، فخلت تلك ~~النواحي منهم ، فاستولى على ذلك ، وكان بسبب ذلك حرب بين المؤيد والأشراف ، ~~انتصر فيها المؤيد ، واستولى على تنعم في سنة تسعين وستمائة ، وأخربها وعاد ~~إلى صنعاء وأقطع الملك المظفر ولده الملك الواثق ظفار الحبوظي ، فركب البحر ~~من عدن في سنة اثنتين وتسعين وستمائة . وفي السنة المذكورة خالف الأشراف ، ~~واجتمعت كلمتهم على الخلاف ، وكان بينهم وبين المؤيد بصنعاء حرب إلى سنة ~~أربع وتسعين ، فنزل المؤيد من صنعاء إلى اليمن ، وطلع الملك الأشرف إلى ~~صنعاء للصلح ، ودخل إليه الشريف علي بن عبد الله ، وانعقد الصلح العام ، ~~وذلك أول المحرم من السنة . ثم نزل الملك الأشرف من صنعاء إلى اليمن ، ~~فقلده والده الملك المظفر المملكة بإقليم اليمن جميعه ، وأسكنه حصن تعز ، ~~وأقام هو بثعبات ، وتوجه الملك المؤيد إلى جهة المشرق - الشحر وحضرموت - ~~وفي نفسه ما فيها من تخصيص الأشرف بالأمر ، وسارت معه عمته الشمسية . ذكر ~~وفاة الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر ، وملك ولده الأشرف كانت وفاته ~~آخر نهار الثلاثاء ثالث عشر شهر رمضان سنة أربع وتسعين وستمائة وهو ابن ~~أربع وسبعين سنة وثمانية أشهر وعشرة أيام ms7714 وعشر ساعات تقريبا ، ومدة ملكه ~~ستة وأربعون سنة وعشرة أشهر وأحد عشر يوما ، وكان ملكا جوادا كريما كثير ~~البذل للأموال في الحروب خاصة ، حسن السياسة ، وكان له من الأولاد خمسة ، ~~هم : الملك الأشرف ممهد الدين عمر ، والملك المؤيد هزبر الدين داود ، ~~والملك الواثق نور الدين إبراهيم ، والملك المسعود تاج الدين حسن ، والملك ~~المنصور زند الدين أيوب ، ولما مات ملك بعده ولده . الملك الأشرف ممهد ~~الدين عمر ولما اتصل خبر ملكه بأخيه الملك المؤيد أقبل من الشحر لطلب الملك ~~، ولما قرب من اليمن وصل إليه كتاب من أخيه الملك المنصور يحذره التقدم إلى ~~جهة اليمن ، وعرض عليه حصن السمدان ، وكان بيد المنصور ، ولم يقع بينه وبين ~~أخيه الأشرف اتفاق ، فمال إلى المؤيد ، ثم وصله كتاب الوزير موفق الدين علي ~~بن محمد PageV33P0104 # """""" صفحة رقم 105 """""" يخبره أن الملك الأشرف أرسل إليه نفرين من ~~الفداوية ، وأوصاه أن يحترز على نفسه ، فعند ذلك جهز حريمه وأثقاله إلى ~~السمدان ، وتوجه إلى عدن ، فاستولى عليها في مدة ثلاثة عشر يوما ، وكان ~~النائب بثغر عدن الأمير سيف الدين بن برطاس . ولما اتصل الخبر بالملك ~~الأشرف جهز ولده الملك الناصر جلال الدين في ثلاثمائة فارس ، وألحقه بجيوش ~~صنعاء منهم الأمير الشريف جمال الدين علي بن عبد الله الحمزي ، وولدا أزدمر ~~: نجم الدين وبدر الدين ، ومع المؤيد ولداه المظفر والظافر ، وعسكره الذي ~~وصل معه من الشحر ، وجماعة من الجحافل مقدمهم عمر بن سهل ، فالتقوا فيما ~~بين تعز وعدن بمكان يسمى الدعيس . وذلك في آخر المحرم سنة خمس وتسعين ، ~~فحمل المؤيد على جيش الأشرف ، فضعضعه ، ثم خذله الجحافل ، وتفرقوا عنه ، ~~وبقي في نفر يسير ، فتقدم إليه الملك الناصر جلال الدين بن الملك الأشرف ، ~~وألان له القول ، وأشار عليه في الدخول في الطاعة ، وحذره عاقبة المخالفة ، ~~فمال إلى ذلك ، ورجع إلى الطاعة ، فأراد الناصر أن يتوجه به إلى والده على ~~حالته ، فامتنع الشريف جمال الدين علي بن عبد الله الحمزي وقال : أمر هذا ~~الجيش إلي وقيد المؤيد ، وحمله إلى الملك الأشرف ms7715 ، ووصل إليه وهو بالجوه ، ~~وهو تحت حصن الدملوة ، فنقله إلى الحصن ، واعتقله ببعض القاعات ، فاستمر في ~~الاعتقال إلى أن مات الملك الأشرف ، وكانت وفاته لسبع خلون من المحرم سنة ~~ست وتسعين وستمائة والله أعلم . ذكر ملك الملك المؤيد هزبر الدين داود وهو ~~ابن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن ~~رسول . ملك في ليلة وفاة أخيه الملك الأشرف لسبع خلون من المحرم سنة ست ~~وتسعين وستمائة ، وذلك أنه لما مات الأشرف كان ولداه : الملك الناصر ~~بالقحمة ، والملك العادل صلاح الدين بصنعاء ، فنهضت عمته الشمسية في أمره ، ~~واستمالت الخدام ومن بالحصن ، فامتثلوا أمرها ، وحضر الخدام إلى الملك فظن ~~أنهم يقصدون قتله ، فأخبروه بوفاة أخيه الملك الأشرف ، وأخرجوه من الدار ~~التي هو معتقل بها إلى دار السلطنة ، فلما شاهد أخاه ميتا سكن روعه عند ذلك ~~، وأصبح الحراس ، فأعلنوا بالترحم على الملك الأشرف ، والدعاء والصياح ~~للملك المؤيد ، وكانت حاشية الملك المؤيد قد تفرقوا ، فأعلن المنادي من رأس ~~الحصن بجمعهم من تلك الليلة ، فاجتمعوا PageV33P0105 # """""" صفحة رقم 106 """""" من خادم ومملوك ، وغلام ، وحملوا في المكاتل ~~والحبال ، فلما وثق بمن اجتمع له من حاشيته وغلمانه أمر بفتح أبواب الحصن ، ~~فكان أول من صعد إلى الحصن ، الصاحب حسام الدين حسان بن محمد العمراني ، ~~وزير أخيه الملك الأشرف ، فاجتمع بالمؤيد ، وحلف له الأيمان المؤكدة ، ~~واستحلف له الأمراء والجند وأعيان الدولة ، وأمر بتجهيز الملك الأشرف وأخرج ~~من الحصن في تابوته ، وأمامه ولدا المؤيد المظفر والظافر ، وأعيان الدولة ، ~~ودفن بمدرسته التي أنشأها بمغرية تعز ، وأنشأ تاج الدين بن الموصلي ، في ~~ذلك اليوم الكتب عن المؤيد إلى بلاد التهايم ، وبلاد الجبال بأجمعها ، وإلى ~~جهة صنعاء والأشراف يعلمهم أمر سلطنة المؤيد ، فدخل الناس في الطاعة ، ~~وأتته كتب الأشراف ورسلها بالتهنئة بالملك ، وعقد الصلح ، وكانوا عقيب موت ~~الأشرف استولوا على عدة حصون وعلى صعدة فوقع الصلح ، وأعيدت الحصون . وكان ~~حصن الدملوة بيد الطواشي " فاخر الأشرفي " قد ولاه إياه الملك الأشرف ، ~~ونقل إليه ذخائره التي كانت بالتعكر ms7716 ، وأربعا من بناته ، فراسله الملك ~~المؤيد مرارا ، فامتنع فاخر من تسليم الحصن ، فجهز إليه المؤيد الأمير شمس ~~الدين الطنبا " أمير جاندار " بالعسكر ، فحاصروه ، فلم يتمكنوا منه ، ~~وامتنع الخادم من تسليمه إلا أن تصل إليه كتب أولاد مولاه الناصر والعادل ، ~~فكتب المؤيد إليهما في ذلك ، فكتبا إلى الخادم وأمراه بالتسليم ، فامتنع من ~~قبول الكتب ، وقال : لا أقبلها حتى يأتيني ثقتيهما ، فثقة الناصر خادمه مسك ~~، وثقة العادل أنيس ، فأرسل الملكان خادميهما إليه بالرسالة ، فاشترط فاخر ~~أن ينزل بجميع المال الذي طلع به من التعكر ، فأجابه المؤيد إلى ذلك ، فنزل ~~ببنات مولاه الأربع ، وبما كان عنده ، واقتسمه الورثة الأشرفية ، ولم يكن ~~فيه نقد غير الأقمشة النفيسة ، وتسلم نواب الملك المؤيد حصن الدملوة في ~~السنة المذكورة ، وزوج المؤيد ولديه الظافر والمظفر باثنتين من بنات عمهما ~~الأشرف ، واستمر الوزير حسام الدين بالوزارة ، وفي خاطر المؤيد منه ومن ~~أخوته ما فيه . ثم استوزر الصاحب موفق الدين علي بن محمد في جمادى الأولى ~~سنة ست وتسعين وستمائة ، وتمكن منه تمكنا عظيما ، وكان بين الملك المؤيد ~~وبين الفقيه رضي الدين محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمر اليحيوي صحبة متأكدة ~~، ومودة قديمة ، وكان من الصلحاء العلماء الفضلاء ، فكره وزارة أخيه ، فلم ~~يجتمع به منذ وزر . ثم قبض الملك المؤيد على جماعة من الأمراء ، وهم : نجم ~~الدين وبدر الدين ولدا أزدمر ، وابن الهكاري ، وقبض بعدهما على الطنبا أمير ~~جاندر ، ونقلهم إلى حصن الدملوة ، واعتقلهم بمكان يعرف بدار الأدب . ~~PageV33P0106 # """""" صفحة رقم 107 """""" ثم قبض على الوزراء العمرانيين : حسام الدين ~~حسان ، وأخوته ، لأمور بلغته عنهم ، وأحضرهم قبل القبض عليهم ، وقال لهم : ~~" أنتم قضاة القضاة وبأيديكم أموال الأيتام ودفاترها وحساب الأوقاف " . ~~فقالوا : " لا نعلم شيئا منها " ، فراجعهم مرارا ، فأصروا على الإنكار ، ~~فأمر بهجم منازلهم ، فوجد بها عدة صناديق فارغة ، فسئلوا عما كان فيها ، ~~فقالوا : أثاث ، ولم يقروا بشيء ، وأمر بهم إلى عدن ، وبني لهم سجن مفرد ~~على باب دار الولاية فحبسوا به ، وأمر بقبض أملاكهم لبيت المال . فقبضت ، ~~وكانت كثيرة . ذكر ms7717 وصول أولاد الملك الأشرف إلى عمهما الملك المؤيد ، ~~ونزولهما عما بأيديهما قال : ووصل الملك الناصر جلال الدين محمد ، وكان ~~مقطعا بالقحمة ، ثم وصل إليه أخوه الملك العادل صلاح الدين ، وكان بصنعاء ~~فأكرمهما ، وأحسن إليهما ، وعرض عليهما أن يستمرا على إقطاعيهما ، فاستعفيا ~~من الخدمة ، وقالا : " لا نحب الخدمة بعد أبينا ، ولكنا نكون في ظل أسياف ~~السلطان " وحلفا له على المناصحة ، وعدم المنازعة ، وحلف لهما على ما أرادا ~~، وتوثقوا بالعهود بواسطة الفقيه رضي الدين ، فعند ذلك عقد السلطان الألوية ~~لولديه المظفر والظافر ، وأقطع المظفر ضرغام الدين صنعاء ، والظافر عيسى ~~الفخرية والحازتين ، وتوجه المظفر إلى صنعاء في شهر رجب سنة ست وتسعين ، ~~واستعاد حصن ود من بني الحارث في شعبان بالمنجنيق . وتوجه الملك المؤيد إلى ~~زبيد في جمادى الآخرة من السنة ، ففرح به أهلها ، ثم رجع إلى تعز في شعبان ~~، وفي آخر السنة أخذ الحصون الحجية والمخلافية من الأمير الصارم إبراهيم بن ~~يوسف بن منصور وكانت في يده من سنة إحدى وتسعين وستمائة ، واشترط الصارم ~~شروطا منها : إقطاع موزع ونصف خيس والذمة الأكيدة والعفو عما جناه . ذكر ~~خلاف الملك المسعود تاج الدين الحسن ابن الملك المظفر على أخيه الملك ~~المؤيد قال : " ولما ولي الملك المؤيد كان أخوه الملك المسعود مقطعا ~~للأعمال السرددية من جهة أخيه الملك الأشرف ، فتألم أن أفضت السلطنة إلى ~~المؤيد ، فلما PageV33P0107 # """""" صفحة رقم 108 """""" استقر الصلح بين السلطان والأمير الصارم ~~إبراهيم بن يوسف ، وسأل الأمان على تسليم الحصون الحجية على ما تقدم ، سأل ~~أن يكون تسليمها إلى الملك المنصور زند الدين أيوب أخي المؤيد ، والقاضي ~~الوزير موفق الدين ، وأن يحضر معهما إلى الملك المؤيد ، فأمر الملك المؤيد ~~أخاه ووزيره بذلك ، فقيل للملك المسعود : إن ذلك أحبولة ومكيدة للقبض عليه ~~، وأخذ المهجم منه ، وكان طريقهما عليه ، فاستوحش من ذلك ، وكتب إلى أخيه ~~المؤيد يستعطفه ويترقق له ، ويقول : " إنه خائف ، ويسأله أن يكون هو الذي ~~يقبض الحصون الحجية ، وأنه لا فرق بينه وبين أخيه المنصور ، فأجابه الملك ~~المؤيد : أن إبراهيم لم يطلب ms7718 إلا صنونا الملك المنصور ، والوزير ، ولو طلبك ~~لفعلنا ، فاتركهما يمران الطريق ، ولا يكن لك إليهما سبيل اعتراض ، فلم يجب ~~إلى ذلك ، فكتب إليه ثانيا ذمة أنه باق على ما بينه وبينه ، وأن ليس القصد ~~في تجهيز العسكر إلا أخذ الحصون الحجية ، وإذا كرهت أن أخاك المنصور لا يصل ~~إلى المهجم أمرناه بطريق الحازة ، فلا يصل إليك ، وكتب إلى المنصور أن ~~يتوجه على طريق الحازة ، ففعل ذلك ، ولما صار المنصور بالفخرية حسن أتباع ~~الملك المسعود له الخروج ، فخرج وقصد المحالب ، وتم إلى حرض ، وأقام الفتنة ~~، وأما المنصور والوزير فطلعا إلى جهة حجة ، وقبضا الحصون الحجية . وجمع ~~المسعود العربان من كل ناحية ، وكان عقيد رأيه والمدبر لجيشه علي بن محمد ~~بن إبراهيم ، وكان مقدما بحرض في الدولة الأشرفية ، فلما اتصل خبره بالملك ~~المظفر جهز ولده الملك الظافر عيسى ، وكتب إلى المنصور والصاحب علي بن محمد ~~اليحيوي أن يكون مع ولده ، وفوض تدبير الحرب إليهما ، فتوجهوا إليه والتقوا ~~فيما بين حرض والمحالب ، فلم يكن للمسعود بهم طاقة ، وتفرق جمعه ، وقبض على ~~المسعود وولده أسد الإسلام في المحرم سنة سبع وتسعين وستمائة ، فلما أحضرا ~~إلى الملك المؤيد جعلهما في " دار الأدب " ، فكانا فيها دون السنة ، ثم ~~أطلقهما وأسكنهما حيس ، وقرر لهما ولغلمانهما جامكية . ذكر متجددات كانت في ~~شهور سنة سبع وتسعين وستمائة في شهر ربيع الأول منها قتل الأمير علم الدين ~~سليمان بن محمد بن سليمان بن موسى ، قتله عبيده بالوادي الحار . وفيها في ~~جمادى الآخرة توجه الملك المظفر من صنعاء إلى خدمة والده الملك المؤيد ~~متبرئا من الأعمال الصنعانية ، ثم عاد إليها في السنة المذكورة ، واستولى ~~على PageV33P0108 # """""" صفحة رقم 109 """""" حصن غراس ، وأخذه بالسيف ، ثم انتقل إلى حصن ~~إرياب فاستولى عليه بعد حرب ، وطلع إلى جهة صنعاء مقطعا لها . وفي جمادى ~~الآخرة وقع مطر شديد عظيم لم ير مثله عم القطر اليماني بكماله ، وحصل رعد ~~شديد ، وريح باردة ، وكان معظم ذلك بتهامة ، وأخرجت الريح سفنا - من ~~الأهواب وساحل الشرجة - بما فيها إلى البر ms7719 ، وكسرت بعضها ببعض ، وهدمت ~~حصونا شامخة ، واقتلعت أشجارا كبارا بأصولها . وفي يوم الاثنين ثاني عشر من ~~شهر رمضان من السنة توفي الشريف المطهر بن يحيى بن حمزة بحصنه بذروان . وفي ~~شعبان تجهز العسكر المؤيدي إلى جهة حجة ، وتقدمه الأمير بدر الدين محمد بن ~~عمر بن ميكائيل أستاذ الدار ، والفقيه شرف الدين أحمد بن علي بن الجنيد ~~ونزلا على " ابن الصليحي " بمبين ، وعلى عمر بن يوسف بظفر ، وأخذا منهما ~~الحصنين ، ونزلا على الذمة . وفي السنة المذكورة توجه الملك المؤيد إلى ~~البلاد العليا ، وذلك عند امتناع الأشراف من الصلح ، ودخل صنعاء لخمس مضين ~~من ذي القعدة ، وطلع إلى الظاهر عن طريق حدة في رابع عشر ذي الحجة ، واستقر ~~فيه بعسكره ، ثم سار نحو الميقاع بعساكره ، فقاتل عليه وعاد إلى منزلته ، ~~وأقام بالعسكر ثمانية عشر يوما ، وفي انتهائها دخلت عساكره صعدة مع جمال ~~الدين علي بن بهرام ، والأمير أسد الدين محمد بن أحمد بن عز الدين . وفي ~~يوم الخميس أول المحرم سنة ثمان وتسعين وستمائة نهض الملك المؤيد من محطته ~~" وهي منزلة العسكر " ، طالبا للظاهر لقطع الأعناب فوقف بها ثمانية أيام ، ~~ثم نهض منها إلى جهران ، فأقام بها ثمانية أيام ، وحط بالظاهر الأسفل ، ~~وسار نحو جبل ظفار ، فتأهب الأشراف للحرب ، وأخرب ما حوله من الأعناب ونهض ~~في يوم الاثنين ثالث صفر من محطته بالسبيع ، فبات عند الكولة ، ثم سار منها ~~وحط على الميقاع ، وهو إذ ذاك بيد الأمير جمال الدين علي بن عبد الله ، ~~ونصب المجانيق على الحصن ، وبه الأمير عماد الدين إدريس بن علي ، وتوالى ~~الزحف على الحصن ، ثم حصل الاتفاق ، وحضر الأمير عماد الدين علي إلى خدمة ~~الملك المؤيد ، فلما قرب من مخيمه ركب إليه وتلقاه وانعقد الصلح بينهم ، ~~وأخذ لأصحابه الأشراف ذمة سبعة أشهر ، ودخلت الأعلام المؤيدية الميقاع ، ~~لإظهار الطاعة ، وأنعم عليه المؤيد بالطبلخاناة والأموال والكساء والخلع ، ~~وأعاد عليه بلاده التي كانت بيده . PageV33P0109 # """""" صفحة رقم 110 """""" ثم توجه الملك المؤيد في يوم السبت أول شهر ~~ربيع الأول قاصدا صنعاء ، ولما ms7720 استقر بها وصل إليه الأمراء الأشراف ومشايخ ~~العربان ، وفي جملتهم الأمير أحمد بن علي بن موسى لتمام صلح الأشراف ، فتم ~~صلح الأشراف على تسليم نعمان واللحام وصعدة ، وقسمة بلاد مدع كما كانت في ~~زمن الملك المظفر ، ثم توجه إلى تعز وصحبته الأمير جمال الدين علي بن عبد ~~الله ، والأمير أحمد بن علي ، والأمير ابن وهاس ، وأمراء العرب ، ثم توجه ~~إلى زبيد في جمادى الآخرة ، وصحبته الأشراف والأمراء ، وطلع من زبيد في آخر ~~شعبان ، فلما كان عيد الفطر ودعه الأمير جمال الدين على السماط ، وتوجه إلى ~~البلاد العليا ، والذي حصل له من الإنعام من حين خرج من الميقاع إلى أن عاد ~~إلى بلاده ما يزيد على سبعين ألف دينار " الدينار : أربعة دراهم ، والدرهم ~~: عشرة قراريط " . وفي شوال من السنة توجه الملك المؤيد إلى عدن ، فأقام ~~إلى ثاني ذي الحجة وعيد عيد النحر بفور ، وعاد إلى تعز في آخر ذي الحجة سنة ~~ثمان وتسعين . وفي سنة تسع وتسعين وستمائة توفي الأمير جمال الدين علي بن ~~عبد الله المقدم الذكر ، وكان من أكابر الأشراف وأعيانهم ، ورؤسائهم ~~وصدورهم ، وقد ناف عمره على السبعين ، ولما مات أجمع أهله على تقديم ولده ~~الأمير عماد الدين إدريس ، وكاتب الملك المؤيد في ذلك ، فكوتب بأن يصل إلى ~~بابه فطلب ذمة ، فكتب إليه ، وحضر إلى الملك المؤيد في ذي القعدة ، والمؤيد ~~يومئذ بثعبات . فلما كان بعد عيد النحر تقررت الحال على أن يسلم الحصون ~~التي بيده - وهما الميقاع والعظيمة - فتسلمهما نواب الملك المؤيد في سنة ~~سبعمائة ، وأنعم على الشريف عماد الدين إدريس بعشرة أحمال طلبخاناة ، ~~وثمانية عشر ألف درهم ، وسنجقا وخلعا وملابس ومماليك وخيول وبغال ، وركب ~~معه الأمراء ، وأعطى القحمة . وفي سنة تسع وتسعين وستمائة حط الملك المظفر ~~على أشيح ، وأخذ حصن إرياب وغراس بالحقل قهرا ، فزينت صنعاء لذلك . وفي سنة ~~سبعمائة توجه الملك الظافر عيسى بن المؤيد مقطعا لصنعاء وأعمالها ، فدخل ~~صنعاء في العشر الأخر من شهر رمضان . وفي رابع عشر شهر رجب من السنة أخذ ~~الأمير صارم ms7721 الدين داود بن علي حصن الجميمة بجبال شظب والأمير علي بن أحمد ~~حصن العجرد بشظب بموافقة من فيها . PageV33P0110 # """""" صفحة رقم 111 """""" وفي سنة إحدى وسبعمائة خالف الأشراف ~~السلمانيون ، وقتلوا المقدم خطلبا ، وكان مقيما بالراحة ، فأخذوا من خيله ~~أربعين فرسا ، فرسم الملك المؤيد إلى الأمير عماد الدين إدريس بالتوجه إلى ~~الراحة ، وأضاف إليه عسكرا من الحلقة ، وأمر الأمير شهاب الدين أحمد بن ~~الخرتبرتي شاد تهامة ، وأمر متولي حرض بالمسير ، فسار العسكر ، بكماله ، ~~ودخلوا الراحة ، وأحرقت بلاد المفسدين ، وتتبعوهم إلى قريب اللؤلؤة ، ~~وسألوا الصلح ، وأعادوا الخيل التي أخذوها ، وتسلم نائب الملك المؤيد - وهو ~~الشريف علي بن سليمان - الراحة وبلادها ، وعاد العسكر . وفيها أوقع الأمير ~~سيف الدين طغريل - وهو مقطع لحج - بالجحافل والعجالم ، وقتل منهم ما ينيف ~~على أربعين رجلا ، واتفقت له وقعة أخرى بالدعيس ، فقتل منهم ما ينيف على ~~سبعين . ذكر ما وقع بين الأشراف من الاختلاف وما وقع بسبب ذلك من الحرب ~~والحصار وفي سنة إحدى وسبعمائة توجه الملك المؤيد إلى البلاد العليا ، ~~فأقام بالجند أياما ، وبالموسعة أياما ، وبصنعاء أياما ، ثم خرج منها إلى ~~الظاهر ، وطلع من نقيل عجيب ، والموجب لطلوعه ما جرى بين الأمير تاج الدين ~~محمد بن أحمد بن يحيى ، وبين الشيخ قاسم بن منصور الضربوه - صاحب ثلا - من ~~التشاجر على البلاد التي بينهما ، فأخرب كل منهما على الآخر بعض بلاده ، ~~وكان الشيخ ممن يحالف الملك المؤيد ، فاجتمع الأشراف إلى ظفار : منهم ~~الأمير همام الدين سليمان بن القاسم ، فسألهم تاج الدين القيام معه لمحاربة ~~صاحب ثلا ، فذكروا أنه حليف الملك ، ولا يمكن حربه إلا بمحاربة السلطان ، ~~ورأوا إخراب القنة ، وبعض ثغر ظفار من المصلحة ، وأن يرسلوا القاضي أحمد بن ~~محمد الذماري إلى الملك المؤيد ليتحقق رأيه ، فأرسلوه ، وعاد كل منهم إلى ~~بلاده . فأما الأمير موسى بن أحمد فإنه لما وصل إلى صعدة قبض بعض بلاد ~~الأمير سليمان بن القاسم ، وكتب إلى الأمير شرف الدين شكر بن علي يستدعيه ~~إلى صعدة ، فوصل إليه فأرسله إلى الملك المؤيد ، وسير معه ابنه ms7722 الأمير علم ~~الدين موسى ، وقبض منه رهينة ، فلما وصل إلى صنعاء ترك الرهينة في حصن ~~ذهبان عند الأمير محمد بن أحمد الحاتمي الهمداني ، ثم وصل إلى المؤيد وهو ~~على الحركة إلى البلاد العليا ، فأكرمه المؤيد ، وأنعم عليه ، سار معه إلى ~~الموسعة ، ومن هناك تقدم إلى صوب ابنه . PageV33P0111 # """""" صفحة رقم 112 """""" وأما الأمير تاج الدين فإنه تقدم إلى الجهات ~~الغربية ، وأوقد نار الحرب في بلاد الموقر والعارضة وما يليها من بلاد ~~السلطان ، ومال إليه بنو شاور ، وجماعة من قبائل العرب ودخل المؤيد صنعاء ، ~~وأقام بها أياما ، ثم سار إلى اليمن ، ولقيه الأمير نور الدين موسى بن أحمد ~~، والأمير عبد الله بن وهاس ، وطلع الملك المؤيد القنة من طريق جبل صبيح ، ~~وتسنم سعده القنة ، ونزل فيها بجميع عساكره ، وذلك يوم العيد ، وأشرف على ~~أخذ ظفار من الجهة التي تلي القاهرة من غربيها ، ولم يبق إلا أخذها ، وعاد ~~المؤيد إلى القنة ، وأقام بها ثمانية أيام ، وشرع في عمارتها ، وسماها ~~المنصورة ، وحصل للعسكر ضرر شديد ، لعدم الماء والطعام والعلف ، حتى بيعت ~~القربة بعشرة دراهم ، والزبدي الدقيق بعشرة دراهم ، فعند ذلك أمر السلطان ~~بضرب مخيمه بورور ، ورتب في القنة الأمير نجم الدين موسى بن أحمد ، ورتب في ~~تعز وهو الحصن المقدم الذي أخربه الأمير سليمان بن قاسم - الحسام بن مسعود ~~بن طاهر ، وأمر بعمارة الموضعين ، ونصب في تعز منجنيقين ترمي إلى ظفار وإلى ~~المدينة فأضرهم المنجنيق غاية الضرر ، وعيد الملك المؤيد عيد الأضحى في ~~محطة ورور . ثم طلع المؤيد إلى تعز ليشاهد العمارة ، ورمي المنجنيق ، فعلم ~~الأمير علم الدين سليمان بن قاسم صاحب ظفار أنه إن دام هذا الأمر أدى إلى ~~خراب بلاده فأعمل الحيلة ، وأخرج بني أخيه وجماعة من الأشراف إلى خارج درب ~~ظفار ومعهم وزيره علي بن دحروج ، وصاح بأعلى صوته أن الأمير والأشراف قصدهم ~~أن يخدموا السلطان ، وسؤالهم أن يشرف عليهم ، فأشرف عليهم فخدموا بأجمعهم ، ~~وقالوا : نحن غلمان السلطان ، وهذه المواضع مواضعه ، وأشار ابن دحروج أن ~~معه خطابا يفضي إلى المصلحة ، ويسأل ms7723 أن يرهن به الفقيه شرف الدين ، فأجيب ~~إلى ذلك ، ونزل الشيخ ابن دحروج ، واجتمع بالملك المؤيد بحضور القاضي ~~الوزير موفق الدين ، واستقر الأمر أن الأمير سليمان بن قاسم يبيع المؤيد ~~حصن تلمص بخمسين ألف دينار ، ويرهن بذلك ولدي أخيه محمدا وداود ، ووزيره ~~علي بن محمد بن دحروج ، وأن يخرب الملك المؤيد تعز المعمورة على ظفار ~~والقنة ، فأشار من حول الملك المؤيد عليه بذلك وقالوا : السلطان يملك صعدة ~~بغير شريك ، والرهائن توثقة لمن صدق ، فركن إلى ذلك ، وقبض الرهائن ، ونزل ~~الفقيه شرف الدين أحمد بن علي من ظفار ، وأطلع لهم المال المشروط ، وأرسل ~~الملك المؤيد الفقيه شرف الدين أحمد بن علي ( الجنيد ) بعسكر لقبض تلمص ، ~~وأرسل الشريف سليمان بن قاسم ثقة منه ، وتقدموا إلى جهة صعدة . ~~PageV33P0112 # """""" صفحة رقم 113 """""" وتوجه المؤيد من محطة ورور ، والرهائن صحبته ~~، وقصد صنعاء في يوم الجمعة نصف ذي الحجة ، فانتهى إلى جربان في يوم الأحد ~~سابع عشر الشهر ، فزحف العسكر في اليوم الثاني ، وقاتلوا قتالا عظيما وبلغ ~~الشفاليت باب الحصن ، ونزل للشفاليت الكسوة ، فأخرب أهل الحصن الحمولة وعاد ~~الشفاليت فوجدوها خرابا ، وكان قد تجمع إليه خلق كثير من همدان وغيرهم ، ~~ونصب الملك المؤيد المنجنيق ، وأقام ثمانية أيام على جربان ، ثم توجه إلى ~~صنعاء ، وتولى الحصار الأمير شمس الدين عباس بن محمد ، والأمير عماد الدين ~~إدريس والأمير محمد بن حاتم ، ومحمد بن أحمد بن عمرو ، ووصل المؤيد إلى ~~صنعاء في المحرم سنة اثنين وسبعمائة . وأما سليمان بن قاسم صاحب ظفار ، ~~فإنه لما نظر إلى المال عنده والخلع ، وقد أخربت القنة وتعز ، وارتفعت ~~عساكر السلطان عنها ، نوى الغدر ، وزهد في الرهائن ، فكتب إلى المقيم بتلمص ~~أن يسلم تلمص إلى الشريف أبي سلطان ، ففعل ذلك ، وكتب سليمان بن قاسم إلى ~~الملك المؤيد : أنه غلب على تلمص أبو سلطان ، وأنه قد صار في حرزه ، وانتقض ~~ما كان تقرر ، فأرسل المؤيد شكر بن علي إلى صاحب ظفار يطالبه بإعادة المال ~~، وأخذ الرهائن ، فغالظ في الجواب ، وبادر بعمارة تعز الذي كان أخربه ms7724 ، ~~وأكد بناءه ، وعاد الذين توجهوا ليتسلموا تلمص ، وتهدد السلطان صاحب ظفار ~~أنه إذا لم يعد المال أشهر رهائنه ، فلم يحتفل بالرهائن ، فتقدم المظفر ~~بإشهار ولديه ، وولد عمه ، ونعاه بالعيب ، كعادة العرب في الغادر بعد ~~الوفاء ، ولما نظر الشيخ علي بن محمد بن دحروج أن الشهرة لاحقته لا محالة ، ~~بذل للملك المؤيد الخدمة والنصيحة ، ووثقه من نفسه ، وأرسله صحبة سيف الدين ~~طغريل - بعد إقطاعه صنعاء ، وذلك في يوم الاثنين رابع عشر شهر ربيع الأول ~~سنة اثنتين وسبعمائة - بالعساكر إلى عمارة المنصورة وهي القنة ، وكان عند ~~الأشراف أن العسكر لا يطلع إليها ، ولا يعمرها فطلعها العسكر قهرا ، ~~وتسنموا القنة ، وعمرت المنصورة ، واستمرت العمارة بها ، واستمرت المحطة ~~بورور ، ولحق الناس قحط شديد ، بلغ الزيدي في ورور أربعة دنانير وأكثر من ~~ذلك ، فخلا كثير من أهل البلاد . فلما كان في أثناء شهر رجب تداعى الناس ~~إلى الصلح على رد المال المسلم في تلمص ، فردوا منه ستة عشر ألف دينار نقدا ~~، وحريرا وحليا بإثني عشر ألف دينار ، ورهنوا على ما بقي ولدي الأمير أحمد ~~بن قاسم وحصن المدارة على يد الأمير ابن وهاس إلى عشرة أيام في شوال والقنة ~~للسلطان . PageV33P0113 # """""" صفحة رقم 114 """""" ومالت قبائل المرقان وبنو أسد الصيد ، وبنو ~~حسن ومخلاف تلمص وبنو دحروج إلى جنب السلطان ، وما كان إليهم من مال وغيره ~~، وأخرجوا حريمهم من ظفار وسكنوا صنعاء ، وسلم الأمير تاج الدين الحدة وخرب ~~شريب ، ورهن ولده مع رهينة الأمير همام الدين سليمان بن القاسم ، وانعقد ~~الصلح بين الملك المؤيد وبين أصحاب ظفار وتاج الدين ، على أن المؤيد يحارب ~~تلمص ، ويعمل فيه ما شاء . وعاد الملك المؤيد إلى اليمن في الثامن عشر من ~~شعبان سنة اثنتين وسبعمائة ووصل تعز في غرة رمضان منها . وفيها توفي الملك ~~العادل صلاح الدين أبو بكر ابن الملك الأشرف بن الملك المظفر ، ودفن في أول ~~شهر رمضان في ضراس . وتوفي الأمير نجم الدين موسى بن شمس الدين بنواحي صعدة ~~. وفيها أمر الملك المؤيد بإنشاء مدرسة بمغربة تعز ، ووقفها ms7725 على طائفة ~~الشافعية ، ورتب بها مدرسا ومعيدا وعشرة من الطلبة ، ومتصدرا لإقراء ~~القراءات السبعة ، ومعلما يقرئ جماعة من الأيتام القرآن ، وإماما يصلي ~~بالناس الخمس ، ووقف بها خزانة كتب ، ونقل إليها كتبا كثيرة من كتب العلوم ~~والتفاسير . وفي سنة ثلاث وسبعمائة في العشرين من المحرم توفي الملك الظافر ~~قطب الدين عيسى بن الملك المؤيد بحصن تعز ، ودفن بمدرسة أبيه ، ورتب والده ~~قراء يقرأون القرآن على قبره ، وتألم والده عليه ، وأمر بذبح خيله الخواص ~~فذبحت ، وتصدق بلحمها حالة حمله إلى قبره ، وعملت له الأعزية في سائر ~~المملكة . وفيها توفي الأمير أبو سلطان المتولي على تلمص المتقدمة الذكر ، ~~فغلب المرتبون في الحصن عليه ، وباعوه من الأمير علي بن موسى بن شمس الدين ~~، فسار نحوه ، ونقل إليه الطعام ، ووقعت الحرب بين عسكر السلطان والأشراف ~~بسبب ذلك ، وذلك في النصف الأخير من شعبان ، ثم حصل الصلح ، وانعقدت الذمة ~~إلى سلخ ذي الحجة على إخلاء صعدة من الفئتين . وفي سنة أربع وسبعمائة أمر ~~الملك المؤيد بالقبض على الأمير أسد الدين محمد بن أحمد بن عز الدين ، ~~وولده ، والشريف شكر بن علي ، وسبب ذلك أنه بلغه مباطنتهم في صعدة وتلمص . ~~وفي ذي الحجة من السنة فارق الأمير سيف الدين طغريل الخزندار صنعاء وأقطعها ~~السلطان ولده الملك المظفر ، وأقطع طغريل الخزندار المذكور الأعمال ~~PageV33P0114 # """""" صفحة رقم 115 """""" الأبينية ، ونزل إليها في المحرم سنة خمس ~~وسبعمائة ، ثم فارق المظفر صنعاء في آخر شعبان من هذه السنة ، وتوجه إلى ~~أبيه ، فأقطعت الأمير سيف الدين طغريل المذكور ، وأقطع الأمير عماد الدين ~~إدريس بن علي الأعمال الأبينية ، وفيها تم الصلح بين الملك المؤيد والأشرف ~~، وقبض رهائنهم ، ورجع أهل مدينة صعدة إليها وسكنوها . وفي سنة سبع ~~وسبعمائة ملك الملك المؤيد حصن القرانع وهو مزاحم الطويلة بينهما رمية حجر ~~، وحصلت الحرب بين تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن حمزة وبين الأمير سيف ~~الدين طغريل مقطع صنعاء . وفيها في جمادى الأولى خالف ابن أصهب بأصاب وأخذ ~~حصن السانة بها ، وهو حصن منيع مرتفع ، فتوجه ms7726 الملك المؤيد إليه بعسكر ، ~~وحصره به ، فراجع ابن أصهب إلى الطاعة ، ونزل على الذمة هو وأولاده وحريمه ~~، واستعاد الحصن ومعه حصونا أخر ، ورجع إلى زبيد ، وأقيمت التهاني والأفراح ~~بسائر المملكة ، ومدحه الشعراء . ذكر إنشاء القصر المعقلي والمنتخب وفي سنة ~~ثمان وسبعمائة في النصف من صفر من عمارة القصر المسمى بالمعقلي بثعبات ، ~~وهو مجلس طوله خمسة وعشرون ذراعا في عرض عشرين ذراعا بسقفين مذهبين بغير ~~أعمدة بأربع مناظر بأربع رواشن ، وفيه طشتيات من رخام شكل حلزون ، وفي صدره ~~شبابيك تفتح على بستان ، وكذلك الرواشين وأمامه بركة طولها مائة ذراع ، ~~وعرضها خمسون ذراعا على حافتيها الأوز الصفر ترمى بالماء من أفواهها ، ~~ويقابل المجلس شاذروان بعيد المدى ينصب ماؤه إلى البركة ، ولما كمل أمر ~~الملك المؤيد بمجتمع حضره الأمراء والوزراء والفقهاء والأعيان والعامة من ~~أهل البلد ، وجلس الملك في الطبقة الثانية ينظر إلى الناس ، وخلع على ~~الأعيان وامتدحه الشعراء . وعند الفراغ من هذا القصر أمر ببناء قصر ثان ~~سماه المنتخب ، وبستان وفي السنة المذكورة توجه الملك المؤيد إلى زبيد في ~~رابع جمادى الأولى ، فأقام بها نصف PageV33P0115 # """""" صفحة رقم 116 """""" شهر ، وتوجه إلى المهجم ، فأقام به إلى تاسع ~~عشر شهر رجب ، وسار إلى جهة حجة ، ورجع منها في تاسع عشر شعبان ، ودخل ~~المهجم في الثالث والعشرين منه ، وخرج منه وعيد بزبيد . وفي السادس عشر من ~~شوال وصل الأمير تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن حمزة إلى الملك المؤيد ~~، ولم يطأ بساطه قبل ذلك ، وهو من أعيان الأشراف ورؤسائهم ، وله حصون منها ~~كحلان والطويلة وعدة حصون غيرهما ، فأكرمه المؤيد ، وأنعم عليه ، وتوجه به ~~إلى صوب البحر ، وركب الملك المؤيد فيلا ، وأردف الشريف تاج الدين خلفه ، ~~ودخل البحر فلجج الفيل بهما في الماء ، فبادر الفيال بأن ركب فيلة ، ودخل ~~البحر ، واتبع الفيل وأسرع حتى أدركه ، فلما شم الفيل رائحة الفيلة رجع ~~إليها ، ورجع الفيال بالفيلة أمامه ، واتبعه الفيل إلى البر ، وهذا دليل ~~على خفة وطيش ، وعدم ثبات وتغرير بالنفس ، وكانت سقطة من الملك المؤيد ms7727 ثم ~~عاد إلى زبيد ، ثم إلى تعز ، ودخلها في السابع والعشرين من ذي القعدة ~~والشريف تاج الدين معه ، وفرجه في قصور ثعبات . وفي سنة تسع وسبعمائة رسم ~~الملك المؤيد للأمير عماد الدين إدريس أن يتوجه إلى صوب الشرفين ~~لاستفتاحهما بعد أن استخدم له مذحج ، وأصحبه جماعة من العسكر فتوجه وطلع من ~~الطهرة إلى الشرف الأعلى ، واستولى على جبل سعد ببلد الجبر ، وحصن القاهرة ~~ببلد المحابسة ، وأخذها من أهل الشرفين ، وتوجه إلى الشرف الأسفل وحط ~~بقلحاح ، وتسلم في ذلك اليوم حصن القفل وكان يومئذ بيد ابن مقرعة مولى ~~الشريف إبراهيم بن قاسم ، ثم توجه إلى جبل الشاهل ، فاستولى على حصن أقتاب ~~وحصن الناصرة واستولى على الشرف الأسفل بكماله ، ولم يبق إلا حصن المسوكة ~~للأشراف أهل جبل حرام ، ومنهم عند الملك المؤيد محمد بن علي ، وأخوه يقصدان ~~بيع الحصن عليه ، فأخذه الأمير عماد الدين بمصالحة على ألفي دينار ، وكتب ~~إلى المؤيد بذلك فصادف وصول كتابه وقد عقد القاضي الصاحب موفق الدين مجلسا ~~لشراء الحصن من الشريف محمد بخمسة آلاف دينار وكساوى ، ولم يبق إلا وقوع ~~المعاقدة ، فقرأ الملك المؤيد الكتاب ، وأمر بنقض المجلس ، ثم تسلم الأمير ~~عماد الدين حصن المفتاح في سنة عشر ، وسلم جميع ذلك إلى غلام الدولة حسن بن ~~الطماح بن ناجي بحكم ما بيده من ولايتها من جهة الملك المؤيد . ~~PageV33P0116 # """""" صفحة رقم 117 """""" ذكر مقتل الأمير سيف الدين طغريل مقطع صنعاء ~~وفي سنة تسع وسبعمائة غدر الأكراد بالأمير سيف الدين طغريل الخزندار مقطع ~~صنعاء ، وقتلوه في يوم الاثنين سادس عشر شهر ربيع الآخر . وسبب ذلك أنهم ~~توهموا أنه يريد القبض عليهم ، وأتاه النذير بذلك في تلك الليلة ، فلم يعبأ ~~به ، فخرج الأكراد من المدينة ، وقصدوا عسكر صنعاء فعقروا خيلهم ، وتوجهوا ~~نحو القصر الذي به الأمير المذكور ، فاستولوا على إسطبله وحالوا بينه وبين ~~مراكبيه ، وسألوه الخروج إليهم على ذمة ، فامتنع ، فحصروه إلى أن طلعت ~~الشمس ، فخرج إليهم على ذمتهم ، فقتلوه ، وقتل معه صهره وهو أستاذ داره ، ~~وكاتبه ، ووالي ذمار ، ونقيبه ms7728 ، وأربعة من مماليكه ، فوصل عسكر صنعاء إلى ~~الملك المؤيد فعوضهم ما أخذه الأكراد ، وجرد الأمير شجاع الدين عمر بن ~~القاضي العماد أمير جاندارة ، والأمير شمس الدين عباس بن محمد إلى جهة ~~صنعاء من طريق تهامة ، فدخلا ذمار ، وانحازت الأكراد بجملتها إلى الوادي ~~الحار ، فقصدهم العسكر ، وقاتلوهم ثلاثة أيام ، وقتل من الأكراد ثلاثة نفر ~~، وأخذت خيلهم ، ثم تفرقت الأكراد في كل ناحية ، وعاد الأميران إلى ذمار ، ~~ثم حصر الأميران الأكراد بمصنعة عبيدة ثلاثة أشهر إلى نصف رمضان ، وأنفقت ~~أموال جليلة ، فلم تجد المحاصرة شيئا ، فتركا الحصار ، وسار الأمير عباس ~~بعسكر صنعاء إلى صنعاء ، واجتمع الأكراد إلى الإمام ابن المطهر ، وحالف بني ~~شهاب وأهل الحصون ، فقويت شوكته ، وقصد حصن ظفار ، فأخذه وحط في حدة ، ~~فقاتل من بصنعاء ، ووقعت حرب عظيمة على باب صنعاء ولم يكن فيها إلا الأمير ~~شمس الدين عباس في جمع قليل من عسكرها ، فثبت حتى وصلت إليه عساكر السلطان ~~، وابن المطهر مقيم في حدة ، وظهره بلاد بني شهاب ، فلما اتصل ذلك بالملك ~~المؤيد بادر بنفسه إلى صنعاء ، فدخلها في يوم الخميس الثالث والعشرين من ~~شوال ، ووجه ولده الملك المظفر إلى قاع بيت الناهم فنزل به يوم الاثنين ~~السادس من ذي القعدة ، واستولى على بيت خبص ، وانهزم ابن المطهر هو ومن معه ~~من الأكراد إلى حاقد ، ثم طلعوا إلى سبأ ، وأقام ابن المطهر بجبل رهقة ، ~~والأكراد في البروية ، ثم افترقوا فسار الأكراد نحو طوران ، وقد باطنوا ~~أصحابه ، وسار ابن مطهر نحو ذروان . PageV33P0117 # """""" صفحة رقم 118 """""" وفي سنة عشر وسبعمائة تسلم الأمير شمس الدين ~~عباس حصن عزان ، ونقل محطته نحو ظفار فحط بالطفة ، ونصب المنجنيق على حصن ~~تعز ، فرغب الأشراف في الصلح ، فوقع ، وعاد الملك المؤيد من صنعاء إلى تعز ~~في الخامس والعشرين من صفر سنة عشر وسبعمائة ، وأقطع صنعاء للأمير أسد ~~الدين محمد بن حسن بن نور ، وفي سنة تسع توفي الفقيه رضي الدين أبو بكر بن ~~محمد بن عمر صاحب الملك المؤيد ، وأخو وزيره ، وكانت وفاته بزبيد ، وفيها ~~توفي ms7729 الأمير تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن حمزة . وفي عشر وسبعمائة في ~~سابع عشر جمادى الآخرة دخل الأكراد في الطاعة ، وبذلوها من أنفسهم ، ورهنوا ~~رهائن وأعطوا حصن هران واستخدم من أراد الخدمة منهم . وفيها أقطع المؤيد ~~الأمير جمال الدين نور بن حسن بن نور الأعمال الصعدية والجوفية والجثة ~~بتهامة وعوض الإمام عماد الدين عن الجثة بالقحمة . وفي سنة إحدى عشرة ~~وسبعمائة توفي الملك الواثق نور الدين إبراهيم بن الملك المظفر يوسف بن عمر ~~، وكانت وفاته في آخر المحرم بظفار الحبوظي . وفي سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ~~، وفي شهر رجب احترقت دار المرتبة بتعز ، واحترق فيها أشياء كثيرة . وفيها ~~في يوم الأحد سادس ذي القعدة توفي الملك المظفر ولد الملك المؤيد بتعز ~~وأوصى قبل يوم وفاته ألا يصاح عليه ، ولا يشق عليه ثوب ، ولا يغطى نعشه إلا ~~بثوب قطن ، وأن يدفن في مقابر المسلمين ، وألا يعقر عليه شيء من خيله ، ~~فنفذت وصيته في جميع ذلك إلا الدفن ، فإنه دفن مع أخيه الظافر في المدرسة ~~المؤيدية ، وكان من جملة وصيته أن يعمل له في تربة المحاريب مدرسة ، وأن ~~يجرى لها الماء ، ويجرى الماء منها إلى حوض تحتها ، ففعل ذلك ، ورتب بها ~~جماعة من الطلبة . وفي ثالث ذي الحجة توفي الصاحب القاضي موفق الدين وزير ~~الملك المؤيد المقدم الذكر ، وكان مكينا عند السلطان كما تقدم . وفي السنة ~~المذكورة أمر الملك المؤيد بإنشاء قصر ظاهر الشبارق بزبيد في البستان الذي ~~أمر بإنشائه هنالك . قال : وصورة بنائه أن وضع به أيوان طوله خمسة وأربعون ~~ذراعا ، وفي صدره مقعد عرضه ستة أذرع ، وله دهليز متسع ، وفوق الدهليز قصر ~~بأربعة أواوين ، والجميع جملون ، وفيه المباني الغريبة المشرفة على البستان ~~المذكور من جميع نواحيه . PageV33P0118 # """""" صفحة رقم 119 """""" وفي سنة ثلاث عشرة وسبعمائة توجه الملك ~~المؤيد من تعز إلى الجند ، وكان قد رسم للأمير أسد الدين محمد بن نور أن ~~يخرج من ذمار ، وينازل حصن هران الذي هو بيد الأكراد ، وينصب عليه المنجنيق ~~، ففعل ذلك ، وقتل الأكراد بعض ms7730 المماليك وجماعة ، فأردفه الملك المؤيد ~~بالأمير شمس الدين عباس في خمسين فارسا غير عسكره الذين معه ، فراسل ~~الأكراد السلطان المذكور ، ما سبق لهم من الذمة ، فأبقى عليهم لشهامتهم ، ~~وأمر بحضور أعيانهم ، فحضر الأميران إبراهيم بن شكر ، والجلال بن أسد إلى ~~السلطان بالجند ، فاستقرت الحال بينهم على أن يسلموا هران ، وعادوا إلى ~~ذمار على عادتهم ، وذلك في مستهل شهر رجب من السنة ، وتوجه الملك المؤيد ~~إلى زبيد ، فدخلها في ثاني عشر شهر رجب . وفي سنة أربع عشرة توفي الأمير ~~عماد الدين إدريس المقدم ذكره . ذكر وصول الأمير علاء الدين كشتغدي إلى ~~خدمة السلطان الملك المؤيد وفي سنة خمس عشر وسبعمائة وصل الأمير علاء الدين ~~كشتغدي من الشام إلى خدمة الملك المؤيد باستدعاء من المؤيد ، وكان قبل ذلك ~~أستاذ دار الملك المظفر صاحب حماه ، وكان خبيرا باللعب بالجوارح ، فتقدم ~~عند الملك المؤيد تقدما عظيما ، ونادمه في خلواته ، ثم استنابه بعد ذلك ، ~~ورد إليه أمور دولته على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وفيها ولي القاضي ~~جمال الدين محمد بن الفقيه رضي الدين أبي بكر - الذي تقدم ذكر والده وعمه - ~~قضاء الأقضية وعمره عشرون سنة ، وكان الملك المؤيد يكرمه ويعظمه لحقوق أبيه ~~السالفة . فلما كان في سنة ست عشرة مرض الملك المؤيد مرضا خيف عليه فيه ~~التلف ، وأرجف الناس بموته ، فراسل القاضي المذكور الملك الناصر جلال الدين ~~بن الملك الأشرف بالأمور الباطنة ، وأشار عليه بنشر الدعوة ، وآيسه من عمه ~~، فلما اتصل بذلك المؤيد خرج من تعز إلى الجند ، وبه بقية التوعك ، فخاف ~~ابن أخيه الناصر من ذلك ، ولجأ إلى جبل يقال له السورق ، وهو جبل حصين ، ~~وحوله أناس من العربان ، وهو مطل على مدينة الجند ، فجهز له المؤيد العساكر ~~، ومقدمها الأمير جمال الدين بن نور ، فنزل الناصر بذمة ، وحضر إلى خدمة ~~عمه الملك المؤيد ، ووقع الصلح بينهم والاتفاق ، ويقال : إنه عرفه ما وصل ~~إليه من كتب القاضي ، فعزله عن القضاء ، واعتقله بحصن تعز ، وفوض القضاء ~~إلى القاضي رضي الدين أبي بكر بن أحمد ms7731 الأديب الشافعي . PageV33P0119 # """""" صفحة رقم 120 """""" وفي سنة سبع عشرة وسبعمائة ، وصل القاضي ~~الفاضل تاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد من دمشق إلى اليمن إلى خدمة ~~الملك المؤيد باستدعاء منه له ، وولاه كتابة إنشائه ، وأكرمه وقربه . وفيها ~~دخل عسكر المؤيد فللة وملكوها ، وضربت البشائر في سائر البلاد . وفي سنة ~~ثمان عشرة وسبعمائة وصل صفي الدين عبد الله بن عبد الرزاق الواسطي ، وهو من ~~جملة الكتاب ببلد حماة ، وباشر كتابة بيت المال بطرابلس الشام ، فلما استقر ~~علاء الدين كشتغدى في الخدمة المؤيدية نوه بذكره وشكره ، وأثنى عليه ، وذكر ~~معرفته ونهضته ، فاقتضى ذلك طلبه ، فطلب طلبا حثيثا وأنفق عليه إلى حين ~~وصوله من الذهب العين ألفي مثقال ، ولما وصل فوض إليه شاد الاستيفاء ، وحظي ~~عند المؤيد وانبسطت يده في الدواوين ، والمذكور زوج ابنة الأمير علاء الدين ~~كتشتغدي ، وتوجه المذكور في السنة المذكورة إلى عدن وحمل منها ثلاثمائة ألف ~~دينار ، وعاد بها والمؤيد بالجند فأكرمه وعظمه . وفي السنة المذكورة رتب ~~الأمير علاء الدين كشتغدي الجيش اليمني على قاعدة الجيوش المصرية ، وجعل له ~~حاجبا للميمنة ، وحاجبا للميسرة ، ورتب خلف السلطان إذا ركب العصايب ~~والجمدارية والطبردارية ، فركب المؤيد بهذا الزي . وفي سنة تسع عشر ~~وسبعمائة فوض الملك المؤيد للأمير علاء الدين كشتغدي نيابة السلطنة ~~وأتابكية العسكر ، وتقدم عنده تقدما لم يسمع بمثله ، وقرئ منشوره بأيوان ~~الراحة ، وكان يوما مشهودا ، ووقع بينه وبين صهره صفي الدين منافسة ظاهرا ، ~~وباطنا ، ثم كانت وفاة كشتغدي في سنة عشرين وسبعمائة . وفي سنة عشرين ~~وسبعمائة حصلت مرافعات من الكتاب على صفي الدين ، وحاققه الكتاب بمجلس ~~الملك المؤيد ، ونسبوا إليه أنه أخذ جملة من المال ، ولم يظهر عليه أثر ذلك ~~، فعزله المؤيد عن شد الاستيفاء ، وفوض ذلك إلى الأمير جمال الدين يوسف بن ~~يعقوب بن الجواد . PageV33P0120 # """""" صفحة رقم 121 """""" وفيها وصل القاضي محيي الدين يحيى بن القاضي ~~سراج الدين عبد اللطيف التكريتي الكارمي من الديار المصرية على طريق مكة ، ~~واجتمع بالملك المؤيد ، وقدم له جملة من الزمرد واللآلئ ، وتقدم عنده تقدما ms7732 ~~كثيرا ، وأحله محل الوزارة ، وفوض إليه الوكالة ، وصرفه في عدن تصرفا عاما ~~تاما مطلقا ، وأعطاه من ماله - على حكم المتجر - مائة ألف دينار ، وأطلق له ~~من عدن خمسين ألف دينار ، وتوجه إلى عدن ، وعاد منها في سنة إحدى وعشرين ، ~~وحصل بينه وبين صفي الدين مرافعات بمجلس السلطان ، ولم ينتصر أحدهما على ~~الآخر ، وركب السلطان ومحيي الدين في يوم العيد في موضع الوزارة ، وركب ~~بالطرحة على عادة وزراء مصر . ذكر وفاة الملك المؤيد هزبر الدين داود كانت ~~وفاته رحمه الله تعالى في نصف الليلة المسفرة عن يوم الثلاثاء مستهل ذي ~~الحجة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة ، وكان قد هم بالنزول من تعز إلى زبيد على ~~عادته ، فنزل قصر الشجرة ، وحصل له وجع ، فأقام بالقصر عشرة أيام ، ومات ~~وغسل بدار العدل أسفل الحصن ، ودفن بمدرسته التي أنشأها بمغربة تعز وكانت ~~مدة ملكه خمسا وعشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوما . وكان ملكا حازما ~~فاضلا محبا للعلوم مقربا لأهلها يستميلهم إليه حيث كانوا ، ويرغب فيهم ، ~~ويرغبهم فيما عنده ، ويكرم من وفد عليه من الديار المصرية وغيرها ، وكان ~~محبا لجمع الكتب والتحف ، جمع من مصنفات العالم على اختلافها وتباينها ما ~~ينيف على مائة ألف مجلدة ، وحملت إليه الكتب والتحف من كل جهة ، وكان عنده ~~مع ذلك زيادة على عشرة نساخ ينسخون الكتب ، وترفع إلى خزانته بعد مقابلتها ~~وتحريرها ، رحمه الله تعالى . وملك بعده ابنه سيف الإسلام . ذكر ملك الملك ~~المجاهد سيف الإسلام علي ابن الملك المؤيد هزبر داود بن الملك المنصور عمر ~~ابن علي بن رسول وخلعه من الملك ملك بعد وفاة والده رحمه الله تعالى ، ~~وعمره يوم ذاك خمس عشرة سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما ، فإن مولده في ~~ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ست وسبعمائة . PageV33P0121 # """""" صفحة رقم 122 """""" وكان سبب ملكه أنه لما مات والده نزل الأمير ~~جمال الدين يوسف بن يعقوب بن الجواد - وكان الملك المؤيد قد فوض إليه ~~الأستادارية والأتابكية ، ونيابة السلطنة - فتوجه إلى الشجرة حفظا للجهات ~~السلطانية ، ومعه جماعة من ms7733 العسكر وأعيان الأمراء ، وثبت ثباتا حسنا في تلك ~~الليلة وحفظ نظام السلطنة ، وضرب بركا على الشجرة . وكان الملك المجاهد عصر ~~تلك الليلة قد تقدم إلى الحصن ودخله ، فكاتب الأمراء والأعيان ، ورغبهم ~~فرغبوا إليه ، وصعدوا إلى خدمته ، وتم له نظام السلطنة ، فلما استقر في ~~الملك عزل الأمير جمال الدين ، وفوض النيابة والأتابكية إلى الأمير شجاع ~~الدين عمر بن يوسف بن منصور ، وكان شاد الدواوين ، وكتب له منشور وقرئ في ~~دار الضيف ، وفي ذلك اليوم عقد لولدي أخيه المفضل والفائز الألوية ، ورفع ~~لهم الطبلخاناة ، وقرئ منشور شجاع الدين بحضورهما ، فتغيرت قلوب الأمراء ~~والجند من تلك الساعة ، وحصل بينه وبين ابن عمه الملك الناصر مراسلة اقتضت ~~أيمانا وعهودا ، فأرسل إليه من جهته الطواشي صلاح الدين ، والفقيه وجيه ~~الدين عبد الرحمن معلمه ، فحلف الناصر اليمن المغلظة . ولما تمكن شجاع ~~الدين من الملك المجاهد ، حسن له أشياء منها أن يقبض على الناصر ، وسعى ~~شجاع الدين في خلاص المعتقلين بمعقل الدملوة ، وكان فيه الأميران نجم الدين ~~وبدر الدين ولدا أزدمر المظفري ، وشمس الدين الطنبا أمير جندار والشريفان ~~داود وأخوه ، ولدا الشريف قاسم بن حمزة ، ونجم الدين أحمد بن أيدمر ~~الخزندار الفارس المظفري ، وكانت لهم مدة طويلة ، ومنها أن يغير مماليك ~~أبيه ، ويستجد له عسكرا ، وكان هو والفقيه عبد الرحمن مدبري دولته ، وفوض ~~قضاء الأقضية للفقيه عبد الرحمن المذكور ، فأرسل شجاع الدين جماعة رايتهم ~~الشيخ عيسى بن الحريري ناظر المخلاف ، وبدر الدين محمد بن الصليحي ، والشيخ ~~أحمد بن عمران رأس مذحج ، للقبض على الناصر ، فلما علم بذلك لجأ إلى تربة ~~الفقيه عمر بن سعيد بذي عقيب من أعمال جبلة ، فأحاطوا به ، وأخذوه من ~~التربة ، ودخلوا به تعز ، ثم نقل إلى عدن . ونزل الملك المجاهد من الحصن في ~~ثالث المحرم إلى الشجرة ، فلبث بها إلى مستهل شهر ربيع الأول ، ثم تقدم إلى ~~الجند فلبث بها أياما ، ثم توجه إلى الدملوة ، فدخلها وخرج منها ، ولم يعط ~~أحدا مما جرت به العادة إلا قليلا ممن يختص به ، ومنع الملوك من ms7734 الدخول إلى ~~المنصورة ، فتغيرت قلوب الناس عليه ، ولما نزل من الدملوة توجه إلى ثعبات ، ~~وعزم على أخذ حصن السمدان من عمه الملك المنصور . PageV33P0122 # """""" صفحة رقم 123 """""" فلما علم الأمراء البحرية وأكابر الدولة ما ~~أضمره شجاع الدين لهم ، بادر جماعة منهم في النصف الأخير من جمادى الآخرة ، ~~فقتلوا شجاع الدين المذكور في داره بالمحاريب هو وقاضيه الفقيه عبد الرحمن ~~، ثم قبضوا على الملك المجاهد وهو بثعبات ، ونهبت تلك الليلة دور كثيرة ~~بالمغربة والمحاريب . ذكر ملك الملك المنصور زند الدين أيوب بن الملك ~~المظفر يوسف بن الملك المنصور عمر بن علي ابن رسول ، وخلعه قال : ولما قبض ~~الأمراء والعسكر على الملك المجاهد بادروا إلى عمه الملك المنصور وملكوه ، ~~وحلفوا له ، وصعد إلى الحصن ، وبذل الأموال ، وأنفق في العساكر وصرف في مدة ~~سلطنته سبعمائة ألف دينار خارجا عن التشاريف ، وكاتبه الأشراف ، وهنئوه ، ~~فبعث إلى كل شريف منهم ما جرت العادة به ، وفوض نيابة السلطنة إلى الأمير ~~شجاع الدين عمر بن علاء الشهابي فأقام أياما ، ثم حصل بينه وبين الأمراء ~~البحرية منافرة أوجبت أن استبدل به الأمير جمال الدين يوسف بن يعقوب بن ~~الجواد المقدم ذكره ، وفوض إليه أمر بابه بكماله . قال : وفي ليلة جلوس ~~الملك المنصور أرسل إلى الملك الناصر جلال الدين ابن أخيه الملك الأشرف ~~يطالبه ، فلما وصل إلى الجند تلقاه بالطبلخاناة ، وأقطعه المهجم ، وعقد ~~أيضا للأمير بدر الدين حسن بن الأسد الألوية ، ورفع له الطبلخاناة وأقطعه ~~صعدة وما والاها ، وعقد للأمير نجم الدين أحمد بن أزدمر الألوية ، ورفع له ~~الطبلخاناة ، وأقطعه حرض ، وعقد لولديه الملك الكامل تامور الدين ، والملك ~~الواثق شمس الدين الألوية ، ورفع لهما الطبلخاناة وعين لهما الإقطاعات ، ~~وأرسل ولده الملك الظاهر أسد الدين عبد الله إلى حصني الدملوة والمنصورة ، ~~وفي خدمته الشيخ افتخار الدين ياقوت العزيزي فتسلم الحصنين . ذكر عود الملك ~~المجاهد إلى الملك والقبض على عمه الملك المنصور ووفاته وكان الملك المنصور ~~لما ملك أبقى على حاشية أخيه الملك المؤيد ، ولم يغير أحدا منهم ، وكان ~~منهم من يميل ms7735 إلى الملك المجاهد ولد مخدومهم ، فتقدم بعض غلمان المجاهد إلى ~~بلاد العريبين ، واتفق هو وجماعة منهم مقدمهم بشر الذهابي ، PageV33P0123 # """""" صفحة رقم 124 """""" وكانوا عاملوا شخصا يقال له صالح بن القواس ~~على طلوع الحصن من ورائه باتفاق جماعة من عبيد الشراب خاناة وكانوا مؤيديه ~~، فوصل العرب إلى المكان الذي تقرر طلوعهم منه ، وكان بينهم وبين العبيد ~~إشارة ، فلما علم العبيد بهم أرسلوا لهم الحبال التي أعدوها للطلوع ، فطلع ~~الحصن أربعون رجلا ، وباتوا تلك الليلة في الشراب خاناة ، وهي الليلة ~~السادسة من شهر رمضان ، فلما نزل الطواشي شهاب الدين موفق الخادم بمفاتيح ~~أبواب الحصن خرجوا عليه فضربوه بالسيوف وأخذوا منه المفاتيح ، ودخلوا على ~~الملك المنصور ، وطلع العرب بظاهر البيوت ، ونادوا باسم المجاهد ، فترامى ~~العرب المنصورية من الحصن ، وقاتل شمس الدين الطنبا والي الحصن قتالا عظيما ~~، فقتل . ولما علم الناصر بهذه الحادثة ركب في جماعة من العسكر إلى أسفل ~~الحصن ، فلم يتهيأ لهم ما أرادوا ، وقام سواد البلد على الناصر ، ونادوا ~~بشعار المجاهد ، وحمل الناس إلى المجاهد بالحبال ، وملك الحصن ثانيا ، ~~واستولى على ما فيه ، وقبض على عمه المنصور ، فلم يزل في اعتقاله إلى أن ~~مات في المحرم سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ، ودفن بمدرسة أبيه المظفر . ولما ~~ملك المجاهد ثانيا حلف للمماليك أبيه ، وكتب لهم ذراعة بالأمان والوفاء ، ~~وجمع ملوك بني رسول كلهم عنده تحت الاحتياط ما خلا ولدي الواثق ، فإنه لم ~~يعثر عليهما ، واستناب في السلطنة الأمير جمال الدين نور ، وكان شديد ~~الكراهية له ، وطلب من عمه الملك المنصور أن يكتب إلى ولده الملك الظاهر ~~بتسليم الدملوة ، فكتب إليه كتابا شافيا ، فامتنع الظاهر من تسليمها ، ~~فأرسل إليه عسكرا مقدمه الأمير شجاع الدين عمر بن علاء الدين والشيخ أحمد ~~بن عمران الغياتي ، والشيخ عمران بن أبي بكر المغلسي ، فخامر جماعة من ~~الأشعوب علىالظاهر مقدمهم ، ومكنوا عسكر المجاهد من طريق يفضي بهم إلى ~~الصلي ، وحاصروا حصن المنصورة ، وحصل بينهم وبين عسكر الظاهر زحوف كثيرة ، ~~ولم ينالوا من الحصن شيئا ، فرجعوا وتركوا أكثر أثقالهم وخيامهم ms7736 ، فخرج ~~أصحاب الظاهر من المنصورة ، فانتهبوا ذلك . وفي آخر سنة اثنتين وعشرين اختل ~~أمر المخلاف ، وخرج عن السلطنة ، وثار به مشايخ العربان والقبائل ، وملكوا ~~أملاك الملوك ، ونهبوا جبلة ، وأخذوا جميع ما فيها حتى حصر المسجد الجامع ، ~~وخالف بنو فيروز وعسكر الدروب ، واتسعت دائرة الخلاف . PageV33P0124 # """""" صفحة رقم 125 """""" وفي سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة التحق جماعة من ~~الجند إلى الملك الظاهر ، وجماعة من عرب ذمار ، فأكرمهم ، وصاروا يغيرون ~~على أطراف بلاد الملك المجاهد ، وسار جماعة من المماليك إليه ، ووصل إليه ~~الأمير غياث الدين محمد بن يحيى بن منصور الشبابي ، فأكرمه ، وكاتب الأمير ~~بدر الدين حسن بن الأسد والي ذمار ، فأجابه . وكان في جملة المماليك ~~البحرية جماعة يكاتبون الظاهر ، ويميلون إليه ، منهم : الأمير عز الدين ~~أيبك الدوادار المؤيدي فجيش الأمير بدر الدين حسن بن الأسد ، وجمع وحشد ، ~~ودخل إلى الجند قاصدا حصار تعز ، وأمده الظاهر بأموال جمة من الذهب والفضة ~~، فخرج إليه العسكر المجاهدي ، ومقدمهم إبراهيم بن شكر ، وكان قد نزل إلى ~~المجاهد من بلاده لما عاد الملك إليه ، ومعهم الفائز قطب الدين بن أخي ~~المجاهد ، فلما تراءى الجمعان نكس جماعة من المماليك والجند رماحهم ، ~~والتحقوا بعسكر الظاهر ، وصار العسكر بكماله ظاهريا ، وعاد الفائز من ليلته ~~بمساعدة إبراهيم بن شكر ، وحصل بين ابن شكر وبين الأمير بدر الدين حسن بن ~~الأسد أيمان وعهود ، وأجمع العسكر على دخول تعز ، ولاقاهم الأمير غياث ~~الدين بن الشبابي من ناحية الدملوة ، وضربت الخيام بمزارع عدنية ، وأقامت ~~المحطة سبعة أيام ، وكان أهل تعز في أشد ما يكون من التعب من قوة الحصار ، ~~ثم التحق جماعة من العسكر بالمجاهد ، فارتفعت المحطة . ثم اضطربت أحوال ~~المجاهد واختلفت آراء من حوله ، فأشار عليه بعض من عنده - ويقال إنه ابن ~~شكر - بالقبض على الأمراء البحرية والمماليك ، وكان المحرض له عبد الرحمن ~~المعروف بابن العنقاء ، وهجموا عليه سحرا ، فنجا بعضهم ، وقبض على جماعة ~~كثيرة ، ونهبت منازلهم ، وشنق بعضهم ، والتحق من هرب بالظاهر وانضموا إليه ~~، فلما تحقق نفورهم عن المجاهد ، ووثق بمناصحتهم ، وكان منهم ms7737 الأمير بهاء ~~الدين بهادر الصقري ، أرسلهم الظاهر إلى الخوخية ، وكان للظاهر بها محطة ~~تبلغ مائتي فارس ، وكانوا بين إقدام وإحجام ، فلما انتهوا إليهم ، وكان ~~الحاث لهم على النزول ، والمتدرك لهم بالبلاد بهادر الصقري فنزلوا إلى ~~تهامة ، ودخلوا السلامة ، وتوجهوا إلى حيس ، ثم توجهوا إلى زبيد ، فلما ~~صاروا بالقرتب اختلفت آراؤهم ، فهم جماعة منهم بالتوجه إلى جهة أخرى ، وهم ~~آخرون بالرجوع إلى الظاهر ، ثم جمعهم الصقري ، وثبتهم ، وتوجه هو وجماعة من ~~المماليك إلى زبيد ، وكان بها الأمير بدر الدين محمد بن طرنطاي ، وأمر ~~البلد إليه ، فكاتبه الصقري ، فلم يعد إليه جوابا ، وأصر على حفظ البلد . ~~PageV33P0125 # """""" صفحة رقم 126 """""" وكان أهل زبيد يرغبون في الصقري ، ويميلون ~~إليه لتقدم ولايته عليهم في الأيام المؤيدية ، ووقع بين أهل زبيد اختلاف ~~على قتيل ، فخرج جماعة من عوارين البلد إلى الصقري والعسكر بكماله قد نزل ~~بستان الراحة بباب الشبارق ، فتكفلوا للعسكر أنهم يطلعون رجالهم بالحبال ، ~~فبادر عسكر الظاهر إلى ذلك ودخلوا البلد في مستهل شهر رجب سنة ثلاث وعشرين ~~وقت الظهر ، ونهبت بيوت مخصوصة منسوبة إلى المجاهد : كدور بني النقاش ، ومن ~~والاهم ، وكان بها جملة من الطعام ، وظفر الصقري بآلات وتحف للمجاهد منها : ~~حياصتان مرصعتان بالجواهر النفيسة ، وكانت للملك المؤيد ، وسرموزه مرصعة ~~بالجوهر يقال أنها كانت لبنت جوزا ، أخذها المجاهد من الدملوه حال طلوعه ، ~~فأحضرها الصقري إلى الظاهر ، واستولى الظاهر على زبيد والبلاد التهامية . ~~وقامت دعوته بها ، وضربت السكة باسمه ، وخطب له في التهايم كلها ، وسكن ~~عسكر الظاهر بكماله زبيد . ولما اتصل ذلك بالمجاهد جهز عسكره ، وقدم عليهم ~~الأمير نجم الدين أحمد بن أزدمر : وابن العماد ، والزعيم بن الافتخار ، ~~وكانوا يزيدون على ثلاثمائة فارس ، وأربعمائة راجل ، ومقدم الرجالة أخو ~~الورد بن الشبيلي ، ولما دخلوا إلى السلامة نهبوا أكثر بيوتها ، وساروا إلى ~~جهة زبيد ، فخرج إليهم جماعة من العسكر وأقام الصقري بالبلد ، فالتقوا ~~بالمنصورة ، فانهزم عسكر المجاهد ، وقتل منهم خلق كثير ، وأخذ العلم والحمل ~~الذي كان مع ابن أزدمر وأسروه ، ودخل رديفا خلف الشريف صارم الدين داود ms7738 بن ~~قاسم بن حمزة ، وقتل أخو الورد بن الشبيلي ، وابن العماد ، وتفرق العسكر ، ~~واستأمن منهم جماعة ، وقوي الظاهر بذلك . وكانت عدن بيد الملك المجاهد ، ~~وواليها ابن النقاش ، فوقع بينه وبين الأمير شجاع الدين عمر بن بلبان ~~العلمي منافرة ، فكتب إلى المجاهد يشكو منه ، فظفر بعض PageV33P0126 # """""" صفحة رقم 127 """""" غلمان الظاهر بإنسان وصل من عدن ومعه كتب ~~فقتله ، وأخذ كتبه ، وأحضرها إلى الظاهر ، فوجد في جملتها جوابا لابن ~~النقاش ، وفيه فصول تتعلق بالأمير شجاع الدين المذكور وإخوته لا ترضى ، ~~وكان قبل ذلك قد توجه شجاع الدين إلى المجاهد بمال ، وصحبته جماعة من ~~الجحافل ، فلم يقابلهم المجاهد بما جرت به العادة ، فنفروا ، ونفر شجاع ~~الدين معهم ، وانضم إلى ذلك أن المجاهد طلب من شجاع الدين أن يقرضه سبعين ~~ألف دينار فرفض فزاد نفوره مع مشاحنة ابن النقاش . فلما وقف الظاهر على ~~الكتاب أرسل به إلى الأمير شجاع الدين ، فلما وقف عليه أعلن أنه ظاهري ، ~~وتوجه من ساعته ، وحاصر عدن ، فأقام عليها عشرين ليلة ، ثم افتتحها في ~~الثامن والعشرين من شعبان سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة برجال أدخلهم ، وتحيلوا ~~على فتح الباب ، ودخلوا البلد دخولا صعبا ، نهبت فيه أكثر البيوت الخصوصية ~~، وعاث الجحافل في البلد ، وقبضوا على ابن النقاش ، ونهبوا داره ، واستقر ~~الثغر للأمير نجم الدين يوسف بن علي الصليحي ، وهو رجل شهم من بيت الزعامة ~~والرئاسة ، واستقرت المملكة كلها بيد الظاهر ونوابه ، ولم يبق مع الملك ~~المجاهد غير حصن تعز ، وهو يبذل لأهل صبر في كل شهر جملة من المال ، خوفا ~~منهم أن يقطعوا عنه الماء ويحاصروه . وفي سنة أربع وعشرين وسبعمائة ثار ~~الزعيم ابن الافتخار ببلاد المحالب ، وتوجه إليه البحرية من قبل الظاهر ، ~~وكسروه كسرة شنيعة ، وقتلوا من أصحابه جماعة . وفي السنة المذكورة عقد ~~الظاهر للأمير بهاء الدين بهادر الصقري الألوية ورفعت إليه الطبلخاناة ، ~~ودخل زبيد دخولا لم يعهد مثله ، وعامله الظاهر بأتم إحسان ، وهو مع ذلك " ~~يسر حسوا في ارتغاء " . وفي السنة المذكورة خالف أهل صبر على المجاهد ، ~~وقطعوا المياه عنه ms7739 ، وضعف حاله ، وشعث أهل المغربة وعدنية بين أهل صبر ~~والمجاهد فجهز الظاهر الأمراء البحرية ومقدمهم الأمير نجم الدين محمد بن ~~طرنطاي ، ووافاه الأمير شجاع الدين عمر بن بلبان الداودار العلمي من عدن ، ~~فحطوا على الحصن وحاصروه . وكان غياث الدين بن بوز من خواص أصحاب المجاهد ~~قد فوض إليه أمر أستاذ داريته ، وأتابكية عسكره ، فلما حوصر المجاهد ~~استأذنه غياث الدين في اللحاق بهم ، PageV33P0127 # """""" صفحة رقم 128 """""" وقال : إنه إذا وصل إليهم تحيل على استمالتهم ~~إليه ، فإن مالوا إليه ، وإلا تحيل أن يسقي ابن الدوادار السم ، فأذن له : ~~فلما التحق بهم قالوا له : لا نقبلك ونتحقق نصحك إلا إذا نصبت المنجنيق على ~~تعز ، ورميتها به ، وبالغت بالنصيحة للملك الظاهر ، فراسل المجاهد في ذلك ، ~~وقال له : إنهم لا يرضون مني إلا أن أرميك بالمنجنيق ، فأذن له في ذلك ، ~~فنصب عليه المنجنيق ورموه بها ، وأزالوا ما بتعز من المناظر والمنازل . قال ~~القاضي تاج الدين : فأخبرني المحقق للحال ، أن الذي وصل إلى الحصن من ~~الحجارة المنحوتة أربعة آلاف حجر ، وحصل قتل كثير ، وخربت تعز خرابا لا ~~يتدارك ، وخلت أكثر بيوتها ، واستمر الحصار إلى ذي الحجة سنة أربع وعشرين ~~وسبعمائة . ولما اشتد الحصار على المجاهد ، ورأى تألب الناس عليه ، وخروج ~~البلاد عنه ، راسل السلطان الملك الناصر في ذلك ، واستغاث به ، وتضرع إلى ~~مراحمه ، والتزم تحمل الأموال ، والتحف والنفقة في العساكر ، فوصلت رسله ~~إلى الأبواب السلطانية وذلك في سنة خمس وعشرين كما تقدم ، فكان من تجهيز ~~العساكر المصرية ما نذكره إن شاء الله تعالى . قال : واتفق أن الأشراف ~~كانوا قد استولوا على صنعاء بعد وفاة الملك المؤيد عندما وقع الاختلاف بين ~~الملكين باليمن ، فلما علموا أن الصقري ومن معه من المماليك استولوا على ~~زبيد وبلاد تهامة ، وأنهم مظهرون الطاعة للملك الظاهر بن الملك المنصور ، ~~مخالفون على المجاهد ، وأنهم استقلوا بأموال البلاد لا يحملون منها إلى ~~الظاهر شيئا ، تحرك الأشراف عند ذلك ، ونزلوا في جمع كبير يقال إن عدتهم ~~كانت خمسمائة فارس وكثير من الرجال ، وراسلوا الأمير بهاء ms7740 الدين بهادر ~~الصقري أن يعطيهم نصف بلاد تهامة ، فقال : لا جواب لكم عندنا إلا السيف ، ~~فوقعت الحرب بينهم على وادي سهام من عمل الكدراء ، فكانت الدائرة على ~~المماليك ، وأسر الأشراف جماعة من أعيانهم ، فعند ذلك اضطربت المحطة الذين ~~كانوا يحاصرون المجاهد بتعز ، وفارقوا الحصار ، وتوجهوا لإنجاد أصحابهم ، ~~وأظهر الأشراف عند ذلك الانتصار للمجاهد . وكان الحامل لهم على ذلك ولدا ~~المظفر أخي المجاهد ، وهما : الملك المفضل شمس الدين يوسف ، والملك الفائز ~~قطب الدين أبو بكر ، فإنهما التمسا من الأشراف نصرة عمهما الملك المجاهد . ~~PageV33P0128 # """""" صفحة رقم 129 """""" ولما حصل من الأشراف ما حصل رجع المماليك ~~البحرية - الصقري وغيره ، وغياث بن نور - إلى خدمة الملك المجاهد ، ورجعت ~~زبيد وتهامة إليه . هذا ما أورده المولى تاج الدين في تاريخه ، وبعضه ~~شافهني به ، فلنرجع إلى سياقة أخبار الدولة الناصرية لسنة خمس وعشرين ~~وسبعمائة ، وما بعدها . ذكر تجريد طائفة من العساكر المنصورة إلى البلاد ~~اليمنية وما كان من خبرها إلى أن عادت قد ذكرنا وصول رسل الملك المجاهد سيف ~~الإسلام علي بن الملك المؤيد هزبر الدين داود إلى الأبواب السلطانية ~~الملكية الناصرية يستغيث به ، ويستنجده لتفريج ما به من الكرب ، وإعادة ما ~~أخذ من بلاده إليه ، فبرزت المراسيم الشريفة السلطانية في يوم الاثنين ~~الخامس من صفر سنة خمس وعشرين وسبعمائة بتجريد طائفة من العساكر المنصورة ~~لإنجاده ، فجرد لذلك من نذكر من الأمراء والمماليك السلطانية ، ورجال ~~الحلقة ، وأجناد الأمراء ، وهم : الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب ، كان وهو ~~مقدم العسكر ، وصحبته من طلبة خمسين خمسون فارسا ، ومن المماليك السلطانية ~~سبعة عشر فارسا ومن الأجناد والأمراء ثلاث وسبعين فارسا ، ومضافيه ومن ~~أمراء الطبلخاناة خمسة وهم : الأمير سيف الدين أقول الحاجب ، وصحبته اثنين ~~وخمسين فارسا من طلبة عشرين ، ومن المماليك السلطانية عشر ، ومن أجناد ~~الأمراء اثنين وعشرين . والأمير سيف الدين قجماز بنخاص وصحبة ثمانية ~~وأربعين فارسا من طلبه عشرين ، ومن المماليك السلطانية عشرة ، ومن أجناد ~~الأمراء ثمانية عشر . والأمير سيف الدين بلبان الصرخدي ، وصحبة ثلاثة ~~وخمسين فارسا من طلبة خمسة ms7741 وعشرين ، ومن المماليك السلطانية عشرة ، ومن ~~أجناد الأمراء ثمانية عشر . والأمير سيف الدين بكتمر العلائي أستاذ الدار ، ~~كان ، وصحبة خمسة وخمسين فارسا من طلبة خمسة وعشرين ، ومن المماليك ~~السلطانية عشرة ، ومن أجناد الأمراء عشرين . والأمير سيف الدين ألجاي ~~الساقي الناصري ، وصحبته ثلاثة وخمسون فارسا من طلبة خمسة وعشرين ، ومن ~~المماليك السلطانية عشرة ، ومن أجناد الأمراء ثمانية عشر . ومن أمراء ~~العشرات الأمير عز الدين أيدمر الكوندكي ، وثلاثة من أصحابه . PageV33P0129 # """""" صفحة رقم 130 """""" والأمير شمس الدين إبراهيم التركماني كذلك ، ~~ومن مقدمي الحلقة المنصورة خمسة ، وهم : سيف الدين ككتمر بن كراي الظاهري ، ~~ومضافية ثلاثين فارسا . علاء الدين علي بن أميرك الدوادار ، ومن مضافية ~~ثلاثة وثلاثين . عز الدين أيدمر الحسامي ، ومن مضافية اثنين وثلاثين ، بهاء ~~الدين بكمش الحسامي ومضافية كذلك ، عز الدين أزدمر السيفي ، ومن مضافية ~~تسعة وعشرين . هذه التقدمة الأولى . والتقدمة الثانية : الأمير سيف الدين ~~طينال حاجب الميسرة ، وهو أحد مقدمي الألوف ، وصحبته من طلبة أربعين فارسا ~~، من المماليك السلطانية ، خمسة عشر فارسا ، ومن أجناد الأمراء اثنين ~~وأربعين فارسا ، ومضافيه من أمراء الطبلخاناة خمسة ، وهم : الأمير سيف ~~الدين ططقر العفيفي الناصري وصحبة أربعة وخمسين فارسا من طلبة خمسة وعشرين ~~فارسا ، ومن المماليك السلطانية تسعة نفر ، ومن أجناد الأمراء عشرين ، ~~والأمير سيف الدين كوكاي طاز وصحبة تسعة وأربعين فارسا من طلبة عشرين فارسا ~~، ومن المماليك السلطانية تسعة ، ومن أجناد الأمراء عشرين فارسا ، والأمير ~~علاء الدين علي ابن الأمير سيف الدين طغريل الإتقاني وصحبته كذلك ، والأمير ~~عز الدين أيبك الكوندكي ، وصحبة ستة وأربعين فارسا من طلبة عشرين فارسا ، ~~ومن المماليك السلطانية ثمانية ، ومن أجناد الأمراء ثمانية عشر ، والأمير ~~سيف الدين جرباش أمير علم ، وصحبة أحد وأربعين فارسا من طلبة خمسة عشر ، ~~ومن المماليك السلطانية تسعة ، ومن أجناد الأمراء سبعة عشر ، ومن أمراء ~~العشرات : الأمير سيف الدين بلبان الدواداري ، وثلاثة من أصحابه ، والأمير ~~حسام الدين طرنطاي الإسماعيلي كذلك . ومن مقدمي الحلقة المنصورة خمسة ، وهم ~~: سيف الدين سوندك الجاشنكير ، ومن مضافية ثلاثين فارسا بدر الدين بيليك ~~أمير ms7742 آخور ، ومن مضافية تسعة وعشرين : سيف الدين طاجار الفخري ، ومن مضافيه ~~كذلك شمس الدين سنقر الشمسي ، ومن مضافية ثمانية وعشرين سيف الدين أسندمر ~~السيفي ، ومن مضافية كذلك . PageV33P0130 # """""" صفحة رقم 131 """""" فكانت عدة هذا العسكر ألف فارس وخمسة وسبعين ~~فارسا ، ومن أمراء الطبلخاناة اثني عشرة ، عدتهم ثلاثمائة ، وخمسة من أمراء ~~العشرات ممن عدتهم ستة عشر ، ومن المماليك السلطانية مائة وستة وعشرين ، ~~ومن مقدمي الحلقة المنصورة ومضافيهم ثلاثمائة ومن أجناد الأمراء ثلاثمائة ~~وستة ، فتجهز هذا العسكر أحسن جهاز وأجمله ، وجهز السلطان - خلد الله ملكه ~~- معهم خزانة مال ، ورسم لمقدم الجيش الأمير ركن الدين المذكور أن ينفق ~~المال لمن نفق له فرس ، أو تنبل له جمل ، وجهز صحبة المقدم المذكور عدة ~~تشاريف لملك اليمن ، وأمراء الحجاز ، وغيرهم من العربان . قال : وكان بروز ~~هذا العسكر من القاهرة المحروسة في يوم الخميس خامس شهر ربيع الآخر من ~~السنة المذكورة ، ورحل أوائل العسكر من بركة الجب بظاهر القاهرة المحروسة ~~في يوم الاثنين التاسع من الشهر ، وتكامل رحيله في يوم الأربعاء حادي عشر ، ~~واستمر بهم السير إلى أن وصلوا إلى مكة - شرفها الله تعالى - معتمرين في ~~السادس والعشرين من جمادى الأولى ، وأقاموا بمكة عشرة أيام ، وكتب الأمير ~~ركن الدين مقدم العسكر الأمانات ، وسيرها أمامه إلى العربان ، وإلى أهل حلي ~~بني يعقوب ، وإلى الأشراف بالمخلاف السليماني ، وضمنها ما برزت به الأوامر ~~السلطانية من الوصية بمن تمر العساكر عليه منهم ، وعدم التعرض إلى أموالهم ~~وغلالهم ، والإحسان إليهم ، فاستقرت خواطرهم بذلك ، ولم ينفروا من العسكر . ~~وحضر الرسل إلى مقدم العسكر وهو بمكة ، وسألوه أن يكتب إلى الملك المجاهد ~~كتابا يخبره فيه بوصول العسكر ، فكتب إليه ، وجهز الكتاب على يد بعض رفقتهم ~~إليه في البحر ، ورحل العسكر من مكة - شرفها الله تعالى - في السادس من ~~جمادى الآخرة ، وفي صحبته الأمير السيد الشريف سيف الدين عطيفة أمير مكة ، ~~والأمير الشريف ناصر الدين عقيل أمير ينبع ، وتأخر الأمير عز الدين رميثة ~~عن الحضور ، حتى حلف له مقدم العسكر وأمنه ، فلحق بالعسكر المنصور في ms7743 ~~الخامس والعشرين من الشهر في أثناء الطريق ، ووصل العسكر إلى حلي بن يعقوب ~~في سادس عشر الشهر ، وأقام العسكر به يومين للراحة والاستراحة ، ورحل في ~~تاسع عشر PageV33P0131 # """""" صفحة رقم 132 """""" الشهر ، ونزل جعل ، وتعرف بعمق وهو أول بلاد ~~المين ، ووصل إلى حرض في التاسع والعشرين من جمادى الآخرة ، وهي أول بلد ~~يجبى خراجه لملك اليمن ، وهي خاص الملك ، وعند الوصول إليها أشهر مقدم ~~العسكر النداء بالعدل ، وألا يتعرض أحد للرعية ، ورحل منها ووصل إلى ~~المحالب في ثالث شهر رجب . ووصل جواب الملك المجاهد إلى مقدم العسكر بهذه ~~المنزلة ، وظهر من فحوى جوابه ما دل على أنه سقط في يده ، وندم على طلب ~~العسكر ، وخاف على نفسه ، فأعيد جوابه صحبة جمال الدين عبد الله الدواداري ~~البريدي بما يسكن خاطره ، ويطيب نفسه ، وكان الحصار قد ارتفع عن الملك ~~المجاهد لما بلغهم إقبال العسكر ، وأطاعه جماعة ممن كان خالفه ، وخرج عليه ~~كما تقدم ، وقبض المجاهد عند ذلك على ابن عمه جلال الدين بن الملك الأشرف ~~وابن طرنطاي وحضر إلى مدينة زبيد ، ليتلقى العسكر ، فلما قرب العسكر من ~~زبيد قويت إشاعة أن الملك المجاهد عزم على ألا يتلقى العسكر ، وأن يعود إلى ~~تعز ، ووصل العسكر إلى بلد تسمى فشال في ثامن رجب ، فأرسل مقدم العسكر إلى ~~المجاهد ملطفا كان على يده من جهة السلطان يخبره فيه بما رسم فيه باطنا ~~وأرسله على يد الأميرين : عز الدين أيدمر الكوندكي ، وحسام الدين طرنطاي ~~الإسماعيلي ، وهما من أمراء العشرات ، فتوجها إليه ، وعرفاه أن يقف على ~~الملطف ، ويكتم ما تضمنه ، وإذا وصل المثال السلطاني ، وقرئ في المجلس ~~العام تقابل الأوامر فيه بالسمع والطاعة . ثم وصل العسكر إلى زبيد في يوم ~~الأحد عاشر رجب الفرد ، وخرج الملك المجاهد للقائه ، فتلقاه بالقرب من ~~أسوار البلد ، وألبسه مقدم العسكر التشريف السلطاني ، وعاد المجاهد ~~والعساكر في خدمته إلى داره ، وترجل مقدم الجيش والأمراء في خدمته حسب ما ~~أمرهم السلطان ، ومشوا حتى انتهوا إلى الإيوان الذي يمد فيه الإخوان ، ~~فعضده الأمير ركن الدين ms7744 بيبرس عند نزوله عن فرسه ، وبذلك كله كان السلطان ~~أمره عند توجهه ، وقرئ عليه المثال السلطاني ، في المجلس العام بعد أن قبل ~~الملك المجاهد الأرض عند رؤية المثال ، ومد المجاهد للعسكر إخوانا . وتحدث ~~مقدم العسكر مع الملك المجاهد في إرسال رسول إلى الملك الظاهر بقلعة ~~الدملوة بالمثال السلطاني إليه ، فوافق على ذلك ، ثم كرهه بعد الموافقة ، ~~فجهز PageV33P0132 # """""" صفحة رقم 133 """""" إلى الظاهر عز الدين الكوندكي ، وحسام الدين ~~طرنطاي الإسماعيلي ، فتوجها من زبيد نحو الدملوة ولما توجها تحدث الملك ~~المجاهد مع مقدم العسكر أن يجرد معه مائتي فارس ، ليتوجه أمامه إلى تعز ، ~~وذكر له أنه بلغه أن الملك الظاهر قد عزم على مفارقة الدملوة ، واللحاق ~~بحصن السمدان ، وأنه حصن حصين ، ومتى صار به تعذر الوصول إليه ، وذكر أن ~~الطريق لا تسع العساكر بجملتها ، فجرد معه الأمير سيف الدين ططقر العفيفي ~~السلاح دار ، والأمير سيف الدين قجماز بنخاص ، وتوجهوا من زبيد في سادس عشر ~~رجب ، ووصلوا إلى تعز في العشرين من الشهر . ثم توجه الأمير ركن الدين ~~ببقية العسكر إلى تعز ، فوجد رسله الذين أرسلهم إلى الملك الظاهر قد منعهم ~~نائب قلعة تعز من التوجه إلى الدملوة ، واعتذر أنه خشي عليهم من الطرقات ، ~~فجهز معهم الأمير سيف الدين عطيفة أمير مكة ، وتوجهوا إلى الملك الظاهر ، ~~واجتمعوا به ، فوقف على المثال السلطاني ، وكان يتضمن الاتفاق بين الملكين ~~، فسأل الظاهر الكشف عن سيرته وسيرة المجاهد ، وأن تكون قلعة الدملوة ~~للسلطان ، ويكون نائبه بها ، وأكرم الرسل غاية الإكرام ، وأعادهم . وحصل من ~~الملك المجاهد في خلال ذلك اضطراب كثير ، وعدم موافاة بما كان التزم به ، ~~وقرره على نفسه من النفقة على العسكر ، وكان جميع ما أعطاهم في جملة ثمن ما ~~تنبل للجند من الجمال ثمانية وأربعين ألف درهم ، وطولب بعلوفات دوابهم ، ~~فاعتذر أن خيله لها سبعة أيام ما أكلت عليقا ، وأنه لا شيء عنده ، فالتمس ~~منه أن يأمر رعيته ببيع العليق للجند ، والجند يقومون بالثمن ، فقال : ما ~~عندي إلا ما تأخذونه بسيوفكم . ولم يكن مع المقدم ms7745 مرسوم بالقبض على المجاهد ~~، ولا نهب البلاد ، فلذلك كف العسكر عنهم ، وضاقت الميرة على العسكر ، ومرض ~~جماعة منهم ، وتوجه جماعة من أجناد الحلقة إلى بعض الجهات ليبتاعوا ذرة ~~برسم عليق دوابهم ، فخرج عليهم جماعة من أهل جبل صبر ، فأخذوا الجمال ، ~~وجرحوا الجمال ، فوصل الخبر إلى مقدم العسكر ، فأرسل جماعة لكشف الخبر ، ~~فقاتلهم أهل الجبل وكاثروهم ، فركب بنفسه ، وتوجه إليهم ، فاعتصموا منه ~~بالجبل ، وهو جبل وعر صعب المسلك لا ماء فيه ، فصعد جماعة من العسكر إلى ~~الجبل مشاة ، وقتلوا من أهله نحو ثلاثمائة نفر ، واشتد العطش بالعسكر ، ~~فمات منهم خمسة أحدهم من المماليك السلطانية ، والآخر من الحلقة ، وثلاثة ~~من أصحاب الأمير سيف الدين قجماز بنخاص . PageV33P0133 # """""" صفحة رقم 134 """""" وظهر لمقدم العسكر أن الملك المجاهد قد ضاق ~~من العسكر ، وعمل على ما يحصل به الضرر التام ، وسأل أن يفرق العسكر ، ~~ويتوجه بعضه إلى عدن ، وبعضه إلى لحج وأبين وضبا ونواحيها ، وبعضهم إلى ~~مخلاف جعفر ، وبعضهم إلى بلاد المغلسي وغير ذلك من الجهات ، وقصد بذلك أن ~~يفرق العسكر في البلاد خوفا على نفسه منه ، وقابل إحسان السلطان بالإساءة ~~على ما نقل مقدم العسكر عنه . ثم بلغ المقدم أن بهادر الصقري قرر مع ~~المجاهد أن يمنع أهل البلاد من بيع العلوفات على العسكر ، وربما شهر النداء ~~بذلك ، وكان الأمر السلطاني قد برز لمقدم العسكر أنه متى ظفر ببهادر الصقري ~~يقتله ، فأخر المقدم قتله ليطمئن غيره ممن كان قد خالف الملك المجاهد ، ~~ويحضروا ، ثم ينفذ فيهم أمر السلطان . فلما تحقق المقدم سوء طويته ركب إلى ~~خيمة بهادر الصقري ، وقبض عليه وعلى الغياث بن نور ، وكانا ممن خالف ~~المجاهد وألبا عليه كما تقدم ، ثم رجعا إلى طاعته لما بلغهم قرب العسكر ، ~~ثم عملا على إفساد العسكر ، ولما قبض على الصقري ، وسطه لوقته ، وقيد ~~الغياث بن نور ، وهو أيضا ممن رسم السلطان بقتله ، وشهد عليه جمال الدين ~~محمد بن مؤمن ، والزعيم عند مقدم العسكر - على ما حكاه المقدم في مطالعته ~~للسلطان - أنه عمل على الإضرار بالعسكر ، ومنع ms7746 الأجلاب عنه ، فلم يزل في ~~القيد إلى أن رجع العسكر ، ووصل إلى حرض فوسطه المقدم بالقرب من المخلاف ~~السليماني . وأما الملك المجاهد ، فإنه لما ضاق بالعسكر ، واشتد خوفه منه ، ~~قال للمقدم : إن كان السلطان قد رسم لكم بالإقامة باليمن فالأمر إليه ، وإن ~~كان إنما أرسلكم لنصرتي فارجعوا إلى أبواب السلطان ، وأحضر القاضي والشهود ~~، وأشهد على نفسه أنه أذن للعسكر في العود ، ثم طلع المجاهد إلى القلعة ، ~~وامتنع من النزول إلى العسكر ، فأرسل إلى المقدم أن يرحل بالجيش ، وأنه ~~يلحقه إلى زبيد ، فعاد العسكر من تعز في التاسع من شعبان ، ووصل إلى زبيد ، ~~وأقام بها في ميعاد المجاهد ، فوصل الزعيم إلى مقدم العسكر ، وأخبره أن ~~الملك المجاهد توجه من تعز إلى بعض الجهات ، فانتظره المقدم ثمانية أيام ، ~~فلم يصل فعاد بالعسكر . ولما وصل إلى منزلة بالقرب من بئر علي ، توفي ~~الأمير سيف الدين ططقر العفيفي السلاح دار الناصري ، وكان رحمه الله تعالى ~~رجلا جيدا كريما ، صادق اللهجة ، ووصل أوائل العسكر إلى مكة شرفها الله ~~تعالى عائدا إلى الديار المصرية في عاشر شهر رمضان ، وآخره في ثالث عشره ~~وأقام بها بقية شهر رمضان ، ثم توجه منها إلى الديار المصرية . ~~PageV33P0134 # """""" صفحة رقم 135 """""" وكان وصول جاليش العسكر إلى القاهرة المحروسة ~~في يوم الخميس مستهل ذي القعدة من السنة ، ووصل المقدم وبقية الجيش في يوم ~~السبت ثالث الشهر ، ومثلوا بين يدي السلطان في يوم الاثنين خامس الشهر ، ~~وخلع على الأمراء في هذا اليوم ، فخلع على الأميرين المقدمين خلعا كاملة ~~بكلوتات زركش ، وحوائص ذهب ، وخلع على بقية الأمراء خلعا كاملة على عادتهم ~~، وزيد الأمير سيف الدين كوكاي في خلعته كلوتة زركشا ، ثم كان بعد ذلك من ~~أمر الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب ، والقبض عليه ما نذكره ، إن شاء الله ~~تعالى . وفي سنة خمس وعشرين وسبعمائة أيضا ، في العاشر من شهر ربيع الأول ~~وصل إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل بالمحروسة الأمير سيف الدين تنكز ~~نائب السلطنة بالشام المحروس على خيل البريد ، وشمله الإنعام السلطاني ~~والتشاريف ، وعاد ms7747 إلى دمشق على عادته في النيابة ، وكان وصوله إليها في يوم ~~الثلاثاء ثالث شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة . ذكر حفر الخليج الناصري ~~وفي هذه السنة أمر السلطان بحفر خليج مستجد سمي الخليج الناصري عوضا عن ~~خليج الذكر ، وجعل فوهته من قبلي خليج الذكر ، وتولى أمره نائب السلطنة ~~الأمير سيف الدين أرغون الناصري ، وولاه الأعمال البرانية ، وابتدأ بحفره ~~من فم البحر ، ومر به على باب اللوق ، ثم إلى بركة قرموط ، واتصل الحفر إلى ~~أن انتهى إلى الخليج الحاكمي ، وبطل خليج الذكر ، وسد فمه وبنى على هذا ~~الخليج الناصري عدة قناطر في عدة أماكن منه ، لسلوك المارة عليها فأنشأ ~~القاضي فخر الدين ناظر الجيوش قنطرة عند فم الخليج بقرب البحر ، وأنشأ ~~الأمير سيف الدين قدودار متولي القاهرة قنطرة عند باب اللوق ، وأنشأ القاضي ~~شمس الدين عبد الله غبريال قنطرة عند دائرة بركة قرموط ، وأمر السلطان ~~بإنشاء قنطرة عند باب البحر بظاهر القاهرة ، وأنشأ بعد ذلك في سنة ست ~~وعشرين الأمير سيف الدين بكتمر الحسامي - الحاجب كان - قنطرة PageV33P0135 # """""" صفحة رقم 136 """""" في أرض الطبالة خارج باب الشعرية ، وأنشأ ~~الأمير جمال الدين آقوش الأشرفي المعروف بنائب الكرك قنطرة قبلي قناطر ~~الأوز عند اجتماع الخليجين الحاكمي والناصري ، وحصل بهذا الخليج نفع كثير ، ~~وجرى مدة طويلة بعد انقطاع الخليج الحاكمي ، ثم نشف . وفيها في يوم الاثنين ~~تاسع شهر ربيع الآخر ضرب عنق نصراني تعرض إلى ذكر دين الإسلام ، وأغض منه ، ~~وأصر على إظهار ذلك ، فحكم قاضي القضاة تقي الدين بن الأخنائي المالكي ~~بإراقة دمه ، وأنهى أمره إلى السلطان ، فرسم بتنفيذ حكمه ، فجلس بعد صلاة ~~العصر من اليوم المذكور بالمدرسة الصالحية بإيوان المالكية ، وضربت عنقه ~~بين يديه . ذكر عمارة القصر والخانقاة بسماسم والجلوس بالخانقاة وفي هذه ~~السنة كملت عمارة القصر والخانقاة الناصرية بأراضي سماسم بالقرب من سرياقوس ~~، وحصل الجلوس في يوم الخميس التاسع من جمادى الآخرة ، ورسم السلطان بحضور ~~قضاة القضاة ، والعلماء ، وسائر مشايخ الزوايا والخوانق والربط بالقاهرة ~~ومصر المحروستين والقرافتين ، ومن معهم من الفقراء ، وحضر ms7748 السلطان ونائبه ، ~~وأكابر أمراء دولته ، واجتمعوا بالخانقاة ، ومدت الأسمطة الكثيرة من ~~الأطعمة اللذيذة ، والأشوية ، والحلويات والمشروب ، وخلع على شيخ الشيوخ ~~علاء الدين القونوي ، وشيخ الخانقاة المذكورة الشيخ مجد الدين PageV33P0136 # """""" صفحة رقم 137 """""" الأقصرائي وغيرهما من المشايخ والقضاة ، ~~وفرقت الأموال الكثيرة على سائر فقراء الخوانق والزوايا والربط من الذهب ~~والفضة ، وكان يوما مشهودا . ورتب السلطان بالخانقاة أربعين صوفيا ، ورتب ~~لهم فوق الكفاية ، ورتب لكل منهم في كل شهر أربعين درهما ، وفي كل يوم ~~ثلاثة أرطال خبز ، ورتب سماطا عاما يمد في كل يوم يأكله الفقراء المقيمون ~~بها ، والواردون إليها ، وجعل للواردين إليها ضيافة ، وأنشأ بها حماما ~~للسبيل ، وجامعا ، ورتب له خطيبا ، واحتفل بالمكان غاية الاحتفال ، وأنشأ ~~به بساتين ، ووقف على الخانقاة أوقافا كثيرة ، يفضل ريعها عن كفايتها ، ثم ~~زاد بعد ذلك عدة الصوفية ، فجعلهم مائة ، ووصلهم بالافتقاد الوافر ، ورتب ~~لهم في كل شهر عند وصوله إلى الخانقاة سبعة آلاف درهم يخص الشيخ منها بألفي ~~درهم ، وتفرق منها خمسة آلاف على الفقراء ، وليس هذا المال من الوقف ، ~~وإنما هو من ديوان الخاص السلطاني ، وسمع السلطان في هذا اليوم أحاديث ~~نبوية على قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة بقراءة ولده القاضي عز ~~الدين عبد العزيز ، وانفصل هذا الجمع بأوفر الصلات ، وأتم الإنعام . ذكر ~~روك الإقطاعات بالمملكة الحلبية وفي هذه السنة أمر السلطان بروك المملكة ~~الحلبية ، فإنه لم يتأخر من الممالك بغير روك سواها ، وتوجه لذلك الأمير ~~علاء الدين مغلطاي الجمالي الناصري مدبر المملكة في العشر الأخر من جمادى ~~الآخرة وصحبته مكين الدين إبراهيم بن قروينة مستوفي الصحبة ، وكان عوده في ~~يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر رمضان ، وحصل الانتصاب لتحرير الروك ، وتعين فيه ~~جملة أقطع عليها جماعة من المماليك السلطانية والحلقة . PageV33P0137 # """""" صفحة رقم 138 """""" وفيها في يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر رمضان ~~عادت رسل السلطان من جهة الملك أزبك صاحب البلاد الشمالية ، وهم : الأمير ~~سيف الدين بكمش الجمدار الظاهري ، والأمير بدر الدين بيليك السيفي السلاري ~~المعروف بأبي غدة ، وصحبتهما رسله ورسل الأشكري ، ومعهم ms7749 التقادم ، فسمع ~~السلطان رسالتهم ، وأنعم عليهم ، وأعادهم صحبة رسله ، وهم الأمير سيف الدين ~~أضجلي أحد الأمراء ، وسيف الدين قرادمر أحد المقدمين ، وأصحبهم الهدايا ، ~~فتوجهوا ، وكان خروج رسل الملك أزبك من بين يدي السلطان في يوم الاثنين ~~السادس من شوال ، بعد أن شملهم بالخلع والإنعام ، وتوجهوا في يوم الجمعة ~~عاشر الشهر . ذكر وفاة الأمير ركن الدين بيبرس المنصوري وفي ليلة الخميس ~~المسفر صباحها عن خامس عشرين شهر رمضان المعظم من هذه السنة كانت وفاة ~~الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصوري ، وهو من أكابر مماليك السلطان ~~الملك المنصور سيف الدين قلاوون في زمن إمرته ، وكان رحمه الله تعالى أجل ~~الأمراء في وقته لا يتخطاه أحد ، ولا يجلس في مرتبته ، وهو رأس الميسرة ، ~~وتأمر في ابتداء الدولة المنصورية السيفية ، ثم فوض السلطان الملك المنصور ~~إليه نيابة قلعة الكرك كما تقدم ، ونقل منها إلى الديار المصرية في جملة ~~الأمراء في الدولة الأشرفية الصلاحية ، ورد إليه في ابتداء الدولة الناصرية ~~أمر ديوان المكاتبات لصغر سن السلطان في ذلك الوقت ، وتنقل في المراتب ؛ ~~فكان ينوب عن السلطنة الشريفة في الغيبة ، ثم ولي نيابة دار العدل الشريف ، ~~ونظر البيمارستان المنصوري في أول الدولة الناصرية الثالثة ، ثم فوض إليه ~~نيابة السلطنة الشريفة استقلالا ، ثم قبض عليه بعد ذلك ، وأفرج عنه كما ~~تقدم ذكر ذلك ، واستقر في جملة أكابر الأمراء ، وجلس رأس الميسرة ، وكان ~~رحمه الله تعالى مولعا بالتاريخ ، يديم مطالعته ، وألف كتابا سماه : " زبدة ~~الفكرة في تاريخ الهجرة " في أحد عشر مجلدا ، وتاريخا مختصرا منه في مجلدين ~~، واستعان على تأليفه في ابتدائه بكاتبه PageV33P0138 # """""" صفحة رقم 139 """""" شمس الرئاسة بن كبر النصراني ، وكان الأمير ~~ركن الدين رحمه الله تعالى من بقايا الخير . ولما مات فرق السلطان إقطاعه ، ~~فأعطى الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي مدبر الدولة وأستاذ الدار العالية ~~منه خمسين فارسا على ما بيده ، وقدمه على ألف فارس ، وأعطى بقيته للأمير ~~سيف الدين بلبان السنائي أحد أمراء العشرات وأمره بطبلخاناه ، وجعل الأمير ~~عز الدين أيدمر الخطيري رأس الميسرة . وفي ms7750 سنة خمس وعشرين أيضا كان عيد ~~الفطر بالقاهرة ، والديار المصرية في يوم الأربعاء ، وأما دمشق فإن الناس ~~ارتقبوا الهلال في ليلة الثلاثاء فلم يره أحد ، فصلى الناس التراويح ، وسحر ~~المؤذنون بالمواذن ، وأصبح الناس صياما إلى نصف النهار ، ثم ثبت على الحكام ~~بدمشق رؤية الهلال ، ونودي بذلك ، وأفطر الناس بقية النهار ، وصلى صلاة ~~العيد في يوم الأربعاء قضاء بالجامع الأموي دون المصلى ، نقلت ذلك ، من ~~تاريخ الشيخ علم الدين القاسم بن البرزالي . . وفيها توجه الحاج على العادة ~~وكان رحيل المحمل السلطاني من بركة الجب في يوم الجمعة سابع عشر شوال ، ~~وأمير الحاج الأمير سيف الدين طرجي أمير مجلس ، فلما وصل الناس إلى منزلة ~~السويس ، حصل حر شديد مفرط ، وقل الماء ، فرجع من الناس خلق كثير من ~~الأعيان وغيرهم . ذكر القبض على الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب وتنقل ~~الأمراء في الإقطاعات والتقادم قد ذكرنا في هذه السنة أن الأمير ركن الدين ~~بيبرس الحاجب عاد من بلاد اليمن بمن معه من العسكر في يوم السبت الثالث من ~~ذي القعدة ، وأنه خلع عليه وعلى الأمراء في يوم الاثنين خامس الشهر ، وقدم ~~تقدمته ، وأهدى للأمراء هداياه ، وقبل ذلك منه ، ثم أعطى بعد ذلك بأيام ~~قباء الشتاء بطردوحش . PageV33P0139 # """""" صفحة رقم 140 """""" فلما كان في يوم الاثنين تاسع عشر الشهر ~~المذكور ، وحضر إلى الخدمة السلطانية على عادته ، ومشى في خدمته نائب ~~السلطنة الأمير سيف الدين أرغون إلى دار النيابة ، فقال له نائب السلطنة : ~~قد برز أمر السلطان أن تتوجه إلى نيابة السلطنة وتقدمة العسكر بغزة ، فظن ~~أن المراد بذلك القبض عليه ، فامتنع من قبول الولاية ، فقال : ما المملوك ~~من هذا القبيل ، أنا من جملة أوشاقية السلطان ، فإن كان قد رسم في بأمر فمن ~~الآن ، وحل سيفه بيده ، فغضب نائب السلطنة منه ، وعوقه بدار النيابة ، ~~واجتمع بالسلطان ، وأخبره بذلك ، فأرسل السلطان إليه الأمير سيف الدين ~~قجليس أمير سلاح ، وأمره بأنه متى أصر على الامتناع يقتله ، فكلمه في ذلك ~~وراجعه ، فصمم على أنه لا يتوجه إلى غزة أبدا ، واختار ms7751 الاعتقال على ذلك ، ~~فاعتقل في برج عند باب القلعة وخرج إقطاعه للأمير سيف الدين طينال ، وفرق ~~إقطاع طينال ، فكمل للأمير سيف الدين أيتمش المحمدي مائة فارس ، وقدم على ~~ألف ، وأمر في يوم الخميس الثاني والعشرين من الشهر اثنان بطبلخاناة ، ~~أحدهما : على ما بقي من الإقطاع المحلول عند تنقل الأمراء ، والثاني : على ~~إقطاع الأمير سيف الدين ، ونقل بهادر البدري إلى نيابة السلطنة بقلعة الكرك ~~، وتضمن تقليده أن يكون نائبا عن أولاد السلطان بالكرك ، ونقل نائب السلطنة ~~بالكرك إلى نيابة السلطنة وتقدمة العسكر بغزة المحروسة . وعرض السلطان في ~~يوم الخميس المذكور المماليك الكتابية ، وعين منهم سبعين مملوكا لخدمة ولده ~~الذي تقرر إرساله إلى الكرك . وفيها ، في يوم الاثنين ثالث ذي الحجة أمر ~~السلطان بالقبض على الأمير أبي إسحاق إبراهيم ولد أخي الخليفة أبي الربيع ~~سليمان ، واعتقاله ، وسبب ذلك أنه تزوج امرأة مغنية تعرف بفالحة بنت ~~المغربية ، فوقفت أمها للسلطان ، وشكته ، وادعت أنه تمم على الشهود ، وأحضر ~~امرأة غيرها ، وسماها باسمها ، واستأذنها الشهود PageV33P0140 # """""" صفحة رقم 141 """""" فأذنت ، وعقد العقد عليها ولم تكن هي ، وادعى ~~هو أن العقد إنما وقع عليها دون غيرها ، وشهد الشهود بصحة العقد ، فأمره ~~السلطان بطلاقها ، وأرسل إليه يقول : إنكم من بيت الخلافة ، ولا يصلح أن ~~تفعل مثل هذا ، وزواج هذه عار عليك ، فصمم على ألا يفارقها ، واعتذر أنه ~~يمسكها خشية أنه إذا فارقها تعود إلى الغناء ، فيكون عليه عارها ، فرسم ~~السلطان أنها لا تمكن من الغناء ، وراجعه في طلاقها ، فأصر وأبى ذلك ، ~~وامتنع منه ، فأمر باعتقاله ، فاعتقل بالبرج في قلعة الجبل ، وادعى أنه غرم ~~عليها نحو خمسين ألف درهم ، وأمر السلطان أن يستخرج ذلك منها ، واعتقلت عند ~~الشيخة البغدادية ، وأخذوا جواريها المغنيات ، وبقي الأمير إبراهيم المذكور ~~في الاعتقال أياما أفرج عنه نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغن ، وأرسل ~~إليه مع بهادر العلمي نائب الفتاح يقول له : رسم لك السلطان إن لم تطلقها ~~حصل لك ما لا يمكن أن تستدرك فارطه ، وأشهد عليه بطلاقها ، فعرفه بهادر ~~المذكور الرسالة ، وشدد عليه ms7752 الجواب ، وما فارقه إلى أن شهد عليه بطلاقها ، ~~فتوجه بهادر ، وعرف الأمير سيف الدين أرغن أنه تلفظ بالطلاق ، فشاور عليه ~~السلطان فأفرج عنه حين أذن ، ففارقها وعادت لما كانت عليه من الغناء . ذكر ~~توجه السلطان إلى الصيد والإفراج عمن نذكر من الأمراء وفي هذه السنة في يوم ~~الخميس الثالث عشر من ذي الحجة توجه السلطان إلى الصيد المبارك ، وقصد جهة ~~البحيرة . ولما قارب ثغر الإسكندرية أرسل الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي ~~مدبر المملكة وأستاذ دار العالية إلى الثغر ، وأمره بالإفراج عن الأميرين ~~سيف الدين طاجار المحمدي ، وسيف الدين كيتم ، وأمره أن يكشف أحوال الأمراء ~~المعتقلين بالثغر ، ومن اختار أن يكتب قصة فليستصحبها معه ، ففعل ذلك ، ~~وكتب الأمراء قصصا بما أحبوا ، وامتنع الأمير بهادر النقوي أمير جاندار - ~~كان - والأمير سيف الدين بلبان الشمسي من كتابة قصة ، وقالوا : نحن لنا ~~ذنوب عند السلطان ، وبأي وجه نرفع إليه قصة ، فلما عاد الأمير علاء الدين ~~إلى السلطان عرض على السلطان قصص الأمراء PageV33P0141 # """""" صفحة رقم 142 """""" وأخبره بامتناع الأميرين المذكورين من كتابة ~~قصة ، وبما قالاه ، فشملتهما عواطفه ، وأمر بالإفراج عنهما ، وأحضرا إلى ~~المخيم المنصوري ، وخلع على الأمراء الأربعة المذكورين ، وحضروا إلى ~~القاهرة في يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذي الحجة . وفيها في ليلة الأحد ~~ثامن عشر صفر توفي الشيخ الإمام المقرئ المتقن المعمر تقي الدين أبو عبد ~~الله محمد بن أحمد بن عبد الخالق بن علي بن سالم بن مكي المصري الشافعي ~~المعروف بالصائغ شيخ القراءات في وقته ، وكانت وفاته بمصر ، وصلى عليه يوم ~~الأحد بعد صلاة الظهر بالجامع العمري بمصر ، وأم الناس في الصلاة عليه قاضي ~~القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعي ، ودفن بالقرافة ، ومولده في ثامن ~~عشر جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وستمائة بمصر ، قرأ القرآن على الكمال ~~الضرير ، وسمع الحديث من الرشيد العطار ، وابن البرهان ، وغيرهما رحمهما ~~الله تعالى . وتوفي في ليلة السبت مستهل شهر ربيع الأول الخطيب جمال الدين ~~محمد بن الخطيب تقي الدين محمد بن مجد الدين الحسن بن ms7753 الشيخ تاج الدين أبي ~~الحسن علي بن أحمد بن علي بن أحمد بن القسطلاني خطيب جامع قلعة الجبل ~~المحروسة ، وإمام الجامع العمري بمصر ، ودفن من الغد بالقرافة ، سمع من ابن ~~خطيب المزة ، وصحب الشيخ العارف أبا محمد المرجاني ، وحج معه ولازمه ، ~~ومولده سنة ثلاث وستين وستمائة تقريبا ، وخطب بالجامع العمري بمصر بعد ~~والده في سنة خمس وتسعين وستمائة ، وخطب والده بالجامع المذكور قبله ثماني ~~عشرة سنة . ولما مات الخطيب جمال الدين ، عرض جماعة من الخطباء على السلطان ~~وخطب كل منهم بجامع القلعة ، ومنهم من خطب في مجلس السلطان في غير يوم ~~الجمعة ، ثم استقرت الخطابة بجامع قلعة الجبل باسم ابن أخيه الخطيب تقي ~~الدين بن الخطيب نور الدين ، واستقر ولده الخطيب زين الدين أحمد بن جمال ~~الدين في خطابة جامع عمرو بمصر ، وإمامته ونظره . PageV33P0142 # """""" صفحة رقم 143 """""" وتوفي في يوم السبت الحادي والعشرين من شهر ~~ربيع الآخر من السنة الشيخ الفقيه المفتي شرف الدين يونس بن أحمد بن صلاح ~~القرقشندي الشافعي ، أحد المفتين ، وأحد المعيدين بزاوية الإمام الشافعي ~~بالجامع العمري بمصر ، ودفن من يومه بالقرافة ، رحمه الله تعالى . وفيها في ~~يوم الأحد خامس عشر شهر ربيع الآخر ، توفي القاضي الفقيه الإمام العالم ~~سراج الدين يونس بن عبد المجيد بن علي بن داود الهذلي الشافعي الأرمنتي ~~قاضي الأعمال القوصية ، وكانت وفاته بظاهر مدينة قوص بالمشهد الذي يسكنه ~~الحكام بقوص من لسعة عقرب ، ومولده بأرمنت من عمل قوص في المحرم سنة أربع ~~وأربعين وستمائة ، وكان فقيها فاضلا أصوليا وله مصنفات وشعر لين ، رحمه ~~الله تعالى . وتوفي في الليلة المسفرة عن ثالث عشر جمادى الأولى من هذه ~~السنة القاضي فتح الدين محمد بن القاضي كمال الدين أحمد بن عيسى السعدي ~~المعروف بابن القليوبي وكان فيما مضى ينوب عن قاضي القضاة بدر الدين ابن ~~جماعة الشافعي في بعض الأعمال ، ونقل إلى قضاء صفد نيابة عنه أيضا ، ثم صرف ~~منها ، وعاد إلى الديار المصرية ، فناب في أعمال الدقهلية والمرتاحية عن ~~قاضي القضاة المشار إليه ، ونقل ms7754 إلى قضاء أبيار ، ثم عزل وعطل مدة ، حتى ~~ضاق عليه الحال ، فتوجه إلى مدينة المحلة ، وناب بها عن القاضي عز الدين ~~الحاكم بالغربية مدة تقارب أربع سنين ، ثم فارق الجهة ، وحضر إلى القاهرة ~~وهو مضعف ، فاستمر به المرض ، واشتدت علته إلى أن مات رحمه الله تعالى ، ~~ودفن بالقرافة ، وكان رحمه الله رجلا كريما فاضلا جيد الشعر والنثر ، جيد ~~البديهة لسنا حسن الفكاهة والمحاضرة والمذاكرة ، رحمه الله وإيانا ، وكان ~~بينه وبين نجم الدين سعيد بن أحمد بن عيسى الغماري المالكي عداوة مستحكمة ~~ثابتة على الحكام ، فلما أيس من الحياة أرسل إليه ، وسأله الصلح عما مضى ~~والمحاللة ، ففعل ، ثم لم تطل حياة نجم الدين المذكور بعده ، فإنه مرض أثر ~~ذلك ، ومات بالمدرسة الصالحية النجمية في ليلة الخميس ثاني جمادى الآخرة ~~ودفن من الغد بمقبرة باب النصر رحمه الله تعالى وإيانا . PageV33P0143 # """""" صفحة رقم 144 """""" وتوفي في عشية الأربعاء قبل أذان المغرب في ~~الثاني والعشرين من جمادى الآخرة الشيخ المحدث نور الدين أبو الحسن علي بن ~~جابر بن علي بن موسى بن خلف بن منصور بن عبد الله بن مالك الهاشمي الشافعي ~~المعروف باليمني شيخ الحديث بالقبة المنصورية ، وكانت وفاته بالمدرسة ~~الظاهرية ، وصلى عليه في يوم الخميس بالمدرسة المذكورة ، وأم الناس في ~~الصلاة عليه قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ، ثم صلى عليه بسوق الخيل تحت ~~قلعة الجبل ، وكانت جنازته مشهودة ، ودفن بالقرافة . ومولده بمكة شرفها ~~الله تعالى ، في سنة ثمان وأربعين وستمائة تقريبا ، وكان رحمه الله جيد ~~النظم ، ورحل إلى الهند وغيره من البلاد ، وخلف كتبا كثيرة جدا . وولي ~~تدريس الحديث بعده بالقبة المنصورية الشيخ العالم زين الدين عمر بن أبي ~~الحزم بن يونس الشافعي المعروف بابن الكتاني وجلس لإلقاء الدروس بالقبة في ~~يوم الأربعاء رابع عشر رجب ، وتكلم الناس عليه لقبوله الولاية ، فإنه لم ~~يشتهر بطلب الحديث ، ولا الاشتغال به وأما فقهه ومعرفته بمذهب الإمام ~~الشافعي فغير مدفوع عنه . وفيها في ليلة الخميس السادس من شعبان كانت وفاة ~~الشيخ الصالح الإمام العالم ms7755 القاضي عز الدين أبي عبد الله محمد بن الشيخ ~~كمال الدين أبي العباس أحمد بن الشيخ جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى ~~بن أبي المجد اللخمي المعروف جده جمال الدين بالأسيوطي ، قاضي الكرك بها ، ~~وكان قد وليها في شهر رجب سنة ست وتسعين وستمائة من قبل السلطان الملك ~~المنصور حسام الدين لاجين المنصوري ، واستقر بها إلى أن مات ، ومولده ~~بالقاهرة المعزية بالجامع الظافري المعروف الآن بالفاكهي عند آذان الصبح من ~~يوم الأربعاء السابع والعشرين من شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة ، ودفن ~~بمقبرة تعرف بالقبر الجديد ، وكان رحمه الله فقيها عالما متقنا محققا ، من ~~أجل مشايخ القراءات ، والعلوم مقتصدا في مأكله وملبسه وسائر أحواله ، وكان ~~من قضاة العدل والحق ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، ولا يخشى سطوة ملك ، ~~تساوى عنده في الحق الآمر والمأمور ، رحمه الله تعالى . PageV33P0144 # """""" صفحة رقم 145 """""" وتوفي في ليلة السبت الثاني والعشرين من ~~شعبان الشيخ الفاضل العالم البارع شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سليمان ~~بن فهد الحلبي ، ثم الدمشقي كاتب الإنشاء بدمشق ، وصلى عليه بجامعها ، ثم ~~بسوق الخيل ، ودفن بسفح قاسيون ، بتربة بناها لنفسه ، ومولده في شعبان سنة ~~أربع وأربعين وستمائة ، وكان رحمه الله رجلا فاضلا ، كاتبا أديبا شاعرا ، ~~انتهت إليه كتابة الإنشاء ، ولو قيل فيه كاتب الشرق والغرب لاستحق ذلك غير ~~مدفوع عنه ولا منازع فيه ، وكان يكتب التقاليد والتواقيع والمناشير من رأس ~~القلم ، ويأتي فيها بما لم يأت به سواه مع الفكرة والروية ، رحمه الله ~~تعالى ، وولى بعده كتابة الإنشاء بدمشق ولده شمس الدين محمد ، رسم له بذلك ~~في شهر رمضان من السنة باعتناء نائب السلطنة بالشام به ، وقدم على غيره ~~لهذه الوظيفة مع توفر الأعيان والأكابر بدمشق . وفيها في يوم الخميس رابع ~~شهر رمضان توفيت الست الجليلة فالحة ابنة الملك الأمجد ، مجد الدين حسن بن ~~الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك ~~العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب ، ودفنت من يومها بالتربة المعظمية ms7756 ~~بسفح قاسيون ، وتعرف هذه المتوفاة " بداردينار " وكان لها بر ومعروف وإيثار ~~، رحمها الله تعالى . وتوفي في يوم الجمعة خامس شهر رمضان الأمير شرف الدين ~~عيسى بن عمر البرطاسي الكردي ، أحد أمراء الطبلخاناة بمدينة طرابلس ، وشاد ~~الدواوين بها ، وكان رحمه الله تعالى رجلا شهما شجاعا مقداما ، وأنشأ مدرسة ~~بمدينة طرابلس ، رافقته في سنة عشر وسبعمائة بطرابلس ، فكان حسن المرافقة ، ~~كثير الاحتمال ، رحمه الله تعالى . وفيها في الرابع والعشرين من شهر رمضان ~~قتل الأمير السيد الشريف ناصر الدين أبو عامر منصور بن الأمير عز الدين ~~جماز بن شيحة الحسيني أمير المدينة النبوية PageV33P0145 # """""" صفحة رقم 146 """""" على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، قتله شاب ~~من أقاربه بالبرية ، وكان قد كبر وأسن ، وولي إمرة المدينة بعده الأمير بدر ~~الدين كبيش . وفيها في يوم السبت ثالث ذي القعدة توفي نجم الدين أبو بكر بن ~~القاضي بهاء الدين محمد بن الشيخ بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ، ~~كان بالمدرسة الناصرية بالقاهرة وكان يقول : إن ما يخاطب به يستغني الآن عن ~~إعادته ، ولم يزل يدعي ذلك إلى آخر وقت ، رحمه الله تعالى ، والله تعالى ~~أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب . ذكر غرق مدينة بغداد وفي جمادى ~~الأولى من هذه السنة زادت دجلة زيادة عظيمة ، وكان ابتداء الزيادة في يوم ~~السبت ثالث عشر الشهر ، واستمرت الزيادة إلى يوم الثلاثاء ، وعظمت فغرق ~~دائر البلد جميعه ، بحيث أنه ما بقي أحد من الناس يستطيع الخروج من البلد ، ~~وانحصر الناس واجتهدوا في عمل السكورة ، وتساوى في العمل الرئيس والمرؤوس ، ~~والكبير والصغير ، ونقل التراب - حتى الحكام والقضاة والمترفين - في حجورهم ~~وبقيت بغداد جزيرة في وسط الماء ، واستدار الماء عليها ، ودخل الماء الخندق ~~وكان له هدير عظيم ، وغرق ما حول البلد ، وخربت أماكن كثيرة منها البازار ، ~~وسائر الترب والبساتين والسواد والجانبين المتقابلين لسوق الخيل والدكاكين ~~والساباط ، وخرب بستان الصاحب جميعه ، والمصلى ، وبعض الكمش ، وسائر ~~البساتين التي حوله ، ووصل الماء إلى الثلاث نخلات ، ووقعت قبة الجعفرية ، ~~وخربت مدرسة عبيد الله ، وغرقت خزانة الكتب التي ms7757 بها ، وكانت فيما قيل ~~تساوي عشرة آلاف دينار ، وسطح الماء وعلا بمقدار عشر قامات ، وكان الإنسان ~~إذا وقف لم ير ما امتد بصره إلا ماء وسماء ، وفتح في الرقة وخرب إلى ~~الحارثية ، وما ترك طرفه قائمة ، وغرق خلق كثير من المزارعين الذين كانوا ~~عند زروعهم ممن لم يحسن السباحة ، وغرقت بساتين الرقة مثل بستان القاضي ، ~~وبستان ابن العفيف ، والخاتوني ، وبستان جمال الدين الدكروالي ، وغرقت ~~بساتين الحارثية ، مثل : بستان الخادم ، وابن الأمليس ، وسديد الدولة ، ~~وبقي الناس في خلقة ضيقة ، PageV33P0146 # """""" صفحة رقم 147 """""" وامتنعوا من النوم ليلا والمعايش نهارا من ~~شدة الزعقات ، وخوف الغرق ، وغلق البلد ستة أيام ، والناس ينظرون إلى ~~الخندق والشط هل زاد أو نقص ، وتحول كثير من الناس إلى المحال العالية مثل ~~تل الزينية ، وتل اللوازه بالمستضيئية ، وأسكرت سائر أبواب المحال العالية ~~ببغداد ، وأبواب الخانات بها ، وسد باب خان السلسلة ، وبقي إذا انفتح من ~~الخندق فتح تداركه الناس بالسد ، والناس يدورون في الأسواق مكشوفي الرؤوس ، ~~والرقعات الشريفة على رؤوسهم ، وهم يضجون بالبكاء ويخرون إلى الله تعالى ، ~~ويسألونه كشف هذه الحادثة عنهم ، وودع بعض الناس بعضا ، ولو انخرق إليهم من ~~الخندق أدنى شيء لغرقوا ، وزاد الماء في الخندق حتى ركب القنطرة الجديدة ~~بسوق الخيل ، وعلا فيها أكثر من ذراعين ، وبلغ الماء إلى شباك دار شيخ ~~المشايخ ، ولو لم يعل السور بالسكر كان انقلب إلى البلد ، ولولا ما حصل من ~~هذه البثوق - بثق الخندق ، وبثق الرقة ، وبثق التعسار - لغرقت بغداد . قال ~~الناقل : ومع ذلك فإلى عشر سنين ما يمكن عمارة ما خرب بالجانب الغربي ؛ ~~فإنه غرق أكثره ، وغلت الأسعار أياما ، ثم نقص الماء بعد أن أشرف الناس على ~~الهلاك ، وكان ابتداء النقص يوم الأربعاء ، وذكر القاضي ابن السباك : أن ~~جملة ما خرب من البيوت بالجانب الغربي خمسة آلاف وستمائة بيت . نقلت ذلك - ~~وبعضه بمعناه - من تاريخ الشيخ علم الدين القاسم بن البرزالي ، وقال في ~~تاريخه : إنه كتبه من كتاب ابن الساعي ، وأنه اختصر بعضه . ومن غريب ما وقع ~~في ذلك الغرق ms7758 أن مقبرة الإمام أحمد بن محمد بن حنبل PageV33P0147 # """""" صفحة رقم 148 """""" تهدمت قبورها ، ولم يبق إلا قبر الإمام أحمد ~~فإنه سلم من الغرق ، واشتهر هذا الأمر بها واستفاض . قال : وورد كتاب شمس ~~الدين بن منتاب يتضمن أن الماء حمل خشبا عظيم الخلقة ، وزنت خشبة منه فكانت ~~بالبغدادي ستمائة رطل ، وجاء على الخشب حيات كبار خلقتهن غريبة منها ما قتل ~~، ومنها ما صعد في النخل والشجر ، وكثير منها مات ، ولما نضب الماء أنبت ~~على الأرض نباتا صورته صورة البطيخ ، وشكله على قدر الخيار وفي طعمه محوحة ~~، وأشياء غريبة الشكل من النبات . قال : ومحلة الصراصرة صعد الماء في دورها ~~إلى الوسط وأكثر وأقل ، وذكر أشياء من أمر الغرق اختصرتها ، قال : وأما ~~محلة الرقيقة فإنها بقيت أرضا بغير حائط قائم ، وغرقت مقبرة معروف ، وتربة ~~بنت المنذر وغيرها . هذا ملخص ما حكاه مما لخصه هو ، والله تعالى أعلم ~~بالصواب . واستهلت سنة ست وعشرين وسبعمائة بيوم الأحد الموافق لثاني عشر ~~كيهك من شهور القبط والسلطان الملك الناصر بالوجه البحري من الديار المصرية ~~يتصيد ، والديار المصرية المحروسة في غاية ما يكون من الرخاء والأسعار في ~~غاية الرخص ، والخبز العلامة ثمانية عشر رطلا بدرهم نقرة ، والقمح الطيب ~~الإردب بثمانية دراهم ، والشعير الإردب بخمسة دراهم ، والفول بستة دراهم ، ~~وسائر الحبوب رخيصة الأسعار إلى الغاية . هذا ، وقد قصر النيل في سنة خمس ~~وعشرين وسبعمائة بحيث أن غالب بلاد الصعيد الأعلى صارت قليلة الري جدا ، ~~ومع ذلك فإن الأسعار في سائر أعمال الديار المصرية رخيصة متساوية ، أو ~~متقاربة في الرخص . وفي شهر المحرم من هذه السنة عاد السلطان من الوجه ~~البحري وتوجه إلى " دهشور " من الأعمال الجيزية ، وعاد إلى قلعة الجبل فصعد ~~إليها في الساعة الثالثة من يوم الخميس ثاني عشر الشهر ، وأقام بها إلى يوم ~~السبت الحادي والعشرين من الشهر ، وتوجه في بكرة هذا النهار إلى جهة ~~سرياقوس ، ودخل الخانكاه الناصرية ، ورسم بزيادة عدد القراء بها ، لتكملة ~~مائة ، ثم توجه منها وعدى إلى بر الجيزية ، ورسم بإنشاء جسر بها ms7759 يحبس الماء ~~ويصرف منه إلى جهة البحيرة ، وأمر الأمراء ورجال الحلقة المنصورة بعمله ، ~~فعمل في صفر . PageV33P0148 # """""" صفحة رقم 149 """""" وتوجه السلطان إلى جهة الحمامات ، وتصيد ، ثم ~~عاد إلى قلعة الجبل في الساعة الثالثة من نهار الخميس ثاني شهر ربيع الأول ~~، وتوجه إلى جهة سرياقوس ، ثم توجه منها إلى الجيزية ، ورتب من أحوال ~~المباشرين ما نذكره ، وتوجه من صفد إلى جهة الكحيليات لصيد الرخمة ، فتصيد ~~وعاد إلى قلعة الجبل في العاشرة من يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر ~~ربيع الأول . ذكر وصول رسل متملك الحبشة وفي هذه السنة وصل إلى الأبواب ~~السلطانية رسل متملك الحبشة ، ومثلوا بين يدي المقام الشريف السلطاني بقلعة ~~الجبل المحروسة في يوم الاثنين سادس عشر المحرم . وكان مضمون رسالتهم عن ~~ملكهم أنه بلغه أن كنائس النصارى بالديار المصرية غلقت ، وأن النصارى في ~~ذلة وهوان ، والتمس من السلطان الإحسان إلى النصارى ، وفتح كنائسهم ، وأنهم ~~متى لم يعاملوا بالإحسان عامل من ببلاده من المسلمين وما بها من المساجد ~~كما يفعل بأهل دين النصرانية وكنائسهم بالديار المصرية ، وذكروا عنه أنه ~~قال : نيل مصر الذي به قوام أمرها وصلاح أحوال ساكنيها مجراه من بلادي ، ~~وأنا أسده ، ونحو هذا من الكلام ، فضحك السلطان من كلامهم ، واستقل عقل ~~مرسلهم ، وعوملوا بغاية الاطراح والإهانة ، وعادوا إلى مرسلهم . ذكر عزل ~~وتولية من يذكر من أرباب المناصب الديوانية بالدولة الناصرية وفي هذه السنة ~~- في يوم الجمعة ثامن عشر صفر - رسم بإفصال القاضي شمس الدين عبد الله ~~المعروف بغبريال من نظر النظار والصحبة بالديار المصرية ، وخلع عليه ، ورسم ~~له بعوده إلى دمشق على عادته الأولى ، عوضا عن كريم الدين عبد الكريم ~~المعروف بكريم الدين الصغير ، وتوجه على خيل البريد في يوم الاثنين الحادي ~~والعشرين من الشهر ، فوصل إلى دمشق في بكرة نهار الاثنين ثامن عشر من الشهر ~~، ورسم بطلب كريم الدين إلى الأبواب السلطانية ، فوصل إلى المخيم المنصور ~~PageV33P0149 # """""" صفحة رقم 150 """""" السلطاني بالجيزية في يوم الاثنين ثالث عشر ~~شهر ربيع الأول ، وكانت الشاعة قد قويت أن السلطان ms7760 يفوض إليه نظر الدولة ، ~~ومن الناس من أشاع أنه يلي الوزارة ، ومنهم من أشاع أنه يفوض إليه نظر ~~الوكالة السلطانية ، وقلق الناس لذلك قلقا عظيما ، فلما وصل إلى المخيم ~~السلطاني لم يجد قبولا من السلطان ، وأنكر عليه إنكارا شديدا ، ثم رسم له ~~بملازمة داره بظاهر القاهرة ، وطلب القاضي شرف الدين عبد الرحمن الخطير - ~~وهو ناظر ديوان نائب السلطنة الشريفة - في ليلة الثلاثاء سادس شهر ربيع ~~الأول ، وفوض إليه نظر النظار والصحبة ، على عادة شمس الدين غبريال ، وخلع ~~عليه ، وذلك بمنزلة سفط من الأعمال الجيزية ، وباشر ذلك ، واستمر كريم ~~الدين بمنزله بخط بركة قرموط ، ومنع من فتح بابه ، واجتماع الناس إليه إلى ~~أن عاد السلطان إلى قلعة الجبل ، فكتب له توقيع بإشارة الوزير الأمير علاء ~~الدين مغلطاي الجمالي بنظر منفلوط ، ورسم له بتشريف على عادة نظار الجهة ، ~~فقلق لذلك قلقا شديدا ، فاعتنى به نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغون ، ~~وخاطب السلطان في أمره ، وأوضح له التحامل عليه ، فقطع التوقيع ، وبطل ما ~~كان قد رسم به فيه . وفي ليلة الاثنين رابع شهر ربيع الآخر توجه كريم الدين ~~المذكور إلى الحمام فرصده جماعة إلى أن خرج منه ، فوثبوا عليه ، وضربه ~~أحدهم بسيفه ، فالتقى الضربة بدبوسه ، ثم هرب بفرسه ، فسلم ، وقتل اثنان ~~ممن كانوا معه ، وجرح الثالث ، فأما أحد المقتولين فاحتمله الرجال الذين ~~وثبوا على كريم الدين ، فلم يعلم خبره ، وأما الثاني فأثخنته الجراحة فمات ~~في يوم الاثنين صبيحة تلك الليلة ، وأمسك الذي جرح وكان من الجند من أصحاب ~~كريم الدين ممن كان معه في الحمام ، وقيل له : إنما كنت مع الذين قصدوا ~~قتله ، فاعتقل بسجن الولاية ، وكان معه أيضا نفران من خير الحرسة ، فمسكوا ~~وقيدوا ، واستعملوهم في جملة المقيدين بالعمارة السلطانية ، وسأل كريم ~~الدين عقيب هذه الحادثة أن يفسح له في سكن القاهرة ، فرسم له بذلك فسكنها . ~~فلما كان في يوم السبت تاسع شهر ربيع الآخر رسم السلطان بطلب كريم الدين ~~وأولاده ، فطلبوا إلى قلعة الجبل أشد طلب ، وأحضروا بين يدي الوزير ، ~~فطالبه ms7761 بالمال ، فقال : لا مال عندي ، وأنا ما تعرضت لمال السلطان ، وأشباه ~~هذا من الكلام ، فضرب ابنه سعد الدين فرج الله بالمقارع ، وسلم ولده الصغير ~~لمتولي القاهرة ، وعرض كريم الدين على الضرب فوجد في كمه أوراقا تشتمل على ~~مرافعات ، وقصد PageV33P0150 # """""" صفحة رقم 151 """""" الوزير أخذها منه ، فامتنع ، وقال : لا ~~أسلمها إلا للسلطان ، فطولع السلطان بذلك ، فأرسل الأمير سيف الدين بلبان ~~الساقي إليه ، فتسلمها منه ، وعرضت على السلطان ، فطلب الأمير علاء الدين ~~مغلطاي الجمالي الوزير ، وأمره بالإفراج عن أولاد كريم الدين ، وأن يكون هو ~~عنده في مكان من داره ، ففعل ذلك في اليوم المذكور ، ثم رسم في بقية النهار ~~بعقوبة كريم الدين ، وتقريره على المال ، فسعطه بالخل والجير ، فناله من ~~ذلك شدة عظيمة ، حتى خرج الدم من حلقه ، ورسم عليه وعلى ولده سعد الدين فرج ~~الله في بقية يوم السبت والأحد ، ثم رسم بإخراجهما وإرسالهما إلى ثغر أسوان ~~، فسأل كريم الدين أن يكون اعتقاله بغزة ، فلم يجب إلى ذلك ، وأخرج من باب ~~القرافة من في أول يوم الاثنين الحادي عشر ، شهر ربيع الآخر ، هو وولده سعد ~~الدين ، فتسلمهما متوليا القاهرة ومصر وشاد الصناعة ، فتوجهوا بهما وحجلا ~~في سلورة ، وأرسلا إلى ثغر أسوان ، وفرق بينهما ، فجعل كل منهما في خن لم ~~يجتمع أحدهما بالآخر على ما بلغني من المحقق للحال إلى أن وصلا إلى ثغر ~~أسوان ، فكان وصولهما في ليلة الاثنين الخامس والعشرين من الشهر ، فأنزل ~~بدار تعرف بدار يحيى ، وهي الدار التي أنزل بها من قبل كريم الدين الوكيل ، ~~فبات بها بعض ليلة الاثنين ، ويوم الاثنين بكماله ، وتوفي في ليلة الثلاثاء ~~في الثلث الأول ، ودفن في بقية الليلة ، ولم يصل عليه ، ودفن بين مقابر ~~المسلمين وأهل الذمة ، أخبرني بذلك القاضي شرف الدين شعيب بن القاضي جمال ~~الدين يوسف السيوطي ، وهو الحاكم بثغر أسوان يومئذ . ذكر وصول رسل الملك ~~المجاهد متملك اليمن بالتقادم وفي هذه السنة في سادس عشرين شهر ربيع الأول ~~وصل إلى الأبواب الملكية السلطانية الناصرية رسل الملك المجاهد سيف الإسلام ms7762 ~~علي - المتقدم ذكره - وهو صاحب زبيد وتعز وما مع ذلك من بلاد اليمن ، وهما ~~: جمال الدين محمد بن يونس ، وابن الجلال ، وأحضرا على أيديهما كتاب ~~مرسلهما ، وتقادم وتحفا سنية ، فمثلا بين يدي السلطان بعد عوده من الصيد ، ~~وقدما له ما أحضراه ، فقبل ذلك ، وأنعم عليهما بما جرت به عادة أمثالهما ، ~~وأعيدا إلى مرسلهما . PageV33P0151 # """""" صفحة رقم 152 """""" ذكر إرسال الأمير سيف الدين أيتمش المحمدي ~~إلى أبي سعيد وفي يوم الخميس سابع جمادى الأولى من هذه السنة جهز السلطان ~~الأمير سيف الدين أيتمش المحمدي الناصري - أحد الأمراء مقدمي الألوف - ~~برسالة وهدية جليلة إلى الملك أبي سعيد صاحب العراقين وخراسان وما مع ذلك ، ~~فتوجه في هذا التاريخ ، وأقام بحلب مدة ، ثم رسم بتوجهه ، فتوجه وكان عوده ~~إلى الأبواب السلطانية في يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شعبان من السنة ~~المذكورة . ذكر إرسال السلطان ولده إلى الكرك المحروس قد تقدم أن السلطان ~~الملك الناصر فوض نيابة الكرك إلى الأمير سيف الدين بهادر البدري ، فتوجه ~~إليها ، وتضمن تقليده أن يكون نائبا عن أولاد مولانا السلطان بالكرك ، وجهز ~~أيضا من ذكرنا من المماليك السلطانية ، ولهج الناس أن السلطان قد عزم على ~~إرسال ولده إلى الكرك . فلما كان في يوم الخميس السادس من جمادى الأولى ، ~~توجه السلطان في أوائل النهار من قلعة الجبل إلى القصور بسرياقوس بعد أن ~~قرر خروج ولده الأكبر الأمير أحمد - وسنه يومئذ نحو ثماني سنين - فتوجه من ~~قلعة الجبل وقت المغرب من ليلة الجمعة السابع من الشهر ، وتوجه في خدمته ~~الأمير سيف الدين قجليس الناصري - أمير سلاح - ليوصله إلى الكرك ، وأصحبه ~~السلطان خزانة المال فيما بلغني ، وجهزها صحبة الأمير سيف الدين طقتمر ~~الخزندار ، وتوجهوا إلى الكرك ، ووصلوا إليها ، واستقر ولد السلطان بها ، ~~وعاد الأمير سيف الدين قجليس ، فكان وصوله إلى قلعة الجبل في يوم الثلاثاء ~~الثاني من جمادى الآخرة من السنة المذكورة . ذكر تجديد عمارة البيمارستان ~~المنصوري والقبة والمدرسة وفي مستهل هذه السنة حصل الشروع في إصلاح ~~البيمارستان المنصوري والقبة والمدرسة ، وكان الأمير جمال ms7763 الدين آقش ~~الأشرفي - ناظر الأوقاف قبل ذلك - قد رسم ألا يترك أحدا من المرضى ~~بالبيمارستان ، ومن هو في أوائل يخرج منه ، فخلت بذلك الأواوين من المرضى ~~وأكثر القاعات ، ولم يبق بالبيمارستان إلا الممرورون PageV33P0152 # """""" صفحة رقم 153 """""" وبعض المرضى ، وحصل الشروع في العمارة ، ~~فأصلحت العمران وجدد البياض والأدهان ، ونحت ظاهر القبة والمدرسة والمئذنة ~~بالأزاميل ، واستمرت العمارة إلى أواخر جمادى الأولى ، وخلت الأواوين ~~الأربعة بالبيمارستان من مستهل هذه السنة إلى يوم الثلاثاء حادي عشر جمادى ~~الأولى ، فرسم في هذا اليوم بتنزيل المرضى ، وكان جملة ما صرف على هذه ~~العمارة يقارب ستين ألف دينار . ذكر تجريد طائفة من العسكر إلى برقة وفي ~~هذه السنة حضر الأمير فايد بن غراز ومعه سليمان بن خالد ، وأنهيا إلى ~~السلطان أن العربان ببرقة منعوا الزكاة ، وهي مقطعة لهما ، ولمن معهما من ~~رفقتهما ، بمنشور سلطاني ، فأمر السلطان بطائفة من العسكر المنصور ، وهم : ~~الأمير سيف الدين أسندمر العمري وهو المقدم على الجيش ، والأمير سيف الدين ~~بلكتمر الإبراهيمي السلحدار ، والأمير سيف الدين قطلوبغا الطويل ، والأمير ~~عز الدين أيدمر العلائي الجمقدار ، وجماعة من أجناد الأمراء من كل أمير ~~مائة جنديان ، ومن كل أمير طبلخاناه جندي واحد ، وتوجهوا في العشر الأخر من ~~جمادى الأولى ، وكان عودهم في يوم الاثنين السابع والعشرين من شعبان من ~~السنة . ذكر تفويض نيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات ~~إلى الأمير سيف الدين طينال الحاجب وفي يوم الخميس رابع جمادى الآخرة سنة ~~ست وعشرين وسبعمائة ، فوض السلطان نيابة السلطنة الشريفة بالمملكة ~~الطرابلسية والفتوحات إلى الأمير سيف الدين طينال الحاجب - وهو حاجب ~~الميسرة - عوضا عن الأمير بهادر قرطاي الصالحي العلائي ، وخلع عليه ، ولم ~~يجر في التشريف على عادة من تقدمه ، فإنه خلع عليه طردوحش ، وعادة نائب هذه ~~المملكة الأطلس المعدني بالطرز الزركش ، ونقل الأمير بهادر قرطاي المذكور ~~إلى دمشق من جملة الأمراء مقدمي الألوف ، وأقطع إقطاع الأمير بدر الدين ~~بكتوت القرماني ، وكان القرماني قد اعتقل في تاسع عشرين جمادى الأولى ، ~~وسبب اعتقاله أنه رسم له أن يتوجه إلى متملك ms7764 سيس ، لإحضار ما عليه من ~~القطيعة في كل سنة ، فاستعفى من ذلك ، وامتنع من الإجابة إليه ، فرسم ~~باعتقاله بدمشق ، فاعتقل بقلعتها . PageV33P0153 # """""" صفحة رقم 154 """""" واستمر بالاعتقال بها إلى ليلة الأحد حادي ~~عشر شوال سنة سبع وعشرين ، فأخرج من القلعة مقيدا ، وحمل على خيل البريد ~~إلى الديار المصرية بعد أن وكل وأوصى ، ولما فوضت نيابة السلطنة بالمملكة ~~الطرابلسية إلى الأمير سيف الدين طينال المذكور تألم لذلك ، ومرض وانقطع في ~~بيته أياما ، ثم عوفي ، وتوجه إلى المملكة الطرابلسية على خيل البريد في ~~يوم السبت ثالث عشر الشهر المذكور ، وتوجه طلبه بعد ذلك ، فكان خروج طلبه ~~من القاهرة يوم الثلاثاء منتصف شهر رجب ، من السنة ، ورسم بقيمة الإقطاع ~~الذي كان لطينال بالديار المصرية - وهو الإقطاع الذي انتقل إليه عن الأمير ~~ركن الدين بيبرس الحاجب - فأعطى الأمير سيف الدين قوصون منه " فاتوا ~~وتقليفه " من الأعمال الفيومية زيادة على إقطاعه ، وكمل له بذلك مائة فارس ~~، وقدم على ألف ، وأعطى أطفيح ودلجة للأمير ناصر الدين محمد بن نائب ~~السلطنة الأمير سيف الدين أرغون الناصري عوضا عن إقطاعه ، وخرج إقطاعه الذي ~~كان بيده لغيره . ذكر الجلوس بخانقاة الأمير سيف الدين بكتمر الساقي ~~بالقرافة وفي يوم الثلاثاء ثامن رجب الفرد من السنة حصل الجلوس بخانقاة ~~أنشأها الأمير سيف الدين بكتمر الساقي الناصري بالقرافة ، وحصل الاحتفال ~~بذلك ، وحضر مشايخ الصوفية وغيرهم ، ومد سماط عظيم ، ورتب في مشيختها ~~وإمامتها الشيخ شمس الدين الرومي المعروف بالطويل ، وكان قبل ذلك إماما ~~بصفة النفيس بالخانقاة الصلاحية بالقاهرة ، ورتب له على وظيفة المشيخة في ~~كل شهر مائة درهم ، وعن الإمامة خمسون درهما ، ورتب بها عشرون صوفيا ، لكل ~~منهم في الشهر ثمانون درهما من غير خبز ولا طعام ولا غيره . ذكر وصول رسل ~~التتار وأقارب السلطان إلى الأبواب السلطانية وفي يوم الاثنين رابع عشر شهر ~~رجب وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الأمير جوبان نائب الملك أبي سعيد ، ~~وصحبتهم - من أقارب السلطان - سيف الدين طايربغا وولده يحيى ، فمثل الرسل ~~بين يدي السلطان في هذا النهار ، وشملهم ms7765 الإنعام بالتشاريف ، وكان طايربغا ~~وولده قد وصلا في يوم الأحد ثالث عشر الشهر ، ومثلا بين يدي السلطان ، وذكر ~~طايربغا ما دل على صدق دعواه في انتسابه ، فلما كان في يوم الخميس سابع عشر ~~الشهر أمر السلطان الأمير سيف الدين طايربغا بطلبخاناه ، وأمر PageV33P0154 # """""" صفحة رقم 155 """""" ولده يحيى بعشرة ، وأمر أيضا أخا الأمير سيف ~~الدين بكتمر الساقي بطبلخاناة ، وأمر أحد المماليك بحلب وذهبوا بشعار ~~الإمرة من المدرسة المنصورية بالقاهرة على العادة ، وخلع على الرسل مرة ~~ثانية ، وأعيدوا إلى مرسلهم في يوم الخميس رابع عشرين الشهر . ذكر وصول رسل ~~جوبان ثم وصل من جهة الأمير جوبان المذكور في يوم الاثنين الخامس والعشرين ~~من شهر رمضان ثلاثة من أعيان الصوفية على خيل البريد برسالة مضمونها : ~~السؤال في مصاهرة السلطان لابن الأمير جوبان على إحدى بناته ، فمثلوا بين ~~يدي السلطان ، وكان من جملة سؤالهم عن مرسلهم ، أن يكون الذي يمشي بينهم في ~~الخطبة الشيخ تقي الدين بن تيمية ، وكان قد اعتقل على ما نذكره ، فأجيبوا ~~عن ذلك أن المذكور في حبس الشرع لأمور صدرت عنه ، ورسم السلطان للقاضي بدر ~~الدين أن يسمع كلام الرسل ، فسمع كلامهم ، ثم أعيدوا إلى مرسلهم على خيل ~~البريد . وفيها في يوم الاثنين السابع والعشرين من شعبان أفرج السلطان عن ~~الأمير سيف الدين بلبان طرنا نائب المملكة الصفدية كان ، وكان في الاعتقال ~~منذ انفصل من نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية ، وأنعم عليه بإمرة طبلخاناة ~~بدمشق ، ثم نقل بعد ذلك إلى مقدمة ألف . وفيها - في سلخ شعبان - احترقت ~~مدينة بيسان من غور الشام حريقا فاحشا ، وأكثر عمارتها بالقصب ، فلذلك ~~أسرعت النار فيها . ثم طفئت ، وأعيد ما احترق . ذكر وصول صاحب حصن كيفا إلى ~~الأبواب السلطانية ، وعوده إلى بلاده ، وخبر مقتله وملك أخيه وفي يوم ~~الثلاثاء خامس شهر رمضان من هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية في قلعة ~~الجبل المحروسة الملك الصالح صلاح الدين يوسف بن الملك الكامل سيف الدين ~~أبي بكر شادي ابن الملك الموحد تقي الدين عبد الله بن الملك المعظم ms7766 غياث ~~الدين طورانشاه بن الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل ~~PageV33P0155 # """""" صفحة رقم 156 """""" ناصر الدين محمد بن الملك العادل سيف الدين ~~أبي بكر محمد بن أيوب ، وهو صاحب حصن كيفا . وكان سبب حضوره أنه أقام مدة ~~سنين لا ينزل من الحصن إلى نواب الملك أبي سعيد إذا حضروا إلى البلاد على ~~جاري عاداتهم ، بل يرسل إليهم الهدايا والتقادم الجارية بها العادة ، وتحصن ~~بالحصن ، ثم شرع بنهب من ينفرد من التتار ، ويتعرض إلى إقطاع الأمير الذي ~~أقطع له أعمال حصن كيفا ، فشكاه الأمير المقطع إلى الملك أبي سعيد ، وقال : ~~إنه يأخذ أكثر ما يتحصل من إقطاعه ، وأنهى إلى الملك أنه عصي بالحصن ، وأنه ~~لا ينزل إلى نائب الملك إذا وصل ، فكتب أبو سعيد إلى نائبه في تلك الجهة ~~يستعلم منه : هل هو في الطاعة على عادته أو خرج عنها ؟ فأجابه النائب أنه ~~على عادته في الطاعة ، وأنه ينزل إليه إذا حضر إلى جهة الحصن ، وأرسل ~~النائب إلى الملك الصالح المذكور يعرفه ما ورد عليه ، وما أجاب به ، وقدم ~~إليه تقادم كثيرة بسبب ذلك ، وواعده أنه إذا وصل إلى الحصن ينزل إليه ، ثم ~~خاف على نفسه أنه إن نزل إليه قبض عليه ، فحضر إلى الأبواب السلطانية ، ~~وأشاع أنه إنما حضر بسبب الحج . أخبرني بذلك المحقق للحال ، وهو الأمير ~~علاء الدين علي بن الملك الموحد ، وهو عم الملك الصالح . ولما وصل الملك ~~الصالح إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية شمله الإنعام السلطاني ~~بتشريف طردوحش بقصب وكلوته بزركش ، وحياصة ذهب ، وثلاثين ألف درهم ، ورسم ~~له بعوده إلى مملكته بحصن كيفا ، وكتب على يده كتابا إلى الأمير جوبان نائب ~~الملك أبي سعيد يتضمن الوصية به ، والإحسان إليه ، وأعاده في العشر الأوسط ~~من الشهر على خيل البريد إلى دمشق المحروسة ، وتوجه منها على خيله بمن حضر ~~معه من إلزامه ، وكتب السلطان إلى نائب السلطنة بحلب المحروسة أن يجرد ~~PageV33P0156 # """""" صفحة رقم 157 """""" معه من العسكر الحلبي خمسمائة فارس ومائتي ~~فارس من العربان - من كلاب - إلى أن ms7767 يصل إلى مأمنه ، فتوجهوا معه إلى أن ~~شارف بلاده وأعادهم وحال وصوله إلى الحصن وثب عليه أخوه شقيقه الملك العادل ~~محيي الدين فقتله ، وملك الحصن بعده ، وكتب إلى الملك أبي سعيد ، وأنهى ~~إليه أنه إنما قتله لأنه كان باغيا ، وتوجه إلى الديار المصرية ، وحضر إلى ~~البلاد بعسكر ، وقصد إفساد البلاد ، فأقره الملك أبو سعيد على الحصن ، ~~وطالع الملك العادل محيي الدين هذا الأبواب السلطانية بذلك ، واعتذر عن ~~قتله ، وجهز مختصرا يتضمن سوء سيرته ، وطالع نائب السلطنة الشريفة بالشام ~~المحروس أيضا بمثل ذلك ، وسأل الصفح عنه فيما فعل ، وأنه إنما قتل لسوء ~~سيرته ، ومن قتله من أهله ، فسكن الحال في ذلك . وفيها في يوم الخميس خامس ~~شوال توجه الأمير سيف الدين أرغن الناصري نائب السلطنة الشريفة إلى الحجاز ~~الشريف هو وأولاده وابنة السلطان زوجة ولده ، الأمير سيف الدين وأولاده ، ~~وكان استقلال ركابه من قلعة الجبل في الثالثة من هذا اليوم . وفيها - في ~~يوم الجمعة خامس ذي القعدة - قرئ بالجامع على المنابر بالقاهرة ومصر مثال ~~شريف سلطاني ، مضمونه الإعفاء من المظالم ، وطرح الأصناف على التجار ~~والمبعثين ، ومنع الولاة من الضرب بالمقارع ، وإبطال المقدمين من أبواب ~~الولاة . ذكر خبر مولود ولد في هذه السنة أخبرني ركن الدين عمر بن الشيخ ~~الصالح ناصر الدين محمد بن الشيخ الصالح العارف إبراهيم بن معضاد بن شداد ~~بن مالك بن ماجد القشيري الجعبري نفع الله به وببركات أسلافه الصالحين أنه ~~ولد له في الساعة الرابعة من الليلة المسفرة عن رابع عشر ذي الحجة سنة ست ~~وعشرين وسبعمائة ولد من موطوءته سماه موسى ، وأنه أقام في بطن أمه منذ حملت ~~به سنتين وشهرين ، وحين وضعته لم تر معه دما كثيرا ولا ماء ، بل أرمت على ~~عادة الحوامل لتسعة أشهر وأنه وضع قوى اليافوخ غير لينة على عادة المولود ~~حين يولد ، قال : وطلعت أسنانه لشهرين وثلاثة أيام من مولده ، وقال : ومشى ~~في غرة الشهر الخامس من مولده ، أنشأه الله تعالى نشأة صالحة . ~~PageV33P0157 # """""" صفحة رقم 158 """""" ذكر خبر إجراء الماء ms7768 إلى مكة شرفها الله ~~تعالى وفي هذه السنة أجريت عين إلى مكة شرفها الله تعالى ، وكان وصول الماء ~~إليها في الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وعشرين وسبعمائة وذلك أن ~~الأمير جوبان نائب الملك أبي سعيد صاحب العراقين وخراسان اهتم بهذا الأمر ~~اهتماما عظيما ، وأرسل بعض التجار بجملة كثيرة من المال ، يقال : إنه نحو ~~ثلاثمائة ألف درهم ، فبذلها في إجراء الماء إلى مكة ، ويسر الله تعالى ذلك ~~له ، وحصل الظفر بآثار العيون القديمة التي كانت أجريت فيما سلف من السنين ~~، وقطع التراب الذي كان يمنع جريان الماء ، ونظف فجرت العين بماء كثير . ~~وهذه العين قد كانت قديمة ، وقد ذكر الشيخ أبو الوليد محمد بن عبد الله ~~الأزرقي في ( أخبار مكة ) ما أجري في الحرم من العيون ، فقال : ما ملخصه - ~~وبعضه بمعناه - : أن رجلا من بني سليم قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~بمكة : يا أمير المؤمنين ، أقطعني حيف الأرين حتى أملأه عجوة ، فقال له عمر ~~: نعم ، فبلغ ذلك أبا سفيان بن حرب ، فقال : دعوه فليملأه ثم لينظر أينا ~~يأكل جناه ، فبلغ ذلك السلمي فتركه ، فكان أبو سفيان يدعيه ، ثم كان معاوية ~~هو الذي عمله وملأه عجوة ، وذلك أنه أجرى في الحرم عيونا عشرة ، واتخذ لها ~~أخيافا ، فكانت حوائط فيها النخل والزرع ، ذكرها أبو الوليد في كتابه ، قال ~~أبو الوليد : واتخذت بعد ذلك ببلدح عيون سواها ، ومنها : عين سعيد بن عمرو ~~بن سعيد بن العاص ببلدح ، وحائط سفيان ، والخيف الذي أسفل منه . قال ثم ~~انقطعت عيون معاوية تلك وذهبت ، فأمر أمير المؤمنين هارون الرشيد بعيون ~~منها فعملت وأحييت وصرفت في عين واحدة يقال لها الرشاد ؛ لتسكب في المأجلين ~~اللذين أحدثهما الرشيد بالمعلى ، ثم تسكب في البركة التي عند المسجد الحرام ~~، ثم كان الناس بعد تقطع هذه العيون في شدة الماء ، وكان أهل مكة والحاج ~~يلقون من ذلك المشقة ، حتى أن الراوية لتبلغ في الموسم عشرة دراهم وأكثر ~~وأقل . PageV33P0158 # """""" صفحة رقم 159 """""" فبلغ ذلك أم جعفر بنت أبي الفضل جعفر ms7769 بن ~~المنصور ، فأمرت في سنة أربع وتسعين ومائة بعمل بركتها التي بمكة ، فأجرت ~~لها عينا من الحرم ، فجرت بماء قليل لم يكن فيه ري لأهل مكة ، وغرمت في ذلك ~~غرما عظيما ، فبلغها ذلك ، فأمرت جماعة من المهندسين أن يجروا لها عيونا من ~~الجبل ، فأرسلت بأموال عظيمة ، ثم أمرت من نزف عينها الأولى ، فوجدوا فيها ~~فسادا ، فأنشأت عينا أخرى إلى جنبها ، وأبطلت تلك العين ، وعملت هذه العين ~~بأحسن ما يكون من العمل ، حتى بلغت ثنية جبل ، وإذا الماء لا يظهر في ذلك ~~الجبل إلا بعمل شديد ، وضرب في الجبل ، فأمرت بالجبل فضرب فيه ، وأنفقت في ~~ذلك من الأموال ما لا يمكن أن تطيب به نفس كثير من الناس حتى أجراها الله ~~عز وجل لها ، وأجرت فيها عيونا من الحل منها : عين من المشاش واتخذت لها ~~بركا تجتمع فيها السيول إذا جاءت ، ثم أجرت لها عيونا من حنين ، واشترت ~~حائط حنين ، فصرفت عينه إلى البركة ، وجعلت حائطه سدا يجتمع فيه السيل ، ~~فصارت لها مكرمة لم تكن لأحد قبلها . قال : ثم إن أمير المؤمنين أمر صالح ~~بن العباس في سنة عشرين ومائتين أن يتخذ لها بركا من السوق خمسا ، لئلا ~~يتعنى أهل أسفل مكة والثنية وأجيادين والوسط إلى بركة أم جعفر ، فأجرى عينا ~~من بركة البطحاء عند شعب ابن يوسف من وجه دار ابن يوسف ، ثم تمضي إلى بركة ~~عند الصفا ، ثم تمضي إلى بركة عند الحناطين ، ثم تمضي إلى بركة بفوهة سكة ~~الثنية دون دار أويس ، ثم تمضي إلى بركة عند سوق الحطب بأسفل مكة ، ثم تمضي ~~في سرب ذلك إلى مأجل أبي صلاية ، ثم إلى المأجلين اللذين في حائط ابن طارق ~~بأسفل مكة ، فهذه العين التي أجريت الآن إنما هي من ذلك الأصل القديم . ~~وكان السلطان الملك الناصر قد عزم على إجراء هذه العين ، فصرفه بعض أرباب ~~الأمر من أتباعه عنها ، وقال : " إن هذا متعذر الإمكان " فلما أجريت الآن ~~تألم السلطان من كون هذه الحسنة العظيمة لم تجر على يديه . ذكر ms7770 عدة حوادث ~~كانت بدمشق في سنة ست وعشرين وسبعمائة خلاف ما ذكرنا في هذه السنة وصل إلى ~~دمشق في يوم الأحد منتصف المحرم الأمير محمد بن عبد القادر بن يوسف بن ~~الأمير أبي القاسم عبد العزيز بن الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين ، ~~فرسم نائب السلطنة بالاحتياط عليه ، وطولع في أمره الأبواب السلطانية ، ~~ورسم أن يعود إلى أهله ، فرجع ، ولم يدخل مدينة دمشق . PageV33P0159 # """""" صفحة رقم 160 """""" قال الشيخ علم الدين بن البرزالي في تاريخه ~~عنه : وهو رجل حسن فيه أدب ومعرفة وديانة ، اجتمعت به وسألته عن مولده ، ~~فذكر أنه قبل دولة اليهود بسنة ، وكانت دولة اليهود سنة تسعين وستمائة ، ~~وسألته عن مولد أبيه ، فذكر أنه قبل سنة براق في الدولة العباسية ، قال : ~~وسألته عن مولد جده ، فذكر أنه في واقعة بغداد كان عمره سبع سنين أو ثمان ~~سنين ، وذكر أن جد والده عبد العزيز توفي قبل أخذ بغداد بسنة أو نحوها . ~~وفي هذه السنة في يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول ضربت عنق ~~ناصر بن أبي الفضل بن إسماعيل الهيتي المقرئ الصالحي بسوق الخيل بدمشق ، ~~وسبب ذلك أنه ثبت عليه الزندقة ، وكان المذكور حسن الصوت بالقراءة ، وصحب ~~ابن الباجربقي ، وابن المعمار وغيرهما ، فانحلت عقيدته ، وشهد عليه في ذلك ~~بما تقدم ، فهرب إلى بلاد الروم ، ثم عاد إلى حلب في أواخر سنة خمس وعشرين ~~وسبعمائة وحضر عند قاضي القضاة بها كمال الدين ابن الزملكاني الشافعي ، ~~وتاب وقبل توبته ، وحقن دمه ، ثم عاد إلى ما كان عليه من الزندقة فحمل إلى ~~دمشق ، وثبت عليه ما تلفظ به ، فحكم بإراقة دمه فنسأل الله العافية في ~~ديننا وفي دنيانا . وفيها في يوم الثلاثاء ثامن عشر جمادى الأولى ضربت عنق ~~" توما بن عبد الله النصراني " من قرية الحمان ، كان قد أسلم على يدي الشيخ ~~تقي الدين ابن تيمية قديما ، وجاور بالمئذنة الشرقية بجامع دمشق مدة ، ثم ~~ارتد ، وتكلم في القرآن بكلام ، وقامت البينة عليه بذلك عند قاضي القضاة ~~شرف الدين المالكي بدمشق ، فحكم بإراقة ms7771 دمه ، فقتل . ذكر اعتقال الشيخ تقي ~~الدين بن تيمية وفي هذه السنة - في يوم الاثنين السادس من شعبان - اعتقل ~~الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية بقلعة دمشق المحروسة ، حسب الأمر الشريف ~~PageV33P0160 # """""" صفحة رقم 161 """""" السلطاني ، واعتقل معه أخوه زين الدين عبد ~~الرحمن ، ومنع من الفتيا واجتماع الناس به . وسبب ذلك أنه أفتى أنه لا يجوز ~~زيارة قبر رسول الله [ ] ، ولا قبر إبراهيم الخليل ، ولا غيرهما من قبور ~~الأنبياء والصالحين ، وتوجه بعض أصحابه وهو الشمس محمد بن أبي بكر إمام ~~المدرسة الجوزية في هذه السنة لزيارة البيت المقدس ، فرقي منبرا في حرم ~~القدس الشريف ، ووعظ الناس وذكر هذه المسألة في أثناء وعظه ، وقال : ها أنا ~~من هنا أرجع ولا أزور الخليل ، وجاء إلى نابلس ، وعمل مجلس وعظ ، وأعاد ~~كلامه ، وقال : ولا يزار قبر النبي [ ] ، ولا يزار إلا مسجده ، فقصد أهل ~~نابلس قتله ، فحال بينهم وبينه متوليها ، وكتب أهل القدس وأهل نابلس ودمشق ~~بما وقع منه ، فطلبه قاضي القضاة شرف الدين المالكي ، فتغيب عنه ، وبادر ~~بالاجتماع بقاضي القضاة شمس الدين محمد بن مسلم الحنبلي قاضي الحنابلة ، ~~وتاب عنده ، وقبل توبته ، وحقن دمه ، ولم يعزره . فنهض الفقهاء بدمشق عند ~~ذلك ، وتكلموا على الشيخ تقي الدين ، وكتبوا فتيا تتضمن ما صدر منه ، ~~وذكروا هذه المسألة وغيرها ، فأفتى العلماء بكفره ، وعرضت الفتيا على نائب ~~السلطنة بالشام ، الأمير سيف الدين تنكز ، فطالع السلطان بذلك ، فجلس ~~السلطان في يوم الثلاثاء التاسع و العشرين من شهر رجب بالميدان الذي هو ~~بذيل قلعة الجبل ، وأحضر القضاة والعلماء ، وعرض عليهم ما ورد في أمره من ~~دمشق ، فأشار قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعي باعتقال تقي ~~الدين المذكور ، فرسم باعتقاله ومنعه من الفتيا ، ومنع الناس من الاجتماع ~~به ، وأن يؤدب من هو على معتقده ، وتوجه البريد بذلك ، فوصل إلى دمشق في ~~يوم الاثنين سادس شعبان ، فاعتقل ، وقرئ المثال السلطاني بعد صلاة الجمعة ~~العاشر من الشهر على السدة بجامع دمشق . PageV33P0161 # """""" صفحة رقم 162 """""" ثم طلب قاضي القضاة القزويني جماعة من ms7772 أصحاب ~~تقي الدين في يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر إلى المدرسة العادلية ، ~~وكانوا قد اعتقلوا بسجن الحكم ، فادعى على العماد إسماعيل صهر الشيخ جمال ~~الدين المزي أنه قال : إن التوراة والإنجيل لم يبدلا ، وأنهما كما أنزلا ، ~~فأنكر ، فشهد عليه بذلك ، فضرب بالدرة ، وأشهر وأطلق . وادعى على عبد الله ~~الإسكندري ، والصلاح الكتبي ، وغيرهما بأمور صدرت منهم ، فثبت ذلك عليهم ، ~~فضربوا بالدرة ، وأشهروا في البلد . وطلب الشمسي أمام المدرسة الجوزية وسئل ~~عما صدر منه في مجلس وعظه بالقدس ونابلس ، فأنكر ذلك ، فشهد عليه من حضر ~~مجلسيه بما تلفظ ممن كان قد توجه من عدول دمشق لزيارة البيت المقدس ، فثبت ~~ذلك عليه فضرب بالدرة ، وأشهر على حمار بدمشق والصالحية ، وقيد ، واعتقل ~~بلقعة دمشق ، فلم يزل في الاعتقال إلى يوم الثلاثاء العشرين من ذي الحجة ~~سنة ثمان وعشرين ، فأفرج عنه في هذا اليوم ، وحضر إلى قاضي القضاة الشافعي ~~، فشرط عليه شروطا ، فالتزمها ، وأطلق . وفي هذه السنة في ليلة الخميس ~~الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول توفي الشيخ عز الدين بن أبي زكريا يحيى ~~بن الشيخ الخطيب شمس الدين إبراهيم بن شيخ الإسلام عز الدين أبي محمد بن ~~عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي ، وكانت وفاته بالقاهرة بسكنه ~~بحارة بهاء الدين ، ودفن بالقرافة بتربة جده الشيخ عز الدين ، وتوليت ~~تجهيزه ودفنه بوصية منه إلي ، وكان قد أوصاني ألا أدفنه إلا خارج باب ~~التربة ، فدفنته هناك حيث أوصى ، وكانت قد طالت مرضته ، مرض في أثناء شوال ~~، ومولده بدمشق في يوم الأحد عاشر صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة ، وسمع من ~~النجيب فراس بن العسقلاني ، وابن الأوحد وغيرهما ، وحدث قبل وفاته ، وكان ~~رحمه الله تعالى يباشر الأشغال الديوانية ، والأوقاف ، وآخر مباشراته شهادة ~~الحوائج خاناه السلطانية بقلعة الجبل المحروسة . وفيها في ثامن شهر ربيع ~~الأول توفي الشيخ الصالح شرف الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ العارف ~~القدوة السيد الشريف أبي الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف ~~الشاذلي الحسني ، وكانت وفاته بدمنهور الوحش ms7773 ، وهو من المشايخ الصلحاء ~~المشهورين . ويقال : إنه كان في صحبة والده لما توجه إلى الحجاز الشريف . ~~ومات في سمرة عيذاب بمنزلة حمتيرة في سنة ست وخمسين وستمائة ، وكان إذ ذاك ~~صغير السن رحمه الله تعالى . PageV33P0162 # """""" صفحة رقم 163 """""" وفيها في ليلة السبت سادس جمادى الآخرة توفي ~~القاضي شرف الدين عبد الهادي بن زنبور ، وهو إذ ذاك يباشر نظر خزائن السلاح ~~بالقاهرة المحروسة . ولي ذلك بعد انفصاله من نظر الدواوين بالديار المصرية ~~، ودفن من الغد بالقرافة . ومولده في سنة تسع وثلاثين وستمائة ، وكان رحمه ~~الله تعالى رجلا عاقلا قليل الشر ، وهو خال القاضي فخر الدين ناظر الجيوش ~~المنصورة . وفيها في العشرين من شهر رجب توفيت الست الجليلة صالحة خاتون ~~ابنة الملك المعز فخر الدين يعقوب بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن ~~أيوب ، وهي في درجة الملك الصالحي نجم الدين أيوب بن الملك الكامل ، ودفنت ~~بقاسيون ، ومولدها تقريبا في سنة خمسين وستمائة ، ولم يكن في البيت الأيوبي ~~أقرب إلى السلطان الملك العادل منها ، رحمهما الله تعالى . وفيها في عشية ~~نهار الثلاثاء تاسع عشر شهر رمضان توفي الأمير صلاح الدين أبو الحسن محمد ~~بن الملك الأمجد مجد الدين حسن بن الملك الناصر داود بن الملك المعظم شرف ~~الدين عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب ، وكانت وفاته ~~بظاهر دمشق ببستان النعامات ، ودفن في يوم الأربعاء بالتربة المعظمية ~~بقاسيون ، وهذه التربة هي دير مران المذكور في أشعار المتقدمين ، ومولده في ~~الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وستين وستمائة سمع حضورا من والده ~~وروى عنه ، وسمع من ابن البخاري ، ومن الشيخ عز الدين الفاروثي وغيره ، ~~وأسمع ، رحمه الله تعالى . وفيها في ليلة الخميس ثالث عشر شوال توفي ببعلبك ~~الشيخ قطب الدين أبو الفتح موسى بن الشيخ الإمام القدوة الحافظ أبي عبد ~~الله محمد بن أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن اليونيني ~~البعلبكي الحنبلي ، ودفن ضحى يوم الخميس بمقبرة باب سطحا ، ومولده في بكرة ms7774 ~~الجمعة ثامن صفر سنة أربعين وستمائة بالديار الفاضلية بمدينة دمشق . سمع من ~~والده ومن الشيخ شرف الدين الحسين الأربلي ، وشيخ الشيوخ شرف الدين الحموي ~~، وابن عبد الدايم ، وحدث عنه بصحيح مسلم ، وسمع بالديار المصرية من الشيخ ~~رشيد الدين العطار وغيره ، وكان له PageV33P0163 # """""" صفحة رقم 164 """""" تعلق بالتاريخ ، اختصر ( مرآة الزمان ) لابن ~~قزاوغلي وذيل عليه ، وقد نقلنا عنه مواضع يسيرة في كتابنا هذا ، نقلت وفاته ~~من تاريخ الشيخ علم الدين بن البرزالي رحمه الله تعالى . وفيها في ليلة ~~الثلاثاء الثالث والعشرين من ذي القعدة توفي قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد ~~الله محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع بن جعفر الصالحي الحنبلي ، قاضي ~~الحنابلة بدمشق ، وكانت وفاته بالمدينة النبوية ، وكان قد توجه لقصد الحج ~~في هذه السنة ، فمرض عند رحيل الركب من منزلة العلا ، واشتد به المرض ، ~~فيقال أنه سأل الله تعالى أن يصل إلى المدينة النبوية ، ويزور رسول الله [ ~~] قبل وفاته ، فاستجاب الله له ، ووصل إلى المدينة في يوم الاثنين قبل وصول ~~الركب بيوم ، فسلم على رسول الله [ ] ، وصلى بالحرم النبوي ، وبات في تلك ~~الليلة ببعض الربط ، ومات من ليلته ، فدفن بالبقيع بجوار قبر عقيل بن أبي ~~طالب رضي الله تعالى عنه ، ومولده بالصالحية بظاهر دمشق في سنة اثنتين ~~وستين وستمائة ، وولي القضاء بدمشق في ثامن صفر سنة ست عشرة وسبعمائة ، بعد ~~وفاة قاضي القضاة تقي الدين سليمان الحنبلي ، وسلك في ولايته سيرة السلف ~~الصالح ، ولم يغير هيئته ولا لباسه ، ولا جدد مركوبا بسبب ولاية القضاء ، ~~وكان يمشي غالبا من الصالحية إلى دمشق ، ولا أضاف إلى نفسه ولاية مدرسة ، ~~ولا نظر وقف بمعلوم ، وكان رحمه الله تعالى رجلا صالحا دينا خيرا فاضلا ~~عالما محدثا ، سمع الحديث من ابن عبد الدايم ، وابن البخاري ، وغيرهما ، ~~فسمع من مائتي شيخ وعشرة شيوخ ، وسمع بمكة والمدينة والقدس ونابلس وبعلبك ، ~~وحضر عدة غزوات وفتوحات منها طرابلس وعكا وقلعة الروم ، وخرج له الشيخ جمال ~~الدين المزي أربعين حديثا تساعيا ، وخرج له غير ذلك . PageV33P0164 # """""" صفحة رقم ms7775 165 """""" وفيها في يوم الأربعاء ثامن ذي الحجة توفي ~~الأمير مجد الدين يعقوب ابن الملك الأشرف شرف الدين عبد الحق بن الملك ~~الصالح عماد الدين إسماعيل بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد ~~بن أيوب ، وكانت وفاته ببستانه بالمزة ظاهر دمشق . وصلي عليه بجامع المزة ~~في يوم عرفة ، ودفن بمقبرتها ، رحمه الله تعالى ، وكان رجلا خيرا كثير ~~التواضع ، وله مكارم ، كان يحفظ شعرا كثيرا . وفيها في ذي الحجة توفي ~~الأمير بدر الدين حسن بن الملك الأفضل نور الدين علي بن الملك المظفر محمد ~~بن الملك المنصور بحماة وهو أخو الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة ~~، وهو من جملة الأمراء بحماة ، رحمه الله تعالى . واستهلت سنة سبع وعشرين ~~وسبعمائة بيوم الخميس الموافق لأول كيهك من شهور القبط ذكر عزل الأمير سيف ~~الدين أرغون الناصري نائب السلطنة الشريفة ، وانتقاله إلى نيابة السلطنة ~~بالمملكة الحلبية قد ذكرنا في سنة ست وعشرين وسبعمائة أن الأمير سيف الدين ~~أرغون الناصري نائب السلطنة الشريفة توجه إلى الحجاز الشريف في يوم الخميس ~~خامس شوال ، وصحبته ابنة السلطان زوجة ولده الأمير سيف الدين أبي بكر ، ~~وزوجة السلطان دلنبيه وهي التي وصلت من جهة الملك أزبك . فلما كان في هذه ~~السنة عاد بهم من الحجاز الشريف بعد قضاء الحج والمناسك والزيارة ، فكان ~~وصوله إلى قلعة الجبل في الساعة الأولى من نهار الأحد حادي عشر المحرم من ~~هذه السنة ، وحال وصوله رسم السلطان للأمير سيف الدين قجليس الناصري أمير ~~سلاح بالقبض عليه وعلى ولده الأمير ناصر الدين محمد ، فلما عبر إلى الخدمة ~~السلطانية ، وسار في الدهليز ، قبض عليه الأمير سيف الدين المشار إليه وعلى ~~ولده ، وأخذ سيفيهما ، وعدل بهما إلى قاعة رسم أن يكونا بها ، وأعلم ~~السلطان بذلك ، فأرسل السلطان إليه الأمير سيف الدين بكتمر الساقي وأرسل له ~~مأكولا ، ولم يضيق عليه . وبات تلك الليلة بالقاعة ، فلما كان في يوم ~~الاثنين أحضره السلطان بين يديه ، وخلا به ، وحدثه طويلا ، وبكيا ، وأفرج ~~عنه وعن ولده ، وخلع على الأمير ms7776 PageV33P0165 # """""" صفحة رقم 166 """""" سيف الدين تشريفا على عادته ، ورسم له أن ~~يتوجه إلى نيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الحلبية عوضا عن الأمير علاء ~~الدين الطنبغا ، فخرج من بين يدي السلطان من ساعته ، في عشية نهار الاثنين ~~، وصحبته الأمير سيف الدين أيتمش المحمدي أحد الأمراء مقدمي الألوف ، ~~وتوجها إلى دمشق فوصلاها في يوم الجمعة الثالث والعشرين من المحرم . وكان ~~السلطان - حال القبض على الأمير سيف الدين أرغون - أرسل الأمير سيف الدين ~~ألجاي الدوادار على خيل البريد إلى حلب ، لإخراج الأمير علاء الدين الطنبغا ~~نائب السلطنة الشريفة منها ، وإحضاره إلى الأبواب السلطانية ، وإخلاء مساكن ~~النيابة للأمير سيف الدين أرغون ، فتوجه ووصل إلى دمشق في يوم الثلاثاء ~~ثالث عشر المحرم ، وتوجه منها إلى حلب ، وعاد هو والأمير علاء الدين ~~الطنبغا فوصلا إلى دمشق على خيل البريد في عشية نهار الخميس ثاني عشرين ~~الشهر ، فوصلوا كلهم الجمعة ، بدمشق ، وتوجه الأمير سيف الدين أرغون إلى ~~حلب ، فوصل إليها في يوم الجمعة سلخ المحرم . وتوجه الأمير علاء الدين ~~الطنبغا إلى الأبواب السلطانية فكان وصوله في يوم السبت مستهل صفر ، وخلع ~~عليه السلطان على عادته تشريفا وحياصة ، وأنعم عليه بخيل ، وأسكنه بقلعة ~~الجبل ، وأنعم عليه بإمرة مائة فارس من جملة الإقطاع المحلول عن الأمير سيف ~~الدين أرغون ، وقدمه على ألف ، وفرق السلطان إقطاع النيابة ، فأعطى الأمير ~~سيف الدين بكتمر الساقي منه " منية بني خصيب " وكمل الأمير سيف الدين ~~طايربغا مائة فارس ، وتقدمه ألف من جملة تقدمه نائب السلطنة ، فزادت ~~التقادم تقدمة ، فكملت بهذه التقدمة خمسة وعشرين تقدمة ، وأعطى السلطان ~~بقية إقطاع النيابة زيادة على إقطاعات الأمراء مماليكه ، وقطع أخباز جماعة ~~من مماليك الأمير سيف الدين أرغون وألزامه . ثم توجه طلب الأمير سيف الدين ~~أرغون وصحبته ولده الأمير ناصر الدين محمد في يوم الأربعاء خامس صفر ، ~~وتوجه معهم الأمير سيف الدين بلك الجمدار ، ورسم ألا ينشر علما ، ولا يحرك ~~طبلخاناه ، ولا يشد من معه دركاشا إلى حين وصولهم إلى حلب ، فأوصلهم الأمير ~~سيف الدين بلك ، وعاد إلى الأبواب PageV33P0166 # """""" صفحة ms7777 رقم 167 """""" السلطانية في يوم الخميس ثامن عشر شهر ربيع ~~الأول ، وتأخر بالأبواب السلطانية من أولاد الأمير سيف الدين أرغون الأمير ~~سيف الدين أبو بكر ، والأمير ركن الدين عمرو ، والأمير شهاب الدين أحمد إلى ~~أثناء جمادى الأولى ، ثم رسم أن يتوجهوا إلى حلب ، فتوجهوا هم وعائلة ~~الأمير سيف الدين أرغون ، وابنة السلطان زوجة الأمير سيف الدين أبي بكر في ~~يوم الاثنين خامس جمادى الأولى ، وصحبتهم الأمير سيف الدين آقبغا بن عبد ~~الواحد رأس نوبة الجمدارية ، ليوصلهم ويعود ، فوصلوا إلى دمشق في ليلة ~~السبت رابع عشرين الشهر ، فنزلوا بالقصر الأبلق ، وتوجهوا إلى حلب في ليلة ~~الأحد ، واستقر أولاد الأمير سيف الدين أرغون الثلاثة في جملة الأمراء بحلب ~~المحروسة ، وخرجت إقطاعاتهم التي بالديار المصرية لغيرهم من الأمراء . ثم ~~رسم السلطان ببيع ما نقل من جهاز ابنته زوجة الأمير سيف الدين أبي بكر ، ~~فأبيع بالمدرسة الناصرية بالقاهرة ، وكان في جملة ما أبيع قصر فضة ، وتخت ، ~~ودكة فضة ، الجميع ملبس على خشب ، وأبيع غير ذلك . وفي هذه السنة في يوم ~~الثلاثاء ثالث عشر من المحرم فوض السلطان نظر النظار والصحبة إلى القاضي ~~مجد الدين إبراهيم بن القاضي المرحوم مكين الدين عبد الله بن لفيتة وخلع ~~عليه . وأفصل القاضي شرف الدين عبد الرحمن الخطيري من الوظيفة المذكورة ، ~~وفوض إليه نظر البيوت السلطانية عوضا عن القاضي مجد الدين المذكور ، واستقر ~~أيضا في أشغال الأمير سيف الدين أرغون في غيبته على عادته قبل مباشرة نظر ~~النظار . وفيها في يوم الأحد الثامن عشر من المحرم ولد للسلطان الملك ~~الناصر ولد ذكر من زوجته عتيقته طغاي ، وكان السلطان قد توجه في هذا اليوم ~~إلى الصيد بجهة القصور بناحية سرياقوس ، فطولع في ذلك ، فعاد في يوم الخميس ~~الثاني والعشرين من الشهر وعمل مهم في يوم السبت الرابع والعشرين من الشهر ~~وأقام السلطان بقلعة الجبل إلى آخر يوم السبت مستهل صفر . PageV33P0167 # """""" صفحة رقم 168 """""" وتوجه في يوم الأحد ثاني الشهر إلى جهة ~~القصور بسرياقوس ، ثم توجه من هناك ، وعدى إلى جهة ms7778 المنوفية ، فتصيد هناك ، ~~وعاد إلى الجيزية ، فأقام بها أياما ، وحضر الرسل الذين وصلوا من جهة ~~الأمير جوبان نائب الملك أبي سعيد بين يدي السلطان ، فسمع كلامهم ، وخلع ~~عليهم ، وأعادهم ، وعاد السلطان إلى قلعة الجبل في يوم الخميس العشرين من ~~صفر . وفي يوم الخميس الرابع من شهر ربيع الأول من السنة انتقل ركاب ~~السلطان من قلعة الجبل المحروسة إلى جهة القصور بسرياقوس ، فأقام إلى يوم ~~السبت ، وتوجه إلى جهة الأهرام ، واستقر بتلك المنزلة إلى يوم الجمعة ~~الثامن عشر من الشهر ، ثم توجه إلى جهة البحيرة للصيد المبارك ، وناب عنه ~~في الغيبة الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح ، وأمر أن يركب في مماليكه ~~الخاصة ، وأن جميع من تأخر من الأمراء وأمراء العشرات ، ومقدمي الحلقة ، ~~بالقاهرة وبقلعة الجبل لا يركبون في مدة غيبة السلطان لموكب ولا لغيره ، ~~وأن يلزم كل منهم بيته إلى حين عودة ركاب السلطان فلم يزل الأمراء على ذلك ~~إلى أن عاد السلطان وكان عوده ووصوله إلى قلعة الجبل المحروسة في يوم ~~الخميس الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول . وفيها في يوم الجمعة السادس ~~والعشرين من شهر ربيع الأول أنعم السلطان على الأمير سيف الدين ألماس ~~الحاجب بسكن دار النيابة خلا القاعة الحسامية ، فإنه رسم بإفرادها ، فأفردت ~~، وسكن فيما عداها من المساكن . ذكر وصول الأمير سيف الدين تنكز نائب ~~السلطنة الشريفة بالشام المحروس إلى الأبواب السلطانية والقبض على الأميرين ~~سيف الدين طشتمر البدري وسيف الدين قطلوبغا الفخري والإفراج عنهما وفي يوم ~~الجمعة الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر من هذه السنة وصل إلى الأبواب ~~السلطانية الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة الشريفة بالشام المحروس على ~~خيل البريد ، وكان ركوبه على خيل البريد من غزة ، فإنه وصل إليها بطلبه ~~PageV33P0168 # """""" صفحة رقم 169 """""" ومماليكه يتصيد ، فرسم له بالحضور إلى ~~الأبواب السلطانية على خيل البريد فوصل ، وتلقاه الأمير سيف الدين بكتمر ~~الساقي إلى سرياقوس ، وتصيد معه في تلك الجهة ، ولما وصل توجه ، فمثل بين ~~يدي المقام الشريف ، وشمله الإنعام السلطاني على عادته ، ونزل ms7779 عند الأمير ~~سيف الدين بكتمر الساقي بداره بقلعة الجبل . ولما كان في يوم الأحد سادس ~~الشهر جلس السلطان ، ووقف الأمير سيف الدين تنكز بين يديه والأمراء ~~المماليك السلطانية ، فنظر السلطان إلى الأميرين سيف الدين طشتمر البدري ، ~~وسيف الدين قطلوبغا الفخري ، وقال لقطلوبغا : قد ضجرت مما أسمع عنك ، وهذا ~~كلام كثير ، وما أعرف رضاكم في أي شيء حتى أفعله ، وأشباه هذا من الكلام ، ~~وأظهر الغضب الشديد ، والحرج والحدة ، وأمر الأمير سيف الدين قجليس أمير ~~سلاح بالقبض عليهما ، فتقدم إلى كل منهما وأخذ سيفه ، وتوجه بهما إلى ~~الاعتقال ، فاعتقلهما ، وكان ذلك ببرج السباع بالقلعة واشتد الأمر عليهما ، ~~وقيل : إنهما قيدا . فلما كان عشية النهار اضطرب المماليك السلطانية سكان ~~الطباق لذلك اضطرابا شديدا ، ويقال : إنهم امتنعوا من الدخول في الخدمة ، ~~وقالوا نحبس جميعا ، فإن هؤلاء هم أكابرنا ، وأخص الناس بالسلطان ، فإذا ~~قبض عليهما بغير ذنب فكلنا نحبس ، فطالع الأمير سيف الدين صواب - المقدم ~~عليهم - السلطان بذلك ، فطلب الأمير سيف الدين تنكز ، وعرفه ذلك ، فتلطف في ~~أمرهما وقبل الأرض مرارا بين يدي السلطان ، وشفع فيهما ، فأفرج عنهما في ~~بقية النهار . وأقر الأمير سيف الدين طشتمر على إقطاعه ، وأسكنه في القاعة ~~الحسامية التي أفردت من دار النيابة ، وكان قبل ذلك يسكن داخل باب القلعة ~~بقرب مساكن السلطان . وأما الأمير قطلوبغا الفخري ، فإن حرج السلطان عليه ~~كان أشد ، لما كان يتكلم به بين يديه من الرد عليه ، وكثرة الإدلال ، فأنزل ~~إلى إسطبله ، ورسم السلطان بإخراجه إلى الشام ، فعين له إقطاع الأمير علاء ~~الدين أيدغدي التليلي وهو من جملة أمراء الطبلخاناه ، وكان قد أنهى إلى ~~السلطان أنه عجز عن الخدمة ، وقل نظره ، وتغير ذهنه ، فوفره من الخدمة ، ~~وأنعم عليه براتب ، وأخرج إقطاعه للأمير المذكور ، وزاد PageV33P0169 # """""" صفحة رقم 170 """""" عليه قرية عنجرا ، وعبرتها في السنة عشرون ~~ألف درهم ، وتوجه صحبته الأمير سيف الدين تنكز إلى الشام ، وذلك في يوم ~~السبت ثاني عشر شهر ربيع الآخر ، وقدم السلطان على ألفه الأمير سيف الدين ~~طغيتمر العمري الناصري . ولما توجه الأمير ms7780 سيف الدين قطلوبغا الفخري إلى ~~الشام أوصى ألا يسكن اصطلبه لأحد من الأمراء ، فاتصل ذلك بالسلطان ، فأمر ~~بهدمه ، وهو الاصطبل الذي كان قد أنشأه الأمير سيف الدين طغاي ، وهو تحت ~~القلعة فيما بين القلعة وبين البرقية ، وله باب آخر من جهة التبانة فيما ~~بين المصلى وقلعة الجبل ، وبه حوض سبيل لسقي الدواب ، فهدم الاصطبل وحوض ~~السبيل ، وعفي أثره ، وبني بنقضه ، وصار طريقا يسلكه من يمر إلى القلعة من ~~خارج السور ، كما كان أول مرة قبل عمارته . وفي هذه السنة في يوم السبت ~~الثاني عشر من شهر ربيع الآخر الموافق الحادي عشر من برمهات من شهور القبط ~~- وذلك في أواخر فصل الشتاء - حصل بالقاهرة ومصر حر شديد ، وزاد في يوم ~~الأحد ، واشتد في يوم الاثنين ، وهبت في هذه الأيام ريح شرقية حارة جدا ، ~~وكان أشدها يوم الاثنين ، وحصل من الحر ما لا يحصل في أيام الصيف أكثر منه ~~، حتى لبس الناس في هذه الأيام في فصل الشتاء ما يلبسونه في فصل الصيف من ~~القمصان الرفاع ، وكانت الأيام قبل ذلك شديدة البرد ، واستمر ذلك كذلك بقية ~~يوم الاثنين ، وهبت ريح غربية قبيل العشاء الآخرة من ليلة الثلاثاء خف الحر ~~بسببها يسيرا ، ثم سكنت بسرعة ، وعاد الحر في ليلة الثلاثاء ، وتزايد إلى ~~الثلث الأخير من الليل ، ثم نقص الحر في يوم الثلاثاء ، وحصل غيم مطبق قبيل ~~المغرب من يوم الثلاثاء ، ورعد وبرق شديد فيما بين المغرب والعشاء من ليلة ~~الأربعاء ، وانهل مطر يسير لكنه غليظ القطر حار جدا ، كأنه سخن بالنار ، ~~وعاد البرد إلى ما كان عليه في يوم الأربعاء السادس عشر من شهر ربيع الآخر ~~، وهو الخامس عشر من برمهات ، فسبحان من يدبر ملكه كيف شاء لا إله إلا هو ~~الكبير المتعال ، وبسبب هذا الحر حصل في الزرع نقص ، وهاف بعضه في كثير من ~~البلاد بالديار المصرية . PageV33P0170 # """""" صفحة رقم 171 """""" ذكر حادثة وقعت بالمدينة النبوية على ساكنها ~~أفضل الصلاة والسلام وفي يوم السبت العشرين من شهر ربيع الأول وصل إلى ~~الأبواب السلطانية ms7781 الأمير طفيل أخو الأمير بدر الدين كبيش بن منصور بن جماز ~~بن شيحة من المدينة النبوية ، وأخبر أن أخاه الأمير بدر الدين كبيش توجه من ~~المدينة إلى البر لبعض أوطاره ، وأن عمه الأمير ودي لما علم خلو المدينة ~~منه وصل إليها بجموع من العرب ، وحاصرها في ثامن عشر صفر ، واستولى عليها ~~في الخامس والعشرين من الشهر بعد أن حرق بعض أبوابها ، وقتل القاضي شهاب ~~الدين هاشم بن علي بن سنان قاضي الشيعة بالمدينة ، وجرح بعضهم ، وقتل نفر ~~يسير ، واستولى ودي على حواصل الأمير كبيش وذخائره وأمواله ، ثم وصل الأمير ~~بدر الدين كبيش إلى الأبواب السلطانية ، وجرد معه طائفة من العسكر إلى ~~المدينة ، فوصل إليها في العشر الأخر من شوال ، وخرج من كان بالمدينة من ~~أصحاب ودي ، وأقام العسكر بالمدينة ثلاثة أيام ، وعاد إلى الديار المصرية . ~~ذكر القبض على من يذكر من الأمراء ، وإعادة الأمير شرف الدين حسين بن جند ~~ربيك إلى الديار المصرية وفي هذه السنة في يوم الخميس مستهل جمادى الأولى ~~بعد العصر أمر السلطان بالقبض على الأمير سيف الدين القفجاقي أحد الأمراء ~~مقدمي الألوف ، وعلى أخيه سيف الدين قرمشي واعتقالهما ، وأمر أيضا بالقبض ~~على طائفة من المماليك السلطانية القفجاقية ، وجهز - في ليلة الجمعة إلى ~~ثغر الإسكندرية - ممن كان في الاعتقال بقلعة الجبل بالجب من الأمراء صلاح ~~الدين طرخان بن الأمير بيبرس الشمسي ، وسيف الدين برلغي وهو ابن عم السلطان ~~، ورسم باعتقالهم بالثغر ، أحسن الله تعالى خلاصهم . PageV33P0171 # """""" صفحة رقم 172 """""" ولما قبض على أصلم أمر السلطان بإعادة الأمير ~~سيف الدين حسين بن جندر بيك إلى الخدمة الشريفة بالأبواب السلطانية - وقد ~~قدمنا خبر إرساله إلى الشام - فوصل إلى الأبواب السلطانية في يوم الاثنين ~~تاسع عشر جمادى الأولى ، وشمله الأنعام بالتشريف الأطلس بالطرزالزركش ، ~~والكلوتة الزركش والحياصة الذهب المجوهرة ، وأنعم عليه بإقطاع الأمير سيف ~~الدين أصلم وتقدمته . وفيها في يوم الاثنين خامس جمادى الأولى توجه الأمير ~~حسام الدين حسين بن خربندا إلى بلاد التتار ، وكان هذا الأمير قد حضر إلى ~~الأبواب السلطانية ms7782 من مدة سنين ، وشمله الإنعام السلطاني بأمرة طبلخاناه ~~بالديار المصرية ، فتكرر طلب التتار له لما وقع الصلح ، وسألوا السلطان ~~إرساله إليهم ، وذكروا أن له إخوة وعيالا يبكون عليه ، فعرض السلطان عليه ~~العود إلى بلاده فيما تقدم ، فأبى ، فلما كان في هذا الوقت عاد سيف الدين ~~كرماس أحد مماليك الأمير سيف الدين أيتمش المحمدي من جهة الأمير جوبان نائب ~~الملك أبي سعيد - وكان قد توجه إليه برسالة - فأكد عليه في سؤال السلطان في ~~إعادته ، فرسم بعوده إلى بلاده ، وخلع السلطان عليه وزوده ، فتوجه في هذا ~~التاريخ ، ثم عاد الأمير المذكور في هذه السنة رسولا من جهة الملك أبي سعيد ~~، فسمع السلطان رسالته ، وخلع عليه وأعاده . ذكر اتصال الأمير سيف الدين ~~قوصون بابنة السلطان الملك الناصر وفي يوم الاثنين الثالث من جمادى الآخرة ~~من هذه السنة عقد نكاح الأمير سيف الدين قوصون الناصري على إحدى بنات ~~السلطان الملك الناصر بحضور قضاة القضاة وأمراء الدولة الشريفة ، وذلك ~~بقلعة الجبل ، وتولى عقد النكاح بالإذن السلطاني قاضي القضاة شمس الدين ~~محمد بن الحريري الحنفي ، وبنى بها في ليلة الجمعة الثالث عشر من شهر رجب ، ~~وكان ابتداء الفرح من يوم الاثنين تاسع الشهر . وهذا الأمير - سيف الدين ~~قوصون المذكور - لم يكن قديم الهجرة في الخدمة السلطانية ، وإنما ابتاعه ~~السلطان من سنيات من رسل أزبك ، فأحسن إليه ، وأمره ، وزاد في الإحسان إليه ~~حتى انتهى إلى هذه الغاية ، ثم قدمه على ألف ، وعظم شأنه ، وارتفع محله ، ~~وتميز إقطاعه ، وكثرت عصائره ، واتسع ملكه ، وتقدم في الدولة تقدما عظيما ، ~~ووصل إخوته من بلاد الملك أزبك ، وتزوج السلطان بعد ذلك بأخته ، وكان من ~~تمكنه وبسطته ما نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه . PageV33P0172 # """""" صفحة رقم 173 """""" وفي هذه السنة في العشر الأول من جمادى ~~الأولى وصل إلى الأبواب السلطانية رسل صاحب إسطنبول ، فلما مثلوا بين يدي ~~السلطان ، وأدوا الرسالة أسلم أحدهم وهو آقسنقر الرومي ، وتلفظ بالشهادتين ~~المعظمتين ، فسر السلطان بإسلامه ، وأحسن إليه ، وأنعم عليه ، ثم أمره ~~بعشرة طواشية ، ولبس بالإمرة في ms7783 يوم السبت رابع عشرين شوال من السنة وأسلم ~~أيضا أخ لهذا الرسول اسمه بهادر ونزل في جملة المماليك السلطانية ، والله ~~أعلم . ذكر استعفاء قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعي من القضاء ~~بالديار المصرية ، وإجابته إلى ذلك ، وتفويض القضاء بعده لقاضي القضاة جلال ~~الدين القزويني وكان سبب ذلك أن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن الشيخ برهان ~~الدين إبراهيم بن جماعة الشافعي ضعف بصره ، ونزل الماء في إحدى عينيه ، ~~وكمل ، وتحدر إلى العين الثانية ، فقل نظره جدا ، وتبين ذلك وظهر في أواخر ~~جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، فلما كان في يوم الاثنين ثالث ~~جمادى الآخرة حضر إلى دار العدل ، وأنهى ذلك إلى السلطان ، وسأله أن يعفيه ~~من الحكم ، وانفصل المجلس ثم أتته الرسالة السلطانية بالإجابة إلى الإعفاء ~~. واستدعى السلطان ولده القاضي عز الدين عبد العزيز إلى بين يديه في يوم ~~الجمعة السابع من الشهر ، وتحدث معه في معني والده ، وسبب ضعف بصره ، وسأله ~~عن الجهات التي بيده ، ثم حضر قاضي القضاة بدر الدين في يوم الاثنين عاشر ~~الشهر أو حادي عشره إلى مجلس السلطان بدار العدل الشريف ، وأعاد السؤال في ~~الإعفاء ، فأجابه السلطان إلى ذلك من غير أن يصرح له بعزله ، ثم سأله ~~السلطان عمن يصلح للقضاء ، وأن يعين له من يوليه ، فاستعفى من ذلك ، ولم ~~يعين ، ورسم له في ذلك PageV33P0173 # """""" صفحة رقم 174 """""" المجلس أن يحكم في قضية كانت بين الأمير سيف ~~الدين بكتمر الحاجب وبين خصومه ، فنزل إلى المدرسة الصالحية بالقاهرة ، ~~وجلس في قاعته ، وحكم في عشية نهار الاثنين المذكور بين الأمير سيف الدين ~~وغرمائه ، وبلغني أنه قال لمن حضر مجلسه : " هذا آخر الحكم " وتوجه إلى ~~داره التي بساحل مصر بقرب الجامع الناصري ، واستقر بها وأخلى قاعة التدريس ~~بالمدرسة الصالحية بالقاهرة . ورسم له السلطان أن يرتب له من مال منجز ~~الخاص الشريف في كل شهر ألف درهم نقرة بحكم استعفائه من الحكم ، فكتب له ~~توقيع سلطاني بذلك ، ولم يكتب له فيه ما جرت العادة به من ms7784 النعوت ، واستقر ~~بيده من جهاته تدريس زاوية الإمام الشافعي بجامع عمرو بن العاص بمصر ، ~~فاستمر يلقي فيها الدرس ، واستمر نوابه في القاهرة ومصر والأعمال على ~~ولايتهم منه ، وأحكامهم نافذة . وذكر بين يدي السلطان من يصلح للقضاء ~~بالديار المصرية ، فعين جماعة لم يقع اختياره على أحد منهم ، فاجتمع رأي ~~السلطان على إحضار قاضي القضاة جلال الدين محمد ابن قاضي القضاة سعد الدين ~~عبد الرحمن ابن قاضي القضاة إمام الدين عمر القزويني قاضي القضاة بدمشق ، ~~وخطيب الجامع الأموي بها ، فرسم بطلبه وأن يحضر على خيل البريد . وتقرر أن ~~ينقل القاضي كمال الدين بن الزملكاني قاضي حلب منها إلى دمشق ، ويتوجه ~~القاضي جمال الدين الزرعي - الذي كان قاضي الشام وعزل بالقاضي جلال الدين - ~~إلى حلب ، ولم ينعقد في ذلك ولاية . PageV33P0174 # """""" صفحة رقم 175 """""" وتوجه البريد لإحضار قاضي القضاة جلال الدين ~~المذكور إلى الأبواب السلطانية ، فوصل إلى دمشق في يوم الجمعة منتصف جمادى ~~الآخرة ، وتوجه القاضي جلال الدين من دمشق إلى الأبواب السلطانية في يوم ~~الأربعاء التاسع عشر من الشهر ، فوصل إلى الخانقاة الناصرية بسماسم في يوم ~~الجمعة الثامن والعشرين من الشهر ، ونزل عند شيخها ، مجد الدين الأقصرائي ، ~~وسأله الشيخ والفقراء أن يخطب لهم بالجامع ، فاستأذن الخطيب شهاب الدين ~~أحمد بن السبتي في الخطبة ، فأذن له ، فخطب وصلى بالناس بالجامع الناصري ~~بالخانقاه الناصرية ، وركب من الخانقاة ، ووصل إلى الأبواب السلطانية بقلعة ~~الجبل المحروسة بكرة نهار السبت التاسع والعشرين من جمادى الآخرة ، وهو ~~سلخه ، وحضر بين يدي السلطان ، فأكرمه وشافهه بالولاية ، وأنعم عليه ، وخلع ~~عليه خلعة القضاء ، وأنعم عليه ببغلة بسرج وزنار من جوخ ، وقام من المجلس ~~السلطاني ، وجلس بمصاطب باب القلعة وكتب على الفتيا على عادة القضاة في ذلك ~~، ونزل من القلعة إلى المدرسة الصالحية ، وحكم بين الناس ، وأقر النواب على ~~ما كانوا عليه من جهة قاضي القضاة بدر الدين ، ثم أنعم السلطان عليه بزيادة ~~على معلوم القضاء ، واستقر بيده - مما كان بيد القاضي بدر الدين - تدريس ~~المدرسة الصالحية ، والمدرسة الناصرية ، ودار الحديث ، بالكاملية ms7785 ، وخطب ~~بجامع قلعة الجبل من غير معلوم مع استمرار خطيبه ابن القسطلاني ، فصار يخطب ~~جمعة وقاضي القضاة جمعة ، هذا إذا كان السلطان بقلعة الجبل ، وإذا كان ~~السلطان بالصيد أو غيره خطب الخطيب المستقر بمفرده ، والجامكية للخطيب خاصة ~~. وكان قد حضر مع قاضي القضاة جلال الدين ولده القاضي بدر الدين محمد ، ~~ففوض السلطان إليه خطابة الجامع الأموي بدمشق ، وتدريس المدرسة الشامية ~~الجوانية ، وعاد إلى دمشق على خيل البريد ، وكان وصوله إليها في يوم السبت ~~الثاني والعشرين من الشهر ، وجلس للتدريس بالمدرسة الشامية في يوم الأربعاء ~~سابع عشر شعبان من السنة . PageV33P0175 # """""" صفحة رقم 176 """""" ذكر وصول رسل الملك أبي سعيد ملك العراقين ~~وخراسان إلى الأبواب السلطانية وفي يوم الأربعاء الرابع من شهر رجب من هذه ~~السنة وصل إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية رسل الملك أبي سعيد بن ~~خربندا ملك العراقين وخراسان وبلاد الروم وغير ذلك ، وكان المشار إليه منهم ~~سيف الدين أسندمر ، وهو من أكابر الأمراء مقدمي التوامين ، ووصل صحبتهم ~~محمد بيه بن جمق أحد أقارب السلطان ، وهو ابن أخت الأمير سيف الدين طايربغا ~~، فمثلوا بين يدي السلطان في يوم الخميس ، فسمع رسالتهم ، وقبل هدية مرسلهم ~~، وأحسن إليهم ، وأنزلهم عند الأمير سيف الدين أيتمش المحمدي بقلعة الجبل ، ~~وشملهم السلطان بالتشاريف والإنعام . وكان مضمون رسالتهم من الملك أبي سعيد ~~- فيما بلغني من المحقق لها - خطبة ابنة السلطان للأمير خواجا دمشق بن ~~الأمير جوبان نائب الملك أبي سعيد ، فأجاب السلطان إلى ذلك ، واشترط حضور ~~بن جويان إلى أبوابه ، وتوجه الرسل في خدمة السلطان إلى الميدان في يوم ~~السبت سابع الشهر ، وشاهدوا من مواكبه العظيمة ما لم يروا مثله ، وتوجهوا ~~إلى القبة المنصورية لزيارة ضريح السلطان الملك المنصور والد السلطان ، ~~وذلك في يوم الجمعة ثالث عشر الشهر ، ودخلوا المدرسة ، ومد لهم سماط ~~بالإيوان القبلي ، وحضر الفقهاء بجملتهم في الإيوان البحري . ثم توجه الرسل ~~أيضا في خدمة السلطان في يوم السبت إلى الميدان ، وعادوا إلى مرسلهم بعد أن ~~شملهم الإنعام الوافر من الخلع والأموال ، وكان توجههم ms7786 في يوم الاثنين ~~السادس عشر من شهر رجب ، وجهز السلطان معهم الأمير سيف الدين قطلوبغا ~~المغربي الحاجب . وأما محمد بيه بن جمق الواصل صحبتهم فإن السلطان أنعم ~~عليه بإمرة طبلخاناة ، وأقطعه إقطاع الأمير عز الدين أيبك البكتوتي أمير ~~علم ، ونقل البكتوتي إلى صفد على إقطاع نجم الدين فيروز ، وكان قد قبض عليه ~~واعتقل بها . وفيها في يوم الاثنين تاسع عشر شهر رجب أمر السلطان بالقبض ~~على أولاد الأمير سيف الدين بكتمر الأبي بكري الثلاثة وهم : علاء الدين ~~أمير علي ، PageV33P0176 # """""" صفحة رقم 177 """""" وسيف الدين أسنبغا ، وشهاب الدين أحمد ، فقبض ~~عليهم وعوقوا بدار الأمير سيف الدين ألماس الحاجب أياما إلى أن سكنت الفتنة ~~التي وقعت بثغر الإسكندرية ، ونقل الأمراء منها على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى ، ثم أفرج عنهم ، ورسم لهم بالدخول إلى الخدمة السلطانية ، فدخلوا ، ~~ووقفوا مع الجند ، فأمر السلطان الحجاب أن يرفعوا منزلتهم ، وأن يقفوا مع ~~الأمراء ، وأن يلبسوا أقبية فوقانية على عادة الأمراء في ذلك . ذكر الفتنة ~~الواقعة بثغر الإسكندرية وفي يوم الخميس خامس شهر رجب سنة سبع وعشرين ~~وسبعمائة ، وقع بثغر الإسكندرية المحروس فتنة عظيمة بين أهل الثغر ومتوليه ~~ركن الدين بيبرس الكركي . وسبب هذه الفتنة أن جماعة من عوام الثغر اجتمعوا ~~في هذا اليوم ليتفرجوا على عادتهم ، فوقفوا على حلقة قاص ظاهر الثغر بين ~~بابي الأخضر والبحر ، وكان في الحلقة فرنجي من أتباع رسل صاحب إسطنبول ، ~~فشرع القاص إذا ذكر في قصصه النبي [ ] رفع المسلمون أصواتهم بالصلاة على ~~عادة المسلمين في ذلك ، فقال بعضهم : أخرجوا هذا الفرنجي من بيننا ، فإننا ~~نحن نصلي على النبي [ ] وهو لا يصلي عليه ، فأرادوا إخراجه من الحلقة ، ~~فامتنع من الخروج ، فدفع منها ، فأعانه بعض رجالة الولاية بالثغر ، وقال : ~~هذا من أتباع الرسل الذين وصلوا إلى السلطان ، فضرب بعض العوام ذلك الراجل ~~، فاستنفر بجماعة من رفقته رجالة الولاية ، فكاثرهم العوام وضربوهم ، وثارت ~~الفتنة ، فركب المتولي ليرد الناس ، فرجمه أهل الثغر ، فغلق أبواب البلد ~~بين العوام وبين مساكنهم ، وتحصن منهم ، وأحضر إليه ms7787 ريس الخلافة قاربا فيه ~~نشاب ، فرمى العوام بالنشاب ، فقتل منهم جماعة . وحضر القاضي بالثغر عماد ~~الدين الكندي ، وأشار على المتولي بالكف ، فلم يوافقه ، واستمر هو وأصحابه ~~على رشق العوام بالنشاب ، فقيل : إن القاضي قال PageV33P0177 # """""" صفحة رقم 178 """""" للعوام : قد حل لكم قتالهم ، فعند ذلك عظمت ~~الفتنة ، وحوصر المتولي ، وتوجه جماعة من العوام إلى دار ريس الخلافة ، ~~فانتهبوا جميع ما فيها ، وقتلوا جماعة من العوام ، وتوجه بعضهم وكسروا ~~السجن ، فأخرجوا ، ما فيه من المعتقلين ، وكان عبيد أهل الثغر قبل ذلك قد ~~خرجوا للعب في عيد اللنجات على عادتهم ، فضرب المتولي منهم جماعة واعتقلهم ~~، فخرجوا الآن ، وقصد العوام إخراج الأمراء المعتقلين بالثغر ، فامتنعوا من ~~ذلك . فعند ذلك بادر المتولي بمطالعة السلطان بهذه الحادثة ، فوصلت مطالعته ~~في بكرة يوم الأحد ثامن شهر رجب ، فندب السلطان الأمير علاء الدين مغلطاي ~~الجمالي مدبر الدولة وأستاذ الدار العالية ، وصحبته من الأمراء : الأمير ~~سيف الدين ألدمر أمير جاندار ، والأمير سيف الدين طوغان شاد الدواوين ، ~~وغيرهما ، فتوجهوا إلى الثغر في بقية نهار الأحد لكشف هذه الحادثة ، ~~ومقاتلة من تعدى ، ورسم بإهانة القاضي عماد الدين الكندي الحاكم بالثغر ، ~~والإخراق به ، وعزله عن القضاء ، وفوض قضاؤه إلى القاضي علم الدين بن ~~الأخنائي الشافعي في العشر الأوسط من شهر رجب ، وهو أول شافعي ولي قضاء ~~الثغر . ولما وصل الأمير علاء الدين مغلطاي والأمراء إلى الثغر أحضر القاضي ~~عماد الدين الحاكم ، وأهانه ، وصادره هو وشمس الدين المؤذن البلبيسي نائبه ~~وجماعة من أهل الثغر والتجار ، فأخذ من جهتهم نحو خمسين ألف دينار . منها ~~من التجار الكارمية نحو عشرين ألف دينار وبقية ذلك من أهل الثغر ، ووسط ~~جماعة من العوام ، ومسك جماعة من العبيد بالثغر وغير العبيد ، وأحضر منهم ~~نحو تسعين رجلا ، فقيدوا واستعملوا في العمارة ، وحصل لأهل الثغر ضرر عظيم ~~. وكان ممن وسط رجل صاحب قاعة فزارة يعرف بابن رواحة كان قد حضر إلى الأمير ~~علاء الدين ، والتزم بحفظ ميناء الثغر ، وأنه مقيم من رجاله من يحفظها بغير ~~جامكية ، ويوفر جامكية الرماة بالبحر ms7788 ، وكان هذا الرجل عنده أربعمائة عدة ~~يلبسها الرجال المقاتلة إذا دهم الثغر عدو ، فأخرجوا من البلد فتوجهوا إلى ~~منية مرشد إلى الشيخ محمد المرشدي ، وطولع في أمره ، وأنهى المتولي إلى ~~السلطان أن هذا الرجل رأس فتنة ، فطلب وأحضر إلى الثغر ووسط ، وأخليت قاعات ~~الرماة بالثغر . PageV33P0178 # """""" صفحة رقم 179 """""" وعاد الأمير علاء الدين والأمراء إلى الأبواب ~~السلطانية في يوم الأربعاء خامس عشرين الشهر ، والثغر وأهله على أسوأ ~~الأحوال . ورسم السلطان بنقل جماعة من الأمراء المعتقلين ، أحضر منهم في ~~يوم الأحد الثاني والعشرين من الشهر عشرة نفر جهز منهم إلى الكرك الأمير ~~سيف الدين بكتمر الأبي بكري ، وسيف الدين تمر الساقي واعتقل ببرج السباع ~~بقلعة الجبل الأمير علم الدين سنجر الجاولي ، والأمير سيف الدين بهادر ~~المغربي ، واعتقل بالجب ستة وهم : سيف الدين طغلق ، وأمير غانم بن أطلس خان ~~وسيف الدين قطلوبك المعلائي المعروف بالأوشاقي ، وعز الدين أيدمر اليونسي ، ~~وسيف الدين كجكن ، وفخر الدين أياز - نائب قلعة الروم كان - ثم أفرج عن فخر ~~الدين أياز المذكور في يوم الخميس السادس والعشرين من الشهر لكبر سنه وعجزه ~~، وخلع عليه على عادة مقدمي الحلقة المنصورة ، وسكن بالقاهرة عند أولاده . ~~وتأخر بثغر الإسكندرية من الأمراء المعتقلين به صلاح الدين طرخان بن بيسري ~~، وسيف الدين بلاط الجوكندار ، وسيف الدين برلغي ، وحسام الدين لاجين ~~العمري ، وسيف الدين ايتزا ، وركن الدين بيبرس العلمي ، وسيف الدين طشتمر ~~أخو بنحاص أحسن الله خلاصهم . وفيها في يوم الأحد التاسع والعشرين من شهر ~~رجب - وهو سلخه - جلس الأمير علاء الدين مغلطاي بقاعة الوزارة التي استجدت ~~له بقلعة الجبل المقابلة لديوان الإنشاء ، وجلس نظار الدولة والمستوفون ~~وكتاب الدرج بين يديه خارج الشباك على مصطبة بنيت برسم جلوسهم ، ووقف شاد ~~الدواوين سيف الدين طوغان وحجاب الوزارة من أسفل المصطبة التي جلس عليها من ~~ذكرنا أمام الشباك ، ولم يعبر إليه أحد بداخل القاعة التي هو بها - وبها ~~الشباك - سوى مماليكه وحاشيته . PageV33P0179 # """""" صفحة رقم 180 """""" ذكر تفويض قضاء القضاة بالشام لشيخ المشايخ ~~علاء الدين القونوي وكان السلطان ms7789 لما نقل قاضي القضاة جلال الدين القزويني ~~من دمشق إلى الديار المصرية المحروسة رسم بطلب القاضي كمال الدين بن ~~الزملكاني قاضي حلب منها ليفوض إليه قضاء الشام ، فتوجه البريد إليه في ~~أوائل شعبان ، ووصل البريد إلى دمشق في ثامن شعبان ، وتوجه إلى حلب ، وعاد ~~صحبة القاضي كمال الدين المذكور ، فكان وصوله إلى دمشق في يوم السبت ~~العشرين من شعبان ، وتوجه إلى الأبواب السلطانية في يوم الخميس الخامس ~~والعشرين من شعبان على خيل البريد . فلما وصل إلى مدينة بلبيس درج بالوفاة ~~إلى رحمة الله تعالى على ما نذكره إن شاء الله في الوفيات ، ولما اتصلت ~~وفاته بنائب السلطنة بالشام طلب القاضي بدر الدين أبا اليسر محمد بن قاضي ~~القضاة عز الدين محمد بن محمد بن محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق بن خليل ~~الأنصاري المعروف بابن الصايغ ، وكان معتكفا بالجامع الأموي ، فخرج من ~~اعتكافه ، وتوجه إليه ، فتحدث معه نائب السلطنة في ولاية القضاء ، وتلطف به ~~، فامتنع كل الامتناع ، وصمم على ألا يلي القضاء أبدا ، فلم يزل يتلطف به ~~إلى أن قال : أستخير الله تعالى في ذلك ، فكتب نائب السلطنة إلى الأبواب ~~السلطانية في ولايته القضاء ، فكتب تقليده بالقضاء ، وسير إلى دمشق ، فوصل ~~في يوم الخميس خامس عشر شوال ، فحمل إليه التقليد والتشريف ، فامتنع من ~~قبول الولاية ، وأصر على الامتناع ، ومرض بسبب ذلك ، ورد التقليد والتشريف ~~. فطالع نائب السلطنة بذلك ، فاتفق رأي السلطان على تفويض القضاء لشيخ ~~الشيوخ علاء الدين أبي الحسن علي بن الشيخ نور الدين إسماعيل بن جمال الدين ~~PageV33P0180 # """""" صفحة رقم 181 """""" يوسف القونوي الشافعي ، فأحضره السلطان إلى ~~مجلسه في يوم الاثنين السادس والعشرين من شوال سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، ~~وفوض إليه قضاء القضاة بالشام ، وخلع عليه في هذا اليوم ، وأذن له في الحكم ~~بالقاهرة ، فأثبت كتبا تتعلق بالشام ، وأنعم السلطان عليه بمبلغ ألف درهم ~~وخمسمائة درهم ، ورسم أن يجهز له من ديوان الخاص ما ينقل عليه عياله إلى ~~دمشق ، فجهز له أربعة محاير وعدة جمال ، وصرفت أجرتها من ms7790 ديوان الخاص ~~السلطاني ، ورسم لعائلته في كل يوم - من حين سفرهم إلى أن يصلوا دمشق - ~~بثلاثين درهما نقرة ، عن عشرين يوما ستمائة درهم . وتوجه هو إلى دمشق على ~~خيل البريد بعد صلاة الظهر من يوم السبت التاسع من ذي القعدة ، ووصل إلى ~~دمشق في بكرة نهار الاثنين الخامس والعشرين من الشهر ، واجتمع بنائب ~~السلطنة بدار السعادة ، ولبس التشريف وتوجه إلى المدرسة العادلية ، وقرئ ~~تقليده ، وجلس للحكم ، وسلك في ولايته سبيل السلف الصالح ، ولم يحتجب عن ~~أحد من الناس ، ثم فوض إليه مشيخة الشيوخ بدمشق عوضا عن قاضي القضاة شرف ~~الدين المالكي ، وذلك في ذي الحجة من السنة ، وجلس بالخانقاة السميساطية في ~~يوم الجمعة رابع المحرم سنة ثمان وعشرين وسبعمائة . ذكر تفويض ما كان بيد ~~الشيخ علاء الدين من الجهات لمن يذكر ، وما وقع في أمر الصوفية بالخانقاة ~~الصلاحية لما توجه شيخ الشيوخ إلى دمشق المحروسة فوض ما كان بيده من تدريس ~~المدرسة الشريفية بالقاهرة لقاضي القضاة جلال الدين ، وفوضت مشيخة الشيوخ ~~بالخانقاة الصلاحية للشيخ مجد الدين الأقصرائي شيخ الخانقاة الناصرية ~~بسماسم ، ورسم له أن يستنيب عنه بالخانقاة الصلاحية الشيخ جمال الدين ~~الحويزائي ، وتولى مشيخة الخانقاة الركنية الشيخ افتخار الدين الخوارزمي ، ~~ونقل شيخها الشيخ مجد الدين الزنكلوني إلى تدريس الحديث بالقبة الركنية ، ~~ورتب معه معيد وقارئ وطلبة بمقتضى شرط الواقف ، وهو أول من درس بهذه القبة ~~، وكانت قبل ذلك معطلة منذ وقفت . PageV33P0181 # """""" صفحة رقم 182 """""" ولما ولي الشيخ مجد الدين الخانقاة الصلاحية ~~تحدث مع السلطان في أمر الفقراء بالخانقاتين المذكورتين ، فندب السلطان ~~لذلك الأمير سيف الدين قجليس الناصري أمير سلاح ، وقاضي القضاة جلال الدين ~~القزويني ، فحضرا إلى الخانقاة في يوم الاثنين حادي عشر ذي القعدة ، وعرض ~~الفقراء بها وبالخانقاة الركنية ، فأخبرني الأمير سيف الدين قجليس المشار ~~إليه أنه أنهى إلى السلطان أمر العرض ، وأنه رسم أنه من حضر إلى الخانقاة ~~في وقت الوظيفة وأداها يستمر ولا يقطع ، ومن كانت له وظيفة تعارضه في الوقت ~~يخير في إحداهما ، ثم حضر الشيخ مجد ms7791 الدين واجتمع بالسلطان ، وقرر معه قطع ~~جماعة العدول الجالسين بسوق الوراقين من الخانقاة ، وأرباب الوظائف ، فقطع ~~من الخانقاة الصلاحية من له عدالة بارزة ، وجلوس بسوق الوراقين ، وقطع أيضا ~~جماعة من أرباب الوظائف ، فصارت العدالة البارزة وصمة عليهم ، وسببا ~~لحرمانهم ، وقويت الشناعة في ذلك ، فأعيد بعض من قطع ، وكره الناس من الشيخ ~~مجد الدين هذه الواقعة ، أشد الكراهة ، وتكلموا عليه وعلى ابن أخيه أوحد ~~الدين أحمد بهذا السبب ، ثم انفصل الشيخ افتخار الدين من مشيخة الخانقاة ~~الركنية ، ولم يطل مقامه بها ، ثم سكنت الأحوال في ذلك . وفيها في ليلة ~~الجمعة ثالث عشر ذي الحجة بنى الأمير شهاب الدين أحمد بن الأمير سيف الدين ~~بكتمر الساقي الركني الناصري بابنة الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة ~~بالشام ، وكان قد تقدم عقد النكاح عليها عند حضور والدها في هذه السنة إلى ~~الأبواب السلطانية ، ووصلت من دمشق في ليلة الجمعة مستهل ذي القعدة ، وحصل ~~الاهتمام بأمر الفرح ، ووصل بسببه الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماة ، ~~وقدم التقادم الوافرة ، وكان بسبب هذا المهم من الاحتفال والتقادم وحمل ~~الشموع شيء كثير . ذكر وصول رسل الباب فرنسيس إلى الأبواب السلطانية وفي ~~هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الباب ، وهو القائم ببلاد الفرنج ~~مقام الخليفة ، ورسل الملك فرنسيس ، واسمه ديكردين فلب ، ومثلوا بين يدي ~~السلطان ، وأحضروا ما معهم من التقادم ، وكان مضمون رسالتهم سؤال السلطان ~~أن يبرز أمره بالوصاة بالنصارى ، وذكروا أن ببلاد الفرنج جماعة كثيرة من ~~المسلمين ، وأن PageV33P0182 # """""" صفحة رقم 183 """""" السلطان إن أحسن إلى من في مملكته من أهل ~~الذمة النصارى أحسنوا إلى من ببلادهم من المسلمين ، فسمع السلطان رسالتهم ، ~~وقبل تقدمتهم ، وأكرم وفادتهم ، وأعادهم إلى مرسلهم ، ولم يصل إلى الديار ~~المصرية من جهة هذا الملك رسول من الأيام الصالحية النجمية إلى حين وصول ~~هؤلاء الرسل الآن . ذكر متجددات كانت بالشام في هذه السنة خلاف ما ذكرناه ~~في هذه السنة في شهر ربيع الأول فوض قضاء القضاة بدمشق على مذهب الإمام " ~~أحمد بن حنبل " لقاضي القضاة ms7792 عز الدين محمد بن قاضي القضاة تقي الدين ~~سليمان الحنبلي عوضا عن قاضي القضاة شمس الدين بن مسلم بحكم وفاته ، كما ~~تقدم ، ووصل تقليده إلى دمشق في يوم الخميس الثامن عشر من الشهر ، وخلع ~~عليه ، وقرئ تقليده في يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر ، وجلس للحكم ~~بالمدرسة الجوزية على عادة والده رحمه الله تعالى . وفيها في مستهل شعبان ~~فوضت مشيخة المشايخ بدمشق لقاضي القضاة شرف الدين محمد بن القاضي معين ~~الدين أبي بكر المالكي مضافة إلى الحكم ، وجلس بالخانقاة السميساطية لذلك ~~في يوم الجمعة السادس والعشرين من الشهر . وفيها في سابع شهر رمضان فوض ~~قضاء القضاة بدمشق على مذهب الإمام أبي حنيفة للقاضي عماد الدين أبي الحسن ~~علي بن محيي الدين أحمد بن عبد الواحد الطرسوسي الحنفي عوضا عن القاضي صدر ~~الدين البصروي بحكم وفاته على ما نذكره ، ووصل تقليده إلى دمشق في يوم ~~الأربعاء سادس عشر شهر رمضان ، وخلع عليه في يوم الخميس سابع عشر الشهر ، ~~وجلس للحكم بالمدرسة النورية . PageV33P0183 # """""" صفحة رقم 184 """""" وفيها فوض قضاء القضاة بحلب المحروسة للقاضي ~~فخر الدين عثمان بن محمد بن عبد الرحيم بن إبراهيم البارزي الحموي الشافعي ~~، وكان يلي الخطابة بحماة ، وينوب عن عمه قاضي القضاة شرف الدين في الحكم ~~بحماة . وفيها في نصف رمضان وصل إلى دمشق المحروسة جماعة من الأسرى ~~المسلمين من بلاد الفرنج نحو مائة وأربعين أسيرا ، ومعهم جماعة من تجار ~~الفرنج تولوا استيفادهم ، فجعلوا في المدرسة العادلية الكبيرة بدمشق ، ورسم ~~بإعطاء التجار الفرنج ما ذكروا أنهم صرفوه وأنفقوه عليهم ، بعد تحليفهم ~~وتحليف الأسرى وكان ذلك نحو ستين ألف درهم ، فلما قبض التجار ذلك من ريع ~~الأوقاف على فكاك الأسرى أطلق الأسرى وكان سبب سعي التجار في فكاك هؤلاء ~~الأسرى أن قاضي القضاة جلال الدين القزويني أشهد على نفسه أنه جعل لكل من ~~يحضر أسيرا من المكان الفلاني مبلغا عينه ، وكتب بذلك مكتوبا ، وعرف التجار ~~ذلك ، فسعوا فيه ، وجعلوه من جملة متاجرهم ، " ونقلت هذه الواقعة من تاريخ ~~الشيخ علم الدين ms7793 بن البرزالي " . وفي يوم الاثنين الخامس والعشرين من ذي ~~القعدة فوضت نيابة السلطنة بقلعة دمشق المحروسة إلى الأمير علاء الدين ~~مغلطاي الخازن أحد الأمراء بدمشق عوضا عن الأمير علم الدين سنجر الدميثري ~~واستقر الدميثري من جملة الأمراء بدمشق المحروسة . وفيها في يوم الاثنين ~~الخامس والعشرين من ذي القعدة أيضا خلع على الأمير سيف الدين بلبسطي ، وفوض ~~إليه نيابة بحمص عوضا عن بلبان البدري ، رحمه الله تعالى ، وكانت وفاة ~~البدري في ليلة عيد الفطر من السنة بحمص ، وحمل إلى دمشق ، وصلي عليه بسوق ~~الخيل ، ودفن يوم السبت بسفح قاسيون . وفيها في التاريخ أيضا فوض نظر أوقاف ~~القدس الشريف ، وحرم الخليل عليه الصلاة والسلام إلى الأمير سيف الدين ~~إبراهيم بن الأمير علم الدين الجاكي ، وخلع عليه ، وتوجه . PageV33P0184 # """""" صفحة رقم 185 """""" وفيها في العشر الأول من ذي الحجة كمل ترخيم ~~الحائط الشمالي بالجامع الأموي بدمشق ، وكان في الدولة الظاهرية الركنية قد ~~رخم من جهة الشرق إلى باب الكلاسة ، ولم يكمل ، واستمر كذلك إلى الآن ، ~~فرسم بترخيمه ، فكان ذرع الذي استجد الآن من باب الكلاسة إلى زاوية الغزالي ~~ستون ذراعا طولا وفي الارتفاع ستة ، وعمل بأعلاه طراز مذهب . وفي هذه السنة ~~توفي أحد أولاد السلطان الملك الناصر وهو طفل ، ولعله الذي ذكرنا أنه ولد ~~في ثامن عشر المحرم من هذه السنة ودفن بتربة الخوندأردكين ابنة نوكاي زوج ~~السلطان . وتوفي في ليلة الاثنين المسفرة عن السادس والعشرين من جمادى ~~الأولى قبيل العشاء الآخرة الشيخ الصالح ضياء الدين محمد المعروف بالمعبدي ~~وهي نسبة إلى معبد الشيخ محيي الدين الفارسي بالقرافة ، وكانت وفاته بمنزله ~~بجوار الزاوية المعروفة به بخط موردة الخلفاء بمصر ، بشاطئ نيلها ، وصلي ~~عليه بالجامع الناصري ، وأم الناس في الصلاة عليه قاضي القضاة بدر الدين ~~الشافعي ، ثم صلي عليه ثانيا في جامع عمرو بن العاص بمصر ، ودفن بالقرافة ~~بتربته في قبر كان قد حفره لنفسه ، وأعده لدفنه في حال حياته ، وكان رحمه ~~الله تعالى كثير الخدمة للفقراء ، والتكرم عليهم والإنفاق ، وله مروءة ~~وافرة ، كثير التعصب ms7794 والقيام مع من يقصده ، يطرح الكلفة جدا ، كان ينفق على ~~الفقراء الواردين وغيرهم ممن يقصده النفقات الكثيرة ، ويطعمهم الأطعمة ~~اللذيذة الفاخرة ، ويفرجهم في المستنزهات ، وهو في غالب أوقاته يلبس الدلق ~~المرقع بغير قميص ، وكان حسن المحاضرة ، كثير النوادر ، مشهورا بالخلاعة ~~والانبساط رحمه الله تعالى . وتوفي في يوم الأحد الثامن من شهر رجب القاضي ~~الإمام الفاضل العالم نجم الدين أبو العباس أحمد بن صدر الدين محمد بن رشيد ~~الدين حرمي الشافعي القمولي نائب الحكم العزيز بمصر ، وناظر الحسبة بها ، ~~وكانت وفاته بداره بمصر ، PageV33P0185 # """""" صفحة رقم 186 """""" وصلي عليه بجامع عمرو بن العاص عقيب صلاة ~~الظهر من اليوم المذكور ، وكانت جنازته مشهودة ، حضرها القضاة والحكام ~~والأكابر وغيرهم من العوام ، ومولده في سنة ثلاث وخمسين وستمائة تقريبا ~~بقمولة من غربية مدينة قوص ، وكان رحمه الله تعالى رجلا دينا فاضلا فقيها ~~عالما ، صنف : " كتاب البحر المحيط في شرح الوسيط " في نحو ثمانية عشر ~~مجلدا كبارا ، واختصره في ثماني مجلدات وسمي المختصر : " جواهر البحر " ~~وشرح مقدمة الشيخ أبي عمر بن الحاجب في النحو في مجلدين وشرح الأسماء ~~الحسنى ، وغير ذلك من التآليف رحمه الله تعالى . وتوفي في ليلة الأحد خامس ~~عشر شهر رجب الشيخ الصالح أبو القاسم عبد الرحمن بن موسى بن خلف الحدافي ~~وكانت وفاته بالبرج بقلعة الجزيرة مقابل مصر ، وبه كان يسكن ، وصلي عليه ~~بجامع عمرو بن العاص بعد صلاة الظهر ، ودفن بسفح المقطم بتربة الشيخ تاج ~~الدين بن عطاء الله ، بجوار تربة الشيخ أبي محمد بن أبي حمزة ، وكان الشيخ ~~عبد الرحمن رجلا صالحا زاهدا عابدا منقطعا متخليا عن الدنيا ، رحمه الله ~~تعالى . وتوفي بحلب الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير سيف الدين أرغون ~~الناصري نائب السلطنة الشريفة والده ، وكانت وفاته في يوم السبت ثالث عشر ~~شعبان ، ونقل الشيخ علم الدين بن البرزالي في تاريخه أنه توفي في يوم ~~الجمعة ثاني عشره ، ودفن يوم السبت ، وكان قد استقر عند انتقال والده إلى ~~نيابة السلطنة بحلب في جملة الأمراء مقدمي الألوف بحلب ، فمرض ms7795 ومات ، فوصل ~~الخبر إلى الأبواب السلطانية في يوم الأربعاء رابع عشرين الشهر ، وكان قبل ~~ذلك قد توفي أخوه الصغير أحمد ، وهو من أمراء العشرات بحلب ، ووصل الخبر ~~أيضا بمرض والده وأخوته ، فرسم السلطان أن يتوجه صلاح الدين بن البرهان أحد ~~الأطباء بالباب الشريف ، فتوجه إليهم على خيل البريد في يوم الجمعة تاسع ~~عشر الشهر . وتوفي في يوم الثلاثاء ثامن شهر رمضان القاضي عز الدين عبد ~~العزيز بن أحمد بن عمر بن عثمان بن الخضر الهكاري قاضي الأعمال الغربية ، ~~ويعرف بابن خطيب الأشمونين ، وكانت وفاته بالقاهرة ، وكان قد حضر من المحلة ~~للسلام على قاضي القضاة جلال الدين فمرض ودامت به العلة إلى أن مات ، وكان ~~فقيها فاضلا نزها كريم الأخلاق ، رحمه الله تعالى . PageV33P0186 # """""" صفحة رقم 187 """""" وتوفي في يوم الثلاثاء ثامن شهر رمضان أيضا ~~الأمير سيف الدين قطلوبغا بن عبد الله المغربي الناصري الحاجب ، وكان قد ~~توجه صحبة الرسل إلى حلب كما ذكرنا ، فمرض في سفره ، وعاد فعجز عن الركوب ، ~~فحمل في محفة ، ورحل إلى القاهرة في يوم الاثنين سابع عشر شهر رمضان ، فبات ~~بداره ليلة واحدة ، ومات رحمه الله تعالى ، وكان السلطان قد أعده لمهماته ، ~~ووعده بتقدمة ألف ، فعاجلته المنية عن بلوغ الأمنية . وفيها في آخر ليلة ~~الأربعاء سادس شهر رمضان توفي القاضي كمال الدين أبو المعالي محمد بن الشيخ ~~علاء الدين علي بن الشيخ كمال الدين عبد الواحد بن خطيب زملكا زين الدين ~~عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأنصاري الشافعي ، المعروف بابن الزملكاني ، ~~وكانت وفاته بمدينة بلبيس مدينة الأعمال الشرقية من الديار المصرية ، وكان ~~قد استدعي من حلب بالأمر السلطاني ، لينقل إلى قضاء الشام ، فجاء على خيل ~~البريد ، فلما انتهى إلى منزلة الصالحية مرض ، فوصل إلى بلبيس ، وقد اشتد ~~به المرض فمات ، وحمل إلى القرافة في ليلة الخميس ، فدفن بالقرب من قبر ~~قاضي القضاة إمام الدين القزويني جوار قبة الإمام الشافعي ، ومولده في ليلة ~~الاثنين ثامن شوال سنة سبع وستين وستمائة ، وكان من أعيان العلماء بمذهب ~~الإمام الشافعي ms7796 ومن الفضلاء ، ولي كتابة الدرج بدمشق مدة طويلة ، وتنقل في ~~الولايات ودرس في أجل مدارس دمشق ، ثم نقل إلى قضاء حلب ، كما تقدم ، وله ~~شعر حسن ، وترسل جيد ، رحمه الله تعالى . وتوفي في يوم الأحد تاسع عشرين ذي ~~الحجة الأمير سيف الدين كوجري بن عبد الله أمير شكار ، وهو من أمراء المائة ~~مقدمي الألوف ، رحمه الله تعالى . وتوفي بدمشق في مستهل شهر ربيع الأول ~~الأمير ناصر الدين إبراهيم بن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك الزاهد ~~داود بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن الملك القاهر ناصر الدين محمد ~~بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادي ، ودفن بقاسيون ، وكان من جملة ~~مقدمي الحلقة بدمشق المحروسة ، رحمه الله تعالى . PageV33P0187 # """""" صفحة رقم 188 """""" وتوفي بدمشق أيضا في عشية نهار الأربعاء ~~العشرين من جمادى الآخرة الملك الكامل ، وهو الأمير ناصر الدين محمد بن ~~الملك السعيد فتح الدين عبد الملك بن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن ~~السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن نجم الدين أيوب ، وصلي ~~عليه بعد صلاة الظهر بالجامع الأموي ، وحمل إلى تربة الملك الكامل بن الملك ~~العادل وهو عم أبيه ، وجده لأمه ربيعة خاتون ابنة الملك الكامل ، فأغلق باب ~~التربة دون تابوته عامل التربة موسى بن أخت صاين الدين خطيب مصلى العيدين ، ~~وامتنع من الموافقة على دفنه بها ، فتألم الناس لذلك ، وضربوا موسى المذكور ~~، ولم يفتح الباب ، فتوجهوا بجنازته إلى تربة أم جده الملك الصالح ، وكشفوا ~~الأزج فوجدوه مملوءا بالأموات فجاؤوا به إلى قبر أبيه فوجدوه ضيقا ، ~~فأحضروا الحجارين فشقوا له قبرا ودفن عند مغيب الشمس وكان نائب السلطنة ~~يومئذ بالمرج ، فطولع بذلك ، فرسم أن يدفن عند والدته ، فامتنع أهله من ~~نقله ، ومولده في ليلة الاثنين بطريق الحجاز الشريف ، بمنزلة تسمى العقاب ، ~~بثنية راطية خامس ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وستمائة سمع صحيح مسلم من ابن ~~عبد الدايم وسمع من غيره ، وحدث وكان من أمراء الطبلخاناة بالشام ، كثير ~~التواضع والمجون حسن المذاكرة والمداعبة ، كثير النوادر ms7797 ، ولما مات أنعم ~~السلطان على ولده صلاح الدين بإمرة طبلخاناه ، وعلى ولده الأصغر بإمرة عشرة ~~، وركبا بالخلع في رابع عشرين رجب بدمشق . وتوفي بدمشق أيضا في يوم ~~الأربعاء الرابع والعشرين من جمادى الأولى الشيخ العالم شرف الدين أبو محمد ~~عبد الله بن الشيخ شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام مجد ~~الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية ~~الحراني الحنبلي ، وهو أخو الشيخ تقي الدين ، وصلي عليه بعد صلاة الظهر ~~بجامع دمشق ، ثم صلي عليه بباب قلعة دمشق ، وكانت جنازته مشهودة ، ثم حمل ~~إلى ظاهر باب النصر فصلي عليه مرة ثالثة ، ثم صلي عليه مرة رابعة ، ودفن ~~بمقبرة الصوفية عند والده وأهله رحمهم الله ، ومولده بحران في الحادي ~~والعشرين من المحرم سنة ست وستين وستمائة . PageV33P0188 # """""" صفحة رقم 189 """""" وتوفي في يوم الأربعاء بعد العصر الثالث من ~~شعبان قاضي القضاة صدر الدين أبو الحسن علي بن الشيخ صفي الدين أبي القاسم ~~بن محمد بن عثمان بن محمد البصروي الحنفي ببستانه بأرض سطرا ظاهر دمشق ، ~~وصلي عليه بكرة الخميس بسوق الخيل ، ودفن بسفح قاسيون ، وأوصى بثلث ماله في ~~بكرة نهار وفاته صدقة على الفقراء والمساكين ، ومولده في ثالث شهر رجب سنة ~~اثنتين وأربعين وستمائة بقلعة بصرى ، وسمع من ابن عبد الدايم وابن عطاء ~~وغيرهما ، وحدث رحمه الله تعالى . وتوفي بدمشق الصدر شمس الدين محمد بن ~~الشيخ الفاضل شهاب الدين محمود بن سليمان بن فهد الحلبي صاحب ديوان ~~المكاتبات بدمشق في ليلة السبت عاشر شوال ، وصلي عليه بالجامع الأموي ، ~~ودفن من الغد بتربة والده بسفح جبل قاسيون ، ومولده في يوم الأحد ثامن شوال ~~سنة تسع وستين وستمائة رحمه الله تعالى ، ولما توفي استقر في كتابة الدرج ~~بعده بدمشق القاضي محيي الدين بن فضل الله ، ولبس التشريف ، وباشر الوظيفة ~~في يوم السبت الثالث والعشرين من ذي القعدة ، واستقر شرف الدين ولد شمس ~~الدين في التوقيع بين يدي نائب السلطنة على ما كان عليه القاضي ms7798 محيي الدين ~~بن فضل الله ، وخلع عليه أيضا في اليوم المذكور ، والله أعلم . واستهلت سنة ~~ثمان وعشرين وسبعمائة بيوم الثلاثاء الموافق للعشرين من هاتور من شهور ~~القبط ، ورئي في كثير من البقاع يوم الاثنين ، والسلطان الملك الناصر - خلد ~~الله ملكه - بمقر ملكه بقلعة الجبل المحروسة ، ولا نائب للسلطنة بالأبواب ~~العالية ، فإنه منذ عزل الأمير سيف الدين أرغون الناصري عن النيابة ، ~~وتوجهه إلى حلب ، لم يفوض السلطان النيابة إلى غيره ، وإنما الأمير سيف ~~الدين ألماس أمير حاجب يتحدث في أمر الجند ، والأمير علم الدين مغلطاي ~~الجمالي الناصري في وظيفتي الوزارة وأستاذ الدارية العالية على عادته ، ~~والديار المصرية والشام والبلاد الحلبية والساحلية والجبلية وغيرها ، من ~~الممالك الإسلامية الداخلة في مملكة السلطان الملك الناصر ، على غاية ~~الرخاء والخير ، وانحطاط الأسعار . PageV33P0189 # """""" صفحة رقم 190 """""" وفي يوم الخميس ثالث المحرم من هذه السنة أمر ~~السلطان أن يتقدم الأمير سيف الدين بشتاك على ألف فارس ، وهي التقدمة التي ~~انحلت عن الأمير سيف الدين كوجري أمير شكار ، وأعطاه السلطان من خبز كوجري ~~ملوي ، وكمل له على ما بيده من الإقطاع مائة فارس ، وأمر الأمير سيف الدين ~~نوروز بطبلخاناة ، وأمر ناصر الدين بن كوجري بعشرة طواشية ، وأمر سيف الدين ~~جهاركس بعشرة طواشية ، وجعل أحد أمراء شكارية ، وركب الأمراء في يوم الخميس ~~ثالث شهر المحرم بالتشاريف والشرابيش على عادة أمثالهم . وفيها في يوم ~~الاثنين السابع من المحرم توجه السلطان إلى جهة القصور بسرياقوس ، فتصيد ~~بتلك الجهة إلى يوم الاثنين رابع عشر الشهر ورجع ، ومر تحت قلعة الجبل ولم ~~يصعد إليها ، ومر على طريق سوق الخيل إلى الصليبة إلى قناطر السباع ، حتى ~~انتهى إلى بولاق ، فركب إلى جهة الجيزية ، واستقر في نيابة السلطنة - في ~~مدة غيبة السلطان - الأمير سيف الدين قجليس الناصري أمير سلاح . ووصل إلى ~~الأبواب السلطانية رسل الملك أبي سعيد بن خربندا ملك العراقين وخراسان ، ~~فكان وصولهم إلى باب الدهليز المنصوري بمنزلة الأهرام في يوم الأحد السابع ~~والعشرين من المحرم ، فمثلوا بين يدي السلطان ، وسمع رسالتهم ، وأحسن إليهم ms7799 ~~، ورسم بإعادتهم إلى مرسلهم ، فتوجهوا بعد دخولهم إلى القاهرة في يوم السبت ~~رابع صفر ، واستمر السلطان بمنزلة الأهرام أياما ، ثم توجه منها إلى جهة ~~المنوفية ، وعاد إلى قلعة الجبل المحروسة في منتصف نهار الأحد ثاني عشر صفر ~~، فأقام بقلعة الجبل إلى يوم الخميس سلخ صفر ، وتوجه في بكرة النهار إلى ~~جهة القصور بسرياقوس ، ثم عدى البحر إلى الجانب الغربي ، وتوجه إلى جهة ~~المنوفية ، وتصيد هناك وعاد ، فكان وصوله إلى قلعة الجبل في يوم الخميس ~~سابع عشر ربيع الأول من السنة ، والله أعلم . PageV33P0190 # """""" صفحة رقم 191 """""" ذكر وفود الأمير تمرتاش بن الأمير جوبان بن ~~تلك ابن بداون نائب الملك أبي سعيد بمملكة الروم إلى الأبواب السلطانية ~~وسبب وفوده . وما كان من خبره إلى أن قبض عليه وقتل ، ولنبدأ بذكر السبب ~~الذي أوجب مفارقته المملكة الرومية ، وحضوره إلى الديار المصرية ، وهو ما ~~وصل إلينا من أخبار والده وإخوته ومقتلهم ، ثم نذكر أخبار تمرتاش فنقول : ~~كان الأمير جوبان بن تلك بن بداون نائب الملك أبي سعيد بن خربندا صاحب ~~العراقين وخراسان والروم وأولاده قد استولوا على مملكة التتار ما قرب منها ~~وما بعد ، وتحكموا فيها تحكم الملوك من غير منازع لهم ولا مناوئ ، وزاد ~~تحكمهم حتى لم يبق للملك أبي سعيد معهم إلا اسم السلطنة ، وانفرد جوبان ~~بالأمر كله بعد وفاة الوزير علي شاه ، وقد تقدم من أخبار جوبان وتمكنه ~~وقتله من قتل من أكابر الأمراء وأقارب الملك ما ذكرناه في حوادث سنة تسع ~~عشرة وسبعمائة ما لا يحتاج إلى إعادته ، فلما كان في سنة سبع وعشرين ~~وسبعمائة توجه الأمير جوبان وولده الأمير حسن إلى بلاد خراسان ، واستصحب ~~معه معظم الجيوش ، وتوجه لقصد محاربة أولاد الملك كبك على عادة التتار ، ~~وتأخر بالأردو من أولاد جوبان دمشق خواجا ، فأنهى إلى الملك أبي سعيد عنه ~~أنه قد عزم على الوثوب عليه وقتله ، حتى صح ذلك عنده ، واتهم أيضا ببعض ~~نساء الملك خربندا والد أبي سعيد ، فعند ذلك أمر الملك أبو سعيد بقتله ، ~~واتصل الخبر به ms7800 فركب في طائفة يسيرة من مماليكه ، وقصد الهرب إلى أبيه ~~فأدرك لوقته ، وقتل بظاهر مدينة سلطانية ، وترك ملقى بعد قتله ، وذلك في ~~شوال سنة سبع وعشرين . ولما اتصل خبر مقتله بوالده الأمير جوبان أظهر ~~الخلاف ، وعزم على حرب الملك أبي سعيد ، ورجع بالعساكر التي كانت معه من ~~خراسان ، وتوجه الملك أبو سعيد لقتاله بمن بقي عنده من العساكر ، وتقدم كل ~~منهما بعساكره إلى الآخر ، حتى PageV33P0191 # """""" صفحة رقم 192 """""" بقي بينهما منزلة أو نحوها ، ففارقه أكثر من ~~كان معه من الأمراء أولا فأولا ، والتحقوا بالملك أبي سعيد ، فعند ذلك رجع ~~جوبان بمن بقي معه إلى خراسان ، ففارقه من بقي معه من الأمراء إلى خدمة ~~الملك ، وبقي في نحو ستمائة فارس من ألزامه ومماليكه ، فتوجه بهم ، ولم ~~يتبعه الملك أبو سعيد ، ولا جرد خلفه عسكرا ، بل رضي كل منهما من الغنيمة ~~بالإياب ، ولعله إنما ترك ذلك خشية أن يكون لحاق من كان مع جوبان من ~~العساكر به مكيدة ، وعزم جوبان على اللحاق بأولاد الملك كبك ، والاستنصار ~~بهم على حرب الملك أبي سعيد . فلما وصل إلى هراة - من أعمال خراسان - خرج ~~إليه نائبها ، وهو أمير جريء مقدام ، له فتكات معروفة ، وهو ممن أنشأه ~~جوبان وقدمه فتلقاه وخدمه وعرض عليه الدخول إلى هراة والإقامة بها إلى ~~انقضاء فصل الشتاء ، ويتوجه بعد ذلك إلى حيث أحب ، فركن إلى قوله ، ووثق به ~~، ويقال : إن ابنه حسن كره ذلك ونهى والده عنه ، وذكر بغدراته ، وكان قد ~~حصل لجوبان مرض منعه من إدامة الحركة والسير ، فترجح عنده الدخول إلى هراة ~~، فدخل إليها ، وفارقه ابنه حسن ، والتحق بالملك أزبك صاحب صراي والبلاد ~~الشمالية ، فأكرمه أزبك ، وأحسن إليه ، ولما صار جوبان بهراة بادر نائبها ~~بالقبض عليه وقتله ، وكتب إلى الملك أبي سعيد بذلك . وقتل أيضا ولد لجوبان ~~بكردستان ، ثم حمل جوبان في تابوت ، وجيء به إلى بغداد في سابع عشرين شوال ~~سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ، وصلي عليه بالمدرسة المستنصرية ، ثم حمل إلى ~~مكة - شرفها الله تعالى - في جملة الركب العراقي ms7801 وطيف به ، وحمل إلى عرفة ، ~~ثم إلى منى ، وأعيد إلى مكة ، وحمل منها إلى المدينة النبوية ليدفن في ~~تربته التي أنشأها بالمدينة ، فلما اتصل ذلك بالسلطان الملك الناصر كتب إلى ~~أمير المدينة النبوية ألا يدفن في التربة ، فدفن في البقيع ، وكان السبب في ~~الاحتفال به ، وحمله إلى مكة والمدينة أن الملك تزوج ببغداد خاتون ابنة ~~جوبان بعد مقتل والدها وأخويها ، وحظيت عنده ، وشغف بها ، وكان يحبها قبل ~~ذلك ، وقصد زواجها ، فزوجها والدها من الأمير الشيخ حسن بن الجتيه ، فلما ~~قتل جوبان أمره الملك أبي سعيد بطلاقها ، وتزوجها وشغف بها ، وتمكنت من ~~دولته أكثر من تمكن أبيها على ما نذكر مما يصل إلينا إن شاء الله تعالى من ~~أخبارها ، فأمرت بحمل أبيها إلى الحجاز الشريف ، هذا ما بلغنا من أخبار ~~جوبان . PageV33P0192 # """""" صفحة رقم 193 """""" وأما الأمير دمرداش بن جوبان وهو نائب الملك ~~أبي سعيد بالمملكة الرومية ، وكان قد استقل بأمرها ، واستولى على أموالها ~~وعساكرها من غير منازع له فيها ولا معارض ، فإنه لما اتصل إليه خبر مقتل ~~أخيه دمشق خواجا ، وما كان من خلاف أبيه علم أنه لا يمكنه الإقامة بالمملكة ~~الرومية ، وأنه متى يفرغ وجه الملك أبي سعيد من أمر جوبان يقصده بالعساكر ، ~~فكتب إلى السلطان الملك الناصر يسأله الإذن له في اللحاق به ، والانضمام ~~إليه والالتجاء إلى حرمه ، فأذن له في ذلك ، وكتب السلطان إلى نوابه بالشام ~~بتلقيه وإكرامه . ولما ورد عليه جواب السلطان حصن أهله وولده وأمواله بقلعة ~~حصينة ، وجعل فيها ذخائره وحصنها بالعدد والأقوات الكثيرة ، ثم ركب في عسكر ~~الروم . وأظهر أنه يتوجه في مهم بأمر الملك أبي سعيد ، فلما كان بأثناء ~~الطريق نزل بمنزلة ، ولبس لأمة حربه هو ومن يعتمد عليه من ألزامه ومماليكه ~~، وقال لمن معه من العسكر : أنا متوجه إلى الديار المصرية ، فمن أحب أن ~~يصحبني فليعتزل العسكر ، ومن أحب الرجوع إلى بلاد الروم فليرجع ، ومن أحب ~~القتال فليبرز للحرب ، فما جسر أحد منهم على قتاله ، ولا أقدم على حربه ، ~~بل ترجلوا وخدموه ، ورجعوا ms7802 إلى بلادهم ، وتقدم هو إلى الشام في نحو ستمائة ~~فارس ، فكان وصوله إلى دمشق في يوم الأحد خامس عشرين صفر سنة ثمان وعشرين ~~وسبعمائة فتلقاه نائب السلطنة بها الأمير سيف الدين تنكز وأكرمه وجهزه إلى ~~الديار المصرية ، فوصل إلى خدمة السلطان ، والسلطان بمنزلة أوسيم من ~~الأعمال الجيزية في ليلة الخميس المسفرة عن سابع عشر شهر ربيع الأول ، ومثل ~~بين يدي السلطان في بكرة نهار الخميس المذكور ، فأكرمه السلطان ، وأحسن ~~إليه ، وأنعم عليه بتشريف أطلس معدلي بطرززركش وكلوته زركش ، وشاش رقيم ~~وحياصه ذهب مجوهرة على عادة نواب السلطنة الشريفة ، وحضر في خدمة السلطان ~~في بقية نهار الخميس إلى قلعة الجبل المحروسة ، وأسكنه السلطان بالقلعة ~~بدار كان يسكنها خاص ترك الناصري ، ثم رسم بتجديد عمارة دارين بقلعة الجبل ~~وإصلاحهما ، فأصلحا ، وأسكنه بهما هو ومن معه من الأمراء أصحابه ، ووكل ~~السلطان بخدمته وملازمته وقضاء حاجته الأمير سيف الدين طرغاي الجاشنكير ، ~~وأنعم السلطان عليه بالأموال PageV33P0193 # """""" صفحة رقم 194 """""" والأقمشة والخيول ، ورتب له ولمن معه الرواتب ~~المتوفرة ، فرتب له في كل يوم من اللحم ثلاثمائة وأربعين رطلا ، وغير ذلك ~~مما يحتاج إليه . وركب في يوم الاثنين حادي عشر الشهر في الموكب بالأقبية ~~الإسلامية والكلوتة والشاش على عادة العساكر المصرية ، وحضر إلى الخدمة ~~السلطانية ، وأجلس في مجلس السلطان بدار العدل الشريف بالإيوان إلى جانب ~~سيف الدين آل ملك الجوكان دار دونه بلواء تلو الأمراء مقدمي الألوف . ووصل ~~في يوم السبت تاسع عشر شهر ربيع الأول الأمير شاهنشاه وهو ابن عم الأمير ~~جوبان ، وكان وصوله من جهة الرحبة ، وذكر أن ابن عمه جوبان أرسله إلى خدمة ~~السلطان يعرفه ما وقع ، وذكر أنه فارقه من بلاد خراسان عند عزمه على دخول ~~غزنة إلى أولاد الملك كبك ، ولعله فارقه قبل وصوله إلى هراة ، فخلع السلطان ~~على شاهنشاه تشريفا كنجيا أحمر ، وكلوتة زركش ، وأنزله عند تمرتاش ، ثم وصل ~~طلب تمرتاش وأنقاله إلى القاهرة المحروسة في يوم الخميس ثامن عشرين شهر ~~ربيع الأول ، فأنزلوا بدار الضيافة ، وهم نحو ستمائة فارس ، فرسم ms7803 السلطان ~~بعرضهم في يوم الأحد مستهل شهر ربيع الآخر ، فعرضوا وفرق أكثرهم على ~~الأمراء ، ورسم للأمراء أن يقوموا بكلفهم من خواصهم من غير إقطاع ، وسأل ~~جماعة منهم العود إلى بلادهم ، فأذن لهم السلطان ، وزودهم وكتب إلى نواب ~~الشام بتمكينهم من العود ، فتوجه منهم نحو تسعين فارسا . ووصل إلى الأبواب ~~السلطانية في يوم الأحد مستهل شهر ربيع الآخر رسل الملك أبي سعيد بن خربندا ~~، وهما اثنان ، فمثلا بين يدي السلطان لوقتهما ، وأديا رسالتهما ، وخلع ~~عليهما ، وذكرا أنهما توجها من جهة الملك قبل وصول الخبر إليه بمفارقة ~~تمرتاش البلاد الرومية ، ولحاقه بالديار المصرية ، ثم مثلا بين يدي السلطان ~~في يوم الاثنين ، وأقام بالأبواب السلطانية إلى يوم الاثنين تاسع الشهر ، ~~فأعيدا إلى مرسلهما وجهز السلطان من جهته الأمير سيف الدين أرج مملوك قبجق ~~وكتب معه إلى الملك أبي سعيد يشفع في تمرتاش ويستوهبه منه ويسأله إطلاق ~~عياله وألزامه من بلاد الروم ، واستمر تمرتاش في الخدمة السلطانية ، ~~والسلطان يضاعف له الإكرام ، ويصله بالإنعام الواصل والخيول ، وتوجه في ~~خدمة السلطان إلى الصيد بجهة البحيرة وعاد ثم PageV33P0194 # """""" صفحة رقم 195 """""" رسم السلطان له أن يرسل في إحضار ولده وأهله ~~وأمواله من بلاد الروم ، وكتب في ذلك إلى الأمير ابن قرمان صاحب الجبال ~~ورئيس التركمان ، فتوجه رسوله صحبة رسول السلطان إلى القلعة التي بها ولده ~~، فلم يوافق على الحضور ، وقال : إن بينه وبين أبيه أمارة لم تصل إليه ، ~~وظهر للسلطان من تمرتاش خبث طوية ، وسوء نية ، فأمر عند ذلك بالقبض عليه ~~وعلى الأعيان الذين معه ، فقبض عليه وعلى الأميرين شاهنشاه ومحمود في يوم ~~الخميس العشرين من شعبان من السنة ، واعتقل تمرتاش ببرج السباع ، ومحمود ~~وأخوه عثمان وشاهنشاه بالبرج الصغير . ووصل رسل الملك أبي سعيد إلى الأبواب ~~السلطانية في يوم الأربعاء حادي عشر شهر رمضان ، وهم ثلاثة نفر ، المشار ~~إليه منهم أياجي أمير جاندار الملك أبي سعيد ، ومثلوا بين يدي السلطان ، ~~وشملهم الإنعام بالتشاريف على عادة أمثالهم ، وأرسلهم السلطان إلى تمرتاش ~~في معتقله صحبة الأمير سيف الدين قجليس ms7804 أمير سلاح ، فاجتمعوا به ، وتحدثوا ~~معه ، وقيل كان مضمون رسالتهم طلب تمرتاش من السلطان ، وأنه إذا أسلم إليهم ~~أرسل الملك أبو سعيد إلى السلطان في مقابل ذلك الأمير شمس الدين قرا سنقر ~~المنصوري ، فمال السلطان إلى ذلك ، ورسم للأمير سيف الدين أيتمش المحمدي أن ~~يتوجه إلى الملك أبي سعيد برسالة السلطان لتقرير الحال في ذلك ، وتوجه طلبه ~~في يوم الاثنين سادس عشر شهر رمضان ، ثم عدل السلطان عن هذا الأمر ، وترجح ~~عنده أنه لا يرسله إلى الملك أبي سعيد . فلما كان في ليلة الخميس رابع شوال ~~من هذه السنة أخرج تمرتاش من معتقله بالبرج ، وفتح باب السر من جهة القرافة ~~، وأخرج منه وهو مقيد مغلول وقد جمعت يداه إلى عنقه وطلب رسل الملك أبي ~~سعيد ، وشاهدوه على هذه الحال ، ثم خنق وشاهدوه بعد موته ، وقطع رأسه وسلخ ~~وصبر وحشي وأرسل السلطان الرأس إلى أبي سعيد ، ودفن الجسد بمكان قتله ، ~~وحضر الرسل إلى الخدمة السلطانية في يوم الخميس رابع شوال ، وركبوا في خدمة ~~السلطان في يوم السبت إلى الميدان ، ثم حضروا إلى الخدمة في يوم الاثنين ~~ثامن شوال ، وشملهم بالخلع والإنعام ، وأعيدوا إلى مرسلهم في هذا اليوم ، ~~وتوجه أيضا الأمير سيف الدين أيتمش المحمدي برسالة السلطان إلى الملك أبي ~~سعيد . PageV33P0195 # """""" صفحة رقم 196 """""" هذا ما كان من أخبار تمرتاش على سبيل ~~الاختصار ، والله تعالى أعلم بالصواب . فلنرجع إلى سياقة الحوادث في سنة ~~ثمان وعشرين وسبعمائة . وفي هذه السنة توجه السلطان أيضا إلى الصيد بالوجه ~~البحري في يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الآخر ، وتصيد بجهة البحيرة وغيرها ، ~~وعاد إلى قلعة الجبل في الثانية من نهار الخميس سادس عشرين الشهر ، وهي ~~السفرة التي كان تمرتاش معه فيها . ذكر وصول الأمير سيف الدين تنكز نائب ~~السلطنة بالشام المحروس إلى الأبواب السلطانية وعوده وفي يوم الأحد الرابع ~~والعشرين من شهر جمادى الآخرة وصل الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة ~~الشريفة بالشام المحروس إلى الأبواب السلطانية وشمله التشريف والإنعام ~~والزيادة في إقطاعه ثم رسم بعوده إلى ms7805 الشام ، فعاد وتوجه في عوده لزياة ~~الخليل صلوات الله عليه ، والبيت المقدس ، وشاهد العين التي أجريت إلى ~~القدس الشريف ، وكان قد جرد إليها من دمشق في شوال سنة سبع وعشرين وسبعمائة ~~الأمير سيف الدين قطلوبك بن الجاشنكير فتوجه ولازم العمل ، واجتهد فيه ، ~~ووجد آثار قنى قديمة قد سدت ، وقلفطت ، فيسر الله تعالى فتحها ، ووصل الماء ~~إلى القدس في شهر ربيع الأول من هذه السنة ، ولما شاهد نائب السلطنة ~~المذكور العين رسم بعمارة حمام على فائض الماء . ذكر وفاة قاضي القضاة شمس ~~الدين بن الحريري الحنفي وتفويض القضاء بعده إلى القاضي برهان الدين ~~إبراهيم بن عبد الحق وفي يوم السبت خامس جمادى الآخرة بعد آذان العصر توفي ~~القاضي شمس الدين محمد بن صفي الدين عثمان بن زكي الدين أبي الحسن بن عبد ~~الوهاب الأنصاري الحنفي المعروف بابن الحريري قاضي الحنفية بالديار المصرية ~~، وكانت وفاته بالمدرسة الصالحية النجمية بالقاهرة المحروسة ، وكان قد مرض ~~وطالت مرضته ، PageV33P0196 # """""" صفحة رقم 197 """""" فركب في أثناء مرضه مرارا إلى المدارس لإلقاء ~~الدروس ، وحضر دار العدل الشريف ، ثم عاوده المرض غير مرة ، وتمادت العلة ~~به حتى مات ، رحمه الله تعالى ودفن في يوم الأحد بالقرافة الصغرى بتربته ~~التي أنشأها ، ومولده في عاشر صفر سنة ثلاث وخمسين وستمائة ، وخلف تركة ~~طائلة ، وكان رحمه الله تعالى قاضيا عالما بمذهبه ، شديدا في أحكامه ، غير ~~متحاش من أرباب الدولة من الأمراء وغيرهم . ولما توفي رحمه الله تعالى تحدث ~~مع السلطان في ولاية القضاء ، واعتني عنده بقوم ، ثم وقع الاختيار على ~~القاضي برهان الدين إبراهيم المذكور بن القاضي كمال الدين أبي الحسن علي بن ~~القاضي بهاء الدين أحمد بن الشيخ زين الدين علي بن عبد الحق ، فرسم بطلبه ~~من دمشق ، وكتب لنائب السلطنة بها ، وتوجه البريد بذلك في يوم الثلاثاء ~~ثالث الشهر ، وكان وصوله إلى القاهرة المحروسة في يوم السبت السادس ~~والعشرين من جمادى الآخرة ، ومثل بين يدي السلطان ، وفوض إليه القضاء ، وما ~~كان بيد القاضي شمس الدين الحريري من المدارس والأوقاف ، وخلع ms7806 عليه وأنعم ~~عليه ببغلة ، وأنزل إلى المدرسة الصالحية بالقاهرة ، وحكم في بقية يومه ، ~~وجلس بدار العدل في يوم الاثنين الثامن والعشرين من الشهر ، وأجلس دون قاضي ~~القضاة تقي الدين بن الأخنائي المالكي على العادة القديمة . ذكر عود رسل ~~السلطان من جهة الملك أزبك ووصول رسله ، وعودهم إلى مرسلهم وفي يوم السبت ~~العاشر من شهر رجب عاد الأمير سيف الدين أطوجي ورفيقه من جهة الملك أزبك ~~صاحب صراي والبلاد الشمالية ، وصحبته رسل الملك أزبك ، فمثلوا بين يدي ~~السلطان ، وأحضروا ما معهم من الهدايا والتقادم ، وأدوا الرسالة ، فشملهم ~~الأنعام والخلع على عادة أمثالهم ، وأنزلوا بالميدان ، وتكرر حضورهم بين ~~يدي السلطان ، ثم أحضروا في يوم الخميس حادي عشر شوال من السنة إلى مجلس ~~السلطان ، وعاد وخلع عليهم تشاريف طردوحش مذهب ، ورسم بعودهم إلى مرسلهم ، ~~فتوجهوا إلى ثغر الإسكندرية في يوم السبت العشرين من الشهر ، وتوجه من جهة ~~السلطان الأمير سيف الدين أطارس أنان أحد أمراء العشرات ، وصحبته عمه تيلق ~~، PageV33P0197 # """""" صفحة رقم 198 """""" وفيها في يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ~~رجب الفرد عقد نكاح الأمير سيف الدين طغيتمر العمري الناصري أحد الأمراء ~~المماليك السلطانية مقدمي الألوف على إحدى بنات السلطان ، ورسم السلطان ~~بإعفاء الأمراء من التقادم ، وحمل الشمع ، وأنعم على الأمير المشار إليه من ~~مال السلطان بأربعة آلاف دينار عوضا عما كان يصل إليه من تقادم الأمراء . ~~ذكر مقتل الأمير بدر الدين كبيش أمير المدينة النبوية على ساكنها أفضل ~~الصلاة والسلام وتولية أخيه طفيل وفي يوم السبت مستهل شعبان من هذه السنة ~~وثب أولاد الأمير ودي بن منصور بن جماز بن شيحه على الأمير بدر الدين كبيش ~~أمير المدينة النبوية فقتلوه خارج المدينة ، ووصل الخبر بذلك إلى الأبواب ~~السلطانية في أواخر الشهر ، ففوض السلطان الإمرة لأخيه الأمير سيف الدين ~~طفيل ، وكان قد حضر إلى الأبواب السلطانية ، فخلع عليه ، وتوجه إلى المدينة ~~النبوية . وفيها في شهر رمضان فوض السلطان قضاء المدينة النبوية - على ~~ساكنها أفضل الصلاة والسلام - والخطابة بها لصاحبنا وأخينا في الله تعالى ms7807 ~~القاضي شرف الدين محمد بن القاضي عز الدين محمد بن الشيخ كمال الدين أحمد ~~بن الشيخ جمال الدين إبراهيم بن يحيى بن أبي المجد اللخمي المعروف جد أبيه ~~جمال الدين بالأسيوطي ، ولي القضاء عوضا عن شرف الدين يعقوب المدني ، ~~والخطابة عوضا عن القاضي بهاء الدين موسى بن سلامة ، وخلع عليه ، ورسم له ~~بمال ، يوفي منه ما عليه من الدين ، ويتجهز ببقيته ، وكانت ديونه تزيد على ~~سبعة آلاف درهم ، وتجهز أحسن جهاز ، وتوجه صحبة الركب في شوال ، كتب الله ~~سلامته ، وأعانه على ما ولاه . ذكر ما قرر من استيمار الدولة الناصرية ومن ~~رتب من المباشرين وفي هذه السنة في شوال منها حسن جماعة للسلطان أن يوفر من ~~جامكية مباشري الدولة الشريفة ، ومباشري المعاملات بالقاهرة ومصر والأعمال ~~البرانية وأرباب الوظائف جملة ، ومنهم من وفر . PageV33P0198 # """""" صفحة رقم 199 """""" فلما كان في يوم الأحد رابع عشر شوال قرئ ~~الاستيمار على السلطان وتعين من توفر ، ثم أحضر مباشري الدولة في يوم ~~الاثنين ، وتجدد الحديث في ذلك ، فلما انفصلوا من بين يديه رسم بطلب الصاحب ~~أمين الدين عبد الله ، فطلب من داره فحضر ومثل بين يدي السلطان بعد العصر ، ~~وخلع عليه وعلى القاضي مجد الدين بن لفيتة بغير طرحات ، ورتبهما السلطان في ~~نظر النظار والصحبة ، ونقل القاضي شمس الدين بن قروينة ناظر الدواوين إلى ~~نظر البيوت السلطانية ، وخلع عليه أيضا معهما ، وباشر الصاحب أمين الدين ~~النظر وكشف الرواتب ، وأوقف أربابها إلا بعد العرض على من ندب لذلك ، ومن ~~عرض شطب اسمه ، وكتب إلى سائر الممالك الشامية الساحلية بأوقاف أرباب ~~الرواتب المقيمين بالديار المصرية المرتبين على الشام ، ولا يصرف لأحد منهم ~~شيء إلا بتوقيع جديد لاستقبال شوال من السنة ، وشدد في ذلك ، فاجتمعت به ، ~~وسألته عن هذا الحال ومقصده فيه ، فحلف لي بالله أنه لا غرض له في قطع ~~مستحق ، وأن غرضه في الكشف ، والعرض أن جماعة من أرباب الرواتب درجوا ~~بالوفاة ، وتسمى غيرهم بأسمائهم ، وقبض مرتبهم ممن للكتاب بهم عناية ، وأن ~~ذلك لا يتميز له إلا ms7808 بالعرض والكشف ، ثم كتب قصصة بعد ذلك إلى السلطان يطلب ~~فيها الإعفاء من المباشرة ، فلم يجب إلى ذلك ، فكتب قصة ثانية ، فأجيب إلى ~~سؤله ، وأعفي من المباشرة بعد العصر من يوم الأربعاء تاسع عشرين ذي القعدة ~~، وهو سلخة ، فكانت مدة مباشرته أربعة وأربعين يوما تحريرا . وفيها في يوم ~~الاثنين تاسع شوال عقد نكاح الأمير سيف الدين منكلي بغا السلاح دار الناصري ~~على الخوند دلنبيه زوج السلطان - كانت - وهي التي وصلت من بلاد أزبك وهي من ~~البيت الجنكز خاني ، وكان السلطان قد أبانها بالطلاق ، وبنى الأمير سيف ~~الدين بها في ليلة الخميس ثاني ذي القعدة . ذكر الإفراج عمن يذكر من ~~الأمراء والمعتقلين وفي هذه السنة في يوم الخميس ثامن ذي الحجة أمر السلطان ~~بالإفراج عن الأمير حسام الدين لاجين الجاشنكير المنصوري المعروف بزيرباج ~~وقد ذكرنا اعتقاله في يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الآخر لسنة اثنتي عشرة ~~وسبعمائة ، فكانت مدة اعتقاله ست عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام ، وأفرج ~~أيضا في هذا اليوم عن الأمير PageV33P0199 # """""" صفحة رقم 200 """""" جمال الدين فرج بن الأمير شمس الدين قراسنقر ~~المنصوري وأفرج في يوم الجمعة - يوم عرفة - عن الأمير علم الدين سنجر ~~الجاولي ، وقد ذكرنا أنه كان قبض عليه في يوم الجمعة ثامن عشرين شعبان سنة ~~عشرين وسبعمائة ، فكانت مدة اعتقاله ثماني سنين وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما ~~. وفيها في يوم الاثنين ثاني عشر ذي الحجة توجه السلطان إلى الصيد بجهة ~~سرياقوس ، وتصيد بتلك الجهة ، وعاد إلى قلعة الجبل عشية نهار الجمعة سادس ~~عشر الشهر ، فأقام بقلعة الجبل إلى آخر يوم الأربعاء الثامن والعشرين من ~~الشهر ، وتوجه في بكرة نهار الخميس تاسع عشرين الشهر إلى الصيد بجهة ~~سرياقوس . وفيها في آخر نهار الثلاثاء السابع والعشرين من ذي الحجة وصل إلى ~~الأبواب السلطانية من الحجاز الشريف - ممن وقف بعرفة في هذه السنة - سيف ~~الدين ألناق السيفي أحد مماليك الأمير سيف الدين الحاج آل ملك الجوكندار ~~ورفيقه أحد مماليك الأمير سيف الدين طقزدمر العمادي ومثلا بين يدي السلطان ms7809 ~~في بكرة نهار الأربعاء ، وشملهما الإنعام والتشاريف على عادة أمثالهما ، ~~وأخبرني سيف الدين ألناق المذكور أن الوقفة بعرفة كانت يوم الجمعة من غير ~~شك في ذلك ، وأن الحاج في خير ورخاء ، وأن المياه كانت كثيرة متيسرة ولله ~~الحمد على ذلك ، وسألته عن يوم مفارقته الحاج ، فذكر أنه ركب من مكة شرفها ~~الله تعالى بعد المغرب من نهار الاثنين ثاني عشر الشهر ، فمدة سفره خمسة ~~عشر يوما وتسع ساعات ، وقد ذكرنا في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة وصول أوجي ~~مملوك قجليس وطرنطاي الكريمي في اثني عشر يوما وتسع ساعات . ذكر متجددات ~~كانت بدمشق في هذه السنة من ذلك كانت عمارة الحائط القبلي بالجامع الأموي ، ~~وذلك أنه في أول شهر ربيع الأول فك الرخام الذي بالجدار القبلي من الجهة ~~الغربية ليصلح ويعاد ، فظهر في الحائط عند كشفه ميل ظاهر ، فأخر إصلاحه إلى ~~أن عاد نائب السلطنة من الديار المصرية ، فطولع بذلك ، فحضر في يوم الجمعة ~~سابع عشر ربيع الآخر إلى الجامع ، وصحبته قاضي القضاة علاء الدين وغيره ، ~~وأحضر المهندسين ، وعمل تقدير ما يحتاج إليه لنقضه وإعادته ، فكان مائة ألف ~~درهم ، فطولع السلطان بذلك ، فورد المثال السلطاني بهدمه وإعادته في يوم ~~الخميس رابع عشر جمادى الأولى ، فهدم الحائط بعد صلاة الجمعة ، فنقض منه ~~ثمانية معازب وعشرة أوتار جسورة ، وانتهوا إلى نقض PageV33P0200 # """""" صفحة رقم 201 """""" الحجارة في يوم الجمعة ثالث جمادى الآخرة ، ~~وحضر نائب السلطنة ، وشاهدها قبل نقضها ، فنقضت ، وهي حجارة كبار تشبه ~~عمارة القلاع ، وانتهوا إلى الأساس في يوم الجمعة سابع عشر الشهر ، وحصل ~~الشروع في البنيان في يوم الأحد تاسع عشر الشهر ، وانتهت عمارة الحائط في ~~خمسة وعشرين يوما . وجدد في الحائط محراب يشبه المحراب المعروف بمحراب ~~الصحابة الذي في الجهة الشرقية بين باب الزيارة وباب الخطابة ، واستقر أن ~~يصلي فيه أمام الحنفية ، وكملت العمارة وإعادة السقف وغيره في يوم الخميس ~~الثاني والعشرين من شهر رجب ، وخلع على ناظر الجامع والمشد والمغاربة في ~~هذا اليوم ، وفرش الجامع على عادته في يوم الجمعة ثالث ms7810 عشرين شهر رجب ، ~~وصرف على عمارته - فيما قيل - نحو خمسين ألف درهم ، ووجد سلم عظيم لصومعة ~~مبني بالحجارة المنحوتة ، فنقض السلم ، وحملت حجارته على العتالين إلى هذا ~~الحائط ، فعمر به ، وأعان ذلك إعانة كبيرة ، ولولا ذلك لاحتاج إلى كلفة ~~عظيمة ، ورخم الحائط ، فكان الفراغ من ترخيمه في يوم الخميس سادس عشرين صفر ~~سنة تسع وعشرين ، وصلي تحت الحائط بعد ترخيمه في يوم الجمعة سابع عشرين ~~الشهر ، وفتح باب الزيارة - وكان قد أغلق بسبب العمارة - واستقر في أمر ~~الأئمة وترتيبهم في الصلاة في صلاة العصر من يوم الجمعة ثالث عشرين شهر رجب ~~من هذه السنة ما نذكره ، فصلى إمام الكلاسة أولا على عادته ، وصلى بعده ~~إمام مشهد علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله عنه ، وصلى ~~الخطيب بعدهما ، وهو إمام الشافعية ، وصلى بعده إمام الحنفية في المحراب ~~المستجد ، ثم إمام المالكية نقل إلى محراب الصحابة ، وبعده إمام الحنابلة ~~صلى بالمحراب الذي كان المالكي يصلي فيه غربي الجامع بمقصورة الخطابة ، ~~ووسع المحراب المذكور ، ورفع عنه العمارة ، وصلى بعده إمام مشهد أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه ، وبعده إمام مشهد ابن عروة ، ونقل الإمام الذي كان ~~يصلي بمحراب الصحابة إلى محراب الكلاسة القديم بالمعلوم الذي كان له بمحراب ~~الصحابة ، واستقرت الحال على ذلك . وفيها في أول ليلة السبت خامس جمادى ~~الأولى وقع حريق عظيم بسوق الفرانين بدمشق ، كان مبدأه من دكان قطان في ~~طريق قيسارية الفرش ، وامتد إلى سوق الفرانين وإلى القيسارية المستجدة ~~وقيسارية البيمارستان وبعض حوانيت سوق علي ، وعجز الناس عن طفيه ، واستمرت ~~النار إلى يوم الأحد ، ثم طفي . PageV33P0201 # """""" صفحة رقم 202 """""" وفيها أمر نائب السلطنة بدمشق بعمارة المدارس ~~بها ، ومنع من التصرف في شيء من ريع الأوقاف إلى أن تكمل عمارتها ، ففعل ~~ذلك ، ورسم بتقرير مال يجبى لعمارة قنى بدمشق ، فقرر لذلك نحو ثلاثمائة ألف ~~درهم ، وندب لعمارة القنى ناصر الدين النجيبي ، فعمر منها في هذه السنة إلى ~~آخر سنة تسع وعشرين إحدى وعشرين قناة ، وبقي نحو أربع ms7811 قنى تعمر إن شاء الله ~~في سنة ثلاثين وسبعمائة . وفيها في يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة ورد ~~مرسوم شريف سلطاني إلى دمشق بمنع الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية من الكتابة ~~مطلقا في التصنيف والفتيا ، فأخذ ما عنده من الكتب والأوراق والدواة ~~والأقلام وأودع ذلك عند متولي قلعة دمشق ، فكان عنده إلى مستهل شهر رجب ، ~~ثم أرسل المتولي ذلك إلى قاضي القضاة علاء الدين ، فجعل الكتب في خزانة ~~المدرسة العادلية ، لأنها كانت عارية ، وأما الأوراق التي كانت بخطه من ~~تصانيفه فكانت نحو أربع عشرة ربطة ، فنظر القضاة والفقهاء فيها ، وفرقت ~~بينهم . وكان سبب ذلك أنه وجد له جواب عما رده عليه قاضي القضاة تقي الدين ~~المالكي ، فأعلم السلطان بذلك ، فاستشار قاضي القضاة ، فأشار بذلك ، فرسم ~~به ، فحينئذ عدل الشيخ عن ذلك إلى تلاوة القرآن . وفيها في يوم الخميس ~~الثالث والعشرين من جمادى الآخرة رسم القاضي الصدر علاء الدين علي بن الصدر ~~المرحوم شرف الدين محمد بن محمد التميمي القلانسي - أحد كتاب الإنشاء بدمشق ~~المحروسة - أن يجلس بين يدي نائب السلطنة يوقع على القصص المرفوعة ، عوضا ~~عن أخيه جمال الدين القاضي ، بما كان له من المعلوم على وظيفة الكتابة ، ~~وأن يستقر ما كان باسم القاضي جمال الدين من المعلوم عن الوظيفة المذكورة ~~له على قضاء العسكر الشامي ، وخلع عليهما بسبب ذلك ، والله أعلم . ذكر ~~حادثة السيل بعجلون وفي هذه السنة في يوم الأربعاء ثامن عشرين ذي القعدة ~~كانت حادثة السيل بمدينة عجلون ، وورد محضر بذلك إلى دمشق نسخته : ~~PageV33P0202 # """""" صفحة رقم 203 """""" " بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله الذي ~~يرسل آياته تخويفا للعباد ، ويريهم باهرات قدرته ليسلكوا سبل الرشاد ، ~~ويظهر لهم جبروته في ملكوته ، ليحسنوا لأنفسهم الارتياد ، ويعلموا أن ~~الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله لا يخلف الميعاد ، ثم يدركهم برأفته ~~ورحمته ، ويكشف ما نزل بهم من المعضلات الشداد ، ولما كان في يوم الأربعاء ~~ثاني عشرين ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة أرسل الله تعالى بقدرته ~~ومشيئته بمدينة عجلون ريحا ms7812 عاصفا ، فأثارت سحابا ثقالا هطلت بماء منهمر ~~يدوي وريح زعزع ، فلم تزل الأمطار متواترة الهطل والبروق تلمع ، وأصداء ~~الجبال والأودية بأصوات الرعود للقلوب تصدع ، حتى ظن أهلها أنها قد أزفت ~~الآزفة ، فارتفعت الأصوات بأن ليس لها من دون الله كاشفة ، ولفت الرؤوس ، ~~ووجلت القلوب ، وذرفت العيون ، وطاشت الألباب ، وخضعت الرقاب ، ومدت الأيدي ~~بالدعاء لمن بيده أمر الأرض والسماء ، وعاينوا في ذلك اليوم هولا عظيما ، ~~وأشفقوا أن يكون أرسل الله عليهم عذابا أليما ، فبينما الناس على ذلك الحال ~~ذاهلين ، يقولون ) ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين ( [ الأعراف : 23 ] إذ دهمهم سيل عظيم ماؤه ، طام عبابه هام سحابه ~~، له دوي شديد ، قد اجتمع من عيون الجبال وبطون الأودية وقرار الوهاد ، ~~فالتقى الماء على أودية بأمر قد قدر ، إن في ذلك لآية فهل من مدكر ، فارتفع ~~العويل ، وسكبت العبرات ، واشتد الخوف ، وتضاعفت الحسرات ، وفر كل واحد من ~~الناس يطلب النجاة لنفسه ، واحتسب عند الله جميع ماله وعقاره وغرسه ، فأخذ ~~هذا السيل العظيم ما كان في ممره من الدور والقياسير والأسواق ، ودخل ~~الطواحين والبساتين ، وأخذ جانبا من حارة المشارقة المجاورة للوادي ، وأخذ ~~العرصة وسوق الأدميين ، وسوق القطانين ، وبعض دار الطعن وسوق الأقباعين ، ~~وسوق الخليع ، وقيسارية التجار المعروفة بإنشاء الأمير سيف الدين بكتمر ، ~~والقيسارية القديمة ، وأخذ من قيسارية ملك الأمراء الموقوفة على ~~البيمارستان بصفد عشرين حانوتا ، وضعضع بقية الجدر ، وهدم الأبواب وهدم سوق ~~الصاغة ، وهدم سوق النامية ، الذي بقرب العين ، وهدم وقف الجامع ، وسوق ~~السقطيين ، وأما السوق المعروف بإنشاء الأمير علاء الدين بن معبد وسوق ~~اللحامين وحوانيت الخبازين فإنه أخذه ، وأخذ السوق المعروف بإنشاء الأمير ~~سيف الدين النائب كان بقلعة عجلون ، والحوانيت المعروفة بوقف القاضي فخر ~~الدين ناظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية الموقوفة على مدرسته بنابلس ~~وأخذ المدرسة النفيسية وهدم رواق الجامع القبلي وباب الجامع الشرقي ، وهدم ~~جانبا من الحمام الصالحي المعروف بأمير موسى ، وبعض الحمام السلطاني ، وأخذ ~~ظهارة الجامع والمربعة والمسلخ المعروف بابن معبد ، وأخذ PageV33P0203 # """""" صفحة رقم 204 """""" ما ms7813 كان في مجراه من الجسور والقناطر والأقباء ~~التي كان يجوز الناس عليها عندما تمد الأودية وعدم من عجلون تقدير عشرة ~~أبقار ، وهذه قدرة الملك الجبار ، فاعتبروا يا أولي الأبصار ، وكان مدة ~~تواتر الأمطار والسيل من أول ساعة من النهار المذكور إلى وقت العصر ، وفي ~~ذيل المشروح خط جماعة من الشهود . هذا ما أورده الشيخ شمس الدين الجزري في ~~تاريخه . ونقل الشيخ علم الدين بن البرزالي في تاريخه نسخة الكتاب الوارد ~~من عجلون فقال : الحمد لله المحمود في السراء والضراء ، المشكور على الشدة ~~والرخاء الذي يخوف عباده بما شاء من معضلات اللأواء ، ويريهم باهرات قدرته ~~في ملكوت الأرض والسماء ، ثم يعود عليهم برحمته ، ويجللهم بسوابغ النعماء ، ~~أحمده حمدا يزيد على الإحصاء ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~ذو العظمة والكبرياء ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم الأنبياء ، ومبلغ ~~الأنباء صلى الله عليه وعلى آله الأمناء ، وأصحابه الأتقياء ، صلاة دائمة ~~بلا نفاد ولا انقضاء ، وبعد : فإنه لما كان بتاريخ نهار بكرة الأربعاء ثاني ~~عشرين ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة أرسل الله تعالى بقدرته ريحا ~~عاصفة ، فأثارت سحبا واكفة في خلالها بروق خاطفة ، ليس لما جاءت به من دون ~~الله كاشفة فطبقت الوهاد ، وجللت الآكام ، وأطبقت على مدينة عجلون وما ~~قاربها من أرض الشام ، ثم أرخت عزاليها كأفواه القرب ، حتى خيل لمن رآها أن ~~الوعد الحق قد اقترب ، فلم يكن إلا كحلب شاة من الضأن ، أو ما قارب ذلك من ~~الزمان ، حتى صارت مدينة عجلون كما قال الله تعالى في كتابه المكنون : ) ~~ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر ~~قد قدر ( [ القمر : 11 - 12 ] فوجلت القلوب لهول ذلك وتصدعت ، وكادت ~~الحوامل أن تضع حملها وتذهل كل مرضعة عما أرضعت ، واندهش أهل البلد عند ~~معاينة هذا الهول الكبير ، واختلفت همومهم ، فكل إلى ما اشتمل عليه قلبه ~~يشير ، فمن باك على ما في يده من متاع الدنيا الحقير ، ومن مشفق خائف على ~~ولده الصغير ، ومن ms7814 غريق عدم نفسه النفيسة ، ما له من ملجأ يومئذ وما له من ~~نكير ، ومن ناج يقول : أشهد أن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل ~~شيء قدير ، ومن ضارع إلى من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، ومن قائل ) ~~ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ( [ الممتحنة : 4 ] ولسان الحال ~~يتلو قوله تعالى : ) وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ~~( [ الشورى : 30 ] ولم تزل الأمطار متواترة ، والسيول من PageV33P0204 # """""" صفحة رقم 205 """""" كل فج متواترة ، حتى تحير من حضر ذلك من ~~الإنس والجان ، وشغلوا بما عاينوه عن الأموال والأولاد والإخوان ، وظنوا ~~أنهم أحيط بهم ، وجاءهم الموج من كل مكان ، فتلاقى على البلد واديان : ~~أحدهما من شمالها يسمى الجود والآخر من شرقها يسمى جنان ، فأخرب وادي الجود ~~بهذه الآية الخارقة جانبا من حارة المشارقة ، ودمر وادي جنان ما كان على ~~جانبه من البنيان ، ثم اختلطا فرأى الناس منهما ما لا يطاق ، وأخربا ما مرا ~~عليه من رباع وقياسير وأسواق ، فأخربا العرصة والمصبغة والفرانين والعلافين ~~، وحوانيت الدق وسوق الأدميين وسوق البر العتيق والأقباعية والقطانين ، ~~وحوانيت الصاغة وما يليها من البساتين ، وردم أمام دار الطعم - بعد إخراب ~~بعضها - أحجارا وصخورا ، وكل ذلك ليتعظ أهل المكر وما يزيدهم إلا نفورا ، ~~وذهب هذا السيل العظيم الطامي بجميع سوق الخليع لبكتمر الحسامي ، وأخرب من ~~قيسارية ملك الأمراء للتجار نحو عشرين حانوتا ، وذهب بكل ما فيها من ثمين ، ~~ثم ردم باقيها على ما فيه بالأخشاب والأحجار والطين ، حتى رجعت قيمة ما سلم ~~من المائة إلى العشرين ، وأخرب ما جاوز بحر المدينة من سوق أم معبد ~~واللحامين ، ومن وقف السقطيين والحضريين وحوانيت العجز وسوق الأمير ركن ~~الدين ثم دمر في وقف الجامع على ما فيه من الأمتعة والبضائع ، ثم ردم العين ~~بالأحجار والخشب والصخور ، حتى خشي عليها أهل البلد أن تفور ، ثم أخرب ~~حوانيت الطباخين وجانبا من حمام الأمير موسى ، وكان ذلك على من لم يرض ~~بقضاء الله يوما منحوسا ثم أخرب الدباغة وجانبا ms7815 من حمام السلطان وما يلي ~~ذلك من المطهرة ومسلخ المعز والضأن ، وأعظم من ذلك إخرابه المدرسة النفيسية ~~والرواق القبلي من المسجد الجامع ، وفي ذلك ما يحرق قلب كل منيب وخاشع ، ~~وردم داخل الجامع بغثاء السيل والطين والأخشاب ، فاعتبرا يا أولي الألباب . ~~وبلغ الماء في داخل الجامع إلى القناديل المعلقة ، وذلك بتقدير من يعلم ما ~~في البر والبحر وما تسقط من ورقة ، ولم يقرب شيئا من غالب ما ذكر إلا أتى ~~على ما فيه من الأمتعة والبضائع والأموال ، حتى أتيح لكثير من أرباب ذلك أن ~~يمد يده للسؤال ، وكان مدة استدامته من بكرة النهار إلى وقت العصر ) وقيل ~~يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر ( [ هود : 44 ] ، ~~وكان عرض السيل قدر رمية بحجر ، وارتفاعه على بسيط الأرض قدر قامتين أو ~~أكثر ، وقدر ما ذهب فيه من الأمتعة والبضائع والأموال وقيمة الأملاك بهذا ~~القضاء المبرم ، فكان ذلك يزيد على خمسمائة ألف درهم ، وذلك خارج عن الغلات ~~والمواشي والبساتين والطواحين ظاهر مدينة عجلون ) إنا لله وإنا إليه راجعون ~~( [ البقرة : 156 ] ومن جملة لطف الله تعالى مجيئه بالنهار ، فحذر الناس ~~منه ، فلم يعلم في البلد PageV33P0205 # """""" صفحة رقم 206 """""" غريق إلا سبعة أنفار ولو كان - والعياذ بالله ~~- ليلا لزادوا على الإحصاء في المقدار ) إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ( [ ~~آل عمران : 13 ] ، وليس الخبر في جميع ما ذكرنا كالعيان ، ونعوذ بالله من ~~الزيادة والنقصان . وفي هذه السنة في يوم الخميس سادس عشر صفر توفي الشيخ ~~الصالح المعروف بقوام الدين عبد المجيد بن أسعد بن محمد الشيرازي شيخ ~~الخانقاة بالجامع الناصري بساحل مصر المحروس ، ومولده - كما أخبرني - رحمه ~~الله تعالى - في تاسع عشر صفر سنة ثمان وثلاثين وستمائة بشيراز ، وكان عمره ~~تسعين سنة إلا ثلاثة أيام . سمع من الشيخ عز الدين الفاروثي ، وله إجازة ~~بخطه شاهدتها ، وقد جعل فيها لكل من جعل خطه تحت خطه فيها أن يروي عن الشيخ ~~عز الدين المذكور ما يجوز له روايته ، وكتبت خطي تحت تلك الإجازة ms7816 ، فصار لي ~~بهذا الاعتبار أن أروي عن الشيخ عز الدين الفاروثي بالإجازة . وتوفي الأمير ~~الكبير سيف الدين جوبان المنصوري أحد الأمراء الأكابر مقدمي الألوف بدمشق ~~وكانت وفاته في ليلة الثلاثاء العشرين من صفر بداره بظاهر دمشق ، ودفن ~~بتربته بالمزة ، وأنعم بإقطاعه على الأمير شهاب الدين قرطاي الصالحي ~~العلائي ، عوضا عما كان بيده من الإقطاع . وتوفي في النصف من يوم الثلاثاء ~~لليلتين بقيتا من صفر القاضي موفق الدين عبد الرحيم بن الأسعد بن المعتمد ، ~~وهو من مسالمة القبط ، وكان في ابتداء أمره يتولى عمالة قليوب ، ثم تنقل في ~~المباشرات إلى أن ولي استيفاء ديوان الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة ~~كان ، وحصل أموالا جليلة ، ثم ولي استيفاء النظر بالباب السلطاني ، وانتقل ~~منه إلى نظر الدواوين ، إلى أن عزل في سنة أربع وعشرين وسبعمائة - كما ~~ذكرنا - ولزم داره ، ورتب له من الصدقات السلطانية في كل شهر ثلاثمائة درهم ~~، إلى أن مات في التاريخ المذكور ، وكانت وفاته بداره بشاطئ النيل بمصر ~~بقرب صناعة الإنشاء ، ومولده في سنة أربع وخمسين وستمائة . وفيها في ليلة ~~الاثنين رابع عشر جمادى الأولى توفي الشيخ الإمام العالم الصالح الورع ~~السيد الشريف تقي الدين أبو الفتوح محمد بن الشيخ ضياء الدين جعفر بن الشيخ ~~محمد بن الشيخ القطب عبد الرحيم بن أحمد بن أحمد بن حجون الحسني الشافعي ~~شيخ خانقاة الأمير بهاء الدين أرسلان الدوادار بمنشأة المهراني ، وصلي ~~PageV33P0206 # """""" صفحة رقم 207 """""" عليه بكرة النهار ، ودفن بالقرافة ، وكان ~~رحمه الله تعالى حسن الصحبة والعشرة والمودة ، وله نثر جيد ، ومولده في سنة ~~خمس وأربعين وستمائة تقريبا . وتوفي في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من ~~جمادى الآخرة الشيخ كمال الدين . . . الغماري المغربي ، وكان رجلا منقطعا ، ~~لا يتردد إلى أحد ، حسن اللباس والمأكل ، يأكل غالبا خبز الشعير ، ويطعم ~~أهله ما يختارونه من الأطعمة وكان من فقهاء المالكية ، وكنت أعهد له كشفا ، ~~اجتمعت به في سنة سبعمائة وهو يوم ذاك بالمدرسة الشريفية بالقاهرة ، ~~وكاشفني في قضية تتعلق بي ، فوقعت كما قال ، ثم ذكر لي بعد ms7817 ذلك قضية أخرى ~~تتفق بي ، فاتفق بعضها كما قال ، وتأخر بعضها ، فاجتمعت به بعد ذلك في سنة ~~ست وسبعمائة ، وسألته عن حاله وما كنت أعهده فيه من الكشف ، فأجاب : قد زال ~~ما كنت تعهده منذ استقليت بهذه النميلة - يشير إلى ابنته فاطمة - وكان قد ~~رزقها ، وكانت من الذكاء على أمر عظيم لم يشاهد مثله من سرعة الحفظ ، وجودة ~~الإتقان مع صغر السن . أحضرت إلى مجلس شيخنا شرف الدين عبد المؤمن بن خلف ~~الدمياطي رحمه الله تعالى لتسمع عليه جزءا من مسموعاته ، فامتنع أن يكتب ~~اسمها إلا حضورا ، وقال : هذه صغيرة السن عن السماع ، فلقنها معلمها سري ~~الدين أبو القاسم الزيدي الحديث الذي كانت تريد أن تسمعه ، فحفظته بسنده ، ~~وأحضرها إلى الشيخ فجلست بين يديه ، وعمرها يوم ذاك أربع سنين أو نحوها ، ~~فقالت مخاطبة الشيخ : حدثك - رضي الله عنك الشيخ فلان - وسردت السند إلى ~~رسول الله [ ] ، والحديث إلى آخره من حفظها فبهت الشيخ من ذلك ، واستعظمه ~~منها ، وكساها فوطة حرير ، وكتب اسمها سماعا ، أخبرني بذلك معلمها سري ~~الدين المذكور ، وكان صدوقا رحمه الله ، ثم اشتغلت بعد ذلك وقرأت الكتاب ~~العزيز بالسبع ، وأتقنت قراءته واشتغلت بالفقه والعربية والأصول وغير ذلك ~~من العلوم ، وكتبت الخط الجيد المنسوب عدة أقلام ، فكانت تكتب الدروج ~~المشتملة على عدة أقلام كتابة جيدة ، وتكتب في آخرها : " كتبته فاطمة ~~الغمارية " واشتغل والدها بأشغالها اشتغالا كثيرا ، فلذلك قال لي ما قال ، ~~وأصيب بها ، وكان رحمه الله تعالى صعب الخلق شديد الحرج كبير الحدة ما ~~اجتمع به أحد من الأمراء والأعيان والأكابر وفارقه عن رضى ، وكان يسب من ~~يجتمع به ويتركه أقبح سب عن غير تحاش ، ولعل ما حصل له من سوء الخلق نتج عن ~~خشونة مأكله ، رحمه الله تعالى وسامحه . PageV33P0207 # """""" صفحة رقم 208 """""" وتوفي في ليلة الأربعاء سابع شهر رجب القاضي ~~كمال الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن محمود الحلبي ~~البسطامي الحنفي ناب في الحكم ودرس بالمدرسة الفارقانية بالقاهرة ، ودفن من ~~الغد بالقرافة ، وكان قد ms7818 مرض من مدة ، وطالت مرضته وعجز عن الحركة وانقطع ~~ولزم بيته ، ونزل عن جهاته لولده الفقيه سراج الدين عمر ، سمع كمال الدين ~~بن النجيب عبد اللطيف وحدث ، ومولده في سنة ثلاث وخمسين وستمائة . وتوفي في ~~يوم السبت خامس عشر شعبان الأمير سيف الدين بكتمر الأبي بكري في معتقله ~~ببرج السباع بقلعة الجبل ، وكان السلطان قد رسم بإحضاره من الكرك هو ~~والأمير سيف الدين تمر الساقي ، فأحضرا في شهر رجب من السنة ، وقويت ~~الشناعة أنه يفرج عنهما فاعتقلا ببرج السباع ، واعتل المذكور ومات رحمه ~~الله تعالى ، وقد تقدم ذكر اعتقاله ، وأنه كان في ليلة الجمعة لثلاث خلون ~~من شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة ، فكانت مدة اعتقاله ست سنين إلا ~~ثمانية عشر يوما . وتوفي في ليلة السابع عشر من شعبان صاحبنا ووالد صاحبنا ~~الشيخ الصالح العدل شرف الدين أبو حفص عمر بن الشيخ معين الدين عبد الرحيم ~~بن أبي القاسم بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن منصور بن حيدر الجزري ~~الشافعي المعروف بالخياط ، ويعرف أيضا بإمام قفجاق ، وهو صاحب الشيخ أبي ~~إسحاق اللوزي ، وكانت وفاته بالقدس الشريف ، وصلي عليه من الغد بالمسجد ~~الأقصى ، ودفن بمقبرة ماملا ، ومولده في المحرم سنة سبع وأربعين وستمائة ~~بالموصل ، سمع من النجيب عبد اللطيف وغيره ، وأسمع ، وكان يؤم نواب السلطنة ~~بدمشق الأمير حسام الدين لاجين المنصوري في نيابته بدمشق قبل سلطنته ، ثم ~~كان إماما عند الأمير سيف الدين قبجاق بدمشق وحماة ، وهو من بيت مشهور ~~معروف بالجزيرة العمرية بالتجارة والحشمة والاتصال بالملوك ، وكان هو من ~~أعيان الصوفية حيث حل بدمشق والقاهرة والقدس . صحبته رحمه الله تعالى ، ~~وصحبت ولده الشيخ أمين الدين محمد من سنة تسع وسبعمائة ، وتأكدت الصحبة ~~بيننا ، فكانا من خيار من صحبت ، PageV33P0208 # """""" صفحة رقم 209 """""" وكان لي بهما اجتماع قبل ذلك ، وكان رحمه ~~الله كريما حسن الصحبة والمودة ، وجلس مع العدول بدمشق والقاهرة وشهد على ~~القضاة ، وما زال يعظمه الأكابر والأمراء والوزراء ويجلونه رحمه الله تعالى ~~. وتوفي في آخر ليلة السبت المسفرة ms7819 عن رابع عشر شهر رمضان الأمير جمال ~~الدين خضر بن نوكية أحد أمراء الطبلخاناة بداره ، بخط الهلالية بظاهر ~~القاهرة ، ودفن في ليلة السبت ، وكان قد مرض نحو ثلاثة أشهر وعوفي ، وطلع ~~إلى الخدمة السلطانية قبل وفاته بيومين ، في يوم الخميس ثاني عشر الشهر ~~فبلغني أن السلطان سأله عن حاله ، فلما خرج من الخدمة ، قال السلطان لبعض ~~خواصه من الأمراء لمن يعطى خبز هذا ؟ فقيل له : وكيف يقطع السلطان خبزه ؟ ~~فقال السلطان : " هذا ما يعيش أكثر من يومين " فكان كذلك ، ولعمري لو قال ~~هذا القول من يتصدى للناس ممن ينسب إلى الصلاح والكشف لعدت من كراماته ، ~~ولهرع الناس إليه ، وبلغني أنه صلى الجمعة ببركة الحبش ، وأفطر في ليلة ~~السبت ، وتسحر ، ومات قبيل أذان الصبح . وفيها في ليلة السبت المسفرة عن ~~سابع عشرين شوال كانت وفاة الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري بمدينة ~~مراغة من عمل أذربيجان ، ودفن في مستهل ذي القعدة ، وكان سبب تأخير دفنه ~~أنه كتب إلى الملك أبي سعيد بخبر وفاته ، واستؤذن في دفنه ، فتأخر إلى أن ~~ورد جوابه ، ورد الخبر إلى الأبواب السلطانية بوفاته في يوم الثلاثاء حادي ~~عشرين ذي القعدة ، وقد ذكرنا ما كان من تسحبه إلى بلاد التتار في سنة اثنتي ~~عشرة وسبعمائة ، ولما اتصل خبر وفاته بالسلطان رسم بالإفراج عن جماعة من ~~مماليكه كانوا قد اعتقلوا بعد تسحبه ، ووعدهم الإحسان ، ثم رسم بإخراج ~~ولديه الأميرين : علاء الدين علي ، وعز الدين فرج إلى دمشق ، وأقطع الأول ~~إمرة طبلخاناة ، وفرج إمرة عشرة بدمشق ، وتوجها في سنة تسع وعشرين ، ووصلا ~~إلى دمشق في ثالث شهر ربيع الآخر ، واستقرا بها . وفيها في الثلث الأخير من ~~ليلة الاثنين المسفر صباحها عن العشرين من ذي القعدة كانت وفاة الشيخ ~~العالم الورع تقي الدين أحمد بن الشيخ شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم ~~بن الشيخ مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن PageV33P0209 # """""" صفحة رقم 210 """""" أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني ثم ~~الدمشقي في معتقله بدمشق ، ومرض سبعة ms7820 عشر يوما ، ولما منع من الكتابة ~~والتصنيف عكف على تلاوة كتاب الله تعالى ، فيقال إنه قرأ ثمانين ختمة ، ~~وقرأ من الحادية والثمانين إلى سورة الرحمن ، وأكملها أصحابه الذين دخلوا ~~عليه حال غسله وتكفينه ، وتولى غسله مع المغسل الشيخ تاج الدين الفارقي ، ~~والشيخ شمس الدين بن إدريس ، وصلي عليه في عدة مواضع فصلي عليه أولا بقلعة ~~دمشق وأم الناس في الصلاة عليه الشيخ محمد بن تمام الصالحي الحنبلي ، ثم ~~حمل إلى الجامع الأموي ، ووضعت جنازته في أول الساعة الخامسة ، وامتلأ ~~الجامع بالناس ، وغلقت أسواق المدينة ، وصلي عليه بعد صلاة الظهر ، ثم حمل ~~وأخرج من باب الفرج ، وازدحم الناس حتى تفرقوا في أبواب المدينة وصلي عليه ~~بعد صلاة الظهر ، ثم حمل فخرجوا من باب النصر وباب الفراديس وباب الجابية ، ~~وامتلأ سوق الخيل بالناس ، وصلي عليه مرة ثالثة وأم الناس في الصلاة عليه ~~أخوه الشيخ زين الدين عبد الرحمن ، وحمل إلى مقبرة الصوفية ، فدفن قريبا من ~~وقت العصر لازدحام الناس عليه ، ومولده بحران في يوم الاثنين عاشر شهر ربيع ~~الأول سنة إحدى وستين وستمائة ، وقدم مع والده في حال صغره ، واشتغل عليه ~~وسمع من جماعة من المشايخ ، وكان شيخا حافظا مفرط الذكاء ، حسن البديهة ، ~~وله تصانيف كثيرة منها ما ظهر ، ومنها ما لم يظهر ، وشهرته بالعلم تغني عن ~~بسط القلم فيه ، وكان علمه أرجح من عقله ، وقد قدمنا من أخباره ووقائعه ما ~~يغني عن إعادته ، وكانت مدة اعتقاله من يوم الاثنين سادس شعبان سنة ست ~~وعشرين وسبعمائة إلى حين وفاته سنتين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما ، رحمه ~~الله تعالى ، ولما مات أفرج عن أخيه الشيخ زين الدين عبد الرحمن في يوم ~~الأحد سادس عشرين ذي القعدة ، وكان قد اعتقل معه ، فلما مات كان يخرج في كل ~~يوم إلى تربة أخيه ، ويعود عشية النهار يبيت بقلعة دمشق ، إلى أن حضر نائب ~~السلطنة من الصيد ، فأفرج عنه . واستهلت سنة تسع وعشرين وسبعمائة بيوم ~~الجمعة الموافق لثامن هاتور من شهور القبط ، والسلطان الملك الناصر يتصيد ~~بجهة ms7821 سرياقوس ، فأقام بتلك الجهة إلى يوم الاثنين ، وعاد إلى قلعة الجبل ~~المحروسة في بكرة نهار الاثنين رابع المحرم ، وفي PageV33P0210 # """""" صفحة رقم 211 """""" يوم السبت ثاني المحرم وصل القاضي فخر الدين ~~محمد ناظر الجيوش المنصورة من الحجاز الشريف إلى خدمة السلطان بالقصر ~~بسماسم ، وخلع عليه ووصل إلى داره بمصر في يوم الأحد ثالث الشهر . وفيها في ~~يوم الأحد سابع عشر المحرم فوض السلطان صحابة ديوان الإنشاء السعيد ~~بالأبواب العالية للقاضي محيي الدين يحيى بن جمال الدين فضل الله بن المجلي ~~القرشي العدوي وسبب ذلك أن القاضي علاء الدين علي بن الأثير كان قد حصل له ~~مرض فالج في شهور سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ، واستمر مدة شهور ، وهو يتكلف ~~الدخول مع البريد وحضور دار العدل بين يدي السلطان ، فلما دخل فصل الخريف ~~اشتد به المرض ، وتمكن من جسده ، وتزايد الحال به ، فعجز عن المشي ، واعتقل ~~لسانه ، وبطلت يده ، فرسم بعد ذلك بتوفيره ، ونزل من القلعة في يوم الخميس ~~رابع عشر الشهر ، واستقر بداره ، وكان ولده في الحجاز الشريف ، فوصل في يوم ~~السبت الثاني من المحرم وخلع عليه ، وجلس في مرتبة أبيه ، وظن الناس أنه ~~يستقر في الوظيفة ، وكان السلطان قبل ذلك قد رسم بطلب القاضي محيي الدين ~~المشار إليه من دمشق فطلب ، وكان رأس كتاب الدرج بها ، فتوجه منها في يوم ~~الجمعة ثامن الشهر ، ووصل إلى الأبواب السلطانية في هذا اليوم هو وولده ~~القاضي شهاب الدين أحمد ، وشرف الدين بن شمس الدين بن شهاب الدين محمود ، ~~ومثلوا بين يدي السلطان وهو بالاسطبل ، وخلع عليهم ، واستقر القاضي محيي ~~الدين صاحب ديوان الإنشاء وولده شهاب الدين أحمد كاتب السر الشريف ، وشمس ~~الدين بن شرف الدين رأس كتاب الدرج بدمشق في وظيفة القاضي محيي الدين ، ~~وتوجه إلى دمشق المحروسة . وفي هذه السنة في يوم الأحد رابع عشرين المحرم ~~أنعم السلطان على الأمير علم الدين سنجر الجاولي بإمرة طبلخاناة ، وأقطعه ~~إقطاع الأمير علاء الدين علي بن الأمير شمس الدين قراسنقر ، ونقل علاء ~~الدين إلى دمشق كما ms7822 تقدم ، وأنعم على PageV33P0211 # """""" صفحة رقم 212 """""" الأمير حسام الدين لاجين الجاشنكير المعروف ~~بزيرباج بإمرة طبلخاناة بالديار المصرية ، وأقطع إقطاع الأمير ناصر الدين ~~محمد بن جمق الذي كان قد وصل من بلاد التتار ، وذكر أنه من أقرباء السلطان ~~، فعاد الآن إلى بلاد التتار بطلب من الملك أبي سعيد ، فرسم بعوده . وفيها ~~في يوم الأحد الرابع والعشرين من الشهر وصل إلى الأبواب السلطانية الأمير ~~سيف الدين أيتمش المحمدي ، عاد من جهة الملك أبي سعيد بن خربندا على خيل ~~البريد ، ووصل الرسل بعده ، وفيها في بكرة نهار الثلاثاء ثالث صفر استقل ~~ركاب السلطان من قلعة الجبل لقصد الصيد ، فتوجه إلى الجيزية ، وعدى من ساحل ~~بولاق ، وأقام إلى يوم الخميس ، وتوجه في بكرة نهار الجمعة إلى جهة ~~المنوفية ، وفرق الأمراء مماليكه بالجهات ولم يستصحب من مماليكه إلا أرباب ~~الوظائف . وفي يوم السبت سابع صفر وصل إلى الأبواب السلطانية الملك أبي ~~سعيد ، وجهزوا إلى السلطان إلى جهة المنوفية ، فمثلوا بين يديه ، وأدوا ~~رسالتهم وأمر أن يتوجهوا إلى قلعة الجبل ، وأقاموا بها إلى حين عود السلطان ~~، وكان عوده من الصيد المبارك في الساعة الثانية من يوم الخميس تاسع عشر ~~صفر . وفيها في يوم الاثنين مستهل شهر ربيع الأول أعيد القاضي شمس الدين بن ~~قروينة إلى نظر الدواوين على ما كان عليه ، نقل إلى هذه الوظيفة من نظر ~~البيوت السلطانية ، وأضيف نظر البيوت إلى القاضي مجد الدين إبراهيم بن ~~لفيتة ناظر النظار والصحبة ، وخلع عليهما . وفيها في يوم الأحد سادس شهر ~~ربيع الأول توجه السلطان إلى الصيد بجهة سرياقوس ، ثم توجه منها إلى ~~الجيزية ، وأقام بها إلى بكرة نهار الاثنين الحادي والعشرين من الشهر ، ~~وعاد إلى قلعة الجبل ، وكان صعوده إليها في الساعة الأولى من النهار ~~المذكور ، واستقر بها بكرة نهار الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الآخر ، وتوجه ~~إلى جهة القليوبية ، وعاد ظهر يوم الأربعاء رابع عشر الشهر ، وأقام بقلعة ~~الجبل إلى يوم الاثنين ثالث جمادى الأولى ، فتوجه في الأول من النهار وعدى ~~من جهة بولاق لقصد ms7823 الصيد بجهة البحيرة ، وعاد إلى قلعة الجبل في الساعة ~~الثالثة من يوم الأحد سادس عشر جمادى الأولى . وفيها في يوم الاثنين سابع ~~عشر جمادى الأولى رسم السلطان بهدم الجب الذي يعتقل به الأمراء بقلعة الجبل ~~وردمه ، وألا يعتقل به أحد من الناس فهدم وردم بما نقض من الإيوان الكبير ~~الذي بالرحبة عند جامع القلعة ، وكان قد رسم بهدمه وإنشاء غيره أصغر منه ، ~~ففعل ذلك . PageV33P0212 # """""" صفحة رقم 213 """""" وفيها في هذا اليوم المذكور وصل إلى الأبواب ~~السلطانية رسل نائب الملك أبي سعيد بن خربندا الذي استقر في النيابة بعد ~~جوبان وهو الشيخ حسن بن الجتية ، وهو ابن عمة الملك أبي سعيد ، أمه أخت ~~غازان وخربندا ، وحسن هذا هو الذي كان زوج بغداد خاتون ابنة جوبان ، وأحضر ~~رسله قماشا وفهدين تقدمة من جهته إلى السلطان ، فقبلت تقدمته ، وعومل رسله ~~بما جرت به عادة أمثالهم . وفيها في يوم الثلاثاء عاشر جمادى الآخرة وصل ~~إلى الأبواب السلطانية الأمير سيف الدين أرغون الناصري نائب السلطنة ~~الشريفة بحلب ، وأكرمه السلطان إكراما كثيرا ، وخلع عليه على عادته في ~~نيابة السلطنة بالأبواب السلطانية ، وأنزله بمناظر الكبش ، وأنعم عليه بخيل ~~وقماش ، وأقام إلى يوم الخميس سادس عشرين الشهر ، فخلع عليه في هذا اليوم ~~قباء مقصبا بطرززركش ، وعاد إلى حلب ، بعد انقضاء الخدمة السلطانية في هذا ~~اليوم المذكور من التاريخ من السنة المذكورة . ذكر وصول رسل الملك أبي سعيد ~~ورغبته في الاتصال بمصاهرة السلطان وفي يوم الأحد التاسع والعشرين من جمادى ~~الآخرة وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الملك أبي سعيد بن خربندا ، والمشار ~~إليه منهم اسمه تمربغا المرغيناني أحد مقدمي التوامين ، ومثلوا بين يدي ~~السلطان بقلعة الجبل في يوم الاثنين سلخ الشهر ، وقدموا ما معهم من الهدية ~~، فكان منها اثنا عشر أكديشا عشرة منها مجللة بالجوخ الأحمر المبطن ~~بالصندات ، واثنان بغير جلال ، ذكران لها قيمة كثيرة ، وأحضروا غير ذلك من ~~التحف مما خفي أمره ، وكان مضمون الرسالة رغبة الملك إلى السلطان الاتصال ~~بابنته ، فأجاب السلطان الملك الناصر سؤاله إلى ذلك ms7824 ، فاعتذر بصغر سنها ~~الآن ، ووعدهم إلى انقضاء ثلاث سنين ، فعند ذلك أحضر الرسول ثمانا دراهم ، ~~وهو ستون ألف درهم ، وسأل عن مرسله ، أن يعمل بذلك مهم ، ويمد سماط يأكله ~~الأمراء ، فرسم السلطان بقبول ذلك ، وعمل المهم في يوم الخميس عاشر شهر رجب ~~، وسلك السلطان في ذلك نائب التتار ، وشرط السلطان عليهم شروطا منها : أن ~~طلب في مهرها أعمال " ديار بكر " وخلع على الرسل في يوم الخميس ثالث شهر ~~رجب ، ثم خلع عليهم مرة ثانية في يوم الاثنين سابع الشهر ، ثم رسم بإعادتهم ~~إلى مرسلهم ، وتوجهوا في يوم الاثنين رابع عشر الشهر ، ووصلوا دمشق في ~~مستهل شعبان ، وتوجهوا منها في يوم السبت رابع الشهر . PageV33P0213 # """""" صفحة رقم 214 """""" وفيها في يوم الخميس عاشر رجب وصل إلى ~~الأبواب السلطانية الأمير سيف الدين طينال الساقي ، نائب السلطنة الشريفة ~~بالمملكة الطرابلسية ، وخلع عليه تشريف أطلس أحمر بطرززركش على أطلس أصفر ~~وشاش رقم ، وكلوتة زركش ، وحياصة ذهب مجوهرة ، وأنعم عليه بثلاثة رؤوس خيل ~~، وأقام في الخدمة السلطانية إلى يوم الخميس رابع عشرين الشهر ، وتوجه إلى ~~طرابلس على عادته في يوم الجمعة خامس عشرين الشهر ، وأثر حضوره أثرا سيئا ، ~~فإنه شكا إلى السلطان ما على المملكة الطرابلسية من الكلف ، وأن خالصها لا ~~يقوم بالمرتب عليها ، وحسن للسلطان قطع ما على المملكة المذكورة من الرواتب ~~لأرباب الصلات المقيمين بالديار المصرية ومرتبهم بطرابلس ، فقطع جميع ذلك ~~بطرابلس ، وشمل هذا القطع ما هو مرتب لهم على سائر الممالك الشامية ~~والحلبية والصفدية ، فحصل للناس الضرر التام بذلك ، ثم سأل الزيادة لنفسه ~~على ما بيده من الإقطاع ، فأنعم عليه بزيادة ثلاثين ألف درهم في كل سنة أو ~~نحوها من الذي يوفر بطرابلس . ذكر الاستبدال بمن يذكر من مباشري الدولة ، ~~ومصادرتهم وإفصال الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي من الوزارة وفي يوم ~~الأحد العشرين أو الحادي والعشرين من شهر رجب من هذه السنة رسم السلطان ~~بعزل القاضي مجد الدين إبراهيم بن لفيتة عن نظر النظار بالديار المصرية ~~والصحبة ، وشمس الدين بن قروينة عن نظر ms7825 الدواوين ، وفوض نظر النظار والصحبة ~~للقاضيين : علم الدين إبراهيم بن القاضي تاج الدين إسحاق وكيل الخواص ~~الشريفة وناظرها ، وتقي الدين عمر بن الصاحب شمس الدين محمد بن فخر الدين ~~عثمان الشوخي المعروف بابن السلعوس الدمشقي وزير الدولة الأشرفية الصلاحية ~~والده كلف وكان قبل ذلك يتولى صحابة الديوان بدمشق ، ذكره بعض الأمراء ~~الأكابر بين يدي السلطان وأثنى عليه ، فرسم بطلبه فتوجه من دمشق في يوم ~~PageV33P0214 # """""" صفحة رقم 215 """""" الخميس العاشر من رجب ووصل إلى الأبواب ~~السلطانية في يوم الجمعة ثامن عشر الشهر ، فرسم له بالمباشرة ، وخلع عليهما ~~في اليوم المذكور ، وفوض نظر خزانة الخاص الذي كان يباشره علم الدين ~~المذكور لأخيه شمس الدين موسى وباشر الناظران - علم الدين وتقي الدين - مدة ~~والأمير علاء الدين الجمالي الوزير على حالته في الوزارة ، إلا أنه مشغول ~~بما حصل له من المرض ، يترددان إلى خدمته ، ويستأذنانه ، فلما كان في يوم ~~الأحد ثاني شوال رسم بتوفير الوزارة ، واستقر الأمير علاء الدين في الأستاذ ~~دارية خاصة مع ملازمة المرض به ، وهو مع ذلك يتجلد في بعض أيام المواكب ، ~~ويعبر إلى الخدمة ، ويقف على عادة الأستاذ دارية يسيرا ، ثم يعود إلى داره ~~بقلعة الجبل ، فلما كان في يوم الأحد خامس عشر ذي القعدة جلس السلطان في ~~الميدان تحت قلعة الجبل ، وعرض كتاب الأمراء ليستصلح منهم من يستخدمه ، ثم ~~طلب القاضيين مجد الدين بن لفيتة وشمس الدين بن قروينة الناظرين المنفصلين ~~، ومكين الدين بن قروينة مستوفي الصحبة وأمين الدين مستوفي الخزانة المعروف ~~بقرموط ، وأمر بالترسيم عليهم ، وسلمهم للأمير سيف الدين الدمر أمير جندار ~~، ورسم أن يستخرج منهم ستمائة ألف درهم . وسبب ذلك أنه كان قد رسم بكشف ~~الجيزية ، فكشفت فوجد فيها بواقيا كثيرة ، فرسم بمصادرة واليها سيف الدين ~~قشتمر ، وهو من ألزام الأمير علاء الدين الجمالي الوزير - كان - ومستوفيها ~~ابن سقرون ، فحمل من جهة قشتمر مائتي ألف درهم ، ومن جهة ابن سقرون ~~المستوفي ما يزيد على سبعين ألف درهم ، فاضطر المستوفي المذكور إلى أن أنهى ~~إلى السلطان ما أخذ ms7826 من الجيزية ، فرسم عند ذلك بمصادرة من ذكرنا ، وإفصال ~~المستوفين . وكان السلطان قبل ذلك قد عرض مشدي الجهات بالقاهرة ومصر ، ورسم ~~بقطع أخبازهم من الحلقة ، واستبدل بهم ، وانتصب السلطان بنفسه أياما لمصالح ~~دولته ، وأحضر مشايخ بلاد الجيزية ، وسجلوا بلادها في مجلس السلطان ، وهذا ~~ما لم يسمع بمثله في دولة من الدول ، وشرع بالاستبدال بالمباشرين ، وصار ~~يستخدم بنفسه ، ويتحدث مع كل مباشر ، ويسأله عن مباشراته ، وغير ذلك ، ثم ~~أفرج السلطان عن الناظرين المنفصلين والمستوفين ، بعد أن استخرج منهم - ~~بعدما قرر عليهم - جملة من المال . PageV33P0215 # """""" صفحة رقم 216 """""" وفيها في خامس شهر رمضان رسم السلطان للأمير ~~علاء الدين قلبرس ابن الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري أحد أمراء ~~الطبلخاناة أن يتوجه إلى دمشق المحروسة من جملة الأمراء مقدمي الألوف ، ~~وأنعم عليه بإقطاع الأمير علاء الدين أيدغدي الخوارزمي الحاجب بدمشق ، ~~وزاده عليه إمرة عشرة طواشية ، وتوجه من القاهرة المحروسة في خامس عشر شوال ~~من السنة ، ووصل إلى دمشق في الاثنين سادس عشر ذي القعدة ، وكانت وفاة ~~الأمير علاء الدين أيدغدي الخوارزمي - الحاجب المذكور - في ليلة الأحد ثاني ~~عشر شعبان من السنة . ذكر رؤيا رأيتها في المنام أحببت إثباتها لدلالتها ~~على صحة نسبي وفي ليلة الجمعة ثالث عشر ذي القعدة رأيت رسول الله [ ] في ~~المنام ، وهو جالس بالإيوان البحري بالمدرسة الناصرية ، التي هي بين ~~القصرين ، من الجهة اليمنى لمن يقصد صدر الإيوان في ذيل الإيوان بينه وبين ~~الحائط نحو ذراعين ، أو أقل من ذلك ، وأنا جالس بين يديه الكريمتين ، وهو ~~يذكر عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بخير ، فقلت له : يا رسول الله هي ~~عمتي ، ثم قلت ثانيا : يا رسول الله عائشة أم المؤمنين عمتي ؛ لأنني أحمد ~~بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم بن منجا بن علي بن طراد بن خطاب بن ~~نصر بن إسماعيل بن إبراهيم . فلما انتهيت في سرد نسبي إلى إبراهيم قال ~~النبي [ ] ابن جعفر ، قلت : نعم يا رسول الله ، ابن جعفر بن هلال ابن ~~الحسين بن ليث بن طلحة ms7827 بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، ~~فعائشة أم المؤمنين يا رسول الله عمتي ، فقال رسول الله [ ] : نعم ، ~~واستيقظت من النوم ، وسررت بهذه الرؤيا ، وأثبتها ولله الحمد . ذكر متجددات ~~كانت بدمشق في سنة تسع وعشرين وسبعمائة في هذه السنة في أوائل شهر ربيع ~~الأول تجرأ رجل يقال له محيي الدين بن الحكم الكاتب جرأة عظيمة لم يسبق إلى ~~مثلها فيما بلغنا ، وذلك أنه اتفق مع أربعة PageV33P0216 # """""" صفحة رقم 217 """""" من الرسل المتصرفين بباب الحكم العزيز ، وجلس ~~في قاعة تعرف بدرب البلساني بخط عتبة الكتاب بدمشق ، وسمى نفسه عماد الدين ~~، وأحضر نصرانيا له مال ، وأوهمه هو والرسل أنه نائب قاضي القضاة المالكي ~~بدمشق ، وقال للنصراني : قد ثبت عندي أنك قلت لرجل مسلم أنك أخي وأنا أخوك ~~ولا فرق بيني وبينك ، وبمقتضى هذا القول تكون مسلما ، وتهدده بالقتل ، ~~وتحدث الرسل مع النصراني ، وأشاروا عليه أن يعطيه مالا ، فتقررت الحال على ~~ألف درهم ومائتي درهم عجل النصراني منها ستمائة درهم ، وأحضر شهودا إلى باب ~~الدار ، وكتب عليه حجة بستمائة درهم ، ورفع عنه الترسيم فلما أطلق النصراني ~~توجه إلى القاضي شمس الدين ناظر النظار ، وأنهى له الصورة ، وأحضر نائب ~~قاضي القضاة المالكي ، فلما رآه النصراني قال : ما هو هذا ، ثم أحضر عماد ~~الدين نائب قاضي القضاة الحنفي ، فقال كذلك ، فسير جماعة إلى الدار وهجمت ~~فمسك ، وأحضر إليه والدراهم والحجة معه ، فاستنقذ ذلك منه وأطلقه شمس الدين ~~الناظر ، فلما اتصل الخبر بمتولي دمشق اعتقله ، وطالع نائب السلطنة بأمره ، ~~فرسم بضربه وضرب الرسل الذين اتفقوا معه على ذلك ، وشق مناخيرهم ، وإشهارهم ~~على الحمر ، ففعل بهم ذلك في يوم الأحد سادس شهر ربيع الأول ، واعتقلوا . ~~وفيها في يوم الاثنين ثالث جمادى الأولى أنعم على الأمير علاء الدين ولد ~~قاضي القضاة نجم الدين أحمد بن صصرى بإمرة عشرة طواشية بدمشق ، ولبس ~~التشريف في اليوم المذكور . وفيها في شهر ربيع الأول دخل نائب السلطنة ~~بدمشق الأمير سيف الدين تنكز إلى المدرسة القليجية ، وهي بجوار داره التي ms7828 ~~جدد عمارتها المعروفة بدار الفلوس فنظر إلى بيوت المدرسة ، فرأى على بعضها ~~أقفال حديد مغلقة على الأبواب ، فسأل عن البيوت وهل هي للفقهاء ؟ فقال قيم ~~المدرسة : هذا البيت لفخر الدين بن شهاب الدين الحنفي ، وهذه البيوت لجماعة ~~آخرين - سماهم - لهم فيها قماش وغيره ، فطلب فخر الدين المذكور ، وأنكر ~~عليه كونه ضيق على الفقهاء في مساكنهم مع استغنائه عنها ، فقال : ما انفردت ~~بهذا ، وشمس الدين بن حميد - رفيقي في ديوان الإنشاء - له PageV33P0217 # """""" صفحة رقم 218 """""" بيت بالمدرسة العزيزية وجماعة غيره ، فرسم ~~نائب السلطنة لشاد الأوقاف بطلب كل من أشغل بيتا من بيوت المدارس وليس هو ~~من الفقهاء ، وتقويم أجرة البيت ، وإلزامه بالقيام بالأجرة منذ أشغله وإلى ~~ذلك اليوم ، فأحضر شهود القيمة وقوموا أجرة البيوت فأخذ من شمس الدين بن ~~حميد ستمائة درهم ، ومن شهاب الدين أحمد بن المهذب ستمائة درهم وثلاثة عشر ~~درهما ، ومن أولاد عفيف الدين الحنفي أربعمائة درهم ، وهؤلاء من الذين كان ~~لهم بيوت بالمدرسة العزيزية ، وأخذ من غيرهم . وفيها في شهر رجب خلع ما كان ~~بجامع دمشق عند قبر يحيى بن زكريا عليه السلام من الخشب بين العامودين وبين ~~الحجارة ، ورخم البناء المجدد من جهة القبلة ، والتأم ، وكتب بالرخام ~~الأبيض بالرخام الأسود قوله تعالى : ) يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ~~لم نجعل له من قبل سميا ( [ مريم : 7 ] . وفيها في أول شهر رمضان رسم نائب ~~السلطنة بدمشق أن يوسع طريقا سويقة مسجد القصب خارج باب سلامة ، وأن يوسع ~~من كل ناحية قدر ذراعين ، فهدم في ثالث شهر رمضان ثم عمر في مدة شهر ، إلى ~~أن انتهى العمل إلى خان دار الطعم والمدرسة الزنجيلية ، ثم رسم في أول شوال ~~بهدم مساطب حوانيت القواسين لتوسيع الطريق ، فهدمت من الجانبين ، واستقرت ~~الحوانيت بغير مساطب ، وجلس أهلها داخل الدكاكين ، فاتسع ذلك نحو أربعة ~~أذرع ، ثم رسم بعمارة رصفان الكعبين وباب البريد ، فحصل الرفق بذلك للمارة ~~، ثم رسم بهدم جميع المساطب وبعض الحوانيت التي هي خارج باب الجابية إلى ~~قرب باب النصر ms7829 لتوسعة الطريق ، وهدمت في يوم الثلاثاء رابع عشرين ذي القعدة ~~، واستمر العمل فيها ؛ فمنها ما أزيل بجملته ، ومنها ما أزيل نصفه وبقي ~~النصف ، وبقي ذرع الطريق من عشرين ذراعا إلى عشرة أذرع . وفيها في يوم ~~الاثنين خامس ذي الحجة رسم نائب السلطنة بدمشق بقتل الكلاب بدمشق وظواهرها ~~، فقتل منها من بكرة النهار إلى بعد العصر أكثر من خمسة آلاف ثم رسم إلى ~~متولي دمشق أن يبني مقبرة للكلاب في آخر الخندق ما بين الباب الصغير وباب ~~كيسان ، يفصل بينها بحائط ، يكون أحد الموضعين للكلاب الذكور والآخر للإناث ~~، فحصل الشروع في البناء في يوم السبت في العشرين من ذي الحجة إلى يوم ~~الأحد ثامن عشرين للشهر ، وجمعت الكلاب ، وأنزلت في المكانين ، فصار الذكور ~~في خمسة ألايات في جهة ، ورسم للنادشتية بإلقاء الجيف بعد سلخها فيها . وفي ~~هذه السنة في يوم الخميس رابع عشر المحرم توفي الشيخ الإمام العالم المفتي ~~نجم الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ شمس الدين عقيل بن الخطيب ~~PageV33P0218 # """""" صفحة رقم 219 """""" جلال الدين أبي الحسن بن عقيل البالسي ، نائب ~~الحكم العزيز بمصر المحروسة ، وكانت وفاته بالمدرسة الطيبرسية بمصر ~~المحروسة وكان آخر ما تكلم به - فيما بلغني - " أنا عند ربي يطعمني ويسقيني ~~" ، وكان رحمه الله تعالى من العلماء العاملين ، ولم يخلف دينارا ولا درهما ~~، ومولده في سنة ستين وستمائة . وفيها في النصف من ليلة الخميس سابع المحرم ~~توفي الأمير الكبير شرف الدين حسين بن الأمير سيف الدين أبي بكر بن إسماعيل ~~بن جندربك الرومي ، وهو من الأمراء مقدمي الألوف بالأبواب السلطانية ، ~~وكانت وفاته بالقاهرة بالدار المعروفة بشاطئ ، ودفن في يوم الخميس بتربته ~~الملاصقة لجامعه بظاهر القاهرة بالحكر وهذا الأمير قدم من بلاد الروم في ~~الدولة الظاهرية الركنية في سنة خمس وسبعين وستمائة ، ولما مات أنعم ~~السلطان على ابن أخيه بإمرة طبلخاناة بصفد المحروسة ، وأنعم بإقطاعه ~~وتقدمته على الأمير سيف الدين أقبغا عبد الواحد رأس نوبة الجمدارية ، وأنعم ~~بإقطاع آقبغا على الأمير سيف الدين سوسون أخي الأمير سيف الدين ms7830 قوصون . ~~وفيها في الساعة الحادية عشر من يوم الثلاثاء العشرين من شهر ربيع الآخر ~~توفي الأمير الكبير سيف الدين بكتمر الحسامي - الحاجب كان - رحمه الله ~~بداره التي أكمل عمارتها خارج باب النصر المعروفة قبله بدار نهرداس ، ودفن ~~بتربته التي أنشأها الملاصقة لداره المذكورة في الساعة الأولى من يوم ~~الأربعاء وكان قبل ذلك قد حصل له نهج إذا مشى في الخدمة السلطانية ، فجمع ~~جماعة من الأطباء لذلك وقالوا : إنه حدث من ريح مجاور للكبد ، وعولج منه ~~وبرأ ، ثم عاوده ، وحصل له دوخة في دماغه ، فلما كان في يوم الخميس ثامن ~~الشهر طلع إلى الخدمة السلطانية ، فلما خرج من مجالس السلطان وهو يمشي في ~~قلعة الجبل قريبا من دار الأمير سيف الدين طرجي - والتي كانت دار عدل - ~~حصلت له الدوخة ، فسقط منها على الأرض ، فاحتمل وأجلس على مسطبة ظاهر الدار ~~المذكورة حتى سكن ما حصل له ، وقام ومشى إلى ظاهر القلعة ، وركب وعاد إلى ~~داره ، وعولج ثم ركب إلى الخدمة السلطانية على عادته ، وتوجه في خدمة ~~السلطان إلى جهة القليوبية في يوم الاثنين PageV33P0219 # """""" صفحة رقم 220 """""" ثاني عشر الشهر ، وعاد في الخدمة في يوم ~~الأربعاء رابع عشرة ، فلما كان في يوم الجمعة سادس عشر الشهر المذكور ~~واجتمعت به بعد صلاة العصر ، وقد صلى وتوجه ليعود الأمير علاء الدين ~~الجمالي لمرض حصل له ، وعاد إلى داره فرأيته وهو يشكو من النهج ، واجتمع ~~بعض الأطباء عنده ، وشكا ذلك لهم ، فهونوه عليه ، وقالوا : إنه يزول . وكان ~~قبل ذلك قد نقبت خزانته التي بداره من ظاهرها ، وسرق منها ما يزيد على ~~تسعين ألف درهم ، وظهر ذلك في يوم السبت تاسع المحرم ، فانزعج لذلك ، واتهم ~~جماعة بالمال ، فطلبوا وعاقبهم متولي القاهرة ، فأقر بعضهم على بعض مماليكه ~~أنه عاملهم على ذلك ، فحصل له من ذلك نكد كثير ، فاجتمعت به في يوم الجمعة ~~المذكور بهذا السبب ، وكان لي عليه دالة كثيرة ، فتحدثت معه فيما حدث له ، ~~وهونته عليه ، وذكرته بما ضاع له من الأموال الكثيرة قبل ذلك عند اعتقاله ms7831 ، ~~وما له من البواقي الكثيرة عند من داينه ومات أو عجز عن القيام به ، ولم ~~أزل به إلى أن هونت له ما عدم له ، وكان السلطان قد رسم له أن يعاقب ~~خزنداره بخشي الذي أقر عليه الذين اتهموا وعوقبوا فسألته عنه ، وقلت له : ~~اتهمه بالمواطأة على مالك ، وتتهم غيره من مماليكه ، وقال : لا والله هم ~~برايا من مالي ، ولا أتهمهم بخيانة ولا مواطأة ، قلت له : فإذن لا يجوز لك ~~أن تعاقبهم ، وإن فعلت أثمت ، ولم أزل به إلى أن أشهدني على نفسه أنه ترك ~~الحديث عن المال الذي عدم له ، وأنه لا يطالب به ، وأنه إن وجد يكون صدقة ~~للفقراء أو لبيت المال ، وقررت معه أن يسأل السلطان أن يفرج عن المعتقلين ~~بسبب ماله ، وفارقته على ذلك بعد أن توثقت منه أن يفعل ففعل ، وأفرج عنهم ~~في يوم السبت في سابع عشر الشهر ، فلما كان في يوم الاثنين تاسع عشر الشهر ~~ركب إلى الخدمة السلطانية على عادته ، فلما انتهى إلى سوق الخيل قال له ~~الحاجب : رسم السلطان ألا تتكلف الطلوع إلى الخدمة حتى تستقل من الضعف ، ~~فعاد إلى داره ، وجلس ، ومد سماطه على عادته ، وأكل هو مما أشار به الأطباء ~~، ثم اشتد به المرض في ليلة الثلاثاء ، وتزايد في يوم الثلاثاء فمات رحمه ~~الله تعالى ، وكان من أجود الناس وأحسنهم لقاء لأصحابه ومعارفه ، وتفقدا ~~لأحوالهم ، وسؤالا عنهم إذا حضروا إليه ، وأكثرهم بذلا بجاهه ، لا يبخل به ~~على أحد ممن يقصده ، سواء كان قديم الصحبة أو حديثها ، لكنه يرعى لمن يقصده ~~حق قصده ، وإذا طالت غيبة أحد أصحابه عنه ثم جاء إليه لا يجد مودته قد ~~تغيرت عليه عما يعهد ، بل يسأله عن حاله ، ويظهر له البشاشة والبشر ، وكان ~~شجاعا حسن الرأي ، رحمه الله تعالى . PageV33P0220 # """""" صفحة رقم 221 """""" وكان هذا الأمير المذكور من جملة مماليك ~~الأمير حسام الدين طرنطاي المنصوري - نائب السلطنة كان - أخبرني عن نفسه ~~أنه كان في صغره في جملة مماليك السلطان حسام الدين كنجيز ، وابن السلطان ~~ركن الدين ms7832 بلج أرسلان السلجوقي صاحب الروم ، فلما عبر السلطان الملك الظاهر ~~إلى الروم ، ودخل قيسارية كما ذكرنا في سابع عشر ذي القعدة سنة خمس وسبعين ~~وستمائة ، وفارقها السلطان غياث الدين كيخسرو والبرواناه إلى توقات أخذ هذا ~~الأمير في ذلك اليوم من جملة ثمانية عشر مملوكا من مماليك السلطان غياث ~~الدين ، وعرضوا على السلطان الملك الظاهر فأمر بإرسالهم إلى الدهليز ~~السلطاني ، قال : فسرقني الذي توجه بي ، وباعني ، ثم اشتراني الأمير حسام ~~الدين طرنطاي بعد ذلك ، ولم يزل في جملة مماليكه إلى أن أعتقه ، ولما قتل ~~الأمير حسام الدين المذكور ، كان الأمير سيف الدين بكتمر هذا عنده أمير ~~آخور ، فانتقل إلى المملكة السلطانية الأشرفية ، وجعله السلطان الملك ~~الأشرف صلاح الدين في جملة أمراء آخورية في الإسطبل السلطاني ، واستمر على ~~ذلك إلى أن ملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري ، فأمره بعشرة طواشية ، ~~ثم أمره بطبلخاناة ، وأقطعه إقطاع الأمير سيف الدين بلبان الأنصاري أمير ~~النقباء ، وقد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا تنقله في المناصب والولايات ، ~~وكان في الدولة الناصرية الثانية أمير آخور ، ثم نقل إلى دمشق وأمر ~~بطبلخاناة بها ، ثم ولي الحجبة بالشام ، ونقل منها إلى أستاذ داريته وشاد ~~الدواوين ، ثم أعيد إلى الشام ، وحضر في ركاب السلطان في سنة تسع وسبعمائة ~~إلى الديار المصرية المحروسة ، ورسم له بتقدم العسكر بغزة في السنة ~~المذكورة ثم نقل منها إلى الأبواب السلطانية ، وولي الوزارة ، وأعطي تقدمة ~~ألف وإمرة مائة في سنة عشر وسبعمائة ، ثم نقل في سنة إحدى عشرة إلى الحجبة ~~إلى الأبواب السلطانية ، إلى أن قبض عليه ، ثم توجه بعد الإفراج عنه إلى ~~نيابة المملكة الصفدية ، وأعيد إلى الأبواب السلطانية في سنة ثمان عشرة ~~وسبعمائة ، PageV33P0221 # """""" صفحة رقم 222 """""" واستقر في جملة الأمراء المائة مقدمي الألوف ~~، ورسم له بالجلوس في مجلس السلطان ، فكان يجلس أخيرا ثاني الميسرة ، وقرب ~~من السلطان قربا كثيرا ، وكان يرجع إليه في أكثر ما يتحدث فيه . ولما تمكن ~~من السلطان بعد عوده من صفد أنهى له ما قدمنا ذكره من أخباره ، وأنه ms7833 كان من ~~مماليك السلطان غياث الدين كيخسرو فأحضر السلطان قضاة القضاة إلى مخيمه وهو ~~يتصيد بالقرب من طنان وذلك في سنة [ . . . . . ] وسبعمائة ، واستفتاهم في ~~ذلك فأفتوه أنه بهذا الاعتبار باق على الرق لسلطان غياث الدين وذريته ، ~~فتحيلوا في ذلك ، وفكروا في طريق يخلصه من الرق ، فأبيع على الغائب ، وأرث ~~السلطان غياث الدين بإذن قاضي القضاة نور الدين الشافعي بمبلغ خمسة آلاف ~~درهم ، اشتراه ولدا الأمير حسام الدين طرنطاي ، وهما الأميران : ناصر الدين ~~محمد وعلاء الدين علي بالثمن المذكور ، وأنعم السلطان بالثمن من ماله ، ~~وأودع للغائب ، وعتقاه ، وجدد نكاحه وأعتق ثانيا جميع من كان أعتقه أولا . ~~ولم يزل رحمه الله في الخدمة السلطانية على غاية الإكرام والقرب من السلطان ~~وملازمته في أسفاره وصيده ، ولو غاب يوما واحدا كان معه إلى أن مات رحمه ~~الله تعالى ، وأوصى بثلث ماله صدقة ، وثبتت وصيته ونفذت ، وخلف تركة جليلة ~~، وأحسن السلطان إلى ورثته بعده ؛ فأنعم على ولده الأمير ناصر الدين محمد ~~بإمرة عشرة طواشية ، وعمره يوم ذاك نحو ثلاثة عشرة سنة ، وأنعم على ولده ~~الأمير عبد الله بإقطاع ، وعمره نحو خمس سنين ، وعرض مماليكه ، فنزل جماعة ~~منهم في جملة المماليك السلطانية ، وفرق السلطان إقطاعه ، فكمل منه للأمير ~~سيف الدين طرغاي الجاشنكير على ما بيده ، فأكمل له مائة فارس ، وقدمه على ~~ألف ، وأعطى جوجر للأمير صلاح الدين يوسف بن الأسعد وجعله شاد الدواوين ، ~~وأعطى الأمير سيف الدين طوسون منه منية زفتى ، عوضا عما ارتجعه من إقطاعه . ~~وفيها في سحر يوم الجمعة السابع من جمادى الأولى توفي الشيخ الإمام العالم ~~العابد الزاهد العلامة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ الإمام ~~العلامة تاج الدين أبي محمد بن عبد الرحمن بن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن ~~سباع بن ضياء الفزاري PageV33P0222 # """""" صفحة رقم 223 """""" البدري الشافعي المعروف والده بالفركاح ، سمي ~~كذلك لعرج كان برجله ، وكانت وفاته بمنزله بمدرسة البادرائية ، وصلى عليه ~~بجامع دمشق عقيب صلاة الجمعة ، وكانت جنازته مشهودة ، وصلي عليه ثانيا عند ~~باب جامع جراح ، ومرة ثالثة عند ms7834 باب التربة ، ودفن بتربتهم بمقبرة الباب ~~الصغير ، ومولده بدمشق في شهر ربيع الأول سنة ستين وستمائة ، ومحله من ~~العلوم والزهد والنزاهة المحل الذي لا يجهل ، وامتنع من قبول قضاء القضاة ~~بدمشق مرارا ، ولم يوافق على قبول الولاية ، وله تصانيف في العلوم ، وسمع ~~من نحو مائة شيخ ، منهم ابن عبد الدائم ، وابن أبي اليسر ، وحدث بصحيح ~~البخاري وغيره . قال الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه عنه : وله اختصاص ~~بمعرفة الفرائض ، وله فيها تصنيف ، وله تعليقة كبيرة على كتاب التنبيه في ~~عدة مجلدات ، وله مصنفات صغار وأشياء مفيدة ، وله مشاركة في معرفة الأصول ~~والنحو ، وله مصنف في المنطق ، وغير ذلك . قال : وطلبت من الشيخ كمال الدين ~~بن الزملكاني أن يكتب لي ترجمته فكتب : هو إمام فاضل ، وفقيه عالم ، كثير ~~الديانة غزير الفضائل ، متقشف متزهد متورع متواضع حسن الصمت ، لطيف الكلام ~~، متصد للنفع ، والإفادة وشغل الطلبة وإفتاء المستفتين ، وإرشاد الطالبين ، ~~تقدم في معرفة مذهب الشافعي ونقله ، وأفتى ودرس في شبيبته ، وعرضت عليه ~~المناصب فأباها ، وترك الخطابة بجامع دمشق بعد أن وليها وامتنع منها ، ~~وروجع في ذلك فلم يقبل ، وتصدر ليلا ونهارا للإقراء والإفتاء ، والجمع ~~والإفادة ، ملازم الخير وحسن الطريقة ، متقللا من الدنيا متحرزا في فتواه ، ~~لا يفتي إلا فيما تحقق نقله ، وإذا أفتى احترز وقيد ألفاظه ، ولو بالقيود ~~العامة ، لئلا يكون عليه مطعن أو مأخذ ، وكان بيده تدريس المدرسة ~~البادرائية ، وليها بعد والده ، واستقر بها ، PageV33P0223 # """""" صفحة رقم 224 """""" واقتصر على شرح واقفها ، وإذا فرغ من تدريسه ~~بها تصدر في الجامع للإقراء والتعليم والفتوى ، وإذا رجع إلى منزله عاوده ~~الشغل والمذاكرة ، ولم يزل هذا دأبه ، انتهى كلام الشيخ كمال الدين فيه ، ~~رحمهما الله تعالى . وفيها في ليلة الاثنين السادس عشر من جمادى الآخرة ~~توفي القاضي معين الدين أبو المواهب هبة الله بن معين الدين مسعود بن عبد ~~الله بن أبي الفضائل أو المفضل حشيش ، صاحب ديوان الجيوش المنصورة بالأبواب ~~السلطانية ، وكانت وفاته بالقاهرة بدار كان يسكنها برأس حارة الجوجرية ، ~~ودفن في يوم الاثنين بالقرافة ms7835 الصغرى بتربة القاضي فخر الدين ناظر الجيوش ، ~~ومولده في أواخر شهور سنة ست وستين وستمائة ، وكان رحمه الله تعالى حسن ~~المودة والمحاضرة والمذاكرة ، وله شعر جيد ونثر ، وكان كاتبا أتقن صناعة ~~كتابة التصرف ، ما رأيت أجود من ذهنه وإتقانه وضبطه ، سألته في سنة ست عشرة ~~وسبعمائة عن بلدة تسمى ( بدويه ) من أعمال الدقهلية والمرتاحية ، لمن أقطعت ~~في الروك الناصري ، فذكر لي أنها كانت قبل الروك لسبعة من رجال الحلقة ~~المنصورة ، وسمى بعضهم ، ثم ذكر من أقطعت باسمه في الروك الناصري من غير أن ~~يكشف حسابه ، فقلت له : أرني الحساب الذي يدل على هذا ، وقصدت بذلك تحقيق ~~نقله ، فأخرج حسابه ، فتأملته ، فما وجدته أخل بشيء منه ، حتى كأنه كان ~~يشاهده ، فعجبت من ذلك ، وحكيته عنه رحمه الله تعالى ، واشتغل بأنساب العرب ~~، ونظر في التاريخ رحمه الله تعالى . وفيها في يوم السبت رابع عشر ذي ~~القعدة - بعد أذان العصر - توفي قاضي القضاة شيخ المشايخ علاء الدين أبو ~~الحسن علي بن الشيخ نور الدين أبي الفداء إسماعيل بن جمال الدين أبي ~~المحاسن يوسف القونوي التبريزي الأصل الشافعي قاضي القضاة بدمشق ، وكانت ~~وفاته ببستان بالسهم ظاهر دمشق ، وصلي عليه بمصلى الجامع المظفري بكرة نهار ~~الأحد ، وأم الناس في الصلاة عليه الخطيب بدر الدين PageV33P0224 # """""" صفحة رقم 225 """""" محمد بن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جلال ~~الدين القزويني ، وحمل إلى تربة اشتراها له الأمير حسام الدين طرنطاي ~~البشمقدار الحاجب بمبلغ أربعمائة درهم بوصية منه أن يدفن في أرض لم يدفن ~~فيها أحد ، فاشترى له دارا كانت لأولاد قمر الدولة ، واحترقت لما دخل غازان ~~الشام ، فحفر له في وسط الدار ، وله يومئذ نحو ستين سنة ، فإن مولده بقونية ~~في سنة ثمان وستين وستمائة تقريبا ، وقد ذكرنا من أخباره وحسن سيرته في ~~ولاية قضاء الشام ما فيه كفاية ، رحمه الله تعالى . وفيها في ليلة السبت ~~سادس ذي الحجة - بعد أذان العشاء الآخرة - توفي الرئيس الصاحب عز الدين أبو ~~يعلى حمزة بن الصدر الرئيس مؤيد الدين أبي المعالي ms7836 أسعد بن الصدر عز الدين ~~أبي غالب المظفر بن الوزير مؤيد الدين أبي المعالي أسعد بن الرئيس العميد ~~أبي يعلى حمزة بن أسد بن علي بن محمد التميمي الدمشقي ، المعروف بابن ~~القلانسي ، مولده في يوم الثلاثاء السادس والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة ~~تسع وأربعين وستمائة ، وكانت وفاته ببساته بسفح جبل قاسيون ، وصلي عليه ~~بمصلى الجامع المظفري ، وأم الناس في الصلاة عليه الشيخ محمد بن تمام ، ثم ~~صلي بعد ذلك عليه وأم الناس قاضي القضاة عز الدين الحنبلي ، ودفن بتربة ~~والده بسفح قاسيون . وكان رحمه الله تعالى رجلا دينا صدرا جليلا معظما ، لا ~~يرتفع عليه أحد في المجلس ، ولي وكالة الخواص السلطانية الملكية الناصرية ~~في سنة سبع وسبعمائة ، ثم ولي وزارة الشام كما تقدم ، وانفصل منها ، واستقر ~~في ولاية الخواص ، ثم انفصل من ذلك كله ، وكان من أغنياء الناس وأكابرهم ، ~~وله عدة مماليك في جملة رجال الحلقة المنصورة الشامية ، وكان رحمه الله ~~تعالى حسن المودة ، قدمت إلى دمشق سنة ثنتي عشرة وسبعمائة عند عودي من ~~طرابلس بعد وزارته ، فجاءني للسلام علي ، وكنت نزلت عند قاضي القضاة نجم ~~الدين صصرى بدار ابن عمه شرف الدين رحمهم الله ، وأظهر الألم من كوني لم ~~أنزل عنده ، وعتب على أصحابي كونهم ما عرفوه قبل قدومي ، ليتلقاني وينزلني ~~عنده . وفيها في يوم الخميس حادي عشر ذي الحجة توفي الصاحب ناصر الدين محمد ~~ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب الوزير تاج الدين محمد ابن الشيخ ~~PageV33P0225 # """""" صفحة رقم 226 """""" فخر الدين محمد بن الصاحب الوزير بهاء الدين ~~علي بن محمد بن سليم المعروف جد أبيه بابن حنا أحد وزراء الدولة الناصرية ~~والده ، ووزير الدولة الظاهرية الركنية جد أبيه ، وكان يلقب بالصاحب ، ولم ~~يل وزارة ولا ما يقاربها ، وإنما يلقب بذلك على عادة أسلافه ، وكانت وفاته ~~بداره ببركة الحبش ، ودفن يوم الجمعة بالقرافة عند قبر والده رحمهما الله ~~تعالى ، وكان مباشر صحابة ديوان الأحباس ، باشر هذه الوظيفة لفاقة نالته ، ~~وحاجية مسته ، والله أعلم . واستهلت سنة ثلاثين وسبعمائة ms7837 بيوم الأربعاء ~~الموافق الثامن والعشرين من بابة من شهور القبط ، والسلطان الملك الناصر ~~يتصيد بجهة سرياقوس ، وكان قد توجه لذلك من قلعة الجبل في يوم السبت السابع ~~والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وعشرين وسبعمائة ، ووصل إلى مخيمه المنصور ~~الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة الشريفة بالشام المحروس ، وكان وصوله ~~في يوم الثلاثاء سلخ ذي الحجة ، ثم وصل السلطان إلى قلعة الجبل في هذا ~~النهار ، وهو مستهل المحرم ، وصحبته الأمير سيف الدين تنكز ، وقد لبس ~~للتشريف على عادة ، وأقام في الخدمة السلطانية يركب على عادة نواب السلطنة ~~إلى بكرة نهار السبت الحادي عشر من الشهر ، فتوجه في خدمة السلطان إلى ~~سرياقوس في بكرة يوم السبت المذكور ، وتوجه منها إلى دمشق ، واستمر السلطان ~~بتلك الجهة إلى نهار الثلاثاء رابع عشر الشهر ، فعاد إلى قلعة الجبل في هذا ~~النهار ، وأقام بها ، ثم توجه أيضا إلى سرياقوس ، وعاد . وأما الأمير سيف ~~الدين تنكز فإنه لما فارق الخدمة السلطانية عائدا إلى الشام توجه إلى القدس ~~الشريف وبلد الخليل - صلوات الله عليه - فزار ، وكان قد أنشأ مدرسة بالقدس ~~الشريف ، فشاهدها ، ثم توجه إلى دمشق ، فكان وصوله في يوم الجمعة رابع ~~عشرين المحرم . ذكر تفويض قضاء القضاة بالشام إلى القاضي علم الدين بن ~~الإخنائي لما اتصل بالسلطان - خلد الله سلطانه - وفاة قاضي القضاة الشيخ ~~علاء الدين القونوي قاضي الشام ، استشار فيمن يفوض إليه القضاء بالشام ، ~~فوقع الاختيار على قاضي القضاة علم الدين محمد بن القاضي زين الدين أبي بكر ~~بن القاضي ضياء الدين PageV33P0226 # """""" صفحة رقم 227 """""" عيسى بن بدر بن رحمه السعدي الإخنائي وكان ~~يلي قضاء الإسكندرية ، كما قدمناه ، فطلب إلى الأبواب السلطانية ، فحضر من ~~الثغر في أوائل ذي الحجة سنة تسع وعشرين وسبعمائة ، ففوض السلطان إليه ~~القضاء بالشام ، وخلع عليه تشريف القضاة ، وأنعم عليه ببغلة ، وذلك في يوم ~~السبت رابع المحرم من هذه السنة ، وتوجه من القاهرة المحروسة على خيل ~~البريد ، في بكرة نهار السبت حادي عشر الشهر ، صحبة نائب السلطنة بالشام ~~الأمير سيف الدين ms7838 تنكز ، ووصل معه لزيارة الخليل صلوات الله عليه والبيت ~~المقدس ، وألقى الدرس بمدرسة نائب السلطنة التي أنشأها بالقدس الشريف ، ثم ~~توجه إلى دمشق ، فوصل إليها في يوم الجمعة رابع عشرين المحرم ، وقرئ تقليده ~~في الشباك الكمالي لجامع دمشق في يوم الجمعة مستهل صفر ، وجلس لإلقاء ~~الدروس بالمدرسة العادلية والغزالية في يوم الأحد ثالث صفر من السنة . ~~وفيها في يوم الاثنين - سادس المحرم - توجه الأمير سيف الدين بكتمر العلائي ~~- أستاذ الدار كان - من الأبواب السلطانية إلى نيابة السلطنة . وتقدمة ~~العسكر بغزة المحروسة عوضا عن الأمير عز الدين أيبك الجمالي ، ونقل الجمالي ~~إلى نيابة ألبيرة بحكم وفاة نائبها الأمير حسام الدين لاجين المنصوري ~~الحسامي ، ولما توجه الأمير سيف الدين بكتمر إلى غزة أنعم السلطان بإقطاعه ~~على الأمير سيف الدين بهادر الناصري ، وهو من مماليك تمرتاش بن جوبان . ذكر ~~وصول الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة إلى الخدمة السلطانية ~~وتوجهه في خدمة السلطان إلى الصيد وعوده إلى حماة كان وصوله إلى الأبواب ~~السلطانية في يوم الاثنين العشرين من المحرم وخلع PageV33P0227 # """""" صفحة رقم 228 """""" عليه وعلى ولده في هذا اليوم قبل طلوعهم إلى ~~الخدمة ، فطلعا إلى الخدمة السلطانية وعليهما التشاريف ، واستمرا في الخدمة ~~السلطانية ، وتوجها في خدمة السلطان إلى الصيد في الوجه القبلي ، وكان ~~استقلال الركاب السلطاني من قلعة الجبل في يوم السبت تاسع صفر ، وأقام ~~بمنزلة الأهرام بالجيزية إلى بكرة نهار الأربعاء ثالث عشر صفر ، وعاد إلى ~~قلعة الجبل . وكان سبب عوده أنه حصل له في يده اليسرى دمل صغير قلق بسببه ، ~~واشتد به الألم ، فاقتضى ذلك عوده في هذا اليوم ، وأقام بقلعة الجبل حتى ~~فتح الدمل وبرئ منه ، ثم توجه في يوم الخميس حادي عشرين الشهر إلى الأهرام ~~، واستقل ركابه إلى الصيد المبارك بالوجه القبلي ، فانتهى إلى ناحية " هو ~~والكوم الأحمر " وعاد إلى مكان وصوله - إلى قلعة الجبل المحروسة - في يوم ~~الجمعة خامس شهر ربيع الآخر وقت الصلاة ، والملك المؤيد وولده في خدمته ، ~~وفي يوم الاثنين ثامن الشهر خلع السلطان عليهما ms7839 على عادة الملوك أصحاب حماة ~~ورسم بعوده إلى مقر ملكه بحماة ، فعاد في هذا اليوم بعد أن شمله الإنعام ~~السلطاني على عادته . ذكر توجه السلطان إلى الصيد وعوده وسبب ما حصل في يده ~~من التصدع ومعالجة ذلك وبرئه لما عاد السلطان من الصيد بالوجه القبلي أقام ~~بقلعة الجبل إلى يوم الخميس خامس عشرين شهر ربيع الآخر ، وتوجه في بكرة ~~النهار إلى الصيد بالوجه البحري ، ثم عاد في عشية نهار الجمعة . وسبب عوده ~~أنه تقنطر عن فرسه في يوم الجمعة المذكور ، فانكسرت يده اليسرى ، فعاد ~~واستقر بقلعة الجبل ، وعولج وكان الأمراء يركبون في أيام المواكب إلى سوق ~~الخيل ، ويطلعون إلى الخدمة على العادة إلى أن ينتهوا إلى دركاة باب القلعة ~~، ثم يؤمروا بالانصراف ، ولا يصل السلطان غير مماليكه الأمراء الخاصكية ، ~~واستمرت الحال على ذلك إلى يوم الاثنين خامس جمادى الآخرة . وفي بكرة ~~النهار جلس السلطان بالقصر الأبلق بقلعة الجبل ، ودخل عليه أمير جاندار ~~والحجاب ، فخلع على أرباب الوظائف ، وهم : الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي ~~أمير جاندار ومن معه ، والأمير سيف الدين ألماس الحاجب ، والأمير ~~PageV33P0228 # """""" صفحة رقم 229 """""" علاء الدين مغلطاي الجمالي أستاذ الدار خلعا ~~كاملة بكلوتات زركش ، وحوايص ذهب ، وخلع على سائر أرباب الوظائف من الأمراء ~~والمماليك السلطانية ، ثم جلس في يوم الخميس ثامن جمادى الآخرة بالقصر ~~الأبلق أيضا جلوسا عاما ، ودخل إلى الخدمة سائر الأمراء الأكابر مقدمي ~~الألوف ، وأمراء الطبلخاناة والعشرات ، ومقدمي الحلقة وغيرهم ، ولما عوفي ~~السلطان استبشر الناس بذلك ، وزينت المدينتان زينة عظيمة في يوم الأحد رابع ~~الشهر ، ولازم الناس الأسواق ليلا ونهارا ، ولم يقتصر في الزينة على قصبة ~~المدينتين بل سائر الأسواق والقياسير وغيرها ، وأنشئت كتب البشائر بعافية ~~السلطان وصحته إلى النواب بسائر الممالك السلطانية ، وتوجه بها الأمير سيف ~~الدين آقبغا عبد الواحد الجمدار أحد الأمراء مقدمي الألوف ، وكان توجهه بعد ~~صلاة الجمعة تاسع الشهر ، ووصل إلى دمشق في يوم الأربعاء رابع عشر الشهر ، ~~وتوجه منها إلى حلب وعاد . وفي يوم الجمعة تاسع الشهر أيضا حضر السلطان إلى ms7840 ~~الجامع بقلعة الجبل ، وصلى الجمعة ، وزفت البشائر بباب الإسطبل السلطاني ، ~~وعلى أبواب الأمراء بقلعة الجبل والقاهرة ، واستمر ذلك إلى الظهر من يوم ~~الأحد حادي عشر جمادى الآخرة ، فرسم بإزالة الزينة والطبلخاناة ، وكانت هذه ~~الأيام المذكورة أياما مشهودة حتى غصت المدينة بالناس لكثرة الازدحام ، حتى ~~عجز الناس في بعض الأوقات عن المرور بقصبة المدينة ، وكانوا يمشون في بطائن ~~الأزقة . ذكر إقامة الخطبة وصلاة الجمعة بالمدرسة الصالحية النجمية ~~بالقاهرة المحروسة وفي يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الأول سنة ثلاثين ~~وسبعمائة حضر الأمير جمال الدين أقش الأشرفي المنصوري المعروف بنائب الكرك ~~، وهو أجل أمراء الدولة وأقربهم من السلطان مجلسا إلى المدرسة الصالحية ~~النجمية التي بالقاهرة بخط بين القصرين ، وجلس بإيوانها القبلي ، ومعه قاضي ~~القضاة جلال الدين القزويني الشافعي في جماعة من أعيان الفقهاء الأكابر ، ~~وأحضر منبرا استجده ، وأمر بنصبه بالإيوان القبلي المذكور من المدرسة ~~المذكورة ، وهو الإيوان الموقوف على طائفة الفقهاء الشافعية ، فنصب ، وأحضر ~~دكة يقرأ عليها المصحف الشريف ، ويؤذن عليه المؤذنون الأذان الثاني ، ~~ويبلغون عن الخطيب ، وأقيمت الخطبة بها وصلاة الجمعة في يوم الجمعة حادي ~~عشرين الشهر ، خطب بها القاضي جمال الدين إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم ~~الغزي . PageV33P0229 # """""" صفحة رقم 230 """""" ورتب الأمير المشار إليه من ماله في كل شهر ~~ما يذكر ، وهو للخطيب المذكور خمسين درهما ، ولستة نفر من المؤذنين أحدهم ~~يقوم أمام الخطيب لكل منهم عشرة دراهم ، ولقارئ المصحف عشرة دراهم ، ~~ولفراشين لفرش الحصر في يوم الجمعة ورفعها بعد الصلاة خمسة وعشرين درهما ، ~~ولمن يحمل المصحف الشريف ثلاثة دراهم وثلث درهم ، ولمن ينحر يوم الجمعة ~~ثلاثة دراهم وثلث درهم ، ولسقاء يسقي الماء ثلاثة دراهم وثلث ، ولخدام ~~القبة الصالحية في كل سنة خمسين درهما ، ولجماعة من التكرور بالمدرسة خمسين ~~درهما في السنة . ذكر إنشاء الخانقاة العلائية بالقاهرة كان الأمير علاء ~~الدين مغلطاي الجمالي الناصري أستاذ الدار العالية قد أنشأ خانقاه قبالة ~~داره برأس درب ملوخيا بالقاهرة المعزية ، وكملت عمارتها في هذه السنة ، ~~وحصل الجلوس فيها في يوم الأربعاء السابع من جمادى ms7841 الآخرة سنة ثلاثين ~~وسبعمائة . ورتب المشيخة بها والتدريس للقاضي علاء الدين علي بن القاضي فخر ~~الدين عثمان المارديني الحنفي المعروف والده بالتركماني ، وشرط أن يجلس في ~~أول النهار لإلقاء درس على مذهب الإمام أبي حنيفة ، ويجلس بعد صلاة العصر ~~هو وجماعة الصوفية ، ورتب له في كل شهر عن المشيخة والتدريس ستين درهما ، ~~وثمن خبز ولحم أربعين درهما ، ورتب بها عشرين من الصوفية ، يحضرون الدرس ~~لكل منهم في كل شهر واحدا وعشرين درهما من ذلك جامكية سبعة دراهم ونصف ، ~~وثمن خبز ستة دراهم ، وثمن طعام سبعة دراهم ونصف درهم ، ورتب الواقف من ~~فائض الوقف أحد عشر طالبا لحضور الدرس خاصة ، وجعل للمنتهي منهم في كل شهر ~~عشرة دراهم ، وللمبتدئ ثلاثة دراهم وما بين العشرة والثلاثة ، ورتب أيضا من ~~فائض الوقف لخادم الفقراء في كل شهر تسعة دراهم ، ورتب من أصل الوقف لإمام ~~بالمكان في كل شهر ثلاثين درهما ، ورتب لعشرة نفر من القراء يقرؤون القرآن ~~العظيم بالمدفن الذي أنشأه لنفسه لكل منهم في كل شهر عشرة دراهم ، شرط في ~~كتاب الوقف أربعة ، وزاد من الفائض ستة ، ورتب لهم أن يقرؤوا في الأوقات ~~التي تذكر : عند طلوع الشمس نفرين ، وبعد صلاة الظهر ثلاثة ، وبعد صلاة ~~المغرب نفرين ، وبعد صلاة PageV33P0230 # """""" صفحة رقم 231 """""" العشاء نفرين ، ولوظيفة الصوفية قارئا ، ورتب ~~لقارئ الميعاد في كل شهر عشرة دراهم ، ومن الفائض درهمين ، ورتب للمؤذنين ~~في كل شهر أربعين درهما ، ولخادم زمام بالمدفن في كل شهر خمسين درهما ~~ولفراش في كل شهر عشرين درهما ومن الفائض عشرين درهما في الشهر ، ورتب لمن ~~يتولى المزولة في كل شهر من الفائض عشرة دراهم ، ورتب للبواب في كل شهر ~~عشرين درهما ، وللقيم عشرين درهما ، وللسواق في كل شهر عشرين درهما ، ورتب ~~زيتا برسم الوقود في كل شهر خمسين رطلا ، ورتب مكتب سبيل فيه عشرون نفرا من ~~الأيتام رتب لكل منهم في كل يوم ثمن درهم يكون في كل شهر ثلاثة دراهم ونصف ~~وربع درهم ، ورتب لهم كسوة في فصل الشتاء ms7842 والصيف ، لجميعهم ستمائة درهم ، ~~وثمن أدوية ومداد في كل شهر درهما ونصف ، ورتب غير ذلك مما يحتاج إليه ~~المكان في كل شهر ثمن مشاق للفتايل ثلاثة دراهم ، وثمن عبي لمسح الرخام ~~ومكانس ثلاثة دراهم ، وغير ذلك من علوفة ثور الساقية وثمن طونس وقواديس ، ~~ورتب في السنة لملو الصهريج من الماء العذب ، وأجرة غسله ، وثمن أضحية مائة ~~درهم ، وثمن حلوى في شهر رمضان خمسين درهما ، وثمن زيت زيادة في شهر رمضان ~~، وثمن قناديل مائة درهم ، ووقف على ذلك من أملاكه ما يقوم به وزيادة ، ~~أثابه الله تعالى . ذكر وصول رسل ريدافرنس إلى الأبواب السلطانية وفي هذه ~~السنة وصل إلى الأبواب السلطانية رسل ريدافرنس فليب - بالفاء وبعدها لام ~~وياء مثناة من تحت وآخره باء - وهو صاحب فرانسة ، وانتهت بهم سفنهم إلى ~~ميناء عكا من الساحل الشامي ، وكان وصولهم إليها في يوم الخميس خامس عشرين ~~ربيع الأول ؛ وعدتهم مائة وعشرون نفرا ، ومثلوا بين يدي السلطان في يوم ~~الخميس خامس عشر جمادى الآخرة ، وكان قد جلس بالإيوان جلوسا عاما ، وذلك ~~بعد صحته مما كان حصل له . وكان مضمون رسالتهم - فيما قيل - طلب بلاد ~~الساحل الشامي والبيت المقدس ، فأنكر السلطان عليهم وعلى مرسلهم ، وأهانهم ~~ورتب لهم في كل يوم مائة PageV33P0231 # """""" صفحة رقم 232 """""" درهم وخمسين درهما ، زيادة على ذلك ، ثم ~~استحضرهم ثانيا في يوم الخميس بدار العدل ، ورسم بعودهم . ذكر الإفراج عن ~~الأمير سيف الدين بهادر وفي يوم الاثنين السادس والعشرين من جمادى الآخرة ~~سنة ثلاثين وسبعمائة أمر السلطان بالإفراج عن الأمير سيف الدين بهادر ~~المعزي ، وهو من المماليك المنصورية الحسامية ، وكان قد اعتقل - كما ذكرنا ~~- في يوم السبت العاشر من شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة وسبعمائة ، فكانت ~~مدة اعتقاله خمس عشرة سنة وثلاثة أشهر وستة عشر يوما ، وأنعم عليه بإقطاع ~~الأمير سيف الدين سنجر الجمقدار أحد أمراء المائة ومقدمي الألوف ، إلا أنه ~~اختصر من إقطاعه صنبو من الأعالي أضيفت إلى الخاص السلطاني ، " وبجام " من ~~القليوبية أعطيت للأمير سيف الدين بهادر الناصري التمرتاشي زيادة ms7843 على ما ~~بيده ، وتوجه الأمير علم الدين سنجر الجمقدار إلى دمشق على إقطاع الأمير ~~سيف الدين بهادر آص المنصوري على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى . ذكر وصول ~~رسل الملك أبي سعيد وفي هذه السنة في يوم الخميس العشرين من شهر رجب وصل ~~إلى الأبواب السلطانية رسل الملك أبي سعيد بن خربندا ، والمشار إليه منهم ~~الأمير حمزة ، فمثلوا بين يدي السلطان في يوم السبت الثاني والعشرين من ~~الشهر ، وأجراهم السلطان على عوائدهم في الإنعام والتشاريف . وبلغنا أن ~~مضمون رسالتهم السلام على السلطان ، وتهنئته بالعافية والسلامة ، وغير ذلك ~~من الكلام المحبب للخواطر المستميل للقلوب ، وعاد إلى مرسلهم في يوم الخميس ~~السابع والعشرين من الشهر المذكور ، وتوجه لوداعهم الأمير سيف الدين أيتمش ~~المحمدي ، فوصلهم إلى قطيا ، وعاد . ووصل قبل توجههم إلى الأبواب السلطانية ~~رسل نائب الملك أبي سعيد الشيخ حسن الجلايري ، فأخروا عن المثول بين يدي ~~السلطان إلى يوم الخميس السابع والعشرين من الشهر بعد رحيل الأمير حمزة ، ~~ومثلوا بين يدي السلطان يوم الخميس PageV33P0232 # """""" صفحة رقم 233 """""" السابع والعشرين من الشهر في اليوم المذكور ، ~~وأدوا الرسالة ، وخلع عليهم دون عادة رسل الملك ، وأعيدوا إلى مرسلهم . ~~وفيها في شهر رجب احترقت كنيسة النصارى الملكيين التي بمصر حريقا عظيما ، ~~وصار بعض عواميدها الرخام جيرا لشدة الحريق ، وكان بجوار الكنيسة مسجدان لم ~~ينلهما من النار شيء ، ثم رسم بإعادة الكنيسة المذكورة ، فأعيدت . وفيها في ~~يوم الأربعاء ثالث شعبان فوض السلطان قضاء ثغر الإسكندرية للقاضي علم الدين ~~صالح بن القاضي المرحوم نجم الدين عبد القوي الإسنائي ، وكان قبل ذلك يلي ~~قضاء الأعمال الغربية نيابة عن قاضي القضاة جلال الدين القزويني ، فلما شغر ~~ثغر الإسكندرية عن القضاء عند انتقال قاضيه علم الدين بن الإخنائي إلى دمشق ~~- كما تقدم - عين السلطان لقضاء الثغر القاضي العالم شمس الدين محمد بن ~~عدلان الشافعي ، فامتنع من قبول الولاية ، واستعفى ، واعتذر بضعف ، فأجيب ~~إلى الإعفاء ، وعين جماعة وعرضوا على السلطان فلم يول أحدا منهم ، وعين ~~القاضي علم الدين المذكور ، فطلب من ms7844 مدينة المحلة - وهي كرسي الغربية - في ~~يوم الخميس السابع والعشرين من رجب ، فحضر إلى الأبواب السلطانية في يوم ~~الأحد سلخ الشهر ، ومثل بين يدي السلطان في يوم الأربعاء المذكور ، وشافهه ~~بالولاية ، وشمله الإنعام بالتشريف الصوف والطرحة - على عادة القضاة - في ~~يوم الاثنين ثامن الشهر ، ومثل بين يدي السلطان ثانيا في يوم الثلاثاء ، ~~وتوجه إلى الثغر ، ووصل إليه في يوم الثاني والعشرين من شعبان ، ولم تطل ~~مدة إقامته بالثغر ، فإنه عزل عن القضاء في يوم الاثنين ثاني عشر شوال منها ~~. وفيها في يوم الجمعة حادي عشري رمضان أقيمت الخطبة بالجامع الذي أنشأه ~~الأمير سيف الدين قوصون الناصري خارج بابي زويلة بالشارع الأعظم بجوار ~~حمامي قاتل السبع بخط حوض ابن هنس وولي خطابته القاضي فخر الدين محمد بن ~~يحيى بن PageV33P0233 # """""" صفحة رقم 234 """""" مسمار المعروف بابن شكر ، ولم يخطب به في هذه ~~السنة ، بل خطب قاضي القضاة جلال الدين القزويني الشافعي ، ثم استمر خطيبه ~~المذكور في الخطابة . وفيها في يوم الاثنين تاسع عشر شوال وصل إلى الأبواب ~~السلطانية ، رسل متملك اليمن ، وهو الملك المجاهد سيف الإسلام علي بن الملك ~~المؤيد هزير الدين داود بالهدايا والتحف ، ومن جملتها فيلان ، فقبلت هدية ~~مرسلهم ، وحصل الإنكار الشديد عليه وعليهم ، فإنه اتصل بالسلطان أن ملك ~~مدينة دهلي وبلاد الهند أرسل إلى السلطان هدية عظيمة لم يرسل مثلها لملك ~~قبله ، وأنها لما وصلت إلى ثغر عدن قتل الرسول باتفاق من الملك المجاهد ~~ووزيره ، واستولى الملك المجاهد على الهدية بكمالها ، وأن الذي أهداه الملك ~~المجاهد إنما هو شيء يسير من جملتها ، فغضب السلطان لذلك ، وأمر باعتقال ~~رسله وخاله ، وهو ابن النقاش ، واعتقلوا مدة ، ثم أفرج عنهم بعد ذلك ، ~~والله تعالى أعلم بالصواب . ذكر خبر يوسف الكيماوي ومقتله وفي هذه السنة في ~~يوم الخميس سابع عشر شهر رمضان وصل إلى الأبواب السلطانية إنسان اسمه يوسف ~~الكركي ، ويعرف جوك من جهة نائب السلطنة الشريفة بالشام ، وهو من مسالمة ~~نصارى الكرك ، كان يدعي أنه وصل إلى علم الكيمياء ، واشتهر أمره بالشام ms7845 ، ~~واتصل ببعض الأمراء ، وهو بهادر التقوى الجمقدار بدمشق ، وتحيل عليه ، وأخذ ~~منه جملة من المال ، وتنقل في مدن الشام وقراها ، وتحيل على أهلها ، وأفسد ~~عليهم أموالهم ، واعتقل بقلعة صفد مدة ، ثم أفرج عنه ، وعاد إلى دمشق ، ~~وسلك طريقه ، فانتهى أمره إلى نائب السلطنة الأمير سيف الدين تنكز ، فأحضره ~~، واتضح له حاله ، فهم بقتله وإعدامه ، فقال له : أرسلني إلى السلطان فإنني ~~إذا وصلت إليه ملأت له قلعة الجبل ذهبا وفضة ، فجهزه إلى الأبواب السلطانية ~~، فوصل في التاريخ المذكور ، ومثل بين يدي السلطان ، وادعى أنه يعرف صناعة ~~الكيمياء ، فسلمه إلى الأمير سيف الدين بكتمر الساقي ، فتحيل ، وداك شيئا ~~من الفضة الحجر ، وألقى عليه الزئبق فصعد الزئبق واستقر ما كان داكه فلم ~~يشك السلطان في صدقه ، وخلع عليه خلعة سنية ، وطلب من السلطان فضة مصفاة ~~مشحرة ، وذهبا PageV33P0234 # """""" صفحة رقم 235 """""" أفلوريا ، وزئبقا ، فطلب الزئبق من القاهرة ~~ومصر والإسكندرية ، واستنفد جميع ما عند الناس من الزئبق ، وأخذ جملة من ~~الذهب ، وأحضر إلى السلطان ألف دينار ، وادعى أنها من صنعته ، فأنعم عليه ~~بها ، وخلع عليه خلعة سنية ، وأنعم عليه بفرس بسرج ولجام وكنبوش حرير ، ~~وبقي يعد ويمني ، ثم رجع إلى الكرك على خيل البريد لإحضار حشائش ، فتوجه ~~وصحبه من يحفظه ، وعاد وقد ظهر للسلطان كذبه ، فضيق عليه فتحيل وهرب في شهر ~~رمضان سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة ، فخرج السلطان لذلك ، وشدد على الولاة في ~~طلبه ، فنودي عليه في المدينتين ، وكتب إلى الوجهين - القبلي والبحري - ~~بطلبه حيث كان ، وكتب إلى الشام بطلبه ، وإلى سائر الجهات ، فقبض عليه في ~~ذي الحجة من السنة بمدينة أخميم من الصعيد ، وجهز إلى الأبواب السلطانية ، ~~فوصل في يوم السبت الرابع والعشرين من ذي الحجة والسلطان بالميدان ، فسأله ~~عن المال الذي أخذه ، فقال : المال راح ، فرسم بضربه ، فضرب ضربا شديدا ، ~~وحمل في قفص إلى خزانة شمائل ، فاعتقل بها ومات في ليلة الأحد خامس عشري ذي ~~الحجة ، فرسم السلطان بتسميره ، فسمر في عشية نهار الأحد المذكور بعد أن ~~مات وورم ، وبات ليلة الاثنين على ms7846 خشب التسمير ، وحمل في يوم الاثنين على ~~جمل شق به المدينة إلى باب النصر ودفن . هذا ما كان من أمره . وفي هذه ~~السنة في ذي القعدة أمر السلطان بإخراج المجذومين والبرصى من القاهرة ومصر ~~إلى بلدة من أعمال الفيوم ، فجمعوا ، واعتقلوا حتى كملوا ، وأخرجوا في ليلة ~~السبت سادس عشر الشهر ، فوصلوا إلى تلك القرية ، وهي خراب لا ساكن بها ، ~~فتفرقوا في البلاد ، ثم عاد بعضهم إلى القاهرة ومصر ، وسكن أمرهم ، والله ~~تعالى أعلم . ذكر الفتنة بمكة شرفها الله تعالى وفي هذه السنة في يوم ~~الجمعة رابع عشر ذي الحجة وقعت الفتنة بمكة - شرفها الله تعالى - وسبب ذلك ~~: أن الحاج لما قضوا مناسك الحج توجه بعضهم عائدا إلى الديار المصرية ، ~~منهم الأمير علم الدين سنجر الجاولي ، ومن صحبه في يوم الأربعاء ثاني عشر ~~الشهر ، وتأخر أمير الركب ، وهو الأمير سيف الدين خاص ترك الجمدار الناصري ~~، والأمير سيف الدين الدمر أمير جاندار ، والأمير شهاب الدين أحمد ، ومن ~~معهم من بقية الحاج ، لصلاة الجمعة بمكة ، فلما كان الخطيب على المنبر تعبث ~~PageV33P0235 # """""" صفحة رقم 236 """""" بعض عبيد الأشراف ببعض حاج العراق ، الذين ~~حضروا في الركب العراقي ، وتخطفوا شيئا من أموالهم ، والشريف عطيفة بن أبي ~~نمي أمير مكة جالس إلى جانب أمير الركب ، فاستصرخ الناس ، واستغاثوا ~~بالأمير سيف الدين الدمر أمير جاندار ، فنهض وتقدم لمنعهم ، وتقدمه ولده ~~خليل وضرب بعض العبيد ، فطعن بحربة ، فمات ، فاحتد والده ، وبادر لطلب ثأره ~~، فقتل أيضا بحربة ، وقتل معه أحد أولاد الأمير ركن الدين بيبرس التاجي - ~~متولي القاهرة كان - فوثب الأمير عطيفة ، وجرد سيفه ، وتوجه نحو العبيد ~~ليردهم ، فلم يصنع شيئا ، وظهر من ذلك أن إثارة هذه الفتنة كان برأيه وأمره ~~، وذكر أن الذي قتل الدمر هو مبارك بن عطيفة ، وثارت الفتنة ، فعجل الخطيب ~~الصلاة ، وخرج الناس من المسجد الحرام إلى رحالهم وخيامهم ، واستحل الحرم ~~في هذا اليوم ، وتلطف أمير الركب في الخروج بالناس إلى خيامهم ، ووقف في ~~وجوه القوم من الأشراف والعبيد ، فمنعهم من التعرص إلى الحاج ، ومن غريب ms7847 ما ~~وقع في هذه القضية أنه شاع بالقاهرة المعزية الخبر بقتل الدمر في يوم مقتله ~~وهو يوم الجمعة المذكور ، وسمعت أنا بعض الناس يتحدث بذلك بعد صلاة العصر ~~من يوم الجمعة المذكور ورددت القول على ناقله . وكان الركب العراقي قد حضر ~~في هذه السنة إلى مكة شرفها الله تعالى وأحضر متوليه المندوب من جهة الملك ~~أبي سعيد بن خربندا معه فيلا صغيرا ، وشهد به الموقف بعرفة ، فتطاير الناس ~~، وتشاءموا بمقدمه ، وقال بعضهم : " هذا عام الفيل " فوقع ما وقع ، فلما ~~رجعوا به ، وقربوا من المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، ~~وانتهوا إلى الفرش الصغير قبل البيداء الذي ينزل منها إلى ذي الحليفة ، وقف ~~الفيل وتقهقر ، وكلما أرادوه على التقدم تأخر ، فضربه الموكلون به ، وبقي ~~يرجع إلى ورائه القهقرى ، فلم يزل على ذلك إلى أن سقط على الأرض ميتا ، ~~وذلك في يوم الأحد ثالث عشر ذي الحجة ، ويقال : أنه صرف على كلفة هذا الفيل ~~منذ جهز من العراق إلى أن مات زيادة على ثلاثين ألف درهم ، وما علم مقصد ~~الملك أبي سعيد في إرساله إلى مكة شرفها الله تعالى . ذكر متجددات كانت ~~بدمشق المحروسة في سنة ثلاثين وسبعمائة مما نقلته من تاريخي البرزالي ، ~~والجزري في هذه السنة في مستهل شهر ربيع الأول حضر نائب السلطنة بالشام ~~الأمير سيف الدين تنكز إلى الجامع الأموي بدمشق وصحبته قاضي القضاة علم ~~الدين PageV33P0236 # """""" صفحة رقم 237 """""" الشافعي ، وشاهد الجامع ، فاقتضت الآراء أن ~~ينقض الرخام القائم بالجدار القبلي من الجهة الشرقية ومحراب الصحابة ، وأن ~~يجدد بشبه الجهة الغربية ، فحصل الشروع في ذلك ، وكمل في أواخر ذي الحجة من ~~السنة ، وصرف على العمارة من فائض وقف الجامع ، فإنه كان قد تحصل به بعد ~~كلفه ونفقاته - فيما قيل - نحو خمسة وسبعين ألف درهم . وفيها - في مستهل ~~ربيع الآخر - حصل بدمشق اضطراب بسبب الذهب ، وأن عياره قد تغير ونقص ، ~~فأحضر محمد بن اليحشور ضامن دار الضرب بدمشق ، والصيرفي ، وعلق الذهب ، ~~فنقصت المائة دينار خمسة عشر دينارا ، ووجدت عدة سكك ms7848 متقدمة التواريخ ~~وأسماء الملوك ، ونسب ذلك إلى أن القاضي شمس الدين عبد الله غبريال ناظر ~~الشام أمر بذلك ، وصرف منه جملة كبيرة خارج دار الضرب ، وخرج ما صرف من ~~الذهب وسافر به التجار والعربان والتركمان الذي يجلبون الأغنام من بلاد ~~الشرق وغيرها إلى سائر الأمصار ، فاضطرب الحال في ذلك اضطرابا شديدا ، وبقي ~~ما يوجد من هذا الذهب يصرف في القاهرة من ثمانية عشر درهما الدينار إلى أحد ~~وعشرين درهما ، وصرف الدرهم الجيد بخمسة وعشرين درهما . وفيها في يوم ~~الخميس رابع شهر ربيع الآخر ، أصبح الناس بدمشق فوجدوا الأنهار قد امتلأت ~~ماء متغير اللون من غير سبب ظاهر لهذه الزيادة ، فسقيت البساتين والزراعات ~~، واستمر ذلك إلى يوم الأحد سابع الشهر ، ونقص قليلا ، وكان المطر في هذه ~~السنة قد تأخر بدمشق ، فأمطرت في ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر مطرا ~~خفيفا ، وفي ليلة السبت ، ثم حصل الغيث الكثير في ليلة الأحد سابع الشهر ، ~~وذلك في آخر كانون الثاني ، وفيها - في جمادى الآخرة - كملت عمارة مصلى ~~العيدين بظاهر دمشق ، وتجديد سقوفه وبياضه وإصلاح أبوابه ، وكان قد تداعى ، ~~فرسم السلطان بعمارته ، فجدد ، وصلى خطيبه في صدره ، وخطب في يوم الجمعة ~~سادس عشر جمادى الآخرة ، وكان في مدة العمارة يخطب ويصلي الجمعة بظاهره ، ~~وجعلت أبوابه أحد عشر بابا جدد الآن منها سبعة ، وكانت أبوابه مرتفعة بثلاث ~~درجات بنيت كذلك خوفا من عبور الدواب إليه فألصقت الآن بالأرض ، وفيها في ~~العشر الأوسط من شهر رجب ذكر الدرس بمحراب الحنفية بجامع دمشق ، ودرس به ~~الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الحق الحنفي ، ورتب معه عشرة فقهاء ، والذي ~~رتبه القاضي فخر الدين محمد ناظر الجيوش ، وكان قد رتب قبله درسا للمالكية ~~في محراب الصحابة الذي استقر محراب المالكية ، وفوض تدريسه لقاضي القضاة ~~شرف الدين المالكي ، ورتب فيه جماعة من الفقهاء المالكية . PageV33P0237 # """""" صفحة رقم 238 """""" وفيها - في يوم الخميس ثامن عشر شعبان - رسم ~~نائب السلطنة بالشام الأمير سيف الدين تنكز بإخراب الحوانيت والبيوت التي ~~بظاهر دمشق المجاورة لباب النصر ms7849 من حد الجسر إلى المسجد الذي في وسط الطريق ~~، فهدمت ، وأخرجت أخشابها وصارت الأبنية كوما ، ثم أحضرت الأنفار والجراريف ~~ومهدت أتربتها حتى تساوت بالأرض ، ومر نائب السلطنة المذكور أيضا في هذا ~~اليوم بالحويرة بالقواسين ، فوصل رأسه إلى السقف ، فرسم بإخراب السقف ورفعه ~~، فقيل له : إن الأرض قد علت ، فرسم أن تحرث الأرض ، وينقل التراب منها ، ~~ففعل ذلك . وفيها - في يوم السبت رابع شوال - رسم نائب السلطنة بتوسعة ~~الطريق بسوق الخواصين ، وندب لذلك شاد الدواوين ، ومتولي دمشق ، وناظر ~~الحسبة ، فهدمت مساطب الحوانيت بالجانبين ، وجعلت كل مسطبة منها قدر ذراع ~~واحد ونصف بالقاسمي ، فاتسع الطريق لذلك . ورسم أيضا في يوم السبت سابع عشر ~~شوال بإخراب الجانب القبلي من سويقة دار بطيح ، لأجل توسعة سوق الخيل ، ~~فأخرب ذلك وهو نحو عشرين حانوتا ، ومهد ترابه بالأرض . وفيها - في يوم ~~الأربعاء تاسع عشرين شوال - حكم قاضي القضاة شرف الدين المالكي بإراقة دم ~~نصراني كان أسلم ثم ارتد ، فضربت عنقه بسوق الخيل بدمشق ، ثم حرقه العوام ~~بالنار حتى صار رمادا ، وذري رماده بنهر بردى . وفي هذه السنة توفي القاضي ~~علاء الدين علي بن القاضي تاج الدين أبي الطاهر أحمد بن سعيد بن محمد بن ~~الأثير الحلبي - صاحب ديوان الإنشاء السعيد كان - وكانت وفاته في بكرة نهار ~~الأربعاء خامس عشر المحرم بداره بالقاهرة بجوار الجامع الأزهر ، ودفن في ~~يوم الخميس سادس عشر الشهر ، وكان قد مرض وحصل له فالج ، واشتد به الأمر ، ~~وتزايد به المرض إلى أن عجز عن الحركة والنطق وتحريك شيء من أعضائه ، وعطل ~~عن المباشرة - كما تقدم - فلزم داره في يوم الخميس رابع عشر المحرم سنة تسع ~~وعشرين ، فكانت مدة انقطاعه سنة كاملة ، وولى صحابة ديوان الإنشاء في ذي ~~الحجة سنة إحدى عشرة وسبعمائة ، فكانت مدة ولايته ثماني عشرة سنة وأياما ، ~~رحمه الله تعالى . PageV33P0238 # """""" صفحة رقم 239 """""" وتوفي ليلة الأحد الثاني عشر من المحرم الشيخ ~~العالم الفاضل الوزير أبو القاسم محمد بن أبي عبد الله محمد بن أبي الحسن ~~سهل بن أحمد بن سهل ms7850 الأزدي الغرناطي الأندلسي بالقاهرة عند مقدمه من الحج ، ~~ودفن بمقبرة باب النصر ، ومولده يوم عرفة سنة اثنتين وستين وستمائة ، وهو ~~من بيت كبير مشهور بالرياسة والملك ، وله اشتغال بالعلم ، ورغبة في طلبه . ~~رحمه الله تعالى . وتوفي الشيخ فخر الدين عثمان بن الشيخ جمال الدين أبي ~~العباس أحمد بن محمد بن عبد الله الظاهري جده ، وهي نسبة إلى الملك الظاهر ~~غازي بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب حلب كان ، فإنه عتيقه ، ~~وكانت وفاته في ليلة الخميس سادس شهر رجب ، ودفن من نهاره عند قبر والده ~~بتربة الأمير سيف الدين بكتمر الساقي العزيزي ، ومولده في تاسع عشرين ~~المحرم سنة سبعين وستمائة رحمه الله تعالى . وتوفي الصدر الفاضل ناصر الدين ~~شافع بن نور الدين علي بن الفقيه عماد الدين أبي الفضل عباس بن إسماعيل بن ~~عساكر بن شافع بن رافع بن عبد الله بن فارس الكناني العسقلاني سبط الشيخ ~~رشيد الدين عبد الظاهر ، وكانت وفاته في ليلة الأربعاء رابع عشرين شعبان ~~المكرم سنة ثلاثين وسبعمائة ، ومولده في ليلة الجمعة الخامس والعشرين من ذي ~~الحجة سنة تسع وأربعين وستمائة ، وكان قد أضر عقيب وقعة حمص ، أصابه سهم في ~~رأسه من التتار فانصب من دماغه إلى عينيه ما أعماه . رحمه الله تعالى . ~~وتوفي الصدر نور الدين علي بن شرف الدين يوسف بن مظفر الدين مجاهد مشارف ~~الحكالين بالأبواب السلطانية ، وكانت وفاته في ليلة الخميس ثامن شوال ، ~~ودفن يوم الخميس ثامن شوال بتربته بالقرافة ، ومولده في سنة ثلاث وأربعين ~~وستمائة رحمه الله تعالى . وتوفي الصاحب سعد الدين محمد بن محمد بن عبد ~~العزيز بن عطايا في يوم السبت بعد صلاة العصر السابع والعشرين من شهر رمضان ~~، ودفن بالقرافة في يوم الأحد ، وكان إذ ذاك يتولى نظر الأحباس ، رحمه الله ~~تعالى . PageV33P0239 # """""" صفحة رقم 240 """""" وتوفي بدمشق الأمير الكبير سيف الدين بهادر ~~آص المنصوري في تاسع عشر صفر ، وكان من الأمراء الأكابر مقدمي الألوف ~~بالشام ، وهو أكبر أمراء الشام تأمر في الدولة المنصورية السيفية ، وصلي ms7851 ~~عليه بجامع دمشق ثم صلي عليه مرة ثانية بظاهر البلد ، ودفن بتربته التي ~~أنشأها ظاهر باب الجابية رحمه الله تعالى ، ولما مات أنعم السلطان بإقطاعه ~~على الأمير علم الدين سنجر الجمقدار المنصوري ، وهو من أكابر أمراء الدولة ~~مقدمي الألوف ممن يجلس في مجلس السلطان ، وتوجه إلى دمشق في يوم السبت ~~السابع والعشرين من شعبان . وتوفي بدمشق أيضا الأمير سيف الدين بلبان ~~المعروف بالكركند ، من مقدمي الألوف بالشام ، وأنعم بإقطاعه وتقدمته على ~~الأمير سيف الدين طيبغا حاجي ووصل إلى دمشق في يوم السبت سابع عشرين شعبان ~~. وتوفي شيخنا المعمر المحدث شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي طالب بن ~~أبي النعم بن نعمة الصالحي الحجار المعروف بابن الشحنة قبيل العصر من يوم ~~الاثنين خامس عشرين صفر سنة ثلاثين وسبعمائة بقاسيون ، وصلي عليه يوم ~~الثلاثاء بالجامع المظفري عقيب صلاة الظهر ، ودفن بتربته بقاسيون ، وكان قد ~~تفرد برواية صحيح البخاري ، فإنه سمع على ابن الزبيدي في سنة ثلاثين ~~وستمائة ، وكان يقول : كنت أنصرف من السماع على ابن الزبيدي ، وأسبح في نهر ~~لورا مع الصبيان ، وذكر أن مولده في سنة ثلاث وعشرين وستمائة ، وأخبر عن ~~نفسه أنه يذكر وفاة الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل ، وكانت وفاة ~~المعظم في سلخ ذي القعدة أو مستهل ذي الحجة سنة تسع وعشرين وستمائة ، وحدث ~~هذا الشيخ أيضا بغير البخاري سمعت عليه صحيح البخاري ، في سنة خمس عشرة ~~وسبعمائة ، ومتع بحواسه إلى حين وفاته ، وكان قوي التركيب ، وتزوج قبيل ~~وفاته ببكر ، وافترعها . رحمه الله تعالى . وتوفي بحلب قاضي القضاة فخر ~~الدين عثمان ابن القاضي كمال الدين محمد بن قاضي القضاة نجم الدين عبد ~~الرحيم ابن قاضي القضاة شمس الدين إبراهيم بن هبة الله بن المسلم هبة الله ~~بن البارزي الجهني الشافعي فجأة ، وكان يعلم على كتاب ، فسقط القلم من يده ~~، واستند إلى الحائط فمات وقت العصر من يوم الأربعاء العشرين من صفر ، وصلي ~~عليه بكرة الخميس ، ودفن داخل المقام وكان رحمه PageV33P0240 # """""" صفحة رقم 241 """""" الله تعالى حسن السيرة ms7852 في ولايته ، ومولده في ~~ذي الحجة سنة ثمان وستين وستمائة بحماة ، رحمه الله ، وفوض قضاء حلب بعده ~~للقاضي شمس الدين بن النقيب قاضي طرابلس نقل منها إلى حلب ، وولي قضاء ~~المملكة الطرابلسية القاضي شمس الدين محمد بن عيسى بن محمود البعلبكي ~~المعروف بابن المجد وذلك في شهر ربيع الآخر من السنة ولم يطل مقامه بطرابلس ~~فإنه مات في يوم الأحد سادس رمضان . رحمه الله تعالى . وتوفي في ليلة ~~الأربعاء سابع شوال الصدر جلال الدين محمد بن وجيه الدين سليمان بن همام بن ~~مرتضى المعروف بابن البياع أحد كتاب الدرج بدمشق ودفن من الغد بسفح قاسيون ~~، ومولده في سنة خمس وخمسين وستمائة رحمه الله تعالى . وتوفي في ليلة ~~الجمعة ثامن ذي القعدة بدمشق الأمير علاء الدين قلبرص ابن الأمير الكبير ~~علاء الدين طيبرس الوزيري أحد الأمراء مقدمي الألوف بالشام ، وكانت وفاته ~~ببستان قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى ، وصلي عليه عقيب صلاة الجمعة ~~بالجامع المظفري ، وخلف ولدا ذكرا اسمه ناصر الدين محمد عمره نحو عشرين سنة ~~، وابنتين : خديجة وعائشة ، وأوصى لألزامه وعتقائه بجملة كبيرة من الذهب ~~تقارب عشرة آلاف دينار ، وكان رحمه الله تعالى رجلا جيدا خيرا عفيفا حسن ~~المعاملة . . كثير الصدقة رحمه الله تعالى . وتوفي بدمشق أيضا في ليلة ~~الخميس رابع عشر ذي القعدة الفقيه الفاضل بدر الدين محمد بن فخر الدين ~~عثمان بن أبي الوفا بن نعم الله بن أبي الوفا العزازي أحد كتاب الدرج بدمشق ~~، وصلي عليه ظهر يوم الخميس بالجامع الأموي ، ودفن بتربة والده بمقبرة ~~الباب الصغير ، ومولده في سنة ست وسبعين وستمائة . وكان رحمه الله تعالى ~~حسن الصورة والهيئة والكتابة ، كتب في ديوان المكاتبات مدة بدمشق زيادة على ~~عشرين سنة ، وكان حسن الصحبة ، كثير المودة وله نظم ونثر ، رحمه الله تعالى ~~وإيانا . PageV33P0241 # """""" صفحة رقم 242 """""" وتوفي أيضا بدمشق بعد العصر - من يوم الخميس ~~العشري من ذي الحجة - صاحبنا الصدر محيي الدين محمود بن محمد بن محمد ~~التميمي شرف الدين محمد بن محمد بن نصر الله بن ms7853 المظفر بن سعيد بن حمزة ~~التميمي المعروف بابن القلانسي ببستانه بقرى ، وصلي عليه عقيب صلاة الجمعة ~~بالجامع المظفري ، ودفن عند والده بتربة قاضي القضاة نجم الدين بسفح قاسيون ~~، وكانت جنازته مشهودة ، وكان رحمه الله تعالى رجلا حسنا جيدا عاقلا ~~متواضعا ، ومولده في سنة سبع وسبعين وستمائة . وتوفي قدودار متولي القاهرة ~~المحروسة في يوم الأربعاء سادس عشر صفر ، وأنعم بإمرته على الأمير ماجار ~~القبجاقي ، وأصل قدادار هذا من مماليك الأمير برلغي الأشرفي ، وترقى إلى أن ~~ولي كشف الغربية ، وولاية البحيرة من أعمال الديار المصرية ، ثم ولاية ~~القاهرة ، وتمكن منها تمكنا زائدا ، وكان جريئا على الدنيا ، ثم صرف عن ~~ولاية القاهرة بناصر الدين محمد بن المحسني ، وأقام في داره إلى أن خرج ~~للحج ، ثم عاد وهو مريض ، فلزم الفراش إلى أن مات في التاريخ المذكور . ~~وتوفي الأمير بلبان الديسني في الخامس عشر من ربيع الأول ، وانتقلت إمرته ~~إلى برلغي الناصري . وتوفي من أمراء العشرات القفجاقي الذي كان قد راح ~~رسولا لبلاد أوادر في تاريخه . وتوفي الأمير سيف الدين نائب السلطنة ، ~~وانتقلت إمرته إلى بكمان . وتوفيت زوجة أمير مسعود الحاجب خامس شوال ، ~~وتوفيت بنت بيكتا الساقي في سادس صفر . وتوفي محمد بن محمد الرومي شيخ ~~خانقاة بكتمر الساقي بالقرافة يوم الأحد ثالث وعشرين ذي الحجة ، وتولى ~~مكانه الشيخ شمس الدين زاده الدوقاتي ، رحمه الله تعالى وإيانا . وتوفي ~~بمكة - شرفها الله تعالى - أواخر جمادى الآخرة - الشيخ الإمام الفاضل ~~القاضي نجم الدين أبو حامد محمد بن القاضي جمال الدين محمد بن الشيخ الإمام ~~PageV33P0242 # """""" صفحة رقم 243 """""" المحدث محب الدين أحمد بن عبد الله بن محمد ~~بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم الطبري المكي ، قاضي مكة شرفها الله تعالى ، ~~ودفن بمقبرة المعلى ، ومولده بمكة في سنة ثمان وخمسين وستمائة ، رحمه الله ~~وإيانا ، وولي قضاء مكة - شرفها الله تعالى - بعده ولده شهاب الدين أحمد . ~~تم الكتاب . PageV33P0243 ms7854